موسوعة أهل البیت علیهم السلام جلد 18

ghaemiyeh.com

اشارة

موسوعه اهل البیت علیهم السلام

نویسنده: السید علی عاشور

دارالنظیر عبود - بیروت - لبنان

مشخصات ظاهری: 20 ج

1427ه - 2006م

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الجزء الثامن عشر

ترجمة الإمام العسكري عليه السّلام

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قال ابن خلّكان في تاريخه:هو أحد الأئمة الإثني عشر على اعتقاد الإماميّة،و هو والد المنتظر صاحب السرداب،و يعرف بالعسكري،و أبوه عليّ يعرف بهذه النسبة-إلى أن قال:

و العسكري بفتح العين المهملة و سكون السين المهملة و فتح الكاف و بعدها راء هذه النسبة إلى سرّ من رأى،و لمّا بناها المعتصم و انتقل إليها بعسكره،قيل لها العسكر و إنما نسب الحسن المذكور إليها،لأنّ المتوكّل أشخص أباه عليّا إليها و أقام بها عشرين سنة و تسعة أشهر فنسب هو و ولده هذا إليها.انتهى كلامه (1).

و قال محيي الدين الأعرابي أو المغربي فيه«قال في المناقب:صلوات اللّه و ملائكته و حملة عرشه و جميع خلقه من أرضه و سمائه على البحر الزاخر،زين المفاخر،الشاهد لأرباب الشهود، الحجّة على ذوي الجحود،معرّف حدود حقائق الربانية،منّوع أجناس العالم السبحانية،عنقاء قاف القدم،العالي عن مرقاة الهمم،وعاء الأمانة،محيط الإمامة،مطلع الأنوار المصطفوي،الحسن بن عليّ العسكري عليه صلوات اللّه الملك الأكبر (2).

و قال القطب الراوندي:و أما الحسن بن علي العسكري عليهما السّلام،فقد كانت أخلاقه كأخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و كان رجلا أسمر،حسن القامة،جميل الوجه،جيد البدن،حدث السن،له جلالة و هيبة و هيئة حسنة،يعظّمه العامة و الخاصة اضطرارا،يعظّمونه لفضله،و يقدمونه لعفافه و صيانته و زهده و عبادته و صلاحه و إصلاحه،و كان جليلا نبيلا فاضلا كريما يحمل الأثقال،و لا يتضعضع للنوائب،أخلاقه خارقة للعادة على طريقة واحدة (3).


مولد أبي محمّد الحسن بن علي عليهما السّلام

ولد عليه السّلام في شهر رمضان و في نسخة أخرى في شهر ربيع الآخر سنة إثنتين و ثلاثين و مائتين (4).


1) رياض الأبرار للجزائري،مخطوط.

2) رياض الأبرار للجزائري،مخطوط.

3) الخرائج و الجرائح:ج 2 ص 901.

4) الكافي:503/1 ح 9.

و قيل:سنة إحدى و ثلاثين و مائتين للهجرة (1).

و في بشائر المصطفى كان مولد أبي محمّد عليه السّلام بالمدينة شهر ربيع الأوّل سنة ثلاثين و مائتين (2).

و قال الشيخ الكفعمي:ولد عليه السّلام يوم الإثنين رابع ربيع الثاني سنة إثنتين و ثلاثين و مائتين و قيل:

في عاشر ربيع الثاني (3)

و قيل كان ميلاده يوم الجمعة لثمان خلون من ربيع الآخر بالمدينة و قيل ولد بسرّ من رأى سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين (4).

و قيل:ولد عليه السّلام بالمدينة الطيبة يوم العاشر،أو الثامن من شهر ربيع الآخر،و قيل:في رابعه سنة اثنتين و ثلاثين و مائتين (5).

و قال شيخنا الحر العاملي في تاريخه:مولده شهر ربيع الآخر و ذاك في اليوم الشريف العاشر في يوم الاثنين و قيل الرابع و قيل في الثامن و هو شائع (6).

و أمّا عمره:فإنّه توفي في الثامن من ربيع الأول سنة ستين و مائتين للهجرة (7)في خلافة المعتمد،و قد تقدم ذكر ولادته سنة إحدى و ثلاثين و مائتين،فيكون عمره تسعا و عشرين سنة (8).

كان مقامه مع أبيه ثلاثا و عشرين سنة و أشهرا،و بقي بعد أبيه خمس سنين و شهورا،و قبره بسر من رأى.

و قيل بقي بعد أبيه ستّ سنين

و كانت مدّة خلافته ستّ سنين (9).

أم الإمام العسكري عليهما السّلام

تسمى حديث أو سليل،و يقال لها:الجدة،و كانت من العارفات الصالحات (10).

و قيل:أمّ ولد يقال لها:سوسن (11).


1) تاريخ ابن الخشاب:199،تاريخ بغداد 7:366،المنتظم 12:1639/58.

2) بحار الأنوار:235/50 ح 2.

3) بحار الأنوار:238/50 ح 12.

4) مناقب آل أبي طالب:523/3،و بحار الأنوار:236/50.

5) إعلام الورى:ص 349،و مصباح الكفعمي:ص 523،و عنه البحار:ج 50 ص 238 ح 12.

6) الأنوار البهية:303.

7) دلائل الإمامة:223.

8) دلائل الإمامة:223.

9) روضة الواعظين:251.

10) البحار:ج 50 ص 238 ح 11،و منتهى الآمال:ج 2 ص 649.

11) تاريخ ابن الخشاب:199،دلائل الإمامة:223.

و روى الشيخ الصدوق عن أحمد بن إبراهيم،قال:دخلت على حكيمة بنت محمد بن علي الرضا أخت أبي الحسن صاحب العسكر عليه السّلام في سنة اثنتين و ستين و مائتين،فكلمتها من وراء حجاب و سألتها عن دينها فسمت لي من تأتم بهم.

ثم قالت:و الحجة بن الحسن عليه السّلام-فسمته الى أن قال:-فقلت لها:اين الولد-يعني الحجة عليه السّلام-قالت:مستور.

فقلت:إلى من تفزع الشيعة؟

فقالت:الى الجدة أم أبي محمد عليه السّلام.

فقلت لها:أقتدي بمن وصيته الى امرأة (1)؟

قالت:إقتداء بالحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السّلام،إن الحسين بن علي عليهما السّلام أوصى الى أخته زينب بنت علي عليها السّلام،في الظاهر،و كان ما يخرج عن علي بن الحسين عليهما السّلام من علم ينسب الى زينب بنت علي سترا (2)على علي ابن الحسين عليهما السّلام (3).

و كفى في فضلها أنها كانت مفزع الشيعة بعد وفاة أبي محمد عليه السّلام (4).

نقش خاتم الإمام العسكري عليه السّلام

و كان خاتمه فيه:سبحان من له مقاليد السماوات و الأرض (5).

و قال الشيخ الكفعمي:نقش خاتمه:أنا للّه شهيد (6).

ألقاب الإمام العسكري عليه السّلام

و في المناقب ألقابه الصامت الهادي الرفيق الزكي التقي كنيته أبو محمّد و كان هو و أبوه و جدّه يعرف كلّ منهم في زمانه بابن الرضا (7).

و قيل:الخالص (8).

كنية الإمام العسكري عليه السّلام

أبو محمد (9).


1) في بعض المصادر:(المرأة).

2) في بعض المصادر:(تسترا).

3) كمال الدين:ج 2 ص 501 ح 27.

4) البحار:ج 50 ص 238 ح 11،و منتهى الآمال:ج 2 ص 649.

5) مستدرك سفينة البحار:307/2.

6) دلائل الإمامة:425 ح 1.

7) بحار الأنوار:236/50،و مناقب آل أبي طالب:421/4.

8) تحف العقول:484،مناقب الخوارزمي:123/113.

9) تاريخ ابن الخشاب:198،الكافي 1:420،دلائل الإمامة:223.

صفة الإمام العسكري عليه السّلام

في الفصول المهمّة صفته عليه السّلام بين السمرة و البياض (1).

و قال القطب الراوندي:و أما الحسن بن علي العسكري عليهما السّلام،فقد كانت أخلاقه كأخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و كان رجلا أسمر،حسن القامة،جميل الوجه،جيد البدن،حدث السن،له جلالة و هيبة و هيئة حسنة،يعظمه العامة و الخاصة اضطرارا،يعظمونه لفضله،و يقدمونه لعفافه و صيانته و زهده و عبادته و صلاحه و إصلاحه،و كان جليلا نبيلا فاضلا كريما يحمل الأثقال،و لا يتضعضع للنوائب،أخلاقه خارقة للعادة على طريقة واحدة (2).

كرم الإمام العسكري عليه السّلام

و عن أبي الهيثم بن سيابة عن محمّد الشاكري و كان خادما للحسن العسكري عليه السّلام قال:كان أستاذي أصلح من رأيت من العلويّين و الهاشميّين كان يجلس في المحراب و يسجد فأنام و أنتبه و أنام و هو ساجد و كان قليل الأكل كان يحضره التين و العنب و الخوخ و ما شاكله فيأكل منه الواحدة و الإثنتين و يقول:احمل يا محمّد هذا إلى صبيانك،فأقول:هذا كلّه؟

فيقول:خذه.

و قد أكثر في هذا الحديث من قوله:قال أستاذي و فعل أستاذي و حكى أستاذي يعني به الإمام عليه السّلام و لم أر إطلاق هذا اللفظ على الإمام عليه السّلام في حديث آخر و لا بأس به (3).


هيبة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام

الحسين بن محمّد الأشعري و محمّد بن يحيى و غيرهما قالوا:كان أحمد بن عبيد اللّه بن خاقان (4)على الضياع و الخراج بقم فجرى في مجلسه يوما ذكر العلوية و مذاهبهم و كان شديد النصب فقال:ما رأيت و لا عرفت بسرّ من رأى رجلا من العلويّة مثل الحسن بن عليّ بن محمّد بن الرّضا في هديه و سكونه و عفافه و نبله و كرمه عند أهل بيته و بني هاشم و تقديمهم إيّاه على ذوي السنّ منهم


1) بحار الأنوار:238/50 ح 9،و إعلام الورى:349.

2) الخرائج و الجرائح:ج 2 ص 901.

3) مستدرك الوسائل:473/4،و البحار:253/50.

4) قال بعض أصحاب الرجال أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان له مجلس يصف فيه أبا محمد الحسن بن علي العسكري،و قال بعضهم:إن له كتابا يصف فيه سيدنا أبا محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و قال المفيد في إرشاده:إنه كان على الخراج بقم فكان شديد النصب و الانحراف عن أهل البيت عليهم السّلام.

و الخطر و كذلك القوّاد و الوزراء و عامّة الناس،فإنّي كنت يوما قائما على رأس أبي و هو يوم مجلسه للناس إذ دخل عليه حجّابه فقالوا:أبو محمّد بن الرّضا بالباب.

فقال بصوت عال:إئذنوا له،فتعجّبت ممّا سمعت منهم أنّهم جسروا يكنّون رجلا على أبي بحضرته و لم يكنّ عنده إلاّ خليفة أو وليّ عهد أو من أمر السلطان أن يكنّى،فدخل رجل أسمر، حسن القامة،جميل الوجه،جيّد البدن،حدث السنّ،له جلالة و هيبة،فلمّا نظر إليه أبي قام يمشي إليه خطى و لا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم و القوّاد فلمّا دنا منه عانقه و قبّل وجهه و صدره و أخذ بيده و أجلسه على مصلاّه الّذي كان عليه و جلس إلى جنبه مقبلا عليه بوجهه و جعل يكلّمه و يفديه بنفسه،و أنا متعجّب ممّا أرى منه إذ دخل عليه الحاجب فقال:الموفّق (1)و قد جاء-و كان الموفّق إذا دخل على أبي تقدّم حجّابه و خاصة قوّاده فقاموا بين مجلس أبي و بين باب الدّار سماطين إلى أن يدخل و يخرج-فلم يزل أبي مقبلا على أبي محمّد يحدّثه حتّى نظر إلى غلمان الخاصّة فقال حينئذ إذا شئت جعلني اللّه فداك.

ثمّ قال لحجّابه:خذوا به خلف السماطين حتّى لا يراه هذا-يعني الموفّق-،فقام و قام أبي و عانقه و مضى.

فقلت لحجّاب أبي و غلمانه:و يلكم من هذا الذي كنّيتموه على أبي و فعل به أبي هذا الفعل.

فقالوا:هذا علويّ يقال له الحسن بن عليّ يعرف بابن الرّضا فازددت تعجّبا و لم أزل يومي ذلك قلقا متفكّرا في أمره و أمر أبي و ما رأيت فيه حتّى كان اللّيل و كانت عادته أن يصلّى العتمة ثمّ يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات و ما يرفعه إلى السلطان،فلمّا صلّى و جلس،جئت فجلست بين يديه و ليس عنده أحد فقال لي:يا أحمد لك حاجة؟

قلت:نعم يا أبه فإن أذنت لي سألتك عنها؟

فقال:قد أذنت لك يا بنيّ فقل ما أحببت.

قلت:يا أبه من الرّجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال و الكرامة و التبجيل و فديته بنفسك و أبويك؟

فقال:يا بنيّ ذاك إمام الرّافضة،ذاك الحسن بن عليّ المعروف بابن الرّضا،فسكت ساعة،ثمّ قال:يا بنيّ لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العبّاس ما استحقّها أحد من بني هاشم غير هذا و إنّ هذاد.


1) هو موفق بن المتوكل أخو المعتمد بن المتوكل و كان أمير عساكره،بل كان الأمر بيده و لم يكن للمعتمد أخيه و هو الخليفة الآمر أصلا و كان المعتمد مشغولا باللهو و اللذات و قيل:إحتاج يوما إلى ثلاثمائة دينار فلم يجدها لتضييق الموفق عليه و مات للإفراط في الشرب.(ش).و انتقلت الخلافة بعد المعتمد إلى ابن الموفق أحمد الملقب بالمعتضد.

ليستحقّها في فضله و عفافه و هديه و صيانته و زهده و عبادته و جميل أخلاقه و صلاحه لو رأيت أباه رأيت رجلا جزلا نبيلا فاضلا.فازددت قلقا و تفكّرا و غيظا على أبي و ما سمعت منه و استزدته في فعله و قوله فيه ما قال.

فلم يكن لي همّة بعد ذلك إلاّ السؤال عن خبره و البحث عن أمره فما سألت أحدا من بني هاشم و القوّاد و الكتّاب و القضاة و الفقهاء و سائر الناس إلاّ وجدته عنده في غاية الإجلال و الإعظام و المحلّ الرّفيع و القول الجميل و التقديم له على جميع أهل بيته و مشايخه فعظم قدره عندي إذ لم أر له وليّا و لا عدوّا إلاّ و هو يحسن القول فيه و الثناء عليه،فقال له بعض من حضر مجلسه من الأشعريّين:يا أبا بكر فما خبر أخيه جعفر؟

فقال:و من جعفر فتسأل عن خبره؟أو يقرن بالحسن جعفر معلن الفسق فاجر ماجن شرّيب للخمور أقلّ من رأيته من الرجال و أهتكهم لنفسه،خفيف،قليل في نفسه،و لقد ورد على السلطان و أصحابه في وقت وفات الحسن بن عليّ ما تعجّبت منه و ما ظننت أنّه يكون و ذلك أنّه لمّا اعتلّ بعث إلى أبي أنّ ابن الرّضا قد اعتلّ فركب من ساعته فبادر إلى دار الخلافة ثمّ رجع مستعجلا و معه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلّهم من ثقاته و خاصّته فيهم نحرير،فأمرهم بلزوم دار الحسن و تعرّف خبره و حاله و بعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم بالإختلاف إليه و تعاهده صباحا و مساء،فلمّا كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أخبر أنّه قد ضعف،فأمر المتطبّبين بلزوم داره و بعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه و أمره أن يختار من أصحابه عشرة ممّن يوثق به في دينه و أمانته و ورعه فأحضرهم،فبعث بهم إلى دار الحسن و أمرهم بلزومه ليلا و نهارا فلم يزالوا هناك حتّى توفّي عليه السّلام فصارت سرّ من رأى ضجّة واحدة و بعث السلطان إلى داره من فتّشها و فتّش حجرها و ختم على جميع ما فيها و طلبوا أثر ولده (1)و جاؤوا بنساء يعرفن الحمل،فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهنّ فذكر بعضهنّ أنّ هناك جارية (2)بها حمل فجعلت في حجرة و وكلّ بها نحرير الخادم و أصحابه و نسوة معهم،ثمّ أخذوا بعد ذلك في تهيئته و عطّلت الأسواق و ركبت بنو هاشم و القوّاد و أبي و سائر الناس إلى جنازته،فكانت سرّ من رأى يومئذ شبيها بالقيامة فلمّا فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكّل فأمره بالصلاة عليه:فلمّا وضعت الجنازة للصلاة عليه دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بنيل.


1) قال الصدوق حدثنا أبو الحسن علي بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام قال:سمعت أبا الحسن بن و جنا يقول:حدثنا أبي عن جده أنه كان في دار الحسن بن علي عليه السّلام قال:فكبستنا الخيل و فيهم جعفر بن علي الكذاب و اشتغلوا بالنهب و الغارة و كانت همتي في مولاي القائم عليه السّلام ابن ست سنين فلم يره أحد حتى غاب.

2) و هي صيقل الجارية كما يفهم من كمال الدين فوجه المعتمد خدمه فحملت إلى دار المعتمد فجعلن نساء المعتمد و خدمه و نساء الموفق و خدمه و القاضي ابن أبي شوارب يتعاهدن أمرها في كل وقت و يراعونها إلى أن ظهر بطلان الحمل.

هاشم من العلويّة و العبّاسيّة و القوّاد و الكتّاب و القضاة و المعدّلين و قال:هذا الحسن بن عليّ بن محمّد بن الرّضا مات حتف أنفه على فراشه حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين و ثقاته فلان و فلان و من القضاة فلان و فلان و من المتطبيبين فلان و فلان،ثمّ غطّى وجهه و أمر بحمله فحمل من وسط داره و دفن في البيت الذي دفن فيه أبوه.

فلمّا دفن أخذ السلطان و الناس في طلب ولده و كثر التفتيش في المنازل و الدّور و توقّفوا عن قسمة ميراثه و لم يزل الذين وكّلوا بحفظ الجارية التي توهّم عليها الحمل لازمين حتّى تبيّن بطلان الحمل فلمّا بطل الحمل عنهنّ قسّم ميراثه (1)

و بإسناده عن محمّد بن صالح بن علي بن محمد بن قنبر الكبير مولى الرضا عليه السّلام قال خرج صاحب الزمان عليه السّلام على جعفر الكذاب من موضع لم يعلم به عند ما نازع في الميراث عند مضى أبي محمد عليه السّلام فقال له:«يا جعفر مالك تعرض في حقوقي»فتحير جعفر و بهت ثم غاب فطلبه جعفر بعد ذلك في الناس فلم يره فلما ماتت الجدة أم الحسن عليه السّلام أمرت أن تدفن في الدار فنازعهم جعفر و قال:هي داري لا تدفن فيها فخرج عليه السّلام فقال له:«يا جعفر دارك هي»ثم غاب فلم ير بعد ذلك.

بين أمّه و أخيه جعفر و ادّعت أمّه وصيّته و ثبت ذلك عند القاضي،و السلطان على ذلك يطلب أثر ولده.

فجاء جعفر بعد ذلك إلى أبي فقال:إجعل لي مرتبة أخي و أوصل إليك في كلّ سنة عشرين ألف دينار.

فزبره أبي و أسمعه و قال له:يا أحمق السلطان جرّد سيفه في الذين زعموا أنّ أباك و أخاك أئمّة ليردّهم،فلم يتهيّأ له ذلك،فإن كنت عند شيعة أبيك و أخيك إماما فلا حاجة بك إلى السلطان أن يرتّبك مراتبهما و لا غير السلطان و إن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا،و استقلّه عند ذلك و استضعفه و أمر أن يحجب عنه،فلم يأذن له في الدّخول عليه حتّى مات أبي،و خرجنا و هو على تلك الحال و السلطان يطلب أثر ولد الحسن بن عليّ عليه السّلام (2).

قال الصدوق في كمال الدين و تمام النعمة أن جعفرا عرض على الخليفة حيث قال:و قد كان جعفر حمل إلى الخليفة عشرين ألف دينار لما توفي الحسن بن علي عليه السّلام فقال:يا أمير المؤمنين تجعل لي مرتبة أخي و منزلته فقال الخليفة:اعلم أن منزلة أخيك لم يكن بنا إنما كانت باللّه عز و جل،و نحن كنا نجتهد في حط منزلته و الوضع منه،و كان اللّه عز و جل يأبى إلاّ أن يزيده كل يوم رفعة بما كان فيه من الصيانة و حسن السمت و العلم و العبادة فإن كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا و إن لم يكن فيك ما في أخيك لم نغن عنك في ذلك شيئا.و لا يبعد ذلك أن يكون3.


1) روى الصدوق بإسناده عن الحسين بن علي عليهما السلام قال:«قائم هذه الأمة هو التاسع من ولدي و هو صاحب الغيبة،و هو الذي يقسم ميراثه و هو حي».

2) وفيات الأئمة:397،و الأنوار البهية،الشيخ عباس القمي:323.

جعفر لحماقته عرض ذلك مرتين مرة على ابن الخاقان و مرّة على الخليفة و اللّه أعلم (1).

فيا لك شخصا قد أقر بفضله جميع الورى من شامت و حسود

و كيف يغطي نور شمس ضياؤها يعم جهات الست بعد خمود

و ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشا على رغم أنف للبغي و حسود

و هذا الذي أبدى لهم من حقودهم فبعدا لهم من ظالم و حقود

أيقتل من هذا صفات كماله بسم زنيم مبعد و كبود

فوا لهف نفسي بعد إخماد نورهم و طول عنائي لا نعمت بعيدي (2)


علم الإمام العسكري عليه السّلام للغيب

ابن شهر آشوب:عن حمزة بن محمد السرورى قال:أملقت و عزمت على الخروج إلى يحيى بن محمد ابن عمى بحران(و كتبت إلى أبي محمد عليه السّلام)أسأله أن يدعو لي،فجاء الجواب:(لا تبرح فإن اللّه يكشف ما بك،و ابن عمك قد مات)،و كان كما قال،و وصلت إلى تركته (3).

ابن شهر آشوب:عن أبي هاشم الجعفري،عن داود بن الاسود خادم أبي محمد عليه السّلام قال:

دعاني سيدي أبو محمد عليه السّلام فدفع إلي خشبة كأنها رجل باب مدورة طويلة مل الكف،فقال:(صر بهذه الخشبة إلى العمري)فمضيت،فلما صرت إلى بعض الطريق عرض لي سقاء معه بغل، فزاحمني البغل على الطريق،فناداني السقاء ضح عن البغل،فرفعت الخشبة التي كانت معي فضربت بها البغل فانشقت،فنظرت إلى كسرها فإذا فيها كتب،فبادرت سريعا فرددت الخشبة إلى كمي، فجعل السقاء يناديني و يشتمني و يشتم صاحبي،فلما دنوت من الدار راجعا إستقبلني عيسى الخادم عند الباب الثاني فقال:يقول لك مولاي أعزه اللّه:(لم ضربت البغل و كسرت رجل الباب؟)

فقلت له:يا سيدي لم أعلم بما في رجل الباب،فقال:(و لم احتجت أن تعمل عملا و تحتاج أن تعتذر منه،إياك بعدها أن تعود إلى مثلها؟و إذا سمعت لنا شاتما فامض لسبيلك التي أمرت بها، و إياك أن تجاوب من يشتمنا أو تعرفه من أنت فإنا ببلد سوء و مصر سوء،و امض في طريقك،فإن أخبارك و أحوالك ترد إلينا فاعلم ذلك (4).


1) كمال الدين و تمام النعمة:479،و الخرائج و الجرائح:1109/3.

2) و فيّاة الأعيان:صفحة 397.

3) مناقب آل أبي طالب:429/4 و عنه البحار:284/50.

4) مناقب آل أبي طالب:427/4-428 و عنه البحار:283/50 صدر ح 60.

و عن محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر قال:كتب أبو محمّد عليه السّلام إلى أبي القاسم إسحاق بن جعفر الزّبيري قبل موت المعتزّ (1)بنحو عشرين يوما:الزم بيتك حتى يحدث الحادث،فلمّا قتل بريحة (2)كتب إليه قد حدث الحادث فما تأمرني؟

فكتب:ليس هذا الحادث هو الحادث الآخر.

فكان من أمر المعتزّ ما كان (3).

و عنه قال:كتب عليه السّلام إلى رجل آخر:يقتل ابن محمّد بن داود (4)عبد اللّه قبل قتله بعشرة أيّام، فلمّا كان في اليوم العاشر قتل (5).

و عن عمر بن أبي مسلم قال:قدم علينا بسرّ من رأى رجل من أهل مصر يقال له:سيف بن الّليث،يتظلّم إلى المهتدي في ضيعة له قد غصبها إيّاه شفيع الخادم و أخرجه منها فأشرنا عليه أن يكتب إلى أبي محمّد عليه السّلام يسأله تسهيل أمرها فكتب إليه أبو محمّد عليه السّلام:لا بأس عليك ضيعتك تردّ عليك فلا تتقدّم إلى السلطان و الق الوكيل الّذي في يده الضيعة و خوّفه بالسلطان الأعظم اللّه ربّ العالمين.

فلقيه فقال له الوكيل الذي في يده الضيعة:قد كتب إليّ عند خروجك من مصر،أن أطلبك و أردّ الضيعة عليك فردّها عليه بحكم القاضي ابن أبي الشوارب و شهادة الشهود و لم يحتج إلى أن يتقدّم إلى المهتدي فصارت الضيعة له و في يده،و لم يكن لها خبر بعد ذلك.

و عن سيف بن الّليث هذا قال:خلّفت إبنا لي عليلا بمصر عند خروجي عنها و إبنا لي آخر أسنّ منه كان وصيّي و قيّمي على عيالي و في ضياعي فكتبت إلى أبي محمّد عليه السّلام أسأله الدّعاء لابني العليل.1.


1) محمد بن المتوكل و سبب قتله أنه لما قتل بعض امرائه و أخاه المؤيد خالفه سائر الأمراء و أخذوا برجله و سحبوه من دار الخلافة إلى الشمس و أقاموه فيها و أمروه بخلع نفسه عن الخلافة فخلع فحبسوه في السجن و منعوه من الماء حتى مات.و كان ذلك في سنة خمس و خمسين و مائتين عاش أربعا و عشرين سنة و ملك الخلافة ثلاث سنين و ستة أشهر،و ملكها بعده ابن أخيه المهتدي محمد بن الواثق بن المتوكل.

2) قال في مراة العقول:148/6:بريحة كان من مقدمي الأتراك الذين قربهم.

3) الكافي:506/1 ح 2،و إثبات الهداة:400/3 ح 2 و إرشاد المفيد:340،و كشف الغمة:410/2، و البحار:277/50 ح 51 الخلفاء.

4) هو عبد اللّه بن محمد بن داود الهاشمي بن اترجة من ندماء المتوكل،المشهور بالنصب و البغض لعلي بن أبي طالب عليه السلام.

5) الكافي:506/1 ذ ح 2،و إثبات الهداة:400/3 ح 3،و إرشاد المفيد:340-341،و كشف الغمة: 410/2،و البحار:278/50 ذ ح 51.

فكتب إليّ:قد عوفي إبنك المعتلّ و مات الكبير وصيّك و قيّمك فاحمد اللّه و لا تجزع فيحبط أجرك.

فورد عليّ الخبر أنّ ابني قد عوفي من علّته و مات الكبير يوم ورد عليّ جواب أبي محمّد عليه السّلام (1).

و عن عليّ بن الحسن بن الفضل اليماني قال:نزل بالجعفري من آل جعفر (2)

ثم قال المجلسي-رحمه الله-لا أدري أنه رحمه الله قال هذا تخمينا أو رآه في كتاب لم أظفر عليه انتهى.

خلق لا قبل له بهم فكتب إلى أبي محمّد يشكو ذلك،فكتب إليه:تكفون ذلك إن شاء اللّه تعالى،فخرج إليهم في نفر يسير و القوم يزيدون على عشرين ألفا و هو في أقلّ من ألف فاستباحهم (3).

و عن أبي هاشم الجعفري قال:شكوت إلى أبي محمّد ضيق الحبس و كتل (4)القيد (5)فكتب إليّ أنت تصلّي اليوم الظهر في منزلك فأخرجت في وقت الظهر فصلّيت في منزلي كما قال عليه السّلام، و كنت مضيّقا فأردت أن أطلب منه دنانير في الكتاب فاستحييت،فلمّا صرت إلى منزلي وجّه إليّ بمائة دينار و كتب إليّ:إذا كانت لك حاجة فلا تستحي و لا تحتشم و اطلبها فإنّك ترى ما تحبّ إن شاء اللّه (6).

و عن محمّد بن الحسن بن شمّون قال:حدّثني أحمد بن محمّد قال:كتبت إلى أبي محمّد عليه السّلام حين أخذ المهتدي (7)في قتل الموالي:يا سيّدي الحمد لله الذي شغله عنّا،فقد بلغني أنّه يتهدّدك و يقول:و اللّه لاجلينّهم عن جديد (8)الأرض فوقّع أبو محمّد عليه السّلام بخطّه:ذاك أقصر لعمره،عدّ من يومك هذا خمسة أيّام و يقتل في اليوم السادس بعد هوان و استخفاف يمرّ به.ل.


1) الكافي:511/1 ذ ح 18 و إثبات الهداة:405/3 ح 22 و كشف الغمة:424/2،و البحار:292/50 ذ ح 65،و مناقب آل أبي طالب:433/4.

2) قوله«بالجعفري من آل جعفر»قال المجلسي-رحمه الله:و المراد بجعفر:الطيار و قيل لعل المراد بجعفر المتوكل لأنه أراد المستعين قتل من يحتمل أن يدّعي الخلافة و قتل جمعا من الأمراء و بعث جيشا لقتل الجعفري و هو رجل من أولاد جعفر المتوكل إلى آخره.

3) الكافي:508/1 ح 7،و إعلام الورى:359-360.

4) الكتل:الشدة.

5) في أكثر النسخ«كلب الصيد».

6) إعلام الورى:ص 354،و المناقب لا بن شهر آشوب:ج 4 ص 439.

7) محمد بن الواثق بن المعتصم ملك الخلافة بعد المعتز بن المتوكل بن المعتصم و قد وقع بين المهتدي و مواليه يعني عساكره الأتراك محاربة عظيمة لرجوعهم عنه حتى غلب و خلع الخلافة عن نفسه في رجب سنة ست و خمسين و مائتين فقتلوه يوم الخلع ذلاّ و صغارا و كان عمره تسعا و ثلاثين سنة،و زمان خلافته أحد عشر شهرا و سبعة عشر يوما ثم ملك الخلافة بعده المعتمد أحمد بن المتوكل.

8) الجلاء و الإجلاء الإخراج من البلد يقال:جلوته و أجليته إذا أخرجته من البلد،و جديد الأرض وجهها، و لعل هذا كناية عن القتل و الحمل على الحقيقة أيضا محتمل.

فكان كما قال عليه السّلام (1).

و روي بلفظ قال:كتب محمد بن الحسن بن شمون البصري يسأل أبا محمد عليه السّلام عن الحال، و قد اشتدّت على الموالي من محمد المهتدي،فكتب إليه:عد من يومك خمسة أيام،فإنه يقتل في اليوم السادس من بعد هوان يلاقيه،فكان كما قال (2)

و عن محمّد بن الحسن بن شمّون قال:كتبت إلى أبي محمّد عليه السّلام أسأله أن يدعو اللّه لي من وجع عيني و كانت إحدى عينيّ ذاهبة و الاخرى على شرف ذهاب،فكتب إليّ:حبس اللّه عليك عينك.

فأفاقت الصحيحة،و وقّع في آخر الكتاب:آجرك اللّه و أحسن ثوابك،فاغتممت لذلك و لم أعرف في أهلي أحدا مات،فلمّا كان بعد أيّام جاءتني وفاة ابني طيّب فعلمت أنّ التعزية له (3).

و في كمال الدين حدّثنا أبو الأديان قال:كنت أخدم الحسن بن علي عليه السّلام و أحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت عليه في علّته التي توفي فيها فكتب معي كتابا و قال:تمضي بها إلى المدائن فإنّك ستغيب خمسة عشر يوما فتدخل إلى سرّ من رأى يوم الخامس عشر و تسمع الواعية في داري و تجدني على المغتسل.

فقلت:يا سيّدي فإذا كان ذلك فمن؟

قال:من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم بعدي.

فقلت:زدني.

فقال:من يصلّي عليّ فهو القائم بعدي.

فقلت:زدني.

فقال:من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي،ثمّ منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان و خرجت بالكتب إلى المدائن و أخذت جواباتها و دخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي عليه السّلام فإذا أنا بالواعية في داره و إذا أنا بجعفر أخيه بباب الدار و الشيعة حوله يعزّونه و يهنّونه فقلت في نفسي:إن يكن هذا الإمام فقدنا حالة الإمامة لأنّي كنت أعرفه بشرب النبيذ و يلعب بالطنبور فعزّيت و هنّيت فلم يسألني عن شيء ثمّ خرج عقيد فقال:يا سيّدي قد كفّن أخوك فقم للصلاة عليه فدخل جعفر بن علي و الشيعة من حوله يقدمهم السمان و الحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة فلمّا صرنا بالدار إذا نحن بالحسن بن علي عليه السّلام على نعشه فتقدّم جعفر ليصلّي على أخيه فلمّا4.


1) الكافي:510/1 ح 16.

2) مناقب آل أبي طالب:436/4.

3) الكافي:510/1 ح 17،و إثبات الهداة:404/3 ح 20،و مناقب آل أبي طالب:432/4.

همّ بالتكبير خرج صبيّ بوجهه سمرة بشعره قطط بأسنانه تفليج فجذب رداء جعفر و قال:تأخّر يا عمّ فأنا أحقّ بالصلاة على أبي.

فتأخّر جعفر فتقدّم الصبي فصلّى عليه.

ثمّ قال:يا بصري هات جوابات الكتب التي معك فدفعتها إليه و قلت في نفسي هذه اثنتان بقي الهميان.

ثمّ خرجت إلى جعفر بن علي و هو يزفر فقال له الوشاء:يا سيّدي من الصبي؟

فقال:و اللّه ما رأيته قط و لا عرفته فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي فعرفوا موته.

فقالوا:فمن؟فأشار الناس إلى جعفر بن علي فسلّموا عليه و عزّوه و هنّوه و قالوا:معنا كتب و مال.

ثم قالوا:ممّن الكتب و كم المال؟

فقام ينفض أثوابه و يقول:يريدون منّا أن نعلم الغيب.

قال:فخرج الخادم فقال:معكم كتب فلان و فلان و هميان فيه ألف دينار عشرة دنانير منها مطلية،فدفعوا الكتب و المال و قالوا الذي وجّه بك لأجل ذلك هو الإمام فدخل جعفر بن علي على المعتمد و كشف له المراد فوجّه المعتمد خدمه فقبضوا على صيقل الجارية و طالبوها بالصبي فأنكرته و ادّعت حملا بها لتغطّي على حال الصبي فسلّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي و بغتهم موت ابن خاقان و خروج صاحب الزنج بالبصرة فشغلوا بذلك عن الجارية فخرجت عن أيديهم و الحمد للّه ربّ العالمين (1).

و لله در من قال:

نفسي الفداء لسيد قدحت به تلك القوادح من بني العباس

طمست به أعلام دين محمد من بعد عدل صرن في انكاس

و علا به طود الضلالة و العمى و غدت شموس الحق في اطماس

و به تغيب نور أحمد و الذي يجلو ظلام الحق و الوسواس

و بقي الأنام بحيرة لا ترتجى كشفا لها مذ غاب في الأرماس

يا قلبي الولهان مت أسفا له و تصدعي يا زفرة الأنفاس

إن الخليفة من له حكم الورى حكمت عليه طوائف الأرجاس3.


1) كمال الدين:475 و عنه الخرائج:1101/3 ح 23 و منتخب الأنوار المضيئة:157-159 و إثبات الهداة: 411/3 ح 42 و 485 ح 206 و 672 ح 42 و البحار:332/50 ح 4 و ج 67/52 ح 53.

فنفته من عقر الديار ببغيها حتى تغيب خفيفة الأرجاس

فإلهي عجل للانام ظهور من يحيي الورى عن و صمة الخناس

صلى الإله عليه ما هبت صبا و هنا ففاح أريج طيب الآسي (1)

و عن الجعفري رضي اللّه عنه قال:كنت في الحبس المعروف بحبس حسيس في الجوسق (2)الاحمر، أنا و محمد بن الحسن العصفي،و محمد بن إبراهيم العامري و فلان و فلان،إذ دخل علينا الحسن العسكري و أخوه جعفر،فحففنا به و كان المتولي بحبسه صالح بن و صيف،و كان معنا في الحبس رجل جمحي يقول إنه علوي،فقال العسكري:لو لا أن فيكم من ليس منكم لأعلمتكم متى يفرج عنكم،و أومى بيده إلى الجمحي أن يخرج،فخرج.

فقال عليه السّلام:هذا رجل ليس منكم فاحذروه،فإن في ثيابه رقعة قد كتبها إلى السلطان يخبره بما تقولون فيه،

فقام بعضهم و فتش ثيابه فوجد الرقعة،يذكرنا فيها بكل عظيمة (3).

و عن الجعفري رضي اللّه عنه قال:كان الحسن العسكري عليه السّلام يصوم في الحبس،فإذا أفطر أكلنا معه من طعام كان يحمله إليه غلامه في جوزة (4)مختومة،و كنت أصوم معه،فلما كان ذات يوم أكلت كعكة كبيرة،و لم يشعر بي أحد،ثم جئت فجلست معه فقال لغلامه:أطعم أبا هاشم فإنه مفطر.

فتبسمت فقال:ما يضحكك يا أبا هاشم؟إذا أردت القوة فكل اللحم فإن الكعك لا قوة فيه.

فقلت صدق اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و أنتم أهل بيت رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

ثم قال لي:إفطر ثلاثا فإن الصحة لا ترجع إذا نهكها الصوم في أقل من ثلاث.

فلما كان في اليوم الذي أراد اللّه تعالى أن يفرج عنه فيه،جاءه الغلام فقال:يا سيدي أحمل فطورك إليك؟

قال:إحمله و ما أحسبنا نأكله.

فحمل الغلام الطعام عند الظهر و أطلق العصر و هو صائم.

فقال عليه السّلام:كلوا هناكم اللّه تعالى (5).ر.


1) وفيات الأئمة:418-419.

2) و الجوسق:القصر و القلعة،دار بنيت للمقتدر في دار الخلافة،في وسطها بركة من الرصاص ثلاثون ذراعا في عشرين(القاموس المحيط).

3) الخرائج:682/2 ح 1 و عنه البحار:254/50 ح 10.

4) في بعض المصادر:الجونة و هي الخابية المطلية بالقار.

5) وفيات الأئمة:404،و الأنوار البهية،الشيخ عباس القمي ص 306:و إعلام الورى:55/3،و عنه البحار:ج 50 ص 255 ح 10،و البحار:254/50 ح 10،و مناقب آل أبي طالب:437/4 مختصر.

و عن أبي القاسم كاتب راشد في كشف الغمة،قال:خرج رجل من العلويين بسر من رأى في أيام الحسن عليه السّلام إلى الجبل يطلب الفضل،فلقيه رجل بهلول فقال له:من أين أتيت؟

فقال:من سر من رأى.

فقال له:تعرف درب كذا و درب كذا؟

فقال:نعم.

فقال:هل عندك من أخبار الحسن بن علي عليه السّلام؟

فقال:لا.

قال:فما أقدمك الجبل؟

قال:أطلب الفضل.

قال:لك عندي خمسون دينارا فاقبضها و انصرف معي إلى سر من رأى حتى توصلني إلى الحسن بن علي عليه السّلام،و استأذنا على الحسن بن علي عليه السّلام فأذن لهما فدخلا،و الحسن عليه السّلام قاعد في صحن الدار،فلما نظر الحسن عليه السّلام إلى الجبلي قال له:أنت فلان بن فلان؟

قال:نعم.

قال:أوصى إليك أبوك و أوصى إلينا بوصية جئت لتؤديها و هي معك،أربعة آلاف دينار هاتها.

فقال الرجل:نعم فدفع إليه المال،ثم نظر إلى العلوي فقال:خرجت إلى الجبل تطلب الفضل فأعطاك هذا الرجل خمسين دينارا،فخرجت معه و نحن نعطيك خمسين دينارا فأعطاه (1).

و قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري:قال:قال المعلى بن محمد:أخبرني محمد بن عبد اللّه قال:فقد غلام صغير لأبي الحسن عليه السّلام فلم يوجد،فقال:(أطلبوه في البركة)،فطلب فوجد في بركة في الدار ميتا (2).

و قال أبو جعفر الطبري:قال:قال علي بن محمد الصيمري:كتب إلي أبو محمد عليه السّلام:(فتنة تظلكم،فكونوا على أهبة منها)(قال:)فلما كان بعد ثلاثة أيام وقع بين بني هاشم ما وقع،(و كانت لهم هنة لها شان)،فكتبت إليه:أهذه هي؟فكتب(لا و لكن غير هذه فاحترسوا)فلما كان بعد ثلاثة أيام كان من أمر المعتز ما كان (3).7.


1) بحار الأنوار:259/50،و كشف الغمة:222/3.

2) دلائل الإمامة:225.

3) دلائل الإمامة:225،و أخرجه في إثبات الهداة:425/3 ح 93 و البحار:198/50 عن كشف الغمة:/2 417.

و عن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري:قال:أخبرني أبو الحسن محمد بن هارون بن موسى قال:حدثنى أبي-ره-قال:كنت في دهليز لأبي علي محمد بن همام على دكة وصفها،إذ مر بنا شيخ كبير عليه دراعة،فسلم على أبي علي محمد بن همام،فرد عليه السّلام و مضى،فقال لي:تدري من هذا؟

فقلت:لا،فقال:شاكري (1)لمولانا أبي محمد الحسن بن علي عليه السّلام،أفتشتهي أن تسمع من أحاديثه عنه شيئا؟

قلت:نعم،فقال لي:أمعك شي تعطيه؟

فقلت:معي درهمان صحيحان،فقال:هما يكفيانه فادعه،فمضيت خلفه فلحقته بموضع كذا،فقلت:أبو علي يقول لك:تنشط للمسير إلينا؟

فقال:نعم،فجاء إلى أبي على محمد بن همام فجلس إليه،فغمزني أبو علي أن أسلم إليه الدرهمين،فسلمتهما إليه،فقال لي:ما يحتاج إلى هذا،ثم أخذهما فقال له أبو علي:يا أبا عبد اللّه محمد حدثنا عن أبي محمد عليه السّلام فقال:كان أستاذي صالحا من بين العلويين لم أر قط مثله، و كان يركب بسرج صفته بزيون مسكى (2)و أزرق،و كان يركب إلى دار الخلافة بسر من رأى في كل إثنين و خميس.

قال أبو عبد اللّه محمد الشاكري-و كان يوم النوبة-:يحضر من الناس شيء عظيم و يغص الشوارع بالدواب و البغال و الحمير و الضجة،فلا يكون لأحد موضع يمشي فيه و لا يدخلوا أحدا بينهم،قال:فإذا جاء أستاذي سكنت الضجة و هدأ صهيل الخيل و نشيج البغال و نهاق الحمير،قال:

و تفرقت البهائم حتى يصير الطريق واسعا لا يحتاج أن يتوقى من الدواب تحفه ليزحمها،ثم يدخل هناك فيجلس في مرتبته التي جعلت له،فإذا أراد الخروج قام البوابون و قالوا:هاتوا دابة أبي محمد عليه السّلام،فسكن صياح الناس و صهيل الخيل،و تفرقت الدواب حتى يركب و يمضى.

و قال الشاكري:و استدعاه يوما الخليفة،فشق ذلك عليه و خاف أن يكون قد سعى به إليه بعض من يحسده من العلويين و الهاشميين على مرتبته،فركب و مضى إليه،فلما حصل في الدار قيل له:إن الخليفة قد قام،و لكن إجلس في مرتبتك أو إنصرف:قال:فانصرف و جاء إلى سوق الدواب و فيها من الضجة و المصادمة و اختلاف الناس شيء كثير.

قال:فلما دخل إليها سكنت الضجة بدخوله و هدأت الدواب،قال:و جلس إلى نخاس كاند.


1) الشاكري:المستخدم و الأجير.

2) البزيون كالعصفور:رقيق الديباج،و قيل:بساط رومي(لسان العرب)،و المسكي:المصبوغ بالمسك، و لعله معرّب مشكي فارسية بمعنى الأسود.

يشتري له الدواب،قال:فجي له بفرس كبوس لا يقدر أحد أن يدنو منه،قال:فباعوه إياه بوكس، فقال لي:(يا محمد قم فاطرح السرج عليه).

قال:فقمت و علمت أنه لا يقول لي ما يؤذيني،فحللت الحزام و طرحت السرج عليه فهدأ و لم يتحرك،و جئت لأمضي به فجاء النخاس فقال:ليس يباع،فقال لي:(سلمه إليه)فجاء النخاس ليأخذه،فالتفت إليه الفرس إلتفاتة فهرب منه منهزما.

قال:و ركب و مضينا فلحقنا النخاس فقال:صاحبه يقول:أشفقت من أن يرده،فإن كان قد علم ما فيه من العبس فليشتره.

فقال له أستاذي:(قد علمت)فقال:قد بعتك،فقال لي:(خذه)فأخذته و جئت به إلى الإصطبل،فما تحرك و لا آذاني ببركة أستاذي،فلما نزل جاء إليه فأخذه بأذنه اليمنى فرقاه ثم أخذ بأذنه اليسرى فرقاه.

قال:فو اللّه لقد كنت أطرح الشعير فأفرقه بين يديه،فلا يتحرك،هذا ببركة أستاذي.

قال أبو محمد:قال أبو علي بن همام:هذا الفرس يقال له الصوول (1)يزحم بصاحبه حتى يرجم به الحيطان و يقوم على رجليه و يلطم صاحبه.

قال محمد الشاكري:كان أستاذي أصلح من رأيت من العلويين و الهاشميين،ما كان يشرب هذا النبيذ،و كان يجلس في المحراب و يسجد،فأنام و أنتبه و أنام و أنتبه و هو ساجد،و كان قليل الأكل،كان يحضره التين و العنب و الخوخ و ما يشاكله،فيأكل منه الواحدة و الاثنتين و يقول:شل هذا يا محمد إلى صبيانك،فأقول:هذا كله؟

فيقول:خذه كله،فما رأيت قط أشهى منه (2).

و عن محمد بن القاسم العلوى قال:دخلنا جماعة من العلوية على حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى عليهم السّلام،فقالت:جئتم تسألوني عن ميلاد ولي اللّه؟قلنا:بلى و الله.

قالت:كان عندي البارحة و أخبرني بذلك،و إنه كانت عندي صبية يقال لها نرجس،و كنت اربيها من بين الجواري لا يلي تربيتها غيرى،إذ دخل أبو محمد عليه السّلام علي ذات يوم فبقي يلح النظر إليها،فقلت:يا سيدي هل لك فيها من حاجة؟9.


1) قال في الصحاح:قال أبو زيد صول البعير-بالهمز-يصول صالة،إذا صار يقتل الناس و يعدو عليهم، فهو جمل صوول.

2) دلائل الإمامة:226-227 و عنه حلية الأبرار:500/2-502(ط ق).و أخرجه في البحار:251/50 ح 6 و قطعة منه في إثبات الهداة:413/3 ح 51 عن غيبة الطوسي 215 ح 179.

فقال:إنا معاشر الأوصياء لسنا ننظر نظر ريبة،و لكنا ننظر تعجبا إن المولود الكريم على اللّه يكون منها (1).

و عن ابن بابويه:قال:حدثنا محمد بن علي بن محمد بن حاتم النوفلي المعروف بالكرمانى قال:حدثنا أبو العباس أحمد بن عيسى الوشاء البغدادي قال:حدثنا أحمد بن طاهر القمي قال:

حدثنا محمد بن بحر بن سهل الشيباني قال:حدثنا أحمد بن مسرور،عن سعد بن عبد اللّه القمي في حديث له مع أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السّلام و أحمد بن اسحاق الوكيل في حديث الصرر التي أظهر القائم عليه السّلام الحلال و الحرام منها،و قال أبو محمد عليه السّلام:(صدقت يا بني)ثم قال:(يا أحمد بن إسحاق إحملها بأجمعها لتردها أو توصي بردها على أربابها فلا حاجة لنا في شيء منها، و اتنا بثوب العجوز).

قال أحمد:و كان ذلك الثوب في حقيبة لي فنسيته،فلما إنصرف أحمد بن إسحاق لياتيه بالثوب نظر إلى مولانا أبو محمد عليه السّلام فقال:(ما جاء بك يا سعد؟).

فقلت:شوقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا.

قال:(و المسائل التي أردت أن تسأل عنها؟)

قلت:على حالها يا مولاي،قال:فسل قرة عيني،و أوما إلى الغلام:يعني القائم عليه السّلام،ثم ساق الحديث بالمسائل و الجواب عنها،و قد هيّأ سعد أربعين مسألة ليسأل عنها إلى أن قال سعد في الحديث:ثم قام مولانا الحسن بن علي الهادي عليه السّلام للصلاة مع الغلام،فانصرفت عنهما و طلبت أثر أحمد بن إسحاق فاستقبلني باكيا،فقلت:ما أبطاك و أبكاك؟

قال:قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره،قلت:لا عليك فأخبره،فدخل عليه مسرعا و انصرف من عنده متبسما و هو يصلي على محمد و آل محمد،فقلت:ما الخبر؟

قال:وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولانا عليه السّلام يصلي عليه.

قال سعد:فحمدنا اللّه عزّ و جلّ على ذلك و جعلنا نختلف بعد ذلك اليوم إلى منزل مولانا الحسن بن علي عليهما السّلام أياما،فلا نرى الغلام بين يديه (2).

و قال السيد المرتضى:أمر أبو محمد عليه السّلام والدته بالحج في سنة تسع و خمسين و مائتين، و عرفها ما يناله في سنة ستين،ثم سلّم الإسم الأعظم و المواريث و السلاح إلى القائم الصاحب عليه السّلام، و خرجت أم أبي محمد عليه السّلام إلى مكة،و قبض أبو محمد عليه السّلام في شهر ربيع الآخر سنة ستين و مائتين،و دفن بسر من رأى إلى جانب أبيه أبي الحسن-صلوات اللّه عليهما-،و كان من مولده إلى3.


1) دلائل الإمامة:269،كمال الدين:426 ح 2.

2) كمال الدين:458 و 463.

وقت مضيه-صلوات اللّه عليه-تسع و عشرون سنة (1).

و عن ابن بابويه:بإسناده،عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري قال:حدثني معاوية بن حكيم،و محمد بن أيوب بن نوح،و محمد بن عثمان العمري-رضي اللّه عنه-قالوا:عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي عليهما السّلام إبنه و نحن في منزله و كنا أربعين رجلا،فقال:(هذا إمامكم من بعدي و خليفتي عليكم،أطيعوه و لا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم،أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا).

قالوا:فخرجنا من عنده فما مضت إلا أيام قلائل حتى مضى أبو محمد-صلوات اللّه عليه- (2).

و روي أنه خرج أبو محمد عليه السّلام في جنازة أبي الحسن عليه السّلام،و قميصه مشقوق،فكتب إليه أبو عون الأبرش في ذلك،فقال عليه السّلام:(يا أحمق ما أنت و ذاك؟قد شق موسى على هارون).

ثم قال بعد كلام:(و إنك لا تموت حتى تكفر و يتغير عقلك)،فما مات حتى حجبه إبنه عن الناس،و حبسوه في منزله في ذهاب العقل عما كان عليه (3).

و عن علي بن أحمد بن حماد قال:خرج أبو محمد عليه السّلام في يوم مصيف راكبا،و عليه تجفاف و ممطر،فتكلموا في ذلك،فلما انصرفوا من مقصدهم أمطروا في طريقهم و ابتلوا سواه. (4)

و عن محمد بن عياش قال:تذاكرنا آيات الإمام،فقال:ناصبي:إن أجاب عن كتاب أكتبه بلا مداد علمت أنه حق،فكتبنا مسائل و كتب الرجل بلا مداد على ورق و جعل في الكتب و بعثنا إليه، فأجاب عن مسائلنا و كتب على ورقة إسمه و اسم أبويه،فدهش الرجل،فلما أفاق اعتقد الحق (5).

و عن أحمد بن داود القمي و محمد بن عبد اللّه الطلحي قالا:حملنا مالا إجتمع من خمس و نذور من عين و ورق و جوهر و حلى و ثياب من قم و ما يليها،فخرجنا نريد سيدنا أبا الحسن علي بن محمد عليهما السّلام،فلما صرنا إلى دسكرة الملك تلقانا رجل راكب على جمل و نحن في قافلة عظيمة، فقصدنا و نحن سائرون في جملة الناس و هو يعارضنا بجمله،حتى وصل إلينا و قال:يا أحمد بن داود و محمد بن عبد اللّه الطلحي معي رسالة إليكما،فقلنا له:ممن يرحمك اللّه؟

قال:من سيد كما أبي الحسن علي بن محمد عليهما السّلام يقول لكما:(أنا راحل إلى اللّه في هذه الليلة،فأقيما مكانكما حتى يأتيكما أمر إبني أبي محمد الحسن عليه السّلام).9.


1) عيون المعجزات:138 و عنه البحار:336/50 ذ ح 13.

2) كمال الدين:435 ح 2 و عنه إعلام الورى:414 و إثبات الهداة:485/3 ح 204 و البحار:25/52 ح 19.

3) مناقب آل أبي طالب:435/4،و أخرجه في البحار:191/50 ح 4.

4) مناقب آل أبي طالب:439/4 و عنه البحار:288/50.

5) مناقب آلى أبي طالب:440/4 و عنه البحار:288/50-289.

فخشعت قلوبنا و بكت عيوننا و أخفينا ذلك و لم نظهره،و نزلنا بدسكرة الملك و استاجرنا منزلا و أحرزنا ما حملناه فيه،و أصبحنا و الخبر شائع في الدسكرة بوفاة مولانا أبي الحسن عليه السّلام،فقلنا:لا إله إلا اللّه أترى(الرسول)الذي جاء برسالته أشاع الخبر في الناس،فلما أن تعالى النهار رأينا قوما من الشيعة على أشد قلق مما نحن فيه،فأخفينا أثر الرسالة و لم نظهره.

فلما جن علينا الليل جلسنا بلا ضوء حزنا على سيدنا أبي الحسن عليه السّلام نبكي و نشتكي إلى اللّه فقده،فإذا نحن بيد قد دخلت علينا من الباب،فأضاءت كما يضىء المصباح،و قائل يقول:يا أحمد يا محمد خذا هذا التوقيع فاعملا بما فيه،فقمنا على أقدامنا و أخذنا التوقيع فإذا فيه:(بسم اللّه الرحمن الرحيم من الحسن المستكين للّه رب العالمين إلى شيعته المساكين:أما بعد فالحمد للّه على ما نزل بنا منه و نشكر إليكم جميل الصبر عليه و هو حسبنا في أنفسنا و فيكم و نعم الوكيل،ردوا ما معكم ليس هذا أوان وصوله إلينا،فإن هذه الطاغية قد بث عسسه و حرسه حولنا،و لو شئنا ما صدكم و أمرنا يرد عليكم،و معكما صرة فيها سبعة عشر دينارا في خرقة حمراء لأيوب بن سليمان الآبي، فرداها عليه فإنه ممتحن بما فعله،و هو ممن وقف على جدى موسى بن جعفر عليهما السّلام،فردا صرته عليه و لا تخبراه)،فرجعنا إلى قم و أقمنا بها سبع ليال،فإذا قد جاءنا أمره:(قد أنفذنا إليكما إبلا غير إبلكما،فاحملا ما قبلكما عليها و خليا لها السبيل فإنها واصلة إلينا)،قالا:و كانت الإبل بغير قائد و لا سائق على وجه الأول منها،بهذا الشرح و هو مثل ذلك التوقيع الذي أوصلته إلينا بالدسكرة تلك اليد،فحمّلنا عليها ما عندنا و استودعناها اللّه و اطلقناها،فلما كان من قابل خرجنا نريده عليه السّلام،فلما وصلنا إلى سر من رأى دخلنا عليه عليه السّلام،فقال لنا:يا أحمد يا محمد أدخلا من الباب الذي بجانب الدار،فانظرا إلى ما حملتماه إلينا على الابل فلم تفقدا منه شيئا،فدخلنا فإذا نحن بالمتاع كما و عيناه و شددناه لم يتغير منه شيء،و وجدنا فيه الصرة الحمراء و الدنانير بختمها،و كنا رددناها على أيوب.

فقلنا:إنا للّه و إنا إليه راجعون هذه الصرة أ ليس قد رددناها على أيوب،فما تصنع ههنا فواسو أتاه من سيدنا،فصاح بنا من مجلسه:(مالكما سوأتكما)،فسمعنا الصوت فانثينا إليه،فقال:(آمن أيوب في وقت رد الصرة عليه فقبل اللّه إيمانه و قبلنا هديته)،فحمدنا اللّه و شكرناه على ذلك (1).

و عن محمد بن عبد الحميد البزاز و أبي الحسن محمد بن يحيى و محمد بن ميمون الخراساني و الحسين بن مسعود الفزاري:أن أبا محمد عليه السّلام كان يقول لنا بعد أبي الحسن عليه السّلام:(الله اللّه أن يظهر لكم أخي جعفر على سر،فو الله ما مثلي و مثله إلا مثل هابيل و قابيل ابني آدم،حيث حسد قابيل هابيل على ما أعطاه اللّه من فضله فقتله،و لو تهيا لجعفر قتلي لفعل،و لكن اللّه غالب على أمره (2).3.


1) مدينة المعاجز-السيد هاشم البحراني:664/7.

2) مدينة المعاجز-السيد هاشم البحراني:664/7،و الهداية الكبرى:343.

و روى الحضيني في هدايته:قال:حدثني أبو الحسن محمد بن يحيى الخرقي ببغداد في الجانب الشرقي قال:كان أبي بزازا من أهل الكرخ،و كان يحمل المتاع إلى سر من رأى و يبيع بها و يعود،فلما نشأت و صرت رجلا جهز لي متاعا و أمرني بحمله إلى سر من رأى،و ضمّ إلي غلمانا كانوا لنا،و كتب لي كتبا إلى أصدقاء له بزازين إلى سر من رأى،و قال:أنظر إلى صاحب هذا الكتاب من هو؟فأطعه كطاعتك لي و قف عند أمره و لا تخالفه،و اعمل بما يرسمه لك،و أكد عليّ في ذلك،و خرجت إلى سر من رأى.فلما وصلت إليها صرت إلى البزازين،فاوصلت كتب أبي إليهم،فدفعوا إلي حانوتا،و أمرني الرجل الذي أمرنى أبي بطاعته أن أحمل المتاع من السفينة إلى الحانوت،ففعلت ذلك و لم أكن دخلت سر من رأى قبل ذلك،فأنا و غلماني أميز المتاع من السفينة إلى الحانوت و نعينه،حتى جاءني خادم فقال لي:يا أبا الحسن محمد بن يحيى الخرقي أجب مولاي.

فرأيته خادما جليلا،فقلت له:و ما علمك بكنيتي و إسمي و نسبي؟و ما دخلت هذه المدينة إلا في يومي هذا،و ما يريد مولاك مني؟

قال:قم عافاك اللّه معي و لا تخالف،فما ها هنا شيء تخافه و لا تحذره،فذكرت قول أبي و ما أمرني به من مشاورة ذلك الرجل و العمل بما يرسمه،و كان جاري بجانب حانوتي،فقمت إليه و قتلت له:يا سيدي جاءني خادم جليل و سماني بكنيتي و كناني و قال:أجب مولاي،فوثب الرجل من حانوته إليه فلما رآه قبل يده و قال:يا بني أسرع معه و لا تخالف ما تؤمر به و اقبل كل ما يقال لك.

فقلت في نفسي:هذا من خدم السلطان أو وزير أو أمير،فقلت للرجل:أنا شعث الشعر و متاعي مختلط و لا أدري ما يراد مني،فقال لي:أسكت يا بني و امض مع الخادم و كلما يقول لك فقل:نعم،فمضيت مع الخادم و أنا خائف و جل حتى انتهى بى إلى باب عظيم،و دخل بى من دهليز إلى دهليز و من دار إلى دار تخيل لي أنها الجنة،حتى انتهيت إلى شخص على بساط أخضر،فلما رأيته انتفضت و داخلني منه رهبة(و هيبة)،و الخادم يقول لي:ادن،حتى قربت منه فأشار إلي بالجلوس،فجلست و ما أملك عقلي،فأمهلني حتى سكنت بعض السكون،ثم قال:(إحمل إلينا رحمك اللّه حبرتين في متاعك و لم أكن و اللّه علمت أن معي حبرا و لا وقفت عليها،فكرهت أن أقول ليس معي حبر فأخالف ما أوصاني به الرجل،و خفت أن أقول نعم فأكذب،فتحيرت و أنا ساكت.

فقال لي:(قم يا محمد إلى حانوتك فعد ستة أسفاط من متاعك و خذ السفط السابع،فافتحه و اعزل الثوب الأول الذي تلقاه من أوله،وخذ الثوب الثاني الذي في طيه،و فيها رقعة بشراء الحبرة و ما رسم ذلك الربح و هو في العشرة إثنان و الثمن إثنان و عشرون دينارا و أحد عشر قيراطا و حبة، و انشر الرزمة العظمى في متاعك فعد منها ثلاثة أثواب،وخذ الرابع فافتحه فإنك تجد حبرة في طيها

رقعة الثمن تسعة عشر دينارا و عشر قيراط و حبتان،و الربح في العشرة إثنان)فقلت:نعم و لا علم لى بذلك،فوقفت عند قيامي بين يديه فمشيت القهقرى و لم أول ظهري إجلالا له و إعظاما و أنا لا أعرفه.

فقال لي الخادم و نحن في الطريق:طوبى لك لقد أسعدك اللّه بقدومك،فلم أجبه غير قولي نعم،و صرت إلى حانوتي و دعوت بالرجل فقصصت عليه قصتي و ما قال لي،فبكى و وضع خده على الأرض و قال:قولك يا مولاي حق و علمه من علم اللّه،و قفز إلى السفط و الرزمة فاستخرج الحبرتين فأخرج الرقعتين فوجدنا رأس المال و الربح و موضعهما في طي الثوبين كما قال عليه السّلام.

فقلت:أي شيء يا عم هذا الإنسان كاهن أو حاسب أو مخدوم؟فبكى و قال:يا بني لم تخاطب بما خوطبت به إلا أن لك عند اللّه منزلة،و ستعلم من هو؟

فقلت:يا عم مالي قلب أرجع به إليه قال:إرجع،فرجعت فسكن ما في قلبي و قوي نفسي و مشيي و أنا معجب من نفسي إلى أن قربت من الدار.

فقال لي:أنا منتظرك إلى أن تخرج.

فقلت:يا عم أعتذر إليه و أقول:لا علم لي بالحبرتين.

فقال لي:لا بل تفعل كما قال لك،فدخلت فوضعت الحبرتين بين يديه،فقال لي:(إجلس).

فجلست و أنا لا أطيق النظر إليه إعظاما و اجلالا.

فقال للخادم:(خذ الحبرتين)فأخذهما و دخل و ضرب بيده إلى البساط فلم أر عليه شيئا، فقبض قبضة و قال:(هذا ثمن حبرتيك و ربحهما إمض راشدا،فإذا جاءك رسولنا فلا تتأخر عنا).

فأخذتها في طرف ملاءتي فإذا هي دنانير.فخرجت فإذا الرجل واقف،فقال:هات حدثني، فأخذت بيده و قلت له:يا عم اللّه اللّه في فما أطيق أحدّثك ما رأيت.

فقال لي:قل،فقلت له:ضرب بيده إلى البساط و ليس عليه شيء،فقبض قبضة من دنانير فأعطانيها و قال لي:(هذه ثمن حبرتيك و ربحهما)،فوزناها و حسبنا الربح فكان رأس المال الذي ذكره،و الربح لا يزيد حبة و لا ينقص حبة،فقال:يا بني تعرفه؟

فقلت:لا يا عم،فقال لي:هذا مولانا أبو محمد الحسن بن علي حجة اللّه على جميع الخلق (1).

و عن علي بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد بن علي قال:صحبت أبا محمد عليه السّلام من دار العامة إلى منزله.فلما صار إلى الدار و أردت الانصراف قال:(أمهل)فدخل،ثم أذن لي،فدخلت7.


1) مدينة المعاجز-السيد هاشم البحراني:670/7.

فاعطاني مائة دينار و قال:(إصرفها في ثمن جارية فإن جاريتك فلانة ماتت).

و كنت خرجت من المنزل و عهدي بها أنشط ما كانت،فمضيت فإذا الغلام قال:ماتت جاريتك فلانة الساعة!قلت:ما حالها؟

قال:شربت ماء،فشرقت،فماتت (1).

و عن ابن الفرات،قال:كنت بالعسكر قاعدا(مفكرا)في الشارع،و كنت أشتهي الولد شهوة شديدة،فأقبل أبو محمد عليه السّلام فارسا.

فقلت:ترى أني أرزق ولدا؟

فقال برأسه:نعم.

فقلت:ذكرا؟

فقال برأسه:لا.فرزقت إبنة (2).

و عن أبي القاسم بن أبي حليس قال:كنت أزور العسكر في شعبان في أوله،ثم أزور الحسين عليه السّلام في النصف،فلما كان في سنة من السنين وردت العسكر قبل شعبان،و ظننت أني لا أزوره في شعبان،فلما دخل شعبان قلت:لا أدع زيارة كنت أزورها،و خرجت إلى العسكر،و كنت إذا وافيت العسكر أعلمهم برقعة أو رسالة.فلما كان في هذه المرة قلت:أجعلها زيارة خالصة لا أخلطها بغيرها،و قلت لصاحب المنزل:أحب أن لا تعلمهم بقدومي.

فلما أقمت ليلة جاءني صاحب المنزل بدينارين و هو يبتسم متعجبا و يقول:بعث إلي بهذين الدنيارين و قيل لي:إدفعهما إلى الحليسي و قل له:من كان في طاعة اللّه كان اللّه في حاجته (3).

و عن علي بن زيد بن علي بن الحسين بن زيد قال:دخلت يوما على أبي محمد عليه السّلام و إني جالس عنده،إذ ذكرت منديلا كان معي فيه خمسون دينارا،فقلت لها و ما تكلمت بشيء و لا أظهرت ما خطر ببالي،فقال أبو محمد عليه السّلام:(لا بأس هي مع أخيك الكبير،سقطت منك حين نهضت فأخذها و هي محفوظة معه إن شاء اللّه)فأتيت المنزل فردها إلي أخي (4).

و عن أبي بكر الفهفكى قال:أردت الخروج من سر من رأى لبعض الأمور و قد طال مقامي بها،فغدوت يوم الموكب و جلست في شارع أبي قطيعة بن داود،إذ طلع أبو محمد عليه السّلام يريد دار0.


1) الخرائج:426/1 ح 5 و عنه كشف الغمة:428/2 و إثبات الهداة:419/3 ح 65،و في البحار:/50 264 ح 23.

2) الخرائج:438/1 ح 16 و البحار:268/50 ح 30 و الصراط المستقيم:207/2 ح 11.و رواه في إثبات الوصية:217.

3) البحار:271/50 ح 38.

4) الخرائج و الجرائح:444/1 ح 27 و عنه إثبات الهداة:420/3 ح 71 و البحار:272/50 ح 40.

العامة،فلما رأيته قلت في نفسي:أقول له:يا سيدي إن كان الخروج عن سر من رأى خيرا لي، فأظهر التبسّم في وجهي،فلما دنا مني تبسّم تبسّما بينا جيدا،فخرجت من يومي،فأخبرني أصحابنا أن غريما لك له عندك مال،قد طلبك فلم يجدك،و لو ظفر بك لهتكك،و ذلك أن ماله لم يكن عندي شاهد (1).

و عن عمر بن أبي مسلم قال:كان سميع المسمعي يؤذيني كثيرا و يبلغني عنه ما أكره،و كان ملاصقا لداري،فكتبت إلى أبي محمد عليه السّلام أسأله الدعاء بالفرج منه،فرجع الجواب:(الفرج قريب،يقدم عليك مال من ناحية فارس)،و كان لي بفارس ابن عم تاجر لم يكن له وارث غيرى، فجاءني ماله بعد ما مات بأيام يسيرة.و وقع في الكتاب:(إستغفر اللّه و تب إليه مما تكلمت به)، و ذلك أني كنت يوما مع جماعة من النصاب،فذكروا آل أبي طالب حتى ذكروا مولاي،فخضت معهم لتضعيفهم أمره،فتركت الجلوس مع القوم،و علمت أنه أراد ذلك (2).

و عن الحجاج بن يوسف العبدي قال:خلفت إبني بالبصرة عليلا و كتبت إلى أبي محمد عليه السّلام أسأله الدعاء لابني.فكتب الجواب:(رحم اللّه إبنك إنه كان مؤمنا).

قال الحجاج:فورد علي كتاب من البصرة أن إبنك مات في ذلك اليوم الذي كتب إلي أبو محمد عليه السّلام بموته (3).

و عن أبي القاسم الهروي:خرج توقيع من أبي محمد عليه السّلام إلى بعض بني أسباط،قال:كتبت إلى الإمام عليه السّلام أخبره من إختلاف الموالي و أسأله إظهار دليل.

فكتب إلي:(إنما خاطب اللّه العاقل،و ليس أحد يأتي بآية أو يظهر دليلا أكثر مما جاء به خاتم النبيين و سيد المرسلين صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فقالوا:كاهن و ساحر و كذاب!و هدى اللّه من اهتدى،غير أن الأدلة يسكن إليها كثير من الناس،و ذلك أن اللّه يأذن لنا فنتكلم و يمنع فنصمت،و لو أحب اللّه أن لا يظهر حقنا ما بعث اللّه النبيين مبشرين و منذرين يصدعون بالحق في حال الضعف و القوة،و ينطقون في أوقات ليقضي اللّه أمره و ينفذ حكمه.و الناس على طبقات مختلفين شتى،و المستبصر على سبيل نجاة متمسك بالحق،فيتعلق بفرع أصيل غير شاك و لا مر تاب لا يجد عنه ملجأ،و طبقة لم تأخذ الحق من أهله،فهم كراكب البحر يموج عند موجه و يسكن عند سكونه.و طبقة استحوذ عليهم الشيطان،شانهم الرد على أهل الحق و دفع الحق بالباطل حسدا من عند أنفسهم.فدع من ذهب يمينا و شمالا كالراعي إذا أراد أن يجمع غنمه جمعها بأهون السعي،ذكرت ما اختلف فيه موالي، فإذا كانت الوصية و الكبر فلا ريب،و من جلس مجالس الحكم فهو أولى بالحكم،أحسن رعاية من2.


1) الخرائج و الجرائح:446/1 ح 30 و إثبات الهداة:420/3 ح 72 و البحار:273/50 ح 42.

2) الخرائج:447/1 ح 33 و عنه إثبات الهداة:421/3 ح 74 و البحار:273/50 ح 43.

3) البحار:274/50 ح 44 و عن كشف الغمة:422/2.

استرعيت،و إياك و الإذاعة و طلب الرئاسة،فإنهما يدعوان إلى الهلكة،ذكرت شخوصكم إلى فارس فاشخص خار اللّه لك،و تدخل مصر إن شاء اللّه آمنا،و أقرء من تثق به من موالي السلام،و مرهم بتقوى اللّه العظيم و أداء الأمانة،و أعلمهم أن المذيع علينا سرّنا حرب لنا).

قال:فلما قرأت:(و تدخل مصر)لم أعرف له معنى،فقدمت بغداد و عزيمتي الخروج إلى فارس،فلم يتهيأ لي ذلك،و خرجت إلى مصر،فعرفت أن الإمام عليه السّلام عرف أني لا اخرج إلى فارس (1).

و عن علي بن إبراهيم بن هاشم،عن أبيه،عن عيسى بن صبيح قال:دخل الحسن العسكري عليه السّلام علينا الحبس،و كنت به عارفا،فقال لي:(لك خمس و ستون سنة و شهر و يوما)، و كان معي كتاب دعاء و عليه تاريخ مولدي،و إني نظرت فيه فكان كما قال.

ثم قال:(هل رزقت من ولد؟)

قلت:لا.

فقال:(اللهم ارزقه ولدا يكون له عضدا،فنعم العضد الولد).

ثم تمثل عليه السّلام(و قال):

من كان ذا عضد يدرك ضلامته إن الذليل الذي ليست له عضد

فقلت له:ألك ولد؟

قال:إي و اللّه سيكون لي ولد يملا الأرض قسطا و عدلا فأما الآن فلا.

ثم تمثّل و قال:

لعلك يوما أن تراني كأنما بنى حوالي الأسود اللوابد

فإن تميما قبل أن يلد الحصى أقام زمانا و هو في الناس واحد (2)


تسخير الحيوانات للإمام العسكري عليه السّلام

عن أحمد بن الحارث القزويني قال:كنت مع أبي بسرّ من رأى و كان أبي يتعاطى البيطرة في مربط أبي محمّد عليه السّلام قال:و كان عند المستعين (3)بغل لم ير مثله حسنا و كبرا و كان يمنع ظهره


1) الخرائج:449/1 ح 35 و عنه البحار:181/2 ح 4.

2) مدينة المعاجز-السيد هاشم البحراني:630/7.

3) هو أحمد بن المعتصم بن هارون خرج عليه ابن أخيه المعتز بن المتوكل بن المعتصم،و قتله سنة اثنتين و خمسين و مائتين عاش خمسا و ثلاثين سنة و زمان حكومته تسع سنين و تسعة أشهر.

و اللّجام و السرج،و قد كان جمع عليه الرّاضة (1)،فلم يمكن لهم حيلة في ركوبه،قال:فقال له بعض ندمائه:يا أمير المؤمين ألا تبعث إلى الحسن بن الرّضا حتّى يجييء فإمّا أن يركبه و إمّا أن يقتله فتستريح منه.

قال:فبعث إلى أبي محمّد و مضى معه أبي فقال أبي:لمّا دخل أبو محمّد الدّار كنت معه فنظر أبو محمّد إلى البغل واقفا في صحن الدّار فعدل إليه فوضع بيده على كفله،قال:فنظرت إلى البغل و قد عرق حتّى سال العرق منه،ثمّ صار إلى المستعين فسلّم عليه فرحّب به و قرّب،فقال:يا أبا محمّد ألجم هذا البغل.

فقال أبو محمّد لأبي:ألجمه يا غلام.

فقال المستعين:ألجمه أنت،فوضع طيلسانه ثمّ قام فألجمه ثمّ رجع إلى مجلسه و قعد.

فقال له:يا أبا محمّد أسرجه.

فقال لأبي:يا غلام أسرجه.

فقال:أسرجه أنت.

فقام ثانية فأسرجه و رجع.

فقال له:ترى أن تركبه؟

فقال:نعم،فركبه من غير أن يمتنع عليه ثمّ ركضه في الدّار،ثمّ حمله على الهملجة (2)فمشى أحسن مشي يكون،ثمّ رجع و نزل.

فقال له المستعين:يا أبا محمّد كيف رأيته؟

قال:يا أمير المؤمنين ما رأيت مثله حسنا و فراهة (3)و ما يصلح أن يكون مثله إلاّ لأمير المؤمنين.

قال:فقال:يا أبا محمّد فإنّ أمير المؤمنين قد حملك عليه.

فقال أبو محمّد لأبي:يا غلام خذه.

فأخذه أبي فقاده (4).4.


1) في بعض النسخ الرواض،راض المهر رياضا و رياضة ذلله فهو رايض و الجمع رواض و راضة و أصلها روضة مثل طلبة قلبت الواو ألفا.

2) الهملجة مشي الهملاج،من البرادين،و هو مشي سهل كالرهوجة فارسي معرب.

3) دابة فارهة أي نشيطة حادة حاذقة قوية.و قد فرهت فراهة و فراهية.

4) الكافي:507/1 ح 4،و مدينة المعاجز:543/7 ح 4.

استجابة دعاء الإمام العسكري عليه السّلام

عن أبي عليّ المطهّر أنّه كتب إليه سنة القادسيّة (1)يعلمه انصراف الناس و أنّه يخاف العطش.

فكتب عليه السّلام:إمضوا فلا خوف عليكم إن شاء اللّه فمضوا سالمين،و الحمد للّه ربّ العالمين (2).

و عن محمّد بن الحسن بن شمّون قال:كتبت إلى أبي محمّد عليه السّلام أسأله أن يدعو اللّه لي من وجع عيني و كانت إحدى عينيّ ذاهبة و الأخرى على شرف ذهاب،فكتب إليّ:حبس اللّه عليك عينك.

فأفاقت الصحيحة،و وقّع في آخر الكتاب:آجرك اللّه و أحسن ثوابك،فاغتممت لذلك و لم أعرف في أهلي أحدا مات،فلمّا كان بعد أيّام جاءتني وفاة ابني طيّب فعلمت أنّ التعزية له (3).

و عن سيف بن الّليث هذا قال:خلّفت ابنا لي عليلا بمصر عند خروجي عنها و ابنا لي آخر أسنّ منه كان وصيّي و قيّمي على عيالي و في ضياعي فكتبت إلى أبي محمّد عليه السّلام أسأله الدّعاء لا بني العليل.

فكتب إليّ:قد عوفي إبنك المعتلّ و مات الكبير وصيّك و قيّمك فاحمد اللّه و لا تجزع فيحبط أجرك.

فورد عليّ الخبر أنّ ابني قد عوفي من علّته و مات الكبير يوم ورد عليّ جواب أبي محمّد عليه السّلام (4).

و روي أن يحيى بن قتيبة الأشعري أتاه بعد ثلاث مع الأستاذ،فوجداه يصلّي و الأسود حوله، فدخل الأستاذ الغيل (5)،فمزقوه و أكلوه،و انصرف يحيى في قومه إلى المعتمد،فدخل المعتمد على العسكري عليه السّلام و تضرع إليه و سأل أن يدعو له بالبقاء عشرين سنة في الخلافة.

فقال عليه السّلام:(مدّ اللّه في عمرك)فأجيب و توفي بعد عشرين سنة (6).

و عن عيسى بن صبيح،قال:دخل الحسن العسكري عليه السّلام علينا الحبس،و كنت به عارفا و قال


1) القادسية بكسر الدال موضع بينه و بين الكوفة خمسة عشر ميلا و المراد بسنتها السنة التي رجع فيها الحاج لما سمعوا من قلة الماء و الكلأ في الطريق.

2) الكافي:507/1 ح 6،و البحار:279/50 ح 54.

3) الكافي:510/1 ح 17،و إثبات الهداة:404/3 ح 20،و مناقب آل أبي طالب:432/4.

4) الكافي:511/1 ذ ح 18 و إثبات الهداة:405/3 ح 22 و كشف الغمة:424/2،و البحار:292/50 ذ ح 65،و مناقب آل أبي طالب:433/4.

5) الغيل:موضع الاسد.

6) مناقب آل أبي طالب:430/4 و عنه البحار:309/50 ذ ح 8.

لي:لك خمس و ستون سنة و أشهرا و يوما،و كان معي كتاب دعاء،و عليه تاريخ مولدي،و إنني نظرت فيه،فكان كما قال عليه السّلام.

و قال:هل رزقت من ولد؟

قلت:لا.

قال:اللهم ارزقه ولدا يكون له عضدا فنعم العضد الولد ثمّ تمثّل،شعرا:

من كان ذا عضد يدرك ظلامته إنّ الذليل الذي ليست له عضد

قلت:ألك ولد؟

قال:إي و اللّه سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطا و عدلا فأمّا الآن فلا،ثمّ تمثّل شعرا:

لعلّك يوما أن تراني كأنّما بنى حوالي الأسود اللوابد

فإن تميما قبل أن يلد الحصى أقام زمانا و هو في الناس واحد (1)

و في كشف الغمّة قال محمّد بن الحسن:لقيت من علّة عيني شدّة فكتبت إلى أبي محمّد عليه السّلام أسأله أن يدعو لي فلمّا نفذ الكتاب قلت في نفسي ليتني كنت سألته أن يصف لي كحلا أكحّلها فوقّع بخطّه يدعو لي بسلامتها و كتب بعده:أردت أن أصف لك كحلا عليك بصبر مع الأثمد و كافورا و توتيا فإنّه يجلو ما فيها من الغشا و ييبس الرطوبة.

قال:فاستعملت ما أمرني به فصحّت و الحمد للّه (2).

و في كتاب الرجال للنجاشي:قال:قال أبو محمد هارون بن موسى:قال أبو علي محمد بن همام:كتب أبي إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السّلام يعرفه أنه ما صح له حمل بولد، و يعرفه أن له حملا و يسأله أن يدعو اللّه في تصحيحه و سلامته،و أن يجعله ذكرا نجيبا من مواليهم، فوقّع عليه السّلام على رأس الرقعة بخط يده:(قد فعل اللّه ذلك)و صح الحمل ذكرا.

قال هارون بن موسى:أراني أبو علي بن همام الرقعة و الخط و كان محققا (3).


أثر الأئمة عليهم السّلام و بركتهم

عن محمّد بن إسماعيل العلويّ قال:حبس أبو محمّد عند عليّ بن نارمش و هو أنصب النّاس


1) الخرائج و الجرائح:ج 1 ص 478 ح 19،و البحار:ج 50 ص 275 ح 48.

2) مدينة المعاجز:605/7،و بحار الأنوار:299/50 ح 73.

3) رجال النجاشي:380 و عنه البحار:301/50 ح 77.

و أشدّهم على آل أبي طالب و قيل له:افعل به و افعل،فما أقام عنده إلاّ يوما حتّى وضع خدّيه (1)له و كان لا يرفع بصره إليه إجلالا و إعظاما،فخرج من عنده و هو أحسن النّاس بصيرة و أحسنهم فيه قولا (2).

و عن محمّد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمّد عليهم السّلام عن عليّ بن عبد الغفّار قال:دخل العباسيّون على صالح بن وصيف (3)و دخل صالح بن عليّ و غيره من المنحرفين عن هذه الناحية على صالح بن وصيف عند ما حبس أبا محمّد عليه السّلام،فقال لهم صالح:و ما أصنع؟

قد وكّلت به رجلين من أشرّ من قدرت عليه،فقد صارا من العبادة و الصلاة و الصيام إلى أمر عظيم.

فقلت لهما:ما فيه؟

فقالا:ما تقول في رجل يصوم النهار و يقوم الليل كلّه،لا يتكلّم و لا يتشاغل و إذا نظرنا إليه إرتعدت فرائصنا و يداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا،فلمّا سمعوا ذلك إنصرفوا خائبين (4).


بركة يد الإمام العسكري عليه السّلام تشفي

عن أحمد بن إسحاق قال:دخلت على أبي محمّد عليه السّلام فسألته أن يكتب لأنظر إلى خطّه فأعرفه إذا ورد.

فقال:نعم.

ثمّ قال:يا أحمد إنّ الخطّ سيختلف عليك من بين القلم الغليظ إلى القلم الدّقيق فلا تشكّنّ.

ثمّ دعا بالدّواة فكتب و جعل يستمدّ إلى مجرى الدّواة فقلت في نفسي و هو يكتب:أستوهبه القلم الذي كتب به.فلمّا فرغ من الكتابة أقبل يحدّثني و هو يمسح القلم بمنديل الدّواة ساعة،ثمّ قال:هاك يا أحمد فناولنيه.

فقلت:جعلت فداك إنّي مغتمّ لشيء يصيبني في نفسي و قد أردت أن أسأل أباك فلم يقض لي ذلك.


1) وضع الخد كناية عن الخضوع و الطاعة و الانقياد،و في بعض النسخ بدل خديه حدته.

2) الكافي:508/1 ح 8،و إعلام الورى:150/2.

3) كان وصيف التركي من أمراء المستعين،و بعده من أمراء المعتز قتله في عهده بعض الأمراء ثم قام صالح مقام أبيه،و كان بعد المعتز من أمراء المهتدي و قتل في عهده.

4) الكافي:512/1 ح 23 و إثبات الهداة:406/3 ح 27 و إرشاد المفيد:344،و إعلام الورى:360، و كشف الغمة:414/2 و البحار:308/50 ح 6.

فقال:و ما هو يا أحمد؟

فقلت:يا سيّدي روي لنا عن آبائك أنّ نوم الأنبياء على أقفيتهم و نوم المؤمنين على أيمانهم و نوم المنافقين على شمائلهم و نوم الشياطين على وجوههم.

فقال عليه السّلام:كذلك هو.

فقلت:يا سيدي فانّي أجهد أن أنام على يميني فما يمكنني و لا يأخذني النوم عليها.

فسكت ساعة ثم قال:يا أحمد أدن منّي.

فدنوت منه.

فقال:أدخل يدك تحت ثيابك.

فأدخلتها فأخرج يده من تحت ثيابه و أدخلها تحت ثيابي،فمسح بيده اليمنى على جانبي الأيسر و بيده اليسرى على جانبي الأيمن ثلاث مرات.

فقال أحمد:فما أقدر أن أنام على يساري منذ فعل ذلك بي عليه السّلام و ما يأخذني نوم عليها أصلا (1).


معرفة الإمام العسكري عليه السّلام باللغات

عن أبي حمزة نصير الخادم قال:سمعت أبا محمّد غير مرّة يكلّم غلمانه بلغاتهم،ترك و روم و صقالبة (2)،فتعجبّت من ذلك و قلت:هذا ولد بالمدينة و لم يظهر لأحد حتّى مضى أبو الحسن عليه السّلام و لا رآه أحد فكيف هذا؟أحدّث نفسي بذلك،فأقبل عليّ فقال:إنّ اللّه تبارك و تعالى بيّن حجته من سائر خلقه بكلّ شيء و يعطيه اللّغات و معرفة الأنساب و الآجال و الحوادث و لو لا ذلك لم يكن بين الحجّة و المحجوج فرق (3).


علم الإمام العسكري عليه السّلام بما في الضمائر

عن محمّد بن عليّ بن إبراهيم بن موسى بن جعفر قال:ضاق بنا الأمر فقال لي أبي:إمض بنا حتّى نصير إلى هذا الرّجل-يعني أبا محمّد-فإنّه قد وصف عنه سماحة.


1) الكافي:ج 1 ص 513 ضمن ح 27،و البحار:286/50 ح 61،و دعوات الراوندي:70 ح 169.

2) الصقالبة جبل تتاخم بلادهم بلاد الخزر بين بلغر و قسطنطينية.

3) الكافي:ج 1 ص 509 ح 11،و الإرشاد:ص 343.

فقلت:تعرفه؟

فقال:ما أعرفه و لا رأيته قطّ.

قال:فقصدناه فقال لي أبي و هو في طريقه:ما أحوجنا إلى أن يأمر لنا بخمسمائة درهم مائتا درهم للكسوة و مائتا درهم للدّين و مائة للنفقة،فقلت في نفسي:ليته أمر لي بثلاثمائة درهم مائة أشتري بها حمارا،و مائة للنفقة،و مائة للكسوة و أخرج إلى الجبل.

قال:فلمّا وافينا الباب خرج إلينا غلامه فقال:يدخل عليّ بن إبراهيم و محمّد ابنه،فلمّا دخلنا عليه و سلّمنا قال لأبي:يا عليّ ما خلّفك عنّا إلى هذا الوقت؟

فقال:يا سيّدي استحييت أن ألقاك على هذه الحال،فلمّا خرجنا من عنده جاءنا غلامه فناول أبي صرّة فقال:هذه خمسمائة درهم مائتان للكسوة،و مائتان للدّين،و مائة للنفقة،و أعطاني صرّه فقال:هذه ثلاثمائة درهم اجعل مائة في ثمن حمار و مائة للكسوة و مائة للنفقة و لا تخرج إلى الجبل و صر إلى سوراء،فصار إلى سوراء و تزوّج بأمرأة،فدخله اليوم ألف دينار و مع هذا يقول بالوقف.

فقال محمّد بن إبراهيم،فقلت له:و يحك أتريد أمرا أبين من هذا؟

قال:فقال:هذا أمر قد جرينا عليه (1).

و لله در من قال:

هم النور نور اللّه جل جلاله يجلي بهم تلك الحنادس و الظلم

زها نورهم في الأفق في الصبح و المسا و لم يك نورهم في الليل يبدو على علم

فوا عجبا من أمة شهدت لهم مناقب لا يأتي على عدها قلم

و قد جحدوهم بعد ما شاع فضلهم و قد فضّلوا في الخلق من أزل القدم

و لم يكفهم هذا و قد عمدوا لهم بسيف رسم حيث واروهم الرجم

و لا مثل أبناء العمومة ويلهم فلا راقبوا فيهم عهودا و لا ذمم

أيقتل مثل العسكري الذي به وجود الورى بعد التخلد في العدم

عليه سلام اللّه ما ذر لعنة على مستعين بالتوكل معتصم (2)

و عن إسحاق بن محمّد النخعي قال:حدّثني سفيان بن محمّد الضبعي قال:كتبت إلى أبي محمّد أسأله عن الوليجة (3)و هو قول اللّه تعالى: وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لاَ الْمُؤْمِنِينَه.


1) الكافي:ج 1 ص 506 ح 3.

2) وفيات الأئمة:409.

3) يعني الوليجة كل من يقام مقام النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و هو ليس صاحب أمر الخلافة من قبله.

وَلِيجَةً (1)قلت في نفسي لا في الكتاب:من ترى المؤمنين ههنا؟فرجع الجواب:الوليجة الذي يقام دون وليّ الأمر،و حدّثتك نفسك عن المؤمنين من هم في هذا الموضع؟فهم الأئمّة الذين يؤمنون على اللّه فيجيز أمانهم (2).

و روى السيد المرتضى عن أحمد بن إسحاق بن مصقلة قال:دخلت على أبي محمد عليه السّلام فقال لي:(يا أحمد ما كان حالكم فيما كان الناس فيه من الشك و الارتياب؟.

قلت:لما ورد الكتاب بخبر مولد سيدنا عليه السّلام لم يبق منا رجل و لا إمراة و لا غلام بلغ الفهم إلا قال بالحق.

قال عليه السّلام:(أما علمتم أن الأرض لا تخلو من حجة للّه تعالى) (3).

و عن أبي على أحمد بن علي بن كلثوم السرخسي قال:حدثني إسحاق بن محمد بن أبان البصري قال:حدثني محمد بن الحسن بن شمون أنه قال:كتبت إلى أبي محمد عليه السّلام أشكو إليه الفقر،ثم قلت في نفسي:أليس قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:(الفقر معنا خير من الغنى مع عدونا،و القتل معنا خير من الحياة مع عدونا)،فرجع الجواب:(إن اللّه عزّ و جلّ يمحّص أولياءنا إذا تكاثفت ذنوبهم بالفقر،و قد يعفو عن كثير،و هو كما حدثتك نفسك:الفقر معنا خير من الغنى مع عدونا، و نحن كهف لمن إلتجأ و نور لمن استضاء بنا و عصمة لمن اعتصم بنا،من أحبنا كان معنا في السنام الأعلى و من انحرف عنا فإلى النار).

قال:قال أبو عبد اللّه عليه السّلام:(تشهدون على عدوكم بالنار و لا تشهدون لوليكم بالجنة!ما يمنعكم من ذلك إلا الضعف).

و قال محمد بن الحسن:لقيت من علة عيني شدة،فكتبت إلى أبي محمد عليه السّلام أسأله أن يدعو لي،فلما نفذ الكتاب قلت في نفسي:ليتني كنت سألته أن يصف لي كحلا أكحلها،فوقع بخطه:

(يدعو لي بسلامتها إذ كانت إحداهما ذاهبة)،و كتب بعده:(أردت أن أصف لك كحلا عليك بصبر مع الإثمد و كافورا و توتيا،فإنه يجلو ما فيها من الغشا و ييبس الرطوبة)،قال:فاستعملت ما أمرنى به فصحت و الحمد للّه (4).

عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري قال:دخلت على أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السّلام و أنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده،فقال لي مبتدءا:(يا أحمد بن إسحاق إن4.


1) سورة التوبة،الآية:16.

2) الكافي:508/1 ح 9،و بحار الأنوار:245/24 ح 2.

3) عيون المعجزات:138 و عنه البحار:335/50 ح 13.

4) اختيار معرفة الرجال:533 ح 1018 و عنه البحار:299/50 ذ ح 72 و ح 73 و عن كشف الغمة:/2 421،و صدره في ج 44/72 ح 53 عنهما و عن الخرائج 739 ح 54.و أورده صدره في مناقب آل أبي طالب:435/4.

اللّه تبارك و تعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم عليه السّلام و لا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجة اللّه على خلقه،به يدفع البلاء عن أهل الأرض،و به ينزل الغيث و به يخرج نبات الأرض).

قال:فقلت له:يابن رسول اللّه فمن الخليفة و الإمام بعدك؟فنهض عليه السّلام مسرعا فدخل البيت، ثم خرج و على عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر من أبناء ثلاث سنين فقال:(يا أحمد بن إسحاق لو لا كرامتك على اللّه عزّ و جلّ و على حججه ما عرضت عليك إبني هذا،إنه سمي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و كنيه،الذي يملا الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما.يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الأمة مثل الخضر عليه السّلام،و مثله مثل ذي القرنين،و اللّه ليغيبن غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلا من ثبته اللّه تعالى على القول بإمامته و وفق للدعاء بتعجيل فرجه).

قال أحمد بن إسحاق:فقلت له:يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها قلبى؟فنطق الغلام عليه السّلام بلسان عربي فصيح قال:(أنا بقية اللّه في أرضه و المنتقم من أعدائه،فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق).

قال أحمد بن إسحاق:فخرجت مسرورا فرحا،فلما كان من الغد عدت إليه فقلت له:يابن رسول اللّه لقد عظم سروري بما مننت به علي فما السنة الجارية فيه من الخضر و ذي القرنين؟

فقال:(طول الغيبة يا أحمد)،فقلت له:يابن رسول اللّه و إن غيبته لتطول؟

قال:(إي و ربي حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به،فلا يبقى إلا من أخذ اللّه عزّ و جلّ عهده بولايتنا،و كتب في قلبه الإيمان و أيده بروح منه.

يا أحمد بن إسحاق:هذا أمر من أمر اللّه و سر من سر اللّه و غيب من غيب اللّه،فخذ ما آتيتك و اكتمه و كن من الشاكرين تكن معنا غدا في عليين (1).

و عن أبي هاشم،قال:سمعت أبا محمد عليه السّلام يقول:من الذنوب التي لا تغفر،قول الرجل:

ليتني لا أؤاخذ إلا بهذا،فقلت في نفسي:إن هذا لهو الدقيق،و ينبغي للرجل أن يتفقد من نفسه كل شيء،فأقبل علي أبو محمد عليه السّلام،فقال:صدقت يا أبا هاشم إلزم ما حدثتك به نفسك،فإن الإشراك في الناس أخفى من دبيب الذر (2)على الصفا في الليلة الظلماء،و من دبيب الذر على المسح (3)الأسود (4).6.


1) كمال الدين:384 ح 1 و عنه إعلام الورى:412 و البحار:23/52 ح 16 و إثبات الهداة:479/3 ح 180 و تبصرة الولى:138 ح 58.و أخرجه في كشف الغمة:526/2.

2) الذر:النمل الأحمر الصغير(انظر حياة الحيوان للدميري:ج 1 ص 507).

3) المسح:كساء من الشعر،و يعبر عنه باللّباس(انظر مجمع البحرين:مادة(مسح)ج 2 ص 414،و لسان العرب:مادة(مسح)ج 13 ص 101).

4) إعلام الورى:ص 355،و المناقب لابن شهر آشوب:ج 4 ص 439،و البحار:250/50 ح 4 و عن غيبة الطوسي:207 ح 176.

و عن أبي هاشم الجعفري قال:شكوت إلى أبي محمّد ضيق الحبس و كتل القيد (1)فكتب إليّ أنت تصلّي اليوم الظهر في منزلك فأخرجت في وقت الظهر فصلّيت في منزلي كما قال عليه السّلام،و كنت مضيّقا فأردت أن أطلب منه دنانير في الكتاب فاستحييت،فلمّا صرت إلى منزلي وجّه إليّ بمائة دينار و كتب إليّ:إذا كانت لك حاجة فلا تستحي و لا تحتشم و اطلبها فإنّك ترى ما تحبّ إن شاء اللّه (2).

و عن أبي حمزة نصير الخادم قال:سمعت أبا محمّد غير مرّة يكلّم غلمانه بلغاتهم،ترك و روم و صقالبة (3)،فتعجبّت من ذلك و قلت:هذا ولد بالمدينة و لم يظهر لأحد حتّى مضى أبو الحسن عليه السّلام و لا رآه أحد فكيف هذا؟أحدّث نفسي بذلك،فأقبل عليّ فقال:إنّ اللّه تبارك و تعالى بيّن حجّته من سائر خلقه بكلّ شيء (4)و يعطيه اللّغات و معرفة الأنساب و الآجال و الحوادث و لو لا ذلك لم يكن بين الحجّة و المحجوج فرق (5).

و عن الأقرع قال:كتبت إلى أبي محمّد أسأله عن الإمام هل يحتلم؟و قلت في نفسي بعد ما فصل الكتاب:الاحتلام شيطنة و قد أعاذ اللّه تبارك و تعالى أولياءه من ذلك،فورد الجواب:حال الأئمّة في المنام حالهم في اليقظة لا يغيّر النوم منهم شيئا و قد أعاذ اللّه أولياءه من لمّة (6)الشيطان كما حدّثتك نفسك (7).

و عن الحسين بن ظريف قال:اختلج في صدري مسألتان أردت الكتاب فيهما إلى أبي محمّد عليه السّلام فكتبت أسأله عن القائم عليه السّلام إذا قام بما يقضي و أين مجلسه الذي يقضي فيه بين النّاس؟ و أردت أن أسأله عن شيء لحمّى الرّبع (8)فأغفلت خبر الحمّى.

فجاء الجواب:سألت عن القائم فإذا قام قضى بين الناس بعلمه كقضاء داود عليه السّلام لا يسأل البيّنة،و كنت أردت أن تسأل لحمّى الرّبع فأنسيت،فاكتب في ورقة و علّقه على المحموم فإنّه يبرأع.


1) في أكثر النسخ«كلب الصيد».

2) إعلام الورى:ص 354،و المناقب لابن شهر آشوب:ج 4 ص 439.

3) الصقالبة جبل تتاخم بلادهم بلاد الخزر بين بلغر و قسطنطينية.

4) قال المازندراني في شرح الكافي:أي بالعلوم و الأعمال و الأقوال و الأخلاق و الحجة في كل واحد من هذه الأمور أتم و أكمل من غيره و لو لا ذلك لم يكن بين الحجة و المحجوج فرق فيكون هذا حجة و ذاك محجوجا ليس بأولى من العكس،و مما يؤيد أن الإمام وجب أن يكون عالما بجميع اللغات أنه لو حضر عنده خصمان على غير لسانه و لم يوجد هناك مترجم لزم تعطيل الأحكام و هو مع استلزامه تبدد النظام يوجب فوات الغرض من نصب الإمام،و لذلك أيضا يجب أن يكون الإمام عالما بجميع الأحكام.

5) الكافي:ج 1 ص 509 ح 11،و الإرشاد:ص 343.

6) اللمة المس و الهمة و الخطرة تقع في نفس الرجل من قرب الملك أو الشيطان منه فما كان من خطرات الخير فهو من الملك و ما كان من خطرات الشر فهو من الشيطان و وسوسته.

7) الكافي:509/1 ح 12،و الصراط المستقيم:208/2 ح 20،و البحار:157/25.

8) و حمى الربع هي أن تأخذ يوما و تترك يومين فتكون الدورة الثانية في اليوم الرابع.

بإذن اللّه إن شاء اللّه يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (1)فعلّقنا عليه ما ذكر أبو محمّد عليه السّلام فأفاق (2).

و عن إسماعيل بن محمّد بن عليّ بن إسماعيل بن عليّ بن عبد اللّه بن عبد المطّلب قال:قعدت لأبي محمد عليه السّلام على ظهر الطريق فلمّا مرّ بي شكوت إليه الحاجة و حلفت له أنّه ليس عندي درهم فما فوقها و لا غداء و لا عشاء قال:فقال:تحلف باللّه كاذبا و قد دفنت مائتي دينار،و ليس قولي هذا دفعا لك عن العطيّة،أعطه يا غلام ما معك.

فأعطاني غلامه مائة دينار،ثمّ أقبل عليّ فقال لي:إنّك تحرمها أحوج ما تكون إليها.يعني الدنانير التي دفنت و صدق عليه السّلام و كان كما قال دفنت مائتي دينار.

و قلت:يكون ظهرا و كهفا لنا فاضطررت ضرورة شديدة إلى شيء أنفقه و انغلقت عليّ أبواب الرّزق فنبشت عنها فإذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها و هرب فما قدرت منها على شيء (3).

و عن عليّ بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ قال:كان لي فرس و كنت به معجبا أكثر ذكره في المحالّ فدخلت على أبي محمّد عليه السّلام يوما فقال لي:ما فعل فرسك؟

فقلت:هو عندي و هو ذا هو على بابك و عنه نزلت.

فقال لي:استبدل به قبل المساء إن قدرت على مشتري و لا تؤخّر ذلك.

و دخل علينا داخل و انقطع الكلام فقمت متفكّرا و مضيت إلى منزلي فأخبرت أخي الخبر، فقال:ما أدري ما أقول في هذا.و شححت به و نفست على الناس ببيعه و أمسينا فأتانا السائس و قد صلّينا العتمة فقال:يا مولاي نفق فرسك فاغتممت و علمت أنّه عنى هذا بذلك القول.

قال:ثمّ دخلت على أبي محمّد بعد أيّام و أنا أقول في نفسي:ليته أخلف عليّ دابّة إذ كنت اغتممت بقوله،فلمّا جلست قال:نعم نخلف دابّة عليك،يا غلام أعطه برذوني الكميت (4)هذا خير من فرسك و أوطأ و أطول عمرا (5).

و عن يحيى بن القنبري من قرية تسمّى قير (6)،قال:كان لأبي محمّد عليه السّلام وكيل قد اتّخذ معهر.


1) سورة الأنبياء،الآية:69.

2) الكافي:509/1 ح 13،و كشف الغمة:413/2،و البحار:264/50 ح 24.

3) الكافي:ج 1 ص 509 ح 14،و الإرشاد:ص 334.

4) البرذون التركي من الخيل،و الجمع البراذين و خلافها العراب،و الأنثى برذونة،و الكميت من الخيل بين السواد و الحمرة عن سيبويه،و عن أبي عبيدة الفرق بين الأشقر و الكميت بالعرف و الذنب فإن كانا أحمرين فهو أشقر و إن كانا أسودين فهو كميت.

5) الكافي:510/1 ح 15،و الخرائج:434/1 ح 12،و البحار:266/50 ح 26.

6) القسرى بالسين،و في بعضها القشيري بالشين و الياء،و في بعضها سماقين بالنون،و في بعضها من قرية تسمى قنبر.

في الدار حجرة يكون فيها معه خادم أبيض فأراد الوكيل الخادم على نفسه فأبى إلاّ أن يأتيه بنبيذ فاحتال له بنبيذ،ثمّ أدخله عليه و بينه و بين أبي محمّد عليه السّلام ثلاثة أبواب مغلقة.

قال:فحدّثني الوكيل قال:إنّي لمنتبه إذ أنا بالأبواب تفتح حتّى جاء بنفسه فوقف على باب الحجرة ثمّ قال:يا هؤلاء اتّقوا اللّه خافوا اللّه.فلمّا أصبحنا أمر ببيع الخادم و إخراجي من الدّار (1).

و عن محمّد بن الرّبيع السائي قال:ناظرت رجلا من الثنويّة (2)بالأهواز،ثمّ قدمت سرّ من رأى و قد علق بقلبي شيء من مقالته فإنّي لجالس على باب أحمد بن الخضيب إذ أقبل أبو محمّد عليه السّلام من دار العامّة يوم الموكب (3)فنظر إليّ و أشار بسبّاحته أحد أحد فرد.

فسقطت مغشيّا عليّ (4).

و عن أبي هاشم الجعفري قال:دخلت على أبي محمّد عليه السّلام يوما و أنا أريد أن أسأله ما أصوغ به خاتما أتبرّك به.فجلست و أنسيت ما جئت له،فلمّا ودّعت و نهضت رمى إليّ بالخاتم فقال:

أردت فضة فأعطيناك خاتما ربحت الفصّ و الكرا،هنّاك اللّه يا أبا هاشم.

فقلت:يا سيدي أشهد أنّك وليّ اللّه و إمامي الذي أدين اللّه بطاعته.

فقال:غفر اللّه لك يا أبا هاشم (5).

و عن محمّد بن القاسم أبو العيناء الهاشميّ مولى عبد الصمد بن عليّ عتاقة (6)

قال في مرآة العقول:قال السيد المرتضى-رضى الله عنه-:أبو العيناء محمد بن القاسم اليماني كان من أحضر الناس جوابا و أجودهم بديهة،و أملحهم نادرة،قال:لما دخلت على المتوكل دعوت له و كلمته فاستحسن خطابي،و قال لي:يا محمد بلغني أن فيك شرا.

فقلت:يا أمير المؤمنين إن يكن الشر ذكر المحسن بإحسانه و المسيء بإسائته،فقد زكى الله تعالى و ذم، فقال في التزكية:(نعم العبد إنه أواب)(ص:30).و قال في الذم:(هماز مشاء بنميم،مناع للخير معتد أثيم،عتل بعد ذلك زنيم)(القلم:11)فذمه الله تعالى حين قذفه،و إن كان الشر كفعل العقرب تلسع النبي و الذمى بطبع لا يتميز،فقد صان الله عبدك من ذلك.

و قال أبو العيناء:قال لي المتوكل:كيف ترى دارى هذه؟

فقلت:رأيت الناس بنوا دارهم في الدنيا،و أمير المؤمنين جعل الدنيا في داره،ثم ذكر رحمه الله كثيرا من مستحسنات جواباته. و عبد الصمد هو ابن علي بن عبد الله بن العباس و كان أعتق أبا العيناء فكان مولاه،و إنما وصفه بالهاشمي لأنّه كان من مواليهم(و عتاقة)كأنه تميز،أن كان ولايته من جهة العتق،إذ للمولى معان شتى،و في القاموس:عتق يعتق عتقا و عتاقا و عتاقة بفتحهما خرج من الرق و هو مولى عتاقة،انتهى(الغرر و الدرر:- 299/1-300،و مراة العقول:164/6).

قال:كنت.

1) الكافي:511/1 ح 19 و إثبات الهداة:405/3 ح 23،و البحار:284/50-285،و مناقب آل أبي طالب:433/4.

2) هم الذين يقولون بأن للعالم إلهين أحدهما النور و الخيرات كلها منسوبة إليه،و الثاني الظلمة ضده،و الشرور جميعها منسوبة إليها،و قد مرّ ما دل على فساد مذهبهم في كتاب التوحيد.

3) و الموكب بفتح الميم و كسر الكاف جماعة فرسان يسيرون برفق و أيضا القوم الركوب للزينة.

4) الكافي:511/1 ح 20،و إثبات الهداة:405/3 ح 24،و الخرائج:445/1 ح 28.

5) إعلام الورى:ص 356،و المناقب لابن شهر آشوب:ج 4 ص 437،و الكافي:/5121ح 21.

6) قال الجوهري:العتاق بالفتح و العتاقة:الحرية.

أدخل على أبي محمّد عليه السّلام فأعطش و أنا عنده فأجلّه أن أدعو بالماء فيقول:يا غلام إسقه.

و ربّما حدّثت نفسي بالنهوض فأفكّر في ذلك فيقول:يا غلام دابّته (1).

و عن عليّ بن محمّد،عن بعض أصحابنا قال:كتب محمّد بن حجر إلى أبي محمّد عليه السّلام يشكو عبد العزيز بن دلف و يزيد بن عبد اللّه،فكتب إليه:أمّا عبد العزيز فقد كفيته،و أمّا يزيد فإنّ لك و له مقاما بين يدي اللّه.

فمات عبد العزيز و قتل يزيد محمّد بن حجر (2).

و عن أحمد بن إسحاق قال:دخلت على أبي محمّد عليه السّلام فسألته أن يكتب لأنظر إلى خطّه فأعرفه إذا ورد.

فقال:نعم،ثمّ قال:يا أحمد إنّ الخطّ سيختلف عليك من بين القلم الغليظ إلى القلم الدّقيق فلا تشكّنّ.

ثمّ دعا بالدّواة فكتب و جعل يستمدّ إلى مجرى الدّواة فقلت في نفسي و هو يكتب:أستوهبه القلم الذي كتب به.فلمّا فرغ من الكتابة أقبل يحدّثني و هو يمسح القلم بمنديل الدّواة ساعة،ثمّ قال:هاك يا أحمد فناولنيه (3).

و عن محمّد بن صالح الخثعمي قال:كتبت إلى أبي محمّد أسأله عن البطيخ و كنت به مشغوفا فكتب إليّ لا تأكله على الريق فإنّه يولد الفالج و كنت أريد أن أسأله عن صاحب الزنج (4)

و حدّثني من أثق به من العلويّين أنّه لقط من الأهواز درهما عريضا ثقيلا منقوش عليه السلطان ابن السلطان ابن السلطان السلطان العادل عماد الدّين خان فقال:فحفظته إلى أن اتّصلت بصحبة سلطان البصرة لأجل الطبّ و هو علي باشا فحكيت له يوما صفة ذلك الدرهم و أنّه موجود عندي فقال لي:إن كان نقشه ما ذكرت فهو ذهب مموّه بالفضّة فأرسل من يأتي به،فلمّا حضر و رآه أمر الصايغ أن يذيبه فلمّا أذابه كان كما قال: من أنّ داخله ذهب و خارجه فضّة فسألته فقال:إنّ سلطانا كان في زمن عماد الدّين خان يغشّ الدراهم بالصفر فأمر عماد الدين خان أن يجعل في دراهمه موضع الصفر ذهبا و جرت دراهمه في أعصاره على ذلك الحال و هذا الدرهم منها.

الذي خرجا.

1) الكافي:512/1 ح 22،و بحار الأنوار:272/50.

2) الكافي:513/1 ح 25 و عنه إثبات الهداة:406/3 ح 28.و أخرجه في البحار:286/50 عن مناقب آل أبي طالب:433/4.

3) الكافي:513/1 ح 27،و بحار الأنوار:276/50 ح 60.

4) قال السيد الجزائري في الرياض:صاحب الزنج هو الذي أشار إلى خروجه مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام في ملاحمه المذكورة في نهج البلاغة و خروجه كان في زمن دولة بني العبّاس خرج عليهم في شرقي البصرة و بنى بها القلاع و بقي يحاربهم عشرين سنة و استولى على البصرة و الأهواز و نواحيها و خرّب البلدان و بالغ في إراقة الدماء و أوّل من بايعه العبيد الزنوج و ملّكهم نساء مواليهم و جعل مواليهم عبيدهم و كان خراب الأهواز منه لأنّهم لم يرجعوا بعدما هربوا و بقيت أموالهم و ما كان يعزّ عليهم و إلى الآن أهل تلك النواحي إذا وردوا الأهواز خصوصا وقت المطر يلقون منها الذهب و الفضّة و الصفر و نحو ذلك لأنّها خرّبت فجأة على أهلها و لم يتمكّنوا من نقل أموالهم،نعم تمكّنوا من دفنها و بقيت تحت الأرض إلى يومنا هذا و الناس يظنّون أنّ خراب الأهواز من العقارب الجرّارة التي تحصل من ثفل قصب السكّر و هو غلط.

بالبصرة فنسيت حتّى نفذ كتابي إليه فوقع صاحب الزنج ليس من أهل البيت (1).

و عن محمّد الأنصاري قال:دخلت على سيّدي أبي محمّد فنظرت إلى ثياب بياض ناعمة عليه فقلت في نفسي:وليّ اللّه و حجّته يلبس الناعم من الثياب و يأمرنا نحن بمواساة الإخوان و ينهانا عن لبس مثله.

فقال عليه السّلام متبسّما و حسر عن ذراعيه فإذا مسح أسود خشن على جلده فقال:هذا للّه و هذا لكم (2).

و في الخرائج قال أبو هاشم:قلت في نفسي:أشتهي أن أعلم ما يقول أبو محمّد في القرآن أهو مخلوق؟

فأقبل عليّ فقال عليه السّلام:أما بلغك ما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام لمّا نزلت: قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ (3)خلق لها أربعة آلاف جناح فما كانت تمرّ بملأ من الملائكة إلاّ خشعوا لها و قال هذه نسبة الربّ تبارك و تعالى (4).

و قال أبو هاشم:سأله الفهفكي:ما بال المرأة المسكينة الضعيفة تأخذ سهما واحدا و يأخذ الرجل سهمين؟

قال:لأنّ المرأة ليس لها جهاد و لا نفقة و لا عليها معقلة إنّما ذلك على الرجال،فقلت في نفسي:قد كان قيل لي إنّ ابن أبي العوجاء سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن هذه المسألة فأجابه بمثل هذا الجواب.

فأقبل عليّ فقال:نعم هذه مسألة ابن أبي العوجاء و الجواب منّا واحد إذا كان معنى المسألة9.


1) مناقب آل أبي طالب:428/4 و عنه البحار:293/50 ذ ح 66 و ج 197/66 ح 17 و عن كشف الغمة:/2 424.

2) وسائل الشيعة:21/5،و بحار الأنوار:336/25.

3) سورة الإخلاص،الآية:1.

4) الخرائج و الجرائح:676/2 ح 6،و بحار الأنوار:254/50 ح 9.

واحدا جرى لآخرنا ما جرى لأوّلنا و أوّلنا و آخرنا في العلم و الأمر سواء و لرسول اللّه و أمير المؤمنين فضلهما (1).

قال أبو هاشم:سمعته يقول:إنّ في الجنّة بابا يقال له المعروف لا يدخله إلاّ أهل المعروف فحمدت اللّه في نفسي و فرحت بما أتكلّف من حوائج الناس فنظر إليّ و قال:نعم فدم على ما أنت عليه فإنّ أهل المعروف في الدّنيا أهل المعروف في الآخرة جعلك منهم يا أبا هاشم و رحمك (2).

و روى أبو هاشم أنّه ركب أبو محمّد عليه السّلام يوما إلى الصحراء و ركبت معه فبينما هو يسير قدّامي و أنا خلفه إذ عرض لي فكر في دين كان عليّ قد حان أجله فجعلت أفكّر في أيّ وجه قضاؤه فالتفت إليّ و قال:اللّه يقضيه ثمّ انحنى على قربوس سرجه فخطّ بسوطه خطّة في الأرض فقال:يا أبا هاشم إنزل فخذ و اكتم.

فنزلت و إذا سبيكة ذهب فوضعتها في خفّي و سرنا فعرض لي الفكر فقلت:إن كان فيها تمام الدين و إلاّ فإنّي أرضي صاحبه بها و نحبّ أن ننظر في وجه نفقة الشتاء و ما نحتاج إليه فيه من كسوة و غيرها فالتفت إليّ ثمّ انحنى ثانية فخطّ بسوطه مثل الاولى ثمّ قال:إنزل و خذ و اكتم.

قال:فنزلت فإذا سبيكة من ذهب فجعلتها في الخفّ الآخر فوصلت إلى منزلي فخرجت سبيكة الدين بقسط الدين ما زادت و لا نقصت و كذلك سبيكة نفقة الشتاء.

و في لفظ:ثم نظرت ما نحتاج إليه لشتوتي من كل وجه،فعرفت مبلغه الذي لم يكن بد منه، على الإقتصاد بلا تقتير و لا إسراف،ثم وزنت سبيكة الفضة،فخرجت على ما قدرته ما زادت و لا نقصت (3).

و عن أبي إبراهيم قال:كتب إليه بعض مواليه يسأله أن يعلّمه دعاء،فكتب إليه أن ادع بهذا الدعاء:يا أسمع السامعين و يا أبصر المبصرين و يا عزّ الناظرين و يا أسرع الحاسبين و يا أرحم الراحمين و يا أحكم الحاكمين صلّ على محمّد و آل محمّد و أوسع لي في زرقي و مدّ لي في عمري و امنن عليّ برحمتك و اجعلني ممّن تنتصر به لدينك و لا تستبدل بي غيري.

قال أبو هاشم:فقلت في نفسي:اللّهم اجعلني في حزبك و في زمرتك،فأقبل عليّ أبو محمّد عليه السّلام فقال:أنت في حزبه و في زمرته إذ كنت باللّه مؤمنا و لرسوله مصدّقا و لأوليائه عارفا و لهم تابعا فأبشر ثمّ أبشر (4).1.


1) إعلام الورى:ص 355،و المناقب لابن شهر آشوب:ج 4 ص 437،و الكافي:85/7 ح 2 و كشف الغمة:420/2-421 و الخرائج:685/2 ح 5،و في البحار:255/50 ح 11.

2) إعلام الورى:ص 356،و المناقب لابن شهر آشوب:ج 4 ص 432،و البحار:ج 50 ص 258 ح 16.

3) الخرائج و الجرائح:ج 1 ص 421،و عنه البحار:ج 50 ص 259 ح 20،و الثاقب في المناقب:217 ح 20.

4) إعلام الورى:355،و أخرجه في البحار:298/50 و ج 359/95 ح 14 عن كشف الغمة:421.

و منها ما كتبه الحسن بن طريف يسأله ما معنى قول النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعلي عليه السّلام:من كنت مولاه فعلي مولاه؟

قال عليه السّلام:أراد بذلك أن يجعله علما يعرف به حزب اللّه عند الفرقة.

قال:و كتبت إليه أسأله و قد تركت التمتع ثلاثين سنة و قد نشأت لذلك،و كان في الحي إمرأة وصفت لي بالجمال،فمال قلبي إليها،و كانت لا تمنع يد لامس فكرهتها ثم قلت:قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم تمتع بالفاجرة فكأنها تخرجها من حرام إلى حلال.

فكتب إلي:إنما تحيي سنة و تميت بدعة،فلا بأس،و إياك و جارتك المعروفة بالعهر،فإن حدثتك نفسك أن آبائي عليهم السّلام قالوا:تمتع بالفاجرة فإنك تخرجها من حرام إلى حلال،فهذه امرأة معروفة بالهتك و هي جارة،و أخاف عليك استفاضة الخبر فيها،فتركتها و لم أتمتع بها و تمتع بها شاذان بن مسعود رجل من إخواننا،فاشتهر بها حتى انتهى أمره إلى السلطان،و غرم بسببها مالا جزيلا،و أعاذني اللّه تعالى من ذلك كله ببركة سيدي (1).

و روي أنه لما مات أبوه علي بن محمد الهادي عليه السّلام،خرج إلى جنازة أبيه عليه السّلام مشقوق الجيب،فكتب إليه ابن عوف و قرابة بن نجاح بن سلمة:أرأيت أو بلغك أن أحدا من الأئمة عليهم السّلام شق ثوبه مثل هذا؟

فكتب إليه:يا أحمق ما يدريك ما هذا قد شق موسى عليه السّلام على هارون عليه السّلام (2).

و كتب إليه داود بن هاشم الجعفري يسأله عن قول اللّه عزّ و جلّ: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللّهِ (3)فقال:كلهم من آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الظالم لنفسه منا الذي لا يعرف حق الإمام،و المقتصد منا العارف بحق الإمام، و السابق بالخيرات هو الإمام عليه السّلام.

قال:فدمعت عيني و جعلت أفكر في نفسي في عظم ما أعطى اللّه آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فنظر إلي و قال:الأمر أعظم ممّا حدثتك به نفسك من عظم شأن آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فاحمد اللّه أن جعلك متمسكا بحبلهم تدعى يوم القيامة بهم إذا دعي كل أناس بإمامهم،إنك على خير (4).

و عن جعفر بن الشريف الجرجاني قال:حججت سنة،فدخلت على أبي محمد عليه السّلام بسر من رأى،و قد كان أصحابنا حملوا معي شيئا من المال،فأردت أن أسأله إلى من أدفعه؟

فقال قبل أن قلت له ذلك:إدفع ما معك إلى المبارك خادمي.9.


1) وفيات الأئمة:409.

2) وفيات الأئمة:409.

3) سورة فاطر،الآية:32.

4) وفيات الأئمة:409.

قال:ففعلت و خرجت و قلت:إن شيعتك بجرجان يقرأون عليك السلام.

قال:(أو لست منصرفا بعد فراغك من الحج؟)قلت:بلى.

قال:(فإنك تصير إلى جرجان من يومك هذا إلى مائة و سبعين يوما،و تدخلها يوم الجمعة لثلاث ليال مضين من شهر ربيع الآخر في أول النهار،فاعلمهم أني اوافيهم في ذلك اليوم آخر النهار،فامض راشدا،فإن اللّه سيسلمك و يسلم ما معك،فتقدم على أهلك و ولدك،و يولد لولدك الشريف إبن،فسمه الصلت بن الشريف بن جعفر بن الشريف،و سيبلغ اللّه به،و يكون من أوليائنا).

فقلت:يابن رسول اللّه إن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني-و هو من شيعتك-كثير المعروف إلى أوليائك،يخرج إليهم في السنة من ماله أكثر من مائة ألف درهم،و هو أحد المتقلبين في نعم اللّه بجرجان.

فقال:(شكر اللّه لابي إسحاق إبراهيم بن إسماعيل صنيعته إلى شيعتنا و غفر له ذنوبه،و رزقه ذكرا سويا قائلا بالحق،فقل له:يقول لك الحسن بن علي عليه السّلام سم إبنك أحمدا)،فانصرفت من عنده و حججت و سلمنى اللّه تعالى حتى وافيت جرجان في يوم الجمعة في أول النهار من شهر ربيع الآخر على ما ذكره عليه السّلام،و جاءني أصحابنا يهنئونى،فأعلمتهم إن الإمام وعدني أن يوافيكم في آخر هذا اليوم،فتأهبوا لما تحتاجون إليه،و أعدوا مسائلكم و حوائجكم كلها،فلما صلوا الظهر و العصر إجتمعوا كلهم في داري،فوالله ما شعرنا إلا و قد وافانا أبو محمد عليه السّلام،فدخل إلينا و نحن مجتمعون،فسلم هو أولا علينا،فاستقبلناه و قبلنا يده.ثم قال:(إني كنت وعدت جعفر بن الشريف أن أوافيكم في آخر هذا اليوم،فصليت الظهر و العصر بسر من رأى و سرت إليكم لاجدد بكم عهدا، و ها أنا قد جئتكم الآن،فاجمعوا مسائلكم و حوائجكم كلها).فأول من انتدب لمسالته النضر بن جابر،قال:يابن رسول اللّه إن إبني جابر أصيب ببصره منذ أشهر،فادع اللّه له أن يرد عليه عينيه، قال:(فهاته)(فحضر)فمسح بيده على عينيه فعاد بصيرا،ثم تقدم رجل فرجل يسألونه حوائجهم و أجابهم إلى كل ما سألوه حتى قضى حوائج الجميع و دعا لهم بخير،و انصرف من يومه ذلك (1).

و عن عيسى بن مهدي الجوهري قال:خرجت أنا و الحسين بن غياث،و الحسن بن مسعود و الحسين بن إبراهيم و أحمد بن حسان،و طالب بن إبراهيم بن حاتم،و الحسن بن محمد بن سعيد، و محمد بن أحمد بن الخضيب من جنبلاء (2)إلى سر من رأى في سنة سبع و خمسين و مائتين،فعدنا من المدائن إلى كربلاء،فزرنا أبا عبد اللّه عليه السّلام في ليلة النصف من شعبان،فتلقانا إخواننا المجاورين لسيدنا أبي الحسن و أبي محمد عليهما السّلام بسر من رأى،و كنا خرجنا للتهنئة بمولد المهدي عليه السّلام،فبشرناة.


1) الخرائج:424/1 ح 4،الثاقب في المناقب:214 ح 18.و أخرجه في كشف الغمة:427/2-428 و البحار:262/50 ح 22 و إثبات الهداة:418/3 ح 64.

2) الجنبلاء:بضمتين و ثانيه ساكن،كورة و بليدة،و هو منزل بين واسط و الكوفة.

إخواننا بأن المولود كان قبل طلوع الفجر يوم الجمعة،فقضينا زيارتنا و دخلنا بغداد،فزرنا أبا الحسن موسى و أبا جعفر الجواد محمد بن علي عليهم السّلام،و صعدنا إلى سر من رأى.

فلما دخلنا على سيدنا أبي محمد الحسن عليه السّلام بدانا بالتهنئة قبل أن نبدأه بالسلام،فجهرنا بالبكاء بين يديه و نحن نيف و سبعون رجلا من أهل السواد،فقال:(إن البكاء من السرور من نعم اللّه مثل الشكر لها،فطيبوا نفسا و قرّوا عينا،فو الله إنكم لعلى دين اللّه الذي جاءت به الملائكة و الكتب،و إنكم كما قال جدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إياكم أن تزهدوا في فقراء الشيعة،فإن لفقيرهم المحسن المتقي عند اللّه يوم القيامة شفاعة يدخل فيها مثل ربيعة و مضر،فإذا كان هذا من فضل اللّه عليكم و علينا فيكم فأي شيء بقي لكم).

فقلنا بأجمعنا:الحمد للّه و الشكر لكم يا ساداتنا،فبكم بلغنا هذه المنزلة فقال:«بلغتموها باللّه و بطاعتكم له و اجتهادكم في عبادته و موالاتكم أوليائه و معاداتكم أعدائه».

فقال عيسى بن مهدى الجوهري:فأردنا الكلام و المسألة،فقال لنا قبل السؤال:«فيكم من أضمر مسألتي عن ولدي المهدي عليه السّلام و أين هو و قد استودعته للّه كما استودعت أم موسى عليه السّلام إبنها، حيث قذفته في التابوت فالقته في اليم إلى أن رده اللّه إليها»،فقالت طائفة منا:أي و اللّه يا سيدنا لقد كانت هذه المسالة في أنفسنا،قال عليه السّلام:(و فيكم من أضمر مسألتي عن الاختلاف بينكم و بين أعداء اللّه و أعدائنا من أهل القبلة و الإسلام،فإني منبئكم بذلك فافهموه)،فقالت طائفة أخرى:و اللّه يا سيدنا لقد أضمرنا ذلك.

فقال:(إن اللّه عزّ و جلّ أوحى إلى جدى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إني خصصتك و عليا و حججى منه إلى يوم القيامة و شيعتكم بعشر خصال:صلاة إحدى و خمسين،و تعفير الجبين،و التختم باليمين، و الأذان و الإقامة مثنى مثنى،و حي على خير العمل،و الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم في السورتين، و القنوت في ثاني كل ركعتين،و صلاة العصر و الشمس بيضاء نقية،و صلاة الفجر مغلسة،و خضاب الرأس و اللحية بالوسمة.فخلفنا من أخذ حقنا و حزبه الضالون،فجعلوا صلاة التراويح في شهر رمضان عوضا من صلاة الخمسين في كل يوم و ليلة،و كتف أيديهم على صدورهم في الصلاة عوضا من تعفير الجبين،و التختم باليسار عوضا عن التختم باليمين،و الإقامة فرادى خلافا على مثنى، و الصلاة خير من النوم خلافا على حي على خير العمل،و الإخفات في بسم اللّه الرحمن الرحيم في السورتين خلافا على الجهر،و آمين بعد و لا الضالين عوضا عن القنوت،و صلاة العصر و الشمس صفراء كشحم البقر الأصفر خلافا على بيضاء نقية،و صلاة الفجر عند تماحق النجوم خلافا على صلاتها مغلسة،و هجر الخضاب و النهي عنه خلافا على الأمر به و استعماله)،فقال أكثرنا:فرجت همنا يا سيدنا قال عليه السّلام:(نعم،و في أنفسكم ما لم تسألوا عنه و أنا انبئكم عنه:و هو التكبير على الميت،كيف يكون كبرنا خمسا و كبر غيرنا أربعا؟)

فقلنا:نعم يا سيدنا هذا مما أردنا أن نسال عنه.

فقال عليه السّلام:(أول من صلّي عليه من المسلمين عمنا حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه و أسد رسوله،فإنه قتل،قلق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حزن و عدم صبره و عزأوه على عمه حمزة،فقال-و كان قوله حقا-:لا قتلن بكل شعرة من عمي حمزة سبعين رجلا من مشركي قريش،فأوحى اللّه إليه وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ(*) وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلاّ بِاللّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ (1)،و إنما أحب اللّه جل اسمه أن يجعل ذلك سنة في المسلمين،لأنه لو قتل بكل شعرة من عمه حمزة سبعين رجلا من المشركين ما كان في قتله حرج، و أراد دفنه و أحب أن يلقى اللّه مضرجا بدمائه،و كان قد أمر اللّه أن تغسل موتى المومنين و المسلمين،فدفنه بثيابه،فكان سنة في المسلمين أن لا يغسل شهيدهم،و أمره اللّه أن يكبر عليه خمسا و سبعين تكبيرة و يستغفر له ما بين كل تكبرتين منها،فأوحى اللّه إليه إني قد فضلت حمزة بسبعين تكبيرة لعظمه عندي و بكرامته علي،و لك يا محمد فضل على المسلمين و كبر خمس تكبيرات على كل مؤمن و مؤمنة،فإني أفرض عليك و على أمتك خمس صلوات في كل يوم و ليلة و الخمس تكبيرات عن خمس صلوات الميت في يومه و ليلته ازوده ثوابها و أثبت له أجرها)فقام رجل منا و قال:يا سيدنا فمن صلى الأربعة؟

فقال:(ما كبرها تيمي و لا عدوي و لا ثالثهما من بنى أمية و لا ابن هند-لعنهم اللّه-،و أول من كبرها و سنها فيهم طريد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإن طريده مروان بن الحكم،لأن معاوية وصى إبنه يزيد- لعنهم اللّه-بأشياء كثيرة،منها أن قال له:إني خائف عليك يا يزيد من أربعة:عمر بن عثمان و مروان بن الحكم و عبد اللّه بن الزبير و الحسين بن علي عليه السّلام،و يلك يا يزيد منه.

فأما مروان فإذا مت و جهزتموني و وضعتموني على نعشي للصلاة،فسيقولون لك تقدم فصل على أبيك،فقل:ما كنت لأعصي أمره أمرني أن لا يصلي عليه إلا شيخ بني أمية و هو عمي مروان بن الحكم،فقدمه و تقدم إلى ثقاة موالينا يحملوا سلاحا مجردا تحت أثوابهم،فإذا تقدم للصلاة و كبر أربع تكبيرات و اشتغل بدعاء الخامسة فقبل أن يسلم فيقتلوه،فإنك تراح منه و هو أعظمهم عليك، فنم الخبر إلى مروان فأسرها في نفسه،و توفي معاوية و حمل إلى سريره جعل للصلاة.

فقالوا ليزيد:تقدم،فقال لهم:ما وصاه أبوه معاوية،فقدموا مروان،فكبر أربعا و خرج عن الصلاة قبل الدعاء الخامسة،فاشتغل الناس إلى أن كبروا الخامسة و أفلت مروان بن الحكم لعنه اللّه،و سنّوا و بقي أن التكبير على الميت أربع تكبيرات لئلا يكون مروان مبدعا،فقال قائل منّا:يا سيدنا فهل يجوز لنا أن نكبر أربعا تقية؟7.


1) سورة النحل،الآية:126-127.

فقال عليه السّلام:(هي خمس لا تقية فيها:و إنا لا نتقى في التكبير خمسا على الميت و التعقيب في دبر كل صلاة و تربيع القبور و ترك المسح على الخفين و شرب المسكر).

فقام ابن الخليل القيسي فقال:يا سيدنا الصلوات الخمس أوقاتها سنة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو منزلة في كتاب اللّه تعالى؟

فقال عليه السّلام:(يرحمك اللّه ما استن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلا ما أمره اللّه به،فأما أوقات الصلاة فهي عندنا أهل البيت كما فرض اللّه على رسوله،و هي إحدى و خمسون ركعة في ستة أوقات أبينها لكم في كتاب اللّه عزّ و جلّ في قوله: وَ أَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ، و طرفاه صلاة الفجر و صلاة العصر،و الزلف من الليل ما بين العشائين،و قوله عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَ حِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ (1)بين صلاة الفجر و حد صلاة الظهر و بين صلاة العشاء الآخرة،لأنه لا يضع ثيابه للنوم إلا بعدها-إلى أن قال-ثم قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ (2)فأكد بيان الوقت و صلاة العشاء من أنها في غسق الليل و هي سواده، فهذه أوقات الصلوات الخمس،ثم أمر بصلاة الوقت السادس و هو صلاة الليل،فقال عزّ و جلّ:

يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ() قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً() نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً(*) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (3)،و بين النصف في الزيادة فقال عزّ و جلّ: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ (4)إلى آخر الآية، فأنزل تبارك و تعالى فرض الوقت السادس مثل الأوقات الخمسة،و لو لا ثمان ركعات من صلاة الليل لما تمت إحدى و خمسون ركعة،فضججنا بين يديه عليه السّلام بالشكر و الحمد على ما هدانا إليه، فقال عليه السّلام:(زيدوا في الشكر تزدادوا في النعم).

قال الحسين بن حمدان:لقيت هولاء النيف و السبعين رجلا و سألتهم عما حدثني به عيسى بن مهدي الجوهرى،فحدثوني به جميعا،و لقيت بالعسكر مولى لأبي جعفر الثاني عليه السّلام،و لقيت الريان مولى الرضا عليه السّلام و كل يروي ماروته الرجال (5).

و عن أبي عبد اللّه بن عياش قال:و حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال:حدثنا عبد اللّه بن جعفر قال:حدثنا أبو هاشم قال:كنت عند أبي محمد عليه السّلام فقال:إذا خرج القائم أمر بهدم المنار (6)و المقاصير التي في المساجد،فقلت في نفسي:لأي معنى هذا؟ر.


1) سورة النور،الآية:55.

2) سورة الإسراء،الآية:78.

3) سورة المزمل،الآية:1-4.

4) سورة المزمل،الآية:20.

5) مدينة المعاجز،السيد هاشم البحراني:673/7-677.

6) في المصدر و البحار:المنائر.

قال:فأقبل علي و قال:معنى هذا أنها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي و لا حجة (1).

و عن العباس بن محمد بن أبي الخطاب قال:خرج بعض بني البقاح إلى سر من رأى في رفقة يلتمسون الدلالة،فلما بلغوا بين الحائطين سألوا الإذن فلم يؤذن لهم،فأقاموا إلى يوم الخميس، فركب أبو محمد عليه السّلام،فقال أحد القوم لصاحبه:إن كان إماما فإنه يرفع القلنسوة عن رأسه،قال:

فرفعها بيده ثم وضعها،و كانت سنة.فقال بعض بني البقاح:بينه و بين صاحب له يناجيه:لئن رفعها ثانية لأنظر إلى رأسه هل عليه الاكليل الذي كنت أراه على رأس أبيه الماضي عليه السّلام مستديرا كدارة القمر،قال:فرفعها أبو محمد عليه السّلام ثانية و صاح إلى الرجل القائل ذلك:هلم فانظر،فهل بعد الحق إلا الضلال،فأنى تصرفون.فتيقنوا بالدلالة و انصرفوا غير مرتابين بحمد الله و منّه (2).

و عن أبي الحسين محمد هارون بن موسى بن أحمد قال:حدثنا أبي-رضي اللّه عنه-قال:حدثنا محمد بن همام قال:حدثنى جعفر بن محمد قال:حدثني محمد بن جعفر قال:حدثني أبو نعيم قال:وجهت المفوضة (3)كامل بن إبراهيم المزني إلى أبي محمد الحسن بن علي عليه السّلام يباحثون أمره.

قال كامل بن إبراهيم:فقلت في نفسي:أسأله لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي و قال بمقالتي،فلما دخلت على سيدي أبي محمد عليه السّلام نظرت إلى ثياب بيضاء ناعمة عليه.

فقلت في نفسي:ولي اللّه و حجته يلبس الناعم من الثياب و يأمرنا نحن بمواساة الإخوان و ينهانا عن لبس مثله.

فقال عليه السّلام متبسّما:يا كامل بن إبراهيم-و حسر عن ذراعيه فإذا مسح أسود خشن-فقال:(يا كامل هذا للّه عز و جل و هذا لكم)،فخجلت (4).

و عن محمد بن عبد العزيز البلخي قال:أصبحت يوما فجلست في شارع الغنم،فإذا بأبي محمد عليه السّلام قد أقبل من منزله يريد دار العامة،فقلت في نفسي:إن صحت يا أيها الناس هذا حجة اللّه عليكم فاعرفوه يقتلوني؟فلما دنا مني أومأ إلى بأصبعه السبابة علي فيه أن اسكت!،و رأيته تلك الليلة يقول:(إنما هو الكتمان أو القتل،فاتق اللّه على نفسك) (5).

و قال أبو هاشم:سمعت أبا محمد عليه السّلام يقول:(إن اللّه ليعفو يوم القيامة عفوا لا يخطر على3.


1) إعلام الورى:355 و عنه إثبات الهداة:412/3 ح 48 و عن غيبة الطوسي:206 ح 175 و الخرائج:/1 453 ح 39-باختلاف يسير-و كشف الغمة:418/2.

2) دلائل الإمامة:227.

3) هم قوم زعموا أن الله تعالى فوض خلق العالم و تدبيره لرسوله و على و الأئمة عليهم السّلام،فخلقوا هم الأرضين و السماوات.(الفرق بين الفرق).

4) دلائل الإمامة:273.و رواه في إثبات الوصية:222.

5) الخرائج:447/1 ح 32 و عنه إثبات الهداة:421/3 ح 73.

بال العباد،حتى يقول أهل الشرك(و اللّه ربنا ما كنا مشركين)،فذكرت في نفسي حديثا حدثني به رجل من أصحابنا من أهل مكة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قرأ(إن اللّه يغفر الذنوب جميعا)،فقال الرجل:

و من أشرك؟فانكرت ذلك و تنمرت الرجل،و أنا أقول في نفسي،إذ أقبل علي فقال: إِنَّ اللّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ بئسما قال ذلك الرجل و بئسما روى) (1).

و قال أبو هاشم:سال محمد بن صالح الأرمني أبا محمد عليه السّلام عن قوله تعالى: (لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَ مِنْ بَعْدُ) فقال عليه السّلام:(له الأمر من قبل أن يأمر به و له الأمر من بعد أن يأمر به بما يشاء)، فقلت في نفسي:هذا قول اللّه: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ، فأقبل علي فقال:

(هو كما أسررت في نفسك)(ألا له الخلق و الأمر تبارك اللّه رب العالمين)قلت:أشهد أنك حجة اللّه و ابن حجته في خلقه (2).

و روى الراوندي:قال:قال أبو هاشم:سأله محمد بن صالح الأرمني عن قوله تعالى يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (3)فقال:هل يمحو إلا ما كان؟و هل يثبت إلا ما لم يكن؟

فقلت في نفسي:هذا خلاف قول هشام بن الحكم:إنه لا يعلم بالشيء حتى يكون،فنظر إلي فقال:(تعالى الجبار الحاكم العالم بالأشياء قبل كونها).

قلت:أشهد أنك حجة اللّه و وليه بقسط،و أنك على منهاج أمير المؤمنين عليه السّلام (4).

و روى الراوندي:قال:قال أبو هاشم:دخل الحجاج بن سفيان العبدي على أبي محمد عليه السّلام فسأله عن المبايعة،فقال له:ربما بايعت الناس فواضعتهم المواضعة (5)إلى الأصل.

قال:لا باس،الدينار بالدينارين،إن منها خرزة (6).

فقلت في نفسي:هذا شبه ما يفعله المربيون،فالتفت إلي فقال:(إنما الربا الحرام ما قصد به إلى (7)الحرام،فإذا جاوز حدود الربا و زوي عنه فلا باس،الدينار بالدينارين يدا بيد،و يكره أن لا يكون بينهما شيء يوقع عليه البيع) (8).2.


1) الصراط المستقيم:209/2 ح 28.

2) البحار:257/50 ح 13 و عن مناقب آل أبي طالب:436/4.

3) سورة الرعد،الآية:39.

4) الثاقب في المناقب:566 ح 7،الخرائج:687/2 ح 10 و عنه البحار:257/50 ح 14،و في البحار: 90/4 ح 33 عنه و عن كشف الغمة:419/2،و في إثبات الهداة:416/3 ح 57 عنهما و عن غيبة الطوسي:430 ح 421.

5) في بعص المصادر:فتواضعهم المعاملة،و في البحار:فتواضعتهم.

6) و في البحار:معها،و الخرز:فصوص من الحجارة،واحدتها خرزة.

7) و في البحار:إنما الحرام ما قصدته،فإذا جاوزت حدود الربا و زويت.

8) الخرائج:689/2 ح 13 و عنه إثبات الهداة:423/3 ح 84 و البحار:258/50 ح 17 و ج 121/103 ح 32.

ثاقب المناقب:عن أبي هاشم قال:كنت عنده فسأله محمد بن صالح الأرمني عن قول اللّه تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (1)الآية قال:(ثبتوا المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه،و لو لا ذلك لم يدر أحد من خالقه و من رازقة)،قال أبو هاشم:فجعلت أتعجب في نفسي من عظيم ما أعطى اللّه وليه من جزيل ما حمله،فاقبل أبو محمد عليه السّلام علي و قال:(الأمر أعجب مما عجبت منه يا أبا هاشم و أعظم،ما ظنك بقوم من عرفهم عرف اللّه و من أنكرهم أنكر اللّه،و لا يكون مؤمن حتى يكون بولايتهم مصدقا و بمعرفتهم موقنا) (2).

ثاقب المناقب:عن يحيى بن المرزبان قال:التقيت مع رجل فاخبرني أنه كان له ابن عم ينازعه في الإمامة و القول في أبي محمد عليه السّلام و غيره،فقلت:لا أقول به إلا إذا رأيت منه علامة، فوردت العسكر في حاجة،فاقبل أبو محمد عليه السّلام فقلت في نفسي متعنتا:إن مد يده إلى رأسه و كشفه ثم نظر إلي و رده قلت به فلما حاذاني مد يده إلى رأسه و القلنسوة فكشفها،ثم برق عينيه في ثم ردها و قال:(يا يحيى ما فعل ابن عمك الذي ينازعك في الإمامة؟)

فقلت:خلفته صالحا.

فقال:لا تنازعه ثم مضى (3).

ثاقب المناقب:عن ابن الفرات قال:كان لي على ابن عم لي عشرة آلاف درهم،فكتبت إلى أبي محمد عليه السّلام أشكو إليه و أسأله الدعاء،و قلت في نفسي:لا أبالي أن يذهب مالي بعد أن أهلكه اللّه تعالى قال:فكتب إلى:(إن يوسف عليه السّلام شكا إلى ربه السجن فأوحى اللّه إليه:أنت اخترت لنفسك ذلك حيث قلت: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ (4)و لو سألتني أن أعافيك لعافيتك،إن ابن عمك لراد عليك مالك،و هو ميت بعد جمعة).

قال:فرد علي ابن عمي مالي،فقلت:ما بدا لك في رده و قد منعتني إياه؟

قال:رأيت أبا محمد عليه السّلام في المنام فقال لي:(إن أجلك قد دنا،فرد على ابن عمك ماله) (5).

و في ثاقب المناقب:قال أبو القاسم بن إبراهيم بن محمد المعروف بابن الحربي قال:خرج6.


1) سورة الأعراف،الآية:172.

2) الثاقب في المناقب:567 ح 8،و أخرجه في البحار:260/5 ح 67 عن كشف الغمة:419/2-420، و رواه في إثبات الوصية:212.

3) كشف الغمة:428/2-429 و البحار:270/50 ح 35.

4) سورة يوسف،الآية:33.

5) الثاقب في المناقب:568 ح 12،و أخرجه في كشف الغمة:429/2 و الصراط المستقيم:207/2 ح 14 و البحار:270/50 ح 36.

أبي من المدينة فأردت قصده،و لم أعلم في أي طريق أخذ،فقلت:ليس إلا الحسن بن علي عليهما السّلام، فقصدته بسر من رأى و قد دنوت من بابه و هو مغلق،فقعدت إنتظارا لداخل أو خارج،فسمعت قرع الباب و كلام جارية من خلف الباب.

فقالت:يا بن إبراهيم بن محمد إن مولاي يقرئك السلام-و معها صرة فيها عشرون دينارا- و يقول:(هذه بلغتك إلى أبيك)فأخذت الصرة و قصدت الجبل،و ظفرت بابى بطبرستان،و كان بقي من الدنانير دينار واحد،فدفعته إليه و قلت:هذا ما أنفذه إليك مولاك،و ذكرت له القصة (1).

ابن شهر آشوب:عن إدريس بن زياد الكفر توثائي قال:كنت أقول فيهم قولا عظيما،فخرجت إلى العسكر للقاء أبي محمد عليه السّلام،فقدمت و علي أثر السفر و وعثاؤه،فالقيت نفسي على دكان حمام فذهب بى النوم،فما انتبهت إلا بمقرعة أبي محمد عليه السّلام قد قرعنى بها حتى استيقظت فعرفته عليه السّلام، فقمت قائما أقبّل قدمه و فخذه،و هو راكب و الغلمان من حوله،فكان أول ما تلقاني به أن قال:يا إدريس بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (2).

فقلت:حسبي يا مولاي و إنما جئت أسالك عن هذا،قال:فتركني و مضى (3).

و عن الفضل بن الحارث قال:كنت بسر من رأى وقت خروج سيدي أبي الحسن عليه السّلام،فرأينا أبا محمد عليه السّلام ماشيا قد شق ثيابه،فجعلت أتعجب من جلالته و ما هو له أهل و من شدة اللّون و الأدمة،و أشفق عليه من التعب!فلما كانت الليلة رأيته عليه السّلام في منامي،فقال عليه السّلام:(اللون الذي تعجبت منه إختيار من اللّه لخلقه يجريه كيف يشاء و إنها لعبرة لأولي الأبصار،لا يقع فيه غير المختبر،و لسنا كالناس فنتعب كما يتعبون،فنسأل اللّه الثبات و نتفكر في خلق اللّه،فإن فيه متسعا، و اعلم إن كلامنا في النوم مثل كلامنا في اليقظة) (4).

ابن شهر آشوب:عن محمد بن الربيع الشيباني قال:ناظرت رجلا من الثنوية،فقويت في نفسي حجته هذا و أنا بالأهواز،ثم قدمت سامراء،فحين رأيت أبا محمد عليه السّلام أومى بسبابته أحدا فوحده فخررت مغشيا علي (5).

و روى الشيخ أبو جعفر الطوسي في الغيبة:قال:أخبرني ابن أبي جيد،عن محمد بن الحسن بن الوليد،عن الصفار محمد بن الحسن القمي،عن أبي عبد اللّه المطهري،عن حكيمة بنت محمد بن علي الرضا عليه السّلام في حديث ميلاد القائم عليه السّلام قالت:فلما كان بعد ثلاث(من ميلاد القائم عليه السّلام)4.


1) الثاقب في المناقب:574 ح 6.

2) سورة الأنبياء،الآية:26-27.

3) مناقب آل أبي طالب:428/4 و عنه البحار:283/50-284.

4) مناقب آل أبي طالب:434/4،و أخرجه في البحار:300/50 ح 75 عن اختيار معرفة الرجال:574 ح 1087.

5) مناقب آل أبي طالب:429/4.

إشتقت إلى ولي اللّه،فصرت إليهم فبدأت بالحجرة التي كانت سوسن فيها فلم أر أثرا و لا سمعت ذكرا فكرهت أن أسال،فدخلت على أبي محمد عليه السّلام فاستحييت أن أبدأه بالسوال،فبدأني فقال:

(هو يا عمة في كنف اللّه و حرزه و ستره و غيبه حتى ياذن اللّه له،و إذا غيب اللّه شخصي و توفاني و رأيت شيعتي قد اختلفوا فأخبرني الثقاة منهم،و ليكن عندك و عندهم مكتوما،فإن ولي اللّه يغيبه اللّه عن خلقه و يحجبه عن عباده،فلا يراه أحد حتى يقدم له جبرئيل عليه السّلام فرسه لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً (1)(2).

و عن الحسين بن حمدان الحضيني في هدايته:بإسناده عن محمد بن ميمون الخراساني قال:

قدمت من خراسان أريد سر من رأى للقاء مولاي أبي محمد الحسن عليه السّلام،فصادفت بغلته-صلوات اللّه عليه-،و كانت الأخبار عندنا صحيحة أن الحجّة و الإمام من بعده سيدنا محمد المهدي-عليه أفضل الصلاة و السلام-فصرت إلى إخواننا المجاورين له،فقلت لهم:أريد الوصول إلى أبي محمد عليه السّلام،فقالوا:هذا يوم ركوبه إلى دار المعتز،فقلت:أقف له في الطريق فلست أخلو من دلالة بمشيئة اللّه و عونه،ففاتني و هو ماض،فوقفت على ظهر دابتي حتى رجع-و كان يوما شديد الحر-،فتلقيته فأشار إلي بطرفه،فتأخرت و صرت وراءه،و قلت في نفسي:اللهم إنك تعلم أني أؤمن و أقر بأنه حجتك على خلقك و أن مهدينا من صلبه،فسهل لي دلالة منه تقرّ بها عيني و ينشرح بها صدري،فانثنى إلي و قال لي:(يا محمد بن ميمون قد أجيبت دعوتك).

فقلت:لا إله إلا اللّه قد علم سيدي ما ناجيت ربي به في نفسي،ثم قلت طمعا في الزيادة- و قد صرت معه إلى الدار،و دخلت و تحركت بين يديه إلى الدهليز،فوقفت و هو راكب و وقفت بين يديه و قلت:إن كان يعلم ما في نفسي فيأخذ القلنسوة من رأسه.

قال:فمد يده فأخذها وردها،فوسوست لي نفسي لعله اتفاق،و أنه حميت عليه القلنسوة فأخذها و وجد حر الشمس فردها،فإن كان أخذها لعلمه بما في نفسي فليأخذها ثانية و يضعها على قربوس سرجه،فأخذها فوضعها على القربوس،فقلت:فليردها،فردها على رأسه،فقلت:لا إله إلا اللّه أيكون هذا الاتفاق مرتين،اللهم إن كان هو الحق فليأخذها ثالثة فيضعها على قربوس سرجه فيردها مسرعا،فأخذها و وضعها على القربوس وردها مسرعا على رأسه،و صاح:(يا محمد بن ميمون إلى كم؟)

فقلت:حسبي يا مولاي (3).

و عن أبي العباس و محمد بن القاسم قال:عطشت عند أبي محمد عليه السّلام و لم تطب نفسي أن8.


1) سورة الأنفال،الآية:42.

2) مدينة المعاجز السيد هاشم البحراني:660/7،و غيبة الطوسي:236 ذ ح 204.

3) الهداية الكبرى للحضيني:67-68.

يفوتنى حديثه،و صبرت على العطش و هو يتحدث،فقطع الكلام و قال:(يا غلام إسق أبا العباس ماء) (1).

الراوندي:قال:روى سعد بن عبد اللّه،عن محمد بن الحسن بن شمون،عن داود بن القاسم الجعفري قال:سال أبا محمد عليه السّلام عن قوله تعالى: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ (2)رجل من أهل قم،و أنا عنده حاضر،فقال عليه السّلام:(ما سرق يوسف،إنما كان ليعقوب منطقة ورثها من إبراهيم عليه السّلام و كانت تلك المنطقة لا يسرقها أحد إلا استعبد،و كان إذا سرقها إنسان نزل جبرئيل عليه السّلام فأخبره بذلك،فأخذت منه،و أخذ عبدا،و إن المنطقة كانت عند سارة بنت إسحاق بن إبراهيم، و كانت سمية أم إسحاق،و إن سارة هذه أحبت يوسف و أرادت أن تتخذه ولدا لنفسها،و إنها أخذت المنطقة فربطتها على وسطه،ثم سدلت عليه سرباله،ثم قالت ليعقوب:إن المنطقة قد سرقت،فاتاه جبرئيل عليه السّلام فقال:يا يعقوب إن المنطقة مع يوسف،و لم يخبره بخبر ما صنعت سارة لما أراد اللّه.

فقام يعقوب إلى يوسف ففتشه-و هو يومئذ غلام يافع-و استخرج المنطقة،فقالت سارة بنت إسحاق:مني سرقها يوسف فأنا أحق به،فقال لها يعقوب:فإنه عبدك على أن لا تبيعيه و لا تهبيه.

قالت:فأنا أقبله على أن لا تأخذه مني و أعتقه الساعة.فأعطاها إياه فأعتقته،فلذلك قال إخوة يوسف:(إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل).

قال أبو هاشم:فجعلت أجيل (3)هذا في نفسي و افكر فيه و أتعجب من هذا الأمر مع قرب يعقوب من يوسف،و حزن يعقوب عليه حتى ابيضت عيناه من الحزن و هو كظيم و المسافة قريبة!.

فأقبل علي أبو محمد عليه السّلام فقال:(يا أبا هاشم تعوذ باللّه مما جرى في نفسك من ذلك،فإن اللّه-تعالى-لو شاء أن يرفع الساتر من الأعلى ما بين يعقوب و يوسف حتى كانا يتراءيان فعل، و لكن له أجل هو بالغه،و معلوم ينتهي إليه كل ما كان من ذلك،فالخيار من اللّه لأوليائه) (4).


علم الإمام العسكري عليه السّلام بما يكون

عن إسحاق قال:حدثني أبو هاشم الجعفري قال:شكوت إلى أبي محمد عليه السّلام ضيق الحبس و كلب (5)القيد،فكتب إلي:(أنت تصلي اليوم الظهر في منزلك)،فأخرجت في وقت الظهر،


1) مناقب آل أبي طالب:439/4 و عنه البحار:288/50 ذ ح 62.

2) سورة يوسف،الآية:77.

3) أجيل:أي أردد.

4) الخرائج:738/2 ح 53 و عنه البحار:298/12 ح 8.

5) في الكافي و الوافي:852/3:كتل،قال صاحب الوافي:(كتل القيد)بالمثناة الفوقانية:غلظة و تلزقة و تلزجه و سوء العيش معه،و في بعض النسخ(كلب القيد)و هو مسماره الذي يشد به.

فصيلت في منزلي كما قال عليه السّلام (1).

و عن إسحاق قال:حدثني عمر بن أبي مسلم قال:قدم علينا بسر من رأى رجل من أهل مصر يقال له:سيف بن الليث،يتظلم إلى المهتدي في ضيعة له قد غصبها إياه شفيع الخادم و أخرجه منها،فأشرنا عليه أن يكتب إلى أبي محمد عليه السّلام يسأله تسهيل أمرها،فكتب إليه أبو محمد:(لا بأس عليك ضيعتك ترد عليك،فلا تتقدم إلى السلطان و الق الوكيل الذي في يده الضعية و خوفه بالسلطان الاعظم،اللّه رب العالمين)،فلقيه فقال له الوكيل الذي في يده:قد كتب إلي عند خروجك من مصر أن أطلبك و أرد الضيعة عليك،فردها عليه بحكم القاضى ابن أبي الشوارب و شهادة الشهود،و لم يحتج إلى أن يتقدم إلى المهتدى،فصارت الضيعة له و في يده،و لم يكن لها خبر بعد ذلك (2).

و قال أبو جعفر:أردت التزويج و التمتع بالعراق،فأتيت الحسن بن علي السراج عليه السّلام،فقال لي:(يابن جرير عزمك أن تتمتع،فتمتع بجارية ناصبة معقبه تفيدك مائة دينار)،(فقلت:لا أريدها)، فقال:(قد قضيت لك بتلك)،فأتيت بغداد و تزوجت بها،فاعقبت و أخذت منها مالا ثم رجعت، فقال:(يابن جرير كيف رأيت آيات الإمام) (3).

و قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري:قال:قال المعلى بن محمد:أخبرني محمد بن عبد اللّه قال:لما أمر سعيد بحمل أبي محمد عليه السّلام إلى الكوفة كتب أبو الهيثم إليه:جعلت فداك بلغنا خبر أقلقنا،و بلغ منا كل مبلغ،فكتب:(بعد ثلاث يأتيكم الفرج)فقتل الزبير يوم الثالث (4).

و روى السيد المرتضى:عن إسحاق بن محمد بن النخعي قال:حدثني محمد بن درياب الرقاشي قال:كتبت إلى أبي محمد عليه السّلام أسأله عن المشكاة و أن يدعو لامرأتي فإنها حامل،و أن يرزقني اللّه منها ولدا ذكرا،فوقع عليه السّلام:(المشكاة قلب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)،و كتب في آخر الكتاب:أعظم اللّه أجرك و أخلف عليك.

فولدت ولدا ميتا،و حملت بعد،فولدت غلاما (5).

قال السيد المرتضى:روي أنه-عليه السّلام-لما حبسه المعتمد و حبس جعفرا أخاه معه،و كان5.


1) الكافي:508/1 ح 10،و إثبات الهداة:402/3 ح 11 و عن إرشاد المفيد:342،و الخرائج:435/1 ح 13 و إعلام الورى الآتي ذيلا و كشف الغمة:412/2 نقلا من الإرشاد.و البحار:267/50 ح 27.

2) الكافي:511/1 ح 18 و إثبات الهداة:404/3 ح 21،و البحار:285/50-286،و مناقب آل أبي طالب:432/4.

3) دلائل الإمامة:225 و صدره في اثبات الهداة:432/3 ح 129.

4) دلائل الإمامة:225،و أخرجه في البحار:295/50 و إثبات الهداة:325/3 ح 90 عن كشف الغمة:/2 416،و في مهج الدعوات:274 عن غيبة الطوسي:208 ح 177.

5) عيون المعجزات:135،و البحار:356/16 ح 45.

المعتمد قد سلمهما في يد علي بن جرين،و كان المعتمد يسأل عليا عن أخباره في كل وقت،فيخبره أنه يصوم النهار و يقوم الليل،فسأله يوما من الأيام عن خبره،فأخبره بمثل ذلك،فقال المعتمد:

إمض يا على الساعة إليه و أقرئه مني السلام و قل:إنصرف إلى منزلك مصاحبا.

قال علي بن جرين:فجئت إلى باب الحبس فوجدت حمارا مسرجا،فدخلت إليه عليه السّلام فوجدته جالسا قد لبس طيلسانه و خفه و شاشيته،و لما رآني نهض،فأديت إليه الرسالة فجاء و ركب،فلما استوى على الحمار وقف،فقلت:ما وقوفك يا سيدي؟

فقال:(حتى يخرج جعفر)،فقلت له:إنما أمرنى بإطلاقك دونه،فقال لي:(إرجع إليه و قل له خرجنا من دار واحدة جميعا،و إذا رجعت و ليس هو معي كان في ذلك مالا خفاء به عليك)،فمضى و عاد و قال له:يقول لك:قد اطلقت جعفرا،فخلى سبيله و مضى معه إلى داره (1).

و عن جعفر بن محمد بن مسعود،عن أبيه محمد بن مسعود العياشي،عن آدم بن محمد البلخى،عن علي بن الحسين بن هارون الدقاق،عن جعفر بن محمد بن عبد اللّه بن القاسم بن إبراهيم بن مالك الأشتر،عن يعقوب بن منقوش قال:دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عليهما السّلام و هو جالس على دكان في الدار،و عن يمينه بيت عليه ستر مسبل (2)،فقلت له:يا سيدي من صاحب هذا الأمر؟

فقال:إرفع الستر،فرفعته فخرج إلينا غلام خماسى له عشر أو ثمان أو نحو ذلك،واضح الجبينين أبيض الوجه،دري المقلتين شثن الكفين،معطوف الركبتين (3)،في خده الأيمن خال و في رأسه ذؤابة،فجلس على فخذ أبي محمد عليه السّلام ثم قال لي:هذا هو صاحبكم،ثم وثب،فقال له:

(يا بني أدخل إلى الوقت المعلوم)،فدخل البيت و أنا أنظر إليه،ثم قال لى:(يا يعقوب أنظر من في البيت)،فدخلت فما رأيت أحدا (4).


علم الإمام العسكري عليه السّلام بالآجال

ابن بابويه عن سعد قال سعد:فلما كان يوم الوداع دخلت أنا و أحمد بن إسحاق و كهلان من


1) عيون المعجزات:136-137،و رواه في إثبات الوصية:215-216.

2) مسبل:أي مرسل.

3) شثن الكفين:غلظهما،و درى المقلتين:شدة بياض العين أو تلالو جميع الحدقة و معطوف الركبتين أي كانتا مائلتين إلى القدام.

4) كمال الدين:407 ح 2 و 436 ح 5 و عنه إعلام الورى:413 و الخرائج:958/2-959 و منتخب الأنوار المضيئة:145 و إثبات الهداة:480/3 ح 183 و البحار:25/52 ح 17.

أهل أرضنا،فانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائما و قال:يابن رسول اللّه قد دنت الرحلة و اشتدت المحنة و نحن نسال اللّه أن يصلي على محمد المصطفى جدك و على المرتضى أبيك و على سيدة النساء أمك و على سيدي شباب أهل الجنة عمك و أبيك،و على الأئمة الطاهرين من بعدهما آبائك،و أن يصلي عليك و على ولدك،و نرغب إلى اللّه تعالى أن يعلي كعبك و يكبت عدوك،و لا جعل اللّه هذا آخر عهدنا من لقائك.

قال:فلما قال هذه الكلمة استعبر مولانا عليه السّلام حتى استهلت دموعه و تقاطرت عبراته.ثم قال:

يابن إسحاق لا تكلف في دعائك شططا فإنك ملاق اللّه في صدرك هذا.

فخر أحمد مغشيا عليه،فلما أفاق قال:سألتك باللّه و بحرمة جدك إلا شرفتني بخرقة أجعلها كفنا،فأدخل مولانا عليه السّلام يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهما فقال:خذها و لا تنفق على نفسك غيرها،فإنك لم تعدم ما سألت،و إن اللّه تبارك و تعالى لا يضيع أجر المحسنين.

قال سعد:فلما صرنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا عليه السّلام من حلوان على ثلاثة فراسخ حم أحمد بن إسحاق و ثارت عليه علة صعبة أيس من حياته فيها،فلما وردنا حلوان و نزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق برجل من أهل بلده كان قاطنا بها.

ثم قال:تفرقوا عني هذه الليلة و اتركوني و حدي،فانصرفنا عنه و رجع كل واحد منا إلى مرقده.

قال سعد:فلما حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة ففتحت عيني فإذا أنا بكافور الخادم:-خادم مولانا أبي محمد عليه السّلام و هو يقول:أحسن اللّه بالخير عزاءكم و جبر بالمحبوب رزيتكم،قد فرغنا من غسل صاحبكم و من تكفينه،فقوموا لدفنه فإنه من أكرمكم محلا عند سيدكم، ثم غاب عن أعيننا،فاجتمعنا على رأسه بالبكاء و العويل حتى قضينا حقه،و فرغنا من أمره-رحمه اللّه- (1).

و روى السيد المرتضى عن جعفر بن محمد القلانسي قال:كتب محمد أخي إلى أبي محمد عليه السّلام و امرأته حامل:يسأله الدعاء بخلاصها و أن يرزقه اللّه ذكرا،و سأله أن يسميه،فكتب إليه:(و نعم الاسم محمد و عبد الرحمن)،فولدت له إثنين توأمين،فسمى أحدهما محمدا و الآخر عبد الرحمن (2).

و قال أبو هاشم الجعفري:كنت محبوسا مع الحسن العسكري عليه السّلام في حبس المهتدي بن4.


1) كمال الدين:464 ذ ح 22.

2) عيون المعجزات:135،و أخرجه في البحار:298/50 و إثبات الهداة:426/3 ح 94.

الواثق،فقال لي:في هذه الليلة يبتر اللّه عمره،فلما أصبحنا شغب الأتراك و قتل المهتدي و ولي المعتمد مكانه (1).

و عن محمد بن بلبل:تقدم المعتز إلى سعيد الحاجب أن أخرج أبا محمد إلى الكوفة،ثم إضرب عنقه في الطريق،فجاء توقيعه عليه السّلام الينا:(الذي سمعتموه تكفونه)،فخلع المعتز بعد ثلاث و قتل (2).

إبن شهر آشوب:عن محمد بن موسى قال:شكوت إلى أبي محمد عليه السّلام مطل غريم لي،فكتب إلي:(عن قريب يموت،و لا يموت حتى يسلم إليك مالك عنده)،فما شعرت إلا و قد دق على الباب و معه مالي،و جعل يقول:إجعلني في حل مما مطلتك،فسألته عن موجبه؟

فقال:إني رأيت أبا محمد عليه السّلام في منامي و هو يقول لي:إدفع إلى محمد بن موسى ماله عندك،فإن أجلك قد حضر،و اسأله أن يجعلك في حل من مطلك) (3).

و عن أبي جعفر أحمد القصير البصري قال:حضرنا عند سيدنا أبي محمد عليه السّلام بالعسكر، فدخل عليه خادم من دار السلطان جليل القدر،فقال له:أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام و يقول لك:كاتبنا أنوش النصراني يريد أن يطهر إبنين له،و قد سألنا مسألتك أن تركب إلى داره و تدعو لإبنيه بالسلامة و البقاء،فأحب أن تركب و أن تفعل ذلك،فإنا لم نجشمك هذا العناء إلا لأنه قال:

نحن نتبرك بدعاء بقايا النبوة و الرسالة.

فقال مولانا عليه السّلام:(الحمد للّه الذي جعل النصراني أعرف بحقنا من المسلمين)ثم قال:

(أسرجوا لنا)،فركب حتى وردنا أنوش،فخرج إليه مكشوف الرأس حافي القدمين و حوله القسيسون و الشمامسة (4)و الرهبان،و على صدره الإنجيل،فتلقاه على باب داره و قال له:يا سيدنا أتوسل إليك بهذا الكتاب الذي أنت أعرف به منا إلا غفرت لي ذنبي في عنائك،و حق المسيح عيسى ابن مريم و ما جاء به من الإنجيل من عند اللّه ما سألت أمير المؤمنين مسألتك هذا إلا لأنا وجدناكم في هذا الإنجيل مثل المسيح عيسى ابن مريم عليه السّلاهمه عند اللّه،فقال مولانا عليه السّلام:الحمد لله.و دخل على فرسه و الغلامان على منصة (5)،و قد قام الناس على أقدامهم.

فقال عليه السّلام:أما ابنك هذا فباق عليك و أما الآخر فمأخوذ عنك بعد ثلاثة أيام،و هذا الباقي يسلم و يحسن إسلامه و يتولانا أهل البيت.ا.


1) مناقب آل أبي طالب:430/4 و عنه البحار:303/50 ح 79.

2) مدينة المعاجز،السيد هاشم البحراني:650/7.

3) مناقب آل أبي طالب:429/4 و عنه البحار:284/50.

4) الشمامسة-بفتح الشين المعجمة و كسر الميم الثانية،جمع الشماس-:كلمة سريانية معناها خادم الكنيسة.

5) المنصة-بكسر الميم و فتح النون و الصاد المهملة المشددة-:الكرسي أو ما يرفع من أمكنة يقعد أو يوقف فيها.

فقال أنوش:و اللّه يا سيدي إن قولك الحق و لقد سهل عليّ موت إبني هذا لما عرفتني أن الآخر يسلم و يتولاكم أهل البيت،فقال له بعض القسيسين:ما لك لا تسلم؟

فقال له أنوش:أنا مسلم و مولانا يعلم ذلك.

فقال مولانا عليه السّلام:صدق و لو لا أن يقول الناس إنا أخبرناك بوفاة إبنك و لم يكن كما أخبرناك لسألنا اللّه بقاءه عليك.

فقال أنوش:لا أريد يا سيدي إلا ما تريد.

قال أبو جعفر أحمد القصير:مات و اللّه ذلك الإبن بعد ثلاثة أيام و أسلم الآخر بعد سنة و لزم الباب معنا إلى وفاة سيدنا أبي محمد عليه السّلام (1).


علم الإمام العسكري بليلة مولد القائم عليه السّلاهمه

و روى الشيخ الطوسي في الغيبة:قال:أخبرني ابن أبي جيد،عن محمد بن الحسن بن الوليد،عن الصفار محمد بن الحسن القمي،عن أبي عبد اللّه المطهرى،عن حكيمة بنت محمد بن علي الرضا عليه السّلام قالت:بعث إلي أبو محمد عليه السّلام سنة خمس و خمسين و مائتين في النصف من شعبان و قال:يا عمة إجعلي الليلة إفطارك عندي فإن اللّه عزّ و جلّ سيسرك بوليه و حجته على خلقه خليفتي من بعدي.

قالت حكيمة:فتداخلني لذلك سرور شديد و أخذت ثيابي علي،و خرجت من ساعتي حتى انتهيت إلى أبي محمد عليه السّلام و هو جالس في صحن داره،و جواريه حوله.

فقلت:جعلت فداك يا سيدي!الخلف ممن هو؟

قال:من سوسن،فأدرت طرفي فيهن فلم أر جارية عليها أثر غير سوسن.

قالت حكيمة:فلما أن صليت المغرب و العشاء الآخرة أتيت بالمائدة،فأفطرت أنا و سوسن و بايتها في بيت واحد،فغفوت غفوة ثم استيقظت.

فلم أزل متفكرة فيما وعدني أبو محمد عليه السّلام من أمر ولي اللّه عليه السّلام،فقمت قبل الوقت الذي كنت أقوم في كل ليلة للصلاة،فصليت صلاة الليل حتى بلغت إلى الوتر،فوثبت سوسن فزعة و خرجت فزعة و أسبغت الوضوء.

ثم عادت فصلت صلاة الليل و بلغت إلى الوتر،فوقع في قلبي أن الفجر قد قرب،فقمت


1) مدينة المعاجز-السيد هاشم البحراني:670/7.

لأنظر فإذا بالفجر الأول قد طلع،فتداخل قلبي الشك من وعد أبي محمد عليه السّلام،فناداني من حجرته لا تشكي فإنك بالأمر الساعة رأيته إن شاء اللّه تعالى.

قالت حكيمة:فاستحييت من أبي محمد عليه السّلام و مما وقع في قلبي،و رجعت إلى البيت و أنا خجلة (1).


غزارة علم الإمام العسكري عليه السّلام

المناقب،أبو القاسم الكوفي في كتاب التبديل:أن إسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه،أخذ في تأليف تناقض القرآن و شغل نفسه بذلك،و تفرد به في منزله،و إن بعض تلامذته دخل يوما على الإمام الحسن العسكري عليه السّلام.

فقال له أبو محمد عليه السّلام:أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟

فقال التلميذ:نحن من تلامذته،كيف يجوز منا الإعتراض عليه في هذا،أو في غيره؟

فقال له أبو محمد عليه السّلام:أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟

قال:نعم.

قال:فسر إليه و تلطف في مؤانسته و معونته على ما هو بسبيله،فإذا وقعت الأنسة في ذلك، فقل قد حضرتني مسألة أسألك عنها،فإنه يستدعي ذلك منك فقل له:إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذاهب إليها؟فسيقول لك إنه من الجائز لأنه رجل يفهم إذا سمع،فإذا أوجب ذلك،فقل له:فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت أنت فيه فتكون واضعا لغير معانيه.

فصار الرجل الى الكندي و تلطف الى أن ألقى عليه هذه المسألة،فقال له:أعد علي،فأعاد عليه،فتفكر في نفسه،و رأى ذلك محتملا في اللغة،و سائغا في النظر،فقال:أقسمت عليك ألا أخبرتني من أين لك؟

فقال:أنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك،فقال:كلا،ما مثلك من اهتدى الى هذا،و لا من بلغ هذه المنزلة،فعرفني من أين لك هذا؟

فقال:أمرني به أبو محمد عليه السّلام.


1) غيبة الطوسي:234 ح 204.

فقال:الآن جئت به و ما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت،ثم أنه دعا بالنار و أحرق جميع ما كان ألفه (1).


إعظام الحيوانات لقبر الإمام العسكري عليه السّلام

قال الراوندي:و من معجزاته عليه السّلام أن قبور الخلفاء من بني العباس بسر من رأى عليها من ذرق الخفافيش و الطيور مالا يحصى فيه و ينقى منها كل يوم،و من الغد تعود القبور مملوءة ذرقا،و لا يرى على رأس قبة العسكريين و لا على بابها ذرق طير فضلا على قبورهم،إلهاما للحيوانات و إجلالا لهم صلوات اللّه عليهم أجمعين (2).


أثر من يهين و يحتقر الأئمة عليهم السّلام

أبو الحسن الموسوي الخيبري،عن أبيه قال:قدمت إلى أبي محمد عليه السّلام دابة ليركب إلى دار السلطان،و كان إذا ركب يدعو له عامي و هو يكره ذلك،فزاد يوما في الكلام و ألح،فسار حتى انتهى إلى مفرق الطريقين،و ضاق على الرجل العبور،فعدل إلى الطريق ليخرج منه و يلقاه فيه، فدعا عليه السّلام ببعض خدمه و قال له:(إمض فكفن هذا).

فتبعه الخادم،فلما انتهى عليه السّلام إلى السوق خرج الرجل من الدرب ليعارضه،و كان في الموضع بغل واقف،فضربه البغل فقتله،و وقف الغلام فكفنه (3).

و روي أن عروة الدهقان كذب على أبي الحسن علي بن محمد بن الرضا و على أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهم السّلام بعده،ثم إنه أخذ بعض أمواله،فلعنه أبو محمد عليه السّلام،فما أمهل يومه ذلك وليلته حتى قبضه اللّه إلى النار (4).



1) المناقب لابن شهر آشوب:ج 4 ص 424،و عنه البحار:ج 50 ص 311 ضمن ح 9.

2) الخرائج و الجرائح:453/1 ح 40.

3) مناقب آل أبي طالب:430/4 و عنه البحار:276/50 ح 50 و عن الخرائج:783/2 ح 109،و أخرجه في إثبات الهداة:412/3 ح 47 عن غيبة الطوسي:206 ح 174.

4) مناقب آل أبي طالب:435/4،و أخرجه في البحار:301/50 ح 76 عن إختيار معرفة الرجال:573 ح 1086.

طب الإمام العسكري عليه السّلام

اشارة

و روي عن بطريق متطبّب بالرّي قد أتى عليه مائة سنة و نيف قال:كنت تلميذ بختيشوع طبيب المتوكّل و كان يصطفيني فبعث إليه الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن الرضا عليه السّلام أن يبعث إليه بأخصّ أصحابه عنده ليفصده فاختارني و قال:قد طلب منّي ابن الرضا من يفصده فصر إليه و هو أعلم في يومنا هذا بمن هو تحت السماء فاحذر أن لا تعترض عليه فيما يأمرك به فمضيت إليه فأمر بي إلى حجرة و قال:كن إلى أن أطلبك.

قال:و كان الوقت الذي دخلت إليه فيه عندي جيّد محمود للفصد فدعاني في وقت غير محمود له و أحضر طشتا عظيما ففصدت الأكحل فلم يزل الدم يخرج حتّى امتلأ الطشت ثمّ قال لي:إقطع فقطعت و غسل يده و شدّها وردّني إلى الحجرة و قدّم من الطعام الحارّ و البارد شيئا كثيرا و بقيت إلى العصر.

ثمّ دعاني فقال:سرّح و دعا بذلك الطشت فسرحت و خرج الدم إلى أن امتلأ الطشت فقال:

إقطع فقطعت و شدّ يده وردّني إلى الحجرة فبتّ بها.

فلمّا أصبحت و ظهرت الشمس دعاني و أحضر ذلك الطشت و قال:سرح فسرّحت فخرج مثل اللّبن الحليب إلى أن امتلأ الطشت،فقال:إقطع فقطعت و شدّ يده و قدّم لي تخت ثيابه و خمسين دينارا و قال:خذ هذا و اعذر و انصرف،فأخذت و قلت يأمرني السيّد بخدمة؟

قال:نعم تحسن صحبة من يصحبك من دير العاقول،فصرت إلى يختيشوع و قلت له القصّة فقال:إجتمعت الحكماء على أنّ أكثر ما يكون في بدن الإنسان سبعة أمنا من الدم و هذا الذي حكيت لو خرج من عين ماء لكان عجبا و أعجب ما فيه اللبن.ففكّر ساعة ثمّ مكثنا ثلاثة أيّام بلياليها نقرأ الكتب على أن نجد لهذه القصّة ذكرا في العالم فلم نجد ثمّ قال:لم يبق اليوم في النصرانية أعلم بالطبّ من راهب بدير العاقول،فكتب إليه كتابا يذكر فيه ما جرى فخرجت و ناديته فأشرت عليّ و قال:من أنت؟

قلت:صاحب بختيشوع

قال:معك كتابه؟

قلت:نعم،فأرخى لي زبيلا فجعلت الكتاب فيه فرفعه فقرأ الكتاب و نزل من ساعته فقال:

أنت الرجل الذي فصد؟

قلت:نعم.

قال:طوبى لامّك و ركب بغلا و مرّ فوافينا سرّ من رأى و قد بقي من الليل ثلثه.

قلت:أين تحبّ دار أستاذنا أو دار الرجل؟

قال:دار الرجل،فصرنا إلى بابه قبل الأذان ففتح الباب و خرج إلينا غلام أسود و قال:أيّكما راهب دير العاقول؟

فقال:أنا جعلت فداك.

فقال:إنزل،و قال لي الخادم:إحتفظ بالبغلتين و أخذ بيده فدخلا فأقمت إلى أن أصبحنا و ارتفع النهار ثمّ خرج الراهب و قد رمى بثياب الرهبانية و لبس ثيابا بيضاء و قد أسلم فقال:خذني الآن إلى دار أستاذك فصرنا إلى دار بختيشوع فلمّا رآه بادر يعدو إليه ثمّ قال:ما الذي أزالك عن دينك؟

قال:وجدت المسيح فأسلمت على يده فإنّ هذه الفصدة لم يفعلها إلاّ المسيح و هذا نظيره في آياته و براهينه ثمّ انصرف إليه و لزم خدمته إلى أن مات (1).

و رويت بلفظ آخر عن الحسن بن الحسين قال:حدّثني محمّد بن الحسن المكفوف قال:

حدّثني بعض أصحابنا،عن بعض فصّادي العسكر من النصاري أنّ أبا محمّد عليه السّلام بعث إليّ يوما في وقت صلاة الظهر،فقال لي:إفصد هذا العرق.

قال:و ناولني عرقا لم أفهمه من العروق التي تفصد،فقلت في نفسي:ما رأيت أمرا أعجب من هذا،يأمرني أن أفصد في وقت الظهر و ليس بوقت فصد،و الثانية عرق لا أفهمه،ثمّ قال لي:

إنتظر و كن في الدّار.

فلمّا أمسى دعاني و قال لي:سرّح الدّم،فسرّحت ثمّ قال لي:أمسك،فأمسكت،ثمّ قال لي:

كن في الدّار.

فلمّا كان نصف اللّيل أرسل إليّ و قال لي:سرّح الدّم قال:فتعجّبت أكثر من عجبي الأوّل و كرهت أن أسأله قال:فسرّحت فخرج دم أبيض كأنّه الملح.

قال:ثمّ قال لي:إحبس.

قال:فحبست.

قال:ثمّ قال:كن في الدّار.

فلمّا اصبحت أمر قهرمانه (2)أن يعطيني ثلاثة دنانير فأخذتها و خرجت حتّى أتيت ابن بختيشوع النصراني فقصصت عليه القصّة.س.


1) الخرائج:422/1 ح 3 و عنه البحار:260/50 ح 21 و ج 132/62 ح 102 و في إثبات الهداة:417/3 ح 63 و الوسائل:75/12 ح 2 مختصرا.

2) القهرمان كالخازن و الوكيل الحافظ لما تحت يده و القائم بأمور الرجل بلغة الفرس.

قال:فقال لي:و اللّه ما أفهم ما تقول و لا أعرفه في شيء من الطبّ و لا قرأته في كتاب و لا أعلم في دهرنا أعلم بكتب النصرانيّة من فلان الفارسي فاخرج إليه.قال:فاكتريت زورقا إلى البصرة و أتيت الأهواز ثمّ صرت إلى فارس إلى صاحبي فأخبرته الخبر.

قال:و قال لي:أنظرني أيّاما فأنظرته ثمّ أتيته متقاضيا قال:فقال لي:إنّ هذا الذي تحكيه عن هذا الرّجل فعله المسيح في دهره مرّة (1).

قال في هامش شرح الكافي:قوله«أمر قهرمانه»و روى القصة في الخرائج بوجه أبسط و لعل غرض الإمام عليه السّلام من فعله ذلك أن الطب و العلوم الطبيعية كانت رائجة في ذلك العصر و أكثر الناس مقبلون عليها و هي للعوام مزلة فإنهم يجعلون القوى الطبيعية مضادة للتأثيرات الروحانية و ربما يتوهمون الإستغناء عن التوسل و الدعاء بالأسباب المادية كما نرى في عصرنا من كثير.فأراد عليه السّلام خرق العادة بخلع الأسباب عن التأثير و توجيه النفوس إلى اللّه تعالى و مبدأ للأمور غير الطبايع و هذا معلوم في الجملة للفلاسفة.

و الشيخ أبو علي بن سينا أورد في الإشارات ثلاثة أدلة لإثبات أن النفس ليست هي المزاج أو تابعا للمزاج بل هي تعارض مزاج البدن و تنافيه.

الدليل الأول الحركة الإرادية إلى جهات مختلفة فإنها ليست للطبايع فإن الطبيعة تقتضي شيئا واحدا غير مختلف فالحركة إلى فوق و الطبيعة تميل إلى السفل تدل على أن النفس ليست من الطبيعة.

الثاني الحسن و الإدراك فإنهما ليسا للطبيعة و المزاج و هو واضح.

الثالث أن الطبايع المختلفة في المزاج تقتضي الإنفاك في أسرع ما يكون من الزمان و لذا يتلاشى البدن بعد الموت بلا مهلة و أن النفس تقهر المزاج على الثبات و البقاء و جمع الأضداد مدة طويلة،فليست النفس مزاجا أو متفرعة على المزاج بل لها مبدأ آخر و لذلك تقدر على قهر المزاج على خلاف مقتضى طبعه،و هذه أمور يغفل عنها الطبيعيون و الأطباء إذ فنهم حفظ المزاج فتبين بعمل الإمام عليه السّلام و فصده أن النفس القوية قادرة على قهر الطبيعة على خلاف مقتضاها كما أن نفوسنا أيضا تقدر على ذلك و الإختلاف بين النفوس بالشدة و الضعف إلاّ أن قهر نفوسنا لأبداننا معتاد معهود يغفل عنه و قهر نفس الإمام عليه السّلام لمقتضى طبيعته كان خرقا للعادة موجبا للإعجاب و سببا لالتفات الناس إلى مبدأ آخر في العالم قاهر للطبائع.

و روى في المناقب عن الإمام عليه السّلام كلاما يحل العقدة عن عويصة أخرى نظير ذلك و هو أن1.


1) الكافي:512/1 ح 24 و عنه الوسائل:74/12 ح 1 و حلية الأبرار:496/2-497(ط ق)و البحار: 131/62 ح 101.

العقل إذا دل على شيء صريحا و دل ظاهر الشرع على خلافه لا يجوز رد الشرع أو الشك فيه بل يجب تأويل ظاهر الشرع إذ ربما يصدر عن القائل الحكيم كلام لا يراد به ظاهره بل مقصود القائل غيره.

قال في المناقب عن أبي القاسم الكوفي في كتاب التبديل أن إسحاق الكندي يعني يعقوب بن إسحاق كان فيلسوف العراق في زمانه في تأليف تناقض القرآن و شغل نفسه بذلك و تفرد به في منزله و أن بعض تلامذته دخل يوما على الإمام الحسن العسكري عليه السّلام فقال له أبو محمد:أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عما أخذ فيه-إلى أن قال-:قال أبو محمد:أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟

قال:نعم قال:...فقل له إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم به منه غير المعاني التي قد ظننتها إنك ذهبت إليها فإنه سيقول:أنه من الجائز (1).

علاج الحمى

عن الحسين بن ظريف قال:إختلج في صدري مسألتان أردت الكتابة فيهما إلى أبي محمّد عليه السّلام فكتبت أسأله عن القائم عليه السّلام إذا قام بما يقضي و أين مجلسه الذي يقضي فيه بين النّاس؟و أردت أن أسأله عن شيء لحمّى الرّبع (2)فأغفلت خبر الحمّى.

فجاء الجواب:سألت عن القائم فإذا قام قضى بين الناس بعلمه كقضاء داود عليه السّلام لا يسأل البيّنة،و كنت أردت أن تسأل لحمّى الرّبع فأنسيت،فاكتب في ورقة و علّقه على المحموم فإنّه يبرأ بإذن اللّه إن شاء اللّه يا نارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (3)فعلّقنا عليه ما ذكر أبو محمّد عليه السّلام فأفاق (4).

شفاء العين

و عن محمّد بن الحسن بن شمّون قال:كتبت إلى أبي محمّد عليه السّلام أسأله أن يدعو اللّه لي من وجع عيني و كانت إحدى عينيّ ذاهبة و الاخرى على شرف ذهاب،فكتب إليّ:حبس اللّه عليك عينك.

فأفاقت الصحيحة،و وقّع في آخر الكتاب:آجرك اللّه و أحسن ثوابك،فاغتممت لذلك و لم أعرف في أهلي أحدا مات،فلمّا كان بعد أيّام جاءتني وفاة ابني طيّب فعلمت أنّ التعزية له (5).


1) مناقب آل أبي طالب:526/3،و بحار الأنوار:392/10.

2) و حمى الربع هي أن تأخذ يوما و تترك يومين فتكون الدورة الثانية في اليوم الرابع.

3) سورة الأنبياء،الآية:69.

4) الكافي:509/1 ح 13،و كشف الغمة:413/2،و البحار:264/50 ح 24.

5) الكافي:510/1 ح 17،و إثبات الهداة:404/3 ح 20،و مناقب آل أبي طالب:432/4.

و عن النضر بن جابر قال للعسكري:يابن رسول اللّه إنّ ابني جابرا أصيب ببصره منذ شهر فادع اللّه أن يردّ عليه عينيه.

قال:فهاته فمسح على عينيه فعاد بصيرا ثمّ تقدّم رجل فرجل يسألونه حوائجهم و أجابهم إلى كلّ ما سألوه حتّى قضى حوائج الجميع و دعا لهم بخير و انصرف من يومه ذلك،انتهى ملخّصا (1).


معاجز الإمام العسكري عليه السّلام

اشارة

ابن شهر آشوب:عن محمد بن موسى قال:شكوت إلى أبي محمد عليه السّلام مطل غريم لي،فكتب إلى:(عن قريب يموت،و لا يموت حتى يسلم إليك مالك عنده)،فما شعرت إلا و قد دق على الباب و معه مالي،و جعل يقول:إجعلني في حل مما مطلتك،فسألته عن موجبه؟

فقال:إني رأيت أبا محمد عليه السّلام في منامي و هو يقول لي:إدفع إلى محمد بن موسى ماله عندك،فإن أجلك قد حضر،و اسأله أن يجعلك في حل من مطلك) (2).

و قال أبو جعفر،حدثنا عبد اللّه بن محمد،قال:رأيت الحسن بن علي عليهما السّلام يكلم الذئب، فقلت له:أيها الإمام الصالح،سل هذا الذئب عن أخ لي خلفته بطبرستان و أشتهي أن أراه.

فقال لي:إذا اشتهيت أن تراه فانظر إلى شجرة دارك بسر من رأى.و كان عليه السّلام قد أخرج في داره عينا ينبع منها عسلا و لبن،و كنا نشرب منه و نتزود (3)(4).

و منها:قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري:دخل على الحسن بن علي عليهما السّلام قوم من العراق يشكون قلة الأمطار.فكتب لهم كتابا،فأمطروا.ثم جاؤوا يشكون كثرته فختم في الأرض فأمسك المطر (5).

و منها:قال أبو جعفر:قلت للحسن بن علي عليهما السّلام:أرني معجزة خصوصية لك احدث بها عنك.

فقال:يابن جرير،لعلك ترتد!فحلفت له ثلاثا،فرأيته غاب في الأرض تحت مصلاه،ثم رجع و معه حوت عظيم،قال:جئتك به من البحر السابع (6)فأخذته معي إلى مدينة السلام،


1) الثاقب في المناقب:216 ح 18،و بحار الأنوار:264/50 ح 22.

2) مناقب آل أبي طالب:429/4 و عنه البحار:284/50.

3) في دلائل الإمامة:«و كان يشرب منه و يتزود».

4) دلائل الإمامة:224،و مدينة المعاجز:566 صدر ح 38.

5) دلائل الإمامة:224،و مدينة المعاجز:566 ح 40.

6) في بعض النسخ:السبع،و في الدلائل:الأبحر السبعة.

و أطعمت جماعة من أصحابنا (1).

و منها:قال علي بن محمد الصيمري:دخلت على أبي أحمد عبيد اللّه بن عبد اللّه و بين يديه رقعة،فقال:«إني نازلت (2)اللّه عزّ و جلّ في هذا الطاغي-يعني الزبير بن جعفر- (3)و هو آخذه بعد ثلاث.فلما كان اليوم الثالث قتل (4).

و منها:قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري سألوا القائم عليه السّلام عن أمر اللّه تعالى لنبيه موسى عليه السّلام فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (5).

فإن فقهاء الفريقين يزعمون أنها كانت من إهاب الميتة.

فقال عليه السّلام:من قال ذلك فقد افترى على موسى عليه السّلام و استجهله في نبوته،لأنه ما خلا الأمر فيها من خصلتين:إما إن صلاة موسى فيهما جائزة أو غير جائزة فإن كانت صلاة موسى فيهما جائزة فجاز لموسى أن يكون لابسهما في تلك البقعة إذا لم تكن مقدسة،و إن كانت مقدسة مطهرة فليست بأقدس و أطهر من الصلاة و إن كانت صلاته غير جائزة فيها فقد أوجب أن موسى عليه السّلام لم يعرف الحلال و الحرام،و علم ما جاز فيه الصلاة و ما لا يجوز و هذا كفر.

قلت:فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما؟

قال:إن موسى عليه السّلام نادى ربه بالواد المقدس،فقال:يا رب إني قد أخلصت لك المحبة مني،و غسلت قلبي عمن سواك-و كان شديد الحب لأهله-فقال اللّه تبارك و تعالى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ أي:إنزع حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة،و قلبك من الميل إلى سواي غير مشغول (6)(7).2.


1) دلائل الإمامة:224،و مدينة المعاجز:566 ح 44.

2) نازلت ربي في كذا:أي راجعته،و سألته مرة بعد مرة.(النهاية لابن الاثير:43/5).

3) هو:المعتز بالله الخليفة أبو عبد الله،محمد،و قيل:الزبير بن المتوكل جعفر،بن المعتصم محمد،بن الرشيد هارون،بن المهدي العباسي.(سير أعلام النبلاء:532/12 ت 207).

4) نوادر المعجزات،محمد بن جرير الطبري(الشيعي)ص 192،و دلائل الإمامة:225(مثله)،و مدينة المعاجز:566 ح 49.و أورده الخرائج و الجرائح:429/1 ح 8.

5) سورة طه،الآية:12.

6) قال العلامة المجلسي(ره):إعلم أن المفسرين اختلفوا في سبب الأمر بخلع النعلين و معناه على أقوال: الأول:أنهما كانتا من جلد حمار ميت.و الثاني:أنه كان من جلد بقرة ذكية،و لكنه أمر بخلعهما ليباشر بقدميه الأرض فتصيبه بركة الوادي المقدس.و الثالث:أن الحفا عن علامة التواضع،و لذلك كانت السلف تطوف حفاة.و الرابع:أن موسى عليه السلام إنما لبس النعل اتقاء من الأنجاس و خوفا من الحشرات فآمنه الله مما يخاف و أعلمه بطهارة الموضع.و الخامس أن المعنى:فرغ قلبك من حب الاهل و المال.و السادس أن المراد:فرغ قلبك عن ذكر الدارين.(عن البحار:65/13).

7) كمال الدين:460 ح 21.و دلائل الإمامة:278،و البحار:88/52.

و منها:سئل عليه السّلام عن تأويل كهيعص (1)قال عليه السّلام:الكاف:إسم كربلاء،و الهاء:هلاك العترة،و الياء يزيد و هو ظالم الحسين عليه السّلام و العين:عطش الحسين و أصحابه،و الصاد:صبره (2).

و عن عليّ بن محمّد،عن بعض أصحابنا قال:سلّم أبو محمّد عليه السّلام إلى نحرير فكان يضيّق عليه و يؤذيه قال:فقالت له امرأته:و يلك إتّق اللّه،لا تدري من في منزلك؟

و عرّفته صلاحه و قالت:إنّي أخاف عليك منه،فقال:لأرميّنه بين السباع،ثمّ فعل ذلك به فرئي عليه السّلام قائما يصلّي و هي حوله (3).

و لله در من قال:

لحى اللّه هذا الخارجي بما جنا على من له أمر الخلافة و الأمر

أيرمي بهذا النور بغيا ببركة السباع و لم ينهيه ردع و لا زجر

فنفسي فداء الذي جار دهره عليه فأرداه الخداعة و العذر

فإني عليه بعد ذلك في عنى و نيران أحزاني يزيد لها سعر

و كيف و قد مضت مصيبة التي تكور منها الشمس و النجم و البدر

و خرت له السبع الطباق و زلزلت لها طبقات الأرض بل نضب البحر

فيا مدعي حب الإمام فنح له بشجو عظيم في الزمان له نشر

و شق له جيب التصبر و العزا و مت أسفا حيا و إن ضمك القبر (4)

و روى أبو هاشم أنّه ركب أبو محمّد عليه السّلام يوما إلى الصحراء و ركبت معه فبينما هو يسير قدّامي و أنا خلفه إذ عرض لي فكر في دين كان عليّ قد حان أجله فجعلت أفكّر في أيّ وجه قضاؤه فالتفت إليّ و قال:اللّه يقضيه ثمّ انحنى على قربوس سرجه فخطّ بسوطه خطّة في الأرض فقال:يا أبا هاشم إنزل فخذ و اكتم.

فنزلت و إذا سبيكة ذهب فوضعتها في خفّي و سرنا فعرض لي الفكر فقلت:إن كان فيها تمام الدين و إلاّ فإنّي أرضي صاحبه بها و نحبّ أن ننظر في وجه نفقة الشتاء و ما نحتاج إليه فيه من كسوة و غيرها فالتفت إليّ ثمّ انحنى ثانية فخطّ بسوطه مثل الاولى ثمّ قال:انزل و خذ و اكتم.

قال:فنزلت فإذا سبيكة من ذهب فجعلتها في الخفّ الآخر فوصلت إلى منزلي فخرجت سبيكة1.


1) سورة مريم،الآية:1.

2) المصدر السابق.

3) الكافي:513/1 ح 26 و عنه إثبات الهداة:406/3 ح 29 و عن إرشاد المفيد:344-345-بإسناده عن الكليني-و إعلام الورى:360.

4) وفيات الأئمة:411.

الدين بقسط الدين ما زادت و لا نقصت و كذلك سبيكة نفقة الشتاء.

و في لفظ:ثم نظرت ما نحتاج إليه لشتوتي من كل وجه،فعرفت مبلغه الذي لم يكن بد منه، على الإقتصاد بلا تقتير و لا إسراف،ثم وزنت سبيكة الفضة،فخرجت على ما قدرته ما زادت و لا نقصت (1).

و عن أبي هاشم الجعفري قال:شكوت إلى أبي محمّد عليه السّلام فحكّ بسوطه الأرض،قال:

و أحسبه غطّاه بمنديل و أخرج خمسمائه دينار،فقال:يا أبا هاشم خذ و اعذرنا (2).

و عن إسحاق بن أبان قال:كان أبو محمّد عليه السّلام و هو في الحبس يبعث إلى أصحابه و شيعته صيروا إلى موضع كذا و كذا و إلى دار فلان ابن فلان العشاء و العتمة في ليلة كذا فإنّكم تجدوني هناك.و كان الموكّلون به لا يفارقون باب الموضع الذي حبس فيه عليه السّلام بالليل و النهار و كان يعزل في كلّ خمسة أيّام الموكلين به و يولّي آخرين بعد أن يجدّد عليهم الوصية بحفظه فكان أصحابه و شيعته يصيرون إلى الموضع و كان عليه السّلام قد سبقهم إليه فيرفعون حوائجهم إليه فيقضيها لهم على منازلهم و طبقاتهم و ينصرفون إلى أماكنهم بالآيات و المعجزات و هو في حبس الأضداد (3).

و عن محمّد بن عبد اللّه قال:وقع أبو محمّد عليه السّلام و هو صغير في بئر الماء و أبو الحسن في الصلاة و النسوان يصرخن فلمّا سلم قال:لا بأس فرأوه و قد ارتفع الماء إلى رأس البئر و أبو محمّد على رأس الماء يلعب بالماء (4).

و من معجزاته عليه السّلام أنّ قبور الخلفاء من بني العبّاس بسرّ من رأى عليها من ذرق الخفافيش و الطيور ما لا يحصى و تنقى منها كلّ يوم و من الغد تكون القبور مملوّة ذرقا و لا يرى على رأس قبّة العسكري و لا علي قباب مشاهد آبائهما ذرق طير فضلا على قبورهم إلهاما للحيوانات و إجلالا لهم (5).

و عن جعفر بن الشريف الجرجاني قال:حججت سنة فدخلت على أبي محمّد عليه السّلام بسرّ من رأى و قلت:إنّ شيعتك بجرجان يقرأون عليك السلام قال:أ و لست منصرفا بعد فراغك من الحجّ؟

قلت:بلى.

قال:فإنّك تصير إلى جرجان من يومك هذا إلى مائة و سبعين يوما و تدخلها يوم الجمعة لثلاثط.


1) الخرائج و الجرائح:ج 1 ص 421،و عنه البحار:ج 50 ص 259 ح 20،و الثاقب في المناقب:217 ح 20.

2) الكافي:507/1،و إثبات الهداة:401/3 ح 6.

3) عيون المعجزات:137 و عنه البحار:304/50 ذ ح 80.

4) رياض الأبرار،مخطوط.

5) رياض الأبرار،مخطوط.

ليال يمضين من شهر ربيع الآخر في أوّل النهار فأعلمهم أنّي أوافيهم في ذلك اليوم لآخر النهار.

قال:فسرت و وافيت جرجان ذلك اليوم و جاءني أصحابنا يهنّؤني فوعدتهم أنّ الإمام وعدني أن يوافيكم آخر هذا اليوم فتناهبوا لما تحتاجون إليه من المسائل و الحوائج،فلمّا صلّوا الظهر و العصر إجتمعوا كلّهم في داري فو الله ما شعرنا إلاّ و قد وافانا أبو محمّد عليه السّلام فدخل إلينا و نحن مجتمعون فسلّم علينا فاستقبلناه و قبّلنا يده ثمّ قال:إنّي وعدت جعفر بن الشريف أن أوافيكم هذا اليوم فصلّيت الظهر و العصر بسرّ من رأى و صرت إليكم لأجدّد بكم عهدا و ها أنا قد جئتكم الآن فاجمعوا مسائلكم و حوائجكم كلّها فأوّل من ابتدأ المسألة النضر بن جابر قال:يابن رسول اللّه إنّ ابني جابرا أصيب ببصره منذ شهر فادع اللّه أن يردّ عليه عينيه.

قال:فهاته فمسح على عينيه فعاد بصيرا.ثمّ تقدّم رجل فرجل يسألونه حوائجهم و أجابهم إلى كلّ ما سألوه حتّى قضى حوائج الجميع و دعا لهم بخير و انصرف من يومه ذلك،انتهى ملخّصا (1).

و قال أبو جعفر:رأيت الحسن بن علي عليه السّلام يمشي في أسواق سر من رأى و لا ظل له (2).

و قال أبو جعفر:رأيت الحسن بن علي عليه السّلام يأخذ الآس فيجعله ورقا (3).

و قال أبو جعفر:رأيت الحسن بن علي عليه السّلام يرفع طرفه نحو السماء و يمد يده،فيردها مملوة لؤلؤا (4).

قال أبو جعفر:رأيت الحسن بن علي السراج عليه السّلام(و هو)يمر بأسواق سر من رأى،فما مر بباب مقفل إلا انفتح و لا دار إلا انفتح،و أنه كان ينبئنا بما كنا نعمله بالليل سرا و جهرا (5).

خبر مدّعي التشيع:

الإمام أبو محمد العسكري عليه السّلام في تفسيره:رواه أبو يعقوب يوسف بن زياد و علي بن سيار- رضي اللّه عنهما-قالا:حضرنا ليلة على غرفة الحسن بن علي بن محمد عليهم السّلام و قد كان ملك الزمان له معظما و حاشيته له مبجلين،إذ مر علينا والي البلد-والي الجسرين-و معه رجل مكتوف، و الحسن بن علي عليه السّلام مشرف من روزنته،فلما رآه الوالي ترجل عن دابته إجلالا له.

فقال الحسن بن علي عليهما السّلام:(عد إلى موضعك)فعاد و هو معظم له،و قال:يابن رسول اللّه أخذت هذا في هذه الليلة على باب حانوت صيرفي،فاتهمته بانه يريد نقبه و السرقة منه،فقبضت


1) بحار الأنوار:264/50 ح 22،و الخرائج و الجرائح:264/1 ح 4.

2) دلائل الإمامة:224 و عنه إثبات الهداة:432/3 صدر ح 126.

3) دلائل الإمامة:224 و عنه إثبات الهداة:432/3 قطعة من ح 126،و فيهما:ورقا بدل(درهما).

4) دلائل الإمامة:224 و عنه إثبات الهداة:432/3 ذ ح 126.

5) دلائل الإمامة:427 ح 6،و إثبات الهداة:346/6 ح 128.

عليه،فلما هممت بأن أضربه خمسمائة سوط و هذا سبيلي فيمن أتهمه ممن آخذه-لئلا يسألني فيه من لا أطيق مدافعته ليكون قد شقي ببعض ذنوبه قبل أن يأتيني و يسألني فيه من لا اطيق مدافعته.

فقال لي:إتق اللّه و لا تتعرض لسخط اللّه،فإني من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام و شيعة هذا الإمام أبي القائم بأمر اللّه عليه السّلام،فكففت عنه و قلت:أنا مارّ بك عليه،فإن عرفك بالتشيع أطلقت عنك و إلا قطعت يدك و رجلك بعد أن أجلدك ألف سوط،و قد جئتك به يابن رسول اللّه، فهل هو من شيعة علي عليه السّلام كما ادعى؟

فقال الحسن بن علي عليهما السّلام:(معاذ اللّه ما هذا من شيعة علي عليه السّلام،و إنما ابتلاه اللّه في يدك، لاعتقاده في نفسه أنه من شيعة علي عليه السّلام).

فقال الوالي:الآن كفيتني مؤونته،الآن أضربه خمسمائة ضربة لا حرج علي فيها.

فلما نحاه بعيدا قال:أبطحوه فبطحوه،و أقام عليه جلادين واحدا عن يمينه و آخر عن شماله، و قال:أوجعاه،فأهويا إليه بعصيهما،فكانا لا يصيبان إسته شيئا إنما يصيبان الأرض،فضجر من ذلك،و قال:و يلكما تضربان الأرض؟إضربا إسته،فذهبا يضربان إسته،فعدلت أيديهما فجعلا يضرب بعضهما بعضا و يصيح و يتأوه.

فقال لهما:و يحكما أمجنونان أنتما يضرب بعضكما بعضا؟إضربا الرجل.

فقالا:ما نضرب إلا الرجل و ما نقصد سواه،و لكن تعدل أيدينا حتى يضرب بعضنا بعضا.

قال:فقال:يا فلان و يا فلان و يا فلان حتى دعا أربعة و صاروا مع الأولين ستة،و قال:

أحيطوا به فأحاطوا به،فكان يعدل بأيديهم و ترفع عصيهم إلى فوق،و كانت لا تقع إلا بالوالي، فسقط عن دابته و قال:قتلتموني قتلكم اللّه ما هذا؟!

فقالوا:ما ضربنا إلا إياه!ثم قال لغيرهم:تعالوا فاضربوا هذا،فجاؤوا فضربوه بعد،فقال:

ويلكم إياي تضربون؟!

قالوا:لا و اللّه لا نضرب إلا الرجل!قال الوالي:فمن أين لي هذه الشجات برأسي و وجهي و بدني إن لم تكونوا تضربوني؟

فقالوا:شلت أيماننا إن كنا قد قصدناك بضرب،فقال الرجل للوالي:يا عبد اللّه أما تعتبر بهذه الألطاف التي بها يصرف عني هذا الضرب،و يلك ردني إلى الإمام و امتثل في أمره.

قال:فرده الوالي بعد إلى بين يدي الحسن بن علي عليهما السّلام،فقال:يابن رسول اللّه عجبا لهذا أنكرت أن يكون من شيعتكم،و من لم يكن من شيعتكم فهو من شيعة إبليس و هو في النار،و قد رأيت له من المعجزات ما لا يكون إلا للأنبياء،فقال الحسن بن علي عليهما السّلام قل:(أو للأوصياء)، فقال:أو للأوصياء

فقال الحسن بن علي عليهما السّلام للوالي:(يا عبد اللّه إنه كذب في دعواه-أنه من شيعتنا-كذبة لو

عرفها ثم تعمدها لابتلي بجميع عذابك له،و لبقي في المطبق ثلاثين سنة،و لكن اللّه تعالى رحمه لإطلاق كلمة على ما عنى،لا علي تعمد كذب،و أنت يا عبد اللّه فاعلم أن اللّه عزّ و جلّ قد خلصه من يديك،خل عنه فإنه من موالينا و محبينا و ليس من شيعتنا).

فقال الوالي:ما كان هذا كله عندنا إلا سواء،فما الفرق؟

قال له الإمام عليه السّلام:(الفرق أن شيعتنا هم الذين يتبعون آثارنا و يطيعونا في جميع أوامرنا و نواهينا،فأولئك من شيعتنا،فاما من خالفنا في كثير مما فرضه اللّه عليه فليسوا من شيعتنا).

قال الإمام عليه السّلام للوالي:(و أنت قد كذبت كذبة لو تعمدتها و كذبتها لابتلاك اللّه عزّ و جلّ بضرب ألف سوط و سجن ثلاثين سنة في المطبق)،قال:و ما هي يابن رسول الله؟

قال:(بزعمك أنك رأيت له معجزات،إن المعجزات ليست له إنما هي لنا أظهرها اللّه تعالى فيه إبانة لحججنا و إيضاحا لجلالتنا و شرفنا،و لو قلت:شاهدت فيه معجزات لم انكره عليك،أليس إحياء عيسى عليه السّلام الميت معجزة؟أفهي للميت أم لعيسى؟أو ليس خلق من الطين كهيئة الطير فصار طيرا بإذن اللّه؟أهي للطائر أو لعيسى؟أو ليس الذين جعلوا قردة خاسئين معجزة،أفهي معجزة للقردة أو لنبي ذلك الزمان؟)

فقال:الوالي أستغفر اللّه ربي و أتوب إليه.

ثم قال الحسن بن علي عليهما السّلام للرجل الذي قال إنه من شيعة علي عليه السّلام:يا عبد اللّه لست من شيعة علي عليه السّلام إنما أنت من محبيه و إنما شيعة علي عليه السّلام الذين قال اللّه تعالى فيهم: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (1)هم الذين آمنوا باللّه و وصفوه بصفاته و نزهوه عن خلاف صفاته،و صدقوا محمدا في أقواله و صوبوه في كل أفعاله،و رأوا عليا بعده سيدا إماما و قرما هماما لا يعدله من أمة محمد أحد،و لا كلهم إذا اجتمعوا في كفة يوزنون بوزنه،بل يرجح عليهم كما ترجح السماء و الأرض على الذرة.و شيعة علي عليه السّلام هم الذين لا يبالون في سبيل اللّه أوقع الموت عليهم أو وقعوا على الموت،و شيعة علي عليه السّلام هم الذين يوثرون إخوانهم على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة،و هم الذين لا يراهم اللّه حيث نهاهم و لا يفقدهم من حيث أمرهم، و شيعة علي عليه السّلام هم الذين يقتدون بعلي في إكرام إخوانهم المومنين،ما عن قولي أقول لك هذا،بل أقوله عن قول محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،فذلك قوله تعالى: وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ قضوا الفرائض كلها بعد التوحيد و اعتقاد النبوة و الإمامة،و أعظمها فرضان قضاء حقوق الإخوان في اللّه و استعمال التقية من أعداء اللّه عزّ و جلّ (2).3.


1) سورة البقرة،الآية:82.

2) مدينة المعاجز،السيد هاشم البحراني:591/7،و تفسير الإمام عليه السلام:316 ح 161 و عنه البحار: 160/68-163.

خبر الحصاة و طبع الإمام عليها

و روى أبو هاشم الجعفري رضي اللّه عنه قال:كنت عند الحسن عليه السّلام فاستؤذن لرجل من أهل اليمن، فدخل رجل جسيم طويل جميل،فسلم عليه بالولاية،فرد عليه بالقبول،و أمره بالجلوس،فجلس إلى جنبي فقلت في نفسي:ليت شعري من هذا؟

فقال عليه السّلام:هذا ولد الأعرابية صاحبة الحصاة التي طبع فيها آبائي عليهم السّلام.

ثم قال:هاتها،فأخرج حصاة و ناوله إياها فأخرج عليه السّلام خاتمة و طبعها،و كأني أقرأ الخاتم الساعة الحسن بن علي عليه السّلام.

فقلت لليماني:أرأيته قبل هذه الساعة؟

قال:لا و اللّه و إني منذ دهري حريص على رؤيته حتى أذن لي في الدخول،ثم نهض و هو يقول:رحمة اللّه و بركاته عليكم أهل البيت ذرية بعضها من بعض،أشهد أن حقك واجب كوجوب حق رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و حق أمير المؤمنين عليه السّلام و الأئمة من بعده عليه السّلام و إليك انتهت الحكمة و الإمامة، و إنك و اللّه الإمام و لا عذر لأحد في الجهل بك.

فسألت عن اسمه فقيل لي:مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان بن غانم بن أم غانم الاعرابية صاحبة الحصاة التي طبع فيها أمير المؤمنين عليه السّلام (1)

قال أبو عبد الله بن عياش:هذه أم غانم صاحبة الحصاة غير تلك صاحبة الحصاة،و هي أم الندى حبابة بنت جعفر الوالبية الأسدية،و هي غير صاحبة الحصاة الأولى التي طبع فيها رسول الله صلى الله عليه و آله و أمير المؤمنين عليه السلام،فإنها أم سليم-و كانت وارثة الكتب-،فهن ثلاث و لكل واحدة منهن خبر قد رويته،و لم أطل الكتاب بذكره.إعلام الورى:353-354،و كشف الغمة:431/2-432،و البحار: 302/50 ح 78.

.

و في ذلك يقول أبو هاشم الجعفري رضي اللّه عنه:

له اللّه صفا بالدليل فأخلصا بدرب الحصى مولى لنا يختم الحصا

و أعطاه آيات الإمامة كلها كموسى و فلق البحر و اليد و العصا

فما قمص اللّه النبيين حجة و معجزة إلا الوصيين قمصا

فمن كان مرتابا بذاك فقصره من الأمر ما يتلو الدليل و يفحصا (2)


1) الكافي 347/1 ح 4 و عنه الوافي:144/2 ح 615 و في البحار:179/25 ح 3 و عن إعلام الورى الآتي ذيلا و غيبة الطوسي:203 ح 171.و رواه في إثبات الوصية:211 مختصرا و في الثاقب في المناقب:561 ح 1 باختلاف يسير.

2) وفيات الأئمة:402.

إتيانه الرجل في المنام:

و عن الفضل بن الحارث قال:كنت بسر من رأى وقت خروج سيدي أبي الحسن عليه السّلام،فرأينا أبا محمد عليه السّلام ماشيا قد شق ثيابه،فجعلت أتعجب من جلالته و ما هو له أهل و من شدة اللون و الأدمة،و أشفق عليه من التعب!فلما كانت الليلة رأيته عليه السّلام في منامي،فقال:(اللون الذي تعجبت منه إختيار من اللّه لخلقه يجريه كيف يشاء و إنها لعبرة لأولي الأبصار،لا يقع فيه غير المختبر،و لسنا كالناس فنتعب كما يتعبون،فنسأل اللّه الثبات و نتفكر في خلق اللّه،فإن فيه متسعا،و اعلم إن كلامنا في النوم مثل كلامنا في اليقظة) (1).


خبر أم القائم عليه السّلام و ما جرى من معاجز

ابن بابويه:باسناده عن محمد بن بحر الشيباني في حديث طويل يذكر فيه خبر أم القائم عليه السّلام عن بشر بن سليمان و قد أرسله أبو الحسن الثالث علي بن محمد الهادى عليه السّلام إلى شرائها-و ذكر الحديث إلى أن قال بشر بن سليمان النخاس-:فامتثلت جميع ماحده لي مولاي أبو الحسن عليه السّلام في أمر الجارية،فلما نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا،و قالت لعمر بن يزيد النخاس:بعني من صاحب هذا الكتاب،و حلفت بالمحرجة المغلظة إنه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها،فما زلت أشاحه في ثمنها حتى إستقر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي عليه السّلام من الدنانير في الشنسفة الصفراء،فاستوفاه مني و تسلمت منه الجارية ضاحكة مستبشرة،و انصرفت بها إلى حجرتي التي كنت آوي إليها ببغداد،فما أخذها القرار حتى أخرجت كتاب مولاها عليه السّلام من جيبها و هي تلثمه و تضعه على خدها و تطبقه على جفنها و تمسحه على بدنها.

فقلت تعجبا منها:أتلثمين كتابا و لا تعرفين صاحبه؟

قالت:أيها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء أعرني و فرغ لي قلبك،أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم،و أمي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون،أنبئك العجب العجيب،إن جدي قيصر أراد أن يزوجني من ابن أخيه و أنا من بنات ثلاث عشرة سنة، فجمع في قصره من نسل الحواريين و من القسيسين و الرهبان ثلاثمائة رجل،و من ذوى الاخطار سبعمائة رجل،و جمع من أمراء الأجناد و قواد العساكر و نقباء الجيوش و ملوك العشائر أربعة آلاف، و أبرز هو من بهو ملكه عرشا مصنوعا من أنواع الجواهر إلى صحن القصر،فرفعه فوق أربعين


1) مناقب آل أبي طالب:434/4،و أخرجه في البحار:300/50 ح 75 عن اختيار معرفة الرجال:574 ح 1087.

مرقاة،فلما صعد ابن أخيه و أحدقت به الصلبان و قامت الأساقفة عكفا و نشرت أسفار الانجيل تسافلت الصلبان من الأعالي فلصقت بالأرض،و تقوضت الأعمدة فانهارت إلى القرار،و خر الصاعد من العرش مغشيا عليه،فتغيرت ألوان الاساقفة و ارتعدت فرائصهم.

فقال كبيرهم لجدي:أيها الملك أعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالة على زوال هذا الدين المسيحي و المذهب الملكاني،فتطير جدّي من ذلك تطيرا شديدا،و قال:للأساقفة:أقيموا هذه الأعمدة و ارفعوا الصلبان و احضروا أخا هذا المدبر العاثر المنكوس جدّه لأزوج منه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده،فلما فعلوا ذلك حدث على الثاني ما حدث على الأول،و تفرق الناس و قام جدي قيصر مغتما،فدخل قصره و أرخيت الستور،فأريت في تلك الليلة كأن المسيح و شمعون و عدة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدي و نصبوا فيه منبرا يباري السماء علوا و ارتفاعا في الموضع الذي كان جدي نصب فيه عرشه،فدخل عليهم محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مع فتية و عدة من بنيه،فيقوم إليه المسيح فيعتنقه فيقول(له):يا روح اللّه إني جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، و أومى بيده إلى أبي محمد صاحب هذا الكتاب،فنظر المسيح إلى شمعون فقال له:قد أتاك الشرف فصل رحمك برحم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

قال:قد فعلت.

فصعد ذلك المنبر و خطب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و زوجني(من إبنه)و شهد المسيح عليه السّلام و شهد بنو محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و الحواريون،فلما استيقظت من نومى أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي و جدّي مخافة القتل،فكنت أسرها في نفسي و لا أبديها لهم،و ضرب بصدري بمحبة أبي محمد عليه السّلام حتى امتنعت من الطعام و الشراب،و ضعفت نفسي و دق شخصي و مرضت مرضا شديدا،فما بقي في مدائن الروم طبيب إلا أحضره جدي و سأله عن دوائي.

فلما برح به اليأس قال:يا قرة عيني فهل تخطر ببالك شهوة فأزودكها في هذه الدنيا؟

فقلت:يا جدي أرى أبواب الفرج عليّ مغلقة،فلو كشفت العذاب عمن في سجنك من أسارى المسلمين و فككت عنهم الأغلال و تصدقت عليهم و منيتهم بالخلاص لرجوت أن يهب المسيح و أمه لي عافية و شفاء،فلما فعل ذلك جدي تجلدت في إظهار الصحة في بدني و تناولت يسيرا من الطعام،فسر بذلك جدي و أقبل على إكرام الأسارى و إعزازهم،فأريت أيضا بعد أربع ليال كأنّ سيدة النساء قد زارتني و معها مريم بنت عمران و ألف و صيفة من وصائف الجنان،فتقول لي مريم:هذه سيدة النساء أم زوجك أبي محمد عليه السّلام،فاتعلق بها و أبكي و أشكو إليها امتناع أبي محمد من زيارتي.

فقالت لي سيدة النساء عليها السلام:(إن ابني أبا محمد لا يزورك و أنت مشركة باللّه جل ذكره و على مذهب النصارى،و هذه أختي مريم تبرأ إلى اللّه عزّ و جلّ من دينك،فإن ملت إلى رضا اللّه عزّ

و جلّ و رضا المسيح و مريم عنك و زيارة أبي محمد عليه السّلام إياك فتقولي:أشهد أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه)،فلما تكلمت بهذه الكلمة ضمتني سيدة النساء إلى صدرها و طيبت لي نفسي، و قالت:(الآن توقعي زيارة أبي محمد عليه السّلام إياك فإني منفذته إليك)،فانتبهت و أنا أقول:و اشوقاه إلى لقاء أبي محمد عليه السّلام،(فلما كانت الليلة القابلة جاءني أبو محمد عليه السّلام في منامي،فرأيته كأني أقول له:جفوتني يا حبيبي بعد أن شغلت قلبى بجوامع حبك).

قال:(ما كان تأخيري عنك إلا لشركك و إذ أسلمت فأنا زائرك في كل ليلة إلى أن يجمع اللّه شملنا في العيان)،فما قطع عني زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.

قال بشر:فقلت لها:و كيف وقعت في الأسارى؟

فقالت:أخبرني أبو محمد عليه السّلام ليلة من الليالي(أن جدّك سيسير جيوشا إلى قتال المسلمين يوم كذا ثم يتبعهم،فعليك باللحاق بهم متنكرة في زي الخدم مع عدة من الوصائف من طريق كذا)، ففعلت،فوقعت علينا طلائع المسلمين حتى كان من أمري ما رأيت و ما شاهدت،و ما شعر أحد بأني إبنة ملك الروم إلى هذه الغاية سواك،و ذلك بإطلاعي إياك عليه،و لقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته و قلت:نرجس،فقال إسم الجواري.

فقلت:العجب إنك رومية و لسانك عربي؟

قال:بلغ من ولوع جدي و حمله إياي على تعلم الأداب أن أوعز إلى إمراة ترجمان له في الإختلاف إلي،فكانت تقصدني صباحا و مساء و تفيدني العربية حتى استمر عليها لساني و استقام.

قال بشر:فلما انكفأت بها إلى سر من رأى دخلت على مولانا أبي الحسن العسكري عليه السّلام فقال لها:(كيف أراك اللّه عزّ الإسلام و ذل النصرانية و شرف أهل بيت محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)؟

قالت:كيف أصف لك يابن رسول اللّه ما أنت أعلم به مني؟

قال:(فإني أحب أن أكرمك فأيما أحب إليك عشرة آلاف درهم؟أم بشرى لك فيها شرف الأبد؟)

قالت:بل البشرى،قال عليه السّلام:(فابشري بولد يملك الدنيا شرقا و غربا و يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت جورا و ظلما)،قالت:ممن؟

قال عليه السّلام(ممن خطبك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم له من ليلة كذا من شهر كذا من سنة كذا بالرومية)، قالت:من المسيح و وصيه؟

قال:(ممن زوجك المسيح و وصيه)،قالت:من إبنك أبي محمد؟

قال:(فهل تعرفينه؟)

قالت:و هل خلوت ليلة من زيارته إياي منذ الليلة التي أسلمت فيها على يد سيدة النساء أمه.

فقال أبو الحسن عليه السّلام:(يا كافور أدع لي أختي حكيمة)،فلما دخلت عليه قال عليه السّلام لها:(ها هي)،فاعتنقتها طويلا و سرّت بها كثيرا.

فقال لها مولانا:(يا بنت رسول اللّه أخرجيها إلى منزلك و علميها الفرائض و السنن فإنها زوجة أبي محمد و أم القائم عليه السّلام) (1).


المعجزة الكبرى

في عيون المعجزات عن أبي هاشم قال:دخلت على أبي محمّد عليه السّلام و كان يكتب كتابا فحان وقت الصلاة الأولى فوضع الكتاب من يده و قام عليه السّلام إلى الصلاة،فرأيت القلم يمرّ على باقي القرطاس من الكتاب و يكتب حتّى انتهى إلى آخره فخررت ساجدا فلمّا انصرف من الصلاة أخذ القلم يبده و أذن للناس (2).

قال السيد الجزائري في الرياض:إنّي قبل الاطّلاع على هذا الحديث بيوم كنت أفكّر كثيرا بأنّ الأئمّة صلوات اللّه عليهم لهم فنون المعجزات و كلّ شيء كان يطيعهم و يقوم بأمرهم و لم يتّفق هذا النوع من الإعجاز و هو كتابة القلم بنفسه و كنت كثير الشوق إلى الاطّلاع على مثله حتّى منّ اللّه سبحانه بإعجازهم على الاطّلاع على هذا الحديث بعده بيوم (3).


صلاة الاستسقاء

و في الخرائج عن علي بن الحسن بن سابور قال:قحط الناس بسرّ من رأى في زمن الحسن الأخير عليه السّلام فأمر الخليفة الحاجب و أهل المملكة أن يخرجوا إلى الاستسقاء فخرجوا ثلاثة أيّام متوالية يستسقون و يدعون فما سقوا فخرج الجاثليق في اليوم الرابع إلى الصحراء و معه النصارى و الرهبان و كان فيهم راهب فلمّا مدّ يده هطلت السماء بالمطر فشكّ أكثر الناس و تعجّبوا و مالوا إلى دين النصرانية.

فأنفذ الخليفة إلى الحسن عليه السّلام و كان محبوسا فاستخرجه من محبسه و قال:إلحق أمّة جدّك فقد هلكت.

فقال:إنّي خارج في الغد و مزيل الشكّ إن شاء اللّه.


1) كمال الدين:419 ذ ح 1،دلائل الإمامة:264-267.

2) بحار الأنوار:ج 50 ص 304 ح 80.

3) رياض الأبرار،مخطوط.

فخرج الجاثليق في اليوم الثالث و الرهبان معه و خرج الحسن عليه السّلام في نفر من أصحابه فلمّا بصر بالراهب و قد مدّ يده أمر بعض مماليكه أن يقبض على يده اليمنى و يأخذ ما بين إصبعيه ففعل و أخذ من بين سبّابتيه عظما أسود،و أخذه الحسن بيده ثمّ قال له:إستسق الآن فاستسقى و كان السماء متغيّما فتقشّعت و طلعت الشمس بيضاء.

فقال الخليفة:ما هذا العظم يا أبا محمّد؟

قال:هذا رجل مرّ بقبر نبيّ من الأنبياء فوقع إلى يده هذا العظم و ما كشف عن عظم نبيّ إلاّ و هطلت السماء بالمطر (1).

لحا اللّه قوما وازنوك بمن عتى على اللّه عدوانا فهدم دينه

يظنون أن القطر ينزل سرعة إذا مد من غطى العقول يمينه

و لم يعلموا عظم النبي بكفه و من أين هذا السر يستخرجونه

فلولاك ردت للتنصر أمة لجدك قدما دينه يرتضونه

أيا شر خلق اللّه كيف عمدتم إلى نور خلاق الورى تطفئونه

صلاة إلهي لا تزال تحفه متى البان أهفى الريح منه غصونه (2)

و روي أنّ أهل الشوش-و هو الآن من أعمال الجويزة-شكوا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو إلى أمير المؤمنين عليه السّلام كثرة الأمطار،فكتب عليه السّلام إليهم:إنّ عظام أخي دانيال عندكم تحت السماء و السماء تبكي عليه فواروها في القبر و دلّهم عليها فلمّا دفنوها سكنت الأمطار و قبره الآن معروف في الشوش على جرف النهر الذي حفره شابور وصلنا إلى زيارته مرارا و الناس يتبرّكون به (3).


في أسرار أبي محمد الحسن العسكري عليه السّلام

خبر البساط

علي بن عاصم الكوفي قال:دخلت على أبي محمد العسكري عليه السّلام فقال لي:يا علي بن عاصم انظر إلى ما تحت قدميك فإنّك على بساط قد جلس عليه كثير من النبيين و المرسلين،و الأئمة الراشدين.

قال:فقلت:يا سيدي لا أتنعل ما دمت في الدنيا إكراما لهذا البساط؟


1) الخرائج:441/1 ح 23،الثاقب في المناقب:575 ح 7.و أخرجه في كشف الغمة:429/2 و إثبات الهداة:419/3 ح 68 عن الخرائج،و في البحار:270/50 ح 37.

2) وفيات الأئمة:406.

3) رياض الأبرار،مخطوط.

فقال:يا علي إن هذا النعل الذي في رجلك نجس ملعون لا يقرّ بولايتنا.

قال:فقلت في نفسي:ليتني أرى هذا البساط،فعلم ما في ضميري.

فقال عليه السّلام:إدن مني،فدنوت منه،فمسح يده الشريفة على وجهي فصرت بصيرا قال:فرأيت في البساط أقداما و صورا.

فقال عليه السّلام:هذا قدم آدم عليه السّلام و موضع جلوسه،و هذا أثر هابيل،و هذا أثر شيث،و هذا أثر نوح،و هذا أثر قيدار،و هذا أثر مهلائيل،و هذا أثر دياد (1)،و هذا أثر اخنوخ،و هذا أثر إدريس، و هذا أثر توشلح (2)،و هذا أثر سام،و هذا أثر أرفخشد،و هذا أثر هود،و هذا أثر صالح،و هذا أثر لقمان،و هذا أثر إبراهيم،و هذا أثر لوط،و هذا أثر إسماعيل،و هذا أثر إلياس،و هذا أثر إسحاق، و هذا أثر يعقوب،و هذا أثر يوسف،و هذا أثر شعيب،و هذا أثر موسى،و هذا أثر يوشع بن نون، و هذا أثر طالوت،و هذا أثر داود،و هذا أثر سليمان،و هذا أثر الخضر،و هذا أثر دانيال،و هذا أثر اليسع،و هذا أثر ذو القرنين إسكندر،و هذا أثر سابور بن أرشير (3)،و هذا أثر لؤي،و هذا أثر كلاّب،و هذا أثر قصي،و هذا أثر عدنان،و هذا أثر عبد المطلب،و هذا أثر عبد اللّه،و هذا أثر عبد مناف،و هذا أثر سيّدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و هذا أثر أمير المؤمنين عليه السّلام،و هذا أثر الأوصياء من بعده إلى المهدي عليه السّلام لأنه قد وطئه و جلس عليه.

ثم قال عليه السّلام:انظر إلى الآثار و اعلم أنها آثار دين اللّه،و أن الشاك فيهم كالشاك في اللّه،و من جحدهم كمن جحد اللّه،ثم قال:اخفض طرفك يا علي،فرجعت محجوبا كما كنت (4).

و روي هذا الحديث بطريق آخر،و في آخره قال علي بن عاصم:فأهويت على الأقدام كلّها فقبّلتها و قبّلت يد الإمام عليه السّلام و قلت له:إنّي عاجز عن نصرتكم بيدي و ليس أملك غير موالاتكم و البراءة من أعدائكم و اللّعن بهم في خلواتي فكيف حالي يا سيّدي؟

فقال:حدّثني أبي عن جدّي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:من ضعف عن نصرتنا أهل البيت و لعن في خلواته أعداءنا بلغ اللّه صوته إلى جميع الملائكة فكلّما لعن أحدكم أعداءنا عدته الملائكة و لعنوا من لا يلعنهم فإذا بلغ صوته إلى الملائكة إستغفروا له و أثنوا عليه و قال:اللّهم صلّ على روح عبدك هذا الذي بذل في نصرة أوليائه جهده و لو قدر على أكثر من ذلك لفعل فإذا النداء من قبل اللّه يقول:

يا ملائكتي إنّي قد أجبت دعاءكم في عبدي و صلّيت على روحه مع أرواح الأبرار و جعلته من المصطفين الأخيار (5).9.


1) في البحار:ياره.

2) في نسخة متوشلح و هو المشهور و كذا في البحار.

3) في البحار:شابور بن أردشير.

4) بحار الأنوار:304/50 ح 81.

5) بحار الأنوار:316/50 ح 13،و مستدرك سفينة البحار:265/9.

روي بتفصيل أكبر عن علي بن عاصم الكوفي قال:دخلت على أبي محمد عليه السّلام بالعسكر فقال لي:(يا علي بن عاصم انظر إلى ما تحت قدميك)،فنظرت مليا فوجدت شيئا ناعما،فقال لي:(يا علي أنت على بساط قد جلس عليه و وطأه كثير من النبيين و المرسلين و الأئمة الراشدين)،فقلت:يا مولاي لا أتنعل ما دمت في الدنيا إعظاما لهذا البساط،فقال:(يا علي إن هذا الذي في قدمك من الخف جلد ملعون نجس رجس لم يقر بولايتنا و إمامتنا)،فقلت:و حقك يا مولاي لا لبست خفا و لا نعلا أبدا،و قلت في نفسي:كنت أشتهي أن أرى هذا البساط بعيني،فقال:(أدن يا علي)فدنوت، فمسح بيده المباركة على عيني،فعدت باللّه بصيرا،فأدرت عيني في البساط فقال:(يا علي تحب أن ترى آثار أرجل النبيين و المرسلين و الأئمة الراشدين الذين وطئوا هذا البساط و مجالسهم عليه)، فقلت:نعم يا مولاي.

و رأيت أقداما مصورة و مرابع جلوس في البساط.

فقال لي:(هذا أثر قدم آدم و موضع جلوسه،و هذا قدم قابيل إلى أن لعن و قتل هابيل،و هذا قدم هابيل،و هذا أثر جلوس شيث،و هذا أثر أخنوخ،و هذا أثر قيدار و هذا أثر هلابيل،و هذا أثر يرد،و هذا أثر إدريس،و هذا أثر متوشلخ،و هذا أثر نوح،و هذا أثر سام،و هذا أثر أرفخشد،و هذا أثر أبو يعرب،و هذا أثر هود،و هذا أثر صالح،و هذا أثر لقمان،و هذا أثر لوط،و هذا أثر إبراهيم، و هذا أثر إسماعيل،و هذا أثر إلياس،و هذا أثر أبو قصي بن إلياس،و هذا أثر إسحاق،و هذا أثر يعقوب و هو إسرائيل،و هذا أثر يوسف،و هذا أثر شعيب،و هذا أثر موسى بن عمران،و هذا أثر هارون،و هذا أثر يوشع بن نون،و هذا أثر زكريا،و هذا أثر يحيى،و هذا أثر داود،و هذا أثر سليمان،و هذا أثر الخضر،و هذا أثر ذي الكفل،و هذا أثر اليسع،و هذا أثر ذي القرنين الإسكندر، و هذا أثر سابور،و هذا أثر لؤى،و هذا أثر كلاب و هذا أثر قصي،و هذا أثر عدنان،و هذا أثر هاشم،و هذا أثر عبد المطلب،و هذا أثر عبد اللّه،و هذا أثر سيدنا محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و هذا أثر أمير المؤمنين عليه السّلام و هذا أثر الحسن،و هذا أثر الحسين،و هذا أثر علي بن الحسين،و هذا أثر محمد بن علي الباقر،و هذا أثر جعفر بن محمد،و هذا أثر موسى بن جعفر،و هذا أثر علي بن موسى،و هذا أثر محمد بن علي،و هذا أثر أبي علي بن محمد،و هذا أثري،و هذا أثر إبني المهدي عليه السّلام،لأنه قد وطأه و جلس عليه).

فقال علي بن عاصم:فخيل لي و اللّه من رد بصري و نظري إلى ذلك البساط،و هذه الآيات كلها أني نائم و أني أحلم بما رأيت،فقال لي:أبو محمد عليه السّلام:(إثبت يا علي فما أنت بنائم و لا بحالم،فانظر إلى هذه الآثار و اعلم أنها لمن آثار دين اللّه،فمن زاد فيهم كفرو من نقص أحدا كفر، و الشاك في الواحد منهم كالشاك الجاحد لله،غض طرفك يا علي.

فغضضت طرفي محجبا.

فقلت:يا سيدي فمن يقول إنهم مائة ألف و أربعة و عشرون ألف نبي أهولاء؟

ثم قال:(إذا علم ما قال لم يأثم).

فقلت:يا سيدي فأعلمني علمهم حتى لا أزيد و لا أنقص منهم.

قال:(يا علي الأنبياء و الرسل و الأوصياء و الأئمة هولاء الذين رأيت آثارهم في البساط لا يزيدون و لا ينقصون،و مائة ألف و أربعة و عشرون ألف الذين تنبأوا من أنبياء اللّه و رسله و حججه، فآمنوا باللّه و عملوا ما جاءتهم به الرسل من الكتب و الشرائع،فمنهم الصديقون و الشهداء و الصالحون و كلهم هم المؤمنون،و هذا عددهم منذ هبط آدم عليه السّلام من الجنة إلى أن بعث اللّه جدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

فقلت:الحمد لله و الشكر لذلك الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه (1).

و من ذلك ما رواه الحسن بن حمدان عن أبي الحسن الكرخي قال:كان أبي بزازا في الكرخ فجهّزني بقماش إلى سر من رأى فلما دخلت إليها جاءني خادم و ناداني باسمي و اسم أبي،و قال:

أجب مولاك،فقلت:و من مولاي حتى أجيبه؟

فقال:ما على الرسول إلاّ البلاغ المبين!قال:فتبعته فجاء بي إلى دار عظيمة البناء لا أشكّ أنّها الجنّة،و إذا رجل جالس على بساط أخضر و نور جلاله يغشي الأبصار فقال لي:إنّ فيما حملت من القماش حبرتين إحداهما في مكان كذا،و الاخرى في مكان كذا في السفط الفلاني،و في كل واحدة منهما رقعة مكتوب فيها ثمنها و ربحها،و ثمن إحداهما ثلاثة و عشرون دينارا و الربح ديناران، و ثمن الأخرى ثلاثة عشر دينارا،و الربح كالأولى،فاذهب فأت بهما.

قال الرجل:فرجعت فجئت بهما إليه فوضعتهما بين يديه فقال لي:إجلس فجلست لا أستطيع النظر إليه إجلالا لهيبته،قال:فمد يده إلى طرف البساط و ليس هناك شيء فقبض قبضة،و قال:هذا ثمن حبرتيك و ربحهما،قال:فخرجت و عددت المال في الباب فكان المشترى و الربح كما كتب أبي لا يزيد و لا ينقص (2).


طي الأرض للإمام العسكري عليه السّلام

و عن جعفر بن الشريف الجرجاني قال:حججت سنة فدخلت على أبي محمّد عليه السّلام بسرّ من رأى و قلت:إنّ شيعتك بجرجان يقرأون عليك السلام.قال:أ و لست منصرفا بعد فراغك من الحجّ؟


1) الهداية الكبرى للحضيني:6 و آخره في البحار:33/11 و ج 304/50 ح 81 عن مشارق أنوار اليقين: 100-101 مختصرا.

2) بحار الأنوار:314/50 ح 12.

قلت:بلى.

قال:فإنّك تصير إلى جرجان من يومك هذا إلى مائة و سبعين يوما و تدخلها يوم الجمعة لثلاث ليال يمضين من شهر ربيع الآخر في أوّل النهار فأعلمهم أنّي أوافيهم في ذلك اليوم لآخر النهار.

قال:فسرت و وافيت جرجان ذلك اليوم و جاءني أصحابنا يهنّأني فوعدتهم أنّ الإمام وعدني أن يوافيكم آخر هذا اليوم فتناهوا لما تحتاجون إليه من المسائل و الحوائج،فلمّا صلّوا الظهر و العصر إجتمعوا كلّهم في داري فو الله ما شعرنا إلاّ و قد و افانا أبو محمّد عليه السّلام فدخل إلينا و نحن مجتمعون فسلّم علينا فأستقبلناه و قبّلنا يده ثمّ قال:إنّي وعدت جعفر بن الشريف أن أوافيكم هذا اليوم فصلّيت الظهر و العصر بسرّ من رأى و صرت إليكم لأجدّد بكم عهدا و ها أنا قد جئتكم الآن فاجمعوا مسائلكم و حوائجكم كلّها فأوّل من ابتدأ المسألة النضر بن جابر قال:يابن رسول اللّه إنّ ابني جابرا أصيب ببصره منذ شهر فادع اللّه أن يردّ عليه عينيه.

قال:فهاته فمسح على عينيه فعاد بصيرا ثمّ تقدّم رجل فرجل يسألونه حوائجهم و أجابهم إلى كلّ ما سألوه حتّى قضى حوائج الجميع و دعا لهم بخير و انصرف من يومه ذلك،انتهى ملخّصا (1).


قدرة الإمام العسكري عليه السّلام على تسخير العدو

عن محمد بن إسماعيل العلوى قال:حبس أبو محمد عند علي بن نارمش-و هو أنصب الناس و أشدهم على آل أبي طالب عليهم السّلام-و قيل له:إفعل به و افعل،فما أقام عنده إلا يوما حتى وضع خديه له،و كان لا يرفع بصره إليه إجلالا و اعظاما،فخرج عليه السّلام من عنده و هو أحسن الناس بصيرة و أحسنهم فيه قولا (2).

أقول:يقتضي هذا الحديث توضيح قدرة آل محمد عليهم السّلام و مصدرها و علاقتها باللّه تعالى و قدرته و هل هي مستقلة أم لا،و قد تقدم في ما مضى من أجزاء توضيح بعض المطالب المتعلقة في ذلك، و نبحث هنا إستقلالية آل محمد أو التفويض إليهم في الأمور الخارقة للعادة.



1) الخرائج و الجرائح:426/1 ح 4،بحار الأنوار:264/50 ح 22.

2) الكافي:508/1 ح 8.

بحث حول التفويض و أدلته

معنى الغلو و التفويض

الغلو هو تجاوز الحدّ،و أطلق في القرآن الكريم على من ادعى الألوهية لغير اللّه أو ادّعى ان للّه شريكا،قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ إلى أن قال قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ (1).

و قال تعالى: اَللّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ (2).

فمن ادّعى أنّ المسيح أو غيره هو اللّه فقد كفر و صدق في حقّه الغلو لأنه تجاوز الحد في قوله في عيسى عليه السّلام.

و من قال إن للّه شركاء يخلقون كما يخلق،و يرزقون كما يرزق،و يحيون كما يحيي؛فقد كفر و صدق في حقّه الغلو،و نريد«كما»الإستقلالية في التصرف على حدّ تصرّف اللّه في كائناته.

أمّا من قال إن اللّه أعطى لبعض عباده قدرة الاحياء و الإماتة و الرزق فإن الآيات لم تتعرّض له.

و دليل ذلك لقوله تعالى: هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ فحكمت على القائل بمقولة الغلو أنّه يجعل للّه شريكا،فهو يعطيه قدرة الرزق و الإحياء في عرض قدرة اللّه و بالاستقلال،و لا يعطيه الرزق و الإماتة في طول (3)رزق اللّه و إماتته،كيف و اللّه قد فوّض الإماتة لملك الموت و للملائكة في طول أنّ اللّه هو المميت كما يأتي.

هذا في الآيات القرآنية.

-أمّا في الروايات:فأطلق الغلو على من ادعى الألوهية لأمير المؤمنين أو أحد أبنائه:أو أن اللّه فوّض إليهم الامور بالاستقلال.

و المتتبّع للروايات يدرك ذلك و سوف أنقل لك كلام العلاّمة المجلسي الذي وقف على جلّ هذه الروايات و خرج بالنتيجة التالية قال:

فذلكة:

إعلم أن الغلو في النبي و الأئمّة:إنّما يكون بالقول بألوهيتهم أو بكونهم شركاء للّه تعالى في المعبودية أو في الخلق و الرزق أو إن اللّه تعالى حلّ فيهم أو اتحد بهم،أو إنّهم يعلمون الغيب بغير


1) سورة المائدة،الآية:72 و 77.

2) سورة الروم،الآية:40.

3) مرادنا بالطولية هنا انّه ليس شريكا و إلاّ تقدّم أنّ حقيقة الولاية هي المظهرية.

و حي أو إلهام من اللّه تعالى،أو بالقول في الأئمّة:إنّهم كانوا أنبياء أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض أو القول بأن معرفتهم تغني عن جميع الطاعات و لا تكليف معها بترك المعاصي.

و القول بكل منها إلحاد و كفر و خروج عن الدين،كما دلّت عليه الأدلّة العقلية و الآيات و الأخبار السالفة و غيرها،و قد عرفت أن الأئمّة عليهم السّلام تبرأوا منهم و حكموا بكفرهم و أمروا بقتلهم و إن قرع سمعك شيء من الأخبار الموهمة لشيء من ذلك فهي إما مأوّلة أو هي من مفتريات الغلاة.

و لكن أفرط بعض المتكلّمين و المحدّثين في الغلو لقصورهم عن معرفة الأئمّة عليهم السّلام و عجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم و عجائب شؤونهم فقدحوا في كثير من الرواة الثقاة لنقلهم بعض غرائب المعجزات حتى قال بعضهم:من الغلو نفي السهو عنهم أو القول بأنّهم يعلمون ما كان و ما يكون و غير ذلك.

مع أنّه قد ورد في أخبار كثيرة:«لا تقولوا فينا ربّا و قولوا ما شئتم و لن تبلغوا»و ورد:«إنّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلاّ ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن اللّه قلبه للإيمان» و ورد:«لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله»،و غير ذلك ممّا مرّ و سيأتي (1).

و قال في موضع آخر:(قد عرفت مرارا أن نفي علم الغيب عنهم معناه أنّهم لا يعلمون ذلك من أنفسهم بغير تعليمه تعالى بوحي أو إلهام و إلاّ،فظاهر أن عمدة معجزات الأنبياء و الأوصياء عليهم السّلام من هذا القبيل) (2).

و للعلاّمة الأميني كلام مشابه جميل لا بأس بالرجوع إليه (3).

-و لا بأس بالإشارة إلى اختلاف الشيعة في زمن الإمام الباقر عليه السّلام بالتفويض،و كذا في زمن الإمام المنتظر عجل اللّه فرجه و عصر الغيبة.

فعن علي بن أحمد الدلاّل قال:إختلف جماعة من الشيعة في أنّ اللّه عزّ و جلّ فوّض إلى الأئمّة عليهم السّلام أن يخلقوا و يرزقوا؟

فقال قوم:هذا محال لا يجوز على اللّه لأن الأجسام لا يقدر على خلقها غير اللّه تعالى.

و قال آخرون:بل اللّه أقدر الأئمّة عليهم السّلام على ذلك و فوّض إليهم فخلقوا و رزقوا.

فتنازعوا في ذلك تنازعا شديدا.

فقال قائل:ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمد بن عثمان فتسألونه عن ذلك ليوضح لكم5.


1) البحار:346/25-347 باب نفي الغلو.

2) بحار الأنوار:103/26 باب أنّهم لا يعلمون الغيب ح 6.

3) الغدير:52/5 إلى 65.

الحق فيه،فإنّه الطريق إلى صاحب الأمر عجّل اللّه فرجه،فرضيت الجماعة بأبي جعفر و سلّمت و أجابت إلى قوله.

فكتبوا المسألة و أنفذوها إليه فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته:«إن اللّه هو الذي خلق الأجسام و قسّم الأرزاق،لأنّه ليس بجسم و لا حال في جسم ليس كمثله شيء و هو السميع العليم.

فأمّا الأئمّة عليهم السّلام فإنّهم يسألون اللّه فيخلق و يسألونه فيرزق إيجابا لمسألتهم و إعظاما لحقّهم» (1).

فروحي فداه نفي التفويض المساوق لصفات واجب الوجود(ليس بجسم-ليس كمثله شيء) فاللّه هو الرازق و هو المحيي و المميت،نعم الأئمّة عليهم السّلام يسألون اللّه بإذنه أن يحيي فيحيي الميّت فيكون المحيي هو اللّه،و إن كان أيضا الأئمّة يطلق عليهم أنّهم أحيوا الأموات كقوله تعالى: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللّهَ رَمى ففي نفس أنّه هو الرامي إِذْ رَمَيْتَ اللّه هو الرامي.

و كذلك آيات نسبة الإماتة لجبرائيل،و في نفس الوقت تنسب آيات أخرى الإماتة للّه عزّ و جلّ كما يأتي.

و عن محمد بن سنان قال:كنت عند أبي جعفر عليه السّلام فذكرت اختلاف الشيعة فقال عليه السّلام:«إن اللّه لم يزل فردا متفرّدا في الوحدانية ثم خلق محمّدا و عليا و فاطمة:فمكثوا ألف دهر ثم خلق الأشياء و أشهدهم خلقها و أجرى عليها طاعتهم و جعل فيهم ما يشاء،و فوّض أمر الأشياء إليهم في الحكم و التصرّف و الإرشاد و الأمر و النهي و الخلق،لأنّهم الولاة فلهم الأمر و الولاية و الهداية فهم أبوابه و نوّابه و حججه يحلّلون ما شاء و يحرّمون ما شاء و لا يفعلون إلاّ ما شاء عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون» (2).


التفويض المنفي و تأويله

*أقول:ما تقدم من روايات في إثبات التفويض للأئمة في الأمور الكونية بكل طوائفه أكبر دليل على ما ذكرنا.

و أمّا ما ورد في نفي التفويض عنهم كالمروي عن الإمام الرضا عليه السّلام:«إن اللّه فوّض إلى نبيّه أمر دينه..فأمّا الخلق و الرزق فلا-ثم قال:إنّ اللّه عزّ و جلّ خالق كل شيء و هو يقول عزّ و جلّ اَلَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ (3).

فإن هذه الرواية و أمثالها واضحة أن الإمام ينفي التفويض الذي يؤدي إلى القول بألوهية صاحبه


1) الاحتجاج:264،و البحار:329/25.

2) البحار:339/25.

3) البحار:328/25.

و أنّه شريك للّه تعالى،خاصة مع استشهاده بهذه الآية القائلة أن صاحب الإحياء شريك لله.

و في رواية القائم المنتظر عليه السّلام للذي جاء يسأله عن المفوّضة قال عجل اللّه فرجه:«كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيئة اللّه فإذا شاء شئنا» (1).

فالإمام ذمّ المفوّضة الذين يقولون أنّ الأئمّة مفوّض إليهم بالإستقلال،و بلا مشيئة اللّه و إذنه، و استدل الإمام بقوله:«إذا شاء شئنا»للإشارة لما قدمناه.

و في رواية الإمام الرضا عليه السّلام:«اللّهم من زعم أنّا أرباب فنحن منه براء و من زعم أنّ إلينا الخلق و علينا الرزق فنحن براء منه،كبراءة عيسى ابن مريم من النصارى» (2).

فالإمام نفى كونهم يرزقون بغير إذن اللّه و نفى كونهم يحيون بغير إذن اللّه،أمّا الأحياء بإذنه فإنّه لم ينفه،بل أثبته بقوله:«كبراءة عيسى من النصارى»فعيسى لم يتبرأ من الذين نسبوه إلى الإحياء بإذن اللّه،بل هو صحيح مذكور في القرآن،كما تقدم.

إنّما عيسى عليه السّلام تبرّأ من الذين نسبوا إليه الإحياء بالإستقلال فادعوا له الربوبية،و لعلّ هذه الرواية تحل أصل روايات نفي التفويض فتأمل.

و عن الإمام الصادق عليه السّلام عندما سئل عن التفويض الذي يقول به بعض من ينتسب لعبد اللّه بن سبأ؟

فقال عليه السّلام:«ما التفويض؟».

قلت[زرارة]:أن اللّه خلق محمّدا و عليّا ففوّض إليهما،فخلقا و زرقا و أماتا و أحييا.

فقال عليه السّلام:«كذب عدو اللّه إذا انصرفت إليه فاتل عليه هذه الآية: أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ (3).

و هذا نصّ أوضح فالإمام لم يجب حتى سأله عن مراده من التفويض،فلما فهم منه أنّه يريد التفويض بالإستقلال المساوق للقول بوجود شريك لله،نفاه عنهم و استدل بآية تنص أنّ صاحب التفويض يعتبر شريكا للّه أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ فالمنفي التفويض الذي يؤدي إلى القول بأن للّه شريكا،و الذي يعتبر خلقه مشابها و متساويا مع خلق اللّه؛أما من يعتبر خلقه مظهرا لخلق اللّه تعالى فلم ينفه.

-و في دعاء الجوشن الكبير:«يا من لا يعلم الغيب إلاّ هو...يا من لا يدبر الأمر إلاّ هو يا من لا ينزل الغيث إلاّ هو يا من لا يبسط الرزق إلاّ هو يا من لا يحيي الموتى إلاّ هو سبحانك..».5.


1) البحار:337/25.

2) البحار:343/25.

3) البحار:343/25 ح 25.

فمطلع الدعاء انحصار علم الغيب باللّه،إلاّ أن الصحيح أنه ينفي علم الغيب لغير اللّه بالإستقلال و بلا تعليمه؛بقرينة تدبير الامور و الرزق و الأحياء و الإماتة،فمع كونها منحصرة باللّه فقد فوّضها اللّه تعالى للملائكة و جبرائيل و الأنبياء،كما تقدم و يأتي على سبيل الظلية و المرآتية.

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:«إن الناس في القدر على ثلاثة أوجه:رجل يزعم أن اللّه عزّ و جلّ أجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم اللّه في حكمه فهو كافر.

و رجل يزعم أن الأمر مفوّض إليهم،فهذا قد أوهن اللّه في سلطانه فهو كافر» (1).

*أقول:ما نفاه روحي فداه هو التفويض الذي يؤدي إلى توهين سلطان اللّه تعالى؛فحكم بكفره،و ما أثبتناه من الظلية و المرآتية و إن اللّه هو الفاعل بالحقيقة لا يوهن سلطان اللّه و عظمته،بل يحفظ له عزت آلاؤه قدرته و سلطانه،و الذي يدل عليه أنّه جعل التفويض في مقابل الجبر،و ما قلناه هو الأمر بين أمرين فتأمّل تبصر.

*و الخلاصة:فالأدلّة المدعاة لنفي التفويض بإذن اللّه ليست إلاّ أدلّة تنفي التفويض الإستقلالي،بل بعضها كما عرفت مؤيّدا للأدلّة المتقدّمة على التفويض لآل البيت عليهم السّلام و الذي هو بإذن اللّه و مشيئته.

*خلاصة و دليل:

وجدت بعد ذكر الأدلّة رواية يدّعي فيها الجاثليق أن من أحيى الموتى فهو رب مستحق أن يعبد،و لذلك قالوا بربوبية عيسى عليه السّلام.

فأجابه الإمام الرضا عليه السّلام بأن إحياء الموتى لا يؤدي للقول بالربوبية و ذلك لأنّه يحيي بإذن اللّه تعالى.

قال الإمام الرضا عليه السّلام:«...فإن اليسع قد صنع مثل ما صنع عيسى مشى على الماء و أحيى الموتى و أبرأ الأكمه و الأبرص،فلم تتخذه أمّته ربا و لم يعبده أحد من دون اللّه.

و لقد صنع حزقيل النبي مثل ما صنع عيسى ابن مريم عليهما السّلام فأحيى خمسة و ثلاثين ألف رجل من بعد موتهم بستين سنة».

و ساق الحديث و ذكر إحياء النبي محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للموتى و إبراء الأكمه و الأبرص فقال:«لقد أبرأ (النبي محمد)الأكمه و الأبرص و المجانين و كلمه البهائم و الطير و الجن و الشياطين و لم نتخذه ربا من دون اللّه عزّ و جلّ» (2).

و هذا نص فيما نحن فيه.5.


1) التوحيد:360 باب نفي الجبر و التفويض ح 5 باب رقم 59.

2) التوحيد للصدوق:423 باب ذكر مجلس الرضا ح 1 باب 65.

وقوع التفويض في القرآن الكريم

خلصنا إلى القول أن الغلو المنفي في الآيات و الروايات هو المساوق لادعاء الألوهية أو الشريك لله.

و أن التفويض إلى الأئمّة مع عزل اللّه نفسه كفر،لأنّه إثبات لشريك لله.

و يبقى ما دلّت عليه الأدلّة السابقة و هو التفويض لآل محمّد في التصرّف بالامور الكونية في طول قدرة اللّه تعالى أو في ظل مشيئته تعالى.

و هذا التفويض في القرآن كثير منها قوله تعالى:

1- إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ - نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (1).

فالله فوّض إلى جبرائيل إنزال القرآن على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و في نفس الوقت اللّه هو الذي أنزل القرآن عليه،و هذا التفويض ليس استقلاليا،بل هو بإذن اللّه و تحت قدرته.

2- وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللّهَ رَمى (2).

فالآية نفت الرمي في عين إثباته و أثبتته في عين نفيه،و هذا تفويض للنبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الرمي،و في نفس الوقت اللّه هو الذي رمى حقيقة،فرمي الرسول في طول رمي اللّه تعالى.

و بتعبير أدق:كان رمي رسول اللّه مظهرا لرمي اللّه و دالاّ عليه (3).

3- قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ و قال: اَلَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ طَيِّبِينَ (4).

و قال تعالى: اَللّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها (5).

ففي عين نسبة الإماتة لملك الموت نسبها للملائكة ثم نسبها لنفسه تعالى.و هذا تفويض لملك الموت في الإماتة و ليس هو بعرض إماتة اللّه للأنفس.

و أيضا هنا تفويض آخر و هو تفويض جبرائيل الإماتة للملائكة أو اللّه للملائكة.

4- وَ النّازِعاتِ غَرْقاً وَ النّاشِطاتِ نَشْطاً وَ السّابِحاتِ سَبْحاً فَالسّابِقاتِ سَبْقاً فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً (6).


1) سورة الحجر الآية:9-و سورة الشعراء،الآية:93.

2) سورة الأنفال،الآية:17.

3) تقدّم الحديث عن معنى المظهرية في الولاية التكوينية في مطلع البحث.

4) سورة السجدة،الآية:11-و سورة النحل،الآية:28-32.

5) سورة الزمر،الآية:42.

6) سورة النازعات،الآية:1-5.

فأسند اللّه عزّ و جلّ تدبير أمور الكون إلى الملائكة عموما أو إلى الملائكة الأربعة المدبّرة، فجبرائيل يدبّر الرياح و الجنود و الوحي،و ميكائيل يدبّر أمر القطر و النبات،و عزرائيل موكّل بقبض الأرواح،و إسرافيل يتنزل بالأمر عليهم و هو صاحب الصور،و قيل إسرافيل موكّل بالإحياء (1).

قال صدر المتألهين:و لا شك لمن له قدم راسخ في العلم الإلهي و الحكمة التي هي فوق العلوم الطبيعية،إن الموجودات كلّها من فعل اللّه بلا زمان و لا مكان،و لكن بتسخير القوى و النفوس و الطبائع،و هو المحيي و المميت و الرازق و الهادي و المضل،و لكن المباشر للإحياء ملك إسمه إسرافيل،و للإماتة ملك إسمه عزرائيل يقبض الأرواح من الأبدان،و للأرزاق ملك اسمه ميكائيل يعلم مقادير الأغذية و مكائيلها،و للهداية ملك إسمه جبرائيل،و للإضلال دون الملائكة جوهر شيطاني إسمه عزازيل،و لكل من هذه الملائكة أعوان و جنود من القوى المسخّرة لأوامر اللّه (2).

و قال الحافظ البرسي:..فمظهر ركن الحياة إسرافيل و مظهر ركن العلم جبرائيل و مظهر ركن الإرادة ميكائيل،و مظهر ركن القدرة عزائيل (3).

و قد تقدّم ما يوضح ذلك في مطلع الكتاب عند الكلام عن المظهرية.

و هذا تفويض مطلق للملائكة المدبّرة الأربعة و ليس بتفويض منفي،لأنّه لا يؤدي إلى القول بألوهية الملائكة،إنّما اللّه عزّ و جلّ فوّض إليهم هذه الامور بقدرته فهم يتصرّفون فيها بإذن اللّه تعالى.

*أقول:الآيات كثيرة في كون الملائكة وسائط في التدبير كتوسطهم في العذاب و السؤال و ثواب القبر و نفخ الصور و الحشر و إعطاء الكتب و وضع الموازين و الحساب و السوق إلى الجنّة و النار (4).

6- إِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ (5).

ففوّض اللّه تعالى الخلق إلى النبي عيسى عليه السّلام مع أن اللّه هو الخالق،قال تعالى: أَمْ جَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهّارُ (6).

فتبين أن المنفي هو التفويض المساوق للقول بألوهية صاحبه أو كونه شريكا للّه تعالى.

7- قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً (7).0.


1) يراجع تفسير الميزان:180/20،و الأربعون حديثا للإمام الخميني:490.

2) شرح دعاء السحر:94.

3) مشارق أنوار اليقين:32.

4) راجع تفسير الميزان:182/20 النازعات:1-41،و الغدير:59/5.

5) سورة المائدة،الآية:110.

6) سورة الرعد،الآية:16.

7) سورة البقرة،الآية:260.

و هذا نص في التفويض لإبراهيم عليه السّلام في الخلق،و تقدم أن اللّه هو الخالق.

8-و من الآيات قوله تعالى: فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (1).

فدل سبحانه أنّه أحسن الخالقين و أثبت الخلق لغيره،و إليه أشار الإمام الرضا عليه السّلام للفتح عندما سأله عن وجود خالق غير اللّه قال عليه السّلام:«إن اللّه تعالى يقول: فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقد أخبر أنّ في عباده خالقين منهم عيسى ابن مريم خلق من الطين كهيئة الطير بإذن اللّه فنفخ فيه فصار طائرا بإذن اللّه» (2).

*و ينتج:أن التفويض لآل محمّد في الامور الكونية بعد دلالة الأدلّة المتقدّمة عليه ليس فيه كفر و لا غلو،بل هو واقع في القرآن صريحا.

هذا ما أردنا الكلام عنه حول الولاية التكوينية و أدلّتها.

بقي الكلام عن علم آل محمّد عليهم السّلام و سعته و حقيقته و هو من الأبحاث المرتبطة بالولاية كما تقدّم.

و هو ما تكفل به الكتاب الثاني.


أدلة وقوع التفويض في الروايات

قال تعالى: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.

-ففي موثقة محمد بن عبد الجبار عن أبي جعفر عليه السّلام قال:«إن اللّه خلق محمدا عبدا فأدبه حتى إذا بلغ اربعين سنة أوحى إليه،و فوّض إليه الأشياء فقال: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (3)».

و في رواية عنه عليه السّلام:«و أنّ اللّه فوض إلى محمد نبيه فقال: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ».

فقال رجل:إنما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مفوضا إليه في الزرع و الضرع.

فلوى الإمام الصادق عليه السّلام عنه عنقه مغضبا فقال عليه السّلام:«في كل شيء و اللّه في كل شيء (4)».

-و عن زيد الشحام قال:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام في قوله: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ


1) سورة المؤمنون،الآية:14.

2) التوحيد للصدوق:63 ح 17 باب 2 باب التوحيد و في التشبيه.

3) بحار الأنوار:331/25 باب نفي الغلو ح 6،و بصائر الدرجات:378 باب التفويض إلى الرسول.

4) بصائر الدرجات:380 باب التفويض إلى الرسول ح 9،و بحار الأنوار:9/17 ح 61 باب وجوب طاعته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

حِسابٍ قال:«أعطي سليمان ملكا عظيما،ثم جرت هذه الآية في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكان له أن يعطي ما شاء و يمنع ما شاء،و أعطاه أفضل مما أعطى سليمان لقوله: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1)».

*أقول:يفهم من هذه الرواية أنّ اللّه أعطى الولاية التكوينية لسليمان و للنبي الأعظم،و أنه اختص رسول اللّه و آله الأطهار عليهم السّلام بالولاية التشريعية،كما في ذيل الرواية.

و يؤيد ذلك ما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:«لا و اللّه ما فوّض اللّه الى أحد من خلقه إلاّ الى الرسول و الى الأئمة فقال: إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ و هي جارية في الأوصياء» (2).

فهذه صريحة في نفي الولاية التشريعية و التفويض في أمر الدين لأيّ كان،سوى أهل البيت عليهم السّلام،نعم التفويض في بعض الأمور الكونية ثابت كما تقدم لغير أهل البيت عليهم السّلام.

-و في رواية:سألته عن الإمام فوض اللّه إليه كما فوض الى سليمان.

قال عليه السّلام:«نعم» (3).

و عليه فلا تكون آية ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ مختصة بالولاية التشريعة.

-و عنه أيضا عليه السّلام:«إن اللّه أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال: إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، ثم فوض إليه أمر الدين و الأمة ليسوس عباده...» (4).

فتفويض أمر الدين يشير الى الولاية التشريعية الآتية،أما أمر الأمة فهو أعم من الأمور الدينية،بل لعله إشارة فقط الى الأمور التي تتعلق بالأمة من ناحية الكون و الكونيات،سواء منها العطاء و الرزق أم غيرها من الأمور التي تأتي في القسم الأول من الأدلة (5).

-و في رواية أخرى قال عليه السّلام:«ثم فوض إليه فقال: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا و إن نبي اللّه فوض الى علي و الأئمة فسلمتم و جحد الناس،فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا و أن تصمتوا إذا صمتنا،و نحن فيما بينكم و بين اللّه عزّ و جلّ ما جعل اللّه لأحد خيرا في خلاف أمرنا» (6).5.


1) أصول الكافي:268/1 باب التفويض إليهم ح 10.

2) بحار الأنوار:334/25 ح 11،و بصائر الدرجات:386 ح 12.

3) بصائر الدرجات:387 ح 13.

4) أصول الكافي:266 ح 4،و بحار الأنوار:4/17 ح 3.

5) أصول الكافي:266 ح 4،و بحار الأنوار:4/17 ح 3.

6) أصول الكافي:265/1 ح 1-2،و الاختصاص:330/12 في أنهم محدثون،و بحار الأنوار:33525 ح 13،و الوسائل:91/18 ح 33375.

فقوله:«نحن فيما بينكم و بين اللّه»يشير الى توسطهم في الفيض و العطاء و هذا في غير الأمور الشرعية كما سوف يأتي في أدلة الروايات.

-و عنه أيضا في حديث موثق:«إنّ اللّه فوض الى نبيه أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم...» (1).

-و عن الإمام الباقر عليه السّلام في حديث طويل بعد قدرته على هزّ الأرض و خوف الناس قال لجابر:«إختارنا اللّه من نور ذاته،و فوض إلينا أمر عباده،فنحن نفعل بإذنه ما نشاء،و نحن لا نشاء إلاّ ما شاء اللّه،و إذا أردنا أراد اللّه،فمن أنكر من ذلك شيئا ورده فقد رد على اللّه» (2).

*أقول:الروايات كثيرة في إثبات التفويض المطلق لأهل البيت عليهم السّلام تأتي في أدلة الروايات (3).


التفويض لآل محمد في تنزل الرحمة و صرف العذاب

فعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث طويل جاء فيه:«نحن مصابيح الحكمة و نحن مفاتيح الرحمة» (4).

و عن أبي جعفر الباقر عليه السّلام في حديث جاء فيه:«و نحن الذين بنا تنزل الرحمة،و بنا تسقون الغيث و نحن الذين بنا يصرف عنكم العذاب» (5).

و قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،لعلي عليه السّلام:«الأئمة من ولدك تسقى بهم أمتي الغيث و بهم يستجاب دعاؤهم،و بهم يصرف اللّه عنهم البلاء،و بهم تنزل الرحمة من السماء».

و أومأ الى الحسن فقال:هذا أولهم،و أومأ الى الحسين و قال:الأئمة من ولده» (6).

و عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في ذكر الأئمة:«...بهم يحبس اللّه العذاب عن أهل الأرض،و بهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه،و بهم يمسك الجبال أن تميد بهم» (7).


1) بحار الأنوار:332/25 باب نفي الغلو ح 7،و بصائر الدرجات:380 ح 10.

2) الهداية الكبرى:229-230 باب 6.

3) يراجع بحار الأنوار:330/25 إلى 340 باب نفي الغلو من كتاب الإمامة،و بصائر الدرجات:378 إلى 387 باب التفويض إلى الرسول و آله،و أصول الكافي:265/1-441-193:و بحار الأنوار:1/17 إلى 14 باب وجوب طاعة النبي و التفويض إليه من تاريخ النبي،و الوسائل:50/18 ح 33218.

4) بحار الأنوار:22/25.

5) بصائر الدرجات:63 باب أنهم حجة الله و بابه،و بحار الأنوار:249/26 ح 18 باب جوامع مناقبهم.

6) دلائل الإمامة:80 ذكر علي و مناقبه.

7) الاختصاص:224 حديث في الأئمة.

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام:«بهم يدفع الضيم،و بهم ينزل الرحمة و بهم يحيي ميتا و بهم يميت حيا» (1).

و عنه عليه السّلام في وصف الأئمة عليهم السّلام:«جعلهم اللّه أركان الأرض أن تميد بهم» (2).

و نحوه عن أبي جعفر عليه السّلام (3).

و عنه عليه السّلام:«جعلنا اللّه عينه في عباده و يده المبسوطة على عباده بالرأفة و الرحمة» (4).

و عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام:«لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت» (5).

و عن أبي جعفر عليه السّلام قال:«لو أنّ الإمام رفع من الأرض ساعة لساخت بأهله،و لماجت كما يموج البحر بأهله» (6).

و في الباب أحاديث كثيرة (7).

صرف العذاب و استقرار الأرض و عدم وقوع السماء،و كونهم أمانا للأمة من الغرق،و أنه لولاهم لساخت الأرض بأهلها،كل هذه الأمور لكونهم وسائط فيض اللّه تعالى و نعمه.

و يأتي هناك أن كونهم وسائط بنفسه قدرة تكوينية على التصرف في الأمور التي وسطهم اللّه فيها،و أنّ ولايتهم على هذه الأمور من باب المظهرية و المرآتية و الإذنية،لا في طول ولاية اللّه و لا في عرضها.


التفويض لآل محمد في إبراء المرضى و كشف الضر

ففي الحديث الصحيح عن أبي بصير قال:دخلت على أبي عبد اللّه و أبي جعفر عليهما السّلام و قلت لهما:أنتما ورثة رسول اللّه؟

قال عليه السّلام:«نعم».

قلت:فرسول اللّه وارث الأنبياء علم كلّ ما علموا؟


1) التوحيد:167 باب 24 ح 1.

2) أصول الكافي:197/1 ح 2 و 3 باب أنهم أركان الأرض.

3) أصول الكافي:197/1 ح 2 و 3 باب أنهم أركان الأرض.

4) التوحيد:151 باب 12 ح 8.

5) بصائر الدرجات:488 باب أنّ الأرض لا تبقى بغير إمام،و أصول الكافي:179/1 باب أنّ الأرض لا تخلو منه ح 10.

6) بصائر الدرجات:488،و أصول الكافي:179/1 ح 12.

7) بصائر الدرجات:488،و أصول الكافي:179/1 ح 12.

فقال لي:«نعم».

فقلت:أنتم تقدرون على أن تحيوا الموتى و تبرئوا الأكمه و الأبرص؟

فقال لي:«نعم بإذن اللّه».

ثم قال:«أدن مني يا أبا محمد،فمسح يده على عيني و وجهي و أبصرت الشمس و السماء و الأرض و البيوت و كل شيء في الدار.قال أتحب أن تكون هكذا و لك ما للناس و عليك ما عليهم يوم القيامة،أو تعود كما كنت و لك الجنة خالصا».

قلت:أعود كما كنت.

قال:فمسح على عيني فعدت كما كنت.

قال علي:فحدثت به ابن أبي عمير.فقال:أشهد أنّ هذا حق كما أنّ النهار حق (1).

*أقول:و في الباب في قصة أبي بصير روايات كثيرة (2).

و عن أبي حمزة الثمالي قال:قلت لعلي بن الحسين عليهما السّلام:الأئمة يحيون الموتى و يبرئون الأكمه و الأبرص و يمشون على الماء؟

قال عليه السّلام:«ما أعطى اللّه نبيا شيئا إلاّ و قد أعطاه محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و أعطاه ما لم يكن عندهم» (3).

و عن مالك الأشتر قال:خرج أمير المؤمنين فخرجنا معه،فإذا بالباب رجل مكفوف و رجل أزمن و رجل أبرص،فقال لهم أمير المؤمنين:«ما ذا تصنعون ببابي في هذا الوقت»؟

قالوا:يا أمير المؤمنين جئناك تشفينا مما بنا،فمسح أمير المؤمنين يده المباركة عليهم فقاموا من غير زمن و لا عمى و لا برص (4).

و في الزيارة الجامعة:«بكم ينفس الهم و يكشف الضر».

و عن الإمام الصادق عليه السّلام:«بهم يدفع اللّه الضيم و بهم ينزل الرحمة» (5).

و عن الأصبغ بن نباته قال:كنت جالسا عند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام و ذكر حديثا طويلا فيه قطع أمير المؤمنين ليد أحد السارقين،ثم إعادتها كما كانت بإذن اللّه (6).1.


1) بصائر الدرجات:289 ج 6 باب 3 ح 1.

2) بصائر الدرجات:269 إلى 272 باب أنهم يحيون الموتى،و المحجة البيضاء:249/4،و الهداية الكبرى: 243-244 با 7.

3) بصائر الدرجات:269-270.

4) الهداية الكبرى:160 باب 2.

5) التوحيد:167 باب 24 ح 1.

6) الفضائل لابن شاذان:173 ذيل الكتاب،و جامع كرامات الأولياء:126/1.

و قد كان أمير المؤمنين علي عليه السّلام يشفي المرضى (1).

و أتي علي بن الحسين بطفل مكفوف فمسح عينيه فاستوى بصره،و بأبكم فكلمه فأجابه و تكلم، و بمقعد فمسح عليه فسعى و مشى (2).

و مسح يده على وجه حبابة الوالبية فشفيت من برصها (3).

و روي عن الإمام الباقر خبر حبابه (4).

وجيىء بمكفوف للإمام الباقر عليه السّلام فمسح يده عليه فاستوى قائما يعدو كأن لم يكن بعينه ضرر (5).

وجيىء للامام الهادي عليه السّلام برجل في ذراعه بياض فمسح عليها فبرئت (6).

و في الباب إشفاء النبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للأبكم و الأبرص و المجانين (7).

و مسح الإمام الرضا عليه السّلام على فم أكتم فتكلم (8).و إعادة الإمام الجواد عليه السّلام بصر محمد بن ميمون و اشفائه للمرضى (9).و اشفاء الإمام المهدي المنتظر عليه السّلام لرجل (10).

أقول:تقدم في روايات إعطائهم الإسم الأعظم أنهم به يشفون المرضى و يبرئون الأعمى و الأبرص كما كان يفعل عيسى عليه السّلام (11).

إن إشفاء المرضى و إبراء الأعمى و الأبرص من معاجز أهل البيت عليهم السّلام و هي من الأمور المسلمة إن في عصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو في عصر الأئمة جميعا صلوات اللّه عليهم.

إنما الكلام في تحليل هذا الإبراء هل هو من باب استجابة الدعاء،لأن دعاء كل آل محمد مستجاب (12)،أم إنه من باب قدرتهم و ولايتهم التكوينية؟

و إذا رجعنا الى الروايات نجدها تشبّه آل محمد بعيسى،و أنهم كانوا يبرئون الأعمى2.


1) جامع كرامات الأولياء:126/1.

2) المحجة البيضاء:349/4.

3) دلائل الإمامة:93 معاجزه.

4) المحجة البيضاء:249/4.

5) دلائل الإمامة:211 معاجزه.

6) دلائل الإمامة:222 معاجزه.

7) التوحيد:423 ح 1 باب 65.

8) الخرايج و الجرايح:303 باب 9.

9) الخرايج و الجرايح:334 باب 10،و المحجة البيضاء:306/4،و الهداية الكبرى:301 باب 11.

10) الهداية الكبرى:398.

11) في الطائفة السادسة من النحو الثاني من الأدلة.

12) يراجع الفصول المهمة:215-216،ذخائر العقبى:74 و 145،و عيون أخبار الرضا:169/1-170 و 226/2،و إلزام الناصب:24/1،و ربيع الأبرار:249/2،و كشف الغمة:403/2-411-413-415 -381-372-و 157/3-80،و كتاب مجابي الدعوة:19-20-25-37-70 ح 10-11-12- 42-112،و أمالي الشجري:160/1،و أعلام الورى:422،و جامع كرامات الأولياء:227/2.

و الأبرص،كما كان عيسى يبرئهم،و معلوم أنّ عيسى كان يفعل ذلك بإذن اللّه تعالى و من باب ولايته لذا اتّهم بالربوبية.

إن قلت:الحال واحد في آل محمد و في عيسى من باب استجابة الدعاء.

قلنا:إن ألسنة الدعاء معروفة و موجودة في رواياتهم عليهم السّلام،فكانوا يأمرون شيعتهم بالدعاء، و أحيانا يدعون لهم و دعاؤهم مستجاب،و غالبا ما يكون الدعاء بلفظ:اللهم...».

كما في دعاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،لعلي و فاطمة:«اللهم أذهب عنهما الرجس و طهرهما تطهيرا» (1).

و هذا غير قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً لأنه هذا من باب إرادة اللّه التكوينية التي لا تتخلّف،أما الدعاء فليس هو من باب الإرادة التكوينية التي لا تتخلف،إنما هو وعد من اللّه باستجابة أدعية آل محمد،و وعد اللّه حق.

على أنه يوجد روايات لا تشبههم بعيسى،بل مباشرة تثبت لهم القدرة على هذا التصرف.

و بمراجعة ألسنة الروايات المتقدمة في هذا الجزء أو الأجزاء الأخرى التي تحدثنا فيها عن الولاية التكوينية؛يعلم حقيقة الحال.


التفويض لآل محمد عليهم السّلام في إحياء الموتى

عن أبي الحسن الأول عليه السّلام قال:قلت له:جعلت فداك أخبرني عن النبي ورث النبيين كلهم؟

قال:نعم.

قلت:من لدن آدم حتى انتهت الى نفسه؟

قال:ما بعث اللّه نبيا إلاّ و محمد أعلم منه.

قال:قلت:إن عيسى ابن مريم كان يحيي الموتى بإذن اللّه تعالى.

قال:صدقت،و سليمان بن داود كان يفهم منطق الطير،و كان رسول اللّه يقدر على هذه المنازل.الى أن قال:و إن اللّه يقول في كتابه: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى و قد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال و تقطع به البلدان و تحيى به الموتى» (2).


1) ينابيع المودة:175-177 ط.اسلامبول و 206 ط.نجف،و جواهر العقدين:302 باب 8،و مناقب آل أبي طالب:111/2،و المعجم الكبير:135/24 و 412/22.

2) إلزام الناصب:331/2 الآيات القرآنية المشعرة بالرجعة عموما عن الكافي.

-و عن أمير المؤمنين عليه السّلام في خبر طويل جاء فيه:«يا سلمان و يا جندب:أنا أحيي و أميت بإذن ربي،و أنا عالم بضمائر قلوبكم و الأئمة من أولادي عليهم السّلام يعلمون و يفعلون هذا إذا أحبوا و أرادوا،لأنّا كلنا واحد أولنا محمد و آخرنا محمد و أوسطنا محمد و كلنا محمد،فلا تفرقوا بيننا، و نحن إذا شئنا شاء اللّه،و إذا كرهنا كره اللّه،الويل كل الويل لمن انكر فضلنا و خصوصيتنا و ما أعطانا اللّه ربنا،لأن من أنكر شيئا مما أعطانا اللّه فقد أنكر قدرة اللّه عزّ و جلّ و مشيته فينا» (1).

-و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث تبيين أن علمهم من القرآن قال:«فعندنا ما يقطع به الجبال و يقطع به البلدان و يحيى به الموتى بإذن اللّه» (2).

-و قريب منه عن الإمام الباقر عليه السّلام في حديث كشفه عن بصر أبي بصير حيث سأله:أنتم تقدرون أن تحيوا الموتى و تبرئوا الأكمه و الأبرص؟

فقال الإمام:«نعم بإذن اللّه» (3).

-و في خبر طويل رواه ابن شاذان عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه أحيى رجلا من شيعته (4).

-و روى الصفار خبرا آخر عنه عليه السّلام و أنه أحيى رجلا في عهد النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (5).

-و عن الفتح الجرجاني قال:قلت للرضا عليه السّلام:جعلت فداك و غير الخالق الجليل خالق؟

قال:إن اللّه تعالى يقول: فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقد أخبر أن في عباده خالقين منهم عيسى ابن مريم،خلق من الطين كهيئة الطير بإذن اللّه،فنفخ فيه فصار طائرا بإذن اللّه» (6).

و عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في ذكر آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«بهم ينزل الرحمة و بهم يحيي ميتا و بهم يميت حيا» (7).

و عن الإمام الرضا عليه السّلام في حديثه مع الجاثليق:«لقد اجتمعت قريش الى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فسألوه أن يحيي لهم موتاهم،فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السّلام فقال له:اذهب الى الجبانة فناد بأسماء هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك يا فلان و يا فلان و يا فلان يقول لكم محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قوموا بإذن اللّه،فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم،و لقد أبرأ الأكمه و الأبرص1.


1) بحار الأنوار:6/26-7 باب نادر في معرفتهم بالنورانية من كتاب الإمامة ح 1.

2) بصائر الدرجات:/115ح 3 باب أنهم ورثوا علم آدم.

3) المحجة البيضاء:249/4 كرامات الإمام الباقر،و الخرايج و الجرايح:245 الباب السادس.

4) فضائل ابن شاذان:67 شفاعة الأئمة و إحياء الموتى لعلي.

5) الهداية الكبرى:69 الباب الأول،و بصائر الدرجات:273 باب أنهم أحيوا الموتى.

6) التوحيد للصدوق:63 باب 2 باب التوحيد ح 18.

7) التوحيد للصدوق:167 باب 24 ح 1.

و المجانين،و كلمه البهائم و الطير و الجن و الشياطين،و لم نتخذه ربا من دون اللّه عزّ و جلّ» (1).

-و عنه عليه السّلام لمن قال أن علامة الإمام تكليم ما وراء البيت و أن يحيي الموتى:«أنا أفعل،أما الذي معك فخمسة دنانير،و أما أهلك فإنها ماتت منذ سنة،و قد أحييتها الساعة و أتركها معك سنة أخرى،ثم أقبضها إلي لتعلم أني إمام» (2).

و عن جميل الدراج قال:كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فدخلت عليه امرأة فذكرت أنها تركت ابنها بالملحفة على وجهه ميتا.قال لها:«لعله لم يمت،فقومي فاذهبي الى بيتك و اغتسلي و صلي ركعتين و ادعي و قولي:يا من وهبه لي و لم يك شيئا جدد لي هبته،ثم حركيه و لا تخبري بذلك أحدا».

قال:ففعلت،فجاءت فحركته فاذا هو بكى (3).

و في الباب أيضا إحياء الإمام الصادق عليه السّلام لامرأة و طيور و حمار و بقرة،و النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لصبية و خروف و شاة،و إحياء الإمام الجواد عليه السّلام لطفل ابن سنان،و إحياء علي عليه السّلام لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لبعض أصحابه و لأصحاب الكهف،و إحياء الإمام السجاد عليه السّلام لامرأة،و إحياء الإمام الكاظم عليه السّلام لحمار، و الإمام الحسين عليه السّلام لامرأة (4).

و تقدم إحياء الإمام الصادق عليه السّلام لعدة طيور،كما أحياها إبراهيم في الطائفة الرابعة.

*أقول:و سوف يأتي في الطائفة الآتية أحاديث إحيائهم للموتى،و يأتي أيضا في الطائفة السادسة من النحو الثاني من الأدلة روايات إعطائهم الإسم الأعظم و أنه به يحيون الموتى،فكن من ذلك على ذكر.

*أقول:إحياء الموتى في هذه الطائفة من أعظم التصرفات التي يمتلكها آل محمد عليهم السّلام،و إذا سلم بعض المنكرين لولايتهم التكوينية،فإنه لا يسلمها في الإحياء و الإماتة أو الخلق،و ما ذاك إلاّ لكون الإحياء من مختصات اللّه عزت آلاؤه.

و لكن يأتي أنّ التصرف لآل محمد بالإحياء لا ينافي كونه من مختصات اللّه عزّ و جلّ،إذ لا8.


1) التوحيد للصدوق:423 باب 65 ح 1 باب ذكر مجلس الرضا عليه السّلام.

2) دلائل الإمامة:187 معاجزه.

3) بصائر الدرجات:272 باب أنهم أحيوا الموتى بإذن الله.

4) بحار الأنوار:47/46-48 باب معجزات السجاد ح 49،و الهداية الكبرى:307 باب 11،و الخرائج و الجرايح:279-225-245،و مشارق أنوار اليقين:88 فصل 5،و مناقب آل أبي طالب:131، و بصائر الدرجات:272-274،و فضائل ابن شاذان:173،و كشف الغمة:411/2،و الاختصاص: 273/12،و مناقب آل أبي طالب:132/1 في إعجاز النبي،و الأنوار النعمانية:29-30،و الهداية الكبرى:159 باب 2 و 45-112-256 باب 8.

نريد أن نثبت إحياءهم للموتى بالاستقلال،بل هو لا أقل نظير ولاية الملائكة المدبرة في الإحياء و الإماتة كما تقدم مفصلا.

و على كل حال فهذه الأدلة المتكثرة من أكثر آل محمد صلوات اللّه عليهم تفيد وقوع الإحياء منهم للإنسان و الحيوان،و تدل على تصرفهم التكويني في الإماتة و الإحياء.


التفويض الى آل محمد في الخلق و الرزق و القدرة

قال الإمام علي بن الحسين عليهما السّلام:«من خصّه اللّه بالروح فقد فوّض إليه أمره أن يخلق بإذنه» (1).

-و عن الفتح الجرجاني قال:قلت للرضا عليه السّلام:جعلت فداك و غير الخالق الجليل خالق؟

قال:إن اللّه تعالى يقول: فَتَبارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فقد أخبر أن في عباده خالقين منهم عيسى ابن مريم،خلق من الطين كهيئة الطير بإذن اللّه،فنفخ فيه فصار طائرا بإذن اللّه» (2).

و في زيارات أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام التي رواها ابن قولويه بسند صحيح عن الإمام الصادق عليه السّلام جاء فيها:«بكم يباعد اللّه الزمان الكلب،و بكم يمحو اللّه ما يشاء و بكم يثبت،و بكم تنبت الأرض أشجارها و بكم تخرج الأرض أثمارها و بكم تنزل السماء قطرها و رزقها،و بكم ينزل اللّه الغيث،إرادة الرب في مقادير أموره تهبط اليكم و تصدر من بيوتكم» (3).

و عن أمير المؤمنين عليه السّلام في خبر طويل جاء فيه:«و صرت أنا صاحب أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال اللّه:

يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ و هو روح اللّه لا يعطيه و لا يلقي هذا الروح إلاّ على ملك مقرب أو نبي مرسل أو وصي منتجب،فمن اعطاه اللّه هذا الروح فقد ابانه من الناس،و فوض إليه القدرة و أحيي الموتى» (4).

و قال عليه السّلام:قال تعالى يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ و لا يعطى هذا الروح إلاّ من فوض إليه الأمر و القدر،و أنا أحيي الموتى» (5).

و عن جابر الجعفي في حديث طويل مع الإمام الباقر عليه السّلام جاء فيه:

قلت:يا سيدي و ما معرفة روحه؟


1) الهداية الكبرى:230 الباب السادس.

2) التوحيد للصدوق:63 باب 2 باب التوحيد ح 18.

3) كامل الزيارات:200 الباب 79.

4) بحار الأنوار:5/26 باب نادر في معرفتهم بالنورانية ح 1.

5) مشارق أنوار اليقين:161.

قال عليه السّلام:«أن يعرف كل من خصه اللّه تعالى بالروح فقد فوض إليه أمره؛يخلق بإذنه و يحيي بإذنه...فمن خصه اللّه تعالى بهذا الروح فهذا كامل غير ناقص يفعل ما يشاء بإذن اللّه» (1).

و عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام في حديث طويل في وصف الإمام:«و غشاه من نور الجبار يمد بسبب الى السماء،لا ينقطع عن مواده و لا ينال ما عند اللّه إلاّ بجهة أسبابه...تستهل بنورهم البلاد و ينمو ببركتهم التلاد،جعلهم اللّه حياة للأنام و مصابيح للظلام» (2).

و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث طويل جاء فيه:«نحن مصابيح الحكمة،و نحن مفاتيح الرحمة،و نحن ينابيع النعمة...و نحن الوسيلة الى اللّه و الوصلة» (3).

و في الزيارة الجامعة:«بكم فتح اللّه و بكم يختم و بكم ينزل الغيث» (4).

و في دعاء الندبة:«أين السبب المتصل بين الأرض و السماء» (5).

و عن أبي جعفر عليه السّلام في وصف آل محمد:«نحن الذين بنا تنزل الرحمة و بنا تسقون الغيث» (6).

و قريب منه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:«و بهم يمسك السماء أن تقع على الأرض و بهم يسقي خلقه الغيث» (7).

و عن علي بن الحسين عليه السّلام:«إن اللّه يقسم في ذلك الوقت(النوم قبل طلوع الشمس)أرزاق العباد و على أيدينا يجريها» (8).

و عن الإمام الباقر عليه السّلام أنه أخرج مائدة مستوى عليها كل حار و بارد (9).

و أخرج عليه السّلام أيضا الماء من الصخر (10).

و عن الإمام الهادي عليه السّلام أنه ضرب الأرض فأخرجت البر و الدقيق (11).

و عن الإمام الصادق عليه السّلام في قصة المرأة التي ماتت فأحياها فقال لملك الموت:«ألست أمرت بالسمع و الطاعة لنا».ه.


1) بحار الأنوار:14/26-15 باب نادر في معرفتهم بالنورانية ح 2.

2) أصول الكافي:203/1 باب نادر في فضل الإمام ح 2.

3) بحار الأنوار:22/25.

4) بحار الأنوار:144/102.

5) البحار:104/102.

6) بحار الأنوار:249/26،و بصائر الدرجات:63 باب انهم حجة الله و بابه.

7) الاختصاص:224/12.

8) بحار الأنوار:24/46 باب معجزات السجاد ح 5.

9) دلائل الإمامة:95 معاجزه و 97.

10) دلائل الإمامة:95 معاجزه و 97.

11) دلائل الإمامة:218 معاجزه.

قال:بلى.

قال:«فإني آمرك أن تؤخر أمرها عشرين سنة».

قال:السمع و الطاعة (1).

و في الحديث المستفيض عن قدرة الصديقة فاطمة عليها السّلام،و هي قصة إنزال مائدة السماء:

قال المحب الطبري بعد ذكر قصة الدينار و تصديق علي عليه السّلام به:...فوضع النبي صلى اللّه عليه و سلم كفه المباركة بين كتفي علي ثم هزها و قال:يا علي هذا ثواب الدينار و هذا جزاء الدينار، هذا من عند اللّه ان اللّه يرزق من يشاء بغير حساب،ثم استعبر النبي صلى اللّه عليه و سلم باكيا و قال:الحمد للّه كما لم يخرجكما من الدنيا حتى يجريك في المجرى الذي أجرى فيه زكريا، و يجريك يا فاطمة في المجرى الذي أجرى فيه مريم كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا. خرجه الحافظ الدمشقي في الأربعين الطوال (2).

أقول:قصة انزال مائدة رواها الفريقان بعدة الفاظ متقاربة (3).

إعطاؤهم الرزق تقدم ما يدل عليه في كثير من الطوائف،نعم كان بألفاظ إعطائهم مصاديق الرزق،كالغيث و نبات الأرض و الشجر،أما هنا فإن فيه ألفاظ اصرح،فإن أرزاق العباد على أيديهم تجري،و من عندهم تصدر،و أنهم الوسيلة الى اللّه في كل الأمور.

و إعطاؤهم القدرة و التي لم ترد إلاّ في رواية واحدة(رواية أمير المؤمنين عليه السّلام)فهي مؤيدة بما تقدم و يأتي من طوائف التي تثبت مصاديق هذه القدرة،و بمجموع تلك المصاديق تثبت القدرة المطلقة لآل محمد عليهم السّلام في التصرف.


ما جاء بلسان التفويض المطلق

قال أمير المؤمنين عليه السّلام في وصف الإمام:«فهو الصدق و العدل يطلع على الغيب و يعطى التصرف على الاطلاق» (4).


1) الخرايج و الجرايح:263 الباب السابع.

2) ذخائر العقبى:46-47 ذكر ما ظهر لها من الكرامة.

3) كشف الغمة:96/2 فضائل فاطمة،و المطالب العالية 73/4-74 ح 4001،و فرائد السمطين:52/2، و أهل البيت:122،و الفضائل الخمسة:178/3-179،و قصص الأنبياء:372 مجلس في قصة زكريا و مريم-باب مولد مريم ط.دار الرائد العربي بيروت المصورة عن ط.مصر الحلبي 1374 الرابعة،و تفسير الزمخشري مورد الآية.

4) مشارق أنوار اليقين:115.

-و عن محمد بن سنان قال:كنت عند أبي جعفر الثاني عليه السّلام فأجريت اختلاف الشيعة فقال:

«يا محمد إن اللّه تبارك و تعالى لم يزل متفردا بوحدانيته،ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة فمكثوا ألف دهر،ثم خلق جميع الأشياء فأشهدهم خلقها و أجرى طاعتهم عليها و فوض أمورها إليهم،فهم يحلون ما يشاؤون و يحرمون ما يشاؤون،و لن يشاؤوا إلاّ أن يشاء اللّه تبارك و تعالى.

ثم قال:يا محمد هذه الديانة التي من تقدمها مرق و من تخلف عنها محق و من لزمها لحق، خذها إليك يا محمد» (1).

هذا لفظ الكافي و في رياض الجنان جاء بلفظ:«إن اللّه لم يزل متفردا في الوحدانية،ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة عليهم السّلام فمكثوا ألف دهر،ثم خلق الأشياء و أشهدهم خلقها و اجرى عليها طاعتهم و جعل فيهم ما شاء،و فوض أمر الأشياء إليهم في الحكم و التصرف و الإرشاد و الأمر و النهي في الخلق لأنهم الولاة؛فلهم الأمر و الولاية و الهداية،فهم أبوابه و نوابه و حجّابه يحللون ما شاء و يحرمون ما شاء و لا يفعلون إلاّ ما شاء،عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون.الى أن يقول:خذها يا محمد فإنها من مخزون العلم و مكنونه» (2).

و سواء أخذنا باللفظ الأول أم الثاني،فإن الرواية شاملة للولاية التشريعية و التكوينية،أمّا التشريعية فواضح و يأتي تفصيله.

أمّا التكوينية فلقوله«فوض أمر الأشياء إليه»و هذا يشمل كل الأمور التكوينية.

و لقوله في الرواية الثانية:«فوض أمر الأشياء في التصرف»،و قوله:«لهم الهداية»و قوله:«هم أبوابه»،فالتصرف لا يطلق إلاّ على الأمور الكونية،و الهداية أمر كوني،و هي التصرف بالميولات الداخلية للإنسان،و كونهم أبوابه إشارة الى كونهم الوسائط و سوف يأتي.

هذا،و سوف يأتي زيادة توضيح في تقريب الإستدلال بهذه الطائفة.

-و عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال:«يا ابن أبي يعفور إن اللّه أحد متوحد بالوحدانية متفرد بأمره،فخلق خلقا فقدرهم لذلك الأمر،فنحن هم يا ابن أبي يعفور،فنحن حجج اللّه في عباده و خزانه على علمه و القائمون بذلك» (3).

-و قال أمير المؤمنين عليه السّلام:قال تعالى: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ.

«و لا يعطي هذه الروح إلاّ من فوض إليه الأمر و القدر،و أنا أحيي الموتى و أعلم ما في السموات و الأرض» (4).1.


1) أصول الكافي:441/1 مولد النبي من أبواب التاريخ ح 5،و بحار الأنوار:340/25 ح 24.

2) بحار الأنوار:339/25 باب نفي الغلو من كتاب الإمامة ح 21.

3) أصول الكافي:193/1 باب أنهم ولاة الأمر ح 5.

4) مشارق أنوار اليقين:161.

-و في موثقة محمد بن عبد الجبار عن أبي جعفر عليه السّلام قال:«إن اللّه خلق محمدا عبدا فأدبه حتى إذا بلغ أربعين سنة أوحى إليه،و فوض إليه الأشياء فقال: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (1).

و في رواية عنه عليه السّلام:«و إنّ اللّه فوض إلى محمد نبيه فقال: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.

فقال رجل:إنما كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مفوّضا إليه في الزرع و الضرع.

فلوى جعفر الصادق عليه السّلام عنه عنقه مغضبا فقال عليه السّلام:«في كل شيء و اللّه في كل شيء» (2).

-و عن جابر الجعفي في حديث طويل مع الإمام الباقر عليه السّلام جاء فيه:قلت يا ابن رسول اللّه و من المقصّر؟

قال:«الذين قصّروا في معرفة الأئمة،و عن معرفة ما فرض اللّه عليهم من أمره و روحه».

قلت:يا سيدي و ما معرفة روحه؟قال عليه السّلام:«أن يعرف كل من خصّه اللّه تعالى بالروح فقد فوّض إليه أمره،يخلق بإذنه و يحيي بإذنه،و يعلم الغير بما في الضمائر،و يعلم ما كان و ما يكون الى يوم القيامة،و ذلك أن هذا الروح من أمر اللّه فمن خصه اللّه تعالى بهذا الروح فهو كامل غير ناقص يفعل ما يشاء بإذن اللّه،يسير من المشرق الى المغرب في لحظة واحدة،يعرج به الى السماء و ينزل به الى الأرض،و يفعل ما شاء و أراد» (3).

و عن الإمام الباقر عليه السّلام في حديث طويل بعد قدرته على هزّ الأرض و خوف الناس قال لجابر:

«اختارنا اللّه من نور ذاته،و فوض إلينا أمر عباده،فنحن نفعل بإذنه ما نشاء،و نحن لا نشاء إلاّ ما شاء اللّه،و إذا أردنا أراد اللّه،فمن أنكر من ذلك شيئا و رده فقد رد على اللّه» (4).

-و عن زيد الشحام قال:سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام في قوله:«هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب»قال:«أعطي سليمان ملكا عظيما،ثم جرت هذه الآية في رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فكان له أن يعطي ما شاء و يمنع ما شاء،و أعطاه أفضل مما أعطى سليمان لقوله: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (5).0.


1) بحار الأنوار:331/25 باب نفي الغلو ح 6،و بصائر الدرجات:378 باب التفويض إلى الرسول.

2) بصائر الدرجات:380 باب التفويض إلى الرسول ح 9،و بحار الأنوار:9/17 ح 61 باب وجوب طاعته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

3) بحار الأنوار:14/26-15 باب نادر في معرفتهم ح 2،و الهداية الكبرى:230 باب 6 مع تفاوت عما في بحار الأنوار.

4) الهداية الكبرى:229-230 باب 6.

5) أصول الكافي:268/1 باب التفويض إليهم ح 10.

*أقول:يفهم من هذه الرواية أن اللّه أعطى الولاية التكوينية لسليمان و للنبي الأعظم،و أنه خصّ رسول اللّه و آله الأطهار عليهم السّلام بالولاية التشريعية،كما في ذيل الرواية.

و يؤيد ذلك ما روي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال:«لا و اللّه ما فوض اللّه الى أحد من خلقه إلاّ الى الرسول و الى الأئمة فقال: إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّهُ و هي جارية في الأوصياء» (1).

فهذه صريحة في نفي الولاية التشريعية و التفويض في أمر الدين لأيّ كان،سوى أهل البيت عليهم السّلام،نعم التفويض في بعض الأمور الكونية ثابت كما تقدم لغير أهل البيت عليهم السّلام.

-و في رواية:سألته عن الإمام فوض اللّه إليه كما فوض الى سليمان.

قال عليه السّلام:«نعم» (2).

-و عنه أيضا عليه السّلام:«إن اللّه أدب نبيه فأحسن أدبه فلما أكمل له الأدب قال: إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، ثم فوض إليه أمر الدين و الأمة ليسوس عباده...» (3).

فتفويض أمر الدين يشير الى الولاية التشريعية الآتية،أما أمر الأمة فهو أعم من الأمور الدينية،بل لعله إشارة فقط الى الأمور التي تتعلق بالأمة من ناحية الكون و الكونيات،سواء منها العطاء و الرزق أم غيرها من الأمور التي تقدمت في القسم الأول من الأدلة.

-و في رواية أخرى قال عليه السّلام:«ثم فوض إليه فقال: وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا و إنّ نبي اللّه فوض الى علي و ائمته فسلمتم و جحد الناس،فوالله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا و ان تصمتوا إذا صمتنا،و نحن فيما بينكم و بين اللّه عزّ و جلّ ما جعل اللّه لأحد خيرا في خلاف أمرنا» (4).

فقوله:«نحن فيما بينكم و بين اللّه»يشير الى توسطهم في الفيض و العطاء و هذا في غير الأمور الشرعية كما سوف يأتي في الطائفة الثالثة.

و عنه عليه السّلام:«إذا رأيت القائم قد أعطى رجلا مائة ألف درهم و إعطاء آخر درهما فلا يكبرنّ ذلك في صدرك،فإن الأمر مفوض إليه» (5).5.


1) بحار الأنوار:334/25 ح 11،و بصائر الدرجات:386 ح 12.

2) بصائر الدرجات:387 ح 13.

3) أصول الكافي:266 ح 4،و بحار الأنوار:4/17 ح 3.

4) أصول الكافي:265/1 ح 1-2،و الاختصاص:330/12 في أنهم محدثون،و بحار الأنوار:33525 ح 13،و الوسائل:91/18 ح 33375.

5) الاختصاص:332/12 أنهم مفوض إليهم،و بحار الأنوار:336/25 ح 15.

-و عنه أيضا في حديث موثق:«إن اللّه فوض الى نبيه أمر خلقه لينظر كيف طاعتهم...» (1).

*أقول:الروايات كثيرة في إثبات التفويض المطلق لأهل البيت عليهم السّلام فلتراجع (2).

و مما لا شك فيه أن هذه الطائفة هي أم الطوائف لاشتمالها على لفظة:

«التفويض التكويني و التشريعي»أما التشريعي فخارج عن كلامنا و يأتي مفصلا.

أما التفويض التكويني فهو المدعى في هذا الباب،و عليه مدار الأدلة نفيا و اثباتا،و يأتي شرح معنى التفويض و إنه ليس هو تفويض بعرض قدرة و تصرف اللّه و لا حتى بطولهما كما تقدم.

و هذه الطائفة بعضها كان يعطي التفويض لآل محمد في بعض الأمور الكونية،و بعضها كان بلسان إعطائهم التفويض أو التصرف بلا تقييده بأمر تكويني معين،فبمقتضى الإطلاق يشمل كل الأمور التكوينية و هو المطلوب.

هذا و بعض الأدلة المتقدمة فيها تصريح بالإطلاق،كرواية الإمام الباقر عليه السّلام الذي قال بعد ان اثبت لصاحب الروح الأمرية إمكان التصرف بالإحياء و الإماتة و العلم بما كان و يكون قال:«فمن خصه اللّه بهذا الروح فهو كامل غير ناقص يفعل ما يشاء بإذن اللّه».

و كذلك قول الصادق في الرواية الأخرى:«مفوض إليه في كل شيء».

و هذا نصّ في التفويض المطلق لآل محمد إما للفظة«يفعل ما يشاء»و إما لكونه كاملا غير ناقص.

و الإمام بقرينة ما تقدم في الرواية يعتبر أنّ من لا يمتلك التصرف بالأمور الكونية كالإحياء و نحوه،يعتبر ناقصا غير كامل،و عليه فمن باب تنزيه آل محمد عليهم السّلام عن النقص يجب القول بقدرتهم التكوينية المطلقة.و هذا من الأدلة العقلية و النقلية معا.


كون آل محمد وسائط الفيض و أسباب العطاء

-فعن أمير المؤمنين عليه السّلام في قوله تعالى: قُلْ كَفى بِاللّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ فقال:«أنا هو الذي عنده علم الكتاب،و قد صدقه اللّه و أعطاه الوسيلة في الوصية،و لا


1) بحار الأنوار:332/25 باب نفي الغلو ح 7،و بصائر الدرجات:380 ح 10.

2) يراجع بحار الأنوار:330/25 إلى 340 باب نفي الغلو من كتاب الإمامة،و بصائر الدرجات:378 إلى 387 باب التفويض إلى الرسول و آله،و أصول الكافي:265/1-441-193:و بحار الأنوار:1/17 إلى 14 باب وجوب طاعة النبي و التفويض إليه من تاريخ النبي،و الوسائل:50/18 ح 33218.

تخلى أمة من وسيلته إليه و إلى اللّه فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ (1).

-و عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في حديث طويل:«نحن يمين اللّه و نحن أمناء اللّه...من آمن بنا آمن باللّه،و من ردّ علينا ردّ على اللّه،و من شك فينا شك في اللّه،و من عرفنا عرف اللّه،و من أطاعنا أطاع اللّه،و نحن الوسيلة الى اللّه و الوصلة الى رضوان اللّه،و لنا العصمة و الخلافة و الهداية» (2).

-و جاء في دعاء الندبة:«أين باب اللّه الذي منه يؤتى،أين السبب المتصل بين الأرض و السماء» (3).

و عن الإمام الصادق عليه السّلام:«نحن السبب بينكم و بين اللّه تعالى» (4).

-و عنه عليه السّلام في حديث يصف به آل محمد:«نحن علة الوجود و حجة المعبود لا يقبل اللّه عمل عامل جهل حقنا» (5).

-و عن أبي جعفر عليه السّلام:«نحن حجة اللّه،و نحن باب اللّه،و نحن لسان اللّه،و نحن وجه اللّه، و نحن عين اللّه في خلقه،و نحن ولاة أمر اللّه في عباده.

ثم قال:يا أسود بن سعيد إن بيننا و بين كل أرض ترّا مثل ترّ البناء،فإذا أمرنا في أمرنا جذبنا ذلك التر فأقبلت إلينا الأرض بقلبها و أسواقها و دورها حتى ننفذ فيها ما نؤمر فيها من امر اللّه تعالى» (6).

قال ابن أبي الحديد:

تقبلت أفعال الربوبية التي عذرت بها من شك انك مربوب

و يا علة الدنيا و من بدأ خلقها اليه سيتلو البدأ في الحشر تعقيب (7).

-و عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام:«إن اللّه انتجبنا لنفسه،فجعلنا صفوته من خلقه و لسانه الناطق بإذنه و امناؤه على ما نزل من عذر و نذر و حجة» (8).

-و عن أمير المؤمنين عليه السّلام قال:«أنا علم اللّه و أنا قلب اللّه الواعي و لسان اللّه الناطق و عين اللّه الناظر،و أنا جنب اللّه و أنا يد اللّه» (9).9.


1) بصائر الدرجات:216 باب ما عندهم من الاسم الأعظم ح 21.

2) بحار الأنوار:22/25-23 باب بدء خلقهم ح 83.

3) بحار الأنوار:104/102.

4) بشارة المصطفى:90.

5) بحار الأنوار:259/26 ح 36.

6) بحار الأنوار:384/25 باب غرائب افعالهم ح 40،و بصائر الدرجات:61 مختصرا.

7) مشارق انوار اليقين:44.

8) بصائر الدرجات:62 باب انهم حجة الله و بابه ح 7.

9) بصائر الدرجات:64 ح 13،و التوحيد:164 ح 1 باب 22،و المراقبات:259.

و في رواية:«أنا عين اللّه و لسانه الصادق و يده،و أنا يد اللّه المبسوطة على عباده بالرحمة و المغفرة» (1).

و عن الإمام الصادق عليه السّلام:«إن للّه عزّ و جلّ خلقا من رحمته خلقهم من نوره و رحمته،من رحمته لرحمته،فهم عين اللّه الناظرة و أذنه السامعة و لسانه الناطقة في خلقه بإذنه،و أمناؤه على ما أنزل من عذر أو نذر أو حجة فبهم يمحو السيئات و بهم يدفع الضيم،و بهم ينزل الرحمة و بهم يحيي ميتا و بهم يميت حيا،و بهم يبتلي خلقه و بهم يقضي في خلقه قضيته».

قلت:جعلت فداك من هؤلاء؟

قال:«الأوصياء عليهم السّلام» (2).

*أقول:الأحاديث في كونهم وجه اللّه و عينه و يده و جنبه كثيرة (3).

و أحاديث كون آل محمد الواسطة في الفيض من الأحاديث المشهورة،و التي منها ما تقدم في توسل الأنبياء عليه السّلام بآل محمد عليهم السّلام.

و منها ما تقدم من روايات إن الأرض تنبت بفضلهم،و السماء تمطر بهم،و ما شابه من هذه الأحاديث.

و منها ما تقدم في كونهم واسطة في الرزق،و منها أيضا ما تقدم من تنزيل الرحمة و صرف العذاب ببركة آل محمد عليهم السّلام،و ان الهداية منحصرة بهم،كل ذلك تقدم في الطوائف السابقة(النحو الأول).

و أما هذه الروايات المتقدمة هنا،و التي تجعل آل محمد عليهم السّلام واسطة و سببا بين اللّه تعالى و بين عباده،و أنّ من أراد الوفود على اللّه و عبادته و التقرب إليه،فلا بد أن يأتيه من بابه الذي امرنا به.

هذه الطائفة تفيد أن عطاءات اللّه و فيوضاته لا تصل إلاّ بتوسط آل محمد«فهم واسطة على سبيل هداة»و لا يهتدي هاد إلا بفضلهم.

و هذا معنأه انهم مصدر هذه الامور،ليس بعرض و لا بطول مصدرية اللّه،انما هم مظهر لمصدرية و عطاءات اللّه،و هذا ما قدمناه في معنى ولاية آل محمد عليهم السّلام على الامور الكونية.

و ما تقدم و يأتي من أنهم أسباب العطاءات و علله،لا يحمل على أكثر من هذا،و من المسلم1.


1) التوحيد للصدوق:165 باب 22 ح 2.

2) التوحيد للصدوق:167 باب 24 ح 1.

3) كمال الدين:231/1 باب 22 ح 34،و التوحيد:150-165-117 ح 4-21،و الكافي:143/1 ح 3 و بحار الأنوار:159/7،و نور الثقلين:495/4،و بصائر الدرجات:26،و أمالي الشيخ:666 المجلس 34 ح 4،و إثبات الوصية:151.

أنهم ليسوا العلة التامة،بل و لا الناقصة لهذه الفيوضات،بل هم علة مظهرية و تقدم ما يدل على ذلك.

هذا و قال الحكيم السبزواري:...فلا بد من للحادثين السائرين الى اللّه الطالبين له من جالس بين الحدين ذي حظ من الجانبين،و مسافر من الخلق الى الحق ليقودهم إليه و يدلهم عليه (1).

و قال صاحب كتاب غوالي اللآلي بعد كلام في معنى العقل و أنه أول الخلق،و شرح إدباره و اقباله و الإثابة به و العقاب:فيمكن أن يكون المراد بالعقل نور النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي انشعبت منه أنوار الأئمة صلوات اللّه عليهم،لأن أكثر ما أثبتوه لهذه العقول قد ثبت لارواح النبي و الائمة عليه السّلام في إخبارنا المتواترة على وجه آخر،فانهم اثبتوا القدم للعقل،و قد ثبت التقدم في الخلق لأرواحهم على جميع المخلوقات أو على سائر الروحانيين في اخبار متواترة.

و أيضا اثبتوا لهم التوسط في الايجاد أو الاشتراط في التأثير،و قد ثبت في الاخبار كونهم عليهم السّلام علة غائية لجميع المخلوقات،و أنه لولاهم لما خلق اللّه ألافلاك و غيرها.

و أثبتوا لها كونها وسائط في إفاضة العلوم و المعارف على النفوس و الأرواح،و قد ثبت في الأخبار أن جميع العلوم و الحقائق و المعارف بتوسطهم يفيض على سائر الخلق حتى الملائكة و الأنبياء...فكلما يكون التوسل بهم و الاذعان لفضيلتهم اكثر كان فيضان الكمالات من اللّه تعالى أكثر (2).

إن قيل:كونهم واسطة الفيض كيف يدل على ولايتهم التكوينية؟

قلت:كونهم الواسطة معناه ان الفيض كل الفيض لا يصل إلاّ بتوسطهم،فبهم يرزق اللّه العباد،و يحيي الموتى و يميت الاحياء،و عليه دلت الرواية الاخيرة،و هذا تفويض من اللّه لهم في الإحياء و نحوه،لأن معنى التفويض إليهم ليس أنهم هم الفاعلون بالاستقلال،بل معناه أن فعلهم مظهر لفعل اللّه و مرآة له كما تقدم.

هذا؛و في الحديث المستفيض عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عند الفريقين:

«لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى احبه،فإذا أحببته كنت سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله،فبي يسمع و بي يبصر و بي ينطق و بي يبطش و بي يمشي» (3).2.


1) شرح دعاء الصباح:65-66.

2) عوالم العلوم و المعارف:49-50 قسم العقل.

3) جامع الأسرار:204 ح 393،و راجع المعجم الكبير للطبراني:206/8،و المعجم الأوسط:163/10، و كنز العمال:770/7 ح 21327،و نور الأبصار:75،و صفة الصفوة:9/1 ط مصر،و أصول الكافي: 352/2 ح 7،علل الشرائع:227/1 باب 162.

و في الحديث:«أحببني أجعلك مثلي» (1).

و هذا الحديث يدل دلالة صريحة على قدرة العبد المطيع للّه تعالى حتى يصبح فعله فعل اللّه تعالى ينسب إليه.

قال الشيخ حسن زاده آملي:بل إن هذا الشخص و لأن الحق يكون عينه التي يرى و اذنه التي بها يسمع،و عين جوارحه و قواه الروحية و الجسمية؛فان تصرفه الفعلي أيضا يكون كالحدس و الجذبة الروحية،حتى يصير قوله و فعله واحدا،و لا يحتاج الى الامتداد الزماني في حركاته و انتقالاته،بل يصير محلا لمشيئة اللّه و مظهرا ل‍(إنما قولنا لشيء اذا أردناه أن نقول له كن فيكون) حيث يتحد عندها القول و الفعل (2).

-و قال الخواجة نصير الدين الطوسي:العارف إذا انقطع عن نفسه و اتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلّقة بجميع المقدورات،و كل علم مستغرق في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات،و كل إرادة مستغرقة في إرادته التي يمتنع ان يتأتى عليها شيء من الممكنات.

بل كل وجود فهو صادر عنه فائض عن لدنه فصار الحق حينئذ بصره الذي به يبصر و سمعه الذي به يسمع و قدرته التي بها يفعل و علمه الذي به يعلم و وجوده الذي به يوجد،فصار العارف حينئذ متخلّقا بأخلاق اللّه في الحقيقة (3).

*أما صحة مضامين هذه الطائفة،فقد رويناها من عدة طرق و من مجموعها يحصل للإنسان إستفاضة هذا المضمون و اذا لاحظنا الطوائف الاخرى المتقدمة و الآتية فإنا نصل الى حد القطع بصدق المضامين و عندها يصح القول بتواتر ثبوت الولاية التكوينية لآل محمد عليهم السّلام،خاصة مع ما تقدم من آيات تدل على هذه الطوائف.

و لنعد إلى ما كنّا فيه من تاريخ الإمام الحسن بن علي العسكري عليهما السّلام:


حبس الإمام العسكري عليه السّلام

روى الشيخ المفيد و غيره،أنه دخل العباسيون على صالح بن وصيف عند ما حبس أبو محمد عليه السّلام،فقالوا له:ضيق عليه و لا توسع،فقال لهم صالح:ما أصنع به؟.

و قد وكلت به رجلين شر من قدرت عليه،فقد صارا من العبادة و الصلاة و الصيام على أمر عظيم،ثم أمر بإحضار الموكلين،فقال لهما:و يحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟


1) جامع الأسرار:204 ح 393.

2) الإنسان الكامل:173.

3) شرح الإشارات و التنبيهات:389/3 عنه السير إلى الله:79.

فقالا:ما نقول في رجل يصوم النهار و يقوم الليل كله،لا يتكلم و لا يتشاغل بغير العبادة،فإذا نظر إلينا إرتعدت فرائصنا و داخلنا ما لا نملكه من أنفسنا،فلما سمع ذلك العباسيون إنصرفوا خاسئين (1).

و يظهر من الروايات أنه عليه السّلام كان أكثر أوقاته محبوسا و ممنوعا من المعاشرة،و كان مشغولا بالعبادة للّه عزّ و جلّ.

فروي أنه لما حبسه المعتمد في يدي علي بن حزين،و حبس جعفرا أخاه معه،كان المعتمد يسأل عليا عن أخباره في كل وقت،فيخبره أنه يصوم النهار و يصلي الليل (2).

و في بعض الأدعية أشير إليه بهذه العبارة:(و بحق النقي و السجاد الأصغر،و ببكائه ليلة المقام بالسهر) (3).

و عن السيد ابن طاووس،قال:إعلم أنّ مولانا الحسن بن علي العسكري عليهما السّلام كان قد أراد قتله الثلاثة ملوك الذين كانوا في زمانه حيث بلغهم أن مولانا المهدي عليه السّلام يكون من ظهره صلوات اللّه عليهما،و حبسوه عدة دفعات فدعا على من دعا عليه منهم،فهلك في سريع من الأوقات (4).

و روي أنه عليه السّلام سلم الى نحرير،و كان يضيق عليه و يؤذيه،فقالت له امرأته:إتق اللّه،فإنك لا تدري من في منزلك؟و ذكرت له صلاحه و عبادته،و قالت له:إني أخاف عليك منه.

فقال:و اللّه لأرمينه بين السباع،ثم استأذن في ذلك،فأذن له،فرمي به إليها،و لم يشكوا في أكلها له،فنظروا الى الموضع ليعرفوا الحال،فوجدوه عليه السّلام قائما يصلي،و هي حوله،فأمر بإخراجه الى داره (5).


شهادة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام

دفن مع أبيه بسرّ من رأى و قد كمل عمره تسعة و عشرين سنة و يقال:ثمان و عشرين،مرض أوّل شهر ربيع الأوّل سنة ستّين و مائتين و توفّي يوم الجمعة لثمان خلون منه.


1) الأنوار البهية،الشيخ عباس القمي ص 315،و الإرشاد للمفيد:ص 344.

2) إثبات الوصية:ص 215،و مهج الدعوات:ص 275،و البحار:ج 50 ص 313 قطعة من ح 11.

3) بحار الأنوار:ج 88 ص 376 ضمن ح 33.

4) مهج الدعوات:ص 273.

5) الإرشاد للمفيد:ص 344،و الخرائج و الجرائح:ج 1 ص 437 ح 15،و عنه البحار:ج 50 ص 268 ح 29.

و في إعلام الورى ذهب كثير من أصحابنا إلى أنّه عليه السّلام قتل مسموما و كذلك أبوه و جدّه و جميع الأئمّة عليهم السّلام خرجوا من الدّنيا على الشهادة و استدلّوا في ذلك بما روي عن الصادق عليه السّلام من قوله:

و اللّه ما منّا إلاّ مقتول شهيد (1).

و قال الشيخ الكفعمي:توفّي عليه السّلام أوّل يوم من ربيع الأوّل،سمّه المعتمد لعنه اللّه تعالى و كان مولده إلى وقت مضيّه تسع و عشرون سنة (2).

و قيل قبض عليه السّلام يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأوّل سنة ستّين و مائتين و هو ابن ثمان و عشرين سنة و دفن في داره في البيت الذي دفن فيه أبوه بسرّ من رأى و أمّه أمّ ولد يقال لها:

حديث و قيل:سوسن (3).

قال الصدوق قتله المعتمد لعنه اللّه بالسم،و قال الطبرسي:ذهب كثير من علمائنا إلى أنه عليه السّلام مضى مسموما و كذلك أبوه و جدّه و جميع الأئمة عليهم السّلام.

روى الصدوق بإسناده عن أبي حاتم قال سمعت أبا محمد الحسن بن علي عليهما السّلام:في سنة مائتين و ستين تفترق شيعتي.ففيها قبض أبو محمد عليه السّلام و تفرقت شيعته و أنصاره فمنهم من انتمى إلى جعفر و منهم من تاه و شك،و منهم من وقف على تحيره،و منهم من ثبت على دينه بتوفيق اللّه عزّ و جلّ (4).

و قيل قبض أبو محمد عليه السّلام بسر من رأى يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة ستين و مائتين في خلافة المعتمد،و هو ابن ثمان و عشرين سنة،و دفن في داره في البيت الذي دفن فيه أبوه عليه السّلام بسر من رأى.

قال شيخنا الطبرسي:ذهب كثير من أصحابنا الى أنه عليه السّلام مضى مسموما،و كذلك أبوه و جده و جميع الأئمة عليهم السّلام،خرجوا من الدنيا بالشهادة،و إسناده في ذلك،بما روي عن الصادق عليه السّلام:

ما منا إلا مقتول أو شهيد،و اللّه أعلم بحقيقة ذلك.

أقول:و روي عن أبي محمد الحسن بن أمير المؤمنين عليهما السّلام أنه قال عند وفاته لجنادة بن أبي أمية:ما منا إلا مسموم أو مقتول (5).

و قال الكفعمي و غيره:سمه المعتمد (6).2.


1) من لا يحضره الفقيه:585/2،و مناقب آل أبي طالب:51/2.

2) بحار الأنوار:235/0 ح 12،و الأنوار البهية:322.

3) الكافي:503/1،و الإرشاد:313/2.

4) كمال الدين و تمام النعمة:408 ح 6.

5) شرح أصول الكافي:312/7،و الأنوار البهية:322.

6) بحار الأنوار:335/50،و الأنوار البهية:322.

و قد سقي ذلك السم في أول شهر ربيع الأول سنة ستين و مائتين،و مات في يوم الجمعة لثمان مضين منه من ذلك العام،و له يوم وفاته عليه السّلام ثمانية و عشرون سنة،و كان أعظم سبب في هلاكه ما و شى به أخوه جعفر الكذاب حيث قد نازع الإمامة كما أخبره النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الأواب (1).

و في كتاب الإكمال عن محمد بن الحسن بن عباد قال:مات أبو محمد عليه السّلام يوم الجمعة مع صلاة الغداة،و كان في تلك الليلة قد كتب كتبا كثيرة إلى المدينة،و ذلك في شهر ربيع الأول لثمان خلون منه سنة ستين و مائتين من الهجرة،و لم يحضره إلا صيقل الجارية و عقيد الخادم و من علم اللّه غيرهما-و هو القائم عجل اللّه فرجه-فدعا بماء قد غلى بالمصطكي،فجئنا به إليه،فقال:ابدأوا بالصلاة فوضئوني،فجئنا بالمنديل فبسطناه في حجره و أخذ إبنه الماء من صيقل فغسل به وجهه و ذراعيه مرة مرة،و مسح على مقدمة رأسه و ظاهر قدميه مسحا و صلى صلاة الصبح على فراشه، و أخذ القدح ليشرب و جعل القدح يضطرب و يضرب ثناياه و يده ترتعش،فأخذت القدح من يده و مضى عليه السّلام من ساعته و دفن في داره بسر من رأى إلى جانب أبيه عليه السّلام،و صار إلى كرامة اللّه تعالى و قد كمل عمره تسع و عشرون سنة.

قال:و قال لي ابن عباد في هذا الحديث،قدمت أم أبي محمد من المدينة و إسمها حديث حين اتصل بها الخبر إلى سر من رأى،فكانت لها أقاصيص يطول شرحها مع جعفر في مطالبته إياها بميراثه و سعايته بها إلى السلطان،و كشف ما أمر اللّه تعالى بستره،و ادعت عند ذلك صيقل أنها حامل فحملت إلى دار المعتمد،فجعلن نساء المعتمد و خدمه و نساء القاضي ابن أبي الشوارب يتعاهدن أمرها في كل يوم و وقت،إلى أن دهمهم أمر الصفار و موت عبد اللّه بن يحيى بن خاقان بغتة،و خروجهم من سر من رأى و أمر صاحب الزنج بالبصرة و غير ذلك.

و في هذا قيل:

مضى خير خلق اللّه بعد محمد و آبائه تلك الكرام الأماجد

قضى و هو مسموم فوا لهفي لهم فيا لك من نور إلهي خامد

فلا وفّق اللّه الموفق إذ أتى خطب شنيع يا له من منابد

أدك رواسي الكائنات بأصلها و طبق أرباب النهي و الفوائد

و أخمد نور اللّه بعد سنائه و عطل أركان الهدى في الهوامد

فيا قلبي المضنى أدم في صبابة و يا دمع عيني سل دما غير نافد

فقد مات سلطان الورى و ابن خيرة الأنام و كهف للملا في الشدائد

فكيف ألذ العيش أو أعرف الكرى و أنت رهين في الثرى و الجلامد2.


1) وفيات الأئمة:412.

ستبكيك أعواد المنابر و الدعا و تبكيك أنواع الثنا و المحامد

و يبكيك دين اللّه لما تعطلت مداركه من ثابتات الأساند

فيا خير من قد ضمه باطن الحشا و يا خير من قد حط بطن الملاحد

عليك سلام اللّه ما ذر شارق و قام أذان الذكر من كل عابد (1)

و روي أنه لما مات الحسن بن علي عليهما السّلام،حضر غسله عثمان بن سعيد رضي اللّه عنه عنه و أرضاه،و تولى جميع أمره في تكفينه و تحنيطه و تقبيره.

و قال الشيخ علي السد آبادي في المقنع:إن الحسن بن علي نص على ولده الخلف الصالح عليه السّلام،و جعل وكيله أبا محمد عثمان بن سعيد العمري الوسيط بينه و بين شيعته في حياته، فلما أدركته الوفاة أمره عليه السّلام فجمع شيعتهم و أخبرهم أن ولده الخلف صاحب الأمر بعده عليه السّلام،و أن أبا محمد عثمان بن سعيد العمري وكيله،و هو بابه و السفير بينه و بين شيعته،فمن كانت له حاجة قصده،كما كان يقصده في حال حياته،و سلم إليه جواريه.

فلما قبض عليه السّلام تكلم أخوه جعفر،و ادّعى الإمامة لنفسه،و بذل للمعتمد بذلا أشاع ذكره،فلم يصح له فقال له وزير المعتمد:قد كان المتوكل و غيره يروم نسخ ناموس أخيك فلم يصح لهم، فاستمل أنت شيعته بما تقدر عليه،فلما لم يبلغ غرضه سعى بجواري أخيه،و قال:في هذه الجواري جارية إذا ولدت ولدا يكون ذهاب دولتكم على يده.

فأنفذ المعتمد الى عثمان بن سعيد،و أمره أن ينقلهن الى دار القاضي،أو بعض الشهود حتى يستبرئهن بالموضع،فسلمهن الى ذلك العدل،فأقمن عنده سنة،ثم ردهن الى عثمان بن سعيد، لأن الولد المطلوب عليه السّلام كان قد ولد قبل ذلك بست سنين،و قيل:بخمس،و قيل:بأربع،و أظهره أبو الحسن عليه السّلام بخاصة شيعته،و أراهم شخصه،و عرفهم بأنه الذي يقصد إليه منه،فلما تسلم عثمان بن سعيد الجواري و فيهم أم صاحب الأمر عليه السّلام،نقلهن الى مدينة السلام،و كانت الشيعة تقصده من كل بلد بقصص و حوائج،و كانت الأجوبة تخرج إليهم على يده،انتهى (2).

و روي عن أبي محمد عليه السّلام أنه قال يوما لأمه:تصيبني في سنة ستين و مائتين حزازة أخاف أن أنكب منها نكبة،فأظهرت الجزع،و أخذها البكاء،فقال:لا بد من وقوع أمر اللّه لا تجزعي (3).

و في رواية أنه أمرها بالحج في سنة تسع و خمسين و مائتين و عرفها ما يناله في سنة ستين، و خرجت أم أبي محمد عليه السّلام الى مكة (4).3.


1) وفيات الأئمة:416.

2) المقنع في الأمامة:ص 146.

3) بصائر الدرجات:ص 248 ح 8،و عنه البحار:ج 50 ص 330 ح 2،.

4) بحار الأنوار:ج 50 ص 336 ضمن ح 13.

و روي عنه عليه السّلام،قال:في سنة مائتين و ستين تفترق شيعتي،ففيها قبض عليه السّلام فتفرقت شيعته (1).

قال شيخنا المفيد رحمه اللّه:و مرض أبو محمد عليه السّلام في أول شهر ربيع الأول سنة ستين و مائتين،و مات في يوم الجمعة لثمان ليال خلون من هذا الشهر في السنة المذكورة،و له يوم وفاته ثمان و عشرون سنة،و دفن في البيت الذي دفن فيه أبوه من دارهما بسر من رأى،و خلف ابنه المنتظر لدولة الحق،و كان قد أخفى مولده،و ستر أمره لصعوبة الوقت و شدة طلب سلطان الزمان له، و اجتهاده في البحث عن أمره،و لما شاع من مذهب الشيعة الإمامية فيه،و عرف من انتظارهم له، فلم يظهر ولده عليه السّلام في حياته و لا عرفه الجمهور بعد وفاته.و تولى جعفر بن علي،أخو أبي محمد عليه السّلام أخذ تركته،و سعى في حبس جواري أبي محمد عليه السّلام و اعتقال حلائله،و شنع على أصحابه بانتظارهم ولده،و قطعهم بوجوده،و القول بإمامته،و أغرى بالقوم حتى أخافهم و شردهم و جرى على مخلفي أبي محمد عليه السّلام بسبب ذلك كل عظيمة من إعتقال و حبس و تهديد و تصغير و استخفاف و ذل،و لم يظفر السلطان منهم بطائل،و حاز جعفر ظاهرا تركة أبي محمد عليه السّلام،و اجتهد في القيام عند الشيعة مقامه،و لم يقبل أحد منهم ذلك،و لا أعتقده فيه،فصار الى سلطان الوقت يلتمس مرتبة أخيه و بذل مالا جليلا،و تقرب بكل ما ظن أنه يتقرب به،فلم ينتفع بشي من ذلك، انتهى (2).

و قال عثمان بن سعيد قدس اللّه روحه لعبد اللّه بن جعفر الحميري:إن الأمر عند السلطان أن أبا محمد عليه السّلام مضى و لم يخلف ولدا،و قسم ميراثه و أخذه من لا حق له،و صبر على ذلك و هو ذا عياله يجولون و ليس أحد يجسر أن يتعرف إليهم أو ينيلهم شيئا (3).

و في الدروس،و روى أبو هاشم الجعفري،قال:قال لي أبو محمد الحسن بن علي عليهما السّلام:

قبري بسر من رأى أمان لأهل الجانبين (4).

و قال المفيد رحمه اللّه:يزاران من ظاهر الشباك،و منع من دخول الدار (5).

و قال الشيخ أبو جعفر:و هو الأحوط،لأنها ملك الغير فلا يجوز التصرف فيها إلا بإذنه.

قال:و لو أن أحدا دخلها لم يكن مأثوما،و خاصة إذا تأول في ذلك،ما روي عنهم عليهم السّلام، أنهم جعلوا شيعتهم في حل من مالهم (6).م.


1) بحار الأنوار:ج 50 ص 334 ح 6.

2) الإرشاد للمفيد:ص 345.

3) بحار الأنوار:ج 348/51 ح 1.

4) الدروس:ج 2 ص 15.

5) المقنعة:ص 486.

6) تهذيب الأحكام:ج 6 ص 94 باب زيارتهما عليهما السّلام.

قال علي بن عيسى الإربلي رحمه اللّه:حكى لي بعض الأصحاب أن الخليفة المستنصر رحمه اللّه مشى مرة الى سر من رأى،و زار العسكريين عليهما السّلام،و خرج فزار التربة التي دفن فيها الخلفاء من آبائه و أهل بيته،و هم في قبة خربة يصيبها المطر و عليها ذرق الطيور،و أنا رأيتها على هذه الحال.

فقيل له:أنتم خلفاء الأرض و ملوك الدنيا و لكم الأمر في العالم و هذه قبور آبائكم بهذه الحال؟لا يزورها زائر و لا يخطر بها خاطر،و ليس فيها أحد يميط عنها الأذى،و قبور هؤلاء العلويين كما ترونها بالستور و القناديل و الفروش و الزلالي و الفراشين و الشمع و البخور و غير ذلك.

فقال:هذا أمر سماوي لا يحصل باجتهادنا،و لو حملنا الناس على ذلك ما قبلوه و لا فعلوا.

و صدق رحمه اللّه،فإنّ الإعتقادات لا تحصل بالقهر،و لا يتمكن أحد من الإكراه عليها (1).


فضل زيارة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام

عن الحسن بن علي الوشاء قال:سمعت الرضا عليه السّلام يقول:إنّ لكل إمام عهدا في عنق أوليائه و شيعته و إنّ من تمام الوفاء بالعهد و حسن الأداء زيارة قبورهم فمن زارهم رغبة في زيارتهم و تصديقا بما رغبوا فيه كان أئمتهم شفعاءهم يوم القيامة (2).

الكليني،عن محمد بن يحيى،عن محمّد بن الحسين،عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع،عن صالح بن عقبة،عن زيد الشحام قال:قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام:ما لمن زار أحدا منكم؟

قال:كمن زار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (3).

الشيخ،عن محمّد بن همام،عن الحسن بن محمّد بن جمهور،عن الحسين بن روح،عن محمّد بن زياد،عن أبي هاشم الجعفري قال:قال لي أبو محمّد الحسن بن علي عليه السّلام:قبري بسر من رأى أمان لأهل الجانبين (4).


ما جرى على آله عليهم السّلام من الظلم

في بشائر المصطفى،مرض أبو محمّد الحسن في أوّل شهر ربيع الأوّل سنة ستّين و مائتين و مات في يوم الجمعة لثمان خلون من هذا الشهر و له يوم وفاته ثمان و عشرون سنة و خلّف إبنه


1) كشف الغمة:ج 2 ص 519.

2) الكافي:567/4 ح 2.

3) الكافي:579/4 ح 1.

4) التهذيب:93/6 ح 3.

المنتظر لدولة الحقّ و كان قد أخفى مولده لصعوبة الوقت و شدّة طلب سلطان الزمان و اجتهاده في البحث عن أمره لما شاع من مذهب الشيعة الإمامية فيه و عرف من انتظارهم له فلم يظهر ولده عليه السّلام في حياته و لا عرفه الجمهور بعد وفاته،و تولّى جعفر أخذ تركته و سعى في حبس جواري أبي محمّد عليه السّلام و إعتقال حلائله و شنّع على أصحابه بانتظارهم لولده و قطعهم بوجوده و القول بإمامته و أغرى بالقوم حتّى أخافهم و جرى على مخلفي أبي الحسن عليه السّلام بسبب ذلك كلّ عظيمة من اعتقال و حبس و استخفاف و لم يظفر السلطان منهم بطائل و حاز جعفر ظاهرا تركة أبي محمّد عليه السّلام و اجتهد في القيام على الشيعة مقامه فلم يقبل أحد منهم ذلك و لا اعتقدوه فيه فصار جعفر إلى سلطان الوقت يلتمس مرتبة أخيه و بذل مالا جليلا و تقرّب بكلّ ما ظنّ أنّه يتقرّب به فلم ينتفع بشيء من ذلك و لجعفر أخبار كثيرة في هذا المعنى (1).


وضع الشيعة بعد استشهاد الإمام العسكري عليه السّلام

و عن الشيخ الموثوق أبي عمرو العمري-ره- (2)قال:تشاجر ابن أبي غانم القزويني و جماعة من الشيعة في(الخلف)فذكر ابن أبي غانم:أنّ أبا محمد عليه السّلام مضى و لا خلف له،ثم إنهم كتبوا في ذلك كتابا و انفذوه إلى الناحية،و أعلموه بما تشاجروا فيه.

فورد جواب كتابهم بخطه صلى اللّه عليه و على آبائه:بسم اللّه الرحمن الرحيم عافانا اللّه و إياكم من الفتن،و وهب لنا و لكم روح اليقين،و أجارنا و إياكم من سوء المنقلب،إنه أنهي الي ارتياب جماعة منكم في الدين،و ما دخلهم من الشك و الحيرة في ولاة أمرهم،فغمنا ذلك لكم لا لنا، و ساءنا فيكم لا فينا،لأن اللّه معنا فلا فاقة بنا إلى غيره،و الحق معنا فلن يوحشنا من قعد عنا، و نحن صنائع ربنا و الخلق بعد صنائعنا.يا هؤلاء ما لكم في الريب تترددون،و في الحيرة تنعسكون، أ و ما سمعتم اللّه يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ (3)أ و ما علمتم ما جاءت به الآثار مما يكون و يحدث في أئمتكم،على الماضين و الباقين منهم عليهم السّلام؟أ و ما رأيتم كيف جعل اللّه لكم معاقل تأوون إليها،و أعلاما تهتدون بها،من لدن آدم عليه السّلام إلى أن ظهر الماضي عليه السّلام،كلما غاب علم بدا علم،و إذا أفل نجم طلع نجم.

فلما قبضه اللّه إليه ظننتم:أن اللّه أبطل دينه،و قطع السبب بينه و بين خلقه،كلا ما كان ذلك


1) الإرشاد:337/2،و بحار الأنوار:334/50.

2) هو عثمان بن سعيد العمري-بفتح العين و سكون الميم-أول النواب الأربعة يكنى أبا عمرو السمان و يقال له الزيات.

3) سورة النساء،الآية:58.

و لا يكون،حتى تقوم الساعة و يظهر أمر اللّه و هم كارهون،و أن الماضي عليه السّلام مضى سعيدا فقيدا على منهاج آبائه عليهم السّلام،(حذو النعل بالنعل)و فينا وصيته و علمه،و منه خلفه و من يسد مسده،و لا ينازعنا موضعه إلا ظالم آثم،و لا يدعيه دوننا إلا كافر جاحد،و لو لا أن أمر اللّه لا يغلب،و سره لا يظهر و لا يعلن،لظهر لكم من حقنا ما تبتز منه عقولكم،و يزيل شكوكم و لكنه ما شاء اللّه كان، و لكل أجل كتاب،فاتقوا اللّه و سلموا لنا و ردوا الأمر إلينا فعلينا الإصدار كما كان منا الإيراد،و لا تحاولوا كشف ما غطي عنكم،و لا تميلوا عن اليمين و تعدلوا إلى اليسار،و اجعلوا قصدكم إلينا بالمودة على السنة الواضحة فقد نصحت لكم،و اللّه شاهد علي و عليكم،و لو لا ما عندنا من محبة صاحبكم و رحمتكم،و الإشفاق عليكم،لكنا عن مخاطبتكم في شغل مما قد امتحنا به من منازعة الظالم العتل،الضال المتتابع في غيّه،المضاد لربه،المدعي ما ليس له،الجاحد حق من افترض اللّه طاعته،الظالم الغاصب،و في ابنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و عليها إلي أسوة حسنة،و سيتردى الجاهل رداء عمله،و سيعلم الكافر لمن عقبى الدار.

عصمنا اللّه و إياكم من المهالك و الأسواء،و الآفات و العاهات كلها برحمته إنه ولي ذلك و القادر على ما يشاء،و كان لنا و لكم وليا و حافظا،و السلام على جميع الأوصياء و الأولياء و المؤمنين و رحمة اللّه و بركاته،و صلى اللّه على النبي محمد و آله و سلم تسليما (1).

و في الإكمال عن سيار الموصلي قال:لما قبض سيدنا أبو محمد الحسن العسكري عليه السّلام قدم قوم من قم و معهم الجمال وفود بالمال التي كانت على الرسم،و لم يكن عندهم خبر وفاته،فقيل لهم إنه عليه السّلام قد فقد.

فقالوا:فمن وارثه؟

قالوا:أخوه جعفر الكذاب بن علي الهادي،فسألوا عنه قيل لهم:إنه قد خرج متنزها و ركب زورقا و لحقه بالدجلة يشرب الخمر و معه المغنين قال:فتشاور القوم و قالوا:ليس هذه صفة الإمام.

فقال بعضهم لبعض:إمضوا بنا حتى نرد هذه الأموال إلى أهلها.

فقال أبو العباس جعفر بن محمد الحميري:قفوا بنا حتى يرجع هذا الرجل و نختبر أمره على الصحة.

قال:فلما انصرف دخلوا عليه فسلموا عليه و قالوا:يا سيدنا نحن قوم من قم و معنا جماعة من الشيعة و غيرها،و كنا نحمل إلى سيدنا الحسن بن علي عليه السّلام الأموال.

فقال:و أين هي؟

فقالوا:معنا.2.


1) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:278/2.

فقال:إحملوها إلي.

فقالوا:إن لهذه الاموال خبرا طريفا.

قال:فما هو؟.

فقالوا:إن هذه الاموال تجمع و يكون فيها من عامة الشيعة الدينار و الديناران ثم يجعلونها في كيس و يجتمعون عليه،و كنا إذا أوردنا المال إلى سيدنا أبي محمد عليه السّلام يقول:جملة المال كذا و كذا دينار من عند فلان كذا و كذا،و من عند فلان كذا و كذا،حتى يأتي على أسماء أصحابه كلها و يقول بما على الخواتيم من النقش.

فقال جعفر:كذبتم تقولون على أخي بما لا يفعل،هذا علم الغيب.

فلما سمع القوم كلامه جعل ينظر بعضهم إلى بعض فقال:ألا تحملون هذا المال إلي؟

فقالوا:إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب المال،و لا نسلم المال إلا بالعلامات التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن بن علي عليه السّلام،فإن كنت الإمام فبرهن لنا و إلا رددنا المال إلى أصحابه يرون فيه رأيهم.

قال:فدخل جعفر على الخليفة و كان بسر من رأى،فاستدعى عليهم،فلما حضروا قال الخليفة:إحملوا هذا المال إلى جعفر.

فقالوا:أصلح اللّه أمير المؤمنين،إنا قوم مستأجرون و وكلاء لأرباب هذه الاموال،و هي وديعة لجماعة عندنا و أمرونا ألا نسلمها إلا بعلامة و دلالة،و قد جرت هذه العادة مع أبي محمد عليه السّلام.

فقال الخليفة:ما الدلالة لأبي محمد عليه السّلام؟

قال القوم كان يصف لنا الدنانير و أصحابها و الأموال و كم هي،فإذا فعل ذلك سلمنا إليه المال،و قد وفدنا عليه مرارا فكانت هذه علامتنا معه عليه السّلام و دلالتنا،و قد مات فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر،فليقم لنا ما كان يقيم لنا أخوه و إلا رددناها على أصحابها.

فقال جعفر:يا أمير إن هؤلاء القوم يكذبون على أخي،و هذا علم الغيب.

فقال الخليفة:القوم رسل و ما على الرسول إلا البلاغ المبين.

قال:فبهت جعفر و لم يحر جوابا.

فقال القوم:يقول أمير المؤمنين بإخراج أمره إلى من يدبرنا حتى نخرج من هذه البلدة.

قال:فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها.فلما أن خرجوا من البلد خرج لهم غلام أحسن الناس وجها كأنه خادم،فنادى يا فلان ابن فلان،و يا فلان ابن فلان أجيبوا داعي اللّه أجيبوا مولاكم.

فقالوا:أنت مولانا؟

فقال:معاذ اللّه،أنا عبد مولاكم فسيروا إليه.

قالوا:فسرنا معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي عليه السّلام و إذا ولده القائم عليه السّلام سيدنا قاعد على سرير كأنه فلقة قمر عليه ثياب خضر،فسلمنا عليه فرد علينا السلام فقال:جملة المال كذا و كذا دينارا،حمل فلان كذا،و لم يزل يصف حتى وصف الجميع،ثم وصف ثيابنا و رحالنا و ما كان معنا من الدواب،فخررنا سجدا للّه عزّ و جلّ شكرا،و قبلنا الأرض بين يديه،ثم سألنا عما أردنا فأجابنا، و حملنا إليه الاموال و أمرنا القائم عليه السّلام أن لا نحمل إلى سر من رأى بعد هذا شيئا من المال،و أنه ينصب إلينا في بغداد رجلا نحمل إليه الأموال،و يخرج من عنده التوقيعات.

قال:فانصرفنا من عنده،و دفع إلى أبي العباس جعفر بن محمد الحميري شيئا من الحنوط و الكفن،و قال:عظم اللّه أجرك في نفسك.

قال:فما بلغ أبو العباس عقبة همدان حتى توفي رحمه اللّه.

و كان بعد ذلك تحمل الأموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين و تخرج منهم التوقيعات.

و لما قدم الحسن عليه السّلام على ربه،و استتر عن أهله و أصحابه،و وقعت الغيبة الصغرى،و لم يعلم به و لا يدري من نصب لقبض الأموال و الأخماس و إزالة الوسواس الخناس من الناس و كشف الشكوك و الاقياس،فذهبت الخواص من شيعته إلى الإطلاع على أمره و استجلاء ديجور ليل استنار نور بدره،و كان ممن طلب إبراهيم بن مهزيار و هو من الثقاة الأخيار قال:قدمت المدينة مدينة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فبحثت عن أخبار آل أبي محمد الحسن بن علي عليه السّلام الأخير،فلم أقع على شيء منها، فرحلت إلى مكة مستبحثا عن ذلك،فبينما أنا في الطواف الأخير إذ تراءى لي فتى أسمر اللون، ربع،حسن الوجه،جميل المخيلة،يطيل التوسم إلي،فعدلت إليه مؤملا منه عرفان الوجه لما قصدت إليه،فلما قربت منه سلمت عليه فأحسن الرد و الاجابة.

ثم قال:من أي البلاد أنت؟

قلت:أنا رجل من العراق،قال:من أي العراق أنت؟

فقلت:من الأهواز.

قال:مرحبا بلقائك،هل تعرف بها جعفر بن محمد الحضيني؟

قلت:دعي فأجاب قال:رحمة اللّه عليه ما كان أطول ليله و أجزل نيله،فهل تعرف إبراهيم بن مهزيار؟

فقلت:أنا إبراهيم بن مهزيار،فعانقني مليا ثم قال:مرحبا بك يا أبا إسحاق ما فعلت العامة التي و شجت بينك و بين أبي محمد.

قلت:لعلك تريد الخاتم الذي آثرني اللّه به من طيب أبي محمد بن علي عليه السّلام؟

فقال:ما أردت سواه،فأخرجته إليه،فلما نظر إليه استعبر و قبله،ثم قرأ كتابته و كانت:يا اللّه يا محمد يا علي ثم قال:يا أبا إسحاق أخبرني من عظيم ما توخيت به بعد الحجج.

قلت:و أبيك ما توخيت إلا ما سأستعلمك مكنونه قال:سل عما تريد فإني شارح لك إن شاء اللّه تعالى.

قلت:هل تعرف من آل أبي محمد الحسن بن علي عليه السّلام شيئا؟

قال:و أيم اللّه إني لأعرف الضوء من جبين محمد عليه السّلام و موسى أبناء الحسن بن علي عليه السّلام،ثم إني لرسولهما إليك قاصدا لأنبئك أمرهما،فإذا أحببت لقاءهما و الإكتحال بالتبرك بهما فارتحل معي إلى الطائف،و ليكن ذلك في خفية و اكتتام.

قال إبراهيم:فشخصت معه إلى الطائف نتخلل رملة رملة حتى أخذ في بعض مخارج الفلوات،فبدت لنا خيمة شعر قد أشرفت على أكمة رمل تتلألأ تلك البقاع منها تلألأ،فبدرني إلى الإذن و دخل مسلما عليهما و أعلمهما بمكاني فخرج علي أحدهما و هو الاكبر سنا،المهدي بن الحسن عليه السّلام و إذا هو غلام أمرد،ناصع اللون،واضح الجبين،أزج الحاجبين،مسنون الخد،أقنى الأنف،أشم أروع،كأنه غصن بان،صفحة غرته كوكب دري بخده الأيمن خال كأنه قناة مسك على بياض الفضة،له سمة ما رأت العيون أقصد منه و لا أعرف حسنا و سكينة و حياء.

فلما مثل لي أسرعت إلى تلقيه،فأكببت عليه ألثم كل جارحة منه،فقال:مرحبا بك يا أبا إسحاق،لقد كنت اليوم تعدني و شك لقائك،و المقالب بيني و بينك على تشاحط و خيال المشاهدة، و أنا أحمد اللّه ربي على ما قيض من التلاقي و رفه من كربة التنائي و الإستشراف،ثم سألني عن أحوالي متقدمها و متأخرها فقلت:بأبي و أمي ما زلت أسأله عن أمرك بلدا بلدا منذ استأثر اللّه سيدي أبا محمد فاستغلق ذلك علي،حتى من اللّه علي بمن أرشدني إليك و دلني عليك،و الشكر للّه على ما أوزعني فيك من كريم اليد و الطول،ثم نسب نفسه عليه السّلام و أخاه موسى و اعتزل بي ناحية.

ثم قال لي:إن أبي صلوات اللّه عليه عهد لي أن لا أوطن من أرض اللّه إلا أخفاها و أقصاها إسرارا لأمري،و تحصينا لمحلي و من كيد أهل الضلال و المردة من أحداث الأمم الضؤال،فأنبذني إلى عثيالة التلال و الرمال و جنبني صرائم الأرض،ينتظر لي الغاية التي عندها يحل الأمر و ينجلي الهلع،و كان بسط لي من خزائن الحكم و كوامن العلم ما إن نعشت إليك منه جزءا أغناك عن الجملة.

إعلم يا أبا إسحاق أنه قال صلوات اللّه عليه:يا بني إن اللّه جلّ ثناؤه لم يكن يخلي أطباق أرضه و أهل الجد في طاعته و عبادته بلا حجة يستعمل بها،و إماما يؤتم به و يقتدى بسبيل سنته

و منهاج قصده،و أرجو يا بني أن تكون أحد من عده اللّه تعالى لنشر الحق و طي الباطل و إعلاء الدين و إطفاء الضلال،فعليك يا بني بلزوم خوافي الأرض و اتبع قواصيها،فإن لكل ولي من أولياء اللّه عدوا مقارعا و ضدا منازعا افتراضا لثواب مجاهدة أهل نفاقه و خلافه أولي الإلحاد و العناد فلا يوحشنك ذلك و اعلم أن قلوب أهل الطاعة و الإخلاص تفزع إليك كالأطيار إلى أوكارها،و هم معشر يطلعون بمخايل الذلة و الإستكانة و هم عند اللّه بررة يبتزون بأنفس مختلفة محتاجة،و هم أهل القناعة و الإعتصام استبطنوا الدين فوازروه على مجاهدة الأضداد،و خصهم اللّه باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم اتساع العز في دار القرار،و جبلهم على خلائق الصبر على موارد أمورك تفز بدرك الصنيع في مصادرها،و استشعر العز في ما ينوبك تحظى بما عليه إن شاء اللّه تعالى،و كأنك بتأييد نصر اللّه و قد آن،و بتيسير الفرج و علو الكعب و قد حان،و كأنك بالرايات الصفر و الأعلام البيض تخفق على أثناء أعطافك ما بين الحطيم و زمزم،و كأنك بترادف البيعة و تصادف الولي يتناظم عليك الدار في مثاني العقود و تصافق الأكف جنات الحجر الأسود تلوذ بفنائك من ملأ برأهم اللّه في طهارة الولادة و نفاسة التربة،مقدسة قلوبهم من دنس النفاق مهذبة أفئدتهم من رجس الشقاق لينة عرائكهم للدين،خصبة ضرائبهم على المعتدين،واضحة بالقبول وجوههم،نضرة بالفضل عيدانهم،يدينون بدين الحق و أهله،فإذا اشتدت أركانهم و تقومت أعمدتهم قدمت بمكاففتهم طبقات الأمم إلى بيعتك في ظلال دوحة بسقت أفنان غصونها على حافات بحيرة الطبرية،فعندما يتلالأ صبح الحق و ينجلي ظلام الباطل و يقصم اللّه بك الطغيان و يعيد معالم الإيمان فيطهر بك أقسام الآفاق و يظهر بك السلام الرقاق،يود الطفل في المهد لو استطاع إليك نهوضا لنهض و نواشط الوحش لو وجد نحوك مجازا تهتز بك أطراف الدنيا بهجة و تهتز بك أعطاف العز نظرة و تستقر بواقي الحق في قرارها و تثوب شوارد الدين إلى أوكارها،تتهاطل عليك سحائب الظفر و يخنق كل عدو و ينصر كل ولي،فلا يبقى على وجه الأرض جبار قاصد و لا جاحد فاجر غادر غامض و لا شأن مبغض و لا معاند كاشح وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (1).

ثم قال عليه السّلام:يا أبا إسحاق ليكن مجلسي هذا عندك مكتوما إلا عن أهل التصديق و الأخوة الصادقة في الدين،و إذا بدت لك تلك الإمارات و التمكن فلا تبطئ بإخوانك عنا،و بأهل المنازعة إلى منار اليقين و ضياء مصابيح الدين.

قال إبراهيم بن مهزيار رضي اللّه عنه:فمكثت عنده حينا أقتبس ما يروي من موضحات الأعلام و نيرات الأحكام،و أروي نبات الصدور من نضارة ما ذخره اللّه في طبعائه من لطائف الحكمة و طرائف فواضل القسمة،حتى خفت إضاعة مخلفي بالأهواز لتراخي اللقاء عنهم،فاستأذنته في القفول و أعلمته عظيم ما أصدر به عنه من التوحش لفرقته و التجرع للظعن عن مجالسته،فأذن لي،و أردفني3.


1) سورة الطلاق،الآية:3.

بصالح دعائه ما يكون عند اللّه ذخرا لي و لعقبي و لقرابتي إن شاء اللّه تعالى.

فلما أزف ارتحالي و تهيأ اعتزام سفري،غدوت عليه مودعا مجددا للعهد،و عرضت عليه مالا كان معي يزيد على خمسين ألف درهم،و سألته أن يتفضل بقبوله مني،فتبسم عليه السّلام و قال:يا أبا إسحاق استعن بها على مصرفك فإن الشيعة مدنفة و فلوات الأرض أمامك جمة،و لا تحزن لإعراضنا عنه فإنا قد أحدثنا لك شكره و نشره و ربطناه عندنا بالتذكرة و قبول المنة،و بارك اللّه لك فيما حولك و أدام لك ما هو لك و كتب لك ثواب المحسنين و أكرم آثار الطائعين،فإن الفضل له و منه،و أسأل اللّه تعالى لأصحابك بأوفر الحظ و سلامة الأربة و أكناف الغبطة بلين المنصرف،و لا أوعث اللّه لك سبيلا و لا حير لك دليلا،و استودعه نفسك وديعة لا تضيع و لا تزول بمنه و لطفه إن شاء اللّه تعالى.

يا أبا إسحاق متعنا اللّه بفوائد إحسانه و فوائد امتنانه،و صان أنفسنا في معاونة الأوصياء لنا على الإخلاص في النية و امحاض النصيحة و محافظة على ما هو أبقى و أرفع ذكرا.

قال:فقمت من عنده و أقفلت حامدا للّه عزّ و جلّ ما هداني و أرشدني،عالما بأن اللّه لم يكن ليعطل أرضه و لا ليخليها من حجة واضحة و إمام قائم،و ألقيت هذا الخبر المأثور و النسب المشهور توخيا للزيادة في سائر أهل اليقين،و تعريفا لهم بما من اللّه عزّ و جلّ به من إنشاء الذروة الطيبة و التربة الزكية،و قصدت أداء الأمانة،و التسليم لما استبان ليضاعف اللّه تعالى للملة الهادية و الطريق المرضية قوة عزم و تأييد نية و شدة و اعتقاد عصمة وَ اللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (1)(2).

و لله درّ القائل:

جلّ المصاب بسيد السادات نجل الأئمة أفضل القادات

أعني نتيجة من علا فوق السهى و انحط عنه عاليات سمات

ختم الإمام بابنه حقا كما ختم النبوة جده بثبات

بئس الزمان فقد أراهم جوره و رماهم بسهامه و شتات

فسقى النبي كؤوس سم ناقع و أعل فاطم بعد ضغط جنات

و غدا الوصي بسيف ابن قذارها لرضا قطام مجدلا بصلاة

و سقت جعيدة للزكي سمومها في نسك صوم يا لها نكبات

و الفرقد الثاني مضى في كربلا و سيوف أشقاها و شر عداة

من بعد ما خدعت له في كتبها فأتى لها بالاهل خير حماة

منعوه شرب الماء حتى إن قضا مقطوع رأس شيل فوق قناة4.


1) سورة البقرة،الآية:213.

2) وفيات الأئمة:420-424.

و نساؤه أسرت و قد شهدت له فوق الرغام مرضض الجنبات

و عليله زين العابدين مقيدا لا راحم منهم له بجهات

كم نال من بعد التعزز ذلة فقضى بسم ناقع و ترات

و الباقر المولى كذلك ابنه قتلتهما أشرارها لهنات

و الكاظم المسموم من أردى الورى من بعد تعنيف و ذل حياة

و لذي الرضا جارت عليه ببغيها ابنا العمومة أقذر القذرات

و عدت على المولى الجواد و قوضت تلك القباب فيا لها نكبات

و السيد الهادي لقد أردته في عجل و شر عصابة و بغاة

و العسكري أبو الإمام ببغيها جلبت له من سمها الكاسات

و تقصدت ابن الخليفة سيدي بشرورها فغدا بدار شتات

أغبر آفاق البلاد و كورت شمس العلوم و عطل الآيات

و الدرس مندرس و باب الشرع في غلق و رايات الهدى نكسات

و منابر الوعاظ لا وعظ بها و محارب أمست بغير صلاة

و المحكمات البينات تعطلت لا قيم فيها بغير حماة

يا صاحب العصر الذي فرض له أخذ الدخول من العدا و بغاة

عجل و جرد سيف جدك أحمد و اغمده في أعناق شر عداة

لا سيما تيم لها و عديها و بنو أمية و العمومة عات

فلقد أبادوا نسلكم و تمردوا و سبوا حريمك يا بن حمات

حملوا لرأس حسين فوق سنانهم من بعد ذبح مفظع و شتات

قم فانشر لنا علوم محمد في العالمين و بين الآيات

فالرأس شاب من البلايا و العنا و العين من دم لها عبرات

أهديتكم قدري و ما قد قلته فيكم أقل قليل في المدحات

منّوا علينا بالقبول و كفروا عنا الذنوب و معظم السيئات

صلى إله الخلق خير صلاته رغدت تأمكم مدى الساعات

فاللعن في أعدائكم متواتر ما قام داعي اللّه للصلوات (1)5.


1) وفيات الأئمة:424-425.

دعاء الإمام الحسن العسكري عليه السّلام

عن أبي إبراهيم قال:كتب إليه بعض مواليه يسأله أن يعلّمه دعاء،فكتب إليه أن ادع بهذا الدعاء:يا أسمع السامعين و يا أبصر المبصرين و يا عزّ الناظرين و يا أسرع الحاسبين و يا أرحم الراحمين و يا أحكم الحاكمين صلّ على محمّد و آل محمّد و أوسع لي في زرقي و مدّ لي في عمري و امنن عليّ برحمتك و اجعلني ممّن تنتصر به لدينك و لا تستبدل بي غيري.

قال أبو هاشم:فقلت في نفسي:اللّهم اجعلني في حزبك و في زمرتك،فأقبل عليّ أبو محمّد عليه السّلام فقال:أنت في حزبه و في زمرته إذ كنت باللّه مؤمنا و لرسوله مصدّقا و لأوليائه عارفا و لهم تابعا فأبشر ثمّ أبشر (1).


حرص الإمام العسكري عليه السّلام على الشيعة

الكشي عن أحمد المراغي قال:ورد على القاسم بن العلاء نسخة ما كان خرج من لعن ابن هلال و كان ابتداء ذلك أن كتب عليه السّلام إلى قوّامه بالعراق:إحذروا الصوفي المتصنّع.

قال:و كان من شأن أحمد بن هلال أنّه قد كان حجّ أربعا و خمسين حجّة عشرون منها على قدميه.

و ذكر عليه السّلام في هذا الحديث لعنه و البراءة منه و أمر الشيعة باجتنابه و لعنه و فيه دلالة على أنّ الأعمال لا تنفع إلاّ إذا قارنت الإعتقاد الصحيح و النيّة المستقيمة (2).


النص على الإمام الحسن العسكري عليه السّلام

اشارة

و ذلك من طرق:

الطريق الأول:أنه صلوات اللّه عليه كان أفضل خلق اللّه بعد أبيه

*الطريق الأول:أنه صلوات اللّه عليه كان أفضل خلق اللّه بعد أبيه و أعلم أهل زمانه و أورعهم و اعبدهم و أشجعهم (3).


1) إعلام الورى:355،و أخرجه في البحار:298/50 و ج 359/95 ح 14،و كشف الغمة:421.

2) بحار الأنوار:318/50،و اختيار معرفة الرجال:816/2.

3) راجع نهج الحق:258،و الصواعق:207 ط.مصر و ط.بيروت 313 باب 11 مقصد 5 فصل 3،و أخبار الدول:117،و الفصول المهمة:273،و روضة الواعظين:247.

و قد ثبت بدلالة العقول تقديم الأفضل على المفضول و العالم على الجاهل.

قال احمد بن عبيد اللّه بن خاقان:قال لي أبي:يا بني،لو زالت الإمامة عن خلفائنا بني العباس ما استحقها من بني هاشم غيره-أبي محمد-لفضله و عفافه و هديه و صيانته و زهده و عبادته و جميل أخلاقه و صلاحه (1).

و قال السّجان الموكلين بحبس الإمام عليه السّلام:ما نقول في رجل يصوم النهار و يقوم الليل كله، و لا يتكلم و لا يتشاغل بغير العبادة (2).

و له من المناظرات ما يبيّن علمه و فضله خاصة مع المعتمد (3).

و وصفه ابن عربي بصلواته قائلا:

(صلوات اللّه..على البحر الزاخر زين المآثر و المفاخر،الشاهد لأرباب الشهود و الحجّة على ذوي الجحود،معرف حدود حقائق الربانية متنوع أجناس عوالم السبحانية...وعاء الأمانة و محيط الأمة،مطلع النور المصطفوي الحسن بن علي العسكري عليه السّلام) (4).

الطريق الثاني:دلالة العقل و النقل على عدم خلو الأرض من الحجة

*الطريق الثاني:دلالة العقل و النقل على عدم خلو الأرض من الحجة و لقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (5).

و دعوى الإمامة لغيره مقطوعة العدم و ثبوتها له مقطوعة التحقق لعصمته بآية التطهير على ما تقدم.

الطريق الثالث:النص عليه من أبيه:

قال يحيى بن يسار العنبري:أوصى أبو الحسن علي بن محمد الى ابنه الحسن قبل مضيه بأربعة أشهر و أشار إليه بالأمر بعده و أشهدني على ذلك و جماعة من الموالي (6).

و قال عبد اللّه بن محمد الأصبهاني:قال أبو الحسن عليه السّلام:«صاحبكم بعدي الذي يصلي علي».

قال:و لم نكن نعرف أبا محمد قبل ذلك.

قال:فخرج أبو محمد بعد وفاته فصلى عليه (7).


1) الإرشاد:322/2،و المناقب:423/4 مع تفاوت،و أعلام الورى:357.

2) الإرشاد:334/2،و المناقب:429/4،و أعلام الورى:360.

3) راجع المناقب:424/4،و الصواعق المحرقة:207 ط.مصر و ط.بيروت 313،و الاحتجاج:455/2، و جواهر العقدين:370 الباب الثاني عشر.

4) وسيلة الخادم إلى المخدوم:297.

5) سورة الرعد،الآية:7.

6) الإرشاد:314/2،و أعلام الورى:351،و الفصول المهمة:284،و نقله في البحار:246/50.

7) الإرشاد:315/2،و المناقب:422/4 و أعلام الورى:350،و نقله في البحار:243/50.

و في رواية جماعة من الثقاة و الخواص له عليه السّلام منهم الحسن بن الحسن الأفطس أنهم حضروا يوم توفي عليه السّلام محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن،و قد بسط له في صحن داره و الناس جلوس حوله،فقالوا:حتى قدرنا أن نكون حوله من آل أبي طالب و بني العباس و قريش مائة و خمسين رجلا سوى مواليه و سائر الناس،إذ نظر إلى الحسن بن علي عليه السّلام قد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه و نحن لا نعرفه فنظر إليه أبو الحسن بعد ساعة فقال:يا بني أحدث للّه شكرا فقد أحدث فيك أمرا.

فبكى الفتى و حمد اللّه تعالى و استرجع و قال:يا أباه أسأل اللّه تمام النعمة علينا،و إنا للّه و إنا إليه راجعون.

فسألنا عنه فقالوا:هذا ابنه و قدرنا له في ذلك الوقت عشرين سنة أو أرجح،فيومئذ عرفناه و علمنا أنه أشار إليه بالامامة و أقامه مقامه (1).

و عن أبي هاشم الجعفري قال:كنت عند أبي الحسن عليه السّلام بعد ما مضى ابنه أبو جعفر رضي اللّه عنه و إني لأفكر في نفسي،و أقول هذه قصة أبي إبراهيم و قصة إسماعيل فأقبل علي أبو الحسن عليه السّلام قبل أن أنطق.

فقال:نعم يا أبا هاشم بدا للّه في أبي جعفر فصير مكانه أبا محمد عليه السّلام كما بدا له في إسماعيل،بعد ما دل عليه أبو عبد اللّه عليه السّلام و نصبه،و هو كما حدثتك نفسك و إن كره المبطلون.

أبو محمد ابني الخلف من بعدي،عنده ما تحتاجون إليه و معه آلة الإمامة و الحمد للّه (2).

و للّه در من قال:

هو الشمس نورا لا خفاء بها إذ فكيف و نور اللّه فيها مخلد

و لكنما جار العدو عليهم و قد قصدوهم بالبلا و تمردوا

و قد شتتوا في كل شرق و مغرب و في كل قفر من فنا الأرض مشهد

أبادوهم قتلا و سما و مثلة فيا لك خطب في الورى ليس يوجد

فيا عين سحي دمع غربك أحمرا فما طاب من بعد الأطايب مرقد (3)

و في كتاب التوحيد عن عبد العظيم الحسني عن علي بن محمّد عليه السّلام أنّه قال:الإمام من بعدي الحسن ابني فكيف الناس بالخلف من بعده (4).9.


1) وفيات الأئمة:389.

2) شرح أصول الكافي:222/6،و الصراط المستقيم:169/2.

3) وفيات الأئمة:397.

4) القاعد الفقهية:497/1،و أمالي الصدوق:419.

و في حديث آخر فقلت:و لم جعلني اللّه فداك؟

فقال:لأنّكم لا ترون شخصه و لا يحلّ لكم ذكره باسمه،قلت:فكيف نذكره؟

قال:قولوا الحجّة من آل محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (1).

عن أبي هاشم الجعفري،قال:قلت لأبي محمد الحسن بن علي عليهما السّلام:جلالتك تمنعني من مسألتك،أفتأذن لي أن أسألك؟

فقال:سل،فقلت:يا سيدي هل لك ولد؟

قال:نعم،فقلت:إن حدث بك حادث فأين أسأل عنه؟

قال:بالمدينة (2).

و نحو ذلك من النصوص (3).


النص عليه من الإمام زين العابدين عليهما السّلام

عن الكابلي عن علي بن الحسين عليه السّلام قال:دخلت عليه فقلت له:يابن رسول اللّه أخبرني عن اللذين فرض اللّه تعالى طاعتهم و مودتهم،و أوجب على عباده الإقتداء بهم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، فقال:بلى يا كابلي إن أولي الأمر الذين جعلهم اللّه أئمة الناس و أوجب عليهم طاعتهم أولهم:أمير المؤمنين علي بن أبي طالب،ثم الحسن،ثم الحسين عليه السّلام حتى انتهى الأمر إلينا،فسكت عليه السّلام.

فقلت:يا سيدي روي لنا عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال:إن اللّه عزّ و جلّ لا يخلي الأرض من حجة له على عباده فمن الحجة و الإمام بعدك؟

فقال:ابني محمد و اسمه في التوراة باقر يبقر العلم بقرا،و هو الحجة و الإمام بعدي،و من بعد محمد ابنه جعفر و اسمه عند أهل السماء الصادق،فقلت:يا سيدي كيف إسمه الصادق و كلكم صادقون؟

قال:حدثني أبي عن أبيه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:إذا ولد إبني جعفر بن علي بن الحسين فسموه الصادق،فإن الخامس من ولده إسمه جعفر الكذاب المفتري على اللّه عزّ و جلّ المدعي بما ليس له بأهل،المخالف على أبيه و الحاسد لأخيه،ذلك الذي يروم كشف ستر اللّه عند غيبة ولي اللّه.


1) الصراط المستقيم:170/2.

2) الإرشاد للمفيد:ص 349.

3) و هناك عدة نصوص عليه من أبيه راجع أعلام الورى:350-351،و كفاية الأثر:282 284-286- 289،و إثبات الوصية:205-207-208،و روضة الواعضين:247،و الكافي:325/1.

ثم بكى علي بن الحسين عليه السّلام بكاء شديدا،ثم قال:كأني بجعفر الكذاب و قد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي اللّه و التوكيل بحرم أبيه جهلا منه بولادته،و حرصا منه على قتله،إن ظفر به طمعا في ميراث أخيه حتى يأخذه بغير حقه.

قال أبو خالد:فقلت له:يا بن رسول اللّه إن ذلك لكائن؟

قال:هو مكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها المحن التي تجري علينا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

قال أبو خالد:فقلت:يابن رسول اللّه ثم يكون ماذا؟

قال عليه السّلام:تمد الغيبة بولي اللّه الثاني عشر من أوصياء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمة بعده.

يا أبا خالد إن أهل زمان غيبته عليه السّلام القائلين بإمامته و المنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان،لأن اللّه تبارك و تعالى أعطاهم من العقول ما صارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة،و جعلهم بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بالسيف،أولئك هم المخلصون حقا حقا،و شيعتنا صدقا،و الدعاة إلى دين اللّه سرا و جهرا.

ثم قال علي بن الحسين عليه السّلام:إنتظار الفرج أفضل من العمل (1).


وصية الإمام العسكري لابنه القائم عليهما السّلام

وصل:روى الشيخ عن أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي،قال:دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عليهما السّلام في المرضة التي مات فيها و أنا عنده،إذ قال لخادمه عقيد-و كان الخادم أسود نوبيا قد خدم من قبله علي بن محمد و هو ربى الحسن عليه السّلام-،فقال له:يا عقيد إغل لي ماء بمصطكي (2)،فأغلى له،ثم جاءت به صيقل الجارية أم الخلف عليه السّلام.فلما صار القدح في يديه و هم بشربه جعلت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن عليه السّلام،فتركه من يده،و قال لعقيد:أدخل البيت فإنك ترى صبيا ساجدا فأتني به.

قال أبو سهل:قال عقيد:فدخلت أتحرى فإذا أنا بصبي ساجد رافع سبابته نحو السماء، فسلمت عليه،فأوجز في صلاته،فقلت:إن سيدي يأمرك بالخروج إليه إذ جاءت أمه صيقل، فأخذت بيده و أخرجته الى أبيه الحسن عليه السّلام.


1) وفيات الأئمة:399-400.

2) المصطكي:شجر له ثمر يميل طعمه إلى المرارة و يستخرج منه صمغ يعلك و هو دواء(انظر العين:مادة (مصطك)ج 5 ص 425).

قال أبو سهل:فلما مشى الصبي بين يديه سلم،و إذا هو دري اللون،و في شعر رأسه قطط، مفلج الاسنان،فلما رآه الحسن عليه السّلام بكى،و قال:يا سيد أهل بيته،إسقني الماء فإني ذاهب الى ربي،و أخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده،ثم حرك شفتيه،ثم سقاه فلما شربه،قال:

هيئوني للصلاة،فطرح في حجره منديل فوضأه الصبي واحدة واحدة،و مسح على رأسه و قدميه، فقال له أبو محمد عليه السّلام:إبشر يا بني،فأنت صاحب الزمان،و أنت المهدي،و أنت حجة اللّه على أرضه،و أنت ولدي و وصيي،و أنا ولدتك،و أنت م ح م د بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السّلام،ولدك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أنت خاتم الأئمة الطاهرين،و بشّر بك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و سماك و كناك بذلك عهد الي أبي عن آبائك الطاهرين صلى اللّه على أهل البيت،ربنا إنه حميد مجيد،و مات الحسن بن علي من وقته صلوات اللّه عليهم أجمعين،انتهى (1).


بعض أحاديث الإمام العسكري عليه السّلام

قال الإمام الحسن العسكري عليه السّلام:«قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوة و الولاية،و نورنا سبع طبقات أعلام الورى بالهداية،فنحن ليوث الوغى و غيوث الندى و طعناء العدى فينا السيف و القلم في العاجل،و لواء الحمد و العلم في الآجل...،فالكليم لبس حلّة الإصطفاء لما شاهدنا منه الوفاء،و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة...و هذا الكتاب ذرة من جبل الرحمة و قطرة من بحر الحكمة» (2).

و روي عن أبي محمد العسكري عليه السّلام أنه قال:«فنحن السنام الأعظم و فينا النبوة و الولاية و الكرم،و نحن منار الهدى و العروة الوثقى،و الأنبياء كانوا يقتبسون من أنوارنا و يقتفون آثارنا» (3).

و عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري قال عليه السّلام:قال الحسين بن علي عليهما السّلام:من كفل لنا يتيما قطعته عنا محنتنا باستتارنا فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتى أرشده و هداه قال اللّه عزّ و جلّ:أيها العبد الكريم المواسي لأخيه أنا أولى بالكرم منك،إجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف علمه ألف ألف قصر و ضموا إليها ما يليق بها من سائر النعيم (4).


1) كتاب الغيبة للطوسي:ص 165،و عنه البحار:ج 52 ص 16 ح 14 و ج 50 ص 331 قطعة من ح 3، و الأنوار البهية،الشيخ عباس القمي ص 327.

2) المراقبات:245.

3) بحار الأنوار:264/26 باب جوامع مناقبهم ح 49،و مشارق أنوار اليقين:49.

4) مستدرك الوسائل:319/17،و الاحتجاج:8/1.

و بهذا الإسناد عنه عليه السّلام قال:قال محمد بن علي الباقر عليهما السّلام:العالم كمن معه شمعة تضي للناس،فكل من أبصر بشمعته دعا بخير،كذلك العالم معه شمعة تزيل ظلمة الجهل و الحيرة،فكل من أضاءت له فخرج بها من حيرة أو نجا بها من جهل فهو من عتقائه من النار،و اللّه يعوضه عن ذلك لكل شعرة لمن أعتقه ما هو أفضل له من الصدقة بمائة ألف قنطار (1)على الوجه الذي أمر اللّه عزّ و جلّ به،بل تلك الصدقة و بال على صاحبها لكن يعطيه اللّه ما هو أفضل من مائة ألف ركعة يصليها من بين يدي الكعبة (2).

و بهذا الإسناد عنه عليه السّلام قال:قال جعفر بن محمد الصادق عليهما السّلام:علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلى إبليس و عفاريته،يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا و عن أن يتسلط عليهم إبليس و شيعته و النواصب،ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم و الترك و الخزر ألف ألف مرة لأنه يدفع عن أديان محبينا و ذلك يدفع عن أبدانهم (3).

و عنه عليه السّلام بالإسناد المتقدم قال:قال موسى بن جعفر عليهما السّلام:فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين عنا و عن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه أشدّ على إبليس من ألف عابد لأن العابد همه ذات نفسه فقط و هذا همه مع ذات نفسه ذوات عباد اللّه و إمائه لينقذهم من يد إبليس و مردته،فلذلك هو أفضل عند اللّه من ألف عابد و ألف ألف عابدة (4).

و عنه عليه السّلام قال:قال علي بن موسى الرضا عليهما السّلام:يقال للعابد يوم القيامة:نعم الرجل كنت همتك ذات نفسك و كفيت مؤنتك فادخل الجنة.

ألا إن الفقيه من أفاض على الناس خيره و أنقذهم من أعدائهم و وفر عليهم نعم جنان اللّه تعالى و حصل لهم رضوان اللّه تعالى،و يقال للفقيه:«يا أيها الكافل لأيتام آل محمد الهادي لضعفاء محبيهم و مواليهم قف حتى تشفع لكل من أخذ عنك أو تعلم منك»،فيقف فيدخل الجنة معه فئاما و فئاما و فئاما (5)-حتى قال عشرا-و هم الذين أخذوا عنه علومه و أخذوا عمن أخذ عنه و عمن أخذ عمن أخذ عنه إلى يوم القيامة،فانظروا كم صرف (6)ما بين المنزلتين (7).1.


1) قيل هو ألف و مائتا أوقية،و قيل مائة و عشرون رطلا،و قيل هو مل مسك ثور ذهبا،و قيل ليس له وزن عند العرب،و فسر القنطار من الحسنات في حديث مذكور في معاني الأخبار و غير بألف و مائتي أوقية،و أوقية اعظم من جبل أحد.

2) الاحتجاج:8/1،و منية المريد:117.

3) الاحتجاج:8/1،و منية المريد:117.

4) مستدرك الوسائل:319/17،و الاحتجاج:8/1.

5) الفئام:الجماعة الكثيرة من الناس،و قد فسر في بعض الأحاديث بمائة ألف.

6) الصرف:الفضل،يقال«لهذا صرف على هذا»أي فضل.

7) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:9/1.

و عنه عليه السّلام قال:قال محمد بن علي الجواد عليهما السّلام:من تكفل بأيتام آل محمد المنقطعين عن إمامهم المتحيرين في جهلهم الأسارى في أيدي شياطينهم و في أيدي النواصب من أعدائنا فاستنقذهم منهم و أخرجهم من حيرتهم و قهر الشياطين برد وساوسهم و قهر الناصبين بحجج ربهم و دلائل ائمتهم ليحفظوا عهد اللّه على العباد بأفضل الموانع بأكثر من فضل السماء على الأرض و العرش و الكرسي و الحجب على السماء،و فضلهم على العباد كفضل القمر ليلة البدر على أخفى كوكب في السماء (1).

و عنه عليه السّلام قال:قال علي بن محمد عليهما السّلام:لو لا من يبقى بعد غيبة قائمكم عليه السّلام من العلماء الداعين إليه و الدالين عليه و الذابين عن دينه بحجج اللّه و المنقذين لضعفاء عباد اللّه من شباك إبليس و مردته و من فخاخ النواصب لما بقي أحد إلا ارتد عن دين اللّه،و لكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها،أولئك هم الأفضلون عند اللّه عزّ و جلّ.

و عنه عليه السّلام قال:يأتي علماء شيعتنا القوامون بضعفاء محبينا و أهل ولايتنا يوم القيامة و الأنوار تسطع من تيجانهم،على رأس كل واحد منهم تاج بهاء قد انبثت تلك الأنوار في عرصات القيامة و دورها مسيرة ثلاثمائة ألف سنة،فشعاع تيجانهم ينبث فيها كلها فلا يبقى هناك يتيم قد كفلوه و من ظلمة الجهل علموه و من حيرة التيه أخرجوه إلا تعلق بشعبة من أنوارهم،فرفعتهم إلى العلو حتى تحاذي بهم فوق الجنان،ثم ينزلهم على منازلهم المعدة في جوار أستاتذتهم و معلميهم و بحضرة أئمتهم الذين كانوا إليهم يدعون،و لا يبقى ناصب من النواصب يصيبه من شعاع تلك التيجان إلا عميت عينه و أصمت أذنه و أخرس لسانه و تحول عليه أشد من لهب النيران،فيحملهم حتى يدفعهم إلى الزبانية فيدعونهم (2)إلى سواء الجحيم (3).

و قال أيضا أبو محمد الحسن العسكري عليه السّلام:إن محبي آل محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مساكين مواساتهم أفضل من مواساة مساكين الفقراء،و هم الذين سكنت جوارحهم و ضعفت قواهم من مقاتلة أعداء اللّه الذين يعيرونهم بدينهم و يسفهون أحلامهم،ألا فمن قواهم بفقهه و علمه حتى أزال مسكنتهم ثم يسلطهم على الأعداء الظاهرين النواصب و على الأعداء الباطنين ابليس و مردته حتى يهزموهم،عن دين اللّه يذودوهم،عن أولياء آل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،حول اللّه تعالى تلك المسكنة إلى شياطينهم فأعجزهم عن إضلالهم،قضى اللّه تعالى بذلك قضاءا حقا على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (4).

و قال أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السّلام:قال علي بن أبي طالب عليه السّلام من قوى مسكينا في دينه،ضعيفا في معرفته على ناصب مخالف فأفحمه لقنه اللّه تعالى يوم يدلى في قبره أن يقول:1.


1) الاحتجاج:9/1،و منية المريد:118.

2) الدع:الدفع بعنف.

3) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:9/1.

4) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:11/1.

اللّه ربي،و محمد نبيي،و علي وليي،و الكعبة قبلتي،و القرآن بهجتي و عدتي،و المؤمنون إخواني، فيقول اللّه:أدليت بالحجة فوجبت لك أعالي درجات الجنة،فعند ذلك يتحول عليه قبره أنزه رياض الجنة (1).

و قال أبو محمد عليه السّلام:قالت فاطمة عليها السلام و قد اختصم إليها امرأتان فتنازعتا في شيء من أمر الدين إحداهما معاندة و الأخرى مؤمنة ففتحت على المؤمنة حجتها فاستظهرت على المعاندة ففرحت فرحا شديدا.

فقالت فاطمة:إن فرح الملائكة باستظهارك عليها أشدّ من فرحك،و إنّ حزن الشيطان و مردته بحزنها عنك أشد من حزنها،و إنّ اللّه عزّ و جلّ قال للملائكة:أوجبوا لفاطمة بما فتحت على هذه المسكينة الأسيرة من الجنان ألف ألف ضعف مما كنت أعددت لها،و اجعلوا هذه سنة في كل من يفتح على أسير مسكين فيغلب معاندا مثل ألف ألف ما كان له معدّا من الجنان (2).

و قال أبو محمد عليه السّلام:قال الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السّلام و قد حمل إليه رجل هدية فقال له:أيما أحب إليك أن أردّ عليك بدلها عشرين ضعفا عشرين ضعفا عشرين ضعفا-يعني عشرين ألف درهم-أو أفتح لك بابا من العلم تقهر فلانا الناصبي في قريتك تنقذ به ضعفاء أهل قريتك؟إن أحسنت الإختيار جمعت لك الأمرين،و إن أسأت الإختيار خيرتك لتأخذ أيهما شئت.

فقال:يابن رسول اللّه فثوابي في قهري ذلك الناصب و استنقاذي لأولئك الضعفاء من يده قدره عشرون ألف درهم؟

قال:بل أكثر من الدنيا عشرين ألف ألف مرة.

قال:يابن رسول اللّه فكيف أختار الأدون بل أختار الأفضل،الكلمة التي أقهر بها عدو اللّه و أذوده عن أوليائه.

فقال الحسن بن علي عليهما السّلام:قد أحسنت الإختيار،و علمه الكلمة و أعطاه عشرين ألف درهم، فذهب فأفحم الرجل،فاتصل خبره به فقال له حين حضر معه:يا عبد اللّه ما ربح أحد مثل ربحك و لا اكتسب أحد من الأوداء مثل ما اكتسبت مودة اللّه أولا و مودة محمد و علي ثانيا و مودة الطيبين من آلهما ثالثا و مودة ملائكة اللّه تعالى المقربين رابعا و مودة إخوانك المؤمنين خامسا،و اكتسبت بعدد كل مؤمن و كافر ما هو أفضل من الدنيا ألف مرة،فهنيئا لك هنيئا (3).

و قال أبو محمد عليه السّلام:قال جعفر بن محمد عليهما السّلام:من كان همه في كسر النواصب عن1.


1) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:11/1.

2) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:11/1.

3) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:11/1.

المساكين من شيعتنا الموالين حمية لنا أهل البيت يكسرهم عنهم و يكشف عن مخازيهم و يبين عوارهم (1)و يفخم أمر محمد و آله جعل اللّه تعالى همة أملاك الجنان في بناء قصوره و دوره،يستعمل بكل حرف من حروف حججه على أعداء اللّه أكثر من عدد أهل الدنيا أملاكا،قوة كل واحد يفضل عن حمل السماوات و الأرضين،فكم من بناء و كم من نعمة و كم من قصور لا يعرف قدرها إلا رب العالمين (2).

و قال أبو محمد عليه السّلام:قال علي بن موسى الرضا عليهما السّلام:أفضل ما يقدمه العالم من محبينا و موالينا أمامه ليوم فقره و فاقته و ذله و مسكنته أن يغيث في الدنيا مسكينا من محبينا من يد ناصب عدو للّه و لرسوله،يقوم من قبره و الملائكة صفوف من شفير قبره إلى موضع محله من جنان اللّه،فيحملونه على أجنحتهم يقولون له:مرحبا طوباك طوباك (3)يا دافع الكلاب عن الابرار و يا أيها المتعصب للأئمة الأخيار (4).

و قال أبو محمد لبعض تلامذته-لما اجتمع إليه قوم من مواليه و المحبين لآل محمد رسول اللّه بحضرته و قالوا:يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّ لنا جارا من النصاب يؤذينا و يحتج علينا في تفضيل الأول و الثاني و الثالث على امير المؤمنين عليه السّلام و يورد علينا حججا لا ندري كيف الجواب عنها و الخروج منها-:مر بهؤلاء إذا كانوا مجتمعين يتكلمون فتستمع إليهم فسيستدعون منك الكلام فتكلم و افحم صاحبهم و اكسر عربه (5)(6)حده و لا تبق له باقية،فذهب الرجل و حضر الموضع و حضروا و كلم الرجل فأفحمه و صيره لا يدري في السماء هو أو في الأرض.

قالوا:و وقع علينا من الفرح و السرور ما لا يعلمه إلا اللّه تعالى،و على الرجل و المتعصبين له من الغم و الحزن مثل ما لحقنا من السرور.فلما رجعنا إلى الإمام قال لنا:إن الذين في السماوات لحقهم من الفرح و الطرب بكسر هذا العدو للّه كان أكثر مما كان بحضرتكم،و الذي كان بحضرة إبليس و عتاة مردته من الشياطين من الحزن و الغم أشد مما كان بحضرتهم،و لقد صلى على هذا العبد الكاسر له ملائكة السماء و الحجب و العرش و الكرسي،و قابلهما اللّه تعالى بالإجابة فأكرم إيابه و عظم ثوابه،و لقد لعنت تلك الأملاك عدو اللّه المكسور و قابلها اللّه بالإجابة فشدّد حسابه و أطال عذابه (7).1.


1) عوارهم:عيوبهم.

2) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:11/1.

3) طوباك:طوبى لك،و طوبى اسم للجنة،و قيل شجرة فيها.

4) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:11/1.

5) عربه:حدته،و في بعض النسخ«عرنينه»و هو أول الأنف تحت مجتمع الحاجبين.

6) فل حده:مثل حد سيفه،و هو كناية عن كسر الشوكة.

7) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:11/1.

و قال أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السّلام:ذكر عند الصادق عليه السّلام الجدال في الدين و ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأئمة عليهم السّلام قد نهوا عنه،فقال الصادق عليه السّلام:لم ينه عنه مطلقا،و لكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن،أما تسمعون اللّه يقول: وَ لا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (1)و قوله: اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (2)فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين،و الجدال بغير التي هي أحسن محرم حرمه اللّه على شيعتنا،و كيف يحرم اللّه الجدال جملة و هو يقول: وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى (3)و قال اللّه تعالى: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (4)فجعل اللّه علم الصدق و الإيمان بالبرهان،و هل يؤتى ببرهان إلا بالجدال بالتي هي أحسن.

قيل:يابن رسول اللّه فما الجدال بالتي هي أحسن و بالتي ليست بأحسن؟

قال عليه السّلام:أما الجدال بغير التي هي أحسن فأن تجادل به مبطلا فيورد عليك باطلا فلا ترده بحجة قد نصبها اللّه و لكن تجحد قوله أو تجحد حقا يريد بذلك المبطل ان يعين به باطله،فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك فيه حجة لأنك لا تدري كيف المخلص منه،فذلك حرام على شيعتنا أن يصيروا فتنة على ضعفاء إخوانهم و على المبطلين،أما المبطلون فيجعلون ضعف الضعيف منكم إذا تعاطى مجادلته و ضعف في يده حجة له على باطله،و أما الضعفاء منكم فتغم قلوبهم لما يرون من ضعف المحق في يد المبطل.و أما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر اللّه تعالى به نبيه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت و إحياءه له،فقال اللّه له حاكيا عنه: وَ ضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ فقال اللّه تعالى في الرد عليه:قل يا محمد يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (5)إلى آخر السورة،فأراد اللّه من نبيه أن يجادل المبطل الذي قال:كيف يجوز أن يبعث هذه العظام و هي رميم؟

فقال اللّه تعالى:قل يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ أفيعجز من ابتدأ به لا من شيء أن يعيده بعد أن يبلى بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته،ثم قال اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً أي إذا أكمن النار الحارة في الشجر الأخضر الرطب ثم يستخرجها فعرفكم أنه على إعادة ما بلي أقدر،ثم قال: أَ وَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَ هُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ (6)أي إذا كان خلق السماوات و الأرض أعظم و أبعد في أوهامكم و قدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي،فكيف جوزتم من اللّه خلق هذا الأعجب عندكم و الأصعب لديكم و لم1.


1) سورة العنكبوت،الآية:46.

2) سورة النحل،الآية:125.

3) سورة البقرة،الآية:111.

4) سورة البقرة،الآية:23.

5) سورة يس،الآية:78-80.

6) سورة يس،الآية:81.

تجوزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي.

قال الصادق عليه السّلام:فهو الجدال بالتي هي أحسن،لأن فيها قطع عذر الكافرين و إزالة شبههم.

و أما الجدال بغير التي هي أحسن فإن تجحد حقا لا يمكنك أن تفرق بينه و بين باطل من تجادله، و إنما تدفعه عن باطله بأن تجحد الحق،فهذا هو المحرم لأنك مثله جحد هو حقا و جحدت أنت حقا آخر (1).

و قال أبو محمد الحسن العسكري عليه السّلام:فقام إليه رجل آخر و قال:يابن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أفجادل رسول اللّه؟

فقال الصادق عليه السّلام:مهما ظننت برسول اللّه من شيء فلا تظنن به مخالفة اللّه،أليس اللّه قد قال: وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ و قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ لمن ضرب اللّه مثلا، أفتظن أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خالف ما أمر اللّه به فلم يجادل بما أمره اللّه به و لم يخبر عن أمر اللّه بما أمره أن يخبر به،و لقد حدثني أبي الباقر عن جدي علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي سيد الشهداء عن أبيه أمير المؤمنين صلوات اللّه عليهم أنه إجتمع يوما عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أهل خمسة أديان:اليهود،و النصارى،و الدهرية،و الثنوية،و مشركو العرب.

فقالت اليهود:نحن نقول عزير ابن اللّه،و قد جئناك يا محمد لننظر ما تقول فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك و أفضل،و إن خالفتنا خصمناك.

و قالت النصارى:نحن نقول أنّ المسيح ابن اللّه اتحد به،و قد جئناك لننظر ما تقول،فإن اتبعتنا فنحن اسبق إلى الصواب منك و أفضل،و إن خالفتنا خصمناك.

و قالت الدهرية:نحن نقول أنّ الأشياء لا بدو لها و هي دائمة،و قد جئناك لننظر فيما تقول،فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك و أفضل،و إن خالفتنا خصمناك.

و قالت الثنوية:نحن نقول أنّ النور و الظلمة هما المدبران.و قد جئناك لننظر فيما تقول،فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك،و إن خالفتنا خصمناك.

و قال مشركو العرب:نحن نقول إنّ أوثاننا آلهة،و قد جئناك لننظر فيما تقول،فإن اتبعتنا فنحن أسبق إلى الصواب منك و أفضل،و إن خالفتنا خصمناك.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:آمنت باللّه وحده لا شريك له و كفرت بالجبت و الطاغوت و بكل معبود سواه.ثم قال لهم:إن اللّه تعالى قد بعثني كافة للناس بشيرا و نذيرا و حجة على العالمين،و سيرد كيد من يكيد دينه في نحره.ثم قال لليهود:أجئتموني لأقبل قولكم بغير حجة؟1.


1) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:14/1.

قالوا:لا.

قال:فما الذي دعاكم إلى القول بأن عزيرا ابن اللّه؟

قالوا:لأنه أحيى لبني إسرائيل التوراة بعد ما ذهبت و لم يفعل بها هذا إلا لأنه ابنه.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فكيف صار عزير ابن اللّه دون موسى و هو الذي جاء لهم بالتوراة و رؤي منه من المعجزات ما قد علمتم.و لئن كان عزير ابن اللّه لما ظهر من إكرامه بإحياء التوراة فلقد كان موسى بالبنوة أولى و أحق،و لئن كان هذا المقدار من اكرامه لعزير يوجب له أنه ابنه فأضعاف هذه الكرامة لموسى توجب له منزلة أجل من البنوة،لأنكم إن كنتم إنما تريدون بالبنوة الدلالة على سبيل ما تشاهدونه في دنياكم من ولادة الأمهات الأولاد بوطئ آبائهم لهن فقد كفرتم باللّه و شبهتموه بخلقه و أوجبتم فيه صفات المحدثين،فوجب عندكم أن يكون محدثا مخلوقا و أن يكون له خالق صنعه و ابتدعه.

قالوا:لسنا نعني هذا،فإن هذا كفر كما دللت لكنا نعني أنه ابنه على معنى الكرامة و إن لم يكن هناك ولادة،كما قد يقول بعض علمائنا لمن يريد اكرامه و إبانته بالمنزلة من غيره«يا بني»و«انه ابني»لا على إثبات ولادته منه لأنه قد يقول ذلك لمن هو أجنبي لا نسب له بينه و بينه،و كذلك لما فعل اللّه تعالى بعزير ما فعل كان قد اتخذه إبنا على الكرامة لا على الولادة.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فهذا ما قلته لكم أنه إن وجب على هذا الوجه أن يكون عزير ابنه فإن هذه المنزلة بموسى أولى،و إن اللّه يفضح كل مبطل باقراره و يقلب عليه حجّته،إنّ ما احتججتم به يؤديكم إلى ما هو أكثر مما ذكرته لكم،لأنكم قلتم إنّ عظيما من عظمائكم قد يقول لأجنبي لا نسب بينه و بينه«يا بني»و«هذا ابني»لا على طريق الولادة،فقد تجدون أيضا هذا العظيم لأجنبي آخر«هذا أخي»و لآخر«هذا شيخي»و«أبي»و لآخر«هذا سيدي»و«يا سيدي»على سبيل الإكرام،و إنّ من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول،فإذا يجوز عندكم أن يكون موسى أخا للّه أو شيخا له أو أبا أو سيدا لأنه قد زاده في الإكرام مما لعزير،كما أنّ من زاد رجلا في الإكرام فقال له:يا سيدي و يا شيخي و يا عمي و يا رئيسي على طريق الإكرام،و إنّ من زاده في الكرامة زاده في مثل هذا القول، أ فيجوز عندكم أن يكون موسى أخا للّه أو شيخا أو عما أو رئيسا أو سيدا أو أميرا لأنه قد زاده في الإكرام على من قال له يا شيخي أو يا سيدي أو يا عمي أو يا رئيسي أو يا أميري؟

قال:فبهت القوم و تحيّروا و قالوا:يا محمد أجلنا نتفكر فيما قد قلته لنا.

فقال:انظروا فيه بقلوب معتقدة للإنصاف يهدكم اللّه.

ثم أقبل على النصارى فقال لهم:و أنتم قلتم أن القديم عزّ و جلّ اتحد بالمسيح ابنه،فما الذي أردتموه بهذا القول،أردتم أن القديم صار محدثا لوجود هذا المحدث الذي هو عيسى،أو المحدث

الذي هو عيسى صار قديما كوجود القديم الذي هو اللّه أو معنى قولكم أنه اتحد به أنه اختصه بكرامة لم يكرم بها أحدا سواه،فإن أردتم أن القديم صار محدثا فقد أبطلتم،لأن القديم محال أن ينقلب فيصير محدثا،و إن أردتم أن المحدث صار قديما فقد أحلتم لأن المحدث أيضا محال أن يصير قديما،و إن أردتم أنه اتحد به بأنه اختصه و اصطفاه على سائر عباده فقد أقررتم بحدوث عيسى و بحدوث المعنى الذي اتحد به من أجله،لأنه إذا كان عيسى محدثا و كان اللّه اتحد به-بأن أحدث به معنى صار به أكرم الخلق عنده-فقد صار عيسى و ذلك المعنى محدثين،و هذا خلاف ما بدأتم تقولونه.

فقالت النصارى:يا محمد إنّ اللّه لما أظهر على يد عيسى من الأشياء العجيبة ما أظهر فقد اتخذه ولدا على جهة الكرامة.

فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فقد سمعتم ما قلته لليهود في هذا المعنى الذي ذكرتموه،ثم أعاد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ذلك كله،فسكتوا إلا رجلا واحدا منهم فقال له:يا محمد أو لستم تقولون إن إبراهيم خليل اللّه؟

قال:قلنا ذلك.

قال:فإذا قلتم ذلك فلم منعتمونا من أن نقول أن عيسى ابن اللّه؟

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:إنهما لن يشتبها،لأن قولنا إبراهيم خليل اللّه فإنما هو مشتق من الخلة و الخلة إنما معناها الفقر و الفاقة،فقد كان خليلا إلى ربه فقيرا و إليه منقطعا و عن غيره متعففا معرضا مستغنيا،و ذلك لما أريد قذفه في النار فرمي به في المنجنيق فبعث اللّه جبرئيل فقال له:أدرك عبدي، فجاء فلقيه في الهواء فقال له:كلّفني ما بدا لك فقد بعثني اللّه لنصرتك.

فقال إبراهيم:حسبي اللّه و نعم الوكيل إني لا أسأل غيره و لا حاجة لي إلا إليه،فسماه خليله أي فقيره و محتاجه و المنقطع إليه عمن سواه،و إذا جعل معنى ذلك من الخلة و هو أنه قد تخلل معانيه و وقف على أسرار لم يقف عليها غيره كان الخليل معناه العالم به و بأموره،و لا يوجب ذلك تشبيه اللّه بخلقه.

ألا ترون أنه إذا لم ينقطع إليه لم يكن خليله و إذا لم يعلم بأسراره لم يكن خليله،و إن من يلده الرجل و إن أهانه و أقصاه لم يخرج عن أن يكون ولده،لأن معنى الولادة قائم به.ثم إن وجب لأنه قال لإبراهيم خليلي أن تقيسوا أنتم فتقولوا بأن عيسى ابنه وجب أيضا كذلك أن تقولوا لموسى أنه ابنه،فإن الذي معه من المعجزات لم يكن بدون ما كان مع عيسى،فقولوا أن موسى أيضا ابنه،و إن يجوز أن تقولوا على هذا المعنى أنه شيخه و سيده و عمّه و رئيسه و أميره كما قد ذكرته لليهود.

فقال بعضهم لبعض:و في الكتب المنزلة أن عيسى قال«اذهب إلى أبي و أبيكم».

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فإن كنتم بذلك الكتاب تعملون فإن فيه«اذهب إلى أبي و أبيكم»فقولوا إن جميع الذين خاطبهم عيسى كانوا أبناء اللّه كما كان عيسى ابنه من الوجه الذي كان عيسى ابنه،ثم إن ما في هذا الكتاب مبطل عليكم هذا الذي زعمتم أن عيسى من وجهة الإختصاص كان ابنا له، لأنكم قلتم إنما قلنا أنه ابنه لأنه اختصه بما لم يختص به غيره،و أنتم تعلمون أن الذي خصّ به عيسى لم يخص به هؤلاء القوم الذين قال لهم عيسى«اذهب إلى أبي و أبيكم»،فبطل أن يكون الإختصاص لعيسى،لأنه قد ثبت عندكم بقول عيسى لمن لم يكن له مثل اختصاص عيسى،و أنتم إنما حكيتم لفظة عيسى و تأولتموها على غير وجهها،لأنه إذا قال«اذهب إلى أبي و ابيكم»فقد أراد غير ما ذهبتم إليه و نحلتموه،و ما يدريكم لعله عنى اذهب إلى آدم أو إلى نوح و إن اللّه يرفعني إليهم و يجمعني معهم و آدم أبي و أبيكم و كذلك نوح،بل ما أراد غير هذا.

قال:فسكت النصارى و قالوا:ما رأينا كاليوم مجادلا و لا مخاصما مثلك و سننظر في أمورنا.

ثم أقبل رسول اللّه على الدهرية فقال:و أنتم فما الذي دعاكم إلى القول بأن الأشياء لأبدو لها و هي دائمة لم تزل و لا تزال؟

فقالوا:لأنا لا نحكم إلا بما نشاهد و لم نجد للأشياء حدثا فحكمنا بأنها لم تزل،و لم نجد لها انقضاء و فناء فحكمنا بأنها لا تزال.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أفوجدتم لها قدما أم وجدتم لها بقاءا أبد الآبد.فإن قلتم أنكم وجدتم ذلك أنهضتم لأنفسكم أنكم لم تزالوا على هيئتكم و عقولكم بلا نهاية و لا تزالون كذلك،و لئن قلتم هذا دفعتم العيان و كذبكم العالمون و الذين يشاهدونكم.

قالوا:بل لم نشاهد لها قدما و لا بقاء أبد الآبد،قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فلم صرتم بأن تحكموا بالقدم و البقاء دائما لأنكم لم تشاهدوا حدوثا،و انقضاؤها أولى من تارك التميز لها مثلكم،فيحكم لها بالحدوث و الإنقضاء و الإنقطاع لأنه لم يشاهد لها قدما و لا بقاءا أبد الآبد،أو لستم تشاهدون الليل و النهار و أحدهما بعد الآخر؟

فقالوا:نعم.

فقال:أترونهما لم يزالا و لا يزالان؟

فقالوا:نعم.

فقال:أفيجوز عندكم اجتماع الليل و النهار؟

فقالوا:لا.

فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فإذا منقطع أحدهما عن الآخر فيسبق أحدهما و يكون الثاني جاريا بعده.

قالوا:كذلك هو.

فقال:قد حكمتم بحدوث ما تقدم من ليل و نهار لم تشاهدوهما فلا تنكروا للّه قدرته.

ثم قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أتقولون ما قبلكم من الليل و النهار متناه أم غير متناه،فإن قلتم أنه غير متناه فقد و صل اليكم آخر بلا نهاية لأوله،و إن قلتم متناه فقد كان و لا شيء منهما.

قالوا نعم.

قال لهم:أقلتم أن العالم قديم غير محدث و أنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به و بمعنى ما جحدتموه؟

قالوا:نعم.

قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فهذا الذي تشاهدونه من الأشياء بعضها إلى بعض يفتقر لأنه لا قوام للبعض إلا بما يتصل به،كما نرى البناء محتاجا بعض أجزائه إلى بعض و إلا لم يتسق و لم يستحكم و كذلك سائر ما نرى.

و قال أيضا:فإذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوته و تمامه هو القديم فأخبروني أن لو كان محدثا كيف كان يكون و ما ذا كانت تكون صفته؟

قال:فبهتوا و علموا أنهم لا يجدون للمحدث صفة يصفونه بها إلا و هي موجودة في هذا الذي زعموا أنه قديم،فوجموا و قالوا:سننظر في أمرنا.

ثم أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على الثنوية الذين قالوا النور و الظلمة هما المدبران فقال:و أنتم فما الذي دعاكم إلى ما قلتموه من هذا؟

فقالوا:لأنا وجدنا العالم صنفين خيرا و شرا،و وجدنا الخير ضدا للشر،فأنكرنا أن يكون فاعل واحد يفعل الشيء و ضده بل لكل واحد منهما فاعل،ألا ترى أن الثلج محال أن يسخن كما أنّ النار محال أن تبرد،فأثبتنا لذلك صانعين قديمين ظلمة و نورا.

فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أفلستم قد وجدتم سوادا و بياضا و حمرة و صفرة و خضرة و زرقة، و كل واحدة ضد لسائرها لاستحالة اجتماع مثلين منها في محل واحد كما كان الحر و البرد ضدين لاستحالة اجتماعهما في محل واحد؟

قالوا:نعم قال فهلا أثبتم بعدد كل لون صانعا قديما ليكون فاعل كل ضد من هذه الألوان غير فاعل الضد الآخر؟

قال:فسكتوا.ثم قال:فكيف اختلط النور و الظلمة،و هذا من طبعه الصعود و هذه من طبعها النزول،أرأيتم لو أن رجلا أخذ شرقا يمشي إليه و الآخر غربا أكان يجوز عندكم أن يلتقيا ما داما سائرين على وجههما؟

قالوا:لا.

قال:فوجب أن لا يختلط النور و الظلمة لذهاب كل واحد منهما في غير جهة الآخر،فكيف وجدتم حدث هذا العالم من امتزاج ما هو محال أن يمتزج بل هما مدبران جميعا مخلوقان.

فقالوا:سننظر في أمورنا.ثم أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على مشركي العرب فقال:و أنتم فلم عبدتم الأصنام من دون اللّه؟

فقالوا:نتقرب بذلك إلى اللّه تعالى.

فقال لهم:أو هي سامعة مطيعة لربها عابدة له حتى تتقربوا بتعظيمها إلى اللّه؟

قالوا:لا.

قال:فأنتم الذين نحتموها بأيديكم؟

قالوا:نعم.

قال:فلأن تعبدكم هي لو كان يجوز منها العبادة أحرى من أن تعبدوها،إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم و عواقبكم و الحكيم فيما يكلفكم.

قال:فلما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هذا القول اختلفوا فقال بعضهم:إن اللّه قد حل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة فصورنا هذه الصور نعظمها لتعظيمنا تلك الصور التي حلّ فيها ربنا، و قال آخرون منهم:إن هذه صور أقوام سلفوا كانوا مطيعين للّه قبلنا فمثلنا صورهم و عبدناها تعظيما لله،و قال آخرون منهم:إن اللّه لما خلق آدم و أمر الملائكة بالسجود له كنا نحن أحق بالسجود لآدم من الملائكة،ففاتنا ذلك فصورنا صورته فسجدنا لها تقربا إلى اللّه كما تقربت الملائكة بالسجود لآدم إلى اللّه تعالى،و كما أمرتم بالسجود بزعمكم إلى جهة مكة ففعلتم ثم نصبتم في غير ذلك البلد بأيديكم محاريب سجدتم إليها و قصدتم الكعبة لا محاريبكم و قصدتم بالكعبة إلى اللّه عزّ و جلّ لا إليها.

فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:أخطأتم الطريق و ضللتم،أما أنتم-و هو صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يخاطب الذين قالوا إن اللّه يحل في هياكل رجال كانوا على هذه الصورة التي صورناها فصورنا هذه الصور نعظمها لتعظيمنا لتلك الصور التي حل فيها ربنا-فقد وصفتم ربكم بصفة المخلوقات،أو يحل ربكم في شيء حتى يحيط به ذاك الشيء،فأي فرق بينه إذا و بين سائر ما يحلّ فيه من لونه و طعمه و رائحته و لينه و خشونته و ثقله و خفته،و لم صار هذا المحلول فيه محدثا قديما دون أن يكون ذلك محدثا و هذا قديما،و كيف يحتاج إلى المحال من لم يزل قبل المحال و هو عزّ و جلّ كان لم يزل،و إذا وصفتموه بصفة المحدثات في الحلول فقد لزمكم أن تصفوه بالزوال،و ما وصفتموه بالزوال و الحدوث فصفوه بالفناء،لأن ذلك أجمع من صفات الحال و المحلول فيه،و جميع ذلك متغير الذات،فإن كان لم يتغير ذات الباري تعالى بحلوله في شيء جاز أن لا يتغير بأن يتحرك و يسكن و يسود و يبيض و يحمر و يصفر و تحله الصفات التي تتعاقب على الموصوف بها حتى يكون فيه جميع صفات المحدثين

و يكون محدثا تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فإذا بطل ما ظننتموه من أن اللّه يحل في شيء فقد فسد ما بنيتم عليه قولكم.

قال:فسكت القوم و قالوا:سننظر في أمورنا.

ثم أقبل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على الفريق الثاني فقال:أخبرونا عنكم إذا عبدتم صور من كان يعبد اللّه فسجدتم لها و صليتم فوضعتم الوجوه الكريمة على التراب بالسجود لها فما الذي أبقيتم لرب العالمين،أما علمتم أن من حق من يلزم تعظيمه و عبادته أن لا يساوي به عبده،أرأيتم ملكا أو عظيما إذا سويتموه بعبده في التعظيم و الخضوع و الخشوع أن يكون في ذلك وضع من الكبير كما يكون زيادة في تعظيم الصغير؟

فقالوا:نعم.

قال:أفلا تعلمون أنكم من حيث تعظمون اللّه بتعظيم صور عباده المطيعين له تزرون على رب العالمين.

قال:فسكت القوم بعد أن قالوا:سننظر في أمرنا.

ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم للفريق الثالث:لقد ضربتم لنا مثلا و شبهتمونا بأنفسكم و لسنا سواء، و ذلك أنّا عباد اللّه مخلوقون مربوبون نأتمر له فيها أمرنا و ننزجر عما زجرنا و نعبده من حيث يريده منا،فإذا أمرنا بوجه من الوجوه أطعناه و لم نتعد إلى غيره مما لم يأمرنا و لم يأذن لنا،لأنا لا ندري لعله إن أراد منا الأول فهو يكره الثاني،و قد نهانا أن نتقدم بين يديه،فلما أمرنا أن نعبده بالتوجه إلى الكعبة أطعناه،ثم أمرنا بعبادته بالتوجه نحوها في سائر البلدان التي نكون بها فأطعناه،و لم نخرج في شيء من ذلك من اتباع أمره،و اللّه حيث أمر بالسجود لآدم لم يأمر بالسجود لصورته التي هي غيره،فليس لكم أن تقيسوا ذلك عليه لأنكم لا تدرون لعله يكره ما تفعلون إذ لم يأمركم به.ثم قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أرأيتم لو أذن لكم رجل دخول داره يوما بعينه ألكم أن تدخلوها بعد ذلك بغير أمره،أو لكم أن تدخلوا دارا له أخرى مثلها بغير أمره،أو وهب لكم رجل ثوبا من ثيابه أو عبدا من عبيده أو دابة من دوابه ألكم أن تأخذوا ذلك؟

قالوا:نعم.

قال:فإن لم تأخذوه ألكم أخذ آخر مثله؟

قالوا:لا لأنه لم يأذن لنا في الثاني كما أذن في الأول.

قال صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:فأخبروني اللّه أولى بأن لا يتقدم على ملكه بغير أمره أو بعض المملوكين؟

قالوا:بل اللّه أولى بأن لا يتصرف في ملكه بغير إذنه،قال:فلم فعلتم و متى أمركم بالسجود أن تسجدوا لهذه الصور؟

قال فقال القوم:سننظر في أمورنا و سكتوا.

و قال الصادق عليه السّلام:فو الذي بعثه بالحق نبيا ما أتت على جماعتهم إلا ثلاثة أيام حتى أتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فأسلموا،و كانوا خمسة و عشرين رجلا من كل فرقة خمسة و قالوا:ما رأينا مثل حجتك يا محمد نشهد أنك رسول اللّه.

و قال الصادق عليه السّلام:قال أمير المؤمنين عليه السّلام:أنزل اللّه اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)الآية.

و كان في هذه الآية رد على ثلاثة أصناف منهم لما قال اَلْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فكان ردا على الدهرية الذين قالوا:إن الأشياء لا بدو لها و هي دائمة.

ثم قال وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ فكان ردا على الثنوية الذين قالوا:إن النور و الظلمة هما مدبران.

ثم قال: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ فكان ردا على مشركي العرب الذين قالوا:إن أوثاننا آلهة.

ثم أنزل اللّه قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ إلى آخرها،فكان ردا على من ادعى من دون اللّه ضدا أو ندا.

قال عليه السّلام:فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لأصحابه:قولوا إِيّاكَ نَعْبُدُ أي نعبد واحدا لا نقول كما قالت الدهرية أن الأشياء لا بدو لها و هي دائمة،و لا كما قالت الثنوية أن النور و الظلمة هما المدبران،و لا كما قال مشركو العرب إن أوثاننا آلهة فلا نشرك بك شيئا و لا ندعو من دونك الها كما يقول هؤلاء الكفار و لا نقول كما قالت اليهود و النصارى إن لك ولدا تعاليت عن ذلك.

قال:فذلك قوله: وَ قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاّ مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى (2).

و قالت طائفة غيرهم من هؤلاء الكفار ما قالوا،قال اللّه تعالى يا محمد تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ (3)التي يتمنونها بلا حجة قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ و حجتكم على دعواكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ كما أتى محمد ببراهينه التي سمعتموها.

ثم قال: بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ تعالى يعني كما فعل هؤلاء الذين آمنوا برسول اللّه لما سمعوا براهينه و حجته وَ هُوَ مُحْسِنٌ في علمه فَلَهُ أَجْرُهُ و ثوابه عِنْدَ رَبِّهِ يوم فصل القضاء وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف الكافرون مما يشاهدون من العقاب وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ (4)عند2.


1) سورة الأنعام،الآية:1.

2) سورة البقرة،الآية:111.

3) سورة البقرة،الآية:111.

4) سورة البقرة،الآية:111-112.

الموت لأن البشارة بالجنات تأتيهم (1).

و في كتاب المحتضر:للحسين بن سليمان تلميذ الشهيد رحمة اللّه عليهما قال:روي أنه وجد بخط مولانا أبي محمد العسكري عليه السّلام ما صورته:

«قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوة و الولاية-و ساقه إلى أن قال-:و سيسفر لهم ينابيع الحيوان بعد لظى النيران لتمام(ألم)و(طه)و الطواسين من السنين» (2).

قال صاحب بحار الأنوار في قوله:«لتمام(ألم)»:يحتمل أن يكون المراد كل(ألم)و كل من اشتمل عليها من المقطعات أي(المص)،و المراد جميعها مع(طه)و الطواسين ترتقي إلى ألف و مائة و تسعة و خمسين و هو قريب من أظهر الوجوه التي ذكرناها في خبر أبي لبيد،ثم إن هذه التوقيتات على تقدير صحة أخبارها لا تنافي النهي عن التوقيت على الحتم،لا على وجه يحتمل البداء كما وقع في الأخبار السابقة أو عن التصريح به،فلا ينافي الرمز و البيان على وجه يحتمل لوجوه كثيرة أو يخصص بغير المعصوم عليه السّلام،و ينافي الأخير بعض الأخبار و الأول أظهر.

و غرضنا من ذكر تلك الوجوه ابداء احتمال لا ينافي ما مرّ من هذا الزمان،فإن مرّ هذا الزمان و لم يظهر الفرج و العياذ باللّه كان من سوء فهمنا و اللّه المستعان،مع أن أحتمال البداء قائم في كل محتملاتها كما مرّت الإشارة إليه في خبر ابن يقطين و الثمالي فاحذر من وساوس الشيطان.

انتهى (3).

و في علل الشرائع:عن الجعفري قال:سمعت أبا الحسن العسكري عليه السّلام يقول:«الخلف من بعدي الحسن ابني،فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟»

قلت:لم جعلني اللّه فداك؟

فقال:«لأنكم لا ترون شخصه و لا يحل لكم ذكره».

قلت:فكيف نذكره؟

قال:«قولوا الحجة من آل محمد صلوات اللّه عليهم» (4).

و عنه عليه السّلام أنه قال:«إشهدوا على أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي و أن ابنه محمدا وكيل ابني مهديّكم» (5).5.


1) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:14/1-24.

2) بحار الأنوار:121/52 ح 50.

3) بحار الأنوار:121/52 ح 50.

4) علل الشرائع:245/1 ح 5،و الصراط المستقيم:170/2.

5) الفقيه:520/2 ح 3115.

قصار مواعظ الإمام العسكري عليه السّلام

قال عليه السّلام:لا تمار فيذهب بهاؤك،و لا تمازح فيجترأ عليك (1).

و قال عليه السّلام:من التواضع السلام على كل من تمر به،و الجلوس دون شرف المجلس (2).

و قال عليه السّلام:من الجهل الضحك من غير عجب (3).

و قال عليه السّلام:أورع الناس من وقف عند الشبهة،أعبد الناس من أقام على الفرائض،أزهد الناس من ترك الحرام،أشد الناس اجتهادا من ترك الذنوب (4).

و قال عليه السّلام:المؤمن بركة على المؤمن،و حجة على الكافر (5).

و قال عليه السّلام:إذا نشطت القلوب فأودعوها،و إذا نفرت فودعوها (6).

و قال عليه السّلام:قلب الأحمق في فمه،و فم الحكيم في قلبه (7).

و قال عليه السّلام:لا يشغلك رزق مضمون عن عمل مفروض (8).

و قال عليه السّلام:ليس من الأدب إظهار الفرح عند المحزون (9).

و قال عليه السّلام:رياضة الجاهل ورد المعتاد عن عادته كالمعجز (10).

و قال عليه السّلام:التواضع نعمة لا يحسد عليها (11).

و قال عليه السّلام:لا تكرم الرجل بما يشق عليه (12).

و قال عليه السّلام:من وعظ أخاه سرا فقد زانه،و من وعظه علانية فقد شانه (13).

و قال عليه السّلام:ما أقبح بالمؤمن أن تكون له رغبة تذله (14).

و قال عليه السّلام:لو عقل أهل الدنيا خربت (15).


1) تحف العقول:ص 536،و عنه البحار:ج 75 ص 370 ضمن ح 1.

2) تحف العقول:ص 366،و عنه البحار:ج 75 ص 372 ضمن ح 1.

3) تحف العقول:ص 366،و عنه البحار:ج 75 ص 372 ضمن ح 1.

4) تحف العقول:ص 367،و عنه البحار:ج 75 ص 373 ضمن ح 1.

5) تحف العقول:ص 368،و عنه البحار:ج 75 ص 374 ضمن ح 1.

6) المصدر السابق.

7) المصدر السابق.

8) تحف العقول:ص 368،و عنه البحار:ج 75 ص 374 ح 1.

9) المصدر السابق.

10) المصدر السابق.

11) المصدر السابق.

12) المصدر السابق.

13) المصدر السابق.

14) المصدر السابق.

15) أعلام الدين:ص 313،و عنه البحار:ج 75 ص 379 ضمن ح 4.

و قال عليه السّلام:إن للجود مقدارا،فإذا زاد عليه فهو سرف،و للحزم مقدارا فإذا زاد عليه فهو جبن،و للإقتصاد مقدارا،فإذا زاد عليه فهو بخل،و للشجاعة مقدارا،فإذا زاد عليه فهو تهور،كفاك أدبا لنفسك تجنبك ما تكره من غيرك (1).

و قال عليه السّلام:حسن الصورة جمال ظاهر،و حسن العقل جمال باطن (2).

و قال عليه السّلام:من أنس باللّه استوحش من الناس (3).

و قال عليه السّلام:من أكثر المنام رأى الأحلام،يعني أن طالب الدنيا كالنائم و ما يظفر به كالحلم (4).

و قال عليه السّلام:جعلت الخبائث في بيت،و الكذب مفاتيحها (5).

و قال عليه السّلام:من كان الورع سجيته،و الكرم طبيعته و الحلم خلته كثر صديقه،و الثناء عليه، و انتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه (6).

و قال عليه السّلام:إن الوصول الى اللّه عزّ و جلّ سفر لا يدرك إلا بامتطاء الليل،من لم يحسن أن يمنع لم يحسن أن يعطي (7).


كتاب الإمام العسكري عليه السّلام الى ابن بابويه

كتب عليه السّلام الى الشيخ الجليل،علي بن الحسين بن بابويه القمي المدفون بقم رحمه اللّه:بسم اللّه الرحمن الرحيم،الحمد للّه رب العالمين،و العاقبة للمتقين،و الجنة للموحدين،و النار للملحد ين،و لا عدوان إلا على الظالمين،و لا إله إلا اللّه أحسن الخالقين،و الصلاة على خير خلقه محمد و عترته الطاهرين.أما بعد:أوصيك يا شيخي و معتمدي(و فقيهي)أبا الحسن علي بن الحسين القمي،و فقك اللّه لمرضاته،و جعل من صلبك أولادا صالحين برحمته،بتقوى اللّه،و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة،فإنه لا تقبل الصلاة من مانع الزكاة،و أوصيك بمغفرة الذنب،و كظم الغيظ،وصلة الرحم،و مواساة الإخوان،و السعي في حوائجهم في العسر و اليسر،و الحلم عند الجهل،و التفقه


1) الأنوار البهية:318،و تحف العقول:366.

2) أعلام الدين:313.

3) البحار:ج 75 ص 379 ضمن ح 4.

4) الأنوار البهية:319،و ميزان الحكمة:1013/2.

5) أعلام الدين:ص 313،و عنه البحار:ج 75 ص 379 ضمن ح 4.

6) البحار:ج 75 ص 379 ضمن ح 4.

7) بحار الأنوار:ج 75 ص 380 ضمن ح 4.

في الدين،و التثبت في الأمور،و التعاهد للقرآن،و حسن الخلق،و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر،قال اللّه تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ (1)،و إجتناب الفواحش كلها،و عليك بصلاة الليل،فإن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أوصى عليا عليه السّلام،فقال:

(يا علي عليك بصلاة الليل،عليك بصلاة الليل،عليك بصلاة الليل)،و من استخف بصلاة الليل فليس منا،فاعمل بوصيتي و أمر جميع شيعتي بما أمرتك به حتى يعملوا عليه،و عليك بالصبر و إنتظار الفرج،فإن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،قال:(أفضل أعمال أمتي إنتظار الفرج) (2).

و لا تزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشر به النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا،فاصبر يا شيخي و معتمدي أبا الحسن،و أمر جميع شيعتي بالصبر، و إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (3)،و السلام عليك و على جميع شيعتنا و رحمة اللّه و بركاته،و حسبنا اللّه و نعم الوكيل،نعم المولى و نعم النصير (4).

و في كتاب المناقب ذكر فيه رسالة كتبها عليه السّلام إلى أهل قم و أثنى عليهم بالمدح بالإيمان و حسن الإخلاص من سلف منهم و من كان موجودا.ثمّ قال:و ممّا كتب عليه السّلام إلى عليّ بن الحسين ابن بابويه القمي:إعتصمت بحبل اللّه بسم اللّه الرحمن الرحيم و الحمد للّه ربّ العالمين و العاقبة للمتّقين و الجنّة للموحّدين و النار للملحدين و لا عدوان إلاّ على الظالمين و لا إله إلاّ اللّه أحسن الخالقين و الصلاة على خير خلقه محمّد و عترته الطاهرين و عليك بالصبر و انتظار الفرج فإنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:

أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج و لا تزال شيعتنا في حزن حتّى يظهر ولدي الذي بشّر به النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا فاصبر يا شيخي يا أبا الحسن علي و أمر جميع شيعتي بالصبر فإنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتّقين و السلام عليك و على جميع شيعتنا و رحمة اللّه و بركاته و صلّى اللّه على محمّد و آله (5).


كتاب الإمام العسكري عليه السّلام الى إسحاق بن إسماعيل

ابن شعبة الحراني قال:من كتابه عليه السّلام إلى اسحاق بن إسماعيل النيسابوري:سترنا اللّه و إيّاك بستره و تولاك في جميع أمورك بصنعه فهمت كتابك يرحمك اللّه و نحن بحمد اللّه و نعمته أهل بيت نرق على أوليائنا و نسر بتتابع إحسان اللّه إليهم و فضله لديهم و نعتد بكل نعمة ينعمها اللّه تبارك و تعالى عليهم فأتم اللّه عليك يا إسحاق و على من كان مثلك ممن قد رحمه اللّه و بصره بصيرتك نعمته و قدر


1) سورة النساء،الآية:114.

2) شعب الإيمان:ج 2 ص 43 ح 1124.

3) سورة الأعراف،الآية:128.

4) بهجة الآمال:ج 5 ص 419.

5) مناقب آل أبي طالب:527/3.

تمام نعمته دخول الجنة و ليس من نعمة و إن جلّ أمرها و عظم خطرها إلاّ و الحمد للّه تقدست أسماؤه عليها مؤد شكرها و أنا أقول الحمد للّه أفضل ما حمده حامده إلى أبد الأبد بما منّ اللّه عليك من رحمته و نجاك من الهلكة و سهل سبيلك على العقبة و أيّم اللّه أنّها لعقبة كؤود شديد أمرها صعب مسلكها عظيم بلاؤها قديم في الزبر الأولى ذكرها و لقد كانت منكم في أيّام الماضي عليه السّلام إلى أن مضى لسبيله و في أيّامي هذه أمور كنتم فيها عندي غير محمودي الرأي و لا مسددي التوفيق فاعلم يقينا يا اسحاق أنّه من خرج من هذه الدنيا أعمى فهو في الآخرة أعمى و أضلّ سبيلا،يا اسحاق ليس تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور و ذلك قول اللّه في محكم كتابه حكاية عن الظالم إذ يقول رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (1).

و أي آية أعظم من حجة اللّه على خلقه و أمينه في بلاده و شهيده على عباده من بعد من سلف من آبائه الأولين النبيين و آبائه الآخرين الوصيين عليهم أجمعين السلام و رحمة اللّه و بركاته فأين يتاه بكم و أين تذهبون كالأنعام على وجوهكم،عن الحق تصدفون و بالباطل تؤمنون و بنعمة اللّه تكفرون،أو تكونون ممن يؤمن ببعض الكتاب و يكفر ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم و من غيركم إلاّ خزي في الحياة الدنيا و طول عذاب في الآخرة الباقية و ذلك و اللّه الخزي العظيم.إنّ اللّه بمنه و رحمته لما فرض عليكم الفرائض لم يفرض ذلك عليكم لحاجة منه إليكم بل رحمة منه لا إله إلاّ هو عليكم ليميز الخبيث من الطيب و ليبتلي ما في صدوركم و ليمحص ما في قلوبكم لتسابقوا إلى رحمة اللّه و لتفاضل منازلكم في جنته،ففرض عليكم الحج و العمرة و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة و الصوم و الولاية و جعل لكم بابا تستفتحون به أبواب الفرائض و مفتاحا إلى سبيله،لو لا محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و الأوصياء من ولده لكنتم حيارى كالبهائم لا تعرفون فرضا من الفرائض،و هل تدخل مدينة إلاّ من بابها فلمّا منّ عليكم بإقامة الأولياء بعد نبيكم قال اللّه في كتابه اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً (2).

ففرض عليكم لأوليائه حقوقا أمركم بأدائها ليحل لكم ما وراءكم من أزواجكم و أموالكم و مأكلكم و مشاربكم قال اللّه قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى (3).

و اعلموا أنّ من بخل فإنما يبخل عن نفسه و اللّه الغني و أنتم الفقراء لا إله الاّ هو و لقد طالت المخاطبة فيما هو لكم و عليكم و لو لا ما يحب اللّه من تمام النعمة من اللّه عليكم لما رأيتم لي خطا و لا سمعتم مني حرفا من بعد مضي الماضي عليه السّلام و أنتم في غفلة مما إليه معادكم،و من بعد إقامتي لكم إبراهيم بن عبده و كتابي الذي حمله إليكم محمّد بن موسى النيسابوري و اللّه المستعان على كل3.


1) سورة طه،الآية:125-126.

2) سورة المائدة،الآية:3.

3) سورة الشورى،الآية:23.

حال،و إيّاكم أن تفرطوا في جنب اللّه فتكونوا من الخاسرين فبعدا و سحقا لمن رغب عن طاعة اللّه و لم يقبل مواعظ أوليائه فقد أمركم اللّه بطاعته و طاعة رسوله و طاعة أولي الأمر رحم اللّه ضعفكم و غفلتكم و صبركم على أمركم فما أغرّ الإنسان بربّه الكريم،و لو فهمت الصم الصلاب بعض ما هو في هذا الكتاب لتصدعت قلقا و خوفا من خشية اللّه و رجوعا إلى طاعة اللّه،إعملوا ما شئتم فسيرى اللّه عملكم و رسوله و المؤمنون ثمّ تردون إلى عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون و الحمد للّه ربّ العالمين و صلى اللّه على محمّد و آله أجمعين (1).


حال جعفر الكذاب

عن سعد بن عبد اللّه الأشعري،عن الشيخ الصدوق أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري(ره):

أنه جاء بعض أصحابنا يعلمه أن جعفر بن علي كتب إليه كتابا يعرفه نفسه،و يعلمه أنه القيم بعد أخيه،و أن عنده من علم الحلال و الحرام ما يحتاج إليه،و غير ذلك من العلوم كلها.

قال أحمد بن اسحاق:فلما قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان عليه السّلام و صيرت كتاب جعفر في درجه،فخرج الي الجواب في ذلك:بسم اللّه الرحمن الرحيم أتاني كتابك أبقاك اللّه و الكتاب الذي أنفذت درجه،و أحاطت معرفتي بجميع ما تضمنه على اختلاف ألفاظه،و تكرر الخطأ فيه،و لو تدبرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه،و الحمد للّه رب العالمين حمدا لا شريك له على إحسانه إلينا و فضله علينا،أبى اللّه عزّ و جلّ للحق إلا إتماما،و للباطل إلا زهوقا،و هو شاهد علي بما أذكره،و لي عليكم بما أقوله،إذا اجتمعنا ليوم الذي لا ريب فيه،و يسألنا عما نحن فيه مختلفون.

و انه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه و لا عليك و لا على أحد من الخلق جميعا امامة مفترضة،و لا طاعة و لا ذمة،و سأبين لكم جملة تكتفون بها ان شاء اللّه.يا هذا يرحمك الله!أن اللّه تعالى لم يخلق الخلق عبثا،و لا أهملهم سدى،بل خلقهم بقدرته،و جعل لهم أسماعا و ابصارا و قلوبا و ألبا،ثم بعث النبيين عليهم السّلام مبشرين و منذرين،يأمرونهم بطاعته و ينهونهم عن معصيته، و يعرفونه ما جهلوه من أمر خالقهم و دينهم،و أنزل عليهم كتابا و بعث إليهم ملائكة،و باين بينهم و بين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم،و ما آتاهم اللّه من الدلائل الظاهرة و البراهين الباهرة، و الآيات الغالبة.فمنهم:من جعل النار عليه بردا و سلاما و اتخذه خليلا،و منهم:من كلمه تكليما و جعل عصاه ثعبانا مبينا،و منهم:من أحيى الموتى بإذن اللّه و أبرأ الأكمه و الأبرص بإذن اللّه،و منهم من علمه منطق الطير أوتي من كل شيء.


1) تحف العقول:486.

ثم بعث محمدا صلّى اللّه عليه و آله و سلّم رحمة للعالمين و تمم به نعمته،و ختم به أنبياءه:و أرسله إلى الناس كافة، و أظهر من صدّقه ما أظهر،و بين آياته و علاماته ما بين،ثم قبضه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حميدا فقيدا سعيدا،و جعل الأمر من بعده إلى أخيه و ابن عمه و وصيه و وارثه علي بن أبي طالب عليه السّلام،ثم إلى الأوصياء من ولده واحدا بعد واحد،أحيى بهم دينه،و أتم بهم نوره،و جعل بينهم و بين إخوتهم و بني عمهم و الأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقا بينا،تعرف به الحجة من المحجوج،و الإمام من المأموم بأن:

عصمهم من الذنوب،و برأهم من العيوب،و طهرهم من الدنس،و نزههم من اللبس،و جعلهم خزان علمه،و مستودع حكمته،و موضع سره،و أيدهم بالدلائل و لو لا ذلك لكان الناس على سواء، و لادعى أمر اللّه عزّ و جلّ كل أحد،و لما عرف الحق من الباطل،و لا العلم من الجهل.و قد ادعى هذا المبطل المدعي على اللّه الكذب بما ادعاه،فلا أدري بأية حالة هي له،رجا أن يتم دعواه بفقه في دين اللّه؟!فو الله ما يعرف حلالا من حرام و لا يفرق بين خطأ و صواب،أم بعلم؟!فما يعلم حقا من باطل،و لا محكما من متشابه و لا يعرف حد الصلاة و وقتها،أم بورع؟!فاللّه شهيد على تركه الصلاة الفرض(أربعين يوما)يزعم ذلك لطلب الشعوذة،و لعل خبره تأدى اليكم،و هاتيك ظروف مسكره منصوبة،و آثار عصيانه للّه عزّ و جلّ مشهورة قائمة،أم بآية؟!فليأت بآية،أم بحجة؟! فليقمها،أم بدلالة؟!فليذكرها.

قال اللّه عزّ و جلّ في كتابه: بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ الَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَ هُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ* وَ إِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَ كانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (1).

فالتمس تولّى اللّه توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك،و امتحنه و اسأله عن آية من كتاب اللّه يفسرها،أو صلاة يبين حدودها و ما يجب فيها،لتعلم حاله و مقداره،و يظهر لك عواره و نقصانه، و اللّه حسيبه.حفظ اللّه الحق على أهله،و أقره في مستقره،و أبى اللّه عزّ و جلّ أن تكون الإمامة في الأخوين إلا في الحسن و الحسين،و إذ أذن اللّه لنا في القول ظهر الحق و اضمحل الباطل،و انحسر عنكم.و إلى اللّه أرغب في الكفاية،و جميل الصنع و الولاية و حسبنا اللّه و نعم الوكيل،و صلى اللّه على محمد و آل محمد (2).

و عن فاطمة بنت محمد بن الهيثم المعروف بابن النسابة قال:كنت في دار أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السّلام في الوقت الذي ولد فيه جعفر فرأيت أهل الدار في سرور به،فسرت إلى أبي2.


1) سورة الأحقاف،الآية:1-6.

2) الاحتجاج-الشيخ الطبرسي:281/2.

الحسن عليه السّلام فلم أره مسرورا بذلك فقلت له:يا سيدي مالي أراك غير مسرور بهذا المولود؟

قال:يهون عليك أمره فإنه سيضل خلقا كثيرا (1).

و عن الكابلي عن علي بن الحسين عليهما السّلام قال:دخلت عليه فقلت له:يابن رسول اللّه أخبرني عن اللذين فرض اللّه تعالى طاعتهم و مودتهم.و أوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.

فقال عليه السّلام:بلى يا كابلي إن أولي الأمر الذين جعلهم اللّه أئمة الناس و أوجب عليهم طاعتهم أولهم:أمير المؤمنين علي بن أبي طالب،ثم الحسن،ثم الحسين عليه السّلام حتى انتهى الأمر إلينا، فسكت عليه السّلام.

فقلت:يا سيدي روي لنا عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنه قال:إن اللّه عزّ و جلّ لا يخلي الأرض من حجة له على عباده فمن الحجة و الإمام بعدك؟

فقال عليه السّلام:إبني محمد و إسمه في التوراة باقر يبقر العلم بقرا،و هو الحجة و الإمام بعدي، و من بعد محمد إبنه جعفر و إسمه عند أهل السماء الصادق.

فقلت:يا سيدي كيف إسمه الصادق و كلكم صادقون؟

قال:حدثني أبي عن أبيه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:إذا ولد إبني جعفر بن علي بن الحسين فسموه الصادق،فإن الخامس من ولده إسمه جعفر الكذاب المفتري على اللّه عزّ و جلّ المدعي بما ليس له بأهل،المخالف على أبيه و الحاسد لأخيه،ذلك الذي يروم كشف ستر اللّه عند غيبة ولي اللّه.

ثم بكى علي بن الحسين عليه السّلام بكاء شديدا،ثم قال:كأني بجعفر الكذاب و قد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي اللّه و التوكيل بحرم أبيه جهلا منه بولادته،و حرصا منه على قتله إن ظفر به،طمعا في ميراث أخيه حتى يأخذه بغير حقه.

قال أبو خالد:فقلت له:يا بن رسول اللّه إن ذلك لكائن؟

قال:هو مكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها المحن التي تجري علينا بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم (2).

و لله در من قال:

قل للذي يرضى مقالة جعفر ما أنت إلا هوج مرتاب

شتان بين الجعفرين فصادق يهدي الأنام و آخر كذاب

فتعم ذاك من الإله صلاته و تعم هذا نقمة و عذاب0.


1) وفيات الأئمة:400.

2) وفيات الأئمة،من علماء البحرين و القطيف:400.

لا يدخلن الريب قلبك في الذي ولد الكذاب و إنه لصواب

إذ نوح أولد إبنه كنعان في الذكر الحكيم و طابت الأنساب (1)


الملوك الذين عاصرهم الإمام العسكري عليه السّلام

و كان في سني إمامته بقيّة أيّام المعتزّ أشهر ثمّ ملك المهتدي و المعتمد و بعد مضيّ خمس سنين من ملك المعتمد قبض و يقال:استشهد (2).


بعض مناظرات الإمام العسكري عليه السّلام

اشارة

و في الإحتجاج للطبرسي بإسناده إلى أبي يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد و أبي الحسن عليّ بن محمّد بن سيّار أنّهما قالا:قلنا للحسن أبي القائم:إنّ قوما عندنا يزعمون أن هاروت و ماروت ملكان،إختارتهما الملائكة لما كثر عصيان بني آدم و أنزلهما اللّه مع ثالث لهما إلى الدّنيا،و أنهما افتتنا بالزهرة و أرادا الزنا بها و شربا الخمر و قتلا النفس المحرمة،و أنّ اللّه يعذبهما ببابل و أنّ السحرة منهما يتعلّمون السحر،و أن اللّه مسخ تلك المرأة هذا الكوكب الذي هو الزهرة؟

فقال الإمام عليه السّلام:معاذ اللّه من ذلك إن ملائكة اللّه معصومون محفوظون من الكفر و القبائح بألطاف اللّه،فقال عزّ و جل لهم: لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (3)وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ -يعني الملائكة- لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (4).

و قال في الملائكة: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ* لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (5)إلى قوله مُشْفِقُونَ.

كان اللّه قد جعل هؤلاء الملائكة خلفاءه في الأرض،و كانوا كالأنبياء في الدّنيا و كالأئمة أفيكون من الأئمة قتل النفّس و الزنا؟!

ثمّ قال عليه السّلام:أ و لست تعلم أنّ اللّه لم يخل الدّنيا من نبيّ أو إمام من البشر؟أو ليس اللّه تعالى يقول: وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ -يعني إلى الخلق- إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ (6)فأخبر أنّه لم يبعث الملائكة إلى الأرض ليكونوا أئمّة و حكاما،و إنّما أرسلوا إلى أنبياء اللّه.


1) وفيات الأئمة،من علماء البحرين و القطيف:400.

2) بحار الأنوار:236/50 ح 6.

3) سورة التحريم،الآية:6.

4) سورة الأنبياء،الآية:20.

5) سورة الأنبياء،الآية:27.

6) سورة النحل،الآية:43.

قالا:قلنا له:فعلى هذا لم يكن إبليس أيضا ملكا.

فقال عليه السّلام:لا بل كان من الجنّ أما تسمع أن اللّه تعالى يقول: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ (1)فأخبر أنّه كان من الجن و هو الذي قال اللّه تعالى:

وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (2).

و قال الإمام عليه السّلام:حدّثني أبي عن جدّي عن الرّضا عن أبيه عن آبائه عن عليّ عن رسول اللّه:

إنّ اللّه اختارنا معاشر آل محمّد،و اختار النبيين و اختار الملائكة المقربين و ما اختارهم إلاّ على علم منه بهم،أنّهم لا يواقعون ما يخرجون به عن ولايته،و ينقطعون به عن عصمته و ينضمون به إلى المستحقين لعذابه و نقمته.

قالا:قلنا:فقد روي لنا إنّ عليّا صلوات اللّه عليه،لما نصّ عليه رسول اللّه بالإمامة عرض اللّه ولايته على فئام و فئام من الملائكة فأبوها فمسخهم اللّه ضفادعا.

فقال عليه السّلام:معاذ اللّه هؤلاء المتكذبون علينا،الملائكة هم رسل اللّه كسائر أنبياء اللّه إلى الخلق،أفيكون منهم الكفر بالله؟

قلنا:لا.قال عليه السّلام:فكذلك الملائكة،إنّ شأن الملائكة عظيم و إنّ خطبهم لجليل.انتهى (3).


احتجاج الإمام العسكري عليه السّلام

في أنواع شتى من علوم الدين

روي أن أبا محمد العسكري عليه السّلام قال-في قوله تعالى-: خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (4)أي:و سمها بسمة يعرفها من يشاء من ملائكته إذا نظروا إليها بانهم الذين لا يؤمنون و على سمعهم كذلك بسمات،و على أبصارهم غشاوة،و ذلك:

أنهم لما أعرضوا عن النظر فيما كلفوه،و قصروا فيما أريد منهم،و جهلوا ما لزمهم الإيمان به، فصاروا كمن على عينيه غطاء لا يبصر ما أمامه،فإن اللّه عزّ و جلّ يتعالى عن العبث و الفساد و عن مطالبة العباد بما منعهم بالقهر منه،فلا يأمرهم بمغالبته،و لا بالمصير إلى ما قد صدهم بالقسر عنه، ثم قال:و لهم عذاب عظيم يعني:في الآخرة العذاب المعد للكافرين،و في الدنيا أيضا لمن يريد أن يستصلحه بما ينزل به من عذاب الإستصلاح لينبهه لطاعته،أو من عذاب الإصلاح ليصيره إلى عدله و حكمته (5).


1) سورة البقرة،الآية:34.

2) سورة الحجر،الآية:27.

3) الاحتجاج:266/2،و بحار الأنوار:322/56.

4) سورة البقرة،الآية:7.

5) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:260/2.

و روى أبو محمد العسكري عليه السّلام مثل ما قال هو في تأويل هذه الآية من المراد بالختم على قلوب الكفار عن الصادق عليه السّلام بزيادة شرح لم نذكره مخافة التطويل لهذا الكتاب (1).

و بالإسناد المتكرر من أبي محمد عليه السّلام انه قال-في تفسير قوله تعالى-: اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً (2)..الآية جعلها ملائمة لطبائعكم،موافقة لأجسادكم،لم يجعلها شديدة الحمى و الحرارة فتحرقكم،و لا شديدة البرودة فتجمدكم،و لا شديدة طيب الريح فتصدع هاماتكم،و لا شديدة النتن فتعطبكم،و لا شديدة اللين كالماء فتغرقكم،و لا شديدة الصلابة فتمتنع عليكم في حرثكم و أبنيتكم و دفن موتاكم،و لكنه جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به،و تتماسكون و تتماسك عليها أبدانكم و بنيانكم،و جعل فيها من اللين ما تنقاد به لحرثكم و قبوركم و كثير من منافعكم، فلذلك جعل الأرض فراشا لكم.

ثم قال عليه السّلام: وَ السَّماءَ بِناءً يعني:سقفا من فوقكم محفوظا،يدير فيها شمسها و قمرها و نجومها لمنافعكم.ثم قال: وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني:المطر ينزله من علو ليبلغ قلل جبالكم و تلالكم و هضابكم و أوهادكم،ثم فرقه رذاذا و وابلا و هطلا و طلا،لينشقه أرضوكم،و لم يجعل ذلك المطر نازلا عليكم قطعة واحدة،ليفسد أراضيكم و أشجاركم و زروعكم و ثماركم.

ثم قال: فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ يعني:مما يخرجه من الأرض رزقا لكم فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً (3)أشباها و أمثالا من الأصنام التي لا تعقل،و لا تسمع،و لا تبصر،و لا تقدر على شيء، وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنها لا تقدر على شيء من هذه النعم الجليلة التي أنعمها عليكم ربكم (4).

و بالإسناد الذي مضى ذكره عن أبي محمد العسكري عليه السّلام في قوله تعالى: وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ إن الأمي منسوب إلى(أمه)أي:هو كما خرج من بطن امه،لا يقرأ و لا يكتب، لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ المنزل من السماء و لا المتكذب به،و لا يميزون بينهما إِلاّ أَمانِيَّ أي:إلا أن يقرأ عليهم و يقال لهم:إن هذا كتاب اللّه و كلامه،لا يعرفون إن قرأ من الكتاب خلاف ما فيه، وَ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ أي ما يقرأ عليهم رؤساؤهم من تكذيب محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في نبوته و إمامة علي سيد عترته،و هم يقلدونهم مع أنه محرم عليهم تقليدهم، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ (5)..إلخ هذا:القوم اليهود،كتبوا صفة زعموا أنها صفة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و هي خلاف صفته،و قالوا للمستضعفين منهم:هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان9.


1) الاحتجاج:261/20،و بحار الأنوار:201/5 ح 24.

2) سورة البقرة،الآية:22.

3) سورة البقرة،الآية:22.

4) التوحيد:404 ح 11،و الاحتجاج:262/2.

5) سورة البقرة،الآية:79.

أنه:طويل عظيم البدن و البطن،أهدف (1)،أصهب الشعر،و محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بخلافه،و هو يجي بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة،و إنما أرادوا بذلك أن تبقى لهم على ضعفائهم رئاستهم،و تدوم لهم إصاباتهم،و يكفوا أنفسهم مؤنة خدمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و خدمة علي عليه السّلام و أهل بيته و خاصته،فقال اللّه عزّ و جلّ: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ من هذه الصفات المحرفات و المخالفات لصفة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و علي عليه السّلام:الشدة لهم من العذاب في أسوء بقاع جهنم،و ويل لهم:

الشدة في العذاب ثانية مضافة إلى الأولى،بما يكسبونه من الأموال التي يأخذونها إذا ثبتوا عوامهم على الكفر بمحمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و الحجة لوصيه و أخيه علي بن أبي طالب عليه السّلام ولي اللّه.

ثم قال عليه السّلام:قال رجل للصادق عليه السّلام:فإذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره،فكيف ذمهم بتقليدهم و القبول من علمائهم،و هل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلدون علماءهم؟

فقال عليه السّلام:بين عوامنا و علمائنا و عوام اليهود و علمائهم فرق من جهة و تسوية من جهة.

أما من حيث استووا:فإن اللّه قد ذم عوامنا بتقليدهم علمائهم كما ذم عوامهم.و أما من حيث افترقوا فلا.

قال:بين لي يابن رسول اللّه!قال عليه السّلام:إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح،و بأكل الحرام و الرشاء،و بتغيير الاحكام عن واجبها بالشفاعات و العنايات و المصانعات، و عرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم،و إنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه و أعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم،و ظلموهم من أجلهم،و عرفوهم يقارفون المحرمات،و اضطروا بمعارف قلوبهم إلى ان من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدق على اللّه و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه،فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوه و من قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره و لا تصديقه في حكايته،و لا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدوه و وجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى،و أشهر من أن لا تظهر لهم.

و كذلك عوام أمتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر،و العصبية الشديدة و التكالب على حطام الدنيا و حرامها،و إهلاك من يتعصبون عليه و إن كان لإصلاح أمره مستحقا،و بالترفرف بالبر و الإحسان على من تعصبوا له و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقا،فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم اللّه بالتقليد لفسقة فقهائهم،فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه،مخالفا على هواه،مطيعا لأمر مولاه،فللعوام أن يقلدوه،و ذلك لا يكون إلا بعضم.


1) الهدف:الجسيم.

فقهاء الشيعة لا جميعهم،فإنه من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقة العامة فلا تقبلوا منا عنه شيئا،و لا كرامة،و إنما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لذلك لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره بجهلهم،و يضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم،و آخرون يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم،و منهم قوم(نصاب)لا يقدرون على القدح فينا،يتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا،و ينتقصون بنا عند نصابنا،ثم يضيفون إليه أضعاف و أضعاف أضعافه من الاكاذيب علينا التي نحن براء منها،فيتقبله المستسلمون من شيعتنا،على انه من علومنا،فضلوا و أضلوا و هم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي عليهما السّلام و أصحابه،فإنهم يسلبونهم الارواح و الاموال،و هؤلاء علماء السوء الناصبون المتشبهون بأنهم لنا موالون،و لاعدائنا معادون،و يدخلون الشك و الشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلونهم و يمنعونهم عن قصد الحق المصيب،لا جرم ان من علم اللّه من قلبه من هؤلاء القوم أنه لا يريد الاصيانة دينه و تعظيم وليه لم يتركه في يد هذا المتلبس الكافر،و لكنه يقيض له مؤمنا يقف به على الصواب،ثم يوفقه اللّه للقبول منه،فيجمع اللّه له بذلك خير الدنيا و الآخرة،و يجمع على من أضله لعنا في الدنيا و عذاب الآخرة.

ثم قال:قال رسول اللّه:(أشرار علماء أمتنا:المضلون عنا،القاطعون للطرق إلينا،المسمون أضدادنا بأسمائنا،الملقبون أضدادنا بألقابنا،يصلون عليهم و هم للعن مستحقون،و يلعنونا و نحن بكرامات اللّه مغمورون،و بصلوات اللّه و صلوات ملائكته المقربين علينا عن صلواتهم علينا مستغنون).ثم قال:قيل لأمير المؤمنين عليه السّلام:من خير خلق اللّه بعد أئمة الهدى،و مصابيح الدجى؟

قال:العلماء إذا صلحوا.قيل:فمن شرار خلق اللّه بعد إبليس،و فرعون،و نمرود،و بعد المتسمين بأسمائكم،و المتلقبين بألقابكم،و الاخذين لأمكنتكم،و المتأمرين في ممالككم؟

قال:العلماء إذا فسدوا،هم المظهرون للأباطيل،الكاتمون للحقائق،و فيهم قال اللّه عزّ و جلّ: أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا (1).الآية (2).

و بالإسناد المقدم ذكره عن أبي بعقوب يوسف بن محمد بن زياد،و أبي الحسن علي ابن محمد بن سيار،أنهما قالا:قلنا للحسن أبي القائم عليهما السّلام:إن قوما عندنا يزعمون:أن هاروت و ماروت ملكان اختارتهما الملائكة لما كثر عصيان بني آدم و أنزلهما اللّه مع ثالث لهما إلى الدنيا،و أنهما افتتنا بالزهرة و أرادا الزنا بها،و شربا الخمر،و قتلا النفس المحرمة،و أن اللّه يعذبهما ببابل،و إن السحرة منهما يتعلمون السحر،و إن اللّه مسخ هذا الكوكب الذي هو(الزهرة).3.


1) سورة البقرة،الآية:159.

2) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي ج 265/2-263.

فقال الإمام عليه السّلام:معاذ اللّه من ذلك،إن ملائكة اللّه معصومون محفوظون من الكفر و القبائح، بألطاف اللّه فقال عزّ و جلّ فيهم: لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (1)و قال: وَ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ -يعني:الملائكة- لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ* يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (2)و قال في الملائكة: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ إلى قوله مُشْفِقُونَ (3)كان اللّه قد جعل هؤلاء الملائكة خلفاءه في الأرض،و كانوا كالأنبياء في الدنيا،و كالأئمة،أفيكون من الأنبياء و الأئمة قتل النفس و الزنا و شرب الخمر؟!!

ثم قال:أو لست تعلم أن اللّه لم يخل الدنيا من نبي أو امام من البشر؟أو ليس يقول:و ما أرسلنا قبلك من رسلنا-يعني إلى الخلق- إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى (4)فأخبر أنه لم يبعث الملائكة إلى الأرض ليكونوا أئمة و حكاما،و إنما ارسلوا إلى أنبياء اللّه.

قالا:قلنا له:فعلى هذا لم يكن إبليس ملكا!فقال:لا.بل كان من الجن!أما تسمعان اللّه تعالى يقول: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ (5)فأخبر أنه كان من الجن،و هو الذي قال: وَ الْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (6).

و قال الإمام عليه السّلام:حدثني أبي،عن جدي،عن الرضا،عن أبيه،عن آبائه،عن علي عليهم السّلام عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إن اللّه اختارنا معاشر آل محمد،و اختار النبيين،و اختار الملائكة المقربين،و ما اختارهم إلا على علم منه بهم:أنهم لا يواقعون ما يخرجون به عن ولايته،و ينقطعون به من عصمته،و ينضمون به إلى المستحقين لعذابه و نقمته.

قالا:فقلنا:فقد روي لنا:أن عليا صلوات اللّه عليه لما نص عليه رسول اللّه بالامامة،عرض اللّه ولايته على فيام و فيام (7)من الملائكة فأبوها،فمسخهم اللّه ضفادعا.

فقال:معاذ اللّه!هؤلاء المتكذبون علينا،الملائكة هم:رسل اللّه كسائر أنبياء اللّه إلى الخلق، أفيكون منهم الكفر باللّه؟قلنا:لا.

قال:فكذلك الملائكة!إن شأن الملائكة عظيم و إن خطبهم لجليل (8).

و بالإسناد الذي تكرر عن أبي يعقوب و أبي الحسن أيضا أنهما قالا:حضرنا عند الحسن بن6.


1) سورة التحريم،الآية:6.

2) سورة الأنبياء،الآية:19 و 20.

3) سورة الأنبياء،الآية:27 و 28.

4) سورة يوسف،الآية:109.

5) سورة الكهف،الآية:51.

6) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي ج 265/2-263.

7) الفيام:بفتح الفاء و كسرها الجماعة من الناس و غيرهم.

8) الاحتجاج:266/2،و بحار الأنوار:322/56.

علي أبي القائم عليهما السّلام فقال له بعض أصحابه:جاءني رجل من إخواننا الشيعة قد امتحن بجهال العامة،يمتحنونه في الإمامة و يحلفونه،فكيف يصنع حتى يتخلص منهم؟

فقلت له:كيف يقولون؟

قال:يقولون:(أتقول أن فلانا هو الإمام بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم؟فلا بد لي أن أقول نعم و إلا أثخنوني ضربا،فإذا قلت:(نعم)قالوا لي:قل:(و اللّه)فقلت لهم:(نعم)و أريد به(نعما)من الأنعام:(الإبل و البقر و الغنم).

قلت:فإذا قالوا:و اللّه فقل ولي أي ولي تريد عن أمر كذا،فإنهم لا يميزون و قد سلمت فقال لي:فإن حققوا علي فقالوا قل:(و اللّه)و بين الهاء.

فقلت:قل و اللّه برفع الهاء،فإنه لا يكون يمينا إذا لم يخفض.فذهب ثم رجع الي فقال:

عرضوا علي و حلفوني،فقلت كما لقنتني.

فقال له الحسن عليه السّلام:أنت كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:(الدال على الخير كفاعله)لقد كتب اللّه لصاحبك بتقيته بعدد كل من استعمل التقية من شيعتنا و موالينا و محبينا حسنة،و بعدد من ترك التقية منهم حسنة،أدناها حسنة لو قوبل بها ذنوب مائة سنة لغفرت،و لك بإرشادك إياه مثل ماله.

و بالإسناد المتكرر ذكره عن الحسن العسكري عليه السّلام أنه قال:أعرف الناس بحقوق إخوانه و أشدهم قضاء لها أعظمهم عند اللّه شأنا،و من تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند اللّه من الصديقين و من شيعة علي بن أبي طالب عليه السّلام حقا،و لقد ورد على أمير المؤمنين عليه السّلام اخوان له مؤمنان أب و ابن،فقام إليهما،و أكرمهما و أجلسهما في صدر مجلسه،و جلس بين أيديهما،ثم أمر بطعام فأحضر فأكلا منه ثم جاء قنبر بطست و إبريق خشب و منديل[ليلبس] (1)و جاء ليصب على يد الرجل ماءا فوثب أمير المؤمنين عليه السّلام فأخذ الابريق ليصب على يد الرجل فتمرغ الرجل في التراب و قال:يا أمير المؤمنين اللّه يراني و أنت تصب على يدي؟!قال:اقعد و اغسل يدك فإن اللّه عزّ و جلّ و أخوك الذي لا يتميز منك و لا يتفضل عليك يخدمك،يريد بذلك في خدمه في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا و على حسب ذلك في ممالكه فيها.

فقعد الرجل فقال له علي عليه السّلام:أقسمت عليك بعظيم حقي الذي عرفته و بجلته و تواضعك للّه بأن ندبني لما شرفك به من خدمتي لك،لما غسلت مطمئنا كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبرا،ففعل الرجل.فلما فرغ ناول الابريق محمد بن الحنفية و قال:يا بني لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده،و لكن اللّه يأبى أن يسوي بين ابن و أبيه إذا جمعهما مكان،لكن قد صب الاب على الاب،فليصب الإبن على الإبن،فصب محمد ابن الحنفية على الإبن.س.


1) و في بعض المصادر:ليبس،لييبس،لليبس.

ثم قال الحسن العسكري عليه السّلام:فمن اتبع عليا عليه السّلام على ذلك فهو الشيعي حقا (1).

و عن سعد بن عبد اللّه القمي الأشعري قال:بليت بأشد النواصب منازعة فقال لي يوما-بعد ما ناظرته-:تبا لك و لأصحابك!أنتم معاشر الروافض تقصدون المهاجرين و الانصار بالطعن عليهم،و بالجحود لمحبة النبي لهم،فالصديق هو فوق الصحابة بسبب سبق الاسلام،ألا تعلمون ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إنما ذهب به ليلة الغار لأنه خاف عليه كما خاف على نفسه،و لما علم أنه يكون الخليفة في أمته و أراد أن يصون نفسه كما يصون صلّى اللّه عليه و آله و سلّم خاصة نفسه،كي لا يختل حال الدين من بعده.و يكون الإسلام منتظما؟

و قد أقام عليا على فراشه لما كان في علمه أنه لو قتل لا يختل الإسلام بقتله،لأنه يكون من الصحابة من يقوم مقامه لا جرم لم يبال من قتله؟!

قال سعد:إني قلت على ذلك أجوبة لكنها غير مسكتة.

ثم قال:معاشر الروفض تقولون:إن(الأول و الثاني)كانا ينافقان،و تستدلون على ذلك بليلة العقبة.

ثم قال لي:أخبرني عن إسلامهما كان من طوع و رغبة أو كان عن إكراه و إجبار؟فاحترزت عن جواب ذلك و قلت مع نفسي إن كنت أجبته بأنه كان عن إكراه و إجبار لم يكن في ذلك الوقت للإسلام قوة حتى يكون إسلامهما بإكراه و قهر،فرجعت عن هذا الخصم على حال ينقطع كبدي، فأخذت طومارا و كتبت بضعا و أربعين مسألة من المسائل الغامضة التي لم يكن عندي جوابها، فقلت:أدفعها إلى صاحب مولاي أبي محمد الحسن بن علي عليهما السّلام الذي كان في قم أحمد بن إسحاق فلما طلبته كان هو قد ذهب فمشيت على أثره فأدركته و قلت الحال معه.

فقال لي:جئ معي إلى سر من رأى حتى نسأل عن هذه المسائل مولانا الحسن بن علي عليهما السّلام.

فذهبت معه إلى سر من رأى ثم جئنا إلى باب دار مولانا عليه السّلام فاستأذنا عليه فأذن لنا،فدخلنا الدار و كان مع أحمد بن اسحاق جراب قد ستره بكساء طبري،و كان فيه مائة و ستون صرة من الذهب و الورق،على كل واحدة منها خاتم صاحبها الذي دفعها إليه،و لما دخلنا و وقعت أعيننا على أبي محمد الحسن العسكري عليهما السّلام كان وجهه كالقمر ليلة البدر و قد رأينا على فخذه غلاما يشبه المشتري في الحسن و الجمال،و كان على رأسه ذوابتان،و كان بين يديه رمان من الذهب قد حلي بالفصوص و الجواهر الثمينة قد أهداه واحد من رؤساء البصرة،و كان في يده قلم يكتب به شيئا على قرطاس،فكلما أراد أن يكتب شيئا أخذ الغلام يده فألقى الرمان حتى يذهب الغلام إليه و يجي به فلما ترك يده يكتب ما شاء.2.


1) مستدرك الوسائل:328/16 ح 13،و الاحتجاج:228/2.

ثم فتح أحمد بن إسحاق الكساء و وضع الجراب بين يدي العسكري عليه السّلام،فنظر العسكري إلى الغلام فقال:فض الخاتم عن هدايا شيعتك و مواليك!فقال:يا مولاي أيجوز أن أمد يدا طاهرة إلى هدايا نجسة و أموال رجسة؟!

ثم قال:يابن إسحاق أخرج ما في الجراب ليميز بين الحلال و الحرام!ثم أخرج(صرة)فقال الغلام:هذا(لفلان ابن فلان)من محلة(كذا)بقم،مشتمل على إثنين و سبعين دينارا،فيها من ثم حجرة باعها و كانت إرثا عن أبيه خمسة و أربعون دينارا،و من أثمان سبعة أثواب أربعة عشر دينارا، و فيه من أجرة الحوانيت ثلاثة دنانير.

فقال مولانا عليه السّلام:صدقت يا بني!دلّ الرجل على الحرام منها.

فقال الغلام:في هذه العين دينار بسكة الري تاريخه في سنة(كذا)قد ذهب نصف نقشه عنه، و ثلاثة أقطاع قراضة بالوزن(دانق و نصف)في هذه الصرة الحرام هذا القدر.فإن صاحب هذه الصرة في سنة كذا في شهر كذا كان له عند نسّاج-و هو من جملة جيرانه-من و ربع،فأتى على ذلك زمان كثير فسرقه سارق من عنده فأخبره النسّاج بذلك فما صدّقه و أخذ الغرامة بغزل أدق منه مبلغ من و نصف،ثم أمر حتى نسج منه ثوب و هذا الدينار و القراضة من ثمنه.ثم حل عقدها فوجد الدينار و القراضة كما أخبر،ثم أخرجت(صرة)اخرى.

فقال الغلام:هذا(لفلان ابن فلان)من المحلة(الفلانية)بقم و العين فيها(خمسون دينارا)و لا ينبغي لنا أن ندني أيدينا إليها.

قال:لم؟

فقال:من أجل أن هذه الدنانير ثمن الحنطة،و كانت هذه الحنطة بينه و بين حراث له،فأخذ نصيبه بكيل كامل و أعطى نصيبه بكيل ناقص.

فقال مولانا الحسن بن علي عليهما السّلام:صدقت يا بني!قال:يابن إسحاق إحمل هذه الصرور و بلغ أصحابها و أوص بتبليغها إلى أصحابها،فإنه لا حاجة بنا إليها.

ثم قال:جيء إلي بثوب تلك العجوز.

فقال أحمد بن اسحاق:كان ذلك في حقيبة فنسيته،ثم مشى أحمد بن إسحاق ليجي بذلك فنظر إلى مولانا أبو محمد العسكري عليه السّلام و قال:ما جاء بك يا سعد؟

فقلت:شوقني أحمد بن اسحاق إلى لقاء مولانا.

قال:المسائل التي أردت أن تسأل عنها؟

قلت:على حالها يا مولاي.

قال:فاسأل قرة عيني-و أومى إلى الغلام-عما بدا لك!

فقلت:يا مولانا و ابن مولانا روي لنا:إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم جعل طلاق نسائه إلى أمير المؤمنين،حتى إنه بعث يوم الجمل رسولا إلى عائشة و قال:إنك أدخلت الهلاك على الإسلام و أهله بالغش الذي حصل منك،و أوردت أولادك في موضع الهلاك بالجهالة،فإن امتنعت و إلا طلقتك.فأخبرنا يا مولاي عن معنى الطلاق الذي فوض حكمه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلى أمير المؤمنين عليه السّلام؟

فقال عليه السّلام:إن اللّه تقدس اسمه عظم شأن نساء النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فخصهن لشرف الامهات فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:يا أبا الحسن إن هذا شرف باق ما دمن للّه على طاعة،فأيتهن عصت اللّه بعدي بالخروج عليك فطلقها من الأزواج،و أسقطها من شرف أمية المؤمنين.ثم قلت:أخبرني عن الفاحشة المبينة التي إذا فعلت المرأة ذلك يجوز لبعلها أن يخرجها من بيته في أيام عدتها؟

فقال عليه السّلام:تلك الفاحشة السحق و ليست بالزنا لأنها إذا زنت يقام عليها الحد،و ليس لمن أراد تزويجها أن يمتنع من العقد عليها لاجل الحد الذي اقيم عليها،و أما إذا ساحقت فيجب عليها الرجم،و الرجم هو الخزي،و من أمر اللّه تعالى برجمها فقد اخزاها ليس لاحد أن يقربها.ثم قلت:

أخبرني يابن رسول اللّه عن قول اللّه تعالى لنبيه موسى: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (1)فإن فقهاء الفريقين يزعمون:إنها كانت من إهاب الميتة؟

فقال عليه السّلام:من قال ذلك فقد افترى على موسى و استجهله في نبوته،لأنه ما خلا الأمر فيها من خطبين:أمّا إن كانت صلاة موسى فيها جائزة أو غير جائزة،فإن كانت صلاة موسى جائزة فيها، فجاز لموسى أن يكون لابسها في تلك البقعة و إن كانت مقدسة مطهرة،و إن كانت صلاته غير جائزة فيها فقد أوجب أن موسى لم يعرف الحلال و الحرام،و لم يعلم ما جازت الصلاة فيه مما لم يجز و هذا(كفر).

قلت:فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيها؟

قال:إن موسى عليه السّلام كان بالوادي المقدس فقال:يا رب إني أخلصت لك المحبة مني و غسلت قلبي عمن سواك،و كان شديد الحب لأهله فقال اللّه تبارك و تعالى:فاخلع نعليك أي:إنزع حب أهلك من قلبك إن كانت محبتك لي خالصة و قلبك من الميل إلى من سواي مغسولا.

فقلت:أخبرني عن تأويل كهيعص.

قال:هذه الحروف من أنباء الغيب،اطلع اللّه عليها عبده زكريا ثم قصها على محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ذلك أن زكريا عليه السّلام سأل ربه:أن يعلمه الأسماء الخمسة،فأهبط عليه جبرئيل فعلمه إياها،فكان2.


1) سورة طه،الآية:12.

زكريا إذا ذكر محمدا و عليا و فاطمة و الحسن سرى عنه همه،و انجلى كربه،و إذا ذكر اسم الحسين عليه السّلام خنقته العبرة،و وقعت عليه البهرة.

فقال-ذات يوم-:إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسليت بأسمائهم من همومي،و إذا ذكرت الحسين تدمع عيني و تثور زفرتي.فأنبأه اللّه تبارك و تعالى عن قصته فقال:(كهيعص)فالكاف اسم(كربلاء)و الهاء(هلاك العترة)و الياء(يزيد)و هو ظالم الحسين و العين(عطشه)و الصاد(صبره) فلما سمع بذلك زكريا عليه السّلام لم يفارق مسجده ثلاثة أيام و منع فيهن الناس من الدخول عليه،و أقبل على البكاء و النحيب،و كان يرثيه:إلهي أتفجع خير جميع خلقك بولده؟إلهى أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه؟إلهي أتلبس عليا و فاطمة ثوب هذه المصيبة؟إلهي تحل كربة هذه المصيبة بساحتهما؟ثم كان يقول:إلهي ارزقني ولدا تقر به عيني على الكبر،فإذا رزقتنيه فافتني بحبه،ثم افجعني به كما تفجع محمدا حبيبك بولده.

فرزقه اللّه يحيى و فجعه به،و كان حمل يحيى ستة أشهر و حمل الحسين كذلك.

فقلت:أخبرني يا مولاي عن العلة التي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفسهم؟

قال:مصلح أو مفسد؟

فقلت:مصلح.

قال:هل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد.

قلت:بلى.

قال:فهي(العلة)أيدتها لك ببرهان يقبل ذلك عقلك.

قلت:نعم.

قال:أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم اللّه،و أنزل عليهم الكتب،و أيدهم بالوحي و العصمة،إذ هم أعلام الأمم،فأهدى إلى ثبت الإختيار و منهم موسى و عيسى هل يجوز مع وفور عقلهما و كمال علمهما إذ هما على المنافق بالاختيار أن يقع خيرتهما،و هما يظنان أنه مؤمن؟

قلت:لا.

قال:فهذا موسى كليم اللّه مع وفور عقله،و كمال علمه،و نزول الوحي عليه إختار من أعيان قومه و وجوه عسكره لميقات ربه سبعين رجلا ممن لم يشك في إيمانهم و إخلاصهم،فوقع خيرته على المنافقين.

قال اللّه عزّ و جلّ: وَ اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا (1).الآية فلما وجدنا اختيار4.


1) سورة الأعراف،الآية:154.

من قد اصطفاه اللّه للنبوة واقعا على الأفسد دون الاصلح و هو يظن أنه الأصلح دون الافسد،علمنا أن لا اختيار لمن لا يعلم ما تخفي الصدور و ما تكن الضمائر،و ينصرف عنه السرائر.و أن لا خطر لاختيار المهاجرين و الانصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح.

ثم قال مولانا عليه السّلام:يا سعد من ادعى:أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو خصمك-ذهب بمختار هذه الأمة مع نفسه إلى الغار فإنه خاف عليه كما خاف على نفسه لما علم أنه الخليفة من بعده على أمته،لأنه لم يكن من حكم الاختفاء أن يذهب بغيره معه و إنما أقام عليا على مبيته لأنه علم انه إن قتل لا يكون من الخلل بقتله ما يكون بقتل أبي بكر،لأنه يكون لعلي من يقوم مقامه في الأمور،لم لا تنقض عليه بقولك:أو لستم تقولون:إن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:(إن الخلافة من بعدي ثلاثون سنة)و صيرها موقوفة على أعمار هؤلاء الاربعة:(أبو بكر،و عمر،و عثمان،و علي)فإنهم كانوا على مذهبكم خلفاء رسول اللّه؟فإن خصمك لم يجد بدا من قوله:بلى.

قلت له:فإذا كان الأمر كذلك فكما أبو بكر الخليفة من بعده كان هؤلاء الثلاثة خلفاء أمته من بعده،فلم ذهب بخليفة واحد و هو(أبو بكر)إلى الغار و لم يذهب بهؤلاء الثلاثة؟فعلى هذا الأساس يكون النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مستخفا بهم دون أبي بكر فإنه يجب عليه أن يفعل بهم ما فعل بأبي بكر،فلما لم يفعل ذلك بهم يكون متهاونا بحقوقهم و تاركا للشفقة عليهم بعد أن كان يجب أن يفعل بهم جميعا على ترتيب خلافتهم ما فعل بأبي بكر.و أما ما قال لك الخصم:بأنهما أسلما طوعا أو كرها،لم لم تقل بل انهما أسلما طمعا،و ذلك أنهما يخالطان مع اليهود و يخبران بخروج محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و استيلائه على العرب من التوراة و الكتب المقدسة و الملاحم قصة محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم،و يقولون لهما:يكون استيلاؤه على العرب كاستيلاء(بخت نصر)على بني إسرائيل إلا أنه يدعي النبوة و لا يكون من النبوة في شيء،فلما ظهر أمر رسول اللّه فساعدا معه على شهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه طمعا أن يجدا من جهة ولاية رسول اللّه ولاية بلد إذا انتظم أمره،و حسن باله،و استقامت ولايته،فلما أيسا من ذلك وافقا مع أمثالهما ليلة العقبة و تلثما مثل من تلثم منهم،فنفروا بدابة رسول اللّه لتسقطه و يصير هالكا بسقوطه بعد أن صعد العقبة فيمن صعد،فحفظ اللّه تعالى نبيه من كيدهم و لم يقدروا أن يفعلوا شيئا،و كان حالهما كحال طلحة و الزبير إذ جاءا عليا عليه السّلام و بايعاه طمعا أن تكون لكل واحد منهما ولاية،فلما لم يكن ذلك و آيسا من الولاية نكثا بيعته و خرجا عليه حتى آل أمر كل واحد منهما إلى ما يؤل أمر من ينكث العهود و المواثيق.

ثم قام مولانا الحسن بن علي عليهما السّلام لصلاته و قام القائم معه،فرجعت من عندهما و طلبت أحمد بن إسحاق فاستقبلني باكيا فقلت:ما أبطأك و ما أبكاك؟

قال:قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره.

قلت:لا بأس عليك فأخبره!فدخل عليه و انصرف من عنده متبسما و هو يصلي على محمد و أهل بيته.

فقلت:ما الخبر؟

فقال:وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولانا عليه السّلام يصلي عليه.

قال سعد:فحمدنا اللّه جل ذكره على ذلك و جعلنا نختلف بعد ذلك اليوم إلى منزل مولانا عليه السّلام أياما فلا نرى الغلام بين يديه،فلما كان يوع الوداع دخلت أنا و أحمد بن إسحاق و كهلان من أهل بلدنا،فانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائما و قال:يابن رسول اللّه قد دنت الرحلة،و اشتدت المحنة،فنحن نسأل اللّه أن يصلي على المصطفى جدك،و على المرتضى أبيك،و على سيدة النساء أمك فاطمة الزهراء و على سيدي شباب أهل الجنة عمك و أبيك،و على الأئمة من بعدهما آبائك.

و أن يصلي عليك و على ولدك،و نرغب إليه أن يعلي كعبك،و يكبت عدوك،و لا جعل اللّه هذا آخر عهدنا من لقائك.

(قال):فلما قال هذه الكلمة إستعبر مولانا عليه السّلام حتى استهملت دموعه و تقاطرت عبراته ثم قال:يابن إسحاق لا تكلف في دعائك شططا،فإنك ملاق اللّه في صدرك هذا،فخر أحمد مغشيا عليه،فلما أفاق قال:سألتك باللّه و بحرمة جدك إلا ما شرفتني بخرقة أجعلها كفنا،فأدخل مولانا يده تحت البساط فاخرج ثلاثة عشر درهما فقال:خذها و لا تنفق على نفسك غيرها فإنك لن تعدم ما سألت و اللّه لا يضيع أجر المحسنين.

قال سعد:فلما صرنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا عليه السّلام من حلوان على ثلاثة فراسخ،حمّ أحمد بن إسحاق و ثارت عليه علة صعبة أيس من حياته بها،فلما وردنا حلوان و نزلنا في بعض الخانات،دعا أحمد بن إسحاق رجلا من أهل بلده كان قاطنا بها ثم قال:تفرقوا عني هذه الليلة و اتركوني وحدي!فانصرفنا عنه و رجع كل واحد إلى مرقده.

قال سعد:فلما حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة ففتحت عيني،فإذا أنا بكافور الخادم خادم مولانا أبي محمد و هو يقول:أحسن اللّه بالخير عزاءكم،و ختم بالمحبوب رزيتكم،قد فرغنا من غسل صاحبكم و من تكفينه،فقوموا لدفنه فإنه من أكرمكم محلا عند سيدكم،ثم غاب عن أعيننا،فاجتمعنا على رأسه بالبكاء و النحيب و العويل حتى قضينا حقه و فرغنا من أمره رحمه اللّه (1).

***3.


1) الاحتجاج،الشيخ الطبرسي:268/2-273.

بين الإمام العسكري عليه السّلام و المستعين

عن أحمد بن الحارث القزويني قال:كنت مع أبي بسرّ من رأى و كان أبي يتعاطى البيطرة في مربط أبي محمّد عليه السّلام قال:و كان عند المستعين (1)بغل لم ير مثله حسنا و كبرا و كان يمنع ظهره و اللّجام و السرج،و قد كان جمع عليه الرّاضة (2)،فلم يمكن لهم حيلة في ركوبه،قال:فقال له بعض ندمائه:يا أمير المؤمنين ألا تبعث إلى الحسن بن الرّضا حتّى يجيء فإمّا أن يركبه و إمّا أن يقتله فتستريح منه.

قال:فبعث إلى أبي محمّد و مضى معه أبي فقال أبي:لمّا دخل أبو محمّد الدّار كنت معه فنظر أبو محمّد إلى البغل واقفا في صحن الدّار فعدل إليه فوضع بيده على كفله،قال:فنظرت إلى البغل و قد عرق حتّى سال العرق منه،ثمّ صار إلى المستعين فسلّم عليه فرحّب به و قرّب،فقال:يا أبا محمّد ألجم هذا البغل.

فقال أبو محمّد لأبي:ألجمه يا غلام.

فقال المستعين:ألجمه أنت،فوضع طيلسانه ثمّ قام فألجمه ثمّ رجع إلى مجلسه و قعد.

فقال له:يا أبا محمّد أسرجه.

فقال لأبي:يا غلام أسرجه.

فقال:أسرجه أنت.

فقام ثانية فأسرجه و رجع.

فقال له:ترى أن تركبه؟

فقال:نعم،فركبه من غير أن يمتنع عليه ثمّ ركضه في الدّار،ثمّ حمله على الهملجة (3)فمشى أحسن مشي يكون،ثمّ رجع و نزل.

فقال له المستعين:يا أبا محمّد كيف رأيته؟

قال:يا أمير المؤمنين ما رأيت مثله حسنا و فراهة (4)و ما يصلح أن يكون مثله إلاّ لأمير المؤمنين.


1) هو أحمد بن المعتصم بن هارون خرج عليه ابن أخيه المعتز بن المتوكل بن المعتصم،و قتله سنة اثنتين و خمسين و مائتين عاش خمسا و ثلاثين سنة و زمان حكومته تسع سنين و تسعة أشهر.

2) في بعض النسخ الرواض،راض المهر رياضا و رياضة ذلله فهو رايض و الجمع رواض و راضة و أصلها روضة مثل طلبة قلبت الواو ألفا.

3) الهملجة مشي الهملاج،من البرادين،و هو مشي سهل كالرهوجة فارسي معرب.

4) دابة فارهة أي نشيطة حادة حاذقة قوية.و قد فرهت فراهة و فراهية.

قال:فقال:يا أبا محمّد فإنّ أمير المؤمنين قد حملك عليه.

فقال أبو محمّد لأبي:يا غلام خذه.

فأخذه أبي فقاده (1).

***2.


1) الكافي:507/1 ح 4،و الإرشاد:328/2.

المحتويات

ترجمة الإمام العسكري عليه السّلام 5

مولد أبي محمّد الحسن بن علي عليهما السّلام 5

أم الإمام العسكري عليهما السّلام 6

نقش خاتم الإمام العسكري عليه السّلام 7

ألقاب الإمام العسكري عليه السّلام 7

كنية الإمام العسكري عليه السّلام 7

صفة الإمام العسكري عليه السّلام 8

كرم الإمام العسكري عليه السّلام 8

هيبة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام 8

علم الإمام العسكري عليه السّلام للغيب 12

تسخير الحيوانات للإمام العسكري عليه السّلام 28

استجابة دعاء الإمام العسكري عليه السّلام 30

أثر الأئمة عليهم السّلام و بركتهم 31

بركة يد الإمام العسكري عليه السّلام تشفي 32

معرفة الإمام العسكري عليه السّلام باللغات 33

علم الإمام العسكري عليه السّلام بما في الضمائر 33

علم الإمام العسكري عليه السّلام بما يكون 53

علم الإمام العسكري عليه السّلام بالآجال 55

علم الإمام العسكري بليلة مولد القائم عليهما السّلام 58

غزارة علم الإمام العسكري عليه السّلام 59

إعظام الحيوانات لقبر الإمام العسكري عليه السّلام 60

أثر من يهين و يحتقر الأئمة عليهم السّلام 60

طب الإمام العسكري عليه السّلام 61

علاج الحمى 64

شفاء العين 64

معاجز الإمام العسكري عليه السّلام 65

خبر مدّعي التشيع:69

خبر الحصاة و طبع الإمام عليها 72

إتيانه الرجل في المنام:73

خبر أم القائم عليه السّلام و ما جرى من معاجز 73

المعجزة الكبرى 76

صلاة الاستسقاء 76

في أسرار أبي محمد الحسن العسكري عليه السّلام 77

خبر البساط 77

طي الأرض للإمام العسكري عليه السّلام 80

قدرة الإمام العسكري عليه السّلام على تسخير العدو 81

بحث حول التفويض و أدلته 82

معنى الغلو و التفويض 82

التفويض المنفي و تأويله 84

وقوع التفويض في القرآن الكريم 87

أدلة وقوع التفويض في الروايات 89

التفويض لآل محمد في تنزل الرحمة و صرف العذاب 91

التفويض لآل محمد في إبراء المرضى و كشف الضر 92

التفويض لآل محمد عليهم السّلام في إحياء الموتى 95

التفويض الى آل محمد في الخلق و الرزق و القدرة 98

ما جاء بلسان التفويض المطلق 100

كون آل محمد و سائط الفيض و أسباب العطاء 104

حبس الإمام العسكري عليه السّلام 108

شهادة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام 109

فضل زيارة الإمام الحسن العسكري عليه السّلام 114

ما جرى على آله عليهم السّلام من الظلم 114

وضع الشيعة بعد استشهاد الإمام العسكري عليه السّلام 115

دعاء الإمام الحسن العسكري عليه السّلام 123

حرص الإمام العسكري عليه السّلام على الشيعة 123

النص على الإمام الحسن العسكري عليه السّلام 123

النص عليه من الإمام زين العابدين عليهما السّلام 126

وصية الإمام العسكري لابنه القائم عليهما السّلام 127

بعض أحاديث الإمام العسكري عليه السّلام 128

قصار مواعظ الإمام العسكري عليه السّلام 143

كتاب الإمام العسكري عليه السّلام الى ابن بابويه 144

كتاب الإمام العسكري عليه السّلام الى إسحاق بن إسماعيل 145

حال جعفر الكذاب 147

الملوك الذين عاصرهم الإمام العسكري عليه السّلام 150

بعض مناظرات الإمام العسكري عليه السّلام 150

احتجاج الإمام العسكري عليه السّلام في أنواع شتى من علوم الدين 151

بين الإمام العسكري عليه السّلام و المستعين 163