موسوعة من حیاة المستبصرین المجلد 5

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلد الخامس

تأليف مركز الأبحاث العقائدية

مركز الأبحاث العقائدية :

•

إيران - قم المقدسة - صفائية - ممتاز - رقم 34

•

العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم )

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

•

الموقع على الانترنت : com . aqaed . www

•

البريد الألكتروني : com . aqaed [ info

شابك ( ردمك ) : 8 - 47 - 5213 - 600 - 978

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلد الخامس

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة الأُولى - 2000 نسخة

سنة الطبع : 1429

المطبعة : ستارة

اشارة

مركز الأبحاث العقائدية :

• إيران - قم المقدسة - صفائية - ممتاز - رقم 34

ص . ب : 3331 / 37185

الهاتف : 7742088 (251) (0098)

الفاكس : 7742056 (251) (0098)

• العراق - النجف الأشرف - شارع الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم )

جنب مكتب آية الله العظمى السيد السيستاني دام ظله

ص . ب : 729

الهاتف : 332679 (33) (00964)

•

الموقع على الانترنت : com . aqaed . www

•

البريد الألكتروني : com . aqaed [ info

شابك ( ردمك ) : 8 - 47 - 5213 - 600 - 978

موسوعة من حياة المستبصرين

المجلد الخامس

تأليف : مركز الأبحاث العقائدية

الطبعة الأُولى - 2000 نسخة

سنة الطبع : 1429

المطبعة : ستارة

• جميع الحقوق محفوظة للمركز *

دليل الكتاب :

مقدّمة المركز 11

أندونيسيا

أبو بكر الهندوان 13

أحمد حافظ الكاف 17

أحمد زكي 26

أحمد عارفين 29

أحمد غزالي 32

أحمد محمّد بارقبة 36

أحمد مرزوقي أمين 39

أحمد مصلح 44

إخلاص بوديمان 46

ارتون سليمان 50

افريزا بن صلاح الدين 55

أوي فريدة 59

بودي براكاسو 62

جديد باعلي 65

جعفر الحبشي 68

جعفر الصادق الجفري 70

حامد السقّاف 76

حامد الهدار 78

حسن بن شعيب 85

حسن بن محمد الكاف 91

حسن تونو 95

حسن حافظ 97

حسن الحبشي 100

حسن العطاس 105

حسن المساوي 109

حسين الحامد 113

حسين الحبشي 117

حسين محمد الكاف 135

حسين العيدروس 143

حكمة الهدى الكاف 146

حياتي محمد 150

حيدر يوسف 154

خالد الوليد ( خالد بهشتي ) 158

خديجة محفوظ 164

خير الدين الزركشي 167

خير النساء محمد 169

خيري فطريان 171

رشدي العيدروس 173

روح الله شمسونار ( نور الدين ) 177

زاهر بن يحيى 181

زين الحبشي 185

سالم ابن الشيخ أبي بكر 190

سقاف الجفري 195

سقاف السقاف 197

سلمان دار الدين 199

صاحب العزيز زهري 203

صالح لفدي 207

طه المساوي 211

عبد الرحمن بارقبة 214

عبد الرحمن الحسني 217

عبد الرحمن العيدروس 221

عبد الرؤوف مديان 226

عبد الصمد عبد الرشيد 229

عبد العزيز مرزوقي 234

عبد العزيز الهندوان 238

عبد اللّه بيك 241

عبد اللّه بن الحسن الكاف 247

عبد اللّه السقاف 250

عبد اللّه العريضي 254

عبد المؤمن زمزمي 259

علي رضا الحبشي 264

علي رضا العطّاس 267

علي بن عقيل 271

علوي بن شعيب 275

علوي محمّد العطّاس 279

علي أبو بكر الحبشي 285

عمار فوزي 287

عمر بن شهاب 290

فجر الدين مختار 292

فؤاد الهادي 294

محسن السقّاف 298

محمد أمين سفيان 300

محمد باقر الحسني 303

محمد باقر العطّاس 310

محمد توفيق يحيى 314

محمد رضا الحبشي 318

محمّد شمس العارفين 323

محمّد عبد القادر الكاف 325

محمّد بن عبد الله الكاف 327

محمّد عدلاني 330

مختار لطفي 337

منيرة جوبان 342

موسى مساور 346

ناصر دمياطي 348

نجيب العيدروس 354

هاشم عدنان 357

هاشم الحبشي 363

هاشمي العطّاس 367

هداية الله الحبشي 370

هري كوسوما 374

يوسف بافقيه 379

يوسف أنس 383

عبد القادر الحبشي 386

أوزبكستان

محمّد بنِ مسعود السلمي السمرقندي العياشي 388

أوكرانيا

تاتانيا فاليريفنا 393

أوغندا

أبو بكر ايزمبا 399

أوس ايزمبا 408

حسين سليمان كاكايره 415

حمزة عبد الله حسن 419

عبد الحكيم ساجد 424

عبد الله موكر 428

عليّ عبد الله حسن تبنكانا 430

قاسم عبد السلام كتمبو 434

محمّد داود مكاسا 439

محمّد مرشد مُسانا 442

مرشد يوسف مُسنا 446

يوسف زبير سرنجوجي 458

إيران

إبراهيم بن محمّد الثقفي 466

إحسان الله برتوي 468

أنوشيروان المجوسي الإصفهاني 473

جلال الدين محمّد بن أسعد الدواني الصديقي 480

حاج بابا قزويني يزدي 485

حبيب الله اغماضي 489

حسن روشنيان 495

الجايتو خان المغول السلطان محمّد شاه خدابنده 501

رحمت الله مهاجري كلولاني كردستاني 504

عبّاس جنيدي 507

عبد الرحمن الإصفهاني 513

عبد الرحمن بن محمّد السينيري 519

عبد المطلب بن حيدر المشعشعي 531

عمران الصابئي 536

عطاء الله الرودسري الجيلاني 539

كروب هوناتيان ( عليّ إسلامي ) 541

محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي 546

محمّد بن عبد الله بن محلك الجرجاني 551

محمّد بن عمر النوقاني 553

محمّد صادق فخر الإسلام 557

محمود الفارسي 561

مهدي يزدان برست 569

إيطاليا

إدواردو آنيلي 574

جفاني جكوني 579

فهرست المصادر 582

مقدّمة المركز

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمدُ للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلق اللّه أجمعين ، أبي القاسم محمّد ، وعلى أهل بيته الطيّبين الطاهرين ، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس ، وطهّرهم تطهيراً ، واللعن الدائم على أعدائهم والناصبين لهم العداء إلى يوم الدين .

الحمدُ للّه على إكمال الدين ، وإتمام النعمة ، الحمد للّه الذي جعلنا من المتمسّكين بولاية سيدنا ومولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وأولاده المعصومين ، صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين

بين يديك ، أيّها القارئ الكريم ، المجلّد الخامس من هذه الموسوعة المباركة « موسوعة من حياة المستبصرين » ، والذي يضمّ بين دفتيه ترجمة مجموعة أُخرى من الذين ركبوا سفينة النجاة ، واختاروا السير على نهج سيّدنا أمير المؤمنين ، وسيّدتنا فاطمة الزهراء ، وأولادهما المعصومين ( عليهم السلام ) ، بعد أن قضوا ردحاً من الزمن يتعبّدون الله بمذهب آخر .

لكنّهم ، وبعد بحث عقائدي عميق ، وتتبّع لأدلّة المذاهب الإسلامية الأخرى ، تولّدت عندهم القناعة الكاملة بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأعلنوا استبصارهم ، وركبوا سفينة النجاة ، سفينة علي وأولاده المعصومين ( عليهم السلام ) ، وقد جنّدوا أنفسهم لتحمّل المصاعب والمضايقات الاجتماعية ، بل حتّى وصل الأمر بهم إلى اتهامهم بالكفر والخروج عن الدين ، فصبروا واحتسبوا ذلك في سبيل اللّه .

ويحتوي هذا المجلّد على ترجمة مائة وواحد وثلاثين مستبصراً ، موزّعين على عدّة دول هي : أندونيسيا ، أوزبكستان ، أوكرانيا ، أوغندا ، إيران ، إيطاليا .

وختاماً نتقدّم بجزيل الشكر والتقدير لكلّ الإخوة الأعزاء ، أعضاء مركز الأبحاث العقائدية الذين ساهموا في إخراج هذا المجلّد من هذه الموسوعة ، للّه درّهم وعليه أجرهم .

محمّد الحسّون

مركز الأبحاث العقائدية

21 ذو القعدة 1428 ه‍

(1) أبو بكر الهندوان( شافعي أندونيسيا )

أبو بكر الهندوان( شافعي أندونيسيا(1))

السنّة وفق المذهب الشافعي ، فترعرع في هذه الأجواء حتّى ارتقى وعيه الديني ، فتوجّه نحو البحث في الصعيد العقائدي ليتحرّر من موروثاته الفكريّة ويشيّد عقيدته على أساس الحجج والبراهين .

وفي ضمن البحث تعرّف « أبو بكر » على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فجذبه هذا المذهب ، وسدّ له الكثير من الفراغات الفكريّة التي كان يعاني منها ولم يجد لها جواباً عند مذهب أهل السنّة .

من هم أهل السنّة ؟

كان يظنّ « أبو بكر الهندوان » بأنّه من أتباع أهل السنّة التي جاء بها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنّ مذهبه هو المذهب الوحيد الذي يهتّم بسنّة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بخلاف المذاهب الإسلاميّة الأخرى .

ولم يشكّ أبو بكر بأنّ سنةّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) تمثّل المصدر الأساسي للتشريع


1) أندونيسيا : تقع في جنوب شرق آسيا ، يبلغ عدد سكانها (225) مليون نسمة ، وتعتبر من أكبر الدول الإسلامية من حيث النفوس ، والشيعة تتواجد في هذا البلد حيث يقدر عددهم بمئات الآلاف ، والجدير ذكره أن تاريخ التشيع في هذا البلد بدأ منذ القرن الرابع الهجري على يد أحفاد عليّ بن الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ، لا سيما السيد أحمد بن عيسى بن محمّد ابن عليّ بن الإمام الصادق ( عليه السلام ) .

وأنّها نابعة من الوحي الإلهي لقوله تعالى حول رسول الله : ( وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحَى ) (1)ولقول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) كما جاء في القرآن الكريم : ( إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ) (2).

ولكن التساؤل الذي يطرأ في ذهنيّة الباحث هو أنّ الخليفة الثاني لماذا طرح فكرة « حسبنا كتاب الله » قبيل وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وهذه القضيّة ممّا لا تخفى على أحد ، وقد رواها البخاري في صحيحه وذكرها ابن عبّاس ، ونصّ الرواية كما يلي :

« لمّا حضر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، قال النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) : هلمّ أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ، فقال عمر : إنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهل البيت ، فاختصموا منهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم النبي ( صلى الله عليه وآله ) كتاباً لن تضلّوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قوموا .

قال عبيد الله : وكان ابن عباس يقول : إنّ الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم » (3).

هذا من جهة ومن جهة أخرى لا يخفى بأنّ عمر بن الخطاب بل قبله أبا بكر منعا الناس من تدوين حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) واستمرّ هذا المنع لفترة طويله بعدهما .

فإذا كان أتباع عمر بن الخطاب مهتمّين بسنّة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فما هو الداعي لزعيمهم أن يقف بوجه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويمنعه من كتابة الحديث ويرفض السُنّة ويقول « حسبنا كتاب الله » .


1) النجم (53) : 3 - 4 .

2) الأنعام (6) : 50 .

3) صحيح البخاري 4 / ح 5669 .

وإذا كان عمر بن الخطاب هو المهتمّ بسنّة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلماذا منع الصحابة من تدوين أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

عقيدة مذهب أهل البيت حول سنّة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) :

إنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) يعتقد بأنّ سنّة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) تمثّل الأصل الثاني من أصول التشريع ، وأنّ الله تعالى أمر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ببيان هذه السنّة إلى الناس ومحاولة حفظها وصيانتها من التحريف ، ثمّ وكلّ الله تعالى أمر حفظ السنّة إلى أهل البيت ( عليهم السلام ) بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فحفظ أهل البيت سنّة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحاولوا صيانتها من التحريف وبقوا المصدر الوحيد الذي يمكن الوثوق به لتلقّي سنّة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وذلك لأنّ الله تعالى اصطفاهم ليكونوا حجّته على خلقه بعد رسول الله ، فعصمهم بعصمته وجعلهم المصدر لحفظ ما جاء به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأنّ سنّة النبيّ المنقولة عن طريق أهل البيت ( عليهم السلام ) أوثق من المصادر الأخرى التي تدخّلت بها أيدي السياسة وتلاعبت بها أيدي المغرضين من أجل صياغتها وفق أغراضها ومآربها السياسيّة .

ولا يشكّ الباحث بأنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد اهتمّ بأهل البيت ( عليهم السلام ) في أقواله وأحاديثه ، كما لا يشكّ الباحث بعداء بني أميّة لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، ومن هنا فإنّنا إذ نجد بأنّ بني أميّة لا تسمح بحرّية نشر أحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فإنّ الغرض الأساسي منه أنّها كانت مخالفة لنشر فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) وبما أنّ أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) متضمّنة لهذه الفضائل فلا بدّ من التعامل بحذر مع هذه الأحاديث ، ولا بدّ من منع تدوينها ليتمّ بمرور الزمان حذف ما لا يبتغيه التيّار الحاكم من هذه الأحاديث .

أخذ السنّة من أهل البيت ( عليهم السلام ) :

اكتشف « أبو بكر الهندوان » من خلال بحثه ، بأنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) هم أفضل

مصدر لمعرفة سنّة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وعرف بأنّ السبيل للاعتصام من الضلال هو التمسّك بالقرآن الكريم وأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهذا ما يشير إليه حديث الثقلين .

ومن هنا اتّخذ « أبو بكر الهندوان » قراره النهائي ، فتمسّك بالثقلين ، واتّبع بعد ذلك مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وكان استبصاره في الثمانينات للميلاد .

نشره لمعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) :

تبيّن ل‍ « أبي بكر الهندوان » بعد اكتشافه ، أنّه كان ضحيّة الإعلام الذي نشره بنو أميّة وبنو العبّاس ، وعرف بأنّ السبب الأساسي لابتعاد الأوائل عن أهل البيت ( عليهم السلام ) هو الاستيلاء على الحكم ، ولكن الذين جاؤوا بعد ذلك فإنّ سبب ابتعادهم عن أهل البيت ( عليهم السلام ) هو عدم معرفتهم لأهل البيت ( عليهم السلام ) لأنّ الحكومات الجائرة السابقة حاربت أهل البيت ( عليهم السلام ) واضطهدتهم وأبعدتهم وقامت بقتلهم وقتل شيعتهم .

ورأى « أبو بكر الهندوان » بأنّ وظيفته أن يقوم بتوعية الناس وإلفات نظرهم إلى الحقائق التي كتمتها الحكومات الجائرة .

ومن هنا توجّه إلى نشر معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وبدأ بنشر فضائلهم ومكانتهم ومنزلتهم عند الله تعالى ، وبهذه الطريقة تمكّن من كشف الكثير من الحقائق للذين كانوا في غفلة عنها ، وهو لا يزال سالكاً سبيل توعية الآخرين ولا يزال داعياً للحقّ في سبيل الله تعالى .

(2) أحمد حافظ الكاف( شافعي أندونيسيا )

ولد سنة 1294 ه‍ ( 1975 م ) ، في مدينة « باكلونجن » بأندونيسيا ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ تخرّج من الدورة الدراسيّة في المعهد الإسلامي في بإنجيل بأندونيسيا .

بحث عدالة الصحابة يمهّد الطريق إلى الاستبصار :

توفق لاعتناق مذهب آل البيت ( عليهم السلام ) بعد بحوث مطولّة وتحقيقات واسعة حول عدالة الصحابة حيث أنّ معظم أهل السنّة يؤمنون بعدالتهم جميعاً وعدم جواز الخدش في عدالة أي منهم لأنّهم نقلة حديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وإذا خُدشت عدالتهم فسينتفي الاطمئنان بسنّة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) حسب ما يدّعون .

ويرى الشيعة عدالة بعضهم وعدم عدالة البعض الآخر وذلك لوجود المنافقين والناكثين والقاسطين والمارقين فيهم .

كان « أحمد حافظ » ذات يوم جالساً مع بقيّة الطلبة في الصف يصغي إلى ما يقوله الأستاذ في درس علم الحديث في كتاب « رياض الصالحين » فتناول الأستاذ مسألة عدالة الصحابة وصرّح بعدم عدالة جميع الصحابة وأنّ الحروب قد وقعت بينهم ، وأنّ بعضهم خرج على إمام زمانه ، وكان هذا الكلام غريباً وجديداً على مسامع « أحمد » ممّا جعله يناقش الأستاذ في ذلك .

ذهب « أحمد » إلى العلماء الكبار في مذهبه وسألهم عن قضيّته عدالة

الصحابة ، فصرّحوا له بعدم جواز القدح بأحد من الصحابة ، فقبل ذلك منهم تقليداً وظلّ متحيّراً في هذه القضيّة ، خاصّة بعد مطالعته حول هذا الموضوع واكتشافه أنواع المخالفات للشريعة التي صدرت من بعض الصحابة ثمّ التقى « أحمد » ذات يوم بأحد أصدقائه ، وذكر له ما يعاني من البحث في هذه المسألة ، فذكر له هذا الصديق وجود طائفة إسلاميّة تسمّى الشيعة ، وهم لا يعتقدون بعدالة جميع الصحابة ومن هنا بدأ « أحمد » بالسؤال عن الشيعة وعن مذهبهم وأدلّتهم وخصوصاً في هذه المسألة فالتقى ببعضهم وحاورهم ، وأرشده بعضهم إلى بعض الكتب التي تبيّن موقف الشيعة في هذا المجال فقرأ بعضها مثل ( أصل الشيعة وأصولها ) و ( بحث حول الولاية ) و ( عقائد الإمامية ) فاقتنع بأدلّة الشيعة في هذه المسألة . ثمّ قرأ الكثير من كتب الشيعة الأخرى إلى أن توفّق للاستبصار بعد سنتين من البحث .

الشيعة والصحابة :

أجمع المسلمون على أنّ الله تعالى فرض عداوة أعدائه ، وولاية أوليائه ، وأنّ البغض في الله واجب . والحبّ في الله واجب . . . وعلى هذا سارت الشيعة تبعاً لسيرة أئمّتهم الطاهرين ( عليهم السلام ) ، فهم يوالون ويودّون صحابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الذين نصروا الإسلام في أحلك الظروف ، ووقفوا إلى جانب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) يحامون عنه ، وقد هجروا الأهل والعشيرة وتعرّضوا لأنواع المآسي والمحن ; ومن هنا تؤمن الشيعة وتعتقد أنّ مودّتهم واجبة ، وعداوتهم خروج عن مبادى الدين .

أمّا الذين انقلبوا على أعقابهم ، وحادوا في سلوكهم عن مبادئ الإسلام واتّبعوا الهوى ، فكان موقف الشيعة منهم موقفاً يمليه الواجب الشرعي فأعلنوا كراهيّتهم وبغضهم لهم حفظاً للدين ، وحماية لسمعة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .

وليس من الصحيح حملهم على الصحّة والتماس المعاذير لأعمالهم

المخالفة لهدى الإسلام وتعاليمه ، فإنّ في ذلك ضربٌ لقيم الإسلام العظيمة وأهدافه الشامخة وتجميدٌ لحكومة العقل السليم والمنطق القويم .

فإنّ أمثال أبي سفيان عميد الأسرة الأمويّة الذي حارب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ولم يسلم إلاّ باللسان ولمّا يدخل قلبه الإيمان وابنه معاوية ملك الشام وصاحب الموبقات العظام ، وعمرو بن العاص شريك معاوية في الآثام ، كيف نجعلهم من الصحابة الكرام ، ونلحقهم بجمع المؤمنين المتمسّكين بمبادىء الإسلام .

الصحبة والعدالة :

إنّ صحبة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) رغم شرفها وفخرها لا توجب العصمة من اقتراف السيّئات والذنوب في ميزان العلم ، والحكم بعدالة جميع الصحابة خال من الحقيقة ، ومجاف لسيرة المنحرفين عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ولا دليل له سوى تبرير ما ارتكبه بعض الصحابة من انحراف عن القرآن والسنّة الشريفة وهو أمر لا يقبل به الإسلام .

إنّ الحكم بأنّ الصحابة أجمعين أكتعين في أعلى مراتب الإيمان واليقين مرفوض ; لتصادمه مع القرآن والسنّة اللذين وصفا بعض الصحابة بالفسق والنفاق والارتداد .

إنّ الإسلام جعل الإنسان مسؤولاً في جميع فترات حياته عمّا يعمله من خير أو شرّ ، فإن عمل خيراً فيتنعم به ، وإن عمل شرّاً فيُعذّب به ، قال تعالى : ( وَأَن لَّيْسَ للإِنسَانِ إلاّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ) (1)وقال تعالى : ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّة شَرّاً يَرَهُ ) (2).

وقال الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : « لو عصيت لهويت » (3).


1) النجم (53) : 39 - 40 .

2) الزلزلة (99) : 7 - 8 .

3) الإرشاد ، الشيخ المفيد : ج 1 ، ص 18 .

فلا محاباة في الإسلام لأحد ، ولا كرامة إلاّ بالتقوى وعمل الخير ، فالصحابي وغيره من أبناء الإسلام سواء أمام الله تعالى وأمام شريعته . والصحابي المقترف للذنوب والمعاصي والجرائم كمعاوية وعمرو بن العاص وسمرة بن جندب لا تنفعهم صحبة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولا تجديهم رؤيته وسماع حديثه وهم مسؤولون عمّا اقترفوه أمام الله تعالى .

دعاء الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) :

إنّ الصحابة الذين أوفوا بالعهد واتّبعوا نبيهم ( صلى الله عليه وآله ) ولم يخالفوه في ما أمرهم به وجاهدوا في سبيل الله تعالى . لإظهار كلمته وإعلاء رسالته ، كلّ أولئك كانوا ولا زالوا موضع احترام وتقديس في نفوس الشيعة الإماميّة .

وهم في ذلك يمتثلون ما قرّره أئمّتهم ( عليهم السلام ) بشأن الصحابة ، فقد ورد عن الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) دعاء خاص لصحابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال فيه : « اللّهم وأصحاب محمّد خاصّة الذين أحسنوا الصحبة ، والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره ، وكانفوه ، وأسرعوا إلى وفادته ، وسابقوا إلى دعوته ، واستجابوا له ، حيث أسمعهم حجّة رسالته ، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته ، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته ، وانتصروا به ومن كانوا منطوين على محبّته يرجون تجارة لن تبور في مودّته ، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلّقوا بعروته ، وانتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظلّ قرابته ، فلا تنس لهم اللّهم ما تركوا لك وفيك ، وأرضهم من رضوانك وبما حاشوا الخلق عليك ، وكانوا مع رسولك دعاة لك إليك ، وأشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم ، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم » (1).

ومن المؤكّد أنّ دعاءه ( عليه السلام ) لا يشمل المنافقين والشاكيّن في دين الإسلام .


1) الصحيفة السجادية : 43 - 45 ، الدعاء الرابع .

كلام للإمام شرف الدين حول الصحابة :

إنّ الإمام شرف الدين من أبرز أعلام الشيعة وهو من العلماء المجاهدين ، وقد قال حول الصحابة : « إنّ من وقف على رأينا في الصحابة علم أنّه من أوسط الآراء إذ لم نفرّط فيه تفريط الغلاة الذين كفّروهم جميعاً ، ولا أفرطنا إفراط الجمهور الذين وثّقوهم جميعاً ، فإنّ الكاملية ومن كان في الغلوّ على شاكلتهم قالوا : بكفر الصحابة كافّة ، وقال أهل السنّة بعدالة كلّ فرد ممّن سمع النبيّ أو رآه من المسلمين مطلقاً ، واحتجّوا بحديث « كلّ من دبَّ ودرج منهم أجمعين أكتعين » أمّا نحن فإنّ الصحبّة بمجرّدها وإن كانت عندنا فضيلة جليلة لكنّها بما هي من حيث هي غير عاصمة ، فالصحابة كغيرهم من الرجال فيهم العدول وهم عظماؤها وعلماؤها ، وفيهم البغاة ، وفيهم أهل الجرائم من المنافقين ، وفيهم مجهول الحال فنحن نحتجّ بعدولهم ونتولاّهم في الدنيا والآخرة .

أمّا البغاة على الوصيّ وأخي النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وسائر أهل الجرائم كابن هند وابن النابغة وابن الزرقاء وابن عقبة ، وابن أرطأة ، وأمثالهم فلا كرامة لهم ولا وزن لحديثهم ، ومجهول الحال نتوقّف فيه حتّى نتبيّن أمره .

هذا رأينا في حملة الحديث من الصحابة ، والكتاب والسنّة بيّنتا هذا الرأي كما هو مفصّل في مظانّه من أصول الفقه ، لكن الجمهور بالغوا في تقديس كلّ من يسمّونه صحابيّاً حتّى خرجوا عن الاعتدال ، فاحتجّوا بالغثِّ منهم والسمين واقتدوا بكلّ مسلم سمع من النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أو رآه اقتداءً أعمى ، وأنكروا على من يخالفهم في هذا الغلوّ ، وخرجوا من الإنكار على كلّ حدّ من الحدود ، وما أشدّ إنكارهم علينا حتّى يروننا نردّ حديث كثير من الصحابة مصرّحين بجرحهم أو بكونهم مجهولي الحال عملاً بالواجب الشرعي في تمحيص الحقائق الدينيّة ، والبحث عن الصحيح من الآثار النبويّة ، وبهذا ظنّوا بنا الظنونا فاتّهمونا بما اتّهمونا

رجماً بالغيب وتهافتاً على الجهل ، ولو ثابت إليهم أحلامهم ، ورجعوا إلى قواعد العلم لعلموا أنّ أصالة العدالة في الصحابة ممّا لا دليل عليها . ولو تدبّروا القرآن الكريم لوجدوه مشحوناً بذكر المنافقين منهم وحسبك سورة التوبة والأحزاب » (1).

هذا هو رأي الشيعي المعتدل الذي يوالي ويبغض في الله وفق المناهج العلميّة ولا يقف من الصحابة موقفاً عاطفيّاً بدون ميزان ، وهذا الرأي منهم ليس فيه انحراف عن الإسلام كما يدعي مخالفوهم .

رأي الدكتور طه حسين :

إنّ للدكتور طه حسين عميد الأدب العربي رأياً في الصحابة يفنّد فيه آراء البعض الذين ذهبوا إلى أنّ أكثر الأحداث التي وقعت في أيّام عثمان بن عفان مفتعلة ومكذوبة وإنّما تكلّفها المتكلّفون للكيد للإسلام ، والنيل من صحابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

قال الدكتور طه حسين :

« وأكثر الذين يذهبون هذا المذهب - أي افتعال الأحداث - إنّما يدفعون إليه لأنّهم يقدّسون ذلك العصر من عصور الاسلام ، ويكرهون أن يحملوا على أصحاب النبيّ ما يحمل عادة على الذين يستقبلون أمور الدنيا بما في نفوسهم من استعداد للمنافسة ، والاصطراع حول أعراض وأغراض لا تلائم قوماً صحبوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأبلوا في سبيل الله أحسن البلاء وأسّسوا الدولة بما أنفقوا في ذلك من دمائهم وأموالهم وجهودهم فهم يخطئون ويصيبون ، ولكنّهم يجتهدون دائماً ، ويسرعون إلى الخير دائماً ، فلا يمكن أن يتورّطوا في الكبائر ، ولا أن يحدثوا إلاّ هذه الصغائر التي يغفرها الله للمحسنين من عباده ، وقليل من الذين يرون هذا


1) أجوبة مسائل جار الله ، السيد شرف الدين ، ص 15 .

الرأي ، ويذهبون هذا المذهب ، يدفعون إلى ذلك بحكم الكسل العقلي الذي يمنعهم من البحث والدرس والاستقصاء .

وقوم آخر يريحون أنفسهم نوعاً آخر من الإراحة فيستبعدون أن تقع هذه الأحداث والفتن من أصحاب النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ويرون أنّها مؤامرات دبّرها الكائدون للإسلام كعبد الله بن سبأ ومن لفّ لفّه من أهل الكتاب وغير أهل الكتاب .

وواضح جداً أنّنا لا نستطيع أن نذهب هذا المذهب أو ذاك فنحن لا نحبّ الكسل ، ولا نطمئن إلى الراحة ، ولا نغلوا في تقديس الناس إلى هذا الحدّ البعيد ، ولا نرى في أصحاب النبيّ ما لم يكونوا يرون في أنفسهم ، فهم كانوا يرون أنّهم بشر يتعرّضون لما يتعرّض له غيرهم من الخطايا والآثام ، وهم تقاذفوا التهم الخطيرة ، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق ، فقد روي أنّ عمّار بن ياسر كان يكفّر عثمان ويستحلّ دمه ، ويسمّيه نعثل ، وروي أنّ ابن مسعود كان يستحلّ دم عثمان أيّام كان في الكوفة ، وهو كان يخطب الناس فيقول : إنّ شرّ الأمور محدثاتها ، وكلّ محدث بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار ، يعرّض في ذلك بعثمان وعامله الوليد . . . وروي أنّ عبد الرحمن بن عوف قال لبعض أصحابه في المرض الذي مات فيه عاجلوه قبل أن يطغى ملكه . والذين ناصروا عثمان من أصحاب النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) كانوا يرون أنّ خصومهم قد خرجوا على الدين ، وخالفوا عن أمره ، وهم جميعاً قد استحلّوا أن يقاتل بعضهم بعضاً ، وقاتل بعضهم بعضاً يوم الجمل ويوم صفّين إلاّ ما كان من سعد وأصحابه القليلين .

وإذا دفع أصحاب النبيّ أنفسهم إلى هذا الخلاف ، وتراموا بالكبائر وقاتل بعضهم بعضاً في سبيل الله (1)فما ينبغي أن يكون رأينا فيهم أحسن من رأيهم في


1) قتال الصحابة بعضهم لبعض في سبيل الله لا يخلو من نظر ، فمن المؤكّد أنّ بعضهم قاتل من أجل الأطماع كطلحة والزبير ، فضلاً عن معاوية الذي صرّح بأنّه قاتل أهل العراق من أجل التأمّر عليهم ولا يهمّه صلاتهم وصومهم .

أنفسهم وما ينبغي أن نذهب مذهب الذين يكذّبون أكثر الأخبار التي نقلت إلينا ، ما كان بينهم من فتنة واختلاف ، فنحن إن فعلنا ذلك لم نزد عن أن نكذب التأريخ الإسلامي كلّه منذ بعث النبيّ ، لأنّ الذين رووا أخبار هذه الفتن هم أنفسهم الذين رووا أخبار الفتح وأخبار المغازي وسيرة النبيّ والخلفاء ، فما ينبغي أن نصدّقهم حين يروون ما يروقنا ، وأن نكذّبهم حين يروون ما لا يعجبنا ، وما ينبغي أن نصدّق بعض التأريخ ونكذّب بعضه الآخر لا لشيء إلاّ لأنّ بعضه يرضينا ، وبعضه يؤذينا وما ينبغي كذلك أن نصدّق كلّ ما يروى أو نكذّب كلّ ما يروى ، وإنّما الرواة أنفسهم ناس من الناس يجوز عليهم الخطأ والصواب ، ويجوز عليهم الصدق والكذب ، والقدماء أنفسهم قد عرفوا ذلك وتهيّئوا له ، ووضعوا له قواعد التعديل والتجريح والتصديق والتكذيب ، وترجيح ما يمكن ترجيحه ، وإسقاط ما يمكن إسقاطه ، والشكّ فيما يجب الشكّ فيه ، فليس علينا بأس من أن نسلك الطريق التي سلكوها ، وأن نضيف إلى القواعد التي عرفوها ما عرف المحدّثون من القواعد الجديدة التي يستعينون على تحقيق النصوص وتحليلها وفقهها (1).

إذن الحكم بعدالة جميع الصحابة يتنافى مع مجرى الأحداث التأريخيّة التي مرّت بهم ، والفتنة الكبرى التي وقع فيها المسلمون كانت من أعمالهم وآثارهم ، فهل يجوز الحكم بعدالتهم جميعاً ؟ !

إنّ الذي تذهب إليه الشيعة من أنّ بعض الصحابة عدول والبعض الآخر ليس كذلك يلتقي مع العقل والمنطق والوجدان .

نشاطاته :

1 - عمل « أحمد حافظ الكاف » مدّرساً في المعهد الإسلامي في « بإنجيل » لنشر علوم آل البيت ( عليهم السلام ) وهداية الطلاّب إلى التمسّك بولائهم .


1) الفتنة الكبرى .

2 - اهتدى على يديه الكثير من الإخوة الأندونيسيّين إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) نتيجة نشاطاته التبليغيّة المستمرّة .

3 - ترجم العديد من الكتب إلى اللغة الأندونيسيّة كما ألّف بعض الكتب الأخرى نذكر منها : أ - ترجمة كتاب فرق الشيعة للنوبختي .

ب - ترجمة بعض كتب الأدعية .

ح - تأليف كتاب مراتب التوحيد .

د - تأليف رسالة في « حديث المنزلة » .

4 - تعرّض لمضايقات كثيرة منها قطع الراتب الشهري الذي كان يستلمه من الرابطة الإسلامية ومقاطعة بعض أقاربه وأصدقائه له ، وخصوصاً في عقد زواجه كما تعرّض إلى محاولة اغتيال نجا منها بأعجوبة وكلّ ذلك لم يمنعه عن مواصلة طريق ذات الشوكة قربة إلى الله تعالى .

5 - هاجر إلى إيران للدراسة في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة وطلب علوم آل البيت ( عليهم السلام ) .

(3) أحمد زكي( شافعي / أندونيسيا )

ولد عام 1392 ه‍ ( 1973 م ) في أندونيسيا بالعاصمة « جاكرتا » ، وكان في بادىء أمره شافعيّاً ، ثمّ تعرّف على أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فغيّر انتماءه المذهبي وتشيّع ، وكان من أهمّ أسباب استبصاره البحث المقارن بين المذهب السنّي والمذهب الشيعي .

حقيقة التأريخ الإسلامي :

اكتشف « أحمد زكي » من خلال البحث بأنّ علماء المذهب السنّي يحاولون إخفاء الكثير من الحقائق الموجودة في التأريخ الإسلامي حفاظاً على المسلّمات الموروثة التي يعتقدون بها وخشية أن تهتزّ دعائم الأسس التي يعتمدون عليها في بناء عقائدهم الدينيّة .

فعرف « أحمد زكي » بأنّ المنهج السنّي يؤكّد على وجوب قراءة التأريخ الإسلامي من دون أن تُمسّ قداسته ، ولو أدّى ذلك إلى نفي بعض الحقائق والأحداث الثابتة .

وتبيّن ل‍ « أحمد زكي » بأنّ المنهج السنّي ينكر الكثير من الحقائق التأريخيّة أو يحاول تحريف واقعها لئلا تتشّوه الصورة الزاهية التي حفظها للصحابة في ذهنه ، ومن هذا المنطلق ينبغي غضّ الطرف عن الثغرات والتناقضات الموجودة في التأريخ الإسلامي المرتبط بصدر الإسلام لئلاّ تنخدش قاعدة عدالة الصحابة !

لأنّ الصحابة هم الذين وصل الدين إلينا عن طريقهم ، فإذا أخضعناهم للجرح والتعديل فإنّ ذلك سيؤدّي إلى التشكيك في الدين .

ومن هذا المنطلق تلقّى أهل السنّة دينهم من عامّة الصحابة ثقات وغير ثقات ، ولكن أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) تلقّوا دينهم من أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين أذهب الله تعالى عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً . وأمّا موقف الشيعة من الصحابة فإنّهم أجروا عليهم قاعدة الجرح والتعديل فمن ثبت أنّه من الثقات فقبلوا روايته وأمّا الذي لم يثبت ذلك فامتنع الشيعة من الاعتماد عليه في أخذ الروايات التي رواها .

ورأى « أحمد زكي » بأنّ المنهج الشيعي أفضل من المنهج الذي يعتمد على جميع الصحابة حتى الذين لم تثبت عدالتهم والذين تركوا النبيّ بين الأسنّة والنبال وولّوا الأدبار في بعض الحروب ، والغزوات .

عدالة الصحابة :

وتوّصل « أحمد زكي » إلى هذه القناعة بأنّ الصحابة كلّهم ليسوا فوق الشبهات ، بل كان فيهم المؤمن والفاسق والمنافق ، وينبغي على المهتمّ بشأن دينه أن يغربل الصحابة عن طريق دراسته الصحيحة للتأريخ الإسلامي ، وأن لا يعتمد إلاّ على الذين ثبتت عدالتهم .

ومن هذا المنطلق قام « أحمد زكي » بإمعان النظر في أحداث تاريخ صدر الإسلام ، وبدأ بالتعرّف على مواقف الصحابة في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وحاول أن لا يكون عند دارسته للتأريخ الإسلامي ضحيّة أجهزة التزييف والتضليل التي حاولت تغطية عيوب بعض الصحابة من أجل الحفاظ على جمال التاريخ الإسلامي ولو كان ذلك على حساب الحقيقة .

مواصلة البحث :

واصل « أحمد زكي » بحوثه العقائديّة وانتسب إلى المعهد الإسلامي في بإنجيل ، ودرس فيه حتّى المرحلة الأخيرة الموجودة فيه ، ثمّ سافر إلى سوريا والتحق بإحدى الحوزات الدينيّة التابعة لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأتقن أصول ومبادىء التشيّع وقام بتشييد عقيدته الدينيّة وفق الأدلّة والبراهين المحكمة .

(4) أحمد عارفين( شافعي - أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في مدينة « بإنجيل » ، كان شافعي المذهب ، ولكنّه على أثر التتبّع والبحث اكتشف بأنّه بحاجة إلى إعادة النظر في مرتكزاته العقائديّة ، ليكون على بصيرة من أمر دينه ، فواصل البحث حتّى لاح لبصره أنوار العلوم ، والمعارف التي ورثها أهل البيت ( عليهم السلام ) من الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، والتي حاولوا أن يحافظوا عليها من تلاعب الأهواء والمغرضين الذين أرادوا أن يجعلوا الدين جسراً لتحقّق مآربهم الدنيويّة .

تعيين النبيّ للوصيّ من بعده :

وجد « أحمد عارفين » بأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أعلن في العديد من المواقف بأنّ عليّ بن أبي طالب هو إمام الأمّة وقائدها وهو الخليفة من بعده ومن هذه النصوص :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمام بني هاشم وقد أخذ برقبة علي بن أبي طالب : « هذا أخي ووصي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا » (1).

ولا يخفى بأنّ النبيّ لا يقول شيئاً من تلقاء نفسه وإنّما هو تابع لأوامر الله تعالى ، وقد أكدّ القرآن الكريم على هذه الحقيقة في العديد من المرّات


1) تاريخ الطبري ، ج 2 ، ح 1171 ، تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر ، ج 42 ، ص 49 .

حيث جاء فيه :

( قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي ) (1).

( إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ ) (2).

( وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ ) (3).

( وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ) (4).

ومن هنا يمكن الاستنتاج بأنّ تنصيب النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) الإمام علي ( عليه السلام ) خليفة من بعده كان بأمر من الله تعالى .

وقد قال تعالى : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (5).

ولهذا فالحديث عن مسألة الشورى واجتماع الأمّة حول اختيار الخليفة بعد رسول الله كلام لا طائل تحته ، وهو أمر يعارض القرآن والسنّة ، وإنّما يجب على الأمّة في هذا الأمر أن تتّبع أوامر الله تعالى ، فمن التزم بأوامر الله تعالى فقد اهتدى ، ومن لم يلتزم فإنّه لم يضر إلاّ نفسه .

التسليم لأمر الله تعالى :

وجد « أحمد عارفين » بعد البحث بأنّه يجب أن يستسلم لأمر الله تعالى في أمر خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وإنّ اتباع الأكثريّة في هذا المجال لا يرشده إلى الحق ، وقد قال تعالى : ( وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ ) (6).


1) الأعراف (7) : 203 .

2) يونس (10) : 15 .

3) يونس (10) : 109 .

4) الأحزاب (33) : 2 .

5) الأحزاب (33) : 36 .

6) الأنعام (6) : 116 .

ومن هذا المنطلق أعلن « أحمد عارفين » استبصاره واتبّاعه لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) سنة 1410 ه‍ ( 1990 م ) ، ثمّ التحق بالمعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ، ثمّ طلباً للمزيد من معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) وارتقاء لمستواه الديني هاجر إلى إيران لطلب العلم من خلال انتسابه إلى المركز العالمي للدراسات الإسلاميّة في مدينة قم ، وبقي فيها فترة ليحيط علماً بأصول وفروع دينه ، وليؤهّل نفسه بعد ذلك لخدمة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ثمّ عاد إلى وطنه وشرع بالتدريس في معهد الهادي في مدينة « بكلونجن » .

(5) أحمد غزالي( شافعي - أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « لمبونغ » ، وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب ، ولكنّه عندما بلغ مرحلة الرشد لم تشغله المغريات الدنيويّة واللذات المادّية عن البحث حول صحّة معتقداته الدينيّة التي ورثها من البيئة التي كانت تحيطه ، فهو وإن تلقّى المذهب الشافعي من آبائه ، ولكنّه أحبّ أن يتحرّر من التقليد الأعمى ، وأن يشيّد لنفسه معتقداً مبتنياً على الأدلّة والبراهين ، فتوجّه إلى دراسة المذاهب حتّى تبيّن له أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ونقاء تراثهم الإسلامي فاعتقد بولاية خير البريّة بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) الإمام عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ثمّ التحق بالمعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » فأتمّ فيه دورة دراسيّة كاملة ، ثمّ طلباً للمزيد من المعرفة لمذهب التشيّع شدّ الرحال إلى مدينة قم في إيران ليحيط أكثر علماً بمعارف ومبادىء أهل البيت ( عليه السلام ) .

شهادة القرآن بطهارة أهل البيت ( عليهم السلام ) :

إنّ من أهمّ الأمور التي دعت « أحمد غزالي » إلى التأمّل في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هي العناية الربانيّة بأهل البيت ( عليهم السلام ) وذكر فضائلهم في القرآن ، والتصريح بطهارتهم في قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1).


1) الأحزاب (33) : 33 .

وقد ورد عن ابن عبّاس قال : شهدت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تسعة أشهر يأتي كلّ يوم باب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقت كلّ صلاة ، فيقول : « السلام عليكم ورحمة وبركاته أهل البيت ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) كلّ يوم خمس مرّات (1).

استشهاد الإمام الحسن ( عليه السلام ) بآية التطهير :

روى الحاكم في باب فضائل الإمام الحسن بن علي ( عليه السلام ) والهيثمي في باب فضائل أهل البيت أنّ الحسن بن علي خطب حين قُتل الإمام عليّ ( عليه السلام ) وقال في خطبته :

« أيّها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومَن لم يعرفني فأنا الحسن بن عليّ ، وأنا ابن النبيّ ، وأنا ابن الوصيّ ، وأنا ابن البشير ، وأنا ابن النذير ، وأنا ابن الداعي إلى الله ، بإذنه ، وأنا ابن السراج المنير ، وأنا من أهل البيت الذي كان جبريل ينزل إلينا ويصعد من عندنا ، وأنا من أهل البيت الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً » (2).

آية التطهير وأثرها في بعض النفوس :

روى عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه : قال : أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال : ما منعك أن تسبّ أبا تراب ؟ فقال : أما ما ذكرت ثلاثاً قالهنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فلن أسبّه لأن تكون لي واحدة منهنّ أحبّ إليَّ من حمر النعم ، سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول له : وقد خلّفه في بعض مغازيه ، فقال له عليُّ : يا رسول الله : أتخلّفني مع النساء والصبيان ؟ فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « أما ترضى أن تكون


1) الدر المنثور ، السيوطي ، 5 / 387 .

2) المستدرك على الصحيحين : ح 4863 ، مجمع الزوائد للهيثمي ، ج 9 ، ح 14798 و 14799 ، وقال : رواه أحمد باختصار كثير ، وإسناد أحمد وبعض طرق البزار والطبراني في الكبير حسان .

منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي » وسمعته يقول في يوم خيبر : « لاُعطينَّ الراية غداً رجلاً يُحبُّ الله ورسوله ويُحبُّه الله ورسوله » قال : فتطاولنا لها ، فقال : « ادعوا لي عليّاً » فأُتي به أرمد فبصق في عينه ، ودفع الراية إليه ، ولمّا نزلت - زاد هشام : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) دعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً ، فقال : « اللهم هؤلاء أهلي » (1).

استشهاد الإمام زين العابدين بآية التطهير :

روى أبو المؤيد ، الموفق بن أحمد ، أخطب خوارزم الخوارزمي :

لما حُمل السجاد رضي الله عنه مع سائر سبايا أهل البيت إلى الشام بعد مقتل سبط رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الحسين ( رضي الله عنه ) ، وأوقفوا على مدرج جامع دمشق في محل عرض السبايا دنا منه شيخ ، وقال : الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم وأراح العباد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنين منكم ! !

فقال له علي بن الحسين ( رضي الله عنه ) : يا شيخ هل قرأت القرآن ؟

قال نعم .

قال : أقرأت هذه الآية ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (2).

قال الشيخ : قرأتها .

قال : وقرأت قوله تعالى : ( وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (3).

وقوله أيضاً : ( وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْء فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى ) (4).


1) خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، النسائيص 23 . صحيح مسلم ، 4 / كتاب فضائل الصحابة ، ح 32 .

2) الشورى (42) : 23 .

3) الاسراء (17) : 26 .

4) الأنفال (8) : 41 .

قال الشيخ : نعم .

فقال : نحن والله القربى في هذه الآيات .

وهل قرأت قوله تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) .

قال : نعم .

قال : نحن أهل البيت الذي خُصّصنا بآية التطهير .

قال الشيخ : بالله عليك أنتم هم ؟

قال : وحق جدّنا رسول الله إنا لنحن هم من غير شكّ !

فبقى الشيخ ساكتاً نادماً على ما تكلّم به ، ثم رفع رأسه إلى السماء ، وقال : اللهم إنّي أبرأ إليك من عدو محمد وآل محمد من الجن والإنس (1).

المطهرون أحقّ بالاتّباع من غيرهم :

وجد « أحمد غزالي » بعد بحثه ومقارنته بين المذاهب الإسلاميّة بأنّ أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) أحقّ بالاتباع من غيرهم ، ولهذا ترك مذهبه الوراثي وتمسّك بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ توجّه بعد ذلك إلى دراسة علومهم ومعارفهم ليزداد عن طريقهم وعياً بالحقائق الدينيّة ، ثمّ التحق بالحوزة العلميّة في مدينّة قم ليقتبس من مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) نوراً ينير له الدرب ، ويستطيع أن يميّز به الحق من الباطل وليكون على بصيرة من أمر دينه .


1) مقتل الخوارزمي : 2 / 69 .

(6) أحمد محمّد بارقبة( شافعي - أندونيسيا )

ولد عام 1378 ه‍ ( 1959 م ) في أندونيسيا بمدينة « كلونجن » حاصل على الشهادة الجامعيّة ، كان شافعي المذهب ، ولكنّه لم يبق متعصّباً ومتمسّكاً بمذهبه الموروث حينما تجلّت له أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لأنّه حينما سمع بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأصغى إلى بعض أدلّته ، قام بإجراء دراسة مقارنة بين التشيّع وبين المذهب الشافعي ، فتبيّن له أنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) مذهب يتلقى معارفه الإسلاميّة من أئمّة ورثوا العلم من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تحت ظلّ عناية ربّانية صانتهم من الخطأ والسهو والنسيان بخلاف المذهب الشافعي الذي تلقى معارفه الإسلاميّة من أفواه رجال تناقضت وتضاربت رواياتهم وأقوالهم .

الإمام علي ( عليه السلام ) هو الهادي للأمّة :

وجد « أحمد » خلال بحثه ومقارنته بين المذهب الشيعي والمذهب السنّي أنّ الأدلّة والبراهين كلّها تدعم مقولة الشيعة في أحقيّة الإمام علي ( عليه السلام ) بالخلافة من بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، منها الآيات القرآنيّة النازلة في فضل الإمام علي ( عليه السلام ) والتي منها :

قال تعالى : ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد ) (1).

وقد ورد عن ابن عباس قال لمّا نزلت ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْم هَاد )


1) الرعد (13) : 7 .

وضع ( صلى الله عليه وآله ) يده على صدره فقال : أنا المنذر ، ولكلّ قوم هاد ، وأومأ بيده إلى منكب عليّ ( عليه السلام ) فقال : أنت الهادي يا علي ، بك يهتدي المهتدون بعدي (1)

وذكر ابن حجر بأنّ إسناده حسن ، انظر فتح الباري 8 / 479 .

.

ولهذا ورد عن الإمام علي ( عليه السلام ) أنّه كان يقول حول هذه الآية : رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) المنذر وأنا الهادي .

من هو الأحقّ في الاتّباع :

واصل أحمد بحثه ، وبقي متردّداً بين اتّباع الإمام علي ( عليه السلام ) أو اتّباع غيره من الصحابة الذين وقفوا بوجهه واستولوا على الخلافة بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وبمرور الزمن وتجلي الأدلة والبراهين أيقن « أحمد » بأنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) كما ذكر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأن الحقّ معه .

فقد ورد عن أبي سعيد الخدري أنّه قال : كنّا عند بيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) في نفر من المهاجرين والأنصار فقال : ألا أخبركم بخياركم ؟ قالوا : بلى قال : خياركم الموفُون المطيّبون إنّ الله يحبّ الخفي التقي ، قال : ومرّ علي بن أبي طالب فقال : الحقّ مع ذا الحقّ مع ذا (2).

وقد قال تعالى : ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (3).

إعلان الاستبصار :

أعلن « أحمد » استبصاره بعد أن اتضح له الحقّ كالشمس في وضح النهار ثم سافر إلى إيران ، والتحق بالحوزة العلميّة في مدينة قم ، فدرس فيها لمدّة خمس


1) جامع البيان : الطبري : 8 / ح 15313 .

2) مسند أبي يعلى الموصلي ، ج 1 / ح 1047 ، وقال الهيثمي : رواه أبو يعلى ورجاله ثقات ، انظر مجمع الزوائد ، ج 7 / ح 12027 .

3) يونس (10) : 35 .

سنوات ، فتعرّف خلال هذه الفترة على علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتفتّحت آفاق معارفه الدينيّة واتّسعت رؤيته ، وتبلورت عقائده على أسس ومباني متينة ، ثمّ عاد إلى بلاده وأسّس معهد الهادي للعلوم الإسلامية والتزم إدارته وأصبح من الدعاة الشيعة البارزين في أندونيسيا .

(7) أحمد مرزوقي أمين( شافعي - أندونيسيا )

الصورة

D01

ولد في « جاكرتا » عاصمة أندونيسيا ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب .

ثمّ أكمل المرحلة العالية في المعهد الإسلامي في « بإنجيل » ، ثمّ هاجر في طلب علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى سوريا وإيران للدراسة في حوزاتها العلميّة ، ثمّ عاد إلى الوطن لنشر معارف الإسلام الحقّة .

استبصاره :

اطلع على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) عن طريق بعض أصدقائه من الشيعة في المعهد الإسلامي في « بإنجيل » ، وفتبيّنت له حقيقة مذهبهم بالأدلّة الواضحة من القرآن والسنّة الشريفة ، وعرف أنّ هذا المذهب يحمل حقيقة الإسلام ، وتتواجد فيه كلّ معالم التكامل الإسلامي ، فقرّر الانتماء إليه والتمسّك بولاء أهل البيت ( عليهم السلام ) كما أوصى الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) في أكثر من حديث تناقله المسلمون في كتبهم على اختلاف مذاهبهم .

السجود على الأرض أم السجّاد :

إنّ من المشاكل الخلافية التي صادفته هي مسألة السجود على الأرض أو التربة التي وجدها في أحاديث النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وبين السجود على السجّادة حيث كان قد درس سابقاً في مذهبه الشافعي أنّ العمامة أو الشعر لا يصح أن يحجبا الجبهة عن السجود ، فكيف صحّ السجود على العمامة أو السجادة إذا كانت مفروشة على

الأرض وما الفرق بينهما ؟ !

السجود على الأرض بدعة أم سنّة :

إنّ من الأمور التي تعرّض من خلالها الشيعة وأتباع مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) للنقد من قبل مخالفيهم هي مسألة السجود على الأرض في صلواتهم اليوميّة ، فقيل أنّ هذا السجود من الأمور المبتدعة ، بل زاد بعض المغرضين في الطين بله وأشاعوا بين العوام بأنّ الشيعة مشركون ، لأنّهم يسجدون ويعبدون الأرض أو التربة .

وهذه التهمة واضحة البطلان لوضوح الفرق بين السجود على الأرض والسجود للأرض ، وما يعمله الشيعة هو السجود على الأرض قربة إلى الله تعالى وتواضعاً له ، أمّا إذا كان السجود للأرض فلا شكّ ولا ريب بأنّه شرك ، وهكذا لو سجد الشخص للسجادة أو الحصير فلا موضوعيّة للأرض خاصّة دون غيرها بل كلّ ما كان السجود لغير الله فهو شرك ، وهذا ما لا يقول أحدٌ من أهل القبلة .

وأما تهمة ابتداع السجود على الأرض لمجرّد أنّ الآخرين يسجدون على السجاد فهو ظلم كبير يقترفه من يقول به .

إنّ الذي يذهب إليه علماء الإماميّة هو أنّ السجود يكون على الأرض أو ما نبت فيها من غير المأكول والملبوس ، أي : بلا حائل من شيء آخر ، أمّا علماء أهل السنّة فذهبوا إلى جواز السجود على الحصير أو الفرش وغيرها فضلاً عن الأرض أو الحجر .

وهذا هو المشهور بين العلماء والمذكور في كتبهم ، ولو أردنا أن نحقّق أكثر في هذا الموضوع - الذي لا يصحّ أن يكون موضوعاً للخلاف ، غير أنّ المغرضين يزعجهم اتّحاد المسلمين فيخلقوا من كلّ موضوع لا يحتمل الخلاف موضوعاً خلافيّاً بأدنى مناسبة ونحن نجد أنّ بعض علماء أهل السنّة أيضاً يوافقون رأي الإماميّة ، أو أنّهم اعتبروا على أقل تقدير بأنّ السجود على الأرض أحسن وأكمل

أو أنّه من السنّة وليس أمراً مبتدعاً . نذكر على سبيل المثال ما يلي :

1 - ورد في الفقه على المذاهب الأربعة ما نصّه : ويندب إلصاق جميع الجبهة بالأرض وتمكينها (1).

2 - كتب الغزالي في كتابه الإحياء : « ثمّ نهوي إلى السجود وهو أعلى درجات الاستكانة ، فتمكن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب ، وان أمكنك ألاّ تجعل بينهما حائلاً ، فتسجد على الأرض فافعل ، فإنّه أجلب للخشوع وأدل على الذل » (2).

3 - ورد في المنتقى : « ويستحب أن يباشر بجبهته الأرض في السجود » (3).

4 - وفي المغني : « وقال أبو الخطاب : لا يجب مباشرة المصلي بشيء من أعضاء السجود إلاّ الجبهة » (4).

هل يستفاد وجوب السجود على الأرض من أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ؟

ورد عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في كتب أهل السنة جملة من الأحاديث التي لها صلة بالسجود على الأرض ومن هذه الأحاديث :

1 - روي عن الإمام علي ( عليه السلام ) ، وعبد الله بن عباس ، وأبو ذر الغفاري ، وأبو إمامة ، وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، والسائب بن يزيد ، وجابر بن عبد الله الأنصاري وحذيفة اليماني ، وأبو موسى الأشعري : « جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً » (5)وبعبارة أخرى « جعلت لنا الأرض كلّها مسجداً وطهوراً » (6)وبعبارة ثالثة « جعلت لي الأرض


1) الفقه على المذاهب الأربعة 12 : 232 .

2) إحياء علوم الدين 1 : 169 .

3) المنتقى 1 / 287 .

4) المغني لابن قدامة 1 : 117 .

5) صحيح البخاري : 1 / ح 438 .

6) كنز العمال ، المتقي الهندي : 11 / ح 32072 .

طيبة طهوراً ومسجداً » (1).

قد يقال إنّ كلمة « مسجداً » في هذا النصّ لا نعني محلّ السجود بل تعني محلّ الصلاة ، وبالتالي لا تدلّ على الوجوب ، ويرد على هذا القول بأنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قرن كلمة السجود بكلمة الطهور التي تعني آلة الطهارة ، وهو ما يسمى بالتيمّم ، والذي يصحّ به التيمم هو الأرض أو التراب فقط فالسجود أيضاً كذلك .

ثمّ إنّ هناك قرائن تدلّ على الوجوب في بعض الأحاديث الأخرى ، وتحدّد السجود على الأرض لا غير ، منها :

1 - عن أم سلمة أنّها رأت نسيبا لها ينفخ إذا أراد أن يسجد ، فقالت : إن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال لغلام يقال له رباح : « ترّب وجهك » (2).

2 - روي عن عياد بن عبد الله أنّه قال : رأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) رجلاً يسجد على كور عمامته ، فأومأ بيده أرفع عمامتك وأومأ على جبهته (3).

3 - قال الوائل بن حجر : رأيت النبي ( صلى الله عليه وآله ) إذا سجد وضع جبهته وأنفه على الأرض (4).

4 - عن ابن عباس : أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) سجد على الحجر (5).

5 - عن عائشة أنّها قالت : ما رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) متّقياً وجهه بشيء (6).

6 - قال ابن عباس : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : من لم يلزق أنفه مع جبهته بالأرض إذا سجد لم تجز صلاته (7).


1) صحيح مسلم : 1 / ح 521 .

2) مسند أبي يعلى الموصلي : 6 / ح 6918 .

3) السنن الكبرى ، البيهقي : 2 / ح 2659 .

4) أحكام القرآن للجصاص 3 : 209 .

5) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 2 / ح 1775 ، وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي .

6) كنز العمال المتقي الهندي 8 / ح 22236 .

7) مجمع الزوائد 2 / ح 2762 .

وعندما يرى ويدقّق المتأمّل المصنف في هذه النصوص وغيرها يصل إلى أنّ السجود على الأرض ليس بدعة ، بل هو من الواجبات التي لا بدّ من امتثالها ، فكيف أصبحت سنّة الرسول الصحيحة في كتب القوم بدعة ، وصار من يسجد على الأرض من أهل البدعة والضلال إن لم يكن مشركاً كما يزعمون !

إنّ كلّ عاقل يريد الاحتياط لدينه والاطمئنان على صحّة عباداته ; حتّى لا يذهب عمره بالتعب سدى لا بدّ له أن يسجد على الأرض لاتّفاق العلماء - شيعة وسنّة - على جوازه وإجزاء صلاته ، بل قال بعض علماء السنّة بأفضليّته كما تقدّم .

إعلان الانتماء إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

واصل « أحمد » دراسته ومقارنته بين مذهبه ومذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) حتّى توصل في نهاية المطاف إلى أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فترك مذهبه السابق ، وأعلن بكلّ جرأة انتماءه إلى مذهب عترة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .

(8) أحمد مصلح( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في العاصمة « جاكرتا » ، حاصل على الشهادة الإعدادية ، تربّى في أجواء عائلة شافعيّة المذهب ، ولكنّه لم يكن من نمط الشباب المنشغل بالمتع الدنيويّة التافهة ، بل كان يودّ الاهتمام بأمر دينه ليصل إلى مستوى البصيرة فيه ، فتوجّه إلى البحث حتّى أصبح من شيعة الإمام علي ( عليه السلام ) .

الإمام عليّ ( عليه السلام ) هو الأذن الواعية :

وجد « أحمد مصلح » خلال بحثه بأنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) يمتلك فضائل عديد وردت في القرآن الكريم ووجد بأنّ هذا الأمر يحفّزه للالتحاق بشيعة الإمام عليّ ( عليه السلام ) .

ومن الفضائل التي يتحلّى بها الإمام عليّ ( عليه السلام ) ما ورد عن مكحول ، يقول : قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ) ثم التفت إلى علي ( عليه السلام ) فقال : سألت الله أن يجعلها أذنك ، قال علي ( عليه السلام ) فما سمعت شيئاً من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فنسيته (1).

وهنا تطرح هذه المسألة : أليس الإمام علي ( عليه السلام ) المتّسم بهذه الفضيلة أحقّ بالاتّباع بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من غيره ؟ فكيف يسمح المسلم لنفسه أن يترك الإمام علي ( عليه السلام ) ويذهب إلى غيره لمعرفة ما جاء به رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ !


1) الدر المنثور ، السيوطي 6 / 407 ، فتح القدير ، الشوكاني : 5 / 338 ، ترجمة الإمام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق لابن عساكر : 2 / 425 .

الإمام علي ( عليه السلام ) من الصادقين ومن أهل الذكر :

إنّ من الآيات القرآنية الأخرى التي تحثّ المؤمنين على اتّباع الإمام علي ( عليه السلام ) قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ

الصَّادِقِينَ ) (1)

( 2 و 3 ) الدر المنثور : 3 / 517 ، ترجمة الإمام علي ( عليه السلام ) من تاريخ دمشق لابن عساكر : 2 / 422 .

.

وقد ورد عن ابن عباس ، حول هذه الآية : قال : مع علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) (2) .

وأخرج ابن عساكر أيضاً عن أبي جعفر ( عليه السلام ) في قوله تعالى : ( وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ) قال : مع علي بن أبي طالب . (3) .

وقال تعالى : ( فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) (2).

وقد ورد : لمّا نزلت هذه الآية ، قال الإمام علي ( عليه السلام ) : نحن أهل الذكر (3).

وورد أيضاً عن الإمام الباقر ( عليه السلام ) قوله في هذه الآية : نحن أهل الذكر (4).

اقتطاف ثمار البحث

إنّ البحوث التي أجراها « أحمد مصلح » والمقارنة التي قام بها بين عقائد مذهبه وبين عقائد مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) أوصلته في نهاية المطاف إلى الاعتقاد بأنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) أحقُّ بالاتّباع من غيره ، فلمّا توصّل « أحمد » إلى هذه النتيجة التحق بالمعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ، ليزداد علماً بالأسس والمبادىء الإسلاميّة الصحيحة ، ثمّ توجّه إلى بثّ علوم ومعارف عترة الرسول ( عليهم السلام ) فواصل نشاطه في التدريس ونشر الحقائق التي توصّل إليها خلال بحثه السابق .


1) التوبة (9) : 119 .

2) النحل : 43 ، الأنبياء : 7 .

3) تفسير الطبري : 10 / ح 18472 ، تفسير القرطبي : 11 / 180 ، شواهد التنزيل : 1 / ج 436 .

4) تفسير الطبري 8 . ح 16318 ، تفسير ابن كثير : 2 / 567 .

(9) إخلاص بوديمان( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « اوجونغ بندنغ » ، ونشأ في عائلة شافعيّة المذهب ، ثمّ بقي على انتمائه المذهبي حتّى اطّلع على عقيدة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) من خلال مطالعته للكتب الشيعيّة .

ثمّ شرع « إخلاص بوديمان » بعمليّة المقارنة بين عقائد مذهبه السنّي وعقائد المذهب الشيعي ، فاكتشف من خلال ذلك حقائق كثيرة دفعته إلى التحوّل المذهبي .

موقف قريش من إمامة عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) :

وصل « إخلاص بوديمان » من خلال التتبّع والبحث إلى هذه الحقيقة وهي أنّ الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) عيّن عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) خليفة من بعده ، فأخذ الحسد ينهش قلوب سادات قريش ، فتحالفوا لئلاّ تصل الخلافة بيد الإمام علي ( عليه السلام ) بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولئلاّ يستلم الإمام علي ( عليه السلام ) قيادة الأمّة من بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) .

وكانت ذريعة قريش في هذا الموقف بأنّ النبوّة كانت من بني هاشم فلا ينبغي أن تقع الخلافة أيضاً بيدهم وتُحرَم باقي بطون قريش من هذه المنزلتين .

ومن أهم الأدلّة المثبتة لهذه الحقيقة هو الحوار الذي جرى بين عمر بن الخطاب ( زمن استلامه للحكم ) وبين ابن عبّاس ، حيث ورد في هذا الحوار :

قال عمر بن الخطاب لابن عبّاس : يا ابن عبّاس ، أتدري ما منع قومكم منهم

بعد محمّد ( صلى الله عليه وآله ) ؟ فكره ابن عبّاس أن يجيب عمر ، فقال له : إن لم أكن أدري فإنّ أمير المؤمنين يدري !

فقال عمر : كرِهوا أن يجمعوا لكم النبوّة والخلافة فتبجحوا على قومكم بجحاً بجحاً ، فاختارت قريش لأنفسها فأصابت ووُفِّقت .

فقال ابن عبّاس : يا أمير المؤمنين ، إن تأذن لي في الكلام وتُمط عنّي الغضب تكلّمت .

قال عمر : تكلّم .

قال ابن عبّاس : أما قولك يا أمير المؤمنين : اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووُفِّقت ، فلو أنّ قريشاً اختارت لأنفسها حين اختار الله لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود .

وأمّا قولك : إنّهم أبوا أن تكون لنا النبوّة والخلافة ، فإنّ الله عزّ وجل وصف قوماً بالكراهة ، فقال : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ ) .

فقال عمر : هيهات والله يا بن عبّاس ، قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أقرّك عليها فتزيل منزلتك منّي .

فقال ابن عبّاس : ما هي يا أمير المؤمنين ؟ فإن كانت حقّاً فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك ، وإن كانت باطلاً ، فمثلي أماط الباطل عن نفسه .

فقال عمر : بلغني أنّك تقول : إنّما صرفوها عنّا حسداً وبغياً وظلماً .

فقال ابن عبّاس : أما قولك يا أمير المؤمنين : ظلماً ، فقد تبيّن للجاهل والحليم ، وأمّا قولك حسداً ، فإنّ آدم حُسد ونحن ولده المحسدون .

فقال عمر : هيهات هيهات ! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلاّ حسداً لا يزول .

فقال ابن عبّاس : مهلاً يا أمير المؤمنين ، لا تصف قلوب قوم أذهبّ الله عنهم

الرجس وطهّرهم تطهيراً بالحسد والغشّ ، فإنّ قلب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من قلوب بني هاشم . . » (1).

اتّخاذ الموقف الصحيح :

عرف « إخلاص بوديمان » بعد إلمامه بالحقائق التاريخيّة المرتبطة بمسألة الخلافة بأنّ الحقيقة مغايرة لما أملى عليه علماء مذهبه ، لأنّه كان يتصوّر فيما سبق بأنّ الأمّة أجمعت على خلافة أبي بكر بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولم يكن مطّلعاً على خلفيّات القضايا التي انطلق منها البعض لتنحية الإمام علي ( عليه السلام ) من مكانته التي دعا إليها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وانتخاب أبي بكر مكانه .

فلمّا تعرّف « إخلاص بوديمان » على الحقائق قرّر أن يتّخذ موقفه النهائي في هذا المجال ، فتحرّر من مذهبه الذي كان فيه ، وتوجّه بإخلاص نحو التمسّك بمبادىء مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

فأعلن استبصاره وإنتماءه إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

طلب المزيد من المعرفة :

هاجر « إخلاص بوديمان » بعد استبصاره إلى إيران ، وانتسب إلى الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة ، لينتهل من علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وانهمك « إخلاص بوديمان » في الحوزة العلمية على الدراسة والبحث وطلب العلم ، وبذل غاية جهده لتلقّي العلم والمعرفة ، وكان يشعر أنّه يمتلك المزيد من القدرة للتقرّب إلى الله تعالى بمقدار ارتقاء مستواه العلمي ، ووجد بأنّ العلوم التي يتلّقاها من مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) تمنحه القدرة على مواجهة شبهات المخالفين وتصونه من الانجراف والتأثّر بالتيّارات الفكريّة المنحرفة .

ثمّ حاول « إخلاص بوديمان » أن ينظّم البحوث التي يدرسها ليتمكّن بعد


1) انظر : الكامل في التاريخ ، ابن الأثير : 3 / 63 و 64 .

ذلك من إيصال هذه المعارف الحقّة إلى أبناء بلده بعد العودة إلى وطنه .

ومن هذا المنطلق نذر « إخلاص بوديمان » نفسه لخدمة الدين وخدمة كلمة الله العليا والدفاع عن الحقّ ومواجهة التيّارات البعيدة عن المنهج والفكر الصحيح .

ووطّن « إخلاص بوديمان » نفسه لنشر علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) وتبين مظلوميّة مذهبهم الذي لاقى على مرّ العصور من السلطات الجائرة أشدّ الظلم والعدوان .

وكان يدرك « إخلاص بوديمان » بأنّه سيواجه الكثير من المصاعب في طريق نشره لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولكنّه تقبّل ذلك بكلّ ترحاب ، لأنّه كان يعلم بأنّ هذا المذهب لم يتمكّن من الانتشار إلاّ بعد التسديد الإلهي له والتضحيات التي بذلها أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في هذا السبيل والمعاناة التي تحملّها أبناء هذا المذهب ( عليهم السلام ) ، وأنّ الله تعالى سيشكر جميع المساعي التي يبذلها أولياءه في سبيل الدفاع عن الحقيقة .

(10) ارتون سليمان( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، واصل دراسته حتّى تخرّج من كليّة الأدب العربي ، وكان « ارتون » يحبّ المطالعة ، فتعرّف من خلال مطالعته على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فانجذب إلى هذا المذهب بمجرّد أن لاح لبصره أنوار أحاديث أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

أخذ العلم عن أهل البيت ( عليهم السلام ) :

إنّ من الحقائق التي توصّل إليها « أرتون » أنّ لأهل البيت ( عليهم السلام ) حقوق عديدة وردت في القرآن والسنّة ومن هذه الحقوق حقّ أخذ العلم عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وذلك لأنّهم ( عليهم السلام ) هم ورثة علم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وهم أعلم الناس بكتاب الله وسنّة نبيّه .

ومن الأحاديث النبويّة الدالة على أعلميّة الإمام علي ( عليه السلام ) :

قال ( عليه السلام ) لبضعته الطاهرة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) : « أما ترضين أني زوّجتك أقدم أمتي سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً » (1)

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رواه أحمد والطبراني برجال وثّقوا . انظر ج 9 / ح 14669 .

.

وقال أيضاً ( صلى الله عليه وآله ) لابنته الزهراء : « أما ترضين أنّي زوّجتك أوّل المسلمين


1) تاريخ دمشق ، ابن عساكر : 42 / 126 . مصنّف بن أبي شبة الكوفي : 7 / فضائل عليّ بن أبي طالب ، ح 68 ، وغيرهما .

إسلاماً ، وأعلمهم علماً » (1).

أضف إلى ذلك توجد أحاديث نبوية صريحة في أعلمية الإمام علي ( عليه السلام ) منها قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طاب » (2).

« أنا مدينة العلم وعلي بابها ، فمن أراد المدينة فليأتها من بابها » (3)

وقال العجلوني في كتابه « كشف الخفاء » ج 41 ، ص 185 : « قال في الدر نقلاً عن أبي سعيد العلائي الصواب أنّه حسن باعتبار تعدّد طرقه ، لا صحيح ولا ضعيف ; فضلاً أن يكون موضوعاً .

وكذا قال الحافظ ابن حجر في فتوى له

وقال في اللآلىء بعد كلام طويل والحاصل أن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحسن المحتجّ به .

وقال في شرح الهمزية لابن حجر المكي عند قولهما - كم أبانت عن علوم - أنّه حسن خلافاً لمن زعم ضعفه » .

وقال السيوطي في « تاريخ الخلفاء » ص 170 :

« هذا حديث حسن على الصواب » .

.

« علي باب علمي ، ومبيّن لأمتي ما أرسلت به من بعدي » (4).

اعتراف بعض الصحابة بأعلميّة الإمام علي ( عليه السلام ) :

ورد عن عمر بن الخطاب عبارات مشهورة تبيّن احتياجه إلى علم الإمام علي ( عليه السلام ) ومن هذه العبارات : « لولا عليّ لهلك عمر » (5).

أعوذ بالله أن أعيش في قوم ليس فيهم أبو الحسن » وفي نصّ آخر « أعوذ


1) المعجم الكبير ، الطبراني ، 22 / ج 1030 . كنز العمال : 11 / ح 32922 .

2) كنز العمال : 11 / ح 32922 .

3) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4695 . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

4) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4678 ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . كنز العمال ، المتقي الهندي : 11 / ج 32974 .

5) تأويل مختلف الحديث ، ابن قتيبة الدينوري : ص 150 . فيض القدير ، المناوي : 4 / ح 5594 .

بالله من كلّ معضلة ليس لها أبو حسن » (1).

« عليّ أقضانا » (2).

وورد عن عائشة أنّها قالت : « عليّ أعلم الناس بالسنّة » (3).

ومن اعترافات معاوية أنّه عندما بلغه خبر استشهاد الإمام علي ( عليه السلام ) : « لقد ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب » (4).

سلوني قبل أن تفقدوني

بلغ علم الإمام علي ( عليه السلام ) إلى مستوى رفيع بحيث قال ( عليه السلام ) : « سلوني قبل أن تفقدوني ، فوالذي فلق الحب وبرىء النسمة ، لو سألتموني عن آية آية ، في ليل نزلت أم في نهار نزلت ، مكيّها ومدنيها ، سفريها وحضريها ، وناسخها ومنسوخها ، ومحكمها ومتشابهها ، وتأويلها وتنزيلها لأنبأتكم » (5).

وأمّا علم بقيّة الأئمة فإنّ سيرتهم تدلّ بوضوح أنّهم كانوا خزنة علم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومن الشواهد على ذلك :

علم الإمام الحسن ( عليه السلام ) : ورد أنّه أرسل قيصر يسأل معاوية عن بعض المسائل ، فلم يعلم جوابها فأحالها إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) (6).

وفي علم الإمام الحسين ( عليه السلام ) : قال ابن عباس : الحسين من بيت النبوّة


1) راجع الهامش السابق .

2) فتح الباري ، ابن حجر : 7 / ص 93 . الاستيعاب ، ابن عبد البر : 3 / ص 205 . فتح الملك العلي ، الصديق المغربي : ص 71 .

3) الاستيعاب ، ابن عبد البر : 3 / ص 206 . التاريخ الكبير ، البخاري : 2 / 2377 . الوافي بالوفيات ، الصفدي : 21 / 179 .

4) الاستيعاب ابن عبد البر : 3 / 208 .

5) الاحتجاج الطبرسي : 2 / 617 . وقد ورد تعبير سلوني قبل أن تفقدوني » في المستدرك للحاكم : 2 / ح 3392 وصحّحه ووافقه الذهبي .

6) رسائل الجاحظ : الرسائل السياسية ، ص 450 .

وهم ورثة العلم (1).

علم الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : قال الشافعي : إنّ علي بن الحسين ( عليه السلام ) أفقه أهل المدينة (2).

علم الإمام الباقر ( عليه السلام ) : بشّر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأنّ ابنه وحفيده الإمام الباقر ( عليه السلام ) هو الذي يبقر العلم وقد نقل هذه الشهادة الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري (3).

علم الإمام الصادق ( عليه السلام ) : إنّ علمه لا يخفى على أحد لأنّه ( عليه السلام ) تمكّن من نشر علمه ، بحيث سُمّي مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ب‍ « المذهب الجعفري » لكثرة العلم الذي وصل إلى هذا المذهب من الإمام جعفر بن محمد الصادق وقال عنه أبو حنيفة : « ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد » (4).

علم الإمام الكاظم ( عليه السلام ) : يكفي لمعرفة وفور علومه رواية العلماء عنه جميع الفنون من علوم الدين وغيرها حتّى عرف بين الرواة بالعالم وقال الشيخ المفيد : وقد روى الناس عن أبي الحسن موسى فأكثروا ، وكان أفقه أهل زمانه (5).

علم الإمام الرضا ( عليه السلام ) : قال عبد السلام الهروي : « ما رأيت أعلم من عليّ بن موسى الرضا ، ما رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتي » (6).

علم الإمام الجواد : إنّ أبرز الشواهد على أعلميّته ( عليه السلام ) أنّه عجز يحيى بن أكثم قاضي القضاة في زمن المأمون العبّاسي عن مناظرته ولم يتجاوز عمر الإمام ( عليه السلام ) آنذاك تسع سنين .


1) رسائل الجاحظ الرسائل السياسية ، ص 452 .

2) تذكرة الحفّاظ ، الذهبي : 1 / رقم 162 .

3) الأصول من الكافي : 1 / 469 / ح 2 .

4) سير أعلام النبلاء : 6 / 257 .

5) الارشاد : 2 / 235 .

6) أعلام الورى : 2 / 64 ، كشف الغمة : 3 / 106 - 107 .

وهكذا بقيّة الأئمّة الذين لم تسمح لهم الظروف بإظهار علمهم ونشر معارفهم .

أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) أحقّ بالاتّباع :

توصّل « أرتون سليمان » إلى هذه النتيجة في نهاية مطاف بحثه بأنّ أهل البيت أحقّ بالاتّباع من غيرهم لأنّهم أعلم الناس وهم الذين اصطفاهم الله تعالى ليكونوا حججه على البريّة .

ومن هنا أعلن « ارتون » استبصاره ، ثمّ سافر إلى إيران والتحق بالحوزة العلميّة في مدينة قم ليزداد علماً وفهماً وبصيرة من خلال ارتواء علوم ومعارف أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(11) افريزا بن صلاح الدين( شافعي - أندونيسيا )

الصورة

D02

ولد سنة 1407 ه‍ ( 1987 م ) في مدينة « بندا آچه » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ درس في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ، ثمّ تخصّص في الاقتصاد الإسلامي في الحوزة العلمية في مدينة قم ، إضافة إلى مواصلة الدروس الدينيّة الأخرى .

بداية تعرّفه على التشيّع :

التقى « افريزا » أثناء دراسته في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ببعض الشيعة وتعرّف عن طريقهم على بعض عقائد الشيعة وتأريخهم ، ثمّ سافر إلى « ماليزيا » للدراسة في المعهد الإسلامي هناك ، ولكن شاءت الظروف أن يلتقي بأحد أصدقائه من أبناء منطقته ، فوجده قد تشيّع وانتمى إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) . فنصحه صديقه بدراسة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، والسفر إلى إيران للدراسة في الحوزة العلميّة ، وقد وقعت هذه النصيحة منه موقع القبول .

فسافر « افريزا » إلى إيران وانتسب إلى الحوزة العلميّة في مدينة قم ، ثمّ حصلت له نقاشات علميّة في العديد من القضايا العقائدية مع الأساتذة والطلبة الدارسين هناك ، ومن هذا المنطلق اقتنع « افريزا » بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأعلن استبصاره في مدينة قم بإيران .

إنّ من جملة المسائل التي ناقش فيها افريزا أساتذته وأصدقائه من الطلبة

هي مسائل التوحيد الإلهي كعلم الله تعالى والقضاء والقدر ، وكان ممّا لفت نظره بالخصوص مسألة البداء التي يقول بها الشيعة وعرف « افريزا » من خلال البحث بأن معظم أهل السنّة يقبلون البداء أيضاً ولكنّهم يسمّونه باسم « المحو والإثبات » ولكن المشكلة هي وقوع التهريج وصدور الاتّهامات الباطلة ضدّ عقيدة الشيعة في هذا الخصوص من قبل بعض أعلام أهل السنّة - كالبلخي والأشعري والفخر الرازي نتيجة عدم إلمامهم بمقصود ما يقوله الشيعة أو نتيجة أسباب أخرى يكمن وراءها عدم الالتزام بتقوى الله تعالى .

ما هو البداء

البداء في اللغة - هو الظهور بعد الخفاء ، وقال الراغب في مفرداته (1): « بدا الشيء بُدواً ، وبداءً أي ظهوراً بينّا ، قال الله تعالى : ( وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ) (2).

وأمّا معنى البداء في المصطلح العقائدي فهو يعني تغيير المصير والمقدّر بالأعمال الصالحة أو الطالحة ، كما غيّر قوم يونس قدرهم السيّء أعني نزول العذاب بالتوبة والإنابة ، ويكون هذا البداء في مقام الثبوت وأمّا البداء في مقام الإثبات فهو يعني إخبار النبيّ والوليّ عن شيء للعلم بالمقتضي من دون الاطّلاع على المانع عن تأثيره من قبيل إخبار يونس ( عليه السلام ) عن نزول العذاب من جهة اطّلاعه على مقتضيه مع عدم اطّلاعه على المانع من تأثيره ، فأخبره عن نزول العذاب ، لكنه لم يتحقّق ولا يلزم من هذا كون يونس كاذباً ، بدليل الأمارات الكثيرة على صدقه في الأخبار (3).

قد أجمع الشيعة على أنّ الله سبحانه لا يتصوّر فيه الظهور بعد الخفاء ، ولا


1) المفردات ، مادّة « بدا » ص 40 .

2) الزمر (39) : 47 - 48 .

3) انظر النسخ البداء في الكتاب والسنة : 29 - 30 .

العلم بعد الجهل ، بل هو يعلم كلّ شيء قبل خلقه وحينه وبعده ، وقد قال تعالى : ( إِنَّ اللّهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ) (1)كمال الدين وتمام النعمة ، الشيخ الصدوق : 99 .(2).

قال الإمام موسى الكاظم ( عليه السلام ) : « لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء » (3).

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « من زعم أنّ الله عزّ وجلّ يبدو له من شيء لم يعلمه أمس ، فابرؤوا منه » (3) .

وبذلك يعلم كذب ما اتّهم به الشيعة من أنّهم يقولون خلاف ذلك ، ونذكر على سبيل المثال ما قاله الرازي في تفسيره لآية المحو والإثبات ، حيث يقول : « قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسّكوا فيه بقوله : ( يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ ) .

ثمّ يضيف : واعلم إنّ هذا باطل لأنّ علم الله من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك كان دخول التغيّر والتبدّل فيه محالاً » (4).

وقد أخطأ الرازي في هذا المقام في نسبته للشيعة بأنّهم يؤمنون بأنّ الله يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده لأنّ الشيعة لا تقول بهذا وإنّ مقصودهم من البداء غير هذا .

البداء وتغيير الإنسان لمصيره

زعم اليهود أنّ الله قد فرغ من الأمر ، وأنّ كلّ ما هو مقدّر محتوم الوقوع ، لا يصحّ تغييره وقالوا : « يد الله مغلولة » ، والقول بالبداء هو ردّ عليهم ، فالله تعالى له السلطة على الكون وله السلطة على مصير الإنسان وأنّه لم يفرغ من الأمر ، بل كلّ


1) آل عمران

2) 5 .

3) الكافي ، الكليني : 1 / باب ( صفات الذات ) ، ح 4 .

4) التفسير الكبير ، الفخر الرازي : 19 / 52 .

يوم هو في شأنّ .

كما أنّ المقدّرات على قسمين : مقدّر محتوم ، ومقدّر غير محتوم ، والقدر غير المحتوم قابل للتغيير من قبل الإنسان بأعماله الصالحة ، كالدعاء والاستغفار وصلة الرحم والصدقة .

فوائد الاعتقاد بالبداء :

إنّ الاعتقاد بالبداء يبعث في قلب الإنسان بأنّه يستطيع أن يغيّر مصيره نحو الأفضل ، أمّا المتأثّرون باليهود من المسلمين فقد أغلقوا على أنفسهم أبواب الرحمة ، وصاروا يرون بأنّ لا فائدة من العمل والسعي ما دام القدر قد جفّ قلمه ، وأنّ السعادة والشقاء مقدّران حتميان لا يمكن تغيير هما بالدعاء والأعمال الصالحة .

ومن جهة أخرى فإنّ القول بالبداء يوجب انقطاع العبد إلى ربّه ويدفع العبد للدعاء المستمر لسدّ حاجاته ، وكفاية أمره وتوفيقه للطاعة وإبعاده عن المعصية ، كما أنّ إنكار البداء يلزم منه اليأس وترك الدعاء والتوسّل والتضرّع للخالق لجفاف القلم وعدم الفائدة .

مواصلة البحث والاستبصار :

واصل « افريزا » بحثه في الصعيد العقائدي حتّى توصّل عام 1421 ه‍ ( 2001 م ) إلى أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليه السلام ) ، فأعلن استبصاره وبدأ بعد ذلك صفحة جديدة في حياته وحاول أن يرفع مستوى وعيه الديني عن طريق كثرة مطالعته لأحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(12) أوي فريدة( شافعي - أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « بلريد فرواكرتا » ، ونشأ في أسرة شافعيّة حتّى تعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فجذبه هذا المذهب ودفعه إلى التخلّي عن معتقداته الموروثة والالتحاق بمذهب عترة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .

أهميّة وجود الوصي بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

كان يرى « أوي فريدة » - كما لقّنه الآخرون - بأنّ الأمة الإسلاميّة لم تعد قاصرة حتّى تحتاج إلى وصيّ بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، لأنّ الأمّة بلغت بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) حدّاً من الوعي بحيث أصبحت قادرة على تحديد مصيرها عن طريق الشورى .

ولكن اكتشف « أوي » بعد مطالعته لتاريخ صدر الإسلام بأنّ الأحداث التي وقعت بعد رحيل النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) تبيّن بوضوح أنّ الأمّة كانت تفتقر إلى وصيّ من قبل الله لإدارة شؤونها ، لأنّ الفتن صبّت على الأمة كقطع الليل المظلم بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ونشأ الاختلاف بين المسلمين بدءاً من سقيفة بني ساعدة ، وبدأت الفتن تتصاعد حتّى وقعت معارك دامية بين المسلمين بعد مقتل عثمان ثمّ طغى الفساد والجور حتّى آل الأمر إلى قتل ريحانة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الإمام الحسين ( عليه السلام ) بتلك الصورة الفجيعة .

وفي خضم هذه الفتن هل يصحّ القول بأنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ترك أمّته سدى ولم يحدّد لها من ترجع إليه لحلّ الاختلاف .

الاندفاع إلى البحث :

إنّ هذه التساؤلات دفعت « أوي فريدة » إلى البحث ، فاكتشف من خلال البحث أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بخلاف ما ورثه من أسلافه أكدّ بأمر الله تعالى على وصاية الإمام ( عليه السلام ) في العديد من المواقف بدءاً من يوم إنذاره لعشيرته وإلى يوم الغدير الذي جمع فيه رسول الله الناس وأعلن فيه ولاية الإمام علي ( عليه السلام ) أمام جمع غفير من المسلمين .

وعرف « أوي فريدة » بأنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) هو الذي نصّبه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بأمر من الله تعالى لحفظ الدين وصيانته من التحريف اللفظي والمعنوي الذي نشأ عن الآراء الباطلة والتفاسير الخاطئة للقرآن الكريم .

وعرف « أوي فريدة » بأنّ الأمّة الإسلامية لم تنحرف عن الصراط المستقيم ولم تتّجه نحو الضلال إلاّ بعد تركها للعترة ورفعها شعار « حسبنا كتاب الله » (1)

هذه المقولة لعمر بن الخطاب ، قالها عندما طلب الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وهو في فراش الموت أن يأتوا له بكتف ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده ، فقال عمر : « إنّ النبي غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا كتاب الله » .

.

ومن هذا المنطلق اختلف أصحاب هذا الشعار بعد ذلك في تفسيره وفهم الآيات القرآنيّة ، ففسّر كلّ واحد منهم القرآن برأيه وتمسّك البعض بجملّة من الآيات وترك القسم الآخر ، فازداد التنازع في الوسط الإسلامي حتّى فشلوا وذهبت ريحهم .

ولو أنّ الأمّة الإسلاميّة كانت من بداية أمرها متمسّكة بالقرآن والعترة كما أكّد على ذلك الرسول في حديث الثقلين ، فإنّ هذا التمسّك كان سبباً في عصمتهم من الضلال ، ولكنّهم جعلوا قول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وراء ظهورهم وأهملوا تأكيد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على أهل بيته وقوله ( صلى الله عليه وآله ) : « إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي


1) صحيح البخاري : 1 / ح 114 .

فأجيب وأنا تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثمّ قال وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي » (1).

وتركوا التمسّك بوصيّة الرسول للأمّة في قوله : « إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما » (2).

ومن هذا المنطلق قرّر « أوي فريدة » أن يتمسّك بأهل البيت ( عليهم السلام ) إضافة إلى تمسّكه بالقرآن الكريم ليعصم بذلك نفسه من الضلال ، وليكون من الاتباع الحقيقيين لسنّة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .


1) صحيح مسلم : 4 / ح 2408 .

2) صحيح الجامع الصغير وزيادته ، الألباني : 1 / ح 2458 .

(13) بودي براكاسو( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1390 ه‍ ( 1971 م ) في أندونيسيا بمدينة « بكلونجن » ونشأ في مدينة « بكلونجن » مترعرعاً في ظلّ أسرة مسلمة تنتمي إلى المذهب الأشعري في العقائد والمذهب الشافعي في الفقه والأصول ، فبقي على انتمائه الموروث حتّى استبصر صديقه أحمد حافظ ، فدفعه ذلك إلى البحث الشمولي في رحاب العقيدة من أجل الدفاع عن عقائد السلف .

تتالي الانتكاسات :

كان يتوقع « بودي براكاسو » أن يجد خلال البحث الأدلة الدامغة التي يتمكّن أن يواجه بها أدلّة صديقه المستبصر ، ولكنه واجه الكثير من الانتكاسات في هذا السبيل ، حتّى أعياه البحث ، وكانت تحفزّه النفس إلى اتّباع السبل الملتوية عن طريق المبادرة إلى التأويلات التي تنسجم مع ما يريده وتحريف معاني النصوص والاستفادة من كلّ وسيلة من أجل الانتصار في هذا الصراع القائم بينه وبين صديقه .

الهيمنة على النفس :

التفت « بودي براكاسو » إلى خطأ السبيل الذي يتّبعه في حواره مع صديقه ، وانتبه بأنّه لا يريد أن يخدع نفسه وإنّما قصده من الحوار هو الوصول إلى الحقيقة لا غير ، وليس قصده الإطاحة بصديقه أو التغلّب عليه ولو على حساب الحقيقة .

ومن هذه الرؤية المنطقيّة الصحيحة واصل « بودي براكاسو » بحثه في الصعيد العقائدي ، حتّى توصّل إلى نتائج دفعته في نهاية المطاف إلى التخلّي عن

مبادئه الموروثة والتوجّه نحو المباديء التي أملتها عليه الأدلّة والبراهين .

هل يوجد غرض وغاية في الفعل الإلهي ؟

إنّ البحوث الجديدة التي أجراها « بودي براكاسو » دفعته إلى تغيير الكثير من مفرداته العقائديّة والفكريّة منها أنّه كان يعتقد - وفق عقيدة الأشاعرة - بأنّ أفعال الله تعالى ليست معلّلة بالغرض (1). وكان دليله في ذلك بأنّ وجود الغرض في الفعل الإلهي يلزم أن يكون الله تعالى ناقصاً بذاته ومستكملاً بتحصيل ذلك الغرض .

ولكنّه عرف بعد البحث بأنّ أغراض الفعل الإلهي لا تعود على الله بالمنفعة ، لأنّه تعالى غنيّ بالذات وهو غير محتاج لشيء ، ولكن تعود منفعة هذه الأغراض للمخلوقات (2). ومن جهة أخرى فإنّ نفي الغرض والغاية عن الفعل الإلهي يلزم :

أولاً : أن يكون الله تعالى لاعباً عابثاً في فعله حاشاه ، فإنّ العابث هو الذي يفعل لا لغرض وحكمة بل لهواً والله تعالى يقول : ( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ) ] (3).

( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ) (4). والفعل الذي لا غرض للفاعل فيه باطل ولعب ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً (5).

ثانياً : يلزم عدم فعله تعالى لغرض « أن لا يكون الله تعالى محسناً إلى العباد ولا منعماً عليهم ولا راضياً لهم ولا كريماً في حقّ عباده ، ولا جواداً . .

وبيان لزوم ذلك : إنّ الإحسان إنّما يصدق لو فعل المحسن نفعاً لغرض الإحسان إلى المنتفع ، فإنّه لو فعله كذلك لم يكن محسناً . وبهذا لا يوصف مطعم


1) المواقف للقاضي الإيجي : 331 .

2) انظر : تجريد الاعتقاد ، لنصير الدين الطوسي : 198 .

3) الأنبياء (21) : 16 .

4) آل عمران (3) : 191 .

5) نهج الحق وكشف الصدق ، للعلامة الحلي : 89 .

الدابّة لتسمن حتّى يذبحها بالإحسان في حقّها ، ولا بالإنعام عليها ولا بالرحمة ، لأنّ التعطُف والشفقة إنّما يثبت مع قصد الإحسان إلى الغير لأجل المنفعة لا لغرض آخر يرجع إليه ، وإنِّما يكون كريماً وجواداً ، لنفع الغير بغرض الإحسان ، ولو صدر منه النفع لا لغرض ، لم يكن كريماً ولا جواداً ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً » (1).

ثالثاً : يلزم عدم فعله تعالى لغرض « أن تكون جميع المنافع التي جعلها الله تعالى منوطة بالأشياء غير مقصودة ، ولا مطلوبة لله تعالى ، بل وضعها وخلقها عبثاً ، فلا يكون خلق العين للإبصار ، ولا خلق الأذن للسماع ، ولا اللسان للنطق ، ولا اليد للبطش ، ولا الرجل للمشي ، وكذا جميع الأعضاء التي في الإنسان ، وغيره من الحيوانات . . . ولا خلق الحرارة في النار للإحراق ولا الماء للتبريد ، ولا خلق الشمس والقمر والنجوم للإضاءة ، ومعرفة الليل والنهار للحساب وكلّ هذا مبطل للأغراض والحكم والمصالح ويبطل علم الطب بالكليّة ، فإنّه لم يخلق الأدوية للإصلاح ويبطل علم الهيئة وغيرها ويلزم العبث في ذلك كلّه ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً » (2).

التخلّي عن المبادئ الموروثة :

إنّ الأدلة التي حصل عليها « بودي براكاسو » دفعته في نهاية المطاف إلى تغيير انتمائه المذهبي ، فتحوّل من المذهب الشافعي الذي كان عليه والتحق بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ توجّه بعد ذلك إلى تشييد أسسه الفكريّة على ضوء مباني مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فشرع بغربلة مفرداته الفكريّة من أجل التحرّر من الأفكار التي لم تؤسّس على الأسس المتينة ، وجعل الملاك في غربلة الأفكار هو الحقّ الذي يعتمد على الدليل والبرهان ، وبذلك تمكّن من تنقية وجوده من الأفكار الخاطئة .


1) المصدر السابق : 89 - 90 .

2) المصدر السابق : 90 - 91 .

(14) جديد باعلي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « برابو لنغا » ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ واصل دراسته حتّى حصل على شهادة الإعداديّة ، ثمّ تأثّر بالفكر الشيعي ، فتوجّه إلى دراسة مذهب التشيّع بصورة معمّقة فالتحق بالمعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » فتعرّف في هذا المعهد على حقائق غيّرت مساره الفكري وتركت أثراً بالغاً في توجّهاته العقائديّة حتّى دفعته في نهاية المطاف إلى تغيير انتمائه من مذهب أهل السنّة إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

مودّة ذوي القربى :

إنّ من أهمّ الأمور التي لفتت انتباه « جديد باعلي » إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هي مسألة اهتمام القرآن الكريم بهم ، وقوله تعالى لرسوله ( صلى الله عليه وآله ) : ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1).

فقد أخرج الطبراني بسنده إلى أبي الطفيل خطبة الإمام الحسن ( عليه السلام ) بعد شهادة أبيه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) من جملتها : « أنا ابن البشير وأنا ابن النذير وأنا ابن النبي وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه وأنا ابن السراج المنير وأنا ابن الذي أرسل رحمة للعالمين وأنا من أهل البيت الذين أفترض الله عزّ وجلّ مودّتهم


1) الشورى (42) : 23 .

وولايتهم ، فقال فيما أنزل الله على محمد ( صلى الله عليه وآله ) ( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (1)

وقال : رواه الطبراني في الأوسط والكبير باختصار ، إلاّ أنّه قال : ليلة سبع وعشرين من رمضان ، وأبو يعلى باختصار ، والبزار بنحوه ، إلاّ أنّه قال : ويعطيه الراية ، فإذا حم الوغى فقاتل جبريل عن يمينه ، وقال : وكانت إحدى وعشرين من رمضان . وراه أحمد باختصار كثير .

وإسناد أحمد وبعض طرق البزّار والطبراني في الكبير حسان .

.

والتفت الفخر الرازي إلى الحقيقة الكامنة في هذه الآية فقال في تفسيرها : « فثبت أنّ هؤلاء الأربعة - عليّ وفاطمة والحسن والحسين رضي اللّه عنهم - أقارب النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ولذلك فإنّ لهم ميزة عظيمة يختصون بها ، ويدلّ على هذا وجوه :

الأوّل : قوله تعالى : ( إلاّ المودّة في القربى ) ووجه الاستدلال فيه واضح تماماً .

الثاني : لا شكّ أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) كان يحبّ فاطمة ، قال ( صلى الله عليه وآله ) : « فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما يؤذيها » .

وثبت بالنقل المتواتر أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) كان يحب عليّاً والحسن والحسين ، وإذا ثبت ذلك وجب على كلّ الأمّة مثله . .

الثالث : أنّ الدعاء للآل منصب عظيم ، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهّد في الصلاة ، وهو قوله : « اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد وارحم محمّداً وآل محمّد » .

وهذا التعظيم لم يوجد في حقّ غير الآل ، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمّد واجب » (2).


1) مجمع الزوائد للهيثمي : 9 / 14798 .

2) التفسير الكبير للفخر الرازي : 9 / 595 .

اتباعه لذوي القربى

ومن هنا وجد « جديد باعلي » بأنّ أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) أحقّ بالاتّباع من غيرهم ، فلهذا اتخذ قراره النهائي وتحوّل من مذهبه السابق إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ توجه إلى نشر الحقيقة التي توصّل إليها إلى الآخرين ، لئلاّ يبقى هؤلاء في غفلة عن الحقيقة التي اضطهدت طوال سنوات هيمنة بني أميّة وبني العباس والسائرين على نهجهم ، وليكون أبناء مجتمعه على بصيرة من أمر دينهم .

(15) جعفر الحبشي( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1394 ه‍ ( 1975 م ) في أندونيسيا في مدينة « بندودسو » ، حاصل على شهادة الإعدادية ، ثمّ التحق بالمعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ، وكان أبواه من أتباع المذهب الشافعي ، لكنه تعرّف على بعض أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فحاورهم في المسائل الخلافيّة الموجودة بين المذهب السنّي والمذهب الشيعي ، حتّى وصل إلى مرحلة القناعة بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأعلن استبصاره وإنتماءه إلى مذهب التشيّع .

منزلة أهل البيت ( عليهم السلام ) عند الله تعالى :

عرف جعفر الحبشي من خلال بحثه العقائدي بأنّ لأهل البيت ( عليهم السلام ) منزلة عظيمة عند الله تعالى منها ما ورد في الدرّ المنثور في تفسير قوله تعالى : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَات ) (1)الدر المنثور للسيوطي : 1 / 119 ، مناقب ابن المغازلي : ح 89 .(2)عن ابن عباس قال : سألت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) عن الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه ، قال : سأل بحقّ محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلاّ تبت عليّ فتاب عليه (2) .

وورد عن الإمام علي ( عليه السلام ) قال : سألت النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن قول الله تعالى : ( فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَات ) فقال : إنّ الله أهبط آدم بالهند ، وحواء بجدّة ، وإبليس بميسان ،


1) البقرة

2) : 37 .

والحية بإصبهان ، وكان للحية قوائم كقوائم البعير ، ومكث آدم بالهند مائة سنة باكياً على خطيئته حتّى بعث الله تعالى إليه جبرئيل وقال : يا آدم ألم أخلقك بيدي ؟

ألم أسجد لك ملائكتي ؟

ألم أزوّجك حوّاء أمتي ؟

قال : بلى .

قال : فما هذا البكاء ؟

قال : وما يمنعني من البكاء وقد أخرجت من جوار الرحمن

قال : فعليك بهذه الكلمات ، فإن الله قابل توبتك وغافر ذنبك ، قل : اللّهم إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمد ، سبحانك لا إله إلاّ أنت ، عملت سوءاً وظلمت نفسي ، فتب عليّ إنّك أنت التواب الرحيم ، اللهم إنّي أسألك بحقّ محمّد وآل محمد ، عملت سوءاً وظلمت نفسي ، فتب عليّ إنّك أنت التواب الرحيم .

فهؤلاء الكلمات التي تلقى آدم (1).

تبعية أهل البيت ( عليهم السلام ) :

واصل « جعفر الحبشي » بحثه ولم يقتصر على دليل واحد أو دليلين من أجل التخلّي عن مذهبه السابق ، وبمرور الزمان تبلورت قناعته بأحقّية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأعلن استبصاره ثمّ سافر إلى إيران والتحق بالحوزة العلمية بمدينة قم المقدّسة ، وبدأ بتلقّي علوم ومعارف أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .


1) الدر المنثور ، السيوطي : 1 / 119 .

(16) جعفر الصادق الجفري( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1361 ه‍ ( 1972 م ) في أندونيسيا بمدينة « مالنغ » ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، فلمّا بلغ سنّ الرشد اطّلع على بعض كتب مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأجرى مقارنة بين عقائد مذهبه السنّي وعقائد مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) حتّى توصّل سنة 1408 ه‍ ( 1988 م ) إلى أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلن استبصاره وإنتماءه إلى مذهب التشيّع .

ولاية الإمام عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) :

وجد « جعفر الصادق الجفري » خلال بحثه العقائدي بأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) كان كثيراً ما يحرّض أتباعه على محبّة الإمام علي ( عليه السلام ) وولايته وكان ينهى عن بغضه وأذاه ومن النصوص النبويّة الدالة على هذه الحقيقة .

ما رواه ابن مردويه في كتاب المناقب بإسناده إلى عبد الله الصامت عن أبي ذر حيث قال : دخلنا على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقلنا : من أحبّ أصحابك إليك ؟ فإن كان أمر كنّا معه ، وإن كانت نائبة كنّا دونه .

قال : « هذا علي ، أقدمكم سلماً وإسلاماً » (1).

وروى مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) قال : « والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة ! إنّه لعهد النبي الأُميّ ( صلى الله عليه وسلم ) إليّ أن لا يحبّني إلاّ مؤمن


1) الطرائف ، السيد ابن طاووس : 1 / ص 40 .

ولا يبغضني إلاّ منافق » (1).

وروى الحاكم في مستدركه على الصحيحين بسنده إلى عمرو بن شاس الأسلمي وكان من أصحاب الحديبية قال : « خرجنا مع علي ( رضي الله عنه ) إلى اليمن ، فجفاني في سفره ذلك حتّى وجدت في نفسي ، فلمّا قدمت أظهرت شكايته في المسجد حتّى بلغ ذلك رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قال : فدخلت المسجد ذات غداة ورسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) في ناس من أصحابه ، فلما رآني أبِدني (2)عينيه - قال يقول حدد إليّ النظر حتّى إذا جلست قال : « يا عمرو ، أما والله لقد آذيتني » ، فقلت أعوذ بالله أن أوذيك يا رسول اللّه ، قال : « بلى من آذى عليّاً فقد آذاني » (3).

وروى الحاكم أيضاً بسنده إلى عبد اللّه بن بريدة عن أبيه قال : « كان أحبّ النساء إلى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فاطمة ، ومن الرجال علي » (4).

وورد عن ابن عباس قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : « من لقي الله تعالى وهو جاحد ولاية علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لقي الله وهو عليه غضبان ، لا يقبل الله منه شيئاً من أعماله ، فيوكل به سبعون ملكاً يتفلون في وجهه ، ويحشره الله تعالى أسود الوجه أزرق العينين » قلنا : يا بن عباس ، أينفع حبّ علي بن أبي طالب في الآخرة ؟

قال : قد تنازع أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في حبّه حتى سألنا رسول الله ، فقال : « دعوني حتّى اسأل الوحي » ، فلّما هبط جبرئيل ( عليه السلام ) سأله ، فقال : « أسأل ربّي عز وجل عن هذا » ، فرجع إلى السماء ثم هبط إلى الأرض ، فقال :


1) صحيح مسلم : 1 / ح 131 .

2) أبِد ، بكسر الباء : غضب .

3) المستدرك على الصحيحين : الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4677 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه ، ووافقه الذهبي في التلخيص . وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد : 9 / ح 14736 ، وقال : « رواه أحمد والطبراني باختصار والبزار أخصر منه ، ورجال أحمد ثقات » .

4) المستدرك على الصحيحين ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4794 . وقال : صحيح الإسناد ولم يخرّجاه ، ووافقه الذهبي في التخليص .

« يا محمّد ، إنّ الله تعالى يقرأ عليك السلام ، وقال : أحبّ عليّاً ، فمن أحبّه فقد أحبني ، ومن أبغضه فقد أبغضني ، يا محمّد ، حيث تكن يكن علي ، وحيث يكن عليّ يكن محبّوه وإن اجترحوا » (1).

وعن أبي سعيد الخدري ، قال : أقبلت ذات يوم قاصداً إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال لي : « يا أبا سعيد » ، فقلت : لبّيك يا رسول الله ، قال :

« إنّ لله عموداً تحت العرش يضيء لأهل الجنّة كما تضيء الشمس لأهل الدنيا ، لا يناله إلاّ عليّ ومحبّوه » (2).

وورد عن زيد بن علي ، عن أبيه ، عن جدّه ، عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، قال : « يا علي ، لو أنّ عبداً عبد الله مثل ما دام نوح في قومه ، وكان له مثل جبل أُحد ذهباً فأنفقه في سبيل الله ، ومدّ في عمره حتّى حجّ ألف عام على قدميه ، ثمّ قُتل بين الصفا والمروة مظلوماً ، ثمّ لم يوالك يا علي ، لم يشمّ رائحة الجنّة ولم يدخلها » (3).

النهي عن بغض الإمام علي ( عليه السلام ) :

ورد عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الكثير من الأحاديث الشريفة الناهية والمحذّرة من بغض الإمام علي ( عليه السلام ) منها : عن ابن عباس قال : نظر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى علي ، فقال : « لا يحبّك إلاّ مؤمن ولا يبغضك إلاّ منافق ، من أحبّك فقد أحبّني ومن أبغضك فقد أبغضني وحبيبي حبيب الله ، وبغيضي بغيض الله ويل لمن أبغضك بعدي » (4).

وورد عن حديث بن عمرو ، قال : حضر معاوية الحسنُ بن علي ، وعبد الله


1) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : 71 .

2) المصدر السابق .

3) مناقب الخوارزمي : 67 / ح 40 .

4) مجمع الزوائد ، الهيثمي : 9 / ح 14760 ، وقال : « رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات » .

ابن جعفر ، وعقيل بن أبي طالب ، وعمرو بن العاص ، وسعيد ، ومروان ، ومن حضر من الناس وفيهم أبو الطفيل الكناني والشاميّون يشيرون إليه ويقولون : « هذا صاحب علي » إذ قال معاوية : « يا أخا كنانة من أحبّ الناس إليك ؟

فبكى أبو الطفيل ثمّ قال : ذاك إمام الأمّة وقائدها وأشجعها قلباً ، وأشرفها أباً وجدّاً ، وأطولها باعاً ، وأرحبها ذراعاً ، وأكرمها طباعاً ، وأشمخها ارتفاعاً .

فقال معاوية : يا أبا الطفيل ، ما هذا أردنا كلّه .

قال : ولا أنا قلت العشر من أفعاله ، ثمّ أنشأ يقول :

صهر النبيّ بذاك الله أكرمه * إذ اصطفاه وذاك الصهر مدّخرُ

فقام بالأمر والتقوى أبو حسن * بخ بخ هنالك فضل ماله خطر

لا يسلم القرن منه إن ألمَّ به * ولا يهاب وإن أعداؤه كثروا

من رام صولته وافى منيته * لا يدفع الثكل عن أقرانه الحذر

وقال فيه أبياتاً أخرى ، ثمّ نظر إلى معاوية والحسن إلى جنبه وقال :

كيف يزكّى من جدّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأمّه فاطمة بنت رسول ، وخاله القاسم ابن رسول الله ، وخالته زينب بنت رسول الله ؟ ! ومن أحبّه أحبّ رسول الله ، ومن أبغضه أبغض رسول الله ، ومن أبغض رسول الله أبغض الله ، ومن أبغض الله كفر ! (1).

عن سعد بن أبي وقاص ، قال : كنت جالساً في المسجد أنا ورجلين معي ، فنلنا من علي ، فأقبل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، غضبان يعرف في وجهه الغضب ، فتعوّذت بالله من غضبه ، فقال : « ما لكم ومالي ؟ من آذى علياً فقد آذاني » (2).

وورد عن محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن جابر الأنصاري عن عمر بن الخطاب ، قال : كنت أجفو عليّاً ، فلقيني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فقال : إنّك آذيتني يا عمر ! »


1) المناقب للخوارزمي : ص 332 ، ح 355 .

2) مجمع الزوائد ، الهيثمي : 9 / ح 14783 . وقال « رواه أبو يعلى والبزار باختصار ، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح ، غير محمود بن خداش وقنان وهما ثقتان » .

فقلت : أعوذ بالله ممّن آذى رسوله !

قال : إنّك قد آذيت عليّاً ، ومن آذى عليّاً فقد آذاني (1).

وورد عن سعيد بن جبير قال : بلغ ابن عباس أنّ قوماً يقعون في علي ( عليه السلام ) ، فقال لابنه علي بن عبد الله : خذ بيدي فاذهب بي إليهم [ وكان ذلك بعد ما حجب بصره ] .

فأخذ ولده بيده حتّى انتهى إليهم ، فقال : أيّكم الساب لله ؟ !

فقالوا : سبحانه اللّه ! من سبّ اللّه فقد أشرك .

فقال : أيّكم الساب رسول الله ؟ !

فقالوا : من سبّ رسول الله فقد كفر .

فقال : أيّكم الساب لعليّ ؟ !

قالوا : قد كان ذاك .

فقال لهم : فأشهد ، لقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : « من سبّ عليّاً فقد سبّني ، ومن سبّني فقد سبّ الله ، ومن سبّ الله كبّه الله على وجهه في النار . . . » (2).

تساؤلات كانت إجابتها سبباً للاستبصار :

وقع هذا التساؤل في ذهن « جعفر الصادق الجفري » : لماذا اهتمّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هذا الاهتمام الكثير بالإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ؟

لماذا هذا التأكيد من الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على ولاية الإمام علي ( عليه السلام ) ومحبّته و . . . ؟

ومن هذا المنطلق توجّه « جعفر الصادق الجفري » إلى البحث ، حتّى توصّل إلى هذه النتيجة بأنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) كان يمّهد بذلك لإمامة علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) بعده .


1) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : ص 81 / ح 66 .

2) المناقب للخوارزمي : ص 136 ، ح 154 . وروى ما يشابه هذا في : كنزل العمال : 11 / ح 3290 .

واستمرّ « جعفر الصادق الجفري » في بحثه حتّى توصّل إلى هذه النتيجة بأنّ الإمامة أمر إلهي ولا يحقّ للناس التدخّل في هذا الأمر بل الأمر لله يؤتي الإمامة من يشاء .

وقد شاء الله تعالى أن تكون الإمامة في الإمام علي ( عليه السلام ) وفي ذرّيته من بعده ، وهي الذريّة التي اصطفاها الله تعالى كما اصطفى آل عمران وآل إبراهيم من قبل .

ومن هنا التحق « جعفر الصادق الجفري » بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وأعلن تشيّعه ، ثمّ توجّه إلى نشر الحقائق الجديدة التي توصّل إليها .

وكان « جعفر الصادق يجمع أصدقاءه ويتحدّث معهم حول علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) وبهذه الطريقة تمكّن من أن يؤثّر على البعض منهم حيث استبصروا على يده وأعلنوا ولاءهم لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(17) حامد السقّاف( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في مدينة « ميدان » ، فأملت عليه الأجواء الأسريّة المحيطة به الانتماء إلى المذهب الشافعي ، فتقبّل مذهبه الموروث حتّى ترعرع ونمت عنده هواية البحث ، فرفع البحث مستواه العلمي حتّى أدرك بأنّ الإمام علي ( عليه السلام ) أحقّ بالاتّباع بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

الانبهار بشخصيّة الإمام علي ( عليه السلام ) :

إنّ من أهمّ الأمور التي دفعت حامد السقّاف إلى الاستبصار هي انبهاره بعظمة شخصيّة الإمام علي ( عليه السلام ) وإلمامه بالخصائص التي يمتاز بها الإمام علي ( عليه السلام ) على غيره من الصحابة .

ومن هذه الخصائص : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « ما أنزل الله آية فيها « يا أيها الذين آمنوا » إلاّ وعليّ على رأسها وأميرها » (1).

وأخرج الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده عن ابن عباس ، قال : نزلت في عليّ ثلاثمائة آية (2).

ولا يخفى بأنّ بني أميّة وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان بالغوا في سبّ الإمام علي ( عليه السلام ) وأهل بيته على منابر المسلمين حتّى أنّ قوماً من بني أميّة أنفسهم قالوا لمعاوية : يا أمير المؤمنين إنّك قد بلغت ما أمّلت ، فلو كففت عن لعن هذا الرجل ( أي : الإمام علي ( عليه السلام ) ) ، فقال ، لا والله حتّى يربوا عليها الصغير ، ويهرم عليها


1) الدر المنثور ، السيوطي : ج 1 / ص 196 ، تاريخ دمشق ، ابن عساكر : 42 / 362 .

2) تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : 6 / 219 ، ح 3275 .

الكبير ، ولا يذكر له ذاكر فضلاً (1).

ولكن مع هذا لم يستطع هؤلاء إخفاء عظمة الإمام علي ( عليه السلام ) ، فإنّ الإمام على الرغم من لعنه على المنابر طيلة العديد من السنوات فإنّه لم يزده الله بذلك إلاّ رفعة وعظمة .

وقال ابن عبد ربه في كتابه « العقد الفريد » : قال بعض العلماء لولده يا بني إنّ الدنيا لم تبن شيئاً إلاّ هدمه الدين ، وإنّ الدين لم يبن شيئاً فهدمته الدنيا ، ألا ترى أنّ قوماً لعنوا علياً ، ليخفضوا منه ، فكأنّما أخذوا بناصيته جرّاً إلى السماء (2).

اتّباع خط الإمام عليّ ( عليه السلام ) :

إنّ العديد من البحوث التي خاضها « حامد السقّاف » بيّنت له بأنّ الحقّ مع الإمام عليّ ( عليه السلام ) وأنّ الإمام علي ( عليه السلام ) أحقّ بالاتباع من غيره بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) .

ومن هذا المنطلق ، اتّخذ « حامد السقاف » قراره النهائي ، فأعلن اتّباعه للإمام علي ( عليه السلام ) فأرشده هذا الاتّباع إلى الالتزام بهدي أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) والسير على خطاهم والالتحاق بسفينتهم ، وتلقّى العلوم والمعارف منهم .

ومن هنا توجّه « حامد السقّاف » إلى دراسة علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) فانتسب إلى المعهد الإسلامي في « بإنجيل » ، وواصل دراسته في هذا المعهد حتّى تمكّن من إنهاء الدراسة فيها .

ولا يزال حامد السقاف مواصلاً للبحث لأنّه أدرك بأنّ ارتقاء مستواه العلمي له تأثير كبير في سلوكه العملي وأنّ هذا العلم بمثابة الغذاء والشحنة التي تمنحه القوّة للاستقامة في درب الحقّ ، فلهذا قرّر أن لا يترك طلبه للعلم إلى آخر عمره .


1) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد 4 / ص 57 .

2) العقد الفريد لابن عبد ربه : 5 / 115 .

(18) حامد الهدار( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « بندووسو » ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ واصل دراسته فلمّا بلغ إلى مرحلة دراسيّة يعتدّ بها سافر إلى مصر والتحق بجامعة الأزهر حتّى تخرّج منها ، ثمّ تعرّف خلال بحوثه على مظلوميّة أهل البيت ( عليهم السلام ) فجذبه ذلك إلى التعرّف على مذهبهم ، فسافر بعد التخرّج من جامعة مصر إلى إيران والتحق بالحوزة العلميّة .

وتوصّل « حامد الهدار » من خلال مطالعاته أنّ الحقّ مع أهل البيت ( عليهم السلام ) وينبغي لكلّ مسلم يودّ أن يتلقّى معارفه الدينيّة من منبع سليم أن يجعل أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) مصدره الوحيد لمعرفة الشريعة الإسلاميّة .

الإمام علي ( عليه السلام ) يوم الشورى :

استبصر « حامد الهدار » بعد أن بذل غاية جهده لمعرفة الحقّ ، وأصبح ممّن قد لبّى مناشدة الإمام علي ( عليه السلام ) يوم الشورى ، والتي ورد فيها عن أبي الطفيل عامر ابن واثلة قال : كنت على الباب يوم الشورى ، فارتفعت الأصوات بينهم ، فسمعت عليّاً ( عليه السلام ) يقول : بايع الناس أبا بكر وأنا والله ، أولى بالأمر وأحق به ، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفّاراً ، يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف ، ثمّ بايع أبو بكر لعمر وأنا والله ، أولى بالأمر منه ، فسمعت وأطعت ; مخافة أن يرجع الناس كفّاراً ، ثمّ أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان إذن لا أسمع ولا أطيع ، إنّ عمر جعلني في خمس نفر أنا سادسهم لأيم الله ، لا يعرف لي فضل في الصلاح ولا يعرفونه لي كما

نحن فيه شرع سواء . وأيم الله ، لو أشاء أن أتكلّم ثمّ لا يستطيع عربهم ولا عجمهم ولا المعاهد منهم ولا المشرك أن يردّ خصلة منها .

ثمّ قال : أنشدكم الله أيّها الخمسة ، أمنكم أخو رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غيري ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد له أخ مثل أخي المزّين بالجناحين ، يطير مع الملائكة في الجنّة ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد له عمّ مثل عمّي حمزة بن عبد المطلب ، أسد الله وأسد رسوله غيري ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد له له ابن عم مثل ابن عمّي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، سيّدة نساء هذه الاُمّة ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد له سبطان مثل الحسن والحسين سبطي هذه الاُمّة ، ابني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غيري ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد قتل مشركي قريش غيري ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد وحّد الله قبلي ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد صلّى القبلتين غيري ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد أمر الله بمودّته غيري ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد سكن المسجد يمرّ فيه جنباً غيري ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد رُدّت عليه الشمس بعد غروبها حتّى صلّى العصر غيري ؟ قالوا : لا .

قال : أمنكم أحد قال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين قرّب إليه الطير فأعجبه ، فقال : « اللهمّ أئتني بأحبّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير » فجئت وأنا لا أعلم ما كان من قوله ، فدخلت فقال : « وإليّ يا رب ، وإليّ يا ربّ » غيري ؟ قالوا : لا .

قال : أفيكم أحد كان أقتل للمشركين عند كلّ شديدة تنزل برسول الله منّي ؟ قالوا : لا .

قال : أفيكم أحد كان أعظم عناء عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منّي حتّى اضطجعت على فراشه ، ووقيته بنفسي وبذلت مهجتي غيري ؟ قالوا : لا .

قال أفيكم أحد كان يأخذ الخمس غيري وغير زوجتي فاطمة ؟ قالوا : لا .

قال : أفيكم أحد كان له سهم في الخاص وسهم في العام غيري ؟ قالوا : لا .

قال : أفيكم أحد يطهّره كتاب الله غيري حتّى سد النبيّ أبواب المهاجرين وفتح بابي إليه حتّى قام إليه عماه : حمزة والعبّاس فقالا : يا رسول الله ، سددت أبوابنا وفتحت باب عليّ ؟ فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « ما أنا فتحت بابه ولا سددت أبوابكم ، بل الله فتح بابه وسدّ أبوابكم » ، قالوا : لا .

قال : أفيكم أحد تمّم الله نوره من السماء حين قال : ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (1)غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أفيكم أحد ناجى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ست عشر مرّة غيري حين قال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) (2)؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : هل فيكم أحد ولي غمض رسول الله غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال أفيكم أحد آخر عهده برسوله ( صلى الله عليه وآله ) حين وضعته في حفرته غيري ؟ قالوا : لا (3).

وورد هذه المناشدة في سند آخر ذكرها ابن مردويه فقال :

حدّثنا أبو بكر أحمد بن محمّد بن أبي دارم ، قال : حدّثنا المنذر بن محمّد ، قال : حدّثني أبي ، قال : حدّثني عمّي ، قال : حدّثني أبي ، عن أبان بن تغلب ، عن


1) الروم (30) : 38 .

2) المجادلة (58) : 12 .

3) المناقب للخوارزمي : ص 31 ، ح 31 .

عامر بن واثلة ، قال : كنت على الباب يوم الشورى وعليّ ( عليه السلام ) في البيت فسمعته يقول : استخلف أبو بكر وأنا في نفسي أحق بها منه ، فسمعت وأطعت ، وأنتم تريدون أن تستخلفوا عثمان إذن لا أسمع ولا أطيع . جعلني عمر في خمسة أنا سادسهم ، ولا يعرف لهم عليّ فضل فنحن سواء ، أما والله لأحاجنّهم بخصال لا تستطيع عُربهم ولا عجمهم ، المعاهد منهم والمشرك أن ينكر منها خصلة واحدة .

ثمّ قال : أنشدكم بالله أيّها النفر جميعاً أمنكم من أمنه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أيّها النفر جميعاً أمنكم أحد وحّد الله عزّ وجلّ قبلي ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أيّها النفر جميعاً أمنكم أحد هو المصلّي القبلتين قبلي ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أيّها النفر جميعاً أمنكم أحد له عمّ مثل عمّي حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسول الله غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أمنكم مَن سيّد الشهداء عمّه غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله هل فيكم من له ابن عمّ مثل ابن عمّي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت رسول الله سيّدة نساء هذه الأمّة غيري ؟ قالوا : لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد له سبطان مثل الحسن والحسين سبطي هذه الاُمّة ابني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد غسّل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد أمر الله بمودّته غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله منكم أحد سكن المسجد يمرّ فيه جنباً غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد ردّت عليه الشمس بعد غروبها غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أمنكم أحد قال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين قرّب إليه الطائر المشوي فأعجبه : « اللهمّ ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معني من هذا الطير » غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أمنكم أحد كان أقتل للمشركين عند كلّ شديدة نزلت برسول ( صلى الله عليه وآله ) منّي ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أمنكم أحد له مثل الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أمنكم أحد كان أعظم عناء منّي عن رسول الله حتّى اضطجعت على فراشه ووقيته بنفسي وبذلت له دمي ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد كان يأخذ الخمس غيري وغير فاطمة ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم من كان له سهم في الخاص وسهم في العام غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد يظهر بابه غيري حين سدّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أبواب المهاجرين جميعاً وفتح بابي حتّى قام إليه عمّاه حمزة والعبّاس فقالا : يا رسول الله ، سددت أبوابنا وفتحت باب علي ( عليه السلام ) فقال ( صلى الله عليه وآله ) : « ما أنا فتحت بابه ، ولا أنا سددت أبوابكم ، بل الله فتح بابه وسدّ أبوابكم » ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد تمّم الله تعالى نوره من السماء حتّى قال ( فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) (1)غيري قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد ناجى الله ست عشرة مرّة غيري حين قال :


1) الروم (30) : 38 .

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ) (1)؟ قالوا : اللهم لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد ولي تغميض رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) غيري ؟

قالوا : اللهم لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد تولّى دفن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتى وضعه في روضته غيري ؟

قالوا : اللهم لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم من نصّبه رسول الله يوم غدير خم للولاية غيري ؟

قالوا : اللهم لا .

قال أنشدكم بالله أمنكم من جعله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من نفسه كهارون من موسى غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم مَن أعطاه النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) الراية ، ففتح الله على يده خيبر غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أمنكم أحد نادى عليه جبرئيل ( عليه السلام ) : أن لا فتى إلاّ عليّ ولا سيف إلاّ ذو الفقار غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أمنكم أحد أخا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ووزيره غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أمنكم أحد قال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هو منّي وأنا منه غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أمنكم أحد أنزل الله تعالى فيه : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ والَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِين يُقِيمُون الصَّلَوة وَيُؤْتُونَ الزَّكَوة وهُمْ رَكِعُونَ ) (2)غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أمنكم أحد هو قسيم الجنّة والنار غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .


1) المجادلة (58) : 12 .

2) المائدة (5) : 55 .

قال : أمنكم أوّل وارد على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على الحوض غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم أحد يشري نفسه ابتغاء مرضات الله غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم المؤدّي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم مَن نزل فيه : ( وَالسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ * أُولَئكَ المُقَرَّبُونَ ) (1)فكنت سابق هذه الاُمّة تدرون غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم من يقضي دين رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال : أنشدكم بالله أمنكم مَن نزل فيه : ( وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنينَ الْقِتَالَ ) (2)قال : بعليّ بن أبي طالب هل تدرون ذلك غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا .

قال أنشدكم بالله هل تعلمون تفسير هذه الآية : ( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً ) (3)فالفاسق الوليد بن عتبة والمؤمن أنا غيري ؟ قالوا : اللهمّ لا (4).

الالتحاق بصف الإمام علي ( عليه السلام ) :

إنّ الأدلة والبراهين التي توصل إليها « حامد الهدار » كلّها ألزمته أن يتّبع الإمام عليّاً ( عليه السلام ) بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلم يجد بُداً سوى تلبية نداء الحقّ والالتحاق بصفّ الإمام علي ( عليه السلام ) فأعلن استبصاره وقلبه مطمئن بأنّه قد تحرّر من التقليد الأعمى وأنّه مع الحقّ .


1) الواقعة (56) : 10 - 11 .

2) الأحزاب (33) : 25 .

3) السجدة (32) : 18 .

4) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : ص 131 ، ح 162 .

(19) حسن بن شعيب( شافعي - أندونيسيا )

ولد في مدينة « فروا كرتا » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب .

اعتنق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بعد سماعه بمذهبهم على لسان علماء الدين ومنهم خطباء المنبر الحسيني المهتمّين بنشر معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

كما أنّه طالع العديد من كتب الشيعة ومصادرهم وقارنها بما كان قد قرأه من كتب أهل السنّة ، فعرف أنّ الحقّ مع أهل البيت ( عليهم السلام ) وهم أدرى بالذي فيه ، فما كان منه إلاّ أن يتّبع الحقّ ويهتدي إلى الصراط المستقيم .

ويسعى « حسن بن شعيب » حالياً في هداية أبناء قومه إلى التمسّك بتعاليم الدين الحقّة إذ فتح باب بيته لإقامة المجالس العلمية وأداء المراسم المذهبية وخاصّة العزاء الحسيني ممّا أكسبه احترام الكثيرين من أبناء الشيعة والسنّة .

العزاء الحسيني وانفتاح آفاق جديدة أمام المسلمين :

إنّ كلّ من يحضر مشاهد العزاء الحسيني أو يسمع بها من كافّة فرق المسلمين يتعاطف مع قضية الإمام الحسين ( عليه السلام ) - ولا يختصّ هذا الأمر بالشيعة فقط - ويشدّه هذا التعاطف إلى معرفة واقع قضيّة كربلاء الدامية ممّا يؤدي إلى انفتاح الآفاق أمام الأذهان ، وزوال الظلمات المتراكمة في كتب التاريخ التي حاول بعضها تضييع وقائع الحقيقة ، وتشويش قضايا الحقّ ، وهذا ما حدث لكثير من المسلمين من الفرق الأخرى غير الشيعة عندما سمعوا أو قرأوا أو حضروا

مراسم العزاء الحسيني ، ونذكر هنا بعض الأمثلة :

جمعٌ كثير من مسلمي شمال إفريقية

يتحدث الخطيب السيد مسلم الجابري قائلاً :

« لمّا كنتُ أواصل دراساتي العليا في پاريس سنة 1401 ه‍ ( 1981 م ) وافقَتْ أيّام العشرة الأُولى من محرّم ، فدعونا المسلمين من شمال إفريقية المتواجدين في باريس للحضور ليلة تاسوعاء وعاشوراء في المركز الإسلامي الإيراني ، فحضرَ جمع كبير منهم ، فأسمعناهم مقتل الحسين ( عليه السلام ) بصوت المرحوم الشيخ عبد الزهراء الكعبي ، فكان الجميع ينصتون ويبكون تفاعلاً مع المأساة الحسينية ، وكانوا يقولون : إنّ هذا الأمر لم نعلم به ، وأظهروا تعاطفهم مع الإمام الحسين ( عليه السلام ) واشمئزازهم من القتلة المجرمين » (1).

2 - الأستاذ المصري المستبصر معروف عبد المجيد :

يقول : « ذات يوم كنت أبحث عن إذاعة القاهرة وفي يدي مذياع صغير ، وأنا جالس وحدي في غرفتي . كنت أعيش حينها خارج مصر ، وكان الشوق إليها يغمر قلبي ويستولي على مشاعري ، ولم تكن الفضائيات قد ظهرت بعد .

وفجاءة ، تناهى إلى أذني صوت رخيم عذب ، فأوقفت مؤشر المذياع ، كان الأداء مختلفاً تماماً عن أداء كلّ ما سمعته من قبل ، فازدادت دهشتي ، كان الرجل يتحدث عن الإمام الحسين ( عليه السلام ) وعن الكارثة المريعة التي وقعت في كربلاء لا أدري في أي شهر من الشهور كنا ، وربما كنا في شهر محرم .

في تلك الأيام لم أكن قد عرفت بعدُ البكاء على الحسين ( عليه السلام ) ومعنى هذا البكاء ، ولكنني وجدت نفسي قد غمرها حزن شديد ، فأجهشت بالبكاء ، وفاضت الدموع من عيوني بغزارة وحرارة دون إرادة ، ورحت أبكي بمرارة وحرقة لم


1) دور المنبر الحسيني في التوعية الإسلامية : 114 ، نقلا عنه .

أعهدها من قبل ، إل أن انتهى الحديث الذي استولى على جوانحي قادماً عبر الأثير ، وقد تجسّدت أمامي مصيبة أهل البيت الأطهار ( عليهم السلام ) . أعلن المذيع بأنّ الإذاعة هي إذاعة طهران ، ولكنه لم يذكر اسم المتحدّث ، ولعلّه بالطبع كان قد ذكره في البداية ، فشعرت بالأسف الشديد لأنّني كنت في شدة الشوق لمعرفة صاحب هذا الصوت القادم من خلف الحجب والأستار .

ومضت أيام وشهور وسنوات إلى أن فاجأني الصوت نفسه قادماً من نفس الإذاعة ، ولكنني كنت هذه المرّة في طهران . . !

قررّت أن أكشف هذا اللغز العجيب ، وأن أعرف صاحب الصوت الحسيني . لم يطل بي البحث ، وما لبثت أن علمت أنّه عميد المنبر الحسيني الخطيب البارع والشاعر الأديب الشيخ الدكتور أحمد الوائلي ( قدس سره ) . وكان أن انفتحت أمام بصيرتي آفاق جديدة واسعة على قتيل العبرات الإمام الحسين ( عليه السلام ) » (1).

الأستاذ المغربي المستبصر إدريس الحسيني :

يقول في كتابه لقد شيّعني الحسين :

« وقع بين يدي كتابين يتحدّثان عن فاجعة كربلاء وسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) الأمر هنا أشدّ مرارة من ذي قبل إنّني ولأوّل مرّة أجد كتاباً يحمل لهجة من نوع خاص . مناقضة تماماً لتلك الكتب التي عكفت على قراءتها .

فاجعة الطف ! : هذه وحدها الحدث الذي أعاد رسم الخريطة الفكريّة والنقيّة في ذهني . إنّ هذا الظلم الذي أشكو منه اليوم ليس جديداً على الأمّة . فلقد سبقه ظلم أكبر . وعلى أساس هذا الظلم القديم قالت لي أفكاري إنّ هؤلاء الظالمين اليوم يسلكون طريقاً أسّسه رجالات كانوا يشكّلون حجر عثرة أمام مسيرة الأئمة من آل البيت ( عليهم السلام ) .


1) المصدر السابق : 112 - 113 ، في رسالة بعث بها إلى المؤلف .

إنّ الأمة التي قتلت الحسين ( عليه السلام ) وسبت أهله الطاهرين . لا يمكنني الثقة بها مطلقاً . ولا يمكنني أن أؤوّل هذه الأحداث لصالح الفكر السائد . مثلما لا أستطيع تأويل الدم الطاهر بالماء الطبيعي . إنّ هذه الدماء التي سالت ، ليست مياه نهرية . إنّما هي دماء أشرف من أوصى بهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) في هذه الأمة ، أفقدتني الأمةُ الثقة في نفسها . ومهما قالوا فإنّهم لن يقنعوني بأنّ دم الحسين ( عليه السلام ) لم يرق بيد مسلمين حكموا الأمة الإسلاميّة . وكان تعامل أئمة السنة والجماعة معهم ، تعاملاً حسناً ! .

الأمة التي لم ترع أبناء الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بعده ، لا يمكن أن ترع سنّته بعده . قل ما شئت . قل إنّ المسلمين في العهد الأول ، اجتهدوا في قتل أهل البيت ( عليهم السلام ) وقل إن هذه الأفكار التي وردت في كتب الشيعة دخيلة ، ولا حقيقة لها في التاريخ الإسلامي . لكن هل يستطيع واحد من المسلمين ، من المحيط إلى المحيط ، أن يدّعي أنّ الحسين ( عليه السلام ) لم يمت شهيداً مظلوماً بأمر من أمير المؤمنين « يزيد بن معاوية » وبفتوى رسميّة من « شريح القاضي » وسيوف الجيش الأموي الحاقد . في بيئة ترعرع فيها فكر العامة . وعلى إثر حدث فريد من نوعه في تاريخ الإسلام . هو حدث تحويل الخلافة إلى ملك عضوض (1)، حيث ينصب ( يزيد بن معاوية ) غصباً على المسلمين وأنّ العام الذي اضطر الحسن ( عليه السلام ) أن يتنازل فيه عن الخلافة لمعاوية ، حقنا للدماء . سمي عام الجماعة .

كلا وألف كلا . . . فلا أحد يستطيع ذلك . لأنّ التاريخ أبى إلاّ أن يبقى أميناً لقضايا المستضعفين ولو كره المفسدون ! » (2).

ملحمة كربلاء مدخل إلى الحقيقة والتشيّع :

يواصل الأستاذ إدريس الحسيني كلامه في مكان آخر من كتابه ، فيقول :

« ما زلت أذكر اليوم الذي عشت فيه مأساة كربلاء بتفاصيلها ، حيث ما تزال


1) أي من خلافة مغتصبة إلى ملك عضوض أنكى وأمّر منه .

2) لقد شيعني الحسين ، إدريس الحسيني : 65 .

ظلالها الحزينة ترافق ظليّ إلى اليوم . وتفاصيلها لا يتسع لها هذا الكتاب ، فهي تطلب في غيره ، والآثار النفسية التي تركتها في أعماقي ، ما زلت أجرعها كالسموم ، ولا أملك أن أنقلها كما أحسّها واستشعرها في كياني ، لقد وجدت نفسي فجأة في هيئة أخرى ، وفي شرياني جرى دم ، هو مثل تلك الدماء التي أريقت على رمال الطفوف .

ما إن خلصت من قراءة « مذبحة » كربلاء ، بتفاصيلها المأساوية ، حتى قامت كربلاء في نفسي وفكري ، ومن هنا بدأت نقطة الثورة ، الثورة على كل مفاهيمي ومسلّماتي الموروثة ، ثورة الحسين داخل روحي وعقلي .

أجل ، ليس من وظيفة هذا الكتاب التعرّض لتلك التفاصيل ، وإنّما نريد أن نعطي مجرّد إشعاعات متفرقة عن تلك المذبحة ، لفضح التاريخ الرسمي الملفق !

الأوراق ، كل الأوراق مع هذا التاريخ الجريح ، القابع خلف اللا شعور التاريخي المكتوب بريشة « أهل الزلفى » المقرّبين .

لقد جاء أهل الشام والكوفة بالسيف ، وجاء الحسين بالدم ، وانتصر الدم على السيف ، بل وانتصر على التاريخ « البلاطوي » فكان الحسين نوراً لم تغطّه ظُلَم التحريف !

لقد شيعني الحسين ( عليه السلام ) من خلال المأساة التي شاهدها هو وأهل البيت ( عليهم السلام ) ، شيّعني بدمائه العبيطة وهي تنساب على الرمل الأصفر بأرض الطفوف ، وبصراخ الأطفال ونواح النساء . يومها ناديت ، وقد انسكبت من عيني دمعة حزينة ، حزينة ورقيقة ، قلت والقلب تُمزقه الأحزان :

ويرثي ربابك دنيا الشجون * ودمع النواح وفيض الدما

وأي شيء صنع الأعداء بموته ، سوى أن حفروا قبورهم ، ودقوا نعوشهم بالمسامير ، ليدخلوا مقبرة التاريخ صاغرين ، وما زلت أراه - أبا عبد الله - كبيراً في عين التأريخ ، لقد نوّر الحياة بدمه الزكي العطر .

وما إن أقرأ عن تفاصيل كربلاء حتى تأخذني الجذبة بعيداً ، ثم تعود أنفاسي إلى أنفاسي ، والحسين ألفاه لديها ، قد تربع بدمائه الطاهرة . فيا ليتني كنت معه ، فأفوز فوزاً عظيماً ، وفي تلك الجذبة هناك من يفهمني ، وقد لا يفهمني من لا يرى للجريمة التأريخية وقعاً في نفسه وفي مجريات الأحداث التي تلحقها .

فكربلاء مدخلي إلى التاريخ ، إلى الحقيقة ، إلى الإسلام ، فكيف لا أجذب إليها ، جذبة صوفي رقيق القلب ، أو جذبة أديب مرهف الشعور ، وتلك هي المحطة التي أردت أن أنهي بها كلامي عن مجمل معاناة آل البيت ( عليهم السلام ) وظروف الجريمة التاريخية ضد نسل النبي ( صلى الله عليه وآله ) » (1).


1) لقد شيعني الحسين : 297 و 313 - 315 .

(20) حسن بن محمد الكاف( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1369 ه‍ ( 1950 م ) في أندونيسيا بمدينة « كلونجن » حاصل على الشهادة الإعدادية ، نشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ولكنه تحوّل سنّة 1406 ه‍ ( 1986 م ) من مذهبه الموروث إلى مذهب أهل البيت ( عليه السلام ) .

سبب استبصاره :

كان سبب استبصار « حسن بن محمد الكاف » قراءته لكتاب « المراجعات » وهو كتاب قيّم عبارة عن حوار جرى بين عالمين بارزين من علماء الفريقين عن طريق المراسلات وهذان العالمان هما السيد عبد الحسين شرف الدين والشيخ سليم البشري .

وتوصّل « حسن بن محمد الكاف » من خلال إمعان النظر في كتاب « المراجعات » إلى النتيجة التي توصّل إليها الشيخ سليم البشري ، وتعرّف على حقائق كثيرة منها عدم اهتمام كتب أهل السنّة بذكر فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وقرأ في كتاب « المراجعات » : « أمّا عدم إخراج تلك النصوص فإنّما هو لشنشنة نعرفها لكلّ من أضمر لآل محمد حسيكة ، وأبطن لهم الغلّ من حزب الفراعنة في الصدر الأول ، وعبدة أولي السلطة والتغلّب ، الذين بذلوا في إخفاء فضل أهل البيت ، وإطفاء نورهم كلّ حول وكلّ طول ، وكلّ ما لديهم من قوّة وجبروت ، وحملوا الناس كافّة على مصادرة مناقبهم وخصائصهم بكلّ ترغيب

وترهيب ، وأجلبوا على ذلك تارة بدراهمهم ودنانيرهم وأخرى بوظائفهم ومناصبهم ، ومرّة بسياطهم وسيوفهم ، يدنون من كذّب بها ، ويقصون من صدّق بها ، أو ينفونه أو يقتلونه .

وأنت تعلم أنّ نصوص الإمامة وعهود الخلافة لمِمّا يخشى الظالمون منها أن تدمّر عروشهم ، وتنقض أساس ملكهم ، فسلامتها منهم ومن أوليائهم المتزلّفين إليهم ، ووصولها إلينا بالأسانيد المتعدّدة ، والطرق المختلفة ، آية من آيات الصدق ، ومعجزة من معجزات الحقّ ، إذ كان المستبدّون بحقّ أهل البيت ، والمستأثرون بمراتبهم التي رتّبهم الله فيها ، يسومون من يتهّمونه بحبّهم سوء العذاب ، يحلقون لحيته ، ويطوفون به في الأسواق ، ثمّ يرذلونه ويسقطونه ويحرمونه من كلّ حق ، حتّى ييأس من عدل الولاة ويقنط من معاشرة الرعيّة ، فإذا ذكر علياً ذاكر بخير برئت منه الذمة ، وحلّت بساحته النقمة ، فتستصفى أمواله ، وتضرب عنقه ، وكم استلوا ألسنة نطقت بفضله ، وسملوا أعيناً رمقته باحترام ، وقطعوا أيدياً إشارات إليه بمنقبة ، ونشّروا أرجلاً سعت نحوه بعاطفة ، وكم حرّقوا على أوليائه بيوتهم ، واجتثوا نخيلهم ، ثمّ صلبوهم على جذوعها ، أو شردوهم عن عقر ديارهم ، فكانوا طرائق قدداً وكان في حملة الحديث وحفظة الآثار قوم يعبدون أُولئك الجبابرة وولاتهم من دون الله عزّ وجلّ ، ويتزلفون إليهم بكل ما لديهم من تصحيف ، وتحريف ، وتصحيح وتضعيف ، كالذين نراهم في زماننا هذا من شيوخ التزلف ، وعلماء الوظائف ، وقضاة السوء ، يتسابقون إلى مرضاة الحكام ، بتأييد سياستهم عادلةً كانت أو جائرة ، وتصحيح أحكامهم ، صحيحة كانت أو فاسدة ، فلا يسألهم الحاكم فتوى تؤيد حكمه ، أو تقمع خصمه ، إلاّ بادروا إليها على ما تقتضيه رغبته ، وتستوجبه سياسته ، وإن خالفوا نصوص الكتاب والسُنَّة ، وخرقوا إجماع الاُمّة ، حرصاً على منصب يخافون العزل عنه ، أو يطمعون في الوصول إليه ، وشتَّان بين هؤلاء واُولئك ، فإنّه لا قيمة لهؤلاء عند حكوماتهم ، أما اُولئك فقد كانت حاجة

الملوك إليهم عظيمة ، إذ كانوا يحاربون الله بهم ورسوله ، ولذا كانوا عند الملوك والولاة اُولي منزلة سامية ، وشفاعة مقبولة ; فكانت لهم بسبب ذلك صولة ودولة ، وكان يتعصّبون على الأحاديث الصحيحة إذا تضمّنت فضيلة لعلي أو لغيره من أهل بيت النبوة ، فيردّونها بكلّ شدة ، ويسقطونها بكل عنف ، وينسبون رواتها إلى الرفض - والرفض أخبث شيء عندهم ! - هذه سيرتهم في السنن الواردة في علي ، ولا سيما إذا تشبث الشيعة بها ، وكان لاُولئك المتزلفين من يرفع ذكرهم من الخاصّة في كلّ قطر ، ولهم من يروّج رأيهم من طلبة العلم الدنيويّين ، ومن المرائين بالزهد والعبادة ، ومن الزعماء وشيوخ العشائر ، فإذا سمع هؤلاء ما يقولون في ردّ تلك الأحاديث الصحيحة اتّخذوا قولهم حجّة ، وروّجوه عند العامّة والهمج ، وأشاعوه وأذاعوه في كلّ مصر ، وجعلوه أصلاً من الاُصول المتّبعة في كلّ عصر .

وهناك قوم آخرون من حملة الحديث في تلك الأيّام ، اضطرّهم الخوف إلى ترك التحديث بالمأثور من فضل علي وأهل البيت ، وكان هؤلاء المساكين إذا سألوا عما يقوله اُولئك المتزلفون في ردّ السنن الصحيحة المشتملة على فضل علي وأهل البيت يخافون - من مبادهة العامة بغير ما عندهم - أن تقع فتنة عمياء صماء بكماء ، فكانوا يضطرون في الجواب إلى اللواذ بالمعاريض من القول ، خوفاً من تألب أُولئك المتزلفين ، ومروّجيهم من الخاصّة ، وتألب من ينعق معهم من العامّة ورعاع الناس ، وكأن الملوك والولاة أمروا الناس بلعن أمير المؤمنين ، وضيقوا عليهم في ذلك ، وحملوهم بالنقود ، وبالجنود ، وبالوعيد والوعود ، على تنقيصه وذمه ، وصوّروه للناشئة في كتاتيبها بصورة تشمئزّ منها النفوس ، وحدّثوها عنه بما تستك منها المسامع ، وجعلوا لعنه على منابر المسلمين من سنن العيدين والجمعة ، فلولا أنّ نور الله لا يطفأ ، وفضل أوليائه لا يخفى ، ما وصلت إلينا السنن من طريق الفريقين صحيحة صريحة بخلافته ، ولا تواترت النصوص بفضله ، وإنّي والله لأعجب من الفضل الباهر الذي اختص به عبده وأخا رسوله علي بن أبي طالب ،

كيف خرق نوره الحجب من تلك الظلمات المتراكمة ، والأمواج المتلاطمة ، فأشرق على العالم كالشمس في رائعة النهار » (1).

الاستبصار والدفاع عن التشيّع :

أعلن « حسن محمّد الكاف » استبصاره بعد اقتناعه بالأدلّة المذكورة في كتاب المراجعات ، ثمّ توجه بحماس نحو نشر مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ودرء الشبهات المثارة ضدّ هذا المذهب وإلفات نظر إخوانه إلى الحقائق التي توصّل إليها عن طريق البحث .


1) المراجعات ، السيد عبد الحسين شرف الدين : المراجعة رقم : 64 .

(21) حسن تونو( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « جمبر » ، حاصل على شهادة الثانوية ، نشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ تعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فدفعه ذلك إلى البحث والمقارنة بين مذهبه السنّي والمذهب الشيعي ، فاكتشف من خلال البحث حقائق غيّرت رؤيته الدينيّة ، وأدّت به إلى تغيير انتمائه المذهبي والاستبصار بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

الانبهار بعظمة منزلة الإمام علي ( عليه السلام ) :

إنّ من أهمّ الاستفسارات التي دفعت « حسن تونو » إلى البحث هي سبب اهتمام الشيعة بالإمام علي ( عليه السلام ) بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وتفضيله على غيره من الصحابة .

فتوجّه « حسن تونو » إلى البحث عن هذه الحقيقة حتّى اكتشف نصوصاً نبويّة دفعته إلى معرفة هذا السبب .

وإنّ من الأحاديث النبويّة الدالة على عظمة الإمام علي ( عليه السلام ) :

عن جابر بن عبد الله قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول لعلي ( عليه السلام ) : يا علي الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة ، ثم قرأ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ( وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَاب وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد ) (1).


1) المستدرك على الصحيحين الحاكم النيسابوري ، 2 / ح 2999 . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . الدر المنثور ، السيوطي : 4 / ص 85 . تاريخ دمشق ، ابن عساكر 42 / ص 64 - 65 - 66 . الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي : 9 / ص 189 .

الاصطفاء الإلهي للإمام علي ( عليه السلام ) بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

إنّ الأحاديث النبوية أيضاً تشير إلى حقيقة أخرى حول الإمام علي ( عليه السلام ) وهي مسألة الاصطفاء الإلهي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ثمّ للإمام علي ( عليه السلام ) من بين جميع الخلائق ، وقد ورد هذا المعنى في أقوال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) منها :

ورد عن علي بن علي الهلالي ، قال : دخلت على النبي ( صلى الله عليه وآله ) في شكاته التي قبض فيها ، فإذا فاطمة عند رأسه ، فبكت حتّى ارتفع صوتها ، فرفع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) طرفه إليها ، فقال : حبيبتي فاطمة ما يبكيك ؟

قالت : أخشى الضيعة بعدك .

قال : يا حبيبتي أما علمت أنّ الله اطّلع إلى أهل الأرض اطّلاعة فاختار منها أباك ، ثمّ اطّلع إليها اطّلاعة فاختار منها بعلك ، وأوحى إليّ أن أنكحك إيّاه ؟ (1).

اتّباع مذهب الحق :

اكتشف « حسن تونو » من خلال مطالعاته ومتابعته للأحاديث النبويّة حقائق هائلة دفعته إلى التمسّك بالإمام عليّ ( عليه السلام ) والالتحاق بشيعته ، ثمّ سافر بعد الاستبصار إلى إيران ودرس في الحوزة العلميّة حوالي مدة إحدى عشر سنة ، وتلقّى في هذه الفترة علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ودرس فقه مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) وأصولهم وفلسفتهم ثمّ عاد إلى بلاده وشرع بالدعوة ونشر مذهب العترة من آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .


1) أُسد الغابة : 4 / 42 ، حرف العين ، ترجمة أبو علي الهلالي وفي مجمع الزوائد ، الهيثمي ، باختصار : 8 / ح 13194 .

(22) حسن حافظ( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في مدينة « باكلونجن » وترعرع في أسرة مسلمة تنتمي إلى العقيدة الأشعرية والمذهب الشافعي ، ولهذا كان يعتقد « حسن حافظ » بالتوحيد الإلهي وفق رؤية المذهب الأشعري واستمر التزامه وتمسّكه بالعقائد الأشعرية حتّى استبصر أحد أصدقائه فتفاجأ من مبادرة صديقه إلى تغيير انتمائه المذهبي ، وظنّ أنّ هذا التغيير حالة طارئة سرعان ما تزول ويعود صديقه إلى مذهبه السابق ، ولكنّه وجد بأنّ صديقه يزداد ثباتاً على مذهبه الجديد يوماً بعدم يوم فأحبّ أن يصغي إلى كلام صديقه ، ليطّلع على الأسباب التي دفعته إلى التحوّل المذهبي علّه يرشده إلى الحقّ ويستطيع أن يعيده إلى مذهب أهل السنّة ولم تمض فترة إلاّ ووجد « حسن حافظ » أنّه لا بدّ له من الالتحاق بالمذهب الذي قد انتمى إليه صديقه ! كيف لا وهو مذهب قائم على الأدلة العقليّة والوجدانيّة منها :

تنزيه الفعل الإلهي عن العبث :

كان يعتقد « حسن حافظ » بأنّ الأفعال الإلهيّة خالية عن الأغراض ، ولا يوجد للفعل الإلهي غرض وغاية (1)ولكنّه - بعد مطالعته لكتب أتباع مذهب أهل


1) الأربعين في أصول الدين ، الفخر الرازي : 350 .

البيت ( عليهم السلام ) وجد بأنّ إنكار وجود الغرض في الفعل الإلهي قضيّة مخالفة للقرآن الكريم ، لأنّ القرآن ملئ بالآيات الصريحة والواضحة بأنّه تعالى يفعل لغرض وغاية ، ولا يفعل اللغو والعبث أبداً منها قوله تعالى :

( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ) (1).

( وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ) (2).

( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إلاّ لِيَعْبُدُونِ ) (3).

( أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ) (4).

( رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً ) (5).

ومن جهة أخرى يلزم نفي الغرض عن الفعل الإلهي « تجويز تعذيب أعظم المطيعين لله تعالى كالنبي ( صلى الله عليه وآله ) بأعظم أنواع العذاب ، وإثابة أعظم العاصين له ، كإبليس وفرعون بأعظم مراتب الثواب ، لأنّه إذا كان يفعل لا لغرض وغاية ولا لكون الفعل حسناً ، ولا يترك الفعل لكونه قبيحاً ، بل مجاناً لغير غرض ، لم يكن تفاوت بين سيّد المرسلين وبين إبليس في الثواب والعقاب ، فإنّه لا يثيب المطيع لطاعته ولا يعاقب العاصي لعصيانه ، فهذان الوصفان إذا تجرّدا عند الاعتبار في الإثابة والانتقام لم يكن لأحدهما أولويّة الثواب ، ولا العقاب ، دون الآخر » (6).

اتّخاذ القرار النهائي :

عاش « حسن حافظ » حالة الشكّ والترديد حول اتّخاذ قراره النهائي بشأن


1) الأنبياء (21) : 16 .

2) ص (38) : 27 .

3) الذاريات (51) : 56 .

4) المؤمنون (23) : 115 .

5) آل عمران (3) : 191 .

6) نهج الحق وكشف الصدق ، العلاّمة الحلي : 94 .

تغيير انتمائه المذهبي بعد معرفته بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فكان عقله يأمره باتّباع ما يدعمه الدليل والبرهان ولكن كانت نفسه تهوّل عليه الأمر وتمنعه من ترك تراث آبائه وأجداده .

ودام هذا الصراع بين العقل والنفس فترة محدودة حتّى تمكّن العقل من الانتصار على النفس نتيجة تلقّيه الدعم من قبل التسديد الإلهي وهنا حسم « حسن حافظ » حالة الشكّ والترديد واتّخذ قراره النهائي والتحق بركب مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(23) حسن الحبشي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في مدينة « جاكرتا » بين أوساط أسرة شافعيّة المذهب ، فأصبح من أتباع المذهب الذي ورثه من آبائه ، ولكنّه وجد بعد اتّساع آفاق رؤيته الدينيّة وقراءته لكتب الحديث والتاريخ بأنّه من أتباع مذهب لم يكتسب قوّته إلاّ من خلال دعم السلطات الحاكمة له على مرّ العصور ، فقرّر أن يشيّد عقيدته على ضوء الأدلّة والبراهين فتوجّه نحو البحث المعمّق ، فكشف له البحث حقائق دفعته في نهاية المطاف إلى الاستبصار والتحوّل إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

الحقّ والعقيدة :

فتح « حسن الحبش » قلبه للحقّ وسار في بطون الكتب باحثاً عن جهة يسلّم لها قلبه بعد أن سلّم قلبه لله ورسوله ، فألزمته السنّة النبويّة بأن يحبّ الإمام علي ( عليه السلام ) بعد محبته لله ورسوله ، وتعرّف « حسن الحبشي » على الكثير من الأحاديث النبويّة المشيرة إلى هذه الحقيقة منها :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حول الإمام علي ( عليه السلام ) يوم خيبر : « لأعطيّن الراية غداً رجلاً يفتح على يديه ، يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله » (1).


1) صحيح البخاري : 2 / ح 3009 .

وقال أيضاً رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ادعوا لي سيّد العرب - يعني علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) .

فقالت عائشة : ألست سيد العرب ؟

فقال : أنا سيد ولد آدم وعلي سيّد العرب ، فلما جاء أرسله إلى الأنصار ، فاتوه فقال لهم : يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعده أبداً ؟

قالوا : بلى يا رسول الله .

قال : هذا علي فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي ، فإنّ جبريل أمرني بالذي قلت لكم من الله عز وجلّ (1).

الإمام علي ( عليه السلام ) أحبّ الخلق إلى الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) :

وجد « حسن الحبشي » خلال بحثه بأنّ الكثير من الأحاديث النبوية تبيّن بصراحة بأنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) كان أحبّ الخلق إلى الله ورسوله ومن هذه الأحاديث :

عن سفينة وكان خادماً لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال :

« أهدي لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) طوائر ، فصنعت له بعضها ، فلما أصبح أتيته به ، فقال : « من أين لك هذا ؟ » فقلتُ : من التي أتيت به أمس ، فقال : « ألم أقل لك لا تدّخرن لغد طعاماً ، لكلّ يوم رزقه » ثم قال : « اللهم أدخل عليّ أحبَّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير » فدخل علي ( رضي الله عنه ) ، عليه ، فقال : « اللهم واليّ » (2).

وروى الترمذي في جامعه بسنده إلى أنس بن مالك ، قال : « كان عند


1) حلية الأولياء : 1 / 63 ، كنز العمال ، المتقي الهندي : 11 / ح 33003 . المعجم الكبير ، الطبراني : 3 / ح 3749 .

2) مجمع الزوائد للهيثمي : 9 / ح 1427 . وقال : « رواه البزار والطبراني باختصار ، ورجال الطبراني رجال الصحيح ، غير فطر بن خليفة وهو ثقة » .

النبي ( صلى الله عليه وآله ) طير فقال : « اللهمّ ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير » ، فجاء عليّ ، فأكل معه » (1)

وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ : 3 / ص 1042 : « وأما حديث الطير فله طرق كثيرة جداً قد أفردتها في مصنّف ومجموعها هو يوجب أن يكون الحديث له أصل » .

وقد صحّحه الحاكم في مستدركه : 3 / 4708 .

.

من أحبّ علياً فقد أحب الله :

إنّ البحوث التي أجراها « حسن الحبشي » كشفت له حقائق لم يطّلع عليها من قبل ، ولا سيما ما يرتبط بأهل البيت وبالخصوص الإمام علي ( عليه السلام ) ، فقد وجد « حسن الحبشي » أحاديث نبويّة تبيّن بصراحة بأنّ من أحبَّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) فلقد أحبَّ الله ومن أبغضه فقد أبغض الله ، ومن هذه الأحاديث :

عن عوف بن أبي عثمان ، قال : قال رجل لسلمان : ما أشدّ حبّك لعلي ( عليه السلام ) : قال : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، يقول : « من أحبّ علياً فقد أحبّني ومن أبغض علياً فقد أبغضني » (2).

وورد عن ابن عباس ، قال : نظر النبي ( صلى الله عليه وآله ) إلى عليّ ( عليه السلام ) فقال : يا عليّ أنت سيّد في الدنيا وسيّد في الآخرة ، حبيبك حبيبي ، وحبيبي حبيب الله ، وعدوّك عدوّي ، وعدوّي عدو الله ، والويل لمن أبغضك بعدي (3)

وقال المزيّ في تهذيب الكمال في ترجمة أبي الأزهر 1 / ص 106 : « وقال الحافظ أبو بكر : وقد رواه محمّد بن حمدون النيسابوري ، عن محمّد بنعلي بن سفيان النجار ، عن عبد الرزاق ، فبرئ أبو الأزهر من عهدته ، إذ قد توبع على روايته ، والله أعلم » .

.

1) الجامع الكبير ، الترمذي : 6 / ح 3721 . وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني عنه : « حسن » . انظر مشكاة المصابيح : 3 / ص 1791 . بتحقيق الألباني .

2) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4744 . وقال : « صحيح » . ووافقه الذهبي في التلخيص .

3) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4698 . وقال : « صحيح على شرط الشيخين ، وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة ، وإذا تفرّد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح » .

استغراب ودهشة :

استغرب « حسن الحبشي » خلال دراسته لتاريخ صدر الإسلام وتعرّفه على عظمة الإمام علي ( عليه السلام ) بأنّ الصحابة لماذا تركوه واتجهوا إلى بيعة غيره ؟ وبقي هذا السؤال حائراً في ذهنه وقد ورد عن ابن عباس قال : مشيت مع عمر بن الخطاب في بعض أزقة المدينة فقال : يا بن عباس أظن القوم استصغروا صاحبكم إذ لم يولّوه أمورهم ، فقلت : والله ما استصغره رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذ اختاره لسورة براءة يقرأها على أهل مكة ، فقال لي : الصواب تقول ، والله لسمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول لعلي بن أبي طالب : من أحبّك أحبّني ، ومن أحبّني أحب الله ، ومن أحبّ الله ادخله الجنة (1).

من حبّ علي إلى اتّباع علي :

أحب « حسن الحبشي » الإمام عليّاً حبّاً شديداً من خلال تعرّفه على فضائله ومنزلته ومكانته من الله تعالى ، وتوسّع هذا الحب بمرور الزمان حتّى دعاه إلى اتّباع الإمام علي والالتحاق بشيعته والانتماء إلى مذهبه المتمثل بمذهب التشيّع .

ثمّ واصل « حسن الحبشي » بحثه حول أسباب تخلّف القوم عن الإمام علي ( عليه السلام ) بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فانكشف له الأمر في نهاية المطاف بعد مواصلة مطالعته لأحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

وقد ورد عن حيان الأسدي سمعت عليّاً ( عليه السلام ) يقول : « قال لي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : إنّ الأمة ستغدر بك بعدي ، وأنت تعيش على ملّتي ، وتقتل على سنّتي ، من أحبّك أحبّني ، ومن أبغضك أبغضني ، وإن هذه ستخضب من هذا - يعني لحيته من رأسه - » (2).


1) تاريخ دمشق ، ابن عساكر : 47 / ترجمة رقم 5493 ص 292 .

2) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4744 ، وقال : « صحيح » ، ووافقه الذهبي في التلخيص .

الهجرة إلى طلب العلم :

سافر « حسن الحبشي » بعد الاستبصار إلى مدينة قم في إيران ، والتحق بالحوزة العلميّة ، ليغترف من بحار علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) وليقتبس من أنوار كلامهم ما يرشده إلى الحقّ والصواب وما ينقذه من التيه والضلال والانحراف الفكري والعقائدي .

وبذل « حسن الحبشي » غاية جهده في الدرس ليعود إلى بلده وهو قادر على إرشاد الآخرين إلى الحقّ وهدايتهم - بإذن الله - إلى ما هو خير لهم في الدنيا والآخرة .

(24) حسن العطاس( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في مدينة « بكلونجن » ، وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ توجّه بعد ذلك إلى البحث وتمسّك بأسباب الهداية حتّى توصل في نهاية المطاف إليها ، فأعلن استبصاره سنة 1393 ه‍ ( 1974 م ) .

مأساة فاطمة الزهراء بعد وفاة أبيها :

إنّ من أهمّ الأمور التي يتأثّر بها الباحث عند قراءته لتاريخ صدر الإسلام هي مظلوميّة ابنة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بعد وفاة أبيها وهجوم أعوان الخليفة على بيتها .

قال ابن قتيبة الدينوري في كتابه الإمامة والسياسة : « وإنّ أبا بكر تفقّد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند عليّ كرّم الله وجهه ، فبعث إليهم عمر ، فجاء فناداهم وهم في دار علي ( عليه السلام ) فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب ، وقال : والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها !

فقيل له : يا أبا حفص ، إنّ فيها فاطمة ؟

فقال وإن ! ! (1).

وذكر الشهرستاني عن إبراهيم بن سيار بن هانيء النظام : أن عمر كان يصيح : أحرقوا دارها بمن فيها ، وما كان في الدار غير علي وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) (2).


1) الإمامة والسياسة : ابن قتيبة : 19 .

2) الملل والنحل ، للشهرستاني : 1 / 57 .

ثم هجم عمر بن الخطاب ومن معه على دار الزهراء .

ذكر المؤرخ المسعودي : « فوجهوا إلى منزله [ أي : منزل الإمام علي ( عليه السلام ) ] فهجموا عليه ، وأحرقوا بابه ، واستخرجوه منه كرهاً ، وضغطوا سيدة النساء بالباب حتى أسقطت محسناً .

وذكر الشهرستاني عن إبراهيم بن سيار بن هانى النظام ، قال : إنّ عمر ضرب بطن فاطمة ( عليها السلام ) يوم البيعة حتى القت الجنين من بطنها (1).

وذكر الذهبي : قال في ترجمة أحمد بن محمد بن السري بن أبي دارم المحدث : قال محمد بن أحمد بن حماد الكوفي الحافظ - بعد أن أرخ موته - : كان مستقيم الأمر عامة دهره ، ثم في آخر أيامه كان أكثر ما يقرأ عليه المثالب ، حضرته ورجل يقرأ عليه : أن عمر رفس فاطمة حتى أسقطت بمحسن (2).

وذكر الجوني : روى بسنده عن ابن عباس عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - في حق فاطمة ( عليها السلام ) - : وإنّي لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي كأني بها وقد دخل الذل بيتها ، وانتهكت حرمتها ، وغصب حقها ، ومنعت إرثها ، وكسر جنبها ، وأسقطت جنينها ، وهي تنادي : يا محمداه فلا تجاب ، وتستغيث فلا تغاث ، فلا تزال بعدي محزونة مكروبة باكية ، فتذكر انقطاع الوحي من بيتها مرة ، وتتذكر فراقي أخرى ، وتستوحش إذا جنها الليل لفقد صوتي التي كانت تستمع إليه إذا تهجّدت بالقرآن ، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة ، وعند ذلك يؤنسها الله تعالى . . . » (3).

فضائل فاطمة الزهراء :

إنّ من أهم الأمور التي تهز مشاعر الإنسان المؤمن عند تعرّفه على


1) الملل والنحل ، الشهرستاني : 1 / 57 .

2) ميزان الاعتدال ، الذهبي : 1 / 139 ترجمة رقم : 552 .

3) الأمالي ، الشيخ الصدوق : 176 .

مظلومية ابنة رسول الله فاطمة الزهراء بعد وفاة أبيها هي أن يعرف عظمة الزهراء ( عليها السلام ) وما قال الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في حقها ، منها :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أفضل نساء العالمين خديجة بنت خويلد وفاطمة ( عليها السلام ) بنت محمد ( صلى الله عليه وآله ) ومريم بنت عمران ( عليها السلام ) وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون (1).

وقوله ( صلى الله عليه وآله ) للزهراء : « ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين أو سيدة نساء هذه الأمة وسيدة نساء المؤمنين » (2).

ومن الأحاديث المبيّية لمحبة النبي ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة ( عليها السلام ) :

عن عائشة قالت : كانت إذا دخلت على النبي ( صلى الله عليه وآله ) قام إليها وقبّلها وأجلسها في مجلسه . . . » (3).

وأضف إلى ذلك صرّح رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بمحبته لابنته الزهراء قائلاً : « أحب أهلي إليّ فاطمة » (4).

وقال رسول الله : « فاطمة بضعة مني ، يؤذيني ما آذاها ، ويريبني ما رابها » (5).

وقال ( صلى الله عليه وآله ) : « إنّ الله يرضى لرضاك ، ويغضب لغضبك » (6).

ما يدعوا إلى الاستبصار :

وصل « حسن العطاس » بصورة طبيعية بعد معرفته بفضائل الزهراء وبعد


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4212 . وقال : « هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه » ووافقه الذهبي في التلخيص . مسند أحمد : 19 / ح 12391 قال شعيب الأرنؤوط : « إسناده صحيح » .

2) مسند أبي داود الطيالسي : 1 / ح 1373 ، مستدرك الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4800 وقال : « هذا إسناد صحيح » ووافقه الذهبي . السنن الكبرى للنسائي : 4 / ح 7078 .

3) سنن أبي داود ، السجستاني : 4 / ح 5217 قال الألباني : « صحيح » .

4) المستدرك الحاكم النيسابوري : 3 / ح 3613 وقال : « صحيح الإسناد » .

5) صحيح البخاري : 3 / 5230 .

6) مجمع الزوائد ، الهيثمي : 9 / ح 15195 . وقال : « رواه الطبراني وإسناده حسن » ، المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4789 وقال : « صحيح الإسناد » .

معرفته بمظلوميّتها من قِبل الذين استولوا على دفّة الحكم بأنّ بعض الصحابة الذين كان يقدّسهم لم يكونوا بذلك المستوى الذي كان يتوقّعه منهم ، بل وجدهم أناس صدرت منهم الكثير من الأخطاء ، ولهذا لا ينبغي لنا بعد معرفتنا بأخطائهم في بعض الموارد أن نواصل اتّباعهم في هذه الموارد .

ومن هذا المنطلق هذّب « حسن العطاس » معتقداته وأفكاره الموروثة ونقّحها من الشوائب العالقة بها ، ثم أعلن استبصاره سنة 1393 ه‍ ( 1974 م ) وفتح صفحة جديدة من حياته في ظلّ نور معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(25) حسن المساوي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « بكلونجن » ، حاصل على الشهادة الثانوية ، نشأ في أسرة تعتنق المذهب الشافعي ، فأمضى فترة من حياته على هذا المذهب تقليداً لآبائه وأسلافه حتّى ارتقى مستواه الفكري ، فأحبّ أن يكون على بصيرة من دينه ، فتوجّه إلى البحث .

اجتياز الطريق الشائك :

كان يعلم « حسن المساوي » أنّ طريق كسب البصيرة في الدين شائك واجتيازه مجهد ما لم يبعد عن نفسه غيوم العصبية وغبار الجهل ، فحاول قدر وسعه أن يتناول المسائل العقائديّة بروح بنّاءة ونفس موضوعي ، فكانت ثمرة بحثه أنّه توصّل إلى أنّ الإمامة بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) عهد إلهي اصطفى له الباري عزّ وجلّ عترة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وأنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) هم سفن النجاة وباب حطّة وهم عدل الكتاب .

فضائل أهل البيت في الأحاديث النبويّة :

إنّ من أهمّ الأمور التي دعت « حسن المساوي » إلى الانجذاب نحو أهل البيت ( عليهم السلام ) ومذهبهم هو الكم الهائل من الأحاديث النبويّة الواردة التي تحثّ المسلمين على محبّتهم وموالاتهم وتحذّر كلّ من يبغضهم ، ومن هذه الأحاديث :

عن ابن عباس ( رضي الله عنه ) عنهما قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبّوني لحبّ الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبّي » (1).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « والذي نفسي بيده لا يبغضنا أهل البيت رجل إلاّ أدخله الله النار » (2)

المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4775 . وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم . وأقرّه الذهبي في التلخيص .

.

وعن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « شفاعتي لأمّتي من أحبّ أهل بيتي » (3).

وعن الإمام علي ( عليه السلام ) أيضاً ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « أربعة أنا شفيع لهم يوم القيامة : المكرم لذريتي ، والقاضي لهم حوائجهم ، والساعي لهم في أمورهم عندما اضطرّوا إليه ، والمحبّ لهم بقلبه ولسانه » (4).

وعن عبد الرحمن بن عوف قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أيّها الناس : إنّي لكم فرط وإنّي أوصيكم بعترتي خيراً ، موعدكم الحوض » (5).

وعن أبي ذر الغفاري ، أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : « مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق » (6)

وقال ابن حجر الهيتمي في صواعقه : 2 / ص 445 : « وجاء من طرق عديدة يقوّي بعضها بعضاً : إنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا . وفي رواية مسلم : ومن تخلّف عنها غرق . . . » .

وقال السمهودي بعد أن ذكر طرقاً عديدة للحديث : « وهذه الطرق يقوّي بعضها بعضاً » . انظر جواهر العقدين : 1 / ص 123 .

وقال الحافظ السخاوي في « استجلاب ارتقاء الغرف » ص 228 : « رواه الطبراني في المعجم الصغير » و « الأوسط » وبعض هذه الطرق يقوّي بعضها بعضاً » .

.

1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4774 : قال : صحيح الإسناد . ووافقه الذهبي في التلخيص .

2) صحيح ابن حبّان : 15 / 435 ح 6978 . قال شعيب الأرنؤوط : إسناده حسن .

3) جمع الجوامع ، السيوطي : 5 / 46 ح 13327 .

4) كنز العمال ، المتقي الهندي : 12 / ح 34175 .

5) الدر المنثور . السيوطي : 3 / ص 385 .

6) المستدرك ، 2 / ح 3362 . وقال : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .

الغاية من التأكيد على فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) :

وجد « حسن المساوي » خلال بحثه بأنّ إصرار رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على بيان فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) والتأكيد على مقامهم ومنزلتهم وحثّ الناس على التمسّك بهديهم والالتحاق بركبهم أمر ملفت للنظر .

ولا يخفى بأنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لا يتكلّم اعتباطاً لأنّه مرسل من قبل الله عزّ وجل ، ولهذا لا بدّ من وجود حكمة في تأكيده ( صلى الله عليه وآله ) على أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ومن هذا المنطلق واصل « حسن المساوي » بحثه ، فوجد بأنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قد خصّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) أيضاً بعناية خاصّة ، واهتمّ به أكثر من باقي الصحابة ، وذكر في حقّه أقوال تدعو الباحث إلى التأمّل في مضامينها والتأمّل في دلالتها ، منها :

عن عمران بن الحصين قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « علي منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن ومؤمنة بعدي » (1)

وفي السلسلة الصحيحة للألباني : 5 / ح 2223 ، قال : « صحيح » .

وفي صحيح ابن حبّان بترتب ابن بلبان : 15 / ح 6929 ، قال شعيب الأرنؤوط : « إسناده قوي » .

وفي مسند أبي يعلى الموصلي : 1 / ح 355 ، قال حسين سليم أسد : رجاله رجال الصحيح .

.

وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : « كان أحبّ النساء إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة ومن الرجال علي » (2).


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 3637 . وقال : « صحيح على شرط مسلم ، وأقرّه الذهبي في التلخيص » .

2) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4794 ، وقال : صحيح الإسناد . ووافقه الذهبي في التلخيص .

اتّباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

وجد « حسن المساوي » بأنّ حصيلة البحث الذي قام به تدعوه إلى التمسّك بهدي أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولهذا عزم على أتباعهم والسير وفق منهجهم ، ولم يسمح لنفسه أن تغرّه المظاهر وكثرة العدد ، لأنّه لمّا وجد الحقّ ماثلاً أمام بصيرته لم يجد بدّاً سوى التمسّك به .

نشر معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) :

وجد « حسن المساوي » بعد تعرّفه على الحقيقة ، بأنّ الوظيفة الشرعيّة تحكم عليه أن يأخذ - قدر وسعه - بأيدي الذين لا يعلمون فينوّر أبصارهم بما بلغه من العلم .

ومن هذا المنطلق أصبح « حسن المساوي » أستاذاً في معهد الإمام الهادي الإسلامي في مدينة « بكلونجن » ، وذلك بعد أن سافر إلى إيران والتحق بالحوزة العلميّة في مدينة قم ، ودرس فيها سنوات مديدة .

كما قام الأستاذ « حسن المساوي » بترجمة بعض الكتب الإسلاميّة ، ووطّن نفسه لاستضاءة بصائر الشباب المعاصر ، وتنوير عقولهم بمعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(26) حسين الحامد( شافعي / أندونيسيا )

الصورة

D03

ولد سنة 1394 ه‍ ( 1975 م ) في أندونيسيا بمدينة « بندواسا » ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، فبقى على مذهبه التقليدي ، ثمّ أكمل الثانوية ، ثمّ تعرّف على أستاذ جليل يدعى « السيد حمزة الحبشي » فتتلمذ على يده ليدرس عنده الفقه والحديث .

اختلاف زوايا الرؤية :

يقول « حسين حامد » : واصلت دراستي عند « السيد حمزة الحبشي » ، وكنت أتلقى منه دروس الفقه والدروس المختصّة بعلم الحديث ، ولكنّني شعرت بمرور الزمان بوجود اختلاف بين الآراء المشهورة عندنا وبين آراء الأستاذ .

وبمرور الزمان بدأت تتضّح الفوارق ، وبدأنا ندرك وجهة نظر الأستاذ إلى بعض المسائل ولا سيّما الأمور العقائديّة ، واستمر الأمر على هذا المنوال ونحن نصغي إلى الأدلة التي يذكرها الأستاذ دعماً لما يذكره حتّى جاء إلى منطقتنا مجموعة من أساتذة الحوزة العلميّة في مدينة قم من إيران ، وألقوا علينا بعض المحاضرات حول أهل البيت ( عليهم السلام ) وذكروا فضائلهم من مصادر أهل السنّة وذكروا بعض الحقائق التاريخيّة المرتبطة بالصحابة .

بداية زوال الحجب :

يقول « حسين الحامد » : بدأت الأمور تتّضح لي بمرور الزمان ، وعرفت بعد ذلك بأنّ أستاذنا « السيد حمزة الحبشي » يميل نحو مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بل هو من أتباعهم ، ومن هذا المنطلق بدأت رحلتي في البحث ، وعزمت على معرفة الحقيقة ، فشرعت بقراءة الكتب السنيّة والشيعيّة والحوار مع أهل السنّة المتشدّدين والحوار من جهة أخرى مع أصدقائنا المستبصرين .

وكان قراري أن لا أستعجل في اتّخاذ القرار ، وأن اتريث في الأمر ، واحتاط في أمر ديني .

وكنت على يقين بأنّني على الحقّ ، وأنّ البحث الذي سأبحثه لا يزيدني إلاّ إيماناً وثباتاً وتمسّكاً بما كنت اعتقده فيما سبق . وكان هدفي من البحث هو أن أوسّع آفاق معرفتي ، وأتعرّف على باقي المذاهب الإسلامية لأتعرّف على سبب انشقاقهم من الصف الإسلامي المتمثّل بخطّ أهل السنّة والجماعة .

المفاجأة :

يقول « حسين الحامد » : واصلت بحثي ببطء واستمرّ حواري مع أصدقائي ، ولكننّي لم أجد عندهم ما يزعزع معتقداتي السابقة ، واستمرّ الأمر على هذا المنوال حتّى جاء « السيد هارون الحدّاد » وهو أحد أقاربنا ، وكان متأثراً بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فسألته عن سبب ميوله لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فتحدّث معي حول ابنة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ومظلوميّتها بعد وفاة أبيها والمعاملة القاسية التي جوبهت بها من قبل بعض الصحابة والإجحاف الذي حصل بحقّها ، فاهتزّ وجودي من الأعماق وترك كلام قريبي أثراً بالغاً في نفسي ، فشعرت بانهيار عقيدتي بعدالة الصحابة واستغربت أشدّ الاستغراب من موقف أبي بكر وعمر بن الخطاب من ابنة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأصابني الذهول وقريبي يبيّن لي ما جرى على الزهراء ( عليها السلام ) :

روى بسند صحيح أنّه « حين بويع لأبي بكر بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، كان علي والزبير يدخلان على فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيشاورونها ويرتجعون في أمرهم ، فلمّا بلغ ذلك عمر بن الخطاب خرج حتى دخل على فاطمة فقال : يا بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ! والله ما من أحد أحبّ إلينا من أبيك وما أحد أحبّ إلينا بعد أبيك منك ، وأيم الله ما ذاك بما نعي إن اجتمع هؤلاء النفر عندك ; إن أمرتهم أن يحرق عليهم البيت ، قال : فلمّا خرج عمر جاءوها فقالت : تعلمون أنّ عمر قد جاءني وقد حلف بالله لئن عدتم ليحرقنّ عليكم البيت وأيم الله ليمضينّ لما حلف عليه (1). . . » .

وجاء في تاريخ اليعقوبي أنّه بلغ أبا بكر وعمر أنّ جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في منزل فاطمة ( عليها السلام ) بنت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فاتوا في جماعة حتى هجموا على الدار . . (2).

فلمّا سمعت [ فاطمة ] أصواتهم نادت بأعلى صوتها : يا أبت يا رسول الله ، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب وابن أبي قحافة ؟ ! (3).

ونادت الزهراء : « والله لتخرجنّ أو لأكشفنّ شعري ولأعجّن إلى الله ! ! (4).

ونادت الزهراء : يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله ! والله لا أكلّم عمر حتّى ألقى الله (5).

وقال عمر لمن كان في دار الإمام علي ( عليه السلام ) : والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لأحرقنّها على من فيها !

فقيل له : يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة !


1) مصنّف ابن أبي شيبة الكوفي : 8 / باب (43) ما جاء في خلافة أبي بكر ، حديث 4 .

2) تاريخ اليعقوبي : 2 / 85 .

3) الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة : 19 - 20 ، أعلام النساء ، كحالة : 4 / 114 - 115 .

4) تاريخ اليعقوبي : 2 / 85 .

5) السقيفة وفدك ، الجوهري 74 .

فقال : وإن ! ! (1).

إنّ عمر رفس فاطمة حتّى أسقطت بمحسن (2).

مواصلة البحث :

تأثّر « حسين الحامد » تأثّراً بالغاً بما سمعه حول محنة الزهراء ( عليها السلام ) ، فدفعه هذا التأثّر إلى البحث من أجل التعرّف على الحقيقة .

ويقول « حسين الحامد » : واصلت بحثي في الصعيد العقائدي ، وزاد اهتمامي بقراءة الكتب الشيعيّة من أجل التعرّف على مبادئهم العقائديّة فتأثّرت بكتاب « المراجعات » للسيّد العلاّمة عبد الحسين شرف الدين وكتاب « ثمّ اهتديت » للدكتور التيجاني السماوي .

واستمرّ بحثي فترة طويلة حتّى أعلنت استبصاري في مدينة بندواسا ، ثمّ التحقت بمعهد الهادي ودرست فيه ثلاث سنوات ونصف ، ثمّ سافرت إلى إيران والتحقت بالحوزة العلميّة في مدينة قم المقدّسة ، ودرست مدّة سبع سنوات وتخصّصت في الفقه والأصول ، وأودّ أيضاً أن أكون دائماً مع علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) وأن لا انفصل عنها أبداً إلى آخر حياتي .


1) الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة : 19 ، أعلام النساء ، كحالة : 4 / 114 .

2) ميزان الاعتدال ، الذهبي : 1 / 139 ، ترجمة رقم 552 .

(27) حسين الحبشي( شافعي - أندونيسيا )

الصورة

D04

ولد في سنة 1339 ه‍ ( 1921 م ) في مدينة « سورابايا » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة مهاجرة شافعية المذهب تعود أصولها إلى السادة اليمنيّين في « حضرموت » حيث يتّصل نسب أبيه إلى الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) باثنين وثلاثين واسطة من طريق علي بن جعفر العريضي .

ثمّ درس العلوم الإسلامية في مدرسة « الخيرات » وهي أقدم مدرسة إسلامية في « سورابايا » حيث أقامها السادة اليمنيون ، وأكمل دراسته في « ماليزيا » عند أحد العلماء المعروفين .

عمل مدّرساً في إحدى المدارس بمدينة « بوندواسا » ، كما عمل في مجال التبليغ والدعوة والإرشاد . وأسس « المعهد الإسلامي » في مدينة « بإنجيل » الذي خرّج العديد من الكوادر الإسلامية الواعية .

اعتناقه لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

لم يكن « حسين الحبشي » من المتعصّبين أو ذوي الفكر المحدود والمغلق ، بل كان من العلماء الواعين المنفتحين على العالم الإسلامي وعلمائه من كلّ الطوائف حيث كانت له علاقات ودّية مع أمثال سيّد قطب والندوي والقرضاوي ومحمد بن علوي المالكي المكّي وغيرهم .

وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ، أقام علاقات قويّة مع علماء إيران وتعرّف على مذهب الشيعة ثمّ درس أصول ومبادىء هذا المذهب فاقتنع به واتّخذه مذهباً يدين للّه به ; لكنّه لم يعلن ذلك على الملأ لظروفه الخاصّة وكان أبرز ما دفعه إلى التشيّع هو روح التحقيق في المسائل الدينيّة وعدم الاكتفاء بالتقليد لآراء الآخرين .

نشاطاته :

1 - كان رجلاً ذا همّة عالية في نشر التعاليم الإسلاميّة وتطبيقها ، وكان يعتقد بأنّ الإسلام ليس مجرّد محاضرات ، وتلقينات في العقائد ، بل هو منهاج متكامل للحياة ، وقد دعا إلى مراعاته بشكل عملي في حياة المسلمين ، وقد دفع أثماناً غالية في هذا الصعيد حتّى أنّه أدخل السجن .

2 - ركّز « حسين الحبشي » جهوده على توعية المسلمين بممارسات تبليغيّة مختلفة كالخطابة التي برع فيها وعُرف بتأثيره القوي على مستمعيه في مختلف أنحاء أندونيسيا بل وماليزيا وسنغافورة ، كما كانت له دروس أسبوعية في التفسير والحديث في المسجد الجامع بمدينة « بإنجيل » .

3 - أسّس المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » الذي خرّج الكثير من الكوادر الإسلامية الشابّة والتي كان لها دور كبير في توعية الناس ، ونشر أحكام الإسلام والتشيّع في أنحاء أندونيسيا ، وكانت سياسته في المعهد هو التدريس وفق المذهب الشافعي السائد في البلاد ، وكان مع ذلك منفتحاً على المذاهب الأخرى بما فيها التشيّع ، كما كان يترك حريّة الاختيار للطالب في اختيار مذهبه أو تغيير عقيدته مع المحافظة على الوحدة وعدم الاختلاف .

4 - كان له نشاط كبير في الردّ على الثقافة الغربية التي غزت بلاد المسلمين ، كما حارب نشاط البعثات التبشيريّة المسيحيّة التي أنتشرت بشكل مكثف في

البلاد الأندونيسيّة وكانت جهوده مؤثّرة في نزع أشكال الصليب المختلفة التي نشرها الصليبيّون على المباني والبيوت والأبواب .

5 - وقف بشدّة أمام الانحرافات الدينيّة والفكريّة ، فعندما روّج وعّاظ السلاطين عدم وجوب الحجاب على النساء وجواز مصافحتهن من قبل الرجال وارتكب ذلك بعض هؤلاء المتظاهرين بزيّ رجال الدين ، أعلن حرمة ذلك وحذّر الناس من نزع الحجاب وردّ الشبهات التي أوردها هؤلاء الوعّاظ لتعليل السفور والخلاعة .

6 - كان من دعاة الوحدة بين المسلمين وعدم التفرقة بينهم ، وبذل جهوداً جبّارة في هذا المجال في حياته العمليّة ، وواجه أنواع الجفاء والإجحاف من المغرضين والجهلة كما دعا إلى عدم تكفير أيّة طائفة من طوائف المسلمين .

7 - كانت له اليد الطولى في إرسال الطلبة المستبصرين للدراسة في الحوزة العلميّة في قم المقدّسة وكانت جهوده في هذا المجال مثمرة جدّاً .

8 - كان له نشاط سياسي فعّال في أوائل قيام الدولة الأندونيسية وخلاصها من الاستعمار حيث انتمى إلى الحزب الإسلامي الوحيد المسموح به في ذلك الوقت ، وشارك في الانتخابات وفاز بمقعد في المجلس الدستوري الأندونيسي ، ولكن هذا الحزب أنهار وانحل نتيجة ضغوط الدولة أيام « سوكارنو » وخيانة بعض منتسبيه ، ممّا سبّب إلى ابتعاده عن الأحزاب السياسيّة وتركيز جهوده على الجانب الديني والاجتماعي .

9 - حاول إنشاء حي إسلامي متكامل في إحدى مناطق « كوالاالامبور » العاصمة الماليزية بحيث تمارس فيه النشاطات الإسلامية بحرّية ، وتطبّق فيه تعاليم الإسلام وتنشر أحكامه . لكن هذا المشروع لم ير النور حيث وافاه الأجل المحتوم ولم يمهله لتنفيذ هذه الفكرة البديعة .

مؤلفاته

كان لحسين الحبشي تأليفات متنوعة ذات قيمة كبيرة رغم نشاطاته التبليغية الكثيرة نذكر منها :

1 - الأخوّة الإسلامية بين السنّة والشيعة ( ردّاً على الندوي في كتابه صورتان متضادّتان ) نشره بالعربيّة والأندونيسيّة .

2 - المذهب الذي يحرّم التمذهب .

3 - هل يمكن أن لا نتمذهب .

4 - قاموس الكوثر ( عربي - أندونيسي ) .

5 - القاديانيّة والمؤامرة .

6 - القواعد الفقهية .

7 - تفسير سورة عبس ( دفاع عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) )

8 - الحوار مع النصارى

9 - لكي لا تكون فتنة ( ردّ على بعض الشبهات حول الأئمة ( عليهم السلام ) في كتاب الكافي )

10 - ترجمة إنجيل برنابا .

وفاته :

انتقل إلى رحمة الله تعالى في اليوم الثاني من شهر شعبان سنة 1414 ه‍ ، ودفن جثمانه الطاهر في معهده الشريف بمدينة « بإنجيل » بعد تشييع الآلاف من المسلمين له الذين أتوا من أرجاء البلاد الأندونيسية والماليزية والسنغافورية ، وودّعوه بالبكاء والدعاء .

بقي ذكره حيّاً ، وصار رمزاً للوحدة بين المسلمين ونموذجاً لأبناء بلده في العلم والعمل والجهاد .

وقفة مع كتابه « رداً على الندوي في صورتيه المتضادّتين »

كتب « حسين الحبشي » هذا الكتاب لتفنيد آراء الشيخ الندوي في كرّاسه المسمّى ( صورتان متضادّتان لنتائج جهود الرسول الأعظم الدعوية والتربوية وسيرة الجيل المثالي الأوّل ) والذي شكّك فيه في تصوّرات وآراء أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، حيث قارن بين نظرتين إحداهما كما زعم للشيعة والأخرى لأهل السنّة .

وقد هاجم « الشيخ الندوي » آراء الشيعة في عدالة الصحابة ، وسلامة القرآن من التحريف ومسألة الإمامة والعصمة ، ومسألة البداء وغيرها . وقد ركّز كما قد يظهر من عنوان كرّاسه على مسألة عدالة الصحابة بأجمعهم دون استثناء في حتميّة مثالية فريدة في التاريخ سماها « حسين الحبشي » ب‍ ( الحتميّة الندويّة ) ! .

وقد كرّر « الشيخ الندوي » الاتّهامات المعروفة ضدّ الشيعة التي سبقه فيها الكثيرون ، وأجاب عنها علماء مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) طوال القرون السالفة ، ولم يأتِ بشيء جديد إلاّ من حيث الشكل الأدبي لتصوراته وعباراته ، والتي لا تخلو من الزخرفة والتنميق والوقاحة في نفس الوقت ، كما سيتبيّن ذلك .

ثمرة الدعوة :

يقول الشيخ الندوي في الصحفة الحادية عشر : ( لا بدّ من أن تثمر الدعوة في حياة الرسول نفسه ، وأن تنتج جيلاً جديداً لا يشبه الأجيال القديمة ولا يقبل إنتكاصاً ولا انتكاساً .

إنّ ظهور معجزة التأثير والهداية في حياة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وظهور الثورة في الأخلاق والعقائد ، وبروز نماذج إنسانيّة عمليّة - هي من أروع ما شاهده التاريخ من نماذج وأجملها - كلّ ذلك يشقّ الطريق للإسلام ، وتترامى بفضله وتأثيره أُمم وأقطار في أحضان الإسلام ، ويتكوّن مجتمع كامل حيّ يعتبر مجتمعاً مثاليّاً نموذجيّاً من كلّ جهة .

ويجب أن يتحقَّق كلّ ذلك في حياة الرسول ، وعلى أثر وفاته ، حيث إنّ الدين الذي لا يستطيع أن يقدِم أمام العالم عدداً وجيهاً من نماذج عمليّة ناجحة بنّاءة ، ومجتمعاً مثاليّاً في أيام الداعي وحامل رسالته الأوّل ; لا يعتبر ناجحاً ، كما أنّ الشجرة التي لم تؤت ثمارها اليانعة الحلوة ، ولم تتفتح أزهارها العطرة الجميلة أيام شبابها وفي موسم ربيعها ( وهو عهد النبوة ) لا تعتبر شجرة مثمرة سليمة ، وكيف يسوغ لدعاة هذه الدعوة والدّين وممثليهما الذين ظهروا بعد أن مضى على عهد النبوّة زمن طويل ، أن يوجّهوا إلى الجيل المعاصر والعالم الحاضر ، دعوة إلى الايمان والعمل والدخول في السلم كافّة ، والتغيير الكامل في الحياة ، وهم عاجزون - في ضوء مذهب الشيعة ( . . . ؟ ! ! ) وأقاويلهم - عن تقديم نتائج حيّة باهرة للألباب ، مسلّمة عند المؤرّخين ، للمجهودات التي بُذلت في العهد الأوّل وفي فجر تاريخه في سبيل إبراز اُمّة جديدة ، وإنشاء جيل مثالي ، يمثّل التعاليم النبويّة أصدق تمثيل ، ويبرهن على تأثيرها ونجاحها ) .

وقد أجاب الحبشي على هذا الكلام بشكل مفصّل ، نقتطف من جوابه بعض الفقرات ، منها أنّه قال مشيراً إلى كلام الشيخ الندوي :

« إنّه والله اُسلوب شعري بليغ رائع ، لو كان مطابقاً - حقّاً - لما يرويه التاريخ وروته كتب الصحاح والسنن والمغازي إنّنا لا يمكن أن نتكلّم في التاريخ حسب هوانا ، بل لا بدّ من أن نكون واقعيّين نروي ما روته الصحاح ( صحاحنا ومسانيدنا وكتب سيرنا ومغازينا ) .

نحن لا نشكّ في أنّ الداعي وحامل رسالته الأوّل سيّدنا الحبيب محمّد ( صلى الله عليه وآله ) قد أدّى الأمانة ، ونصح الأمّة وجاهد في الله حقّ جهاده ، وإنّه ( عليه وعلى آله الصلاة والسلام ) لم يألُ جهداً في لمّ شعثهم وضمّ شاردهم بأحسن وأفضل طريقة يتصوّرها الإنسان ، وناهيك بلين الجانب والزهد وكلّ خلق يجعله ( صلى الله عليه وآله ) كالمرآة لمن حوله ، بل وقد طبّق كلّ تعاليمه في الأخلاق والشريعة تطبيعاً كاملاً ، وتلك الطريقة

إلى جانب القرآن هي التي جعله الله من خلالها اُسوة للناس كافّة ، ونبراساً لمن يريد أن يهتدي بهديه ( صلى الله عليه وآله ) وصدق الله العظيم إذ قال : ( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضلال مُّبِين ) (1).

وطبيعي أنّ من بين الذين وجّه إليهم النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) هذه الدعوة كثيراً منهم تقبّلوها وأخلصوا في إيمانهم وأحبّوه ونصروه وآزروه ، واتّبعوا النور الذي اُنزِل معه ، لكنّنا لا نستطيع أن نقول مثل ما يقول الندوي : ( إنّ الجيل كلّه أثمرت فيهم الدعوة بالحتميّة ، فصاروا نماذج إنسانيّة رائعة تشقّ الطريق للإسلام ) وأعتقد أنّ كلّ اُمم الأنبياء فيهم العصاة والمتمرّدون ، والذين يرفضون الدعوة كليّاً ، وفيهم الذي آمن ثمّ كفر ، وفيهم من يخفي الكفر ويظهر الإيمان بينهم .

وعلى الإجمال ، فيهم الصالحون وفيهم دون ذلك ، لكن بالنسبة لسيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) فهو أفضل من يقتدي به الإنسان ، وأكثرهم نتيجة في تربيته ، واُمّته أكثر الاُمم وفاءً بعهده ، كما أنّهم - في حياته - أكثر الاُمم تضحيةً ، ثمّ إنّ الإسلام - حسب ما في الآيات القرآنيّة والأحاديث الصحيحة - يشقُ الطريق بنفسه ; بقرآنه وبسيرة الاُسوة الحسنة الذي ابتعثه الله للبشر كافّة فقط لا غيره » .

انتشار الإسلام والحتميّة الندويّة :

واصل حسين الحبشي جوابه قائلاً : « نعم ، إنّ الإسلام يشقُّ الطريق بنفسه ، وبسيرة نبيّه لا غير ، فيدخل الإسلام قلب الإنسان الذي يريد الله هدايته ; لأنّ الإسلام قد ملأ كلّ جوانبه ، تعالوا نقرأ ما كتبه المفكّر الفرنسي ( روجيه غارودي ) : ( إنّ الإسلام هو المنطق ، وهو العقل ، وهو القلب ، وهو الصيغة الفريدة للإجابة عن تساؤلات البشر ، وإخراجهم من حيرتهم وحلّ مشكلاتهم ، كأفراد ودول


1) الجمعة : 2 .

ومجتمعات . . . ) إلى أن قال : ( بدا لي أنّ الإسلام حامل إجابة عن أسئلة حياتي . . . الخ ) .

وهل المنطق السليم يشترط ( الحتميّة ) في تحقيق الدعوة لجميع أفراد الصحابة كي يكونوا جيلاً مثاليّاً فريداً في التاريخ ؟ لأنّه إذا لم يكن كذلك ، صار الإسلام ( القرآن ) كالشجرة التي لم تؤتِ ثمارها . . . كما يقول الشيخ الندوي : ( وإذا لم تتفتّح أزهارها المعطّرة الجميلة أيّام شبابها ، فهي إذاً شجرة غير سليمة ) . أليس يكفي أن تخرّج المدرسة النبويّة - على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام - فئة قليلة في كمّها عظيمة في كيفها ؟ أليس كافياً أن يظهر في الألف مائة بطل ومحارب لنقول بأنّ الذي علَّمهم الفروسيّة قد أنتجت ثمرة تعليمه أم يجب أن نقول : إنّ المائة في المائة كلّهم نتجوا ؟ »

وأضاف حسين الحبشي في ردّ الحتمية الندويّة قائلاً :

« قد نصطدم بالحوادث والوقائع التي جرت بين الصحابة ، والتي روتها صحاحنا وكتبنا من أهل السُنّة ، والتي تدلُّ على بطلان الاستنتاج الذي عبّر عنه الاُستاذ الندوي في ( نموذجيّة الجيل الأوّل ومثاليّته ، سواء في أيّام الداعي الأوّل ( صلى الله عليه وآله ) وسلّم أو بعد وفاته ) ، إذ حصلت حسب نصوص صريحة انتكاسات لا نستطيع ردّها ولا الجواب عنها » .

وأورد « حسين الحبشي » نماذج عديدة من هذه الانتكاسات ( حوالي 25 نموذجاً ) ليثبت بأنّ ما رآه الندوي مائل إلى الشطط . ولم نوردها هنا طلباً للاختصار .

ثمّ أضاف :

« من الصعب أن نجد توجيهاً أو تسويغاً لتلك الحوادث وأعمالهم تلك ، يمكننا أن نثبت من خلاله إدّعاءنا بأنّهم كلّهم مثاليّون وقدوة للناس ، وأنّهم شقّوا الطريق للإسلام ، فتترامى بفضلهم وتأثيرهم اُمم وأقطار في أحضان الإسلام على

حدّ قول المفكّر الإسلامي ، الأستاذ الندوي .

هذا ، ولم نتكلّم بعد فيمن قَتل أو على الأقل كان سبباً في قتل عمّار بن ياسر في حرب صفّين ثمّ قتل حجر بن عدي الكندي ، وعمرو بن الحمق الخزاعي صبراً ؟ وقد سمع الناس قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) في عمّار : ويح عمار ! تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنّة ويدعونه إلى النار (1). ولم نذكر قتلة الخليفة عثمان ، إقرأ يوم الدار .

أرى أنّ الأولى والأسلم أن لا نجتهد برأينا الذي قد يتعارض مع نصوص الكتاب والأحاديث الصحيحة ، لكنّنا نأخذ بقول صاحب الرسالة نفسه ( عليه وعلى آله الصلاة والسلام ) بأنّ من صحابته الأبرار والصلحاء المبشَّرين بالجنّة ، ومنهم دون ذلك ، ولا سيّما إذا بالغنا في القول فقلنا مثل ما يقول الشيخ الندوي : لا بدّ من أن تثمر الدعوة في حياة الرسول نفسه وأن تنتج جيلاً جديداً لا يصبح كالأجيال القديمة ، ولا يقبل انتكاساً ولا إنتكاصاً ، إلى آخر ما قال » .

تأسيس حكومة وراثيّة تعريضاً بصاحب الرسالة ( صلى الله عليه وآله ) :

واصل الشيخ الندوي كلامه وقال : « كذلك من البديهيات اللازمة أن يكون هذا الداعي الأوّل ، والمرسل من الله وحامل رسالته ، متميّزاً عن مؤسّسي الحكومات والفاتحين والغزاة والقادة السياسيّين ، والزعماء الماديّين في طبيعته وأذواقه وسلوكه وعمله ومقاصده ونتائجه تميُّزاً واضحاً ، ويكون هناك تناقض بَيّن بينه وبين هذه الطائفة ، إنّ محور الجهود التي يبذلها مؤسّسوا الحكومات وفاتحو البلدان ، وزعماء العالم ، من أصحاب الطموح ومجرّبي الحظوظ ، وهدفهم الأعلى - أو النتيجة الحتميّة الطبيعيّة على أقلّ تقدير - إنّما هو قيام مملكة خاصّة ، وتأسيس حكومة وراثيّة .


1) صحيح البخاري : 1 / ح 436 .

إنّها ظاهرة طبيعيّة وحقيقة تاريخيّة على مرّ القرون والأجيال ، يشهد بذلك تاريخ ازدهار الأسر الروميّة والبيزنطيّة ، والساسانيّة والكيانيّة ، واُسرتي « سورج بنسي » و « جندر بنسي » . . . إلى آخر ما يقوله » .

وقد أجاب الشيخ الحبشي عن كلامه هذا بالقول :

« إنّ هذا الكلام تعريض لما ينطق به الرسول ( صلى الله عليه وآله ) حينما أوصى الصحابة بالطاعة بعده لعلي بن أبي طالب حين قال : من كنت مولاه فعليَّ مولاه (1)

سنن ابن ماجة : 1 / ح 121 ، قال الألباني : صحيح .

مسند أحمد : 5 / ح 22995 ، قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح .

المستدرك للحاكم : 3 / ح 6272 ، قال الحاكم : هذا حديث صحيح الإسناد . ووافقه الذهبي في التلخيص .

وعلي وليّ كلّ مؤمن بعدي (2)

صحيح ابن حبّان : 15 / ح 6929 ، قال شعيب الأرنؤوط : إسناده قوي .

المستدرك للحاكم : 3 / ح 3637 ، وقال : « صحيح على شرط مسلم وأقرّه الذهبي في التلخيص » .

مسند أبي يعلى الموصلي : 1 / ح 355 ، قال حسين سليم أسد : رجاله رجال الصحيح .

.

إنّ هذا التعريض يعارض اعتقادنا بأنّ كلَّ ما ينطقه النبيّ وحي ، نحن - وكلّ مسلم طبعاً - ننزّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من أن تكون نيّته من كلماته في تفضيل عليّ يوم الغدير وغيره هو من باب التمهيد لتأسيس حكومة وراثيّة .

نحن طبعاً نفهم جيّداً بأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) حين ينطق بفضل علي بن أبي طالب على كلّ أصحابه فيصرّح قائلاً : نفسه من نفسه . . . إلى آخره ، وآخاه مرّتين ، ليس من باب التمهيد لتأسيس حكومة وراثيّة ، نعوذ بالله من هذا الاعتقاد .

ثمّ هل نقول مثل هذا استكثاراً لأنّ عليّاً لا يستحقُّ كلَّ هذه الفضائل ؟ ألسنا نروي في كتب سُننا وصحاحنا أنّ عليّاً هو أعلم الصحابة ، وأشجعهم ، وأزهدهم ،


1) سنن الترمذي : 5 / ح 3713 ، قال الألباني : صحيح .

2) سنن الترمذي : 5 / ح 3712 ، قال الألباني : صحيح .

وأعبدهم ، وأفصحهم ، وأشدّهم سياسة ، وأرجحهم عقلاً وكياسة ، وأسدُّهم رأياً ، وأوّلهم إسلاماً ، وأكثرهم جهاداً ، وأجمعهم لصنوف الفضائل ، ولم يكن عليٌّ صحابيّاً كسائر الصحابة ، بل امتاز عنهم بفضائل لم يشاركه فيها أحد من الصحابة ، قال خزيمة بن ثابت :

من فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحسن

سبقهم جميعاً إلى الإسلام ، وعبد الله وليس في الأرض من يعبده إلاّ ثلاثة وهو أحدهم ، والآخران سيّدنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وسيّدتنا خديجة الكبرى ، وسبق الناس إلى الجهاد في سبيل الله ، وحامى عن دين الله ، وقابل أعداء الله في كل يوم عصيب ، وواسى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وفداه بنفسه ، وشاركه في كلّ شدّة ومحنة منذ طفولته إلى وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقام الإسلام بسيفه ، فكان ينيّمه أبو طالب في مضجع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أيام حصار الشعب ليكون فداءً له ( صلى الله عليه وآله ) إن رام أحدٌ الفتك به ، وكان أطفال قريش يؤذون النبيّ في أوّل البعثة ، فقال علي للنبي : إذا خرجت فأخرجني معك . فكان يحمل عليهم ويقضمهم ، فيرجعون إلى أهلهم باكين ويقولون : قضمنا علي بن أبي طالب ، وبات على فراشه ليلة الغار ، وأدّى أمانته ، وحمل الفواطم إلى المدينة ، وهزم الذين كانوا يحاولون إرجاعه ، وقتل مقدّمهم ، وكان عليه المدار يوم بدر واُحد والخندق وخيبر وغيرها ، ولا موقف من مواقف الرسول ( صلى الله عليه وآله ) إلاّ وله فيه موقف مشهود ، كما قال الشريف الرضي :

ومن قَبلُ أبلى ببدر وغيرها * ولا موقف إلاّ له فيه موقف

ولم يُسمع لسواه ممَّن فُضّلوا عليه مثل هذه الشجاعة ، وكان نفس النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) بنصّ القرآن ، وصدق الله العظيم إذ قال : ( وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ) (1)إذ لم يدعُ النبيُّ ( صلى الله عليه وآله ) أحداً من المسلمين إلاّ وهو ، واختاره أخاً لنفسه لمّا آخى بين أصحابه ، قال الصفي الحلي :


1) آل عمران (3) : 61 .

لو رأى مثلَك النبيُّ لآخى * وإلاّ فأخطأ الانتقاد

وكان ثاني أهل الكساء ، ولعمري أفضل الخلق من حواه الكساء ، ولم يعمل بآية النجوى غيره من الصحابة ، وكان من النبي بمنزلة هارون من موسى ، وأولى بالمؤمنين من أنفسهم ، ووليّ كلّ مؤمن ومؤمنة ، وباب مدينة علمه ، وحين سُدَّت الأبواب في المسجد سُدَّت كُلُّها إلاّ بابه (1).

أفبعد هذا نستكثر على علي بن أبي طالب أن يقال : إنّ فيه كلّ هذه الفضائل ، ولا سيّما إذا كان قائلها سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) .

أيجدر بنا أن نعرّض في قائلها بأنّه يمهّد بأقواله لقيام حكومة وراثيّة من ذوي قرباه كالساسانيّة ، وهكذا بالحرف الواحد ( كذلك من البديهيّات اللازمة أن يكون هذا الداعي الأوّل والمرسل من الله متميّزاً عن مؤسّسي الحكومات والفاتحين والقادة السياسيّين - إلى أن قال - وزعماء العالم من أصحاب الطموح ومجرّبي الحظوظ وهدفهم الأعلى إنّما هو قيام مملكة خاصّة وتأسيس حكومة وراثيّة ) .

فضائل علي ( عليه السلام ) والخوف من الساسانية :

يواصل « الشيخ الحبشي » ردّه على كلام « الشيخ الندوي » الذي يعرض فيه بالرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) بأنّه يمهد لقيام حكومة وراثية من ذوي قرباه كالساسانية قائلاً :

« ما علاقة هذا الكلام في معرض ذكر فضائل الصحابة رضي الله عنهم ؟ من الصعب علينا أن نتغاضى عن صدور مثل هذا التعريض على النبي ( صلى الله عليه وآله ) : لأنّه أعطى علياً مثل هذه الفضائل وأعطاه ولاية كلّ مؤمن - كما في حديث


1) راجع حول هذه الفضائل للإمام علي ( عليه السلام ) مستدرك الحاكم ، ج 3 ، باب مناقب أهل البيت ، وباب فضائل عليّ ، والاستيعاب والإصابة وغيرهما من كتب التراجم ، وراجع كتاب إحقاق الحق والمراجعات وكتب المناقب والفضائل لأهل السنّة .

الغدير وغيره من الفضائل :

ما علاقة تلكم الفضائل بالفرس والساسان ؟ وهي في نفسها حقائق ثابتة ، واعترف بها جلّ الصحابة تقريباً ؟

أليست كتبنا وصحاحنا تروي بأنّ الخليفة أبا بكر احتجّ في ساعة الانتخاب بأنّه من المهاجرين السابقين الذين هم أوّل الناس إسلاماً وأمسّهم رحماً برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مع علم الجميع بأنّ عليّاً والعباس أقرب رحماً إلى رسول الله ، فهل أسأنا الظنَّ بأبي بكر ؟ وهل عرَّضنا بالخليفة الأوّل لاحتجاجه بالقربى ، وهو يعلم أنّ غيره أقرب ، بأنّه يمهّد لنفسه قيام حكومة تيميّة وراثيّة ؟

ثمَّ ما رأى الشيخ في تولية النبي ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً على اليمن ، وجعل قضاءه إليه ، وتأميره على الجيش المرسَل إليها ، وعلى الجيش المرسَل إلى ذات السلاسل ، وتولية أخيه جعفر رئاسة المهاجرين إلى الحبشة وجيش مؤتة ؟ وإمارة الجيوش أهمّ إمارة ، فهل النبي ( صلى الله عليه وآله ) يمهّد بهذا لقيام حكومة كسرويّة ؟

ثمّ ما قولنا في سحب النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أمانة تبليغ الناس سورة براءة من أبي بكر وتحويلها بأمر الله إلى عليٍّ قائلاً : ( لا يبلّغها عنّي إلاّ رجل منّي ) (1)

مجمع الزوائد للهيثمي : 3 / ح 5464 . قال : رواه أحمد ورجاله ثقات .

إلى آخر ما قاله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ وهل يمكن أن تطغى علينا فكرة التخوُّف من الساسانيّة ، سيَّما إذا كانت مصطنعة هكذا لنقول بأنّ الولاية والفضائل يجب أن تُصرف على أهل بيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وإن كان فيهم أكفاء الأكفاء ؟ !

وإذا كان الكفاءة هي المدار في اُمور الحكم والولاية ، فهل في الناس كفؤ لعلي بن أبي طالب ؟ الذي شهد له الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بأنّه إن وليهم ليحملنَّهم على المحجّة البيضاء ! ! وكان يتعوّذ من معضلة ليس لها أبو حسن (2)» .


1) مسند أبي يعلى الموصلي : 1 / ح 104 ، قال حسين سليم أسد : رجاله ثقات .

2) الإصابة لابن حجر : 4 / 568 .

مقترحات الشيخ الندوي والتقريب :

اقترح « الشيخ الندوي » على الجعفريين أنّه يجب عليهم تغيير نظرتهم في بعض الصحابة وبعض أمّهات المؤمنين وأزواجه إن أرادوا التقريب !

ورغم إنّ مثل هذه المقترحات تثير ردود الفعل القويّة عادةً لما فيها من تعسّف واستعلاء إلاّ أنّنا نرى « الشيخ الحبشي » هنا يرد بهدوء وبطريقة موضوعيّة قائلاً :

« إن أراد بذلك أن يترك الإمامي اجتهاده ، فنحن نعلم أن ترك مؤدّى الاجتهاد والاعتقاد بخلافه غير جائز ، ولا ينبغي لمجتهد بل لمقلّد أن يطلب من غيره ترك ما أدّى إليه اجتهاده .

وإمّا التقريب ، فليس معناه ترك السنّي أو الإمامي لمذهبه ، بل معناه أن لا يؤاخذ كلُّ واحد منهم الآخر فيما لا يتنافى مع الإسلام في شيء ، ويأخذ كلّ منهما - في مقام التجاوب والتفاهم - بالأصول الإسلاميّة الجامعة المشتركة بين الجميع ، وأن لا يُدخلوا في ا لدين ما ليس منه ، فإنّ عقيدة الإماميّة - كما نفهمها - لا تتجاوز في ذلك عقيدة بنت الرسول سيّدة نساء العالمين وسلمان وأبي ذر والمقداد وحُذيفة وعمّار ونظائرهم .

فالواجب على الإماميّة وغيرهم أن يتّبعوا في تلك المسائل اجتهادهم الحر في الكتاب والسنّة والتاريخ الصحيح ، إذ لا يجوز السير على خلاف الاجتهاد إذا أدّى إلى غلط فلان وخيانة فلان ، فإن كان في الكتاب والسنّة وتاريخ الإسلام أدلّة كثيرة قويّة على عدم عدالة بعض الصحابة وعدم مبالاتهم بمصالح الإسلام والمسلمين بأفعالهم التي تنافي الشريعة ، فلا ينبغي مطالبة غير المعتقدين في إيمان هؤلاء وعدالتهم بترك هذه الأدلّة .

وإذا كان لا يمكن تخليص الكتاب والسنّة وتاريخ عصر الرسالة والخلفاء وبني أُميّة وبني العبّاس من هذه الأدلّة ، ولا يمكن تخليص التاريخ من مثل حرب

الجمل وصفّين ، فإنّه لا يجوز عتاب من يجتهد في ذلك ، ولا يجوز منع المسلمين من مطالعة التاريخ ، والنظر في تلكم الأدلّة ، كما لا يجوز سدّ باب التقريب بمطالبة ذلك . نعم ، لا بأس أن يطالب أحد المذاهب من الآخر تجديد النظر في أدلّته .

والواجب على الفريقين أن لا يجعلوا المسائل سبباً للعداوة والبغضاء وتكفير بعضهم لبعض ، ولا سيّما في هذا العصر الذي أصبحت فيه نتيجة هذه المباحث رأياً مجرّداً وعقيدة محضة لمن اعتقد ، وليس هناك أيّ مانع من وجوب وقوف الإماميّة والسنّة في صفّ واحد ما داموا لم يتركوا التمسُّك بالكتاب والسنّة . فمن لم يرَ الخير والفضل والعدل في بعض الصحابة أو في معتقدهم ، بل ولم يعرف ذلك الصحابي ولم يسمع عنه لا يكون مسؤولاً عن ذلك ، ولا يضرّ بإسلامه أبداً ولا يؤاخذه الله تعالى به يوم القيامة ، لأنّه لم يكلّف عباده بمعرفة الصحابة والإيمان بهم وبعدالتهم كلّهم ، ولم يجعل ذلك ركناً من أركان دينه ، وحكماً من أحكام شريعته .

وكذلك في أزواج النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) فإنّهنّ - ولا شكّ - تشرَّفن بما تتشرّف به غيرهنَّ من النساء ، وإنّ لبعضهنّ مكانة مرموقة في العبادة والخير وكثرة الصدقة والفهم والحكمة ، ومنهنّ من أطعن أمر الله في قوله عزّ من قائل : ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى ) (1)، فلم يغادرن البيت ، حتى أنّ جميعهنّ حججن غير سودة وزينب بنت جحش ، فإنّهما قالتا : لا تحرّكنا دابّة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأنّه حجّ بنسائه حجّة الوداع ، وهذه منقبة وفضيلة كبيرة لاُمّهات المؤمنين أيّة منقبة ، فهنيئا لهنَّ بتلك الكرامةِ ، حيث لم يدخلن أنفسهنّ في الفتن والحروب الدامية الني حدثت بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وحفظن الرسول في اُمّته .

نعم ، الإماميّة تستنكر ما صدر عن إحدى اُمّهات المؤمنين في الفتن التي أدّت إلى التقاتل والتنافر ، بل أسفرت عن قتل جماعة من الصحابة المهاجرين


1) الأحزاب (33) : 33 .

والأنصار ، وفتحت على المسلمين أبواب الفتن ، وأدّت إلى قيام حكومة غاب عنها الإسلام فمن تصفّح التاريخ استنكر ذلك ورأى عواقب ما صدر منها من عظيم المصائب التي حلّت بالمسلمين وإن حمل على الاجتهاد !

ثمّ ألسنا نقرأ التأريخ ونعرف أن سيّدنا محمد بن أبي بكر أخاها كان يعيب ذلك ويستنكر عليها أعمالها لمّا عاد بها من حرب الجمل وفتح الهودج فرآها ، ثمّ قال لها : ( ذوقي عقق ) يعني بذلك أنّ أولاد اُمّ المؤمنين عقُوها ، هكذا يروي التاريخ ، ثمّ روي أنّها ركبت بغلة فخرجت تصلح بين غلمان لها ولابن عبّاس ، فأدركها ابن أبي عتيق ، وقال لها : ( يعتق ما نملك إن لم ترجعي ) ! فقالت : ما حملك على هذا يا ابن أبي عتيق ؟ قال : لم ينقضِ عنّا يوم الجمل حتّى يأتينا يوم البغلة (1)» .

حريّة التفكير والبحث :

هل من الممكن أن نمنع حريّة المسلمين في دراسة تأريخهم ؟ أو نطالبهم بغضّ النظر عن قراءة الفترة الحرجة بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) حفاظاً على كرامة بعض أصحابه وأزواجه ! ولو فعلنا ذلك فهل يستجيب الباحثون لذلك . وخاصّة في هذا العصر المسمى بعصر الحريّات ، وعصر البحث والتقدّم العلمي ؟ يجيب على ذلك « الحبشي » قائلاً :

« ولا يمكن منع الباحثين - وخاصّة الشباب الذين يتطلّعون إلى حرّية التفكير والبحث والتنقيب - من البحث في ذلك بعد ما سجل التاريخ ما لا نحبّ ممّا يمسّ كرامة اُمّ المؤمنين عائشة ، كما لا يمكن منع الباحثين من الأخذ بالحكم على هؤلاء ، بموجب ما في الكتاب والسنّة .

فالاعتراف بخطئها أولى من الإصرار على تبرئتها بالرغم من المصادر


1) تهذيب الكمال ، المزي : 16 / 67 .

والوثائق التاريخيّة والأحاديث النبويّة . فمتابعة الدليل والبرهان والأخذ بالحقّ أولى من القول بلا دليل والمكابرة في الأمور الجليّة . فالجيل المعاصر يردُّ كلَّ قول لا يدعمه دليل ، ولا يقبل إلاّ ما أدّى إليه إعمال الفكر الحرّ ، وتبرئة اُمّ المؤمنين من أوزار الجمل كذلك ليست من العقائد ا لإسلاميّة حتّى تُطلب ممّن لا يرى الاعتقاد بها .

وليت شعري ، إن كان الفريقان في حرب الجمل وصفّين مجتهدين ، فمن الباغي منهما ؟ اللّهمّ إلاّ إذا كنّا نريد أن نضع الصحابة في موضع المعصومين ، فلا يصدر منهم خطأ ، بل نفسّر أخطاءهم بالاجتهاد فيثابون على هذا ، ويُثاب معاوية على قتل عمّار ، ويثاب فلان على فعله . . . الخ والنبي ( صلى الله عليه وآله ) يخالفنا في ذلك بقوله : « لو كانت فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها » (1)إذن ، فالصحابيّة التي يحبُّها بل هي أحبّ النساء إليه ، بل قال عنها : « إنّها بضعة منّي » لو سرقت لقُطعت يدها ، يعني : لو خالفت الشريعة فإنّي أجري عليها حكم الله ، فكيف نبرّر أخطاء اُناساً أخطأوا ثمّ نتحاشى من هذا ونقول : إنّ هذا اجتهاد !

كيف يجوز الاجتهاد قبال الإمام علي بن أبي طالب وهو الخليفة الذي بايعه المسلمون كلّهم ، لا يشذّ منهم أحد ؟ بينما قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( علي مع القرآن ، والقرآن مع علي ، لا يفترقان حتّى يردا عليَّ الحوض ) (2). وهل الاجتهاد الممنوع في مقابل النصّ سوى هذا ؟ ؟ وفي مسألة كهذه التي هي من القضايا التي قياساتها معها ، ومع هذه الوثائق التاريخيّة لا يليق لمسلم أن يطلب من غيره الحكم لطرف معيّن ، ويسير في بحثه وتنقيبه سيراً ينتهي به إلى نتيجة قبل البحث ، بل يجب أن يطلب من الباحثين ترك العصبيّة ، وتشجيعهم على حرّية التفكير » .


1) صحيح البخاري 8 : 16 ، كتاب الحدود ، باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع .

2) المستدرك للحاكم : 3 / 4628 ، وقال : « هذا حديث صحيح الإسناد » ووافقه الذهبي في التلخيص .

الاختلاف لا يفسد للودّ قضيّة :

يعتبر حسين الحبشي من أقطاب دعاة الوحدة بين المسلمين ، وقد بذل جهوداً جبّارة في هذا المجال ، والتقى بالكثير من علماء المسلمين وعمل معهم في سبيل وحدتهم ولذا نراه يؤكّد دائماً :

« إنّ إختلاف الآراء في مثل هذه المسائل لا يمنع التقريب واتّحاد المسلمين ، ولا يمكن حسم هذه الاختلافات ما دام التاريخ في معرض المطالعة والبحث ، وكلّ من يراجع التاريخ خاصّة في العصر الحاضر ولم يقنع بتبرئة اُمّ المؤمنين عائشة ومعاوية وعمرو بن العاص ومروان بن الحكم ، ولم يؤمن بجواز اجتهادهم ، لا ينبغي تحميل رأي آخر لهم ، ولا ينبغي عتابه على رأي أدّى إليه اجتهاده ، ولا يجوز هجرانه وترك موالاته ، فمن يرى تصويب كلّ اجتهاد ، أو يرى حمل فعل المسلمين على الاجتهاد ، ويرى مرتكبي إراقة الدماء المحترمة وهتك الأعراض ، ونهب الأموال في صدر الإسلام ; مجتهدين معذورين ، يجب عليه أن يرى من نظر في التاريخ وظهرت له خيانة زيد أو خطأ عمرو ; مجتهداً ومعذوراً أيضاً ، بل هذا أولى بالعذر ممّن سبقه » .

(28) حسين محمد الكاف( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1386 ه‍ ( 1967 م ) ، في مدينة « شربون » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ذات أصول يمنية في منطقة « حضر موت » ، ومن السادة « آل باعلوي » . ثم درس العلوم الإسلامية في المعهد الإسلامي « يابي » ، وهو من أحسن المعاهد الإسلامية المترامية في البلاد الأندونيسية الشاسعة ، وبرنامجه الدراسي مرتّب وفق تعاليم المذهب الشافعي . إلاّ أنّ المجال مفتوح للاطّلاع على المذاهب الإسلاميّة الأخرى ، إذ فيه مكتبة كبيرة تحتوي على كتب متنوعة من شتّى الفرق والاتّجاهات الإسلاميّة ، كما أنّ إدارة المعهد تشجّع الطلاب على مطالعة الكتب لكافّة الفرق الإسلاميّة ودون الاكتفاء بكتب فرقة إسلاميّة خاصّة .

استبصاره :

كان « حسين محمد الكاف » يحبّ المطالعة كثيراً ، ويقرأ الكتب خارج المنهج الدراسي باستمرار وخاصّة الكتب المدوّنة باللغة العربيّة في الصعيد الأدبي والديني ، وقد قرأ عدّة كتب مختلفة للشيعة والسنّة . ومن الكتب التي قرأها وشدّت انتباهه هو كتاب : « أبو طالب مؤمن قريش » ، وقد آثار هذا الكتاب في نفسه حبّ الاستطلاع عن أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم ومحبيهم ، وقد وقع في يده أيضاً كتاب « التحفة الاثنا عشرية » وهو كتاب تهجّم مؤلفة على الشيعة الاثني عشريّة ، ومؤلفه هندي يسمّى شاه عبد العزيز الدهلوي ، وقد جمع فيه الكثير من التهم والافتراءات

التي ما أنزل الله بها من سلطان ، ونسبها إلى الشيعة مثل خيانة الأمين جبرائيل ( عليه السلام ) وألوهية علي ( عليه السلام ) وتحريف القرآن ، وغير ذلك . . .

وقد أدّى كثرة التهم المنسوبة إلى الشيعة وشناعتها ب‍ « حسين محمد الكاف » إلى البحث عن الشيعة والتحقق من أمرهم ، وقد بحث عن كتب أخرى فوجد كتاب « المراجعات » في مكتبة أبيه فقرأه من أوّله إلى آخره ، وسكنت نفسه لما وجد فيه من مطالب مستندة وصحيحة موجودة في كتب السنة ترد على الكثير من الشبهات المثارة في المسائل الخلافيّة بين السنّة والشيعة .

ثم واصل « حسين محمد الكاف » البحث والسؤال من العلماء حول هذه المسائل الخلافية وصحّة ما يورده كلّ طرف ودقّة مستنداته ، وقد هيّأ الله تعالى له أحد العلماء العاملين المخلصين حيث كان يجيب على إشكالاته بدقّة ، ويوضّح له المسائل من تاريخ نشوئها إلى تبين رأي كلّ طرف فيها ، وما هو الرأي الصحيح الأقرب إلى النصوص الشرعيّة .

وبمرور الأيام ومتابعة البحث تبيّن ل‍ « حسين محمد الكاف » أحقيّة مذهب آل البيت ( عليهم السلام ) وقوّة أدلتهم وأولويته في الاتّباع ، فما كان منه إلاّ أن أعلن استبصاره والتحق بسفينة النجاة واهتدى إلى الصراط المستقيم .

السياسة وحقائق الدين والتاريخ :

لعبت السياسة دوراً كبيراً بعد وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ، وقدّمت المصالح القريبة المنظورة على قواعد الإسلام وثوابته ، فانقلبت الموازين الإسلاميّة وخرقت الحدود الإلهية شيئاً فشيئاً نتيجة اتّباع الأهواء باسم « المصلحة » و « خوف الفتنة » و « جمع الكلمة » .

ولم يقتصر اتّباع المصالح على ترك القواعد الشرعيّة لأجل الأمور العامة ، بل تجاوز الأمر إلى الاعتداء على الحريم الشخصي للأفراد وهم أحياء ، ثمّ وصل الأمر إلى تشويه تاريخهم وهم أموات ، وخاصّة في عهد المُلك الأموي الذي

اشترى الضمائر بالأموال ، فحرّف التاريخ والسيرة والحديث لمصلحة الدولة الظالمة ، وحارب أهل الحقّ وشوّه تاريخهم لمنفعة أبناء الشجرة الملعونة على لسان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) (1)، فسوّدت الصحائف بسابقتهم زوراً وبهتاناً ، وعقدت الفصول والأبواب لفضائلهم التي لا وجود لها .

فهذا معاوية بن أبي سفيان أصدر الأوامر بعد أن توطّد له الحكم بمحاربة الشيعة ومحبّي آل البيت ( عليهم السلام ) الذين يروون فضائلهم فأبرء الذمّة منهم ، ولم يجوّز لهم شهادة ومحى أسماءهم من الديوان وأسقط عطائهم ورزقهم ، وأمر بالتنكيل بهم وهدم دورهم ولم يكتفي بذلك بل سلّط على العراق موطن الشيعة الأوائل أمثال زياد بن أبيه ، وسمرة بن جندب والمغيرة بن شعبة ممّن ارتكبوا الجرائم الفظيعة بحقّهم (2)، ثم أضاف إلى جرائمهم تشويه سيرة أهل البيت المعصومين ( عليهم السلام ) .

وفي المقابل خصّص الأموال الجزيلة لمن يروي في فضائل عثمان ، فاستجاب أهل الأطماع والأحقاد له فألّفوا له من الفضائل المزعومة ما شاء إلى أن أصدر أمره التالي : ( إنّ الحديث في عثمان قد كثر ، وفشا في كلّ مصر ، وفي كلّ وجه وناحية فإذا جاء كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأولين . ولا تتركوا خبراً يرويه أحداً من المسلمين في أبي تراب ، إلاّ وأتوني بمناقض له في الصحابة فإنّ هذا أحبُّ إليّ ، وأقرُّ لعيني ، وأدحض لحجة أبي تراب ، وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله ) (3).

نعم ، لعبت السياسة دوراً رهيباً في قلب الحقائق وطمس القيم ، وتضافر معها التعصّب المذهبي عند الخواص والقشرية في التفكير عند العوام فدامت هذه الأباطيل ولا زال يلوكها إلى الآن من يدّعي التديّن ، ويزعم الصلاح .


1) الدر المنثور ، السيوطي : 5 / 310 ، روح المعاني ، الآلوسي : 15 / 107 .

2) شرح النهج ، لابن أبي الحديد : 3 / 15 .

3) شرح النهج 11 : 45 .

أبو طالب مؤمن قريش في ضحضاح من نار ! !

شاءت السياسة الأمويّة أن تحارب الدين الإسلامي بكل ما أوتيت من قوة (1)، فأفرغت حقدها الجاهلي على النبي وآله ( صلى الله عليه وآله ) أحياءً وأمواتاً ، ومن مصاديق هذه السياسة اتّهام أبي طالب عمّ النبي الذي حاماه ودافع عنه بأنّه كان كافراً ومات على الكفر للتنقيص من شأن الإمام علي ( عليه السلام ) والتعريض بالرسول ( صلى الله عليه وآله ) نفسه الذي كان يذكره دائماً بخير ، وتسكيناً للحقد الذي تراكم في صدورهم على أبي طالب لنجاح سياسته في الدفاع عن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أمام طغاة قريش ممّا أدّى إلى نجاح الدعوة وقيام الدين .

أبو طالب الذي كان على دين إبراهيم ( عليه السلام ) قبل البعثة النبويّة ولم يسجد للأصنام ، ولم يشرب الخمر ولم ينكح المحارم ، ولم يتعرَّ عند الطواف بالبيت سبع مرات ، وكان ينهى عن وأد البنات ، ويقطع يد السارق ويحرّم الزنا وأن يستقسم بالأزلام ، وأن يؤكل ما ذبح على النصب ، ويسنّ الوفاء بالنذر (2)

3 و 4 - السيرة الحلبية 1 : 137 ، و 153 .

.

أبو طالب الذي شارك أباه عبد المطلب الزعامة في حياته ، وخلفه بعد مماته ، وشاركه في حفظ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) والحدب عليه (3) .

أبو طالب الذي ساد قريش وهو خالي الوفاض من المال (4) ، ومع ذلك كان يقوم بسقاية الحاج حتّى كان يستقرض من أجل ذلك من أخيه العبّاس مرّة بعد مرّة إلى أن أخذ السقاية منه لعدم استطاعته على سداد ديونه فسمحت نفس أبو طالب بذلك (3)فلم تكن السقاية إلاّ أقل مناقبه .


1) انظر ما رواه مطرف بن المغيرة بن شعبة في هذا الصدد عن أبيه المغيرة من إصرار معاوية على دفن معالم الدين بما فيها الأذان الذي يشهد لمحمد ( صلى الله عليه وآله ) بالرسالة كل يوم خمس مرات ، مروج الذهب 2 : 342 ، شرح النهج 1 : 462 ، 2 : 357 .

2) السيرة الحلبية ، الشافعي 1 : 5 و 134 بحار الأنوار ، المجلسي 6 : 38 ، ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي 2 : 90 .

3) المصدر السابق 1 : 17 ، شرح النهج 3 : 461 ، الكامل ، ابن الأثير 2 : 14 .

هذه هي بعض صفات أبو طالب التي تدين لها القلوب بالحبّ وتحيطها النفوس بالإكبار التي هيّأته لحماية الرسالة في مهدها ودفع الأخطار عنها ، يتهّم بالكفر - والعياذ بالله - وهو الذي يعرف النبي ( صلى الله عليه وآله ) حقّ المعرفة ، ورأى منه المعجزات والكرامات منذ الطفولة ، وعرف فيه الصدق والأمانة ، وهو الذي لم يرض بفراق النبي ( صلى الله عليه وآله ) له حتّى أخذه معه إلى الشام ، ورأى في الطريق بحيرا الراهب النصراني الذي ذكّره بمكانة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وحذّره من كيد اليهود له فيرجع به أبو طالب إلى مكة (1).

أبو طالب الذي سعى في زواج الرسول ( صلى الله عليه وآله ) من خديجة ووقف يحميه في كلّ المواقف من يوم الإنذار إلى يوم مراجعة قريش له في شأن النبي محمد ( صلى الله عليه وآله ) للكفّ عن دعوته وقد أنشد فيه أبو طالب شعراً مخاطباً النبي ( صلى الله عليه وآله )

واللهِ لن يصلُوا إليك بجمعِهم * حتى أُوسَّدَ في التُّرابِ دفينا

فاصدع بأمركَ ، ما عليك غضاضة * وأبشر بذاك ، وقرَّ منه عيونا

ودعوتني وعلمت : أنكَ ناصحي * ولقد صدقت ، وكنت - ثمّ - أمينا

ولقد علمتُ بأنَّ دين محمدَ * من خير أديان البريّة دينا

إلى يوم تهديده لقريش بالقتال الشديد عندما فقد النبي ( صلى الله عليه وآله ) فخاف عليه أن تكون قريش قد اغتالته وعندها قال لهم : « والله ! لو قتلتموه ما أبقيت منكم أحداً ، حت نتفانى نحن وأنتم »

وإلى أيام الشعب حيث الحصار الظالم الذي فرضته قريش على بني هاشم لدعمهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) وحمايته ، فكانت صحيفة المقاطعة في بنودها الجائرة : أن يكونوا يداً واحدة على بني هاشم ، وحرباً عليهم لا يهادنونهم ، فلا يتناكحون وإيّاهم ، ولا يبيعون إليهم ولا يبتاعون منهم ، ولا يقبلون منهم صلحاً أبداً إن أرادوا وليس يثنيهم عن عهدهم هذا ، إلاّ أن يُسلم بني هاشم إليهم محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) ويخلّوا


1) السيرة الحلبية ، الشافعي 1 / 140 ، تاريخ الطبري 2 : 24022 .

السبيل بينهم وبينه ، ثم علّقوا صحيفتهم في الكعبة .

وقد جابههم أبو طالب بعدم التنازل رغم المعاناة الشديدة وكان الحارس الأمين له في النهار والليل حيث كان يسهر الليالي لحمايته خوفاً من اغتياله .

ظل يدافع عنه إلى احتضاره حيث جمع قريش وأوصاهم بالرسول ( صلى الله عليه وآله ) ونصرته وعدم التخاذل عنه وأن لا يفوتوا حظّهم بمؤازرته للآخرين فيسعد الآخرون به ويشقوا هم .

وقد قال الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بعد وفاته : « ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه ، حتّى مات أبو طالب » (1).

وقال أيضاً يخاطبه : « يا عمّ ! ما أسرع ما وجدتُ فقدك . . . ! » ولم يبق للرسول ( صلى الله عليه وآله ) مأوى في مكة بعد وفاته حيث إنهدَّ منه الحصن الذي يقيه المكاره .

وقد أتاه الأمر الإلهي بعد وفاة أبو طالب : « أُخرج منها - أي مكة - فقد مات ناصرك » وأبو طالب هذا يقال عنه أنّه كافر ! ! ! ويروون حديثاً أنّه كان في غمرات من النار ونقله الرسول ( صلى الله عليه وآله ) إلى ضحضاح ، فيا للكذب ، ويا لحقد السياسة الأمويّة الأعمى .

أبو طالب الذي يذكره الرسول دائماً بكل خير ، ويشهد له الإمام علي ( عليه السلام ) بالإيمان ، ثم يشهد له الأئمّة من أهل البيت ( عليهم السلام ) بالإيمان أيضاً بل حتى بعض الصحابة والتابعين والكثير من العلماء القدماء منهم والمحدثين وكيف يكون كافراً من يقول :

ألم تعلموا أَنّا وجدنا محمداً * نبياً - كموسى - خُطَّ في أولِ الكتب

ومن يقول :

ولقد علموا أن ابننا لا مكذبٌ * لدينا ولا يعبأ يقول الأباطلِ

وأبيض يُستسقى الغمام بوجههِ * ثمالُ اليتامى عصمة للأراملِ


1) الكامل ، ابن الأثير 2 : 630 ، البحار 6 : 430 و 528 .

أبو سفيان عدو رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) له الفضل على الإسلام ! !

في المقابل نجد أنّ السياسة ترفع من شأن أبي سفيان الذي لم يسلم إلاّ ظاهراً وتحت وطأة السيف بحيث يعقد له باب في أبواب الفضائل ، ولم لا ما دامت الفضائل توزع مجاناً عناداً ضد الإمام علي ( عليه السلام ) وآل علي .

ثم لم يكتفوا بذلك حتى جعلوا له الفضل على الإسلام في حديث موضوع ، فعن ابن عباس قال : قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ( ومن مثل أبي سفيان ؟ ! لم يزل الدين به مؤيداً قبل أن يسلم ! ! وبعدما أسلم ومَن مثل أبي سفيان ؟ ! إذا أقبلت من عند ذي العرش أريد الحساب ، فإذا أنا بأبي سفيان معه كأس من ياقوته حمراء ، يقول اشرب يا خليلي ! . أُعار بأبي سفيان ، وله الرضا بعد الرضا رحمه الله ! ) (1).

يقولون هذا عنه وكأنّه لم يكن رأس المشركين يوم أحد ، والرافع عقيرته أعل هبل ، أعل هبلُ ومجهز جيش الأحزاب .

أليس هو القائل لرسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « ما أيقنت أنّك رسول الله ، حتّى الساعة » (2).

والقائل عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « ما أدري بما يغلبنا محمد » (3).

حقائق التاريخ وحركة الاستبصار :

إنّ المسلمين اليوم من كلّ المذاهب والفرق لو تركوا التعصّب المذهبي ، وحكّموا عقولهم في دراسة تاريخهم لعرفوا واقع الإسلام وعظمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ولا تّخذوهم قادة لهم على سبيل النجاة ، ولتبرؤوا من الظالمين من أمثال بني أميّة .

وقد سعدت بمعرفة حقائق التاريخ ثلّة من المسلمين آمنت بربّها ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) ولم تتعصّب تعصّباً يعمي قلوبها ، ولا يزال هذا السبيل مفتوحاً إلى يوم القيامة وهو يطلب المهتدين إليه .


1) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : 23 / 464 .

2) الإصابة ، ابن حجر : 3 / 332 ترجمة 4066 .

3) نفس المصدر .

وقد اهتدى بالفعل إلى هذا الطريق الكثير من المسلمين وغيرهم طوال التاريخ وخاصّة في عصرنا الحديث الذي كثرت فيه وسائل الاتّصال وتوفرت الأجواء للجميع ليتعرفوا بسهولة على الحقّ وكان منهم « حسين محمد الكاف » حيث اهتدى إلى سبيل أجداده الطاهرين بعد دراسته للتاريخ الإسلامي وتعرّفه على الحقّ والحقيقة .

ونحن لا نتعجب من بني أميّة في محاربتهم للإسلام لأنّهم كانوا يقاتلون في سبيل الملك والتآمر على الناس فارتكبوا الجرائم من أجل الحصول على الملك والحفاظ عليه .

ولكن العجب كلّ العجب ممّن يدعي الإيمان في القرن الحادي والعشرين ولا يقبل بإيمان مثل أبي طالب ، بل يصدر حكم الإعدام على من قال بإيمان أبي طالب كما حصل مع « الشيخ عبد الله الخنيزي » حين أصدر كتابه : أبو طالب مؤمن قريش لكن الله سبحانه نجّاه من شرّهم .

نشاطاته :

لم يكتف « حسين محمد الكاف » بما توصّل إليه من نتائج وفّقته للاهتداء إلى مذهب آل البيت ( عليهم السلام ) ، بل هاجر في طلب العلم إلى إيران ، للدراسة في الحوزة العلميّة في مدينة قم المقدّسة ، ومكث فيها عدّة سنوات يطلب العلم وينهل من معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ثمّ عاد إلى وطنه لنشر معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأنشأ مع بعض أصدقائه المؤمنين مؤسّسة الإمام الجواد ( عليه السلام ) الإسلامية في مدينة ( باندونك ) الواقعة في ( جاوة الغربية ) والتي تهتم بتبين معارف الدين الحق المأخوذة من علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وذلك من خلال عقد الندوات العلمية وإصدار النشريّات الشهريّة ، وترجمة الكتب إلى اللغة الأندونيسيّة ، وغير ذلك من النشاطات الثقافيّة المتنوّعة .

(29) حسين العيدروس( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في مدينة « جاكرتا » في أسرة أشعريّة العقيدة وشافعيّة المذهب ، فتلقّى تعاليمه الدينيّة من أبيه وأمه تقليداً ومن دون بحث ، ولكن لمّا بلغ سنّ الرشد ارتقى وعيه ، وبدأ يفكّر بغربلة عقائده وتشييد مرتكزاته الفكريّة وفق الأسس الصحيحة .

واستمر « حسين العيدروس » في بحثه حتّى بلغه نبأ استبصار أحد أصدقائه ، فأسرع إليه من أجل معرفة الأسباب التي دفعه إلى التخلّي عن المذهب السنّي والاتّجاه نحو مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ومن هذا المنطلق جرت العديد من الحوارات بين « حسين العيدروس » وصديقه المستبصر ، فمهّدت هذه الحوارات الأرضية المناسبة لتعرّف « حسين العيدروس » على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) والخروج من الدائرة الضيّقة التي كان يعيش فيها إلى دائرة معرفيّة أوسع وأشمل .

تنزيه الله تعالى عن فعل القبيح :

كان « حسين العيدروس » يتصور بأنّ الخلاف القائم بين السنّة والشيعة يقتصر على مسألة الخلافة فقط ، ولكنّه وجد بعد ذلك بأنّ الخلاف لا يدور حول هذه الدائرة فقط ، بل له دائرة واسعة تشمل حتّى التوحيد الإلهي .

ومن الاختلافات الموجودة بين السنّة والشيعة هي أنّ السنّة يقولون بأنّ

القبيح ما قبّحه الشرع ، والقبيح ما نهى الله تعالى عنه ، ولهذا لا يمكن تصوّر القبيح في فعل الله تعالى ، لأنّه تعالى لا يأمره أحد ولا ينهاه أحد ، فلهذا يفعل الله تعالى ما يشاء ويحكم ما يريد ، ولو كان ذلك ممّا يقبّحه العقل من قبيل إرساله تعالى الرسل الكذّابين ، ولهذا قال الفضل بن روزبهان وهو أحد علماء أهل السنة :

« لا حسن ولا قبح بالعقل عند الأشاعرة ، بل جرى عادة الله تعالى بعدم إظهار المعجزة على يدّ الكذابّين ، لا لقبحه في العقل ، وهو يرسل الرسل الصادقون ، ولو شاء الله أن يبعث من يريد من خلقه ، فهو الحاكم في خلقه ولا يجب عليه شيء ولا شيء منه قبيح ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد » (1).

ولازم هذا القول عدم الجزم بصدق الأنبياء ، بل لازم ذلك جواز صدور الكذب منه تعالى ، وذلك لأنّه تعالى يفعل ما يشاء من دون أي ضابطة أو شرط ، فيلزم منه عدم الوثوق بوعد الله تعالى ووعيده ، فينتفي الجزم بما أخبر الله من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية .

ولهذا أصرّ أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) على أنّ الله تعالى منزّه عن فعل القبيح وذكر معظم علماء الشيعة بأنّ الله تعالى لا يفعل القبيح لعلمه بقبحه واستغنائه عنه (2).

وأكّد أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بأنّ الله تعالى يفعل ما يشاء ولكنّه حكيم ، والحكيم لا يفعل القبيح ولهذا قال تعالى : ( وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ) (3).

وقال تعالى : ( فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) (4).

وقال تعالى : ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْم وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ) (5).


1) دلائل الصدق ، الشيخ محمد حسن المظفر : 349 .

2) الاقتصاد فيما يتعلق بالاعتقاد ، للشيخ الطوسي : 88 .

3) البقرة (2) : 205 .

4) الزمر : 7 .

5) هود (11) : 117 .

وقال تعالى : ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلاّم لِّلْعَبِيدِ ) (1).

ويكمن - في الواقع - خطأ الأشاعرة في تحديد معنى القبيح ، فذهبوا إلى أنّ القبيح إنّما يقبح للنهي والله تعالى ليس بمنهى عنه ، فلا يقع منه شيء قبيح .

ولكنّهم لم ينتبهوا لحقيقة أنّ القبيح لو كان قبيحاً للنهي ، لوجب فيمن لا يعرف النهي ولا الناهي أن لا يعرف شيئاً من القبائح .

كما لو كان القبيح يقبح للنهي لوجب أن يكون الحسن أيضاً يحسن للأمر ، فيلزم عليه أن لا توصف أفعاله تعالى بالحسن ، لأنّه تعالى كما لا ينه عن شيء فإنّه عزّ وجل لم يؤمر بشيء .

نبذ التقليد والاتّباع عن بصيرة :

إنّ البحوث العميقة التي غاصها « حسين العيدروس » بيّنت له الكثير من الحقائق ، فوجد أنّه قد وصل إلى المرحلة التي يستطيع فيها أن يحدّد بنفسه السبيل الذي أراد الله تعالى أن يتقرّب العباد به إليه ، وعرف بأنّه قادر على التحرّر من التقليد الأعمى والاتّباع العشوائي لنهج آبائه وأجداده .

ومن هذا المنطلق قرّر أن يستخلص الحقائق التي توصّل إليها ، ليصل إلى النتيجة المطلوبة التي تحدّد له الحصيلة النهائية حول انتمائه المذهبي ولم تمض فترة قصيرة إلاّ وقرّر « حسين العيدروس » أن يتخلّى عن مبادئه الموروثة وأن يلتحق بركب سفينة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ سافر بعد ذلك إلى إيران والتحق بالحوزة العلميّة في مدينة قم ، ثمّ عاد إلى بلده بعد أن أتمّ دراسته لنشر علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) بين أبناء منطقته .


1) فصلت : 46 .

(30) حكمة الهدى الكاف( شافعيّة / أندونيسيا )

ولدت سنة 1397 ه‍ ( 1977 م ) في مدينة بكلونجن بأندونيسيا ، ونشأت في أسرة شافعية المذهب ، ثمّ واصلت دراستها حتّى حصلت على شهادة الدبلوم .

وكانت « حكمة الهدى » من جهة أخرى تهوى المطالعة في الصعيد الديني ، ومن هذا تمكّنت أن تتحرّر من التقليد الأعمى لمذهبها الموروث ، واستطاعت أن تشيّد لنفسها مبادئ مبتنية على الأدلّة والبراهين المقنعة .

وبمرور الزمان اكتشفت حكمة الهدى بأنّ الحق مع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلنت استبصارها وانتماءها إلى مذهب التشيّع .

فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ميزان لمعرفة الحقّ :

توصّلت « حكمة الهدى » من خلال مطالعتها للسيرة الإسلامية إلى أنّ فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) تمتلك منزلة عظمى عند الله تعالى ، وأنّها سيّدة نساء العالمين ، وكان النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) يحبّها كثيراً ، وكان يقول : « أحب أهلي إليّ فاطمة » (1).

ولم يكن حبّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) للزهراء من منطلق عاطفي فحسب ، بل كان للمنزلة التي تمتلكها الزهراء عند الله تعالى بحيث وصلت إلى مرتبة قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لها : « إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك » (2).


1) سنن الترمذي : 5 / ح 3819 وقال : هذا حديث حسن صحيح .

2) مجمع الزوائد ، الهيثمي : 9 / ح 15204 . وقال : رواه الطبراني وإسناده حسن .

مظلوميّة الزهراء ( عليها السلام ) :

توصّلت « حكمة الهدى » إلى نتائج غير متوقّعة من خلال مطالعتها للسيرة الإسلامية وبحثها في الصعيد العقائدي ، وكانت هذه النتائج هي السبب في استبصارها .

ومن النتائج التي يتوصّل إليها الباحث عن سيرة الزهراء ( عليها السلام ) هي :

قال رسول الله لفاطمة الزهراء : إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك (1).

وقالت الزهراء ( عليها السلام ) لأبي بكر وعمر : إنّي أشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) لأشكونكما إليه ! . . . ثمّ قالت الزهراء ( عليها السلام ) لأبي بكر : والله لأدعونّ الله عليك في كل صلاة أصلّيها ! (2).

خطبة الزهراء ( عليها السلام ) :

إنّ مظلوميّة الزهراء ( عليها السلام ) تبقى صرخة خالدة بوجه من ظلمها وقد أكدّت الزهراء ( عليها السلام ) على مظلوميّتها في العديد من المواقف ، منها خطبتها في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ومحاكمتها لأبي بكر أمام الملأ .

فقد ورد أنّه لمّا بلغ فاطمة أنّ أبا بكر أظهر منعها فدكاً لاثت خمارها على رأسها ، وأشتملت بجلبابها ، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها ، تطأ ذيولها ، ما تخرم مشية رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم ، فنيطت دونها ملآءة ، ثمّ أنت أنّه أجهش لها القوم بالبكاء ، ثمّ أمهلت هنيهة حتّى إذا سكنت فورتهم افتتحت كلامها بحمد الله ، والثناء عليه ، ثمّ قالت : ( لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) (3)فإن تعزوه تجدوه أبي دون نسائكم ، وأخا


1) المصدر السابق .

2) الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة : 1 / 20 .

3) التوبة (9) : 128 .

ابن عمّي ، دون رجالكم ، فبلّغ الرسالة ، صادعاً بالنذارة ، مائلاً عن مدرجة المشركين ، ضارباً لحدتهم ، يجذ الأصنام ، وينكث الهام ، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، حتّى تفرّى الليل عن صبحه ، وأسفر الحق عن محضه ، ونطق زعيم الدين ، وخرست شقاشق الشياطين ، وتمّت كلمة الإخلاص ( وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَة مِّنَ النَّارِ ) (1)المائدة (5) : 50 .(2)، نهزة الطامع ، ومذقة الشارب ، وقبسة العجلان ، وموطىء الأقدام ، تشربون الطرق وتقتاتون القد ، أذلّةً خاسئين ، حتّى استنقذكم الله ورسوله بعد اللتيا والّتي ، وبعد أن مَني ببهم الرجال ، وذؤبان العرب ، ومردة أهل الكتاب ، كلّما أوقدوا ناراً للحرب ، وفغرت فاغرة ، قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفي حتّى يطأ صماخها بأخمصه ، ويطفىء عادية لهبها بسيفه ، وأنتم في رفاهيّة آمنون وادعون ، حتّى إذا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ، أطلع الشيطان رأسه ، فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين ، وللغرة ملاحظين ، ثمّ استنهضكم فوجدكم غضاباً ، فوسمتم غير إبلكم ، ووردتم غير شربكم ، هذا والعهد قريب ، والكلم رحيب ، والجرح لمّا يندمل ، إنّما زعمتم خوف الفتنة ( أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ) (3)، ثمّ لم تلبثوا حيث تسرون حسواً في ارتغاء ، ونصبر منكم على مثل حز المدى ، وأنتم تزعمون أن لا إرث لنا ، ( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْم يُوقِنُونَ ) (3) ، يا معشر المسلمين ، أأبتز إرث أبي ؟ ! أبى الله أن ترث أباك ولا أرث أبي ! لقد جئت شيئاً فريّاً ، فدونكها مرحولة مخطومة ، تلقاك يوم حشرك ، فنعم الحكم الله ، والزعيم محمّد ، والموعد القيامة ، وعند الساعة يخسر المبطلون .

ثمّ انكفأت إلى قبر أبيها تقول :


1) آل عمران

2) : 103 .

3) التوبة (9) : 49 .

قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم فقد نكبوا (1).

اعتناق الحق :

لم تتردّد « حكمة الهدى » لحظة واحدة بعد معرفتها بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بأن هل تنتمي لهذا المذاهب أو لا تنتمي إليه ، بل اتّخذت قرار الاستبصار بعد القناعة بأحقيّة هذا المذهب .

ومن هنا فتحت « حكمة الهدى » صفحة جديدة في حياتها ملؤها السكينة والاستقرار والطمأنينة والراحة النفسية في ظل تطبيق تعاليم أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 16 / 211 .

(31) حياتي محمد( شافعية / أندونيسيا )

الصورة

D05

ولدت سنة 1972 م في مدينة « بونتيانك » بأندونيسيا ، ونشأت في أسرة شافعيّة المذهب ، درست في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » .

استبصارها :

توفّفت لاعتناق مذهب آل البيت ( عليهم السلام ) سنة 1406 ه‍ ( 1986 م ) أيّام الدراسة الثانوية في المعهد الإسلامي في « بإنجيل » متأثّرة ببعض صديقاتها من الطالبات اللاتي رأت فيهن بعض التصرفات الغريبة كما بدا لها الأمر لأول وهلة حيث وجدت عباداتهن تختلف عن البقية ، مثل الوضوء والصلاة التي يختلف شكلها وأجزاؤها ويجمعن فيها بين الظهرين والعشائين وانتظار زوال الحمرة المشرقية في الإفطار في صيام شهر رمضان ، وكانت تعتقد « حياتي محمد » بأن هذه الأعمال من صديقاتها في المعهد باطلة وخاصّة أنّ بعضهن كن يتستّرن في عباداتهن ولا يظهرنها أمام الآخرين وهل التستّر إلاّ دليل على الباطل ، وإلاّ فإن الحقّ يكون في العلن ولا يكون معه خوف كما كانت تعتقد .

البحث عن الحق ومواصلة المسيرة في الاستبصار :

دخلت « حياتي محمد » في نقاشات طويلة مع صديقاتها حول هذه الأمور ،

وبدأت تتعرّف شيئاً فشيئاً على الأدلّة لهذه الأعمال ، كما قرأت بعض الكتب التي حصلت عليها منهنّ « كالمراجعات » « والفصول المهمّة » و « ثمّ اهتديت » وغيرها حيث وقفت على التناقضات الكثيرة في مذهبها السابق وخاصّة في كتب الحديث والسيرة ، التي وجدت فيها الأحاديث المتضاربة والعجيبة حتى والخرافية في كتب الصحاح ، كما تعرّفت على سيرة بعض الصحابة الذين انتهكوا الحرمات ولم يلتزموا بتعاليم الدين ومع ذلك يبجلهم علماء السنّة ويعتبروهم من مصادر التشريع التي لا يجوز المساس بها .

ومن هنا وجدت « حياتي محمد » أنّ عقائد الشيعة هي الصحيحة وأنّ تفسيرهم للتاريخ الإسلامي هو الأمر الواقع ، فأعلنت استبصارها وولائها لأهل البيت ( عليهم السلام ) والتحقت بصديقاتها في التمسّك بحبل النجاة .

لم تكتف الأخت « حياتي » بإهتدائها بل سعت كثيراً في هداية أهلها ، وبالفعل وفّقت في هداية والديها وإخوانها بعد أن مرِّت بمراحل مختلفة لا تخلو من الصعوبة في سبيل هدايتهم وهو شيء طبيعي في عملية التغيير الفكري وخاصّة الاعتقاد المذهبي الذي له رسوخ في النفس الإنسانية ولا يمكن تبديله بسهولة ثمّ هاجرت في سبيل طلب العلم إلى إيران للدراسة في الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة حيث انتسبت إلى جامعة الزهراء ( عليها السلام ) المختصة بالنساء .

دواعي كتمان الإيمان والعمل :

إنّ الانسان المؤمن يؤدي عباداته عادة ما علناً ، ويصرّح بإيمانه ويفتخر به ; لكنه قد يواجه بعض الأسباب والظروف الاجتماعية التي تمنعه من إعلان الإيمان والعمل وفق متطلّباته أمام الناس بصورة واضحة .

ومن هذه الأسباب هو عدم تفهّم المجتمع الذي يعيش فيه المؤمن لهذه

العبادات سواء من حيث الشكل أو المحتوى ، أو أنّ هذا المجتمع يراها باطلة ، لأنّه يمارس عباداته بطريقة أخرى قد تختلف قليلاً أو كثيراً ، ومن هنا يضطرّ المؤمن العاقل إلى إخفاء بعض عباداته وممارساته ويفعلها بصورة سرية اتّقاء للشرّ لأنّ من طبيعة عامّة الناس في المجتمعات المختلفة عدم تقبّل التصرّفات المخالفة لما يمارسونه من عادات وتقاليد ، وحتّى العبادات والأعمال الدينية الأخرى لا يرتضى عامّة الناس أن يروا مجموعة من الناس أو حتّى شخص واحد يؤدّي طقوسه الدنيّة بشكل مختلف ، وسرعان ما يتلقون ذلك على أنّه أمر خارج عن عرف المجتمع وقوانينه ، وقد يتطوّر الحال فيرون في الأمر بدعة جدَيدة تستحق العقاب والهجران ، أو التكفير والتفسيق وما يتبعه من إكراه وعنف .

من هنا سمح الشارع الحكيم البصير بعباده للمؤمنين كتم إيمانهم في بعض الحالات ، وعدم ممارسة عباداتهم بشكل علني أمام المجتمع الرافض لها ، أو الجاهل بتشريعها . وقد عُرف هذا الأمر في الدين الاسلامي باسم التقيّة .

هل تشبه التقية النفاق :

قد يقول البعض بأنّ التقية والنفاق شيء واحد ; وذلك لاشتراكهما بصفة إظهار الإنسان لشيء هو خلاف ما يبطن .

والواقع خلاف ذلك ، فإنّ التقية ثبات القلب على الإيمان وإظهار خلافه باللسان أو بالعمل ، لضرورة مقبولة شرعاً وعقلاً . أمّا النفاق فهو عكس ذلك بالضبط ، فهو ثبات القلب على الباطل وإظهار الحقّ على اللسان أو من خلال العمل في الظاهر ، والفرق واضح بأدنى تأمّل .

كما أنّ التقيّة لا تكون من غير ضرورة أو مصلحة يعترف بها الشرع ، أمّا النفاق فهو لا يعرف هذه الأمور ، فهو مرض في قلوب الذين يحسبون كلّ صيحة

عليهم ، فهل بعد هذا يقال إنّ التقيّة مثل النفاق !

والقرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة بيّنا أهميّة رفع العسر والحرج والضرر ، وقد وضع الفقهاء جملة من القواعد الفقهية المبيّنة لذلك ، وهذا يدخل في إطار التقيّة وبيان أحكامها ، وفي المقابل حذّرا من النفاق وبيّنوا مساوئه ولم يعدّ القرآن الكريم من أتقى إلاّ بكل خير . بينما أوعد المنافقين بالعذاب المهين .

ولو جاز القول بأنّ التقيّة نفاق ، فكيف نوفّق بين جواز التقية الثابت بنصّ القرآن الكريم ، وحرمة النفاق الثابتة أيضاً بنصّ القرآن الكريم ! .

(32) حيدر يوسف( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1393 ه‍ ( 1974 م ) ، في مدينة لمبونع بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعية المذهب ، ثمّ أنهى الدورة الدراسيّة في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » .

استبصاره :

توفق لاعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بعد اطّلاعه عليه وقراءة كتبه ومناقشة العلماء والسؤال منهم حول صحة الموضوعات المذكورة فيها والتثبّت من ورودها في المصادر الإسلامية وقد وجد « حيدر يوسف » بعد البحث المستمر والمناقشات المطوّلة أنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هو الأحقّ بالاتّباع لقوّة أدلّته ، واستناده إلى القرآن والسنّة النبويّة الشريفة ، إضافة إلى وجود هذه الأدلّة في كتب أهل السنة التفسيريّة والحديثية والتاريخيّة وغيرها ; فما كان منه إلاّ أن يعلن ولاءه لأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ويتمسّك بحبلهم .

ثمّ هاجر « حيدر يوسف » إلى مدينة قم المقدّسة في إيران للدراسة في حوزتها العلمية وحمل علوم الإسلام الحقّة ، ومن ثمّ العودة إلى الوطن لنشر معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) بين الناس لهدايتهم إلى سبيل الرشاد .

الوهابية وزيارة القبور :

صادف « حيدر يوسف » بعض الوهابية الذين يمنعون المسلمين من زيارة

قبور أقربائهم فضلاً عن زيارة قبور الأولياء والصالحين والعلماء ، بل حتّى زيارة الأنبياء بصورة عامة أو حتى النبي محمّد ( صلى الله عليه وآله ) بصورة خاصّة حيث يقولون : إنّ زيارته تكون لأجل مسجده ، الذي لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد : مسجده والمسجد الحرام ، والمسجد الأقصى كما ورد في رواية عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

وقد تعجب « حيدر يوسف » من هذا الأمر الذي يخالف الفطرة ، وسيرة المسلمين مما حداه إلى البحث عن حقائق هذا الأمر لمعرفة الحق من الباطل .

أدلّة زيارة القبور :

يذهب بعض الوهابية إلى عدم وجود دليل على زيارة القبور ، والصلاة عندها وقراءة القرآن فيها بل ويعدّون ذلك من الشرك بالله الواحد الأحد ، ومن يقوم بزيارة القبور لا بدّ أن يكون مشرّعاً متجاوزاً على مقام الله سبحانه والرسول ( صلى الله عليه وآله ) في التشريع ، ولكن الواقع خلاف ذلك حيث روى المسلمون على اختلافهم حلّية زيارة القبور وذكر الله وعبادته فيهاه ومن الأدلّة على مشروعيّة زيارة القبور :

1 - قول الله تعالى : ( وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ ) (1).

حيث تدلّ الآية بالمفهوم على جواز الصلاة على المؤمن والقيام على قبره ، ولا يختصّ ذلك أثناء الدفن فقط ، بل يشمل كلّ الأوقات ، وذلك للعموم الزماني الوارد في الآية نفسها ( أبداً ) ، وهذا ما فسّر الآية به كلّ من السيوطي حيث قال في تفسيره : « ولا تقم على قبره لدفن أو زيارة » (2). والآلوسي البغدادي حيث قال : « والمراد : لا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة » (3)، والشيخ البروسي حيث قال : « أي


1) التوبة (9) : 84 .

2) تفسير الجلالين ، سورة التوبة ، تفسير الآية .

3) روح المعاني 10 : 155 .

ولا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة والدعاء » (1)فضلاً عن البيضاوي في تفسيره (2).

2 - قول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : « زوروا القبور فإنّها تذكركم الآخرة » (3)

سنن ابن ماجة : 1 / ح 1569 قال الألباني : صحيح .

.

3 - قول الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : « كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تزهّد في الدنيا وتذكركم الآخرة » (4)

سنن الترمذي : 3 / ح 1054 . قال الألباني : صحيح .

وربّما كان النهي بسبب أنّ أكثر الأموات آنذاك كانوا من المشركين فأتى النهي لمنع الارتباط معهم ولما كثر موتى المؤمنون رخصّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) في ذلك . وربّما كان النهي للمنع عن قول الهُجر الذي كان مرسوماً في الجاهلية ، وربما كان النهي هو أنّ زيارة القبور تذكر الموتى والقتلى وتورث الجبن عن الجهاد ، ولمّا قوي الإسلام رخصّ في الزيارة .

4 - زار النبي ( صلى الله عليه وآله ) قبر أمه فبكى وأبكى من حوله ، وقد ورد أنّه استأذن ربّه في ذلك ، وقال : استأذنت ربي في أن أزور قبرها ، فأذن لي ، فزوروا القبور فإنّها تذكّركم الموت (5)

سنن ابن ماجة : 1 / ح 1572 . قال الألباني : صحيح .

صحيح ابن حبان : 7 / 3169 . قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط مسلم .

.

وبهذه الأدلّة يثبت بطلان كلام الوهابية في عدم تشريع الزيارة .

أما ما استدلّوا به على منع السفر للزيارة في حديث شدّ الرحال ، فعلى فرض صحّة الحديث فهو لا يمنع زيارة القبور ومقامات الأولياء لأنّه يرشد إلى عدم وجود فائدة كبيرة في زيارة المساجد إلاّ هذه المساجد الثلاثة ولا تدخل


1) روح البيان 3 : 378 .

2) أنوار التنزيل 1 : 416 .

3) صحيح مسلم : 2 / ص 559 ، ح 976 .

4) صحيح مسلم : 1 / ح 977 .

5) سنن النسائي : 4 / ح 2034 . قال الألباني : صحيح .

القبور ومقامات الأولياء فيها ، ثمّ إنّ المساجد بنفسها لم يحرم السفر إليها وإنّما النهي هنا إرشادي بمعنى عدم الجدوى لو صحّ الحديث . وقد صحّ عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أنّه : « كان رسول الله يأتي مسجد قبا راكباً وماشياً فيصلّي فيه ركعتين » (1).

وعليه فإنّ دين الإسلام لا يخالف الفطرة ، وسيرة العقلاء من المسلمين وغيرهم في زيارة قبور موتاهم فضلاً عن أكابرهم ، وليقل السلفية والوهابية ما شاؤوا فليس لهم دليل من نقل أو عقل يُعتمد عليه ، وإنّما هي مغالطات ما أنزل الله بها من سلطان .


1) صحيح البخاري : 1 / ص 287 ، ح 1191 .

(33) خالد الوليد ( خالد بهشتي )( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1388 ه‍ ( 1969 م ) ، في مدينة « بلمبانج » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، يحمل شهادة جامعيّة .

استبصاره :

توفّق سنة 1410 ه‍ ( 1990 م ) لاعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وذلك بعد مطالعته للكتب الشيعيّة ومقارنتها بمعلوماته عن الإسلام بصورة عامّة والمذهب السنّي بصورة خاصّة . وقد وجد « خالد الوليد » قوّة في أدلّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) لاستنادها بشكل مباشر إلى القرآن والسنّة النبويّة الشريفة وقبول المسلمين لها ووردها في كتبهم ومصادرهم الأصليّة .

ومن هنا أعلن ولاءه لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وسار في ركابهم ولم يكتف بذلك بل هاجر في طلب علوم آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) إلى مدينة قم المقدّسة في إيران ، ليدرس في حوزتها العلميّة وليعود بعد ذلك إلى وطنه فينشر المعارف الحقّة بين الناس ويهديهم إلى سبيل الرشاد غيّر اسمه إلى « خالد بهشتي » براءة من عدو الإسلام خالد بن الوليد ، وهذه هي صفات المحبّبين الحقيقيّين الذين يحبّون من فرض الله حبّهم ، ويتبرؤون من أعدائهم لأنّه لا يمكن الجمع في الحبّ بين الولي وعدوّه ، وهذا من الأشياء البديهية التي لا يغيرها حديث مدّعى أو قول مفترى .

خالد بن الوليد سيف الله أم مجرم حرب ! :

خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي أحد عتاة مجرمي قريش الذي شاءت له الخلافة المغتصبة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن يكون سيف الله المسلول على أعدائها ولو كانوا مسلمين وعرباً ، وهي التي تدّعي العروبة والاسلام .

ونحن عندما نقرأ تاريخ خالد محققين فيه نجده تاريخاً مشيناً ملئياً بالجرائم والخزي والعار لكن أبت أقلام أتباع الخلاف - الذين أُشربوا حبّها كحبّ العجل في بني إسرائيل إلاّ أنّ تجعل منه أسطورة عربيّة إسلاميّة وهو منها براء ، فهو الذي تربّى في أحضان الكفر وحارب الإسلام ، وهو ابن الوليد بن المغيرة الذي نزلت فيه العديد من الآيات القرآنية التي تذّمه وتصفه بالعداء للرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد وصفته إحداها بالعتل الزنيم (1)، فابن العتل الزنيم هذا الذي حارب المسلمين في بدر وأُحد والخندق أيّام كفره وجاهليّته ، والذي كان في معركة حنين مع الفاريّن ، وانهزم بجيش المسلمين في معركة مؤتة حتّى حصبه أهل المدينة بالحجارة وقالوا له « رجعت فارّاً » في سبيل الله بعد تسليمه وخضوعه لشوكة الإسلام . ناهيك عن جرائمه التي تبرأ منها النبي ( صلى الله عليه وآله ) مع بني جذيمة الذين قتلهم وهم مسلمون لقتلهم عمّه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية ، وكذلك قتله النساء والأطفال في فتح مكّة وقد نهى النبي ( صلى الله عليه وآله ) يومها عن القتال ، وكذلك قتله بني خثعم وهم سجود للّه كلّ ذلك ويأبى أمثال سيف بن عمرو التميمي (2)وابن تيمية (3)، وأتباعهم في العصر الحديث


1) راجع التفاسير في شأن نزول الآيات الكثيرة من سورة القلم وسورة المدثر وسورة الكافرون وكذلك بعض آيات سورة الحجر وعبس تنبئك بمخازي الوليد وعشيرته بني مخزوم في محاربة الإسلام . والزنيم هو الذي لا أصل له ، أي ابن زنا والوليد ألحقه المغيرة به بعد ثماني عشرة سنة !

2) انظر كتابات العلاّمة العسكري حول كذبه في كتابه مائة وخمسين صحابي مختلق .

3) له كتاب ينصر فيه خالد بغضاً لآل البيت وشيعتهم اسمه ( فارس الإسلام أبو سليمان خالد بن الوليد ) .

من المعاندين والمغفلّين إلاّ أن يزعموا أن « عقمت النساء أن تلد مثل خالد » وأن يكون بطل حروب الردّة وحروب فتح العراق والشام . وهي بطولات كاذبة اخترعها مزوّروا التاريخ من أتباع إمبراطورية الخلافة المغتصبة ، وأكثرها فتكات جاهلية من خالد المسلمين والعرب (1).

خالد بن الوليد والصحابة :

إنّ المتتبّع لعلاقات خالد مع بقية الصحابة يجد أنّه خاصم الكثير منهم ، لكن شفع له علاقته الخاصة المليئة بالأسرار مع الخليفة الأول أبي بكر ، فقد دافع أبو بكر عنه دفاعاً مستميتاً حتّى أمام عمر الذي قلّما يخالفه في الظاهر ، وحقّ لأبي بكر أن يدافع عن خالد ويخترع له الأحاديث وهو من مناصريه الأشدّاء الذي أمره يوماً بقتل الإمام علي ( عليه السلام ) ولكنه ندم وقال وهو في الصلاة « لا تفعل يا خالد » ، وهو الذي قتل مالك بن نويرة الرجل المسلم وسبب قتله الرئيسي أنّه عرّض بأبي بكر في قضيّة الخلافة وكان يراه صاحب خالد لا صاحبه ونحن نجد البعض يسمون خالداً « سيف الله المسلول » رغم قول عمر « إنّ في سيف خالد رهقاً » (2)

تاريخ الطبري : 3 / 278 .

تاريخ الإسلام ، الذهبي : 3 / 37 .

وهم قليل ما يخالفونه إلاّ في مثل هذه المواقف التي يكون دائماً الباطل فيها هو المنصور عندهم خصوصاً إذا كان المتقدّم فيه مثل أبي بكر الذي اُشرب الناس حبّه وقالوا صاحب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وحبّ الشيء يعمي ويصم حتّى عن مثل جرائم خالد

1) انظر كتاب « عبقريّة خالد » ، لعباس محمود العقّاد ، وإن كان أشار إلى بعض جرائمه وبرّرها كعادتهم . وكتاب « القائد الخالد خالد بن الوليد » ، لعبد الحميد السامرائي ، الذي كتبه ليدرس على منتسبي الجيش العراقي كنموذج من أبطال العرب والمسلمين ، وكتاب « عظمائنا في التاريخ » للدكتور مصطفى السباعي . وكتاب « خمسة وعشرين شخصية دينية هزّت البشرية » ، لياسر حسين ، وغيرها .

2) الإصابة في تمييز الصحابة ، ابن حجر العسقلاني : 5 / 560 ترجمة 7712 .

المنكرة لأنّه صنيعة أبي بكر !

نحن نجد خالد يتخاصم مع عمر ويسميه ( الأعيسر بن أم شملة ) (1)

الثقات لابن حبان : 2 / 185 .

تاريخ دمشق ، ابن عساكر : 2 / 87 .

، ومع المغيرة بن شعبة في قضيّة بني جذيمة ، ويسبّ عماراً ، ويسمّيه « العبد الأجدع » (2)وقد نهاه رسول الله نهياً شديداً وقال من « سبّ عماراً فقد سبّ الله » ويتخاصم مع أبي قتادة وابن عمر وجمع من الصحابة في قضية مالك ، ويتخاصم مع أبي عبيدة وعمرو بن العاص في مسألة الرئاسة على الجيوش ومع ذلك يأتي من الكتّاب في العصر الحديث من يدافع عنه ويبّرر جرائمه حتّى لا يتلطخ تاريخ أبي بكر وبالتالي تاريخ الخلافة المغتصبة حتى ولو كان ذلك على حساب حقائق التاريخ ، وحتّى لو كان الطرف الآخر هو الرسول ( صلى الله عليه وآله ) نفسه وكثير من الصحابة .

خالد بن الوليد واغتصاب النساء !

إنّ من جرائم خالد التي لم يستطع التاريخ المزوّر أن يغطيها هي قضيّة اغتصابه للنساء الجميلات خلافاً للشرع الإسلامي واستخفافاً بالعرف العربي ، فهو قد قتل مالك بن نويرة ثم نزا على امرأته حسب قول عمر (3)

تاريخ دمشق : 16 / 258 .

الأغاني ، أبو الفرج الأصفهاني : 15 / 295 .

، وإن أحاط الرواة هذه القضيّة الواضحة بالقيل والقال ، وغلفها الكتّاب القدماء والمحدثين بالتبرير وأنّه استكمل العِدّة !

ثمّ هو أجبر مجاعة بن مرارة على الزواج بابنته الجميلة في معركة اليمامة


1) تاريخ الطبري : 3 / 415 .

2) تفسير الطبري : 4 / 186 وكذا في تفسير ابن كثير والدر المنثور وروح المعاني في تفسير الآية 59 من سورة النساء .

3) تاريخ الطبري : 2 / 274 .

وإلاّ كان مصيره القتل مثل مالك ، وبلغ من شناعة هذا الفعل عند المسلمين أن يرسل له أبو بكر رسالة يخاطبه فيها :

« لعمري يا بن أم خالد إنّك لفارغ تنكح النساء وبفناء بيتك دم ألف ومائتي رجل من المسلمين لم يجف بعد . قال فلما نظر خالد في الكتاب جعل يقول : هذا عمل الأعيسر يعني « عمر بن الخطاب » (1).

وكذلك فعل خالد مع ابنة الجودي صاحب دومة الجندل بعد أن قتل أباها ودمّر مدينته .

ومن أمثال هذه الأفعال وغيرها استطاع المستشرقون والحاقدون على الإسلام أن يطعنوا بالإسلام وزاد في الطين بلّه تعظيم أتباع الخلافة لقادتها المجرمين ولم يعرفوا أن يتصرّفوا مثل النبي ( صلى الله عليه وآله ) الذي تبرأ من صنع خالد ببني جذيمة وأرسل علياً ( عليه السلام ) ومعه الأموال لإعطاء ديات القتلى وإصلاح الأمور .

نحن والتاريخ :

إن التاريخ يكتبه عادة المنتصرون فيخلقون لأنفسهم البطولات والفضائل ، ويبرّرون الجرائم التي ارتكبوها في سبيل السيطرة على رقاب الناس .

لكن طبيعة الحياة البشريّة وسنن الله في التاريخ تأبى أن يتمكّن الغالب لوحده في خديعة الناس وستر الجرائم إلى الأبد ، وإن فعل ما فعل .

إنّ قراءة التاريخ واستنتاج النتائج الصحيحة منه ، واستخلاص العبر تتطّلب حذراً وفهماً وتحقيقاً عند مطالعة الكتب التاريخيّة ، لأنّ دوافع التزوير موجودة دائماً .

ثمّ إنّ المطالع للتاريخ الإسلامي يجد فيه من التزوير والكذب ما قد لا يجده في تاريخ الأمم الأخرى ، لشدّة الصراع فيه بين أهل الحقّ والباطل والذي


1) تاريخ الطبري : 2 / 284 .

استمرّ إلى يومنا هذا ، لأنّ هذا الدين هو الدين الخاتم ، وهو الدين المفترض أن ينقذ البشريّة من ضلالها فتجده مستهدفاً من الشيطان وأتباعه ، ومن الظالمين وأحزابهم .

وعليه فيجب على المسلمين الذين يريدون فهم دينهم وتاريخهم أن يتوخّوا الحذر الشديد فيما تقوله كتب التاريخ خاصّة إذا عرفنا أنّ الخلفاء وخاصّة خلفاء بني أميّة صرفوا الأموال الجسام في تزوير كلّ شيء وأرادوا بذلك دفن الإسلام إلى الأبد ، واستبداله بدين قريش الجاهلي ولكن الله تعالى لهم بالمرصاد ولكلّ ما ارتكبوا من تزوير وتعتيم وغشّ وخداع .

(34) خديجة محفوظ( شافعية / أندونيسيا )

ولدت في أندونيسيا ، ونشأت في أسرة شافعيّة المذهب ، أكملت الدورة الدراسية في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ثمّ التحقت بالحوزة العلميّة في إيران ، ( جامعة الزهراء ( عليها السلام ) ) في مدينة قم المقدّسة .

استبصارها :

تحوّلت « خديجة محفوظ » من مذهبها السنّي إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بعدما عرفت شيئاً عن سيرتهم ، وسمعت جانباً من فضائلهم ، فملأ قلبها حبُّهم ، وهامت روحها في ودادهم ودفعها هذا الحبّ إلى قراءة تاريخهم والاستزادة من معارفهم ، فوجدت ضالّتها فيهم ، وسعدت بكمال دينها بالتمسّك بهم .

وكانت « خديجة » طالما أرّقها البحث عن حقيقة الدين ، وآذتها التطبيقات الخاطئة له من قبل مدّعي الإسلام الذين لا يعرفون واقعه ، ويتمسّكون بظاهر بعض ا لأحاديث ويدّعون أنّهم أنصار السنّة المحمّدية ، ومن خالفهم فهو فاسق أو مبتدع مشرك ، والعياذ بالله .

ومن المسائل التي واجهتها وناقشتها مع هؤلاء هي مسألة البكاء على الميّت التي يحرّمونها على جميع الوجوه ، ممّا يدلّ على فساد فطرتهم وخشونة طبائعهم ، أو تكلّفهم لها من دون الاستناد إلى القرآن أو السنّة الصحيحة التي يعتمد عليها دون لبس .

البكاء على الميت بين الفطرة الإنسانية والتحريم :

إنّ البكاء حالة عاطفية طبيعية في الإنسان يمارسها عندما تنتابه الآلام وتهيج به الأحزان لفقدان عزيز ، أو فراق أحبّة ، وهي حالة تعبّر عن قلق النفس الإنسانية واضطرابها نتيجة غياب من ألفتهم وأحبّتهم عنها ، أو ابتعاد من تعلّقت بهم بعواطف عميقة ووشائج قويّة . ولا يقتصر البكاء على فقدان الأحبّة فقط ، بل تشمل حالات التنفيس من الآلام والكروب والهموم ، كما لا تختص بحالة الحزن ، فقد يبكي الإنسان في حالة الفرح أيضاً .

ونحن نلاحظ بأنّ حالة البكاء تعتمل في كافّة أفراد النوع الإنساني ولا تختصّ بقوم دون قوم ، أو جماعة دون أخرى ، نعم تختلف بحسب طبيعة النوع الإنساني كالرجل والمرأة وطبيعة الأفراد العاطفية ، وقد يكون للبيئة والمناخ ، واختلاف العادات الاجتماعية دور في شدّة ظهور حالة البكاء وضعفها .

كما أنّ البكاء لا يعتبر ضعفاً أو أمراً قبيحاً ، ولا عاراً معيباً كما يراه بعض الذين نزعت الرحمة من قلوبهم .

هذا وقد مارس البكاء الكثير من العظماء وأوّلهم الأنبياء فقد بكى آدم ونوح وإبراهيم ( عليه السلام ) كما بكى يعقوب على ابنه يوسف مدّة طويلة وبكى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على عمّه حمزة ودعا الناس إلى البكاء عليه ، كما بكى ( صلى الله عليه وآله ) على جعفر بن أبي طالب وبقية شهداء مؤتة ، وبكى على إبراهيم ابنه ، وبكى على عثمان بن مظعون صاحبه وغيرهم كثير ، بل بكى على عترته لما يلقون بعده من بلاء وشدّة وظلم ، وخاصّة ولده الإمام الحسين ( عليه السلام ) قتيل العبرة . لكن وردت بعض الروايات في صحاح أهل السنة ، استفاد منها البعض حرمة البكاء على الميّت ، حيث ورد عن عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله : « إنّ الميت يعذّب ببكاء أهله عليه » ، أو « ببكاء الحيّ عليه » أو « يعذّب في قبره بما ينح عليه » (1).


1) صحيح مسلم ، كتاب الجنائز ب 9 .

وقد رفض معظم الصحابة هذه الروايات ، ونعتوا راويها بالوهم والنسيان كما ورد عن عائشة : لأنّها تعارض القرآن الكريم حيث قال : ( وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ) (1)، وإنّ رسول الله قال في رجل يهودي قد مات : « إن الميت ليعذب وإنهم ليبكون عليه » (2).

وقد لاءم هذا الأمر مع نفسية عمر بن الخطاب لأنّه كان يكره البكاء على الميّت وقد ورد عن سعيد بن المسيب أنّه قال : « لما توفي أبو بكر أقامت عليه عائشة النوح ، فأقبل عمر بن الخطاب حتّى قام ببابها ، فنهاهن عن البكاء عليه فأبين أن ينتهين ، فقال عمر لهشام بن الوليد : ادخل فأخرج إليَّ ابنة أبي قحافة ، فقالت عائشة لهشام حين سمعت ذلك من عمر : إنيّ أحرج عليك بيتي . فقال عمر لهشام : أدخل فقد أذنت لك ، فدخل هشام فأخرج أم فروة أخت أبي بكر إلى عمر ، فعلاها بالدرّة فضربها ضربات فتفرّق النوح حين سمعوا ذلك » (3)

الكامل في التاريخ ، ابن الأثير : 2 / 419 .

.

والمتأمل في أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وآله ) يلاحظ بأنّه ( صلى الله عليه وآله ) كان يقبل حزن القلب ودموع العين بشرط الرضا بقضاء الله وقدره وعدم التفوّه بكلمات تدلّ على الاعتراض على ما أراد الله سبحانه ، كما حرّم ( صلى الله عليه وآله ) شقّ الثوب إلاّ في موارد خاصة كموت الأب وموت الأخ ، وحرّم خمش الوجوه ، وجزّ الشعور . وهذا ممّا يدل على أنّ هدف الرسول ( صلى الله عليه وآله ) هو تهذيب حالة الحزن على الميت ، لا إلغائها كلّياً . ومن ثم مماشاة الفطرة في تعبير النفس عن حزنها على شكل البكاء ; وفي هذا فوائد جمّة في تهذيب النفس الإنسانية ، وتصحيح العلاقات الاجتماعية وترشيد الطقوس والعادات في مثل هذه الحالات .


1) الزمر (39) : 7 .

2) صحيح مسلم : ب 9 / ح 25 .

3) تاريخ الطبري : 3 / 423 .

(35) خير الدين الزركشي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في مدينة « جاكرتا » فغذّته الأسرة التي ترعرع فيها بعقائدها الموروثة وفق مذهب أهل السنّة ، فبقي على انتمائه الموروث حتّى ارتقى وعيه الديني ، فتوجّه نحو البحث والتحقيق حتّى كشف له البحث حقائق غيّرت أسسه الفكريّة ودعته إلى إعادة النظر في مرتكزاته العقائديّة .

الإمام علي ( عليه السلام ) أحق بالاتّباع بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

توصّل « خير الدين » من خلال بحثه إلى أنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) أحقّ بالاتّباع من غيره بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، لأنّ الفضائل التي يمتلكها الإمام علي لا يمكن مقايستها مع فضائل غيره ، وإنّ الأحاديث التي ذكرها الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في حقّ الإمام علي ( عليه السلام ) تنبأ عن عظمة الإمام وجلالة قدره ، منها قوله ( صلى الله عليه وآله ) :

« يا علي ، الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة » (1).

« أنت أخي في الدنيا والآخرة » (2).

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأصحابه : « سيكون من بعدي فتنة ، فإذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب ، فإنّه أوّل من آمن بي ، وأوّل من يصافحني يوم القيامة وهو الصدّيق الأكبر ، وهو فاروق هذه الأمّة ، وهو يعسوب المؤمنين والمال


1) المستدرك على الصحيحين : 2 / ح 2999 ، الدر المنثور : 4 / 85 ، تفسير القرطبي : 9 / 186 .

2) سنن الترمذي : 6 / ح 3720 . وقال : هذا حديث حسن غريب .

يعسوب المنافقين » (1).

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة ( عليها السلام ) : « أما ترضين أني زوّجتك أقدم أمتي سلماً وأكثرهم علماً وأعظمهم حلماً » (2)

وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رواه أحمد والطبراني برجال وثّقوا انظر ج 9 / ح 14669 .

.

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع علياً فقد أطاعني ومن عصى علياً فقد عصاني (3).

وذكر ( صلى الله عليه وآله ) بأنّ الحقّ مع عليّ ( عليه السلام ) (4).

الالتحاق بشيعة الإمام علي ( عليه السلام ) :

وجد « خير الدين الزركشي » بأنّ الأدلة التي حصل عليها كلّها تلزمه الالتحاق بشيعة الإمام علي ( عليه السلام ) والسير على خطاه من بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلهذا اتّخذ قراره النهائي فاستبصر بنور أهل ا لبيت ( عليهم السلام ) والتحق بركب الإمام علي ( عليه السلام ) .

وأحب « خير الدين الزركشي » أن يرفع مستواه العلمي فانتسب إلى المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » وأنهى فيه دورة دراسية كاملة ، فوجد بعدها نفسه متعطّشاً للمزيد من العلم ، فسافر إلى سوريا وانتسب إلى الحوزة العلميّة في سوريا ليزداد صيانة وقوّة بعلوم أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .


1) ينابيع المودّة ، القندوزي الحنفي : 1 / ب 15 . ح 21 .

2) تاريخ دمشق ، ابن عساكر : 42 / 126 . مصنّف ابن أبي شيبة الكوفي : 7 / فضائل علي بن أبي طالب ، ح 68 . وغيرهما .

3) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4675 . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد . ووافقه الذهبي في التلخيص .

4) مسند أبي يعلى الموصلي ، ج 1 ، / ح 1047 . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ج 7 ، ح 12027 : رواه أبو يعلى ورجاله ثقات .

(36) خير النساء محمد( شافعيّة / أندونيسيا )

ولدت سنة 1395 ه‍ ( 1976 م ) في مدينة « سورابايا » بأندونيسيا ، ونشأت في أسرة شافعيّة المذهب .

استبصارها :

توفّقت لاعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، بعد حضورها دروساً عقائدية في إحدى المعاهد الإسلاميّة الشيعيّة التي ذهبت إليه بناءً على اقتراح والدها الذي تشيّع قبلها ، حيث ناقشت أساتذتها نقاشاً مطوّلاً ، ودخلت معهم في حوارات معمّقة حول أصول العقائد الإسلاميّة وخاصة الإمامة ، كما قرأت بعض الكتب في هذا المجال وقارنتها بمعلوماتها السابقة عن الإسلام فوجدت أنّ أدلّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) قويّة جداً ، وتأخذ على المسلم المتديّن الطريق للإقتناع بها ، لأنّها تستند إلى القرآن الكريم وإلى الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) والموجودة في معظم الكتب التي تعترف بها الفرق الإسلامية المختلفة .

كما ساهمت الأخلاق الإسلاميّة العالية التي يتحلّى بها الشيعة المؤمنون والعلوم الإسلاميّة الغزيرة التي يحملونها في سرعة اقتناعها بعقائد أهل البيت ( عليهم السلام ) .

نشاطاتها :

هاجرت في سبيل طلب علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى إيران للدراسة في جامعة الزهراء ( عليها السلام ) الواقعة في مدينة قم المقدّسة حيث تلقّت بعضاً من العلوم الإسلامية

الحقّة ، ثمّ عادت إلى وطنها لنشر معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) وكانت لها العديد من التجارب الموفّقة في هذا المجال حيث استبصر البعض على يديها .

آراؤها

تُعد « خير النساء » من أصحاب النظر والرأي في أساليب التبليغ الناجح حيث كتبت بعض المقالات في هذا المجال ودعت فيها إلى إدراك مستوى المخاطب الثقافي ، وفهم توجّهه الديني عند عرض المفاهيم الإسلاميّة الصحيحة عليه وفق برنامج منظّم وخطوات مدروسة .

ودعت « خير النساء » إلى فهم الشعور الخاص بالنساء والسماح لهنّ في ممارسة حرّياتهن وعدم التحجير عليهنّ نتيجة الفهم الضيّق والمحدود للشريعة الإسلامية السمحة والتي لا تكلّف الإنسان بصورة عامّة ما لا يطيق ، فكيف بالنساء اللواتي يكبتهن التحجّر وتُقتل فيهن الروح الإنسانية .

وتدعو « خير النساء » أيضاً إلى تعلّم العلوم الحديثة ، والاستفادة منها في نشر التعاليم الإسلامية وعدم الانزواء عن المجتمع أو الشعور بالضعف أمام التيار الغربي الذي يهاجم ثقافة المسلمين ودينهم .

كما ترى أنّ من الواجب مقابلة مشاريع الغرب الدعائية بأسلوب ناجح مماثل لما يصنعه من إنتاج الأفلام الجذّابة واستخدام الوسائل الحديثة كالإنترنت ، والبرامج والأقراص الكامبيوتريّة ، وكذلك الاستفادة من الفضائيات التلفزيونية لتبليغ مفاهيم الإسلام لتأثيرها الكبير على عامّة الناس .

كما تدعوا المؤسّسات الإسلامية إلى تبنّي قضايا المبلّغين المعنويّة والماديّة للحفاظ على نشاطهم في نشر قضايا الإسلام ، وبالتالي عدم انزوائهم نتيجة لما يلاقونه من معاناة يوميّة في جهادهم التبليغي .

(37) خيري فطريان( شافعي / أندونيسيا )

الصورة

D06

ولد سنة 1403 ه‍ ( 1983 م ) في أندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثم واصل دراسته في المدارس الحكوميّة حتّى حصل على شهادة الدبلوم .

منطلق تعرّفه على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

يقول خيري فطريان : سافر عمي إلى مصر واطّلع على الأزهر ، ثمّ سافر إلى إيران واطلع فيها على مذهب التشيّع ثم عاد إلى بلده فذهبت لزيارته ، والتقيت به فحدّثني عما رأى ، وكان يمجّد بالشيعة وانتصار ثورتهم الإسلامية ، في إيران ، فاستغربت من هذا الأمر ودفعني حبّ الاستطلاع إلى البحث حول التشيّع .

ومن هذا المنطلق قرأت العديد من الكتب الشيعيّة منها كتاب « ثمّ اهتديت » وكتاب « لأكون مع الصادقين » للتيجاني السماوي فتأثّرت بها كثيراً ، والتقيت ببعض علماء الشيعة في بلدنا وأصغيت إلى الأدلّة والبراهين التي دفعتهم إلى الالتزام بمبادىء مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فرأيت أنّ الحقّ معهم .

وبقي « خيري فطريان » على اتّصال مع عمّه حتّى تبلورت في نفسه القناعة بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلن استبصاره في مدينة بإنجيل ثمّ التحق بالمعهد الإسلامي ودرس فيه مدّة ثلاث سنوات .

شدّ الرحال لطلب العلم :

وجد « خيري فطريان » بأنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) مذهب واسع وغزير في محتواه ولا يمكن الإحاطة به عن طريق الاكتفاء بالمطالعات المتناثرة ، بل لا بدّ من دراسة هذا المذهب في المدارس الشيعية ، فقرّر السفر إلى إيران من أجل دراسة هذا المذهب ، فبذل قصارى جهده للالتحاق بإحدى المدارس الدينيّة في إيران حتّى وفّقه الله تعالى ، فجاء إلى إيران والتحق بالحوزة العلمية في مدينة قم ، فدرس فيها المقدّمات ثمّ تخصّص في فرع الكلام والعقائد الإسلاميّة .

الدعوة إلى مذهب التشيّع :

وصل « خيري فطريان » بعد مضي فترة من الدراسة إلى مستوى علمي يعتدّ به ، لأنّه درس عقائد مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بصورة جيّدة وقارنها مع عقائد مذهبه السابق ، فاطّلع على الكثير من الحقائق الدينيّة .

ومن هنا وجد « خيري فطريان » بأنّه ملزم بأن يمدّ يد المساعدة لأقربائه وأصدقائه ومن يعرفهم ليحرّرهم من التقليد الأعمى لموروثاتهم العقائدية وليوصلهم إلى مرحلة اليقين بما يعتقدوه ، فبذل قصارى جهده في هذا السبيل حتّى استبصر أبناء أسرته كلّهم على يديه ، واستبصر بعض أصدقائه أيضاً على يديه .

وواصل « خيري فطريان » عمله في نشره مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بعد عودته إلى بلاده وهو لا يزال يواصل سعيه لتقديم الخير إلى الآخرين ورفع مستواهم المعرفي عن طريق تعريفهم بعلوم ومبادىء ومعارف أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(38) رشدي العيدروس( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « سورابايا » ، ونشأ في أسرة إسلاميّة تنتمي إلى المذهب الشافعي ، وبقي على انتمائه الموروث مقلّداً لأسلافه حتّى اطّلع على أصول ومبادىء مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) من خلال مطالعته للكتب الشيعية ، فتزعزعت معتقداته الموروثة بعد تعرّفه على الفكر الشيعي .

ومن هنا خاض « رشدي العيدروس » البحوث العقائديّة ، وبدأ بتمتين أسسه الفكريّة ، ثمّ بادر بعدها إلى مقايستها مع عقائد مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

لماذا يهتم الشيعة بمسألة العدل الإلهي :

وجد « رشدي العيدروس » خلال بحثه المقارن بين عقائد المدرسة السنّية وعقائد المدرسة الشيعيّة بأنّ المذهب الشيعي يهتمّ كثيراً بمسألة العدل الإلهي ، بحيث دفعه هذا الأمر إلى جعل العدل أصلاً من أصول الدين ، لأنّ العدل حقيقة لا يمكن إثبات النبوّة إلاّ به ولو لم يكن الله تعالى عادلاً فكان من الممكن أن لا يرسل الأنبياء إلى البشريّة ، أو أن يعطي المعاجز للعصاة فيكون ذلك سبباً في تمويه الأمر على الناس ، ولكن بما أنّ الله تعالى عادل ، فهو لا يموّه على الناس ، لأنّ هذا الأمر يتضمّن الظلم ، والله تعالى منزّه عنه .

كما أنّ المعاد لا يمكن إثباته إلاّ بعد ثبوت العدل ، لأنّ العدل الإلهي هو الذي يقتضي صدق وعده وهو الذي يقتضي معاقبة العصاة ولولا العدل لم يكن

إثبات المعاد ولهذا ينبغي جعل العدل أصلاً قبل النبوّة والمعاد ليمكن إثباتهما به .

الصفات الحقيقة والصفات القياسيّة :

وجد « رشدي العيدروس » خلال بحثه بأنّ اهتمام الشيعة بمسألة العدل دفعهم إلى الوصول إلى الرؤية الواضحة في هذا المجال ، ومنها ما يخصّ مبحث الشرور التي يجدها الإنسان في العالم والتي دفعت البعض إلى التشكيك بالعدل الإلهي .

فرأي « رشدي العيدروس » بأنّ علماء الشيعة يقسّمون الصفات إلى قسمين :

القسم الأول : الصفات الحقيقيّة ، وهي الصفات التي لها واقع خارجي وهي التي يمكن التعرّف عليها من دون لحاظ شيء آخر ، من قبيل صفة الوجود للإنسان ، فهي صفة لها واقعية ويمكن الإلمام بها من دون مقايستها مع شيء آخر .

القسم الثاني : الصفات القياسيّة ، وهي الصفات التي ليس لها واقع خارجي ، ولا يمكن معرفتها إلاّ عن طريق مقايسة الموصوف مع شيء آخر ، من قبيل الكبر والصغر ، فهاتين الصفتين ليس لهما واقع في الخارج وانما يمكن الإلمام بهما عن طريق مقايسة شيء مع شيء آخر ، فيقال على سبيل المثال الأرض أكبر من القمر وهي أصغر من الشمس وهذه الصفتين لا وجود لهما في الواقع الخارجي وإنّما ينتزعهما ذهن الإنسان عن طريق مقايسة شيء مع شيء آخر .

صفة الشرور :

ذهب علماء الشيعة إلى أنّ الشر صفة قياسية للأشياء أي أنّ الشرّ ليس له وجود خارجي ، بل هو أمر عدمي ، وإنّ الإنسان لا يستطيع أن يفهم معنى الشر إلاّ عن طريق مقايسة شيء مع شيء آخر .

فالحية على سبيل المثال شرّ بالنسبة إلى الإنسان لأنّها تلحق به الأذى ، ولكنها ليست شرّاً بالنسبة إلى الجماد لأنّها لا تلحق به الأذى ، فصفة الشرّ للحيّة

ليست صفة حقيقيّة بل هي صفة قياسية ، يمكن الإلمام بها عن طريق مقايسة الحية مع الشيء الذي تلحق به الضرر .

ثمرة بحث عدميّة الشرور :

إنّ إثبات عدميّة الشرور وكونها صفة قياسيّة يؤدّي إلى دحض نظريّة الثنويّة التي ذهبت إلى أنّ خالق الشر هو غير خالق الخير ، وبهذا أثبتوا للعالم خالقين أحدهما « يزدان » وهو خالق الخير والآخر « أهريمن » وهو خالق الشرّ .

ولكن عدميّة الشرور تثبت بأنّ الشرّ أمر عدمي ، والعدم لا يحتاج إلى خالق ، وأنّه تعالى لا يخلق إلاّ الوجود ، وأمّا الأشياء التي توصف بالشرّ ، فإنّ الشر ليس وصفاً حقيقيّاً لها ، بل هو وصف قياسي ، أي أنّ هذه الشرور توصف بالشرّ لأنّها تلحق الأذى بغيرها ، ولولا إلحاقها هذا الأذى بغيرها ، فإنّها لا توصف بالشرّ ، فلا يوجد في العالم إلاّ خالق واحد وهو خالق الأشياء التي لها وجود وأمّا العدم فليس له خالق ومثال « العدم والوجود ، كمثل الشمس والظل ، فعندما ننصب شاخصاً في الشمس ، فالقسم الذي يبقى مظلماً بسبب الشاخص ومحروماً من نور الشمس نسميه بالظلّ ، فما هو الظلّ إذن ، هو الظلمة والظلمة ليست شيئاً سوى عدم ا لنور . وعندما نقول إنّ النور قد شعّ من الشمس ، فإنّه لا يجوز لنا أن نسأل : ومن أين يشع الظلّ ؟ وما هو مصدر الظلمة ؟ فالظلّ والظلمة لم يشعا من شيء لهما مبدأ ولا مصدر مستقل » (1)وبهذا تنهار نظريّة الثنويّة بأنّ خالق الخير غير خالق الشر ، ويثبت بأنّ الخالق هو واحد ، وهو خالق الوجود ، والشرّ صفة قياسيّة ، تتّصف بها بعض الموجودات لأنّها تؤدّي إلى إعدام الأشياء الأخرى .

الهدف من الشرور القياسية :

إنّ النتيجة التي يمكن التوصّل إليها من هذا المبحث هي أنّ الشرّ المطلق أمر


1) العدل الإلهي ، الشيخ مرتضى مطهّري : 161 .

عدمي ، وأمّا الشرور القياسية فهي موجودات تؤدّي إلى إعدام الأشياء ، وأما سبب خلقه تعالى لهذه الأشياء ، فهو لأنّ النظام الذي خلقه الله تعالى في العالم هو من أجل اختبار الإنسان ، وقد شاء الله تعالى أن تكون الشرور هي الوسيلة لاختبار البشريّة وهي الوسيلة التي بها يمكن معرفة مستوى استعانة الإنسان بالصبر إزائها وقد قال تعالى :

( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا اِلَيْهِ رَاجِعونَ ) (1).

اعتناقه لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

وجد « رشدي العيدروس » خلال دراسته لأصول ومبادىء المذهب الشيعي أنّه مذهب قائم على الأدلة والبراهين العقلية ، وهو أقدر من غيره على تقديم الزاد العلمي المقنع للآخرين ووجد بأن هذا المذهب كشف له الكثير من الحقائق التي كانت خافية عنه . فدفعته هذه الحقائق إلى تغيير انتمائه المذهبي من مذهب أهل السنّة إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .


1) البقرة (2) : 155 - 157 .

(39) روح الله شمسونار ( نور الدين )( شافعي / أندونيسيا )

ولد في مدينة « اوجونك بندنك » بأندونيسيا ، ونشأ في عائلة شافعيّة المذهب أكمل دورة دراسية في إحدى الجامعات ، وانتسب للحوزة العلميّة في قم بعد استبصاره .

استبصاره :

استبصر متأثراً ببعض أساتذته وزملائه في الدراسة من الشيعة ، حيث كان يستمع إلى محاضراتهم ، ويدخل معهم في نقاشات مطوّلة وحوارات عميقة حول المسائل التي يختلفون فيها مع إخوانهم من المسلمين السنّة ، وكانت هذه الحوارات تشمل كافّة الجوانب الدينيّة من عقيدة وشريعة وتاريخ وسيرة وغيرها ، وقد لفت نظره من هذه المسائل قضايا التوحيد الإلهي الذي لم يخلّ من الاختلافات فيه بين علماء المسلمين في داخل المذهب الواحد فضلاً عن الخلاف بين المذاهب ، وقد وجد أنّ نظريّات الشيعة الإمامية الاثني عشريّة في هذا المجال قويّة ومتماسكة ولا يرد عليها الإشكال العلمي .

التوحيد الإلهي وصفاته سبحانه وتعالى :

يعتبر التوحيد الإلهي من أهم المسائل العقائديّة في الديانات السماويّة وخصوصاً في الإسلام ; إذ إنّ معرفة ا لله سبحانه وتعالى هي أساس الدين ، وعنها تتفرع المسائل الأخرى ، ومن هنا كان لها نتائج مهمّة وخطيرة في عقيدة المسلم .

وتترتّب عليها آثار عميقة الغور في معظم المجالات الدينيّة الأخرى .

وحيث إنّ الذات الإلهية لا يمكن معرفتها ; لعدم وجود الشبيه لها ، ولمحدوديّة الذهن البشري أن يدرك كنهها وحقيقتها ، ولانسداد طرق المعرفة إليها ، يستطيع البشر أن يصل إلى معرفة الله سبحانه عن طريق الصفات الجماليّة والجلاليّة .

والصفات الجمالية هي الصفات التي تثبت كمالاً للوجود الإلهي كالعلم والقدرة والحياة . أمّا الصفات الجلاليّة فهي الصفات التي يجلّ الله سبحانه وتعالى عن وصفه بها ; لأنّها صفات تدل على نقص وعجز والله سبحانه وتعالى منزّه عن كلّ نقص وعيب .

وقد اختلف المسلمون في مسألة الصفات الكمالية الإلهيّة على مذاهب شتّى ، فمنهم من قال بنيابة الذات عن الصفات كبعض المعتزلة ، ومنهم من قال بزيادة الصفات عن الذات وحدوثها كالمجسّمة . ومنهم من قال بزيادة الصفات وقدمها كالأشاعرة . ومنهم من قال بالأحوال في الصفات فلا هي موجودة ولا هي معدومة كبعض المعتزلة والأشاعرة ومنهم من قال بعينيّة الصفات مع الذات وهم الشيعة وبعض المعتزلة ومعظم الفلاسفة الإلهيّة .

وقد ثبت بطلان معظم هذه الأقوال ، ولم يبق من يدافع عنها إلاّ نظريّة العينيّة التي يقول بها شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ونظريّة زيادة الصفات القديمة عن الذات التي يقول بها الأشاعرة من أهل السنّة .

الصفات الإلهية بين العينيّة والزيادة :

عندما خاف الأشاعرة من الوقوع في شرك تعطيل الصفات الكماليّة التي يثبتها القرآن والسنّة النبويّة الشريفة قالوا بزيادة الصفات عن الذات فوقعوا فيما هو أعظم فقالوا بتعدّد القدماء ، وبالتالي جعلوا الإله الواحد أحد القدماء الثمانية وهم لم يقبلوا عينيّة الصفات مع الذات الذي لا يعطل وصف الله بالكمالات لأنّهم

رأوا بينونة الصفات عن الذات في الخلق فلم يمكّنهم تصوّر اتّحاد الذات مع الصفة وجوداً وإن اختلفا مفهوماً ، فمفهوم العلم والقدرة يختلف أحدهما عن الآخر كما تختلف جميعها مع مفهوم الله سبحانه ، لكن هذا لا يمنع أن يتّحد الوجود وتختلف المفاهيم .

وقد يبدو أنّ القول بالعينيّة يخالف ظاهر صيغة القادر والعالم الظاهرة في الزيادة من حيث هي ذات لها القدرة ، وذات لها العلم ، لكن للقول بالزيادة مضاعفات كبيرة لا يقبلها العقل ا لسليم فضلاً عن النصّ الصريح كتعدّد القديم بعدد الأوصاف الذاتية أو تركبّه منها وإن قالوا : إنّ المراد من الزيادة هو أنّ الصفات ليست ذاته ولا غير ذاته ، وهو كلامه صوري ينتهي عند التدقيق إلى ارتفاع النقيضين .

كما أنّ القول باتّحاد الصفات مع الذات يستلزم غناه عن الفقر والحاجة ، بينما القائل بالزيادة يرى أنّ الله سبحانه يعلم بعلم له بينونة عن الذات بأيّ شكل من الأشكال ، ويخلق بقدرة خارجة عن ذاته ، وبالتالي تحتاج الذات الإلهية إلى غيرها ، وإنّ كان قديماً والقدم لا يدفع الفقر والحاجة .

كما أنّ القول بالزيادة يؤدّي إلى تناهي صفات الله الكماليّة ومحدوديّتها بينما القول باتّحاد الذات والصفات لا يؤدّي إلى تناهي الصفات لعدم اختلافها في الواقع والله سبحانه غير متناه في الوجود والكمالات الوجوديّة .

إنّ مسألة عينيّة الصفات مع الذات تؤكّد التوحيد الصفاتي الذي يرجع إلى التوحيد الذاتي بمعنى أحديّة الذات وبساطتها وعدم محدوديّتها بمعنى أنّه من الوجود بحيث لا يحدّ بحدّ حتّى يمكن فرض ثان له فيما وراء ذلك الحدّ .

معرفة الله حقّ معرفته :

وجد « روح الله شمسونار » خلال البحوث العقائديّة التي أجراها في صعيد التوحيد الإلهي أنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هو المذهب الوحيد الذي يتيح للإنسان

أن يعرف الله تعالى حقّ معرفته . ولهذا واصل « روح الله » مطالعاته للكتب العقائديّة الشيعيّة حتّى توصّل إلى القناعة التامّة بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ولزوم اتّباعه لهذا المذهب ، فتخلّى عن مذهبه الموروث وأعلن استبصاره .

(40) زاهر بن يحيى( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1386 ه‍ ( 1967 م ) في أندونيسيا بمدينة « بكلونجن » ثمّ ترعرع في أسرة شافعيّة المذهب فانتمى إلى مذهب أهل السنّة تبعاً لما ورثه من أسلافه ، ولكنّه أدرك بعد مطالعته للكثير من الكتب الشيعيّة ومقارنتها مع عقائد مذهب أهل السنّة بأنّه ينبغي أن يعيد النظر في الكثير من موروثاته العقائديّة والتي منها عدالة الصحابة .

عدالة الصحابة :

كان يعتقد زاهر بن يحيى بعدالة جميع الصحابة ، وكان يرى بأنّ الصحابة كلّهم عدول ، وهم يمتلكون الحصانة الكاملة ، وأنّهم فوق مستوى الشبهات ، وأنّهم مستثنون من قاعدة الجرح والتعديل لأنّهم نقلوا الدين إلى أهل القرون التالية وأنّ الطعن فيهم يؤدي إلى الطعن في الدين .

ولكن أدرك « زاهر بن يحيى » بأن الصحابة هم مجرّد رواة لحديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وناقلين لأحكام الدين ويستدعي أمر تلقّي رواياتهم أن يقوم الباحث بمعرفة عدالتهم وأن مجرّد صحبة النبي ( صلى الله عليه وآله ) لا تثبت العدالة .

والدليل على عدم ثبوت العدالة لمجرّد الصحبة هو أنّ بني إسرائيل كانوا أصحاباً لموسى ( عليه السلام ) ، وتعرضوا لأشد أنواع البلاء من فرعون وجنده فصبروا على ذلك والتحقوا بركب موسى ( عليه السلام ) ورأوا منه المعاجز الكبرى لكن مجرّد هذه الصحبة

لم تؤدّي إلى غرس العدالة في سرائرهم ، لأنّهم لما رأوا قوماً عاكفين على أصنام لهم قالوا لموسى ( عليه السلام ) : ( يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) فأجابهم موسى ( عليه السلام ) ( إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ) (1).

كما أنّ أصحاب موسى ( عليه السلام ) عندما ذهب عنهم موسى لفترة وجيزة إلى ميقات ربّه ، لم يستقيموا على الدين ، بل اتّبعوا السامري ، وعبدوا العجل الذي صنعه من الذهب ، وتمرّدوا على أوامر وصيّ موسى هارون ( عليهما السلام ) وخليفته فيهم ، وتوجّهوا نحو الشرك بالله عزّ وجل بحيث لم يستطع هارون أن يردعهم من ذلك .

وكذلك الحال مع جميع الرسل والأنبياء ، إذ يتبين لنا القرآن والتاريخ بأنّ قليل من أصحابهم استقاموا معهم وبعدهم على الصراط المستقيم .

ومن هنا يمكننا أن نستنتج بأنّ مجرّد صحبة النبيّ والرسول الإلهي لا توجب العدالة ، بل العدالة تثبت لمن تبيّن سيرته الذاتية بأنّه كان سائراً على الصراط المستقيم ولم ينحرف عن الحقّ ولم يضل سواء السبيل .

أضف إلى ذلك أنّ القرآن الكريم بيّن بصورة مكشوفة وجود الضعف في جماعة من أصحاب النبي ووجود المنافقين بينهم ووجود من أسلم بينهم بلسانه ولم يسلم قلبه وفيهم من في قلوبهم مرض ، وقال تعالى : ( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم ) (2).

ومن جهة أخرى مدح القرآن الكريم العدول من الصحابة وبيّن سماتهم وخصائصهم ، وهذا ما يبيّن وجود من لم يصل إلى المستوى المطلوب من مفهوم الصحبة .

ومن مواطن الضعف التي ظهرت في بعض الصحابة تراجعهم في غزوة أحد


1) الأعراف (7) : 138 .

2) التوبة (9) : 101 .

بحيث قال تعالى حول موقف هؤلاء : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ ) (1)صحيح البخاري ، 4 / ح 7050 .(2).

تقييم الرسول للصحابة :

إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيّن مستقبل بعض الصحابة وقال : « إنا فرطكم على الحوض وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليختلجن دوني ، فأقول يا ربّ أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك » (3).

وورد في حديث آخر عنه ( صلى الله عليه وآله ) قال لأصحابه : « أنا فرطكم على الحوض من ورده شرب منه ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً ، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم . . . أقول إنّهم مني ، فيقال : انك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول سحقاً سحقاً لمن بدل بعدي (3) .

وورد في حديث آخر عنه ( صلى الله عليه وآله ) قال : « ترد على أمتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله .

قالوا : يا نبي الله أتعرفنا ؟

قال : نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم ، تردون علي غراً محجلين من آثار الوضوء ، وليصدن عني طائفة منكم فلا يصلون ، فأقول : يا ربّ هؤلاء أصحابي ، فيجيبني ملك فيقول : وهل تدري ما أحدثوا بعدك (4).

ومن هنا يمكن الاستنتاج بأن مجرّد الصحبة لا ترفع الإنسان إلى مستوى العدالة ، بل الصحابة من عباد الله الذين خصّهم الله بصحبة نبيّه ( صلى الله عليه وآله ) ، فمن أحسن


1) آل عمران

2) : 144 .

3) صحيح البخاري : 4 / ح 6576 .

4) صحيح مسلم : 1 / كتاب الطهارة ح 37 .

الصحبة فهو عادل ومن لم يحسنها فهو غير عادل ، ولهذا ينبغي أن يبحث الإنسان عن مصدر تلقّيه للشريعة التي جاء بها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأنّ الاعتماد على الأصحاب الذين لم يحسنوا الصحبة والذين اتّبعوا أهواءهم من بعده وتنافسوا على الدنيا يؤدّي إلى وقوع الإنسان في أودية الضلال .

ما بعد اكتشاف الحقيقة :

إنّ البحوث المقارنة التي أجرها « زاهر بن يحيى » دفعته إلى اكتشاف الحقيقة ، فقرّر بعد تصحيح مساره ، التحوّل من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ثمّ سافر « زاهر » إلى عشّ آل محمد مدينة قم المقدّسة في إيران لتلقّي المزيد من علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فدرس فيها ثمّ عادّ إلى بلده وتصدّى لإدارة مؤسّسة المعهد الإسلامي بعد رحيل مؤسِّسها السيد حسين الحبشي .

كما كتب « زاهر بن يحيى » شيئاً في الفقه وترجم بعض الكتب إلى اللغة الأندونيسية ، وواصل عمله التبليغي عن طريق إلقاء المحاضرات باللغة العربية والإنجليزية ، وهو لا يزال يواصل عمل الدعوة إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(41) زين الحبشي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، وترعرع في مدينة « جاكرتا » في أسرة شافعيّة المذهب ، وواصل حياته في ظلّ هذا المذهب من دون أن يطرء على باله بأنّه يعيش حالة التقليد الأعمى لأسلافه ، وأنّه لم يشيّد مرتكزاته العقائدية على ضوء الدليل والبرهان ، وأنّه يتبع أقوال كبار قومه من دون أي إعمال عقل ، وأنّه يؤمن بأن ما ورثه من آبائه كلّه من المسلّمات التي لا تخضع للنقد أبداً .

وبقي « زين الحبشي » على هذه الحالة حتّى استبصر أحد أصدقائه ، فاستغرب وغضب غضباً شديداً وذهب إليه وقال له : كيف تسمح لنفسك أن تترك الحقّ وتتّجه نحو الضلال !

•

ما هو الدليل على أحقّية ما ورثناه ليكون المخالف له باطلاً وضلالاً .

•

إنّ هذه العقيدة ورثناها من آبائنا ، وهل يشكّ أحد بأنّ آباءنا كانوا على ضلال .

•

إذا كان الأمر كذلك ، فاليهودي الذي ورث الديانة من آبائه يكون على الحقّ ، والمسيحي الذي ورث الديانة المسيحية من آبائه على الحقّ ، ويكون البوذي الذي ورث هذه الديانة من آبائه على حق ، لأنّ جميع هؤلاء ورثوا عقائدهم من آبائهم !

استمر الحوار فترة طويلة ، ثمّ انقضت الجلسة من دون أن يشعر أي أحد

من طرفي الحوار بالاستياء ، لأنّ الحوار كان مبتنياً على الأصول الصحيحة ، وذهب صديق « زين الحبشي » لشأنه وهو يشعر بالارتياح نتيجة أداء وظيفته الدينية وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذهب « زين الحبشي » أيضاً لشأنه وهو يشعر بضرورة اهتمامه بالبحث ولزوم تحرّره من التقليد الأعمى الذي هو عليه .

الاهتمام بالبحوث العقائدية :

خصّص زين الحبشي بعد ذلك اللقاء وقتاً لنفسه للبحث في الصعيد العقائدي ، وبدأ يبحث عن الشخصيّات العلمية التي يستطيع أن ينتفع بها خلال البحث والتنقيب .

وواجه « زين الحبشي » العديد من المصاعب في هذا المجال منها عدم تعوده على البحث .

ثانياً : مواجهته للعديد من العقبات في طريقه إلى البحث منها انشغاله بالأمور المعاشية وعدم توفير الجوّ المناسب لذلك ، والأصعب من ذلك أنّه كان يرى ازدياد شبهاته بمقدار ازدياد دراسته وبحثه في الصعيد العقائدي ، وكانت هذه الشبهات تشكلّ ضغطاً نفسياً عليه وتدعوه إلى الوصول إلى حلّ الإشكال .

وعلى الرغم من جميع المصاعب التي واجهها « زين الحبشي » لم يفتر قط ، وواصل طريقه بجد وبذل غاية جهده لاقتحام العقبات وإزالة الموانع وحلّ المشاكل التي واجهها في سبيل معرفته للحقّ ، وبمرور الزمان ، شعر « زين الحبشي » بثمرة بحثه ، فبدأت الحقائق تتكشف له واحدة تلو الأخرى ، وكان يشعر زين الحبشي بالسرور والفرح عندما كان يصل في قضية من القضايا إلى النتيجة المطلوبة ، وكان يدرك حينئذ قيمة الفكرة التي ينتمي إليها ويعرف الأسباب التي دفعته للاعتقاد بها .

نتائج على غير ما يرام

إنّ المشكلة الأخرى التي واجهها « زين الحبشي » هي أنّ النتائج التي كان يصل إليها من خلال البحث ، لم تكن دائماً على ما يروم وما يهوى ، بل كانت النتيجة تأتي في بعض الأحيان على خلاف المشهور في أوساطه بل على خلاف الرأي السائد عند أهل السنّة ، فكان يعيش « زين الحبشي » حالة التردّد ، ويسأل نفسه : هل يمكن التصديق بأنّ جميع علماء مذهبنا مخطئين وأكون أنا الصائب في النتيجة التي حصلت عليها خلال البحث .

ولهذا كان يكرّر « زين الحبشي » بحثه ويدقّق في مقدّمات بحثه مرّة أخرى ، فإذا كانت النتيجة كما حصل عليها فيما سبق يأخذ بها ، لأنّه كان يقول مع نفسه : إنّ الله سوف يحاسبني فإذا قال لي لماذا اتّبعت هذا الرأي العقائدي ، فأقول له : بحثت في هذا المجال ، وتوصّلت إلى هذه النتيجة . وكان يفكر ويقول في نفسه بأنّ هذا القول أفضل من تركه ، وذلك بسبب الأدلة التي توصّل إليها ، لأنّ الله تعالى لا يحبّ من يقول له : هذا ما ورثته من آبائي ، أو هذا ما أخذته من الآخرين نتيجة اتّباعي الأعمى لهم ، لأنّ الله تعالى سيقول له ألم أجعل لك عقل تفكّر به ، فلماذا جمدّت عقلك وتوجّهت نحو التقليد وأنت تعلم عدم جواز التقليد في الصعيد العقائدي .

ومن هذا المنطلق واصل « زين الحبشي » بحثه ، وتقبّل النتائج التي كانت على غير مرامه ، وكان يتحاور مع صديقه المستبصر في بعض الأحيان ، واستمرّ على هذا المنوال في بحثه ثم توجّه نحو البحث المقارن وجعل يقارن بين عقائد أهل السنة وعقائد الشيعة ، حتّى توصّل إلى هذه النتيجة بأنّ دعم أهل البيت ( عليهم السلام ) لمذهب التشيع أدّى إلى صيانة هذا المذهب من الانحراف والوقوع في أودية الضلال .

وعرف « زين الحبشي » بأنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هو المذهب الوسط بين

الإفراط والتفريط ، وتجلّت له هذه الحقيقة بصورة واضحة عندما اطّلع على نفي أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) للجبر والتفويض واعتقادهم بالأمر بين الأمرين .

الأمر بين الأمرين :

عرف « زين الحبشي » خلال بحثه بأنّ عقيدة الأشاعرة فيما يخصّ أفعال العباد تستلزم الجبر لأنّهم يقولون بأنّ الله خالق كلّ شيء ولا يوجد خالق غيره ، ويقولون بأنّ قدرة الإنسان لا تأثير فيها في صدور الفعل منه ، ويقولون بأنّ العبد لا دور له إلاّ كسب الفعل الذي يخلقه الله وبما أنّهم يقولون بأنّ الله خالق كلّ شيء فلازمه قولهم أن يكون الله تعالى هو الخالق للكسب فلا يكون للإنسان أيّ دور في أفعاله ، فيكون الإنسان أداة يحرّكها الله تعالى كيفما يشاء ، وهذا ما يعني الجبر .

وأما التفويض فهو الرأي الذي ذهبت إليه المعتزلة ، فقالت بأنّ الله تعالى فوّض إلى العباد مسألة خلقهم لأفعالهم ، فالعبد مستقل بإيجاد أفعاله وفق مشيئته ، ولكن يرد على هذا الرأي بأنّه ينافي أصل احتياج الإنسان إلى الله عزّ وجلّ ، وهو يوجب الاعتقاد بأنّ الله تعالى عاجز في تدبير أمر خلقه وإدارة شؤونهم .

كما أنّ التفويض يستلزم الشرك في الخالقية ، لأنّه يوجب الاعتقاد بوجود خالقين مستقلين أحدهما الله عزّ وجل والثاني الإنسان الذي يكون خالقاً مستقلاً وغير محتاجاً إلى الله في بقائه .

وأما مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فهو يتمثّل في المقولة المشهورة للإمام الصادق ( عليه السلام ) حيث قال : « لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين » (1).

ومعنى « الأمر بين الأمرين » - كما قال الشيخ المفيد ب‍ « إنّ الله تعالى أقدر الخلق على أفعالهم ومكّنهم من أعمالهم ، وحدّ لهم الحدود في ذلك . . . فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبراً لهم عليها ، ولم يفوّض إليهم الأعمال لمنعهم من


1) الأصول من الكافي : 1 / 160 ، ح 13 .

أكثرها ، ووضع الحدود لهم فيها وأمرهم بحسنها ونهاهم عن قبيحها ، فهذا هو الفصل بين الجبر والتفويض » (1).

أتّباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

إنّ النورانية التي وجدها « زين الحبشي » في علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) أنارت له الطريق وهدته إلى سواء السبيل وأرشدته إلى اتّباع الحقّ ، فأعلن « زين الحبشي » استبصاره بعد اقتناعه الكامل بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ثم التحق بالمعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ثمّ جنّد نفسه إلى إرشاد الآخرين وهدايتهم إلى سواء السبيل .


1) تصحيح اعتقادات الإمامية ، الشيخ المفيد وهو ضمن مصنفات الشيخ المفيد ، 5 : 47 .

(42) سالم ابن الشيخ أبي بكر( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1393 ه‍ ( 1974 م ) في مدينة « فرواكرتا » ، بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، أكمل الدورة الدراسيّة للمعهد الإسلامي في « بإنجيل » ، ثمّ درس بعد استبصاره في الحوزة العلميّة في سوريا .

استبصاره :

نبتت بذرة التشيّع في قلب « سالم » في المعهد الإسلامي في « بإنجيل » ، حيث تأثّر بالمحاضرات التي كان يلقيها بعض الأساتذة الشيعة ، إضافة إلى المناقشات العلميّة الجذّابة مع أصدقائه الطلبة من الشيعة وغيرهم .

ثمّ طالع العديد من الكتب التي توضّح مواقف مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) من القضايا المختلفة ، فوجد أنّ حججهم قويّة تأخذ على المسلم طريقه إلى اتّباع الحقّ ، وتورثه اليقين .

منطلق البحث :

درس « سالم » الكثير من المسائل الخلافيّة بين الفريقين في العقائد والفقه والسيرة والتاريخ وغيرها ومن المسائل التي لفتت نظره هي مسألة الوضوء المختلف فيه بين السنّة والشيعة وتعجب من إمكانية الخلاف في هذه المسألة الواضحة التي مارسها النبي يومياً أمام المسلمين فترة طويلة جداً ، وقد عرف فيما بعد أنّ الخلاف فيها - كما في بقية المسائل - هو نتيجة اجتهاد الحزب القرشي الذي

سيطر على الخلافة أمام النصّ القرآني الواضح ، وسنّة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) المستمرة لفترة طويلة .

المسح على الأرجل أو غسلها في الوضوء :

لا خلاف بين الشيعة الإمامية الاثنا عشرية على وجوب المسح على الأرجل على التعيين في الوضوء ، ولهم أدلّتهم على ذلك من الكتاب العزيز والسنّة النبوية أما الآخرون فقد اختلفوا :

فمنهم من قال بوجوب الغسل للرجلين على التعيين ، وهو قول الأئمة الأربعة ، والقول المشهور بين أهل السنة .

ومنهم من قال بالتخيير بين الغسل والمسح ، فللمكلّف أن يغسل رجليه وله أن يمسحهما ، وهذا قول الحسن البصري ، ومحمد بن جرير الطبري (1).

ومنهم من قال بوجوب الجمع بين المسح والغسل ، وهو قول داود بن علي الإصفهاني من أئمة أهل الظاهر ، والناصر للحقّ من أئمة الزيدية (2).

ومنهم من وافق الشيعة بوجوب المسح ، وهو قول أنس بن مالك ، وعكرمة الذي يؤيد فيه أستاذه ابن عباس ، وكذلك هو قول الشعبي (3).

والمهم هو البحث عن المسح على وجه التعيين ، وهو قول الإمامية .

والغسل على وجه التعيين ، وهو قول جمهور أهل السنة .

آية الوضوء في سورة المائدة :

قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ ) (4).


1) نقله عنهما الرازي في تفسيره الكبير 4 / 305 .

2) نقله عنهما الرازي في تفسيره الكبير 11 / 161 .

3) نقله عنهم الرازي في تفسيره الكبير 11 / 161 .

4) المائدة (5) : 6 .

وهذه الآية هي آية الوضوء الوحيدة في القرآن الكريم ، ومعلوم أنّ سورة المائدة نزلت دفعة واحدة في أواخر أيّام الرسالة المحمّدية العظيمة ، فلا يتصوّر فيها النسخ ، وهي من الآيات المحكمات الواضحة المعنى التي لا يتصوّر فيها اللبس ، وقد أذعن بهذه الحقيقة بعض علماء أهل العامة وتمرّد آخرون .

ومحلّ الشاهد في الآية هو كلمة « وأرجلكم » ، وفيها قراءتان مشهورتان هما الجر ( أرجلِكم ) ، والفتح ( أرجُلكم ) وعلى القرائتين يكون حكم الأرجل هو المسح ، وأما قراءة الجر ( أرجلِكم ) فواضح ; لأنّ الواو عاطفة ، تعطف الأرجل على الرؤوس ، والرؤوس ممسوحة ، فالأرجل أيضاً ممسوحة ، قال تعالى ( وامسحوا برؤوسكم وأرجُلِكم ) .

وأما على قراءة النصب ( أرجُلكم ) ، فتكون الواو عاطفة ، وأرجلكم معطوفة على محلّ الجار والمجرور ( برؤوسكم ) وهو منصوب ، والعطف على المحلّ مذهب مشهور في علم النحو . ولا خلاف فيه بين النحاة ، وعليه تكون الأرجل محكومة بالمسح أيضاً .

وقد أذعن بهذا الرأي بعض علماء العامّة كالرازي في تفسيره (1)، وابن قدامة في المغني في الفقه الحنفي ، والسندي في حاشيته على سنن ابن ماجة وقد ناقش بعض العلماء الآخرين من العامّة في دلالة الآية على مسح الأرجل فقالوا مثلاً إنّ قراءة النصب إنّما هي لعطف الأرجل على الوجوه والأيدي لكن المحققين من علماء السنة ردّوا هذا الكلام ، وقالوا : إنّ الفصل بين المتعاطفين بجملة غير معترضة خطأ في اللغة العربية ، والقرآن الكريم منزّه من كلّ خطأ .

وقالوا أيضاً : إنّ قراءة الجر ليست بالعطف على لفظ برؤوسكم ، وإنّما هو كسر على الجوار وعليه لا يكون الحكم المسح ويسقط الاستدلال .


1) التفسير الكبير ، 4 / 305 .

والكسر على الجوار في اللغة العربية موجود ، ويمثّلون له بقولهم : هذا جحر ضب خرب ومعلوم أن « خرب » صفة للحجر ، وإعرابها الرفع ، لكن كسرت لجوارها لكلمة ( ضب ) المجرورة .

وقد ردّ المحققين من علمائهم هذه المناقشة أيضاً ، ومنهم الرازي ، قال في تفسيره :

وهذا باطل من وجوه :

الأول : إنّ الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمّل لأجل الضرورة في الشعر ، وكلام الله يجب تنزيهه عنه .

وثانيهما : إنّ الكسر ( على الجوار ) إنّما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله : جحر ضب خرب ، فإنّ من المعلوم بالضرورة أنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر ، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل .

وثالثها : إنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف ، وأما مع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب » (1).

منشأ الاختلاف في الوضوء :

قلنا إنّ الوضوء عملية ظاهرة حسيّة مارسها الرسول ( صلى الله عليه وآله ) لفترة طويلة ، ولا يتوقع فيها الاختلاف ، وهذا ممّا يحفّز على البحث التاريخي إذا أردنا معرفة كيفيّة حصول الخلاف بين المسلمين في هذا الأمر .

والباحث في التاريخ الإسلامي بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) يجد أنّ مسألة مسح الأرجل لم يحصل فيها خلاف يذكر في زمن أبي بكر وعمر ، نعم حكم عمر بجواز المسح على الخفين وهذه مسألة خلافية ، ولكنّها مسألة أخرى غير المسح على الأرجل .


1) التفسير الكبير 4 / 305 .

وكان بداية الخلاف في قضية المسح في زمان عثمان الذي عمل بالمسح في سنين حكمه الأولى ، لكنّه رأى أن يجتهد مقابل النص فحكى عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أنّه غسل رجليه وعارضه في هذا بعض الصحابة ، وكان هذا الأمر من ضمن الأمور التي نقمها المسلمون على عثمان ، ورأوا أنّه يغيّر في الدين ، ممّا أدى إلى مقتله في نهاية المطاف .

وقد انتشر هذا الرأي بين المسلمين فيما بعد ، وسعى بنو أميّة أيام حكمهم لنشر هذه البدعة اتّباعاً لسنّة عثمان وإرغاماً لأنوف بني هاشم ، ومحاربة منهم للدين المحمدي الأصيل (1).

اتباع الحقيقة :

وجد « محمد شمس » بأنّه تمكّن أن يصل إلى الكثير من الحقائق عن طريق بحوثه العقائدية فواصل بحثه حتّى توصّل إلى حقائق دفعته في نهاية المطاف إلى تغيير انتمائه المذهبي من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ثمّ أعلن استبصاره سنة 1414 ه‍ ( 1994 م ) وتوجِّه بعدها إلى تبيين الحقائق التي توصّل إليها إلى من يرى الصلاح في أخبارهم بذلك ، ثمّ واصل مطالعاته وبحوثه من أجل تعميق معرفته بعلوم أهل البيت ( عليهم السلام ) .


1) لاحظ كتاب « وضوء النبي من خلال ملابسات التشريع » للسيد على الشهرستاني .

(43) سقاف الجفري( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « صولو » ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ دفعه حبّ الاستطلاع إلى التعرّف على المذهب الشيعي ، فكانت ثمرة مطالعاته أنّه توصّل إلى حقائق دفعته إلى التمسك بهدي أهل البيت ( عليهم السلام ) واتّخاذهم قدوة لنفسه .

أولوية اتّباع الإمام علي ( عليه السلام ) بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

اطّلع سقاف الجفري خلال بحثه على أحاديث بيّنت له عظمة منزلة الإمام علي ( عليه السلام ) ، ومن الأحاديث المبينّة لضرورة اتّباع الإمام علي ( عليه السلام ) بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : الحق مع علي وعلي مع الحق ، لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض » (1).

الإمام علي ( عليه السلام ) أولى الناس بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله )

ذكر ابن مردويه : من عدّة طرق عن بريدة ، قال : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعثين على أحدهما علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وعلى الآخر خالد بن الوليد ، فقال : إذا التقيتم فعليّ على الناس ، وإذا افترقتما فكل واحد منكما على جنده . فلقينا بني زيد من اليمن فاقتتلنا فظفر المسلمون على المشركين ، فقتلنا المقاتلة وسبينا الذريّة ، فاصطفى عليّ ( عليه السلام ) من السبي امرأة لنفسه .

قال بريدة : وكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يخبره بذلك ، فلمّا أتيت النبيّ دفعت الكتاب إليه فقرىء عليه ، فرأيت الغضب في وجه رسول الله ،


1) تاريخ دمشق ، ابن عساكر : 42 / ص 449 .

فقلت : يا رسول الله ، هذا مكان العائذ بك ، بعثتني مع رجل وأمرتني أن أطيعه ، ففعلت ما أُرسلت به .

فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « يا بريدة ، لا تقع في عليّ ، فإنّه منّي ، وأنا منه ، وهو وليّكم بعدي .

إيه عنك يا بريدة ! فقد أكثرت الوقوع بعليّ ، فوالله لتقع برجل هو أولى الناس بكم بعدي » .

قال بريدة : يا رسول الله استغفر لي .

فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « حتّى يأتي عليّ » فلمّا جاء عليّ طلب بريدة أن يستغفر له ، فقال النبيّ لعليّ : « إن تستغفر له ، أستغفر له » فاستغفر له .

وفي الحديث زيادة : أنّ بريدة امتنع من مبايعة أبي بكر بعد وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) وتبع عليّاً لأجل ما كان سمعه من نص النبيّ بالولاية بعده (1)

المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ح 4637 .

.

وذكر ابن مردويه ، بإسناده عن زيد بن أرقم ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « ألا أدلّكم على ما إن سالمتم عليه لم تهلكوا ؟ ! إنّ وليّكم وإمامكم عليّ بن أبي طالب » (2).

معرفة الحقيقة :

عرف « سقاف الجفري » خلال بحثه بأنّ رضا الله تعالى يكمن في اتّباع الإمام علي ( عليه السلام ) بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ولهذا قرّر أن يكون من شيعة الإمام علي ( عليه السلام ) ومن أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلن استبصاره بعد وصوله إلى القناعة الكاملة بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وبدأ بنشر علوم ومعارف عترة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بين الناس ويدعوهم إلى اتّباع الحق .


1) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : ص 119 / ح 146 ، مجمع الزوائد ، الهيثمي : 9 / ح 14732 .

2) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : ص 120 / ح 147 .

(44) سقاف السقاف( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في مدينة « صولو » ، وكان أبواه من أتباع مذهب أهل السنة وفق المذهب الشافعي ، فقلّد أبويه في الصعيد العقائدي والفقهي حتى بلغ سنّ الرشد ، وحينما أتمّ المرحلة المتوسّطة درس المرحلة الثانوية في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ، فتعرّف في هذا المعهد على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فقرأ بعض الكتب الشيعيّة فانجذب إليها وتعرّف من خلالها على حقائق دفعته في نهاية مطاف البحث إلى تغيير انتمائه من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ولاية الإمام علي ( عليه السلام ) بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) :

تعرّف « سقاف » خلال بحثه على العديد من الأحاديث الدالّة على ولاية الإمام علي ( عليه السلام ) بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) منها :

عن عمران بن حصين قال : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جيشاً واستعمل عليهم علي ابن أبي طالب ( عليه السلام ) فمضى في السرية فأصاب جارية فأنكروا عليه ، وتعاقد أربعة من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقالوا : إذا لقينا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أخبرناه بما صنع علي ، وكان المسلمون إذا رجعوا من السفر بدؤوا برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فسلّموا عليه ثمّ انصرفوا إلى رحالهم ، فلما قدمت السرية سلّموا على النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) فقام أحد الأربعة ، فقال : يا رسول الله ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا ؟ فأعرض عنه

رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم قام الثاني فقال مثل مقالته ، فأعرض عنه ، ثمّ قام الثالث ، فقال مثل مقالته ، فأعرض عنه ، ثمّ قام الرابع فقال مثل ما قالوا ، فأقبل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والغضب يُعرف في وجهه ، فقال : ما تريدون من علي ؟ ما تريدون من علي ؟ ما تريدون من علي ؟ إنّ عليّاً منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي (1)

صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان : 9 / ص 41 ، ح 6890 .

قال شعيب الأرنؤوط : إسناده قوي .

سنن الترمذي : 6 / ص 78 ، ح 3712 .

قال الألباني : صحيح .

مسند أبي يعلى الموصلي : 1 / ص 184 ح 350 .

قال حسين سليم أسد : رجاله رجال الصحيح .

.

ودلالة هذا الحديث واضحة على إمامة عليّ ( عليه السلام ) بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) وكلمة « بعدي » ترفع أي اشكال ولا يبقى مجال لقائل أن يقول بأنّ الولي لها معاني عديدة منها المحب والصديق والناصر والجار والحليف و . . . لأنّ أظهر معنى للولي وأشهرها هو مالك الأمر والمتصرّف بالشؤون وكلمة « بعدي » في هذا الحديث قرينة واضحة على أنّ المعنى المقصود من الولي هو الولاية بمعنى الخلافة والتصرّف في الشؤون فيكون معنى الحديث : إنّ عليّاً أولى الناس بكم بعدي .

توسيع آفاقه المعرفية :

لم يقتصر « سقاف » في بحثه على دليل واحد أو دليلين ، بل واصل بحثه ليصل إلى مرحلة القطع بأنّ الإمامة منصب إلهي ولا يجوز للعباد أن يكون لهم رأي مقابل النصّ الإلهي .

وبالفعل وصل « سقاف » بعد البحث المعمّق إلى هذه النتيجة ، فأعلن استبصاره ثمّ هاجر إلى إيران لطلب العلم والتحق بالحوزة العلميّة في مدينة قم .


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ص 324 ح 4637 . وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه . وأقرّه الذهبي في التلخيص .

(45) سلمان دار الدين( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1391 ه‍ ( 1972 م ) في مدينة « جاكرتا » في أندونيسيا ، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الشافعي ، فتلقّى عقائده من الأجواء التي ترعرع فيها ، وبقي متمسكاً بما ورثه من آبائه حتّى وقعت بيده مجموعة كتب شيعيّة لفتت انتباهه إلى حقائق كان غافلاً عنها فيما سبق .

ومن هنا أثيرت في ذهنيّة « سلمان دار الدين » مجموعة تساؤلات عقائدية دفعته إلى المزيد من البحث في الصعيد العقائدي ، وبمرور الزمان تعرّف « سلمان » على أهميّة مسألة الإمامة ودورها الأساسي في الإسلام ، حيث تبيّن له من خلال مطالعة كتب الحديث من مصادر أهل السنّة بأنّ الإمامة أصل أساسي أكّدت عليه الشريعة الإسلامية ، ولكن التيارات السياسيّة التي استلمت دفّة الحكم الإسلامي بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ولا سيّما حكومة بني أميّة وبني العبّاس حاولت إخفاء حقيقة أهمّية الإمامة وإبعاد الناس عنها من أجل تحقيق مآربها ومصالحها الذاتية .

مواجهة التساؤلات الصعبة :

إنّ « سلمان » كان نبهاً بحيث استطاع أن يخترق جميع الحجب والعقبات التي وضعتها الأيدي الأثيمة لمنع الناس من التعرّف على الإمامة وأهميّتها ودورها في صيانة الشريعة من التحريف وممانعة الأمة من اتّباع السبل المنحرفة . ولكن التساؤل الذي يدعوا الباحث إلى الاستفسار هو أنّ القرآن الكريم على

الرغم من إشارته إلى فضل أهل البيت ( عليهم السلام ) والحثّ على مودّتهم لماذا لم يُشر بصراحة على إمامتهم وخلافتهم من بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

وكان يعي « سلمان دار الدين » بأنّ البحث في الصعيد العقائدي يتطّلب التريّث ، وينبغي للباحث أن لا يستعجل في الحكم بمجرّد أن تثار أيّ شبهة في ذهنه ، بل عليه أن يتّجه نحو البحث وأن يترك الحكم بيده ، لأنّ الاستعجال في هذا المقام قد يدفع الباحث إلى النتائج الخاطئة .

البحث عن الإمامة في القرآن :

يتجلّى للباحث عن الإمامة في القرآن الكريم بأنّ منهجية القرآن بصورة عامّة مهتمة بمستقبل الأمة الإسلاميّة فهو يتحدّث عن الأمم السابقة من قبيل اليهود والنصارى وباقي الأمم الماضية لتتعّظ الأمة الإسلامية من تلك الأمم ، وتحاول الاجتناب عن الأخطاء التي ارتكبتها تلك الأمم .

ولهذا قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى ، قال : فمن ؟ ! » (1).

إذن فمنهجيّة القرآن ذكر ما جرى على الأمم السابقة حتّى يتعرّف المسلمون على تاريخ الماضين فيستفيدوا من تجاربهم ، وقد صرّح القرآن الكريم بهذه الحقيقة في جملة من الآيات القرآنية ، منها قال تعالى : ( قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ ) (2)يوسف (12) : 109 .(3).

وقال تعالى : ( أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ) (3) .


1) صحيح البخاري ، 2 / ص 404 ، ح 3456 .

2) آل عمران

3) : 137 .

وقال تعالى : ( أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ) (1).

سنّة الاصطفاء الإلهي

إنّ دراسة تاريخ الأمم السابقة تدفع الباحث الاسلامي إلى معرفة السنن الإلهية الثابتة والتي منها سنة الاصطفاء الإلهي لبعض الآل وقد أشار القرآن في العديد من الآيات إلى هذه الحقيقة منها :

قال تعالى : ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ] (2)البقرة (2) : 124 .(3).

وقال تعالى : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (3) .

وقال تعالى : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ) (4).

الاصطفاء الإلهي لآل محمد ( صلى الله عليه وآله )

إنّ معرفة الباحث بأنّ الله تعالى اتّبع منهجية ذكر السنن الإلهية الثابتة في الأمم السابقة ومعرفته من جهة أخرى باهتمام الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بأهل بيته ( عليهم السلام ) يكشف بأنّ الله تعالى اصطفى آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) كما اصطفى آل إبراهيم وآل عمران وجعل آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) وهم أهل بيته ( عليهم السلام ) ذريّة بعضها من بعض ، وعاتب الله تعالى من يحسد آل محمد ( صلى الله عليه وآله ) على هذا الاصطفاء وعلى ما آتاهم الله من فضله ، وبيّن الباري عزّ وجل بأنّ مسألة الاصطفاء من سننه الثابتة .

وإنّ ما يمكن استنباطه من ربط هذه الحقائق بعضها مع بعض هو أنّ الله


1) الحج (22) : 46 .

2) آل عمران

3) : 33 - 34 .

4) النساء (4) : 54 .

تعالى وإن لم يذكر إمامة أهل البيت ( عليهم السلام ) في القرآن بصراحة ولكنّه لم يذكر اصطفائه لآل إبراهيم وآل عمران إلاّ ليرشد ذوي الألباب من المسلمين إلى هذه الحقيقة .

اكتشاف الحقيقة :

عرف « سلمان دار الدين » من خلال بحوثه المعمّقة منزلة أهل البيت ( عليهم السلام ) ومكانتهم السامية وتبيّن له أنّهم هم الذين اصطفاهم الله تعالى ذرّة بعضها من بعض ، ومنحهم منزلة الإمامة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلهذا لم يجد سبيلاً سوى التمسّك بمنهجهم واتّباع هديهم فأعلن استبصاره عام 1412 ه‍ ( 1992 م ) ، ثمّ سافر إلى مدينة قم المقدّسة لينتهل من علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) وليكون على بصيرة من أمر دينه .

(46) صاحب العزيز زهري( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « لوماجنك » ، وتلقّى معارفه الدينيّة من الأجواء المحيطة به ، فأصبح شافعي المذهب حتّى تمكّن عن طريق توسيع دائرة معرفته بباقي المذاهب الإسلامية أن يرفع مستواه الفكري وأن يتمكّن من اختيار مذهبه وفق الأدلّة والبراهين ، فأعلن استبصاره والتزامه بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) سنة 1410 ه‍ ( 1990 م ) .

سبيل تعرّفه على مذهب التشيع :

تعرّف « صاحب العزيز » على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) عن طريق قراءة الكتب الشيعية ، وكان الداعي له إلى ذلك أنّه رأى بأنّ الاقتصار على كتب مذهبه الموروث يؤدّي به إلى النظر من زاوية واحدة إلى الحقائق ويدفعه إلى ضيق الأفق في الرؤية ، في حين ينبغي للباحث أن يوسّع دائرة نظرته إلى الحقائق وينبغي له الإلمام بآراء المذاهب الأخرى ، لئلاّ تتحجّر أفكاره على موروثاته العقائديّة فحسب .

ومن هذا المنطلق بادر « صاحب العزيز » إلى قراءة كتب باقي المذاهب ومنها مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتعرّف عند مطالعته للكتب الشيعية على حقائق لم يطّلع عليها من قبل ، فجذبته هذه الحقائق إلى المزيد من المطالعة والبحث في كتب مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

سنّة الاصطفاء الإلهي للأئمّة ( عليهم السلام ) :

تعرّف « صاحب العزيز » عن طريق متابعته لبحثه العقائدي الشمولي إلى أنّ الباري عزّ وجلّ اصطفى أهل البيت ( عليهم السلام ) ذريةً بعضها من بعض ، وأنّ تنصيب اللّه تعالى أهل البيت ( عليهم السلام ) للإمامة لم يكن من منطق توارثها اتّباعاً لمعايير الأحساب والأنساب ، وإنما كان ذلك اجتباءً واصطفاءً جرياً على سنة اللّه في الماضين حيث اصطفى اللّه تعالى من قبل آل عمران وآل إبراهيم وجعلهم أئمّة يهدون بأمره .

ويجد الباحث عند مطالعته لتاريخ البشرية بأنّ الاصطفاء كان هو النظام الإلهي السائد في اختيار أئمّة الهدى ولم يكن للناس في ذلك أيّ خيار ، فإن استجاب العباد لهذا الاصطفاء الإلهي فقد اهتدوا وإن امتنعوا عنه - كما هو دأب البشرية على مرّ العصور - فإنّ هذا الامتناع لا يغيّر من الحقّ شيئاً .

ولا يشكّ أحد بأنّ الاصطفاء والاختيار الإلهي لقادة مسيرة البشريّة نحو الرقي والصلاح أفضل من الاختيار البشري ، لأنّ الناس قد تتبع المعايير الخاطئة في هذا السبيل ، وقد تميل بهم الأهواء عن الحقّ ، لأنّهم - بصورة عامّة - يفضّلون كلّ من نال الحظّ الأوفر من الجاه والثروة ، وتميل لاتّباع أصحاب القوّة المادّية والمترفين في الأرض ، كما حدث ذلك عندما اصطفى اللّه تعالى النبي محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فقال البعض : ( لَوْلا نُزِّلَ هذَا القُرآنُ عَلى رَجُل مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيم ) (1). وكما اعترض البعض عندما اصطفى اللّه تعالى طالوت للملك ، وذكر اللّه تعالى هذا الاعتراض في محكم كتابه ليتّعظ المسلمون به ، فقال تعالى : ( وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ قالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ) (2).


1) الزخرف (43) : 31 .

2) البقرة (2) : 247 .

اصطفاء اللّه تعالى أهل البيت ( عليهم السلام ) للإمامة :

إنّ العديد من النصوص الواردة عن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تبيّن بصراحة بأنّ اللّه تعالى اصطفى أهل بيت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للإمامة ، ولم يعلن اللّه عزّ وجلّ كمال الدين الإسلامي إلاّ بعد أن أمر رسوله بأن يبيّن للمسلمين في واقعة غدير خم أنّ الإمام علي ( عليه السلام ) هو الولي لهذه الأمة من بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فلما بلّغ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما أُنزل إليه في أمر إمامة الإمام علي ( عليه السلام ) نزلت هذه الآية : ( اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً ) (1).

فإذا كان الأمر كذلك فكيف يحقّ لأحد أن يكون له الخيار في تحديد الإمام بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد قال تعالى : ( وَما كانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (2).

البحث هو السبيل لمعرفة الحق :

أدرك « صاحب العزيز » من خلال إعمال عقله بأنّ التقليد الأعمى للموروث العقائدي قد يدفع الإنسان إلى اتّباع السبل الضالّة والمنحرفة ، وأنّ السبيل الوحيد لمعرفة الحقّ هو البحث وتأسيس العقيدة وفق الأدلّة والبراهين .

ومن منطلق البحث توصّل « صاحب العزيز » إلى خطأ الكثير من موروثاته العقائديّة ، وبيّن له البحث الكثير من الحقائق التي كانت خافية عليه ، وبمرور الزمان توصّل إلى أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتخلّى عن مذهبه السابق واعتنق برحابة صدر المذهب الشيعي .

ثمّ واصل « صاحب العزيز » بحثه العقائدي في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ، حتّى تخرّج منه ، فرأى بأنّ مواصلته لدراسة مبادئ أهل البيت لم تمنحه إلاّ المزيد من التقرّب إلى مذهبهم ، ثم قرّر ايصال ما توصّل إليه إلى


1) المائدة (5) : 3 .

2) الأحزاب (33) : 36 .

الآخرين ، فشرع بالتدريس في نفس المعهد الذي تخرّج منه ، وبدأ ببيان علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى تلاميذه وكرّس جميع جهوده لخدمة الحقيقة والعمل في سبيل اللّه تعالى في صعيد الدعوة إلى الدين الإسلامي الحنيف والنقي الذي قدّمه أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) محفوظاً من جميع ألوان التحريف الذي قام به بنو أميّة وبنو العبّاس .

ويعيش « صاحب العزيز » حالياً مطمئنّ القلب ومرتاح الضمير نتيجة تحرّره من عقائده الموروثة الخاطئة وتوصّله إلى العقيدة المبتنية على الأدلّة والبراهين القاطعة ، وهو لا يزال يواصل الدعوة إلى اللّه عزّ وجلّ عن طريق تنوير بصائر الناس بعلوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(47) صالح لفدي( شافعي / أندونيسيا )

الصورة

D07

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب .

كيفية استبصاره :

اعتنق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) نتيجة تأثّره بالمناقشات العلمية التي أجراها مع بعض الشيعة من أساتذته وزملائه في الدراسة ، حيث رأى قوّة الاستدلال وصواب المنطق وعدم مخالفة القرآن والسنّة الصحيحة . وأما المسائل الخلافيّة الكثيرة التي لهم مع المذاهب الأخرى ، فذلك أمر طبيعي نتيجة لافتراق المسلمين بعد وفاة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولهم فيها أدلّتهم القويّة من القرآن والسنّة النبويّة الشريفة ، كما أنّ لكلّ من المذاهب الإسلاميّة الأخرى أدلّتها وهي تختلف فيما بينها ، ولكن للمذهب الشيعي بُعد إضافي في هذه المسألة وهو مظلوميّته من قبل الحكّام على طول التاريخ الإسلامي ، وقد تصدّى الحكّام المتسلّطين على رقاب المسلمين لمحاربته بكلّ شدّة وفي جميع المجالات ومنها التشويش عليه وعلى عقائده وأحكامه بكلّ ما أوتوا من قوّة في أجهزتهم الإعلاميّة الضخمة والمتنوّعة وبكل وسائل التزوير والكذب وتحريف النصوص و . . .

ومن المسائل الخلافية التي وقعت بين المسلمين وجلبت انتباه « صالح لفدي » في مناقشاته ودراساته هي مسألة الشفاعة والتوسّل بالأنبياء والأولياء والشهداء والصالحين وعموم المؤمنين .

الشفاعة بين النفي والاثبات

هناك آيات كثيرة ، وأحاديث مستفيضة قد ثبّتت معنى الشفاعة للأنبياء ( عليهم السلام ) وخاصّة الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل بيت النبي الكرام وهم الأئمة المعصومون ( عليهم السلام ) ، وقد اتّفق المسلمون على أصل الشفاعة منذ زمن الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى يومنا هذا ، ولكن ظهرت متأخراً فرقة تنفي الشفاعة أصلاً أو تحاول تحديدها وتضييقها إلى أضيق الحدود ، لأسباب عديدة منها فقدان العلم والمعرفة لأنّ الشفاعة والتوسّل من المسائل الدقيقة التي تحتاج إلى فهم عميق رغم بساطة معناها اللغوي ; حيث تتداخل معها عقائدياً وفقهياً معان أُخرى تختلف أحكامها حسب الظاهر ، أو على الأقل ترد فيها شبهات قد لا يستطيع الكثيرون حلّها فيقعون في الخطأ .

هل الشفاعة تنافي العدالة الإلهية :

يذهب البعض إلى أنّ الشفاعة نوع من الوساطة غير العادلة ، وأنّها إذا اُدخلت في الحساب ضاع العمل وتجرّأ الناس على ارتكاب المعاصي اتّكالا عليها .

والصحيح أنّ الشفاعة نوع من الرحمة الإلهية للمذنبين وحالها حال التوبة التي يغفر بها الذنوب ولا يمكن لعاقل أن يدّعي بأنّ ذلك ينافي العدالة الإلهية ، فهي نافذة أمل إضافية مفتوحة أمام العباد المذنبين تمنع استيلاء اليأس والقنوط على مشاعر الناس حتّى لا يرتكبوا المزيد من الذنوب بعد اليأس من النجاة .

كما أن للشفاعة حدوداً وشروطاً لا يمكن أن تعطى لكلّ من هبّ ودب ، بل لها قوانينها الخاصّة بها ، فلا يمكن الاتّكال عليها مطلقاً وارتكاب الذنوب بسببها ، بل هي نوع من المغفرة مثل سائر أنواع التوبة والعفو ، فالعبد ليس على يقين بأنّه سيحصل عليها بمجرّد طلبها ، بل لا بدّ له من الاجتهاد والعمل بالطاعات ; لأنّ اللّه سبحانه وتعالى كما هو غفور رحيم ، فهو جبّار شديد العقاب .

هل طلب الشفاعة نوع من الشرك :

يقول البعض : بأنّ طلب الشفاعة وخاصّة من الأموات هو شرك باللّه سبحانه الذي يختصّ بالشفاعة ولا يجوز أن يدّعى معه أحد . وطلب الشفاعة لا يختلف عما يفعله المشركون في الجاهلية الذين كانوا يعظّمون الأصنام لتقرّبهم إلى اللّه زلفى ، ثمّ يطلبون منها حاجاتهم .

والصحيح أنّ مقام الشفاعة لمّا أعطاه اللّه سبحانه وتعالى لمن أذن له ذلك من المقربين إليه ، جاز للآخرين طلب الشفاعة منهم ، وإلاّ كانت الشفاعة للمقرّبين لا معنى لها ، وصحيح أنّ الشفاعة كلّها للّه سبحانه وتعالى ، لكن ذلك لا يمنع أن يعطيها لمن يريد ، والمقربون حينما يشفعون للعبيد المذنبين بإذن اللّه تعالى لا يعني ذلك تعدّياً على التوحيد الإلهي وإشراك الآخرين فيه ، بل هو عين التوحيد ، لأنّه مظهر لإرادة اللّه سبحانه وخضوع تام له ، حيث أبى اللّه سبحانه وتعالى أن يعبد إلاّ من حيث شاء هو ، فلا بدّ لنا أن نسلّم لإرادته ولا نقترح عليه أن تجري الأمور بيننا وبينه مباشرة بدون وساطة ، وقد قال اللّه سبحانه : ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الوَسِيلَةَ ) (1)فلا بدّ أن تخضع رغبات العباد لإرادته سبحانه ، ولا بدّ أن يتواضع العباد لمن اختارهم اللّه وكرّمهم ، فلا يجوز لهم التكبّر عليهم أبداً ، ولعلّ هذه هي بعض الحكمة من تشريع الشفاعة وإعطائها لعباده المقرّبين .

كما أنّ تشبيه طلب الشفاعة من الأولياء المختارين بطلب الحاجات من الأصنام قياس مع الفارق ، فالأولياء أذن اللّه لهم بالشفاعة ، وهم لا يشفعون بالاستقلال ، والأصنام لم يقبل اللّه سبحانه توسيطها وعبادتها وتعظيمها .

ثمّ إنّ موت الولي ومفارقة روحه بدنه وانقطاع عمله في هذه الدنيا ، لا يعني أنّه ميّت عند اللّه سبحانه وتعالى ، بل هو حيّ يرزق ، ويسمع الدعاء والكلام ويرد


1) المائدة (5) : 35 .

الجواب حيث إنّ الحياة البرزخية ثابتة بلا شك ولها اتّصال وتسلّط على عالم الدنيا .

واللّه سبحانه يقول : ( وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ) (1).

إذن فأصل القضيّة هو الخضوع المطلق لما يريده اللّه سبحانه من حيث يريد ويشاء وإلاّ يكون الإنسان من أتباع الشيطان الذي أبى أن يسجد لآدم ، لأنّه رأى نفسه أفضل منه فهو من نار وآدم من طين ، وهو قد عبد اللّه لمدّة طويلة ، وكان في مستوى الملائكة ، فلماذا يجب أن يسجد لمن اختاره اللّه دونه ، حسب منطقه الشيطاني الذي رأى أنّ هذا الاصطفاء الإلهي غير صحيح ، أو على الأقل أراد أن لا يخضع لشيء لا يعرف حكمته حسب فهمه القاصر .

سرعة التكامل بعد الاستبصار :

عرف « صالح لفدي » بعد بحثه في الصعيد العقائدي بأنّه كان يعيش حالة الحرمان من الفوائد الكثيرة التي كان في غفلة عنها .

ولكنّه تمكّن بعد الاستبصار أن يستفيد من جميع الفرص التي أتاحها اللّه تعالى له للارتقاء في سلّم الكمال .


1) آل عمران (3) : 169 - 170 .

(48) طه المساوي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « سمارنخ » ثمّ نشأ في أسرة شافعية ، فتلقّى منها انتماءها الموروث حتّى سمى وعيه الديني فتعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) عن طريق قراءته للكتب الشيعيّة .

ومن منطلق البحث المقارن الذي أجراه « طه المساوي » بين مذهبه ومذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) توصّل إلى أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وعرف بأنّ الإمام علياً ( عليه السلام ) أحقّ من غيره بالخلافة بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فأعلن استبصاره سنة 1412 ه‍ ( 1992 م ) ، ثمّ التحق بالمعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ثمّ سافر إلى مدينة قم المقدّسة في إيران والتحق بالحوزة العلميّة من أجل مواصلة دراسته الدينيّة وفق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

اهتمام النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمسألة الإمامة :

إنّ من الأمور التي اكتشفها « طه المساوي » عند بحثه المقارن هي أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان مهتمّاً منذ الوهلة الأولى بمستقبل دعوته ومسألة الخلافة من بعده ، ومن إحدى المواقف المبيّنة لهذا الأمر حديث الدار الذي جاء فيه :

« عن عبد اللّه بن عباس عن علي بن أبي طالب ، قال : لما نزلت هذه الآية على رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ) دعاني رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فقال لي : يا علي إنّ اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين ، فضقت بذلك ذرعاً ، وعرفت

أنّي متى أبدؤهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره فصمتّ عليه حتّى جاء جبرائيل ، فقال : يا محمد إنّك إلاّ تفعل ما تؤمر به يعذبك ربّك ، فاصنع لنا صاعاً من طعام . . .

ثم تكلّم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فقال : يا بني عبد المطلب انّي واللّه ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به ، إنّي جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني اللّه تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّ وخليفتي فيكم ؟

قال : فأحجم القوم عنها جميعاً ، وقلت . . . : أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك ، فأخذ برقبتي ، ثم قال : [ « إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم ، فاسمعوا له وأطيعوا » ] .

فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع » (1).

ويبيّن هذا الحديث بوضوح اهتمام رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأمر الوزير والخليفة من بعده منذ الوهلة الأولى التي بدأ فيها الدعوة إلى نبوّته ، وهذا ما يبيّن أهميّة مسألة الإمامة وتقارنها مع التوحيد والنبوّة ، ولولا ذلك فما هو الداعي ليعيّن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في بداية دعوته الإمام علياً ( عليه السلام ) وزيراً وخليفة له وهو يعلم بأنّ هذا الأمر سيثير استهزاء أقربائه ويدفعهم إلى الابتعاد عن دعوته .

ولكن كانت مسألة خلافة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تبلغ من الأهميّة جدّاً بحيث غضّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الطرف عن تبعاتها وأعلنها بكلّ جرءة في بداية دعوته إلى نبوّته .

والجدير بالانتباه أنّ حسّاسية هذه المسألة بلغت حدّاً بحيث حذفت عبارة « وصيّ وخليفتي فيكم » في بعض مصادر أهل السنة ، بل إنّ الطبري نفسه قد حذفها في تفسيره بعد أن أوردها في تاريخه - فورد هذا الحديث على سبيل المثال في كتاب البداية والنهاية كما يلي :

« . . . فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي وكذا وكذا ، قال :


1) تاريخ الطبري : 2 / ص 319 .

فأحجم القوم عنها جميعاً ، وقلت . . . : أنا يا نبيّ اللّه أكون وزيرك عليه ، فأخذ برقبتي ، فقال : إنّ هذا أخي وكذا وكذا ، فاسمعوا له وأطيعوا . . . » (1).

ولكن هذه الأساليب لن تجدي في إخفاء الحقيقة عن ذوي البصائر الذين يجاهدون في سبيل معرفة الحقّ ، وكان من جملة هؤلاء « طه المساوي » الذي سعى لمعرفة الحقيقة . فأعانه اللّه تعالى على ذلك وهداه سواء السبيل .


1) البداية والنهاية : 3 / 36 .

(49) عبد الرحمن بارقبة( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا وترعرع في مدينة « بكلونجن » ، ونشأ في أوساط أسرة شافعية المذهب ، فتمسّك بالمذهب الشافعي وعمل به حتّى تعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فعرف بأنّ هذا المذهب أحقّ بالاتّباع من غيره ، فقرّر أن يغيّر انتماءه المذهبي وفق ما أملت عليه الأدلّة والبراهين .

تساؤلات عقائديّة :

بدأت رحلة « عبد الرحمن » في الصعيد العقائدي من تساؤلات عقائديّة دفعته إلى البحث ، وكانت من جملة هذه التساؤلات التي طرأت على باله تخصّ علّة افتراق الأمّة بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكان التساؤل الثاني بأنّه لماذا يتّبع مذهب أهل السنة دون المذاهب الأخرى ؟

وكان « عبد الرحمن » يعي بأنّ التقليد في الدين للآباء لا يغني عن الحقّ شيئاً ، ويجب على كلّ إنسان أن يتوجّه نحو البحث ، ليصل بنفسه إلى المذهب الذي يستند على الأدلّة والبراهين .

بداية الرحلة العقائدية :

إنّ التساؤلات التي طرأت على بال « عبد الرحمن » دفعته إلى البحث عن سبب نشوء الفرق ، فغاص في بطون الكتب التاريخيّة والعقائديّة من أجل اكتشاف هذا السبب ، ولم تمض فترة إلاّ عرف « عبد الرحمن » بأنّ السبب الأساسي الذي

أدّى إلى نشوء الاختلاف بين المسلمين هي مسألة الخلافة ، فدرس آراء وحجج معظم الطوائف الإسلاميّة ، ثمّ وجد بأنّ الحلّ يكمن في معرفة ما قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حول الخلافة من بعده .

ومن هنا وجد « عبد الرحمن » نفسه يقترب شيئاً فشيئاً إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لأنّه وجد جميع النصوص النبويّة تبيّن بصراحة خلافة الإمام علي ( عليه السلام ) من بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهذا ما يعتقده أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ولاية الإمام علي ( عليه السلام ) من بعد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

إنّ النصوص الواردة عن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حول ولاية الإمام علي ( عليه السلام ) من بعد النبي كثيرة منها :

وقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيضاً حول الإمام علي ( عليه السلام ) أمام الصحابة : « علي وليّكم من بعدي » (1).

وقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيضاً : « إنّ علياً مني وأنا منه ، وهو ولي كل مؤمن بعدي » (2)

وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، وأقرّه الذهبي .

صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان : 9 / ص 41 ح 6890 . قال شعيب الأرنؤوط : إسناده قوي .

.

ووجد « عبد الرحمن » أيضاً نصوصاً أُخرى صحيحة السند تثبت بأنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نصّب الإمام علياً ( عليه السلام ) للولاية والخلافة من بعده ، وهذا ما يدل على أنّ خلافة الإمام علي ( عليه السلام ) كانت بأمر من اللّه تعالى ولا يحقّ لأحد مخالفة ذلك .

اعتناقه لمذهب التشيع :

إنّ الأدلة الهائلة التي توصّل إليها « عبد الرحمن بارقبة » فرضت عليه ترك


1) خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، النسائي : ص 60 / ح 90 .

2) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ص 324 ح 4637 .

مذهبه الموروث والمبادرة إلى اعتناق مذهب التشيّع ، فلم يتردّد لحظة واحدة في تغيير انتمائه المذهبي ، فأعلن استبصاره بكلّ جرأة ثمّ هاجر إلى إيران وانتسب إلى الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة لينهل من علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وليكن بعد ذلك من الدعاة في سبيل اللّه تعالى .

(50) عبد الرحمن الحسني( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1393 ه‍ ( 1974 م ) في أندونيسيا بمدينة « صولو » ، ثمّ نشأ في أسرة غذّت عقله بعقائد وأفكار ومبادئ فرقة أهل السنّة وفق المذهب الشافعي ، فترعرع « عبد الرحمن الحسني » في هذه الأجواء حتّى بلغ مرحلة الرشد ، فأحبّ أن يشيّد مرتكزاته الفكريّة وفق الأسس والدعائم المتينة ، فعمّق صلته بالبحث وبادر إلى دراسة المذهب السنّي ، ولكنّه واجه العديد من الفراغات في عقيدة أهل السنّة ، وتراكمت في ذهنه العديد من الأسئلة التي لم يجد لها جواباً في مذهبه ، وكان يجد أنّ شبهاته تزداد بمقدار تعمّقه في معرفة أصوله ومبادئه ، كما أنّ الأسئلة الكثيرة التي كانت مختزنة في ذهنه أولدت فيه حالة من التعطّش الفكري لمعرفة الحقّ والحقيقة .

بداية الاهتمام بمذهب التشيّع :

وقعت ذات يوم جملة من كتب مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بيد « عبد الرحمن » ، فوجد بعد مطالعتها أنّ مباني المذهب السنّي قد تزعزعت في نفسه ، فلم يستغرب لذلك ، لأنّه كان يعي بأنّ المذهب السنّي لا يمتلك القوّة الذاتية للأخذ بيد أهله ، وأنّ معظم أتباعه يتمسّكون به تقليداً لآبائهم وأسلافهم .

ومن هذا المنطلق واصل « عبد الرحمن » بحثه عن طريق مساعدة تلك الكتب الشيعية ، فتعرّف عن طريق التراث الشيعي على حقائق جديدة لم يطّلع

عليها من قبل ، ووجد جميع أجوبة الأسئلة التي لم يجد إجابتها من قبل ، ثمّ دفعه التعطّش الفكري إلى المزيد من البحث ، وكان « عبد الرحمن » يركّز في بحثه على معرفة الأصول والأسس ، وكان يقوم بعملية المقارنة بين عقائد مذهب أهل السنّة وعقائد مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فكانت النتيجة التحاقه بركب مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلن « عبد الرحمن » استبصاره بعد اقتناعه الكامل بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ لم يترك بعد ذلك بحثه ، بل بادر بعدها ليقوم بتصحيح أفكاره على ضوء مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

دور قدرة الإنسان في أفعاله :

كان « عبد الرحمن » يعتقد قبل استبصاره بأنّ أفعال الإنسان الاختيارية تقع بقدرة اللّه تعالى وليس لقدرة الإنسان أيّ تأثير في فعله ، بل أجرى اللّه عادته بأن يوجد في العبد قدرة واختياراً عندما يقوم الإنسان بالفعل .

فالاستطاعة - في الواقع - من اللّه تعالى يخلقها في العبد مقارنة مع خلقه للفعل الذي يصدر من العبد (1).

ولكن وجد « عبد الرحمن » بأنّ قدرة الإنسان في أفعاله الاختيارية إذا لم يكن لها أيّ تأثير فإنّ خلقه تعالى لها يكون أمراً عبثاً لا فائدة فيه .

وعرف « عبد الرحمن » بعد اطلاعه بأصول ومبادئ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بأنّ عموم قدرته تعالى لا تعني قيامه عزّ وجلّ بكلّ شيء بصورة مباشرة ، بل شاء اللّه تعالى أن يمنح بعض مخلوقاته القدرة على التأثير بإذنه .

أما قوله تعالى : ( قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللّهُ ) (2)فإنّ هذه الآية لا تدلّ على نفي قدرة الإنسان ، بل العكس إنّها تثبت وجود القدرة في الإنسان ، ولكنها تبيّن بأنّ هذه القدرة ليست مطلقة وإنّما تعمل بإذن اللّه تعالى ولا


1) بحر الكلام للنسفي : 166 .

2) الأعراف (7) : 188 .

تكون قدرة الإنسان إلاّ في إطار مشيئة اللّه عزّ وجلّ .

وهذا هو المعنى الذي يمكن استنتاجه من قول « لا حول ولا قوة إلاّ باللّه » ، فهي تثبت للإنسان الحول والقوّة ، ولكنّها تبيّن بأنّ الحول والقوّة التي يمتلكها الإنسان تعمل بإذن اللّه .

ولهذا ردّ إمام الحرمين أبو المعالي الجويني ( ت 478 ) القول الشائع عند أهل السنة ، وقال :

« أما نفي هذه القدرة والاستطاعة فممّا يأباه العقل والحس ، وأما إثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهو كنفي القدرة أصلا . . . فلا بدّ إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة . . فالفعل يستند وجوده إلى القدرة والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر . . . حتّى ينتهي إلى مسبب الأسباب [ وهو اللّه تعالى ] (1).

ومن هنا عرف « عبد الرحمن » بأنّ قوّة الإنسان قوّة مؤثّرة ، ولكنّها ليست مستقلّة ، بل تستمدّ وجودها دائماً من اللّه تعالى ، وأنّ اللّه عزّ وجلّ هو الذي أقدر الإنسان وأفاض عليه القدرة ، ولهذا يكون اللّه تعالى غير منعزل عن هذه القدرة والاستطاعة بل يكون هو المالك لما ملّكهم وهو القادر على ما أقدرهم .

وقد قال الإمام علي ( عليه السلام ) : « إنّا لا نملك مع اللّه شيئاً ، ولا نملك إلاّ ما ملّكنا ، فمتى ملّكنا ما هو أملك به منا كلّفنا ، ومتى أخذه منا ، وضع تكليفه عنا » (2).

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « ما كلّف اللّه العباد كلفة فعل ، ولا نهاهم عن شيء حتّى جعل لهم الاستطاعة ، ثمّ أمرهم ونهاهم ، فلا يكون العبد آخذاً ولا تاركاً إلاّ باستطاعة متقدّمة قبل الأمر والنهي ، وقبل الأخذ والترك ، وقبل القبض والبسط » (3).


1) الملل والنحل ، للشهرستاني : 1 / 98 .

2) نهج البلاغة : حكمة 404 .

3) بحار الأنوار ، المجلسي : 5 / 38 ، ح 57 .

امتياز عقيدة التوحيد عند أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

عرف « عبد الرحمن الحسني » بعد إلمامه بمبادىء مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) أنّ هذا المذهب أقرب إلى الحقّ بفضل تمسّكه بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وقد أدّى وجود أئمّة أهل البيت في هذا المذهب إلى صيانته من التحريف ، ولهذا يكون عقيدة توحيد المتمسّك بهذا المذهب أقرب إلى الواقع ممّن يتمسّك بمذهب تلاعبت به الآراء والأهواء والاجتهادات الخاطئة .

(51) عبد الرحمن العيدروس( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في مدينة « بيما » ، وكان أبواه شافعي المذهب ، ثمّ اطّلع على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) في بداية الثمانينات ، فطالع الكتب الشيعيّة ، فدفعه ذلك في نهاية المطاف إلى اعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ التحق بالمعهد الإسلامي في « بإنجيل » وأنهى فيه دورة دراسية كاملة ، ثمّ هاجر إلى إيران لطلب العلم وألقى رحله في مدينة قم المقدّسة ، والتحق بالحوزة العلمية ، ودرس الفقه وأصوله على ضوء مذهب التشيّع ، كما أنّه درس الفلسفة وعلم الكلام عند فضلاء الحوزة العلميّة حتّى حصل على شهادة الدكتوراه ، ثمّ عاد إلى بلاده ، وأسّس « مؤسّسة مدينة العلم » القائمة بالتعليم والتربية .

عقبات في طريق الاستبصار :

وجد « عبد الرحمن » العديد من العقبات خلال رحلته إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، منها التعريف الخاطئ لبعض المفاهيم التي يهتم بها أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وإلصاق التهم والأكاذيب بهم وتفسير كلامهم بخلاف ما هم يقصدون .

وتعتبر « التقيّة » من جملة هذه المفاهيم التي شنّ المخالفون حملاتهم المسعورة على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) من خلال تفسيرهم الخاطئ لهذه المفردة العقائدية ، وصوّروا للآخرين بأنّ التقيّة صورة من صور النفاق ، وأرادوا بذلك أن يبعدوا الناس عن مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) لئلاّ يصدّق من يحاور شخصاً شيعيّاً كلامه

ويظنّ بأنّه يكذب عليه ، فيكون ذلك سبباً في عدم الوثوق به وحاجزاً بينه وبين ذلك الشخص ، فيكون ذلك مانعاً من التأثّر بكلامه .

ولكن « عبد الرحمن » كان من الشخصيّات النبهة التي لا تعتقد بشيء ولا تصدّق بقول إلاّ على أساس الدليل والبرهان ، وهذا ما دفعه إلى اكتشاف الحقيقة ومعرفة زيف من يتّهم الشيعة بالنفاق .

حقيقة التقيّة :

عرف « عبد الرحمن » من خلال البحث بأنّ التقيّة هي إبطان الإيمان وإظهار عدم الإيمان في بعض الظروف الحرجة التي يضطرّ فيها المرء إلى المحافظة على عرضه أو نفسه أو ماله ، ولكن النفاق هو إبطان الكفر وإظهار الإيمان وهو عكس التقية .

وتعتبر التقية في الواقع عمل يمليه العقل على صاحبه من أجل المحافظة على نفسه وعدم إلقائها في التهلكة .

ويجد المتتبّع للتاريخ النبوي بأنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أخفى الدعوة الإسلاميّة في بداية الأمر ، وبدأ دعوته بصورة سرّية حتّى زالت أسباب التقيّة ، فأعلن دعوته بصورة علنيّة .

ولا يخفى على أحد بأنّ الدعوة بصورة سرّية في الظروف التي تستدعي الخفاء ليس جبناً ، وإنّما هي أسلوب حكيم لإيصال الدعوة إلى الهدف المنشود ، ويعتبر هذا الأمر نوعاً من أنواع التقيّة .

أسباب اهتمام الشيعة بالتقيّة :

إنّ من أهمّ الأسباب التي دفعت أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى الاهتمام بالتقيّة دون غيرهم من باقي المذاهب الإسلاميّة هي الظروف السياسيّة القاسية التي مرّ بها أتباع هذا المذهب ، فدفعهم هذا الأمر إلى الاتّقاء من الحكومات

الجائرة حفاظاً على أرواحهم ومذهبهم ، ولهذا أصبحت التقية من السمات البارزة لهم .

التقيّة في القرآن والسنّة :

إنّ من أبرز الآيات التي أشارت إلى مفهوم التقية قوله تعالى : ( لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَيْء إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللّهِ المَصِيرُ ) (1)المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 2 / ص 467 ح 3412 .(2).

ومن الآيات الأخرى التي أشارت إلى مفهوم التقية قوله تعالى : ( مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ) (3).

وقد نزلت هذه الآية في « عمار بن ياسر » عندما أخذه المشركون ، وأخذوا أباه وأمه سمية فعذبوهما حتّى قتلا ، فاتقى عمّار المشركين ، وأعلن بلسانه الكفر في حين كان قلبه مطمئناً بالإيمان . فلما علم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بذلك قال لعمار « كيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئناً بالإيمان ، فقال له النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إن عادوا فعد » (3) .

وجاء في « الموطأ » عن عائشة استأذن رجل على رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قالت عائشة : وأنا معه في البيت ، فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « بئس ابن العشيرة ، ثم أذن له رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قالت عائشة : فلم أنشب أن سمعت ضحك رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معه ، فلما خرج الرجل قلت : يا رسول اللّه ، قلت فيه ما قلت ، ثم لم تنشب أن ضحكت معه ، فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « إنّ من شرّ الناس من اتقاه الناس لشره » (4).

وورد في صحيح البخاري عن أبي الدرداء ، أنّه قال : « إنّا لنكشّر في وجوه


1) آل عمران

2) : 28 .

3) النحل (16) : 106 .

4) الموطأ ، مالك بن أنس : 2 / ص 324 ، كتاب حسن الخلق ح 4 .

أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم » (1).

وجاء في مسند الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) عن أبي مريم عن علي ( عليه السلام ) قال : انطلقت أنا ورسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتّى أتينا الكعبة ، فقال لي نبي اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اجلس وصعد على منكبي فنفضته ، فنزل ، وجلس لي نبي اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : اصعد على منكبي ، قال : فنهض بي رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإنه ليخيّل إليّ أنّي لو شئت لنلت أفق السماء حتّى صعدت على البيت ، وعليه تماثيل صفر أو نحاس ، فجعلت أزاوله يميناً وشمالا ، ومن بين يديه ومن خلفه ، حتى إذا استمكنت منه ، قال لي رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : اقذف به ، فقذفت به ، فتكسّر كما تكسّر القوارير ، ثّم نزلت ، فانطلقت أنا ورسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نستبق حتّى توارينا بالبيوت ، خشية أن يلقانا أحد من الناس (2).

ومن الواضح بأنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والإمام علي ( عليه السلام ) ما استترا في البيوت إلاّ خشية أن يعلم بهما أحد من المشركين ، فيلحقهما منهم مكروه ، وليس هذا الفعل إلاّ مصداقاً من مصاديق التقيّة .

وعلى كلّ حال فإنّ التقيّة حقيقة دينيّة ولم يتمسّك بها أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) إلاّ للحفاظ على أنفسهم ودفع الضرر عنها ، ولهذا كان أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) يأمرون أتباعهم كثيراً باستعمال التقيّة حتّى اشتهر هذا القول عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « التقيّة ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقيّة له » (3).

ولا يخفى بأنّ التقيّة تكون حيث لا يكون في إظهار الحقّ جدوى أو فائدة ، وأما إذا كان في اخفاء الحقّ الفتنة والفساد فيكون التكليف هو الجهاد وعدم الاتّقاء ، وعلى كلّ حال فإنّ التقيّة مفهوم يستدعي المزيد من البحث لمعرفة تفاصيله ، ولهذا لا يحقّ لمن لا يعرف معنى التقيّة أن يعيب على أتباع مذهب أهل


1) صحيح البخاري : 4 / كتاب الأدب ، ب 82 .

2) مجمع الزوائد ، الهيثمي : 6 / ص 14 ح 9836 .

3) بحار الأنوار المجلسي : 2 / ص 74 ح 41 .

البيت التزامهم بهذا المبدأ في الظروف الحرجة التي مرّوا بها على مرّ العصور .

تجربة البحث :

إنّ من أهمّ النتائج التي توصّل إليها « عبد الرحمن » بعد البحث المكثّف الذي أجراه خلال مقارنته بين عقائد مذهب أهل السنّة وعقائد مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هي أنّ الإنسان إذا أراد أن يطّلع على عقائد أو آراء أيّة فرقة أو مذهب أو شخص فعليه مراجعة تلك الفرقة أو ذلك المذهب أو الشخص وأن لا يكون تقييمه في هذا الصعيد من خلال استماعه إلى ما يقوله أعداؤهم ومخالفوهم حولهم .

ومن هذا المنطلق تمكّن « عبد الرحمن » أن يعرف الحقّ وأن يغيّر انتماءه المذهبي وفق معطيات البحوث الموضوعيّة التي أجراها في المجال العقائدي .

(52) عبد الرؤوف مديان( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا وترعرع في مدينة « لمنغان » ، ونشأ في ظلّ أسرة شافعيّة المذهب ، وبقي منتمياً لهذا المذهب حتّى تعرّف على أحقّية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فغيّر انتماءه المذهبي واعتنق المذهب الشيعي سنة 1412 ه‍ ( 1992 م ) .

حديث المنزلة :

إنّ من أهمّ الأدلّة التي دفعت « عبد الرؤوف مديان » إلى اعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) أنّه عرف من خلال الأدلّة والبراهين القاطعة بأنّ النّبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نصّب الإمام علياً ( عليه السلام ) للخلافة من بعده ودعا الناس لاتّباعه .

ومن جملة الأدلّة المبيّنة لهذا الأمر حديث المنزلة الذي قاله رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للإمام علي ( عليه السلام ) قبل غزوة تبوك .

ومجمل القول حول هذه الغزوة أنّ رسول اللّه قرّر في السنة التاسعة للهجرة أن يواجه الجيش الروماني المحتشد على الحدود الشمالية للحجاز ، وكان هذا الأمر متزامناً مع حدّة بلوغ مؤامرات المنافقين في المدينة ضدّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فقرّر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لمواجهة الخطر الداخلي أن يُبقي الإمام علياً ( عليه السلام ) في المدينة على الرغم من حاجته الماسّة إليه في حربه مع الروم .

فعزّ على الإمام علي ( عليه السلام ) أن لا يكون مع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليدافع ويذبّ الأذى عنه ، ومن جهة أُخرى بدأت تحرّكات المنافقين المضادّة عندما علموا بأنّ

النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قرّر إبقاء الإمام علي ( عليه السلام ) في المدينة ، فبثّوا بعض الإشاعات ضدّ الإمام علي ( عليه السلام ) ، وذكروا بأنّ النبي ما خلّف الإمام علياً ( عليه السلام ) إلاّ استثقالاً له وتخفّفاً منه ، فذهب الإمام علي ( عليه السلام ) إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأخبره بقول المنافقين ، فغضب رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يومئذ حتّى رؤي الغضب في وجهه (1)، ثم ذكر رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مقولته المشهورة لعلي ( عليه السلام ) وقال له : « ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس نبّي بعدي » (2).

وتكفي هذه العبارة من رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دلالة لإثبات إمامة الإمام علي ( عليه السلام ) وخلافته للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في كلّ شيء إلاّ النبوّة ، لأنّ هارون كان وزيراً لموسى ( عليه السلام ) وأخاً له وشريكاً له في أمره ، وقد ورد هذا الأمر بصراحة في قوله تعالى على لسان موسى ( عليه السلام ) : ( قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ) (3)فاستجاب اللّه تعالى دعاء موسى ( عليه السلام ) ، وقال له : ( قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى ) (4).

وقد ربط رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حديث المنزلة بين الإمام علي ( عليه السلام ) وهارون ، وأنزله منه منزلة هارون من موسى ليؤكّد للمسلمين بأنّ الإمام علي ( عليه السلام ) وزيره وخليفته في قومه وشريك أمره .

اكتشاف الحقيقة :

واصل « عبد الرؤوف مديان » بحثه العقائدي ، وتناول البحث في مختلف الأصعدة الأخرى حتى ثبت له بأنّ الإمام علياً ( عليه السلام ) هو الخليفة بالحقّ بعد رسول


1) كتاب السنة لأبي عاصم بتحقيق الألباني : ص 597 / ح 1331 .

2) صحيح البخاري : 3 / ص 125 ح 4416 .

3) طه (20) : 25 - 32 .

4) طه (20) : 36 .

اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ترك في أمّته الثقلين ، وهما القرآن الكريم والعترة الطاهرة ، ليكون التمسّك بهما سبيلا للاعتصام من الضلال ، وسيّد العترة هو الإمام علي ( عليه السلام ) كما أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جعل أهل البيت ( عليهم السلام ) سفينة للنجاة ، فإذا كان الأمر كذلك فما هو الداعي لترك سفينة أهل البيت ، والتخبّط في المتاهات من أجل معرفة ما جاء به الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لأنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) هم السبيل المطمئن لمعرفة الدين وفهم المتشابه الموجود في القرآن الكريم .

ومن هذا المنطلق أعلن « عبد الرؤوف مديان » استبصاره ، ثمّ التحق بالمعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ، وبعد التخرّج شرع بالتدريس في نفس هذا المعهد ، وهو لا يزال يبذل غاية جهده لحمل أعباء الدعوة إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(53) عبد الصمد عبد الرشيد( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1392 ه‍ ( 1973 م ) بمدينة « سماران » في « جاوة الوسطى » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، أكمل الدراسة الإعداديّة ، ثمّ التحق بمعهد الهادي للدراسات الدينيّة في مدينة « بكلونجن » ، ثمّ واصل دراسته الدينيّة في الحوزة العلميّة بمدينة قم المقدّسة في إيران بعد استبصاره .

رحلاته الفكريّة :

توفّق لاعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وذلك عندما كان طالباً في معهد الهادي ، وقد أدّت مناقشاته العلميّة مع أساتذته وأصدقائه الطلبة إلى توسّع آفاقه الفكريّة ، ومنها تفتّحت ذهنيّته على أفكار الآخرين وعقائدهم ، وبدأ يتعامل معها وفق أدلّة القرآن والسنّة وصريح العقل حسب ما أمر به الدين الإسلامي الحنيف .

كان « عبد الصمد » قبل استبصاره يعمل مع عدّة اتّجاهات فكريّة وسياسيّة فاعلة في الساحة الأندونيسية ، وكانت ميوله أوّلا تتّجه نحو أفكار جماعة نهضة العلماء ، ثمّ أحبّ أن يندمج مع نشاطات جماعة المحمّدية الفعّالة ذات الميول الوهابية .

وكان لقائه بعدد من الأساتذة والطلبة الذين يعتنقون المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري - الذي يقول بإمامة المعصومين من أهل بيت الرسول

الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - بمثابة نقطة عطف في حياته حيث أخذ هذا اللقاء بيده إلى شاطئ الأمان العقائدي الذي تسطع عليه أشعّة شموس أهل البيت الاثني عشر ( عليهم السلام ) .

مسألة غيبة الإمام المهدي ( عليه السلام ) :

إنّ من المسائل التي لفتت نظر « عبد الصمد » هي قضيّة غياب الإمام المهدي ( عليه السلام ) حيث أخذت هذه المسألة حيّزاً من فكره ومناقشاته مع الآخرين من مختلف المذاهب الإسلاميّة إلى أن تبيّنت له حقائق دفعته إلى التسليم بما يقول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وآل بيته ( عليهم السلام ) في هذه المسألة ، بل في كلّ المسائل الإسلاميّة كما أمر الدين الحنيف وإن شكّك من شكّك ، وكذّب من كذّب .

أسباب غيبة الإمام المهدي ( عليه السلام ) :

إنّ الحكمة الأساسية التي أدّت إلى غياب الإمام المهدي ( عليه السلام ) عن الأنظار قضيّة لا تعرف أسبابها بالضبط ، ولكن الأمر المتيقّن هو أنّ هذه الغيبة لا تمنع من وصول ألطاف الإمامة إلى الأمّة كلّها ، لأنّ وجود الإمام لطف إلهي يشمل حال الكائنات جميعاً ، وقد جاء في التوقيع الشريف للإمام المهدي ( عليه السلام ) :

« إنّا غير مهملين لمراعاتكم ، ولا ناسين لذكركم ، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء . . . » (1).

وجاء في توقيع شريف آخر : « . . . لأنّنا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء . فليطمئن بذلك من أوليائنا القلوب ، وليثقوا بالكفاية منه . . . » (2).

ثم إنّنا نعرف أنّ الأفعال الإلهية جارية وفق مقتضى الحكمة ، وعلى طبق المصالح الواقعيّة التي ترجع إلى المكلّفين لا إلى الغيبة ، وإنّ غيبة الإمام


1) الاحتجاج 2 : 598 .

2) الاحتجاج 2 : 602 .

المهدي ( عليه السلام ) لا بدّ أن تكون جارية على وفق ما أراده اللّه تعالى من حكمة مقتضية ومصلحة ملزمة وإن لم نعرفها أو لم نتمكّن من اكتشافها .

وإنّ وجه الحكمة الحقيقية تنكشف بعد ظهوره سلام اللّه عليه ، لكن هذا لا يمنع من تلمّس بعض الحِكم ، واكتشاف بعض الأسباب . كما ورد في الروايات عن أهل البيت ( عليهم السلام ) .

1 - الحذر من القتل :

إنّ الإمام المهدي ( عليه السلام ) كان ولا يزال مستهدفاً من قبل الظالمين الذين يبذلون أقصى جهودهم للقضاء عليه وعلى مشروعه الكبير بعدما عرفوا البشارات الصادقة بقيام دولته التي تحطّم عروشهم .

والإمام المهدي ( عليه السلام ) حذراً من القتل وحفاظاً على نفسه الكريمة التي ستقود البشريّة إلى خلاصها الموعود ، اختار له اللّه سبحانه الاعتزال والغيبة .

وقد ورد في حديث أبان عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا بدّ للغلام من غيبة . فقيل له : ولِمَ يا رسول اللّه ؟ قال : يخاف القتل » (1).

وحذره هذا هو حذر الحازمين ، لا خوف الضعفاء ، وإلاّ فهو الشجاع ابن الشجعان من أهل البيت ( عليهم السلام ) وبني هاشم ولا سيّما فحلهم الإمام علي ( عليه السلام ) فهو ابنه وسائر على دربه وهو الذي سيهزم الظالمين بشجاعته وبطولته العلوية .

2 - عدم بيعته لظالم :

ورد في حديث أبي بصير ، عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) ، قال : « صاحب هذا الأمر تخفى ولادته على الخلق ، لئلاّ يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج » (2).

وورد في حديث جميل بن صالح عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال : « يُبعث القائم


1) بحار الأنوار ، المجلسي 52 : 90 ، ب 20 ، ح 1 .

2) البحار 52 : 95 ، ب 20 ، ح 11 .

وليس في عنقه لأحد بيعة » (1).

3 - اختبار الخلق :

من سنن اللّه سبحانه وتعالى ، امتحان عباده وتمييزهم واختيار الصالح منهم ، ومن هذا الامتحان تتبيّن درجات الخلق ، ومراتب العباد ، وتُعلم حقائق النفوس وضمائر البشر ، ويمتاز المخلص من المنافق .

قال تعالى : ( أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) (2)إنّ اللّه سبحانه وتعالى قد امتحن الأمم السابقة بغيبة أنبيائهم وأوليائهم مثل إدريس وصالح وإبراهيم ويوسف وموسى ويوشع بن نون ويونس والمسيح ( عليهم السلام ) ، فلا غرابة إذن في جريان سنة الغيبة على الإمام المهدي ( عليه السلام ) وامتحان الخلق بها . جاء في حديث زرارة بن أعين عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « إنّ للغلام غيبة قبل أن يقوم . . . ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ يحبّ أن يمتحن خلقه ، فعند ذلك يرتاب المبطلون » (3).

وجاء في حديث سدير عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) : « إنّ للقائم ( عليه السلام ) منّا غيبة يطول أمدها .

فقلت له : ولِمَ ذاك يا بن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟

قال : إن اللّه عزّ وجلّ أبى إلاّ أن يجري فيه سنن الأنبياء في غيباتهم » (4).

4 - تميّز المؤمنين وخروج ما في الأصلاب :

إنّ من أسباب غيبة الإمام المهدي ( عليه السلام ) هو خروج قوم مؤمنين من أصلاب قوم كافرين حيث يتميّز المؤمنون عن الكافرين ، وبالتالي ينال المؤمنون ثوابهم ، ويصل للكافرين جزاؤهم .


1) بحار الأنوار ، المجلسي 52 : 95 ، ب 20 ، ح 12 .

2) العنكبوت (29) : 2 .

3) البحار 52 : 95 ، ب 20 ح 10 .

4) البحار 52 : 90 ، ب 20 ح 3 .

قال تعالى : ( . . . لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) (1).

وجاء في حديث منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) « في قول اللّه عزّ وجلّ : ( لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً ) ، قال : لو أخرج اللّه ما في أصلاب المؤمنين من الكافرين وما في أصلاب الكافرين من المؤمنين ( لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا ) » (2).

هذا وقد خرجت من أصلاب بعض الكفار والمنافقين بعض الذرية الطيبة ، فقد خرج من صلب الحجّاج الذي سفك دماء شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، الشاعر الموالي لأهل البيت ( عليهم السلام ) الحسين بن أحمد بن الحجّاج النيلي صاحب القصيدة الفائية الجميلة التي مطلعها :

يا صاحب القبة البيضاء في النجفِ * من زار قبرك واستشفى لديك شُفي (3).

وخرج من صلب السندي بن شاهك سجّان الإمام الكاظم ( عليه السلام ) ، الشاعر المادح لأهل البيت ( عليهم السلام ) محمود بن محمد بن الحسين بن السندي المعروف بكشاجم .


1) الفتح (48) : 25 .

2) بحار الأنوار ، المجلسي : 29 / ص 437 ب 13 ح 26 .

3) الكنى والألقاب ، الشيخ عبّاس القمّي : 1 / ص 256 .

(54) عبد العزيز مرزوقي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « بإنجيل » ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، وبقي على انتمائه المذهبي الموروث حتّى وقعت بيده مجموعة كتب شيعيّة ، تعرّف من خلالها على أُصول ومبادئ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ تعرّف على حقائق تاريخية كشفت له النقاب عن وجه الحق ، فوجد أن لا مناص من اتّباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فترك مذهبه السابق ، والتحق بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) لينهل من معينهم المعارف العذبة والعلوم النقيّة التي لم تمسّها أيدي التحريف والتلاعب .

أسباب خلاف أهل السنّة والشيعة حول تنزيه الأفعال الإلهيّة :

من الأمور التي جذبت « عبد العزيز مرزوقي » نحو مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هي أنّه وجد هذا المذهب يقدّم له صورة واضحة ورائعة عن العدل الإلهي بخلاف الصور الغامضة التي يقدّمها مذهب أهل السنّة في هذا المجال .

ووجد « عبد العزيز مرزوقي » أنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) يهتمّ بالعقل ، وهذا ما يجعله أقدر من غيره في إقناع الآخرين ، بخلاف مذهب أهل السنّة الذي يطرح العقل في الكثير من الموارد جانباً ، ويكتفي بظواهر القرآن والسنّة وإن أدّى ذلك إلى الوقوع في التناقض والتضاد .

ووجد « عبد العزيز مرزوقي » أنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) يعتقد بعدالة اللّه سبحانه وتعالى وينزهه عن الظلم والجور ، ولكن اللّه تعالى الذي يعرّفه مذهب

أهل السنة هو أنّه يفعل ما يشاء وإن كان ذلك ظلماً ، وأنّ اللّه تعالى لو أدخل الأنبياء والأولياء والصلحاء في النار ، فليس ذلك ظلماً ، لأنّه تعالى يفعل ما يريد ولا يُسئل عما يفعل (1).

استغرب « عبد العزيز » من المبدأ الذي ينتمي إليه أهل السنّة ، فاندفع بعد ذلك إلى الإكثار من مطالعة مبادئ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ليتعرّف على المزيد من مقولة العدل الإلهي عند مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

حكمة ابتلاء اللّه تعالى العباد بالآلام :

وجد « عبد العزيز مرزوقي » أنّ التفسير الذي يقدّمه أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) حول الآلام تفسير رائع ينطلق من منطلق اعتقادهم بالعدل الإلهي القائم على الأدلّة والبراهين العقلية .

ووجد « عبد العزيز » بأنّ أتباع المذهب الشيعي لا يعتقدون بأنّ اللّه تعالى يبتلي العباد بالآلام لأنّه شاء ذلك وأنّه لا يسأل عمّا يفعل ، بل اللّه عادل وفي كل فعل من أفعاله حكمة قد يصل إليها العقل وقد لا يصل فتقوم الشريعة بارشاده إلى تلك الحكمة .

وعرف « عبد العزيز » بأنّ أوجه ابتلاء اللّه تعالى للإنسان بالآلام حسب الرؤية الشيعيّة ثلاثة :

الأوّل : الاستحقاق : وهي أنّ اللّه تعالى يلحق الألم ببعض العباد المذنبين على وجه الاستحقاق ، فيعاقبهم بتلك الآلام إزاء الذنوب والمعاصي التي ارتكبوها .

ومثال ذلك العذاب الذي أنزله تعالى على الأمم السابقة ، والتي أشار الباري عزّ وجلّ إليها في محكم كتابه منها قوله تعالى :


1) انظر الملل والنحل للشهرستاني : 1 / 42 .

( أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْن مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ . . . ) (1).

ولهذا قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) (2).

الثاني : غرض حكيم : وهو أنّ اللّه تعالى قد يصيب بعض العباد بالآلام لوجود مصلحة في ذلك ، منها ردعهم عن ارتكاب المعاصي ، وهذا ما بيّنه تعالى في محكم كتابه بقوله : ( وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَة مِنْ نَبِيّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ ) (3).

وقد يكون الغرض تكفير خطايا العباد ، لأنّ الآلام من شأنها أنّها تطهّر العبد من آثار الذنوب ، فقد ورد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن آبائه ( عليهم السلام ) أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عاد رجلا من الأنصار فشكى إليه ما يلقى من الحمّى ، فقال له رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنّ الحمى طهور من ربّ غفور . . . » (4).

وقد ورد عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « إنّ العبد إذا كثرت ذنوبه ولم يجد ما يكفّرها به ، ابتلاه اللّه بالحزن في الدنيا ، ليكفّرها به ، فإن فعل ذلك به وإلاّ أسقم بدنه ليكفرها به ، فإن فعل ذلك به وإلاّ شدّد عليه عند موته ليكفّرها به ، فإن فعل ذلك به ، وإلاّ عذّبه في قبره ليلقى اللّه عزّ وجلّ يوم يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من ذنوبه » (5).

وقد يكون الغرض من الآلام والبلايا والمحن هو رفع درجة الإنسان ، كما


1) الأنعام (6) : 6 .

2) الأعراف (7) : 96 .

3) الأعراف (7) : 94 .

4) بحار الأنوار العلاّمة المجلسي : ج 81 ، ب 44 ، ح 176 ص 13 .

5) المصدر السابق : ح 15 ص 176 - 177 .

يفعل اللّه ذلك بالأنبياء والأولياء والأئمة المعصومين ( عليهم السلام ) ، وقد ورد عن الإمام علي ( عليه السلام ) : « إنّ البلاء للظالم أدب وللمؤمن امتحان وللأنبياء درجة وللأولياء كرامة » (1).

الثالث : العوض : هو أنّ اللّه تعالى إذا ألحق بشخص ألماً ، فإنّه تعالى يقوم بتعويضه من المنافع في الدنيا أو الآخرة .

وأمّا فيما يخصّ الآلام التي تصيب الإنسان من الآخرين ظلماً وجوراً ، فإنّ اللّه تعالى هو الذي ينتصف للمظلوم ، أي هو الذي يأخذ حقّ المظلوم من الظالم (2).

الإعجاب بالفكر الشيعي :

إنّ البحوث التي اطّلع عليها « عبد العزيز مرزوقي » خلال دراسته للتراث الشيعي ، ولا سيّما فيما يخصّ العدل الإلهي ، أثبتت له بأنّ هذا المذهب قائم على الأدلّة والبراهين العقلية المتينة ، وأنّ أسسه العقائديّة مشيّدة على الدعائم المستحكمة ، وأنّ هذا المذهب قادر على إيصال الإنسان إلى القناعة ، بخلاف المذهب الذي كان عليه والذي كان يقوم بتنحية العقل وتقوية جانب التقليد الأعمى . ومن هنا أعجب « عبد العزيز مرزوقي » بالفكر الشيعي ، وكانت نتيجته في نهاية مطاف بحثه العقائدي أن تخلّى عن مبادئه السابقة ، وانتمى إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ توجه إلى الدراسة في المعهد الإسلامي في « بإنجيل » ، ثمّ أصبح بعد إنهائه للدورة الدراسية معلّماً في هذا المعهد .


1) بحار الأنوار : ج 67 ، ب 12 ، ح 54 ، ص 235 .

2) مناهج اليقين في أصول الدين ، العلامة الحلي : 259 .

(55) عبد العزيز الهندوان( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في مدينة « بنجلان » ، وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب ، فتلقّى معتقداته وفق ما أملت عليه الأجواء المحيطة به ، وبقي على انتمائه الموروث حتّى اطّلع من خلال مطالعته لبعض الكتب الشيعيّة على حقائق غيّرت مساره الفكري وفرضت عليه تغيير انتمائه المذهبي .

واقعة غدير خم :

اكتشف « عبد العزيز الهندوان » من خلال البحث بأنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بيّن بصراحة في غدير خم بأنّ الإمام علياً ( عليه السلام ) هو الخليفة من بعده .

ويستكشف الباحث من خلال تأمّله في هذه الواقعة ونزول قوله تعالى : ( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ ) (1)بأنّ الرسول أمر في غدير خم بإبلاغ أمر مهم جداً بحيث يتوقّف عليه مصير الرسالة ، وتكون الرسالة من دون تبليغه كأن لم تبلّغ . ومن هذا المنطلق وقف الرسول في غدير خم أمام عشرات الألوف من المسلمين العائدين من الحج ، ورفع يد علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وقال فيما قال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » .


1) المائدة (5) : 67 .

وقد حاول البعض أن يحرّفوا هذا النص عن معناه الحقيقي ، فقالوا بأنّ « المولى » له معان كثيرة في اللغة سوى « الأولى بالتصرف » من قبيل : المناصر والمحب وابن العم والحليف والمعاهد ، وقد يكون مقصود النبي من معنى « المولى » غير معنى « الأولى بالتصرّف » .

ولكن يجد الباحث الواعي والمتتبّع لأحداث غدير خم أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال قبل إعلان ولاية الإمام علي ( عليه السلام ) : « ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم » ، فلمّا قال المسلمون : بلى ، قال رسول اللّه : « من كنت مولاه فعلي مولاه » (1)

المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 4 / ص 253 ح 6381 . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ووافقه الذهبي في التلخيص .

.

ومن جهة أُخرى ورد في المصادر بأنّ الصحابة توجّهوا إلى عليّ ( عليه السلام ) يهنّئوه وقال له عمر بن الخطاب : « هنيئا يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كلّ مؤمن ومؤمنة » (2).

وضوح الحقيقة :

اكتشف « عبد العزيز الهندوان » من خلال دراسته للتراث الشيعي ومقارنته مع التراث السنّي بأنّ الأدلّة والبراهين تبيّن بصورة قاطعة أحقّية خلافة الإمام عليّ ( عليه السلام ) بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وإذا كان الأمر كذلك فما هو الداعي لاتّباع غير الإمام علي ( عليه السلام ) .

ومن هذا المنطلق قرّر « عبد العزيز » اتّباع الإمام علي ( عليه السلام ) والالتحاق بشيعته ، فأعلن استبصاره ثمّ انتسب إلى المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ، فدرس فيه عدّة سنوات ، ثمّ هاجر لطلب علوم آل محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى إيران ، ودرس


1) مسند أحمد بن حنبل : 38 / ص 32 ح 22945 . قال شعيب الأرنؤوط : إسناده صحيح على شرط الشيخين .

2) مسند أحمد بن حنبل : 30 / ص 430 ح 18479 . قال شعيب الأرنؤوط : صحيح لغيره .

في الحوزة العلميّة بمدينة قم المقدّسة ، ثمّ عاد إلى مدينته محمّلا بعلوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فالتفّ الناس بعد عودته حوله ليصغوا إلى المعارف الحقّة التي كانوا في غفلة عنها ، فانتهز « عبد العزيز » هذه الفرصة وبدأ يعرّف الناس الكثير من الحقائق الدينيّة التي تعلّمها في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(56) عبد اللّه بيك( شافعي / أندونيسيا )

الصورة

D08

ولد سنة 1389 ه‍ ( 1970 م ) في مدينة « سومنب مدورا » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعية المذهب ، التحق بالمدرسة الوطنيّة الإسلاميّة المسائية في مدينته ، ودرس فيها ثماني سنوات إلى جانب دراسته في المدارس الحكوميّة في الصباح . ثمّ درس في معهد الدراسات الإسلاميّة والعربيّة في « جاكرتا » التابع لجامعة محمّد بن سعود في الرياض .

مراحل استبصاره :

ذكر « عبد اللّه بيك » مراحل استبصاره كما يلي ، وقال :

1 - دراستي اللغة العربية والتعاليم الوهابية :

بعد إكمالي الدراسة في المدرسة الإسلاميّة المسائيّة حصلت لي القدرة على مطالعة الكتب العربيّة ; ولرغبتي الشديدة في التسلّط على اللغة العربيّة ، لغة القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة ، انتسبت إلى معهد دراسات اللغة العربيّة في العاصمة « جاكرتا » التابع لجامعة محمّد بن سعود في الرياض في المملكة السعوديّة ، وكان الهدف الأوّل المعروف من تأسيس المعهد هو تعليم اللغة العربيّة ، ثمّ أُدخلت بعد ذلك التعاليم الوهابيّة ، وأُنشئت كليّة الشريعة بعد قسم اللغة ( الإعدادي ) .

وأضاف « عبد اللّه بيك » : لم أبق في المعهد إلاّ سنة ونصف درست فيها اللغة

العربية في القسم الإعدادي ، ومع ذلك اطّلعت على العديد من الكتب الوهابية التي تهاجم الشيعة ورموزهم ، وتبثّ الشائعات والشبهات ضدّهم ، ممّا حداني إلى السؤال عن الشيعة وعن عقائدهم .

2 - استبصار أخي الأكبر :

عرفت في هذه الأثناء أنّ أخي الأكبر قد انتمى إلى مذهب الشيعة ، فما كان منّي إلاّ أن أناقشه وأعرض عليه بعض الكتب التي يوزّعها الوهابيّون ، فكان ردّ فعل أخي الأكبر هو أنّه جمع إخواني وعرض عليهم مبادئ المذهب الشيعي وأوّلها إمامة أهل البيت ( عليهم السلام ) وردّ على الشبهات التي يطرحها الوهابيّون في كتبهم ، وعرض المسائل الخلافيّة بين المذاهب الإسلاميّة ; ممّا دعاني إلى المطالعة وقراءة ما تقوله المذاهب الإسلاميّة ، وما تستدلّ به في محاولة لتلمّس الحقيقة ومعرفة الصواب .

3 - دور إحدى المناظرات العلمية في تعاطفي مع التشيّع :

حصلت في نفس الوقت تقريباً مناظرة علمية بين أحد علماء الشيعة المعروفين في أندونيسيا وتلميذ له تركه وذهب للدراسة في السعودية ، ثمّ عاد محمّلا بالأفكار الوهابية التي تهاجم الشيعة ; وقد استمعت إلى هذه المناظرة على شريط الكاسيت فوجدت أنّ أجوبة العالم الشيعي مستدلّة ومتينة وتستند في كثير من جوانبها إلى كتب أهل السنّة أنفسهم .

4 - وصولي إلى مرحلة اليقين وإعلان الاستبصار :

واصلت مطالعاتي ، ثمّ سافرت بعد فترة إلى ماليزيا حيث كان يقيم هناك أخي الأكبر ، وقرأت عنده بعض كتب المستبصر التيجاني السماوي التونسي التي وجدت فيها أدلّة استبصاره وكيفيّة انتقاله إلى المذهب الشيعي ، كما قرأت بعض الكتب التي تعرض تاريخ المسلمين بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وما حصل في السقيفة وبعدها من أحداث ، وكان أهمّها الاعتداء على بيت فاطمة الزهراء سلام اللّه عليها

بنت الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وزوجة الإمام علي ( عليه السلام ) ، فحصل عندي اطمئنان تام بصحّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلنت ولائي وكان ذلك سنة 1410 ه‍ ( 1990 م ) ، وبدأت أتعلّم عند أخي الأحكام الشرعية وفق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) كأحكام الوضوء والصلاة وغيرهما .

بحثه حول الإمامة :

وجد « عبد اللّه بيك » خلال بحثه العقائدي أنّ المسلمين اختلفوا فيمن يقوم مقام الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هداية البشر وبيان أحكام اللّه سبحانه بعد وفاة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فهل هو من يختاره المسلمون أنفسهم ، أو هو من ينصّ عليه اللّه سبحانه أو الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ومن هذا الاختلاف نشأت مدرستان في الإسلام ، إحداهما تقول بالنصّ ، وعُرف أتباعها فيما بعد بالشيعة الإمامية ، والأخرى تقول بالشورى - وإن كانت لم تحصل قطّ في خلافة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - ! ، وعُرف أتباعها فيما بعد بأهل السنّة والجماعة .

وبالبحث والتحقيق في معالم هذين المذهبين ، ودراسة الأدلّة التي تستند إليها كلّ منهما لتشييد هذه المعالم ، وبعد محاولة معرفة أقربيّة المفاهيم التي تعتقد بها كلّ مدرسة ومقارنة الأحكام التي تصدرها مع موازين القرآن والسنّة النبويّة الشريفة توصّل عبد اللّه بيك إلى نتائج مهمّة وتبيّن له بأنّ مسألة الإمامة هي من صميم الإسلام وتترتّب عليها نتائج كثيرة وخطيرة ، ولا يبعد عن الأذهان قول الشهرستاني صاحب كتاب الملل والنحل : « ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينيّة مثل ما سلّ على الإمامة » (1).

مدرسة الشورى :

اعتقد أتباع هذه المدرسة أنّ الخليفة أو الإمام الذي له صلاحيّة أن يقتدي


1) الملل والنحل ، الشهرستاني 1 : 24 .

به المسلمون ويطيعوه هو من ينتخبه المسلمون أنفسهم ، أو أصحاب الحل والعقد منهم عن طريق التشاور فيما بينهم . واستدلّوا على ذلك بعدّة أدلّة منها :

1 - إنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم ينصّ على أحد في من يخلفه على سبيل الصراحة .

2 - إنّ اللّه سبحانه وتعالى عظّم أمر المشاورة حيث ورد ذكرها صريحاً في موضعين من الآيات القرآنية (1)السجدة (32) : 24 .(2).

3 - إنّ كلّ الصحابة أو جلّهم تسالموا على ما جرى في السقيفة بعد وفاة الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

مدرسة النص :

اعتقد أتباع هذه المدرسة بأنّ الإمام أو الخليفة بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد تمّ تعيينه من قبل اللّه سبحانه وتعالى وقد بيّن ذلك الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في العديد من المناسبات ، واستدلّوا على ذلك بعدّة أدلّة منها :

1 - إنّ المفترض أن يقوم الإمام مقام الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد وفاته ، وهذا ما اتّفق عليه الكلّ ، وبعبارة أُخرى يكون الإمام خليفة ووكيلا للّه تعالى وللرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وإذا كان كذلك يكون من اللازم أن تكون الخلافة والوكالة من المخلوف عنه والموكِّل وليس من أيّ شخص آخر ; لأنّ شأن الخليفة والوكيل ومقامه شأن ومقام الأنبياء والرسل ( عليهم السلام ) .

2 - إنّ اللّه سبحانه ذكر في عدّة موارد في القرآن بأنّ الإمامة تكون بالنصّ من قبله وأنّه هو الذي يجعل من يريد إماماً وهادياً ، كما في قوله تعالى : ( وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا . . . ) (3)، وقوله تعالى : ( وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا . . . ) (3) ، وقوله تعالى : ( . . . قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً . . . ) (4).


1) آل عمران

2) : 159 ، الشورى (42) : 38 .

3) الأنبياء (21) : 73 .

4) البقرة (2) : 124 .

3 - إنّ الإمامة كما بيّنت الآيات التي ذكرناها تكون بجعل من اللّه سبحانه ، وهي ليست من جعل الناس حتّى يتشاوروا فيما بينهم فيمن يجعلونه إماماً وهادياً . نعم إنّ اللّه سبحانه قرّر الشورى ، ولكن ليس في أمر خطير كالإمامة ، بل قرّرها في أمورهم الدنيويّة الجزئيّة المؤقّتة ، ولهذا لم يعهد أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شاور الناس في أمر من أمور العبادات كالصلاة والصيام أو أيّ أمر من الأمور التي يفرضها اللّه سبحانه على الناس ، كما أنّ آيتي الشورى تبيّن بأنّ الشورى ليست على إطلاقها ، وإنّها وردت مع أمور أُخرى تقيّدها وتضعها في إطار محدود لا يمكن أن يرقى إلى مسألة الإمامة التي هي استمرار للرسالة .

4 - وردت أحاديث كثيرة وروايات متعدّدة عن الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ذكرت ولاية الإمام علي ( عليه السلام ) وأولاده الأحد عشر ( عليهم السلام ) في كتب السنّة والشيعة منها : حديث الغدير (1)، وحديث المنزلة (2)، وحديث الاثنا عشر (3)وغيرها .

نشاطاته :

1 - هاجر في سبيل طلب العلم إلى إيران للدراسة في الحوزة العلمية للتزوّد من علوم آل محمّد ( عليهم السلام ) .

2 - عاد في فترات مختلفة إلى وطنه ، ومارس عدّة نشاطات دينية وثقافية كالتدريس والتأليف والترجمة ، وإدارة إحدى المؤسّسات الإسلاميّة .

3 - له نشاط في عالم الانترنت للدفاع عن التشيّع ، والإجابة على الأسئلة الدينيّة المختلفة .

4 - يعمل حالياً في أندونيسيا في مؤسسة الهدى الثقافية ، وله اتّصال واسع مع المستبصرين والمتعاطفين مع التشيّع في أندونيسيا .


1) مجمع الزوائد ، الهيثمي : 9 / ص 88 ب 49 .

2) صحيح البخاري : 3 / ص 125 ح 4416 .

3) صحيح البخاري : 4 / ص 398 ح 7222 .

مؤلفاته :

1 - صلاة الليل .

2 - فضائل السور القصيرة .

3 - الاستخارة .

4 - أدعية الاستشفاء .

5 - ترجمة كتاب « لأكون مع الصادقين » لمؤلفه المستبصر التيجاني السماوي إلى اللغة الأندونسية .

6 - ترجمة دعاء عرفة للإمام الحسين ( عليه السلام ) إلى اللغة الأندونيسية .

(57) عبد اللّه بن الحسن الكاف( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في مدينة « جمبر » ، وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب ، فتلقّى انتماءه المذهبي من الأجواء المحيطة به حتّى تعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) من خلال مطالعته لبعض الكتب الشيعيّة التي وقعت بيده ، فشرع بإجراء مقارنة بين أدلّة عقائده وأدلّة عقائد مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فبيّنت له هذه المقارنة بأنّ المذهب الشيعي يمتاز عن باقي المذاهب باتصاله بعترة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) واعتماده على تراث أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ومن هنا تقرّب « عبد اللّه بن الحسن الكاف » إلى المذهب الشيعي حتّى وجد نفسه ذات يوم أنّه في واقع الأمر أصبح من أتباعهم وأصبح موالياً لأهل البيت ( عليهم السلام ) ومعتقداً بأحقيّة خلافتهم بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

موانع وعقبات :

إنّ الباحث السنّي بصورة عامّة يستصعب في بداية الأمر قبول أنّ الكثير من الصحابة خالفوا رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في جعله الإمام علياً ( عليه السلام ) خليفة من بعده ، واعرضوا عن وصيّة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتركوا الإمام عليّاً ( عليه السلام ) ليعيّنوا بأنفسهم الخليفة بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ولكن هذا الباحث يجد بعد التأمّل في واقع هؤلاء الصحابة ومواقفهم في زمن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّ مخالفتهم لأمر رسول اللّه كان شيئاً طبيعياً بالنسبة لهم وقد

وقع ذلك حتّى في زمن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ومن أبرز مواقف هؤلاء الصحابة في رزيّة الخميس حيث كان الرسول في فراش الموت وكان في البيت معه رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده ، فقال عمر : إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد غلب عليه الوجع ، وعندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه ، فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم النبي كتاباً لا تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قاله عمر ، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي قال لهم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : قوموا (1). حتّى أنّ ابن عبّاس كان يقول : الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بين رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من لغطهم واختلافهم (2).

ويبيّن هذا الموقف من عمر بن الخطاب ومن كان معه من الصحابة بأنّهم لا يهمّهم أن يكتب لهم النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كتاباً لا يضلّوا بعده ، وكأنّهم لا يخشون الضلال ! .

وإذا كان الأمر كذلك فإنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بيّن في حديث الثقلين المعروف بأنّه ترك لأمّته الثقلين كتاب اللّه وعترته أهل بيته وبيّن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هذا الحديث بأنّ التمسّك بهذين الثقلين يؤدّي إلى الأمن من الضلال .

فإذا كان بعض الصحابة لا يهمّهم أن يكتب لهم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كتاباً لا يضلّوا بعده فإنّهم بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيضاً لا يهمّهم أن يتركوا سيّد العترة علي بن أبي طالب ويتمسّكوا فقط بكتاب اللّه (3)كما قال عمر من قبل : « حسبنا كتاب اللّه » .

ومن هنا يتبيّن بأنّ مخالفة البعض لوصيّة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في شأن الإمام علي ( عليه السلام ) أمر قد وقع في زمن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولهذا يكون من الطبيعي وقوعه بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .


1) صحيح البخاري : 4 / ص 10 ح 5669 .

2) نفس المصدر .

3) بل حتّى كتاب اللّه تعالى لم يتمسّكوا به ! فأين تطبيقهم لقوله تعالى « وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا » ؟ ! .

التعمّق في دراسة علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) :

إنّ البحوث التي أجراها « عبد اللّه بن الحسن الكاف » في مسألة الإمامة ، ومنها دراسته لرزيّة الخميس وغيرها من البحوث كشفت له الغطاء عن العديد من الحقائق حتّى دفعه هذا الأمر إلى الاستبصار ، ومع ذلك لم يتوقف في البحث ، لأنّ العلوم التي تلّقاها من مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) غرست في قلبه الشوق لطلب المزيد ، فلهذا انتسب إلى المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ليتعمّق في دراسة علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) وليعد نفسه جندياً مخلصاً للذب عن حمى الحقيقة والدفاع عن مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(58) عبد اللّه السقاف( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في مدينة « ميدان » ، وترعرع في أوساط أسرة تنتمي إلى المذهب الشافعي ، ثمّ استبصر بعد إلمامه بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وكان منطلق تعرّفه على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) عن طريق إثارة شبهات عقائدية دفعته إلى البحث ، فلم يجد في دائرة مذهبه جواباً شافياً لها ، فأحبّ أن يوسّع نطاق بحثه ، فتوجّه إلى كتب مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ليرى إجابتهم على الشبهات العلميّة التي أثيرت في نفسه ، فتفاجأ ممّا رأى في الكتب الشيعية من حقائق لم يطّلع عليها من قبل ، ومن هنا بدأت رحلته المذهبيّة حتّى انتهت إلى تحوّله من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

معنى التشيّع :

إنّ الإجابات الشافية التي وجدها « عبد اللّه السقاف » عند مذهب التشيّع دفعته إلى التعرّف على هذا المذهب وكيفيّة نشوئه وكيفيّة بدايته ، فتوصّل خلال بحثه هذا إلى نتائج لم يتوقّعها من قبل .

إنّ الشيعة في اللغة تعني الصحبة والأتباع ، وهي في اصطلاح المتكلّمين تعني اتّباع الإمام علي ( عليه السلام ) وبنيه .

وقد وردت كلمة الشيعة بمعناها اللغوي في القرآن الكريم في قوله تعالى :

( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لاَبْراهِيمَ * إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم ) (1)، وقوله تعالى : ( وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَة مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ ) (2).

وقد وردت كلمة الشيعة بمعناها الاصطلاحي في السنّة النبويّة الشريفة منها : روى الطبري في تفسيره بسنده عن أبي الجارود عن محمّد بن علي في قوله تعالى : ( أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ البَرِيَّةِ ) فقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « أنت يا علي وشيعتك » (3).

وقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيضاً للإمام علي ( عليه السلام ) : « أنت وشيعتك تردون عليَّ الحوض رواء مرويّين مبيضّة وجوهُكم ، وإنّ عدوّك يردون على الحوض ظِماء مقمحين » (4).

وروى أحمد بن حنبل في الفضائل بسنده عن عمرو بن موسى عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب قال : شكوت إلى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حسد الناس إياي فقال : « أما ترضى أن تكون رابع أربعة أوّل من يدخل الجنّة ، أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وعن شمائلنا ، وذرارينا خلف أزواجنا وشيعتنا من ورائنا » (5).

ومن هذا المنطلق سُمّي الذين اتّبعوا بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الإمام علياً ( عليه السلام ) واقتدوا بنهجه بالشيعة ، ويعتقد الشيعة بأنّ الإمام علياً ( عليه السلام ) أفضل الخلق بعد رسول اللّه وهو الإمام بعد الرسول بنصّ منه ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد اصطفى اللّه تعالى أولاده للإمامة من بعده ذرّية بعضها من بعض كما اصطفى آل عمران وآل إبراهيم ( عليهم السلام ) .

إذن فالشيعة هم الذين شايعوا الإمام علياً ( عليه السلام ) وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ، وذهبوا إلى أنّ الإمامة لم يترك أمرها لهذه الأمّة ، بل هي مسألة أصوليّة قد تدخّلت


1) الصافات (37) : 83 ، 84 .

2) القصص (28) : 15 .

3) جامع البيان ، الطبري : 15 / ص 293 ح 29208 .

4) مجمع الزوائد ، الهيثمي : 9 / ص 125 ح 14749 .

5) فضائل الصحابة ، أحمد بن حنبل : 2 / 624 ، ح 1068 .

اليد الإلهيّة الغيبية فيها ، وأنّ الإمام يتعيّن بالنصّ من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

نشأة التشيّع :

تثبت الأدلة القاطعة بأنّ التشيّع ظهر أيام رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكان من أبرز شيعة الإمام علي ( عليه السلام ) أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر وسلمان الفارسي والمقداد بن الأسود ، كما أنّ النصوص النبويّة التي ذكرناها تثبت وجود التشيّع في زمن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأنّ مصطلح الشيعة كان سائداً في الأوساط الإسلاميّة .

ولكن لم يبرز هذا الأمر إلاّ بعد وفاة النبيّ حيث تمّت البيعة - بأيِّ شكل من الأشكال - لغير الإمام علي ( عليه السلام ) ، فاعترض الإمام عليّ وشيعته على هذا الأمر ، ثمّ وجد الإمام علي ( عليه السلام ) بأنّ المصلحة الإسلاميّة تقتضي السكوت عن حقّه ، لأنّ دخوله في الصراع مع من غصبوا منه الخلافة ، قد يؤدّي إلى الإضرار بأصل الإسلام .

وخلاصة ما يتوصّل إليه الباحث في هذا المجال هو أنّ التشيّع قد نشأ في زمن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وحاول رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يدعم هذا المذهب وأكّد في العديد من المواقف على اتّباع الإمام عليّ ( عليه السلام ) من بعده والتمسّك بهديه والالتفاف حوله والسير تبعاً لمنهجه .

فقد روى الحاكم في مستدركه عن زيد بن أرقم قال : « خرجنا مع رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتّى انتهينا إلى غدير خم . فأمر بروح فكسح في يوم ما أتى علينا يوم كان أشدّ حرّاً منه ، فحمد اللّه وأثنى عليه وقال :

« يا أيّها الناس إنّه لم يبعث نبيّ قط إلاّ ما عاش نصف ما عاش الّذي كان قبله ، وإنّي أوشك أن أدعى فأجيب ، وإنّي تارك فيكم ما لن تضلّوا بعده ، كتاب اللّه عزّ وجلّ ، ثمّ قام فأخذ بيد علي ( رضي الله عنه ) فقال : « يا أيّها الناس من أولى بكم من أنفسكم » ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم [ قال : « ألست أولى بكم من أنفسكم » ؟ قالوا :

بلى ] قال : « من كنت مولاه فعليّ مولاه » (1)، ولكنّ الظروف التي كانت حاكمة في تلك الأجواء أدّت إلى إعراض الكثير عن وصايا الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فأدّى الأمر إلى وقوع الخلافة بيد غير من نصّبه رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

اتّخاذ الموقف بعد معرفة الحق :

وجد « عبد اللّه السقاف » بعد معرفته للحقّ بأنّ جميع الأدلّة والبراهين تفرض عليه اتّباع الإمام عليّ ( عليه السلام ) والالتحاق بشيعته ، ولم يواجه « عبد اللّه السقاف » أيّ مشكلة في الصعيد العلمي والفكري لتغيير انتمائه المذهبي ، ولكن كانت مشكلته الأساسية في كيفيّة تغلّبه على الجانب العاطفي وكيفية مواجهته لأبناء مجتمعه بعد إعلان الاستبصار .

ولكن جميع هذه العقبات لم تمنعه من اتّباع الحق ، فأعلن استبصاره ثمّ التحق بالمعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ليزداد علماً ومعرفة بأصول ومبادئ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وطلباً للمزيد من المعرفة هاجر « عبد اللّه السقاف » إلى سوريا والتحق بالحوزة العلمية في دمشق ، وكرّس هناك جميع جهوده لطلب علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وقرّر « عبد اللّه السقاف » بعد ذلك أن يصرف جميع أوقاته في خدمة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لأنّه رأى بأنّ هذا المذهب ظُلم على مرّ العصور وقد اضطهدته السلطات الجائرة بشتّى الأساليب القاسية ولهذا يتطلّب هذا المذهب من أبنائه المزيد من الجهد لإزالة الشبهات المثارة حوله ونشره في مختلف أنحاء العالم .


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 4 / ص 253 ح 6381 . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ووافقه الذهبي في التلخيص .

(59) عبد اللّه العريضي( شافعي / أندونيسيا )

الصورة

D09

ولد في مدينة « بمكاسن » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، أتمّ المرحلة العالية في معهد دار اللغة والدعوة ، ثمّ عمل مدرساً ومبلّغاً لأحكام الدين الشريف .

عوامل استبصاره :

كان « عبد اللّه العريضي » معجباً بالثورة الإسلامية التي حصلت في إيران وبقائدها الإمام الخميني ( رحمه الله ) ، ولمّا علم أنّه شيعي اثنا عشري موال لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، بدأ بالتحقيق حول هذا المذهب ، وشرع بالسؤال من أخيه الأكبر الذي استبصر قبله ، فأعطاه أخوه كتاب « المراجعات » للعلاّمة شرف الدين الذي يورد مناظرات علميّة حصلت بينه وبين شيخ الأزهر سليم البشري ، وقد أعجب « عبد اللّه العريضي » بهذا الكتاب ، ورأى أنّ أدلّته قويّة وحججه بالغة ، وهي موجودة في كتب أهل السنّة أنفسهم ، فبدأ يشكّ بمذهبه الذي رأى أنّ الأدلة من القرآن والسنّة تخالفه ولا تدعمه .

ومن ثم قرأ بعض الكتب الأخرى ومنها كتاب « الإسلام الصحيح » للسيد محمد أمير القزويني ، فوجد أنّ الحجة قد تمّت عليه ، وليس له عذر بعد ذلك إلاّ اللجوء إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين أمر القرآن الكريم بمودّتهم ; ولأنّ الحقّ أحقّ أن يُتّبع ، فأعلن استبصاره ، وعقد العزم على الولاء التام لأئمة أهل البيت ( عليهم السلام )

وكان ذلك سنة 1982 م .

مودّة أهل البيت ( عليهم السلام ) في القرآن :

إنّ من الآيات الملفتة للنظر والجديرة بالتأمّل في القرآن هي آية المودّة ، وهي قوله تعالى : ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ المَوَدَّةَ فِي القُرْبى ) (1); وذلك لأنّها تبيّن ما هو الواجب علينا تجاه نبيّنا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي أجهد نفسه في أداء رسالة ربّ العالمين ، حتّى خاطبه القرآن المنزّل منه سبحانه ( طه * ما أَنْزَلنا عَلَيْكَ القُرآنَ لِتَشْقى ) (2).

وقد بيّنت آية المودّة الكريمة بأنّ الأجر الذي لا بدّ للمسلمين من دفعه في مقابل ما قام به الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هدايتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور هو المودّة لقربى النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . ومن الطبيعي ينبغي لأداء هذا الواجب على كلّ مسلم أن يعرف أوّلا من هم المقصودون من القربى في الآية الكريمة حتّى يجعل مودّته خالصة إليهم ، ويكون قد أدّى أجر الرسالة .

وقد أجاب على هذا السؤال الفخر الرازي صاحب « التفسير الكبير » حيث قال :

« وروى صاحب الكشاف : أنّه لمّا نزلت هذه الآية ، قيل يا رسول اللّه من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ فقال : « عليّ وفاطمة وابناهما » ، فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد من التعظيم . . . . » (3).


1) الشورى (42) : 23 .

2) طه (20) : 1 - 2 .

3) التفسير الكبير ، الفخر الرازي : 9 / ص 595 .

ما هو السبب في طلب الأجر ؟

قد يرد هذا السؤال في الذهن ، وهو : لماذا يُطلب الأجر على أداء الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للرسالة ؟ ألم يكن أداء الرسالة وظيفته ؟ ! أوَ ليس معنى ذلك أنّه لا يقوم بذلك مخلصاً للّه سبحانه إذا طلب الأجر ؟ ! ! كما أنّ الأنبياء السابقين صرّحوا بأنّهم ما طلبوا الأجر من أحد من العالمين وإنّما يطلبونه من اللّه سبحانه وتعالى فحسب كما صرح القرآن الكريم (1)بذلك . ونحن نعلم مقام رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في القرآن ، وأنّه أفضل الرسل ، فهل يمكن القول بأنّ هذا الطلب كان لمنفعة الرسول ولمجرّد حبّه لأهل بيته ( عليهم السلام ) وقرابته ؟

طبعاً الجواب واضح فلا يمكن لحبّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأهل بيته ( عليهم السلام ) وحده أن يكون هو السبب في نزول هذه الآية القرآنيّة الكريمة ، بل يمكننا تلمّس الأسباب من الملاحظات التالية :

1 - إنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يطلب الأجر وإنّما هو أمر من اللّه سبحانه إذ السؤال مبدوء بالأمر الإلهي بقوله تعالى ( قل ) .

2 - لا يختلف الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن الأنبياء السابقين في طلب الأجر من اللّه سبحانه ، وطلبه للمودّة لا يرجع منفعته إليه ، بل إلى الأمّة كما صرّح القرآن الكريم بذلك بقوله تعالى : ( قُلْ ما سَأَلتُكُمْ مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ ) (2).

وهذا يدلّ على أنّ مودّة أهل البيت ( عليهم السلام ) تنفع المسلمين في الهداية .

3 - شأن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو شأن الطبيب الذي يقول لمريضه الذي جاء عنده وعالجه ، أنّه لا يريد من المريض أجراً إلاّ أن يتناول الدواء ، فالأجر في الواقع ليس للطبيب ، بل لمنفعة المريض .


1) الشعراء (26) : 109 ، 127 ، 145 ، 164 ، 180 .

2) سبأ (34) : 47 .

تلمّس الحكمة في الأمر الإلهي بمودّة القربى :

مع الاعتقاد الراسخ بأنّ اللّه تعالى حكيم ، بل هو أحكم الحاكمين ، فمن المستحيل عليه سبحانه أن يأمر باللغو والعبث ، وأمره بمودّة القربى هو دافع قوي للإنسان المسلم في اتّباع سيرتهم وسمتهم ، فالمحبّ يتّبع محبوبه ويحذو حذوه في كلّ خطوة يخطوها ، وعليه ففي الآية إشارة واضحة إلى كون الذين وجبت مودّتهم هم الذين يجب اتّباعهم مع الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ومع ضميمة عدّة نصوص أُخرى كحديث الثقلين الذي يوضّح أنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) هم عدل القرآن الكريم وأنّ التمسّك بهما معاً هو الذي يعصم المسلمين من الضلالة . وكآية التطهير التي تبيّن بأنّ اللّه تعالى قد أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وغيرها من النصوص التي لا تعد ولا تحصى ، نستطيع أن نعي حكمة الأمر بمودّتهم ( عليهم السلام ) .

إنّ مودّة ومحبّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ليست محبّة عادية لأشخاص عاديّين ، بل هي مودّة خاصّة لأشخاص اصطفاهم اللّه تعالى كما قد يتّضح من قوله تعالى : ( قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِلاّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ) (1)فمودّة القربى تساوي مشيئة اتّخاذ السبيل إلى اللّه تعالى . وفي آية أُخرى تساوي مودّتهم الذكرى للعالمين ، قال تعالى : ( قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ ) (2)وعليه فأهل البيت ( عليهم السلام ) هم وسيلة الهداية باتّخاذ السبيل إلى اللّه تعالى والتذكّر فيه .

نشاطاته :

1 - واجه « عبد اللّه العريضي » بعد استبصاره العديد من المشاكل ، وثارت ضدّه الفتن في معهد « دار اللغة » حيث كان يدرس ويُدرّس فيه ، وقد استدعاه مدير المعهد قائلا له : سمعت أنّك غيّرت مذهبك ؟ ؟


1) الفرقان (25) : 57 .

2) الأنعام (6) : 90 .

فأجابه عبد اللّه : لا ، بل أصلحت مذهبي ،

قال المدير : أكان آباؤنا على ضلال ؟

فأجاب عبد اللّه : أنا لا أقول بذلك ، ولكنّني لا أُسأل عنهم يوم القيامة ، فلهم ما كسبوا ولنا ما اكتسبنا ،

فغضب المدير وأخرجه من المعهد .

2 - لم تهدأ الفتنة بإخراجه من المعهد وقد دفعه ذلك إلى الهجرة إلى جزيرة كلمنتان الشرقية ، حيث بدأ هناك بالتبليغ ، لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) حتّى استبصرت على يديه أكثر من 150 عائلة ، وتمسّكت بولاء أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ودعاه ذلك إلى تأسيس مؤسّسة « المنتظر » ( عج ) الاجتماعيّة لخدمة هؤلاء المستبصرين وقضاء حاجاتهم الماديّة والمعنويّة .

3 - هاجر في سبيل طلب العلم إلى مدينة قم المقدّسة للدراسة في الحوزة العلميّة وللتزوّد من معين علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(60) عبد المؤمن زمزمي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في مدينة « شربون » ، وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب ، فغذّته الأجواء المحيطة به عقائد مذهب أهل السنّة ، فتلقّى هذه المعتقدات الموروثة حتّى بلغ أشدّه ، فتوجّه نحو البحث فوجد الكثير من الثغرات في أصول عقائده ، فدفعه ذلك إلى توسيع نطاق بحثه ، فتوجّه إلى دراسة باقي المذاهب الإسلاميّة ، منها مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فطالع العديد من الكتب الشيعيّة ، فكانت النتيجة أنّه عرف في نهاية مطاف بحثه المقارن بأنّ الحقّ مع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فتخلّى عن انتمائه المذهبي الموروث واعتنق بكلّ ترحاب مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

في رحاب تاريخ صدر الإسلام :

سلّط « عبد المؤمن زمزمي » أضواء بحثه على أحداث التاريخ الإسلامي قبل وبعد وفاة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فوجد أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حاول قبل رحيله أن يبعد بعض الصحابة إلى خارج المدينة ، فقام بتجنيد جيش أسامة إلى الشام .

ويجد الباحث بعد التأمّل لمعرفة أسباب تأكيد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على خروج بعض الصحابة بأنّه أراد توفير الأجواء المناسبة لخليفته علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وإبعاد مخالفيه ، ولكنّهم خالفوا أمر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فعسكروا خارج المدينة ، لئلاّ تفوتهم الفرصة !

فلمّا توفّى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هرع هؤلاء إلى المدينة لينفذوا مخطّطاتهم المعاكسة .

أوّل موقف لعمر بن الخطاب بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

إنّ الموقف الغريب الذي يجده الباحث من عمر بن الخطاب عند سماعه نبأ وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه أنكر بأن يكون النبي ( صلى الله عليه وآله ) قد مات ، وهدّد كلّ من يقول بذلك وأخذ ينادي ويقول بأن النبي ( صلى الله عليه وآله ) لم يمت وإنّما ذهب إلى معاد ربّه كما فعل موسى وسوف يرجع ليقطع أعناق وأيدي من يقول أنّه مات .

وبقيت هذه القضية مثارة حتّى جاء أبو بكر ، ورفع صوته : ( وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ) ثمّ أضاف : « من كان يعبد محمّداً فإنّ محمّداً قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإنّ اللّه حيّ لا يموت » ، فتراجع عمر عن إنكاره وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (1).

وهنا يقع الاستفسار بأنّ عمر بن الخطاب لماذا أثار هذه القضيّة ؟ وقد أجاب الشهيد السيد محمد باقر الصدر عن هذا الاستفسار في كتابه « فدك في التاريخ » بأنّ عمر بن الخطاب أراد أولا أن يكسب الوقت حتى يأتي أبو بكر من داره بالسنح ، وثانياً أراد أن يختلق قضية تكون كلمة الفصل فيها لأبي بكر ، فيكون بذلك رجل الموقف والمرحلة ! (2).

ومن جهة أُخرى يجد الباحث بأنّ زعماء الأنصار وصلوا إلى هذه القناعة بأنّ قريش قررت تجاوز وصيّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأنّها عزمت على تنحية الإمام علي ( عليه السلام ) عن منصبه الإلهي وبسط نفوذها باسم الإسلام ، ولهذا اجتمع زعماء الأنصار في سقيفة بني ساعدة وعقدوا العزم على الانفراد بأمر الخلافة دون قريش ، وكان مرشّحهم سعد بن عبادة الخزرجي .


1) صحيح البخاري : 2 / ص 454 / ح 3667 - 3668 .

2) فدك في التاريخ ، الشهيد الصدر : ص 71 - 77 .

وفي هذا الخضم وصل نبأ اجتماع الأنصار إلى أسماع قريش ولا سيّما أبي بكر وعمر فجاءا بسرعة ومعهما أبو عبيدة بن الجراح إلى سقيفة بني ساعدة وزعموا أنّهم أحقّ بالخلافة ، فوجد الأنصار أنفسهم في وضعيّة محرجة فقام أحدهم ، وقال : « أما بعد فنحن الأنصار وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر قريش رهط بيننا ، وقد دفّت إلينا دافّة من قومكم ، فإذا هم يريدون أن يغصبونا الأمر » .

فقال أبو بكر : يا معشر الأنصار إنّكم لا تذرون فضلا إلاّ وأنتم له أهل ، وإنّ العرب لا تعرف هذا الأمر إلاّ لقريش ، هم أوسط العرب داراً ونسباً ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ( وأخذ بيد عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ) .

فلما قضى أبو بكر كلامه قام رجل من الأنصار وقال : . . . منّا أمير ومنكم أمير ، وارتفعت الأصوات واللغط . . .

فقال سعد بن عبادة : هذا أوّل الوهن .

وقال عمر : هيهات لا يجتمع اثنان في قرن ! واللّه لا ترضى العرب أن تؤمّركم ونبيّنا من غيركم ، ولا تمتنع العرب أن تولّي أمرها من كانت النبوة فيهم ، ولنا بذلك الحجّة الظاهرة ، من ينازعنا سلطان محمّد ونحن أولياؤه وعشيرته .

فقال الحباب بن المنذر : يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر ، فإن أبوا عليكم فاجلوهم عن هذه البلاد وتولّوا عليهم هذه الأمور ، فأنتم واللّه أحقّ بهذا الأمر منهم ، فإنّه بأسيافكم دان الناس لهذا الدين . . .

فقال عمر : إذن ليقتلك اللّه !

فقال : بل إياك يقتل !

. . . قال أبو بكر : هذا عمر وأبو عبيدة فإن شئتم فبايعوا .

فقالا : واللّه لا نتولّى هذا الأمر عليك وأنت أفضل المهاجرين . . . ابسط يدك نبايعك فلما ذهبا يبايعانه سبقهما بشير بن سعد فبايعه .

فناداه الحباب بن المنذر : عتقك عقاق ! أنفست على ابن عمك الإمارة ؟

فقال : لا واللّه ولكني كرهت أن أنازع القوم حقّهم .

ولما رأت الأوس ما صنع بشير وما تطلب الخزرج من تأمير سعد ، قال بعضهم لبعض : . . . واللّه لئن وليتها الخزرج مرّة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ، ولا جعلوا لكم فيها نصيباً أبداً ، فقوموا فبايعوا أبا بكر ، فبايعوه . . . وأقبل الناس يبايعون أبا بكر من كلّ جانب وتخلّف بعض الأنصار عن بيعة أبي بكر ، وقالوا : لا نبايع إلاّ عليّاً .

وأمّا موقف الإمام علي ( عليه السلام ) فإنّه بقي وبنو هاشم والزبير ستة أشهر لم يبايعوا أبا بكر حتى استشهدت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) فبايعوه (1).

بيعة أبي بكر فلتة :

إنّ أوّل ما يستنتج الباحث عند إلمامه بما جرى في سقيفة بني ساعدة هو أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ، وهذا ما يعترف به عمر بن الخطاب حيث قال : « إنّي قد عرفت أنّ أناسا يقولون : إنّ خلافة أبي بكر فلتة ، وإنّما كانت فلتة ولكن اللّه وقى شرّها ، إنّه لا خلافة إلاّ عن مشورة » (2).

وقال الداودي : « معنى فلتة » أنّها وقعت من غير مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاور » (3).

ومن هنا لو يقارن الباحث بين الأدلّة التي تثبت مشروعيّة خلافة الإمام علي ( عليه السلام ) وبين الطريقة التي جاء بها أبو بكر إلى الحكم فإنّه سيتوصّل إلى أنّ الإمام علياً ( عليه السلام ) أحقّ بالاتّباع من غيره ، ويجب أن يكون كلّ مسلم من خلافة أبي بكر موقف الرافض لها والمعترض عليها ، وذلك لأنّها لم تكن مشروعة


1) صحيح البخاري : 3 / ص 80 ، ح 4240 - 4241 .

2) مصنف ابن أبي شيبة الكوفي : 8 / ص 570 ، ح 1 .

3) فتح الباري ، ابن حجر العسقلاني : 12 / ص 182 .

بأيّ نحو من الأنحاء .

ورفض أمير المؤمنين عليّ ( عليه السلام ) لها - وهو الوارث الطبيعي والشرعي لرسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - لهو أحكم دليل على أنّ خلافة أبي بكر لم تكن على الموازين الدينية التي جاء بها الإسلام . وهذا ما يكشف عن حقيقة ينبغي أن يتأمّل فيها كلّ مسلم مهتمّ بأمر دينه .

الالتحاق بركب الإمام علي ( عليه السلام ) :

وجد « عبد المؤمن زمزمي » بأنّ جميع الأدلّة والبراهين تدعوه لترك مذهب الخلفاء والالتحاق بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وكان هذا التحوّل في الصعيد المذهبي أمراً صعباً ل‍ « عبد المؤمن زمزمي » ، ولكنّه تمكّن بعد مجاهدة نفسه أن يتّخذ قراره النهائي ، وكان ذلك سنة 1412 ه‍ ( 1992 م ) ، فأعلن استبصاره وتحوّله إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ثمّ انتسب إلى المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » حتّى تخرّج منه ، ثمّ قرّر بعد ذلك أن يتّبع منهج التدريس من أجل توعية الآخرين وكشف الحقائق لهم ، فأصبح أستاذاً في المعهد الإسلامي الذي تخرّج منه .

ومن جهة أُخرى شرع « عبد المؤمن » بالتأليف ، فألّف كتاباً حول مراحل التوحيد باللغة الأندونسيّة ، ليعرّف الباحثين على آراء مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) حول التوحيد وليدرء عن الأذهان الشبهات التي لم تتمكن مدرسة أهل السنّة من الإجابة عليها نتيجة إفراطها في التمسّك بظواهر النصوص الدينيّة ، وعدم استعانتها بمعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) لتفسير الآيات المتشابهة ولم تستعن بالعقل في فهمها للأحاديث الشريفة التي يتطلّب إدراكها المزيد من الفكر والتأمّل .

(61) علي رضا الحبشي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في مدينة « بإنجيل » ، وترعرع في أحضان عائلة شافعيّة المذهب ، ثمّ قام بجولة فكريّة في رحاب المذاهب الإسلاميّة ، فأمضى برهة من عمره في « مكة المكرمة » من أجل دراسة مذهب أهل السنّة وتوسيع دائرة معرفته بالأمور الدينيّة ، حتّى سمع بالمذهب الشيعي ، فصمّم أن يتعرّف على أصوله ومبادئه العقائديّة .

دراسته للمذهب الشيعي :

بادر « علي رضا الحبشي » انطلاقاً لتوسيع دائرة معارفه الدينيّة إلى مطالعة الكتب الشيعيّة من أجل التعرّف على رؤى هذا المذهب .

ومن هذا المنطلق عرف « علي رضا الحبشي » بأنّ المؤهل لقيادة الأمّة بعد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ينبغي أن يكون للأعلم بكتاب اللّه والأفهم بسنّة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأكثر إخلاصاً للّه والأورع والأتقى في دين اللّه تعالى ، لأنّ الذي يتولّى خلافة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سيكون هو المتصدّي لبيان القرآن الكريم لمن لا يعرفون بيانه من المسلمين والطوائف الجديدة التي تدخل في الإسلام ، وسيكون هو المتولّي لبيان سنّة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأحكام الشرعيّة .

ولكن وجد « علي رضا الحبشي » بأن الذين تصدّوا للخلافة لا يمتلكون هذه الميزة ، لأنّ التاريخ المرتبط بصدر الإسلام يبيّن بأنّ الإمام علياً ( عليه السلام ) كان أعلم

منهم بالقرآن الكريم وأفهم منهم بالسنّة وأكثر منهم جهاداً في سبيل اللّه تعالى وأرقى منهم منزلة في جميع الأصعدة .

ومن هذا المنطلق واصل « علي رضا الحبشي » بحثه في هذا المجال ، حتّى توصّل إلى أنّ الأمة أخطأت في اختيارها لخليفة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ثمّ واصل « علي رضا » بحثه ، فرأى بأنّ الإمام علياً ( عليه السلام ) لم يكن الأعلم والأفهم والأتقى والأصلح فحسب بل هو الذي نصّبه الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأمر من اللّه تعالى لأمر خلافته ، ولكن الناس خالفت هذا الأمر ، ولهذا اعترضت عليهم فاطمة الزهراء بنت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقالت لهم : « بأيّ عروة تمسّكوا ! لبئس المولى ولبئس العشير ولبئس للظالمين بدلا ، استبدلوا واللّه الذنابى بالقوادم ، والعجز بالكاهل ، فرغماً لمعاطس قوم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً ( أَلا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ ) ويحهم ( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) أما لعمر اللّه لقد لقحت ، فنظرة ريثما تنتج ، ثم احتلبوها طلاع القعب دماً عبيطاً ، وزعاقاً ممقراً هنالك يخسر المبطلون ، ويعرف التالون غبّ ما أسّس الأوّلون ، ثمّ طيبوا عن أنفسكم نفساً ، واطمئنّوا للفتنة جأشاً ، وأبشروا بسيف صارم ، وهرج شامل ، واستبداد من الظالمين ، يدع فيئكم زهيداً ، وجمعكم حصيداً ، فيا حسرة عليكم ! وأنّى لكم وقد عُمِّيت عليكم ، أنلزِمكموها وأنتم لها كارهون » (1).

اتّباع الحقّ :

وجد « علي رضا الحبشي » بعد البحث بأنّ جميع الأدلّة تدعوه إلى أن يكون من شيعة الإمام علي ( عليه السلام ) وأن يكون من أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فلم يسمح لتعصّبه أن يصدّه عن اتّباع الحقّ فسحق تعصّبه الأعمى وانقاد إلى الحقّ ، لأنّه وجد


1) شرح النهج لابن أبي الحديد : 16 / 234 .

أنّ الحقّ أحق أن يتّبع ومن لا يتّبع الحقّ فإنّه لا يظلم إلاّ نفسه ، وإنّ اللّه تعالى لا يهدي القوم الظالمين .

ثمّ توجّه « علي رضا الحبشي » بعد الاستبصار إلى نشر علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأصبح أستاذاً في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ليقوم بتهذيب عقائد طلبته ويقوم بارشادهم إلى الحق والصواب .

(62) علي رضا العطّاس( شافعي / أندونيسيا )

الصورة

D10

ولد سنة 1397 ه‍ ( 1977 م ) في مدينة « جوكجاكرتا » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ثمّ درس في « المعهد الإسلامي » في « بإنجيل » ، و « معهد الهادي » في « بكلونجن » ثمّ واصل دراسته في الحوزة العلميّة في مدينة « قم » في إيران .

دوافع استبصاره :

استبصر « علي رضا العطّاس » على أثر مواصلته للبحث في الصعيد العقائدي وكثرة حواراته مع بعض أساتذته وزملائه في الدراسة في المعهد الإسلامي فأدّى به ذلك إلى تغيّر الكثير من مسلّماته التي كان يعتقد بها في المذهب السابق والتي تلقّاها من أهله ومجتمعه ، ثمّ اندفع إلى قراءة الكتب ومراجعة المصادر للتحقيق من الأقوال المنسوبة ، والاطّلاع على آراء أئمّة مذاهب المسلمين ، فوجد « علي رضا العطّاس » أنّ أدلّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) قويّة جدّاً تأخذ على المسلم الملتزم طريقه وذلك لاعتمادها على القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة ، وانسجامها مع العقل السليم ، وعدم مخالفتها للمنطق المستقيم ، فدفعه ذلك إلى التمسّك بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وركوب سفينة النجاة ، رغم ما أدّى به ذلك إلى مخالفة المجتمع في الكثير من عاداته الراسخة التي لا أساس لها في الدين ، واضطراره إلى كتمان مذهبه عن كثير من الناس الذين لا

يستطيعون أن يستوعبوا التحوّل في العقائد ، والابتعاد عن عقائد الآباء التي تعوّدوا عليها منذ الصغر .

ومن هذه العادات التي لفتت نظره هي صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك التي يلتزم بها أهل السنّة في أندونيسيا وغيرها بشكل كبير ، رغم أنّها ليست ممّا جاء بها الإسلام ولم يمارسها الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مطلقاً ، ولكن وجد « علي رضا العطّاس » صعوبة في تركها في بادئ الأمر نظراً لتعوّده عليها منذ الصغر ، لكنه لم يستسلم لإغراءته النفسيّة في منهج العبادة والتدين .

صلاة التراويح بدعة صريحة رغم جاذبيّتها الظاهريّة

إنّ صلاة التراويح هي صلاة النوافل جماعة في ليالي شهر رمضان المبارك ، وإنّما سمّيت بالتراويح لوجود الاستراحة فيها بعد كلّ أربع ركعات .

وقد اهتمّ الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كثيراً بقيام الليل في ليالي شهر رمضان ، وكان يؤدّي النوافل فيها بكثرة ولكن بصورة الفرادى ، وقد نهى عن الاتيان بها جماعة .

ولكن أتى عمر بن الخطاب ذات يوم إلى المسجد في ليلة من شهر رمضان في زمن خلافته وكان ذلك في السنة الرابعة عشر من الهجرة فرأى الناس يقيمون النوافل ، وهم ما بين قائم وقاعد وراكع وساجد وقارئ مسبح ، ومحرم بالتكبير ومحلّ بالتسليم ، فلم يعجبه هذا الأمر ، فأمر بجمع الناس على إمام واحد يؤمهم في الصلاة وأصدر في ذلك حكماً مبرماً ، وكتب بذلك إلى البلدان ، ونصب للناس في المدينة إمامين يصليان بهم التراويح ، إماماً للرجال وإماماً للنساء . ولما تمّ الأمر ووقع ما يريد قال : نِعم البدعة هذه (1).

وقال العيني : « إنّما دعاها بدعة لأنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يسنّها لهم . . . » (2).


1) صحيح البخاري : 1 / ص 494 ، ح 2010 .

2) عمدة القاري ، العيني : 11 / ص 178 .

فعمر بن الخطاب - في الواقع - يقرّ بأنّ ما قام به بدعة لم يسنّها الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهو يعلم بأنّ ما ارتآه في هذا المجال مخالف للسنّة النبويّة الشريفة التي لا تصاب بالعقول ، ولكنه مع ذلك أظهر البدعة وأدخل ما ليس من الدين فيه ، وقد حاول محبّي عمر أن يبرّروا عمله بشتّى الطرق وإن كان ذلك على حساب الدين وعلى حساب الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهذه هي آفة الدين .

صلاة التراويح بين عمر والإمام علي ( عليه السلام )

عندما استلم الإمام علي ( عليه السلام ) زمام الخلافة في انتخاب جماهيري ضخم لم يحظ به حتّى الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه في إدارة الدولة الإسلاميّة الفتيّة ، لم يرق ذلك لقريش التي خافت زوال سلطانها ، فحاربته بكلّ الوسائل كما حاربت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من قبل ، فتوجّه الإمام علي ( عليه السلام ) إلى مواجهة الفتن وإماتة البدع وإحياء سنّة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التي ضاع الكثير منها أيّام الخلفاء الثلاثة .

وعندما استقرّ حكم الإمام عليّ ( عليه السلام ) في الكوفة طالبه الناس بإقامة صلاة التراويح جماعة فرفض ذلك ونهاهم عن الاجتماع في صلاة النوافل ، وعرّفهم بأنّ ذلك من البدعة ، فضجّ الناس وجعلوا يقولون أبكوا رمضان ، وا رمضاناه ، واعمراه ، فقال عند ذلك : « دعوهم وما يريدون ، يُصلِّ بهم من شاؤوا » (1).

ومن هنا يتبيّن الفرق بين عمر والإمام عليّ ( عليه السلام ) . فعمر يعلم بأنّ أداء صلاة التراويح ليست من الإسلام ، ولكنّه سنّها لإظهار هيبة الدولة بالاستفادة من الشعائر الدينيّة وإن كانت محرّفة ، بينما نجد الإمام علياً ( عليه السلام ) كان هدفه الأساسي حفظ الدين وإحياء السنّة وإماتة البدعة ، ولم يكن يفعل ذلك بالقوّة ، فالدين ليس فيه إكراه فهو يبيّن للناس السنّة النبويّة ، ويميّز لهم البدعة ، فإن أبوا ذلك لم يقطع عادتهم بالعنف وإعمال قوّة الدولة ، وهذا ما لا تجده في أرقى أنظمة الحكم طوال


1) وسائل الشيعة ، الحرّ العاملي : 8 / ص 47 ، ح 10066 .

التاريخ . ومن هنا حقّ لعليّ ( عليه السلام ) أن يصرّح بأنّه يخاف ظلم رعيّته ، بينما كانت الرعايا ولا زالت دائماً تخشى ظلم سلاطينها وحكّامها على مرّ العصور .

ومن هنا يتّضح أيضاً بأنّ الناس لا بدّ لهم من إمام إلهي يهديهم إلى الحقّ ويقيم فيهم أحكام الدين ، وإلاّ لو ترك الأمر للناس لاتبّعوا أهواءهم وضلّوا عن جادّة الصواب ، وهذا لا يعني قيادة الناس بالطريقة العمرية الخشنة التي قد تجمع الناس لمدّة معينة على الطاعة بالقوّة ، لكنّها تخرّب أصل الدين وتدفع الناس بعد ذلك إلى المعيشة في حالة ردّ فعل إزاء الضغوطات السابقة .

نشاطات علي رضا العطاس :

استفاد « علي رضا » من العلم الذي كسبه بعد استبصاره ثمّ اندفع إلى زكاة هذا العلم بنشره وتبليغه للناس كلّما سنحت له الفرصة بذلك .

ثمّ ألف كتاباً في مجلّدين باللغة الأندونيسيّة عنوانه « إجابة الشيعة » وردّ فيه على الأسئلة والشبهات المفترضة وحاول أن يوضّح في هذا الكتاب رأي أهل البيت ( عليهم السلام ) . كما أنّه ترجم عدّة كتب ومقالات دينيّة مفيدة إلى اللغة الأندونيسيّة منها كتاب « السير إلى اللّه » للشيخ مصباح اليزدي .

(63) علي بن عقيل( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في أسرة مسلمة تنتمي إلى المذهب الأشعري في العقائد والمذهب الشافعي في الفقه والأصول ، وبقي على مذهب آبائه وأسلافه في أجواء هادئة وكان يحسب بأنّ العقيدة التي ينتمي إليها عقيدة حقّة وقد بذل الآباء غاية جهدهم لاستخلاصها من الواقع وأراحوا من بعدهم من عناء ومشقّة البحث ، فلا داعي للأبناء أن يبذلوا الجهد مرّة أُخرى .

التقليد أم البحث ؟ :

كان ل‍ « علي بن عقيل » صديق مستبصر يدعى « علي الحبش » ، وكان يختلف معه في الرأي ، ويعتقد بأنّ التقليد أمر مذموم في الإسلام وينبغي للناس أن يخصّصوا وقتاً لأنفسهم للبحث عن عقائدهم ، لأنّ العقيدة ليست من الأمور التي تقلّد ، ولو أغلق الإنسان باب البحث على نفسه فإنّ أصحاب الديانات الباطلة سيبقون على باطلهم ، ولكن البحث هو الذي يحرّر الإنسان من أسر الضلال وهو الذي يدفع الإنسان للوصول إلى الحقيقة .

ومن هذا المنطلق اقتنع « علي بن عقيل » بفكرة صديقه ، وبدأ من ذلك الحين بالبحث في الصعيد العقائدي والمبادرة إلى غربلة مرتكزاته الفكريّة .

صعوبات نبذ التقليد :

واجه « علي بن عقيل » الكثير من الصعوبات والمشاكل في معرفته للحقّ

عن طريق البحث ، وكان يحسب بأنّه سيصل إلى الحقيقة بسهولة ، ولكنّه وجد بعد ذلك بأنّ الطريق صعب جداً ، وتكمن صعوبته أولا : من ناحية الملابسات الموجودة في المسائل العقائديّة ، وثانياً وجد بأنّه توصّل بعد البحث إلى نتائج معاكسة للآراء المشهورة التي كانت سائدة في أوساطهم الاجتماعيّة ، فأيقن من الناحية العقليّة بأنّ مجتمعه خاطئ في هذا المجال ، وعليه أن يتّبع طريقاً آخر ، ولكنّه وجد بأنّ النفس لا تسمح له بالتخلي عن العقائد المشهورة ، وتهدّده من جهة أُخرى بأنّ مخالفته للمشهور يؤدّي إلى خسرانه الكثير من المصالح الدنيويّة .

وفي خضم هذه الصراعات النفسيّة التي كان يعيشها « علي بن عقيل » تساءل في نفسه بأنّ صديقه كيف تمكّن أن يتحوّل من المذهب السني إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ؟ ولكنّه في نفس الوقت وجد في نفسه القدرة على هذه الخطوة الجبّارة التي خطاها صديقه في اجتيازه للعقبة التي يضعها أبناء مجتمعه ، وعلم « علي بن عقيل » بأنّ الإنسان الذي يتّبع الحقّ ويسير وفق النتائج التي أملتها عليه الأدلّة والبراهين خلال البحث ويترك التقليد الأعمى فإنّه إنسان حرّ وجدير بالإجلال والتقدير ، وأمّا الإنسان الذي يخشى من أبناء مجتمعه ولا يترك عقائده التي أخذها عن تقليد ولو تبيّن له بطلانها فإنّه شخص جبان ومستضعف وهو محاسب عند اللّه تعالى .

الإصغاء إلى قول المخالفين :

حاول « علي بن عقيل » أن يهيمن على عواطفه ، وأن يعيش حالة التماسك في الصعيد النفسي وأن يواصل البحث ليتعرّف على الأدلّة والبراهين التي دفعت صديقه إلى تغيير انتمائه المذهبي .

وبمرور الزمان توصّل « علي بن عقيل » إلى نفس النتائج التي توصّل إليها صديقه ، فشعر بارتياح نتيجة تحرّره من أسر التقليد والاتّباع الأعمى الذي كان مهيمناً على وجوده ، وشعر بارتقاء مستواه الفكري وقدرة اختياره للمباني الفكريّة

والأسس العقائديّة حسب ما تملي عليه الأدلّة والحجج والبراهين .

تغيير الرؤية التوحيديّة :

إنّ الأدلّة والبراهين التي توصّل إليها « علي بن عقيل » أدّت إلى تغيير رؤيته الكونيّة ومنها عقيدته باللّه تعالى ، لأنّه كان يعتقد بأنّ اللّه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد (1)

الملل والنحل : 1 / 42 .

ويجوز له أن يدخل النار من يشاء ولو كان ذلك الشخص هو أعظم المطيعين وهو رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويجوز له أن يدخل من يشاء إلى الجنة كإبليس وفرعون ونمرود وجميع الطواغيت ، لأنّ اللّه تعالى يفعل ما يشاء ولا يُسأل عما يفعل !

وقد علم « علي بن عقيل » بعد البحث بأنّ العدل الإلهي ليس قيداً لأفعال اللّه تعالى ، لأنّ الحريّة الإلهية منزّهة عن النقص والظلم والقبائح ، وقولنا « يجب على اللّه كذا » لا يعني كونه تعالى مأموراً لغيره وأنّ غيره حاكم وآمر عليه ، بل يعني ذلك أنّنا نكتشف عن طريق التأمّل في صفاته تعالى بأنّه حكيم ، والحكيم لا يفعل القبيح ، لأنّ فعله للقبيح يخلّ بحكمته .

وأما قوله تعالى ( لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ ) (2)فلا تعني أنّ اللّه تعالى يفعل ما يشاء ولو كان ذلك مخالفاً للحكمة ، بل تدل هذه الآية بأنّه لا يوجد آمر وناهي عليه حتّى يسأله عن فعله كما يُسئل الناس ، كما تدلّ هذه الآية بأنّه لا معنى للسؤال عن فعله تعالى لأنّه حكيم ، والحكيم لا يفعل إلاّ ما تقتضيه الحكمة .

ومن هذا المنطلق عرف « علي بن عقيل » سبب اهتمام الشيعة بالعدل الإلهي ، وعرف بأنّ سبب اهتمامهم هو تنزيه الأفعال الإلهيّة عن القبائح وعن


1) قال الشهرستاني : « أما العدل فعلى مذهب أهل السنة أنّ اللّه تعالى عدل في أفعاله ، بمعنى أنه متصرف في مُلكه وملكِه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد » .

2) الأنبياء (21) : 23 .

الإخلال بالواجب في حكمته ، وعرف « علي بن عقيل » بأنّ العدل الإلهي له من الأهمية بحيث لا يمكن إثبات النبوة من دون إثباته ، لأنّه تعالى لو لم يكن عادلا ، فكيف يمكن الوثوق بصدق قوله عندما يعطي المعجزة بيد بعض أنبيائه ، ولكنّ الإيمان بأنّ اللّه تعالى عادل هو الذي يزرع الطمأنينة في قلوبنا بأنّه تعالى لا يفعل القبيح ولا يرسل أنبياءه إلاّ بالصدق (1).

ومن جهة أخرى فلولا العدل لما أمكن من إثبات المعاد ، لأنّ العدل الإلهي هو الذي يفرض علينا أنّه تعالى سيحاسب المجرمين والمعاندين ، ولكنّنا لو قلنا بأنّ اللّه تعالى يفعل ما يشاء ولو كان ذلك خلاف الحكمة ، فلا يمكننا الإيمان بالمعاد ، لأنّه تعالى قد يشاء أن يدخل من يشاء النار ، وأن يدخل من يشاء الجنة أو أن لا يعقد المعاد أبداً ، وأن لا يهتمّ بما فعله العباد في الدنيا .

ومن هنا عرف « علي بن عقيل » سبب اهتمام الشيعة بالعدل ، ولم يتردّد في التحاقه بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) عندما تبيّن له أنّ الحقّ معهم ، فأعلن اسبتصاره وبدأ صفحة جديدة من حياته وكان عنوان هذه الصفحة اتّباع الثقلين : القرآن الكريم والعترة النبويّة الطاهرة .


1) انظر نهج الحق وكشف الصدق ، العلاّمة الحلّي : 72 .

(64) علوي بن شعيب( شافعي / أندونيسيا )

الصورة

D11

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في مدينة « فرواكرتا » فغذّته الأجواء التي ترعرع فيها عقيدة أهل السنّة وفق المذهب الشافعي ، وبقي على هذا الانتماء المذهبي حتّى تعرّف عن طريق توسيع دائرة مطالعاته وقراءة الكتب الشيعيّة بوجود الكثير من الثغرات في مذهبه الموروث ، فدفعه ذلك إلى المزيد من البحث حتّى توصّل إلى أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتخلّى عن مذهبه السابق واعتنق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

موقف الإمام علي ( عليه السلام ) من بيعة أبي بكر :

لم يكن « علوي بن شعيب » مطّلعاً على حقائق ما جرى بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والاختلاف الذي وقع في أمر الخلافة ، وكان يظن بأنّ الناس اجتمعت بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على خلافة أبي بكر ولكنه وجد بعد اطّلاعه على الحقائق بأنّ التاريخ يذكر بأنّ الإمام علياً ( عليه السلام ) لم يبايع أبا بكر إلاّ بعد ستة أشهر (1).

وجاء في تاريخ اليعقوبي : « وكان المهاجرون والأنصار لا يشكّون في علي ، فلما خرجوا من الدار قام الفضل بن العباس ، وكان لسان قريش ، فقال : يا معشر قريش ، إنّه ما حقّت لكم الخلافة بالتمويه ، ونحن أهلها دونكم ، وصاحبنا أولى بها منكم .


1) صحيح البخاري : 3 / ص 80 ، ح 4240 - 4241 .

وقام عتبة بن أبي لهب فقال :

ما كنت أحسب أنّ الأمر منصرف * عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن

عن أول الناس إيماناً وسابقةً * واعلم الناس بالقرآن والسنن

وآخر الناس عهداً بالنبي ومن * جبريل عون له في الغسل والكفن

من فيه ما فيهم لا يمترون به * وليس في القوم ما فيه من الحَسن

فبعث إليه عليّ فنهاه [ درءاً للفتنة ] .

وتخلّف عن بيعة أبي بكر قوم من المهاجرين والأنصار ، ومالوا مع علي بن أبي طالب ، منهم العباس بن عبد المطلب ، والفضل بن عباس ، والزبير بن العوّام بن العاص ، وخالد بن سعيد ، والمقداد بن عمرو ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر الغفاري ، وعمّار بن ياسر ، والبراء بن عازب ، وأُبي بن كعب . . . » (1).

وجاء في تاريخ اليعقوبي أيضاً : « وبلغ أبا بكر وعمر أنّ جماعة من المهاجرين والأنصار قد اجتمعوا مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة بنت رسول اللّه ، فأتوا في جماعة حتى هجموا على الدار . . . ودخلوا الدار فخرجت فاطمة ، فقالت : واللّه لتخرجن أو لأكشفن شعري ولأعجّن إلى اللّه ! فخرجوا وخرج من كان في الدار وأقام القوم أياماً ، ثم جعل الواحد بعد الواحد يبايع ، ولم يبايع علي إلاّ بعد ستة أشهر وقيل أربعين يوماً » (2).


1) تاريخ اليعقوبي : 2 / 84 .

2) المصدر السابق : ص 85 - 86 .

الالتحاق بشيعة الإمام علي ( عليه السلام ) :

إنّ الحقائق التي اطلع عليها « علوي بن شعيب » دعته إلى المزيد من التأمل ، ثم أجرى مقارنة بين منزلة الإمام علي ( عليه السلام ) ومقامه ومنزلة غيره ، فرأى أنّ الحق يكمن في اتباع الإمام علي ( عليه السلام ) وعدم الرضا ببيعة أبي بكر التي يصفها عمر بأنّها فلتة وقى اللّه شرّها (1).

ومن هذا المنطلق قرّر « علوي بن شعيب » أن يكون من شيعة الإمام عليّ ( عليه السلام ) .

مواصلة البحث :

واصل « علوي بن شعيب » بعد ذلك بحثه في رحاب التاريخ الإسلامي ، فرأى بمرور الزمان أنّ الكثير من القضايا التي كان يعتقد بأنّها من المسلّمات تبيّن زيفها من خلال البحث فدعاه ذلك إلى المزيد من البحث وغربلة مسلماته الموروثة .

ومن هذا المنطلق توصّل « علوي بن شعيب » إلى حقائق دعته في نهاية المطاف إلى التخلّي عن معتقداته الموروثة والالتحاق بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

اجتياز المرحلة الصعبة :

إنّ « علوي بن شعيب » لم يجتاز مرحلة التغلّب على تعصّباته العقائديّة والخضوع للحقّ بسهولة ، ولكنّه تمكّن بأيّ صورة ممكنة من اجتياز هذه المرحلة ، ولكن كانت المرحلة القادمة أصعب بكثير من المرحلة السابقة ، وكانت هذه المرحلة هي إعلان استبصاره ومواجهة ردود أفعال أبناء مجتمعه والتعرّض لسخط من حوله وصدور أحكام التكفير في حقّه وغير ذلك من التبعات الشاقّة .

ولكن تمكّن « علوي بن شعيب » من اجتياز هذه المرحلة أيضاً ، وكان يفكّر


1) المصنف : ابن أبي شيبة الكوفي : 8 / ص 570 ، ح 1 .

دائماً بالغربة التي عاشها الإمام عليّ ( عليه السلام ) بعد وفاة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكان هذا التفكير يمنحه القوّة للصمود أمام كافّة التيّارات المضادّة التي حاولت أن تعيده إلى مذهبه الموروث ، ولكن أبى ذلك ، وصبر في سبيل اللّه تعالى ، وجاهد نفسه ، وثبت على الصراط المستقيم .

وكان « علوي بن شعيب » يشعر إزاء صموده هذا بالطمأنينة والسكينة ، لأنّه كان يعي بأنّه يتمسّك بمذهب قام عليه الدليل ، وهو بخلاف من حوله لا يسير وفق ما تملي عليهم الأجواء من معتقدات لا دليل عليها سوى التزام السلف بها .

واستمرّ « علوي بن شعيب » على هذا المنوال محاولا توعية الآخرين بأنّ رضا اللّه تعالى يكمن في رفض التقليد الأعمى والجهاد في سبيله لمعرفة الحقّ ثمّ المبادرة إلى اعتناق الحقّ مهما كلّف الأمر والاستعداد للتضحية في هذا السبيل بالمال والنفس ، وانّ اللّه تعالى قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة .

(65) علوي محمّد العطّاس( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1388 ه‍ ( 1969 م ) في مدينة « بكلونجن » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، تلقّى دراساته الابتدائيّة في المدرسة السلفيّة وتدرّج فيها حتّى تخرّج منها بعد إتمامه للدراسات العليا ، كما أنّه حصل على دبلوم اللغة من معهد اللغة العربيّة في « جاكرتا » عاصمة أندونيسيا .

توجّه بعد التحاقه بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى الدراسات الحوزويّة في مدينة قم المقدّسة . وتفرّغ - بعد ذلك - لمهمّة التبليغ الديني والدعوة إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) من خلال التدريس والوعظ وترجمة الكتب ونشرها .

كيفيّة تعرّفه على التشيّع :

كان اعتناق « علوي محمّد العطّاس » لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) من خلال رحلة بحث علمي وتنقيب موضوعي ، حيث وجد أنّ مذهبهم هو الطريق الصحيح للوصول إلى رضا اللّه تعالى .

ورغم أنّ عمدة دراسته كانت في المدرسة السلفيّة الوهابيّة ، إلاّ أنّه كان شغوفاً بقراءة كلّ ما هو إسلامي جديد في ساحة النشر ، ويبدو أنّ المدرسة الوهابية لم تستطع آنذاك أن تضيّق آفاق فكره عما يقوله الآخرون من المسلمين ; ومن هنا واصل « علوي محمّد العطّاس » قراءته لبعض الكتب والمجلاّت الإسلاميّة لكافّة المذاهب ، بما فيها كتب ومجلات أبناء المذهب الشيعي ; فتأثّر بها وأجرى مقارنة

علميّة فيما بينها وتابع المسائل الخلافيّة والوفاقيّة التي توردها ، فوجد أنّ ما يقوله الشيعة قويّ الحجّة ويستند إلى القرآن والسنّة النبويّة الشريفة حسب ما ينقله أهل السنّة أنفسهم فضلا عن كتبهم الخاصّة بهم ، غير أنّه واجه بعض الشبهات في دراسة عقائدهم ، ووجد بعض اللبس في فهم قضاياهم الخاصّة بهم ، ولكنّه - مع ذلك - واصل درب التحقيق والبحث ، فاستفهم عن هذه المسائل ، وسأل من لاقاه من الشيعة وخصوصاً بعض علمائهم ، فأناروا له ما كان مبهماً عليه ، ووضّحوا له سبيل الحقّ ، وحذّروه من المزالق التي ينصبها الشيطان لمنع المؤمنين عن مواصلة السير على الصراط المستقيم .

لقاء صحفي له مع مجلة المنبر :

أجرت مجلة المنبر التي تصدر في الكويت عن هيئة خدّام الإمام المهدي ( عليه السلام ) حواراً صحفيّاً معه فتحدّث « علوي محمّد العطّاس » فيه عن استبصاره ، وعن أوضاع الشيعة في أندونيسيا ونشاطاتهم نورد مقتطفات من هذا الحوار :

عوامل استبصاره :

المنبر : ما هي العوامل التي دفعتكم إلى ترك المذهب السنّي واعتناق العقيدة الإماميّة ؟ ومتى كان ذلك ؟

الجواب : رغم أنّ عمدة دراستي كانت في المدرسة السلفيّة ( الوهابية ) إلاّ أنّني كنت شغوفاً بقراءة كل ما هو إسلامي جديد ، لذا فإنّني كنت متابعاً جيّداً لمجلة ( المواقف ) البحرينيّة إضافة للإرساليات التي كانت تردنا من دار التوحيد في الكويت ، والكتب الإسلامية المترجمة من العربيّة إلى الأندونيسيّة . وأثناء ذلك ، كنت ألتقي بعدد من أتباع الإمام السيد موسى الصدر ، الأمر الذي أزال اللبس عندي حول كثير من القضايا التي تخصّ المذهب الشيعي .

ولقد قادني ذلك كلّه بعد رحلة بحث وتنقيب شاقّة ، إلى اعتناق مذهب أهل

البيت ( عليهم الصلاة والسلام ) لأنّني وجدته الطريق الأسلم للوصول إلى اللّه تعالى .

المنبر : هل أثّر تشيّعك في انتقال أفراد أسرتك وأصدقائك مثلا إلى المذهب الحقّ ؟

الجواب : نعم بلا شك ، فبسبب المدّ الإسلامي العالمي تعرّفنا على منهج أهل البيت ( صلوات اللّه عليهم ) أكثر فأكثر ، وهو ما ساعد كثيراً على اقتناع أسرتي وأصدقائي وأساتذتي أيضاً بالتشيّع ، وهم في الواقع كشفوا عن هويتهم الضائعة .

الهويّة الضائعة للشعب الأندونيسي :

المنبر : أيّ هويّة ضائعة ؟

الجواب : إننّي أعتقد بأنّ غالبية الشعب الأندونيسي كانوا من الشيعة بيد أن الظروف التي طرأت على هؤلاء أثّرت تأثيراً كبيراً في اضمحلال هذه العقيدة ، وكدليل على اعتقادي فإنّ السلاطين الذين يحكمون في ( سومطرة ) أو ( كوالا ) ما زالوا يحتفظون بكثير من التقاليد والعادات الشيعيّة المتوارثة منذ عشرات السنين رغم أنّهم فعلياً لا يعرفون أركان وأصول العقيدة الإماميّة . إنّنا لو رجعنا لكتاب ( أعيان الشيعة ) لعرفنا أنّ من يحمل نسب أهل البيت ( عليهم السلام ) من السادة في أندونيسيا يتجاوزون 20 مليون شخصاً ! وبالطبع فإنّ من ينتمي إلى هذا المذهب أكثر بكثير ! لكن ضعف الوعي الديني من جهة وانقطاع أندونيسيا عن العالم الإسلامي من جهة أُخرى بفعل الاستعمار أذابا كثيراً من العقائد والركائز الشيعيّة .

ومن طريف ما يذكر أنّ من عاداتنا التي لا تزال متّبعة في أندونيسيا صب الماء على ناصية المرأة ورجلها عندما تتزوّج ، وهذا إحدى تعاليم الأئمة ( عليهم السلام ) ، وهي عادة مختصّة بالمذهب الجعفري وحده دون سائر المذاهب .

كما أنّ الشعب الأندونيسي ملتزم منذ عشرات السنين بإحياء شعائر أبي عبد اللّه الحسين ( عليه الصلاة والسلام ) في شهر محرّم الحرام ، فتجد منابر حسينيّة

في كلّ البقاع الأندونيسيّة وكلّ الضواحي والمناطق ، ويحضرها رجال ونساء وأطفال وشيوخ وكذلك كبار مسؤولي الدولة . أمّا في مدينة ( سومطرة ) الغربيّة فثمّة عادة مميّزة تجري في كل شهر محرّم ، حيث يجتمع الشيعة والسنّة في جموع غفيرة ليعدّوا نعشاً يمثّل نعش الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، ويطوفون به لمدّة أربعة عشر يوماً نسبة إلى عدد المعصومين الأربعة عشر ( عليهم السلام ) في الشوارع والميادين والساحات العامّة نادبين لاطمين ، والصحف تقوم في مثل هذه المناسبة بتغطية إعلاميّة مميّزة حول شخصيّة سيّد الشهداء صلوات اللّه عليه وشهداء الطفّ العظيم . أمّا في مدينة ( بريامان ) وهي مشتقّة من اللفظة العربية ( بر الأمان ) فهناك خمسة ملايين يقومون بهذه الشعائر كلّ عام .

تاريخ التشيّع في أندونيسيا والبلدان المجاورة :

المنبر : إذن . . حدّثنا عن تاريخ التشيّع في أندونيسيا ؟

الجواب : أتصوّر أنّ انتشار مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) في أندونيسيا جاء بفعل هجرة تجار شيعة من اليمن الجنوبي قبل عشرات السنين ، وقد قام هؤلاء بالتبشير بالمذهب الجعفري ودعوة الناس إلى اتّباع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولقد كان معظمهم من السادة الأشراف .

وبطبيعة الحال . . كان للتزاوج الذي حصل بين أولئك وبين الشعب الأندونيسي دوراً رئيسيّاً في زرع بذرة التشيّع هناك . ولذلك فقد اكتشفت أسرتنا أنّ أجدادنا هم من اليمن ، والأندونيسيون على هذه الحال أخوالنا ، كما لا ننسى أنّ ثمّة دور كبير لعبه الدعاة والمبلّغون الذين أتوا من العراق وإيران في الترويج للمذهب الاثني عشري .

المنبر : وماذا عن البلدان المجاورة لأندونيسيا ؟

الجواب : التشيّع منتشر في معظم هذه البلدان ، ولعلّك تجد في سنغافورة وماليزيا مؤتمرات وندوات إسلاميّة جعفريّة كثيرة على مدار العام ، وهناك اهتمام

كبير بقراءة دعاء كميل كلّ ليلة جمعة ، وفي تايلند نسبة جيّدة من الشيعة ، أمّا في ماليزيا فإنّ اتّحاد الطلبة هناك يميل كثيراً إلى شخصيّات الأئمة ( عليهم السلام ) ، وعادة ما يسلّط في أدبياته وخطاباته الأضواء على حياتهم وسيرتهم .

معنى أن يكون المرء شيعياً :

المنبر : بعد تشيّعك . . ما هو معنى أن يكون المرء شيعياً من وجهة نظرك الشخصيّة ؟

الجواب : التشيّع في نظري هو أن تكون مثالا يترجم تعاليم أهل البيت ( عليهم الصلاة والسلام ) ، لا أن تكتفي بالرداء الشيعي . إنّ قول المرء : أنا شيعي . . قول عظيم جدّاً يحتاج إلى برهان ، فالتشيّع مرتّبة عظيمة لا يبلغها إلاّ من اكتسب الأخلاق الإسلاميّة الرفيعة والتزم بتقوى اللّه وسيرة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

الدعوة والتبليغ :

المنبر : ما هي الخطوات العمليّة التي قمتم بها على صعيد نشر مذهب آل محمد ( عليهم السلام ) ؟

الجواب : إنّ لنا كثيراً من الأنشطة التي تهدف إلى إعادة الهويّة الضائعة للشعب الأندونيسي رغم إمكانيّاتنا المتواضعة ، وأخيراً قمنا بترجمة كتابي ( المراجعات ) و ( ليالي بيشاور ) فنالا إعجاب الجماهير الأندونيسيّة المتعطّشة لذكرى أهل البيت ( صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ) . . . أنتم لا تعرفون ما الذي أحدثه هذا الكتاب ، لكنّي أقول أنّه كان بمثابة من أوقظ الشعب من سبات عميق ، بل إنّه أحياه من جديد ، وأنار له درب الولاية .

المؤسّسات الشيعيّة في أندونيسيا :

المنبر : ماذا عن المؤسّسات الشيعيّة في أندونيسيا ؟

الجواب : عندنا مؤسّسات إماميّة رسميّة يبلغ عددها حوالي 12 مؤسّسة ،

بين مسجد وحسينيّة ومركز ، ومعظمها في مدينة ( بندونج ) العلميّة ، وهي مدينة ذات كثافة شيعيّة وفيها جمع من طلاب الحوزات العلميّة ، غير أنّ هذه المراكز ليست سوى نقطة في بحر ، فالذي يؤلمني أنّ كثيراً من المناطق والمقاطعات بحاجة إلى مساجد أو حسينيّات على الأقل ، لكنّنا لا نستطيع إقامتها هناك .

وعلى كلّ حال فإنّنا نطمح إلى بناء مركز إسلامي إمامي متكامل تنبثق منه فروع في مختلف أنحاء الوطن .

(66) علي أبو بكر الحبشي( شافعي / أندونيسيا )

الصورة

D12

مرّت ترجمته في ( 1 / 413 ) من هذه الموسوعة . ونشير إلى سائر ما وقفنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل :

استطاع « علي » من خلال البحث والتحقيق في الكتب المعتبرة عند أهل السنّة أن يصل إلى حقائق متروكة نتيجة الاضمحلال في الجانب العقلي ، والذي أدى إلى إضفاء القداسة على التراث الماضي .

فاقتصرت مهمّة العقل فقط في تلقّي الموروثات من دون تحقيق وتدقيق . وكانت نتيجة هذا الركود في الجانب الفكري ، فيبقى الحل الوحيد لطالب الحقيقة هو الخروج من أسر التبعية والمواريث ، وإتاحة الفرصة للعقل في تمييز الالتباسات والوقائع التي يمارسها الباحث .

يقول « علي » : وكشفت لي الدراسات المعمّقة لصحيح البخاري وشروحه أُموراً لم أكن أتوقعها من قبل ، فإنّها أدّت إلى فقدان اعتبار هذا الكتاب عندي ، وهذا ما دفعني لإعادة النظر في كلّ الموروثات ، وإذا بي أجد فراغات وثغرات عقائدية لا يمكن ترميمها إلاّ من خلال البحث الحرّ وإعطاء العقل مكانته للوصول إلى نتائج خالية من كلّ شائبة .

ومن البديهي أنّ البخاري وغيره من الصحاح ليس كفؤ للقرآن ، وهذا ما

يؤكّد عدم صحّة كلّ ما جاء فيها ، بل غاية ما يقال : إنّ البخاري كتاب روائي لا يسلم من الخلل والضعف .

يقول « علي » : فتابعت بحثي وكانت النتيجة باهرة ، فأزالت الحجب عن بصيرتي فاهتديت بنور أهل البيت ( عليهم السلام ) والحمد للّه .

(67) عمار فوزي( شافعي - أندونيسيا )

ولد سنة 1394 ه‍ ( 1975 م ) ، في مدينة « فرواكرتا » بأندونيسيا ، ونشأ في عائلة شافعيّة المذهب ، درس بعد استبصاره في الحوزة العلمية في مدينة قم المقدّسة .

بداية رحلة استبصاره :

اعتنق « عمار فوزي » مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بعد مطالعة واسعة لكتب المذهب الشيعي ومقارنتها مع كتب أهل السنّة ، والسؤال من العلماء للتثبّت من المسائل المطروحة ودقّة مصادرها ودلالاتها الواردة في الكتب .

وقد خرج « عمار فوزي » بحصيلة علميّة كبيرة من هذه المطالعات والمباحثات والتي أهلّته لاستخلاص النتائج المطلوبة في تمييز الصحيح من الخطأ ، وتفريق الحقّ عن الباطل وقد رأى من خلال ذلك أنّ أدّلة المذهب الشيعي قويّة جداً رغم كلّ التهم والافتراءات التي هاجمته طوال التاريخ ، كما أنّ الكثير من هذه الأدلّة موجودة في مصادر الفرق الأخرى بما فيها مصادر أهل السنّة التي يكثر فيها التحريف والتدليس .

وقد شكّلت مسائل التحريف جانباً مهمّاً من القضايا التي تابعها « عمار فوزي » وخصوصاً الاتّهام الشنيع بتحريف القرآن معجزة الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) .

مكانة القرآن وعظمته :

إنّ القرآن هو كتاب الله المعجز الذي تحدّى به البشريّة أن تأتي ولو بسورة من مثله ، وهو الثقل الأكبر الذي خلّفه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأمّته ، وهو الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، وهو الذكر الذي تعهّد الله سبحانه بحفظه وجمعه وقراءته ، وهو الكتاب الذي تعرض عليه الروايات التي إن خالفته ضرب بها عرض الجدار .

وهو الكتاب المنقول بشكل متواتر جيلاً بعد جيل ، وهو الكتاب الذي أوصى الرسول ( صلى الله عليه وآله ) والأئمّة ( عليهم السلام ) بحفظه وتدبّره وفهمه واستنطاقه وتلاوته وتعليمه والتمسّك به ، وبينوا فضله وذكروا ثواب قراءته .

نسبة التحريف إلى القرآن الكريم :

كيف ينسب التحريف إلى هذا الكتاب العظيم بأدلّة باهتة ما أنزل الله بها من سلطان - ويا للعجب - فإنّ بعض أعلام العامّة سلّطوا الضوء على اخبار ضعاف وأوّلوها على ما سوّلت لهم أنفسهم من القول بتحريف القرآن لغفلتهم عن عظمته ولعجزهم عن تأويل بعض الأخبار الواردة في التحريف ، والتي هي في الواقع من أخبار التحريف المعنوي أي في تفسير القرآن وفهمه لا في التحريف اللفظي ، حيث أجمع المسلمون على عدم وجوده في القرآن العظيم إلاّ شرذمة قالت بالتحريف لاشتباههم بين اختلاف القراءات وتحريف القرآن .

وقد دافع العلماء المحقّقون والمجتهدون عن عظمة الكتاب العزيز وردّوا على ما قاله البعض بتحريفه .

هذا وقد استغلّت أخبار التحريف من قبل دعاة التعصّب المذهبي لإسقاط آراء من يريدون من المذاهب الأخرى واتّهامهم بالانحراف والضلال .

وقد اتّهم الشيعة طوال التاريخ الإسلامي بذلك من قبل السطحييّن المتعصبيّن وذلك لمجرّد ورود الشبهات في أذهانهم من دون المحاولة لفهمها على

حقيقتها وأسبابها ، وكان لا بدّ لهم من التثبّت قبل توجيه الاتّهام إلى أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) جزافاً .

بينما نجد في المقابل علماء الشيعة المجتهدون يردّون التهم بالدليل والحجّة ولا يتهمون أحداً رغم وجود ما يدعو إلى ذلك في تراث نفس المتّهمين .

فهذا ابن حزم يتّهم الشيعة بالقول بتحريف القرآن الكريم ، وهو نفسه يقول بنسخ التلاوة وبقاء الحكم في آية الرضاع وآية الرجم وما هذا إلاّ التحريف بعينه ، بينما علماء الشيعة بأجمعهم لا يستفيدون من مثل هذه الأخبار الآحاد في القطعيّات علماً ولا عملاً بخلافه هو حيث استفاد منها وأفتى بها في مجال الفقه في أمرين مهمّين وهو التحريم بالرضاع ، وفي الحدود مثل الرجم في الزنا الذي يؤدّي إلى الموت .

تخلّيه عن معتقداته الموروثة :

وجد « عمّار فوزي » بعد الفترة الطويلة التي أمضاها بحثاً عن الحقّ بأنّ الأدلّة والبراهين تحتّم عليه التخلّي عن معتقداته الموروثة وتغيير انتمائه المذهبي والتمسّك بمعتقدات مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ولم يسمح « عمار فوزي » لهواه أن يمنعه من اتّباع الحقّ ، فكبت هواه وسيطر على نفسه وأعلن استبصاره وتمسّكه بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(68) عمر بن شهاب( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « بلمبنغ » ، واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة جامعيّة مرموقة ، ثمّ عُيّن بعد ذلك أستاذاً في الجامعة ، عاش برهة من الزمن منتمياً إلى المذهب الشافعي الذي ورثه من آبائه ، ولكنّه لم يكن من الذين قال اللّه تعالى فيهم : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ ) (1)ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : 2 / ص 149 .(2)وحينما لفت البعض انتباهه بأنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) أفضل من المذهب الذي ورثه من آبائه خلع رداء التعصّب من نفسه ، وأقبل على دراسة هذا المذهب ضمن الكتب المتوفّرة لديه ، وقارن قدر وسعه بينه وبين مذهبه ، فرأى أدلّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) واضحة لكلّ ذي عقل متحرّر من العناد واللجاج ، ولهذا أعلن استبصاره ثمّ استعدّ للتضحية في سبيل عقيدته بكلّ ما يمتلك .

كثرة فضائل الإمام علي ( عليه السلام ) :

إنّ من أهمّ الأمور التي لفتت انتباه « عمر بن شهاب » خلال بحثه في كتب الأحاديث النبويّة هي كثرة الفضائل التي قد تحلّى بها الإمام علي ( عليه السلام ) منها :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « ما اكتسب مكتسب مثل فضل علي ، يهدي صاحبه إلى الهدى ، ويردّه عن الردى » (2) .


1) البقرة

2) : 170 .

وورد عن محمّد بن منصور الطوسي قال : سمعت أحمد بن حنبل يقول : ما جاء لأحد من أصحاب رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) (1).

وجاء في كتاب الإمام والسياسة : ذكروا أنّ رجلاً من همدان يقال له برد ، قدم على معاوية ، فسمع عمرو يقع في علي ( عليه السلام ) فقال له : يا عمرو ! إنّ أشياخنا سمعوا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : « من كنت مولاه فعلي مولاه » فحق ذلك أم باطل ؟ فقال عمرو : حق ، وأنا أزيدك أنّه ليس أحد من صحابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) له مناقب مثل علي ، ففزع الفتى . . . » (2).

وروى عن ابن عباس أنّه قال : نزلت في علي ( عليه السلام ) ثلاثمائة آية (3).

وجاء في في الصواعق المحرقة حيث قال : وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس ، قال : ما نزل في أحد من كتاب الله تعالى ما نزل في علي ( عليه السلام ) ثمّ قال وأخرج ابن عساكر عنه قال : نزل في علي ( عليه السلام ) ثلاثمائة آية (4).

الالتحاق بشيعة الإمام علي ( عليه السلام ) :

واصل « عمر بن شهاب » بحثه حتّى توصّل إلى حقائق ألزمته الالتحاق بشيعة الإمام علي ( عليه السلام ) ، فأعلن استبصاره ، ثمّ سافر إلى إيران وانتسب إلى الحوزة العلميّة في مدينة قم بهدف رفع مستواه في صعيد العلوم الدينّية ، وبقي في الحوزة العلميّة سنوات عديدة حتّى ارتوى بما يكفيه من العلم ، فعاد إلى بلاده داعياً ومبلّغاً وأصبح من الوجوه الشيعيّة البارزة في مدينته .


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ص 321 ح 4629 .

2) الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة : 93 .

3) تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : 6 / ص 219 / ح 3275 . ينابيع المودّة ، القندوزي الحنفي : 2 / ص 406 .

4) الصواعق المحرقة ، ابن حجر الهيتمي : 373 .

(69) فجر الدين مختار( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، حصل على شهادة الثانوية ثمّ تعرّف بعد ذلك عن طريق أصدقائه على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتوجّه نحو البحث في الصعيد العقائدي ، فأخذ البحث بيده وأراه ما لم يحط به علماً فيما سبق ، وبيّن له عظمة الإمام علي ( عليه السلام ) وما يمتاز به شيعته الفائزون .

الإمام علي ( عليه السلام ) وشيعته هم الفائزون :

ورد في ذيل قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (1)أخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال : كنا عند النبي ( صلى الله عليه وآله ) فأقبل علي ( عليه السلام ) فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : والذي نفسي بيده ، إنّ هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ، ونزلت ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) فكان أصحاب النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) إذا أقبل علي ( عليه السلام ) قالوا : جاء خير البرية (2).

فاشتاق فجر الدين أن يكون من شيعة الإمام علي ( عليه السلام ) وأن يكون الإمام علي ( عليه السلام ) حجّة الله عليه بعد الرسول كما قال ( صلى الله عليه وآله ) عندما رأى عليّاً ( عليه السلام ) مقبلاً : أنا وهذا حجّة على أمّتي يوم القيامة (3).


1) البيّنة (98) : 7 .

2) الدرّ المنثور ، السيوطي : 6 / ص 643 .

3) تاريخ بغداد ، الخطيب البغدادي : 2 / ص 86 .

وأحب « فجر الدين مختار » أن يكون الإمام علي ( عليه السلام ) سيّده وإمامه ، لأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : « أوحي إليّ في علي ثلاث ، أنّه سيد المسلمين ، وإمام المتقين ، وقائد الغرّ المحجلين » (1)

وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

، فازداد حبّ « فجر الدين مختار » للإمام عليّ ( عليه السلام ) لأنّه علم بأنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) يحبّه الله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) .

وقد ورد بأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) وصف الإمام عليّاً ( عليه السلام ) في خيبر بأنّه رجل يحبّه الله ورسوله (2)

صحيح مسلم : 3 / ص 1142 / ح 1807 .

.

الالتحاق بشيعة الإمام عليّ ( عليه السلام ) :

عندما عرف « فجر الدين مختار » بأنّ شيعة الإمام عليّ ( عليه السلام ) هم الفائزون وأنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) - كما وصفه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - سيّد المسلمين وإمام المتقين وقائد الغرّ المحجّلين ازداد شوقه للتعرّف على المذهب المنتمي للإمام عليّ ( عليه السلام ) فتوجّه إلى قراءة كتب أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ سافر إلى إيران والتحق بإحدى المدارس العلميّة في مدينة قم ليزداد علماً ومعرفة بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وبذل « فجر الدين مختار » غاية جهده من أجل التعرّف على الحقيقة ، وغاص في بطون الكتب العقائدية والكتب التاريخيّة وقارن بين أصول ومبادئ المذهب الشافعي ومذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) حتّى توصّل إلى أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ولم يترك « فجر الدين مختار » مواصلته للدراسة بعد الاستبصار ، بل بقي على اتّصال مع الكتب ومعارف أهل البيت ( عليه السلام ) لأنّه كان يرى بأنّ هذه الكتب والمعارف تمثّل الغذاء لروحه ، والروح لا يمكنها البقاء من دون غذاء .


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ص 348 ح 4726 .

2) صحيح البخاري : 2 / 267 / ح 2975 .

(70) فؤاد الهادي( شافعي - أندونيسيا )

ولد سنة 1391 ه‍ ( 1972 م ) في « جاكرتا » عاصمة أندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، أكمل المدرسة الثانويّة ، ثمّ التحق بالحوزة العلميّة .

بداية تعرّفه على التشيّع

إنّ اعتناق « فؤاد الهادي » لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) لم يتحقق إلاّ بعد مناقشات علميّة مع بعض أصدقائه الشيعة ، بالإضافة إلى مطالعته لكتب الشيعة ومقارنتها مع مصنّفات أهل السنّة في المسائل الإسلاميّة المختلفة الخلافيّة والوفاقيّة .

وقد وجد « فؤاد الهادي » خلال بحثه أنّ عقائد الشيعة وأحكامهم الفقهيّة تعود في أصولها إلى القرآن الكريم ، والسنّة الشريفة وذلك بخلاف ما كان يصوّره البعض حيث إنّهم كان يتهّمون أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بأنّهم يقولون بتحريف القرآن الكريم ، وأخرى نسبة الخيانة إلى الأمين جبرائيل ( عليه السلام ) وثالثة تأثّرهم باليهود و . . . وتعجّب « فؤاد الهادي » في بداية الأمر من الأسلوب غير الموضوعي الذي يستخدمه بعض أهل السنّة في قبال الشيعة ، ولكنّه بعد أن عرف حقيقة أهل البيت ( عليهم السلام ) ومقاماتهم الإلهيّة التي حباهم الله تعالى بها ، عرف أنّ كلّ هذا التشويه ضدّهم هو ممّن لا يسعه أن يرى انتصار الحقّ وخذلان الباطل .

ومن هنا تمسّك « فؤاد الهادي » بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وأخذ عنهم دون

سواهم كما أمر الله تعالى بالأخذ عنهم ومودّتهم وولايتهم ، ولم يبال بموقف المخالفين وكانت من المسائل التي لفتت نظره في مذهب آل البيت ( عليهم السلام ) مسألة الرجعة التي لها أصل في القرآن الكريم ، وقد وردت في أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ما هي الرجعة :

إنّ المقصود من الرجعة هو الرجوع إلى الحياة الدنيا بعد الموت ، ولا يحصل هذا لجميع الناس ، وإنّما يحصل للبعض - حسب روايات أئمّة الهدى من أهل البيت ( عليهم السلام ) - ممّن محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً ، ثمّ ينصر الله تعالى المؤمنين وينتقم لهم من الكافرين ، وينتصف للمظلومين من الظالمين ، ويعتبر هذا مظهراً يتجلّى فيه العدل الإلهي والقدرة الإلهيّة بنكال الظالمين وعذابهم على نفس الأرض التي أفسدوا فيها وملؤوها بالظلم والعدوان .

وقد قال تعالى : ( قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ ) (1)وقال عزّ من قائل : ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ ) (2).

إمكانيّة الرجعة :

لا شكّ في قدرة الله سبحانه وتعالى على إعادة الموتى إلى الحياة ، ولا خلاف في ذلك بين الموحدّين ، فلا داعي للاستغراب والاستنكار من قبل البعض ثمّ التشنيع والنبز على المؤمنين بذلك .

إنّ الرجعة هي معاد جسماني وبعث محدود كمّاً وكيفاً يحدث قبل يوم القيامة ، وما دامت قد وردت به الأخبار الصحيحة عن الأئمّة الصادقين ( عليهم السلام ) فلا يصحّ إنكاره بل يجب التسليم لذلك أو تركه في حيّز الإمكان إذا لم يكن هناك


1) السجدة (32) : 29 .

2) غافر (40) : 51 .

دليل قاطع على إبطاله من الكتاب الكريم أو السنّة النبويّة الشريفة .

ونحن نرى بأنّ القرآن الكريم يصرّح بحدوثه في الأقوام السابقين ، ويشير إلى حدوثه قبل يوم القيامة في آيات عديدة لا يمكن تفسيرها بغير ذلك .

إنّ جميع الأدلّة التي يقبلها المسلمون على إمكان المعاد يوم القيامة يمكن الاستناد إليها كدليل على إمكان الرجعة ، وذلك لأنّهما ظاهرتان متماثلتان من حيث النوع .

ولا خلاف بين المسلمين في الإيمان بالمعاد الذي جعلوه من أصول دينهم ، فهكذا الرجعة يؤمن بها الجميع من حيث الإمكان ، قال الآلوسي : ( وكون الإحياء بعد الإماتة والإرجاع إلى الدنيا من الأمور المقدورة له عزّ وجلّ ممّا لا ينتطح فيه كبشان إلاّ أنّ الكلام في وقوعه ) (1).

الرجعة في القرآن الكريم :

وردت آيات كريمة عديدة تدلّ على إمكان وقوع الرجعة بمعناها الخاص ، نذكر منها :

1 - قال تعالى : ( وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّة فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) (2).

تدلّ هذه الآية على وجود حشر خاص يشمل البعض من كلّ أمّة ، وهذا الحشر غير الحشر العام المذكور بعد هذه الآية بفاصلة ثلاث آيات ( وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ) (3)وبما أنّه لا حشر بعد يوم القيامة العام فلا بد أن يكون قبل يوم القيامة فيكون هو الرجعة ، ويدلّ عليه أيضاً أنّ هذه الآية وردت بعد آية دابّة الأرض وقبل آية نفخة


1) روح المعاني ، الآلوسي : 10 / ص 237 .

2) النمل (27) : 83 .

3) النمل (27) : 87 .

الصور ممّا يدل على وقوعها بين يدي القيامة .

2 - قال تعالى : ( قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوج مِّن سَبِيل ) (1)تدلّ هذه الآية صريحاً على الرجعة لبعض الظالمين إذ يخاطبون الله سبحانه بأنّه أماتهم مرّتين الأولى تكون بانتهاء آجالهم والثانية بعد عودتهم إلى الحياة ، وتأويلها بخلقهم أمواتاً لا يصحّ لأنّه ما ورد في الآية هو « أمتنا » ، وهذا لا يكون إلاّ بعد الحياة وأيضاً « أحييتنا » وهو لا يكون إلاّ بعد الموت .

ثمّ إنّ تأويلها بالحياة في القبر بعد الحياة في الدنيا لا يصحّ أيضاً لأنّ حياة القبر للمسائلة والحساب لا للتكليف والعمل حتّى يندموا على ما فاتهم في حياتهم باعترافهم بذنوبهم .

نشاطاته :

إنّ لفؤاد الهادي نشاطات تبليغية عديدة في نشر علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) بين أبناء أندونيسيا ، كالمحاضرات الدينيّة ، وترجمة الكتب ، وإقامة مجالس الذكر والعزاء ، وخصوصاً في مؤسّسة « مدينة العلم » في جاكرتا .


1) غافر (40) : 11 .

(71) محسن السقّاف( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1393 ه‍ ( 1974 م ) في أندونيسيا بمدينة « شربون » ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ توصّل بعد مطالعته لبعض الكتب الشيعيّة ومقارنة المذهب السنّي مع المذهب الشيعي إلى أحقيّة المذهب الشيعي ، فغيّر انتماءه المذهبي وأعلن استبصاره والتحاقه بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

عظمة الإمام علي ( عليه السلام ) :

إنّ من أهمّ الأمور التي دعت « السيد محسن السقّاف » إلى اتّباع منهج الإمام علي ( عليه السلام ) دون غيره من الخلفاء هو أنّ الخصائص التي يمتاز بها الإمام علي ( عليه السلام ) خصائص ربّانية لم يصل أحد من الصحابة إليها أبداً ، ومن هذه الخصائص :

ورد في مناقب علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) لابن مردويه : عن علي ( عليه السلام ) أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : كنت أنا وعلي نوراً بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم ( عليه السلام ) بأربعة عشر ألف عام ، فلما خلق الله آدم ( عليه السلام ) قسّم ذلك النور جزأين ، فجزء أنا وجزء علي (1).

وورد أيضاً في مجمع الزوائد :

عن بريدة ، قال بعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بعثين إلى اليمن على أحدهما علي بن


1) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : ص 285 / ح 450 .

أبي طالب ، وعلى الآخر خالد بن الوليد ، فقال « إذا التقيتم فعليٌّ على الناس ، وإن افترقتما فكل واحد منكما على جنده » قال : فلقينا بني زيد من أهل اليمن ، فاقتتلنا فظهر المسلمون على المشركين فقتلنا المقاتلة ، وسبينا الذرّية ، فاصطفى عليّ امرأة من السبي لنفسه ، قال بريدة : فكتب معي خالد بن الوليد إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يخبره بذلك ، فلمّا أتيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) دفعت الكتاب فقرى عليه ، فرأيت الغضب في وجه رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) فقلت : يا رسول الله ، هذا مكان العائذ بك بعثتني مع رجل ، وأمرتني أن أطيعه ، ففعلت ما أرسلت به ، فقال ( صلى الله عليه وآله ) : « لا تقع في عليّ ، فإنّه منّي وأنا منه ، وهو وليّكم بعدي » (1).

وورد عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) « من يريد أن يحيا حياتي ويموت موتي ويسكن جنّة الخلد التي وعدني ربّي فليتولّ عليّ بن أبي طالب فإنّه لن يخرجكم من هدى ولن يدخلكم في ضلالة » (2).

تبعيّة الحق :

إنّ الحقائق التي توصّل إليها « محسن السقّاف » دفعته في نهاية المطاف إلى الاستبصار والالتحاق بصف أتباع الإمام عليّ ( عليه السلام ) ، ثمّ درس مدّةً في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ثمّ سافر إلى إيران وانتسب إلى الحوزة العلميّة في مدينة قم ، وتلقى فيها علوم ومعارف أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .


1) مجمع الزوائد ، الهيثمي : 9 / ص 120 / ح 1432 . وقال : « رواه الترمذي باختصار . رواه أحمد ، والبزار باختصار ، وفيه الأجلح الكندي ، وثّقه ابن معين وغيره وضعفه جماعة ، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح » .

2) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / 341 / ح 4700 . وقال : « هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه » .

(72) محمد أمين سفيان( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « سورابايا » ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ توجّه بعد ارتقاء مستواه العلمي إلى معرفة عظمة درجة أهل البيت ( عليهم السلام ) ثمّ سمع بوجود مذهب يُدعى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فبحث حول هذا المبحث ، وقرأ كتب أتباعه واطّلع على مبادئهم وآرائهم وأدلّتهم وبراهينهم ، فتبلورت عنده قناعة بأحقّيتهم ، فترك مذهبه الموروث وانتمى إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

النبي سلم لمن سالم أهل البيت ( عليهم السلام ) :

وجد « محمد أمين سفيان » بأنّ اهتمام الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بأهل البيت ( عليهم السلام ) اهتمام ينبئ عن عظمتهم وإمتلاكهم المنزلة السامية التي لم تمنح لأيّ شخص غيرهم . منها :

عن زيد بن أرقم : أنّ رسول قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) : أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم (1).

وورد هذا الحديث أيضاً بصورة أخرى : نظر النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) إلى عليّ والحسن والحسين وفاطمة ( عليهم السلام ) فقال : أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم (2).


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ص 359 / ح 4772 . وأقرّه الذهبي في التلخيص . صحيح الجامع الصغير ، الألباني : 1 / ص 306 / ح 1462 وقال : « حسن » .

2) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ص 359 ح 4771 وقال : هذا حديث حسن وأقرّه الذهبي في التلخيص .

وورد أيضاً : عن أبي بكر ، قال : رأيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) خيّم خيمة وهو متّكىء على قوس عربيّة ، وفي الخيمة عليّ وفاطمة والحسن والحسين ( عليهم السلام ) فقال : معشر المسلمين أنا سلم لمن سالم أهل الخيمة ، حرب لمن حاربهم ، وليّ لمن والاهم ، لا يحبّهم إلا سعيد الجد ، طيب المولد ، ولا يبغضهم إلاّ شقيّ الجد ، رديء الولادة (1).

ويبيّن هذا الحديث مدى اهتمام النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأهل البيت في العديد من المواقف ، ومحاولة تفهيم المسلمين عظمة شأنهم .

وقد ورد أيضاً عن أمّ سلمة ، قالت : كان النبي عندنا منكساً رأسه ، فعملت له فاطمة ( عليها السلام ) حريرة ، فجاءت ومعها حسن وحسين ( عليهما السلام ) ، فقال لها النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « أين زوجك ؟ اذهبي فادعيه » ، فجاءت به ، فأكلوا ، فأخذ كساء فأداره عليهم وأمسك طرفه بيده اليسرى ، ثمّ رفع اليمنى إلى السماء وقال : « اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامتي وخاصتي ، اللهم أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، أنا حرب لم حاربهم وسلم لمن سالمهم ، عدو لمن عاداهم » (2).

وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري ، قال : لما دخل عليّ بفاطمة ( عليهما السلام ) جاء النبي ( صلى الله عليه وآله ) أربعين صباحاً إلى بابها يقول : « السلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته ، الصلاة يرحمكم اللّه ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) أنا حرب لم حاربتم ، أنا سلم لمن سالمتم » (3)

فضائل سيدة النساء ، عمر شاهين : 29 .

.

الانضمام تحت راية أهل البيت ( عليهم السلام ) :

توصل « محمّد أمين سفيان » بعد معرفته بعظمة أهل البيت ( عليهم السلام ) بأنّ الله تعالى قد اصطفاهم للإمامة والخلافة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فآمن بإمامتهم والتزم بنهجهم


1) المناقب ، الموفق الخوارزمي : ص 297 / ح 291 .

2) ينابيع المودة ، القندوزي : 2 / 224 / ح 633 .

3) الدر المنثور ، السيوطي : 5 / 378 .

وتمسك بهديهم وأصبح من أتباعهم ، ثمّ أعلن استبصاره ، وبعد إكماله الدراسة في المعهد الإسلامي في « بإنجيل » سافر إلى إيران ، والتحق بالحوزة العلمية في مدينة قم ودرس فيها عدّة سنوات .

(73) محمد باقر الحسني( شافعي - أندونيسيا )

الصورة

D13

ولد سنة 1393 ه‍ ( 1974 م ) في مدينة « بورباغارتا » الواقعة في جزيرة جاوة الغربيّة بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ودرس العلوم الإسلاميّة في « معهد حديقة الميلاتي » الكائن في مدينة « شيربون » ، ثمّ واصل دراسته في معهد « يابي » في مدينة « بإنجيل » ، وكذلك « معهد الهادي » في « بكلونجن » في « جاوة الوسطى » ، ثمّ التحق بالحوزة العلميّة في مدينة قم المقدّسة في إيران .

استبصاره :

تحوّل « محمد باقر الحسيني » سنة 1413 ه‍ ( 1993 م ) من المذهب السنّي إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وكان ذلك بعد مطالعة ومقارنة لكتب الفريقين في الكثير من المسائل العقائديّة والخلافيّة ، ووجد « محمد باقر » خلال بحثه بأنّ كتب مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) قويّة الحجّة وواضحة البرهان على خلاف ما كان يتصوّره من قبل ، كما وجد أنّ أدلّتها منسجمة مع العقل وغير مخالفة لمشهور النقل الوارد عن النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله ) في صحاح أهل السنّة أنفسهم .

وناقش « محمد باقر » هذه الآراء مع علماء فريقي السنّة والشيعة واستمع إلى آرائهم حول العديد من القضايا ولا سيّما حول أسباب نشوء الاختلاف منذ البداية بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) من أحداث السقيفة وما سبقها وما تلاها .

وفي نهاية مطاف البحث وصل « محمد باقر » إلى نتيجة مفادها قيام الحجّة

الشرعيّة عليه بوجوب موالاة أهل البيت ( عليهم السلام ) واتّباع مذهبهم دون غيرهم ، فأعلن استبصاره وولاءه التام للعترة الطاهرة ، وعقد العزم على السير في طريقهم المستقيم .

اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة يوم وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة - وبني ساعدة من الخزرج - وهذه السقيفة تشبه دار الندوة التي كانت لقريش في مكة فكانت تعقد فيها الاجتماعات ، وكان السبب الأساسي لاجتماع الأنصار بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) في هذه السقيفة هو عيادة سعد بن عبادة زعيم الخزرج المريض ، وقد جرى في الأثناء البحث حول وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وأوضاع المسلمين بعد وفاته ، فدعى سعد بن عبادة الأنصار إلى مبايعته أميراً على المسلمين أو للأنصار خاصّة ، وكان الكلام لا يزال دائراً بين الأنصار أنفسهم إذ بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة يدخلون عليهم .

وينقل التاريخ بأنّ الذي أنبأ هؤلاء باجتماع الأنصار هما شخصان من الأوس أحدهما « معن بن عدي » (1)وذلك لأنّهما كانا على خلاف قديم مع سعد بن عبادة .

ومن حقّنا أن نسأل هنا : لماذا ذهب هذان الشخصان إلى عمر ليخبرانه دون غيره ؟ !

من بيعة الغدير إلى بيعة السقيفة :

إنّ المتأمّل في أحداث السقيفة وما جرى في الأيّام الأخيرة في حياة النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقطع بأنّ الصراع شرع بين الأحزاب قبل وفاته ( صلى الله عليه وآله ) وأنّ النبي قد أحسّ بالخطر على الإسلام والمسلمين منذ أن نفّذ الأمر الإلهي بتعين أخيه وابن عمّه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وليّاً للمسلمين في يوم الغدير ، بل إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان يخاف


1) شرح النهج ، ابن أبي الحديد : 6 / ص 6 .

على الرسالة العظيمة حتّى قبل تعيين الإمام علي ( عليه السلام ) إماماً ووليّاً للمسلمين ، لعلمه بحسد قريش لبني هاشم ، ووجود المنافقين بين المسلمين وخصوصاً كبار الصحابة ، وجهل أغلبية الناس بأحكام الدين وخضوعهم للتعصّبات القبلية الجاهليّة الشديدة .

إنّ الرسول العظيم صلوات الله عليه وعلى آله حاول أن تسير الأمور بعد وفاته على وفق ما رسمه الله تعالى للمسلمين من هداية ، لكن الأمة الإسلاميّة الناشئة لم تستطع الرقي إلى ما أراده الإسلام لها ، ولم يستطع المسلمون الصبر والصمود أمام حبائل الشيطان وكيد المنافقين .

إنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وهو على فراش المرض طلب من المسلمين أن يأتوه بكتف ودواة ليكتب لهم كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً ولكن منع عمر من كتابة هذا الكتاب لأنّه أحسّ بأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) سيصرّح فيه بولاية علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وقد استطاع عمر من منع هذا بالقاء الشبهة « حسبنا كتاب الله » وأنّ ما يقوله الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في حال المرض غير مقبول منه - والعياذ بالله - وإن كان نبياً لا ينطق عن الهوى بتصريح القرآن الكريم .

كما أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أحسّ بأنّ الخطر الأساسي الذي يواجه الرسالة هو الخطر الداخلي من منافقي قريش الذين أطلق عليهم فيما بعد أنّهم من كبار أو وجهاء الصحابة ، وقد عرفهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) منذ تآمرهم عليه عند محاولة قتلهم إيّاه في العقبة في غزوة تبوك ، ولذا دبّر الرسول ( صلى الله عليه وآله ) أمراً مهمّاً وهو إرسال هؤلاء المنافقين مع جيش أسامة بن زيد لمحاربة الروم ، ولكنهم تعللّوا وتخلّفوا ، فاضطرّ ( صلى الله عليه وآله ) أن يلعنهم علناً بعد أن تستّر عليهم في واقعة العقبة حفاظاً على سمعة الإسلام كما صرّح لحذيفة وعمار ( لا أريد أن يتحدّث الناس أنّ محمّداً يقتل أصحابه ) وواقعة العقبة كانت خيانة واضحة ما بعدها خيانة وكان جزاؤهم القتل كما طالب به حذيفة ابن اليمان ولكن النبي ( صلى الله عليه وآله ) آثر الحفاظ على أصل الدين أمام فتنة هؤلاء

الأصحاب كما فعل الإمام عليّ ( عليه السلام ) فيما بعد .

إنّ سعد بن عبادة عندما طالب ببيعة الأنصار له وإن لم يكن موقفه صحيحاً وشرعيّاً ولكنّه لما رأى - وهو زعيم الخزرج والخبير بمجاري الأمور - أنّ الحزب القرشي قد أجمع رأيه على خلاف ما وصى به النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) من ولاية علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فكان يعتقد في قرارة نفسه أنّ الأمور ستخرج عن الإطار الشرعي المرسوم من قبل النبي ( صلى الله عليه وآله ) وأنّ الحزب القرشي سيسعى للاستيلاء على مقاليد الأمور شاء المسلمون ذلك أم أبوا ، فأحبّ أن يأخذ زمام المبادرة بيده ليحفظ حقّ الأنصار في الحكم وهو زعيم القسم الأكبر منهم مقابل مؤامرات الحزب القرشي ، وخاصّة أنّ الأنصار وتروا قريش في كثير من مواقع النبي ( صلى الله عليه وآله ) وحروبه وأما مطالبة بعض الأنصار في أحداث السقيفة بمبايعة علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وذهاب اثنين من الأوس - وهم القبيلة المنافسة للخزرج ضمن جماعة الأنصار - إلى عمر بالذات يدل على أنّ الأنصار كانوا يعلمون بأنّ الحقّ في إمامة المسلمين هي لعلي بن أبي طالب ( عليه السلام ) وأنّ هناك مؤامرات كان يحوكها الحزب القرشي للاستيلاء على السلطة بأيّ ثمن كان ، ممّا حدى بالأوسيين إلى الاستنجاد بعمر لئلاّ يترأس الخزرج عليهم أو على المسلمين عامّة ويذهبون بذلك بفخر الدهر وتبقى الأوس ذليلة ومفخوراً عليها من قبل الخزرج ، وبذلك يكونون تحت سيطرة القبيلة المنافسة التي طالما نافسوها على النفوذ والزعامة ، وخاصّة إنّ هذه السيطرة للخزرج - لو تمت - لم تكن على أساس ديني ففضّلوا أن تكون للأوس سابقة الطاعة للحزب القرشي ولا يكونوا مرؤوسين من قبل قبيلة الخزرج ، وهذا ممّا يدلّ على غياب البصيرة الدينيّة وعمق التنافس القبلي بين الأوس والخزرج الذي يمتد إلى أيّام الجاهليّة ، واستمرّ في زمان الرسول ( صلى الله عليه وآله ) الذي أصلح بينهم أكثر من مرّة في صراعاتهم وقد استغلّ الحزب القرشي بزعامة أبي بكر هذا التنافس أسوأ استغلال

عندما ذكّرهم أبو بكر بخلافاتهم ليتم بذلك ترجيح زعامة قريش أمام جماعة الأنصار .

موقف الإمام علي ( عليه السلام ) من السقيفة :

خرج الحزب القرشي بعد انتصاره في أحداث السقيفة يزفّ أباً بكر في جلبة وضوضاء مطالباً المسلمين بمبايعته .

وكان الإمام علي ( عليه السلام ) وبنو هاشم لا يزالون مشغولين بتجهيز النبي ( صلى الله عليه وآله ) ودفنه الذي تركه أصحابه الأوفياء ! مسجىً في بيته المجاور للمسجد الشريف ، وذهبوا يتنازعون سلطانه في سقيفة بني ساعدة التي سادها المنطق العشائري من أولها إلى آخرها وجاؤوا بعدها ليحكّموا هذا المنطق العشائري على الدين الإسلامي الذي انطلق للعالم كلّه من مسجد الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله ) في المدينة المنورة .

وقد واجه الإمام علي ( عليه السلام ) هذا الموقف الخائن بصبر وثبات وكان همّه الأساسي هو الحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من الدين والإسلام ولو بخسارة حقّه في خلافة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وفقدان سلطانه الظاهري .

وكان أول ما قام به الإمام علي ( عليه السلام ) هو توضيح باطل السقيفة للمسلمين ، فبيّن بأنّ بيعة السقيفة إن كانت عن شورى ، فأيّ شورى هذه وقد غاب عنها أغلب المسلمين من أهل المدينة نفسها ، وخاصّة الإمام علي ( عليه السلام ) وبنو هاشم وهم الذين أقاموا عمود الإسلام وإن كانت بالقرابة فالإمام علي ( عليه السلام ) أولى وأقرب من أبي بكر ومن غير أبي بكر بالإضافة إلى ذلك أنّ الخلافة ليست بالصحبة ولا بالقرابة ولا حتّى بالشورى ، بل هي منصوص عليها في حقّه ( عليه السلام ) دون غيره . ولكن الواقع تبيّن فيما بعد على لسان عمر حيث اعترف بأنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ولم تكن عن مشورة أو أيّ مقياس مشروع آخر .

كما أنّ الإمام علي ( عليه السلام ) لم يكن بالمستعجل ( مثل عجلة أصحاب السقيفة على باطلهم ) في طلب حقّه لأنّه أمر واضح ، إذ جعله النبي ( صلى الله عليه وآله ) إماماً للمسلمين في

يوم الغدير ولم يخف الرسول ( صلى الله عليه وآله ) في أمر الإمام لعلي ( عليه السلام ) أو يتكتّم ، بل ( صلى الله عليه وآله ) كان يدعوا إليها منذ أن دعا عشيرته الأقربين في يوم الدار إذ جعله خليفته من ذلك اليوم الذي استهزأ عتاة قريش بالنبي ( صلى الله عليه وآله ) وبأبي طالب ( عليه السلام ) بجعل الإمام علي ( عليه السلام ) - وهو غلام آنذاك - أميراً على أبيه شيخ بني هاشم .

كما أنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) لم يكن مستعدّاً لترك جثمان خاتم الأنبياء وأعظمهم من أجل خلافة زمنية .

ولهذا طالب الإمام علي ( عليه السلام ) أبا بكر بحقه بعد ذلك ، ولكنّه اعتذر عن ذلك ، فتركه الإمام علي ( عليه السلام ) لقلّة أنصاره وجلس في بيته ، ولكن القوم لم يتركوه وأرادوا به الدواهي وأحرقوا بيته وإن كانت فيه فاطمة ( عليها السلام ) حبيبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

ومن جهة أخرى فإنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) عند مواجهته لباطل الحزب القرشي لم يغفل عن مؤامرات الآخرين كأبي سفيان رئيس الحزب الأموي الذي أتاه وعرض عليه البيعة لمحاربة أبي بكر ، فرفض الإمام علي ( عليه السلام ) وسدّ باب الفتنة الأمويّة الذي فتحه حزب أبي بكر باسترضاء أبي سفيان بإبقاء أموال الصدقة في يده ، وإشراكه في الحكم بتنصيب أولاده أمراء على الجيوش والبلدان كما أنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) أتمّ الحجّة على الأنصار الذين بايعوا أبا بكر ، حيث كان يخرج بفاطمة الزهراء ( عليه السلام ) ليلاً إلى دور الأنصار ويطلب منهم النصرة والوفاء بما بايعوا عليه الرسول ( صلى الله عليه وآله ) من نصرته ونصرة أهل بيته ( عليه السلام ) في بيعتهم له في العقبة الأولى والثانية فضلاً عن بيعة الغدير .

كما أتمّ الإمام علي ( عليه السلام ) الحجّة على شيعته ومحبّيه الذين طالبه بعضهم بمجاهدة القوم ، فبيّن لهم بأنّ الأمر يتطلّب على الأقل أربعين شخصاً ذوي عزم ولكن لم يتوفّر هذا العدد للإمام علي ( عليه السلام ) كما اختبر الإمام علي ( عليه السلام ) جماعته حيث طالبهم بالمجىء إليه في موعد معيّن للجهاد ومحاربة السلطة الحاكمة ، فلم يأت إلى الموعد المقرّر سوى أربعة ، وهذا يكشف عمق البلاء والفتنة التي وقع فيها

المسلمون آنذاك ، ويؤكد عليه كلام الزهراء ( عليها السلام ) إذ قالت في هذا المجال : ( ألا في الفتنة سقطوا ) .

كما أنّ الإمام ( عليه السلام ) رأى بأنّ من اللاّزم عليه أن يحافظ على الدين الإسلامي ولكي لا يمحى من الأرض وتذهب جهود الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله ) هدراً .

نشاطاته بعد الاستبصار

شرع « محمد باقر الحسني » بعد الإستبصار بتبليغ أحكام الإسلام الحقّة وفق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فاهتدى على يديه الكثير من الناس إلى معرفة أهل البيت ومعرفة الاسلام الحقّ وخاصّة من أقاربه وأصدقائه ، وفيهم بعض طلبة العلوم الدينيّة

وكتب « محمد باقر » بعض المقالات العلميّة في خدمة نشر مفاهيم الدين الإسلامي الصحيحة واستدلّ فيها بالبراهين الواضحة على مكانة أهل البيت ( عليهم السلام ) الذي لا يكمل الدين إلاّ بمودتهم وموالاتهم كما أنّه شارك في العديد من نشاطات المؤسّسات الإسلامية الدينيّة والثقافيّة منها مؤسسّة المجتبى ( عليه السلام ) .

(74) محمد باقر العطّاس( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1389 ه‍ ( 1970 م ) في أندونيسيا بمدينة « بكلونجن » وكان شافعيّ المذهب نتيجة انتماء أبويه إلى المذهب ، ولكنّه حينما بلغ سنّ الرشد كرّس جهوده لمعرفة الحقّ ، فاندفع خلال مطالعته إلى قراءة الكتب الشيعيّة ، فتوصّل خلال البحث إلى أنّ الإمامة لا تكون إلاّ باختيار من الله تعالى ، وأنّ الشخص الذي لا يتبع أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين اصطفاهم الله للأمّة يقع في مهاوي القياس والاستحسان والرأي في الدين وكلّ هذه الأمور تمحق الدين من جذوره .

ومن هذا المنطلق سارع « محمد باقر العطّاس » إلى التمسّك بهدي أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين جعلهم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بأمر من الله سبحانه وتعالى أحد الثقلين الذين إذا تمسّك بهما المسلم فإنّه سوف يعصم نفسه من الضلال ، فلهذا اعتنق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وخضع للاختيار الإلهي رافضاً لأطروحة الذين اتّبعوا أهواءهم في اختيار الإمامة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

كيف كانت البداية ؟

عرف « محمد باقر العطّاس » من خلال مطالعاته الاجتماعيّة بأنّ الخلاف الأساسي بين أهل السنّة والشيعة يدور حول مسألة الإمامة ، ولهذا اندفع إلى البحث عن شخصيّة الإمام عليّ ( عليه السلام ) وشخصيّة أبي بكر ليرى أيّهما أحقّ بالخلافة بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .

فوجد خلال البحث أحاديث هائلة تبيّن بصراحة بأنّ الله تعالى اصطفى علي بن أبي طالب للإمامة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، منها قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « يا علي أنت أخي وأنا أخوك ، أنا المصطفى للنبوّة ، وأنت المجتبى للإمامة ، أنا وأنت أبوا هذه الأمة ، وأنت وصيي ووارثي وأبو ولدي ، اتباعك أتباعي ، وأولياؤك أوليائي ، وأعداؤك أعدائي ، وأنت صاحبي على الحوض وصاحبي في المقام المحمود ، وصاحب لوائي في الآخرة كما أنت صاحب لوائي في الدنيا ، لقد سعد من تولاّك وشقي من عاداك ، وإنّ الملائكة لتتقرّب إلى الله بمحبتك وولايتك ، وإنّ أهل مودتك في السماء أكثر من أهل الأرض .

يا علي أنت حجة الله على الناس بعدي ، قولك قولي ، أمرك أمري ، نهيك نهي ، وطاعتك طاعتي ، ومعصيتك معصيتي ، وحزبك حزبي ، وحزبي حزب الله .

ثم قرأ ( صلى الله عليه وآله ) ( وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ ) (1).

وورد أيضاً عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) « إنّ الله تبارك وتعالى أصطفاني واختارني وجعلني رسولاً وأنزل عليّ سيّد الكتب ، فقلت : إلهي وسيّدي إنّك أرسلت موسى إلى فرعون فسألك أن تجعل معه أخاه هارون وزيراً تشدّ به عضده ويصدق به قوله ، وإنّي أسألك يا سيّدي وإلهي أن تجعل لي من أهلي وزيراً تشدّ به عضدي فاجعل لي عليّاً وزيراً وأخا وأجعل الشجاعة في قلبه وإنّي سألت ذلك ربّي عز وجل فأعطانيه فهو سيّد الأوصياء ، اللحوق به سعادة والموت في طاعته شهادة ، واسمه في التوراة مقرون إلى اسمي ، وزوجته الصديقة الكبرى ابنتي ، وابناه سيدا شباب أهل الجنة ابناي ، وهو هما والأئمّة من بعدهم حجج الله على خلقه بعد النبيّين ، وهم أبواب العلم في أمّتي من تبعهم نجا من النار ،


1) المائدة (5) : 56 ، ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : 1 / ص 370 ، ح 6 .

ومن اقتدى بهم هدى إلى صراط مستقيم لم يهب الله محبتهم لعبد إلاّ أدخله الله الجنة (1).

وورد أيضاً : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) :

« نزل جبرئيل صبيحة يوم فرحاً مسروراً مستبشراً فقلت : حبيبي مالي أراك فرحاً مستبشراً ، فقال : يا محمد وكيف لا أكون فرحاً مستبشراً وقد قرّت عيني بما أكرم الله أخاك ووصيّك وإمام أمّتك عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، فقلت : وبم أكرم الله أخي ووصيّي وإمام أمّتي ؟ قال : باهى الله بعبادته البارحة ملائكته وحملة عرشه ، وقال : ملائكتي انظروا إلى حجّتي في أرضي على عبادي بعد نبيّ محمد ( صلى الله عليه وآله ) فقد عفّر خدّه في التراب تواضعاً لعظمتي ، أُشهدكم أنّه إمام خلقي ومولى بريّتي » (2).

ومن الشواهد الأخرى المبيّنة لإمامة الإمام علي ( عليه السلام ) والمؤكّدة على هذا الأمر : قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « أنا وعليّ حجّة الله على عباده » (3).

قوله ( صلى الله عليه وآله ) : « من أحبّ أن يركب سفينة النجاة ويتمسّك بالعروة الوثقى ويعتصم بحبل الله المتين فليوال عليّاً بعدي ، وليعاد عدوّه وليأتم بالأئمّة الهداة من ولده فإنّهم خلفائي وأوصيائي وحجج الله على خلقه بعدي وسادات أمتي وقادات الأتقياء إلى الجنة ، حزبهم حزبي وحزبي حزب الله وحزب أعدائهم حزب الشيطان » (4).

الالتحاق بشيعة الإمام علي ( عليه السلام ) :

إنّ الأحاديث المبيّنة لعظمة الإمام علي ( عليه السلام ) ، زرعت الشوق في قلب « محمّد باقر العطّاس » للالتحاق بشيعة عليّ ( عليه السلام ) ، وهم الذين قال عنهم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) :


1) ينابيع المودة ، القندوزي الحنفي : 1 / ص 197 ، ح 28 .

2) المصدر السابق : 1 / ص 236 ، ح 8 .

3) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : 42 / ص 309 .

4) ينابيع المودّة ، القندوزي الحنفي : 3 / 291 ، ح 10 .

« يا علي أنت وشيعتك تردون عليَّ الحوض رواء مرويّين مبيضّة وجوهكم ، وإنّ أعداءك يردون عليَّ الحوض ظماء مقمحين » (1).

وعندما تبلورت قناعة محمد باقر العطّاس بأحقية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) أعلن استبصاره ثم توجّه إلى نشر الحقائق التي توصّل إليها خلال البحث الذي بذل فيه غاية الجهد لمعرفة الحق والحقيقة .


1) المعجم الكبير ، الطبراني : 1 / ص 319 ، ح 948 .

(75) محمد توفيق يحيى( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في مدينة « بإنجيل » وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ تعرّف من خلال مطالعة الكتب الشيعيّة على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتغيّرت رؤيته العقائديّة ، ثمّ دفعه هذا التغيير إلى التخلّي عن انتمائه الموروث والانتماء إلى مذهب التشيّع الاثني عشري .

التعرّف الحقيقي على الإمام علي ( عليه السلام ) :

وجد محمد توفيق يحيى خلال مطالعته للأحاديث الشريفة الواردة عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) بأنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) قد وصف بألقاب عظيمة جدّاً ، وهذا ما ينبئ عن سموّ مكانة الإمام عليّ ( عليه السلام ) وضرورة تقدّمه على غيره في خلافة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) .

وإنّ من الألقاب الواردة في شأن الإمام علي ( عليه السلام ) أنّه : أمير المؤمنين ، سيّد المسلمين ، إمام المتّقين ، وليّ المتقين ، قائد الغرّ المحجّلين ، خير الوصيّين ، خاتم الوصيّين ، أولى الناس بالمؤمنين ، سيد ولد آدم ، يعسوب المؤمنين ، الصدّيق الأكبر ، الفاروق الذي يفرق بين الحقّ والباطل ، باب النبي الذي يؤتى منه .

وقد وردت هذه الألقاب في السنة النبوية منها :

ورد عن بريدة ، قال : أمرنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن نسلّم على علي ( عليه السلام ) بأمير المؤمنين (1)

شرح المقاصد ، التفتازاني : 2 / ص 283 .

.

1) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : 55 / ح 12 - 13 في ألقابه .

وعن عبد الله بن زرارة ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « أُوحي إليّ في عليّ ثلاث : إنّه سيد المسلمين ، وإمام المتقين وقائد الغرّ المحجّلين » (1).

وعن أنس ، قال : بينما أنا عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إذ قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) « الآن يدخل سيّد المسلمين ، وأمير المؤمنين ، وخير الوصيين » إذ طلع علي بن أبي طالب (2).

وعن أنس أيضاً ، أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال لعليّ : « مرحباً بسيد المسلمين ، وإمام المتقين » (3).

وعن أنس بن مالك ، قال : بينا أنا عند رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال الآن يدخل سيد المسلمين وأمير المؤمنين ، وأولى الناس بالنبيين » إذ طلع علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فأخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يمسح العرق من جبهته ووجهه ويمسح به وجه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ويمسح العرق من وجه علي ( عليه السلام ) ويمسح به وجهه ، فقال له علي ( عليه السلام ) :

« يا رسول الله ، نزل فيّ شيء ؟ »

قال : « أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ؟ ! إلاّ لا نبيّ بعدي ، أنت أخي ، ووزيري ، وخير من أخلف بعدي ، تقضي ديني ، وتنجز وعدي ، وتبيّن لهم ما اختلفوا فيه من بعدي ، وتعلمهم من تأويل القرآن ما لم يعلموا ، وتجاهدهم على التأويل كما جاهدتهم على التنزيل » (4).

وورد عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في بيته فغدا عليه علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) الغداة - وكان يحب أن لا يسبقه إليه أحد - فدخل وإذا النبي ( صلى الله عليه وآله ) في صحن الدار ، وإذا رأسه في حجر دحية ابن خليفة الكلبي .


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ص 348 ح 4726 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

2) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : ص 59 ، ح 23 .

3) كشف الخفاء ، العجلوني : 2 ، ص 265 ، ح 2708 .

4) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : ص 61 ، ص 29 .

فقال : السلام عليك ، كيف أصبح رسول الله ؟

قال : بخير يا أخا رسول الله .

قال : له عليّ : جزاك الله عنّا أهل البيت خيراً .

قال له دحية : إنّي أحبّك ، وإنّ لك عندي مدحه أزفّها إليك :

أنت أمير المؤمنين ، وقائد الغرّ المحجلين ، وسيد ولد آدم يوم القيامة ما خلا النبيين والمرسلين ، ولواء الحمد بيدك يوم القيامة ، تُزف أنت وشيعتك مع محمد وحزبه إلى الجنان ، زفّاً زفّاً ، قد أفلح من تولاّك ، وخسر من عاداك ، بحبّ محمّد أحبوك ، ومبغضوك لن تنالهم شفاعة محمد ( صلى الله عليه وآله ) أدن منّي صفوة الله .

فأخذ رأس النبي فوضعه في حجره وذهب ، فرفع رسول الله رأسه فقال : ما هذه الهمهمة ؟ فأخبره الحديث .

فقال : « يا علي ، لم يكن دحية الكلبي ، كان جبرئيل ، سمّاك باسم سمّاك الله به ، وهو الذي ألقى محبّتك في صدور المؤمنين ، ورهبّك في صدور الكافرين » (1).

وعن أبي ذر قال : سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول لعلي : « أنت أول من آمن بي وصدّقني ، وأنت أوّل من يصافحني يوم القيامة ، وأنت الصديق الأكبر ، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل ، وأنت يعسوب المؤمنين ، والمال يعسوب الظلمة » (2).

وورد عن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « لما أسري به إلى السماء رأيت على باب الجنّة مكتوباً بالذهب : لا إله إلاّ الله ، محمّد حبيب الله ، عليّ وليّ الله ، فاطمة أمة الله ، الحسن والحسين صفوة الله ، على مبغضيهم لعنة الله » (3).


1) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : ص 63 ، ح 32 .

2) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر ، 42 / ص 41 .

3) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : ص 67 ح 40 .

وورد أيضاً بأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) قال : « أنا وعليّ حجّة اللّه على عباده » (1).

الالتحاق بشيعة الإمام علي ( عليه السلام ) :

واصل « محمد توفيق يحيى » بحثه في رحاب العقائد حتّى توصّل في النهاية إلى أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلن بعد ذلك استبصاره . ثمّ درس في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ليرفع مستواه العلمي ، وليكون على بصيرة من أمر دينه ، لأنّه أدرك بعد البحث بأنّ الإنسان لا يسعه الوثوق بعقائده الموروثة وأنّ كلّ فرد مكلّف بالبحث والتنقيب من أجل معرفة الحقّ .


1) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : 42 / ص 309 .

(76) محمد رضا الحبشي( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1395 ه‍ ( 1976 م ) في أندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ تلقّى دراسته في المدارس الحكوميّة حتّى حصل على شهادة الدبلوم .

بداية تعرّفه على مذهب التشيّع :

تعرّف « محمد رضا الحبشي » خلال دراسته في الثانوية بطالب ينتمي إلى مذهب التشيّع ، ومن هنا ثار في نفسيّة « محمد رضا الحبشي » حبّ الاستطلاع من أجل معرفة آراء وعقائد صديقه الجديد ، فبدأ بقراءة الكتب الشيعيّة .

وبعد مضي فترة أعلن أحد أساتذته في الثانوية استبصاره ، فاستغرب « محمد رضا » من ذلك وأسرع إلى أستاذه من أجل الإلمام بأسباب استبصاره .

ومن هنا بدأت مباحثات ومناظرات « محمد رضا الحبشي » تشتد وتبلغ ذروتها مع صديقه الشيعي وأستاذه المستبصر ، وبمرور الزمان توصّل « محمّد رضا » إلى نفس النتائج التي توصّل إليها أستاذه ، فأعلن استبصاره وإنتماءه إلى مذهب التشيّع .

الإعجاب بشخصيّة الإمام عليّ ( عليه السلام ) :

كانت معرفة « محمد رضا الحبشي » بالإمام علي ( عليه السلام ) قبل البحث معرفة سطحيّة وضئيلة ، ولكنّه عرف بعد البحث بأنّ الإمام علي ( عليه السلام ) يتّسم بشخصيّة تدخّلت الإرادة الإلهية في صياغتها وشملتها العناية الربّانية لتعدّها لمهمّة حسّاسة

على وجه الأرض بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

ورع الإمام علي ( عليه السلام ) :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « إنّ حافظي علي ليفخران على سائر الحفظة ، لكينونتهما مع عليّ ، وذلك أنّهما لم يصعدا إلى الله عزّ وجلّ بشيء منه يسخطه » (1).

علم الإمام علي ( عليه السلام ) :

ورد عن ابن عباس ، أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : « أنا مدينة العلم وعلي بابها » (2)

وقد حسنّه الحافظان العلائي وابن حجر العسقلاني وقال ابن حجر : « إن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحَسَن المحتج به » . انظر كشف الخفاء ، العجلوني : 1 / ص 184 ، ح 618 .

.

وورد عن سعيد بن المسيب قال : ما كان أحد من الناس يقول : « سلوني » غير علي بن أبي طالب (3).

وورد عن عمر بن علي بن الحسين بن علي ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : علي أعلم الناس بالله ، وأشدّ الناس حبّاً وتعظيماً لأهل لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله » (4).

وقال ابن مردويه : نابت أصحاب محمّد ( صلى الله عليه وآله ) نائبة ، فجمعهم عمر ، فقال لعلي ( عليه السلام ) : تكلّم ، فأنت خيرهم وأعلمهم (5).

وعن سعيد بن المسيب : كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن (6).


1) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : 13 / ص 323 .

2) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ص 339 ، ح 4695 وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

3) أسد الغابة ، ابن الأثير : 4 / ص 22 . الاستيعاب ، ابن عبد البر : 3 / ص 206 .

4) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : ص 87 ، ح 79 .

5) نفس المصدر ، ص 88 ، ح 81 .

6) فضائل الصحابة ، أحمد بن حنبل : 2 / ص 647 ، ح 1100 .

زهد الإمام علي ( عليه السلام ) :

قال رسول الله للإمام علي ( عليه السلام ) :

« يا علي إنّ الله قد زيّنك بزينة لم يتزيّن العباد بزينة أحبّ إلى الله تعالى منها ، هي زينة الأبرار عند الله عز وجل : الزهد في الدنيا . . . » (1).

وورد عن عمر بن عبد العزيز أنّه قال : ما علمنا أنّ أحداً كان في هذه الأمّة بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) أزهد من علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) (2).

شباهة الإمام علي ( عليه السلام ) بالأنبياء :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه ، وإلى نوح في فهمه ، وإلى إبراهيم في حلمه ، وإلى يحيى بن زكريا في زهده ، وإلى موسى بن عمران في بطشه ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب (3).

وورد عن الحارث الأعور ، صاحب راية علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، قال : بلغنا أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) كان في جمع من أصحابه ، فقال : « أريكم آدم في علمه ، ونوحاً في فهمه ، وإبراهيم في حكمته ؟ فلم يكن بأسرع من أن طلع عليّ ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ، أقسمت رجلاً بثلاثة من الرسل ؟ بخ بخ لهذا الرجل ، من هو يا رسول الله ؟

قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « ألا تعرفه يا أبا بكر ؟ »

قال : الله ورسوله أعلم .

قال : أبو الحسن عليّ بن أبي طالب .

فقال أبو بكر : بخ بخ لك يا أبا الحسن ! وأين مثلك يا أبا الحسن (4).


1) أسد الغابة ، ابن الأثير : 4 / ص 23 .

2) مناقب علي بن أبي طالب : ابن مردويه : ص 95 / ح 92 .

3) تاريخ دمشق ، ابن عساكر : 42 / ص 313 .

4) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : 147 ، ح 180 .

فضائل أخرى للإمام علي ( عليه السلام ) :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « حقّ علي بن أبي طالب على هذه الأمة كحقّ الوالد على ولده » (1).

وورد : دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية ، فقال له : صف لي عليّاً . فقال : أو تعفيني يا أمير المؤمنين ، قال : لا أعفيك . قال : أما إذا لا بد فإنّه كان والله ، بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلاً ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان واللّه غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفّه ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما جشب ، كان والله كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقرّبه إلينا وقربه منّا لا نكلمه هيبة له ، فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله ، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، يميل في محرابه قابضاً على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأني أسمعه الآن وهو يقول : يا ربّنا يا ربّنا - يتضرع إليه - ثمّ يقول للدنيا : إليَّ تغرّرت ، إليَّ تشوّقت ، هيهات هيهات ، غرّي غيري ، قد بتتك ثلاثاً ، فعمركِ قصير ، ومجلسكِ حقير ، وخطركِ يسير ، آه آه من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق . . . (2).

الالتحاق بشيعة الإمام علي ( عليه السلام ) :

وجد « محمد رضا الحبشي » خلال دراسته وتعرّفه على شخصية الإمام علي ( عليه السلام ) بأنّ الدليل والبرهان يفرض عليه الالتحاق بشيعة هذه الإمام ( عليه السلام ) ، فلم يتباطىء في تلبية نداء عقله ، فاستجاب له وأعلن استبصاره ثمّ سافر إلى إيران من


1) تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر : 42 / ص 308 .

2) حلية الأولياء أبو نعيم الأصفهاني : 1 / ص 126 ، ح 261 .

أجل الالتحاق بالحوزة العلميّة في مدينة قم ، ودرس في هذه الحوزة ما يقارب ست سنوات ، ثمّ تخصّص في علوم القرآن وهيّأ نفسه لنشر علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) وخدمة أئمّة هذا المذهب المظلوم الذي ثمّ اضطهاده من مختلف الحكومات الجائرة على مرّ العصور الماضية .

(77) محمّد شمس العارفين( شافعي / أندونيسيا )

الصورة

D14

ولد سنة 1392 ه‍ ( 1973 م ) في أندونيسيا بمدينة « لوماجنك » ، حاصل على الشهادة الإعدادية ، ترعرع في عائلة شافعية المذهب ، تعرّف على المذهب الإمامي الشيعي عبر مطالعته للكتب الشيعية ، فتوصّل خلال بحثه ومقارنته بين الشيعة والسنّة أنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هو المذهب الذي يمثّل الإسلام الذي جاء به الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، فأعلن استبصاره ، ثمّ التحق بالمعهد الإسلامي في بإنجيل ، وأكمل فيه دورة دراسية كاملة ، ثمّ مواصلة لدراسة علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) رحل إلى مدينة قم المقدسّة في إيران والتحق بالمركز العالمي للدراسات الإسلامية ، ليكون بعد ذلك مؤهلاً للتبليغ ونشر مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

جاء في كتاب « غدير در احساس ملّتها » مقالة له جاء فيها :

واقعة الغدير أمانة يجب أن تصل إلى الأجيال :

أودع النبي ( صلى الله عليه وآله ) في هذه الأمّة الأمانة الكبرى ، وهي واقعة غدير خم ، وأكّد على المسلمين أن يحفظوها ويعملون وفق المنهجية النبوية التي ترسم لهم السعادة في الدنيا والآخرة ولكن مع الأسف الشديد أنّ المسلمين في صدر الإسلام لم يحفظوا هذه الأمانة ، فحرّفوا الواقعة وأوقعوا الأجيال في مأزق كبير . وهذا ما يحتّم علينا أن نبذل قصارى جهودنا لكي نعرِّف الأجيال بواقعة الغدير في حجمها الواقعي والصحيح الذي قُلب رأساً على عقب من قبل المغرضين .

والعجيب وقوع كل تلك التحريفات مع أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله ) أكّد على هذا الأمر في حين وآخر كيوم الإنذار ويوم الرزية و . . . بل حتّى إنّه ( صلى الله عليه وآله ) أخذ البيعة منهم في يوم الغدير .

وهنا تُطرح عدّة تساؤلات :

لماذا هذا التحريف ؟

ما هي خلفيات هذا التحريف ؟

ماذا بعد التحريف ؟

تعتبر أهم العوامل لتحريف واقعة الغدير حسد المغرضين تجاه الإمام علي ( عليه السلام ) ، فأدّى بهم المطاف إلى إنكار ما عقدوه بالأمس ، فأهملوا الواقعة وخالفوا البيعة و . . .

وأمّا خلفيات هذه التحريف فالحديث عنه ذو شجون .

فحبّ الدنيا والرغبة في نيل المناصب من أهم الدوافع التي أدّت إلى تحريف المفاهيم ; لأنّ ادعاء عدم العلم بواقعة الغدير أو إنكارها ممّا يضحك الثكلى ؟

فإنّ الإمام علي ( عليه السلام ) يؤكّد لنا علم الصحابة بأنّه الخليفة المنصوب من قبل رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله ) ، حيث يقول في خطبته الشقشقية : « كأنّهم لم يسمعوا قول اللّه تعالى ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً ) (1)، بلى واللّه لقد سمعوها ووعوها ، لكنّهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها . . . » (2).

وعلى كلّ حال فإنّ الوظيفة الشرعية تضع على كاهلنا المسؤولية في تعريف هذه الواقعة للأجيال ، وأن نوصل الأمانة الإلهيّة إلى أهلها ، الأمر الذي يتطلّب منّا جهوداً مضاعفة لنيل هذا الهدف العظيم .


1) القصص (28) : 83 .

2) شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد : ج 2 / 51 حديث السقيفة .

(78) محمّد عبد القادر الكاف( شافعي / أندونيسيا )

الصورة

D15

ولد سنة 1392 ه‍ ( 1973 م ) في أندونيسيا بمدينة « بإنجيل » ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، أكمل دراسته الثانوية في معهد يافي ، ثمّ تعرّف على بعض اتّباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فتباحث معهم حول العديد من المسائل العقائديّة حتّى توصّل إلى أحقّية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ويقول « محمد الكاف » : إنّ أدلّة الشيعة وبراهينها العقائديّة هي التي زرعت القناعة في عقلي وإنّ الشعائر الحسينيّة التي كان يقيمها الشيعة في بلدنا هي التي زرعت الحماس في قلبي ، ودفعتني لتقبّل جميع المصاعب في سبيل نصرة الحقّ .

ويضيف « محمد الكاف » : أعلنت استبصاري عام 1413 ه‍ ( 1993 م ) ، ولمّا صلّيت أوّل صلاة وفق الفقه الشيعي ارتعدت فرائصي ، وشعرت بالخشوع ، وأحسست بأنّني أصلّي كما يريد الله لأنّني بلغت إلى مرحلة اليقين بأنّ أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) هم أفضل سبيل لمعرفة الشريعة الإلهية .

تأثّره بالإمام الحسين ( عليه السلام ) :

إنّ من أهمّ القضايا التي تأثّر بها « محمد الكاف » هي مظلوميّة الإمام الحسين ( عليه السلام ) ولهذا قرّر أن يكون من خطباء المنبر الحسيني ، فتفرغ فترة معينة لهذا الأمر ، ثمّ بدأ يقرأ المجالس الحسينيّة في أندونيسيا .

ومن جهة أخرى واصل « محمد الكاف » نشاطه في نشر مذهب أهل

البيت ( عليهم السلام ) عن طريق ترجمة الكتب الدينيّة الشيعيّة من اللغة العربيّة إلى اللغة الأندونيسية فترجم عشرات الكتب من أجل نصرة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

مضايقات بعد الاستبصار :

يقول « محمد الكاف » استغرب أبي وأمّي من استبصاري واعتناقي لمذهب التشيّع ، وقالا لي : كيف سمحت لنفسك أن تؤمن بمذهب مليء بالأساطير والخرافات !

ولكنّني تعاملت معهم برفق ، وحاولت أن أبيّن لهم الحقائق بالتي هي أحسن ، وكان أصدقائي يعيبون عليّ سوء تصرّف بعض الشيعة ، فكنت أبيّن لهم بأنّني انتميت إلى مذهب ا لتشيّع ، وهناك فرق بين الشيعي كفرد وبين التشيّع كمذهب ، وكلّ فرد هو المسؤول عمّا يصدر عنه ولا ينبغي تحميل سوء فعله على انتمائه المذهبي ، فإذا أساء أحد الشيعة فهو المسؤول عن إساءته ، ولا ينبغي أن نقول بأنّ هذا الشيعي أساء فالتشيع سيىء ، لأنّ الفرد قد يكون ملتزماً بمذهبه وقد لا يكون .

ولهذا ينبغي للإنسان الواعي أن يعرف الحقّ عن طريق الدليل والبرهان ، وأن لا يكون سبب انتمائه المذهبي هذا الشخص أو ذاك الشخص ، ولهذا قال الإمام علي ( عليه السلام ) : ؟ الحقّ لا يعرف بالرجال أعرف الحقّ تعرف أهله » (1).

وبهذا الوعي الرفيع تمكّن « محمد الكاف » من الصمود أمام جميع العقبات التي واجهها في طريقه إلى الاستبصار وما بعد الاستبصار وهو لا يزال في خدمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .


1) فيض القدير ، المناوي : 1 / ص 28 .

(79) محمّد بن عبد الله الكاف( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في أسرة مسلمة تنتمي إلى المذهب الشافعي ، فتلقّى تعاليمه الدينيّة وراثة من الأجواء التي ترعرع فيها ، واستمرّ تمسّكه بعقائده الموروثة حتّى استبصر أحد أصدقائه فصار هذا الأمر محفزّاً عنده للبحث ومعرفة المذهب الذي ضحّى صديقه بكلّ شيء من أجل الانتماء إليه وتحمّل ما تحمّل من مصائب ومحن ولكنّه بقي صامداً على اختياره وتغييره للانتماء المذهبي .

لم يرغب « محمّد عبد الله » أن يشوّش ذهنه ويبلبل أفكاره في بداية الأمر عن طريق الإلمام بعقائد المذهب المخالف للمذهب الذي كان عليه ، فتوجّه إلى تعميق الصلة مع معتقدات مذهبه وكان هدفه الخروج من حالة التقليد إلى حالة الاتّباع عن علم ، ولم يشكّ « محمد عبد الله » أنّه على حقّ وأنّ مذهب صديقه على باطل ، وكان يودّ أن يتمكّن بعد الإلمام الكامل بعقائده ليتمكّن من إرجاع صديقه إلى الهدى وطريق الحقّ .

وأمّا صديق « محمد عبد الله » فإنّه وجد الأرضيّة المناسبة في قلب « محمد عبد الله » لتقبّل الحقّ ، لأنّه وجد قلب صاحبه نقيّاً طاهراً ليس فيه شائبة من شوائب التعصّب والعناد والأنانيّة ، فبدأ يبيّن له بعض الحقائق ويكشف له بعض الملابسات الموجودة في عقيدة أهل السنّة .

وأمّا « محمد عبد الله » فإنّه كان يتمالك نفسه عندما يسمع النقد من قبل صديقه بالنسبة إلى مذهبه ، وكان يحاول أن يهدّىء نفسه ، وكان يقول لنفسه :

لا يحقّ لك التعصّب لعقيدة لا تمتلك عليها دليلاً سوى التقليد الأعمى ، وكان يحثّ نفسه على البحث من أجل تشييد معتقداته الموروثة على أساس الأدلّة والحجج والبراهين .

وبالفعل جنّد « محمّد عبد الله » نفسه لهذا الأمر ، ولكنّه واجه العديد من العقبات ، ووجد الكثير من المفاهيم الدينيّة التي كان يعتقد بها فيما سبق لا تنسجم مع العقل ، وهذا ما دفعه إلى التأمّل فيها والتشكيك بصحّتها .

مسألة الكسب في الأفعال البشريّة :

كان « محمّد عبد الله » يعتقد بأنّ الله تعالى هو الذي يخلق أفعال العباد ، وهو الذي يخلق في العبد قدرة عند خلقه لفعل العبد ، وأنّ هذه القدرة التي يخلقها الله غير مؤثرة ، وليس للإنسان أي تأثير في إيجاد فعله وإنّما فعل العبد يخلقه الله ويكسبه العبد ، والكسب - كما هو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري - هو مقارنة خلق الله تعالى لفعل العبد مع القدرة التي يمنحها تعالى للعبد ، من غير أن يكون لقدرة العبد أيّ تأثير أو مدخل في وجود الفعل ، لأنّ العبد ليس إلاّ محلاّ للفعل الذي يخلقه الله تعالى فيه (1).

ولكن وجد « محمد عبد الله » بعد التأمّل وإعمال العقل بأنّ هذه النظرية تعني عدم وجود دور للإنسان في أفعاله ، وإذا كان اللّه خالقاً لفعل العبد وهو الخالق لقدرة العبد ويصدر فعل العبد بقدرة الله تعالى من دون أن تكون لقدرة العبد أي تأثير ، فكيف يمكن نسبة الفعل إلى العبد ، وكيف يمكن أن يتحمّل الإنسان مسؤوليّة فعله إذا لم يكن له أيّ دور في وقوع فعله .

ووجد « محمّد عبد الله » بأنّ الأشعري ومن تبعه يحاولون أن ينفون عن أنفسهم القول بالجبر ويجتهدون لإثبات الاختيار ونسبة الفعل إلى الإنسان عن طريق القول بالكسب ، فهم يقولون بأنّ الله تعالى يخلق فعل الإنسان ولكن


1) انظر : المواقف ، للإيجي : 3 / 214 .

الإنسان هو الذي يكسب هذا الفعل وهو محاسب على هذا الكسب . ولكن التفت « محمّد عبد الله » خلال بحثه إلى أمر مهم وهو أنّ أهل السنّة يقولون بأنّ الله خالق كلّ شيء ، ومن جهة أخرى فالكسب شيء ، فلا بدّ من القول بأنّ الله تعالى هو الخالق للكسب ، فلا يبقى للعبد أيّ دور في الأفعال التي تصدر منه .

الاتّجاه نحو التشيّع :

إنّ الاهتزاز العقائدي الذي شهده « محمّد عبد الله » دفعه في نهاية المطاف إلى عدم الاكتفاء بما ورد في دائرة مذهبه ، بل وسّع نطاق بحثه وتوجّه ليعرف آراء باقي المذاهب الإسلامية فيما يخصّ المسائل التي لم يجد الحلّ الصحيح لها في مذهبه .

ومن هنا توجّه « محمّد عبد الله » نحو مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولم تمضّ فترة من مطالعته لأفكار ومبادىء هذا المذهب إلاّ وشعر أنّه قد وجد ضالّته ، ووجد الكثير من الحلول التي كان يعيش حالة التعطّش إزاءها وعرف فيما يخصّ مسألة الكسب ، بأنّ الله تعالى منح العبد القدرة على الفعل ، والإنسان يخلق فعله بالقوّة التي منحها الله تعالى له ، ولهذا يكون الإنسان هو المسؤول عن أفعاله الاختيارية ، ولا يوجد إشكال في نسبة الخلق إلى الإنسان ، لأنّه تعالى يقول في محكم كتابه ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (1)وهذه الآية تثبت وجود خالق غير الله تعالى ، ولكن مع هذا الفارق وهو أنّ الله تعالى هو الخالق المستقل ومن دونه لا يخلق شيء إلاّ بإذن الله تعالى .

ثمّ سافر « محمّد عبد الله » إلى إيران لمواصلة دراسته ، وانتسب إلى الحوزة العلميّة في مدينة قم ، وجنّد كلّ قواه لمعرفة الحقّ وطلب العلم ونشر الحقيقة بقدر وسعه بين أبناء مجتمعه .


1) المؤمنون (23) : 14 .

(80) محمد عدلاني( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « أوجونغ بندنغ » ، وتلقّى إنتماءه وفق مذهب الشافعي من أسرته والأجواء التي ترعرع فيها ، ثمّ واصل دراسته الأكاديميّة حتّى حصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة .

واصل « محمد عدلاني » من جهة أخرى مطالعاته في رحاب العقيدة من أجل تمتين أسسه العقائديّة ، فتوصّل من خلال البحث إلى نتائج مخالفة لموروثاته العقائديّة ، فاستمرّ بالبحث حتّى وصل من خلال الأدلّة والبراهين إلى أحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فلم يتردّد بعد ذلك في تغيير انتمائه المذهبي ، فتخلّى عن مذهبه السابق واعتنق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ هاجر إلى مدينة قم المقدّسة لدراسة علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

عظمة منزلة الإمامة :

عرّف « محمّد عدلاني » بعد استبصاره بأنّ السبب الأساسي الذي كان يمنعه من الاستبصار هو عدم معرفته بعظمة منزلة الإمامة ، ولكنّه بعد البحث توصّل من خلال الأدلّة العقليّة والنقليّة والحجج والبراهين القاطعة إلى أنّ أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) لم يجعلوا الإمامة أصلاً من أصول مذهبهم اعتباطاً ، وإنّما ذلك لما تمتاز به الإمامة من الأهميّة القصوى .

ويتعرّف كلّ باحث بعد أن تأخذ الأدلّة القاطعة بيده وتدفعه إلى الاستبصار

بأنّ الإمامة منزلة عظيمة حاولت السلطات الجائرة على مّر العصور الإسلامية أن تمنع الناس من التعرّف عليها ولكن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) حاولوا أن يعرّفوا الناس ذلك .

ومن الروايات التي تحدّثت عن مضامين عظمة الإمامة عند الشيعة هو ما جاء عن ثامن الأئمة أهل البيت الإمام الرضا ( عليه السلام ) حيث ورد عن أحد أصحابه قال :

كنا في أيام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) بمرو ، فاجتمعنا في مسجد جامعها في يوم الجمعة في بدء مقدمنا فتذاكر [ فأدار ] الناس أمر الإمامة وذكروا كثرة اختلاف الناس فيها فدخلت على سيدي ومولاي الرضا ( عليه السلام ) ، فأعلمته ما خاض الناس فيه ، فتبسم ( عليه السلام ) ، ثمّ قال : يا عبد العزيز جهل القوم وخدعوا عن أديانهم ، إنّ الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيه ( صلى الله عليه وآله ) حتى أكمل له الدين وأنزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج إليه كملاً فقال عزّ وجلّ : ( مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْء ) (1)وأنزل في حجّة الوداع وفي آخر عمره ( صلى الله عليه وآله ) : ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً ) (2)وأمر الإمامة من تمام الدين ، ولم يمض ( صلى الله عليه وآله ) حتّى بينّ لأمته معالم دينهم ، وأوضح لهم سبيلهم وتركهم على قصد سبيل الحقّ وأقام لهم عليّاً ( عليه السلام ) علماً وإماماً وما ترك لهم شيئاً تحتاج إليه الأمّة إلاّ بيّنه ، فمن زعم أنّ الله عزّ وجلّ لم يكمل دينه ، فقد ردّ كتاب الله عزّ وجلّ ، ومن ردّ كتاب الله تعالى فهو كافر ، هل يعرفون قدر الإمامة ومحلّها من الأمّة فيجوز فيها اختيارهم ؟ ! إن الإمامة أجلّ قدراً وأعظم شأناً وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم ، أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم ، إن الإمامة خصّ الله بها إبراهيم


1) الأنعام : (6) : 38 .

2) المائدة (5) : 3 .

الخليل ( عليه السلام ) بعد النبوّة ، والخلّة مرتبة ثالثة وفضيلة شرّفه بها وأشاد بها ذكره فقال عزّ وجلّ : ( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ) (1)الأنبياء (21) : 72 - 73 .(2)فقال الخليل ( عليه السلام ) : سروراً بها ( وَمِن ذُرِّيَّتِي ) قال الله عزّ وجلّ : ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) فأبطلت هذه الآية إمامة كلّ ظالم إلى يوم القيامة ، وصارت في الصفوة ، ثمّ أكرمه الله عزّ وجلّ بأن جعلها في ذريّته أهل الصفوة والطهارة ، فقال عزّ وجلّ : ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (2) فلم يزل في ذرّيته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتّى ورثها النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) فقال الله عزّ وجلّ : ( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) (3)فكانت له خاصّة فقلّدها ( صلى الله عليه وآله ) عليّاً بأمر الله عزّ وجلّ على رسم ما فرضها الله عزّ وجلّ ، فصارت في ذرّيته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عزّ وجلّ : ( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ) (4)فهي في ولد عليّ ( عليه السلام ) خاصّة إلى يوم القيامة إذ لا نبيّ بعد محمّد ( صلى الله عليه وآله ) فمن أين يختار هؤلاء الجهال ؟ ! إنّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وإرث الأوصياء ، إنّ الإمامة خلافة الله عزّ وجلّ وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين وميراث الحس والحسين ( عليهما السلام ) ، إنّ الإمامة زمام الدين ونظام المسلمين وصلاح الدنيا وعزّ المؤمنين ، إنّ الإمامة اُس (5)الإسلام النامي وفرعه السامي ، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام ومنع الثغور والأطراف ، الإمام يحلّ حلال الله ويحرّم حرام الله ويقيم حدود الله ويذبّ عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربّه


1) البقرة

2) : 124 .

3) آل عمران (3) : 68 .

4) الروم (30) : 56 .

5) الاُس مثلثة : أصل البناء كما في القاموس .

بالحكمة والموعظة الحسنة والحجّة البالغة ، الإمام كالشمس الطالعة المجللة بنورها للعالم وهي بالأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار ، الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب (1)الدجى والبيد القفار ولجج البحار ، الإمام الماء العذب على الظماء ، والدالّ على الهدى والمنجى من الردى ، والإمام النار على اليفاع (2)الحار لمن اصطلى به ، والدليل في المسالك من فارقه فهالك ، الإمام السحاب الماطر والغيث الهاطل ، والشمس المضيئة والأرض البسيطة والعين الغزيرة والغدير والروضة ، الإمام الأنيس الرفيق والوالد الشفيق والأخ الشقيق ومفزع العباد في الداهية . الإمام أمين الله في أرضه وحجّته على عباده وخليفته في بلاده الداعي إلى الله والذاب عن حرم الله ، الإمام المطهّر من الذنوب المبرّأ من العيوب مخصوص بالعلم موسوم بالحلم نظام الدين وعزّ المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين ، الإمام واحد دهره ، لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير ، مخصوص بالفعل كلّه من غير طلب منه له ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضّل الوهّاب ، فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره ؟ ! هيهات هيهات ! ضلّت العقول وتاهت الحلوم وحارت الألباب وحسرت العيون وتصاغرت العظماء وتحيّرت الحكماء وتقاصرت الحلماء وحصرت الخطباء وجهلت الألباء وكلت الشعراء وعجزت الأدباء وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلة من فضائله فأقرّت بالعجز والتقصير وكيف يوصف كلّه أو ينعت بكنهه أو يفهم من شيء أمره أو يوجد من يقام مقامه ويغني غناه ، لا كيف وأنّى وهو بحيت النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين ، فأين الاختيار من هذا ؟ وأين العقول عن هذا ؟ وأين يوجد مثل هذا ! أظنّوا أن يوجد ذلك في غير آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ؟ كذّبتهم والله أنفسهم ومنّتهم


1) الغياهب جمع الغيهب : شدة السواد والظلمة ، الدجى : الظلمة .

2) اليفاع : ما ارتفع من الأرض وفي بعض النسخ « البقاع » .

الأباطيل فارتقوا مرتقى صعباً دحضاً ، تزل عنه إلى الحضيض أقدامهم ، راموا إقامة الإمام بعقول جائرة بائرة ناقصة وآراء مضلّة ، فلم يزدادوا منه إلاّ بعداً ( قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (1)الأنفال (8) : 21 - 23 .(2)لقد راموا صعباً ، وقالوا إفكاً ( ضَلُّواْ ضَلاَلاً بَعِيداً ) (3)القصص (28) : 68 .(4)ووقعوا في الحيرة ، إذ تركوا الإمام عن بصيرة ( وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ) (5)ورغبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم ، والقرآن يناديهم : ( وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) (4) وقال الله عزّ وجلّ : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (6)وقال عزّ وجلّ : ( مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُم بِذَلِكَ زَعِيمٌ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ ) (7)وقال عزّ وجلّ : ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا ) (8)أم ( وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ ) (9)أم ( قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ) (9) و ( قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ) (10)بل هو ( فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (11)فكيف لهم باختيار


1) التوبة

2) : 30 .

3) النساء

4) : 167 .

5) العنكبوت (29) : 38 .

6) الأحزاب (33) : 36 .

7) القلم (68) : 36 - 41 .

8) محمد (47) : 24 .

9) التوبة (9) : 87 .

10) البقرة (2) : 93 .

11) الحديد (57) : 21 .

الإمام ؟ ! والإمام عالم لا يجهل راع لا ينكل ، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة ، مخصوص بدعوة الرسول وهو نسل المطهّرة البتول لا مغمز فيه في نسب ولا يدانيه ذو حسب ، فالنسب من قريش والذروة من هاشم والعترة من آل الرسول ( صلى الله عليه وآله ) والرضا من الله شرف الأشراف والفرع من عبد مناف ، نامي العلم كامل الحلم . مضطلع بالإمامة عالم بالسياسة مفروض الطاعة ، قائم بأمر الله عزّ وجل ناصح لعباد الله ، حافظ لدين الله ، إن الأنبياء والأئمّة صلوات الله عليهم يوفّقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم فيكون علمهم فوق كلّ علم أهل زمانهم في قوله تعالى : ( أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (1)؟ ! وقوله عزّ وجلّ : ( وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ) (2)وقوله عزّ وجلّ في طالوت : ( إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (3)وقال عزّ وجل لنبيّه ( صلى الله عليه وآله ) : ( وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ) (4)وقال عزّ وجلّ في الأئمّة من أهل بيته وعترته وذريّته : ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً * فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ) (5)وإنّ العبد إذا اختاره الله عزّ وجلّ لأمور عباده شرح الله صدره لذلك وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً ، فلم يعي بعده بجواب ولا يحيد فيه عن الصواب ، وهو معصوم مؤيّد موفّق مسدّد قد أمن الخطايا والزلل والعثار ، يخصّه الله بذلك ليكون حجّته على عباده وشاهده على خلقه : ( ذَلِكَ فَضْلُ


1) يونس (10) : 35 .

2) البقرة (2) : 269 .

3) البقرة (2) : 247 .

4) النساء (4) : 113 .

5) النساء (4) : 54 ، 55 .

اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) (1)فهل يقدرون على مثل هذا ؟ ! فيختاره أو يكون مختارهم بهذه الصفة ، فيقدّموه ؟ تعدّوا وبيت الله الحقّ ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون وفي كتاب الله الهدى والشفاء ، فنبذوه واتّبعوا أهوائهم ، فذمّهم الله ومقتهم وأتعسهم (2)فقال عزّ وجلّ : ( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (3)وقال عزّ وجلّ : ( فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ) (4)وقال عزّ وجلّ : ( كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار ) (5).


1) الحديد (57) : 21 .

2) التعس بالتحريك : الهلاك .

3) القصص (28) : 50 .

4) محمد (47) : 8 .

5) عيون أخبار الرضا ، الشيخ الصدوق ، ج 1 ، ب 20 ح ، 1 ص 195 - 200 .

(81) مختار لطفي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في مدينة مالانك بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب أكمل الإعدادية وانتسب بعد استبصاره للحوزة العلميّة في مدينة قم .

استبصاره :

استبصر مختار لطفي سنة 1411 ه‍ ( 1991 م ) ، وذلك بعد حضوره جلسات علميّة للشيعة في بلاده ، وقد جذبته هذه الجلسات لعمق مطالبها العلميّة وتعدّد الآراء المبحوثة فيها ; حيث لا يحجر على أي رأي علمي لأيّ شخص أو مجموعة تعبّر عن آرائها أو تنقل آراء الآخرين من شتّى المذاهب الإسلاميّة ، كما استطرف فيها المعلومات الجديدة بالنسبة له حيث لم يسمع بها من قبل في محيطه السنّي إلاّ ضمن إشارات عابرة ، ومن هذه الأمور قضيّة الإمام المهدي ( عليه السلام ) ، الإمام الذي سيظهر به الله دينه على الدّين كلّه ، حيث يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً .

الإمام المهدي ( عليه السلام ) بين الشيعة والسنّة :

اتّفق المسلمون جميعهم على قضيّة الإمام المهدي كمخلّص للبشريّة من الظلم والجور ، كما لا تخلو الديانات السماويّة السابقة من فكرة المنقذ كظهور المسيح ( عليه السلام ) في آخر الزمان ، بل حتّى الأديان غير السماوية تعتقد بظهور مخلص في آخر أيّام البشريّة ، بل وحتّى بعض الأفكار الإلحادية كالشيوعيّة

وبعض الفلاسفة غير المتدينين يعتقدون بأنّ في آخر المطاف الزمني سوف تتحقّق المثل العليا لهذه الأفكار أو أنّ الرجل القوي ( السوبرمان ) سينقذ العالم من الشرور .

وأما المسلمون فهم متّفقون على أصل قضيّة الإمام المهدي ، كما اتّفقوا على وجوب الاعتقاد به ، وأنّه من أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأنّ دولته العالميّة سوف تقوم حتماً كما اتّفقوا على بعض علامات ظهوره ، وأنّه الإمام الذي يقتدي به عيسى ( عليه السلام ) في الصلاة .

لكن قضيّة الإمام المهدي ( عليه السلام ) لم تخلُ من الاختلافات المذهبيّة بين المسلمين كبقيّة القضايا الأخرى ، فقد اختلفوا في أنّ الإمام المهدي ( عليه السلام ) هل ولد أم أنّه سيولد في المستقبل فقال الشيعة الاثنا عشريّة بولادته ، وقال معظم أهل السنّة أنّه لم يولد بعد ، وبالتالي فهم مختلفون في غيبته ، فلو كان المهدي مولوداً فهو غائب الآن ، وإلاّ فلا غيبة له .

كما اختلفوا في التفاصيل الأخرى لشخصيّته ، فهل هو من ذرّية الإمام الحسن ( عليه السلام ) كما يقول أهل السنّة ، أو من ذرّية الإمام الحسين ( عليه السلام ) كما يقول الشيعة ، وهل أنّ اسم أبيه عبد الله كما يقول أهل السنّة ، أو أنّ اسم أبيه الحسن كما يقول الشيعة ، كما اختلفوا في عصمته حيث قالت الشيعة بعصمته كبقيّة الأئمّة الاثني عشر ولم يقبل أهل السنّة بعصمته كبقيّة الخلفاء الذين يتمسّكون بهم وإن كانت أخبار المهدي عندهم أنّه يبعثه الله في آخر الزمان ، وهذا المنصب الإلهي لم يقولوا به في أيّ خليفة حتّى في الإمام علي ( عليه السلام ) أو أبي بكر .

كما توجد روايات أخرى تخالف هذه التفاصيل لكن لم يلتزم بها أصحاب المذاهب الإسلاميّة وعلماؤهم المعتمدون لديهم . كما شكّكت مجموعة قليلة من المسلمين في قضيّة الإمام المهدي ( عليه السلام ) كابن خلدون (1)، ومن المعاصرين أحمد


1) تاريخ ابن خلدون 1 : الفصل 52 ، 20 .

أمين المصري (1)وغيره من الكتّاب .

ما كان ذلك منهم إلاّ لأنّه فاطمي يحارب الطواغيت وينتصر عليهم ولأنّ الشيعة تقول به .

قضية الإمام المهدي ( عليه السلام ) بين الاستغلال والإنكار :

إنّ ما يطرحه مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) في قضيّة الإمام المهدي ( عليه السلام ) أنّها قضيّة عقائديّة محدّدة المعالم واضحة التصوّر ، لا يشوبها الشكّ ولا يلفها الغموض ، وهي قضيّة حيّة حاضرة في ضمير الأمّة ووجدانها تتأهّب لها بالانتظار الدائم والتهيّؤ المستمر للمشاركة في نهضته الكبرى .

ومن هنا لا يمكن استغلال هذه القضية عندهم لوضوحها وتحديد معالمها وقوّة حضورها ، وهي ليست قضيّة خياليّة أو مبهمة تبشر بشخص غير معروف سيظهر في المستقبل كي يمكن استغلالها ، كما حصل أن استغلّها العبّاسيون (2)والحسنيون (3)، بل وحتّى الأمويّون في إنكارها أولاً ثمّ التلاعب برواياتها بتطبيقها على عيسى بن مريم أو ادّعائها لأحد أولاد عبد شمس (4)، وكما استغلّها أو ادّعاها الكثيرون من الطامحين ممّن يرغبون في المجد والزعامة (5).

إنّ قضية الإمام المهدي قد بلغت من التواتر حدّاً يصعب إنكارها جملة وتفصيلاً لكن حصل التشكيك في بعض تفاصيلها من البعض غير المتخصّص في علم الحديث ، كابن خلدون الذي شكّك في الروايات - وهو المؤرخ - ولم ينكر


1) المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي ، السيد ثامر هاشم العبيدي ، 145 .

2) في قضية خليفتهم الثالث المهدي بن المنصور .

3) في قضية محمد ذي النفس الزكيّة الذي ادّعوا أنّه المهدي أوّلاً ثمّ لمّا قتل قالوا : ذو النفس الزكيّة .

4) أنكر معاوية المهدي في حديث مع ابن عباس ولجماعة من بني هاشم ثمّ ظهرت روايات تنطبق على عيسى أو أحد أبناء عبد شمس ، لاحظ الملاحم والفتن لابن طاووس : 116 - 117 ، وسنن ابن ماجة ، ج 2 ، ح 4039 ، والفتن لابن حماد : 102 - 103 .

5) كادّعاء مهدويّة بن الحنفية وابن تومرت والمهدي السوداني ، وغيرهم كثير .

قضيّة المهدي من الأساس ، بل احتمل ظهوره لو وجدت له عصبّة على منهجه في تفسير التاريخ ، أمّا بعض الكتّاب المحدّثين فقد أنكروا قضيّة المهدي لدوافع طائفيّة ، ثمّ لتأثرهم بطرق المستشرقين في البحث أو لحصول بعض الشبهات لديهم وتعاملهم معها بشكل سطحي جدّاً .

وهذا الإنكار قد حصل لدى البعض من المسلمين من غير الشيعة الاثني عشرية ، أمّا الشيعة الاثنا عشريّة فلم ينكره أحد منهم وهو متمسّك بعقيدته الاثني عشرية .

الاختلاف في غيبة الإمام المهدي ( عليه السلام ) :

يستبعد معظم علماء أهل السنّة القول بالغيبة الطويلة للإمام المهدي المنتظر ( عليه السلام ) ويعتبرون هذا الاعتقاد ضرباً من الأوهام ، ولبعضهم كلمات جارحة وخارجة عن الأدب يستهزؤون فيها بأتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وهذا الاستبعاد منهم لا معنى له ما دمنا نؤمن بالغيب كما هي صفات المتقين قال تعالى ( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) (1).

وقد أخبر القرآن الكريم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بالكثير من الأمور الغيبيّة فآمّنا بها لإيماننا بالقرآن الكريم والرسول ( صلى الله عليه وآله ) وقد قدّمت الشيعة الاثنا عشريّة مئات الأدلّة القرآنية والحديثيّة في قضيّة الإمام المهدي المنتظر ( عليه السلام ) ، وقد وردت هذه الأدلّة في كتب المسلمين جميعاً ، كما توجد العديد من الروايات في الإمام المهدي ( عليه السلام ) في كتب أهل السنّة وهي لم ترد أصلاً في كتب الشيعة ، قضيّة إنّ الإمام المهدي ( عليه السلام ) قضيّة إسلاميّة فيها الكثير من الغيبّيات ولا تخص الشيعة وحدهم فحسب . ولم تخل كتب المسلمين جميعاً من النصوص ، ولسنا هنا في صدد تقصّي هذه النصوص ، لكن نضيف أنّ الاستبعاد القائم على استحالة أن يعيش الإنسان قروناً عديدة ; لأنّه خلاف طبائع الأشياء والسنن الجارية في أعمار البشر مردود ; لأنّه


1) البقرة (2) : 3 .

ثبت أنّ بعض الأنبياء والأولياء قد عاشوا لمئات السنين فنبي الله نوح ( عليه السلام ) كانت فترة رسالته فقط 950 عاماً ، ولم يعلم مدّة عمره قبل الرسالة وبعد الطوفان ، وقد ذكرت بعض المصادر في كتب العهدين بأنّ مجموع حياة نوح ( عليه السلام ) بلغت 2500 عاماً وتذكر مصادر التاريخ الإسلامي المعتمدة لدى الفريقين أنّ الخضر وإلياس لا زالا حيّين يرزقان مع أنّهما غابا عن الأنظار قبل الإمام المهدي ( عليه السلام ) بقرون كثير ة حيث كانا من قبل نبي الله موسى ( عليه السلام ) . ومثلهما نبي الله عيسى ( عليه السلام ) الذي أخبر القرآن بأنّه لن يموت قبل أن ينزل من السماء لهداية أهل الكتاب إلى الإسلام ، وقال تعالى : ( وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ) (1).

ومن العجائب أنّ أهل السنّة يؤمنون بأنّ الأعور الدجّال الذي سيخرج في الوقت المعلوم عند الله ويسعى في ضلال البشريّة في آخر الزمان ولد في زمان النبي ( صلى الله عليه وآله ) ولا زال حيّاً غائباً عن الأنظار أما غيبة الإمام المهدي ( عليه السلام ) الذي ينقذ العالم من الظلم والجور فيسخرون منها .

ولا ندري كيف لا يكون الاعتقاد بغيبة ابن صياد المفسد الدجال باعثاً للاستهزاء والسخريّة بينما يكون الاعتقاد بغيبة الإمام المهدي ( عليه السلام ) ابن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) باعثاً للاستهزاء والسخريّة ؟ !

نشاطاته

مارس « لطفي مختار » بعد الاستبصار الواجب التبليغي في هداية الناس من أبناء بلده إلى المذهب الحق وخصوصاً في فترات العطلة الدراسية . كما مارس عمل التحقيق وترجمة الكتب المفيدة ثمّ قام بعد ذلك بنشرها باللّغة الأندونيسية .


1) النساء (4) : 159 .

(82) منيرة جوبان( شافعيّة / أندونيسيا )

ولدت في أندونيسيا بمدينة « فرواكرتا » ونشأت في أسرة شافعيّة المذهب ، واصلت دراستها حتّى حصلت على الشهادة الثانويّة ثمّ واصلت دراستها في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ، ثمّ تعرّفت على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وتأثّرت بمظلوميّة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بعد وفاة أبيها ، فدفعها ذلك إلى البحث ، ومن البحث تبلورت قناعتها بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلنت استبصارها ، ثمّ سافرت إلى إيران والتحقت بجامعة الزهراء ( عليها السلام ) بمدينة قم لترفع مستواها العلمي ولتزداد بصيرة من خلال الالمام بمعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

التأثّر بمظلوميّة فاطمة الزهراء :

كانت « منيرة جوبان » كغيرها من أبناء مجتمعها غير ملمة بالتاريخ الإسلامي بشكل واعي ، ولكنّها بمجرّد الإلمام به اهتزّت مشاعرها ، واستغربت أشدّ الاستغراب ، وكان أوّل ما لفت انتباهها مظلوميّة بضعة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بعد وفاة أبيها بحيث قال ابن الصبّاغ المالكي : إنّ فاطمة ( عليها السلام ) لم تضحك بعد موت النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) حتّى قبضت (1).

وهنا يطرأ هذا التساؤل في ذهن كلّ مؤمن : لماذا لم تضحك الزهراء ( عليها السلام )


1) الفصول المهمّة ، ابن الصبّاغ المالكي : 148 .

بعد وفاة أبيها فقط ؟ ويتبّين الجواب من خلال ندبة الزهراء ( عليها السلام ) أباها رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قائلة :

قد كنت لي جبلاً ألوذ بظلّه * فتركتني أمشي بأجرد ضاحي

قد كنتُ ذات حميّة ما عشت لي * أمشي البراز وكنت أنت جناحي

فاليوم أخضع للذليل وأتَّقي * منه وأدفع ظالمي بالرّاح

وإذا دعت قمريّة شجنا لها * ليلاً على فنن دعوت صباحي

وأنشدت الزهراء ( عليها السلام ) أيضاً وهي تطوف بقبر أبيها :

•

قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

•

إنا فقدناك فقد الأرض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب

•

أبدت رجالٌ لنا فحوى صدورهم * لما قضيت وحالت دونك الترب

•

تجهمتنا رجالٌ واستخفّ بنا * إذ غبت عنا فنحن اليوم نغتصب

•

قد كنت بدراً ونوراً يستضاء به * عليك تنزل من ذي العزة الكثب

•

وكان جبريل بالآيات يؤنسنا * فغاب عنا فكل الخير محتجب

•

وقد رزينا بما لم يرزه أحد * من البرية لا عجم ولا عرب

وزاد في بعض الروايات :

•

ضاقت عليَّ بلادي بعدما رحبت * وسيم سبطاك خسفاً فيه لي نصب

•

فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما نعيت وحالت دونك الكثب

وورد عن الإمام علي ( عليه السلام ) قال : لما مات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) جاءت فاطمة ( عليها السلام ) فأخذت قبضة من تراب القبر فوضعته على عينيها ، فبكت وأنشأت تقول :

ماذا على من شمَّ تربةَ أحمد * أن لا يشمَّ مدى الزمان غواليا

صُبّت عليَّ مصائب لو أنّها * صُبّت على الأيّام صِرنَ لياليا

من ظلم الزهراء بعد وفاة أبيها ؟ !

إنّ هذا التساؤل دفع « منيرة جوبان » إلى البحث حتّى توصّلت إلى نتائج غيّرت نظرتها حول أبي بكر وعمر ، ولا سيّما بعدما علمت بأنّ الزهراء ( عليها السلام ) فارقت الحياة وهي غاضبة عليهما .

وقد ذكر ابن قتيبة خبر دخول الشيخين على فاطمة ( عليها السلام ) وذلك بعد تفاقم الأمر ، قال : فقال عمر لأبي بكر : انطلق بنا إلى فاطمة ( عليها السلام ) فإنا قد أغضبناها ، فانطلقا جميعاً ، فاستأذنا على فاطمة ( عليها السلام ) ، فلم تأذن لهما ، فأتيا عليّاً ( عليه السلام ) فكلّماه ، فأدخلهما عليها ، فلما قعدا عندها ، حوّلت وجهها إلى الحائط ! فسلّما عليها فلم ترد عليهما السلام .

فتكلّم أبو بكر فقال : يا حبيبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، والله إنّ قرابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أحبُّ إليّ من قرابتي ، وإنّكِ لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي ، ولوددت يوم مات أبوك أنّي مت ، ولا أبقى بعده ، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقّك وميراثك من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، إلاّ أني سمعت أباكِ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : لا نورّث ، ما تركناه فهو صدقة .

فقالت ( عليها السلام ) : أرأيتكما أن حدّثتكما حديثاً عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تعرفانه وتفعلان به ؟

قال : نعم .

فقالت ( عليها السلام ) : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : رضا فاطمة من رضاي ، وسخط فاطمة من سخطي ، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبّني ، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني ، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني .

قالا : نعم ، سمعنا ، من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

قالت : فإنّي أُشهد الله وملائكته ، أنّكما أسخطتماني ، وما أرضيتماني ، ولئن لقيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) لأشكونّكما إليه .

فقال أبو بكر : أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة !

ثمّ انتحب أبو بكر يبكي ، حتّى كادت نفسه أن تزهق ، وهي تقول : والله ، لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة أصلّيها .

ثمّ خرج باكياً . . . الخ (1).

معرفة الحقّ :

عرفت « منيرة جوبان » ما ينبغي أن تعرفه ، ثمّ اتّخذت قرارها النهائي ، فأعلنت استبصارها وولاءها لأهل البيت ( عليهم السلام ) وتركت عقائدها الموروثة ، ثمّ سافرت - كما ذكرنا - إلى إيران لطلب العلم ورفع مستواها الديني والمعرفي .


1) الإمام والسياسة ابن قتيبة : 1 / 20 .

(83) موسى مساور( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا بمدينة « سورابايا » ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ تعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فوجده متضمّناً لحقائق دينيّة متينة وأسس ومبادىء رصينة ، فدفعه هذا الأمر إلى البحث والتنقيب والمقارنة بين المذهب الشافعي والمذهب الشيعي حتّى توصّل إلى أحقيّة المذهب الشيعي ، فتخلّى عن مبادئه السابقة وتحوّل إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

المنزلة العظمى لآل محمد ( صلى الله عليه وآله ) :

إنّ من أهمّ الأمور التي لفتت نظر « موسى مساور » إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هي المكانة العظمى التي يمتلكها أهل البيت ( عليهم السلام ) عند الله تعالى ، وهذا ما يدفع كلّ مسلم إلى التمسّك بنهجهم واتّباعهم بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

وورد عن الإمام علي ( عليه السلام ) : « كلّ دعاء محجوب حتّى يصلّي على محمّد وآل محمّد » (1).

وينبىء هذا الأمر عن عظمة منزلة آل محمد عند الله تعالى ، وأسمى من هذه المنزلة لآل محمّد أنّ الصلاة لا تقبل حتّى يُصلّى فيها على محمّد وآل محمّد .

وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « من صلّى صلاة لم يصلّ فيها عليّ ولا على أهل


1) مجمع الزوائد ، الهيثمي : 10 / ص 180 ، ح 17278 ، وقال : « رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات » .

بيتي لم تقبل منه » (1).

ولهذا قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « إذا تشهّد أحدكم في الصلاة فليقل : اللّهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد » .

ولهذا قال الشافعي :

يا أهل بيت رسول الله حبّكم * فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكم من عظيم ا لقدر أنكم * من لم يصلِّ عليكم لا صلاة له (2).

وقد وردت أخبار كثيرة في كيفية الصلاة على محمّد وآل محمّد منها ما ورد عن كعب بن عجرة قال : « سألنا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقلنا يا رسول الله كيف الصلاة عليكم أهل البيت فإن الله قد علمنا كيف نسلّم ؟ قال : قولوا اللهم صلّى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد » (3).

انبثاق نور الحقيقة :

إنّ الأحاديث النبويّة المبيّنة لعظمة منزلة أهل البيت ( عليهم السلام ) دفعت « موسى مساور » إلى الاهتمام بأهل البيت ( عليهم السلام ) وبما ورد عنهم .

ومن هذا المنطلق تعرّف « موسى مساور » على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ثمّ تبلورت عنده قناعة كاملة بأحقيّة هذا المذهب ، فأعلن استبصاره وتغييره للانتماء المذهبي ، ثمّ سافر إلى إيران لطلب العلم والاطلاع على أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) فانتسب إلى الحوزة العلميّة في مدينة قم المقدّسة وواصل دراسته فيها .


1) سنن الدارقطني : 1 / ص 355 ح 6 .

2) الصواعق المحرقة : 88 .

3) صحيح البخاري : 2 / ص 377 ، ح 3370 .

(84) ناصر دمياطي( شافعي / أندونيسيا )

الصورة

D16

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب . حاصل على شهادة الدبلوم في فرع التربية .

استبصاره :

اعتنق « ناصر دمياطي » مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) سنة 1414 ه‍ ( 1994 م ) ، وذلك بعد تأثّره بأساتذته وأصدقائه الطلبة عندما كان يدرس في إحدى المعاهد الإسلاميّة في مدينة « بإنجيل » ، والتي يتمّ فيها تدريس العلوم الإسلاميّة وفق المذهب الشافعي السائد في البلاد ، ولكن يتواجد فيه أيضاً عدد كبير من الأساتذة والطلبة المستبصرين والملتحقين بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

كلّ الحلول عند مذهب آل البيت ( عليهم السلام ) :

وجد « ناصر دمياطي » أنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هو أحقّ المذاهب الإسلاميّة بل لا يمكن أن يقاس به مذهب آخر لقوّة هذا المذهب وصموده رغم المعاناة التي واجهها أبناؤه طوال التاريخ من قبل الحكّام الظالمين ، وكذلك قوّة أدلّته العلميّة ووجودها في كتب المذاهب الأخرى ، وكذلك تقديمه الحلول المناسبة لكلّ المشاكل التي تواجه المسلمين على خلاف المذاهب الأخرى التي تتضمن العديد من التناقضات في أحكامها وتتخبّط في مواجهة المشاكل التي

تواجهها في عالم التشريع لإدارة المجتمع نتيجة الابتعاد عن مسار أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وفي هذا السياق لاحظ « ناصر دمياطي » بأن القوى الغربيّة والمسيحيّة يعملون في أندونيسيا بجدّ ونشاط لتنصير المسلمين هناك وإشاعة الثقافة الغربيّة البعيدة عن أخلاق الدين الإسلامي في كافّة الاتّجاهات ومرافق الحياة العامّة ، ومن مفردات هذه الثقافة هو إشاعة الجنس والزنا وثقافة العري بشتّى الوسائل الإعلاميّة .

وقد وقف معظم المسلمين هناك بل في كلّ البلاد الإسلاميّة عاجزين عن التصدّي لهذه الثقافة التي استشرت واستفحلت نتيجة الفقر الثقافي والمادّي للمسلمين بصورة عامّة وقد لاحظ « ناصر » بأنّ الحلول التي يمكن أن تُفعّل لمواجهة هذه الظاهرة هي الزواج الموقّت الذي يقول به مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ممّا يدلّ على تكامله وقدرته على تقديم الحلول المناسبة لمشاكل المسلمين ، لأنّه الإسلام بعينه الذي يسير على خط الثقلين اللذين خلّفهما الرسول الأكرم لهذه الأمّة وأوصاها بالتمسّك بهما وهما القرآن الكريم وأهل البيت ( عليهم السلام ) .

الغرب ومسائل الجنس :

إذا قرأنا تاريخ الأمم الغربيّة نلاحظ أنّهم قد وقعوا في الإفراط والتفريط في مواجهة المسائل الجنسيّة لا سيّما في عهد سلطة الكنيسة فإنّهم فرضوا قوانين مشدّدة من أجل ذلك ، وأعتبروا كلّ عمليّة جنسيّة وبأي وسيلة كانت أمراً قبيحاً لا يجوز اقترافها ; وذلك لأنّهم كانوا يعتبرون المرأة في حدّ ذاتها قذرة ونجسة ، وبالتالي فإنّ أي اتّصال بها يمنع الطهارة ويمنع وصول الإنسان ( الرجل ) إلى الكمالات الروحيّة والمعنويّة ومن هنا فإنّ آباء الكنيسية اختاروا لأنفسهم العزوبة طوال حياتهم وقرّروا الابتعاد عن المرأة .

وبعد زوال سلطة الكنيسة وقيام الدول العلمانيّة في الغرب ، انعكس الأمر تماماً واطلقت تلك الدول الحريّات في كلّ اتجاه لا يؤثر على مصالحها ، وهكذا

انتشر الزنا عندهم كردّ فعل طبيعي بسبب التفريط الكنسي في هذا المجال .

وقد سبّبت هذه الثقافة بمشاكل كثيرة لهم ولكلّ شعوب العالم نتيجة السيطرة الغربيّة المفروضة على العالم اليوم .

وهذه المشاكل من الكثرة والاتّساع والعمق بحيث لا يمكن السيطرة عليها فليس لها أوّل ولا آخر ، فليس أوّلها إسقاط الجنين ولا آخرها إلا أمراض الإيدز والهباتيت وغيرها .

كما أنّ من أعظم أخطارها هو تحطيم نظام الأسرة الذي يحفظ الأخلاق في المجتمع ، فهكذا نرى الغرب يواجه مشاكل عديدة نتيجة إفراطه الحالي وتفريطه السابق ، ولكنّ المشكلة الأعظم هو تصديره لهذه المشاكل وفرضها على شعوب العالم الأخرى وخصوصاً شعوب البلاد الإسلاميّة .

الحل الإسلامي لمسائل الجنس :

إنّ الغريزة الجنسية من الحاجات الأساسيّة في الإنسان وهي التي تحفظ النوع الإنساني وهي لا تفترق كثيراً عن حاجة الإنسان إلى الأكل والشرب ، فكما أنّ العطشان لا يجوز منعه من شرب الماء ، أو اعطاؤه الماء الكثير الذي يؤدّي به إلى الهلاك ، فكذلك شهوة الجنس لا يصحّ كبتها أو إطلاق العنان لها . كما لا يجوز أن نعطي للعطشان ماء البحر بدل الماء العذب فكذلك لا يجوز إرضاء الشهوة الجنسيّة من غير الطرق الصحيحة .

إنّ منطق الإسلام في هذه القضية هو إقامة التوازن في سبيل إرضاء الغريزة الجنسيّة ، وهو لا يقبل الإفراط والتفريط الذي وقع فيه الغرب ، فإنّ الإسلام الذي جاء بالعفّة والطهارة الروحيّة لا يقبل في المقابل بحياة العزوبة طول العمر أو القيام بعمليّة الإخصاء مثلاً كما تفعل بعض الأمم التي لم تحدّد هذا البلاء بحدودها بل تحاول تصديره وإجراءه في بلاد المسلمين .

المتعة حلّ ممكن :

لقد شرّع الإسلام الزواج المؤقت إلى جنب الزواج الدائم للتخفيف من قيود الزواج الدائم في بعض الظروف لإشباع الغريزة الجنسيّة .

لكن المشكلة أنّ هذا الزواج المتفق على تشريعه في فترة من الفترات قد صدر الأمر بتحريمه ومنعه من قبل عمر بن الخطاب لعدم قبوله له ، ممّا سبّب أن يقع الناس في العسر أو الشقاء بارتكاب الزنا المحرّم ، وصار أمر هذا الزواج من الأمور الخلافيّة بين المسلمين .

والآن لو استطاع المسلمون حلّ هذه الخلاف لقدّموا لأنفسهم بل للبشريّة كلّها حلاًّ شرعياً ومناسباً للمسائل الجنسيّة .

ما هي المتعة :

المتعة في اللغة من الاستمتاع ، وفي الاصطلاح هي الزواج المؤقت وهو أن تزوِّج المرأة الخلية نفسها من رجل أجنبي ( أو يزوّجها الأب أو الولي ) بمهر معين ولمدّة معينّة . فالمتعة إذن زواج لمدّة محددة .

ويختلف الزواج المؤقت عن الزواج الدائم في بعض الأحكام منها :

1 - أنّه لا يقع فيه طلاق ، بل يفترقان بمضي المدّة أو أن يهب الزوج للزوجة ما تبقى من المدّة .

2 - لا توارث فيه بين الزوج والزوجة .

3 - لا تجب النفقة على الزوج فيه .

4 - عدّة المرأة المدخول بها في المتعة حيضتان .

مشروعية المتعة في الإسلام :

إنّ المتعة حلال بنصّ القرآن الكريم ، حيث قال الله تعالى : ( فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ

كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) (1)وقد اتفق المفسّرون من الشيعة والسنّة بأنّ الآية نزلت لبيان حليّة المتعة ومشروعيتها .

ويلاحظ في الآية أنّ الله سبحانه ذكر صفتين من صفاته في آخر الآية وهما العلم والحكمة ، وهذا يدلك أنّ تحليل المتعة فيه من العلم والحكمة ما يجعلها أحسن الطرق لحلّ المسألة الجنسيّة .

كما أنّ المتعة حلال في السنّة النبويّة الشريفة فقد وردت أحاديث كثيرة في تحليلها وممارسة الصحابة لها .

من أين أتى التحريم :

بعد أن نصّ القرآن والسنّة النبويّة على تحليل المتعة حرّمها عمر بن الخطاب قائلاً : متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأضرب عليهما (2). فاعترض عليه بعض الصحابة ولكنّه استمرّ على هذا التحريم بذريعة إنّ الرسول حلّلها في وقت الاضطرار ولا حاجة لنا إليها اليوم ، وإذا أراد الرجل أن يتزوّج فليتزوج بلا ذكر الأجل وإذا أراد أن يطلق زوجته فليطلقها بعد ثلاثة أيام .

إنّ هذا الرأي الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب لم يستند فيه إلى دليل أو نصّ شرعي . وإن وضع له رواة السوء فيما بعد نصوصاً تذكر تحريمه في زمن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) ما أنزل الله بها من سلطان .

ونحن إذا تأمّلنا ما قاله عمر بأنّ المتعة أُحلت زمن الاضطرار في الحرب والسفر فما الذي تغيّر في زمانه عن زمان رسول الله في الحرب والسفر ، وهل إنّ ما تحتاجه البشرية في صميم فطرتها يختلف من زمان إلى زمان .

وكذلك بالتأمّل لقوله يستطيع الرجل أن يتزوّج بدون ذكر الأجل ثمّ يطلق بعد ثلاثة أيام ، فنتسائل هل علمت المرأة بنيّة الطلاق أم لا ، فإذا علمت فهي المتعة


1) النساء (4) : 24 .

2) مسند أحمد 3 : 325 .

ولا فرق ، وإن لم تعلم فهو خيانة للمرأة وتغرير بها .

إنّ الإسلام قد أعطى الحلّ لمشكلة من لا يستطيع أن يرضي غريزته الجنسيّة بالزواج الدائم وذلك عن طريق الزواج المؤقّت ( المتعة ) ، وإذا ألغينا هذا الحلّ فسوف يقع الكثير من الناس ( كما وقعوا فعلاً ) في الزنا والاستمناء المحرّمين ، فهل المسلمون يختارون ما أحلّه الله ورسوله وأهل بيته ويتبعون ما فيه نجاتهم ، أم يتبّعون رجلاً قال برأيه ما شاء وما فيه البليّة لهم والشقاء !

(85) نجيب العيدروس( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في مدينة « صالاتيقا » ، فكان أبواه على أتباع أهل السنّة وفق المذهب الشافعي ، فتلقّى « نجيب » معتقداته من أبويه ، ومن الأجواء التي ترعرع فيها حتّى بلغ سنّ الرشد فوسّع رؤيته الدينيّة وتعرّف على أصول ومباني باقي المذاهب الإسلاميّة ومنها مذهب أهل البيت ( عليه السلام ) فوجد أدلّة وبراهين تخالف ما هو عليه من آراء ومعتقدات .

خلافة الإمام علي ( عليه السلام ) بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) :

وجد « نجيب العيدروس » خلال دراسته العقائديّة بأنّ القرآن الكريم يتضمّن العديد من الآيات القرآنية الدالّة على خلافه الإمام علي ( عليه السلام ) بعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) منها قوله تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) (1).

وقد ورد في تفسير هذه الآية عن أبي ذر أنّه قال : صلّيت مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوماً صلاة الظهر ، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد ، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : اللّهم اشهد إنّي سألت في مسجد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) فما أعطاني أحد شيئاً وعلي ( عليه السلام ) كان راكعاً ، فأومأ إليه بخنصره اليمنى - وكان فيها خاتم - فأقبل السائل


1) المائدة (5) : 55 .

حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي ( صلى الله عليه وآله ) فقال :

اللّهم إنّ أخي موسى ( عليه السلام ) سألك فقال : ربّ اشرح لي صدري ( إلى قوله ) وأشركه في أمري فأنزلت قرآناً ناطقاً ، سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً ، اللّهم وأنا محمد نبيّك وصفيك فاشرح لي صدري ويسّر لي أمري واجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أُشدد به ظهري ، قال أبو ذر : فوالله ما أتم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال : يا محمد أقرأ : إنّما وليكم الله ورسوله إلى آخرها (1).

وأمّا وجه الجمع في قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا ) فلا يخفى بأنّ حمل لفظ الجمع على الواحد في اللغة العربية جائز إذا كان على سبيل التعظيم .

وأمّا ما يرد بأنّ الولي له العديد من المعاني كالمحب والصديق والناصر والجار والمالك أو الأولى بالتصرف و . . . فإنّ المعنى الوحيد الذي يتلائم مع أداة الحصر الواردة في الآية ( إِنَّمَا ) والمعنى الذي يلائم الحصر في الله تعالى ورسوله وفي الإمام علي ( عليه السلام ) هو معنى مالك الأمر الذي يناسب الاختصاص بالله ورسوله والإمام علي ( عليه السلام ) .

تقبّل ولاية الإمام علي ( عليه السلام ) :

واصل « نجيب العيدروس » بحثه ومقارنته بين عقائد مذهب أهل السنّة وعقائد مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) حتّى توصّل إلى هذه النتيجة بأنّ رضا الله تعالى كامن في اتبّاع الإمام علي ( عليه السلام ) بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) والالتحاق بركبه والسير وفق هديه ، فلهذا لم يتردّد في الاستبصار بعد أن فرضت عليه الأدلة والحجج أن يغيّر انتماءه المذهبي وأن يتّجه نحو مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .


1) التفسير الكبير ، الفخر الرازي : 12 / 383 .

الاتّجاه نحو الدراسة والدعوة :

توجّه « نجيب العيدروس » بعد الاستبصار إلى الاستزادة من علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) فدرس في معهد الهادي الإسلامي ثم هاجر إلى إيران لطلب العلم ودرس في الحوزة العلميّة في مدينة قم ، ثمّ توجّه إلى نشر الحقائق التي توصّل إليها لئلاّ يبقى الآخرون أيضاً في ظلمات الغفلة التي كان فيها فيما سبق .

(86) هاشم عدنان( شافعي / أندونيسيا )

ولد في مدينة « شربون » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب وبعد أن أنهى دورة دراسيّة في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » استبصر ، ثمّ سافر إلى إيران ودخل في الحوزة العلمية في مدينة قم .

استبصاره :

استبصر « هاشم عدنان » في عام 1409 ه‍ ( 1989 م ) بعد رحلة موفّقة في مطالعة كتب الفريقين ، والمقارنة بينهما للوصول إلى معرفة طريق الحق في السير إلى الله تعالى ، وتلمّس الواقع لمعرفة حقيقة ما جرى بين المسلمين من خلافات ولا سيّما الخلافات التي جرت بعد وفاة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) .

وكان الجانب الرئيسي الذي شدّة إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هو أهل البيت ( عليهم السلام ) أنفسهم ، حيث جذبته فضائلهم الكثيرة ، ومناقبهم المحمودة ، ممّا أدّى به إلى التأمّل في مقاماتهم التي منحها الله تعالى لهم ومنها العصمة والتطهير من كلّ رجس .

آية التطهير :

قال الله سبحانه وتعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1)، وهذه الآية هي من الآيات التي يُستدلّ بها على عصمة أئمّة


1) الأحزاب (33) : 33 .

أهل من البيت ( عليهم السلام ) ، ولمعرفة تفسير هذه الآية ، يتمّ البحث في عدّة محاور :

المقصود من الطهارة والرجس :

إنّ الطهارة والرجس اسمان متضادّان يقع أحدهما مقابل الآخر ، وبمعرفة أحدهما يمكن معرفة الآخر ، فالرجس يعني القذر والمأثم وكلّ ما استقذر من العمل (1).

وقال الفخر الرازي في تفسيره : « الرجس عبارة عن الفاسد ، المستقذر المستكره » (2)وقال العلامة الطباطبائي في الميزان : « الرجس بالكسر فالسكون : صفة من الرجاسة وهي القذارة والقذارة هيئة في الشيء توجب التجنّب والتنفّر منها » (3).

فالرجس إذن لا يختص بالقذارة المادية بل يشمل القذارة المعنوية التي تشمل الأعمال والأخلاق والسلوك والعقائد الباطلة ، وهكذا الطهارة لها درجات مادية ومعنوية فقد قال تعالى : ( وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ ) (4)والطهارة المكتسبة من الماء هنا هي الطهارة المادّية الظاهريّة ، وقال تعالى : ( خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ) (5)وهنا الطهارة معنويّة فالتعلق بالأموال رجس تطهره الصدقة .

إنّ المراد في هذه الآية هو إذهاب الرجس بكلّ أنواعه عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فكلّ رجس وكلّ قذارة فقد أذهبها الله تعالى عنهم ، وأثبت مكانها الطهارة المؤكّدة ، وكذلك في جميع الحالات فالرجس منفي عنهم قبل البلوغ وبعده ، حال تبليغ الأحكام وغيره ، في العمد والنسيان والسهو والغفلة والجهل ، وذلك لكون


1) القاموس المحيط ، الفيروزآبادي : 1 / 706 .

2) تفسير الفخر الرازي 17 / 306 .

3) تفسير الميزان ، العلامة الطباطبائي : 16 / 312 .

4) الأنفال (8) : 11 .

5) التوبة (9) : 103 .

المحرّمات الإلهية في الواقع رجس وهي لا تتغير ولا تتبدل ، وإن رفع اللوم والعقاب في حالة الجهل .

وإنّ إذهاب الرجس عن أهل البيت ( عليهم السلام ) وإثبات الطهارة تعبير آخر عن « العصمة » فهم حّق متجسّد ، ولا يصدر منهم الباطل بأيّ حال من الأحوال .

العصمة والاختيار :

إنّ إذهاب الرجس عنهم لا يعني أنّهم مجبورون على عدم المعصية ، وأنهم لا اختيار لهم ولا قدرة لهم على ارتكاب المحرّمات فيما لو أرادوها ، لأنّ هذا المعنى يسلب اعتبار وقيمة العصمة ولكن هذه الآية نازلة في مقام المنّة ، وقد اهتمّ بها النبي ( صلى الله عليه وآله ) كثيراً (1)، واحتجّ بها الإمام علي ( عليه السلام ) (2)، ولكن العصمة الجبرية تتنافى مع كلّ ذلك .

ثمّ إنّ العصمة الجبريّة تجعل الرسالة السماوية مثاليّة في نظريّاتها غير قابلة للتطبيق في الواقع العملي للناس .

ومن جهة أخرى فإنّ اعطاء القدوة الحسنة ، والأسوة الصالحة أمر مهم لاقتداء الناس بالرسالات والسير على دربها ، كما أنّ تجسيد المفاهيم الشرعيّة بالعمل يمنع الخطأ في الفهم ، والالتباس في المواضيع .

إنّ الأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) هم المثل الأعلى لجميع الناس وقال تعالى : ( أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) (3)، وقال تعالى : ( اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ ) (4)وعليه فإن في أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) تتجسّد المبادئ الإلهية في كلّ النواحي ، ولا تجد للشيطان عليهم أيّ سلطان


1) اهتم النبي ( صلى الله عليه وآله ) كثيراً في تحديد أهل البيت في مناسبات كثيرة كما سيأتي لاحقاً .

2) منها احتجاجه بها يوم الشورى .

3) الأنعام (6) : 90 .

4) الفاتحة (1) : 6 - 7 .

وبالتالي يستطيع الناس أن يقتدوا بهم ، ولا تكون هناك حالة مثاليّة غير قابلة للتطبيق .

وإنّ اختيار المعصومين - في الواقع - لا يتنافى مع عصمتهم ، وقد قال الله تعالى بشأن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) : ( قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم ) (1)ولو لم يكن الرسول ( صلى الله عليه وآله ) قادراً على المعصية فكيف يخاف منها ؟

إنّ أصل العصمة يعود إلى امكانات علميّة قويّة زوّدهم الله سبحانه بها تفضّلاً منه فتمنع هذه الإمكانات من ارتكابهم للمعاصي باختيارهم نتيجة العلم الذي يتجسّد في نفوسهم ويريهم العواقب السيئة للمعصية فلا يقدموا عليها . وهذا التفضّل منه سبحانه لم يأت اعتباطاً بل علم الله منهم حبّهم للطاعة وكراهتهم للمعصية فمن عليهم بالعصمة وفق قوانين الاصطفاء الإلهي في عباده المخلصين .

الإرادة الإلهية تكوينّية أم تشريعيّة في آية التطهير :

قسّم الأصوليّون الإرادة إلى :

1 - تكوينية : وهي إرادة الشخص صدور الفعل عنه بنفسه ، من دون تخلّل إرادة غيره في صدوره ، كما في إرادة الله تعالى خلق العالم ، وإيجاد الأرض والسماء ، وكإرادتك في تناول الطعام والشراب وأداء الصلاة والصيام والحجّ . . . الخ .

2 - تشريعية : وهي إرادة الشخص صدور الفعل من غيره ، بإرادته واختياره ، كما في إرادة الشخص أن يصدر الفعل من غيره بإرادته واختياره ، كما في إرادة الله تعالى أن تصدر العبادات والواجبات من عباده باختيارهم وإرادتهم ، وكما في إرادتك أن يصدر الفعل من ابنك وخادمك بلا إجبار منك وإلجاء (2).

والفارق الرئيسي هو تخلّل إرادة اختياريّة بين المريد وتحقّق الفعل المراد وعدم تخلّلها ، وهذه القسمة للإرادة هي قسمة حاصرة لا قسم ثالث لها لدورانها


1) الأنعام (6) : 15 .

2) اصطلاحات الأصول : 29 .

بين النفي والإثبات .

ومتعلّق الإرادة التكوينيّة هو التحقّق الخارجي للفعل ، ومتعلّق الإرادة التشريعية هو التشريع للمكلفين .

وإنّ الواضح من الآية هو كون الإرادة الإلهية هنا هي إرادة تكوينيّة وليست تشريعيّة ، فهي إخبار عن أمر خارجي ، وليست في صدد الإنشاء والطلب ، والآية تحصر الإرادة ب‍ ( إنّما ) لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وواضح أنّ الإرادة لو كانت تشريعيّة لكانت موجهة لكلّ المكلفين وليس لأهل البيت ( عليهم السلام ) فقط ، وبالتالي لا منقبة خاصّة ولا داعي للاهتمام النبوي في تطبيقها على مصاديقها الموجودة وهم الخمسة من آل الكساء .

من هم أهل البيت ( عليهم السلام ) :

أثبتت آية التطهير العصمة لمن نزلت فيهم لكن من هم أهل البيت ( عليهم السلام ) هل هم نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) أم المعصومون الأربعة عشر أم هما معاً أو أي احتمال آخر .

استفاضت الرواية عن الصحابة أن أهل البيت ( عليهم السلام ) هم أهل الكساء ، وقد روتها عن نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، كما ورد عن عائشة (1)وأم سلمة (2)ولم تدّع واحدة من نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) هذه المنقبة وهن أحوج ما يكنّ إليها وخاصة عائشة التي خرجت لحرب الإمام المعصوم ( عليه السلام ) فما كان أحوجها إلى ادّعاء العصمة بدل الاحتجاج بطلب دم عثمان .

وبالتالي لا يمكن الاشتباه بين المعصومين الخمسة فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها وبين نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) وإن وردت الآية في وسط الآيات التي تذكر نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) لكنها متميّزة بضمائر مختلفة ، كما أن الآيات السابقة واللاحقة تختلف


1) صحيح مسلم : 4 / ص 1501 ، ح 2424 .

2) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ص 25 ، ح 3609 . وقال « صحيح على شرط البخاري » وقال الذهبي : « على شرط مسلم » .

عن مفاد تشطر الآية الذي ورد فيه أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ونجد أنّ الآية السابقة تخيّر نساء النبي بالطلاق لطلبهنّ الحياة الدنيا ، وأين هذا من التطهير التام والعصمة ، فالآيات المخاطبة لنساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) تأمر نساء النبي ( صلى الله عليه وآله ) وتنهاهن وتؤدبّهن إكراماً لأهل البيت ( عليهم السلام ) وتنزيهاً لهم لئلاّ تنالهم وصمة بسببهن ، وصوناً لهم عن أن يلحقهم من أجلهنّ عيب فقال تعالى ( يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِّنَ النِّسَاء . . . ) فهذا التمييز هو للاتّصال بالنبي وآله صلوات الله عليهم أجمعين لا لذواتهن » .

(87) هاشم الحبشي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ونشأ في مدينة « بندواسا » ، وترعرع في أسرة شافعيّة المذهب ، فتمسّك بالعقائد التي وصلته من آبائه ولكن حينما سمى وعيه الديني ، توجّه نحو البحث والتنقيب في الصعيد العقائدي فأرشده البحث إلى حقائق دفعته في نهاية المطاف إلى اعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وأعلن استبصاره سنة 1412 ه‍ ( 1992 م ) .

اثنا عشر خليفة :

إنّ من أهم الأمور التي لفتت انتباه « هاشم الحبشي » خلال البحث رواية البخاري في صحيحه بسنده عن شعبة عن عبد الملك قال : سمعت جابر بن سمرة قال : سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقول : يكون اثنا عشر أميراً ، فقال كلمة لم أسمعها ، فقال أبي إنّه قال : كلّهم من قريش .

وروى مسلم في صحيحه بسنده عن سماك بن حرب قال : سمعت جابر بن سمرة يقول : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول لا يزال الاسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة ، ثمّ قال كلمة لم أفهمها ، فقلت لأبي : ما قال ؟ فقال : كلّهم من قريش (1).

وروى مسلم أيضاً في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص ، قال : كتبت إلى جابر بن سمرة مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، قال : فكتبت إلى جابر بن سمرة مع


1) صحيح البخاري : 4 / ص 398 ، ح 7222 ، 7223 .

غلامي نافع ، أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : فكتب إليّ : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، يوم جمعه عشيه رُجم الأسلمي ، يقول : لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة ، أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة ، كلّهم من قريش (1).

وروى الترمذي في صحيحه بسنده عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يكون من بعدي اثنا عشر أميراً ، قال : ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه ، فسألت الذي يليني ، فقال : قال كلّهم من قريش (2).

وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن مسروق قال : كنّا جلوساً ليلة عند عبد الله يقرؤنا القرآن ، فسأله رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، هل سألتم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كم يملك هذه الأمّة من خليفة ؟ فقال عبد الله : ما سألني عن هذا أحد منذ قدمت العراق قبلك ، قال : سألناه فقال : اثنا عشر ، عدّة نقباء بني إسرائيل (3).

أتباع خلفاء الرسول الاثني عشر ( عليهم السلام ) :

وجد « هاشم الحبشي » بعد البحث بصورة مكثّفة بأنّ هذه الأحاديث الواردة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لا تنسجم إلاّ مع مبدأ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) حيث إنّهم يعتقدون بأنّ الأئمّة بعد الرسول اثنا عشر إماماً وهم :

1 - الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام )

2 - الإمام الحسن بن علي المجتبى ( عليهما السلام )

3 - الإمام الحسين بن علي سيّد الشهداء ( عليهما السلام )

4 - الإمام علي بن الحسين زين العابدين ( عليهما السلام )

5 - الإمام محمّد بن علي الباقر ( عليهما السلام )

6 - الإمام جعفر بن محمد الصادق ( عليهما السلام )


1) صحيح مسلم : 3 / ص 1155 ، ح 1822 .

2) صحيح الترمذي : ح 2223 ، وقال الألباني : صحيح .

3) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 4 / ص 406 ، ح 8705 . وأقرّه الذهبي في التلخيص .

7 - الإمام موسى بن جعفر الكاظم ( عليهما السلام )

8 - الإمام علي بن موسى الرضا ( عليهما السلام )

9 - الإمام محمّد بن علي الجواد ( عليهما السلام )

10 - الإمام علي بن محمّد الهادي ( عليهما السلام )

11 - الإمام الحسن بن علي العسكري ( عليهما السلام )

12 - الإمام الحجّة بن الحسن المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف .

ولم تستطع أيّ واحدة من الفرق الإسلاميّة الأخرى أن تبيّن من هم الخلفاء الاثنا عشر ، ومن هنا تتضّح أحقية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام )

مواصلة البحث :

واصل « هاشم الحبشي » بحثه في الصعيد العقائدي فوجد بأنّ الأدلة والبراهين كلّها تشير إلى أحقّية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فلم يجد بُداً سوى ترك معتقداته الموروثة واعتناق معتقدات مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأعلن استبصاره سنة 1992 ، ثمّ توجّه إلى دراسة علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) في المعهد الإسلامي في بإنجيل .

ولم يتمكّن « هاشم الحبشي » أن يترك تواصله الدائم مع معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) بعد أن ذاق حلاوة طعمها وشعر بأهمّيتها ودورها في تقريبه إلى الله تعالى ، فواصل طلبه للعلم وواصل مطالعاته في هذا المجال ، ثمّ توجّه إلى نشر هذه المعارف بين أبناء منطقته .

ومن جهة أخر واجه « هاشم الحبشي » الكثير من التساؤلات من قبل أبناء منطقته حول أسباب اعتناقه لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وكان هذا الأمر يحفزّه على دوام الاتّصال مع علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) من أجل الإجابة عن الأسئلة العقائدية والفكريّة التي يوجّهها الآخرون له .

ومن هذا المنطلق أمضى « هاشم الحبشي » حياته في رحاب العقائد والفكر ،

وكان يجد هاشم في كلّ يوم من الحقائق الجديدة التي لم يكتشفها من قبل ، وكان هذا الأمر يدفعه إلى المزيد من التمسّك بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وحاول العديد من أبناء قومه أن يعيدوه إلى مذهبه السابق ، ولكنّهم لم يتمكّنوا من ذلك ، لأنّ استبصاره لم يكن من دوافع متزلزلة ، ليعود مرّة أخرى إلى مذهبه السابق ، بل كان منطلقه الدليل والبرهان ، وكان هاشم لا يجد في كلام من يحاول إرجاعه إلى مذهبه السابق سوى التطميع والترغيب والترهيب المادّي فلم يؤثّر هذا الأمر فيه ، وبقي ثابتاً على درب الاستقامة ومناضلاً في سبيل الدعوة إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) حتّى النهاية .

(88) هاشمي العطّاس( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1391 ه‍ ( 1972 م ) في أندونيسيا بمدينة « بكلونجن » ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ تعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) عن طريق مطالعة الكتب ، فكشف له البحث حقائق هزّته من الأعماق وبيّنت له أموراً لم يكن مطلّعاً عليها فيما سبق ، بل لم يكن متوقّعاً لها أبداً ولكن البحث أخذ بيده وعرّفه على الحقيقة ثم تركه ليتّخذ القرار بنفسه في اتّباع ما ورثه من آبائه أو اتّباع الحقّ الذي تعرّف عليه جديداً .

الحيرة في اتخاذ القرار :

رأى « هاشمي العطّاس » بأنّ المسلمين تفرّقوا إلى فرقتين أساسيّتين بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وكان هذا الخلاف يدور حول مسألة الخلافة ، فبايع البعض أبا بكر بعد نزاع حاد جرى في السقيفة ، وذهب آخرون إلى أنّ مبايعة أبي بكر أمر مخالف للنصوص الواردة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لأنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله ) سبق وأنّه عيّن الإمام عليّاً ( عليه السلام ) للخلافة من بعده ، فكيف يحقّ للبعض مبايعة أبي بكر وترك الإمام علي ( عليه السلام ) مشغول بدفن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

فتحيّر « هاشمي العطّاس » في اتّباع أي الطائفتين ، أيتّبع الأكثريّة الذين بايعوا أبا بكر أم يتبع الأقليّة الذين بقوا مع الإمام علي ( عليه السلام ) .

وكان يعلم « هاشمي العطّاس » بأنّ الكثرة والقلة لا تعتبر مقياساً لمعرفة

الحقّ ، وإنّما الأمر يتطّلب البحث والتحقيق فواصل بحثه في هذا المجال .

مفارقة علي ( عليه السلام ) مفارقة لله ورسوله ( صلى الله عليه وآله ) :

واصل « هاشمي العطّاس » بحثه في الصعيد العقائدي من أجل معرفة الحقّ حتّى تعرّف على أحاديث نبويّة حدّدت له السبيل وأخرجته من حالة الشكّ والترديد ومن هذه الأحاديث قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « يا علي من فارقني فقد فارق الله ، ومن فارقك يا علي فقد فارقني » (1)

مجمع الزوائد الهيثمي : 9 / ص 130 ، ح 14771 . وقال : رواه البزّار ورجاله ثقات .

.

إيذاء علي ( عليه السلام ) إيذاء للنبيّ ( صلى الله عليه وآله ) :

وجد « هاشمي العطّاس » أحاديث أخرى أيضاً تحذّره من الابتعاد عن السبيل الذي سلكه الإمام علي ( عليه السلام ) بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ومن هذه الأحاديث :

عن عمرو بن شاس الأسلمي - وكان من أصحاب الحديبية - قال : خرجنا مع علي ( عليه السلام ) إلى اليمن ، فجفاني في سفره ذلك حتى وجدت في نفسي ، فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد حتى بلغ ذلك رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : فدخلت المسجد ذات غداة ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في ناس من أصحابه فلما رآني أبدني عينيه - يقول : حدد إلي النظر - حتى إذا جلست قال : يا عمرو أما والله لقد آذيتني فقلت : أعوذ بالله أن أوذيك يا رسول الله ، قال : بلى من آذى عليّاً فقد آذاني (2).

مشايعة الإمام علي ( عليه السلام ) :

لم يجد « هاشمي العطّاس » سبيلاً سوى اتّباع الإمام علي ( عليه السلام ) والالتحاق بركبه ومشايعته بعد أن شاهد الأدلّة والبراهين القاطعة التي أبصرته بالحقيقة وبيّنت


1) المستدرك ، الحاكم النيسابوري : 3 / ص 336 ، ح 4682 . وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه .

2) المستدرك الحاكم النيسابوري ، 3 / ص 335 ، ح 4677 . وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه . ووافقه الذهبي في التلخيص .

له الواقع وكشفت له الستار عن وجه الحق ، فأعلن استبصاره ثمّ درس في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » حتّى أنهى دورة دراسيّة كامله في هذا المعهد ثمّ سافر إلى مدينة قم في إيران والتحق بالحوزة العلميّة ليزداد علماً وبصيرة بمعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

(89) هداية الله الحبشي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في مدينة « بإنجيل » بأندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعية المذهب .

درس في المعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » ، ودرس في مدينة مكة المكرمة ، وكذلك في مدينة قم المقدسة بعد استبصاره . ثمّ صار أستاذاً في المعهد الإسلامي في بإنجيل .

استبصاره :

استبصر « هداية الله الحبشي » في أوائل القرن الخامس عشر الهجري وذلك بعد مطالعته لكتب الشيعة ومقارنتها بمثيلاتها من كتب أهل السنة ، فوجد قوّة الاستدلال والاعتماد على القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة في كتب الشيعة كفيلة بأن تفرض على قارئها أتّباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

واكتشف « هداية الله الحبشي » أن مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) كما يدّعه بعض المتطرفين من أنّه مبتدع من قبل عبد الله بن سبأ الذي قيل إنّه كان يهوديّاً - وأمثاله من المغمورين الذين لا يعرف التاريخ عنهم كثيراً ، وإن نسب إليه مروّجي فتنته وأسطورته دوراً هائلاً لا يقوم به حتّى العمالقة والفطاحل .

عبد الله بن سبأ بين الأسطورة والواقع :

ورد بأنّ اسمه « عبد الله بن سبأ » ، ولم يزيدوا على ذلك ، فهل سبأ اسم أبيه ؟ أو أسم قبيلته التي ينتسب إليها ؟ لا يعرف ذلك ! !

ولم تذكر المصادر التاريخيّة أنّ له زوجة أو أولاد أو أخوة أو أعمام أو أخوال ولا يعرف عن أمه شيء سوى أنّها سوداء .

وابن السوداء الذي ذكره المؤرّخون قد يكون شخصاً آخراً غير عبد الله بن سبأ كما قال بذلك بعضهم ممن يدافع عن وجود ابن سبأ وعن دوره .

وقد اختلف في أنّه من حميرَ أو من همدان ، وهل أنّه يهودي أو رومي الأصل ؟ وهل أنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) أحرقه مع جماعة آخرين لمّا قال بربوبيّة الإمام علي ( عليه السلام ) ، أو أنّه تاب فنفاه الإمام إلى المدائن ؟

وقيل إنّه أسلم في أواخر أيّام عثمان ، وأنّه طاف البلاد الإسلاميّة من البصرة إلى الكوفة والحجاز والشام ومصر يؤلّب الناس على عثمان ، ويحرّض على فعله ، ثمّ استطاع بمكائده أن يثير الفتنة التي أدّت إلى قتل عثمان !

وذكروا له دوراً في حرب الجمل ، ثمّ اختفى دوره ولم يسجّل له شيء يذكر بعد ذلك .

إنّ مثل هذه الشخصيّة - التي ذكر مروّجي فتنتها أنّه خدع بعض الصحابة العظام كأبي ذر وعمار وغيرهما كثير - لا يُعرف عنها الكثير ، والمعروف عنها مختلف فيه أشدّ الاختلاف ، فهل يعقل أنّ لها مثل هذا الدور المنسوب إليها ؟ هذا إذا فرضنا وجوده ، فقد توصّل بعض المحققين من السنّة والشيعة أنّه شخصيّة موهومة لا وجود لها .

الدور المزعوم لعبد الله بن سبأ ودوافعه :

زعم البعض بأنّ عبد الله بن سبأ استطاع بمكره وحيلته أن يندس بين شيعة الإمام علي ( عليه السلام ) ويظهر القول برجعة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، وأمير المؤمنين علي أبي طالب ( عليه السلام )

بعد الموت وأنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) هو الوصيّ ، وأنّه دابّة الأرض .

وقد أرادوا بذلك أن يشوّهوا هذه المفاهيم الإسلامية الصحيحة ويكيدوا لشيعة الإمام علي ( عليه السلام ) ; بأنّ المؤسّس لأفكارهم هو رجل يهودي ! !

ونسوا وهم يفترون هذه الفريّة نظريّة عدالة الصحابة التي روّجوها ، فجعلوا الصحابة أدوات يقودها رجل يهودي يتظاهر بالإسلام إلى حيث يشاء ويثير الفتنة ذات النتائج الهائلة في وقت قصير ، وصدق من قال أنّ حبل الكذب قصير ، فسرعان ما ينسى الكذاب كذبه ، ويأتي بكذب جديد يتناقض مع الكذب الأول ، ومن الدوافع الأخرى لفرية عبد الله بن سبأ يمكن القول بما يلي :

1 - الدفاع عن عثمان وولاته وتبرير أعمالهم .

2 - الدفاع عن عائشة وطلحة والزبير ، وتصحيح مواقفهم في حرب الجمل .

3 - النيل من الإمام علي ( عليه السلام ) وشيعته بشكل مباشر أو غير مباشر .

4 - مدح أهل الشام وأميرهم معاوية ; لأنّ ابن سبأ المزعوم لم يستطع أن يندس بينهم .

وهناك دوافع ومآرب أخرى أتبعاها مروّجوا هذه الفتنة العمياء .

براءة الشيعة من عبد الله بن سبأ :

إنّ عبد الله بن سبأ سواء كان موجوداً أم لا ، وسواء كان له دور سيىء في أحداث الفتنة أم لا ، فإنّ ذلك لا يؤثّر على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم قيد أنملة ، وهذا المذهب بعيد كلّ البعد عن عبد الله بن سبأ ، ومن قال بأنّ له ارتباط بعبد الله بن سبأ فقد افترى فرية عظيمة واكتسب موبقة تجرّه إلى النار ، وهو مطالب بالدليل والبرهان ، وهيهات منه الدليل كما هو الحال في بقية القضايا الأخرى .

إنّ علماء الشيعة وعوامهم يتبرأون من عبد الله بن سبأ ويصرّحون بكفره ولعنه والبراءة منه .

كما أنّ كتب مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) لا تروي أقواله ولا تذكر سيرته لا من

قريب ولا من بعيد .

وإنّ مذهب الشيعة الإمامية مذهب متكامل من جميع الجهات وهو منقول عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) وهذه كتبهم تشهد بذلك .

وعليه فكيف يمكن نسبة هذا المذهب العظيم إلى رجل ذكر مسائل أربع فقط من مسائلهم التي تعدّ بالآلاف ، ولهم في هذه المسائل الأربع أدلّتهم من القرآن الكريم والسنّة الشريفة .

إنِّ المروّج لهذه الفتنة كذّاب مفتر أراد الكيد بالشيعة ، وليس هذا أوّل كيد يواجهونه وليس هو الأخير ، والمشتكى إلى الله ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ، والعاقبة للمتّقين .

نشاطات هداية الله الحبشي :

عمل هداية الله على هداية أبناء بلده إلى تعاليم أهل البيت ( عليهم السلام ) أداءً للواجب التبليغي الذي ألقاه الله سبحانه على عاتق المتفقّهين في الدين كما أنّه قام بالإضافة إلى التدريس وتربية الأجيال بترجمة بعض الكتب الدينيّة المفيدة إلى اللغة الأندونيسيّة ، إضافة إلى النشاطات التبليغيّة الموسميّة الأخرى .

(90) هري كوسوما( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1375 ه‍ ( 1956 م ) في أندونيسيا بمدينة « كولنجن » وتلقّى معتقداته الدينّية من أسرته التي كانت تنتمي إلى المذهب الشافعي ، وبقي على انتمائه المذهبي الموروث حتّى تعرّف على شخص مستبصر يُدعى أحمد حافظ ، فاستغرب « هري كوسوما » من ترك هذا الشخص مذهبه السنّي وتغيير انتمائه إلى مذهب طالما وجد علماء مذهبه يحذّرون من الاقتراب منه ويلصقون به مختلف الأوصاف التي يشمئز منها الإنسان .

من هنا اندفع « هري كوسوما » من منطلق حبّ الاستطلاع لمعرفة الأسباب التي دفعت صاحبه إلى التخلّي عن مبادئه وتحملّه جميع ردود الفعل القاسية وصموده إزاء التيارات المعاكسة وتوجّهه نحو المذهب الشيعي .

المنهج الصحيح في تقييم المخالفين :

بيّن « هرى كوسوما » في لقاءاته مع صاحبه المستبصر انطباعه السئ عن المذهب الشيعي ، وحاول بشتّى الطرق أن يعيده إلى مذهبه السابق ، ولكنّه وجد صاحبه المستبصر يتعامل معه بهدوء ويطلب منه التأنّي في تقييم أصول ومبادىء الآخرين . وكان ممّا أكّد عليه صاحبه في ذلك الحوار هو أنّ الإنسان من حقّه أن يكوّن لنفسه انطباعاً إزاء الآخرين ، ولكنّه ينبغي أن يسعى ليكون انطباعه مستند إلى الدليل والبرهان ، ولا يحقّ للإنسان أن يجعل مزاجه المتأثّر بالأجواء المحيطة

هو المعيار والميزان لبلورة انطباعه إزاء الآخرين .

وبيّن ذلك المستبصر لصاحبه « هري كوسوما » بأنّ أفضل طريقة لتقييم الآخرين هو التعرّف على أفكارهم ثمّ المبادرة إلى تقييمها وفق القرآن والسنّة والعقل ، ويلزم ذلك أن يتعرّف الباحث على أفكار ومعتقدات الآخرين من مصادرهم الموثوقة وأن لا يكتفي بما يقوله المخالفون لهم .

أدرك « هري كوسوما » بعد إصغائه إلى كلام صاحبه المستبصر بأنّ الحقّ معه ، وأدرك بأنّه قد استعجل في حكمه على الشيعة ، وكيف يحقّ له انتقاد من لا يعرف عنهم شيئاً ، وكيف يحقّ له أن يكوّن في نفسه انطباعاً سيّئاً إزاء من لا يعرف عنهم إلاّ ما قاله المخالفون ضدّهم ، وكيف يحقّ له أن ينطلق من منطلق العاطفة ولا يجعل للعقل أيَّ دور في تقييمه للآخرين .

ومن هنا خصّص « هري كوسوما » لنفسه وقتاً ليتعرّف من خلال صاحبه على أصول ومبادىء التشيّع ، وكان « هري كوسوما » مطمئناً بأنّه على الحقّ وصاحبه على الباطل ، ولكنّه أراد أن يدخل هذه المرة مع صاحبه من منطلق الدليل والبرهان ليثبت له بأنّ الشيعة تخالف صريح القرآن الكريم !

مسألة خلق الله لأفعال العباد :

كان يعتقد « هري كوسوما » بأنّ الشيعة تخالف صريح القرآن في عدّة أُمور منها قوله تعالى : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء ) (1)وهذه الآية تبيّن بصراحة بأنّ الله تعالى خالق كلّ شيء ، ومن هذا الشيء هو فعل العباد ، ولكن الشيعة تقول غير ذلك .

ومع ذلك رضي « هري كوسوما » أن لا يكتفى في تقييمه للمذهب الشيعي بما يقال عنه ، فبادر إلى البحث في الكتب الشيعيّة ليرى كيف تجرّأ الشيعة على مخالفة القرآن الكريم .


1) الزمر (39) : 62 .

وطّن « هري كوسوما » نفسه إلى الإصغاء لأدلّة الشيعة فيما يذهبون إليه ، وإذ به يجد نفسه أمام مدرسة فكريّة عملاقة تحاول أن تنظر إلى الأمور من زوايا متعدّدة لئلاّ تقع في أسر النظر الأحادي أو النظر من آفاق ضيّقة .

وكان جواب الشيعة عن مسألة خلق الله لأفعال العباد هي أنّ الباحث ينبغي أن ينظر إلى الحقائق بنظرة شموليّة ليتمكّن من معرفة الحقائق كما هي عليه في الواقع ، ومنها قوله تعالى : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء ) فهذه الآية تدلّ على أن الله تعالى خالق كلّ شيء ولكنّنا ينبغي أن لا نستنتج من هذه الآية بأنّ الله تعالى هو الخالق لكلّ شيء بصورة مباشرة لأنّه تعالى نسب الخلق إلى غيره في الآيات القرآنيّة الأخرى منها قوله تعالى : ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ) (1)، ومنها قوله تعالى : ( وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ ) (2)ومنها قوله تعالى للسامري وأصحابه : ( وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ) (3). وهذه الآيات تدل بوضوح على صحة نسبة فعل الخلق إلى غير الله تعالى .

ومن هنا نستنتج بأنّ الآيات القرآنيّة الكريمة التي تنسب خلق كلّ شيء إلى الله تعالى ، ليست إلاّ في مقام بيان قدرة الله التامّة على الخلق ونفوذ أمره الشامل لجميع الكون بلا استثناء ولا يوجد تنافي بين هذه الشموليّة مع قدرة البشر على خلق أفعالهم ، لأنّ قدرة البشر نابعة من الله تعالى .

وبعبارة أخرى إنّ نسبة الخلق إلى الله تعالى لا يعني أنّه السبب المباشر للخلق ، بل قد يكون الخلق صادراً من الإنسان ، ولكنّه ينسب إلى الله عزّ وجل ، لأنّه تعالى صاحب القدرة التي منحها للعبد ، ومثال ذلك في القرآن فعل التوفّي ، فهذا الفعل نُسب في بعض الأحيان بصورة مطلقة إلى الله تعالى فقال عزّ وجلّ : ( اللَّهُ


1) المؤمنون (23) : 14 .

2) الصافات (37) : 125 .

3) العنكبوت (29) : 17 .

يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) (1)ونسب تارة إلى ملك الموت فورد قوله تعالى : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) (2)ونسب في أحيان أخرى إلى الملائكة ، فورد قوله تعالى : ( وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ ) (3)ولا يحق لأحد عند قراءته للآية الأولى أن يدّعي بأنّ الله تعالى هو الذي يتوفّى الأنفس فقط ولا يحقّ نسبة التوفي إلى غيره ، لأنّ الآية الثانية والثالثة نسبت فعل التوفي إلى غير الله تعالى . وما يمكن استنتاجه في هذا المجال أنّ فعل التوفّي يتمّ بيد الملائكة أو بيد مَلك الموت ، وإنّ نسبة هذا الفعل إلى الله تعالى هو لأنّه تعالى منح قدرة هذا الفعل لملك الموت أو الملائكة ، وهذا من قبيل أن يُقال بأنّ القائد الفلاني بنى هذه المدرسة ، فنسبة البناء للقائد لا تعني أنّه قام بالبناء بصورة مباشرة لأنّ البناء تمّ على يد العمّال بل تعني أنّ أمر البناء تمّ بأمره وبالإمكانيات التي وفّرها للعمّال .

وهكذا في مسألة الخلق ، فنسبة خلق كلّ شيء إلى الله تعالى لا تعني أنّه يخلق كلّ شيء بصورة مباشرة ، وإنّما ينسب الخلق إلى الله تعالى ، لأنّه صاحب القدرة التي منحها للعبد فتمكّن العبد أن يخلق بها بإذن الله تعالى .

وأما الإصرار على لزوم التمسّك ببعض الآيات القرآنية وإهمال الآيات الأخرى ، فإنّه لا يدلّ على تبعيّة الإنسان المطلقة للقرآن ، وإنّما يدلّ على أن الإنسان وصل إلى نتيجة معينّة فأحبّ أن يدعم قوله بالقرآن الكريم ، فانتقى من القرآن ما يتلاءم مع فكرته وترك الباقي لعدم الانسجام مع الرأي الذي يودّ أن يذهب إليه ، وقد قال تعالى : ( أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض ) (4).

كما أنّ الذي يصرّ على الالتزام بالأخذ بظاهر قوله تعالى : ( اللّهُ خَالِقُ كُلِّ


1) الزمر (39) : 42 .

2) السجدة (32) : 11 .

3) الأنفال (8) : 50 .

4) البقرة (2) : 85 .

شَيء ) فينبغي أن يقول بأنّ الله خالق لعلمه ولقدرته وسائر صفاته الذاتيّة ، لأنّ علمه تعالى شيء وقدرته تعالى شيء آخر وسائر صفاته أشياء ، وإذا كان ( اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء ) فيلزم ذلك أنّه خالق لهذه الصفات .

ولكن أهل السنّة لا يقولون بذلك لأنّ ذلك يستلزم المحذور ، فنفوا خلقه تعالى لعلمه وقدرته بل خلقه للأمور الممتنعة وإن كانت هذه الأمور أشياء .

ولا ينفي أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) نسبة خلق الله تعالى لأفعال العباد اعتباطاً وإنّما ذلك لوجود محذور فيه ، منه قال الإمام علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) : « لو كان خالقاً لها لما تبرأ منها ، وقد قال سبحانه : ( أَنَّ اللّهَ بَرِيٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ) (1)ولم يرد البراءة من خلق ذواتهم وإنّما تبرّء من شركهم وقبائحهم (2).

ومن هذا المنطلق تبلورت قناعة « هري كوسوما » بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلن استبصاره سنة 1414 ه‍ ( 1994 م ) وتوجّه بعد ذلك إلى تغيير كلّ ما يرتبط بانتمائه المذهبي .


1) التوبة (9) : 3 .

2) تفسير الميزان ، العلامة الطباطبائي : 1 / ص 101 .

(91) يوسف بافقيه( شافعي / أندونيسيا )

ولد سنة 1397 ه‍ ( 1977 م ) في مدينة « سمارا » بجاوة الوسطى في أندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب . أكمل الإعداديّة ، ثمّ التحق بالمعهد الإسلامي في مدينة « بإنجيل » وبعد انهاء دورته التحق بالحوزة العلميّة في مدينة قم المقدّسة في إيران .

استبصاره :

اعتنق يوسف بافقيه مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) سنة 1418 ه‍ ( 1998 م ) ، وكان ذلك بعد مطالعة لكتب الشيعة ، والمناقشة مع العلماء من الفريقين حول مضامينها .

وكان أوّل ما حفّزه على قراءة كتب الشيعة هو التناقض الموجود في مواقف وأقوال بعض علماء أهل السنّة ، حيث إنّه وجد في المسألة الواحدة أقوالاً عديدة متضادّة ومتناقضة أحياناً ، والأنكى من ذلك هو مواقف علماء أهل السنّة من هذه الأقوال ، حيث إنّهم ينصرون هذا القول ويتمسّكون به في بعض الأحيان ثم ينصرون القول المقابل في أحيان أخرى ويقولون هو الصحيح ، ثمّ يعودون إلى نصرة القول الأوّل ، وهكذا دأبهم التذبذب حسب اختلاف الحالات والأهواء .

ومن هذه المواقف المتضادّة ، بل المتناقضة ، موقفهم إزاء الإمام علي ( عليه السلام ) حيث إنّهم يمجدونه في بعض الأحيان ويصحّحون ما صحَّ من أحاديث فضائله ومناقبه ويذمّونه تارة لمواقفه من الشيخين وثالثهم عثمان ، ومواقفه في مواجهته

مع عائشة والزبير وطلحة ومعاوية وعمرو وأمثالهم ، تراهم في حين آخر يفصلون بينه وبين شيعته ومحبّيه بادّعائهم خديعة عبد الله بن سبأ - الذي ادعوا يهوديّته وقالوا بأنّه خدع الإمام عليّاً ( عليه السلام ) ودفعه إلى إشعال حرب الجمل ، وكبرت كلمة تخرج من أفواهم ومع ذلك فإنّهم يدّعون أنّهم هم الذين يحبّونه دون سواهم ، ويتهّمون غيرهم بالإفراط والتفريط وقد اتّهموا شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) بأنّهم غالوا في حبّه وأنّ أهل السنة هم الذين اتّبعوا الجادّة الوسطى والطريقة المثلى في موالاة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وهذا الحبّ وهذه الموالاة عجيبة منهم ، فإنّك تراهم ناصروا كلّ ظالم من المتسلّطين على رقاب الأمّة من معاوية الذي حارب الإمام عليّاً ( عليه السلام ) إلى يزيد الذي قتل الإمام الحسين ( عليه السلام ) ، وجعلوا كلّ الصحابة عدولاً من أجل تضييع حقّ الإمام عليّ ( عليه السلام ) في خلافة المسلمين التي جعلها الرسول ( صلى الله عليه وآله ) له دون غيره .

كما أنّهم قاطعوا وهجروا أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فتراهم يروون عن كلّ كذّاب وضعيف ويهودي تظاهر بالإسلام ككعب الأحبار وغيره ، ولا يروون عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) إلاّ النزر اليسير ، ودونك البخاري ومسلم حيث يؤكدان صحّة ما نقول .

يقول « يوسف بافقيه » مثل هذه التناقضات أرّقت ضميري وسلبتني راحتي وجعلتني أسهر الليالي من أجل معرفة حقيقة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، والحمد لله الذي هداني إلى معرفتهم ، واكتشاف مذهبهم .

اتّهام الشيعة بالتأثّر باليهود :

زعم بعض أهل السنّة بأنّ عبد الله بن سبأ اليهودي الذي قالوا إنّه أسلم في خلافة عثمان استطاع خديعة الصحابة والمسلمين بصورة عامّة في الأمصار ، وتمكّن من تهييجهم ودفعهم إلى الفتنة التي أدّت إلى مقتل عثمان ! ! .

وقد ادّعوا أنّه قال برجعة النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، ورجعة الإمام علي ( عليه السلام ) ، وأنّه أوّل من

كذّب وادّعى ا لوصيّة للإمام علي ( عليه السلام ) ، لما كانت ليوشع بن نون من قبل موسى ( عليه السلام ) ، وأنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) هو دابة الأرض ، وزعموا أنّ هذا الكلام لاقى هوىً في قلوب الشيعة فاتّبعوه !

ثمّ نقل هذا الكلام بعض رواة التاريخ ، ومصنّفي الفرق لقصور أو تقصير ، ثمّ تلاقفها جماعة من مدّعي اتّباع السلف كابن تيميّة ، الذي وصف الشيعة بأقذع الأوصاف استناداً إلى الدور الأسطوري لعبد الله بن سبأ ، فذكر في كتابه منهاج السنّة أوجه التشابه بين الروافض ( ويقصد بهم الشيعة الإمامية الاثنا عشرية على الخصوص ) واليهود فذكر أموراً ما أنزل الله بها من سلطان وحاول فيها أن يوجد شبه بينهما ولو كان ذلك عن طريق جمع المتناقضات والمتنافرات .

وحاول ابن تيميّة في عمله هذا أن يكيد للشيعة بنفوذ أفكار اليهود في عقائدهم ، ولكن من غرائب الأمور أنّ ابن تيمية هو ممّن يدافع عن اليهود وعن التوراة ويقول بأنّه غير محرف ومضامينه غير متناقضة مع العقل وأنّها تشبه القرآن ، وكلام ا لرسول ( صلى الله عليه وآله ) وذلك عندما يتعلق الأمر بالتجسيم للذات الإلهيّة المنزهة عن ذلك .

ويقول إنّ التشبيه والتجسيم الذي ينفيه معظم المسلمين هو ممّا ورد في التوراة الصحيحة التي لم تحرّف وأنّ القرآن قد نزل على طبق التوراة في أمور التشبيه والتجسيم .

هذا فضلاً عمّا يتمسّك به علماء السنّة من الرخصة في الحديث عن اليهود وكتبهم ككعب الأحبار - الذي كان صاحباً للخليفة عمر - وغيره .

كما أنّ عمر نفسه كان يقرأ كتب اليهود ويعارض الرسول الكريم ( صلى الله عليه وآله ) بها حتّى نهاه النبي ( صلى الله عليه وآله ) عن ذلك .

نشاطاته :

قام « يوسف بافقيه » بانتهاز الفرص المتاحة له في التبليغ لمذهب أهل

البيت ( عليهم السلام ) وقام بأداء واجبه التبليغي بإنذار الناس وتفقيههم وهدايتهم .

وقام « يوسف » في هذا الصدد ببعض النشاطات الثقافيّة الدينيّة منها :

ترجمة بعض الكتب المفيدة من اللغة العربيّة إلى اللغة الأندونيسيّة والقيام بالتدريس في بعض المعاهد الدينيّة ، والقيام بأداء الواجب التبليغي في المناسبات الدينيّة .

(92) يوسف أنس( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ، ثمّ تحوّل من مذهبه إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وذلك بعد رحلة طويلة وشاقّة في عالم الكتب التي تبحث في تاريخ المسلمين وعقائدهم وسيرة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) والأئمّة من أهل بيته ( عليهم السلام ) ، وكذلك سيرة صحابة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وتاريخهم إضافة إلى المناقشات والحوارات المستمرّة مع أصدقائه الطلبة وأساتذته في الدراسة حول أسباب وقوع الخلاف بين المسلمين ، وعوامل انقسامهم إلى مذاهب شتّى .

فوجد « يوسف أنس » بعد البحث المستمر والمضني أنّ ما يقوله الشيعة في المسائل الخلافيّة لا يخالف الصواب ولا يجانب الحقّ ، بل لهم الأدلّة القويّة على كلّ ما يقولونه وأن آراءهم مستنبطة من القرآن والسنّة الشريفة ، وأنهم يتبّعون أقوال أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ومن المسائل التي واجهها « يوسف أنس » في مناقشاته وبحوثه هي مسألة عصمة الأنبياء والرسول ( صلى الله عليه وآله ) والأئمّة من آله ( عليهم السلام ) التي يقول بها أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ومقارنتها مع ما يقوله بقيّة المذاهب في شأن عصمة الأنبياء والأولياء ( عليهم السلام ) .

عصمة الأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) :

اتفق معظم المسلمين على عصمة الأنبياء ( عليهم السلام ) ، وإن اختلفوا في سعة دائرة

هذه العصمة وضيقها . فجوّز البعض على الأنبياء ( عليهم السلام ) الذنوب حتّى الكبيرة منها قبل النبوّة ، بل حتّى بعد ا لنبوّة على سبيل السهو لا العمد .

وأمّا مدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) فإنّها تنزّه الأنبياء جميعاً عن الذنوب والمعاصي والخطأ والنسيان والسهو قبل النبوّة وبعدها ، فهي تقول بعصمتهم ( عليهم السلام ) في جميع مراحل حياتهم بفضل اللطف الإلهي ، وترى أنّ ذلك من الضروريّات لضخامة الدور الموكول إليهم في هداية البشر إلى الصراط المستقيم .

وبدون هذه العصمة لا يستطيع الأنبياء تبليغ رسالاتهم ، لعدم حصول الوثوق بأقوالهم والاقتداء بأفعالهم فيما لو جاز عليهم الخطأ والنسيان والغفلة ، فضلاً عن الذنوب والعياذ بالله ; لأنّ ذلك يؤدّي إلى حصول النفرة والاشمئزاز منهم ، ويشملهم حينئذ الخطاب الوارد في القرآن الكريم ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ ) (1).

وهذا ما يقوله أيضاً أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) في الأئمّة الاثني عشر من آل الرسول ( عليهم السلام ) فهم يقولون بعصمتهم مثل عصمة الأنبياء ، لأنّ الإمامة تشبه النبوّة في تلقيها مهمّة الحفاظ على الشريعة وهي تتمّ بتنصيب من قبل الله تعالى ، وليست مجرّد قيادة سياسيّة للمجتمع بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ولهذا لم تشترط المذاهب الأخرى العصمة في الخلفاء بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، واكتفت فيهم بالعدالة الظاهريّة ، بل قالت بطاعتهم وإن كانوا أفسق الفاسقين ، وأكبر المجرمين !

الإمامة عند الشيعة والسنّة :

ترى المذاهب السنية بأن الإمامة أو الخلافة هي مجرّد قيادة سياسيّة للمجتمع بعد وفاة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) ، وبالتالي لا تحتاج إلى النص عليها من الشارع المقدّس وكذلك لا تحتاج إلى العصمة ، وترى أنّ الأمر متروك للأمّة فهي


1) البقرة (2) : 44 .

تختار للخلافة من تجده أهلاً للقيام بهذه المهمّة ، بل تكون خلافة الخليفة مشروعة ولو تسلّط بالقهر والقوّة على الحكم ، ومن هنا تجب طاعته والانقياد تحت لوائه سواء حاز بعض الشروط كالعدالة الظاهرية أم لم يحزها .

ومن هنا يرون بأنّ الإمامة والقيادة أمر فرعي ، وليست من أصول الدين التي تحتاج إلى النظر والمعرفة ، كما هو حال التوحيد والنبوّة .

أما مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فهو يرى بأنّ الإمامة مهمّة إلهيّة مثل النبوّة ، وتكملة لمسيرها ، وهي مستمرة إلى يوم القيامة ، وبالتالي تحتاج الإمامة إلى النصّ الشرعي في تعيين الإمام ، كما تحتاج إلى العصمة على نفس المستوى لدى الأنبياء والرسل ولنفس الأسباب .

إنّ الإمام في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) يمثّل المرجعيّة الدينيّة التي بيدها هداية الناس إلى مقاصد الشريعة وإنّ لهذه الهداية أبعاد مختلفة تكوينيّة وتشريعيّة ، وتشمل جميع الأصعدة العقائديّة والأخلاقيّة الشرعيّة والقياديّة ، ولهذا تكون أقوال الإمام وأفعاله وتقريراته حجّة شرعيّة منجزّة ومعذِّرة كحجيّة أقوال الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) وأفعاله وتقريراته .

إذن فالإمامة في مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ليست مجرّد قيادة سياسيّة ، بل هي إمامة إلهية وهي أعمق من القيادة السياسيّة بكثير ، وهي تحتاج إلى العصمة وبدونها لا تكتسب المشروعيّة .

(93) عبد القادر الحبشي( شافعي / أندونيسيا )

ولد في أندونيسيا ، بمدينة « جاكرتا » ، ونشأ في أسرة شافعيّة المذهب ثمّ اطّلع على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) عن طريق مطالعة لبعض الكتب الشيعيّة ، فتوصّل من خلال مطالعاته وبحثه إلى حقائق زعزعت كيانه العقائدي ثمّ أطاحت بمرتكزاته الفكريّة السابقة وشيّدت له بنية معرفيّة جديدة تستقي من ينبوع معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

معرفة عظمة الإمام علي ( عليه السلام ) :

وجد « عبد القادر الحبشي » خلال مطالعته لتاريخ صدر الإسلام بأنّ المنزلة التي يحظى بها الإمام علي ( عليه السلام ) بخلاف ما كان يصوّرها له علماء مذهبهم .

وتوصّل إلى هذه الحقيقة بأنّ الإمام علي ( عليه السلام ) كان أقرب الناس من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقد وردت نصوص نبويّة كثيرة مبيّنة لهذه الحقيقة منها :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « إنّ أخي ووزيري وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب » (1).

وقد ورد عن أبي سعيد الخدري ، عن سلمان الفارسي ، قال : قلت يا رسول الله ، لكل نبيّ وصيّ فمن وصيّك ؟

فقال : هل تعلم من وصيّ موسى ؟


1) المناقب للخوارزمي : ص 112 ، ح 121 .

قلت : نعم ، يوشع بن نون

قال : لم ؟

قلت : لأنّه كان أعلمهم .

قال : فإنّ وصيي وموضع سرّي ، وخير من أترك بعدي ، وينجز عدّتي ، ويقضي ديني علي بن أبي طالب (1).

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أيضاً : « علي منّي مثل رأسي من بدني » (2).

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « خير من يمشي على الأرض بعدي علي بن أبي طالب » (3).

وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعلي : أنت خير أمتي في الدنيا والآخرة » (4).

الالتفات إلى الحقيقة الكبرى :

وجد « عبد القادر الحبشي » بعد مواصلته للبحث في الصعيد العقائدي بأنّ تأكيد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) على الإمام علي ( عليه السلام ) لم يكن من منطلقات اعتباطيّة ، بل يكمن في ذلك سرّ وهو أنّ الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله ) كان يريد إفهام الناس بأنّ الإمام عليّاً ( عليه السلام ) يمتاز بمنزله خاصّة عند الله تعالى ، وأنّ الله تعالى يأمرهم باتّباعه والسير على خطاه من بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) .

فلبّى « عبد القادر الحبشي » الأمر الإلهي وغيّر معتقداته السابقة بعد أن اطّلع على الحقّ وعلى ما يريده الله تعالى ثمّ أعلن استبصاره ثمّ بدأ بتوعية من حوله وإخبارهم ببعض الحقائق الخافية عنهم .


1) المعجم الكبير ، الطبراني : 6 / 221 ، ح 6063 .

2) المناقب للخوارزمي : ص 144 ، ح 167 .

3) مناقب علي بن أبي طالب ، ابن مردويه : 111 ، ح 127 .

4) المصدر السابق .

(94) محمّد بنِ مسعود السلمي السمرقندي العياشي( سنّي / أوزبكستان )

أبو النضر محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاش ، ويُعرف بالعياشيء وهو من أهل « سمرقند » ، من توابع « أوزبكستان » ، وقيل : أصله عربي تميمي ، فيكون سمرقندياً من حيث الوطن .

كان في بداية حياته من أتباع المذهب السنّي ، فبقي على معتقده هذا وبعد فترة زمنيّة صار من علماء أهل السنة ، فأكثر من رواية أحاديثهم ، بل صنف كتباً من رواياتهم ، ولكنّه لسعة علمه وكثرة اطلاعه لم تبقى عينيه محجوبة عن نور الحقيقة طويلاً ، ولم يبق في السراب الذي يحسبه الضمآن ماءً ، بل تشرّف وتنوّر قلبه بمعرفة الحقّ المتمثل بمذهب آل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وكان ذلك في بداية حياته وحداثة سنّه .

عصره الذي عاش فيه :

عاش « محمّد بن مسعود العياشي » في النصف الثاني من القرن الثالث ، والنصف الأوّل من القرن الرابع ، وذلك لأنّ الكشّي الذي عاش في النصف الأوّل من القرن الرابع روى عنه كثيراً في رجاله ، وورد في كتاب رجال الكشي :

« أنّ العياشي كتب إلى الفضل بن شاذان » ، والفضل توفّي سنة 260 ه‍ .

منزلته والثناء عليه :

إنّ من يراجع كتب الرجال يجد أنّ مؤلّفي هذه الكتب وصفوه بأوصاف ، ولقبّوه بألقاب ، وقلّدوه أوسمةً قلّما ذكروها لغيره من الرواة والعلماء ، وممّا ذكروه في حقّه :

قالوا : من فقهاء الشيعة ، ثقة ، صدوق ، جليل القدر ، واسع الأخبار ، بصير بالروايات ، مطّلع عليها ، غزير العلم ، نقّاد الرواية والرجال ، فكانت كتبه لها شأن من الشأن ، فصار عين من عيون الطائفة ، بل أوحد دهره وزمانه ، وأكثر أهل المشرق علماً وفضلاً وأدباً وفهماً ونبلاً ، فنال مرتبة شيخ الطائفة بل رئيسها وكبيرها في زمانه .

شيوخه وتلامذته :

إنّ هكذا شخصيّة عملاقة ، وهكذا عالم متبحّر لا بدّ أن تزيد مشايخه وتكثر أساتذته ، فقد أحصت له بعض كتب الحديث والرواية أكثر من عشرين شيخاً ، منهم على سبيل المثال : إبراهيم بن محمّد بن فارس ، ومحمّد بن أحمد المروزي وإسحاق بن محمّد البصري ، كلّهم من أصحاب الإمام الهادي ( عليه السلام ) ، وعبد الله الطيالسي ، والفضل بن شاذان النيسابوري .

وبطبيعة الحال فإنّ لهذه الشخصية تلامذة كثيرين ، وقد أحصت بعض الكتب أربعين تلميذاً وراوياً ، منهم : حيدر بن محمّد السمرقندي وابنه جعفر بن محمّد بن مسعود العياشي ، وأحمد بن عيسى بن جعفر العلوي وأبو نصر أحمد بن يحيى ، والكشّي صاحب الرجال المعروف ، وغيرهم .

إنجازاته العلمية :

تبحّر « العياشي » في علوم كثيرة ، وغاص في بحارها المتلاطمة ، فكان فقيهاً محقّقاً وعارفاً مدقّقاً ومؤرّخا كبيراً ومفسّراً بارعاً ، وخلّف وراءه كتباً قيّمة في

علوم مختلفة ، في الفقه والتفسير وعلوم القرآن والمعارف العامّة والإمامة والرجال والاحتجاجات والمناظرات والأخلاق والتاريخ والسيرة والنجوم .

إنجازاته الثقافية :

نقلت مصادر التراجم أنّه أنفق للعلم كلّ تركة أبيه التي ورثها منه ، وكان فعله هذا منشأ استغراب بعض من ترجم له ونقل هذا عنه .

ولكن العياشي العالم بل الزعيم وكبير طائفة الشيعة أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين أمروا الناس بالتعليم والتعلّم ، والمطالعة والمذاكرة وبالتحقيق والمتابعة ، ليس من الغريب على هكذا رجل أن ينفق كلّ ما ورثه من أبيه في هذا الطريق ، وإنّ كان ما ورثه ليس بالمال القليل ، فإنّ التركة كانت 300 ألف دينار وكان هذا مبلغاً ضخماً جداً آنذاك ، ولكن عندما نضعه أمام إنجازاته ونشاطاته التي قام بها سنجد هذا المبلغ بسيطاً ; لأنّ داره لم تكن داراً عادية ، بل نقلت لنا المصادر أنّها كانت مملوءة بالناس بين ناسخ أو مقابل أو قارئ أو معلّق .

فإذا أردنا أن نفسّر هذه الكلمات بمصطلحات اليوم فلا بدّ أن نقول : إنّ بيته كان مطبعة لطباعة الكتب الدينية والعلمية ، وكان مركزاً تحقيقياً يتمّ فيه عمليات المقابلة والتصحيح والشرح والتعليق ، وكان مكتبة عامّة وعامرة لمطالعة أنواع الكتب في مختلف العلوم .

ونقلت لنا المصادر أيضاً : أنّ داره كانت مدرسة للمشتغلين ومعهداً علمياً لطلبة العلوم الدينية ، وكان فيها مجلس للخاص وآخر للعام .

وهذا يعني أنّ بيته كان جامعة علمية لطلاب العلم والمعرفة ، وكان مركزاً ثقافياً اعتاد الشيعة ارتياده ونزوله ، بل وكُلّ أهل العلم ، وقد تخرّج منه مئات العلماء والرواة .

وكان في داره مجلس للخاص ومجلس للعام ، فلم يفتح داره للشيعي

فحسب ، بل فتحها للسنّي أيضاً ، ولكلّ محبّ للعلم وكلّ من يريد الاطلاع والمعرفة ، وبذلك يكون قد فتح باباً للتعرّف على الشيعة ومذهبهم ; لأنّه يعلم من خلال تجربته التي خاضها والتي أوصلته إلى الحقيقة بأنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) يجذب كلّ من يتعرّف عليه ، ففتح هذا الباب عسى أن تنجذب روحاً تائهة إلى نور المعرفة ، فتذوّق حلاوة الحقيقة ، كما انجذبت روحه من قبل فصارت نوراً مشعّاً بمعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) .

مؤلّفاته :

ترك « العياشي » تراثاً ضخماً من كتب ورسائل في مختلف العلوم ، وقد أحصت بعض المصادر كتبه فبلغت أكثر من 200 كتاباً ، منها :(1)ابتداء فرض الصلاة ، (2) إثبات المسح على القدمين ، (3) الأجوبة المسكتة ، (4) احتجاج المعجزة ، (5) الاستخارة ، (6) ، ردّ الكيسانية ، (7) الأنبياء والأئمة ، (8) الأوصياء ، (9) البيوع ، (10) التجارة ، (11) التفسير ، (12) التقيّة ، (13) التنزيل ، (14) الجمع بين الصلاتين ، (15) الجنّة والنار ، (16) الجهاد ، (17) الحدود ، (18) الخمس ، (19) دلائل الأئمة ( عليهم السلام ) ، (20) الرهن ، (21) الزكاة ، (22) الزهد ، (23) الصلاة ، (24) الصلاة على الأئمة ( عليهم السلام ) ، (25) صلاة الغدير ، (26) الصوم ، (27) الطبّ ، (28) العالم والمتعلّم ، (29) الغيبة ، (30) فرض طاعة العلماء ، (31) فضائل القرآن ، (32) القضاء وآداب الحكّام ، (33) القول بين القولين ، (34) المتعة ، (35) محبة الأوصياء ، (36) معرفة الناقلين ، (37) النجوم والفأل والقيافة والزجر ، وغيرها (1) .


1) مصادر الترجمة : فهرست ابن النديم : 244 ، رجال الشيخ الطوسي : 440 [ 6282 ] فهرست الشيخ الطوسي : 396 [ 605 ] ، رجال النجاشي : 350 [ 944 ] خلاصة الأقوال : 246 [ 836 ] القسم الأوّل ، رجال ابن داود : 184 [ 1502 ] ، القسم الأوّل ، مستدركات أعيان الشيعة 6 : 307 ، الذريعة 4 : 295 ، وغيرها .

ما وصل من كتبه :

لم يصل من تراث « العياشي » الضخم هذا إلاّ كتاباً واحداً ، بل جزء كتاب ، وهو الجزء الأوّل من تفسيره ، وقد تناقلته أيدي العلماء جيلاً بعد جيل ، فكان عند الحاكم الحسكاني ، وجعله أحد مصادر كتابه شواهد التنزيل ، وكان عند الشيخ الطبرسي ، وجعله أحد مصادر تفسيره أيضاً ، ثمّ عند الشيخ ابن شهرآشوب ، ونقل عنه في كتابه مناقب آل أبي طالب ، وكان عند السيّد ابن طاوس ، ونقل عنه في بعض مؤلّفاته ، وعدّه الكفعمي من جملة مصادر كتابه جنّة الأمان ( المصباح ) ومن عصر إلى عصر كان هذا الكتاب أحد مصادر كتب التفسير (1).

قال الطهراني في الذريعة : موجود نصفه الأوّل إلى آخر سورة الكهف في الخزانّه الرضوية وفي تبريز عند الخياباني إلى أن قال : ولكنه مع الأسف محذوف الأسانيد (2)


1) مستدركات أعيان الشيعة 6 : 307 .

2) الذريعة 4 : 295 .

(95) تاتانيا فاليريفنا( مسيحية / أوكرانيا )

الصورة

D17

ولدت عام 1389 ه‍ ( 1970 م ) في « كييف » عاصمة أوكرانيا ، ونشأت في أسرة تعتنق المذهب الأرثوذكسي ، ثمّ توفّرت لها فرصة التعرّف على الحقّ المتمثّل بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) عن طريق زوجها الشيعي الذي كان من أهل لبنان وكان يسكن في منطقة « الشياح » ( جنوبي بيروت ) ، فاستسلمت لنداء الحقّ واستبصرت .

وفيما يلي تبيّن « تاتانيا » بعض وجهات نظرها بعد الإستبصار في اللقاء الصحفي الذي أجرته معها مجلّة نور الإسلام :

•

س - نرجو إعطائنا أولاً فكرة عن محيطك ونشأتك قبل إعتناقك الإسلام .

•

ج - أرحّب بكم وبمجلة ( نور الإسلام ) أوّلاً ، وأجيب على سؤالكم الكريم بأنّني أدعى تاتانيا فاليريفنا جابر ، ولدت في أسرة ذات مستوى ثقافي جيّد ، فقد كان أبي يعمل مسؤولاً في مصنع لقطع السيارات ، وكانت أمّي تعمل محاسبة في شركة للحاسبات الإلكترونية ، والدي من روسيا البيضاء ، ووالدتي أوكرانيّة ، وجدّي يوغسلافي ، وجدّتي بولونية ، وقد جمعت بذلك بين أصول مختلفة ، وقد ولدت في ( كييف ) عاصمة أوكرانيا سنة 1389 ه‍ ( 1970 م ) ، وأنا

البنت الكبرى لعائلة من ثلاثة أولاد ، وكانت علاقتي بأسرتي حميمة ، وكنّا نعيش كأيّ أسرة شرقية ، تعتنق المذهب الأرثوذكسي كدين تقليدي ، حيث يذهب أكثر الناس هناك إلى الكنيسة انسجاما فقط مع التقاليد والعادات ، وليس بسبب الإيمان بتلك الشعائر والطقوس ; لأنّ المفاهيم الماركسية كانت قد أوجدت جوّاً معادياً لأيّة عقيدة دينية !

وبموجب تلك الأنظمة التي كانت سائدة ، كان يحظر على الطلاب المسيحيين من الشبيبة الروسية أن يذهبوا إلى الكنيسة لغرض العبادة ، بل كان يسمح لهم بذلك على اعتبار أنّ الكنائس هي كالمتاحف ، أماكن للزيارة والاستطلاع وليست للصلاة .

•

س - وماذا عن المجتمع الذي نشأت فيه ونظرته للدين ؟

•

ج - إنّ المجتمع الذي نشأت فيه كان مجتمعاً ماركسياً - لينينياً ، تقوم النظرة فيه على دكتاتورية البروليتاريا ، وكان الحزب الشيوعي يوجّه الشبيبة ( الكومسومول ) توجيهاً خاصّاً يصنع منهم ماركسيين فيما بعد .

وقد ساد هذا الطابع وشمل كلّ جوانب الفكر والمجتمع حتّى الفن ، وكانت التربية تقوم على الإلحاد وكنت واحدة من بين آلاف الأعضاء المنتمين إلى حركة الشبيبة ( الكومسومول ) ، وكنت أعمل على نشر المبادئ السائدة آنذاك لدى النظام قبل تعرّفي على الإسلام .

وقد كانت الثقافة التعليمية في المدارس تستخدم الآيديولوجية القائمة على أساس الإلحاد ، ولم أكن أعرف إلاّ هذه التعاليم التي تدور حول ماركس ولينين والنظام الشيوعي الذي كان يتحتّم علينا الإخلاص له . وكنّا نتلقّى بعض المعلومات الدينية التي تنظر إلى الدين كحركة اجتماعية مرّت وعبرت ، كشكل من أشكال الوعي الاجتماعي ، هذه نقطة أساسية أولى . والنقطة الثانية تقوم على اعتبار أنّ المادّة في في المقام الأوّل ، ثمّ يأتي الوعي الذي هو في نظرهم ،

شكل من أشكال المادة .

وكانت الشبيبة الروسية تعيش في غمرة الانبهار والإنجازات التي حققتها الشيوعية في مدى نصف قرن من عمر الثورة البولشيفية ، التي حدثت سنة 1335 ه‍ ( 1917 م ) في بداية هذا القرن ، والتي بدأت معها الدولة منذ الستينات تسير نحو الصدارة لتصبح دولة كبرى في مقابل الغرب ، كان لها أثر كبير في محيطها وفي غيره .

وهي اليوم تشهد انحساراً نتيجة لظروف موضوعية تتعلّق بمصداقية المبادئ التي قامت عليها ، والتي ثبت أنّها لم تكن إلاّ شعارات مؤقتة وزائفة ، قامت في ظروف تعتبر الأسوء في العالم المعاصر ، ممّا أتاح لها أن تحقّق ذلك النجاح والازدهار ، وبعد انكشاف زيف تلك الحضارة المادية والخدعة الشيوعية كان السقوط المدوي الذي نعيش آثاره وتجربته الجديدة ، وقد ترافق ذلك مع تنامي الصحوة الإسلامية التي ما زالت تمتدّ وتتوسّع إلى محيط أبعد ، وقد حلّت اليوم بنظري النظرية الإسلامية محلّ النظرية الماركسية في مواجهة الغرب ورأس ماليته .

•

س - هل نستطيع ان نعرف الدوافع والظروف التي قادتك لاعتناق الإسلام ؟

•

ج - نعم ، كنت أشعر منذ البداية في ظلّ النظام الماركسي بثغرات على مستوى الفكر والعقيدة ، وكانت هناك بضعة أسئلة فطرية تلحّ عليّ باصرار ، ولا أجد لها جواباً ، وبالإضافة إلى دوافع الفطرة التي هيّأتني إلى دخول الجّو الجديد ، كان تعرّفي على نموذج جديد في الفكر من خلال تعارفي مع زوجي ، وقد ساعدني ذلك على الخروج من واقعي الحائر ، فكان اللقاء معه نقطة بداية للدخول إلى أجواء الإسلام ، وكانت هذه الفرصة مهمّة ، كونها ساعدتني على مراجعة آرائي السابقة وتمحيص الثقافة والأفكار التي تربّيت عليها .

وبداية كان التساؤل عن أصل الإنسان ( النظرية الداروينية ) عن النشوء والارتقاء ، مسيطراً عليّ ، والسؤال المحور كان هل المادة أوّلاً أم الوعي ، وأيّهما ينتج عن الآخر ؟ وذلك يدور في إطار نظرية أصل الأشياء ، أو مبدأ الخلق والتكوين ، وذلك بحثاً عن العلّة الأولى الخالقة للكون ، أهي المادة وتناقضاتها ، أم أنّ هناك قوّة فوق المادة ؟ من هنا بدأت رحلتي مع الإيمان والعقيدة ، حيث وصلت إلى قناعات كافية وإيمان راسخ عن طريق الإجابات المقنعة التي يقدّمها الإسلام في هذا المجال وسواه .

•

س - ما كان موقف أسرتك وأصدقائك من تحوّلك هذا ؟

•

ج - أوّل الأمر كانت ردود الفعل سلبية لدى أهلي ، نتيجة الدعاية السلبية الموجّهة عن الإسلام في آسيا الوسطى وجمهوريات الاتحاد السوفياتي ، وكذلك ما تعرضه الأفلام عن المرأة الشرقية المسلمة على أنّها سلعة للبيع ، وهي صورة قديمة غير صحيحة ، يتداولها الإعلام الشيوعي ، ولكن بعدما استطعت توضيح الصورة في أذهان أهلي وتبديد هذه الدعايات ، تفهّموا دوافعي ورحبّوا بفكرة الزواج من رجل مسلم .

أمّا أصدقائي وأقربائي فقد بقوا على دهشتهم وتعجّبهم من تحوّلي إلى الإسلام ، ومن اختياري أن أعيش في مجتمع وطريقة مختلفين عمّا نشأت فيه وترعرعت عليه ، ولكنّي آمل في يوم ما ، أن يعوا ويتوصّلوا إلى ما توصّلت إليه .

•

س - ما هي المتغيّرات الإيجابية التي تمت في حياتك بعد إعتناقك الإسلام .

•

ج - بعد اعتناقي الإسلام شعرت براحة نفسية عظيمة ، خصوصاً أنّني بدأت أمارس الصلاة ، وكذلك الصوم الذي فهمته كباعث ديني اجتماعي للتعاطف مع الفقراء ، وقد وفّرت لي هذه العبادات شعوراً بالاطمئنان ، ودفعتني نحو التكامل الروحي والإنساني .

وبعد أن عرفت أنّ للحياة هدفاً ، وأنّ للكون خالقاً ومدبّراً ، تخلّصت من حيرتي ، ولم يعد هناك فراغ في حياتي على مستوى الفكر والعقيدة .

•

س - على ضوء تجربتك هل تقترحين وسائل جديدة للدعوة إلى الله ؟

•

ج - يجب أن ندعو الناس إلى حوار فكري وعقيدي مهما كانت عقيدتهم ونظرتهم للحياة ، على قاعدة الاقتناع والبحث عن الحقيقة للوصول إلى قواسم مشتركة ، خاصّة مع أتباع الديانات السماوية الأخرى ، وذلك مصداقاً للآية الكريمة : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ الله وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً ) (1).

كما علينا أن نستفيد بشكل واضح وذكي من وسائل الإعلام الحديثة ، كي نعرض أفكار الإسلام ومفاهيمه على أكبر مجموعات ممكنة من مختلف القوميات والشعوب .

•

س - ما هي نظرتك إلى واقع المسلمين اليوم ؟

•

ج - أرى أنّ أكثر المسلمين يعيشون القشور في حياتهم ، ويتركون جوهر الإسلام ، وهناك الكثير ممن اكتفوا بالنظرية وتركوا التطبيق ، ولم يحوّلوا ما أخذوه إلى واقع علمي وإيجابي ، بالإضافة إلى أسباب وعوامل خارجية أخرى ، تؤدّي إلى ضعف التزام قطّاعات كبيرة من المسلمين بدينهم ، غير أنّ ذلك يجب أن لا يمنع الواعين من العمل الدؤوب لتحسين واقع المسلمين ، وتقوية الدين في نفوسهم ، كذلك أشير إلى ضعف وحدة المسلمين ، هذه الوحدة ضرورية لا من أجل خوض الحروب ، بل من أجل لعب دور حضاري وفكري واسع ومؤثّر ، فالإسلام لم يقم على الحروب كما يدّعي الغربيون ، بل كانت تلك وسيلة للدفاع عن الرسالة وكيان الأمّة .

•

س - وما هي رؤيتك إلى واقع المرأة المسلمة اليوم ؟


1) آل عمران (3) : 64 .

•

ج - يجب على المرأة المسلمة أن لا تنغلق على نفسها ، وهي حينما ترتدي الحجاب إنّما تستعيد حرّيتها الحقيقية ، فهي إذا فهمت الإسلام أصبحت عصيّة على المحاولات الخبيثة العاملة على انحرافها وضياعها ، وبالتالي على إضعاف الأمّة والمجتمعات الإسلامية ، ولذلك يجب العمل بكل جهد لصيانة الجيل المسلم وخصوصاً الفتيات والمرأة بشكل عام ، إنّ المشكلة الرئيسية هي مع المسلمات قبل غيرهن ، وإنّي أدعوهن للعودة إلى الينابيع الإسلامية الأصيلة ، كي يشاركن بشكل فعّال في رقي مجتمعاتهن ، وإنّني أثمّن نشاط الحركات النسائية الإسلامية الفعّالة ، وأطلب دعمهن ليتمكّن من تحقيق أهدافهن العزيزة .

•

س - هل من كلمة توجهينها عبر المجلة ؟

•

ج - أشكر مجلّة ( نور الإسلام ) التي أتاحت لي الفرصة ، وفسحت لي المجال ، ولكل من يريد أن يتحدّث عن تجربته الشخصية في طريقه للهداية ، وإنّني أدعو المسلمات المهتديات - خصوصاً - كي يتحّدثن عن تجربتهن في الاهتداء إلى الإسلام ، من أجل إغناء أسلوب الدعوة وإيضاح الطريق أمام الأخريات .

كما أدعو الرجل المسلم إلى أن يعطي المرأة فرصة التعلّم والثقافة الصحيحة ; كي تنفتح عليّ المجتمع وتتمكّن من التعرّف على نقاط الوعي ; لأنّ المرأة هي دعامة المجتمع ، وعلى عاتقها تقع مسؤولية التربية والإعداد .

كما أدعو علماء الدين والهيئات الدينية الإسلامية كي يحوّلوا الدين من مجرّد دعوة جامدّة إلى دين حي يغتني بالفكر والواقع ويغنيهما ، وأدعوهم إلى أن يرتفعوا إلى مستوى الرسالة الحضارية الإنسانية التي جاء بها الإسلام ، والعمل على إزالة الخلافات فيما بينهم ; لأنّها تؤثّر على حركة التبليغ وسمعة الإسلام وهم يتحمّلون بذلك مسؤولية شرعية كبيرة (1).


1) مجلّة نور الإسلام : العدد ( 67 - 68 ) ، السنة السادسة 1416 ه‍ - ص 88 .

(96) أبو بكر إيزمبا( شافعي / أوغندا )

من مواليد أوغندا ، شافعي المذهب ، اعتنق مذهب الشيعة الإمامية عن طريق أحد أصدقائه الذي استبصر قبله .

المفاجأة باستبصار صديقه :

استغرب « أبو بكر ايزمبا » من التحاق صديقه بركب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فاندفع إلى الاستفسار حول أسباب هذا التحوّل المذهبي ، وجعل يسأل نفسه :

ما هذا الجديد الذي طرأ على اعتقاد صديقي ؟ !

ما هذا المذهب الذي من أجله ترك صديقي انتماءه لأهل السنّة والجماعة ؟ !

فاستفسر منه عن الأسباب التي دفعته لذلك ، فبيّن له صديقه المستبصر جملة من الحقائق التاريخيّة ، وقدّم له العديد من الأدلّة المقنعة على أنّ أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هم السائرون على طريق الحقّ والصراط المستقيم .

حينئذ بدأ الشكّ يشقّ طريقه في عقل « أبي بكر ايزمبا » ، وبدأ النزاع بينه وبين نفسه ، فكانت النتيجة أن توصّل بعد البحث إلى أنَّ موروثه العقائدي لا يتطابق مع الصحيح ممّا جاء به الإسلام والرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأنّه لا يوجد سبيل أفضل من عترة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولذلك ترك انتماءه السابق وأمسى كصديقه يجمعهما مذهب واحد وهو مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ما بعد الاستبصار :

عاش « أبو بكر ايزمبا » بعد الاستبصار حالة ردّة فعل شديدة - كغيره من المستبصرين - اتجاه من زوّر له الحقيقة ، وأخفى عنه ما يجب أن يعرفه عن حقيقة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولعلّ السرّ يكمن في أنّ « أبو بكر ايزمبا » اكتشف قوّة وضوح الحقّ في هذا المذهب ، ووجد أنّه محصّن بأدلّة محكمة تبرهن على أحقيّته وصحّته عمّا سواه من المذاهب الإسلامية .

من هذا المنطلق اندفع بشدّة للدفاع عن مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وبذل في هذا السبيل كُلّ جهده من أجل سعادة إخوته من أهل السنّة وإزالة الغشاوة التي تحجبهم عن النظر بعين البصيرة إلى الحقيقة السّاطعة والمغيّبة عنهم بسبب التكتيم والتضليل الإعلامي ، وتبيّن لأبي بكر ايزمبا بأنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) قد تعرّض على مرّ العصور لهجمات عنيفة ، وتعرّض للكثير من التهم والافتراءات ، وهذه الهجمات مستمرّة إلى يومنا هذا ، وقد قام بهذا الأمر أخيراً التيار الوهابي حيث شنّ حملاته المسعورة ضدّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وألصق به تهم وافتراءات ما انزل الله بها من سلطان .

اتهام الشيعة بالشرك :

إنّ من التهم الشنيعة التي نسبها الوهابية إلى أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هي « الشرك » والعياذ بالله ، وذلك بسبب أنّهم يتوسّلون بالنبي الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعترته الطاهرة ( عليهم السلام ) وبكثير من الصالحين ، فيطلبون من هؤلاء العظماء الشّفاعة وقضاء الحوائج والاستشفاء وغير ذلك من الحاجات .

والذي يطلب الحقّ بإنصاف ، يجد أنّ هذه الممارسات بعيدة عن الشرك بُعد الحقّ عن الباطل ، ولكن البعض ممن في قلبه مرض ساء الظنّ بالمسلمين وبحقيقة ما يقصدونه في هذا التوسّل ، وجعل فهم التوسّل المشروع واللاّ مشروع في الإسلام حكراً على نفسه ومن تبعه وأخذ يفسّر التوسل بمعان ترومها نفسه وما

يفهمه ولا يقبل بتفسير غيره من المسلمين ، وحكم بشرك شريحة واسعة من المسلمين امعاناً في النيل منهم وإخراجهم من دائرة الإسلام ولأنّه رأى بأنّ توسّلاتهم بالأنبياء ( عليهم السلام ) والأوصياء من عترة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا تنطبق عليهم بتلك المعاني التي فسّرها بحدود عقله وتفكيره .

التوسّل ليس بشرك :

نقل ابن منظور في لسان العرب عن الجوهري ، قال :

الوسيلة : « ما يتوصّل به إلى الشيء ويتقرّب به . والجمع : الوُسُل والوسائل والتوسيل والتوسّل واحد » (1).

وفي الاصطلاح : « هو أن يقدّم العبد إلى ربّه شيئاً ; ليكون وسيلة إلى الله تعالى ; لأن يتقبّل دعائه ، ويجيبه إلى ما دعا وينال مطلوبه » (2).

ومن الواضح أنّ التوسّل بهذا المعنى ليس عليه أي شائبة ، بل هو ما تدعو إليه الفطرة الإنسانية السليمة ، وهو أيضاً ما جرت عليه العادة البشرية ، فإنّ أيّ شخص إذا عرضت له حاجة ما ، ولا تقضى إلاّ ممّن هو أعلى منه مقاماً وشأناً نراه يتوسّط من هو أقرب منه إليه ، ويجعله وسيلة لقضاء حاجته .

والشيعة الإمامية ، بمقتضى إيمانهم بالأنبياء ( عليهم السلام ) ، وثبوت الإمامة الإلهية للأئمة من عترة الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وما يترتّب عليها من مقام شامخ وعظيم عند الله تعالى .

يجعلون هؤلاء الأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) وسيلة وواسطة بينهم وبين الباري عزّ وجلّ ، لقضاءِ حوائجهم وغفران ذنوبهم .

وكلّ ذلك اعتقاداً منهم بأنّ الله تعالى سيستجيب لهم ويقضي حاجاتهم ويغفر لهم تكريما لتلك الذوات المقدّسة ، بما لها من المقام والمنزلة العلية عنده


1) لسان العرب ، ابن منظور 11 : 724 مادة وسل .

2) التوسّل ، الشيخ جعفر السبحاني ، ص 18 .

عزّ وجلّ ، والتوسّل بهذا المعنى لا إشكال ولا غبار عليه من حيث المبدأ ; لأنّه عملية مشروعة ومرغوبة في الإسلام .

التوسل عند الشيعة :

كيف تتم عملية التوسّل عند الشيعة الإمامية ؟

التوسّل له طرق كثيرة ومتعدّدة ، وأهم نقطة تجب مراعاتها على المتوسِّل ، هي بأنّ يعتقد بأنّ المتوسَّل به ، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ، وكلّ شيء في كيانه ووجوده وصفاته ومقامه من الله تعالى ، غاية الأمر أنّه وبسبب قربه من الله تعالى وعلّو منزلته عنده ، يجعله وسيلة بينه وبين ربّه ، لعلّ الله يعطيه ما يريد تكريماً لهذه الواسطة ، أو قد يقطع بقضاء حاجته لحسن ظنّه بالله عزّ وجلّ ، وأنّه سيقبل بهذه الواسطة والوسيلة المقربّة منه ، وتكون سبباً لنيل مطلوبه .

وهذا كلّه متحقّق في قصد المسلم الشيعي عندما يتوسّل بالأئمة ( عليهم السلام ) ، فليس هناك مسلماً شيعيّاً يعتقد أنّ الإمام ( عليه السلام ) سيجيب طلبه من دون الله تعالى ، بل على العكس من ذلك ، فهو يعتقد أنّ الأئمة ( عليهم السلام ) سيكونون سببا لقبول طلبه وغفران ذنبه وما إلى ذلك لأنّهم في أقصى مراتب العبودية والإخلاص لله سبحانه وتعالى ، ولأنّهم صفوته من خلقه ، فيستجيب الله تعالى لهم تكريماً لهم وأعلاءاً لمنزلتهم عنده .

وما دام هذا الاعتقاد حاضراً في حال التوسّل ، فلا شرك حينئذ عند المتوسِّل ، سواء سأل الله تعالى بذات النبيّ أو الإمام أن يقضي حاجته ، أو طلب من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو الإمام كذلك ، مع التسليم بأنّ ذلك لا يتمّ من دون إذن وقدرة الله تعالى .

إشكالية الموت :

قال البعض ، بأنّ طلب الدعاء من الأنبياء والأئمة ( عليهم السلام ) بعد الموت بدعة

وشرك وحرام ، واستدلّ بقوله تعالى :

( وَمَا يَسْتَوِي الاْحْيَاء وَلاَ الاَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِع مَّن فِي الْقُبُورِ ) (1).

وقد أجيب عن ذلك ، بأنّ علماء السنّة لم يفسّروا الآية الكريمة بما ذهب إليه هذا البعض ، فهذا « ابن كثير الدمشقي » يقول في تفسيره :

« وقوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء ) أي يهديهم إلى سماع الحجّة وقبولها والانقياد لها : ( وَمَا أَنتَ بِمُسْمِع مَّن فِي الْقُبُورِ ) أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفّار بالهداية والدعوة إليها ، كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ولا تستطيع هدايتهم » (2).

ويقول الطبري أيضاً في تفسيره :

« وقوله : ( إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِع مَّن فِي الْقُبُورِ ) يقول تعالى ذكره : كما لا يقدر أن يسمع من في القبور كتاب الله ، فيهديهم به إلى سبيل الرشاد ، فكذلك لا يقدر أن ينتفع بمواعظ الله ، وبيان حججه ، من كان ميّت القلب من أحياء عباده ، عن معرفة الله ، وفهم كتابه وتنزيله ، وواضح حججه ، كما حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاء وَمَا أَنتَ بِمُسْمِع مَّن فِي الْقُبُورِ ) كذلك الكافر لا يسمع ، ولا ينتفع بما يسمع » (3).

فعلى هذا لا علاقة للآية الكريمة بما استُدلَّ له ، والآية غير ناظرة إلى ما ذهب إليه هذا البعض ، من أنّ الأموات لا يسمعون ، وأنّ طلب الدعاء منهم بدعة وشرك وما إلى ذلك . وإنّما نفهم من خلال ما ذكره الطبري وابن كثير ، بأنّه كما أنّ الأموات لا تنفعهم الهداية والدعوة والموعظة بعد ما صاروا إلى القبور ، كذلك


1) فاطر (35) : 22 .

2) تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير الدمشقي ، ج 3 / 557 .

3) جامع البيان ، الطبري : ج 22 - ص 139 .

الأحياء من الكفّار فإنّ من مات قلبه لا يقدر أن ينتفع بالمواعظ ، وبيان الحجج الإلهيّة ، وأن يفهم الكتاب العزيز .

بل ورد في صحيح مسلم عن أنس بن مالك :

« أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ترك قتلى بدر ثلاثاً ، ثمّ أتاهم فقام عليهم ، فناداهم فقال « يا أبا جهل بن هشام ، يا أميّة بن خلف ، يا عتبة بن ربيعة ، يا شيبة بن ربيعة ، أليس قد وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً ؟ فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقاً » فسمع عمر قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . فقال : يا رسول الله ، كيف يسمعوا ، وأنّي يجيبوا وقد جيّفوا ؟ قال « والذي نفسي بيده : ما أنتم بأسمع لمّا أقولُ منهم ، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا » ثمّ أمر بهم فسحبوا فأُلقوا في قليب بدر » (1).

وقال القرطبي في تفسيره حول الآية الكريمة : ( إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى ) (2): « وقد عورضت هذه الآية بقصّة بدر وبالسلام على القبور ، وبما روي في ذلك من أنّ الأرواح تكون على شفير القبور في أوقات ، وبأنّ الميّت يسمع قرع النعال (3)إذا انصرفوا عنه ، إلى غير ذلك ، فلو لم يسمع الميّت لم يُسلَّم عليه ، وهذا واضح وقد بيّناه في كتاب « التذكرة » (4).

وقفة من ابن تيميّة :

ورد حديث في سنن ابن ماجة ، قال عنه : « هذا حديث صحيح » ، قال : « حدثنا أحمد بن منصور بن سيّار ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا شعبة ، عن أبي جعفر المدني ، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت ، عن عثمان بن حنيف ، أنّ رجلاً ضرير البصر أتى النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال : ادع الله لي أن يعافيني .


1) صحيح مسلم : 4 : 1746 ، ح 2874 .

2) النمل (27) : 80 .

3) صحيح البخاري 1 : 325 ، ح 1338 .

4) الجامع لأحكام القرآن ، القرطبي : 13 : 154 .

فقال : « إنّ شئت أخّرت لك وهو خير ، وإنّ شئت دعوتُ » .

فقال : ادعه .

فأمره أن يتوضّأ فيحسن وضوءه ، ويُصلِّيَ ركعتين ، ويدعو بهذا الدعاء : « اللّهم : إنّي أسألك ، وأتوجّه إليك بمحمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نبي الرحمة ، يا محمّد إنّي قد توجّهت بك إلى ربّي في حاجتي هذه لتقضى ، اللّهم : فشفّعه فِيَّ » (1).

وهذا الحديث مع ما فيه من الدلالة الواضحة على جواز التوسّل بذات النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كعبارة : « اللّهم : إنّي أسألك ، وأتوجّه إليك بمحمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) » ، وعبارة : « يا محمّد إنّي قد توجّهت بك إلى ربّي » ، غير أنّ ابن تيميّة اعترض على ذلك ، وشرع يُفسّر الدعاء بتفسيرات واهية لا تحمل في طيّاتها دليلاً يمكن الاعتماد عليه .

يقول ابن تيميّة :

« إنّ معنى قوله « أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمّد » أي بدعائه وشفاعته » (2).

واستدلّ على ذلك بقوله : « وهذا الأعمى شفع له النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فلهذا قال في دعائه « اللّهم فشفّعه فيّ » فعلم أنّه شفيع فيه ، ولفظه « إنّ شئت صبرتَ وإنّ شئت دعوتُ لك » فقال : ادع لي .

فهو طلب من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يدعو له ، فأمره النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يصلّي ويدعو هو أيضاً لنفسه ويقول في دعائه « اللّهم فشفّعه فيَّ » (3).

هنا يمكن أن نسأل ابن تيميّة :

أين الإثبات على أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد دعا للأعمى ؟ حتّى تفّسر قوله : « وأتوجّه إليك بنبيّك » ، « أي بدعائه وشفاعته » ! ، فإنّ غاية ما تثبته الرواية هو أنّ


1) سنن ابن ماجة : 153 - ح 1385 .

2) قاعدة جليلة في التوسّل والوسيلة : ص 173 .

3) قاعدة جليلة في التوسّل والوسيلة : ص 172 .

الأعمى طلب من النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يدعو له ، فأمره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يتوضّأ ويصلّي ويدعو ، فلا يوجد في الرواية نص يثبت دعاء الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للأعمى ، لا من حيث صيغة الدعاء ، ولا من حيث الإخبار عن دعائه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) للأعمى .

فإنّ تقدير « بدعائه وشفاعته » في قوله : « وأتوجّه إليك بنبيّك » خروج عن الظاهر ، وإدّعاء فارغ البرهان .

ويؤيّد ما بيّناه ، ما ذكره السندي في شرحه لهذا الحديث ، حيث قال : « فإن قلت : كيف أمره بالدعاء وقد طلب الرجل منه أن يدعو له ؟ وقال سابقاً : ( إن شئت دعوتُ ) بإسناد الدعاء إلى نفسه ؟

قلت : كأنّه أشار بذلك إلى أنّ تعليم الدعاء والتشفيع به ( بمنزلة دعائه ) » (1).

فإنّ كلام السندي هذا ، فيه إشارة إلى أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لن يدعُ للأعمى ، وإنّما كان تعليم الدعاء وقراءته ، بمنزلة دعائه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وحينئذ ، فإنّ كلّ من قرأ هذا الدعاء بإخلاص وبشرطه وشروطه ، كان بمنزلة من دعا له الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهذا يعمُّ من توسّل به في حياته ومغيبه ومماته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ومن جهة أخرى ، يدلّ هذا الحديث على جواز التوسّل بذات النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجاهه عند الله تعالى . وذاته المقدسة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا تتأثّر بعوامل الحياة والغياب والموت .

ثمّ إنّ ابن تيميّة اعترض على من ذهب إلى جواز التوسّل بالنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعد مماته ، بقوله : « فلو كان التوسّل به حيّاً وميّتاً سواء ، والمتوسّل به الذي دعا له الرسول كمن لم يدعُ له الرسول ، لم يعدلوا عن التوسّل به (2)- وهو أفضل الخلق وأكرمهم على ربّه ، وأقربهم إليه وسيلة - إلى أن يتوسّلوا بغيره ممن ليس مثله » (3).


1) سنن ابن ماجة ، بشرح الإمام السندي 2 : 156 .

2) إشارة إلى توسّل عمر بالعباس عمّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم )

3) قاعدة جليلة في التوسّل والوسيلة : 173 .

والجواب عن ذلك : إنّ عدول الصحابة عن التوسّل بالنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى غيره ، لا يدلّ إلا على جواز العدول ومشروعيّته ، ولا يدلّ على وجوبه ، وفرق كبير بين جواز العدول ووجوبه .

فإنّ استدلال ابن تيميّة بعدول الصحابة إلى التوسّل بغيره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، يصلح جواباً لمن استشكل بجواز التوسّل بغير النبيّ بعد مماته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولا يصلح أبداً لإثبات حرمة البقاء على التوسّل به ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

اكتشاف الحقيقة :

اكتشف « أبو بكر ايزمبا » بعد البحث والمطالعة لكتب أتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بطلان التهم التي تلصق بالشيعة ، بل وجد بأنّ التشيّع مذهب يعتمد في أصوله ومبادئه على أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأنّ منشأ التهم والافتراءات الموجّهة ضدّه يعود إلى بني أميّة وبني العبّاس الذين حاربوا أهل البيت ( عليهم السلام ) بشتى الوسائل حفاظاً على مصالحهم الدنيوية ومآربهم الشخصية .

وهؤلاء الطغاة حاولوا التنقيص من مقام أهل البيت ( عليهم السلام ) تثبيتاً لدعائم حكمهم ، فلماذا نكون ضحية لمّا قاموا ، بل يفرض علينا البحث الموضوعي أن نغربل أفكارنا الموروثة لنطهّرها من الشوائب والأدران العالقة بها من طغاة بني أمية وبني العبّاس .

(97) أوس ايزمبا( شافعي / أوغندا )

ولد في أوغندا ، ونشأ في أسرة تنتمي للمذهب الشافعي ، ثمّ تعرّف على مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) من خلال أحد أصدقائه ، وكان الحوار الموضوعي بينهما له الأثر الكبير في وصول « أوس ايزمبا » إلى الحقيقة التي كانت مغيّبة عنه .

فكان من ثمرة هذا الحوار ، تغيير الرؤية العقائديّة الموروثة لديه ، فأدرك « أوس » بأنّه كان صاحب عقيدة متوارثة ، الضرووة تلزمه إعادة النظر في كلّ معتقداته السابقة .

وهذا واضح بعد انقسام الأمّة الإسلاميّة فور التحاق الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالرفيق الأعلى إلى فرق ومذاهب متعدّدة ، كلُّ واحدة منها تدّعي أنّ الحقّ معها فعلى المسلم أن يتحرَّ عن الحقيقة بضمير حرّ ومنصف ومجرّد عن التعصّب واتّباع الهوى ، فيتأمّل فيما سطّره أتباع المذاهب الإسلامية من حجج وبراهين في إثبات ما يدّعون ، وينتقي منها ما يدعمه الكتاب العزيز والسنّة النبوية الصحيحة والعقل السليم ، وبذلك يستطيع الانسان أن يصل إلى المذهب الحقّ الذي يجب عليه اتّباعه ، وينهض بنفسه إلى مستوى من الرقي الفكري المستقل الذي يخرجه من دائرة التبعية اللاّ واعية للآباء والأجداد .

وهذا ما حصل ل‍ « أوس ايزمبا » في مرحلة التحوّل إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فإنّه أدرك في عملية البحث عن المذهب الحقّ ، أنّ المذهب الشيعي

يعتمد العقلانية في أفكاره ، وأنّ هذا ما يميّزه عمّا سواه من المذاهب الإسلامية ، فالعقلانية ما هي إلا حصيلة اعتماد هذا الفكر على أمور يقدّرها العقل والمنطق في فهمه للكتاب والسنّة والعقل .

وهذا بخلاف المذهب السنّي الذي أخفق في انتهاج العقلانية في طرح أفكاره ونظريّاته على الواقع الإسلامي ، كما أنّه ابتعد عن الموضوعية في الحوار مع المذهب الشيعي في أخذ بعض أعلامه في التهجّم على المذهب الشيعي بل أفرط التيار الوهابي في ذلك ، واتهم التشيّع بالشرك لمجرّد عدم توافق هذا المذهب مع وجهة نظره في العقيدة في حين أن عقائد المذهب الشيعي تتمتّع بالدعم التام من جهة الكتاب الكريم والسنّة النبوية الصحيحة .

ولمزيد من استيضاح الأمر نأخذ مسألة اتهام الشيعة ب‍ « الغلو » مثالاً على ذلك .

شبهة الغلو وبراءة الشيعة منها :

عُرّف « الغلو » في اللغة ، بأنّه : مجاوزة الحدّ والإفراط في الشيء (1).

وفي الاصطلاح : تجاوز الحدّ الشرعي في العقائد والشريعة على ما قرّره الكتاب الكريم والسنّة النبوية الصحيحة .

وللغلو في الاصطلاح مصاديق متعدّدة منها :

أوّلاً : ادّعاء الإلوهيّة لأحد الأئمة ( عليهم السلام ) .

ثانيا : حلول الله تعالى في الأئمّة أو الاتحاد معهم .

ثالثاً : وصف الأنبياء والأئمّة بصفات تفوق الطابع البشري لهم ، فلا يعتبر في الواقع من الغلو وانكار ذلك ينشأ من الفهم السطحي لمقام النبوّة والإمامة وتجريده عن خصائصه التي يتمتّع بها من قبل الباري عزّ وجلّ ، ويرجع هذا الفهم في


1) لسان العرب : 10 : 112 .

الحقيقة إلى الجهل بتلك المقامات ، وما جعل الله تعالى لها من القدر والمنزلة العظيمة .

إنّ من المعلوم في الدين الإسلامي أنّ العبد الذي ينال مقام « النبوّة » أو « الإمامة » ، لا بد وأن يمتاز بأمور وخصائص جليلة لا تكون في سواه من العباد ، ويكن ذا نفس عالية وعظيمة ، ويبلغ من السمّو الروحي ما يؤهّله لمقام « النبوّة » أو « الإمامة » أو مقام « النبوّة والإمامة » معاً ، كالرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

والذي يتأهّل لمثل هذه المقامات الجليلة ، يكون من الطبيعي ذا طاقة خاصّة وقدرة هائلة على التصرّف بأمور الكون بإذن الله تعالى .

فإنّ معاجز النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكراماته تنطوي على حقيقة لا بدّ من الإذعان بها ، وهي ، الصدق في دعواه ، وارتباطه بالسماء ، وكذا بلوغه ذلك المقام العظيم الذي يتصرّف من خلاله بأمور الكون بأمر الله تعالى وحكمته .

وكذا معاجز النبيّ موسى ( عليه السلام ) ، حيث يقول الله تعالى : ( فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ) (1)، فإنّه تعالى قد أسند التصرّف التكويني إلى عبده موسى ( عليه السلام ) ، ولكن بإذنه ومشيئته .

وهكذا جميع معاجز وكرامات الأنبياء ، فليست هي إلاّ تصرّف بأمور الكون بإذن الله تعالى .

أمّا بالنسبة لمقام « الإمامة » ، فهو أعظم من مقام النبوّة وأعلى شأناً ، يقول تعالى في كتابه العزيز : ( وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (2)، فإنّ الله تعالى قد جعل إبراهيم ( عليهم السلام ) إماماً ، بعد أن اتّخذه نبيّاً ، وكان بعد أن اجتاز مرحلة من الامتحان والاختبار الإلهي .


1) الشعراء (26) : 45 .

2) البقرة (2) : 124 .

ولذا لا يحق لأيِّ إنسان أن يجرّد تلك الامتيازات والخصائص عن مقام الإمامة والنبوّة ، لمجرّد عدم استيعاب حقيقتهما ، وكيفية ارتباط أصحابها بالله تبارك وتعالى .

وممّا يعجب له ، أنّ البعض يذهب إلى أنّ الإيمان بقدرة من نال مقام النبوّة والإمامة على التصّرف بذرّات الكون ، أو عنده علم الغيب تعدٍّ على حدود الله ومختصّاته ، بل يعتقد بعدم بقاء شيء لله تعالى بعد ذلك !

والجواب عن ذلك - كما هو واضح لمن ينصف في حكمه - بأنّ إيماننا بذلك بعد التسليم بأنّ قدرة هذا العبد على هذه الأمور في طول قدرة الله عزّ وجلّ ، وأنّ علمه بالغيب يكون بعد أن يطلعه الله تعالى عليه ، وكلّ شيء في الوجود خاضع لقدرة الله ومشيئته سبحانه .

فإنّنا إذا إستخبرنا القرآن الكريم ، وجدنا أنّ هذه الآية الكريمة : ( قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ) (1)، صريحة بأنّ بعض عباد الله الصالحين يمتلكون القدرة على خرق القوانين العادية لحركة الأشياء ، فكيف إذاً بالنبي والإمام ؟ !

وكذا قوله تعالى : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول ) (2)، فإنّ الله تعالى يعلم الغيب لذاته ، وعباده الصالحين من نبي أو إمام يعلم الغيب بتعليمه سبحانه له ، فهذه الآية الكريمة تبيّن لنا إمكانية علم الغيب بالنسبة لغير الله عزّ وجلّ ، ولكن إذا كان من المرتضين لذلك .

ومن جهة أخرى ، أنّ هذا البعض يظهر منه صغر عظمة الله تعالى في نفسه - وهو لا يشعر - فيتصّور أنَّ عظمته تعالى تقتصر على علم الغيب ، وولايته التكوينيّة على نواميس الكون ، بحيث إذا أعطاهما لبعض أوليائه المقرّبين على نحو الإذن


1) النمل (27) : 40 .

2) الجن (72) : 26 - 27 .

منه سبحانه ، يغدو خالياً من الصّفات العظيمة التي يتّصف بها ، ويصبح عباده شركاء له ! وكأنّ عظمة ربّ السماوات والأرض تكمن كلّها في هذه الأمور ! وهذا إنّما مردّه إلى قلّة الاطّلاع والاستيعاب ، بما جاء به ديننا الحنيف ، والرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ممّا يخصّ عظمة الله عزّ وجلّ ودوره في الوجود .

إمامة أهل البيت ( عليهم السلام ) :

نخرج من هذا العرض الموجز بنتيجة ، وهي أنّ الولاية التكوينية للأنبياء ( عليهم السلام ) ، أمر ثابت في الدين الإسلامي ، ولا مجال للتشكيك فيها بعد وجود الحجج والبراهين عليها من الكتاب والسنّة الشريفة .

وأمّا اعتقاد الشيعة بثبوت الولاية التكوينية أو علم الغيب ، لأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) فهو متفرّع على إيمانهم بأنّ « الاثني عشر ( عليهم السلام ) » أئمّة منصوبون من قبل الله عزّ وجلّ ، ومعصومون مطهّرون ، وأنّهم الأوصياء الشرعيون للرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فهم امتداد لرسالته ومبيّنون لسنّته ، وكلّ ذلك مستند لأدلة ثابتة وقطعية عند كافة المسلمين ، غير أنّ الباحث يحتاج إلى شيء من الإنصاف والاستقلالية ليتّضح له ما خفي عليه ويقطع به .

والأدلّة على عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) تحمل خصائص ومزايا لا توجد في سواهم ، ولذا أغدق الله عليهم بألطافه الخاصّة فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً .

وكذا قول الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في حديث الثقلين : « إنّي تارك فيكم ما إنّ تمسّكتم به لن تضلوّا بعدي ، أحدهما أعظم من الآخر ، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يتفرقا حتّى يردا عليَّ الحوض ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما » (1).


1) صحيح الجامع الصغير : 1 : 482 ، ح 2458 .

فدلالة هذا الحديث الشريف على عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) من أوضح الأمور وأبينها ، وذلك لإقترانهم بالقرآن الكريم ، وعدم افتراقهما إلى يوم القيامة ، ومن جهة أخرى دلالته على إمامتهم وتنصيبهم من الله تعالى ، وخلافتهم الشرعيّة عن الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وما ذلك إلاّ لانحصار الأمن من الضلال بالتمسّك بهم وبالقرآن ، ومتابعتهما معاً في العقيدة والأحكام .

ومن الجدير بالذكر ، أنّه لا مبررّ للمسلم السنّي - بعد وجود هذا الحديث الشريف - عن أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والتمسّك بغيرهم ، ولا سيّما أنّ سند هذا الحديث في أعلى درجات الصحّة عند غالب المحدّثين من علماء السنّة . اللّهم إلاّ أن يُفسّر « التمسّك » بمعاني تخالف الفهم العرفي والعقلائي له ، ويخالفه الوجدان والضمير المنصف . فينبغي للمسلم أن يحتاط لدينه وآخرته ويتأمّل فيما هو فيه .

وعلى كلّ حال . فالشيعة الإمامية ، بعد ثبوت الإمامة الإلهية ، والخلافة الشرعيّة والعصمة لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، اعتقدوا بثبوت الولاية التكوينية لهم ، ولكن بإذن الله تعالى ومشيئته ، وكذا ثبوت المعاجز والكرامات لأئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وكلّ ما يتعلّق بأحوالهم وشؤونهم ، وقد ثبت ذلك من خلال الأخبار الصحيحة والمعتبرة التي يرويها الثقات من أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) وغيرهم من المسلمين .

ولذا لا يجوز بعد هذا القول في حقّ الشيعة الإمامية بأنّهم مغالون في حقّ أئمتهم ، ويعتقدون بما ليس فيهم .

تبدّد غيوم الشبهات :

أدرك « أوس ايزمبا » أنّ الشّبهات التي تحوم حول عقيدة الشيعة الإمامية في كثير من المسائل ، ومنها مسألة « الغلو » ما هي إلاّ هواء في شبك ، فانكشف له في سير بحثه عن صحّة هذه العقيدة ، وأنّ أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) بعيدون كلّ البعد عن التهم والافتراءات التي تنسب إليهم ، فعرفهم أناس يمتلكون الموضوعية فيما يذهبون إليه ويعتقدون به ، لإستنادهم إلى أدلّة واضحة وصريحة في ذلك ، وهي

مستقاة من الكتاب الكريم والسنّة الصحيحة والعقل .

وأدرك أيضاً أنّ الشبهات العالقة في ذهن المسلم السنّي عن الشيعة الإمامية سوف تتبدّد حين يراجع موروثاته بحثاً عن الحقّ والحقيقة .

ومن هذا المنطلق أعلن « أوس ايزمبا » استبصاره بعد التوصّل إلى القناعة الكاملة بأحقية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ توّجه - قدر وسعه - إلى نشر الحقائق الجديدة التي اكتشفها ، وتبيين الواقع إلى أبناء منطقته .

(98) حسين سليمان كاكايره( شافعي / أوغندا )

ولد عام 1394 ه‍ ( 1975 م ) بمدينة « دجينجا » ، ونشأ منتمياً للمذهب الشافعي ، درس بعد إكمال المرحلة الثانوية مدّة سبع سنوات في المعهد الإسلامي ب‍ « دجينجا » على ضوء المذهب الشافعي ، ثمّ اشتغل بالعمل التبليغي في قريته أثناء العطلة الصيفية ، حيث كانت هوايته متوجّهة نحو استيعاب الفكر الديني ، ومطالعة الكتب الإسلامية ، والعمل في التوجيه الإسلامي .

بداية رحلته العقائدية :

يقول « حسين سليمان » تفاجئت ذات يوم بأنّ أحد أصدقائي وهو « عيدي حسن » أعلن اعتناقه لمذهب التشيّع ، فدعوته إلى بيتنا لاستفسر منه عن هذا التحّول المفاجيء .

ودار الحديث بين حسين سليمان وصديقه حول الكثير من الأمور العقائدية ، هذا يسأل وذاك يجيب ، حتّى وصل الحديث إلى مسألة زيارة القبور وخصوصاً قبور النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأئمة ( عليهم السلام ) ، فسأل حسين صديقه : يقال إنّ الشيعة مشركون ! لأنّهم يقصدون مشاهد وقبور أهل البيت ( عليهم السلام ) فيجعلونها وسيلة بينهم وبين الباري ، وهذا شرك .

الصديق : ليس جعل كلّ وسيلة بيننا وبين بارئنا شرك ; لأنّنا عندما نقصد الكعبة - مثلاً - ونطوف حول أحجارها ، ونتقرّب بها إلى الله عزّ وجلّ ، أو حين نتوجّه إليها أثناء الصلاة ، أنقصد بذلك عبادة الأحجار ؟ ! فالكعبة هي مجرّد وسيلة

للتقرّب إليه تعالى وليست غاية ، وهكذا المساجد فهي بيوت الله تعالى ، ونحن نتوجّه إليها فنجعلها مكاناً نتقرّب بها إلى الله .

ومن هذا القبيل مشاهد العترة الطاهرة ، فهي بيوت أذن الله أن ترفع ، ويذكر فيها اسمه ، وقد ورد عن أهل البيت ( عليهم السلام ) استحباب زيارة قبورهم ومشاهد الصالحين ، فعلينا أن لا نكون ضحية الروايات المحرّفة التي دسّتها أيادي بني أميّة وبني العبّاس ، بغية الوصول إلى أهدافهم .

زيارة المشاهد الطاهرة عند مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

قال الشيخ المفيد حول زيارة القبور : « أجمع المسلمون على وجوب زيارة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، حتّى رووا من حجّ ولم يزره متعمّداً فقد جفاه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وثلم حجّه بذاك الفعل ، وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « من سلّم عليّ من عند قبري سمعته ، ومن سلّم عليّ من بعيد بلغته سلام الله عليه ورحمته وبركاته » ، وقال للحسن ( عليه السلام ) : « من زارك بعد موتك أو زار أباك أو زار أخاك فله الجنّة » .

وقال أيضاً في حديث له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « تزوركم طائفة من أمّتي ، تريد به برّي وصلتي ، فإذا كان يوم القيامة زرتها في الموقف ، فأخذت بأعضادها ، فأنجيتها من أهواله وشدائده » .

ولا خلاف بين الأمّة أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لمّا فرغ من حجّة الوداع لاذ بقبر قد دُرس ، فقعد عنده طويلاً ، ثمّ استعبر ، فقيل له : يا رسول الله ، ما هذا القبر ؟ فقال : هذا قبر أمي آمنة بنت وهب ، سألت الله في زيارتها فأذن لي .

وقد كان أمر في حياته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بزيارة قبر حمزة - عليه السلام - وكان يلم به وبالشهداء ، ولم تزل فاطمة ( عليها السلام ) بعد وفاته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تغدو إلى قبره وتروح ، والمسلمون يثابرون على زيارته وملازمة قبره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (1).


1) الفصول المختارة للشيخ المفيد : 130 - 131 .

السيّد ابن طاووس :

« من طرائف ما سمعت عن جماعة من مخالفي أهل البيت ( عليهم السلام ) أنّهم ينكرون زيارة قبور علماء أهل بيت نبيهم ، ويعيبون شيعتهم في تردادهم لزيارتها ، وقد رووا هؤلاء المنكرون في صحاحهم ضدّ ما أنكروه ، وخلاف ما أظهروه .

فقد روى مسلم في صحيحه بإسناده عن أبي بريدة ، عن أبيه ، عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : « نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ونهيتكم عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم » الخبر (1)

ثمّ أضاف السيّد ابن طاووس : كيف يحسن من قوم يروون عن نبيّهم الأمر بزيارة كافّة القبور ، ثمّ ينكرون على من زار قبور أهل بيت نبيّه ، وهم من لحم رسولهم ودمه وبضعة منه ؟ ! ، وإنّ ادّعى أحد منهم أنّه ما ينكر زيارة قبورهم ، فعلام ينقطع عنها ، وينفر منها ، ويتردّد إلى قبور أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وجماعة من أتباعهم ، وهؤلاء الأربعة أنفس قوم من عوام المسلمين لم يرووا عن نبيّهم في تسميتهم وفضلهم خبراً مأثوراً ولا وجدوا بذلك أثراً مسطوراً ، وقد رووا في فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) وتعظيمهم في الحياة وبعد الوفاة ما قد ذكرنا عنهم بعضه في كتابنا هذا من صحاح أخبارهم ، فهلاّ كان لعلماء أهل البيت ( عليهم السلام ) وصلحائهم أسوة بأحد الأربعة أنفس المشار إليهم ؟ !

والعجب أنّهم يقصدون محمّداً نبيّهم عند حجرته ، ويلوذون بتربته ، ومع ذلك يتجنبون قبور أهل بيته وعترته ! أين هذا من الوفاء لمّا أثبت عليهم نبيّهم من الأنعام ، ما كان هذا جزاؤه من أهل الإسلام » (2).

يقول « حسين سليمان » استمرّت جلساتنا مدّة طويلة ، وحيث أنّني كنت أرفض التعصّب من قبل فلم أقابل صديقي بعنف ، بل أصغيت إلى كلامه ، وفي آخر


1) صحيح مسلم : 3 : 65 ، دار الفكر ، موطّأ مالك : 1 : 321 .

2) الطرائف ابن طاووس : 163 - 164 .

جلسة طلبت منه بعض الكتب الشيعية من أجل الإحاطة بعقائدهم فزوّدني بها ، وكانت هذه الكتب بمثابة باب تعرّفت منها على الكثير من الحقائق ، فاندفعت بعد ذلك للالتحاق بمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ثمّ انتسب « حسين سليمان » إلى مدرسة شيعية ، وواصل دراسته فيها مدّة ثلاث سنوات ، ثمّ اتجه للعمل التبليغي ، وقد استبصر على يديه الكثير من الأشخاص بعد أن بيّن لهم حقيقة الشيعة وعقائدهم ، وبذل قصارى جهده لتصحيح الفكر المشوّه ، الذي يحمله أبناء مجتمعه اتجاه الشيعة . ويقول « حسين سليمان » : « وأصبحنا جميعاً من شيعة عليّ ( عليه السلام ) وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : يا عليّ أنت وشيعتك هم الفائزون » (1).


1) أمالي الشيخ الطوسي : 551 ، حلية الأبرار 2 : 331 ، بحار الأنوار 31 : 380 .

(99) حمزة عبد الله حسن( شافعي / أوغندا )

من مواليد « أوغندا » ، وينتمي إلى أسرة شافعيّة المذهب .

تعرّف « حمزة » على المذهب الشيعي من خلال أخيه المستبصر ، الذي قام بدوره في إرشاد « حمزة » إلى جادّة الحقّ ، حيث أوضح له أبعاد هذا المذهب وما يقوم عليه من أسس متينة ، موافقه للكتاب الكريم والسنّة الصحيحة والعقل ، وجرى بينهما حوار حول أحقّيّة الشيعة فيما يعتقدون ، فكان من أخيه أن وضع بين يديه الكثير من الحجج والبراهين ، التي يستكشف الباحث من خلالها صحّة المفاهيم الشيعيّة المعتقدة ، والتي تدعو من جانب آخر إلى التأمّل في المرتكزات المتوارثة عن الآباء والأجداد ، والتي لا يوجد وراءها مستند ولا برهان .

وبعد التأمّل فيما دار بينه وبين أخيه من حوار ، وإجراء المقارنة بين المعتقد السنّي والمعتقد الشيعي ، من حيث صحة القواعد التي يعتمدان عليها ، ومقدار موافقتها للمسلّمات والأمور القطعيّة المعتمدة لدى الفكرين ، وجد « حمزة » ثمّة بؤر ضعف في أساسيّات الفكر السنّي ، تجعله ينهار أمام الفكر الشيعي ، بحيث لا يستطيع معها أن يرتقي لمواجهته والصمود أمامه .

تبرير الفكر السنّي لبدعة عمر :

إنّ من الإشكاليّات المهمّة الواردة على الفكر السنّي هي احتضانه ل‍ « بدعة » عمر في صلاة التراويح جماعة ، وجعلها من العبادات المهمّة في شهر رمضان .

فقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد القارئ أنّه قال : « خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون ، يصلِّي الرجل لنفسه ، ويصلِّي الرجل فيصلِّ بصلاته الرهط ، فقال عمر : إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثمّ عزم فجمعهم على أبي بن كعب ، ثمّ خرجت معه ليلة أخرى ، والناس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : « نعمَ البدعة هذه » ، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ، يريد آخر الليل ، وكان الناس يقومون أوّله » (1).

وهنا يمكننا أن نوّجه سؤالاً لأصحاب التفكير السنّي ، بأنّه إذا كانت الجماعة في صلاة التراويح بدعة كما صرّح بذلك عمر بن الخطاب ، وكان قد وضعها في عرض الكتاب والسنّة والتشريع الإلهي المقدّس وليس في طولهما ، وأنّ الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد تركها ولم يواظب عليها ، كما صرّحت بذلك كتبكم ، فلماذا إذن هذا التسامح في أمر الدين والتعدّي على ثوابت الشريعة الإسلامية المقدّسة ؟ !

فهل من الإسلام تصحيح بدعة أُحدثت في الشريعة الإسلامية ، ولم تكن مدعومة من قبل الكتاب الكريم ولا السنّة النبوية لأجل جهة لا نمتلك حقّ التشريع والتقنين ولا أقلّ من ذلك ؟ ! وكلّ هذا يجري على حساب الأمّة الإسلاميّة ، بحيث غدت صلاة التراويح في شهر رمضان المبارك عبادة لها ثقلها ووزنها في نفوس المسلمين السنّة وهي في الحقيقة ليست إلاّ بدعة !

ألم يعلم أصحاب الفكر السنّي خطر البدع في الشريعة ، وما لها من الآثار السلبيّة والخطيرة على المجتمع الإسلامي ؟ ! أليست هي من الموبقات العظام التي دلّ على حرمتها الكتاب والسنّة .

ألم يعلموا بأنّ صاحب البدعة ينازع الشارع في خصائصه من التشريع ، ووضع القوانين التي يعلم بملاكاتها الواقعيّة من مصالح أو مفاسد بحيث يقوم


1) صحيح البخاري 1 : 494 حديث 2010 .

التشريع على أساسها ؟ ويُحدث في الشريعة أمراً لم يشرّعه صاحبها ، ثمّ يضفي عليه طابعاً شرعيّا ودينيّاً متجاوزاً بذلك على الله تبارك وتعالى ومستهزءاً به وبأحكامه !

البدعة في الكتاب والسنّة :

يقول تعالى : ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ) (1).

ويقول أيضاً : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) (2).

وقد شدّد الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في خطاباته للمسلمين على الاهتمام بالشريعة الإسلاميّة ، ووجوب صونها من البدع والمحدثات ، وحَكَم على صاحب البدعة بالضلالة ودخول النار .

فقد روى النسائي في سننه عن جابر بن عبد الله ، قال : « كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول في خطبته يحمد الله ويثني عليه بما هو أهله ، ثمّ يقول من يهده الله فلا مضلَّ له ، ومن يُضلله فلا هادي له ، إنّ أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هدي محمّد ، وشرّ الأمور لمحدثاتها ، وكلّ محدثة بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة في النار » (3).

وروى مسلم في صحيحه عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « أمّا بعد ، فإنّ خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وشرّ الأمور محدثاتها ، وكلّ بدعة ضلالة » (4).


1) النحل (16) : 116 .

2) الأنعام (6) : 21 .

3) سنن النسائي : 3 : 188 .

4) صحيح مسلم 2 : 496 ، ح 867 .

ووردت من طريق الشيعة الإمامية روايات كثيرة شدّدت على خطر البدعة وصاحبها ، فقد روى الكليني في الكافي أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قال : « إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه ، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله (1).

وقال أيضاً : « من أتى ذا بدعة فعظّمه فإنما يسعى في هدم الإسلام » (2).

خطأ تقسيم البدعة :

إنّ بعض علماء السنّة قسّم البدعة إلى قسمين : بدعة هدى ، وبدعة ضلال ! وإنّ هذا ممّا يعجب له ، فهذا ابن الأثير يقول في النهاية : « وفي حديث عمر رضي الله عنه . في قيام رمضان ( نعمت البدعة هذه ) ، البدعة بدعتان : بدعة هدى ، وبدعة ضلال ، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فهو في حيّز الذمّة والإنكار ، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه وحضّ عليه الله أو رسوله فهو في حيّز المدح » (3).

إنّ أساس هذا التقسيم عند علماء السنّة هو قول عمر « نعمت البدعة هذه » . فلأجل تصحيح بدعة عمر ، والخروج من مأزق حكم النبيّ الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأنّ « كلّ بدعة ضلالة » ، اتّبعوا منهج التنوّع والتقسيم في معنى « البدعة » ، وجعلوا بدعة عمر في صلاة التراويح جماعة ، في ضمن البدع الممدوحة !

هذا مع أنّه لم يرد في أقوال الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) التي تتحدّث عن البدعة ، هذا التقسيم المتهافت ، الذي لا يكمن وراءه إلاّ مسخ الحقيقة .

وهناك أمر آخر ينبغي الالتفات إليه ، وهو أنّ كلمة « البدعة » التي وردت في أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لا يخرج معناها عن إطار البدعة المحرّمة ، وهي الإحداث في الدين لا غير .


1) الكافي 1 : 54 .

2) نفس المصدر السابق .

3) النهاية : 1 : 106 ، مادة : بدع .

فإذا لاحظنا مقولة عمر « نعمت البدعة هذه » التي وردت في صلاة التراويح - وهي - أمر ديني وعبادي - نجد أنّها داخلة ضمن الإحداث في الشريعة ، الذي ليس له حكم إلاّ الحرمة .

رفض البدعة والتمسّك بالهدى :

وجد « حمزة عبد الله » بعد غربلته لمعتقداته الموروثة ، ومراجعته لمختلف الكتب ، ومقارنته بين التراث الشيعي والسنّي ، أنّ المنهج الذي اتّبعه الشيعة في أخذ السنّة عن أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) هو المنهج الصحيح والقويم ، وتوصّل إلى قناعة تامّة بأنّه لا يحقّ لأحد - كائنا من كان - أن يضيف على الشريعة الإسلاميّة شيئاً من عنده ، أو ينقص منها ، أو يغيّر ما جاء به رسولنا الكريم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فكلّ ذلك يدخل في حيّز الضلال والبدع المنهي عنها .

وتوصّل أيضاً إلى أنّ المصدر الوحيد الذي يمكن الوثوق به لأخذ السنّة النبوية ، هو أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) ولهذا تمسّك « حمزة » بهديهم وقرّر أن لا يعتمد في تلقّي السنّة إلاّ عليهم .

(100) عبد الحكيم ساجد( شافعيّ / أوغندا )

ولد عام 1392 ه‍ ( 1973 م ) في أوغندا ، بمدينة « سوروتي » ، ونشأ في أسرة شافعية المذهب ، واصل دراسته الأكاديمية حتّى حصل على الشهادة الثانوية ، وكانت دراسته في مدرسة دينية تدرّس فيها الدروس العامة أيضاً ، ثمّ توجّه إلى تعليم الأطفال القرآن ومبادىء الإسلام .

منطلق تعرّفه على التشيع :

يقول عبد الحكيم : جاء إلى منطقتنا أحد المبلغين ، يُدعى الدكتور « عبد القادر » ، وهو أوغندي وبدأ بالتبليغ للتشيّع ، فكان يلقي المحاضرات الدينية القيّمة ، ويوزّع بعض الكتب الدينية الشيعية ، فاتصلت به ، وتعرّفت عليه ، واستمعت إلى محاضراته ، وطالعت بعض الكتب التي أهداها لي ، فوجدت في محاضراته والكتب التي قرأتها حقائق جديدة ، لم أسمع بها من قبل ، وأثار هذا الأمر في نفسي حبّ الاستطلاع ، وقادني إلى البحث .

وبعد فترة افتتح معهد باسم « أهل البيت ( عليهم السلام ) » ، فاستفسرت عنه ، فقيل لي : إنّه معهد يهتم بعلوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فقصدته ، وسألت مديره عن أسئلة كثيرة كانت تدور في ذهني ، فأجاب عنها ، ثمّ شجّعني على الالتحاق بالمعهد والدراسة فيه ، فقبلت ذلك ، وبدأت بالدراسة ، وجلب انتباهي درس التاريخ الإسلامي الذي لم أكن مطّلعاً على كثير من حوادثه ، فأعجبتني طريقة عرض المذهب الشيعي له

وتحليله ، الذي يعتمد على العقل والمنطق .

وفي العطلة الصيفية رجعت إلى أهلي ، فسألوني عن المدرسة ، وعن المواد الدراسية التي فيها ، فشرحت لهم بعض الدروس ، وذكرت لهم بعض التفاصيل حول الحقائق الجديدة التي اطلعت عليها ، فسألني جدّي ، وهو من كبار علماء الشافعية عن الأدّلة والمصادر للحقائق التي بيّنتها . فقلت له : أنا لا زلت في حالة البحث ، وسأسأل أساتذة المدرسة عما طلبت .

وفي المرّة الثانية التي عدت إلى أهلي جئت بالأدلّة والمصادر التي طلبها جدي ، ووضعتها بين يديه ، وبيّنت له بأنّ الحقائق التي ذكرتها له موجودة في كتب علمائنا من أهل السنّة . وهنا كانت المفاجأة التي لم أكن أتوقعها ، وهي أني رأيت جدّي قد تأثّر بالأدلة والمصادر التي قدّمتها له . والغريب أنّني سمعت بعد فترة بإستبصاره واعتناقه لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) . فقصدته وقلت له : ما الذي دفعك إلى هذا التغيير المفاجىء ، فقال إنّني لم أكن مطّلعاً على الحقائق التي بينتها لي ، وحينما راجعت المصادر التي قدمتها لي انفتحت بصيرتي ، فأبصرت الحقّ ، فألزمني العقل اتباعه ، فتشيّعت ، ثمّ نصحني جدي بمواصلة الدراسة والبحث ، وأوصاني بتهذيب النفس لئلا تمنعني الأهواء عن اتّباع الحقيقة بعد معرفتها . ومن هذا المنطلق واصلت دراستي وبحثي ، حتّى تبيّنت لي أحقية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلنت تشيّعي عام 1409 ه‍ ( 1989 م ) .

مسألة الجبر والاختيار عند الفريقين :

يقول عبد الحكيم ساجد : إنّ من أهم الأمور التي أعجبتني في المذهب الشيعي ، تفسيره لمسألة اختيار الإنسان ، وكيفية تحمّله مسؤولية أفعاله .

لأنني كنت أعتقد فيما سبق - وفق ما أملى عليها علماؤنا - بأنّ الإنسان لا أثر له في أفعاله ، لأنّه « لا مؤثّر في الوجود إلّا الله » ، وأنّ الله تعالى هو الذي يخلق أفعال العباد سواء كانت هذه الأفعال شراً أو خيراً ، وقد قال أبو الحسن الأشعري :

« من قضاء الله تعالى هو خلق ما هو جور كالكفر والمعاصي » (1).

وعندما كنّا نسأل أساتذتنا : ما هو دورنا في أفعالنا ؟ فإنّهم كانوا يقولون : بأنّنا نكسب هذه الأفعال التي يخلقها الله تعالى فينا ، وبهذا « الكسب » نحاسب ونعاقب . فكنت أقول لهم : الكسب أيضاً فعل ، وهو حسب القاعدة ممّا يخلقه الله ، فلا يبقى لنا أي دور في أفعالنا ، فكانوا ينهرونني عن الخوض في هذه المجالات .

ويضيف عبد الحكيم : ولكنني بعد دراستي للمذهب الشيعي عرفت ما جاء به أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وعرفت أنّ في أفعال الإنسان لا جبر ولا تفويض ، ولكن أمر بين أمرين .

ومعنى الأمر بين الأمرين هو أنّه تعالى منح الإنسان القدرة والاستطاعة للفعل ، فيفعل الإنسان ، ويوجد فعله بالقدرة التي منحها الله تعالى له . وبهذا يكون الإنسان هو المسؤول عن أفعاله .

وعرفت بأنّ السبب الأساسي الذي دفع أهل السنّة إلى القول بما يلزمه الجبر ابتعادهم عن منبع الحقّ والهدى ، أي ابتعادهم عن أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين صرّح الرسول بأنّ تمسكهم مع القرآن يعصم الإنسان من الضلال (2).

أوثق مصدر لمعرفة سنّة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

يقول عبد الحكيم ساجد : يجد الباحث عند دراسته لأحاديث الرسول بأنّ الرسول أكّد كثيراً على التمسّك بأهل البيت ( عليهم السلام ) وأخذ العلم منهم .

كما أنّ المتأمّل في سيرة أهل البيت ( عليهم السلام ) يجد أشخاص هذه العترة ، أشخاصاً طاهرين مطهرّين ذو سيرة نقيّة وسليمة ومشرقة .

ولكن المتأمّل في سيرة الصحابة يجد بأنّ الصحابة تحاربوا فيما بينهم ، وخالفوا الكثير من أو أمر الله الواضحة التي لا لبس فيها .


1) اللمع ، أبو الحسن الأشعري : 81 .

2) كما ورد في حديث الثقلين .

فإذا كان الأمر كذلك فلماذا التعمّد في ترك أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وعدم أخذ العلوم والمعارف منهم ؟ ولماذا السير على خطى بني أميّة وبني العبّاس في ظلم عترة الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ؟

الثبات على صراط الحقّ

إنّ الحقائق التي اكتشفها عبد الحكيم ساجد منحته القوة في الثبات على صراط الحقّ واتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وأخذ العلوم والمعارف الإسلاميّة منهم .

ووجد عبد الحكيم بعد الاستبصار في نفسه قوّة هائلة تمنحه الصمود أمام التيارات المعاكسة ، وتدفعه للوقوف بوجه الباطل والنظريات التي نسبت إلى الدين والدين بريء منها . ولذا واصل عبد الحكيم نشاطه في التبليغ والدعوة للحق والاهتمام بانقاذ الناس من حالة التقليد ، ودعوتهم إلى معرفة الحقّ عن طريق التوصّل إلى الحجج والبراهين القاطعة .

(101) عبد الله موكر( شافعي / أوغندا )

الصورة

D18

مرّت ترجمته في ( 1 / 355 - 363 ) ، ومن هذه الموسوعة ، ونشير إلى سائر ما وقفنا عليه من معلومات لم تذكر من قبل .

تجلّت ل‍ « عبد الله » معرفة الإمام الصادق ( عليه السلام ) من خلال سؤاله الأستاذ في مادة التربية .

يقول « عبد الله » : سألت الأستاذ في مادّة التربية حول أئمة المذاهب الأربعة عمّن أخذوا علمهم ؟ فأجاب من الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) .

فسألت الأستاذ : ومن هو الإمام الصادق ( عليه السلام ) ؟ فأجابني قائلاً : إنّ هناك طائفة تسمّى بالشيعة تعتقد بإمامته ، ويأخذون معالم دينهم منه .

وهنا دخلت في منعطف آخر : مَنْ هم الشيعة ؟ ولماذا يأخذ أئمة المذاهب الأربعة معالم دينهم من الإمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) ؟

عندها قرّر « عبد الله » كشف سرّ الأمر ، فتوجّه إلى مدينة « جينجا » والتي يوجد فيها الشيعة ، فالتقى بأحد مشايخ الشيعة ، فأجابه عن بعض الأسئلة وأرشده إلى بعض الكتب ، فعكف « عبد الله » على قراءتها والتمعّن فيها ، فذهل لما فيها ، ورجع إلى علماء السنّة ، لعلّهم يفندون ما جاء فيها ، فوجدهم حيارى غير قادرين على مجاراتها وخصوصاً الأحاديث الصريحة بالنصّ على ولاية أمير المؤمنين ( عليه السلام ) في غدير خم .

وعند البحث والتمعّن في جميع وقائع التاريخ وجد « عبد الله » ضالته ، فسافر إلى إيران لطلب المزيد من المعرفة حول هذا المذهب ، فالتحق بأحد الحوزات العلمية في مدينة مشهد المقدّسة . وبعد فترة رجع إلى بلاده لكي يؤدّي الواجب الشرعي الذي يحتّم عليه تبليغ الحقائق وإخراج الناس من أودية التيه والضلال .

(102) عليّ عبد الله حسن تبنكانا( شافعي / أوغندا )

الصورة

D19

ولد في أوغندا سنة 1395 ه‍ ( 1976 م ) ، حصل على الشهادة الثانوية ، كما درس لمدّة أربع سنوات في مدرسة بويا الدينية الشافعية ، ثمّ درس في الحوزة العلمية في قم بعد استبصاره لعدّة سنوات ، يجيد اللغات المحلية « لوسوكا » « لوكاندا » بالإضافة إلى العربية والإنجليزية ، والسواحلية والفارسية .

دوافع اتجاهه نحو البحث :

يقول عليّ عبد الله حسن : كان يتناهى إلى سمعي ، وأنا شاب لا زلت أجلس على مقاعد الدراسة ، تُهم وتشنيعات عجيبة على الشيعة ، منها : أنّ الشيعة عندهم قرآن يتكوّن من 40 جزءاً ! وأنّهم يأكلون لحم الخنزير الأسود ! ! ممّا خلق في ذهني صورة مشوّهة عن الشيعة .

وبمرور الأيام توسّعت آفاقي الذهنية ، وجرّتني كثرة التهم إلى محاولة استكشاف الحقيقة ، ومعرفة الواقع ، فهل صحيح أنّ هناك أناس يّدعون الإسلام ثمّ يأكلون لحم الخنزير !

بدأت بالسؤال من العلماء ، وقراءة الكتب ، فعرفت بعض الأمور ، وأمسكت ببعض الخيوط . وبدأ ينكشف لي هول الفرية ، وعظمة الأكاذيب ، فواصلت البحث باشتياق أكثر ، فتوصلت إلى كشف مستندات أقدم وحقائق أكبر ، تؤكّد صحّة عقائد الشيعة ، وأنّها تتمسّك بالقرآن الذي نعرفه وبالسنة المطهرة التي نتمسّك بها ،

فتعجّبت من أمر هؤلاء الكذّابين الذين يتّهمون الشيعة بدون حقّ ، ويكيلون لهم الويل والثبور وعظائم الأمور بدون دليل ، سوى ما ورثوه عن سلفهم ، الذين فرّقوا بين المسلمين خدمة لأهواء السلاطين ، والتعصبات المذهبية التي ما أنزل الله بها من سلطان .

تركت هذه الترهات جانباً ، وتوكّلت على الله ، وأعلنت انتمائي لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، بعد ما عرفت أنّ الدين الحقّ يؤخذ منهم دون غيرهم ، رغم قسوة الاتهامات وهجرة الأهل والأصدقاء ، لكنّي واصلت الدرب ووفقت في هداية بعض أفراد أسرتي ، وإرشاد عدد من أصدقائي إلى طريق النجاة .

وأعود وأقول إنّي لا أدري من أين اخترعوا هذه التشنيعات التي لا أساس لها ، وأرى أنّ من الواجب علينا نحن المؤمنون وخاصة الذين اهتدينا إلى الصراط المستقيم ، أن نوضّح للناس الحقائق ، ونكشف لهم المستندات .

الشيعة والاتهامات الكاذبة التي لا أصل لها :

واجه الشيعة على طول تاريخهم ما حدث من انحراف عن الإسلام ففضحوه ، ولم يكن هذا من الشيعة إلاّ دفاعاً عن الحقّ تأسّياً بأئمّتهم المعصومين ( عليهم السلام ) ، وتمسّكا بالقرآن والعترة الذين أمر الله المسلمين بالتمسّك بهما على لسان النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كما جاء في حديث الثقلين المشهور ، وغيره .

ولم يكن هذا الأمر ليروق لهؤلاء المنحرفين ، فحاولوا ضرب الشيعة من الأساس باتهامهم بالكفر ، واخراجهم عن دائرة الإسلام ، حتّى لا ينكشف زيف ادعاءاتهم أمام الناس ، وتذهب أحلامهم وأمانيهم سدى ، فما كان من هؤلاء المنحرفين إلاّ التمسّك بالكذب وخداع الناس ، لعلّهم يطفئوا نور الله بأفواههم ، ولكن هيهات . . .

إنّهم يتّهمون الشيعة بأمور ما أنزل الله بها من سلطان ، ويرتكبون ذنباً عظيماً لا أصل له ولا سند ، وكذا هو حال أصحاب الباطل ، ولكن الله سبحانه وتعالى

يقول : ( لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) (1).

ويقول عزّ من قائل : ( كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ ) (2).

ويقول جلّ شأنه أيضاً : ( بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ) (3).

مظلومية مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

لقد مرت على الشيعة أزمان إضطهدوا فيها أشد الاضطهاد ويصور الإمام الباقر ( عليه السلام ) لنا ذلك في قوله لبعض أصحابه : « يا فلان . ما لقينا من ظلم قريش إيّانا وتظاهرهم علينا ، وما لقي شيعتنا ومحبّونا ، إنّ رسول الله قد قبض وقد أخبر أنّا أولى الناس بالناس ، فتمالأت علينا قريش حتّى أخرجت الأمر عن معدنه ، واحتجّت على الأنصار بحقّنا وحجّتنا ، ثمّ تداولتها قريش ، واحدٌ بعد واحد ، حتّى رجعت إلينا فنكثت بيعتنا ، ونصبت الحرب لنا ، ولم يزل صاحب الأمر في صعود كؤود ، حتّى قتل . . .

ثمّ لم نزل - أهل البيت - نستذل ونستضام ، ونقصى ونمتهن ونخاف ولا نأمن على دمائنا ودماء أوليائنا ، ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعاً يتقربون به إلى أوليائهم وقضاة السوء وعمال السوء في كلّ بلدة ، فحدثوهم بالأحاديث المكذوبة ، ورووا عنّا ما لم نقله وما لم نفعله ; ليبغضونا إلى الناس ، وكان عظم ذاك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن ( عليه السلام ) ، فقتلت شيعتنا بكلّ بلدة ، وقطعت الأيدي والأرجل على الظنّة ، وكان من يذكر بحبنا والانقطاع إلينا سجن أو نهب ماله ، أو هدمت داره ، ثمّ لم يزل البلاء يشتد ويزداد ، إلى زمان عبيد الله بن


1) الأنفال (8) : 8 .

2) الرعد (13) : 17 .

3) الأنبياء (21) : 18 .

زياد قاتل الحسين ( عليه السلام ) ، ثمّ جاء الحجاج فقتلهم كلّ قتلة ، وأخذهم بكل ظنّه وتهمة ، حتّى أنّ الرجل ليقال له : زنديق أو كافر ، أحبّ إليه من أن يقال : شيعة عليّ . وحتّى صار الرجل الذي يذكر بالخير - ولعلّه يكون ورعاً صدوقاً - يحدث بأحاديث عظيمة عجيبة ، من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ، ولم يخلق الله تعالى شيئاً منها ولا كانت ولا وقعت ، وهو يحسب أنّها حقّ لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع » (1).

وسلام الله على السيدة زينب بنت الإمام عليّ ( عليه السلام ) وأخت الإمام الحسين ( عليه السلام ) حيث خاطبت الباطل المتمثّل في زمانها بيزيد : « فكد كيدك واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تميت وحينا ، ولا تدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها ، وهل رأيك إلاّ فند ، وأيامك إلاّ عدد ، وجمعك إلاّ بدد ، يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين » (2).


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 11 : 43 .

2) بحار الأنوار 45 : 133 ، وانظر : بلاغات النساء لابن أبي طيفور : 23 .

(103) قاسم عبد السلام كتمبو( شافعي / أوغندا )

الصورة

D20

ولد عام 1392 ه‍ ( 1973 م ) بمدينة « جنجا » في أوغندا نشأ وترعرع في أوساط عائلية شافعية المذهب . أكمل دروسه الابتدائية عام 1408 ه‍ ( 1988 م ) ، ثمّ التحق بمعهد أهل البيت ( عليهم السلام ) الإسلامي للدراسات الإعدادية والثانوية في أوغندا عام 1409 ه‍ ( 1989 م ) . كما أنّه حاصل على شهادة الدبلوم في اللغة الأوغندية .

من هم الشيعة ؟ !

قام بعض المؤمنين الموالين لأهل البيت ( عليهم السلام ) في عام 1404 ه‍ ( 1984 م ) بإقامة مؤسسة دينية اسمها « مؤسسة التوحيد » في أوغندا ، هدفها نشر معارف أهل البيت ( عليهم السلام ) في أوساط المسلمين هناك .

وفي هذه الفترة كان « قاسم عبد السلام كتمبو » إماماً لجمعة وجماعة أحد المساجد في مدينة « بووينگي » ، وقد إنهالت عليه الرسائل والأسئلة التي تستفسر عن هذه المؤسسة والمعتقد الذي تعمل على نشره ، وقد رافق هذه الأسئلة حملة مسعورة من قبل الوهابيين لإفشال هذا المشروع ، فراحوا يبثّون بين الناس أنّ هؤلاء الشيعة كفّار ، وأنّهم يأكلون الخنزير الأبيض ، ولهم قرآن يختلف عن قرآن المسلمين وغير ذلك من الافتراءات !

ولعدم معرفته وإحاطته بهذا المذهب لم يتمكّن من الإجابة على ما ورد عليه من أسئلة ، وقد كان « قاسم عبد السلام » كثيراً ما يردد قوله تعالى : ( وَلا تَقْفُ

ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ) ولهذا قرر التوجه إلى مدينة جنجا للاطلاع عن كثب ولمعرفة الأمر بدون التأثّر بهذه الضجّة المفتعلة .

في مؤسسة أهل البيت ( عليهم السلام )

توجه « قاسم عبد السلام » إلى هذه المؤسسة حال وصوله إلى مدينة جنجا ، وقابل المدير المسؤول وكان يدعى الشيخ عباس - وهو عراقي الأصل - فرحّب به كثيراً ، خصوصاً عندما عرف غرضه من هذه الزيارة ، وكان « قاسم عبد السلام » قد حمل معه عدداً من الرسائل التي فيها الكثير من الأسئلة ، ومنها :

ما معنى الشيعة ؟

من هم الأئمة الاثني عشر ؟

ما هي عقيدتهم في القرآن ؟

ما معنى التقيّة ؟

وجاءت الإجابات من الشيخ مدعومة ومشفوعة بالأدلة القرآنية والروائية والحوادث التاريخية ، كما أنّه أرشده إلى قسم من المصادر السنيّة لغرض التأكّد ، وفي ختام اللقاء أهداه بعض الكتب ليطالعها ويدقّق فيما جاء فيها .

نقطة التحوّل :

يذكر « قاسم عبد السلام » الأُمور التي اتبعها في بحثه ، وكانت عبارة عن التحلّي بالآداب والتعاليم الإسلامية في القول والعمل ، والسعي وراء الهدف الأساسي وهو طلب الحق ثمّ اتّباعه ، والنظر إلى واقع الأُمور والتجرّد المطلق عن العصبيّات ، والانصاف في القول والحكم . . . ، والاعتماد على المصدر الصحيح المعترف به عند الطرف المقابل .

فهذه الأُمور إذا وضعها طالب الحقيقة نصب عينيه ، وجسّدها في بحثه ، فسيكون من الموفقين والحاصلين على نتائج باهرة .

وبالفعل التزم « قاسم عبد السلام » بقوله وطبقه في بحثه ، فوجد الحقائق المضيعة التي حاولت أيدي الدّس والتزوير طمسها وحذفها ، فأهل البيت ( عليهم السلام ) هم الأولى من غيرهم ، فوصايا القرآن الكريم والنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تؤكّد ذلك ، كما أنّ سابقتهم ومواقفهم يشهد بها القاصي والداني ، هذا عدا السيرة المشرقة التي امتازوا بها ، في حين أنّ غيرهم لا يمكن من كل هذه الامتيازات إلاّ أقل من عشر معشار !

وهنا وقف على مفترق الطرق ، طريق باتجاه الفرقة الناجية ، وطريق متشعّب باتجاه (72) فرقة كلّها في النار ! ! ! فأدركته العناية الإلهية وتوفق لسلوك طريق النجاة ، فتبع أهل البيت ( عليهم السلام ) وشايعهم واقتدى بهم ، وامتثل بذلك أوامر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

نشاطه :

يتمتع « قاسم عبد السلام كتمبو » بقابليات جيدة سخرها في خدمة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فهو يشغل منصب المسؤول الثقافي في معهد أهل البيت ( عليهم السلام ) في مدينة جنجا ، ويقوم بإرسال مبلّغين إلى عموم أوغندا ، كما أنّه ولإجادته للّغتين الأوغندية والعربية قام بتأليف :

1 - الأربعون حديثاً للأطفال ( عربي ) و ( أوغندي ) .

2 - هي الحقيقة .

وفي كتابه ( هي الحقيقة ) يتناول بعض الأسئلة التي وجهت إليه عندما كان على المذهب الشافعي ، ويتصدّى لها بالإجابة السهلة وغير المعقّدة حتّى يهضمها القارئ بيسر .

مع كتابه . . . هي الحقيقة :

إنّ محاور الكتاب عبارة عن ثماني أسئلة متنوعة ، ولعلّها أبرز وأكثر الأسئلة المطروحة عليه أنذاك ، ونحن نقف - باختصار - مع سؤالين من هذه الأسئلة ونرى كيف كانت إجابته عليهما .

متى بدأ التشيع ؟ !

إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو الذي وضع بذرة التشيع ، ويروي أهل السنة في كتبهم هذه

الحقيقة ، فعن ابن عساكر بسنده عن جابر بن عبد الله قال : كنا عند النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأقبل علي ( عليه السلام ) ، فقال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « والذي نفسي بيده إن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة » (1).

كما روي عن ابن عباس قال : « لما أنزل الله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لعلي ( عليه السلام ) : هم أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين ويأتي عدوك غضباناً مقمحين » (2).

فهو بهذا الأسلوب السلس يعرض الإجابة ، وأكثر ما يعتمد على مصادر السنّة ، لتكون الحجّة أبلغ وألزم لهم !

التقيّة :

مفهوم التقية هو : إظهار الكفر وإبطان الإيمان ، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحق ، وهي على العكس تماماً من النفاق الذي هو إظهار الإيمان وإبطان الكفر ، يقول « قاسم عبد السلام كتمبو » في كتابه : « التقية من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من موضع في القرآن الكريم ، وكما استعملها مؤمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل والتنكيل . . . ولاذ بها عمار عندما أخذ وأسر وهُدد بالقتل ( مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ ) ، فالتجأ إلى التظاهر بالكفر خوفاً من أعداء الإسلام . . . فالعقل يحكم أن ورودها في التشريع الإسلامي لا يتناسب ولا ينسجم بأن نعدّها من أقسام النفاق ، وإلاّ لكان ذلك أمراً قبيحاً ، ويستحيل على الحكيم أن يأمر به ( قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ) » (3).


1) الدر المنثور 6 : 379 .

2) الصواعق المحرقة : 161 .

3) هي الحقيقة : 17 ( مخطوط ) .

وهكذا يذّب عن مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ليثبت الله تعالى له قدم صدق في الدنيا والآخرة ، وليثبت بذلك مودّته لهم ( عليهم السلام ) .

تجدر الإشارة إلى أنّه مشتغل أيضاً بتحصيل علوم أهل البيت ( عليهم السلام ) منذ عشر سنوات تقريباً .

(104) محمّد داود مساكا( سنّي / أوغندا )

الصورة

D21

ولد سنة 1382 ه‍ ( 1963 م ) في مدينة مينكو التابعة للعاصمة كمبالا ، ونشأ في أسرة مسلمة شافعية المذهب ، يحمل شهادة الإعدادية ، وهو يجيد اللغة الأوغندية بالإضافة إلى اللغة السواحلية ، واللغة العربية ، واللغة الإنجليزية .

درس في الحوزة العلمية بمدينة قم بعد استبصاره ، حيث أكمل مرحلة السطح ، وحضر البحث الخارج لمدّة سنتين . يعمل مرشداً للشؤون الدينية في مركز أهل البيت الإسلامي الثقافي الواقع في العاصمة كمبالا .

تأثّره بأتباع مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

التقى عام 1405 ه‍ ( 1985 م ) وفي مدينة جينجا الأوغندية بعدد من المؤمنين الموالين لأهل البيت ( عليهم السلام ) الذين زاروا أوغندا بقصد تأسيس مؤسسة إسلامية ، فتأثّر بهم ، وعرف منهم واقع أئمة أهل بيت الرسول المعصومين ( عليهم السلام ) ، الذين أمر الله الأمّة بالتمسّك بهم دون غيرهم .

سافر بعد ذلك إلى كينيا للدراسة في مدرسة النجاح الإسلاميّة في مدينة لاموا ، حيث درس فيها لفترة قصيرة ، ثمّ سافر مرّة أخرى لطلب العلم ، وكانت وجهته هذه المرة جمهورية إيران الإسلاميّة حيث درس في الحوزة العلمية في قم المقدّسة ، ليتخصّص في العلوم الإسلاميّة ، ولينهل من علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين آمن بهم كهداة وقادة وأئمة ، عينهم الرسول لقيادة الأمة .

كما اطلع « محمّد داود » على العديد من الكتب التي تبحث في هذا المجال كالمراجعات ، والنص والاجتهاد للعلاّمة شرف الدين ، وغيرها من كتب العلماء الآخرين .

عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) :

قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1)وهو إخبار منه تعالى بعصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهم الرسول محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والإمام عليّ وفاطمة الزهراء والحسن والحسين ( عليهم السلام ) حسب ما ورد في حديث الكساء (2)، الذي رواه العديد من الصحابة كواثلة بن الأسقع ، وأم سلمة ، وعائشة وعبد الله بن عباس ، وأبو سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص ، وأنس بن مالك ، وغيرهم .

وقد استشهد بالآية الشريفة الإمام الحسن ( عليه السلام ) على المنبر (3)، كما استشهد بها الإمام علي بن الحسين ( عليه السلام ) في الشام (4).

وقد بيّن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المقصود من الآية الشريفة بطريقة أخرى بوقوفه عدّة أشهر بعد نزولها على باب دار علي وفاطمة في كل وقت صلاة وهو يقرأ : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (5)، وقد ذكر ذلك ابن عباس ، وأبو برزة الأسلمي وأنس بن مالك ، وغيرهم (6)، فهذه الآية ، وما ورد عن


1) الأحزاب (33) : 33 .

2) صحيح مسلم 7 : 130 ، المستدرك على الصحيحين 2 : 416 و 3 : 147 ، سنن البيهقي 2 : 149 - 152 ، مسند أحمد 1 : 330 ، 4 : 107 و 6 : 306 ، مجمع الزوائد 9 : 167 و 169 ، المستدرك على الصحيحين 3 : 172 ، مجمع الزوائد 9 : 146 و 172 ، تفسير الطبري ، آية التطهير ، الدر المنثور : تفسير آية التطهير ، مجمع الزوائد 9 : 169 ، مسند أحمد 3 : 252 .

3) المستدرك على الصحيحين 3 : 172 ، مجمع الزوائد 9 : 146 و 172 .

4) تفسير الطبري 12 : 22 ، آية التطهير .

5) الأحزاب (33) : 33 .

6) الدر المنثور : تفسير آية التطهير ، مجمع الزوائد 9 : 169 ، مسند أحمد 3 : 252 .

رسول الله في شأن نزولها كافية لاثبات عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

ومن يلاحظ الواقع العملي ، والسيرة النورانية لأهل البيت ( عليهم السلام ) لا يجد إلاّ الحق والصواب رغم أنّ التاريخ والسيرة كتبا من قبل اتباع مدرسة الخلفاء ، والذين كان يهمهم جلب رضا الخلفاء عنهم ، كما أنّ الخلفاء كانوا يسعون لإطفاء نور أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وقطع ميل المسلمين لهم حفاظاً على كراسيهم ، فأمروا بلعن الإمام علي ( عليه السلام ) على المنابر ، وقتلوا شيعته وشردوهم .

إنّ عصمة أهل البيت ( عليهم السلام ) أمر مبرهن عليه بالآيات والروايات والتاريخ المعتبر لدى المسلمين كما تقدّم ، وغيره كثير ، وهذه العصمة هي التي أهّلتهم لقيادة المسلمين بالاصطفاء الإلهي .

سبب تغيير انتمائه المذهبي :

وجد « محمّد داود » بعد الاعتقاد بعصمة أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) بأنّهم المصدر الوحيد الذي يمكن الوثوق به في تلقّي ما جاء به الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فلهذا تمسّك بهدى أهل البيت ( عليهم السلام ) والتحق بركبهم ، ثمّ اندفع لبيان الحقيقة التي توصّل إليها إلى أسرته وأصدقائه .

(105) محمّد مرشد مُسانا( شافعي / أوغندا )

الصورة

D22

ولد عام 1393 مه‍ ( 1974 م ) في أوغندا بمدينة « دجينجا » ، ونشأ في أسرة تنتمي إلى المذهب الشافعي ، واصل دراسته حتّى حصل على شهادة الدبلوم فرع المحاسبة ، كما درس عند أحد الشيوخ لمدّة ثلاث سنوات مبادئ وتعاليم الدين وفق المذهب الشافعي .

يقول « محمّد مرشد » : افتتحت مدرسة باسم مدرسة « التوحيد » ، وكان يُدرّس فيها وفق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فإنتميت إليها ، وأكملت دراستي فيها .

وكانت ثمرة دراستي في هذه المدرسة أنّني اطلعت على حقائق كثيرة لم أطلّع عليها من قبل . ثمّ واصلت دراستي ، وذهبت إلى مركز « دجينجا » ودرست أربع سنوات أخرى ، وكان معظم اهتمامي في هذه الفترة هو دراسة تاريخ وعقائد المسلمين .

حقائق تفاجأت عند اكتشافها :

يقول « محمّد مرشد » : توصّلت من خلال دراستي المعمّقة للتاريخ الإسلامي أنّ علماءنا قد أخفوا علينا الكثير من الحوادث التاريخية التي وقعت في صدر الإسلام ، ولم ينقلوا إلينا الكثير من الصراعات التي بين الصحابة بذريعة الحفاظ على عدالة الصحابة ، وعدم المساس بقدسيتهم . ولكنني عرفت بعد ذلك أنّ الصحابة اقتتلوا فيما بينهم ، وسفك بعضهم دم الآخر ، وارتكب البعض منهم

الموبقات والمحرمات ، وخالف بعضهم الظواهر الدينية بجرأة .

كما أنّني لاحظت تضارب المسلمين في عقائدهم مع أنّ مصدر الدين واحد والنبيّ واحد . فتوصّلت خلال البحث إلى هذه النتيجة بأنّ الكثير من الخلافات التي وقعت بين المسلمين مصدر هذا الهوى والتعصب والجهل والمصالح الدنيوية .

ومن هذا المنطلق توجهّت نحو استخلاص التراث الإسلامي لتنقيته من الشوائب التي علقت به ، ومن أجل الوصول إلى الإسلام الأصيل الذي جاء به رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فكانت النتيجة أنّني توصّلت إلى أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أودع الشريعة الإسلاميّة من بعده عند أهل بيته ; لأنّهم أشخاص اصطفاهم الله تعالى وجعلهم ذّريّة بعضها من بعض لتحفظ دينه من التحريف ، وتكون الملجأ بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لأخذ الدين الصحيح منهم .

ومن هذا المنطلق وجد « محمّد مرشد » نفسه يقترب يوماً بعد آخر من أصول ومبادئ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فبادر بعدها بدراسة جادة لمعرفة عقائد المذهب الشيعي ، وكانت من جملة الكتب التي طالعها « محمّد مرشد » بدقّة من أجل التعرّف على العقائد الشيعية هو كتاب عقائد الإمامية للعلامة محمّد رضا المظفر .

ومن خلال هذا الكتاب تعرّف « محمّد مرشد » على عقائد الشيعة ، ثمّ قارنها مع عقائد المذهب السني ، فتوصّل إلى نقاء عقائد الشيعة نتيجة اعتمادها على أقوال أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) المعصومين ، ووجد التضارب والتناقض في عقائد أهل السنّة نتيجة مراعاتها لمطامع الحكومات السائدة من قبيل بني أُميّة وبني العبّاس .

فالشيعة تثبت الاختيار في الأفعال البشرية ، ولكن أهل السنّة تميل إلى الجبر ، ويجد الباحث بأنّ الميل إلى الجبر في المذهب السني ليس إلاّ نتيجة رغبة دولة بني أُميّة في سلب الإرادة من الناس ; لئلا تثور بوجهها ، ولتخضع لها بذريعة

أن حكومة بني أُميّة من قضاء الله وقدره ، وأنّها من مشيئة الله وإرادته ، والمعارض لها في الواقع معارض لإرادة الله ومشيئته تعالى .

والأمر الآخر يجد المتتبع لأحاديث رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تأكيده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على التمسّك بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، ولكن أهل السنّة ابتعدت عن أهل البيت ( عليهم السلام ) نتيجة تأثّرها بالحكومات الجائرة التي كانت تعتقد بأنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) يشكّلون خطراً لسلطنتهم وحكومتهم .

إعلانه للتشيع :

وجد « محمّد مرشد » بعد البحث بأنّ حصيلة بحثه تدعوه إلى التمسّك بهدي أهل البيت ( عليهم السلام ) ولم يجد بُداً سوى ترك معتقداته الموروثة ، والاتجاه نحو مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فأعلن استبصاره ، وبدأ يبيّن للآخرين أسباب استبصاره .

ويقول « محمّد مرشد » : أحمد الله كثيراً على إهتدائي للمذهب الحقّ ، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، كما تشيّع الكثير من أصدقائي بفضل الله ورحمته الواسعة التي شملتني وشملتهم ، وهدتنا إلى الطريق الصحيح المستقيم الذي ينجو من اتبعه ن ويهوى من حاد عنه .

مضايقات بعد الاستبصار :

يقول « محمّد مرشد » : واجهت بعد الاستبصار وخلال تبليغي بعض المتاعب والمشاكلّ نتيجة جهل البعض وتعصّبهم ضدّ الشيعة والتشيّع ، ولكنني صبرت على أذاهم وصمدت إزاء جميع التيارات المضادة ; لأنّني كنت أعلم بأنّ هؤلاء ضحية الإعلام الخاطئ ، وأنّ وظيفتي أن أبيّن لهم الحقّ ، وأكشف لهم بعض الحقائق الغائبة عنهم ، فلهذا واصلت الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة ، وبالتدريج لانت قلوب الكثير ، وبدؤوا يتفهّمون ما أطرحه عليهم من أصول الدين والعقائد الحقّة .

مواصلة البحث والدراسة

يضيف « محمّد مرشد » : لم أكتف بهذا الجهد فقط ، بل قررت الهجرة إلى إحدى الحوزات العلمية الكبيرة للدراسة بصورة تخصّصية ، واكتساب المزيد من العلم لانذار أبناء بلدي الذين يحتاجون إلى الكثير من التبليغ الواعي لإنقاذهم من الغفلة .

مؤلّفاته :

« لماذا هذه التهم » مخطوط .

وهو كتاب ردّ فيه على التهم الموجّهة إلى الشيعة في مسألة الإمامة والخلافة والمتعة والبناء على القبور والتوسّل والتبرّك وبعض المسائل الأخرى .

(106) مرشد يوسف مُسنا( سنّي / أوغندا )

ولد عام 1394 ه‍ ( 1975 م ) في أوغندا ، ثمّ تدرّج بالدراسة حتّى تخرّج من المدارس الثانوية ، ثمّ توجّه إلى دراسة العلوم الدينية .

منطلق الاستبصار :

كان للأخ « مرشد يوسف مُسنا » نشاط تبليغي جيّد في منطقته ، وكان محبوباً وموثوقاً به عند أبناء تلك المنطقة .

وكانت من خصائص « مرشد يوسف » الرغبة في الاستزادة العلمية ، وارتقاء مستواه الثقافي عن طريق مطالعة الكتب - لا سيما الدينية - ، ولهذا كان يقرأ كلّ كتاب يقع بيده !

وذات يوم دخل « مرشد يوسف » إحدى المكتبات ، وأخذ يتجوّل فيها ، فوقع بصره على كتب للدكتور التيجاني السماوي ، منها كتاب « ثمّ اهتديت » ، وكتاب « لأكون مع الصادقين » وكتاب « فاسألوا أهل الذكر » ، فتصفّح هذه الكتب في ذلك المقام ، فرآها تشير إلى أمور تاريخية - ترتبط بتاريخ صدر الإسلام - ، لم يسمع بها من قبل ، فاستغرب من هذا الأمر ، وأخذ الكتب ، وعكف في البيت على مطالعتها ، ثمّ قرّر التوجّه نحو البحث لكي يتأكد من صحّة ما جاء في هذه الكتب .

وبعد فترة وجيزة من البحث تجلّت الحقائق له ، وعرف بأنّ مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) هو المذهب الحقّ ، فأعلن استبصاره واعتناقه لهذا المذهب ، ثمّ شرع في محاضراته التبليغية تبيين الحقائق للناس ، ليأخذ بأيديهم إلى الهدى ، وينتشلهم من الضلال الذي اتبعوه نتيجة تقليدهم الأعمى لمّا كان عليه الآباء .

أسباب استبصاره :

كتب « مرشد يوسف » مقالاً ذكر فيه حصيلة ما توصّل إليه خلال بحثه العلمي ، والذي دفعه أخيراً إلى الاستبصار ، وأرسل هذا المقال إلى مركز الأبحاث العقائدية وإليك فيما يلي هذا المقال :

الإمامة والخلافة :

بسم الله الرحمن الرحيم

لقد رحل النبيّ الأكرم محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مطلع العام الحادي عشر الهجري بعد أن اجتهد طوال 23 سنة في إبلاغ الشريعة الإسلاميّة .

ومع رحيل النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) انقطع الوحي ، وانتهت النبوة ، فلمِ يكن نبيّ بعده ولا شريعة بعد شريعته ، إلاّ أنّ الوظائف والتكاليف التي كانت على عاتق النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) « ما عدا مسألة تلقّي الوحي وإبلاغه » لم تنته حتماً .

ولهذا كان يجب أن يكون بعد وفاته شخصية واعية وصالحة تواصل القيام بتلك الوظائف والمهام ، وتقود المسلمين ، ويكون لهم إمامٌ خلافة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

إنّ مسألة ضرورة وجود خليفة للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) موضع اتفاق بين المسلمين ، وان اختلف الشيعة والسنّة في بعض صفات ذلك الخليفة وطريقة تعيينه .

فلا بدّ في البداية من توضيح معنى « الشيعة » و « المتشيع » وتاريخ نشأته

وظهوره ، ليتسنّى بعد ذلك البحث في المسائل المتعلقة بالإمامة والخلافة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

الشيعة لغة واصطلاحاً :

الشيعة في اللغة بمعنى التابع ، وفي الاصطلاح تطلق هذه اللفظة أو التسمية على فريق من المسلمين ، يعتقدون بأنّ قيادة الأمّة الإسلاميّة بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هي من حقّ الإمام عليّ ( عليه السلام ) وأبنائه المعصومين .

وقد تحدّث النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الأكرم أيام حياته عن فضائل الإمام عليّ ( عليه السلام ) ومناقبه ، وكذا عن قيادته وزعامته للأمّة الإسلاميّة من بعده مراراً وفي مناسبات مختلفة ، بشهادة التاريخ المدوّن .

إنّ هذه التوصيات والتأكيدات تسبّبت - كما تحدّثنا الأحاديث الموثّقة - في أن يلتفّ فريق من الصحابة حول الإمام عليّ ( عليه السلام ) في حياة النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتحبّه قلوبهم فعرفت بشيعة عليّ ( عليه السلام ) ولقد بقيت هذه الثلّة من الصحابة على ولائها واعتقادها السابق بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دون أن تؤثّر المصالح الفرديّة على تنصيب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ووصيّتهُ في مجال الخلافة وقيادة الأمة من بعده .

وهكذا سمّيت جماعة من المسلمين في عصر رسول الله ، وبعد حياته الشريفة ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالشيعة ، وقد صرّح بهذا جماعة من المؤلّفين في الملل والنحل .

فالنوبختي « المتوفّى 310 ه‍ » يكتب قائلاً : الشيعة هم أتباع عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) المسمّون بشيعة عليّ ( عليه السلام ) في زمان النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبعده ، معروفون بانقطاعهم إليه ، والقول بإمامته (1).

وقال أبو الحسن الأشعري : وانّما قيل لهم « شيعة » لأنّهم شايعوا عليّاً ، ويقدّمونه على سائر أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (2).


1) فرق الشيعة : 17 .

2) مقالات الإسلاميين : 5 .

وقال الشهرستاني : « الشيعة هم الذين شايعوا عليّاً على الخصوص ، وقالوا بإمامته وخلافته نصّاً ووصيّة (1).

وعلى هذا الأساس فليس للشيعة تاريخ غير تاريخ الإسلام ، وليس به مبدأ ظهور غير مبدأ ظهور الإسلام نفسه ، وفي الحقيقة إنّ الإسلام والتشيّع وجهان لعُملة واحدة وهما حقيقة واحدة ، وقد ذكر المحدّثون والمؤرخون أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دعا في السنوات الأولى من دعوته بني هاشم وجمعهم في بيته ، وأعلن فيهم عن خلافة عليّ ووصيته « في ما يسمّى بحديث بدء الدعوة أو يوم الدار » (2)، وأعلن عن ذلك للناس فيما بعد مكرّراً ، وفي مناسبات مختلفة ومواقف متعدّدة ، وبخاصة في يوم الغدير الذي طرح فيه خلافة عليّ ( عليه السلام ) بصورة رسميّة وأخذ البيعة من الناس له وسيوافيك تفصيله .

إنّ التشيُّع ليس وليد حوادث السقيفة ، ولا فتنة مصرع عثمان وغيرها من الأساطير ، بل انّ النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو الذي بذر بذرة التشيّع لأوّل مرّة ، وغرس غرستها في قلوب الصحابة بتعاليمه السماوية المكرّرة .

ونَمت تلك الغرسة فيما بعد شيئاً فشيئاً ، وعرف صحابة كبارٌ كأبي ذرّ ، وسلمان ، والمقداد ، باسم الشيعة .

وقد ذكر المفسّرون في تفسير قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ) (3).

قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) « هم عليّ وشيعته » (4).

على انّه لا تسع هذه الرسالة المختصرة بذكر أسماء الشيعة الأوائل من


1) الملل والنحل : 1 : 146 .

2) راجع تاريخ الطبري : 2 : 62 - 64 .

3) البينة (98) : 7 .

4) شواهد التنزيل 2 : 466 ، وانظر الدر المنثور 6 : 379 سورة البينّة .

الصّحابة ، والتابعين الذين اعتقدوا بخلافة الإمام عليّ ( عليه السلام ) للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بصورة مباشرة وبلا فصل .

إنّ التّشيع بالمفهوم المذكور هو الوجه المشترك بين جميع الشيعة في العالم ، والذين يشكّلون قسماً عظيما عن مسلمي العالم .

ولقد كان للشيعة جنباً إلى جنب مع سائر المذاهب الإسلاميّة وعلى مدى التاريخ الإسلامي إسهام عظيم في نشر الإسلام ، وقدّموا شخصيات علميّة وأدبيّة وسياسيّة جدّ عظيمة إلى المجتمع البشري ، ولهم حضور فاعل في أكثر نقاط العالم الراهن أيضاً .

إنّ مسألة « الإمامة » كما سنثبت ذلك من خلال الأصول القادمة كانت مسألة إلهيّة ، وسماويّة ، ولهذا كان من الإسلام أن يتمّ تعيينُ خليفة النبيّ كذلك عبر الوصية الإلهية إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويقوم النبيّ بإبلاغه إلى الناس .

وقبل أن نعمد إلى استعراض وبيان الأدلّة النقليّة والشرعيّة في هذا المجال ، نستعرض حكم العقل في هذه الحالة ، آخذين بنظر الاعتبار ظروف تلك الفترة أي فترة ما قبل وما بعد رحيل النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وملابساتها .

إنّ العقل البديهيّ يحكم بأنّ أي إنسان مصلح إذا استطاع من خلال جهود مضنية دامت سنوات عديدة ، من تنفيذ أطروحة اجتماعيّة خاصة له ، وابتكر طريقة جديدة للمجتمع البشريّ فإنّه لا بدّ من أن يفكّر في وسيلة مؤثرة للإبقاء على تلك الأطروحة ، وضمان استمرارها ، بل رشدها ، ونموّها أيضاً ، وليس من الحكمة أن يؤسس شخص ما بناءً عظيماً . متحمّلاً في ذلك السبيل متاعب كثيرة ، ولكن لا يفكرّ فيما يقيه من الأخطار ، ولا ينصب أحداً لصيانته والعناية به ، من بعده .

إنّ النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو أكبر شخصية عالمية في تاريخ البشرية ، قد أوجد

• بما أتى من شريعة - أرضيّة مساعدة لتحوّل إلهيّ عالمي كبير ، ومهّد لقيام حضارة حديثة ، وفريدة .

هذه الشخصيّة العظيمة ، التي طرحت على البشرية شريعة خالدة ، وقادت المجتمع البشريّ في عصره وأيّام حياته ، من المسلّم انّه فكّر لحفظ شريعته من الأخطار والآفات المحتملة التي تهدّدها في المستقبل ، وكذا لهداية أمّته وإدارتها ، وبيّن صيغة القيادة من بعده ، وذلك لأنّه من غير المعقول أن يؤسس هذا النبيّ الحكيم قواعد شريعة خالدة أبديّة ، دون أن يطرح صيغة قويّة لقيادتها من بعده ، يضمن بها بقاء تلك الشريعة .

إنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي لم يأل جهداً في بيان أصغر ما تحتاج إليه سعادة البشرية ، كيف يعقل أن يسكت في مجال قيادة المجتمع الإسلاميّ ويترك المسلمين حيارى مهملين ، لا يعرفون واجبهم في هذا الصعيد ؟ !

وعلى هذا الأساس لا يمكن مطلقاً القبول بالزّعم القائل بأنّ النبيّ الأكرم أغمض عينيه عن الحياة دون أن ينبس ببنت شفة في مجال قيادة الأمّة .

تعيين الإمام والخليفة في أحاديث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

والآن وبعد أن ثبت أنّ حكمة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلمه كان يقتضيان بأن يتخذ موقفاً مناسباً في مجال القيادة الإسلاميّة من بعده ، فلنرى ماذا كان الموقف الذي اتخذه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هذا الصعيد ؟

هناك نظريّتان في هذا المجال ندرجهما هنا ، ونعمد إلى مناقشتهما :

النظرية الأولى : أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اختار بأمر الله تعالى شخصاً صالحاً لقيادة الأمّة الإسلاميّة ونصبه لخلافته ، وأخبر الناس بذلك .

النظرية الثانية : انّ النبيّ أوكلّ اختيار القائد والخليفة من بعده إلى النّاس أنفسهم ، لينتخبوا - هم بأنفسهم - شخصاً لهذا المنصب .

والآن يجب أن نرى أيّ واحدة من النظريتين تستفاد من الكتاب والسنّة والتاريخ ؟

إنّ الإمعان في حياة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) منذ أن كلّف بتبليغ شريعته إلى أقربائه وعشيرته ، ثمّ الإعلان عن دعوته إلى الناس كافّة ، يفيد أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سلك طريق « التنصيص » في مسألة القيادة ، والخلافة ، مراراً ، دون طريق « الانتخاب الشعبيّ » وهذا الموضوع نثبته من خلال الأمور التالية :

1 - حديث يوم الدار :

بعد أن مضت ثلاث سنوات على اليوم الذي بعث فيه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كلّفه الله تعالى بأن يبلّغ رسالته لأبناء قبيلته ، وذلك عندما نزل قوله عزّ وجلّ : ( وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأْقْرَبِينَ ) (1).

فجمع النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) رؤوس بني هاشم ، وقال : « يا بني عبد المطلب إنّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به ، إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه ، فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر يكون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي فيكم » .

ولقد كرّر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) العبارة الأخيرة ثلاث مرّات ، ولم يقم في كلّ تلك المرّات إلاّ الإمام عليّ ( عليه السلام ) الذّي أعلن عن استعداده في كلّ مرّة لمؤازرة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ونصرته ، وفي المرّة الثالثة قال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) « إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا » (2).


1) الشعراء (26) : 214 .

2) تاريخ الطبري : 2 : 63 جامع البيان « تفسير الطبري » 19 : 149 ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي 13 : 211 ، كنز العمال 13 : 114 ، تفسير ابن كثير 3 : 364 .

2 - حديث المنزلة :

لقد اعتبر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) منزلة « عليّ ( عليه السلام ) » منه على قرار منزلة هارون من موسى ( عليه السلام ) ، ولم يستثني من منازل ومراتب هارون من موسى إلاّ النبوّة حيث قال : « يا عليّ أمّا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي » (1)وهذا النفي والسلب هو في الحقيقة من باب « السالبة بإنتفاءِ الموضوع » . إذ لم تكن بعد رسول الله الخاتم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نبوّة حتّى يكون عليّ نبيّاً من بعده إذ بنبوة رسول الإسلام ختمت النبوات وبشريعته ختمت الشرائع ولقد كان لهارون - بنصّ القرآن الكريم - مقام « النبوة » (2)و « الخلافة » (3)و « الوزارة » (4)في زمان موسى ، فقد أثبت حديث « المنزلة » جميع هذا المناصب الثابتة لهارون للإمام عليّ ( عليه السلام ) ما عدا النبوّة على أنّه إذا لم يكن المقصود من هذا الحديث هو اثبات جميع المناصب والمقامات لعليّ إلاّ النبوة ، لم يكن أية حاجة إلى استثناء النبوّة .

3 - حديث السفينة :

لقد شبّه النبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أهل بيته بسفينة نوح التي من ركبها نجا ، ومن تخلفّ عنها غرق وهوى ، كما قال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق » (5).

ونحن نعلم أنّ سفينة « نوح » كانت هي الملجأ الوحيد لنجاة الناس من


1) صحيح البخاري : 5 : 129 ، باب غزوة تبوك ، وانظر 4 : 208 ، باب مناقب المهاجرين ، صحيح مسلم : 7 : 120 ، 121 ، سنن ابن ماجة 1 : 43 ، مسند أحمد 1 : 173 ، 175 ، 177 ، 179 ، 182 ، 185 .

2) ( وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا ) مريم (19) : 53 .

3) ( وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي ) الأعراف (7) : 142 .

4) ( وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي ) طه (20) : 29 .

5) انظر مستدرك الحاكم 3 : 151 مجمع الزوائد 9 : 168 ، المعجم الأوسط 4 : 10 ، الجامع الصغير للسيوطي 1 : 373 .

الطوفان في ذلك الوقت .

وعلى هذا الأساس فإنّ أهل البيت النبويّ وفقاً لحديث السفينة هم الملجأ الوحيد للأمّة للنجاة من الحوادث العصيبة والوقائع الخطيرة التي طالمّا تؤدّي إلى انجراف البشرية وضلالها .

4 - حديث « أمان الأمة » :

لقد وصف النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أهل بيته بكونهم سببا لوحدة المسلمين ، وممّا يوجب ابتعادهم عن الاختلاف والتشتّت وأماناً من الغرق في بحر الفتنة ، إذ قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق وأهل بيتي أمانٌ من الاختلاف ، فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس » (1).

ولهذا شبّه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أهل بيته الكرام بالنجوم التي يقول عنها الله سبحانه : ( وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) (2).

5 - حديث الثقلين :

إنّ حديث الثقلين من الأحاديث الإسلاميّة المتواترة ، التي نقلها ورواها علماء الفريقين في كتبهم الحديثية .

فقد خاطب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الأمة الإسلاميّة قائلاً : « إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إنّ تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » (3).


1) مستدرك الحاكم 3 : 149 .

2) النحل (16) : 16 .

3) انظر صحيح مسلم 7 : 122 ، سنن الترمذي 5 : 328 ، سنن الدارمي 2 : 432 ، مسند أحمد 3 : 14 ، 17 ، 26 ، 59 وج 4 : 52 ، 366 و 371 ، وج 5 : 182 و 189 ، فضائل الصحابة للنسائي ص 15 ، مستدرك الحاكم 3 : 109 ، 148 و 533 ، وغيرها . ويمكن مراجعة رسالة « حديث الثقلين » من منشورات دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة القاهرة ، مطبعة مخيمر ، في هذا المجال أيضاً .

إنّ هذا الحديث ، يثبت بوضوح المرجعيّة العلمية لأهل البيت النبوي جنباً إلى جنب مع القرآن الكريم ويلزم المسلمين بأن يتمسّكوا في الأُمور الدينيّة بأهل البيت ( عليهم السلام ) إلى جانب القرآن الكريم ، ويلتمسوا رأيهم .

ما هي وظائف الإمام بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

أثرنا في مطلع بحث الإمامة إلى أنّ خليفة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والإمام انّما هو في نظر المسلمين من يقوم بوظائف رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) « ما عدا تلقيّ الوحي والاتيان بالشريعة » ونورد هنا أبرز هذه الوظائف لتتبيّن مكانة الإمامة ، وأهميتها بصورة أوضح .

ألف - تبيين مفاهيم القرآن الكريم ، وحلّ معضلاته ، وبيان مقاصده ، وهذا هو من أبرز وظائف النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويقول عنها القرآن الكريم : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) (1).

ب - بيان الأحكام الشرعيّة ، فقد كان هذا العمل من وظائف النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيث كان يقوم بذلك عن طريق تلاوة الآيات المتضمّنة للأحكام حيناً ، وعن طريق السنّة حيناً آخر .

ثمّ إنّ بيان الأحكام من جانب النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تمّ بصورة تدريجية ، ومتزامناً مع وقوع حوادث جديدة ، وظهور احتياجات حديثه في حياة الأمّة ، ومثل هذا الأمر يقتضي بطبيعته أن تستمر هذه الوظيفة ، لعدم انحصار الحاجات بما حدث في عصره .

ج - إنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) محوراً للحق ، وكان بتعليقاته ، يمنع من تطرق أيّ انحراف ، وتسرّب أيّ إعوجاج في عقائد الأمّة ولهذا لم يحدث أيّ تفرق عقائدي ، وأي تشتت مذهبيّ في عصره أولم يكن هناك أرضية لظهور ذلك .


1) النحل (16) : 44 .

د - الإجابة على الأسئلة الدينيّة والاعتقادية ، فقد كان هذا العمل هو الآخر من وظائف النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الهامّة .

ه‍ - إقامة القسط والعدل والأمن العام الشامل في المجتمع الإسلاميّ ، وظيفة أخرى من وظائف النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

و - حفظ الثغور ، والحدود ، والثروة الإسلاميّة اتجاه الأعداء هو أيضاً من مسؤوليات النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ووظائفه .

إنّ الوظيفتين الأخيرتين وان أمكن القيام بهما من قبل الخليفة الذي تختاره الأمّة ، لكن من المسلّم والقطعيّ أنّ القيام بالوظائف السابقة دون بيان مفاهيم القرآن الكريم الخفيّة ، الغامضة ، وبيان أحكام الشّرع و . . . و . . .

يحتاج إلى قائد واع خبير يكون موضع عناية الله الخاصة ، كما يكون في علمه صنو النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ونظيره ، أي أن يكون حاملاً للعلوم النبوّية ، ومصوناً من كلّ خطأ وزلل ، ومعصوماً من كلّ ذنب وخطل ; ليستطيع القيام بالوظائف الجسيمة المذكورة ، وليملأ الفراغ الذي أحدثه غياب النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بسبب وفاته ، في الظروف الزاخرة بالأحداث الحلوة والمرّة ، وبالوقائع الحرجة .

إنّ من البديهيّ أنّ تشخيص مثل هذا الشخص ، والمعرفة به لإيكال منصب القيادة إليه ، خارجُ عن حدود علم الأمّة ونطاق معرفتها ، ولا يمكن أن يتمّ بغير رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبالأمر الإلهيّ وتعيينهما إيّاه .

ومن الواضح أيضاً أنّ تحقّق الأهداف المذكورة يكون مع حماية النّاس ، واستجابتهم وإطاعتهم للقائد المعيّن ، بواسطة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومجرّد التعيين الإلهيّ والنصّ النبويّ على الخليفة لا يكفي لتحقّق الأهداف والوظائف السالفة . « إذ لا رأى لمن لا يطاع » .

وهذا جاز حتّى في القرآن الكريم والنبيّ الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نفسه ، فإنّهما ما لم يطاعا لا تتحقق أهدافهما .

إنّ الحوادث السلبيّة ، وتشتّت كلمة المسلمين الذي حدث بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يكن بسبب انّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يقم بوظيفته الحكيمة « والعياذ بالله » ، ولا لأجل انّه عرض على المسلمين أطروحة ناقصة ، بل حدث ما حدث من المشاكلّ الأليمة بسبب أنّ بعض أفراد الأمّة رجّحوا نظرهم على نظر النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقدّموا مصالحهم الشخصية على تنصيص الله ورسول وتعيينهما .

ولم يكن هذا هو المورد الوحيد الذي حدثت فيه مثل هذه الواقعة في التاريخ ، بل لذلك نظائر عديدة في تاريخ الإسلام (1).


1) راجع كتاب « النص والاجتهاد » تأليف العلاّمة السيّد عبد الحسين شرف الدين العاملي .

(107) يوسف زبير سرنجوجي( شافعي / أوغندا )

الصورة

D23

ولد عام 1389 ه‍ ( 1970 م ) في أوغندا بمدينة « كانكيسا » ، واصل دراسته الأكاديمية حتّى المرحلة الثانوية ، ثمّ توجّه نحو الدراسة الدينية ، فأصبح بعدها إمام مسجد منطقته .

منطلق تحوّله المذهبي :

يقول « يوسف زبير » عندما أكملت الدراسة في المرحلة الابتدائية ، التحقت بمدرسة أهل البيت ( عليهم السلام ) في مدينة جينجا ، وكانت هذه المدرسة شيعية ، وكان أساتذة هذه المدرسة يبيّنون للطلبة بين الحين والآخر بعض الحقائق التاريخية ، ومن جملتها الاختلافات التي وقعت بين المسلمين بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حول الخلافة الإسلاميّة .

وبمرور الزمان وبعد إجتيازي مرحلة النضج وإستلامي مهمّة إمامة جماعة مسجد منطقتنا ، وإتجاهي نحو البحث والتحقيق أحببت التثبت ممّا ذكروه لنا هؤلاء الأساتذة ، فخصّصت بعض الوقت للبحث حول الاختلافات التي وقعت بين المسلمين حول مسألة الخلافة الإسلامية .

وبعد البحث تعرّفت على حقائق دفعتني إلى التخلّي عن عقائدي الموروثة ، والاتجاه نحو عقائد مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ومن ذلك الحين عرفت سمو مقام أهل

البيت ( عليهم السلام ) عند الله تعالى ، وعرفت المظلومية التي واجهوها بعد وفاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . فاتخذت القرار باعتناق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فأعلنت بعد ذلك استبصاري ، ثمّ تصدّيت لمهمّة التدريس والتبليغ ، وإمامة الجماعة في جامعة « غولو » الواقعة في شمال أوغندا .

تأثّره بأخلاق أهل البيت ( عليهم السلام ) :

يقول يوسف زبير : إنّ من جملة الكتب التي تأثّرت بها في استبصاري كتاب « أخلاق أهل البيت ( عليهم السلام ) » « للسيد مهدي الصدر » .

وقد جاء في هذا الكتاب : « إنّ علم الأخلاق هو العلم الباحث في محاسن الأخلاق ومساوئها ، والحثّ على التحلّي بالأولى والتخلّي عن الثانية .

ويحتل هذا العلم مكانة مرموقة ، ومحلاً رفيعاً بين العلوم ، لشرف موضوعه وسموّ غايته .

فهو نظامها ، وواسطة عقدها ، ورمز فضائلها ، ومظهر جمالها ، إذ العلوم بأسرها منوطة بالخلق الكريم ، تزدان بجماله ، وتحلو بآدابه ، فإن خلت منه غدت هزيلة شوهاء ، تشير السخط والتقزر .

ولا بدع فالأخلاق الفاضلة هي التي تحقّق في الإنسان معاني الإنسانية الرفيعة ، وتحيطه بهالة وضّاءة من الجمال والكمال ، وشرف النفس والضمير ، وسموّ العزة والكرامة ، كما تمسخه الأخلاق الذميمة ، وتحطّه إلى سويّ الهمج والوحش » (1).

اختلاف المناهج الأخلاقيّة :

« تختلف مناهج الأبحاث الخلقية وأساليبها باختلاف المعنيّين بدراستها من القدامى والمحدثين : بين متزمّت غال في فلسفته الخلقية ، يجعلها جافّة مرهقة


1) أخلاق أهل البيت ( عليهم السلام ) السيّد مهدي الصدر : 5 - 6 .

عسيرة التطبيق والتنفيذ ، وبين متحكّم فيها بأهوائه ، يرسمها كما اقتضت تقاليده الخاصة ، ومحيطه المحدود ، ونزعاته وطباعه ، ممّا يجرّدها من صفة الأصالة والكمال ، وهذا ما يجعل تلك المناهج مختلفة متباينة ، لا تصلح أن تكون دستوراً أخلاقياً خالداً للبشرية » (1).

أفضل المناهج الأخلاقية :

« الملحوظ للباحث المقارن بين تلك المناهج أنّ أفضلها وأكملها هو : النهج الإسلامي ، المستمد من القرآن الكريم ، وأخلاق أهل البيت ( عليهم السلام ) الذي ازدان بالقصد والاعتدال ، وأصالة المبدأ ، وسمو الغاية ، وحكمة التوجيه ، وحسن الملائمة لمختلف العصور والأفكار .

وهو النهج الفريد الأمثل الذي يستطيع بفضل خصائصه وميزاته أن يسمو بالناس فرداً ومجتمعاً ، نحو التكامل الخلقي ، والمثل الأخلاقية العليا ، بأسلوب شيّق محبّب ، يستهوي العقول والقلوب ، ويحقق لهم ذلك بأقرب وقت ، وأيسر طريق .

هو منهج يمثّل سمو آداب الوحي الإلهي ، وبلاغة أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وحكمتهم ، وهم يسيرون على ضوئه ، ويستلهمون مفاهيمه ، ويستقون من معينه ، ليحيلوها إلى الناس حكمة بالغة ، وأدباً رفيعاً ، ودروساً أخلاقية فذّة ، تشعّ بنورها وظهورها على النفس ، فتزكّيها وتنيرها بمفاهيمها الخيّرة وتوجيهها الهادف البنّاء » (2)» .

نماذج من أخلاق أهل البيت ( عليهم السلام ) :

اطلّع « يوسف زبير » على أحاديث أهل البيت ( عليهم السلام ) حول المفاهيم


1) أخلاق أهل البيت ( عليهم السلام ) السيّد مهدي الصدر : 6 .

2) المصدر السابق : 6 - 7 .

الأخلاقية ، وتجسّد هذه المفاهيم في سلوكهم ، فانبهر بعظمة كلامهم وسمو أخلاقهم .

وكان من جملة المواقف التي جسّد فيها أهل البيت ( عليهم السلام ) الأخلاق :

1 - حسن الخلق : ورد أنّه وقف على عليّ بن الحسين ( عليه السلام ) رجل من أهل بيته فأسمعه وشتمه ، فلم يكلّمه ، فلمّا انصرف قال لجلسائه : قد سمعتم ما قال هذا الرجل ، وأنا أحب أن تبلغوا معي إليه حتّى تسمعوا ردّي عليه .

قال : فقالوا له : نفعل ، ولقد كنا نحبّ أن تقول له ونقول ، قال فأخذ نعليه ومشى وهو يقول : ( وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) فعلمنا أنّه لا يقول له شيئاً ، قال : فخرج حتّى أتى منزل الرجل ، فصرخ به ، فقال : قولوا له : هذا عليّ بن الحسين قال : فخرج إلينا متوثّباً للشر ، وهو لا يشكّ أنّه إنّما جاءه مكافئاً له على بعض ما كان منه .

فقال له عليّ بن الحسين ( عليه السلام ) : « يا أخي ، إنّك كنت قد وقفت عليّ آنفاً ، وقلت .

فإن كنت قلت ما فيّ ، فاستغفر الله منه » .

وإنّ كنت قلت ما ليس في ، فغفر الله لك .

قال : فقبّله الرجل ما بين عينيه ، وقال : بل قلت فيك ما ليس فيك ، وأنا أحقّ به (1).

2 - الحلم وكظم الغيظ : ورد أنّ شاميّاً رأى الإمام الحسن ( عليه السلام ) راكباً ، فجعل يلعنه ! والحسن لا يرد ، فلمّا فرغ ، أقبل الحسن ( عليه السلام ) ، فسلّم عليه ، وضحك .

فقال : أيّها الشيخ ، أظنّك غريباً ، ولعلّك شبّهت .

فلو استعتبتنا أعتبناك .

ولو سألتنا أعطيناك .

ولو استرشدتنا أرشدناك .


1) إرشاد المفيد 2 : 145 ، بحار الأنوار ، العلاّمة المجلسي : 11 : 17 .

ولو استحملتنا أحملناك .

وإن كنت جائعاً أشبعناك .

وإن كنت عرياناً كسوناك .

وإن كنت محتاجاً أغنيناك .

وإن كنت طريداً آويناك

وإن كانت لك حاجة قضيناها لك .

فلو حرّكت رحالك إلينا ، وكنت ضيفاً إلى وقت ارتحالك ، كان أعود عليك ، لأنّ لنا موضعاً رحباً ، وجاهاً عريضاً ، ومالاً كثيراً .

فلمّا سمع الرجل كلامه بكى ، ثمّ قال : أشهد أنك خليفة الله في أرضه ، الله أعلم حيث يجعل رسالته ، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ ، والآن أنت أحبُّ خلق الله إليّ ، وحوّل رحله إليه ، وكان ضيفه إلى أن ارتحل وصار معتقداً لمحبتّهم (1).

3 - التواضع : قال ضرار حول الإمام عليّ ( عليه السلام ) : « كان فينا كأحدنا ، يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، وينبئنا إذا استنبأناه ، ونحن والله مع تقريبه إيانا ، وقربه منا ، لا نكاد نكلّمه هيبة له ، فإن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ، ويقرّب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله » (2).

وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « خرج أمير المؤمنين صلوات الله عليه على أصحابه ، وهو راكب فمشوا معه ، فالتفت إليهم فقال : ألكم حاجة ؟

فقالوا : لا يا أمير المؤمنين ، ولكنّا نحب أن نمشي معك .


1) مناقب آل أبي طالب 3 : 184 ، بحار الأنوار العلاّمة المجلسي 9 : 95 .

2) انظر : شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 18 : 225 ، تاريخ مدينة دمشق 24 : 401 ، أمالي الشيخ الصدوق : 724 ، كنز الفوائد للكراجكي : 270 .

فقال لهم : انصرفوا ، فإن مشي الماشي مع الراكب ، مفسدة للراكب ومذّلة للماشي » (1).

4 - القناعة : كتب المنصور العباسي إلى أبي عبد الله الصادق ( عليه السلام ) : لِمَ لا تغشانا كما يغشانا ساير الناس ؟

فأجابه : ليس لنا ما نخافك من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له .

ولا أنت في نعمة فنهنيك بها ، ولا تراها نقمة فنعزيّك بها ، فما نصنع عندك ؟

فكتب المنصور : تصحبنا لتنصحنا .

فأجاب ( عليه السلام ) « من أراد الدنيا لا ينصحك ومن أراد الآخرة لا يصحبك » (2).

5 - خشية الله تعالى : ورد في مناجاة الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) : « ومالي لا أبكي ! ولا أدري إلى ما يكون مصيري ، وأرى نفسي تخادعني ، وأيامي تخاتلني ، وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت .

فمالي لا أبكي !

أبكي لخروج نفسي .

أبكي لظلمة قبري .

أبكي لضيق لحدي .

أبكي لسؤال منكر ونكير إيّاي .

أبكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلاً ، حاملاً ثقلي على ظهري ، أنظر مرّة عن يميني ، وأخرى عن شمالي ، إذ الخلائق في شأن غير شأني ( لِكُلِّ امْرِئ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذ مُّسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ


1) المحاسن للبرقي 2 : 629 ، الكافي 6 : 540 .

2) كشف الغمة 2 : 427 .

عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ) (1)(2).

التحوّل المذهبي :

وجد « يوسف زبير » بعد اطلاعه على علوم ومعارف وأخلاق أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وبعد اطلاعه على النصوص الواردة عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حول تنصيبهم للإمامة الإلهية ، بأنّ الأدلة والبراهين تحتّم عليه التحوّل المذهبي ، والتخلّي عن مذهبه الذي تلقّاه من منطلق التقليد الأعمى من آبائه ، والاتجاه نحو مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ولهذا اتّخذ « يوسف زبير » قراره النهائي وأعلن استبصاره ، واعتناقه لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وحاول البعض ممن حوله أن يرجعوه إلى مذهبه السابق عن طريق الاستهزاء به وشتمه ومحاربته نفسياً ، ولكنّه صمد أمام جميع هذه المضايقات ، وبدأ بنشر الحقائق التي توصّل إليها ، وكان منطلق دعوته لزوجته وأولاده ، فلم تمض فترة إلاّ واستبصر هؤلاء على يديه .

وتعرّف « يوسف زبير » ذات يوم على شخص مسيحي ، فدعاه إلى الإسلام ، وبيّن له علوم ومعارف أهل البيت ( عليهم السلام ) فانجذب ذلك الشخص المسيحي نحو هذه العلوم والمعارف ، وتوجّه نحو البحث حتّى استبصر .

كما استبصر مجموعة أشخاص آخرين أيضاً على يد « يوسف زبير » نتيجة الجهود المكثفة التي بذلها في نشر مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وهو لا يزال مستمراً في كشف الحقائق للآخرين ودعوتهم إلى الحقّ وتقريبهم إلى مذهب التشيّع على رغم بعض العراقيل التي يضعها البعض من المخالفين في طريقه .

وقد وطنّ « يوسف زبير » نفسه لتحمّل كافة المشاكلّ في هذا السير ; لأنّه


1) عبس : (80) : 37 - 41 .

2) مصباح المتهجّد : 591 ، الصحيفة السجادية : 226 ( أبطحي ) .

يعلم بأنّ أهل البيت ( عليهم السلام ) تحملّوا ما تحمّلوا في سبيل نشرهم للحق ، والماضي على سبيلهم أيضاً ينبغي أن يتحلّى بالصبر ، وسيعينه الله تعالى في هذه الدنيا ، ويساعده ويجعله في كنف رحمته ، ثمّ يخلّده بعد الممات في جنانه ، ويجعله من السعداء والفائزين ، وهذه تجارة مربحة يسّرها الله تعالى للذين يتعاملون معه ، ويبيعون أنفسهم وأموالهم لتكون لهم الجنة ، وقد قال تعالى : ( إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ ) (1).


1) التوبة (9) : 111 .

(108) إبراهيم بن محمّد الثقفي( زيدي / إيران )

عاش في القرن الثالث الهجري حيث توفي سنة 283 ه‍ ، كان زيدياً ، ثمّ انتقل إلى مذهب الإمامية الاثني عشرية ، أصله من الكوفة ، ثمّ انتقل إلى إصفهان ، وأقام بها ، وكان سبب خروجه من الكوفة أنّه ألفّ كتاب المعرفة ، وفيه المناقب المشهورة والمثالب ، فاستعظمه الكوفيون ، وأشاروا عليه أن يترك هذا الكتاب ولا ينشره ، فقال : أي البلاد أبعد من الشيعة ، فقالوا : إصفهان ، فحلف : لا أروي هذا الكتاب إلاّ بها ، فانتقل إليها ورواه بها ثقة منه بصحة ما رواه فيه .

ويقال : إنّ القميين كأحمد بن محمّد بن خالد وغيره وفدوا عليه إلى إصفهان وسألوه الانتقال إلى قم فأبى .

كان من العلماء المصنّفين ، وهو صاحب كتاب الغارات المعروف ، الذي أعتمده الأصحاب .

مؤلفاته :

له مصنفات كثيرة منها :

(1) المغازي ، (2) السقيفة ، (3) الردة ، (4) مقتل عثمان ، (5) الشورى ، (6) بيعة أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، (7) الجمل ، (8) صفين ، (9) الحكمين ، (10) النهروان ، (11) الغارات ، (12) مقتل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، (13) رسائل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وأخباره وحروبه ، (14) قيام الحسن بن عليّ ( عليه السلام ) ، (15) مقتل الحسين ( عليه السلام ) ،

(16) التوابين وعين الوردة ، (17) أخبار المختار ، (18) فدك ، (19) الحجة في فضل المكرمين ، (20) السرائر ، (21) المودّة في ذوي القربى ، (22) المعرفة ، (23) الحوض والشفاعة ، (24) الجامع الكبير في الفقه ، (25) الجامع الصغير ، (26) ما أُنزل من القرآن في أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، (27) فضل الكوفة ومن نزلها من الصحابة ، (28) كتاب في الإمامة كبير ، (29) كتاب في الإمامة صغير ، (30) كتاب المتعتين ، (31) الجنائز ، (32) الوصية ، (33) كتاب المبتدأ ، (34) أخبار عمر ، (35) أخبار عثمان ، (36) الدار ، (37) الأحداث ، (38) الحروب ، (39) الأسفار والغارات ، (40) السير ، (41) أخبار يزيد ، (42) أخبار ابن الزبير ، (43) التفسير ، (44) التاريخ ، (45) الرؤيا ، (46) الأشربة الكبير ، (47) الأشربة الصغير ، (48) زيد وأخباره ، (49) محمّد وإبراهيم ، (50) مَن قُتل مِن آل محمّد ، (51) الخطب المعرّبات ، (52) كتاب معرفة فضل الأفضل ، (53) كتاب الدلائل (1).


1) أعيان الشيعة 2 : 209 - 210 .

(109) إحسان الله برتوي( بهائي / إيران )

ولد لأبوين بهائيين ، نشأ وترعرع في جو حافل بالبهائية ، تربّى على عاداتهم وتقاليدهم ، وصار حاله حال الكثير من البهائيين الذين لا يعرفون إلاّ القليل عن حقيقة دينهم ، وهذه هي طبيعة الفرق القائمة على التقليد الموروث التي تعوّد أتباعها على عدم السؤال ، والتأملّ في العقائد والأفكار خوفاً من نور العلم والحقيقة ، وحتّى لا تنكشف سوآتها ، ولا تنقشع ظلماتها ; لأنّ ميدان الباطل هو الظلام والجهل .

في إحدى اللقاآت قابل « إحسان الله » أحد المؤمنين الذين تنوّرت أفكارهم بمصابيحُ الحقيقة ، فبين له بعض الحقائق عن البهائية ، وزيف عقائدهم ، ثمّ بيّن له قوة العقائد الإسلاميّة وعقلانيّتها ، لا سيّما الإسلام المتمثّل بخطّ أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وعلى أثر هذا اللقاء قام « إحسان الله » بمراجعة موروثه العقائدي ، وأساسيّات دين البهائية ، فوجده ديناً مزيفاً ، مبتنياً على عبادة أشخاص حكمتهم شهواتهم ، وقادتهم رغباتهم ونزواتهم ، فلأجل ذلك تبرّأ منهم وترك دينهم ، متجهّاً نحو البحث عن الدين الذي يتماشى مع الفطرة السليمة والعقل ، فوجد الإسلام - وبالخصوص مذهب الشيعة - هو الفانون الإلهي الحري بالاتباع .

اعتنق « إحسان الله » الدين الإسلامي عن بصيرة ويقين ، لكنّه لم يكتف إلى

هذا الحد ، بل عمل جادّاً من منطلق إحساسه بالمسؤلية اتجاه أبناء مجتمعه - أتباع البهائية - ومن منطلق المبدأ الإسلامي القائل : « أحبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك » على هداية الآخرين وتخليصهم من الظلمات والجهل ، وذلك ببيان عقائد البهائية الباطلة ، وبيان العقائد الإسلاميّة الحنيفة ، كلّ ذلك من خلال المنطق والدليل والبرهان ، وبالفعل فقد وفقه الله تعالى إلى هداية (86) بهائياً خلال (18) عاماً من التبليغ .

يقول « إحسان الله » في إحدى رسائله للجمعية الإسلاميّة في طهران : « لا بد وأنتم تعلمون أنّ من يهدي الله على يديه رجلاً واحداً كيف يبلغ به الشعف والسرور في تلك الحالة .

إنّي أحد أعضاء الجمعيّة الإسلاميّة ، وقد اهتديت على أثر دعوة أحد أعضاء هذه الجمعيّة الإسلاميّة ، وهو الدكتور « غلام رضا فني » وقد مكنني الله تعالى طيلة (18) عاماً أن أجلب قلوب (86) بهائياً إلى الإسلام ، وأحوّلهم من طريقة مزيّفة مزعومة تدعى « البابية والبهائية » إلى طريق الحقّ وصراط الإسلام » ثمّ يضيف قائلا : « إخواني الأعزاء ، الدعوة إلى الحقّ وظيفة كلّ فرد من المسلمين على شريطة أن يحقق جيداً ، هذا أوّلاً ، وثانياً : أن يتفهّم معتقداته بصورة صحيحة ، ثمّ يحاول مكافحة اللا دينيّة ، وهذا أمر بسيط جدّاً ، حيث إنّي ولدت لأبوين بهائيين ، وترعرعت في محيط حافل بالبهائية ، ولكن في لقاء واحد مع أحد المخلصين تجلّت الحقيقة لدي ، وتمكّنت من إبراز تلك الحقيقة التي توصّلت إليها ، فهدى الله تعالى بها الكثير .

إخواني انهضوا لحماية القرآن والإسلام ، فإنّ الله سيؤيّدكم وستنالون التوفيق .

أهم عقائد البهائية وأساسها :

تأسّست الفرقة البهائية على يد الميرزا « حسين عليّ » الملقّب ببهاء الله لذلك سموّا أتباعه بهائيّة .

كان لهذا الرجل الكثير من الدعوات الباطلة والمزيّفة التي تعكس شراسة نفسه المنهومة في حبّ الدنيا ، والجاه ، والتسلّط ، حاله حال أيّ إنسان غلبت شهوته عقله ، ونزوته لُبّه ، فسلّم زمام أمره إلى الشيطان ، فأصبح في ظلمات ليس بخارج منها .

نعرض أهم دعاوى ، وعقائد هذا الرجل التي هي أساس عقائد البهائيّة ، وسيرى القارئ تخبّطه ، أكاذيبه ، فهو بعد أن كان يعتقد بنفسه أنّه خليفة أستاذه « عليّ محمّد الشيرازي » الملقب بالباب ، أصبح - فيما بعد - نبياً مرسلاً تجب طاعته ، ثمّ صار إلهاً تجب عبادته ، فهو في تطوّر مستمر وتكامل دائم ! !

البهاء وخلافة الباب :

بعد أن توفي « عليّ محمّد » وهو مؤسّس البابية ، أوصى بأنّ الذي يخلفه هو « يحيى نور » وهو الأخ الأكبر « لحسين عليّ بهاء الله » ولكن رفض الأخير الوصيّة فيما بعد ، وادّعى أنّ الوصاية في الحقيقة له ، لذلك فقد نشبت بين الأخوين عداوات وصراعات دامية .

فأوّل دعوة ابتدأ بها « حسين عليّ البهاء » هي ادعاؤه أنّه الخليفة الشرعي للباب .

البهاء ودعوة النبوة :

بعد أن تمكّن « حسين عليّ بهاء » من دعوة الخلافة ، وأصبح الزعيم المطلق للبابيّة ، وجد مجرد هذا المقام لا يفي بغرضه ، ولا يحقق أُمنياته الشيطانية ، فإلى

متى يبقى متقيداً بتعاليم أستاذه بل إلهه (1)إلى متى تبقى آراء غيره تأمره وتنهاه ؟

لذا أملى عليه هواه أن يدّعي ما ادّعاه أستاذه ومعلّمه في أوّل أمره ، فادّعى أنّه نبي ، مرسل صاحب كتاب وشريعة نسخت ما قبلها .

قال في كتابه الأقدس : « قل يا ملأ البيان لا تقتلوني بسيوف الاعراض تالله كنت نائما أيقظني يد إرادة ربكم الرحمن وأمرني بالنداء بين الأرض والسماء ليس هذا من عندي لو أنتم تعرفون » .

وغير هذا من العبارات الكثيرة التي دلت على ادعائه هذا ، وكذا أفعاله ، وتصرفاته كلها تثبت هذا الأمر وهذا الادعاء .

البهاء ودعوة الإلهية :

لم يكتف « البهاء » بدعوى النبوة ، بل رفضت نفسه أن تنقاد حتّى لله تعالى هذه هي طبيعة النفوس المريضة التي سخّرها الشيطان لتكون في خدمته على الدوام ، فادعى أنّه هو الإله الذي تجب طاعته ، وعبادته ، وهو الذي أرسل الرسل لهداية البشر .

قال في كتابه المبين وهو في السجن : « لا إله إلاّ أنا المسجون الفريد » .

وقال : « قد افتخر هواء السجن بما صعد إليه نفس الله لو كنتم من العارفين » .

وقال : « إنّ الذي خلق العالم لنفسه منعوه أن ينظر إلى أحد من أحبّائه إنّ هذا إلاّ ظلم مبين » .

وقال : « إنّ الذي عمّر الدنيا لنفسه قد سكن في أخرب البلاد بما اكتسب أيدي الظالمين » (2).


1) أستاذه هو على محمّد الشيرازي الملقّب بالباب ، مؤسّس البابية ، ، فإنّه ادّعى النيابة عن الإمام المهدي عجل الله فرجه ثمّ ادعى المهدوية ثمّ ادعى النبوة والرسالة ، ثمّ ادعى الألوهية .

2) انظر كتاب : البابية والبهائية لمحمد إشتهاردي ، وكتاب قصّة الباب والبهاء لمصطفى حسيني ، وكتاب البهائية تاريخها وعقائدها عبد الرحمن الوكيل ، وكتاب البابيون والبهائيون للدكتور همايون همتي ، وكتاب البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم للسيد عبد الرزاق الحسني ، وكتاب البهائية في الميزان للسيد القزويني ، وكتاب نصائح الهدى والدين إلى من كان مسلماً وصار بابياً للشيخ البلاغي ، وكتاب البابية والبهائية لأحمد بن حجر ، وكتاب كشف الحيل لعبد الحسين آيتي .

هذه عقائد « حسين عليّ البهاء » التي انطلق منها ، وأسّس عليها عقائده الأخرى ، وهذه العقائد - وكما ترى - بدرجة من الوضوح بحيث يكفي وضوحها لإثبات بطلانها وبيان زيفها وغاية مبتدعها ، فقد جمعت المحذورات من تناقض ، وتضاد ، وتهافت ، وكأنّما النيابة ، والنبوة ، والألوهية ، مراتب متسلسلة يمكن طيّها والوصول إلى أعلاها ! !

فعندما وقف « إحسان الله » على حقيقة ، وأساس عقائد البهائية ، وجد نفسه يعبد إنساناً مثله ، يأكلّ ويشرب ، يصح ويمرض ، ولا يستطيع أن يدفع السوء والبلاء عن نفسه ، ولا يستطيع أن يخرج من سجنه ، أو يرى أحبّته ، والأبشع من هذا كلّه أنّ الإله قد مات ودفن .

عندما علم « إحسان الله » مدى زيف وبطلان هذه الفرقة وانحرافها ، وغاية مؤسسها . تبرأ منهم ، وترك دينهم ، وعمل جاداً على فضحهم ، وتخليص الأبرياء من حبائل مكرهم وخداعهم ، وقد وفّقه الله تعالى لهداية الكثير ممّن أحبّ الحقيقة ، واتّخذ الطريق الصحيح لمعرفتها .

(110) أنوشيروان المجوسي الإصفهاني( مجوسي / إيران )

عاش أنوشيروان في القرن السادس الهجري ، كان صاحب منزلة ومقام عند « خوارزم شاه » حاكم مدينة خوارزم المتوفي سنة ( 551 ه‍ ) ، كان « أنوشيروان » يؤمن بالمجوسية ، لكنّه تحوّل واعتنق الإسلام ديناً والتشيّع مذهباً بعدما رأى من الإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ثامن أئمة الشيعة ، كرامة ومنقبة بأن شافاه من المرض الخبيث الذي أصابه ، فصار شيعياً موالياً لأهل البيت ( عليهم السلام ) .

قصّة استبصاره :

يحدّثنا ابن حمزة عن قصّة استبصار « أنوشيروان » في كتابه الثاقب في المناقت - عند سرده لفضائل الإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ، قال : وأعجب من جميع ما ذكرناه ، ما شاهدناه في زماننا ، وهو أنّ أنوشيروان المجوسي الإصفهاني ، كان بمنزلة عند خوارزم شاه ، فأرسله رسولاً إلى حضرة السلطان سنجر بن ملك شاه ، وكان به برص فاحش ، وكان يهاب أن يدخل على السلطان ، لما قد عرف من نفور الطبائع منه ، فلمّا وصل إلى حضرة الرضا ( عليه السلام ) بطوس ، قال له بعض الناس : لو دخلت قبّته ، وزرته ، وتضرّعت حول قبره ، وتشفّعت به إلى الله سبحانه وتعالى ، لأجابك إليه ، وزال عنك ذلك .

فقال : إني رجل ذمّي ، ولعلّ خدم المشهد يمنعوني من الدخول في حضرته ، فقيل له : غيّر زيّك ، وأدخلها من حيث لا يطلّع على حالك أحد ، ففعل ، واستجار

بقبره ، وتضرّع بالدعاء ، وابتهل ، وجعله وسيلة إلى الله سبحانه وتعالى ، فلمّا خرج ، نظر إلى يده ، فلم ير فيها أثر البرص ، ثمّ نزع ثوبه ، وتفقّد بدنه ، فلم يجد به أثراً ، فغشي عليه ، وأسلم ، وحسن إسلامه ، وقد جعل للقبر شبه صندوق من الفضّة وأنفق عليه مالاً ، وهذا مشهور شائع رآه خلق كثير من أهل خراسان » (1).

الدعاء والتوسّل بأهل البيت ( عليهم السلام ) :

الدعاء هو القناة التي شرّعها الله تعالى للتوصّل إليه ، والباب الذي فتحه لكافّة عباده ، حتّى ينالوا المواهب الإلهية والألطاف الرحمانية ، باب مفتوح باستمرار ، لا يحدّه زمان ولا مكان ، هديّة ورحمة من ربّ غفور كريم .

الدعاء عبادة كباقي العبادات ، له شروط وآداب معيّنة ، لا بدّ للداعي أن يراعيها ، حتّى ينال مراده ، ويحقّق مرامه ، وقد ذكرت للدعاء شروط وآداب .

من أهم تلك الشروط ، والتي تؤثّر كثيراً في استجابة الدعاء : أن يجعل العبد بينه وبين الله « عزّ اسمه » واسطة لها وجاهة ومقام عنده تعالى ، وتلك الواسطة هم الأنبياء والأوصياء والأولياء ، الذين حازوا على المراتب ، ونالوا أسمى المناصب ، بما تحمّلوه من أذى في طريق بيان الحقيقة والعقيدة ، في طريق هداية البشر وتخليصهم من الظلمات والتيه .

وهذه حقيقة حدّثنا عنها القرآن الكريم في عدّة مواضع ، قال تعالى - ذامّاً للذين يرفضون أن يستغفر لهم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) - ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ ) (2)، وقد بيّنت لنا آية أخرى بأنّ الذين يستغفرون ويستغفر لهم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يتوب الله عليهم ويرحمهم ، قال تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ


1) الثاقب في المناقب : 205 .

2) المنافقون (63) : 5 .

الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً ) (1)، وفي أمر إخوة يوسف ( عليه السلام ) ، فإنّهم بعد اعترافهم الذنب ، علموا أنّهم مرفوضون عند الله تعالى ، وأنّ دعائهم واستغفارهم غير مقبول طلبوا من أبيهم أن يتوسّط لهم عند الله تعالى ، ويستغفر لهم ، عسى الله انّ يرحمهم ويتجاوز عن سيئاتهم ( قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ * قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (2).

وجاء في المعجم الكبير للطبراني : إنّ عثمان بن حنيف ، قال لرجل - كانت عنده حاجة - : ( إئت الميضأة فتوضأ ، ثمّ إئت المسجد ، فصل فيه ركعتين ، ثمّ قل : ( اللّهم إني أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمّد نبي الرحمة ، يا محمّد ، إنّي أتوجّه بك إلى ربّي ، فتقضي لي حاجتي ) ، ففعل الرجل ذلك وقضيت حاجته (3).

يعكس لنا هذا النص مدى عمق ورسوخ هذه العقيدة والحقيقة في أذهان المسلمين ، ومدى الاعتماد عليها والوثوق بها ، والعمل على طبقها .

وهذه المنزلة وهذا المقام غير منحصر بأفراد معيّنين ، بل هو لكل من أخلص عمله لله تعالى وصبر واستقام على طريق الحقيقة ، وواجه المصاعب بقلب مطمئن ، ولا يكون ذلك إلاّ لمن لم يَر لنفسه شيئاً في قبال الله تعالى ، لمن أيقن أن كلّ ما عنده منه تعالى ، فكان حبّه وبغضه في الله ، وأقواله وأفعاله لله ، وكيانه ووجوده لله ، فجازاه الله على ذلك أحسن جزاء المحسنين ، وأصبح ناجياً من النار متنعماً بنعم الجنّة ، ومنجياً لغيره بإذن الله تبارك وتعالى .

وعلى رأس الأولياء الذين حازوا هذه الرتب ، الأنبياء والأوصياء ، وزبدة الأنبياء وفخرهم الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسيّد الأوصياء وعزّهم الإمام عليّ ( عليه السلام ) وأولاده الأئمّة ( عليهم السلام ) أهل البيت الذين انتشرت فضائلهم في كلّ مكان ، وجرت على


1) النساء (4) : 64 .

2) يوسف (12) : 97 - 98 .

3) المعجم الكبير للطبراني 9 : 18 .

كلّ لسان ، وحدّث بها ونقلها الموافق والمخالف ، حتّى أُلّفت الكتب والموسوعات في فضائلهم ومناقبهم وكراماتهم ، ومقامهم الشامخ ومنزلتهم الرفيعة عند الله تعالى ، من قبل من شايعهم وتابعهم ومن غير شيعتهم ومواليهم .

من الكتب التي ألّفها علماء السنّة في فضائل ومناقب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

1 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت ( عليهم السلام ) ، للحاكم الحسكاني .

2 - الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمة ( عليهم السلام ) ، لعلي بن محمّد بن أحمد المالكي المعروف بابن الصبّاغ .

3 - نزول القرآن في مناقب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لأبي نعيم الحافظ الإصفهاني .

4 - المناقب ، لابن المغازلي .

5 - فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لموفق بن أحمد أخطب خوارزم الحنفي .

6 - ينابيع المودّة لذوي القربى ، لسليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي .

وغيرها من الكتب التي وصلت إلينا ، أمّا التي لم تصل إلاّ عنوانها فكثيرة جدّاً .

ولكثرة ما ألّف عنهم ( عليهم السلام ) وكُتِبَ في فضائلهم ، ومناقبهم ، وشرح أحوالهم ، وبيان تواريخهم ، جمع الشيخ عبد الجبّار الرفاعي معجماً موسوعياً لخصوص الكتب المؤلّفة عنهم ( عليهم السلام ) ، أسماه ( معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت ( عليهم السلام ) ) في أحد عشر مجلداً .

أمّا الكتب التي ذكرت أبواباً في فضائلهم ، أو فصولا من مناقبهم وكراماتهم ، فكثيرة جدّاً ، يصعب إحصاؤها أو جمعها .

ففضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) ومناقبهم وكراماتهم مشهورة من قبل جميع الفرق والطوائف ، ومنزلتهم ومقاماتهم عند الله تعالى واضحة للجميع ، ولا يكابر ولا يعاند

في ذلك إلاّ مريض أعمت العصبية عينه وأغلقت الجاهلية نوافذ فكره ، فأصبح يعيش في متاهات مظلمة بعيدة عن النور والحقيقة .

الإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) :

هو الإمام الثامن من أهل البيت ( عليهم السلام ) من أئمّة الشيعة ، وهو ابن الإمام موسى الكاظم ، ابن الإمام جعفر الصادق ، ابن الإمام محمّد الباقر ، ابن الإمام عليّ السجاد ، ابن الإمام الحسين الشهيد ، ابن الإمام عليّ بن أبي طالب ( عليهم السلام ) وابن فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) ابنة رسول الله محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

الكلام عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) بطبيعته صعب جدّاً ; لأنّ الكلام عنه كلام من بحر تتلاطم أمواجه ، ويصعب أو لا يمكن الغور في أعماقه ، فماذا نريد أن نقول عنه ( عليه السلام ) وهو العالم الرباني ، وحيد دهره وفريد عصره ، حكيم متألّه ، عابد متنسّك ، سياسي محنك قيادي مدبّر ، الكلام عنه كلام عن الفضائل والمناقب ، عن الكرامات والمحاسن ، عن الإمامة والقيادة ، عن الرياسة والريادة ، كلام عن الدين عن الإسلام ، عن الحقيقة والاستقامة ، وقد امتلأت الكتب من فضائله ، وذكر مناقبه ، والاستشهاد بعلومه واحتجاجاته ( عليه السلام ) .

قال ابن الأثير في كتاب جامع الأصول - عند ذكر الإمام الرضا ( عليهم السلام ) - : « إليه انتهت إمامة الشيعة في زمانه ، وفضائله أكثر من أن تحصى ، عليه رحمة الله ورضوانه » (1).

من فضائل الإمام الرضا ( عليه السلام ) :

نذكر فضيلتين من فضائله ( عليه السلام ) على سبيل المثال ، وإلاّ فكراماته ( عليه السلام ) لا تحصى :

الفضيلة الأولى : ما نقله ابن حجر في الصواعق المحرقة ، قال روى الحاكم


1) جامع الأصول 13 : 466 [ 1913 ] .

عن محمّد بن عيسى عن أبي حبيب ، قال : « رأيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في المنام في المنزل الذي ينزل الحجّاج ببلدنا ، فسلّمت عليه ، فوجدت عنده طبقاً من خوص المدينة فيه تمر صيحاني ، فناولني منه ثماني عشرة ، فتأوّلت أن أعيش عدّتها ، فلمّا كان بعد عشرين يوماً قدم أبو الحسن عليّ الرضا من المدينة ، ونزل ذلك المسجد ، وهرع الناس بالسلام إليه ، فمضيت نحوه ، فإذا هو جالس في الموضع الذي رأيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جالساً فيه ، وبين يديه طبق من خوص المدينة ، فيه تمر صيحاني ، فسلّمت عليه ، فاستدناني ، وناولني قبضة من ذلك التمر ، فإذا عدّتها بعدد ما ناولني النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في النوم ، فقلت : زدني ، فقال : لو زادك رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لزدناك » (1).

الفضيلة الثانية : عن ابن حبان ، قال في كتاب الثقات - وابن حبان من كبار علماء السنّة وثقاتهم ، وكتابه الثقات من الكتب المعروفة في الأوساط العلمية - قال : « ما حملّت بي شدّة في وقت مقامي بطوس ، فزرت قبر عليّ بن موسى الرضا ( صلوات الله على جدّه وعليه ) ، ودعوت الله بإزالتها عنّي إلاّ استجيب لي ، وزالت عنّي تلك الشدّة ، وهذا شيء جرّبته مراراً ، فوجدته كذلك ، أماتنا الله على محبّة المصطفى وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم أجمعين » (2).

فبركات الإمام الرضا ( عليه السلام ) وعطاياه ، لم تنحصر على الشيعة ، بل شملت غيرهم من باقي الطوائف الإسلاميّة ، وحتّى غير الإسلاميّة ، والشاهد الأوضح على هذه الحقيقة « أنوشيروان المجوسي » فعندما طلب من الإمام الرضا ( عليه السلام ) - صادقاً حاجته أعطاه ( عليه السلام ) ما يريد ، وأبلغه منيته ، وحقّق طلبته ، وشافاه من مرضه الخبيث ، بإذن الله تعالى .

فعندما رأى « أنوشيروان » ذلك من الإمام الرضا ( عليه السلام ) علم أنّ هذا الإنسان له منزلة وكرامة عند الخالق العظيم ، لا يردّ دعاء من استجار به ، وتقضى حاجة من


1) الصواعق المحرقة 2 : 594 .

2) الثقات 5 : 325 [ 2392 ] .

لاذ بقبره ، عندها تفتحت نوافذ فكره ، واستيقظت جنود عقله ، فراح متفكّرا متدبّراً : بأنّ من كان هذا مقامه ، وهذه منزلته من الربّ المعبود ، فلا بد وأن تكون عقيدته صدق ، وطريقه حقّ ، وإلاّ لمّا نال هذه المرتبة السامية ، وهذه الرفعة العظيمة .

وعندما استيقن « أنوشيروان » بهذا واطمأنّ به قلبه ، بعد أن حكم به عقله ، اعتنق الإسلام ديناً له والتشيّع مذهباً ، فأصبح مسلماً ، شيعياً ، موالياً ، عارفاً بحق الإمام ومقامه ، ومنزلته ، معلناً ذلك للجميع بلا شكّ ولا أدنى تردّد ، وقد قدّم بعض الخدمات للضريح المطهّر ، فأنشأ صندوقا خيرياً يوفر مستلزمات واحتياجات الروضة المطهّرة ، هذا غير ما أنفقه من أموال على الضريح المقدّس .

(111) جلال الدين محمّد بن أسعد الدواني الصديقي( أشعري / إيران )

ولد « محمّد الدواني » في العقد الثالث من القرن التاسع ، في قرية « دوان » التابعة لمدينة « كارون » إحدى نواحي محافظة فارس الإيرانية ، ويعود نسبه إلى محمّد بن أبي بكر ابن الخليفة الأوّل .

نشأ وترعرع في أحضان والده ، فأخذ منه رؤآه وأفكاره ، وتربّى في تلك البيئة التي أملت عليه المعتقدات السائدة فيها ، فأصبح سنّياً أشعرياً .

وقد اختلفت المصادر في تاريخ وفاته ، ولكن تبيّن الشواهد والقرائن أنّه توفّي سنة 908 ه‍ .

لم يحصر « الدواني » نفسه وعقله في دائرة المعارف والعقائد المحدودة التي أخذها عن أبيه ، أو التي تعلّمها في قريته ، بل هاجر إلى العديد من البلدان كي يتعرّف على علمائها ، فيتكامل ويأخذ ممّا عندهم من معارف وعلوم ، فسافر إلى مدن كثيرة ، منها : شيراز ، وتبريز ، ومناطق مختلفة من البلاد العربية .

أساتذته :

أخذ « محمّد الدواني » عن أساتذة كثيرين منهم : ملاّ محيي الدين الأنصاري ، وهمام الدين صاحب شرح الطوالع ، وحسن البقال ، وغيرهم .

تلامذته :

صار « محمّد الدواني » في مدّة قليلة صاحب فضل وكمال ، وأصبح أستاذاً

معروفاً ، تتلمذ على يده طلبة كثيرون منهم : إسماعيل التبريزي ، وأسعد الحقّ اليزدي ، وكمال الدين الحسين بن شرف الدين ، والقاضي الحسين بن معين الدين ، وكمال الدين عبد الصمد البغدادي ، وغيرهم .

مؤلّفاته :

خلّف « الدواني » للمكتبة الإسلامية - بعد عمر تجاوز الثمانين تراثاً ضخماً ، تجاوز الثمانين مؤلّف ، بين كتاب وحاشية وشرح ورسالة ، منها : رسالة في إثبات الواجب ، الحاشية القديمة على شرح التجريد ، الحاشية الجديدة على شرح التجريد ، شرح الهياكلّ ، حاشية تهذيب المنطق ، إنموذج العلوم ، ورسالة في تعريف علم الكلام ، تفسير بعض السور والآيات ، الأخلاق الجلالية ، رسالة في الجبر والاختيار ، حاشية حكمة العين ، وغيرها .

فكان فيلسوفاً ، متكّلماً ، منطقياً ، حكيماً ، مفسّراً ، خلوقاً ، فقد حاز على الرتبة العالية في مختلف العلوم ، فكان صاحب نظرية ورؤية ، وصاحب نقد وإشكال ، وصاحب شرح وبيان .

قصّة استبصاره :

تعمّق « محمّد الدواني » في المسائل العقلية والفلسفية ، فصار أحد فرسان ميدانها الواسع ، بل أحد مجدّديها ، وألّف كتباً ورسائل كثيرة في هذا المجال ، حتّى صار صاحب مدرسة من أبرز المدارس في القرن التاسع الهجري ، لها مبانيها وإبداعاتها وابتكاراتها الخاصّة بها .

أعلن « الدواني » استبصاره وتشيّعه بعد أن كتب الحاشية الثانية على شرح التجريد للقوشجي ، فإنّه بعد أن طرح مطالب دقيقة وأفاض فيها أنواعاً من المعارف العميقة ، من كلام ومنطق وفلسفة ، قال : إنّ جدّي الصديق - أبا بكر - لو كان حيّاً لمّا فهم شيئاً من هذه الغوامض العلمية ، والدقائق الحكمية ، والمطالب

العالية الإسلاميّة ، ومن كان شأنه ذلك ، فكيف يحق أن يكون خليفة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإماماً في ديني ؟ !

عندها رجع « الدواني » إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، معتنقاً له ، مؤمناً به ، مستبصراً بشأن عترة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبمقامهم العلمي والتكويني .

ثمّ ألّف رسالة سمّاها « نور الهداية » أعلن فيها تشيّعه واعتناقه لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ومن أراد أن يرى تعمّق الدواني ودقّته ، ويتذوّق حلاوة استدلاله وفلسفته فلينظر في كتبه ورسائله الكثيرة التي خلفها يراعه الفذ (1).

نذكر على سبيل المثال بعض استدلالاته على إثبات وجود الله تعالى - حتّى لا يفوت القارئ لمس برهان الدواني ودقّته - ، قال في رسالة إثبات الواجب الجديدة :

إنّ النظر في مفهوم الموجود يعطي أنّه لا يمكن تحقّقه إلاّ به إذ لو انحصر الموجود في الممكن لم يتحقّق موجود أصلا .

بيان الملازمة : أنّه على هذا التقدير تحقّق الممكن إمّا بنفسه بدون علّة ، وهو محال بديهة ، أو بغيره ، وذلك الغير أيضاً ممكن على هذا التقدير ، فإمّا أن يتسلسل الآحاد إلى غير النهاية أو يدور ، وعلى التقديرين يكون انتفاء الآحاد بأسرها ، بأن لا يوجد شيء منها ممكناً ، فيكون وجود كلّ واحد من تلك الآحاد الممكنات غير مستند إلى سبب يرجح وجوده على عدمه ، وهو محال ; لأنّ الممكن ما لم يجب لم يوجد ، ولا يتحقق الوجوب إلاّ إذا امتنع جميع انتفاء العدم ، وهذا الامتناع في الممكنات الصرفة بدون الواجب غير متحقّق بجواز انتفاء كلّ منها في ضمن انتفاء الكل ، ثمّ قال « وهذا النظر يعطي أنّ بعض الموجودات واجب بالذات من غير استدلال على وجود الواجب بوجود الممكنات كما هو المشهور من طريقة المتكلّمين » .


1) انظر : روضات الجنات 2 : 239 ، أعيان الشيعة 9 : 122 . تويسركاني ، مقدّمة التحقيق .

وقال في البرهان على قضية أنّ وجوده تعالى غير زائد على ذاته - : « أنّه لو كان وجوده زائداً عليه حتّى يكون موجوداً مثلا لم يكن في حدّ ذاته - مع قطع النظر عن العوارض - موجوداً ولا معدوماً ، كما حقّق في موضعه ، وكلّ ما كان كذلك فهو ممكن ; لأنّ اتّصافه بالوجود إمّا بسبب ذاته ، وهو محال ; لأنّ الشيء ما لم يجب لا يوجد ، فيلزم تقدّمه بالوجود على نفسه ، وهذا خلف ، وأمّا بسبب غيره ، فيكون معلولاً فلا يكون واجباً » .

وقال في إثبات توحيده تعالى : لو تعدّد الواجب فإمّا أن يكون امتياز كلّ منهما عن الآخر بذاته ، فيكون مفهوم واجب الوجود محمولاً عليهما بالحمل العرضي ، والعارض معلوم للمعروض ، فيرجع إلى كون كلّ منهما علة لوجوب وجوده ، وقد بان بطلانه ، وإمّا أن يكون ذلك الامتياز بالأمر الزائد على ذاتهما وهو أفحش ، فإنّه إمّا أن يكون معلولاً لماهيتها أو لغيرها ، وعلى الأوّل . . . » إلى آخر استدلالاته ( رحمه الله ) .

فهكذا عالم ، مدقّق ومحقّق ، متفكّر ومتعّمق ، لا تقبل نفسه الانقياد والانصياع إلاّ لمن حاز على أعلى مراتب العلم والمعرفة ، ومن هو مرتبط بالمصدر الأصلي لجميع العلوم والمعارف ، بحيث صار ينبوعاً صافياً ، ومثلاً حقيقياً حاكياً عن مصدره وأصله بكل ما تحمل الكلمة من معنى ، ذلك الإنسان العظيم ، الذي كانت تتردّد دائماً من فمه الشريف تلك الكلمة الخالدة « سلوني قبل أن تفقدوني » (1)، نعم ذلك عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) الذي قال فيه الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب » (2).


1) انظر : المستدرك على الصحيحين 2 : 462 ، ح 3392 ، كنز العمال 13 : 72 ، ح 36498 ، ومصادر أخرى .

2) المستدرك على الصحيحين 3 : 339 ، ح 4695 ، مجمع الزوائد 9 : 103 ، ح 14670 ، كنز العمال 11 : 275 ، ح 32887 .

فبعلي ( عليه السلام ) تهدأ النفوس وتطمئن ، وبه تأمن من شرور وادي الشبهات الموحش ، وعلى شاطئه ترسوا السفن التي أتعبتها العواصف والأمواج ، فتستقر .

فبعلي وآل عليّ ( عليهم السلام ) تكون النجاة ; لأنّهم عُدلاء القرآن ، وأمناء الرحمن ، بهم من تمسّك أمن الضلال ، وبعلمهم من أخذ أدرك الحقيقة والبرهان ، وفيهم قال : المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « إنّي تارك فيكم الثقلين ما إنّ تمسّكتم بهما لن تضلّوا ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي » (1).

فقد أدرك « الدواني » هذه الحقائق من أعماق كيانه ; لأنّه لمسها من خلال دليله وبرهانه ، فتسائل جادّاً : « كيف يكون أبو بكر إماماً للمسلمين » وهو القائل : إنّ لي شيطاناً يعتريني » (2).

وكيف يكون عمر خليفة الرحمن وهو القائل : « الكل أفقه من عمر » (3)؟ !

فعندما عرف « الدواني » الحقّ ، عرف أهله ، وأصله ومعدنه ، وعندها تشرّف معتنقاً مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) معلناً تشيّعه وتمسّكه بعلي وبآل عليّ ( عليهم السلام ) .


1) وهذا حديث معروف مشهور تواتر نقله عند مختلف الطوائف والمذاهب .

2) المصنّف للصنعاني 10 : 292 ، ح 20867 ، تاريخ مدينة دمشق ابن عساكر 30 : 303 ، أبو بكر ، كنز العمال 5 : 326 ، ح 14046 .

3) السنن الكبرى للبيهقي 7 : 380 ، ح 14336 ، مجمع الزوائد للهيثمي 4 : 372 ، ح 7502 ، كنز العمال 16 : 225 ، ح 45790 ، فما بعد .

(112) حاج بابا قزويني يزدي( يهودي / إيران )

عالم كبير من علماء اليهود في يزد وهي من محافظات إيران وقد كان من البارزين فيهم أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر الهجريين .

يقول حاج بابا : كان أبي من كبار العلماء في دين اليهود ، وكان محطّ احترامهم ، يعترفون له بالفضل والتقوى ، واشتغل طوال عمره في مطالعة كتب الأنبياء السابقين والعلماء اللاحقين ، وكان يتحرّى الصواب ، ويبحث عن الحقيقة ، ويحاول التمييز بين الحقّ والباطل فيما يقرأ ، حتّى شملته العناية الإلهية وتوفّق في الهداية إلى دين الإسلام ، وقد تعجّب من ذلك جماعة اليهود ، ولاموه على ذلك كثيراً لمّا أورده إسلامه عليهم من فضيحة دينهم ، لكنه كان يجيبهم أنّه اهتدى إلى دين الحقّ الذي يأمل أن ينجيه يوم القيامة ، ولم يكن حبّاً في مال أو طمعاً في جاه .

وكنت أنا في ذلك الوقت شاباً استفدت من كلام أبي وتعجّبت من عناد اليهود في قبول الإسلام رغم مناظرات أبي الجادّة معهم ، وإقامة الحجّة عليهم من التوراة والكتب الأخرى ، فتركت قومي ولجاجهم وتشرّفت بدين محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعرفت أنّه الدين الحقّ الخاتم ، وركبت سفينة النجاة وتمسّكت بالثقلين .

كتابه :

ألّف كتاباً ردّ فيه على بعض ادعاءات اليهود المخالفة للواقع ، وبيّن الصواب فيها ، وقد أسماه « محضر الشهود في ردّ اليهود » ، صدر محققاً سنة 1420 ه‍

( 1378 ه‍ ، ش ) ، حقّقه : حامد حسن نواب ، ونشرته مؤسّسة النشر الثقافية حضور / قم في 256 صفحة من القطع الرقعي وكان المؤلّف قد فرغ من تأليفه في شهر رمضان المبارك سنة 1211 ه‍ ، ق كما ذكر ذلك في آخر الكتاب .

يتألّف الكتاب من سبعة أبواب :

الباب الأوّل : ما وعد به الله سبحانه إبراهيم ( عليه السلام ) وأولاده ، وإثبات شأن إسماعيل ( عليه السلام ) .

الباب الثاني : إخبار الأنبياء بنبوة النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأنّه من غير بني إسرائيل .

الباب الثالث : في ذكر علامات ظهور النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في كتب الأنبياء .

الباب الرابع : في ذكر أخبار عيسى ( عليه السلام ) وإيراد ما قاله عنه الأنبياء السابقون .

الباب الخامس : في ذكر الآيات والأخبار التي تذكر تفضيل بني إسرائيل ومعانيها .

الباب السادس : ما ورد من الذم ( من الله والأنبياء ) في بني إسرائيل .

الباب السابع : في ذكر ما يناسب هذه الرسالة .

صفات اليهود في القرآن :

أنعم الله سبحانه وتعالى بنعم كثيرة ومخصوصة على بني إسرائيل ، ولكنهّم في كثير من الأحيان لم يرتفعوا بأنفسهم إلى مستوى النعم الإلهية ، قال تعالى : ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (1)البقرة (2) : 40 .(2)حيث نرى أنّ النعمة قد ارتقت بهم إلى مستوى تفضيلهم على بقية الناس ، لكن هذا التفضيل لم يكن مطلقاً ، فقد ذكر القرآن في آية مشابهة : ( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) (2) .


1) البقرة

2) : 47 .

فهذا التفضيل مشروط بالوفاء بالعهد مع الله والخوف منه ، لكن تاريخ اليهود قد سجّل عدم الوفاء بالعهد الإلهي ، قال تعالى : ( وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِر بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) (1)البقرة (2) : 44 .(2)، وقال سبحانه : ( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) (2) .

اغترّ اليهود بنعم الله التي أنعم بها عليهم ، فصاروا يرون لأنفسهم حقوقاً ما أنزل الله بها من سلطان ، قال تعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء ) (3)المائدة (5) : 64 .(4)وادّعوا لأنفسهم الغفران الإلهي ، وإنّ أذنبوا ما أذنبوا ; لأنّهم أحبّاء الله ، فردّ عليهم القرآن : بأن لا قرابة لأحد مع الله ، بل كلّ البشر سواسية ، وكلٌّ إنسان مقرون بعمله وايمانه ، قال تعالى : ( لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَر أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) (5).

ثمّ إنّهم بعد كلّ ما أولاهم الله من نعم نراهم اتهموا الله بالبخل ، فدفعهم ذلك إلى الطغيان والكفر ، وإلقاء العداوة والبغضاء فيما بينهم ، وإيقادهم نار الحروب ، وسعيهم في الأرض فساداً ، قال تعالى : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (5) .


1) البقرة

2) : 41 - 42 .

3) المائدة

4) : 18 .

5) النساء (4) : 123 - 124 .

ووصف القرآن اليهود بنقض المواثيق والعهود مع الله ، قال تعالى : ( أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لاَّ يِقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاّ الْحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ) (1)البقرة (2) : 74 .(2)، وقال تعالى : ( لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ ) (3)البقرة (2) : 102 - 103 .(4)، وهكذا انجرّ بهم الأمر إلى تكذيب الأنبياء وقتلهم ، ومن ثمّ سهّل عليهم موالاة الكفار ومعاداة المؤمنين ، قال تعالى : ( تَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللّه والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ . . . ) (5)، وكانت النتيجة عدم اتّباعهم للأنبياء أن اتبعوا الشياطين ، قال تعالى : ( وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ . . . ) (6)، وهكذا يضاف السحر إلى قائمتهم السوداء بعد أن كانوا مفضلين على العالمين ، قال تعالى : ( . . . وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ) (5) وقال تعالى : ( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) (7)وقال تعالى : ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) (7) .


1) الأعراف

2) : 169 .

3) المائدة

4) : 70 .

5) المائدة (5) : 80 - 82 .

6) البقرة (2) : 102 .

7) الجمعة (62) : 5 .

(113) حبيب الله إغماضي( بهائي / إيران )

كان يعتنق البهائية كدين له لمدة 30 عاماً ، وقد شاهد خلالها فجائعاً ، وفضائحاً بعيدة عن الدين .

لم يكن « حبيب الله » يدرك حقيقة هذه التصرفات الذميمة ; لجهله بحقائق الأمور جرّاء التحريفات ، والتشويهات التي كان يروّجها قادة البهائية ومؤسّسيها ، وكذا لم يكن يعرف عن الإسلام إلاّ صورة مشوّهة ، صوّرتها لهم فرقتهم بما تخدم مصالحهم ، ومصالح الاستعمار .

وذات يوم تعرّف على الحاج السيّد أبي القاسم الصمداني ، فجرى بينهما حوار استمر في عدّة لقاءات ، شرح له السيّد أبو القاسم حقيقة البهائيّة ، وعقائدها ، وكيفيّة تأسيسها ، ونشوئها ، ثمّ بيّن له حقيقة الإسلام ، ومبادئه ، السامية ، وقيمه ، وقوّة أدلّته وبراهينه ، واستمر النقاش حتّى تعرّف « حبيب الله » على زيف وبطلان هذه الفرقة ، وبشاعتها ، ومدى بعدها عن الدين ، والفطرة الإنسانيّة السليمة ، وكيفيّة خدمتها للاستعمار ، وخدمة الاستعمار لها ، فعندما وقف على هذه الحقائق أعلن براءته منهم ، وترك دينهم ، معتنقاً الإسلام ديناً جديداً له ، وبالخصوص مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، لمّا فيه من قوّة الدليل ، وصدق القيم والمبادىء ، والانسجام التام بينه وبين العقل السليم ، والفطرة الحيّة .

يقول « حبيب الله » عن ذلك : « على أثر جهلي أمضيت ثلاثين عاماً مغفلاً

للفرقة الكاذبة ، ذات المبدأ المزيّف الذي يعتنقه أناس غير مقيّدين بشيء ، ولا ثابتين على حقيقة ، شعارهم التزوير والتدليس ، أناس تعمل فيهم الأيدي الأجنبيّة منذ أكثر من مائة عام في بلادنا الإيرانية » .

كلنا يعلم أنّ الدولة الروسيّة غرست شجرة خبيثة كان من ثمرتها تلك الجناية الفادحة التي كوّنت أمثال ( الباب والبهاء ) عملاء المستعمر الغاشم ، فاستطاعوا على أيدي جماعة استهوتهم اللذائذ الوقتيّة ، لا يعرفون للضمير معنى ، ولا يراعون الله في شيء ، استطاعوا بواسطة اُناس هذه صفاتهم أن يخدعوا شرذمة ممن أعوزتهم العقليّة الكاملة ، وكانوا جاهلين .

كان من سوء الحظ أن كنت أحد هؤلاء المغتريّن لمدّة ثلاثين عاماً كما ذكرت ، شاهدت خلالها فجائعاً وفضائعاً بعيدة عن الدين ، ولكن جهلي المطبق ، وعدم اتصالي بالطبقات المتنوّرة جعلاني أشعر بفضاعة الأمر ، هذا من جهة ، ومن جهة أُخرى لم أكن أعرف عن الإسلام سوى مجموعة مشوّهة ، كان أقطاب البهائيين يعرفّونها إلينا كما يريدون ، حتّى إنّي خلال تلك الفترة الطويلة لم أصادف أحداً يرشدني إلى الإسلام الصحيح ، إلى أن شاء القدر ، وساعد التوفيق أن ألتقي عدّة مرّات مع فضيلة الواعظ الحاج السيّد أبي القاسم الصمداني الكرماني ليستنقذني من ضلالي الجارف بعد محاورات جرت بيني وبينه ، فكان يقرأ عليّ صفحات من كتاب ( الايقان ) (1)و ( البيان ) (2)وكلماتهما التي يمجّها الذوق العربي ، وتتبرأ منها اللغة العربيّة ، الأمر الذي أيقظني من رقادي ونبّهني بعد غفلتي ، ولا سيّما في اللقاء الأخير الذي جمعنا ، فقد بيّن لي وبكل وضوح فضائح هذه الفرقة من كتبهم ، فاعتنقت الإسلام والحمد لله .


1) كتاب الإيقان ، وهو أحد كتب حسين عليّ الذي ادّعى فيه كثير من الدعوات الباطلة والمزيفة .

2) كتاب البيان وهو أهم كتاب للميرزا عليّ محمّد الشيرازي الذي جمع فيه أهم دعاويه واعتقاداته ، وهو الكتاب الذي ادّعى أنّه يضاهي القرآن الكريم .

ثمّ أضاف قائلاً : « إنّي متبرّأ - إلى الأبد - من « الباب والبهاء » وكتبهما الضالّة ، ومنتظر لظهر الإمام الثاني عشر ، وسميّ الرسول العظيم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

البهائيّة آلة بيد الاستعمار :

تأسّست الفرقة البهائيّة في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجري على يد حسين عليّ ، الملقب ببهاء الله .

انتشرت هذه الفرقة في بعض المدن الإيرانيّة ، وبعض مناطق شمال العراق ، وأصبح لها فيما بعد محافل وأماكن للتجمّع في مدن متعدّدة من العالم . لم تكن عقائد هذه الفرقة قويّة من حيث الدليل والبرهان ، أو من حيث الأهداف والمبادىء ، بل كانت عقائدهم ساذجة ، واضحة البطلان ، ولكن مع ذلك فقد صار لها أتباع ومؤيّدون ، والذي يبدو أنّ السبب في ذلك لا يعود إلى نفس الفرقة وأحقيّتها ، بل يعود إلى عدّة أسباب ، وعوامل خارجيّة ، كان لها الدور الأساس في نشوء هذه الفرقة ونشرها وإذاعة صيتها ، والعامل الأهم والأخطر من تلك العوامل هو الدور الأساسي الذي لعبه الاستعمار ، والقوى الأجنبيّة في تقوية هذه الفرقة والمحافظة عليها ومدّها بمختلف المعونات .

كانت البذرة الأولى لهذه الفرقة على يد « محمّد عليّ الشيرازي » الملقب بالباب ، فهو مؤسّس البابيّة التي نشأت منها البهائيّة على يد تلميذه « حسين عليّ » الملقب ببهاء الله .

ومع ملاحظة تاريخ هذين الشخصين نجد أنّ الاستعمار كانت له عناية خاصّة بهما ، فقد حافظ عليهما مرّات عديدة من الموت والهلاك ، بل وروّج لهما وأمدّهما بمختلف المعونات ، وعلى الخصوص فرقة « البهائيّة » أتباع حسين عليّ .

وهم في المقابل قدّموا للاستعمار الخدمات المصيرية والثمينة التي رجّحت في كثير من الأحيان كفّة الاستعمار على دول المنطقة ، وأدّت إلى بسط هيمنته أكثر فأكثر في البلاد الإسلاميّة .

كتب السفير البريطاني - في وقته - إلى دولته قائلا : « إنّ عقائد هذا الواعظ ( عليّ محمّد الشيرازي ) التي تخلو من شيء جديد ستذهب هباءً إذا ما تركت وشأنها ، وإذا ما أريد الحفاظ على هذه العقائد فإنّ الحالة تستدعي استخدام التعذيب والعقوبات ضد من يعترض طريقها » .

هذا نص يعكس بوضوح مدى اهتمام الاستعمار بهذه الفرقة ، وبمؤسسها ، بحيث يطلب هذا الجنرال من دولته أن تقابل من يضادّ هذه الفرقة بالتعذيب والعقوبات .

إرتمت هذه الفرقة في أحضان الاستعمار سواء الاستعمار الروسي ، أو الإنجليزي ، أو الأمريكي والإسرائيلي فقد قدمت خدمتها للأقوى الذي يمدّها بالأموال ويحامي عنها .

بعض خدمات الاستعمار للفرقة البابية :

1 - ساعدت الحكومة الروسيّة الفرقة البابيّة ببناء المساجد ، وتبليغ العقائد ، وطبع ونشر الكتب .

2 - كانت السفارة الروسيّة تمدّهم بالأموال ، بحيث كان « حسين عليّ » يتقاضى مرتّباً شهرياً من السفارة .

3 - عندما حصلت مواجهات بين الفرقة البابيّة وحكومة إيران مارست الحكومة الضغط عليهم ، فالتجأ « حسين عليّ » إلى السفارة الروسيّة لتحميه ، ولكنّه بما أنّه كان ضالعاً في محاولة اغتيال ملك إيران ، أصرّت الحكومة الإيرانية على تسلّمه ، فقبلت السفارة الروسيّة ذلك على شريطة أن لا يقتل ، فأودع السجن فترة ، ثمّ بمساعدة السفير الروسي تمّ تبعيده إلى بغداد .

ولأجل الدفاع الروسي المستمر عن هذه الفرقة أرسل « حسين عليّ » رسالة شكر إلى الإمبراطور الروسي .

4 - بعد أن ضعفت الدولة الروسيّة ، وأصبحت القوّة في المنطقة للبريطانيين ،

إرتمت هذه الفرقة في أحضانهم ، فأمدّوهم بمختلف المعونات الماديّة والمعنويّة وبنفس الأساليب القديمة .

5 - عندما مات « حسين عليّ » خلفه ابنه « عبّاس أفندي » الملقّب بعبد البهاء ، وعندما انكشف تعامله مع الاستعمار حكمت الدولة العثمانية بإعدامه ، فتدخلت الدولة البريطانية ، وخلّصته وأتباعه من ذلك .

6 - منحت الدولة البريطانيّة « عبّاس أفندي » نوط شجاعة ، وأعطته لقب « سير » ( أي فارس ) في حفلة رسمية أقامتها له .

7 - اعترفت بريطانيا بأنّ البهائيّة مذهب مستقل ، وسمحت لهم بفتح محافل لإقامة طقوسهم في مختلف أنحاء العالم .

8 - بعد أن ضعف المدّ البريطاني في المنطقة أصبحت البهائية في خدمة أميركا وإسرائيل وقد أمدّاها بمختلف المعونات .

9 - اعترفت أميركا وإسرائيل رسميّا بالبهائيّة ، وأعطوها جميع الحريّات .

والبهائيّة اليوم تعدّ من أخطر الأجهزة الإستخباراتيّة لخدمة إسرائيل وأميركا .

وهناك شواهد ، وأدلّة كثيرة تثبت عمالة هذه الفرقة للاستعمار ، وأنّه كان العامل والسبب المؤثر في نشوئها .

خدمات البهائيّة للاستعمار :

1 - تقديم المعلومات التجسسيّة المهمّة والمفيدة .

2 - نشر الكتب المؤيّدة والمادحة للاستعمار .

3 - غرس بذور الفرقة والاختلاف بين أبناء الشعب .

4 - كان لهم الفضل الكبير على الإنجليز في دخولهم فلسطين في الحرب العالميّة الأولى .

5 - دعمهم قيام الدولة الإسرائيليّة ، واعتبروا قيام دولة الصهاينة بأنّها

تنفيذ للوعد الإلهي .

6 - حرمة التدخّل في العمل السياسي .

7 - حرمة الجهاد مطلقاً ، حتّى في وجه المستعمر والمحتل .

8 - نشر الفساد والانحراف لتضييع الهويّة الإسلاميّة ، من خلال رفع الحجاب ، والاختلاط بين الجنسين ، ونشر الملاهي ، وأماكن الدعارة ، وتجويز الزنا ولكن بطرق جديدة .

9 - حرمة الجلوس على المنبر للوعظ والإرشاد .

10 - حرمة ذكر الله بصوت مسموع في الطرق والأسواق .

وهناك قضايا كثيرة خدموا بها الاستعمار ، سواء كانت عقائديّة فكريّة ، أو شرعيّة سلوكيّة ، فلم يتهانو عن أيِّ قضيّة فيها خدمة للاستعمار ، وتضعيف الإسلام والمجتمعات الإيمانية والوطنيّة (1).

فعندما وقف « حبيب الله » على هذه الحقائق ، وهذه الأرقام الخطيرة التي تثبت إدانة هذه الفرقة بصورة واضحة ، وغير قابلة للنكران أحسّ بمدى زيف هذه الفرقة ، وبطلانها ، وأنّها كالمرض الخبيث الذي أصاب جسد الأمّة الإسلاميّة ، فأعلن تبّرأه منها ، معتنقاً للإسلام ذلك الدين الذي يحافظ على فطرة الإنسان ، وهويته الإيمانيّة الوطنيّة ، من خلال عقائده التي ثبتت بالدليل والبرهان ، ومن خلال أوامره وأحكامه التي ترسم للإنسان الطريق الصحيح والموصل إلى الكمال والحقيقة .


1) انظر كتاب : كشف الحيل لعبد الحسين آيتي ، وكتاب البهائية في خدمة الاستعمار ، وكتاب البابيون والبهائيون للدكتور همايون همّتي ، وكتاب البابية والبهائية لمحمد محمدي إشتهاردي ، وكتاب البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم للسيد عبد الرزاق الحسني ، وكتاب البابية والبهائية وأهدافهما في دعوة النبوة والرد عليهما لأحمد بن حجر ، وكتاب البهائية تاريخها وعقيدتها لعبد الرحمن الوكيل .

(114) حسن روشنيان( بهائي / إيران )

ولد سنة 1347 ه‍ ( 1308 ه‍ ش ) في مدينة « سنكسر » ونشأ في أسرة تنتمي إلى الفرقة البهائية ، وهو عامل فنّي في دائرة الكهرباء في طهران .

بعد أن رأى « حسن » الانحرافات الكثيرة في الفرقة التي ينتمي إليها ( البهائية ) ، وأنّ كثيراً من عقائدها لا تعدو أكثر من أن تكون آراء أشخاص أرادوا أن يتسلّطوا ويحكموا باسم الدين ، وأنّ هذه العقائد لا يمكن أن تكون هي الطريق الذي يستطيع الإنسان أن يصل من خلاله إلى كماله وسعادته ، فراح يتتبّع الأديان والمذاهب الأخرى ، للبحث عن الحقيقة بكل جدّيّة وإخلاص . فتوصّل إلى أنّ الدين الإسلامي الحنيف المتمثّل بخط أهل البيت ( عليهم السلام ) هو الدين الكامل الصحيح الذي ينسجم مع الفطرة الإنسانية تمام الانسجام ، ويتوافق مع العقل تمام الاتفاق .

يقول حسن عن ذلك :

« بسم الله الرحمن الرحيم » ، والصلاة والسلام على النبيّ الأكرم محمّد بن عبد الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلى خلفائه المعصومين ولا سيّما الحجة بن الحسن العسكري ( عجل الله فرجه ) إني أقرّ وأعترف - بعد تحقيق كامل - أنّ الإسلام آخر الأديان السماوية ، وأنّ نبيّه خاتم الأنبياء ، وأعترف بوصاية الإمام عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، والأحد عشر من أولاده المعصومين ، راجياً من الله تعالى أن يهدي الضالين - كما

هداني - إلى محجّة السعادة والتوفيق » .

أعلن ذلك بمحضر الخطيب الشهير ، والواعظ المعروف الشيخ محمّد تقي الفلسفي .

البهائية والإشكال بها على التشيّع :

لا شكّ أنّ البهائية إحدى الفرق المنحرفة الضالّة مع ذلك يعتقد بعض الجهّال الذين لم يرزقهم الله تعالى من الحقيقة إلاّ قشورها ، ومن الواقع إلاّ شبحه أنّ فكرة البهائية وليدة بعض العقائد الشيعية ، وهي أحد مظاهر الانحراف في الفكر الشيعي ، ووافقهم على هذا الرأي بعض المنتفعين المغرضين الذين طالمّا حرّكتهم أحقادهم ومصالحهم ضدّ أهل البيت ( عليهم السلام ) وأتباعهم ، فقد تصوّروا وصوّروا أنّ العقائد الشيعية تنتج بصورة طبيعيّة هكذا انحرافات .

يقول أصحاب الشبهة :

إنّ هناك علاقة وثيقة بين عقائد البهائية وعقائد الشيعية ، بل إنّ عقائد الشيعة بمثابة الطريق الذي توصّلت من خلاله البهائية إلى عقائدها الحالية .

وذلك : إنّ من أهم عقائد الشيعة الاعتقاد بالمهدي المنتظر ، الذي يخرج في آخر الزمان ، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً .

فقد روّج علماء الشيعة هذه العقيدة في أوساط أصحابهم ، ورسّخوها في نفوسهم ، وربَّوهم على انتظار ظهور المهدي في أيّ ساعة ، فالشيعة دائماً هم في انتظار هذا المصلح .

وهذا الاعتقاد أدّى إلى حصول الأرضية المناسبة لولادة الدعوات المنحرفة التي ربطت نفسها بهذه العقيدة من قريب أو بعيد ، ومن تلك الفرق المنحرفة التي أعطت الشرعيّة لنفسها من خلال هذه العقيدة فرقة البهائية وإنّ عقيدة ( المهدي المنتظر ) تعدّ من أركان ومقّومات عقائد البهائية ، بل وقد طوروا

هذه العقيدة إلى أشكال مختلفة ودعوات متنوّعة (1).

جواب هذه الشبهات :

توجد عدّة أجوبة عن هذه الشبهة ، تبيّن بوضوح خواء صاحب الشّبهة وقلة معرفته بالعقائد الإسلاميّة ، وتكشف عن حقد وخداع وزيف أتباع الباطل الذين يرون في ظهور الحقّ أفول نجمهم وإخماد فتنتهم ، فاتّخذوا شتّى الأساليب لتشويه وجه الحقيقة النّاصع ، ولكن ( وَيَأْبَى اللّهُ إِلاّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) (2).

الجواب الأوّل :

إنّ أكثر الأديان السّماوية إنّ لم نقل كلّها - تولدت منها فرق ومذاهب منحرفة وضالة شوّهت الحقائق ، وزيّفت الوقائع ، وأعطت صورة مغلوطة عن الأهداف السّامية لتلك الأديان ، فمن نظر نظرة إجماليّة لأهم الأديان في العالم لوجد تحت كلِّ دين عشرات الفرق المنحرفة .

يقول عبد الرزاق محمّد أسود في موسوعة الأديان عن اليهوديّة : « تكثر الفرق اليهوديّة كثرة بالغة ، وتختلف هذه الفرق في مبادئها وأُسس حياتها وفي نظرتها إلى الكون وإلى ما ورائه » (3).

وقال عن المسيحيّة : « والمسيحيّة - كبقيّة الأديان التي سبقتها - انقسمت على نفسها إلى أربع طوائف : أصحاب أربوس ، أصحاب بولس الشمشاطي ، أصحاب مقدونيوس ، البرابرانيّة » (4)وهذه الفرق بدورها انقسمت على نفسها إلى فرق متعدّدة .


1) انظر : كتاب البهائية وليدة مذهب الرفض لمحبّ الدين الخطيب ، وكتاب البابية والبهائية وأهدافهما في دعوى النبوة والرد عليهما لأحمد بن حجر آل بوطامي النبعلي ، وكتاب البهائية تاريخها وعقيدتها لعبد الرحمن الوكيل .

2) التوبة (9) : 32 .

3) موسوعة الأديان والمذاهب 1 : 186 .

4) موسوعة الأديان والمذاهب لعبد الرزاق 1 : 235 .

فهل هذا يعني بطلان أصل الديانة اليهوديّة والمسيحيّة ؟

أمّا الإسلام وهو الديّن الخاتم الذي صانه الله تعالى عن الانحراف والاندثار ، حتّى يبقى الحجة القائمة لله تعالى في أرضه إلى يوم القيامة ، فهل سلم أتباعه من الانحراف والافتراق ؟

من يتصفح موسوعات الأديان والمذاهب يجدها مملوءةً بالفرق المنحرفة التي تنتسب إلى الإسلام وتتّخذه غطاءً لها (1).

فهل يعني هذا بطلان الدين الإسلامي ؟ !

كيف سمح صاحب الشبهة لنفسه أن يتّهم الفكر الشيعي والعقائد الشيعية بالانحراف لأنّ بعض الشيعة انحرف عن الطريق الصواب ، مع أنّ لازم قوله هذا انحراف كافّة الأديان ! !

الجواب الثاني :

إنّ أكثر الفرق المنحرفة - إنّ لم نقل كلّها - هي بالأصل مشتقة عن فرق أصيلة ومذاهب صحيحة ; لأنّ معنى الانحراف أن يكون الشخص في الطريق الصحيح ثمّ يميل عنه وينحرف لأسباب معيّنة ، فلا معنى أن يكون أصل المذهب باطل إذا انحرف بعض أفراده فيما بعد ، وبعبارة أدقّ : أنّه لا توجد قاعدة تقول : إنّ كلّ أمر صحيح لا يمكن أن ينحرف عنه أتباعه .

فلا تكون هناك أيّ ملازمة بين انحراف البهائية ، وأنّ مؤسسهم كان شيعياً .

الجواب الثالث :

إنّ عقيدة ( المهدي المنتظر ) ليست من مختصات الشيعة ، فإنّ الرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد أكّد عليها وبيّنها بعدّة خطابات وأحاديث بلغت حدّ التواتر ، فكانت هذه العقيدة من العقائد المتفق عليها بين مختلف الطوائف الإسلاميّة ، هذا إذا لم نقل


1) انظر موسوعة الأديان والمذاهب لعبد الرزاق 2 : 143 .

أنّ فكرة ( المهدي المنتظر ) من المسائل التي بشرّت بها كافة الأديان ، بل هي أحد مطالبات الفطرة الإنسانيّة التي ارتكزت مع الإنسان منذ زمن بعيد ، وكما قد قام الدليل على ذلك .

قال الحافظ أبو الحسن الآبري : « قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في المهدي وأنّه من أهل بيته » (1).

وقال القرطبي في تفسيره : « إنّ الاخبار الصحاح قد تواترت على أنّ المهدي من عترة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) » (2).

قال محمّد فاضل في كتابه الحراب : « إنّ المشهور بين الكافّة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنّه لا بدّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت ( عليهم السلام ) يؤيد الدين ، ويظهر العدل ، ويتّبعه المسلمون ، ويستولي على الممالك الإسلاميّة ويسّمى بالمهدي » .

ثمّ قال : « إنّ جماعة من الأئمّة خرجوا أحاديث المهدي منهم : الترمذي ، وأبو داود ، والبزار ، وابن ماجة ، والحاكم ، والطبراني ، وأبو يعلى الموصلي » (3).

هذه هي عقيدة المهدي المنتظر عند المسلمين ، فالإشكال عليها ليس هو إشكالاً على التشيّع ، بل هو إشكال على الرسول الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعلى الإسلام كلّه .

انظر إلى الجهل كيف يلقي بصاحبه في متاهات لا مخرج له منها ، وانظر إلى العصبية التي تصمّ وتعمي كيف تجعل صاحبها يعيش في ظلمات ليس بخارج منها .

الجواب الرابع :

كما عرفت من الجواب المتقّدم أنّ عقيدة ( المهدي المنتظر ) من العقائد التي


1) تهذيب التهذيب لابن حجر 9 : 126 .

2) الجامع لأحكام القرآن 8 : 78 .

3) الحراب : 147 .

نادت بها كافة الفرق الإسلاميّة ، فلو كان ثمة إشكال فإنّه في الحقيقة يرد على غير الشيعة من الطوائف الإسلاميّة ; لأنّ هذه الطوائف فسحت المجال لمن يريد استغلال هذه العقيدة ; لأن مجرد الاعتقاد بشخص يخرج في آخر الزمان تجب طاعته ، مع بيان بعض الشرائط الفضفاضة التي يسهل إدّعائها لا يسدّ الباب بوجه المنتفعين والحاقدين الذين يتربّصون بالإسلام الدوائر ، فينتحلون مثل هذه العقائد لنيل مآربهم .

بينما نجد الشيعة بيّنوا هذه العقيدة بكلّ خصوصيّاتها وجزئيّاتها ، فقد عيّنوا اسم المهدي المنتظر ونسبه ، وتاريخ ولادته ومكانها ، وتاريخ غيبته ، وعلائم ظهوره ، وأدّلة حقانيّته ، وكثير من المسائل المرتبطة بهذا الموضوع ، ممّا يجعل انتحال شخصيّة ( المهدي المنتظر ) أمر صعب وعسير جداً ويؤدي بالمدعى المزيف لهذا المقام إلى الهاوية والسقوط في أعين الناس .

فعقيدة المهدي المنتظر في الفكر الشيعي عقيدة واضحة المعالم ، بيّنة الأبعاد .

ليس فيها شك ، أو أدنى لَبس ، ممّا جعل من السهل جدّاً معرفة أيّ منتحل كذّاب ، ليس فقط عقيدة ( المهدي المنتظر ) مبنية على أدلّة قاطعة وبراهين ساطعة ، بل مجمل العقائد الشيعية كذلك ، الأمر الذي جعل مذهب الشيعة أقوى المذاهب من حيث الفكر والعقيدة ، ومن حيث السلوك والعمل ، لذلك نجده المذهب الذي جلب أنظار المفكرين والباحثين الذين كان همّهم الوصول إلى الحقيقة من خلال الطرق الموضوعيّة والأدلة القويّة .

من هؤلاء الباحثين عن الحقيقة ( حسن روشنيان ) فبعد أن رأى بطلان وزيف عقائد البهائية ، إتّجه جاداً نحو البحث والمطالعة الهادفة ، فوجد أنّ الإسلام المتمثّل بخطّ أهل البيت ( عليهم السلام ) هو الطريق الصّحيح الذي تتماشى أحكامه مع الفطرة الإنسانيّة ، ويحكم العقل بوجوب اتّباعه والأخذ بتعاليمه ، عندها آمن بالإسلام دينا له ، معتنقا مذهب الشيعة الإمامية ، معلناً ذلك جهرة وبكلّ افتخار واعتزاز .

(115) الجايتو خان المغول السلطان محمّد شاه خدابنده( سنّي / إيران )

(115) الجايتو خان المغول (1)

رقى السلطان محمّد شاه عرش السلطنة في إيران سنة 707 ه‍ ، وتوفيّ سنة 716 ه‍ . قال أحمد زيني دحلان مفتي الشافعية في مكّة المكرمة : صحب الروافض ، وساء اعتقاده ، وحذف ذكر الشيخين من الخطبة ، ونقش أسماء الاثني عشر على سكّته (2).

استبصاره :

اعتنق مذهب الشيعة الإمامية ، لإقتناعه بأنّه المذهب الحقّ الذي فيه حلٌّ لمشاكل المسلمين ; لأخذه ممن أمر الله أن يؤخذ منهم ، وهم آل بيت الرسول الذين هم الامتداد الطبيعي له ، وهم الذين أُمرت الأمّة باتّباعهم دون غيرهم .

ذكر العلاّمة المجلسي الأوّل ( رحمه الله ) إنّ السلطان محمّد غضب يوماً على امرأته فقال لها : أنتِ طالقٌ ثلاثاً ، ثمّ ندم وجمع العلماء فقالوا : لا بدّ من المحلّل .

فقال عندكم في كلّ مسألة أقاويل مختلفة ، أفليس لكم هنا إختلاف ؟


1) الجايتو : يعني المبارك بلغة المغول ، والسلطان محمّد شاه بن أرغون خان بن أبا خان بن هولاكوخان بن تولي خان بن جنكيز خان .

2) الفتوحات الإسلاميّة 2 : 81 ، طبعة مصر عام 1354 ه‍ ، مطبعة مصطفى محمّد .

فقالوا : لا .

فقال أحد وزرائه : إنّ عالماً بالحلّة يقول ببطلان هذا الطلاق .

فبعث كتابه إلى العلامة (1)، وأحضره ، ولمّا بعث إليه قال علماء العامّة : إنّ له مذهباً باطلاً ، ولا عقل للروافض ، ولا يليق بالملك أن يبعث إلى طلب رجل خفيف العقل .

قال الملك : حتّى يحضر .

فلمّا حضر العلاّمة بعث الملك إلى جميع علماء المذاهب الأربعة وجمعهم ، فلمّا دخل العلاّمة أخذ نعليه بيده ، ودخل المجلس وقال : السلام عليكم . وجلس عند الملك .

فقالوا للملك : ألم نقل لك إنّهم ضعفاء العقول ؟

قال الملك : إسئلوا منه في كلّ ما فعل .

فقالوا له : لم ما سجدت للملك وتركت الآداب ؟

فقال : انّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان ملكاً وكان يسلّم عليه ، وقال الله : ( فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً ) (2)ولا خلاف بيننا وبينكم أنّه لا يجوز السجود لغير الله .

قالوا له : جلست عند الملك ؟

قال : لم يكن مكان غيره . وكلّما يقوله العلاّمة بالعربي كان يترجم للملك .

قالوا : لأي شيء أخذت نعلك معك ؟ وهذا ممّا لا يليق بعاقل ، بل إنسان .

قال : خفت أن يسرقه الحنفية كما سرق أبو حنيفة نعل رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

فصاحت الحنفية : حاشا وكلا . متى كان أبو حنيفة في زمن رسول الله ، بل


1) من أعلام الشيعة الإمامية المرموقين ، وهو الحسن بن يوسف بن عليّ بن المطهر الحلي الشهير بالعلامة على الإطلاق .

2) النور (24) : 61 .

كان تولّده بعد المائة من وفاة رسول الله .

فقال : نسيت لعلّه كان السارق الشافعي .

فصاحت الشافعية وقالوا : كان تولّد الشافعي في يوم وفاة أبي حنيفة ، وكان أربع سنين في بطن أمّه ، ولا يخرج رعاية لحرمة أبي حنيفة ، فلمّا مات خرج ، وكان نشؤه في المأتين من وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

فقال : لعلّه كان مالك .

فقالت المالكية بمثل ما قالته الحنفية .

فقال : فلعلّه كان أحمد بن حنبل ، فقالوا بمثل ما قالته الشافعية .

فتوجّه العلاّمة إلى الملك ، فقال : أيها الملك ، علمت أنّ رؤساء المذاهب الأربعة لم يكن أحدهم في زمن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا في زمان الصحابة ، فهذا أحد بدعهم ، أنّهم اختاروا من مجتهديهم هذه الأربعة ، ولو كان منهم أفضل بمراتب لا يجوزون أن يجتهد بخلاف ما أفتاه واحد منهم .

فقال الملك : ما كان واحد منهم في زمان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والصحابة ؟

فقال الجميع : لا .

فقال العلاّمة : ونحن معاشر الشيعة تابعون لأمير المؤمنين ( عليه السلام ) نفس رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأخيه وابن عمّه ووصيّه ، وعلى أي حال فالطلاق الذي أوقعه الملك باطل ، لأنّه لم يتحقّق شروطه ، ومنها العدلان ، فهل قال الملك بمحضرهما ؟

قال : لا .

ثمّ شرع في البحث مع العلماء حتّى ألزمهم جميعاً فتشيّع الملك ، وبعث إلى البلاد والأقاليم حتّى يخطبوا بالأئمّة الاثني عشر ( عليهم السلام ) ، ويضربوا السكك على أسمائهم وينقشوها على أطراف المساجد والمشاهد (1).


1) انظر : روضات الجنات 2 : 279 - 280 .

(116) رحمت الله مهاجري كلولاني كردستاني( سنّي / إيران )

الصورة

D24

ولد سنة 1359 ه‍ ( 1941 م ) في كردستان إيران ونشأ في عائلة علمائية سنية ، بدأ في العاشرة من عمره بالدراسة في مكتب أبيه ، ثمّ في مكاتب شيوخ آخرين ، عمل في ميدان التبليغ وبنى أو جدّد بناء عدّة مساجد في قرى كردستان .

كيف عرفت الحقّ ؟

يقول الشيخ رحمت الله : منذ بداية دراستي كنت أحاول البحث والتحقيق في المسائل التي أدرسها ، وفي سنة 1379 ه‍ ( 1960 م ) كنت أدرس عند الشيخ محمّد بزيناني المشهور ب‍ « ملا رشه » ، وكان شيخاً حي الضمير وصفي السريرة تأثّرت بكلامه وحالاته المعنوية كثيراً وهو الذي هداني إلى الصراط المستقيم .

في مدينة « مهاباد » حيث كان يدرس سألته في أحدى الدروس عن حديث « رزية يوم الخميس » ، وما الذي كان يبكي ابن عباس عندما يتذّكرها كما نقل البخاري ومسلم وغيرهم ، وهل صحيح أنّ بعض الصحابة منع النبي من كتابة ما يمنع عن الضلال أبداً وقال : إنّه يهجر (1).

كما سألته عن بعض الآيات التي تشير إلى مودّة القربى وطاعة أولي الأمر ،


1) صحيح البخاري 4 : 31 ، 65 ، 5 : 137 ، صحيح مسلم 5 : 75 ، مسند أحمد 1 : 222 ، 355 .

وقلت من هم القربى ومن هم أولي الأمر .

سكت الشيخ طويلا وجرت دموعه ، فتعجبت من أمره ، وقلت في نفسي : ماذا حدث ؟

رفع الشيخ رأسه بعد ذلك ، وقال : ولدي سألت عن آيات هي في صميم الإسلام ، ولكن أهل الجور والظلم حرفوها عن معانيها بعد وفاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأظنك قد عرفت الحقيقة وتريد أن تمتحن عقيدة شيخك الذي تجاوز السبعين من العمر ، ثمّ تنهد وقال : إلهي إنّك تعلم أني قد عرفت الحق متأخراً في زمان الشيخوخة ، وليس لي القدرة على اظهاره للناس ، أما أنت فسأعرض لك الحقيقة وهي : أنّ جماعة من الصحابة غصبوا الخلافة من الخليفة الحق وبلا فصل عن النبي وهو الإمام علي ( عليه السلام ) ولم يخشوا العذاب الإلهي ولم يستحوا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكانت النتيجة أن سيطر على الساحة المنافقون والفاسقون ، وحاولوا إطفاء نور الحقيقة ما استطاعوا حتّى انحرف الكثير من المسلمين وتشوّهت معالم الدين وقتل آل الرسول وتشردوا وتغرّبوا وحبسوا .

ووضعت الكثير من الأحاديث المجعولة في تشويه سمعة الرسول وآله وتحسين صورة المنافقين حتّى صار سبّ الإمام علي ( عليه السلام ) على المنابر لمدة سبعين سنة أمراً عادياً (1)بل يعدونه من الفرائض ، وأنت إذا دققت في كتب التاريخ والحديث لوضحت لك هذه المطالب وأنا أطلب منك أن لا تنقل هذا الكلام عني إلاّ بعد وفاتي ، وإذا كانت لديك قدرة على إظهار الحق فأظهره للناس وإستفد من عمرك وشبابك بمطالعة هذه الأمور ومتابعتها من الكتب واتقان بحثها حتّى تكون حجّتك واضحة وطريقك مستقيماً .

تأثّرت بكلامه وحضرت في ذهني الكثير من الأسئلة الأخرى ، فسألته عنها وأجابني عليها ، ونصحني بتبليغها للناس ، وذكر لي وظائف المبلغ الخطيرة ، وقال :


1) مستدرك الحاكم 1 : 384 ، تفسير الآلوسي 14 : 219 .

عليك بالتأسّي بمصعب بن عمير - المبلغ الذي أرسله رسول الله إلى المدينة قبل مهاجرته إليها - الذي استفاد من شبابه في تبليغ الدين رغم الغربة والصعوبات التي واجهها .

يضيف رحمت الله : أنا اليوم أحمد الله سبحانه وتعالى أن تخلصت من أَسر التقليد في أيام شبابي ، ولجأت إلى سفينة النجاة محمّد وآله صلوات الله عليهم وصرت جنديا من جنود صاحب الزمان بإنتمائي إلى الحوزة العلمية المباركة .

كتاب استبصاره :

( لماذا اعتقدت بالولاية ؟ ) صدر سنة 1392 ه‍ ( 1973 م ) عن مطبعة بيروز في قم .

يتألف الكتاب من مقدمة وعشرة أقسام :

عرض في المقدمة شيئاً من حياته وكيفية استبصاره .

القسم الأوّل : واقعة الغدير ونصب الإمام علي للخلافة .

القسم الثاني : خطة غصب الخلافة بدأت في زمان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

القسم الثالث : هل كانت خلافة أبو بكر اجماعية .

القسم الرابع : غصب فدك وحقوق بني هاشم بعد غصب الخلافة .

القسم الخامس : هل انتقاد الاعمال القبيحة للصحابة يوجب الكفر .

القسم السادس : تحريف بني أمية للدين ولعنهم وسبهم لا اشكال فيه .

القسم السابع : الظالم الذي إعطوه لقب سيف الله .

القسم الثامن : ماذا قال المأمون لعلماء العامة .

القسم التاسع : لا يهذي أبو بكر ويهذي الرسول ( والعياذ بالله ) .

القسم العاشر : تحقيق في فرق أهل السنة .

(117) عبّاس جنيدي( بهائي / إيران )

الصورة

D25

ولد في قرية من قرى « ورامين » التابعة لطهران - عاصمة إيران - ، درس الأكاديمية وتخرّج من معهد المعلّمين ، ثمّ تعيّن في إحدى مدارس كرمسار للتدريس .

قضى شطراً من عمره منخدعاً بالفرقة البهائيّة ، ولكنّه بعد أن تعرّف أكثر على هذا الفرقة وجدها تعتقد بعقائد وأفكار تنافي العقل ، والفطرة السليمة ، ممّا جعله يدققّ أكثر في الدين الذي انتخبه ، فعندما تأمّل أكثر في أفكارهم وتعمّق في آرائهم وجدهم فرقة ضالّة منحرفة بعيدة عن الدين والحقيقة ، فأعلن برائته منهم ، وسعى جاداً في البحث عن الدين الصحيح حتّى يروي فطرته المتعطّشة لمعرفة الحقيقة ، فوجد الدين الإسلامي المتمثّل بخطّ أهل البيت ( عليهم السلام ) هو الدين الذي تقبله الفطرة ، ويقرّه العقل ، فأعلن اعتناقه للدين الإسلامي عام 1381 ه‍ بحضور الشيخ حسين اللاهوتي ، وجمع من المؤمنين الذين شاركوه الفرحة والسرور .

كان لعباس جنيدي معرفة جيّدة بحقيقة البهائيّة لوقوفه عن قرب على مساوئهم ، وخطواتهم التي تهدّد المجتمع ، لذلك فقد تصدّى كلّ جمعة لبيان عقائد البهائيّة المنحرفة وخطرها ونشاطها اللاديني ، محذّراً أبناء المجتمع من الوقوع في فخاخ البهائيّة المظلمة .

نشوء البهائيّة وتاريخ تأسيسها :

البهائيّة من الفرق المنحرفة التي يكفي في بيان بطلانها وإثبات انحرافها أن يقف القارئ على تاريخ تأسيسها ، وطريقة نشوئها ، فهي وإنّ كان هناك بعض الغموض يكتنف بعض عقائدها إلاّ أنّ طريقة تأسيسها بدرجة من الوضوح بحيث تكفي دليلاً على بطلانها .

فهي من الفرق التي تأسسّت في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ، وقد أعلن مؤسّسها وهو الميرزا « حسين عليّ » الملقّب ببهاء الله عنها سنة 1279 ه‍ .

للتعرّف أكثر على كيفيّة نشوء هذه الفرقة لا بدّ من الرجوع قليلاً إلى الوراء ، وإلقاء نظرة عابرة على الفرقة البابيّة ، فإنّ البهائيّة تعد الوليد غير الشرعي لها ، التي هي بدورها تعدّ أحد النتائج الانحرافيّة لبعض الأفكار الباطنيّة التي تعتمد على التأويل ، والرموز .

البابيّة فرقة تأسّست في النصف الثاني من القرن الثالث عشر ، أسّسها « عليّ محمّد الشيرازي » ، ولد « عليّ محمّد » في شيراز إحدى المحافظات الإيرانيّة المهمّة ، سنة 1235 ه‍ عمل مع خاله فترة في التجارة وعرف فنونها ، ثمّ بعثه خاله بعد ذلك إلى كربلاء المقدّسة لدراسة العلوم الدينيّة ، ولكن من سوء حظّه أن تتلمذ على يد « السيّد كاظم الرشتي » مؤسّس الطريقة الكشفيّة ، وهي طريقة باطنيّة تعتمد على الرموز ، ويكتنفها الكثير من الغموض .

كان « عليّ محمّد » معروفاً بالخرافات ، والأساطير ، ولم يكن متزّناً من الناحيّة النفسيّة ، وكان يمارس السحر وقراءة الكف وتسخير الجن .

كان يعتقد بعقائد منحرفة إلاّ أنّه لم يظهرها إلاّ لبعض مقرّبيه ، ولكن بعد أن مات أستاذه الرشتي بدأ بإعلان عقائده ، وما يجول في خاطره شيئاً فشيئاً ، فكان أوّل ما أعلنه أنّه نائب الإمام المهدي ( عجل الله فرجه ) والباب إليه ، فَلقَّب نفسه

بالباب ، وسموا أتباعه بابيّة .

لم يقف « عليّ محمّد » عند هذا الحدّ من الانحراف بل تمادى في غيّة حتّى ادّعى أنّه هو المهدي المنتظر ، ولكن حتّى هذا العقيدة لم تقنع بها نفسه - كما هي طبيعة النفوس المريضة - فادعى أنّه نبي مرسل صاحب شريعة وكتاب ، وقد نسخت شريعته الشريعة الإسلاميّة .

وفي آخر كتاباته كان يظهر منها أنّه ادّعى الألوهيّة .

حاول « عليّ محمّد » نشر أفكاره في الأوساط الإسلاميّة لكنّه فشل ، وأُلقي القبض عليه ، وأُودع السجن ، ثمّ حكم عليه بالأعدام وأعدم .

أُعدم « عليّ محمّد الشيرازي » ولكن فكرته وحركته لم تنته ، بل حالها حال أيّ فكرة وفرقة منحرفة تخلّف وراءها آثاراً مخرّبة ومدمرّة في المجتمع والمسيرة الانسانية .

وهذه الآثار وإنّ كانت هي دليل انحراف وبطلان عقائد وأفكار « عليّ محمّد » إلاّ أنّها في نفس الوقت تجد من يؤيّدها من السذج ، والمنتفعين الأشرار فيكون آثارها في الدمار أشدّ وأعمق .

من الآثار المخرّبة التي خلفها « الباب » أخوين تتلمذا على يده ، وغزّاهما بأفكاره الشيطانية وهما يحيى نور ، وحسين عليّ ، وكانا على درجة من القرب « لعلي محمّد » بحيث أوصى بأنّ الذي يخلفه في مقامه يحيى نور وأمّا حسين عليّ فيكون وكيلاً ليحيى نور طيلة زعامته ، ولكن بعد وفاة « عليّ محمّد » اعتذر يحيى نور عن تسلّم هذا المنصب ، وقال : « إنّ حسين عليّ أكفأ فهو الذي يكون الخليفة » .

تسلّم الأمر « حسين عليّ » وأقام فترة في بغداد كانت مليئة بالاضطرابات والفتن ، وواجه البابيّة فيها ضغوطاً عديدة ، ممّا اضطر « حسين عليّ » إلى الاختفاء ،

وفي هذه الفترة التي استمرت سنتين تسلّم يحيى نور الزعامة والأمر ، وبعد السنتين عاد « حسين عليّ » فوجد البابيّة متفرقين متشتّتين ، فاتّخذ بعض الإجرآت ، وخطى بعض الخطوات التي آثارت حفيطة الحكومة ممّا اضطرّها إلى إبعاده ، هو وأخوه إلى خارج بغداد ، فرأى « حسين عليّ » الفرصة مؤاتية لإعلان ما يجول في خاطره من عقائد وأفكار وانحرافات ، فأعلن في عام 1379 ه‍ بأنّه هو المقصود بعبارة « من يظهره الله » في كتب الباب « عليّ محمّد » ، وأنّ الباب في الحقيقة ، كان يبشّر بمجيئه .

فكانت هذه الدعوة البذرة الأولى للفرقة البهائيّة .

شعر يحيى نور - على أثر تصرّفات « حسين عليّ » - أنّ مقامه بدأ يزول ومنصبه ينمحي عن الأذهان تدريجاً ، وأنّ الزعامة المطلقة أصبحت لأخيه ، ولمّا عاتبه على ذلك لم ير منه إلاّ الصدود ، فآل أمر الأخوين إلى التفرّق ، وصار كلّ منهما يدعو إلى نفسه ، واشتعلت بينهما نار العداوة بحيث وصل الأمر إلى أن دسّ كلّ منهما السم لأخيه بغية قتله .

وعلى ضوء الاختلافات بين الأخوين افترقت البابيّة إلى ثلاث فرق :

(1) البهائيّة وهم أتباع « حسين عليّ » لأنّه لقّب نفسه ببهاء الله .

(2) الأزلية وهم أتباع « يحيى نور » لأنّ الباب لقّبه بصبح الأزل .

(3) البابيّة الخلّص وهم من بقي على تعاليم « عليّ محمّد » الباب .

كان « حسين عليّ » أكثر فعاليّة ونشاطاً من أخيه ، فكانت له عدّة تحرّكات ، منها أنّه راح يغتال من يخالفه في الرأي من البابيّة حتّى يصفو له الجو ، ممّا اضطرّ الحكومة إلى إلقاء القبض عليه ، وإيداعه السجن ، وكان هذا باعث على نشر اسمه بين أتباع الفرقة البابيّة ، فانتشرت أخباره وذاع صيته على أنّه بطل مقاوم ، وراح هو بدوره يصدّر المفاهيم المغلوطة التي يكتنفها الكثير من الغموض ، وتعتمد

الكثير من الرموز .

عندما رأى « حسين عليّ » تجاوباً من بعض السذّج والمغرضين اضطرّته نفسه الأمّارة - حاله حال أستاذه - إلى أن يدّعي دعاوى أكبر ، فبعد أن كان أحد تلامذة « الباب » أصبح هو الذي جاء « الباب » ليبشّر به ، ثمّ ادّعى هو المهدي المنتظر .

ثمّ تمادى في غيّه أكثر فأكثر فادّعى أنّه نبيّ مرسل صاحب كتاب وشريعة ، ثمّ رأى نفسه قريبا من قمّة الهرم الذي رسمته له مخيلته ، ولم ير إلاّ خطوة واحدة حتّى ينال أعلى مرتبة رسمتها له أوهامه ، وهي مرتبة الألوهيّة ، فادّعى أنّه هو الإله الذي بعث الرسل وسنّ الشرائع .

قال في كتابه « الأقدس » وهو في السجن : « يا ملأ الانشاء اسمعوا نداء مالك الأسماء إنّه يناديكم من شطر سجنه الأعظم أنّه لا إله إلاّ أنا المقتدر المتكبّر المتسخر المتعالي العليم الحكيم أنّه لا إله إلاّ هو المقتدر على العالمين » .

وقال في كتابه المبين وهو في السجن أيضاً : « لا إله إلاّ أنا المسجون الفريد » وقال : « إنّ الذي عمّر الدنيا لنفسه قد سكن في أخرب البلاد بما اكتسب أيدي الظالمين » ، وقال : « إنّ الذي خلق العالم لنفسه منعوه أن ينظر إلى أحد من أحبائه إنّ هذا إلاّ ظلم مبين » .

وقد لقّب نفسه ببهاء الله ، وعندما كان يمشي في الطريق يسدل على وجهه برقعاً ; لئلاّ يرى أحد بهاء الله ، فإنّ بهاء الله لا يرى بالأبصار ! ! (1).


1) انظر كتاب البهائيّة في الميزان للسيد القزويني ، وكتاب نصائح الهدى والدين للشيخ البلاغي ، وكتاب البابيون والبهائيون للسيد عبد الرزاق الحسني ، وكتاب كشف الحيل لعبد الحسين آيتي ، وكتاب البابيون والبهائيون للدكتور همتي ، وكتاب البابية والبهائيّة للشيخ محمّد إشتهاردي ، وكتاب البهائيّة تاريخها وعقيدتها لعبد الرحمن الوكيل ، وكتاب الحراب في صدر البهاء والباب لمحمد فاضل .

نعم ، هذه هي النفس البشرية إذا تمادت في غيّها ، وهذا هو الجهل المطبق الذي يجعل من أمثال هؤلاء آلهة .

عندما وقف « عبّاس جنيدي » على حقيقة هذا الفرقة ، وأساسها ، وجد نفسه منخدعاً بهم ، مغشوشاً ببعض ظواهرهم ، فأعلن برائته منهم ، والتخلّي عن طريقتهم معتنقاً للدين الإسلامي الحنيف المتمثّل بخطّ أهل البيت ( عليهم السلام ) ، آخذاً على عاتقه بيان فساد هذه الفرقة ، ومخاطرها ، ومضارّها ، وآثار دمارها في المجتمع .

(118) عبد الرحمن الإصفهاني( سنّي / إيران )

عاش « عبد الرحمن » في القرن الثالث الهجري في إصفهان ، وهي اليوم إحدى أهم المحافظات الإيرانية - ، وكان « عبد الرحمن » فقيراً لا يملك شيئاً ، ولكنه كان وجيهاً في قومه . صاحب جرأة في تكلّمه ، وصاحب بيان في منطقه ، ولهذا اختاره أهل مدينته ليكون لهم وجهاً ولساناً عند الخليفة ; لينقل له مظلومية تلك البلاد ، وحرمان أهلها ، وفقرهم وحاجتهم .

فشدّ الرحال مسافراً مع جماعة ، ممثلين ومندوبين من أهلهم وجميع بلادهم ، متّجهين نحو سامراء ، عاصمة الدولة الإسلاميّة آنذاك .

فعندما وصلوا إلى العاصمة ، ووقفوا على باب الخليفة ، شاء الله تعالى أن يرى « عبد الرحمن » ذلك الموقف الذي غيّر منهج حياته ، ودفعه ليتحوّل من مذهب إلى آخر .

قصّة استبصاره :

اعتنق عبد الرحمن مذهب التشيّع الإمامي الاثني عشري على يد الإمام الهادي ( عليه السلام ) عاشر أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) روى « الراوندي » في كتابه « الخرائج والجرائح » ، و « ابن حمزة » في كتابه « الثاقب في المناقب » ، عن « العياشي » وهو « محمّد بن النضر » و « أبي جعفر بن محمّد بن علوية » قالوا : « كان بإصفهان رجل يقال له : « عبد الرحمن » وكان شيعياً ، فقيل له : ما السبب الذي أوجب عليك القول

بإمامة عليّ النقي ( عليه السلام ) دون غيره من أهل زمانه ؟

قال : شاهدت ما أوجب ذلك عليّ ، وذلك أنّي كنت رجلاً فقيراً ، وكان لي لسان وجرأة ، فأخرجني أهل إصفهان سنة من السنين مع قوم آخرين إلى باب المتوكّل متظلّمين ، فأتينا باب المتوكّل يوماً إذ خرج الأمر بإحضار عليّ بن محمّد النقي ( عليه السلام ) .

فقلت لبعض من حضر : من هذا الرجل الذي أُمر بإحضاره ؟

فقيل : هذا رجل علوي تقول الرافضة بإمامته .

ثمّ قيل : ويقدّر أنّ المتوكّل يُحضره للقتل .

فقلت : لا أبرح من هنا حتّى أنظر إلى هذا الرجل أيّ رجل هو .

قال : فأقبل راكباً ، وقد قام الناس يمنة الطريق ويسرتها ، صفيّن ينظرون إليه ، فلمّا رأيته وقع حبّه في قلبي ، فجعلت أدعو له في نفسي بأن يدفع الله عنه شرّ المتوكّل .

فأقبل يسير بين الناس ، وهو ينظر إلى عرف دابتّه ، لا ينظر يمنة ولا يسرة ، وأنا دائم الدعاء له ، فلمّا صار إليّ أقبل بوجهه عليّ ، وقال : قد استجاب الله دعائك وطوّل عمرك ، وكثّر مالك وولدك .

قال : فارتعدت ووقفت بين أصحابي يسألوني ، وهم يقولون : ما شأنك ؟

فقلت : خيراً ، ولم أخبرهم بذلك .

فانصرفنا بعد ذلك إلى إصفهان ، ففتح الله عليّ ( بدعائه ) وجوهاً من المال حتّى أنّي اليوم أغلق بابي على مأة الف ألف درهم سوى مالي خارج الدار ، ورزقت عشرة من الأولاد ، وقد بلغت الآن من العمر نيّفاً وسبعين سنة ، وأنا أقول بإمامة هذا الذي علم ما في قلبي ، واستجاب الله دعاءه فيّ (1).


1) الخرائج والجرائج 1 : 392 ، الثاقب في المناقب : 549 .

أهل البيت ( عليهم السلام ) وعلم الغيب :

إثبات علم الغيب بإذن الله تعالى لأهل البيت ( عليه السلام ) ليس أمراً ممتنعاً أو غريبا ، ولا سيما لمن عرف مقامهم ومنزلتهم وعلوّ شأنهم ، بل قد أُثبت أبناء العامّة علمَ الغيب لأشخاص أقلّ شأناً ومنزلة منهم ( عليهم السلام ) فقد روى مسلم في صحيحه (1)، والبخاري في صحيحه (2)، والبيهقي في دلائل النبوة (3)، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (4)والمزي في تهذيب الكمال (5)، والذهبي في سيرة أعلام النبلاء (6)، وغيرهم .

فقد رووا أنّ حذيفة بن اليمان يعلم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة .

فإذا كان حذيفة بن اليمان هذه منزلته وهذه قدرته وسعة علمه فكيف بأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وهم أرباب السفينة المباركة التي من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وهلك ، هم بيت الرسالة والإمامة ، ومقر الوصية والخلافة ، هم الثقل الثاني وعدل القرآن الكريم ، من تمسّك بهم نجى ، ومن تركهم ضل وهوى ، فيهم نزلت الآيات ، وبمودّتهم أمرت البيّنات ، قال تعالى : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) (7)وقال تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (8)، وقال تعالى : ( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (9)وآيات أخرى ، وأحاديث


1) صحيح مسلم 4 : 1751 ، باب إخبار النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيما يكون إلى قيام الساعة ، ح 22 .

2) صحيح البخاري 4 : 232 ، باب : ( وكان أمر الله قدراً مقدراً ) ، 4 : 6604 .

3) دلائل النبوة 6 : 405 ، باب : ما جاء في أخباره بالفتن التي ظهرت أيام عثمان .

4) تاريخ مدينة دمشق 8 : 351 ، ح 2227 و 12 : 265 .

5) تهذيب الكمال 4 : 194 ، حذيفة بن اليمان .

6) سير أعلام النبلاء 2 : 327 ، باب : من اخباره بالكوائن بعده .

7) الشورى (42) : 23 .

8) الأحزاب (33) : 33 .

9) آل عمران (3) : 61 .

كثيرة تثبت أفضلّيتهم على جميع المسلمين .

نذكر على سبيل المثال آية واحدة ، ورواية واحدة من مصادر أهل السنّة المعتبرة :

أمّا الآية : قال تعالى : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (1)أخرج مسلم في صحيحه ، بسنده إلى عائشة ، قالت : « خرج النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) غداة وعليه مرط (2)مرجل من شعر أسود فجاء الحسن بن عليّ فأدخله ، ثمّ جاء الحسين فدخل معه ، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها ، ثمّ جاء عليّ فأدخله ، ثمّ قال : ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (3).

وأخرج الترمذي في سننه ، بسنده إلى شهر بن حوشب عن أم سلمة ، قالت : « إنّ النبيّ جلل على الحسن والحسين وعليّ وفاطمة كساء ، ثمّ قال : اللّهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي ، أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً » ، فقالت أم سلمة : وأنا معهم يا رسول الله ؟

قال : إنّك على خير .

قال : الترمذي : هذا حديث حسن صحيح ، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب (4).

وانظر : المصنف لابن أبي شيبة (5)، والمستدرك على الصحيحين للحاكم (6)، ومسند أحمد بن حنبل (7)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (8)، وغيرها من مصادر


1) الأحزاب (33) : 33 .

2) المرط : النتف ، مرط الشعر : نتفه ، المنجد : 757 ، مادة مرط .

3) صحيح مسلم 7 : 130 ، باب : فضائل أهل بيت النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

4) سنن الترمذي 6 : 174 ، ح 3871 ، ما جاء في فضل فاطمة ( عليها السلام ) .

5) مصنف بن أبي شيبة 7 : 501 .

6) المستدرك على الصحيحين 3 : 357 ، ح 4764 و 4765 و 4767 .

7) مسند أحمد بن حنبل 18 : 272 ، ح 26476 .

8) سير أعلام النبلاء 6 : 254 ، ضمن ترجمة الإمام الحسين ( عليه السلام ) .

أهل السنّة .

وأمّا الرواية :

قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق » .

رواه الحاكم في المستدرك على الصحيحين (1)، والطبراني في المعجم الأوسط (2)، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد (3)، والهندي في كنز العمال (4)، والمناوي في فيض القدير (5)، والسيوطي في تاريخ الخلفاء (6).

قال ابن حجر في الصواعق : « وجاء من طرق كثيرة يقوّي بعضها بعضاً : مثل أهل بيتي ، وفي رواية : إنّما مثل أهل بيتي ، وفي أخرى : إنّ مثل أهل بيتي ، وفي رواية : ألآ إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق » (7).

والإمام الهادي ( عليه السلام ) من هذه النبعة الطيبة والشجرة المباركة ، فقد أشرق نوره وسطع نجمه وعرف الملأ علو شأنه وسمّو مقامه ، ولم تؤثّر محاولات المتوكّل العباسي من أن تحط من قدره أو تقلل من شأنه ، بل كانت النتائج عكسية تماماً ، فكانت تلك الممارسات الخبيثة تزيد شمسه سطوعاً ونجمه بزوغاً ، يشعّ نوراً ، ويملأ القلوب ضياءً وبهجة .

فعندما رأى « عبد الرحمن » الإمام ( عليه السلام ) إمتلأ قلبه حبّاً له ، فدعا في داخل


1) المستدرك على الصحيحين 2 : 454 ، ح 3362 .

2) المعجم الأوسط 2 : 339 ، ح 3478 .

3) مجمع الزوائد 9 : 189 ، ح 14978 - 14981 .

4) كنز العمال 2 : 46 ، ح 34164 - 34165 .

5) فيض القدير 2 : 658 ، ح 2442 .

6) تاريخ الخلفاء : 229 .

7) الصواعق المحرقة 2 : 445 .

نفسه لخلاص الإمام ( عليه السلام ) وعلم الإمام ( عليه السلام ) منه ذلك ، وأخذه بما في نفسه ، وأنّ الله استجاب دعاءه ، فاندهش « عبد الرحمن » واعتراه الذهول ، وعرف أنّ الإمام عليّ الهادي ( عليه السلام ) من الذين ارتضاهم الله تعالى وأطلعهم على غيبه ، قال تعالى : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى ) (1).

من عندها آمن « عبد الرحمن الإصفهاني » بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) فاعتنق التشيّع ، وصار من الشيعة المخلصين .


1) الجن (72) : 26 - 27 .

(119) عبد الرحمن بن محمّد السينيري( سنّي / إيران )

عاش « عبد الرحمن » في النصف الأوّل من القرن الرابع (1)، كان « عبد الرحمن » سنيّاً متشدّداً في مذهبه ، حتّى أنّه كان ممن نصب العداوة لأهل البيت ( عليهم السلام ) ومع ذلك كان صديقاً « للقاسم بن العلا » ، أحد رجالات الشيعة المعروفين ، وكانت بينهما صداقة ، وكان « القاسم » حينها مقيماً في بلدة « ران » التابعة لمحافظة « آذربيجان » الإيرانية ، وكانت للقاسم صلة بسفير الإمام المهدي ( عجل الله فرجه ) الحسين بن روح ، بحيث كانت لا تنقطع توقيعات الإمام المهدي ( عجل الله فرجه ) إليه من خلال سفيره .

قصة استبصاره :

استبصر عبد الرحمن واعتنق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، بعدما رأى بعينيه تحقق إخبار الإمام المهدي ( عجل الله فرجه ) عن الغيب ، في إحدى التوقيعات الواصلة « للقاسم بن العلا » حيث جاء في التوقيع : أنّ القاسم سوف يموت بعد أربعين يوماً من مجيء هذا الكتاب ، وبالفعل بعد الأربعين توفي القاسم بن العلا ،


1) كان « عبد الرحمن » صديقاً للقاسم بن العلا ، والقاسم كانت تصله توقيعات الإمام المهدي عجل الله فرجه ، من خلال سفيره الحسين بن روح رحمه الله ، والحسين بن روح توفىّ سنة 326 ه‍ ، فيكون عبد الرحمن عاش في هذه السنوات ، أيّ في النصف الأوّل من القرن الرابع .

فكان لهذا الحدث أثره البالغ في نفس « عبد الرحمن » ، وأدرك أنّ من ارتضاه الله تعالى وأطلعه على غيبه ، هو صاحب الحقّ وهو الذي يجب اتباعه .

جاء في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي : أخبرني محمّد بن محمّد بن النعمان ، والحسين بن عبيد الله ، عن محمّد بن أحمد الصفواني ، قال : رأيت القاسم بن العلا ، وقد عمّر مائة سنة وسبعة عشر سنة . . . ، وكنت مقيماً عنده بمدينة « الران » من أرض آذربيجان ، فكانت لا تنقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان ( عليه السلام ) على يد أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري ، وبعده على يد أبي القاسم الحسين بن روح ، ( قدس الله أرواحهما ) . . . ، فبينا نحن عنده نأكلّ ، إذ دخل عليه البواب مستبشراً ، فقال له : فيج (1)العراق . . . ، ودخل كهل قصير . . . ، فقام الرجل فأخرج كتاباً . . . ، فناوله القاسم فأخذه ، وقبّله ، ودفعه إلى كاتب ، يقال له : ابن أبي سلمة ، فأخذه أبو عبد الله ففصّه وقرأه ، حتّى أحسّ القاسم ببكائه ، فقال : يا أبا عبد الله خير ؟ فقال : خير ، فقال : ويحك خرج فيَّ شيء ؟ فقال أبو عبد الله : أمّا ما تكره فلا ، قال القاسم : فما هو ؟ قال : نُعي الشيخ إلى نفسه بعد ورود هذا الكتاب بأربعين يوماً ، وكان له صديق ، يقال له : عبد الرحمن بن محمّد السينيري ، وكان شديد النصب ، وكان بينه وبين القاسم ( نضر الله وجهه ) مودّة في أمور الدنيا شديدة . . . ، فقال القاسم لشيخين من مشايخنا المقيمين معه : إنّ قرأ هذا الكتاب عبد الرحمن بن محمّد ، فإنّي أحبُّ هدايته ، وأرجو أن يهديه الله بقراءة هذا الكتاب . . . ، فلمّا مرّ في ذلك اليوم . . . ، دخل عبد الرحمن بن محمّد وسلم عليه ، فأخرج القاسم الكتاب ، فقاله له : إقرأ هذا الكتاب ، وانظر لنفسك ، فقرأ عبد الرحمن الكتاب ، فلمّا بلغ إلى موضع النعي ، رمى الكتاب عن يده ، وقال للقاسم : يا أبا محمّد ، إتق الله ، فإنّك رجل فاضل


1) قال في المنجد : الفَيْج جمع فيوج رسول السلطان الذي يسعى على رجليه ، والكلمة معرّبه عن بيك الفارسية الجماعة من الناس .

في دينك ، متمكّن من عقلك ، والله عزّ وجلّ يقول : ( وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْض تَمُوتُ ) (1)وقال : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ) (2).

فضحك القاسم ، وقال له : أتمّ الآية ( إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول ) (3)ومولاي ( عليه السلام ) هو الرضا من الرسول ، وقال : قد علمت أنّك تقول هذا ، ولكن أرّخ اليوم ، فإن أنا عشت بعد هذا اليوم المؤرّخ في هذا الكتاب ، فاعلم أنّي لستُ على شيء ، وإنّ أنا متُّ فانظر لنفسك ، فورخ [ أرخ ] عبد الرحمن اليوم وإفترفوا . . . ، فلمّا كان في اليوم الأربعين ، وقد طلع الفجر ، مات القاسم ( رحمه الله ) فوافاه عبد الرحمن يعدو في الأسواق حافياً ، حاسراً وهو يصيح وا سيّداه ، فاستعظم الناس ، يقولون : ما الذي تفعل بنفسك ؟ ! فقال : اسكتوا ، فقد رأيت ما لم تروه ، وتشيّع ورجع عما كان عليه ، ووقف الكثير من ضياعه (4).

علم الغيب :

إنّ العلم بالغيب ظاهرة طبيعية في حياة الأنبياء والصالحين ، فإنّهم حازوا هذه المرتبة بإذنه سبحانه وتعالى ، واستخدموها في خدمة الرسالة والدين ، وتوجد نماذج عديدة في القرآن الكريم ، تحدّثنا عن هذا الأمر ، كما في قصص الأنبياء والصالحين ، في آيات عديدة نعم هناك نقطة مهمّة يجب إلفات الأنظار إليها ، وهي : أنّ الذين يُثبِت علم الغيب لغيره تعالى ، فإنّه يثبّته بقيد وشرط ، هو : أنّ كلّ من عَلِمَ الغيب ، فإنّه عَلمِه من الله - عزّ اسمه - وبعبارة أخرى : إنّ الذي يعلم الغيب بالذات ،


1) لقمان (31) : 34 .

2) الجن (72) : 26 .

3) الجن (72) : 27 .

4) الغيبة للطوسي : 310 ، ح 263 ، الخرائج والجرائح 1 : 467 ، في معجزات الإمام صاحب الزمان ( عليه السلام ) ، الصراط المستقيم 2 : 211 ، باب : 10 ، ح 11 ، إثبات الهداة 3 : 690 ، باب : 33 ، ح 106 .

ومن دون تعليم هو الله تعالى وحده ، أمّا غيره فإنّه يعلم الغيب بتعليم الله له .

ومع ذلك حاول البعض أن يشنّع على الشيعة ، ويُشهّر بهم ، بأَنّهم أثبتوا صفات الله الخاصّة به لغيره وخالفوا بذلك القرآن لأنّهم أثبتوا أنّ غير الله تعالى يعلم الغيب ، والقرآن يقول : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ) (1)، جاهلاً هذا المستشكل أو متجاهلاً للشرط المذكور ، وللآية التي تلت هذه الآية قال تعالى : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُول فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ) (2)، وسيأتي عرض الأدلّة على مدّعى الشيعة .

والنقطة الأخرى الجديرة بالذكر هي أنّ هذا القول ليس من مختصّات الإمامية ، بل أثبته كثير من علماء السنّة ، واستدلّوا عليه وبه ، وهذا بعكس أنّ هذه القضية حقيقة قرآنية أثبتها القرآن الكريم للأنبياء والأولياء ( عليهم السلام ) .

القرآن وعلم الأنبياء والأولياء بالغيب :

الآية الأولى : حدّثتنا بعض الآيات القرآنية عن ثبوت علم الغيب لغيره تعالى ، كما في الآية المتقدمة ، حيث حصرت علم الغيب به تعالى ، ثمّ استثنت من ارتضاه الله « عزّ وجلّ » ( إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى ) ، ومن المعلوم أنّ الأنبياء والأولياء مرضيّون عنده تعالى ، إذن فقد أعطى الله تعالى هذا المقام وهذا الحقّ لهؤلاء المرضيين بأن يَعْلموا الغيب بإذنه تعالى وبتعليمه .

الآية الثانية : قال تعالى : ( وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْء مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء ) (3).

فهذه الآية تثبت أنّه لا يستطيع أحد أن يحيط بشيء من علمه تعالى إلاّ الذين يشاء الله عزّ وجلّ لهم ذلك .


1) الجن (72) : 26 .

2) الجن (72) : 26 - 27 .

3) البقرة (2) : 255 .

الآية الثالثة : قال تعالى في سورة يوسف : ( قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ) (1).

فهذا إخبار صريح من النبيّ يوسف ( عليه السلام ) بأنّه يعرف الأمور قبل أن تحدث ، وبالفعل تقع كما أخبر ، ثمّ يُبين النبيّ يوسف ( عليه السلام ) أنّ علمه هذا من الله تعالى ، فيوسف ( عليه السلام ) يعلم الغيب بتعليم الله تعالى ، كما هو الواضح من الآية القرآنية .

الآية الرابعة : قوله تعالى ، عن النبيّ عيسى ( عليه السلام ) : ( وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (2)الكهف (18) : 65 .(3).

فالنبي عيسى ( عليه السلام ) يخبرهم عن أكلهم وعمّا يدّخرونه في بيوتهم ، وهذه أمور لا يعلمها إلاّ أصحابها ، فهي إذن إخبارات عن الغيب ، وهي بإذنه تعالى كما هو واضح .

الآية الخامسة : قوله تعالى في قصّة موسى مع العبد الصالح : ( فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَدُنَّا عِلْماً ) (3) إلى آخر ما يقصّه القرآن علينا من أمر السفينة التي خرقها ، والغلام الذي قتله ، والجدار الذي أقامه ، فهذه كلّها أمور غيبية تعلّمها العبد الصالح بإذنه تعالى ورحمته .

فعلم الغيب إذن يكون للأنبياء ( عليهم السلام ) وبإذنه تعالى ، وكذا يكون لغيرهم ممن حاز المراتب العالية ، والمنازل السامية ، كما في الآية الأخيرة المتقدّمة ، وهذه حقيقة قرآنية لا يحقّ لأحد إنكارها أو ردّها ; لأنّه يكون ردّاً للقرآن الكريم ، ورداً لمّا أخبر عنه ، بل قد عدّ القرآن الكريم علم الغيب آية من الآيات الإلهية ، قال تعالى : ( وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي


1) يوسف (12) : 37 .

2) آل عمران

3) : 49

ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ) (1)صحيح مسلم 4 : 1771 ، رقم 2916 .(2).

الروايات وعلم الغيب :

بالإضافة إلى ما تقدّم ، فإنّ مسألة علم الغيب للأنبياء والصالحين ، حقيقة روائية أيضاً ، فقد نقل الفريقان - سنّةً وشيعةً - روايات ونصوص كثيرة تثبت هذا المعنى وتُبيّنه .

منها : ما جاء في تاريخ ابن عساكر بسنده إلى أبي صادق ، قال : « قدم أبو أيوب الأنصاري العراق فأهدت له الأزد جزوراً ، فبعثوا بها معي ، فدخلت فسلّمت عليه ، وقلت له : يا أبا أيّوب ، قد كرمّك الله بصحبة نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ونزوله عليك ، فما لي أراك تستقبل الناس تقاتلهم ؟ ! تستقبل هؤلاء مرّة وهؤلاء مرّة ، فقال : إنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عهد إلينا أن نقاتل مع عليّ الناكثين ، فقد قاتلناهم ، وعهد إلينا أن نقاتل معه القاسطين ، فهذا وجهنا إليهم - بغي معاوية وأصحابه - وعهد إلينا أن نقاتل مع عليّ المارقين فلم أرهم بعد » (3).

فقد أخبر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن الغيب وقد تحقق بالفعل ، فقاتل علي ( عليه السلام ) الناكثين والقاسطين والمارقين . فإذا لم يكن هذا إخبار عن الغيب فماذا يسمّيه المنكِر ؟ !

ومنها : ما جاء في صحيح مسلم ، عن أمّ سلمة : أنّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قال لعمار : « تقتلك الفئة الباغية » (3) ، ورواه ابن أبي شيبة في مصنّفه (4)، وأحمد بن حنبل في المسند (5)، والترمذي في الجامع الكبير (6)، وابن الأثير في الكامل في


1) آل عمران

2) : 49 .

3) تاريخ مدينة دمشق 16 : 53 ، وانظر : كنز العمال 11 : 158 ، ح 31717 ، ورواه الهيثمي في مجمع الزوائد عن الطبراني في الكبير ، باختلاف يسير 6 : 254 ، ح 10443 .

4) المصنّف 8 : 723 ، كتاب الجمل وصفين والخوارج .

5) المسند 9 : 209 ، رقم 6499 .

6) الجامع الكبير 6 : 134 ، رقم : 3800 .

التاريخ (1)، وغيرها من كتب الحديث والرواية .

وهناك روايات كثيرة دلّت على علم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالغيب (2).

بل عُدَّ علم الرسول بالغيب من الأمور الواضحة والثابتة بحيث استدلّ به غير واحد على نبوّة النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كما في شرح المقاصد للتفتازاني (3)، ودلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة لأحمد بن الحسين البيهقي ، فقد ذكر فيه روايات كثيرة دلّت على علمه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالغيب (4)دلائل نبوته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في ضوء السنة للدكتور أحمد محمود أحمد شيمي (5)، وكتاب العقيدة الإسلاميّة لمصطفى سعيد الخن ومحيي الدين ديب (6).

فإثبات علم الغيب للرسول الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من الأمور الواضحة والجليّة التي اتفق عليها الفريقان سنّة وشيعة ، وعدّ علم الغيب أحد الأدلة على نبوته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، كما بينّا .

بل قد أثبتت بعض الرويات التي نقلها السنّة ، علم الغيب حتّى لبعض الناس العاديين ، أيّ من لم يكن نبيّاً ولا وصيّاً ، مثل حذيفة بن اليمان ، جاء في صحيح مسلم بسنده عن حذيفة ، أنّه قال أخبرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ، فما منه شيء إلاّ قد سألته ، إلاّ إنّي لم أسأله ما يخرج أهل المدينة من المدينة (7).


1) الكامل في التاريخ 3 : 241 .

2) انظر كتاب العقيدة الإسلاميّة : 316 ، تأليف مصطفى سعيد ومحيي الدين ديب ، فقد أحصى بعض الروايات التي أثبتت هذا المعنى .

3) شرح المقاصد 5 : 36 .

4) دلائل النبوّة الجزء السادس .

5) دلائل نبوته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : 587 ، الباب الثالث .

6) العقيدة الإسلاميّة : 315 .

7) صحيح مسلم 4 : 1756 ، باب النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيما يكون إلى قيام الساعة ح 22 .

وأخرج مسلم عدّة أحاديث أخرى بهذا المضمون ، وروى مثله أو بمعناه ، البخاري في صحيحه (1)، والبيهقي في دلائل النبوّة (2)، وابن عساكر في تاريخه (3)، والمزّي في تهذيب الكمال (4)، والذهبي في سير أعلام النبلاء (5).

فحذيفة بن اليمان - يعلم ما يكون إلى قيام الساعة ، فكيف مَن عَلّمه ذلك ؟

فلا تبقى أيّ شبهة في كون الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يعلم الغيب بتعليم الله تعالى ، وهذا أمر تسالم عليه الفريقان .

الأئمّة ( عليهم السلام ) وعلم الغيب :

تبيّن بوضوح - من خلال ما تقدّم - حقيقة مسألة علم الغيب لغيره تعالى ، وثبت أنّها حقيقة قرآنية للأنبياء ( عليهم السلام ) وكذا الأولياء ، وعدّ هذا المعنى من المعاني الثابتة روائياً ، وقد استُدلِ به على نبوة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، كما تقدّم ، بل وأثبتت بعض الروايات التي تسالم على نقلها السنّة في أمهات كتبهم الحديثية وغيرها ، أثبتت علم الغيب لبعض الصحابة أيضاً ، كما تقدّم في حذيفة بن اليمان ، ومع وقوع هذا المعنى وتحقّقه ، ترتفع كلّ الموانع العقلية والنقلية ، التي تخيّلها البعض أنّها موانع في طريق تحقّق علم الغيب لغيره تعالى .

نعم ، إثبات علم الغيب لشخص معيّن بحاجة إلى دليل ، فالنقاش يكون حول الدليل وتماميّته .

وقد ادّعى الشيعة : أنّ أئمتهم يعلمون الغيب بإذن الله تعالى ، فالسؤال الجدير بالبحث هو : ما هو الدليل على أنّ الأئمّة ( عليهم السلام ) يعلمون الغيب ؟


1) صحيح البخاري 4 : 232 ، باب ( وكان أمر الله قدراً مقدوراً ) ح 6604 .

2) دلائل النبوّة 6 : 405 ، باب ما جاء في أخباره بالفتن التي ظهرت في أيام عثمان .

3) تاريخ مدينة دمشق 8 : 351 ح 2227 و 12 : 265 ، حذيفة بن اليمان .

4) تهذيب الكمال 4 : 193 ، حذيفة بن اليمان

5) سير أعلام النبلاء ، السيرة النبوية 2 : 327 ، باب من إخباره بالكوائن بعده فوقعت كما أخبر .

الجواب : هناك عدّة أدلّة تثبت أنّ الأئمّة الاثني عشر ( عليهم السلام ) يعلمون الغيب ، وقبل أن نبتدأ ببيان هذه الأدلّة ، نحبّ أن نلفت النظر إلى قضية وهي :

أن للشيعة الإمامية أدلّة عامّة تثبت هذا المطلب ، وهي تلك الأدلّة التي قبلها المخالف وثبتناها ولهم أدلّة خاصّة بهم وهي على نوعين ، أدلّة عقلية تثبت علم الغيب للأئمّة ( عليهم السلام ) ، ولكن هذه الأدلة مبنية على أمور ومقدمات لا يقبلها الخصم وفق ما تبنّاه من رؤى وأفكار ، حول العقيدة والإمامة الإسلامية بالخصوص ، فإنّ الدليل العقلي مبتني على العصمة ومقام الإمامة ، عند الشيعة ، فمن لا يقبل مقام الإمامة الإلهيّة لا يمكن أن نقيم البرهان له على علم الأئمّة ( عليهم السلام ) بالغيب من هذا الطريق ، بل لا بد من بحث مقام الإمامة وحقيقتها ومرتبتها الوجودية ثمّ يتفرع البحث عن مثل علم الغيب .

والنوع الثاني من الأدلة الخاصّة هي الأدلّة النقلية ، وهي تلك الروايات التي رووها في كتبهم واختصوا بنقلها ، وهي روايات كثيرة ملأت كتبهم ، تثبت صريحاً علم الأئمّة ( عليهم السلام ) بالغيب بِمَنِّ الله تعالى وفضله .

فهذه أيضاً لا يصحّ الاستدلال بها على الخصم لما تقدّم .

فهنا سوف يكون استدلالنا بخصوص تلك الأدلّة التي قبلها الخصم أيضاً ، وهي عدّة أدلّة تثبت علم الغيب للأئمة ( عليهم السلام ) ، منها .

الاستدلال بحديث الثقلين على علم الأئمّة بالغيب :

أخرج الترمذي في سننه بسنده إلى أبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم ، قالا : « قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « إنّي تارك فيكم ما إنّ تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما » (1).


1) سنن الترمذي 6 : 125 ، باب مناقب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ح 3788 .

وجاء في مسند أحمد بسنده إلى زيد بن ثابت ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « إني تارك فيكم خليفتين : كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض ، أو ما بين السماء والأرض ، وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » (1).

ولمزيد الاطلاع حول هذا الحديث انظر كتاب « أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) في كتب أهل السنّة » للشيخ حكمت الرحمة ، فقد ذكر الحديث بصيغة المختلفة من مصادر السنّة ، وذكر من صحّحه منهم واعتبر سنده .

وجه الاستدلال بحديث الثقلين على علم الأئمّة بالغيب :

قرن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في هذا الحديث الشريف أهل البيت ( عليهم السلام ) مع القرآن الكريم ، وجعلهما « ثقلين » ، وفي بعض صيغ الحديث « خليفتين » ، وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في ذيل الحديث : « لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » إذن فالقرآن وأهل البيت ( عليهم السلام ) لا يمكن افتراقهما ، وعدم الافتراق جاء مطلقاً في الحديث ، أي لا يمكن أن يفترقا بجميع الخصوصيات والامتيازات ، فما ثبت للقرآن من خصائص كالقداسة والحقانية والهداية وما شاكلها من الصفات ، فهي ثابتة لأهل البيت ( عليهم السلام ) وإلاّ فإذا ثبتت خصوصية للقرآن - لا سيما تلك الخصوصيات المهمة والأساسية - ولم تثبت لأهل البيت ( عليهم السلام ) فهذا سوف يكون افتراق بينهما ، مع أنّ الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نصّ على عدم افتراقهما .

ومن تلك الخصوصيات المهمّة للقرآن الكريم ، والتي نصّت عليها الآيات المباركة ، أنّ القرآن فيه بيان كلّ شيء ، قال تعالى ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ) (2)فالقرآن إذن فيه تبيان كلّ شيء وأهل البيت ( عليهم السلام ) هم عدل القرآن الكريم والثقل الآخر ، فلا بد أن يكون عندهم تبيان كلّ


1) مسند أحمد بن حنبل 16 : 28 ، دار الحديث القاهرة ، و 5 : 182 ، دار صادر .

2) النحل (16) : 89 .

شيء ويعلموا بكل شيء ، أمّا إذا لم نقل بهذا وقلنا أنّ هذه خصوصيّة للقرآن الكريم دون أهل البيت ( عليهم السلام ) وهذا أمر قد أخبر الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن عدم جواز تحقّقه وامتناع وقوعه .

رُبّما يُطرح سؤال : إذا كان هذا المعنى هو المقصود من آية : ( فيه تبيان كلّ شيء ) فلماذا أكثر الناس لا يفهمون منه هذا ؟ خواصّهم فضلاً عن عوامهم .

هذا السؤال يجيبنا عنه القرآن الكريم ، قال تعالى : ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) (1).

فهذا أحد الأدلة على علم الأئمة ( عليهم السلام ) بالغيب ، وهناك أدّلة أخرى تثبت علم الغيب للأئمة ( عليهم السلام ) ، منها ، الأخبار الكثيرة التي أثبتت أنّ الإمام عليّ ( عليه السلام ) وأهل البيت نفس رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كما دلّت على ذلك آية المباهلة ، قال تعالى : ( فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) (2)، وقد تقدّمت الأدلّة على علم الرسول بالغيب ، ومن الأدلة ، الأخبار والروايات التي رواها السنّة والشيعة ، التي تثبت أفضلية أهل البيت ( عليهم السلام ) وأعلميتهم على جميع الصحابة ، وقد تقدّم أن بعض الصحابة يعلم الغيب كما في حذيفة بن اليمان .

فثبوت علم الغيب للأئمة ( عليهم السلام ) قضية حقيقية واقعية ، أثبتتها الروايات المتفق عليها عند السنّة والشيعة ، بل وقد أثبت أبناء العامة علم الغيب لأشخاص أقل فضلاً وكرامة من أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وأمّا الشواهد التي رآها الناس من إخبارات الأئمة ( عليهم السلام ) عن بعض المُغيبّات ، ثمّ تَتَحقّق كما أخبروا ، فهي كثيرة أيضاً ، ومن تلك الشواهد ما رآه « عبد الرحمن بن محمّد السينيري » بنفسه ، فعرف بأنّ هذه كرامة ومنزلة لا يعطيها الله إلاّ


1) آل عمران (3) : 7 .

2) آل عمران (3) : 61 .

لمن ارتضاه ، قال تعالى : ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى ) (1)فأيقن أنّ الحقّ مع أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وعند قائمهم المهدي المنتظر ، فأعلن استبصاره واعتناقه لمذهب التشيّع ، مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) .


1) الجن (72) : 26 - 27 .

(120) عبد المطلب بن حيدر المشعشعي( مغالي / إيران )

عاش « عبد المطلب » الملقب بالمهدي الموسوي الحسيني المشعشعي (1)في النصف الثاني من القرن العاشر ، وتوفي سنة 1019 ه‍ ، وهو من مواليد مدينة الحويزة التابعة لمحافظة خوزستان الواقعة في جنوب إيران .

وكان المعروف عن عائلة « المشعشعي » أنّهم غلاة ، يعتقدون بألوهيّة عليّ ( عليه السلام ) ، وكانوا يعبدونه ، ويعتقدون بسقوط التكاليف عن الأفراد ، فلا تجب عندهم صلاة ولا صوم ولا زكاة ، فضلا عن باقي العبادات ، لذلك عندما رأى عبد المطلب شخصاً يصلّي تعجّب ، وسأل ذلك الشخص : لماذا تقوم وتقعد بهذه الصورة ؟ !

وهذا يكشف عن عمق عقيدتهم هذه ، ورسوخها في نفوسهم ، وقدمها عندهم ، بحيث وصل بهم الأمر إلى أنّهم لا يعرفون صورة العبادة ، فضلاً عن اعتقادها والعمل بها أو الوقوف على حقيقتها .

الغلو والغلاة :

إنّ الغلو ظاهرة قديمة في المجتمعات البشرية ، بحيث قد لا يمكن تحديد


1) السادة المشعشعية سلسلة مشهورة ومعروفة في بلاد « الحويزة » وقد حكموها لسنين عديدة .

بداية ظهورها بين الناس ، وقد أشار القرآن الكريم إلى غلو الأُمم السابقة ، قال تعالى : ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ ) (1)تصحيح الاعتقاد : 131 .(2).

تعريف الغلو :

« الغلو » لغة مجاوزة الحدّ ، وقد ورد في لسان العرب : غلوت في الأمر غلواً أو غلانية ، إذا جاوزت فيه الحدّ وأفرطت فيه » (3)، وعُرّف « الغلو » اصطلاحاً : « هو التجاوز بأشخاص البشر عن مقاماتهما من حدّ العبودية إلى مقام الربوبية » (4).

والغلو في المصطلح المتعارف بين المسلمين : هو الاعتقاد بألوهية الإمام عليّ ( عليه السلام ) وأهل البيت ( عليهم السلام ) ، والاعتقاد بنبوتهم .

قال « الشيخ المفيد » في تصحيح الاعتقاد : « والغلاة من المتظاهرين بالإسلام هم الذين نسبوا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) والأئمّة من ذرّيّته ( عليهم السلام ) إلى الألوهية والنبوة ، ووصفوهم من الفضل في الدين والدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحدّ وخرجوا عن القصد » (4) .

أهم عقائد الغلاة :

إنّ من أهم عقائد الغلاة : إنّ الإمام علي ( عليه السلام ) هو الإله ومَن عرف أنّ علياً ( عليه السلام ) خالقُه ورازقُه سقط عنه التكليف ، ومنهم من اعتقد بنبوّة الإمام عليّ ( عليه السلام ) وأهل البيت ، وأنّ جبريل قد اشتبه في إيصال الرسالة أو قصّر .

وهناك عقائد جزئية اختصّت بها فرقة دون أخرى ، مذكورة مفصّلاً في مضانّها (5).


1) النساء

2) : 171 .

3) لسان العرب : 3290 ، مادة ( غلا ) .

4) الجذور التاريخية والنفسية للغلو والغلاة : 19 .

5) انظر : الجذور التاريخية للغلو والغلاة ، سامي الغريري .

فرق الغلاة :

ذُكر للغلاة فرق كثيرة بعضها وهمية وبعضها لها حظ من الواقع ، وقد ضخّمت بعض المصادر شأن جملة من هذه الفرق لغايات معروفة أهمّها الطعن بالتشيّع بمفهومه العام .

موقف الشيعة الإمامية من الغلاة :

قال الشيخ المفيد في تصحيح الاعتقاد : « وهم [ أي : الغلاة ] ضلاّل كفّار ، حكم فيهم أمير المؤمنين ( عليه السلام ) بالقتل والتحريق بالنار ، وقضت الأئمّة ( عليهم السلام ) عليهم بالإكفار والخروج عن الإسلام » (1).

وقال الشيخ الصدوق في الاعتقادات : « اعتقادنا في الغلاة والمفوّضة أنّهم كفّار بالله جلّ اسمه ، وأنّهم شرّ من اليهود والنصارى والمجوس ، والقدريّة ، والحروروية ، ومن جميع أهل البدع والأهواء المضلّة ، وأنّه ما صغر الله جلّ جلاله تصغيرهم بشيء » (2).

هذا موقف الإمامية من الغلاة ، وهو موقف واضح وصريح وعليه الإجماع ، وما ذلك إلاّ لروايات رويت عن الأئمّة ( عليهم السلام ) في الغلاة ، وما نقل من شدّة مواقف الأئمّة ( عليهم السلام ) منهم (3).

قصّة استبصاره :

أمّا قصّة استبصار « عبد المطلب المشعشعي » ، فيحدّثنا عنها حفيده « السيّد عليّ خان » ، قائلاً : « أحمد الله وأشكره أيضاً لنظمي في سلك ما كان عليه والدي وجدّي من الطاعات وما أحرزه بحبّ أهل البيت ( عليهم السلام ) من الخدمات ، فإنّ جدّي


1) تصحيح الاعتقادات : 131 ، فصل في الغلو والتفويض .

2) الاعتقادات : 970 ، باب : الاعتقاد في نفي الغلو والتفويض .

3) الجذور التاريخية والنفسية للغلو والغلاة : 269 ، موقف الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأهل البيت ( عليهم السلام ) من الغلاة .

المرحوم - وهو السيّد عبد المطلب عفى الله عنه - ابن حيدر بن المحسن بن محمّد الملقّب بالمهدي ، كان من خدمته لهم ( عليهم السلام ) إنّ كان بين جماعة من قومه وعشائره ، وكانوا على طريق ضلالة ومذهب جهالة ، فأنكر عليهم ، وخامره الشكّ في سوء عقائدهم ، وهو إذ ذاك شاب .

ونقم على مذهبهم في الباطن ، وقال : « كيف يُعبد من قتل ودفن » ، إشارة إلى عليّ ( عليه السلام ) فخرج يوماً لبعض مآربه وإذا هو يرى رجلاً يصلّي ، وكان الرجل من أهل العلم ، ولم يكن من أهل بلادهم ، وقد ورد إليهم لبعض شأنه ، فسأله : « ماذا تصنع وتفعل بقيامك وقعودك ؟ إذ لم أر أهل هذه البلاد يفعلون مثل ما تفعل » ، فقال له الرجل : « ما عليك مني إمض لشأنك » ، فأقسم عليه أن يخبره عما سأله ، فقال : « إنّي أصلّي لله ربّ العالمين ، الصلاة المفروضة التي افترضها الله ورسوله على العباد ، وأمّا أهل بلادك هؤلاء فهم على ضلالة ، وأنّ الربّ هو الله ، ومحمّد صلوات الله عليه وآله رسوله ، وعليّ خليفته من بعده ، وهو الإمام المفترض الطاعة بأمر الله ورسوله ، وانّما هو عبد اصطفاه الله وأكرمه وقُتل في سبيله وقتله ابن ملجم » .

قال : « فشكرته ، وقلت : قد أبنت عما كنت أطلب بيانه ، لكن قل لي : أين مقرّك ؟

فقال : بموضع كذا .

ثمّ إنّي رجعت إلى أبي « السيّد حيدر » ، وسألته أن يرخصني بأن أصلّي ، فرخصني ، وقال أنت وشأنك ولا أمنعك عن ذلك ، ورأيت في وجهه البشر والاستحسان لفعلي » .

قال جدّي : « فرجعت إلى الشيخ المذكور فرحاً بما رخّصني به أبي ، وأعلمته بما صار لي معه من الكلام ، فسرّ بذلك ، فصرت أتردّد عليه حتّى تعلّمت منه معرفة الله تعالى ، ومعرفة واجبات صلاتي والطهارة والصوم ، فتبعني أخوتي على إسلامي ، وأسلموا أهل بيتنا والاتباع والخدام ، وصرنا معروفين بين قبائل

المشعشعين بهذا الدين » .

خدمته للتشيّع وإنجازاته العلمية والثقافية :

يحدّثنا حفيده أيضاً عن انجازات جدّه العلمية والثقافية ، قائلاً :

قال جدّي : « فلمّا وفّقنا الله تعالى لإستيلائنا على هذا الأمر وإنتزاعنا الأمر من بني عمّنا - أعني آل سجاد وآل فلاح - لم يكن لي هم إلاّ رجوع الناس والأقوام من الكفر إلى الإسلام بالسيف واللسان وبذل المال ، فصرت أدعو قبيلة قبيلة إلى الإسلام ، فمن أطاع أنعمت عليه ومن أبي قتلته ، حتّى وفق الله في أيام قليلة رجعت الناس إلى الإسلام وحسن إسلامهم وزال الكفر وأهله » .

ثمّ إنّه شرع ببناء المساجد والمدارس وعنت إليه العلماء وطلبة العلم من البلدان ، وجاوروه وانتفعوا به ونفعهم ، فجزاه الله عنّا وعن المسلمين كلّ خير ، وجمعنا وإيّاه في مستقرّ رحمته ، إنّه كريم رحيم ، ومآثره ومناقبه لا تعدّ ولا تحصى (1).


1) مصادر الترجمة : رياض العلماء 2 : 239 ، في ترجمة السيّد خلف بن عبد المطلب ، طبقات أعلام الشيعة القرن الحادي عشر : 200 و 357 .

(121) عمران الصابئي( صابئي / إيران )

يعد « عمران الصابئي » من رؤساء الصابئة وأعيانهم في القرن الثالث الهجري ، بل كان الزعيم الروحي لهم ، وكان من كبار الفلاسفة ومن أبرز المتكلّمين في زمانه ، وعُرف بكثرة الجدل والنقاش ، وأنّه لم يقطعه عن حجّته أحد قط ، ومن دلائل علمه ودقّة نظره وحسن تأدّبه في مناظراته يمكن الإشارة إلى المناظرة التي جرت بينه وبين الإمام الرضا ( عليه السلام ) ، فقد سأل مسائل دقيقة وعميقة ، كانت ولا تزال من أعقد المسائل الكلامية والفلسفية التي دارت عليها الأبحاث لقرون عديدة ، فكان « عمران » دقيقاً في طرح الأسئلة ، ومتأمّلاً في سماع الأجوبة ، يسأل الأسئلة العميقة ، ويتقبّل الأجوبة بموضوعيّة ، من دون أيّ تعصّب أو تحيّز .

الصابئة :

« الصابئة » قوم من أصحاب الديانات القديمة وهم يرون : بأنّهم من أتباع تعاليم النبيّ آدم ( عليه السلام ) حتّى أنّ كتابهم المقدس ( كنزاربا ) معناه « صحف آدم » ويعتقدون بأنّ الله تعالى بعث لهم النبيّ يحيى يخلصهم من الانحرافات ، بعد أن حدثت الفتن والاختلافات ، وظهرت عبادة الأوثان ، ويعتبرون النبيّ يحيى ( عليه السلام ) نبياً خاصّاً بهم ، ولهذا عرفوا أيضاً بأتباع النبيّ يحيى ( عليه السلام ) .

وقد وقع الاختلاف في أصل عقيدتهم : هل هم موحّدون أم لا ؟ ولكن الصحيح أنّهم موحّدون . وقد ورد ذكرهم في القرآن الكريم ثلاث مرات ، في آية

(62) من سورة البقرة ، وآية (69) من سورة المائدة ، وآية (22) من سورة الحج .

ومن أركان دينهم وأساس عباداتهم : الشهادة بأنّ الله تعالى واحد لا شريك له في حكمه ، التعميد ، الصدقة ، حرمة الختان ، الصلاة ، الصيام .

وتنقسم الصابئة إلى عدّة فرق ، منها : « الحلولية » ، و « أصحاب الأشخاص » ، و « أصحاب الهياكل » ، و « أصحاب الروحانيات » ، وغيرها .

وعند الصابئة كتب مقدّسة عديدة ، منها : « الكنزاربا » وهو أهم كتاب مقدّس عندهم ، وكتاب « دراشة أديهيا » ، وكتاب « القلستا » ، وكتاب « انياني » ، وغيرها (1).

قصّة استبصاره :

روى الشيخ الصدوق في كتابيه التوحيد والعيون - مسنداً - المناظرة التي جرت بين الإمام الرضا ( عليه السلام ) وبين كبار علماء باقي الأديان ، فقد روى الحسن بن محمّد النوفلي : إنّ المأمون جمع أصحاب المقالات ورؤساء الأديان كالجاثليق ورأس الجالوت ، ورؤساء الصابئين والهربذ الأكبر أصحاب زردشت ونسطاس الرومي ، ليسمع كلام الإمام ( عليه السلام ) وكلامهم ، فعندما جاء الإمام ( عليه السلام ) ابتدأت المناظرات ، فجرت مناظرة بين الإمام ( عليه السلام ) والجاثليق ، فغلبه الإمام ( عليه السلام ) ، وكذا غلب الإمام ( عليه السلام ) رأس الجالوت والهربذ الأكبر ، ثمّ قال الإمام ( عليه السلام ) : « يا قوم إنّ كان فيكم أحد يخالف الإسلام وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم » فقام عمران الصابئي - وكان واثقاً من نفسه ومعجباً بعلمه ودقّة نظره - فقال : يا عالم الناس ! لولا أنّك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك ، فلقد دخلت الكوفة والبصرة والشام والجزيزة ، ولقيت المتكلّمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحداً ليس غيره قائماً بوحدانيته ، أفتأذن لي أن أسألك ؟ قال الإمام ( عليه السلام ) إنّ كان في الجماعة عمران الصابئي فأنت هو ،


1) للمزيد من الإلمام بالصابئة ، انظر : الصابئون في حاضرهم وماضيهم للسيد عبد الرزاق الحسني ، والصابئة لغضبان رومي ، والصابئة المندائيون لسليم برنجي ، وتاريخ الصابئة المندائيين لمحمّد عمر حمادة .

قال : أنا هو ، فقال الإمام ( عليه السلام ) سل يا عمران ، وعليك بالنصفة ، وإياك والخطل والجور ، قال : والله يا سيدي ما أريد إلاّ أن تثبت لي شيئاً أتعلّق به فلا أجوزه » .

فابتدأ عمران سائلا : أخبرني عن الكائن الأوّل وعمّا خلق .

فأجابه الإمام ( عليه السلام ) : « سألت فافهم ، أمّا الواحد فلم يزل واحداً كائناً ، لا شيء معه ، بلا حدود ولا أعراض ولا يزال كذلك ، ثمّ خلق خلقاً مبتدعاً مختلفاً بأعراض وحدود . . . » إلى آخر جوابه ( عليه السلام ) ثمّ سأل عمران أسئلة أشدّ تعقيداً وأكثر دقّة .

فكان كلّما سأل سؤالا يسمع جواباً شاملاً ، دقيقاً ، مدلّلاً ، وكلمّا تعمّق في طرح السؤال ، يسمع جواباً أعمق وأدق ، فاعتراه الذهول والاندهاش والاستغراب ; رأى إنساناً متواضعاً لم ير مثله قط ، في علمه وفهمه وأخلاقه ، وسعة صدره .

وعندها وقف عمران وقفة احترام ، وقفة لا يخالجه فيها شك ولا تعتريه فيها هواجس القلق والارتياب ، معلناً تسليمه للإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ، ومعلناً اعتناقه للدين الإسلامي الحنيف قائلاً : « نعم يا سيدي قد فهمت ، وأشهد أنّ الله على ما وصفته ووحدته ، وأنّ محمداً عبده المبعوث بالهدى ودين الحقّ ، ثمّ خرّ ساجداً نحو القبلة » وحسن إسلامه وصار من مقرّبي الإمام ( عليه السلام ) (1).


1) انظر نص المناظرة في توحيد الصدوق 405 ، عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) 1 : 139 .

(122) عطاء الله الرودسري الجيلاني( زيدي / إيران )

المولى « عطاء الله الرودسري الجيلاني » ، من مواليد رودسر ، وهي مدينة من توابع محافظة لاهيجان الإيرانية .

عصره :

كان « عطاء الله » من أعلام القرن الحادي عشر ; لأنّه كان تلميذ « السيّد أبي القاسم الفندرسكي » ، العالم المعروف ، المتوفّي سنة 1052 ، أو 1050 ه‍ (1). وللفندرسكي مناظرة لطيفة مع سلطان الهند وهي : قال سلطان الهند - وكان سنّياً - : أسألكم سؤالاً واحداً في سبّ معاوية لأي جهة هو ؟

قال السيّد الفندرسكي : لو فرضنا أنّك كنت في الحرب بين عليّ ( عليه السلام ) ومعاوية موجوداً بأمر أيّهما كنت متمثّلاً ؟

قال السلطان : كنت أطيع أمر عليّ ( عليه السلام ) لكونه خليفة بالإجماع ، وكون مخالفته كفراً .

قال السيّد : لو أمّرك عليّ ( عليه السلام ) بمبارزة معاوية تطيعه أو تعصيه ؟

قال السلطان : لقد كنت أطيعه ; لكون خلافه كفراً .

قال السيّد : فحينئذ لو سل معاوية سيفه وأراد قتلك ، هل كنت تقتله ؟ أو تهرب من الجهاد ؟ أو كنت تقتل نفسك ؟

قال السلطان : كنت أقتله قطعاً .


1) الذريعة 3 : 485 ، و 14 : 97 ، عن رياض العلماء .

قال السيّد : تعد قتله طاعة أو معصية ؟

قال السلطان : أعدّه طاعة ; لكونه طاعة لعلي ( عليه السلام ) .

قال السيّد : فمن كنت تقتله وتستبيح دمه ، تسألني عن سبّه أنّه يجوز أو لا يجوز ؟ ! (1).

وكان المولى عطاء الله تلميذاً للمولى حسن عليّ المتوفّى سنة 1069 ه‍ (2).

مذهبه السابق :

كان يعتقد « المولى عطاء الله » بالمذهب الزيدي ويؤمن به ، ولكن بعد دراسته لأدلة الفرقتين دراسة موضوعية بعيدة عن التعصّب والتحجر الفكري تنوّر قلبه بمعرفة الحقيقة ، فعندها تشرّف باعتناق مذهب الشيعة الإمامية .

أساتذته :

بعد أن تشرّف « المولى عطاء الله » باعتناق مذهب الإمامية ، تتلمذ على يدّ كبار العلماء في عصره ، منهم : القاضي معزّ الدين محمّد - قاضي إصفهان - ، والسيّد أبي القاسم الفندرسكي المعروف ، والمولى حسن عليّ بن المولى عبد الله التستري ، وأمثالهم .

مؤلّفاته :

خلّف « المولى عطاء الله » وراءه عدّة مؤلّفات منها :

1 - حاشية على الحاشية القديمة الجلالية على شرح التجريد .

2 - حاشية على الجواهر والأعراض من شرح التجريد .

3 - حاشية على شرح حكمة العين .

4 - حاشية على شرح المطالع (3).


1) مواقف الشيعة للميانجي 3 : 247 ، عن الخزائن للنراقي 134 .

2) الذريعة 1 : 178 ، الغدير 11 : 254 .

3) رياض العلماء 3 : 317 ، طبقات أعلام الشيعة ، القرن 11 : 367 ، معجم المؤلفين 6 : 284 .

(123) كروب هوناتيان ( عليّ إسلامي )( مسيحي ، أرمني / إيران )

الصورة

D26

كان مسيحياً أرمنياً من عائلة تعرف باسم « هوناتيان » ، اعتنق الدين الإسلامي وبالخصوص المذهب الجعفري عام 1381 ه‍ بعد ما رأى أنّ الدين الإسلامي هو الدين الوحيد الذي يحافظ على المعنوية والروحية ، وهي الجنبة الأخرى للانسان والأهم التي تعتقدها كافّة الأديان الأخرى ، بسبب ما طرأ على تلك الأديان من التحريف والتزييف .

وكذا وجد أن الإسلام ديناً كاملاً يعطي الإجابات الكافية والشافية على جميع الأسئلة التي يطرحها الذهن البشري ، ويبيّن احتياجات الفطرة الإنسانية ، وبالتالي يرسم الطريق الصحيح والمستقيم للوصول إلى الله تعالى .

ومن تلك القوانين الإسلاميّة التي أثّرت في نفس « كروب » ( عليّ إسلامي ) هو قانون الحجاب ، وكان لهذا القانون الدور الكبير في هدايته ، والسبب الذي جعله يفتح عينيه على الحقيقة .

السبب المحفّز لتغيير إنتمائه الديني :

يقول « كروب » ( عليّ إسلامي ) : السبب الذي رغّبني في الإسلام هو أنّي كنت أعمل في أحد المصانع في طهران ، وكنت أصاحب نفراً من المسلمين ، كانت الأواصر البيتيّة تربطني معهم ، وكانوا يدعونني في ليالي الجمعة إلى الحضور في

منتدياتهم المذهبية ، حتّى وقفت على جوانب من دينهم الإسلامي وتعّرفت على مذهبهم الكامل المستقيم .

ونظراً إلى أنّ الأرامنة المسيحيين لا يقيمون للحجاب وزناً ، فيختلط بعضهم مع بعض ، ويجتمعون رجالاً ونساءً على مائدة واحدة ، ولا تمييز للمحارم عن الأجانب عندهم ، ونظراً إلى ذلك تعجبت كثيراً ، حيث إنّي منذ فترة طويلة وأنا أصاحب أصدقائي المسلمين ، وأحضر مجالسهم ، وأُدعى إلى موائدهم ، فلا أرى نساءهم يدخلن علينا ، ولا يحضرن الموائد معنا ، وإستفسرتهم : ألستم على شاكلة الأرمن من المسيحيين تحضر نساؤكم على المائدة مع الضيوف ، ويجلسن معكم حلقات ؟

قالوا : كلا ، إنّ ديننا ( المسلمين ) وبالخصوص مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) يهتمّ بقضيّة الحجاب ، والمحرمية اهتماما بالغاً .

ولدى سماعي لهذا الموضوع ، اندفعت نحو هذا الدين اندفاعاً طبيعياً .

وقد عاقني عن إظهار العقيدة في ( طهران ) بعض الملاحظات البيتيّة ، والخوف من ذوي قرابتي هناك .

واحتفظت بفكرتي عن الإسلام إلى أن غادرت طهران عام ( 1380 ه‍ ) واتخذت من ( مسجد سليمان ) (1)محلاً لمزاولة مهنتي ، فرأيت فرصة مغتنمة للحضور لدى العالم الديني هناك ( الشيخ محمّد عليّ موحد ) الذي جاء من مدينة ( قم ) من قبل المغفور له المرجع الكبير آية الله السيّد البروجردي ( قدس سره ) للتصّدي للأمور الدينية هناك ، فعرضت عليه فكرتي ، واعتنقت الإسلام وصرت من أتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) بمحضره في جامع ( مسجد سليمان ) .

والآن : أرى نفسي سعيداً جداً حيث وفقت للهداية إلى الدين الحنيف والمذهب الحقّ .


1) مسجد سليمان مدينة في محافظة خوزستان - جنوب إيران .

الحجاب والفطرة الإنسانية .

إنّ مسألة الحجاب يمكن تناولها من جهتين ، تارة ننظر إلى هذه المسألة بمنظور شرعي ديني ، وأخرى ننظر إليها بمنظور أخلاقي اجتماعي ( فطرة الإنسان ) .

فإذا عاينّا بالمنظار الأوّل : نجد أنّ الشريعة الإسلاميّة اتخذت موقفاً واضحاً من هذه المسألة ، فقد أوجبت الشريعة الحجاب ، وعدت هذا الحكم ضرورة لا يمكن التنازل عنها ، وهذا الموقف يعكس أهميّة هذه القضيّة .

ومسألة الحجاب من هذه الجهة غير قابلة للنقاش أو الاشكال ; لأنّه سوف يكون نقاش غير علمي لأنّ المُناقِش إمّا أن يكون مسلماً ويعتقد بتعاليم هذه الشريعة المقدّسة ، فنقاشه بيّن البطلان بعد ثبوت أمر الشارع بضرورة الحجاب - وقد ثبت ذلك - وأمّا أن لا يكون مسلماً ، فنقاشه أيضاً بيّن البطلان ; لأنّه مبتن على مقدّمات غير متفق عليها ، لأنّ هكذا شخصاً لا يؤمن بالنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فضلاً عن الإيمان بأقواله .

فالنقاش في مسألة الحجاب من هذه الجهة لا يجدي شيئاً ولا سبيل إلى الصحّة فيه .

نعم ، التأمّل في هذه المسألة من هذه الجهة يفيدنا في التعرّف على الفوائد الاجتماعية والفردية للحجاب .

أمّا إذا نظرنا بالمنظار الثاني : أيّ ننظر إلى الحجاب من الجانب الاجتماعي والفطري للإنسان فهل تبقى هناك ضرورة للحجاب ؟

وبعبارة أخرى : لو ترك الإنسان وفطرته ومن دون أي إرشاد أو بيان من جهة معيّنة فهل يصل إلى نفس نتيجة الشريعة ؟

قد شغلت الإجابة عن هذا السؤال بال العلماء منذ زمن بعيد ، وهذا يعكس لنا أهمّيّة هذه المسألة من الجهة الاجتماعية والإنسانية .

أهميّة الحجاب :

من الأسباب التي تحتّم قضيّة الحجاب وتعدّها ضرورة اجتماعية لا يمكن التنازل عنها :

الأوّل : الحفاظ على الحالة النفسية للمجتمع :

إنّ الغريزة الجنسية تعدّ من الغرائز التي تطلب دائماً المزيد ، وكلّما يفتح لها المجال ، فإنّها تعطش أكثر فأكثر ، فهي على غرار غريزة حبّ المال ، فالإنسان لو تُرك حراً في التملّك فإنّه لا يقف عند حدّ ، فغريزة الجنس لا تعرف الحدود ، وهذا يؤدي إلى عدم ارتياح الشخص ، وعدم استقراره ، وبطبيعة الحال سيؤدي هذا الأمر إلى اضطراب المجتمع وعدم استقراره ، وهذه قضية خطيرة جداً يجب وضع الحلول لها ، وأفضل الحلول هو تقنينها ووضع حدود لها ، ومن أفضل تلك القوانين هو الحجاب .

أمّا لماذا الحجاب للمرأة دون الرجل ، فهذا أمر واضح وبيّن ; لأنّ المرأة هي الجنس اللطيف والحساس والجميل ، وهي التي يستميل إليها الجنس الآخر ، ويفتتن بمحاسنها فالحجاب ليس منعاً أو كبتاً ، بل هو تقنين للحفاظ على توازن الغريزة الجنسية في المجتمع .

الثاني : الحفاظ على قيمة المرأة واحترامها :

من المعلوم أنّ الشيء إذا بذل وزاد على الطلب فإنّ ذلك الشيء سوف يفقد قيمته الحقيقية واحترامه اللائق به ، وهذا الأمر يتأكّد أكثر عندما يكون المبذول هو الضعيف ، والطالب هو الأقوى ، فإنّ المرأة لو بذلت نفسها وجعلت منها سلعة متى شاء الرجال استعمالها استعملوها فسوف لا تكون هناك قيمة للمرأة بالنسبة للرجل ; لأنّه لا تكون هناك ضرورة لهذا الأمر ، إلاّ في حالات نادرة .

فلكي يُحافظ على قيمة المرأة ومنزلتها واحترامها لا بد من تقنين كيفية

الاستمتاع بها ، وجعل حدود واضحة لهذه المسألة من خلالها يمكن للرجل الوصول إلى اشباع غريزته الجنسية ومن تلك القوانين قانون الحجاب ، فهو يحافظ على كرامة المرأة ، ويرفع من قيمتها أمام الرجل .

وهناك عدّة أسباب وفوائد ذكرت للحجاب كلّها تنسجم مع الفطرة الإنسانية ، وتجعل الحجاب ضرورة اجتماعية يجب الحفاظ عليها .

فلو أردنا أن نُعّرف الحجاب لا بد أن نقول : هو حفاظ على استقرار المجتمع ، وحفاظ على المرأة ، ورفع قيمتها وكرامتها ، وتبيين أنّ المرأة شيء ثمين لا يحق لأيّ كان أن يستمتع بها متى شاء ومن دون أيّ ضابطة .

وهذا ينسجم تمام الانسجام مع الفطرة السليمة ، وهو ما دعا إليه الدّين الإسلامي ، وأكد عليه واعتبره ضرورة لا يمكن التنازل عنها ، حتّى لو لم تدرك المرأة نفسها ذلك في بعض الأحيان ومن هنا رأى « كروب » ( عليّ اسلامي ) أنّ القوانين الإسلاميّة هي التي تنسجم مع الفطرة الإنسانية السليمة ، فكان هذا الأمر نافذته التي أبصر من خلالها الحقيقة ، فآمن أنّ الإسلام هو الدين الذي يحافظ على الكرامة الإنسانية من خلال قوانينه وتعاليمه ، فآمن بالإسلام وبمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) إيمانا جازماً معلناً ذلك للجميع بكل اطمئنان وجزم .

(124) محمّد بن عبد الرحمن بن قبّة الرازي( معتزلي / إيران )

كان يلقب « محمّد بن عبد الرحمن بن قبة » بالرازي ، وقال الأمين في الأعيان : « الرازي » نسبة إلى الري على غير القياس ، وهي اليوم طهران وما والاها (1).

تحديد عصره :

كان « محمّد بن عبد الرحمن بن قبة » من أعلام القرن الرابع ; لأنّه يروي عن الحسن بن حمزة العلوي الطبري ، والتلعكبري سمع من الحسن هذا سنة 328 ه‍ (2).

وورد في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد أنّه مات قبل أن يكون الرضي موجوداً (3).

والرضي ولد سنة 359 ه‍ .

اعتناقه لمذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) :

كان محمّد بن عبد الرحمن سنّياً معتزلياً ، ويعدّ من معروفي المعتزلة ; لأنّه تتلمذ على يد كبير المعتزلة ورئيسها في بغداد وهو « أبو القاسم البلخي » (4).

ولكّنه لم يقبل بالتقليد الأعمى ومتابعة الآباء والأجداد ، ولم يقبل


1) أعيان الشيعة 9 : 380 .

2) نفس المصدر 9 : 380 .

3) شرح نهج البلاغة 1 : 206 .

4) شرح نهج البلاغة 1 : 206 .

بالانصياع والاستسلام للظروف والأجواء التي عاشها وتربّى فيها ، بل تابع مسيرته العلمية التكاملية ، فتوجّه نحو البحث لاكتشاف الحقيقة دون تعصّب أو تقليد أعمى ، فوصل إلى ما يريد في أوّل أمره ، واستقر فكره ، واطمأنّ قلبه ، ووجدت روحه ضالّتها ، وأيقن بأحقيّة مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، فاعتنق هذا المذهب ، وصار من كبار علماء الشيعة ، وأصبح متكلّماً عظيم القدر ، حسن العقيدة ، قوياً في الكلام ، صادقاً في المناظرة والاحتجاج (1).

مؤلّفاته :

إنّ ل‍ « محمد بن عبد الرحمن بن قبة » العديد من المؤلّفات التي تتمحور أغلبها حول الإمامة ، ومن هذه المؤلفات :

1 - الانصاف في الإمامة ، وقد قال العلاّمة في الذريعة : « ويظهر من مصادر بحار الأنوار أنّه كان موجوداً عند الميرزا محمّد الأخباري ، فلعلّه يوجد في كتب حفيده ميرزا عناية الله المعاصر » (2).

وذكر الشيخ الحر في « أمل الآمل » : « إنّ المفيد نقل عنه في كتابه العيون والمحاسن » (3).

2 - المستثبت ، وهو نقض كتاب المسترشد لأبي القاسم البلخي .

3 - الردّ على الزيدية ، وفي فهرست الشيخ الطوسي : التعريف على الزيدية .

4 - الردّ على أبي عليّ الجبائي .

5 - المسألة المفردة في الإمامة (4).


1) انظر : رجال النجاشي 375 [ 1023 ] ، الفهرست للشيخ الطوسي : 132 [ 585 ] .

2) الذريعة 2 : 396 .

3) أمل الآمل 2 : 278 .

4) انظر : رجال النجاشي : 375 [ 1023 ] الفهرست للشيخ الطوسي : 132 [ 585 ] ، أعيان الشيعة 9 : 380 ، معجم رجال الحديث 17 : 232 [ 11071 ] .

نشاطاته الأخرى :

كان لمحمد بن عبد الرحمن نشاطات أخرى غير التأليف والتحقيق ، حيث كان مناظراً ، ومحاججاً للعامّة في أمر الإمامة ، وكان دائماً صاحب الحجج القوية والبراهين القاطعة ، ولهذا نقل المتكلّمون من علماء الإمامية مناظراته ومحاججاته في كتبهم ، منهم الصدوق في إكمال الدين وإتمام النعمة ، قال : وقال أبو جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي ، في نقض كتاب الإشهاد لأبي زيد العلوي : قال صاحب الكتاب - بعد أشياء كثيرة ذكرها لا منازعة فيها - : وقالت الزيدية والمؤتمّة ( الإمامية الاثني عشرية ) : الحجة من ولد فاطمة بقول رسول الله - المجمع عليه في حجّة الوداع ، ويوم خرج إلى الصلاة في مرضه الذي توفي فيه - : « أيّها الناس قد خلّفت فيكم كتاب الله وعترتي ، ألا إنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، ألا وإنّكم لن تضلّوا ما استمسكتم بهما » .

ثمّ أكدّ صاحب الكتاب هذا الخبر ، وقال فيه قولاً لا مخالفة فيه ، ثمّ قال بعد ذلك : إنّ المؤتمّه خالفت الإجماع ، وادّعت الإمامة في بطن من العترة ، ولم توجبها لسائر العترة ، ثمّ لرجل من ذلك البطن في كلّ عصر .

فأقول - وبالله الثقة - : إنّ في قول النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على ما يقول الإماميّة دلالة واضحة ; وذلك أنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال : « إنّي تارك فيكم ما إنّ تمسّكتم به لن تضلّوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي » دلّ على أنّ الحجة من بعده ليس من العجم ولا من سائر قبائل العرب ، بل من عترته أهل بيته ، ثمّ قرن قوله بما دلّ على مراده ، فقال : « ألا وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض » فأعلمنا أنّ الحجة من عترته لا تفارق الكتاب ، وإنّا متى تمسّكنا بمن لا يفارق الكتاب لن نضلّ ، ومن لا يفارق الكتاب ممن فرض على الأمّة أنْ يتمسّكوا به ، ويجب في العقول أن يكون عالماً بالكتاب مأموناً عليه ، يعلم ناسخه من منسوخه ، وخاصّه من عامّة ، وحتمه من ندبه ، ومحكمه من متشابهه ; ليضع كلّ شيء من ذلك موضعه الذي وضعه الله « عزّ

وجلّ » لا يقدّم مؤخّراً ، ولا يؤخّر مقدّماً ، ويجب أن يكون جامعاً لعلم الدين كلّه ليمكن التمسّك به والأخذ بقوله فيما اختلفت فيه الأمّة ، وتنازعته من تأويل الكتاب والسنّة ، ولأنّه إنّ بقي منه شيء لا يعلمه لم يمكن التمسّك به ، ثمّ متى كان بهذا المحلّ أيضاً لم يكن مؤموناً على الكتاب ، ولم يؤمن أن يغلط ، فيضع الناسخ منه مكان المنسوخ ، والمحكم مكان المتشابه ، والندب مكان الحتم إلى غير ذلك ممّا يكثر تعداده ، وإذا كان هكذا صار الحجّة والمحجوج سواء ، وإذا فسد هذا القول صحّ ما قالت الإمامية من أنّ الحجة من العترة لا يكن إلاّ جامعاً لعلم الدين ، معصوماً مؤتمناً على الكتاب ، فإن وجدت الزيدية في أئمّتها من هذه صفته فنحن أوّل من ينقاد له ، وإنّ تكن الأخرى فالحق أولى ما اتبع .

ثمّ قال : وأمّا قوله « إنّ المؤتمة خالفت الإجماع ، وادعت الإمامة في بطن من العترة » فيقال له : ما هذا الإجماع السابق الذي خالفناه ؟ فإنّا لا نعرفه ، اللّهم إلاّ أن تجعل مخالفة الإمامية للزيدية خروجاً عن الإجماع ؟ ! » .

ثمّ قال ابن قبة : ثمّ قال صاحب الكتاب : وقالت الزيدية : الإمامة جائزة للعترة أو فيهم لدلالة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عليهم عامّاً لم يخصّص بها بعضاً دون بعض ، ولقول الله « عزّ وجلّ » لهم دون غيرهم بإجماعهم : ( ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ) (1).

فأقول - وبالله التوفيق - : قد غلط صاحب الكتاب فيما حكي ; لأنّ الزيدية إنّما تجيز الإمامة لولد الحسن والحسين ( عليهم السلام ) خاصة ، والعترة في اللغة العم وبنو العم ، الأقرب فالأقرب ، وما عرف أهل اللغة قط ولا حكى عنهم أحد أنّهم قالوا : العترة لا تكون إلاّ ولد الابنة من ابن العم ، هذا شيء تمنته الزيدية ، وخدعت به أنفسهم ، وتفرّدت بادّعائه بلا بيان ولا برهان ; لأنّ الذي تدّعيه ليس في العقل ، ولا في الكتاب ، ولا في الخبر ، ولا في شيء من اللغات ، وهذه اللغة وهؤلاء أهلها


1) فاطر (35) : 32 .

فاسألوهم يبيّن لكم أنّ العترة في اللغة الأقرب فالأقرب من العم وبني العم .

فإن قال صاحب الكتاب : فلم زعمت أنّ الإمامة لا تكون لفلان وولده ، وهم من العترة عندك ؟

قلنا له : نحن لم نقل هذا قياساً ، وإنّما قلناه اتّباعاً لمّا فعله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهؤلاء الثلاثة ( أمير المؤمنين والسبطين ( عليهم السلام ) ) دون غيرهم من العترة ، ولو فعل بفلان ما فعله بهم لم يكن عندنا إلاّ السمع والطاعة (1).

إلى آخر المناظرة وهناك مناظرات أخرى في هذا الكتاب أيضاً .


1) إكمال الدين وإتمام النعمة : 124 .

(125) محمّد بن عبد الله بن محلك الجرجاني( معتزلي / إيران )

ولد « محمّد بن عبد الله الجرجاني » في مدينة « جرجان » - إحدى المحافظات الإيرانية - ، ثمّ سكن إصفهان واستقرّ فيها ، فكان يُعرف تارة بالجرجاني وأخرى بالإصفهاني ، وكان يكنّى بأبي عبد الله ، عاش « محمّد الجرجاني » في النصف الثاني من القرن الثالث ، ولعّل حياته امتدّت إلى السنين الأولى من القرن الرابع ، وذلك لأنّ له مناظرات ومناقشات مع « أبي عليّ الجبائي » المتوفّى سنة 303 ه‍ .

ترعرع « محمّد الجرجاني » في بيئة تؤمن برؤى وأفكار الفرقة المعتزلة - أتباع واصل بن عطاء - ، فأخذ من تلك البيئة نظراته ، وبنى على ضوئها كيانه الفكري والعقائدي ، فكان معتزلياً يؤمن بما تؤمن به المعتزلة ويرفض ما ترفض .

سبب استبصاره :

تعرّف « محمّد الجرجاني » على « عبد الرحمن بن أحمد » وهو من علماء الإمامية وأحد كبار متكلّميهم ، وكان « عبد الرحمن » حسن المناظرة ، قاطع البرهان ، صاحب دليل وموضوعية ، فلمّا رأى « محمّد الجرجاني » من « عبد الرحمن » ذلك ، استبصر على يديه ، واعتنق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) معلناً ذلك من خلال تأليفاته ومناظراته .

وعندما اعتنق وتشرّف بهذا المذهب سعى في تعلّم عقائد الشيعة وأفكارهم على أتم وجه ممكن ، وبالفعل فقد صار أحد أبرز متكلّمي الإمامية وأجّلائهم ، وقد عدّه « الشيخ الطوسي » في رجاله ، من متكلّمي الإمامية ، وقال عنه « النجاشي » : جليل في أصحابنا عظيم القدر والمنزلة .

مؤلّفاته ونشاطاته :

ترك « محمّد الجرجاني » للمكتبة الإسلاميّة عدّة مؤلّفات مهمّة ، وقد تمركزت أبحاثه فيها حول الإمامة ، لهذا الموضوع من الأهميّة في الأوساط العلمية ، فإنّ أشدّ الاختلافات والنزاعات التي وصلت بين المسلمين كانت في بحث الإمامة ، ولأجل هذه الاختلافات نشأت وتكثّرت المذاهب وتناثرت الفرق والطوائف ، فله من المؤلّفات :

1 - كتاب الجامع في سائر أبواب الكلام .

2 - كتاب المسائل والجوابات في الإمامة .

3 - كتاب مواليد الأئمّة ( عليهم السلام ) .

4 - كتاب نقض الجبائي في الإمامة .

5 - كتاب مجالس مع أبي عليّ الجبائي .

وله غير المؤلّفات مناظرات ونقاشات مع بعض علماء الطوئف والمذاهب الأخرى ، وكان يحضر تلك المناظرات مجموعة من العلماء والوجهاء .

ولكن مع كلّ الأسف فإنّ مصير كتبه كان كمصير آلاف الكتب التي لم يصل منها إلاّ اسمها ، ولم يحفظ لنا التأريخ منها إلاّ عنوانها (1).


1) انظر : رجال النجاشي : 380 [ 1033 ] فهرست الشيخ الطوسي : 547 [ 908 ] ، الذريعة 2 : 335 ، معجم رجال الحديث 17 : 263 [ 11149 ] .

(126) محمّد بن عمر النوقاني( سنّي / إيران )

عاش « محمّد بن عمر النوقاني » في بداية القرن الرابع الهجري (1)، في « نوقان » ، ثاني أكبر ناحية من مدينة « طوس » ، وتسمّى اليوم « خراسان » ، إحدى أكبر محافظات إيران ، وفيها المرقد الشريف لثامن الحجج الإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) .

قصّة استبصاره :

اعتنق « محمّد النوقاني » مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) لمّا شاهد من روضة الإمام الرضا ( عليه السلام ) أمراً دعاه إلى الاعتقاد بأحقّيّة هذا المذهب ، وكرامة أئمته ، عند الله تعالى .

روى الصدوق في العيون ، عن الحسين بن عبد الله بن بنان ، قال : سمعت محمّد بن عمر النوقاني يقول : بينا أنا نائم بنوقان في علية (2)لنا في ليلة ظلماء ، إذا انتبهت فنظرت إلى الناحية التي فيها مشهد عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) بسناباد ، فرأيت نوراً قد علا حتّى امتلأ منه المشهد ، وصار مضيئاً كأنّه نهار ، فكنت شاكّاً في أمر الرضا ( عليه السلام ) ، ولم أكن علمت أنّه حقّ .


1) لأنّ الصدوق المتوفّى سنة 381 ه‍ ، روى عنه بواسطة شيخه الحسين بن عبد الله بن بنان الطائي .

2) العِلية : الغرفة .

فقالت لي أمي - وكانت مخالفة - : مالك ؟

فقلت لها : رأيت نوراً ساطعاً قد امتلأ منه المشهد بسناباد .

فقالت أمي : ليس ذلك بشيء ، وإنّما هذا من عمل الشيطان .

قال : فرأيت ليلة أخرى مظلمة ، أشدّ ظلمة من الليلة الأولى ، ومثل ما كنت رأيت من النور ، والمشهد قد امتلأ به ، فأعلمت أمي ذلك ، وجئت بها إلى المكان الذي كنت فيه حتّى رأيت ما رأيت من النور ، وامتلاء المشهد منه ، فاستعظمت ذلك ، وأخذت في الحمد لله عزّ وجلّ ، إلاّ إنّها لم تؤمن به كإيماني ، فقصدت إلى المشهد ، فوجدت الباب مغلقا ، فقلت : اللّهم إنّ كان أمر الرضا ( عليه السلام ) حقّاً فافتح لي هذا الباب ، ثمّ دفعته بيدي فانفتح ، فقلت في نفسي : لعلّه لم يكن مغلقاً على ما وجب ، فغلقته حتّى علمت أنّه لم يمكن فتحه إلاّ بمفتاح ، ثمّ قلت : اللّهم إن كان أمر الرضا حقّاً فافتح لي هذا الباب ، ثمّ دفعته بيدي فانفتح ، فدخلت وزرت وصلّيت ، واستبصرت في أمر الرضا ( عليه السلام ) ، فكنت أقصده بعد ذلك كلّ جمعة زائراً من نوقان ، وأصلّي عنده إلى وقتي هذا (1).

كرامات الأولياء :

إنّ الكلام عن حقيقة كرامات الأولياء ، ليس بالأمر السهل ; لأنّه كلام عن مقام ومنزلة لعباد الله تعالى ، والكلام عن هكذا أشخاص والاطلاع عن بعض منازلهم ، ومعرفة لمحة عن حقائقهم ، أمر صعب جدّاً .

لذا سنذكر بعض الشيء عن الكرامة ، وعن بعض أسبابها وفوائدها :

نُعرف الكرامة بأنّها : الألطاف والعنايات الإلهية التي تحصل للأولياء - في حياتهم وبعد مماتهم - على نحو تكون خارقة للعادة وللأسباب الطبيعية المألوفة .


1) عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) 2 : 287 ، البحار 49 : 326 .

أسباب الكرامة :

الكرامة والألطاف الإلهية إنّما تكون للأولياء على أثر الإيمان والتقوى ، والمداومة على فعل الفرائض والنوافل ، التي تجعل العبد في مقام القرب الإلهي ، فيكون محبوباً عنده تعالى ، جاء في البخاري عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إنّ الله قال : « ما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها » (1).

وقد قصّ علينا القرآن الكريم عدّة كرامات لأشخاص نالوا هذه المرتبة وهذه المنزلة بأعمالهم الصالحة ونياتهم الخالصة كما في سورة النمل (2)، عن آصف بن برخيا الذي عنده علم من الكتاب .

وكما في سورة آل عمران (3)، عن مريم بنت عمران ، ودخول زكريا عليها المحراب .

وكما في سورة الكهف (4)، عن أصحاب الكهف وقصّتهم العجيبة .

وهناك روايات وأحاديث كثيرة نقلت لنا قصص وكرامات الأولياء والصالحين ، كما في موطأ مالك (5)، ومجمع الزوائد (6)، وكنز العمال (7)، وسنن الدارمي (8)، ومستدرك الحاكم (9)، وغيرها .


1) صحيح البخاري 4 : 210 ، ح 6501 .

2) النمل (27) : 38 - 40 .

3) آل عمران (3) : 37 ، مريم (19) : 22 - 26

4) الكهف (18) : 9 - 12 .

5) موطأ مالك 2 : 23 ، كتاب الجهاد ، باب : 21 .

6) مجمع الزوائد 9 : 106 ، ح 14684 .

7) كنز العمال 13 : 178 ، فضائل الصحابة .

8) سنن الدارمي 1 : 56 ، ح 93 .

9) مستدرك الحاكم 4 : 264 ، ح 6421 ، فما بعد .

فوائد الكرامة :

الكرامة للأولياء لها عدّة فوائد ، نذكر بعضها :

منها : أن تكون الكرامة جزاءً لهم على أعمالهم الصالحة التي عملوها في سبيله تعالى .

ومنها : أن تكون الكرامة إبرازاً لمقامهم ومنزلتهم العالية وإظهارها لباقي الناس ، ممّا يؤدّي هذا الأمر إلى تحفيز الآخرين ودفعهم لسلوك هذه الطرق المؤدّية إلى السعادة الأبدية .

ومنها : أن تكون الكرامة دليلاً بارزاً وقطعياً على حقّانيّتهم وصحّة طريقهم ، ولزوم اتباعهم والإيمان بعقيدتهم ; وذلك لأنّ طبيعة النفوس البشرية تأنس بالمحسوس أكثر منه في المعقول ، وكما تكون الكرامة دليلاً كذلك فانّها تقطع الطريق على النفوس المريضة الضالة التي تحاول أن تشكّك بكل شيء فعندما تظهر الكرامة ينقطع السؤال وتزول الشكوك ، وكون الكرامة لها هذه الخصوصية ليس أمراً غريباً ولا جديداً ; لأنّ من أهم أدلة الأنبياء ( عليهم السلام ) على نبّوتهم هو المعجزة ، التي لا تختلف حقيقتها عن حقيقة الكرامة إلاّ في بعض الشروط .

وقد رأى « محمّد النوقاني » بعينيه كرامة لولي هو من أفضل الأولياء ، بل أحد حجج الله تعالى في أرضه ، رأى في الظلام الدامس نوراً مشعاً من مرقد الإمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ، فعرف أنّ للإمام الرضا ( عليه السلام ) مقاماً محموداً عند الله تعالى ، ولا تكون هذه المنزلة لإنسان إلاّ إذا كان طريقُه حقّاً وصراطه مستقيماً ، فآمن « النوقاني » به واستبصر بشأنه ، واعتنق مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ثمّ واظب على زيارة مرقد الإمام الرضا ( عليه السلام ) طيلة حياته .

(127) محمّد صادق فخر الإسلام( مسيحي / إيران )

ولد في إيران في مدينة أرومية في أواسط القرن الثالث عشر الهجري في عائلة مسيحية ، درس في المدرسة العلية الآشورية ، وتخرّج منها قسيساً ، سافر إلى الفاتيكان لإكمال دراسته الدينية ، والتقى بكبار المطارنة هناك واستفاد منهم ، التقى بناصر الدين شاه القاجار ، ومنحه الشاه لقب فخر الإسلام ، وكان قد أسلم قبل ذلك على يد أحد كبار المجتهدين ، وتعلّم الإسلام منه ثمّ سافر إلى النجف الأشرف ، ودرس في حوزتها لمدة طويلة .

استبصاره :

يقول فخر الإسلام : ولدت في الكنيسة في عائلة مذهبية توارثت الانتماء إلى السلك الروحاني المسيحي أباً عن جد ، وحصلت على رتبة القسيس في الثانية عشر من عمري .

سافرت إلى الكثير من البلدان للاستفادة والاطلاع على المذاهب المسيحية الأخرى إلى أن اختصصت بخدمة أحد كبار المطارنة الكاثوليك ، وكان يحضر درسه المئات للاستفادة من علومه الغزيرة .

وكان يخصّني من بينهم بمحبّته واهتمامه ، وصرت أرافقه في معظم أوقاته . وكان يثق بي كثيراً ، وسلّم لي مفاتيح بيته ما عدا مفتاح واحد لأحد الصناديق كنت أتصوّر أنّه يحفظ فيه أمواله .

في إحدى الأيام مرض أستاذي - وكان عمري قد بلغ الثامنة عشر تقريباً - وأمرني بإبلاغ تلاميذه بتخلّفه عن الدرس . ذهبت لإبلاغ التلاميذ بذلك ووجدتهم يتباحثون فيما بينهم ، وكان البحث يدور حول معنى كلمة ( فارقليطا ) التي وردت في الإنجيل . ولم يتفق التلاميذ على معنى معيّن لها ، وتفرّقوا بعدما أخبرتهم بعدم مجيء الأستاذ ، وكلّ له رأي خاص به في معناها .

رجعت إلى أستاذي فسألني عن موضوع مباحثة الطلاب في غيبته ، فأخبرته بما جرى ، وعرضت عليه الأقوال في معنى الكلمة ، فسألني عن رأيي في ذلك ، فقلت : إني قد اخترت أحد الآراء ، وعرضته عليه ، فقال : أنت لم تقصر لكن الحقّ خلاف جميع الأقوال التي ذكرتها ، ولا يعرفه إلاّ الراسخون في العلم ، وهم قليل .

فطلبت منه أن يذكر لي معنى هذه الكلمة الشريفة وقلت له سيدي إنّك تعلم أنّي من المجدّين في الدراسة والمنقطعين إليها انقطاعاً تاماً ، ولا أترك الدراسة إلاّ في أوقات الصلاة والوعظ ، وتعلم أيضاً شدّة تديّني وتعصّبي لدين المسيح فهلا تفضّلت عليّ بمعناها .

بكى أستاذي بشدّة وقال : أنت من أعزّ تلاميذي ، ولا أخفي عليك شيئاً ، وأعلم أنّه في ذكر معناها الصحيح فائدة كبيرة ، لكنّي أخاف عليك وعلى نفسي من القتل إذا انتشر معنى هذه الكلمة بين المسيحيين ، فتعجّبت من كلامه عندما لاحظ إصراري على معرفة المعنى قال : سأقوله لك بشرط أن لا تذكر اسمي لأحد من الناس أبداً في حياتي ومماتي ، وأريد منك أن تقسم على ذلك بأشدّ الأيمان ، فقبلت ذلك ، وأقسمت بالله والمسيح ومريم والإنجيل وكلّ المقدسات الأخرى على أن لا أفشي اسمه ، فلمّا اطمأنّ إلى ما قلت ، قال : يا ولدي ، هذه الكلمة هي اسم من الأسماء المباركة لنبي المسلمين بمعنى أحمد أو محمّد ، ثمّ أعطاني مفتاح الصندوق - الذي كنت أظنّ سابقاً أنّه يضع فيه أمواله - وقال : افتح الصندوق ،

وآتني بالكتاب الفلاني ، والكتاب الفلاني ، فأطعت أمره ، وأراني معنى الكلمة فيهما ، وهما من الكتب القديمة المكتوبة على الجلد ، ورأيت أنّهما قد ترجما كلمة فارقليطا بمعنى أحمد ومحمّد ، ثمّ قال لي أستاذي : إعلم أنّه لم يكن اختلاف في معنى الكلمة قبل ظهور النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لكن القساوسة غيّروا معناه وتلاعبوا ببعض حروف الكلمة إخفاءاً للحقيقة وعناداً للإسلام .

قلت له : فما تقول في ديننا فقال : إنّه منسوخ لظهور النبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فقلت متلهفاً : فكيف النجاة ، فقال : طريق النجاة والصراط المستقيم الذي يؤدي إلى الله هو متابعة دين الإسلام - الذي جاء به - دون غيره من الأديان ، فقلت له : ما الذي يمنعك من الدخول في دين الإسلام .

فقال : يا ولدي : أنا اطّلعت على حقيقة الإسلام على كبر السن وفي أواخر أيام الحياة ، وأنا في الباطن مسلم ، ولكني لا أستطيع ترك هذا المنصب والرئاسة التي أنا فيها لمحاذير كثيرة منها القتل ، وقد رأيت بنفسي أشخاصاً أسلموا ، فلم يحفظهم المسلمون ، ولم يعرفوا قدرهم فارتدّوا إلى المسيحية ثانية ، وخسروا الدنيا والآخرة ، وأنا أخاف على نفسي من ذلك !

ثمّ بكى أستاذي طويلاً وبكيت لبكائه ، ثمّ قلت له : هل تأمرني بالدخول في دين الإسلام قال : إذا كنت تريد الآخرة والنجاة فعليك بقبول دين الحقّ ، واتباعه ، وأنت شاب أمامك فرص كثيرة للتقدّم في الحياة ، وأنا سأدعوا لك دائماً ، وأنت أيضاً كن شاهداً لي يوم القيامة على أنّي مسلم في الباطن .

بعد سماع كلام أستاذي والتأمّل فيه ورؤية الكتابين المحفوظين عنده ، استولى عليّ حبّ الإسلام والنبيّ محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وصرت لا أعبأ ولا أهتم بالدنيا ولذّاتها وزخرفها .

تركت كلّ شيء ولم آخذ معي سوى كتابين أو ثلاثة ممّا أملك ، وقررت السفر إلى أرومية ، ووصلت إليها بعد منتصف الليل بعد سفر مجهد طويل ، ولم أضيّع

الوقت ، فذهبت من توي إلى بيت أحد العلماء المسلمين المشهورين فيها ، وعرضت عليه أمري ، وأني أحبّ أن يعلّمني دين الإسلام ، فعلّمني بعض الضروريات فنطقت بالشهادتين و « الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله » .

مؤلّفاته :

1 - أنيس الأعلام في نصرة الإسلام ، الناشر : مكتبة مرتضوي في سنة 1351 ه‍ في طبعته الجديدة ، وكان المؤلّف قد طبعه سنة 1315 ه‍ - ق ، لأوّل مرّة ، حقّق الكتاب في طبعته الجديدة : السيّد عبد الرحيم خلخالي .

ذكر في هذا الكتاب كيفية استبصاره ، وأوضح الكثير من العقائد المسيحية ، وردها بأسلوب علمي رصين ، كما رد الكثير من تخرصات الحاقدين على الإسلام من القساوسة ، ثمّ أوضح الكثير من العقائد الإسلاميّة الصحيحة التي تقابل الأمور الباطلة في ما يتمسّك به المسيحيون اليوم ، والكتاب باللغة الفارسية .

2 - بيان الحقّ وصدق المطلق ، عشرة أجزاء ، طبع منها أربعة عليّ أصغر خان أتابك ، ذكر المحقق في الكتاب السابق .

3 - خلاصة الكلام في افتخار الإسلام ، جدد طبعه بأمر من المرجع آية الله السيّد البروجردي رحمه الله ، ذكره محقّق كتاب ( أنيس الاعلام ) .

4 - برهان المسلمين .

5 - تعجيز المسيحيين .

6 - وجوب الحجاب وحرمة الشراب .

(128) محمود الفارسي( سنّي / إيران )

ولد « محمود الفارسي » في محافظة فارس ، إحدى أكبر المحافظات الإيرانية ، عاش في القرن الثامن الهجري ، نشأ وترعرع في أوساط أسرة سنيّة كانت تُعرف بالتشدّد تجاه أهل البيت ( عليهم السلام ) وشيعتهم .

فأخذ « محمود » عقائده وكوّن نسيجه الفكري ، من تلك البيئة وذلك المجتمع ، فصار متعصّباً تجاه مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) ومتشدّداً على شيعتهم بحيث ورد حسب قوله : لم يكن في أهلي أشدّ منّي نصباً لأهل الإيمان ( الشيعة ) سيّما زوار الأئمّة ( عليهم السلام ) بسر من رأى ، فكنت أكريهم الدواب بالقصد ; لأؤذيهم بكل ما أقدر عليه من السرقة وغيرها ، وأعتقد أنّ ذلك ممّا يقرّبني إلى الله تعالى .

مظلومية الشيعة على مرّ العصور :

يعكس لنا موقف « محمود الفارسي » اتجاه شيعة أهل البيت ( عليهم السلام ) وزوارهم بالخصوص ، عمق وتاريخ قضية التطرّف ضدّ الشيعة من قبل المتطرّفين والحاقدين على شيعة الإمام عليّ ( عليه السلام ) .

وقد تتألت مظاهر العنف والتطرّف النابعة من الأحقاد والجهالات ضد الشيعة منذ تلك الأزمان وإلى يومنا هذا من قبل أفراد اتخذوا العداء لأتباع أهل البيت ( عليهم السلام ) منهجاً .

أخطر أنواع التطرّف :

إنّ أخطر أنواع التطرّف هو التطرّف المتستّر بلباس الدين ; لأنّه يكون من قبل أفراد يلبسون الحقّ بالباطل من أجل خدع وقيادة نفر من الشباب المنفعل والمتحمس ، للقيام بأعمال تحقق أغراضهم فهم يصوّرون الدين كما يشاؤون ، ويبيّنون الحقيقة كما ترتأي أنفسهم المريضة وميولهم الشيطانية ، ويغلقون على أنفسهم أبواب الفكر من خلال « جمود » ظنوه « محافظة » ، ومن خلال « تعصّب » ظنّوه « تديّنا » ، ومن خلال « تطرّف » حسبوه « التزاما » بما أمر به الله تعالى .

الآثار السلبية للتطرّف :

إنّ من أهم الآثار السلبية للتطرّف الذي يصدر من المسلمين أنّه يعطي صورة منفّرة عن الإسلام ، ويسئ أيّما إساءة لمبادئه وقيمه ، حتّى صار هذا الأمر إشكالية تهدّد الأمة الإسلاميّة جمعاء ، وقد قال أحد الكتّاب المعاصرين « المصيبة أنّ بعض المتحدّثين في الإسلام لديهم مقدار هائل من قصر النظر وقلّة الوعي ، والأوهن أن يتحوّل هذا الفكر السقيم إلى مبدأ تؤلّف فيه كتب ، وتنتهي عليه مواقف ، وقال أيضاً : « رأيت بعض أدعياء التديّن فوجدتُ في ملامحهم جهامة ، وهبّت من شمائلهم ريح منفرة ، واستطالة على الناس بغير شيء » ، ثمّ قال : « إنّ هذه العقليات أنزل رتبة من أن تُؤْمَن على مستقبل شركة مساهمة فكيف يتاح لها التحدّث عن دين كبير ورسالة أورثت الإنسانية أرقى حضاراتها » (1).

فخطر هؤلاء المتطرّفين لا يهدّد الشيعة فحسب ، بل يهدّد جميع المجتمعات البريئة التي تخالفهم ولو برأي بسيط .

بل إنّ خطر هؤلاء أعمق وأعقد من ذلك بكثير ، فإنّه يهدّد اليقظة الدينية التي بدأت مؤشراتها منذ سنوات في مختلف أرجاء العالم ، والتي بدأت لتعيد للإنسان


1) تراثنا الفكري في ميزان العقل والشرع محمّد الغزالي : 71 .

كرامته وإنسانيته المهدورة ، وذلك من خلال الاستناد على القيم والمبادئ الدينية وقد شكّلت هذه النهضة رفضاً للثقافة التي بنيت على المفاهيم المادية وقد أغضبت هذه النهضة الدينية أصحاب رؤوس الأموال وجميع المستكبرين والمستعمرين الذين يريدون أن يخضع لهم كلّ فرد من حيث يشعر أو لا يشعر ; لأنّ الفرد بما هو فرد لا قيمة له في موازين تلك الثقافة وقوانينها .

فرأى هؤلاء المستكبرون بأنّ أفضل سلاح لمواجهة النهضة الإيمانية ضربها من الداخل بواسطة دعم الجماعات المتحجّرة ، التي لم تدرك من الدين إلاّ اسمه ، ولم تعرف من الحقيقة إلاّ رسمها . فدعموا هذا التيار بجميع أنواع الدعم وهذا ما يحفزنا على مواجهة هذا التيار الذي بدأ يعبث بحقائق الدين ومبادئ الإسلام الحنيف وبدأ يبرز الإسلام بصور ناقصة ومغلوطة ترفضها الفطرة الإنسانية وقد قال تعالى : ( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (1).

قصّة استبصاره :

اعتنق « محمود الفارسي » مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) بعدما رأى بعض عجائب وكرامات السيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في المنام ، وبعد رؤيته الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه في اليقظة والعيان .

قال الشيخ المجلسي في البحار : حدث السيّد عليّ بن عبد الحميد الحسيني النيلي في كتاب « الغيبة » أنّ الشيخ الحافظ محمّد بن قارون حدّثه ، قال : لمّا حضرنا عند محمود الفارسي قلت له : يا محمود ، ما الذي أخرجك عن ملّة أهلك ، وأدخلك مع الشيعة ؟

فقال : يا شيخ ، لمّا اتضح لي الحقّ تبعته ، اعلم أنّه قد جرت عادة أهل الفرس


1) الأنفال (8) : 25 .

أنهم إذا سمعوا بورود القوافل عليهم ، خرجوا يتلقّونهم ، فاتّفق أن سمعنا بورود قافلة كبيرة ، فخرجت ومعي صبيان كثيرون وأنا إذ ذاك صبيٌّ مراهق ، فاجتهدنا في طلب القافلة ، بجهلنا ، ولم نفكّر في عاقبة الأمر ، وصرنا كلّما انقطع منّا صبيٌّ من التعب خلوه إلى الضعف ، فضللنا عن الطريق ، ووقعنا في واد لم نكن نعرفه ، وفيه شوك ، وشجر ودغل ، لم نر مثله قطٌّ ، فأخذنا في السير حتّى عجزنا ، وتدلّت ألسنتنا على صدورنا من العطش ، فأيقنّا بالموت ، وسقطنا لوجوهنا .

فبينما نحن كذلك إذا بفارس على فرس أبيض ، قد نزل قريباً منّا ، وطرح مفرشاً لطيفاً لم نر مثله ، تفوح منه رائحة طيّبة ، فالتفتنا إليه ، وإذا بفارس آخر على فرس أحمر عليه ثياب بيض ، وعلى رأسه عمامة لها ذؤابتان ، فنزل على ذلك المفرش ، ثمَّ قام فصلّى بصاحبه ، ثمَّ جلس للتعقيب .

فالتفت إليَّ وقال : يا محمود ! فقلت : بصوت ضعيف لبيّك يا سيّدي .

قال : ادن منّي .

فقلت : لا أستطيع لما بي من العطش والتعب .

قال : لا بأس عليك .

فلمّا قالها حسبت كأنّ قد حدث في نفسي روح متجدِّدة ، فسعيت إليه حبواً فمرّ يده على وجهي وصدري ورفعها إلى حنكي فردّه حتّى لصق بالحنك الأعلى ، ودخل لساني في فمي ، وذهب ما بي ، وعدت كما كنت أوَّلاً .

فقال : قم وائتني بحنظلة من هذا الحنظل ، وكانّ في الوادي حنظل كثير ، فأتيته بحنظلة كبيرة فقسّمها نصفين ، وناولنيها ، وقال : كلّ منها ، فأخذتها منه ، ولم أُقدم على مخالفته وعندها أمرني أن آكل الصبّر لما أعهد من مرارة الحنظل ، فلمّا ذقتها فإذا هي أحلى من العسل ، وأبرد من الثلج ، وأطيب ريحاً من المسك شبعت ورويت .

ثمَّ قال لي : ادع صاحبك ، فدعوته .

فقال بلسان مكسور ضعيف : لا أقدر على الحركة .

فقال له : قم لا بأس عليك ، فأقبل إليه حبواً ، وفعل معه كما فعل معي ، ثمَّ نهض ليركب .

فقلنا : بالله عليك يا سيّدنا إلاّ ما أتممت علينا نعمتك ، وأوصلتنا إلى أهلنا .

فقال : لا تعجلوا وخطَّ حولنا برمحه خطّة ، وذهب هو وصاحبه .

فقلت لصاحبي : قم بنا حتّى نقف بإزاء الجبل ونقع على الطريق .

فقمنا وسرنا وإذا بحائط في وجوهنا ، فأخذنا في غير تلك الجهة ، فإذا بحائط آخر ، وهكذا من أربع جوانبنا .

فجلسنا وجعلنا نبكي على أنفسنا ، ثمَّ قلت لصاحبي : ائتنا من هذا الحنظل لنأكله ، فأتى به فإذا هو أمرُّ من كلِّ شيء ، وأقبح ، فرمينا به ، ثمَّ لبثنا هنيئة ، وإذا قد استدار من الوحش مالا يعلم إلاّ الله عدده ، وكلّما أرادوا القرب منّا منعهم ذلك الحائط ، فإذا ذهبوا زال الحائط ، وإذا عادوا عاد .

قال : فبتنا تلك اللّيلة آمنين حتّى أصبحنا ، وطلعت الشمس واشتدَّ الحرَّ ، وأخذنا العطش فجزعنا أشدَّ الجزع ، وإذا بالفارسين قد أقبلا وفعلا كما فعلا بالأمس ، فلمّا أرادا مفارقتنا قلنا له : بالله عليك إلاّ أوصلتا إلى أهلنا .

فقال : أبشرا فسيأتيكما من يوصلكما إلى أهليكما ، ثمَّ غابا .

فلمّا كان آخر النهار إذا برجل من فراسنا ، ومعه ثلاث أحمرة ، قد أقبل ليحتطب فلمّا رآنا ارتاع منّا وانهزم ، وترك حميره ، فصحنا إليه باسمه ، وتسميّنا له ، فرجع ، وقال : يا ويلكما إنَّ أهليكما قد أقاموا عزاءكما ، قوما لا حاجة لي في الحطب ، فقمنا وركبنا تلك الأحمرة ، فلمّا قربنا من البلد ، دخل أمامنا ، وأخبر أهلنا ففرحوا فرحاً شديداً ، وأكرموه وأخلعوا عليه فلما دخلنا إلى أهلنا سألونا عن حالنا ، فحكينا لهم بما شاهدناه ، فكذَّبونا وقالوا : هو تخييل لكم من العطش .

قال محمود : ثمَّ أنساني الدَّهر حتّى كأن لم يكن ، ولم يبق على خاطري

شيء منه حتّى بلغت عشرين سنة ، وتزوَّجت وصرت أخرج في المكاراة ، ولم يكن في أهلي أشدُّ منّي نصباً لأهل الإيمان ، سيّما زوّار الأئمّة ( عليهم السلام ) بسرَّ من رأى ، فكنت أكريهم الدَّوابَّ بالقصد لأذيّتهم بكلِّ ما أقدر عليه من السرقة وغيرها ، وأعتقد أنَّ ذلك ممّا يقرَّبني إلى الله تعالى .

فاتّفق أنّي كريت دوابي مرَّة لقوم من أهل الحلّة ، وكانوا قادمين إلى الزيارة منهم ابن السهيلي وابن عرفة وابن حارب ، وابن الزهدري ، وغيرهم من أهل الصلاح فلمّا جنَّ اللّيل ، أدركتني السعادة ، فقلت في نفسي : إنَّ هؤلاء الرافضة لا يرجعون عن دينهم ، بل غيرهم إذا زهد يرجع إليهم ، فما ذلك إلاّ لأنَّ الحقَّ معهم فبقيت مفكراً في ذلك ، وسألت ربّي بنبيّه محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يريني في ليلتي علامة أستدلُّ بها على الحقِّ الذي فرضه الله تعالى على عباده .

فأخذني النوم فإذا أنا بالجنّة قد زخرفت ، فإذا فيها أشجار عظيمة ، مختلفة الألوان والثمار ، ليست مثل أشجار الدُّنيا ; لأنَّ أغصانها مدلاّة ، وعروقها إلى فوق ، ورأيت أربعة أنهار : من خمر ، ولبن ، وعسل ، وماء ، وهي تجري وليس لها جرف بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت ، ورأيت نساء حسنة الأشكال ، ورأيت قوماً يأكلون من تلك الثمار ، ويشربون من تلك الأنهار ، وأنا لا أقدر على ذلك ، فكلّما أردت أن أتناول من الثمار ، تصعّد إلى فوق ، وكلّما هممت أن أشرب من تلك الأنهار ، تغوَّر إلى تحت ، فقلت للقوم : ما بالكم تأكلون وتشربون ؟ وأنا لا أُطيق ذلك ؟

فقالوا : إنّك لا تأتي إلينا بعد .

فبينا أنا كذلك وإذا بفوج عظيم ، فقلت : ما الخبر ؟

فقالوا : سيّدتنا فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) قد أقبلت ، فنظرت فإذا بأفواج من الملائكة على أحسن هيئة ، ينزلون من الهواء إلى الأرض ، وهم حافّون بها ، فلمّا دنت وإذا بالفارس الّذي قد خلّصنا من العطش بإطعامه لنا الحنظل ، قائماً بين يدي

فاطمة ( عليها السلام ) فلمّا رأيته عرفته ، وذكرت تلك الحكاية ، وسمعت القوم يقولون : هذا محمّد بن الحسن القائم المنتظر ، فقام الناس وسلّموا على فاطمة ( عليها السلام ) .

فقمت أنا وقلت : السلام عليك يا بنت رسول الله .

فقالت : وعليك السلام يا محمود ، أنت الّذي خلّصك ولدي هذا من العطش ؟

فقلت : نعم ، يا سيّدتي .

فقالت : إنّ دخلت مع شيعتنا أفلحت .

فقلت : أنا داخل في دينك ودين شيعتك ، مقرٌّ بإمامة من مضى من بنيك ، ومن بقي منهم .

فقالت : أبشر فقد فزت .

قال محمود : فانتبهت وأنا أبكي ، وقد ذهل عقلي ممّا رأيت فانزعج أصحابي لبكائي ، وظنّوا أنّه ممّا حكيت لهم .

فقالوا : طب نفساً فوالله لننتقمنَّ من الرافضة ، فسكتُّ عنهم حتّى سكتوا ، وسمعت المؤذِّن يعلن بالأذان ، فقمت إلى الجانب الغربيِّ ، ودخلت منزل أولئك الزُّوار ، فسلّمت عليهم .

فقالوا : لا أهلاً ولا سهلاً اخرج عنّا لا بارك الله فيك .

فقلت : إنّي قد عدت معكم ، ودخلت عليكم لتعلّموني معالم ديني ، فبهتوا من كلامي ، وقال بعضهم : كذب ، وقال : آخرون جاز أن يصدق .

فسألوني عن سبب ذلك ، فحكيت لهم ما رأيت ، فقالوا : إنّ صدقت فإنّا ذاهبون إلى مشهد الإمام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) ، فامض معنا حتّى نشيّعك هناك .

فقلت : سمعاً وطاعة ، وجعلت اُقبّل أيديهم وأقدامهم ، وحملت أخراجهم ، وأنا أدعو لهم حتّى وصلنا إلى الحضرة الشريفة ، فاستقبلنا الخدَّام ، ومعهم رجل علويٌّ كان أكبرهم ، فسلّموا على الزُّوار ، فقالوا له : افتح لنا الباب حتّى نزور سيّدنا ومولانا ، فقال : حبّاً وكرامة ، ولكن معكم شخص يريد أن يتشيّع ، ورأيته في منامي

واقفاً بين يدي سيّدتي فاطمة الزهراء صلوات الله عليها ، فقالت لي : يأتيك غداً رجل يريد أن يتشيّع فافتح له الباب قبل كلِّ أحد ، ولو رأيته الآن لعرفته .

فنظر القوم بعضهم إلى بعض متعجبّين ، فقالوا : فشرع ينظر إلى واحد واحد فقال : الله أكبر هذا والله هو الرَّجل الّذي رأيته ، ثمَّ أخذ بيدي فقال القوم : صدقت يا سيّد وبررت ، وصدق هذا الرَّجل بما حكاه ، واستبشروا بأجمعهم وحمدوا الله تعالى ، ثمَّ إنّه أدخلني الحضرة الشريفة ، وشيّعني وتولّيت وتبرَّيت .

فلمّا تمَّ أمري قال العلويُّ : وسيّدتك فاطمة تقول لك : سيلحقك بعض حطام الدنيا فلا تحفل به ، وسيخلفه الله عليك ، وستحصل في مضايق فاستغث بنا تنجو .

فقلت : السمع والطاعة ، وكان لي فرس قيمتها مائتا دينار فماتت ، وخلف الله عليّ مثلها ، وأضعافها وأصابني مضايق ، فندبتهم ونجوت ، وفرّج الله عني بهم ، وأنا اليوم أوالي من والاهم وأعادي من عاداهم ، وأرجو بهم حسن العاقبة .

قال السيّد عليّ بن عبد الحميد هذا ما حكا لي في تاريخ شهر رجب سنة ثمان وثمانين وسبعمائة (1).

فببركات الزهراء فاطمة ( عليها السلام ) وبركات ابنها الحجة المنتظر عجل الله فرجه ، تنوّر محمود بنور أهل البيت ( عليهم السلام ) وانفتحت بصيرته على الحقيقة ، فارتشف من رحيقها ، وتذوق حلاوتها ، فأصبح مؤمناً متبصراً بدينه وعقيدته ، آخذاً معارفه وعلومه من منبعها الأصلي ، فصار يوالي أهل البيت ( عليهم السلام ) ويوالي من والاهم ، ويعادي من عاداهم ، وهذه ألطاف إلهية يسوقها الله تعالى لمن شاء من عباده ، من كان أهلاً لمثل هذه الإفاضات والألطاف . قال تعالى : ( ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) (2).


1) بحار الأنوار 53 : 202 ، في ذكر من فاز بلقاء الحجة عجل الله فرجه .

2) المائدة (5) : 54 .

(129) مهدي يزدان برست( شافعي / إيران )

ولد سنة 1393 ه‍ ( 1974 م ) في مدينة « سنندج » في محافظة كردستان غرب إيران ، حائز على شهادة الإعدادية ( الديبلوم ) ، كما درس لمدّة سنتين في إحدى المدارس الدينية السنيّة في سنندج حيث درس بعض الكتب العقائدية مثل « شمس العقائد » ، كما درس وقرأ كتب بعض علمائهم مثل « مردوخ » و « مفتي زاده » .

كان يشارك في مراسم المواليد ويؤدي بعضها في بعض الاحتفالات الدينية ، واشتغل لمدّة في أعمال البناء ، وهو يجيد اللغة الكردية كلغة أصلية ، إضافة إلى الفارسية والتركية .

التحق بالحوزة العلمية في قم ، بعد استبصاره واهتدائه إلى مذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) حيث كان استبصاره سنة 1420 ه‍ ( 2000 م ) في مدينته سنندج .

استبصاره :

يقول « مهدي » : تسود في منطقتنا الكردية الثقافة السنّية المتعصّبة ، كما يسكن فيها المشايخ الصوفية من أتباع عبد القادر الجيلاني واتباع الطريقة النقشبندية .

فنشأت في مثل هذا الجو حتّى صادف أن التقيت بأحد الشيعة أثناء عملي

في مهنة البناء حيث حصلت لي معه محاورات في بعض الأمور الدينيّة والمذهبيّة كما ناقشنا بعض الأمور الخلافية بين السنة والشيعة ، ثم أنّه أهداني بعض الكتب التي تبيّن هذه الأمور ، ومنها كتب لبعض السنّة الذين تحوّلوا إلى المذهب الشيعي وصاروا من المستبصرين .

فطالعت هذه الكتب ، واكتشفت فيها أشياءاً جديدة لم اطلّع عليها من قبل فهزت معتقداتي الدينية وجعلتني أتساءل عن مدى صحتها وصدقها ، فما كان مني إلاّ أن راجعت بعض علمائنا الذين جابهوني بالتشكيك في وجود مثل هؤلاء المستبصرين .

ثمّ كانوا يشتمونهم فيما لو سلّموا بوجودهم ، ويسبّونهم أشدّ السب ، ثمّ إنّهم كانوا يردّدون على مسامعي معتقداتي السنيّة نفسها دون ملاحظة ما يقوله الشيعة سوى القول بانّ معتقداتهم بدعة ونحن أتباع السنّة ولا غير ، لكن هذا لم يكن ليقنعني أو يروي غليلي في معرفة الحقيقة والبحث عن الواقع والحقّ الذي أريد أن اتّبعه على أنّه الإسلام الصحيح ، فواصلت مطالعاتي ولقاءاتي بعلماء السنة والشيعة ، بل لاقيت حتّى بعض الرهبان المسيحيين الذين وجدتهم صدفة في إحدى المدن في جنوب إيران ، وأنا في خضم السفر المتواصل في انحاء إيران للبحث عن الدين الصحيح المفقود الذي لم أعد أجده في المذهب السني حتّى بشكله الصوفي الذي يدّعي لنفسه الكثير والذي لم أرَ فيه إلاّ التقليد الأعمى ، بل حتّى الكفر في كثير من طقوسه الصوفية وشطحات مشايخة التي لا تقف عند حدّ ، رغم محاولتهم تصحيحها أو كتمانها .

هذا ولولا هداية الله سبحانه لتهت في هذا الخضم ، وكان مما سهّل عليّ الاهتداء إلى مذهب آل البيت ( عليهم السلام ) أنّه كانت لي جدّة موالية لهم وتدين بمذهبهم زرعت في نفسي منذ الطفولة حبّهم وحبّ شيعتهم ، مما جعل الأدلة الشرعيّة

الصحيحة للتمسّك بهم ذات نكهة مضمخة بأريج المحبّة الإلهيّة تهفو إليها النفس ، وتنقاد إليها الروح ، ويسلّم بها العقل .

بين التصوّف والتديّن :

جاء النبي محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالرسالة الإسلامية الغرّاء وواصل طريقه أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) على منهج ديني صحيح لا رهبانية فيه ولا تصوّف ، حيثُ أنّ الإسلام يحثُّ على الجدّ في العمل والإخلاص في العبادة بدون عزلة وانطواء .

نعم إنّ الإسلام يحثُّ على الزهد ، ويدعو إلى عدم الاهتمام بالمظاهر الدنيوية أو الانجرار وراء زخارف الحياة التي لا حدَّ لها ولا حصر ، فالإسلام إذن يدعو إلى الطريقة الوسطى التي لا إفراط فيها ولا تفريط ، فنرى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول « لا رهبانية في الإسلام » (1)حين رأى بعض الصحابة قد اعتزلوا للعبادة ، حيث هجروا نساءهم وتركوا أعمالهم ، كما أنّ القرآن الكريم يؤكّد على هذه الوسطية بقوله تعالى : ( وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآْخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) (2).

تاريخ انتشار التصّوف بين المسلمين :

إنّ الملاحظ في تاريخ المسلمين أنّ التصّوف المستورد من أتباع الديانات الأخرى قد انتشر بينهم في القرن الثاني الهجري ، حيث بنيّ أوّل خانقاه للصوفية في مدينة الرملة بفلسطين ، بناه أحد الأمراء المسيحيين ليكون ملجئاً للمتصوّفة أمثال أبي هاشم الكوفي الذي لقبّ بالصوفي للبسه الصوف واختياره الاعتزال تشبهاً بالرهبان المسيحيين الذين كانوا يعيشون في الأديرة بعيداً عن الناس وهم يلبسون الملابس الصوفية .


1) النهاية في غريب الحديث 1 : 94 ، 2 : 280 .

2) القصص (28) : 77 .

ثمّ انتشرت الأفكار الصوفية المنحرفة بين المسلمين كالحلول والاتحاد ، وقد تأثّر بهذه الأفكار الكثير من المسلمين وخاصة أهل السنة والجماعة .

وقوف أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) في وجه التصوّف :

حذّر أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) المسلمين من طريقة الصوفية المبتدعة ونسبوها إلى الرياء وتحريم ما أحلّ الله وتحليل ما حرّم الله تعالى .

فقد ورد عن الإمام الهادي ( عليه السلام ) محذراً أصحابه من الصوفية الذين دخلوا مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأخذوا بالتهليل : « لا تلتفتوا إلى هؤلاء الخداعين فإنّهم خلفاء الشيطان ، ومخرّبوا قواعد الدين يتزهّدون لراحة الأجسام ويتهجّدون لصيد الأنعام يتجوّعون عمراً حتّى يديخوا للإيكاف حمراً (1)لا يهللون إلاّ لغرور الناس ولا يقللون الغذاء إلاّ لملأ العساس (2)واختلاس قلوب الدفناس (3)، يكلّمون الناس باملائهم في الحبّ ويطرحونهم بإذلالهم في الجب أورادهم الرقص والتصدية وأذكارهم الترنم والتغنية فلا يتبعهم إلاّ السفهاء ولا يعتقدهم إلاّ الحمقى فمن ذهب إلى زيارة أحدهم حياً وميتاً فكأنّما ذهب إلى زيارة الشيطان وعبادة الأوثان ومن أعان أحداً منهم فكأنّما أعان يزيد ومعاوية وأبا سفيان .

فقال له رجل من أصحابه : وإن كان معترفاً بحقوقكم ؟ قال فنظر إليه شبه المغضب ، وقال : دع ذا عنك من اعترف بحقوقنا لم يذهب في عقوقنا أما تدري أنّهم أخس الطوايف الصوفية ، والصوفية كلّهم مخالفونا وطريقتهم مغايرة لطريقتنا ، وإن هم إلا نصارى أو مجوس هذه الأمة ، أولئك الذين يجهدون في إطفاء نور الله بأفواهم والله متم نوره ولو كره الكافرون » (4).


1) إكاف الحمار : برذعته ، واَكف الحمار إيكافا : شدّه عليه ، القاموس المحيط 3 : 118 .

2) الأقداح الضخمة ، جمع عس ، العين 1 : 74 .

3) الأحمق أو البخيل ، أو الكسلان ، تاج العروس 4 : 152 .

4) حديقة الشيعة 2 : 799 ، الاثنا عشرية : 28 .

وورد عن الإمام الرضا ( عليه السلام ) : « لا يقول أحد بالتصوف إلاّ لخدعة أو ضلالة أو حماقة وأما من سمّى نفسه صوفياً للتقية فلا إثمّ عليه » (1).

وسئل الإمام الصادق ( عليه السلام ) عن حال أبي هاشم الكوفي الصوفي فقال : « إنّه فاسد العقيدة جداً وهو الذي ابتدع مذهباً يقال له التصوّف وجعله مفرّاً لعقيدته الخبيثة » .


1) حديقة الشيعة 2 : 803 ، الاثنا عشرية : 30 .

(130) إدواردو آنيلي( مسيحي كاثوليكي / إيطاليا )

الصورة

D27

ولد عام 1373 ه‍ ( 1954 م ) ، ينتسب إلى عائلة ( آنيلي ) الرأسمالية الإيطالية المعروفة ، والتي أسست معامل شركة ( فيات ) للسيارات منذ أكثر من مائة سنة ، كما تملك معامل شركة ( فراري ) للسيارات أيضاً ، ومعامل لإنتاج طائرات الهليكوبتر وتسيطر على عدد من البنوك ، وشركات البناء ، والتأمين ، والألبسة ، والصحف ، بالإضافة إلى نادي يوفنتوس الرياضي المشهور ، وقُدِّرتْ عائدات هذه العائلة في فترة من الزمن بستينَ مليار دولار سنوياً .

كان أبوه السناتور جياني آنيلي كبير هذه العائلة والمشرف القانوني على معظم هذه الشركات ، أما أمه فهي من عائلة ( كارلوجي ) وهم من أمراء اليهود .

يحمل « إدواردو » شهادة الدكتوراه من جامعةِ برنستون الأمريكية قسم الأديان وفلسفة الشرق ، وقد أدار لفترة قصيرة نادي يوفنتوس لكرة القدم ممّا جلب له شهرة إضافية ومحبوبية خاصة لتواضعه وأخلاقه الطيبة .

استبصاره :

في سنة 1393 ه‍ ( 1974 م ) ، عندما كان يدرس « إدواردو آنيلي » في الجامعة بمدينة نيويورك ، اختار أن يعتنق الإسلام تأثّراً بكتاب الله العزيز ، حيث تناول القرآن من أحد رفوف المكتبة وبدأ بقرائته فأحسّ أنّ هذا الكتاب يختلف عن غيره من الكتب وأنّه لا يمكن أن يكون من كلام البشر ، وأنّه كلام إلهي نوراني ،

وكلّما واصل القراءة ازداد اعتقاده به فأعلن إسلامه واختار لنفسه اسم : هشام عزيز ، وحيث أنّه كان يدرس الأديان فلم يترك مطالعاته وبحوثه ، وقد تأثّر كثيراً بشخصية الإمام علي ( عليه السلام ) وأختار أن يكون من مواليه وشيعته ، فاعتقد بولاية المعصومين الاثني عشر من أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وسمّى نفسه باسم المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف .

واجه « إدواردو » مشاكل كثيرة بعد إسلامه ، وحاولت أُسرته بكل الوسائل أن تردّه عن دينه ، ووصل بها الأمر أن تحرمه من الإرث المقدّر بمليارات الدولارات وأن تسلب منه حق إدارة الشركات التابعة للعائلة في حالة وفاة والده ، وكان ذلك حقّه الطبيعي حسب القوانين لانّه الذكر الوحيد من أولاد أبيه ، كما أُتّهم بالجنون وتناول المواد المخدرة وأُدخل مستشفى الأمراض العقلية بالإجبار .

لم يستسلم « إدواردو » لهذه الضغوط وواصل طريقه فهدى الكثيرين إلى الإسلام وسافر إلى بلدان عديدة في الشرق والغرب ، وأُتيحت له الفرصة لزيارة الإمام الرضا ( عليه السلام ) في إيران ، وكان يرى أنّ من واجبه الدفاع عن الإسلام والمسلمين في كُلّ أنحاء العالم ، وخاصة إيطاليا التي تبقى له فيها بعض الوجاهة رغم إسلامه فدافع عن الإسلام بشكل عملي بالمشاركة في الندوات التلفزيونية والمقابلات الصحفية ، كما أنقذ بعض المسلمين من السجن ودافع عنهم في المحاكم .

كان « إدواردو » عميق الإيمان بدينه ، يحبُّ القرآن كثيراً ، يقرؤه في الليل ، ويدرسه في النهار مع أصدقائه بقراءة التفاسير ، والتأمّل في معاني الآيات ، ساعياً أن يكون على بصيرة من دينه ، وجاهداً أن يكون مصداقاً للتمسّك بالثقل الأكبر . كان يحب دراسة اللغة العربية ، ويتمنى دراسة العلوم الدينية في الحوزات العلمية إلاّ أن المنية عاجلته ولم تسمح له بتحقيق هاتين الأمنيتين .

وفاته :

في تاريخ 15 تشرين الثاني 1420 ه‍ ( 2000 م ) ، عثر على جثة « ادواردو » تحت جسر ( فرانكو رومانو ) في إيطاليا في حادث مشكوك يلفه الغموض ، ودفن بمقبرة العائلة في قرية ( فيلار روزا ) وفق مراسم مسيحية ! !

وينقل أصدقاؤه أنّه كان قد صرّح لهم بأن اليهود ستقتله للتخلّص منه ، لأنّهم رأوا فيه خطراً عليهم خاصة إذا سمحت له الأيام بتولي قيادة عائلة ( آنيلي ) بأموالهم الكثيرة ، ويقوّي هذا الأمر أنّ مجلس شركة فيات أختار ابن أخت « إدواردو » المتولّد من أب يهودي لإدارتها حيث يكون مرشّح تلقائي للاشراف على كلّ الشركات بعد وفاة جده ولإدارة أموال هذه الشركة ! !

عالمية القرآن وخلوده :

إنّ القرآن كتاب هداية لكلّ البشر ، ولا يختصُّ بقوم دون قوم ، فهو وإن نَزَلَ باللغةِ العربية إلاّ أنّه يخاطب الناس أجمعين ، قال تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ ) (1)، ( وَمَا هُوَ إِلاِّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ) (2)، ( قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) (3)، وهو لا يختص بمخاطبة المسلمين فحسب ، بل يخاطب أتباع الديانات الأخرى كأهل الكتاب ، أو اليهود أو النصارى وكذا يخاطب ويحتجّ على الكفار والمشركين ، قال تعالى : ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ ) (4)، ( فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) (5).


1) يونس (10) : 57 .

2) القلم (68) : 52 .

3) الأنعام (6) : 19 .

4) آل عمران (3) : 64 .

5) التوبة (9) : 11 .

كما أنّ القرآن لا يختص بزمان دون زمان ، فهو كتابٌ كاملٌ خالدٌ ، قال تعالى : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ ) (1)الاعجاز العلمي للقرآن الكريم ، عبد الروؤف مخلص : 213 .(2)، ( وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ) (3)، ( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ) (4).

كما أنّ القرآن لم يختص ببيئة معيّنة ذات طابع محدود دون بيئة أخرى ، فهو كما يحدّه الزمان ، لا تحدّه الطبيعة المكانية ، كالطبيعة البدوية للعرب مثلاً زمان بدء الرسالة ، بل نراه يصف الطبائع المناخية الأخرى التي يعيش فيها أو على مقربة منها الأقوامُ الآخرون ، قال تعالى على سبيل المثال : ( أَوْ كَظُلُمَات فِي بَحْر لُّجِّيّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْض إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ) (5)، إذ أنّ القرآن هنا يغوص إلى أعماق البحار ، ويبين جغرافية المحيطات .

هذا وعندما تليت هذه الآية على عالم البيولوجيا ( دور كاروا ) تعجّب وقال : « إنّ الإنسان القديم الذي لم يكن يملك آلات الغوص لم يكن يمكنه الغوص إلى أكثر من 20 م ، أما الآن فنحن نستطيع أن نغوص إلى أعماق 200 م ، وهناك نواجه الظلمات الشديدة ، من المحتّم أن هذا الكلام لم يصدر عن علم بشري » (5) .

إعجاز القرآن :

القرآن كتاب معجز تحدّى البشرية أن يأتوا بسورة من مثله ، قال تعالى :


1) المائدة

2) : 48 .

3) الإسراء (17) : 105 .

4) فصلت (41) : 41 - 42 .

5) النور (24) : 40 .

( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَة مِثْلِهِ ) (1)، ( وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْب مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَة مِن مِثْلِهِ ) (2)، ولا يختص إعجازه بفصاحتهِ وبَلاغتهِ حتّى يكون العرب هم الذين تحداهم القرآن ، بل إنَّ الإعجاز القرآني يظهر في صور متعددة ولا يختص بجانب واحد ، منها : الإعجاز الغيبي المتمثّل في الأنباء عن الغيب بصورة جازمة ، ومنها : الإعجاز التشريعي بتفصيلاته الدقيقة في آيات الأحكام وفقه القرآن ، ومنها : الإعجاز العلمي بإيرداه القوانين والنظريات التي توصل إليها العلم الحديث ، ومنها الإعجاز العددي : حيث وفق الدكتور عبد الرزاق نوفل إلى استقراء الإعجاز العددي الذي لا يكون من صنع بشر (3).

إنّ القرآن معجزةٌ الآن كما كان معجزةً في زمان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وهو يفيض بعطاياه لكل جيل وفي كُلّ زمان ، حيث أنّ البشرية تكتشف أعماقاً جديدة في القرآن يوماً بعد يوم ، وخاصة في آيات الآفاق والأنفس ، قال تعالى : ( سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآْفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) (4)، إنّ القرآن تحدّث عن كروية الأرض ، والغلاف الجوي للأرض ، ونسبية الزمان و . . . ، في وقت لم يكن أحد يمكنه أن يفهم أو يتصوّر ما يقوله ، فذكر ذلك على شكل إشارات يكتشفها الباحثون ، ويتلقاها العالمون ، وهو بذلك يريد هداية الناس ، وليس هو كتاب يجمع العلوم ، قال تعالى : ( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَة أَوْ مَتَاع زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ) (5).


1) يونس (10) : 38 .

2) البقرة (2) : 23 .

3) الإعجاز العددي للقرآن الكريم ، عبد الرزاق نوفل .

4) فصلت (41) : 53 .

5) الرعد (13) : 17 .

(131) جفاني جكوني( مسيحي / إيطاليا )

ولد عام 1363 ه‍ ( 1944 م ) في مدينة « سالوجي » من توابع « كونيو » في إيطاليا ، له اختصاص في علوم الزراعة ، وألّف كتابين فيها ، تحت عنوان « أمراض النباتات » و « زراعة الرز » ، درس في إحدى الجامعات في مدينة « نابولي » في العلوم الإسلامية ، وكان زمان استبصاره سنة 1417 ه‍ ( 1997 م ) .

بداية طريق الهداية :

يقول « جفاني » : اختار أبي أن يترك طلب العيش في الستين من عمرهِ وبدأ سياحة في عالم التصوّف والتقشّف والزهد .

ومن هنا تأثّرت بالأجواء الروحانية التي سادت فضاء العلاقات في العائلة ، واخترت أنا أيضاً السير في طريق البحث عن الحقيقة .

وكنت قبل ذلك لا أتّبع منهجاً فكرياً معيّناً ، ولا ألتزم بأي مسلك عقائدي وكنت متأثّراً بالسينما والتلفزيون والجرائد .

تعرّفت على أحد العرفاء يُدعى « فياتور » ، وتأثّرت به ، حيث سرت في درب جديد من العواطف المختلطة ، وكنت أسير نحو التكامل والبحث عن الحقيقة التي كنت أشعر بأنّ وجودي مجذوب إليها . وبمرور الأيام عرفت أنّ الإسلام هو الفكر الذي يمكن أن أهتدي به ، فسارعتُ في دراسته وأنا في حالة الخوف

والرجاء ، لكن كلّما تقدمتُ في السير العلمي وواصلت السلوك المعنوي في أجوائه الروحية كنت أرى شمس الحقيقة بوضوح أكبر ، واستطعت أن أبرز عواطفي بصورة أفضل .

قرأت آيات القرآن الكريم بتمعّن ، واستعنت لفهمه العميق بتفاسير العلماء المسلمين له ، وواصلت البحث والمطالعة في مختلف العلوم الإسلامية بمعونة بعض الأصدقاء المسلمين في مدينة « نابولي » ، واعتنقت الدين الإسلامي ، وتمسكت بولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) معلناً ذلك في مسجد مدينة « نابولي » سنة 1417 ه‍ ( 1997 م ) ، وأنا آمل أن أوفّق للتعرّف الشامل على الدين الإسلامي عبر دراسته في الحوزات العلمية .

دور العرفان في الهداية والتهذيب :

تلجُ الهداية في القلوب المستعدة ، ويستقرّ الإيمان في النفوس المهذّبة ، أما القلوب التي خالطتها الشوائب فهي لا تقبل الهداية ، ولا تريد الخضوع لإرادة الله ، والاتّباع لرسله ، قال تعالى : ( وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ) (1)الرعد (13) : 31 .(2)، ( أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ ) (2) ، ( فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلاَلَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ اللّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُهْتَدُونَ ) (3).

وهنا يأتي دور العرفان في إزالة هذه الشوائب الفاسدة ، فيقوم ببناء النفس الإنسانية بالأخلاق الفاضلة ، فالإنسان عندما يشخّص الأخلاق السيئة ويعرف


1) البقرة

2) : 143 .

3) الأعراف (7) : 30 .

خطرها ، وعندما يتعلّم الأخلاق الحسنة ويتيقن من فائدتها فيدفعه حبُّ الكمال إلى تخلية نفسه عن المساوىء ، وتحلية روحه بالفضائل .

ومن هنا استطاع « جفاني » بعد تهذيب نفسه أن يمهّد قلبه لتقبُّل الحق واعتناق الحقيقة رغم المصاعب التي واجهها في هذا السبيل .

فكانت نفسيته المهذبة أرضية خصبة لتقبّل التعاليم السماوية بمجرّد التعرّف الشامل عليها .

فهرست المصادر

1ـ القرآن الكريم.

2ـ إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات ، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ت1104هـ ، تعليق: أبو طالب التجليل التبريزي، المطبعة العلمية ، قم .

3ـ أجوبة مسائل جار الله، السيّد شرف الدين الموسوي العاملي 1377هـ ، تحقيق: السيّد عبد الزهراء الياسري، المجمع العالمي لأهل البيت:، قم، الطبعة الأُولى 1416هـ .

4ـ الاحتجاج ، أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسي ت548هـ ، تحقيق: الشيخ إبراهيم البهادري والشيخ محمّد هادي به، دار الأسوة، قم ، الطبعة الثانية 1416هـ .

5ـ أحكام القرآن، أحمد بن علي الرازي الجصّاص ت370هـ ، دار الكتاب العربي، بيروت، 1417هـ .

6ـ إحياء علوم الدين، أبو حامد محمّد بن محمّد الغزالي ت505هـ ، دار المعرفة ، بيروت .

7ـ أخلاق أهل البيت(عليهم السلام) ، السيّد محمّد مهدي الصدر ت1358هـ .

8ـ الأربعين في أصول الدين، فخر الدين الرازي ت606هـ ، تحقيق: أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، الطبعة الأُولى 1406هـ .

9ـ الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد ، الشيخ محمّد بن محمّد بن

النعمان البغدادي المشهور بالمفيد ت413هـ ، تحقيق: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، قم ، الطبعة الأولى، سنة 1413هـ .

10ـ استجلاب ارتقاء الغرف بحبّ أقرباء الرسول وذي القربى، محمّد بن عبد الرحمن السخاوي الشافعي ت902هـ ، تحقيق: نزار المنصوري، مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، الطبعة الأُولى 1412هـ .

11ـ الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، يوسف بن عبد الله بن عبد البرّ القرطبي ت 463هـ ، تحقيق وتعليق: عليّ محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود ، دار الكتب العلمية ، بيروت، الطبعة الأولى، سنة 1415هـ .

12ـ أسد الغابة في معرفة الصحابة، ابن الأثير ت 630هـ ، دار الكتاب العربي ، بيروت .

13ـ الإصابة في تمييز الصحابة، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ت852هـ ، تحقيق وتعليق: عادل عبد الموجود وعلي محمّد معوض ، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية 1423هـ .

14ـ اصطلاحات الأصول، الشيخ علي المشكيني ت1428هـ ، مكتب نشر الهادي، قم، الطبعة الخامسة 1413هـ .

15ـ إعلام الورى بأعلام الهدى، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي ت548هـ ، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، قم، الطبعة الأُولى 1417هـ .

16ـ أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين ت1371هـ ، تحقيق: حسن الأمين، دار المعارف للمطبوعات ، بيروت .

17ـ الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني ت356هـ ، إعداد: مكتب تحقيق دار

إحياء التراث العربي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأُولى .

18ـ الاقتصاد فيما يتعلّق بالاعتقاد، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي ت460هـ ، جمعية منتدى النشر، النجف الأشرف، 1399هـ .

19ـ الأمالي ، الشيخ الصدوق ت381هـ ، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية ـ مؤسسة البعثة ، مؤسسة البثعة، قم ، الطبعة الأولى 1417هـ .

20ـ الأمالي، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي ت460هـ ، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية ـ مؤسسة البعثة، دار الثقافة، قم ، الطبعة الأُولى 1414هـ .

21ـ الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة الدينوري ت276هـ ، تحقيق: عليّ شيري ، منشورات الشريف الرضي، قم، الطبعة الأولى 1413هـ .

22ـ أمل الآمل، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ت1104هـ ، تحقيق: أحمد الحسيني، دار الكتاب الإسلامي، قم، 1362ش .

23ـ البابية والبهائيّة وأهدافهما في دعوى النبوّة والردّ عليهما ، أحمد بن حجر آل بوطامي ، الدوحة ـ قطر.

24ـ بابى گرى وبهاگرى (فارسي) ، محمّد محمّدي اشتهاردي ، نشر: كتاب آشنا ، طهران ، الطبعة الأولى 1379ش .

25ـ البابيّون والبهائيّون ، همايون همّتي ، منظمة الإعلام الإسلامي ، طهران ، الطبعة الأولى 1410هـ .

26ـ البابيّون والبهائيّون في حاضرهم وماضيهم ، السيّد عبد الرزاق الحسني ، مكتبة اليقظة العربية ، بغداد، الطبعة الرابعة 1403هـ .

27ـ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، محمّد باقر المجلسي ت1111هـ ، دار الكتب الإسلامية ، طهران، الطبعة الرابعة 1362 ش .

28ـ بحر الكلام، أبو معين النسفي ت508هـ ، تعليق: ولي الدين محمّد صالح الفرفور، دار الفرفور، دمشق، الطبعة الأُولى 1417هـ .

29ـ البداية والنهاية ، إسماعيل بن كثير ت774هـ ، تحقيق: علي شيري ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأولى 1417هـ .

30ـ بلاغات النساء، أبو الفضل بن أبي طاهر المعروف بابن طيفور ت380هـ ، مكتبة بصيرتي، قم .

31ـ البهائيّة تاريخها وعقائدها ، عبد الرحمن الوكيل ، دار المدني ، القاهرة ، الطبعة الثانية 1407هـ .

32ـ بهائيّت فرزند نا خلف رفض (فارسي) ، محبّ الدين الخطيب ، دار الفتح ، الشارقة، الطبعة الأولى 1417هـ .

33ـ البهائيّة في خدمة الاستعمار ، منظمة الإعلام الإسلامي ، طهران، 1405هـ .

34ـ البهائيّة في الميزان ، السيّد أمير محمّد الكاظمي القزويني.

35ـ تاج العروس من جواهر القاموس، محمّد مرتضى الزبيدي ت1205هـ ، تحقيق: علي شيري، دار الفكر ، بيروت، 1414هـ .

36ـ تاريخ ابن خلدون، عبد الرحمن بن خلدون ت808هـ ، دار إحياء التراث العربي، بيروت ، الطبعة الرابعة.

37ـ تاريخ الإسلام، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ت748هـ ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثانية 1417هـ .

38ـ تاريخ بغداد، أحمد بن علي الخطيب البغدادي ت463هـ ، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية 1425هـ .

39ـ تاريخ الخلفاء، عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي ت911هـ ، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد ، مطبعة المدني ، القاهرة، الطبعة الثالثة 1383هـ .

40ـ تاريخ الطبري ، محمّد بن جرير الطبري ت310هـ ، تحقيق: نخبة من العلماء الأجلاّء، مؤسسة الأعلمي ، بيروت، الطبعة الرابعة 1403هـ .

41ـ التاريخ الكبير، محمّد بن إسماعيل البخاري ت256هـ ، تحقيق: مصطفى عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى 1422هـ .

42ـ تاريخ مدينة دمشق ، ابن عساكر ت571هـ ، تحقيق: علي شيري ، دار الفكر ، بيروت ، 1421هـ .

43ـ تاريخ اليعقوبي، أحمد بن إسحاق اليعقوبي ت284هـ ، تعليق: خليل المنصوري، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1419هـ .

44ـ تأويل مختلف الحديث، عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ت276هـ ، تحقيق: محمّد عبد الرحيم، دار الفكر، بيروت، 1420هـ .

45ـ تجريد الاعتقاد، نصير الدين الطوسي ت672هـ ، تحقيق: محمّد جواد الجلالي، مكتب الإعلام الإسلامي ، الطبعة الأُولى 1407هـ .

46ـ تذكرة الحفّاظ ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ت748هـ ، تحقيق: زكريا عميرات، دار الكتب العلمية ، بيروت، الطبعة الأُولى 1419هـ .

47ـ تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل ، محمّد الغزإلي ، دار الشروق ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1412هـ .

48ـ تصحيح اعتقادات الإمامية، الشيخ المفيد ت 413هـ ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد ، الطبعة الأولى 1413هـ .

49ـ تفسير القرآن العظيم ، ابن كثير الدمشقي ت774هـ ، دار إحياء التراث

العربي ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1420هـ .

50ـ التفسير الكبير ، الفخر الرازي ت606هـ ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1415هـ .

51ـ تهذيب التهذيب ، أحمد بن عليّ بن حجر العسقلاني ت852هـ ، دار الفكر ، بيروت، الطبعة الأولى 1404هـ .

52ـ تهذيب الكمال في أسماء الرجال ، أبو الحجاج يوسف المزّي ت742هـ ، تحقيق: أحمد عليّ عبيد وحسن أحمد آغا ، دار الفكر ، بيروت، 1414هـ .

53ـ التوحيد ، الشيخ الصدوق ت381هـ ، تحقيق: السيّد هاشم الحسيني الطهراني ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم، الطبعة السابعة 1422هـ .

54ـ التوسل مفهومه وأقسامه وأحكامه في الشريعة الإسلامية الغرّاء ، جعفر السبحاني.

55ـ الثاقب في المناقب ، محمّد بن علي الطوسي المعروف بابن حمزة ت560هـ ، تحقيق: نبيل رضا علوان ، مؤسسة أنصاريان ، قم، الطبعة الثالثة 1419هـ .

56ـ الثقات، أبو حاتم محمّد بن حبّان التميمي ت354هـ ، تحقيق: إبراهيم شمس الدين وتركي فرحان، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى 1419هـ .

57ـ جامع الأصول في أحاديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ابن الأثير الجزري ت606هـ ، تحقيق: أيمن صالح شعبان ، دار الكتب العلمية ، بيروت، الطبعة الأولى 1418هـ .

58ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ، محمّد بن جرير الطبري ت310هـ ، ضبط وتوثيق وتخريج: صدقي جميل العطار ، دار الفكر ، بيروت، الطبعة الأولى

1421هـ .

59ـ الجامع الصغير ، عبد الرحمن السيوطي ت911هـ ، دار الفكر ، بيروت، الطبعة الأولى 1401هـ .

60ـ الجامع الكبير المعروف بسنن الترمذي، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذي ت279هـ ، عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية 1403هـ .

61ـ الجامع لأحكام القرآن ، محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي ت671هـ ، تحقيق: سالم مصطفى البدري ، دار الكتب العلمية ، الطبعة الأولى 1420هـ .

62ـ الجذور التاريخية والنفسية للغلوّ والغلاة ، سامي الغريري ، دليلنا ، قم، الطبعة الأولى 1424هـ .

63ـ جزء فيه من أحاديث الإمام أيوب السختياني، إسماعيل بن إسحاق القاضي ت282هـ ، تحقيق: سليمان بن عبد العزيز العريني، شركة الرياض ومكتبة الرشد، الرياض، الطبعة الأُولى 1418هـ .

64ـ جمع الجوامع، عبد الرحمن السيوطي ت911هـ ، تعليق: خالد عبد الفتاح شبل، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى 1412هـ .

65ـ جواهر العقدين في فضل الشرفين، علي بن عبد الله الحسني السمهوري ت911هـ ، تحقيق: موسى بناي العليلي، الجمهورية العراقية ـ وزارة الأوقاف، بغداد، 1407هـ .

66ـ حديقة الشيعة (فارسي) ، المقدّس الأردبيلي ت993هـ ، تصحيح: صادق حسن زادة ، نشر أنصاريان ، قم، الطبعة الثالثة 1425هـ .

67ـ الحراب في صدر البهاء والباب ، محمّد فاضل ، دار المدني ، القاهرة ، الطبعة الثانية 1407هـ .

68ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ، أبو نعيم الأصفهاني ت430هـ ، تحقيق: مصطفى عبد القادر ، دار الكتب العلمية ، بيروت، الطبعة الثانية 1423هـ .

69ـ الخرائج والجرائح ، قطب الدين الراوندي ت573هـ ، مؤسسة النور ، بيروت، الطبعة الثانية 1411هـ .

70ـ خصائص أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، أحمد بن شعيب النسائي ت303هـ ، تحقيق: حمزة النشرتي وعبد الحفيظ فرغلي وعبد الحميد مصطفى ، المكتبة القيمة ، القاهرة .

71ـ خلاصة الأقوال ، العلاّمة الحلي ت726هـ ، تحقيق: جواد القيومي ، نشر الفقاهة، الطبعة الأولى 1417هـ .

72ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي ت911هـ ، دار المعرفة، بيروت .

73ـ دلائل الصدق لنهج الحق، محمّد حسن المظفر ت1375هـ ، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) لإحياء التراث، قم، الطبعة الأُولى 1423هـ .

74ـ دلائل النبوة ، أحمد بن الحسين البيهقي ت458هـ ، تحقيق: عبد المعطي قلعجي ، دار الكتب العلمية ، بيروت، الطبعة الثانية 1423هـ .

75ـ دلائل نبّوته(صلى الله عليه وآله وسلم) في ضوء السنّة ، أحمد محمود أحمد شيمي ، دار الكتب العلمية ، بيروت، الطبعة الأولى 1422هـ .

76ـ الذريعة إلى تصانيف الشيعة ، الشيخ آقا بزرك الطهراني ت1389هـ ، دار الأضواء ، بيروت، الطبعة الثالثة 1403هـ .

77ـ رجال ابن داود ، الحسن بن عليّ بن داود الحلّي ت707هـ ، تحقيق وتقديم: السيّد محمّد صادق آل بحر العلوم، منشورات المطبعة الحيدرية ، النجف الأشرف ، 1392هـ .

78ـ رجال الطوسي ، محمّد بن الحسن الطوسي ت460هـ ، تحقيق: جواد القيومي الأصفهاني ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم، الطبعة الثانية 1420هـ .

79ـ رجال النجاشيء ، أحمد بن عليّ النجاشي ت450هـ ، تحقيق: السيّد موسى الشبيري الزنجاني ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم، الطبعة السادسة 1418هـ .

80ـ رسائل الجاحظ، عمرو بن بحر بن محبوب الملقّب بالجاحظ ت255هـ ، تقديم وتبويب وشرح: علي أبو ملحم، دار ومكتب الهلال، بيروت، الطبعة الثالثة 1995م .

81ـ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ، محمود الآلوسي البغدادي ت1270هـ ، تصحيح: عليّ عبد الباري عطية ، دار الكتب العلمية ، بيروت، الطبعة الأولى 1415هـ .

82ـ روضات الجنّات وأحوال العلماء والسادات ، محمّد باقر الموسوي الخوانساري ت1313هـ ، تحقيق: أسد الله إسماعيليان ، مكتبة إسماعيليان ، قم .

83ـ رياض العلماء وحياض الفضلاء ، الميرزا عبد الله الأفندي من أعلام القرن الثاني عشر ، تحقيق: السيّد أحمد الحسيني ، مطبعة خيام ، قم، 1401هـ .

84ـ السقيفة وفدك ، أحمد بن عبد العزيز الجوهري ت323هـ ، تحقيق: محمّد هادي الأميني ، شركة الكتبي ، بيروت، الطبعة الثانية 1413هـ .

85ـ سلسلة الأحاديث الصحيحة ، محمّد ناصر الدين الألباني ، مكتبة المعارف ، الرياض ، 1415هـ .

86ـ سنن ابن ماجة ، محمّد بن يزيد القزويني ت275هـ ، بشرح السندي ت1138هـ ، تحقيق: خليل مأمون شيحا ، دار المعرفة ، بيروت ، الطبعة الثالثة 1420هـ .

87ـ سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني ت275هـ ، تحقيق:

صدقي محمّد جميل العطار، دار الفكر ، بيروت، الطبعة الثانية 1418هـ .

88ـ سنن الدارقطني، علي بن عمر الدارقطني ت385هـ ، تحقيق: عبد الله هاشم يماني المدني، دار المعرفة، بيروت، 1386هـ .

89ـ سنن الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي ت255هـ ، مطبعة الاعتدال، دمشق ، 1349هـ .

90ـ السنن الكبرى ، أحمد بن الحسين بن علي البيهقي ت458هـ ، تحقيق: محمّد عبد القادر عطا ، دار الكتب العلمية ، بيروت، 1420هـ .

91ـ السنن الكبرى ، أحمد بن شعيب النسائي ت303هـ ، تحقيق: عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية ، بيروت، الطبعة الأُولى 1411هـ .

92ـ سير أعلام النبلاء ، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ت748هـ ، تحقيق: بشار عواد معروف ، مؤسسة الرسالة ، بيروت، الطبعة الثانية 1419هـ .

93ـ السيرة الحلبية فى سيرة الأمين والمأمون، نور الدين الحلبي الشافعي ت1044هـ ، تحقيق: عبدالله محمّد الخليلي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى 1422هـ .

94ـ السيرة النبويّة ، عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري ت218هـ ، تحقيق: محمّد محيي الدين عبد الحميد ، مكتبة محمّد عليّ صبيح، القاهرة، 1383هـ .

95ـ شرح المقاصد في علم الكلام، سعد الدين التفتازاني ت793هـ ، تحقيق: عبد الرحمن عميرة ، منشورات الشريف الرضي ، قم، الطبعة الأولى 1409هـ .

96ـ شرح نهج البلاغة ، ابن أبي الحديد ت656هـ ، تحقيق: محمّد أبو الفضل إبراهيم ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت، الطبعة الثانية 1385هـ .

97ـ شواهد التنزيل القواعد التفضيل في الآيات النازلة في أهل البيت(عليهم السلام) ، عبيد الله بن أحمد المعروف بالحاكم الحسكاني من أعلام القرن الخامس، تحقيق: الشيخ محمّد باقر المحمودي ، مؤسسة الأعلمي ، بيروت، الطبعة الأولى 1393هـ .

98ـ صحيح ابن حبّان بترتيب ابن بلبان ، علاء الدين علي بن بلبان الفارسي ت739هـ ، تحقيق: شعيب الأرنوؤط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الثانية 1414هـ .

99ـ صحيح البخاري ، محمّد بن إسماعيل البخاري ت256هـ ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، 1420هـ .

100ـ صحيح الجامع الصغير وزيادته ، محمّد ناصر الدين الألباني ، جمعية إحياء التراث الإسلامي ، بيروت، الطبعة الثالثة 1421هـ .

101ـ صحيح مسلم ، مسلم بن حجاج النيسابوري ت261هـ ، دار ابن حزم ، بيروت، الطبعة الأُولى 1416 هـ .

102ـ الصحيفة السجادية، علي بن الحسين بن أبي طالب(عليه السلام) ت94هـ ، تحقيق ونشر: مؤسسة الإمام المهدي عجل الله فرجه، قم، الطبعة الأُولى، 1411هـ .

103ـ الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم، عليّ بن يونس البياضي ت877هـ ، تحقيق محمّد باقر البهبودي ، المكتبة الرضوية ، الطبعة الأولى 1384هـ .

104ـ الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة ، ابن حجر الهيتمي ت973هـ ، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي وكامل محمّد الخرّاط ، مؤسسة الرسالة ، بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ .

105ـ طبقات أعلام الشيعة ، الشيخ آقا بزرك الطهراني ت1389هـ ، مؤسسة اسماعيليان ، قم، الطبعة الثانية .

106ـ الطرائف في معرفة مذاهب الطوائف، علي بن موسى بن طاووس

ت664هـ ، مطبعة الخيام، قم، الطبعة الأولى 1399هـ .

107ـ العدل الإلهي، مرتضى المطهري، تعريب: محمّد عبد المنعم الخاقاني، الدار الإسلامية، الطبعة الثانية 1405هـ .

108ـ العقد الفريد، أحمد بن محمّد بن عبد ربه الأندلسي ت328هـ ، تحقيق: عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى 1417هـ .

109ـ العقيدة الإسلاميّة ، مصطفى سعيد الخن ومحيي الدين ديب مستو ، دار الكلم الطيّب ، بيروت، دار ابن كثير، دمشق، الطبعة الأولى 1417هـ .

110ـ علل الشرائع ، الشيخ الصدوق ت381هـ ، تقديم: السيّد محمّد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدرية ، النجف الأشرف ، 1385هـ .

111ـ عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني ت855هـ ، تحقيق: عبد الله محمود محمّد عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1421هـ .

112ـ العين ، الخليل بن أحمد الفراهيدي ت175هـ ، تحقيق: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي ، مؤسسة دار الهجرة ، إيران ، الطبعة الثانية، سنة 1409هـ .

113ـ عيون أخبار الرضا(عليه السلام) ، الشيخ الصدوق ت381هـ ، تصحيح وتعليق: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي ، بيروت، 1404هـ .

114ـ الغدير في الكتاب والسنّة والأدب ، عبد الحسين الأميني .

115ـ الغيبة ، الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي ت460هـ ، تحقيق: عبد الله الطهراني ، مؤسسة المعارف الإسلاميّة ، قم، الطبعة الأولى 1411هـ .

116ـ فتح الباري شرح صحيح البخاري ، ابن حجر العسقلاني ت852هـ ، دار الكتب العلمية، بيروت ، الطبعة الثالثة 1421هـ .

117ـ فتح القدير الجامع بين فنّي الرواية والدراية من علم التفسير، محمّد بن علي بن محمّد الشوكاني ت1250هـ ، إعداد وتصحيح ونشر: دار ابن كثير ودار الكلم الطيّب، دمشق ـ بيروت، الطبعة الأُولى 1414هـ .

118ـ فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علي، أحمد بن محمّد ابن الصديق الحسني المغربي ت1380هـ ، تحقيق: أحمد محمّد مرسي النقشبندي ، مكتبة القاهرة .

119ـ فدك في التاريخ ، السيّد محمّد باقر الصدر ت1400هـ ، تحقيق: عبد الجبّار شرارة، مركز الغدير للدراسات الإسلامية .

120ـ فرق الشيعة ، الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث الهجري ، تصحيح: محمّد صادق بحر العلوم ، المكتبة المرتضوية ، النجف الأشرف .

121ـ الفصول المختارة (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد) ، الشيخ المفيد ت413هـ ، المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، الطبعة الأولى 1413هـ .

122ـ الفصول المهمّة في معرفة الأئمة، علي بن محمّد بن أحمد المالكي ت855هـ ، انتشارات الأعلمي، طهران، الطبعة الأُولى 1375هـ .

123ـ فضائل سيّدة النساء ، عمر بن شاهين ت385هـ ، تحقيق: أبو إسحاق الجويني أو الأثري، مكتبة التربية الإسلامية، القاهرة، الطبعة الأُولى 1411هـ .

124ـ فضائل الصحابة ، أحمد بن حنبل ت241هـ ، تحقيق: وصي الله محمّد عباس ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، الطبعة الأُولى 1403هـ .

125ـ فضائل الصحابة ، أحمد بن شعيب المعروف بالنسائي ت303هـ ، دار الكتب العلمية، بيروت .

126ـ الفقه على المذاهب الأربعة، جماعة من علماء مصر، وقف الإخلاص، 1413هـ .

127ـ الفهرست، ابن النديم البغدادي ت438هـ ، تحقيق: رضا ـ تجدد .

128ـ فهرست الطوسي ، محمّد بن الحسن الطوسي ت460هـ ، تحقيق: السيّد عبد العزيز الطباطبائي ، مكتبة المحقق الطباطبائي ، قم، الطبعة الأولى 1420هـ .

129ـ فيض القدير شرح شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير ، محمّد عبد الرؤوف المناوي ، تحقيق: أحمد عبد السلام ، دار الكتب العلمية ، بيروت، 1422هـ .

130ـ قاعدة جليلة في التوسّل والوسيلة ، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيميّة ت728هـ ، مراجعة: السيّد الجميلي ، دار الكتاب العربي ، بيروت، الطبعة الأولى 1405هـ .

131ـ القاموس المحيط ، محمّد بن يعقوب الفيروزآبادي ت817هـ ، مؤسسة الرسالة، بيروت .

132ـ الكافي ، محمّد بن يعقوب الكليني ت329هـ ، تحقيق: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة ، طهران ، الطبعة السادسة ، سنة 1375ش .

133ـ الكامل في التاريخ ، عليّ بن محمّد بن الأثير ت630هـ ، دار صادر ، بيروت، 1385هـ .

134ـ كتاب السنّة، عمرو بن أبي عاصم ت287هـ ، تحقيق: محمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة 1419هـ .

135ـ كشف الحيل (فارسي) ، عبد الحسين آيتي ، طبع طهران، 1326ش .

136ـ كشف الخفاء ومزيل الألباس، إسماعيل بن محمّد العجلوني ت1162هـ ، تحقيق: محمّد بن عبد العزيز الخالدي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى 1418هـ .

137ـ كشف الغمّة في معرفة الأئمة ، علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي ت693هـ ، دار الأضواء ، بيروت، الطبعة الأُولى 1421هـ .

138ـ كمال الدين وتمام النعمة ، الشيخ الصدوق ت381هـ ، تصحيح: عليّ أكبر الغفّاري ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، 1405هـ .

139ـ الكنى والألقاب، الشيخ عباس القمي ت1359هـ ، تقديم: محمّد هادي الأميني، مكتبة الصدر، طهران .

140ـ كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، علي المتّقي بن حسام الدين الهندي ت975هـ ، تحقيق: محمود عمر الدمياطي ، دارالكتب العلمية ، بيروت، الطبعة الثانية 1424هـ .

141ـ كنز الفوائد ، محمّد بن علي الكراجكي ت449هـ ، تحقيق: عبد الله نعمة ، دار الأضواء ، بيروت ، 1405هـ .

142ـ لسان العرب ، ابن منظور الأفريقي المصري ت711هـ ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت، الطبعة الثالثة 1419هـ .

143ـ لقد شيّعني الحسين، إدريس الحسيني، الاعتصام، الطبعة الأُولى 1415هـ .

144ـ المجتبى من السنن، أحمد بن شعيب النسائي ت303هـ ، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية ، حلب، الطبعة الثانية 1406هـ .

145ـ مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ، علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي ت807هـ ، دار الكتب العلمية ، بيروت: 1408هـ .

146ـ المحاسن ، أحمد بن محمّد بن خالد البرقي ت274هـ ، تحقيق: جلال الدين الحسيني ، دار الكتب الإسلاميّة ، طهران، الطبعة الأولى 1370هـ .

147ـ المستدرك على الصحيحين ، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري ت405هـ ، تحقيق: محمّد مطرجي ، دار الفكر ، بيروت، الطبعة الأُولى 1421هـ .

148ـ مسند أبي داود الطيالسي، سليمان بن داود الطيالسي ت204هـ ، دار المعرفة، بيروت.

149ـ مسند أبي يعلى الموصلي ، أحمد بن علي بن المثنى التميمي ت307هـ ، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث ، دمشق ، الطبعة الأولى 1404هـ .

150ـ مسند أحمد بن حنبل، أحمد بن حنبل ت241هـ ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية 1420هـ .

151ـ مشكاة المصابيح، محمّد بن عبد الله الخطيب التبريزي ت737هـ ، محمّد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة 1405هـ .

152ـ مصباح المتهجد، محمّد بن الحسن الطوسي ت460هـ ، مؤسسة فقه الشيعة، بيروت، الطبعة الأُولى 1411هـ .

153ـ المصنف ، عبد الرزاق بن همام الصنعاني ت211هـ ، تحقيق: أيمن نصر الدين الأزهري ، دار الكتب العلمية ، بيروت، الطبعة الأولى 1421هـ .

154ـ المصنف في الأحاديث والآثار ، عبد الله بن أبي شيبة الكوفي ت235هـ ، تعليق: سعيد محمّد اللحام ، دار الفكر ، بيروت، 1420هـ .

155ـ المعجم الأوسط ، سليمان بن أحمد الطبراني ت360هـ ، تحقيق: محمّد حسن الشافعي ، دار الكتب العليمة ، بيروت، الطبعة الأولى 1420هـ .

156ـ معجم رجال الحديث ، السيّد أبو القاسم الخوئي ت1413هـ ، الطبعة الخامسة 1413هـ .

157ـ المعجم الكبير ، سليمان بن أحمد الطبراني ت360هـ ، تحقيق: حمدي

عبد المجيد السلفي ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت، الطبعة الثانية.

158ـ معجم المؤلّفين ، عمر رضا كحالة ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت .

159 المفردات في غريب القرآن، الحسن بن محمّد المعروف بالراغب الأصفهاني ت502هـ ، تحقيق: محمّد خليل عيتاني، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثالثة 1422هـ .

160ـ مقالات الإسلاميين ، عليّ بن إسماعيل الأشعري ت324هـ ، تصحيح: هلموت ريتر ، إصدار: جمعية المستشرقين الألمانية ، الطبعة الثالثة 1400هـ .

161ـ مقتل الحسين، الموفق بن أحمد بن محمّد المكي الخوارزمي ت568هـ ، تحقيق: محمّد السماوي، أنوار الهدى، قم، الطبعة الأُولى 1418هـ .

162ـ الملل والنحل، محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني ت548هـ ، تحقيق: محمّد سيد گيلاني، دار المعرفة، بيروت.

163ـ المناقب ، الموفق بن أحمد الخوارزمي ت568هـ ، تحقيق: مالك المحمودي ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم ، الطبعة الثانية 1411هـ .

164ـ مناقب آل أبي طالب ، محمّد بن عليّ بن شهرآشوب ت588هـ ، المكتبة الحيدرية ، النجف الأشرف، 1376هـ .

165ـ مناقب الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ، أبو الحسن بن المغازلي ت483هـ ، دار الأضواء ، بيروت، الطبعة الثالثة 1424هـ .

166ـ مناقب علي بن أبي طالب وما نزل من القرآن في علي، أبو بكر أحمد ابن موسى الأصفهاني ابن مردويه ت410هـ ، جمعه ورتّبه وقدّم له: عبد الرزاق محمّد حسين حرز الدين، دار الحديث، قم، الطبعة الأُولى 1422هـ .

167ـ مناهج اليقين في أصول الدين، العلاّمة الحلي ت 726هـ ، تحقيق: محمّد

رضا الأنصاري القمي، الطبعة الأُولى 1416هـ .

168ـ المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي، السيّد ثامر هاشم العبيدي، مركز الرسالة، الطبعة الثانية 1425هـ .

169ـ مواقف الشيعة ، عليّ الأحمدي الميانجي ، مؤسسة النشر الإسلامي ، قم، الطبعة الأولى 1416هـ .

170ـ المواقف في علم الكلام ، عبد الرحمن بن أحمد الإيجي ت756هـ ، مكتبة المتنبي ، القاهرة.

171ـ موسوعة الأديان والمذاهب ، عبد الرزاق محمّد أسود ، الدار العربية للموسوعات ، بيروت ، الطبعة الثانية 1420هـ .

172ـ الموّطأ ، مالك بن أنس ت179هـ ، جمعية إحياء التراث ، الضاحية ـ الكويت، الطبعة الأولى 1419هـ .

173ـ ميزان الاعتدال في نقل الرجال، محمّد بن أحمد بن عثمان الذهبي ت748هـ ، تحقيق: علي محمّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأُولى 1416هـ .

174ـ الميزان في تفسيرالقرآن ، السيّد محمّد حسين الطباطبائي ت1402هـ ، مؤسسة الأعلمي، بيروت، الطبعة الثالثة 1419هـ .

175ـ النسخ والبداء في الكتاب والسنّة، جعفر السبحاني، دار الهادي، بيروت، 1418هـ .

176ـ نصائح الهدى والدين إلى من كان مسلماً وصار بابياً ، جواد البلاغي ت1352هـ ، تصحيح: محمّد عليّ الحكيم ، دليلنا ، قم، الطبعة الأولى 1423هـ .

177ـ النهاية في غريب الحديث والأثر ، ابن الأثير الجزري ت606هـ ، خرّج

أحايثه: صلاح بن محمّد عويضة ، دار الكتب العلمية ، بيروت، الطبعة الأولى 1418هـ .

178ـ نهج الحقّ وكشف الصدق ، العلاّمة الحلي ت726هـ ، تعليق: الشيخ عين الله الأرموي، مؤسسة دار الهجرة ، إيران، الطبعة الأُولى 1407هـ .

179ـ الوافي بالوفيات، صلاح الدين خليل بن ايبك الصفدي ت764هـ ، تحقيقة أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأُولى 1420هـ .

180ـ وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ، محمّد بن الحسن الحرّ العاملي ت1104هـ ، تحقيق ونشر: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث ، قم، الطبعة الثانية 1414هـ .

181ـ ينابيع المودّة لذوي القربى ، سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي ت1294هـ ، تحقيق: سيّد عليّ جمال أشرف الحسيني ، دار الأسوة ، قم، الطبعة الأولى 1416هـ .