الإمام الحسین علیه السلام و أصحابه جلد 1

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الأمام الحسین علیه السلام وأصحابه

مصدر الفهرسه: IQ-KaPL ara IQ-KaPLI rad

رقم التصنیفBP 42. Q 22 2015 :LC

المؤلف الشخصي: القزويني، فضل علي، 1290 - 1367 هجرياً.

العنوان: الإمام الحسين علیه السلام وأصحابه.

بيان المسؤولية: تأليف العلامة المتتبع الشيخ فضل علي القزويني؛ تنظيم وتحقيق السيد احمد الحسيني.

بيانات الطبعة: الاولى.

بيانات النشر : كربلاء : العتبة الحسينية المقدسة - مجمع الامام الحسین علیه السلام العلمی لتحقسق تراث اهل البیت علیهم السلام.

الوصف المادی: 4مجلدات

سلسلة النشر : (مجمع الامام الحسين علیه السلام العلمي لتحقيق تراث أهل البيت علیهم السلام ؛ 24 ) .

تبصرة ببليوغرافية: يحتوي على هوامش.

تبصرة محتويات : ج. 1 . المسير الى الطف والشهادة.

موضوع شخصي: الحسين بن علي ، الامام الثالث،4- 61 هجرياً- شهاده.

موضوع شخصی: الحسین بن علی علیه السلام، الامام الثالث،4-61 هجرياً - خطب.

مصطلح شخصي : الحسين بن علي علیه السلام ، الامام الثالث، 4 - 61 هجرياً -اصحاب.

مصطلح شخصي : الحسين بن علي ، الامام الثالث،4 - 61 هجرياً - نساء.

مصطلح موضوعي : واقعة كربلاء، 61 هجرياً – مصائب راس الحسین بن علی علیه السلام.

مصطلح موضوعي واقعة كربلاء، 61 هجرياً شهداء.

مصطلح موضوعي : واقعة كربلاء، 61 هجرياً - تأثير.

مؤلف اضافي: الحسيني الاشكوري، احمد علي حسن،1350 هجرياً، محقق.

الإخراج الفني : محمد رضا الاشكوري

محرر الرقمي: علي کهن کار

اشارة

جميع الحقوق محفوظة

للعتبة الحسينية المقدّسة

الطبعة الأولى: 1437 ه- - 2015م

الإمام الحسين علیه السلام وأصحابه

الشيخ فضل علي القزويني

تحقيق السيد أحمد الحسيني الاشكوري

رقم الإيداع في دار الكتب الوطنيّة - وزارة الثقافة - بغداد لسنة 2015م: 2042

مركز كربلاء للدراسات والبحوث - مجمع الأمام الحسين ( علیه السلام) العلمي لتحقيق تراث أهل البيت (علیهم السلام) كربلاء المقدسة - شارع السدرة - فندق دار السلام

هاتف: 07711733354

إصدارات المجمع : 24

الامام الحسین علیه السلام

وَاصَحابه

تأليف

العلامة الشيخ فضل على القزويني

المتوفى سنة 1367ه

الجزرة الاول

تنظیم وتحقیق

السيداحمد الحسيني

اشراف

مجمع المَامِ المحسین علیه السلام العَالَمِي لِتَحیق تراث اهل البيت علیهم السلام

مصدر الفهرسه: IQ-KaPL ara IQ-KaPLI rad

رقم التصنیفBP 42. Q 22 2015 :LC

المؤلف الشخصي: القزويني، فضل علي، 1290 - 1367 هجرياً.

العنوان: الإمام الحسين علیه السلام وأصحابه.

بيان المسؤولية: تأليف العلامة المتتبع الشيخ فضل علي القزويني؛ تنظيم وتحقيق السيد احمد الحسيني.

بيانات الطبعة: الاولى.

بيانات النشر : كربلاء : العتبة الحسينية المقدسة - مجمع الامام الحسین علیه السلام العلمی لتحقسق تراث اهل البیت علیهم السلام.

الوصف المادی: 4مجلدات

سلسلة النشر : (مجمع الامام الحسين علیه السلام العلمي لتحقيق تراث أهل البيت علیهم السلام ؛ 24 ) .

تبصرة ببليوغرافية: يحتوي على هوامش.

تبصرة محتويات : ج. 1 . المسير الى الطف والشهادة.

موضوع شخصي: الحسين بن علي ، الامام الثالث،4- 61 هجرياً- شهاده.

موضوع شخصی: الحسین بن علی علیه السلام، الامام الثالث،4-61 هجرياً - خطب.

مصطلح شخصي : الحسين بن علي علیه السلام ، الامام الثالث، 4 - 61 هجرياً -اصحاب.

مصطلح شخصي : الحسين بن علي ، الامام الثالث،4 - 61 هجرياً - نساء.

مصطلح موضوعي : واقعة كربلاء، 61 هجرياً – مصائب راس الحسین بن علی علیه السلام.

مصطلح موضوعي واقعة كربلاء، 61 هجرياً شهداء.

مصطلح موضوعي : واقعة كربلاء، 61 هجرياً - تأثير.

مؤلف اضافي: الحسيني الاشكوري، احمد علي حسن،1350 هجرياً، محقق.

الإخراج الفني : محمد رضا الاشكوري

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مقدمة المجمع

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الغر الميامين.

لقد تركت واقعة الطفّ أثراً كبيراً في نفوس شيعة ومحبّي أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، بل في نفوس المسلمين والإنسانيّة جمعاء، كيف لا والإمام الحسين عليه السلام - ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسيّد شباب أهل الجنّة وخامس أصحاب الكساء-هو قربانهم ، ومن أسّس أوّل ركائز الثورة ضدّ الظالمين والطغاة بعد ما آلت الاُمة إلى الهاوية، بحيث صار الإمام عليه السلام نبراساً وعنواناً لكلّ الأحرار في العالم حتى قيل فيه عليه السلام ما قيل من عبارات وكلام على لسان أكبر قادة التحرير في العصر الحديث، الذين استمدّوا من ثورة الإمام الحسين عليه السلام كلّ القيم والبطولة والتضحية والأخلاق والسخاء و ... وانتصروا على طغاة عصورهم.

هذا وقد كتب الكثير حول واقعة الطفّ وعن الإمام الحسين عليه السلام بعد استشهاده وإلى يومنا هذا، وبالحقيقة قد بيّنت بعض جوانب الثورة العملاقة، ولكنّها لم تغن عن الاستمرار في البحث من أجل الكشف عن الحقائق المتجدّدة عنها.

ويسرّ مجمع الإمام الحسين عليه السلام العلمي لتحقيق تراث آل البيت عليهم السلام أن يخوض في هذا المضمار فيقدّم لنا هذا الكتاب «الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه» للعلّامة الحاج الشيخ فضل علي القزويني، المتوفى سنة 1367ه-، وقد تناول العلّامة في هذا الكتاب سيرة الإمام الحسين عليه السلام من حين خروجه من مكة وصولاً إلى كربلاء واستشهاده عليه السلام وما جرى فيها من كلام وخطب للإمام عليه السلام وأحداث ووقائع، وكذلك تناول أحداث الشام وبعدها وصولاً إلى المدينة.

هذا وقد قام بتحقيق هذا الأثر سماحة السيد أحمد الحسيني الاشكوري، فأخرجه لنا بحلة جديدة فجزاه الله عن إمامه الحسين خير الجزاء.

نسأل الله أن يوفقنا في إحياء المزيد من تراث آل محمّد صلوات الله عليهم أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.

مجمع الإمام الحسين (علیه السلام) العلمي

لتحقيق تراث أهل البيت (علیهم السلام)

1437 ه- / 2015م

تقديم

توجّه الإمام الحسين عليه السلام من مكة المكرمة إلى العراق بدعوة من شيعته بالكوفة ظاهراً ، حيث كانت تترى عليه كتبهم عند وفاة معاوية بن أبي سفيان ، يطلبون فيها موافاتهم لإقامة العدل ورفع الظلم الذي شملهم على يد حكّام بني أمية، وبلغ الحال بهم أن صرّحوا في بعض كتبهم بأنهم سيشكونه إلى جده إذا لم يلبّ طلبهم ويهملهم بأيدي الجائرين المسيطرين عليهم بالقوة والغلبة .

توجّه إلى العراق إجابةً لهذه الدعوة ظاهراً ، ولكنه كان يعلم أنه متوجه إلى مصرعه بأرض الطف وأنه ستصيبه الشهادة مع أهل أهل بيته ونفر خلّص من أصحابه .. كان يعلم هذا يقيناً بإخبار من جده وأبيه عليهما السلام ، ولذا خرج مكة موطّناً نفسه على الشهادة واستقبال الموت، غير هيّاب مما ينتظره من ضروب المصائب والمحن التي سترد عليه وعلى أهل بيته وأصحابه .

خرج عليه السلام وقد صحبه جماعة كبيرة يظن أكثرهم أنه سيُقدم على ملك وسلطان ، وسيكون لهم الجاه العريض والأموال الوافرة بسبب الغلبة على آل أمية والسيطرة على الكوفة أو بالأحرى على العراق ، أما أهل البيت ونفر يسير من الأصحاب فكان دافعهم في مرافقة الإمام نصره والقيام بخدمته مهما آلت إليه

سفرتهم نحو العراق . إنهم كانوا يعتقدون جازمين أنه إمام مفترض الطاعة يجب الوقوف إلى جنبه وإقامة العدل تحت رايته ، لا يثنيهم عن عقيدتهم الراسخة أيُّ عارض يعترض طريقهم إلى الشهادة نصرةً لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

لقد خيّر عليه السلام مصاحبيه في مناسبات شتى بين الإقامة معه او الانصراف إلى حيث يشاؤون، وأخبرهم في منازل عديدة من المواقع التي كانوا ينزلون بها عن النتيجة التي تنتظرهم ومصيره ومصير من يصحبه من القتل والشهادة، ويُنقل أن آخر هذه المواقف الإخبارية كان في ليلة عاشوراء التي خطب الحسين السبط في أصحابه وحلّ بيعته من رقابهم وأذن في انصراف من يريد منهم الانصراف ، وصارحهم-كما صارحهم مراراً من ذي قبل - أن ليس في غد تلك الليلة إلا القتل والموت تحت ظلال السيوف والأسنة .

تفرّق كثير من الأعراب والغوغاء الذين صحبوا الحسين عليه السلام من مكة المكرمة أو التحقوا به في الطريق، وبقى معه أهل بيته والخلّص من أصحابه ، كما أن بعض الرجال انزاحوا إلى معسكره في ليلة عاشوراء ويومه، وصمد هؤلاء الصفوة للقتال حتى استشهدوا بأجمعهم ووفوا بما عاهدوا الله تعالى عليه من نصر ابن بنت نبيه والمقاومة أمام جيش الضلال وأعداء الإسلام ، وبذلك تقرّبوا إلى الله عز وجل وواسوا الرسول صلى الله عليه وآله وصنعوا لأنفسهم تاريخاً واضح المعالم سيشعّ بالكرامة والبطولة والشهامة مدى الأعصار المتعاقبة والأجيال المتتابعة .

حاول ويحاول أعداء الإسلام إخماد شعاع الحركة الحسينية وإطفاء هذا النور الوهّاج ، ولكن الآفاق تتسع كلما تقدم الزمان يوماً بعد يوم والنور ينتشر أكثر

فأكثر والمساعي في إخفاء الحق والحقيقة من نصيبها الإخفاق يُرِيْدُوْنَ أَنْ يُطْفِوْا نُوْرَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُوْرَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ [سورة التوبة : 32].


اهتم المؤرخون منذ القديم بتعداد أصحاب الحسين عليه السلام المستشهدين بين يديه في كربلاء ، وذكروا في مؤلفاتهم طرفاً من تراجمهم وأشادوا بموقفهم المشرّف في يوم عاشوراء ، فنجد اعتناءً بذكرهم وسرد أسمائهم خاصةً في تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير وغيرهما من التواريخ القديمة.

وقد خصّ - قديماً وفي الحقبة المتأخرة - جماعة من العلماء أيضاً مؤلفات خاصة بأسماء من حضر في كربلاء واستشهد في يوم عاشوراء، فذكروهم بأسمائهم وأوصافهم وما يتعلق بهم من تاريخ حياتهم وترجمة أحوالهم، اختصر بعضهم في ذلك وفصّل البعض الآخر .

ولعل أقدم مؤلَّف في هذا الموضوع هو رسالة الفضيل بن الزبير الأسدي الكوفي ( من أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام) التي حققها الأستاذ العلامة السيد محمدرضا الحسيني الجلالي ونشرها في نشرة ( تراثنا ) العدد الثاني بعنوان « تسمية من قتل مع الامام الحسين » ، وقد احتوت على ذكر (107) شخصاً من أصحاب الحسين عليه السلام .

وأشهر ما بأيدينا في هذا الموضوع هو كتاب «إبصار العين في أنصار الحسين»، لعلامة الأدب والتاريخ الشيخ محمد السماوي (ت 1370) ، فقد ترجم فيه لمائة وثلاثة عشر شخصاً من المقتولين بكربلاء، وطبع الكتاب مكرراً في النجف الأشرف وإيران .


أما مؤلفنا العلامة المتبحر الشيخ فضل علي القزويني ، فقد توسَّع في كتابه الذي نقدم له بهذه المقدمة ( الامام الحسين عليه السلام وأصحابه) وتناول الأصحاب الحاضرين في كربلاء ذكوراً وإناثاً الشهداء وغير الشهداء، وأدرج فيه من قتل في سبيله قبل حادثة الطف وبعده من دون الحضور بكربلاء ، بالاضافة إلى تناول مقتل الامام الحسين نفسه وسرد الأحداث التي رافقته والمنازل التي قطعها في مسيرته والخطب التي خطبها في مواقف عديدة ، منذ الخروج من مكة المكرمة حتى نهاية المجزرة وبعض ما يتعلق بما بعدها من اللواحق المهمة .

يمتاز هذا الكتاب بالإحاطة والشمول والدقة فيما نقله المؤرخون والمناقشة الجادة في كثير مما نقلوه أو استنتجوه من الأحداث ، ولا يكتفي بسرد الوقائع واستعراض الماجريات سرداً متتابعاً من دون الوقوف عند كل واحد منها وقوفَ باحث متأمل ، كما صنعه أكثر مؤلفي المقاتل في العصور المتأخرة ، بل وقف عند كل حادثة - خطيرة أو حقيرة - ليدقق في جزئياتها بل وحتى في بعض ألفاظها وضبط مشتقاتها .

والذي نودّ تنبه القارئ له، أهمية صراحة مؤلفنا في كثير من الحوادث المعروفة والمدوَّنة في مؤلفات المتأخرين أن ليس لها واقع تأريخي ولم يجد لها أثراً في المصادر الموثوقة وهي مردودة غير صحيحة .

جاء الكتاب في تقسيم المؤلف في ثلاثة أقسام متمايزة :

القسم الأول : في الأصحاب الذكور الحاضرين بكربلاء.

القسم الثاني : في مقتل سيد الشهداء عليه السلام.

القسم الثالث : في من حضر الواقعة من نساء أهل البيت وغيرهن .

ورأينا أن الأنسب في الترتيب تقديم مقتل الامام عليه السلام على القسمين

الآخرين ، لأهميته في نفسه وتضمنه لنقاط هامة تجلي كثيراً من الظروف السابقة على الشهادة والمقارنة لها، وبذلك يمكننا معرفة إيمان الأصحاب والدوافع التي دفعتهم لمرافقة الامام الحسين عليه السلام والاستشهاد بين يديه.

ويبدو أن الشيخ كان في نيته أن يخصّص جزءاً منفرداً لذكر أعداء الحسين عليه السلام والمشاركين في وقعة الطف، وأحال في كثير من المواضع من كتابه الماثل بين يدي القارئ إلى هذا القسم ، ولكنه لم يوفّق إلى الكتابة في هذا القسم وبقي في ذمة التأريخ.

وحين إعدادنا الكتاب للطبع رأينا تنسيقه بالمقدار اللازم وتصحيح بعض عبارات المؤلف التي زلّ قلمه فيها فوقع في أخطاء أدبية طفيفة ، فقوّمنا ما كان يحتاج إلى تقويم من دون تصرف في الجمل أو تغيير في الأسلوب ، رعايةً للأمانة وحفاظاً على عمل المؤلف فيما كتبه .

وكان من الضروري الرجوع إلى المصادر التي رجع إليها المؤلف ، فرجعنا إليها وإلى غيرها بالمقدار الممكن والمتوفر لدينا وأثبتنا اسمها ومحل النقل عنها في التعاليق ، كما علقنا على الكتاب ما وجدنا الحاجة ماسّة إليه من دون التوسع في النقل والتعليق لئلا نثقل كاهل الكتاب والقارئ .

وآخر دعوانا الحمد لله على التوفيق والهداية، ونسأله تعالى التسديد في أقوالنا وأفعالنا ، ونطلب إليه عز وجل التوفيق لما فيه الخير والصلاح .

آخر ذي القعدة 1434 ه- السيد أحمد الحسيني

ترجمة المؤلف

العلامة الحجة المتتبع المغفور له الشيخ فضل علي بن ملا ولي محمد (ولي الله) شريعت المهدوي القزويني.

ولد في قرية «تنوره» من قرى «ألموت» التابعة لقزوين في سنة 1290 ه، ونشأ برعاية والده الذي كان معروفاً بالزهد والتقوى في المنطقة ، وبذل جهده في تربية ولده وتأهيله ليكون عالماً صالحاً ديّناً .

بعد طي مراحل الطفولة وتعلّم بعض المبادئ في مسقط رأسه، انتقل إلى قزوين بأمر والده وهو في نحو الخامسة عشرة من عمره، وأقام في مدرسة «الصالحية »، وقرأ جانباً من المقدمات العلمية الحوزوية بها .

ثم هاجر إلى طهران وأقام بها بعض الوقت متتلمذاً على معاريف علمائها ، فقرأ جملة من كتب مرحلة السطوح، ثم ذهب إلى أصبهان حاضرة العلوم الدينية آنذاك في إيران ، فاستفاد من كبار مدرسيها ، وأكمل لديهم باقي مرحلة السطوح، وقرأ بها أيضاً جانباً من الفلسفة والعلوم العقلية .

وأخيراً انتقل لإكمال دروسه إلى النجف الأشرف، فبقي بها سنين وحضر الأبحاث العالية في الفقه والأصول لدى أعلام المدرسين بها ، ومنهم الحاج ميرزا حبيب الله الرشتي والسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي، وكانت أكثر دراساته عند كبير مدرسي عصره المولى محمد كاظم الآخوند الخراساني، فحضر لديه

دورة أصولية كاملة وبعض أبحاث الفقه لا نعلم مقدارها .

كان في النجف كثير الإشتغال بالعلم ، مواصلاً في الدراسة والإستفادة من أساتذته وأفاضل العلماء، له اختصاص بأستاذه الآخوند وأصبح من أعضاء مجلس فتياه ، وأجيز منه بإجازة اجتهادية .

يصرح في بعض كتبه أن شيخه وأستاذه في علم الرجال السيد هاشم القزويني الحائري.

عاد إلى قزوين بأمر شيخه الآخوند نحو سنة 1327، وأقام بها مشتغلاً بالوظائف الدينية والشؤون الاجتماعية، وأصبح له بها موقع ممتاز عند الناس، حيث كان يسعهم بأخلاقه الفاضلة ويهتم بحلّ مشاكلهم ويواسيهم في مآسيهم . أقام الجماعة ظهراً وليلاً أولاً في «مسجد خلج» ثم في «مسجد النبي» أكبر مساجد قزوین .

كان مع القيام بالوظائف الاجتماعية مهتماً بالعلم ونشره بحثاً وتدريساً، فتخرّج عليه كثير من طلاب قزوين في كتب الكفاية والمكاسب والرسائل في دورات عديدة . وكان أكثر تدريسه في مدرسة الصالحية ، ومن عادته أنه يقيم في كل سنة مدة في المشهد الرضوي وقم ويدرّس في الفقه والأصول خارجاً الجماعة من الطلاب والأفاضل . وكانت له عند المراجع والعلماء شأن رفيع واحترام بالغ أينما حلّ ، وخاصةً عند مرجع عصره الحاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي .

يبدو أنه كان يميل إلى العرفان وتهذيب النفس، وله صحبة أكيدة مع الشيخ المهذَّب الشيخ حسين علي نخودي المشهدي المعروف ببعض الخصائص والكرامات ، وكان أكثر معاشرته عند ما كان يزور المشهد الرضوي معه وكان له أيضاً معاشرة مع الحاج ميرزا محمد الكفائي ابن أستاذه الآخوند الخراساني .

كان للشيخ بالاضافة إلى تبحره في العلوم الحوزوية، إطلاع واسع بالعلوم الغريبة والكيمياء كما يظهر من كتاباته ، كما أنه كان دقيق النظر في التواريخ والسير وله انتباهات ممتازة في التحقيق التأريخي. تتسم كتاباته بالدقة في النقل والفحص في مختلف الآراء والإستنتاج الواعي، كما أن مؤلفاته ينطبع عليها طابع الشمولية والبسط في المناقشة في بعض الأحيان.

أقام في مدينة قزوين سنين، ولكنه اضطر إلى النزوح عنها بسبب الاضطرابات التي حصلت في حادثة كشف الحجاب وإلزام العلماء والموجهين بالحضور في المجالس العامة مع زوجاتهم مكشفات حسب القانون الذي وضعه الطاغية رضا شاه البهلوي، فهاجر الشيخ إلى كربلاء، وأقام بها أربعة عشر عاماً مشتغلاً بالبحث والتحقيق والتأليف.

له من المؤلفات :

1 - تعيين الامام . رسالة .

2- تقرير أبحاث أستاذه الآخوند الخراساني.

3- الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه . التسمية منا . طبع الجزء الأول في قم.

4 - شرح خطبة الزهراء عليها السلام. طبعناه بعنوان «حياة الزهراء بعد أبيها الرسول».

5 - الامام الصادق عليه السلام .

6 - أحوال السيدة المعصومة ، رسالة .

قصد زيارة الامام الرضا عليه السلام من كربلاء ، وفي طريقه جاء إلى قم ومرض ثلاثة أيام وتوفي في يوم الخميس ثالث شهر شعبان سنة 1367 ، ودفن

بعد تشييع حافل في المقبرة المعروفة ب«شيخان » .

نقل لي ثقة أنه فُتح قبره لدفن ابنه المغفور له الشيخ محمود شريعت المهدوي إلى جنبه فوجدوا جسده سالماً كما دفن قبل نحو أربعين سنة.

الإمام الحسين عليه السلام

وأصحابه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين ، ولعنة الله على أعدائهم أجمعين ، إلى يوم الدين.

وبعد:

فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا المسمى بكتاب الحسين عليه السلام ، يُذكر فيه نبذ من أحواله وما جرى عليه من يوم خروجه من المدينة إلى شهادته عليه

السلام في تسعة أبواب :

الباب الأول : في خطبه عليه السلام.

الباب الثاني : في رسائله وكتبه .

الباب الثالث : في بعض كلماته وأجوبته عمن سأله .

الباب الرابع : في وصاياه .

الباب الخامس: في كيفية خروجه ووقائع سفره ومنازله وما جرى عليه إلى ليلة العاشور.

الباب السادس : فيما جرى عليه في ليلة العاشور .

الباب السابع : فيما جرى عليه في يوم العاشور إلى أن قتل .

الباب الثامن : فيما يتعلق به من الأمور الحادثة عند قتله وشهادته .

الباب التاسع : في الوقائع المتأخرة عن قتله .

فنقول مستعيناً بالله ومتوسلاً إليه :

الباب الأول : (في خطبه عليه السلام)

الخطبة الأولى :

رواها علي بن عيسي الإربلي في كشف الغمة عن كمال الدين ابن طلحة، وذكرها السيد في اللهوف والمجلسي في البحار(1)

وقد ذكرت هذه الخطبة أيضاً في نفس المهموم ص 163 ، لواعج الأشجان ص 70، المجالس السنية 78/1 .

، بل ذكرها جلّ من تأخر عنهم من المحدثين والمؤرخين وأرباب المقاتل ، قالوا :

لما عزم الحسين عليه السلام على الخروج إلى العراق قام خطيباً فقال :

«الحمدُللهِ ، وما شاءاللهُ ، ولا حول(2)ولا قوة إلا باللهِ، وصلى اللهُ على رسوله وسلّم . خُطّ الموتُ على ولد آدم مَخَطَّ القِلادة على جِيْد الفتاة ، وما أوْهَني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسفَ، وخير لي مصرع أنا أُلاقيه(3)، كأني بأوصالي يَتَقَطَّعُهَا(4)عُسْلاَنُ الفَلَواتِ بين النَّوَاوِيْسَ وكربلاء ، فيملأن مني أكْرَاشاً(5)جوفاً


1) (1) كشف الغمة 239/2 ، اللهوف ص 26 ، بحار الأنوار 366/44.

2) (2) ليس «ولا حول » في اللهوف

3) (3) في جميع النسخ « انا لاقيه » .

4) (4) في النسخ « تقطعها » .

5) (5) في اللهوف «كرشاً».

وأجْرِبَةً سُغْباً ، لا يَحِيْصَ عن يوم خُطَّ بالقلم ، رضَى اللهِ رضانا أهل البيت ، نصبُر على بلائه ويُوَفِّينا أجُورَ (1)الصابرين ، لن تَشذَّ(2)عن رسول الله لُحْمَتُه ، وهي مجموعة في حَظِيرة القُدْس، تقرُّ بهم عينُه وتُنْجَزُ لهم(3)وَعْدُه . مَن كان فينا ، باذلاً (4)مُهْجَتَه موطناً (5)على لقاءِ اللهِ نفسَه فليَرْ حَل معنا ، فإني (6)راحِلٌ مُصْبِحاً

إنشاء الله تعالى .

(بیان):

هذه الخطبة التي تُعدّ من إعجازه وكراماته روحي له الفداء ، حيث ذكر فيها إجمالاً ما يجري عليه وعلى من معه، فكأنه - باصطلاح فكأنه - باصطلاح أهل العلم - براعة استهلال لما سيقع ، ووقع ما أخبر به على ما أخبر وأعلم أصحابه ما يجري عليهم . فإن الأئمة عليهم السلام من أول الأمر عالمون بأنهم مقتولون ، موطّنون أنفسهم على لقاء الله تعالى .

وسيأتي مفصلاً دفع ما وقع في بعض الأوهام، مضافاً إلى ما ذكره بعض، وتحقيق منا في هذا المقام يجئ فانتظر .

قوله عليه السلام «خُطّ الموتُ».


1) (6) في اللهوف «اجر » .

2) (7) في المناقب لن يشذ .

3) (8) في المناقب ويتنجز لهم وفي اللهوف « وينجز بهم».

4) (9) في اللهوف «باذلاً فينا».

5) (10) في النسخ وموطناً ».

6) (11) في اللهوف «فانني».

قال في المجمع : خَطَّ الرجلُ الكتابَ - من باب قتل -كتب .

مخطه بالهاء المجهول، أي كتب في اللوح المحفوظ، أو بمعنى لزم ووجب، فهو تفسير باللازم، من قولهم : هذا على رقبتك ، أى يلزمك.

قوله «مخطّ القلادة».

مَخَطّ مصدر ميمي، من خطَّه إذا لزمه وكتب عليه. فالمعنى : خُطَّ الموتُ خطَّ القلادة ، أي لزم الموت لزوم القلادة، فكما أن القلادة بعد تقليدها لازمة لا يمكن الخروج عنها فكذلك الموت لا يمكن الخروج منه .

و ما يقال : إن «مَخَطّ » اسم مكان من الخط ، ويُراد به موضع خط القلادة .

خروج عن ظاهر اللفظ ويحتاج إلى تجوّز وعناية ، إذ لا خطّ لموضع القلادة، فلابد أن يراد الجلد المستدير ، فكما أن الجلد لازم على الجيد فكذا الموت لازم على بني آدم .

قوله «وما أوْطَهَني».

في بعض النسخ « وما أذلهني» بالدال بدل الواو ، ولعله الأصح والأنسب ، إذ الدَلَه بالدال - على ما صرح به في القاموس - ذهاب القلب من الحزن والغم والشوق، والوَلَه بالواو ذهاب العقل من الحزن والشوق . وبه صرح في المجمع أيضاً.

والثاني وإن كان أبلغ لكن الأول أنسب بل أبلغ .

وما يقال : إن الوَلَه شدة الشوق . لعله من باب إطلاق المسبَّب على السبب .

فالمعنى : ما أذهب قلبي من شدة حزني وشوقي إلى أسلافي .

قوله « وخِير لي».

بالبناء للمجهول، من خار اللهُ ، أي اختار ، يعنى اختار الله مصرعاً. أو من خاره الله ، أي أعطاه الله . صرح به في المجمع . أى أعطاني الله مصرعاً،

وكلاهما صحيحان .

وفي بعض النسخ «وخُيّر لي» بالتشديد ، من خير والتخير . لعله اشتباه أو سهو من الناسخ .

قوله «مصرع».

المصرع اسم مكان من الصرع، بمعنى الطرح . صرح به في القاموس والمجمع. وفيه : و «مصارع الشهداء» أمكنتهم التي صُرِّعوا فيها .

و يمكن أن يُراد هنا بالمصرع المدفن والقبر ، وسيأتي أنه عليه السلام هوى إلى الأرض وطرح في موضع مدفنه وموضع قبره الشريف .

قوله « أنا ألاقيه».

بصيغة المتكلم ، وفي بعض النسخ « أنا لاقيه» بصيغة اسم الفاعل. وكلاهما صحيحان ، و لعل الأول أصح وأفصح .

قوله «أوصالي».

في المجمع : الأوصال جمع وُصْلة بالضم ، وهو ما يُتوصل به [إلى المطلوب]، وكلما اتصل بشيئين فيما بينهما وُصلةٌ. ومثله في القاموس . وفي المجمع : الأوصال

المفاصل ، ومنه : تقطعت الأوصال .

و لعل المعنى الثاني هنا أنسب وأظهر .

قوله «يقطعها» .

وفي نسخة «يتقطعها»، وفي جملة من النسخ «تُقَطِّعُها»، وفي بعضها «تَتَقَطَّعُها » ، والكل صحيح.

قوله «عسلان الفلوات».

يمكن أن يقرأ عَسَلان بفتحتين كرمضان ، يكون مصدراً من عَسَل الذئبُ أو

الأسد أو غيرهما : إن اضطرب في السير واهتز رأسه. فيكون المصدر بمعنى الفاعل، والإضافة بتقدير في ، ولا يخص بالذئب . فالمعنى يقطعها المضطربون والمهتزون رؤوسهم في الغُدُو والسير في الفلوات، فيكون كناية عن الوحوش في البرايا والصحاري والفلوات.

ويمكن أن يُقرأ بالضم كرُكبان وفرسان ، جمع عَاسِل وهو الذئب فقط . صرح بذلك في القاموس ، قال : العاسل ككامل الذئب، يجمع على عُسَّل كركَّب وعَوَاسِل كفوارس . فيكون جمعاً سماعياً كركبان وفرسان في الراكب والفارس ، فيكون المعنى يتقطعها ذئاب الفلوات ، فالإضافة بمعنى اللام.

وكلاهما صحيحان . والنسبة إليه-سواء كان مصدراً أو جمعاً - ليس بمجازي على ما توهم الأمين المعاصر أيده الله(1)، فإنه بعدما ردّ المحقق المعاصر السماوي في الإبصار(2)بأن عُسْلان بضم العين وسكون السين جمع عاسل وهو المهتز والمضطرب ، يقال للرمح والذئب وأمثالها ، و المراد هنا المعنى الثاني ، قال إن عاسلاً لا يجمع على عُسلان ، قال : والظاهر أن عَسَلان بالتحريك مصدر عَسَل الذئبُ إذا اضطرب في عَدوه وهزّ رأسه ، ونسبة التقطيع إلى العَسَلان مجاز عقلي من باب الإسناد إلى السبب على حذف مضاف، أي يقطّعها عَسَلان ذئاب الفلوات .

انتهى.

و قد عرفت ما فيهما : أما [في ] الأول فان عُسْلان بالضم والسكون جمع عاسل بمعنى الذئب فقط لا بمعنى المهتز والمضطرب. وأما في الثاني فلأن عَسَلان


1) (1) انظر المجالس السنية 64/1 .

2) (2) انظر إبصار العين ص 6 و 17 .

بالتحريك وإن كان مصدراً لكن المصدر بمعنى بالفاعل ، والمراد الوحوش كلها في البرايا والفلوات ، فالإسناد حقيق لا مجازي. فتأمل.

ومنه يظهر ما في البحار في تفسير العسلان فارجع إليه(1).

وكأنه - روحي له الفداء شبّه أعداءه الذين استحوذ عليهم الشيطان وغرتهم الدنيا و أذلهم الطمع في المال والجاه وحب الرئاسة بالحيوانات والوحوش في الفلوات والذئاب في الصحاري والبراري الذين هم أذل من الأنعام سبيلاً .

قوله « بين النواويس وكربلاء » .

الناووس والناؤس مقبرة النصاری ، معرَّب ، جمع نواويس .

و في المجمع عن المغرب : إن الناووس على فاعول مقبرة النصارى .

و المراد به- على ما صرح به جمع - القرية التي كانت عند كربلاء . والذي يظهر من كلماتهم هي القرية التي يسكن فيها بنو الرياح قبيلة حر بن يزيد الرياحي وبها

قبره الآن . وسيأتي تفسير كربلاء في شرح المنازل إنشاء الله تعالى .

ويمكن أن يراد بأوصاله عليه السلام في قوله «كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء » أوصاله المعنوية لا الأوصال الظاهرية الجسمية والبدنية ، وهم أصحابه الذين هم بمنزلة نفسه وبدنه الشريف، و من أوصاله المعنوية الحر الرياحي المدفون في نواويس ، وإلا فلا فائدة مهمة في ذكر نواويس .

وحق العبارة لو أريد بالأوصال أوصاله الظاهرية الجسمية أن يقول «في كربلاء »، وإن كانت أوصاله البدنية قد تقطعت وفرقت بين الشام والكوفة ، على ما رواه جمع من كشر ثناياه عليه السلام بالقضيب في الشام وما فعل ابن زياد


1) (1) انظر بحار الأنوار 74/45 .

برأسه الشريف في الكوفة من قصة الحجام.

ويؤيد ما ذكرنا قوله عليه السلام: بل هي - أي الأوصال - مجموعة عند رسول الله في حظيرة القدس . فافهم فإنه دقيق .

قوله « فيملأن منى أكراشاً».

الأكراش جمع كِرْش على غير القياس، وقياسه كروش على ما صرح به في المجمع وغيره ، كحمل وحمول. والكِرْش من الحيوانات بمنزلة المعدة للإنسان .

قوله «جوَّفاً »

قال الفاضل المعاصر : بضم الميم وسكون الواو جمع جَوْفَاء ، وهي الواسعة(1).

ولعله أشتبه عليه فَعْلاء الاسمي بفَغلاء الوصفي، فإن أفعَل فَعْلاء إذا كان وصفاً يجمع على فُعل بالضم فالسكون نحو أحمر حمراء حمر وأبيض بيضاء بيض . وأما إذا كان اسماً غير وصف يجمع على فعول . وجوفاء على ما صرح به في القاموس الدلو الواسع ، كما أن الأجوَف على ما صرح به أيضاً هو الأسد الكبير البطن، فليسا من الأوصاف حتى يجمع على فُعْل.

ثم قد صرح في القاموس وفي المنجد وغيره إن الجَوف بمعنى السعة ، فجمعه جُوَف بتحريك الواو وإشباعه . وقد يجىء الجوف بمعنى الواسع على ما صرحوا به، فيكون وصفاً ، فجمعه جوّفاً بالتشديد كرُكَع وسُجّد .

فقوله : إن ما يجري على الألسن تحريك الواو وتشديدها . غلط فاحش ، ليس على ما ينبغي . والتحقيق ما صرح به في المجمع ، قال : أصل الجَوف الخلاً ، مصدر

من باب تعب .


1) (1) انظر إبصار العين ص 17 .

و حينئذ إذا كان المصدر بمعنى الفاعل يجمع على فُعَّل كطُلَّب ، وإذا كان بمعناه المصدري يجمع على فَعُول كضروب ، فالمعنى الأكراش الخالية لا الواسعة . ولعله

الأنسب والأظهر . فتدبر .

قوله «أجربة» .

جمع قلة ، مفرده جِراب بالكسر كأطعمة وطعام. والجراب مطلق الظرف. أو الظرف الذي يُجعل فيه زاد المسافر ، أو مطلق الزاد على ما صرح به في القاموس. وفي البحار : هو الهميان .

و قد يكون أجربة جمع جريب كأمير ، وهو الكيل ، صرح به في القاموس.

و المراد به هنا البطن : إما حقيقةً إذا كان الجراب بمعنى مطلق الظرف يعني مطلق ما يستقر فى الشئ ، أو مجازاً لانصراف اللفظ عرفاً عن البطن لو كان المراد مطلق الظرف .

قوله «سُغُباً».

قال في المنجد : سَغَب وسَغِب سَغْباً وسُغُوباً وسَغَباً وسَغَابَةً ومَسْغَبَةً جاع ، وهو سَاغِبٌ وسَغِبٌ وسَغْبَان ، مؤنث سَغْبَى ، جمع سِغَاب .

و في القاموس : سَغْبى يجمع على سِغَاب.

و قد اتفقوا على أن فَعلى من الوصف يجمع على فُعُل ، وحينئذ فيصح أن يقرأ سِغاباً أو سُغُباً بضمتين ، وهو بمعنى الجوع. فالمعنى البطون الخالية .

و المعنى - والله أعلم بمرادات أوليائه - إن أهل الكوفة وهم عُسلان الفوات، بعدما يقطّعون أوصالي ينالون بمراداتهم فيملأون مني ومن قتلي وقتل أصحابي أكراشَهم الخالية وبطونَهم الجائعة . إذ هم أذل من الأنعام ليس همهم إلا بطونهم، فهم يصلون إلى مقصودهم و مطلوبهم و مرادهم .

وهذا ظاهر، خصوصاً بملاحظة كلمة «من»، لا أنهم يملأون أكراشهم وبطونهم من أوصالي كما فهم بعض المحدثين والمحققين . قال في البحار: والمعنى أني أصير بحيث يزعم الناس أني أصير كذلك، فيكون استعارة تمثيلية . أو يقال : نسب إلى نفسه الشريفة ما يعرض لأصحابه. أو يقال : إنها تصير ابتداءً إلى أجوافها لشدة الابتلاء ثم تنتزع منها[وتجتمع في حظيرة القدس ](1).

نعم لو لا كلمة «من» لربما يتوهم إملاء بطونهم من الأوصال، فيحتاج إلى التوجيه والتكلف . وعلى ما ذكرنا-كما هو الظاهر- لا يحتاج إلى عناية وتوجيه.

فتدبر.

و على ما ذكرنا أيضاً لا موقع لسؤال أن يقال كما قال الفاضل المعاصر : من أن العسلان لا تتسلط على أوصال صفوة الله لطفاً من الله وإيثاراً له . فيجاب: إن الكلام جرى على القواعد العربية والأساليب الصحيحة ، كما يقول قائلهم : عندي جفنة يقعد فيها الخمسة . يعني لو كانت مما يفعل به ذلك لقعد فيها خمسة رجال(2).

قوله «رضى الله رضانا أهل البيت» .

ما أبلغ وأحسن وألطف هذا التعبير من تقديم كلمة «رضى الله» علی «رضانا»، ولم يقل رضانا رضى الله ، ما لا يخفى على أولي الأفهام والألباب والبصيرة ، وإن كان المعنى بالتقديم والتأخير واحد. فليتأمل.

قوله « لن تشذَّ».

يقال : شَذَّ عنه ويَشُدُّ شُذُوذاً : انفرد عنه . أي لن تنفرد عن رسول الله صلى الله


1) (1) انظر بحار الأنوار 74/45 .

2) (2) إبصار العين ص 17.

عليه وآله «لحمته » أي ما يلصق به ، من لاَحَمَت الشيءُ بالشيء أذا لَصِقَتْهُ ، ومنه «لولا لُحمَة كلحمة النسب» قاله في المجمع . والمراد هنا القرابة .

والحظيرة بفتح الحاء المهملة وكسر الظاء المعجمة : الجنة . قاله في المجمع.

و المعنى : إن قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله لن تنفرد عنه وإن تقطعت أوصاله بل تجتمع معه في الجنة.

يدل على ما ذكرنا من أن المراد هي الأوصال المعنوية - وهي أصحابه عليه السلام-كلمة «بهم» و «لهم» بصيغة الجمع ، فكأنهم لما كانوا بمنزلة أوصاله عليه السلام كانوا لحمة وقرابة لرسول الله صلى الله عليه وآله، فتقرّ بهم عينه وينجز بهم وعده . ولو كان المراد الأوصال الظاهرة فحق العبارة أن يقال : فتقر بها . فتدبر فإنه دقيق .

(ازاحة وهم ودفع إشكال ) :

قد اشتهر الاشكال ووقع في أذهان بعض العوام منذ زمان ، وحاصله : إن مع الظن بالضرر لا يجوز الإقدام فكيف مع العلم بالضرر ، لأنه إيقاع النفس في المهلكة وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله ( وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُم إِلى التَّهْلُكَةِ)(1)، ودفع الضرر المقطوع بل المظنون واجب ، فكيف أقدم عليه السلام مع علمه بالقتل والشهادة .

وقد قرّر السيد في رسالة تنزيه الأنبياء هذا الإشكال بوجه أبسط (2).

والجواب عن ذلك بوجوه :


1) (1) سورة البقرة : 195.

2) (2) انظر تنزيه الأنبياء ص 175 - 179 .

( أحدها ) : أن علمهم عليهم السلام لشدة اتصالهم بالمبدأ وعلمهم بعلم الله وإرادته ، فإنهم عليهم السلام أوعية علم الله وعلمهم من علمه ، مقهور علمهم تحت إرادة الله وما يشاؤون إلا أن يشاء الله ، ليس منهم مع علمهم إرادة غير إرادة الله وإرادة الله فوق إرادتهم ، وإلى ذلك أشار عليه السلام في الخطبة بقوله «رضى الله رضانا أهل البيت»، يعني إني مع العلم بأني مقتول و متقطع أوصالي أقدم على هذا ، لأن فيه رضى الله تعالى ورضى الله رضانا .

ويشير إلى ذلك أيضاً قوله عليه السلام فيما سيأتي جواباً على من اعترض عليه ومنعه من المسير ، قال : « إن الله شاء أن يراني قتيلاً». يعني إنه عليه السلام مع العلم بما يجري عليه أقدم ، لأن فيه مشيئة الله ومشيئة الله فوق مشيئتهم وهم مظهر مشيئته ووعاء علمه، بل لا مشيئة لهم غير مشيئة الله . فاحفظ ذلك فإنه دقيق يحتاج إلى بسط مقال أزيد من ذلك سيأتي إنشاء الله عند شرح قوله عليه السلام «إن الله شاء أن يراني قتيلاً» فانتظر .

( الثاني ) : إنهم عليهم السلام لما كان علمهم أشعة من علم الله تعالى بل هم أوعية علمه ووعاء مشيئته ، فكما أن الله تبارك وتعالى لا يعمل بعلمه لأنه لو

عمل بعلمه لبطل إرسال الرسل وإنزال الكتب ولما احتجّ على العباد - على ما صرح به في الرواية الآتية - فكذلك هم عليهم السلام لا يعملون بعلمهم ، لأن فيه إبطال الحجة والرسالة والامامة .

قال السيد ابن طاوس «قده» في الجزء الثاني من الطرائف(1)في شرح أنهم عليهم السلام جمعت فيهم الأضداد ، قال ما حاصله : إنهم عليهم السلام مع


1) (1) الطرائف ص 510 .

علمهم بمحدثات الأمور وما يجري فيما سيأتي مع إخبارهم بالعواقب في حق أنفسهم وفي حق غيرهم، يعملون ويعاملون معاملة الجاهل الذي لا يعلم من العواقب شيئاً ، حتى يرى الجاهلون أنهم غير عالمين بالعواقب .

وقال : إن علياً عليه السلام مع إخباره بأن معاوية يملك الأمر ويبقى بعده عشرين سنة ، ومع ذلك يعامل في صفين معاملة الغالب على العدو ، حتى يرى أصحابه أنه عليه السلام هو الغالب على معاوية ويفعل فعل الغالب كالجاهل بالعواقب.

إلى أن قال السيد : ويدل على أنهم عليهم السلام لا يعملون بعلمهم تصريح علي عليه السلام في الرواية (1)التي أخبرنا أحمد بن إدريس عن أحمد بن محمد بن الأشعري عن علي بن هلال (2)عمن ذكره عن عبد الله بن رافع(3)عن أبيه قال : لما أحضرني أمير المؤمنين وقد وجه أبا موسى الأشعري فقال له : احكم بكتاب الله ولا تجاوزه ، فلما أدبر قال : كأني به وقد خُدع . قلت : يا أمير المؤمنين فَلِمَ توجّهه وأنت تعلم أنه مخدوع . فقال : يا بُني لو عمل الله في خلقه بعلمه ما

احتجّ عليهم بالرسل. هذا آخر الحديث المذكور .

ثم قال السيد : ألا ترى أنه عليه السلام قال : لو عمل الله بعلمه ما احتج بالرسل ، ولم يقل عليه السلام لو عملت أنا بعلمي، إشارة إلى أنه ليس له علم ولا

مشيئة إلا إرادة الله تعالى و مشيئته ، بل ليس وجودنا إلا بالله وإلى الله وفي الله ولله، رضاه رضانا وكراهته كراهتنا . انتهى كلامه رفع مقامه .


1) (1) نقل السيد هذا الحديث عن كتاب الشفاء والجلاء لمحمد بن علي الرازی.

2) (2) كذا في خط المؤلف ، وفي الطرائف «بن بلال » و «بن أبي رافع ».

3) (3) كذا في خط المؤلف،وفي الطرائف «بن بلال» و «بن أبي رافع» .

فظهر مما ذكرنا أنهم عليهم السلام مع علمهم بما كان وما يكون وما هو كائن يعملون في هذا العالم العنصري الناسوتي معاملة أحد من الناس قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُم (1)، فيصيبهم ما يصيب الناس ويفرحون ويحزنون ويبكون جداً وحقيقةً عن حرقة القلب على فقد الأحبة والأولاد ويضجون ويعجون ولا يؤثر علمهم بما في اللوح المحفوظ بالنسبة إليهم وإلى غيرهم في هذه الأمور شيئاً .)و هذا وجه يرتفع به الإشكال عن كثير من الأمور ، كشرب السم في الكوز وأكل الرطب المسموم والعنب المسموم والأترج المسموم وأمثال ذلك .و بالجملة ، ليس لهم عليهم السلام علم ولا إرادة إلا إرادة الله جل جلاله ، ولو عملوا بما علموا البطلت الحجة والرسالة والامامة ، وقضى الله تعالى أن يهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حي عن بيّنة . وهذا إجمال بسط فصل ، وفيما ذكرناه غنية وكفاية .(الثالث: إنهم عليهم السلام لما أوتي إليهم الحكمة وفصل الخطاب ، والحكمة هي العلم بالمصالح والمفاسد الواقعية الكامنة في الأشياء، وعلموا أن المصالح النوعية في الدين والشريعة مقدمة على المصالح الشخصية ، بل ربما تحدث الإقدام على المصالح النوعية مصلحة طارئة على المفسدة الشخصية بحيث تعارضه و تزاحمه وتقدم عليه .)فإقدامهم عليهم السلام على الضرر المظنون أو المقطوع الشخصي مراعاةً ومقدماً على حفظ المصالح النوعية ، بل ليس ضرراً شخصياً أيضاً بملاحظة طريان المنفعة بعنوان الإقدام على المصالح النوعية،فإن الحسن والقبح في هذه


1) (1) سورة الكهف : 110 .

الأمور ليسا ذاتيان بل بالعنوان وبما يعرض على العنوان، فيصير القبيح حسناً على ما برهن في محله . فإقدامهم عليهم السلام ليس ضرراً على أنفسهم بل هو نفع أيّ نفع .و هذا الوجه أيضاً يجري في جل أمورهم مما ذكرنا ، وهذه أمور ثلاثة وأجوبة شافية كافية لدفع الوهم والاشكال ، وربما يرجع بعضها إلى بعض، بل يرجع الكل إلى واحد . فليتأمل.و أجاب السيد المرتضى قدس سره في رسالة تنزيه الأنبياء، بما حاصله : إن إقدامه عليه السلام - وإن كان إقداماً على الضرر المظنون - لكنه أقدم على ما ظن نفعه أكثر من ظن ضرره عادة ، فلاحظ الكتب والرسائل الواردة من أهل الكوفة وكتاب حبيب بن مظاهر وأمثال ذلك ، خصوصاً كتاب مسلم بن عقيل مما كان احتمال نفعه أكثر من احتمال ضرره، يقدم عليه العقلاء بل يلزم إقدامه .و أجاب في البحار بما حاصله (1: إنه لما رأى اضمحلال الدين وأن بني أمية بناؤهم على ذلك وأسسوا أساساً وبنوا بنياناً هادماً للدين ولم يمكن حفظ الدين وهدم أساس الظالمين إلا بالقتل والشهادة ، فأقدم عليه السلام [ على ما أقدم ] مع علمه بالقتل، لأن حفظ الدين واجب و لا يحفظ إلا بشهادته وقتله، ومقدمة)الواجب واجبة ، لا سيما إذا كانت المقدمة منحصرة.هذا غاية التوضيح والشرح مما قاله السيد والمجلسي طاب الله مضجعها،فإن رجع إلى أحد الأجوبة التي ذكرناها فهو وإلا فهم أعلم بما قالوا. شكر الله مساعيهم الجميلة .


1) (1) بحار الأنوار 99/45.

نعم نرجع إلى ما ذكرنا من الوجوه :بل يدل ما رواه في الاحتجاج (1عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال : كنت في حضرة الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح نوّر الله ضريحه ومعي علي بن عيسى القصري و جماعة ، إذ قام رجل وقال : يا أبا القاسم عندي مسألة .)قال : سل . قال : أوليس حسين بن علي حبيب الله ؟ قال:نعم. قال : أوليس قاتله الله عدو الله؟ قال:نعم. قال: فلم سلط الله عدوَّه على حبيبه ؟ فأجاب رضوان الله عليه بما حاصله : إن ذلك من إتمام الحجة ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حي عن بيّنة ، تركنا الحديث بطوله ومن أراد فليراجع.ثم قال محمد بن إبراهيم : خطر بخاطري أن هذا الجواب منه أو من الإمام عليه السلام ، فحضرت عنده لأسأله فقال لى قبل أن أسأله : يا محمد بن إبراهيم لتن أخر ّمن السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحب إلّي أن أقول في دين الله برأبي ومن عند نفسي ، بل كل ذلك من الأصل ومسموع من الحجة عجل الله فرجه وسهل مخرجه .هذا مجمل القول في ذلك ، ولعل الله يوفقنا أن نكتب رسالة مفردة في ذلك . وما توفيقي إلا بالله وعليه توكلي .و أما أصحابه عليهم السلام الذين كشف الله عنهم الغطاء فرأوا الحسين عليه السلام بالحقيقة النورانية وعرفوا الإمام حق المعرفة التامة . فهم عالمون من أول الأمر [بما يجرى عليهم]، كحبيب بن مظاهر وأمثاله العالم بالبلايا والمنايا،ومنهم


1) (1) الاحتجاج ص 471 مع اختلاف يسير في الألفاظ. وانظر الحديث في كتاب كمال الدين للشيخ الصدوق ص 507 .

من رباه علي بن أبي طالب و الحسن والحسين عليهم السلام لهذا اليوم وأعلمهم بما يجري عليهم كما سيذكر في تراجمهم، ومنهم من أعلمهم [الحسين عليه السلام ]بالمدينة ، ومنهم من أعلمهم في مكة ، ومنهم من أعلمهم في ليلة العاشور .و لما كان علمهم مقتبساً من علم إمامهم ويعرفون مقام الإمام حق المعرفة ، فعلمهم وإرادتهم مقهور بحسب علم إمامهم وإرادته، فكما أن الإمام لا يرى إلا الله تعالى فهم لا يرون إلا الحسين ويرون الله برؤية الحسين ، فهم موطّنون أنفسهم على لقاء الله على ما صرح به عليه السلام في الخطبة . فيبادرون ويتسابقون إلى السيوف والرماح والأسنة ، لا بل إلى الجنة والمغفرة، لا بل إلى لقاء الله جل جلاله ، فإن من فني في الحسين فني في الله ومن بقي به بقي بالله تعالى.ألا ترى إلى عابس [بن شبيب] رضوان الله عليه كيف يقاتل ويجادل وهو عریان. رزقنا الله مرافقتهم . والمقام عندهم في الدنيا والآخرة والبقاء بهم والفناء فيهم سلام الله عليهم أجمعين .وأما النساء اللاتي شاء الله أن يراهن سبايا، فهن أيضاً عالمات بما يجري عليهن من الأسر والذل وقتل الأحبة والأولاد والأزواج ، فمنهن من كانت عالمة ، غير معلَّمة ومنهن من تعلم ما أعلمها الامام عليه السلام، بل أمر الحسين وسبيهن كان معلوماً من أول الأمر عند أهل البيت ، لإخبار النبي والزهراء وأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام بما يجري عليه وعليهن بالعموم والخصوص، فهن عارفات صابرات عالمات بأن الله تعالى شاء أن يراهن سبايا ، متوطنات أنفسهن على البلايا وعلى الأسر والذل الله وفي الله وبالله وإلى الله . وسيأتي لهذا مزيد بيان في شرح قوله «شاء الله أن يراهن سبايا».

### الخطبه الثانیههي [الخطبة ] التي خطبها عليه السلام في «ذو خشب» (1لما التق الحر [ و أصحابه ] بالحسين وسقوهم ورَشَّفوا الخيل ترشيفاً (2)وحضرت الصلاة وأمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعني بالأذان ، فأذن وحضرت الإقامة، فخرج الحسين (علیه السلام) في إزار ورداء ونعلين وخطب ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال (3):«أيُّها النّاسُ ، إني لم آتِكُم حتى أتتني كُتبُكم وَقَدِمَتْ عَلَيَّ رُسُلكم : أن اقدم علينا فليس لنا إمامٌ لعلَّ اللهَ أن يجمعنا وإيَّاكم على الهُدَى والحقِّ ، فإن كنتُم على ذلك [ فقد جئتكم ] فأعطوني ما أطمئنُّ إليه من عُهُودِكم ومَوَاثيقِكُم ، وإن لم تَفْعَلُوا وكنتم لِمَقْدَمي كارهينَ إنصرفتُ عنكم إلى المكان الذي جئتُ منه إليكم».فستكوا ولم يجيبوا عنه . فقال للمؤذن : أقم فأقام،فقال الحسين للحر : أتريد أن تصلي بأصحابك. قال : لا بل بصلاتك. فصلى بهم الحسين عليه السلام.(بیان:)وفي بعض المقاتل بعد « أيها الناس»: إنها مَعْذِرَةٌ إلى الله وإليكم(4.)وفي المجمع : العُذر الحجة. وقال في قوله «معذرة» أي أعذرنا معذرة،والإعتذار إظهار ما يقتضي العذر .


1) (1) اختلفت المصادر في ضبط هذه اللفظة ، يراجع بشأنها باب المنازل من هذا الكتاب.

2) (2) رشف الماء ترشيفاً : بالغ في مصه . ورشف الخيل : روّاه من الماء.

3) (3) تاريخ الطبري 401/5 ، مقتل أبي مخنف ص 68 ، بحار الأنوار 376/44 واللفظ له .)و انظر أيضاً نفس المهموم ص 188 ، لواعج الأشجان ص 90.

4) (4) كما في تاريخ الطبري ، وفيه أيضاً اختلاف في بعض ألفاظ الخطبة عما في المصادر الأخرى.

### الخطبة الثالثة :التي خطبها عليه السلام في «ذو خَشب» أيضاً بعد ما صلى بأصحابه وبالحر وأصحابه صلاة العصر ، فتوجه نحو القوم فحمد الله وأثنى عليه وقال (1:)«أيها الناس، فإِنَّكُم إِن تَتَّقُوا اللهَ وتَعرفُوا الحقَّ [لأهله] يكنْ أرْضَى اللهِ عنكم ، ونحنُ أهلَ بيت محمد صلى الله عليه وآله أوْلَى بهذا الأمر عليكُم من هؤلاء المدَّعينَ ما ليس لهم و السائرين فيكم بالجَوْرِ والعُدْوَانِ ، فإِن أَبَيتُم إلا الكراهةَ لنا والجهلَ بحقنا وكان رأيكم الآن غير الذي أتت كتبُكُم (2وقَدِمَتْ عليَّ به رسُلُکمإنْصَرفتُ عنكُم.)فقال له الحر : أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر .(بیان:)نذكر في ترجمة الحر أنه كان صادقاً في هذا القول .### الخطبة الرابعة :ما رواه الطبري(3عن أبي مخنف عن عُقبة بن أبي العَيزار : إن الحسين عليه السلام خطب أصحابَه وأصحابَ الحر بالبِيضَة [وهي ماء لبني دارم بين واقصة والعُذَيْب] ، قال : فحمد الله و أثنى عليه ثم قال :)« أيها الناسُ ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال : من رأى سلطاناً جائراً


1) (1) تاريخ الطبري ،402/5 ، بحار الأنوار 377/44 واللفظ له . وانظر أيضاً نفس المهموم ص 189 ، لواعج الأشجان ص 91.

2) (2) في البحار «أتتني به كتبكم».

3) (3) تاريخ الطبري 403/5 .

مُستَحِلاً لحُرَمِ اللهِ ناكِثاً لعهد الله مخالفاً لسنة رسول الله يعمل في عباد الله بالإثم والعُدوان فلم يُغيّر عليه بفعل و لا قولٍ كان حقاً على الله أن يُدخِلَه مُدْخَلَه . ألا وإنّ هؤلاءِ قد لزموا طاعةَ الشيطان وتركوا طاعةَ الرحمن وأظهروا الفَسادَ وعَطَّلوا الحدودَ واستأثروا بالفبيء وأحلُّو حرامَ اللهِ وحرَّموا حلالَ اللهِ ، وأنا أحقُّ من غَيَّر ، وقد أتتني كتبُكُم وقَدِمَت عليَّ رسلكُم ببيعتِكُم ، أنكم لا تُسلّموني ولا تَخذَلُوني ، فإن أقمتم (1على بيعتِكُم تصيبوا رُشدَكم ، فأنا الحسينُ بنُ عليٍّ وابنُ فاطمةَ بنتِ رسول الله ، نفسي مع نفسِكُم وأهلي مع أهليكم [فلكم ] فيَّ أسْوَةٌ ، وإن لم تفعلوا ونَقَضتُم عهدَكم وخَلَعْتُم بيعتي من أعناقكم فلعَمري ما هي لكم بِنُكْرٍ ، لقد فعلتُمُوها بأبي وأخي وابن عمي مسلم ، والمغرورُ مَنِ اغترَّبكُم ، فحضّكم أخطأتم ونصيبَكم ضيّعتم ، ومن نَكَتَ فَإِنَّمَا يَنْكُتُ على نَفْسِه وسيُغني اللهُ عنكم . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» .)(بیان:)قوله « فلم يُعَيّر » وقوله « أنا أحق من غَيَّر » الظاهر أنه بالعين المهملة من التعيير بالقول أو الفعل. وفي تاريخ الطبري المطبوع بالغين المعجمة في الموضعين لعله سهو من النساخ وإن كان له وجه أيضاً .و من عجيب ما وقع في البحار(2ناسباً إلى المناقب قال : لما نزل الحر بن يزيد حذاءه في ألف فارس ونزل الحسين عليه السلام في موضعه دعى الحسين بدواة وبيضاء وكتب إلى أشراف الكوفة ممن كان يظن أنه على رأيه :)


1) (1) في المصدر فان تممتم».

2) (2) بحار الأنوار 381/44 .

«بسم الله الرحمن الرحيم . من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد والمسيب بن نجبة و رفاعة بن شداد وعبد الله بن وال وجماعة من المؤمنين . أما بعد ، فقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قد قال في حياته من رأى سلطاناً» إلى آخر ما ذكرنا من الخطبة ، ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مصهر الصيداوي (1. ولكن سوق الكلام يؤيد بل يدل على ما ذكره الطبري عن أبي مخنف .)### الخطبة الخامسة :قال السيد في اللهوف والطبري (2عن أبي مخنف عن عُقبة بن أبي العَيزار : قام الحسين عليه السلام في أصحابه بذي حُسُم فحمد الله وأثنى عليه وذكر جده فصلى عليه ثم قال :)«إنه قد نزل بنا من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا قد تغيَّرت وتَنَكَّرت وأدبر معروفها واستمرت جداً (3، فلم يبق منها إلا صُبَابَةٌ كصُبَابَة الإناء وخسيس عيشٍ كالمَرْعَى الوَبيل، ألا ترون أنَّ الحقَّ لا يُعْمَلُ به، وأنَّ الباطل لا يُتناهَى عنه ، لَيَرْغَبُ المؤمنُ في لقاء الله محقاً ، فإني لا أرى الموت إلا شهادة (4)ولا الحياة مع الظالمين إلا بَرَماً».)و في جملة من الكتب المعتبرة أنه عليه السلام خطبها يوم وروده كربلا، بعد


1) (1) يشير السيد ابن طاوس في اللهوف ص 32 إلى هذا الكتاب، فلا يمكن إنكاره بل لعل الامام عليه السلام استعمل الكلام المذكور في خطبته وفي كتابه .

2) (2) تاريخ الطبري 403/5 واللفظ له، اللهوف ص 34 ، وانظر بحار الأنوار 381/44 .

3) (3) في اللهوف « حذاء » ، وليست جملة « واستمرت جداً» في البحار .

4) ( 4) في اللهوف «إلا سعادة».

نزوله ونصب الخيم جمع أصحابه وقام خطيباً فقال - إلى آخر ما ذكر (1، ولعله)الأصح والأنسب . والله أعلم .(بیان:)الظاهر أن المراد بتغير الدنيا وتنكرها وإدبار معروفها ليس خصوص ما نزل بهم من الأمر ، فهو نظير قول أبينا آدم عليه السلام حين وقف على قبر هابيل بعد ما قتله قابيل فقال : تغيّرت البلادُ ومَنْ عليها و وجه الأرض مُخضَرُّ فسيحُفالمعنى - والله العالم بمراد أوليائه - أنهم قد أسسوا أساساً تغيّرت الدنيا عما هو المرجو من جريانها وأنكرت وأدبرت معروفُها بحيث صار المنكر معروفاً والمعروف منكراً، وأسس هابيل أساساً تغيّرت البلاد، إذ لم يكن قبله قتل في البلاد، وأسس أساس القتل في الدنيا، فتغيرت البلاد بسبب قتله وجرى أساس القتل .ويؤيد بل يدل على ما ذكرنا قوله «و استمرت جداً »، فإنهم - عليهم لعائن الله - قد أسسوا أساس الظلم والجور والعدوان وكون المعروف منكراً والمنكر معروفاً بقتلهم الحسين عليه السلام وأصحابه ، كما دل عليه كثير من الأخبار في أن هذا الأساس باق ومستمر جداً إلى ظهور الحجة وقيام القائم عجل الله فرجه ، وصرح بذلك مولانا زين العابدين عليه السلام في حديث منهال بن عمر الكوفي في الشام المنقول في الأنوار النعمانية ، فإنه قال ضمن كلام له عليه السلام معه : هذا - أي كون المعروف منكراً والمنكر معروفاً - باق إلى قيام القائم. وتمام الكلام في محله .


1) (1) ذخائر العقبى ص 150 ، بحار الأنوار 381/44 و 8/45 ، العوالم الامام الحسين » ص 231 .

و على هذا فكلمة «جداً» بعد « استمرت» بالجيم المنقوطة والدال المهملة المشدّدة كما في نسخة الطبري الموجودة عندنا والقمقام وغيرهما من النسخ ، من قولهم : فلان محسن جداً أي نهاية ومبالغة، صرح بذلك في المجمع . فما في بعض النسخ «حذاء» بالحاء المهملة والذال المشددة المعجمة، أي الناقة الماضية بسرعة، وفي بعضها «جذا» بالجيم والذال المشددة، أي لم تؤصل . لعله واشتباه من الناسخ . وإن أتعب الفاضل المعاصر أيده الله نفسه وقرأ «حذاء» بالحاء المهملة والذال المشددة ، وكذا المعاصر المحدث الأمين العاملي أيده الله حيث قرأ «جذاء » بالجيم في شرح اللفظ ، وإن كان لهما أيضاً وجه(1.)قوله عليه السلام «فلم يبق منها إلا صَبابة كصبابة الإناء » .الصَبابة بالفتح أي القليل ، صرح بذلك في القاموس. والصُبابة بضم الصاد كثمامة بقية الماء بعد الشرب كما في القاموس أيضاً . والمعنى فلم يبق إلا قليل كبقية الماء في الإناء، فما في بعض النسخ الصبابة بالضم في الموضعين لعله سهو ويحتاج إلى تكلف وعناية وتجريد كما لا يخفى .والاستثناء متصل، والمعنى أنه لم يبق من الدنيا غير المتغيرة ولا المدبرة معروفها إلا قليل نظير الاستخدام، وإلا فيكون الاستثناء منقطعاً، وهو مع بعيد يحتاج إلى تكلف بارد .ولما كان نفسه الشريفة عليه السلام بقية من الخمسة الطيبة التي أشرقت الدنيا بنورهم ولم تكن في زمنهم بوجودهم الدنيا متغيرة ومعروفها مدبرة وكان سلام الله عليه وعليهم آخرهم ولم يبق من عمره وبقائه في الدنيا إلا قليل شبّه


1) (1) انظر : القمقام 353/1، إبصار العين ص 18 ، لواعج الأشجان ص 100.

نفسه في مدة بقائه بالماء الباقي في الإناء بعد الشرب المنصب إلى الأرض، وأثبت لازماً من لوازم المشبه للمشبه به وهو الإنصباب، فيكون الكلام على الاستعارةالمكنى بها .و في تشبيه نفسه عليه السلام بالماء نكتة لطيفة يعرفها من يعرفه ، فإن الماء في اصطلاح القرآن الكريم هو الإمام لأنه حياة كل شي ، قال الله تعالى ( إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُم غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيْكُم بِمَاءٍ مَعِينٍ (1)، أي إذا أصبحتم وإمامكم غائب ، الغائر والغور هم الغائب-كذا ورد في التفسير عن أهله (2). ولتحقيق الكلام مقام آخر .)قوله عليه السلام «الوبيل» : الوخيم.(3)قوله عليه السلام «ليرغب المؤمن».بفتح لام التأكيد جواباً لقسم محذوف ، أكد الكلام بالقسم المحذوف . أو بكسر اللام كما في بعض النسخ بلام أمر الغائب . وفي بعض النسخ «فليرغب» بصيغة أمر الغائب ، والكل صحيح .قوله عليه السلام « في لقاء الله » . وفي بعض النسخ : في لقاء ربه .قوله عليه السلام «محقاً». وفي جملة من النسخ حقاً ، وفي بعضها حقاً حقاً مكرراً ، والكل صحيح.قوله « فإني لا أرى الموت إلا الشهادة» . كذا في الطبري الموجود عندنا ، وكذا في القمقام ونفس المهموم وجملة من المقاتل. وفي البحار وجملة من الكتب


1) (1) سورة الملك : 30.

2) (2) تفسير البرهان 365/5 - 367 ، ففيه أحاديث عن أهل البيت عليهم السلام في تفسير الآية بما ذكره المؤلف هنا .

3) (3) لسان العرب 720/11 ، الصحاح للجوهري ص 1839.

«سعادة » بدل «شهادة». و المعنى على الثاني واضح وعلى الأول يحتاج إلى لطف قريحة ، وهو : أن المؤمن إذا مات من الهم والغم والكرب والغصص التي تجري عليه من أن الحق لا يُعمل به والباطل لا يُتناهى عنه مات شهيداً ، وهو معنى لطيف .قوله عليه السلام «برماً» . بَرِمَ بَرَماً وتَبَرَّم : سئم وتضجر . وفي المجمع : برم بالكسر ، يقال بَرِمَ بَرَماً فهو بَرِم مثل ضجر ضجراً فهو ضجر وزناً ومعنى : إذا سئمه وملّه .### الخطبة السادسة :رواها بعض المؤرخين عن كتاب «نور العين» مستنداً إلى سكينة بنت الحسين عليه السلام ، خطبها بعد ملاقاة الحر وقبل نزول كربلاء ، قالت : كنت جالسة في الخيمة فإذا بالبكاء ، فخرجت قريباً من خيمة أبي فرأيته باكياً وقد جمع أصحابه ويخاطبهم ويقول :«يا قوم إعلموا خرجتُم معي بعلمكم أني أقدِمُ على قومٍ بايعوا بألسنتهم وقلوبهم، وقد انعكس العلم واستحوذ عليهُمُ الشيطان فأنسَاهُم ذكرَ اللهِ ، والآن لم يكن لهم مقصدٌ إلا قتلي وقتل مَنْ يجاهدُ بين يديّ وسبي حريمي بعد سلبهم ، وأخشَى أنكم لا تعلمونَ أو تعلمونَ وتَسْتَحْيُونَ، والخدع عندنا أهلَ البيت محرَّمةٌ، فمن كَرِهَ منكم فلينصرف، فالليلُ سَتير و السبيلُ غيرُ خطير والوقتُ ليس بهجير ، ومن ء آسانا بنفسه كان معنا في الجنان نَجياً من غضب الرحمن ، وقد قال جدي رسولُ الله صلى الله عليه وآله : ولدي حسين يُقتل بطفّ كربلاء غريباً وحيداً عطشاناً ، فمن نَصَرَه فقد نَصَرني ونَصَر ولَده القائم ، ولو نَصَرنا بلسانه فهو في حزبنا يوم القيامة » (1.)


1) (1) الدمعة الساكبة 271/4 ، ناسخ التواريخ 160/2 ، موسوعة كلمات الامام الحسين .

(بیان :)سيأتي عن قريب شرح هذه الخطبة في الخطبة الآتية المصدَّرة بقوله «إني لا أعلم أصحاباً » ، فكأنها أخذت منها نقلاً بالمعنى . فليتأمل .### الخطبة السابعة :التي رواها جلُّ العلماء وكل من صنف تصنيفاً وألف تأليفاً وذكر فيه وقعة الطف من العامة والخاصة ، وأسند جلُّ أصحابنا هذه الخطبة إلى علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام ، و نسبها بعض إلى سكينة بنت الحسين عليه السلام.وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين : قال أبو مخنف : حدثني عبدالرحمن بن جندب عن عُقبة بن سِمعان الكلبي- وذكر الخطبة .و في تاريخ الطبري : وقال أبو مخنف : وحدثني أيضاً الحارث بن حَصِيرة عن عبد الله بن شريك العامري عن علي بن الحسين زين العابدين . وقال أيضاً حدثنا عبدالله بن عاصم الفائشي - بطن من هَمْدان-(1عن الضحاك بن عبد الله المشرقي - وذكر الخطبة .)و في أربعين الفاضل المعاصر القمي قال : روى الحسين بن حَمدان الحضيني في كتاب الهداية بإسناده عن أبي حمزة الثمالي قال : سمعت علي بن الحسين عليه السلام يقول - وساق الخطبة (2. والحسين بن حمدان وإن كان ضعيفاً إلا أن الشهرة جابرة لضعفه.)وبالجملة، مضمون الخطبة أقوى دليل على أنها صادرة من لسان الوحي


1) (1) تاريخ الطبري 418/5 ، وفيه جملة «بطن من همدان » ذكرت في هذا الموضع بعد نسبة المشرقي ، وفي سند ثان لموضوع آخر بعد الفائشي .

2) (2) الهداية الكبرى ص 204 .

والتنزيل ، إلا أن بين الناقلين اختلافاً يسيراً ، ونحن نذكر ما ذكره المفيد وأبوعلي الفتال النيسابوري والسيد(1ونشير إلى مواضع الاختلاف والزيادة فنقول واللفظ للقتال في روضة الواعظين قال :)وجمع الحسين أصحابَه قرب المساء، قال علي بن الحسين عليه السلام: فدنوت منهم لأسمع ما يقول لهم وأنا إذ ذلك مريض ، فسمعت يقول لأصحابه :«أثنى على اللهِ أحسنَ الثناءِ وأَحْمَدُه على السَّراءِ والضراءِ، اللهم إني أحمَدُك على أن أكرمتنا بالنبوّة وعلمتنا القرآن وفهمتنا في الدين (2وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدةً فاجعلنا من الشاكرين(3)» .)«أما بعد ، فإني لا أعلم أصحاباً ولا أهل بيت أبرَّ ولا أَوْصَلَ من أصحابي ولا أهل بيتي (4، فجزاكم الله عني خيراً . ألا وإني لأظن يوماً لنا من هؤلاء الأعداء (5)غداً . ألا وإني قد أذنتُ لكم فانطلقوا جميعاً في حِلّ ليس عليكم مني ذِمامٌ ، هذا الليلُ قد غَشِيَكُم فاتخذوه جملاً (6)و ذروني مع هؤلاءِ القوم حتى يفرّج اللهُ عني،)


1) (1) الارشاد للمفيد ص 214 ، تاريخ الطبري 418/5 ، اللهوف ص 39، روضة الواعظين ص 183 .

2) (2) وفي جملة من الكتب « وفقهتنا في الدين » بدل فهمتنا .

3) (3) وفي رواية الطبري : ولم تجعلنا مشركين .

4) (4) وفي مقاتل الطالبيين : اللهم انك تعلم أني لا أعلم أصحاباً خيراً من أصحابي ولا أهل بيت خيراً من أهلى بيتى . وفي تاريخ الطبري : فاني لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي . ومثله في الارشاد.

5) (5) وفي الطبري : فجزاكم الله عني جميعاً خيراً ، ألا وانى أظن يومنا من هؤلاء الأعداء ..

6) (6) و في تاريخ الطبري واللهوف : ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم تفرقوا في سواد هذا الليل.

فإن القوم إنما يطلبوني ولو قد أصابوني سهوا عن طلب غيري (1».)و في رواية الثمالي فقال لهم :« يا أهلي وشيعتي اتخذوا هذا الليل جمالكم وانجوا بأنفسكم، فليس المطلوب غيري، ولو قتلوني ما فكروا فيكم، رحمكم الله ، وأنتم في حلّ وسعةٍ من بيعتي وعهدي الذي عاهدتموني» (2.)و في الخرائج مسنداً عن سعد بن عبد الله عن علي بن الحسين عليه السلام قال : كنت مع أبي في الليلة التي قتل صبيحتها ، فقال لأصحابه :«هذا الليل فاتخذوه جملاً ، فإن القوم إنما يريدونني ولو قتلوني لم يلتفتوا إليكم ، وأنتم في حلّ وسعة».فقالوا : لا والله لا يكون هذا أبداً . قال : إنكم تُقتلون غداً كلكم لا يَفْلِتُ منكم رجل (3. قالوا : الحمد لله الذي شرَّفنا بالقتل معك . ثم دعا وقال لهم : إرفعوا رؤوسَكم وانظروا . فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم من الجنة وهو يقول لهم : هذا منزلك يا فلان ، وهذا قصرك يا فلان ، وهذه درجتك يا فلان . فكان الرجل يستقبل الرماح والسيوف بصدره ووجهه ليصل إلى منزله من الجنة .)و فيه أيضاً عن أبي عمارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال : قلت له : أخبرني عن أصحاب الحسين وإقدامهم على الموت . فقال : إنهم كشف الله عنهم الغطاء حتى رأوا منازلهم من الجنة ، فكان الرجل منهم يُقدم على القتل ليبادر إلى حور


1) (1) وفي اللهوف : إنهم لا يريدون غيري. وفي مقاتل الطالبيين : فقد أبرتم وعاونتم والقوم لا يريدون غيري ولو قتلوني لم يبتغوا غيري أحداً فإذا جنكم الليل في سواده وانجوا بأنفسكم.

2) (2) الهداية الكبرى ص 204 .

3) (3) الخرائج والجرائح 254/1 مع اختلاف في الألفاظ ، ونصه في 847/2.

العين ويعانقها وإلى مكانه من الجنة .و في تفسير الامام الحسن العسكري عليه السلام على ما في الجلاء وغيره : قال الحسين عليه السلام لعسكره : أنتم في حلّ من بيعتي، فالحقوا بعشائركم ومواليكم ، وقد جعلتكم في حلّ من مبايعتي، فإنكم لا تطيقونهم لتضاعف أعدادهم وقوّادهم ، وما المقصود غيري فدعوني والقوم ، فإن الله عز وجل يعينني ولا يخليني من حسن نظره كعاداته في أسلافنا الطيبين . قال عليه السلام : فأما عسكره ففارقوه وأما أهله الأدنون من أقربائه فأبوا.و في مروج الذهب(1: كان عسكره ألف راكب ومائة راجل (2)فتفرقوا جميعاً فلم يبق من عسكره إلا اثنين وسبعين .)وقالت سكينة : ولم يتم كلام أبي إلا وتفرق من عسكره عشرة عشرة وعشرين عشرين ولم يبق إلا نيف وسبعين .قالت : ثم استعبرتُ وبكيت وتوجهت إلى الله فقلت : اللهم إنهم خذلونا فاخذلهم ولا تجعل لهم دعاءً مسموعاً في السماء ولا تجعل لهم مسكناً في الأرض ولا شرفاً وسلط عليهم الفقر إلى القبر ولا ترزقهم شفاعة جدنا يوم القيامة واستجب دعوة البكائين (3.)قالوا : ولما تم كلامه عليه السلام تكلم الأصحاب وبدأهم العباس عليه السلام بما هو مذكور في ترجمتهم.(بیان:)الظاهر أن اختلاف الكلمات والتعبيرات على ما ذكرنا إنما نشأ من نقلهم


1) (1) مروج الذهب 61/3 ، وعنه بنصه في البحار 74/45 .

2) (2) في المروج : وهو في مقدار خمسمائة فارس من أهل بيته وأصحابه ونحو مائة راجل .

3) (3) مروج الذهب 61/3 ، وأيضاً الدمعة الساكبة 271/4.

الخطبة بالمعنى ، إلا أن الذي يظهر بالتأمل والتعمق في الأحاديث والتواريخ-كما صرح بعض المؤرخين ويلوح من الطبري - أنه عليه السلام خطب الخطبة في ليلة العاشور مرتين وخطبتين قريبة الألفاظ، إحداهما قرب المساء على ما صرح به في رواية السجاد وثانيتهما في أواسط الليل على ما يظهر من كلمات العقيلة سكينة ، والأولى عامة لجميع من حضر فخرج من خرج وبقي من بقي ، و الثانية خاصة للباقين . فأجابوا وتكلموا بما تكلموا ، وبدأهم العباس عليه السلام وتكلم بعده حبيب بن مظاهر [ الأسدي ] وزهير بن القين وغيرهم على ما هو مذكور في تراجمهم.وقد يظهر من بعض الكتب والمقاتل أن هذه الأجوبة والمكالمات كانت في منزل سوقة أو زرود أو زبالة حين أتى الحسينَ عليه السلام خبرُ مقتل مسلم بن عقيل ، فخطب خطبته «قد نزل بنا من الأمر ما ترون» على ما مر، فأجابوه وتكلموا بما تكلموا ، وبدأهم العباس عليه السلام ، وقال لبني عقيل : حسبكم دم مسلم، فأجابوه بما أجابوا .ولا منافاة ، لإمكان تعدد الواقعة والأجوبة ، إلا أن ما ذكروه من الأجوبة وتكلموا به هناك عين ما ذكروه هنا . لكن الأصح الذي ذكره الأكثر أن الأجوبة والتكلم كان في ليلة عاشوراء . نعم قد يظهر من الأخبار والأحاديث والتواريخ والمصرَّح به في كلماتهم أن الذين كانوا مع الحسين عليه السلام يوم خروجه من مكة من أهل الكوفة ومن لحق به في الطريق إلى ذي جشم وزبالة كانوا أزيد من ألفين ، فلما خطب الخطبة في زبالة تفرق من عسكره [من تفرق ] وبقي ألف فارس ومائة راجل على ما صرح به المسعودي، وبعد خطبة ليلة عاشوراء تفرقوا وبقي القليل من أصحابه مع أهل بيته.

قوله عليه السلام « وأحمده على السراء والضراء» . السراء مبالغة من سُري عنه إذا زال عنه الغضب والهم . والضراء ضد السراء. وفيه من البلاغة وسوق الكلام على مقتضى الحال ما لا يخفى على أولى الأفهام.قوله عليه السلام «وفهمتنا في الدين». قد قرأت في جملة من الكتب والنسخ «فقهتنا » بدل فهمتنا ، ولعله الأنسب وهو أبلغ ، وقد ورد في كثير من الأدعية قولهم عليهم السلام «وفقهاً في دينك».قوله عليه السلام : «إني لا أعلم». شهد روحي فداه بأنه لا أصحاب ولا أهل بيت من أول الدنيا إلى فنائها أبرٌ وخير من أصحابه وأهل بيته . وهذا غاية المدح ونهايته في حقهم رضوان الله عليهم.و ما ورد فيهم من أنهم كشف عنهم الغطاء ، أو أنهم محصورون لا يزيدون ولا ينقصون أو ليس لهم في العالمين نظير ، وأمثال ذلك مما مر ، لا يبلغ هذا المبلغ ولا تصل الأفهام إلى حقيقة هذا المقام وكنهه .و الظاهر أن المراد بأهل البيت هنا أقاربه من بني هاشم ، ولو أريد مطلق الآل ذكوراً وإناثاً فيشمل النساء الهاشميات بل مطلق النساء اللاتي كن معه في الطف ليس ببعيد . فليتأمل .قوله عليه السلام « هذا الليل فاتخذوه جملاً». في القاموس : في الأمثال « اتخذ الليل جملاً» أي سرى كله .قوله عليه السلام في رواية السجاد والعسكري «أنتم في حلّ من بيعتي» أو «أنتم في حل وسعة من بيعتي وعهدي الذي عاهدتموني». لم أر من أصحابنا رضوان الله عليهم من تعرض لعقد البيعة وأحكامها ، إذ لا ثمرة مهمة لنا في ذلك بعد أن الإمامة في مذهبنا بالنص. والإيمان هو العقد القلبي والإظهار باللسان

والعمل بالأركان على ما بُرهن في محله. فما ورد في أخبارنا من البيعة هو تأكيد لا تأسيس ، كما أن ما ورد من تجديد البيعة كل يوم لإمام العصر عجل الله تعالى فرجه هو إظهار العبودية وأنه رعية وأنه يأتمر بما أُمر وينتهي بما نُهي وأنه منتظر لأمره ، بالألفاظ المخصوصة من الأدعية الواردة.و حقيقته هو العقد القلبي بذلك، بل لا يمكن البيعة بالمعنى المعروف في زمن الغيبة ، بل كلما ورد لفظ البيعة في زمان ظهوره عجل الله فرجه يُراد به العقد القلبيوالإيمان به قلباً وعملاً ، ولو أريد به البيعة المصطلحة لكان تأكيداً أيضاً .ولم نر في الأخبار والآثار والأحاديث أن الأئمة عليهم السلام مع أشياعهم وأتباعهم و رعيتهم - بعد الاقرار والعقد القلبي والعمل بالأركان- كانوا يأخذون البيعة المصطلحة منهم . وما ورد من بيعة الناس للرضا عليه السلام بأمر المأمون ليس بيعة بإمامة إمام مفترض الطاعة في أحكام الدين والدنيا بل إنه خليفة المأمون وولي عهده في أمور الخلافة والسلطنة بعده ، وإلا فلا معنى لكونه إماماً مفترض الطاعة بعد المأمون ولم يكن إماماً مفترض الطاعة في زمن المأمون .هذا، والذي يظهر من التواريخ والآثار والأخبار أن البيعة المصطلحة كانت أيضاً في الجاهلية بل في زمن الأنبياء السلف على ما ورد من بيعة الحواريين مع عليه السلام، إن لم نقل أيضاً ليست البيعة المصطلحة، وان البيعة في الجاهلية بل وبعدها كانت من العقود اللازمة والعهود التي لا تنفسخ إلا بالإقالة أو موت المبيوع له ، ولها آثار عندهم، وعدم ترتيب الأثر بدون الإقالة وبدون موت المبيوع له كان نقضاً للبيعة مثل النقض في البيع بدون الإقالة ، وقد أمضى النبي صلى الله عليه وآله هذا العقد وهذا العهد في صدر الإسلام.و أما العامة وأهل السنة والجماعة فلما كانت الخلافة عندهم بالشورى وإجماع

الناس فلا بدّ لهم من أخذ البيعة على رئاستهم وخلافتهم، فالبيعة عندهم من أصولهم اللازمة عندهم ، كما جرى ذلك بعد النبي للخلفاء الثلاثة وفي زمن بني أمية وبني العباس .أما البيعة لعلي عليه السلام فقد كانت في يوم بأمر الله ورسوله ، فهي البيعة لحقيقة الإمامة وحقيقة الولاية وكونه عليه السلام أولى بهم من أنفسهم ، كما أن ذلك حقيقة الرسالة والنبوة و أنه صلى الله عليه وآله أولى بهم من أنفسهم . وبهذا المعنى من الأولوية في حق الرسول بايعوا علياً ، ولذا قال صلى الله عليه وآله : «أولست أولى بكم من أنفسكم» «ومن كنت مولاه فعلي مولاه»(1. وهذا روح الرسالة والإمامة ، وهذا معنى الإمامة في اعتقادنا وعلى ذلك بايعوا علياً عليه السلام في الغدير .)و أما ما كان بعد عثمان فتلك بيعة ليست بالمعنى الأول ، بل بايعوه على ما بايعوا من تقدم عليه من الخلفاء الثلاثة، كما صُرح بذلك في الأحاديث والأخبار المتظافرة ، ومن أراد فليراجع البحار المجلد الخامس عشر منه وغيره(2.)نعم ، الخواص من أصحابه عليه السلام لو بايعوه بايعوه على ما بايعوا في غدير خم ، وعلى هذا فالمقتولون في حروبه الثلاثة إن كانت بيعتهم على بيعة الغدير فهم الشهداء السعداء ، وإن كانت على بيعة من قبله فالأظهر عندي أنهم ليسوا بناجين كما نطقت به الأخبار أن من عمل منهم ولم يكن بدلالة ولي الله فهو باطل . وليس


1) (1) هاتاك الجملتان من خطبة النبي صلى الله عليه وآله في غدير خم، وقالها في مواقع أخرى تأكيداً على لزوم إمامة أمير المؤمنين عليه السلام .

2) (2) :أنظر : بحار الأنوار 175/28 فما بعد .

عملهم في الجهاد إلا كصومهم وصلاتهم التي لم تكن بدلالة ولي الله بما هو ولي الله . فليتأمل .ثم إن البيعة التي هي من العقود اللازمة قد تكون باللفظ وبالإيجاب والقبول، فيقول المبايع «بايعتك على أن أطيعك فيما تأمرني وتنهاني وأقاتل بين يديك مع أعدائك» وأمثال ذلك من القيود والشروط ، فيقول المبايع بالفتح «قبلت البيعة هكذا». وقد تكون بالصفقة واليد، وهي من أعلى الخنصر إلى أعلى الإبهام، بمعنى أن المبايع يضع خنصره على خنصر المبايَع وبنصره على بنصره وهكذا إبهامه على إبهامه . وفسخ البيعة بالعكس .وقضية بيعة الناس للرضا عليه السلام بأمر المأمون وأنهم يبايعونه بطريق فسخ البيعة إلا الشاب الذي بايعه بالطريق الصحيح ، واعتراض المأمون عليه وجواب الرضا بأنها البيعة التي أخذها النبي. مذكورة في الإرشاد وغيره من كتب الأحاديث والتواريخ (1.)و بالجملة، فالبيعة قد تكون مطلقة على الإسلام، وقد تكون مطلقة على الإيمان، وقد تكون فقط للقتال وعدم الفرار، كما صرح به البيضاوي في بيعة الشجرة أن النبي صلى الله عليه و آله جمع أصحابه وهم ألف وثلاثمائة أو أربعمائة أو خمسمائة وبايعوه على القتال وعدم الفرار (2. وكما في بيعة الضحاك بن عبدالله المِشرَقي ، فإنه بايع الحسين عليه السلام على أن يقاتل عندما رأى له مقاتلاً ، فإذا لم ير مقاتلاً فهو في حلّ ، فقاتل مع الحسين إلى قريب العصر ، فلما لم ير له مقاتلاً إلا)


1) (1) أنظر الإرشاد للمفيد ص 291.

2) (2) أنوار التنزيل ( تفسير البيضاوي ) 410/2 .

سويد بن عمر بن أبي المطاع ويزيد بن عمر الحضرمي جاء إلى الحسين فقال له : أنا بايعتك ما رأيت مقاتلاً ، فإني في حلّ من الانصراف . فقال له عليه السلام : صدقت فانصرف ، فركب فرسه وفرّ .و أما أصحاب الحسين عليه السلام فمنهم من بايعه كالبيعة الثانية لعلي عليه السلام ومنهم من بايعه كالبيعة الأولى بالغدير ، وهم أصحابه المخلصون الخلّصون المصطفون ، فلما رأى أن أكثر من معه إنما بايعوه بالبيعة الثانية وتبعوه لحطام الدنيا فلو قتلوا إنما يقتلون لالتزام العهد والوفاء بهذه البيعة وتأخذهم العصبية الجاهلية لا أنهم يقتلون فى الله والله وفى سبيل الله ، فأخذته رأفة الإمامة والسياسة الحسينية لامتياز الحق من الباطل وامتياز البيعة الحقيقية الإمامية الغديرية من البيعة الظاهرية الجاهلية. وأما الباقون المستشهدون أصفياء الحسين وخلصاؤه قتلوا في سبيله ، وهم الذابون عن توحيد الله تعالى ، فنصروا الدين مع علمهم بأنهم يُقتلون .و لما لم يكن هذا الامتياز فلقائل أن يقول : إن المقتولين من أصحابه كالمقتولين في حروب علي عليه السلام مع بيعتهم له ، فلذا قال عليه السلام : أنتم في حلّ من بيعتي وسعة من بيعتي ليس عليكم مني ذمام . فالمنتظرون لهذا الكلام من الامام عليه السلام لم يتم كلامه وقد خرجوا وذهبوا بدون حل البيعة بالطريقة المعروفة التي ذكرناها ، فخرج من خرج وبقي من بقي .و ينبغي في هذا المقام ذكر بيعة ثالثة ليست كالبيعتين المذكورتين ، هي بيعة شاعت عند جماعة من الصوفية الذين أحدثوا في الدين أحداثاً وأبدعوا فيه بدعاً، منها هذه البيعة التي يسمونها بالتشرف، فما دام الصوفي لم يبايع بهذه البيعة لم يكن مشرَّفاً بالطريقة ، وهي وإن كانت باليد والصفقة إلا أنها بنحو خاص في

وقت خاص مع أشياء خاصة من السكر والحلوى والمنديل وأمثال ذلك ، فيبايع المرشد أو الشيخ وكيل المرشد على أن يلتزم بما أمر به المرشد وما جرى في طريقتهم وفي حزبهم سواء وافق الشرع أو خالف والتزم بما ليس في الشريعة .وكأنهم أخذوا هذه البيعة من مشائخهم ورؤسائهم من أهل السنة والجماعة كجنيد و أضرابه ، وزادوا على ما أخذوا زوائد بسليقتهم .و من العجب أن كل فرقة منهم يبايع بقسم خاص يمتاز عن بيعة الفرقة الأخرى ، فإنهم يلتزمون بعد البيعة غاية الالتزام ، وكل حزب منهم يلعن الحزب الآخر. ومع هذا الالتزام لا يكشفون أسرارهم إلا عند الأوحدي المجرَّب منهم والممتحن بأشد الامتحان.قوله عليه السلام «ثم ليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي» . هذا الكلام من الخطبة لم يذكره المحدثون والمؤرخون إلا الطبري في روايته عن الضحاك المشرقي وتبعه السيد في اللهوف ، وليس أيضاً في الطبري في روايته عن عبدالله بن شريك العامري عن علي بن الحسين عليه السلام.وبالجملة ، ليس في رواية السجاد ولا في رواية العسكري ولا في كتب المقاتل والمغازي إلا في رواية الطبري عن الضحاك المشرقي، ومعلوم أن ما تفرد به الضحاك لا يعتمد عليه . إلا أن في تاريخ روضة الصفا « فيأخذ كل واحد منكم بيد رجل أو أحد من أهل بيته لا من أهل بيتي» ، ولعله الأصح والأنسب .### الخطبة الثامنة :رواها المسعودي في كتاب اثبات الوصية قال : وأصبح الحسين عليه السلام فصلى بأصحابه الفجر ، ثم قام خطيباً فحمد الله وأثنى عليه وقال لأصحابه :

« إِنَّ الله عزّ وجلّ قد أذن في قتلكم اليوم وقتلي وعليكم بالصبر» (1.)(بیان:)«قد أذن لكم» أي أمركم ، من أذن يأذن أي أمر ، قال الله تعالى ( مَا قَطَعْتُم مِنْ لِيْنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا فَبِإِذْنِ الله (2)أي فبأمر الله ، وقوله تعالى ( وَمَاهُمْ بِضَارِّيْنَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ) (3)أي بأمره تعالى قاله في المجمع. أو من الاذن بمعنى العلم ، قال في مجمع البيان « وما هم بضارّين به من أحد إلا باذن الله » أي بعلم الله (4).

و العلم هنا بمعنى الإرادة، أي أراد الله اليوم قتلي وقتلكم، ولعله الأنسب والأفصح .

الخطبة التاسعة :

وهي آخر خطبة خطبها عليه السلام، وهي خطبة واحدة تحسب ثلاث خطب ، لأنه خطب أولاً متكئاً على سيفه قبال القوم بين الصفين بعد تسوية الصفوف ، فقطعوا كلامه ، فدعی براحلته فركبها فنادى بأعلى صوته ، فاستمع كلامه القوم عن آخرهم فقطعوه أيضاً ، فنزل عن راحلته فدعى بفرس رسول الله صلى الله عليه وآله المرتجز فركب وخطب إلى آخر ما سيأتي .

و المهم من مقصوده عليه السلام في هذه الخطبة بطولها - بعد الإنذار والتحذير


1) (1) اثبات الوصية ص

2) (2) سورة الحشر : 5.

3) (3) سورة البقرة : 102.

4) (4) مجمع البيان 398/1.

والتوعد والتوعيد والتذكير بالمعاد والعقاب والحساب وتذكارهم المبدأ والمعاد والإعراض عن الدنيا و الطمع فيها - تذكر أمور ثلاثة :

(الأول) : أنه يذكّرهم ويعرّفهم أنه الحسين ابن فاطمة بنت خديجة ، حتى يعرفوه بالاسم والحسب والنسب لكيلا يشتبه عليهم الأمر بعد قتله بأنهم ما عرفوه ولم يدروا أنه هو عليه السلام فترتفع بذلك نتيجة الشهادة . وقد اقتبس ذلك وأخذه من أمه الزهراء عليها السلام في خطبتها في مسجد الرسول بشأن فدك، حيث إنها مع معرفتهم وعلم كل من في المسجد من الشواهد والعلائم والقرائن أن المتكلمة هي الزهراء جاءت لأخذ حقها ومطالبة فدك، قالت بعد الحمد والثناء والصلاة : أيها الناس إعلموا أني فاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه و آله ، لا أقول ما أقول شططاً - إلى آخر الخطبة .

( الثاني ) : إصراره عليه السلام باقرارهم أنه غير مطلوب بدم، بمعنى أن محاربتهم له وقتلهم إياه ليست بسبب دم أرقه أو حق ضيعه ، لئلا يشتبه الأمر بعده بأنه مطلوب بدم عثمان و قد قتلوه بقتله ، كما حاربوا أباه علياً بذلك ، حتى أقروا بذلك كما سيأتي .

(الثالث ) : أنه عليه السلام لم يخرج من الدين وليس بخارجي يجب قتله ولم يغيّر شريعةً و لا أبدع في الدين بدعةً ، بل هو كأحد المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم . وأخذ واقتبس ذلك أيضاً من أمه الزهراء عليها السلام في خطبتها حيث قالت : أو لست أنا وأبي من أهل ملة واحدة - إلى آخر الخطبة .

وبعد تثبيت الأمور [المذكورة ] وإقرارهم بذلك وأنه حسين بن علي وليس بمطلوب بدم عثمان وأنه أحد من المسلمين قال : تباً لكم وترحاً .

و هذه الخطبة ذكرها المخالف والمؤالف من العامة والخاصة باختلاف يسير

وتغيير في التعبير وزيادة ونقيصة، ونذكرها موافقاً لما ذكره أبو مخنف والمفيد والطبري والاحتجاج والمناقب واللهوف والبحار وجلّ من الكتب المعتبرة (1)

و انظر أيضاً كشف الغمة 267/2 ، نفس المهموم ص 241 ، لواعج الأشجان ص 127 .

قالوا :

لما عبّاً عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسين عليه السلام ورتبهم مراتبهم وأقام الرايات في مواضعها وعبأ أصحاب الميمنة وأصحاب الميسرة، وقال لأصحاب القلب : اثبتوا ، و أحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه كالحلقة ، فخرج الحسين عليه السلام إلى الناس حتى وقف بإزاء القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل ونظر إلى ابن سعد واقفاً في صناديد الكوفة ، فقال عليه السلام متكئاً على سيفه:

«الحمد للهِ الذي خَلَقَ الدُّنيا فجعَلَها دارَ فناءٍ وزَوَالٍ ، مُتَصَرِّفَةً بأهلها حالاً بعد حالٍ ، فالمغرورُ من غَرَّتْه والشيٌ من فتنته ، فلا تغرَّنكم هذه الدنيا فإنها تقطع رجاءَ من رَكَن إليها وتخيّب من طمع فيها، وإنكم قد اجتمعتم على أمر قد أسْخَطَكُمُ اللهُ فيه عليكم وأعرَضَ بوجهه الكريم عنكم وأحلَّ بكم نقمته وجَنَّبكم رحمته ، فنعم الربُّ ربُّنا وبئس العبيد أنتم. أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول محمد صلى الله عليه وآله ثم إنكم رجعتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلَهم ، لقد اسْتَخوذَ عليكم الشيطانُ فأنساكم ذكرَ اللهِ العظيم، فتباً لكم ولما تريدون، إنا لله وإنا إليه راجعون ، هؤلاء قومٌ كفروا بعد إيمانهم، فبُعْداً للقوم الظالمين».


1) (1) أنظر مقتل أبي مخنف ص 85، الارشاد للمفيد ص 217 ، تاريخ الطبري 424/5 ، الاحتجاج 217 ص 300، مناقب آل أبي طالب 108/4 ، اللهوف ص 37 و 42 ، بحار الأنوار 5/45 .

فقال عمر بن سعد : ويلكم كلّموه فإنه ابن أبيه لو وقف يوماً جريداً(1)لما انقطع ولما حُصِر فكلّموه. فتقدم شمر لعنه الله فقال : يا حسين ما هذا الذي تقول أفهمنا حتى نفهم . فدعا عليه السلام براحلته فركبها ثم نادى بأعلى صوته بصوت عالٍ يسمع جلُّ الناس :

«أيها الناس ، اسمعوا قولي ولا تَعْجَلوني حتى أعظكم بما الحقُّ لكم عليَّ وحتى أعتَذِرَ إليكم من مَقْدَمي عليكم ، فإن قبلتم عُذري وصَدَّقتم قولي وأعطيتموني النَّصَفَ كنتم بذلك أسعد ولم يكن لكم منه عليَّ سبيلٌ ، وإن لم تقبلوا مني العُذرَ ولم تعطوني النَّصَفَ من أنفسكم فأجمِعُوا أمرَكُم وشُركاءَ كم ثم لا يكن أمرُكم عليكم غُمَّةٌ ثم اقضوا إلىَّ ولا تُنْظِرُونِ إِنَّ ولیَّىَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وهو يَتَولَّى الصالحين (2).

قال أبو مخنف وأبو الفرج : فلما سمع أخواته كلامه هذا صحن وبكين وبكت بناته فارتفعت أصواتهن ، فأرسل إليهن أخاه العباس بن علي وعلياً ابنه وقال لهما: أسكتاهن فلعمري ليكثرن بكاؤهن . قال : فلما دنيا ليسكتاهن قال : لا يبعد ابن عباس - وفي مقاتل الطالبيين : لله در ابن عباس - قال أبو مخنف وأبو الفرج : فنظن أنه إنما قالها حسين لما سمع بكاءهن لأنه قد كان نهاه أن يخرج بهن .

قال أبو مخنف : فلما سكتن حمد الله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله وصلى على محمد صلى الله عليه وآله وعلى ملائكته وأنبيائه ، فذكر من ذلك ما الله أعلم وما لا يحصى ذكره . قال : فوالله ما سمعتُ متكلماً قط قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه ، ثم قال :


1) (1) يوماً جريداً : متفرغاً للأمر مجداً فيه.

2) (2) مقتبس من سورة يونس : 10 وسورة الأعراف : 196 .

«فانسِبُوني وانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها ، فانظروا هل يحلّ لكم قتلي و انتهاك حرمتي ، ألست ابن بنت نبيّكم وابنَ وصيه وابن عَمه وأولِ المؤمنين بالله والمصّدقِ لرسوله بما جاء به من عند ربّه ، أوليس حمزةَ سيدُ الشهداء عم أبي ، أوليس جعفرَ الشهيد الطيِّارَ ذو الجناحين عمي ، أو لم يبلغكم قولٌ مستفيضٌ فيكم أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي ولأخي «هذان سيدا شباب أهل الجنة»، فإن صدّقتموني بما أقول - وهو الحق وَاللهِ ما تعمدت كِذْباً مذ علمتُ أنَّ الله يقُتُ عليه أهلَه ويضر به من اخْتَلَفَه ، وإن كذَّبتموني فإن فيكم مَن إن سألتموه عن ذلك أخبركم ، سلوا جابرَ بنَ عبد الله الأنصارى أو أبا سعيد الخدري أو سهلَ بن سعدٍ الساعدي أو زيدَ بن أرقم أو أنسَ بن مالك يخبر وكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله لي ولأخي ، أفهما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي» .

فقال له شمر بن ذي الجوشن : هو يعبدُ اللهَ على حَرْفٍ إن كان يدري ما تقول. فقال له حبيب بن مظاهر : والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفاً ، وأنا أشهد أنك صادق ، ما تدري ما يقول ، قد طبع الله على قلبك .

ثم قال لهم الحسين عليه السلام :

«فإن كنتم في شكّ من هذا القول أفتشكون أبداً ما أني ابنُ بنت نبيكم، فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبيّ غيري منكم ولا من غيركم، أنا ابنُ بنت نبيكم خاصة ، أخبروني أتطلبوني بقتل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته أو بقصاص بجراحة » .

قال : فأخذوا لا يكلمونه . قال : فنادى:

« يا شَبَث بن ربعي ويا حَجَّار بن أبجر ويا قيس بن الأشعث ويا يزيد بن

الحارث ألم تكتبوا إلي أن قد أيْنَعَت الثمارُ واخْضَرَّت الجَنَّابُ وطمعت الجمام، وإنما تُقدِم على جُنْدِ لك مجنَّدة ، فأقبل».

قالوا له: لم نفعل . قال : سبحان الله بلى والله لقد فعلتم . ثم قال :

«أيها الناس ، إذكَرِهْتُموني فدعوني ، إنصرفتُ عنكم إلى مأمني من الأرض».

قال : فقال له قيسُ بن الأشعث: أوَلاً تنزل على حكم بني عمك ، فإنهم لن يروك إلا ما تحب ولم يصل إليك مكروه . فقال له الحسين عليه السلام :

«أنت أخو أخيك ، أتريد أن يطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ، لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاءَ الذليل ولا أقرُّ إقرارَ العبيد. عباد الله إني عُذْت بربي وربكم أن تَرجُمون، أعوذ بربي وربكم من كلِّ متكبر لا يُؤمن بيوم الحساب» (1).

قال : ثم إنه عليه السلام أناخ راحلته وأمر عُقبة بن سمعان فعقلها . قال : وزحف القوم و جالت خيولهم، فدعا «ع» بفرس رسول الله صلى الله عليه وآله المُرْتَجِز وعمامته ودرعه وسيفه ، فركب الفرسَ ولبس الآثارَ ووقف قبالةَ القوم فاستنصتهم ، فأبوا أن يُنصِتُوا حتى قال لهم :

«وَيلكم ما عليكم أن تُنْصِتُوا لى وتسمعوا قولى وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين ومن عصاني كان من المهلكين، وكلكم عَاصٍ لأمري غير مستمع قولي، فقد مُلِئَت بطونُكم من الحرام وطُبعَ على قلوبكم ، وَيلٌ لكم ألا تنصتون ألا تسمعون».

فتلاوم أصحابُ عمر بن سعد بينهم وقالوا : أنصتوا له . فخطبهم وحمد الله


1) (1) مقتبس من سورة الدخان: 20 وسورة غافر : 27 .

وأثنى عليه و استشهدهم عن نفسه الكريمة وما قال فيها جده وعن فرس رسول الله ودرعه وعمامته وسيفه، فأجابوه بالتصديق، فسألهم لم يقتلونه ؟ فأجابوا بطاعة أميرهم ، وقيل له : إنما نقاتلك بغضاً لأبيك بما فعل بأشياخنا .

قال السيد ، فأبلغ عليه في المقال ثم قال :

«تبّاً لكم أيتها الجماعةُ وتَرَحاً ، أحين استَصرختُمونا وَالِهِينَ فأصْرَ خْنَاكم مُوجِفِيْنَ ، سَلَلْتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم وحَشَشْتُم علينا ناراً افْتَدَحْنَاها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتُم ألِباً لأعدائكم على أوليائكم بغير عَدْلٍ أَفْشَوْه فيكم ولا أمل أصبح لكم فيهم ، فهلاً لكم الويلات ، تركتمونا والسيفُ مَشِيمٌ والجأش طَامِنُ والرأيُ لا يُسْتَخصَف، ولكن أسرعتم إليها كطيرة الدَّبَا وتداعيتم إليها كتهافت الفَرَاش ، فسُحقاً لكم يا عبيد الأمةِ وشُذَّاذ الأحزاب ونَبَذةَ الكتاب وعُصْبَة الآثام ونَفْتة الشيطان ومُطفيء السُّنَن. ويحكم أهؤلاء تَعْضُدُون وعنّا تتخاذلون، أجل واللهِ غَدْرٌ فيكم قديم وَشَجَتْ عليه أصولكم وتأزّرتْ عليه فروعُكم ، فكنتم أخبثَ شجرٍ شجاً للناطِر وأُكلة للغاصب . ألا وإن الدعيَّ ابنَ الدعيّ قد رَكَز بين اثنتين بين السّلَّة والذلة وهيهات منا الذلة، يأبي اللهُ لناذلك ورسولهُ وحجورٌ طابت وأنوفٌ حميَّةٌ و نفوس أبيَّة من أن نُوْثِرَ طاعة اللئامِ على مَصَارع الكرام . ألا وإني زاحفٌ بهذه الأسرَة على قلَّةِ العدد وخِذْلانِ الناصر».

ثم أوصل عليه السلام كلامه بأبيات فَرْوَة بن مُسَيْك المرادي (1)

و أبيات من الشعر الوارد هنا مذكور في تاج العروس 351/1 مع اختلاف في بعض الألفاظ.

:

1) (1) فروة بن مسيك بن الحارث الغطيفي المرادي ، صحابي يمني من الولاة ، توفي نحو سنة 30 ( الاعلام للزركلي ) 143/5.

فإن نُهزَم فهزَّامون قِدْماً وإن نُغلَب فغير مهزَّمينا

وما أن طَبُّنا جُبنٌ ولكن منايانا ودولةُ آخرينا

إذا ما الموتُ رَفَّعَ عن أناس كَلاكِلَه أناخ بآخرينا

فأفنى ذلكم سَرَوات قومي كما أفنى القُرون الآخرينا

فلو خَلَدَ الملوكُ إذاً خَلَدْنا ولو بقي الكرام إذا بقينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا سيَلقَى الشامتون كما لقينا

«ثم أيم الله لا يلبثون بعدَها إلا كَرَيْث ما يُرْكَبُ الفرسُ حتى تدور بكم دَوْرَ الرَّحَى وتُقْلَقُ بكم قلق المِحْوَر ، عَهدٌ عَهده إلي أبي عن جدي صلى الله عليه وآله فأجْمِعُوا أمرَكم وشركاءَكم ثم لا يكن أمرُكم عليكم غُمَّةً ثم اقضوا إلي ولا تنظرون ، إنى توكلت على اللهِ ربي وربّكم ما من دابَّةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتها إنَّ ربي على صراط مستقيم. اللهمَّ احْبِس عنهم قَطَرَ السماءِ و ابعث إليهم سنينَ كسنّي يوسف وَسَلّط عليهم غلامَ ثقيفٍ يسقيهم كأساً مُصْبِرةً ، فإنهم كذَّبونا وخَذَلونا ، وأنت ربُّنا عليك توكلنا وإليك المصير».

(بیان):

قوله عليه السلام « تبّاً لكم » . نصبه على المصدر بإضمار فعل ، أي ألزمكم الله هلاكاً وخسراناً . قال بعض اللغويين : تبَّ تباً قطعه وأهلك ، يقال تباً له أي ألزمه الله هلاكاً .

قوله عليه السلام « تَرَحاً » . الترح محركة : الهمّ والحزن . وفي المجمع : هو الهلاك والانقطاع . و هو أيضاً منصوب على المصدرية بإضمار الفعل. وفي نسخة « تغساً » بدل ترحاً ، من تَعَسَه وأنْعَسَه أي أشقاه وأهلكه . وفي المجمع : التَعَس الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد و الانحطاط ، وتعساً له أي ألزمه الله هلاكاً .

قوله عليه السلام « وَالهِين». أي متحيرين ذاهبين عقولهم ، من الوَلَه حال من ضمير الجمع .

قوله عليه السلام فأصرَ خْنَاكم». أي أجبنا صراخكم واستغائتكم .

قوله عليه السلام « مُوجِفين». من أوجف ، أي عدا مسرعاً ، يقال أوْجَفَ الفرسُ جعله يعدو عدواً سريعاً ، حال من ضمير أصرخنا . وفي بعض النسخ «مستعدين» من الاستعداد . و في بعضها «مؤدّين» أي مهيئين ، يقال فلان مؤد ، أي شاكي السلاح.

قوله عليه السلام «سَلَلْتم». أي أخرجتم ، من سُلَّ كذا من كذا أي أُخرج - قاله في المجمع.

قوله عليه السلام «سيفاً لنا في أيديكم». وفي بعض النسخ أيدينا ، وفي بعض النسخ سللتم لنا سيفاً في رقابنا .

قوله عليه السلام «وحَشَشْتُم » . أي أوقدتم ، من حَشَشتُ النارَ احْتِشَاشاً أي أو قدتها ، وأصله من جمع الحشيش للإيقاد.

قوله عليه السلام «اقْتَدَحْنَاهَا». وفي نسخة أجَّجْنَاها، وفي نسخة أضر مناها ، وفي بعض النسخ : وحسستم علينا نار الفتن خبَّأها عدوكم وعدونا ، من خباً أي جمع ، يعني جمعها عدوُّنا و عدوُّكم.

قوله عليه السلام « الباً » . بكسر الهمزة وفتحها ، من قوله «هم عليّ آلب» أي مجتمعون عليه بالظلم والجور والعدوان قاله في القاموس . وفي بعض النسخ : الباً على أوليائكم ويداً لأعدائكم.

قوله عليه السلام «ولا أمل أصبح لكم فيهم». وفي جملة من النسخ بعد قوله « لكم فيهم »: إلا الحرام من الدنيا أنالُوكم وخَسِيسَ عيش طمعتم فيه من غير

حَدَثٍ كان منا ولا رأي ثقيل لنا. الثقيل أي الضعيف ، من ثَقُلَ الرأيُ أخطأ وضعف .

قوله عليه السلام « فهلاً لكم الويلات». هلاّ يحتمل أن يكون بفتح الأول وتنوين الثاني فتكون كلمة ضجر، ويحتمل أن تكون من هَلَّ هَلاً بمعنى اشتد . وعلى الأول فالظرف خبر مقدم ، وعلى الثاني متعلق بهَلاً باعتبار عامله وهو المصدر ، أي أهَلَّ هَلاً لكم الويلات .

قوله عليه السلام «مَشيمَ» . بفتح الميم ، من شام السيف : إذا غَمِده . وفي جملة من النسخ قبل قوله « والسيف مشيم» إذ كرهتمونا وتركتمونا وتجهزَّتمونا والسيف مشيم أي مُغْمَد .

قوله عليه السلام «وتجَهزَّ تمونا». أي تهيأتم لحربنا . وفي بعض النسخ . «و تجهزتموها» و لعله سهو من الناسخ .

قوله عليه السلام « و الجَأش » . الجأش رواغ القلب إذا اضطرب عند الفزع - قاله في القاموس.

قوله عليه السلام « طَامِنٌ » . في القاموس : الطامن الساكن.

قوله عليه السلام «لا يُسْتَحْصَف» . استحصف : يحتمل أن يكون من حَصَفَ الشيءُ بالحاء و الصاد المهملتين من حصف الشئ أي جمعه ، ويحتمل أن يكون من حضف بالضاد المعجمة من حضف إذا غلط واشتبه ، والمعنى رأيكم على إعانتي لم يَسْتَحْكم فَلِمَ عَجَلْتُم وأرْسَلتم إليَّ .

قوله عليه السلام « الدَّبا » . بفتح الدال وتخفيف الباء: الجراد الصغير . وفي بعض النسخ « أسرعتم إلينا - بدل إليها كطير الذباب» .

قوله عليه السلام « وتداعيتم إليها». وفي بعض النسخ : وتهافتُّم .

قوله عليه السلام « فَسُحْقاً لكم». وفي بعض النسخ : فبُعْداً وسُحقاً وقُبْحاً لطواغيت هذه الأمة.

قوله عليه السلام» «كَتَهافُتِ الفَرَاش». الفراش بالفتح وتخفيف الراء جمع فراشة، وهي صغار البَقّ . وقيل شبيهة بالبعوضة تتهافت في النار لضعف أبصارها - قاله في المجمع.

قوله عليه السلام « يا عبيدَ الأمَّة » . الأمة بضم الألف وتشديد الميم ، قال في المجمع: ويقال لكل جنس من الحيوان أمة (1)، ومنه الخبر « لولا أن تكون الكلاب أمة من الأمم لأمرتُ بقتلها». فالمعنى يا عبيد الحيوان أو خصوص الكلاب ، ولا يخفى لطفه . أو بمعنى طائفة واللام للعهد ، فالمعنى يا عبيد بني أمية . وقد يقرأ بفتح الهمزة والميم ، فيحتاج إلى عناية ، مأخوذة من قوله صلى الله عليه وآله « ذَلَّ قوم تملكهم أمةٌ » فهي كناية عن الذل . قوله عليه السلام «شُدّاذ». بضم الشين وتشديد الذال كرمّان: الذين يكونون في القوم وليسوا من قبائلهم . وفي بعض كتب اللغة : الشُذَّاذ من الناس القليلون أو الغرباء. وفي بعض النسخ وبقية الأحزاب.

قول عليه السلام « ونَبَذة الكتاب » . (فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ)(2)

قوله عليه السلام « ومحرّ في الكتاب». (ويُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ) (3).

قوله عليه السلام «و عُصْبَة الآثام » . العُصْبَة بضم العين فالسكون الجماعة من الرجال ، والجمع عُصَب كغُرفة وغرف ، وسميت بذلك أخذاً من الشدّ ، كأنه يشد


1) (1) مجمع البحرين 108/1.

2) (2) سورة آل عمران : 187

3) (3) سورة النساء : 46 .

بعضهم بعضاً شدَّ الأعصاب ، وهي أطناب المفاصل (1)_ قاله في المجمع . والمعنى قوم جُمعوا ويشدُّ بعضهم بعضاً في الآثام. وفي بعض النسخ عَصَبَة الآثام بفتحتين جمع عاصب ككفرة جمع كافر ، من عَصَبة الرجل أي بنوه وقرابته ، والمعنى بنو الآثام كبني غَيْلَة ، وكأنهم من شدة الإثم وكثرته صار واكبنيه .

قوله عليه السلام « ونَفْتَة الشيطان». أي ينفث فيهم بالوساوس . وفي المجمع النَّفْتُ شبيه بالنفخ (2)، وهو أقل من التفل ، لأن التفل لا يكون إلا ومعه شي من الريق والنَّفْتُ نفخ لطيف بلا ريق. وفي الدعاء « أعوذُ بك من نَفْتِ الشيطان» هو ما يُلقيه في قلب الإنسان ويوقعه في باله مما يصطاده به . ونَفَتَ الشيطانُ على لسانه : أي ألقى فتكلم. وفي بعض النسخ وبقية الشيطان.

قوله عليه السلام «ومطفىء السنن». وفي جملة من الكتب بعد هذه الكلمة : أولاد الأنبياء، ومبيدي عترة الأوصياء، ومؤذي المؤمنين، وملحقي العَهَرة بالنسب ومؤاخي المستهزئين الذين جعلوا القرآنَ عِضين ، لبئس ما قدمت أنفسهم أن سخط اللهُ عليهم وفي العذاب هم خالدون (3)، واليتم ابن حرب وأشياعه (4).

قوله عليه السلام «ملحقي العَهَرة». من عَهَر المرأةَ وعاهرها من باب منع : أي أتاها للفجور.

قوله عليه السلام « أهؤلاء تعضدون». وفي بعض النسخ : تقصدون .

قوله عليه السلام وعنا تخاذلون». وفي بعض النسخ وإيانا بدل وعنا،


1) (1) مجمع البحرين 189/3.

2) (2) مجمع البحرين 292/1.

3) (3) مقتبس من سورة الحجر : 91 وسورة المائدة : 80.

4) (4) يريد عليه السلام معاوية ويزيد ومن والاهما.

وتتخاذلون بدل تخاذلون.

قوله عليه السلام «غَدْرٌ فيكم قديم». بالغين المعجمة . وفي بعض النسخ بعده : والخَذُلُ منكم معروفٌ (1).

قوله عليه السلام «وَشجَتْ عليه أصولكم» . الوَشيجة عِرْقُ الشجرة ، وَشَجَتْ تشج وشجاً الأغصان . يعني أصولكم غصنت وعرقت وورقت على الغدر والتخاذل.

قوله عليه السلام «وتأزَّرَتْ عليه فروعُكم». أي قويت عليه وأعانت ، أو من لبس الإزار ، أي تلبسوا الإزار عليه فروعُكم ، أو من أزِرَ بمعنى أحاط .

قوله عليه السلام «وكنتم أخبتَ شجر شجي للناطر». وفي بعض النسخ : أخبت ثمر شجر شجي . الشجي بالفتح فالسكون : الهم والحزن ، والناطر بالطاء

المهملة ، والناطور حافظ الكَرم والنخل ، أعجمي (2)_ قاله في القاموس .

و في جملة من النسخ بعد قوله « وأكلة للغاصب » : ألا لعنة الله على الظالمين الناكثين الذين ينقضون الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليه كفيلاً فأنتم .والله هم.

قوله عليه السلام « قد رَكزَ » . من رَكَزَ الرحَ أي أثبته ، يعني الدعي ابن الدعي يعني زياد بن أبيه قد أقامني ، وفي رواية السيد وبعض «ركن»(3)بالنون ، من ركن إليه أي مال . وفي نسخة الاحتجاج قد تركني.

قوله عليه السلام « السَّلَّة » . من سلّ السيفِ إخراجه من الغمد .

قوله عليه السلام «حُجُرُ طابت» . الحجور بمعنى البيوت كما في قوله تعالى


1) (1) الخذلان والتخاذل : ترك النصرة والإعانة .

2) (2) القاموس المحيط 144/2 .

3) (3) في النسخة المطبوعة من اللهوف ركز » كما في بقية المصادر .

(وَرَبَائبكُمُ اللاتي في حُجُورِكُم) (1)أي في بيوتكم . وفي بعض النسخ « و حَجَر طهرت» الحجر بفتح الحاء المهملة وفتح الجيم المعجمة بمعنى الغرفة ، أي غرف طهرت . وفي بعض النسخ « جُدُودٌ طهرت » وهو جمع الجد .

قوله عليه السلام «زاحف» . بالزاي المعجمة ، من الزَّحْف أي الجهاد ولقاء العدو في الحرب . والزَّحف الجيش يزحفون إلى العدو، أي يمشون . وفي بعض النسخ راجف بالراء المهملة والجيم من رَجَفَ أي تحرك واضطرب، ويقال أرْجَفُوا في شيء أي خاضوا فيه .

قوله عليه السلام «الأسرَة». بضم الألف وزان غرفة : رَهْطُ الرجل وعشيرته وأهل بيته (2)- قاله في المجمع.

قوله عليه السلام مع قلة العدد». وفي بعض النسخ «على» بدل مع ، وفي بعضها : وكثرة العدو .

قوله عليه السلام «خذلة الناصر» . في بعض النسخ «خذلان الناصر».

الخذلان بالكسر : ترك العون والنصر ، وكذلك الخَذَل ، يقال خَذَله خَذْلاً إذا ترك عونه و نصرته .

قوله عليه السلام « المُسَيْك». بضم الميم وفتح السين .

قوله عليه السلام « ما إن طبنا » . ما نافية وان زائدة لقاعدة متى اجتمعت ما وان فالمتأخر منهما زائد.والطبّ بمعنى الفتور في الأمر (3)كما في القاموس ، أو بمعنى


1) (1) سورة النساء : 23 .

2) (2) مجمع البحرين 232/2.

3) (3) القاموس المحيط 96/1.

العادة كما في غيره. والمعنى إن فتورنا في الحرب ليس جبناً ، أو إنا لم نُقتل في الحرب بسبب الجبن، بل عادتنا أنه إذا حضر منايانا ودولة آخرينا. وقال الفاضل المعاصر : الطَّبُّ البلد . ولم أر من ذكره ، والأظهر ما نقلناه عن القاموس ، والمعنى الثاني والثالث يحتاجان إلى عناية . فتدبر.

قوله عليه السلام «سَرَوات» . جمع سروة بمعنى المروة والشرف.

قوله عليه السلام «كرَيْث ما يُركب الفرسُ». في المجمع : الريث الاستبطاء . وقال غيره : الريث مقدار المهلة من الزمن ، يقال أمهله ريثما فعل ذلك ، أى مقدار ما فعل ذلك . والمعنى إنكم لا تلبثون إلا مقدار ما صار الفرس قابلاً للركوب .

بأبي هو وأمي ، هذا من الملاحم والإخبار بالمغيبات ، إذ لا يمكن أن يُركب الفرسُ إلا بعد مضي عمره إلى ثلاث سنين وحينئذ يصلح للركوب وبعده إلى أربع سنين ويركب كاملاً. والمعنى أن لبتكم بعد قتلى إلى ثلاث سنين وهي سني ركوب الفرس. ورأس ثلاث سنين كان بدء ظهور المختار بن أبي عبيد الثقفي ، وبعد أربع سنين من قتله دار بهم المختارُ دورَ الرحی و تسلط عليهم وسامهم كأساً مُصْبِرَةً، أي ذات صبر .

(رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أنَبْنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ ) (1).


1) (1) سورة الممتحنة : 4 .

الباب الثاني : (في كتبه ورسائله عليه السلام)

اشارة

اتفقوا على أن أول كتاب كتبه عليه السلام جواباً لكتب أهل الكوفة ورسائلهم ما كتبه و أرسله مع مسلم بن عقيل ، بعد ما كتب إليه أهل الكوفة كتباً تبلغ اثني عشر ألف كتاباً على ما صرح به المؤرخون ، بل ملأ كتبهم الخرجين وكان عند عُقبة بن سِمعان، وكان جملة من الرسائل من عشرة عشرة رجل أو عشرين عشرين أو أزيد على ما صرحوا به أيضاً .

إلا أن الذى وصل إلينا جملةٌ من تلك الكتب والرسائل المضبوطة في كتب التاريخ و الحديث ، ونذكر هنا أولاً ماكتبوا إليه عليه السلام ثم نتبع ذلك بماكتبه هو جواباً على كتبهم ، فنقول :

الكتاب الأول:

ما رواه الطبري، عن أبي مخنف، عن الحجاج بن علي، عن محمد بن بشر الهمداني وكان حاضراً في الوقعة وممن كتب إليه . ورواه أبو الفرج بطرق متعددة عن أبي مخنف، وعن عمار الدهني ، عن أبي جعفر . وذكره السيد وغيره (1)،بل هو مذكور في جُلّ كتب السير والمقاتل ، قالوا واللفظ للطبري :


1) (1) تاريخ الطبري 351/5 ، اللهوف ص 14 ، مقاتل الطالبيين ص 99.

لما بلغ أهلَ الكوفة هلاكُ معاوية أرجف أهلُ العراق بيزيد ، وقالوا : قد امتنع الحسين و ابن الزبير ولحقا بمكة، فكتب أهل الكوفة إلى الحسين وعليهم النعمان بن بشير . قال أبو مخنف : قال محمد بن بشر الهَمْداني : قد اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد ، فذكرنا هلاك معاوية فحمدنا الله عليه ، فقال لنا سليمان بن صرد : إن معاوية قد هلك ، وإن حسيناً قد تقبَّض على القوم ببيعته وقد خرج إلى مكة ، وأنتم شيعته وشيعة أبيه ، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوه فاكتبوا إليه ، وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجلَ من نفسه. قالوا : لابل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه . قال : فاكتبوا إليه . فكتبوا إليه :

« بسم الله الرحمن الرحيم . للحسين بن علي من سليمان بن صرد والمسيب بن نَجَبَة ورفاعة بن شداد وحبيب بن مظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة . سلام عليك فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الأمة فابتزَّها أمرها وغصبها فيتّها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبق شرارها وجعل مالَ الله دُوْلةً بين جبابرتها وأغنيائها ، فبُعْداً له كما بَعِدت ثمود ، إنه ليس علينا إمام ، فأقبل لعل الله أن يجمعنا معك على الحق . والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة وجماعة ولا نخرج معه إلى عيد ، ولو أنه قد بلغنا أنك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إنشاء الله . والسلام ورحمة الله عليك».

قال محمد بن بشير : ثم سرَّحنا بالكتاب مع عبد الله بن سَبُع الهَمْداني وعبد الله بن وال ، و أمرناهما بالنَّجاء ، فخرج الرجلان مُسرعَين حتى قَدِمَا على الحسين لعشرٍ مضين من شهر رمضان بمكة .


وقال الطبري (1): قال أبو مخنف : قال محمد بن بشير الهمداني بعد إرسال الكتاب الأول : ثم سرّحنا إليه قيسَ بن مُسْهِر الصَّيْداوي وعبدالرحمن بن عبدالله الكدن الأرجي وعُمارة بن عبيد السَّلولي ، فحملوا معهم نحواً من ثلاث وخمسين صحيفة من الرجل والاثنين والأربعة.

قال : ثم لبثنا يومين آخرين ، ثم سرَّحنا إليه هاني بن هاني السَّبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفى وكتبنا معهما :

« بسم الله الرحمن الرحيم . للحسين بن علي من شيعته المؤمنين المسلمين ، أما بعد فحيَّهلا ، فان الناس ينتظرونك ولا رأي لهم في غيرك، فالعجل العجل، والسلام عليك»


و قال الطبري (2): قال أبو مخنف : قال محمد بن بشير الهمداني. وكذا في روضة الواعظين للفتال النيسابوري(3)وغيره : وكتب شَبَث بن رِبعي وحجَّار بن أَبْجَر ويزيد بن الحارث بن يزيد بن رُويم وعَزْرَة بن قيس وعمرو بن الحجاج الزُّبيدي ومحمد بن عمير التميمي :

«بسم الله الرحمن الرحيم. إلى الحسين بن علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين ، أما بعد ، فقد اخضرَّ الجَنَّابُ وأينعت الثمارُ وطُمَّت الجِمامُ وأعشبت الأرض وأورقت الأشجار ، فأقدِم على جند لك مجنَّد ، والسلام عليك» (4).


1) (1) انظر تاريخ الطبري 352/5 .

2) (2) تاريخ الطبري 352/5.

3) (3) روضة الواعظين ص 172.

4) (4) يختلف ما في الطبري عما هنا في بعض الألفاظ.

و قال في القمقام (1): وكتبوا إليه :

« إنا قد حَبَسْنا أنفسنا عليك ولسنا نحضَر الصلاة مع الولاة، فأقدم علينا فنحن في مائة ألف ، فقد فَشَا فينا الجورُ وعُمِل فينا بغير كتاب الله وسنة نبيه ، ونرجو أن يجمعنا اللهُ بك على الحق وينفي عنا بك الظلمَ، فأنت أحقُّ بهذا الأمر من يزيد وأبيه الذي غصب الأمة فيئها وشرب الخمورَ ولعب بالقردة والطنابير وتلاعب بالدين» .


قالوا (2): فلما تلاقت الرسل كلُّها عنده ، فقرأ الكتب وسأل الرسلَ عن أمر الناس ، ثم كتب عليه السلام مع هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبدالله الحنفي وكانا آخر الرسل :

«بسم الله الرحمن الرحيم . من حسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين، أما بعد فإن هانئاً وسعيداً قدماً عليَّ بكتبكم وكانا آخر من قدم علي من رسلكم ، وقد فهمتُ كلَّ الذي اقتصصتم وذكر تم ومقالة جُلكم : إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى، وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلمَ بنَ عقيل وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم ، فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأيُ ملأكم وذوي الفضل و الحِجَى منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم وقرأتُ في كتبكم ، فإني أقْدِمُ عليكم وشِيكاً إنشاء الله ، فلعمري ما الامام إلا العامل بالكتاب والآخذ بالقسط والدائن بدين الحق


1) (1) القمقام 275/1.

2) (2) الألفاظ قريبة مما جاء في تاريخ الطبري .

و الحابس نفسَه على ذات الله . والسلام» (1).

(بیان):

قوله : « أُرْجِفَ» . بالجيم والفاء من رَجَف أي تزلزل واضطرب وتحرك - قاله في المجمع .

قوله « وإن حسيناً قد تقبَّض». أي أمسك عن البيعة ، من قوله « يقبضون أيديهم» أي يمسكونها .

قوله «فابتزّها». أي قلعها .

قوله « وأمرناهما بالنَّجاء » . من النَجوة ، أي الخفاء والسر .

قوله « فحيَّهلا» . حَيّ اسم فعل بمعنى عجل ، وهلاّ بالتشديد حرف تحقيق، وقد يركّب للمبالغة على العجلة .

قوله « الجَنَاب» . بفتح الجيم كسحاب : الناحية .

قوله « و أينعت الثمارُ » . من يَنَع بفتح الياء والنون من باب مَنَع إذا نضج الثمر ، قال الله تعالى ( أَنظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَتَمرَ وَيَنْعِهِ ) (2)أي ونضجه . وفي المجمع : أينع الثمرُ ويُونع ويَنَع الثمرُ من باب ضرب ، ويَنَع يَنْعاً وينوعاً فهو مونع ويانع : إذا أدرك ونضج . وقد يُقرأ بتقديم النون من ناع ينيع نيعاً إذا مال الغصن ، وله أيضاً وجه يحتاج إلى عناية ، والأول هو الأصح والأفصح.

قوله « وطمّت» من طَمّ البئر طَماً من باب قتل : ملأها حتى استوت مع الأرض ، وطَمَّها التراب : فعل بها ذلك . و « الجِمام» بالجيم الكيل، والمعنى طُمَّ الكيلُ ، وهي كناية عن بلوغ الصبر إلى النهاية .


1) (1) الإرشاد للمفيد 39/2.

2) (2) سورة الأنعام :99.

«وأعْشَبَت الأرض» . العَشَّب بالتشديد المكان الذي كثر عُشبه (1)، والعُشب الكلاء الرطب . واعْشَوْشَب أى كثر عُشبه.

قوله «وَشِيكاً» من وَشُك يَوْشُك بالضم ، فهما من باب حسن يحسن وشكاً أي سرع ، فهو وَشِيْكُ أي سريع .

قوله «الحابس نفسَه في ذات الله» . أي الصابر كلَّ الصبر في الله وبالله ولله .

و يذكر ترجمة بعض الكتاب في ترجمة مسلم بن عقيل .

الكتاب الثاني:

الذي كتبه سلام الله عليه جواباً لكتاب مسلم بن عقيل .

قال الطبري وغيره بل جلّ أهل السير والمقاتل (2): كتب مسلمُ بن عقيل إلى الحسين بن علي عليه السلام مع قيس بن مسهر الصيداوي:

«أما بعد ، فإنّي أقبلت من المدينة معي دليلين لي ، فحارا عن الطريق فضلاً واشتد علينا العطشُ، فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننجُ إلا بحُشَاشَة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يُدعى بالمضيق من بطن الخَبيب (3)، وقد تطيَّرتُ من وجهي هذا، فإن رأيت أعفَيتني منه وبعثتَ غيرى . والسلام».

فكتب عليه السلام إليه :

«أما بعد ، فقد خشيتُ أن لا يكون حملك على الكتاب إليّ في الاستعفاء من الوجه الذي وجَهتُك له إلا الجُبن، فامض لوجهك الذي وجَّهتُك له (4). والسلام» .


1) (1) قالوا أعشب المكان أنبت العشب . فلاحظ.

2) (2) تاريخ الطبري 354/5 ، الإرشاد للمفيد ص 186 ، بحار الأنوار 334/44 .

3) (3) في الطبري «خُبَيْت » .

4) (4) في الإرشاد « وجهتك فيه » .

و في جملة من الكتب : :

«يابن العم، إني سمعتُ جدي رسولَ الله صلى الله عليه وآله يقول : ما منا أهل البيت من تَطَيَّر ولا يُتَطَيَّر به، فإذا قرأت كتابي فامض على ما أمرتك . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته» .

(بیان):

قوله «مَضْيق» كمنبع قرية في آرَة على ما في القاموس، وآرَة كدارة براء مفتوحة جبل بالحجاز بين مكة والمدينة (1).

قوله « خَبَيْب » بفتح الخاء المعجمة (2)وسكون الموحدة وبعدها ياء بمعجمتين : علم الصحراء بين مكة والمدينة .

قوله « فحارا» . بالراء المهملة أي تحيرا. وفى بعض النسخ «فحادا» بالدال أى جاوزا .

قال الطبري : لما قرأ مسلم الكتاب قال : لست أتخوَّفه على نفسي-كما يذكر في ترجمته رضوان الله عليه .

الكتاب الثالث :

نقله جلُّ أصحاب السير والمقاتل باختلاف يسير(3).


1) (1) في معجم البلدان 146/5 : المضيق قرية في لحف آرة بين مكة والمدينة .. والمضيق فيما قيل موضع مدينة زبّاء .. قالوا : وهي بين بلاد الخانوقة وقرقيسيا على الفرات .

2) (2) في معجم البلدان :345/2: بضم الخاء تصغير حَبَّة أو خَبّ. وقرىء أيضاً «خُبَيْت» ، قال : تصغير خَبْت ماء بالعالية يشترك فيه أشجع وعبس.

3) (3) تاريخ الطبري 357/5 ، اللهوف ص 16 ، بحار الأنوار 340/44 .

قال الطبري : قال هشام: قال أبو مخنف : حدثني الصَّقْعَبُ بن زهير عن أبي عثمان النهدي قال : كتب الحسين عليه السلام مع مولىّ لهم يقال له سليمان وكتب بنسخة إلى رؤوس الأخماس بالبصرة وإلى الأشراف ، فكتب إلى مالك بن مِسْمَع البكري وإلى الأحنف بن قيس وإلى المنذر بن جارود وإلى مسعود بن عمرو وإلى قيس بن الهيثم وإلى عمرو بن عبد الله بن مَعْمَر ، فجاءت منه نسخة واحدة إلى جميع أشرافها:

«أما بعد ، فإن الله اصطفى محمداً صلى الله عليه وآله على خلقه وأكرمه بنبوته واختاره لرسالته ، ثم قبضه اللهُ إليه وقد نصح لعباده وبلَّغ ما أُرسل به ، وكنا أهلَه وأولياءَه وأوصياءَه وورثَته وأحقَّ الناس بمقامه فى الناس، فاستأثر علينا قومُنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة و أحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحَق علينا ممن تولاه ، وقد أحسنوا و أصلحوا وتَحَرَّوا الحقَّ فرحمهم الله وغفر لنا ولهم، وقد بعثتُ رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله ، فإن السنةَ قد أميتت وإن البدعةَ قد أحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيلَ الرشاد والسلام عليكم ورحمة الله » .

قال الطبري : كل من قرأ هذا الكتاب من أشراف الناس كتمه إلا المنذر بن الجارود. وقد نذكر في ترجمة سليمان بن صرد تفصيله .

(بیان ) :

ليس في أكثر الكتب والنسخ من كلمة «بذلك الحق» إلى قوله «غفر لنا ولهم» ، ولعله من الزيادات التي صدرت من سهو النساخ واشتباههم . والله أعلم.

قال السيد (1): فلما وصل الكتاب إلى أهل البصرة جمع يزيدُ بنُ مسعود بني


1) (1) اللهوف ص 16 .

تميم وبني حنظلة وبني سعد ، فلما حضروا قال : يا بني تميم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي منكم ؟ فقالوا : بخ بخ ، أنت والله فقرة الظهر ورأس الفخر حللتَ في الشرف وسطاً وتقدمتَ فيه فَرَطاً . قال : فإني قد جمعتُكم لأمر أريد أن أشاورَكم فيه واستعينَ بكم عليه . فقالوا : إنا والله نمنحُك النصيحةَ ونجهد لك الرأي فقل نسمع . فقال : إن معاوية مات، فأهوِن به واللهِ هالكاً و مفقوداً ، ألا وإنه قد انكسر بابُ الجور والاثم وتضعضعت أركانُ الظلم ، وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمراً ظن أن قد أحكمه ، وهيهات والذي أراد ، اجتهد والله ففَشِل وشاور فخُذِل ، وقد قام ابنه يزيد شاربُ الخمور ورأسُ الفجور يدعي الخلافة على المسلمين ويتأمر عليهم بغير رضىً منهم ، مع قصر حلم وقلة علم، لا يعرف من الحق موطىءَ قدمه ، فأقسم بالله قسماً مبروراً لَجهادُه على الدين أفضل من جهاد المشركين، وهذا الحسين بن علي ابنُ بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ذو الشرف الأصيل والرأي الأثيل له فضل لا يوصف وعلم لا يُنزف ، وهو أولى بهذا الأمر لسابقته وسنه وقدمه وقرابته ، يعطف على الصغير ويحنو على الكبير، فأكرم به راعي رعية وإمام قوم، وجبت الله به الحجة وبلغت به الموعظة ، فلا تعشوا على نور الحق ولا تسكعوا في وهَدِ الباطل ، فقد كان صخرُ بن قيس انخذل بكم يوم الجمل فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله ونصرته، والله لا يقصر أحد عن نصرته إلا أورثه اللهُ الذلَّ في ولده والقلة في عشيرته، وها أنا ذا قد لبستُ للحرب لامتها وادَّرَعتُ لها بدرعها ، من لم يُقتل يمت ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله ردَّ الجواب .

فتكلمت بنو حنظلة فقالوا : يا أبا خالد نحن نبلُ كنانتك وفرسان عشيرتك ، إن رميتَ بنا أصبت وإن غزوتَ بنا فتحتَ ، لا تخوض واللهِ عمرةً إِلا خُضناها ولا

تلقی والله شدة إلا لقيناها ، ننصرك والله بأسيافنا ونقيك بأبداننا ، إذا شئتَ فافعل .

و تكلمت بنو سعد بن يزيد فقالوا : يا أبا خالد إن أبغضَ الأشياء لنا خلافُك والخروجُ من رأيك ، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا وبقي عزنا فينا ، فأمهلنا نراجع المشورة ونأتيك برأينا .

و تكلمت بنو عامر بن تميم فقالوا : يا أبا خالد نحن بنو أبيك وحلفاؤكَ ولا نرضى إن غضبت ولا نوطن إن ظعنتَ، والأمر إليك، فادعنا نجيبك وأمرنا نطيعك ، والأمر لك إذا شئتَ .

فقال : والله يا بني سعد لئن فعلمتوها لا يرفع اللهُ السيفَ عنكم أبداً ولا زال سيفكم فيكم . ثم كتب إلى الحسين عليه السلام :

« بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد ، فقد وصل إلي كتابك وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له من الأخذ بحظي من طاعتك والفوز بنصيبي من نصرتك ، وإن الله لا يخلو الأرَض قطُّ من عامل عليها بخير أو دليل على سبيل نجاة ، وأنتم حجةُ الله على خلقه ووديعته في أرضه ، تفرَّعتم من زيتونة أحمدية هو أصلها وأنتم فرعها، فأقدم سَعُدْتَ بأسعد طائر ، فقد ذَلَّلتُ لك أعناقَ بني تميم وتركتهم أشد تتابعاً في طاعتك من الابل الظماء لورود الماء يوم خَمسها ، وقد ذَلَّلتُ لك بني سعد وغسلتُ درن صدورها بماء سحابة مُزن حين استحلَّ برقُها فلمع».

فلما قرأ الحسين عليه السلام الكتاب قال : مالك آمنك الله يومَ الخوف وأعزك وأرواك يوم العطش الأكبر.

قال السيد : فلما تجهز المشار إليه للخروج إلى الحسين عليه السلام بلغه قتله قبل أن يسير ، فجزع من انقطاعه عنه .

و أما المنذر بن الجارود فقد ذكرنا التفصيل في ترجمة سليمان بن صرد.

و أما الأحنف بن قيس فإنه لما كان منافقاً ومن محبي بني أمية وشيعتهم، فكتب إليه عليه السلام : «أما بعد ، (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِيْنَ لَا يُوْقِنُونَ ) (1)

(بیان):

قوله « فأهوِن به » . فعل تعجب ، مثل ما أفعل .

قوله «ففَشِل» . أي ضعف .

قوله « الأثيل » . أي الثابت ، من قولهم أثَل أصولاً أي تأصل في الأرض.

قوله « ولا تَعْشُوا عنه». أي لا تصدّوا ولا تجاوزا عنه ، من عَشَّه عن الأمر أي صدّه .

قوله « ولا تَسَكَّعوا». أي لا تمشوا مسكعاً بلا زاد وراحلة .

قوله « وَهْدَة » . بالفتح : الأرض المنخفض.

قوله « ولا تَقْطُن» من قطن بالمكان يقطن من باب قعد أي أقام - قال فيه المجمع.

قوله « إذا ظَعَنت». من ظَعَن ظَعْناً بالإسكان والتحريك ، أي سار وارتحل .

قوله «دَرَن» . بالتحريك : الوسخ .

الكتاب الرابع :

ما كتبه عليه السلام من مكة حين خروجه منها إلى العراق ، وما في التنقيح أنه كتبه في كربلاء سهو منه أو من الناسخ .


1) (1) مقتبس من سورة الروم : 60 .

قال السيد (1): وذكر محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن أيوب بن نوح عن صفوان عن مروان بن إسماعيل عن حمزة بن حمران عن أبي عبد الله عليه السلام قال : ذكرنا خروج الحسين وتخلف محمد بن الحنفية عنه ، فقال أبو عبد الله : يا حمزة إني سأحدثك بحديث لا تسأل عنه بعد مجلسنا هذا، إن الحسين عليه السلام لما فصل متوجهاً أمر بقرطاس وكتب :

« بسم الله الرحمن الرحيم . من الحسين بن علي إلى بني هاشم ، أما بعد فإنه من لحق بي منكم استشهد ، ومن تخلَّف عني لم يبلغ الفتح . والسلام».

(بیان):

سند الحديث في غاية الصحة ومتنه في غاية الاضطراب، لاختلاف الكتب والنسخ في نقله ، وما نقلناه هو ما ذكره في اللهوف المطبوع الموجود بأيدينا .

وفي بعض الكتب «من الحسين بن علي إلى محمد بن الحنفية» كما في السفينة (2)وغيره ، وفي بعضها «إلى محمد ومن قِبَله من بني هاشم» ، وفي بعض النسخ «من لحق بي» بدون كلمة «منكم » ، وفي بعض الكتب المعتبرة « من تحوّل منكم» بدل من الحق منكم ، وفي بعضها «ومن لم يلحق» بدل من تخلف، وفي بعضها «من تخلف عني»، وفي بعضها بدون كلمة « عني»، وفي بعض الكتب المعتبرة «لم يدرك الفتح» بدل لم يبلغ ، وفي بعض الكتب «الفلاح» بدل الفتح، وفي بعضها «لم يبلغ مبلغ الفتح». وأنت خبير بأن المعنى يختلف باختلاف


1) (1) اللهوف ص 28.

2) (2) سفينة البحار (كتب ) 467/2 ونصه كما عن اللهوف .

التعبير والعبارة.

و قد كثر القيل والقال في علم الرجال في محمد بن الحنفية وأن هذا الحديث هل يدل على ذمه أو لا ، وكذا في حال من تخلف عن الحسين عليه السلام كعبد الله بن جعفر وأضرابه .

و الذي أفهم في معنى الحديث - ولعله الظاهر بحيث يجتمع مع كل النسخ وجلّ الاختلافات في المتن- هو أنه عليه السلام قال : إن من كان معي ولحق بي وتحول معي حين خروجي من مكة يكون شهيداً ، ومن لم يكن معي ولم يلحق بي ولم يتحول معي لم يدرك الشهادة والفلاح والفوز والفتح كل الفتح، لأني مقتول وأصحابي مستشهدون قبل وصولهم إلي .

و بعبارة أوضح : إن كل شخص من بني هاشم وغيرهم لو أراد الخروج إلي والوصول بي لم يدرك الفوز والشهادة ، لأني مقتول قبل وصوله إليّ ، لأن وصول الكتاب من مكة إلى المدينة يقتضي أياماً وتهيأوهم للسفر أيضاً يقتضي أياماً ، وبعد انقضاء الأيام وخروجهم إليه لم يدركوا يوم عاشوراء فلم يفوزوا بالفتح والفلاح. والمستشهدون من بني هاشم هم الذين كانوا معه عليه السلام حين خروجه من مكة ، فإنه لما خرج من المدينة لم يكن قاصداً للعراق بحسب الظاهر، وخروجه من مكة إلى المدينة لم يكن خروجاً للمحاربة والشهادة والقتل عند عموم الناس بل كان يعرف ذلك خواصه. بل خرج إلى العراق للإمامة والرئاسة الدينية الكلية الإلهية ، ولم يجب على الناس حينئذ متابعته واللحوق به لحفظ

وجوده والشهادة معه .

نعم، بعد ظهور علائم الحرب والجدال والجهاد والقتل والشهادة يجب [المبادرة ] على كل من يمكنه الوصول إليه واللحوق به ، على ما دلت الأخبار من

قوله عليه السلام «كل من سمع و اعيتَنا ولم يجبنا أكبَّه اللهُ على النار» ، وحكم به العقل أيضاً .

و هذا عذر وجيه لكل من لم يدرك الشهادة ولم يلحق به عليه السلام من أكابر الصحابة و أجلائهم ، ككميل وعبد الله بن جعفر وجلّ بني هاشم فتأمل فإن هذا دقيق.

الكتاب الخامس :

ما كتبه عليه السلام جواباً لعمرو بن سعيد والي مكة من قبل يزيد .

قال الطبري (1): قال أبو مخنف : حدثني الحارث بن كعب الوالبي عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال : لما خرجنا من مكة كتب عبدالله بن جعفر بن أبي طالب إلى الحسين بن علي مع ابنيه عون ومحمد :

«أما بعد ، فإني أسألك بالله لما انصرفتَ حين تنظر في كتابي، فإني مُشْفِق عليك من الوجه الذي توجه له أن يكون فيه هلاكُك واستئصالُ أهل بيتك ، إن هلكت اليوم طفىء نورُ الأرض، فإنك عَلَم المهتدين ورجاء المؤمنين ، فلا تعجل بالسير ، فإني في أثر الكتاب . والسلام».

قال : وقام عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد بن العاص فكلمه وقال : أكتب إلى الحسين كتاباً تجعل له فيه الأمان وتمنيه فيه البَّر والصلة ، وتوثق له في كتابك وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع . فقال عمرو بن سعيد : اكتب ما شئت وأتني به حتى أختمه ، فكتب عبد الله بن جعفر الكتاب ثم أتى به إلى عمرو بن سعيد ، فقال له : اختمه وابعث به مع أخيك يحيى بن سعيد فإنه أحرى أن


1) (1) تاريخ الطبري 387/5.

تطمئن نفسه إليه ويعلم أنه الجِدّ منك ، ففعل . وكان عمرو بن سعيد عاملَ يزيد بن معاوية على مكة .

قال : فلحقه يحيى وعبد الله بن جعفر ، ثم انصرفا بعد أن أقرأه يحيى الكتاب فقالا : أقرأناه الكتاب وجهدنا به ، وكان مما اعتذر به إلينا أن قال : إني رأيت رؤياً فيها رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأمرتُ فيها بأمر أنا ماضٍ له علي كان أولى . فقالا له : فما تلك الرؤيا ؟ قال : ما حَدَّثْتُ بها أحداً وما أنا محدثٌ بها حتى ألقى ربي .

قال : وكان كتاب عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي :

«بسم الله الرحمن الرحيم. من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي، أما بعد فإني أسأل اللهَ أن يصرفَك عما يُوبِقُك وأن يهديك لما يرشدُك ، بلغني أنك قد توجهتَ إلى العراق وإني أعيذك بالله من الشقاق ، فإني أخاف عليك فيه الهلاك ، وقد بعثتُ إليك عبد الله بن جعفر ويحيى بن سعيد ، فأقبل إلي معهما ، فإن لك عندي الأمان والصلة والبر وحسن الجوار لك، الله عليَّ بذلك شهيدٌ وكفيلٌ ومراعٍ ووكيلٌ . والسلام عليك».

قال : وكتب إليه الحسين عليه السلام :

«أما بعد، فإنه لم يشاقق اللهَ ورسولَه من دعا إلى الله عز وجل وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين (1)، وقد دعوتَ إلى الأمان والبر والصلة فخير الأمان أمانُ الله ، ولن يؤمنَ اللهُ يوم القيامة من لم يَخَفه في الدنيا ، فنسأل اللهَ مخافةً في الدنيا

توجب لنا أمانَه يوم القيامة ، فإن كنتَ نويتَ بالكتاب صلتي وبري فجُزيتَ خيراً في الدنيا والآخرة . والسلام».


1) (1) اقتباس من سورة فصلت : 33.

الكتاب السادس :

ما كتبه عليه السلام من بطن الرُّمة (1)إلى وجوه أهل الكوفة :

« بسم الله الرحمن الرحيم . من الحسين بن علي إلى وجوه إخوانه المؤمنين والمسلمين ، سلام عليكم ، فإني أحمَد إليكم اللهَ الذي لا إله إلا هو ، أما بعد فإن کتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبر فيه بحسن رأيكم وإجماع ملأكم على نصرنا والطلب بحقنا، فسألت اللهَ أن يُحسنَ لنا الصنيع و أن يصيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصتُ إليكم من مكةَ يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية ، فإذا قدم عليكم رسولي فَانْكيشُوا في أمركم وجدُّوا ، فإني قادم عليكم في أيامي هذه ، والسلام عليكم» (2)

(بیان):

نذكر في ترجمة عبد الله بن يَقْطُر وقيس بن مسهر الصيداوي أنه عليه السلام بعثهما وأرسل أحدهما إلى مسلم والآخر إلى أهل الكوفة فأخذا وقتلا.

قوله عليه السلام «شخصتُ» ، من شَخَصَ من البلد أي ذهب وسار .

قوله « فانكمشوا». في المجمع : إنكَمَش في هذا الأمر أي شمّر وجدّ (3).

الكتاب السابع :

ما كتبه عليه السلام من كربلاء إلى محمد بن الحنفية .


1) (1) الرمة : قاع عظيم بنجد تنصبّ فيه أو دية ، وهي طويلة عريضة تكون مسيرة يوم، أكبر واد بنجد وتعتبر أول حدودها . معجم البلدان 72/3.

2) (2) نفس المهموم ص 176 .

3) (3) مجمع البحرين 72/4.

روی محمد بن قولويه في كامل الزيارات : قال محمد بن عمرو : حدثني كرام بن عبد الكريم بن عمرو عن ميسرة بن عبد العزيز عن أبي جعفر عليه السلام قال : كتب الحسين بن علي عليه السلام إلى محمد بن علي ومن قِبَله من بني هاشم من كربلاء:

« بسم الله الرحمن الرحيم . من الحسين بن علي إلى محمد بن علي ومن قِبَله من بني هاشم ، أما بعد فكأنَّ الدنيا لم تكن وكأنَّ الآخرة لم تَزُل . والسلام(1).

(بیان):

متن الرواية على ما في جملة من الكتب المعتبرة ما ذكرناه ، إلا أنه في المنتخب وكأنه نقل بالمعنى أو أنه أراد شرح الحديث ومزجه بما فسر قال : إن الحسين عليه السلام لما وصل كربلاء كتب إلى أخيه محمد بن الحنفية : « من الحسين إلى محمد بن علي ومن عنده من ولد هاشم، فاعلموا أنا تركنا الحياةَ وقررنا أنفسنا على الشهادة وقررنا الدنيا كأن لم تكن أبداً والدار الباقي إلا اسم هو الآخرة ، واخترنا الآخرة على الدنيا . والسلام». ونعم ما شرح وفسر .

سئل بهلول : متى آخر الدنيا ؟ قال : حين أموت .

قوله عليه السلام « قِبَله » . بكسر القاف وفتح الباء بمعنى عنده ، يقال لي قِبَلُ فلان دَيْن أي عنده.


1) (1) كامل الزيارات ص 24 .

الباب الثالث : ( في بعض كلماته عليه السلام )

(وأجوبته عمن سأله أو تعرض له أو اعترض عليه )

فمنها : ما ذكره كلُّ من تعرض لمقتله عليه السلام من العامة والخاصة باختلاف يسير ، و نحن نذكر ما ذكره الطبري ونشير إلى مواضع الاختلاف زيادة أو نقيصة (1).

قال الطبري : وأما الحسين عليه السلام خرج ببنيه وإخوته وبني أخيه وجل اهل بيته ، إلا محمد بن الحنفية فإنه قال له : يا أخي أنت أحب الناس إليَّ وأعزهم عليَّ ولست أدخر النصيحة لأحد من الخلق أحق بها منك ، تَنَحّ بِتَبِعَتِك عن يزيد بن معاوية عن الأمصار ما استطعت ، ثم ابعث رسلَك إلى الناس فادعهم إلى نفسك ، فإن بايعوكَ حمدتَ الله على ذلك ، وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلَك ولا يذهب بذلك مروءَتك ولا فضلَك ، إني أخاف أن تدخل مصراً من هذه الأمصار فتأتيَ جماعةً من الناس فيختلفون بينهم ، فمنهم طائفة معك وأخرى عليك ، فيقتتلون فتكون لأول الأسِنَّة ، فإذا خيرُ هذه الأمة كلها نفساً وأباً وأماً أضيعُها دماً وأذلها أهلاً .


1) (1) تاريخ الطبري 341/5 ، بحار الأنوار 329/44 ، مقتل أبي مخنف ص 22، الارشاد للمفيد ص 183.

قال له الحسين عليه السلام : إني ذاهب يا أخي .

قال له محمد بن الحنفية : فانزل مكة ، فإن اطمأنت بك الدار فسبيلٌ ذلك ، وإن نَبَتْ بك (1)لحقت بالرمال وشَعَفِ الجبال (2)وخرجت من بلد إلى بلد حتى تنظرَ إلى ما يصير أمرُ الناس وتعرفَ عند ذلك الرأي، فإنك أصوب ما تكون رأياً وأحزمَه عملاً حين تستقبل الأمور استقبالاً ، ولا تكون الأمورُ عليك أبداً أشكلَ منها حين تستدبرها استدباراً.

و في البحار (3)عن محمد بن أبي طالب بعد قوله « وليس أحد أحق بها منك»: لأنك مزاجُ مائي ونفسي وروحي وبصري وكبير أهل بيتي ومن وجبت طاعته على عنقي ، لأن الله قد شرفك عليَّ وجعلك من سادات أهل الجنة .

و بعد قوله « فإن اطمأنت بك الدار فذلك»: وإن تكن الأخرى خرجت إلى بلاد اليمن ، فإنهم أنصارُ جدك وأبيك وهم أرأف الناس وأرقهم قلوباً وأوسع الناس بلاداً ، فإن اطمأنت بك الدار وإلا لحقت بالرمال وشعوب الجبال وجزت من بلد إلى بلد حتى تنظر ما يؤول إليه أمرُ الناس ويحكم اللهُ بيننا وبين القوم الفاسقين.

قال : فقال الحسين عليه السلام: يا أخي والله لو لم يكن في الدنيا ملجأ ولا مأوى لما بايعتُ يزيدَ بن معاوية . فقطع محمد بن الحنفية كلامه وبكي، فبكى الحسين عليه السلام معه ساعة . و في رواية : حتى ابتلت لحيتهما .


1) (1) نبت بتقديم النون الموحدة ، من نَبَتْ به الدارُ : أي لم يوافقه وأصله من عدم الاستقرار بالمكان .

2) (2) أي رؤوس الجبال .

3) (3) بحار الأنوار 329/44 .

فقال له الحسين : يا أخي جزاك اللهُ خيراً ، فقد نصحتَ وأشرتَ بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكة، وقد تهيأت لذلك أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأبي ، وأما أنت يا أخي فما عليك أن تقيم بالمدينة فتكون عيناً لي عليهم لا تخفي عني شيئاً من أمورهم.

ثم دعا الحسين عليه السلام بدواة وبياض وكتب وصيةً لأخيه تأتي في باب وصاياه .

ومنها : ما في اللهوف وغيره (1)قالوا :

وأصبح الحسينُ عليه السلام فخرج من منزله ليسمع الأخبار ، فلقيه مروان فقال له : يا أبا عبدالله إني لك ناصح أمين فأطعني تُرشَد . فقال الحسين : وما ذاك ؟

فقال مروان : إني آمرك ببيعة يزيد ، فإنه خير لك في دينك ودنياك .

فقال الحسين عليه السلام: إنا لله وإنا إليه راجعون، على الإسلام السلام، اذ قد بُلِيَت الأمةُ براعٍ مثل يزيد، ولقد سمعتُ جدي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول : الخلافةُ محرَّمة على آل أبي سفيان . وطال الحديث بينه وبين مروان حتى انصرف مروان وهو غضبان .

(بیان ) :

قوله عليه السلام «وعلى الإسلام السلام». أحسن كلمة وأبلغها يسوقها على مقتضى المقام والحال وكأنه روحي له الفداء أول من تكلم بها . والمراد بالسلام التحية في مقام التوديع ، فهو سلام التوديع على ما هو المرسوم ، فالمعنى


1) (1) اللهوف ص 10 .

نودع الإسلام إذا كان يزيد والي المسلمين .

فيا ذلَّةَ الإسلام من بعد عزه إذا كان والي المسلمين يزيدُ

و منها : ما ذكره في اللهوف وغيره (1)، قال السيد :

و روى أبو جعفر (2)محمد بن جرير الطبري الإمامي في كتاب دلائل الإمامة قال : حدثنا أبو محمد سفيان بن وكيع ، عن أبيه وكيع ، عن الأعمش ، قال : قال لي أبو محمد الواقدي وزرارة بن جلح: لقينا حسين بن علي عليه السلام قبل أن يخرج إلى العراق بثلاث ليال- وفي بعض الروايات بثلاثة أيام- فأخبرناه بضعف الناس بالكوفة وأن قلوبهم معه وسيوفهم عليه ، فأومأ بيده إلى السماء، ففتحت أبواب السماء ونزلت من الملائكة عدد لا يحصيهم إلا الله عز وجل، فقال عليه السلام : لولا تقاربُ الأشياء وحبوطُ الأجر لقاتلُتهم بهؤلاء ، ولكن أعلم علماً أن من هناك مصعدي وهناك مصرع أصحابي ، لا ينجو منهم إلا ولدي علي .

(بیان):

متن الحديث مضطرب غاية الاضطراب لاختلاف النسخ والكتب في نقله، ففي بعضها ليس لفظ «معه» بعد كلمة قلوبهم، وفي بعضها «تقارن الاشياء» بدل تقارب الأشياء وفي بعضها تفاوت الأشياء ، وفي بعضها «الآجال» بدل الأشياء ، وفي بعضها «حبوط» بالحاء بدل الهبوط بالهاء المهملة ، وفي بعضها «قابلتهم» بدل قاتلتهم، وفي بعضها «أعلم علماً يقيناً»، وفي بعضها «مصرعي» بدل


1) (1) اللهوف ص 26 ، بحار الأنوار 74/45 .

2) (2) دلائل الإمامة ص 182.

مصعدي ، وفي بعضها «مصارع أصحابي» بدل مصرع أصحابي .

لكن هذه الاختلافات في الألفاظ لا تضر بالمقصود ، فإن التقارب والتقارن هنا بمعنى واحد ، وكذا الحبوط والهبوط لأنهما هنا بمعنى النقص والزوال . قال بعض اللغويين : الهبط مصدر النقصان ، وهبط الزمان أي ذهب ماله ، وهبط من موضع أي انتقل ، وكذا قال في حبط : وحبط عمله أي ذهب . ولعل «قابلتهم» بدل قاتلتهم سهو من النساخ . وكذا المصرع و المصعد بمعنى واحد إلا أن في «المصعد» لطف لا يخفى.

هذا ، وإنما الشأن في معنى قوله عليه السلام تقارب الأشياء وتقارنه ، والذي أفهم - ولعله الظاهر - أن المراد أنه كما لابد في عالم الماديات والعنصريات وعالم الناسوت تقارباً وتقارناً و سنخية بين الأجزاء والأفراد والأشخاص خصوصاً في

مقام الجهاد والمقاتلة، ولم تكن هذه السنخية والتقارن والتقارب بين الملائكة والبشر ، لأن الملائكة من عالم آخر غير عالم البشر ، قال عليه السلام : لولا لزوم التقارب والتقارن والسنخية في الأشياء لقاتلتهم بهؤلاء ، إلا أن اللزوم يمنع عن ذلك ، وعليه فيهبط الأجر على القاتل والعذاب على المقتول . وعليه فقوله عليه السلام « وهبوط الأجر » من لوازم عدم التقارن .

ويحتمل أن يكون كلاماً مستقلاً، بمعنى أنه لو قاتلتهم لحبط وهبط وذهب ونقص وزال أجر الشهادة عني وعن أصحابي .

و بعبارة أخرى : لا ينبغي بل لا يجوز في حقه عليه السلام إيثار العبادة والجهاد والشهادة للغير ولو كان الغير ملكاً ، وقد نطقت الأخبار بكراهة إيثار العبادة للغير بل عدم جوازه ، خصوصاً إذا كان واجباً .

و أما على رواية « تقارب الآجال » فالظاهر أنه عليه السلام أخبرهم بقرب

أجله وأجل أصحابه . وعليه فلا ثمرة مهمة في قتل الملائكة أعداءه «ع» بعد ما يموت عن قرب أجله ويهبط أجر الشهادة. وهذا المعنى - وإن كان بعيداً عن مقامه عليه السلام - إلا أنه يؤيده قوله « وإني أعلم علماً يقيناً » - الخ .

و أما ما في بعض الروايات « لولا تفاوت الأشياء أو الآجال » لم أفهم له معنىً صحيحاً مستقلاً ، إلا أنه يرجع بعناية إلى ما ذكرنا ، ولعله من سهو النساخ .

و على ما ذكرنا يظهر ما ذكره في البحار (1)، قال : قوله «لولا تقارب الأشياء» أي قرب الآجال وإناطة الأشياء بالأسباب بحسب المصالح ، أو أنه يصير سبباً لتقارب الفرج وغلبة أهل الحق ولما يأت أوانه . وفي بعض النسخ « لولا تفاوت الأشياء » أي في الفضل والثواب . انتهى كلامه رفع مقامه .

و أنت خبير بما فيه . فليتأمل .

و منها : ما ذكره شيخنا المفيد باسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام (2)قال : لما سار أبو عبد الله [ الحسين ] عليه السلام من المدينة لَقِيَتْه أفواجٌ من

عبدالله المسوَّمين في أيديهم الحِرَاب على نُجُبٍ من نجب الجنة ، فسلموا عليه وقالوا: يا حجةَ الله على خلقه بعد جده وأبيه و أخيه إن الله سبحانه أيَّد جدَك بنا في مواطن كثيرة ، وإن الله تعالى أيَّدك بنا ، فقال لهم : الموعد حفرتي وبقعتي التي أستشهد فيها وهي كربلاء ، فإذا وردتها فأتوني. فقالوا : يا حجة الله مرنا نسمع ونطيع ، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك . فقال : لا سبيل لهم عليّ ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي .


1) (1) بحار الأنوار 74/45.

2) (2) الارشاد ص 187.

(بیان):

«المسوَّمين من الملائكة» أي معلَّمين بعلامة يُعرفون بها في الحرب - قاله في المجمع.

قوله «الحِرَاب» . جمع الحربة ، وهي آلة للحرب من الحديد قصيرة محدَّدة.

ثم إن الظاهر بل الصريح من المفيد وجمع من المحدثين أن ملاقاة الملائكة ومؤمني الجن له عليه السلام عند خروجه من المدينة إلى العراق . والظاهر من جمع أنه كان عند خروجه من مكة إلى المدينة . والأول هو الأصح ، ويظهر ذلك لمن تأمل في متن الرواية . فليتأمل .

و منها : ما رواه في اللهوف والبحار (1)بل ذكره جلّ المؤرخين والمحدثين : أنه قد أتى الحسين عليه السلام أفواج من مؤمني الجن فقالوا : يا سيدنا نحن شيعتك وأنصارك فمرنا بأمرك ما تشاء ، فلو أمرتنا بقتل كل عدوّلك وأنت بمكانك لكفاك ذلك.

فجزَّاهم الحسين خيراً وقال لهم : أوما قرأتم كتاب الله المنزل على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله ( أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُم في بُرُوْجِ مُشَيَّدةٍ ) (2)وقال سبحانه (لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ) (3)، وإذا أقمتُ بمكانى فماذا يُبتلى هذا الخلق الَمتعوس وبماذا يُختبرون ، ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء، وقد اختارها الله لي يوم دَحَى الأرض وجعلها مَعْقِلاً لشيعتنا ويكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة ، ولكن تحضرون يوم السبت وهو يوم


1) (1) اللهوف ص 29 ، بحار الأنوار 331/44 .

2) (2) سورة النساء : 78.

3) (3) سورة آل عمران : 154 .

عاشوراء الذي آخره أقتل ولا يبقى بعدي مطلوبٌ من أهلي ونسبي وإخوتي و أهل بيتي ويسار رأسي إلى يزيد .

فقال الجن: نحن والله يا حبيبَ الله وابن حبيبه لولا أنَّ أمرك طاعة وأنه لا يجوز لنا مخالفتك ، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك.

فقال عليه السلام لهم : نحن واللهِ أقْدَرُ عليهم منكم ، ولكن ليَهلِكَ من هَلَك عن بَيِّنةٍ ويَحْيَى من حيَّ عن بَيْنَة (1).

(بیان):

«الَمنعوس» من تَعِس من باب نفع ومن باب تَعِب : إذا عثر وانكبَّ على وجهه . و « التَنَكُّس»: أن يُجرَّ على رأسه . ويقال تَعْساً لهم أي عثاراً وسقوطاً . وتَعْساً له أي ألزمه الله هلاكاً ، التَعَس الهلاك والعثور والسقوط والشر والبعد والانحطاط (2)- قاله في المجمع .

و في بعض النسخ « المتعوُس » من عَوَّس بالتشديد ، وهو غلط أو اشتباه من الناسخ . وقد يقرأ « الَمنعوس» بالنون من النعاس، وهو كناية عن نومهم وعدم شعورهم وهم نائمون.

و الظاهر أن المراد بالخلق المتعوس ليس خصوص أهل الكوفة ، كما قد يتبادر إلى الذهن بدواً ، ولا خصوص أهل زمانه عليه السلام ، بل كل الناس من زمانه وبعد زمانه إلى يوم القيامة كما هو شأنه وشأن كل إمام من قبله ومن بعده ، لأنهم عليهم السلام هم الباب الذي يُبتلى به الناسُ كما في الزيارة المأثورة (3)ونطقت به


1) (1) مقتبس من سورة الأنفال : 42 .

2) (2) مجمع البحرين 292/1.

3) (3) يريد الزيارة الجامعة ، فإن هذه الجملة وردت فيها .

الأخبار الواردة في باب الإمامة ومعرفة الإمام ، وشهد بذلك العقل والنقل، ويؤيده ذيل الرواية .

و أما ابتلاء أهل الكوفة وامتحانهم واختبارهم به عليه السلام ،فواضح ، لأنهم بعد ما عرفوا أنه ابن بنت نبيهم ولا ذنب له عندهم ، وبعد تأكيد الحجة عليهم و تبليغهم ، فعلوا به ما فعلوا تقرُّباً ليزيدَ بن معاوية ، واستحوذ عليهم الشيطانُ فأنساهم ذكرَ الله ، فهلكوا عن بيّنة ، كما أن أصحابه رضوان الله عليهم نصروه عن بصيرة فنجوا عن بيّنة وبلغوا بذلك أعلى منازل المقربين وأرفع درجات المرسلين حيث لا يلحقهم لا حق ولا يسبقهم سابق (1)

و أما امتحان الناس وابتلاؤهم واختبارهم به عليه السلام، فإنه بعدما بذل مهجتَه ونفسَه وأولادَه وعيالَه وإخوانَه وأهلَ بيته وأصحابه وأموالَه وجاهَه ورئاسته في إبقاء التوحيد و توابع التوحيد وحفظ القرآن وتشييد دين جده وإبقاء أحكامه وسننه وفرائضه يكون امتحاناً وابتلاءً واختباراً لكل مَنْ بعده بأنه يمكن بل يلزم بل يجب على كل أحد أن يجتهدَ في إبقاء التوحيد وتوابع التوحيد و حفظ نواميس الشريعة ويبذل ماله ونفسه و رياسته وكل ما يتعلق به ، فلا يعتذر أحد بأعذار الجهال والمتمردين ، إذ لا عذر بعد الإمكان بل الوقوع .

نعم، قد ذكروا في الفقه شرائطَ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لكنه بالنسبة إلى فرع من فروع الدين بالنسبة لواحد واحد من الناس ، ولكن لو كان أصل الدين متزلزلاً وأركانه متضعضعة لا شرط له والناس كلُّهم هالكون إلا العالمون ، والعالمون كلهم هالكون إلا العاملون ، والعاملون هالكون إلا المخلصون ،


1) (1) اقتباس من الزيارة الجامعة الكبيرة.

والمخلصون في خطر عظيم . وعند ذلك من سلك مسلَكه عليه السلام ونهج منهجَه فاز ونجى عن بَيِّنة ، ومن تخلف واستحوذ عليه الشيطانُ هلك عن بيّنة .

و هنا وجوه أخر لمعنى الابتلاء والامتحان يدركها الأقلون.

قوله « ومَعْقِلاً» . الَمعقل بفتح الميم وكسر القاف قريب من الحصن، ويُطلق على الملجأ .

قوله « لهم أماناً في الدنيا». وفي أخبار الفتن وأحاديث الملاحم ما يدل على ذلك ، وبه روايات وأحاديث تذكر في باب فضيلة أرض كربلا.

قوله «يوم السبت». سيأتي أن يوم عاشورا يوم الخميس أو الجمعة أو السبت ، واختلاف الروايات والجمع بينها .

قوله « الذي في آخره أقتل». سيأتي الجمع بين هذه الرواية وما يدل على أنه قتل بعد صلاة الظهر أو العصر .

وفي رواية السيد في اللهوف (1)زيادة بعد قوله «شيعتنا ومحبينا»: تُقبل أعمالُهم وصلواتُهم ويُجاب دعاؤهم وتسكن شيعتنا فتكون لهم أماناً في الدنيا والآخرة- إلى آخره . ولعله سقط من قلم النساخ .

و منها : ما ذكره السيد وغيره . قال في اللهوف (2): ورويتُ من كتاب أصل لأحمد بن الحسين بن عمر بن بريدة الثقة وعلى الأصل أنه كان لمحمد بن داود القمي ، بالاسناد عن أبي عبد الله عليه السلام قال : سار - وفي النسخة جاء-محمد بن الحنفية إلى الحسين عليه السلام في الليلة التي أراد الخروج في صبيحتها عن


1) (1) اللهوف ص 29 .

2) (2) اللهوف ص 27 .

مكة ، فقال : يا أخي إن أهل الكوفة مَنْ قد عرفت غدرَهم بأبيك وأخيك ، وقد خفتُ أن يكون حالُك كحال من مضى، فإن رأيتَ أن تقيم فإنك أعز مَنْ في الحرم وأمنعه .

فقال : يا أخي قد خفتُ أن يغتالني يزيد بن معاوية في الحرم فأكون الذي يُستباح به حرمة هذا البيت .

فقال له ابن الحنفية : فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البر ، فإنك أمنع الناس به ولا يُقدر عليك .

فقال عليه السلام أنظر فيما قلتَ. فلما كان في السحر ارتحل الحسين عليه السلام فبلغ ذلك ابنَ الحنفية ، فأتاه فأخذ زمام ناقته التي ركبها ، فقال له : يا أخي ألم تعدني النظر فيما سألتك ؟ قال : بلى . قال : فما حداك على الخروج عاجلاً ؟ قال : أتاني رسولُ الله صلى الله عليه وآله بعد ما فارقُتك فقال : يا حسين أخرج فإن الله شاء أن يراك قتيلاً. فقال له ابنُ الحنفية : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذه الحال ؟ قال : فقال له : قد قال لي : إن الله قد شاء أن يراهن سبايا . وسلم عليه ومضى .

و في تذكرة السبط والمنتخب (1)وغيرهما : إن محمد بن الحنفية لما بلغه الخبر أن أخاه الحسين خرج من مكة يريد العراق ، كان بين يديه طَسْتُ يتوضأ ، فبكى بكاءً شديداً حتى سُمِعَ وَكْفُ دموعه في الطست مثل المطر، فبكى حتى الطست من دموعه.

وزاد في بعض المقاتل : ثم نادى واحسيناه ، واخليفة الماضين وثمالَ الباقين.


1) (1) المنتخب للطريحي ص 424 .

و في جملة من المقاتل قبل قوله عليه السلام « أنظر فيها قلت» قال : والله يا أخي لو كنتُ في جُحر هامةٍ من هوامّ الأرض لاستخرجوني منه حتى يقتلوني .

و في المنتخب وغيره : قال : يا أخي إن جدي رسولَ الله أتاني بعدما فارقتُك فضمني إلى صدره وقبَّل ما بين عينيَّ وقال لي : يا حسين يا قرة عيني أخرج إلى العراق فإن الله شاء أن يراك قتيلاً مخضباً شيبتُك بدمائك . وبعد قوله « إن الله شاء أن يراهن سبايا» مُهتَّكات في أسر الذل ، قال : وهن لا يفارقنني ما دمتُ حياً . فبكى محمد بن الحنفية بكاءً شديداً وجعل يقول : أودعتك الله يا حسين ، في دعة الله يا حسين .

(بیان ) :

قد عرفت وستعرف أن الحسين عليه السلام قد أجاب كل من اعترض أو تعرض وتكلم له في أمر المسير بجواب يناسب حاله ومقتضى الحال والمقام والمقال، فتارة يقول : إن أهل الكوفة كتبوا إليَّ كذا وكذا، وتارة يقول : فمن ذا يكون ساكن حفرتي ، وتارة : رأيت في المنام ، ولم يقل ماذا رأى ، وهكذا . ولما كان محمد بن الحنفية من أهل الفهم والدراية ومن أهل السر كشف له عن حقيقة الأمر وأجابه بما أجاب وسكت ابنُ الحنفية ، وألزم ، فإنه عليه السلام أجابه وألزمه بسر الشهادة والسبي ، وأن الله شاء وأراد القتل والسبي ( وَمَا تَشَاؤُنَ إِلا أَنْ يَشَاءَ الله)(1)

و هذا هو السر في الشهادة والسبي في الحقيقة ، لا الشفاعة وغيرها مما ذكروها في سر الشهادة ، فإن كل ما ذكروه من لوازم هذا السر وتوابعه، فإنه عليه السلام


1) (1) سورة الإنسان : 30.

ما قتل إلا أن الله شاء أن يراه قتيلاً ، وما سُبي أهلهُ إلا أن الله شاء أن يراهن سبايا .

وكم فرق بين القول بأن الله شاء قتلك ، أو شاء أن تكون قتيلاً ، وبين شاء الله أن يراك قتيلاً ، وشاء الله أن يراهن سبايا . لا تدركه الأوهام ، ولا تحيط به الفكر ، ولا يجري به القلم ، و لعله يدرك بعض رواشحه من له لُبّ أو عقل وإدراك ولطف قريحة وذوق سليم .

ويظهر منه أيضاً مقام السبي، وأنه قرين الشهادة وعديلها ، وأنه لا يتم أمر الشهادة إلا بالسبي، وأن مقام السبايا في الفضل كمقام الأصحاب على تفاوت رتبهم وفضلهم . وقد نذكر في ترجمة القاسم بن الحسن أنه لولا أن الله أراد منهن السبي لوجب عليهن الجهاد حفظاً لوجود الإمام ، فإن الله شاء أن يراهن سبايا كما شاء الله منه ومن أصحابه القتل والشهادة . فليتأمل فإنه دقيق .

ثم المراد بالمشيئة هنا ليس نحو المشيئة في التكوينيات والموجود بالإرادة والمشيئة قبل أن يقول كن فيكون ما شاء الله كان وما لم يشألم يكن ، لا أنه شاء الله أن لم يكن ، لأن العدم شر و لا تتعلق الارادة والمشيئة بالشرور ، بل المراد بالمشيئة هنا المشيئة في أفعال العباد ، بمعنى أن الله تعالى شاء وأراد الفعل من العبد اختياراً، فإن فعل وافق الفعل مشيئة الله وإن لم يفعل علم الله أنه لا يفعل ، لا أنه لم يشأ مالا يفعل . وتمام الكلام في محله.

قوله « وَكْفُ دموعه » . الوَكْف بمعنى النزول والجريان .

و منها : ما في البحار عن بعض الكتب (1): أنه لما عزم [الحسين عليه السلام ] على الخروج من المدينة أتته أم سلمة فقالت: يا بني لا تُحزنّي بخروجك إلى


1) (1) بحار الأنوار 331/44 ، وقريب منه في المنتخب للطريحي ص 425.

العراق ، فإني قد سمعتُ جدك يقول : يُقتل ولدي الحسين بأرض العراق في أرض يقال لها كربلاء ، فقال لها : يا أماه وأنا والله أعلم ذلك ، وإني مقتول لا محالة ، وليس لي من هذا بُدُّ، وإني والله لأعرف اليومَ الذي أقتل فيه، وأعرف من يقتلني، وأعرف البقعةَ التي أدفن فيها وإني أعرف من يُقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي ، وإن أردتِ يا أماه أريك حفرتي ومضجعي. ثم أشار عليه السلام إلى جهة كربلاء ، فانخفضت الأرضُ حتى أراها مضجعَه ومدفنَه وموضع عسكره وموقفَه ومشهدَه.

فعند ذلك بكت أم سلمة بكاءً شديداً ، وسلمت أمره إلى الله تعالى ، فقال لها : يا أماه قد شاء الله عز وجل أن يراني مقتولاً مذبوحاً ظلماً وعدواناً ، وقد شاء الله أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشرَّدين وأطفالي مذبوحين مأسورين مقيدين ، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصراً ولا معيناً .

وفي رواية أخرى قالت أم سلمة رضي الله عنها : وعندي تربةٌ دفعها إليَّ جدُّك في قارورة . فقال : والله إني مقتول كذلك، وإن لم أخرج إلى العراق سيقتلونني أيضاً . ثم أخذ تربةً فجعلها في قارورة وأعطاها إياها وقال : اجعليها مع قارورة جدي ، فإذا فاضتا دماً فاعلمي أني قد قتُلت .

الباب الرابع : (في وصاياه عليه السلام)

الوصية الأولى :

ما كتبه عليه السلام لأخيه محمد بن الحنفية لما أراد الخروج من المدينة واعترضه بما مر وجوابه (1). قالوا : ثم دعا الحسين عليه السلام بدواة وبياض وكتب هذه الوصية لأخيه محمد :

«بسم الله الرحمن الرحيم . هذا ما أوصى به الحسينُ بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية، أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق ، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور ، وإني لم أخرج أشِراً ولا بَطِراً ولا مُفْسِداً ولا ظالماً ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله ، أريد أن آمر بالمعروف و أنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن ردَّ علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين . و هذه وصيتي يا أخي إليك ، وما توفيق إلا بالله عليه توكلتُ


1) (1) بحار الأنوار 329/44 .

وإليه أنيب».

قال : ثم طوى الحسينُ عليه السلام الكتابَ وختمه بخاتمه ودفعه إلى أخيه محمد، ثم ودّعه و خرج في جوف الليل.

(بیان):

أنظر كيف صَدَّر عليه السلام كتابَ وصيته بالاقرار بالتوحيد والرسالة والمبدأ والمعاد و التصديق بما جاءه على ما جاء به جده صلى الله عليه وآله ، وكأنه أخذ هذا واقتبسه من أمه الزهراء ، فإنها أول من أوصت بعد أبيها وكتبت في وصيتها شهادة أن لا إله إلا الله وأن أبيها رسول الله وأن الجنة والنار حق . وهذه السُنَّة منها سلام الله عليها جارية في محبيها وشيعتها إلى زماننا هذا.

ولا تخفى فوائد هذه الكتابة والشهادة، خصوصاً في صدر الإسلام وفي زمن التقية ومن جُهل حاله ومن بَعُد من بلاد الإسلام، ويكتبون هذه الشهادة في أكفانهم وفي الجريدتين ، و وردت به الرواية .

وسمعتُ من بعض مشائخنا أن من المؤمنين من كان يكتب هذه الشهادة في عقيق أو حجر و يوصي أن يوضع في فمه بعد موته وقد شاهدتُ ذلك أيضاً ، وكل ذلك من بركات مولاتنا الزهراء عليها السلام، وفيه فوائد أخرى في الدنيا والآخرة تركنا التفصيل فيها .

قوله عليه السلام « أشِراً » . بالشين المعجمة ، إما بكسر الشين بمعنى الفرح، أي لم أخرج للتفريح والشره . أو من أشرتُ الخشبة ووَشَرْتُها وَشْراً من باب قتل أي شققتها ، أي لم أخرج لشق عصى المسلمين .

قوله « بَطِراً». في المجمع : البَطْر هو الشق ، ويقال هو التبختر وشدة النشاط .

الوصية الثانية :

في البحار (1)عن الكليني، عن عدة من أصحابنا ، عن أحمد بن محمد ، عن علي بن الحكم، عن ابن أبي عمير، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال : إن الحسين لما صار إلى العراق استودع أم سلمة الكتب والوصية ، فلما رجع علي بن الحسين دفعتها إليه (2).

وعن الحسين بن سعيد ، عن حماد بن عيسى ، عن ربعي ، عن الفضيل قال : قال لي أبو جعفر عليه السلام : لما توجه الحسين إلى العراق دفع إلى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه واله الوصية والكتب وغير ذلك وقال لها : إذا أتاك أكبر أولادي فادفعي إليه ما دفعتُ إليك ، فلما قُتل الحسين عليه السلام أتى علي بن الحسين أمَّ سلمة فدفعت إليه كل ما أعطاها الحسين عليه السلام (3).

الوصية الثالثة :

في البحار عن الكليني، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين ، وأحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر [ الباقر ] عليه السلام قال : إن الحسين لما حضره الذي حضره دعا ابنته فاطمة الكبرى فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة ، وكان علي بن الحسين مريضاً لا يرون أنه يبقى بعده ، فلما قتل الحسين عليه السلام ورجع أهل بيته إلى المدينة فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين ، ثم صار ذلك الكتاب إلينا


1) (1) بحار الأنوار 17/46 - 20 .

2) (2) الكافي 304/1.

3) (3) عن الغيبة للطوسي ص 118.

یازیاد(1).

وفي رواية : كان علي بن الحسين مبطوناً معهم لا يرون إلا أنه ميت لما به (2).

و فيه : محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين ، عن ابن سنان ، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام مثله، الا أن فيه : وصية ظاهرة ووصية باطنة . وزيادة وهي قوله فقلت ما في ذلك الكتاب ؟ فقال : فيه والله جميع ما يحتاج إليه ولد آدم [منذ خلق الله آدم ] إلى أن تفنى الدنيا ، والله إن فيه الحدود ، حتى أن فيه أرش الخدش(3).

وفي رواية أخرى : إنه عليه السلام استدعا ابنته فاطمة الكبرى وأودع عندها صحيفة ملفوفة ووصية ظاهرة ، لأن علي بن الحسين كان فيه مرض الاسهال وكان الناس لا يظنون به الصحة في مرضه، فلما توفى من مرضه سلمته أخته الوصية والصحيفة ، وهي الآن عندنا(4)

(بیان):

قوله «ظاهرة » . أى المظهرة ، أى المختومة ظهرها بخاتمه عليه السلام (5).

و الذي يُستفاد من الأخبار الواردة في هذا الباب أن الذي استودعه عليه


1) (1) الكافي 303/1 مع اختلاف في بعض الألفاظ ، وفي بصائر الدرجات ص 148 قريب منه في صدره.

2) (2) الكافي 303/1.

3) (3) نفس المصدر.

4) (4) نفس المصدر 291/1 قريباً منه .

5) (5) في الحديث المذكور في البحار 17/46 جاءت هذه الجملة «و وصية ظاهرة ووصية باطنة»، وبها يستكشف أن المراد بالظاهرة غير المستورة وقد عرفها الناس، فتفسير المؤلف يجب أن يدقق فيه لأنه لا يوافق الجملة بهذه القرينة.

السلام عند ابنته فاطمة الكبرى هي كتاب وصيته المختص بنفسه وشخصه، والذي استودعه عند أم سلمة الوصية والكتاب ومواريث الأنبياء التي استودعها رسول الله عند أمير المؤمنين ومنه إلى الحسن ومنه إلى الحسين عليهم السلام، وقد روي في باب أن الأئمة عندهم الصحيفة التي فيها أسماء أهل الجنة وأسماء أهل النار عن كتاب بصائر الدرجات وأن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) أودع الكتاب عند سلمة ودفعته إلى أمير المؤمنين في حديث طويل (1).

و في الكتاب المذكور: عن محمد بن الحسين، عن صفوان، عن معلى بن أبي عثمان ، عن معلى بن خنيس ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال : إن الكتب كانت عند أمير المؤمنين ، فلما صار إلى العراق استودع الكتب أم سلمة ، فلما مضى كانت عند الحسن، فلما مضى الحسن كانت عند الحسين عليه السلام [فلما مضى الحسين كانت عند علي بن الحسين ، ثم كانت عند أبي ](2).

و في جملة من الأخبار : إن الحسين عليه السلام لما عزم على المسير إلى العراق أودع كتب علم أمير المؤمنين وذخائر النبوة وخصائص الإمامة عند أم سلمة ، فلما قُتل ورجع علي بن الحسين دفعتها إليه .

و في إثبات الوصية للمسعودي قال : ثم أحضر الحسين عليه السلام علي بن الحسين وكان عليلاً، فأوصى إليه بالاسم الأعظم ومواريث الأنبياء عليهم السلام ، وعرّفه أن قد دفع العلوم و الصحف والسلاح إلى أم سلمة رضي الله عنها وأمرها أن تدفع جميع ذلك إليه عليه السلام .


1) (1) :أنظر : بصائر الدرجات ص 163 .

2) (2) نفس المصدر ص 162 والزيادة منه .

وعلى ما ذكرنا فلا تنافي بين ما ورد من الإيداع عند أم سلمة والإيداع عند فاطمة . فتفطن .

ثم إن الظاهر بل المتعيَّن على ما نص عليه علماءُ الرجال : أن فاطمة هذه غير سكينة التي اسمها أمية وقد تسمى فاطمة أيضاً على ما سيأتي في ترجمتها إنشاء الله تعالى، وهل هي كانت مع أبيها في كربلاء كما صرح به بعض المؤرخين أو أنها كانت في المدينة وبقيت فيها بعد خروج أبيها من المدينة كما صرح به الآخرون ؟ المظنون بالظن المتاخم للعلم هو الثاني . وقوله «حضره ما حضر» يناسب القولين . نعم قوله « وكان علي بن الحسين مبطوناً معهم» يؤيد الأول ، إلا أن قوله «فلما توفي» وقوله « فلما قتل ورجع أهل بيته إلى المدينة فدفعت فاطمة الكتاب إلى على بن الحسين» يؤيد بل يدل على الثاني .

وتمام الكلام في هذا يأتي عند ترجمة النساء ، ويأتي أن للحسين عليه السلام بنت تُسمى فاطمة بقيت في المدينة ، وصرح المؤرخون أن يوم ورود أهل البيت إلى المدينة استقبلت أم سلمة وبيدها يد فاطمة بنت الحسين . وهل هي زوجة الحسن المثنى أو غيرها يأتي ذكر ذلك إنشاء الله تعالى في باب النساء مفصلاً. فلينتظر .

الوصية الرابعة :

ما مر عن المسعودي في كتاب إثبات الوصية قال :

ثم أحضر الحسينُ عليه السلام عليَّ بن الحسين وكان عليلاً، فأوصى إليه بالاسم الأعظم - إلى آخر ما ذكرناه وسيأتي في وقائع يوم عاشوراء زيادة على ذلك .

الوصية الخامسة :

وصيته سلام الله عليه لأخته زينب.

وسيأتي في القسم الثالث فضل زينب عليها السلام وجلالتها وعلمها وعظم خطرها وجلالة شأنها، وأن أخيها الحسين حمّلها مقداراً من ثقل الإمامة أيام مرض ولده السجاد ، و أنها أنابت السجاد في الأحكام نيابة خاصة وجملة أخرى من آثار الولاية ، وأوصى الحسين إليها وصايا كثيرة .

في إكمال الدين للصدوق وكتاب الغيبة للطوسي (1)مسنداً عن أحمد بن إبراهيم قال : دخلت على حكيمة (2)بنت محمد بن علي أخت أبي الحسن العسكري في سنة أثنتين وثمانين بعد المائتين (3)، فكلمتها من وراء الحجاب وسألتها عن دينها ، فسمّت لي من تأتم به ، ثم قالت : فلان ابن الحسن ، فسمته . فقلت لها : جعلني الله فداك معاينة أو خبراً ؟ فقالت لي : خبراً عن أبي محمد عليه السلام كتب به إلى أمه . فقلت لها : فأين المولود؟ فقالت : مستور. فقلت : إلى من تفزع الشيعة ؟ فقالت : إلى الجدة أم أبي محمد. فقلت لها : أقتدي بمن وصيته إلى المرأة ؟ فقالت : اقتداءً بالحسين بن علي بن أبي طالب، إن الحسين بن علي أوصى إلى أخته زينب بنت علي بن أبي طالب في الظاهر، وكان ما يخرج من علي بن الحسين من علم ينسب إلى زينب بنت علي تستراً على علي بن الحسين . ثم قالت: إنكم قوم أصحاب أخبار ، أما رويتم أن التاسع من ولد الحسين يقسَّم ميراثُه وهو في الحياة


1) (1) كمال الدين ص 501 ، الغيبة للطوسي ص 138.

2) (2) في الغيبة «خديجة » ، وكذا في إثبات الوصية كما في الحديث الآتي.

3) (3) في الغيبة «اثنتين وستين » .

-الحدیث.

و عن المسعودي في إثبات الوصية قال : عن خديجة بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن العسكري عليه السلام أنه - أي الحسين - أوصى إلى أخته زينب بنت علي عليه السلام في الظاهر ، فكان ما يخرج من علي بن الحسين عليه السلام في زمانه من علم ينسب إلى زينب بنت علي ستراً على علي بن الحسين وتقية واتقاءً عليه .

الوصية السادسة :

ما نقله ورواه جلّ المحدثين والمؤرخين من العامة والخاصة باختلاف يسير زيادة ونقيصة و ألفاظاً وعبارة ، وكأنهم نقلوها بالمعنى ، إلا أن جلا منهم ذكروها في ليلة عاشوراء وجملة منهم نقلها يوم وروده عليه السلام بكربلا في يوم عاشوراء في أن القتال.

فإن لسان المؤرخين بعد ذكر هذه الوصية يوم وروده عليه السلام إلى كربلا: روى عن زينب أنها قالت: كنت واقفةً بباب الخيمة أنظر إلى المعركة فإذا بأخي الحسين قد أقبل ، قد خلتُ الخيمة فتوجه إلى فقال : يا زينب . فقلت : لبيك . وقال : يا فاطمة ويا سكينة ويا رقية . فحضرن وقلن : ما حاجتك ؟ فقال عليه السلام : فإني أوصيكن إذا أنا قتلت-إلى آخر ما سنذكره .

و الأصح ما ذكره الأكثر ، ونذكر ما ذكره الشيخ والطبري عن أبي مخنف ونشير إلى مواضع الاختلاف ، واللفظ لأبي مخنف (1).


1) (1) تاريخ الطبري 420/5 ، مقتل أبي مخنف ص 76 ، الارشاد للمفيد ص 215 ، اللهوف ص 35 .

قال الطبري : قال أبو مخنف : حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك ، عن علي بن الحسين بن علي قال : إني جالس في تلك العشية التي قُتل أبي صبيحتَها وعمتي زينب عندي تمرّضني، إذ اعتزل أبي بأصحابه في خباء له وعنده حُوَيّ مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفَه ويصلحه وأبي يقول :

يا دهرُ أفٍّ لكَ من خليلِ كم لك بالإشراق و الأصيلِ

من صاحِب أو طالب قتيلِ والدهرُ لا يقنع بالبديلِ

وإنما الأمر إلى الجليلِ وكلُّ حى سالك السبيلِ (1)

قال : فأعادها مرتين أو ثلاثاً حتى فهمتُها ، فعرفت ما أراد ، فخنقتني عبرتي فرددتُ دمعي ولزمت السكون، فعلمتُ أن البلاء قد نزل، فأما عمتي فإنها سمعت ما سمعتُ ، و هي امرأة وفي النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسَها أن وثبت تجرُّ ثوبَها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه ، فقالت : واثكلاه ، ليت الموت أعدمني الحياةَ، اليوم ماتت فاطمة أمي وعلي أبي وحسن أخي ، يا خليفة الماضي وثمال الباقي .

قال : فنظر إليها الحسين عليه السلام فقال : أخَيَّة لا يُذهبّن حلمَك الشيطانُ . قالت : بأبي أنت وأمي يا أبا عبد الله إستقتلتَ نفسي فداك . فردّ غصته وترقرقت عيناه وقال : لو تُرك القَطَاً ليلاً لنام . فقالت : يا ويلتى أفتَعْتَصِبُ نفسَك اغتصاباً ، فذلك أقرح لقلبي وأشدّ على نفسي . و لطمت وجهَها وأهوت إلى جَيْبها وشقته وخرت مغشياً عليها .

فقام إليها الحسين عليه السلام فصب على وجهها الماء وقال لها : يا أخيَّة اتقي الله وتعزي بعزاء الله ، واعلمي أن أهلَ الأرض يموتون وأن أهل السماء لا يبقون ،


1) (1) في بعض المصادر «سالك سبيلي».

وأن كلَّ شيء هالك إلا وجه الله الذي خلق الأرضَ بقدرته ويبعث الخلقَ فيعودون ، وهو فردٌ وحدَه، أبي خير مني وأمي خير مني وأخي خير مني ، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسْوَةٌ .

قال : فعزّاها بهذا ونحوه وقال لها : يا أخية إني أقسم عليك فأبري قسمي ، لا تَشُقی عليَّ جيباً ولا تَخمِشي علىَّ وجهاً ولا تدعي عليَّ بالويل والثُّبور إذا أنا هلكت .

قال : ثم جاء بها حتى أجلسها عندي وخرج إلى أصحابه. انتهى ما في الطبري والإرشاد .

وقال السيد في اللهوف (1)في يوم وروده عليه السلام بكربلاء : ثم نزل عن فرسه وأنشأ يقول « يا دهر» إلى آخر الأبيات بعينها وزيادة . ثم قال : قال علي بن الحسين: وجعل يردّد هذه الأبيات فحفظُتها منه وخنقتني العبرة ولزمت السكوت حسب طاقتي ، وأما عمتي - إلى آخر ما مر . ويمكن توجيه كلامه رضي الله عنه بما يرجع إلى كلام الشيخ (2)وأبي مخنف . فتأمل .

(بیان):

قوله « وعنده حُوَيّ» . بالحاء المضمومة والواو المفتوحة والياء المشددة. ونذكر في ترجمته اختلاف النسخ في ضبطه، والمشهور جَوْن بالجيم المفتوحة والواو الساكنة ثم النون. والظاهر من الروايات بل صريحها أن المصلح لسيفه عليه السلام هو جون وكان عالماً باصلاح السلاح.

قوله « وأبي يقول». نسب هذه الأبيات ابن أبي الحديد في شرح النهج إلى


1) (1) أنظر ص 35 .

2) (2) يريد الشيخ المفيد .

بعض الشعراء الماضين ، وذكر أن جماعةً سماهم بأسمائهم قرأوا هذه الأبيات عند ظهور قتلهم وموتهم، ثم قال : إن زينب عليها السلام كانت عالمة بالتاريخ وأن الأبيات تُقرأ عند ظهور القتل وتفرّست بأن أخيها مقتول لا محالة .

قوله « أفٍّ » . اسم فعل بمعنى أتضجر .

قوله « بالإشراق والأصيل». الإشراق مصدر، من أشرقت الشمسُ إذا طلعت . و الأصيل كأمير ما بين المغرب والعشاء . وفي بعض النسخ «بالأشراف» بالفاء جمع شريف، وفي المجمع: وجمع الشريف شرفاء وأشراف - انتهى. والأصيل صفة مشبهة ، أي ذو أصل . و الأول لعله الأصح والأنسب .

قوله «من صاحب أو طالب قتيل». في بعض النسخ : من طالب بحقه قتيل . قوله «وكل حي سالك السبيل». في بعض النسخ : سالك سبيلي . والأول هو الأصح و الأفصح . وفي رواية اللهوف زيادة ، وهو قوله:

ما أقرب الوعد من الرحيلِ سبحان ربي ما له مثيل(1)

قوله « وقال يا أخية». في رواية اللهوف وغيره زيادة : وقرة عيني .

قوله « وإنها لحاسرة». من حَسَرت المرأةُ عن ذراعيها من باب نصر كشفتها. وليست هذه الكلمة في رواية اللهوف ولا في غيره . نعم في جلاء العيون للمجلسي «حافية» بدل حاسرة ، وهو الصحيح والأنسب مع كون جون في الخيمة . ولعل الحاسرة تصحيف الحافية أو سهو من النساخ . فتدبر.

قوله «ليت الموتُ أعْدَمَني الحياة». فيه من الفصاحة والبلاغة ما لا يخفى،


1) (1) في البيت على هذه الرواية «إقواء». وبدله في اللهوف المطبوع : « إلى جنانٍ وإلى مقيل » . والرواية لأصح. هي : «سبحانه جَلَّ عن المثيل»، كما في مقتل الحسين عليه السلام للخوارزمي 338/1.

ويُستفاد منه أن الموت والحياة أمران وجوديان متضادان ، قال الله تعالى ( تَبَارَكَ الَّذي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ )(1)ضرورة عدم تعلق القدرة والخلق بالأمر العدمي المحض، فما يقال : إن الموت هو عدم الحياة. كلام على خلاف التحقيق. وتمام الكلام في باب الاستصحاب من أصول الفقه .

قوله « يا خليفةَ الماضي وثِمالَ الباقي». في النسخ المصححة : يا خليفة الماضين وشمال الباقين، وفي غير مورد مثل الأخير، ولكل منهما وجه، ولعل الأخير أحسن وأنسب. فتدبر .

و في المجمع : الثَمِال ككتاب : الغياث والذي يقوم بأمر قومه ، يقال فلان ثِمال قومه أي غياث لهم . وفي بعض النسخ «وجمال الباقين » بدل ثمال .

قوله «يا أخيّة». تصغير أخت للشفقة والمحبة، ونذكر في ترجمة علي بن الحسين ما يوضح ذلك .

قوله «استقتلت». هكذا في النسخ الموجودة عندنا من تاريخ الطبري وإرشاد المفيد، وليس في غيرهما مما بأيدينا من الكتب هذه الكلمة ، والصحيح أتُقتل أو أفتقتل.

قوله « لو تُرك القطاً ليلاً لنام». هذا من الأمثال ، والقطاة بالهاء بالفتح والقصر واحدة القَطا، وهو ضرب من الحمام ذوات أطواق يشبه الفاختة والقماري، وفي المثل « أهدى من القَطا» قيل : إنه يطلب الماء مسيرة عشرة أيام فيرجع ولا يخطأ طارِدَةً ولا واردة (2).


1) (1) يريد اول سورة الملك 1 - 2 وهو (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير*الذي خلق ...).

2) (2) أنظر مجمع الأمثال 174/2.

قوله « أفتَغْتصِب» . من اغتصب الشي : أخذه قهراً .

قوله « وتعزّي بعزاء الله » . العزاء كسماء بمعنى الصبر ، يقال : عزّي فلانٌ من باب علم عزاً صبر على مانابه ، فهو اسم قام مقام المصدر، أي تعزي بتعزية الله . أراد عليه السلام التصبر والتسلي عند المصيبة ، وشعاره أن نقول : « إنا لله وإنا إليه راجعون».

قوله « وأهل السماء لا يَبْقَون» . يُستفاد من قوله عليه السلام أن موت أهل السماء وقيامهم ليس كموت أهل الأرض، فإن أهل الأرض من عالم العنصر وعالم الناسوت وعالم التركيب و أهل السماء من عالم المجردات .

وقد حقق المحقق اللاهجي في شرح نهج البلاغة وبسط في الكلام على ذلك بسطاً وقال : ليس لأهل السماء العوالم البرزخية ، بل هم يتصلون من عالمهم إلى عالم القيامة . بل صرح بأن الأئمة عليهم السلام أيضاً ليس لهم العوالم البرزخية ، بل العوالم كلها عندهم عوالم عَرضية ، بخلاف سائر الناس فإن عوالمهم طولية .

و من أراد تفصيل ذلك فليرجع إليه .

و في بعض النسخ « وأهل السماء يفنون» بدل لا يبقون .

قوله « فيعودون». في بعض النسخ فنعيدهم .

قوله «أبي خيرٌ مني». وأغلب النسخ قبله : وجدي خير مني .

قوله « لي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسْوَة» . ليس في أكثر النسخ كلمة «لهم» ، ولعله سهو من النساخ .

قوله « جَيْباً » . الجيب بفتح الجيم - من القميص : طوقه .

قوله « ولا تخمِشي». في المجمع الخموش الخدوش ، وحَمَشَ وجهَه يَخْمُشِه بالضم والكسر : خدشه و لطمه وضربه وقطع عضواً منه ، وخَمَشَت المرأةُ وجهَها

بظفرها أخرجت ظاهر البشرة ، ثم أطلق الخمش على الأثر. وقال في الخدش: إنه فوق الكَدح دون الخمش ، لأن الخمش يُستعمل على معنى القطع .

و في رواية اللهوف بعد قوله « وأهل الأرض يموتون وأهل السماء يهلكون» ثم قال : يا أختاه يا أم كلثوم وأنت يا زينب وأنت يا فاطمة وأنت يا رباب أنظرن إذا أنا قُتلت فلا تَشْقَقْن علىَّ جيباً ولا تَخمِشن علىَّ وجهاً ولا تقلن هُجْراً .

(تنبيه) :

وصيته عليه السلام لأخته أم كلثوم مع كونها عالمة غير معلَّمة، وعارفة بالأحكام من الواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات ، وعالمة بأن شقَّ الجيب وخمش الوجه ولَطم الوجه والصدر وجزَّ الشعر والصراخَ بالويل والعويل والدعاءَ بالذل والثكل والحزن مكروهة بل وبعضها محرَّمة ، من باب إياك أعني واسمعي يا جارة . مع أن أغلب ما ذكر مكروه على غير الأب والأخ والقرابة ، وإنما نهاهن لعدم التشبه بعزاء الجاهلية أو مصالح أخرى يُدركها الذوق السليم .

و أما ما صدر منها عليها السلام في مجلس يزيد من شق الجيب فليس لأجل أصل المصيبة ، بل لأنها لما نظرت إلى أن يزيد في مقام اضمحلال الدين وترويج الكفر وإظهاره علناً و ابطال نتيجة الشهادة والسبي وإخفاء ما صدر من الرأس الشريف من التكلم إعجازاً ومعجزةً، قامت وشقت جيبها لتُلفتَ أنظار الحاضرين من أهل المجلس ، ثم خطبت الخطبةَ و ألجمت يزيد . وسيأتي بيان ذلك مفصلاً عند ترجمتها سلام الله عليها .

و أما ما صدر عنها في الكوفة من نطح الجبين بمقدم المحمل، فليس هذا مما نهيت عنه و ليس فيه تشبهاً بعزاء الجاهلية .

ولا يقال : إن النطح أولى بالمنع من الخدش ، لأن في الخدش والخمش في

الوجه لا خصوصية في التشبه بالجاهلية كما هو الآن معمول به في بعض الطوائف كالأكراد ، وليس في النطح وجرح الرأس بالسيف تشبهاً ، ولذاترى أن الشيعة في أيام عاشورا وغيرها عند ذكر مصائب الحسين عليه السلام لا يخدشون الوجه ولا يخمشون عملاً بوصيته عليه السلام، بل يلطمون على صدورهم ويجرحون رؤوسهم بالسيف ويسوّدون أبدانهم من اللَطم لأنه ليس فيه تشبهاً بعزاء الجاهلية الممنوع شرعاً.

وبالجملة ، ما كان تشبهاً بعزاء الجاهلية لا يجوز بل يحرم في عزاء الحسين عليه السلام وسائر الأئمة بل في كل مصائبهم ، وكلما لم يكن تشبهاً فلا مانع منه بل يُستحب بل لا أقل من الجواز ، لو لم يستلزم حراماً أو كراهةً من جهة أخرى. فتدبر.

الوصية السابعة :

ذكرها المجلسي في جلاء العيون واللسان في ناسخ التواريخ.

قال المجلسي: ثم ودَّع ثانياً أهل بيته وأمرهم بالصبر ووعدهم بالثواب والأجر وأمرهم بلبس أزرهم وقال لهم :

«استعدوا للبلاء، واعلموا أن الله حافظكم وحاميكم وسينجيكم من شر الأعداء، ويجعل عاقبة أموركم خيراً، ويعذب أعاديكم بأنواع البلاء، ويعوّضكم اللهُ عن هذه البلية بأنواع النعم والكرامة، فلا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدرَكم».

و في كتب بعض أصحابنا : إنه عليه السلام أوصى أختَه زينب في العيال والنساء و اليتامى، وأوصى لها فيا أوصى وقال «واذكريني عند صلاة الليل».

وذكره عند صلاة الليل بالبكاء أو بالدعاء أو هما معاً.

و لقد رأيت بعضَ المتهجدين أنه يذكر قبل صلاة الليل شطراً من مصائب الحسين عليه السلام ويبكي عليه ثم يشرع في صلاة الليل عملاً بهذه الوصية رحمه الله ورضي عنه .

الباب الخامس : ( في كيفية خروجه عليه السلام من المدينة إلى مكة )

اشارة

(و وقائع سفره ومنازله وما جرى عليه إلى ليلة عاشوراء )

و يذكر ذلك في فصول :

الفصل الأول

(في كيفية خروجه عليه السلام من المدينة)

اعلم أنه اتفق المحدثون والمؤرخون بل المسلمون بل كل من تعرض لتاريخ الاسلام وذكر قضية الحسين عليه السلام من المسيحيين والطبيعيين وغيرهم : أنه لم يبايع مع يزيد ولا معاوية، وإنما خرج من المدينة مع شدة أنسه وشوقه ومحبته بمجاورة قبر جده وأمه وأخيه، لابائه وامتناعه عن بيعة يزيد مع شدة إصرار مروان والوليد [ لأخذ البيعة منه ] .

خرج الحسين عليه السلام كارهاً خائفاً لا فراراً كما خرج ابن الزبير ، فإنه خرج مع أخيه و أخذ طريق البر من الفُرع (1)وهو على غير الجادة المعروفة وكان خروجه خفية وسراً، وأما الحسين عليه السلام فقد خرج مع أهله وعياله


1) (1) قرية من نواحي المدينة عن يسار السقيا ، بينها وبين المدينة ثمانية برد على طريق مكة ، وبها منبر ونخل ومياه كثيرة . أنظر : معجم البلدان 252/4.

وأخواته وأولاده وبني أخيه وبني عمه وعشيرته وغلمانه نحواً من ستين نفراً كانوا معه ، وخروجه علانية وودع الباقين، وخرجن نساء قريش على ما سيأتي عن قريب، وأخذ الجادة المعروفة وسلك متنها حتى قيل له-و القائل مسلم بن عقيل-: يا بن رسول الله لو عدلنا عن الطريق وسلكنا غير الجادة كما فعل عبد الله بن الزبير كان عندي الرأي، فإنا نخاف أن يلحقنا الطلب. فقاله له الحسين : لا والله يابن العم لا فارقت هذا الطريق أو أنظر أبيات مكة أو يقضي الله لي ما يحب ويرضى(1)

فما ذكره ابن حجر في الصواعق أنه عليه السلام فر لمكة خوفاً على نفسه (2)غلط واضح.

و أما أنه عليه السلام لم يبايع معاوية فقد صرح المؤرخون من العامة والخاصة أنه ممن لم يبايع معاوية ولم يأمره أخوه الحسن بالبيعة كما فعل بقيس بن سعد بن عبادة ، بل في بعض الروايات أنه عليه السلام قال لمعاوية : لا تأخذ أخي الحسين بالبيعة ولا تشدّد عليه فإنه لا يبايع أحداً .

وكان معاوية يحب الحسين عليه السلام ويظهر له الحب ، حتى أوصى ابنه يزيد بحفظ جانبه وعدم التعرض له مالم يتعرض هو له .

قال الجزري (3)وعليه مؤرخو العامة والخاصة ومحدثوهم : إن معاوية دعى ابنه يزيد في مرضه الذي مات فيه وقال له فيما قال : إني لستُ أخاف عليك أن


1) (1) أنظر : المنتخب للطريحي ص 411 .

2) (2) :أنظر الصواعق المحرقة ص 117.

3) (3) الكامل لابن الأثير 6/4..

ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة نفر من قريش الحسين بن علي وعبدالله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر (1)

و الأصح أن معاوية لشدة حبه ليزيد على ما صرح به في وصيته - وشدة خوفه عليه من هؤلاء الأربعة أوصى بهذه الوصية مشافهةً وحضوراً ، وكتبها وأمر الضحاك ومسلماً أن يؤديا عنه رسالة وكان في الكتاب ذكر عبد الرحمن ( من المؤلف ) .

.

قالوا : إن معاوية قال فيما قال : أما الحسين بن علي فهو رجل خفيف (2)ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه ، فإن خرج وظفرتَ به فاصفح عنه، فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً و قرابة من محمد رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) - إلى آخر ما قال.

و إنما قال ذلك سياسة له ، وأنه سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله ما يكون من أمر الحسين عليه السلام.

و أما يزيد فقد خالف وصية أبيه في ذلك وكتب إلى عامله الوليد بن عتبة بالأخذ على الحسين شديداً .

قال الطبري (3): وقال هشام بن محمد عن أبي مخنف : ولي يزيد في هلال رجب سنة ستين و أمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وأمير الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري وأمير البصرة عبيد الله بن زياد وأمير مكة عمرو بن سعيد بن


1) (1) ليس في أكثر الكتب والروايات عبدالرحمن بن أبي بكر . وهو الصحيح، لأن عبدالرحمن مات قبل معاوية ، إلا أن يقال إن هذه الوصية كتبت قبل موت معاوية ، فإن الروايات مختلفة في ذلك ، ففي جملة منها أنه كتبها في زمن صحته ، وفي جملة منها أنه أوصى يزيد حضوراً ومشافهةً ، وفي بعضها أن يزيد لم يكن حاضراً عند موت أبيه بل أحضر معاوية الضحاك بن قيس ومسلم بن عقبة فأمر هما أن يؤديا عنه هذه الرسالة إلى ابنه يزيد . والكل محتمل .

2) (2) من خفيف القلب أي ذكي .

3) (3) تاريخ الطبري 338/5.

العاص ، ولم يكن ليزيد همة حين ولي إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية الإجابة إلى بيعة يزيد حين دعا الناس إلى بيعته وأنه ولي عهده من بعده والفراغ من أمرهم ، فكتب إلى الوليد كتاباً يخبره بموت أبيه وكتب إليه في صحيفة أخرى كأنها أذن فارة :

« أما بعد : فخذ حسيناً وعبدَ الله بن عمر وعبدالله بن الزبير بالبيعة أخذاً شديداً ليست فيه رخصة حتى يبايعوا . والسلام» .

قال المفيد في الارشاد (1): لما مات معاوية وذلك للنصف من رجب سنة ستين من الهجرة كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان على المدينة من قبل معاوية أن يأخذ الحسين بالبيعة له ولا يرخص له بالتأخير عن ذلك .

و في اللهوف (2): ويقول إن أبى عليك فخذ عنقه وابعث إلي برأسه.

قال أبو مخنف (3): ولما بلغ الوليد بن عتبة بن أبي سفيان نعي معاوية ، فَظِع به(4)وكبُر عليه ، فبعث إلى مروان بن الحكم فدعاه إليه - وكان الوليد يوم قدم المدينة قدمها مروان متكارهاً - فلما رأى ذلك الوليد منه شتمه عن جلسائه ، فبلغ ذلك مروان فجلِس عنه وصرمه(5)، ولم يزل كذلك حتى جاء نعيُ معاوية إلى الوليد، فلما عظم على الوليد نعىُ معاوية وما أُمر به من أخذ هؤلاء الأربعة الرهطَ بالبيعة، فزع عند ذلك إلى مروان ودعاه ، فلما قرأ عليه كتابَ يزيد استرجع


1) (1) الارشاد للمفيد ص 182.

2) (2) اللهوف ص 9.

3) (3) تاريخ الطبري 338/5.

4) (4) فظع الأمر به: اشتد هوله عليه فلم يثق بأن يطيقه .

5) (5) صرمه : هجره وانقطع عنه .

وترحَّم عليه ، واستشاره الوليد في الأمر وقال : كيف ترى أن نصنع ؟ فقال : إني أرى أن تبعث الساعةَ إلى هؤلاء النفر فتدعوهم إلى البيعة والدخول في الطاعة ، فإن فَعلوا قبلتَ منهم وكففتَ عنهم ، وإن أبوا قدمتهم وضربت أعناقهم قبل أن يعلموا بموت معاوية ، فإنهم إن علموا بموت معاوية وثبت كلُّ امرىء منهم في جانب وأظهر الخلاف والمنابذة ودعا إلى نفسه، فأما ابن عمر فإني لا أراه يرى القتال ولا يجب أن يُولَّى على الناس إلا أن يُدفع إليه هذا الأمر عفواً .

فأرسل عبدالله بن عمرو بن عثمان - وهو إذ ذاك غلام حَدَث - إلى الحسين عليه السلام وعبد الله بن الزبير يدعوهما ، فوجدهما في المسجد وهما جالسان، فأتاهما في ساعة لم يكن الوليد يجلس فيها للناس ولا يأتيانه في مثله ، فقال : أجيبا الأمير يدعوكما . فقالا له : انصرف الآن نأتيه .

ثم أقبل أحدهما على الآخر ، فقال عبد الله بن الزبير للحسين : ظُنَّ فما تراه بعث إلينا في هذه الساعة التي لم يكن يجلس للناس فيها . فقال الحسين عليه السلام : قد ظننتَ أرى طاغيَتهم قد هلك ، فبعث إلينا ليأخذنا بالبيعة قبل أن يَفْشُوَ في الناس الخبر . فقال : وأنا ما أظن غيره . قال : فما تريد أن تصنع ؟ قال عليه السلام : اُجمع فتياني الساعة ثم أمشي إليه ، فإذا بلغتُ الباب أحتبستهم عليه ثم دخلت عليه . قال : فإني أخافه عليك إذا دخلت . قال : لا آتيه إلا وأنا على الامتناع قادر .

فقام عليه السلام فجمع إليه مواليه وأهل بيته ، ثم أقبل يمشي حتى انتهى إلى باب الوليد وقال لأصحابه : إني داخل، فإن دعوتُكم أو سمعتم صوتَه قد علا فاقتحموا عليَّ بأجمعكم ، وإلا فلا تبرحوا حتى أخرج إليكم.

فدخل وسلّم عليه بالإمرة ومروان جالس عنده ، فقال حسين ، كأنه لا يظن

ما يظن من موت معاوية : الصلة خيرٌ من القطيعة ، أصلح اللهُ ذات بينكما . فلم يجيباه في هذا بشئ ، وجاء حتى جلس ، فأقرأه الوليدُ الكتابَ ونعى له معاوية ودعاه إلى البيعة ، فقال الحسين عليه السلام : إنا لله وإنا اليه راجعون، ورحم الله معاوية وعظّم لك الأجر، أما ما سألتني من البيعة فإن مثلي لا يعطي بيعته سراً ولا أراك تجتزىء بها منى سراً دون أن نُظهرَها على رؤوس الناس علانيةً . قال: أجل . قال : فإذا خرجتَ إلى الناس فدعوتهم إلى البيعة دعوتنا مع الناس فكان أمراً واحداً . فقال له الوليد-وكان يحب العافية - فانصرف على اسم الله حتى تأتينا مع جماعة الناس .

فقال له مروان : والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرتَ منه على مثلها أبداً حتى تكثر القتلى بينكم وبينه، إحبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه.

فوثب عند ذلك الحسين وقال : يا بن الزرقاء، أنت تقتلني أو هو، كذبتَ والله وأثمتَ . ثم خرج فمرّ بأصحابه، فخرجوا معه حتى أتى منزله .

فقال مروان للوليد: عصيتنى ، لا والله لا يمكّنك من مثلها من نفسه أبداً . قال الوليد: وبّخ غيرَك يا مروان، إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها وإني قتلت حسيناً، سبحان الله، أقتل حسيناً أن قال لي لا أبايع، والله إني لأظن امرءاً يُحاسَبُ بدم الحسين لخفيف الميزان عند الله يوم القيامة .

فقال له مروان : فإذا كان هذا رأيُك فقد أصبت فيما صنعت . يقول هذا له وهو غير الحامد له على رأيه .

إلى أن قال: ثم بعث [الوليد] الرجالَ إلى الحسين عليه السلام عند المساء

فقال : أصْبِحُوا ثم ترون ونرى . فكفوا عنه تلك الليلة ولم يلحوا عليه، فخرج الحسين من تحت ليلته وهي ليلة الأحد ليومين بقيتا من رجب سنة ستين ، وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة، خرج ليلة السبت فأخذ طريق الفُرْع هو وأخوه جعفر، وأما الحسين خرج ببنيه واخوته وبني أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية . انتهى ما أردنا نقله عن أبي مخنف (1).

و في المناقب : فلما دخل عليه السلام [على الوليد] وقرأ الكتاب قال : ماكنت أبايع ليزيد . فقال مروان : بايع لأمير المؤمنين . فقال الحسين : كذبتَ ويلك على المؤمنين، من أمّره عليهم . فقام مروان وجرد سيفه وقال : مرسيَّافك أن يضربَ عنقه قبل أن يخرج من الدار ودمه في عنقي . وارتفعت الصيحة فهجم تسعةُ عشر رجلاً من أهل بيته وقد انتضوا خناجرهم (2)، فخرج الحسين عليه السلام معهم ووصل الخبر إلى يزيد فعزل الوليد وولَّاها مروان (3).

و في اللهوف وغيره : ثم أقبل عليه السلام على الوليد فقال : أيها الأمير نحن من أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ، وبنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحرَّمة معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع له، ولكن نُصبح وتُصبحون ونَنظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة(4).


1) (1) من تاريخ الطبري إلا السطر الأخير .

2) (2) انتضى الخنجر : سله وأخرجه من غمده أو من تحت ثيابه .

3) (3) مناقب آل أبي طالب 96/4 .

4) (4) اللهوف ص 10 .

و في رواية المجلسي (1): أتى معه ثلاثون رجلاً من غلمانه وأهل بيته، وفي بعض الروايات خمسون، وفي جملة منها جماعة، وفي بعض الروايات لما علت الأصواتُ دخلوا عليه مجرّدين سيوفَهم ، وفي بعض الروايات لما علت الأصواتُ دخلوا عليه مجرّدين سيوفهم ، وفي بعضها خرج الحسين قبل أن يصلوا إلى البيت. وبالجملة الروايات كلها متقاربة، إلا أنه ليس في الروايات والتواريخ والمقاتل وما بأيدينا من الكتب-وهي عندنا الآن نحو خمسين كتاباً-من مؤرخي العامة والخاصة ومحدثيهم ذكر «رحم الله معاوية» بعد الاسترجاع، بل ليس في جملة منها كلمة الاسترجاع، وليس في أكثرها تعظيم الأجر بعد الاسترجاع إلا في رواية الطبري عن أبي مخنف وأخذه منه بعض المعاصرين، وسيأتي تفصيله. وأظن أن هذا من زيادة الطبري أو النساخ .

و في تاريخ الأعثم الكوفي: أنه عليه السلام لما أراد الدخول على الوليد اغتسل وصلى ركعتين .

و فيه وفي تاريخ روضة الصفا: أنه كان بيده عليه السلام عصى رسول الله صلى الله عليه و آله وسلم .

و في تاريخ الأعثم زيادات تركناها لتفرده بها، من أراد فليراجع إليه(2).

و في البحار عن محمد بن أبي طالب الموسوي(3)وفي جملة من كتب الحديث والتاريخ: إنه عليه السلام خرج من منزله ذات ليلة إلى قبر جده فقال : السلام


1) (1) بحار الأنوار 325/44.

2) (2) أنظر الفتوح لابن الأعثم 78/2.

3) (3) بحار الأنوار 327/44.

عليك يا رسول الله ، أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك وسبطك الذي خلفتني في أمتك، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني وضيعوني ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك، ثم قام فصَفَّ قدميه ولم يزل راكعاً وساجداً .

قالوا: وأرسل الوليد إلى منزل الحسين عليه السلام لينظر أنه خرج من المدينة أم لا ، فلم يصبه في منزله فقال : الحمد لله الذي أخرجه ولم يبتليني بدمه .

قالوا: ورجع الحسين إلى منزله عند الصبح ، فلما كانت الليلة الثانية خرج إلى القبر أيضاً وصلى ركعات، فلما فرغ من صلاته جعل يقول: اللهم إن هذا قبر نبيك محمد صلى الله عليه و آله، وأنا ابنُ بنت نبيك ، وقد حضرني من الأمر ما قد علمتَ ، اللهم إني أحب المعروف و أنكر المنكر ، وأنا أسألك يا ذا الجلال والإكرام بحق القبر ومن فيه إلا اخترتَ لي ما هو لك رضىً ولرسولك رضىً . ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريباً من الصبح وضع رأسَه على القبر فأَغْفَیَ ، فإذا هو برسول الله صلى الله عليه وآله وقد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه ، حتى ضمَّ الحسينَ إلى صدره وقبّل بين عينيه وقال : حبيبي يا حسين كأني أراك عن قريب مُرَمَّلاً بدمائك مذبوحاً بأرض كرب وبلا من عصابة من أمتي ، و أنت مع ذلك عطشان لا تُسقی وظمآن لا تُروى وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنا لهم الله شفاعتي يوم القيامة، حبيبي يا حسين إن أباك وأمك وأخاك قدموا عليَّ وهم مشتاقون إليك، وإن لك في الجنان لدرجات لا تنالها إلا بالشهادة.

فجعل الحسين عليه السلام في منامه ينظر إلى جده ويقول: يا جداه لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا، فخذني إليك وأدخلني في القبر معك ، فقال له رسولُ الله

صلى الله عليه وآله وسلم : لا بدَّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتى تُرزق الشهادةَ وما قد كتب اللهُ لك فيها من الثواب العظيم ، فإنك وأباك وأخاك وعمَّك وعم أبيك تُحشرون يوم القيامة في زُمْرةٍ حتى تدخلوا الجنة.

قال : فانتبه الحسين عليه السلام من نومه فزعاً مرعوباً ، فقص رؤياه على أهل بيته وبني عبد المطلب، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرق الأرض ولا مغربها قوم أشدّ غماً من أهل بيت رسول الله (صلی الله علیه وآله) ولا أكثر باك ولا باكية منهم .

قال : وتهيأ الحسينُ عليه السلام للخروج من المدينة، ومضى في جوف الليل إلى قبر أمه فودعها ثم مضى إلى قبر أخيه الحسن ففعل كذلك، ثم رجع إلى منزله وقت الصبح (1).

و في بعض كتب أصحابنا : إن له وداعاً ثالثاً لقبر جده . قال المؤرخ : ثم أتى عليه السلام قبر جده عند خروجه وسلم عليه وقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي لقد خرجتُ من جوارك كرهاً وفُرّق بيني وبينك وأُخذت بالأنف قهراً أن أبايع يزيد بن معاوية شارب الخمر و راكب الفجور ، فإن فعلتُ كفرت وأن أبيتُ قُتلت فها أنا خارج من جوارك، فعليك مني السلام .

و أجابه رسول الله صلى الله عليه وآله في شبه النوم وقال : يا بُنيَّ لقد لحق بي أبوك وأمك و أخوك وهم مجتمعون في دار الحيوان، ولكنا مشتاقون إليك، فعجَّل بالقدوم إلينا، واعلم يا بني أن لك في الجنة درجةً فلست تنالها إلا بالشهادة، وما أقرب قدومك علينا .


1) (1) إلى هنا منقول من بحار الأنوار.

و في القمقام (1)وغيره عن كتاب الشافي تصنيف عمر بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب في الأنساب قال : حدثني محمد بن عمر ، عن أبيه عمر بن علي قال : لما سمعت إنكار أخي عن بيعة يزيد وما جرى بينه وبين الوليد وأراد الخروج من المدينة ، دخلتُ عليه و سلمت عليه وقلت : جعلت فداك قد حدثني أخي الحسن عن أبينا حديثاً. وعند ذلك بكى بكاءً عالياً وشهق شهقة ، فضمه الحسين إلى نفسه فقال: بحق أبيك هل أخبرك بقتلي. فقلت: نعم يا ليت إنك بايعت يزيد ودُفعت عنك البلاء. فقال عليه السلام : حدثني أبي أن رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) أخبره بقتله وقتلي، وأن تربتي تكون بقرب تربته، فتظن أنك علمت ما لم أعلمه، والله لا أعطي الدَنِيَة من نفسي أبداً، ولَتَلْقَينَّ فاطمةٌ أباها شاكيةً ما لقيت ذريتها من أمتِه ، ولا يدخل الجنة أحد آذاها في ذريتها .

(بیان):

سنذكر أن المقتول بالطف بين يدي الحسين عليه السلام هو عمر بن علي الأصغر ، والمتخلف عنه هو عمر بن علي الأطرف والأكبر. والظاهر أن هذا [المذكور في هذا الحديث] هو الأطرف المتخلف عن أخيه، فإنه بايع ابن الزبير ونازع السجاد عليه السلام وقُتل مع ابن الزبير في وقعة الحَرَّة كما ذكره أبو الفرج وغيره، وله قضايا ذكرها المؤرخون .

و في ذيل الرواية : إن فاطمة عليها السلام لتَلقَينَّ أباها شاكية - إلى آخره ، لعله إشارة و تنبيه على ذلك ، وأن عمر هذا يؤذي فاطمة في ذريتها كما وقع ذلك منه ،


1) (1) القمقام 268/1 .

فهذا منه عليه السلام من الملاحم . فعلى هذا فما في التنقيح (1)من الترديد في حاله والتوقف فيه ليس في محله . و هو قدس سره تبع غيره في ذلك وتبعه غيره.فتدبر.

وبمضمون هذه الرواية أخبار أخرى في باب الذرية، ففي الوسائل في باب حكم الجمع بين اثنتين من ولد فاطمة عليها السلام: عن حماد،عن أبي بكير، عن الصادق عليه السلام قال : لا يحلُّ لأحد أن يجمع بين ثنتين من ولد فاطمة، فإنه يبلغها فيشقٌ عليها . فقلت: يبلغها ؟ قال: أي والله يبلغها (2).

ثم ان المستفاد من الأحاديث والتاريخ أنه عليه السلام لما عزم على الخروج من المدينة إلى مكة لم يمنعه أحد من الخروج، بل قد عرفت أن ابن الحنفية قال له: أخرج إلى مكة . وإنما المانعون منعوه من الخروج إلى العراق كما عرفت في قول محمد بن الحنفية وأم سلمة، وستعرف هذا أيضاً من جابر بن عبدالله وعبدالله بن جعفر وعبد الله بن مطيع وغيرهم .

و أما عبدالله بن عمر وعمر بن علي ومروان بن الحكم ألحوا وأصروا عليه عليه السلام ببيعة يزيد .

و أما ابن عباس فالمصرَّح في التواريخ المعتبرة كالطبري وغيره(3): أن عبد الله بن عباس و عبدالله بن عمر كانا في مكة عند موت معاوية ونعيه إلى الوليد بن عتبة وما جرى بينه وبين الحسين عليه السلام . ويظهر ذلك من كتاب يزيد إلى


1) (1) أنظر تنقيح المقال 345/2.

2) (2) وسائل الشيعة 387/14 مع اختلاف في بعض الألفاظ.

3) (3) تاريخ الطبري 383/5 ، ويفهم من ص 342 أن ابن عمر كان بالمدينة.

ابن عباس وجواب ابن عباس إليه . فما في بعض الكتب من ملاقاة ابن عباس للحسين في المدينة ليس بصحيح . وسيأتي عن قرب ملاقاته له عليه السلام في مكة وما جرى بينهما .

فصل

اشارة

( في خروج الحسين من المدينة إلى حين خروجه من مكة)

خرج عليه السلام من المدينة صبيحة الأحد يوم الثامن والعشرين من شهر رجب ، وقيل ليلة الأحد كما في الطبري(1). وفي بعض الروايات خرج تحت الليلة التي خرج قبلها بليلة عبد الله بن الزبير، ويظهر من الطبري أنها خرجا معاً،وليس يصح .

قال أبو إسحاق الاسفرايني في مقتله: وأخرج الجمال، وحمل عليها الأحمال،وركب عليها جميع النساء والأطفال، وركب فرس أبيه ميمون وسار وسارمعه عشيرته الأبطال، ومعه سبعة عشر من أهل بيته وهم أولاده واخوته وأولاد اخوته وأولاد أعمامه وستون رجلاً من أصحابه منهم الفارس ومنهم الراجل والجميع ساروا بنسائهم وعيالهم .

وسيأتي الاختلاف في ذلك وذكر أسمائهم رجالاً ونساءً في فصل خروجه عليه السلام من مكة إنشاء الله تعالى .

فلما أراد عليه السلام أن يركب ويخرج اجتمعن الهاشميات على ما روى ابن قولويه في الكامل قال: حدثني أبي رحمه الله، وجماعة من مشائخي، عن


1) (1) تاريخ الطبري 341/5.

سعد بن بن عبد الله بن أبي خلف، عن محمد بن يحيى المعاذي، قال : حدثني الحسين بن موسى الأصم، عن عمرو، عن جابر، عن محمد بن علي عليهما السلام قال: لما همَّ الحسین بالشخوص عن المدینه اقبلت نساء بنی عبدالمطلب فاجتمعن للنیاحه، حتی مشی فیهن الحسین فقال: انشدکن الله ان تُبدین هذا الامر معصیهً لله ولرسوله . فقالت له نساء بني عبد المطلب: فلمن نستبقي النياحة والبكاء، فهو عندنا كيوم مات فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى وفاطمة ورقية وزينب وأم كلثوم ، فننشدك الله وجعلنا الله فداك من الموت يا حبيب الأبرار من أهل القبور.

و أقبلت بعض عماته تبكي وتقول: يا حسين لقد سمعتُ الجن ناحت بنوحك وهم يقولون :

فإن قتيلَ الطف من آل هاشم أذل رقاباً من قريش فَذَلَّتِ

حبيبَ رسول الله لم يك فاحشاً أبانت مُصيبَتكَ (1)الأنوف وجَلَّتِ

و قلن أيضاً :

أبكي حسيناً سيداً ولقتله شاب الشعر

و لقتله زُلْزِلْتُمُ ولقتله انكسف القمر

واحمرَّت آفاقُ السما ء من العشية والسحر

و تغيّرت شمس البلا د بهم وأظلمتِ الكُوّر

ذاك ابنُ فاطمةَ المصا ب به الخلائق والبشر

أورثتنا ذلاً به جَدع الأنوفِ مع الغرر(2)

فودعهن وأمرهن بالصبر والثبات.


1) (1) تسكين التاء ضرورة قبيحة .

2) (2) كامل الزيارات ص 196.

قال المفيد(1): فسار الحسين عليه السلام إلى مكة وهو يقرأ (فَخَرَجَ مِنْهَا خائفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ )(2)ولزم الطريق الأعظم.

و قد مرّقول مسلم بن عقيل له عليه السلام أنه لو عدلت عن الطريق كما فعل ابن الزبير ، وجوابه (ع) : والله لا أفارقه حتى يقضي الله ما هو قاضٍ. ولقيه أفواجٌ من الملائكة وأمَّةُ مؤمني الجن وأجابها بما مر. فراجع (3).

فبينما هو يسير فإذا بعبد الله بن مطيع (4)جائياً من مكة قاصداً المدينة - وفي بعض الروايات: إنه لما سمع بخروج الحسين من المدينة وإبائه عن بيعة يزيد خرج من المدينة مسرعاً وجَدَّ به السير حتى أتاه عليه السلام في الطريق-فقال له: جعلت فداك أين تريد؟ قال : أما الآن فمكة وأما بعد فأستخير الله. قال: خار الله لك وجعلنا فداك، فإذا أتيت مكة فإياك أن تقربَ الكوفة، فإنها بلدة مشومة، قُتل أبوك وخُذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، إلزم الحرم فانك سيد العرب، لا يعدل بك أهل الحجاز أحداً، ويتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي، فوالله لئن قُتلت لنُسْتَرَقَنَّ بعدك (5).


1) (1) الإرشاد للمفيد ص 184 .

2) (2) سورة القصص : 21 .

3) (3)ص79.

4) (4) عبد الله بن مطيع هو عبد الله بن مطيع بن الأسود بن الحارثة بن نضلة، من عدي بن كعب القرشي ، ولد على عهد النبي ، لما ورد المدينة حبسه الوليد بن عتبة واليها واجتمع عشيرته فأخذوه، ولما أجمع أهل المدينة على إخراج بني أمية أيام يزيد كان عبد الله بن مطيع على قريش وعبدالله بن حنظلة على الأنصار، فلما ظفر أهل الشام بأهل المدينة يوم الحَرَّة لحق عبدالله بن مطيع بعبد الله بن الزبير بمكة وبقي عنده إلى أن قتل معه.

5) (5) هذه رواية الطبري في تاريخه 351/5.

وذكر في الناسخ هذه القضية أيضاً.

وسار الحسينُ عليه السلام حتى دخل مكة، وكان دخوله بها ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، ولما رأى بيوتات مكة قرأ ( وَلَما تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبيل) (1)، ثم نزلها . قال الطبري (2): وأقبل أهلُها يختلفون إليه، ويأتونه ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق، وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة، فهو قائم يصلي عندها عامة النهار ويطوف، ويأتي الحسين عليه السلام في من يأتيه، فيأتيه اليومين المتواليين، ويأتيه بين كل يومين مرة، ولا يزال يشير عليه بالرأي، وهو أنقل خلق الله على ابن الزبير، قد عرف أن أهلَ الحجاز لا يبايعونه ولا يتابعونه مادام الحسين بالبلد، وإن الحسين أعظم في أعينهم وأنفسهم منه وأطوع في الناس منه وأجل.

ثم إن الوليد بن عتبة كتب إلى يزيد:

«بسم الله الرحمن الرحيم . إلى عبد الله يزيد بن معاوية أمير المؤمنين، من وليد بن عتبة بن أبي سفيان، أما بعد، فإن الحسين بن علي ليس يرى لك خلافةً ولا بيعةً فرأيك في أمره. و السلام».

وكتب يزيد إليه جواباً :

«أما بعد، فإذا أتاك كتابي هذا فعجّل علي بجوابه وبيّن لي في كتابك كلّ من في طاعتي أو خرج منها، وليكن مع الجواب رأس الحسين بن علي. والسلام».


1) (1) سورة القصص : 22 .

2) (2) تاريخ الطبري 351/5.

وكتب مروانُ إلى يزيدَ يخبره بما جرى بينه وبين الوليد مع الحسين عليه السلام، فاتهمه على ذلك، فعزل يزيدُ الوليدَ بن عتبة في شهر رمضان عن المدينة، فأقرّ عليها عمرو بن سعيد الأشدق ، وكان على مكة يومئذ يحيى بن حكم بن صفوان بن أمية، وعزله يزيد وأقرّ عليها عمرو بن سعيد بن العاص.

و لما بلغ إلى أهل الكوفة والبصرة امتناع الحسين عليه السلام عن بيعة يزيد وخروجه من المدينة إلى مكة، خرجوا إليه جماعة من الأمصار وكتبوا إليه من الكوفة كتباً يدعونه إلى المسير إلى الكوفة- وقد ذكرنا جملة منها في بابه حتى ورد إليه عاشر شهر رمضان اثنا عشر ألف كتاباً من أهل الكوفة، فبعث إليهم مسلم بن عقيل وكتب إليهم كتاباً في جواب كتبهم .

و خرج مسلمُ بنُ عقيل في منتصف شهر رمضان ودخل الكوفة في الخامس من شهر شوال على ما سنذكره في ترجمته .

و لما بلغ يزيد خروج الحسين عليه السلام من المدينة وإباءه عن البيعة ووروده إلى مكة مع ابن الزبير، وكان عبدالله بن عباس يَومئذ في مكة، كتب إلى ابن عباس كتاباً في أمر الحسين و ابن الزبير، فكتب ابنُ عباس جواباً ذكرهما بطولهما في الناسخ من أراد فليراجع .

وكتب يحيى بنُ حكم والي مكة إلى يزيد يخبره بأمر الحسين عليه السلام وإرساله مسلم بن عقيل إلى الكوفة وتوجه أهل الأمصار - خصوصاً أهل البصرة والكوفة - إلى الحسين و اجتماعهم لديه وشخوصهم إليه ، فنقل ذلك على يزيد وكان الموسم قريباً .

خرج الناس من كل جانب إلى مكة حجاجاً وليروا ما كان من أمر الحسين ويزيد إلى ما يصير أمر الخلافة، فاضطرب يزيد لذلك اضطراباً شديداً، فدعى

عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المعروف بالأشدق فأمّره على كل الحاج وأمره أن يناجز الحسين القتال إن ناجزه أو يقاتله إن قاتله ، فقدم عمرو بن سعيد إلى مكة في جيش كبير وجند كثيف، وفيهم ثلاثون شخصاً من أجلاف بني أمية،وأمرهم أن يأخذوا السلاح تحت ثيابهم وإحرامهم وأن يقتلوا الحسين ولو كان معلقاً بأستار الكعبة .

قال الطبري (1)وكان عامل يزيد في سنة الستين على المدينة ومكة بعدما عزل الوليد عمرو بن سعيد فحج بالناس .

و في كتاب عبدالله بن عباس في جواب كتاب يزيد إليه في أمر ابن الزبير قال فيما قال: وقد قتلتَ يا يزيد ابني عمي وأهل رسول الله مصابيح الهدى ونجوم الدجى، عاذر لهم جنودك بأمرك صرعى في صعيد واحد قتلى، أنسيت انفاذ أعوانك إلى حرم الله ليقتل الحسين، فما زلت وراءه تخيفه حتى أشخصته إلى العراق عداوةً منك الله ورسوله .

ثم إن بعد ما أنته عليه السلام كتب أهل الكوفة وأرسل إليهم مسلم بن عقيل ظن الناس أنه عليه السلام يسافر إلى الكوفة لامحالة. وفي أواخر شهر ذي القعدة الحرام أتاه كتاب مسلم بن عقیل قبل شهادته بسبعة وعشرين يوماً يخبره فيه ببيعة اثني عشر ألفاً من أهل الكوفة و يأمره بالقدوم - على ما في الارشاد والطبري وغيرهما .

و من الغريب ما في مقتل أبي إسحاق الإسفرايني قال: كتب ابن زياد إلى الحسين عليه السلام عن لسان مسلم بن عقيل يقول فيه :


1) (1) تاريخ الطبري 383/5.

«بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد يا بن العم إن العراق طابت وأتت إلينا بالسمع والطاعة، فعجّل إلينا ولا تتأخر وقلوب الناس معنا وهم مُسْتَرّين لقدومك ، فانهض واحضر إلينا سريعاً».

ثم إن ابن زياد طوى الكتاب وأعطاه لرجل من أهل الكوفة وقال : أعمد إلى الحسين وإن لاقيته في الطريق أو مكة فاعطه ، فأخذه وسار - إلى آخره .

و بعد وصول كتاب مسلم بن عقيل إليه عليه السلام شاع في الناس أن الحسين سيسافر إلى العراق وفشا الخبر بخروجه فأتاه الناس: منهم من يمنعه عن الخروج إلى الكوفة ، ومنهم من يستثيره إلى بيعة يزيد، ومنهم من يشير عليه بالخروج إلى الكوفة كعبد الله بن الزبير.

قال الطبري(1): قال أبو مخنف : وأتاه ابن الزبير فحدثه ساعة، ثم قال: لا أدري ما تَركُنا هؤلاء القوم وكفُّنا عنهم نحن أبناء المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم، خبّرني ما تريد أن تصنع ؟ فقال الحسين: والله لقد حدثتُ نفسي باتيان الكوفة، ولقد كتب إليَّ شيعتي بها وأشراف أهلها وأستخير الله. فقال له ابن الزبير : أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت بها .

قال : ثم إنه خشي أن يتهمه، فقال : أما إنك لو أقمت بالحجاز ثم أردت هذا الأمر هاهنا ما خولف عليك إنشاء الله. وفي رواية قال: ولو أقمت بمكانك فدعوتنا وأهل الحجاز إلى بيعتك أجبناك وكنا إليك سراعاً، وكنت أحق بذلك من يزيد وأبي يزيد .

قال أبو مخنف : ثم قام [ابن الزبير] فخرج من عنده، فقال الحسين عليه


1) (1) تاريخ الطبري 383/5.

السلام : إن هذا ليس شيئاً يؤتاه من الدنيا أحب إليه من أن أخرج من الحجاز إلى العراق ، وقد علم أنه ليس له من الأمر معي شيء ، وأن الناس لم يعدلوه بي ، فودّ أني خرجت منها لتخلو له .

قال أبو مخنف (1): قال أبو جناب يحيى بن أبي حية، عن عدي بن حرملة الأسدي ، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا : خرجنا حاجين من الكوفة حتى قدمنا مكة، فدخلنا يوم التروية، فإذا نحن بالحسين وعبد الله بن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى ما بين الحُجر والباب . قالا : فتقربنا منهما فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين: إن شئتَ أن تقيم أقمت فوُلِّيْتَ هذا الأمر فآزرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك . فقال له الحسين عليه السلام : إن أبي حدثني أن بها كبشاً يستحل حرمتها(2)، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش . فقال له ابن الزبير : فأقم إن شئت وتولينى أنا الأمر فتطاع ولا تُعصى. فقال : وما أريد هذا أيضاً. قالا : ثم إنهما أخفيا كلامها دوننا ، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين متوجهين إلى منى عند الظهر...

وقال أبو مخنف: عن أبي سعيد عقيصى، عن بعض أصحابه قال: سمعتُ الحسين عليه السلام وهو بمكة وهو واقف عبدالله الزبير، فقال له ابن الزبير : إليَّ يا بن فاطمة . فأصغى إليه فسارَّه . قال : ثم التفت إلينا الحسين فقال : أتدرون ما يقول ابن الزبير ؟ فقلنا : لا ندري جعلنا الله فداك . فقال: قال: أقم في هذا المسجد أجمع لك الناس. ثم قال الحسين عليه السلام : والله لأن أقتل


1) (1) نفس المصدر 384/5.

2) (2) هذه إشارة إلى وقعة الحجاج وقتل ابن الزبير بمكة كما هو معروف.

خارجاً منها بشبر أحب إليَّ من أن أقتل داخلاً بشبر، وأيم الله لو كنتُ في حُجْر هامّة من هذه الهوام لاستخرجوني حتى يقضوا فيّ حاجتهم، والله ليعتدن علىَّ ما اعتدت اليهود في السبت.

و أما من أمره وأشار عليه (علیه السلام ) ببيعة يزيد، فمنهم عبد الله بن عمر بن الخطاب .

قال الطبري (1): زعم الواقدي أن ابن عمر لم يكن بالمدينة حين ورد نعي معاوية وبيعة يزيد على الوليد، وأن ابن الزبير والحسين لما دُعيا إلى البيعة ليزيد أبيا وخرجا من ليلتهما إلى مكة، فلقيهما ابن عباس وابن عمر جائيين من مكة فسألهما: ما وراء كما ؟ قالا: موت معاوية و البيعة ليزيد . فقال لهما ابن عمر: اتقيا الله ولا تفرقا جماعة المسلمين. وأما ابن عمر فقدم فأقام أياماً ينتظر حتى جاءت البيعة من البلدان، فتقدم إلى الوليد بن عتبة فبايعه وبايعه ابن عباس . انتهى .

و الصحيح الذي عليه جلُّ المؤرخين : أن ابن عباس وعبدالله بن عمر كانا في مكة حين نُعي معاوية ودخل الحسين بمكة . ففي روضة الصفا وتاريخ الأعثم وجملة من التواريخ (2)أنه لما قدم الحسين إلى مكة ونزل بها أتى ابن عباس وعبد الله بن عمر إلى الحسين عليه السلام ، وقال ابن عباس ما سيأتي عن قريب، وقال ابن عمر ومعه ابن عباس: يا أباعبدالله إنا نريد الخروج إلى المدينة وأرجو منك أن توافقنا وترجع إلى المدينة وتبايع ليزيد وتجلس في بيتك مطمئناً و الزم روضة جدك، وإن لم ترجع ووقفت بمكة لا يخلون عنك ويلزمونك بيعة يزيد ولابدّ لك من ذلك .


1) (1) تاريخ الطبري 343/5.

2) (2) الفتوح لابن الأعثم 89/2.

قال له الحسين عليه السلام: إن كنت في مخالفة يزيد والامتناع عن بيعته مخطئاً فبين خطأي . قال ابن عمر : حاشاك أن تكون مخطئاً وأنت ابن بنت رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) ، ولكن الدهر و حفظ النفس والعشيرة يقتضي ذلك، وأرى أن في مخالفتك ليزيد أن يأتيك ما لا تتحمل عليه ، والصلاح التوجه معنا إلى المدينة والبيعة. فقال عليه السلام هيهات يا بن عمر، إن بني أمية لا يتركوني على حالي حتى یقتلوني .

و في اللهوف (1): ثم جاء عبد الله بن عمر ، فأشار إليه بالصلح لأهل الضلال وحدّره من القتل والقتال. فقال له : يا أبا عبد الرحمن أما علمت أن من هوان الدنيا على الله أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل، أما تعلم أن بني اسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبياً ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئاً، فلم يعجل الله عليهم ، بل أمهلهم وأخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام، اتق الله يا أبا عبد الرحمن ولا تدعن نصرتي .

و في روضة الصفا وغيره: ثم قال عليه السلام: يا أباعبدالرحمن اذكرني في الدعوات وآخر الصلوات بالسحر، فوالله الذي أرسل جدي بالحق بشيراً ونذيراً لو كان أبوك حياً ويراني مثل ما تراني ليعينني وينصرني، وإن كان لك عذر في نصرتي فأنت معذور، ولكن أرجو منك يا أباعبدالرحمن أن لا تعجل في بيعة يزيد. فقال ابن عمر: يا أباعبدالله إن الله تبارك وتعالى اصطفى جدَّك نبياً وخيَّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة على الدنيا، والله إنك وأهل بيتك


1) (1) اللهوف ص 13 .

محجوبون عن الدنيا وإن لكم الدرجات الآخرة .

قال : ولما رأى عبدالله بن عمر أنه عليه السلام لا يرجع إلى المدينة تركه ورجع هو إلى المدينة .

و الذي يُستفاد من التاريخ أن عبد الله بن عمر بعد ما سار إلى المدينة رجع إلى مكة ثانياً .

و عن الدر النظيم عن أمالي السمعاني: إن لابن عمر مزارع في أطراف مكة، وفي الابصار أن له ماءً في التنعيم، فلما سمع بتوجه الحسين عليه السلام من مكة إلى العراق ركب وجدّ في السير حتى لقيه وهو عليه السلام بمكة وأراد الخروج، فمنعه عن الخروج غاية المنع، فقال عليه السلام: إن أهل الكوفة كاتبوني وبايعوني، وقد كتب إليَّ مسلم بن عقيل بانقيادهم لي، ولابدّ أن أسافر إليهم . فلما رأى عبدالله بن عمر امتناعه ضمه إلى صدره وبكى وقال: السلام عليك من شهيد وغريب. فقال : اكشف لي موضعاً كان يقبله رسولُ الله صلى الله عليه وآله، فكشف عن صُرّته فقبله وودعه ورجع .

و في الصواعق المحرقة: فأتاه ابن عمر ونهاه عن المسير إلى الكوفة ، فلم يمتنع وأبى ، فبكى ابن عمر وقبل ما بين عينيه وقال: استودعك الله من قتيل (1).

و من المانعين عن خروجه إلى العراق محمد بن الحنفية، وقد عرفت مقالته عند خروجه من المدينة. ويظهر من جملة من المقاتل والتواريخ أن محمد بن الحنفية يوم خرج الحسين عليه السلام من مكة إلى العراق كان في مكة .

قالوا : ولما بلغ محمد بن الحنفية خروج الحسين عليه السلام إلى العراق جاءه


1) (1) الصواعق المحرقة ص 117.

في الليلة التي أراد الحسين الخروج في صبيحتها من مكة، فقال : يا أخي إن أهل الكوفة قد عرفت غَدْرَهم بأبيك وأخيك ، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تقيم أعز من بالحرم و أمنعها منعة. فقال: يا أخي قد خفتُ أن يغتالني يزيد بالحرم فأكون الذي يُستباح به حرمة هذا البيت. فقال له ابن الحنفية: فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البر، فإنك أمنع الناس به ولا يقدر عليك أحد. فقال : أنظر فيما قلت .

فلما كان السحر ارتحل الحسين عليه السلام، فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ زمام ناقته و قد ركبها قال: يا أخي ألم تَعِدني فيما سألتك ؟ قال: بلى . قال: فما حداك على الخروج عاجلاً ؟ قال عليه السلام: أتاني رسولُ الله بعدما فارقتك فقال لي: يا حسين أخرج، فإن الله شاء أن يراك قتيلاً . فقال محمد بن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النسوة معك و أنت تخرج على مثل هذا الحال ؟

فقال : إن الله شاء أن يراهن سبايا . فسلّم ومضى .

و من المانعين عن خروجه إلى العراق عبد الله بن عباس .

و الذي يظهر من التواريخ المعتبرة وتشهد له الأحاديث الواردة: أن ابن عباس كان في مكة عند نعي معاوية ودخول الحسين في مكة، ثم ذهب مع عبد الله بن عمر إلى المدينة، فبايع ابن عمر ليزيد. وأما ابن عباس فالذي يظهر من كتب العامة وتواريخهم أنه بايع يزيد ، بل هو المسلم عندهم كما مرّعن الواقدي (1)، وأما عند الخاصة فلم يثبت بيعته ليزيد. وتمام الكلام في ذلك قدحاً ومدحاً في محله ونشير


1) (1) نقل ذلك عن تاريخ الطبري .

إلى مختارنا عن قريب فانتظر.

وقد أتى الحسين عليه السلام (1)تارة مع عبد الله بن عمر بعد ورود الحسين بمكة قبل إرساله مسلم بن عقيل إلى العراق وتارة بعد مجيئه من المدينة إلى مكة قبل خروج الحسين إلى العراق .

أما مجيئه مع عبد الله بن عمر فقد ذكره في روضة الصفا وتاريخ الأعثم وأنه أشار إلى الحسين برجوعه إلى المدينة معها، فمن أراد التفصيل فليرجع إليهما.

قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين (2): وجاءه عبد الله بن عباس وقد أجمع رأيه على الخروج وحققه، فجعل يناشده في المقام ويعظم عليه القول في ذم أهل الكوفة، وقال له: إنك تأتي قوماً قتلوا أباك وطعنوا أخاك، وما أراهم إلا خاذليك. فقال له : هذه كتبهم معي، وهذا كتاب مسلم باجتماعهم. فقال له ابن عباس : أما إذا كنت لابد فلا تُخرج أحداً من ولدك ونسائك ولا حرمك، فخليق أن تُقتل وهم ينظرون إليك كما قتل ابن عفان. فأبى ذلك ولم يفعله.

فلما أبى الحسين عليه السلام قبول رأي ابن عباس قال: والله لو أعلم إذا نشبتُ وقبضتُ بهمتي مجامعَ ثوبك وأدخلتُ يدي في شعرك حتى يجتمع الناس علي وعليك كان ذلك نافعي لفعلته، ولكن أعلم أن الله بالغ أمره. ثم أرسل الله عينيه فبكى ودمع الحسين عليه السلام و مضى الحسين لوجهه .

قال الطبري (3): قال أبو مخنف : وحدثني الحارث بن كعب الوالبي عن عُقبة بن


1) (1) يقصد أن ابن عباس أتى .

2) (2) مقاتل الطالبيين ص110.

3) (3) تاريخ الطبري 383/5.

سِمعان أن حسيناً لما أجمع على المسير إلى الكوفة أتاه عبدالله بن عباس فقال: يابن عم إنك قد أرجف الناسُ أنك سائر إلى العراق، فبيّن لي ما أنت صانع. فقال: [يا بن عم] إني قد أجمعت المسير في أحد يوميَّ هذين إنشاء الله تعالى. فقال له ابن عباس : فاني أعيذك بالله من ذلك، أخبرني رحمك الله أتسير إلى قوم قد قتلوا أميرهم وضبطوا بلادهم ونفوا عدوَّهم ، فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنما دعوك إليهم وأميرهم عليهم قاهر لهم وعماله تجبى بلادَهم، فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال، ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك، وأن يستفزوا إليك فيكونوا أشد الناس عليك . فقال له الحسين : فاني أستخير الله و أنظر ما يكون.

قال : فخرج ابن عباس من عنده ...

قال: فلما كان من العشى أو من الغد، أتى الحسين عبد الله بن عباس فقال: يابن عم إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال، إن أهل العراق قوم غُدُر، فلا تقربَنَّهم أقم بهذا البلد، فإنك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوَّهم ثم أقدم عليهم، فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن، فإن بها حصوناً وشعاباً، وهي أرض عريضة طويلة ولأبيك فيها شيعة وأنت عن الناس في عزلة تكتب إلى الناس وترسل وتبث دعاتك ، فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية.

فقال له الحسين عليه السلام: يابن عم إني والله لأعلم أنك ناصح مشفق، ولكني قد أزمعت وأجمعت على المسير .

فقال له ابن عباس : فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك، فوالله إني أخاف أن تقتل كما قُتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس : لقد

أقررتَ عينَ ابن الزبير بتخليتك إياه والحجازَ والخروج منها ، وهو يوم لا ينظر إليه أحد معك، والله الذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذتُ بشعرك وناصيتك حتى يجتمع علي وعليك الناس أطعتني لفعلت ذلك. قال: ثم خرج ابن عباس من عنده فمرّ بابن الزبير- إلى آخر ما ذكره ابن حجر في صواعقه .

فنهاه ابن عباس وبيّن له غدرَ أهل العراق وقتلهم لأبيه وخذلانهم لأخيه فأبى، ونهاه عن الذهاب بأهله معه فأبى، فبكى ابن عباس وقال : واحسيناه .

قالوا (1): ولقي عبد الله بن عباس- بعد خروجه من عند الحسين عليه السلام- عبدالله بن الزبير فقال : قرّت عينُك يا بن زبير. ثم قال :

يالك من قُبَّرَةٍ بِمِعْمَر خلا لك الجوُّ فبيضي واصفري

ونقري ما شئتِ أن تنقري قد رحل الصيادُ عنك فابشري

ورُفع الفخُّ فماذا تحذري لابد من صيدك يوماً فاصبري

هذا حسينٌ خارجاً فأبشري إلى العراق راجياً للظفر (2)

(بیان):

القُبَّر كسكر وكصرد: ضرب من العصافير، واحده قُبَّرة بزيادة الهاء، وجمعه قنابر وقنبراء، ولا يظهر النونُ في المفرد إلا في لغة - قاله في المجمع . وظهور النون في الجمع لأن الأصل في المفرد قنبر أدغم النون في الباء، قالوا : ثلاثة تردّ الأشياءَ إلى أصولها الجمع و التصغير والنسبة.

قوله «مِعْمَر». كمنبر اسم مكان فيه الماء والكلاء.


1) (1) هذا من تتمة حديث الطبري .

2) (2) ينسب ثلاثة أشطر الأولى من الرجز إلى طرفة بن العبد .

قوله «بيضي». من باض بالمكان أي أقام لبيض الطائر.

قوله «نقّري ». من التنقير شبه الصفير .

قوله « تَحْذَري» . أصله تحذرين حذف النون رعاية للقافية.

وفي و في القمقام(1): أول من قال ذلك طَرَفة بن العبد الشاعر، وذلك أنه كان مع عمه في سفره و هو صبي، فنزلوا على ماء وكان عليه قنابر، فذهب طرفة بفخيخ له فنصبه للقنابر وبقي عامة عامة يومه فلم يصد شيئاً، ثم حمل فخه ورجع إلى عمه، فتحولوا من ذلك المكان، فرأى القنابر يلقطن ما نثر لهن من الحب فقال «يالك» الخ . وهذا من أمثلة العرب تضرب في الحاجة يتمكن منها صاحبها . انتهى(2)

و الشعر الأخير إما من ابن عباس أنشأها أو من غيره فألحقها .

(تنبیهان ):

(الأول) ذكر الأموي في مقاتل الطالبيين بعد ذكر مقالة ابن عباس للحسين عليه السلام قال: فذكر من حضره يوم قتل وهو يلتفت إلى حرمه وإخوته وهن يخرجن من أخبيتهن جزعاً لقتل من يقتل معه وما يرينه به ، ويقول : الله درّ ابنُ عباس فيما أشار عليّ به (3).

و في تذكرة السبط بعد نقل قول ابن عباس للحسين: إني أخاف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وعياله وينظرن إليه . قال : قلت : وهذا معنى قوله عليه السلام : لله درّ ابنُ عباس، فإنه ينظر من ستر رقيق. انتهى .


1) (1) القمقام 334/1.

2) (2) أنظر : مجمع الأمثال 239/1.

3) (3) مقاتل الطالبيين ص 110 .

وأظن أن هذا من مجعولات هذا الأموي وأكاذيبه، وقد ملأ طواميره - خصوصاً في الأغاني - من هذه الأكاذيب، وليس ذلك بغريب منه كما ستعرف جملة من ذلك في تراجم النساء.

و قد صرح المحقق العلامة في شفاء الصدور في شرح زيارة العاشور والمحدث القمي في السفينة بجملة من أكاذيبه، وأخذ منه غيره ممن تأخر عنه تقليداً له من غير روية وفكر. و الشاهد على ذلك أنه ليس في كتب أصحابنا رضوان الله عليهم من المتقدمين والمتأخرين من المحدثين والمؤرخين ذكر لهذا الكلام، وإنما ذكر من ذكر ذلك مستنداً إلى كتبه مع الاختلاف في وقت قوله: فقيل إنه عليه السلام قال ذلك في ليلة عاشورا، وقيل قاله في صبيحة يوم عاشورا بعد الخطبة وصراخ النساء، وقيل عند شهادة بني هاشم وإتيان الجثث إلى خيمة القتلى. وهذا أيضاً مما يوهن ذلك.

نقل الطبري (1)عن الضحاك المِشرقي قال: بعد ما خطب الحسين عليه السلام في صبيحة عاشورا فصرخن النساء فأمر أخاه العباس وابنه علي الأكبر وقال لهما: «أسكتاهن». قال: لا يَبعد ابنُ عباس. قال : فظننا أنه إنما قالها حين سمع بكاءهن، لأنه قد نهاه أن يخرج بهن. انتهى . فانظر في الراوي والمروي عنه واجتهاده وظنه .

و مما يوهن ذلك: أنه ليس في الكتب الأدبية أيضاً ذكر لهذا الكلام مع أنها أولى بنقل ذلك، حتى أن العسقلاني الذي يدور على مثل هذه الكلمات قال في صواعقه: ومرّ قول أخيه الحسن له: إياك وسفهاء الكوفة أن يستخفوك


1) (1) تاريخ الطبري 424/5 ، وهو منقول باختصار .

فيُخرجوك ويقتلوك ويسلّموك فتندم ولات حين مناص، وقد تذكّر ذلك ليلة قتله فترحم على أخيه الحسن . انتهى(1).

و ذكر ذلك بعد نقل ملاقاة ابن عباس له عليه السلام، ولو كان ذلك منه (علیه السلام) لنقله . فتدبر .

مع أن قوله « فتذكّر ذلك ليلة قتله فترحم على أخيه » من اجتهاد ابن حجر وظنه، إذ لم يسند ذلك إلى رواية . مضافاً إلى أن ما مرّ من قول أخيه ليس على ما ذكر هنا، لأنه ذكر في باب الحسن عليه السلام أنه لما احتضر قال لأخيه: يا أخي-وساق الكلام من الأكاذيب إلى أن قال-ربما استخفنَّك سفهاءُ الكوفة فأخرجوك ، وليس فيه فيقتلوك وتندم ولات حين مناص . فراجع .

وبالجملة، فالمظنون بل المقطوع أن هذه الكلمة-وهي قول «لله در ابنُ عباس» وأشباهها-لم تصدر من الحسين عليه السلام في وقعة الطف، وإنما أسندوها إليه لأغراض لا تخفى على المتأمل، وسيأتي عن قريب الاشارة إلى ذلك.

نعم، يظهر من المحقق الكاظمي في التكملة والطريحي في مجمع البحرين أن هذه رواية مستقلة وردت في حق ابن عباس ، بل يظهر من التكملة أنها نبوية. قال في محكي التكملة (2): و في روضة الواعظين: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : لكل شيء فارس وفارس القرآن عبد الله بن عباس. وعنه(3): ويج ابن عباس كأنه ينظر إلى الغيب من وراء ستر خفي . انتهى .


1) (1) الصواعق المحرقة ص 117.

2) (2) تكملة نقد الرجال 78/2.

3) (3) قائله الامام علي عليه السلام. أنظر التعليقة على الموضع المذكور من التكملة .

و في مجمع البحرين : وَيْح كلمة تَرَحُم وتَوَجُع لمن وقع في هلكة، وقد يقال للمدح و التعجب ، ومنه «وَيحُ ابنُ عباس» .

وهذا أقوى شاهد على أن ما ذكر في مقاتل الطالبيين من زيادات الأموي وأغلاطه .

( الثاني ) في البحار، عن المناقب لابن شهر آشوب، عن كتاب التخريج، عن العامري بالاسناد عن هبيرة بن يريم، عن ابن عباس قال: رأيت الحسين عليه السلام قبل أن يتوجه إلى العراق على باب الكعبة وكف جبرئيل في كفه وجبرئيل ينادي: هلموا إلى بيعة الله عز وجل، وعُنف ابن عباس على تركه الحسين فقال: إن أصحاب الحسين لم ينقصوا رجلاً ولم يزيدوا رجلاً، نعرفهم بأسمائهم من قبل شهودهم . وقال محمد بن الحنفية : وإن أصحاب الحسين عندنا لمكتوبون بأسمائهم وأسماء آبائهم . انتهى (1).

( بيان ) :

العامري هبيرة بن المفاوضة العامري مجهول الحال ، وكذا هبيرة بن يريم . قال في التنقيح (2): لم يتبين حاله ، وعده الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين ، وقال : عربي كوفي (3). فسند الرواية في غاية الضعف .

و أما متن الرواية فالإشكال فيه من جهتين :

الأولى - في تجسم الملائكة . والظاهر كما دلت عليه الأخبار المتكاثرة المتظافرة


1) (1) مناقب ابن شهر آشوب 60/4 .

2) (2) تنقيح المقال 2903 ، وفيه « هبيرة بن مريم » .

3) (3) رجال الطوسي ص 61 ، وفيه «بن مريم » .

المستفيضة ، إمكان تجسمهم وتصورهم بصور مختلفة وأشكال متفاوتة، بل وقوع التجسم خلافاً لجمع من الفلاسفة.

الثانية - في رؤية ابن عباس جبرئيل عليه السلام. وقد أطنب الفاضل المعاصر في أربعينه و أتعب نفسه في ذلك، وحاصله: إن ابن عباس قد بلغ من صفاء النفس وتكميل القوى بحيث يشاهد الملائكة، بل قال : إنه يمكن من وجوه الإعجاز وخوارق العادات مشاهدته إياه. وما أبعد بين هذا ومن قال إنه بايع يزيد بن معاوية وأنه نزل في حقه (وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أعْمَى ) (1). ونحن لو تنزلنا عن تكفيره وتفسيقه وقلنا فيه بمقالة بعض أصحابنا من توثيقه بل وعدالته ، لا نعتقد في حقه هذا المقام والمرتبة .

وقد صرح المجلسي في مرآة العقول في كتاب الحجة في باب ما ورد في شأن سورة القدر في ترجمته ما رواه مرسلاً عن أبي عبدالله عليه السلام، وفيه أن ابن عباس رأى جبرئيل، قال: لعله سمع كلامه لا أنه رآه بعينه. فراجع (2).

نعم، في كتب العامة ورواياتهم ما يدل على أزيد من ذلك، بل صرحوا بأن ابن عباس رأى جبرئیل مرتين (3). وتمام الكلام في الجرح والتعديل والمدح والذم في محله .

إلا أن الذي في النفس منه شيء: أن العامة رووا أحاديث في مدحه وأخذوه أخذاً شديداً غاية الأخذ، مع أنهم يتركون رواية من يُتَّهم بالرفض والتشيع ومن


1) (1) سورة الإسراء : 72.

2) (2) هذا هو المفهوم من مجموع الكلام في مرآة العقول 74/3-77.

3) (3) أنظر : الاصابة 90/4 .

في قلبه حب علي وأولاده عليهم السلام، فكيف ذلك مع أن ابن عباس يُظهر المحبة لعلي ورووا في كتبهم وتواريخهم أنه بايع يزيد بل بايع معاوية بل أشار على الحسين عليه السلام برجوعه إلى المدينة والبيعة ليزيد كما مر .

و بالجملة، فإنا وإن لم نقطع ببيعته ليزيد ولا لمعاوية إلا أنه لم نقطع أيضاً ببيعته للحسين عليه السلام ولا لعلي بن الحسين، بل المظنون عدم بيعته للحسين ضرورة أن من بايع الحسين و قال بامامته - لاسيما من كان مثل ابن عباس الذي شاهد ما شاهد وروى عن أبيه وجده ما ورد في شأنه وشأن أخيه وأنه المقتول بالطف - لابدّ وأن يكون سلماً له عليه السلام وتبعاً و رعية له. وهذا ينافي ما مر منه من نصيحته ومنعه من الخروج وبعض ما قاله له. وليس حاله عندي إلا كحال أنس بن مالك وأضرابه، إلا أنه يُظهر المحبة لعلي وأولاده ويظهر الصداقة لبني أمية . وحينئذ فما ورد في شأن بني العباس يشمله، إلا أن يدل دليل عقلي أو قطعي بخروجه عنهم، ولم نظفر إلى الآن على مثل هذا الدليل.

وعلى ذلك فما نقل عنه من الأحاديث والأخبار - إن كان من الفضائل أو الأخلاق - نقبله و نقول به كما نقبل من أنس بن مالك وغيره من علمائهم، وأما ما كان من أحاديثه ورواياته في الأحكام فلا نعتمد عليه خصوصاً ما تفرد به.

و على ما ذكرنا فيمكن حمل الرواية - على ما هو الظاهر - أنه كان من باب الإعجاز، وإتمام الحجة على ابن عباس من إراءة جبرئيل ووضع كفه في كفه، كما فعل علي عليه السلام بالأول في حديث رؤية النبي صلى الله عليه وآله بعد موته، كما هو مشهور ومذكور في كتب المناقب.

و ما أشبه ذلك بما روى السيد البحراني في مدينة المعاجز، عن ثاقب المناقب عن مناقب السعداء، عن جابر بن عبد الله قال : لما عزم الحسين عليه السلام على

الخروج إلى العراق أتيته فقلت له : أنت ولد رسول الله وأحد سبطيه، لا أرى إلا أنك تصالح كما صالح أخوك، فإنه كان موفقاً رشيداً. فقال عليه السلام لي: يا جابر فقد فعل أخي ذلك بأمر الله تعالى ورسوله، وأنا أيضاً أفعل بأمر الله ورسوله، أتريد أن أستشهد رسول الله وعلياً وأخي الحسن بذلك الآن. ثم نظر إلى السماء قد انفتح بابها وإذا برسول الله وعلي والحسن وحمزة وجعفر وهم نازلون منها حتى استقروا على الأرض، فوثبت فزعاً مرعوباً، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: يا جابر ألم أقل لك في أمر الحسن قبل الحسين لا تكون مؤمناً حتى تكون لأئمتك مسلّماً ولا تكون معترضاً، أتريد أن ترى مقعد معاوية ومقعد الحسين ابني ومقعد يزيد قاتله؟ قلت : بلی یا رسول الله. فضرب برجله الأرض فانشقت وظهر بحر فانفلق ثم ظهرت أرض فانشقت، هكذا انشقت سبع أرضين وانفلقت سبعة أبحر، ورأيت من تحت ذلك النار قد قرنت في سلسلة الوليد بن المغيرة وأبوجهل ومعاوية ويزيد وقرن بهم قردة الشياطين، فهم أشد أهل النار عذاباً. ثم قال صلى الله عليه وآله: إرفع رأسك، فرفعت فإذا أبواب السماء مفتحة وإذا الجنة أعلاها، ثم صعد رسول الله ومن معه إلى السماء ، فلما صار في الهواء صاح بالحسين: يا بني الحقني، فلحقة الحسين، فصعدوا حتى رأيتهم دخلوا الجنة من أعلاها. ثم نظر إلىَّ رسول الله صلى الله عليه وآله من هناك وقبض على يد الحسين وقال: يا جابر هذا ولدي معي هاهو هنا، فسلم له الأمر ولا تشك فتكون مؤمناً. قال جابر: فعميت عيناي إن لم أكن رأيت ما قلت عن رسول الله صلى الله عليه وآله.

(تتميم نفعه عميم)

يعجبني ذكر كلام من مدعي العلم والفضل بالتاريخ، وهو الشيخ محمد

خضري بك المصري المفتش بوزارة المعارف ومدرس التاريخ الاسلامي بجامعة مصر، ونحن نذكر كلامه بنصه ثم نذكر ما فيه من المؤاخذة، قال في الجزء الثاني من كتاب (محاضرات في تاريخ الأمم الاسلامية): لما حضر معاوية الموت قال لابنه يزيد: إني لست أخاف أن ينازعك في هذا الأمر إلا أربعة من قريش الحسين وعبدالله بن عمر وعبدالله بن الزبير وعبدالرحمن بن أبي بكر ، فأما ابن عمر فإنه رجل قد وقذته العبادة(1)فإذا لم يبق أحد غيره بايعك، وأما الحسين فهو رجل خفيف ولن يتركه أهل العراق حتى يخرجوه فإن خرج وظفرت به فاصفح عنه فإن له رحماً ماسة وحقاً عظيماً وقرابة من رسول الله.

ثم قال : وبذلك الشكل المحزن انتهت هذه الحادثة التي أثارها عدم الأناة والتبصر بالعواقب، فإن الحسين رمى بقول مشيريه عرض الحائط وظن بأهل العراق خيراً وهم أصحاب أبيه وقد كان أبوه خيراً منه وأكثر عند الناس وجاهةً وكانت له بيعة في الأعناق، ومع كل ذلك لم ينفعوه حتى تمنى في آخر حياته الخلاص منهم. أما الحسين فلم تكن له بيعة ولم يكن في العراق عماله وأمراؤه، فاغتر ببعض كتب كتبها دعاة الفتن ومحبو الشر، فحمل أهله و أولاده وسار إلى قوم ليس لهم عهد. وانظروا كيف [...] الذي صار به، هل كان إلا من أهل العراق وهم الذين يرفعون عقيرتهم بأنهم شيعة علي. وعلى الجملة فالحسين أخطأ خطأ عظيماً في خروجه الذي جرّ على الأمة وبال الفرقة والاختلاف وزعزع عماد ألفتها إلى يومنا هذا. وقد أكثر الناس من الكتابة في هذه الحادثة لا يريدون بذلك


1) (1) أي تركته العبادة عليلاً لا يقدر على شيء.

إلا أن تشتعل النيران في القلوب فتشتد تباعدها.

غاية ما في الأمر إن الرجل طلب أمراً لم يتهيأ له، ولم يُعدَّ له عُدَّتَه، فحيل بينه وبين ما يشتهيه، وقُتل دونه، وقبل ذلك قتل أبوه فلم يجد من أقلام الكاتبين إلا من يتسع أمر قتله ويزيد به نار العداوة تأجيجاً، وقد ذهب الجميع إلى ربهم يحاسبهم على ما فعلوا.

و التاريخ يأخذ من ذلك عبرةً، وهي أنه لا ينبغي لمن يريد عظام الأمور أن يسير إليها بغير عدتها الطبيعية، ولا يرفع سيفَه إلا إذا كان معه من القوة ما يكفل له النجاح أو يقرب من ذلك، كما أنه لابدّ أن تكون له أسباب حقيقية لمصلحة الأمة، بأن يكون هناك جور ظاهر لا يتحمل وعَسْفٌ شديد ينوء الناس بحمله . وأما الحسين فإنه خالف على يزيد وقد بايعه الناس ولم يظهر منه ذلك الجور ولا العسف عند إظهار هذا الخلاف.انتهى .

وقال أيضاً: إن يزيد كان كثيراً يطلب الصيد، وإنما عابه من عابه من هذه الجهة لأنه ليس من عادة العرب فيعيبونه.

وقال في موضع آخر: إن المقتولين من أصحاب الحسين اثنان وسبعون والمقتول من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون.

( أقول): كما أن حب الشي يعمي ويصم كذلك بغض الشئ يعمي ويصم، فإن هذا الرجل قد أعمى حبُّ بني أمية إحدى عينيه وبغض آل الرسول عينه الأخرى، وهما قد أعميا قلبه . فإن هذا الكلام وأمثاله لا يصدر ممن له علم بالتاريخ، بل لا يصدر من مسلم نظر فيها صنفه علماء الاسلام من كتب الأحاديث والتواريخ كالصحاح الستة وتاريخ الجزري والطبري والأخبار الطوال وأخبار الدول وغير ذلك ممّا ألفوه غير كتب الشيعة وتواريخهم، بل لا يصدر ذلك ممن

رأى ماكتبه اليهود والنصارى والبوذيين ، فإنهم أثنوا في كتبهم على الحسين عليه السلام غاية الثناء ، بل قالوا : إنه يجب على الحسين بمقتضى مذهبه مخالفة يزيد والمسير إلى الكوفة ، بل عدوا ذلك من الأمور الطبيعية ، فهذا المعترض إما جاهل أو متجاهل عامد أو متعمد.

و من عجيب أمره أنه قال: لا عيب ليزيد في خلافته إلا أنه كثيراً ما يطلب الصيد وهذا ليس من عادات العرب فتعيبوه. ياليت أن المعترض نظر في كتب أصحابه وأهل نحلته وطريقته وقد صرحوا وملأوا الطوامير بأن يزيد كان يشرب الخمر جهاراً ويلعب بالكلاب ويقتل النفس المحرمة وأمثال ذلك، حتى أنهم اختلفوا-على ما في الصواعق المحرقة وغيره(1)- في كفره، والأكثرون على كفره، والقائلون باسلامه قاطعون بفسقه، وأنه هل يجوز لعنه أم لا، و الأكثرون على جوازه، بل لا قائل بعدم جواز لعنه إلا الغزالي، وقد أكثر القول في ذلك ابنُ حجر في صواعقه وغيرُه في غيره، وصرحوا أيضاً أن من كان حاله هذا لا يجوز أن يكون أمير المسلمين ووالياً عليهم، وإنما عرفوا منه ذلك قبل أن يكون والياً بل في زمان أبيه معاوية .

فقوله « لم يظهر منه ذلك الجور والعسف عند إظهار هذا الخلاف» غلط واضح ومخالف لما ذهب إليه علماء الاسلام، وإنما بايعه من بايعه إما خوفاً على نفسه أو طمعاً في رئاسته كما نطق به التاريخ.

وحينئذ فنقول للمعترض : إن قوله «إن هذا وأمثاله لا ينافي ولاية المسلمين والامارة عليهم» خلاف اجماع المسلمين ، فإنهم قاطبة ذهبوا إلى أن ولي الأمر


1) (1) الصواعق المحرقة ص 131.

يجب أن يكون محافظاً على ظواهر الشرع مراعياً للشؤون الدينية غير متجاهر بما ينا في الدين، إذ المتجاهر بما ينافيه خارج عن ربقة الاسلام، ومن خرج عنها كيف يمكن أن تكون إمارته شرعية موافقة للدين ، وكيف يكون والياً للمسلمين. وما ذكرناه لا يخفى على كل من راجع التواريخ والسير وسبر بطون كتب العامة والخاصة.

و حاصل اعتراض المعترض ينحل إلى أمرين: أحدهما إباؤه عليه السلام وامتناعه عن بيعة يزيد وأنه لم يبايعه وقد بايعه الناس، الثاني مسيره إلى الكوفة مع قلة أنصاره وعلمه بنفاق أهلها ومعاملتهم مع أبيه وأخيه .

( الجواب عن الأول ) نقضاً وحلاً:

أما النقض فبجده وأمه وأبيه وأخيه:

أما جده صلى الله عليه وآله قام بأمره وحيداً فريداً ولم يتبع سبيل المفسدين، وخالفهم ولم يبايعهم ولم يتابعهم، وتحمل الأذى من مخالفيه وصبر على ذلك حتى بلغ أمره ما بلغ على غير مجرى الطبيعة، فإنه بمقتضى الطبيعة لا يجوز له خلافهم ومعارضتهم ودعوتهم إلى التوحيد ونبذ الأصنام التي ألِفُوا عبادتها منذ عرفوا ذلك قد نال مرامَه في تبليغه وحصل مقصودَه على غير مجرى الطبيعة بل بتأييد من الله تعالى ونصر إياه . وهذا أمر بديهي غاية البداهة يعرفه كل مسلم قرأ شيئاً من سيرة النبي صلى الله عليه وآله .

و أما أمه سلام الله عليها ، فإنه قد ثبت في محله أن البيعة كما تجب على الرجال تجب على النساء أيضاً، وحديث بيعة النساء للنبي صلى الله عليه وآله والخليفة الأول مشهور مسطور في كتب الفريقين. وأما فاطمة فلم تبايع توفيت، ولذا قد استشكل عليهم بالحديث المروي عن طرق العامة والخاصة «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة الجاهلية» وأنها ماتت ولم تبايع فلم

تكن تعترف بامامة القائم بالأمر في عصرها.

وأما أبوه عليه السلام فقد صح وتحقق أنه أيضاً لم يبايع ستة أشهر حتى توفيت فاطمة عليها السلام، فعندها بايع كرهاً مخافة أن يرتدَّ الناسُ عن دينهم .

و أما أخوه عليه السلام فإنه ما بايع معاوية ولم يصدق أنه أولى منه لولاية المسلمين، فإنه بعد الجائه واضطراره صالح معاوية بتصديه لأمور المسلمين مع شروط لم يف بها معاوية، ومن تلك الشروط - على ما في كتب الفريقين - أن يسلم أمر المسلمين بعده إلى الحسن ولا يعيّن أحداً لهذا الأمر، وقد خالف معاوية هذا الشرط وأخذ البيعة لابنه يزيد كرهاً وجبراً، حتى جاء في التواريخ أن معاوية نفسه بايع ابنه يزيد ومات ولم يكن خليفة للمسلمين. وما فعله مخالف للقواعد الاسلامية بل مخالف للعقل والنقل. ولا يهمنا التفصيل في الموضوع أكثر مما ذكرنا في هذه الرسالة.

وأما الحل: فبأن خلافَة يزيد وولايَته على المسلمين ليست على أصول الولاية والخلافة حتى يجوز أو يلزم بيعته، وبيان ذلك: إن الخلافة والولاية على المسلمين إما من الله ورسوله و النص منه وكون الولى منصوباً من الله وخليفة منه تعالى كما قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً)(1)، وعليه كل من بايع الحسين عليه ) السلام وتابع إلى اليوم فيكون ولياً من الله تعالى على خلق الله. وإما من الخلق، بأن يجتمع الناس كلهم ! جلهم أو أغلبهم على أن شخصاً معيناً يكون خليفةً عليهم وولياً لهم، كما عليه أهل السنة والجماعة، فيكون ولياً من المسلمين عليهم.

و في كلا القسمين من الخلافة يُعتبر شروط خاصة بنظر الجاعل: فعلى الأول


1) (1) سورة ص : 26 .

فالشروط من الله تعالى بأن يكون معصوماً وأعلم من غيره وغيرهما من الشروط، وعلى الثاني فيشترط فيه أن يسير بسيرة النبي صلى الله عليه وآله وسيرة الشيخين وأمثال ذلك .

وقد مر عند ذكرنا للبيعة: أن بيعة الناس لأبي بكر كان على أن يسير بسيرة النبي ولعمر على أن يسير بسيرة أبي بكر، وهكذا ... وأما خلافة يزيد فلم تكن من الله ورسوله ولا باجماع المسلمين، بل كان بأمر من أبيه معاوية بعد أن بدّل الخلافة بالسلطنة وبايعه نفسه على ذلك كما تابعه الناس بأمره على السلطنة لا على الولاية. مضافاً إلى أنه لم يكن بسيرة الشيخين على ما هو المعهود والمشاهدَ منه قبل سلطنته وبعدها من ارتكاب أنواع المحرمات و الفواحش وشرب الخمور جهاراً وأمثال ذلك.

فتحقق من ذلك كله أنه لا يرد على الحسين عليه السلام أنه لِمَ لَم يبايع يزيد وقد بايعه الناس، بل الإشكال يرد على الكاتب بأنه كيف يرى وجوب البيعة ليزيد ولم تثبت شرعية خلافته وإمرته؟

(والجواب عن الثاني) وهو مسيره عليه السلام إلى الكوفة مع قلة الأنصار وهو يعلم نفاق أهلها وما فعلوه بأبيه وأخيه عليهما السلام:

إن قلنا إن الحسين عليه السلام رجل الهي معصوم من الخطأ والزلل-كما عليه كل من بايعه و تابعه واعتقد أنه إمام مفترض الطاعة لا يسأل عما يفعل وهم مسؤولون -فواضح لا يحتاج إلى دليل وبرهان. وإن قلنا أنه رجل عاقل فوق العادة ذكي يدرك دقائق الأمور بأدنى تأمل ويرى بواطن الأشياء ويلتفت إلى مالا يلتفته أكثر الناس، فنسبة الخطأ إلى مثل هذا الرجل خطأ عظيم.

و أما إن قلنا بأنه رجل عادي فنقول : كان يجب على مثله أن يسير إلى

الكوفة ، لأنه بعدما علم أنه لو بايع يزيد يُقتل، ولو لم يخرج من مكة يُقتل، ولو سار إلى الكوفة يقتل أيضاً، إلا أن في مسيره يحتمل تأخير قتله أو عدمه، لكان الواجب عليه المسير إليها لاحتمال دفع الضرر أو تأخيره، كما هو مقتضى الطبيعة والعادة في نوع البشر .

أما أنه لو بايع لقُتل، فقد رأى أخاه الحسن عليه السلام أنه سلم الأمر إلى معاوية وصالح معه واعتزل الخلافة وصبر على الأذى وتحمل ما ينوء عنه غيره، ومع ذلك كله قتلوه بالسم على ما نص عليه تواريخهم وأثبت في كتبهم، وإن الذي دس إليه السم وقتله هو معاوية كما صرح به جلهم، أو يزيد على ما نسب إليه بعضهم. ومع هذا كيف يجوز له بيعته مع علمه بأنه يقتله.

و أما أنه لو بقي في مكة لكان يُقتل أيضاً، فقد ذكر في كثير من التواريخ أنه ورد مكة في يوم التروية أو قبله عمرو بن سعيد الأشدق والي مكة في جيش عظيم، وكان مأموراً بقبض الحسين وقتله ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة .

وأما و أما أن في مسيره إلى الكوفة كان يحتمل عادة دفع الضرر أو تأخيره، فلما صرح المعترض ونطقت به التواريخ والكتب من الفريقين بأن أهل الكوفة كتبوا إليه وطلبوا منه و ألحوا على المسير إليهم، حتى اجتمع عنده (علیه السلام) اثنا عشر ألف كتاباً بعث إليهم من وثق به ليطلع على حالهم وإن كتبهم توافق ما في قلوبهم أولا، فكتب إليه رسولهُ ومن وثق به أنه بايعه ثمانية عشر ألف أو ستون ألفاً، وأن قلوبهم توافق ألسنتهم. فاطمأن بحسب العادة الطبيعية أن له فى الكوفة عدةً وقوةً تنكفل نجاحه عادة.

فقول المعترض «اغتَّر ببعض كتب كتبها دعاةُ الفتن و محبو الشر» غلط واضح صدر جهلاً أو تجاهلاً، فإن مثل حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وعابس بن

شبيب لا يمكن أن يقال إنهم من دعاة الشر. وسنذكر أن أكثر من قُتل معه في الطف هم من الذين كاتبوه وبايعوا مع مسلم بن عقيل، كما مر أن نحواً من خمسمائة شخص من أشراف الكوفة كانوا بمكة وألحوا على الحسين بالمسير إليهم .

و قول المعترض «رمى بقول مشيريه عرض الحائط وظن بأهل العراق خيرا»ً أيضاً غلط واضح، وقد مرّ أن المشيرين له بالبيعة أو عدم المسير إلى الكوفة هم عمر بن علي وعبد الله بن الزبير وعبدالله بن عمر وابن عباس وجابر عبدالله ومحمد بن الحنفية وأم سلمة، فأجابهم عليه السلام بما ألزموا به وسكتوا، وأين هؤلاء وخمسمائة نفر من أشراف الكوفة واثنا عشر ألف كتاب، وهو عاقل يأخذ بقول هؤلاء العدد من المشيرين ويترك ذلك العدد من الأشراف و الكتب ؟

ولو كان عليه السلام أخذ بقول هؤلاء المشيرين وترك قول المسلمين وكتبهم وبقي في مكة وقتل، لقال هذا المعترض: إن الحسين قد أخطأ في قبول قول نفر معلوم حالهم وترك قول خمسمائة واثني عشر ألف كتاباً. فأي أمر طبيعي أو عادي يحمل الانسان على جريه مجراه أعظم وأقوى مما حصل للحسين عليه السلام في مسيره إلى الكوفة، وأي عاقل لو حصل له في إنجاح مقصوده من الأمور الطبيعية والعادية ما يحصل مثل ذلك أو أقل منه ترك مقصوده، بل يذمه العقلاءُ ويلزمه ترك مقصوده والوقوف باحتمال الخلاف والمخالفة.

وبالجملة، فأمر الحسين عليه السلام ومسيره إلى الكوفة كان من الأمور الطبيعية العادية، لا يلومه العقلاء ولا يذمونه بعد الاطلاع على كيفية مسيره.

و المعترض كيف يعترض على الحسين بمسيره إلى الكوفة ويقول: أخطأ خطأ عظيماً، ولم يعترض على معاوية ولم ينسبه إلى الخطأ في معارضته لعلي عليه

السلام، مع تصديق المعترض وكل مسلم ومسلمة أن علياً كان إمامَ المسلمين وخليفَتهم ووليَّهم وخاصمه معاوية وقاتله في صفين. وغاية ما يقول فيه كما قاله العسقلاني وغيره: أن معاوية مجتهد قد أخطأ في اجتهاده، و أن للمخطىء أجر واحد وللمصيب - وهو علي -أجران، كما صرَّح بذلك في كتابه الصواعق المحرقة. وهذا جار في الحسين عليه السلام أيضاً، إذ باجتهاده سار إلى الكوفة، ولو أخطأ-بزعم المعترض-كان له أجر واحد .

و أعجب من ذلك أن المعترض لا يقول بأن معاوية كيف جعل ابنه يزيد خليفة على المسلمين وهو ابنه ويعلم من حاله أنه فاسق متجاهر بالفسق. ولا يمكن أن يقال: إن هذا أيضاً خطأ في اجتهاده مع علمه بحال ابنه، وما دعاه إلى ما فعل إلا الحب لولده والبغض لآل الرسول .

و أعجب من هذا كله قول المعترض «إن في مسيره إلى الكوفة جرى على الأمة وبال الفرقة والاختلاف في تزعزع الألفة إلى يومنا هذا» !

يا ليت المعترض نظر إلى ما كتبه المسيحيون في تاريخ الاسلام بل المسلمون في تواريخهم: أن أول فتنة جرت على الاسلام وزعزعت أركانه وأوقع الاختلاف بين المسلمين وجرى و باله على الأمة إلى يومنا هذا خلافة معاوية ومعارضته لعلي عليه السلام ومقاتلته معه. ولو أغمضنا عن ذلك ونظرنا بعين الإنصاف نعرف بأدنى تأمل أن الفتنة كل الفتنة التي جرّت الويلات على الاسلام والمسلمين إلى يوم الناس هذا جاءت من خلافة يزيد وتصديه لأمور المسلمين، فإنه في السنوات الثلاث من خلافته أعلن الكفر والنفاق بقوله «لا خبر جاء ولا وحي نزل»، وفعل بأهل المدينة ما فعل، حتى أنه دعاهم إلى أنهم عبيده وإماؤه ، وفعل بمكة ما فعل مما هو معروف مشهور. ومع هذا لا يقول المعترض بأن وبال خلافة

يزيد على الأمة جارية سارية إلى هذا اليوم.

ومن سخافات هذا المعترض أن يقول: وقد أكثر الناس من الكتابة في هذه الحادثة لا يريدون بذلك إلا أن تشتعل النيران في القلوب فيشتد تباعدها فلم يجد من أقلام الكاتبين إلا من يشيع أنه قتله ويزيد به نار العداوة تأججاً.

و قد سبقه إلى ذلك ابن حجر في صواعقه (1)حيث قال بعد ما نقل عن الغزالي وغيره: إنه يحرم على الواعظ وغيره رواية مقتل الحسن والحسين وحكاية ما جرى بين الصحابة من التشاجر والتخاصم، فإنه يهيج على بغض الصحابة والطعن فيهم، إلى أن قال: وما ذكر من رواية مقتل الحسين وما بعد فيما ذكرت في هذا الكتاب، لأن هذا البيان الحق الذي يجب اعتقاده من جلالة الصحابة وبراءتهم من كل نقص، بخلاف ما يفعله بعض الوعاظ الجهلة، فإنهم يأتون بالأخبار الكاذبة الموضوعة ونحوها ولا يبينون المحامل والحق الذي يجب اعتقاده، فيوقعون العامة في بغض الصحابة وتنقيصهم - انتهى .

وليت شعرى من أراد بقوله «أكثر الناس» من الكناية، وهل هم إلا أهل نحلته ومذهبه ومسلكه من العلماء والفقهاء وأهل الفضل والدراية والحديث، وهم الذين أسسوا أساس الدين والمذهب هل الكتابة إلا الصحاح والتواريخ المعتبرة من زمن الخلفاء الراشدين إلى يومنا هذا، وهل يجرؤ أحد إسناد الكذب والافتراء عليهم بأجمعهم، وهل يمكن الإسناد إلى ابن حجر وأبي إسحاق الاسفرايني والطبري والجزري وأمثالهم أن مقصودهم في ذكر مقتل الحسن والحسين إشعال النيران في القلوب فيشتد تباعدها أو الاتساع في قتله ويزيد به


1) (1) الصواعق المحرقة ص 133 س 32.

نار العداوة والبغضاء. حاشا ثم حاشا .

و ما ذكر في كتب الشيعة أكثره مأخوذ من كتب العامة خصوصاً في مقتل الحسين عليه السلام. وهذا واضح لمن نظر في مؤلفات الفريقين، حتى قيل أن ما أخفوه أكثر مما ذكروه.

و ما ذكره الغزالي من حرمة رواية مقتل الحسن والحسين، تفسيق لجل المصنفين والرواة ممن كان قبله ومن كان بعده إلى الآن، لارتكابهم - على قوله - المحرَّم. وليت شعري إن في ذكر مقتل الحسن والحسين أي طعن على الصحابة وأي نقص عليهم، أما قاتل الحسين فليس بصحابي إجماعاً واتفاقاً، وأما قاتل الحسن فنسب ابن حجر في الصواعق (1)قتله إلى يزيد أيضاً. وأما على قول الأكثر بأن معاوية هو الذي سمه فليس هذا إلا طعناً بمعاوية خاصةً ، فيعتذر فيه ما يعتذر في سائر أفعاله .

وبالجملة، فليس في ذكر مقتل الحسن والحسين عليهما السلام طعناً على الصحابة وإشعال النيران في القلوب وازدياد نار العداوة بأكثر من الطعن على الصحابة في ذكر مقتل عثمان باتهام شركة بعض الصحابة في دمه ثم الأخذ بثاره ممن أسهم فيه الشركته في قتله وإشعال النار في القلوب وازدياد العداوة إلى يومنا هذا، مع تصريحهم أن الصحابة كلهم عدول وثقات.

ثم إنه يظهر من كلام المعترض أن الحسين عليه السلام إنما قام بالأمر ونهض نهضته للشهوات النفسانية وطلب السلطان، ومقصوده ليس إلا الدنيا وطلب الرئاسة، ونزاعه مع يزيد دنيوي لا ديني. قال : إن الرجل طلب أمراً لم يتهيأ له


1) (1) الصواعق المحرقة ص 84 س 1 .

فحيل بينه وبين ما يشتهيه وقتل دونه وقبل ذلك قتل أبوه. بل نسب ذلك إلى أمير المؤمنين أيضاً.

ونحن نعذره في ذلك، إذ لم يعرف المعترض الدين وما الدين، والخلافة والولاية والسلطنة في نظره بمعنى واحد، وإن نزاع الحسين ومن قبله كله للدنيا والرئاسة، إذ ليس للدين عنده معنى إلا الرئاسة والسلطنة، وإلا فمن كان له أدنى شعور وميّز بين الدين والدنيا والولاية في الدين والسلطنة على المسلمين لا يتفوه بهذه الكلمة .

ثم نقول: أيها المعترض لو فرض أن الدين له معنى والولاية لها معنى تغاير السلطنة، وحينئذ فمن نظر إلى كتب تواريخ الاسلام من الفريقين-لا بل نظر إلى كتب المسيحين وغيرهم ممن كتبوا في تاريخ الاسلام وذكروا نهضة الحسين عليه السلام - يقطع بأن الحسين رجل ديني وكذا أبوه، ولم يكن قيامه ونهضته إلا للدين فراجع الكتب حتى تعرف هذه الحقيقة .

ولله درَّ العلائلي حيث نقح هذا المبحث تنقيحاً وأجاد فيه وجاء بما هو فوق المراد وقال فيما قال: إنه كان على الحسين واجباً أن ينهض ويسير إلى الكوفة . فراجع کتاب «سمو المعنى في سمو الذات» فهو أحسن من كتب في هذا الموضوع.

و لنذكر جملة من كلمات الفيلسوف المعروف مسيو بارالبين المسيحى تأييداً لما ذكرنا وإلزاماً للمعترض وأمثاله، فقال في رسالته «السياسة الحسينية» : أجمع المسلمون متفقين على حسن عقائدهم بالحسين، حتى أن الطوائف التي كانت تسيء القول في أبيه وأخيه تثني عليه وتمدحه، وكتبهم مشحونة من الملكات الحسنة وسجاياه السجية. إلى أن قال : إذا أردنا أن نقول في الحسين ما لا سبيل إلى إنكاره قلنا إنه أول شخص سياسي في ذلك العصر، ويمكن أن يقال: إنه ما

اختار أحد من أرباب الديانات مثل سياسته المؤثرة ، وكان أبوه علي حكيم الاسلام ومع ذلك لم يظهر منه مثل السياسة الحسينية .

إلى أن قال : وكان الحسين مع أنه بايع لأخيه الحسن لا يرى طاعة بني أمية ولا مخالفتهم، كان الحسين يعلن قائلاً : إني سأقتل في طريق الحق ولا أعطي بيدي للباطل ، وكان بنو أمية يخافونه ، ودام الخلاف حتى مضى الحسن وجلس يزيد مكانه على أصول ولاية العهد، لأن أصول أكثرية الآراء تركت بعد علي، غير أن ولي العهد يتعين برضى الأكابر ومبايعة رؤساء القبائل، رأى الحسين أن أمية بما تم لهم من السلطنة المطلقة ورئاسة الاسلام الروحانية شارفوا أن يزعزعوا عقائد المسلمين عن دين جده . ومن جهة أخرى علم أنهم بما اشتملوا عليه من العداوة القديمة لا يرعوون عن محو بني هاشم أطاعهم أم لم يطعهم، فصمم على أمر يحمل الناس على خلاف بني أمية، فإنه لما جلس يزيد بمكان معاوية أوجب الحسين على نفسه مخالفته . على هذا جد يزيد في أخذ البيعة ، وكذا الحسين لنجاح مقاصده العلية وطّن نفسه على الموت عالماً عامداً، أقدم على القتل بكيفية يهيج الاسلام وكل صاحب وجدان إذا اطلع على أوضاع ذلك الزمان ونفوذ بني أمية ووضع تزعزع الاسلام واستيلاء الأمويين على عموم المسلمين . صدق بلا توقف أن الحسين أحبى بقتله دين جده وقوانين الاسلام، ولولا هذه الواقعة وما نشأ بسبب قتل الحسين من هياج المسلمين ما كان الاسلام يبقى على حاله إلى الآن، وبما أن أفعال يزيد كانت في أول الاسلام أوشكت رسومه تنمحي وقوانينه تبدل دفعةً واحدةً.

إلى أن قال : وقد كره المسلمون حكومة بني أمية وسيرتهم وقلوبهم كانت متوجهة إلى الحسين، فمن يوم جلوس يزيد على أريكة الخلافة صمَّم على قتل

الحسين قبل كل أحد. وهذا أكبر غلط سياسي صدر من الأمويين ، وبهذا الخطأ السياسي محي اسمهم من صفحات التاريخ.

و أكبر دليل على أن الحسين سار إلى مقتله ولم تكن نهضته لاحراز السلطنة والرئاسة، هو أن الحسين بما له من العلم علم أن مقاومة يزيد غير ممكنة، لعدم استعداده لذلك وكثرة استعداد يزيد. ثم إن الحسين بعد أبيه كان يخبر بقتله، وساعة خروجه من المدينة كشف الغطاء وصرَّح بأنه يمضي للقتل، ولأجل إتمام الحجة على أصحابه أعلمهم بذلك جميعاً ليترك صحبته من طمع في نيل الجاه والجلال .

إلى أن قال: ولا يخفى أن الحسين عليه السلام بالمحبة التي كانت له في قلوب المسلمين لو أراد القوة لجمع حوله الجيش العظيم، ولو قتل في هذه الحالة لقيل إنه قتل في طلب السلطنة ولم تثبت مظلوميته المبيحة لتلك الثورة العظمى، ولذا لم يترك معه سوى الذين لا يمكن انفكاكهم عنه كولده وإخوته وأولاد إخوته وبني عمه وعدة من خواص تابعيه الذين أذنهم في الانصراف فلم ينصرفوا، هؤلاء أيضاً كانوا عند المسلمين موصوفين بالقدسية والجلالة ، وقتلهم مع الحسين زاد في عظم تلك الواقعة وشدة تأثيرها.

و علم الحسين أن بني أمية لشدة عداوتهم له ولأهل بيته سيأسرون بعد قتله نساءه وأطفاله، وهذا يزيد في تأثير الواقعة في نفوس المسلمين وخصوصاً العرب، كما وقع ذلك بأن أفعالهم الظالمة ومعاملاتهم القاسية مع حزبهم وأطفال نبيهم أثر في قلوب المسلمين تأثيراً لم يكن أقل من قتل الحسين وأصحابه، ولهذا أجاب الحسين أصدقاءه المانعين له من سفر العراق قال اني أمضي للقتل، وبما أن أفكارهم كانت محدودة ولم يطلعوا على مقاصد الحسين الجليلة ألحوا عليه بعدم

المسير ، فكان آخر جواب له ان الله شاء ذلك وجدي أمرني به. ولما قالوا هب إنك تمضي للقتل فما وجه حملك النساء والأطفال، أجابهم إن الله شاء أن يراهن سبايا، ولم يمكنهم الردّ على ما قاله.

كل ذلك يدل على أن الحسين لم يخطر بباله سوى إجراء مقاصده الدينية، ولم يتحمل هذه المشاق لنيل السلطنة الدنيوية. وأيضاً لم يقدم على هذه الهلكة العظمى عن غير علم كما توهمه بعض مؤرخينا. إلى أن قال: وبآخر لمحة سياسية في شأن طفله الرضيع حيّر عقول أولى النهى.

إلى أن قال: ثم إن الحسين بوفور عقله وسياسته إلى حين قتله لم يرتكب أمراً يلجيء بني أمية إلى مقاومته، فإنه مع ما كان له يومئذ من نفوذ الكلمة والقدرة لم يتغلب على بلد من بلاد الاسلام ولم يحمل على محل حكومة ليزيد. نعم قبل أن يظهر منه خلاف أو يسلك قصد الفتنة حاصروه في فلاة مجدبة، ثم إن الحسين ما قال قط إني سلطان أو أريد السلطنة. انتهى ما أردنا ذكره من مقالة هذا المسيحي.


ولا بأس أن نختم المقال بذكر ما ورد في المقام عن الأئمة الهداة عليهم السلام في علة سفر الحسين عليه السلام إلى العراق :

1 - قال الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه (1): حدثني أبي رحمه الله، وعلي بن الحسين، جميعاً عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن أبي الصَّهبان، عن عبدالرحمن بن أبي نجران، عن عاصم بن حميد، عن فضيل الرسان، عن أبي سعيد


1) (1) كامل الزيارات ص 72.وقريب منه في تاريخ الطبري 385/5.

عَقيصَىَ قال: سمعتُ الحسينَ بن علي عليه السلام وخلا به عبدالله بن الزبير وناجاه طويلاً . قال : ثم أقبل الحسين بوجهه إليهم و قال: إن هذا يقول لي كن حماماً من حمام الحرم، ولئن أقتل بيني وبين الحرم باع أحب إلي من أن أقتل وبيني وبينه شبر، ولئن أقتل بالطف أحب إلي من أن أقتل بالحرم.

(بیان):

عقيصَى بفتح العين والقاف قبل الياء المنقطة والصاد، لقب دينار التيمي من بني تيم الله من ثعلبة، تابعي مشهور ويكني بأبي سعيد. وقد يقرأ «عقيصان» بالنون، والأول هو الأصح، ذكره الشيخ في أصحاب علي والحسين عليهما السلام (1).

قوله «هذا يقول لي» يعني ابن الزبير يمنعني عن المسير ويشير عليَّ الاقامة بمكة ويقول لي كن حَماماً (2)، وفي هذا التعبير إشارة إلى أن الرجل لابدّ وأن يكون متحركاً في أمر الله تعالى و ترويج دينه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإرشاد الجاهل وتنبيه الغافل، وأن يكون سائراً في البلاد لاصلاح أمر العباد وقضاء حوائجهم وإنقاذهم من الهلكات ونجاتهم عن الشدائد، ويعلمهم ما يصلح معادهم ومعاشهم، ويعينهم على أمر آخرتهم ودنياهم ويظهر لهم علمه، لا أن يكون كالحمام همته الماء والرزق والراحة وغاية مقصده العبادة لينقذ نفسه و يصلح شخصه كحمام الحرم ومن يجلس في بيته تاركاً للدنيا ويتخذ الرهبانية


1) (1) رجال الطوسي ص 40 و 76 . وانظر أيضاً أعيان الشيعة 428/6.

2) (2) يوصف بعض الزهاد بأنه حمام الحرم، يريدون المبالغة في زهده ولزومه للحرم الشريف ليلاً ونهاراً . كما كان الزبير كذلك قبل قيامه لكسب مقام الخلافة .

المذموة وسيلة لنجاة نفسه .

وقد ورد في باب قضاء الحوائج والمسير إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: إن لكل خطوة ثواب عبادة سنة أو أزيد، بل لكل خطوة ثواب مائة عابد، ولهذا قال عليه السلام ولأن أقتل في مسيري في ترويج الدين وبيني وبين الحرم باع أحب إليَّ من أن أقتل وبيني و بينه شبر .

قوله «بالطف». الطف هو البحر وساحل البحر وجانب البر، ومنه الطف الذي قتل فيه الحسين عليه السلام، سمى به لأنه طرف البر مما يلى الفرات - قاله في مجمع البحرين، ولا يخفى لطفه.

2 - وقال الشيخ في كامل الزيارات بعد نقل الروايات المتقدمة (1): وعنهما ، عن سعد، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال عبد الله بن الزبير للحسين عليه السلام: لو جئت إلى مكة فكنت بالحرم. فقال الحسين: لا نستحلها ولا تُستحل بنا، ولئن أقتل على تل أغْفَر أحب إليّ من أن أقتل بها .

(بیان):

يظهر من الرواية أن ملاقاة عبد الله بن الزبير له عليه السلام كان بعد خروجه من مكة.

قوله «ولا تستحل بنا» إشارة إلى أن استحلال مكة بغيرهم عليهم السلام وهو عبد الله بن الزبير .

قوله « تلّ أعْفَر» في المجمع : التل من التراب معروف وهو الرابية ، والجمع


1) (1) کامل الزيارات ص 72.

تلال مثل سهم و سهام. والأغفَر الرمل الأحمر ، وكثيب أغفَر ذو لونين الحمرة والبياض . وتل أعفر بموضع من بلاد ديار ربيعة . وفيه أيضاً إشارة إلى أن موضع قبره عليه السلام عند الرمل الأحمر ، وهو كذلك .

وقال الشيخ في الكامل (1): حدثني أبي رحمه الله، ومحمد بن الحسين، عن بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبيه، عن أبي الجارو ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : إن الحسين خرج من مكة قبل التروية بيوم، فشيّعه عبد الله بن الزبير فقال: يا أباعبدالله لقد حضر الحج وتدعه وتأتي العراق ؟ فقال: يابن الزبير لئن أدفن بشاطىء الفرات أحب إليَّ من أن أدفن بفناء الكعبة .

(بیان):

قوله «خرج من مكة قبل التروية بيوم» الظاهر أنه خرج من البلد ونزل خارجه على ما هو المرسوم، فلا ينافي ما دل واتفقوا عليه أنه عليه السلام خرج من مكة يوم التروية .

قوله «لأن أدفن» صريح في تعيينه عليه السلام موضع قبره وأن شاطىء الفرات أفضل من فناء الكعبة . وسيأتي في ذلك زيادة بيان إنشاء الله تعالى.

فصل

اشارة

(في خروجه عليه السلام من مكة)

قال الشيخ الشهيد أبو علي محمد بن أحمد بن علي الفتال النيسابوري في روضة


1) (1) کامل الزيارات ص 73 .

الواعظين (1): ولما أراد الحسين عليه السلام التوجه إلى العراق طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلَّ من إحرامه وجعلها عمرةً لأنه لا يتمكن من إتمام الحج، وكان قد اجتمع إليه مدة مقامه بمكة نفرٌ من أهل الحجاز ونفرٌ من أهل البصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه من مكة وخرجوا معه إلى العراق.

وقال أبو إسحاق الاسفرايني واهتم الحسين وأخرج الجمال وحمل عليها الأحمال وركب عليها جميع النساء والأطفال، وسار وسارت معه عشيرته، وخرج من مکه ومعه سبعة عشراً ذكراً من أهل بيته، وهم أولاده وإخوته وأولاد أعمامه، وستون رجلاً من أصحابه منهم الفارس ومنهم الراجل، وسار الجميع بنسائهم وعيالهم مع الحسين.

و في كتاب المخزون في تسلية المحزون: ومعه اثنان وثمانون رجلاً من شيعته ومحبيه ومواليه و أهل بيته، ومثله في مطالب السؤل وغيره.

و في تاريخ الأعثم الكوفي والمخزون: جمع الحسين عليه السلام أصحابه الذين قد عزموا على الخروج معه، وأعطى كل واحد منهم عشرة دنانير وجملاً يحمل علیه راحلته وزاده(2).

وكان خروجه عليه السلام - على ما صرح به الأكثر-التروية لثمان مضت من ذي الحجة سنة ستين، وهو المصرَّح به في الكتاب الذي كتبه إلى أهل الكوفة وأرسله مع عبد الله بن يقطر، وفيه يقول عليه السلام

«وشخصتُ إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة».


1) (1) روضة الواعظين ص 177 .

2) (2) الفتوح لابن الأعثم 126/2.

فما في بعض المقاتل والتواريخ أن خروجه عليه السلام كان لثلاث مضت منذي الحجة اجتهاد في مقابل النص.

و العجب من السيد في اللهوف (1)حيث قال : وكان قد توجه الحسين من مكة الثلاثاء لثلاث مضين من ذي الحجة، وقيل يوم الأربعاء لثمان مضين من ذي الحجة سنة ستين قبل أن يعلم بقتل مسلم، لأنه عليه السلام خرج من مكة في اليوم الذي قتل فيه [مسلم بن عقيل] رضوان الله عليه. ضرورة أن هذا لا يجامع القول بأن الثلاثاء يوم الثلاث والأربعاء يوم الثامن، ولا يوافق القولان بأن عاشورا يوم الجمعة. نعم يوافق الأول مع الخميس على التمام والثاني يوم السبت على النقص والنهار يوافق الجمعة على النقص والسبت على التمام (2).

و ما ذكر أخيراً من أن خروجه عليه السلام يوم قتل مسلم. فيه أيضاً أن يوم الثامن يوم خروجه وهو يوم التروية ويوم قتله يوم التاسع وهو يوم عرفة على ما صرّح به جلّ العلماء في تواريخهم. فالصحيح الذي عليه جلّ المحدثين والمؤرخين أنه عليه السلام خرج يوم الثلاثاء وهو يوم التروية لثمان مضت من ذي الحجة سنة ستين . وقد مرّ أيضاً أنه عليه السلام لما عزم على الخروج قام خطيباً فقال: الحمد لله - إلى آخر ما مضى ذكره فيما سبق.

ثم إنني لم أر من صرح بأنه عليه السلام - سار إلى العراق من طريق المدينة ودخلها، إلا أن أبا إسحاق الاسفرايني قال بذلك في مقتله وتبعه بعض من تأخر عنه، ومن نظر في مقتله المطبوع يعرف أن فيه أكاذيب وأموراً على خلاف ما


1) (1) اللهوف ص 26 .

2) (2) يريد به الشهر التام إذا كان ثلاثين يوماً والناقص إذا كان تسعة وعشرين يوماً.

أجمع عليه الفريقان، ولا يهمنا نقل مجعولاته، ومن أراد فلينظر إلى مقتله فإنا لا نعتمد على ما تفرّد به (1).

و من نظر في كتب الفريقين وكيفية خروجه عليه السلام من المدينة وشرح منازله من مكة إلى العراق يعلم علماً قطعياً بعدم مسيره ثانياً إلى المدينة . وما قد يترائى منه من مكالمة محمد الحنفية وعبدالله بن جعفر وغيرهما قد مرّ أنها كانت يوم خروجه من مكة فيها، وسيأتي ما يدل على ذلك أيضاً. ولا يهمنا البحث في ذلك مع وضوحه، وإنما المهم تعيين منازله من مكة إلى كربلا وما وقع في كل منزل من الأحداث .

وقد اضطربت كلمات المؤرخين والمحدثين في ذلك، ونحن نذكر ما هو الحق والصحيح، و نشير إلى جملة من الاختلاف، فنقول وبالله التوفيق وعليه التكلان:

المنزل الأول : الأبطح

في المجمع: الأبطح مسيل وادي مكة، وهو مسيل واسع فيه دُقاق الحَصَى، أوله عند منقطع الشّعب بين وادي منى وآخره متصل بالمقبرة التي تسمى بالمُعَلَّى عند أهل مكة .

و في المراصد: الأبطح بالفتح ثم السكون وفتح الطاء والحاء، يضاف إلى مكة وإلى منَّى، لأن مسافته منها واحدة، وربما كان إلى منى أقرب، وهو اُلمحَصَّب، وهي خَيْف بني كنانة، وقد قيل إنه ذو طُوئً [وليس به](2)


1) (1) مقتل الاسفرايني يشبه الكتب القصصية في سرد الأحداث، ولا يشبه الكتب التاريخية في ذكر الحوادث.

2) (2) مراصد الاطلاع 17/1 . وانظر معجم البلدان 74/1.

و نذكر في ترجمة يزيد بن بُتَيْط البصري أنه كان له بنون عشرة، فدعاهم إلى الخروج معه إلى الحسين عليه السلام، فانتدب منهم إثنان عبدالله وعبيد الله ونفر من الشيعة منهم عامر، خرجوا من البصرة أيام سدّ الطريق فأتوا إلى الأبطح من مكة، فاستراح في رحله ثم خرج إلى الحسين وقد بلغه عليه السلام محبته، فجعل يطلبه حتى جاء إلى رحله فجلس في رحله ينتظره، وأقبل يزيد لما لم يجد الحسين في منزله وسمع أنه ذهب إليه راجعاً على أثره، فلما رأى الحسين في رحله قال: (بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا )(1)السلام عليك يابن رسول الله. ثم سلم عليه وجلس إليه وأخبره بالذي جاء له، فدعا له الحسين ثم ضم رحله إلى رحله ، وما زال معه حتى أتوا كربلا-كذا ذكره العسقلاني وغيره (2).

المنزل الثاني : التَنْعِيم

بفتح التاء المثناة من فوق وسكون النون وكسر العين وياء ساكنة ثم الميم، موضع بمكة في الحل، وهو بين مكة وسَرِف على فرسخين من مكة ، وقيل على أربعة فراسخ كذا في القمقام (3).

و في المراصد: موضع بمكة خارج الحرم، وهو أدنى الحلّ إليها، على طريق المدينة ، منه يحرم المكيون بالعمرة، به مساجد مبنية بين سَرِف ومكة على فرسخين، وقيل أربعة . وقال: لا خلاف بين الناس أنه على الثلاثة أميال من مكة (4).


1) (1) سورة يونس : 58 .

2) (2) أنظر إبصار العين ص 110 .

3) (3) القمقام 361/1 .

4) (4) مراصد الاطلاع 277/1 وانظر معجم البلدان 49/2 .

و في المجمع : موضع قريب من مكة ، وهو أقرب إلى أطراف الحِلّ إلى مكة، ويقال بينه وبين مكة أربعة أميال ، ويعرف بمسجد عائشة .

وقد مرّ أن هناك جاء عبدُالله بن عمر إلى الحسين فمنعه عن المسير فلم يمتنع.

وقد مرّ أيضاً مكاتبة عبد الله بن جعفر وعمرو بن سعيد بن العاص والي مكة إلى الحسين عليه السلام وجوابه على ذلك.

نقل الطبري (1)عن أبي مخنف عن عُقبة بن سِمعان: لما خرج الحسين عليه السلام من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد بن العاص، عليهم يحيى بن سعيد أخو عمرو بن سعيد. و في روضة الصفا: أرسل قوّاداً ومعه جيش يمنعونه عن المسير، فقالوا له: إنصرف أين تذهب، فأبى عليهم ومضى، فتدافع الفريقان فاضطربوا بالسياط، وامتنع الحسينُ عليه السلام وأصحابه عنهم امتناعاً قوياً، ومضى الحسين على وجهه فنادوه: يا حسين ألا تتقي الله تخرج عن الجماعة وتفرّق بين هذه الأمة، فتلى الحسين قول الله عز وجل (لي عَمَلي ولَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيُؤنَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأنا بَريءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ) (2).

وقال فيه أيضاً : انجر الأمر إلى الجدال والقتال، فلما بلغ ذلك إلى عمرو بن سعيد أرسل إلى رسوله بالامتناع من الجدال خوف الفتنة، فرجعوا.

و يظهر من بعضهم أن ذلك كان قبل التنعيم ، وهو بعيد جداً .

و يظهر من ابن عبدربه في العقد الفريد أنه لما بلغ عمروُ بنُ سعيد أن حسيناً


1) (1) تاريخ الطبري 385/5.

2) (2) سورة يونس : 41 .

خرج فقال : اطلبوه واركبواكلَّ بعير بين السماء والأرض فاطلبوه. وقال : فعجب الناس من قوله هذا و طلبوه فلم يدركوه (1). وهذا بعيد .

قال الطبري (2): قال أبو مخنف: قال عُقبة بن سِمعان: ثم إن الحسين أقبل حتى مرّ بالتَنعيم، فلقي بها عِيراً قد أقبل بها من اليمن، بعث بها بخير بن رَيْسان الحميري إلى يزيد بن معاوية وكان عامله على اليمن، وعلى العير الوَرْس والحلل، فأخذها الحسينُ عليه السلام فانطلق بها، ثم قال لأصحاب الإبل: لا أكرهكم، من أحب منكم أن يمَضي معنا إلى العراق أوفينا كراؤه وأحسنّا صحبَتَه ، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكراء على قدر ما قطع من الأرض. قال: فمن فارقه منهم حوسب فأوفى حقَّه، ومن مضى منهم معه ومن مضى منهم معه أعطاه كراءه وكساه .

و في اللهوف (3): تلقی عليه السلام بالتنعيم عِيراً تحمل هدية قد بعث بها بحير بن ريسان عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية، فأخذ الهدية لأن حكم أمور المسلمين إليه - إلى آخر ما مر .

(بیان ) :

العِير : قافلة الحمير ، ثم كثر حتى قيل لكل قافلة عِير .

الوَرْس صبغ يتخذ منه الحمرة للوجه، وهو نبات كالسمسم ليس إلا باليمن، يزرع فيبق عشرين سنة، نافع للكلب والتهق شرباً. وفي القانون: الوَرْس شيء


1) (1) العقد الفريد 377/4.

2) (2) تاريخ الطبري 385/5.

3) (3) اللهوف ص 30.

أحمر قان يشبه سحيق الزعفران .

والحُلل جمع حُلَّة بالضم، وفي المجمع وغيره: ولا يكون حُلَّةٌ إلا من ثوبين أو ثوب وبطانته .

و في بعض النسخ: بحير بن ريسان كان عامل يزيد على اليمن وعلى الوَرْس والحُلَل . وعليه فالوَرْس والحُلَل بلدان هناك كما يظهر من المراصد (1).

قوله في اللهوف « لأن حكم أمور المسلمين إليه» . هذا إنما يصح على رواية أبي مخنف الظاهرة في أن المحمول إلى يزيد من الأموال الخراجية والصدقات لا من الهدايا. وأما على ما صرح به رضوان الله عليه أن العير كانت تحمل هديةً وأخذ عليه السلام الهدية، فيحتاج في تطبيقه على القواعد إلى عناية أكثر، مثل أن يقال: إن بحير بن ريسان كان وكيلاً عن يزيد في أخذ الهدايا، فأخذ الهدايا من أهل اليمن فصار ملكاً ليزيد فأخذه عليه السلام استنقاذاً و استملاكاً من الكافر.

و الأولى أن يقال: إن بحيراً وأهل اليمن إنما أهدوا إلى يزيد بعنوان أنه خليفة المسلمين وولي أمورهم، وقد أخطأوا في التطبيق، ولما كان الحسين عليه السلام خليفة وولياً لهم أخذ الهدايا حقاً له. وهذا نظير تعارض الاسم والاشارة، ولعله هذا مراد السيد. ويمكن أن يقال هنا وجوه أخرى تظهر بالتأمل.

المنزل الثالث : الصِّفَاح

و هو بكسر الصاد المهملة والفاء وآخره حاء مهملة ، نزل به يومَ الجمعة لأحد عشر خلت من ذي الحجة .


1) (1) عد في مراصد الإطلاع 416/1 «حَلال» و «حَلَبان» و «حُلْبة» و«حَلْية » و «حَلى » مواضع في اليمين ، ولم نجد في الورس والحلل من بلادها كما ذكره المؤلف .

قال في معجم البلدان: إنه موضع بين حُنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مُشاش. قال: وهناك لقي الفرزدق الحسين بن علي عليه السلام (1).

أقول: اختلفت كلماتهم في موضع ملاقاة الفرزدق بعد اتفاقهم على الملاقاة.

قال سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص: إنه لقيه ببستان بني عامر، وقال محمد بن طلحة الشافعي وأعثم الكوفي (2): إنه لقيه في منزل شُقُوق، وهو على ما صرح به في المراصد منزل بطريق مكة بعد واقِصَة من الكوفة (3)، وقال في اللهوف والبحار (4): إنه لقيه في منزل زُبَالة بعد بلوغ خبر مقتل مسلم إليه، وقال الشيخ وجماعة: لقيه في الحرم (5)، وقال بعض : إنه لقيه قبل خروجه من مكة، وقال بعض المحدثين والمؤرخين: إنه لقيه في ذات عِرق، وقال الطبري وجمع كثير(6): إنه لقيه في الصّفاح، وقال السيد المعاصر في لواعج الأشجان وسبقه في ذلك بعض آخر: إنه لقيه مرتين مرة في الصّفَاح ومرة أخرى في زُبَالة بعد رجوعه عن الحج(7). وهذا ينا في ما سيأتي من رواية هشام والمختار ما حدَّثه أبو مخنف، لأنه أقدم وأضبط .

قال الطبري (8): قال أبو مخنف، عن أبي جَناب، عن عدي بن حرملة، عن


1) (1) معجم البلدان 412/3

2) (2) الفتوح لابن الأعثم 128/2 .

3) (3) مراصد الاطلاع 806/2.

4) (4) اللهوف ص 31 ، بحار الأنوار 374/44 .

5) (5) الارشاد للمفيد ص 201.

6) (6) تاريخ الطبري 386/5.

7) (7) لواعج الأشجان ص 87.

8) (8) تاريخ الطبري 386/5.

عبدالله بن سليم و المذري قالا: أقبلنا حتى انتهينا إلى الصّفاح، فلقينا الفرزدق بن غالب الشاعر، فواقف حسيناً فقال له: أعطاك اللهُ سؤلَك وأملَك فيما تحب . فقال له الحسين: بيّن لنا نبأ الناس خلفك. فقال له الفرزدق: من الخبير سألتَ، قلوب الناس معك وسيوفهم مع بني أمية والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء. فقال له الحسين: صدقتَ الله الأمر والله يفعل ما يشاء وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاءُ دون الرجاء فلم يعتد من كان الحق نيته والتقوى سريرته. ثم حرك الحسينُ راحلتَه فقال: السلام عليك، ثم افترقا.

قال الطبري : قال هشام، عن عَوانة بن الحكم، عن لبطة بن الفرزدق بن غالب، عن أبيه قال: حججتُ بأمي، فأنا أسوق بعيرَها حين دخلتُ الحرم في أيام الحج وذلك في سنة ستين، إذ لقيتُ الحسينَ بن علي خارجاً من مكة معه أسيافُه وتِراسُه، فقلت: لمن هذا القطار ؟ فقيل : للحسين بن علي . فأتيته فقلت: بأبي أنت وأمي يابن رسول الله ما أعجلك عن الحج. فقال: لو لم أعجل لأُخذت. قال: ثم سألني: ممن أنت ؟ فقلت له: امرؤ من العراق. قال: فوالله ما فتشني عن أكثر من ذلك واكتفى به مني . فقال : أخبرني عن الناس خلفك. قال: فقلت له: القلوب معك والسيوف مع بني أمية والقضاء بيد الله. قال: فقال لي: صدقتَ. قال: فسألتُه عن أشياءَ فأخبرني بها من نذور ومناسك . قال: وإذا هو ثقيل اللسان من بِرْسَام أصابه بالعراق . قال : ثم مضيت فإذا بفُسْطاط مضروب في الحرم وهيئته حسنة، فأتيته فإذا هو لعبدالله بن عمرو بن العاص، فسألني فأخبرته بلقاء الحسين بن علي، فقال لي: ويلك فهلا اتبعته، فوالله ليملكنّ ولا يجوز السلاح فيه ولا في أصحابه. قال: فهممت والله أن ألحقَ به ووقع في قلبي

مقالته ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم، فصدني ذلك عن اللحاق به، فقدمت على أهلي بعُسفان. قال: فوالله إني لعندهم إذ أقبلت عِيرٌ قد امتارت من الكوفة، فلما سمعت بهم خرجت في آثارهم حتى إذا أسمعتهم الصوتَ وعَجِلْتُ عن إتيانهم صرختُ بهم: ألا ما فعل الحسينُ بن علي. فردوا علي: ألا قد قتل. قال: فانصرفت وأنا ألعن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: وكان أهلُ ذلك الزمان يقولون ذلك الأمر وينتظرونه في كل يوم وليلة. وكان عبد الله بن عمرو يقول: لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتى يظهر هذا الأمر. قال: فقلت له: فما يمنعك أن تبيع الوَهْطَ. قال: فقال لي: لعنة الله على فلان - يعني معاوية - وعليك . فقلت : لا بل عليك لعنة الله. قال: فزادني من اللعن ولم يكن عنده من حشمه أحد فألق منهم شراً . قال: فخرجت وهو لا يعرفني.

و الوَهْط: حائط لعبد الله بن عمرو بالطائف. قال: وكان معاوية قد ساوم به عبدالله بن عمرو وأعطاه به مالاً كثيراً فأبى أن يبيعه بشئ. قال : وأقبل الحسين مُغِذّاً لا يلوي على شيء حتى نزل ذات عِرق . انتهى .

(بیان):

قوله «من الخبير سألت». في رواية «على الخبير سقطت». قال في القمقام (1): المثل لمالك بن جبير العامري، وكان من حكماء العرب، وتمثّل به الفرزدقُ للحسين بن علي عليه السلام حين أقبل يريد العراق. الخبير العالم، والخُبر العلم، وسقطت أي عثرت عَبَّر عن العثور بالسقوط لأن عادةَ العاثر أن يسقط على ما يعثر عليه (2).


1) (1) القمقام 336/1 ، ولم نجد فيه شرح المثل.

2) (2) أنظر مجمع الأمثال 24/2 ، فان هذا الشرح مأخوذ منه .

قوله « تِرَاسه » جمع تُرس .

قوله «عُسْفان». في المراصد: قرية جامعة على ستة وثلاثين ميلاً من مكة، وهى حدُّ تِهَامة، وقيل مَنْهَلَة من مناهل الطريق بين الجُحْفَة ومكة (1).

قوله « مُغذِّاً» من أَغَذَّ في السير: أي أسرع .

قوله « لا يَلوي» أي لا يلتفت.

وسيأتي في شرح منزل زُبَالة رواية السيد والبحار مع إجمال من ترجمة الفرزدق .

المنزل الرابع : وادي العقيق

نزله عليه السلام يوم السبت لاثني عشر مضين من ذي الحجة.

قال الشيخ جعفر بن نما الحلى في مثير الأحزان: ثم سار عليه السلام حتى بلغ إلى وادي العقيق(2).

قال في المراصد: عقيق المدينة وفيه عيون ونخل ، وقيل هي عقيقان: الأكبر مما يلي الحَرَّة إلى قصر المراجل، والعقيق الأصغر ماسَفُل عن قصر المراجل إلى منتهى العَرْصَة، وفي هذا العقيق دور وقصور ومنازل وقرى. ومنها عقيق يدفق سيله في عورتِهامة، وهو الذي استحبَّ قومٌ الإهلال منه قبل ذات عِرْق (3).

و قد تشرفتُ في مسيري إلى بيت الله الحرام سنة ثلاثين بعد الألف والثلاثمائة وأحرمنا من وادي العقيق ، ومنه إلى مكة أربع منازل .


1) (1) مراصد الإطلاع 940/2.

2) (2) مثير الأحزان ص 42 .

3) (3) مراصد الإطلاع 952/2.

قال الشيخ ابن نما: فرأى الحسينُ عليه السلام رجلاً من بني أسد اسمه بشر بن غالب: فسأله عن أهل الكوفة، فقال: القلوب معك والسيوف مع بني أمية. قال: صدقتَ يا أخا بني أسد (1).

و المشهور - وعليه المعظم - أن ملاقاة بشر للحسين عليه السلام في ذات عِرق . وسيأتي .

و في إبصار العين(2): إن عوناً ومحمداً ابني عبدالله بن جعفر لحقا بالحسين عليه السلام بوادي العقيق مع كتاب أبيهما إلى الحسين . وقد مرّ أن ملاقاتها معه عليه السلام كان في التنعيم .

المنزل الخامس : وادي الصَّفْراء

و قد ورده عليه السلام يوم الأحد ثالث عشر من ذي الحجة.

في المراصد: وادي الصَّفْراء من ناحية المدينة، وهو واد كثير النخل والزرع في طريق الحاج، بينه وبين بدر مرحلة، وماؤها عيون كلها يجري إلى يَنْبُع، ورَضْوَى غربيتها (3).

وقال في الحدائق الوردية: وماؤها يجري إلى ينبع، هي الجهينة والأنصار ولبني فِهر ونَهد. و قال : كان مُجَمَّع بن زياد وعَبَّاد بن مهاجر في منازل جهينة حول المدينة، فلما خرج الحسين عليه السلام من مكة إلى العراق مرّ بهم. وتبع مجمع وعباد في من تبع الحسين من الأعراب ولازموه إلى الطف، فقتلا بكربلا.


1) (1) مثير الأحزان ص 43 .

2) (2) إبصار العين ص39.

3) (3) مراصد الاطلاع 844/2.

المنزل السادس : ذات عرق

نزل عليه السلام به في يوم الاثنين رابع عشر ذي الحجة.

قال في المراصد: عِرْق مُهَلّ أهل العراق(1)، وهو الحدّ بين تِهَامة ونَجد، وقيل عِرْق جبل بطريق مكة ومنه ذات عرق، وقيل ما ارتفع من بطن الرُمَّة إلى ثنايا ذات عرق، وهو الجبل المشرف على ذات عرق (2).

ذكر جماعة ملاقاة بشر بن غالب للحسين عليه السلام في ذات عِرق، وقد مرّ عن ابن نما ملاقاته له في وادي العقيق، وذكر جماعة ملاقاة الفرزدق له عليه السلام في ذات عرق، وقد عرفت أن ملاقاته في الصّفاح.

نعم، الظاهر أن ما حكي عن الرياشي كان في ذات عرق واشتبه على البعض لقرب مضمون المحاورة فيها.

قال في البحار(3): وفي كتاب تاريخ الرَّياشي باسناده عن راوي حديثه قال: حججتُ فتركت أصحابي وانطلقت أتعسَّف الطريقَ وحدي، فبينما أنا أسير إذ رفعت طرفي إلى أخبية و فساطيط، فانطلقت نحوها حتى أتيت أدناها فقلت: لمن هذه الأبنية ؟ فقالوا: للحسين. قلت: ابن علي وابن فاطمة ؟ قالوا: نعم. قلت: في أيها هو . قالوا: في ذلك الفُسْطاط . فانطلقت فإذا الحسين متَّكِ على باب الفسطاط يقرأ كتاباً بين يديه، فسلمت فردّ عليّ، فقلت: يابن رسول الله بأبي أنت وأمي ما أنزلك في هذه الأرض القفراء التى ليس فيها رِيْفٌ ولا مِنْعَةٌ؟ قال: هؤلاء


1) (1) يعني محل إهلالهم .

2) (2) مراصد الاطلاع 932/2.

3) (3) بحار الأنوار 369/44 .

أخافوني وهذه كتب أهل الكوفة وهم قاتلي، فإذا فعلوا ذلك ولم يدعوا الله محرَّماً إلا انتهكوه بعث اللهُ إليهم من يقتلهم حتى يكون أذل من قوم الأمة.

(بیان):

قوله عليه السلام «أخافوني». في بعض النسخ «إخوتي» بدل أخافوني، ولعله الأصح، ففيه تصحيف.

قوله «رِيف» أي الزرع والمخصب - قاله في المجمع .

قوله «ولا مِنْعة » أي قوة يمنع من يريد بسوء، وهم العشيرة والحماة .

قوله «من قوم الأمة» . قد مرّ ما روي عنه عليه السلام أنه كان يقول: والله لا يدعونني حتى يستخرجوا هذه العَلَقة من جوفي، فإذا فعلوا سلط اللهُ عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من فِرَام الأمَة . وفرام ككتاب: خرقة تجعلها المرأة في قبلها إذا حاضت .

وقد اختلفت النسخ هنا وهناك: ففي بعضها قوم الأمَة، وفي بعضها فِرَام الأمة، والأصح هو الفِرَام، وقوم تصحيف منه. قيل: إن قوم الأمة إشارة إلى بني أمية، فإنهم يسمونهم بقوم الأمة تسمية باسم جدتهم . وليس هذا ببعيد.

المنزل السابع: الحاجِر

نزل عليه السلام به في منتصف ذي الحجة يوم الثلاثاء.

الحاجِر بحاء مهملة وبعد الألف جيم مكسورة وراء مهملة، وقد ذُكر في بعض الكتب بالزاي المعجمة، وهو غلط (1).


1) (1) كذا في النسخ المطبوعة من الارشاد للمفيد ص 203 و مناقب آل أبي طالب 103/4.

قال في القاموس: حاجر منزل للحاج بالبادية . وفي المراصد: موضع قبل المَعْدِن ولَعل ، وهما موضعان بنجد في ديار كلاب (1).

و الحاجِر من بطن الرَمَّة وادٍ معروفٌ لعالية نجد. والبطن-على ما في المراصد-الموضع الغامض من الوادي (2)، الرَمَّة بفتح أوله وتشديد ثانيه وقد يخفف: وادٍ معروف بعالية نجد (3). و في القاموس: الرُمَّة بضم الميم .

قال في المراصد: بطن الرُّمَّة منزل لأهل البصرة إذا أرادوا المدينة، بها يجتمع أهل البصرة و الكوفة ومنه إلى العُسيلة. وقال ابن دريد: الرُّمَّة قاع عظيم بنجد تنصبُّ فيه أودية. وقال الأصمعي: بطن الرُمَّة وادٍ عظيمٌ (4).

و في الارشاد واللهوف والبحار وغيرها (5): إن الحسين عليه السلام لما بلغ الحاجِر من بطن الرُمَّة بعث أخاه (6)عبد الله بن يقطر وقيسَ بن مُسْهِر الصيداوي بكتاب له إلى مسلم بن عقيل وإلى أهل الكوفة، فأخذهما حَصِيْنُ بنُ نُمير في القادسية.

وسيأتي بيان ذلك عند ترجمتها.

المنزل الثامن : فَيْد

نزل عليه السلام به يوم الأربعاء في السادس عشر من ذي الحجة.


1) (1) مأخوذ من عدة مواضع من مراصد الاطلاع، أنظر 370/1 و 1288/3.

2) (2) المصدر السابق 204/1.

3) (3) نص في المصدر السابق 634/2 أنها بضم الراء .

4) (4) نفس المصدر 634/2 .

5) (5) الارشاد للمفيد ص 202 ، اللهوف ص 32، بحار الأنوار 369/44.

6) (6) أخاه عليه السلام من الرضاعة.

و فَيْد بفتح الفاء وسكون الياء بعده، وهو كما في القاموس بلدة بطريق مكة.

و في المراصد: بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة، في وسطها حصن عليه باب حديد وعليها سور دائر، كان الناس يُودِعُون فيها فواضلَ أزوادهم إلى حين رجوعهم وما يثقل من أمتعتهم، وكانو يجمعون العلفَ طولَ سنتهم ليبيعوه على الحاج إذا وصلوا إليهم (1).

المنزل التاسع : الأجفُر

نزل عليه السلام به يوم الخميس سابع عشر ذي الحجة .

في المراصد: الأجفُر [جمع قلة الجَفر، وهي] البئر الواسعة [لم تُطو]، موضع بين فَيْد والخريمِيَّة [بينه وبين فَيْد ستة وثلاثون فرسخاً نحو مكة]. قال الزمخشري: ماء لبني يَرْبُوع انتزعه منهم بنو جُذَيمة (2). وفي القاموس : أجْفُر كأحمر موضع بين فَيْد وخزيمية.

قال لسان المؤرخين: لما سار الحسين عليه السلام من بطن الرُمَّة نزل على ماء من مياه العرب، وقد نزل هناك عبدُالله بنُ أبي مطيع، فلقي الحسين عليه السلام فقال: بأبي أنت وأمي يابن رسول الله ما أقدمك ؟ فقال له الحسين:كان من موت معاوية ما قد بلغك - إلى آخر ما ذكره. وهو منه غريب، وتبعه في ذلك غيره، ولعله تبع غيره .

وقد مرّ مفصلاً أن ملاقاة عبد الله بن مطيع للحسين كان في طريق مكة جائياً من مكة أو من المدينة، وقد ذكرنا ما ذكر هنا بعينه أو ما يقرب منه في ملاقاته في


1) (1) مراصد الاطلاع 1049/3.

2) (2) المصدر السابق 31/1 وانظر : الجبال والأمكنة والمياه للزمخشري ص 50.

طريق مكة. وقد سبق إلى هذا الاشتباه الطبري(1)، وتبعهم المعاصر في نفس المهموم (2)، ولعل عبد الله بن مطيع غير عبد الله بن أبي مطيع ، لكنه بعيد غاية البعد. فتأمل.

المنزل العاشر : الخزيمية

ورد عليه السلام فيه يوم الثامن عشر من ذي الحجة وهو يوم الجمعة .

والخُزَيمِيَّة بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي تصغير خزيمة، منسوبة إلى خزيمة بن خازم، و هو من منازل الحاج من الكوفة بعد الثعلبية وقبل الأجْفُر-كذا في المراصد(3). وقيل بينه و بين التَعْلَبِيَّة اثنان وثلاثون ميلاً . وقيل: الحزيمية بالحاء المهملة (4).

و في البحار وغيره عن المناقب (5)قال : ولما نزل عليه السلام الخزيمية أقام بها : يوماً وليلة، فلما أصبح أقبلت عليه أخته زينب فقالت: يا أخي ألا أخبرك بشي سمعته البارحة؟ فقال الحسين عليه السلام وما ذاك؟ قالت: خرجتُ في بعض الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفاً يهتف ويقول:

ألا يا عينُ فاحتفلي بجُهْدِ ومن يبكي على الشهداء بعدي

على قومٍ تسوقُهُمُ المنايا بمقدار إلى إنجاز وعدِ


1) (1) أنظر تاريخ الطبري 395/5.

2) (2) أنظر نفس المهموم ص 178 .

3) (3) في مراصد الاطلاع 466/1 بعض هذا الكلام .

4) (4) أنظر قريباً من هذا النص في معجم البلدان 370/2.

5) (5) بحار الأنوار 372/44، وفي المناقب 103/4 مع اختلاف في الألفاظ ، والبيتان في المناقب أيضاً 70/4 مع بعض الاختلاف في البيت الثاني .

فقال لها الحسين عليه السلام: يا أختاه كلُّ الذي قُضي فهو كائن

كذا في البحار وجلّ من تأخر عنه، ولكن قال الشيخ أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه في الكامل في باب نوح الجن على الحسين عليه السلام(1): حدثني محمد بن جعفر القرشي الرزاز، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن نصر بن مزاحم، عن عمر بن سعد، عن عمرو بن ثابت، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أم سلمة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله قالت: ما سمعت نوح الجن منذ قبض الله نبيَّه إلا الليلة، ولا أراني إلا وقد أصبتُ بابني الحسين. قالت: وجاءت الجنية منهم وهي تقول:

أيا عيناي فأنَهمِلا بجهدِ فمن يبكي على الشهداء بعدي

على رهط تقودهم المنايا إلى متجبّر من نسل عبدِ

(بیان):

لا منافاة بين الروايتين ، لإمكان الجمع بينهما بما لا يخفى.

قوله « فاحتفلي» من احتَفَلَ اللبنُ في ضرع الشاة أي اجتمع، واَلمحفِل المجلس، وهو مجمع الناس، وحيث يَحتَفِل الماءُ أي يجتمع-قاله في المجمع.

قوله « فانَهمِلا » من قولك هَمَلَت عيناه تَهمِلُ وهَمَلَاناً أي فاضت.

قوله « بعدي » كذا في النسخ، لكن الظاهر بعدِ بدون الياء بحذف المضاف إليه ونون عوضاً عن المحذوف، أي بعد ذلك الزمان.

المنزل الأحد عشر : شُقُوق

ورد فيه عليه السلام بعد إقامته في الخزيمية يوماً وليلة ، وهو يوم السبت تاسع


1) (1) مع بعض الاختلاف في البيت الثاني .

عشر ذي الحجة، نزل يوم العشرين وهو يوم الأحد بمنزل شقوق.

و هو بضم الشين جمع شقّ: منزل بطريق مكة - قاله في المراصد (1).

و في تاريخ الأعثم الكوفي : إن ملاقاة الفرزدق مع الحسين عليه السلام كانت في شُقُوق ، وقد مضى تفصيلها (2).

المنزل الثاني عشر : زَرُود

نزل عليه السلام به في يوم الاثنين الواحد والعشرين من ذي الحجة .

زَرُود بفتح الزاي وبين المهملتين واو، رمال بين الثعلبية والخزيمية بطريق الحاج من الكوفة - قاله في القمقام (3). وفي المراصد: موضع بطريق مكة بعد الرمل، فيه قصر أصفر [لعلها سميت به](4)، وفيه بِرکَهٌ و آبار (5).

وفي هذا المكان التقى زهيرٌ بن القَين البجلي بالحسين عليه السلام. قال الطبري : فأقبل الحسين حتى إذا كان بالماء فوق زَرُود، قال أبو مخنف: حدثني السُدّي عن رجل من بني فَزَارة - إلى آخر ما سيذكر في ترجمة زهير(6).

المنزل الثالث عشر : التَعْلَبِيَّة

ورد علیه السلام به يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من ذي الحجة الحرام.


1) (1) مراصد الاطلاع 806/2.

2) (2) الفتوح لابن الأعثم 128/2 .

3) (3) القمقام 362/1.

4) (4) يعني مأخوذ من كلمة «زرد» الفارسية ، وهو اللون الأصفر .

5) (5) مراصد الاطلاع 664/2.

6) (6) تاريخ الطبري 396/5.

قال في المراصد(1): الثعلبية منسوب (2)بفتح أوله، من منازل طريق مكة، قد كانت قرية فخربت، وهي مشهورة.

قال الطبري (3): قال أبو مخنف: حدثني أبوجَناب الكلبي، عن عدي بن حرملة الأسدي، عن عبد الله بن سُليم والمذري بن المشمعل الأسديين قالا: لما قضينا الحج لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين في الطريق لننظر ما يكون من أمره وشأنه، فأقبلنا تُرْقِل (4)بنا ناقتنا مسرعين حتى لحقناه بزَرُود ، فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين عليه السلام. قالا: فوقف الحسينُ كأنه يريده، ثم تركه ومضى ومضينا نحوه، فقال أحدنا لصحابه: إذهب بنا إلى هذا فلنسأله فإن كان عنده خبر الكوفة علمناه، فمضينا حتى انتهينا إليه فقلنا: السلام عليك . فقال: وعليكم السلام ورحمة الله. ثم قلنا فمن الرجل ؟ قال: أسدي . فقلنا: فنحن أسديان فمن أنت ؟ قال : أنا بكير بن المَثعبَة - فانتسبنا له ، ثم قلنا له: أخبرنا عن الناس وراءك . قال: نعم، لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهاني بنُ عروة، فرأيتهما يُجران بأرجلهما في السوق. قالا: فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين ، فسايرناه حتى نزل الثعلبية ممسياً، فجئناه حين نزل، فسلمنا عليه فردّ علينا، فقلنا له: يرحمك الله إن عندنا خبراً فإن شئت حدثنا علانية وإن شئت سراً . فنظر إلى أصحابه فقال: ما دون هؤلاء سر. فقلنا له: أرأيت الراكبَ الذي استقبلك عشاءَ أمس. قال: نعم وقد أردت


1) (1) مراصد الإطلاع 296/1 .

2) (2) اختلفوا فى « ثعلبة » المنسوب إليه هذا المنزل ، أنظر معجم البلدان 78/2.

3) (3) تاريخ الطبري 397/5.

4) (4) ترقل : تسرع ، وابل مرقلة : المسرعة .

مسألته. فقلنا: قد استبرأنا لك خبَره وكفيناك مسألتَه، وهو امرؤ من أسد منا ذو رأي و صدق وفضل وعقل، حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قُتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وحتى رآهما يجران في السوق بأرجلها. فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليهما. فردّد ذلك مراراً. فقلنا: نَنْشُدك الله في وأهل بيتك إلا انصرفتَ من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوّف أن تكون عليك. قال: فوثب عند ذلك بنو عقيل بن أبي طالب.

قال أبو مخنف: حدثني عمر بن خالد، عن زيد بن علي بن الحسين، وعن داود بن علي بن عبد الله بن عباس: أن بني عقيل قالوا: لا والله لا تبرح حتى نُدركَ ثارَنا أو نذوقَ ما ذاق أخونا .

قال أبو مخنف: عن أبي جَناب الكلبي، عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري بن مشعل الأسديان قالا فنظر إلينا الحسين فقال: لا خير في العيش بعد هؤلاء. قالا: فعلمنا أنه قد عزم له رأيه على المسير. قالا: فقلنا خار الله لك. قالا: فقال: رحمكما الله. قالا: فقال له بعض أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع . انتهى .

يظهر من هذا أن وصول خبر مسلم بن عقيل كان في الثعلبية، والمشهور أنه كان في زبالة ، وسيأتي تحقيق ذلك.

روى الكليني «ره» (1)عن الحكم بن عتيبة قال: لقي رجلٌ الحسينَ بن علي عليه السلام بالثعلبية وهو يريد كربلا، فدخل عليه فسلم عليه، فقال له الحسين: من أي البلاد أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: أما والله يا أخا أهل الكوفة لو


1) (1) الكافي - الأصول 398/1.

لقيتك بالمدينة لأريتك أثرَ جبرئيل من دارنا ونزوله بالوحي على جدي، يا أخا أهل الكوفة أفمسْتَقَى الناسُ العلمَ من عندنا فعلموا وجهلنا ، هذا ما لا يكون.

(بیان):

الحكم بن عتيبة بالعين المضمومة والتاء المثناة من فوق المفتوحة والياء المثناة من تحت الساكنة والباء الموحدة والهاء . وفي نسخة «عيينة» بالعين المضمومة المهملة ويائين تحتانيتين أولاهما مفتوحة والأخرى ساكنة والنون المفتوحة والهاء (1).

قوله «أثر جبرئيل» أي الموضع الذي كان يقف جبرئيل ويستأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله. وهو معروف الآن، ويقال للباب القريب منه باب جبرئيل، أو كان في أصل الدار موضع معروف بأنه موضع جبرئيل، أو كان بقي منه أثر كمقام إبراهيم.

قوله «ونزوله» عطف على جبرئيل، أي أثر نزوله.

قوله «أفمسْتَقى الناس» الإستقاء: إخراج الماء من البئر، أو طلب الماء للشرب، مصدر ميمي أو اسم مفعول، شبه عليه السلام العلم بالماء في أن العلم حياة للأرواح كما أن الماء حياة للأجساد.

و بمعنى هذه الرواية رواية أخرى أوردها الكليني (2)قبل هذه الرواية في باب مستقى العلم من بيت آل محمد صلى الله عليه وآله، عن يحيى بن عبدالله أبي الحسن صاحب الديلم قال: سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول -وعنده


1) (1) الصحيح هو الضبط الأول . أنظر تنقيح المقال 358/1، تهذيب الكمال 114/7.

2) (2) الكافي - الأصول 398/1.

أناس من أهل الكوفة: عجباً للناس، إنهم أخذوا علمَهم كلَّه من رسول الله فعملوا به واهتدوا، ويرون أن أهل بيته لم يأخذوا علمه، و نحن أهل بيته وذريته، في منازلنا نزل الوحيُ ومن عندنا خرج العلمُ إليهم ، أفيرون أنهم علموا واهتدوا وجهلنا نحن وضللنا، إن هذا المحال.

قال السيد في اللهوف(1): ثم سار عليه السلام حتى نزل الثعلبية وقتَ الظهيرة، فوضع رأسه، فرقد، ثم استيقظ فقال: قد رأيتُ هاتفاً يقول: أنتم تُسرعون والمنايا تَسرع بكم إلى الجنة . فقال له ابنه علي: يا أبه أفلسنا على الحق؟ فقال عليه السلام: بلى يا بني والله الذي إليه مرجع العباد. فقال: يا أبه إذن لا نبالي بالموت.

فقال الحسين عليه السلام: جزاك الله يا بني خير ما جَزَى ولداً عن والده.

(بیان):

ذكر بعض المحدثين هذه الرواية عنه عليه السلام في «عُذَيْب الهِجَانات» وبعضهم ذكرها في «ذو خُشُب» بعد ملاقاة الحر، وقد رقد الحسين وهو على فرسه ثم استيقظ فحمد الله ثلاثاً و استرجع فقال على ابنه - إلى آخر ما ذكرنا . والمشهور أنه في الثعلبية .

ولم أتحقق إلى الآن أن علياً هذا هو السجاد أو علي المقتول، ولا قرينة تدل على التعيين، إلا أن جماعة نسبوا القول إلى علي المقتول.

و في بعض المقاتل: إن الحسين عليه السلام لما نزل الثعلبية أقبل إليه رجل نصراني وأمه فأسلما على يديه وكانا معه إلى الطف .

قال السيد في اللهوف وغيره واللفظ له (2): ثم بات عليه السلام في الثعلبية،


1) (1) اللهوف ص 30.

2) (2) اللهوف ص 30.

فلما أصبح فإذا برجل من الكوفة يكنى أبا هِرَّة الأزدي قد أتاه فسلم عليه، ثم قال: يا بن رسول الله ما الذي أخرك عن حرم الله وحرم جدك رسول الله ؟ فقال الحسين: ويحك يا أبا هرة، إن بني أمية أخذوا مالي فصبرت وشتموا عرضي فصبرت وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله لتقتلني الفئةُ الباغية وليلبسنهم الله ذلاً شاملاً وسيفاً قاطعاً، وليسلطن الله عليهم من يُذِلُّهم حتى يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة فحكمت في أموالهم ودمائهم(1).

(بیان):

لم أر في كتب الرجال لأبي هِرَّة هذا ذكر وترجمة . وكلمة «ويح» تدل على حسن حاله، قال في المجع: هي اسم فعل بمعنى الترحم، فويح كلمة رحمة كما أن ويل كلمة عذاب. وقال: وقد يقال للمدح والتعجب.

قوله «من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة» يظهر من أن ما مرّ من قوله « من فُرام أمة » تصحيف من قوم أمة، والمراد بالأمة امرأة سبأ.

وفي بعض المقاتل: إن ملاقاة أبيهرة له عليه السلام كانت في الرّهيمة، والأصح ما ذكرنا .

و في بعض المقاتل: إن بشر بن غالب تشرف بخدمته عليه السلام في الثعلبية. وذكر المجلسي «قده »(2)باسناده عن زين العابدين عليه السلام: إن بشر بن غالب لقيه في الثعلبية وقال: أخبرني يابن رسول الله عن قوله الله عز وجل (يَوْمَ


1) (1) قريب من هذا في البحار 313/44، واسم الرجل فيه « أبو هرم»، والفتوح لابن الأعثم 128/2 فيه « أبو هوذة » .

2) (2) بحار الأنوار 313/44 .

تَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمَامِهمْ) (1). قال عليه السلام: إمام هدى دعا إلى الله فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى الضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وهو قوله عز وجل (فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ )(2). ثم قال المجلسي: في رواية: فسأله عن أهل الكوفة. فقال: القلوبُ معك والسيوفُ مع بني أمية . قال: صدقتَ يا أخا بني أسد.

(بیان ):

قد مرّ عن ابن نما أن ملاقاة بشر بن غالب كان في وادي العقيق، وعن بعض كانت في ذات عِرْق. وفي بعض النسخ بشير بن غالب بدل بشر بن غالب كما في نسخة ابن نما الموجودة عندنا، إلا أنه ليس في كتب الرجال لبشير بن غالب ذكر وإنما المذكور بشر بن غالب الأسدي الكوفي، عده الشيخ في رجاله(3)أصحاب الحسين عليه السلام تارة ومن أصحاب السجاد عليه السلام أخرى، وظاهره كونه إمامياً إلا أن حاله مجهول.

ثم إن المصرَّح في اللهوف وغيره أنه عليه السلام لما نزل الثعلبية كان قبل الظهر، وعن أبي مخنف قبل المساء، وكان ذلك يوم الثلاثاء الثاني والعشرين، وعن بعض الكتب ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من ذي الحجة، ثم ارتحل صباحاً من الثعلبية (4)


1) (1) سورة الأسراء: 71.

2) (2) سورة الشورى: 7.

3) (3) رجال الطوسي ص 72 و 74 .

4) (4) أنظر اللهوف ص 30 ، الارشاد للمفيد ص 204 ، مناقب آل أبي طالب 103/4، مقتل أبي مخنف ص 67 ولم يفهم منه وقت الوصول إلى الثعلبية تاريخ الطبرى 397/5.

المنزل الرابع عشر : الزُّبَالة

في المراصد: الزُّبَلة بالزاي المضمومة، موضع معروف بطريق مكة بين واقصة والثعلبية، بها بِركتان (1)

اختلفت كلماتُهم في وصول خبر مقتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة إليه عليه السلام ففي الارشاد واللهوف والبحار(2): إن وصوله إليه كان في زبالة ، وقال الطبري وجماعة (3): إنه كان في الثعلبية ، وقد مرّ رواية أبي مخنف عن عبد الله بن سُليم والمذري بن المُشْمَعِل أنها أخبراه ذلك في التعلبية، وهذه الرواية مدرك الشيخ في الإرشاد. إلا أن في نسخته زُبَالة بدل الثعلبية.

و يمكن الجمع بينهما - بل هو الأصح والمتعيَّن - أن وصول الحركان في الثعلبية لكن تيقنه بصحة الخبر كان في زبالة ، وبه قال الدينوري . قال في تاريخه (4): فلما وافى عليه السلام زبالة وافاه بها رسول محمد بن الأشعث وعمر بن سعد بما كان سأله مسلم أن يكتب إليه من أمره وخذلان أهل الكوفة إياه بعد أن بايعوه، وقد كان مسلم سأل محمدَ بنَ الأشعث ذلك، فلما قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر وأفظعه قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة.

قال الشيخ والسيد و المجلسي: لما نزل عليه السلام زبالة أخرج إلى الناس كتاباً فقرأه عليهم فإذا فيه :

«بسم الله الرحمن الرحيم . أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل


1) (1) مراصد الاطلاع 656/2 .

2) (2) اللهوف ص 32 ، الارشاد للمفيد ص 204، بحار الأنوار 373/44 ، وفي الأخيرين «الثعلبية».

3) (3) تاريخ الطبري 397/5.

4) (4) الأخبار الطوال ص 247 .

وهاني بن عروة وعبدالله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتُنا، فمن أحب منكم الإنصراف فلينصرف في غير حرج ، ليس عليه ذمام» .

قالوا: فتفرق الناسُ عنه وأخذوا يميناً وشمالاً، حتى بقي في أصحابه الذين جاؤا معه من المدينة ونفر يسير ممن انضموا إليه، وإنما فعل ذلك لأنه عليه السلام علم أن الأعراب الذين اتبعوه إنما اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلداً قد استقامت له طاعةُ أهله، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يُقدمون (1).

قال الدينوري: وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق، فلما سمعوا خبر مسلم وقد كانوا ظنوا أنه يُقدم على أنصار وعَضُد - تفرقوا عنه ولم يبق معه إلا خاصته(2).

قال السيد (3): فلما بلغ زبالة فأتاه فيها خبر مسلم بن عقيل، فعّرف ذلك جماعة ممن تبعه فتفرق عنه أهل الأطماع والارتياب وبقي معه أهله وخيار أصحابه. قال: قال الراوي: فأرتج الموضع بالبكاء والعويل لقتل مسلم بن عقيل وسالت الدموع عليه كل مسيل.

و قال الشيخ ابن نما: ولما ورد خبر مسلم وهاني ارتج الموضع بالنوح والعويل وسالت الغروب بالدمع الهمُوع (4)وتفرق الناس عنه عليه السلام(5)

و في مروج الذهب : إنهم كانوا خمسمائة فارس ومائة راجل، فلم يبق معه


1) (1) بحار الأنوار 374/44 .

2) (2) الأخبار الطوال ص 247 .

3) (3) اللهوف ص 32.

4) (4) الغروب : كثيرة السيلان . الهموع : اسالة الدمع . وفي بعض النسخ «الهمُول » ، وهو افاضة الدموع.

5) (5) مثير الأحزان ص 45 .

إلا قليل (1).

و أما قضية ابنة مسلم فقد ذكرها أعثم الكوفي، ولعل الطريحي أخذها منه . قال: وكان لمسلم بن عقيل بنتُ عُمرها إحدى عشرة سنة وقيل ثلاث عشرة سنة مع الحسين، فلما قام الحسين من مجلسه جاء إلى الخيمة فعزّى البنت وقربها من منزله، فحست البنت بالشر، فإن الحسين كان قد مسح على رأسها وناصيتها كما يُفعل بالأيتام، فقالت: يا عم ما رأيتك قبل هذا اليوم تفعل بي مثل ذلك، أظن أنه قد استشهد والدي. فلم يتمالك الحسين بالبكاء وقال : يا بنتي أنا أبوك وبناتي أخواتك - وفي نسخة وأبنائي إخوانك - فصاحت ونادت بالويل، فسمع أولاد مسلم بن عقيل ذلك الكلام وتنافسوا وبكوا بكاء شديداً ورموا بعمائمهم إلى الأرض. وتأمل الحسين عليه السلام هذا الحال وقد قتل مسلم وأن أهل الكوفة هم الذين أعانوا على قتل أمير المؤمنين ونهب الحسن وضربه بالخنجر على فخذه ، فبكى بكاءاً شديداً حتى اخضلت لحيتُه بالدموع.

و ينبغي التنبيه على أمور:

( الأول ) نقل في بعض كتب العامة (2)أنه عليه السلام لما بلغه قتل مسلم أراد الرجوع إلى المدينة فمنعوه أولاد عقيل. وقال الشيخ ابن نما: ثم أراد عليه السلام الرجوع حزناً وجزعاً لفقد أحبته والمضي إلى بلدته، ثم ثاب إليه رأيه الأول وقال: على ماكنت عليه المعوَّل (3)و نسب ذلك إلى بعض الكتب.


1) (1) مروج الذهب 61/3 .

2) (2) تاريخ الطبري 389/5.

3) (3) مثير الأحزان ص 45 .

وهذا غلط فاحش و خلاف ما عليه أصحابنا رضوان الله تعالى عليهم، بل قد مرّ في رواية أبي مخنف عن عبد الله بن سليم والمذري بن المُشمَعِل أنها قالا : فنظر إلينا الحسينُ فقال : لا خير في العيش بعد هؤلاء . قالا : فعلمنا أنه قد عزم على المسير .

نعم، في جملة من الكتب المعتبرة أنه عليه السلام قال لمن كان لحق به من الأعراب: من كان منكم يريد الإنصراف فلينصرف، فهو في حِلّ من بيعتنا، فانصرفوا عنه وبقي في أهل بيته و نفر من أصحابه، وقال عليه السلام لبني عقيل بالخصوص: حسبكم دمُ،مسلم، من أراد منكم الإنصراف فلينصرف. فقالوا له: لا نرجع والله أبداً أو نُدرك ثارنا أو تقتل بأجمعنا.

و في روضة الواعظين (1): فنظر إلى بني عقيل وقال: ما ترون فقد قُتل مسلم بن عقيل. قالوا: والله ما نرجع حتى نصيبَ ثارَنا أو نذوق ما ذاق.. فأقبل الحسين عليه السلام وقال : لا خير في العيش بعد هؤلاء .

و ربما قيل: إن هذه المقالة من بني عقيل كانت ليلة عاشوراء، ويمكن تعدد الواقعة . وسيأتي التفصيل .

(الثاني) اختلفت الكتب والنسخ في ضبط الأسديين المذكورين، والأكثر - ولعله الأصح - عبد الله بن سُليم والمذري بن المُشمَعِل بالميم المضمومة والشين المعجمة الساكنة ثم الميم المفتوحة ثم العين المكسورة ثم اللام. وفي بعض النسخ عبدالله بن سليمان بدل سليم، وفي جملة منها المنذر بالميم المضمومة ثم النون الساكنة ثم الذال المعجمة ، وفي بعضها المُشمَل بالميم المفتوحة بعد الشين، وفي


1) (1) روضة الواعظين ص 178.

بعضها المِشعَل بالعين بدون الميم، وفي بعضها اسمعيل بدل المشمعل. ولا يهمنا ذلك بعد وضوح الأمر .

( الثالث ) الأكثرون على أن بلوغ خبر عبدالله بن يقطر وقيس بن مُسْهِر الصَّيْداوي كان في زُبَالة، وقيل غير ذلك وأنه في بطن العقبة أو بعد ملاقاة الحر. والأول هو الأصح، ولعله بلغه إليه عليه السلام مرة بعد مرة في منزل بعد منزل كما هو الظاهر.

( الرابع ) قد مرّ في الصِّفاح الاختلاف في ملاقاة الفرزدق للحسين عليه السلام، حتى أن أبا الفرج ذكر في الاغانی أنه لاقاه في مكة في اليوم السادس من ذي الحجة قبل خروجه إلى العراق (1).

وقد عرفتَ أن المشهور ملاقاته له في الصفاح، إلا أن السيد في اللهوف ذكر ملاقاته له عليه السلام في زبالة . وقد يوجَّه بأن ملاقاته له كانت مرتين جائياً إلى مكة وذاهباً إلى الكوفة . وقد عرفت أنه ينافي ما رواه أبو مخنف .

قال السيد (2): فلقیه فرزدقُ الشاعر، فسلم عليه فقال له: يابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلمَ بنَ عقيل وشيعتَه ؟ قال : فاستعبر الحسينُ باكياً ثم قال: رحم الله مسلماً فلقد صار إلى رَوح الله وريحانه وجنته ورضوانه، أما إنه قد قضى ما عليه وبقي ما علينا. ثم أنشأ يقول:

فإن تكن الدنيا تُعَدُّ نفيسةٌ فإن ثواب الله أعلى وأنبلُ

و إن تكن الأبدانُ للموت أنشئت فقتل امرىء بالسيف في الله أفضلُ


1) (1) في الأغاني 393/21 أنه عليه السلام لقيه الفرزدق في الصفاح.

2) (2) اللهوف ص 32.

وإن تكن الأرزاقُ قِسْماً مُقَدَّراً فقلّهُ حرص المرءِ في السعي أجملُ

وإن تكن الأموالُ للترك جمعها فما بال متروك به المرء يَبخلُ

و نقل الشيخ ابن نما عن كتاب أحداق العيون في أعلاق الفنون: إن هذه الأبيات تروى لعلي عليه السلام)(1).

و في القمقام قال بعد نقل الأبيات (2): فمضى الفرزدق ومعه ابن عم له من بني مُجَاشع ، فقال له ابنُ عمه: من هذا الرجل؟ فقال: هذا الحسين بن علي وابن فاطمة الزهراء بنت محمد المصطفى صلى الله عليه وآله، هذا والله ابنُ خِيَرَة الله وأفضل من مشى على الأرض. فقال له ابن عمه : قد مدحته بقصيدة خالصاً لوجه الله فاسمع حتى أقول . فأنشأ «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته» إلى آخرها.

و هذا منه عجيب، والمشهور أن القصيدة للفرزدق مدح بها علي بن الحسين السجاد عليه السلام في مكة، أنشأها في وجه هشام بن عبدالملك، وقصته مشهورة معروفة ذكرها المخالف و المؤالف(3).

و ملاقاة الفرزدق للحسين عليه السلام - مع علمه بما يجري عليه وعدم متابعته له (علیه السلام) تدل على عدم توفيقه، بل فيه إشعار بل دلالة على ذمه، إلا أن علماء الرجال عدوه من الحسان. وعده الشيخ في رجاله من أصحاب السجاد عليه السلام (4)، وله قضايا وحكايات تدل على مدحه وعلى ذمه ، والمرجو بل


1) (1) مثير الأحزان ص 45 ، وتختلف بعض الألفاظ فيه.

2) (2) القمقام 338/1.

3) (3) أنظر الإرشاد للمفيد ص 243 ، مناقب آل أبي طالب 183/4 ، الأغاني 376/21 ، ديوان 183/4 الفرزدق 178/2 .

4) (4) رجال الطوسي ص100.

المتقيَّن أن الله تعالى يسامحه بكرمه ، فإن له حقاً على جميع محبي أهل البيت.

قال الجامي: إن كوفيةً رأت الفرزق فى النوم فقالت له: ما فعل الله بك ؟ قال: غفر الله لي بقصيدتي في علي بن الحسين. ثم قال: بالحري أن يغفر الله لقائل هذه القصيدة .

و في القمقام: إن الفرزدق لما انصرف عن الحسين عليه السلام أنشأ يقول:

فإن أنتُم لم تثأروا لابن خيركم فالقوا السلاح واغزلوا بالمغازلِ(1)

المنزل الخامس عشر : القاع

نزل عليه السلام به يوم الخميس رابع وعشرين ذي الحجة .

في المراصد: القاع منزل بطريق مكة بعد العقبة للمتوجه إلى مكة، تدعيه أسد وطيء ، منه إلى زُبَالة (2).

و يظهره منه ومن معجم البلدان وكتب اللغة أن «بطن» اسم للوادي ، أو للغامض من الوادي ، فيه آبار وأنهار وقرى وبِرَك .

قال في المراصد: البطون كثرة، منها بطن عِنان وادٍ، ومنها بطن ظَبى أرض لكلب، ومنها بطن الرُّمَة، وقد مرّ أن ذا الرُّمة منزل في ذلك البطن، وكذا بطن العَقَبة اسم لوادٍ فيها قرى منها العقبة. وسيأتي في الرواية عَقَبَة البطن لا بطن العقبة، وأول منازل ذلك البطن والوادي القاع .

قال المجلسي وغيره: ثم سار من زُبالة حتى مرّ ببطن العَقَبة، فلقيه شيخ من بني عِكرمة يقال له عمرو بن بوذان ، وفي بعض النسخ لوذان باللام بدل الباء، فقال:


1) (1) القمقام .337/2 .

2) (2) مراصد الاطلاع 1058/3 .

أين تريد (1).

قال الطبري(2): قال أبو مخنف : فحدثني لَوْذان أحد بني عِكْرَمَة أن أحد عمومته سأل الحسين عليه السلام . ولعل اسم ذلك الشيخ الذي هو أحد عمومته عمرو بن لَوْذان. قال أبو مخنف: إنه سأل الحسين عليه السلام: أين تريد؟ فحدثه فقال له: إني أنشدك الله لما انصرفت فوالله لا تُقدم إلا على الأسنة وحدّ السيوف، فإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفَوْك مؤنة القتال ووطَّئوا لك الأشياءَ فقدمت عليهم كان ذلك رأياً، فأما على هذه الحال التي تذكرها فإني لا أرى لك أن تفعل. قال: فقال له: يا عبد الله إنه ليس يخفى عليّ، الرأي ما رأيت، و لكن الله لا يُغلب على أمره. انتهى.

و في البحار وغيره (3): ثم قال عليه السلام: والله لا يد عونني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكون أذل فرق الأمم.

(بیان):

في القاموس: عَلَق بالتحريك مطلق الدم، أو دم يميل إلى السواد، أو دم عبيط، أو المنجمد ، يقال لقطعة منه علقة بزيادة الهاء.

و قد تكرر منه عليه السلام هذا التعبير ، وليس هذا كناية ولا استعارة ولا مجاز كما يترائي في أول النظر، بل إنما هو على الحقيقة ومن الملاحم. وسيأتي أنه عليه السلام لما ضعف عن القتال أتاه سهمٌ محدَّدٌ مسموم له ثلاث شعب فوقع على قلبه الشريف فسال الدم كالميزاب .


1) (1) بحار الأنوار 375/44 .

2) (2) تاريخ الطبري 399/5.

3) (3) بحار الأنوار 375/44 .

قوله «أذل فرق الأمم» قد مرّ نظيره وأنه تصحيف .

المنزل السادس عشر : عَقَبَة

وقد يقال عَقَبَة البَطْن. نزل عليه السلام به يوم الجمعة الخامس والعشرين من ذي الحجة الحرام .

في المراصد: العقبة منزل في طريق مكة بعد واقصة وقبل القاع لمن يريد مكة، وهو ماء لبني عكرمة من بكر بن وائل(1).

قال شيخ الطائفة أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه في كامل الزيارة(2): حدثني جماعة مشايخي، منهم علي بن الحسين ومحمد بن الحسن، عن سعد، عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين وإبراهيم بن هاشم، جميعاً عن الحسن بن علي بن فضال، عن أبي جميلة المفَضَّل بن صالح، عن شهاب بن عبد ربه، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال: لما صعد الحسين بن علي عليهما السلام عقبة البطن قال لأصحابه: ما أراني إلا مقتولاً. قالوا: وما ذاك يا أبا عبدالله ؟ قال: رؤياً رأيتها في المنام . قالوا: وماهي ؟ قال : رأيت كلاباً تَنهَشُني، أشدها علي كلب أبقَع (3).

(بیان):

سند الحديث في غاية الصحة ومتنه في غاية الوضوح.

قوله «تُنهَشُني» من نَهَشَتْه الحيةُ من باب ضرب ونفع: لسعته وعضته.


1) (1) مراصد الاطلاع 948/3 .

2) (2) کامل الزيارات ص 75.

3) (3) مراصد الاطلاع 788/2.

(1)

قوله «أبْقَع» في المجمع: وبَقِعَ الغرابُ بَقَعاً من باب تعب: اختلف لونه، فهو أبقع (1). والبَقَع بالتحريك في الطائر والكلاب كالبَلَق في الدواب، والبَلَق في الدواب بالتحريك سواد في بياض، ومنه فرس أبلق.

المنزل السابع عشر : شَرَاف

نزل عليه السلام به يوم السبت السادس والعشرين من ذي الحجة.

وهو بفتح أوله وآخره فاء وثانيه مخفف، وهو ما بين واقِصَة والقَرْعاء فيها ثلاثة آبار كبار و قلل كثيرة طيبة - قاله في المراصد(2).

و من شَرَاف إلى واقِصَة ميلان لم ينزل عليه السلام في واقصة وسار عنها ونزل في شَراف لكثرة مائها وطيب قُلُبها (3).

و واقِصَة منزل في طريق مكة بعد القَرعاء نحو مكة، وقبل العَقَبة لبني شهاب من طيء، ويقال لها واقصة الحرُون، لأن الحرون أحاطت بها من كل جانب، وهي دون زُبالة بمرحلتين (4).

في العقد الفريد: إنه في شَرَاف أتاه عليه السلام خبرُ مسلم بن عقيل . ولعله أتاه ثانياً أو ثالثاً (5).

قال الطبري (6): حُدِّثتُ عن هشام، عن أبي مخنف قال: حدثني أبوجناب،


1) (1) مجمع البحرين 228/1.

2) (2) مراصد الاطلاع 788/2.

3) (3) جمع قليب : البئر .

4) (4) المصدر السابق 1421/3 .

5) (5) العقد الفريد : 379/4 .

6) (6) تاريخ الطبري 400/5 .

عن عدي بن حرملة، عن عبد الله بن سليم والمذري بن المُشْمَعِل الأسديين قالا: أقبل الحسين عليه السلام حتى نزل شَراف، فلما كان في السحر أمر فتيانَه فاستقوا من الماء وأكثروا ، ثم ساروا منها فرسموا صدر يومهم حتى انتصف النهار .

وكأنه عليه السلام أراد المسير من شَراف إلى القَرْعاء منزل من منازل الحاج بينه وبين شَراف سبعة فراسخ، ثم منه إلى المُغيْنَة، ومن المغيثة إلى القادسية، والقادسية أو السَّواد هو أول العراق بعد الحجاز والمغيثة آخر الحجاز، ومن القادسية إلى الكوفة مرحلتين من الطريق الأعظم، وبين القادسية وعُذَيب الهجانات أربعة أميال، وبين القادسية والكوفة من طريق البر خمسة عشر فرسخاً .

قال أبو مخنف(1): حدثني يونس بن أبي إسحاق السَّبِيعي قال : ولما بلغ عبيدَالله بن زياد إقبالُ الحسين من مكة إلى الكوفة بعث الحُصين بن تميم صاحب شرطه حتى نزل القادسية ونظم الخيلَ ما بين القادسية إلى خَفَّان وما بين القادسية إلى القُطقُطانية وإلى لَعلَع.

و أخذ ما بين واقِصَة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة فلا يدعو أحداً يلج ولا أحداً يخرج، فأقبل الحسينُ عليه السلام لا يشعر بشي حتى لقي الأعراب، فسألهم فقالوا: لا والله ما ندري، غير أنا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج (2). فسار عليه السلام تلقاء وجهه .

و في رواية : بعث الحُصين بن تميم في أربعة آلاف منهم الحر بن يزيد الرياحي


1) (1) المصدر السابق 394/5 .

2) (2) هذه القطعة من رواية حصين في تاريخ الطبري 392/5.

في زهاء ألف. و في رواية إنه بعث الحر من الكوفة في ألف فارس .

قال أبو مخنف (1): قال الأسديان: بينما يسير الحسين عليه السلام صدر يومه حتى انتصف النهار، قالا: ثم إن رجلاً قال: الله أكبر. فقال الحسين: الله أكبر، ما كَبَّرت؟ قال : رأيتُ النخلَ . فقال له الأسديان: إن هذا المكان ما رأينا به نخلةً قط . فقال لنا الحسين: ما تريانه رأى. قلنا نراه رأى هَوَادِيَ الخيل (2). فقال: وأنا والله أرى ذلك . فقال الحسين: أما لنا ملجأ إليه، نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقلنا له: بلى هذا ذو حُسُم إلى جنبك تميل إليه عن يسارك، فإن سبقتَ القوم إليه فهو كما تريد. قالا: فأخذ إليه ذاتَ اليسار. قالا: وملنا معه، فما كان بأسرع من أن طلعت علينا هَوَادِيَ الخيل، فتبيناها وعدنا، فلما رأونا وقد عدلنا عن الطريق عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب (3)وكأن راياتهم أجنحة الطير ، فاستبقنا إلى ذي حُسُم .

المنزل الثامن عشر : ذو حُسُم

نزل عليه السلام به يوم الأحد السابع والعشرين من ذي الحجة .

قد اختلفت كلماتهم في ضبط المنزل مع اتفاقهم على وروده عليه السلام فيه : ففي نسخة الطبري المطبوعة الموجودة عندنا ذو حُسَم بالمهملتين كصرد وروي بضمتين، وعن بعض النسخ ذو حِسْمَى بكسر الحاء ثم بالسكون مقصوراً، وفي


1) (1) تاريخ الطبري 400/5 .

2) (2) هوادي الخيل : أول ما يطلع منها ، متقدماتها .

3) (3) اليعاسيب جمع يعسوب ، وهو ذكر النحل وأميرها ، وهو مأخوذ من العسيب : جريدة من النخل كشط خوصها.

بعض النسخ ذو خُشُب بالخاء المعجمة والشين والباء، وفي الأخبار الطوال للدينوري ذو جُسم بالجيم والشين المضمومتين (1).

ولا يهمنا ذلك بعد وضوح المطلب وأنه موضع بالكوفة أو جبل في طريق البر، فإنه عليه السلام قد عدل عن الطريق الأعظم وأخذ طريق البر، فأمر بأبنيته فضربت وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي اليربوعي على ما هو مذكور في ترجمته .

وقال ابن قتيبة في كتابه الإمامة والسياسة: فلقيهم على خيولهم بوادي السّبِاع (2). وفي المراصد: وادي السباع من نواحى الكوفة (3). ولعله ذو حُسُم أو قريب منه .

و قد مرّ ما جرى بينه عليه السلام وبين الحر من السقي والكلام، وكذا مرّ في باب الخطب خطبته عليه السلام في ذي حُسُم، فلا نعيد ذلك .

قال الطبري وغيره واللفظ له (4): ولماكثر الكلام بينهما قال له الحر: إني لم أؤمر بقتالك، وإنما أمرت ألا أفارقك حتى أُقْدِمَك الكوفة، فإذا أبيت فخذ طريقاً لا تدخلك الكوفة ولا تردُّك إلى المدينة، تكون بيني وبينك نَصَفاً حتى أكتب إلى ابن زياد ... قال : فخذ ههنا، فتياسر عن طريق العُذَيْب والقادسية وبينه وبين العُذيب ثمانية وثلاثون ميلاً. ثم إن الحسين عليه السلام سار في أصحابه والحر


1) (1) «ذو حسم» و «ذو حسی» و «ذو خشب» وارد في عدة نصوص من تاريخ الطبري، ولم نجد فيه «ذو حسمى» ، وانظر الأخبار الطوال ص 248 .

2) (2) الامامة والسياسة 11/2 .

3) (3) مراصد الاطلاع 1417/3.

4) (4) تاريخ الطبري 402/5 .

يسايره. قال: وكان الحر يسير بأصحابه في ناحية والحسين في ناحية أخرى.

المنزل التاسع عشر : عُذَيْب الهِجَانات

نزل علیه السلام به يوم الاثنين الثامن والعشرين من ذي الحجة .

قد مرّ ضبط العُذَيْب وأن هناك مرعى هَجَائن النعمان (1).

وسيذكر في مُجَمَّع والطِرِمَّاح ونافع ما جرى بينهم وبين الحسين عليه السلام في عُذَيب الهجانات وأن الحر أراد أن يأخذهم أو يردهم فمنعه الحسين وقال: هم أصحابي، فتركهم الحر .

ويظهر من الطبري وجماعة أن في هذا الموضع بلغه قتل قيس بن مُسهر الصَيداوي.

المنزل العشرون : القُطقُطَانية

قالوا: ثم سار الحسينُ عليه السلام من عُذَيب الهِجَانات ومعه الحر وأصحابه يسايرونه حتى نزل في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من ذي الحجة القُطقُطَانية.

في معجم البلدان: هو بالضم ثم السكون ثم قاف أخرى مضمومة وطاء أخرى وبعد الألف نون، وهي موضع قرب الكوفة من جهة البرية بالطف، وبينها وبين الرُّهَيْمَة مغرباً نيف وعشرون ميلاً [إذا خرجت من القادسية تريد الشام]، ومنه إلى قصر مُقاتل ثم القُرَيَّات ثم السماوة (2).


1) (1) أنظر معجم البلدان ،92/4 ، والهجائن : البيض الكرام من الإبل .

2) (2) معجم البلدان 374/4 . وفيه وفي عدة مواضع من تاريخ الطبري ومراصد الاطلاع وغيرهما «القطقطانة » ، و في خط المؤلف والنسخة المطبوعة من أمالي الصدوق كما ذكر أعلاه.

في الأمالي: روي عن الصادق عليه السلام: أن الحسين لما نزل القُطقُطَانية نظر إلى فُسْطاط مضروب قال: لمن هذا الفُسْطاط ؟ قيل: لعبيد الله بن الحر الجعني - إلى آخر ما سيأتي (1). و المشهور أنه لاقاه في قصر مُقَاتل.

المنزل الواحد والعشرون : قصر مُقَاتل

نزل عليه السلام به في يوم الأربعاء غرة شهر محرم الحرام سنة إحدى وستين، وسمي في بعض المنازل قصر بني مُقَاتل،غلط .

قال في المراصد: قصر مُقاتل قصر كان بين عين التمر والشام، منسوب إلى مقُاتل بن حيان، وهو قرب القُطقُطانية (2).

قال السكونى: هو قرب القُطْقُطانية وسُلام [ثم القُريَّات] ، وهو منسوب إلى مُقاتل بن حيان بن ثعلبة بن أوس بن إبراهيم بن أيوب بن مُجَروف بن عامر بن عُصَيَّةِ بن امرىء القيس بن زيد بن مناة بن تميم. قال ابن الكلبي: لا أعرف في العرب الجاهلية من اسمه إبراهيم بن أيوب غيرهما، وإنما سُميا بذلك للنصرانية (3).

اتفقوا على ملاقاة الحسين عليه السلام لعبيد الله بن الحر الجعني في قصر مقاتل، إنما الاختلاف في كيفية الملاقاة زيادة ونقيصة .

قال الطبري (4): قال أبو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد، عن عامر الشَّعبي قال: ومضى الحسين عليه السلام من عُذَيْب الهِجَانات حتى انتهى إلى قصر


1) (1) الأمالي للصدوق ص 132.

2) (2) مراصد الاطلاع 1100/3 .

3) (3) هذا من معجم البلدان 364/4 .

4) (4) تاريخ الطبري 407/5.

مُقاتل، فنزل به فإذا هو بفُسطاط مضروب، قال عليه السلام لمن هذا الفُسطاط ؟ فقيل: لعبيد الله بن الحر الجعني . قال: أدعوه لي ، وبعث إليه ، فلما أتاه الرسول - وهو على ما صرحوا به حجاج بن مسروق الجعني من قبيلته-قال له: هذا الحسين بن علي يدعوك . فقال عبيد الله بن الحر: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما خرجتُ من الكوفة إلا كراهة أن يدخلَها الحسين وأنا بها، والله ما أريد أن أراه ولا يرانى.

فأتاه الرسول فأخبره، فأخذ الحسين نعليه فانتعل ثم قام فجاءه حتى دخل عليه فسلم و جلس، ثم دعاه إلى الخروج معه، فأعاد عليه ابن الحر تلك المقالة، فقال: فإلّا تنصرنا فاتق الله أن تكون ممن يقاتلنا، فوالله لا يسمع واعيتنا أحدٌ ثم لا ينصرنا إلا هلك. قال: أما هذا فلا يكون أبداً إنشاء الله . ثم قام الحسين عليه السلام من عنده حتى دخل رحله. انتهى.

و في الإرشاد والبحار مثله (1).

قال الدينوري: قال عبيد الله للحجاج بن مسروق: والله ما خرجتُ من الكوفة إلا لكثرة من رأيته قد خرج لمحاربته وخذلان شيعته، فعلمت أنه مقتول ولا أقدر على نصره، فلستُ أحب أن يراني ولا أراه (2).

و في الدر النظيم للشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي مثله. وفي جملة من الكتب المعتمدة كالدر النظيم وتسلية المحزون وروضة الصفا وتاريخ أعثم


1) (1) الارشاد للمفيد ص 208 ، بحار الأنوار 315/44.

2) (2) الأخبار الطوال ص 250 ، وليس فيه ذكر للحجاج بن مسروق ، وإنما هو مأخوذ من مصادر أخرى يشير المؤلف إلى بعضها .

الكوفي ومنتخب الطريحي ذكر وا هذه القضية ببيان أبسط . وفي الدر النظيم مروياً عن يزيد بن مُرَّة عن عبيد الله بن الحر باختلاف يسير.

قالوا (1): لما نزل قصر مُقاتل فإذا فسطاط مضروب ورح مرکوز وسيف معلَّق وفرس واقف، فقال الحسين عليه السلام: لمن هذا الفسطاط ؟ قالوا: لعبيد الله بن الحر الجعفي. وفي بعض الكتب قالوا: لرجل فتّاك يقطع الطريق. فأرسل إليه الحسين الحجاج بن مسروق الجعني يدعوه، فأقبل فسلم عليه وردّ عليه السلام. فقال: ما وراءك؟ فقال: ورائي يابن الحر أن الله قد أهدى إليك كرامةً إن قبلتها. قال: وما تلك الكرامة؟ فقال له: هذا الحسين بن علي يدعوك إلى نصرته، فإن قاتلت بين يديه أجرتَ وإن قُتلت استشهدت. فقال له عبيد الله بن الحر: والله يا حجاج ما خرجتُ من الكوفة إلا مخافة أن يدخلَها الحسينُ وأنا فيها ولا أنصره، لأنه ليس له فى الكوفة شيعة ولا أنصار إلا قد مالوا إلى الدنيا إلا من عصم اللهُ منهم، فارجع إليه وخبّره بذلك.

فرجع وخبّره بذلك، فقام الحسين عليه السلام وانتعل ثم صار إليه في جماعة من إخوانه وأهل بيته. وفي رواية يزيد بن مرة عن عبيد الله بن الحر قال: رأيته مقبلاً إليّ وعليه جبة مخطّط وعلى رأسه قلنسوة وفي رجليه نعلان ووجهه كالبدر يضيء، وما رأيت أحداً بهذه الجلالة والمهابة وحسن الصورة وسواد لحيته كريش الغراب، وقد احترق قلبي لما رأيته مقبلاً إليّ وفي أطرافه صبيان وبُنَيَّات قد أخذوا بأطراف ردائه ويميلون معه حيثما مال .

فلما دخل عليه وسلم وثب عبيدالله بن الحر من صدر مجلسه وقبَّل يديه


1) (1) هذا النص قريب مما في الفتوح لابن الأعثم 130/2 .

ورجليه وجلس الحسين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يابن الحر فإن أهل مصركم هذا كتبوا إليّ وخبَّروني أنهم مجمعون على نصرتي وسألوني القدوم إليهم، فقدمت وليس الأمر على ما زعموا ... وأنا أدعوك إلى نصرتنا أهل البيت، فإن أعطينا حقنا حمدنا الله تعالى على ذلك وقبلناه، وإن منعنا حقنا وركبنا الظلم كنتَ من أعواني على طلب الحق .

فقال عبیدالله: يابن بنت رسول الله لو كان لك في الكوفة شيعة وأنصار يقاتلون معك لكنتُ أنا من أشدهم في ذلك، ولكني رأيتُ شيعتَك في الكوفة وقد لزموا منازلهم خوفاً من سيوف بني أمية. وفي رواية قال له عليه السلام: هذا فرسي-وكان يسمى عَلْقَمَة - فوالله ما ركبتُ قط وأنا أروم شيئاً إلا بلغته ولا أرادني أحدٌ إلا نجوت منه، وهذا سيني خذها إليك. فأعرض عنه الحسين عليه السلام بوجهه، وقال: لا حاجة لنا بفرسك ولا بسيفك ولا حاجة لنا فيك، ثم تلا (وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلَّيْنَ عَضُداً)(1).

وفي رواية يزيد بن مرة أنه قال: قال عبيد الله للحسين عليه السلام: هذا فرسي اركب عليه وأنا أبعث معك نفراً من أصحابي حتى ينجيك ويوصلك إلى مأمنك، وعلي ضمان عيالك و نسوتك حتى يوصلَهم إليك سالماً. فقال له الحسين: إن مقصودي من استنصارك ودعوتك نصحَك . فقال: فثم والله الذي ليس فوقه شيء. ثم قال له الحسين عليه السلام: إن استطعت أن لا تسمع صراخنا ولا تشهد واعيتنا فافعل، فوالله لا سمع واعيتنا أحد لا نصرنا إلا أكبه الله في نار جهنم. وفي رواية قال: سمعت جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول:


1) (1) سورة الكهف : 51 .

من سمع نداءَ أهل البيت ولم يجبه أكبه الله على منخريه في النار .

قال: فقام الحسين عليه السلام. قال عبيد الله: فكررتُ النظر إلى محاسنه فقلتُ له: أسواد هذا أم خضاب؟ فقال : عجل المشيبُ يا بن الحر. وروي أنه سأل الحسين عن خضابه فقال: أما إنه ليس كما ترون، إنما هو حناء وكتم.

و في الإرشاد مثل ما ذكرنا باختلاف يسير، وكذا في أمالي الصدوق عن الصادق عليه السلام (1)، إلا أن فيه قال الصادق: لما نزل القُطْقُطَانية نظر إلى: فُسطاط مضروب فقال: لمن هذا الفسطاط ؟ فقيل: لعبد الله بن الحر - ولعله تصحیف عبیدالله (2)- فأرسل إليه الحسين عليه السلام فقال: أيها الرجل إنك مذنب خاطيء، وإن الله عز وجل آخذك بما أنت صانع، إن لم تتب إلى الله في ساعتك هذه فتنصرني ويكون جدي شفيعُك بين يدي الله. فقال: يابن رسول الله والله لو نصرتك لكنتُ أنا مقتول بين يديك ولكن هذا فرسي - إلى آخر ما مرّ باختلاف يسير.

هذا ما ذكرنا من حاله في ملاقاته مع الحسين عليه السلام في الطريق، وأما ترجمة حاله و تفصيل ما نقلوا فيه: أنه كان عثماني الرأي أو من فساق الشيعة، وأنه تأسف على عدم نصرته له عليه السلام، فسيأتي تفصيله إنشاء الله في ترجمة الأعداء.

و مما وقع في قصر مُقاتل ملاقاة عمرو بن قيس المَشرِقي للحسين عليه السلام على ما رواه الكشي(3)قال: وجدت بخط محمد بن عمر السمرقندي وحدثني


1) (1) الارشاد للمفيد ص 208 ، الأمالي للصدوق ص132.

2) (2) في المصدر المطبوع « عبيد الله».

3) (3) رجال الكشي ص 114 .

بعض الثقات من أصحابنا، قال: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران القمي، قال: حدثني محمد بن اسماعيل، عن علي بن الحكم، عن أبيه، عن أبي الجارود، عن عمرو بن قيس المشرقي قال: دخلت على الحسين بن علي عليه السلام أنا وابن عم لي وهو في قصر بني مُقاتل، فسلمت عليه، فقال له ابن عمي: يا أبا عبد الله هذا الذي أراه خضاب أو شعرك ؟ فقال: خضاب والشيب إلينا بني هاشم أسرع - وفي نسخة يعجل (1)- ثم أقبل علينا فقال: جئتما لنصرتي ؟ فقلت له: أنا رجل كبير السن كثير العيال وفي يدي بضائع للناس ولا أدري ما يكون وأكره أن تضيع أمانتي، و قال له ابن عمي مثل ذلك. قال لنا: فانطلقا فلا تسمعا لي واعية ولا تريا لي سواداً ، فإنه من سمع واعيتنا أو رأى سوادنا فلم يجبنا ولم يغثنا (2)كان على الله أن يكبه على منخريه في نار جهنم.

(بیان):

قد مر ضبط الَمشرقي. وعد الشيخ في رجاله هذا الرجل من أصحاب الحسن والحسين عليهما السلام . قال العلامة في الخلاصة: يقال إنه اعتذر إلى الحسين بالبضائع التي كانت معه. ومثله في تحرير الطاوسي، ومثله في رجال ابن داود وقال: وكفاه ذلك ذماً. وبالجملة فالسند و إن كان معتبراً ولكن المتن يدل على ذمه وأي ذم (3).


1) (1) في المصدر «أسرع عجل».

2) (2) في المصدر « فلم يجبنا واعيتنا » .

3) (3) أنظر رجال الطوسي ص 69 و 76، خلاصة الأقوال ص 241 ، التحرير الطاوسي ص 396، رجال ابن داود ص 490.

قال الطبري (1): قال أبو مخنف: حدثني عبدالرحمن بن جُندُب، عن عُقبة بن سِمعان قال: لما كان في آخر الليل أمر الحسين عليه السلام بالاستقاء من الماء ، ثم أمرنا بالرحيل ففعلنا.

قال: فلما ارتحلنا من قصر بني مُقاتل وسرنا ساعةٌ خَفَق الحسين عليه السلام برأسه خفقةً ثم انتبه وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين. قال: ففعل ذلك مرتين أو ثلاثاً، قال: فأقبل إليه ابنُه على بن الحسين على فرس له فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين، يا أبت جعلت فداك مم حمدت الله واسترجعت. قال: يا بني إني خفقتُ برأسي خفقةً فعنَّ لي فارس على فرس فقال: القوم يسيرون والمنايا تسري إليهم، فعلمت أنها أنفسُنا نُعِيَتْ إلينا. قال له: يا أبت لا أراك الله سوءاً، ألسنا على الحق؟ قال: بلى والذي إليه مرجع العباد. قال: يا أبت إذاً لا نبالي نموت محقين. فقال له: جزاك الله من ولد خير ما جزى ولداً عن والده.

(بیان):

قد مرّعن قريب مثله ، وذكرناه ثانياً لأن فيه الزيادة والافادة كما لا يخفى.

قالوا: إن الحسين عليه السلام كان يُخبر في جلّ المنازل بموته وقتله وقتل أصحابه بعبارات شتى وتعبيرات مختلفة، وكثيراً ما كان يذكر حالَ يحيى عليه السلام مشيراً إلى أنه يشبهه في أنه يقتل .

و في المناقب(2): روي عن علي بن الحسين عليه السلام قال: خرجنا مع


1) (1) تاريخ الطبري 407/5.

2) (2) مناقب آل أبي طالب 92/4 .

الحسين عليه السلام فما نزل منزلاً ولا ارتحل عنه إلا وذكر يحيى بن زكريا، وقال يوماً: إن من هَوَان الدنيا على الله أن رأس يحيى أهدي إلى بَغِيّ من بغايا بني إسرائيل.

المنزل الثاني والعشرون : نينوى نِيْنَوَى

نزل عليه السلام به في يوم الأربعاء غرة شهر محرم الحرام، فإن شهر ذي الحجة كان ناقصاً على ما صرحوا به.

و نینوى بكسر النون وسكون الياء وفتح النون الثانية والواو.

قال الحموي: بسواد الكوفة ناحية يقال لها نِيْنَوَى منها كربلا التي قُتل بها الحسين عليه السلام (1).

يظهر منه ومن غيره أن نِيْنَوَى قرية في تلك الناحية، ويشهد لذلك قوله عليه السلام للحر كما سيأتي: دعنا ننزل في هذه القرية، يعنون نينوى على ما صرح به الطبري، وكم له من نظير، و منه الطف.

قال الحموي (2)وغيره : الطَفُّ بالفتح والفاء المشددة، وهو في اللغة ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق، قال الأصمعي: إنما سُمي طفاً لأنه دان من الريف، من قولهم «خُذْ ما طَفَّ لك وَاسْتَطَفَّ» أي ما دنا وأمكن. وقال أبوسعيد:سُمی الطف لأنه مشرف على العراق، من أطفّ على الشي بمعنى أطلّ، والطف طف الفرات أي الشاطىء، والطف أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية كان فيها مقتل الحسين عليه السلام، وهي أرض بادية قريبة من الريف فيها عدة


1) (1) معجم البلدان 339/5.

2) (2) المصدر السابق 35/4.

عيون ماء جارية، منها الصيد والقُطْقُطانِيَّة والرُّهَيْمَة وعينُ جَمَل وذواتها، وهي عيون كانت للموكلين بالمسالح التي كانت وراء خندق سابور - انتهى.

و الريف أرض بها زرع وخصب.

قال في المجمع: الطَفُّ ساحل البحر جانب البر، ومنه الطف الذي قُتل فيه الحسين عليه السلام، سُمي به لأنه طرف البر مما يلي الفرات. انتهى كلامه.

ثم إن ما ذكرناه مبني على عدم نزوله عليه السلام القُطقُطَانية، وأما على نزوله - كما ورد به النص ورواه الصدوق عن الصادق عليه السلام وصرح بذلك السيد وغيره أيضاً - فيكون مسيره من عُذيب الهجانات إلى القُطقُطَانية ومنها إلى قصر مقاتل ومنه إلى كربلا. والأول هو المستفاد من التواريخ وتصريح جملة من المعتمدين.

المنزل الثالث والعشرون: كربلا

نزل عليه السلام به يوم الخميس ثاني شهر محرم الحرام سنة احدى وستين.

أما كونه يوم الثاني من المحرم فبإجماع من المحدثين والمؤرخين من والخاصة. وأما كون يوم الخميس فقد صرح بذلك الطبري والجزري وأبو مخنف والارشاد وابن نما والبحار وجملة من الكتب المعتبرة المعتمدة، إلا أن في مقتل أبي مخنف المطبوع أنه يوم الأربعاء، وتبعه في ذلك بعض من لا خبرة له. وهو غلط،واضح، لأن عليه يكون يوم عاشوراء يوم الأربعاء ولم يقل به أحد، ويكون ذو الحجة ناقصاً بيومين بناء على ما اتفقوا عليه من أن خروجه عليه السلام من مكة كان يوم الثلاثاء لثمان خلون من ذي الحجة. وقد قرر أن هذا الكتاب المنسوب إلى أبي مخنف لا يُعتمد عليه خصوصاً فيما تفرد به ، والنسبة غير صحيحة

كما لا يخفى على من نظر فيما روي عن أبي مخنف في تاريخ الطبري والجزري وغيرهما (1). وأما كونه سنة إحدى وستين فسيأتي تحقيقه.

و بالجملة ، كربلا آخر منازله عليه السلام ومنزل آخره.

أما كيفية نزوله عليه السلام في كربلا فقد اضطربت كلماتهم في ذلك زيادةً ونقيصةً تقديماً وتأخيراً، ونحن نذكر ما هو الأصح ونشير إلى مواقع الاختلاف، فنقول: قال الطبري (2): قال أبو مخنف: حدثني عبد الله بن جُنْدُب، عن عُقْبَة بن سِمعَان قال: لما كان في آخر الليل أمر الحسين بالاستقاء من الماء، ثم أمرنا بالرحيل، فارتحلنا من قصر مُقاتل ... فلما أصبح نزل وصلى الغداة ثم عجل الركوب، فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقَهم فيأتيه الحُرّ بنُ يزيدَ فيردهم، فجعل إذا ردهم إلى الكوفة رداً شديداً امتنعوا عليه فارتفعوا، فلم يزالوا يتياسرون حتى أتوا نِينَوَى. قال: فإذا راكب على نجيب له وعليه السلاح يتنكب قوسه مقبل من الكوفة، فوقفوا جميعاً ينتظرونه. قال الشيخ ابن نما (3): قال جابرُ ابنُ عبد الله بن سِمْعَان: فمضينا حتى إذا قربنا من نينوى، فإذا رجل من كندة اسمه مالك بن بشير معه كتاب عبيد الله بن زياد إلى الحر.

قال أبو مخنف (4): فلما انتهى إليهم سلم على الحر بن يزيد وأصحابه ولم يسلم على الحسين عليه السلام وأصحابه ، فدفع إلى الحركتاباً من عبيد الله بن زياد .


1) (1) من الغريب ما قاله الدينوري [الأخبار الطوال ص 253] أن الحسين عليه السلام نزل كربلا يوم الأربعاء غرة شهر محرم سنة إحدى وستين . ولعله اشتباه أو سهو من النساخ «م».

2) (2) تاريخ الطبري 407/5 .

3) (3) مثير الأحزان ص 48 .

4) (4) تاريخ الطبري 408/5 .

قال أبو الفرج (1): كان جواباً لما كتبه الحر في أمر الحسين وأرسله من أقساس مالك، وقيل كتبه في ذي حُسُم (2)أو في بعض الطريق .

قال أبو مخنف (3): فإذا فيه «أما بعد، فَجَعْجِع بالحسين حين يبلغك كتابي ويَقدُم عليك،رسولي، فلا تنزله إلا بالعراء في غير حصن وعلى غير ماء، وقد أمرتُ رسولي أن يَلزمَك ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري . والسلام».

قال: فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر : هذا كتاب الأمير عبيد الله بن زياد يأمرني فيه أن أجعجع بكم في المكان الذي يأتيني فيه كتابُه، وهذا رسوله وقد أمره ألا يفارقني حتى أنْفِذَ أمرَه ورأيه.

و في رواية: دفع الحر الكتاب إلى الحسين عليه السلام فقرأه، ثم أخذ الحر القومَ بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية، فقالوا: دعنا ننزل في هذه القرية - قال أبو مخنف والسيد يعنون نينوى - أو هذه القرية يعنون الغاضرية أو هذه القرية يعنون شُفَيَّة. فقال: لا والله ما أستطيع ذلك، هذا رجل قد بعث إليّ عيناً (4).

و في رواية: قال له الحسين عليه السلام: ألم تأمرنا بالعدول عن الطريق. قال: بلى ولكن كتاب الأمير قد وصل يأمرني بالتضييق عليك وقد جعل عليّ عيناً بذلك. فقال له الحسين: دعنا ويحك ننزل في هذه القرية - يعني نينوي - أو هذه القرية يعنى الغاضرية. قال: لا أستطيع.


1) (1) :أنظر : مقاتل الطالبيين ص 112.

2) (2) قرية بالكوفة أو كورة منسوبة إلى مالك بن عبد هند بن نجم . أنظر : معجم البلدان 236/1.

3) (3) تاريخ الطبري 408/5 .

4) (4) هذا من بقية رواية أبي مخنف في الطبري .

وسيأتي في ترجمة يزيد بن زياد بن المهاجر أبي الشعثاء الكندي مكالمته مع رسول ابن زياد مالك بن النُّسَيْر الكندي.

كما سنذكر في ترجمة زهير إنه استشار الحسين عليه السلام للقتال فقال: ما كنتُ أبدأهم بالقتال. ثم قال له: سر بنا إلى هذه القرية حتى ننزلها فإنها حصينة وهي على شاطىء الفرات . قال له الحسين : وأية قرية هي ؟ قال: هي العقر . قال الحسين عليه السلام : اللهم إني أعوذ بك من العقر . وفي رواية : قال زهير له عليه :السلام: فسر بنا حتى ننزل كربلا فإنها على شاطىء الفرات. فدمعت عيناه عليه السلام ثم قال: أعوذ بك من الكرب والبلاء. فجعل أصحاب الحر يمنعون أصحاب الحسين ويردونهم حتى تعالى النهار ، فنزل عليه السلام.

و أما ما في مقتل أبي مخنف المطبوع (1): لما ساروا جميعاً إلى أن أتوا كربلا، فوقفت فرسُ الحسين عليه السلام فنزل وركب فرساً أخرى، فلم تنبعث إلى سبعة أفراس أو ثمانية، فسأل عليه السلام عن اسم الأرض فقالوا: الغَاضِرِيَّة. قال: هل لها اسم آخر ؟ قيل: نِينَوا. قال: هل لها اسم آخر؟ قالوا: شاطىء الفرات. قال: هل لها اسم آخر؟ قالوا: كربلا. فعند ذلك تنفس الصعداء وقال: أرض كرب وبلاء.

فليس لهذا في الكتب المعتبرة ولا في التواريخ المعتمدة عين ولا أثر ، بل إنما تفرّد به أبو مخنف و تبعه الطريحي في المنتخب وتبعه بعض المتأخرين.

و العجب من لسان المؤرخين (2)مع أن عنده كتباً ومصادر كثيرة ينقل ذلك عن


1) (1) مقتل أبي مخنف ص 75 مع اختلاف في بعض الألفاظ.

2) (2) ناسخ التواريخ - قسم سيّد الشهداء 167/2 .

أبي مخنف مصرحاً بأنه يحيى بن لوط . وهذا اشتباه في اشتباه (1).

نعم، في مقتل أبي إسحاق الاسفرايني أنه عليه السلام لم يزل سائراً هو ومن معه حتى أتوا إلى بلدة وفيها قوم، فسألهم عن اسم تلك البلدة فقالوا: شط الفرات. فقال لهم: هل له اسم غير هذا ؟ فقالوا له: يا أبا عبدالله ولا تسأل. فقال: سألتكم بالله هل لها اسم غير هذا؟ فقالوا: كربلا . فعند ذلك بكى وقال : هي والله أرض كرب وبلاء، انتهى .

وفيه أيضاً: ثم قال عليه السلام يا قوم ناولوني قبضةً من تراب هذه الأرض. فأعطوه قبضةً من تلك الأرض فشمها، ثم استخرج طينة من جيبه وقال لهم: هذه الطينة جاء بها جبرئيلُ من عند الله لجدي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: هذه موضع تربة الحسين. ثم رماها من يده وقال: هما رائحة واحدة.

و في تذكرة السبط: قال الحسين عليه السلام ما يقال لهذه الأرض؟ فقالوا: کربلا. فبكى وقال: كربٌ وبلاءٌ، أخبرتني أم سلمة قالت: كان جبرئيل عند رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم) وأنتَ معي، فبكيتَ فقال رسول الله: دعي ابني، فتركتك فأخذك ووضعك في حجره فقال جبرئيلُ: أتحبه؟ قال: نعم. قال: فإن أمتك ستقتله. قال: وإن شئتَ أن أريك تربةَ أرضه التي يُقتل فيها. قال: نعم. قالت: فبسط جبرئيلُ جناحَه على أرض كربلا فأراها إياه، فلما قيل للحسين عليه السلام: هذه أرض كربلا شمها وقال: هذه والله هي الأرض التي أخبر بها جبرئيلُ رسولَ الله، وإنني أقتل بها .

ثم نقل السبط عن الشَّعْبي أنه قال : لما نزل علي عليه السلام بكربلا في مسيره


1) (1) لأن اسم أبي مخنف هو لوط بن يحيى .

إلى صفين وحاذى نِيْنَوا - قرية على الفرات - وقف ونادى صاحب مطهرته: أخبر أبا عبد الله ما يقال لهذه الأرض. فقال: كربلا، فبكى حتى بلَّ الأرض من دموعه ثم قال: دخلتُ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يبكي فقلت له: ما يبكيك ؟ فقال: كان جبرئيلُ عندي آنفاً و أخبرني أن ولدي الحسين يُقتل بشط الفرات بموضع يقال له كربلا. ثم قبض جبرئيل قبضةً من تراب فشممني إياها فلم أملك عيني أن فاضتا. انتهى كلامه.

قال السيد (1): فلما وصلها قال: ما اسم هذه الأرض؟ فقيل: كربلا. فقال: انزلوا، ههنا مَحَطُّ رحالنا ومَسْفَك دمائنا، وههنا محلُّ قبورنا، بهذا حدثني جدي رسول الله صلى الله عليه و آله . ومثله في مثير الأحزان (2).

و في رواية: وقال أرض كرب وبلاء. ثم قال: قفوا ولا ترحلوا منها، فههنا والله مَنَاخُ ركابنا، وههنا والله مَسْفَك دمائنا، وههنا والله هتك حريمنا، وههنا والله ذبح أطفالنا، وههنا و الله تزار قبورنا، وبهذه التربة وعدني جدي رسول الله ولا خلف لقوله .

قال السيد (3): فنزلوا جميعاً ونزل الحر وأصحابه ناحيةً .

و في كشف الغمة قال: فنزل القوم وحطوا الأثقال، ونزل الحر بنفسه وجيشه في ناحية (4).

و في مقتل أبي إسحاق الاسفرايني: ثم قال: يا قوم انزلوا ولا تبرحوا، فههنا


1) (1) اللهوف ص 35 .

2) (2) مثير الأحزان ص 49 .

3) (3) اللهوف ص 35.

4) (4) لم نجده في المصدر.

والله مناخ ركابنا، وههنا والله يُسفك دماؤنا، وههنا والله تُسبى حريمنا، وههنا والله يُقتل رجالنا، وههنا يُذبح أطفالنا، وههنا والله قبورنا، وههنا والله محشرنا ومنشرنا، وههنا يصير العزيز ذليلاً، وههنا والله يُقطع أوداجي وتخضب لحيتي بدمي ويعزى جدي وأبي وأمي من ملائكة السماء، وههنا والله وعدني ربي لجدي ولا خلف لوعده. ثم نزل ونزلت أصحابه جميعاً .

قال: وقد كان الحر أسرع، وحال بين الفرات وبين الحسين ومن معه، وكان بينه وبينهم ثلاثة أميال وقيل خمسة أميال وقيل فرسخ. ثم إن الحسين عليه السلام أمر بنصب الخيام للحريم والأولاد.

و قال الطبري (1)في حديث عَمار الدُّهني عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: فلما رأى ذلك - يعني ملاقاته عليه السلام أوائل خيل عبيد الله - عدل إلى كربلا فأسند ظهره إلى قصباء و خَلا كيلا يُقاتَل إلا من وجه واحد فنزل وضرب أبنيته، وكان أصحابه خمسة وأربعين فارساً ومائة راجل.

و في مروج الذهب: فعدل إلى كربلا وهو في مقدار خمسمائة فارس من أهل بيته وأصحابه ومائة راجل (2).

فأقبل الحر حتى نزل حذاء الحسين عليه السلام في ألف فارس.

ثم إن الحسين بعد ما نزل في كربلا - على ما صرحوا به - جمع ولده وإخوته وأهل بيته، ثم نظر إليهم فبكى ساعة ثم قال: اللهم إنا عترةُ نبيك محمد (صلی الله علیه وآله وسلم)، وقد أُزعجنا وطُردنا و أخرجنا عن حرم جدنا وتعدت بنو أمية علينا، اللهم فخذ


1) (1) تاريخ الطبري 389/5.

2) (2) مروج الذهب 61/3 .

لنا بحقنا وانصرنا على القوم الظالمين.

ويظهر من السيد والبحار أن هذا الاجتماع قبل نزوله بكربلا، والمشهور هو الأول.

قال السيد(1): فقام الحسين عليه السلام خطيباً في أصحابه ثم قال: إنه قد نزل-الخ. وقد مرّ في باب الخطب وإنها كانت في ليلة عاشوار .

و في البحار (2): ثم دعا الحسين عليه السلام بدواة وبياض وكتب إلى أشراف الكوفة ممن كان يظنه على رأيه ... ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن

مُسْهر الصَّيْداوي. وهذا بعيد من جهات لا تخفى، وقد مرّ في باب الكتب والرسائل أنه عليه السلام كتبه وأرسله في أثناء الطريق.

و في اللهوف والبحار (3)وغيره: ثم إنه عليه السلام أقبل على أصحابه وقال: الناس عبيد الدنيا. إلى آخر ما سيأتى فى وقائع يوم عاشورا على ما ذكره الأكثر . فانتظر. قالوا: ثم كتب كتاباً يوم وروده بكربلا إلى محمد بن الحنفية. وقد مرّ في باب الكتب.

(بیان):

قوله «مالك بن بشير» في النسخة الموجودة عندنا بالباء المفتوحة ثم الشين ثم الياء. وضبطه في القمقام بالنون والسين المهملة بعده الياء (4). وقال السيد الأمين في لواعجه(5): لعل صوابه مالك بن النسر، فيكون هو الذي ضرب الحسين عليه


1) (1) اللهوف ص 34 .

2) (2) بحار الأنوار 381/44 .

3) (3) بحار الأنوار 383/44.

4) (4) وكذلك في عدة مواضع من تاريخ الطبري .

5) (5) لواعج الأشجان ص 99 .

السلام على رأسه وسلبه البُرْنُس . فالظاهر أنه صحف أحدهما بالآخر، وليس ببعيد .

قوله « جَعجِع » الجعجعة الحبس في المجمع (1): كتب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد أن جعجع بالحسين، قال الأصمعي: أي احبسه، وعن ابن الأعرابي: يعني ضيّق عليه، من الجَعْجَعَة وهو التضييق.

قوله «العَرَاري» العاري من كل شيء-قاله في القاموس.

قوله «في غير حصن» وفي نسخة: في غير خفر .

قوله «نِيْنَوَى» قال الحموي (2): هو بكسر النون وسكون الياء وفتح النون، بسواد الكوفة ناحية يقال لها نِيْنَوَى .

ويظهر من الروايات المتقدمة أن نينوى أيضاً قرية في هذا السواد، ويشهد لذلك قوله عليه السلام: دعنا ننزل في هذه القرية. قال الطبري والسيد والبحار يعنون نِينَوى، وكم له من نظير ، منه كربلا على ما سيأتي عن قريب، ومنه الطف.

قال الحموي وغيره (3): الطَفُّ بالفتح والفاء المشدّدة، ما أشرف من أرض العرب على ريف العراق، والريف أرض بها زرع وخصب. والطَفُّ طَفُّ الفرات أي الشاطىء، والطف أرض من ضاحية الكوفة في طريق البرية فيها كان مقتل الحسين عليه السلام، وهي أرض بادية قريبة من الريف فيها عدة عيون ماء جارية، منها الصِيد والقُطْقُطانية والرُّهَيْمَة وعَينُ الجمل وذواتها، وهي عيون كانت للموكلين بالمسالح التي كانت وراء خندق سابور - انتهى .


1) (1) مجمع البحرين 376/1 .

2) (2) معجم البلدان 339/5.

3) (3) معجم البلدان 35/4 .

قوله «الغَاضِرِيَّة» في المراصد: بالغين المعجمة، قرية من نواحي الكوفة قريبة من كربلا (1).

قوله «العَقْر» في المراصد(2)بفتح أوله وسكون ثانيه، وهو العقر الذي يكون معتمداً لأهل القرية، وهو في عدة مواضع، منها عقر بابل قرب كربلا من نواحي الكوفة .

قوله عليه السلام «اللهم إني أعوذُ بك من العَقْر». في المجمع: وعَقَره أي جرحه، وفي الدعاء على الانسان «وعَقْراً وحَلْقاً» أي عَقَرَ اللهُ جَسَدَه وأصابه الوجعُ في حلقه، وعَقَر البعير بالسيف فانعقر: إذا ضرب به قوائمه.

و ليس هذا من التطيُّر المذموم، بل من باب تناسب الاسم والمسمى، وهذا باب واسع، منه قوله صلى الله عليه وآله لما خرج من مكة لقى رجلاً قال: ما اسمك؟ قال: سالم . قال: سلمنا أو سالمين. وأمثال ذلك كثير.

قوله «کربلا» قال الحموي (3): كربلاء بالمد، وهو الموضع الذي قتل فيه الحسين بن علي المرتضى سلام الله عليهما في طرف البرية عند الكوفة. فأما اشتقاقه فالكَرْبَلة رخاوة في القدمين، يقال جاء يمشي مُكَرْبِلاً. فيجوز على هذا أن تكون أرض هذا الموضع رَخْوة فسميت بذلك. ويقال كَرْبَلْتُ الحنطة إذا هذَّبتها ونقيتها ... فيجوز على هذا أن تكون هذه الأرض منقاة من الحصى والدغل فسميت بذلك. والكَرْبَل اسم نبت الحُمَّاض .. فيجوز أن يكون هذا الصنف من


1) (1) مراصد الإطلاع 980/2.

2) (2) المصدر السابق 949/2.

3) (3) معجم البلدان 445/4.

النبت يكثر نبته هناك فسمي به. وقد روي أن الحسين عليه السلام لما انتهى إلى هذه الأرض قال لبعض أصحابه: ما تُسمى هذه القرية؟ وأشار إلى العَقر. فقالوا له: اسمها العَقر. فقال الحسين: نعوذ بالله من العَقر. ثم قال: فما اسم هذه الأرض التي نحن فيها. قالوا: كربلاء. فقال: أرض كرب وبلاء، وأراد الخروج منها فمُنع كما هو مذكور في مقتله حتى كان منه ماكان. انتهى .

وقال في ترجمة الكوفة(1): لما فرغ سعدُ بنُ أبي وقاص من وقعة رُستم بالقادسية .. ثم توجه سعد نحو المدائن إلى يزد جرد وقدم خالد بن عَرْفَطة حليف بني زهرة بن كلاب ، فلم يقدر عليه سعد حتى فتح خالد ساباط المدائن . إلى أن قال: وهرب يزد جرد إلى إصْطَخَر، فأخذ خالد كربلا عَنْوة وسى أهلها، فقسَّمها سعدٌ بين أصحابه، ونزل كل قوم في الناحية التي خرج بها سهمه فأحيوها. انتهى.

و يظهر منه ومن سائر التواريخ أن كربلا كانت بلدة معمورة قبل تمصير الكوفة والبصرة، وهذه الأرض كلها تسمى كربلا، فلما فتحها عَنْوة وقسم الأراضي بين أصحابه فأحيوها سُمي كل سهم باسم، فمنها الغاضرِيَّة التي منها يسير إلى قبر العباس عليه السلام على ما في بعض الروايات، ومنها العَقْر، ومنها نِيْنَوى، ومنها شاطىء الفرات. وعلى ذلك فكر بلا كانت في السابق اسماً لكل هذه الأراضي والقرى، وبعد ذلك سُميت خصوص الأرض التي قُتل فيها الحسين عليه السلام ودفن فيها بذلك. ولعل هذه الأرض هي موضع بلدة كربلا المعمورة سابقاً، والمعمورة في ذلك الزمان ليست بالجص والآجر، حتى إنه قال ابن عباس - على ما في معجم البلدان كانت منازل أهل الكوفة قبل أن تُبنى أخْصَاصاً من قصب


1) (1) معجم البلدان 490/4.

إذا غزوا قلعوها و تصدقوا بها فإذا عادوا بنوها، فكانوا يغزون ونساؤهم معهم، فلما كان في أيام المغيرة بن شعبة [بنت القبائل باللَّبِن من غير ارتفاع ولم يكن لهم غرف، فلما كان في أيام إمارة زياد] بنوا أبواب الآجر...

و يؤيد ما ذكرنا ما في المجمع (1)، قال: كربلا موضع معروف، وبها قبر الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، روي أنه اشترى النواحي التي فيها قبره من أهل نِيْنَوَى والغاضرية بستين ألف درهم وتصدق بها عليهم، وشرط عليهم يرشدوا إلى قبره ويضيفوا زواره ثلاثة أيام.

قال المحدث النوري قدس سره في كتاب نفس الرحمن: وأما كربلا فالمعروف عند أهل تلك النواحى أنها قطعة من الأرض الواقعة في جنب نهر يجري من قبلي سور البلد ويمر بالمزار المعروف بابن حمزة، منها بساتين ومنها مزارع والبلد واقع بينهما - انتهى .

و الظاهر أن النهر هو المعروف بالنهر الحسيني، وكان سابقاً يمر من عند المخيم إلى الميدان المسمى في زماننا بالبلدية، يمّر منه إلى قبر ابن حمزة الواقع في أوائل المزار القديم المسمى بوادي طور سينا، ولقد رأينا آثار هذا النهر عند تسوية شارع المخيم وجعل الحديقة والبستان عنده.

و بالجملة، فلفظ «كربلا» حيث يُطلق في الأخبار لا يُراد به خصوص البلد ولا ما يُسمى به ما كان معموراً قبل فتحه عَنْوة. وسيأتي عن قريب زيادة توضيح في ذلك فانتظر .

قال الحموي (2): وأما المسافات فمن الكوفة إلى المدينة نحو عشرين مرحلة ومن


1) (1) مجمع البحرين 28/4 .

2) (2) معجم البلدان 493/4 .

المدينة إلى مكة نحو عشر مراحل في طريق الجادة ، ومن الكوفة إلى مكة أقصر من هذا الطريق نحو من ثلاث مراحل، لأنه إذا انتهى الحاج إلى معدن النقرة عدل عن المدينة

حتى يخرج إلى معدن بني سُليم ثم إلى ذات عرق حتى ينتهي إلى مكة.

ويظهر من ذلك كله أنه عليه السلام سار من مكة إلى كربلا وهي نحو مرحلتين عن كوفة نحو أربعة وعشرين يوماً في اثنين وعشرين منزلاً، وكان من ذي خُشُب - وهي على ما في الرواية نحو ثلاثة أميال من القادسية إلى كربلا - في نحو أربعة أيام، وكان الحر يسايره في هذه المنازل والأيام، وكان الحر يخبر ابنَ زياد بأمر الحسين عليه السلام كل يوم حتى نزلوا كربلا، ثم كتب إلى ابن زياد يخبره بنزول الحسين بكربلا. وما ذكرناه من ترتيب المنازل وشرح ما وقع في كل منزل مع الاشارة إلى موضع الاختلاف من خواص هذا الكتاب. والله الهادي وهو الموفق للصواب.

و ينبغي التنبيه على أمور:

(الأول) إن ما ذكرنا من تفسير الألفاظ إنما هو على ما استفدناه من اللغة والعرف، وإلا ففي لسان الأحاديث والأخبار بل في لسان الشرع واصطلاح الأئمة عليهم السلام يُراد من كربلا والغاضرية والطف وشاطىء الفرات والحائر وتلّ أعفر (1)وبين النهرين معنى واحد .

أما ما ورد بلفظ «كربلا» فكثير جداً قد مرّ وسيأتي، وأما غير كربلا ففي كامل الزيارة: قال أبو جعفر عليه السلام: الغاضرية هي البقعة التي كلم الله فيها


1) (1) الأعفر : الرمل الأحمر ، وكثيب أعفر : ذو لونين الحمرة والبياض . والظاهر أنه يقال لكربلا وصفاً لا علماً مجمع البحرين 207/3، مختار الصحاح ص 222.

موسى بن عمران وناجى نوحاً فيها، وهي أكرم أرض الله عليه، ولولا ذلك ما استودع الله فيها أولياءه وأنبياءه، فزوروا قبورنا بالغاضرية (1).

وقد ورد أخبار أخر بلفظ الغاضرية ، وقد مرّ في حديث أبي سعيد عَقيصَى قال عليه السلام: لأن أقتل بالطف أحب إلي من أن أقتل بالحرم (2).

و مر أيضاً في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام قال عليه السلام: لأن أدفن بشاطىء الفرات أحب إليّ من أن أدفن بفناء الكعبة (3).

وستأتي أخبار الحائر .

و في رواية داود بن فرقد قال عليه السلام : لأن أقتل على تلّ أعْفَر أحب إليّ من أن أقتل بها - يعني مكة (4).

و في رواية هاني بن هاني عن علي عليه السلام قال: ليُقتل الحسين قتلاً، وإني لأعرف تربته، الأرض التي يُقتل فيها قريباً من النهرين (5).

و في حديث زائدة المفصلة الآتية: وأومى - يعني جبرئيل - بيده إلى الحسين عليه السلام: مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك وأخيار أمتك بضِفّة الفرات (6)بأرض يقال لها كربلا .

إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في هذا الباب المستفاد منها أن المراد معنى


1) (1) كامل الزيارات ص 269 .

2) (2) كامل الزيارات ص 151.

3) (3) كامل الزيارات ص 152.

4) (4) كامل الزيارات ص 72.

5) (5) نفس المصدر.

6) (6) الضفة بالضاد والفاء المشددة من النهر جانبه ومن البحر ساحله .

واحد قد عُبّر عنه بألفاظ مترادفة في عرفهم عليهم السلام، وليس المراد خصوص القبر الشريف والبقعة المباركة والصحن المطهر والبلدة الطيبة، إذ ليس في زمن صدور الأخبار بقعة ولا صحن ولا بلدة، بل بعض الأخبار قد صدر قبل شهادته عليه السلام وعبّر فيه بما ذكرنا، بل المراد بذلك أرض كربلا المحدودة عندهم بحدود معينة.

و اختلاف الحدّ في الأخبار مبني على مراتب الفضل، ففي كامل الزيارة قال: حدثني حكيم بن داود بن حكيم، عن سلمة بن الخطاب، عن منصور بن العباس يرفعه إلى أبي عبدالله عليه السلام قال: حرم قبر الحسين عليه السلام خمس فراسخ من أربعة جوانب القبر (1).

وفيه أيضاً: حدثني محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن عمار قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: إن لموضع قبر الحسين بن علي عليهما السلام حرمة معلومة، من عرفها واستجار بها اُجير. قلت: فصف لي موضعها جعلت فداك. قال: امسح من موضع قبره اليوم فامسح خمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رجليه، وخمسة وعشرين ذراعاً ممايلي وجهه،وخمسة وعشرين ذراعاًمن خلفه، وخمسة وعشرين ذراعاً من ناحية رأسه (2)- إلى آخر الحديث.

و فيه أيضاً باسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: قبر الحسين عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً مکسَّراً روضة من رياض الجنة (3)- إلى آخر الحديث.


1) (1) كامل الزيارات ص 272.

2) (2) المصدر السابق .

3) (3) نفس المصدر.

و فيه أيضاً عن محمد بن إسماعيل البصري، عمن رواه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: حرمة قبر الحسين عليه السلام فرسخ في فرسخ من أربعة جوانبه(1). إلى غير ذلك من الأخبار .

ولا تعارض بين الأخبار ولا تنافي مع إمكان الجمع، بل ظهورها في الفضل والأفضل. وتؤيد بل تدل على ذلك الروايات المعنونة بعنوان تربة الحسين عليه السلام، مثل قوله عليه السلام: تربة الحسين تتم بها الصلاة ولو كانت ناقصة. إذ ليس المراد بالتربة خصوص ما يسجد عليه من التراب ولو في غير كربلا، بل المراد بالتربة أرض الحسين عليه السلام، كما يقال أرض بني أسد وتربة بني أسد

وتربة بني فلان، ويقال بالفارسية خاك كلهر خاك بختيار و أمثال ذلك.

و في كامل الزيارة باسناده عن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبدالله عليه السلام قلت: جعلت فداك إني رأيت أصحابنا يأخذون من طين الحائر ليستشفون به، هل في ذلك شيء مما يقولون من الشفاء؟ قال: قال عليه السلام: يُستشفى بما بينه وبين القبر على رأس أربعة أميال(2)- إلى آخر الحديث.

و فيه عن أبي الصباح الكناني عن أبي عبدالله عليه السلام قال: طينُ قبر الحسين عليه السلام فيه شفاءٌ وإن أخذ على رأس ميل (3).

و فيه أيضاً عن سلمان بن عمر و السرَّاج، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: يؤخذ طين قبر الحسين عليه السلام من عند القبر على قدر


1) (1) نفس المصدر.

2) (2) كامل الزيارات، ص 280 .

3) (3) المصدر السابق ص 275.

سبعين باعاً في سبعين باعاً .

و أنت خبير بعدم التعارض والتنافي بين هذه الأخبار الظاهرة في بيان الأفضل فالأفضل.

و بالجملة، فما ورد في فضل كربلا وفضل من بات بها ليلة وفضل التربة لا يُراد بها تحت القبة المطهرة أو بزيادة الرواق المحترم أو بزيادة الصحن المقدس أو بزيادة البلد، بل المراد خمسة فراسخ في خمسة فراسخ، غاية الأمر الأفضل فالأفضل حتى ينتهي إلى القبر الشريف. فتدبر.

(الثاني) قد مرّ أن كلمة «حائر» يساوق ويرادف في عرفهم عليهم السلام لفظة «كربلا»، ويؤيد ذلك بل يدل عليه ما في القاموس، قال: حائر أي كربلا كحير أو موضع منه. ويظهر منه أن كلمة حائر بمعنى كربلا وضعٌ لغوي، وكذا إذا كان موضعاً بكربلا. ويظهر منه أيضاً أنه مرتجل أو منقول هجر معناه الأول، لا أنه يُراد به معناه المنقول منه من حَارَ الماءُ أي تحيَّر.

وبالجملة، فليس «الحائر» لفظاً مستحدَثاً باعتبار معناه من الحَير، فما عن الشهيد «قده» في الذكرى في بيان وجه التسمية: أن في هذا الموضع حارَ الماءُ لما أمر المتوكل باطلاقه على قبر الحسين عليه السلام ليعفيه فكان لا يبلغه فيه الماء(1). لا طلاق الحائر على هذا المكان في زمن الصادق عليه السلام بل قبل زمانه وزمن المتوكل بعده بسنين، فكيف يُسمى حائراً في زمن المتوكل. اللهم إلا أن يُراد به وقوع القضية لا وجه التسمية، وهو بعيد.فتدبر.

و أعجب من ذلك ما عن ابن إدريس في محكى السرائر قال: والمراد بالحائر ما


1) (1) الذكرى ص 256 .

دار سورُ المشهد والمسجد عليه. قال: لأن ذلك هو الحائر حقيقة ، لأن الحائر في لسان العرب الموضع المطمئن الذي يَحار فيه الماءُ (1).

و الظاهر أن المراد بالحقيقة هو القدر المتيقَّن، لأن استعماله في غير ما ذكر مجاز كما في شفاء الصدور، إذ لا يُستعمل في لسان الأخبار بل المتشرعة الحائر على غير الموضع حتى يقال إنه مجاز، وإنما الخلاف في مقدار الموضع، وقد مرّ ما في القاموس أنه موضع من كربلا قتل فيه الحسين عليه السلام. وقد ظهر أن لفظ «موضع» في كلامهم لا يُراد به قبره الشريف على ما توهمه بعض وقال: إن الحائر هو قبره الشريف . وهو خلاف الأخبار والعرف واللغة .

و يظهر من ذلك كله ما في كلام المجلسي قدس سره، حيث إنه بعدما نقل الاختلاف في كلمات الأصحاب في حدّ الحائر قال: فقيل إنه ما أحاطت به جدران الصحن، فيدخل فيه الصحن من جميع الجوانب والعمارات المتصلة بالقبة المنورة والمسجد الذي خلفها، وقيل إنه القبة الشريفة حسب، وقيل هي مع ما اتصل بها من العمارات كالمسجد والمقتل والخزانة وغيرها. ثم قال والأول أظهر، لاشتهاره بهذا الوصف بين أهل المشهد آخذين من أسلافهم و لظاهر كلمات الأكثر (2).

و قال قدس سره في كتاب الصلاة ما ملخصه: إن الأظهر أن الحائر مجموع الصحن القديم دون ما تجدَّد منه في دولة الصفوية، وهو تمام جهة القبلة من


1) (1) السرائر 342/1 الحائر : مجتمع الماء ، الموضع المطمئن المرتفع الأطراف ، فتردد الماء فيه كأنه لا يدري كيف يجري فتجمع .

2) (2) البحار 89/86.

الصحن وحجراته وما انخفض فيه من الجهات الثلاث. انتهى(1).

و فيه مواقع من النظر للتهافت بين الكلامين أولاً واستناده بالإشتهار بالوصف في زمانه بين أهل المشهد لا إلى اللغة والعرف والأخبار ثانياً. ثم استند فى الصلاة إلى الأظهرية، ولم يبين أنه الأظهر من الأخبار أو كلمات الأخيار أو العرف والإعتبار. ومع ذلك كله لا يمكن في زماننا هذا معرفة كيفية وضع الصحن الشريف في زمن الصفوية ولا قبله ولا بعده، إذ لا انخفاض ولا ارتفاع، وتغيَّر كل ذلك بحيث لا يمكن المعرفة إلا بقول من لا يُعتمد عليه. وأما كلمات الأكثر فسيجيء بيانها.

و بالجملة، تعيين الموضع وتحديده بهذه الوجوه في زمان دونه خَرْطُ القَتاد، ولذا لجأ بعض الفحول إلى الأخذ بالقدر المتيقَّن، ثم اختلفوا في القدر المتيقن حتى أفتى بعضُهم بما هو شبه الوسواس بل الوسواس في الفتوى، وليس في اللفظ إجمال حتى يؤخذ بالقدر المتيقَّن، ولا الشبهة في المفهوم حتى يتمسك بالإحتياط أو البراءة، وليس الشك في المصداق حتى يتمسك بالأصل.

ومع ذلك فهم رضوان الله عليهم بين مُفْرِط في تعيين حدّ الحائر خمس فراسخ في خمس فراسخ من الجوانب الأربع ومُفَرِّط وهو أن الحائر فقط قبره الشريف أو القبة الشريفة، مع اتفاقهم على أن زمن صدور الأخبار والتعبير بالحائر - وهو زمن الصادقين وزمن التقية - لم يكن على القبر الشريف إلا قبة صغيرة على ما يظهر من التواريخ، ولم يكن هناك صحن ولا حجرات ولا بيوت، بل يظهر من التواريخ أن التعبير بالحائر كان في زمان لم يكن إلا قبره الشريف، وإن ورد في بعض أخبار الزيارة: ثم قف على باب الحائر. وسيأتي بيانه.

وإنما ألجأهم رضوان الله عليهم إلى ذلك أدلة التخيير في المواطن الأربعة


1) (1) بحار الأنوار 88/89 - 90،مستدرك سفينة البحار 476/2 .

المخصّصة لأدلة القصر في السفر، وبعد القطع بالتخصيص بصحة أخبار التخيير فلا شك في مقدار التخصيص، حتى يؤخذ بالقدر المتيقن فيؤخذ فيا زاد على القدر المتيقن بأخبار المخصص وهو أدلة القصر ، بل نرجع في المقدار بنفس أخبار التخيير فنقول:

أما أخبار التخيير فطوائف:

(منها) ما ورد بلفظ «الحائر»، كرواية الحميري باسناده عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن: مكة، والمدينة، و مسجد الكوفة، والحائر(1).

يظهر منه أن الحائر - موضعاً ومقداراً وحدّاً - كان معروفاً عندهم ومبيناً كمكة والمدينة و مسجد الكوفة، ولهذا ترك الإستفصال، كما يظهر منه أن الحدّ ليس بمقدار مكان المصلي ولا بمقدار عشرين باعاً أو خمسين باعاً أو أكثر، بل يظهر منه أن الحائر كان موضعاً متَّسعاً فيه قبره الشريف كما صرح بذلك في المراصد، قال: الحاير موضع قبر الحسين عليه السلام لأنه في موضع مطمئن الوسط مرتفع الحروف (2).

و في المجمع (3): حَرْفُ كل شيء طرفه وشفيره وحدّه. وقال فيه: الحائر هو في الأصل مجمع الماء، ويُراد به حائر الحسين عليه السلام.

ولا يراد به مجمع الماء مثل غدير أو غديرين أو خمسة أذرع ولا خمسين ذراعاً، بل المراد الأرض المستوية فيها انخفاض وارتفاع وغدير يجمع فيه الماء


1) (1) وسائل الشيعة 549/5.

2) (2) مراصد الاطلاع 373/1.

3) (3) مجمع البحرين 490/1 .

عند كثرة المطر أو عند جريان الماء من الشط ونحوه، كما كان المتعارف في زماننا هذا في فصل الربيع عند إكثار المطر وطغيان الشط يسيل الماء ويجري ويحيط بالأرض المستوية التي فيها انخفاض وارتفاع ، يسمونه الحور والحائر والخير، وقد رأينا مراراً استيلاء الماء من السليمانية إلى الكوفة على هذا البر بمقدار عشرة فراسخ بل أزيد، بل ربما يستولي من كربلا إلى الكوفة، وهذا البر في وقت استيلاء الماء يسمونه حَوْراً وحائراً ، وبعد جفاف الأرض وفقدان الماء أيضاً يسمونه الحور والحائر من باب إطلاق المشتق على ما انقضى عنه المبدأ.

ففي الحقيقة الحؤر والحائر في لسان العرب إلى زماننا هذا هو الأرض التي يحيط بها الماء ولو مرة واحدة وقت الربيع ثم يجف، والأرض التي بمقدار عشرة باعاً أو عشرين، ولو أحاط بها الماء لا يسمونها حَوْراً ولا حائراً. نعم الأرض المستوية بمقدار فراسخ التي أحاط بها الماء تُسمى عندهم كل قطعة منها حَوْراً وحائراً وحَيْراً .

و يظهر من التاريخ - كما مرّ - أن تلك القطعة من الأرض كان يحيط بها الماءُ من الشط أو من كثرة المطر في الأزمنة السابقة قبل وقعة الطف، وهذه الأرض تُسمى حَوْراً وحائراً من قبل، و تُسمى كل قطعة منها أيضاً حَوْراً وحائراً (1).

و على هذا فما ورد في أبواب الزيارات: ثم قف عند باب الحائر، أو ثم ادخل الحائر وأمثال ذلك (2). ويظهر من ذلك كله أن الحائر أوسع دائرة من البُقعَة والقُبّة وسُور المسجد بل وسور البلد بل ينتهي إلى فراسخ من كل جانب، فما في المجمع وغيره أن الحائر ما حواه سور المشهد الحسيني عليه السلام فيه ما لا يخفى.


1) (1) معجم البلدان للحموي 208/2.

2) (2) أنظر كامل الزيارات ص 194 و 198 و 212 و 219 .

(ومنها) ما ورد بلفظ «عند قبر الحسين» كما في رواية زياد القندي قال: قال أبو الحسن موسى عليه السلام أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي، أتمَ الصلاة في الحرمين وبالكوفة وعند قبر الحسين(1). وبمعناه بهذا التعبير أخبار أخر.

و الذي يقوى في النظر: أن تعبير «عند قبر الحسين» أوسع دائرةً من لفظ الحائر، لأن «عند» على ما صرح به في القاموس هو الجانب والناحية. نعم هو مجمل بالنسبة لآخر الحدّ، إذ هو مجمل بالنسبة إليه، فخرج ما هو لا يصدق معه قبر الحسين ويدخل ما هو مصداق له بحسب العرف والعادة، وفيه أفراد مشكوكة يُرجع فيها إلى أدلة القصر، إلا أن هذا التعبير مثل قولهم: من أقام قبر الحسين ليلاً. ولا شك أنه يصدق على من أقام في البلد بل في البساتين بل إلى فرسخ بل إلى فراسخ، لمن أراد القيام عند قبره عليه السلام زائراً.

وسنذكر في ترجمة علي بن الحسين عليه السلام أن السجاد قال لرجل: كان لي أخ مقتول عندكم. والمخاطب كان من أهل الكوفة والمقتول في كربلا.

وبالجملة، تختلف عنديته باختلاف المقام والتعبير، وأما ما يناسب المقام فلا إشكال في أنه يصدق على ما يصدق عليه الحائر. فتدبر.

(ومنها) ما ورد بلفظ «الحريم» و «الحرم»، ففي صحيحة علي بن مهزيار عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن: حرم الله، وحرم رسوله، وحرم أمير المؤمنين، وحرم الحسين بن علي (2).


1) (1) وسائل الشيعة 546/5.

2) (2) وسائل الشيعة 543/5.

و يظهر من التعبير عن مسجد الكوفة بحرم أمير المؤمنين وبين القبر والمسجد فرسخ أو أزيد أن الحرم والحريم لا يقصر على القبة والبقعة والصحن والبلد، بل ولا إلى البساتين كما هو الظاهر، بل هذا هو المستفاد من العرف واللغة.

ولا شبهة أن الحريم يختلف سعة وضيقاً باختلاف ما ينسب إليه. قال في المجمع(1): وحريم البئر العادية خمسون ذراعاً، وحريم الدار حقوقها، وحريم قبر الحسين عليه السلام خمسة فراسخ من أربعة جوانبه، وفي رواية فرسخ في فرسخ من أربع جوانبه، وفي أخرى خمسة وعشرون ذراعاً من ناحية رجله وخمسة وعشرون ذراعاً من ناحية رأسه. وعن الصادق عليه السلام: حرم الحسين الذي اشتراه أربعة أميال في أربعة أميال، فهو حلال لولده ومواليه و حرام على غيرهم ممن خالفهم وفيه البركة. انتهى كلامه.

و الذي يقتضيه النظر أن لفظ «حرم «الحسين» ليس من الموضوعات التي يُرجع فيها إلى اللغة والعرف، بل من الموضوعات المستنبطة التي يُرجع في شأنها إلى الشارع، وقد عرفتَ اختلاف الأخبار في ذلك. والذي يستهّل الخطب إمكان جمع الأخبار - بل ظهورها على ما صرح به جمع - في الأفضل فالأفضل كما مرّ في أخبار أخذ التربة أيضاً.

و بما ذكرنا ظهر الجمع بين الأخبار والعناوين، وأن الحدّ في أخذ الطين وترتيب أحكام طين القبر وجواز التخيير للمسافر هو خمسة فراسخ من كل جانب كما نطقت به الأخبار المستفيضة، بمعنى أن كلما قرب من القبر كان أفضل. ولا شك أن التراب الواقع على القبر أفضل من غيره، والتخيير وإتمام الصلاة حول القبر أفضل من غيره، إلا أن حدّ الأول عشرون ذراعاً في عشرين ذراعاً، ثم خمسة وعشرون ذراعاً في خمسة وعشرين ذراعاً، ثم سبعون باعاً، ثم ميل في ميل من


1) (1) مجمع البحرين 498/1.

أربع جوانب، ثم فرسخاً في فرسخ، ثم أربعة أميال في أربعة أميال، ثم أربعة فراسخ في أربعة فراسخ ، ثم خمسة فراسخ في خمسة فراسخ . ونسب هذا التفصيل إلى الشيخ في المبسوط والمصباح ، كما نسب أيضاً إلى ابني سعيد وحمزة.

و إن أبيت عن ذلك فالقدر المسلم الذي عليه المعظم تمام البلد، نسب ذلك في المستند إلى الشهرة العظيمة، واختاره النراقي ونسب ذلك إلى ابن حمزة والمحقق ويحيى بن سعيد والسيد و الإسكافي وغيرهم، واختاره المحقق في شفاء الصدور بعد نسبة القول إليهم (1).

وإن أبيت إلا عن الاحتياط خروجاً عن شبهة الخلاف، فالقدر المتيقَّن هو تمام الصحن الشريف والبيوتات الخارجة عن الصحن الشريف حتى يصل إلى قرب باب العباس عليه السلام، لما صرح به المفيد في الارشاد أن روضة العباس خارجة عن حدّ البحر (2)، فمقدار ذلك من أربعة جوانب داخل في الحد الاحتياطي.

و فيما ذكرناه كفاية، ولعلنا نكتب رسالة مستقلة في ذلك إن وافقنا التوفيق. والله تعالى هو الموفق .

(الأمر الثالث ) قوله عليه السلام «هي أرض كَرْب وبَلاءٍ». في المجمع: الكُربة بالضم الغم الذي يأخذ بالنفس، وكذلك الكرب كالضرب، والجمع الكُرَب كغرفة وغرف (3). ومثله في القاموس وغيره .

و البلاء في القاموس: البلاء كسماء الغم.

فالكرب والغم والبلاء مترادفات على ما يظهر منهم وصرح به البعض، وإن كان بينها فرقاً اعتبارياً. وعليه فقوله عليه السلام «وبلاء » عطف مرادف على


1) (1) انظر مستند الشيعة 313/8.

2) (2) أنظر الارشاد للمفيد ص 233 .

3) (3) مجمع البحرين 333/3 ، الصحاح 1998/5.

مرادف أو عطف تفسير له. وهذا المعنى-وإن كان بعيداً عن أذهان العامة-صريح رواية قدامة الطويلة المعروفة في حديث أم أيمن حيث قال: قال جبرئيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: وإن سبطك هذا - و أومى إلى الحسين عليه السلام - مقتول في عصابة من ذريتك وأهل بيتك من أمتك بضِفَّة الفرات بأرض يقال لها كربلا من أجلها يكثر الكربُ والبلاء على أعدائك وأعداء ذريتك في اليوم الذي لا تنقضي كَرْبُه ولا تفنى حَسرته، وهي أطيب بقاع الأرض .

فمعنى قوله عليه السلام «هي أرض كربٍ وبلاءٍ» أنها أرض من أجل ما يقع فيها ويرد على الحسين عليه السلام وأهل بيته يكثر البلاءُ والحسرةُ والغم والكربُ في يوم القيامة على أعدائه وأعداء ذريته . وهذا المعنى وإن كان خارجاً عن ظاهر اللفظ - إلا أنه مراد من باطنه ، فإن كلامهم عليهم السلام كالقرآن له ظاهر وباطن .

ويحتمل أن يُراد بالبلاء الابتلاء والامتحان والاختبار، كما هو المراد في غالب موارد استعماله، وصرح بذلك في القاموس والمجمع وغيرهما من كتب اللغة(1). ويؤيد ذلك بل يدل عليه قوله عليه السلام لما أنته أفواج مسلمي الجن قال: فإذا أقمتُ بمكاني فماذا يُبتلى هذا الخلق المتعوس وبماذا يُحشرون-إلى آخره.

و على هذا فمعناه: هي أرض غم وكرب لنا ولشيعتنا وابتلاء واختبار وامتحان لمن كان معي والشيعتي ولأمة جدي ولجميع البشر إلى يوم القيامة. وهذا معنى لطيف سليم يقبله الذوقُ السليم، وبيانه يحتاج إلى لطف قريحة خارج عن وضع الرسالة. فتفطن.

و أما ما في أذهان العامة من أن البلاءَ بمعنى نفس ما يُبتلى به كالمرض وفقد


1) (1) مجمع البحرين 247/1، لسان العرب 163/8 .

الأحبة والجرح والمضار الدنيوية وأمثال ذلك، فمعناه أنها أرض غم وكرب لا ض فرح وسرور وأرض بلية لمن نزل بها زائراً فيصيبه البلاء والمضار. وهذا المعنى وإن كان في نفسه صحيحاً لكنه بعيد عن مساق اللفظ. فتدبر.

ويؤيد ذلك ما في الأخبار الطوال للدينوري قال: ثم سار الحر مع الحسين عليه السلام حتى أتوا كربلا، فوقف الحر وأصحابه أمام الحسين ومنعوهم من المسير وقال: إنزل بهذا المكان فالفرات منك قريب. قال الحسين: وما اسم هذا المكان؟ قالوا له: كربلا. قال: ذات كربٍ وبلاءٍ، ولقد مر أبي بهذا المكان عند مصيره إلى صفين وأنا معه، فوقف فسأل عنه فأخبر باسمه، فقال: ههنا محطّ ركابهم، وههنا مهراق دمائهم. فسئل عن ذلك فقال عليه السلام: ثَقَل لآل محمد ينزلون ههنا . انتهى(1).

و بهذا المضمون روايات أخرى عن علي عليه السلام وعنه سلام الله عليه.

فصل

(في الوقائع المتأخرة عن وروده عليه السلام بكربلا)

(و ما جرى عليه إلى ليلة عاشورا)

الأكثر بل ادعي الاتفاق على أن عمر بن سعد ورد كربلا في أربعة آلاف أو ستة آلاف في اليوم الثاني من ورود الحسين عليه السلام بكربلا، وهو اليوم الثالث من محرم الحرام سنة إحدى وستين، وقيل اليوم الرابع .

و قال لسان المؤرخين وبعض أخر (2): نزل بكربلا يوم السادس، لاستبعاد


1) (1) الأخبار الطوال ص 252 .

2) (2) ناسخ التواريخ - قسم سید الشهداء 187/2.

وروده في اليوم الثالث، لأن وروده كان بعد نزوله عليه السلام بكربلا وكتابة الحر إلى ابن زياد يخبره بوروده يوم الثاني، وهذا لا يمكن مع استمهاله ومشاورته وتفكره في أمر الحسين ليلة خروجه.

و هذا اشتباه واضح، والأول هو الأصح، لأن بعد وروده عليه السلام بذي خُشُب أخبر الحُر بوروده، وكان ذلك قبل أربعة أيام من النزول بكربلا، وعند اطلاع ابن زياد تجهز وجمع العساكر لحرب الحسين، وكان ابن سعد عازماً على المسير إلى الري، وكان معسكره في حَمَّام أغين، فأمره ابنُ زياد بالخروج إلى حرب الحسين قبل وروده عليه السلام كربلا، واستمهل ابنُ سعد وشاور وعزم على المسير إلى حرب الحسين، فخرج في اليوم الثاني من المحرم ونزل كربلا في اليوم الثالث. هذا هو المستفاد من الأحاديث والتواريخ.

نقل الطبري عن أبي مخنف ومثله في الأخبار الطوال وغيره (1)باختلاف يسير نشير إلى مواضع الاختلاف واللفظ لأبي مخنف قال: ثم نزل عليه السلام يوم الخميس وهو اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين، فلما كان من عليهم عمر بن سعد بن أبي وَقَّاص من الكوفة في أربعة آلاف، وكان سبب خروج ابن سعد إلى الحسين أن عبيد الله بن زياد بعثه على أربعة آلاف من أهل الكوفة يسير بهم إلى دَسْتَبي، وكان الديلم قد خرجوا إليها وغلبوا عليها، فكتب إليه ابنُ زياد عهدَه على الري وأمره بالخروج، فخرج معسكِراً بالناس بحمَّام أعْين، فلما كان من أمر الحسين ما كان وأقبل إلى الكوفة دعا ابنُ زياد عمرَ بن سعد فقال: سر إلى الحسين، فإذا فرغنا مما بيننا وبينه سرتَ إلى عملك . فقال له


1) (1) تاريخ الطبري 409/5، الأخبار الطوال ص 253 ، الفتوح لابن الأعثم 141/2 .

عمرُ بنُ سعد: إن رأيت رحمك الله أن تعفيني فافعل. فقال له عبيدُ الله: نعم على أن تردّ لنا عهدَنا. قال: فلما قال له ذلك قال عمر بن سعد: أمهلني اليومَ حتى أنظر. قال: فانصرف عمر يستشير نصحاءه، فلم يكن يستشير أحداً إلا نهاه.

قال: وجاء حمزةُ بنُ المغيرة بن شعبة - وهو ابن أخته - فقال: أنشدك الله يا خال أن تسير إلى الحسين [فتأثم بربك وتقطع رحمَك، فوالله لأن تخرج من دنياك ومالك وسلطان الأرض كلها لو كان لك، خير لك من أن تلقى الله بدم الحسين] فقال له عمر بن سعد: فإني أفعل إنشاء الله.

قال هشام: حدثني عَوَانةُ بن الحكم، عن عمار بن عبدالله بن يسار الجُهَني، عن أبيه قال: دخلتُ على عمرَ بن سعد وقد أمِر بالمسير إلى الحسين عليه السلام، فقال لي: إن الأمير أمرني بالمسير إلى الحسين، فأبيتُ ذلك عليه. فقلت له: أصاب الله بك، أرشدك الله، أجل فلا تفعل ولا تسر إليه. فخرجتُ من عنده فأتاني آتٍ فقال: هذا عمرُ بنُ سعد يندب الناسَ إلى الحسين عليه السلام . قال: فأتيته فإذا هو جالس، فلما رآني أعرض بوجهه، فعرفت أنه قد عزم على المسير إليه، فخرجتُ من عنده .

فأقبل عمر بن سعد إلى ابن زياد فقال: أصلحك الله إنك وليتني هذا العمل وكتبتَ لي العهد وسمع به الناسُ، فإن رأيتَ أن تنفذ لي ذلك فافعل وابعث إلى الحسين في هذا الجيش من أشراف الكوفة من لستُ بأغنى ولا أجزأ عنك في الحرب منه، فسمى لي أناساً، فقال له ابن زياد: لا تُعلمني بأشراف أهل الكوفة، ولا أستأمرك في من أريد أن أبعث، إن سرت بجندنا و إلا ابعث إلينا عهدَنا، فلما رآه قد لجَّ قال: فإني سائر.

قال: فأقبل في أربعة آلاف حتى نزل بالحسين عليه السلام من الغد من يوم

نزل الحسين نِينَوى. انتهى.

و في مقتل أبي إسحاق الاسفرايني (1)قال: وأما ما كان من أمر ابن زياد فإنه أتاه رجلٌ من عسكر الحر من غير علمه وقال: إعلم أيها الأمير أن الحسين نزل في أرض كربلا وضايقناه، ولولا كنا لرجع إلى المدينة. فعند ذلك أطلق منادياً في الكوفة: يا معشر الناس من يأت برأس الحسين فله ملك الري عشر سنين. فقام إليه عمرُ بنُ سعد وقال: أنا آتيك برأسه فقال: امض وامنعه من شرب الماء وأتني برأسه. فقال: سمعاً وطاعة. فعند ذلك عقد له رأيةً و أمّره على ستة آلاف فارس، ثم أمر بالمسير، فخرج من عنده وأتى دارَه. فدخلت عليه أولادُ المهاجرين والأنصار الذين كانوا بالكوفة، وقالوا: ويلك يا بن سعد لا تخرج إلى حرب الحسين، فقال: لستُ أفعل. ثم جعل يتفكر في ملك الري وحرب الحسين، فاختارت نفسُه ملك الري على حرب الحسين، ثم جعل يقول ...

قد اختلفت النسخ في نقل الأبيات زيادةً ونقيصةً، ففي القمقام (2)أولها:

دعاني عبيدُالله من دون قومه إلى خُطَّة فيها خرجتُ لحيني

و في جلّ النسخ:

فوالله ما أدري وإني لحائرٌ أُفَكِّر في أمري على خطرينِ

ءأتركُ ملكَ الري والري منيتي أم اصبح مأثوماً بقتل حسين (3)

و في جملة من النسخ:


1) (1) ينابيع المودة 64/3 ، أنظر مدينة المعاجز 63/4 و بحار الأنوار 306/44 .

2) (2) القمقام 368/1 و 375 ، مناقب آل أبي طالب ،106/4 ، نفس المهموم ص 211، مقتل أبي مخنف ص 78.

3) (3) أم أرجع مأثوماً . خ ل .

حسينُ ابنُ عمي و الحوادثُ جَمةٌ لعمري ولي في الري قرة عينِ

و في القمقام :

وفي قتله النار التي ليس دونها حجابٌ وملك الري قرة عينِ

يقولون إن اللهَ خالقُ جنةٍ ونارٍ وتعذيبٍ وغُلّ يدينِ

فإن صدقوا فيما يقولون إنني أتوبُ إلى الرحمن من سنتينِ

و إن إله العرش يغفر زَلَّتى وإن كنتُ فيها أعظم التقلينِ

و إن كذبوا فزنا بريّ عظيمةٍ(1)و ملكٍ عظيم(2)دائم الحَجَلينِ

ألا إنما الدنيا لخَيْرُ مُعَجَّلٌ وما عاقلٌ باع الوجودَ بدينِ

و في رواية: إنه لما أنشأ الأبيات وأنشدها سمع هاتفاً ينادي وينشد:

ألا أيُها النغلُ الذي خاب سعيُه و راح من الدنيا بِخسَّة عينِ

ستَصلى جحيماً ليس يُطفَی لهيُبها وسعيك من دون الرجال بشينِ

إذا كنتَ قاتلتَ الحسين بن فاطم وأنت تراه أشرف الثقلينِ

فلا تحسبنَّ الريَّ يا أخبتَ الورى تفوز به من بعد قتل حسينِ

قال الاسفرايني: ثم إنه لما غلب عليه الشقاوة ركب هو وعسكرُه إلى أن أتى شاطىء الفرات .

و ينقل في بعض الكتب: إنه كان له ابنان أحدهما وهو الحفص يحرّضُه والآخر يمنعه منعاً شديداً، فلما غلب عليه الشقاوةُ أتى مع ابنه الحفص وكان معه في بعض المواقع. وسيأتي في ترجمته مع حكاية دير الراهب وقضية كامل وما قال محمد بن


1) (1) فزنا بدنياً عظيمة . خ ل .

2) (2) وملك عقيم . خ ل .

سيرين من ظهور كرامات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام حين لقي عمرَ بنَ سعد يوماً وهو شاب فقال: ويحك يا بن سعد كيف بك إذا قمتَ يوماً مقاماً تُجرُّ فيه بين الجنة والنار فتختار النارَ.

(بیان):

دَسْتَبي بفتح أوله وسكون ثانيه وفتح التاء المثناة من فوق والباء الموحدة المقصورة. في القمقام(1): وأصله دشت بي أي سمة وعقب فسميت دست بي كورة كبيرة مقسومة بين الري و همذان إلى أن سعى رجل من سكان قزوين من بني تميم يقال له حنظلة بن خالد يكنى أبا مالك في أمرها حتى صُيرت كلها إلى قزوين، فسمعه رجل من أهل بلده يقول كَوَّرتها وأنا أبو مالك. فقال: بل أتلفتَها وأنت أبوهالك. انتهى.

والعامة في زماننا يسمونها دشتابي، وفي رقم الديوان يكنونها دشتبي، وتشتمل على أزيد من ستين قرية .

قوله «حَمَّام أعْيَن» بتشديد الميم بالكوفة، ذكره في الأخبار مشهور، منسوب إلى أعيَن مولى سعد بن أبي وقاص. قاله في القمقام (2).

و أول ما صنع ابنُ سعد ساعةَ وروده بكر بلا وحين نزوله على ما صرح به في روضة الصفا - أن بعث رجلاً إلى الحسين عليه السلام يسأله لماذا جئت؟

قال الطبري وغيره(3): فبعث عمرُ بنُ سعد إلى الحسين عليه السلام عَزْرَة بن


1) (1) القمقام 486/2 . وانظر معجم البلدان 454/2 .

2) (2) المصدر السابق .

3) (3) تاريخ الطبري 410/5.

قيس الأحمَسي فقال: انته فاسأله ما الذي جاء به وماذا يريد؟ وكان عزرة ممن كتب إلى الحسين، فاستحيى منه أن يأتيه. قال: فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه فكلهم أبى وكرهه .

قال أبو مخنف: وقام إليه كثيرُ بنُ عبد الله الشعبي - وكان فارساً شجاعاً ليس يردُّ وجهَه شيءٌ، فقال: أنا أذهب إليه، والله لئن شئتَ لأفتكن به . فقال له عمرُ بنُ سعد: ما أريد أن يُفتك به ولكن ائته فاسأله ما الذي جاء به . قال: فأقبل إليه، فلما رآه أبو ثُمَامَة الصائدي قال للحسين عليه السلام: أصلحك اللهُ أباعبدالله قد جاءك شرُّ أهل الأرض وأجرأه على دم و أفتكه. فقام إليه وقال: ضع سيفَك. قال : لا والله ولا كرامة، إنما أنا رسول، فإن سمعتم مني أبلغتكُم ما أرسلتُ به إليكم، وإن أبيتم انصرفتُ عنكم فقال له: فإني آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك. قال: لا والله لا تمسه. فقال : أخبرني ما جئتَ به وأنا أبلغه عنك ولا أدعك تدنو منه فانك فاجر. قال: فاسْتَبا ثم انصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر.

قال: فدعا عمرُ قُرَّةَ بنَ قيس الحنظلي فقال له: ويحك ياقرة ألق حسيناً فاسأله ما جاء به و ماذا يريد؟ قال : فأتاه قرةُ بنُ قيس، فلما رآه الحسين عليه السلام مقبلاً قال: أتعرفون هذا؟ فقال حبيبُ بن مظاهر: نعم هذا رجل من حنظلة تميمي وهو ابن أختنا، ولقد كنتُ أعرفه بحسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد. قال: فجاء حتى سلّم على الحسين عليه السلام و أبلغه رسالةَ عمر بن سعد إليه. فقال الحسين عليه السلام: كتبت إليّ أهلُ مصركم هذا أن اقدم، فأما إذكرهوني فأنا أنصرف عنهم .

قال: ثم قال له حبيبُ بن مظاهر: ويحك يا قرة بن قيس أنَّى ترجع إلى القوم الظالمين، أنصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك اللهُ بالكرامة وإيانا معك. فقال له

قرة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأبي. قال: فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر، فقال له عمرُ بنُ سعد: إني لأرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله . انتهى .

وقال الدينوري(1): فلما أتاه قرة بن أبي سفيان(2)فأبلغه قال الحسين عليه السلام:أبلغه عني أن أهل هذا المصر كتبوا إليَّ يذكرون أن لا أمام لهم ويسألونني القدومَ عليهم، فوثقتُ بهم، فغدروا بي بعد بعد أن بايعني منهم ثمانية عشر ألف رجل، فلما دنوتُ فعلمت غرور ما كتبوا به إليّ أردت الأنصراف إلى حيث منه أقبلتُ ، فمنعني الحر بن يزيد وسار حتى جَعْجَع بي في هذا المكان، ولي بك قرابة قريبة ورحم ماسة، فأطلقني حتى أنصرفَ. فرجع قرة فأخبره وقال ما مرّ.

و في بعض الروايات: إنه لما رجع كثير أنفذ عمرُ بن سعد رجلاً آخر خزاعة، فلما قرب من الحسين عليه السلام قال زهير بن القين: ألق سلاحَك وادخل فقال: حباً وكرامة . ثم ألقى سلاحَه ودخل على الحسين يقبّل رجليه وقال: يا مولانا ما الذي جاء بك إلينا و أخذلك علينا؟ فقال عليه السلام: كُتبكم. فقال: لعن الله الذين كاتبوك فهم اليوم من خواص ابن زياد. فقال: إرجع إلى صاحبك وأخبره بذلك. فقال: يا مولاي من الذي يختار النار على الجنة؟ فوالله ما أفارقك حتى ألق حمامي بين يديك. فقال له الحسين عليه السلام: واصلك اللهُ كما واصلتنا بنفسك. ثم أقام عند الحسين حتى قتل.

(بیان):

عَزْرَة بفتح العين وزاي بين المهملتين، وفي بعض النسخ عروة بالواو. قاله


1) (1) الأخبار الطوال ص 253 .

2) (2) في المصدر : قرة بن سفيان.

فی القمقام.

قوله: «قُرَّة بن قيس» كذا في جملة من الكتب، وفي الأخبار الطوال للدينوري وروضة الصفا وجملة من الكتب قرة بن سفيان الحنظلي .

قال الدينوري وغيره(1): ثم كتب عمرُ بنُ سعد إلى ابن زياد يخبره بذلك، فلما وصل كتابه إلى ابن زياد كتب إليه في جوابه ما سيأتي .

قال الطبري (2): قال هشام عن أبي مخنف قال: حدثني النضر بن صالح بن حبيب بن زهير العبسي، عن حسان بن فائد بن بكير العبسي قال: أشهد أن كتاب عمر بن سعد جاء إلى ابن زياد وأنا عنده، فإذا فيه:

«بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فإني حيث نزلتُ بالحسين بعثتُ إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب ويسأل، فقال: كتب إليّ أهل هذا البلد وأتتني رسُلهم فسألوني القدومَ ففعلت، فأما إذكرهوني فَبَدا لهم غير ما أتتني به رسلُهم فأنا منصرف عنهم».

فلما قرى الكتاب على ابن زياد قال:

الآن إذ علقت مخالبُنا به يرجو النجاةَ ولات حين مناص(3)

الآن حين فتلته حبالنا يرجو الخلاصَ ولات حين مناص

قال : وكتب إلى عمر بن سعد :

«بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فقد بلغني كتابك وفهمتُ ما ذكرت، فأعرض على الحسين أن يبايع يزيد بن معاوية هو وجميعُ أصحابه، فإذا فعل


1) (1) الأخبار الطوال ص 254 .

2) (2) تاريخ الطبري 411/5 .

3) (3) في بعض النسخ:

ذلك رأينا رأينا » .

قال: فلما أتى عمر بن سعد الكتاب قال: قد خشيت ألا يقبل ابن زياد العافية.

قال الدينوري(1): فأرسل عمر بن سعد بكتاب ابن زياد إلى الحسين عليه السلام، فقال الحسين للرسول: لا أجيب ابنَ زياد إلى ذلك أبداً، فهل هو إلا موت فمرحباً به. فكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بذلك ، فغضب اللعين فقال ...

وقال محمد بن أبي طالب: فلم يعرض ابن سعد على الحسين ما أرسل به ابن زياد، لأنه علم أن الحسين لا يبايع يزيد.

و في الفصول المهمة لنور الدين المالكي: قال: كتب ابنُ زياد إلى الحسين عليه السلام:«أما بعد فإن يزيد بن معاوية كتب إليّ أن لا تُغمض جفنَك من المنام ولا تشبع بطنَك من الطعام أو يرجع الحسين على حكمي أو تقتله»(2).

و في رواية(3): أنه كتب إليه عليه السلام «أما بعد فقد بلغني يا حسين نزولُك بكربلا، وقد كتب إليّ يزيدُ بنُ معاوية أن لا أتوسَّد الوَثيرَ ولا أشبع من الخمير أو ألحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية. والسلام».

وأرسله مع رجل، فلما أتاه وقرأ الكتاب ألقاه عن يديه، فاستدعى الرجل الجواب فقال عليه السلام: ماله عندي جواب، فقد حقت عليه كلمة العذاب(4).


1) (1) الأخبار الطوال ص 254 .

2) (2) الفصول المهمة ص 177.

3) (3) قال في القمقام والثاني هو الأصح . وظاهره كغيره أن هذا الكتاب ووصوليه اليه عليه السلام قبل مجئ ابن سعد إلى كربلا .

4) (4) أنظر بحار الأنوار 383/44 .

(بیان) :

قالوا : فلما رجع الرجل إلى ابن زياد وبلّغه ما أجاب عليه السلام اشتد غضبُه فأرسل عمر بن سعد. وهو بعيد، وأبعد منه كتاب يزيد إلى ابن زياد بعد نزوله بكربلا . ويمكن بل هو الظاهر أن كتاب يزيد إلى عمر بن سعد حين بلوغه خروجَ الحسين عليه السلام إلى العراق وكتاب ابن زياد إليه كان مع عمر بن سعد سعد أو مقارناً لنزوله بكربلا .

قوله «الوَثير» الفراش اللين. وفي المجمع: المِيثَرة بالكسر غير مهموزة شيء يُحشى بقطن أو صوف يجعله الراكب تحته، وأصله الواو والميم زائدة.

قوله «فقد حَقَّت عليه كلمةُ العذاب». قوله تعالى ( أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَهُ العَذَابِ )(1)هي قوله ( لأمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِيْنَ )(2).


قالوا: فلما رجع الرسولُ إلى ابن زياد وأخبره بما قاله عليه السلام في جواب كتابه، إشتد غضبُه وجمع الناسَ في جامع الكوفة، ثم خرج وصعد المنبر، ثم قال : أيها الناسُ إنكم بَلَوْتم آل أبي سفيان فوجدتموهم كما تحبون، وهذا أمير المؤمنين يزيد قد عرفتموه حَسَنَ السيرة محمود الطريقة محسناً للرعية، يعطي العطاءَ في حقه، قد أُمِّنَت السبلُ على عهده، وكذلك كان أبوه معاوية في عصره، وهذا ابنه يزيد من بعده يكرم العبادَ ويغنيهم بالأموال ويكرمُهم، وقد زادكم في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن أوفّرها عليكم وأخرجكم إلى حرب عدوه الحسين،


1) (1) سورة الزمر : 19.

2) (2) سورة هود : 119 .

فاسمعوا وأطيعوا. ثم نزل عن المنبر ووفَّر الناسَ العطاءَ وأمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسين و يكونوا عوناً لابن سعد على حربه (1).

و في الأخبار الطوال للدينوري(2)قال: بعدما غضب اللعين ابنُ زياد فخرج بجميع أصحابه إلى النُّخَيْلة ثم وجّه الحُصين بن نمير وحَجَّار بن أَبْجَر وشَبَث بن رِبعي وشمر بن ذي الجوشن ليعاونوا عمرَ بنَ سعد على أمره.

أما شمر فنفذ لما وجَّه إليه، وأما شَبَث بن ربعي فاعتل بمرض. قيل فتمارض شبث وأراد أن يعفيه ابنُ زياد فأرسل إليه: أما بعد فإن رسولي أخبرني بتمارضك وأخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن، إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا مسرعاً. فأقبل إليه شَبَتْ بعد العشاء لئلا ينظر إلى وجهه فلا يرى أثر العلة. فلما دخل رَحَّب به وقرّب مجلسه وقال: أحب أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عوناً لابن سعد. فقال: أفعل أيها الأمير، فخرج (3).

قال الدينوري: ووجّه أيضاً إلى الحارث بن يزيد بن رُوَيم. قال: قالوا وكان ابنُ زياد إذا وجَّه الرجل إلى قتال الحسين في المجمع الكثير يصلون إلى كربلا ولم يبق منهم إلا قليل، كانوا يكرهون قتال الحسين عليه السلام فيرتدعون ويتخلفون، فبعث ابن زياد سُويدَ بن عبد الرحمن المِنْقَري في خيل إلى الكوفة وأمره أن يطوف بها فمن وجده قد تخلف أتاه ، فبينما هو يطوف في أحياءِ الكوفة إذ


1) (1) بحار الأنوار 385/4.

2) (2) الأخبار الطوال ص 254 .

3) (3) بحار الأنوار 386/44 .

وجد رجلاً من أهل الشام قد كان قدم الكوفة في طلب ميراث له، فأرسل به إلى ابن زیاد، فأمر به فضربت عنقه ، فلما رأى الناس ذلك خرجوا.

قال الاسفرايني: ثم إن ابن زياد أرسل لهم ابن رِبعي في ألف فارس ومحمد بن الأشعث في ألف فارس وشمرَ بن ذي الجوشن في أربعة آلاف فارس، وقد كان أرسل قبله الحرَّ بن يزيد الرياحي في ألف فارس، وأتبع الجميع بحجّار بن أبجر مائنا وعشرين ألف فارس(1)وقال له: سر بهم إلى عمر بن سعد وقل لهم: إن الأمير أرسلهم إليك ويُعلمك أن جملة ما عندك من الفرسان أربعين ألف، وليس فيهم شامي ولا حجازي ولا بصري، بل جميعاً من أهل الكوفة، ومعهم السيوف الهندية والرماح الخطية، وجميعهم راغبين في قتل الحسين.

و في مناقب ابن شهر اشوب: وجهز ابن زیاد عليه خمساً وثلاثين ألفاً - وفي نسخة خمساً وعشرين ألفاً (2)- فبعث الحرَّ في ألف فارس من القادسية، وكعب بن طلحة في ثلاثة آلاف، وعمر بن سعد في أربعة آلاف، وشمر بن ذي الجوشن السلولي في أربعة آلاف من أهل الشام، ويزيد بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف ومضاير بن رهينة المازني في ثلاثة آلاف، ونصر بن خرشة في ألفين، وشبث بن ربعي الرياحي في ألف، وحجار بن أبجر في ألف(3).

و في البحار: أن ابن زياد لا يزال يرسل إلى ابن سعد بالعساكر حتى تكامل


1) (1) كذا في خط المؤلف والعبارة غير صحيحة .

2) (2) في النسخة التي رجعنا اليها «خمساً وثلاثين ألف»، والصحيح في تعداد المؤلف خمساً وعشرين ألف .

3) (3) مناقب آل أبي طالب 106/4 .

عنده ثلاثون ألفاً (1).

و فيه (2)عن محمد بن أبي طالب: فأول من خرج شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف فصار ابن سعد في تسعة آلاف - يعني مع أصحاب الحر - ثم أتبعه بيزيد بن ركاب الكلبي في ألفين والحُصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف، وفلاناً المازني في ثلاثة آلاف، ونصر بن فلان في ألفين، فذلك عشرون ألفاً، ثم أرسل إلى شَبَث بن ربعي - إلى آخر ما مر. إلى أن قال: فما زال يرسل بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون ألفاً ما بين فارس وراجل.

(بیان):

قد اختلفت كلماتُ المؤرخين والمحدثين وأهل السير والمغازي من الفريقين - بل كل من كتب عن وقعة الطف - في عدد أصحاب ابن سعد في يوم عاشورا، فمن مُقلٍّ إلى أربعة آلاف الذين كانوا مع ابن سعد، ومن مُكثر إلى ألف ألف، ومن مُفرِط إلى أربعمائة كما عن المسعودي وغيره، ومُفرّط إلى ما لا يمكن إحصاؤه وأكثر من ألف ألف.

و نقل كلماتهم وعباراتهم في كتبهم وعقائدهم مما يورث التطويل. والذي حققُته وأعتقد به أن الجند النظامي العسكري الذي يأخذ المعاش من حكومة الوقت ولباسه وسلاحه وكلما يتوقف على الحرب والجدال يؤخذ من ابن زياد ومن بيت المال بأمر يزيد هم ثلاثون ألفاً، وهم الذين رجعوا في إمارة سعد بن أبي وقاص أبي عمر بن سعد من وقعة نهاوند وحرب العجم ونزلوا بالكوفة بأمر


1) (1) بحار الأنوار 386/44 .

2) (2) المصدر السابق.

عمر مرابطين منتظرين لأمر الخليفة، لأن بعد فتح إيران قد حدُّوا حدوداً وثغروا ثغوراً مخافة هيجان الفرس أو غيرهم على ما ورد في التاريخ: أن الروس قد هجموا على إيران قبل الاسلام مرتين من لاهيجان وجعلوا ثغراً في قزوين وهمذان وخراسان و الري،وغيرها وكان مركزُ الجند في الكوفة، وكانت بعد تمصيرها بمنزلة العاصمة، وكان الجندُ المرابط الحاضر مع كل لوازمه وعدته ثلاثون ألفاً كما كان في أول الأمر، فكلما ينقص واحدٌ يُجعل مكانه آخر، وأمر ابنُ زياد بخروجهم إلى حرب الحسين عليه السلام، فخرجوا بأسرع وقت، ومنهم الأربعة آلاف الذين كانوا مع ابن سعد،فتكاملوا من اليوم الثاني من محرم إلى السادس منه ثلاثون ألفاً ، فخرج كل فرقة مع رئيسه وآمره على قانون الجيش، منهم الرماة وهم أربعة آلاف، ومنهم من يرمي بالحجارة وهم أيضاً على ما في بعض الكتب أربعة آلاف، وهؤلاء كلهم محاربون منقسمون على الميمنة والميسرة والقلب والجناحين، وكان للرماة مكان مخصوص مرتفع وكذا لذوي الأحجار، وكان جدالُهم على قانون خاص متَّبع في أنظمة الحرب القديمة.

هذا الجند هو الذي قال عليه السلام عنهم: قد از دلف عليه ثلاثون ن ألفاً، كل يتقرب بدمه إلى الله.

وأما غير الجند والعسكر النظامي، فلا شبهة ولا إشكال أنهم جاؤا مع شيوخهم وزعمائهم وعشيرتهم، إما بأمر ابن زياد أو لرضاه أو لطمع النهب والسلب والجائزة كما هو عادتهم .

و أما عدد هؤلاء فلا يمكن إحصاؤه، لأنهم غير محصورين ولا مضبوطين، فلعل هؤلاء بلغوا إلى مائة ألف أو ألف ألف، لأن العشائر في ذلك الوقت كانوا كثيراً منهم يسكنون الكوفة ونواحيها، وسنذكر أن منهم هاني بن عروة وكان

يركب مع ثلاثين ألف ،دارع ، ومثله في الكوفة كثيرون.

وغاية ما يقال في ذلك ما قاله الحسين عليه السلام:

و ابنُ سعد قد رماني عَنْوةً بجنود كوُكُوف الهاطلين

يعني قطرات المطر، ولا ينسب كلامه عليه السلام هذا إلى الإغراق، بل هو كناية عن عدم إمكان الإحصاء عادة .

وقد ذكرنا قبيل هذا أن ابن زياد بعث سُويدَ بن عبد الرحمن في خيل إلى الكوفة ليفتش عن حال الناس في خروجهم إلى كربلا، فلم ير إلا رجلاً شامياً فأخذه وقتله.

و قد قيل : إن رجلاً طاف بالكوفة حتى دخل الحمام فلم ير أحداً من الرجال إلا وخرج إلى كربلا.

فعلى ما ذكرناه من كلام المقلّ والمفرّط إنما صدر إما عناداً لتحقير القضية أو عصبية أو لعدم علمه بالتاريخ وعدم رجوعه إلى الكتب المعروفة المعتبرة. والله الهادي.

و مما ذكرنا ظهر أن استبعاد بعض المؤرخين بأنه كيف تجتمع هذه الفئة الكثيرة في المدة القليلة. ليس في محله، وكذا استبعاده إمكان تحصيل حوائجهم وتهيؤ لوازمهم و ترتیب معاشهم وعلف دوابهم وأمثال ذلك مما تحتاج هذه الفئة الكثيرة المجتمعة في أرض قفر، فإنه نشأ من عدم علمه بأوضاع الجند العربي وترتيب تعيش الأعراب في الحضر والسفر، لا سيما عند الحرب. ومع أنهم كانوا قريباً من العاصمة الكوفة وبين النهرين، خصوصاً إذا كانت الحكومة قوية مقتدرة.

وقد اجتمع في صفين قريباً من مائة ألف وعشرين ألف أتباع علي عليه السلام وعسكره، وكذا قريباً من ثلاثمائة ألف عسكر معاوية على شاطىء

الفرات ، وتوقفوا هناك قريباً من سنتين.

وهذا لا استبعاد فيه بعدما رأينا في زماننا هذا قَوْدَ العساكر من بلد إلى بلد ومن ناحية إلى ناحية ومن مملكة إلى مملكة قريباً من ألف ألف وأزيد مع تمام مهماتهم ولوازمهم .

وقد يُستبعد أن اجتماع هذا الجيش الكثيف لمحاربة نفر قليل العدد يقرب من اثنين وسبعين أو مائة وسبعين أو مائتين وإن كانوا شجعاناً فرساناً هاشميين. مما لا تقبله العقول والأذهان.

وهذا وإن كان بحسب الظاهر والنظر البدوي في محله، إلا أنه بعد التأمل والتفكر في أطراف القضية والنظر في التواريخ والأحاديث والسير والمغازي يظهر أنه لا محلّ لهذا الاستبعاد، لأن ابن زياد وأتباعه يعلمون محلَ الحسين عليه السلام في نفوس أهل الكوفة وحبهم له حباً شديداً، وقد بايع سفيَره مسلمَ بن عقيل أربعون ألفاً أو ثمانون ألف شخص، ويخاف ابن زياد من نهضتهم ونصرتهم للحسين (علیه السلام) ولحوقهم به واجتماعهم لديه من جوانب الكوفة والبصرة، حتى أنه لم يكن مطمئناً من عسكره أن يغتالوه ويلحقوا بالحسين كما لحق به جمع على ما سنذكره في ترجمة الأنصار، فلذا ضيَّق عليهم حتى قتل جمعاً كثيراً بالتهمة والظَّنَّة وأطمعهم بالأموال والعطايا والرئاسة.

و على هذا تهيأ ابنُ زياد تهيؤاً شديداً وجمع جموعاً كثيرة، حتى اطمأن من عسكره في اليوم السادس وعلم أنه لا يجيء للحسين ناصر ولا معين. وقد ضَيَّق عليه الجوانَب بحيث لا يقدر أحد أن يخرج أو يدخل، ورصد المراصد وجعل عيوناً في العسكر وخارجه، حتى أن حبيب بن مظاهر لما أتى ببني أسد لنصرة الحسين عليه السلام أخبر ابنَ سعد بذلك وكان من الأمر ماكان.

عود إلى بدء:

لما بلغ الحسين عليه السلام نزول عمر بن سعد بكربلا في أربعة آلاف - وفي رواية في ستة آلاف - وكان ذلك في اليوم الثالث من المحرم أرسل إلى عمر بن سعد أن القني الليل .

قال الطبري (1): قال أبو مخنف: حدثني أبوجناب، عن هاني بن تُبَيت الحضرمي وكان قد شهد قتلَ الحسين - قال: بعث الحسين عليه السلام إلى عمر بن سعد عمرو بن قَرظَة بن كعب الأنصاري: أن القني الليل بين عسكري وعسكرك. قال: فخرج عمرُ بنُ سعد في نحو من عشرين فارساً وأقبل الحسين في مثل ذلك، فلما التقوا أمر الحسين أصحابه أن يتنحوا عنه و أمر عمر بن سعد أصحابَه مثل ذلك.

قال: فانكشفنا عنها بحيث لا نسمع كلامَهما ولا أصواتَهما، فتكلمها فأطالا حتى ذهب من الليل هَزِيعُ(2)، ثم انصرف كلُّ واحد منهما إلى عسكره بأصحابه .

كلَّ قال أبو مخنف: حدثنى المجالد بن سعيد الهمذاني والصَّقْعَب بن زهير: أنهما كانا التقيا مراراً ثلاثاً أو أربعاً حسين وعمر بن سعد.

و في بعض الروايات: إن عمر بن سعد استدعى حسيناً عليه السلام أن يلقيه بين العسكرين وتنحوا أصحابها، وبقي مع الحسين أخوه العباس وابنه علي الأكبر ومع ابن سعد ابنه حَفْص وغلامه دُرَيْد.

قال أبو مخنف(3): وتحدث الناسُ فيما بينهما ظناً يظنونه أن حسيناً قال لعمر بن


1) (1) تاريخ الطبري 413/5 .

2) (2) هزيع من الليل : أي مقدار منه ، وهو نحو من ثلثه أو ربعه .

3) (3) تاريخ الطبري 413/5.

سعد: أخرج معي إلى يزيد بن معاوية وندع العسكرين، قال عمر: إذا تُهدَم داري. قال عليه السلام: أنا أبنيها لك. قال : إذاً تؤخذ ضياعي، قال: إذا أعطيك خيراً منها من مالي بالحجاز. قال: فتكرَّه ذلك عمر. قال: فتحدث الناسُ بذلك وشاع فيهم من غير أن يكونوا سمعوا من ذلك شيئاً ولا علموه.

قال أبو مخنف: وأما ما حدثنا به المجالد بن سعيد والصَّقْعَب بن زهير الأزدي وغيرهما من المحدثين فهو ما عليه جماعة من المحدثين، قالوا: إنه قال: اختاروا مني خصالاً ثلاثاً: إما أن أرجع إلى المكان الذي أقبلتُ منه، وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى فيما بيني و بينه رأيه، وإما أن تسيّروني إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئتم، فأكون رجلاً من أهله لي مالهم وعليّ ما عليهم.

أقول: وهذه الليالي كانت ليلة الرابع والخامس والسادس.

فلما وصل كتابُ ابن زياد إلى ابن سعد يهدّده وأمر بالتضييق ووبَّخه على الملاقاة انقطع التلاقي، وذلك في اليوم السادس على ما يجبيء.

و الظاهر - على ما صرّح به أبو مخنف في كلامه - أنهما لما التقيا أمرا أصحابها أن يتنحوا عنهما، فلم يسمعوا صوتهما ولا كلامها، فكلما تحدث الناسُ [به من أمر المحاورة بينهما فهو] تخرّصٌ بالغيب وظن يظنونه. فما في بعض كتب العامة وتبعه بعضُ الخاصة أنه عليه السلام قال لعمر بن سعد: وإما أن أضع يدي في يد يزيد بن معاوية فيرى ما بيني وبينه رأيه. من الأكاذيب، يدل على ذلك - مضافاً إلى أنه عليه السلام أبيُّ الضيم وقد صرح مراراً على ما مرّ «إني لا أضع يدي في يد يزيد ولا أقره إقرار العبيد» وأمثال ذلك، وكان هذا غاية أمل يزيد و ابن زياد، وعلى هذا خرج الحسين من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى الكوفة حتى استشهد هو وأصحابه وسبيت نساؤه، فكيف يقول ذلك ؟!

قال أبو مخنف: وأما عبد الرحمن بن جُندَب فحدثني عن عُقْبَة بن سمعان قال: صحبتُ حسيناً فخرجت معه من المدينة إلى مكة ومن مكة إلى العراق، ولم أفارقه حتى قُتل، وليس من مخاطبة الناس كلمة بالمدينة ولا بمكة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلا وقد سمعتُها، لا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية ولا أن يسيَّروه إلى تغر من ثغور المسلمين، ولكنه قال: دعوني فلأذْهَب في هذه الأرض العريضة حتى ننظر ما يصير أمرُ الناس.

نعم، في كتاب عمر بن سعد إلى ابن زياد جاء ذلك. قال أبو مخنف: فكتب عمرُ بنُ سعد إلى عبيد الله بن زياد «أما بعد، فإن الله قد أطفأ النائرة وجمع وأصلح أمر الأمة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن نسيَّره إلى أي ثغر من ثغور المسلمين شئنا، فيكون رجلاً من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي يزيد بن معاوية أمير المؤمنين فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لكم رضىً وللأمة صلاح».

قال: فلما قرأ عبيدُ الله الكتابَ قال: هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه، نعم قد قبلتُ. قال: فقام إليه شمرُ بن ذي الجوشن، فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك إلى جنبك، والله لئن رحل من بلدك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة والعزة ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا تعطه هذه المنزلة فإنها من الوَهَن، ولكن لينزلَ على حكمك هو و أصحابه، فإن عاقبتَ فأنت ولي العقوبة، وإن عفوتَ كان ذلك لك ، والله لقد بلغني أن حسيناً وعمر بن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل. فقال له ابن زياد: نِعْمَ ما رأيتَ، الرأي رأيك.

و قال ابو الفرج(1): فوجَّه عليه السلام إلى عمر بن سعد فقال: ماذا تريدون مني، إني مخيّركم ثلاثاً: بين أن تتركوني ألحق بيزيد، أو أرجعَ من حيث جئتُ، أو أمضيَ إلى بعض تغور المسلمين فأقيم فيها. ففرح ابنُ سعد بذلك، وظن أن ابن زياد يقبله منه، فوجَّه إليه رسولاً يعلمه ذلك ويقول: لو سألك هذا بعضُ الديلم ولم تقبله ظلمتَه. فوجَّه ابنُ زياد إليه: طمعت يا بن سعد في الراحة وركنت إلى دعة، ناجز الرجل وقاتله ولا ترض منه إلا أن ينزل على حكمي. فقال الحسين عليه السلام: معاذ الله أن أرجع إلى حكم ابن مرجانة أبداً.

و في كتاب الامامة والسياسة لابن قتيبة قال: وكان مع عمر بن سعد من قريش ثلاثون رجلاً من أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابنُ بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاث خصال لا تقبلون واحدةً منها.فتحولوا مع الحسين فقاتلوا معه (2).

و مما اتفق عليه المحدثون والمؤرخون من الموافق والمخالف، بل كل من ذكر مقتل الحسين عليه السلام من غير نكير: أنه لما كمل العِدَّةُ والعَدَد لا بن سعد في اليوم السادس من المحرم و علم ابنُ زياد أنه لم يجي للحسين عليه السلام ناصر ولا معين واطمأن من جنده وعسكره أنهم يحاربون الحسين، كتب إلى ابن سعد بمنعه عن ماء الفرات .

قال الطبري(3): قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حُميد بن


1) (1) مقاتل الطالبيين ص 114 .

2) (2) الامامة والسياسة 11/2.

3) (3) تاريخ الطبري 412/5.

مسلم الأزدي قال: جاء من عبيد الله بن زياد كتاب إلى عمر بن سعد «أما بعد، فحُلْ بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة، كما صنع بالتقي الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان».

قال: فبعث عمرُ بن سعد عمرو بن الحجاج على خمسمائة فارس، فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء أن يُسقَوا منه قطرة ، وذلك قبل قتل الحسين بثلاث .

و قال الاسفرايني: ثم إن عمر بن سعد دعى بحجار بن أبجَر وعقد له رايته على ألفين فارس و أمره أن ينزل على مشرعة الغاضريات ليمنع الحسين وأصحابه من شرب ماء الفرات، ودعى بابن رِبعي وعقد له راية على أربعة آلاف وأمره أن ينزل الشرعة الأخرى ويمنع الحسين وأصحابه من شرب الماء، فساروا جميعاً ونزلوا على الشوارع واحتاطوا بالحسين وضيقوا عليه.

و في بعض الروايات: إن خولي بن يزيد الأصبحي - وكان من أقسى الناس قلباً على الحسين عليه السلام كتب إلى ابن زياد يقول فيه:

«أما بعد أيها الأمير إن عمر بن سعد يخرج كل ليلة ويبسط بساطاً ويدعو الحسين ويتحدثان حتى يمضي من الليل شطره، وقد أدركه الرقة والرحمة على الحسين، فأمره أن ينزل عن حكمك ويصير الحكم لي وأنا أكفيك أمره».

فلما قرأ ابنُ زياد الكتاب كتب إلى ابن سعد يقول:

«أما بعد يابن سعد، بلغني أنك تخرج في كل ليلة وتبسط بساطاً وتدعو الحسين وتتحدث معه حتى يمضي من الليل شطره ، فإذا قرأتَ كتابي فأمره أن ينزل على حكمي، فان أطاع وإلا فامنعه عن شرب الماء، فإني حللتُه على اليهود والنصارى وحرمته عليه وعلى أهل بيته». فلما قرأ الكتاب دعى بحجار بن أبجر

-إلى آخر ما في رواية الاسفرايني. فضيق اللعين ابنُ سعد على الحسين وحال بينه وبين الماء، وكان الأمير على الماء عمرو بن الحجاج الزبيدي .

و قال ابن الجوزي: فصاح عمروُ بن الحجاج بالحسين: هذا الماء تَلِغ فيه الكلابُ وتشرب منه الخنازيرُ والحمرُ والذئابُ، ولا تذوق منه والله قطرةً حتى تذوقَ الحميم في نار الجحيم. وكان ذلك يوم الثلاثاء سابع شهر محرم الحرام .

قال الطبري (1): قال أبو مخنف: ونازله عبدُ الله بن أبي حصين الأزدي - وعداده في بَجيلة - فقال: يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوق منه قطرة حتى تموتَ عطشاً. فقال الحسينُ عليه السلام : اللهم اقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً.

قال حُميد بن مسلم: والله عُدْتُه بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيتُه يشربُ حتى بَغَر (2)ثم يقي، ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ عصبه - يعني نفسه .

و في البحار وغيره (3): لما أضر العطشُ بالحسين وأصحابه، فأخذ الحسين عليه السلام فأساً وجاء إلى وراء خيمة النساء، فخطا في الأرض تسع عشرة خطوة نحو القبلة ثم حفر هناك، فنبعت هناك له عين من الماء العذب، فشرب الحسين وشرب الناس بأجمعهم وملأوا أسقيتهم، ثم غارت العين فلم يُر لها أثر، وبلغ ذلك ابن زياد، فأرسل إلى عمر بن سعد: بلغني أن الحسين يحفر الآبار ويصيب الماء فيشرب هو وأصحابه، فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر


1) (1) تاريخ الطبري 412/5 .

2) (2) البغر: الشرب بلاري؛ لسان العرب 72/4.

3) (3) بحار الأنوار 387/44 .

الآبار ما استطعت وضيّق عليهم، ولا تدعهم يذوقوا الماء وافعل بهم كما فعلوا بالزكي عثمان . فعندها ضيق عمر بن سعد عليهم غاية التضييق .

و يعجبني أن أذكر هنا مقطعاً مما كتبه العلامة الشهرستاني في كتابه «نهضة الحسين» بعين عباراته، قال في عنوان «عطاشى الحرب في الشريعة »(1):

لا يبرح البشرُ من احترام بعض الآداب في المحاربات مهما كان المحاربون وحوشاً وكفرة، كاجتنابهم قتل النساء والأبرياء ومنع الماء والطعام عنهما، وأصبحت حكوماتُ اليوم تراعي هذه الأصول بعين الاحترام، وتعدّ ارتكاب هذه المظالم من أقبح الجرائم.

و قد نهى شرعُ الاسلام كبقية الشرائع السماوية - حصار الأبرياء والتعرض بالنساء و منع الماء والطعام عنهما أو عن المرضى والأسر والأطفال، لأنهم برآء مما قامت به رجالهم المحاربون. وقد منعت الشريعةُ والعاطفةُ ذبح الحيوان عطاشى.

أما الحزبُ السفياني فقد ارتكب كلَ هذه المظالم والجرائم حَنَقاً على حسين الفضيلة وآله .

ولا ننسى ما حدث يومُ الدار يومَ ثار المهاجرون والأنصار فحاصروا الخليفة عثمان بن عفان وطالبوه أن يسلّم إليهم ابن عمه مروان، فاستغاث بعلي عليه السلام وشكى إليه العطش، وعلي عليه السلام يومئذ يلتزم الحياد التام، فأرسل إليه مع ذلك ولديه الحسن والحسين يحملان له الماء وهو محصور ويحاميان عنه وعن بيته الجمهور، وتحملوا في سبيله الجروح والجرائح، غير أن محمد بن أبي بكر تسوَّر هو ومن معه من وراء البيت وكان منهم ما كان .


1) (1) نهضة الحسين ص 103 .

وأما معاوية الدهاء فقد شيع الأمر في أهل الشام بالعكس مما كان، بغرض بعثهم إلى حرب أمير المؤمنين عليه السلام، فنشر بينهم أن عثمان قُتل عطشاناً وأن علياً منع الماء عنه ، لذلك سبق علياً في صفين إلى استملاك المشرعة ومنع أهل العراق من ورودها. أما علي عليه السلام فأرسل أبطالَ العراق من فتحوها ثم تركها مباحةً للجانبين، فأبت نفسُه الكريمة أن يقابلهم بالسوء، وقال: كلا لستُ أمنع عنهم ماءً أحله اللهُ عليهم .

فجدّد ابنُ زياد هذه البدعة وأمر بمنع الماء عن الحسين عليه السلام ومن معه ورَوَّج أكذوبتَه، فكتب إلى ابن سعد: حُل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، فلا يذوقوا منه قطرةً كما فُعل بالتقي الزكي عثمان. مع أن الحسين عليه السلام هو الذي حمل الماءَ إلى عثمان يوم الدار وعانى في سبيله المشاق .

وحاشا حسين الفضيلة وعلي الفتوة أن يرتكبا منعَ الماء على ذي نفس، ولو فُرض الأمر كذلك فعلى مَ تؤخذ عشراتُ النساء ولفيفٌ من الصبية والأطفال والمرضى بذلك، فيحرمون من الماء المباح ؟ كلا، فالاسلامية بريئة والانسانية ناقمة من هذه المظلمة الفاحشة.

ترك ابنُ زياد ساقي الكوثر ممنوعاً من الماء المباح ثلاثة أيام هو وصحبه وآله وعشرات من نسوته وصبيته يعانون هم وخيلهم العطش في شهر آب اللهاب بعراء لا ماء فيه ولا كلاء، والخيل تصهل طالبة الماء، والنسوة تعجُّ لحاجتها إلى الماء، والصبية تضج وتنتظر الماء، والرضيع يصرخ إذ جفت مراضُعه، والماء يلمع جارياً بأعينِهم، والمانعون ينتحلون الاسلام.

وكل هاتيك المظالم القاسية من أجل أن الحسين عليه السلام لم يضع يَده في

أيدي الظالمين، يبايعهم على محو كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. انتهى.

وسنذكر في ترجمة حبيب بن مظاهر وهلال بن نافع أو نافع بن هلال ما يتعلق بهذا المقام، كما سيجيء في ترجمة أبي الفضل عليه السلام: أنه لما اشتد العطشُ بالحسين عليه السلام دعا أخاه العباس، فبعثه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً ومعه قربة، فأتوا بالماء عشرين قربة سالمين.

قال ابنُ قتيبة في كتاب الامامة والسياسة في منعهم الماء: فنزلوا وبينهم وبين الماء ربوة - أي علو من الأرض - فحالوا بينهم وبين الماء، فقال له شهر بن حوشب: لا تشربوا منه حتى تشربوا من الحميم. فقال عباسُ بن علي: يا أبا عبدالله نحن على الحق فنقاتل؟ قال: نعم. فركب فرسَه وحمل بعضُ أصحابه على الخيول، ثم حمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وسقوا، إنتهى(1).

فصل

( في تاسوعاء)

وهو بالمدّ على ما صرح به في القاموس، وفيه وفي غيره أنه يوم قبل يوم عاشوراء . وسيأتي أن عاشوراء قد يُطلق على التاسع والعاشر. قال الجوهري(2):أظنه مولَّداً - يعني اسم اسلامي واشتقاق جعلي كالحيعلة ، وسيأتي بيان ذلك في عاشوراء .

قال الجزري: تاسوعاء يوم حُوصر فيه الحسين عليه السلام.


1) (1) الامامة والسياسة 11/2 .

2) (2) الصحاح للجوهري 1191/3، مجمع البحرين 291/1.

وقد عرفت أن ابنَ زياد بعث يحثّ عمر بن سعد ويؤكد عليه في أمر الحسين عليه السلام وقتله، فكلما يكتب إليه بكتاب يوبّخه على التوانى والتساهل، إلى أن كتب إليه في اليوم السادس: إني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل والرجال، فانظر لا أُصبح ولا أُمسي إلا وخبرك عندي غدوةً وعشيةً. وكان عمر بن سعد يتساهل ويتوانى رجاء الصلح.

وقد مرّ ما كتب ابنُ سعد إلى ابن زياد بقوله: إن الله قد أطفأ النائرة - إلى آخر ما م . وقول ابن زياد: هذا كتاب رجل ناصح لأميره مشفق على قومه - يعني قريش - قد قبلتُ، فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فمنعه عن القبول وقال ما قال.

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: فحدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: ثم إن ابن زياد دعا شمرَ بن ذي الجوشن فقال له: أخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن فعلوا فليبعث بهم إليّ سِلْماً، وإن هم أبوا فليقاتلهم، فإن فعل فاسمع له وأطع، وإن هو

أبى فقاتلهم، فأنت أميرُ الناس، وثِب عليه فاضرب عنقَه وابعث إليّ برأسه.

قال أبو مخنف: حدثني أبو جناب الكلبي قال : ثم كتب عبيد الله بنُ زياد إلى عمرَ بن سعد:

«أما بعد، فإني لم أبعثك إلى حسين لتكفَّ عنه ولا لتطاوِلَه ولا لتمنيه السلامة والبقاء ولا لتقعدَ له عندي شافعاً، فانظر فإن نزل حسينٌ وأصحابُه على الحكم واستسلموا فابعث بهم إليّ سلماً، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتَلهم وتمثّلَ بهم،


1) (1) تاريخ الطبري 414/5 .

فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتل الحسين فأوطىء الخيل صدرَه وظهرَه، فإنه عاق (1)شاق قاطع ظلوم، وليس دهري في هذا أن يضر بعد الموت شيئاً، ولكن علي قول لو قلته فعلتُ هذا بهم، إن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاءَ السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل عَملَنا وجُندَنا وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا . والسلام».

(تنبيه):

يظهر من هذا الكتاب وسائر ما كتبه ابنُ زياد وأفعاله وأعماله وأقواله مثل قوله لزينب سلام الله عليها «لقد شفى اللهُ قلبي بطاغيتك الحسين» وأمثال ذلك: أن بينه وبين الحسين عليه السلام عداوة سحيقة، ويظهر ذلك أشد الظهور والوضوح لمن نظر في تاريخ حياتهما، فما صدر منه بالنسبة إلى الحسين - وإن كان بحسب الظاهر بأمر يزيد - إلا أن غايته ومقصوده إظهار عداوته وتشفّي قلبه بما يجري على الحسين (علیه السلام) ونيله بمقصوده الأصلي.

وأما الجند والعسكر فالذي يظهر من التاريخ والحديث في كتب الفريقين أن فيهم من يحاربه ويجادله ويقاتله تقرباً ليزيد بن معاوية وبأمر منه لا بأمر ابن زياد، وهم الجند النظامي والعسكر الحكومي، وهم ثلاثون ألفاً على ما مرّ، وفي الحديث كلهم يتقرب إلى يزيد بدمه. ومنهم من يعارض الحسين ويقاتله طمعاً لجائزة ابن زياد وطلباً للرئاسة وحب الدنيا، ومنهم من يقاتله بغضاً لأبيه


1) (1) في بعض النسخ «عات ظلوم»، من العتو أي الاستكبار. عاق من عق يعق من باب قعد: إذا عصاه وترك الاحسان إليه وهو البر به، وأصله من العق وهو الشق والقطع. فيكون العاق والشاق والقاطع بمعنى واحد. ويحتمل أن يكون الشاق شاق عصى المسلمين والقاطع الرحم، لأن يزيد بن معاوية كان من قريش. وظلوم كصبور وصف من الظلم إذا تعدى « م » .

علي بن أبي طالب كما مرّ . وسيأتي أنهم قالوا بعد قوله عليه السلام: فبم تستحلون دمي وقد تعلمون أن ليس في العالم ابن رسول الله غيرى؟ قالوا: إنما نعارضك بغضاً لأبيك بما فعل بأشياخنا.

وأما شمر عليه اللعنة إنما قاتله وقتله لا بأمر يزيد ولا لحب ابن زياد ولا للطمع في الدنيا، بل لأنه كان من الخوارج ويبغض علياً وأولادَه غايةَ البغض.

وأما ابنُ سعد فإنما قاتله لا لأمر يزيد ولا بأمر ابن زياد، بل طمعاً في ملك الري والامارة عليها .

وسنذكر في ترجمة البرير بن الخضير الهَمْداني أنه لما اشتد العطش بالحسين وأصحابه استأذن حسيناً أن يكلم عمرَ بنَ سعد في أمر الماء، فأذن له وكلمه وقال له: لو كنت مسلماً كما تقول لما خرجت إلى عترة رسول الله تقتلهم، فهذا الماء يشربه الكلابُ والخنازيرُ، وهذا الحسين وأخوته يموتون عطشاً قد حُلْتَ بينهم وبين ماء الفرات. فأطرق عمرُ بنُ سعد ثم قال: يا أخا هَمْدان إني أعلم حرمة أذاهم، ولكن دعاني عبيد الله من دون قومه - إلى آخر الأبيات المتقدم ذكرها. فقال: يا أخا هَمْدان ما أجد نفسي تجيبني إلى ترك الري لغيري.

وأما يزيد فحاله معلوم، ومعلوم أنه لوكان الحسين يبايعه لكان يقتله كما قتل أبوه معاوية أخاه الحسن عليه السلام لحقده وحسده، وكان عليه السلام بوجوده مزاحماً له ولو بايعه، لأن الحسين تمام النور ويزيد تمام الظلمة.

وأما الصحابة الذين كانوا وقتئذ في المدينة والشام والحجاز والكوفة كجابر بن عبدالله الأنصاري وأبي سعيد الخدري وسهل الساعدي وأضرابهم، فقد صرح المؤرخ علي جلال الحسيني في تأليفه المسمى بكتاب الحسين المطبوع في القاهرة ص 171 قال: وأما فسقُ يزيد وسوء سيرته وظلمه وكون الحسين ماكان أهلاً

للخلافة من كل وجه فلا شك فيها، وعلى ذلك رأيُ الصحابة الذين كانوا موجودين وقتئذ وإجماع الأمة، حتى الذين قاتلوه فإنهم إنما قاتلوه كما يقاتل الناسُ بعضهم بعضاً على الملك كما قال ابن تيمية. انتهى.

وقال ابن تيمية في منهاج السنة: قُتل الحسين وهو يطلب الدفع عن نفسه لئلا يؤسَر ويُظلم. انتهى(1).

وقال علي الحسيني أيضاً في كتابه ص 170 : وأما غير الحسين من الصحابة الذين كانوا بالحجاز ومع يزيد بالشام والعراق ومن التابعين لهم فرأوا أن الخروج على يزيد وإن كان فاسقاً لا يجوز لما ينشأ عليه من الهرج والدماء، فأقصر وا عن ذلك ولم يبايعوا الحسين ولا أنكروا عليه ولا أتموه لأنه مجتهد وهو أسوة المجتهدين. ولا يذهب بك الغلط أن تقول بتأثيم هؤلاء بمخالفة الحسين وقعودهم عن نصره، فإنهم أكثر الصحابة، وكانوا مع يزيد ولم يروا الخروج عليه، وكان الحسين يستهشد بهم وهو يقاتل بكربلا على فضله وحقه ويقول: سلوا جابرَ بنَ عبدالله وأبا سعيد الخُدري وأنسَ بنَ مالك وسهلَ بن سعيد وزيدَ بن أرقم وأمثالَهم، ولم ينكر عليهم قعودهم عن نصره ولا تعرض لذلك، لعلمه أنه عن اجتهاد منهم كما عن اجتهاد منه.

قال: وكذلك لا يذهب بك الغلط أن تقول بتصويب قتله لما كان عن اجتهاد، واعلم أن الأمر ليس كذلك وقتله لم يكن عن اجتهاد، وإنما انفرد بقتاله يزيد وأصحابه، ولا تقولن أن يزيد وإن كان فاسقاً ولم يجز هؤلاء الخروج عليه فأفعاله عندهم صحيحة، واعلم أنه إنما ينفذ من أعمال الفاسق ما كان مشروعاً، وقتال


1) (1) منهاج السنة 226/3 .

البغاة عندهم من شرطه أن يكون مع الامام العادل، وهو مفقود في مسألتنا، فلا يجوز قتال الحسين. انتهى.

والمقصود من هذا الإطناب دفع ما توهم بعضُ من يدعي العلم من العامة والجماعة وتبعه آخرون منهم أن الحسين عليه السلام كان خارجاً على إمام وقته وعصره، كما حكي عن ابن الجوزي في رسالته في الردّ على المتعصب العنيد المانع عن لعن يزيد وهو عبد المغيث البغدادي قال: فذهب قوم إلى أن الحسين كان خارجياً.

وعن تحفة الناظرين في من ولي مصر من الولاة والسلاطين في أحوال يزيد قال: وفي مدة خلافته أرسل إلى الحسين رضي الله عنه وقتله لكونه امتنع عن بيعته. إلى أن قال: ولا يجوز لعنه على الراجح .

ودفع هذا التوهم من وجوه:

( الأول ) إن الحسين عليه السلام لم يكن مقاتلاً، بل كان مدافعاً على ما صرّح به ابنُ تيمية، وقد مرّ أنه (علیه السلام ) لم يبدأ بالقتال مع القطع بنصرته حين ملاقاته مع الحر وأشاروا عليه بالمقاتلة، وكذا حين وروده إلى كربلا أشاروا عليه بالمقاتلة وأن ما سيأتي يكون أشد، وكذا في يوم عاشوراء كره عليه السلام أن يبدأ بالقتال. فكان مدافعاً لا محارباً مقاتلاً .

( الثاني) إن كتبهم مشحونة بأنه عليه السلام استدعى من ابن زياد أن يرجع إلى الشام ويضع يده في يد يزيد ويرى ما بينه وبينه، أو إلى ثغر من ثغور المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم. وهذا أقوى دليل على أنه لم يكن خارجاً على يزيد(1).


1) (1) قدرة المؤلف قبل صحائف صحة هذا الوجه من الجانب التأريخي ، ولكن أخذ به هنا إلزاماً للخصم بما رواه في كتابه .

( الثالث ) قد عرفت من كلام السيد وغيره أن مقاتلة يزيد مع الحسين عليه السلام لم يكن على أصل المقاتلة مع الخوارج، بل إنما قتله وأصحابه للأغراض السخيفة، لا لأن يزيد إمام يجب طاعته حتى يكون الخروج عليه كخروج الخوارج، بل قد عرفت أنه عليه السلام كان يعلم أنه لو يبايعه يقتله أيضاً .

هذا كله مع أن خلافة يزيد ليست على أصول الخلافة الصحيحة على مذهبهم كما بُيّن في محله، ومرّ شطر من الكلام مما يناسب هذا المقام .

نعم، لو قلنا إن الامامة والخلافة تجتمع مع الفسق بل ومع الكفر، وأن إجماع أهل الحل والعقد يكفي ولو ببيعة واحد مسلماً كان أو غير مسلم كرهاً أو طوعاً، أو قلنا بكفاية النص من السابق ولو كان فاسقاً أو كافراً . له وجه ، والكل في محلّ المنع حتى عند أكثر علمائهم.

قال القاضي أبوبكر محي الدين ابن العربي المالكي على ما حكاه ابن حجر في صواعقه: لم يقتل يزيدُ الحسين إلا بسيف جده . أي بحسب اعتقاده الباطل أنه الخليفة والحسين باغ عليه والبيعة سبقت ليزيد،ويكفي فيها بيعة بعض أهل الحل والعقد وبيعته كذلك، لأن كثيرين قد أقدموا عليها مختارين لها مع عدم النظر إلى استخلاف أبيه، أما مع النظر فلا يشترط موافقة أحد من أهل الحل والعقد على ذلك. انتهى بلفظه(1).

وقال علي جلال الحسيني في كتاب الحسين: وقد غلط القاضي أبوبكر ابن العربي المالكي في هذا، فقال في كتابه الذي سماه بالعواصم والقواصم ما معناه: إن الحسين قتل بشرع جده، وهو غلط حملته عليه الغفلة من اشتراط الامام


1) (1) الصواعق المحرقة ص 133.

العادل، ومن أعدل من الحسين في زمان إمامته وعدالته في قبال أهل الآراء .

وقال في موضع آخر ص 181 : غلط القاضي ابن العربي واضح، وكفى بقول ابن خلدون رداً عليه: وهل يصح أن يقال إن الفاسق الذي يأبى مبايعته حتى أقاربه وعمال أبيه مثل مروان بن الحكم ويغتصب البيعةَ بالسيف ويختلس له إرادة الإمامة بأموالها، فإذا ولي الأمر قامت الأمة في وجهه من كل صوب، فشمل الناس جورُه وعمهم ظلمُ عماله، هو إمام زمانه ومن قُتل مخالفاً له قتل بشرع محمد صلى الله عليه وآله كما يقول ابن العربي، أليس شرع محمد النهي عن المنكر والبغي كما في القرآن المجيد، إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان كما في حديث مسلم عن أبي سعيد الخدري ؟! أليست السنة الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وقتالهم إذا لم يقبلوا كما جاء في صحيح مسلم ؟ فهل كان للحسين و من على رأيه من المسلمين أن يروا يزيد يهجر الفرضَ والسنةَ ويرتكب الفسقَ علناً ويسعى في الأرض فساداً ولا ينكرون عليه ولا يعترضون وهم الذين قال بعضهم لعمر بن الخطاب مع جلالة قدره وشهرة عدله: لورأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بسيوفنا. انتهى.

وأجاب ابن العربي عنه: بأن حرمة الخروج على الامام بعد انعقاد الاجماع، ولم ينعقد الاجماع على يزيد قبل خروج الحسين، فإنما خرج بحق بمقتضى اجتهاده.

و ليس هذا من ابن العربي بعجيب ، وإنما العجب من بعض أصحابنا وعلمائنا كيف يركنون إلى مثل هؤلاء ويمدحونهم ويرّوجونهم مع علمهم بعقائدهم الفاسدة وخروجهم عن موازين العلم .

رجع الحديث إلى سياقه:

قالوا: وأخذ شمر الكتاب من ابن زياد وخرج من النخيلة ونزل كربلا في يوم الخميس قبل الظهر تاسع شهر محرم الحرام .

والذي صرح به في البحار عن محمد بن أبي طالب وكذا في مقتل الاسفرايني وترجمة تاريخ أعثم الكوفي وروضة الصفا وغيرها: أن أول راية خرجت بعد عمر بن سعد إلى الحسين عليه السلام شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف. والظاهر أنه خرج مع الجيش إلى كربلاثم رجع إلى ابن زياد ثم رجع إلى كربلا في يوم التاسع.

وفي القمقام وعن الطبري(1): إن ابن زياد لما بلغه مطاولة عمر بن سعد ومسامحته في الحرب والقتال اشتد غضبه، فبعث جويرية بن بدر التميمي - وكان من قوّاده - إلى كربلا ليرى ما في أمر ابن سعد ليأخذه أسيراً إن كان مسامحاً في الحرب، ولما خرج جويرية خاف ابن زياد من أخذه ابن سعد وأسرته فيكون أمر الجند مهملاً وبلا أمير فيتفرقون، فبعث شمراً مع الكتاب ليمنع جويرية عن أخذ ابن سعد.

وقال سعدُ بنُ عبيدة على ما في القمقام وعن الطبري باسناده: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد من الحرارة، إذ أتاه رجل فسارّ مع عمر بن سعد وقال له: قد بعث إلينا ابنُ زياد جُويرية بن بدر التميمى وأمره إن لم تقاتل القومَ أن يضرب عنقك. قال: فوثب إلى فرس فركب، ثم دعا إلى سلاحه فلبسه، وإنه على ظهر فرسه، فنهض بالناس إليهم .

قال الطبري(2): قال أبو مخنف: فأقبل شمرُ بنُ ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن


1) (1) القمقام 379/1 تاريخ الطبري 393/5 .

2) (2) تاريخ الطبري 415/5 .

زياد إلى عمر بن سعد، فلما قدم به إليه فقرأه قال له عمر: لا أهلاً ولا سهلاً يا أبرص، مالَك ويلك، لا قَرَّب اللهُ دارك وقبَّح اللهُ ما قدمتَ به عليّ، والله إني لأظنك أنت تَنَيْتَه أن يقبلَ ما كتبتُ به إليه، أفسدت علينا أمراً كنا رجونا أن يصلح، لا يستسلم والله الحسين، إن نفساً أبيه لبين جَنبَيه. فقال له شمر: أخبرنى ما أنت صانع ؟ أتمضي لأمر أميرك وتقتل عدوه وإلا فخلّ بيني وبين الجند والعسكر. قال: لا ولا كرامة لك وأنا أتولى ذلك. قال: فدونك، وكن أنت على الرجَّال.

وفي بعض الروايات: إن عمر بن سعد أرسل إلى الحسين عليه السلام فأخبره بالخبر. وفي جملة منها: إنه أرسل الكتاب إلى الحسين فقرأه فقال: لا والله لا وضعتُ يدي في يد ابن مرجانة أبداً، فتمثَّل ببيتين ليزيد بن مُفَرّغ (1):

لا ذَعَرتُ السوامَ في غَسَق اللي لِ مُغيراً ولا دُعيتُ يزيدا(2)

يوم أخشَى مخافةَ الموت ضَيْماً و المنايا ترصدنني أن أحيدا(3)

قال الطبري (4)قال أبو مخنف: ثم إن عمر بن سعد نادى: يا خيلَ الله اركبي وأبشري، فركب في الناس ثم زحف نحوهم بعد صلاة العصر وحسين جالس أمام بيته مُختَبياً بسيفه (5)، إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أخته زينب الصيحة فدنت من أخيها فقالت: يا أخي أما تسمع الأصوات قد اقتربت. قال: فرفع الحسينُ رأسَه فقال: إني رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وآله في المنام فقال


1) (1) ديوان ابن مفرغ الحميري ص 72 ، وروايته « في فلق الصبح » و «يوم أعطي» .

2) (2) في بعض النسخ : في غلس الصبح « م » .

3) (3) في بعض النسخ : يوم أعطي من المهابة ضيا « م » .

4) (4) تاريخ الطبري 416/5 .

5) (5) أي محتمياً به .

لي: إنك تروح إلينا، قال: فلطمت أخته وجهَها فقالت: يا ويلتاه. فقال: ليس لك الويل يا أخية، اسكني رحمك الرحمن.

قال العباس بن علي: يا أخي أتاك القوم. قال: نهض ثم قال: يا عباس اركب بنفسي أنت يا أخي حتى تلقاهم فتقول لهم ما لكم وما بدا لكم؟ وتسألهم عما جاء بهم. فأتاهم العباس فاستقبلهم في نحو عشرين فارساً فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال لهم العباس: ما بدا لكم وما تريدون. قالوا: جاء أمر من الأمير بأن نَعْرِضَ عليكم أن تنزلوا على حكمه أو ننازلكم. قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم. ثم قال: فوقفوا ثم قالوا:ألقه فأعلمه بذلك ثم ألقنا بما يقول.

قال: فانصرف العباس راجعاً يركض إلى الحسين عليه السلام يخبره بالخبر، ووقف أصحابُه يخاطبون القوم بما سيذكر في ترجمة حبيب وزهير .

قال: وأقبل العباس يركض حتى انتهى إليهم فقال: يا هؤلاء إن أباعبدالله يسألكم أن تنصرفوا هذه العشية حتى ينظر في هذا الأمر، فإن هذا أمر لم يجر بينكم وبينه فيه منطق، فإذا أصبحنا التقينا إنشاء الله، فإما رضيناه فأتينا بالأمر الذي تسألونه وتسومونه أو كرهنا فرددناه. وإنما أراد بذلك أن يردهم عنه تلك العشية حتى أتي بأمره ويوصي أهله .

فلما أتاهم العباسُ بنُ على بذلك قال عمر بن سعد: ماتری یا شمر ؟ قال: ماترى أنت، أنت الأميرُ والرأي رأيك ؟ قال: قد أردتُ ألا أكون. ثم أقبل على الناس فقال: ماذا ترون؟ فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزُّبيدي: سبحان الله، والله لو كانوا من الديلم ثم سألوك هذه المنزلة ينبغي لك أن تجيبهم إليها. فقال: والله لو أعلم أن يفعلوا ما أخرجتُهم العشية.

قال: وكان العباسُ بنُ علي حين أتى حسيناً بما عرض عليه عمر بن سعد قال: إرجع إليهم، فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عند العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني قد كنتُ أحب الصلاةَ وتلاوةَ كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار.

قال أبو مخنف(1): حدثني الحارث بن حَصِيرة، عن عبدالله بن شريك العامري، عن علي بن الحسين قال: أتانا رسولٌ من قبل عمر بن سعد، فقام مثل حيث يُسمع الصوت فقال: إنا قد أجَّلناكم إلى غد، فإن استسلمتم سرحنا بكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد وإن أبيتم فلسنا تاركيكم.

وسنذكر في ترجمة أبي الفضل العباس عليه السلام أن شمر دعاه وإخوته إلى الأمان فأجابوه بما سيجيء، وكذا سنذكر كتاب الأمان الذي أخذه عبدالله بن أبي المحلّ بن حُزام الكلابي من ابن زياد لأبي الفضل وإخوته وأرسله مع غلام له يُسمى كُزمان، فلما قدم عليهم دعاهم فقال: هذا أمان قد بعث به خالُكم . فقال له الفتية: إقرأ خالنا السلام وقل له: أن لا حاجة لنا في أمانكم، أمان الله خيرٌ من أمان ابن سمية(2).

قيل: إن ملاقاة شمر مع العباس كان بعد المهلة، وقيل قبل المهلة، فرجع شمر غَضباناً وأمر الجند بالنهوض. وكان هذا كله يوم الخميس قبل المساء، ورجع أصحابُ الحسين عليه السلام إلى معسكرهم ورجع أصحابُ عمر بن سعد إلى معسكرهم.


1) (1) تاريخ الطبري 417/5.

2) (2) تاريخ الطبري 415/5.

والذي عليه الأكثر - وتدل عليه وقائع ليلة عاشوراء - أن أصحاب عمر بن سعد لم يرجعوا إلى معسكرهم، بل وقفوا هناك قريباً من عسكر الحسين بحيث يسمع أصواتهم.

(تتمة ):

في الكافي بسنده عن أبان، عن عبد الملك قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن صوم تاسوعاء وعاشوراء من شهر المحرم. فقال: تاسوعاء يوم حُوصِر فيه الحسينُ وأصحابُه رضي الله عنهم بأرض كربلا، واجتمع عليه خيل أهل الشام، وأناخوا عليه، وفرح ابنُ مرجانة وعمرُ بنُ سعد بتوافر الخيل وكثرتها، واستضعفوا فيه الحسينَ وأصحابَه، وأيقنوا أنه لا يأتي الحسين ناصر ولا يمدّه أهلُ العراق، بأبي المستضعف الغريب. ثم قال: وأما يوم عاشوراء - إلى آخر ما سيأتي(1).

(بیان):

الرواية صريحة في اجتماع أهل الشام في كربلا، وسنذكر في ترجمة مسلم بن عقيل أن في صبيحة يوم شهادته وهو التاسع من ذي الحجة ورد الكوفةَ عشرةُ آلاف من جند أهل الشام، ذكره الطبري وغيره. فما في بعض الروايات أنه از دلف عليه ثلاثون ألفاً لا فيها شامي ولا غيره، وفي كتاب ابن زياد إلى ابن سعد أنه بعث إليه جنوداً لا فيها شامي ولا حجازي، ومثله في بعض العبائر وكتب المقاتل، إنما أراد بذلك الجند النظامى والعسكر الحكومي الكوفي وهم ثلاثون ألف ليس فيهم شامي ولا غيرهم. وقد مرّ غير مرة تحقيق ذلك.


1) (1) الكافي 147/3 .

وستذكر أيضاً أن أزرقَ الشامي وأمثالَه من جند الشام، لا شامي سكن الكوفة، أو أنه شبامي تصحيف شامي، فمن أنكر وجود جنود من الشام فهو من عدم علمه بالتاريخ بل في المناقب إن خيل شمر بن ذي الجوشن - وهم أربعة آلاف-كلهم شاميون.

وفي الأربعين الحسينية تأليف الفاضل المعاصر المحدث القمي قدس سره قال: رأيتُ في بعض كتب الأنساب أن خيلَ الشام لما ورد كربلا جاؤا بأمان من يزيد بن معاوية لعلي بن الحسين عليه السلام.

و في كتاب ماسن في مقتل الحسين من كتب الفريقين تأليف السيد غلام حسين صاحب الهندي الكنتوري قال في مختصر الأنساب على ما نقله الأستاد في المجالس المفجعة: إن أهل الشام أتوا إلى علي بن الحسين أماناً من القتل، لأنه كان ابنُ بنت البنت لأبي سفيان، فلم يقبله وقال: وجاهة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله أعظم من وجاهة آل مروان. وسنذكر في ترجمته أن أهل الكوفة كانوا يتقون قتاله مراعاة ليزيد(1).


1) (1) يريد المؤلف بعلي بن الحسين في هذا المقطع علي بن الحسين الأكبر عليه السلام لا السجاد .

الباب السادس : (فيما جرى في ليلة عاشوراء)

قد يمضي في بعض الكتب - خصوصاً فيما ألفه المتأخرون خصوصاً في بعض الكتب الفارسية - وقائع وقضايا وأموراً في ليلة عاشوراء ويومه ليس لأكثرها سند معتبر ولم نجد الجملة منها مستنداً، وقد خلت كتب المتقدمين عن جملة منها، بل بعض منها لسان حال أو موضع مقال، تركناها لعدم الاعتداد بنقلها وعدم الاعتماد بناقلها.

والذي نذكره هنا إنما استخرجناه من الكتب المعتبرة والتواريخ المعتمدة، وهي أمور تختص بليلة عاشوراء:

(منها) أن عمرَ بنَ سعد أمهلهم تلك الليلة ورجع إلى معسكره وجعل حرساً يحرسون الحسين - عليه السلام وأصحابه ويطوفون حولَ البيوت والفسطاط ويدورون على الحسين وأصحابه لئلا يفروا في تلك الليلة، وكان رئيسُهم عَزْرَةَ بن قيس الأحْمَسي.

قال أبو مخنف(1): عن عبد الله بن عامر، عن الضحاك المِشرَقي قال: فتمرُّ بنا في تلك الليلة خيل لهم تحرسنا، وكان على الخيل عَزْرَة بن قيس الأحمسي، وإن


1) (1) تاريخ الطبري 421/5 .

حسيناً عليه السلام يقرأ ﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوا أَمَا غُلي هُمْ خَيْرٌ لأَنفُسِهِمْ أَمَا غلي لهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَهُم عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيْنَ الخَبِيْتَ مِنَ الطَّيِّبِ )(1)، فسمعها رجلٌ من تلك الخيل التي كانت تحرسُنا، قال: ونحن وربِّ الكعبة الطيبون ميزنا منكم. قال: فعرفتُه فقلت لُبرير بن خُضَيْر: تدري من هذا ؟ قال: لا. قلتُ: هذا أبو حرب السَّبيعي عبد الله بنُ شَهْر وكان مِضحاكاً بَطّالاً وكان شريفاً شجاعاً فاتكاً، وكان سعيدُ بنُ قيس ربما حبسه في جناية.

(ومنها) الخطبة التي خطبها عليه السلام قرب المساء وقال فيها: وقد نزل بنا من الأمر ما ترون - وقد مرت في باب الخطب فراجع.

(ومنها) حلُّ البيعة لمن كان معه ومكالمة أصحابه الباقين بعد إذنهم في الإنصراف بما يشبه بعضُها بعضاً. وسنذكر كل ذلك في مكانه.

(ومنها) إجازته لمحمد بن بشر حين بلغه أن ولده أسر في ثغر الري فأبى عن الانصراف، ذكره جل من المحدثين والمؤرخين، وسنذكر ذلك في ترجمته.

(ومنها) كشف الغطاء عن أصحابه رضي الله عنهم حتى رأوا منازلهم.

عن الخرائج مسنداً، عن سعد بن عبد الله، عن علي بن الحسين عليه السلام قال: كنت مع أبي-إلى أن قال وقال لهم: أنتم في حِلّ من بيعتي. فقالوا: لا والله لانفارقك أبداً، وقالوا: الحمد لله الذي شرَّفنا بالقتل معك . ثم دعا وقال لهم: إرفعوا رؤوسكم وانظروا، فجعلوا ينظرون إلى مواضعهم ومنازلهم في الجنة وهو يقول لهم: هذا منزلُك يا فلان، وهذا قصرك يا فلان، وهذه درجتُك يا فلان.


1) (1) سورة آل عمران : 178 - 179.

فكان الرجل ليستقبل الرماح والسيوف بصدره ووجهه ليصل إلى منزله من الجنة(1).

وعن أبي عمارة(2)، عن أبيه، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلتُ له: أخبرني عن أصحاب الحسين وإقدامهم على الموت. فقال: إنهم كُشف لهم الغطاءُ حتى رأوا منازلَهم من الجنة، فكان الرجل منهم يُقدم على القتل ليبادر إلى حوراء يعانقها وإلى مكانه من الجنة(3).

(ومنها) أمره عليه السلام بحفيرة حفرت حول عسكره شبه الخندق، كما في الصادقي المروي عن أمالي الصدوق(4)، وأمر فحشيت حطباً.

وفي تاريخ الطبري(5)، عن أبي مخنف، عن الضحاك المِشرَقي قال: وجعلوا البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت تُحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم. قال: وكان الحسين عليه السلام أتي بقصب وحطب إلى مكان من ورائهم منخفض كأنه ساقية، فحفروه في ساعة من الليل فجعلوه كالخندق، ثم ألقوا فيه ذلك الحطب والقصب وقالوا: إذا عَدَوْا علينا فقاتلونا ألقينا فيه النار كيلا نؤتى من ورائنا وقاتلنا القومَ من وجه واحد ، ففعلوا وكان لهم نافعاً .انتهى.

وقال الدينوري(6): وأمر الحسين أصحابه أن يضموا مضاربهم بعضهم من


1) (1) الخرائج والجرائح 848/2.

2) (2) في المصدر «ابن عمارة».

3) (3) بحار الأنوار 297/44 .

4) (4) الامالي للصدوق ص 221.

5) (5) تاريخ الطبري 422/5.

6) (6) الاخبار الطوال ص 256 .

بعض، وأن يحفروا من وراء البيوت أخدوداً، وأن يضرموا فيه حطباً وقصباً كثيراً، لئلا يؤتوا من أدبار البيوت فيدخلوها.

وفي تاريخ الطبري عن أبي مخنف مثله.

(ومنها) في رواية المفيد(1)عن علي بن الحسين في حديث طويل: ثم خرج عليه السلام إلى أصحابه، فأمرهم أن يقرّبَ بعضُهم بيوتهم من بعض، وأن يُدخلوا الأطنابَ بعضها في بعض، وأن يكونوا بين البيوت فيستقبلون القوم من وجه واحد والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم وقد حَفَّت بهم إلا الوجةَ الذي يأتيهم منه عدوُهم .

وفي بعض الكتب أن بيوتَهم وخيمهم وفساطيطهم كانت مائة وسبعين، السبعون للحسين عليه السلام وسائر بني هاشم والمائة للأنصار والأصحاب.

(ومنها) مارواه السيد وغيره قال: فعبر عليهم في تلك الليلة من عسكر ابن سعد اثنان وثلاثون رجلاً(2). والظاهر أن هؤلاء غير ما مرّ .

في كتاب العقد الفريد: إنه بعد ما قال الحسين عليه السلام لعمر بن سعد اختر مني ثلاث خصال لم يقبل منه، وكان مع عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلاً فحولوا مع الحسين فقاتلوا وقتلوا(3).

وسيأتي أن في بعض الكتب أن هؤلاء من بني هاشم الذين سكنوا الكوفة .

(ومنها) ما في الصادقي المروي في أمالي الصدوق في حديث: وأرسل الحسين


1) (1) الارشاد للمفيد ص 216 .

2) (2) اللهوف ص 40 .

3) (3) العقد الفريد 379/4 ، وفيه « ثلاثون رجلاً».

عليه السلام علياً ابنه في ثلاثين فارساً وعشرين راجلاً(1)ليستقوا الماء، وهم على وجل شديد وأتوا بالماء ... ثم قال لأصحابه: قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم وتوضؤوا واغتسلوا واغسلوا ثيابكم لتكن أكفانكم(2).

(ومنها) الطلي بالنورة. في اللهوف والبحار ويظهر من ابن نما (3)أيضاً أن ذلك كان في غداة يوم عاشوراء. وهو بعيد جداً، وأبعد منه أن ذلك كان في ليلة تاسوعاء صرح بذلك في الناسخ، وقد ذكر جملة من وقائع ليلة عاشوراء في ليلة تاسوعاء، وهو اشتباه في اشتباه. والأكثر-على ما صرحوا به - أنه كان في ليلة عاشوراء، وهو الأصح نقلاً واعتباراً.

قال الطبري(4): قال أبو مخنف: حدثني عمرو بن مُرَّة الجَمَلي، عن أبي صالح الحنفى، عن غلام لعبد الرحمن بن عبد ربّه الأنصاري قال: كنت مع مولاي، فلما حضر الناس وأقبلوا إلى الحسين أمر عليه السلام بفُسْطاط فضُرب، ثم أمر بمسك فيْتَ في جَفْنَة عظيمة أو صَحْفَة(5)قال: ثم دخل الحسينُ ذلك الفسطاط فتطلَّى بالنورة. قال: ومولاي عبد الرحمن بن عبد ربه وبُرير بن خُضَيْر الهَمْداني على باب الفسطاط تحتك مناكبهما، فازدحما أيهما يَطَّلي على أثره ، فجعل برير


1) (1) لعل في الرواية سقطاً وأنه عليه السلام أرسل ابنه مع أخيه العباس وكان ذلك في ليلة تاسوعاء، ويمكن تعدد الواقعة كما هو الظاهر من الرواية. والله أعلم.«م».

2) (2) أمالي الصدوق ص س 133.

3) (3) أنظر: اللهوف ص 41 ، بحار الأنوار 1/45 ، مثير الأحزان ص 54.

4) (4) تاريخ الطبري 422/5 .

5) (5) الميث والموث من باب ضرب اختلاط الدواء بالماء بعد لينه ولعمه . والجفنة بفتح الجيم وزيادة الهاء: قَصْعَة كبيرة . والصَّحفة بفتح الأول معروف .

يهازل عبدَالرحمن، فقال له عبدُالرحمن: دعنا فو الله ما هذه بساعة باطل. فقال له برير: والله لقد علم قومي أني ما أحببتُ الباطلَ شاباً ولا كهلاً، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاقون، والله إن بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل هؤلاء علينا بأسيافهم، ولوَدِدْتُ أنهم قد مالوا علينا بأسيافهم. قال: فلما فرغ الحسينُ دخلنا فاطَّلَيْنا. إلى أن قال الغلام: فلما رأيت القوم قد صُرعوا أفلتُ وتركتهم.انتهى.

أقول: سنذكر في ترجمة حبيب بن مظاهر الأسدي وبرير بن خضير وعبدالرحمن أبسط من هذا، وما ذكره الكشي هذا، وما ذكره الكشي نقلاً عن كتاب مفاخر الكوفة والبصرة.فليراجع .

ويظهر من الرواية عدم كراهة الطلي بالنورة بالليل ويوم الجمعة، بل ويوم السبت إن قلنا بأنه عاشوراء.فتدبر .

ويظهر أيضاً جواز طرح المسك ونحوه مما يزيل رائحة النورة ولو كان غالياً، بل استحبابه كما لا يخفى.

إزاحة وهم ودفع إشكال:

قد استشكل بعض المؤرخين ممن عاصرناه في التنوير والطلي مع عدم وجود الماء في ليلة عاشوراء أو تاسوعاء، وأنه لا يمكن التنوير والطلي إلا بالماء.

وأجاب بما حاصله : إمكان التدبير في أجزاء النورة بحيث يزيل الشعر ولا يحترق ولا يحتاج إلى الماء. وماذكره-وإن كان ممكناً بل واقعاً كما شاهدنا في علم الصنعة أن اختلاط جسم يابس كالملح مع جسم يابس آخر كالزاج يولد رطوبة بل يكون كالخمير باصطلاحهم، بل مزاج الروح والنوشادر والسليماني يصيّر الأرض ذائباً مائعاً بلا ماء ولا نار بل وشاهدنا أن امتزاج مقدار اليمسو والشعر

وعرق الكبريت يحترق بنفسه احتراقاً ويشتعل اشتعالاً كالنار الموقدة بدون ملاقاة الحرارة،والنار، وأمثال ذلك كثير. ويمكن أن يكون المسك بعد مزجه بالنورة يجعل النورة مائعاً .

إلا أن الذي يُسهل الخطب أن في ليلة عاشوراء - وإن لم يكن ماء للشرب - إلا أن الظاهر وجود ماء البئر لغير الشرب وسائر الحوائج كما مرّ بيانه، بل ويمكن وجود الماء العذب بناءً على ما مر آنفاً من إرسال الحسين عليه السلام علياً ابنه وإتيانه بالماء.

(ومنها) ما في المناقب قال: فلما كان وقتُ السحر خَفَق الحسينُ برأسه خفقةً ثم استيقظ فقال: أتعلمون ما رأيتُ في منامي الساعة؟ فقالوا: وما الذي رأيتَ يابن رسول الله. فقال: رأيتُ كأن كلاباً قد شَدَّت عليّ لتنهشني وفيها كلب أبْقَع رأيته أشدها علي، وأظن أن الذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم، ثم إني رأيتُ بعد ذلك جدي رسولَ الله صلى الله عليه وآله ومعه جماعةٌ من أصحابه وهو يقول: يا بُني أنت شهيدُ آل محمد، وقد استبشر بك أهل السماوات وأهلُ الصفيح الأعلى(1)، فليكن إفطارُك عندي الليلةَ، عَجِّل ولا تؤخر، فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمَك في قارورة خضراء، فهذا ما رأيتُ وقد أنفَ الأمرُ(2)واقترب الرحيلُ من هذه الدنيا ولا شك في ذلك(3).

(ومنها) ما في اللهوف والبحار بل في جلّ المقاتل والتواريخ: إن الحسينَ عليه


1) (1) الصفيح كالأمير: السماء كما في القاموس 234/1 ، وبمعنى الجانب والناحية. والمعنيين يناسب المقام .

2) (2) أنف الأمر، من أنف أمره أي أعجله ، أو من أنف الشيء اذا اشتد . وفي المصدر « وقد أزف ».

3) (3) بحار الأنوار 3/45 عن المناقب . وورد أيضاً في الفتوح لابن الأعثم 153/2.

السلام قام الليل كلَّه يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع، وقام أصحابه كذلك يصلون ويستغفرون، فباتوا ولهم دَوِيُّ كدوي النحل بين قائم وراكع وقاعد(1).وكذا كانت سجية الحسين عليه السلام في كثرة صلاته وكمال صفاته.

وقد ذكر القرطبي في العقد الفريد أنه قيل لعلي بن الحسين عليهما السلام: ما كان أقلَّ وُلد أبيك! قال: العجب كيف ولدتُ له، كان يصلي في كل يوم وليلة ألفَ ركعة، فمتى كان يتفرغ للنساء(2).

وفي تاريخ الأعثم الكوفي: إنه ما نام في تلك الليلة الحسينُ عليه السلام ولا أحد من أصحابه وأعوانه إلى الصبح، وكذلك النسوة والصبيان وأهل البيت كلهم يدعون ويوادعون بعضُهم بعضاً. فيا حسرتاه من تلك الليلة ، وأي ليلة تاريخية لم ير الدهر قبلها ولا بعدها مثلها.

وقد مرّ ما رواه المفيد وأبو مخنف عن علي بن الحسين عليه السلام في وقائع تلك الليلة، وقد مرّ أيضاً شطر من رواية الحسين بن حمدان الحُضَيني(3)في كتاب الهداية باسناده عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت عليَ بن الحسين يقول: لما كان اليوم الذي استُشهِدَ فيه أبي جمع أهله وأصحابَه في تلك الليلة. إلى أن قال: فقال له القاسمُ ابن أخي الحسن:

وأنا في من يُقتل؟ فأشفق عليه فقال له: يا بني كيف الموت عندك؟ قال: يا عم أحلى من العسل. فقال: أي والله إنك أحدُ من يُقتل من الرجال بعد أن تبلو بلاءاً


1) (1) اللهوف ص 41 ، بحار الأنوار 3/45 ، الارشاد للمفيد ص 216 ، الفتوح لابن الأعثم 152/2.

2) (2) العقد الفريد 384/4 .

3) (3) الهداية الكبرى ص 204 ، مع اختلاف في بعض الألفاظ.

عظيماً وابني عبد الله [إذا خفت عطشاً] . فقال : يا عم ويصلون إلى النساء حتى يقتل عبدالله وهو رضيع؟ فقال: فداك عمك، يُقتل عبدالله إذا جفت روحي وصرتُ إلى خيمتنا فطلبتُ ماءً ولبناً فلا أجد قط فأقول: ناولوني ابني لأشرف من فيه، فيأتوني به فيضعونه على يدي فأحمله لأُذنيه من فيّ، فيرميه فاسق فينحره وهو يناغي، فيفيض دمه في كفي، فأرفعه إلى السماء فأقول: اللهم صبراً واحتساباً فيك، فَتَعْجَلُني الأسنة منهم والنار تسعر في الخندق الذي في ظهر الخيم، فأكرُّ عليهم في أمرٌ أوقات في الدنيا، فيكون ما يريد الله. فبكى وبكينا وارتفع البكاء والصراخ من ذراري رسول الله صلى الله عليه وآله.

الباب السابع : (فيما جرى على الحسين عليه السلام)

(في يوم عاشوراء إلى حين قتله)

قد مرّ أن في كتب المقاتل سيما في كتب المتأخرين سيما في الكتب الفارسية ، أموراً ووقائع ذكروها في يوم عاشوراء ولم يكن لها سند ولم تذكر في الكتب المعتمدة، أعرضنا عنها لعدم الاعتداد بنقلها ولا الاعتماد بناقلها، والذي ذكرنا هنا مما نعتمد على نقله وناقله، وقد استخرجناه من الكتب المعتمدة والتواريخ المعتبرة.

والكلام في لفظ «عاشوراء» وأنه في أيّ شهر من شهور السنة، وأي يوم من أيام الأسبوع، وأي ساعة شرع في الحرب وأي ساعة قتل الحسين عليه السلام يأتي في ضمن فوائد.

والكلام هنا فيما جرى على شخصه عليه السلام يوم عاشوراء، وسنذكر فيها بعد ما يتعلق بالأصحاب والأنصار ومقاتلهم رضوان الله عليهم .

في جلّ من الكتب والمقاتل والتواريخ: أنه عليه السلام لما أصبح صلى بأصحابه صلاة الفجر ورفع يديه وقال ما رواه أبو مخنف عن بعض أصحابه، عن

أبي خالد الكاهلي، ورواه الشيخ في الارشاد عن علي بن الحسين عليه السلام(1):

اللهم أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعُدَّة، كم من همِّ يَضعُف فيه الفؤاد، وتقلّ فيه الحيلة، ويَخذل فيه الصديقُ، ويشمت فيه العدوُّ، وأنزلته بك وشكوته إليك رغبةً مني إليك عمن سواك، ففرَّجتَه وكشفتَه، فأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة .

(بیان):

الظاهر بل المصرح به في بعض الكتب أن هذا الدعاء دعا به بعد صلاة الصبح رافعاً يديه إلى السماء .

وفي الإقبال فيه زيادة بعد قوله «ومنتهى كل رغبة »: فلك الحمد كثيراً، ولك المنُّ فاضلاً، اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وسهّل لي محنتي، ويسر لي إرادتي، وبلغني أمنيتي، وأوصلني إلى بغيتي سريعاً عاجلاً، واقض عني ديني يا أرحم الراحمين(2).

ذكر هذه الزيادة في أدعية يوم عاشوراء، والظاهر أنها من زياداته كما هو دأبه رضوان الله عليه، وليس في النسخ وكتب المتقدمين لهذه الزيادة عينٌ ولا أثر. نعم في بعض النسخ «كم من همّ » بدل «من كرب» ، وفي بعضها «يشمت به العدو» بدل «فيه»، وفي بعضها «رغبة فيه» بدل «مني»، وفي بعضها «ففرجته وكشفته» بدون لفظ «مني» و «كفيته».

ثم الظاهر أن هذا الدعاء لا يختص بيوم عاشوراء، بل يُقرأ في كل زمان ومكان.


1) (1) تاريخ الطبري 423/5 ، الارشاد للمفيد ص 217.

2) (2) الاقبال ص 561 .

ثم دعا عليه السلام بدعاء وهو - على ما رواه الكفعمي - آخر دعاء دعا به الحسين يوم الطف، ورواه الشيخ في المصباح والسيد في الإقبال في أدعية يوم الثالث من شعبان وقالا(1):

ثم تدعو بدعاء الحسين عليه السلام وهو آخر دعاء دعا به في يوم الكوثر: اللهم أنت عالي المكان عظيم الجبروت، شديد الحال، غني عن الخلائق، عريض الكبرياء، قادر على ما تشاء، قريب الرحمة، صادق الوعد، سابغ النعمة،حسن البلاء، قريب إذا دُعيتَ، محيط بما خلقتَ، قابل التوبة لمن تاب إليك، قادر على ما أردت، مدركٌ ما طلبتَ وشكور إذا شُكرت وذاكر إذا ذُكرت، أدعوك محتاجاً وأرغب إليك فقيراً، وأفزع إليك خائفاً، وأبكي إليك مكروباً، وأستعين بك ضعيفاً، وأتوكل عليك كافياً، أحكم بينا وبين قومنا فإنهم غَرُّونا وخذلونا وغدروا بنا وقتلونا، ونحن عترة نبيّك وولد حبيبك محمد بن عبدالله، الذي اصطفيته بالرسالة وأتمنته على وحيك، فاجعل لنا من أمرنا فرجاً ومخرجاً، برحمتك يا أرحم الراحمين .

(بیان ):

في حاشية الاقبال: الظاهر أنا إذا دعونا بهذا الدعاء فلندعو بدل «فإنهم غرونا»: غَرُّوا مولانا وخذلوه وغدروه، ونحن شيعة عترة نبيك. أو يترك الداعي هذه الفقرات ويقول بعد قوله «عليك كافياً »: فاجعل لنا من أمرنا. إلى

آخر الدعاء .

وهذا وجه وجيه إلا أنه خلاف ظاهر ما ذكروه وأثبتوه، وله نظائر في الأدعية


1) (1) المصباح للكفعمي ص 544 ، الاقبال ص 690 ، مصباح المتهجد ص 759 .

والزيارات. وقد صححوه بوجوه أخر ليس هذا موضع ذكرها. والظاهر أنهم أرادوا بدعاء ما أنشاء عليه السلام لا بإنشاء ما دعا به فتدبر فإنه دقيق.

ثم الظاهر أن هذا الدعاء أيضاً لا يختص بوقت دون وقت، بل يُدعى به في كل زمان ومكان، واختصاصه بيوم الثالث من شعبان لا وجه له بل بيوم عاشوراء أنسب. وإنما ذكروه في الثالث من شعبان لما روي عن ابن عیاش قال: سمعت الحسين بن علي بن سفيان البزوفري أن أبا عبدالله عليه السلام يدعو به في هذا اليوم، وقال: هو من أدعية يوم الثالث من شعبان وهو مولد الحسين عليه السلام(1). ولم يظهر منه اختصاصه به .

ولا ينافي ما ذكرنا من أنه آخر دعاء دعا عليه السلام به في صبيحة يوم عاشوراء ما رواه الراوندي في كتاب الدعوات عن زين العابدين عليه السلام قال(2): ضمني والدي إلى صدره يوم قتل والدماء تغلي وهو يقول: يا بني احفظ دعاءً علمتنيه فاطمة عليها السلام وعلمها رسول الله صلى الله عليه وآله وعلمه جبرئيل في الحاجة والمهم والهم والغم والنازلة إذا نزلت والأمر العظيم الفادح - لأنه تعلم للدعاء وهو غير الدعاء - قال: أدع بحق يس والقرآن الحكيم، وبحق طه والقرآن العظيم، يا من يقدر على حوائج السائلين، يا من يعلم ما في الضمير يا منفّس عن المكروبين، يا مفرّج عن المغمومين، يا راحم الشيخ الكبير، يا رازق الطفل الصغير، يا من لا يحتاج إلى التفسير، صل على محمد وآله وافعل بي كذا وكذا(3).


1) (1) الاقبال ص 690 .

2) (2) الدعوات للراوندي ص 54 .

3) (3) ان هذا التعليم قبل شهادته عليه السلام حين جاءه ليودعه ، بقرينة قوله « والدماء تغلي»-م.

ثم قال عليه السلام لأصحابه على ما رواه في اللهوف وغيره: إن الناس عبيدُ الدنيا والدين لَعقٌ على ألسنتهم، يحوطون به ما دَرَّت به معايُشهم، فإذا مُحّصُوا بالبلاء قلّ الديانون.

(بیان):

ذكر جمع هذا الكلام مخاطباً لأصحابه عليه السلام في ليلة عاشوراء، وفي جملة من الكتب ذكروها في صبيحة يوم عاشوراء، وظني أنها ليست خطبة مستقلة، ولهذا لم نذكرها في باب الخطب، وإنما هي إما قطعة من خطبة الليل أو جزء من خطب اليوم .

قوله «لَعْقُ» بفتح اللام وسكون العين مصدر لَعِق من باب سمع أي اللحس، من لَعِقْتُ الشيءَ بالكسر العَقُه لَعقاً أي لحسته، يُتعدى إلى التالي بالهمزة، ومنه لَعق الأصابع - قاله في المجمع والقاموس وغيرهما.

وقد يقرأ بكسر العين ككتف، وهو غلط واضح، لأن اللعق بالكسر بمعنى الحرص على ما صرح به في القاموس، وهو لا يناسب المقام(1).

وفي المجمع(2): من كلام علي عليه السلام في أمور الخلافة وتأخرها عنه «وهل هي إلا كلعقة الآكل ومُذقَةِ الشارب» . قال بعضُ الشارحين: اللُّغقَة بالضم اسم لما تأخذه المِلْعَقَة، استعارة للإقرار بالدين باللسان، وكنى به عن ضعفه وقلته .

قوله «ما دَرَّت به» في المجمع: وفي الدعاء «اجعل رزقي دارّاً » أي يتجدد شيئاً فشيئاً، من قولهم «درَّ اللبنُ» إذا زاد وكثر جريانه .


1) (1) مجمع البحرين 124/4 ، القاموس المحيط 280/3 .

2) (2) مجمع البحرين 124/4 .

قوله «مُحّصُوا» من التمحيص، وهو الإختبار والامتحان. وفي المجمع: في الحديث «لا بد للناس أن يُمَحَّصوا ويُغَرْبَلُوا» أي يبلوا ويختبروا ليُعرف جيدهم من رديئهم. وفي حديث علي عليه السلام وذكر فتنةً فقال: يُمَحَّص الناسُ فيها تمحيصَ ذهب المعدِن من التراب، أي يختبرون فيها كما يختبر الذهب ليعرف الجيد من الردىء، من التمحيص وهو الإبتلاء والإختبار.

قوله «الدَيَّانون» جمع الديان، وهو صيغة نسب، أي ذي دين كظلّام في قوله تعالى ( وَمَا رَبُّكَ بِظَلامِ لِلْعَبِيدِ ) (1)أي ذي ظلم، إذ لا وجه لكونه جمع ظالم، ولا معنى لكونه صيغة مبالغة، إذ النفي بنفي القيد وهو الكثرة، وهو غلط هنا. فتدبر.

ثم قال عليه السلام لأصحابه - على ما ذكر في جملة من الكتب المعتبرة والتواريخ المعتمدة: أشهد أنه قد أذن في قتلكم يا قوم فاتقوا الله واصبروا. وفي رواية: إن الله قد أذن في قتلكم فعليكم بالصبر. وفي نسخة: في قتلي وقتلكم.

(بیان):

قوله «قد أُذن لكم» الإذن هنا بمعنى العلم والإرادة، لأن صفاته جلّت عظمته ترجع إليها، بل إلى التعليم فقط.

قال في مجمع البيان في قوله تعالى (وَمَاهُمْ بِضَارِّيْنَ مِنْ أحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ)(2)أي بعلمه(3). وكذا في نظائره. ولتتميم الكلام في بيان المقال محلّ آخر.

وفي جملة من الكتب: إنه عليه السلام قال لأصحابه بعد قوله هذا: إعلموا أنه لا ينجى أحد منكم إلا ولدي علي .


1) (1) سورة فصلت : 46 .

2) (2) سورة البقرة : 102.

3) (3) مجمع البيان 385/1.

قال الشيخ وابن نما والسيد والطبري عن أبي مخنف والبحار وسائر المقاتل: وعَبَّاً الحسينُ عليه السلام أصحابه بعد صلاة الغداة، فجعل في ميمنة أصحابه زهيرَ بنَ القين وفي ميسرة أصحابه حبيبَ بن مظاهر،وأعطى رايتَه العباسَ بن علي أخاه، وجعلوا البيوت في ظهورهم(1).

وفي بعض التواريخ: إن مع زهير عشرون ومع حبيب عشرون.

وسيأتي ذكر عدد أصحابه عليه السلام والاختلاف فيه، كما يأتي عن الدينوري أن العباس أمر إخوته أن يقدموا الحسين والتزموا به ويدورون منه حيثما دار، فكانوا حافظين له عليه السلام من جوانبه(2).

وفي القمقام: وعند ذلك نودي من بطنان العرش: يا خيلَ الله اركبي. وفي بعض الكتب: وأبشري بالجنة .

روى القطب الراوندي في الخرائج(3)عن أبي جعفر عليه السلام: قال: قال الحسين بن علي عليه السلام لأصحابه قبل أن يُقتل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يا بني إنك ستساق إلى العراق، وهي أرض قد التقى بها النبيون وأوصياء النبيين، وهي أرض تدعى عمورا، وانك تستشهد بها ويستشهد معك جماعة من أصحابك لا يجدون ألمَ مَسّ الحديد، وتلا (قُلْنَا يَا نَارُ كُوْني بَرْداً وَسَلاماً على إبْراهِيمَ)(4)يكون الحربُ برداً وسلاماً عليك وعليهم، فأبشروا


1) (1) الارشاد للمفيد ص 216 ، مثير الأحزان ص 54 اللهوف 40 ، تاريخ الطبري 422/5، الأخبار الطوال ص 256 ، بحار الأنوار 4/45.

2) (2) الأخبار الطوال ص 257 .

3) (3) الخرائج والجرائح 848/2.

4) (4) سورة الانبياء : 69 .

فو الله لئن قتلونا فإنا نرد على نبينا.

(بیان):

قوله «لا يجدون ألمَ مسّ الحديد» الظاهر المستفاد من الرواية أن عدم مسهم من ألمَ الحديد ليس لأمر طبيعي، بل إنما هو بعناية من الله تعالى، لما وطَّنوا أنفسَهم على لقاء الله ونصرة سيدهم وإعلاء كلمة التوحيد بأشق ما يمكن ويتصوَّر من الأحوال، فرفع اللهُ عنهم ألم مس الحديد، كما منّ الله على إبراهيم برفع ألم النار فجعلها برداً وسلاماً بعنايته جلت عظمته. ويدل هذا على جلالة شأنهم وعظم خطرهم ونيلهم أعلى منازل المقربين .

ويمكن أن يكون لأمر طبيعي، إما لخوضهم في بحر شوق لقاء الله كما ورد في نبلة أصاب علياً عليه السلام في صفين وأخرجوها حين كونه في الصلاة وحلف أنه لم يحس ذلك أصلاً، أو لأجل كون العبادة رحمة لديهم لعظم المقصد، أو لأنهم انكشف عنهم الغطاء ورأوا ما رأوا فلم يلتفتوا إلى ألم وغيره أبداً، أو لأنهم لما رأوا وحدة سيدهم وغربتَه وشاهدوا حالَ النسوة والصبية وما هم فيه من والعطش حزنوا حزناً شديداً واغتموا غماً يصرفهم عن الإلتفات لما ورد عليهم، فإن الانسان كما يصير من فرط المحبة والعشق ومشاهدة جمال المعشوق وأوصاف المحبوب محواً في معشوقه ولا يلتفت إلى ما سواه-كما شاهدنا ذلك كثيراً - فكذلك يصير في فرط الحزن والغم وشدة الألم بحيث لا يلتفت إلى ما يصيبه. وبالجملة معنى عدم المس عدم الالتفات إليه مع وجدانه حقيقة، وهذا أمر طبيعي. فليتدبر.

ثم إن عمر بن سعد عَبّا أصحابه.

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: حدثني فُضيل بن خَدِيْج الكَندي، عن محمد بن بشر، عن عمر و الحضر مي قال: لما خرج عمرُ بنُ سعد كان على رُبع أهل المدينة يومئذ عبدالله بن زهير بن سليم الأزدي، وعلى ربع مَذْحِج وأسد عبدالرحمن بن أبي سبرة الجعفي، وعلى ربع ربيعة وكندة قيس بن الأشعث، وعلى ربع تميم وهَمْدان الحر بن زيد الرياحي.

قال: فشهد هؤلاء كلُّهم مقتلَ الحسين إلا الحر، فإنه عدل إلى الحسين وقُتل معه. قال: وجعل عمرُ على ميمنته عمروَ بن الحجاج الزُّبيدي، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن بن شُرَ حْبِيل بن الأعور بن عمر بن معاويةَ - وهو الضّباب بن كلاب، وعلى الخيل عَزْرَة بن قيس الأحَمسي، وعلى الرجال شَبَث بن رِبعي اليَرْبُوعي، وأعطى الراية ذُوَيداً مولاه(2)

أقول: وكذا في النسخة التي رجعنا إليها، وفي الكامل «دريد».

.

أقول: هذه الراية هي التي عقدها ابنُ زياد لابن سعد يوم خروجه من الكوفة، ولها حكاية عجيبة تاريخية ذكرها الآيتي في تاريخ يزد وسنذكرها إنشاء الله تعالى في ترجمة دريد .

وأما سلاح أصحاب عمر بن سعد، فكان كلما يحتاج المحاربُ إليه على قانون ذلك العصر من السيف والسنان والرمح والنبل والحجر وغير ذلك، بل كلما كانوا يحتاجون إليه كان مهيئاً لهم.

وأما أصحابُ الحسين عليه السلام فسلاحُهم السيف والسنان، إلا أن نافع


1) (1) تاريخ الطبري 422/5 .

2) (2) في نسخة تاريخ الطبري الموجودة عندنا « ذويد» بالذال المعجمة وبعده الواو ، وفي جملة من الكتب «دريد» بالدال المهملة والراء كما سيأتي «م» .

ابن هلال وهلال بن نافع كان معهما عدة من النبال على ما سيذكر .

وعند ذلك قامت الحربُ على الساق، وتلاقى العسكران الإيمان كله مع الكفر كله.

وفي الكافي، عن عبد الملك بن أعيَن، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لما نزل النصر على الحسين بن علي عليهما السلام حتى كان بين السماء والأرض، ثم خُيّر: النصر أو لقاء الله، اختار لقاء الله(1).

قال السيد في اللهوف(2): فروي عن مولانا الصادق عليه السلام أنه قال: سمعتُ أبي يقول: لما التقى الحسين عليه السلام وعمر بن سعد وقامت الحربُ أنزل الله تعالى النصرَ حتى رفرف على رأس الحسين، ثم خُيّر بين النصر على أعدائه وبين لقاء الله فاختار لقاء الله. قال: رواه أبو طاهر محمد بن الحسين النرسي في كتاب معالم الدين .

ومثله في البحار(3)وغيره، وفي مقتل أبي إسحاق الاسفرايني قال : وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال - إلى آخر ما مر .

(بیان):

قوله «رَفْرَفَ» من رفرف الطائرُ أي حرَّك جناحه حول الشئ يريد أن يقع عليه - قاله في المجمع(4). وهي كناية بليغة .

قوله «ثم خُيّر يمكن أن يكون معنى التخيير هنا كالتخيير فيما روي عن موسى بن جعفر عليه السلام أنه لما طغى شيعتُه وكثر عصيانُهم أوحى الله وخُيّر بين عذاب شيعته وحبسه مدة، فاختار (علیه السلام) الحبسَ على عذاب شيعته. فكأن


1) (1) الكافي 465/1 .

2) (2) اللهوف ص 44 .

3) (3) بحار الأنوار 12/45.

4) (4) مجمع البحرين 204/2.

الحسين عليه السلام خُيّر بين النصر على أعدائه مع عدم النقص في مرتبته وجلاله وكماله مع ما هو عليه من عظم شأنه ونبالة قدره بحيث لا ينقص منه شيئاً هو هو، إلا أنه لا يترتب عليه ما هو آثار نفس الشهادة من الشفاعة والعفو عن شيعته في الدنيا والآخرة، فاختار عليه السلام الشهادة ولقاء الله بأشق الأحوال مراعاة لشيعته في الدنيا والآخرة مما يترتب على الشهادة من الشفاعة وغيرها.

وبعبارة أخرى: خُيّر عليه السلام بين عذاب نفسه بالشهادة وما يترتب عليها على عذاب شيعته في الدنيا والآخرة مع عدم نقص في مرتبته لو اختار النصر، ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وآله له: أخرج إلى العراق فإن لك درجةً لا تنالها إلا بالشهادة .

ويمكن أن يقال: إنه عليه السلام لما وطن نفسه على الشهادة وما يترتب عليها بأشق الأحوال وأتى بتمام المقدمات، فكأنه قد أتى بالشهادة على الوجه الأكمل والأتم، فقبل اللهُ تعالى ذلك منه عليه السلام، وترتب على ذلك ما يترتب على الشهادة، وأعطاه جميع آثارها من الشفاعة وغيرها بإتيان تمام المقدمات، ثم خيّر لقاء الله تعالى مع النصر آجلاً أو لقائه مع الشهادة،عاجلاً، فاختار لقاءَ الله عاجلاً على لقائه مع النصر آجلاً. وهذا نظير قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام عن ذبح الولد باتيان تمام المقدمات وترتب آثار الذبح على إتيان تمام المقدمات مع توطين نفسه على الذبح وقال (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)(1)(1) فافهم فإنه دقيق .

وبالجملة، فإن الله تعالى مع أنه قد شاء أن يراه شهيداً، جعل من فرط محبته


1) (1) سورة الصافات : 105 .

وعنايته به عليه السلام أمر البداء بيده. فافهم فإنه أد .

وفي كتاب الجلاء للسيد عبد الله شبر على ما حكي عنه قال: إن في ذلك الوقت حضرت طائفةٌ من الجن لنصرته عليه السلام، فاستأذنوه للقتال فلم يأذن لهم، فاختار الشهادة الكريمة على الحياة الذميمة .

ثم إن الحسين عليه السلام وقف بين الصفين واتكأ على سيفه وخطب خطبةً، ثم ركب دابته وناقته وبيده القرآن وعلا صوته وخطب خطبةً، ثم نزل عن ناقته واعتقله عُقبة بن سمعان وراء الخيم ودعا بفرس رسول الله صلى الله عليه وآله المرتجز وركب وخطب خطبةً. وقد مرت الخطب كلها مع شرحها في باب الخطب.

ولم تؤثّر الخطب والمواعظُ فيهم وتمت الحجةُ عليهم.

وفي القمقام عن سعد بن عبيدة قال: رأيتُ الحسين عليه السلام في ذلك اليوم راكباً على ناقته وعليه جبة من برود يخطب الناسَ ويعظهم، فلما رجع رماه رجلٌ من بني تميم اسمه عمر الطُّهَوي وأصاب السهم بين كتفيه عليه السلام وعلق في جبته(1).

وفي البحار: وعن المناقب ثم قال الحسين عليه السلام: أين عمر بن سعد أدعوا لي عمرَ، فدُعي له، وكان كارهاً لا يحب أن يأتيه، فقال عليه السلام : يا عمر أنقتلني تزعم أن يوليك الدعيُّ ابن الدعى بلادَ الري وجرجان، والله لا تتهناً بذلك أبداً، عهداً معهوداً، فاصنع ما أنت صانع، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة، ولكأني برأسك على قصبة قد نُصبت بالكوفة يتراماه الصبيان ويتخذونه


1) (1) من حديث في تاريخ الطبري 392/5.

غرضاً بينهم(1).

وفي بعض المقاتل: أخيّرك بين ثلاث: إما أن أرجع إلى المكان الذي جئتُ منه، أو إلى ثغر من ثغور المسلمين، أو إلى يزيد فيرى ما بيني وبينه. ولم يقبله.

قال: فاغتاظ عمر من كلامه ثم صرف بوجهه عنه عليه السلام ونادى بأصحابه: ما تنتظرون الرجل ، احملوا بأجمعكم، إنما هي أكلة واحدة.

ثم أمر الحسينُ عليه السلام بإضرام النار بالحطب والقصب في الخندق الذي عملوه وراء البيوت.

قال أبو مخنف: وأقبل القوم يجولون حول بيوت الحسين عليه السلام.

قال الطبري(2): قال أبو مخنف: فحدثني عبدالله بن عاصم، قال: حدثني الضحاك المِشرَقي قال: لما أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرم في الحطب والقصب الذي كنا ألهبنا فيه النار من ورائنا لئلا يأتونا من خلفنا، إذ أقبل إلينا منهم رجلٌ يركض على فرس كامل الأداة، فلم يكلمنا حتى مرّ على أبياتنا، فإذا هو لا يرى إلا حطباً تلتهب النار فيه، فرجع راجعاً فنادى بأعلى صوته: يا حسين استعجلتَ بالنار في الدنيا قبل يوم القيامة، فقال الحسين: من هذا ؟ كأنه شمر بن ذي الجوشن . فقالوا: نعم أصلحك الله هو هو. فقال: يابن راعية المِغزَى أنت أولى بها صِلِيّاً (3). فقال له مسلمُ بنُ عَوْسَجَة: يابن رسول الله جعلت فداك ألا أرميه بسهم، فإنه قد أمكنني وليس يسقط فالفاسق من أعظم


1) (1) بحار الأنوار 10/45.

2) (2) تاريخ الطبري 423/5 .

3) (3) إشارة إلى قوله تعالى (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً) [سورة مريم: 70] الصلي: مقاساة حرّ النار أو إحراقها .

الجبارين. فقال له الحسين: لا ترمه فإني أكره أن أبدأهم.

قال الشيخ أبو علي محمد بن أحمد بن الفتال النيسابوري في روضة الواعظين: وأقبل رجلٌ من عسكر عمر بن سعد على فرس يقال له ابن جُوَيْره(1)المُزَني، فلما نظر إلى النار تَتَّقِدُ صفَّق بيده ونادى: يا حسين وأصحاب الحسين أبشروا بالنار فقد تعجلتموها في الدنيا. فقال الحسينُ عليه السلام من الرجل؟ فقيل: ابن جويرة المزني. فقال الحسين: اللهم أذقه عَذاب النار في الدنيا. فنفر به فرسُه وألقاه في تلك النار فاحترق (2).

ثم برز من عسكر عمر بن سعد رجلٌ آخر يقال له تميم بن الحُصَين الفزاري فنادى: يا حسين ويا أصحاب الحسين أما ترون الفراتَ يلوح كأنه بطون الحيتان، والله لا أذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جرعاً. فقال الحسين عليه السلام: من الرجل ؟ فقيل: تميم بن الحصين الفزاري. فقال الحسين: هذا وأبوه في النار، اللهم اقتل هذا عطشاً في هذا اليوم. فخنقته العطشُ حتى سقط من فرسه فوطئته الخيل بسنابكها فمات.

ثم أقبل رجل آخر من عسكر عمر بن سعد يقال له محمد بن الأشعث بن قيس الكندي فقال: يا حسين بن فاطمة أيُّ حرمة لك من رسول الله صلى الله عليه وآله ليست لغيرك. فتلا الحسين عليه السلام هذه الآية (إنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوْحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ * ذُرِّيَةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ )(3). ثم


1) (1) في المصدر «ابن أبيجويرة».

2) (2) روضة الواعظين ص 185 .

3) (3) سورة آل عمران : 33 - 34.

قال: والله إن محمداً لمن آل إبراهيم، وإن العترة الهادية لمن آل محمد، من الرجل؟ فقيل: محمد بن الأشعث بن قيس الكندي . فرفع الحسين رأسه إلى السماء فقال: اللهم أذل محمد بن الأشعث ذلاً في هذا اليوم لا تعزه بعد هذا اليوم أبداً . فعرض له عارض فخرج من العسكر يتبرز فسلط الله عليه عقرباً فلدغته فمات بادي العورة. انتهى .

وفي تاريخ الطبري (1)عن أبي مخنف في هلاك المزني قال: حدثني حسين أبو جعفر قال: ثم إن رجلاً من بني تميم يقال له عبدالله بن حَوْزَة جاء حتى وقف أمام الحسين عليه السلام فقال: يا حسين يا حسين. فقال له الحسين: ما تشاء ؟ قال: أبشر بالنار . قال عليه السلام: كلا، إني أُقْدِمُ على ربّ رحيم وشفيع مطاع،من هذا ؟ قال له أصحابُه: هذا ابن حوزة قال رب حُزْه إلى النار. قال: فاضطرب به فرسُه في جدول فوقع فيه وتعلقت رجلُه بالركاب ووقع رأسه في الأرض ونفر الفرسُ فأخذه يمرُّ به فيضرب برأسه كلَّ حجر وكلَّ شجر حتى مات.

قال أبو مخنف: وأما سُويد بن حَيَّة فزعم لي أن عبدالله بن حوزة حين وقع فرسُه بقيت رجله اليُسرى في الركاب وارتفعت اليمنى فطارت، وعدا به فرسُه كلَّ حجر وأصل شجر حتى مات.

قال أبو مخنف، عن عطاء بن السائب، عن عبد الجبار بن وائل الحضرمي، عن أخيه مسروق بن وائل قال: كنت في أوائل الخيل ممن سار إلى الحسين. فقلت: أكون في أوائلها لعلي أصيبَ رأس الحسين به منزلةٌ عند عبیدالله بن زياد. قال:


1) (1) تاريخ الطبري 430/5 .

فلما انتهينا إلى الحسين تقدم رجلٌ من القوم يقال له ابن حَوْزَة فقال: أفيكم حسين؟ قال: فسكت الحسين، فقالها ثانية، فسكت حتى إذا كانت الثالثة قال: قولوا له: نعم هذا حسين فما حاجتك ؟ قال: يا حسين أبشر بالنار . قال: كذبت بل أقْدِم على رب غفور وشفيع مطاع، فمن أنت؟ قال: ابن حَوْزَة. قال: فرفع الحسين يديه حتى رأينا بياض إبطيه من فوق الثياب ثم قال: اللهم حُزْه إلى النار. قال: فغضب ابنُ حوزة فذهب ليُقحم إليه الفرس وبينه وبينه نهر. قال: فَعَلَقَتْ قدمُه بالركاب وجالت به الفرسُ فسقط عنها. قال: فانقطعت قدمُه وساقُه وفخذُه وبقي جانبه الآخر متعلقاً بالركاب. قال: فرجع مسروقٌ وترك الخيل من ورائه. قال: فسألتُه فقال: لقد رأيتُ من أهل هذا البيت شيئاً لا أقاتلهم أبداً.

وفي القمقام: لما بقيت رجله في الركاب وارتفعت الأخرى حمل عليه مسلم بن عوسجة فضربه بالسيف وقطع رجله اليمنى.

وفي الناسخ(1): إن أصحاب الحسين عليه السلام لما رأوا ذلك قالوا: يا لها من دعوة ما أسرع إجابتها . فنودي من بطنان العرش: نُهنِكَ الإجابةُ يابن بنت رسول الله .

قالوا: وعند ذلك قامت الحرب على ساقيها. قال المفيد(2): لما رأى الحرُّ بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين قال لعمر بن سعد .. وقال الطبري(3)عن أبي مخنف: ثم ان الحر بن يزيد لما زحف عمر


1) (1) ناسخ التواريخ - قسم سيد الشهداء 227/2.

2) (2) الارشاد للمفيد ص 218.

3) (3) تاريخ الطبري 434/5 ، البحار 10/45 .

بن سعد قال له - إلى آخر ما سنذكره في ترجمته، ونذكر أن مجيئه إلى الحسين عليه السلام كان قبل وقوع الحرب.

وفي البحار(1)عن المناقب: روى باسناده عن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبدالله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن عبدالله قال: لما عبَّا عمر بن سعد أصحابه لمحاربة الحسين عليه السلام ورتبهم مراتبهم وأقام الرايات في مواقعها وعبّاً أصحاب الميمنة والميسرة، فقال لأصحاب القلب: اثبتوا، وأحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه كالحلقة، وتقدم الحسينُ عليه السلام حتى وقف بإزاء القوم، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل، ونظر إلى ابن سعد واقفاً في صناديد الكوفة.

قال الطبري(2): قال أبو مخنف: عن الصقعب بن زهير وسليمان بن أبي راشد: حُميد بن مسلم قال: وزحف عمرُ بنُ سعد نحوَهم ثم نادى: يا ذؤيد أدنِ رايتَك. قال: فأدناها ثم وضع سهمَه في كبد قوسه، ثم رمى فقال: إشهدوا أني أول من رمى، ثم ارتمى الناس.

وفي روضة الصفا بعد قوله عليه اللعنة: إشهدوا أني أول من رمى، أجابه رجل من أصحاب الحسين عليه السلم: أشهد أنك أول من يدخل النار من هذه الأمة.

وقال محمد بن أبي طالب: فرمى أصحابُه كلَّهم ، فما بقي من أصحاب الحسين عليه السلام إلا أصابه من سهامهم. قيل: وأقبلت إليهم السهامُ كالمطر.

قال السيد: فقال الحسين عليه السلام لأصحابه: قوموا رحمكم الله إلى الموت


1) (1) بحار الأنوار 8/45.

2) (2) تاريخ الطبري 429/5 .

الذي لابدّ منه، فإن هذه السهام رسلُ القوم إليكم(1).

ثم اعلم أن جلَّ من كتب في مقتل الحسين عليه السلام كتاباً أو ألف تأليفاً من العامة والخاصة والمؤرخين والمحدثين إنما كان بناؤهم على ذكر أصل الواقعة والقصة وما جرى على الحسين عليه السلام وأصحابه رضي الله عنهم، من دون مراعاة الترتيب في القضايا في يوم عاشوراء. ولذا ترى في مصنفاتهم وكتبهم اختلافاً كثيراً، فربما يذكر ما وقع في وقت العصر في صبيحة يوم عاشوراء وبالعكس وهكذا وكذا في كيفية المحاربة والقتال، ولم أر من تَفَطَّن أو تعرض لذلك، وهم معذورون في ذلك لما قلنا أن نياتهم على ذكر أصل القصة والواقعة.

وما ذكرناه أو نذكره من الترتيب وكيفية الحرب والقتال إنما استفدناه من جلّ كتبهم التاريخية والحديثية والمقاتل، واستخرجناه من كلماتهم مع تصريح نقلتهم بجملة منها .

ويؤيد ما ذكرنا أن السيد «قده» في اللهوف قال بعد رمي عمر بن سعد وارتمى الناس: حمل أصحاب عمر بن سعد بأجمعهم على أصحاب الحسين فاقتتلوا ساعة من النهار حملة بعد حملة حتى قُتل من أصحاب الحسين جماعة. إلى أن قال: ثم صاح عليه السلام وقال: أمَا من مغيث. وقال: وإذا الحر بن يزيد الرياحي قد أقبل إلى آخر ما ذكره .

وقد مرّ أن إتيان الحر كان قبل المقاتلة وان استنابته أيضاً كانت قبل وقوع الحرب، وإن كان الصحيح أن الإستتابة إنما كانت بعد شهادة الأصحاب وبني هاشم . اللهم إلا أن يقال بتعدد الواقعة


1) (1) اللهوف ص 43 .

وبالجملة، فبعد تقاتل العسكرين ورمي ابن سعد وترامي الناس وأمر الحسين عليه السلام أصحابه بالقيام إلى الموت الذي لابدّ منه، برز من عسكر ابن سعد يسار مولى زياد بن أبيه وسالم مولی عبیدالله بن زیاد .

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: فقالا: من يبارز؟ ليخرج إلينا بعضكم. فوب حبيبُ بن مظاهر وبرير بن خضير، فقال الحسين لهما: اجلسا. فقام عبدُالله بن عمير الكلبي إليهما . على ما سيذكر في ترجمته .

ثم اعلم أن قانون المحاربة في ذلك الوقت - على ما استفدناه من الحروب المعظمة كحرب صفين وغيرها - أن من تهيأ ميمنة ومسيرة وقلباً وجناحاً وساقية ومكاناً للرامية وموضعاً لأصحاب الأحجار، ويكون لأصحاب الميمنة عدة مخصوصة من النبالة والحجارة، وكذا لأصحاب الميسرة ولأصحاب القلب عدة مخصوصة لا يتجاوزون عن مقرهم وعن وظيفتهم، وأصحاب القلب لا يبرحون عن مكانهم ولا يحملون ما دام أصحاب الميمنة والميسرة باقين. نعم، لا تتفق المبارزةُ بين أصحاب القلب مع من يحذوهم من أصحاب القلب، وأول من يحمل أو يبارز أصحاب الميمنة على الميسرة ثم أصحاب الميسرة على أصحاب الميمنة .

فما في جلّ المقاتل أنه حمل ميمنهُ ابن زياد على ميمنة الحسين، لعله اشتباه ناشيء عن عدم التأمل وعدم العلم بقانون الحرب، إذ مقتضى الطبيعة في التعبئة أن الميمنة إزاء الميسرة، ولا يمكن أن يحمل الميمنة على الميمنة إلا بعد التجاوز عن الميسرة. إلا أن يكون البعدُ بين الفريقين كثيراً بحيث يمكن حمل الميمنة على


1) (1) تاريخ الطبري 429/5 .

الميسرة. ثم لا منافاة بين حمل الميمنة على الميسرة ومبارزة الميسرة مع أصحاب الميمنة، فتكون بين الميمنة والميسرة حملة وحملة وبين المسيرة والميمنة مبارزة یبارز رجل بعد رجل، فيقاتلان والقلب ثابت على مكانه لا يحمل . نعم بعد مغلوبية الميمنة والميسرة - بحيث لا يبقى ميمنة ولا ميسرة - يكون الجندُكله بمنزلة القلب، والقلب يحمل عليه، حتى إذا لم يبق من طرف إلا واحداً أو اثنين يحملون عليه بأجمعهم أو يتبارزون .

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: أول من حمل على أصحاب الحسين عليه السلام بعد قتل يسار وسالم، عمروُ بنُ الحجاج الزبيدي. قال: وحمل وهو على ميمنة الناس في الميمنة، فلما أن دنا من الحسين عليه السلام جثوا له على الركب وأشرعوا له الرماح نحوهم، فلم تقدم خيلُهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع فرشقوهم بالنبل، فصر عوا منهم رجالاً وجرحوا منهم آخرين حتى ردوهم على

مكانهم .

ثم شرع أصحاب الحسين بالمبارزة مع أصحاب عمرو بن الحجاج، ومن المبارزين في هذه الوقعة برير بن خضير وحر بن يزيد الرياحي وعمرو بن قَرْظَة الأنصاري وغيرهم على ما سيذكر في تراجمهم، بارزوا واحداً بعد واحد وقاتلوا وقتلوا حتى ضُيق على عمرو بن الحجاج أشد الضيق. فصاح عمرو بن الحجاج بالناس: يا حمق أتدرون من تقاتلون؟ فرسان المصر، قوم مستميتين لا يبرز لهم منكم أحد، فإنهم قليلون وقلّ ما يبقون، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم. فقال عمر: صدقتَ الرأيُ ما رأيتَ، وأرسل إلى الناس: يُعزم عليكم


1) (1) تاريخ الطبري 430/5 .

أن لا يبارز رجلٌ منكم رجلاً منهم .

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: حدثني الحسين بن عقبة المرادي، قال الزبيدي: إنه سمع عمرو بن الحجاج حين دنا من أصحاب الحسين يقول: يا أهل الكوفة الزَموا طاعتَكم وجماعتَكم، ولا ترتابوا في قتل من مرق عن الدين وخالف الامام. فقال له الحسين: يا عمرو بن الحجاج أعليّ تُحرّض الناسَ، أنحن مرقنا عن الدين وأنتم ثبتم عليه، أما والله لتعلمن لو قد قُبضت أرواحُكم ومِتُم على أعمالكم أينا مرق من الدين ومن هو أولى بصلي النار .

قال: ثم إن عمر و بن الحجاج حمل على الحسين في ميمنة عمر بن سعد من نحو الفرات، فاضطربوا ساعة، فصَرِع مسلمُ بنُ عَوْسَجة الأسدي أول أصحاب الحسين، ثم انصرف عمرو بن الحجاج وأصحابه وارتفعت الغبرة فإذا هم به صريع. هذا ما كان من أمر عمرو بن الحجاج وأصحاب ميمنة عمر بن سعد.

قال الطبري(2): قال أبو مخنف: وحمل شمرُ بن ذي الجوشن في الميسرة على أصحاب الحسين في الميمنة(3)، فثبتوا له فطاعنوه وأصحابه ... وقاتلهم أصحابُ الحسين عليه السلام قتالاً شديداً، وأخذت خيلُهم تحمل وإنما هم اثنان وثلاثون فارساً، وأخذت لا تحمل على جانب من خيل أهل الكوفة إلا كشفته، فلما رأى ذلك عَزّرة بن قيس - وهو على خيل أهل الكوفة - أن خيله تنكشف من كل جانب بعث إلى عمر بن سعد عبدَالرحمن بن حصن فقال: أماترى ما تلق خيلي


1) (1) تاريخ الطبري 435/5 .

2) (2) المصدر السابق 436/5 .

3) (3) عبارة المصدر : في المسيرة على أهل الميسرة.

هذا اليوم من هذه العدة اليسيرة، إبعث إليهم الرجَّال والرُماة. فقال لشَبث بن ربعي: ألا تَقدِم إليهم، فأبى ذلك فقال: سبحان الله أتعمد إلى شيخ مُضَر وأهل المصر عامة تبعثه في الرماة، لم تجد من تندب لهذا ويجزىء عنك غيري. قال: وما زالوا يرون من شَبَتْ الكراهة لقتاله .

وقال أبو زهير العَبسي: فإني سمعته في إمارة مُصعَب يقول: لا يعطي اللهُ أهل هذا المصر خيراً أبداً ولا يُسّددُهم لرشد، ألا تعجبون انا قاتلنا مع علي بن أبي طالب ومع ابنه من بعده آل أبي سفيان خمس سنين ثم عدونا على ابنه وهو خيرُ أهل الأرض نقاتله، مع آل معاوية وابن سُمَيَّة الزانية، ضلال يا لك من ضلال - كذا في الطبري. وفيه غرائبه، لأن اللعين قد بنى مسجداً في الكوفة شكراً لقتل الحسين وهو من المساجد الأربعة المعروفة، وكراهته لمقاتلته عليه السلام كانت خوفاً على نفسه.

ولما رأى(1)عمر كراهة شَبَتْ دعا الحصين بن تميم فبعث معه المجففة وخمسمائة من المرامية، فلحقوا بعزرة بن قيس وحملوا مع شمر وأصحابه على أصحاب الحسين ، فأقبلوا حتى إذا دنوا من الحسين وأصحابه رشقوهم بالنبل، فلم يلبثوا أن عقروا خيولَهم وصاروا رَجَّالةً كلُهم، وكان أيوب بن مِشرَح الَحيواني يقول: أنا والله عقرتُ بالحر بن یزید فرسَه، فاقتتلوا قتالاً شديداً. قال: وقاتلوهم أشدَّ قتال خلقه الله.

قال: وأخذوا لا يقدرون على أن يأتوهم إلا من وجه واحد، لاجتماع أبنيتها وتقارب بعضها من بعض، فلما رأى ذلك عمر بن سعد أرسل رجالاً يقوّضونها


1) (1) من كلام الطبري في تاريخه مع بعض التصرف فيه .

عن أيمانهم وعن شمائلهم ليحيطوا بهم.

قال: فأخذ الثلاثة والأربعة من أصحاب الحسين يتخللون البيوت فيشدون على الرجل وهو يقوّض وينتهب فيقتلونه ويرمونه من قرب ويعقرونه. فأمر بها عمر بن سعد عند ذلك فقال: أحرقوها بالنار ولا تدخلوا بيوتاً ولا تقوّضوه . فجاؤا بالنار فأخذوا يحرقون، فقال الحسين عليه السلام: دعوهم فليحرقوها، فإنهم لو قد حرقوها لم يستطيعوا أن يجوزوا إليكم منها، وكان ذلك كذلك، وأخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه، ورجع شمرٌ ومن معه إلى مكانه، ورجع أصحاب الحسين الباقون إلى مكانهم، وقد قتل منهم - رضوان الله عليهم - جماعة كثيرة في هذه الواقعة الأخيرة، مضافاً إلى من قتل في حملة عمرو بن الحجاج الحملة الأولى والثانية .

فلا يزال الرجلُ من أصحاب الحسين قد قُتل، فإذا قُتل منهم الرجل والرجلان يتبين فيهم وأولئك كثير لا يتبين فيهم ما يقتل منهم. والمقتولون من أصحاب الحسين عليه السلام من أول حملة عمرو بن الحجاج إلى حملة شمر هذه أزيد من خمسين رجلاً، ولعل هذا مراد السيد ومن تبعه أن المقتولين في الحملة الأولى جماعةٌ كثيرة.

قالوا: وعند ذلك ضرب الحسينُ عليه السلام بيده إلى لحيته وجعل يقول: اشتد غضبُ اللهُ تعالى على اليهود إذ جعلوا له ولداً، واشتد غضبُ الله تعالى على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة، واشتد غضبُه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتد غضبُه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم، أما والله لا أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله وأنا مخضَّبٌ بدمى(1).


1) (1) مثير الأحزان ص 58 .

وعن معاني الأخبار(1)مسنداً إلى أبي جعفر الثاني عليه السلام عن آبائه عليهم السلام قال: قال علي بن الحسين عليه السلام: لما اشتد الأمرُ بالحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام نظر إليه من كان معه، فإذا هو بخلافهم، لأنهم كلما اشتد الأمر تغيّرت ألوانُهم وارتعدت فرائصُهم ووجلت قلوبُهم(2)، وكان الحسينُ وبعضُ من معه من خصائصه تَشْرِقُ ألوانُهم وتهدأ جوارحهم وتسكن نفوسهم ، وقال بعضُهم لبعض : أنظروا لا يبالي بالموت . فقال لهم الحسينُ عليه السلام صبراً بنى الكرام، فما الموتُ إلا قنطرة تعبر بكم عن البؤس والضر إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائم، فأيكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر، وما هو لأعدائكم إلاكمن ينتقل من قصر إلى سجن وعذاب، إن أبي حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وآله: أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، والموت جسر هؤلاء إلى جنّاتهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كَذِبْتُ ولا كُذِبْتُ.

قال الطبري(3): قال أبو مخنف: وحمل شمر بن ذي الجوشن [الحملة الثانية أو الثالثة](4)حتى طعن فُسطاط الحسين برمحه ونادى: علي بالنار حتى أحرقَ هذا البيت على أهله. فصاح النساء وخرجن من الفسطاط. قال: وصاح به الحسينُ: يا بن ذي الجوشن أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي، حرقك اللهُ بالنار.

قال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبي راشد، عن حميد بن مسلم قال: قلت لشمر بن ذي الجوشن: سبحان الله إن هذا لا يصلح لك ، أتريد أن تجمع لنفسك


1) (1) معاني الأخبار ص 288.

2) (2) في المصدر « ووجبت قلوبهم » ، وهو بمعنى الرجف والخفق.

3) (3) تاريخ الطبري 438/5 .

4) (4) ليست من كلام الطبري .

خصلتين، تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء، والله إن في قتلك الرجال لما ترضي به أميرك. قال: فقال: من أنت؟ قلت: لا أخبرك من أنا، وخشيت والله أن لو عرفوني أن يضرني عند السلطان .

قال: فجاءه رجلٌ كان أطوع له مني شَبَث بن ربعي فقال: ما رأيتُ مقالاً أسواً من قولك ولا موقفاً أقبح من موقفك، أمُرْعِباً للنساء صرت. قال: فأشهد أنه استحيا فذهب لينصرف، وحمل عليه زهيرُ بنُ القين في رجال من أصحابه عشرة، فشدّ على شمر بن ذي الجوشن، فكشفهم عن البيوت حتى ارتفعوا عنها، فَصَر عوا أبا عِزر الضّبَابي فقتلوه، فكان من أصحاب شمر. فرجع شمر بأصحابه ورجع زهير بأصحابه، وكان هذا منتصف النهار، فلما رأى ذلك أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي ..

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: فقال أبو ثمامة الصيداوي أبو الصائدي(2)للحسين: يا أبا عبد الله نفسي لك الفداء، إني أرى هؤلاء قد اقتربوا منك، ولا والله لا تُقتل حتى أُقتل دونك إنشاء الله، وأحب أن ألقى ربي وقد صليتُ هذه الصلاة التي قد دنا وقتها.

قال فرفع الحسينُ عليه السلام رأسَه ثم قال: ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين الذاكرين، نعم هذا أول وقتها. ثم قال: سلوهم أن يكفُّوا عنا حتى نصلي. فقال لهم الحُصين بن تميم: إنها لا تُقبل. فقال له حبيب بن مظاهر: لا تُقبل زعمتَ الصلاة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وتُقبل منك يا خمار. قال: فحمل


1) (1) تاريخ الطبري 439/5.

2) (2) هذا خلط في العبارة ، الصحيح عند الطبري « أبو ثمامة عمرو بن عبدالله الصائدي » كما ذكر أولاً .

عليهم حُصين بن تميم وخرج إليه حبيبُ بن مظاهر - إلى آخر ما سنذكره في ترجمته .

قال أبو مخنف: ثم صلوا الظهر، صلى بهم الحسين صلاةَ الخوف.

قال السيد(1): وحضرت صلاةُ الظهر، فأمر الحسينُ زهيرَ بنَ القين وسعيدَ بنَ عبد الله الحنفي أن يتقدما أمامه بنصف من تخلف معه، ثم صلى بهم صلاةَ الخوف، ومثله في البحار.

وقال ابن نما(2): وحضرت صلاةُ الظهر، فأمر عليه السلام زهيرَ بن القين وسعيدَ بنَ عبد الله الحنفي أن يتقدما أمامه بنصف من تخلف معه، وصلى بهم صلاةَ الخوف بعد أن طلب منهم الفتور عن القتال لأداء الفرض .

قال الشيخ ابن نما: وقيل صلى الحسينُ عليه السلام وأصحابُه فرادى بالإيماء. قال الطبري(3)وغيره: ثم اقتتلوا بعد الظهر فاشتد قتالُهم، ووصل إلى الحسين عليه السلام .. وحمل عليهم أصحابُ الحسين حتى طردوهم .

ومن الأغلاط المشهورة والأكاذيب المجعولة ما في بعض المقاتل والتواريخ: أن الحسين عليه السلام صاح بالحريم أن يخرجن، فخرجن مكشفاتُ الوجوه منتهكات الشعور، يبكون ويقولون: يا معاشرَ المسلمين اتقوا الله في ذرية نبيكم وحاموا عنهم - إلى آخر ما ذكروا، فكأنهم أخذوا هذا من المقتل المطبوع المنسوب إلى أبي مخنف، وقد مرّ غير مرة أنه لا يُعتمد على ما تفرد به، وفيه من


1) (1) اللهوف ص 48 .

2) (2) مثير الأحزان ص 65 .

3) (3) تاريخ الطبري 441/5 .

الأكاذيب ما لا يخفى.

كيف وقد ذكر جلُّ المحدثين والمؤرخين أن في صبيحة هذا اليوم لما عبَّاً الحسينُ أصحابَه خرجن النساء يبكين، فأمر الحسين علياً ابنه وأخاه العباس: أن سكتاهن وهن في الخيم.

ولما شبَّ القتالُ وكثر القتلى من الطرفين مكانهم ورجع أصحابُ عمر بن سعد إلى مکانهم و رجع اصحابُ الحسين عليه السلام إلى مكانهم، فأخذوا بالمبارزة. قال الطبري(1): فاستقدم الحنفي أمامه حتى قُتل. ثم برز زهير بن القين-الخ.

فلما لم يبق من أصحاب الحسين عليه السلام إلا بني هاشم ونفر من الأصحاب قالوا: ودَّع بنو هاشم بعضُهم بعضاً، وحملوا بأجمعهم على عسكر عمر بن سعد، فقاتلوا قتالاً شديداً، فلما رجعوا قُتل من الأصحاب نفر ومن بني هاشم عبدالله بن عقيل .

ثم أخذوا بالمبارزة، فأول من برز علي الأكبر على ما سيأتي في ترجمته، ثم الباقون من بني هاشم واحداً بعد واحد.

فلما لم يبق من أصحاب الحسين وأنصاره إلا العباس بن علي عليه السلام هجم أصحابُ عمر بن سعد على الحسين، فحمل الحسينُ عليه السلام ومعه العباسُ حملةً شديدة عنيفة حتى كشفهم وأزالهم عن مقرّهم وألحقهم بباقي الجند على ما رواه المفيد. ثم رجعا إلى مكانهما.

قالوا: وبقي الحسينُ في ثلاثة رهط أو أربعة ، وأقبل القومُ يدفعهم عن نفسه والثلاثة يحمونه حتى قتل الثلاثة .


1) (1) المصدر السابق .

وفي البحار(1)وغيره: ثم التفت الحسينُ عليه السلام عن يمينه فلم ير أحداً من الرجال، والتفت عن اليسار فلم ير أحداً، فخرج علىُ بن الحسين زينُ العابدين عليه السلام - وكان مريضاً لا يقدر أن يُقلّ سيفَه - وأم كلثوم تنادي خلفه: يا بني ارجع . فقال: يا عمتاه ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله. فقال الحسينُ: يا أم كلثوم خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد .

وفيه وفي اللهوف(2)وغيره: ولما رأى الحسينُ عليه السلام مصارعَ فتيانه وأحبته، وفُجع بأهل بيته وولده، ولم يبق غيره وغير النساء والذراري، عزم على لقاء القوم بمهجته ونادى: هل من ذابٍّ يَذُبُّ عن حرم رسول الله، هل من موحّدٍ يخاف اللهَ فينا، هل من مغيث يرجو الله في إغاثتنا، هل من معين يرجو ما عند الله في إعانتنا. فارتفعت أصواتُ النساء بالعويل، فتقدم إلى باب الخيمة ليودّعَ النساء.

قال الاسفرايني وغيره وفي البحار(3)عن بعض الكتب قال: ثم إن الحسين عليه السلام أراد وداع النساء وهو آيس باكي العين، فتلقته أخته زينب وقالت له: لا أبكى اللهَ عينَك . فقال: كيف لا أبكي وعما قليل تُساقون بين الأعداء، ونادى: يا أم كلثوم يا رقية يا عاتكة يا سكينة - وفي بعض المقاتل يا فاطمة يا زينب يا أم كلثوم - عليكن مني السلام. فقالت أم كلثوم: يا أخي إستسلمت للموت ؟ فقال: كيف لا أستسلم ونفسي بين عداي. وفي بعض الكتب: كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين، ورحمةُ الله ونصرته لا تفارقكم.


1) (1) بحار الأنوار 46/45 .

2) (2) اللهوف ص 50 .

3) (3) بحار الأنوار 47/45 .

قال الاسفرايني: فلما سمعته سكينة رفعت صوتُها بالبكاء والنحيب وقالت: يا أبه أستسلمت للموت؟ فإلى من أثكلنا، وقال: يا نور عيني كيف لا يستسلم للموت من لا ناصر له، فاصبري على قضاء الله ولا تشتكي، فإن الدنيا فانية والآخرة باقية .

وفى البحار: فقالت يا أبة ردنا إلى حرم جدنا. فقال: هيهات «لو تُرك القَطَا [ليلاً] النام»(1).

قال: وعند ذلك بكى الحسينُ عليه السلام وضمها إلى صدره وجعل يقول(2):

سيطول بعدي يا سكينةُ فاعلمي منك البكاءُ إذا الحَمِام دهاني

لا تُحرقي قلبي بدمعكِ حسرةً ما دام مني الروحُ في جُثماني(3)

فإذا قُتلتُ فأنتِ أولى بالذي تأتينَه يا خيرةَ النسوانِ

إبكي وقولي يا قتيلاً قد مضى عَجِلاً على شطّ الفرات عطشانِ

إبكي وقولي انهدَّ ركني بعد ما كانت تُزَعْزِعُ ركنه الأركانِ

قد كنتُ آمُلُ أن أعيشَ بظله أبداً مدى الأيام ما يرعاني

أدنى إلىّ يا سكينة عاجلاً حتى أودعَكِ وداع الفاني

أوصيك بالولد الصغير وبعده بالآل والأيتام والجيرانِ

فإذا قتلتُ فلا تشقي معجراً أيضاً ولا تدعي ثبور هواني

لكن صبراً يا سكينة في القضا ها نحن أهلُ الصَّبر والإحسانِ

لي أسوةٌ بأبي وجدي وإخوتي قصدوا حقوقَهُم بنو الطغيانِ


1) (1) مثل يُضرب لمن حمل على مكروه من غير ارادته . أنظر مجمع الأمثال 174/2 .

2) (2) الأبيات الثلاثة الأولى في المنتخب للطريحي ص 438 ، ومقتل أبي مخنف ص 132 .

3) (3) وفي بعض النسخ « جثماني » بالثاء المثلثة بدل جسماني ، وهما بمعنى .

وهذه الزيادة من الاسفرايني في مقتله المسمى بنور العين.

ثم دعا عليه السلام بولده الرضيع ليودعه، فأتوه وحمله إلى القوم-إلى آخر ما سنذكر في ترجمته.

وفي جملة من الكتب: إنه عليه السلام لما فرغ من دفن طفله الرضيع أو حمله إلى بيت القتلى، ثم قام وركب فرسَه وتقدم إلى القتال وجعل يقول(1):

كفر القومُ وقدماً رغبوا عن ثواب الله ربِّ الثقلين

قتلوا القَرْمَ علياً وابنَه حسنَ الخير كريمَ الطرفين

حَنَقاً منهم وقالوا: إجمعوا واحشروا الناس إلى حرب الحسين(2)

يا لقوم من أناس رُذَّلٍ جمعوا الجمعَ لأهل الحرمين

ثم صاروا وتواصوا كلُّهم باجتياح لرضاء الملحدين(3)

لم يخافوا اللهَ في سفك دمي العبيد الله نسل الكافرين(4)

و ابن سعدٍ قد رماني عَنْوةً بجنود كوُكوفِ الهاطلين(5)

لا لشيء كان مني قبل ذا غير فخري بضياء الفرقدين

بعليّ الخير من بعد النبي والنبي القرشي الوالدين


1) (1) الأبيات في مقتل أبي مخنف ص 132 ، مناقب آل أبي طالب 86/4، المنتخب للطريحي ص 440 . مع اختلاف في بعض الأبيات والألفاظ .

2) (2) وفي نسخة «نفتك الآن جميعاً بالحسين».

3) (3) وفي بعض النسخ «ساروا » بالسين المهملة . و«تواصوا» أي أوصى بعضهم بعضاً . و«الاجتياح » من الجوح وهو الاستئصال - قاله في المجمع . وفي بعض الكتب الاحتياج، وهو غلط .

4) (4) وفي نسخة «نسل الفاجرين » بدل الكافرين، ويأتي في ترجمته شرح هذا مع كونه من أولاد الزنا بالإتفاق .

5) (5) قد مضى شرحه وأنه شدة المطر .

خيرة الله من الخلق أبي ثم أمي و أنا بنُ الخيرتين(1)

والدي شمسٌ وأمي قمرٌ و أنا الكوكبُ وابنُ النيرين

فِضَّةٌ قد خَلُصَتْ من فضة فأنا الفضةُ وابنُ الذهبين

من له جدُّ كجدي في الورى أو كشيخي فأنا ابنُ العلمين

فاطمُ الزهراء أمي وأبي قاصمُ الكفر ببدر وحنين

عَبَد اللهَ غلاماً يافعاً وقريشٌ يعبدون الوثنين

يعبدون اللاتَ والعُزَّى معاً وعلي كان صلى القبلتين

وله في يوم أحدٍ وقعةٌ شَفَتِ الغِلَّ بفَضٌ العسكرين

ثم في الأحزاب و الفتح معاً كان فيها حتفُ أهل الفيلقين (2)

في سبيل اللهِ ماذا صَنَعَت أمةُ السوءِ معاً بالعترتين

عترة البر النبي المصطفى وعليّ القرم يوم الحمقلين (3)

وفي بعض الكتب الزيادة عن الطريحي وابن شهر اشوب(4):

فاطمُ الزهراء أمي وأبي وارثُ الرسل ومولى الثقلين

طَحَنَ الأبطالَ لما بروزا يومَ بدرٍ وبأحدٍ وحنين

وأخو خيبر إذ بارزهم بحسام صارم ذي شفرتين

والدي أوْدَى جيوشاً أقبلوا يطلبون الوِتْرَ في يوم حنين

من له عمُّ كعمي جعفر وهب اللهُ له أجنحتين


1) (1) وفي نسخة «بعد جدي».

2) (2) الفيلق كجعفر : هو الجسد العظيم .

3) (2) الفيلق كجعفر : هو الجسد العظيم .

4) (4) وردت هذه البقية في المناقب 88/4.

جدي المرسلُ مصباحُ الهدى وأبي الموفي له بالبيعتين

بَطَلٌ قَرْمٌ هِزَبُرٌ ضَيْغَمٌ ماجد سَمحٌ قويُّ الساعدين

عروة الدين علي ذاكمُ صاحبُ الحوض مصلي القبلتين

مَعْ رسول الله سبعاً كاملاً ما على الأرض مصلَّ غير ذين

ترك الأوثانَ لم يسجد لها مَعْ قريش مذ نشا طرفة عين

و أبي كان هِزَبْراً ضَيْغماً يأخذ الرمحَ فيطعن طعنتين

كتمشي الأسد بغياً فَسُقوا كأس حتف من نجيع الحنظلين

ذهبٌ من ذهب من ذهب ولُجَيْنٌ من لُجَيْنٍ من لجين

فله الحمدُ علينا واجبٌ ماجرى في الفُلْك إحدى النيرين

خصه اللهُ بفضلٍ وتقَىً فأنا الزاهرُ وابن الأزهرين

ترك الأصنامَ مُستَدحَضَةً ورَقىَ بالحمد فوق النيرين

وأباد الشركَ في حملته برجال أسرفوا(1)في العسكرين

وأنا ابنُ العين والأذن التي أذعن الخلقُ لها في الخافقين

نحن أصحابُ العبا خمستَنا قد ملكنا شرقَها والمغربين

ثم جبريلُ لنا سادسنا ولنا البيتُ كذا والمشعرين

وكذا المجدُ بنا مُفْتَخِرُ شامخاً نعلو به في الحسبين

فجزاه اللهُ عنا صالحاً خالقُ الخلق ومولى المشعرين

عروةُ الدين علي المرتضى صاحبُ الحوض معزُّ الحرمين

يَفْرَق الصَفَّانُ من هيبته(2)وكذا أفعالهُ في الخافقين


1) (1) في بعض المصادر أترفوا . وفي بعضها : أشرقوا.

2) (2) يفرق : يفزع ، يقال فَرِقَ منه : إذا فزع .

و الذي اصَّدَّق بالخاتم من ه حين ساوى ظهرُه في الركعتين

شيعةُ المختار طيبوا أنفساً فغداً تُسقَوْن من حوض اللجين

فعلیه الله صلّى ربنا وحباه تحفةً بالحسنين

وفي مقتل أبي أسحاق الإسفرايني زيادة، وهي:

جدي المرسلُ مصباحُ الدجى وأبي المعروف يومَ الوقعتين

عروةُ الدين علي ذو التقى ساقي الحوض إمام الخافقين

أظهر الاسلامَ رغماً للعدى بحسامٍ قاطع ذي شفرتين

مَعْ رسول الله يسعى نازلاً قاتِلُ الأبطالِ والموفي لدين

كلمة الدين ازداد حَباً قاتل الجنَّ ببئر العلَمين

ترك الأصنامَ و هو مفردٌ ودنى بالحرب فوقَ النيرين

وأباد الكفرَ في حملته برجال أشرقوا في العسكرين

وبنا جبريلُ أضحى فاخراً وقضى فيه أبونا كلَّ دين

فجزاه اللهُ عنا صالحاً خالقُ العالم مولى المشعرين

قال: ثم حمل عليه السلام على القوم وصرخ في أوسطهم، ثم دار فيهم وجعل يحصد الأبدان حصداً ويضرب فيهم ذاتَ الطول والعرض وذات اليمين والشمال، حتى ترك الرجال تحت سنابك الخيل ودماؤهم كالأنهار، ثم رجع روحي له الفداء إلى مركزه ووقف قِبَالَةَ القوم وسيفه مُصْلَتْ في يده آيساً عن الحياة عازماً على الموت، وهو يقول على ما في جملة من المقاتل(1):

أنا ابنُ علي الطهر من آل هاشم كفاني بهذا مفخراً حين أفخرُ


1) (1) أكثر هذه الأبيات في مناقب آل أبي طالب 88/4.

و جدي رسولُ الله أكرمُ من مضى ونحن سراجُ الله في الخلق يزهرُ

و فاطمُ أمي من سلالة أحمدٍ وعمّيَ يُدعى ذا الجناحين جعفرُ

وفينا كتابُ الله أنْزِلَ صادقاً وفينا الهدى والوحي والخيرُ يُذكرُ

و نحن أمانُ الله للناس كلَّهم نُسِرُّ بهذا في الأنام ونَجْهَرُ

ونحن ولاةُ الحوض نسقي ولاتنا بكأس رسول الله ما ليس ينكرُ

إذا ما أتى يومَ القيامة ضامِيٌّ إلى الحوض يسقيه بكفيه حيدرُ

إمام مطاعٌ أوجب اللهُ حقَّه على الناس جمعاً والذي كان ينظرُ

فشيعتُنا في الناس أكرمُ شيعةٍ و مبغضُنا يومَ القيام يخسرُ

فطوبى لعبدِ زارنا بعد موتنا بجنَّةِ عَدْنٍ صَفْوُها لا يكدرُ

قالوا(1): ثم إنه عليه السلام دعا الناسَ إلى البراز ، فلم يزل يقاتل كلَّ من دنا منه حتى قتل منهم مقتلةً عظيمةً.

قالوا: ثم حمل الناسُ عليه عن يمينه وشماله، فحمل على الميمنة وهو يقول:

القتل أولى من ركوب العار والعار أولى من دخول النار

فكشفهم عن مقرهم وقاتلهم قتالاً عظيماً ورجع إلى مركزه، ثم حمل على الميسرة وهو يقول :

أنا الحسينُ بنُ علي آليتُ أن لا أنثني

أحمي عيالات أبي أمضي على دين النبي

قال الطبري(2): قال أبو مخنف: حدثني من شهد الحسينَ في عسكره: أن


1) (1) اللهوف ص 51 .

2) (2) تاريخ الطبري 449/5.

حسيناً حين غُلب على عسكره ركب المُسَنَّاةَ يريد الفرات. قال: فقال رجل من بني أبان بن دارم: ويلكم حولوا بينه وبين الماء لا تتامّ إليه شيعته. قال: وضرب فرسَه وأتبعه الناس حتى حالوا بينه وبين الفرات، فقال الحسين: اللهم أظْمِهِ. قال: وينتزع الأباني بسهم فأثبتَه في حنك الحسين. قال: فانتزع الحسينُ السهمَ ثم بسط كفيه فامتلأتا دماً، ثم قال الحسين عليه السلام: اللهم إني أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيك. قال: فوالله لم يمكث الرجلُ إلا يسيراً حتى صبَّ الله عليه الظمأ فجعل لا يَروَى.

قال القاسمُ بن الأصبغ: لقد رأيتُني في من يروح عنه والماء يُبَّردُ له فيه السكر وعِساس فيها اللبن وقِلال فيها الماء وإنه ليقول: ويلكم أسقوني قتلني الظمأ، فيُعطى القلةَ أو العُسَّ كان مُروِياً أهل البيت فيشربه، فإذا نزعه من فيه اضطجع الهنيهة ثم يقول: ويلكم أسقوني قتلني الظمأ. قال: فوالله ما لبث إلا يسيراً حتى انقَدَّ بطنُه انقداد بطن البعير(1).

وفيه أيضاً(2)أنه قال: قال هشام: حدثني عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي قال: عطش الحسينُ حتى اشتد عليه العطش، فدنى ليشربَ من الماء، فرماه حصين بن تميم بسهم فوقع في فمه ، فجعل يتلق الدمَ من فمه ويرمي به إلى السماء، ثم حمد الله وأثنى عليه، ثم جمع يديه فقال: اللهم أحصِهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تذر على الأرض منهم أحداً.

وفي البحار(3): وقصده القوم وهو في ذلك يطلب شربةً من الماء، فكلما حمل


1) (1) انقد بطنه : انشق .

2) (2) تاريخ الطبري 449/5.

3) (3) بحار الأنوار 51/45 .

بفرسه على الفرات حملوا عليه بأجمعهم حتى أجلَوْه عنه.

وقال ابن شهر اشوب(1): روى أبو مخنف عن الجلودي: إن الحسين عليه السلام حمل على الأعور السلمي وعمرو بن الحجاج الزبيدي - وكانا في أربعة آلاف رجل على الشريعة - وأقحم الفرس على الفرات ، فلما أولغ الفرسُ برأسه ليشرب قال: أنت عطشان وأنا عطشان والله لا ذقتُ الماءَ حتى تشرب. فلما سمع الفرسُ كلامَ الحسين عليه السلام شال رأسَه ولم يشرب كأنه فهم الكلام، فقال الحسين عليه السلام: إشرب فأنا أشرب. فمدَّ الحسينُ يده فغرف من الماء فقال فارس: يا أبا عبدالله تتلذذ بشرب الماء وقد هُتكت حرمُك ؟ فنفض الماءَ من يده وحمل على القوم فكشفهم فإذا الخيمة سالمة .

وقال أبو الفرج(2): وجعل الحسينُ عليه السلام يطلب الماءَ وشمر لعنه الله يقول: والله لا ترده أو تَرِدَ النار. فقال له رجلٌ: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنه بطون الحيتان، والله لا تذوقه أو تموت عطشاً. فقال الحسين عليه السلام: اللهم أمِتْه عطشاً. قال: والله لقد كان هذا الرجل يقول: أسقوني، فيؤتى بماء فيشربَ حتى يخرجَ من فيه، ثم يقول: أسقوني وقد قتلنى العطش، فلم يزل كذلك حتى مات.

قال ابن حجر في صواعقه (3): لولاه كادوا به من أنهم حالوا بينه وبين الماء لم يقدروا عليه، إذ هو الشجاع القَوْم الذي لا يحول ولا يزول.

قال أبو اسحق الاسفراينى: فحمل القوم وقصد المشرعةَ ودخل إلى الماء، فلما أحس الجوادُ بالماء أراد أن يشرب، فقال الحسين: يا ميمون أنت عطشان والله ما


1) (1) تتمة ما في البحار .

2) (2) بقية من البحار .

3) (3) الصواعق المحرقة ص 118.

أروى حتى تشربَ. فلما سمع كلامه امتنع عن الشرب. ثم إن الحسين نزل عن ظهر جواده، فرماه ابن تمیم بسهم فوقع في فخذه فرفعه وتلقى الدم بيده وقال: يا رب إليك أشتكي من إراقة دمي ومنعوني من شرب الماء. ثم اغترف الماء بيده وأراد أن يشرب وإذا بعمر بن يزيد قال: يا قوم لو روي الحسين الماء أفناكم جميعاً، فناداه خولَّي بن يزيد الأصبحي: يا حسين خيمة الحريم نُهبت وأنت حيُّ. فنفض الماءَ من يده وركب جوادَه وأقبل نحو الخيمة فوجدها سالمةً فعلم أنها مكيدة .

قال: ثم رجع يطلب الماء فلم يصل إليه، فحمل على القوم وهو كالأسد، فتناهضت الأبطالُ واحتاط به الرجالُ وتراشقوه بالنبال، وهو يزعق فيهم ويزداد انتشاطه حتى قتل منهم ألفاً وستمائة فارس، وهو مع ذلك يطلب شربةً من الماء، وقد ضعفت قواه ونشف فيه، وقد أصابه من القوم جراحٌ وصارت النبالُ في درعه كالشوك في جلد القنفذ، ورجع إلى المركز وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله .

وقال الشيخ أبوعلي أبوعلي محمد محمد بن أحمد بن علي الفتال النيسابوري في روضة الواعظين(1): فلما رجع الحسينُ عليه السلام من المُسَنَّاة إلى فسطاطه تقدم إليه شمر بن ذي الجوشن في جماعة من أصحابه وأحاطوا به، فأسرع منهم رجلٌ يقال له مالك بن أنس، فشتم الحسينَ وضربه بالسيف على رأسه، وكان على رأسه قلنسوة فقطعها حتى وصل إلى رأسه فأدماه، فامتلأت القلنسوة دماً، فقال له الحسينُ عليه السلام: لا أكلت بيمينك ولا شربت بها وحشرك الله مع الظالمين. ثم ألق القلنسوةَ ودعا بخرقة فشدَّ بها رأسه واستدعى قلنسوةً أخرى واعتم


1) (1) روضة الواعظين ص 188 .

عليها . ونظر يميناً وشمالاً لا يرى أحداً، فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إنك ترى ما يُصنع بولد نبيك .

وقال الطبري(1): قال أبو مخنف: وإن رجلاً من كِندة يقال له مالك بن النُّسير من بني بَدَّاء أتاه فضربه على رأسه بالسيف وعليه بُرنُس له، فقطع البرنس وأصاب السيفُ رأسَه فأدمى رأسَه فامتلأ البرنس دماً، فقال له الحسينُ: لا أكلتَ بها ولا شربتَ وحشرك اللهُ مع الظالمين. قال: فألقی ذلك البرنس ثم دعا بقلنسوة فلبسها واعتم .. قال: وجاء الكنديُ حتى أخذ البرنس وكان من خز، فلما قدم به بعد ذلك على إمرأته أم عبد الله ابنة الحر أخت حسين بن الحر البَدّي، أقبل يغسل البرنسَ من الدم فقالت له أمرأتُه: أسَلَب ابن بنت رسول الله تُدخِلُ بيتي أخرجه عني. فذكر أصحابه أنه لم يزل فقيراً بشرٍّ حتى مات.

وفي البحار مثله وقال: ويبست يداه وكانت في الشتاء تقيحان دماً وفي الصيف كأنهما عودان .

(بیان):

ليس في جملة من الروايات كلمة «بُرنُس» كما عرفته في رواية روضة الواعظين، إلا أن في جملة منها كما في رواية أبي مخنف والسيد وغيره كلمة «برنس» ، وهو على ما في القاموس والمجمع: البُرنُس قلنسوة طويلة كانت العُبَّاد يلبسونها في صدر الاسلام، من البِرْس بكسر الباء وهو القطن والنون زائدة، قيل: إنه غير عربي. وفي النهاية: البُرنسُ كل ثوب رأسُه منه ملتزقٌ به من دَرَّاعة أو جُبَّة أو مِمْطَر أو غيره .


1) (1) تاريخ الطبري 448/5 .

وقَلَنْسُوة في المجمع: في الحديث ذكر القلنسوة، وهي فعلنوة بفتح العين وسكون النون وضم اللام، والجمع قَلاَنِس ويجوز قَلاَسي. وقال الجوهري: القلنسوة والقلنسية إذا فتحت القاف ضممت السين وإن ضممت القاف كسرت السين وقلبت الواو ياءاً، فإذا جمع أو صغرت فأنت بالخيار، فإن شئت حذفتَ وإن شئت حذفت الواو فقلت قَلانس. إلى أن قال: وتَقَلْنَسَ أي ألبسه القلنسوة فلبسها .

وقال الطريحي في مادة «سوج »: ومنه كان صلى الله عليه واله يلبس في الحرب من القلانس والسيجَّان. وقال في بيض: البَيْضَاءُ أحد قَلانِس النبي صلى الله عليه وآله التي كان يلبسها.

وقال المجلسي في الجلاء وغيره: لما رجع الحسين عليه السلام من المُسَنَّاة إلى الفسطاط ودَّع عيالَه ثانياً وأمرهم بالصبر، وأوصى لهم بما مرّفي باب الوصايا، ثم إنه عليه السلام دعا بثوب لا يُرغب فيه.

واعلم أن كلماتهم في ذلك مختلفة وعباراتهم مضطربة في أصل الثوب ووقت دعائه بعد الاتفاق على أصله دعائه، فمنهم من ذكره في وداعه الأول، ومنهم من ذكره في وداعه الأخير، ومنهم من ذكره قبل شهادته. ثم منهم من ذكر الثوب فقط ، ومنهم من ذكر السراويلَ فقط، ومنهم من ذكر الثوب والسراويلَ معاً، وذلك بعد الإتفاق منهم على عدم لبسه التُبّان، لأنه ثوب ذلة أو ثوب مذلة أو ثوب من ضربت عليه الذلة على اختلاف عبائرهم، ونحن نذكر جملة من كلماتهم ثم نذكر المختار من أقوالهم بعد ذكر السراويل والثوب والتبان، فنقول:

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: ولما بقي الحسين في ثلاثة رهط أو أربعة دعا


1) (1) تاريخ الطبري 451/5.

بسراويل محقَّقة(1)يلمع فيها البصر يماني محقَّق ففزره(2)ونكثه(3)لكيلا يُسلَبه، فقال له بعضُ أصحابه: لو لبستَ تحته تُبَّاناً (4). قال: ذلك ثوب مذلة ولا ينبغي لي أن ألبسه. قال: فلما قتل أقبل بحر بن كعب فسلبه إياه فتركه مجرداً. قال أبو مخنف: فحدثني عمرو بن شعيب عن محمد بن عبدالرحمن: أن يدي بحر بن كعب كانتا في الشتاء تنضحان الماء وفي الصيف تيبسان كأنهما عود. انتهى.

وفي اللهوف(5): قال الحسين: ابغوا لي ثوباً لا يُرغب فيه أجعله تحت ثيابي لئلا أجرَّد منه. فأتي بتُبَّان فقال: لا، ذاك لباس من ضربت عليه بالذلة، فأخذ

ثوباً خلقاً فخرقه وجعله تحت ثيابه، فلما قتل جرّدوه منه .

ثم استدعى الحسين عليه السلام بسراويل من حِبَرة ففزرها ولبسها، وإنما فزرها لكي لا يُسلبها. فلما قُتل الحسين سلبها بحر بن كعب وتركه مجرَّداً - إلى آخر ما ذكره الطبري ومثله في البحار وغيره.

وفي اللواعج(6): وفي رواية إنه أتي بشي أوسع منه دون السراويل وفوق التبان، فلبسه فلما قتل جردوه منه، ثم استدعى بسراويل من حبَرَة يمانية يلمع فيها البصر - إلى آخر ما في اللهوف.


1) (1) محققة : محكمة النسج .

2) (2) فزره شقه وفتته .

3) (3) نكثه : نقض نسجه ، مزقه.

4) (4) التبان كرمان: سراويل صغيرة مقدار شبر يستر العورة، معرَّب تنبان الفارسي . أنظر الألفاظ الفارسية المعربة .

5) (5) اللهوف ص 53 ، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ .

6) (6) لواعج الأشجان ص 184 .

وفي المنتخب وغيره: قال عليه السلام لأخته زينب: آتني بثوب عتيق لا يرغب فيه أحدٌ من القوم أجعله تحت ثيابي لئلا أجرَّد منه بعد قتلي فإني مقتول مسلوب. فارتفعت أصوات النساء بالبكاء والنحيب، ثم أوتي بثوب فخرقه ومزقه من أطرافه وجعله تحت ثيابه، وكان له سروال جديد فخرقه أيضاً لئلا يُسلب منه ... فلما لبس ذلك الثوب المخرَّق ودَّع عيالَه وداع مفارق لا يعود فيه - انتهى(1).

وفي الناسخ: قال عليه السلام لزينب سلام الله عليها: يا أختاه ايتيني بثوب خلق عتيق لا قيمة له أجعله تحت ثيابي لئلا أجرد عنه، فأتته بثوب فلبس فإذا هو ضيق، فطرحه وقال: هذا لباس أهل الذلة، فأتته بثوب أوسع فلبسه بعد ما خرقه بيده من أطرافه. انتهى. ومثل ما ذكرنا في جملة من المقاتل باختلاف يسير.

ثم إن الظاهر من اللغويين ترادف اللباس والثوب، لأنهم قالوا: الثوب اللباس واللباس الثوب. إلا أن الذي يظهر منهم ومن موارد الاستعمال أن الثوب أخص من اللباس، لأن اللباس - على ما في المجمع-كل ما يستر، قال: وكل ما يستر فهو لباس، ومنه ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًاً )(2)أي ستراً يُستر به . والثوب لا يستعمل إلا في الإنسان بنحو خاص، قال السيد في شرح الصحيفة عند تفسير قوله عليه السلام في دعا الصباح والمساء «وجعله لباساً» قال: اللباس ككتاب ما يُلبس من الثوب، من باب لبستُ لُبساً بضم اللام، وأما اللبس بالكسر فبمعنى


1) (1) المنتخب للطريحي ص 439 .

2) (2) سورة النبأ : 10 .

اللباس، شبَّه الليلَ باللباس لستره بظلامه. انتهى(1).

وبالجملة، فمن الثوب واللباس السراويل، والسراويل والتبان وإسرابيل جمع سربال، وهو القميص - قاله في المجمع(2). قال في المنجد: السِّروال والسروالة والسّروِيل: لباس يستر النصف الأسفل من الجسد، والجمع سراويل.

وفي القاموس: سراويل كقناديل فارسي معرّب يذكّر ويؤنّث ويقال بالعربي الأزار.

وفي المجمع: السراويل معروف يذكر ويؤنث، والجمع السراويلات. قال سيبويه نقلاً عنه سراويل واحدة، وهي أعجمية عُرّبت فاشتبهت في كلامهم بمالا ينصرف. وزعم بعضهم أنه جمع سِروال وسِروالة.

وكيف كان فهو لباس يلبسه الأعاجم من قديم الأيام ويلبسه الأشراف والأعاظم من الأعراب، وقد حثّ الشرعُ في لبسه وجعله من المستحبات والمسنونات للرجال والنساء، وفي الحديث «رحم اللهُ المسرولات» يعني اللاتي يلبسن السراويل .

ويظهر من الأحاديث والتواريخ أن شعارهم عليهم السلام وشعار شيعتهم ذكوراً ونساءً من زمن النبي صلى الله عليه وآله لبس السراويل، وكان روحي له الفداء يلبسه وكان لابساً في يوم عاشوراء. وسيأتي في قضية التِكَّة أنه كان من الباسه الرسمي الدرعي، وهو الذي يُسمى في لسان الأعاجم التُنبان بالتاء والنون بعده، ويلبسونه في زماننا هذا جلّ من أهل البلاد والقصبات من الأعراب وجلّ


1) (1) مصباح السالكين 195/2.

2) (2) هذا خلط من لغتين ذكرت في المجمع هما «سربل» و «سرول» .

من الأشراف والأعاظم من أهل البادية والبراري.

وأما التُبَّان كرمان، قال في القاموس: سراويلُ صغيرٌ يستر العورةَ المغلظة، وفي لسان العرب: سراويلُ صغيرٌ مقدار شبر يستر العورة المغلظة فقط يكون للملاحين. قاله في القمقام وغيره، وهو الذي يسمونه في زماننا بالتِكَّة، يلبسه الصبيان وأهل الكتائب وجملة من الجند، ولعل في ذلك الزمان كان يلبسه أهل الذمة فقط كما هم يلبسون اليوم، فلاشك أنه من لباس المذلة والذلة وأهل الذمة، ويعيبون لابسه حتى في زماننا، ولا يلبسه الأشرف والأعاظم.

فتحصَّل مما ذكرنا: أن المختار في ذلك ما رواه السيد أنه عليه السلام استدعى ثوباً فأشار عليه بعضٌ فقال: لو لبستَ تُبَّان، فقال عليه السلام: لا هذا ثوب ذلة أو مذلة وثوب من ضربت عليه الذلة ولا ينبغي لمثلي أن ألبسه، فأتوه بثوب يمانية يلمع في النظر محققة ففزرها ونكتها ولبسها، فلما قتل جرّدوه وسلبها بحر بن كعب فتركوه مجرّداً عن الثوب، لا أنه جرّدوه حتى عن السراويل بل السراويل كانت باقية عليه عليه السلام فلم يجرَّد عنه، بل إنما جرّدوه من ذلك الثوب وسائر أثوابه.

هذا ما هو الصحيح وأعتمد عليه، ولعل في عباراتهم تصحيف سرابيل بسراويل أو إطلاق السراويل على مطلق الثوب. ويؤيد بل يدل على ما اخترناه ما رواه عمار الدُّهني عن أبي جعفر عليه السلام في حديث - إلى أن قال: ثم أمر بِحبرَة فنفقها ثم لبسها وخرج بسيفه. قال في المجمع الحِبرَة كعنبة ثوب يُصنع باليمن من قطن أو كتان مخطّط .

وسيأتي لما هنا تتمة إنشاء الله تعالى.

قوله في رواية أبي مخنف وغيره «فَزَرَها » من فزره تفزيراً وهو حلّ الدرز، أي

حلّ درزها، وقيل هو القطع والخرق، والأول أنسب. ولا يخفى ما في لفظه.

قوله «محقَّقه»، قال فى القاموس: المحقَّق من الثياب المحكم نسجه.


ثم إنه روحي له الفداء ودّع عياله وداع الآيس عن الرجوع، فصرخن النساءُ وبكين وأمرهن بالصبر والثبات، وركب جواده وتوجه نحو القوم، فنظر يميناً

وشمالاً فلم ير أحداً من الأصحاب والأنصار إلا من صافح الترابُ جبينه وقطع الحمامُ أنينه.

وفي بعض المقاتل: إنه عليه السلام بكى بكاءاً عالياً، وفي المقتل المطبوع المنسوب إلى أبي مخنف (1): ثم نادى أصحابَه واحداً بعد واحد - إلى آخر ما قال، ترکته لانفراده به .

وقال الشيخ ابن نما قدس سره(2): ثم إنه عليه السلام دعا الناسَ إلى البراز،فتهافتوا إليه وانتالوا عليه، فلم يزل يقتل كلَّ من برز إليه حتى أثر في ذلك الجيش الجمّ قتله .

وقال الطريحي(3): ثم إن الحسين عليه السلام أقبل على عمر بن سعد وقال له: أخيّرك في ثلاث خصال. فقال: وماهي؟ قال: تتركني حتى أرجع إلى حرم جدي رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: ما لي إلى ذلك سبيل. قال: أسقوني شربةً من الماء فقد نشفت كبدي من الظمأ. فقال: ولا إلى الثانية من سبيل. قال:


1) (1) مقتل أبي مخنف ص 132 .

2) (2) مثير الأحزان ص 72.

3) (3) المنتخب للطريحي ص 439 .

وإن كان لابدّ من قتلي فليبرز إليّ رجل بعد رجل. فقال: ذلك لك.

وقال السيد في اللهوف(1): دعا الناس إلى البراز، فلم يزل يقتل كلَّ من برز إليه حتى قتل منهم مقتلةً عظيمة. فلما(2)نظر شمر إلى ذلك قال لعمر بن سعد: والله لو برز إلى الحسين أهلُ الأرض فأفناهم عن آخرهم، فالرأي أن نتفرقَ عليه ونحطَّ به من كل جانب، ففعلوا ذلك، ونادى عمر بن سعد: يا قوم أتدرون لمن تقاتلون؟ والله لو بارزتم فأفناكم عن آخركم. فحملوا عليه حملةَ رجل واحد، وحمل عليهم - روحي له الفداء - وهو يرتجز ويقول:

أنا حسين بن علي آليتُ أن لا أنثني

أحمي عيالات أبي أمضى على دين النبي

فقلَّب الميمنة على الميسرة والمسيرة على الميمنة، وقتل منهم مقتلةً عظيمةً، فرجع إلى مركزه وهو يكثر من قول «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».

وفي البحار(3): وقال ابن شهر اشوب ومحمد بن أبي طالب: فلم يزل يقاتل حتى قتل ألفَ رجل وتسعمائة رجل وخمسين رجلاً سوى المجروحين، فقال عمر بن سعد لقومه: الويل لكم أتدرون لمن تقاتلون؟ هذا ابنُ الأنزَع البطين، هذا ابنُ قتَّال العرب، فاحملوا عليه من كل جانب. وكانت الرماة أربعة آلاف،فرموه بالسهام فحالوا بينه وبين رحله .

وقال الشيخ ابن نما(4): ولم يزل يقاتل حتى جاء شمرُ بنُ ذي الجوشن، فحال


1) (1) اللهوف ص 51 .

2) (2) من هنا ليس في اللهوف.

3) (3) بحار الأنوار 50/45 ، مناقب آل أبي طالب 120/4 .

4) (4) مثير الأحزان ص 72.

(1)

بينه وبين رحله، فقال عليه السلام: رحلي لكم عن ساعة مباح، فامنعوا جهّالَكم وطغاتكم وكونوا في الدنيا أحراراً إذا لم يكن لكم دين ... فقال له شمر: ما تقول يابن فاطمة ؟ قال: إني أقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح. قال: ذلك لك، ثم قصدوه عليه السلام بالحرب.

وقال محمد بن أبي طالب وصاحب المناقب والسيد(1): فصاح بهم: ويحكم يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين ولا تخافون الآخرة فكونوا أحراراً في دنياكم وارجعوا إلى أحسابكم إذ كنتم عرباً. فنادى شمر فقال: ما تقول يابن فاطمة؟ قال: أقول: أنا الذي أقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جناح، فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي ما دمت حياً. فقال شمر: لك هذا. ثم صاح شمر: إليكم عن حرم الرجل، فاقصدوه بنفسه فلعمري إنه كفو كريم.

وقال الطبري(2): قال أبو مخنف: ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نفر نحو من عشرة من رجّالة أهل الكوفة قبل منزل الحسين الذي فيه تَقَلُه وعيالُه، فمشى نحوه، فحالوا بينه وبين رحله ، فقال الحسين: ويلكم - إلى آخر ما ذكرنا عن الشيخ والسيد باختلاف يسير .

قالوا: ثم قال الحسين عليه السلام: يا قوم على م تقاتلوني، على حق تركته، أم على سنة غيّرتها، أم على شريعة بدلتها ؟ قالوا: بل نقاتلك بغضاً لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين.

قالوا: ولما رأى شمر ذلك استدعى الفرسان فصاروا في ظهور الرجالة وأمر


1) (1) بحار الأنوار 51/45 ، مع تغيير يسير في بعض الألفاظ.

2) (2) تاريخ الطبري 450/5.

الرماة أن يرموا، فرشقوه بالسهام حتى صار كالقنفذ، فأحجم عنهم، فجعلوا يحملون على الحسين عليه السلام والحسين يحمل عليهم فينكشفون عنه كشف المعزى.

في البحار(1): قالوا ثم رماه رجلٌ من القوم يكنى أبا الحتوف الجعفي بسهم فوقع السهم في جبهته، فنزعه من جبهته، فسالت الدماء على وجه ولحيته، فقال: اللهم إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة، اللهم احصِهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً ولا تغفر لهم أبداً. ثم حمل عليهم كالليث المغضب، فجعل لا يلحق منهم أحداً إلا بعجه بسيفه - أي شقه- فقتل، والسهام تأخذ من كل ناحية وهو يتقيها بنحره وصدره.

قال الشيخ ابن نما(2)والسيد في اللهوف وفي البحار قالوا والألفاظ متقاربة: فوقف ليستريح ساعة وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف إذ أتاه حجر فوقع على جبهته. قالَّ الشيخ: هشَّمها(3).

قالوا(4): فأخذ الثوب ليمسح الدم عن جبهته فأتاه سهم مسموم - وفي رواية محدَّد مسموم له ثلاث شعب - فوقع على قلبه. وفي بعض الروايات: فوقع السهم في صدره. والجمع ممكن بل هو الظاهر، لأن السهم له شعب وقع شعبة منه في الصدر وشعبة أخرى في القلب.

قال الشيخ ابن نما(5): ثم ضعف من كثرة انبعاث الدم بعد إخراج السهم من


1) (1) بحار الأنوار 52/45 .

2) (2) مثير الأحزان ص 73 ، اللهوف ص 52 ، بحار الأنوار 52/45 .

3) (3) الهشم على ما في المجمع هو الشج الذي يهشم عظم الرأس ، أي يكسرها.

4) (4) بحار الأنوار 53/45 .

5) (5) مثير الأحزان ص 73.

وراء ظهره(1).

قال الشيخ ابن نما(2): فقال عليه السلام: «بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله». ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: الهي إنك تعلم أنهم يقتلون رجلاً ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره .

قالوا: [ثم أخذ السهم فأخرجه من قفاه] فانبعث الدم كالميزاب، فوضع يده على الجرح فلما امتلأت رمى به إلى السماء، فما رجع من ذلك الدم قطرة، وما عرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين بدمه إلى السماء، ثم وضع يده ثانياً فلما امتلأت لطخ بها رأسَه ولحيتَه وقال: هكذا أكون حتى ألق جدي رسولَ الله وأنا مخضَّبٌ بدمي وأقول: يا رسول الله قتلني فلان وفلان.

قال السيد(3): ولما أثخن الحسين عليه السلام بالجراح وبقي كالقنفذ، طعنه صالح بن وهب اليَزَني(4)على خاصرته طعنةً، فسقط الحسين عن فرسه إلى الأرض على خده الأيمن وهو يقول: «بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله (صلی الله علیه وآله وسلم)»


1) (1) الظاهر تعلق الظرف بالإنبعاث، أي انبعاث الدم من وراء ظهره عليه السلام بعد إخراج السهم، بمعنى أن السهم نفذ إلى وراء ظهره وأثر بحيث خرج الدم من وراء ظهره، لا أنه أخرج السهم من وراء ظهره، لعدم إمكانه عادة. وهذا هو المحتمل بل الظاهر من قولهم كما في البحار وغيره - ثم أخذ السهم فأخرجه من ورائه، أي وراء السهم وقفاه، إلا أن كلام السيد في اللهوف يأبى عن ذلك، قال: ثم أخذ السهم فأخرجه من وراء ظهره. لعله أخذ بظاهر كلام الشيخ ابن نما. وهذا بعيد جداً لا يمكن تصوره فكيف بوقوعه «م».

2) (2) بحار الأنوار 53/45 .

3) (3) اللهوف ص 54 .

4) (4) اختلفت النسخ في ضبطه ، وهذا ضبط تاريخ الطبري ،450/5 ، وقال في تبصير المنتبه 133/1: نسبة إلى يزن بفتح الياء والزاي ثم نون : بطن من حمير.

ثم قام صلوات الله عليه إلى القتال راجلاً .

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: حدثني الصَّقْعَب بن زهير عن حُمَيد بن مسلم قال: كانت عليه جبة من خز، وكان معتماً ، وكان مخضوباً بالوسمة، قال: سمعته يقول قبل أن يُقتل وهو يقاتل على رجليه قتالَ الفارس الشجاع يتقي الرمية ويفرص العورة(2)ويشدّ على الخيل وهو يقول : أعلى قتلى تَحَاثُّون، أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد الله اللهُ أسخط عليكم بقتله مني، وأيم الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون ، أما والله أن لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم وسفك دماءكم ثم لا يرضى لكم حتى يضاعف لكم العذاب الأليم .

وفي رواية بعد قوله عليه السلام «ثم ينتقم لي منكم من حيث لا تشعرون» صاح حَصِيْنُ بن مالك ونادى: يابن فاطمة بماذا ينتقم منا؟ قال عليه السلام: يلقي بأسكم - إلى آخر الرواية .

قال أبو مخنف(3): عن الحجاج، عن عبد الله بن عمار بن عبد يغوث البارقي، وعُتب على عبد الله بن عمار بعد ذلك مشهده قتلَ الحسين، فقال عبد الله بن عمار: إن لي عند بني هاشم ليداً . قلنا له: وما يدك عندهم؟ قال: حملتُ على الحسين بالرمح فانتهيت إليه، فوالله لو شئت لطعنته ثم انصرفت عنه غير بعيد وقلت: ما أصنع بأن أتولى قتله يقتله غيري. قال: فشدّ عليه رَجَّالة ممن عن يمينه وشماله ،


1) (1) تاريخ الطبري 452/5 .

2) (2) يفترص العورة : ينتهزها .

3) (3) تاريخ الطبري 452/5 .

فحمل على من عن يمينه حتى ابذَعَرُّوا(1)وعلى من عن شماله حتى ابذعروا، وعليه قميص له من خز وهو معتم. قال: فوالله ما رأيت مكسوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً منه ولا أجراً مقدماً، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله، أن كانت الرجَّالة لتنكشف من عن يمنيه وشماله

انكشاف المِعْزَى إِذا شدّ فيه الذئب. قال: فوالله إنه لكذلك ..

قال الطبري(2): قال أبو مخنف: وأقدم شمر بن ذي الجوشن عليه بالرجَّالة، منهم أبو الجَنُوب - واسمه عبد الرحمن الجعني - والقَشعَم بن عمرو بن يزيد الجعني وصالح بن وهب اليَزَني وسنان بن أنس النخعي وخَوَلَّي بن يزيد الأصبحي، فجعل شمر بن ذي الجوشن يحرّضهم، فمر بأبي الجنوب وهو شاك في السلاح فقال له: أقدم عليه. قال: وما يمنعك أن تقدم عليه أنت. فقال له شمر: ألي تقول هذا ؟ قال: وأنت تقولي لي هذا ؟ فاستبا فقال له أبو الجنوب وكان شجاعاً: والله لهممتُ أن أخضخض السنان في عينك. قال: فانصرف شمر عنه وقال : والله لئن قدرتُ أن أضرك لأضرنك .

قال: ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في الرجالة نحو الحسين، فأخذ الحسينُ يشدُّ عليهم فينكشفون عنه. ثم إنهم أحاطوا به إحاطةً، وأقبل إلى الحسين غلام من أهله - إلى آخر ما سيذكر في ترجمة عبد الله بن الحسن .

قال السيد: ثم لبثوا هنيئة ثم عادوا إليه. قال(3): وصاح شمر بالفرسان


1) (1) ابذَعَرَّ الناسُ : تفرقوا . ابذعرت الخيل : إذا ركضت تبادر شيئاً تطلبه ، أي تفرقت وجفلت أنظر لسان العرب ( بذعر ) .

2) (2) تاريخ الطبري 450/5 .

3) (3) اللهوف ص 54 مع اختلاف في الألفاظ ويقرب ما هنا من نص الارشاد للمفيد ص 226 .

والرجَّالة: ويحكم ما تنتظرون بالرجل أقتلوه ثكلتكم أمهاتكم. فحملوا عليه من كل جانب .

قال الشيخ في الإرشاد والسيد في اللهوف وفي جملة من المقاتل (1): فضربه زُرْعَة بن شريك على كتفه اليسرى، وضرب الحسين زرعة فصرعه.

هكذا في جملة من نسخ البحار واللهوف والإرشاد، وفي الطبري المطبوع الموجود(2): قال أبو مخنف: عن حُميد بن مسلم قال: ولقد مكث طويلاً من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكنهم كان يتقي بعضهم ببعض ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء. قال: فنادى شمر في الناس: ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل أقتلوه ثكلتكم أمهاتكم. قال : فحُمل عليه من كل جانب، فضربت كفه اليسرى ضربةً، ضربها زُرْعَة بن شريك التميمي. وفي نسخة فقطعها، ولعل هذا هو الأصح لقرينة فقطعها. قال: وضربه آخر منهم على عاتقه المقدس بالسيف ضربةً كبا منها لوجهه.

قال السيد(3): وكان قد أعيا، جعل ينوء ويكب. ومثله عن أبي مخنف وغيره.

وفي القمقام(4)عن ترجمة محمد بن جرير الطبري: أنه عليه السلام توجه في هذا الحال نحو المخيم وسار إليه، فأدركه سنانُ بن أنس النخعي فطعنه في ترقوته.

قال أبو مخنف(5): فحمل عليه في تلك الحال سنان بن انس بن عمرو النخعي


1) (1) الارشاد للمفيد ص 226 ، اللهوف ص 54 .

2) (2) تاريخ الطبري 452/5 .

3) (3) اللهوف ص 54

4) (4) القمقام 461/2 .

5) (5) تاريخ الطبري 453/5 .

فطعنه بالرح فوقع.

قال السيد(1): ثم أشرع الرمح فطعنه في بواني صدره - أي الأضلاع - ثم رماه سنان أيضاً بسهم فوقع السهم في نحره ، فسقط عليه السلام وجلس قاعداً ، فنزع السهمَ من نحره وقرن كفيه جميعاً فكلما امتلأتا من دمائه خضب بهما رأسه ولحيته وهو يقول: هكذا ألقى الله مخضباً بدمي مغصوباً عليّ حقي.

وفي المناقب وغيره: ثم دنا عمر بن سعد من الحسين عليه السلام.

قال الطبري(2): قال أبو مخنف: عن عبدالله بن عمار: وخرجت زينب ابنة فاطمة أخته، وكأني أنظر إلى قرطها يجول بين أذنيها وعاتقها، وهي تقول: ليت السماءُ تطابقت على الأرض، وقد دنا عمر بن سعد من الحسين فقالت: يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر إليه. قال: فكأني أنظر إلى دموع عمر وهي تسيل على خديه ولحيته. قال: فصرف بوجهه عنها .

وقال السيد(3): وخرجت زينب من باب الفُسطاط وهي تنادي: وا أخاه واسيداه وا أهل بيتاه، ليت السماءُ أطبقت على الأرض وليت الجبال تدكدكت على السهل.

وفي بعض المقاتل: وخرجت زينب إلى باب الفسطاط وهي تنادي - إلى آخر ما مر. ولا يخفى الفرق بين العبارتين.

و في البحار(4): عن حميد بن مسلم قال: وخرجت زينب بنت علي وقرطاها


1) (1) اللهوف ص 54 .

2) (2) تاريخ الطبري 452/5 .

3) (3) اللهوف ص 54 .

4) (4) بحار الأنوار 55/45 .

يجولان بين أذنيها، وهي تقول: ليت السماء انطبقت على الأرض، يا عمر بن سعد أيقتل أبو عبدالله وأنت تنظر إليه، ودموع عمر تسيل على خديه ولحيته وهو يصرف وجهه عنها والحسين جالس وعليه جبة خز وقد تحاماه الناس ... وهو يكبو مرة ويقوم أخرى.

وفي جملة من المقاتل: وجَّهت إلى القوم ونادت: ويحكم أما فيكم مسلم، فلم يجبها أحد بشي.

وعن المفيد في الإرشاد مثله وكذا عن غيره باختلاف يسير في الألفاظ(1).

(بیان):

فكأن العقيلة سلام الله عليها قد اقتبست قولها وأخذته من كلام الله جلّ جلاله حيث يقول في سورة مريم ( وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً* جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُ الأرضُ وَتَخِرُ الجِبَالُ هَدّاً * أن دَعَوا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً )(2)

قال في مجمع البيان(3): هذا من أمثال العرب عن وقوع حادثة عظيمة ليس فوقها حادثة، والمعنى أنه لو كانت السماوات يتفطرن والأرض تنشق والجبال تهدُّ هدّاً لكان مثل هذه الواقعة العجيبة - هو اتخاذ الرحمن ولداً وما ينبغي أن يتخذ الرحمنُ ولداً .

وليت هنا ليس للتمنى، وإن كان يُستعمل كثيراً فى الأمر المحال وقليلاً في


1) (1) الارشاد للمفيد ص 226 .

2) (2) سورة مريم: 89 - 91.

3) (3) مجمع البيان 72/16 ، والنقل هنا بمعنى واختصار .

الممكن، نحو قولها «ليت الموتُ أعد مني الحياة»، بل هو ههنا بمعنى وجد أو قارب وكاد على ما صرح به في القاموس والمجمع، والمعنى في قولهم «ليت زيداً شاخصاً» قال في المجمع: حكى النحويون أن بعض العرب يستعملها بمنزلة وجدت فيعديها إلى مفعولين ويجري مجرى الأفعال فيقول: ليت زيداً شاخصاً. وكذا في القاموس .

ومعنى قولها «تطابقت» في المنجد تَطَبَّق وانْطَبَق الشيء أي صار منطبقاً. وفي القاموس طَبَق وأطْبَق وطَبِق وتَطَابق والطَّبَق بمعنى.

وفي المجمع: وفي الحديث «والسماء ينطبق علينا» أي تعم بغيمها جميع بقاع الأرض بحيث لا يُعلم مطلعها من مغربها. وفي دعاء الإستسقاء «إسقنا غَيْناً طَبَقاً» أي مغطياً للأرض.

قولها «تَدَكْدَكَت على السَّهْل» أي كسرت حتى استوت مع وجه الأرض. قال في المجمع: ودككتُ الشي إذا كسرته وضربته حتى سوّيته بالأرض. إلى أن قال: وتَدَكْدَكَتِ الجبالُ أي صارت دكاً. والدَّكة: المكان المرتفع الذي يُقعد عليه.

والمعنى تصنعون هذا بابن بنت نبيكم وهو من عظائم الأمور، بل الأمر أعظم منه، قد قاربت السماء أن تنطبق على الأرض وتعم بغيمها بحيث لا يُعلم مطلعها ولا مغربها، وكسرت الجبال على السهل بحيث استوت وجهَ الأرض، فإنكم قد جئتم شيئاً إداً ومنكراً عظيماً .

وما يمضي في بعض الكتب في ترجمة قولها روحي فداها لا يصدر إلا عن قلة التأمل والاستعجال في الاستكتاب.


قال الشيخ ابن نما(1): ولما أتخن بالجراح ولم يبق فيه حراك أمر شمر أن يرموه بالسهام، وناداهم عمر بن سعد: ما تنتظرون بالرجل .

قال الشيخ والسيد والمجلسي وجلّ أرباب المقاتل(2): قال هلال بن نافع: إني لواقف مع أصحاب عمر بن سعد في عسكره إذ صرخ صارخ: أبشر أيها الأمير قد قتل الحسين. فبرزتُ بين الصفين وإنه ليجود بنفسه، فوالله ما رأيت أحسن منه [قتيلاً مضمَّخاً بدمه أحسن منه ولا أنور وجهاً]، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيئته - أو هيبته كما في بعض النسخ عن الفكرة في قتله. فاستسقى في تلك الحال ماءاً فسمعت رجلاً يقول: والله لا تذوق الماء حتى ترد الحامية فتشرب من حميمها. قال: بل أرد على جدي رسول الله وأسكن معه في داره في مقعد صدق عند مليك مقتدر وأشرب من ماء غير آسن وأشكو إليه ما ارتكبتم مني وفعلتم بي .

قال: فغضبوا بأجمعهم حتى كأن الله لم يجعل في قلب أحد منهم من الرحمة شيئاً ، فاحتزوا رأسَه وإنه ليكلمهم، فتعجب من رحمتهم وقلت : والله لا أجامعكم على أمر أبداً.

وفي نوادر علي بن أسباط(3)عن بعض أصحابه رواه قال: إن أبا جعفر عليه السلام قال: كان أبي مبطوناً يوم قتل أبوه صلوات الله عليه، وكان في الخيمة، وكنت أرى موالينا كيف يختلفون معه يتبعونه بالماء، فيشدّ على الميمنة مرة وعلى الميسرة أخرى وعلى القلب مرة، ولقد قتلوه قتلةً نهى رسولُ الله صلى الله عليه


1) (1) مثير الأحزان ص 74 .

2) (2) مثير الأحزان ص 75 ، اللهوف ص 55 ، بحار الأنوار 57/45 .

3) (3) بحار الأنوار 91/45 .

وآله أن يُقتل بها الكلاب، لقد قُتل بالسيف والسنان وبالحِجارة وبالخشب وبالعصا، ولقد أوطأوه الخيل بعد ذلك.

وفي البحار وغيره(1): وجاء إليه شمر وسنان بن أنس والحسين بآخر رمق يلوك بلسانه من العطش ويطلب الماء، فرفسه شمر - إلى آخر ما قال وما قالوا،ولقد جفّ القلم عن تحريره . قلم باينجا رسید سر بشکست. فاطلب التفصيل من كتب القوم .

وينبغي التنبيه على أمور:

(الأول) اختلفوا في قاتله على أقوال، ومنهم من فصّل بين من قتله ومناحتز رأسه:

الأول: ذكره لسان المؤرخين وأن قاتله رجل مجهول الاسم والهوية من قبيلة مَذْحِج. قال: وهذا القول ضعيف جداً.

الثاني: إن قاتله ومن احتز رأسه خَوَلَّي بن يزيد الأصبحي. وهذا مختار علي ابن عيسى الإربلي في كشف الغمة. قال: قال عمر بن سعد لأصحابه: أنزلوا وحزوا رأسه، فنزل إليه نصر بن خَرشة الضبابي، ثم جعل يضرب بسيفه مذبحَ الحسين عليه السلام، فغضب عمر بن سعد فقال لرجل: ويحك إنزل إلى الحسين فأرحه، فنزل إليه خولّي بن يزيد فاحتز رأسه(2).

الثالث : ما عن عبد البر في الاستيعاب(3)قال: قال مصعب: الذي تولى


1) (1) المصدر السابق 56/45 .

2) (2) مناقب آل أبي طالب 120/4 مع اختلاف يسير .

3) (3) الاستيعاب 380/1.

قتلَ الحسين سنانُ بن أنس النخعي(1)لا رحمه الله . واجترأ عليه خَوَلّي بن يزيد الأصبحي من حمير وحز رأسه وأتى به عبيد الله .

الرابع: ما اختاره في مقاتل الطالبيين(2)قال: وقتله أبو الحتوف - وفي نسخة أبو الجنوب - زياد بن عبد الرحمن الجعفي، والقنعم وصالح بن وهب اليزني وخولي ابن يزيد الأصبحي، كل قد ضرب وشرك فيه، ونزل سنان بن أنس النخعي فاحتز رأسه، ويقال: إن الذي أجهز عليه شمر بن ذي الجوشن الضبابي.

الخامس: إن سنان بن أنس هو الذي قتله واحتز رأسه، كما في اللهوف ومثير الأحزان ومروج الذهب وأمالي الصدوق وابن الأثير في الكامل والطبري.

قال السيد في اللهوف(3): فقال عمر بن سعد لرجل عن يمينه: إنزل ويحك إلى الحسين فأرحه، قال: فبدر إليه خولي بن يزيد الأصبحي ليحتز رأسه فأرعد، فنزل إليه سنان بن أنس النخعي فضربه بالسيف في حلقه الشريف وهو يقول: والله إني لأحتز رأسك وأعلم أنك ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وخير الناس أباً وأماً، ثم احتز رأسَه المقدس. وفي مثير الأحزان مثله(4).

وعن أسد الغابة: والصحيح أنه قتله سنان بن أنس النخعي . وأما قول من قال قتله شمر وابن سعد لأن شمراً هو الذي حرَّض الناس على قتله وحملهم به إليه، وكان عمر أمير الجيش فنسب القتل إليه(5).


1) (1) في المصدر: سنان بن أبي سنان النخعي.

2) (2) مقاتل الطالبيين ص118.

3) (3) اللهوف ص 54 .

4) (4) مثير الأحزان ص 75 .

5) (5) أسد الغابة 21/2.

وفي الدر النظيم مثل ما في اللهوف إلا أنه قال: أمر عمر بن سعد شَبَث بن رِبعي بقتله، فأبى ثم أمر سنان إلى آخر ما مرّ .

السادس: ما عن الحافظ عبدالعزيز الجنابذي قال: يقال قتله شمر بن ذي الجوشن، والذي احتز رأسه جون اليمامي.

السابع: ما يُستفاد من رواية هلال المتقدمة(1)قال: إني كنت واقفاً مع أصحاب عمر بن سعد إذ صرخ صارخ: أبشر أيها الأمير هذا شمر قتل الحسين. إلى أن قال: فاحتزوا رأسه.

الثامن: ما نقله السبط ابن الجوزي في تذكرته: إن الحصين بن نمير رماه بسهم ثم نزل فذبحه وعلق رأسه عنق فرسه ليتقرب به إلى ابن زياد .

التاسع: فيه أيضاً قتله مهاجر بن أويس التميمي.

العاشر: ما فيه أيضاً أنه قتله كثير بن عبدالله الشعبي.

الحادي عشر: ما في روضة الصفا أن زرعة بن شريك وسنان بن أنس قتلاه واحتزا رأسه.

الثاني عشر: ما فيه أيضاً أن نصر بن خرشة قتله واحتز رأسه وكان مبروصاً، وقال عليه السلام له: أنت المبروص الذي رأيته في المنام أنه قاتلي.

الثالث عشر: ما اختاره الدينوري في الأخبار الطوال قال: ونزل إليه خولّي ابن يزيد الأصبحي ليحتز رأسه فأرعدت يداه، فنزل أخوه شبل بن يزيد الأصبحي فاحتز رأسه فدفعه إلى أخيه خولي(2).


1) (1) بحار الأنوار 57/45 .

2) (2) الاخبار الطوال ص 258 .

الرابع عشر: هو أن الذي قتله واحتز رأسه شمر بن ذي الجَوشن الضبابي عليه لعائن الله. وهذا هو الأصح والمشهور عند أصحابنا رضوان الله عليهم.

وأنت تعلم أن الأقوال المذكورة لا مدرك لها ولا مستند يُستند إليه، بل جلها إنما صدرت عمن بناؤه على الاختلاف في ضرورياتنا والشبهة فيما هو المسلم عندنا لينالوا به أغراضهم الفاسدة. وسيأتي في ذلك مزيد بيان إنشاء الله تعالى.

وما اخترناه هو الذي دلت عليه الأحاديث والروايات والزيارات، وعليه معظم فقهائنا، بل اتفقت عليه كلمة جملة من محدثينا ومؤرخينا، ففي كتاب بهجة المجالس وغيره: قيل لجعفر بن محمد الصادق عليه السلام: كم تتأخر الرؤيا ؟ قال: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كأن كلباً أبقع يلغ في دمه، فكان شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين بن علي عليه السلام وكان أبرص، فكان تعبير الرؤيا خمسين سنة .

وقال الشيخ علي بن قتال النيسابوري في روضة الواعظين: فبدر إليه خولّي ابن يزيد ليجتز رأسه فأرعد، فقال له شمر: فتَ اللهُ في عضدك، فنزل إليه فذبحه ثم رفع رأسه إلى خولي بن يزيد. وفي إرشاد الشيخ مثله (1).

وفي مقتل أبي إسحاق الاسفرايني قال: فبادر إليه ابن يزيد الأصبحي ليجتز رأسه فارتعد ورفع، فنزل إليه سنانُ بن أنس النخعي فأخذ بلحيته وجعل يضربه بالسيف في حلقه ويقول: والله لآخذ رأسك وقد أعلم أنك ابن بنت رسول الله، ففتح عيناه فيه فولّى هارباً، فلقيه شمر بن ذي الجوشن فقال له: لم لا تقتله؟ فقال: ففتح عيناه في وجهي فتذكرت شجاعة أبيه فخفت منه. فقال:


1) (1) الارشاد للمفيد ص 226 .

ويلك هلم إليّ بالسيف، والله لو لم يكن أحد أحق مني بدم الحسين. ثم نزل عن جواده وأقبل على الحسين وركب صدره وحطه على نحره - إلى أن قال - ثم ضرب السيف في منحره مراراً فلم يقطع منه شيئاً، فقال عليه السلام: والله إن سيفك لا يقطع موضعاً يسبح الله، فكبه على وجهه وجعل يجر سيفه ثم اجتز رأسه ورفع على رح ودفعها إلى ابن يزيد الأصبحي. ومثله في جملة من كتب أصحابنا .

وفي البحار(1): جاء إليه شمر وسنان بن أنس والحسين بآخر رمق يلوك لسانه من العطش ويطلب الماء، فرفسه شمر لعنه الله برجله وقال: يابن أبي تراب ألست تزعم أن أباك على حوض النبي يسقى من أحبه، فاصبر حتى تأخذ الماء من يده ثم قال لسنان اجتز رأسه قفاءً. فقال سنان: والله لا أفعل فيكون جده محمد خصمي. فغضب شمر وجلس على صدره وقبض على لحيته وهمَّ بقتله، فضحك الحسين عليه السلام فقال له: أتقتلني ولا تعلم من أنا. قال اللعين: أعرفك حق المعرفة، أمك فاطمة الزهراء وأبوك علي المرتضى وجدك محمد المصطفى [وخصمك العلي الأعلى]، أقتلك ولا أبالي. فضربه بسيفه اثنتا عشرة ضربة ثم جز رأسه.

وفي بعض المقاتل هنا زيادات تركناها وأخذنا موضع الحاجة، وقد مرّ في رواية الهلال: أنه روحي له الفداء اجتز رأسه وهو يتكلم. والمسلَّم عند الفريقين العامة والخاصة من مؤرخيهم ومحدثيهم أن كان عطشاناً نهاية العطش بحيث يلوك بلسانه وكان بينه وبين السماء كالدخان. وجفّ روحه من العطش وطلب من قاتله الماء فلم يجبه .


1) (1) بحار الأنوار 56/45 .

قال ابن حجر في صواعقه: ومنعوه الماء ثلاثاً (1). ومثله في جملة من كتب أصحابنا ومحدثينا .

(الأمر الثاني) اختلفوا في عمره عليه السلام يوم قتل، ففي الفصول المهمة عمره ست و خمسون سنة وبعض أشهر (2)، ومثله في كتاب العقد الفريد (3)، وفي الصواعق وله ست و خمسون سنة وأشهر(4). وقال المسعودي: وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقيل ابن تسع وخمسين، وقيل غير ذلك (5).

وفي الإرشاد: سنه يومئذ ثمان وخمسون سنة (6). وفي الاستيعاب: قال قتادة: قتل الحسين وهو ابن أربع وخمسين سنة وستة أشهر، وعن الشافعي عن سفيان بن عيينة: قتل الحسين بن علي وهو ابن ثمان وخمسين سنة.

وفي كشف الغمة: مدة عمره ستاً وخمسين سنة وأشهر. وعن الحافظ عبدالعزيز: وقتل بالطف يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وهو ابن خمس وخمسين سنة وستة أشهر (7).

وفي كشف الغمة بعد نقل جملة من الأقوال قال: قلت قد اتفقوا في التاريخ واختلفوا في الحساب والحق منها يظهر لمن اعتبره ... ومن أعجب ما يحكى أنهم


1) (1) الصواعق المحرقة ص 118.

2) (2) الفصول المهمة ص 185.

3) (3) العقد الفريد 380/4 ، وليس فيه «وبعض أشهر».

4) (4) الصواعق المحرقة ص 119.

5) (5) مروج الذهب 62/3.

6) (6) الارشاد للمفيد ص 236 .

7) (7) کشف الغمة 265/2.

اتفقوا أنه ولد عليه السلام في سنة أربع من الهجرة، وقتل في عاشر محرم من سنة احدى وستين واختلفوا بعد في مدة حياته، ما هذا إلا عجيب، وأنت إذا عرفت مولده وموته عرفت مدة عمره من طريق قريب.انتهى.(1)

وقال علي جلال الحسيني(2)في كتاب الحسين: كان عمر الحسين حين انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى سبع سنين، لأن مولده أربع ووفاة النبي صلى الله عليه وآله في أول الحادية عشرة، وأقام مع أبيه بعد جده ثلاثين سنة إذ كانت وفاة أبيه سنة أربعين، وأقام مع أخيه الحسن بعد أبيه عشر سنين. وعاش بعد أخيه إحدى عشرة سنة، فمدة حياته خمسون وثمانية سنة. ثم قال: لكن من قال إن عمر الحسين عليه السلام خمسون وثمانية سنة كالمفيد حسبوا سنة ولادته وسنة وفاته من عمره مع أنه ينبغي أن يحسب خمسة أشهر إلا أربعة أيام من سنة ولادته، لأنه ولد في خامس شعبان سنة أربع ، ويحسب عشرة أيام فقط من سنة إحدى وستين، لأن مقتله يوم عاشوراء منها يكون عمره بالضبط يوم قتل خمسون سنة وست سنين وخمسة أشهر وستة أيام. انتهى .

(الأمر الثالث) في سنة قتله سلام الله عليه. الأكثرون بل يمكن دعوى الاتفاق من المؤرخين والمحدثين على أن سنة شهادته سنة إحدى وستين من الهجرة، صرح بذلك أبو الفرج والحافظ عبدالعزيز والطبري والجزري والمفيد والإربلي في كشف الغمة والقمقام وغيرهم من العامة والخاصة .

وقيل: قتل عليه السلام سنة ستين، قال بذلك لسان المؤرخين تبعاً لبعض من


1) (1) كشف الغمة 251/2.

2) (2) الحسين عليه السلام ص 28.

تقدم، ولعله سهو أو اشتباه في التاريخ لو كان بحساب السنين القمرية، وأما بحساب السنين الشمسية يطابق على ما صرح به في القمقام تسعة وأربعين من سني الشمسية الفرسية اليزدجردية .

(الأمر الرابع) اتفق المسلمون بل كل من تعرّض لتاريخه عليه السلام من غير المسلمين على أن الشهر الذي استشهد فيه هو المحرم أول الشهور العربية، ومن قال إنه في شهر صفر ليس غرضه إلا إيقاع الخلاف بين المسلمين كما هو دأب بعضهم من التشكيك في ضرورياتنا وما هو المسلم عندنا، وأمثاله غير عزيز(1).

هذا بحسب الشهور العربية، وأما بحسب الشهور الرومية فقد قال في الآثار الباقية: قد قيل عاشوراء هو عبراني معرّب يعني عاشور، وهو العاشر من تشرى اليهود الذي صومه صوم الكبشور وأنه اعتبر في شهور العرب فجعل في يوم العاشور من أول شهورهم كما هو في اليوم العاشر من أول شهور اليهود. انتهى.

فالمحرم في تلك السنة كان مطابقاً مع تشرين الأول.

وأما بحسب الشهور الشمسية الفرسية الجلالية فكان ذلك في الميزان. قال الخبير البصير المتخصّص فى الرياضيات في القمقام(2): لا خلاف على ما صرح به الأساتيد واستخرجوا من الزيجات وصرح به المنجمون في عهد فتح علي شاه القاجار بحسب الزيج المعمول في هذه الأزمنة - وهو زيج محمد شاه الهندي - حيث استخرجوا بتمام الدقة أن الشمس في تلك السنة كانت في الميزان وكانت في درجة «كا» أي إحدى وعشرين من الميزان، والشمس مع كونها في دمالها كانت


1) (1) نقله ابن سعد عن الواقدي، أنظر كشف الغمة 266/2 (2) القمقام 608/2 .

2) (2)المقام608/2.

متقاربة مع المريخ وهو في هبوطه والشمس في نهاية النحوسة والنيّر الأصغر كان مقابلاً مع زحل والنظر مقابلة الخصومة والعداوة، وكانت الزهرة في سنبلة والقمر في دلو والزحل في أسد والمشتري في جدي، وكان طالع تلك السنة السرطان، ووقع قرن النحس السرطاني قبل ذلك بأربعة أشهر في فصل الرابع.

وقال اليعقوبي في تاريخه: وكان العاشور في تشرين الأول من شهور العجم. قال الخوارزمي: وكانت الشمس يومئذ في الميزان سبع عشرة درجة وعشرين دقيقة، والقمر في الدلو عشرين درجة وعشرين دقيقة، وزحل في السرطان تسعاً وعشرين درجة وعشرين دقيقة، والمشتري في الجدي اثنتي عشرة درجة وأربعين دقيقة، والزهرة في السنبلة [خمس درجات وخمسين دقيقة ، وعطارد في الميزان خمس درجات وأربعين دقيقة والرأس في الجوزاء درجة وخمساً وأربعين دقيقة ](1).

(الأمر الخامس) أجمع الكل على أن يوم شهادته روحي عاشوراء ، وهو العاشر من المحرم .

قال الفاضل المعاصر في أربعينه: تاسوعا و عاشورا من اللغات المستعملة بعدالاسلام، إذ ليس في لغة العرب وزن «فاعولا» ولا في الأعداد غيرهما.

والذي يظهر من الجوهري والفيروزآبادي والمجمع أن عاشورا لفظ عربي، قال في القاموس، عاشوراء كباحوراء وعَشُوراء كصفوراء وقد يقصران، وعاشور ككافور عاشر محرم أو تاسعه .

فليس لفظ عاشوراء عنده الخصوص عاشر المحرم بل كما يُستعمل فيه يُستعمل


1) (1) تاريخ اليعقوبي 245/2 ، والزيادة منه.

في تاسعه، بل يظهر منه - على ما صرّح به القزويني في ترجمته - أنه يستعمل في عامة غير المحرم أيضاً، بل في كل عاشر من الأعداد، بمعنى أن كلمة عاشوراء تستعمل في عاشر كل عدد و تاسعه .

وقال في المجمع: ويوم عاشوراء بالمد والقصر، وهو عاشر محرم، وهو اسم اسلامي، وجاء عَشُوراء مع حذف الألف التي بعد العين. وقال : تاسوعاء هو قبل يوم العاشور. قال الجوهري: وأظنه مولَّداً، ومثله في القاموس. قال والتاسوعاء قبل يوم عاشوراء . قال الجوهري: أظنه مولداً. انتهى(1).

ومن الغريب ما وقع في المنجد حيث قال: العَاشُور والعَشُورى والعاشوراء عاشر محرم. وقال في التاسوعاء - في الطبعة الثامنة - التاسوعاء يوم التاسع من كل شهر. يظهر منه أن تاسوعاء لفظ عربي وعاشوراء لفظ اسلامي. ولا يهمنا البحث في ذلك مع وضوح المطلب.

(الأمر السادس) في يوم شهادته روحي له الفداء بحسب الأسبوع .

الظاهر المتفق عليه عند مؤرخي العامة والخاصة ومحدثيهم أنه يوم الجمعة .

قال ابن عبد البر في الإستيعاب : قتل يوم الجمعة(2). وعن تاريخ اليافعي قتله . يوم الجمعة وقيل يوم السبت.

وقال ابن حجر في صواعقه: قتل يوم الجمعة عاشر المحرم (3).

وقال الدينوري في الأخبار الطوال : فنهض عمر بن سعد إليهم عشية الخميس


1) (1) قال في لسان العرب (عشر): عاشُوراء وعَشُوراء ممدودان: اليوم العاشر من المحرم ، وقيل التاسع . قال الأزهري: ولم يسمع في أمثلة الأسماء اسماً على فاهولاء إلا أحرف قليلة .

2) (2) الاستيعاب 378/1.

3) (3) الصواعق المحرقة ص 116 .

وليلة الجمعة [لتسع ليال خلون من المحرم] فسألهم [الحسين] تأخير الحرب إلى غد فأجابوه(1). وبه قال الطبري والجزري(2).

وفي تذكرة السبط: كان مقتله يوم الجمعة. ومثله في روضة الصفا.

وقال الشيخ المفيد في ذكر مقتل الحسين: وأصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم وهو يوم الجمعة وقيل يوم السبت. قال: وعلى الخبر المتقدم ذكره يوم الجمعة على التحقيق.

وقال في يوم وروده بكر بلا ثم نزل عليه السلام وذلك يوم الخميس الثاني

من المحرم (3).

وقال الفتال النيسابوري في روضة الواعظين(4): ثم نزل بكربلا يوم الخميس ثاني محرم الحرام سنة إحدى وستين. ومثله في اللهوف والبحار، وكذا في روضة الصفا والقمقام والناسخ. بل لم أر من عيّن خصوص السبت، وقال من قال به متردداً بين الجمعة أو السبت إلا ما نسب إلى علي بن عيسى الإربلي في كشف الغمة وابن عبدربه في كتاب العقد.

وقال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: وقتل يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة إحدى وستين من الهجرة .. وقيل إن مقتله كان يوم السبت، روي ذلك عن أبي نعيم الفضل بن دكين، والذي ذكرناه أولاً هو الأصح. فأما ما تقوله العامة أنه قتل يوم الاثنين فباطل، وهو شي قالوه بلا رواية، وكان أول المحرم الذي قتل فيه


1) (1) الاخبار الطوال ص 256 .

2) (2) تاريخ الطبري 416/5 ، الكامل لابن الأثير 56/4 .

3) (3) الارشاد للمفيد ص 217 و 210 .

4) (4) روضة الواعظين ص181.

يوم الأربعاء، أخرجناه ذلك بالحساب الهندي من سائر الزيجات ، وإذا كان ذلك

كذلك فليس يجوز أن يكون اليوم العاشر من المحرم يوم الاثنين . قال أبو الفرج : وهذا دليل صحيح واضح ، تنضاف إليه الرواية ، أخبرنا به أحمد بن عيسى، قال: حدثنا أحمد بن الحرث، عن الحسين بن نصر قال: حدثنا أبي، عن عمر بن سعد، عن أبي مخنف: وحدثني به أحمد بن محمد بن بن شيبة ، قال: حدثنا أحمد بن الحرث الخزاز، قال: حدثنا علي بن محمد المدائني، عن أبي مخنف وعوانة بن الحكم ويزيد بن جعدية وغيرهم. فأما ما تعارفه العوام من أنه قتل يوم الاثنين فلا أصل له ولا حقيقة ولا وردت به رواية. انتهى(1).

والقائل بأنّه يوم الاثنين أبو إسحاق الاسفرايني في مقتله، قال: وذلك اليوم يوم الاثنين العاشر من المحرم.

واحتمال أنه أراد بالاثنين اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه وآله، بعيد عن كلامه وعن مسلكه . نعم لا يبعد إرادة ذلك فيما يقوله العامة.

وبالجملة، قد سبقه الاجماع ولحقه الاجماع على ما قيل في يوم الأحد، وبعد ما ذكره أبو الفرج لا مجال لتوهّم غير يوم الجمعة .

وغاية ما يمكن أن يستدل ليوم السبت وجوه:

الأول: من النص عليه. وجاءت الرواية في مكتوبه عليه السلام إلى أهل الكوفة أن خروجه من مكة متوجهاً إلى العراق كان يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة الحرام(2). وعليه فيكون يوم العاشر من المحرم يوم السبت.


1) (1) مقاتل الطالبيين ص 84.

2) (2) أنظر تاريخ الطبري 381/1.

وفيه: أنه كذلك إن كان شهر ذي الحجة الحرام تاماً، وعلى نقصانه فيكون غرة شهر محرم يوم الأربعاء كما صرحوا به، وقد عرفت في كلام أبي الفرج أيضاً، وعليه فيكون العاشور يوم الجمعة على التحقيق.

الثاني: ما في التهذيب في زيادات باب الصيام عن الباقر عليه السلام قال: يخرج القائم عجل الله تعالى فرجه يوم سبت یوم عاشورا اليوم الذي قتل فيه الحسين عليه السلام(1). ...

وفيه: أن الظاهر من الرواية أن السنة التي يخرج فيها القائم عليه السلام يكون العاشور في يوم السبت، لا أن عاشورا الذي قتل فيه الحسين كان يوم السبت، وإلا كان حق العبارة أن يقال: يخرج عليه السلام يوم عاشورا يوم السبت.

الثالث: ما في رواية شيخنا المفيد باسناده إلى أبي عبد الله عليه السلام أنه لما سار عليه السلام من المدينة أتته أفواج مسلمي الجن فقالوا: يا سيدنا نحن شيعتك. إلى أن قال عليه السلام لهم ولكن تحضرون يوم السبت وهو يوم عاشوراء الذي في آخره أقتل(2). وسيذكر الحديث بطوله في محله.

وفيه: إن التعبير بذلك وقع على ما هو المتعارف بين الناس، فإن من يخبر عن قضية في شهر عن يوم معين في الشهر الآتي يخبر على حسب تمام الشهر وإن كان الشهر ناقصاً، لا أنه يخبر بما هو الواقع من نقصان الشهر ، فإنه لو أخبر على ما هو الواقع من النقصان يلومه الناس ولا يقبلونه منه كما هو الظاهر المتعارف من دیدنهم وعرفياتهم، والامام عليه السلام - وإن كان عالماً بالنقصان ولكنه اخبر


1) (1) تهذيب الأحكام 333/4.

2) (2) مذكور في بحار الأنوار 331/44 .

بما هو المتعارف. فتدبر.

(الأمر السابع) في ساعة شهادته عليه السلام في يوم عاشوراء .

ففي رواية أم سلمة التي قد مرت بطولها قالت أم سلمة: إني أذكّرك ياسيدي لا تخرج إلى العراق - إلى أن أعطاها التربة ثم قال لها: إني أقتل في يوم عاشورا بعد صلاة الزوال(1).

وفي البحار (2)عن ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخلت على أبي عبدالله جعفر بن محمد في يوم عاشوراء. إلى أن قال: قال لي: صمه من غير تبييت، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة ماء ، فإنه في مثل ذلك الوقت تجلت الهيجاء عن آل الرسول صلى الله عليه وآله وانكشفت الغُمة عنهم.

وفي تذكرة السبط: وكان مقتله عليه السلام يوم الجمعة ما بين الظهر والعصر، لأنه صلى صلاة الخوف بأصحابه .

ومقصوده بذلك الردّ على من يقول بأنه قبل الظهر، وهو قول سخيف ليس غرضه إلا التشكيك في الضروريات وإلقاء الخلاف في المسلمات، وقد مرّ نظيره غير مرة .

والظاهر أن مراده بالظهر والعصر معناهما في اللغة والعرف لا صلاة الظهر وصلاة العصر كما قد يتوهم. قال في القاموس: الظهر زوال الشمس والعصر آخر اليوم. ومثله في المجمع وغيره، فتوافق ما في رواية المفيد المتقدمة أنه عليه السلام قال: يوم عاشوراء الذي أقتل في آخره. ولا ينافي ما في رواية أم سلمة المذكورة


1) (1) نفس المصدر.

2) (2) البحار 63/45 .

لمكان البعدية .

والذي ينبغي أن يقال بعد تسليم أن يوم عاشورا كان في تشرين الأول ودرجته كان في الميزان - على ما مرّ تحقيقه - أن ذلك اليوم على ما صرح به في التقاويم كان نصف النهار خمس ساعات وعشرة دقائق، فيكون النهار عشر ساعات وعشرين دقيقة، وكان ابتداء القتال بعد ما مرّ من الخطب وغيرها قريباً من ساعة بل أزيد من النهار، ولما كان بعض الوقائع المتأخرة عن قتله من السلب والنهب وغارة الخيام قبل غروب الشمس قطعاً، فيكون مقتله قبل غروب الشمس بساعة تقريباً، فيكون ابتداء الحرب وانتهاؤه ثمان ساعات على القرب القريب من التحقيق .

وهذا يوافق ما استخرجه الخبير الماهر في القمقام حيث قال: لما كان مقاربة النسر الأصغر مع الزحل بعد ساعتين من اليوم وكان أثرها نهاية المخصومة، فيكون الشروع في القتال بعد ساعتين من اليوم، وكان انتهاؤه اتصال الطالع دلو وهو ساعة ثمانية ونصف من اليوم، فيكون ابتداء القتال وانتهاؤه ست ساعات ونصف ساعة ومن انتهاء الحرب إلى شهادته عليه السلام يكون قريباً من ساعة، فيوافق بالتقريب ما ذكرناه. فتدبر.

وقد رقم في القمقام زايجة في المقام ويستخرج منها ما ذكره، من أراد فليراجع إليها .

هذا ما وقفنا عليه، وأما ما نسب إلى بعض من أن يوم عاشورا امتد سبعين ساعة، فهو كلام شعري ذوقي إقناعي لقائله لا برهان له ولا رواية ولا شاهد له، والعهدة على قائله .

الباب الثامن : (في الوقائع الحادثة عند شهادته عليه السلام)

اشارة

(والحوادث الواقعة عند قتله)

وهي أمور نذكر جملة منها:

1- (فمنها) مارواه الشيخ أبو القاسم جعفر بن قولويه في الكامل(1)قال: حدثني محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن العباس بن معروف، عن عبدالله بن عبد الرحمن الأصم، عن الحسين، عن الحلبي قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: لما قتل الحسين عليه السلام سمع أهلُنا قائلاً يقول بالمدينة: اليوم نزل البلاء على هذه الأمة، فلا ترون فرحاً حتى يقوم قائمكم، فيشفي صدورَكم ويقتل عدوَّكم وينال بالوتر أوتاراً، ففزعوا منه وقالوا: إن لهذا القول لحادثاً قد حدث ما لا نعرفه فأتاهم خبر قتل الحسين عليه السلام بعد ذلك، فحسبوا ذلك فإذا هي تلك الليلة التي تكلم فيها المتكلم.

فقلت له: جعلتُ فداك إلى متى أنتم ونحن في هذا القتل والخوف والشدة؟ فقال: حتى يأتي سبعون فرجاً أجواب(2)ويدخل وقت السبعين، فإذا دخل:


1) (1) كامل الزيارات ص 336 .

2) (2) جاء في هامش المصدر : الجوب القطع ، والجوبة الفجوة بين البيوت والفرجة في السحاب والجبال، ولعل المراد أن بين كل فرج وآخر انقطاع وتباعد لا يتصل بعضه ببعض .

وقت السبعين أقبلت الرايات تترى كأنها نظام، فمن أدرك ذلك الوقت قرّت عينه، إن الحسين لما قتل أتاهم آتٍ وهم في العسكر، فصرخ وزبر، فقال لهم: وكيف لا أصرخ ورسول الله قائم ينظر إلى الأرض مرة وإلى حزبكم مرة وأنا أخاف أن يدعو الله على أهل الأرض فأهلك فيهم. فقال بعضهم لبعض: هذا إنسان مجنون. فقال التوّابون: يا الله ما صنعنا لأنفسنا، قتلنا لابن سُميّة سيدَ شباب أهل الجنة، فخرجوا على عبيد الله بن زياد، فكان من أمرهم ماكان.

قال: فقلت له: جعلت فداك من هذا الصارخ ؟ قال: ما نراه إلا جبرئيل، أما إنه لو أُذن له فيهم لصاح بهم صيحةً يخطف به أرواحهم من أبدانهم إلى النار، ولكن أمهل لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب أليم - إلى آخر الحديث .

(بیان):

قوله «فلا ترون فرحاً حتى يقوم قائمكم» بهذا المعنى أخبار كثيرة متضافرة مذكورة في محالها صريحة أن الحزن والقتل والشدة والخوف لهم باق إلى قيام القائم عجل الله فرجه .

قوله «حتى يأتي سبعون فرجاً أجواب» في القاموس: الجوب القطع، والجوبة الفجوة بين الثوب والفرجة في السحاب كما في هامش كامل الزيارات، لعل المراد أن بين كل فرج وبين الآخر انقطاع وتباعد لا يتصل بعضه ببعض.

هذا، وفي بعض نسخ البحار «حتى مات سبعون فرخاً أخواب» وما أبعد بينه وبين ما ذكر. وأخواب جمع خوب، من خاب يخوب بمعنى الفقر والجوع، أو من خاب يخيب بمعنى الخيبة والخسران. وقد يجيء أخواب بمعنى أنهم ولد أب واحد .

وتمام الكلام في شرح هذه الجملة من الحديث يطلب من محله.

وقوله «من زبر» من زَبرَ زَيْراً: الزجر والبهر والتغليظ في القول والشتم.

قوله « وإلى حزبكم وفي نسخة حربكم بدل حزبكم .

2- (ومنها) ما في التهذيب وعلل الشرائع(1)عن رزين عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لما ضُرب الحسين بن علي عليه السلام بالسيف فسقط ثم ابتدر بقطع رأسه، نادى مناد من بطنان العرش: ألا أيتها الأمة المتحيرة (2)الظالة بعد نبيها لا وفقكم الله لأضحى ولا فطر. وفي خبر آخر: بصوم ولا فطر. قال: ثم قال أبو عبدالله عليه السلام: فلا جرم والله ما وُفقوا ولا يُوفَّقون حتى يثور ثائر الحسين عليه السلام.

ومثله في أمالي الصدوق، إلا أن فيه «الظالمة» بدل الظالة. وفي العلل(3)أيضاً: عن محمد بن اسماعيل الرازي عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: قلت جعلت فداك ما تقول في العامة، فإنه قد روي أنهم لا يوفَّقون الصوم. فقال لي: أما إنه قد أجيبت دعوة الملك فيهم. قال: قلت وكيف ذلك جعلت فداك ؟ قال: إن الناس لما قتلوا الحسينَ بن علي عليه السلام أمر الله عز وجل ملكاً ينادي: أيتها الأمة الظالمة القاتلة عترةَ نبيها لا وفقكم الله لصوم ولا فطر . وفي حديث آخر: الفطر ولا أضحى.

(بیان):

قال العلامة المجلسي في البحار(4): عدم توفيقهم للفطر والأضحى، إما لاشتباه الهلال في كثير من الأزمان في هذين الشهرين كما فهمه الأكثر، أو لأنهم لعدم


1) (1) علل الشرائع ص 389، الأمالي للصدوق ص 142 .

2) (2) في العلل «المتجبرة».

3) (3) علل الشرائع ص 389.

4) ( 4) البحار 217/45.

ظهور الحق وعدم استيلائهم لا يوفَّقون للصلاتين إما كاملة أو مطلقاً بناءٌ على اشتراط الامام، ويختص الحكم بالعامة كما هو الظاهر، والأخير عندي أظهر. والله يعلم. انتهى.

وفيه: أن ما ذكره قدس سره من التوجيهين لا يلائم رواية «الصوم ولا فطر » كما لا يخفى، بل ولا رواية «الأضحى ولا فطر»، إذ عليه يحتاج إلى تقدير لصلاة فيها، مع أن الظاهر مع عدم توفيقهم لهما عدم التوفيق لبركاتهما لا لخصوص الصلاة فيهما .

ويمكن أن يقال بل هو الظاهر: إن عدم توفيقهم لأضحى ولا فطر ولصوم ولا فطر كناية عن عدم توفيقهم للأعمال الصالحة المشروطة قبولها بدلالة ولي الله، ولما كان الأضحى والفطر والصوم والفطر من أعظم شعائر الاسلام وأجل العبادات فنفي التوفيق عنهما يلائم سلب التوفيق عن سائر الأعمال والعبادات الواردة في الشريعة المشروطة بدلالة ولي الله، فبقتله روحي له الفداء انتفى شرط التوفيق للأعمال الصالحة عندهم، كيف ولم يقل لمقام الدين والاسلام على ما هو عليه في الواقع، فتكون الأعمال كلها بدلالة ولي الله. فافهم.

ويؤيد ما ذكرنا بل يدل عليه ما رواه ابن قولويه في الكامل(1)قال: وحدثني محمد بن جعفر الرزاز، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن محمد بن يحيى طلحة الخثعمي، عن بن زيد، عن أبي عبدالله، عن أبيه، عن جده، عن الحسين بن علي عليهم السلام قال: قال والذي نفس حسين بيده لا ينتهي بني أمية ملكهم حتى يقتلوني وهم قاتلي، فلو قد قتلوني لم يصلوا جميعاً أبداً ولم يأخذوا عطاءً في


1) (1) كامل الزيارات ص 74 .

سبيل الله جميعاً أبداً، إن أول قتيل هذه الأمة أنا وأهل بيتي، والذي نفس حسين بيده لا تقوم الساعة وعلى الأرض هاشمى يطرق .

قال في البحار(1)في شرح الحديث: لعل المعنى لم يوفق الناس للصلاة جماعة مع إمام الحق ولا أخذ الزكاة وحقوق الله على ما يحب الله إلى قيام القائم عجل الله فرجه، وبالجملة فالمعنى لا يوفقهم الله لبركات الأضحى والفطر والصوم والصلاة والزكاة والصدقات وكل الأعمال على ما يحب الله .

قوله «يطرق» بالقاف من طرق أي يطلع. في المجمع: وطرق النجم طرقاً من باب قعد طلع، والطارق هو النجم لأنه يطرق أي يطلع. وفي بعض النسخ يطرف بالفاء من طرف من باب ضرب أي تحرك.

والمعنى: والذي نفس حسين بيده لا تقوم القيامة في الحال أن في الأرض هاشمياً لابد أن يطلع ويتحرك ويأخذ بالثار، إشارة إلى ظهور الحجة وأخذ الثار قبل يوم القيامة. وفي هذا المعنى أخبار أخر مذكورة في محلها.

والعجب من العلامة المجلسي قدس سره حيث قال: وآخر الخبر إشارة إلى ما يصيب بني هاشم من الفتن في آخر الزمان. ولعله من قلة التأمل في متن الحديث. فتأمل جداً.

3 - (ومنها) ما عن أمالي الصدوق عن المفيد، عن أحمد بن الوليد، عن أبيه، عن الصفار، عن محمد بن عبيد، عن ابن أسباط، عن ابن ابی عمیر، عن محمدبن حمران قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان ضجت الملائكة إلى الله تعالى وقالت: يا رب يُفعل هذا بالحسين صفيك


1) (1) البحار 88/45.

وابن صفيك وابن نبيك ؟ قال: فأقام الله لهم ظل القائم عليه السلام وقال: بهذا أنتقم له من ظالميه.

وعن الكلبي، عن القاسم بن علا، عن إسماعيل الفزاري، عن محمد بن جمهور العمي، عن ابن أبي نجران، عمن ذكره،عن الثمالي قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: يا بن رسول الله ألستم كلكم قائمين بالحق ؟ قال: بلى. قلت: فلم سمي القائم قائماً. قال: لما قتل جدي الحسين عليه السلام ضجت الملائكة إلى الله عز وجل بالبكاء والنحيب وقالوا: الهنا وسيدنا أتغفل عمن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك. فأوحى الله عز وجل إليهم فردّ: ملائكتي وعزتي وجلالي لأنتقمن منهم ولو بعد حين، كشف الله عز وجل عن الأئمة من ولد الحسين عليهم السلام للملائكة، فسُرَّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يصلي، فقال الله عز وجل: بذلك القائم انتقم منهم . وبهذا المعنى أخبار أخر .

(بیان):

ثبت بذلك عالم الأشباح والأظلة ، أو أن العوالم كلها عندهم عليهم السلام عرضية لا طولية. ولبيان المقام مقام آخر. فتفطن .

4- ( ومنها ) ما في عدة من الروايات أنه لما قتل عليه السلام نادى مناد من السماء: قتل الامام ابن الامام أخو الامام أبو الأئمة الحسين بن علي بن أبي طالب، قُتل الهمام ابن الهمام. كذا في مقتل الاسفرايني وغيره باختلاف يسير .

5-(ومنها) ما في اللهوف(1)قال: قال الراوي: فارتفعت في السماء في ذلك الوقت ما غُبرة شدية سوداء مظلمة فيها ريح حمراء لا ترى فيها عين ولا أثر، حتى ظن القوم


1) (1) اللهوف ص 55 .

أن العذاب قد جاءهم، فلبثوا كذلك ساعة ثم انجلت عنهم. ومثله في مقتل الاسفرايني.

وفي بعض المقاتل: فزلزلت الأرض، واظلمّ الشرق والغرب، وأخذت الناسَ الصواعقُ والرجفةُ من كل جانب، وأمطرت السماء، وانكسفت الشمس لقتله. ومثله في تاريخ أعثم الكوفي وروضة الصفا وجملة من كتب الأحاديث والتواريخ باختلاف يسير.

وقد يقال: إن هذه الغرائب من باب المبالغة والكناية عن عظم المصيبة وكبر خطرها. هذا قول بعيد عن ظاهر الألفاظ بل صريحها، وينافي ظن القوم أن العذاب قد جاءهم. فتدبر.

6- (ومنها) حديث أم سلمة رواه الموافق والمخالف والمحدث والمؤرخ بحيث صار من الأخبار المستفيضة المشهورة لا ينكره أحد إلا من طُبع على قلبه، وقد مرّ جملة منه، ونحن نكتفي منه بذكر ما ذكره ابن حجر في الصواعق .

قال(1): الحديث الثلاثون أخرج البغوي في معجمه من حديث أنس: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استأذن ملك القطر ربَّه أن يزورني، فأذن له وكان في يوم أم سلمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أم سلمة احفظي علينا الباب لا يدخل أحد، فبينا هي على الباب إذ دخل الحسين فاقتحم فوثب على رسول الله، فجعل رسول الله يلثمه ويقبله، فقال له الملك: أتحبه؟ قال: نعم. قال: إن أمتك ستقتله، وإن شئت أريك المكان الذي يقتل به، فأراه فجاء بسهلة(2)أو


1) (1) الصواعق المحرقة ص 115 .

2) (2) السهلة والسهل بكسر السين تراب كالرمل خشن يجيء به الماء.

تراب أحمر ، فأخذته أم سلمة فجعلته في ثوبها.

إلى أن قال: وفي رواية الملا وابن أحمد في زيادات المسند: قالت: ثم ناولني كفاً من تراب أحمر وقال: إن هذا من تربة الأرض التي يُقتل بها، فمتى صار دماً أنه قد قتل. قالت أم سلمة: فوضعته في قارورة عندي وكنت أقول : إن يوماً يتحول فيه دماً ليوم عظيم. وفي رواية عنها: فأصبته يوم قُتل الحسين وقد صاردماً.

وفي أخرى: قال - يعني جبريل - ألا أريك تربة مقتله ؟ فجاء بحَصَيات فجعلهن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قارورة، قالت أم سلمة: فلما كانت ليلة قتل الحسين سمعت قائلاً يقول:

أيها القاتلون جهلاً حسيناً أبشروا بالعذاب والتذليل

قد لُعنتم على لسان ابن داو د وموسى وحامل الانجيل

قالت: فبكيت وفتحت القارورة فإذا الحصيات قد جرت دماً .

ثم ذكر في الصواعق أحاديث قريباً مما ذكر إلى أن قال: وأخرج الترمذي أن أم سلمة رأت النبي صلى الله عليه وسلم باكياً وبرأسه ولحيته التراب، فسألته فقال: قُتل الحسين آنفاً. وكذلك رآه ابنُ عباس نصف النهار أشعث أغبر بيده قارورة فيها دم يلتقطه، فسأله فقال: دم الحسين وأصحابه. انتهى.

وبالجملة، فقضية أم سلمة مما لا ينكر، وكذا سماعها نوحَ الجن على الحسين عليه السلام على ما وردت في الأحاديث والتواريخ. فما ذكره علي جلال الحسيني في كتاب الحسين ص 84 بقوله: لكن الأخبار عن أم سلمة في هذا المعنى تحتاج إلى تثبت لأنها ماتت قبل مقتل الحسين بثلاث سنين. غلط واضح وكذب فاحش، لتطابق الأحاديث والتواريخ من العامة والخاصة أنها توفيت في زمن

يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستون. فليراجع.

7-(ومنها) ضجيج الملائكة ونوح الجن وبكاؤهم عليه روحي له الفداء.

قد تضافرت الروايات وتطابقت الأحاديث والتواريخ من العامة والخاصة على بكاء الملائكة والجن عليه عليه السلام بحيث لا يمكن أن ينكر إلا من كان قلبه أعمى، وقد مضى شطر منها، ولولا مخافة التطويل لذكرت جملة منها، فعليك بمراجعة الكتب المبسوطة في هذا الباب. ولقد ذكر في الناسخ ونفس المهموم جملة منها، فراجع إليهما(1).

إنما الكلام في كيفية بكائهم، وقد أطنت الفاضل المعاصر في أربعينه في ذلك ولم يأت بشي بيّن، وسيأتي نقل كلامه في بكاء الموجودات.

وبعد اتفاقهم على أن الملائكة والجن يتشكلون بأشكال مختلفة ويتصوَّرون بصور الماديات ويلبسون لباسهم-كما في قضية دحية الكلبي وإتيان جبريل بصورته وغير ذلك من نظائره - فلا إشكال في بكائهم وضجيجهم ونوحهم مثل سائر البشر. وهذا واضح بأدنى تأمل.

ولقد شاهدتُ وسمعتُ بكاءَ الجن عليه عليه السلام بأذني في قضية عجيبة ووقعت لي ويعجبني ذكرها في المقام، وهي: أن في سنة ألف وثلاثمائة وعشرين حين اشتغالي في النجف بالتحصيل عند العلامة الخراساني قدس سره، وذلك في عنفوان شبابي وكان في أيام عاشوراء وكنت أنا وخمسة من رفقائي وأصدقائي في اليوم الثامن من المحرم خرجنا من النجف الأشرف قاصدين زيارة مولانا ومولى الكونين في ليلة عاشوراء وردنا في «خان شور» المشهور بخان النصف وبتنا تلك


1) (1) عقد العلامة المجلسي باباً في البحار 233/45 - 241 لنوح الجن على الحسين عليه السلام.

الليلة هناك، وكان الزوار به قليلاً بحيث لا يتجاوزون الثلاثين، ونزلوا في الحجرات الغربية من الخان، ونزلت وأصحابي في الأيوان الشرقي من الخان، ولم يكن في الحجرات الشرقية غيرنا أحد، كما لم يكن في الحجرات الجنوبية والشمالية أيضاً أحد، والمُكاريون(1)جماعة منهم قاصدين من كربلا إلى النجف وجماعة منهم من النجف إلى كربلا فتلاقيا في الخان وكان عدتهم قريباً من ثلاثين، ولما مضى من الليل ساعتان وخرج المكاريون لسقي دوابهم وتعليفها وتعميرها جاؤا إلى الصفة التي في وسط الخان وكان الهواء بارداً، فأشعلوا ناراً وأججوها وأوقدوها في وسطهم وجلسوا حول النار وأحاطوا بها، ثم أخذوا في اللعب واللهو والقصف والرقص والضحك والقهقهة وغير ذلك مما هو عادة الجهال، ولم يتمكن أحد منعهم من ذلك، فإذا دخل رجل مجهول من أعراب البادية فصاح عليهم فقال: أما تستحيون أما تدرون هذه ليلة تاسوعا وأيام العزاء.

فوالله العلي المدرك الغالب لقد سمعت هذا بأذني وشاهدت بنفسي. فبعد ما صاح الرجل جلسوا حلقة وبدلوا مجلس العيش بمجلس العزاء ومجلس اللهو بمجلس المصيبة، فقام عندئذ غلامان منهم وأخذ بالحسكة(2)وأشعار المصيبة، فعلت أصواتهم بالبكاء والنحيب حتى ضجّ الموضع بالبكاء، فبكى كلُّ من كان في الخان وهم يضربون على رؤوسهم ويضجون بل يشقون جيوبهم.

وبينما نحن كذلك إذ سمعت صوتاً حزيناً عالياً يبكي كبكاء الثكلى، وسمعت هذا الصوت من جانب حجرتنا، فقلت لأصحابي: يا أصحابي هذا صوت لا


1) (1) هم الذين يكرون الدواب للمسافرين .

2) (2) قراءة الشعر باللهجة العراقية .

كالأصوات وبكاء غير بكاء هؤلاء فاطلبوا الباكي، فخرجت أنا في طلبه، وكلما مررت بحجرة وأيوان وإذا الصوت والبكاء من حجرة أخرى، ففرقت أصحابي في الحجرات، فكلما سمعت البكاء من حجرة ودنوت منها سمعته من حجرة أخرى، وكذلك أصحابي كلما سمعوا الصوت من مكان وتوجه واحد منهم إلى ذلك المكان فإذا الصوت والبكاء يُسمع من مكان آخر، والناس مشغولون بالبكاء والنحيب ونحن في أثر الصوت والبكاء ونسمع صوته وبكاءه وترنمه ولا نری شخصه، حتى مضى من الليل ما شاء الله إلى أن سكت المكاريون عن العزاء والنوح والبكاء فلم نسمع ذلك الصوت أيضاً .

وبالجملة، سمعنا البكاء والصوت ولم نر شخصه، وكلما اجتهدنا في أثره ودنونا منه فإذا الصوت والبكاء من ناحية أخرى، فعلمنا أن الباكي والنائح هو من الجن. هذا ما شهدناه وسمعناه.

8- (ومنها) بكاء السماء والأرض عليه روحي له الفداء.

فقد تظافرت الأخبار بل تواترت بحيث يمكن تواترها معنى وإجمالاً للقطع بصدور بعض منها من طرق أصحابنا رضوان الله عليهم، ومن أراد الاطلاع فعليه بمراجعة كتاب كامل الزيارات للشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه وكتاب البحار للمجلسي(1)وناسخ التواريخ وغيرها من كتب الأحاديث والتواريخ الموضوعة في هذا الباب، فقد ورد عن أئمتنا عليهم السلام باسناد جلها بل كلها صحيحة معتبرة ببكاء السماوات والأرض عليه روحي له الفداء وكسوف القمر وخسوف الشمس وأمثال ذلك مما سيأتي، وأن الحمرة في السماء لم تكن قبل


1) (1) كامل الزيارات ص 88 ، بحار الأنوار 201/45 .

ذلك، وأنّ السماء لم تبك على أحد إلا على الحسين ويحيى بن زكريا.

ونحن نذكر هنا ما ورد في المقام من طرق العامة وما رووا في أحاديثهم المعتبرة و تواريخهم المعتمدة، فنقول :

في الطرائف روى في أول الجزء الخامس من صحيح مسلم في تفسير قوله تعالى (لَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ والأَرْضُ )(1)قال: لما قتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء وبكاؤها حمرتها(2).

وروى الثعلبي في تفسير هذه الآية: إن الحمرة التي مع الشفق لم يكن قبل قتل الحسين عليه السلام .

وروى الثعلبي أيضاً يرفعه قال: مُطرنا دماً بأيام قتل الحسين عبيطاً(3).

وفي المناقب(4): أبونعيم في دلائل النبوة والفسوي في المعرفة قالت نَضْرةُ الأزدية: لما قتل الحسين عليه السلام أمطرت السماءُ دماً وحِبابُنا وجرارنا صارت مملوءة دماً .

وقال قَرَظَة بن عبيد الله: مطرت السماءُ يوماً نصف النهار على شَملة بيضاء، فنظرت فإذا هو دم، وذهبت الابل إلى الوادي للشرب فإذا هو دم، وإذا هو اليوم الذي قتل فيه الحسين .

أسماء بن شبيب باسناده عن أم سليم قالت: لما قتل الحسين عليه السلام مطرت السماءُ مطراً كالدم، إحمرت منه البيوتُ والحيطان. وروى قريباً من ذلك


1) (1) سورة الدخان: 29 .

2) (2) أخرج السيوطي في الدر المنثور 413/7 أحاديث بهذا المضمون .

3) (3) الدم العبيط : الخالص الطري .

4) (4) مناقب آل أبي طالب 61/4 .

في الإبانة وتفسير القشيري والفتال.

قال السُّدي: لما قتل الحسين بكت عليه السماء، وعلامتها حمرة أطرافها.

محمد بن سيرين قال: أخبرنا أن حمرة أطراف السماء لم تكن قبل قتل الحسين عليه السلام.

تاريخ الفسوي: روى حماد بن زيد، عن هشام، عن محمد قال: تعلم هذه الحمرة في الأفق مم هي ؟ ثم قال: من يوم قُتل الحسين عليه السلام . وروى هذا الحديث أبوعيسى الترمذي.

وفيه أيضاً: الأسود بن قيس: لما قتل الحسين ارتفعت حمرة من قبل المشرق وحمرة من قبل المغرب فكادتا يلتقيان في كبد السماء ستة أشهر.

تاريخ الفسوي: قال أبو قبيل: لما قتل الحسين بن علي كسفت الشمس كسفةً بدت الكواكبُ نصفَ النهار حتى ظننا أنها هي - أي القيامة(1).

وفي الجزء الثالث من كتاب العقد الفريد(2)لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبدربه القرطبي الأندلسي المتوفى سنة 328 في كتابه المطبوع بمصر في ص 139 قال: حديث الزُّهري في قتل الحسين باسناده عن الزهري قال-وقالا(3)قال الزُّهري - خرجتُ مع قتيبة أريد المُصَّيْصَة(4)، فقدمنا على أمير المؤمنين عبدالملك بن مروان، فإذا هو قاعد في إيوان له، واذا سماطان من الناس على باب الإيوان، فإذا أراد حاجةً قال للذي يليه، حتى تبلغ المسألة إلى باب الإيوان ولا يمس أحد بين


1) (1) إلى هنا منقول من المناقب.

2) (2) العقد الفريد 386/4 .

3) (3) يريد عمر بن قيس وبشر بن عقيل .

4) (4) مدينة على شاطيء جيحان من ثغور الشام أنظر : معجم البلدان 144/5 .

السماطين. قال الزهري: فجئنا وقمنا على باب الإيوان، فقال عبد الملك للذي يمينه: هل بلغكم أيّ شيء أصبح في بيت المقدس ليلة قُتل الحسين بن علي؟ قال: فسأل كلُّ واحد منهما صاحبَه حتى بلغت المسألة البابَ، فلم يردّ أحد فيها شيئاً. قال الزهري: فقلتُ: عندي في هذا علم. قال: فرجعت المسألةُ رجلاً عن رجل حتى انتهت إلى عبد الملك.

قال: فدعيتُ، فمشيت بين السماطين، فلما انتهيتُ إلى عبد الملك سلمت عليه، فقال لي: من أنت؟ قلت: أنا محمد بن مسلم بن عبيدالله بن شهاب الزهري. قال: فعرفني بالنسب وكان عبدالملك طَلاَّبةً للحديث، فعرّفته فقال: ما أصبح بيت المقدس يوم قتل الحسين بن علي بن أبي طالب.

وفي رواية علي بن عبدالعزيز، عن إبراهيم بن عبدالله، عن أبي مشعر، عن محمد بن عبدالملك بن سعيد العاص، عن الزهري أنّه قال: الليلةَ التي قُتل في صبيحتها الحسين بن علي. قال الزهري: نعم، فقلت: حدثني فلان-ولم يسمَّه لنا-أنه لم يُرفع تلك الليلة التي صبيحتها قتل علي بن أبي طالب والحسين بن علي حجر في بيت المقدس إلا وجد تحته دم عبيط. قال عبد الملك: صدقتَ، حدثني الذي حدثك وإني وإياك في هذا الحديث لقرينان(1)إلى آخر ما ذكره، أخذنا منه موضع الحاجة.

قال ابن حجر في الصواعق(2)بعد رواية أنه لم يرفع حجر في الشام أو الدنيا إلا ورؤي تحته دم عبيط: وقع يوم قتل علي أيضاً. قال: كما أشار إليه البيهقی بأنه


1) (1) في المصدر : الغريبان .

2) (2) الصواعق المحرقة ص 116 .

حكى عن الزُّهْري أنه قدم الشام يريد الغزو، فدخل على عبدالملك فأخبره أنه يوم قتل علي لم يُرفع حجر من بيت المقدس إلا وجد تحته،دم، ثم قال له: لم يبق من يعرف هذا غيري وغيرك فلا تخبر به . قال: فما أخبرتُ به إلا بعد موته.

وحكي عنه أيضاً أن غير عبدالملك أخبر بذلك أيضاً. قال البيهقي: والذي صح عنه أن ذلك حين قتل الحسين، ولعله وجد عند قتلها جميعاً. انتهى.

وقال في الصواعق: وأخرج عثمان بن أبي شيبة: أن السماء بكت بعد قتله سبعة أيام، تُرى على الحيطان كأنها ملاحف مُعَصْفَرة من شدة حمرتها، وضربت الكواكبُ بعضها بعضاً. ثم قال: ونقل ابنُ الجوزي عن ابن سيرين: أن الدنيا اظلمت ثلاثة أيام ثم ظهرت الحمرة في السماء .

وقال أبوسعيد: ما رُفع حجر من الدنيا إلا وتحته دم عبيط، ولقد مُطرت السماء دماً بقي أثره في الثياب مدة حتى تقطعت.

وأخرج الثعلبي وأبو نعيم ما مرّ من أنهم مُطروا دماً. وزاد أبونعيم: فأصبحنا وحِبابنا وجرارنا مملوءة دماً. وفي رواية: انه مطر كالدم على البيوت والجدر بخراسان والشام والكوفة .

وفيه أيضاً: وأخرج الثعلبي: أن السماء بكت وبكاؤها حمرتها. وقال غيره: احمرت آفاقُ السماء ستة أشهر بعد قتله، ثم لا زالت الحمرة تُرى بعد ذلك، وان ابن سيرين قال: أُخبرنا أن الحمرة التي مع الشفق لم تكن قبل قتل الحسين . وذكر ابن سعد أن هذه الحمرة لم تُر في السماء قبل قتله.

وقال: وقال ابن الجوزى: وحكمته أن غضبنا يؤثر حمرةَ الوجه، والحق تنزه عن الجسمية فأظهر تأثير غضبه على من قتل الحسين بحمرة الأفق إظهاراً العظم الجناية .

وقال في الصواعق: وذكر أبو نعيم الحافظ في كتاب دلائل النبوة عن نضرة أبونعيم الأزدية ما مرّ إلى أن قال: وكذا روي من أحاديث غير هذه. قال: ومما ظهر يوم قتله من الآيات أيضاً أن السماء اسودت اسوداداً عظيماً حتى رؤيت النجوم نهاراً. ولم يرفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط .

قال: وأخرج أبو الشيخ: أن السماء احمرت لقتله وانكسفت الشمس حتى بدت الكواكبُ نصفَ النهار، وظن الناس أن القيامة قد قامت، ولم يُرفع حجر في الشام إلا رؤي تحته دم عبيط (1).

وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي (2)قال: لما قُتل الحسينُ عليه السلام مكنت الدنيا سبعةَ أيام والشمس على الحيطان كالملاحف المعصفرة والكواكب تضرب بعضها بعضاً، وكان قتله يوم عاشوراء، وكسفت الشمسُ ذلك اليوم، واحمرت آفاق السماء ستة أشهر بعد قتله ثم زالت الحمرة، تُرى فيها بعد ذلك اليوم ولم تكن تُرى فيها قبله .

وقال السيوطي في عقود الجمان في أسلوب الحكيم: وقد قالوا لا تكسف الشمس إلا في الثامن والعشرين أو التاسع والعشرين للمقارنة التي زعموها لعنهم الله، فكسفت يوم موت النبي صلى الله عليه وآله كما في الصحيحين وكان عاشر شهر ربيع الأول رواه زبير بن بكار، وكسفت يوم قتل الحسين عليه السلام كما هو المشهور في التواريخ وكان يوم عاشورا.

وفي شرح القصيدة الهمزية للشيخ أحمد المكي : ومما ظهر يوم قتله من الآيات


1) (1) إلى هنا منقول من الصواعق .

2) (2) تاریخ الخلفاء ص 207.

أن السماء أمطرت دماً، وإن أوانيهم ملئت دماً، وان السماء اشتد سوادها لانكساف الشمس حينئذ حتى بانت النجوم، واشتد الظلام حتى ظن الناس أن القيامة قد قامت، وإن الكواكب ضربت بعضها بعضاً، وانه لم يُرفع حجر إلا رؤي تحته دم عبيط وإن الورس انقلبت رماداً ، وإن الدنيا اظلمت ثلاثة أيام ثم ظهرت فيها الحمرة، وقيل احمرت ستة أشهر ثم زالت بعد ذلك.

إلى غير ذلك مما يجد المتتبع في كتبهم وتواريخهم.

فظهر مما ذكرنا أن من المشهورات والمسلمات عندهم ظهور هذه الآيات في قتل الحسين عليه السلام، وأن السماء بكت وكذا الأرض، وانكسفت الشمس على خلاف ما زعمه المنجمون والرياضيون، وأن السماء اسودت ، وأن الحمرة لم تكن قبل قتل الحسين وظهرت بعده حتى اليوم، وأن السماء أمطرت دماً، وأنه لم يُرفع حجر في الدنيا أو في بعض البلاد إلا ورأوا تحته دماً عبيطاً. وفيما ذكرناه كفاية لرجم الشياطين المنكرين لذلك. وسيأتي عن قريب بيانه. فانتظر.

9- (ومنها) الورس. قد مرّضبط الوَرْس وأنه نبات كالسمسم ليس إلا باليمن يُزرع فيبقى عشرين سنة. وقد مرّ أيضاً أنه أرسله عامل اليمن مع أشياء إلى يزيد، فأخذه الحسين عليه السلام في الطريق. ونحن نكتفي في ذلك بما ذكروه في أحاديثهم وتواريخهم، وإلا ففي كتب أصحابنا وأحاديثهم وتواريخهم ما يفيد القطع به .

ففي تاريخ بغداد وإبانة العسكري: إن رجلاً في يوم قتل الحسين أخذ مقداراً من الورس وحمل فصار الوَرْسُ دماً .

وفي شرح الهمزية المتقدمة: ومما ظهر يوم قتله أن الورس انقلب دماً.

وفي تاريخ الخلفاء للسيوطي: وصار الورس الذي في عسكره دماً (1).

وقال ابن حجر في الصواعق(2): وأخرج أبو الشيخ أن الوَرْس(3)الذي كان في عسكرهم تحوَّل رماداً، وكان في قافلة من اليمن تريد العراق فوافتهم حين قتله. وحكى ابنُ عيينة: أن جمالاً انقلب وَرْسه رماداً أخبرها بذلك. ويمكن تعدد الواقعة أو تصحيف رماداً بدم .

وعن محمد بن الحكم عن أمه : انه ما استعملت امرأةٌ من الوَرْس المنهوب عنه عليه السلام إلا وَبَرِصَتْ .

وعن القمقام عن كتاب العِقد: ابن عبدالوهاب عن يسار بن عبدالحكم قال: انُتهب عسكرُ الحسين فوجد فيه طيب، فما تطيبت به أمرأة إلا بَرِصَتْ (4).

وقال الدينوري (5): ثم مال الناس على ذلك الوَرْس الذي كان أخذه من اليمن (6)وإلى ما في المضارب فانتهبوه. وفي تاريخ الطبري عن أبي مخنف مثله .

10- (ومنها) قصة فرسه روحي له الفداء.

قال الشيخ الكامل عبد الله بن نور الله الاصفهاني [البحراني] في المجلد السابع عشر من كتابه المسمى بالعوالم(7): رأيتُ في بعض الكتب المعتبرة عن لوط بن


1) (1) تاريخ الخلفاء ص 207.

2) (2) الصواعق المحرقة ص 116.

3) (3) في المصدر : العدس والصحيح الورس كما يتبين من بقية الكلام.

4) (4) العقد الفريد 384/4 .

5) (5) الأخبار الطوال ص 258.

6) (6) في المصدر : من العير.

7) (7) عوالم العلوم : مقتل الحسين ص 149 . وقد غير المؤلف نصف الحديث وحذف منه .

يحيى عن عبدالله بن قيس قال: كنت مع علي عليه السلام في صفين وقد أخذ أبو [أيوب] الأعور السُّلَمي الماءَ على المسلمين ولم يقدر أحد عليه، فبعث إليه الحسينَ عليه السلام، فكشفه عن الماء وانهزم أبو الأعور، فبلغ ذلك أميرَالمؤمنين فبكى، وسئل: مم بكاؤك يا أمير المؤمنين ؟ وهذا أول الفتح وهذا ابنك الحسين . قال: ذكرتُ أنه سيُقتل عطشاناً بطف كربلاء حتى يَنْفُرَ فرسه ويُحَمْحِم ويقول: الظليمةُ الظليمة لأمة قتلت ابن بنت نبيها، وهم يقرأون القرآن الذي جاء به إليهم.

وفي بعض المقاتل: ثم إن أمير المؤمنين عليه السلام أنشأ يقول:

أرى الحسينَ قتيلاً قبل مصرعه علماً يقيناً بأن يُبلى بأشرار

إذ كل ذي نَفَس أو غير ذي نَفَس كلٌّ إلى أجل يجري ومقدار

فما أمر زماناً غير وَحَلاً ولا أرى اليومَ صَفْواً بعد إمرار

وفي البحار(1)قال: وجدت في بعض مؤلفات المعاصرين - إلى أن قال - وحكي أن موسى بن عمران راه اسرائيلي - إلى أن قال: يا رب ومن يقتله ؟ قال: يقتله أمة جده الباغية الطاغية في أرض كربلا، وتنفر فرسُه وتحمحم وتصهل وتقول في صهيلها: الظليمة الظليمة من أمة قتلت ابن بنت نبيها - إلى آخر الحديث .

وفي روضة الواعظين(2)قال: وأقبل فرسُ الحسين عليه السلام حتّى لَطَّخ عُرْفه وناصيَته بدم الحسين وجعل يركض ويصهل، فسمعت بنات النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) صهيله، فخرجن فإذا الفرس بلا راكب، فعرفن أن حسيناً قد قُتل، وخرجت أم


1) (1) بحار الأنوار 308/44.

2) (2) روضة الواعظين ص 189 .

كلثوم واضعةً يديها على رأسها تندب وتقول: وامحمداه، هذا حسين بالعراء قد سلب العمامة والرداء. وعن أمالي الصدوق مثله.

وفي البحار(1)قال صاحب المناقب ومحمد بن أبي طالب: وأقبل فرسُ الحسين وقد عدا من بين أيديهم أن لا يؤخذ، فوضع ناصيته في دم الحسين، ثم أقبل يركض نحو خيمة النساء وهو يصهل ويضرب برأسه الأرض عند الخيمة حتى مات.

وقال ابن شهر اشوب(2): روى أبو مخنف عن الجلودي أنه كان صُرع الحسين فجعل فرسه يحامي عنه ويثب على الفارس فيخبطه عن سرجه ويدوسه حتى قتل الفرس أربعين رجلاً، ثم تمرّغ في دم الحسين وقصد نحو الخيمة وله صهيل عال ويضرب بيديه الأرض .

وفي الزيارة المروية عن الناحية المقدسة: وأسرع فرسُك شارداً إلى خيامك قاصداً محمحماً باكياً، فلما رأين النساء جوادَك مخزياً وسرجَك عليه ملوياً برزن من الخدور.

وفي مقتل بعض أصحابنا رضوان الله عليهم: لما قُتل الحسين جعل جواده يصهل ويتخطى القتلى في المعركة واحداً بعد واحد، فنظر إليه عمر بن سعد وصاح بالرجال: خذوه وأتوني به، وكان من جياد خیل رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: فتراكضت الفرسانُ إليه، فجعل يرفس برجليه ويمانع عن نفسه


1) (1) بحار الأنوار 60/45 .

2) (2) مناقب آل أبي طالب 66/4 .

ويكدم بفمه(1)، حتى قتل جماعة من الناس ونكس فرساناً عن خيولهم ولم يقدروا عليه، فصاح عمر بن سعد: ويلكم تباعدوا عنه لننظر ما يصنع. فتباعدوا عنه، فلما أمن الطلب جعل يتخطى القتلى وطلب الجسد ، حتى إذا وصل إليه جعل يشم رائحتَه ويقبله بفمه ويمرغ ناصيته عليه، وهو مع ذلك يصهل ويبكي بكاء الثكلى، حتى أعجب كل من حضر، ثمّ انفتل يطلب خيمة النساء وقد ملأ البيداء صهيلاً .

وفي مقتل أبي إسحاق الاسفرايني مثله باختلاف يسير.

وفي روضة الصفا مثل ما مرّ باختصار. وفيه عن أبي المؤيد الخوارزمي أنه قال: إن الفرس ضرب برأسه عند الخيمة حتى مات، كما مر في رواية صاحب المناقب ومحمد بن أبي طالب .

وفي جملة من المقاتل عن عبد الله بن قيس قال: كنت أنظر إلى الفرس، فرأيته رجع من عند الحريم وحمل على القوم حتى وصل إلى الجسد الشريف، فجعل يودعه ويمرغ ناصيته، ثم قصد الفرات وغاص فيه ولم ير له خبر بعد ذلك. وقيل: إنه يخرج مع المهدي ويكون راكبه .

ويمكن تعدد الواقعة، بل هو الظاهر من الروايات ، فإن له عليه السلام-على ما يظهر من التواريخ والأحاديث - فرس يقال له «المرتجز» فأصابه سهم فهلك، وفرس يقال له «العقاب » وسيذكر في ترجمة علي بن الحسين، وفرس آخر يقال له «اللاحق» قال الطبري كان يركبه ابنه علي، وفرس آخر يقال له «ميمون» قاله الطبري، وفرس آخر يقال له «ذوالجناح» صرح بذلك جمع من المؤرخين.


1) (1) كدم : عض بمقدم فمه .

وفي جملة من المقاتل: إن له ناقةً تسمى بالمساه أو العضباء، قد ركب عليها روحي له الفداء صبيحة عاشورا وخطب عليها خطبة بليغة قد مرت، وبعد ما نزل عقلها عُقبة بن سِمعان، فلما صار ما صار وقضى ما قضى فإذا بالناقة قد قامت معتقلة ونظرت إلى الخيم فرآها خالية، فتوجهت إلى القتلى، فكلما مرت بقتيل تشمه وتجوز عنه حتى وصلت إلى الجسد الشريف فشمته فوقفت عنده، فجعلت تُخرج السهامَ عن جسده الشريف بفمها وهي تبكي وتصيح وتضرب برأسها إلى الأرض حتى ماتت .

وفي رواية: نظر إليها شمر بن ذي الجوشن فأمر بذبحها، فذبحوها وأخذوا من لحمها وكانت كالعلقم، فلم يقدروا أن يأكلوا من لحمها .

وسيأتي أن الابل التي غنموها من إبله عليه السلام حتى طبخت صار لحمها كالعلقم.

(تتميم نفعه عميم )

قد استفاضت الأخبار بل تواترت معنىً واجمالاً ببكاء الموجودات على الحسين عليه السلام، وفي جملة منها بكى عليه ما يُرى وما لا يُرى(1).

وقد أتعب الفاضلُ المعاصر نفسه في أربعينه وأطنب في تحقيق معنى البكاء في الموجودات، والمحصل من كلامه أن البكاء فيها يُراد منه أحد وجوه ثلاثة:

(الأول) أن المراد بالبكاء هو مبدأ البكاء، وهو الحزن، لا أنه جريان الدمع من العين، والحزن جار وسار في جميع الموجودات، فإن البكاءَ له معنى عام وهو


1) (1) أنظر جملة من الأحاديث في ذلك بحار الأنوار 278/44 فما بعدها .

إظهار الحزن، وهذا المعنى يُكشف في الإنسان بجريان الدمع وانقباض الجبهة، فكل ذي شعور حصل له انقباضُ الجبهة وحزنٌ فهو باك، وجريان الدمع من العين من الكواشف. ولا مدخلية للكواشف في معنى البكاء، إذ المعتبر في صدق المفاهيم تحقق المبدأ والغايات لا الكواشف، كما في أسماء الله تعالى.

وفيه: مضافاً إلى التناقض فى كلامه حيث قال أولاً: إن البكاء هو إظهار الحزن،صرح أخيراً بأن البكاء هو نفس الحزن. أنه اشتبه عليه مبادىء المشتقات والأوصاف بمبادىء المعاني، فإن الحزن مبدأ للبكاء ومنشأ له. نعم البكاء مبدأ للباكي ويكفي في صدق الباكي وجود مبدئه وهو البكاء، ولو ثبت أن البكاء لغة الحزن يكفي في صدق الباكي وجود البكاء بمعنى الحزن، فيكون الباكي والحازن كالبكاء والحزن مترادفان. وأنى له باثباته، بل قوله خلاف ما صرحوا به .

هذا، مع أن في جملة من الروايات ورد لفظ «الدمع» وجريان الدمع في غير الانسان كالملائكة والجن .

(الثاني) أن المراد ببكاء الموجودات هو بكاء صورهم العقلائية، إذ كل نوع من أنواع الكليات له رب النوع العقلائي، فكلما حصل لأحد أرباب الأنواع حزن يسري في جميع أفراد أنواعه من الجمادات والنباتات.

وفيه: أنه لو قلنا بأرباب الأنواع والمُثُل الأفلاطونية نقول: إن رب النوع والمثل أيضاً موجود من الموجودات في عرض أفراده في عالم الوجود، وهو يبكي ببكائه والأفراد أيضاً يبكون ببكائهم، مع أن هذا يرجع إلى الأول أن المراد بالبكاء هو الحزن، وسريان البكاء بهذا المعنى من رب النوع إلى أفراد نوعه-مع أنه لم يتحقق ما معناه وما أراد به فبأي معنى كان ممنوع جداً .

(الثالث) أن لكل شخص صورة عقلائية في السماء يتحد مع صورته الجسمية، فإذا حزنت الصورة حزن الشخص.

وفيه: مع أنه يرجع إلى الثاني لا يصحح بكاء السماء والأرض ويرد عليه ما يرد عليه، مع أن هذا خلاف صريح الأخبار ونصوصها .

قال الفاضل: وهذا هو المراد من قولهم عليهم السلام : بكى عليه ما يُرى وما لا يُرى .

وليت شعري كيف تصور الفاضل قدس سره الحزن ومعناه في الصور العقلائية والمثل، فبأي معنى تصور الحزن يتصور البكاء فيهم وفي عوالمهم، فلا حاجة إلى صرف لفظ البكاء إلى مبدئه ومنشأه وهو الحزن. فيقال كما قال رحمه الله: إن البكاء قد استعمل في معنى عام وهو الحزن. وإطلاق البكاء على بكاء الموجودات إطلاق حقيقي وضعي وإن لم يعرفه أهل اللغة وفيه ما لا يخفى.

والتحقيق أن يقال: إن معنى بكاء الموجودات كتسبيح الموجودات التشريعي لا التكويني، فإن كل موجود له في عام وجوده سمع وبصر وأذن وعين وبكاء (وَإِنْ مِنْ شَيء إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ )(1)، فالبكاء هو جريانُ الدمع من العين بسبب الحزن، إلا أن العين والدمع يختلفان بحسب اختلاف العوالم ، ففي عالم الناسوت والعناصر لكل من جسم تركيبي وقلب صنوبري وحدقة من الانسان والحيوان والوحوش والطيور والسباع وأمثال ذلك بكاؤهم سيلانُ الماء من آلة مخصوصة تسمى بالحدقة والعين .

وقد رأينا كثيراً من بعض الحيوانات كالخيل والبغال والهرة والكلب وأمثالهم


1) (1) سورة الاسراء : 44 .

يجري من أحداقهم الماء إذا أصابتهم شدة أو وجع فيبكون، وقد نُقل ذلك كثيراً جداً .

وأما السماء والأرض فبكاؤهما من عينها السماوي والأرضي سيلان الدم وظهور الحمرة: قال الصادق عليه السلام: بكت السماواتُ والأرضُ على الحسين وعلى يحيى بن زكريا وحمرتهما بكاؤهما .

وفي رواية قال: قلت كيف تبكي السماءُ ؟ قال: تطلع الشمس في حمرة وتغيب في حمرة. وفي رواية: أمطرت السماء تراباً أحمر .

وفي رواية عن علي بن الحسين عليه السلام قال: قلت أي شيء بكاؤهما؟ قال: كانت إذا استقبلت بالثوب وقع على الثوب مثل دم البعوضة(1).

وفي هذا المعنى أخبار كثيرة.

وقد مرّ أن ما من حجر رُفع إلا وتحته دم عبيط، وبمعناه أخبار كثيرة.

وأما الملائكة والجن إذا تلبسوا لباس العناصر وتشكلوا بشكل الماديين العنصريين فبكاؤهم كبكائهم كما أن تسبيحهم كتسبيحهم، وقد ورد أخبار كثيرة في تسبيح الوحوش والطيور بلسانهم ولغتهم وكذلك بكاؤهم، وأما إذا لم يتشكلوا بشكل الماديين فبكاؤهم بجريان الدمع المناسب لذلك التألم من أعينهم المناسبة كتسبيحهم بلسانهم ولغتهم في تلك العوالم، وهكذا كل موجود في عالم وجوده فبكاؤه كتسبيحه .

وعلى ما ذكرنا فالبكاء كالتسبيح استعمل في معناه الحقيقي، وهو التنزيه باللسان وجريان الدمع من العين، إلا أن مصاديقهما تختلف بحسب اختلاف العوالم والأشخاص.


1) (1) أنظر هذه الأحاديث وما أشبهها في عوالم العلوم 455/17 - 473.

وعلى هذا يُحمل كل ما ورد في أحاديثنا وأحاديث العامة في بكاء الملائكة واهتزاز العرش وتعجب الملائكة وضحكهم وأمثال ذلك. فليتأمل جيداً.

(رجم للشياطين)

قال علي جلال الحسيني في كتابه الموسوم بالحسين ألفه بالقاهرة وفرغ من تأليفه في يوم عاشورا من سنة 1345 وطبع بمصر أيضاً ونسخته موجودة عندنا، والظاهر أن مقصوده من تأليف الكتاب ليس إلا تنزيه يزيد، وتطهيره من دم الحسين عليه السلام، وتصغير قصة الطف وتحقيرها، وتكذيب جلّ الأحاديث الواردة في البكاء عليه وإقامة العزاء، وتكذيب جل ماورد عند شهادته عليه السلام من الآثار، وغير ذلك مما سيأتي بعضها، وتبع في ذلك سقيفة ابن تيمية وصديقه الآخر ابن كثير في البداية والنهاية وأخيه الآخر الغزالي في مكاشفة القلوب وغيرهم.

قال علي جلال الحسيني(1)في كتابه في عنوان «الوقائع غير الصحيحة والغلو والأعاجيب»، قال: ذكر بعض المؤرخين وقائع تثبت التألم لحدث ؟ وأخطأ بعضهم في وصف ما هو في الأصل صحيح. إلى أن قال: وغلا شيعة الحسين عليه السلام فوضعوا في أخبار مقتله أحاديث وأعاجيب تبهر العقول لا أصل لها يحسبون أنهم يحسنون صنعاً .

قال: ومما وضعته غلاتهم كثرةُ الجيوش الواردة بكربلاء لمحاربة الحسين، قال ابن الصباغ في الفصول المهمة: وجنّد إليه العساكر عشرين ألف مقاتل، وفي اللهوف عشرين ألف فارس، وفي عمدة الطالب: لقيه الحر في ألف فارس، فلما


1) (1) الحسين عليه السلام 79/1.

صار إلى كربلا منعوه من السير وأرسلوا ثلاثين ألفاً عليهم عمر بن سعد أبي وقاص .

وقال الاسفرايني: إن جملة من أرسله ابن زياد لقتال الحسين أربعون ألف فارس. وذكر أن جواده الميمون كان يكظم بفمه على الفارس فيقتله، وإن عمر بن سعد أمر بحصر من قتل منهم في تلك المعركة فبلغوا ثلاثين ألف فارس وراجل.

وقال أبو مخنف: فورد على الامام الطاهر جيش عدته خمسون ألف فارس وراجل، وروى أن الحسين [لم يزل] يقاتل حتى قتل ألف رجل وتسعمائة وخمسين سوى المجروحين .

ثم قال: والحق أن ابن زياد لم يرسل عشرين ألف فارس وراجل، ولا أربعين ألف فارس وراجل، ولم يُقتل من أخصام الحسين ألف ولا مائة، ولا نعرف للحسين جواداً اسمه ميمون، ولا كان الحسين في حاجة إلى معاونة جواده برجله أو ذنبه .

وقد مرّ أن اكثر رواة ما ذكره من أعاظم العامة وكبرائهم ولا نعيد.

ولقد سلك في هذا المسلك من قال: إن عدة أصحاب عمر بن سعد أربعمائة والمقتول منهم ثمانون والمقتول من أصحاب الحسين اثنان وسبعون، فما ذكره كذب واضح وغلط فاحش يظهر من مراجعة كتبهم واحاديثهم وتواريخهم، وليس مقصودهم في ذلك إلا تحقير قضية الطف ، وقد أثبتت تواريخهم وأحاديثهم بأكثر مما روى أصحابنا في كتبهم وأحاديثهم، وقد مرّ شطر من ذلك، فراجع.

وقد ذكر علي جلال في كتابه في طي كلماته ما يكذبه، قال بعد ورقتين من كتابه: روى ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة أنه قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد: ويحك أقتلتم ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله ؟ قال عَضَضْتَ

بالجندَل، إنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا، ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطّم الفرسان يميناً وشمالاً وتلق أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان ولا ترغب في المال ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية أو الاستيلاء في الملك، فلو كففنا عنها رويداً لأتت على نفوس العسكر بحذافرها، فما كنا فاعلين لا أم لك. انتهى(1).

قال علي جلال الحسيني: وأما ما زعموه من الأعاجيب وخوارق العادة فكثير، روى ابن جرير الطبري في تاريخ الأمم والملوك أنه لما قتل الحسين عليه السلام وسرح عمر بن سعد برأسه مع خولي بن يزيد أقبل به خولي فأراد القصر فوجد بابه مغلقاً، فأتى به منزله فوضعه تحت إجَّانة في منزله، وغضبت امرأة خولي لما أخبرها بأنه جاء برأس الحسين وتركته وقامت عن فراشها، قالت: فما زلت أنظر إلى نور ساطع مثل العمود يسطع من السماء إلى الإجانة، ورأيت طيراً بيضاء تُرَفْرِفُ حولها(2).

وعن محمد بن سيرين: لم تر هذه الحمرة في السماء إلا بعد قتل الحسين عليه السلام .

وروى المقريزي قال السري: لما قُتل الحسين بن علي بكت السماء وبكاؤها حمرتها.

وعن علي بن مسهر قال: حدثني جدتي قالت: كنت أيام الحسين جارية شابة فكانت السماء أياماً كأنها عَلَقة.


1) (1) أنظر شرح نهج البلاغة 261/3.

2) (2) أنظر تاريخ الطبري 455/5 .

وعن الزهري: بلغني أنه لم يُقلب حجرٌ من أحجار بيت المقدس يوم قُتل الحسين إلا وجد تحته دم عبيط. ويقال: إن الدنيا اظلمت يوم قتل الحسين ثلاثاً.

وروي أن السماء أمطرت دماً .

إلى أن قال: لما خرج الحسين قاصداً إلى الكوفة أتته أفواجٌ من الملائكة لينصروه، فقال لهم الحسين عليه السلام: لا حاجة لي بكم فانصرفوا، ثم أتته طائفة من مؤمني الجن وقالوا: يا أبا عبدالله نحن من شيعتك وأنصارك فلو أمرتنا تقمع كل عدو لك وأنت مكانك. فقال لهم: جزيتم خيراً، فلم يأذن لهم.

إلى أن قال بعد ذكر قتله: زلزلت الأرض، واظلم المشرق والمغرب، وأخذ الناسَ الصواعقُ ثم نادى مناد: قد قُتل الامام ابن الامام .

إلى أن قال: في ينابيع المودة عن كتاب جمع الفوائد عن أبي قبيل: لما قتل الحسين انكسفت الشمس حتى بدت الكواكب.

وعن كتاب الصواعق عن سفيان: إن رجلاً انقلب وَرَسُه دماً، وإنهم نحروا ناقةً فكانوا يرون في لحمها مثل الفيران، فطبخوها فصارت كالعلقم، وانكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف النهار، ولم يُرفع حجر إلا رؤي تحته دم عبيط .

قال: وروى الحافظ ابن عساكر في التاريخ أقوالاً كثيرة من هذا المعنى. فنقل عنه مثل ما في الصواعق. ثم قال: ومن هذا القبيل ما رواه سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص - فذكر مثل ما ذكره الحافظ ثم قال: ومن ذلك ما رواه عبدالوهاب الشعراني في الطبقات، وروى أنه لما قتل الحسين عليه السلام واجتزوا رأسه وقعدوا في أول مرحلة يشربون الخمر، فخرج عليهم قلم من حديد من حائط فكتب:

أترجو أمةً قتلت حسيناً شفاعة جده يوم الحساب

ومنه ما رواه في العقد الفريد عن يسار قال: انتهب عسكر الحسين فوجد فيه طيب فما تطيبت به امرأةٌ إلا بَرِصَت.

قال: وذكر البارري عن المنصور بن عمار أنه رأى رجلاً بالشام ووجهه وجه خنزير، فسأله فقال: إنه حضر مع من قتل الحسين .

ثم نقل عن الزهري وعن ابن عساكر في تاريخه سماع أم سلمة نوح الجن.

إلى أن قال: وقال ابن تيمية في منهاج السنة النبوية: كان كثير ممن قتل الحسين أو أكثرهم يكرهون قتله ويرونه ذنباً عظيماً، لكن قتلوه لغرضهم كما يقتل الناس بعضهم بعضاً على الملك.

وبهذا وغيره يتبين أن كثيراً مما روي في ذلك كذب، مثل كون السماء أمطرت دماً، فإن هذا ما وقع قط في قتل أحد، ومثل كون الحمرة ظهرت في السماء يوم قتل الحسين ولم تظهر قبل ذلك، فإن هذا من الترهات، فما رأيت هذه الحمرة تظهر ولها سبب طبيعي من جهة الشمس فهو بمنزلة الشفق، وكذلك قول القائل أنه ما رفع حجر في الدنيا إلا وتحته دم عبيط ، هو أيضاً كذب بيّن .

قال ابن كثير في البداية والنهاية: ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشورا ووضعوا أحاديث كثيرة وكذباً فاحشاً من كون الشمس كسفت إلى أن قال ابن كثير: وروى ابن لهيعة عن أبي قبيل العامري: أن الشمس كسفت، وأن رأس الحسين لما أدخلوه قصر الإمارة جعلت الحيطانُ تنسايل دماً. إلى أن قال: إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة التي لم يقع منها شيء. انتهى ما ذكره علي جلال في كتاب الحسين ملخصاً.

(أقول): قد عرفت مما ذكرنا أن الروايات الواردة في المقام تبلغ أربعين رواية أكثرها بل كلها عن كتبهم وتواريخهم رووها عن محدثيهم ومؤسسي مذهبهم،

وكلهم عدول و ثقات عندهم، وقد أخذوا عمدة ما في مذهبهم والأحكام والقضاء بل وفضائل الخلفاء بل أساس مذهبهم عن هؤلاء الأساطين، مثل البخاري ومسلم والثعلبي والترمذي والخوارزمي وابن حجر وجلال الدين السيوطي وأضراب هؤلاء ممن أخذوا عنه، بل قلما يوجد في أحكامهم الفقهية وفضائلهم وما به أساس دينهم عن رواية خلت عن هؤلاء الرواة، بل ولم يكن في حكم من أحكامهم الفقهية أو فضيلة من الفضائل الذوقية رواية واحدة أو اثنتين أو ثلاث، فقد عرفت في الروايات التي وردت في المقام عنهم أنها تبلغ أربعين رواية وأزيد، بل جملة مما رواه أصحابنا الامامية ينتهى سنده إليهم أيضاً.

وعلى هذا فكيف يجترىء أحد أن ينسب إلى هؤلاء الموثقين الكذب والافتراء والجعل، خصوصاً فيما لا يرجع إلى مذهبهم نفياً أو إثباتاً، فلو جوّزنا أو احتملنا لهؤلاء الأجلة الكذب أو الجعل لما بقي عود ولا عمود. ضرورة أنه ينبغي أن يقول: كل ما ورد عنهم من الأحاديث - ولو في كتبهم كذب وافتراء، فبهذا ينهدم أساسُ دينهم ومذهبهم، وليس لهم أن يقولوا: إن هذا كذب وذلك صدق كما لا يخفى.

وليت شعري ما المراد بقوله غلاة الشيعة ولم يورد من محدثي الشيعة حديثاً في الباب، فهل المراد بغلاة الشيعة مسلم والبخاري أو الثعلبي أو الزهري أو السيوطي أو ابن حجر العسقلاني.

نعم، من أعمي قلبه أعمي بصره ، فكأنه لم يرجع إلى التأريخ والأحاديث، بل ولم يرجع في تأليفه إلى هذا الكتاب الذي ألفه بنفسه، فإن فيه موارد يناقض ما ذكره هنا تركناها روماً للاختصار.

وأعجب من ذلك أنهم يقبلون من رجل مجهول أمثال ذلك من العرفاء

والصوفية والدراويش وكتبهم مشحونة بذلك، وقد نقلوا بعض الكرامات وخوارق العادات عن الحلاج والجنيد وابن العربي وغير ذلك، فتلقوها بالقبول ولم ينسبوا ناقلها إلى الكذب والافتراء.

هذا، مع أن هذه الأمور لو كانت كذباً لم تزد على مذهبهم شيئاً ما لا تنقص عن مذهب الشيعي شيئاً .

وأما ما ذكره ابن تيمية في منهاج السنة من قوله: إنهم إنما قتلو لغرضهم كما يقتل الناس بعضهم بعضاً وبهذا يتبين أن كثيراً مما روي في ذلك كذب. هذا صريح بأنه لو كان قتله لغرض ديني يمكن تصديق ما رووه، وقد مرّ في محله أن قتله عليه السلام كان لغرض ديني، وبه صرح جلّ المؤرخين والمحدثين من العامة والخاصة، حتى أن علي جلال صرح بوجوب النهضة على الحسين عليه السلام الصيانة الدين وكذا غيره على ما مر.

نعم، لا نضايق أن نقول: إن بعض من حضر بالطف كان غرضه الدنيا، وهذا لا ينافي كون غرضه عليه السلام الدين وأنه قتل للدين.

وأما قوله: إن إمطار السماء بالدم كذب، فإنه ما وقع قط في قتل أحد. ففيه: إن مثل هذا البرهان لم يصدر من أصاغر الطلبة فضلاً عن أفاضلهم، فنقول: أولاً انه لصدق ذلك وان لم ينقل في قتل أحد وانه قد وقع في قتل سيد شباب أهل الجنة وريحانته. وثانياً انه قد دل التاريخ والحديث على وقوع مثل ذلك في قتل يحيي بن زكريا كما مر، وقد مرّ عن جلال الدين السيوطي في عقود الجمان أن الشمس قد كسفت في يوم موت النبي صلى الله عليه وآله.

• وأما قوله: فما زالت هذه الحمرة تظهر ولها سبب طبيعي من جهة الشمس فهي بمنزلة الشفق. ففيه مع أنها أخص من المدعى:

أولاً: إن المراد ازدياد الحمرة كما يأتي بيانه في ترجمة الرضيع وقاله في البحار أيضاً .

وثانياً: لا نسلم أن لها سبباً طبيعياً، وقد صرح الفخر الرازي في تفسيره أن كل ما في الفلكيات والسماوات من الخسوف والكسوف أو الشعاع والحمرة وتناثر النجوم والقوس والشهب وأمثال ذلك ليست من الأمور الطبيعية كما زعمه الفلاسفة والحكماء والرياضيون والمنجمون، بل إنما هي بإقدار الله تعالى وقدرته، وما ذكروه تخرُّص ورجم بالغيب وبراهينهم مدخولة.

وقد مرّ عن عقود الجمان للسيوطي: أنه قد قالوا لا تنكسف الشمس إلا في الثامن والعشرين للمقارنة التي يزعمونها قاتلهم الله، فكسفت في يوم موت النبي صلى الله عليه وآله.

هذا، مع أن جلّ الحكماء والعلماء تلقوها بالقبول ولم ينكر ذلك أحد منهم، بل صرحوا -كما في جلّ الروايات - أنه لم تكن هذه الحمرة قبل قتل الحسين عليه السلام. وعلى ابن تيمية إثبات أن هذه الحمرة من الأمورالطبيعية الفلكية وأنها كانت قبل قتل الحسين، وأنى له والأمثاله بالاثبات. مع أن جملة من الأمور الفلكية لم تكن فكانت كردّ الشمس وانشقاق القمر وغير ذلك، فليكن هذا أيضاً منه.

نعم، الانكار لا مؤنة له، فقد أنكروا ما هو أوضح من هذا، كردّ الشمس الذي نطق بوقوعه القرآن، فأنكروه بهذه الشبهات الواهية. والله يهدي من يشاء إلى سواء السبيل.

الباب التاسع : (في الوقائع المتأخرة عن قتله عليه السلام)

اشارة

(المتعلقة بجسده الشريف)

وفيه أمران :

الأمر الأول ما يتعلق ببدنه الشريف وجسمه روحي له الفداء، والأمر الثاني ما يتعلق برأسه عليه السلام.

أما الأمر الأول فيذكر في طي فصول:

الفصل الأول : (في سلبه عليه السلام)

قالوا: فتسابق القوم إلى سلبه عليه السلام .

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: وسلب الحسين عليه السلام ما كان عليه، فأخذ سراويله بحر بن كعب التميمي.

وفى اللهوف(2): روى أنه صار زَمِناً مُقْعَداً من رجليه وقته .

وأخذ قميصه إسحاق بن حَيوة الحضرمي، فلبسه فصار أبرص وسقط شعره وقته .


1) (1) تاريخ الطبري 453/5.

2) (2) اللهوف ص 56 .

وأخذ عمامته أحبَش بن مُرثِد بن علقمة الحضرمي، وقيل جابر بن يزيد الأودي، فاعتم بها فصار معتوهاً .

وفي مثير الأحزان(1): وأخذ برنسه مالك بن بشير الكندي(2)وكان من خزّ وأتى امرأته فقالت له: أسَلَب الحسين يُدخل بيتي، فاختصما. قيل: لم يزل فقيراً حتى مات .

وفي اللهوف وغيره: أخذ درعه البتراء عمر بن سعد. في اللهوف: لما قتل عمر وهبها المختار لأبي عمرة قاتله .

وفي رواية: له درع آخر أخذه مالك بن النُّسير الكندي، فلبسه فصار مجنوناً - قاله الطبري عن أبي مخنف(3).

وفي اللهوف(4)وغيره: وأخذ قيس بن أشعث قطيفته وكانت من خز، وكان يُسمى بعد قيس قطيفة.

وعن الخوارزمي: صار قيس مجذوماً، أعرض عنه أهله فطرحوه في مزبلة، وأكل لحمه الكلاب قبل أن يموت .

قال الطبري (5):قال أبو مخنف: وأخذ نعليه رجل من بني أؤد يقال له الأسود. وقال: وأخذ سيفه رجل من بني نَهْشَل بن دارم، فوقع بعد ذلك إلى أهل حبيب بن بُدَيل .


1) (1) مثير الأحزان ص 76 .

2) (2) كذا في المصدر ، والصحيح «ابن النسير » كما يأتي عن الطبري .

3) (3) تاريخ الطبري 448/5 .

4) (4) اللهوف ص 56 .

5) (5) تاريخ الطبري 453/5 .

وفي اللهوف: وأخذ سيفه جميع بن الخلق الأؤدي، ويقال رجل من بني تميم يقال له الأسود بن حنظلة. وفي مثير الأحزان: وأخذ سيفه القلانس النهشلی.

وفي اللهوف: وهذا السيف المنهوب المشهور ليس بذي الفقار، فإن ذلك كان مذخوراً ومصوناً مع أمثاله من ذخائر النبوة والامامة. قال: وقد نقل الرواة تصديق ما قلنا وصورة ما حكيناه.

وعن ابن شهر اشوب(1): أخذ قوسه وجملة مما يتعلق به رحيل بن خيثمة الجعني وهاني بن شبيب الحضرمي وجرير بن مسعود الحضرمي وثعلبة بن الأسود الأوسي.

وقال الشيخ ابن نما في مثير الأحزان والسيد في اللهوف والمجلسي في البحار بل في جلّ من المقاتل: وأخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبي وقطع أصبعه مع الخاتم(2). قالوا: وهذا أخذه المختار فقطع يديه ورجليه وتركه يتشحط في دمه حتى مات(3).

والظاهر بل المتعيَّن أن هذا الخاتم غير الخاتم الذي هو من ذخائر النبوة، فإن ذلك الخاتم جعله روحي له الفداء في اصبع ابنه علي بن الحسين عليه السلام كما رواه الشيخ الصدوق(4)عن محمد بن مسلم قال: سألت الصادق جعفر بن محمد عليه السلام عن خاتم الحسين بن على إلى من صار، وذكرت له أنه أخذ من اصبعه فيا أخذ.

قال: ليس كما قالوا، إن الحسين أوصى إلى ابنه علي بن الحسين وجعل خاتمه في اصبعه وفوّض إليه أمره. وقد مرّ تمام الحديث في باب وصاياه عليه السلام.


1) (1) مناقب آل أبي طالب 120/4 .

2) (2) مثير الاحزان ص 58 بحار الأنوار 58/45 ، اللهوف ص 76 .

3) (3) بحار الأنوار 58/45 ، لواعج الاشجان ص 193.

4) (4) الأمالي للصدوق ص 124 .

ثم إن الذي يظهر من كلماتهم أن بعض ما ذُكر ليس مما سُلب عن بدنه عليه السلام، بل فيه المنهوبات من المخيم كالدرع وبعض الأشياء. واحتمال بعضهم أنه عليه السلام لبس درعين بعيد جداً، بل في بعض المقاتل إنهم تقاسموا سَلبه وأخذ كل واحد ما ذكر باختلاف يسير فى الآخذ والمأخوذ.

وأما قضية التِكَّة(1)وقطع اليد في الليل ذكرها في مدينة المعاجز، وفيها غرائب تركناها لعدم مستند صحيح لها ومنافاتها لأخبار كثيرة. ونقلها في البحار عن بعض كتب أصحابنا من المعاصرين ، ومن أراد فليرجع إليه .

هذا بالنسبة إلى جسده الشريف، وأما سَلبَ سائر الشهداء فلم أر من تعرض لذلك نفياً أو اثباتاً، فكأنهم أرسلوه إرسال المسلمات لرذالة أهل الكوفة وطمعهم في الدنيا، فسلبوا من سائر الشهداء ما يمكن أن يُسلب كما فعلوا ذلك برحله وحرمه عليه السلام كما سيأتي .

وفي الحديث المشهور(2)المروي عن زائدة عن علي بن الحسين عليه السلام قال: لما أصابنا بالطف ما أصابنا وحُملنا على الأقتاب ساروا بنا إلى الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى. إلى أن قال: فقالت لي عمتي زينب: ما لي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي. فقلت: فكيف لا أجزع وأهلع وقد أرى سيدي وإخوتى وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرجين بدمائهم مرمَّلين بالعراء مسلَّبين لا يكفنون - إلى آخر الحديث.

فقوله عليه السلام «مسلبين» يدل على سلبهم جميعاً.


1) (1) التكة : رباط السراويل البحار 60/45 .

2) (2) بحار الأنوار 179/45.

وفي رواية قال عليه السلام: وأما يوم عاشورا يوم أصيب فيه الحسين عليه السلام وأصحابه حوله صرعى عراة .

وذكر الشيخ ابن نما: أن الحكيم بن الطفيل الطائي سلب العباس عليه السلام ورماه بسهم وسيأتي في ترجمة الحكيم بن الطفيل أنه سلب العباس وأخذ ثوبه ورماه بسهم كما ذكر ذلك في المختاريات.

وفي المختاريات كما في البحار ثم أخذ رجلين اشتركا في دم عبدالرحمن بن عقيل بن أبي طالب وفي سَلَبه كانا في الجَبَّانة(1)فضرب أعناقهما(2).

الفصل الثاني : (في جراحات بدنه عليه السلام)

(سوى ما أصاب برأسه)

فالمروي(3)عن أبي جعفر عليه السلام قال: أصيب الحسين ووُجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنة برمح أو ضربة بسيف أو رمية بسهم.

وفي اللهوف(4): روى أنه وجد في قميصه مائة وبضع عشرة ما بين رمية سهم وطعنة وضربة .

وقال الصادق عليه السلام: وُجد بالحسين عليه السلام ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة. وفي مثير الأحزان وروضة الواعظين مثله.


1) (1) الجبانة: ما استوى من الأرض في ارتفاع ولا شجر فيه . المقبرة، الصحراء .

2) (2) بحار الأنوار 374/45 .

3) (3) مناقب آل أبي طالب 120/4 .

4) (4) اللهوف ص 56 .

(بیان):

لا منافاة بين رواية الصادق عليه السلام وما قبله، إذ لم يعيّن في الرواية الرمية، كما أنه لا منافاة بينها وبين رواية الباقر عليه السلام، لاحتمال كون الجرح فوق الجرح والرمية والطعنة فوق الطعنة وهكذا، كما روي في الجلاء للمجلسي وغيره أن مجموع ما أصاب ببدنه الشريف ألف وتسعمائة وكلها في مقدّم بدنه. وهذا لا يُتصوَّر إلا بما ذكرنا. وفيه: إن فى ذراعه أثر السهام ما لا يحصى.

وقال المسعودي والجزري(1): إن في جسده أثر ثلاث وثلاثين طعنة وأربع وثلاثين ضربة غير أثر السهام .

وقال الشيخ محمد بن علي الفتال النيسابوري في روضة الواعظين(2): وروي أنها كانت كلها في مقدمته، لأنه عليه السلام كان لا يولي .

و في القمقام: إنه مما اتفق عليه الفريقان العامة والخاصة.

هذا ما أصاب ببدنه الشريف وأما ما أصاب برأسه من الجرح فسيأتي عن قريب.

الفصل الثالث : (في رض صدره وجسده الشريف)

الذي اتفق عليه العامة والخاصة محدثوهم ومؤرخوهم بل كل من تصدى لوقعة الطف ذكر ذلك من غير نكير .

قال الطبري(3): ثم إن عمر بن سعد نادى في أصحابه: من ينتدب للحسين


1) (1) مروج الذهب 62/3 ، الكامل لابن الأثير 79/4 .

2) (2) روضة الواعظين ص 189 .

3) (3) تاريخ الطبري 454/5 .

ویوطئه فرسه. فانتدب عشرة منهم إسحاق بن حَيْوَة الحضرمي وهو الذي سلب الحسين قميصه فبرص بعد، وأحبش بن مرة بن مرثد بن علقمة الحضرمي، فأتوا فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره وصدره، فبلغني أن أحبَش بن مرثد بعد ذلك بزمان أتاه سهمُ غَرَب(1)وهو واقف في قتال ففلق قلبه فمات. انتهى.

وفي مقاتل الطالبيين(2)قال: وأمر ابن زياد أن يوطأ صدر الحسين وظهره وجنبه ووجهه، فأجريت الخيل عليه. انتهى.

ويظهر منه أن ذلك قبل قطع رأسه وعليه شواهد. وعن مروج الذهب مثله.

وعن أبي حمزة الزاهد مثله بزيادة، قال: إنهم عشرة ونظرنا في نسبهم كلهم أولاد زنا، وهم إسحاق بن حَيْوَة الحضرمي الذي سلب قميص الحسين عليه السلام، وأحبش بن مرثد الذي سلب عمامة الحسين، والحكيم بن الطفيل قاتل أبي الفضل العباس، وعمرو بن صبيح الصيداوي، ورجاء بن المنقذ العبدي، وسالم بن خيثمة، وصالح بن وهب الجعفيان، وواخط بن ناعم، وهاني بن شبيب، واسيد بن مالك.

وفي مثير الأحزان مثله بأسمائهم، قال: فوطأته خيولهم حتى رضوه(3).

وفي روضة الواعظين مثله، قال: فانتدب عشرة منهم، فداسوا الحسين بخيولهم حتى رضوا ظهره. وعن الارشاد والمناقب لابن شهر اشوب مثله .

وفي تذكرة السبط: وأوطأوا الخيل صدره وظهره، ووجدوا في ظهره اشارات


1) (1) سهمُ غَرَبٍ وسهمْ غَرَبٌ : سهم لا يُدرى راميه .

2) (2) مقاتل الطالبيين ص 118 .

3) (3) مثير الأحزان ص 78.

سوداء، فسألوا عنها فقيل: كان ينقل عليه السلام الطعام على ظهره في الليل إلى مساكين أهل المدينة.

وفي الأبيات المنسوبة إليه :

وأنا السبط الذي من غير جُرمٍ قتلوني

وبجُرد الخيل بعد ال قتل عمداً سحقوني

وفي الأبيات المنسوبة إلى الزهراء سلام الله عليها التي علمتها في المنام لذرة النائحة:

أيها العينانُ فيضا واستهِلاً لا تغيضا

و ابكيا بالطف مَيْتاً ترك الصدر رضيضا

قالوا: وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد، فقال أسيد بن مالك أحدهم:

نحن رضضنا الصدرَ بعد الظهر بكل يعبوب(1)شديد الأسر(2)

فقال ابن زیاد: من أنتم؟ قالوا: نحن الذين وطأنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنا جناجر صدره و جناجن ظهره ، فأمر لهم بجائزة يسيرة .

ويظهر من كلماتهم أنهم عليهم اللعنة داسوا الحسين وأوطأوا الخيل عليه مرة بعد مرة، مرة على صدره ومرة على ظهره، ويؤيده رواية ابن الجوزي المذكورة.

قالوا: وهؤلاء العشرة أخذهم المختار فقيد أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد وأوطأ الخيل على ظهورهم حتى هلكوا. وقد مرّ رواية الطبري في الأحبَش.

وفي كتاب التعجب للشيخ أبي الفتح الكراجكي قال: وهؤلاء من الخيول التي داست جسدَ الحسين عليه السلام إلى مصر واجتمعوا عليه واشتروا نعاله بقيمة


1) (1) اليعبوب : الفرس السريع الطويل .

2) (2) وفي رواية «شديد الحضر» .

غالية، افتخاراً منهم على ذلك وتقرباً ليزيد بن معاوية وبني أمية، وعلقوا النعل علی باب دارهم. قال: وإلى الآن-الذي هو في حدود بضع وأربعمائة - هذا الرسم في دورهم، يعلّقون عليها أشكالاً نعلية.انتهى.

ولعل ما نرى في بعض البلاد في العراق أنهم يعلقون على باب دارهم نعلاً حديداً أخذوه من المصريين ولم يعرفوا لماذا أخذوه .

وبالجملة، فالمتتبع يقطع بوقوع هذه الحادثة العجيبة الغريبة من هؤلاء العشرة بأمر عمر بن سعد عملاً بما كتب إليه فيما كتب ابن زياد: وإن قتلتَ حسيناً فأوطىء الخيلَ صدره وظهره، وإني أعلم أنه لا يضره شيئاً إلا أنه قول قلته. ومرّ مفصلاً.

هذا، وقد توقف بعضٌ وأنكر بعض آخر وقوع هذه الحادثة، لرواية في الكافي(1)قال: الحسين بن محمد قال: حدثني أبوكريب وأبوسعيد الأشج، قال: حدثنا عبدالله بن ادريس، عن أبيه ادريس بن عبدالله الأؤدي قال: لما قُتل الحسين عليه السلام أراد القوم أن يوطئوه الخيل، فقالت فضة لزينب: يا سيدتي إن سفينة(2)كُسر به فى البحر فخرج به إلى جزيرة فإذا هو بأسد، فقال: يا أبا الحارث(3)أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، فهمهم بين يديه حتى وقفه على


1) (1) الكافي 465/1 .

2) (2) سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، وقيل مولى أم سلمة زوج النبي وهي مولدي العرب، واسمه مهران، وقيل رويان، وقيل عبس، وكنيته أبو عبدالرحمن، وقيل هو من أبناء الفرس واسمه سفينة بن مارقيه، وحكايته وركوبه في السفينة مشهورة. وسمي سفينة لأنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في سفر وقد حمل شيئاً كثيراً، فقال النبي: أنت سفينة، فبقي عليه . أقول: اختلف في اسمه كثيراً . أنظر الاصابة 109/3، اسد الغابة 324/2.

3) (3) أبو الحارث : كنية الأسد . م

الطريق، والأسد رابض في ناحية(1)، فدعيني أمضي إليه وأعلمه ما هم صانعون غداً. قال: فمضت إليه وقالت: يا أبا الحارث، فرفع رأسه ثم قالت: أتدري ما يريدون أن يعملوا غداً بأبي عبد الله، يريدون أن يوطئوا الخيل ظهره. قال: فمشى حتى وضع يديه على جسد الحسين، فأقبلت الخيل، فلما نظروا إليه قال لهم عمر ابن سعد فتنة لا تثيروها انصرفوا فانصرفوا.

وهذه الرواية وإن رواها الشيخ الأجل ثقة الاسلام في الكافي، وهو أوثق كتب الشيعة، إلا أنها رواية تاريخية وليست بحديث مروي عن المعصوم، إذ لم يسنده في اليا إلى قول إمام، فهو من أخبار الآحاد ولا يفيد علماً ولا عملاً، مع أن إدريس بن عبدالله مجهول.

قال في التنقيح(2): ادريس بن عبد الله الأؤدي، وفي بعض النسخ الأزدي، لم أقف في حال الرجل إلا على عدّ الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام(3)، وظاهره كونه إمامياً إلا أن حاله مجهول.

وحسين بن أحمد مشترك بين جماعة ، الظاهر أنه حسين بن أحمد بن هلال في التنقيح: هكذا وقع في بعض أسانيد أصول الكافي، وقال في مرآة العقول: إنه مجهول .

وأبوسعيد أيضاً مجهول. وأبوكريب ثقة جليل عين.

وبالجملة، هذه الرواية وإن تُعدّ من الأخبار التاريخية لا تعارض ما قدمنا من


1) (1) من ربض الغنم ، وهو كالجلوس للانسان ، وقيل كالاضطجاع قاله في المجمع .م

2) (2) تنقيح المقال 105/1.

3) (3) رجال الطوسي ص 150 .

نقل الفحول من المحدثين والمؤرخين بل دعوى الاتفاق على وقوع الحادثة. مع أنه مما يمكن الجمع، بل هو الظاهر من متن الرواية أن ما وقع بأمر ابن سعد في عصر عاشورا فبادر عشرة من القوم ففعلوا ما يحرق القلوب، لا ينافي عزم القوم وجمع العسكر تقرباً لابن زياد وأن يوطئوا جسده الشريف في غد يوم عاشوراكا هو صريح متن الرواية، فلا تعارض بينهما ولا منافاة.

ثم لا يخفى أن هذه الحادثة مختصة بجسده الشريف ولم يشاركه أحد من الشهداء، إلا عبد الله بن الحسن الذي قتل في حجره على ما سيذكر في ترجمته، إذ من المعلوم أنه لم يبق أحد يحمله إلى بيت القتلى، فشارك عمه.

كما وسيذكر أيضاً في ترجمة القاسم بن الحسن أنه شارك عمه وأخاه في ذلك.

الفصل الرابع : (في دفنه ومدفنه عليه السلام)

اشارة

(ومدفن أصحابه رضي الله عنهم)

قال علي جلال الحسيني المصري في كتاب الحسين: لا يكاد يوجد خلاف في موضع دفن جسد الحسين عليه السلام.

وفي كامل الزيارات(1)في عنوان «فضل كربلا وزيارة الحسين عليه السلام» قال: وجميع أحاديث هذا الباب وغيرها مما يجري مجراها يُستدل بها على صحة قبر مولانا الحسين بكربلا، لأن كثيراً من المخالفين ينكرون أن قبره بكربلاء كما ينكرون أن قبر مولانا أمير المؤمنين بالغري بظهر نجف الكوفة.


1) (1) كامل الزيارات ص 259 .

وفيه ما لا يخفى.

نعم، منهم من أنكر شهادته عليه السلام وإلا فكل من قال بشهادته قال بدفنه هناك. وقد مرّ غير مرة أن فيهم من ليس غرضه إلا التشكيك في المسلمات والاشكال في البديهيات والضروريات لأغراضهم الفاسدة، ومنكر شهادته أو منکر دفنه هناك من هؤلاء.

وما في كامل الزيارة ليس من الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، وإنما ألحقه بكتابه بعض تلامذته كما صرح به في المقام، فما في البحار(1)من نقله عن الكتاب من غير تنبيه على ما ذكرنا ليس في محله .

ثم إنه لا خلاف بيننا ولا إشكال بل عليه الاجماع بل يعدّ من ضروريات مذهبنا مضافاً إلى الأخبار الواردة عموماً وخصوصاً: أن الامام والمعصوم لا يغسله ولا يدفنه إلا الامام والمعصوم، بل في جملة من الكلمات لا يدفنه إلا الامام بعده ووصيه. وعليه فقد حضر الامام زين العابدين علي بن الحسين دفن أبيه عليه السلام، نقول ونعتقد بذلك ولو لم يرد فيه رواية مع أنه في المورد نقلت روایات:

منها: ما في كتاب الجلاء للسيد عبد الله بن محمدرضا شبر الحسيني عن الباقر عليه السلام قال: إن علي بن الحسين عليه السلام بعلمه وقدرته حضر عند دفن أبيه فصلى عليه ودفنه وكفى أمره ورجع.

ومنها: ما روي عن الرضا عليه السلام كما في البحار: إن علي بن الحسين عليه السلام أتى خفية عن الناس بكربلاء فتولى أمر أبيه ودفنه ورجع .


1) (1) بحار الأنوار 179/45 .

ومنها: مارواه الكشي(1)عن محمد بن مسعود، عن جعفر بن أحمد، عن حمدان بن سليمان، عن منصور بن عباس، عن إسماعيل بن مهران(2)، عن بعض أصحابنا قال: كنت عند الرضا عليه السلام، فدخل عليه علي بن أبي حمزة وابن السراح وابن المكاري، فقال علي بعد كلام جرى بينهم وبينه في إمامته عليه السلام فأخبرني عن الحسين بن علي كان إماماً أو غير إمام. قال: كان إماماً. قال: فمن ولي أمره؟ قال: علي بن الحسين. قال: وأين كان علي بن الحسين؟ قال: كان محبوساً في يد عبيد الله بن زياد. قال: خرج وهم كانوا لا يعلمون حتى ولي أمر أبيه ثم انصرف. فقال له أبو الحسن عليه السلام: من أمكن علي بن الحسين أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه فهو يمكّن صاحب هذا الأمر أن يأتي بغداد ويلي أمر أبيه ثم ينصرف، وليس في حبس ولا إسار.

ومنها: ما روي عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله هبط جبرئيل ومعه الملائكة والروح الذين كانوا يهبطون ليلة القدر، قال: ففتح أمير المؤمنين بَصره فرآهم من منتهى السماوات والأرض يغسلون النبي ويصلون عليه ويحفرون له، والله ما حفر له غيرهم حتى إذا وضع في قبره نزلوا مع من نزل فوضعوه إلى أن قال: فلما مات أمير المؤمنين رأى الحسن والحسين عليهما السلام مثل الذي كان رأى ورأى النبي (صلی الله علیه وآله وسلم) أيضاً يعين الملائكة مثل الذي صنعه بالنبي، حتى إذا مات الحسن عليه السلام رأى الحسين مثل ذلك ورأى النبي وعليّاً يعينان الملائكة ، حتى إذا مات الحسين عليه السلام


1) (1) رجال الكشي ص 463.

2) (2) في المصدر «ابن سهل» .

رأى علي بن الحسين مثل ذلك إلى آخر الحديث.

وفي جملة من الأخبار : لو قبض الامام في المشرق وكان وصيه في المغرب جمع الله بينهما.

ويظهر من رواية أبي جعفر الثاني المتقدمة المروية في بصائر الدرجات حضور الرسول صلى الله عليه وآله وحضور كل إمام سابق عند دفن الامام اللاحق، كما صرح بحضورهم عند دفن الحسين عليه السلام. وهل حضورهم بالأبدان النورانية في عالم المثال كما يظهر من رواية بصائر الدرجات أو بأبدانهم الدنيوية العنصرية لكن بحيث لا يراهم أحد إلا الامام، لأن العوالم عندهم كلها عرضية لا طولية، لكان هذا المقام مقام آخر ، والأخبار في ذلك كثيرة .

وبالجملة، فلا شبهة في حضور الرسول صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والزهراء والحسن عليهم السلام عند دفنه روحي له الفداء ومعاونتهم لعلي بن الحسين عليه السلام .

هذا بحسب الباطن، وأما بحسب الظاهر فالمروي في حديث زائدة(1)قالت زينب لعلي بن الحسين: ولقد أخذ الله ميثاقَ أناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنهُ هذه الأرض وهم معروفون في أهل السماوات، أنهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرَّجة، وينصبون لهذا الطف عَلَماً لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثرهُ.

وفي حديث أم أيمن(2)قال جبرئيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: ثم يبعث الله


1) (1) بحار الأنوار 179/45 .

2) (2) المصدر 182/45.

قوماً من أمتك لا يعرفهم الكفار، لم يشركوا في تلك الدماء بقول ولا فعل ولا نية، يوارون أجسامهم ويقيمون رسماً لقبر سيد الشهداء بتلك البطحاء إلى آخر الحديث.

إذ ليس في الكتب المعتبرة كيفية دفنه عليه السلام ومن قُتل معه بخصوصياته مفصلاً. وما ذكره المتأخرون ببعض الخصوصيات لا سند له تسكن إليه النفس من رواية يُعتمد عليها أو تاريخ يُطمأن به، إلا أن المشهور والمسلم ووردت به الرواية وأيدت بالتواريخ المعتمدة حضور قوم من بني أسد عند دفنه .

قال ابن شهر اشوب في المناقب(1): ودفن جثتهم بالطف أهل الغاضرية من بنی أسد بعد ما قتلوا بيوم، وكانوا يجدون لأكثرهم قبوراً ، ويرون طيوراً بيضاء .

بني وقال المسعودي(2): ودفن أهل الغاضرية وهم قوم من بني غاضر(3)من بني أسد - الحسينَ وأصحابَه بيوم بعد قتلهم . وقال الشيخ في الإرشاد(4): ولما رحل ابنُ سعد خرج قوم من بني أسد كانوا نزولاً بالغاضرية إلى الحسين عليه السلام وأصحابه، فصلوا عليهم، ودفنوا الحسين حيث قبره الآن. وفي كامل البهائي(5)ألفه محمد بن علي بن محمد بن الحسن الطبري لبهاءالدين محمد بن محمد شمس الدين في سنة خمس وسبعين وستمائة والنسخة موجودة عندنا قال: إن بني أسد افتخرت على قبائل العرب بأنا صلينا على الحسين عليه


1) (1) المناقب 121/4 .

2) (2) مروج الذهب 63/3 .

3) (3) في المصدر بالعين ، وأنظر معجم البلدان 183/4.

4) (4) الارشاد للمفيد ص 227.

5) (5) كامل البهائي 287/2 .

السلام ودفناه وأصحابه.

وأما حديث البارية وأن بني أسد جاؤا ببارية جديدة وفرشوها تحت الحسين

عليه السلام، فهو المنقول عن الديزج المأمور عن المتوكل على قبر الحسين. في الامالی بسنده عن محمد بن مسلمة عن إبراهيم الديزج قال: بعثني المتوكل إلى الأمالي نبش قبر الحسين. إلى أن قال: قال أبو علي العمادي: فحدثني إبراهيم الديزج وسألته عن صورة الأمر فقال لي: أتيت في خاصة من غلماني فقط، ونبشت القبر فوجدت بارية جديدة وعليها بدن الحسين عليه السلام، ووجدت منه رائحة المسك، فتركت البارية على حالها وبدن الحسين على البارية وأمرت بطرح التراب عليه.

وفي كامل البهائي: إن بني أسد لما ارتحلوا من مكانهم خوفاً من ابن زياد فوصلوا كربلاء فرأوا جثثهم على الأرض فدَفنوهم. وفيه أيضاً: إن جمعاً من اليهود نزلوا قريباً من كربلا وهم من أهل خيبر، فبعد فتح خیبر وفتحه رسول الله صلى الله عليه وآله ارتحلوا ونزلوا قريباً من كربلا ورئيسهم اسمه إبراهيم وروتيل، وكانوا ينامون بالليل على سطح دورهم، فإذا هم ينظرون في الليل أنواراً ساطعة من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء، فجمعوا أهلهم فقالوا: هؤلاء قوم لهم عند الله درجة ومقاماً لما نرى من الأنوار عن جثتهم، فعزموا على أن يدفنوهم فجاؤا ليدفنوهم.

وفي زماننا حكوا أن قرب الشفائة قصوراً خربة المعروف عندهم بقصر شمعون. وهذا من الغريب.

وبالجملة، فلا شبهة ولا خلاف في دفن بني أسد جسد الحسين عليه السلام حيث قبره الآن بعد الصلاة عليه بحسب الظاهر.

وأما سائر الشهداء فمن المتيقَّن المعلوم و به جاءت الروايات في باب الزيارات ونص عليه المحققون أن العباس عليه السلام دفن في موضعه الذي قتل فيه على المسناة بطريق الغاضرية حيث قبره الآن ظاهر يزار .

وأما النهر العلقمي المشهور في الألسنة، فلم يكن في ذلك الزمان هناك نهر ولا علقمي، وإنما كان بعد دفنه عليه السلام بسنين زارع يزرع هناك واسمه علقمي وحفر نهراً من الشط لزرعه وجرى النهر من عند قبره عليه السلام واشتهر بعد ذلك أن قبره بجنب نهر العلقمي . وستجيء حكاية الشاه إسماعيل الصفوي المناسبة لما هنا.

وأما علي بن الحسين [الأكبر] عليه السلام، فمن المعلوم المحقق ونطقت به الأخبار وجاءت به الروايات في باب المزار وغيره وصرح به الشيخ في الإرشاد وغيره من الفقهاء في كتاب المزار أنه دفن فيما يلي رجل أبيه عليه السلام وفي عبارة الارشاد: دفن عند رجلي الحسين عليه السلام.

وفي زيارة الناحية المروية قال: فإذا أردت زيارة الشهداء فقف عند رجلي الحسين وهو قبر علي بن الحسين .

وقد يُعبَّر بما يلي رجلي الحسين، وقد عبر بنحو «نحو رجله». عباراتهم شتى وحسنك واحد. واتفقوا على أن علي بن الحسين أقربهم دفناً إلى الحسين، وقد حُفر له حفيرة عند أبيه ومما يلي رجليه ودفنوه فيه.

وأما قبر حبيب بن مظاهر المشهور المعروف فقد صرح الشيخ الحافظ أحمد بن عبد الله الاصبهاني أبو نعيم في كتاب حلية الأولياء-والرجل من أكابر المحدثين الموثوق به عند الفريقين وصرح بتوثيقه جمع من العامة والخاصة، قيل إنه عامي

وصرح جمع بتشيعه، قال ابن خلكان(1)في تاريخه: أبو نعيم أحمد بن عبد الله - وفي نسخة عبيد الله أحمد بن إسحق بن موسى بن مهران الاصبهاني الحافظ المشهور صاحب کتاب «حلية الأولياء»، وكان من الأعلام المحدثين وأكابر الحفاظ الثقات، أخذ عن الأفاضل وأخذوا عنه وانتفعوا به، وكتابه الحلية من أحسن الكتب .. ولد في رجب سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وتوفي في صفر سنة خمس وثلاثين وأربعمائة. انتهى. وعن الشيخ البهائي: إنه أورد في كتابه الموسوم بحلية الأولياء ما يدل على خلوص ولايته - قال: ودفن بنو أسد حبيباً عند ند رأس

الحسين حيث قبره الآن اعتناءاً بشأنه لأنه منهم ورئيسهم. انتهى.

ويظهر منه أن قبره رضوان الله عليه كان ممتازاً وظاهراً في حدود الثلاثمائة. وقال الشهيد في الدروس(2)بعد زيارة الشهداء: ثم سلّم على حبيب بن مظاهر وحر بن يزيد الرياحي. ويظهر منه أيضاً أن قبر حبيب وقبر الحركان معيناً و ممتازاً في حدود السبعمائة.

وفي المقامع، سئل مؤلفه العلامة قدس سره عن قبر حبيب وقبر الحر؟ قال: وحبيب بن مظاهر في الرواق، وقبر الحر في موضعه قريباً من كربلا أقل من فرسخ .

وبالجملة، فلا شك فيه ولا شبهة يعتريه إلا من كان في قلبه وسواس أو الخناس الذي يوسوس في صدور الناس.

وأما قبر الحر فقد ذكرنا في ترجمته ما أغنانا عن التفصيل هنا، وأن قبره حيث


1) (1) وفيات الأعيان (91/1 مع اختلاف واختصار .

2) (2) الدروس الشرعية 11/2 وليس فيه «حبيب بن مظاهر».

الآن يزار، ونزيد توضيحاً ما ذكره الشهيد في الدروس، مضافاً إلى ما نصّ عليه الطبرسي الحسين بن علي بن محمد بن الحسن، قال في كامل البهائي(1): ودفنوا - يعني بني أسد - الحر بن يزيد الرياحي مع أقربائه في الموضع الذي استشهد فيه. هكذا في النسخة الموجودة عندنا، ونقل الفاضل المعاصر في كتابه نفس المهموم(2)عن كامل البهائي أنه دفن الحر بن يزيد الرياحي في الموضع الذي قتل فيه، دفنه أقرباؤه. وكيف كان قبره كان ممتازاً عن سائر الشهداء، ولعل في العبارة سقط، وكان «يزار فيه» بدل قتل فيه، أو يُراد بالموضع مطلق المكان.فتدبر.

وأما قبور سائر الشهداء عليهم السلام، فالذي يظهر من رواية المناقب لابن شهر اشوب أن لأكثرهم قبوراً ممتازة، قال(3): وكان بنو أسد لأكثرهم قبوراً ويرون طيوراً بيضاء. وفي الإرشاد(4)قال: وحفروا الشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صُرّعوا حوله مما يلي رجلي الحسين عليه السلام، وجمعوهم ودفنوهم جميعاً معاً. انتهى.

والظاهر تعلق «حوله» بصر عوا لا بحفروا فيقال حفروا حوله، ويقال كما قيل إن أصحاب الحسين الذين قتلوا معه دفنوا حوله، لمنافاة هذا الاحتمال ذيل كلامه: دفنوهم جميعاً معاً.

والذي يظهر منه قدس سره بل صريح كلامه أنه حُفر مما يلي رجلى الحسين عليه السلام حفرة مخصوصة لبني هاشم، وحفروا حفرة أخرى أيضاً مما يلي


1) (1) كامل البهائي 287/2.

2) (2) نفس المهموم ص 388.

3) (3) مناقب آل أبي طالب 121/4 .

4) (4) الارشاد للمفيد ص 227.

رجليه عليه السلام لباقي الأصحاب ودفنوهم هناك، قال في فصل أسماء من قتل معه: فهؤلاء سبعة عشر نفساً من بني هاشم رضوان الله عليهم أجمعين، أخوة الحسين وبنو أخيه وبنو عمه جعفر وعقيل ، وهم كلهم مدفونون مما يلي رجلي الحسين عليه السلام في مشهده، حُفر لهم حفيرة وألقوا فيه جميعاً وسُوّي عليهم التراب إلا العباس. وقال: وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله مما يلي رجلي الحسين وجمعوهم ودفنوهم جميعاً معاً. وقال أيضاً: فأما أصحاب الحسين الذين قتلوا معه فإنهم دفنوا حوله ولسنا نحصل لهم أجداثاً على التحقيق والتفصيل، إلا أنا لا نشك أن الحائر محيط بهم.انتهى،وكلامه لا يخلو عن اضطراب .

وفي كامل البهائي: إنا لا نشك أن الحائر محيط بهم من جانب رجلي الحسين عليه السلام.

وبالجملة، فاحتمال دفن بني هاشم أو بعض الأصحاب حول قبره عليه السلام بعيد جداً وإن قيل به، وتنافيه الأخبار الواردة في باب الزيارات وتصريح جملة الأعيان والأكابر من أصحابنا بخلافه، مضافاً إلى مخالفته للاعتبار لوجوه لا تخفى.

إنما الكلام أنهم حفروا حفيرة واحدة ودفنوهم جميعاً من بني هاشم وسائر الأصحاب في تلك الحفيرة، كما يترائى من ظاهر كلمات جملة من أرباب المقاتل، أو حفروا حفرتين حفرة لبني هاشم وحفرة لباقي الأصحاب وكلتا الحفرتين مما يلي رجلي الحسين، كما هو الظاهر المستفاد من كلام الشيخ وغيره، وهو الأصح ولا تنافيه أخبار الزيارات، لأن الشهداءَ كلَّهم مما يلي رجلي الحسين عليه السلام عند قبر ولده علي الأكبر.

ويؤيده ما ورد عن الناحية المقدسة في زيارة الشهداء، قال عجل الله تعالى فرجه: إذا أردت زيارة الشهداء فقف عند رجلي الحسين وهو قبر علي بن الحسين، فاستقبل القبلة بوجهك، فإن هناك حَوْمة الشهداء(1)وقل إلى آخر الزيارة.

ثم إن الظاهر من كلمة «يلي رجليه» الاتصال كما في قبر علي بن الحسين، ولا تنافيه كلمة عند أو نحو على ما في بعض الروايات، فقبره متصل بقبر أبيه عليه السلام. وكذا حومة الشهداء وحفرتهم متصلة بقبر علي بن الحسين. وعلى هذا فلا يبعد أن يقال - بل هو المظنون بالظن القوي - أن الضريح المقدس المنصوب في زماننا كما أنه محيط بقبر الحسين وقبر علي بن الحسين عليهما السالم محيط بحفرة الشهداء أيضاً، خصوصاً إذا قلنا بحفرة واحدة أو بحفرتين عريضتين. فليتفطن.

ثم لا تصريح في كلماتهم بأن الدفن كان بالليل، بل المصرَّح به في كلام جماعة أن الدفن كان في اليوم الثاني عشر، وهو الظاهر من عباراتهم أيضاً. إلا أن في ألسنة المعاصرين وكتب المتأخرين أن الدفن كان في الليلة الثالثة عشر، وهو كما ترى. فتدبر.

(فائدتان)

(الأولى) المشهور في زماننا وفي ألسنة العامة وفي كتب المتأخرين وبعض المعاصرين أن دفن أجسادهم الطيبة وجئتهم الطاهرة كان في ليلة الثالثة عشر من شهر محرم الحرام، والمذكور في روايات العامة والخاصة والتواريخ أنه في ليلة الثانية عشر.


1) (1) من حومة الرمل ، أى معظمه أو أشد مكان فيه الرمل كذا في القاموس والمجمع .

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: ودفن الحسين وأصحابه بعد ما قتلوا بيوم. وفي مروج الذهب والمناقب مثله، وقد مرّ قريباً.

وفي مثير الأحزان(2): إن عمر بن سعد أقام بقية يومه يوم عاشورا والثاني إلى الزوال ثم أمر بالرحيل.

و في البحار: قال محمد بن أبي طالب: وأقام عمر بن سعد يومه ذلك وغده إلى الزوال.

وعن الطبرسي في إعلام الورى: أنه دفن عليه السلام بعد قتله بيوم. وكذا في القمقام وغيره من التواريخ المعتبرة والكتب المعتمدة.

وقال السيد المعاصر العاملي في لواعجه(3): وأقام عمرُ بنُ سعد بقية اليوم العاشر واليوم الثاني(4)إلى زوال الشمس. ومن المعلوم أن دفنهم عليهم السلام كان بعد رحيل ابن سعد والحريم من كربلا .

وقال أحمد بن داود الدينوري في كتاب الأخبار الطوال(5): وأقام عمر بن سعد بكربلا بعد مقتل الحسين يومين، ثم آذن في الناس بالرحيل.

ولعل هذا مستند المشهور في زماننا، إلا أن في كتاب الحسين قال: قال البياسي من أعاظم العامة: المراد بيومين يومه ذلك - أي العاشور - والغد.

وبالجملة، فالمظنون بالظن المتاخم بالعلم أن دفنهم عليهم السلام في الليلة


1) (1) تاريخ الطبري 455/5 .

2) (2) مثير الأحزان ص 83.

3) (3) لواعج الأشجان ص 197.

4) (4) يريد الثاني بعد العاشر ، أي التالي بعده ، وهو اليوم الحادي عشر.

5) (5) الأخبار الطوال.

الثانية عشر، فيوم العشرين من صفر يوم الأربعين من دفنهم وكان المحرم ناقصاً، وإلا فهو الأربعين من يوم القتل والمحرم تام. والله أعلم.

وسيأتي لذلك مزيد بيان في محله. وفي ترجمة جون ما يناسب هذا المقام. فراجع .

(الفائدة الثانية) لا إشكال ولا خلاف، بل عليه إجماعنا، بل إجماع أهل العلم إلا الحسن البصري وسعيد بن المسيب، بل عليه إجماع المسلمين في أن الشهيد لا يُغسَّل ولا يُكفَّن ولا يُحنَّط بل يُدفن بثيابه بشروط ثلاثة: أحدها أن يكون الجهاد واجباً عليه، ثانيها أن يكون عليه اللباس، ثالثها أن لا يدركه المسلمون وبه رمق، بمعنى أنه تزهق روحه في أثناء الحرب. فلو كان الجهاد مستحباً في حق شخص أو كان إزهاق روحه بعد انتهاء الحرب يغسل ويكفن ويحنط ثم يدفن.

وكذا إذا لم يكن معه لباس وكان مسلوباً عارياً لا يغسل ولكنه يكفن ويدفن، كما فعل رسولُ الله صلى الله عليه وآله بحمزة، فإنه صلى عليه وكفنه لأنه كان مجرداً.

والظاهر أنه لا خلاف معتد به ولا إشكال فيما ذكرنا، وعليه الفتاوى في عصرنا هذا.

وعلى الشرط الأول يشكل الأمر في بعض من لم يبلغ الحلم من الشهداء، إلا أن يقال: إن الجهاد واجب عليهم أيضاً لحفظ وجود الامام ولو بدقيقة.

وعلى الشرط الثاني يشكل الأمر في جميعهم عليهم السلام، لأنهم كانوا مسلَّبين عراة .

وعلى الثالث يشكل الأمر في سويد بن عمرو بن أبي المطاع، على ما سيذكر من أنه جرح فأثخن فوقع بين القتلى، فسمعهم يقولون قتل الحسين، فوجد فاقةً فإذا سكين وقد أخذ سيفه فقاتلهم بسكينه ساعة فقتل. وقال أبو مخنف

فكان آخر قتيل(1). فيجب تغسيله وتكفينه ثم دفنه.

والذي يُسهَالتغسيل والتكفين كما لا يخفى على المتأمل، فدفنوهم على ما هم عليه، مع أن معهم الامام عليه السلام، وفعله حجة ولا يسأل عن وجهه. فتفطن.

(تتمة ):

قال السبط في التذكرة: وكان زُهير بن القين قد قُتل مع الحسين، وقالت امرأته لغلام له إذهب فكفن مولاك، فذهب فرأى الحسين عليه السلام مجرَّداً فقال: أكفن مولاي وأدع الحسين، لا والله. فكفنه ثم كفن مولاه في كفن آخر.انتهى.

وفي رواية: إنه لما رأى الحسين عليه السلام مجرَّداً استحبى أن يكفن مولاه ولم يكفن الحسين، فرجع إلى الكوفة فأخبر امرأة زهير، ثم رجع إلى كربلا ليكفن الحسين ومولاه فرآهما قد دفنا. ولعله الأصح كما لا يخفى.

الأمر الثاني

(ما يتعلق برأسه الشريف)

وفيه مقصدان:

المقصد الأول: فيما جرى على الرأس الشريف من كربلا إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى الشام، وفي الشام إلى أن دفن، يذكر في طي فصول.


1) (1) أنظر تاريخ الطبري 353/5.

المقصد الثاني: في مدفنه والأقوال فيه والمختار من الأقوال .

الفصل الأول من المقصد الأول : (فيما جرى على الرأس الشريف من كربلا إلى الكوفة)

اشارة

قال الطبري(1): وما هو إلا أن قتل الحسين فُسرّح برأسه من يومه ذلك مع خَولَّي بن يزيد الأصبحي وحُميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد.

قال السبط في التذكرة: قال هشام بن محمد والواقدي وابن إسحاق: ثم بعث عمرُ بن سعد إلى ابن زياد برأس الحسين مع خَولَّي بن يزيد الأصبحي.

وقال الدينوري(2): وبعث عمر بن سعد برأس الحسين من ساعته إلى عبيد الله ابن زياد مع خولي بن يزيد الأصبحي.

وقال الشيخ ابن نما(3): ثم سَرَّح ابنُ سعد برأس الحسين مع خولى بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد .

وقال أبو الفرج(4): وحمل خولي بن يزيد رأسه إلى عبيد الله بن زياد.

إلى غير ذلك مما قاله المحدثون والمؤرخون، حتى صرحوا بأن حامل الرأس الشريف إلى ابن زياد هو خُولَّي بن يزيد الأصبحي.

وفي روضة الواعظين: إن حامل رأسه سنانُ بن أنس، قال: فأقبل سنان لعنه الله حتى أدخل رأسَ الحسين عليه السلام إلى ابن زياد وهو يقول(5):


1) (1) تاريخ الطبري 455/5 .

2) (2) الأخبار الطوال ص 259 .

3) (3) مثير الأحزان ص 84.

4) (4) مقاتل الطالبيين ص 118.

5) (5) روضة الواعظين ص 190 . وذكر في تاريخ الطبري 454/5 أن هذين البيتين قيلا بمحضر ابن سعد.

إملأ ركابي فضةً و ذهبا إنا قتلنا الملك المحجَّبا

قتلتُ خير الناس أماً وأبا وخيرَهم إن يُنسبون النسبا

قال ابن زياد: ويحك إذا علمت أنه خير الناس أباً وأماً فلم قتلته إذاً، فأمر بقتله وضُرب عنقه وعجل الله بروحه إلى النار .

وفيه: إن سناناً هذا أخذه المختار وقتله أشد قتلة كما في المختاريات.

وفي مطالب السؤول لمحمد بن طلحة الشافعي وعن كشف الغمة: إن حامل الرأس كان بشر بن مالك، فلما وضع الرأس عند عبيد الله بن زياد قال: إملأ ركابي-إلى آخر ما مر(1).

وقال المسعودي في مروج الذهب(2): وكان الذي تولى قتله رجلٌ من مَذْحِج، واحتز رأسَه وانطلق به إلى ابن زياد لعنه الله وهو يرتجز ويقول: املأ ركابي - إلى آخر ما مر .

وهذا ضعيف جداً، لما مرّ في قاتله عليه السلام، والأصح هو ما عليه المشهور بل الجمهور أن حامل رأسه هو خَولَّي بن يزيد الأصْبَحي.

قال الشيخ ابن نما(3)في مثير الأحزان ومثله في الطبري واللفظ للشيخ: فلما قارب خولي وحميد بن مسلم الكوفة(4)کان عبیدالله بن زياد بالنخيلة وهي العباسية ودخل ليلاً ورويت أن النّوَّار ابنة مالك زوجة خولي بن يزيد الأصبحي قالت: أقبل خولي برأس الحسين ودخل البيت فوضعه تحت إجَّانة


1) (1) القصة منسوبة في المناقب 123/4 إلى سنان .

2) (2) مروج الذهب 61/3 .

3) (3) مثير الأحزان ص 85.

4) (4) اللفظ في المصدر «فلما قاربوا الكوفة» ، وجاء اسم خولي وحميد قبل هذا الكلام بقليل.

وآوى إلى فراشه، فقلت: ما الخبر؟ فقال: جئتكِ بغناء الدهر برأس الحسين. قلتُ: ويحك جاء الناسُ بالذهب والفضة وجئت برأس الحسين ابن رسول الله صلى الله عليه وآله، والله لا جمع رأسي ورأسك سترٌ أبداً، ووثبتُ من الفراش وجلستُ عند الاجَّانة، فوالله ما زلتُ أنظر إلى نور مثل العمود يسطع من السماء إلى الاجانة، ورأيت طيوراً بيضاء ترفرف حولها.

ومثله في الطبري(1)باختلاف يسير، قال: فأقبل به خولي فأراد القصر فوجد بابَ القصر مغلقاً، فأتى منزله فوضعه تحت إجَّانة في منزله، وله امرأتان امرأة من بني أسد والأخرى من الحضرميين يقال لها النَوَّار بنت مالك بن عقرب، وكانت تلك الليلة ليلة الحضرمية. قال هشام: حدثني أبي عن النوار بنت مالك - إلى آخر ما مر.

قالوا: فلما أصبح حولي غدا بالرأس إلى ابن زياد.

وأما رؤوس سائر الشهداء رضوان الله عليهم، فالذي صرح به السبط في التذكرة وتبعه جمع أنه بعثهم ابنُ سعد مع رأس الحسين . قال: ثم بعث ابن سعد إلى ابن زياد برأس الحسين ورأس أصحابه إلى أن قال: وحُمل مع رأس الحسين اثنان وتسعون رأساً .

وفي كتاب الحسين(2): وقال ابن كثير: لما سرَّح عمرُ برأس الحسين عليه السلام من يومه إلى ابن زياد كان معه رؤوس أصحابه .

والمشهور عند المحدثين والمؤرخين أنه بعث رؤوسَ الأصحاب في صبيحة يوم الحادي عشر بعد ما أرسل رأسَ الحسين عليه السلام من يومه مع خولي بن يزيد.


1) (1) تاريخ الطبري 455/5 .

2) (2) الحسين عليه السلام ص 67 .

عمه

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: وقُطف(2)رؤوس الباقين، فسُرح باثنين وسبعين رأساً مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو بن الحجاج وعَزّرة بن قيس، فأقبلوا حتى قدموا بها على ابن زياد وفي اللهوف والبحار مثله. وقال أبو إسحاق الاسفراينى: وارتحل العسكرُ إلى الكوفة، ومعهم ثمانية عشر رأساً علويات، قطَّعوهم وقت قطع رأس الحسين، وهم أخوته وأولاده وبنو عمه، وشالوهم على أطراف الرماح.

وقال الدينوري في الأخبار الطوال ثم آذن عمر بن سعد بالرحيل- وكان المؤذن حُميد بن بكير الأحمري على ما في الطبري - قال الدينوري: وحملت الرؤوسُ على أطراف الرماح، وكانت اثنين وسبعين رأساً، جاءت هَوَازِنُ منها باثنين وعشرين رأساً، وجاءت تميم بسبعة عشر رأساً مع الحصين بن نمير، وجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً مع قيس بن الأشعث، وجاءت بنو أسد بستة رؤوس مع هلال الأعور، وجاءت الأزد بخمسة رؤوس مع عَيهَمة بن زهير، وجاءت ثقيف باثني عشر رأساً مع الوليد بن عمر. انتهى. وفي روضة الصفا وعن المناقب مثله باختلاف يسير.

وفي زبدة الكفرة في تاريخ الهجرة للأمير بيبرس ركن الدين المنصوري المصرى قال: وبُعث برأس الحسين وأصحابه إلى ابن زیاد، فجاءت كندة بثلاثين رأساً وصاحبهم قيس بن الأشعث، وجاءت هوازن بعشرين رأساً وصاحبه شمر، وجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأساً وبنو أسد بستة ومَذْحِج بسبعة.


1) (1) تاريخ الطبري 456/5.

2) (2) قطف من العنب من بابي ضرب وقتل قطعته قاله في المجمع. وفي مثير الأحزان واللهوف «نُظّفَت» بدل قطعت، والجمع ممكن بل هو الظاهر «م».

وفي اللهوف(1): وروي أن رؤوس أصحاب الحسين عليه كانت ثمانية وسبعين رأساً، فاقتسمتها القبائل لتتقرب بذلك إلى عبيد الله بن زياد وإلى يزيد بن معاوية، فجاءت بنو تميم بسبعة عشر رأساً - إلى آخر ما مر باختلاف يسير، ولا يهمنا هذا الاختلاف.

نعم، الظاهر المصرَّح به في جملة من كلماتهم أن الرؤوس حُملت في اليوم الحادي عشر ووصلت إلى الكوفة قبل وصول السبايا.

قال الدينوري(2): وكان الرؤوس قد تقدم بها شمر بن ذي الجوشن أمام عمر ابن سعد.

وأمر ابن زياد أن تُنصب الرؤوس على الرماح مع رأس الحسين عليه السلام، واستقبلوا بالرؤوس السبايا والحدوا عمر بن سعد ففعلوا ذلك.

وذكر جماعة أن الرؤوس حُملت مع السبايا وأمر ابن زياد بحمل رأس الحسين عليه السلام على الرمح، واستقبلوا به الرؤوس والسبايا . وسنذكر في ترجمة زينب بنت علي عليه السلام ما يناسب المقام . قال في كشف الغمة عن عاصم عن زر قال : أول رأس حمل على ربح في الاسلام رأس الحسين بن علي عليهما السلام، فلم أر باكياً أو باكية أكثر من ذلك اليوم.

وقال الجزري(3): أول رأس حُمل على رح في الإسلام على خشبة رأسه عليه السلام على قول، والصحيح أن أول رأس حمل في الاسلام رأس عمرو بن الحَمِق الخزاعي رضوان الله عليه .


1) (1) اللهوف ص 62 .

2) (2) الأخبار الطوال ص 260.

3) (3) الكامل لابن الأثير 83/4 .

وفي المرسلة المروية في البحار(1)عن مسلم الجصاص قال: دعاني ابن زياد لإصلاح دار الامارة. إلى أن قال: فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصولَ السبايا والرؤوس إذ أقبلت نحو أربعين شُقة . إلى أن قال: ثم إن أم كلثوم أطلعت رأسها من المحمل وقالت لهم: صَة يا أهل الكوفة ... فبينما هي تخاطبهم إذا بضجة قد ارتفعت، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين عليه السلام ، وهو رأس زُهري قمري أشبه الخلق برسول الله صلى الله عليه وآله، ولحيته كسواد السَّبَج(2)قد اتصل بها الخضاب، ووجهه كأنه دارة قمر طالع، والريح تلعب بها يميناً وشمالاً - إلى آخره.

وفي ترجمة تاريخ فتوح الأعثم الكوفي(3)قال: فلما قربوا الكوفة أمر ابنُ زياد أن يستقبلهم برأس الحسين وسائر الرؤوس، فحملوا الرأسَ الشريف وبقيّة الرؤوس على الرماح، وسلكوا بها أمام القوم حتى وردوا الكوفة، ثم طافوا بالرؤوس في السِّكَك والأسواق.

فصل

(في الوقائع الراجعة إلى رأسه الشريف)

(في مجلس عبيدالله بن زياد)

قال الشيخ في الارشاد والدينوري في الأخبار الطوال والسبط في التذكرة والطبري في تاريخه عن أبي مخنف والجزري في الكامل والسيد في اللهوف


1) (1) بحار الأنوار 114/45 .

2) (2) السبج : حجر أسود شديد السواد يلمع ، معرب «شبه » .

3) (3) لم نجد هذا في الفتوح نفسه.

والمجلسي في البحار وغيرهم وكلماتهم متقاربة واللفظ لأبي مخنف(1)، قال: حدثني سليمان بن أبي راشد عن حُميد بن مسلم قال: دعاني عمرُ بن سعد فسرَّ حني إلى أهله لأبشرهم بفتح الله عليه وبعافيته، فأقبلتُ حتى أتيت أهلَه فأعلمتهم بذلك، ثمّ أقبلتُ حتى أدخل فأجد ابنَ زياد قد جلس للناس وأجد الوفدَ قد قدموا عليه، فأدخلهم وأذن للناس، فدخلتُ في من دخل، فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكتُ بقضيب بين ثناياه ساعة، فلما رآه زیدُ ابن أرقم لا يُنجم عن نکته بالقضيب قال له: َأعْلُ بهذا القضيب عن هاتين الشفتين، فوالذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وآله على هاتين الشفتين يقبلهما. ثم انفضح الشيخ يبكي(2)، فقال له ابنُ زياد: أبكى الله عينيك، فوالله لولا أنك شيخ قد خَرِفت وذهب عقلُك لضربت عنقَك. قال: فنهض وخرج، فلما خرج سمعتُ الناسَ يقولون: والله لقد قال زيد قولاً لو سمعه ابنُ زياد لقتله. قال: فقلت ما قال؟ قالوا: مرَّ بنا وهو يقول: مَلَّك عبدٌ عبداً

فاتخذهم تُلَداً (3)، أنتم يا مَعشرَ العرب العبيدُ بعد اليوم، قتلتم ابنَ فاطمة وأمرَّتم مَعْشَرَ ابنَ مرجانة، فهو يقتل خيارَكم ويستعبد شرارَكم فرضيتم بالذلّ، فبُعداً لمن رضي بالذل .

وفي مثير الأحزان(4)وتذكرة السبط: ثم قال زيدُ بن أرقم: يابن زياد لأحدثنك حديثاً هو أغلظ عليك من هذا، رأيت رسولَ الله صلى الله عليه وآله


1) (1) تاريخ الطبري 456/5 .

2) (2) انفضخ يبكي: بكى شديداً، من الفضخ بمعنى الكسر.

3) (3) أي اتخذهم مالاً يتصرف فيهم كما يشاء .

4) (4) مثير الأحزان ص 92 مع بعض الاختلاف في الألفاظ .

أقعد حسناً على فخذه اليمنى وحسيناً على فخذه اليسرى، ثم وضع يدَه على يافوخيها(1)ثم قال: اللهم إني أستودعك إياهما وصالح المؤمنين، فكيف كانت وديعة رسول الله عندك يابن زياد.

قال السبط في التذكرة: وقال هشام بن محمد: لما وُضع الرأسُ بين يدي ابن زیاد قال له:کاهنُه: قم فضع قدمك على فم عدوك، فقام فوضع قدمه على فيه، ثم قال لزيد بن أرقم: كيف ترى؟ فقال: والله لقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وآله واضعاً فيه حيث وضعت قدمك. ثم قال السبط: وقيل إن هذه الواقعة جرت ليزيد بن معاوية مع زيد بن أرقم.

وذكر ابنُ جرير: أن الذي كان حاضراً عند يزيد أبوبردة الأسلمي.

وفي تذكرة السبط قال: وفي أفراد البخاري عن ابن سيرين قال: لما وُضع رأسُ الحسين بين يدي ابن زياد جعل في طست وجَعل يضرب ثناياه بقضيب وقال: في حسنه شيباً (وفي رواية قال: لقد أسرع إليك الشيبُ يا أبا عبد الله، ثمّ قال: يوم بيوم بدر) قال: وكان عنده أنس بن مالك، فبكى وقال: كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله، وكان مخضوباً بالوسمة. وروي أنه كان مخضوباً بالسواد.

وقال الشيخ ابن نما(2): ورُويت أن أنسَ بن مالك قال: شهدتُ عبيدَالله زياد وهو ينكتُ بقضيب على لسان(3)الحسين ويقول: إنه كان حَسَن الثغر.


1) (1) اليافوخ: الموضع الذي يتحرك من رأس الطفل ، وهو فراغ بين عظام جمجمته في مقدمتها وأعلاها لا يلبث أن تلتقي فيه العظام.

2) (2) مثير الأحزان ص 91.

3) (3) في بعض النسخ «على أسنان» وهو الأنسب.

فقلت : أم والله لأسوءنك، لقد رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وآله يقبّل موضع قضيبك من فيه .

وقال الشيخ: وعن سعد بن معاذ وعمر بن سهل أنهما حضرا عبيدَالله يضرب بقضيبه أنفَ الحسين وعينيه ويطعن في فمه.

في الارشاد(1): وأمر باحضار الرأس فأحضر بين يديه، فجعل ينظر إليه ويتبسم وبيده قضيب يضرب به ثناياه ...

وقال ابن حجر في الصواعق(2): ولما حُمل رأسه إلى ابن زياد جعله في طست وجعل يضرب ثناياه بقضيب ويقول به فى أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حُسْناً، إنه كان لَحَسن الثغر. وكان عنده أنس فبكى وقال: كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وآله - رواه الترمذي وغيره. وروى ابن أبي الدنيا: إنه كان عنده زيد بن أرقم فقال له. إلى أن قال: وقد انتقم الله من ابن زياد هذا، فقد صح عند الترمذي أنه لما جيء برأسه ونصب في المسجد مع رؤوس أصحابه جاءت حية فتخللت الرؤوس حتى دخلت في منخره، فمكثت هنيئة ثم خرجت، ثم جاءت ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثاً، وكان نصبها في محلّ نصبه لرأس الحسين.

وقال ابن حجر أيضاً في شرح الهمزية: إن ابن زياد ضرب بالقضيب ثنايا الحسين .

وفي كتاب الحسين روى عبدالله بن محمد الشبراوي في الاتحاف عن ابن تيمية: إن ابن زياد ضرب بقضيبه ثنايا الحسين.


1) (1) الارشاد للمفيد ص 227.

2) (2) الصواعق المحرقة ص 118.

وبالجملة، اتفق الفريقان على فعل ابن زياد هذا، كما اتفقوا أيضاً على فعل يزيد، وسيأتي في محله إنكار بعض فعلَ يزيد مع رده. فانتظر.

قال ابن حجر في الصواعق: وأخرج الثعلبي وأبو نعيم أنه لما جيء برأس الحسين إلى دار ابن زیاد سالت حيطانه دماً.

وجعل هذا ابن كثير في البداية والنهاية - وتبعه علي جلال الحسيني في كتاب الحسين - من الموضوعات التي وضعها غلات الشيعة مع نقل ذلك عن ابن حجر والثعلبي وابني نعيم، وقد مرّ وسيأتي أيضاً رده بأحسن وجه.

وفي ترجمة تاريخ الأعثم الكوفي قال: لما وضع رأس الحسين عند ابن زياد أخذه بيده وجعل ينظر إلى وجهه وشعره، فإذا ارتعش اللعين ارتعاشاً شديداً، فوضع الرأس على فخذه، فسال من حلقه قطرة دم على ثيابه، فجاوز الدم عن ثيابه وفخذه فصار في موضعه جرحاً متعفناً كلما عالجوه لم ينفع، فلا جرم كان يأخذ معه المسك لئلا تظهر منه ريح الجرح، إلى أن قتل لعنه الله. ومثله في حبيب السير.

وفي تذكرة السبط: وعن اليافعي عن عبد الله بن عمر الوراق في كتاب المقتل، من الفجائع المؤلمة أعرضنا عن ذكرها من أراد فليراجع. وستأتي قضية الرباب مع الرأس في ترجمتها إنشاء الله تعالى.

وقال السبط في التذكرة: ثم إن ابن زياد نصب الرؤوس كلَّها بالكوفة على الخشب، وكانت زيادة على سبعين رأساً، وهي أول رؤوس نصبت في الاسلام بعد رأس مسلم بن عقيل بالكوفة .

وقال الطبري(1): قال أبو مخنف: ثم إن ابن زياد نصب رأسَ الحسين بالكوفة،


1) (1) تاريخ الطبري 457/5.

فجعل يدار به في الكوفة .

وفي الارشاد(1): ولما أصبح عبيد الله بن زياد بعث برأس الحسين عليه السلام قدير به في سكك الكوفة كلها وقبائلها. وفي كامل البهائي مثله.

وفي الارشاد: وفي جملة من الكتب المعتبرة عن زيد بن أرقم قال: مُرَّ به علي وهو على رح وأنا في غرفة لي، فلما حاذاني سمعته يقرأ (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)(2)فقَفٌ (3)واللهِ شعري، وناديت: رأسك والله يابن رسول الله وأمرك أعجب وأعجب.

وعن ابن شهر اشوب(4)قا: وروى أبو مخنف عن الشَّعبي: أنه صُلب رأس الحسين بالصَّيارف في الكوفة، فسُمع الرأسُ وهو يقرأ (إِنَّهُم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً)(5)، فلم يزدهم ذلك إلا ضلالاً، وفي أثر: إنهم لما صلبوا رأسه على الشجرة سمع منه (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون)(6)

ومن شرح الشافية وتظلم الزهراء عن ابن وَكِيدة قال: سمعتُ قراءةَ القرآن ووقع في قلبي أن هذا صوت الحسين عليه السلام وهو القارىء، وكنت أفكر في ذلك إذ سمعت الرأسَ قال لى: يابن وكيدة أما علمت أنا معشر الأئمة أحياء عند ربنا. فقلت في نفسي وعزمت أن آخذ الرأس وأخفيه، فنادى: يابن وكيدة ليس


1) (1) الارشاد للمفيد ص 229.

2) (2) سورة الكهف: 9.

3) (3) قف الشعر : قام لشدة الفزع .

4) (4) مناقب آل أبي طالب 68/4 مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ .

5) (5) سورة الكهف : 13 .

6) (6) سورة الشعراء: 227.

لك إلى ذلك سبيل، سفكهم أعظم عند الله من تسييرهم إياي (فَذَرْهُم) (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ* إِذِ الأَغْلَالُ في أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُون)(1).

وفي بعض المقاتل: إن حامل رأسه الذي يدير به في سكك الكوفة كان عمر بن جابر المخزومي .

قال الاسفرايني: قال الراوي: فلما أن طافوا بالرأس جميع الكوفة سلّموه إلى عمر المخزومي وأمر أن يحشوه مسكاً كافوراً ففعل ذلك، فما أتم فعله حتى يبست يداه ووقعت بها الأكلة وانهَرَّت(2).

وفي روضة الواعظين وغيره: إن ابن زياد بعث البشائر إلى النواحي بقتل الحسين عليه السلام .

وسيأتي في محله ما جرى في مجلس اللعين ابن زياد ومكالمته مع زينب سلام الله عليها ومع زين العابدين عليه السلام. كما سيذكر في ترجمة العباس عليه السلام ما يناسب هذا المقام .

وفي ينابيع المودة(3)قال: أتي بالرؤوس إلى الكوفة، إذ فارس من أحسن الناس وجهاً قد عَلَّق في لبيب فرسه رأس العباس بن علي، فصار وجههُ أشد سواداً من القار. وفي بعض الكتب إنه حرملة بن كاهل.

هذا ما وصل إلينا من الكتب المعتبرة، وأما تعليق رأس الحسين عليه السلام في عنق الفرس-وإن ذكره بعضُ أرباب المقاتل - لكنه لم أر له من الكتب المعتبرة


1) (1) سورة غافر : 70 - 71.

2) (2) انهرت سال الدم منها بشدة.

3) (3) ينابيع المودة ص 33.

سنداً يُعتمد عليه.

كما أن في جملة من مؤلفات المتأخرين والمشهور في ألسنة المعاصرين وضع الخولي رأسَ الحسين عليه السلام في التنور، ولم أر في الكتب المعتبرة والتواريخ المعتمدة ذلك، إلا أن المنقول عن التبر المذاب قال: لما حمل شمرُ رأسَ الحسين جعله في مخلاة فرسه وذهب إلى منزله فوضعه على التراب وجعل عليه إجَّانة - إلى آخر ما ذكر، وهذا كما ترى. فتدبر .

فصل

(في الوقائع المتعلقة بالرأس الشريف)

(من الكوفة إلى الشام)

في تذكرة السبط: ثم إن ابن زياد حطَّ الرؤوس في اليوم الثاني وجهزها والسبايا إلى الشام. إلى أن قال: فلما أنفذ ابن زياد رأس الحسين عليه السلام إلى يزيد بن معاوية مع الأسارى والرؤوس كلها، وكلما نزلوا منزلاً أخرجوا الرأس من صندوق أعد له، فوضعوه على ربح وحرسوه طول الليل إلى وقت الرحيل، ثم يعيدونه إلى الصندوق ويرحلون.

قال الطبري(1): قال أبو مخنف: ثم إن عبيدَالله بن زیاد دعى زحر بن قيس، فسرَّح معه برأس الحسين ورؤوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية، وكان مع زحر أبوبُردة بن عوف الأزدي وطارق بن أبي ظَبيان الأزدي، فخرجوا حتى قدموا به الشام على يزيد بن معاوية .


1) (1) تاريخ الطبري 459/5 .

قال الاسفرايني: ثمّ استدعى ابنُ زياد الخَولَّي بن يزيد وشَبَث بن رِبعي وحجر بن حَصين، وضم إليهم الرؤوس والحريم والأطفال، وأمرهم أن يسيروا إلى يزيد بدمشق، وأن يشهروا ما معهم في سائر البلدان.

وقال الطبري(1): ثم سرح بهم مع مُحَفَّز بن ثعلبة العائذي - عائدة قريش - ومع شمر بن ذي الجوشن. وفي بعض المقاتل : إن معهم عمر بن سعد.

والذي يُستفاد من مجموع الأحاديث والتواريخ أن ابن زياد لعنه الله سرَّح جماعةً منهم زحر بن قيس على الرؤوس، ووكَّل جماعةً منهم شمر بن ذي الجوشن على الأسرا، وأرسلهم وأرسل بعدهم بيوم أو يومين جماعة ليلحقوا بهم في الطريق وفيهم عمر بن سعد ومعهم جماعة من الجند والعسكر، بل الذي يظهر من المفيد في الارشاد أنه أرسل الرؤوس أولاً ثم أرسل الأسارى بعدها، قال(2): ثمّ إن ابن زياد بعد إنفاذه برأس الحسين عليه السلام أمر بصبيانه ونسائه فجهزوا، وأمر بعلي بن الحسين فغُلَّ بغل إلى عنقه، ثمّ سرّح بهم في أثر الرؤوس مع محفَّز ابن ثعلبة العائدي وشمر بن ذي الجوشن، فانطلقوا بهم حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرأس.

وظهر من الرأس الشريف في طريق الشام أمور:

(منها) ما رواه العامة والخاصة في كتبهم وينتهي السند إلى رجال العامة، فهذا من المشهورات بين الطائفتين محدثيهم ومؤرخيهم. قال ابن حجر في الصواعق(3): فلما قتلوه بعثوا برأسه إلى يزيد، فنزلوا أول مرحلة، فجعلوا


1) (1) تاريخ الطبري 460/5 .

2) (2) الارشاد للمفيد ص 230 .

3) (3) الصواعق المحرقة ص 116.

يشربون الخمر بالرأس، فبينما هم كذلك إذ خرجت عليهم من الحيطان يدٌ معها قلم من حديد، فكتبت سطراً بدم:

أترجو أمةً قتلت حسيناً شفاعة جده يومَ الحسابِ

فهربوا وتركوا الرأس. أخرجه منصور بن عمار. وذكر غيره أن هذا البيت وُجد بحجر قبل مبعثه صلى الله عليه وآله بثلاثمائة سنة وأنه مكتوب في كنيسة من أرض الروم لا يُدرى من كتبه. انتهى.

وقال القاضي حسين بن محمد الديار بكري في كتابه المسمى بالخميس في أحوال أنفس النفيس قال: فساروا إلى أن وصلوا إلى دير في الطريق، فنزلوا يقيلون به، فوجدوا مكتوباً على بعض جدرانه: أترجو أمة - إلى آخره. فسألوا الراهبَ عن السطر ومن كتبه، فقال: إنه مكتوب فيها من قبل أن يبعث نبيكم بخمسمائة عام. انتهى.

وفي تذكرة السبط قال: قال ابن سيرين: وُجد حجر قبل مبعث النبي بخمسمائة سنة عليه مكتوب بالسريانية فنقلوه إلى العربية فإذا هو: أترجو أمة الخ.

وقال جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي المالكي في كتاب الدر النظيم: فلما وصلو إلى دير في الطريق فنزلوا وجعلوا يشربون الخمر ويتبجحون(1)بالرأس، فخرج إليهم يد معها قلم من حديد، فكتبت: أترجو أمة - إلى آخره .

وروى الشيخ ابن نما في مثير الأحزان(2)قال: فروى النطنزي عن جماعة عن سليمان بن مهران الأعمش قال: بينما أنا في الطواف أيام الموسم إذا رجل يقول:


1) (1) من تجح بتقديم الجيم على الحاء : أي يفرحون «م» .

2) (2) مثير الأحزان ص 96 .

اللهم اغفر لي وأنا أعلم أنك أنك لا تغفر. فسألته عن السبب ؟ فقال: كنت أحدَ الأربعين الذين حملوا رأسَ الحسين عليه السلام إلى يزيد على طريق الشام، فنزلنا أول مرحلة رحلنا من كربلا على دير للنصارى والرأس مركوز على رمح، فوضعنا الطعام ونحن نأكل، فإذا بكف على حائط الدير يكتب عليه بقلم من حديد سطراً بدم: أترجوا أمة قتلت حسيناً - الخ، فجزعنا جزعاً شديداً، وأهوى بعضنا إلى الكف ليأخذها فغابت، فعاد أصحابي.

وعن مشايخ من بني سليم: أنهم غزوا الروم، فدخلوا بعض كنائسهم فإذا مكتوب هذا البيت، فقالوا لهم منذ متى مكتوب؟ قالوا: قبل أن يُبعث نبيكم بثلاثمائة عام .

وحدث عبدالرحمن بن مسلم عن أبيه أنه قال: غزونا بلادَ الروم، فأتينا كنيسةً من كنائسهم قريبة من قسطنطنية وعليها شيء مكتوب، فسألنا أناساً من أهل الشام يقرؤن بالرومية، فإذا هو مكتوب هذا البيت: أترجو ...

وذكر أبوعمر و الزاهد في كتاب الياقوت قال: قال عبد الله بن الصفار صاحب أبي حمزة الصوفي قال: غزونا غزاةً وسبينا سبياً، وكان فيهم شيخ من عقلاء النصارى فأكرمناه وأحسنا إليه، فقال لنا: أخبرني أبي عن آبائه أنهم حفروا في بلاد الروم حفراً قبل أن يُبعث النبي العربي صلى الله عليه وآله بثلاثمائة سنة، فأصابوا حجراً وعليه مكتوب بالمسند هذا الشعر:

أترجو عُصْبةٌ قتلت حسيناً شفاعة جده يومَ الحساب

والمسند كلام أولاد شيث(1). انتهى .


1) (1) الظاهر يقصد الخط المسند .

وفي مناقب ابن شهر اشوب(1)عن أنس بن مالك قال: حفر أهل نجران أرضاً فإذا خرج لوح فيه مكتوب:

أترجو أمةٌ قتلت حسيناً شفاعةَ جده يومَ الحسابِ

فقد قَدِموا عليه بحكم جورٍ فخالف حكمُهم حكمَ الكتابِ

ستَلْقی يا يزيدُ غداً عذاباً من الرحمن يا لكَ من عذابِ

وسأل عن كتابة الأشعار قالوا: قبل بعث النبي العربي بثلاثمائة. انتهى.

وقال السيد في اللهوف(2): فروى ابن لهيعة وغيره حديثاً أخذنا منه موضع الحاجة: كنت أطوف البيت فإذا برجل يقول: اللهم اغفر لي وما أراك فاعلاً، فقلت له: يا عبد الله اتق الله ولا تقل مثل ذلك، فإن ذنوبك لو كانت مثل قطر الأمطار وورق الأشجار فاستغفرت الله غفرها لك فإنه غفور رحيم. قال: فقال لي: تعالى حتى أخبرك بقصتي، فأتيته فقال: إعلم إنا كنا خمسين نفراً ممن سار مع رأس الحسين عليه السلام إلى الشام، فكنا إذا أمسينا وضعنا الرأس في تابوت وشربنا الخمر حول التابوت، فشرب أصحابي ليلة حتى سكروا ولم أشرب معهم، فلما جَنَّ الليلُ سمعتُ رعداً وبرقاً فإذا أبواب السماء قد فتحت فنزل آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ونبينا محمد صلى الله عليه وعليهم أجمعين، ومعهم جبرئيل وخلق من الملائكة، فدنا جبرئيل من التابوت وأخرج الرأس وضمه إلى نفسه وقبله ، ثم كذلك فعل الأنبياءُ عليهم السلام، وبكى النبيُ (صلی الله علیه وآله وسلم) على رأس الحسين وعزاه الأنبياء، وقال له جبرئيل: يا محمد إن الله تبارك وتعالى


1) (1) المناقب 69/4 .

2) (2) اللهوف ص 74 .

أمرني أن أطيعك في أمتك، فإن أمرتني زلزلتُ بهم الأرضَ وجعلتُ عاليَها سافلَها كما فعلت بقوم لوط. فقال النبي صلى الله عليه وآله: لا يا جبرئيل فإن لهم معي موقفاً بين يدي الله يوم القيامة. ثم جاءت الملائكةُ نحونا ليقتلونا، فقلت: الأمان الأمان يا رسول الله. فقال: إذهب فلا غفر الله لك.

ورأيت(1)في تذييل محمد بن النجار شيخ المحدثين ببغداد في ترجمة علي بن نصر الشبوكي باسناده زيادة في هذا الحديث ما هذا لفظه، قال: لما قُتل الحسينُ ابن علي عليه السلام وحملوا برأسه وجعلوا يشربون ويجيء بعضهم بعضاً بالرأس، فخرجت يد وكتبت بقلم الحديد على الحائط: أترجو أمة - إلى آخره. قال: فلما سمعوا ذلك تركوا الرأس وهزموا. انتهى. ومثله في البحار والكامل للجزري والخرائج والمنتخب وروضة الأحباب باختلاف يسير.

وفي البحار (2)عن الخرائج قال: فلما نزلوا وشربوا الخمر حول الرأس إذ خرجت يد وكتبت بقلم حديد على حيطان الدير:

أترجو أمةٌ قتلت حسيناً شفاعةَ جده يومَ الحسابِ

فجزعوا جزعاً شديداً وأهوى بعضٌ إلى الكف ليأخذه فغاب الكف، ثمّ عادوا واشتغلوا بالطعام فإذا بالكف قد خرج وكتب:

فلا و الله ليس لهم شفیعٌ وهم يوم القيامة في العذابِ

ثم هربوا وأهوى بعضهم ليأخذ الكف فغاب، ثم رجعوا فإذا بالكف عاد وكتب:

وقد قُتل الحسينُ بحكم جور وخالف حكمُهم حكمَ الكتابِ


1) (1) من اللهوف أيضاً .

2) (2) بحار الأنوار 185/45 .

ثم غاب. انتهى.

وفي كتاب ابن بطة ودلائل النبوة عن أبي بكر البيهقي وأمالي النيسابوري مثل ما ذكرناه باختلاف يسير.

(بیان):

يظهر من رواية الشيخ ابن نما في مثير الأحزان من قول الرجل: فنزلنا أول مرحلة رحلنا من كربلا على دير نصارى، أن القوم ساروا بالرؤوس من طريق كربلا والموصل كما يظهر ذلك من جملة من التواريخ، لا من طريق القادسية إلى الشام، ويظهر أنهم نزلوا أول مرحلة بكر بلا ثم منه إلى الدير ومنه إلى الموصل ونزلوا في كربلا في جنب الباب الذي يسمونه في زماننا بباب السدر من صحن مولانا أبي عبد الله الحسين عليه السلام وهناك مسجد يُسمى بمسجد الرأس، وإنا كلما تصفحنا عن وجه تسمية هذا بمسجد الرأس لم نجد له وجهاً ومناسبة. والذي يظهر من نزولهم في كربلا أنهم وضعوا الرأس هناك فسمي بمسجد الرأس.

ويؤيد ذلك ما في المناقب(1)قال: ومن مناقب الحسين عليه السلام ما نجد من المشاهد الذي يقال لها مشهد الرأس من كربلا إلى عسقلان ...

وما يقال: إن شمر عليه اللعنة وضع الرأس هناك يوم قُتل فيه الحسين. فكلام لا مستند له.

ويؤيد ما ذكرنا ما في كامل البهائي قال: إن حاملي الرأس لما خرجوا من الكوفة أخذوا من غير الطريق المعروف، وتركوا الطريق المعروف خوفاً من قبائل العرب أن يخرجوا عليهم ويأخذوا الرأس منهم .


1) (1) مناقب آل أبي طالب 89/4.

(ومنها) ما في روضة الأحباب للشيخ جمال الدین عطاء الله بن فضل الله الشيرازي النيسابوري - فما في نفس المهموم عن روضة الشهداء لعله سهو، إذ ليس في روضة الشهداء للفتال النيسابوري(1)ذكر من ذلك، ولعله وجد في روضة الشهداء للكاشفي.

قال في روضة الأحباب: فلما قرب القوم من الموصل وأرادوا أن يدخلوها أرسلوا إلى عاملها، وكتب شمر إليه أن يهيىء لهم الزاد والعلوفة وأن يزيّن لهم البلد، وكتب إليه: إن معنا رأسَ الخارجي الحسين بن علي بن أبي طالب، جمع العامل أهل البلد وقرأ عليهم الكتاب. وفي رواية اجتمع أربعة آلاف من أهل الموصل أن يقاتلوا مع القوم ويأخذوا رأس الحسين عليه السلام وأن يقتلوا عاملهم وقالوا: تباً لقوم كفروا بعد إيمانهم، أضلالة بعد هدى أم شك بعد يقين؟ فكتب العاملُ إلى شمر يستدعى منه أن لا يدخلوا البلدة بل ينزلوا خارجها، وكتب: إن أكثر هذه البلدة من شيعة الحسين وأخاف عليكم الفتنة. فهيأ لهم ما أرادوا من الزاد والعلوفة، فنزلوا خارج البلد على فرسخ.

قال الشيخ جمال الدين ووضعوا الرأسَ الشريف على صخرة، فقطرت عليها قطرة دم من الرأس الشريف، فصار الدم ينبع ويغلي كل سنة في يوم عاشورا، وكان الناسُ يجتمعون عندها من الأطراف ويقيمون مراسم العزاء والمأتم في كل يوم عاشورا.

قال: ويقي هذا إلى أيام عبد الملك بن مروان، فأمر بنقل الحجر، فلم يُر بعد ذلك منه أثر، وبنوا على ذلك المقام قبةً سموها «مشهد النقطة».


1) (1) الصحيح في اسم كتاب النيسابوري «روضة الواعظين ».

ولا غرو في ذلك بعد ما رأينا ونرى حتى اليوم يقطر الدم من شجرة عظيمة تكون في قرية يقال لها «زراباد» بينها وبين قزوين ستة فراسخ في شمال قزوين، وتحت الشجرة قبر من قبور أولاد الأئمة يقال له على أصغر، وهو بحيث أن أحد حيطان القبر ضلع الشجرة، وقد رأيتُه وتشرفتُ بزيارته مراراً، ويجتمع عنده الناس من القريب والبعيد في أيام عاشورا ويقيمون العزاء والمأتم، والعمدة مقصودهم رؤية خروج الدم وأخذه، وعند كل ساقة من ساقة الشجرة شخص بيده القطن ينتظر خروج الدم ليأخذه. وليس لخروجه وقت معيّن، بل من غروب يوم تاسوعا إلى عصر يوم عاشوراء، والغالب من خروجه قريب السحر وقريب الفجر والناس ينتظرون، فبيناهم كذلك إذ ينكسر غصن من أغصانه - نظير أن يضرب إنسان بسكين حادّ ضربةً واحدةً من غير اعوجاج في الكسر - فإذا يخرج الدمُ كهيئة الفصد، فيأخذون الدم على القطنة.

وأعجب من ذلك أني رأيتُ الدم على القطنة وكنت كل يوم أنظر فيه وأتبرك به إلى يوم الأربعين، وهو يوم العشرين من صفر، فلما كشفتُ عن الأربعين فإذا هي مبيضة ليس بها أثر الدم. وهذا من المشاهدات المتواترات، فمن

أراد أن يطلع عليه ويشاهد فالشجرة موجودة، فعليه بالسفر إليها.

ومن عجائب أمر الشجرة أيضاً أن الساقة التي ذلك الغصن فيها تنبت في تلك السنة إلى أصل الشجرة .

(ومنها) ما ذكره في القمقام ومقتل أبي مخنف المطبوع(1)وغيرهما: وجعلوا يسيرون إلى عين الوردة، وأتوا إلى قريب دعوات، وكتبوا إلى صاحبه أن


1) (1) مقتل أبي مخنف ص 183.

يتلقاهم لأن معهم رأس الحسين، فلما قرأ الكتاب [وضربوا البوقات] خرج إليهم فتلقاهم، فشهروا الرأس وأدخلوا من باب الأربعين ونصبوه في الرحبة من زوال الشمس إلى العصر، وأهلها طائفة يبكون وطائفة يضحكون. قال: وتلك الرحبة التي نصب فيها رأسُ الحسين عليه السلام لا يجتاز فيها أحد وله حاجة إلا وتقضى حاجته .

(ومنها) قضية الراهب وإسلامه، ذكرها المخالف والموافق باختلاف يسير.

قال السبط في التذكرة: فنزلوا بعض المنازل، وفي ذلك المنزل دير فيه راهب، فأخرجوا الرأس على عادتهم ووضعوه على الربح وحرسه الحرسى على عادته وأسندوا الرمح إلى الدير، فلما كان من نصف الليل رأى الراهبُ نوراً من مكان الرأس إلى عنان السماء، فأشرف على القوم وقال: من أنتم؟ قالوا: نحن أصحاب ابن زياد. قال: وهذا رأس من؟ قالوا: رأس الحسين بن علي بن أبي طالب ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله. قال: نبيكم؟ قالوا : نعم. قال: بئس القوم أنتم، لو كان للمسيح ولد لأسكناه أحداقنا. ثم قال: وهل لكم في شيء؟ قالوا: وماهي. قال: عندي عشرة آلاف دينار تأخذونها وتعطون الرأس يكون عندي تمام الليلة وإذا رحلتم تأخذونه. قالوا: وما يضرنا، فناولوه الرأس وناولهم الدنانير، فأخذه الراهب فغسله وطيبه وتركه على فخذه وقبله يبكي الليل كله، فلما أسفر الصبحُ قال: يا رأس لا أملك إلا نفسي وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن جدك محمد رسول الله وأشهد الله أنني مولاك وعبدك. ثم خرج من الدير وما فيه وصار يخدم أهلَ البيت.

قال السبط: قال ابن هشام فى السيرة: إنهم أخذوا الرأس وساروا، فلما قربوا دمشق قال بعضهم لبعض: تعالوا نقسم الدنانير لئلا يراها يزيد فيأخذها منا،

فأخذوا الأكياسَ وفتحوها وإذا الدنانير قد تحولت خزفاً، وعلى أحد جانب الدينار مكتوب ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمون )(1)وعلى الجانب الآخر (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(2)فرموها في برِّ وادٍ. انتهى.

وفي البحار(3)عن النطنزي في الخصائص قال: لما جاؤا برأس الحسين عليه السلام ونزلوا منزلاً يقال له قنشرين اطلع راهب من صومعته إلى الرأس، فرأى نوراً ساطعاً يخرج من فيه ويصعد إلى السماء، فأتاهم بعشرة آلاف درهم وأخذ الرأسَ وأدخله في صومعته، فسمع صوتاً ولم ير شخصاً قال: طوبى لك وطوبى لمن عرف حرمته، فرفع الراهب رأسه وقال: يا ربِّ بحق عيسى تأمر هذا الرأس يتكلم معي. فتكلم الرأس وقال: يا راهب أي شي تريد؟ قال: من أنت؟ قال: أنا ابن محمد المصطفى، وأنا ابن علي المرتضى، وأنا ابن فاطمة الزهرا، وأنا المقتول بكربلا، أنا المظلوم، أنا العطشان، فسكت. فوضع الراهب وجهَه على وجهه وقال: لا أرفع وجهي عن وجهك حتى تقول: أنا شفيعك يوم القيامة. فتكلم الرأس وقال: إرجع إلى دين جدي محمد صلى الله عليه وآله. فقال الراهب: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقبل له الشفاعة. فلما أصبحوا أخذوا منه الرأس والدراهم، فلما فتحوا الواهي فإذا الدراهم قد صارت حجارة. انتهى.

قال ابن حجر في الصواعق(4)بعد ذكر الحديث كما مر: ثم أسلم لأنه رأى نوراً


1) (1) سورة إبراهيم : 42 .

2) (2) سورة الشعراء: 227.

3) (3) البحار 172/45 .

4) (4) الصواعق المحرقة ص 119 .

ساطعاً من الرأس إلى السماء.

وذكر في الخرائج(1)هذا الخبر مع زيادات تركناها، وفيه: إن رئيس القوم عمر بن سعد. وبذلك صرح في كامل البهائي.

(ومنها) ما في كامل البهائي(2)قال: فلما وصلوا إلى نصيبين وكان عامله منصور بن الياس فأمر بتزيين البلد فزينوها أحسن زينة ، فأرادوا الدخول إلى البلد لم يطع الفرس الذي كان معه رأس الحسين راكبه، فبدله بفرس آخر فلم يطعه،وهكذا، فإذا بالرأس الشريف قد سقط على الأرض، وكان هناك رجل موصلي اسمه إبراهيم الموصلي، فأخذ الرأس ونظر إليه فعرف أنه رأس الحسين عليه السلام فوَّبخهم ولامهم، فقتله أهلُ الشام ثم جعلوا الرأس خارج البلد ولم يدخلوه. انتهى.

(ومنها) قصة يحيى الحراني كما في روضة الأحباب، قال: فلما ارتحلوا عن دير الراهب ووصلوا إلى حَرَّان(3)كان هناك رجلٌ صابئي يُسمى يحيى وكان منزله على تلّ عال، فسمع أن في ذلك اليوم يأتون بأسارى نسوة وصبيان صغاراً وكباراً ومعهم الرؤوس على الرمح، فخرج من منزله وقعد على جانب الطريق ينظر ويتفرج فإذا بالجند والعسكر ومعهم الطبول والدفوف، ومن ورائهم الرؤوس كالشموس الطالعة على الرماح والأسنة، ومن وراء الرؤوس محامل فيها النسوة والصبيان في أسر الذل ومهانة الخذلان، ورأى من بين الرؤوس رأساً


1) (1) الخرائج والجرائح 579/2 .

2) (2) كامل البهائي 292/2 .

3) (3) حرّان بالحاء المهملة والراء المشددة، قيل: هي أول بلدة بنيت بعد طوفان نوح عليه السلام وبينه وبين الرها منزل وبينه وبين الرقة يومان، وكان هناك منازل الصابئين .(م)

زهرياً قمرياً تجلى عليه، وحدد النظر فإذا هو شبه المتكلم، ثم حدد النظر إلى الربح وأصغى إليه فإذا هو يقول (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(1)، فلما رأى منه هذه الآية الكبرى ارتعدت فرائصُه وتحير وسأل من بعضهم: لمن هذا الرأس ومن السبايا؟ قيل له: هذا رأسُ الحسين بن علي بن أبي طالب. وسأل عن أمه قيل: أمه فاطمة بنت محمد بن عبد الله وهذه الأسارى من أحفاده وأولاده عبدالله وإخوته. فبكى يحيى بكاءاً عالياً وقال: الحمد لله الذي شرح صدري بنور الاسلام، فإن هذه الرزايا والمصائب لا تكون إلا للأنبياء وأولاد الأنبياء، وهذه البلية العظمى والداهية الكبرى دالة على حقيقتهم وأنهم محقون، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله حقاً. ثم أتى منزله فأخذ ما يمكن من الألبسة والأطعمة فأتى به للنسوان والصبيان، فمنعه الجند والعسكر فلم يتمكن إلا أن يقاتلهم، فقاتلهم وقتل منهم جمعاً فقتلوه، ثم دفنوه في باب الجيران، فسُمي

بالشهيد الحرّاني رضوان الله عليه.

فصل

(فيما جرى على الرأس الشريف)

(في الشام ومجلس يزيد)

قال السيد في اللهوف(2): وسار القومُ برأس الحسين عليه السلام ونسائه والأسرى من رجاله، فلما قربوا دمشق دنت أم كلثوم من شمر وكان من جملتهم، فقالت له: لي إليك حاجة، فقال: ما حاجتك؟ قالت: إذا دخلتَ علينا البلد


1) (1) سورة الشعراء : 227 .

2) (2) اللهوف ص 76 .

فاحملنا في درب قليل النُّظَارة، وتقدم إليهم أن يخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل وينحّوها عنا، فقد خُزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذا الحال. فأمر في جواب سؤالها أن تجعل الرؤوس في أوساط المحامل - إلى آخر الحديث.

وفي حديث سهل الساعدي المروي في جملة من الكتب المعتبرة، قال سهل: خرجتُ إلى بيت المقدس حتى توسطت الشام في يوم ورود الأسارى. إلى أن قال: قلت ولم ذلك؟ قالوا: هذا رأس الحسين عترة محمد صلى الله عليه وآله يُهدى من أرض العراق. قلت: واعجباً يُهدى رأس الحسين عليه السلام والناس يفرحون. قلت: من أي باب يدخل؟ فأشاروا إلى باب الساعات. قال: فبينما أنا كذلك حتى رأيتُ الرايات يتلو بعضها بعضاً، فإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السنان عليه رأس من أشبه الناس وجهاً برسول الله صلى الله عليه وآله، ورأيت نسوةً على جمال بغير وطاء، فدنوتُ من أولاهن فقلت: ياجارية من أنت؟ فقالت: أنا سكينة بنت الحسين. فقلت لها: ألك حاجة إلىّ فأنا سهل بن سعد ممن رأى جدك وسمع حديثه. قالت: يا سهل قل لصاحب هذا الرأس: أن يقدم الرأس أمامنا حتى يشتغل الناسُ بالنظر إليه ولا ينظروا إلى حرم رسول الله صلى الله عليه وآله. قال سهل: من صاحب الرأس؟ فقلت له: هل لك أن تقضي حاجتي وتأخذ مني أربعمائة دينار. قال: وما هي؟ قلت: تقدم أمام الحرم، ففعل ذلك ودفعت إليه ما وعدته .

وفي البحار(1): وفي الأثر عن ابن عباس: إن أم كلثوم قالت لحاجب ابن زياد: ويلك هذه الألف درهم خذها إليك واجعل رأس الحسين أمامنا واجعلنا على


1) (1) عن المناقب 68/4 .

الجمال وراء الناس لتشتغل الناس بنظرهم إلى رأس الحسين عنا. فأخذ الألف وقدم الرأس، فلما كان الغد أخرج الدراهم وقد جعلها الله حجارةً سوداء مكتوباً على أحد جانبيها (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)(1)، وعلى الجانب الآخر (وَسَيَعْلَمُ الَّذِيْنَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُون)(2).

وذكر المحدث المعاصر في نفس المهموم وصاحب القمقام(3)فيه خبر سهل بن سعد بنحو آخر، قالا واللفظ للقمقام: قال كنت واقفاً متحيراً إذا بالرؤوس قد أقبلت على الرماح يقدمها رأسُ العباس بن علي، فنظرت إليه فإذا رأسه كالمتبسم، ورأس الامام كان وراء الرؤوس فيه مهابة عظيمة ويسطع منه النور بلحية مدورة قد خالطها الشيب وقد خُضبتبالوسمة، أدْعَج العينين، أزَجُّ الحاجبين، واضح الجبين، أقنى الأنف(4)، متبسماً إلى السماء، شاخصاً ببصره إلى نحو الأفق، والريح تلعب بلحيته يميناً وشمالاً كأنه أمير المؤمنين عليه السلام، والرمح بيد رجل اسمه عمر و بن منذر، ورأيتُ أم كلثوم بلباس خَلق وعليها أرث ثيابها، وعليها برقع تستر به وجهها، ورأيت على بن الحسين وسائر أهل البيت في حالة أية حالة، فتقدمت وسلمت عليهم، فقالوا: إن كنت تقدر أن تستدعي منهم أن يقدموا رأس الحسين عنا فقد خُزينا من كثرة النظر إلينا، فجئت إلى حامل الرأس وأعطيته مائة دينار أن يقدم الرأس عنهم، فأخذ الدراهم وقدم


1) (1) سورة إبراهيم : 42 .

2) (2) سورة الشعراء : 227 .

3) (3) نفس المهموم ص 431 ، القمقام 556/2 .

4) ( 4) أدعج العينين: شديدتا السواد مع سعتها. أزج الحاجبين: فيهما رقة مع طول. أقنى الأنف: مرتفع وسط قصبته مع ضيق المنخرين .

الرأس عنهم، انتهى.

وقد نسب الفاضلان ما نسب إلى سهل الساعدي إلى كامل البهائي، وليس في النسخة الموجودة عندنا من الكامل شيء من ذلك، ولعله اشتبه عليهما الكامل لابن الأثير بكامل البهائي، وليس كامل التواريخ عندنا لننظر فيه ، وإنما نقلناه اعتماداً عليهما مع ما فيه من الروايات والغرائب. فتفطن(1).

وفي الخرائج(2)كما في البحار عن المنهال بن عمرو قال: والله أنا رأيت رأسَ الحسين عليه السلام حين حُمل وأنا بدمشق، وبين يديه رجل يقرأ الكهف حتى بلغ (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً)(3)، فأَنطق الله الرأس بلسان ذَرِبٍ ذَلِقٍ(4)فقال: أعجب من أصحاب الكهف قتلي وحملي.

وفي بعض المقاتل زيادة في حديث سهل الساعدي قال: بينما يطوفون بالرأس في شوارع الشام، فإذا بغرفة ورَوْشَن(5)فيها خمس نسوة وبينهن عجوز محدودبة الظهر، فلما حاذى الرأسُ الروشن أخذت العجوز حجراً ورمت إلى الرأس الشريف، فأصاب ثناياه عليه السلام، فلما رأيت ذلك أوجع قلبي، فرفعتُ يدي إلى السماء وقلت: اللهم أهلكها واهلكهن معها بحق محمد وآله، فما استتم دعائي حتى سقط الروشن بمن فيه، فهلكت تلك النسوة وهلك تحته خلق كثير. قال: فقلتُ يا لَكِ من دَعوة ما أسرع إجابتها.


1) (1) النص المنقول في نفس المهموم والقمقام موجود في كامل البهائي ص 297 .

2) (2) الخرائج والجرائح 577/2 .

3) (3) سورة الكهف : 9 .

4) (4) ذرب اللسان : فصيح حديد ومثله الذلق .

5) (5) الروشن : الكوة .

وفي رواية: فلما رأى عليُ بن الحسين عليه السلام فعلَ العجوز دعا فسقط الروشن فهلكت ومن معها.

وسيجيء ذكر ما في كامل البهائي مما يناسب المقام، وينقل بتمامه لأن فيه الفائدة والإفادة ، قال قدس سره:

(تنبيه):

أولاد قاتلي الحسين عليه السلام مشهورون في أرض الشام إلى اليوم، وهو - على ما صرح به - سنة خمس وستين وستمائة، وهم يُكرمون ويُحترمون كاحترام السادة عند الشيعة، ومنهم من يُسمى:

«بنو السراويل» وهم الذين أخذ جدهم سراويل الحسين عليه السلام.

«بنو السراج» وهم الذين أسرجوا خيولهم وداسوا صدر الحسين عليه السلام حتى كسروا أضلاعه. قال: وحملوا الخيول بمصر وأخذ نعلها وعلقوها على باب دورهم، وهذه العادة باقية عندهم إلى الآن.

«بنو السنان» وهم الذين نصب جدهم على الرمح والسنان رأسَ الحسين

عليه السلام .

«بنو الملح» وهم من أولاد من طرح وذرّ الملح على رأس الحسين.

«بنو الطست» وهم من أولاد من وضع الرأس على الطست وأتى به إلى يزيد.

«بنو القضيب» وهم أولاد من أتى بالقضيب إلى يزيد وضرب اللعين به ثناياه عليه السلام .

«بنو الفروجي» وهم من أولاد من دار برأسه الشريف في فروج جيرون الشام.

«بنو البكري» وهم من أولا من سير عقيب رأس الحسين وبكّر. انتهى.

وعن الكراجكي في كتاب التعجب مثله، وقد مرّ جملة منه، ولم أر في كتب

التواريخ والمقاتل ذر الملح على الرأس الشريف، وهو مما تفرد به رحمه الله.

قالوا ثم جاؤا برأس الحسين عليه السلام ورؤوس أصحابه بعد ما داروا بها في البلاد وطافوا إلى يزيد بن معاوية .

في كامل البهائي(1): وأوقفوا رأس الحسين ورأس أصحابه عند باب دار يزيد ابن معاوية ساعة، فأذن لهم بالدخول، فوضعوا رأس الحسين عليه السلام في طست من ذهب وجعلوه عنده، فجاء المعرّف وعرف الرؤوس واحداً بعد واحد.

قال: وكان على الطست الذي فيه رأس الحسين عليه السلام منديلَ، فرفع اللعينُ بالقضيب الذي في يده - وكان القضيب مذهب الطرفين - المنديلَ الرأس الشريف.

وأما ما فعل اللعين برأس الحسين عليه السلام فهو من المسلمات عند الشيعة من محدثيهم ومؤرخيهم من أولهم إلى آخرهم، بحيث لا ينكر بل لا يتوقف أحدٌ منهم في أنه ضرب أو قرع أو نكت أو نكث-بالثاء المثلثة على اختلاف التعابير - بقضيبه ثنايا الحسين عليه السلام وكذلك عند العامة محدثيهم ومؤرخيهم منصفيهم ومتعصبيهم، إلا من شذّ كابن تيمية وتبعه علي جلال الحسيني المصري في كتاب الحسين، قال في ص 186: رأيي أن يزيد لم ينكث ثغر الحسين ولا أنشد «يا غراب البين» الخ . إلى أن قال: ورأينا موافق لرأي ابن تيمية، روى عبدالله بن محمد الشبراوي في الإتحاف عن ابن تيمية: إن الذي ضرب بالقضيب ثنايا الحسين إنما هو ابن زياد.

وما ذاك إلا عن شدة عصبية وتجاهل ومراعاة جانب يزيد، حتى قال علي


1) (1) كامل البهائي 293/2 .

جلال تبعاً لابن تيمية: إن يزيد لم يأمر بقتل الحسين فلم يشارك في دمه.

وسيجيء في ذلك زيادة بيان وإفحامهم من كتبهم ومصنفاتهم، ونحن نذكر في المقام ما رووه في كتبهم عن ثقاتهم وما نذكر من كتب الخاصة إلا استطراداً، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة، فنقول:

قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين(1): ووضع الرأس بين يدي يزيد في طست، فجعل ينكث على ثناياه بالقضيب ويقول:

نُفَلِّق هاماً من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

وقيل: إنه تمثل أيضاً والرأس بين يديه بقول عبدالله بن الزّبَعْري:

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزعَ الخزرج من وَقع الأسَل

قد قتلنا القَرم من أشياخهم و عدلناه ببدر فاعتدل

وقال المسعودي في مروج الذهب(2): فبعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية ومعه الرأس، فدخل إلى يزيد وعنده أبوبرزة الأسلمي، فوضع الرأس بين يديه، فأقبل ينكث القضيب في فيه، ويقول: نفلَّق هاماً - إلى آخر البيت.

فقال له أبوبرزة: إرفع قضيبَك، فطال والله ما رأيت رسول الله يضع فمه على فمه يلثمه.

وقال ابن حجر فى الصواعق(3): ولما فعل يزيد برأس الحسين ما مر من قوله وجعل ينكث الرأس بالخيزران كان عنده رسول قيصر - إلى آخره.

وفي العقد الفريد(4)للقرطبي قال: فلما وضع الرأس بين يدي يزيد تمثل بقول


1) (1) مقاتل الطالبيين ص 119.

2) (2) مروج الذهب 61/3.

3) (3) الصواعق المحرقة ص 119.

4) (4) العقد الفريد 382/4 .

حُصَين بن الحُمام المُرّي: نُفلّق هاماً - إلى آخره. إلى أن قال: فغضب يزيد وجعل يعبث بلحيته. انتهى.

وقال أبوريحان في الآثار الباقية: في اليوم الأول من صفر أدخل رأس الحسين عليه السلام مدينة دمشق، فوضعه يزيد بين يديه ونقر ثناياه بقضيب في يده وهو يقول:

لستُ من خِنْدِف إن لم أنتقم أحمد ما كان فَعَلْ

وقال جلال الدين السيوطي: فلما حضر الرأس بين يدي يزيد جعل ينكث ثناياه بقضيب وهو يقول: نُفلِّقُ هاماً. إلى آخره.

وقال أبو إسحاق الاسفرايني: ثم إن خَولَّي بعد أن أوقفهم على الباب دخل على يزيد وقال: مولاي إن الرؤوس والسبايا واقفين على الباب. فقال: أدخلهم لأنظر إليهم، فعند ذلك عمد خولي إلى رأس الحسين فغسله وطيبه ودخل به عليه وهو يقول:

أنا صاحبُ الرمح الطويل الذي[به] أصولُ على الأعداء في كل مشهدِ

طلبتُ به في أهل بيت محمد لأرضَي مولانا يزيدَ المؤيد(1)

ثم وضع الرأس بين يديه وسائر الرؤوس. إلى أن قال: ثم أمر بطست من ذهب فأحضر، فوضع فيه رأس الحسين عليه السلام ووضعه بين يديه، ثم إنه مدَّ يدَه وأخذ منديلاً كان وضعه على الرأس، فلما رفعه صعد نورٌ إلى عنان السماء، فدهش الحاضرون، ثم دعا بقضيب خيزران وجعل ينكث به ثنايا الحسين وهو يقول:

يا حسُنَه يلمع في اليدين يلمع في طست من اللُّجين

كأنه حُفَّ بوردتين كيف رأيتَ الضرب يا حسين

قد كنتَ زيناً صرت الآن شين وقد قضيتُ منك كلَّ دين


1) (1) في البيت إقواء .

فعند ذلك قام إليه أبو برزة الأسلمى وقال: ويحك يا يزيد تنكت بقضيبك ثنايا الحسين وقد كان جده يرشف ثناياه وثنايا أخيه ويقول: أنتما سيدا شباب أهل الجنة، قاتل الله قاتلكما. فغضب يزيد غضباً شديداً وأمر باخراجه سحباً. انتهى.

وفي روضة الصفا قال: فلما حضر الرأسُ بين يدي يزيد أخذ قضيباً وأشار إلى ثناياه وقال: ما أعجب ثناياه وشفتاه، فقال له بعضُ من حضر عنده: قتلك الله يا يزيد، أتضرب بقضيبك ثنايا الحسين ؟! وقد رأيتُ كراراً أن رسول الله صلى الله عليه يقبل شفتي هذا وأخيه ويقول: إنهما سيدا شباب أهل الجنة.

وفيه عن أبي المؤيد الخوارزمي قال: لما ضرب يزيدُ بقضيبه على ثنايا الحسين عليه السلام قال سمرة بن جُنْدَبَ وكان حاضراً عند يزيدَ: قطع اللهُ يديك يا يزيد، أتنكت موضعاً رأيتُ رسولَ الله يقبله. قال له يزيد: لولا صحبتك لرسول الله لقتلتك. قال سمرة: أتراع فيّ صحبةَ رسول الله ولم تراع فيهم قرابته وهم أولاده وأهل بيته. قال الخوارزمى: فبكى الناسُ من كلامه وكادت أن تقع الفتنة.

وقال ابن قتيبة الدينوري في كتاب الامامة والسياسة(1): فغضب يزيد وجعل يعبث بلحيته .

وقال الطبري(2): قال هشام: لما أقبل وَفد أهل الكوفة برأس الحسين عليه السلام دخلوا مسجدَ دمشق، فقال لهم مروان بن الحكم: كيف صنعتم؟ قالوا: ورد علينا منهم ثمانيةُ عشر رجلاً فأتينا والله على آخرهم وهذه الرؤوس والسبايا. فوثب مروان فانصرف، وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم فقال: ما


1) (1) الامامة والسياسة 12/2.

2) (2) تاريخ الطبري 465/5 .

صنعتم؟ فأعادوا عليه الكلام، فقال: حُجبتم عن محمد يوم القيامة، لن أجامعكم على أمر أبداً، ثم قام وانصرف. ودخلوا على يزيد، فوضعوا الرؤوس بين يديه وحدثوه الحديث قال: فَسَمِعتُ دَوْرَ الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كُرَيز-وكانت تحت يزيد بن معاوية - فتقَنَّعت بثوبها وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله. قال: نعم فأعوِلي عليه، وحُدّي على ابن بنت رسول الله وصريخة قريش، عجَّل عليه ابنُ زياد فقتله قتله الله. ثم أذن للناس فدخلوا والرأس بين يديه، ومع يزيد قضيب فهو ينكت به في ثغره. ثمّ قال: إن هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحُمام المُرّي:

يُقلّقن هاماً من رجال أحبة إلينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

قال: فقال رجل من أصحاب رسول الله (صلی اللله علیه وآله وسلم) يقال له أبوبرزة الأسلمي:

أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين، أما لقد أخذ قضيبك من ثغره مأخذاً لربما رأيتُ رسول الله يرشفه، أما إنك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك ويجيء هذا يوم القيامة ومحمد ( صلی الله علیه وآله وسلم ) شفیعه. ثمّ قام فولَّى.

وفي تذكرة السبط قال : وفي رواية بعد ما حضرت الرؤوسُ عنده قال: لعن الله ابن مرجانة، لقد اضطره إلى القتل، لقد سأله أن يحلق ببعض البلاد والثغور فمنعه، لقد زرع لي ابن زياد في قلب البر والفاجر والصالح والطالح العداوة. ثم تنكَّر لا بن زياد ولم يَصِلْ زَحْرَ بنَ قيس بشي، ثم بعث بالرأس إلى ابنته عاتكة، فغسلته وطيبته.

ثم قال السبط: هكذا وقعت هذه الرواية رواها هشام بن محمد، وأما المشهور عن يزيد في جميع الروايات أنه لما حضر الرأس بين يديه جمع أهلَ الشام وجعل ينكت عليه بالخيزران ويقول أبيات ابن الزّبَعْرَى:

ليت أشياخي ببدر شهدوا وقعة الخزرج من وَقع الأسل

قد قتلنا القَرْم من ساداتهم وعدلنا فعل بدر فاعتدل

وقال الشعبي: وزاد فيها يزيد:

لعبت هاشمُ بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل

لستُ من خِندِف إن لم أنتقم من بني أحمد ما كان فعل

وقال الزهري: لما جاءت الرؤوس كان يزيد في منظرة على جيرون، فأنشد لنفسه:

لما بدت تلك الحمولُ وأشرقت تلك الشموس على ربا جِيرُونِ

نعب الغرابُ فقلتُ صِح أو لا تصح فلقد قضيتُ من الغريم ديوني

وذكر ابنُ أبي الدنيا: إنه لما نكت بالقضيب ثنايا الحسين عليه السلام أنشد الحُصين بن الحمام المري(1)

صبرنا وكان الصبر مناسجية بأسيافنا يقطعن كفاً ومعصما

يفلقن هاماً من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما

:

صبرنا وكان الصبرُ منا سجيةً بأسيافنا يُفرين هاماً ومعصما

نُفَلِّقُ هاماً من رؤوس أحبة إلينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

قال مجاهد: فوالله لم يبق في الناس أحد إلا سبه وعابه وتركه.

قال ابن أبي الدنيا: وكان عنده أبوبرزة الأسلمي، فقال له: يا يزيد إرفع قضيبَك، فوالله لطال ما رأيتُ أن رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل ثناياه. إلى أن قال: وروى ابن أبي الدنيا عن الحسن البصري قال: ضرب يزيد رأس


1) (1) المفضليات ص 65 ، وروايته:

الحسين ومكاناً كان يقبله رسول الله، ثم تمثل الحسن وقال:

سُميَّة أَمْسَى نسلها عددَ الحصى وبنتُ رسول الله ليس لها نسلُ

وفي الصواعق قال: لما وصلت الرؤوس والسبايا إلى يزيد، قيل ترحّم عليه و تنكّر لابن زیاد.

وقال السبط: وذكر ابنّ جرير فى تاريخه: أن يزيد لما جيء برأس الحسين سُرَّ أولاً، ثم ندم على قتله وقال: لعن الله ابن مرجانة، لقد بغضني إلى المسلمين وزرع لي في قلوبهم البغضاء، ثم غضب على ابن زياد ونوى قتله.

وقال ابن حجر في الصواعق(1): وجمع بأنه أظهر الأول وأخفى الثاني، بقرينة أنه بالغ في رفعة ابن زياد حتى أدخله على نسائه.

وفي روضة الصفا وغيره: إنه أظهر الندامة خوفاً من الناس ومراعاةً لسياسته الشخصية، وإلا فلا يخفى على أحد أن قتله كان بأمره، فواعجباً كيف يُظهر الندم ويريد إلباس الأمر على الناس مع أنه في ذلك اليوم أو في أمسه أطاف الرؤوس بالشام والسبايا موثقات في الحبال مكشفات الوجوه عرايا على أقتاب الجمال.

قال ابن الجوزي في كتاب الردّ على المتعصب العنيد: ليس العجب من فعل عمر بن سعد وعبيد الله بن زیاد و تسليط ابن سعد على قتله وشمر وحمل الرؤوس إليه، وإنما العجب من خذلان يزيد وضربه بالقضيب على ثنايا الحسين عليه السلام وحمل آل الرسول سبايا على أقتاب الجمال، وعزمه على أن يدفع فاطمة إلى الرجل الذي طلبها، ولو أنه احترم الرأس حين وصوله صلى عليه ولم يتركه في الطست ولم يضربه بالقضيب، ما الذي كان يضره وقد حصل مقصوده من


1) (1) الصواعق المحرقة ص 119 .

القتل وتحقق أحقاد جاهليته، ودليلها ما تقدم من إنشاده: ليت أشياخي ببدر شهدوا.انتهى.

وليس هذا من يزيد بعجيب، بل صدر مثله من ابن زياد، حيث رأى أن الناس يلومونه ويذمونه ويبغضونه بما فعل بالحسين عليه السلام، أراد إلباس الأمر وقال: إني لم آمر بقتل الحسين، وإنما قتله ابنُ سعد، وقد دفع الملعون عن نفسه مع وضوح الأمر كالشمس .

قال ابن الأثير في الكامل وغيره(1): ثم ان ابن زياد قال لعمر بن سعد بعد عوده من قتل الحسين عليه السلام يا عمر ايتني بالكتاب الذي كتبته إليك في قتل الحسين. قال: مضيتُ لأمرك وضاع الكتاب. قال: لتجئني به. قال: ضاع. قال: لتجئني به. قال: تُرك والله يقرأ على عجائز قريش بالمدينة اعتذاراً إليهن. إلى آخر ما قال.

وفي كتاب أخبار الأول في من تصرف في مصر من أرباب الدول قال: فما يُحكى أنه لما قتل الحسين ووصل رأسه إلى يزيد ووضعه بين يديه وقرعه بقضيب كان معه على ثناياه ثم أمر بالرأس فنصب أياماً على باب دمشق. انتهى.

وقال أحمد بن أبي طاهر في كتاب بلاغات النساء(2): لماكان من أمر أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب الذي كان، وانصرف عمر بن سعد بالنسوة والبقية من آل محمد ( صلی الله علیه وآله وسلم) ووجههن إلى ابن زياد، فوجههن هذا إلى يزيد وغضب عليه، فلما مثلوا بين يديه أمر برأس الحسين عليه السلام فأبرز في طست، فجعل ينكت


1) (1) الكامل لابن الأثير 93/4 .

2) (2) بلاغات النساء ص 34 .

ثناياه بقضيب في يده وهو يقول:

یا غرابَ البَيْن أسمعتَ فقل إنما تندب أمراً قد فُعِل

ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل

حين حَكَّت بقُباءِ بُرْكَها واستَحرَّ القتل في عبد الأَسَلْ(1)

لأهَلُوا واستَهَلُّوا فرحاً ثم قالوا يا يزيدُ لا تشَلْ

لست للشيخين إن لم أَنَّئر من بني أحمد ما كان فعل

فجزيناهم ببدر مثلَها و أقمنا ميلَ بدرِ فاعتدَل

فقالت زينب بنت علي: صدق الله ورسوله يا يزيد (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ أَسَاوا السُّوْأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)(2). إلى قولها : أتقول «ليتَ أشياخي ببدر شهدوا» غير متأثّم ولا مستعظم، وأنت تنكت ثنايا أبي عبدالله بمخصرتك - إلى آخره.

هذا ما وصل إلينا في أمر الرأس واتفقت كتُبهم نقلاً عن أعاظم ووجوه مذهبهم، ولعل المتتبع يطلع على أزيد من ذلك. هذا كله قال علي جلال الحسيني في كتاب الحسين تبعاً لابن تيمية: ورأبي أن يزيد لم ينكت ثغر الحسين ولا أنشد «يا غراب البين»، واستدل على قوله بوجوه خمسة:

(الأول) ما رواه الامام البخاري في صحيحه: أن الذي نكت ثغره ابن زياد.

وفيه: إن البخاري إنما أورد في صحيحه فعلَ ابن زياد، ولم يصرح بعدم فعل


1) (1) حکت: شدت. قباء: موضع قرب المدينة بنى فيه أول مسجد للنبي ( صلی الله علیه وآله وسلم ). البرك: الابل الكثيرة. استحر: اشتد. عبدالأشل: فخذ من الأنصار.

2) (2) سورة الروم: 10.

يزيد، ولم ينحصر ذلك بفعل ابن زياد كما نقل علي جلال ذلك قبل أسطر كتابه، قال: روى البخاري في صحيحه في مناقب الحسن والحسين بسنده عن محمد عن أنس بن مالك: إن عبيد الله بن زياداتي برأس الحسين بن علي، فجُعل في طست، فجعل ينكت وقال في حسنه شيئاً(1). وهذا كماترى لا يدل على انحصار الفعل بابن زياد وعدم صدوره عن يزيد، ولو سلم ذلك لعورض بنقل هؤلاء الأجلة.

(الثاني) قال: الذين رووا عنهم مقتلَ الحسين لم يذكر أحد منهم أن يزيد تمثل بأبيات ابن الزَّبَعْري غير ابن كثير.

وفيه: ما مر من ذكر جماعة أنه تمثل بأبيات ابن الزبعري، مع أنه لا ربط للتمثل وعدم التمثل بقصة النكت، مع أن في نقل ابن كثير كفاية لأنه من الأعاظم.

وقال: إن المفيد وأبا حنيفة الدينوري وابن قتيبة والعباسي لم يذكروا أن يزيد نكث ثغر الحسين.

وفيه: إن عدم ذكر هؤلاء لا يدل على عدم الوقوع مع ذكر جملة من الأكابر، مضافاً إلى أن المفيد قد صرح بذلك في غير الارشاد على ما صرح به المحدث المعاصر في نفس المهموم، وقد مرّ عن الدينوري أنه قال: فغضب يزيد فعبث بلحيته وتمثل - إلى آخر ما مر.

وقال: وابن جرير الطبري وابن الأثير أوردوا رواية أبي مخنف عن القاسم بن نجيب - وسماه ابن جرير القاسم بن بخيث - أن يزيد نكث ثغر الحسين وعنده أبوبرزة. إلى أن قال: وابن الأثير في أسد الغابة أورد في وفاة أبي برزة روايتين،


1) (1) صحيح البخاري 33/5.

إحداهما أنه توفي في أيام يزيد، والثانية أنه مات قبل موت معاوية(1)، فالاختلاف لا يفيد ثبوت الخبر المذكور.

وفيه: إن المشهور والمعروف عندهم موت أبي برزة في زمن يزيد، ولو سلم موته في زمن معاوية يكذب كل ما نسب إليه بعد موته، وليكن هذا منه. وهذا إنما يثبت عدم حضوره في مجلس يزيد لا عدم نكت يزيد ثنايا الحسين. وهذا واضح، غاية الأمر التوقف في الخبر الذي رووه عن أبي برزة، وقد مرّ استفاضة الأخبار في ذلك من رواتهم ومحدثيهم.

(الثالث) قال: لم يصح عندنا تعصب يزيد لأهل الجاهلية.

ليت شعري ما أراد بذلك بحيث ينفي منه نكت يزيد ثغر الحسين ولم يكن لذلك سابقة في الجاهلية أيضاً، وقد ورد في الروايات أن أبا سفيان في يوم أحد أشار برمحه إلى ثنايا حمزة سيد الشهداء، وكان عنده رجل وعابه، واستحيى فأحلفه باللات والعزى أن لا يكشفه وأتاه من النوق.

نعم، فسر تحت عنوان العصبية الجاهلية وأن أمر الحسين عليه السلام لا مدخلية له بأمر الجاهلية، قال: فإن كان في مقتل الحسين عصبية فهي عصبية الملك والجاه لا جاهلية بمعنى مخالفته لما يقتضيه الدين.

وكيف كان نحن لا نقول إن نكته كان للعصبية الجاهلية حتى يقال إن يزيد ليس له العصبية الجاهلية، بل نكته كان للأغراض السخيفة الدنيوية، كما ذكر هو في صفحة 71 من كتابه ورواه الطبري والجزري وغيرهما من الفريقين، قالوا(2)بعد


1) (1) أنظر : أسد الغابة 146/5 .

2) (2) تاريخ الطبري 460/5 - 646 .

حضور الرأس الشريف عند يزيد وضرب يزيد بيده على صدر يحيى أخي مروان بن الحكم وكان جالساً مع يزيد وأنشد:

لهام بجنب الطفَّ أدنى قرابةً

من ابن زياد العبد ذي الحسب الوَغْلِ

سُمَيَّةُ أمسى نسلُها عددَ الحصى

وليس لآل المصطفى اليوم من نسلِ(1)

قال له يزيد: أسكت. ثم قال: أتدرون من أين أتي هذا، قال: أبي خير من أبيه وفاطمة خير من أمه وجدي رسول الله خير من جده وأنا خير منه وأحق بهذا الأمر، فأما قوله «أبوه خير من أبي» فقد حاجّ أبي وأبوه إلى الله وعلم الناس أيهما حكم له، وأما قوله «أمي خير من أمه» فلعمري فاطمة بنت رسول الله خير من أمي، وأما قوله «جدي خير من جده» فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عِدْلاً ولا نِدّاً، لكنه إنما أتي من قبل فقهه، ولم يقراً (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ)(2).

(الرابع) قال: ويستبعد العقلُ أن يوضع الرأسَ الشريف في طست بين يدي ابن زياد، ويوضع أيضاً في طست بين يدي يزيد، وينكت ابنُ زياد ثناياه بقضيب وينكت يزيد ثناياه بقضيب، يقول زيد بن أرقم: إرفع قضيبَك عن هاتين الشفتين، لقد رأيت رسول الله يقبلها، ويقول مثل ذلك أبوبرزة.

وفيه: إن من المسلَّم عنده وعند غيره وضع الرأس في الطست في المجلسين، إنما


1) (1) رواية الطبري «وبنت رسول الله ليس لها نسل».

2) (2) سورة آل عمران : 26 .

الكلام في النكت، وأي عقل يستبعد نكتهما بالقضيب مع نقل جمهور العقلاء على فعلهما ونكتها، وأيّ عقل يستبعد قول زيد بن أرقم مع قول أبي برزة وإنهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وقالا ما شهدا، وقد مرّ ذلك عن غير أبي برزة أيضاً. فراجع.

(الخامس) قال: رأينا موافق لرأي ابن تيمية وابن حجر، روى الشبراوي عن ابن تيمية أن الذي ضرب بالقضيب ثنايا الحسين إنما هو ابن زياد. وقال: والذي يشير إليه العلامة ابن حجر في شرح الهمزية إن الذي ضرب بالقضيب هو ابن زیاد. انتهى.

وفيه: أما ما عن ابن حجر فقد مر عن صو مر عن صواعقه أن يزيد نكت ثنايا الحسين عليه السلام، وأما ابن تيمية فليس منه ببعيد إنكار ما كان بديهياً عند الشيعة، فقد أنكر في منهاج السنة النبوية ما هو المسلم والمتواتر عند الشيعي بل غير الشيعي أيضاً من سائر فرق المسلمين إلا الحنبلي، وهو المؤسس للمذهب الوهابي.

ويظهر من كتاب الحسين أن علي جلال الحسيني قد سلك مسلكه وأنكر ما أنكر. فلهذا اعتمد في عدم النكت على إنكاره، فكم له نظير في كتابه. وسيأتي أن على جلال تبعاً لابن تيمية قد أنكر أن قتل الحسين كان بأمر يزيد، بل يطهر يزيد ويصلح أعماله. وليس ذلك منه أيضاً بغريب، لأن ابن تيمية قد سلك في ذلك مسلك إمامه أحمد بن حنبل.

قال السبط في التذكرة: حكى القاضي أبو يعلى عن أحمد بن حنبل في كتاب الوجهين والروايتين أنه قال: إن صح ذلك عن يزيد فقد فسق. انتهى.

أنظر إلى الرجل كيف أناط فسق يزيد على النكت، فليس لنا مع من أنكر ما

هو الأظهر من الشمس بحث إلا في أصل أصول المذهب، وليس هنا محله. ولا نقول في حقه وحق من تبعه إلا أن: حشرهم الله مع يزيد ومن يضله الله فلا هادي له.

(عود إلى بدء):

وأما ما في روايات أصحابنا من أمر القضيب، ففي كامل البهائي واللهوف والبحار(1)، قال الشيخ ابن نما(2): ثمّ دعا بقضيب، فجعل ينكت ثنايا الحسين عليه السلام. وفي اللهوف مثله. وفي أمالي الصدوق والخرائج مثله باختلاف يسير.

وفي تاريخ اليعقوبي(3): ووُضع الرأس بين يدي يزيد، فجعل يزيد يقرع ثناياه بالقضيب.

ويكفينا من ذلك ما في خطبة العقيلة سلام الله عليها حيث قالت ضمن كلامها: منحنياً على ثنايا أبي عبد الله سيد شباب أهل الجنة تنكتها بمخصرتك - إلى آخره(4).

وسيأتي شرح الخطبة في ترجمة العقيلة، وشرح ما وقع في مجلس يزيد مع سكينة وغيرها كلٌ في موضعه، والمقصود هنا ما جرى على الرأس الشريف.

(تنبيه):

قد مرّ اختلاف التعبير في كلماتهم ورواياتهم، فمنهم من عبّر بضرب، وقال بعضهم قرع، وفي رواية نقر، والأكثر كما في الخطبة نكت، وفي رواية المسعودي


1) (1) كامل البهائي 294/2 ، اللهوف ص 78 ، بحار الأنوار 186/45 .

2) (2) مثير الأحزان ص 100 .

3) (3) تاريخ اليعقوبي 245/2.

4) (4) أنظر: اللهوف ص 80.

وجماعة على ما في النسخ المصححة الموجودة عندنا نكث بالثاء المثلثة.

قال في المجمع: يقال نكث في الأرض بالقضيب هو أن يخطها خطاً. وفي القاموس: نكث العهدَ والحبلَ من باب نصر وضرب أي كسر وانقطع ونقض، ونكث السواك أي تفرق. ومثله في المجمع . ولعل من هذا أخذ من قال بكسر ثناياه عليه السلام من نكث القضيب، وهو انتقال واحد جيد.


ومما جرى على الرأس الشريف في مجلس يزيد ما رواه ابن بابويه في من لا يحضره الفقيه(1)باسناده عن علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: لما حُمل رأسُ الحسين عليه السلام إلى الشام أمر يزيد فوضع ونصب عليه مائدة، فأقبل هو وأصحابه يأكلون ويشربون الفقاع، فلما فرغوا أمر بالرأس فوضع في طست تحت سريره وبسط عليه رقعة الشطرنج وجعل يزيد يلعب بالشطرنج ويذكر الحسينَ بنَ علي عليه السلام وأباه وجده ويستهزىء بذكرهم، فمتى قامر صاحبه تناول الفقاع فشربه ثلاث مرات ثم صب فضلته على ما يلي الطست من الأرض، فمن كان من شيعتنا فليتورّع عن شرب الفقاع واللعب بالشطرنج، ومن نظر إلى الفقاع أو إلى الشطرنج فليذكر الحسين وليلعن يزيد وآل يزيد، يمحو الله عز وجل ذنوبَه ولو كانت بعدد

النجوم.

وفي عيون أخبار الرضا عن فضل بن شاذان مثله(2).


1) (1) من لا يحضره الفقيه 419/4 .

2) (2) عيون أخبار الرضا 22/2 .

وفي العيون(1)أيضاً باسناده عن الهروي قال: سمعت الرضا عليه السلام يقول: أول من اتخذ الفقاع في الاسلام بالشام يزيد بن معاوية، فأحضر وهو على المائدة وقد نصبها على رأس الحسين بن علي عليه السلام، فجعل يشربه ويسقي أصحابه ويقول: إشربوا فهذا شراب مبارك، ولو لم يكن من بركته إلا أنا أول ما تناولناه ورأس الحسين بين أيدينا ومائدتنا منصوبة عليه ونحن نأكله ونفوسنا ساكنة وقلوبنا مطمئنة، فمن كان من شيعتنا فليتورع عن شرب الفقاع، فإنه من شراب أعدائنا ... الخبر.

وفي كامل البهائي عن كتاب الحاوية: إن يزيد شرب الخمر وصب منها على الرأس الشريف، فأخذته امرأةُ يزيد وغسلته بالماء وطيبته بماء الورد، فرأت في تلك الليلة منامها سيدة النساء فاطمة الزهراء سلام الله عليها وهي تعتذر إليها بحسن صنيعها.


ومما جرى على الرأس الشريف في الشام نصبه على باب الدار.

قال محمد بن عبدالمطلب الإسحاقي في كتاب أخبار الأول: ثم أمر يزيد بالرأس فنُصب على باب دمشق أياماً.

وفي كامل البهائي(2): ونصب يزيد رأس الحسين عليه السلام على باب داره، ونصب سائر الرؤوس على أبواب الدور في أزقة الشام، وبقي كذلك أربعين يوماً.

وفي أمالي الصدوق في حديث طويل(3): ثم أمر يزيد فنصب رأس الحسين


1) (1) نفس المصدر 23/2 .

2) (2) أنظر : نفس المهموم ص 457 .

3) (3) أمالي الصدوق ص 231.

عليه السلام علی باب مسجد دمشق.

وقد مرّ أن هند زوجة يزيد بنت عبدالله بن عامر بن كريز قالت وكان يزيد جالساً في مجلس عام: يا يزيد أرأس ابن فاطمة بنت رسول الله مصلوب على فناء باب داري، فوثب إليها يزيد وغطاها وقال: نعم فأعولي عليه ما شئت.

وفي رواية قالت: يا يزيد أنت أمرت برأس الحسين أن يشال بالرمح عند باب الدار؟ قال: فأعقري وأبكي على ابن بنت رسول الله.

وقال المقريزي في الخطط : مكث الرأس مصلوباً بدمشق ثلاثة أيام.

المقصد الثاني

(في مدفن رأس الحسين عليه السلام)

اختلفت الأقوال في مدفن الرأس الشريف على أقوال: منها ما اشترك بين الامامية والعامة، ومنها ما اشترك بين الاسماعيلية والعامة، ومنها ما اختص بالامامية، ومنها ما اختص بالعامة، ونقول:

المشترك بين الامامية والعامة:

إنه بعد ما طيف في الشام رُدَّ إلى كربلا ودفن مع الجسد.

هذا هو المشهور بين الامامية، وعليه عملهم في الأعصار، بل يمكن دعوى الإجماع عليه خصوصاً في عصرنا.

قال السيد في اللهوف(1): فأما رأسُ الحسين عليه السلام فروي أنه أعيد فدفن بكربلا مع جسده الشريف، وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه.


1) (1) اللهوف ص 86 .

وقال الشيخ ابن نما(1)بعد ذكره الأقوال في مدفن الرأس: والذي عليه المعوَّل من الأقوال أنه أعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد ودفن معه.

وقال الفتال النيسابوري في روضة الواعظين: وخرج علي بن الحسين عليهما السلام بالنسوة من الشام وردّ رأس الحسين إلى كربلا(2).

وفي البحار(3): المشهور بين علمائنا الامامية أنه دفن رأسه مع جسده، رده علي بن الحسين عليهما السلام.

وقال السبط في التذكرة: واختلفوا في الرأس على أقوال أشهرها أنه ردّ إلى المدينة مع السبايا ثم ردّ إلى الجسد بكربلا فدفن معه، قاله هشام وغيره.

لعل في العبارة تصحيفاً، والصحيح أنه رده ابن زياد مع السبايا إلى الشام ثم رد إلى كربلا. ويمكن أن يُراد بالمدينة مدينة الشام، وإلا فظاهره أن يزيد رده مع السبايا إلى المدينة ثم ردّ من المدينة إلى كربلا، وهو بعيد جداً. نعم يمكن أن يقال: رده يزيد مع السبايا إلى المدينة، ثم ردّ من بين الطريق إلى كربلا، فدفن مع الجسد. فتدبر.

وعن المرتضى(4)فى بعض مسائله: إنه ردّ إلى بدنه بكربلا من الشام. وقال: الطوسي: ومنه زيارة الأربعين.

وفي كتاب الحسين قال: والامامية وبعض أهل السنة على أنه مدفون مع الجسد بكربلا.


1) (1) مثير الأحزان ص 107 .

2) (2) روضة الواعظين ص 192 .

3) (3) بحار الأنوار 145/45 .

4) (4) تجد هذا في بحار الأنوار 199/44.

وقال أبو إسحاق الاسفراينى: ثم حشا يزيدُ الرأسَ بالمسك والكافور وسلمه لهم - أي الأسارى - فأخذوه وساروا به إلى كربلا ودفنوه مع الجسد الشريف.

وفي ترجمة تاريخ الأعثم الكوفي قال: ثم جهّز يزيدُ عليَ بن الحسين ومن معه إلى المدينة، وسلم إليهم رؤوس الشهداء، فتوجهوا إلى المدينة ووصلوا إلى كربلا في يوم العشرين من صفر، فدفن الرأس مع الجسد الشريف، ودفنوا رؤوس سائر الشهداء هناك. انتهى.

وفي تاريخ حبيب السير: إن يزيد بن معاوية سلم رؤوس الشهداء إلى على بن الحسين عليهما السلام، فألحقها بالأبدان الطاهرة يوم العشرين من صفر، ثم توجه إلى المدينة الطيبة. قال: وهذا أصح الروايات الواردة في مدفن الرأس الكريم. انتهى.

وبالجملة، فعمل العصابة على ذلك قديماً وحديثاً.

أما كيفية دفنه هل وضع موضعه من الجسد أو في الضريح؟ فنقول فيه ما قاله السيد ابن طاوس في الإقبال: إعلم أن إعادة رأس مولانا الحسين عليه السلام إلى جسده الشريف يشهد به لسانُ القرآن العظيم، فلا ينبغي أن يشك في هذا العارفون، وأما كيفية إحيائه بعد شهادته وكيفية جمع رأسه الشريف إلى جسده مع مفارقته فهذا سؤال يكون فيه شواذب من العبد على الله عز وجل جلاله أن يعرفه كيفية تدبير مقدوراته. إلى أن قال: وما كانت الاعادة بأمور دنيوية، والظاهر أنها بقدرة الهية. إلى أن قال : ولم أذكر الآن أنني وقفتُ ولا رويتُ من كان من الشام إلى الحائر على صاحبه أكمل التحية والإكرام ولا كيفية دخول حرمه المعظم، ولا من حضر ضريحه المقدس حتى عاد إليه، وهل وضعه موضعه من الجسد أو في الضريح مضموماً إليه، فليقتصر الانسان على ما يجب عليه من

تصديق القرآن من أن الجسد المقدس تكلم عقيب الشهادة وأنه حى يُرزق. انتهى(1).

وبالجملة، إن قلنا بلحوق الرأس إلى الجسد-كما هو ظاهر بعض الأخبار وكلمات بعض الأخيار - فذلك بقدرة الهية، وان قلنا بوضعه عند الجسد فبأمور عادية، وسيجيء عن قريب زيادة بيان وتوضيح لذلك. فانتظر.

وأما القول المشترك بين الاسماعيلية وبعض العامة:

قال في كتاب الحسين والاسماعيلية وكثير من أهل السنة على أنه دفن بدمشق ونقل إلى عسقلان ومنها إلى القاهرة. وسيجيء ضعفه وردّه.

وأما القول المختص بالامامية:

هو أن الرأس دفن عند أبيه الطاهر بالنجف الأشرف. عد السيد المعاصر في لواعجه(2)هذا قولاً ونسبه إلى بعض علماء الشيعة ولم يذكر القائل، وكلما فحصنا لم نجد من يقول به إلا ظاهر صاحب الوسائل حيث قال: استحباب زيارة رأس الحسين عند قبر أمير المؤمنين عليهما السلام واستحباب صلاة ركعتين لكل منهما. ثم ذكر الأخبار الواردة في ذلك إلى أن قال: وقد روى رضي الدين علي بن طاوس في كتاب اللهوف وغيره أن رأس الحسين أعيد فدفن مع بدنه بكربلا. وذكر أن عمل العصابة على ذلك ، ولا منافاة بينهما. انتهى.

ولعل مراده أنه دفن عند أمير المؤمنين عليه السلام ثم أعيد إلى كربلاء بقدرة


1) (1) الإقبال ص 588 ، مع بعض الإختصار .

2) (2) لواعج الأشجان ص 247.

الهية أو أمور عادية. وبالجملة، فهذا ليس قولاً قبال عمل العصابة.

وأعجب من هذا ما قاله المحدث المعاصر القمي قدس سره(1): والذي اشتهر بين علمائنا الامامية أنه إما دفن مع جسده الشريف ردّه علي بن الحسين عليه السلام، أو أنه دفن عند أمير المؤمنين كما في أخبار كثيرة.

وكأنه قدس سره احتاط في القول ونسب التوقف والاحتياط إلى المشهور. وهو كماترى، إذ المشهور بل المجمع عليه ما ذكرنا، والقول بدفنه في النجف عند أبيه إلى الآن لم نجد به قائلاً.

وكأن الأصحاب أعرضوا عن الأخبار الدالة على ذلك وأولوها بوجوه التأويل، مع أن الأخبار كلَّها نصب أعينهم، ولم يعملوا بمضمونها مع مخالفتها في نفسها ومعارضة بعضها مع بعض، فلنذكر الأخبار الواردة في ذلك:

(منها) ما قاله المفيد والسيد ابن طاوس والشهيد رضوان الله عليهم في باب زيارة أمير المؤمنين عليه السلام: فإذا بلغت العَلَم - وهي الجَبَّانة - فصلّ هناك ركعتين، فقد روى محمد بن أبي عمير عن مفضل بن عمر قال: جاز الصادقُ عليه السلام بالقائم الماثل في طريق الغري فصلى ركعتين، فقيل: ما هذه الصلاة؟ فقال عليه السلام: هذا موضع رأس جدي الحسين عليه السلام، وضعوه ههنا لما توجهوا من كربلا ثم حملوه إلى عبيد الله بن زياد - إلى آخر الحديث .

وليس في الوسائل قوله «وضعوه هنا» إلى آخر الحديث.

وفي المستدرك عن محمد بن المشهدي في مزاره عن الصادق عليه السلام أنه زار رأس الحسين عند رأس أمير المؤمنين عليه السلام.


1) (1) نفس المهموم ص 466 .

وبهذا وردت أخبار أخر دالة على أنه عليه السلام صلى موضعَ رأس الحسين عليه السلام، وقد مرّ في رواية المفيد ما يوضح ذلك.

وبالجملة، فليس نصاً بل ولا ظاهراً في أنه دفن هناك رأس الحسين عليه السلام. نعم يستحب زيارة الحسين عند أمير المؤمنين عليه السلام من الزيارات البعيدة، وكذا زيارة رأس الحسين عند أمير المؤمنين، ويؤيد ذلك اختلاف الأخبار في موضع رأس الحسين وأنه عليه السلام صلى فيه، ففي بعضها عند الذَّكَوَات، وفي بعضها في أمكنة بعد الذكوات، وفي بعضها حتى دخل الجرف فنزل وصلى ، وفي بعضها العلم وهي الجبَّانة.

نعم، في بعض الأخبار تصريح بأنه دفن الرأس الشريف هناك، منها ما رواه محمد بن الحسن باسناده عن عمر بن عبدالله بن طلحة النهدي عن أبيه قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام، فذكر حديثاً حدثناه قال: مضينا معه - يعني أبا عبدالله - حتى انتهينا إلى الغري، قال: فأتى موضعاً فصلى ثم قال لاسماعيل: قم فصل عند رأس أبيك الحسين عليه السلام. قلت: أليس قد ذهب رأسه إلى الشام. قال: بلى ولكن فلان مولانا سرقه فجاء به فدفنه ههنا.

ومثله في رواية الكافي بأدنى تغيير قال: سرقه مولى لنا فدفنه بجنب أمير المؤمنين عليه السلام.

(ومنها): ما رواه محمد بن قولويه(1)باسناده إلى علي بن أسباط رفعه قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: إنك إذا أتيت الغري رأيت قبرين قبراً كبيراً وقبراً صغيراً، فأما الكبير فقبر أمير المؤمنين عليه السلام، وأما الصغير فرأس الحسين عليه السلام.


1) (1) کامل الزيارات ص 35.

ومنها: مارواه محمد بن الحسن(1)ومحمد بن أحمد بن الحسين جميعاً عن الحسن بن علي بن مهزیار باسناده عن يونس بن ظبيان عن أبي عبدالله عليه السلام في حديث أنه ركب وركبتُ معه حتى نزل عند الذَّكَوَات الحمر وتوضاً،وصلى ثم دنى إلى أمكنة فصلى عندها وبكى، ثم مال إلى أمكنة دونها ففعل مثل ذلك، ثم قال: الموضع الذي صليتُ عنده أولاً موضع قبر أمير المؤمنين، والآخر موضع رأس الحسين، وإن ابن زياد لما بعث برأس الحسين بن علي رده إلى الكوفة فقال: أخرجوه عنها لا يفتن بها أهلها، فصيره الله عند أمير المؤمنين فدَفن الرأس مع الجسد والجسد مع الرأس.

وهذه الروايات مع اشتمالها على أمور غريبة ومخالفتها لجلّ أحاديث الخاصة والعامة وإعراض الأصحاب عنها، لا تدل على بقاء الرأس هناك بعد الدفن، بل يظهر من الرواية الأخيرة لحوقه بالجسد بكربلا بعدما دفن هناك.

قال في البحار: قوله «والرأس مع الجسد والجسد مع الرأس» أي بعدما دفن هناك ظاهراً الحق بالجسد بكربلا، أو صعد به مع الجسد إلى السماء كما في بعض الأخبار. ويؤيد ذلك بل يشعر به قوله «فصيره الله عند أمير المؤمنين».

وأما احتمال أن المراد بالجسد جسد أمير المؤمنين وأن بدن أمير المؤمنين كالجسد لهذا الرأس لأنهما من نور واحد ، فبعيد جداً .

ومما يؤيد أن الله تعالى صيَّر الرأس مع الجسد ما في البحار(2)وغيره عن سليمان الأعمش عن رجل عن موكلي الرأس الشريف قال: وأمر يزيد فأدخل


1) (1) نفس المصدر ص 36 .

2) (2) بحار الأنوار 187/45 .

الرأسُ في القبة التي بأزاء القبة التي يشرب فيها ووكلنا بالرأس. إلى أن قال: ثم سمعتُ منادياً ينادي: يا محمد اهبط فهبط ومعه خلق كثير من الملائكة، فأحدقت الملائكة بالقبة، ثم إن النبي دخل القبة وأخذ الرأس منها.

قال: وفي رواية: إن محمداً قعد تحت الرأس، فانحنى الرمح ووقع الرأس في حجر رسول الله، فأخذه وجاء به إلى آدم فقال: يا أبي آدم ماترى ما فعلت أمتي بولدي من بعدي. قال الرجلُ: فاقشعرَّ لذلك جلدي، ثم قام جبرئيل فقال: يامحمد أنا صاحب الزلازل، فأمرني لأزلزل بهم الأرض وأصيح بهم صيحةً واحدة يهلكون فيها. فقال: لا. قال: يا محمد دعني وهؤلاء الأربعين الموكلين بالرأس. قال: فدونك، فجعل ينفخ بواحد واحد، فدنا مني فقال: تسمع وترى، فقال النبي صلى الله عليه وآله: دعوه دعوه لا يغفر الله له، فتركني وأخذوا الرأس وولوا، فافتقد الرأس من تلك الليلة فما عُرف له خبر - إلى آخر الرواية أخذنا منها موضع الحاجة.

ويؤيده ما في اللهوف(1)قال: قال يزيد لعلي بن الحسين: أذكر حاجاتك التي وعدتك بقضائهن . فقال له: الأولى تريني وجه سيدي ومولاي وأبي الحسين فأتزود منه ... قال يزيد: أما وجه أبيك فلا تراه أبداً.

لأنه لا يمكنه أن يريه. فظهر مما ذكر أن الرأس مع الجسد والجسد مع الرأس.

وأما الأقوال المختصة بالعامة:

فتنتهي إلى سبعة، ولا يهمنا البحث عن ذلك، إذ جملة منها مبنية على الرؤيا والكشف ورأي الصوفية، وبعض منها ينتهي إلى خبر واحد رأى رأساً في مكان


1) (1) اللهوف ص 85.

دفن فيه وظن أنه رأس الحسين، وبعض منها مبني على القول الباطني منهم من نقل الميت من مكان إلى مكان، ولا فائدة في نقلها إلا العلم بالتاريخ، فمن أراد فليرجع إلى تذكرة السبط، وأبسط مما فيه ما ذكره علي جلال الحسيني في كتاب الحسين، فإنه قد أتعب نفسه ونقل الأقوال كلها مع ردها، إلى أن قال(1):

أقول: تقصيت ما قيل قديماً وحديثاً في مكان الرأس الشريف، ولم أر اختيار أحد هذه الأقوال، لأن أدلتها جميعاً ليست قاطعة. وتبع في ذلك شقيقه ابن تيمية في منهاج السنة.

ويمكن أن يقال: إن بعض الأمكنة التي قيل فيها رأس الحسين هو المكان الذي وضع فيه الرأس ثم أخذ منه، كما هو الظاهر في المسجد الأموي بالشام، فإن فيه مقاماً يُسمى برأس الحسين وقد تشرفت بزيارته مراراً، إذ قد مضى أنه أتي برأس الحسين في المسجد الأموي فوضعوه في مكان.

ويمكن أن يقال: إنه هو المكان الذي وضع يزيد الرأس الشريف في بيته، فلما زادوا في المسجد ووسعوه دخل ذلك البيت في المسجد.

قال السبط في التذكرة ونعم ما قال: وفي الجملة ففي أيّ مكان كان رأسه أو جسده فهو ساكن في القلوب والضمائر قاطن في الأسرار والخواطر(2)، أنشدنا بعض أشياخنا:

لا تطلبوا المولى الحسي ن بأرض شرق أو بغربِ

ودعوا الجميع وعرّجوا نحوي فمشهده بقلبي


1) (1) الحسين عليه السلام ص 138 فما بعدها .

2) (2) أنظر جملة من الأقوال في موضع دفن رأس الامام عليه السلام بحار الأنوار 144/45 .

(تتمة):

الجراحات الواردة على الرأس الشريف تنتهي إلى عشرة:

الأول: ضربة مالك البشر، فبلغ الترس وامتلأ الترس دماً.

الثاني: السهم الواقع على جبهته الشريفة.

الثالث: وقوع الحجر من يد ظالم على موضع وقع السهم.

الرابع: قطعه وجزّه عن الجسد.

الخامس: نكت ابن زیاد علی ثناياه .

السادس: قصة الحجام. ذكرها السبط في التذكرة عن عبدالله بن عمرو الوراق، وأنا أكره ذكره فمن أراد فليراجعه .

السابع: رمي العجوز بالحجارة ووقوع الحجر على ثناياه، وقد مرّ.

الثامن: نكت يزيد بقضيبه على شفتيه و ثناياه.

التاسع: كسر ثناياه على ما مرّ .

العاشر: ما ذكره صاحب الجواهر قدس سره في كتاب الحج في أبواب الزيارات وأنا أستحبي من ذكره ويا ليته لم يذكره أيضاً، ولعله لصربه ولم أدر من أين أخذه رحمه الله(1).

كما أني أستحبي وأكره أن أذكر بعض ما فعل ابن زياد ويزيد عليهما اللعنة بالرأس الشريف، ومعه ينتهي إلى أربعة عشر، تركته لكراهية النقل وعدم الاعتداد بالناقل. فتفطن.


1) (1) الجواهر 93/20 .

(خاتمة)

قد وقع الكلام بين الأعلام من قديم الزمان إلى الآن أن بدنه الشريف روحي له الفداء كسائر أبدان الأنبياء وأوصياء الأنبياء، هل يصعدون إلى السماء ويعرجون بأبدانهم العنصرية بعد الدفن أم يبقون في الأرض كسائر الأبدان، إلا أن لحومهم محرمة على الأرض أن تطعم منها شيئاً كما حرمت على الديدان ولا يتغيرون بطول الزمان، فهم على ما دفنوا باقون وبهذا يمتازون على سائر الأنام؟

واختلفوا في ذلك على قولين:

اختار الأول شيخنا المفيد قدس الله روحه، وتبعه على ذلك الشيخ الجليل أبو الفتح الكراجكي قدس سره، ونسب ذلك إلى فقهاء الشيعة، ومن متأخري المتأخرين منهم الشيخ المحدث البحراني في الدرة النجفية .

قال الشيخ المفيد في المسائل العكبرية(1): ليس الأئمة عندنا في القبور حالين ولا في الثرى ساكنين، وإنما جاءت العبادة بالسعي إلى مشاهدهم والمناجاة لهم عند قبورهم امتحاناً وتعبداً ... كالحج إلى البيت الحرام، فكذلك تجعل مشاهد الأئمة مزورة وقبورهم مقصودة، وإن لم تكن ذواتهم لها مجاورة ولا أجسادهم فيها حالة.

وقال قدس سره في شرح عقائد الصدوق(2)ما صورته: وقد جاء في الحديث: إن الأنبياء صلوات الله عليهم خاصة والائمة عليهم السلام من بعدهم يُنقلو بأجسادهم وأرواحهم من الأرض إلى السماء فيتنعمون في أجسادهم التي


1) (1) المسائل العكبرية ص 79.

2) (2) تصحیح اعتقادات الامامية ص 91.

كانوا فيها عند مقامهم في الدنيا. وهذا خاص بحجج الله تعالى دون من سواهم من الناس .

وقال قدس الله روحه في كتاب أوائل المقالات(1): إن الأنبياء والأئمة عليهم السلام يُنقلون من الثرى بعد دفنهم بأجسامهم وأرواحهم إلى الجنة، وهذا مذهب فقهاء الامامية ومذهب أهل الحديث، ولم أر من المتكلمين في هذا الباب شيئاً، ولم نجد من بني نوبخت في ذلك خلافاً ، وإنما أنكر ذلك بعض فرق الامامية.

وقال الكراجكي في كنز الفوائد: وقد ورد في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أنا أكرم على الله أن يدعني في الأرض أكثر من ثلاث. وهكذا عندنا حكم الأئمة عليهم السلام، وليس زيارتنا لمشاهدهم على أنهم بها، لكن لشرف المواضع، فكانت غُيّبت الأجساد فيها ولعبادة بدننا إليها.

وقال: إنا لا نشك في موت الأنبياء عليهم السلام، إن الخبر قد ورد أن الله تعالى يرفعهم بعد مماتهم إلى سمائه، وأنهم يكونون فيها أحياء، وليس ذلك بمستحيل في قدرة الله تعالى .

وقال المحدث البحراني قدس سره بعد نقل كلام المفيد نوَّر الله ضريحَه: وهذا هو الحق الحقيق بالاتباع، فإنا لم نقف في الأخبار على ما يدل لثبوت الأجساد المثالية للأنبياء والأئمة عليهم السلام بعد الموت، إذ غاية ما يُستفاد من الأخبار بالنسبة إلى المؤمن أنه بعد الموت يجعل روحه في قالب كقالبه في الدنيا بحيث لو رأيته لقلتَ فلان، وأما بالنسبة إليهم، وظواهر هذه الأخبار وكذا أخبار المعراج في حكاية النبي الاجتماع بالأنبياء والمرسلين في بيت المقدس وكذا في السماء تدل


1) (1) أوائل المقالات ص 72 مع اختصار وتغيير.

على ما ذكره شيخنا المفيد. انتهى.

والقول الثاني هو المشهور، لاسيما في أعصارنا، صرح بذلك المجلسي والفيض وغيرهما، فلنذكر الأخبار الواردة في المقام التي استُدل أو يمكن أن يُستدل بها للقول الأول:

(فمنها) ما رواه الشيخ الجليل ابن قولويه في الكامل(1)باسناده عن عبد الله الأصم عن عبد الله بن بكير في حديث طويل، قال بعد ما سأله عن أمور: قلت: جعلت فداك أخبرني عن الحسين عليه السالم لو نبش كانوا يجدون في قبره شيئاً؟ قال: يابن بكير ما أعظم مسائلك، إن الحسين مع أبيه وأمه وأخيه الحسن في منزل رسول الله صلى الله عليه وآله، يُحبون كما يُحبى ويرزقون كما يُرزق، فلو نُبش في أيامه لوجدوا، وأما اليوم فهو حي عند ربه يُرزق، وإنه لينظر إلى معسكره-إلى آخر الحديث.

(ومنها) ما عن الكراجكي أنه روى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: أنا أكرم على الله أن يدعني في الأرض أكثر من ثلاث. وفي أمالي الطوسي مثله.

(ومنها) مارواه في الكامل(2)عن الكليني، عن عدة من أصحابه عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن زياد بن الجلال، عن أبي عبدالله علیه السلام قال: ما من نبي ولا وصي نبي يبق في الأرض بأكثر من ثلاثة أيام ثم تُرفع روحه وعظمه ولحمه إلى السماء، وإنما يؤتى مواضع آثارهم ويبلّغونهم من بعيد السلام ويسمعونهم في مواضع آثارهم من قريب وفي التهذيب والكافي مثله.


1) (1) كامل الزيارات ص 103 و 329 مع اختلاف في بعض الألفاظ في الرواية الأولى.

2) (2) کامل الزيارات ص 330 .

(ومنها) ما في التهذيب(1)قال: أخبرني الشريف الفاضل أبو عبد الله محمد بن محمد بن طاهر الموسوي، عن أحمد بن محمد بن سعيد، عن التيملي(2)عن أخيه، عن العلاء بن يحيى أخي مغلس، عن عمرو بن زياد، عن عطية الأبزاري قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: لا تمكث جثة نبي ولا وصي نبي في الأرض أكثر من أربعين يوماً.

(ومنها) ما رواه في التهذيب عن محمد بن أحمد بن داود، باسناده عن علي بن بُزُرج الخياط، عن عمرو قال: جاءني سعد الاسكاف فقال: يا بني تحمل الحديث؟ فقلت: نعم. قال: فقال حدثني أبو عبدالله عليه السلام قال: إنه لما أصيب أمير المؤمنين عليه السلام قال للحسن والحسين عليهما السلام: غسّلاني وكفناني وحنطاني واحملاني على سريري واحملا مؤخَّره تُكفيان مقدمه، فإنكما تنتهيان إلى قبر محفور والحد ملحود ولِبن موضوع ، فألحِداني وأشرِجا(3)اللبن عليّ وارفعا لبنة مما يلي رأسي فانظرا ما تسمعان، فأخذا اللبنة بعد ما أشرجا عليه اللبن من عند الرأس فإذا ليس في القبر شيء، وإذا هاتف يهتف: أمير المؤمنين كان عبداً صالحاً فألحقه الله،بنبيه، وكذلك يفعل بالأوصياء بعد الأنبياء، حتى لو أن نبياً مات في المشرق ومات وصيه في المغرب لألحق الوصيَّ بالنبي.

هذا ما وقفنا عليه من أخبار الباب.


1) (1) التهذيب 106/6 .

2) (2) في المصدر: عن علي بن الحسن بن فضال.

3) (3) أشرج الحجارة : نقدها وضم بعضها إلى بعض .

قال المحقق المجلسي في مزار البحار بعد ذكر خبري العطية الأبزاري وزياد بن الهلال ما هذا لفظه: ثم إن في هذين الخبرين إشكالاً من جهة منافاتهما لكثير من الأخبار الدالة على بقاء أبدانهم فى الأرض، كأخبار نقل عظام آدم عليه السلام(1)ونقل عظام يوسف عليه السلام(2)، وبعض الآثار الواردة عنهم أنهم نَبَشوا قبرَ الحسين عليه السلام فوجدوه في قبره، وأنهم حفروا في الرصافة قبراً فوجد فيه شعيب بن صالح، وأمثال تلك الأخبار كثيرة. فمنهم من حمل أخبار الرفع أنهم يُرفعون بعد الثلاثة ثم يرجعون إلى قبورهم كما ورد في بعض الأخبار أن كل وصي يموت يلحق بنبيه ثم يرجع إلى مكانه، ومنهم من حملها على أنها صدرت لنوع من المصلحة لقطع طمع الخوارج والنواصب الذين كانوا يريدون نبش قبورهم وإخراجهم منها وقد عزموا على ذلك مراراً فلم يمكن لهم. ويمكن حمل أخبار العظام على أن المراد نقل الصندوق المتشَّرف بعظامهم وجسدهم في ثلاثة أيام أو أربعين يوماً، وإن الله تعالى ردهم إليها لتلك المصلحة، وعلى هذا تحمل الأخبار الأخر، انتهى.

وبمثل هذا ذكر قدس سره في كتاب مرآة العقول بألفاظه مع زيادة: أو يقال إنهم لم يُرفعوا لعلمه تعالى بأنهم سينقلون فيكون مخصوصاً بغيرهم. انتهى.

وأنت خبير بما فيه، إذ كيف يحمل قوله عليه السلام «لو نبشوا في أيامه وأما اليوم فلا» على أنهم يرجعون؟ وكيف يحمل قوله في زمن الصادق عليه السلام على التورية ونوع من المصلحة مع ظهور قبره عليه السلام وظهور قبر الحسين من أول يوم شهادته؟ وكيف يُحمل قول رسول الله صلى الله عليه وآله على ذلك؟ وكذا كيف يحمل ما ورد من التصريح بعظام آدم وعظام يوسف على الصندوق مع


1) (1) الرسائل العشرة للطوسي ص 317 ، مستند الشيعة 286/3 ، كامل الزيارات ص 38 39 .

2) (2) مستند الشيعة 286/3 ، العلل 296/1 ، الكافي 144/8 - 5 15 .

أن الصندوق نُقل لكونهم فيه لا لكونهم فيه نقلوا؟

وأبعد الاحتمالات الاحتمال الأخير في مرآة العقول من أنهم لم يرفعوا لعلمه تعالى بأنهم سينقلون. فتدبر جيداً.

وقال المحقق الكاشاني في الوافي بعد نقل خبر الخلّال ما هذا لفظه: حمل هذا الحديث على ظاهره ليس بمستبعد في عالم القدرة وفي خوارق عاداتهم عليهم السلام، مع أنه يحتمل أن يكون المراد باللحم والعظم المرفوعين المثاليين منهما، وذلك لعدم تعلقهم بهذه الأجساد العنصرية. إلى أن قال: فأبدانهم عليهم السلام ليست إلا تلك الأجساد اللطيفة المثالية، وأما العنصرية فكأنها أبدان الأبدان.

وقال في خبر سعد الاسكاف وقول الهاتف «ان أمير المؤمنين كان عبداً صالحاً فألحقه الله بنبيه» قال: لعل المراد بالحاقه إلحاق بدنه المثالي البرزخي لا العنصري، وأما فقدان البدن العنصري عن نظرهما من القبر فلعل ذلك لغيبه عنهما وقتئذ، لأنهما كانا حينئذ إنما يبصران ويسمعان بمشاعرهما الباطنية لما في الغيب دون مشاعرهما الظاهرية ولهذا كانا يسمعان من الهاتف الغيبي. مع أنه لا يستبعد نقل بدنه العنصري الصاد الحاقه بالبدن العنصري للنبي صلى الله عليهما كما أشرنا إليه، فإن مثل هذه الخوارق للعادات دون مرتبتهم عليهم السلام. انتهى. وتبعه على ذلك الشيخ الأحسائي.

وأنت خبير بأن القول بالبدن المثالي في هذا العالم وأن الأبدان العنصرية بدن لهذا البدن المثالي، هو القول بهور غليائي ، وهو مخالف لظاهر الشرع، وللكلام معهما محل آخر.

وقال المحدث البحراني: والظاهر عندي هو الوقوف على ظاهر هذه الأخبار الدالة على نقلهم صلوات الله عليهم بالأبدان العنصرية، وأنهم يتنعمون بها في تلك النشأة، كما نقل عيسى عليه السلام وهو حي . . انتهى.

والحق الحقيق بالمقام أن يقال: إنا لا نستبعد نقل بدنهم العنصري إلى السماء، ولا مانع للعقل في ذلك، مع أنه بُرهن ذلك في قصة المعراج الجسماني، أما دلالة هذه الأخبار وظهورها في ذلك فمحل منع.

أما رواية عبد الله بن بكير - فمع الغض عن أنه عبد الله بن بكر أو بكير، وأنه إمامي أو عامي، وأنه ضعيف أو مجهول كما يظهر في ترجمته - أنه كان رجلاً عامياً لا يعرف الامام حق المعرفة وأنه ضعيف الايمان، يظهر ذلك من قوله في صدر الرواية قال: قلت جعلت فداك فهل يرى الامام ما بين المشرق والمغرب. فأجابه الامام على مقدار معرفته، فقوله: جعلت فداك لو نُبش قبر الحسين عليه السلام هل كان يصاب في قبره شي. يُفهم من سؤاله أنه ليس سؤاله عن أنه عليه السلام هل رُفع إلى السماء ببدنه العنصري أم بقي في القبر، كما فهموه، بل سؤاله عن أنه هل بقي على ما دفن أو بلي وصار تراباً كسائر الأبدان كما هو الظاهر من السؤال، فأجابه عليه السلام بمقدار معرفته فقال: لو نُبش في أيامه المتعارف للناس أن يبقوا لوجدوا وأما اليوم الذي قد مرّ عليه سنون كثيرة فهو حي عند ربه يُرزق، ولم يصرح بأنه صار تراباً كسائر الناس، فكأنه عليه السلام أعرض عن الجواب لعدم استعداد السائل.

ولو سلم فإنما يدل على أن بدنه يبلى ويصير تراباً كسائر الأبدان، فهو معارض بالأدلة الدالة الصريحة الناصة على أن ليس للأرض في أبدانهم حقاً وأن الله حرم لحومهم على الأرض. وعلى كل حال يسقط ظهورُ الرواية الدالة على أن أبدانهم العنصرية تُرفع إلى السماء.

وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله «أنا أكرم على الله أن يدعني في الأرض أكثر من ثلاثة أيام» وما هو بمضمونه، وفي بعضها إلى أربعين يوماً،

فالظاهر أن المراد بقاءهم في الأرض قبل دفنهم عليهم السلام كما بقي بدنه الشريف (صلی الله علیه وآله وسلم) على الأرض ثلاثة أيام وبقي بدن الكاظم عليه السلام في الأرض ثلاثة أيام، وهكذا بدن الهادي عليه السلام بقي ثلاثة أيام أو عشرة أيام.

والعجب ممن فهم من هذه الأخبار بقاءهم في القبر ثلاثة أيام أو أزيد، وحملوا الاختلاف على مراتب الأفضلية، مع أن الخبر النبوي صريح على ما ذكرنا.

قال في الوافي: لا منافاة بين خبر الثلاثة وخبر الأربعين، لأنها إذا لم تبق أكثر من ثلاثة صدق أنها لم تبق أكثر من أربعين، ولعل ذلك يختلف باختلاف الأزمنة، وهو عن الجسد العنصري الذي هو الأرض بالاضافة إليهم. انتهى.

وليس هذا وأمثاله إلا من عدم التأمل في متن الحديث وأنس ذهنهم بأمور خارجة عن مذاق الشرع.

وأما خبر الاسكاف وقضية أمير المؤمنين عليه السلام، فلا ربط له بما نحن فيه، إذ المصرَّح أنه كان قبل إتمام الدفن، وأن الأوصياء يلحقون بالأنبياء عند إزهاق روحهم عليهم السلام، لا أنهم يلحقون به بعد دفنهم تاماً بالبدن

العنصري. وبالجملة فهذا ليس نصاً ولا ظاهراً في المطلوب.

نعم، رواية زياد له ظهور في ذلك، إلا أنه مجمل أو متشابه، إذ لا معنى لبقائهم عليهم السلام بروحهم وعظمهم ولحمهم في القبر ثلاثة أيام حتى يُرفع بروحه ولحمه وعظمه إلى السماء، ضرورة أن الروح يُرفع ويصعد بمجرد خروجه عن البدن.

ولو سلم ظهوره في ذلك وظهور سائر الأخبار فيه، فهو معارض بالنصوص الصريحة الدالة على بقاء أبدانهم عليهم السلام في الأرض، بل ادعي تواتر الأخبار في ذلك. ويكفيك في النصوصية والصراحة الأخبار الواردة في نقل عظام آدم ويوسف عليهما السلام، وقصة إبراهيم الديزج في نبش قبر الحسين عليه

السلام فوجده طرياً على بارية جديدة، وقصة موسى بن جعفر عليه السلام في عظم بين أصبعي يهودي أو نصراني أخرجه من يده فانقطع المطر. والأخبار الدالة الخاصة على زيارته وزيارتهم عليهم السلام، وأن الملائكة وقفت على قبر الحسين عليه السلام حتى يخرج من القبر، وأمثال ذلك مما لا يخفى، تفيد القطع بأن أبدانهم عليهم السلام في قبورهم على ما دفنوا لا يعتريهم التغيير على طول المدة ولا تأكلهم الأرض، ونقتصر في ذلك على ذكر رواية رواها ابن قولويه في الكامل قال:

حدثني(1)محمد بن يعقوب، عن أبي علي الأشعري، عمن ذكره، عن محمد بن سنان. وحدثني محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري، عن عبدالله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، قال: حدثني ابن سنان، قال: حدثني المفضل بن عمر، قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقلت: إني أشتاق إلى الغري. قال: فما شوقك إليها؟ فقلت له: إني أحب أمير المؤمنين وأحب أن أزوره. قال: فهل تعرف فضل زيارته؟ قلت: لا يابن رسول الله فعرِّفني ذلك. قال: إذا أردت زيارة أمير المؤمنين فاعلم أنك زائرٌ عظامَ آدم وبدنَ نوح وجسمَ علي بن أبي طالب. إلى أن قال عليه السلام فإذا أردت جانب النجف فزر عظامَ آدم وبدنَ نوح وجسمَ علي بن أبي طالب - إلى آخر الرواية أخذنا منها موضع الحاجة.

وفي تاسع البحار(2)في باب شهادة أمير المؤمنين عليه السلام من وصاياه


1) (1) کامل الزيارات ص 38.

2) (2) البحار 236/42 .

للحسن ابنه: فإذا أردتَ الخروج من قبري فافتقدني فإنك لا تجدني، وإني لاحق بجدك رسول الله صلى الله عليه وآله، واعلم يا بني ما من نبيٍّ وإن كان مدفوناً بالمشرق ويموت وصيه بالمغرب - إلا ويجمع الله عز وجل بين روحيهما وجسديهما ثم يفرَّقان فيرجع كل واحد منهما إلى موضع قبره إلى موضعه الذي حط فيه. الحديث .

فهرس الكتاب

تقديم...7

ترجمة المؤلف...13

مقدمة المؤلف ...19

الباب الأول

(في خطب الحسين عليه السلام)

الخطبة الأولى عند العزم على الخروج إلى العراق...21

دفع شبهة الظن بالضرر في الاقدام على الجهاد...30

الخطبة الثانية في ذي خشب عند اللقاء بالحر وأصحابه...37

الخطبة الثالثة في ذي خشب أيضاً...38

الخطبة الرابعة في البيضة...38

الخطبة الخامسة في ذي حسم...40

الخطبة السادسة بعد ملاقاة الحر...44

الخطبة السابعة ألقاها على أصحابه...45

تحقيق جيد في معنى البيعة وأقسامها...50

الخطبة الثامنة ألقاها على أصحابه بعد صلاة الفجر...55

الخطبة التاسعة ألقاها بين العسكرين...56

الباب الثاني

(في كتبه و رسائله علیه السلام)

الكتاب الأول إلى شيعته من أهل الكوفة...71

الكتاب الثاني جواب کتاب مسلم بن عقیل...76

الكتاب الثالث إلى رؤوس الأخماس بالبصرة...77

الكتاب الرابع من مكة حين الخروج إلى العراق...81

الكتاب الخامس في جواب عمرو بن سعيد والي مكة...84

الكتاب السادس من بطن الرمة إلى وجوه أهل الكوفة...86

الكتاب السابع من كربلاء إلى محمد بن الحنفية...86

الباب الثالث

(في بعض كلماته عليه السلام)

محاورته عليه السلام مع أخيه محمد بن الحنفية...89

كلامه مع مروان بن الحكم...91

القاؤه مع زرارة بن جلح...92

كلامه مع أفواج الملائكة...94

كلامه مع أفواج مؤمني الجن...95

كلامه مع ابن الحنفية في ليلة الخروج من مكة...98

كلامه مع أم سلمة...101

الباب الرابع

(في وصاياه عليه السلام)

الوصية الأولى لأخيه محمد بن الحنفية...103

الوصية الثانية إلى أم سلمة...105

الوصية الثالثة إلى ابنته فاطمة الكبرى...105

الوصية الرابعة إلى ابنه علي زين العابدين...108

الوصية الخامسة إلى أخته زينب بنت علي...109

الوصية السادسة يوم وروده بکر بلا لاخته زینب...110

الوصية السابعة لأهله وعياله عند وداعهن...117

الباب الخامس

(وقائع السفر من المدينة إلى مكة)

كيفية خروجه عليه السلام من المدينة...119

ما جرى بينه وبين الوليد بن عتبة...121

رؤياه عليه السلام للنبي صلى الله عليه وآله...126

وصف الخروج إلى مكة...131

لقاؤه بعبدالله بن مطيع...133

مكاتبة الوليد مع يزيد بن معاوية...134

خروج مسلم بن عقيل من مكة...135

ما جرى بين الحسين و ابن الزبير...137

محاورة الحسين مع ابن عمر...139

محاورته مع أخيه محمد بن الحنفية...141

محاورته مع عبدالله بن العباس...142

مناقشة فيما قاله أبو الفرج...146

عذر ابن عباس عن الخروج مع الحسين عليه السلام...147

بعض ما يتعلق بابن عباس...148

مناقشة مع الشيخ محمد خضري بيك المصري...152

نقل كلام الفيلسوف بارالبين المسيحي...164

علة ذهاب الحسين إلى العراق كما وردت في الأحاديث...167

تفاصیل خروجه عليه السلام من مكة...170

ذكر المنازل التي مر بها الحسين عليه السلام في سفره...173

المنزل الأول: الأبطح...173

المنزل الثاني : التنعيم...174

المنزل الثالث : الصفاح...177

المنزل الرابع : وادي العقيق...181

المنزل الخامس : وادي الصفراء...182

المنزل السادس : ذات عِرق...183

المنزل السابع : الحاجر...184

المنزل الثامن : فَيد ...185

المنزل التاسع : الأجفر...186

المنزل العاشر : الخزيمية...187

المنزل الحادي عشر : شقوق...188

المنزل الثاني عشر : زرود...189

المنزل الثالث عشر : الثعلبية...189

المنزل الرابع عشر : الزبالة...196

المنزل الخامس عشر : القاع...202

المنزل السادس عشر : عقبة ...204

المنزل السابع عشر : شراف...205

المنزل الثامن عشر : ذو حسم...207

المنزل التاسع عشر : عذيب الهجانات...209

المنزل العشرون : القطقطانية...209

المنزل الواحد والعشرون : قصر مقاتل...210

المنزل الثاني والعشرون : نينوى...217

المنزل الثالث والعشرون : كربلا...218

ملاقاة الحسين مع الحر بن يزيد...219

وروده عليه السلام إلى كربلا...221

بعض الأحاديث الواردة في شهادة الحسين عليه السلام...222

حد الحائر الحسيني...224

في معنى كربلاء...227

الوقائع المتأخرة عن وروده عليه السلام إلى كربلا...243

حيرة ابن سعد في قتال الحسين...244

سؤال ابن سعد عن سبب مجيء الحسين إلى كربلا...248

کتاب عمر بن سعد إلى ابن زياد...251

الجيش المبعوث إلى كربلا...254

ملاقاة ابن سعد مع الحسين عليه السلام...260

نقل بعض ما في كتاب نهضة الحسين...266

أحداث يوم تاسوعاء ...268

أسباب خروج الحسين عليه السلام...271

ورود شمر إلى كربلا...276

الباب السادس

(فيما جرى في ليلة عاشوراء)

إمهال الحسين وأصحابه ليلة عاشوراء...283

بعض ما جرى لأصحاب الحسين في تلك الليلة...284

التنوير والطلي مع عدم وجود الماء...287

عبادة الأصحاب ليلة عاشوراء...289

الباب السابع

(ماجريات يوم عاشوراء)

دعاء الحسين عليه السلام بعد صلاة الصبح...293

تعبئة الحسين عليه السلام أصحابه...299

مواعظه عليه السلام في جيش ابن سعد...304

البلاء على بعض أصحاب ابن سعد...305

بدء عمر بن سعد بالقتال...309

مبارزة أصحاب الحسين مع جيش ابن سعد...312

إرعاب شمر حرم الحسين عليه السلام...316

صلاة الحسين عليه السلام بأصحابه...317

محاربة بني هاشم في يوم عاشوراء...319

وداع الحسين عليه السلام مع الأهل والعيال...320

مقتل الطفل الرضيع...322

وصف قتال الحسين عليه السلام...325

حضور زينب عند أخيها الحسين...344

ساعة الحسين عليه السلام الأخيرة...347

الأقوال في قاتل الحسين عليه السلام...348

ه عليه السلام حين قتل...353

سنة قتله عليه السلام...354

في الشهر الذي قتل الحسين فيه...355

يوم شهادته بحسب الأسبوع...357

في ساعة شهادته في يوم عاشوراء...361

الباب الثامن

(في الوقائع الحادثة عند الشهادة )

ما ظهر في المدينة المنورة...363

النداء من بطنان العرش عند مقتله عليه السلام...365

ضجة الملائكة عند قتله عليه السلام...367

حديث أم سلمة في قصة القارورة...369

نوح الجن ومناقشات المؤلف فيه...371

بكاء السماء والأرض على الحسين عليه السلام...373

قصة الورس...379

قصة فرس الحسين عليه السلام...380

بكاء الموجودات عليه عليه السلام...384

مناقشة أقوال على جلال الحسيني...387

الباب التاسع

(في الوقائع المتأخرة عن القتل)

في سلب الحسين عليه السلام...397

في جراحات بدنه عليه السلام...401

في رض صدره وجسده الشريف...402

في مدفنه عليه السلام و مدفن أصحابه...407

كيفية دفن الأصحاب...413

بعض الأحكام المتعلقة بالشهيد...419

ما جرى على الرأس الشريف من كربلا إلى الكوفة ...420

وقائع الرأس في مجلس عبيد الله بن زياد...426

ما جرى على الرأس من الكوفي إلى الشام...433

ما جرى على الرأس في الشام ومجلس يزيد...445

شرب يزيد الخمر ومقامرته...464

مدفن رأس الحسين عليه السلام...466

الجراحات الواردة على الرأس الشريف...468

البحث عن بقاء بدن الحسين في الأرض أو صعوده...476