مصباح المنهاج - کتاب التجارة جلد 4

ghaemiyeh.com

اشارة

مصباح المنهاج - کتاب التجارة

سید محمد سعید طباطبایی حکیم

دارالهلال

الطبعة الاولی

1427ه - 2006م

اشارة

مصباح المنهاج

مصباح المنهاج - کتاب التجارة

سید محمد سعید طباطبایی حکیم

دارالهلال

مصباح المنهاج - کتاب التجارة

سید محمد سعید طباطبایی حکیم

دارالهلال

الطبعة الاولی

1427ه - 2006م

الجزء الرابع

(5)

تذنيب

في أحكام الشرط (1)

(مسألة 63): كما يجب الوفاء بالعقد اللازم يجب الوفاء بالشرط


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

(1) المراد بالشرط هنا ما يتضمن جعل شيء من فعل خارجي يفعله المشروط عليه، كخياطة الثوب، أو أمر وضعي يثبت عليه، كملكية ثمرة شجرته واستحقاق الخيار في عقده. لأن ذلك هو القابل للإمضاء بأدلة الشروط الآتية.

أما الأمور التي يبتني عليها من دون أن تكون كذلك فهي: تارة: تكون شرطاً في ترتب مضمون العقد، بحيث يكون المضمون منوطاً بها ومعلقاً عليها نظير تعليق العتق والتمليك على موت المالك في التدبير والوصية التمليكية. وأخرى: يكون العقد بنفسه مبنياً على تحققها من دون أن يكون مضمونه معلقاً عليها، نظير الداعي لإيقاع العقد.

والأول لا يصلح للإمضاء بنفسه وحده، لكونه طرفاً في النسبة التي يتضمنها العقد، من دون أن يكون بنفسه نسبة قابلة للإمضاء.

نعم، يمكن إمضاء العقد الذي يتضمن النسبة التي يكون الشرط طرفاً لها.

لكن ثبت عدم إمضائه نوعاً. للإجماع على بطلان التعليق، إلا في موارد خاصة.

الكلام في الشروط

المجعول فيه (1)، كما إذا باعه فرساً بثمن معين واشترط عليه أن يخيط


أما الثاني فهو غير قابل للإمضاء، لعدم اقتضاء الاشتراط جعله، بل هو مفروض الوجود خارجاً حين العقد.

فإن طابق فرضه الواقع، وإلا لم ينقلب الواقع عما هو عليه. غاية الأمر أن يثبت الخيار بتخلفه.

نعم بناءً على أن منشأ ثبوت الخيار هو رجوع اشتراط الوصف إلى اشتراط الخيار بتخلفه كما سبق من بعض مشايخنا (قده) فالشرط القابل للإمضاء ليس هو الوصف المشروط في المعاملة، بل الخيار المشروط بتخلفه تبعاً لاشتراطه، وهو الذي يدخل في محل الكلام، لأن الخيار حق قابل للجعل والإمضاء. لكن تقدم منّا في أواخر المسألة الثالثة في فروع خيار المجلس المنع من ذلك. فراجع.

(1) بلا إشكال ظاهر، ويظهر من كلماتهم المفروغية عنه. ويقتضيه ما يستفاد من النصوص الكثيرة من عموم نفوذ الشرط(1). فإن الشرط ضمن العقد متيقن من العموم المذكور. وقد سبق منّا في أول كتاب التجارة تمام الكلام في تحديد الشرط الذي هو موضوع العموم. فراجع.

بل الظاهر نهوض عموم لزوم الوفاء بالعقود به، كما أشار إليه في الجواهر، لأنه جزء مضمون العقد، وإن كان خارجاً عن البيع والإجارة ونحوهما من الخصوصيات الزائدة على العقد.

ومنه يظهر الإشكال فيما في الجواهر من استفادته من مثل قوله تعالى: (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ)(2). إلا أن يدعى استفادته منه تبعاً.

فتأمل.

هذا ومقتضى عموم نفوذ الشرط وجوب الوفاء به في ضمن العقد الجائز أيضاً. ومجرد جواز فسخ العقد لا ينافي وجوب الوفاء بالشرط الواقع في ضمنه مادام العقد لم

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الخيار، وج: 15 باب: 20، 40 من أبواب المهور، وج: 16 باب: 4، 11 من أبواب المكاتبة وغيرها.

(2) سورة النساء الآية: 29.

(7)

له ثوباً، فإن البائع يملك على المشتري الخياطة بالشرط (1)، فيجب عليه


يفسخ، كما تقدم عند الكلام في اشتراط سقوط خيار المجلس.

(1) بناءً على ما سبق منّا في المسألة الثالثة من الفصل السابق من أن مفاد أدلة نفوذ الشرط ليس مجرد وجوب العمل على طبق الشرط تكليفاً - كما سبق من بعض مشايخنا (قده) - بل استحقاق المشترط للأمر المشروط، ووجوب العمل عليه تابع لاستحقاقه، كوجوب وفاء الدين. لأن الشرط عرفاً كالعقد يبتني على جعل الحق، فيكون مفاد دليل نفوذه إمضاء ذلك. ولذا كان للمشترط إسقاط شرطه، ولم يكن ذلك منافياً لأدلة نفوذه. كما كان له إجبار المشروط عليه على تنفيذ الشرط. بخلاف ما لو كان حكماً تكليفياً محضاً، على ما يأتي توضيحه في المسألة الرابعة والستين إن شاء الله تعالى.

ومثله في الإشكال ما في اللمعة والتنقيح من عدم وجوب فعل الأمر المشروط على المشروط عليه، وأن فائدة الشرط هو لزوم الخيار بتخلفه لا غير.

إذ فيه: أن ذلك إن كان لدعوى أن مفاد الاشتراط مجرد جعل الخيار على تقدير عدم تحقق الأمر المشروط، من دون أن يتضمن جعل الأمر المشروط على الشارط وإلزامه به. فهو خروج عن محل الكلام وعن ظاهر الاشتراط. بل هو لا يناسب ما ذكراه تبعاً للأصحاب من اعتبار كون الأمر المشروط مقدور أو سائغاً. لظهور أنه لا محذور في اشتراط الخيار وجعله بتخلف الأمر غير المقدور أو غير السائغ.

وإن كان لدعوى: أن مفاد الشرط وإن كان هو جعل الأمر المشروط على المشروط عليه، إلا أن ذلك لا يكفي في إلزامه به شرعاً، لعدم وجوب طاعة المشروط عليه للمشترط.

ففيه: أنه يكفي في إلزامه به شرعاً بضميمة ظهور أدلة نفوذ الشرط في إمضائه. بل صريح بعضها، كموثق إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه: «إن علي بن أبي

خياطة ثوب البائع ويشترط في وجوب الوفاء بالشرط أمور: منها: أن لا يكون مخالفاً للكتاب والسنة (1)، بأن لا يكون الشرط


طالب (عليه السلام) كان يقول:

من شرط لامرأته شرطاً فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً» (1) .

وأما ما عن بعض تحقيقات الشهيد (قده) من أن الشرط قد علق عليه العقد، والمعلق على الممكن ممكن، وهو معنى قلب اللازم جائزاً.

ففيه: أولاً: أن العقد غير معلق على الشرط.

وإلا بطل، لما هو المعلوم من إجماعهم على مبطلية التعليق للعقود. مضافاً إلى ما هو المعلوم من عدم توقف ترتب مضمون العقد على تحقق الشرط لا في المقام ولا في غيره. إلا أن يريد تعليق لزومه عليه، بمعنى ثبوت الخيار بتخلفه، فيرجع لما تقدم من بعض مشايخنا (قده).

وثانياً: أن ذلك يقتضي جواز العقد تبعاً لجواز الشرط، دون العكس، فلا ينافي استحقاق المشترط للأمر المعلق عليه، ووجوبه على المشروط عليه، تبعاً لمفاد الشرط ودليل إمضائه شرعاً.

(1) كما صرح به غير واحد والظاهر الإجماع عليه، لظهور بعض كلماتهم في المفروغية عنه. ويستدل عليه بوجهين: الأول: أن نفوذ الشرط إن كان مع بقاء الحكم الذي تضمنه الكتاب أو السنة لزم التنافي بين الجعلين.

وإن كان مع ارتفاعه فهو مناف لإطلاق دليل الحكم الذي تضمنه الكتاب والسنة. ودعوى: أن ذلك مقتضى الجمع بين إطلاق أدلة تلك الأحكام وإطلاق أدلة نفوذ الشرط، لظهور أن نفوذ الشرط من سنخ الحكم الثانوي، ومن المعلوم أن أدلة الأحكام الثانوية مقدمة على أدلة الأحكام الأولية، وحاكمة عليها حكومة عرفية.

(1) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 4 من أبواب المهور حديث: 45.

(9)

مدفوعة بأن الحكومة المذكورة إنما تتم في الأحكام الثانوية التي تكون موضوعاتها خارجة عن اختيار المكلف نوعاً، كالضرر والحرج والاضطرار والإكراه والغفلة والجهل والنسيان ونحوها، حيث تكون أدلتها حاكمة عرفاً على أدلة الإلزام الأولي. ولاسيما مع ورودها مورد التسهيل والامتنان.

وهذا بخلاف ما إذا كان موضوع الحكم الثانوي تابعاً للناس، بحيث يكون بإرادتهم أو جعلهم، كالنذر والعهد واليمين، والوصية والوقف والعقد والشرط والصلح وأمر الوالدين والزوج والتماس المؤمن ونحوها، حيث لا مجال للبناء على حكومة دليله على أدلة الأحكام الأولية، بل الأمر بالعكس ارتكازاً، لما هو المعلوم من ابتناء الأحكام الأولية على مصالح غير مدركة للإنسان، فلو بني على تحكيم مثل هذه العناوين الثانوية عليها لزم فتح باب الفوضى والتلاعب بأحكام الدين واضمحلاله. وإلى هذا يرجع قوله (عليه السلام) في صحيح محمد بن قيس: «فقضى في ذلك أن شرط الله قبل شرطكم»(1) ونحوه مرسل العياشي(2).

بل النصوص المتضمنة لعدم نفوذ ذلك الشرط المخالف للكتاب والسنة والمتضمنة عدم طاعة المخلوق في معصية الخالق ونحوها تبتني على المفروغية عن ذلك، لعدم تحقق المخالفة والمعصية إلا في فرض بقاء الحكم الأولي على إطلاقه بحيث يشمل مورد الشرط وطاعة المخلوق.

ومن الظاهر ارتكازية مضمونها، حيث يكشف ذلك عن ارتكازية ما ذكرناه من تقديم أدلة الأحكام الأولية في مثل ذلك.

وبذلك يظهر أن الأدلة وإن قامت في كثير من موارد هذا القسم على تقديم عموم الحكم الأولي، إلا أن ارتكازية ذلك تقتضي البناء عليه حتى في الموارد الخالية عن الأدلة الخاصة. والظاهر مفروغية الأصحاب عن ذلك بحسب مرتكزاتهم البدوية، وإن لم يتعرضوا لذلك بتوضيح.

(1) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 14 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه حديث: 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 20 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه حديث: 6.

نعم ثبت تقديم الحكم الثانوي في بعض موارد هذا القسم على الحكم الأولي، كما في نذر الصوم في السفر والإحرام قبل الميقات وغيرهما.

لكن ليس لتقديم عموم الحكم الثانوي على عموم الحكم الأولي، بل للنصوص الخاصة، حيث تكون هي المخصصة لعموم الحكم الأولي في الموارد المذكورة.

ومثله ما قد يدعى من جريان حكم تعارض العامين من وجه من التساقط مع عدم المرجح. كما يناسبه ما عن النراقي في العوائد من أن المرجح في مثل اشتراط شرب الخمر هو الإجماع، وما لم يكن فيه مرجح يعمل فيه بالقواعد والأصول. إذ يظهر وهنه مما سبق من قضاء المرتكزات بتحكيم عمومات الأحكام الأولية. فلاحظ.

الثاني: النصوص الكثيرة المتضمنة لعدم نفوذ الشرط المخالف للكتاب والسنة. كصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: المسلمون عند شروطهم، إلا كل شرط خالف كتاب الله عز وجل، فلا يجوز»(1) ، وصحيحه الآخر: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الشروط في الإماء لا تباع ولا توهب. قال: يجوز ذلك، غير الميراث، فإنها تورث، لأن كل شرط خالف الكتاب باطل»(2). وصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنه قضى في رجل تزوج امرأة، وأصدقته هي، واشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق. قال: خالفت السنة، ووليت حقاً ليست بأهله.

فقضى أن عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق.

وذلك السنة»(3) ، ونحوه مرسل ابن بكير(4).

وهو المناسب لما ورد من بطلان اشتراط بائع المملوك أن ولاءه له(5) حيث كان ثبوت الولاء للمعتق مستفاداً من السنة الشريفة.

وقد يستفاد من غيره.

هذا ولا يبعد أن يكون المراد من الكتاب ولو في بعض هذه النصوص كل ما كتبه الله تعالى، لا خصوص القرآن المجيد، كما استظهره شيخنا الأعظم (قده) في

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الخيار حديث: 2، 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الخيار حديث: 2، 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 29 من أبواب المهور حديث: 1.

(4) وسائل الشيعة باب: 42 من أبواب مقدمات الطلاق وشروطه حديث: 1.

(5) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 52 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 2.

الجملة. ولا أقل من إلغاء خصوصيته، للقطع بعدم الفرق بين أحكامه تعالى، كما عن بعض مشايخنا (قده). بل هو مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام): «شرط الله قبل شرطكم».

ثم إن بعض النصوص قد تضمن أمرين آخرين: الأول: اشتراط موافقة الكتاب في صحة الشرط، كصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سمعته يقول: من اشترط مخالفاً لكتاب الله فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه.

والمسلمون عند شروطهم مما وافق كتاب الله»(1).

وقد يستفاد من معتبره عنه (عليه السلام): «في رجل قال لامرأته: إن نكحت عليك أو تسريت فهي طالق.

قال: ليس ذلك بشيء.

إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من اشترط شرطاً سوى كتاب الله فلا يجوز ذلك له ولا عليه»(2).

قال شيخنا الأعظم (قده): «ولا يبعد أن يكون المراد بالموافق عدم المخالفة، نظراً إلى موافقة ما لم يخالف كتاب الله بالخصوص لعموماته المرخصة للتصرفات الغير المحرمة في النفس والمال. فخياطة البائع مثلاً موافق للكتاب بهذا المعنى». وفيه: أولاً: أنه لم يتضح وجود عموم كتابي يقتضي عموم الحل في غير النكاح بلحاظ المنكوحة.

وثانياً: أن ذلك إنما يقتضي أن كل شرط غير مخالف فهو موافق. لا أن الموافقة بمعنى عدم المخالفة، كما نبه لذلك سيدنا المصنف (قده). ويظهر الأثر لذلك عند الشك، حيث يكون المرجع فيه أصالة عدم المخالفة، لا أصالة عدم الموافقة.

ومنه يظهر حال ما عن بعض الأعاظم وبعض مشايخنا (قدس سرهما) من أن الأثر إنما يظهر فيما إذا كان المراد من الكتاب خصوص القرآن المجيد.

أما حيث كان المراد مطلق ما كتبه الله تعالى، فلا واسطة في البين، لاستيعاب أحكامه عز وجل للوقائع، فكل ما لا يخالف يكون موافقاً.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الخيار حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 38 من أبواب المهور حديث: 2.

إذ هو لو تم إنما يقتضي التلازم خارجاً بين الموافقة وعدم المخالفة، لا الاتحاد المفهومي، بحيث يراد بالموافقة عدم المخالفة، كي يكون المرجع عند الشك هو أصالة عدم المخالفة.

فالعمدة في المقام: أن الشرط حيث يتضمن استحقاق المشترط على المشروط عليه فهو جعل مباين للأحكام الشرعية الأولية التكليفية والوضعية، ولا يكون موافقاً لشيء منها.

إلا أن يكون مؤكداً لها، كاشتراط الزوجة الإنفاق.

وحيث يعلم بعدم إرادة خصوص ذلك، فالمتعين حمل الموافقة على خصوص عدم المخالفة.

ولعله المناسب للجمع بين صدر صحيح عبد الله بن سنان المتقدم وذيله.

حيث قد يكون ظهور الصدر في أن المعيار في صحة الشرط على عدم المخالفة قرينة على حمل ما في الذيل من شرطية الموافقة على ذلك.

بل هو المتعين بلحاظ ما سبق.

ولاسيما مع استفاضة النصوص الظاهرة في أن المعيار فيه على عدم المخالفة.

الثاني: أنه يعتبر في نفوذ الشرط أن لا يكون محرماً للحلال أو محللاً للحرام.

ففي موثق إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه: «إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطاً فليف لها به، فإن المسلمين عند شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً»(1). وهو بظاهره لا يخلو من إشكال.

إذ الشرط بطبعه محرم للحلال ومانع منه، لأنه يتضمن الإلزام بالأمر المشروط والمنع من تركه مع جواز تركه لولا الشرط. كما أنه لو فرض تعلقه بالحرام فهو ملزم به لا مسوغ له ومحلل. وحمل التحليل في الحديث على ما يعم ذلك لا يخلو عن تكلف.

ومن هنا كان الظاهر رجوعه لمفاد النصوص المشهورة المتضمنة لمانعية المخالفة للحكم الشرعي من نفوذ الشرط، حيث يشيع عرفاً التعبير بذلك عن المخالفة للحكم الشرعي والخروج عليه.

ولا أقل من لزوم حمله على ما ذكرناه بقرينة النصوص

(1) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 4 من أبواب المهور حديث: 4.

(13)

مخالفة الشرط للحكم الشرعي الاقتضايي

على خلاف الحكم الشرعي الاقتضائي (1) كما إذا استأجره للعمل في نهار


المشهورة.

ومن جميع ما سبق يظهر أن المعيار في هذا الشرط هو عدم مخالفته للحكم الشرعي، كما تضمنته النصوص الكثيرة.

وما قد يوهم أمراً آخر راجع إليه أو محمول عليه.

(1) بعد الفراغ عن مانعية مخالفة الحكم الشرعي من صحة الشرط، وبعد ما هو المعلوم من أن الشرط يقتضي تبدل حكم الأمر المشروط، واختلاف عمل المكلف بالإضافة إليه.

وقع الكلام بينهم في تمييز الشروط المخالفة للحكم الشرعي عن غيرها.

وقد ذكر شيخنا الأعظم (قده) أن الحكم الشرعي إن ثبت لموضوعه في نفسه مجرداً عن ملاحظة عنوان زائد طارئ عليه لم يكن الشرط منافياً ومخالفاً له.

وإن ثبت له بنحو الإطلاق، لا بقيد التجرد عن العناوين الثانوية الطارئة تعين منافاة الشرط ومخالفته له.

وقد رتب على ذلك أن الأحكام التكليفية غير الإلزامية من القسم الأول، وغالب الأحكام الإلزامية من القسم الثاني.

وفيه: أولاً: أن مقتضى إطلاق أدلة جميع الأحكام ثبوتها لموضوعاتها ولو مع طروء العناوين الثانوية.

ولذا كان تقديم حكم العنوان الثانوي مبنياً على الجمع العرفي بين دليله ودليل الحكم الأولي، لا على قصور دليل الحكم الأولي عن مورد العنوان الثانوي رأساً، من دون فرق في ذلك بين الأحكام الإلزامية وغيرها.

وثانياً: أن المراد بالعنوان الثانوي إن كان هو كل عنوان زائد على الذات يمكن ثبوتاً أن يرفع حكمها الأولي فالموضوع دائماً معرض لشيء من هذه العناوين ولو مثل رغبة المكلف أو بعض متعلقيه في مخالفته.

فإذا فرض أن الحكم الأولي ثابت للذات بما هي مع قطع النظر عن ثبوت العناوين الثانوية لها لزم عدم إحراز فعليته من الإطلاق، لعدم الدافع لاحتمال ارتفاعه بطروء العناوين المختلفة.

وإن كان المراد بالعنوان الثانوي خصوص العناوين التي ثبت رفعها للأحكام الأولية كالحرج والضرر والشرط ونحوها رجع كلامه (قده) إلى أن الحكم الذي يرتفع بالشرط لا يكون الشرط مخالفاً له، والحكم الذي لا يرتفع به يكون الشرط مخالفاً له.

وهي قضية بديهية أشبه بالقضية بشرط المحمول، لا تصلح لأن تكون ضابطاً عملياً في مقام الشك.

ومن هنا لا يرجع ما ذكره (قده) إلى محصل ينفع في مقام العمل، ويرجع إليه عند الشك.

أما سيدنا المصنف (قده) فقد أشار هنا إلى وجه آخر في ضابط المخالفة للكتاب وذكره في درسه لكتاب المضاربة، كما ذكره في حاشيته القديمة، ونسبه لأستاذه المعاصر.

وحاصله: أن الحكم الشرعي إن كان ناشئاً عن ثبوت المقتضي له كان الشرط المخالف له مخالفاً للكتاب، فيفسد، لمزاحمته بمقضى الحكم الشرعي.

وإن كان ثبوته لمجرد عدم ثبوت المقتضي لغيره من الأحكام الشرعية لم يكن الشرط المخالف له مخالفاً للكتاب، لعدم مزاحمة مقتضي نفوذ الشرط بمقتضى آخر.

وقد ذكر في درسه لكتاب المضاربة أن المرجع في التمييز بين القسمين هو المرتكزات العرفية، لاستفادة حجيتها بالإطلاق المقامي لأدلة بطلان الشرط بمخالفة الكتاب، لأن ورودها في مقام بيان الحكم العملي مع عدم شرحها لمعنى المخالفة ظاهر في التحويل على العرف في معناها وتشخيصها.

والمرتكزات المذكورة تقضي بكون الأحكام الإلزامية ناشئة عن مقتض يقتضيها، بخلاف الأحكام غير الإلزامية، فإنها ناشئة عن عدم المقتضي للإلزام.

ويشكل أولاً: بأن مخالفة الشرط للحكم الشرعي إنما تكون بمخالفته لمقتضاه عملاً، من دون نظر إلى منشأ ثبوت الحكم، وأنه ثبت لوجود المقتضي له، أو لعدم المقتضي لخلافه.

فجعل المعيار في المخالفة وعدمها على ثبوت المقتضي للحكم وعدم ثبوت المقتضي له غير ظاهر المنشأ، فضلاً عن أن يستفاد من الإطلاق المقامي الإرجاع للعرف في تشخيصه.

وثانياً: بأنه لم يتضح بناء العرف بمرتكزاتهم على أن الأحكام غير الإلزامية ناشئة عن عدم المقتضي للإلزام، لا عن وجود المقتضي لعدم الإلزام ولو مثل مصلحة التسهيل على المكلفين.

وثالثاً: بأن لازم ذلك عدم صحة شرط ترك المستحب أو فعل المكروه.

إذ لا إشكال في كون الاستحباب والكراهة ناشئين عن المقتضي، كما اعترف (قده) بذلك.

لكنه قال: «ثم إنه لا ضير في الالتزام ببطلان الشرط إذا اقتضته قاعدة الأخذ بظاهر الأدلة بلا وحشة في ذلك أصلاً، وإن لم أجد من صرح به.

بل لعل ظاهرهم خلافه».

وهو كما ترى مما تأباه المرتكزات العرفية التي جعلها (قده) المعيار في تشخيص المخالفة للكتاب بمقتضى الإطلاقات المقامية.

ولعل الأولى أن يقال: لما كان مبنى الشرط والعقد على التصرف بجعل الحقوق الملزمة بين أطرافها فلابد من قصور المخالفة للحكم الشرعي المانعة من نفوذهما عن المخالفة المترتبة على السلطنة التي جعلها الشارع الأقدس للأطراف، فتمليك الإنسان لماله وعمله وإن كان مخالفاً بدواً لحكمهما الثابت لهما قبل العقد والشرط، إلا أنه حيث كان مستنداً للسلطنة التي جعلها الشارع له على نفسه وماله فلابد من قصور المخالفة للحكم الشرعي المانعة من نفوذهما عن مثل هذه المخالفة، وإلا لم يبق لنفوذ العقد والشرط مورد.

بل ليست هي مخالفة عرفاً بعد استنادها للشارع نفسه.

ولذا لا يكون الوقف والوصية والعهد والنذر واليمين ونحوها مخالفة للحكم الشرعي، وإن كانت سبباً لتبدله.

ويتعين اختصاص المخالفة المذكورة بما إذا قصرت السلطنة شرعاً عن موضوع العقد والشرط بسبب الحكم الشرعي.

وعلى ذلك فالحكم التكليفي إن كان إلزامياً فحيث كان مانعاً من سلطنة المكلف على مخالفته ولو بإطلاقه تعين عدم صحة الشرط والعقد المخالفين له.

شهر رمضان بشرط أن يفطر (1)، أو زوجه أمته بشرط أن يكون ولدها


إلا أن يقوم الدليل الخاص على نفوذهما، فيكون دالاً على تقييد إطلاق الحكم الإلزامي في مورد الشرط والعقد وقصوره، بحيث لا يوجب قصور سلطنة المكلف، ولا يكونان مخالفين للحكم الشرعي.

وإن لم يكن إلزامياً فحيث لا يكون مانعاً من سلطنة المكلف يتعين نفوذ الشرط والعقد في مورده.

إلا أن يدل دليل خاص على عدم نفوذهما، فيكشف عن قصور السلطنة في مورد الحكم غير الإلزامي، ويكونان مخالفين للحكم الشرعي.

وهكذا الحال في الحكم الوضعي، فما كان منه تابعاً للسلطنة كتمليك المال والعمل ينفذ فيه الشرط والعقد.

إلا أن يقوم الدليل الخاص على عدم نفوذهما، فيكشف عن قصور السلطنة عليه في مورده، ويكون الشرط والعقد مخالفين للحكم الشرعي.

وما لم يكن تحت السلطنة كالميراث والولاء، ونتائج العقود والإيقاعات التابعة لأسبابها، ككون الشيء مبيعاً والمرأة مطلقة يكون العقد والشرط المتعلقان به مخالفين للحكم الشرعي، فلا ينفذان.

إلا أن يقوم الدليل الخاص على نفوذهما، فيكشف عن كونه مورداً للسلطنة، فلا يكون العقد والشرط المتعلقان به مخالفين للحكم الشرعي.

هذا ما يظهر لنا فعلاً وعليه لا حاجة للتطويل في بعض الصغريات التي وقع الكلام فيها بسبب ورود النصوص الخاصة أو تعارضها فيها.

بل يوكل الكلام فيها لمواردها المناسبة من الفقه.

فلاحظ.

والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.

(1) مما سبق يظهر الوجه في بطلان هذا الشرط.

ومثله ما إذا اشترط عليه عملاً مجهداً يتعذر عليه الصوم معه من دون مسوغ للإفطار.

فإن العمل المذكور وإن كان تحت سلطنة من عليه الشرط بالذات، إلا أن وجوب الصوم عليه مستلزم لخروجه

(17)

منافاة الشرط لمقتضى العقد

رقاً (1)، وأمثال ذلك مما دلّ دليل الحكم الشرعي على كونه اقتضائياً، فإن الشرط على خلاف مثل هذا الحكم باطل.

ومنها: أن لا يكون منافياً لمقتضى العقد (2)، كما إذا باعه بشرط أن لا يكون له ثمن، أو آجره الدار بشرط أن لا يكون لها أجرة (3).


عن سلطنته تبعاً لخروج الإفطار عن سلطنته، فيكون الشرط مخالفاً للحكم بوجوب الصوم شرعاً.

(1) يعني: إذا كان الزوج حراً.

للنصوص الكثيرة المتضمنة تبعية الولد للحر من أبويه(1).

نعم ذهب جماعة لصحة الشرط المذكور، لدعوى دلالة النصوص الخاصة عليه.

وهي لو تمت مخصصة لعموم التبعية المتقدم.

وتمام الكلام في محله.

(2) كما هو المصرح به في كلام جماعة كثيرة، وفي الغنية «ومن الشروط ما هو فاسد بلا خلاف... نحو أن يشترط ما يخالف مقتضى العقد»، وادعى شيخنا الأعظم (قده) الإجماع عليه.

(3) ملاحظة كلمات الأصحاب (رضوان الله عليهم) تشهد بأن مرادهم بالشرط المنافي لمقتضى العقد هو المنافي لما يترتب عليه شرعاً، كشرط عدم بيع المبيع، أو عدم هبته، أو ضمان البائع له لو غصبه غاصب، أو عدم عتق العبد، أو عدم وطء الجارية، أو غير ذلك مما يقتضي العقد خلافه لولا الشرط.

وقد وقع الكلام بينهم في صغريات ذلك، حيث لا إشكال عندهم ظاهراً في جواز شرط عدم بعض ما يجوز بمقتضى العقد، كشرط عدم الانتفاع بالمبيع مدة معينة.

وقد اضطربت كلماتهم في تحديد ذلك والفرق بين الصغريات.

ومما سبق يظهر دخول ذلك في الشرط السابق، وهو الشرط المخالف للكتاب والسنة، كما يظهر من بعض كلماتهم أيضاً.

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 14 باب: 30 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

ومنها: أن يكون مذكوراً في ضمن العقد (1)


كما أنه قد يكون نظر بعضهم إلى أن اشتراط عدم ترتيب الآثار المهمة المقصودة نوعاً من العقد يرجع إلى عدم قصد العقد وإن ذكر اللفظ الدال عليه، فهو عقد صوري لا حقيقي، نظير ما قد يدعى من أن العقد المتضمن للحيل الشرعية في الربا ونحوه صوري.

وعقد النكاح على من هي غير قابلة للاستمتاع، أو لا يقصد منها ذلك، وإنما يراد به المحرمية المسوغة للنظر، صوري، ونحو ذلك.

لكن لا مجال للبناء على ذلك، بل يمكن قصد مضمون العقد حقيقة في جميع ذلك.

وغاية ما يلزم في المقام مخالفة الشرط لحكم العقد شرعاً.

فيجري فيه الضابط المتقدم.

والأمر المباين له الذي يصلح أن يكون شرطاً في مقابله هو الأمر المخالف لمفهوم العقد وما يقومه عرفاً، كاشتراط عدم الثمن في البيع، وعدم الأجرة في الإجارة، وعدم ملكية المبيع إلى غير ذلك، كما جرى عليه سيدنا المصنف (قده).

والوجه في اشتراطه ظاهر، حيث لا يمكن الجمع بين الالتزام بمضمون العقد والالتزام بمضمون الشرط، للتنافي بينهما المانع من صحتهما معاً، لما فيه من الجمع بين المتنافيين، ولا مجال للبناء على صحة خصوص أحدهما، لعدم المرجح.

وبذلك يتعين بطلان العقد أيضاً، لخلل في الإنشاء.

ولعله لذا قال في الجواهر: «نعم لا ريب في بطلان منافي مقتضى العقد، بمعنى عوده عليه بالنقص، كاشتراط عدم الملك في المبيع».

(1) كما يظهر مما تقدم في مقدمة كتاب التجارة عند الكلام في الاستدلال بعموم نفوذ الشرط على عموم نفوذ العقد.

حيث سبق هناك أن الظاهر توقف صدق الشرط على ابتناء الالتزام به من أحد الطرفين على التزام الآخر بشيء آخر.

فلا يصدق على الالتزام الابتدائي من أحد الطرفين للآخر من دون أن يبتني على التزام الآخر

(19)

اشراط كونه مذكوراً في ضمن العقد

صريحاً (1)، أو ضمناً (2)، كما إذا قامت القرينة على كون العقد مبنياً عليه ومقيداً به، إما لذكره قبل العقد، أو لأجل التفاهم العرفي، مثل اشتراط استحقاق التسليم حال التسليم (3).

فلو ذكر قبل العقد ولم يكن العقد مبنياً عليه عمداً أو سهواً لم يجب الوفاء به.

ومنها: أن يكون مقدوراً عليه (4).

بل لو علم عدم القدرة لم يمكن

بشيء.

ولا أقل من كون ذلك هو المتيقن منه، وإن ورد إطلاقه في بعض الاستعمالات على الشرط الابتدائي.

فراجع.

(1) كما هو المتيقن من الأدلة وفتاوى الأصحاب (رضوان الله عليهم).

(2) كما قواه في الجواهر.

وهو ظاهر جواهر القاضي والمختلف في فروع اشتراط سقوط خيار المجلس.

وعليه قد يحمل ما في الخلاف من إطلاق الاكتفاء في سقوط الخيار المذكور باشتراطه قبل العقد.

لعموم حكم العرف بنفوذ الشرط للشرط المذكور.

وصدق الشرط عليه عرفاً، فيشمله عموم نفوذ الشروط.

وقد تقدم في ذيل الكلام في سقوط خيار المجلس باشتراط سقوطه ما ينفع في المقام.

فراجع.

(3) تقدم عند الاستدلال على ثبوت خيار الغبن تقريب أن الاستحقاق المذكور ليس من جهة الشرط الضمني، بل هو حكم عرفي ارتكازي، فيتعين العمل عليه بعد أن لم يثبت ردع الشارع عنه.

(4) يعني على الأمر المشروط.

والظاهر عدم الإشكال فيه.

وبه صرح غير واحد، بنحو يظهر من بعض كلماتهم المفروغية عنه.

من دون فرق بين تعذره، كالصعود للسماء، وإمكانه كحمل الدابة.

والوجه فيه ظاهر، لأن المصحح عرفاً لانشغال ذمة الإنسان بالشيء وملكية الغير له عليه هو وجوب تحقيقه له أو استحقاقه المطالبة به، فمع تعذره عليه لا مجال للملكية المذكورة التي هي مفاد الشرط.

وبذلك يظهر قصور عموم نفوذ الشرط لما إذا كان مقدوراً عليه ثم تجدد العجز عنه.

نعم يمكن ترتب الأثر على الشرط المتعذر رأساً أو بعد سبق القدرة عليه حين الاشتراط، لا من حيثية نفوذه وملكية المشترط له على المشروط عليه، كما هو مفاد أدلة نفوذ الشرط، بل من حيثية حكم العرف بثبوت الخيار في العقد الذي يقع الشرط فيه، حيث لا فرق فيه بين أنحاء التخلف ومناشئه بعد فرض ابتناء العقد عليه.

وأما ما يظهر من بعض كلماتهم من دعوى الإجماع على لغوية الشرط مع خروجه عن القدرة، بحيث قد يظهر في عدم ترتب الأثر عليه رأساً حتى مثل الخيار بتخلفه.

فلا مجال للتعويل عليه.

لعدم وضوح حصول الإجماع الحجة في مثل هذه الفروع التي لم يتضح توجه للأصحاب لها، بحيث تعرف فتواهم فيها في العصور السابقة على تحرير الفتاوى، حيث كان الأصحاب يكتفون في بيان الفتوى على رواية النصوص.

ولاسيما بعدما في المبسوط وعن جواهر القاضي من أنه لو اشترى الدابة على أنها تحمل ثبت الخيار إذا لم تحمل، وما يظهر من التذكرة من أنه لو باعه شيئاً بشرط أن يبيعه على زيد بيعاً تاماً بإيجاب وقبول، فامتنع زيد من شرائه، كان للبائع الفسخ.

ولو تم الإجماع فلا يتضح كونه إجماعاً تعبدياً، بل من القريب اعتمادهم على المرتكزات العقلائية.

وهو راجع إلى لزوم التعويل على المرتكزات المذكورة بعد النظر في حدودها سعة وضيقاً.

فإذا لم تقض المرتكزات بلغوية الشرط من حيثية ثبوت الخيار بتخلفه تعين البناء على ذلك.

ومثلها دعوى بطلان البيع، لكونه غررياً بسبب الجهل بحصول الشرط لو لم يكن تحت قدرة المشروط عليه.

لما سبق عند الكلام في اعتبار العلم بالعوضين وفي اعتبار القدرة على تسليمها من منع عموم النهي عن بيع الغرر.

ويأتي عند الكلام في مانعية جهالة الشرط من صحته ما ينفع في المقام.

(21)

اشراط القدرة على الشرط

إنشاء الالتزام به (1).

قيل: ومنها: أن لا يلزم منه محال.

ومثل له بما إذا باعه وشرط عليه أن يبيعه عليه (2).

لكن التمثيل غير ظاهر.

ولو صح


(1) لابتناء الالتزام به على التعهد بتحقيقه الذي هو فرع القدرة عليه.

لكن ذلك لا يمنع من الالتزام به تبعاً للبناء على القدرة عليه مكابرة، ولو لغفلة من له الشرط عن كونه غير مقدور للمشروط عليه، فيترتب عليه حكم العرف بثبوت الخيار في العقد وإن لم يكن موضوعاً لدليل وجوب الوفاء بالشرط.

نعم لو لم يبتن الالتزام به على القدرة عليه، بل ابتنى على الإقرار بخروجه عن القدرة كان لاغياً، ولم يترتب عليه أثر أصلاً.

إلا أن يرجع الالتزام به إلى محض الالتزام بثبوت الخيار في العقد بتخلفه، فيتعين ترتب ذلك.

(2) قال في التذكرة: «لو باعه شيئاً بشرط أن يبيعه إياه لم يصح... وإلا جاء الدور، لأن بيعه له يتوقف على ملكيته له المتوقفة على بيعه، فيدور».

وكأنه يريد أن بيع المشتري له ثانياً يتوقف على ملكيته له بالبيع الأول، وملكيته له بالبيع المذكور تتوقف على حصول الشرط، وهو البيع ثانياً.

وهو كما ترى، لأن صحة البيع الأول لا تتوقف على حصول الشرط.

غاية الأمر أن يكون تخلف الشرط موجباً للخيار في البيع الأول وجواز فسخه.

وإلى ذلك يرجع ما في جامع المقاصد، حيث قال: «وفيه نظر، لأن الموقوف على حصول الشرط هو اللزوم، لا الانتقال».

وربما حمل كلامه على معنى آخر لا يخلو عن تكلف وإشكال لا مجال لإطالة الكلام فيه.

وقد تعرض شيخنا الأعظم (قده) وبعض الأعاظم فيما حكي عنه لذلك.

فراجع.

وفي الدروس: «ولو شرط بيع المبيع على البائع بطل، لا للدور، بل لعدم قطع نية الملك».

وكأنه راجع إلى دعوى عدم قصد البيع حينئذٍ، لتشبث البائع بالمبيع.

وفيه:

كان اشتراط القدرة كافياً عنه (1).

نعم ربما يستفاد بطلان الشرط في المثال المذكور من بعض الروايات (2)، لكن لا لما ذكر.


أن تشبث البائع بالمبيع في المقام لا يرجع إلى قصد عدم إخراجه من ملكه، لينافي قصده للبيع، بل إلى قصد عوده إليه ببيع جديد بعد خروجه عنه بالبيع الأول، وهو موقوف على قصد البيع.

فهو نظير البيع بشروط الخيار للبائع.

(1) لم يتضح الوجه في ذلك. لظهور أن المراد باشتراط القدرة هو القدرة على الأمر المشروط، ومن لزوم المحال هو لزوم المحال من نفوذ الشرط، لا من نفس الاشتراط، ولا من الأمر المشروط، بحيث يكون خارجاً عن القدرة، بل متعذراً في نفسه

(2) كما في الحدائق. والنصوص المذكورة هي صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام):

«سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم إلى أجل، ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد، أيحل‌؟ قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس» (1) .

ورواه عنه في قرب الإسناد، إلا أنه قال في السؤال:

«سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم ثم اشتراه بخمسة دراهم أيحل».

وخبر يونس الشيباني: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

الرجل يبيع البيع، والبائع يعلم أنه لا يسوي والمشتري يعلم أنه لا يسوي. إلا أنه يعلم أنه سيرجع فيه فيشتريه منه.

قال: فقال: يا يونس إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجابر بن عبد الله: كيف أنت إذا ظهر الجور وأورثهم الذل‌؟ قال: فقال له جابر: لا بقيت إلى ذلك الزمان. ومتى يكون ذلك بأبي أنت وأمي‌؟ قال: إذا ظهر الربا.

يا يونس وهذا الربا.

فإن لم تشتره رده عليك‌؟.

قال: قلت: نعم. قال: فلا تقربنه، فلا تقربنه»(2).

وخبر الحسين بن المنذر: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يجيئني الرجل، فيطلب العينة، فأشتري له المتاع مرابحة، ثم أبيعه إياه، ثم أشتريه منه مكاني.

قال: إذا كان بالخيار إن شاء باع وإن شاء لم يبع وكنت

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب العقود حديث: 6، 5.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب العقود حديث: 6، 5.

أنت بالخيار إن شئت اشتريت وإن شئت لم تشتر فلا بأس، قلت: إن أهل المسجد يزعمون أن هذا فاسد...»(1).

فإن مقتضى مفهوم صحيح علي بن جعفر كون اشتراط البيع الثاني مانعاً من صحة البيع الأول.

وهو ظاهر خبر يونس الشيباني، لأن ردّ البيع الأول على تقدير عدم تحقق البيع الثاني يبتني على كون البيع الثاني شرطاً في البيع الأول ولو ضمناً.

ومثله خبر الحسين بن المنذر، لأن فرض كونهما بالخيار في البيع الثاني ظاهر في عدم اشتراطه في البيع الأول.

وأما ما في الجواهر من أن مقتضى المفهوم في الأول والثالث حصول البأس مع الشرط المذكور، وهو لا يستلزم الحرمة التكليفية، فضلاً عن الوضعية الراجعة للفساد.

فهو في غاية المنع، فإن ظاهر نفي البأس في المعاملات هو الصحة، فيكون مقتضى المفهوم هو الفساد.

بل هو كالصريح من ذيل خبر الحسين، حيث تعرض فيه لحكم العامة بالفساد.

لكن صحيح علي بن جعفر وارد في فرض اختلاف الثمن في البيعين بنحو يؤدي إلى الزيادة بسبب الاختلاف في النقد والنسيئة بين البيعين بنحو يشبه الربا.

وعليه يحمل ما في قرب الإسناد، حيث يصلح الصحيح للقرينية على ذلك، وعلى أن الاختلاف بينهما حصل بسبب النقل بالمعنى.

ولاسيما مع غلبة كون ذلك هو المنشأ غالباً للاختلاف بين الثمنين.

كما أن ذلك هو الظاهر من خبر يونس، بقرينة تطبيق الربا عليه، حيث لا منشأ له إلا ذلك.

فلم يبق إلا إطلاق خبر الحسين بن المنذر.

وهو لا يخلو عن ضعف في السند، لعدم ثبوت وثاقة الحسين بن المنذر.

مع أن من القريب حمله على ما تضمنه الحديثان الأولان، لأن الداعي لمثل هذين البيعين نوعاً هو إعانة المشترى الأول في أخذ النقد المعجل، وكسب المشتري الثاني الزيادة المؤجلة بين الثمنين.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب العقود حديث: 4.

قيل: ومنها: أن لا يكون مجهولاً (1)،


بل قد يكون ذلك مقتضى الجمع بينه وبين خبر يونس الشيباني، لإشعار أو ظهور تطبيق الربا فيه، في أن المانع ليس مطلق اشتراط البيع في البيع، بل خصوص ما يؤدي منه إلى مشابهة الربا بسبب الفرق بين الثمنين.

ومن هنا لا مجال للبناء على عموم مانعية اشتراط البيع في البيع.

وتمام الكلام في ذلك في فصل النقد والنسيئة، حيث يأتي من سيدنا المصنف (قده) التعرض لحكم الشرط المذكور في المسألة الرابعة من الفصل المذكور.

(1) فقد صرح المحقق والعلامة وجماعة بمانعية الجهالة المؤدية إلى جهالة أحد العوضين، وعن أبي العباس نسبته إلى علمائنا.

ونفى في الجواهر الإشكال فيه.

لما ورد من النهي عن بيع الغرر(1) ، قال: «الشامل لمحل الفرض قطعاً».

وقد مثل (قده) له باشتراط تأجيل أحدهما مدة مجهولة.

لكن سبق منّا عند الكلام في اعتبار العلم بالعوضين، واعتبار القدرة على تسليمهما الإشكال في عموم النهي عن بيع الغرر، بل المنع منه، وأن المتيقن منه غير ذلك.

نعم ذكروا في بيع النسيئة وبيع السلف لزوم تعيين الأجل.

والكلام فيه موكول إلى محله.

وأما الجهالة التي لا تؤدي إلى جهالة أحد العوضين كما لو باعه داره واشترط عليه أن ينزل فيها إذا ورد البلد فقد يدعى مانعيتها أيضاً، للنهي عن بيع الغرر.

ودعوى: اختصاص الغرر المنهي عنه بالعوضين، دون الشرط وإن كان له دخل في زيادتهما ونقصهما، لأنه من سنخ الداعي، من دون أن يكون جزءاً منهما.

ممنوعة، لعدم الوجه في التخصيص بالعوضين بعد نسبة الغرر للبيع نفسه، ولا

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 40 من أبواب آداب التجارة حديث: 3، مستدرك الوسائل ج: 3 باب: 33 من أبواب التجارة حديث: 1.

(25)

إشكال في دخل الشرط في البيع وإن لم يكن دخيلاً في العوضين.

ومثله ما ذكره سيدنا المصنف (قده) من انصراف النهي تبعاً للارتكاز العرفي لخصوص العوضين، لأنهما المقصودان بالأصل في المعاملة.

إذ لا منشأ ظاهر للانصراف المذكور بعد كون الشرط من شؤون البيع.

بل قد يكون أهم من العوضين.

فالعمدة في الإشكال في الاستدلال المذكور ما سبق من منع عموم النهي المزبور.

وأشكل منه ما قد يظهر منهم من مانعية الجهالة من صحة الشرط في جميع العقود، وعدم اختصاصها بالشرط في البيع.

إذ لا وجه له إلا دعوى عموم النهي عن الغرر، وعدم اختصاصه ببيع الغرر.

وقد عرفت المنع من عموم النهي عن بيع الغرر، فضلاً عن النهي مطلق الغرر، وإن ورد مرسلاً في كتاب الضمان من الخلاف وبعض كتب الفقه المتأخرة.

ولاسيما مع ما ذكره بعضهم من عدم العثور عليه في مصادر الحديث، وأن الموجود فيها هو النهي عن بيع الغرر.

وأما نسبة روايته للصدوق فكأن المراد به ما رواه في كتاب معاني الأخبار مسنداً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنه نهى عن المنابذة والملامسة وبيع الحصاة.

المنابذة يقال: إنها.

.

.

وهذه بيوع كان أهل الجاهلية يتبايعونها، فنهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها، لأنها غرر كلها»(1).

لكن من الظاهر أن ذيل الكلام المتقدم تعليل من الصدوق (قده) لنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن البيوع المذكورة لا من تتمة حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

نعم قد يستفاد العموم المذكور من التعليل في مثل حديث ابن مسعود: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشتروا السمك في الماء، فإنه غرر»(2).

لكنه مع ضعفه، كرواية الصدوق المتقدمة لا مجال للبناء على عمومه، كما يظهر مما تقدم في

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب عقد البيع وشروطه حديث: 13.

(2) مسند أحمد ج: 1 ص: 388. سنن البيهقي ج: 5 ص: 340. المعجم الكبير للطبراني ج: 10 ص: 209.

وأن لا يكون معلقاً (1) وفيه نظر لعدم دليل ظاهر عليه وأن كان أحوط.

النهي عن بيع الغرر.

بل يظهر منه أنه أولى بالمنع، لأنه أعم منه وأوسع.

هذا وقد منع في الجواهر من صحة الشرط المجهول إذا كان لا يؤول للعلم.

قال (قده): «لأنه مثار النزاع، ولم يعهد نظيره في الشرع.

بل المعلوم خلافه».

لكن لا مجال للبناء على عموم مانعية الأول.

والثاني لا ينهض بالاستدلال.

على أنه لا يناسب ما ذكره هو تبعاً للأصحاب من جواز اشتراط الإمام على أهل الذمة ضيافة من يمرّ بهم من المسلمين.

قال في الجواهر: «كما صرح به غير واحد.

بل في المسالك: هذا هو المشهور في الأخبار والفتاوى.

وهو الذي شرطه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

بل لا أجد فيه خلافاً، كما اعترف به في المنتهى، بل عن التذكرة الإجماع عليه.

وهو الحجة بعد الأصل...».

ومع ذلك كيف يدعى العلم بعدم صحة الشرط في المقام‌؟! ولاسيما مع يأتي من دلالة النصوص عدم مانعية التعليق من صحة الشرط، مع ظهور أن التعليق على غير معلوم الحصول الذي هو مورد النصوص مستلزم للجهالة.

نعم لا مجال للبناء على صحة الشرط المبهم المردد الذي لا يتعين مفهوماً ولا مصداقاً، كاشتراط ملكية منفعة إحدى العينين، حيث لا تقرر ولا وجود للمبهم واقعاً، ليكون موضوعاً للإلزام والالتزام والملكية، كما تكرر منا في نظائر المقام.

(1) كما يظهر مما تقدم في مبحث بيع الخيار من الجواهر من منع الاستدلال بعموم نفوذ الشرط على صحة البيع بشرط الخيار برد الثمن، ونسب أيضاً للمحقق الثاني.

وكأنه للإجماع على مبطلية التعليق في العقود والإيقاعات عدا الوصية والتدبير.

بل بناء على أن للشرط قسطاً من الثمن يرجع التعليق إلى أصل البيع، لأن الثمن ركن فيه.

لكن تكرر منا ضعف المبنى المذكور، وخروج الشرط عن العوضين.

مع أن

(27)

الدليل على مبطلية التعليق لما كان منحصراً بالإجماع فاللازم الاقتصار فيه على المتيقن، وليس منه الشرط التابع لما يقع فيه من عقد أو إيقاع وإن كان له قسط من الثمن، فضلاً عما إذا لم يكن.

هذا مضافاً إلى ظهور بعض النصوص في جواز ذلك، كصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام): «في الرجل يقول لعبده: أعتقك على أن أزوجك ابنتي.

فإن تزوجت عليها أو تسريت فعليك مائة دينار.

فأعتقه على ذلك، وتسرى أو تزوج.

قال: عليه شرطه»(1).

وصحيح علي بن رئاب عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: «سئل وأنا حاضر عن رجل تزوج امرأة على مائة دينار على أن تخرج معه إلى بلاده.

فإن لم تخرج معه فإن مهرها خمسون ديناراً إن أبت أن تخرج معه إلى بلاده.

قال: إن أراد أن يخرج بها إلى بلاده الشرك فلا شرط له عليها في ذلك، ولها مائة دينار التي أصدقها إياها.

وإن أراد أن يخرج بها إلى بلاد المسملين ودار الإسلام فله ما اشترط عليها...»(2) ، وصحيح سليمان بن خالد المتقدم في المسألة الثالثة الوارد في مكاتبة أعانها ابن زوجها في مكاتبتها على أن ليس لها الخيار على أبيه إذا ملكت نفسها(3) وغيرها(4).

هذا كله إذا كان المعلق هو أصل الاشتراط المتضمن لاستحقاق الأمر المشروط.

أما إذا كان الاشتراط فعلياً والتعليق في الأمر المشروط، كاستقبال زيد على تقدير مجيئه من السفر كما لعله الظاهر من أمثلتهم فلا منشأ للإشكال فيه، بل هو نظير تعليق الأمر الموكل فيه، الذي لا إشكال فيه عندهم.

وقد تقدم في مبحث بيع الخيار ما ينفع المقام.

بقي شيء.

وهو أنه صرح غير واحد بأن من شروط صحة الشرط أن يكون مما فيه غرض للعقلاء.

فعن التذكرة: «لو شرط ما لا غرض للعقلاء فيه، ولا يزيد به

(1) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 37 من أبواب المهور حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 40 من أبواب المهور حديث: 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 11 من أبواب كتاب المكاتبة حديث: 1.

(4) راجع وسائل الشيعة ج: 16 باب: 12 من أبواب المهور.

امتناع المشروط عليه من فعل الشرط

(مسألة 64): إذا امتنع المشروط عليه من فعل الشرط كان للمشروط له إجباره عليه (1).


المالية، فإنه لغو لا يوجب الخيار».

وقال شيخنا الأعظم (قده): «والوجه في ذلك أن مثل ذلك لا يعد حقاً للمشروط له حتى يتضرر بتعذره، فيثبت له الخيار، أو يعتني به الشارع، فيوجب الوفاء به، ويكون تركه ظلماً».

وقد يرجع إليه ما ذكره بعض المحققين وسيدنا المصنف (قدس سرهما) في حاشيته القديمة على المكاسب من انصراف عموم الوفاء بالعقود والشروط عن مثل ذلك.

لكنه غير ظاهر، بل هو في غاية المنع.

وأما ما ذكره بعض المحققين من أن اعتبار العقلاء بما هم عقلاء للعقد والحق لا يتحقق مع عدم الغرض العقلائي، وإلا كان خلفاً.

ومع عدم تحقق الاعتبار العقلائي للعقد والحق لا يكون في البين حق بنظر العقلاء، ليكون موضوعاً للإمضاء الشرعي المستفاد من دليل إمضاء الشرط.

ففيه: أن عدم تعلق غرض للعقلاء بالأمر المشروط، لا ينافي اعتبارهم للعقد، كما لا ينافي صيرورته حقاً عندهم بسبب العقد والشرط النافذ بمقتضى سلطنة المتعاقدين من ذلك، ولا يلزم الخلف، وإنما يلزم الخلف من فرض تعلق غرضهم به بدون الشروط.

فالمقام نظير التصرف غير المعتد به بنظر العقلاء بمال الغير الذي يكون بنظرهم تعدياً عليه بسبب سلطنته على ماله.

ومن هنا لا مجال للبناء على لغوية الشرط المذكور، كما صرح بذلك بعض مشايخنا (قده).

وهو المناسب لإهمال سيدنا المصنف (قده) الإشارة لذلك فضلاً عن الفتوى به هنا، حيث يقرب جداً عدوله عما تقدم منه.

(1) كما صرح به غير واحد.

وهو ظاهر بناءً على ما سبق منا من أن مقتضى الاشتراط استحقاق المشروط له الأمر المشروط على المشروط عليه، لوضوح أن

(29)

لصاحب الحق المطالبة بحقه، والإجبار عليه، لقصور سلطنة من عليه الحق عن الامتناع عن أداء الحق، لمنافاته لثبوت الحق عليه، وثبوت سلطنة من له الحق على استيفاء حقه، فله استيفاؤه ولو بالإجبار بعد سقوط سلطنة من عليه الحق عن الامتناع عن أدائه.

وبذلك يظهر ضعف ما في التذكرة، حيث قال فيما لو اشترط بائع العبد عتقه: «إذا أعتقه المشتري فقد وفى... وإن امتنع أجبر عليه إن قلنا: إنه حق لله تعالى.

وإن قلنا: إنه حق للبائع لم يجبر...».

وأشكل منه ما عن غاية المرام للصيمري، حيث قال: «وعلى القول بأنه حق لله يكون المطالبة للحاكم.

ويجبره مع الامتناع.

ولا يسقط بإسقاط البائع.

وعلى القول بكونه للبائع يكون المطالبة له.

ويسقط بإسقاطه، ولا يجبر المشتري...».

إذ فيه: أن جواز المطالبة للبائع بالشرط فرع سلطنته عليه، ومع سلطنته عليه لا سلطنة للمشتري على الامتناع، فيتعين جواز إجباره عليه.

ولذا التزم فيما لو كان حقاً لله تعالى بأن للحاكم المطالبة والإجبار معاً.

ودعوى: أن المطالبة والإجبار مع كونه حقاً لله تعالى من باب الأمر بالمعروف، لرجوع كونه حقاً لله عز وجل إلى كونه واجباً شرعياً كسائر التكاليف الشرعية التي يجب الأمر بها مع مخالفة المكلف لها.

مدفوعة: أولاً: بأن الأمر بالمعروف لا يختص بالحاكم.

كما لا يختص بحقوق الله تعالى، بل يعمّ حقوق الناس، لوجوب أدائها شرعاً.

وثانياً: بأن الأمر بالمعروف له شروطه، ومنها تنجز التكليف في حق المأمور، وهو لم يشترط ذلك في المقام.

فإطلاقه الإجبار وتخصيصه بالحاكم لابد أن يبتني على كون استحقاق الله تعالى له ليس لمجرد تكليفه به، بل هو حكم وضعي، نظير استحقاق الناس، وعلى أن الحاكم يقوم مقام الله تعالى في استيفاء حقه.

وأشكل من ذلك ما ذكره من أن العتق المشروط إذا قلنا بأنه حق للعبد يكون

هو المطالب للمشتري به، ومع امتناعه يرافعه للحاكم، ليجبره عليه.

حيث لم يتضح الوجه في الفرق بين العبد والمشتري بعد فرض استحقاقهما للعتق في جواز المطالبة والإجبار من طريق الحاكم للعبد دون المشتري.

نعم استدل في جامع المقاصد للقول بعدم إجبار البائع للمشتري على الشرط بأن للبائع طريقاً آخر، وهو الفسخ.

وهو كما ترى، فإن الفسخ لا يكون استيفاء لحقه في الشرط، بل هو استيفاء لحق آخر مترتب على فوت الحق المذكور، وهو حق الخيار، فلا وجه لاقتصاره عليه، ومنعه من استيفاء حقه في الشرط.

ولعله لذا لم يعول في جامع المقاصد على الوجه المذكور، واستوجه أن للبائع الإجبار على الشرط، كما عرفت أنه المتعين بناءً على ما سبق من استحقاق الشارط للشرط.

أما بناءً على عدم استحقاقه له وأن وجوب قيام المشروط عليه بالشرط تكليف ابتدائي لا يترتب على استحقاق أحد له عليه، كوجوب وفائه بيمينه فقد أشرنا إلى وجوب المطالبة به بملاك الأمر بالمعروف على كل أحد بشروطه من دون خصوصية للمشترط.

وأما خصوصية المشترط في المطالبة والإجبار فلا يتضح الوجه فيها بعد عدم استحقاقه للشرط، ومجرد تعلق غرضه به أو انتفاعه به لا يصحح له المطالبة به، فضلاً عن الإجبار عليه، بل هو كمن يُنذر أو يُحلف على دفع المال له، حيث ليس له المطالبة، فضلاً عن الإجبار للناذر والحالف على دفع المال له إلا من باب الأمر بالمعروف.

ودعوى: أن لمن له الحكم في الأحكام الخاصة نحو من الامتياز يقتضي جواز مطالبته بتطبيقه والجري عليه والإجبار على ذلك، كما فيمن تجنب نفقته من الأقارب.

وأظهر من ذلك الزوج بالإضافة إلى جهات الاستمتاع بالزوجة، مع عدم كون ذلك من الحقوق، لعدم قابليته للإسقاط.

مدفوعة: بأنه لا منشأ للامتياز المذكور بعد عدم تميزه عن غيره بالاستحقاق.

ومجرد عود نفعه إليه لا يقتضي ذلك، كما تقدم في النذر والحلف بل حتى اشتراط عتق

العبد المبيع والصدقة على فقير خاص لا يقتضي ثبوت الحق لنفس العبد وذلك الفقير، بحيث يكون لهما المطالبة به والإجبار وإن كانا ينتفعان به.

بل هما حق للمشترط لا غير، وهو الذي يختص بالمطالبة والإجبار.

وأما الإنفاق والاستمتاع فهما من الحقوق ارتكازاً.

ومجرد عدم قابليتهما للإسقاط لو تم قد يبتني على كون الحق فيهما انحلالياً، بحيث يكون لكل آن حقه، فلا مجال لإسقاط الحق رأساً، لأنه إسقاط لما لم يجب، وإسقاطه في كل آن مساوق لعدم المطالبة به فيه، الذي يجوز قطعاً، وإن كان الحق يتجدد في الآن اللاحق.

على أن البناء على خصوصية هذين الحقين ونحوهما في عدم قابليتهما للإسقاط، للدليل الخاص، أهون من البناء على عدم كونها من الحقوق.

حيث لا إشكال بنظر العقلاء والمتشرعة في كون التخلف عنهما عدوان في حق الطرف الآخر، ولا يتمحض في كونه معصية للشارع الأقدس، كشرب الخمر وترك الصلاة.

ومثلها دعوى: أن الإجبار مأخوذ في نفس الأمر المشترط، وأن مفاد الشرط عرفاً هو الفرض والتحتم والإرغام والإجبار.

وحينئذ فدليل الإمضاء كما يقتضي نفوذ الشرط من حيثية لزوم الفعل على المشروط عليه يقتضي نفوذه من حيثية إرغام الشارط له عليه.

إذ فيها أن المراد بالإرغام والإجبار إن كان مجرد كونه مفروضاً على المشروط عليه، بحث ليس له التخلف عنه فهو عين الإلزام التكليفي.

وإن كان هو أمراً زائداً على ذلك يرجع إلى أن من حق الشارط إلزامه وإجباره فهو اعتراف بأن الشرط يتضمن جعل شيء زائد على التكليف.

مع أن ذلك تحكم في مفاد الاشتراط.

كيف والشارط قد يغفل عن فرض تخلف المشروط عليه عن القيام بالشرط، ليحتاج إلى الإرغام والإجبار، أو يحتمله ويعلم من نفسه العجز عن إرغامه وإجباره، فكيف يشترطهما مع ذلك‌؟!.

والالتزام باختلاف مفاد الشرط باختلاف أفراد الشرط، من حيثية الالتفات

فإذا تعذر إجباره كان للمشروط له الخيار في الفسخ (1) وليس له الخيار مع


لفرض التخلف والقدرة على الإجبار، مما لا يظن بأحد الالتزام به.

ولاسيما أن لازمه عدم جواز الإجبار في حق الغافل عن فرض التخلف، وفي حق من كان يعتقد حين الاشتراط تعذر الإجبار عليه، ويختص جواز الإجبار بالملتفت لفرض التخلف المحتمل للقدرة على الإجبار.

وهو أبعد.

ومن هنا لا يتضح وجه جواز الإجبار بناءً على تمحض الشرط في الإلزام بالفعل، نظير اليمين المستلزم لتمحض دليل النفوذ في الحكم التكليفي لا غير.

(1) الذي يبدو بأدنى ملاحظة لكلمات الأصحاب المفروغية عن ثبوت الخيار بتخلف الشرط في الجملة، من دون أن يظهر منهم التصدي لوجهه إلا تبعاً للكلام في فروعه، كعمومه لصورة القدرة على الإجبار وعدمه.

وكيف كان فقد يستدل عليه بوجوه: الأول: ظهور الإجماع عليه.

لكن لا مجال لإحراز كونه إجماعاً تعبدياً في المقام، بحيث يرجع إلى الإطلاع على دليل شرعي تعبدي خفي علينا.

وغاية ما يمكن دعواه في المقام أن تسالمهم عليه من دون أن يشيروا لدليل ذلك يكشف عن وضوح المرتكزات العقلائية القاضية به لهم، فالمعيار على المرتكزات المذكورة.

الثاني: قاعدة نفي الضرر، بلحاظ أن في لزوم البيع مع تخلف الشرط ضرراً على الشارط.

وربما ينسب لشيخنا الأعظم (قده).

لكنه غير ظاهر مما اطلعت عليه من كلامه، حيث قال: «فإن الخيار إنما شرع بعد تعذر الإجبار دفعاً للضرر».

ولا يبعد كون المراد بالضرر فيه هو ضرر تخلف الشرط، ويكن مراده بذلك بيان سبب تشريع الخيار بعد المفروغية عن تشريعه، لا الاستدلال عليه.

وكيف كان فلا مجال للوجه المذكور، لعدم اطراد كون تخلف الشرط مستلزماً لكون البيع ضررياً.

ومجرد كونه تخلفاً لما أقدم عليه البائع لا يستلزم الضرر.

امتناع المشروط عليه من فعل الشرط

مضافاً إلى ما قد يقال من أن الرافع للزوم البيع هو الضرر الحاصل منه، كما في الغبن، على كلام سبق، والضرر في المقام ليس حاصلاً من نفس البيع، بل من تخلف الشرط بعده، فهو نظير الضرر الحاصل من تصرف البائع في المبيع بعد قبض المشتري له.

اللهم إلا أن يقال: الضرر في المقام لو حصل يستند للزوم العقد بمجموعه في حق الشارط، فيتعين ارتفاعه، وليس هو كالضرر الحاصل من أمر أجنبي عن العقد.

فلاحظ.

الثالث: ما يظهر من السيد الطباطبائي (قده) في حاشيته من رجوع الاشتراط في العقد إلى تعليق لزوم البيع في حق المشترط بتحقق الشرط، وأنه لو لم يتحقق لم يلزم البيع عليه.

وهو راجع إلى اشتراط الخيار بتخلف الشرط، فيكون الدليل على ثبوته أدلة الخيار المذكور، ومنها عمومات نفوذ الشرط.

وعلى ذلك جرى بعض مشايخنا (قده) فيما يظهر من تقرير درسه.

لكن سبق منا عند الكلام في اشتراط عدم فسخ العقد في تتمة الكلام في اشتراط سقوط خيار المجلس أن مفاد الاشتراط يتمحض في جعل الشرط حقاً للشارط على المشروط عليه بنحو يلزم به من دون نظر لحكم تخلفه.

ولذا سبق أنه لا يلزم التهافت ارتكازاً من اشتراط عدم فسخ العقد، مع أنه لا موضوع معه للخيار عند التخلف.

كما يقع الشرط في العقود التي يعلم المتعاقدان بعدم ثبوت الخيار فيها كالنكاح، مع ظهور أن مفاد الاشتراط فيها لا يختلف عنه في غيرها.

ومن هنا لا يكون ارتباط الشرط بالعقد إلا بلحاظ الارتباطية بينهما في مقام الجعل والإنشاء والإلزام والالتزام، من دون أن يناط العقد بالشرط، لا بلحاظ أصل مضمونه، ولا بلحاظ لزومه.

نعم قد يتوجه المتعاقدان حين الاشتراط إلى إرادة شرط الخيار بتخلف الشرط فقط من دون إلزام بالشرط وجعل على المشروط عليه، نظير ما تقدم في اشتراط غير

التمكن من الإجبار (1).

المقدور، أو مع إلزامه به وجعله عليه.

لكن ذلك خارج عن مقتضى الاشتراط بطبعه، ويحتاج إلى مؤنة خاصة.

ومن هنا كان الظاهر انحصار الوجه في اطراد ثبوت الخيار بتخلف الشرط ببناء العقلاء.

لابتناء لزوم العقود عندهم على قيام جميع الأطراف بمقتضاها، ومع تخلف أحد الأطراف عن ذلك لا يكون العقد ملزماً للآخرين، بل لهم رفع اليد عنه الراجع لفسخه، وحيث كان الشرط جزءاً من مضمون العقد، ولذا سبق الاستدلال على نفوذه بعموم نفوذ العقود، تعين بنظرهم جواز الفسخ بتخلفه.

كما أن دليل نفوذ العقد شرعاً وإن كان مطلقاً، إلا أن مفاده لما كان ارتكازياً فهو ينصرف إلى خصوص موارد نفوذه ارتكازاً.

والظاهر أن ما ذكرناه هنا يجري في تخلف الوصف، حيث يظهر منهم المفروغية عنه من دون أن يتعرض المشهور لدليله.

وحينئذ يمكن الاستدلال عليه بالوجوه المتقدمة، ومنها ما ذكرناه، وهو الأظهر، لأن الوصف وإن لم يكن جزءاً من العقد، بل هو كالداعي المقارن، إلا أن ابتناء العقد عليه يقتضي ثبوت الخيار بتخلفه تبعاً للمرتكزات العقلائية، فيجري فيه ما سبق.

نعم قد تقوم القرينة فيه على ابتناء ذكره على اشتراط الخيار بتخلفه زائداً على مفاد التوصيف، ولا إشكال حينئذ في كون خيار تخلفه من صغريات شرط الخيار، نظير ما سبق في الشرط.

(1) كما يظهر من الروضة وعن كفاية السبزواري وعوائد النراقي، ومال إليه في الجواهر، وجزم به شيخنا الأعظم (قده).

وكأنه للاقتصار على المتيقن في الخروج عن عموم لزوم العقد، كما ذكر ذلك سيدنا المصنف (قده) في حاشيته القديمة.

وفي التذكرة: «لو باعه شيئاً بشرط أن يبيعه آخر، أو يقرضه بعد شهر أو في

الحال، لزمه الوفاء بالشرط.

فإن أخل به لم يبطل البيع.

لكن يتخير المشتري بين فسخه للبيع وبين إلزامه بما شرط».

وقد حاول شيخنا الأعظم (قده) توجيهه بأن فسخ المشروط له مع امتناع المشروط عليه من إنفاذ العقد على وجهه الذي وقع عليه بفعل الشرط بمنزلة التقايل.

لكن لا وجه للتنزيل المذكور بعد ابتناء التقايل على اتفاق الطرفين على الفسخ غير الحاصل في المقام، لعدم استلزام امتناع المشروط عليه من تنفيذ الشرط الرضا بفسخ العقد من أصله.

ولعله لذا لم يعرج (قده) على ذلك، وذهب إلى توقف الخيار على تعذر الإجبار.

هذا وقد بنى السيد الطباطبائي وبعض مشايخنا (قدس سرهما) جواز الفسخ مع القدرة على الإجبار على ما سبق منهما في وجه الخيار من أن لزوم العقد معلق على تحقيق المشروط عليه للشرط.

لكن إن كان المدعى أن المعلق عليه هو عدم تحقيقه للشرط باختياره لزم ثبوت الخيار مع تحقيقه له عن إكراه وإجبار، ولا يظهر منهم البناء عليه.

وإن كان تحقيقه له في أول أزمنة استحقاقه لزم ثبوت الخيار لو تأخر وإن حققه بعد ذلك.

والذي ينبغي أن يقال: الشرط إن لم يكن موقتاً أصلاً، فإن قلنا بعدم صحته خرج عن محل الكلام، وإن قلنا بصحته فلا ينبغي الإشكال في عدم ثبوت الخيار، وعدم جواز الإجبار عليه، لعدم تعدي المشروط عليه في عدم فعله مهما طال الزمان.

ولعله خارج عن محل كلامهم.

وإن كان موقتاً فلا مجال للإجبار عليه قبل الوقت من أجل تحقيقه أول الوقت، لعدم مخالفته المشروط عليه بعد، وعدم تعديه على الشارط، ليسوغ له الإجبار عليه.

غاية الأمر أنه قد يجوز إجباره من باب الأمر بالمعروف بشروطه، وهو خارج عن محل الكلام.

أما بعد حلول وقته فإن حققه في أول الوقت اختياراً أو عن إكراه فلا إشكال ظاهراً في عدم الخيار فيما هو الغالب ولعله محل الكلام من كون المشروط هو مطلق الفعل، لا المقيد بالاختيار.

أما لو لم يحققه في أول الوقت فقد تحقق موضوع الخيار، وهو مخالفة الشرط بالإضافة إلى الوقت، فيتعين ثبوت الخيار.

والقدرة على الإجبار إنما تقتضي إمكان تحقق ذات الشرط، دون خصوصية الوقت المشروط، فلا وجه لمنعها من ثبوت الخيار.

نعم لو كان الوقت مأخوذاً بنحو تعدد المطلوب كما هو الغالب فللشارط غض النظر عن التأخير الذي حصل والمطالبة بتحقيق الشرط، بل الإجبار عليه، لأنه بعض حقه، وله إعمال الخيار الثابت له بسبب فوت الوقت.

هذا مضافاً إلى أن ذلك مقتضى سيرة المتشرعة، بل مطلق العقلاء، تبعاً لمرتكزاتهم التي عليها المعول في ثبوت الخيار.

لما هو الظاهر من توقف الإجبار غالباً على مؤنة ليس بناؤهم على تحملها إلا مع اهتمامهم بالحفاظ على العقد وتحصيل الشرط ولو بعد الوقت.

ومن ذلك يظهر عدم الفرق بين كون الشرط أجنبياً عن العوضين، وكونه من شؤونهما، كالمبادرة بالتسليم والتسلم.

وأما ما يظهر من شيخنا الأعظم (قده) من خصوصية الثاني في تعين الإجبار.

قال (قده): «لأن كلاً منهما قد ملك ما في يد الآخر، ولا يخرج عن ملكه بعدم تسليم صاحبه، فيجبران على ذلك».

ففيه: أن عدم خروج كل منهما عن ملك من دخل في ملكه بالمعاملة بامتناع الآخر عن تسليم ما عنده لا ينافي ثبوت الخيار لفوت المبادرة بالتسليم المشروطة ضمناً أو صريحاً، وبعد الفسخ يرجع كل منهما لمن كان له قبل المعاملة.

إلا أن يبتني كلامه (قده) على فرض عدم اشتراط المبادرة بالتسليم صريحاً،

(37)

اذا لم يتمكن المشروط عليه من فعل الشرط

(مسألة 65): إذا لم يتمكن المشروط عليه من فعل الشرط كان للمشروط له الخيار في الفسخ (1).

وليس له المطالبة بقيمة الشرط (2)، سواء كان عدم التمكن لقصور فيه.

كما لو اشترط عليه صوم يوم فمرض فيه، أو كان لقصور في موضوع الشرط، كما لو اشترط عليه خياطة ثوب


وإنكار اشتراطه ضمناً.

فيخرج عن محل الكلام.

ويأتي الكلام فيه في الفصل السابع إن شاء الله تعالى.

(1) لما سبق.

لكن سبب الخيار عدم تحقق الشرط، سواءً تعذر أم أمكن ولم يحققه المشروط عليه حتى خرج وقته.

بل سبق الاكتفاء في الخيار بعدم المبادرة لتحقيق الشرط بحلول وقته.

(2) تعرض شيخنا الأعظم (قده) لاحتمالين في المقام: الأول: ثبوت الأرش بتخلف الشرط.

وهو فرق ما بين الثمن مع الشرط والثمن بدونه، لكن بنسبته إلى الثمن الذي تضمنه البيع.

قال في التذكرة فيما لو بيع العبد بشرط العتق: «لو قتله المشتري أو مات أو تلف سواءً كان بتفريطه أو لا لم يجب شراء غيره.

لكن يرجع البائع بما يقتضيه شرط العتق، فيقال: كم قيمته لو بيع مطلقاً، وبشرط العتق‌؟ فيرجع البائع بالنسبة من الثمن فإذا قيل: إنه يساوي مائة بغير شرط وتسعين بشرط العتق.

زيد على الثمن تسعة».

ونحوه ما عن الصيمري في شرط التدبير لو امتنع المشتري عن تنفيذ الشرط.

وعليه في الجملة جرى السيد الطباطبائي (قده) في حاشيته.

بدعوى: أن للشرط قسطاً من الثمن لباً، فعدم سلامته يوجب الأرش لتبعض الصفقة.

نعم خصه بما إذا انكشف تعذر الشرط من أول الأمر، حيث ينكشف عدم ملكية الشارط له بالعقد، فيبقى له ما يقابله من الثمن، كما في سائر موارد تبعض الصفقة.

أما إذا كان مقدوراً ثم طرأ التعذر بعد البيع فقد ملك الشارط الشرط، ولم

تتبعض الصفقة له، فتعذره بعد ذلك يقتضي ضمان المشروط عليه للشرط بقيمته مهما بلغت، إلا بناءً على أن التعذر بمنزلة تلف المبيع قبل قبضه يوجب انفساخ البيع فيه، فتتبعض الصفقة ويثبت للشارط الأرش.

وفيه: أن المعاملة متقومة بالمضمون المنشأ، وحيث كان الشرط خارجاً عن طرفي المعاوضة المنشأة فلا وجه لتقسيط الثمن عليه.

ومجرد كونه موجباً لزيادة الثمن لا يوجب تقسيط الثمن عليه بعد عدم مقابلته به.

ولاسيما أن الشرط قد يوجب نقص الثمن، كما هو مورد كلام العلامة والصيمري (قدس سرهما)، وضمانه بالأرش يرجع إلى فرض زيادة الثمن، مع أنها غير مقصودة قطعاً.

غاية الأمر أن المبيع لو بيع بلا شرط لزاد ثمنه.

لكنه لم يبع كذلك ولم يزد ثمنه.

نعم لو رجع الشرط إلى اشتراط الإجارة، كما لو كان ثمن الثوب عشرة، وأجرة الخياطة خمسة، ورجع بيع الثوب على أن يخيطه بخمسة عشر إلى بيع الثوب بعشرة والاستئجار على الخياطة بخمسة وإيقاعهما صفقة واحدة اتجه ذلك.

لكنه خروج عن محل الكلام من فرض اشتراط العمل إلى فرض الإجارة عليه.

مع أن اللازم ضمان الأجرة التي وقع الاتفاق عليها، لا الأرش بالمعنى المتقدم الذي قد يزيد أو ينقص.

وبالجملة: لا مجال للبناء في محل الكلام على ضمان الأرش بعد فرض خروج الشرط عن موضوع المعاوضة.

وثبوته في العيب مع خروج وصف السلامة عن موضوع المعاوضة للدليل الخاص لا يقتضي ثبوته في المقام.

ولاسيما أن الشرط قد يوجب نقص الثمن، فضمانه بالأرش يستلزم كونه أمراً زائداً على الثمن يجب على المشتري دفعه للبائع، وليس هو نظيراً للأرش في العيب، بل نظير ما لو باعه السالم بثمن المعيب بتخيل كونه معيباً، فإن ضمان وصف السلامة بالأرش يرجع إلى لزوم دفع المشتري للبائع فرق ما بين السالم والمعيب بنسبته من الثمن زيادة عليه، ولا يظن بأحد البناء على ذلك.

وبذلك يظهر الإشكال فيما تقدم

من العلامة وعن الصيمري.

وأشكل منه ما تقدم عن الصيمري من ثبوت الأرش المذكور بامتناع المشروط عليه من فعل الشرط، لا بتعذر الشرط.

إذ لا وجه لضمان الشرط بالبدل مع إمكانه، بل يتعين استحقاقه لا غير، وعدم الانتقال للبدل إلا باتفاق جديد.

الثاني: ضمان الشرط بقيمته الواقعية.

قال في التذكرة: «لو شرط على البائع عملاً سائغاً تخير المشتري بين الفسخ والمطالبة به أو بعوضه إن فات وقته وكان مما يتقوم... ولو لم يكن مما يتقوم تخير بين الفسخ والإمضاء مجاناً».

وقال أيضاً: «لو كان الشرط على المشتري... تخير البائع بين الفسخ والإمضاء بقيمة الفائت إن كان مما له قيمة، وإلا مجاناً».

لكن ذلك منه (قده) لا يناسب ما سبق في شرط العتق من ثبوت الأرش.

لظهور أن العتق إن كان له قيمة فما ذكره هنا يقتضي ضمانه بقيمته لا بالأرش.

وإن لم يكن له قيمة كما هو الظاهر فما سبق منه من ضمان العتق بالأرش لا يناسب ما ذكره هنا من الإمضاء فيما لا قيمة له مجاناً.

وكيف كان فقد يوجه أصل الضمان بأنه مقتضى ملكية العمل على المشروط عليه بمقتضى الشرط، بناء على ما سبق من عدم تمحض الشرط في التكليف، والرجوع للقيمة بأنها الأصل في الضمان بعد تعذر تسليم المملوك القيمي.

وفيه: أولاً: أنه لا يتم فيما لو تعذر الشرط رأساً، كما لو شرط عليه أن يعلّم عبده الكتابة في شهر رمضان فمات العبد في شعبان، أو شرط عليه أن يصوم يوماً معيناً فمرض فيه.

لظهور انكشاف عدم ملكية الشرط في ذمة المشروط عليه.

وثانياً: أن المتيقن من بناء العقلاء على الضمان للأعمال والمنافع هو مورد الاستيفاء.

ولم يتضح بناؤهم عليه في غير ذلك، وبمجرد التعذر.

ولعله لذا كان بناؤهم على أنه إذا تعذر العمل المستأجر عليه بعد القدرة عليه تنفسخ الإجارة، ويرجع الثمن، من دون أن يضمن العمل بقيمته.

فتلف (1).

وفي الجميع له الخيار لا غير.

وذلك وإن أمكن أن يكون نظير تلف المبيع قبل قبضه الموجب لانفساخ البيع يبتني على عدم استقرار المعاوضة إلا بالتسليم، إلا أنه لا طريق معه لإحراز بناء العرف والعقلاء على ضمان الأعمال بالقيمة عند التعذر.

وثالثاً: أن الشرط وإن اقتضى استحقاق الأمر المشروط الذي هو نحو من الملكية، إلا أن الأمر المستحق هو الأمر المشروط بما هو بخصوصيته، لا بلحاظ ماليته، ليتعين حفظ ماليته عند تعذر خصوصيته.

وهذا بخلاف المعاوضات، حيث تبتني على ملكية العوض بما هو مال مقابل بالمال.

وقد يرجع إلى ذلك ما عن بعض الأعاظم (قده) في المقام.

وهو محتاج إلى مزيد من التأمل.

(1) وسواء كان تعذر الشرط قهراً أم بسبب الشارط أم بسبب المشروط عليه ولو تقصداً.

غايته أن المشروط عليه يكون معتدياً في الصورة الأخيرة.

ثم إن سيدنا المصنف (قده) لم يتعرض لكثير من الفروع المتعلقة بأحكام الشرط.

فيحسن بنا التعرض لما هو المهم منها في ضمن مسائل.

المسألة الأولى: بعد ما تقدم في المسألة الثالثة والستين من وجوب الوفاء بالشرط وتحقيقه من قبل المشروط عليه، فالمتعين عدم جواز تصرف المشروط عليه تصرفاً يمنع من تنفيذ الشرط، لما فيه من تعجيز نفسه عن امتثال التكليف بالوفاء بالشرط.

لكن التصرف إذا كان خارجياً فلابد من وقوعه تبعاً لسببه التكويني، كما إذا شرط عليه أن يلبس الثوب فأحرقه.

أما إذا كان اعتبارياً كما إذا باعه أرضاً واشترط عليه أن يوقفها مسجداً أو يبيعها لزيد أو نحو ذلك فهل يقع التصرف ويحرم كالتصرف الخارجي، أو لا يقع لمنافاته للشرط؟ الظاهر وقوعه بناء على تمحض وجوب الوفاء بالشرط في التكليف.

إذ غاية

(41)

عدم جواز تصرف المشروط عليه ما يمنع من فعل الشرط

الأمر حرمة التصرف المذكور.

وهي لا تقتضي الفساد في المعاملة على التحقيق.

أما بناءً على ما تقدم من رجوع وجوب الوفاء بالشرط إلى كونه حقاً للشارط، يجب إنفاذه وأداؤه، فالظاهر عدم صحة التصرف، كما ذهب إليه شيخنا الأعظم (قده).

لقصور سلطنة المشروط عليه عنه بعد منافاته للشرط الذي هو حق الشارط.

وعن بعض مشايخنا (قده) (قده) نفوذ التصرف الواقع على العين، لأن الحق متعلق بالعقد، وليس هو كحق الرهانة متعلقاً بالعين، ليكون التصرف فيها منافياً للحق الثابت فيها.

وفيه: أن الأمر المشروط الذي يستحقه الشارط وإن كان هو التصرف الخاص المتعلق بالعين من بيع أو وقف أو غيرها، لا نفس العين، إلا أن تعلق التصرف المستحق بالعين يجعلها موضوعاً للحق، بحيث لا يمكن إطلاق السلطنة عليها بنحو تشمل التصرف المانع من تحقق التصرف المستحق بالشرط، فإن المهم في المقام هو قصور السلطنة عليه.

وإلا فتعلق حق الرهانة بالعين ليس من جهة استحقاقه لها، بل من جهة استحقاقه استيفاء دينه منها بنحو يمنع من إطلاق السلطنة عليها، بحيث تشمل التصرف المانع من ذلك.

والحاصل: أنه يتعين البناء على عدم نفوذ التصرف المنافي لمقتضى الشرط بناءً على ما سبق منّا من كون الشرط موجباً لاستحقاق الشارط الأمر المشروط.

نعم حيث كان المانع من نفوذ الشرط منافاته لحق الشارط، ولسلطنته على حقه، تعين صحته إذا وقع بإذن الشارط، أو أجازه بعد وقوعه، لأنه من صغريات عقد الفضولي الذي ينفذ بالإجازة، لأن المعيار فيه منافاة التصرف لسلطنة الغير وإن لم يكن مالكاً، ويكفي فيه إجارته.

خلافاً للمحقق التستري (قده)، فخصه بما إذا كان التصرف منافياً لسلطة المالك، وأنه هو الذي ينفذ بالإجازة.

أما إذا كان منافياً لسلطنة غير المالك كالمرتهن والشارط في المقام فيقع التصرف باطلاً، ولا تصححه الإجازة.

وقد تقدم تفصيل

الكلام في ذلك في المسألة التاسعة من فصل شروط العوضين.

فراجع.

المسألة الثانية: إذا تخلف الشرط وقد تغيرت العين أو تلفت فهل يسقط الخيار، نظير ما تقدم في العيب، أو يثبت ويتعين مع الفسخ الانتقال للبدل من المثل أو القيمة مع تلف العين، ورجوع العين مع ضمان نقصها أو ثبوت حق الآخر فيها مع تغيرها بنقص أو زيادة، على نحو ما تقدم منهم في خيار الغبن.

وقد تقدم في خيار الغبن أن تلف العين لا يوجب ارتفاع موضوع الخيار، لأن موضوع الخيار هو العقد، لا العين.

غاية الأمر أن أدلة خيار الغبن تقصر عن صورة تلف العين أو تغييرها.

وقد يجري ذلك في المقام، لما سبق من أن دليل الخيار في المقام هو بناء العقلاء، والمتيقن منه صورة عدم تغير العين، فضلاً عن تلفها.

وكذا لو قيل بأن الخيار المذكور من صغريات شرط الخيار، لرجوع الاشتراط إلى اشتراط الخيار بتخلف الشرط، حيث يقرب فيه انصراف اشتراط الخيار إلى صورة عدم تغير العين.

لكن حيث لم يتضح لنا رجوع الشرط إلى اشتراط الخيار فلا يتيسر لنا تشخيص حدود الخيار المشترط.

نعم قد يتضح رجوع الاشتراط إلى ذلك بقرائن زائدة على مفاد الاشتراط، كما تقدم.

وكذا لو ابتنى الاشتراط على خروج الشرط عن القدرة.

حيث سبق لغوية الشرط بمعنى الإلزام والالتزام، وأنه قد يتمحض الاشتراط فيه في اشتراط الخيار بتخلف الشرط.

وحينئذ يكون الخيار المشترط تابعاً سعة وضيقاً للقرائن المحيطة بالمعاملة.

وأما حكم العرف بثبوت الخيار بتخلف الشرط فيصعب البناء على اختصاصه بصورة بقاء العين على حالها فيما لو كانت العين عند المشروط عليه، حيث يتيسر له منع الخيار بتغيير العين أو إتلافها ثم مخالفة الشرط.

وفي ذلك إضرار بالشارط.

لكن في كفاية ذلك في البناء على عموم الخيار إشكال.

(43)

لصاحب الشرط اسقاط شرطه

ثم إنه لو تعذر الشرط وقد خرجت العين عن ملك المشروط عليه بتصرف ناقل من بيع أو هبة أو نحوهما.

فإن قلنا بقصور خيار تخلف الشرط عن صورة تغير العين أو تلفها تعين سقوطه في المقام، لأنه بحكم التلف في تعذر رجوع العين بحالها للبائع.

أما إذا قلنا بعدم سقوطه بذلك فالمتعين الرجوع للبدل، وليس له إلزام المشتري بإرجاع العين لو أمكنه ذلك نظير ما تقدم منهم في خيار الغبن فضلاً عن أن يرجعها هو بفسخ العقد الثاني، لعدم كونه متعلقاً به.

نعم لو كان منشأ خيار تخلف الشرط هو اشتراط الخيار بتخلفه لقرائن خاصة محيطة بالكلام على ما سبق أمكن رجوع الاشتراط المذكور للمنع من التصرف الناقل في العين قبل تحقيق الشرط، أو على تقدير عدم تحقيقه، وحينئذ يكون التصرف المذكور منافياً للشرط، فيتوقف نفوذه على إذن صاحب الشرط أو إجازته، لما تقدم في المسألة السابقة.

المسألة الثالثة: لصاحب الشرط إسقاط شرطه بناءً على ما سبق من أنه لا يتمحض في التكليف، بل هو حق للشارط، إذ لصاحب الحق التنازل عن حقه ارتكازاً إلا أن يثبت بدليل خاص عدم سقوط الحق بالإسقاط، فيكون رادعاً عن مقتضى الارتكاز المذكور أما بناءً على تمحض الشرط في التكليف فسقوطه بالإسقاط مناف لإطلاق دليل الإمضاء.

ودعوى: أن موضوع التكليف المستفاد من الإمضاء لما كان هو الشرط فبقاؤه تابع لبقاء الشرط.

ومع فرض إسقاطه وارتفاعه فلا موضوع للتكليف بالشرط، ليكون ارتفاع التكليف منافياً لإطلاق دليله.

مدفوعة بأن موضوع الإمضاء هو الاشتراط بالمعنى المصدري، كما هو الحال في إمضاء العقد واليمين والنذر وغيرها، وإلا فالعناوين المذكورة لا بقاء لها، ليكون هو موضوع الإمضاء والأحكام.

وليست هي كالطهارة والنجاسة والملكية والرقية والحرية ونحوها مما يكون له بقاء بالمعنى الاسم المصدري، ويكون هو موضوع

الأحكام.

ومن الظاهر أن إسقاط الشرط لا يقتضي ارتفاع الاشتراط بالمعنى المصدري، ليرتفع به موضوع الإمضاء، ومع بقاء موضوع الإمضاء، يكون ارتفاع التكليف بالإسقاط منافياً لإطلاقه.

فلاحظ.

هذا وقد استثنى في التذكرة والإيضاح والدروس وعن غيرها شرط العتق، فلا يسقط بإسقاط المشتري، وإن كان حقاً له، لأنه حق لله تعالى أيضاً، كما في الإيضاح، أو له تعالى وللعبد، كما في التذكرة والدروس.

وبه صرح في جامع المقاصد.

قال: «والتحقيق في ذلك أن العتق فيه معنى القربة والعبادة، وذلك حق لله تعالى، وزوال الحجر، وهو حق العبد، وفوات المالية على الوجه المخصوص للقربة، وهو حق للبائع».

لكن الموجب لكون الشرط حقاً للبائع ليس هو خسارته لبعض المال من أجله أو انتفاعه به بلحاظ كونه قربياً، بل هو تضمن الاشتراط استحقاقه، وإمضاء ذلك شرعاً، وهو مختص بالبائع، ولا يجري في حق الله سبحانه وإن كان عبادة له، ولا في حق العبد وإن كان ينتفع به.

على أن جهات القربة والجهات التي ينتفع بها غير المشترط كثيرة، لا يظهر منهم البناء على تعدد المستحقين لها مع الشرط.

وما الفرق بين العتق ومثل بناء المسجد والمدرسة وصلاة النيابة وتدريس بعض الناس وغير ذلك‌؟! وهل يمكن البناء مع اشتراطها على عدم سلطنة المشترط على إسقاط الشرط؟!.

والحاصل: أنه يتعين البناء على عموم سقوط الشرط بالإسقاط بعد كونه حقاً للمشترط.

نعم إذا لم يوجب حقاً للمشترط يتجه عدم سقوطه بالإسقاط، كما نبه لذلك شيخنا الأعظم (قده) قال: «للمشروط إسقاط شرطه إذا كان مما تقدم يقبل الإسقاط، لا مثل اشتراط مال العبد وحمل الدابة».

والوجه في ذلك: أن الإسقاط لا يرفع نفوذ الشرط، كالفسخ، بل يرفع الشرط المملوك في فرض نفوذ الشرط، وذلك إنما يتجه فيما إذا كان مفاد الشرط

(45)

جزيية الشرط من مضمون العقد وعدم انحلاله

متعلقاً بالمشروط عليه، بحيث يقتضي نحواً من الثقل عليه والمسؤولية، كالعمل والعين الذمية وحق الخيار في عقده ونحو ذلك، حيث يرجع الإسقاط إلى رفع الثقل والمسؤولية عنه.

أما إذا كان مفاده ملكية المشترط لعين خارجية، فلا مجال لإسقاطها بعد ملكيتها، لعدم ابتناء ملكيتها على مسؤولية شخص بها، لترتفع تلك المسؤولية بالإسقاط.

فلاحظ.

المسألة الرابعة: تقدم في المسألة العشرين من فصل شروط المتعاقدين في حكم ما إذا باع الإنسان ماله مع مال غيره أن العقد لا ينحل حقيقة إلى عقود متعددة بانحلال أجزاء مضمونه.

ومقتضى ذلك قصور عموم نفوذ العقد عن تمام مضمون العقد إذا لم ينفذ في بعضه.

كما تقدم في أول الكلام في أحكام الشرط أن الشرط جزء من مضمون العقد.

ومقتضى ذلك أن يكون فساد الشرط مانعاً من عموم النفوذ للعقد المشتمل عليه.

كما لا مجال للاستدلال على نفوذ البيع وحده في المقام بما دلّ على نفوذ خصوص البيع.

فإن الشرط وإن كان خارجاً عن البيع، إلا أن دليل نفوذ البيع بخصوصيته ينحصر بقوله تعالى: (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ)(1) ، وهو ظاهر في نفوذها على النحو الذي وقع عليه الرضا بها، ومن الظاهر أن الرضا بالتجارة في المقام إنما كان مع الشرط، فمع فرض عدم نفوذ الشرط لا مجال لنفوذ البيع وحده.

وأما قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) (2) فقد سبق في أول كتاب التجارة عدم ثبوت الإطلاق له، لعدم وروده في مقام تشريع نفوذ البيع، بل لاستنكار تشبيه الربا به بعد الفراغ عن حليته في نفسه وحرمة الربا في نفسه.

فراجع.

على أنه لو تم إطلاقه فهو ينصرف إلى حليته على النحو الذي وقع عليه، فإذا وقع مبنياً على الشرط لا مجال للبناء على صحته مع بطلان الشرط.

وبالجملة: لا مجال

(1) سورة النساء الآية: 29.

(2) سورة البقرة الآية: 275.

في المقام للبناء على نهوض عمومات النفوذ بإثبات صحة العقد مع بطلان الشرط.

نعم تقدم في المسألة المذكورة أن صحة العقد في بعض مضمونه من الأحكام العرفية الارتكازية التي عليها المعول ما لم يثبت الردع عنها.

ولا ينبغي الإشكال في ذلك في المقام فيما إذا كان بطلان الشرط لعدم القدرة عليه إذا أوقع بتخيل القدرة عليه ولو من أحد الطرفين، بحيث تم القصد إلى بناء العقد عليه وربطه به.

إذ ليس بناؤهم في مثله على بطلان العقد لو انكشف التعذر، بل غايته ثبوت الخيار، كما تقدم من المبسوط ومحكي جواهر القاضي وغيرهما.

أما إذا ابتنى العقد على عدم القدرة على الشرط، فحيث كان الشرط لاغياً ارتكازاً، إذ لا معنى للالتزام بما هو غير مقدور.

فإن رجع الشرط إلى عدم قصدهما للعقد تعين عدم وقوعه.

وإن رجع إلى لغوية الشرط وحده مع القصد لإيقاع العقد مجرداً عنه تعين صحة العقد ولزومه وإن لم يحصل الشرط.

وإن رجع إلى مجرد اشتراط الخيار بتخلفه تعين العمل على ذلك.

وأظهر من ذلك ما إذا كان بطلان الشرط لعدم ذكره في ضمن العقد صريحاً ولا ضمناً.

لرجوعه في الحقيقة إلى إطلاق العقد، من دون أن يبتني على الشرط.

ولا إشكال حينئذ في صحة العقد ولزومه.

وأما إذا كان لمخالفته للكتاب والسنة فيكفي في البناء على صحة العقد النصوص الواردة في من اشترط الولاء لغير المعتق(1) ، أو باع الجارية واشترط أنها لا تورث(2) ، وما ورد في الشروط الفاسدة في النكاح(3) ، وفي المكاتبة(4).

لظهور بعضها وصراحة أكثرها في صحة العقد الذي وقع فيه الشرط.

(1) راجع: وسائل الشيعة ج: 14 باب: 52 من أبواب المهور.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 15 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1.

(3) راجع: وسائل الشيعة ج: 15 باب: 10، 20، 29، 38، 39، 40 من أبواب المهور، وباب: 13 من أبواب مقدمات الطلاق وشروطه.

(4) راجع وسائل الشيعة ج: 16 باب: 15 من أبواب كتاب المكاتبة.

(47)

بطلان الشرط بالفسخ او التقايل

نعم إذا كان بطلان الشرط لمخالفته لمقتضى العقد بالمعنى المتقدم فلا ينبغي الإشكال في بطلان العقد معه، لخلل في إنشائه، كما تقدم عند الكلام في بطلان الشرط المخالف لمقتضى العقد.

ومثله ما إذا أوجب الشرط محذوراً شرعياً في العقد نفسه، كاشتراط الزيادة في الربويين.

وما ألحق به، مثل ما تقدم في من باع شيئاً بثمن واشترط على المشتري أن يبيعه عليه بثمن آخر، حيث يظهر من نصوصه المتقدمة بطلان البيع الأول لإلحاقه بالربا.

لكنه خارج عن محل الكلام، لظهور أن الكلام في استناد فساد العقد لفساد الشرط، دون مثل المقام مما كان فساد العقد مستنداً للشرط نفسه مع قطع النظر عن فساد.

هذا وظاهر نصوص الشرط المخالف للكتاب والسنة المتقدمة إليها الإشارة عدم الخيار في العقد بتخلف الشرط لا ببطلانه.

لأن الاقتصار فيها على بطلان الشرط وجواز مخالفته، من دون تنبيه لتدارك ضرر تخلفه على صاحبه بالخيار، ظاهر في عدم ثبوت الخيار.

ولاسيما مع ظهورها في المفروغية عن ترتيب آثار العقد من دون تنبيه لاحتمال فسخه.

ومع كون الخيار قد يؤدي مؤدى الشرط الفاسد، كما في اشتراط الطلاق.

المسألة الخامسة: لما كان الشرط من شؤون العقد، ففسخ العقد بالتقايل أو بالخيار لابد أن يستلزم بطلان الشرط.

وعلى هذا جرى الأصحاب من غير خلاف يعرف، بل الظاهر مفروغيتهم عنه.

لكن استجدت في عصورنا الشروط الجزائية المبنية على اشتراط خسارة مالية على من يتخلف عن مقتضى العقد بتأخير تسليم الثمن أو نحوه أو على من يفسخه.

ولا إشكال في الأول، إذ بعد عدم فسخ العقد يتعين نفوذ الشرط تبعاً له.

وإنما يقع الكلام في الثاني، حيث قد يدعى أن فسخ العقد مستلزم لبطلان الشرط تبعاً له،

فكيف يترتب أثره بالفسخ‌؟!.

لكن الظاهر صحة الشرط المذكور، لأن الفسخ الذي يكون موضوعاً للشرط في ذلك ليس هو فسخ العقد بتمامه، كما في التقايل، أو شرط الخيار إلى أمد معين، الذي قد يجعل حتى في مثل هذه العقود، بل فسخ بعض مضمونه بعد بقاء العقد الذي يجعل فيه الشرط.

فإذا باعه الدار مثلاً، واشترط له الخيار إلى شهر، وأنه فسخ بعد الشهر كان عليه عشرون مثقالاً من الذهب، رجع العقد إلى أمور: الأول: يبيع الدار بالثمن الخاص.

الثاني: اشتراط الخيار في العقد بتمامه إلى شهر للمشتري.

الثالث: اشتراط الخيار في خصوص البيع بعد الشهر له أيضاً، لكن مع دفع عشرين مثقالاً من الذهب على تقدير الفسخ.

وحينئذ إذا فسخ المشتري في ضمن الشهر بطل العقد بتمامه بما في ذلك الشرط، لارتفاع موضوعه.

وكذا إذا تقايلا في العقد، لما سبق من أن الشرط من جملة العقد.

أما إذا فسخ المشتري بعد الشهر، فالفسخ المجعول له ليس هو فسخ العقد بتمامه، ليبطل معه الشرط، كما لو تقايلا حينئذ، بل هو فسخ خصوص البيع منه.

ولا مانع مع ذلك من لزوم الشرط بعد عدم فسخ العقد بتمامه، بل هو المتعين، عملاً بعموم لزوم الشرط.

ودعوى: أن ذلك لا يناسب ما سبق منّا عند الكلام في بيع الشرط من امتناع التبعيض في فسخ العقد الواحد.

مدفوعة بأن ذلك إنما يتم إذا ابتنى العقد على الارتباطية، كما في بيع جملة بجملة، أو البيع والشرط من دون تصريح بالتفكيك، أما مع تعدد المضمون، والتصريح بالتفكيك بينهما في نفس العقد، فلا محذور في ذلك، لعدم منافاته لوضع العقد.

بل الحال في المقام أظهر، لأن أحد المضمونين مترتب على فسخ الآخر، فيكون التبعيض

مقتضى نفس العقد.

وإن شئت قلت: العقد المذكور مما لا يستنكره العرف، تبعاً لمرتكزاتهم، وليس هو كلزوم العمل بالشرط مع فسخ العقد من أصله، فلا منشأ لقصور أدلة الإمضاء عنه.

فلاحظ.

والله سبحانه وتعالى العالم.

والحمد لله رب العالمين.

(51) (51)

الفصل الخامس/ في احكام الخيار (1)

اشارة

وفيه مسائل:


(1) لم يشر سيدنا المصنف (قده) إلى الكلام في أن ترتب أثر العقد وتبادل العوضين في الملكية هل يكون بنفس العقد أو بانقضاء زمن الخيار.

والظاهر مفروغيته تبعاً للمشهور عن الأول.

خلافاً للشيخ في بعض كلماته في المبسوط والخلاف وابن سعيد في الجامع، وحكي عن ابن الجنيد، وتبعهم في الجملة بعض متأخري المتأخرين.

وإن كانت كلمات الشيخ لا تخلو عن اضطراب.

وكذا كلام ابن سعيد، حيث حكم بأن نماء المبيع للمشتري، وهو لا يتناسب مع بقائه على ملك البائع.

ولا يسعنا فعلاً استقصاء الأقوال ومتابعة كلماتهم، وقد أطال في ذلك في مفتاح الكرامة.

وإنما المهم تحقيق أصل الحكم.

ومن الظاهر أن مقتضى عموم نفوذ العقد والتجارة عن تراض هو حصول الملك بنفس العقد.

وهو المنساق من أدلة الخيار، لأن إعماله ارتكازاً بفسخ البيع والرجوع فيه، وهو فرع نفوذه وترتب الأثر عليه.

ويؤكد ذلك النصوص المتضمنة سقوط الخيار ولزوم البيع بالتصرف،

لظهورها في المفروغية جواز التصرف وترتيب أثر الملك في زمن الخيار، لا أن الملك لا يحصل والتصرف لا يحل حتى يلزم البيع بالرضا بالعقد أو إسقاط الخيار في مرتبة سابقة على التصرف.

وكذا النصوص الدالة على أنه إذا اشترى شخص من آخر شيئاً جاز له أن يبيعه منه، بنحو يظهر منه بيعه رأساً، كصحيح بشار بن يسار: «سألت أبا عبد الله عن الرجل يبيع المتاع بنساء فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه.

قال: نعم لا بأس به.

فقلت له: اشتري متاعي.

فقال: ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك»(1) وخبر الحسين بن المنذر: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يجيئني الرجل فيطلب العينة، فأشتري له المتاع مرابحة ثم أبيعه إياه ثم أشتريه منه مكاني.

قال: إذا كان بالخيار إن شاء باع وإن شاء لم يبع، وكنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت وإن شئت لم تشتر فلا بأس»(2).

لقوة ظهورهما في تحقق الملك وترتب آثاره بالشراء من دون حاجة إلى مضي زمان خيار المجلس أو سقوطه.

وأظهر من ذلك ما في معتبر إسحاق بن عمار المتقدم في بيع الدار ببيع الخيار: «قلت: فإنها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة، لمن تكون الغلة‌؟ فقال: الغلة للمشتري.

ألا ترى أنها لو احترقت لكانت من ماله»(3).

وفي معتبر معاوية بن ميسرة الوارد في ذلك أيضاً: «قال أبو الجارود: فإن الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين.

قال: هو ماله.

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): أرأيت لو أن الدار احترقت من مال من كانت تكون‌؟ الدار دار المشتري»(4).

نعم في صحيح عبد الله بن سنان: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الدابة أو العبد ويشترط إلى يوم أو يومين، فيموت العبد والدابة أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك‌؟ فقال: على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب العقود حديث: 3، 4.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب العقود حديث: 3، 4.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الخيار حديث: 1، 3.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الخيار حديث: 1، 3.

للمشتري»(1).

فإن مقتضى ذيله عدم ملك المشتري للمبيع إلا بعد انقضاء الشرط، الذي يراد به زمن الخيار.

ويناسبه بقية النصوص الآتية في المسألة الخامسة المتضمنة لضمان البائع للمبيع في مدة الخيار.

لكن ضمان البائع المبيع في مدة الخيار لا يستلزم بقاءه على ملكه، خصوصاً بناء على ما يأتي من اختصاص ذلك بالحيوان الذي يبتني الخيار فيه على إعطاء الفرصة للمشتري في اختبار حاله، حيث قد يكون لذلك دخل في تحمل البائع لدرك المبيع.

وأما صحيح ابن سنان فالمتعين حمله على إرادة الملك المستقر غير المبني على الخيار والاختبار، بقرينة ما سبق.

ولاسيما بعد مطابقته للمرتكزات التي هي كالقرينة المتصلة الصالحة لتفسير الصحيح، وبعد عدم ورود الصحيح لبيان مالك الحيوان، بل لبيان الضامن له، حيث يسهل حينئذ حمله على التوسع في استعمال اللام في المقام.

ومن ذلك يظهر الإشكال فيما في الحدائق وعن الكفاية من موافقة المشهور في خيار الشرط، عملاً بالنصوص المتقدمة، والتوقف أو الميل لعدم ملك المشتري للمبيع في مدة خيار الحيوان، من أجل النصوص المذكورة.

إذ فيه مع عدم ظهور القول بالتفصيل المذكور بين الأصحاب: أن ذلك إنما يتجه إذا كان ترتب الملكية على العقد تعبدياً محضاً، أما حيث كان مطابقاً للمرتكزات الصالحة للقرينية على تعيين المراد من النصوص فلا مجال لذلك.

ولاسيما مع ظهور جملة من نصوص المشهور المتقدمة في التنبيه للجهة الارتكازية، والردع عن مخالفتها، حيث يصعب جداً الجمود على مواردها، بل جعلها قرينة على تفسير صحيح ابن سنان بما سبق أهون كثيراً. فلاحظ.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الخيار حديث: 2.

كون الخيار من الحقوق

(مسألة 1): الخيار حق من الحقوق (1).

فإذا مات من له الخيار انتقل إلى وارثه (2) ويحرم منه من يحرم من إرث المال بالقتل أو الكفر أو الرق


(1) كما هو المرتكز عرفاً.

ويناسبه ظهور الاتفاق على سقوطه بالإسقاط، وما يأتي من اتفاقهم على أنه يورث.

مضافاً إلى ما سبق عند الكلام في خيار الشرط من أن قبول العقود نوعاً ومنها البيع للتقايل شاهد بكون اللزوم فيها حقياً.

حيث يناسب ذلك كون خياري المجلس والحيوان من الحقوق، حفاظاً على السنخية بين الحكم السابق على الغاية واللاحق لها في أدلتهما.

ومثلهما في ذلك خيار التأخير، لأن مفاد الشرطية في نصوصه إناطة في لزوم البيع بعدم تأخير التسليم والتسلم ثلاثة أيام، وحيث كان المراد بالمنطوق فيها هو اللزوم الحقي تعين كون المراد بالمفهوم المصرح به فيها هو الجواز الحقي أيضاً.

وهو المناسب أيضاً لنسبة خياري الحيوان والرؤية في النصوص للمشتري باللام الظاهرة في الملك والحق.

ومثلها في ذلك خيار الشرط، لما سبق من أن مفاد الاشتراط جعل الحق.

كما أن ذلك هو المتعين في بقية الخيارات.

لانحصار الدليل عليها ببناء العقلاء، تبعاً لمرتكزاتهم، وهي تقضي بثبوت الخيار الحقي، دون الحكمي.

والحاصل: أنه لا ينبغي الإشكال في كون الخيارات المتقدمة من الحقوق بعد النظر في أدلتها، ولو بضميمة المرتكزات العرفية الصالحة للقرينية على تفسير الأدلة اللفظية.

(2) بلا شبهة، كما في المسالك، وبلا كلام، كما عن إيضاح النافع، وبلا خلاف، كما في الرياض.

وظاهر التذكرة الإجماع عليه، بل هو صريح في الغنية في خياري المجلس والشرط.

(55)

وقد يستدل عليه بالنبوي: «ما ترك الميت من حق فهو لوارثه».

لكنه لم يرو مسنداً في كتب الحديث لأصحابنا، بل مرسلاً في غير واحد من الكتب الفقهية.

ولعل أصله ما روي مسنداً في بعض كتب الحديث العامية(1).

على أنه لم يتضح كون المراد بالحق فيه الحق بالمعنى المعروف بين الفقهاء، فإنه مصطلح حادث.

ومثله صحيح أيوب بن عطية الحذاء: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنا أولى من كل مؤمن من نفسه.

ومن ترك مالاً فللوارث.»(2)

لظهور أن الحق في المقام لا يصدق عليه المال عرفاً.

نعم لا يبعد إلغاء خصوصية المال عرفاً، والتعدي لكل مملوك.

بل قد يستفاد من إطلاق قوله تعالى: (وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ)(3) ، والإطلاقات المقامية لأدلة الميراث إذ بعد عدم تحديد الموروث يكون المرجع فيه العرف، وهو لا يفرق بين المال وغيره مما هو من سنخ المملوك.

نعم لابد من إحراز بقاء حق الخيار، لبقاء موضوعه بعد الموت.

إذ مع عدم إحراز ذلك لا يحرز موضوع الميراث، وهو الشيء القابل للانتقال، والذي يصدق عليه أنه مما ترك الميت.

وقد سبق أنه لا مجال للبناء على ذلك في خيار المجلس، لعدم صدق الاجتماع الذي هو موضوع الخيار مع الموت وإن لم يصدق الافتراق، ومقتضى عمومات اللزوم انتهاء أمد الخيار، ولزوم البيع.

ودعوى قيام اجتماع الوارث مقام اجتماع الموروث.

ممنوعة بعد ظهور الأدلة في أن المدار على اجتماع المتبايعين.

ومجرد الحكم شرعاً بقيام الوارث مقام الموروث في ملكية ما يملك لا يقتضي قيامه في تحقق موضوع الأمر المملوك.

(1) مسند أحمد ج: 2 ص 453، سنن ابن ماجة ج 2 ص 914، 2738.

(2) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 3 من أبواب ميراث ولاء ضمان الجريرة والإمامة حديث: 14.

(3) سورة الأنفال الآية: 75، سورة الأحزاب الآية: 6.

ويحجب عنه ما يحجب عن إرث المال (1).

ولو كان العقد الذي فيه الخيار متعلقاً بمال يحرم منه الوارث كالحبوة المختصة بالذكر الأكبر، والأرض التي لا ترث منها الزوجة ففي حرمان ذلك الوارث من أرث الخيار وعدمه


ومثله في ذلك خيار الرؤية إذا مات المشتري قبل الرؤية، لعدم الدليل على قيام رؤية الوارث مقام رؤية المشتري المورث في سببيتها للخيار.

نعم إذا تحققت الرؤية من المشتري فلم يعجبه المبيع، وتحقق موضوع الخيار، ثم مات قبل إعماله بنحو لا ينافي في الفورية بالنحو المتقدم في تحديد الخيار المذكور فالظاهر بقاء موضوع الخيار، لعدم التقييد في دليله بإعمال المشتري له، وإنما يعمله لأنه المالك، فإذا انتقل الخيار للوارث كان هو الذي يعمله.

ومثله خيار الحيوان في ضمن الأيام الثلاثة فإن موضوعه بمقتضى نصوصه بيع الحيوان، من دون خصوصية في إعمال من انتقل إليه بالبيع.

وكذا خيار التأخير، فإن منشأه ارتكازاً خروج المشتري عن وظيفته إزاء البيع، وهو حاصل في حق الوارث.

وكذا الحال في بقية الخيارات الثابتة ببناء العقلاء، كخيار الغبن وتخلف الوصف والشرط.

فإنها موجبة ارتكازاً لنقص في العقد يخرجه عن اللزوم، من دون خصوصية في اعماله لشخص من يعمل الخيار.

نعم خيار الشرط حيث كان تابعاً لجعل المتعاقدين، فالمدار في بقائه سعة الخيار المجعول لهما، بحيث لا يؤخذ في بقائه حياة المشترط، ولا في إعماله شخصه، وهو يختلف باختلاف القرائن المحيطة بالشرط.

غاية الأمر أن سعة الخيار مقتضى إطلاق الاشتراط، والتقييد يحتاج إلى مؤنة زائدة.

(1) لإطلاق أدلة المنع عن الميراث والحجب عنه بعد فرض كون المقام من صغريات الميراث.

أقوال (1)، أقربها حرمانه إذا كان منتقلاً من الميت.

فلو باع الميت أرضاً وكان له الخيار لم ترث منه الزوجة، ولو كان قد اشترى أرضاً وكان له الخيار ورثت منه كغيرها من الورثة.


(1) المحتمل في المقام بدواً وجوه أربعة: الأول: إرث المحروم من إرث ذلك المال للخيار، سواءً كان ذلك المال منتقلاً للميت أم منتقلاً عنه.

وهو مقتضى إطلاق الأكثر.

وبه صرح في الجواهر وبعض من تأخر عنه ووجهه: أن الخيار لما كان قائماً بالعقد وراجعاً للسلطنة على حله، وفرض كونه حقاً مستقلاً باقياً بعد الموت، فهو مشمول لإطلاقات الميراث القاضية بميراث الشخص المذكور في غير المال المزبور.

الثاني: عدم إرثه للخيار مطلقاً.

وقد يظهر من جامع المقاصد الميل إليه.

وقد يوجه بأنه حيث لا يرث المال فلا يرث الخيار المتعلق به.

وهو كما ترى، لأن الحق المتعلق بالمال غير المال.

مع أنه سبق أن حق الخيار متعلق بالعقد، لا بالمال المفروض كونه لا يورث.

ومثله ما ذكره شيخنا الأعظم (قده) من أن الخيار علاقة لصاحبه فيما انتقل عنه تقتضي رجوعه عليه بعد إحراز سلطنته على ما انتقل إليه.

والوارث المذكور لا علاقة له بالمال المذكور إذا كان قد انتقل عن الميت، ولا سلطنة له عليه إذا كان قد انتقل إلى الميت، لفرض كونه محروماً منه.

إذ يظهر اندفاعه مما سبق من أن الخيار حق قائم بالعقد.

وأخذ العلقة والسلطنة على العوضين فيه لا شاهد له.

بل هو لا يناسب ما ذكروه من ثبوت الخيار في الفسخ مع تلف أحد العوضين، أو خروجه عن ملك من دخل له بالعقد.

مضافاً إلى أن عدم ملكية الوارث المذكور للمال المزبور لا ينافي سلطنته عليه في فرض انتقاله للميت بالعقد، وعلقته به في فرض انتقاله عن الميت به.

غايته أن

السلطنة تكون محدودة بالمقدار الذي يقتضيه ثبوت الخيار.

وعن بعض مشايخنا (قده) الاستدلال له بأن الدليل على ميراث الخيار لما كان هو الإجماع، فالمتيقن منه ما إذا كان الوارث له وارثاً للمال.

وفيه: أولاً: أنه لو تم انحصار الدليل على الميراث بالإجماع فمرجع ذلك إلى أن الإجماع هو الدليل على كون الخيار حقاً باقياً بعد الموت فلابد أن ينتقل للوارث.

أما تعيين الوارث فهو تابع لأدلة الميراث، ومقتضى إطلاقها إرث الوارث المذكور منه.

وثانياً: أنه لا متيقن في البين بناء على ما يأتي من اعتبار اتفاق الورثة في إعمال الخيار، وعدم الاكتفاء بإعمال بعضهم فيه.

إذ الاكتفاء حينئذ في إعمال الخيار باتفاق باقي الورثة دون الشخص المذكور يحتاج إلى دليل بعد احتمال ميراثه للخيار معهم.

اللهم إلا أن يقرب ذلك بأصالة عدم إرثه للخيار.

لكنه لا يخلو عن إشكال إذ هو ليس بأولى من استصحاب عدم استقلال بقية الورثة به.

ولعله لذا ذهب (قده) في فتواه للوجه الأول.

الثالث: ما ذكره سيدنا المصنف (قده) من التفصيل بين ما إذا كان المال الذي يحرم منه الوارث المذكور قد انتقل بالبيع عن الميت وما إذا كان قد انتقل له، فلا يرث الخيار في الأول، ويرثه في الثاني.

وهو ظاهر القواعد، وجعله الأصح في الإيضاح، وقواه شيخنا الأعظم (قده).

لدعوى: أن المال المذكور إذا انتقل للميت فالوارث المذكور وإن كان لا يرث منه، إلا أن للميت حقاً في ثمنه بسبب الخيار، حيث يكون له تملكه بالفسخ، ولا مانع من انتقال هذا الحق للوارث المذكور بعد عدم حرمانه من ميراث الثمن.

أما إذا انتقل هذا المال عن الميت، فالميت وإن ثبت له الحق المذكور فيه، لفرض ثبوت الخيار له، إلا أن هذا الحق لا ينتقل للوارث المذكور بعد حرمانه من ميراث هذا المال.

وفيه: أن سلطنة من له الخيار على تملك ما خرج عن ملكه بسبب الخيار ليست من الحقوق الفعلية المملوكة القابلة للميراث، بل هي منتزعة من قضية تعليقية ترجع

إلى سلطنته على فسخ العقد الثابتة له بمقتضى استحقاقه للخيار، ومقتضى إطلاق أدلة الميراث ثبوت هذا الحق للمحروم من المال مطلقاً.

مضافاً إلى ما يأتي من أن سلطنة الوارث ليست على إرجاع ما خرج عن الميت للوارث، بل على إرجاعه للميت، ويمكن ثبوت السلطنة المذكورة للوارث المحروم.

وحينئذٍ إن توقف انتقال حق الخيار للوارث على إمكان رجوع كل من المالين إلى ملك مالك الآخر قبل الفسخ تعين عدم إرث الوارث المحروم للخيار في الصورتين معاً، وإن لم يتوقف على ذلك كما هو الظاهر تعين إرثه له فيهما أيضاً.

ومثله ما ذكره سيدنا المصنف (قده) في حاشيته القديمة من أن النظر في أدلة الخيار إلى بيان سلطنة صاحب الخيار على استرداد ما خرج عن ملكه بالعقد الذي هو موضوع الخيار، وحيث يتسلط الوارث المذكور على ذلك فيما لو كان المال المحروم منه قد خرج عن ملك الميت بالعقد، ويتسلط عليه فيما لو دخل في ملك الميت، لعدم حرمانه من الثمن، تعين عدم ميراثه في الأول وميراثه في الثاني.

وفيه: أولاً: أن نظر أدلة الخيار إلى الاسترداد بحيث تكون مقيدة بإمكانه في غاية المنع، لأن غرض صاحب الخيار كما قد يكون هو استرداد ما خرج عنه لرغبته فيه، قد يكون هو رده لما أخذه بالعقد لرغبته عنه، وقد يكون الغرض كلا الأمرين، وقد لا يكون لشيء منهما، بل لمجرد رغبته عن مضمون العقد، لحصول الحيف عليه، كما قد يحصل في الغبن، والجامع بين الصور الثلاث هو الأخير، والكل من سنخ الداعي من دون أن يكون قيداً في الفسخ، ولا في دليل الخيار.

وثانياً: أن فسخ الوارث المذكور وغيره من الورثة أو الفسخ معه لا يقتضي استرداده المال لنفسه، ولا رده عليه رأساً، بل الاسترداد والرد على الميت، لأن ذلك هو مقتضى الفسخ بعد كونه هو طرف العقد المفسوخ.

ولذا تكون قسمة المال الراجع بين الورثة على سهام الميراث، ولا يقسم بينهم بالسوية نتيجة اشتراكهم في سبب الملك، وهو الفسخ المسبب عن ملكهم جميعاً للخيار من دون تفاضل فيه، لبساطته

حكم ما اذا تعدد الوارث للخيار

(مسألة 2): إذا تعدد الوارث للخيار فالظاهر أنه لا أثر لفسخ بعضهم بدون انضمام الباقين إليه لا في تمام المبيع (1)


وعدم قبوله للقسمة.

وعلى ذلك لا فرق بين الوارث المذكور وغيره من الورثة بعد اشتراكهم جميعاً في الاسترداد والرد بالفسخ على الميت بالمباشرة لا عليهم رأساً، وثبوت حكم الميراث لهم إنما يكون بعد فرض دخول المال في ملك الميت.

فلاحظ.

الرابع: عكس التفصيل السابق.

وقد يوجه بما قد يستفاد من جامع المقاصد من أن فسخ الوارث المذكور في فرض انتقال المال المذكور للميت مستلزم لتصرفه في مال لا حق له فيه، ولا يلزم ذلك في فرض انتقال المال المذكور عن الميت، لأنه يشترك مع بقية الورثة في الثمن.

وفيه: أنه لا محذور في تصرفه في مال بقية الورثة بسبب الفسخ بعد قضاء إطلاق أدلة الميراث باشتراكه معهم في إرث حق الخيار.

ومن هنا لا مخرج عن الوجه الأول.

(1) كما صرح بذلك غير واحد.

لفرض وحدة الخيار، فإذا صار بالميراث حقاً لجميع الورثة تعين عدم استقلال كل منهم بالسلطنة عليه، بحيث ينفسخ العقد بفسخه، أو يلزم برضاه، أو يسقط الخيار بإسقاطه له.

إلا أن يدل على ذلك دليل خاص، كما جروا عليه في حق القصاص وحق القذف وحق الشفعة، على كلام فيها موكول إلى محله.

ودعوى: أن ثبوت الحق الواحد لهم يرجع إلى ثبوته للطبيعة المتشخصة بكل منهم، فأيهم سبق للفسخ أو الإمضاء كان مؤثراً، ولم يبق موضوع لفسخ الآخرين، أو إمضائهم.

مدفوعة بأن ذلك خلاف ظاهر أدلة الميراث، خصوصاً بلحاظ ميراث المال المعلوم عدم استقلال كل منهم به.

ومنه يظهر ضعف ما في الجواهر من أنه يقدم الفاسخ منهم على الملزم، عملاً

(61)

ولا في حصته (1).

إلا إذا رضى من عليه الخيار فيصح في حصته (2).

بالنبوي المتقدم: «ما ترك الميت من حق فهو لوارثه» بعد إمكان تعدد من له الخيار.

إذ فيه: أن ذلك إنما يتم إذا رجع تعدد من له الخيار إلى تعدد حق الخيار، بحيث يثبت لكل منهم خيار مستقل عن خيار الآخر، لسلطنة كل منهم على إعمال خياره من دون أن يمنع من سلطنة الآخر على خياره ولا يوجب سقوطه، كما هو الحال في المتبايعين في خيار المجلس.

ولا مجال له في المقام بعد فرض وحدة الخيار الموروث وتعدد الوارث المستحق له، حيث لا وجه لاستقلال كل منهم بالسلطنة عليه، فضلاً عن تقديم الفاسخ منهم على الملزم مع التقارن أو مطلقاً.

(1) لظهور بساطة الحق وعدم قابليته للقسمة، وليس هو كالمال، فلابد في ثبوته للورثة من ثبوته لهم بنحو المجموعية، لا بنحو الانحلال والتوزيع.

ويأتي الكلام في ذلك.

(2) يظهر منه (قده) في حاشيته القديمة توجيهه بناءً على انحلال البيع الواحد إلى بيوع متعددة بحسب الحصص بأن تعدد البيوع مستلزم لتعدد الخيار وانحلاله بحسب الحصص أيضاً، فيرث كل منهم الخيار في حصته.

غاية الأمر ثبوت التلازم بين أبعاض الخيار الواحد في مقام الإعمال إرفاقاً بمن عليه الخيار، فإذا رضى بالتفكيك أمكن استقلال كل منهم بإعمال الخيار في حصته.

لكن سبق في المسألة الرابعة عشرة من الفصل السابق المنع من انحلال البيع عرفاً إلى بيوع متعددة بحسب الحصص، وأن ترتيب أثر الصحة مع تبعض الصفقة حكم عرفي لا يبتني على ذلك.

ولو غض النظر عن ذلك فظاهر دليل الخيار وحدة الخيار وتعلقه بمجموع البيع.

وبعبارة أخرى: ليس الخيار كالبيع، لأن البيع تابع لقصد المتبايعين، فقد يدعي المدعي قصدهما له بنحو الانحلال، وأما الخيار فهو تابع للجعل الشرعي المستفاد من

أدلته، ولا ريب في ظهورها في وحدته.

على أنه لو فرض تعدد الخيار تبعاً للحصص، فحيث كان الخيار مبايناً للأعيان فلا دليل على استقلال كل منهم بالخيار الثابت في حصته، بل مقتضى القاعدة اشتراكهم في كل خيار يفرض، فلا يمكن إعماله إلا برضا الكل.

نعم أشار (قده) لتوجيه صحة الفسخ في الحصة بأن الفسخ المذكور إذا لم يبتن على إعمال الخيار، لما سبق، أمكن أن يرجع للتقايل.

وهو لا يخلو عن وجه، حيث لا يبعد مشروعية التقايل مع الوارث، لأن ملكيته ارتكازاً بقاء لملكية المورث، نظير ما تقدم من الاكتفاء بإجازته لبيع الفضولي الواقع في حياة المورث.

وإن تقدم من سيدنا المصنف (قده) التوقف في ذلك.

نعم صحة التقابل حينئذ تبتني على ما سبق الكلام فيه من إمكان التفكيك في الفسخ بين أجزاء المبيع.

وأظهر من ذلك ما إذا رجع رضاه إلى التصالح بينهما على المعاوضة بين الحصة وما يخصها من الثمن، حيث لا إشكال فيه حتى بناءً على امتناع التبعيض في الفسخ.

هذا وما ذكره سيدنا المصنف (قده) هنا قد لا يناسب ما تقدم منه في المسألتين الستين والواحدة والستين من الفصل السابق من إطلاق عدم التبعيض في الفسخ.

وإن كان ما هنا قد يناسب ما تقدم منه في المسألة الرابعة عشرة منه.

غاية الأمر أنهما يفترقان بأن الكلام هناك في خصوص خيار الشرط التابع لجعل المتعاقدين المتفاسخين، والكلام هنا في جميع الخيارات غير التابعة لجعل المتفاسخين حتى خيار الشرط منها، لأنه تابع لجعل المورث، دون الوارث الفاسخ.

ودعوى: أن ملكيتهم للعين لما كانت مترتبة على ملك الميت فهي بحكم تلف العين، نظير ما إذا خرجت العين عن ملك صاحب الخيار ببيع أو هبة أو نحوهما، حيث لا مجال لرجوعها بالفسخ، بل يتعين الانتقال لبدلها.

مدفوعة بأن ملكية الوارث ارتكازاً بقاء لملكية المورث، وليست ملكية جديدة كملكية المشتري.

ولذا لا ريب بعد النظر في سيرة العقلاء ومرتكزاتهم في أن من باع

(63)

اثر فسخ الورثة بالخيار

(مسألة 3): إذا فسخ الورثة بيع مورثهم فإن كان عين الثمن موجوداً دفعوه إلى المشتري، وإن كان تالفاً أو بحكمه (1) أخرج من تركة الميت (2) كسائر ديونه، فإن لم يكن له تركه سوى المبيع تعلق به (3)، فيباع ويوفى منه.

فإن لم يف بتمام الثمن بقي في ذمته، ولا يجب على الورثة وفاؤه (4).


عيناً بشرط الخيار برد الثمن يستحق العين بنفسها إذا رد الثمن في مدة الخيار على الورثة.

ووضوح ذلك يغني عن إطالة الكلام فيه.

ومن ذلك يظهر الحال فيما إذا لم يكن الخيار للميت كما هو محل الكلام، بل كان الخيار عليه، فإن من له الخيار إذا فسخ بعد موت من عليه الخيار يأخذ عين ماله من الورثة إذا كانت موجودة.

هذا ولا ريب في مشروعية الفسخ لهم إذا لم يكن على الميت دين.

أما إذا كان عليه دين فقد يشكل فسخهم، لتقدم الدين على الميراث.

ودعوى: أن تقديم الدين في الآية الشريفة إنما كان على ميراث المال دون ميراث الحقوق، بل مقتضى إطلاق دليل ميراثه ثبوته ولو مع الدين، بل وإن أضر به، كما لو كان الدين مستغرقاً للتركة وكان الفسخ موجباً لنقصها.

مدفوعة بأنه لو تم إطلاق دليل ميراث الحق، فمن القريب جداً فهم عدم الخصوصية عرفاً لميراث المال في تقديم الدين عليه، وأن الدين باعتبار لزومه على الميت في حياته مقدم على الميراث المبتني على أولوية الوارث بما يتركه الميت بعده.

فلاحظ.

(1) كما إذا كان قد انتقل عن ملك الميت أو الورثة ببيع أو نحوه.

(2) لأنه مضمون على الميت بضمان المعاوضة، فيخرج من تركته، كسائر ديونه.

(3) لأنه بدل تركة الميت، فيلحقه حكم التركة.

(4) لعدم الدليل على ذلك بعد عدم كونهم طرفاً في المعاوضة، ليكون مضموناً

(مسألة 4): لو كان الخيار لأجنبي (1) عن العقد فمات فإن كان المقصود من جعل الخيار له مباشرته للفسخ أو كونه بنظره لم ينتقل إلى وارثه (2)،


عليهم بضمانها، كما لا سبب آخر لضمانهم غير ضمان المعاوضة.

ومجرد فسخهم للبيع لا يكون سبباً لضمانهم.

وأما ما ذكره شيخنا الأعظم (قده) وجهاً لضمانهم من أنهم كما يقومون مقام الميت في الفسخ وفي أخذ المبيع يقومون مقامه في ضمان الثمن.

فلا مجال للبناء عليه، لأن قيامهم مقام الميت في الفسخ ناشئ من إرثهم لحق الخيار منه، وقيامهم مقامه في أخذ المبيع ناشئ من إرثهم للمال.

أما الديون فهم لا يقومون مقام الميت فيها، بل تتعلق بالتركة لا غير، ومع قصور التركة لا يلزمون بها.

نعم لابد من صحة الفسخ في نفسه مع عدم وفاء الثمن.

أما إذا لم يصح فهو خارج عن محل الكلام.

وذلك كما في البيع بشرط الخيار بردّ الثمن، المعبر عنه ببيع الشرط، حيث لا يصح الفسخ فيه إلا مع ردّ الثمن.

بل لا يبعد ذلك في جميع موارد اشتراط الخيار للبائع.

إذ من القريب جداً أخذ ردّ الثمن ولو بعد الفسخ شرطاً ضمنياً، بحيث لا يصح الفسخ مع عدم ترتب الردّ عليه.

وعموم الشرط لما إذا تعذر ردّ الثمن يحتاج إلى عناية.

بل يبعد ذلك أيضاً في الخيارات الشرعية، كخيار المجلس، وأنها مبنية على جعل حقّ الخيار بنحو لا يفوت على الآخر ماله.

وإلا فمن البعيد جداً البناء على بقاء خيار المجلس مثلاً إذا سرق الثمن من البائع قبل الافتراق وليس له بدل عنه.

ويحتاج الأمر لمزيد من التأمل.

(1) بناء على ما سبق منه (قده) وصرح به جماعة من إمكان جعل خيار الشرط الأجنبي.

لكن تقدم منّا عند الكلام في خيار الشرط المنع من ذلك.

فلا موضوع لهذه المسألة.

فراجع.

(2) لعدم قابلية الخيار حينئذ للبقاء بعد الميت، ليكون موروثاً.

نعم لابد من

(65)

الكلام في خيار الأجنبي اذا مات

وإن جعل مطلقاً انتقل إليه (1).

(مسألة 5): إذا تلف المبيع في زمان الخيار في بيع الحيوان فهو من مال البائع (2).

وكذا إذا تلف قبل انتهاء مدة الخيار في خيار الشرط إذا كان


رجوع القصد المذكور إلى تقييد الخيار، لا إلى مجرد الداعي لجعله مع إطلاق الخيار المجعول.

(1) إذ بعد فرض قابلية الخيار للميراث، لكونه من جملة ما تركه الميت، يتعين انتقاله للوارث.

(2) كما هو المتيقن من الكبرى الآتية في كلماتهم، من دون ظهور خلاف منهم فيها.

بل نفى الإشكال والخلاف فيه شيخنا الأعظم (قده)، ويظهر من الجواهر دعوى الإجماع بقسميه عليه.

لصحيح عبد الله بن سنان: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الدابة أو العبد، ويشترط إلى يوم أو يومين، فيموت العبد والدابة ويحدث فيه الحدث، على من ضمان ذلك‌؟ فقال على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام، ويصير المبيع للمشتري»(1).

كذا رواه في الكافي.

وزاد في التهذيب: «شرط له البائع أو لم يشترط.

قال: وإن كان بينهما شرط أياماً معدودة فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع»(2).

والفقرة الأولى من الزيادة صريحة في خيار الحيوان.

وهي وإن لم تثبت، لظهور الكافي في عدم وجودها، وإلا فمن البعيد عدم روايته لها لو كان قد اطلع عليها، لوضوح دخلها في معنى الحديث، فيلزم التعارض بين الكافي والتهذيب في هذه الفقرة الموجب للتساقط، إلا أن دلالة الحديث على خيار الحيوان لا تتوقف عليها،

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الخيار حديث: 2.

(2) التهذيب ج: 7 ص 24 حديث: 103.

الخيار للمشتري (1)، أما إذا كان للبائع أو تلف في زمان خيار المجلس بعد


لظهور أن السؤال فيه لما كان عن شرط الخيار اليوم واليومين، فتحديد ضمان البائع في الجواب بثلاثة أيام ظاهر في إرادة خيار الحيوان دون خيار الشرط.

ولاسيما مع التصريح في الفقرة الثانية التي ذكرها في التهذيب بحكم خيار الشرط من دون تحديد خاص بمقدار الأيام، حيث يظهر منه تصدي الإمام (عليه السلام) لبيان حكم الخيارين معاً، وعدم الاقتصار على بيان حكم أحدهما.

ويؤيده في خيار الحيوان خبر الحسن بن علي بن رباط عمن رواه أو عن زرارة عنه (عليه السلام): «قال: إن حدث بالحيوان حدث قبل ثلاثة أيام فهو من مال البائع»(1).

(1) الظاهر عدم الخلاف فيه، كما صرح بذلك شيخنا الأعظم (قده)، وكلامهم فيه على نحو ما تقدم في خيار الحيوان.

ويقتضيه ذيل صحيح ابن سنان المتقدم من التهذيب(2) ، وموثق عبد الرحمن بن أبي عبد الله: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى أمة بشرط من رجل يوماً أو يومين، فماتت عنده، وقد قطع الثمن، على من يكون الضمان‌؟ فقال: ليس على الذي يشتري ضمان حتى يمضي شرطه [بشرطه]»(3) ، وخبر الحسن بن زيد عنه (عليه السلام): «قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في رجل اشترى عبداً بشرط ثلاثة أيام فمات العبد في الشرط، قال: يستحلف بالله ما رضيه وهو بريء من الضمان»(4).

وهما وإن وردا في مورد خيار الحيوان، إلا أن ظاهر الشرط فيهما هو شرط الخيار، لأن النصوص وإن تضمنت التعبير عن خيار الحيوان بالشرط، إلا أنه لا ينسب للشراء، بحيث يكون شرطاً فيه، كما تضمنه الحديثان، بل يقوم بنفسه.

نعم هما مختصان بالثلاثة أيام فما دون، فالتعميم لما زاد عليهما يبتني على فهم

(1) تهذيب الأحكام ج: 7

ص: 24 حديث: 5.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الخيار حديث: 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الخيار حديث: 1، 4.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الخيار حديث: 1، 4.

القبض (1) ففي كونه من مال البائع إشكال (2).

عدم الخصوصية، وهو في غاية الإشكال بعد ثبوت خيار الحيوان في الأيام المذكورة، لاحتمال اختصاص ضمان البائع بالأيام الثلاثة، التي قد ينفرد فيها خيار الحيوان وقد يجتمع مع خيار الشرط.

فالعمدة في العموم صحيح ابن سنان.

ويأتي تمام الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

(1) أما إذا كان التلف قبل القبض فلا إشكال في كونه من مال البائع، لأن كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، على ما يأتي الكلام فيه في الفصل السابع إن شاء الله تعالى.

ومن ذلك يظهر عدم اختصاص ذلك بخيار المجلس، بل يجري في خيار الشرط إذا كان التلف قبل القبض أيضاً.

(2) لا إشكال في أن مقتضى القاعدة كون التلف من مال المشتري بناءً على ما سبق من دخوله في ملكه بالعقد قبل انقضاء الخيار.

لأن ضمان غير المالك يحتاج إلى دليل.

بل لا يبعد ذلك حتى بناءً على عدم دخوله في ملكه قبل انقضاء الخيار، لأنه قد ضمنه بضمان اليد نظير المقبوض بالسوم، أو بضمان المعاوضة نظير ما إذا حصل الفسخ بعد التلف.

وإن شئت قلت: إن المستفاد من الأدلة ضمان صاحب اليد لما تحت يده إذا لم يكن مستأمناً، ولا استئمان في المقام، لابتناء القبض على البيع، لا على الاستئمان.

هذا وقد يدعى أنه لابد من الخروج عن مقتضى القاعدة المتقدم فيما إذا كان للبائع وحده خيار الشرط، لما شاع بينهم من أن التلف في زمن الخيار ممن لا خيار له.

بل في مفتاح الكرامة: «إن قولهم: التلف في مدة الخيار ممن لا خيار له قاعدة لا خلاف فيها».

وهو لو تم جرى في خيار المجلس إذا اختص بالبائع، لاشتراط سقوطه في حق المشتري، أو لإسقاطه له بعد العقد.

لكن لم يتضح الوجه في القاعدة المذكورة.

ولا مجال للاستدلال عليها بالإجماع،

أولاً: لعدم ثبوته.

ومجرد استظهار عدم الخلاف منهم، لظهور كلام جملة منهم في البناء عليها من دون ظهور خلاف له، لا يكفي في إحراز الإجماع.

وثانياً: لعدم وضوح كون الإجماع لو تم تعبدياً ينهض بالاستدلال، لقرب استناده للنصوص السابقة مع تتميم دلالتها ببعض الوجوه الاجتهادية أو نحوها.

خصوصاً مع الاضطراب في كلماتهم في المقام وما يتعلق به من أن حصول الملكية بالعقد أو بانقضاء زمان الخيار، كما يظهر بملاحظتها.

ولا يسعنا تعقيبها.

نعم قد يستدل عليها بالنصوص المتقدمة بضميمة أحد أمور: الأول: التعدي عن مواردها لعدم القائل بالفرق، كما في الرياض ومفتاح الكرامة.

ويظهر الجواب عنه مما تقدم في الاستدلال بالإجماع.

ولاسيما أن مقتضى إطلاق النصوص المذكورة عموم الضمان على البائع لما إذا اشترط الخيار للطرفين، والقاعدة المدعاة لا تناسب ذلك.

الثاني: أن مقتضى إطلاق قوله (عليه السلام) في موثق عبد الرحمن المتقدم: «حتى يمضي شرطه [بشرطه]»، وقوله (عليه السلام) في صحيح عبد الله بن سنان المتقدم: «ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري» عموم الحكم لكل خيار، لصدق الشرط عليه، كما يظهر من استعماله في النصوص.

وفيه: أن ظاهر الأول إرادة خصوص خيار الشرط، لأنه المتقدم في الجواب.

ولا أقل من كونه المتيقن منه بسبب ذلك.

والثاني كالصريح في خيار الحيوان، لأنه المناسب لتحديده بثلاثة أيام، كما تقدم.

على أن هذين الوجهين مختصان بالمشتري.

الثالث: لزوم إلغاء خصوصية موارد النصوص والتعدي لجميع الخيارات، لقوله (عليه السلام) في صحيح ابن سنان المتقدم: «ويصير المبيع للمشتري».

إذ بعد أن ثبت تملك المشتري للمبيع بالعقد، فلابد من حمل الفقرة المذكورة على إرادة لزوم ملكيته، بحيث ليس له فسخ العقد، فيكون ظاهر الفقرة المذكورة توقف ضمان الشخص للمبيع على لزوم البيع في حقه، وأنه مع عدم لزومه عليه يكون في ضمان من لزم

عليه البيع. وفيه: أولاً: أنه لا ظهور للصحيح في سوق الفقرة المذكورة لتعليل عدم ضمان المشتري، ليتجه التمسك بعمومها في التعدي عن مورد الصحيح، بل لمجرد بيان توقف ضمان المشتري للمبيع في المورد على لزوم ملكيته.

ولاسيما مع عدم ظهور منشأ عرفي للتعليل بذلك.

وثانياً: أن التعليل لو تم يقتضي بقاء ضمان المال في ملك مالكه قبل البيع حتى تلزم ملكية الآخر، سواء لزم البيع في حق مالكه الأول، أم لم تلزم، لثبوت الخيار له أيضاً.

وهو لا يناسب المدعى لهم من أن الضمان في زمن الخيار على خصوص من لا خيار له، بحيث يظهر منهم أنه مع ثبوت الخيار للطرفين فكل منهما ضامن لما صار له بالعقد وإن لم تلزم ملكيته له.

والحاصل: أن النصوص المتقدمة لا تنهض بإثبات القاعدة المذكورة بعمومها، كما لا ينهض بذلك الإجماع.

بل يتعين الاقتصار على موارد النصوص والرجوع في غيرها لما تقتضيه القاعدة من ثبوت الضمان على من ملك المضمون بالعقد ولو مع ثبوت الخيار له.

كما يناسب ذلك ويؤكده ما في حديثي إسحاق بن عمار ومعاوية بن ميسرة الواردين في بيع الدار بشرط الخيار للبائع برد الثمن.

ففي الأول: «قلت: فإنها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة لمن تكون الغلة‌؟ فقال: الغلة للمشتري. ألا ترى أنها لو احترقت لكانت من ماله»(1) وفي الثاني: «قال أبو الجارود فإن ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين.

قال: هو ماله.

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): أرأيت لو أن الدار احترقت من مال من تكون.

الدار دار المشتري»(2) لظهورهما في المفروغية عن أن كلاً من الغلة والضمان يجري على طبق القاعدة من تبعيتهما للملكية الفعلية من دون دخل للزوم وعدمه.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الخيار حديث: 1، 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الخيار حديث: 1، 3.

بقي في المقام أمران: الأول: أن الظاهر المفروغية عن أن الضمان في المقام ليس بالقيمة الواقعية مع بقاء البيع بحاله، بل يكون بالثمن، ويرجع إلى انفساخ البيع، نظير ضمان المبيع قبل القبض.

وهو المناسب لقوله (عليه السلام) في صحيح ابن سنان: «ويصير المبيع للمشتري» حيث يستفاد منه عرفاً أن ضمان البائع له بملاك بقاء علقته به، فتكون خسارته عليه مثل سائر أمواله، لا أنه يكون من مال المشتري ويتحمل البائع دركه.

وأظهر من ذلك قوله (عليه السلام) في مرسل الحسن المتقدم: «فهو من مال البائع».

بل السؤال في النصوص عن الضامن، لا عن أصل الضمان، ظاهر في المفروغية عن الضمان بالمعنى المذكور مع تردده بين البائع والمشتري.

إذ لو أريد به الضمان بمعنى تحمل الدرك مع بقاء البيع بحاله، فحيث لا معنى له في حق المشتري، لكان المناسب السؤال عن ضمان البائع وعدمه، لا عن تعيين الضامن.

ولأجل ذلك ينصرف الضمان في الجواب لذلك.

فلاحظ.

الثاني: إن النصوص المتقدمة قد تضمنت موت الحيوان وحدوث الحدث فيه.

والمنصرف من موته موته بنفسه تبعاً لوضعه المزاجي، دون ما إذا كان لأمر خارج عن مقتضى طبعه ومزاجه، كما لو غرق أو سقط عليه جدار، فضلاً عما إذا كان بفعل أحد المتبايعين أو بفعل غيرهما.

وذلك هو المنصرف من الحدث، فيراد به مثل المرض، والكسر الناشئ من عثرته، دون ما إذا حدث ذلك بسبب خارج عنه.

وحينئذٍ لا مجال للبناء على عموم ضمان البائع لغير مورد النصوص، خصوصاً مع قرب ابتناء ذلك على أن خيار الحيوان إنما شرع من أجل أن يظهر للمشتري في موته حال الحيوان ومدى سلامته في نفسه، حيث يناسب ذلك اختصاص ضمان البائع له بما إذا كان الحدث والنقص فيه راجعاً لشؤونه المزاجية، دون ما خرج عن ذلك.

بل يتعين فيه الرجوع إلى ما تقتضيه القاعدة من تلفه من مال المشتري.

غايته أن للمشتري الرجوع على المتلف حتى البائع إذا هو رضي بالحيوان، ولم يفسخ بخيار

الحيوان الثابت له.

ومن هنا يشكل تعميم ذلك في خيار الشرط لغير الحيوان بعد اختصاص النصوص به، حيث يصعب إلغاء خصوصيته عرفاً بعد احتمال ابتناء الحكم على ما ذكرنا.

بل لا يبعد لأجل ذلك اختصاص خيار الشرط الذي يكون الضمان فيه على البائع بالخيار المجعول من أجل التعرف على حال الحيوان، دون المجعول من أجل أمر آخر، كاحتمال الاستغناء عن الحيوان، أو العجز عن القيام بشؤونه.

وإن كان الخروج لأجل ذلك عن إطلاق النصوص في غاية الإشكال.

لكن الأمر قد يهون بلحاظ أن خيار الشرط لما كان تابعاً لجعل المتعاقدين فكثيراً ما تتحكم القرائن المحيطة بالعقد والشرط في تعيين من عليه الضمان في مدته.

فلاحظ.

(73) (73)

الفصل السادس/ فيما يدخل في المبيع

اشارة

(مسألة 1): من باع شيئاً دخل في المبيع ما يقصد المتعاملان دخوله فيه، دون غيره (1).

ويعرف قصدهما بما يدل عليه لفظ المبيع (2) وضعاً أو


(1) لظهور كون البيع وجميع العقود من الأمور القصدية، فتكون خصوصياتها المأخوذة فيها تابعة للقصد.

نعم إذا دلّ دليل تعبدي على دخول أمر غير مقصود تعين العمل عليه.

(2) لا ينبغي الإشكال في ذلك، والظاهر الاتفاق عليه.

نعم مقتضى الجمود على العبارة المذكورة عدم دخول ما خرج عن لفظ المبيع مطلقاً.

لكن لا مجال لذلك إذا استفيد دخوله تبعاً، نتيجة تعارف دخوله، بحيث يحتاج عدم دخوله للتنبيه الخاص، كما يأتي من سيدنا المصنف (قده) التعرض لذلك.

فإن عدم التنبيه على خروجه وعدم تبعيته يوجب ظهور كلام المتبايعين في دخوله، وهو كاف في البناء على دخوله، وإن لم يشمله لفظ المبيع لغة ولا عرفاً، إذ لا خصوصية للفظ المبيع في تحديد مراد المتبايعين، وإنما المهم ظهور كلامهما في تحديد مرادهما.

وربما يأتي التنبيه لبعض صغريات ذلك.

بالقرينة العامة (1) أو الخاصة، فمن باع بستاناً دخل فيه الأرض والشجر والنخل (2) والطوف (3) والبئر (4) والناعور (5) والحضيرة ونحوها مما


(1) من أظهر أفراد القرينة العامة العرف الذي يعيشه المتبايعان.

لكن في المسالك أن العرف الشرعي مقدم على العرف.

وفي الحدائق: «الواجب هو حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية إن وجدت، وإلا فعلى عرفهم (عليهم السلام)، لأنه مقدم على عرف الناس إن ثبت، وإلا فعلى ما هو المتعارف في ألسن المتخاطبين والمتبادر في محاوراتهم».

وهو كما ترى ضرورة أن المهم لما كان هو تشخيص مراد المتعاقدين فظاهر الإطلاق المقامي لكلامهما هو جريهما على العرف الذي يعيشانه.

وتقديم العرف الشرعي أو الحقيقة الشرعية إنما هو لتشخيص المراد من كلام الشارع ومن يعيش عرفه، لا مطلقاً.

نعم ورد التحديد التعبدي في بعض المفاهيم التشكيكية، كالقديم والكثير وغيرهما.

لكنه لو تم مختص بمورده، كالوصايا والنذور في فرض عدم وجود عرف في تحديدها.

وقد يأتي نظيره في المقام.

(2) بلا خلاف ولا إشكال، كما في الجواهر وهو المقطوع به من معنى البستان.

(3) بلا ريب، كما في الجواهر.

وأطلق في الشرائع دخول الأبنية التي فيه.

وهي وإن لم تؤخذ في مفهوم البستان، إلا أنها في ظرف وجودها فيه تعدّ جزءاً منه عرفاً.

ولا أقل من دخولها تبعاً، بحيث يحتاج عدم شمول البيع لها للتنبيه.

وقد سبق كفاية ذلك في المقام.

(4) الكلام فيه هو الكلام في الأبنية، بل لعله أظهر.

(5) لا ينبغي الإشكال في خروجه عن لفظ البستان بسبب قابليته للنقل.

فلابد في وجه دخوله من دعوى التبعية عادة.

ولا يتيسر لنا إحراز ذلك، خصوصاً بعد أن هجر استعماله في هذه الأيام، وأبدل بوسائل السقي الكهربائية، التي كان الظاهر عدم

هو من أجزائها أو توابعها (1).

أما من باع أرضاً فلا يدخل فيها الشجر والنخل الموجودان (2) وكذا لا يدخل الحمل في بيع الأم (3) ولا الثمرة في


دخولها في بيع البساتين.

(1) كما يظهر الوجه فيه مما سبق.

(2) كما ذكره غير واحد.

بل قد يظهر من الجواهر عدم الخلاف فيه.

وهو غير بعيد لو كان من شأن الموجود القلع.

أما لو كان من شأنه البقاء فعدم دخوله يستلزم بقاء حق للبائع في الأرض من أجل خدمة الموجود فيها والانتفاع بنمائه.

وهو يحتاج إلى عناية قد يكون معها عدم التنبيه لخروجه قرينة على دخوله في بيع الأرض تبعاً.

وإن كان الغالب وجود القرائن العامة أو الخاصة حين البيع والشاهدة بأحد الأمرين.

(3) على الأظهر الأشهر، بل المشهور.

بل ربما أدعي عدم الخلاف فيه، بل في السرائر الإجماع عليه.

كذا في الجواهر.

لكن في الوسيلة أنه يكون للمشتري إلا إذا شرط البائع.

وهو ظاهر المحكي عن ابن الجنيد.

بل في المبسوط وعن المهذب وجواهر القاضي أنه لا يجوز للبائع اشتراطه لنفسه، لأنه يجري مجرى عضو من أعضائه.

ولا يتضح الوجه في ذلك، فإن إلحاق الحمل بالأعضاء أشبه بالقياس.

ولاسيما أن الدليل على عدم جواز استثناء الأعضاء في الجملة هو الإجماع لو تم، وأن الشيخ (قده) نفسه صرح في النهاية بجواز بيع أبعاض الحيوان.

وقال في موضع آخر منها: «وإذا باع الإنسان بعيراً أو بقراً أو غنماً واستثنى الرأس والجلد كان شريكاً للمبتاع بمقدار الرأس والجلد».

وفي المبسوط وفي الخلاف وإن منع من الاستثناء المذكور، إلا أنه ذكر أنه لو حصل يكون البائع شريكاً بالنسبة، ونحوه في المهذب.

ومثله الاستدلال له بموثق السكوني عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام): «في رجل أعتق أمة وهي حبلى فاستثنى ما في بطنها.

قال: الأمة حرة، وما في بطنها حر، لأن ما في

بيع الشجرة (1).

نعم إذا باع نخلاً فإن كان التمر مؤبراً فالتمر للبائع وإن لم


بطنها منها»(1). إذ فيه: أنه لو تم العمل به في مورده فالمنع من الاستثناء في العتق لا يستلزم المنع منه في البيع.

على أن بعض النصوص قد تضمن عدم إلحاق الحمل السابق على تدبير الحامل بها في التدبير(2).

ومن هنا لا ينبغي الإشكال في جواز استثناء الحمل في البيع.

ولعله لذا حمل في السرائر كلام الشيخ في المبسوط على أنه بيان لمذهب الشافعي لا لمذهبه نفسه، وأن ذلك اشتبه على ابن البراج، فظنه مذهباً للشيخ نفسه، فتابعه فيه، وأن مذهب الشيخ عدم إلحاق الحمل وبقاءه في ملك البائع كما ذكره في بقية كتبه، وادعى في السرائر إجماع أصحابنا عليه.

وأما إلحاق الحمل بالمبيع فلا مجال له بلحاق اللفظ، لمباينة الحمل لأمه قطعاً.

وكذا بلحاظ التبعية مع عدم تعارف إلحاقه.

لكن قد تختلف الأعراف والأزمنة في ذلك.

وإن كان الظاهر تعارف إلحاقه في عصورنا.

ولذا يعد الحمل مزية في الحيوان المبيع.

بل لما كان الاستثناء يقتضي نحو حق للبائع في المبيع، فإطلاق البيع قد يوجب ظهوره في استقلال المشتري بالمبيع، بنحو يكون قرينة على الإلحاق، ويحتاج الاستثناء للقرينة المخرجة عن مقتضى الإطلاق، نظير ما تقدم في الشجر والنخل عند بيع الأرض.

فلاحظ.

(1) كما صرح به غير واحد، بل قد يدعى عدم الخلاف فيه، بل قد يظهر من بعضهم الإجماع عليه.

وإن كانت كلمات بعضهم لا تناسب ذلك.

ومقتضى إطلاق بعضهم وصريح آخرين عدم الفرق بين نضجها وعدمه وبدو صلاحها وعدمه.

وهو

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 69 من أبواب كتاب العتق حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 5 من أبواب كتاب التدبير حديث: 2، 3.

يكن مؤبراً فهو للمشتري (1).

ويختص هذا الحكم ببيع النخل (2)، إما بنقل النخل بغير البيع، أو بيع غير النخل من سائر الشجر، فالثمر فيه للبائع مطلقاً وإن لم يكن مؤبراً (3).

هذا إذا لم تكن قرينة على دخول الثمر في بيع الشجر أو الشجر في بيع الأرض أو الحمل في بيع الدابة، أما إذا قامت القرينة على


المتعين بلحاظ حاق اللفظ، لمباينة الثمرة للشجرة قطعاً.

أما بلحاظ التبعية فهو موقوف على عدم تعارف الإلحاق وعدم قيام القرينة عليه.

ولا يتيسر لنا إحراز ذلك، خصوصاً إذا لم يحن جني الثمرة، لما أشرنا إليه فيما سبق من أن إطلاق المبيع قد يظهر في استقلال المشتري بالمبيع، بحيث لا يبقى فيه حق للبائع بسبب النماء أو نحوه من التوابع، بنحو قد يكون قرينة على الإلحاق.

(1) كما صرح به جمهور الأصحاب، وتكررت فيه دعوى الإجماع.

لغير واحد من النصوص، كصحيح غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من باع نخلاً قد أبره فثمره للبائع، إلا أن يشترط المبتاع.

ثم قال: قضى به رسول الله (1)(صلى الله عليه وآله وسلم)، وغيره.

لظهور القيد فيها في الاحتراز، ودلالته على المفهوم.

وبذلك يخرج عن مقتضى الإطلاق المتقدم لو تم.

إلا أن تقوم العادة على الإلحاق بحيث تكون قرينة على اشتراط الثمرة ضمناً.

ومنه يظهر ضعف ما في الوسيلة من جعل المعيار في التفصيل على بدو الصلاح وعدمه.

(2) لاختصاص النص به.

ولا وجه معه لما يظهر من جملة كلماتهم من الخلاف في بعض فروع ذلك.

ولا يسعنا استقصاؤها.

(3) بناء على ما سبق منه (قده) وسبق الكلام فيه.

ومثل ذلك ما إذا لم يكن من شأن الشجر التأبير.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 32 من أبواب الخيار حديث: 3.

ذلك، وإن كانت هي المتعارف عمل عليها وكان جميع ذلك للمشتري (1).

(مسألة 2): إذا باع الشجر وبقى الثمر للبائع واحتاج إلى السقي جاز للبائع سقيه (2)، وليس للمشتري منعه.

وكذلك إذا لم يحتج إلى السقي


(1) كما يظهر مما سبق.

بقي شيء.

وهو أن ما سبق إنما يجري فيما إذا علم المتبايعان حال البيع بواقع المبيع.

ولو جهل المشتري الحال وعلم به البائع، ولم يقصد ولو إجمالاً بيع الحمل مع الدابة أو بيع الشجر مع الأرض أو الثمر مع الشجر، فالمتعين مع إمكان إزالة الشيء التابع هو إزالته، لأن مقتضى البيع تسليم المبيع غير مشغول بشيء.

ولا يمنع من ذلك لزوم الضرر على البائع من القلع والإزالة، لاستناد الضرر للبائع نفسه بسبب إقدامه على البيع من دون استثناء للتابع.

أما مع تعذر القلع والإزالة فالمتعين ثبوت الخيار للمشتري.

لكون ذلك عيباً في المبيع وخارجاً عن مقتضى البيع.

ولو رضي بالبيع فهل له أخذ الأجرة من البائع إن كان للإشغال أجرة عرفاً، لاحترام منفعة العين التي اشتراها، أو لا، لعدم استناد إشغال العين للبائع بعد فرض تعذر القلع والإزالة‌؟ لا يخلو الثاني عن قوة.

أما لو جهلا معاً بوجود التابع فالمتعين ثبوت الخيار للمشتري إن امتنع البائع من الإزالة ولو للزوم الضرر منها عليه، لعين ما سبق.

بل لا يبعد ثبوت الخيار للبائع أيضاً، لتخلف الوصف المشترط ضمناً في البيع.

إلا أن يكون التابع من شأنه أن يزال، بحيث لا يكون خلو المبيع منه حين البيع مورداً للغرض، كي يكون مشروطاً ضمناً في البيع، فيتعين لزوم البيع في حقهما معاً، ووجوب التخلية والإزالة على البائع.

فلاحظ.

(2) قال في الجواهر: «لأنه من حقوقها المستحقة له باستحقاق تبقيتها».

والذي ينبغي أن يقال: استحقاق الإبقاء إن كان مستفاداً من دليل تعبدي كما تقدم في النخل

لم يجب على البائع سقيه (1) وإن أمره المشتري بذلك (2).

نعم لو تضرر أحدهما بالسقي والآخر بتركه ففي تقديم حق البائع أو المشتري وجهان، بل قولان أرجحهما الثاني (3).

المؤبر فظاهر الدليل هو الإبقاء بالوجه المتعارف الذي يستتبع الانتفاع بالثمرة، فإذا كان يتوقف على السقي كان مقتضى الدليل جوازه مطلقاً.

وإن كان مستفاداً من ظهور حال المتبايعين حين العقد، بحيث يكون من سنخ الشرط الضمني، فهو تابع لما يستفاد من الشرط المذكور، والغالب ابتناؤه على الوجه المتعارف.

فإن احتاجت الثمرة لما زاد عن المتعارف، لطارئ غير متوقع في الطقس أو نحوه، تعين جريان حكم تزاحم الحقين الذي تقدم في المسألة الثلاثين في حكم فسخ البائع المغبون مع تصرف المشتري في العين بمثل الزرع فراجع.

(1) لعدم المنشأ لوجوبه عليه.

(2) لعدم المنشأ لوجوب استجابة البائع للمشتري.

غاية الأمر أن للمشتري أن يسقي الشجر بنفسه.

نعم لو رجع عدم بيع الثمر إلى اشتراط بقاء الشجر تحت يد البائع إلى حين جني الثمر، وإيكال استصلاح الشجر ورعايته له، تعين عليه سقي الشجر إذا احتاج إلى السقي.

كما أنه لو رجع ذلك إلى اشتراط صيرورة الثمر تحت يد المشتري، واستصلاحه له إلى حين جنيه، تعين سقي المشتري للشجر إذا توقف عليه صلاح الثمر.

(3) كما يظهر من الشرائع.

وفي الجواهر: «كما عن الفاضل والشهيدين، بل نسبه ثانيهما إلى الأشهر.

لأن البائع هو الذي أدخل الضرر على نفسه، بتسليطه عليه».

وفيه: أنه لم يسلطه عليه مطلقاً، بل مع بقاء الثمرة له بنحو يقتضي أن له استصلاحها ومنع الإضرار بها.

استثناء النخلة في بيع البستان

(مسألة 3): إذا باع بستاناً واستثنى نخلة مثلاً فله الممر إليها والمخرج منها (1)


ومثله ما قد يدعى من قصور قاعدة نفي الضرر في حق البائع بعد لزوم الضرر في حق المشتري من إعمالها، فيكون المرجع قاعدة السلطنة على الشجر في حق المشتري.

إذ فيه: أن ظاهر حال المتبايعين مع علمهما بوجود الثمر، وعدم بيعه مع الشجر تبعاً له، هو بقاؤه إلى حين جنيه مع خدمته في المدة المذكورة بالوجه المتعارف، وذلك يوجب قصور قاعدة السلطنة في حق المشتري على الشجر، واستحقاق البائع سقي الشجر لصلاح الثمر بسبب الشرط المذكور.

ولا مجال لإعمال قاعدة نفي الضرر في حق المشتري، لأنه قد أقدم على الضرر بإقدامه على البيع بالوجه المذكور.

وبذلك يظهر جواز السقي للبائع حتى لو لم يلزم من تركه الضرر عليه، بل كانت فائدته زيادة جودة الثمرة، لأنه أمر يستحقه بمقتضى الشرط المذكور، وسقوط قاعدة نفي الضرر في حق المشتري بإقدامه على الشراء، كما ذكرنا.

ولعله لذا احتمل في الدروس تقديم حق البائع.

نعم لو زادت حاجة الثمرة للسقي عن المتعارف لطارئ غير متوقع جرى حكم تزاحم الحقين بالنحو المتقدم في المسألة الثلاثين في حكم فسخ البائع المغبون مع تصرف المشتري نظير ما تقدم قريباً.

(1) كما في الشرائع والقواعد والدروس وغيرها.

ولا ينبغي الإشكال فيه، لأنه المستفاد من الإطلاق عرفاً بعد كون المقصود بقاء النخلة وعدم قلعها والانتفاع بها، كما هو مفروض كلامهم ظاهراً.

وأما منع البائع من ذلك وقيام المشتري بخدمة الشجرة ودفع ثمرتها للبائع فهو يحتاج إلى عناية، ولا يفهم من الإطلاق.

مضافاً إلى موثق السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال قضى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

(81)

ومدى جرائدها (1)


في رجل باع نخلاً واستثنى عليه نخلة، فقضى له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدخل إليها والمخرج منها ومدى جرائده»(1).

كذا رواه فيما تحت أيدينا من الكافي والتهذيب.

ورواه في الوسائل عنهما هكذا: «واستثنى غلة نخلات»(2).

فيدل على المطلوب بفهم عدم الخصوصية أو بالأولوية العرفية.

(1) كما صرح به من تقدم. ولا مجال للاستدلال عليه بفهم العرف، من إطلاق مقام العقد بالتقريب المتقدم. لعدم وضوح بنائهم عليه بعد عدم اطراد توقف الانتفاع بالشجرة عليه.

نعم يقتضيه موثق السكوني المتقدم مؤيداً بمرسل عقبة بن خالد: «أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قضى في هوائر [هذا.

يب] النخل أن تكون النخلة والنخلتان للرجل في حائط الآخر، فيختلفون في حقوق ذلك.

فقضى فيها أن لكل نخلة من أولئك النخل من الأرض مبلغ جريدة من جرائدها حين يعدها [حتى بعدها]»(3).

لكن في صحيح الصفار: «كتبت إليه يعني الحسن بن علي العسكري عليهما السلام في رجل باع بستاناً له فيه شجر وكرم، فاستثنى شجرة منها، هل له ممر إلى البستان إلى موضع شجرته التي استثناها؟ وكم لهذه الشجرة التي استثناها إلى حولها بقدر أغصانها أو بقدر موضعها التي هي ثابتة [نابتة.

يب] فيه‌؟ فوقع: له من ذلك على حسب ما باع وأمسك.

فلا يتعدى الحق في ذلك إن شاء الله»(4) وهو صريح في عدم ثبوت تحديد تعبدي بقدر خاص، وأن الأمر في ذلك تابع لقصدهما حين البيع.

ومن هنا لا يبعد الجمع بينه وبين ما سبق بقصر ما سبق على النخل كما هو مورد كلام

(1) الكافي ج: 5 ص: 295، تهذيب الأحكام ج: 7 ص: 144.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب أحكام العقود حديث: 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 10 من أبواب كتاب إحياء الأموات حديث: 1.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب أحكام العقود حديث: 1.

ما يدخل في بيع الدار

وعروقها من الأرض (1).

وليس للمشتري منع شيء من ذلك.

(مسألة 4): إذا باع داراً دخل فيها الأرض والبناء الأعلى والأسفل (2)


من سبق، والعمل على الصحيح في غيره من الشجر، الذي لو لم يكن هو الظاهر من الشجر عرفاً فلا أقل من لزوم الحمل عليه جمعاً مع ما سبق.

(1) لملازمة ذلك غالباً لبقائها والانتفاع بها المفروض ابتناء الاستثناء للشجرة عليه، فيكون ذلك هو الظاهر من حال المتبايعين عند البيع.

بل لا يبعد استفادة إبقاء ما زاد على ذلك تبعاً.

إلا أن تبلغ الزيادة حداً خارجاً عن المتعارف، مع عدم إضرار قطعه بالشجرة.

ثم إن ظهور حال المتبايعين إنما يقتضي استحقاق البائع العبور وامتداد العروق من أجل الانتفاع بالنخل والشجر واستصلاحهما ونحو ذلك، دون ملكية الأرض بالمقدار المذكور مع النخل والشجر فإذا يبس النخل والشجر وصارا حطباً من شأنه أن يقلع لا يكون مالكهما مستحقاً لإبقائهما، ولا مالكاً للأرض التابعة لهما، ولا مستحقاً للعبور فيها والانتفاع بها، لارتفاع الحق بارتفاع موضوعه.

والنصوص المتقدمة لا تأبى الحمل على ذلك، لقرب جريها على ما يناسب الظهور المذكور.

ويناسب ذلك ما ورد في قضية سمرة بن جندب حين امتنع من الاستئذان من صاحب الحائط عند العبور لعذقه، من ترخيص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب الحائط في قلع العذق ورميه إليه لأنه مضار(1).

حيث يظهر من ذلك انقطاع علاقة سمرة بالحائط بذلك، وعدم بقاء حقه في أرضه بالمقدار الذي يقتضيه العبور وفي مدى جرائد العذق.

(2) بلا خلاف ولا إشكال. كذا في الجواهر.

والوجه فيه أن الجميع جزء من الدار عرفاً، فيحتاج خروج بعضه عن المبيع إلى قرينة.

(1) الكافي ج: 5 باب: 32 ص 292-294.

(83)

إلا أن يكون الأعلى مستقلاً من حيث المدخل والمخرج فيكون ذلك قرينة على عدم دخوله (1).

وكذا يدخل في بيع الدار السراديب والبئر والأبواب والأخشاب الداخلة في البناء (2)، وكذا السلم المثبت (3).

بل لا يبعد


ولا ينافي ذلك ما في مكاتبة الصفار إلى أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام): «في رجل اشترى من رجل بيتاً في داره بجميع حقوقه، وفوقه بيت آخر هل يدخل البيت الأعلى في حقوق البيت الأسفل أم لا؟ فوقع (عليه السلام):

«ليس له إلا ما اشتراه باسمه وموضعه إن شاء الله» (1) ، ونحوها أو عينها مكاتبته الأخرى(2).

فإنهما واردتان في البيت الذي في ضمن الدار، ولا إشكال في عدم كون البيت إلا على جزءاً من البيت الأسفل.

مع أنهما لم تتضمنا عدم دخول البيت الأعلى في المبيع، بل إيكال دخوله وعدمه إلى قصدهما حين البيع، فلا ينافي استظهار قصدهما الدخول في المقام من الإطلاق.

(1) لا يتضح الوجه في قرينته.

بل غاية ما يدعى تعدد البيتين عرفاً، بنحو لا مجال لاستفادة دخوله من الإطلاق.

أو خروج الأعلى عن المتيقن، بحيث يكون عنوان المبيع مجملاً، ويحتاج تحديد المبيع إلى قرينة من عادة أو نحوها.

ولعله لذا قال في الشرائع: «إلا أن يكون الأعلى مستقلاً بما تشهد العادة بخروجه.

مثل أن يكون مساكن متعددة».

(2) لأنها جزء من الدار عرفاً في حال وجودها.

وبه صرح بعضهم في الجملة.

(3) لا ينبغي الإشكال في ذلك إذا كان بناء.

بل وكذا إذا كان خشبياً مثبتاً ببناء.

وأما إذا كان مثبتاً بمسامير ونحوهما مما يقلع من دون تخريب للبناء فلا يخلو عن إشكال.

وأشكل منه ما إذا لم يكن مثبتاً، بل موضوعاً في المحل المناسب للصعود بنحو

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 31 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 31 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 2.

دخول ما فيها من نخل وشجر (1) وأسلاك كهربائية وأنابيب الماء ونحو ذلك مما يعد من توابع الدار (2)، حتى مفتاح الغلق (3)، فإن ذلك كله داخل في المبيع إلا مع الشرط.

الاستمرار.

أما إذا كان من شأنه النقل فلا إشكال في عدم دخوله، ويحتاج إلحاقه إلى قرينة.

(1) كما في المبسوط والمهذب، معللاً فيها بأنه من حقوقها.

ولا يخلو عن غموض.

فالعمدة في ذلك أنه وإن لم يكن جزءاً منها، إلا أنه من توابعها عرفاً، بحيث يفهم دخوله من الإطلاق.

ولاسيما إذا لم يكن من شأنه القلع، لنظير ما تقدم في بيع الأرض من أن بقاءه على ملك البائع يستلزم ثبوت حق له في الدار من أجل استصلاح النخل والشجر وأخذ ثمره، وهو خلاف إطلاق البيع، بل يحتاج إلى عناية يقطع بعدمها من الإطلاق.

ومنه يظهر ضعف ما يظهر من الغنية من توقف ذلك على أن يبيعها بحقوقها.

وأضعف منه إطلاق غير واحد عدم الدخول، بل في الجواهر عدم الخلاف فيه.

وفي التذكرة: «ولو كان وسطها أشجار لم تدخل عندنا».

وظاهر بعضهم وصريح آخرين عدم الدخول حتى لو بيعت بحقوقها.

وفي الجواهر بعد أن قرب عدم الدخول حتى لو بيعت الدار بحقوقها قال: «ودعوى: كونه من الحقوق.

ممنوعة في الغالب.

بل لو فرض ذلك في بعض الأشجار والزرع المقصود منها نزهة الدار وحسنها كان خارجاً عن محل النزاع، ويكون من قبيل الدخول بالقرائن، بل لا يحتاج فيه للتصريح بالحقوق».

ولم يتضح الوجه في خروجه عن محل النزاع بعد كونه هو الشايع في شجر الدار.

(2) كما يظهر مما سبق.

(3) كما في الشرائع وغيره.

ولا ينبغي الإشكال فيه، لأن وضع اليد عليه من

(مسألة 5): الأحجار المخلوقة في الأرض والمعادن المتكونة فيها تدخل في بيعها (1)، بخلاف الأحجار المدفونة فيها (2) والكنوز المودعة فيها (3) ونحوها، فإنها خارجة.

شؤون وضع اليد على الدار.

وكذا غير الدار مما له باب وغلق ومفتاح.

(1) لأنها تابعة لها بنحو قد تعد جزءاً منها عرفاً.

(2) كما صرح به غير واحد.

وكأنه لخروجها عنها وعدم تبعيتها لها.

لكن في اطراد ذلك إشكال، حيث قد تعد من أجزائها عرفاً أو توابعها فيما إذا كان من شأنها البقاء فيها.

بل حتى في غير ذلك في بعض الأحوال.

ويجري ذلك في غير الأحجار وحتى في الأمور المثبتة بغير الدفن، كالمغاسل الشايعة في عصورنا.

والمتبع في خصوصيات ذلك العرف والعادة.

فلاحظ.

(3) بلا إشكال لخروجها عنها وعدم تبعيتها لها.

(87) (87)

الفصل السابع/ في التسليم والقبض

اشارة

(مسألة 1): يجب على المتبايعين تسليم العوضين عند انتهاء العقد (1) إذا لم يشترطا التأخير، ولا يجوز لواحد منهما التأخير مع


(1) يظهر منهم المفروغية عن ذلك.

وهو المتعين لوجهين: الأول: ملكية كل منهما لما تحت يد الآخر، فيحرم عليه منعه منه، وإبقاؤه عنده من غير إذنه.

بل يكون بذلك ضامناً له بضمان اليد، لكون يده عدوانية، فيجب عليه الخروج عن الضمان بتسليمه له.

نعم ذلك يختص بما إذا كان ما خرج عن ملكه بالعقد تحت يده أو في ذمته، أما في غير ذلك، فلا موضوع للوجوب المذكور، حيث لا حبس منه يقتضي العدوان والضمان، ليجب الخروج عنه.

الثاني: أن مبنى البيع، بل جميع المعاوضات عرفاً، على التسليم والتسلم، والتخلف عن ذلك تخلف عن مقتضى المعاوضة لا يتحقق معه الوفاء بها، اللازم في العقود، بل في الشروط أيضاً، بناءً على ما سبق في أوائل كتاب التجارة من عمومها لكل التزام من شخص لآخر يبتني على التزام له في مقابله، حتى لو كان بالالتزامين قوام العقد الواحد من دون زيادة على مضمونه، كالتزام البائع بالثمن للمشتري في

مقابل التزام المشتري له بالثمن، ولا يعتبر فيه أن يكون زائداً على مضمون العقد، ليقصر عن محل الكلام.

وهذا الوجه يعمّ ما إذا كان العوض خارجاً عن يد من خرج عن ملكه بالعقد، فيجب عليه بمقتضى العقد السعي لتسليمه لصاحبه.

هذا والمشهور عدم الترتيب بين البائع والمشتري في التسليم.

وبه صرح في السرائر والشرائع والمختلف والتذكرة والدروس وكثير غيرها، وحكاه في المختلف عن ابن الجنيد.

وفي الجواهر: «لا أجد فيه خلافاً بين المتأخرين» والوجه فيه عدم الترتيب بينهما في استحقاق ما عند الآخر.

خلافاً للشيخ في الخلاف والمبسوط، فحكم بوجوب التسليم على البائع أولاً، ثم على المشتري.

ووافقه في الغنية ومحكي جواهر القاضي.

وقد علله في المبسوط بأن الثمن تابع للمبيع.

وقريب منه في الغنية.

وقد يرجع إليه ما في الخلاف، قال: «دليلنا على ما قلنا أن الثمن إنما يستحق على المبيع، فيجب أولاً تسليم المبيع فيستحق الثمن، فإذا سلم المبيع استحق الثمن».

وإلا فمن المعلوم أن الثمن يستحق بالعقد، لا بتسليم المبيع.

وكيف كان فهذا المقدار من التبعية لا يقتضي تقديم التسليم.

نعم احتمل في مجمع البرهان ومفتاح الكرامة توجيه كلامهم بأن المتعارف بين الناس والمتداول بين التجار وغيرهم هو تسليم المبيع قبل تسلم الثمن.

لكن لم يتضح التعارف المذكور، فضلاً عن بلوغه حداً يوجب انصراف إطلاق البيع إلى ذلك، بحيث يكون شرطاً ضمنياً يجب العمل عليه.

ومثله الاستدلال بمعتبر عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في رجل اشترى متاعاً من رجل وأوجبه، غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، قال: آتيك غداً إن شاء الله.

فسرق المتاع من مال من يكون‌؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى

يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد إليه ماله»(1).

بدعوى: أنه قد فرّع وجوب تسليم الثمن على استلام المبيع، فلا يجب قبله.

إذ فيه: إنه لم يتضمن ترتيب وجوب تسليم الثمن على استلام المبيع، بل ترتيب ضمان الثمن على ذلك، وحيث لا يراد بضمان الثمن استحقاقه إذ لا ريب في استحقاقه بمجرد العقد، تعين كون المراد به لزومه على نحو الإطلاق بحيث لا يمكن التخلص منه، على خلاف ما كان عليه قبل قبض المبيع، حيث كان معرضاً لأن يتخلص منه بتعذر استلام المبيع لسرقة أو نحوها، في مقابل احتمال لزومه حتى لو تعذر تسليم المبيع من دون تفريط من البائع، لكون تلفه من مال المشتري لا من مال البائع، فهو أجنبي عما نحن فيه.

ومن ثم كان الظاهر ما عليه المشهور من عدم ثبوت الترجيح بينهما، بل المتعين مع التشاح الإقباض منهما معاً.

ثم إنه قال في المبسوط: «هذا إذا كان كل واحد منهما باذلاً، فأما إذا كان أحدهما غير باذل أصلاً، وقال: لا أسلم ما علي، أجبره الحاكم على البذل، فإذا حصل البذل حصل الخلاف في أيهما يدفع على ما بيناه».

ولكن لا دليل على وجوب البذل قبل التسليم زائداً على وجوب التسليم، سواء أريد به الأمر النفسي وهو البناء على التسليم أم تهيئة العوض مقدمة للتسليم، بل الذي تقتضيه المعاملة هو التسليم لا غير، فيكون هو الواجب.

وحينئذ إذا فرض عدم وجوب التسليم على المشتري قبل تسلمه المبيع فلا وجه لإجباره على البذل، بل لابد من إجباره على تسليم الثمن، لكن بعد تسلمه المبيع، لا قبله.

غاية ما يدعى هو جواز امتناع البائع من تسليم المبيع حتى يتوثق من تحصيل الثمن.

لكن ذلك لا يقتضي إجبار المشتري على بذل الثمن.

بل عدم الاستجابة لطلبه من البائع تسليم المبيع بحيث يجبر الحاكم البائع عند الترافع إلا بعد أن يقوم هو بتوثيق البائع بتسليمه الثمن بعد تسلمه المبيع منه على أنه لم يتضح الوجه في ذلك بعد فرض

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب الخيار حديث: 1.

الإمكان إلا برضا الآخر فإن امتنعا أجبرا (1).

ولو امتنع أحدهما


عدم ابتناء المبيع على التسليم والتسلم، بل على تسليم البائع أولاً ثم تسليم المشتري، فإن استحقاق البائع حينئذٍ التوثق يحتاج إلى دليل.

نظير ما يأتي فيما إذا اشترط أحدهما تأخير التسليم، حيث لا يظهر منهم البناء على توقف وجوب التسليم على الآخر على توثقه من تسلم حقه في وقته.

فلاحظ.

(1) كما صرح بذلك غير واحد.

وفي الجواهر: «كما في كل ممتنع عما وجب عليه».

ولا يخفى أنه بعد استحقاق كل منهما على الآخر التسليم فامتناع كل منهما عن ذلك إن لم يصل حدّ الترافع للحاكم، فهو لا يزيد على محرم يكون موضوعاً للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي قد يصل إلى ولاية الحسبة على الإجبار على فعل الواجب وترك الحرام.

وهو لو تمت شروطه يقتضي بدواً أمر كل منهما بالتسليم أو إجباره عليه.

ومقتضى ذلك إجبار من يمكن إجباره وإن تعذر إجبار الآخر.

لكن يظهر منهم المفروغية عن أن لكل منهما الامتناع من التسليم توثقاً لحقه، وأنه لا يجب عليه التسليم مع امتناع الآخر منه، كما يناسبه ما تقدم من المبسوط، بل في الجواهر أنه لا ينبغي الإشكال في فهم ذلك منهم.

وقد استشكل فيه في مجمع البرهان بأنه لما كان مقتضى العقد ملكية كل منهما لما عند الآخر، فاللازم عدم جواز حبس كل منهما لما عنده من أجل أن يقبض حقه، وجواز أخذ كل منهما حقه من غير إذن الآخر له إذا أمكنه على أي وجه كان، لأن ذلك هو مقتضى الملك.

ومنع أحدهما حق الآخر وظلمه له لا يستلزم جواز الظلم للآخر ومنعه من حقه.

وفي الحدائق أنه جيد.

وفيه: أولاً: أن مقتضى العقد وإن كان هو تملك كل منهما لما عند الآخر، إلا إنا أشرنا آنفاً إلى أنه يقتضي زائداً على ذلك تسليم ما عنده للآخر وإن لم يكن تحت يده، بحيث يسعى لتحصيله ثم تسليمه.

وحينئذ لا ينبغي الإشكال في عدم بناء العرف

على التسليم مطلقاً، بل على التسليم والتسلم، فلا يعد الحبس عندهم من أجل التسلم تعدياً، ولا خروجاً عن مقتضى العقد.

وقد يظهر من المحقق المذكور الاعتراف بذلك في آخر كلامه.

وثانياً: أنه لو غض النظر عن مقتضى العقد فحبس حق الغير مجازاة ومقاصة أمر مقبول عرفاً وشرعاً، وهو من رد الاعتداء بالمثل الذي دل عليه مثل قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (1).

ولذا يجوز في مثل المقام لو تعذر عليه حبس أحد العوضين حبس مالاً آخر للطرف الآخر مقاصة.

نعم لا يجري ذلك مع تعذر تسليم أحد العوضين على من عنده، فلا يكون معتدياً، ليجوز الاعتداء عليه بالمثل، بل ينحصر الأمر حينئذ بالوجه الأول.

هذا ولكن الظاهر أن محل كلامهم في المقام ليس هو الإجبار بملاك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إجبار الحاكم في فرض الترافع والخصومة عنده.

وحينئذ لا يتصور الترافع منهما معاً من أجل طلب تسليم كل منهما مع بذل كل منهما وحضورهما للتسليم.

بل غاية الأمر أن يكون الترافع حينئذ من أجل طلب البدأة بالتسليم، والمفروض أن جواب الحاكم حينئذ عدم المرجح لأحدهما بل الواجب عليهما التسليم والتسلم معاً من دون أن يصل الأمر إلى الإجبار.

وأما مع امتناعهما معاً من التسليم فلا مجال لسماع دعوى كل منهما بعد عدم كونه في مقام أداء ما عليه، وعدم قيامه بمقتضى العقد، وجواز مجازاة كل منهما للآخر بالمثل.

ومن هنا لا يتضح توجيه فرض جبرهما معاً، بل ليس في المقام إلا بيان الحاكم لكل منهما عدم استحقاقه سبق التسلم، أو جبرهما معاً على التسليم من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي سبق استظهار خروجه عن مورد كلامهم

(1) سورة البقرة الآية: 194.

مع تسليم صاحبه أجبر الممتنع (1).

ولو اشترط أحدهما تأخير التسليم إلى مدة معينة جاز (2)، وليس لصاحبه الامتناع عن تسليم ما


(1) قطعاً، لتعديه بعدم تسليمه حينئذ.

بل يكفي في جبره على التسليم بذل الآخر، بحيث يقع التسليم منهما معاً، كما يظهر مما تقدم.

ثم إنه لا يظهر منهم البناء على ثبوت الخيار للباذل إذا امتنع الآخر من التسليم، لعدم الإشارة منهم لذلك، بل قد يظهر من بعض كلماتهم المنع منه، ولا يسعنا استقصاؤها.

نعم صرح في المبسوط بثبوت الخيار له مع إعسار الآخر.

وربما يظهر من بعضهم موافقته.

وقد يستفاد ثبوته مع تعذر الإجبار ولو مع عدم الإعسار، لعدم وضوح خصوصية الإعسار، بل من القريب أن يكون المدار عند هؤلاء على تعذر تحصيل حقه، كما قد يظهر من بعض كلماتهم.

لكن حيث تقدم منا ومنهم ابتناء البيع على التسليم والتسلم رأساً، فيكون عدم التسليم عقيب البيع بالنحو المتعارف لتعذره، أو للامتناع منه عصياناً خروجاً عن مقتضى البيع، ومخالفة للشرط الضمني الذي يتضمنه، فيتعين ثبوت الخيار بذلك، لنظير ما تقدم في أحكام الشروط من ثبوت الخيار بتخلف الشرط ولو مع إمكان الإجبار.

وهو المناسب لما في الروضة في بيع النسيئة، حيث ذكروا أنه مع تعيين وقت تسليم الثمن يثبت الخيار للبائع بتخلف التسليم عنه، قال: «ولو قيل بثبوته مع الإطلاق أيضاً لو أخل به عن أول وقته كان حسناً، للإخلال بالشرط».

وقد تقدم منا التعرض لذلك عند الكلام في خيار التأخير.

فراجع.

(2) قطعاً لعموم نفوذ الشرط.

وفي اعتبار ضبط المدة كلام تقدم في أواخر الكلام في شروط صحة الشرط.

هذا إذا كان العوض شخصياً، أما إذا كان كلياً فالكلام في وجوب ضبط المدة موكول إلى الكلام في بيع النسيئة والسلف.

عنده (1) حينئذٍ.

كما يجوز أن يشترط البائع لنفسه سكنى الدار أو ركوب


(1) كما صرح به غير واحد والظاهر المفروغية عنه عندهم، لأنه حيث كان مقتضى العقد التسليم من الطرفين، فالخروج عن ذلك في حق المشترط لا يقتضي الخروج عنه في حق الآخر.

بل قد يكون تركه اشتراط التأخير مع اشتراط صاحبه له ظاهراً في التزامه بتعجيل التسليم، بحيث يكون مؤكداً لمقتضى العقد.

نعم لو صادف عدم تسليمه عصياناً أو لعذر حتى حلّ الأجل، فلا ينبغي الإشكال في عدم وجوب تسليم المؤجل إذا لم يكن الطرف الآخر في مقام التسليم، لأن تأجيله لا يقتضي رفع اليد عما يقتضيه العقد من تسليم الطرف الآخر.

وهل يجب على الطرف الآخر التسليم إذا امتنع صاحب المؤجل من تسليمه للمؤجل بعد حلول الأجل، أو لا، بل له الامتناع حينئذ من التسليم.

حتى يستلم ماله المفروض حلول أجله‌؟ صرح بالأول في التذكرة.

وكأنه لأن رضاه بالتأجيل يرجع إلى رفعه اليد عما يقتضيه العقد من تسلمه لحقه من صاحب الأجل، والتزامه بالتسليم وإن لم يستلم.

لكنه في غاية المنع، لأن رضاه بالتأجيل إنما يقتضي رفعه اليد عن تعجيل التسلم، لا عن أصل التسلم ولو بعد الأجل، فمع فرض امتناع صاحب المؤجل عن التسليم بعد حلول الأجل يكون خارجاً عن مقتضى العقد، فللطرف الآخر الامتناع من التسليم إلا مع التسلم حينئذٍ، عملاً بمقتضى العقد، ومقاصة لصاحبه في حبس حقه.

وعلى ذلك جرى بعض مشايخنا فيما حكي عنه.

بل لو كان قد دفع ما عنده بعد العقد، ثم حلّ الأجل ولم يدفع له الطرف الآخر المؤجل كان له استرجاع ما دفعه مع بقاء عينه وحبسه عليه حتى يستوفي حقه، جرياً على مقتضى العقد، نظير ما يأتي في آخر المسألة.

كما أن له فسخ العقد، لخروج صاحبه عن مقتضاه، كما تقدم في فرض امتناع أحد الطرفين عن التسليم.

الدابة أو زرع الأرض أو نحو ذلك من الانتفاع بالمبيع مدة معينة (1).

(1) كما ذكر الأولين في الشرائع والقواعد.

وفي الجواهر: «بلا خلاف ولا إشكال في أصل جواز ذلك»، ويقتضيه عموم نفوذ الشروط.

وفي الجواهر: «وظاهر المصنف عدم استحقاق التسليم عليه حينئذ.

ولعله لاقتضاء العرف.

وإلا فلا منافاة بين استحقاق الركوب والسكنى ووجوب التقابض».

وما ذكره متين في نفسه.

وإن كان الظاهر أن القرائن المحيطة بالعقد تتحكم في تعيين أحد الأمرين.

وفي لزوم ضبط مدة الانتفاع ما أشرنا إليه من الكلام في لزوم ضبط مدة تأخير التسليم.

بقي في المقام أمران: الأول: قال في المبسوط: «فأما القبض الصحيح فضربان.

أحدهما: أن يسلم القبض باختياره، فيصح القبض.

والثاني: أن يكون الثمن مؤجلاً أو حالاً إلا أن المشتري أوفاه.

فإذا قبضه المشتري بغير اختيار البائع صح القبض.

فأما إذا كان الثمن حالاً، ولم يوفه الثمن، ثم قبض المبيع بغير اختيار البائع لم يصح القبض، وكان للبائع مطالبته برد المبيع إلى يده، لأن له حق الحبس والتوثق به إلى أن يستوفي الثمن».

وقريب منه في التذكرة ويظهر من شيخنا الأعظم (قده) وغيره الجري على ذلك.

ولا ينبغي الإشكال في جواز استرداده له بناءً على ما سبق من أن له المجازاة بالمثل.

لكن ذلك لا ينافي صحة القبض وترتب آثاره من خروج المبيع عن ضمان البائع، بحيث لو تلف لم يبطل البيع، وكان تلفه من مال المشتري.

كما يترتب عليه آثار القبض الصحيح، كجواز بيع المقبوض فيما لا يجوز بيعه قبل القبض.

وأما ما سبق من ابتناء البيع على التسليم والتسلم، فهو إنما يقتضي جواز امتناع البائع من التسليم إذا امتنع المشتري من التسليم.

بل لا يبعد لأجله جواز استرداده ما سلم، لا عدوان المشتري باستلام المبيع، فضلاً عن عدم ترتب أثر القبض على

تسلمه.

وبعبارة أخرى: يكون المشتري باستلام المبيع من دون إذن البائع ولا تسليم الثمن معتدياً بعدم تسليم الثمن لا غير، من دون أن يكون معتدياً بأخذ المبيع أيضاً، فضلاً عن عدم صحة القبض وعدم ترتب الأثر عليه.

وجواز استرجاع المشتري للمبيع حينئذ مقاصة بالمثل، أو لكون مقتضى البيع التسليم والتسلم معاً، لا ينافي جواز قبض المشتري له وتمسكه به.

نظير جواز أخذ المغصوب منه مال الغاصب مقاصة، حيث لا يستلزم عدوان الغاصب باستيلائه على ماله وتصرفه فيه، بل يختص عدوانه باستيلائه على مال المغصوب منه لا غير.

نعم يختص ذلك بقبض العوض الشخصي.

أما الكلي فلابد في صحة قبضه من إذن من يؤخذ منه، لعدم تعينه إلا بذلك.

ولا يسقط اعتبار إذنه إلا فيما إذا كان معتدياً بحبسه، حيث قد يقوم الحاكم مقامه، ويكتفي بإذنه، بناء على ولايته على الممتنع ولو من باب ولاية الحسبة.

ومع تعذر الرجوع إليه قد يسقط اعتبار الاستئذان.

وللكلام في ذلك مقام آخر.

الثاني: قال شيخنا الأعظم (قده): «ثم إذا ابتدأ أحدهما بالتسليم إما لوجوبه عليه كالبائع على قول الشيخ أو لتبرعه بذلك أجبر الآخر على التسليم.

ولا يحجر عليه فيما عنده من العوض، ولا في مال آخر، لعدم الدليل».

والوجه في ذلك ظاهر بناءً على ما سبق منّا في الوجه الأول.

أما بناءً على ما تقدم منهم هناك فهو إنما يتم فيما إذا ابتنى تسليم الأول على رفع اليد عما يقتضيه البيع من التسليم والتسلم.

أما إذا ابتنى على العمل عليه وتمسكه بحقه في التسلم فخروج الطرف الآخر عن ذلك يقتضي ثبوت الحق له في استرجاع ما دفع، نظير ما إذا كان القبض بغير إذنه.

فلاحظ.

(مسألة 2): التسليم والقبض فيما لا ينقل (1) هو التخلية برفع المانع


(1) قد اضطربت كلماتهم في تحديد القبض وذكر له في كلام غير واحد معان مختلفة باختلاف الأمور المقبوضة، كما يظهر بمراجعة كلام شيخنا الأعظم (قده) وغيره ومنه ما ذكره سيدنا المصنف (قده) من الاختلاف في معناه بين الأمور المنقولة وغيرها.

ولعل بعض ذلك راجع إلى تحديد موضوع الأحكام الشرعية المذكورة للقبض، لا على تحديد مفهومه العرفي.

وقد يكون منه ما ذكره سيدنا المصنف (قده) من أخذ الإذن في التصرف مع التخلية في غير المنقول، لما هو المعلوم من عدم دخل الإذن في مفهوم القبض، ولذا يتحقق القبض من الغاصب.

وقد تقدم من المبسوط جعل الإذن في القبض شرطاً في صحة القبض في الجملة، لا في مفهومه.

وكيف كان فلا ينبغي الإشكال.

.

أولاً: في أنه ليس للقبض معنى شرعي ولا متشرعي في قبال معناه العرفي، لعدم المنشأ لاحتمال ذلك، فضلاً عن البناء عليه.

وثانياً: في أن مفهومه العرفي لا يختلف باختلاف متعلقه، بل غاية الأمر أن يختلف ما يتحقق به باختلاف متعلقه، أو حتى في المتعلق الواحد، نظير ما ذكره سيدنا المصنف (قده) من حصوله في الثوب بأخذه ولبسه، لو تم.

ومن هنا كان الظاهر أن المراد به عرفاً هو أخذ الشيء والاستيلاء عليه.

بل لا يبعد كون أصله لغة هو الاستيلاء على الشيء بالكف، بحيث تنضم عليه الأصابع، إلا أن شيوع استعماله فيما لا يمكن فيه ذلك أوجب التوسع في مفهومه، وإرادة مطلق الأخذ والاستيلاء منه، كما ذكرنا.

من دون فرق في ذلك بين المنقول وغيره.

ولذا لو كان المنقول في ضمن غير المنقول كالمتاع في الدار كفى في قبضه قبض غير المنقول بالاستيلاء عليه، لأن قبضه والاستيلاء عليه قبض واستيلاء على ما فيه.

نعم تحديد معنى القبض عرفاً أو شرعاً إنما ينفع فيما إذا كان بعنوانه مأخوذاً

(97)

شرعاً في أدلة الأحكام التي ذكرها الفقهاء له.

مع أنه ليس كذلك، لاختلاف مفاد الأدلة المذكورة.

ولا ملزم بإرجاعها لمعنى واحد وحمل بعضها على الآخر بعد إمكان اختلاف موضوعات تلك الأحكام.

ومجرد ذكر جماعة من الفقهاء لها في باب التسليم والقبض لا ينهض بذلك بعد إمكان تسامحهم في التبويب، أو التباس الأمر عليهم.

ولاسيما أن التبويب أمر مستحدث للفقهاء عند تدوين الفتاوى المتحصلة من النصوص، بعد أن كانت سيرتهم على بيان فتاواهم من طريق النصوص التي يعتمدونها ويثبتونها، وبعد تعرض التبويب منهم للاختلاف والتطوير، وبعد ظهور عدم دقتهم في التبويب في كثير من الموارد.

وعلى ذلك يتعين تحديد موضوع كل حكم من تلك الأحكام بحياله واستقلاله تبعاً لدليله.

وأول هذه الأحكام هو وجوب التسليم على كل من المتبايعين الذي تقدم التعرض له والاستدلال عليه.

وقد تقدم الاستدلال عليه بوجهين: الأول: حرمة حبس مال كل منهما على الآخر ووضع يده عليه.

وهو لا يقتضي إلا حرمة حبس العوض ووضع اليد عليه.

ويكفي في الخروج عن ذلك بذله لصاحبه وتمكينه منه، سواء قبضه الآخر أم لم يقبضه.

كما أنه يقصر عما إذا لم يكن العوض تحت يد من خرج عن ملكه بالبيع، فضلاً عما إذا كان تحت يد غيره، وإن كان قادراً على أخذه وتسليمه لمن دخل في ملكه.

الثاني: ابتناء البيع على التسليم والتسلم.

والظاهر أن الذي يقتضيه البيع في حق كل منهما، ويكون هو المشروط ضمناً فيه، هو تمكين صاحبه من ماله الذي حصل عليه بالعقد، لا إقباضه له.

نعم لابد من التمكين منه بالمباشرة، بحيث لا يحتاج إلى مؤنة، ولو كانت هي قطع المسافة.

وأما القبض والأخذ فهو يجب على صاحبه الذي صار له بالعقد، بحيث ليس له تركه عنده وتحميله مسؤولية حفظه.

ولو امتنع من

اذا تلف المبيع بافة سماوية قبل القبض

عنه والأذن لصاحبه في التصرف (1).

أما في المنقول فلابد فيه من الاستيلاء عليه على نحو خاص فيحصل في الثوب بأخذه وبلبسه (2)، وفي الدابة بركوبها وأخذ لجامها (3)، وفي الدرهم والدينار بأخذه.

(مسألة 3): إذا تلف المبيع بآفة سماوية أو أرضية قبل قبض المشتري انفسخ البيع، وكان تلفه من مال البائع (4)، ورجع الثمن إلى المشتري.

الأخذ كان للأول إجباره، ليتخلص من تبعة ضمانه، أو الخيار لخروج صاحبه عن مقتضى العقد، الذي سبق أنه موجب للخيار.

وأما بقية الأحكام المذكورة للقبض فتحديد موضوعاتها تابع لأدلتها التي يتعين الكلام في مفادها عن التعرض لتلك الأحكام إن شاء الله تعالى.

(1) مما سبق يتضح عدم دخل الإذن في القبض بما له من معنى عرفي.

ولا في التسليم الواجب بمقتضى البيع، بل يكفي التمكين منه وعدم المنع، بحيث يقدر على أخذه من دون خوف مانع.

(2) الظاهر عدم صدق قبض الثوب بلبسه إذا لم يتحقق منه الأخذ والاستيلاء، كما لو كان المئزر بيد شخص متمسك به، وفسح المجال لآخر ليأتزر به من دون أن يتركه ويتخلى عنه، حيث لا يصدق قبضه في حق اللابس، بل في حق المتمسك به بيده.

(3) الظاهر عدم صدق قبض الدابة مع كل منهما إذا لم يتحقق به الأخذ والاستيلاء، كما إذا ركب الدابة مع استيلاء غيره عليها بأن يكون لجامها بيد الغير بنحو يكون هو المسيطر عليها والمتحكم فيها.

أو أخذ لجام الدابة من أن يسيطر عليها، لشرودها أو كونها تحت سيطرة شخص آخر راكب لها أو محتضن لها أو نحو ذلك.

(4) بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر، وإجماعاً كما في الخلاف والسرائر وكشف الرموز وجامع المقاصد والروضة وظاهر التذكرة، كما نفى الريب فيه في جامع المقاصد.

وفي مرآة العقول أنه مقطوع به في كلام الأصحاب.

وقال شيخنا

(99)

الأعظم (قده): «إجماعاً مستفيضاً، بل محققاً».

ولا يظهر الخلاف منهم في ذلك إلا في مورد خيار التأخير، حيث تقدم من المفيد وجماعة أن التلف في الأيام الثلاثة من مال المشتري.

وتقدم ضعفه.

وكيف كان فيقتضيه النبوي: «كل مبيع تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه»(1) ، وحديث عقبة بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في رجل اشترى متاعاً من رجل وأوجبه، غير أنه ترك المتاع عنده ولم يقبضه، قال: آتيك غداً إن شاء الله، فسرق المتاع من مال من يكون‌؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد إليه ماله»(2).

وخبر خالد بن حجاج الكرخي في حديث طويل عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال: كل طعام اشتريته من بيدر أو طسوج، فأتى الله عز وجل عليه، فليس للمشتري إلا رأس ماله.

وما اشترى من طعام موصوف ولم يسمّ فيه قرية ولا موضعاً فعلى صاحبه أن يؤديه»(3).

لكن ضعف النبوي مانع من التعويل عليه وإن وصفه شيخنا الأعظم (قده) بالمشهور بعد عدم ذكره في مجاميع الحديث التي يرجع إليها الأصحاب، وإنما حكي عن عوالي اللآلي إرساله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

ولاسيما مع عدم شيوع استدلال الفقهاء به بنحو يظهر منهم التعويل عليه في المقام، ويكون جابراً له.

ومجرد موافقة فتواهم له لا تكفي في جبره، كما تقدم غيره.

فالعمدة في المقام حديث عقبة، مؤيداً بخبر خالد بن الحجاج.

لاعتبار حديث عقبة في نفسه، إذ ليس في سنده من لم ينص على توثيقه غير محمد بن هلال وعقبة بن خالد، ويكفي في وثاقتهما كونهما من رجال أسانيد كتاب كامل الزيارات.

(1) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 9 من أبواب الخيار حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب الخيار حديث: 1.

(3) من لا يحضره الفقيه ج: 3 ص 131 من أبواب البيوع حديث: 10.

ولاسيما مع ظهور اعتماد الأصحاب عليهما، واعتضادهما بالإجماع المدعى في مثل هذه المسألة الشائعة الابتلاء، التي يمتنع عادة خفاء حكمها على الأصحاب.

هذا وعن بعض مشايخنا (قده) الاستدلال بسيرة العقلاء، بدعوى بنائهم على عدم استحقاق البائع المطالبة بالثمن مع تلف المبيع وتعذر تسلمه.

وقد يتجه ذلك فيما إذا كان عدم التسليم لتقصير البائع.

أما إذا لم يستند له، بل لعدم تصدي المشتري للقبض، فلا يتضح منهم البناء على عدم استحقاق المطالبة بالثمن، خصوصاً إذا طلب البائع منه القبض، مع أنه لا يظهر منه ولا من غيره البناء على الخروج عن الضمان حينئذ، إذ غاية ما ذكروا على كلام بينهم هو الاكتفاء في الخروج عن الضمان بالتخلية غير الحاصلة بذلك.

ومن هنا ينحصر في دليل المسألة بما سبق.

بقي في المقام أمران: الأول: أن المفروغ عنه بينهم في المقام أن ضمان البائع هنا ليس بمعنى تحميله درك خسارة المشتري بتلف المبيع من ماله، وذلك بدفع قيمته الواقعية له مع بقاء البيع بحاله بحيث يستحق البائع الثمن، بل هو راجع إلى عدم استحقاق الثمن على المشتري، كما لو تلف المبيع من ماله قبل أن يخرج عنه بالبيع، المساوق لانفساخ البيع.

وهو كالصريح من قوله (عليه السلام) في حديث عقبة: «فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد عليه ماله».

لإناطته وجوب دفع الثمن على المشتري بما إذا أخرج البائع المبيع عن بيته، وظهوره في أن مرجع كون المبيع في ضمان البائع إلى عدم استحقاقه لثمنه بل هو صريح خالد بن حجاج.

كما أن ذلك هو مقتضى التعبير في حديث عقبة وفي النبوي بأن التلف والسرقة تكون من مال البائع، فكأن التالف والمسروق ماله، مع أنه لو كان على البائع ضمان قيمة المبيع للمشتري لكان تلفه من مال المشتري وإن وجب ضمانه على البائع.

(101)

في معنى ضمان البايع

بل السؤال في حديث عقبة عمن يتحمل خسارة المال شاهد بالمفروغية عن ثبوت الضمان، والسؤال عن تعيين الضامن، وذلك لا يكون إلا في الضمان بمعنى تحمل خسارة المال، لا في الضمان بمعنى تحمل الدرك مع بقاء البيع بحاله، بحيث يستحق البائع الثمن، لظهور أنه لا معنى لتحمل المشتري درك ماله، بل المناسب حينئذ السؤال عن ضمان البائع لا غير.

نظير ما تقدم في أواخر الفصل الخامس عند الكلام في ضمان البائع للمبيع في مدة خيار الحيوان والشرط فراجع.

ومن هنا عبر سيدنا المصنف وجماعة بانفساخ البيع.

نعم النص لم يتضمن انفساخ البيع، وإنما تضمن أن الخسارة على البائع، وأن المشتري لا يكون ملزماً بدفع الثمن له.

وهو إنما يستلزم لغوية نفوذ البيع فيما إذا انحصر أثر صحته ونفوذه بوجوب دفع الثمن، كما في تلف المبيع حقيقة، بحيث لا يبقى منه شيء قابل لأن يملك.

ولا دليل على انفساخ البيع في غير ذلك، مثل سرقة المبيع التي هي مورد حديث عقبة، بحيث ليس للمشتري مطالبة السارق، أو الانتظار برجاء تحصيل المبيع.

غاية الأمر أن يكون له الإعراض عن البيع وفسخه، كما في الشرائع فيما لو غصب المبيع، لعدم تحقق مقتضاه وهو التسليم، وله الانتظار برجاء تحصيل المبيع.

كما أن له حينئذ التصرف فيه بما لا يتوقف على القبض كالعتق ونحوه كما في المسالك والجواهر فيما لو غصب المبيع.

ويتعين عليه حينئذ دفع الثمن للبائع، لعدم فوت المبيع عليه، كما لو قبضه.

ولا أقل من خروجه عن مفاد النص، خصوصاً حديث عقبة الذي هو عمدة الأدلة في المقام.

ومنه يظهر الإشكال فيما في التذكرة.

قال: «ووقوع الدرة في البحر قبل القبض كالتلف ينفسخ به البيع.

وكذا انفلات الطير والصيد المتوحش... ولو أبق العبد قبل القبض، أو ضاع في انتهاب العسكر، لم ينفسخ البيع، لبقاء المالية ورجاء العود».

حيث ظهر مما سبق أنه لا دليل في جميع ذلك على انفساخ البيع بحيث يخرج المبيع عن

ملك المشتري.

كما أنه لم يتضح أن المعيار عنده في التفصيل على تعذر تحصيل المبيع واقعاً ولو مع اعتقاد أو رجاء تحصيله، بحيث لو لم يتيسر بعد ذلك انكشف انفساخ البيع من أول الأمر، المستلزم لانكشاف عدم نفوذ تصرف البائع في الثمن لو كان تحت يده، بل يكون فضولياً.

أو أن المعيار فيه على اليأس من تحصيله، بحيث لو صادف تحصيله بعد ذلك كان ملكاً للبائع ولا ينكشف عدم انفساخ البيع.

وعلى الثاني فالمعيار على يأس المشتري، أو يأس البائع أو يأسهما معاً، أو يأس عامة الناس.

الثاني: وقع الكلام بينهم في أنه هل يعتبر في الخروج عن الضمان أخذ المشتري للمبيع واستيلاؤه عليه، أو يكفي فيه تخلية البائع بين المشتري والمبيع، بحيث يقدر على أخذه وإن لم يأخذه فعلاً، وحيث سبق توقف القبض على الأخذ والاستيلاء، وعدم الاكتفاء فيه بالتخلية، فلابد في البناء على الاكتفاء بالتخلية من نهوض الأدلة بالاكتفاء بها في الخروج عن الضمان، وعدم توقفه على القبض.

فنقول: لا ينبغي الإشكال في أن ضمان البائع في المقام مخالف للقاعدة بعد صحة البيع في نفسه، وخروج المبيع عن ملكه إلى ملك المشتري، فاللازم الاقتصار فيه على المتيقن.

وحيث سبق أن العمدة في أدلة المسألة حديث عقبة فاللازم النظر في مفاده.

ومقتضى قوله (عليه السلام): «حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته» اعتبار كل من قبض المشتري للمتاع وإخراج البائع له من بيته وحوزته.

ولا يعرف منهم البناء على ذلك، بل يظهر منهم حمل الجمع بينهما على التأكيد، وأن المعتبر أحدهما لا غير، وذكر الآخر لملازمته له ولو غالباً، من دون أن يكون دخيلاً في انتقال الضمان.

وهو المناسب لقوله (عليه السلام): «فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقه حتى يرد إليه ماله».

حيث يظهر منه أن المعيار على إخراج المال من بيته وحوزته، ويكون قرينة على أن ذكر قبض المشتري في الفقرة الأولى تبعاً له للتلازم بينهما غالباً، لا لكونه دخيلاً معه.

(103)

الكلام في معنى الخروج عن الضمان

ودعوى: أنه قد لا يكون إهمال القبض في الفقرة الثالثة لعدم دخله بنفسه، بل للاكتفاء بذكره في الفقرة الأولى.

مدفوعة بأن حمل الجمع بينهما في الفقرة الأولى على التأكيد أو نحوه بقرينة الفقرة الثانية أقرب عرفاً من حمل تركه في الفقرة الثانية على الاختصار اعتماداً على ذكره في الفقرة الأولى، لمناسبة الدخول في الحوزة للضمان، ولأن التكرار والتأكيد في الاستعمالات أشيع من الاختصار.

ومن ثم تكون الفقرة الثانية عرفاً كالشارحة المفسرة للفقرة الأولى.

هذا كله بناءً على ورود احتمال اعتبار اجتماع الأمرين معاً.

أما بناءً على ما يظهر منهم من أن المعتبر أحد الأمرين لا غير، فالمتعين البناء على المعتبر في انتقال الضمان هو إخراج البائع للمبيع عن حوزته، دون قبض المشتري له، لأن ذكر الأمرين في الفقرة الأولى، والاقتصار على الأول في الثانية، كالصريح في أن الموضوع الحقيقي هو الأول دون الثاني، وأن ذكر الثاني في الفقرة الأولى تبعاً للتلازم بين الأمرين غالباً.

إن قلت: لازم ذلك بقاء المبيع في ضمان البائع إذا لم يخرجه من بيته حتى مع قبض المشتري له، ولا يظن من أحد البناء على ذلك.

قلت: الظاهر من إخراجه من بيته في الحديث الكناية عن خروجه عن حوزته وسيطرته، بحيث لا يكون مستولياً عليه كما كان مستولياً قبل بيعه وبعده حينما رضي ببقائه عنده.

ومع قبض المشتري له يكون المستولي عليه هو المشتري دون البائع وإن كان المشتري بعد عند البائع ولم يخرج عن بيته.

ومثل ذلك ما إذا قبضه المشتري ثم أودعه عند البائع، فإنه وإن صار حينئذ في حوزة البائع وتحت سيطرته، إلا أن ذلك ليس بقاء لسيطرته عليه عند البيع برضاه واستمراراً لها، ليبقى في ضمانه، بل هو أخذ جديد بعد أن خرج عن ضمانه، ولزم له الثمن على المشتري، والعود المذكور بعنوان الأمانة التي ثبت عدم الضمان بها.

وإنما يظهر أثر ما ذكرناه فيما لو جاء المشتري، فأخرج البائع المبيع عن حوزته، وخلى بينه وبين المشتري، فامتنع المشتري عن قبضه.

فإنه بناءً على اعتبار القبض في

انتقال الضمان يتعين بقاء المبيع في عهدة البائع، ويكون تلفه من ماله.

وبناءً على ما ذكرنا يخرج المبيع عن عهدة البائع، ويكون تلفه من مال المشتري، ويستحق عليه البائع الثمن.

نعم ليس له إخراج المبيع عن حوزته وتركه معرضاً للتلف إذا لم يكن بوسع المشتري أخذه وحفظه، لجهله بذلك أو عجزه عن الوصول إليه وأخذه أو حفظه.

حيث يكون البائع مفرطاً به حينئذ، ويتعين ضمانه له بالثمن أو بقيمته الحقيقية.

هذا كله إذا رضي البائع بترك المبيع عنده من أول الأمر، كما هو المنصرف أو المتيقن من حديث عقبة.

أما إذا امتنع من أول الأمر من ذلك، وطلب من المشتري أخذه فلم يأخذه وأبقاه عنده من دون رضاه، فالمتعين كون تلفه من مال المشتري، عملاً بالقاعدة المشار إليها آنفاً بعد عدم المخرج عنها حينئذ.

ودعوى: أن المستفاد من حديث عقبة بيان الضابط العام للخروج عن الضمان من دون اختصاص بمورد الحديث.

ممنوعة، لعدم الشاهد على ذلك بعد بيان الضابط المذكور فيه في جواب السؤال عن مورده، لا ابتداءً.

وإنما قد يتجه ذلك في مثل النبوي المتضمن لبيان الضابط في ذلك ابتداءً.

إلا أنه سبق عدم نهوضه بالاستدلال.

نعم سبق أن للبائع الفسخ حينئذٍ، لخروج المشتري عن مقتضى العقد.

لكن إذا لم يفسخ فإن كان التلف من غيره من دون تفريط منه تعين عدم ضمانه له أصلاً، وإن كان التلف مستنداً له تعين ضمانه للمبيع بقيمته الحقيقية، عملاً بالقاعدة.

أما إذا لم يستند إليه لكن كان بتفريط منه، لعدم صونه له وتحفظه عليه، فلا يخلو الأمر عن إشكال.

وإن كان الأنسب بالقواعد عدم ضمانه، لا بالثمن، لخروجه عن مفاد حديث عتبة، ولا بقيمته الحقيقية، لعدم الموجب لضمانه.

ومجرد عدم تحفظه عليه لا دليل على سببيته للضمان بعد أن لم يكن أميناً عليه، لعدم رضاه ببقائه عنده.

ودعوى: أنه وإن لم يكن أمانة مالكيتة، إلا أنه أمانة شرعية بعد عدم أخذ مالكه له، فلا يجوز التفريط به، ويتعين معه الضمان، نظير اللقطة ومجهول المالك ومال

الغائب وغيرها.

مدفوعة: بأن الأمانة الشرعية هي ما يثبت اهتمام الشارع بها، بحيث يكلف غير المالك بحفظها.

ولا مجال لإحراز ذلك في المقام بعد تسامح المالك في ماله وامتناعه من قبضه.

بخلاف اللقطة ونحوها مما سبق.

ولاسيما أن الأمور المذكورة قد استولى عليها آخذها ولو غفلة عن عدم كونها له، ولم يتعد صاحبها بجعلها عنده، كما في المقام.

كما أنه لا دليل على مضمنية اليد للبائع بعد عدم استيلائه على مال الغير من دون إذنه، بل حين كان المال تحت يده في أول الأمر كان له، وبعد أن خرج عن ملكه لم يحبسه عن صاحبه، بل تركه صاحبه عنده عدواناً عليه من دون عذر.

ويجري ذلك في كل مال تركه صاحبه عند غيره من دون رضا ذلك الغير.

فلاحظ.

وإن شئت قلت: بعد أن لم يكن مقتضى البيع التسليم، بل مجرد البذل والتمكين، كما سبق، فحيث كان حديث عقبة مختصاً بصورة رضا البائع ببقاء المبيع عنده، وظاهراً في الاكتفاء في خروجه عن ضمانه بخروجه عن حوزته، فاللازم الاقتصار في الضمان على مفاده وعدم التعدي عنه.

وبذلك يظهر أنه لا يكفي في خروج البائع عن الضمان التخلية بين المشتري والمبيع وتمكينه منه، بل لابد معه من إخراج البائع له عن حوزته بوجه سائغ، بحيث لا يكون عرفاً مفرطاً في المبيع، لقدرة المشتري على أخذه.

فلاحظ.

هذا ومن الظاهر أنه لو كان الدليل في المقام هو النبوي فمقتضاه أن المعيار هو قبض المشتري، وعدم كفاية التخلية.

ودعوى: أن ضمان البائع مع التخلية وامتناع المشتري من القبض ضرر على البائع.

مدفوعة بأن الحكم بضمان البائع ضرري على كل حال، فدليله أخص من قاعدة نفي الضرر مطلقاً، ولا مجال مع ذلك لتحكيم قاعدة نفي الضرر عليه، بل يتعين التمسك بإطلاق دليله، لأن إطلاق دليل الخاص مقدم على إطلاق دليل العام.

موارد تحقق القبض

وكذا إذا تلف الثمن قبل قبض البائع (1).

ولو تعذر الوصول إليه كما لو سرق أو غرق أو نهب أو أبق العبد أو أفلت الطائر أو نحو ذلك فهو


نعم قد يدعى انصراف النبوي عن صورة امتناع المشتري من القبض.

أو لزوم الجمع بينه وبين حديث عقبة بحمل ذكر القبض في النبوي على مجرد ملازمته لمعيار رفع الضمان، وهو الخروج عن حوزة المشتري من دون أن يكون هو المعيار في رفعه.

وإن كنا في غنى عن إطالة الكلام في ذلك بعدما سبق من عدم نهوض النبوي بالاستدلال.

وأما خبر خالد بن حجاج فهو وارد في مقام التفريق بين الكلي في المعين والكلي المطلق، وأن الثاني يجب أداؤه على كل حال، والأول يضمن بالثمن من دون تعرض لأمد الضمان، وأنه يرتفع بالقبض أو التخلية أو غيرهما، لينفع فيما نحن فيه.

(1) كما في التذكرة.

وقال في المبسوط: «إذا اشترى من رجل عبداً بثوب وقبض العبد ولم يسلم الثوب فباع العبد صح بيعه... وإذا باعه وسلمه المشتري ثم تلف الثوب الذي في يد البائع انفسخ البيع، ولزمه قيمة العبد لبايعه، لأنه لا يقدر على رده...» ونحوه ما في كلام جماعة كثيرة.

وهو ظاهر في مفروغيتهم عن جريان الحكم المذكور في الثمن.

ولذا استظهر شيخنا الأعظم (قده) عدم الخلاف في ذلك.

وقد بناه بعض مشايخنا (قده) على كون الدليل في المقام سيرة العقلاء، لعدم الفرق فيها بين العوضين.

لكن سبق الإشكال في الاستدلال بالسيرة.

ومثله ما ذكره شيخنا الأعظم (قده) من إمكان استفادته من قوله (عليه السلام) في حديث عقبة: «فإذا أخرجه من بيته فالمتباع ضامن لحقه حتى يرد إليه ماله».

وفي مفتاح الكرامة أن فيه إيماء للتعميم.

وكأنه لحمل الضمان فيه على المعنى الذي هو محل الكلام وهو كون تلفه من ماله، فيدل على المطلوب.

إذ فيه: أنه لا ظهور للضمان في المعنى المذكور.

بل لا مجال للبناء على إرادته في

(107)

بحكم التلف (1).

ولو أمر المشتري البائع بتسليمه إلى شخص معين، فقبضه، كان بمنزلة قبض المشتري (2).

وكذا لو أمره بإرساله إلى بلده


المقام، لأن مقتضاه أن تلف الثمن لا يكون من مال المشتري إلا بعد أن يخرج البائع المبيع من حوزته، فلو تلف قبل ذلك كان من مال البائع، ولا يظن منه ولا من غيره البناء على ذلك.

ومن ثم كان الظاهر من هذه الفقرة بيان أن المشتري لا يكون مسؤولاً بالثمن وملزماً به على كل حال إلا بعد إخراج البائع المبيع عن حوزته، أما قبل إخراج البائع المبيع عن حوزته فالمشتري قد لا يلزم بالثمن، لتلف المبيع.

وكذا ما عن بعضهم من عموم النبوي للثمن، لصدق المبيع عليه.

إذ فيه مع ما سبق من عدم نهوض النبوي بالاستدلال في المقام: أن المبيع إن لم يكن مختصاً بالمثمن فلا ريب في انصرافه إليه.

ومن هنا كان الظاهر ابتناء ذلك على فهمه من النص بإلغاء خصوصية المبيع عرفاً، كما هو غير بعيد، لعدم الفرق بين المتعاقدين ارتكازاً في نحو علاقتهما بالعوضين، وتعهد أحدهما للآخر به، بنحو يغفل عرفاً عن خصوصية أحدهما في الأدلة، كما يناسبه ظهور مفروغية الأصحاب عن العموم من دون أن يتصدوا لبيان وجهه.

(1) كما صرح به غير واحد، بنحو يظهر منهم المفروغية عنه.

ولا ينبغي الإشكال فيه، خصوصاً بناءً على ما سبق من أن عمدة الأدلة في المسألة حديث عقبة بن خالد، لوروده في سرقة المتاع.

نعم تقدم عند الكلام في حقيقة الضمان في المقام أنه إنما يكون بحكم التلف في كون خسارته على البائع وعدم وجوب دفع المشتري الثمن له، من دون أن ينفسخ المبيع به.

فراجع.

(2) بلا إشكال ظاهر.

لأن قبض الوكيل بمنزلة قبض الموكل، بل هو قبضه.

وأما بناءً على ما سبق من أن المعيار في انتقال الضمان الخروج عن حوزة المشتري فالأمر أظهر.

أو غيره، فأرسله، كان بمنزلة قبضه (1)، ولا فرق بين تعيين المرسل معه


هذا إذا رجع ذلك إلى توكيل الشخص المذكور في القبض عنه.

أما إذا لم يرجع إلى ذلك فالكلام فيه هو الكلام الآتي في الأمر بإرساله المبيع.

(1) لم يتضح الوجه في ذلك، لعدم صدق القبض عليه عرفاً.

نعم هو يشارك قبضه في تحمله المسؤولية عرفاً.

لكن ذلك لا يكفي بعد فرض دلالة الدليل على اعتبار القبض في انتقال الضمان، من دون أن يدل على كون العلة في ذلك تحمله للمسؤولية.

ودعوى: رجوعه إلى توكيل البائع في القبض عنه ثم إرساله.

ممنوعة، لاحتياج ذلك إلى مؤنة زائدة على الأمر بالإرسال غير مفروضة في محل الكلام.

ومثلها دعوى رجوعه إلى توكيله في اختيار من يقبض عنه.

ولاسيما أن الرسول لا يقصد القبض عن المرسل إليه، بل مجرد إيصال المبيع إليه، نظير الرسول في إيصال الهدية.

ولذا لا يظن بأحد البناء على ترتب بقية آثار القبض بذلك، كجواز بيع ما يحرم بيعه قبل قبضه لو فرض البناء على ذلك في بعض الموارد.

ودعوى: رجوع الأمر بالإرسال إلى إسقاط حق الضمان، ولو من أجل تعرض المبيع مع الإرسال للتلف، المناسب لعدم رضا البائع بالإرسال وعدم طلب المشتري ذلك منه لولا الإسقاط المذكور.

مدفوعة: أولاً: بعدم كفاية ذلك في ظهور حال المشتري في الإسقاط.

وكما يكون المبيع معرضاً للتلف مع الإرسال يكون معرضاً له مع إبقائه عند البائع، الذي لا إشكال في عدم ابتناء طلبه على إسقاط الضمان.

ومجرد أقوائية احتمال التلف مع الإرسال منه مع الإبقاء عند البائع مع عدم إطراده لا يكفي في الفرق بينهما.

وثانياً: بعدم وضوح كون الضمان مع عدم القبض من الحقوق القابلة للإسقاط،

بل ظاهر دليله كونه حكماً شرعياً، لا سلطنة عليه لغير الشارع.

ولذا قال في التذكرة: «لو أبرأ البائع المشتري البائع من الضامن لم يبرأ.

وحكم العقد لا يتغير».

ونحوه في الدروس.

وعليه جرى شيخنا الأعظم (قده).

نعم لو كان دليل الضمان منحصراً ببناء العقلاء وسيرتهم الارتكازية اتجه عدم ثبوته مع طلب الإرسال، لقصور السيرة عن ذلك قطعاً.

لكن سبق المنع من الاستدلال بها، فضلاً عن انحصار الدليل عليه بها.

ومن هنا كان الظاهر انحصار الوجه فيه بما سبق منا من أن عمدة الدليل في الحكم هو حديث عقبة، وأن مفاده كون المعيار في انتقال الضمان ليس هو القبض، بل إخراج البائع المبيع عن حوزته، لتحقق ذلك في المقام، من دون أن يكون مفرطاً بالمبيع بإخراجه عن حوزته بعد كونه بأمر المشتري.

ومثله في جميع ما تقدم ما إذا أمر المشتري البائع ببيعه عنه، أو إنفاقه في مصارف خاصة، كدفع الطعام للفقراء، وفرش الفراش في المسجد، ونحو ذلك.

(1) لعدم المنشأ للفرق بينهما بعد اشتراكهما في العمل بقول المشتري وعدم تحقق القبض عنه فيهما معاً.

نعم مع تعيين المرسل معه قد يكون الشخص المعين وكيلاً عن المشتري في القبض عنه.

لكنه أمر زائد على الأمر بالإرسال معه غير مفروض في محل الكلام.

(2) ففي التذكرة والقواعد والدروس والإيضاح وغيرها أنه لا يتعين انفساخ البيع وبقاء الثمن للمشتري، بل يتخير المشتري بين فسخ البيع وأخذ الثمن، وعدم فسخه والرجوع على المتلف بالبدل.

ولا ينبغي الإشكال في عدم جريان حكم تلف المبيع قبل قبضه في الفرض بناءً على ما سبق من أن الدليل في المسألة حديث عقبة.

لظهور قصوره عن ذلك، فيرجع فيه للقاعدة.

واستفادته منه بإلغاء خصوصية مورده

أو الأجنبي (1) الذي يمكن الرجوع إليه في تدارك خسارته (2)، بل يصح العقد وللمشتري الرجوع على المتلف بالبدل (3) من مثل أو قيمة وهل له الخيار في فسخ العقد لتعذر التسليم‌؟ إشكال.

والأظهر ذلك (4).

وإذا حصل


غير ظاهرة الوجه.

أما لو كان الدليل في المسألة النبوي فيتوقف قصوره عن صورة إتلاف البائع على انصرافه عنها، وعهدته على مدعيه.

ولعله لذا ذهب إلى عموم الحكم له في المبسوط والشرائع، واحتمله في الجواهر.

للإطلاق.

(1) فقد صرح من تقدم بعدم تعين انفساخ البيع هنا أيضاً، بل يتعين التخيير بالوجه المتقدم.

وسبقهم إليه في المبسوط.

ويتضح الوجه في قصور حكم تلف المبيع عن الفرض مما سبق، لظهور حديث عقبة أو انصرافه إلى صورة تعذر تدارك السرقة باسترجاع المبيع من السارق أو أخذ عوضه.

واحتمل في الجواهر عموم الحكم له للإطلاق.

ويظهر حاله مما سبق.

(2) أما إذا لم يمكن الرجوع إليه في ذلك فهو بحكم التلف السماوي، لأن حديث عقبة وارد في السرقة التي هي فعل الأجنبي، لا في التلف، وحيث لا إشكال في إلحاق التلف الأرضي أو السماوي به، فإلحاق إتلاف الأجنبي الذي لا يمكن تدارك خسارته أولى منه.

(3) لقاعدة الضمان بالتلف بعد فرض كون المبيع باقياً في ملك المشتري.

(4) كما هو مقتضى ما تقدم منهم من تخيير المشتري بين الرجوع على البائع بالثمن والرجوع على المتلف بالبدل.

ويظهر من المبسوط تعليله باجتماع السببين سبب الانفساخ وهو تعذر التسليم المقتضى لعدم استحقاق البائع الثمن، وسبب الضمان وهو الإتلاف المقتضي للرجوع على المتلف بالبدل.

قال: «ويكون القبض في القيمة قائماً مقام القبض في المبيع، لأنها بدله».

وهو لا يخلو من تدافع، إذ المراد بتعذر التسليم الذي هو موضوع الانفساخ عندهم إن كان هو تعذر تسليم المبيع بعينه تعين انفساخ العقد، وضمان المتلف للبائع، وإن كان هو تعذر تسليم الأعم من المبيع وبدله تعين عدم انفساخ البيع، لعدم تعذر تسليم الأعم مع إمكان الرجوع على المتلف، بل يرجع على المتلف لا غير، لكونه متلفاً لماله بعد فرض عدم انفساخ البيع.

وعلى كلا الوجهين لا مجال للتخيير المذكور.

مضافاً إلى الإشكال على الشيخ نفسه بأن وجه التخيير المذكور لو جرى مع إتلاف الأجنبي لجرى مع إتلاف البائع، حيث يمكن الرجوع عليه بالبدل، ويكون قبض المشتري للبدل منه بمنزلة قبض المبيع، مع أنه التزم معه بانفساخ البيع لا غير، لاستحالة التقبيض.

ومن هنا يتعين توجيه التخيير المذكور بعد ما سبق منّا من خروج المورد عن مفاد النص، الراجع لعدم انفساخ البيع بأن الرجوع على المتلف من أجل إتلافه لماله، كما سبق، وفسخ البيع لثبوت الخيار بتخلف التسليم الذي يراد به تسليم المبيع بعينه، لابتناء البيع على تسليمه، بحيث يكون شرطاً ضمنياً يثبت الخيار بتخلفه.

كما ذكرناه آنفاً.

وهو المناسب لما سبق منا في خيار التأخير عن الشيخ نفسه من جواز الفسخ للبائع مع إعسار المشتري وتعذر الثمن، كما سبق عن الشيخ نفسه، بل حتى مع التأخير في إحضاره.

فراجع.

ومن ذلك يظهر ضعف ما في الجواهر من أنه لو فرض قصور النص في المقام وعدم انفساخ البيع فالمتعين لزوم البيع والمطالبة بالبدل لا غير، لعدم ثبوت سببية تعذر تسليم المبيع للخيار.

قال: «وخبر ضرار يدفعه ما وضعه الشارع من الضمان لمن أتلف مال غيره».

حيث ظهر مما ذكرنا أن الخيار ليس لحديث نفي الضرر، بل لتخلف مقتضى البيع.

هذا ولو كان المشتري هو المتلف للمبيع فقد صرحوا باستقرار المبيع وعدم انفساخه، وفي كلام غير واحد أنه بمنزلة القبض.

قال في المبسوط: «ولهذا نقول: إن

للمبيع نماء، فتلف الأصل قبل قبض المشتري، كان النماء للمشتري (1)،


المشتري إذا اعتق قبل القبض فإنه ينفذ عتقه، ويكون ذلك قبضاً».

لكنه ليس قبضاً قطعاً.

كما لا دليل على تنزيله منزلة القبض شرعاً.

فالعمدة قصور النص عن صورة إتلاف المشتري عتقه أو بيعه.

أما حديث عقبة الذي هو العمدة فظاهر.

وأما النبوي فلما ذكره في الجواهر من وروده مورد الإرفاق بالمشتري بنحو لا يناسب عمومه لما إذا كان التلف أو نحوه مستنداً إليه.

نعم إذا خدعه البائع وأوهمه فأتلف المبيع بتخيل أنه شيء آخر، فإن كان إتلافه مع قبضه كما لو قدم له الطعام، فأكله بتخيل كونه هدية تعين عدم انفساخ البيع.

وإن كان إتلافه من دون قبض كما لو أشعل الفتيل فاحترق النفط المبيع فحيث كان دليل المسألة حديث عقبة، وهو قاصر عن ذلك، يتعين عدم انفساخ البيع أيضاً.

أما لو كان الدليل النبوي فلا مجال للبناء على قصوره، لأن وروده مورد الامتنان في حق المشتري لا يمنع من شموله للمقام بعد كون المشتري مغروراً.

إلا أن يفرض انصرافه لا من جهة قرينة الامتنان.

وعلى كل حال لو فرض عدم انفساخ البيع، ولزوم الثمن على المشتري، فلا مانع من البناء على رجوعه على الغار الخادع له بالمثل أو القيمة في هذه الصورة وصورة القبض.

لما دلّ على عموم ضمان الغار الخادع، وقد تقدم في المسألة التاسعة عشرة من الفصل الثاني في شروط المتعاقدين.

فراجع.

(1) كما في الشرائع، وفي الجواهر أنه لا خلاف فيه بناءً على أن الملك بالعقد.

وهو المتعين، لأن الظاهر أن الانفساخ إنما يكون من حين التلف.

بل سبق منا أنه لا دليل على الانفساخ.

غاية الأمر أنه مع التلف لا يجب دفع الثمن، وذلك لا ينافي بقاء بقية آثار صحة العقد إذا تحقق موضوعها، ومنها ملكية النماء.

فلاحظ.

(113)

حدوث العيب قبل القبض

ولو حدث في المبيع عيب قبل القبض كان للمشتري الرد (1).

وفي ثبوت الأرش له قولان كما تقدم (2).


(1) كما تقدم منه (قده) في المسألة السادسة والخمسين من الفصل الرابع في الخيار، وأشرنا هناك إلى وجهه.

وهو أنه كما يكون مقتضى البيع تسليم المبيع، كذلك مقتضاه تسليمه سالماً على النحو الذي كان عليه حين البيع.

(2) في المسألة السادسة والخمسين من الفصل الرابع في الخيار.

ومما تقدم في المسألة الخمسين من الفصل المذكور يظهر عدم ابتنائه على استفادة ذلك من نصوص خيار العيب، لظهورها في العيب الحاصل حين البيع، بل على ما تقدم في مسألتنا هذه من أن تلف المبيع قبل قبضه من مال البائع، وأنه حيث لا يراد به ضمان البائع للمبيع بالمثل أو القيمة، بل عدم استحقاقه الثمن على المشتري المساوق عملاً لانفساخ البيع، فهو كما يقتضي تحمل البائع لدرك المبيع بالنحو المذكور مع تلفه بتمامه يقتضي تحمله درك النقص الحاصل فيه مما يوجب نقص ماليته.

واستفادة ذلك عرفاً من النص الوارد في المقام قريبة جداً، لأن النص المذكور وإن ورد في تلف تمام المبيع دون جزئه، فضلاً عن وصفه الذي لا يقابل بجزء من الثمن، إلا أن المستفاد عرفاً من الحكم بأن تلف المبيع قبل القبض من مال البائع عموم ذلك للنقص الوارد عليه بلحاظ أجزائه وصفاته، فبعد فرض كون الصفة ذات مالية، فتحمل البائع لنقصها وصيرورتها في ماله بالنحو الذي يكون مع تلف المبيع بتمامه مستلزم لأن ينقص من الثمن بنسبة قيمة الوصف لقيمة العيب، وهو عين الأرش الثابت في مورد خيار العيب.

فلاحظ.

نعم يختلف عنه بأمور: الأول: أن استحقاق الأرش هنا يكون هو اللازم بدواً، ويكون من عين الثمن، لعدم سلامة بعض المبيع، نظير مورد تبعض الصفقة، بخلافه هناك، حيث

(مسألة 4): لو باع جملة فتلف بعضها قبل القبض انفسخ البيع بالنسبة إلى التالف، ورجع إليه (1) ما يخصه من الثمن (2).

وكان له الخيار


سبق ملك البائع لتمام الثمن، لعدم مقابلة وصف الصحة والسلامة بشيء منه، وإنما يثبت الأرش بحكم الشارع تعبداً، إما تخييراً بينه وبين الفسخ، كما هو المشهور، أو عند حصول أحد موانع الرد، كما هو المختار.

الثاني: أنه يتعين هنا البناء على تخيير المشتري بين الاكتفاء بالأرش الثابت له بدواً والفسخ في تمام البيع، لما سبق.

وهذا بخلاف الأرش هناك، حيث سبق أن المشتري لا يستحقه إلا أن يختاره، كما هو المشهور، أو إلا أن يتعذر الرد، كما هو المختار.

الثالث: أن المشتري إذا اختار الأرش كان للبائع الخيار لتبعض الصفقة في حقه بالإضافة إلى الثمن.

بخلاف الأرش في خيار العيب، حيث يظهر من سكوت نصوصه عن الخيار عدم ثبوته.

هذا ولو كان حدوث العيب بفعل البائع، أو بفعل أجنبي يمكن الرجوع إليه، تعين عدم تبعض الثمن، بل ضمان العيب بنسبته للمبيع بلحاظ قيمته الواقعية عملاً بالقاعدة بعد قصور النص في المقام عن ذلك، نظير ما تقدم في إتلاف العين.

كما يكون للمشتري الخيار، لعدم تحقق مقتضى البيع، وهو تسليم المبيع سالماً.

أما لو كان حدوثه بفعل المشتري فلا يمنع من استحقاق البائع لتمام الثمن، لقصور النص في المقام عنه.

كما لا خيار حينئذٍ، لعدم خروج البائع عن مقتضى العقد بعد استناد تعذر تسليم المبيع سالماً للمشتري نفسه.

(1) يعني: إلى المشتري.

(2) كما صرح بذلك جماعة بنحو يظهر من بعضهم المفروغية عنه، ونفى الخلاف والإشكال فيه شيخنا الأعظم (قده).

وقد علل في كلام غير واحد بصدق المبيع على التالف، فيدخل في إطلاق النص.

(115)

الكلام في تفريغ المبيع

في الباقي (1).

(مسألة 5): يجب على البائع تفريغ المبيع عما كان فيه (2) من متاع أو غيره، حتى إنه لو كان مشغولاً بزرع حان وقت حصاده وجب إزالته منه (3)، ولو كان للزرع عروق تضر بالانتفاع بالأرض أو كان في الأرض


لكن المبيع عرفاً هو الجملة التي يقع عليها العقد، وانحلالها إلى أجزائها لا يوجب تعدد البيع ولا المبيع عرفاً، كما تقدم نظيره مكرراً.

ومن هنا لا مجال لدعوى عموم النص، خصوصاً حديث عقبة الذي تقدم أنه عمدة الدليل في المسألة.

ومن ثم يتعين ابتناؤه على ما تقدم في العيب، فإن تم، وإلا تعين العمل فيه على مقتضى القاعدة من استحقاق البائع الثمن بتمامه، وعدم ضمانه للتالف مع عدم التفريط منه، ومع تفريطه يضمنه ببدله من المثل أو القيمة.

(1) كما صرح به غير واحد.

لتبعض الصفقة عليه في المبيع.

والظاهر ثبوت الخيار للبائع أيضاً، لتبعض الصفقة عليه في الثمن، نظير ما تقدم في العيب.

نعم الظاهر عدم ثبوت الخيار المذكور في حق كل منهما لو كان هو المتلف.

(2) كما صرح بذلك غير واحد بنحو يظهر منهم المفروغية عنه.

لأن ذلك مقتضى البيع، إذ لما كان الغرض من البيع نوعاً انتفاع المشتري بالمبيع على أي وجه أراد، وانتفاع البائع بالثمن كذلك، وكان إشغال أحدهما مانعاً من ذلك، فكما كان مقتضى إطلاق البيع تسليم لكل منهما كان مقتضاه تسليمهما مفرغين، ولا يخرج عن ذلك إلا بقرينة خاصة.

ووضوح ذلك يغني عن إطالة الكلام فيه.

ومنه يظهر جريان ذلك في الثمن لو كان مما من شأنه الإشغال.

ولعل عدم تعرضهم لذلك فيه لغلبة كونه من النقد الذي لا يقبل ذلك.

(3) كما في الشرائع.

لعين ما سبق.

حجارة مدفونة وجب إزالتها (1) وتسوية الأرض (2)، ولو كان شيء لا يمكن فراغ المبيع منه إلا بتخريب شيء من الأبنية وجب أصلاحه وتعمير


(1) كما في الشرائع، وفي المسالك أنه لا ريب فيه.

لكن لم يتضح اقتضاء إطلاق البيع الإزالة، خصوصاً في عروق الزرع التي ليس من شأن البائع الانتفاع بها بل قد يكون مقتضى إطلاق البيع إعراض البائع عنها، وإقدام المشتري على الرضا بالنقص المذكور.

والمحكّم في ذلك قرائن الأحوال.

(2) كما في الشرائع.

قال في الجواهر: «لوجوب تسليم المبيع إليه متمكناً من الانتفاع به».

وهو كما ترى، إذ مع عدم تسوية الأرض يمكن للمشتري الانتفاع بها ولو بأن يسويها هو.

ولذا لو كانت الحفر في الأرض حين البيع لم يجب على البائع تسويتها.

ولعل الأولى تعليل الحكم بأنه نقص أدخله على الأرض، فيجب عليه تداركه.

وإن كان ذلك يشكل أيضاً.

.

أولاً: بأن تدارك النقص لا يكون بتسوية الحفر، بل بدفع أرشه، وهو فرق ما بين التام والناقص، كما صرح به في المسالك وذكره في الدروس فيما لو لزم من التفريغ هدم حائط.

نظير ما لو أمرض الدابة أو فتق الخياطة، حيث يجب دفع الأرش المذكور، لا مداواة الدابة وإرجاع الخياطة.

وقد تقدم منا نظير ذلك في المسألة الثلاثين من الفصل الرابع في الخيار.

فراجع.

وأما ما ذكره شيخنا الأعظم (قده) من إلحاق بعض صور تغيير حال المبيع بالمثلي فيجب إرجاعه على ما كان.

وإلحاق بعض صوره بالقيمي فيجب الأرش.

فلم يتضح وجهه ولعله لذا قال بعد ذلك: «ولو ألحق مطلقاً بالقيمي كان له وجه».

نعم إذا لم يكن الحدث في الملك موجباً لعيب فيه يتدارك بقيمة فقد يكون مقتضى العدل لزوم إزالة أثره إذا أمكن، فمن نقل متاع شخص من مكان لآخر يجب عليه إرجاعه لمكانه الذي كان فيه، ومن نشر ثوباً لغيره كان مطوياً يجب عليه طيه كما كان.

البناء (1).

ولو كان الزرع لم يحن وقت حصاده جاز لمالكه إبقاؤه إلى وقته (2)،


وثانياً: بأن التدارك بأي وجه كان إنما يجب إذا لم يكن ملك المالك للعين التي حصل النقص فيها مبنياً على حصول النقص المذكور، كما هو الحال فيمن زرع في ملك غيره عمداً أو خطأ، وفيما إذا فسخ من له الخيار بيع الأرض بعد زرع المشتري فيها كما تقدم في فروع خيار الغبن.

ولا مجال للبناء عليه في مثل المقام، حيث أقدم المشتري على شراء الأرض المزروعة على أن للزارع أو عليه قلع زرعه بنحو يوجب حدوث الحفر فيها، فإن إقدامه على الشراء مستلزم لرضاه بتعرضها لذلك، ولا وجه معه لتحمل البائع درك الحدث الذي يحدث فيها.

إلا أن يشترط ذلك صريحاً حين العقد، فيتعين العمل على الشرط.

نعم لو لم يكن الحدث متوقعاً، بحيث يبتني البيع عليه، تعين تحمل دركه، على الكلام المتقدم فيه.

كما لو كانت الدار المبيعة مشغولة بمتاع يتخيل إمكان خروجه منها من دون تخريب فيها توقفه على التخريب.

غاية الأمر أنه قد يثبت الخيار حينئذٍ للمشتري، لعدم تسلمه للمبيع على النحو الذي يقتضيه البيع وقد أقدم هو عليه.

بل لا يبعد ثبوت الخيار للبائع أيضاً لو طلب المشتري الدرك، لخروج ذلك عما أقدم عليه وابتنى عليه البيع.

(1) يظهر الحال فيه مما سبق.

(2) كما صرح به غير واحد.

قال في الجواهر: «وإن لم يكن قد أحصد وجب الصبر إلى أوانه.

نعم للمشتري الخيار إن لم يكن المشتري عالماً به للضرر».

وسبقه إلى ذلك في المسالك.

وفيه: أن إقدام البائع على بيع الأرض بنحو الإطلاق من دون اشتراط تأخير الزرع إلى أوان حصاده ملزم له بتحمل ضرر إزالة الزرع قبل أوانه.

ولذا صرح بعض مشايخنا (قده) بوجوب إزالة ما لم يحن وقت حصاده.

نعم إذا كان هو أيضاً جاهلاً بوجود الزرع فحيث لا

البيع قبل القبض

وعليه الأجرة (1).

(مسألة 6): من اشترى شيئاً ولم يقبضه فإن كان مما لا يكال ولا يوزن جاز بيعه قبل قبضه (2).

وكذا إذا كان مما يكال أو يوزن، وكان البيع


إقدام منه على تحمل الضرر يتجه إعمال قاعدة نفي الضرر في حقه.

نعم للمشتري الخيار وإن لم يتضرر بتأخير حصاد الزرع، لظهور المبيع على خلاف ما أقدم عليه.

فإن اختار الفسخ فسخ، وإلا وجب عليه انتظار الزرع، دفعاً لضرر البائع.

فإن أضرّ به أيضاً الانتظار جرى حكم تزاحم الضررين الذي تقدم في المسألة الثلاثين من الفصل الرابع في أحكام الخيار.

ومثل ذلك ما إذا اعتقد البائع خطأ بلوغ الزرع وأنه قد آن حصاده، أو اشترط بقاءه مدة معينة لاعتقاد بلوغ الزرع فيها فلم يبلغ.

لعدم إقدامه على الضرر أيضاً، لتقصر قاعدة الضرر عن الجريان في حقه.

هذا كله إذا كان مقتضى إطلاق البيع هو الإزالة.

أما إذا لم يكن كذلك، خرج عن محل الكلام، كما لو كان علمهما بعدم بلوغ الزرع قرينة على اشتراط إبقائه إلى أوان بلوغه بعد فرض عدم دخوله في بيع الأرض تبعاً.

وقرائن الأحوال كثيراً ما تتحكم في ذلك.

(1) مما سبق يظهر الحال في ذلك، فإنه مع علم البائع بحال الزرع وجهل المشتري به يتعين حصده وإزالته.

إلا أن يرضى المشتري ببقائه مجاناً أو بأجرة.

ومع علمهما بحاله، بحيث يكون قرينة على ابتناء البيع على إبقائه، يتعين إبقاؤه مجاناً، نظير ما سبق فيما لو بيعت الأرض دون الشجر الذي فيها.

إلا أن تشرط الأجرة عند البيع ولو ضمناً.

(2) كما صرح به جمهور الأصحاب.

وفي التحرير والدروس الإجماع عليه، بل في الجواهر: «إجماعاً بقسميه».

ويقتضيه النصوص الكثيرة، كصحيح أبي حمزة عن

(119)

أبي جعفر (عليه السلام):

«سألته عن رجل اشترى متاعاً ليس فيه كيل ولا وزن أيبيعه قبل أن يقبضه‌؟ قال: لا بأس» (1) وصحيح الحلبي: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم اشتروا بزاً، فاشتركوا فيه جميعاً ولم يقسموه، أيصلح لأحد منهم بيع بزه قبل أن يقبضه‌؟ قال: لا بأس به.

وقال: إن هذا ليس بمنزلة.

إن الطعام يكال»(2) ، وغيرهما مما يأتي بعضه.

ويأتي بعض ما يتعلق بذلك.

هذا وفي التذكرة عن بعض علمائنا المنع من بيع ما لم يقبض مطلقاً.

وإن تمت النسبة فكأنه لإطلاق ما تضمن النهي عن بيع ما لم يقبض، كموثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) رجلاً من أصحابه والياً، فقال له: إني بعثتك إلى أهل الله يعني: أهل مكة فانههم عن بيع ما لم يقبض، وعن شرطين في بيع، وعن ربح ما لم يضمن»(3).

لكن لابد من الخروج عنه بما تقدم وغيره من النصوص الكثيرة الدالة على جواز بيع ما لم يقبض في الجملة(4) ، ويأتي بعضها، بنحو يلزم بتخصيصه، أو حمله على الكراهة.

وربما استدل عليه بما تضمن النهي عن بيع ما ليس عندك(5).

لكن مقتضاه عدم جواز بيع الغائب وإن كان قد قبض ولا بيع السلف ولا بيع الكلي معجلاً إذا لم يكن عنده منه شيء، وحيث لا مجال للبناء على ذلك تعين حمل المضمون المذكور على النهي عن بيع ما لم يملك، على ما تقدم عند الكلام في القدرة على التسليم من شروط العوضين.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 8، 10.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 8، 10.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب أحكام العقود حديث: 6.

(4) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود.

(5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب أحكام العقود حديث: 12، وباب: 10 من أبواب أحكام العقود حديث: 2.

برأس المال (1).


(1) كما صرح في الجملة في التحرير والمسالك.

وهو داخل في إطلاق من أجاز البيع قبل القبض.

لصحيح منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: إذا اشتريت متاعاً فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى تقبضه.

إلا أن توليه. فإذا لم يكن فيه كيل ولا وزن فبعه»، ونحوه بل عينه معتبره عنه (1)(عليه السلام)، وصحيح علي بن جعفر عن أخيه: «أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن الرجل يشتري الطعام أيصلح بيعه قبل أن يقبضه‌؟ قال: إذا ربح لم يصلح حتى يقبض.

وإن كان يوليه فلا بأس.

وسألته عن الرجل يشتري الطعام أيحل له أن يولي منه قبل أن يقبضه‌؟ قال: إذا لم يربح عليه شيئاً فلا بأس، فإن ربح فلا بيع حتى يقبضه»(2) ، وصحيح معاوية بن وهب: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع البيع قبل أن يقبضه.

فقال: ما لم يكن كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه.

إلا أن توليه الذي قام عليه»(3) ، وغيرها.

وبذلك يظهر الإشكال فيما في المبسوط والخلاف والمهذب والوسيلة وغيرها من إطلاق عدم جواز بيع الطعام قبل أن يقبض مدعياً في الأولين الإجماع عليه وإطلاق جواز بيع غير الطعام قبل القبض.

حيث يظهر منهم: أولاً: أن المعيار في التفصيل على الطعام وغيره، لا على المكيل والموزون وغيرهما.

ثانياً: إطلاق المنع من البيع مع عدم القبض ولو مع التولية وعدم الربح.

وكلاهما لا يناسب النصوص المتقدمة.

وإن ذكر في الجواهر أنهما معاً هما المعروفان بين القائلين بالمنع.

ثم إن مقتضى صحيحي منصور ومعاوية وغيرهما اختصاص الجواز بالتولية، فلا يجوز البيع مع المرابحة والمواضعة، بل ولا المساومة مطلقاً برأس المال كان البيع أم بربح أم بوضيعة.

ومقتضى ذيل صحيح علي بن جعفر عموم الجواز لجميع صور عدم

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 12، 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 9، 11.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 9، 11.

أما لو كان بربح ففيه قولان (1)، أحوطهما المنع إذا باعه على غير البائع،


الربح من المساومة وغيرها.

ومقتضى الجمع بينه وبينها تحكيم الثاني، لأن السؤال فيه عن التولية، والعدول في الجواب إلى عدم الربح، موجب لقوة ظهوره في عدم خصوصية التولية في الجواز.

نعم في خبر أبي بصير: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى طعاماً ثم باعه قبل أن يكيله.

قال: لا يعجبني أن يبيع كيلاً أو وزناً قبل أن يكيله أو يزنه.

إلا أن يوليه كما اشتراه إذا لم يربح فيه أو يضع. وما كان من شيء عنده ليس بكيل ولا وزن فلا بأس أن يبيعه قبل أن يقبضه»(1).

ومقتضاه إلحاق الوضيعة بالربح في المنع.

وصدره وإن تضمن اشتراط الكيل والوزن، إلا أن ذيله شاهد بأن ذكر الكيل والوزن من أجل ملازمتهما للقبض، فيكون مما نحن فيه.

كما أن قوله (عليه السلام): «لا يعجبني» وإن لم يكن ظاهراً في الحرمة، إلا أنه إما أن يحمل عليها بقرينة النصوص الظاهرة فيها، أو تحمل على الكراهة من أجله وأجل غيره مما يأتي الكلام فيه، وإلا فاحتمال اختلاف الحكم لاختلاف الموضوع من جهة إضافة الوضيعة غير وارد عرفاً.

فلم يبق إلا ضعف سنده، لأن في طريقه علي بن أبي حمزة البطائني، فإنه وإن تكرر منا أن الظاهر رواية الأصحاب عنه قبل انحرافه، لمباينتهم له بعد ذلك، إلا أن ذلك قد لا يجري في مثل هذه الرواية، حيث كان الراوي عنه فيها القاسم بن محمد الجوهري الذي هو واقفي مثله وإن كان ثقة.

وإن كان المظنون قوياً أن رواية أصحابنا إنما كانت لرواياته وكتبه التي عرفت عنه قبل انحرافه حتى لو كانت بتوسط أمثاله من الواقفة، لشدة موقفهم ضده بعد ذلك. فلاحظ.

(1) فالمنع هو المستفاد ممن سبق على اختلافهم في عموم المنع وخصوصه.

وفي

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 16.

المقنعة أنه مكروه من دون أن يفسد به البيع.

كما صرح بالكراهية في النهاية والشرائع والدروس واللمعة وغيرها، وفي الجواهر: «بل هو المشهور بين متأخري الأصحاب نقلاً وتحصيلاً».

وكأن ذلك للجمع بين النصوص المتقدمة ونصوص أخر يستفاد منها الجواز، كخبر خالد بن حجاج: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشتري الطعام من الرجل، ثم أبيعه من رجل آخر قبل أن أكتاله، فأقول: ابعث وكيلك حتى يشهد كيله إذا قبضته.

قال: لا بأس»(1) ، وخبر جميل بن دراج عنه (عليه السلام): «في الرجل يشتري الطعام ثم يبيعه قبل أن يقبضه. قال: لا بأس، ويوكل الرجل المشتري منه بقبضه وكيله.

قال: لا بأس»(2).

ومعتبر الحلبي عنه (عليه السلام): «سألته عن الرجل يشتري الثمرة، ثم يبيعها قبل أن يأخذها. قال: لا بأس به إن وجد بها ربحاً فليبع»(3).

وهو المناسب لقوله (عليه السلام) في خبر أبي بصير المتقدم: «لا يعجبني»، ولصحيح الحلبي عنه (عليه السلام): «أنه قال في الرجل يبتاع الطعام ثم يبيعه قبل أن يكال.

قال: لا يصلح له ذلك»(4) ، ونحوه أو عينه صحيح الآخر(5).

لكن الثلاثة الأخيرة لا ظهور لها في الكراهة، بحيث يخرج بها عن ظهور النصوص الأول في الحرمة، بل قوله (عليه السلام): «لا يصلح» إلى الحرمة أقرب.

غاية الأمر أنها لا تأبى الحمل على الكراهة لو دل عليه دليل خاص، وليس ذلك محل للكلام.

كما أن معتبر الحلبي وارد في شراء الثمرة، والظاهر منه شراؤها وهي على الشجر، ولاسيما بملاحظة سياق الحديث في الفقيه، وهي حينئذ من غير المكيل والموزون.

ولا أقل من عدم إحراز كونها من المكيل أو الموزون، لتكون مما نحن فيه.

فلم يبق إلا خبر خالد وجميل، لأن الطعام من المكيل والموزون.

وقد ذكر شيخنا الأعظم (قده) أن حملهما على التولية جمعاً مع النصوص الأول أولى من حمل

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 6، 4.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 6، 4.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 5، 3.

(5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب أحكام العقود حديث: 5، 3.

تلك النصوص لأجلهما على الكراهة.

ولم يتضح وجه الأولوية.

ولاسيما أن البيع برأس المال من دون زيادة ولا نقيصة أو من دون ربح وإن لم يكن نادراً، إلا أن التقييد به يحتاج إلى عناية، لأن طبيعة البيع في التجارة يبتني على الاسترباح، فحمل إطلاق البيع في الخبرين على خصوص صورة عدم الربح بعيد في نفسه، وليس كذلك حمل النهي على الكراهة.

إلا أن يستبعد في خصوص المقام بلحاظ كثرة النصوص المتضمنة للنهي عن البيع قبل القبض وإن اختلفت في الإطلاق والتقييد، وظهور الاهتمام في بعضها بالحكم المذكور.

ومن هنا كان كلا الجمعين بعيداً في نفسه، وإن لم يبلغ حدّ التعذر عرفاً.

مضافاً إلى ضعف الخبرين سنداً، فالخروج بهما عن ظهور نصوص المنع في الحرمة لا يخلو عن إشكال، كما نبه لذلك في المسالك.

وإن كان ذلك قد يهون بلحاظ ظهور حال الكليني في الاعتماد على خبر جميل، وظهور حال الصدوق في الفقيه الاعتماد على خبر خالد بن حجاج، لذكرهما لهما في الباب المناسب، مع بنائهما على صحة أخبار كتابيهما.

كما أن الصدوق في المقنع وإن أفتى أولاً بتحريم بيع الطعام قبل القبض، إلا أنه قال بعد ذلك: «وروي في حديث أنه لا بأس أن يشتري الطعام ثم يبيعه قبل أن يقبضه» حيث يظهر منه التراجع عن الفتوى المذكورة من أجل الحديث المذكور ولو بالتوقف في المسألة.

كما عرفت من الشيخين في المقنعة والنهاية الفتوى بالكراهة، ولا يبعد كفاية ذلك في جبر ضعف الخبرين.

ولاسيما مع شهرة التعويل عليهما من عصر المحقق إلى عصورنا.

هذا وقد أضاف شيخنا الأعظم (قده) لما سبق أن الحمل على الكراهة يستلزم ارتفاع الكراهة في التولية بمقتضى نصوص استثنائها، قال: «مع أن الظاهر عدم الخلاف في الكراهة فيها أيضاً بين أرباب هذا القول وإن كانت أخف».

أما إذا باعه على البائع فالظاهر جوازه مطلقاً (1).

وكذا إذا ملك شيئاً


وكأنه يشير إلى مثل الشهيد، حيث قال في الدروس: «الأقرب الكراهية في بيع المكيل والموزون.

وتتأكد في الطعام.

وآكد منه إذا باعه بربح».

لكن الجمع بين النصوص بتأكد الكراهة شايع بين الفقهاء، وهو مقبول عرفاً.

وبعبارة أخرى: إن حمل النهي في النصوص على التحريم تعين الجمع بينها بالتخصيص، ولا يبقى دليل على الكراهة في مورد التخصيص.

أما إذا حمل على الكراهة بقرينة الخبرين فلا ملزم بالتخصيص، بل يتعين إبقاء النصوص على إطلاقها والجمع بينها باختلاف مراتب الكراهة.

ومن هنا لا ينهض ما ذكره باستبعاد الكراهة.

والعمدة ما سبق.

(1) فقد استظهر شيخنا الأعظم (قده) أن محل الخلاف هنا هو بيع غير المقبوض على غير البائع، كما يستفاد من ذكر القائلين بالجواز في السلف والقائلين بالتحريم هنا.

وفي التذكرة أن القائلين بجواز بيع ما لم يقبض على غير البائع قالوا بجواز بيعه على البائع، والقائلين بالمنع من بيعه على غير البائع اختلفوا في جواز بيعه على البائع.

وقد يستدل على الجواز: تارة: بانصراف إطلاقات المنع عن بيعه على البائع.

وأخرى: بما تضمن جواز بيع ما يسلف فيه على بايعه إذا لم يكن عنده حين حلول أجله(1).

ويندفع الأول بأن الانصراف لو تم بدوي ليس له منشأ ارتكازي، فلا مجال لرفع اليد به عن الإطلاق.

والثاني بأن للسلف أحكامه الخاصة به، فيصعب إلغاء خصوصية مورده خصوصاً في مثل هذا الحكم التعبدي المخالف للقاعدة.

نعم يتعين استثناء بيع أحد الشركاء حصته في المبيع لشريكه.

لموثق سماعة: «سألته عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة وقد كان اشتراها ولم يقبضها. قال: لا حتى

(1) راجع: وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب السلف.

(125)

جواز البيع قبل القبض فيما ملك بغير الشراء

بغير الشراء كالميراث والصداق فإنه يجوز بيعه قبل قبضه (1).

كما لا يبعد


يقبضها. إلا أن يكون معه قوم يشاركهم، فيخرجه بعضهم من نصيبه من شركته بربح أو يوليه بعضهم فلا بأس»(1).

وهو صريح في الاستثناء المذكور.

ولا يتضح لنا فعلاً الوجه في إهمالهم التعرض لذلك.

وربما يستثنى أيضاً تشريك المشتري لغيره فيما اشتراه لخبر إسحاق المدائني: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القوم يدخلون السفينة يشترون الطعام فيتساومون بها، ثم يشتريه رجل منهم، فيسألونه فيعطيهم ما يريدون من الطعام، فيكون صاحب الطعام هو الذي يدفعه إليه ويقبض الثمن.

قال: لا بأس.

ما أراهم إلا وقد شركوه...»(2).

فإنه كالصريح في أن الذي يشتريه رجل واحد، ثم يبيع بعضه عليهم قبل أن يقبضه، وإنما يقبضونه من البائع الأول.

لكنه مع الإشكال في سنده، لعدم توثيق إسحاق، مطلق قابل للحمل على عدم ربح المشتري الأول عليهم.

بل هو قريب جداً، حيث يقرب في مورده كون شراء الأول مقدمة لإشراكهم معه.

وحينئذ يتعين تحكيم ما تضمن المنع من الربح مع البيع قبل القبض، والاقتصار على الاستثناء الأول لا غير.

فتأمل.

(1) بلا خلاف أجده، بل ربما ظهر من بعضهم الإجماع عليه. كذا في الجواهر.

والوجه فيه عمومات نفوذ العقود والتجارة بعد اختصاص النصوص السابقة بالشراء.

نعم تقدم إطلاق النهي عن بيع ما لم يقبض في موثق عمار.

لكن من القريب حمله على خصوص ما ملك بالشراء بقرينة النصوص المصرحة باختصاص المنع بالمكيل والموزون وبما إذا كان البيع بربح، حيث لا يكون الكيل والوزن شرطاً في غير الشراء، ولا يكون الربح إلا معه.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب أحكام العقود حديث: 15، 7.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب أحكام العقود حديث: 15، 7.

هذا وقد استثنى في التنقيح ما إذا كان الموروث قد ملكه بالشراء ولم يقبضه.

وقد استشكل فيه في مفتاح الكرامة بظهور النصوص المانعة في منع المشتري من بيع ما لم يقبضه، لا بيع غيره ممن يترتب ملكه على شرائه، كالوارث، والزوجة إذا كان المشتري قد أصدقها ما اشتراه قبل قبضه، والمختلعة إذا كان المشتري قد جعل ما اشتراه عوض خلعها قبل قبضه، بناءً على ما يأتي من جواز ذلك.

ولعله لذا قوّى في الإيضاح وغيره الجواز، وظاهر القواعد التردد والإشكال، وإن كان ظاهر التذكرة المفروغية عن عموم المنع لذلك.

وكيف كان فما ذكره في مفتاح الكرامة وإن كان متيناً في الجملة، إلا أن المناسبات الارتكازية قاضية بأن الملكية المتفرعة على الملكية السابقة لا تقتضي سلطنة زائدة على ما اقتضته الملكية السابقة، خصوصاً ملكية الوارث التي هي ارتكازاً بقاء لملكية المورث، لا مباينة لها مترتبة عليها.

ولاسيما مع إطلاق النهي عن بيع ما لم يقبض في موثق عمار، فإنه وإن سبق حمله على خصوص ما ملك بالشراء، إلا أن من القريب عمومه لبيع غير المشتري ممن تترتب ملكيته على ملكيته إذا لم يتحقق القبض الذي هو من توابع الشراء الأول.

ومن هنا يشكل استفادة البناء على عدم اعتبار القبض في المقام ممن أطلق عدم اعتبار القبض في صحة بيع ما ملك بغير الشراء كالميراث.

لقرب كون نظرهم للقبض الذي يقتضيه السبب المملك كالميراث من دون نظر للقبض الذي يقتضيه الشراء السابق على السبب المملك.

وكيف كان فما ذكره في التنقيح لا يخلو عن وجه وعليه جرى شيخنا الأعظم (قده).

وإن كان محتاجاً لمزيد من التأمل.

نعم يشكل ما ذكره أيضاً من أنه لو اشترى من مورثه، ثم مات البائع قبل قبضه، والمشتري وارث لجميع ماله، فإنه أيضاً يجوز بيعه قبل قبضه، لأنه بحكم المقبوض.

إذ لم يتضح الوجه في كون الميراث بمنزلة القبض.

ولاسيما أن المال المذكور لم يورث، لسبق ملكه بالشراء، وإنما الموروث غيره.

فلاحظ.

اختصاص المنع حرمة أو كراهة بالبيع (1) فلا بأس بجعله صداقاً أو أجرة قبل قبضه.

(1) كما نسبه لظاهر الأصحاب في التنقيح، وقال: «وكاد يكون إجماعاً»، وجعله الأقرب في التذكرة، وهو الظاهر من جامع المقاصد، ونفى الإشكال فيه في الجواهر.

وهو المتعين، عملاً بعمومات الصحة بعد اختصاص أدلة المنع بالبيع.

لكن في المبسوط المنع من الإجارة والمكاتبة، لأنهما نوع من البيوع.

ويشكل أولاً: بمباينتهما للبيع عرفاً.

وثانياً: بأن ما يشبه المبيع فيهما هو المنفعة والعبد، وهما ليسا طعاماً، ولا مكيلاً ولا موزوناً، فيخرجان عن موضوع المنع من بيع ما لم يقبض.

ومثله ما يظهر منه في كتاب الحوالة ومن غيره من تعميم موضوع المنع لمطلق المعاوضة، حيث لا يتضح وجهه بعد اختصاص النصوص بالبيع.

إلا أن يدعى إلغاء خصوصيته عرفاً، وفهم العموم من النصوص.

فتأمل.

بقي في المقام أمور: الأول: إن الظاهر عموم محل الكلام لما إذا كان المبيع كلياً، فيكره أو يحرم على المشتري بيعه قبل قبضه، لأن الكلي وإن امتنع قبضه بنفسه، إلا أن قبض الفرد منه وفاء له يصحح نسبة القبض له عرفاً، بحيث يكون مشمولاً لنصوص المقام.

الثاني: هل يجري المنع حرمة أو كراهة في الثمن، فيمنع من بيعه قبل قبضه إن كان مكيلاً أو موزوناً، أو لا؟ قد يقال بالثاني، لاختصاص نصوص المنع بالمبيع.

لكن لا يبعد إلحاق الثمن به عرفاً، كما جروا عليه في كثير من الموارد، ومنها ما تقدم من أن تلفه قبل القبض من مال المشتري، لنظير ما تقدم هناك.

فراجع.

الثالث: أن المعيار هنا على القبض، الذي عرفت أنه الأخذ، لأنه هو الذي تضمنته النصوص السابقة.

نعم تضمن بعض النصوص المنع من بيع المكيل قبل كيله،

كما تقدم في صحاح الحلبي ومعاوية بن وهب ومحمد بن قيس وموثق عبد الرحمن بن أبي عبد الله وخبر أبي بصير.

وقد يظهر من بعضهم حملها على توقف القبض في المكيل والموزون شرعاً على كيله أو وزنه، بحيث لا يترتب شيء من أحكام القبض بدونه.

لكن النصوص المذكورة لا ظهور لها في ذلك.

وغاية ما تدل عليه هو توقف جواز بيع المكيل والموزون على كيله أو وزنه، إما وحده أو مع القبض، من دون أن يكون مأخوذاً في حقيقة القبض شرعاً في هذا الحكم، فضلاً عن سائر أحكام القبض.

وحينئذ يقع الكلام في أن المعتبر هو القبض فقط، وأن ذكر الكيل والوزن في النصوص المذكورة عرضاً لملازمتهما له في المكيل والموزون، من دون أن يكونا شرطين بأنفسهما، أو أن المعتبر كلا الأمرين، أو أن المعتبر هو الكيل والوزن فقط، بحيث لو تحققا جاز البيع قبل القبض.

وقد يستظهر الأخير من صحيح معاوية بن وهب، لأن اقتصار الإمام (عليه السلام) في الجواب على الكيل والوزن بعد تعرض السائل للقبض وحده ظاهر في أن المعيار في جواز البيع عليهما، دون القبض.

لكن لا مجال للبناء على ذلك بلحاظ النصوص الكثيرة المقتصرة على القبض على اختلافها في العموم والخصوص.

ولاسيما ما تضمن منها تصريحاً أو تلويحاً التفصيل بين المكيل والموزون وغيرهما، كصحيح الحلبي المتقدم الوارد في شراء البز وغيره، إذ لا موضوع للتفصيل المذكور لو كان المعتبر هو الكيل والوزن فقط.

ومن هنا يدور الأمر بين الوجهين الأولين.

ولا يبعد أن يكون الأقرب هو الوجه الأول بلحاظ كثرة النصوص المقتصر فيها على القبض.

بل صحيح معاوية بن وهب بعد تعذر العمل بظاهره من كون المعتبر هو الكيل والوزن فقط، لما سبق، فحمله على كون ذكر الكيل والوزن لملازمتهما للقبض المذكور

في السؤال، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال، أقرب من حمله على اعتبار كلا الأمرين، لما يستلزمه من عدم مناسبة الجواب للسؤال، حيث اقتصر فيه على بيان أمر غير المسؤول عنه مع إهمال الأمر المسؤول عنه من دون إثبات ولا نفي.

وهو مخالف لطريقة أهل اللسان في المحاورات.

على أنه لا فرق بين الوجهين عملاً بعد ملازمة القبض للكيل والوزن في المكيل والموزون، ليكون الكلام في تعيين أحدهما مثمراً.

ودعوى: ظهور الثمرة فيما لو كان كيل المبيع أو وزنه سابقين على بيعه، حيث يتوقف بيع المشتري له على قبضه له فقط على الوجه الأول، ولابد فيه معه من إعادة كيله أو وزنه على الثاني.

مدفوعة بأن نصوص المقام المتضمنة للكيل والوزن تنصرف للكيل والوزن الذين يقتضيهما البيع الأول، بنحو يقتضي الاكتفاء بالكيل والوزن السابقين في الفرض المذكور.

فلاحظ.

الرابع: ذكر في الدروس فيما لو كان لشخص على آخر طعاماً، أنه لو دفع إليه المدين مالاً ليشتري له طعاماً ثم يقبضه لنفسه وفاء عن دينه، ابتنى على الخلاف في المقام.

وهو كما ترى، لأن وفاء الدين ليس بيعاً، ليقع الكلام في توقفه على القبض.

وأما ما ذكره شيخنا الأعظم (قده) من أن عموم المنع لتشخيص الكلي قبل القبض وإن لم يناسب ظاهر النص والفتوى، ولاسيما بلحاظ النصوص المفصلة بين التولية وغيرها، إلا أنه لا يبعد عن سياق مجموع الأخبار.

فهو في غاية المنع.

نعم في صحيح الحلبي: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلفه دراهم في طعام، فلما حل طعامي عليه بعث إليّ بدراهم، وقال: اشتر لنفسك طعاماً واستوف حقك.

قال:

أرى أن تولي ذلك غيرك، ولا تتولى أنت شراءه»(1).

ونحوه موثق عبد الرحمن بن أبي عبد الله:

«إلا أنه (عليه السلام) قال: يكون معه غيره يوفيه ذلك» (2) .

لكن لم يتضح منهما كون المانع هو عدم قبض المبيع، إذ لو كان هو المانع كفى أن يقبضه الدائن عن صاحب الدراهم أولاً ثم يقبضه لنفسه، بل لعل المانع من مباشرته

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 12 من أبواب السلف حديث: 1، 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 12 من أبواب السلف حديث: 1، 2.

ذلك بنفسه رفع التهمة عنه.

مضافاً إلى ما في صحيح يعقوب بن شعيب عنه (عليه السلام): «وسألته عن الرجل يكون له على الآخر أحمال رطب أو تمر، فيبعث إليه فيقتضيه، ثم يعجز الذي له، فيبعث إليه بدنانير، فيقول:

اشتر بهن واستوف بقية الذي لك.

قال: لا بأس إذا ائتمنه» (1) .

ورواه في الوسائل في ذيل صحيح الحلبي المتقدم بنحو يوهم أنه منه حيث يتعين لأجله حمل الأولين على الكراهة.

هذا وفي المقام فروع أخرى ذكر جماعة من الأصحاب ابتناءها على الخلاف المتقدم أطال شيخنا الأعظم (قده) الكلام فيها لا يسعنا استقصاؤها.

ويظهر الكلام فيها مما سبق من اختصاص النهي ببيع المبيع قبل قبضه، دون غيره من أقسام المعاوضة، فضلاً عن النقل والاستيفاء، ودون بيع المملوك بغير البيع، فضلاً عن الاستيفاء به.

فلاحظ.

والحمد لله رب العالمين.

(1) تهذيب الأحكام ج: 7 ص 42 حديث: 180.

(131) (131)

الفصل الثامن/ في النقد والنسيية

اشارة

(مسألة 1): من باع ولم يشترط تأجيل الثمن كان الثمن حالاً (1).

(1) الظاهر المفروغية عنه بين الأصحاب، ونفى الخلاف فيه في الغنية والحدائق والرياض.

وعليه يبتني ما تقدم في أول الكلام في القبض من وجوب تسليم العوضين على كلا المتبايعين عند انتهاء العقد مع عدم اشتراط التأخير.

ويقتضيه ما تقدم هناك من ابتناء البيع على التسليم والتسلم، وغير ذلك.

مضافاً إلى ما استدل به في الحدائق من موثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في رجل اشترى من رجل جارية بثمن مسمى، ثم افترقا.

فقال: وجب البيع والثمن.

إذا لم يكونا اشترطا فهو نقد»(1).

وبذلك يظهر أن اشتراط التعجيل يكون مؤكداً لمقتضى العقد، من دون أن يترتب عليه أثر آخر، كما صرح بذلك غير واحد.

ودعوى: أن مقتضى اشتراط التعجيل ثبوت الخيار للبائع بالتخلف عنه، ولا كذلك مع الإطلاق.

ممنوعة، لما تقدم هناك من ثبوت الخيار مع الإطلاق أيضاً، بلحاظ تخلف الشرط الضمني المستفاد مع الإطلاق.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب أحكام العقود حديث: 2.

فللبائع المطالبة به بعد انتهاء العقد (1) كما يجب عليه أخذه إذا دفعه إليه المشتري، وليس له الامتناع من أخذه (2).

وإذا اشترط تأجيل الثمن يكون


نعم قد يراد باشتراط التعجيل المنع من التأخير بالنحو الذي قد يتعارف في بعض الأزمنة أو الأمكنة، بحيث يكون مقتضى الإطلاق جواز التأخير بالمقدار المذكور وعدم كون البيع حالاً.

فيخرج عن محل الكلام من اقتضاء الإطلاق حلول الثمن.

كما قد يرجع إلى عدم الإذن في التأخير، دفعاً لاحتمال الرضا بالتأخير مع كون البيع حالاً الذي قد يتعارف أيضاً.

فلا يكون مؤكداً لمقتضى الإطلاق، بل أمراً زائداً عليه.

فلاحظ.

(1) لأنه قد ملكه بالعقد، وله المطالبة بملكه، ويحرم حبسه عليه.

وفي وجوب دفعه إليه حين دفعه للمبيع، أو بعده، كلام تقدم في المسألة الأولى من الفصل السابع.

كما أنه يتعين البناء على وجوب دفعه ولو مع المطالبة به إذا لم يرجع عدم المطالبة إلى الإذن في تأخير الدفع، كما لو نسي البائع المعاملة، أو سقطت سلطنته بإغماء أو جنون، أو مات وجهل الوارث بملكية المورّث للثمن الذي عند المشتري.

لحرمة حبس الحق عن صاحبه من دون إذن منه، لمنافاة ذلك لسلطنته عليه.

(2) كما هو ظاهر الأصحاب، حيث ذكروا ذلك في غير موضع، منها ما إذا حل الأجل في المؤجل، وفي الجواهر هناك: «بلا خلاف أجده فيه»، وفي الرياض الإجماع عليه.

وقد يستدل عليه بعموم نفي الضرر، لأن حفظ الثمن الشخصي على المشتري، وبقاء انشغال ذمته بالثمن الكلي، ضرر عليه.

لكن ذلك لو تم إنما يقتضي ارتفاع الحكم الضرري، وهو في المقام وجوب الحفظ على المشتري وانشغال ذمته المذكورين، لا وجوب أخذ الثمن على البائع الذي

هو حكم يتدارك به الضرر المذكور.

فالعمدة ما أشرنا إليه في ذيل الكلام في تحديد مفهوم القبض من المسألة الثانية من الفصل السابع من أن مقتضى العقد هو القبض من الطرفين، بحيث يكون الامتناع عنه خروجاً عن مقتضى العقد وتخلفاً عن مقتضى الشرط الضمني الذي يتضمنه ارتكازاً.

ولذا يستحق الطرف الآخر به الخيار، ويكون له الفسخ.

هذا ولو امتنع من أخذ الثمن ولم يفسخ المشتري.

فإن كان الثمن شخصياً فتلفه مع عدم التفريط من المشتري يكون من مال البائع، إذ لو تم إلحاق الثمن بالمبيع في كون تلفه قبل القبض من مال من كان له قبل البيع كما تقدم في المسألة الثالثة من الفصل السابع فالمتيقن من ذلك ما إذا كان بقاؤه عنده بإذنه، أما إذا لم يكن بإذنه فالمتعين الرجوع فيه للقاعدة القاضية بكون تلفه من مال من صار إليه بالبيع، كما تقدم منا في المسألة المذكورة، وصرح به هنا غير واحد، ونفى في الجواهر وجدان الخلاف فيه في الجملة.

وقد استدل عليه بأن ضمانه له حينئذ ضرر عظيم.

لكن تقدم منّا هناك عدم نهوض قاعدة نفي الضرر بذلك، وأن العمدة في المقام القاعدة، كما ذكرنا.

نعم وقع الكلام منهم في وجوب تسليمه للحاكم مع تيسره، لأنه ولي الممتنع.

لكن يشكل: أولاً: بعدم الدليل على وجوب تكلف المشتري إقناع البائع باستلام الثمن بنفسه لو أمكن، فضلاً عن تسليمه لوكيله أو وليه، بل الواجب هو بذله له والحضور لتسليمه إياه لا غير.

وثانياً: بعدم الدليل على ولاية الحاكم على أخذ حق الممتنع وحفظه، لعدم وضوح اهتمام الشارع الأقدس بحفظ حق الممتنع من أخذ حقه.

بل يشكل جواز دفعه للحاكم وجواز أخذ الحاكم له بعد عدم إذن صاحبه بذلك.

وغاية ما يدعى هو ولايته على أخذ الحق منه، لاهتمام الشارع بحفظ الحقوق،

نسيئة لا يجب على المشتري دفعه قبل الأجل (1) وإن طالبه به البائع (2).

ولا يجب على البائع أخذه إذا دفعه إليه المشتري قبله (3).

إلا أن تكون


وسقوط حرمة الممتنع بامتناعه من أداء الحق الذي عليه.

ومن هنا يتعين البناء على جواز ترك المشتري الثمن المعين عنده إذا امتنع الباع من أخذه.

بل يظهر مما تقدم هناك أنه لا ملزم بالبناء على وجوب حفظ المشتري له وعدم تفريطه به بعد أن كان البائع معتدياً بتركه عنده من دون رضاه، ممتنعاً من أخذه منه مع بذله له، لعدم كونه أمانة مالكية ولا شرعية.

فراجع.

وإن كان الثمن كلياً فحيث لا يتعين إلا بقبض البائع، فلا مجال لاستقلال المشتري بتعيينه وعزله، وحيث كان بقاؤه في ذمته ضرراً عليه، وعدوان من البائع، يتعين عليه إذا لم يصبر على الضرر المذكور أن يعلم البائع بأنه إذا أصرّ على الامتناع فسوف يرجع للحاكم في تعيين الثمن وتشخيصه لعله يضطر إلى تولي ذلك بنفسه، فإن أصر على الامتناع أو تعذر إخباره بذلك رجع المشتري للحاكم من أجل أن يقوم مقام البائع الممتنع في تعيين الحق وعزله، وتفريع ذمته منه.

فإذا تم تعيينه وعزله أخبر البائع إذا تيسر له لعله يأخذه فإن امتنع جرى عليه ما سبق في الثمن الشخصي.

ثم إن جميع ما ذكرنا يجري في حق البائع إذا امتنع المشتري من أخذ المبيع.

بل يجري في حق كل ممتنع بلا حق من أخذ حقه، كالدائن والمستودع وصاحب العارية وغيرهم.

فلاحظ.

(1) لعدم استحقاقه عليه بمقتضى الشرط.

(2) لأن البائع وإن استحق الثمن وملكه بالعقد، إلا أنه لا يستحق تعجيله بمقتضى الشرط، فلا تكون مطالبته بحق، لتتعين الاستجابة له.

(3) بلا خلاف أجده بيننا، كما في الجواهر، وإجماعاً، كما في الرياض.

وفي القواعد بعد أن حكم بعدم وجوب دفع الدين المؤجل قبل الأجل قال: «فإن تبرع

لم يجب أخذه وإن انتفى الضرر».

وظاهر جامع المقاصد الإجماع عليه، لاقتصاره على نسبة الخلاف للعامة.

ولا ينبغي الإشكال، في عدم دخل الضرر وعدمه في ذلك، إذ لا يجب الاقتصار في تمسك صاحب الحق بحقه على ما إذا لزم من تنازله عنه الضرر عليه.

نعم ينبغي الكلام في مقامين: الأول: أن الأجل المشترط والدين ونحوهما حق يقبل الإسقاط، كسائر الحقوق أو لا يقبله.

صرح بالثاني في القواعد قال: «لو أسقط المديون أجل الدين الذي عليه لم يسقط، وليس لصاحبه المطالبة في الحال».

قال في جامع المقاصد: «لأن ذلك قد ثبت بالعقد اللازم.

.

.

فلا يسقط بمجرد الإسقاط.

ولأن في الأجل حقاً لصاحب الدين، ولهذا لا يجب عليه قبوله قبل الأجل.

أما لو تقايلا في الأجل، فإنه يصح».

وهو كما ترى! لاندفاع الأول بأن ثبوت الأجل بالعقد اللازم لا ينافي كونه حقاً يقبل الإسقاط كسائر الشروط، كما يقبل الثمن الإسقاط والإبراء إذا كان ديناً وإن كان ثابتاً بالعقد اللازم.

لما سبق في المسألة الثالثة من الفصل الرابع وغيرها من أن مبنى العقود والشروط على جعل الاستحقاقات بين أطرافها، ووجوب الوفاء بها متفرع على ذلك، وليس هو حكماً شرعياً ابتدائياً خارجاً عن سلطنة المتعاقدين.

بل هو لا يناسب ما ذكره (قده) من إمكان تقايلهما في الأجل، لأن التقايل لو تم متفرع على كون لزوم العقد والشرط حقياً لا حكمياً، وإذا كان حقياً كان قابلاً للإسقاط.

كما سبق عند الكلام في خيار الشرط.

نعم يشكل التقايل في الأجل وحده بناءً على ما سبق منا في المسألة الرابعة عشرة من الفصل المذكور من امتناع فسخ بعض مضمون العقد.

فراجع.

إلا أن يرجع للإسقاط من كل منهما فيصح، إذ لا مانع من إسقاط بعض مضمون العقد إذا كان حقاً، نظير إبراء الذمة من الثمن، لأن إسقاطه لا يرجع إلى

فسخ العقد بالإضافة إليه بل إلى التصرف فيه في فرض ثبوته بالعقد ونفوذ العقد فيه.

واندفاع الثاني بأنه لو تم ثبوت حق لصاحب الدين في الأجل فذلك لا يقتضي وحدة الحق فيه لهما بحيث لا ينفذ فيه تصرف كل منهما إلا منضماً للآخر، نظير الحق الموروث لأكثر من واحد بل تعدد الحق فيه، مع انفراد كل منهما بحقه وبالسلطنة عليه، نظير خيار المجلس الثابت للمتبائعين معاً، وما إذا اشترط الخيار في العقد لهما معاً.

وحينئذ إذا أسقط المدين في مفروض الكلام حقه في الأجل دون الدائن سقط حقه فيه، وصار للدائن الحق في مطالبته بالدين في الحال وإن لم يسقط حقه في الأجل، بحيث له الامتناع من أخذ الدين قبله.

الثاني: أنه بعد فرض كون الأجل حقاً قابلاً للإسقاط فهل هو في المقام حق للمشتري وحده أو للبائع وحده، أو لهما معاً؟ لا ينبغي الإشكال في إمكان كل من الوجوه الثلاثة ثبوتاً.

ولا أثر في ذلك لكونه صلاحاً لأحدهما أو لكليهما، لا حين البيع ولا بعد ذلك، وإنما المعيار في ذلك قصد المتعاقدين، وكيفية جعل الشرط بينهما، لتبعية الاستحقاق للعقد والشرط المتقومين بالقصد.

وأما في مقام الإثبات فقد يظهر من سيدنا المصنف (قده) أن مقتضى الإطلاق والظهور الأولي للعقد هو كونه حقاً لهما معاً، لظهور الإطلاق في أن الشرط شرط لكل منهما على الآخر، وأن اختصاص الاشتراط بالمشتري يحتاج إلى قرينة خاصة.

لكن قد يدعى أن انتفاع المشتري نوعاً بالأجل دون البائع يوجب انصراف اشتراطه إلى كونه شرطاً له على البائع، دون العكس، ودون كونه شرطاً لكل منهما على الآخر.

ولعله لذا ذكر بعض مشايخنا (قده) أنه يجب على البائع أخذ الثمن لو دفعه إليه المشتري، إلا أن تقوم قرينة على كون التأجيل حقاً للبائع أيضاً.

وهو قريب جداً لولا احتمال أن يكون اشتراط المشتري للأجل يحمل البائع على ترتيب أموره بنحو يتسق مع الشرط المذكور، ويحمله على جعل الشرط لهما معاً.

إلا أن يقال: الاحتمال المذكور لا ينافي ظهور حال الشرط حين العقد في كونه شرطاً للمشتري فقط، بحيث يحتاج اشتراكهما فيه للقرينة.

بل لا إشكال في ذلك إذا كان الاشتراط بلسان أن للمشتري التأجيل.

ولعله خارج عن فرض التردد بين الوجهين في المتن.

وكيف كان فلابد في فرض كون الشرط للمشتري وحده من البناء على وجوب أخذ البائع للثمن لو بذله المشتري، عملاً بمقتضى البيع من التسليم والتسلم بعد عدم كون الأجل شرطاً ولاحقاً له.

ومنه يظهر ضعف ما في الرياض من أن مقتضى الأصل عدم وجوب الأخذ عليه، من دون مخرج عنه من نص أو إجماع.

إذ فيه: أنه لا مجال للأصل بعد ابتناء البيع على التسليم والتسلم، وعدم كون الشرط مخرجاً عنه في حقه.

ومثله ما في الجواهر من لزوم الخروج عن ذلك بالإجماع المدعى على عدم وجوب الأخذ على البائع في المقام.

إذ فيه: أنه لا مجال للاستدلال بالإجماع في مثل هذه الفروع التي لم ترد فيها النصوص، ولم يشع الابتلاء بها، بحيث يحرز فيها سيرة متصلة بعصور المعصومين (صلوات الله عليهم)، تكشف مذهبهم، فإن الشايع في فرض تنازل المشتري عن الأجل قبول البائع بالثمن وعدم امتناعه من أخذه ولو لأنه في صالحه، وليس الشايع حينئذ امتناعه من ذلك، لتنعقد به سيرة تكشف عن رأي الإمام يستند لها المجمعون.

ولم تحرر هذه الفروع إلا في عصر تحرير الفتاوى.

والظاهر أن ذهاب المفتين للمنع محض اجتهاد منهم لا يكشف عن رأي المعصومين (صلوات الله عليهم)، ولا ينشأ عن إطلاعهم على دليل تعبدي مخرج عما تقتضيه القاعدة.

كما تكرر منا التنبيه لذلك في كثير من موارد دعوى الإجماع في مثل هذه الفروع الحديثة التحرير.

فلاحظ.

القرينة على كون التأجيل حقاً للمشتري دون البائع.

ويجب أن يكون الأجل معيناً لا يتردد فيه بين الزيادة والنقصان (1)، فلو جعل الأجل قدوم زيد أو (الدياس) أو الحصاد أو جذاذ الثمر أو نحو ذلك بطل العقد (2).

ولو


(1) كما صرح به المفيد (قده) في المقنعة وكثير ممن تأخر عنه، ونفى الخلاف فيه غير واحد، وفي الجواهر «بلا خلاف أجده، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه»، وفي مجمع الفائدة: «وأما دليل كون الأجل مضبوطاً فكأنه الإجماع مستنداً إلى لزوم الغرر المنفي بالخبر... ولأنه قد يؤول إلى النزاع والتشاجر...».

لكن الإجماع لو تم لا ينهض بالاستدلال، كما يظهر مما ذكرناه آنفاً، وتكرر منا غير مرة.

ودليل الغرر وإن أمكن إرجاعه إلى النهي عن خصوص بيع الغرر، لفرض كون الشرط في المقام في البيع، بل من شؤون الثمن الذي هو أحد العوضين، كما يظهر بمراجعة ما تقدم عند الكلام في مانعية الجهالة من صحة الشرط، ويأتي ما يناسبه، إلا أنه سبق منا المنع من الاستدلال به كبروياً وصغروياً، كما يظهر بمراجعة المسألة الثانية من الفصل الثالث، والمسألة العاشرة من الفصل الرابع.

وأما أنه يؤول إلى النزاع والتشاجر فهو ممنوع كبروياً وصغروياً، كما لعله ظاهر.

نعم ورد اعتبار ضبط الأجل في بيع السلف(1) الذي يتقوم بتأجيل المبيع.

وهو وإن أمكن أن يختص بأحكامه، إلا أن من القريب جريان حكمه المذكور في بيع النسيئة الذي يتقوم بتأجيل الثمن، لقرب فهم عدم الفرق بين الثمن والمثمن وإلغاء خصوصيتهما في مثل ذلك، كما تقدم نظيره في غير مورد.

وإن كان في كفاية ذلك في الاستدلال في المقام إشكال.

(2) قطعاً، كما في الجواهر.

وبه صرح المفيد في المقنعة وكثير ممن تأخر عنه، وفي مفتاح الكرامة: «وهذا فرع ما تقدم، فلا خلاف فيه».

وكأنه لا مجال لاحتمال بطلان

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب السلف.

(139)

لو باع شيياً بثمن نقداً وباكثر نسيية

كانت معرفة الأجل محتاجة إلى الحساب مثل أول الحمل أو الميزان أو عيد اليهود فالظاهر البطلان (1).

نعم لو كان الأجل أو الشهر القابل مع التردد في الشهر الحالي بين الكمال والنقصان فالظاهر الصحة (2).

(مسألة 2): لو باع شيئاً بثمن نقداً وبأكثر منه مؤجلاً بأن قال: بعتك الفرس بعشرة نقداً وبعشرين إلى سنة فقبل المشتري فالمشهور البطلان (3)


الشرط المتضمن لاستحقاق التأجيل، دون أصل البيع، بل يكون حالاً.

لسريان الغرر للبيع نفسه، لكون الشرط من شؤونه، كما سبق عند الكلام في مبطلية الجهالة للشرط من أحكام الشروط.

ولاسيما بعد كون التأجيل من شؤون أحد العوضين الذين هما ركنا البيع.

كما أنه لو كان الدليل في المقام هو نصوص بيع السلف فهي ظاهرة في بطلان البيع، لا بطلان خصوص شرط التأجيل.

(1) كما هو مقتضى ما في مفتاح الكرامة من تقييد الصحة بما إذا علما ذلك.

والوجه فيه الجهالة المانعة بمقتضى الأدلة السابقة.

لكن قال في الجواهر: «وقد يناقش فيه باحتمال الاكتفاء فيه بانضباطه في نفسه، كأوزان البلدان مع عدم معرفة المصداق.

فله شراء وزنة مثلاً بعيار بلد مخصوص وإن لم يعرف مقدارها.

إلا أن للنظر فيه مجالاً».

وكأن وجه النظر أن المفروض في المقام اعتبار العلم، لا اعتبار الانضباط.

والاكتفاء بالانضباط في الوزن غير المعلوم لأحد المتعاقدين لدليل خاص به كما سبق التعرض له في محله لا يقتضي الاكتفاء به هنا.

نعم لو كان الدليل الإجماع فقد يدعى أن المتيقن منه غير الفرض.

فلاحظ.

(2) لما هو المعلوم من شيوع التقدير في العصور السابقة بالأشهر القمرية.

(3) كما في الحدائق، وفي الرياض أنه الأشهر، بل عليه عامة من تأخر، وفي مجمع الفائدة أنه ظاهر الأكثر.

وبالبطلان الظاهر أو الصريح في لغوية البيع، وعدم ترتب

الأثر عليه رأساً صرح في المبسوط والوسيلة والسرائر والإرشاد والتذكرة والإيضاح والتنقيح وكشف الرموز واللمعتين ومحكي التحرير وغيرها.

واستدل له بوجهين: الأول: ما تضمن النهي عن بيع الغرر، بلحاظ الجهالة بالثمن.

ويشكل بما تكرر منا من عدم ثبوت عموم النهي عن بيع الغرر.

مضافاً إلى أن الجهل بالثمن قد يستلزم الغرر مع كون البيع على نحو واحد حالاً فقط أو نسيئة فقط، دون محل الكلام، حيث يكون كل من الثمنين معلوماً في الحال الذي جعل فيه ومناسباً له، فلا غرر في حق البائع، لمناسبة الثمن للمبيع على الحالين، ولا في حق المشتري، لأنه يختار ما يناسبه.

الثاني: ما تضمن النهي عن شرطين في بيع، أو بيعين في بيع، أو صفقتين في واحدة.

كموثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في حديث:

«إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث رجلاً إلى أهل مكة، وأمره أن ينهاهم عن شرطين في بيع» (1) ، ومعتبر سليمان بن صالح عنه (عليه السلام)

«قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن سلف وبيع، وعن بيعين في بيع، وعن بيع ما ليس عندك، وعن ربح ما لم يضمن»(2) ، ونحوه خبر الحسين بن زيد(3) ، والنبوي: «لا تحل صفقتان في واحدة»(4).

قال في الجواهر بعد أن ذكر الثاني: «المفسر بذلك أو بما يشمله».

وظاهره كون محل الكلام متيقناً من المضمون المذكور.

ولم يتضح الوجه في ذلك.

ولاسيما مع ما في المبسوط، قال: «ونهى النبي عن بيعتين في بيعة.

وقيل: إنه يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون المراد به إذا قال: بعتك هذا الشيء بألف درهم نقداً وبألفين نسيئة بأيهما شئت خذه... والآخر أن يقول: بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك هذه بألف...».

وبذلك تكون النصوص المذكورة مجملة لا تنهض بالاستدلال في المقام.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب أحكام العقود حديث: 3، 4، 5.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب أحكام العقود حديث: 3، 4، 5.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب أحكام العقود حديث: 3، 4، 5.

(4) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 2 من أبواب أحكام العقود حديث: 2.

وقيل يصح بأقل الثمنين وأكثر الأجلين (1).

وفيه رواية (2).

ولعل الأولى في وجه البطلان هو تردد البيع بين الحال والنسيئة، فلا يصح فعلاً، لامتناع وجود المردد ولو اعتباراً.

نعم يمكن صحته معيناً بأحد الوجهين معلقاً على اختيار المشتري له.

لكنه يستلزم التعليق المبطل للبيع، بل لجميع العقود عند الأصحاب.

(1) كما يظهر من النهاية حيث قال: «فإن ذكر المتاع بأجلين ونقدين مختلفين، بأن يقول: ثمن هذا المتاع كذا عاجلاً وكذا آجلاً، ثم أمضى البيع، كان له أقل الثمنين وأبعد الأجلين».

وبه صرح في الدروس.

وعن البشري أن العمل بالرواية الدالة على ذلك قريب ونحوه عن الكفاية.

وقد يظهر من الشرائع الميل إليه، ومن المختلف احتماله، ومن النافع التردد، كما هو ظاهر القواعد.

والقول بذلك هو الظاهر من المقنعة والغنية ومحكي كلام القاضي، للحكم فيها بثبوت أقل الثمنين وأبعد الأجلين.

ولا ينافيه ما في المقنعة من عدم جواز المعاملة المذكورة، وما في الغنية ومحكي كلام القاضي من بطلان المعاملة المذكورة.

حيث يتعين حمل الأول على الحرمة التكليفية، أو الوضعية الراجعة إلى عدم نفوذ المعاملة على الوجه الذي وقعت عليه.

وعليها يحمل البطلان في الأخيرين.

(2) ففي صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من باع سلعته فقال: إن ثمنها كذا وكذا يداً بيد، وثمنها كذا وكذا نظرة، فخذها بأي ثمن شئت، وجعل [واجعل.

يب] صفقتهما واحدة، فليس له إلا أقلهما وإن كانت نظرة.

قال: وقال (عليه السلام):

من ساوم بثمنين أحدهما عاجلاً والآخر نظرة فليسم أحدهما قبل الصفقة»(1).

وفي معتبر السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام): «أن علياً (عليه السلام) قضى في رجل باع بيعاً واشترط شرطين: بالنقد كذا، وبالنسيئة كذا، فأخذ المتاع على ذلك

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب أحكام العقود حديث: 1.

الشرط.

فقال: هو بأقل الثمنين وأبعد الأجلين.

يقول: ليس له إلا أقل النقدين إلى الأجل الذي أجله بنسية»(1).

وما في كلام غير واحد من الإشكال فيهما بضعف سند الأول، لاشتراك محمد بن قيس بين الثقة وغيره، وسند الثاني بضعف السكوني والنوفلي الراوي عنه.

مدفوع بأن محمد بن قيس في الحديث الأول هو الثقة، لرواية عاصم بن حميد عنه، على ما نبه لذلك غير واحد.

كما أن السكوني في الحديث الثاني وإن كان عامياً، إلا أنه يستفاد من كلام الشيخ (قده) في العدة توثيقه.

مضافاً إلى أنه هو والنوفلي من رجال تفسير القمي وكامل الزيارات.

ومثله ما في المختلف من احتمال الحديثين الحمل على عقد البيع بالثمن الأقل نقداً، وبعد ذلك جعل البائع للمشتري تأخير الثمن بزيادة.

إذ فيه: أن الاحتمال المذكور مخالف لظاهر الحديثين أو صريحهما.

ولاسيما أن تأخير الدين بالزيادة لا يترتب عليه الأثر أصلاً، لا من حيثية ثبوت الزيادة، ولا من حيثية تأخير الدين، بل يبقى الدين معجلاً، والحديثان صريحان في تأجيل الثمن الأقل.

وكذا ما في الرياض من حمل الصحيح على إرادة الإيجاب فقط من البيع، وفرض تلف المبيع، فيكون مرجع ذلك إلى أن الإيجاب المذكور لا يتم به العقد غايته أنه يقتضي ضمان المبيع بأقل الثمنين لا بالمثل أو القيمة.

فإنه مخالف لظاهره أو صريحه، بل لا يناسب قوله فيه: «وجعل صفقتهما واحدة».

لظهور أن الصفقة إنما تكون بين المتبايعين.

كما أن حمله على خصوص فرض تلف المبيع من أبعد البعيد.

مع أنه لا وجه حينئذٍ لتأجيل الثمن الأقل.

وأما ما في ذيل الصحيح من الأمر بتسمية أحدهما قبل الصفقة الظاهر في

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب أحكام العقود حديث: 2.

توقف ترتب أثر المعاملة على ذلك.

فهو لا ينافي الحكم الذي تضمنه صدره، لأن الحكم الذي تضمنه الصدر راجع إلى عدم صحة البيع على الوجه الذي وقع عليه، وترتب الأثر عليه على خلاف ما وقع عليه.

ويكون المتحصل من الصدر والذيل سواءً كانا حديثاً واحداً أم حديثين أن صحة البيع وترتب أثره على الوجه الذي يوقع عليه موقوف على تعيين أحد الوجهين قبل الصفقة، فإن جمعا في صفقة واحدة لم يصح البيع على الوجه الذي وقع عليه، لكنه لا يلغو رأساً، بل يترتب عليه الأثر على خلاف ما وقع عليه، فيكون بأقل الثمنين وأبعد الأجلين.

وبذلك يجمع بين الحديثين والنصوص المتقدمة في الاستدلال للقول بالبطلان لو تم الاستدلال بها.

نعم ذلك مخالف لقاعدة السلطنة القاضية بعدم صحة المعاملة وعدم ترتب الأثر عليها على خلاف الوجه الذي وقعت عليه.

لكنه لا يكفي في طرح الحديثين، إذ هو لا يزيد على تخصيص العموم الشايع في الأدلة.

لكن قال في المختلف: «ويمكن أن يقال: إنه رضي بالثمن الأقل، فليس له الأكثر في البعيد، وإلا لزم الربا، إذ تبقى الزيادة في مقابلة تأخير الثمن لا غير، فإذا صبر إلى البعيد لم يجب له أكثر من الأقل».

وقال في الدروس: «والأقرب الصحة ولزوم الأقل.

ويكون التأخير جائزاً من جهة المشتري لازماً من طرف البائع.

لرضاه بالأقل فالزيادة ربا.

ولأجلها ورد النهي.

وهو غير مانع من صحة البيع».

وظاهرهما كون لزوم الثمن في الأقل مع الأجل الأبعد مطابقاً للقاعدة، لتحقق الرضا به، وكون الزيادة ربا يبطل اشتراطه.

وهو كما ترى!.

أولاً: لعدم الرضا بالأقل على كل حال، بحيث يكون هو الثمن لا غير، ويجب بمقتضى عقد البيع، وتكون الزيادة عليه ربا، بل الأقل هو الثمن في فرض التعجيل لا غير، وفي فرض التأخير فالأكثر هو الثمن، من دون أن تكون الزيادة شرطاً ربوياً خارجاً عن مقتضى العقد.

وثانياً: لأن الثمن لو كان هو الأقل على كل حال، بحيث يكون استحقاق الزيادة في مقابل التأخير ربا، ومن أجله ورد النهي، للزم البناء على وجوب التعجيل، عملاً بمقتضى القاعدة بعد فرض بطلان اشتراط الزيادة في مقابل التأخير.

غاية الأمر أنه لو أخر المشتري تسليم الثمن الأقل عصياناً، أو برضا البائع، لم يجب عليه الزيادة، كما نسبه في كشف الرموز للراوندي.

لكنه لا يناسب ما سبق من الدروس.

ومن هنا لا مخرج عما ذكرنا من مخالفة ذلك للقاعدة، وإن لزم البناء عليه من أجل الحديثين.

ومثله في الإشكال ما عن ابن الجنيد، حيث قال كما في المختلف: «وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه قال: لا تحل صفقتان في [بيعة] واحدة.

وذلك أن تقول: إن كان بالنقد فبكذا، وإن كان بالنسيئة فبكذا وكذا.

ولو عقد البائع للمشتري كذلك وجعل الخيار إليه لم أختر للمشتري أن يقوم على ذلك.

فإن فعل واستهلكت السلعة لم يكن للبائع إلا أقل الثمنين، لإجازته البيع به، وكان للمشتري الخيار في تأخير الثمن الأقل إلى المدة التي ذكرها البائع بالثمن الأوفر من غير زيادة على الثمن الأقل».

إذ فيه مضافاً إلى ما سبق في تعقيب كلام الدروس -: أن البيع إن صح بالنحو الذي ذكره فلماذا لم ير للمشتري أن يقوم بذلك‌؟ وإن لم يصح فاللازم أن يضمن المشتري المبيع مع التلف بالمثل أو القيمة كما في سائر موارد المقبوض بالعقد الفاسد، لا بالثمن المسمى في البيع المذكور.

وإن كان نظره في ذلك الحديثين المتقدمين فحملهما على خصوص حال التلف بعيد جداً، كما سبق.

بقي شيء، وهو أنه قد يظهر من النهاية والوسيلة والسرائر وغيرها عدم الفرق في محل الكلام بين الترديد بين الحال والمؤجل والترديد بين قصير الأجل وطويله.

وهو صريح المقنعة والتذكرة والمختلف والقواعد والدروس وغيرها.

بل اقتصر في الغنية على التمثيل بالثاني، بنحو يظهر في المفروغية عن عدم الفرق بينهما.

وهو في محله لو كان المرجع في المقام القاعدة، إما للبناء على البطلان رأساً، أو

(145)

الكلام في جواز تاخير الثمن الحال

(مسألة 3): لا يجوز تأجيل الثمن الحال، بل مطلق الدين، بأزيد منه (1)، بأن يزيد فيه مقداراً ليؤخره إلى أجل.

وكذا لا يجوز أن يزيد في


لدعوى اقتضائها الصحة بأقل الثمنين وأبعد الأجلين، كما سبق من الدروس.

أما بناءً على الصحة بأقل الثمنين وأبعد الأجلين خروجاً عن مقتضى القاعدة من أجل الحديثين المتقدمين كما سبق منّا تبعاً لجماعة فمن الظاهر اختصاص الحديثين بالأول، ولا مخرج عن مقتضى القاعدة في الثاني.

ولعله لذا جزم بالبطلان فيه في الشرائع والنافع، مع ميله أو تردده في الصحة في الأول، كما سبق.

بل عن التحرير أنه يبطل قولاً واحداً، وإن لم يناسب ما سبق منهم.

نعم قد يدعى استفادة الصحة فيه من الحديثين بإلغاء خصوصية موردهما عرفاً، أو تعميم الحكم له بتنقيح المناط.

وكلاهما في غاية الإشكال.

(1) بلا إشكال ظاهر.

ولعل عدم ذكر بعضهم له لوضوحه.

قال في الجواهر: «لأنه ربا محرم كتاباً وسنة وإجماعاً.

فلا يجوز، سواء وقع على جهة البيع أو الصلح أو الجعالة.

ولو اشترط في عقد آخر فسد وأفسد، إذ هو لا يحلل الحرام».

وفي صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «أنهما قالا في الرجل يكون عليه الدين إلى أجل مسمى، فيأتيه غريمه فيقول: أنقدني من الذي لي كذا وكذا وأضع لك بقيته.

أو يقول: انقد لي بعضاً وأمد لك في الأجل فيما بقي عليك.

قال: لا أرى بأساً ما لم يزدد على رأس ماله شيئاً.

يقول الله: (لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)»(1).

هذا والمتيقن من ذلك ما إذا كانت الزيادة في مقابل التأجيل بنحو الصلح أو

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 7 من أبواب أحكام الصلح حديث: 1.

الثمن المؤجل ليزيد في الأجل (1).

ويجوز عكس ذلك، بأن يعجل المؤجل بنقصان منه (2) على وجه الصلح أو الإبراء (3)، ولا يصح على وجه بيع


الجعالة كما هو مقتضى إطلاق الصحيح المتقدم.

وكذا إذا كان المؤجل مقابل المعجل بنحو البيع في الربوي، لأنه وإن لم يكن قرضاً ربوياً، إلا أنه ربا في البيع.

ومثله ما إذا كان بنحو الصلح المعاوضي بين المعجل والمؤجل، بناءً على عموم الربا لجميع المعاوضات وعدم اختصاصه بالبيع.

أما إذا لم يكن ربوياً، كالمعدود ومنه النقود في عصورنا فقد يشكل حرمة البيع، فضلاً عن الصلح المعاوضي، بخروجه عن الربا في القرض، لفرض عدم دفع الزيادة في مقابل التأجيل.

وعدم حرمة البيع والمعاوضة مع الزيادة في غير الربويين.

اللهم إلا أن يقال: البيع المذكور إذا كان أحد العوضين أو كلاهما مؤجلاً يؤدي مؤدى القرض الربوي، فمن البعيد جداً مشروعيته، وإلا لورد التنبيه له في النصوص، كما ورد التنبيه لكثير من الطرق التي يتخلص بها من الربا.

وإن كان في كفاية ذلك في الاستدلال على الحرمة إشكال.

فلاحظ.

(1) لعين ما سبق.

(2) بلا خلاف أجده فيه.

كذا في الجواهر.

ويقتضيه الصحيح المتقدم ومرسل أبان عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سألته عن الرجل يكون له على الرجل دين، فيقول له قبل أن يحل الأجل: عجل لي النصف من حقي على أن أضع عنك النصف، أيحل ذلك لواحد منهما؟ قال: نعم»(1).

(3) كما ذكره في الجواهر.

ويقتضيه إطلاق الحديثين المتقدمين، وإطلاقات الجعالة فيما إذا كان الإبراء أو البراءة من الدين في مقابل التعجيل، وعمومات الصلح فيما إذا كان بعض الدين في مقابل التعجيل.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 7 من أبواب أحكام الصلح حديث: 2.

(147)

الأكثر المؤجل بالأقل الحال، لأنه ربا (1).

وكذا يجوز في الدين المؤجل أن ينقد بعضه قبل حلول الأجل على أن يؤجل له الباقي إلى أجل آخر.

(مسألة 4): إذا اشترى شيئاً نسيئة يجوز شراؤه منه (2) قبل حلو


(1) هذا إنما يتم فيما إذا كان المال المدين به ربوياً.

وكذا الحال في الصلح المبني على التعاوض بين الأقل المعجل والأكثر المؤجل، بناء على عموم الربا لجميع المعاوضات.

أما إذا لم يكن المال المدين به ربوياً لعدم كونه من المكيل والموزون فلا وجه لحرمته.

وإذا كان يشبه القرض الربوي مع الزيادة كما تقدم، فهو لا يشبهه مع النقيصة، لتجري الشبهة السابقة في جوازه.

فلاحظ.

(2) كما في المقنعة والنهاية والمبسوط والسرائر وكثير مما تأخر عنها.

ونفى الخلاف فيه في الرياض، كما استظهر ذلك في مجمع الفائدة، وقال: «فكأن دليله الإجماع...».

ويقتضيه عمومات صحة العقود والتجارة، وخصوص بعض النصوص، كصحيح بشار بن يسار: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يبيع المتاع بنساء، فيشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه.

قال: نعم، لا بأس به.

فقلت له: أشتري متاعي‌؟! فقال: ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك»(1) ، ومعتبر أبي بكر الحضرمي: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لي على الرجل الدراهم فيقول: بعني بيعاً [متاعاً.

يب] أقضيك، فأبيعه المتاع، ثم أشتريه منه وأقبض مالي.

قال: لا بأس»(2).

وإليه يرجع صحيحه: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل تعيّن ثم حلّ دينه، فلم يجد ما يقضي، أيتعين من صاحبه الذي عينه ويقضيه‌؟ قال: نعم»(3).

فإن الظاهر أن المراد بالتعين الذي تضمنه هذا الحديث وغيره هو بيع المال

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب أحكام العقود حديث: 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 2.

الأجل أو بعده (1)، بجنس الثمن أو بغيره (2)، مساوياً له أو زائداً عليه أو


مؤجلاً ثم شراؤه بالأقل حالاً، كما يحمل عليه حديثه الأول.

وفي صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام):

«سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم إلى أجل، ثم اشتراه بخمسة دراهم بنقد أيحل‌؟ قال: إذا لم يشترط ورضيا فلا بأس»(1).

ورواه بسنده عنه في قرب الإسناد، إلا أنه قال: «سألته عن رجل باع ثوباً بعشرة دراهم، ثم اشتراه بخمسة دراهم، أيحل‌؟»، ونحوها غيرها.

نعم في موثق عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام): «أنه قال: لا تقبض مما تعين.

يقول: لا تعينه ثم تقبضه ممالك عليه»(2).

وربما قيل بمنافاته لما سبق لكن النهي فيه ليس عن البيع المذكور، بل عن أن يستوفي حقه مما حصل بيد الطرف الآخر من ذلك البيع، فلا ينافي صحة البيع في نفسه، كما تضمنته النصوص السابقة.

على أن حمل هذا الصحيح على الكراهة أهون من حمل بعض تلك النصوص على استيفاء حقه من مال آخر.

فلاحظ.

(1) كما صرح به بعضهم، وهو مقتضى إطلاق الآخرين، بل قد يكون بيعه قبل حلول الأجل متيقناً من إطلاقهم.

نعم في المراسم: «فإن باع ما ابتاعه إلى أجل قبل حلول الأجل فبيعه باطل وإن باعه بعده وإن لم يوف ثمنه جاز ذلك».

قال في مفتاح الكرامة بعد أن حكى ذلك: «فليتأمل فإني لم أجد أحداً نقل عنها الخلاف في ذلك».

وكيف كان فيدفعه مضافاً إلى عمومات الصحة إطلاق النصوص السابقة.

بل لعله المتيقن من بعضها، لعدم تأدي الغرض بدونه.

(2) كما صرح جماعة.

ويقتضيه مضافاً إلى عمومات الصحة إطلاق النصوص السابقة.

بل لعل البيع بجنس الثمن متيقن منها.

كما أن البيع بغير الجنس أولى بالصحة،

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب أحكام العقود حديث: 6.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب أحكام العقود حديث: 9.

ناقصاً عنه (1)، حالاً كان البيع الثاني أو مؤجلاً (2).

إلا إذا أشترط البائع على المشتري في البيع الأول أن يبيعه عليه بعد شرائه، أو شرط المشتري على البائع في البيع الأول أن يشتريه منه، فإن المشهور البطلان (3) لكن الأظهر صحة


لأنه أبعد عن مشابهة الربا.

(1) كما صرح به في الجملة غير واحد.

ويقتضيه ما سبق.

(2) كما صرح به في المقنعة والنهاية وغيرهما.

ويقتضيه مضافاً إلى عمومات الصحة إطلاق بعض النصوص السابقة.

نعم في صحيح منصور بن حازم: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك، فأتى المطلوب الطالب ليبتاع منه شيئاً.

قال: لا يبيعه نسياً.

فأما نقداً فليبعه بما شاء»(1).

لكنه أجنبي عما نحن فيه من فرض تعدد البيع، وظاهر في اعتبار كون البيع الواحد نقداً إذا كان المشتري مديناً للبائع.

ولا يظهر منهم العمل به.

فلاحظ.

(3) بل عن الكفاية: «لا أعلم فيه خلافاً»، ونسبه للأصحاب في الرياض، ونفى خلافهم فيه، واستظهر في مجمع الفائدة ومحكي المفاتيح الاتفاق عليه.

وبه صرح الشيخ (قده) في المبسوط وجماعة كثيرة.

نعم أطلق جواز البيع في المقنعة والنهاية والسرائر.

لكن قد يكون مرادهم جواز أصل البيع من دون نظر للشرط، وإلا فمن البعيد بناؤهم على جواز الشرط، إهمالاً للنصوص المانعة منه، من دون أن ينصوا على ذلك، مع تعرضهم للتعميم من الجهات المتقدمة.

وكيف كان فيقتضيه صحيح علي بن جعفر المتقدم، وخبر الحسين بن المنذر:

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب أحكام العقود حديث: 8.

العقد (1).


«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يجيئني الرجل فيطلب العينة، فأشتري له المتاع مرابحة ثم أبيعه إياه، ثم أشتريه منه مكاني.

قال: إذا كان الخيار إن شاء باع وإن شاء لم يبع، وكنت أنت بالخيار إن شئت اشتريت وإن شئت لم تشتر، فلا بأس...»(1) ، وخبر يونس الشيباني: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يبيع البيع والبائع يعلم أنه لا يسوي، والمشتري يعلم أنه لا يسوي، إلا أنه يعلم أنه سيرجع فيه فيشتريه منه.

قال: فقال: يا يونس إن رسول الله 8 قال لجابر بن عبد الله: كيف أنت إذا ظهر الجور، وأورثهم الذل.

قال: فقال جابر: لا بقيت إلى ذلك الزمان.

ومتى يكون ذلك بأبي أنت وأمي‌؟ قال: إذا ظهر الربا.

يا يونس وهذا الربا.

فإن لم تشتره رده عليك‌؟ قال: قلت: نعم.

قال: فلا تقربنه.

فلا تقربنه»(2).

(1) لعل ذلك منه (قده) للإشكال في الاستدلال المتقدم.

.

أولاً: لعدم ثبوت صحة الأخبار المذكورة بنظره الشريف.

أما الخبران فلعدم ثبوت وثاقة الحسين بن منذر، ولا يونس الشيباني، بل ولا الراوي عنه في هذا الخبر، وهو صالح بن عقبة، وإن كان هو ثقة بناءً على ما تكرر منا من وثاقة رجال تفسير القمي وكامل الزيارات.

وأما صحيح علي بن جعفر فلإرسال صاحب الوسائل له، وعدم ذكر سنده له.

وهو وإن ذكر في خاتمة الوسائل أسانيده إلى الكتب التي يروي عنها، إلا أن الأسانيد المذكورة مبنية على الرواية بالإجازة لمحض التبرك بذكر السند من دون تعيين نسخة خاصة تروي بألفاظها.

كما لم يتضح اعتماد الأصحاب على النصوص المذكورة، بعد اقتصار بعضهم في وجهه على لزوم الدور، وبعضهم على عدم قطع نية الملك، من دون إشارة لهذه النصوص، كما تقدم عند الكلام في شروط صحة الشرط.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب أحكام العقود حديث: 4، 5.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب أحكام العقود حديث: 4، 5.

وثانياً: باختلاف الأخبار في معيار المنع، حيث صرح في الأول بالشرط وهو ظاهر الثاني، أما الثالث فقد تضمن رجوع المشتري في البيع الأول ورده للمبيع، وبينه وبين الشرط عموم من وجه.

لكن ظاهر صاحب الوسائل أن كتاب علي بن جعفر الذي ينقل عنه هو الكتاب الذي رواه عنه بطرقه التي ذكرها في الخاتمة، لا نسخة أخرى منه منقطعة السند، إما لاشتهار الكتاب في عصره، أو لأن الأسانيد التي ذكرها تتضمن إسناده لعلي بن جعفر.

كما أن من القريب جداً استناد القدماء للنصوص المذكورة بعد روايتها في كتب الحديث التي هي في متناولهم.

بل من القريب أن يكون تحريرهم للمسألة بفروعها ناشئ من ورود النصوص المطلقة والمفصلة.

ومما سبق يتضح اندفاع الوجه الثاني، إذ بعد صحة حديث علي بن جعفر يتعين كون المعيار في البطلان على الشرط، دون ما تضمنه خبر الشيباني.

مع أن القريب تنزيل خبر الشيباني على الشرط بقرينة الحديثين الأولين.

هذا وقد يكون نظره (قده) في البناء على صحة العقد هو استظهاره من هذه النصوص النهي عن الشرط، دون العقد المتضمن له، فيكون المرجع في صحة العقد هو عمومات الصحة والنصوص الأول المطلقة، مع البناء منه على عدم مبطلية الشرط المحرم أو المخالف للكتاب والسنة للعقد، ويكون توقفه في صحة الشرط وبطلانه لاحتمال حمل النهي عن الشرط على النهي التكليفي غير المستلزم للفساد، أو للتوقف في نهوض النصوص بالاستدلال، لما سبق.

لكن ظاهر النصوص المذكورة هو النهي عن البيع المشتمل على الشرط، لا عن الشرط نفسه.

ولاسيما بلحاظ تطبيق الربا عليه في خبر الشيباني، وظاهر النهي المذكور هو الوضعي الراجع للفساد، كما هو الحال في جميع موارد النهي عما يراد منه ترتيب أثر صحته.

فلاحظ.

وفي صحة الشرط إشكال (1).

(1) يتضح مما سبق منشأ إشكاله (قده)، كما يتضح اندفاعه.

بقي في المقام أمران: الأول: أن المتيقن من النصوص الناهية عن البيع مع الشرط ما إذا كان نتيجة البيعين ربح يشبه الربا ويؤدي غرضه، كما يظهر بملاحظة حديثي علي بن جعفر.

بل هو كالصريح من تطبيق عنوان الربا في خبر يونس الشيباني.

بل لا يبعد حمل إطلاق خبر الحسين بن المنذر عليه، لأنه الغرض النوعي من أمثال هذه المعاملة.

مضافاً إلى الإشكال في سنده.

وقد تقدم عند الكلام في شروط صحة الشرط من مباحث الشروط تمام الكلام في ذلك.

الثاني: أن جواز بيع المبيع لبايعه من دون شرط لا يختص بما إذا كان البيع الأول نسيئة، بل يعم ما إذا كان حالاً.

لعمومات الصحة.

مضافاً إلى إطلاق معتبر أبي بكر الحضرمي.

أما بطلانه مع الشرط فعمدة دليله صحيح علي بن جعفر، وهو وإن اختص بما إذا كان البيع الأول نسيئة والثاني حالاً، إلا أن من القريب إلغاء خصوصية ذلك، وفهم العموم منه لجميع صور اشتراط البيع في البيع.

ولاسيما بملاحظة التعليل في خبر الشيباني، الذي هو المنصرف في وجه المنع ومنشئه.

ولعله لذا كان ظاهر المبسوط العموم.

فلاحظ.

(153) (153)

إلحاق فيه

في المساومة والمرابحة والمواضعة والتولية

القول في المساومة والمرابحة والمواضعة والتولية (مسألة 1): التعامل بين البائع والمشتري تارة: يكون بملاحظة رأس المال الذي اشترى به البائع السلعة، وأخرى: لا يكون كذلك (1) والثاني يسمى مساومة.

وهذا هو الغالب المتعارف.

والأول تارة: يكون بزيادة على رأس المال، وأخرى: بنقيصة عنه، وثالثة: بلا زيادة ولا نقيصة.

والأول يسمى مرابحة، والثاني مواضعة، والثالث يسمى تولية.

(مسألة 2): لابد في جميع الأقسام الثلاثة من ذكر الثمن تفصيلاً فلو قال بعتك هذه السلعة برأس مالها وزيادة درهم أو بنقيصة درهم أو بلا زيادة ولا نقيصة لم يصح (2) حتى يقول: بعتك هذه السلعة بالثمن الذي


إما لإهمال رأس المال مع وجوده أو لعدم وجود رأس المال، كما لو كان البائع قد ملك المبيع من دون معاوضة، كالهبة والميراث والمملوك بالحيازة. كما صرح به غير واحد. وفي الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه. بل في التذكرة: لو كان المشتري جاهلاً برأس المال بطل إجماعاً». وهو يبتني على ما تقدم منهم من لزوم العلم بقدر العوضين. وتقدم الكلام في وجهه في المسألة الثانية من الفصل الثالث في شروط العوضين. ومنه يظهر أن ذكر رأس المال في عقد البيع إنما

اشتريتها به وهو مائة درهم بزيادة درهم مثلاً (1)، أو نقيصته، أو بلا زيادة ولا نقيصة.

(مسألة 3): إذا قال البائع بعتك هذه السلعة بمائة درهم وربح درهم في كل عشرة، فإن عرف المشتري أن الثمن مائة وعشرة دراهم صح البيع (2).

يجب مع جهلهما أو جهل أحدهما به، ولا حاجة لذكره مع علمهما به.

(1) لكن في معتبر ميسر بياع الزطي: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا نشتري المتاع بنظرة، فيجيء الرجل فيقول: بكم تقوم عليك‌؟ فأقول: بكذا وكذا، فأبيعه بربح.

فقال: إذا بعته مرابحة كان له من النظرة مثل ما لك.

قال: فاسترجعت فقلت: هكذا [هلكنا.

يب].

فقال: مما؟ فقلت: لأن ما في الأرض ثوب إلا أيبعه مرابحة، فيشتري مني ولو وضعت من رأس المال حتى أقول: بكذا وكذا.

فلما رأى ما شق عليّ قال: أفلا أفتح لك باباً يكون لك فيه فرج‌؟ قل: قد قام علي بكذا وكذا وأبيعكه بزيادة كذا وكذا.

ولا تقل بربح»(1).

وظاهره أن المرابحة ذات الأحكام الخاصة لا تنعقد إلا أن تذكر الزيادة على رأس المال بعنوان الربح.

نعم لا يظهر من الأصحاب الالتفات لذلك، بل في الحدائق: «والظاهر أنه لا قائل به».

وفي كفاية ذلك في الخروج عن ظاهر النص إشكال.

ولاسيما مع توجه المتعاقدين لذلك من أجل الجمع بين نتيجة المرابحة وهي ابتناء الثمن على رأس المال والتخلص من لازمها، وهو اشتراك البيعين في الأجل.

فلاحظ.

(2) للعلم بمقدار الثمن حين البيع المعتبر عندهم في صحته.

ومنه يظهر اعتبار علم المشتري والبائع معاً بذلك، وعدم الاكتفاء بعلم المشتري.

ولعل اكتفاء سيدنا المصنف (قده) بعلم المشتري للمفروغية عن علم البائع بذلك.

هذا وفي المقنعة: «ولا يجوز أن يبيع الإنسان شيئاً مرابحة مذكورة بالنسبة إلى

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 25 من أبواب أحكام العقود حديث: 1.

أصل المال، كقولهم: أبيعك هذا المتاع بربح العشرة واحداً أو اثنين وما أشبه ذلك.

ولا بأس أن يقول: ثمن هذا المتاع علي كذا وأبيعك إياه بكذا، فيذكر أصل المال والربح، ولا يجعل لكل عشرة منه شيئاً».

وقريب منه في النهاية وعن أبي الصلاح وابن البراج، وعن المراسم أنه لا يصح.

ومقتضى إطلاقهم عدم صحة ذلك حتى مع العلم بقدر المجموع حين البيع.

وقد يستدل لهم بصحيح العلاء: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يبيع البيع، فيقول: أبيعك دوازده، أو ده يازده.

قال: لا بأس إنما هذه المراوضة.

فإذا جمع المبيع جعله جملة واحدة»(1).

لظهوره في أن نسبة الربح لرأس المال إنما يصح قبل العقد مقدمة لتعيين الثمن، ولا يصح حين العقد وقطع البيع، بل يتعين ذكر الثمن بمجموعه.

لكن مقتضى ذيله أن المتعين حين العقد هو ذكر الثمن جملة واحدة من دون تعرض لرأس المال، كما يكون في بيع المساومة.

فيرجع إلى النهي عن بيع المرابحة وتعيين المساومة، كما هو ظاهر صحيح الحلبي عنه (عليه السلام): «قال: قدم لأبي متاع من مصر، فصنع طعاماً ودعا له التجار، فقالوا: نأخذه منك بده دوازده.

قال لهم أبي: وكم يكون ذلك‌؟ قالوا في عشرة آلاف ألفين.

فقال لهم أبي: فإني أبيعكم هذا المتاع باثني عشر ألفاً.

فباعهم مساومة»(2).

وقريب منه صحيح الحلبيين في متاع لأبي عبد الله (عليه السلام)، إلا أنه ترك قوله: «فباعهم مساومة»(3) ، ومعتبر محمد: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إني لأكره بيع عشرة بإحدى عشرة، وعشرة باثني عشر، ونحو ذلك.

ولكن أبيعك بكذا وكذا مساومة.

قال:

وأتاني متاع من مصر، فكرهت أن أبيعه كذلك وعظم علي، فبعته مساومة» (4) ، ومعتبر المدائني:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام): إني أكره البيع بده يازده ودوازده، ولكن أبيعه بكذا وكذا» (5) .

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب أحكام العقود حديث: 5، 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب أحكام العقود حديث: 5، 1.

(3) من لا يحضره الفقيه ج: 12 ص 135 حديث: 589. التهذيب ج: 7 ص 54 حديث: 234.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب أحكام العقود حديث: 4، 2.

(5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب أحكام العقود حديث: 4، 2.

ولكنه مكروه (1).


وحينئذ يتعين حمل النهي في صحيح العلاء على الكراهة، للنصوص الكثيرة الدالة على جواز المرابحة(1).

نعم لو كان النهي فيه عن خصوص هذه الصيغة في بيع المرابحة فلا قرينة على حمله على الكراهة.

لكنه ليس كذلك.

(1) كما في المبسوط والغنية والشرائع وكثير غيرها.

ونسب للمشهور، بل في الخلاف وظاهر التذكرة الإجماع عليه.

واستدل له بالنصوص المتقدمة.

لكنها ظاهرة كما سبق في كراهة المرابحة في مقابل المساومة، دون خصوص هذه الصورة من المرابحة من بين صورها، كما نبّه لذلك في الحدائق.

وقد اعترف به في الرياض، حيث قال: «وهو كذلك لولا المخالفة لفهم الطائفة».

وفي الجواهر: «وإن لم أجد به قائلاً».

وفي مفتاح الكرامة: «وقد تشعر أخبار الباب بكراهية المرابحة مطلقاً، لا خصوص الكراهية في موضع المسألة.

لكنه مخالف للإجماع المعلوم والمنقول.

وخبر علي بن سعيد».

لكن التعويل في الخروج عن ظاهر النصوص على فهم الأصحاب لا يخلو عن إشكال، بل منع، خصوصاً في الأحكام غير الإلزامية، لشيوع اضطرابهم في أدلتها على أن كلام الشيخ في الخلاف والمبسوط لا يأبي الحمل على العموم.

وأما حديث علي بن سعيد فهو: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل يبتاع ثوباً، فيطلب مني [منه.

يب] مرابحة، ترى ببيع المرابحة بأساً إذا صدق في المرابحة وسمى ربحاً دانقين أو نصف درهم‌؟ فقال: لا بأس»(2).

لكن تسمية الربح بالنحو المذكور إن لم يشمل تسميته بنحو النسبة لرأس المال الذي هو محل الكلام فنفي البأس يمكن حمله على نفي الحرمة، ولو بضميمة النصوص المتقدمة.

فلا ينافي كراهة المساومة مطلقاً.

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14، 13، 21، 24، 25 وغيرها من أبواب أحكام العقود.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب أحكام العقود حديث: 1.

وإذا لم يعرف المشتري ذلك حال البيع لم يصح (1) وإن كان يعرفه بعد الحساب.

وكذلك الحكم في المواضعة إذا قال: بعتك بمائة درهم مع خسران درهم في كل عشرة، فإن المشتري إذا عرف أن الثمن تسعون صح البيع (2)، وإن لم يعرف ذلك بطل البيع وإن كان يعرفه بعد الحساب.

(1) قال في المختلف: «ولو أخبره برأس المال وزاد في كل عشرة درهماً، ولم يعلما وقت العقد كمية الثمن احتمل البطلان للجهالة.

والصحة لإمكان العلم، فإنه يستخرج بالحساب.

والأقوى البطلان، لاشتراط العلم بالثمن وقت العقد».

لكن ترك التنبيه لذلك في كلام جماعة قد يظهر في عموم الصحة مع الكراهة لذلك.

بل هو كالصريح من التذكرة، حيث ذكر في وجه الكراهة أنه قد لا يعلم قدر الثمن حالة العقد، ويحتاج في معرفته إلى الحساب.

وعليه جرى بعض مشايخنا (قده).

ولعله لأن المعتبر عنده في صحة البيع أن لا يكون غررياً، والجهل في المقام لا يوجب الغرر بنظره.

ومما سبق منا في شروط العوضين يتضح الإشكال في الاستدلال على اعتبار العلم في العوضين بالنهي عن بيع الغرر كبروياً وصغروياً.

وحيث كان عمدة الدليل على اعتبار العلم هو الإجماع لو تم فلا مجال للبناء عليه في أمثال المقام بعد ظهور الخلاف.

(2) وأما الكراهة فإن كان موضوعها خصوص نسبة الربح لرأس المال في المرابحة كما سبق من المشهور فتعديها لنسبة الوضيعة لرأس المال، يحتاج لتنقيح المناط أو إلغاء الخصوصية عرفاً.

وكلاهما مورد للإشكال، خصوصاً الأول.

وإن كان موضوعها مطلق المرابحة كما سبق منّا فتعديها للمواضعة قريب جداً، لظهور النصوص السابقة في أن البديل المطلوب هو المساومة لا غير.

نعم قد يتوقف في عمومها للتولية، بلحاظ ما في صحيح العلاء من كون المطلوب ذكر الثمن جملة واحدة، وهو حاصل مع التولية.

إلا أن يستفاد العموم لها

الكلام في البيع مرابحة اذا كان الشراء بالثمن الموجل

(مسألة 4): إذا كان الشراء بالثمن المؤجل وجب على البائع مرابحة أن يخبر بالأجل (1) فإن أخفى تخير المشتري بين الرد والإمساك بالثمن (2)، على إشكال في كونه حالاً أو مؤجلاً بذلك الأجل (3).


من بقية النصوص.

فلاحظ.

(1) كما في الغنية والنافع والتذكرة والقواعد والإرشاد.

وهو الظاهر ممن علل الخيار بالتدليس، لوضوح حرمة التدليس.

لكن التدليس إنما يحصل إذا لم يثبت الأجل للمشتري، أما إذا ثبت له فلا تدليس في ترك الإخبار بالأجل حين البيع، بل في قبض الثمن معجلاً، فيكون هو المحرم.

(2) كما في المبسوط والخلاف والغنية والتذكرة والقواعد والإرشاد وغيرها، وفي الرياض: «وهو الأشهر بين الطائفة، سيما متأخيرهم».

وهو الذي تقتضيه القاعدة، وعليه العمل، في جميع موارد تخلف ما بني عليه العقد، وهو في المقام ظهور الثمن في المرابحة في التعجيل.

لكن الظهور المذكور إنما يقتضي ثبوت الخيار إذا لم يثبت الأجل للمشتري، حيث يلزم ما يشبه زيادة الربح للبائع.

أما إذا ثبت له الأجل على ما يأتي الكلام فيه فهو أصلح للمشتري مما أقدم عليه.

ومعه لا وجه للخيار.

(3) قال في النهاية: «ومن اشترى شيئاً بنسيئة فلا يبعه مرابحة.

فإن باعه مرابحة كان للمبتاع من الأجل مثل ماله» ونحوه في الوسيلة.

وحكاه في المختلف عن ابن الجنيد والقاضي، وقد يظهر من الكليني.

كما يظهر من غير واحد التوقف.

ووجه القول المذكور صحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في الرجل يشتري المتاع إلى أجل.

قال: ليس له أن يبيعه مرابحة إلا إلى الأجل الذي اشتراه إليه.

وإن باعه مرابحة ولم يخبره كان للذي اشتراه من الأجل مثل ذلك»(1) ، ومعتبر أبي

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 25 من أبواب أحكام العقود حديث: 2.

(159)

محمد الوابشي: «سمعت رجلاً يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى متاعاً بتأخير سنة، ثم باعه من رجل آخر مرابحة، أله أن يأخذ منه ثمنه حالاً والربح‌؟ قال: ليس عليه إلا مثل الذي اشترى.

إن كان نقد شيئاً فله مثل ما نقد.

وإن لم يكن نقد شيئاً آخر فالمال عليه إلى الأجل الذي اشتراه إليه.

قلت له: فإن كان الذي اشتراه منه ليس على [بملي.

يب] مثله.

قال: فليستوثق من حقه إلى الأجل الذي اشتراه»(1) ، ومعتبر ميسر بياع الزطي المتقدم في المسألة الثانية.

وقد حملها في المختلف على ما إذا باعه بمثل ما اشتراه وأخفي عنه النسيئة ولم يشترط النقد، قال: «فإنه والحال هذه يكون له من الأجل مثل ما كان للبائع على إشكال».

لكن لا شاهد عليه من النصوص المتقدمة.

بل مقتضى صحيح هشام عدم صحة بيعه مرابحة نقداً، بل لا يصح بيعه مرابحة إلا إلى الأجل الذي اشتراه إليه.

ومقتضى ذلك وإن كان هو التنافي بين قصد النقد وقصد المرابحة حينئذ بنحو يستلزم بطلان البيع، إلا أنه يلزم الخروج عن ذلك بالنصوص المتقدمة والحكم بصحته مرابحة إلى الأجل الذي له.

وهي كما تشمل ما إذا كان النقد مقتضى إطلاق البيع تشمل ما إذا نص المتبائعان حين البيع على النقد، من دون قرينة على التخصيص بالأول.

بل مقتضى هذه النصوص أنه لا يكفي في صحة بيعه نقداً إخبار البائع للمشتري بأنه قد اشتراه مؤجلاً، بل لابد أن يخرج البيع عن المرابحة بذكر الزيادة بعنوان كونها زيادة، لا بعنوان كونها ربحاً، كما تضمنه معتبر ميسر بياع الزطي.

ومثله ما في السرائر من ردّ النصوص المذكورة بأنها خبر واحد وضعه الشيخ في كتابه ورجع عنه في مبسوطه.

إذ فيه: أنه لا مجال لإهمال هذه النصوص بعد اعتبارها في نفسها وتعددها وظهور عمل من سبق بها وتعويلهم عليها.

ولعل الشيخ قد عدل عما في المبسوط لما في النهاية من أجل هذه النصوص، دون العكس.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 25 من أبواب أحكام العقود حديث: 3.

(مسألة 5): إذا اشترى جملة صفقة بثمن لم يجز له بيع أفرادها مرابحة بالتقويم (1)


ومجرد مخالفتها للقواعد لا يكفي في التوقف عن العمل بها بعد ذلك، كما سبق من بعضهم، فضلاً عن ردها والفتوى على خلافها، كما سبق من غير واحد.

بقي في المقام أمران: الأول: إن من القريب جداً جريان نظير ذلك في المواضعة والتولية، لاشتراكها في ملاحظة رأس المال في الثمن، وظهور هذه النصوص في أن للأجل دخلاً في حساب الربح والخسارة على رأس المال.

إلا أن يكون اقتصار النصوص على المرابحة مع شيوع غيرها، خصوصاً التولية، موجباً لظهورها في خصوصية المرابحة في الحكم المذكور.

ولاسيما حديثي هشام وميسر، لتضمنهما بيان الحكم من قبل الإمام ابتداء، بخلاف حديث الوابشي المتضمن لذكر الإمام (عليه السلام) ذلك جواباً عن حكم المرابحة.

وحينئذ يتعين الرجوع في المواضعة والتولية للقاعدة المتقدمة.

الثاني: أن ظاهر النصوص المتقدمة هو لزوم البيع في حق المشتري مع ثبوت الأجل له، كما تقدم أن وجه الخيار يقصر عن الفرض المذكور.

ومن هنا لا مجال لاحتمال ثبوت الأجل له مع الخيار، كما يظهر من سيدنا المصنف (قده).

بل لابد إما من البناء على ثبوت الخيار له بين الفسخ والقبول بالمرابحة نقداً، كما تقدم من غير واحد، أو لزوم البيع عليه مع الأجل، كما تقدم من آخرين، وسبق أنه المتعين، أو الترديد بين الوجهين احتياطاً، كما جرى عليه غير واحد على ما سبق.

(1) صرح به جمهور الأصحاب.

وفي الجواهر: «على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً»، بل في الخلاف الإجماع عليه.

ويقتضيه مضافاً إلى ظهور نسبة

(161)

الثمن للشيء في كونه مقابلاً به في شرائه النصوص.

كصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليه السلام): «في الرجل يشتري المتاع جميعاً، ثم يقوم كل ثوب بما يسوي حتى يقع على رأس ماله، يبيعه مرابحة ثوباً ثوباً؟ قال: لا حتى يبين أنه إنما قومه»(1).

وقريب منه صحيحه الآخر(2) ومعتبر أبي حمزة(3).

هذا وعن ابن الجنيد والقاضي جواز البيع مرابحة بما يخصه من الثمن فيما لا تفاضل فيه من نوع واحد.

وكأنه لعدم احتياج تعيين ما يخصه من الثمن إلى التقويم.

واستشكل فيه في المختلف بأن الأغراض تتفاوت بالقلة والكثرة، وتتفاوت بذلك الأثمان، فيجب الإخبار بالحال، لئلا تقع الخيانة.

لكن الصفقة توجب نقصان الثمن غالباً فيما لا تفاضل فيه، لا زيادته، ليلزم الخيانة.

فالأولى في الجواب عن ذلك بعد خروج محل الكلام عن مورد النصوص المتقدمة أن الثمن عرفاً هو المأخوذ عوضاً في عقد البيع، وهو المجموع، دون ما يخص أجزاء المبيع منه.

نعم قد تقوم القرينة العامة أو الخاصة على عدم إرادة الثمن بالمعنى المذكور عند البيع مرابحة، كما في بيع المفرد ممن يعلم أنه يشتري الجملة في عصورنا.

وأظهر من ذلك ما إذا عيّن في البيع لكل جزء من الصفقة ما يخصه، كما لو باعه عشرة ثياب كل ثوب بدينار.

حيث لا إشكال حينئذ في جواز بيع كل منها مرابحة بما يخصه، كما في التنقيح.

إلا أن يكون لاجتماع الصفقة دخل في زيادة الثمن، كما لو تفاضلت الثياب في الفرض، فكانت خمسة جيدة قيمة كل منها اثنا عشر درهماً، وخمسة رديئة قيمة كل منها ثمانية دراهم، فاشتراها صفقة كل واحد بعشرة دراهم.

حيث لا يجوز بيع الرديء بعشرة من دون إعلام بالحال، لأنه تدليس.

وهو خارج عن مفروض كلام التنقيح.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 21 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 2، 5.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 21 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 2، 5.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 21 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 2، 5.

اذا تبين كذب البايع في اخباره براس المال

إلا بعد الإعلام (1).

(مسألة 6): إذا تبين كذب البائع في إخباره برأس المال كما إذا أخبر أن رأس ماله مائة وباع بربح عشرة، وكان في الواقع رأس المال تسعين صح البيع (2)، وتخير المشتري بين فسخ البيع وإمضائه بتمام الثمن المذكور في العقد (3)، وهو مائة وعشرة.


(1) فقد صرح جمهور الأصحاب بجوازه، وفي التذكرة دعوى الإجماع عليه.

لكن في السرائر: «هذا ليس بيع المرابحة، لأن بيع المرابحة موضوعه في الشرع أن يخبر بالثمن الذي اشتراه به، وهذا ليس كذلك».

فإن أراد بذلك عدم صحة البيع المذكور كما قد يظهر من الروضة فيدفعه النصوص المتقدمة وغيرها.

وإن أراد بذلك عدم وقوعه مرابحة وإن صح كما هو صريح النافع فهو لو تم نزاع لفظي، كما في المختلف.

على أنه لا يخلو عن إشكال، لخروجه عن ظاهر النصوص المتقدمة وكلام الفقهاء في الفروع المختلفة المبنية على التقويم دون الثمن الحقيقي، ويأتي بعضها، كما نبّه لذلك في الجواهر.

بقي شيء.

وهو أن ذلك يجري في المواضعة والتولية، كما صرح به في القواعد والتنقيح.

ويظهر الوجه فيه مما سبق من عدم صدق الثمن بالتقويم.

بل قد يستفاد من النصوص المتقدمة إلغاء خصوصية موردها عرفاً.

(2) بلا خلاف على الظاهر، كما مفتاح الكرامة والجواهر، بل استظهر في الأول الإجماع عليه.

وهو يبتني على أن تخلف عنوان أحد العوضين المأخوذ حين البيع لا يوجب بطلانه إذا لم يكن مقوماً له، نظير ما إذا باعه العبد على أنه كاتب فبان غير كاتب.

وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في مبحث حرمة الغش من المكاسب المحرمة وغيره.

(3) كما في الشرائع والقواعد والتذكرة والمختلف والإرشاد والدروس واللمعتين والمسالك وغيرها، ونسبه في مفتاح الكرامة للفاضلين ومن تأخر عنهما.

(163)

واستدل بأن البيع وقع على الثمن المذكور في العقد، فثبت.

غاية الأمر أن للمشتري الخيار، للغش، أو تخلف الوصف الذي بني عليه العقد.

هذا وعن ابن الجنيد أنه لو أقرّ البائع أو قامت البينة على أن الثمن أقل لزم الأقل وما يناسبه من الربح دون الأكثر المذكور في العقد.

وهو الصريح من المبسوط والخلاف مع اعتراف البائع بالغلط، بل يظهر من مساق كلامهما العموم لغير الغلط أيضاً.

ويبدو منهما أن ذلك ملازم لفرض كون البيع مرابحة، لابتناء المرابحة على كون الثمن هو رأس المال الحقيقي مع ما يناسبه من الربح، والمفروض أن رأس المال هو الأقل.

كما قد يظهر من الخلاف التفصيل بين ما إذا قال: بعتك بمائة وعشرة، وما إذا قال: بعتك برأس مالي وزيادة العشرة واحداً، مع الجزم في الثاني بثبوت الأقل.

والذي ينبغي أن يقال: المورد من صغريات ما إذا اختلف العنوانان المأخوذان في موضوع العقد، كما لو باعه هذا العبد الكاتب، فبان غير كاتب، أو باعه هذا الفرس فبان حماراً، أو زوجه بنته الكبرى زينب، فظهر أن الكبرى هند والصغرى زينب.

.

.

إلى غير ذلك، حيث يتعين عندهم تقدم العنوان المقصود بالأصل المقوم لموضوع العقد عرفاً، وترتب الأثر عليه لو سلم، كما في العبد في المثال الأول، وبطلان العقد لو لم يسلم، كما في الفرس في المثال الثاني.

على ذلك فأخذ المائة دينار مثلاً على أن تكون هي رأس المال الذي ينسب إليه الربح ثمناً في المرابحة إن رجع إلى كون المقصود بالأصل في الثمنية هي المائة دينار، وكونها رأس المال صفة زائدة مقصودة غير مقومة للموضوع كالكتابة في العبد في المثال السابق تعين صحة العقد وثبوت المائة وما يناسبها من الربح، وهو العشرة في المثال دون رأس المال الحقيقي.

وإن رجع إلى كون المقصود بالأصل هو رأس المال، وكونه المائة دينار صفة زائدة، كان موضوع العقد هو رأس المال الحقيقي وما يناسبه من الربح، دون المائة دينار وما يناسبها.

والظاهر الأول في المقام وفي جميع أخذ المقادير معياراً في المعاوضات.

ولذا

تقدم في المسألة الثالثة من الفصل الثاني أنه لو تبين خطأ البائع في إخباره بمقدار المبيع تعين مع النقيصة تبعض الصفقة للمشتري ورجوع ما يقابلها من الثمن له، ومع الزيادة بقاؤها في ملك البائع وشركته في المبيع بنسبتها.

ومجرد ابتناء البيع على ملاحظة رأس المال، لا ينافي ذلك، حيث هو لا يزيد عن ملاحظة شخص المبيع المقدر في موضوع العقد، بل ابتناء المبيع على خصوصية شخصه أظهر.

غاية الأمر أن يثبت به الخيار كما في سائر الأمور التي يبتني عليها العقد من دون أن تكون ركناً فيه.

وأما خصوصية المرابحة فهي غير مقومة للبيع، بل قوامه المعاوضة بين الطرفين، والخصوصية المذكورة يبتني عليها البيع كما يبتني على كثير من الأمور الخارجة عنه مما يوجب تخلفه الخيار دون البطلان.

على أنها لو كانت مقومة له تعين البطلان، لتنافي مضمون العقد بملاحظة ما ذكرنا من تقومه بالثمن المعين أيضاً.

أما وقوع العقد على الثمن الآخر فلا يتضح وجهه بعد عدم ملاحظته في البيع.

ولذا لا يظن بأحد البناء على أنه لو باعه بمائة مثلاً على أنها الثمن الذي باع بمثله على زيد، يكون الثمن تسعين لو كان قد باع على زيد بها.

فلاحظ.

بقي في المقام أمران: الأول: قال في التذكرة: «وإذا ثبت الخيار فلو قال البايع: لا تفسخ فإني أحط الزيادة سقط الخيار».

وقد تقدم من بعضهم نظيره في خيار الغبن.

وكأنه لارتفاع الضرر بناء على أنه الدليل على الخيار في المقام.

لكنه ليس كذلك، ضرورة أن البيع مع الزيادة قد لا يكون ضررياً.

بل منشأ الخيار هو خروج عقد البيع عما ابتني عليه، الموجب ارتكازاً لخلل فيه مانع من لزومه، وبذل الزيادة لا يخرج عقد البيع عن ذلك.

الثاني: لو ظهر خطأ البائع بالنقيصة، وأن الثمن أكثر مما عينه، تعين البناء على صحة البيع مع ثبوت الخيار للبائع.

لعين ما سبق.

غايته أنه لا يقبل منه دعوى ذلك،

(165)

كيفية معرفة راس مال السلعة

(مسألة 7): إذا اشترى سلعة بثمن معين مثل مائة درهم ولم يعمل فيها شيئاً كان ذلك رأس مالها، وجاز له الإخبار بذلك (1).

أما إذا عمل في السلعة عملاً، فإن كان بأجرة جاز ضم الأجرة إلى رأس المال، فإذا كانت الأجرة عشرة جاز له أن يقول: بعتك السلعة برأس مالها مائة وعشرة (2) وربح كذا، وإن


لمنافاته لإقراره.

بل قد لا تكفي البينة إذا احتمل خطؤها، حيث لا تسمع البينة مع الإقرار.

فينحصر الأمر بما إذا علم بخطأ الإقرار المسقط له عن الحجية، أو فرض إقرار المشتري بالزيادة، حيث يتساقط الإقراران بالتعارض لو فرض تشاحهما.

ويكون المرجع استصحاب أثر العقد وعدم بطلانه بالفسخ أو ما يخرج عنه من بينة أو نحوها.

فلاحظ.

(1) قطعاً، لأنه الثمن الحقيقي الذي عليه المدار في المرابحة وأختيها.

(2) كما في المختلف والدروس، وحكاه في المبسوط قولاً ومنع منه، كما منع منه في التذكرة وجامع المقاصد وظاهر الوسيلة والشرائع والقواعد والإرشاد وغيرها.

ومبنى الخلاف أن رأس المال هل يختص بالثمن أو يعم المؤن المصروفة في صلاح الشيء وما يزيد قيمته‌؟ قال في الجواهر: «والظاهر اختلاف ذلك باختلاف الأمكنة والأزمنة».

لكن من البعيد جداً صدق رأس المال على ذلك حقيقة وصدقه مجازاً يحتاج إلى قرينة، وهي التي تختلف باختلاف الأمكنة والأزمنة.

هذا وقد صرح غير واحد ممن منع من التعبير برأس المال بأنه يجوز حينئذ بيعه مرابحة، لكن يقول: قد تقوم علي بكذا أو نحو ذلك.

وقد يشكل بخروجه عن وضع المرابحة، لابتناء المرابحة على إضافة الربح إلى الثمن دون غيره.

ويظهر الجواب عنه مما تقدم في المسألة الخامسة.

كان العمل بنفسه وكان له أجرة لم يجز له أن يضم الأجرة إلى رأس المال (1)، بل يقول: رأس المال مائة، وعملي يساوي كذا (2)، وبعتكها بما ذكر وربح كذا (3).

وإذا اشترى معيباً فرجع على البائع بالأرش كان الثمن ما بقي


وأظهر من ذلك ما إذا اقتصر على ثمن الشراء، وذكر أجرة العمل مع الربح، كما لو قال: اشتريته بكذا وخطته مثلاً بكذا وأبيعه بربح كذا، حيث يرجع ذلك إلى أن الربح على الثمن الحقيقي كل من أجرة الخياطة والربح المجعول.

فترتفع الشبهة، كما يأتي نظيره من الجواهر.

(1) كما صرح به جماعة، بل الظاهر عدم الإشكال فيه.

قال في الجواهر: «إذ لا ريب في الكذب...».

ومثله ما إذا عمل فيه غيره مجاناً، كما نبّه له غير واحد.

(2) إن رجع ذلك إلى بيان قيمة العمل لزم الاقتصار على أجرة المثل.

وتعين ثبوت الخيار للمشتري لو ظهر أقل، وللبائع لو ظهر أكثر، لتخلف ما ابتنى عليه البيع.

وإن رجع إلى بيان ما يقترحه في مقابل العمل لم يجب الاقتصار على أجرة المثل، ولا موضوع للخيار، كما نبّه لذلك في الجملة في الجواهر.

(3) كما صرح به غير واحد.

قال في الجواهر: «وقد يشكل بخروجه عن وضع المرابحة، الذي يعتبر فيه ذكر ما يغرمه البائع على المبيع من حيث التجارة، والفرض عدم الغرامة هنا.

ويندفع بمنع اعتبار الاقتصار على ذلك فيها.

لإطلاق الأدلة الذي لا ريب في شموله للفرض الذي هو زيادة في الربح في الحقيقة عند التحليل، وإن جعله صورة في مقابل العمل، كما هو واضح».

وقد أشار بذلك إلى نظير ما ذكرناه آنفاً في فرض التصريح بأجرة العمل.

بقي شيء.

وهو أن ذلك قد يجري في غير أجرة العمل في المبيع من النفقات المتعارفة في شؤون التجارة، كأجرة النقل والحراسة وأجرة المكان الذي يحفظ فيه ونحو ذلك، كما نبه له غير واحد.

وإن كان الظاهر توقف ذلك على تعارف إضافته،

بعد الأرش (1).

ولو أسقط البائع بعض الثمن تفضلاً منه، أو مجازاة على الإحسان لم يسقط ذلك من الثمن، بل رأس المال هو الثمن في العقد (2).


بحيث يكون كالقرينة العامة على دخوله عند الإخبار بأنه قام عليه بكذا، أو التنبيه لإضافته صريحاً.

فلاحظ.

(1) كما في المبسوط والشرائع والتذكرة وغيرها.

لأن الثمن الحقيقي وإن كان هو المجموع بناءً على ما سبق من استحقاق الأرش تعبداً بحكم الشارع، من دون أن يكون جزءاً من الثمن إلا أنه ينصرف في مثل المقام إلى خصوص ما بقي له بعد الأرش.

هذا ولو لم يأخذ الأرش الذي استحقه لتعذر أخذه عليه لم يبعد صحة الإخبار بالثمن الذي وقع عليه البيع، لعدم سلامة شيء منه له.

أما لو أسقط تفضلاً فإشكال.

والأحوط أن يخبر بالعيب وأنه لم يأخذ أرشه.

نعم لو لم يعلم المشتري بالعيب أو تخيل حدوثه عنده، ثم باعه مرابحة بالثمن الذي وقع عليه العقد، والتفت بعد ذلك للعيب ورجع بالأرش على البائع لم يجب عليه إرجاع مقداره للمشتري، لعدم التدليس منه، وصحة عقد المرابحة على الثمن الذي وقع عليه.

غاية الأمر أنه يجري حكم العيب في حق المشتري الثاني.

ونظير ذلك ما إذا عيب المبيع بعد الشراء، فأخذ الأرش أو لم يأخذه، حيث لا يجوز الإخبار بثمن الشراء من دون تنبيه إلى أن الشراء كان قبل حدوث العيب كما نبه لذلك في المبسوط والتذكرة والدروس وغيرها.

لأن المنصرف من الإخبار بالثمن في المرابحة وأختيها هو ثمن المبيع على النحو الذي هو عليه حين بيعه ثانياً، دون ثمن شرائه قبل تغيره وطروء النقص أو الزيادة عليه.

ولذا سبق إضافة أجرة العمل، حيث يذكر تقومه عليه بالمجموع من ثمنه الحقيقي والأجرة.

(2) كما في الشرائع والقواعد والتذكرة والمختلف حاكياً له عن والده والدروس وغيرها.

لأنه إحسان مستقل عن البيع لا أثر له في تعيين الثمن.

وفصل في المبسوط وظاهر الخلاف والغنية بين الإسقاط قبل لزوم العقد والإسقاط بعد لزومه، فيستثنى من الثمن في الأول دون الثاني.

وصرح غير واحد بابتناء ذلك على حصول النقل بالعقد كما سبق أو بمضي زمان الخيار.

لكنه غير ظاهر فإن توقف الملك على مضي زمن الخيار لا ينافي كون الثمن هو تمام ما وقع عليه العقد، ولا يقتضي خروج المقدار الذي أسقطه عن كونه ثمناً، كما نبّه لذلك في مفتاح الكرامة وغيره.

نعم الإبراء من الثمن فرع ملكية البائع له، فلا يصح في زمن الخيار بناء على عدم حصول الملك فيه.

فلاحظ.

وأشكل من ذلك ما حكاه في المختلف عن ابن البراج من أن هبة الثمن بتمامه للمشتري لا تمنعه من بيعه مرابحة بتمام الثمن أما مع هبة بعض الثمن له أو إسقاطه عنه فلا يبعد مرابحة إلا بالباقي.

إذ هو خال عن المنشأ.

نعم لو كان إسقاط البعض في زمن الخيار أو بعده إرضاء للمشتري من أجل أن لا يرجع بالبيع لم يبعد انصراف الثمن في المرابحة وأختيها عن المقدار الذي أسقط.

وكذا إذا تعارف إسقاط بعض الثمن عند تسليمه، بحيث يعد من شؤون المعاملة وتوابعها.

بقي شيء.

وهو أن ما سبق في المسائل الثلاث الأخيرة كما يجري في المرابحة يجري في المواضعة والتولية، لأنها على نهج واحد في نحو ارتباطها بالثمن، كما نبه لذلك بعضهم في الجملة.

ولعل عدم تنبيه سيدنا المصنف (قده) لذلك لوضوحه.

(169) (169)

الفصل التاسع/ الربا

اشارة

وهو قسمان (1): الأول: ما يكون في المعاملة.

الثاني: ما يكون في القرض.

(1) لا إشكال في عموم حرمة الربا للقليل والكثير، كما يظهر بملاحظة الكتاب المجيد والسنة الشريفة وإجماع المسلمين.

وقد ينافي ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1).

حيث يقرب ظهور التقييد في الآية الشريفة في الحصر، فإن مناسبة كون الربا أضعافاً مضاعفة للتحريم يوجب إشعار التقييد به أو ظهوره في قصر التحريم عليه، حيث لا يظهر وجه التقييد به غير ذلك.

ولاسيما أن الآية قد تضمنت أصل التحريم، لا تأكيده وتشديده، ليكون القيد مناسباً لشدة التحريم من دون أن ينافي عموم أصل التحريم لفاقد القيد.

نظير قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ

(1) سورة آل عمران الآية: 130.

سَعِيرًا)(1).

حيث يكون التقييد باليتيم مناسباً لشدة التحريم الذي يظهر من الآية الشريفة، من دون أن ينافي عموم تحريم أكل مال الغير ظلماً.

ومن هنا يظهر من المفسرين وغيرهم حمل القيد على بيان ما قد يؤول إليه الربا من التضاعف بطول المدة، أو غير ذلك مما هو خلاف الظاهر جداً، ولا مسوغ له لولا قيام الضرورة على عموم حرمة الربا.

ولعل الأقرب بعد ملاحظة جميع الآيات الواردة في الربا والمقارنة بينهما هو البناء على أن تشريع تحريم الربا ابتنى على التدرج، فشرع في أول الأمر تحريم أكل الربا إذا كثر وتضاعف نتيجة طول المدة، بحيث يجحف بالمأخوذ منه، كما تضمنته الآية الشريفة، لأن ذلك أحرى بتقبل الناس للتحريم، ثم عمم التحريم لجميع صنوف الربا وأفراده.

كما قد يناسبه قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ...)(2).

فإن الآية الأولى من هذه الآيات الشريفة كالصريحة في تعميم التحريم للباقي من الربا، لا في تشريع أصل تحريم الربا.

كما أن سياق الآيات يناسب نزولها لبيان حكم المتورط في الربا، لا للنهي عن إيقاعه ابتداءً، وإن كان ذلك يستفاد منها تبعاً.

ويناسب ذلك أن لسان الآيات الشاملة لجميع أقسام الربا لا يناسب تشريع تحريمه، بل تأكيد تحريمه والتشجيع على تركه، والتشديد في الإنكار على من يقوم به.

وذلك بطبيعته متأخر عن تشريع التحريم.

فلاحظ قوله تعالى: (وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ

(1) سورة النساء الآية: 10.

(2) سورة البقرة الآية: 278-280.

تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ)(1) ، وقوله عز وجل: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْْ جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)(2).

هذا ما يظهر لنا بلحاظ ألسنة الآيات الشريفة، وإن لم يتيسر لنا عاجلاً العثور على شاهد له من النصوص، ولا من التاريخ، ولا من كلام المفسرين.

والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.

ومنه نستمد التوفيق والتسديد.

بقي شيء.

وهو أن الظاهر مفروغية الأصحاب عن اختصاص التحريم بالقسمين المذكورين، كما يشهد به الرجوع لكلماتهم في تعريفه.

ويقتضيه عمومات الصحة وأصالة البراءة من الحرمة التكليفية بعد اختصاص النصوص والفتاوى المانعية بهذين القسمين.

ودعوى: أن الربا لما كان هو الزيادة لغة، فمقتضى الإطلاقات المانعة عنه العموم لكل زيادة ولو في غير القسمين المذكورين.

فلابد في إثبات الجواز فيما خرج عن القسمين من الدليل المخرج عن الإطلاقات المذكورة.

مدفوعة بأن وضوح ابتناء المعاملات على المماكسة والاسترباح يمنع من انعقاد الظهور للإطلاقات المذكورة في العموم لكل زيادة، ويلزم بحملها على زيادة خاصة، فتكون مجملة من هذه الجهة، أو يكون ذلك قرينة على كون المراد بها الزيادة المعهودة، والمتيقن منها ما يكون في هذين القسمين لا غير.

ثم إنه لا إشكال في حرمة القسمين منه تكليفاً، كما هو مقتضى النهي عن الربا في الكتاب المجيد والسنة المستفيضة أو المتواترة، بنحو يظهر في خصوصية الربا في

(1) سورة الروم الآية: 39.

(2) سورة البقرة الآية: 275-276.

الكلام في الربا المعاملي

التحريم زائداً على حرمة أكل مال الغير اللازم من بطلان المعاملة، كما يظهر من مثل صحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: درهم ربا [عند الله.

يب] أشد من سبعين زنية كلها بذات محرم»(1) ، وغيره.

ومنه ما تضمن سوق التحريم في حق الآكل والدافع والكاتب والشاهدين في مساق واحد(2) ، مع وضوح أنه لا موضوع فيه لتحريم أكل مال الغير في حق من عدا الأول.

كما لا إشكال في حرمة كلا القسمين منه وضعاً بمعنى بطلان المعاملة، لا من جهة النهي التكليفي المذكور.

لما هو التحقيق من عدم اقتضاء النهي في المعاملة الفساد.

بل لصراحة الأدلة في عدم استحقاق الزيادة.

كقوله تعالى: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)(3) ، وما ورد من وجوب رد الربا إلى أهله في الجملة(4) ، وغير ذلك.

نعم قد يقع الكلام في أن البطلان هل يختص بالزيادة، أو يسري للمعاملة بتمامها.

حيث قد يدعى أن الربا لما كان هو الزيادة لغة فتحريمه وضعاً إنما يقتضي عدم استحقاقها، ولا ملزم بالبناء على بطلان المعاملة بتمامها.

فمن اشترى مناً من الحنطة الجيدة بمنين منّ الحنطة الرديئة، ملك من الحنطة الجيدة مقابل منّ من الحنطة الرديئة، ومن اشترى مناً من الحنطة الجيدة بمن من الحنطة الرديئة بشرط أن يطحن الرديئة ملك الحنطة الجيدة بالحنطة الرديئة، ولم يجب عليه طحن الرديئة، لحرمة الشرط وبطلانه، بناءً في الأخير على ما هو الظاهر من أن الشرط الفاسد لا يفسد العقد.

لكن النظر في نصوص المقام يشهد بأن موضوع النهي ليس هو الزيادة فقط، بل المعاملة المشتملة عليها المتضمنة للبيع أو التبديل أو نحوهما.

والتعبير عنها بالربا في بعض الأدلة إما أن يبتني على تسمية السبب بالمسبب عرفاً أو شرعاً، أو إطلاقه عليه

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 4.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 4.

(3) سورة البقرة الآية: 279.

(4) راجع: وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الربا.

(173)

أما الأول: فهو بيع أحد المثلين بالآخر مع زيادة عينية في أحدهما (1)،


توسعاً.

وعدم كون الشرط الفاسد مفسداً إنما يجري فيما إذا كان المحذور في الشرط نفسه، كاشتراط الولاء أو عدم الميراث في البيع، دون ما إذا كان المحذور في المعاملة نفسها، بحيث يخرجها الشرط من معاملة مشروعة إلى معاملة غير مشروعة، كما في المقام.

وأشكل من ذلك بيع الربويين مع الزيادة العينية.

فإن صحة البيع من دون زيادة مما لا مجال له بعد عدم القصد إليه، ولا يقاس بتبعض الصفقة، لابتناء تبعض الصفقة على تحليل المعاملة ومقابلة كل جزء من المبيع بما يناسبه من الثمن، فإذا صح البيع في بعض المبيع دون بعض ثبت من الثمن ما يقابل ما صح فيه البيع، وسقط ما يقابل الآخر.

أما في المقام فالمدعى هو صحة البيع في تمام أحد العوضين وبعض الآخر.

كما نبّه لذلك كله في الجواهر.

فلاحظ.

نعم لا يبعد جريان ذلك في القرض الربوي، حيث لا يبعد انحلال المعاملة إلى أمرين: القرض المقتضي لتملك المال المقترض في مقابل المثل، واشتراط الزيادة، فيصح القرض، ويملك المال المقترض في مقابل المثل، ويكون المحرم تكليفاً ووضعاً هو اشتراط الزيادة.

لأن ظاهر الأدلة أو المتيقن منها هو النهي عن اشتراط الزيادة، وحرمة الشرط وبطلانه لا يقتضي بطلان العقد في مثل ذلك، كما تقدم في مبحث الشروط.

فلاحظ.

(1) بلا إشكال ظاهر بملاحظة النصوص والفتاوى.

ففي صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث أنه قال: «يا عمر قد أحل الله البيع وحرم الربا.

بع واربح ولا تربه.

قلت: وما الربا؟ قال: دراهم بدراهم مثلين بمثل، وحنطة بحنطة مثلين بمثل»(1).

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الربا حديث: 2.

كبيع منّ من الحنطة بمنّين، أو منّ من الحنطة بمنّ ودرهم (1)، أو زيادة


(1) إذ الظاهر عدم الإشكال ولا الخلاف في عموم حرمة الزيادة العينية لما إذا كانت من غير الجنس، كما في هذا المثال.

لظهور غير واحد من النصوص في انحصار الصحة مع اتحاد الجنس بما إذا كان العوضان متماثلين في المقدار، لا في مجرد مانعية زيادة أحد الجنسين في المقدار على الآخر.

ففي صحيح أبي بصير وغيره عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«قال: الحنطة والشعير رأس برأس لا يزداد واحد منهما على الآخر» (1) ، وفي صحيح الحلبي عنه (عليه السلام) قال:

«لا يباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة، ولا يباع إلا مثلاً [مثل] بمثل.

والتمر [الثمن] مثل ذلك...» (2) ونحوهما غيرهما.

ومن الظاهر عدم صدق المماثلة في المقدار مع الزيادة العينية ولو من غير الجنس.

نعم قد ينافي ذلك ما في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألته عن رجل يأتي بالدراهم إلى الصيرفي فيقول له: آخذ منك المائة بمائة وعشرين أو بمائة وخمسة، حتى يرواضه على الذي يريد.

فإذا فرغ جعل مكان الدراهم الزيادة ديناراً أو ذهباً، ثم قال له: قد زاددتك [راددتك.

يب] البيع، وإنما أبايعك على هذا، لأن الأول لا يصلح، أو لم يقل ذلك وجعل ذهباً مكان الدراهم.

فقال: إذا كان آخر [إجراء.

يب] البيع على الحلال فلا بأس بذلك...»(3).

لظهوره في الاقتصار في الجنس الآخر وهو الذهب على الزيادة مع التماثل بين الدراهم.

لكن لابد من طرحه أو حمله على عدم الاقتصار في الذهب على الزيادة، كما يظهر بملاحظة النصوص والفتاوى في الطرق التي يتخلص بها من الربا.

وفي صحيح محمد: «سئل عن السيف المحلى والسيف الحديد المموه بالفضة

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الربا حديث: 3، 4.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الربا حديث: 3، 4.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب الصرف حديث: 3.

(175)

حكمية (1) كبيع منّ من حنطة نقداً بمنّ من حنطة نسيئة.

وهل يختص


نبيعه بالدراهم فقال: نعم، وبالذهب [بع بالذهب].

وقال: إنه يكره أن تبيعه بنسية.

وقال: إذا كان الثمن أكثر من الفضة فلا بأس»(1) ونحوه غيره(2).

(1) الزيادة الحكمية.

.

تارة: يراد بها الزيادة في أحد العوضين بنفسه أو بعمل فيه من دون زيادة في ملكية من صار إليه زائدة على ملكيته له، ككون احد العوضين جيداً نوعاً أو مطبوخاً أو مطحوناً أو مغسولاً.

ولا إشكال في عدم مانعية الزيادة المذكورة، وخروجها عن محل الكلام فيجوز، بل يجب.

مثلاً بيع الحنطة الجيدة بالحنطة الرديئة مثلاً بمثل، وبيع الحنطة بالدقيق مثلاً بمثل، ونحو لذلك.

وأخرى: يراد بها الزيادة في ملكية أحد المتعاقدين بسبب الشرط له على الآخر كما إذا تبايعا مناً من الحنطة بمن منها، واشتراط تأجيل الثمن أو التصدق بأحد العوضين أو طحنه أو غزله إلى غير ذلك.

فالزيادة في المقام ليست في أحد العوضين، بل فيما يملكه أحد المتبايعين نتيجة الشرط الذي تضمنه البيع.

ويظهر من غير واحد مانعية ذلك ودخوله في الربا.

بل في الجواهر أنه لا خلاف محقق معتد به في ذلك.

وكأنه أشار بنفي الخلاف المحقق إلى ما في الخلاف من كراهة بيع المتماثلين في المقدار من جنس واحد نسيئة، وما في المبسوط من أن الأحوط أن يكون يداً بيد، حيث قال في الدروس: «وأوّل كلامه بإدارة التحريم، لأن المسألة إجماعية».

ولاسيما مع ما في النهاية من عدم جواز بيع غير الربويين كالحيوان والثياب مع اتحاد الجنس متماثلاً نسيئة، ونحوه في المراسم، وسبقه إلى ذلك في المقنعة.

بل مقتضى إطلاق كلامه العموم لصورة التفاصيل، كما هو صريح الخلاف، وكذا الغنية في الحيوان.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 4.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 1، وباب: 20 من أبواب الربا حديث: 1.

وكأنه أشار بنفي الخلاف المعتد به إلى ما في السرائر في مسألة بيع درهم بدرهم مع اشتراط صياغة خاتم أو غير ذلك، حيث قال في توجيه الفتوى بالجواز: «إن الربا هو الزيادة في العين إذا كان الجنس واحداً، وههنا لا زيادة في العين... ويمكن أن يحتج بصحته بقوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا).

وهذا بيع، والربا المنهي عنه غير موجود ههنا، لا حقيقة لغوية ولا حقيقية عرفية شرعية».

وهو صريح في اختصاص الزيادة بالعينية.

نعم ردّ عليه غير واحد بعموم الربا للزيادة الحكمية.

ولعله لذا لم يعتد في الجواهر بخلافه.

هذا والنظر في كلماتهم يشهد بخصوصية النسيئة عندهم في المنع، لا من جهة لزوم الربا، ولذا عمم غير واحد المنع لغير الربويين، كما تقدم منهم آنفاً، ويناسبه بعض النصوص.

ويأتي الكلام في ذلك عند الكلام في شرطية الكيل والوزن في تحقق الربا في المعاملة إن شاء الله تعالى.

وأما ما سبق من غير واحد من عموم الزيادة الربوية للزيادة الحكمية، بل قد يظهر من بعضهم المفروغية عنه، فإن كان الوجه فيه صدق الربا بالزيادة المذكورة، لأن الربا مطلق الزيادة، فقد سبق منّا أن الربا وإن كان هو الزيادة لغة، إلا أنه لا مجال لحمل أدلته على الإطلاق المذكور، بل لابد من حملها على خصوص زيادة معهودة تستفاد من النصوص أو غيرها من الأدلة التعبدية، والمتيقن منه هي الزيادة العينية.

ولاسيما مع ما تقدم من عدم مانعية الزيادة الحكمية القائمة بنفس العوضين، كالجودة والرداء والصنعة ونحوها، لصعوبة الفرق بينهما ارتكازاً.

ومع أن الزيادة مع الشرط لو كانت معياراً في الربا كالزيادة العينية لكان المناسب مقابلتها للزيادة العينية في أحد العوضين، فيجوز مثلاً بيع منّ من الحنطة بشرط طحنه بمنين منها من دون شرط، ولا يظهر منه البناء على ذلك.

بل هو مخالف لإطلاق النصوص المتضمنة اعتبار المماثلة مع اتحاد الجنس.

وأما ما يظهر من بعض كلماتهم من المفروغية عنه، أو دعوى الإجماع عليه، فهو

لا ينهض دليلاً في المقام بعد قرب ابتنائه على ما عرفت الإشكال فيه من استفادته من إطلاق أدلة الربا أو من كلامهم في النسيئة.

ولاسيما مع ما سبق من السرائر، ومع ما ذكره في النهاية وتبعه جماعة من أنه يجوز أن يبيع درهم بدرهم ويشترط معه صياغة خاتم أو غير ذلك من الأشياء.

نعم يظهر من غير واحد خروج ذلك عن القاعدة، لحديث أبي الصباح الكناني: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقول للصائغ: صغ لي هذا الخاتم، وأبدل لك درهماً طازجاً بدرهم غلة.

قال: لا بأس»(1).

لكن ذلك لا يناسب مساق ما سبق من النهاية وغيره، حيث لم يتقيد بمورد الحديث ولا بمفاده.

لظهور أن مفاد الحديث جعل البيع في مقابل الصياغة، نظير الجعالة عليها، لا جعل الصياغة شرطاً في البيع كما هو موضوع ما سبق من النهاية وغيره.

ونبه لذلك في الدروس.

كما أن مورد الحديث خصوص صياغة الخاتم ومورد كلام النهاية وبعض من وافقه الأعم.

ومثله ما في الجواهر من الاستدلال عليه بالنصوص.

قال: «وفي صحيح عبد الرحمن: إن الناس لم يختلفوا في النسيء أنه الربا، كما في خبره الآخر: جاء الربا من قبل الشروط، وإنما تفسده الشروط».

وقد أشار بالأول إلى صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألته عن السيوف المحلاة فيها الفضة تباع بالذهب إلى أجل مسمى.

فقال: إن الناس لم يختلفوا في النساء [النسيء] أنه الربا، وإنما اختلفوا في اليد باليد...»(1).

وهو كما ترى وارد في اختلاف الجنس، لفرض كون الحلية فضة، والسيف حديداً وثمن الكل ذهباً، ولا ربا مع ذلك.

ومن ثم لا يخلو عن إجمال.

ولا أقل من كون تطبيقه مع النسيء تعبدياً، لخصوصية في النسيء، كما أشرنا إليه، فلا يتعدى منه(2)

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب الصرف حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 1.

لسائر الشروط.

على أنه معارض بنصوص آخر تتضمن الجواز ومن ثم سبق أن للنسيئة خصوصية في المقام، ويأتي الكلام فيها.

وأما الثاني فلم نعثر على ما يناسبه إلا صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يقترض من الرجل الدراهم فيرد عليه المثقال، أو يستقرض المثقال فيرد عليه الدراهم.

فقال: إذا لم يكن شرط فلا بأس...»(1) ، وخبر لابن الحجاج: «سألته عن الرجل كانت لي عليه مائة درهم عدداً قضانيها مائة وزناً.

قال: لا بأس ما لم يشترط.

قال: وقال: جاء الربا من قبل الشروط.

إنما يفسده الشروط»(2) ، ونحوهما غيرهما.

وهي واردة في الدين الربوي المبني على الزيادة العينية أو ما يعم الوصف، الذي لا إشكال في دوران الربا فيه مدار الشرط، وهو غير ما نحن فيه من البيع في الربويين المتضمن لشرط خارج عن العوضين مع فرض التماثل بينهما.

ومن هنا يشكل البناء على عموم الزيادة الموجبة للربا في المعاملة للزيادة الحكمية الحاصلة من الشرط.

ولاسيما مع ورود جواز ذلك في الجملة في الدين، حيث ورد جواز إقراض المال واشتراط وفائه في موضع آخر غير الذي اقترض فيه(3).

بل في صحيح الحلبي: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): عن الرجل يستبدل الكوفية بالشامية وزناً بوزن، فيقول الصيرفي: لا أبدل لك حتى تبدل لي يوسفية بغلة وزناً بوزن.

فقال: لا بأس به»(4).

فإنه صريح في جواز الشرط في المعاوضة بين الربويين.

ومثله ما تقدم في حديث أبي الصباح بناءً على كونه مما نحن فيه أو ملحق به حكماً.

وفي صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في حديث: «وكره أن يباع التمر بالرطب عاجلاً بمثل كيله إلى أجل، من أجل أن الرطب ييبس، فينقص

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب الصرف حديث: 7، 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب الصرف حديث: 7، 1.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 12 من أبواب الصرف حديث: 7.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب الصرف حديث: 1.

تحريمه بالبيع أو يجري في غيره من المعاوضات‌؟ قولان (1).

والأظهر


من كيله»(1).

فإنه مشعر أو ظاهر في جواز النسيئة في الربويين إذا لم يختلفا في الرطوبة والجفاف.

نعم إذا كان الشرط عملاً له مالية كالخياطة، أو تمليكاً لمال، كما لو باع منّاً من الحنطة الجيدة بمنّ من الحنطة الردئية واشترط على المشتري أن يعطيه درهماً، لم يبعد منافاته للمماثلة عرفاً.

ولعله إلى ذلك يرجع ما ذكره السيد الطباطبائي (قده) من الاقتصار على شرط الزيادة العينية أو ما بمنزلتها.

فلاحظ.

ثم إنه لو فرض البناء على العموم المذكور فمقتضاه عدم تحقق الربا مع الشرط من الطرفين، كما لو باع زيد عمراً منّاً من القطن بمنّ منه، واشترط زيد على عمر أن يندف القطن الثمن، واشترط عمرو على زيد أن يغزل القطن المثمن.

لكون الزيادة الحكمية في حق كل منهما مقابلة بالزيادة الحكمية في حق الآخر، من دون فرق بين تساوي الأمرين المشروطين في القيمة واختلافها.

لاختلاف الجنس وعدم كونهما من المكيل ولا الموزون.

لكن قال السيد الطباطبائي (قده): «لكنه مشكل، خصوصاً مع تفاوتهما كثيراً».

ولم يتضح وجهه.

ثم إنه إنما يتعين المنع من البيع نسيئة في مفروض الكلام بناءً على تحقق الزيادة الحكمية إذا كان تأجيل الثمن حقاً لأحدهما فقط.

أما إذا كان حقاً لهما معاً كما سبق فرضه في المسألة الأولى من الفصل الثامن فالمتعين الجواز، نظير ما ذكرناه فيما إذا كان الشرط من الطرفين.

بل هو أولى بالجواز.

(1) فقد صرح بالتعميم في الشرائع والإيضاح والدروس وجامع المقاصد وغيرها.

وهو الظاهر من الشيخ والقاضي.

وصرح بالاختصاص بالبيع في السرائر والمختلف.

وقد يظهر من كل من ذكر أن الربا قسمان في البيع وفي الدين.

وتردد في

(1) من لا يحضره الفقيه ج: 3 ص 178. ويأتي تمام الكلام في متنه ومصادره في أواخر المسألة الحادية عشرة.

اختصاصه بما كانت المعاوضة فيه بين العينين (1)، سواء أكانت بعنوان


ذلك في القواعد في كتابي الصلح والغصب، وكذا في محكي كتاب الصلح من التذكرة.

(1) كما هو ظاهر المعاوضة في كلام من عمم.

وهو الظاهر من إطلاق قوله (عليه السلام) في صحيح عمر بن يزيد المتقدم في بيان الربا: «دراهم بدراهم مثلين بمثل، وحنطة بحنطة مثلين بمثل»(1).

وقريب منه ما تقدم في صحيح أبي بصير وغيره(2).

وفي صحيح منصور: «سألته عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين قال: لا بأس ما لم يكن كيلاً أو وزناً»(3) ، ونحوها غيرها.

لظهور الباء في المعاوضة بين الشيئين من دون تقييد بالبيع.

ومجرد كون البيع هو الشايع لا يكفي في التقييد.

وأظهر من ذلك ما تضمن التعبير بالاستبدال، كصحيح سيف التمار: «قلت لأبي بصير: أحب أن تسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل استبدل قوصرتين فيهما بسر مطبوخ بقوصرة فيها تمر مشقق.

قال: فسأله أبو بصير عن ذلك.

فقال: هذا مكروه.

فقال أبو بصير: ولِمَ يكره‌؟ فقال: إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يكره أن يستبدل وسقاً من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر، لأن تمر المدينة أدونهما.

ولم يكن علي (عليه السلام) يكره الحلال(4)» وغيره.

لظهور أن الاستبدال أعم من البيع المبني على كون أحد العوضين ملحوظاً بالأصل والآخر عوضاً عنه وثمناً له.

بل هو كالصريح من ذيل صحيح الحلبي المتقدم، وفيه: «وسئل عن الرجل يشتري الحنطة فلا يجد صاحبها إلا شعيراً أيصلح له أن يأخذ اثنين بواحد؟ قال: لا، إنما أصلهما واحد...»(5) وقريب منه صحيح هشام بن سالم(6).

لظهور أنه لا يرجع إلى

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الربا حديث: 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الربا حديث: 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الربا حديث: 5.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الربا حديث: 1.

(5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الربا حديث: 4، 1.

(6) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الربا حديث: 4، 1.

البيع أم بعنوان الصلح (1)، مثل صالحتك على أن تكون هذه العشرة التي لك بهذه الخمسة التي لي، أما إذا لم تكن المعاوضة بين العينين كالصلح في مثل صالحتك على أن تهب لي تلك العشرة وأهب لك هذه الخمسة (2)،


بيع أحدهما بالآخر، بل إلى الوفاء عن الحنطة بالشعير.

وصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «سألته عن الرجل يدفع إلى الطحان الطعام، فيقاطعه على أن يعطي لكل عشرة أرطال اثني عشر دقيقاً.

قال: لا.

قلت: فالرجل يدفع السمسم إلى العصار يضمن له لكل صاع أرطالاً [مسماة] قال: لا»(1).

لظهور أن الضمان المذكور ليس بيعاً.

وبذلك يخرج عن عمومات الصحة التي اعتمد عليها القائل بالاختصاص بالبيع.

(1) أم بعنوان آخر كالإبدال والمقاطعة اللذين تضمنهما صحيحا الحلبي ومحمد بن مسلم المتقدمان.

إلا أن يريدوا بالصلح ما يعم ذلك.

(2) فإن المقابلة بين الهبتين لا بين المالين الموهوبين بنحو تحقق المعاوضة بينهما.

لكن منع في الشرائع والجواهر من هبة الربوي بشرط هبة ما يزيد عليه من جنسه.

قال في الجواهر: «إذا الظاهر كون ذلك من الهبة المعوضة».

وهو لو تم يجري في مفروض المتن من المصالحة على الهبتين.

وفيه: أنه لا محذور في الهبة المعوضة بالزائد، لأنهما معاملتان لا معاملة واحدة ربوية.

ولذا صرح هو تبعاً للشرائع بجواز تعويض هبة الربوي بهبة الزائد من جنسه من غير شرط، مع أنه هبة معوضة قطعاً.

ومن هنا لم يتضح وجه البطلان مع الشرط، ليجري نظيره في التصالح على الهبتين، الذي هو مفروض المتن.

ودعوى: رجوع الفرضين ونحوهما إلى المعاوضة بين العينين لبّاً لتحقق غرضها بها وإن لم تكن منها لفظاً وصورة.

مدفوعة بابتناء حرمة الربا على التعبد المحض،

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب الربا حديث: 3.

أما الأول: فهو بيع أحد المثلين بالآخر مع زيادة عينية في أحدهما (1)، كبيع منّ من الحنطة بمنّين، أو منّ من الحنطة بمنّ ودرهم (1)، أو زيادة حكمية (1) كبيع منّ من حنطة نقداً بمنّ من حنطة نسيئة.

وهل يختص تحريمه بالبيع أو يجري في غيره من المعاوضات‌؟ قولان (1).

والأظهر اختصاصه بما كانت المعاوضة فيه بين العينين (1)، سواء أكانت بعنوان البيع أم بعنوان الصلح (1)، مثل صالحتك على أن تكون هذه العشرة التي لك بهذه الخمسة التي لي، أما إذا لم تكن المعاوضة بين العينين كالصلح في مثل صالحتك على أن تهب لي تلك العشرة وأهب لك هذه الخمسة (2)، والإبراء في مثل أبرأتك عن الخمسة التي لي عليك بشرط أن تبرئني عن العشرة التي لك علي (1) ونحوها فالظاهر الصحة (2).

فاللازم الجمود على مفاد الأدلة فيه.

ولاسيما مع ما صرحت به النصوص الآتية من الجواز في بعض الفروض المشاركة لذلك في الجهة المذكورة.

فلاحظ.

(1) قد يشكل المثال المذكور بعدم نفوذ الشرط في الإبراء، لكونه إيقاعاً.

نعم يمكن فرض التصالح على الابرائين، بحيث يبرءان معاً بمجرد الصلح بلا حاجة إلى إبراء بعده.

(2) للعمومات بعد خروجه عن المعاوضة بين الربويين، فلا يدخل في الأدلة المتقدمة.

مضافاً إلى بعض ما ورد في الصلح.

كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه وكان في المال دين، وعليهما دين، فقال أحدهما لصاحبه: أعطني رأس المال، ولك الربح وعليك التوى. فقال: لا بأس إذا اشترطا.

فإذا كان شرط يخالف كتاب الله فهو رد إلى كتاب الله عز وجل»(1) ، وصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنه قال في رجلين كان لكل منهما طعام عند صاحبه، ولا يدري كل واحد منهما كم له عند صاحبه، فقال كل واحد منهما لصاحبه: لك ما عندك، ولي ما عندي.

فقال: لا بأس إذا تراضيا وطابت أنفسهما»(2).

لظهوره في مجرد ملكية كل منهما لما عنده من دون معاوضة بينهما.

نعم لو كان التعبير هكذا: ما لي عندك بما لك عندي، لكان من المعاوضة.

وكذا ما تضمن جواز الصلح عن الدين بأقل منه(3).

فإن الظاهر رجوع المصالحة إلى إسقاط بعض الدين من أجل تعجيل ما يصالح عليه، لا إلى المعاوضة بين الدين والمعجل، ليدخل في القسم الأول، الذي تقدم المنع منه.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 4 من أبواب كتاب الصلح حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 5 من أبواب كتاب الصلح حديث: 1.

(3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 5، 6 من أبواب كتاب الصلح حديث: 1.

(183) (183)

شروط تحقق الربا/ الأول: اتحاد الجنس

اشارة

(مسألة 1): يشترط في تحقق الربا في المعاملة أمران: الأول: اتحاد الجنس (1)


(1) فيجوز التفاضل مع الاختلاف في الجنس في الجملة بلا خلاف ولا إشكال نصاً وفتوى، وعموماً وخصوصاً.

كذا في الجواهر.

ويقتضيه النبوي: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم»(1) ، وموثق منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سألته عن البيضة بالبيضتين.

قال: لا بأس به.

والثوب بالثوبين.

قال: لا بأس به.

والفرس بالفرسين.

فقال: لا بأس به.

ثم قال: كل شيء يكال أو يوزن فلا يصلح مثلين بمثل إذا كان من جنس واحد.

فإذا كان لا يكال ولا يوزن فلا بأس به، اثنين بواحد»(2).

وموثق سماعة أو صحيحه: «سألته عن الطعام والتمر والزبيب.

فقال: لا يصلح منه اثنان بواحد.

إلا أن يصرفه نوعاً إلى نوع آخر.

فإذا صرفته فلا بأس اثنين بواحد وأكثر [من ذلك.

فقيه]»(3).

ومثله ما تضمن اشتراط الجواز باختلاف الشيئين، كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في حديث: «الكيل يجري مجرى واحد.

قال: ويكره قفيز لوز بقفيزين.

ولكن صاع حنطة بصاعين تمر، وصاع تمر بصاعين زبيب إذا اختلف.

هذا والفاكهة اليابسة تجري مجرى واحداً...»(4) وغيره(5).

لظهور أنه لا يراد به مطلق الاختلاف، إذ لا يخلو منه شيئان، بل الاختلاف في الجنس، كما هو المنسبق عرفاً، وتشهد به الأمثلة التي تضمنتها بعض هذه النصوص.

وكذا ما تضمن تعليل عدم جواز التفاضل بين الحنطة والشعير بأن أصلهما واحد، كما في صحيح الحلبي المتقدم وغيره(6).

مضافاً إلى النصوص الواردة في

(1) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 12 من أبواب الربا حديث: 4.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب الربا حديث: 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب الربا حديث: 5، 3.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب الربا حديث: 5، 3.

(5) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 9، 13 من أبواب الربا.

(6) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الربا.

والذات عرفاً (1)


الفروض المختلفة لتعدد الجنس، كالزيت بالسمن، والتمر بالحنطة(1).

(1) لأن ذلك هو المفهوم من نصوص المقام ولو بضميمة إطلاقها المقامي.

والظاهر أن ذلك هو مراد الكل سواء من عبر بالحقيقية النوعية، أم من عبر بما يتناوله لفظ خاص، كما نبه لذلك غير واحد.

حيث لا يراد بالأول النوع المنطقي، لما هو المعلوم وصرح به بعض المناطقة من تعسر الاطلاع على حقائق الأشياء تعسراً يلحق بالتعذر، ولأن ذلك عرف خاص للمناطقة متأخر عن عصر صدور النصوص.

كما لا يراد بالثاني مطلق الاشتراك في اسم واحد، بنحو يشمل مثل الطعام والفاكهة والطير، بل خصوص اللفظ الحاكي عن حقيقة الشيء عرفاً.

ويؤكد ذلك ما ورد في الحنطة والشعير، حيث يظهر من مجموع نصوصهما أن جريان حكم الجنس الواحد عليهما تعبدي مغفول عنه عرفاً لولا التنبيه عليه وعلى تعليله بوحدة أصلهما.

هذا ومع الشك في الاتحاد والتعدد، فإن كان لعدم وضوح حال الطرفين وأن الخلاف بينهما يبلغ حد الاختلاف في النوع أو لا، فهو راجع في الحقيقة إلى الشبهة المفهومية الراجحة للشبهة الحكمية، للشك في أن المراد باتحاد الجنس وعدم اختلافه هل يشمل مثل الاشتراك الذي بينهما، وهو راجع إلى إجمال المخصص لعمومات الصحة وتردده بين الأقل والأكثر، والمتعين معه الاقتصار على الأقل في التخصيص، والرجوع في الزائد للعمومات.

وإذا كان للجهل بحقيقة الطرفين بنحو الشبهة الموضوعية كما لو تردد أحد العوضين بين دقيق الحنطة ودقيق الذرة، أو بين دبس التمر وعصير العنب فمقتضى

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب الربا.

(185)

الكلام في اتحاد الجنس في الربا

وإن اختلفت الصفات (1)، فلا يجوز بيع منّ من الحنطة الجيدة بمنين من الرديئة، ولا بيع منّ من الأرز الجيد كالعنبر بمنين منه أو من الرديء، كالحويزاوي (2)، أما إذا اختلفت الذات فلا بأس (3) كبيع من من الحنطة بمنين من الأرز.

استصحاب عدم كون البيع ربوياً بنحو العدم الأزلي صحة البيع.

ودعوى: ظهور بعض النصوص كصحيح الحلبي المتقدم في أن الشرط في الجواز والصحة هو الاختلاف في الجنس، ومقتضى استصحاب عدم كون المبيعين مختلفين بنحو العدم الأزلي هو كون البيع ربوياً محرماً وباطلاً.

مدفوعة بظهور بعض النصوص الأخر كموثق منصور بن حازم المتقدم في أن الشرط في الحرمة والبطلان هو اتحاد الجنس، ومقتضى استصحاب عدمه أزلاً كون البيع حلالاً وصحيحاً، وبعد تساقطهما لعدم المرجح يكون المرجع استصحاب عدم كون البيع ربوياً، كما ذكرنا.

(1) مراده (قده) ما يعم اختلاف الأصناف من الجنس الواحد، كما يظهر بملاحظة مثاليه ودليل المسألة.

(2) بلا إشكال ظاهر بعد فرض اتحاد الجنس.

وهو المتيقن من الفتاوى ومن إطلاق نصوص المنع، ضرورة أن الداعي غالباً للزيادة مع اتحاد الجنس هو اختلاف الصفات، وأهمه ما يرجع للجودة والرداءة.

مضافاً إلى خصوص النصوص الواردة في ذلك كصحيح سيف التمار وغيره مما ورد في التمر(1) وما ورد في الحنطة والدقيق(2).

(3) لا إشكال فيه في الجملة.

والنصوص به مستفيضة إن لم تكن متواترة، وقد تقدم، ويأتي بعضها أيضاً.

وإنما الكلام في إطلاق جواز البيع وتقييده.

حيث لا خلاف

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الربا.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 9 من أبواب الربا.

فتوى ونصوصاً في جوازه نقداً.

وأما النسيئة فقد قال في الجواهر: «فإن كان كل من العوضين من الأثمان فهو صرف لا تجوز فيه، كما تعرفه في محله.

وإن كان أحدهما منه والآخر من العروض فلا خلاف أجده في جواز التماثل والتفاضل، بل الإجماع بقسميه عليه، إذ هو إما نسيئة أو سلم.

وكل منهما مجمع على جوازه، بل لعله من الضروريات المستغني عن الاستناد إلى إطلاق الأدلة ونحوه».

وقريب منه كلام غيره.

وأما إن كانا من العروض فقد صرح المفيد بعدم جواز النسيئة، ووافقه في المراسم والمهذب والتحرير، وهو المحكي عن ابن أبي عقيل وابن الجنيد.

وتردد في ظاهر الشرائع والقواعد والإرشاد، وفي محكي غاية المرام والمفاتيح.

وصرح بالجواز في المبسوط والنهاية(1) والخلاف والوسيلة والغنية والسرائر والنافع وكشف الرموز والتذكرة والمختلف واللمعتين وغيرها كثير وقد يظهر من الدروس ناسباً إياه للشيخ والمتأخرين، وعن الكفاية أنه المشهور بين المتأخرين.

كما صرح جماعة ممن ذهب إلى الجواز بالكراهة، وفي الغنية والسرائر ومحكي التذكرة الإجماع عليها، بل يظهر من السرائر الإجماع على الجواز أيضاً.

ثم إن جمعاً من الأصحاب جعلوا مورد النزاع الربويين المختلفين في الجنس.

لكن المفيد عمم المنع في النسيئة لجميع صور بيع العروض بالعروض.

قال بعد أن منع من بيع المكيل والموزون مع اختلاف الجنس نسيئة: «ولا بأس ببيع ما لا يكال ولا يوزن واحد باثنين وأكثر من ذلك نقداً، ولا يجوز نسيئة، كثوب بثوبين وبعير ببعيرين وشاة بشاتين ودار بدارين ونخلة بنخلتين يداً بيد نقداً، وإن باع ذلك نسيئة كان البيع باطلاً...

وتباع الأمتعة والعقارات بالذهب والفضة نقداً ونسيئة، ولا يباع بعضها ببعض نسيئة».

(1) وإن كان ذلك لا يناسب ما صرح به في النهاية نفسها من جواز التفاضل في اللحوم المختلفة الجنس نقداً وعدم جوازه نسيئة. ويأتي ذكر كلامه في المسألة الثالثة. ونحوه ما صرح به في المبسوط في الأدهان. فراجع.

كما أنه ذكر في الدروس أن الخلاف المتقدم يجري في المعدود مع التفاضل، من دون أن يخصه بمن ذهب إلى أن المعدودات من الربويات، وفي الوسيلة منع من بيع المعدودات مع اتحاد الجنس متماثلاً ومتفاضلاً مع اتحاد الجنس نسيئة، مع أنها غير ربوية عنده ولذا جاز فيها التفاضل نقداً.

بل تقدم من الخلاف جواز بيع المكيل والموزون مع اختلاف الجنس متفاضلاً نسيئة على كراهية، كما صرح بجواز بيع المعدودات بعضها ببعض متماثلاً ومتفاضلاً نقداً ونسيئة، ومع ذلك كله قال: «الثياب بالثياب والحيوان بالحيوان.

ولا يجوز بيع بعضه ببعض نسيئة متماثلاً ولا متفاضلاً، ويجوز ذلك نقداً».

وبنحو ذلك صرح في النهاية، وفي الغنية في الحيوان.

وبذلك يظهر أن المنع من بيع النسيئة عندهم لا يختص بالربويات، وأن هذه المسألة بمبحث بيع النسيئة أنسب منها بمبحث الربا.

وقد يستدل للمنع بالنبوي: «إنما الربا في النسيئة»(1) ، وصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، وفيه: «وقال: إذا اختلف الشيئان فلا بأس مثلين بمثل يداً بيد»(2) ، وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: ما كان من طعام مختلف أو متاع أو شيء من الأشياء يتفاضل فلا بأس ببيعه مثلين بمثل يداً بيد.

فأما نظرة فلا يصلح»(3) ، وصحيحه الآخر عنه (عليه السلام) في حديث: «قال وسئل عن الزيت بالسمن اثنين بواحد.

قال: يداً بيد لا بأس به»(4) ، وصحيح عبد الله بن سنان: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام): عن رجل أسلف زيتاً على أن يأخذ منه سمناً.

قال: لا يصلح»(5) ، وصحيحه الآخر: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا ينبغي إسلاف السمن بالزيت، ولا الزيت بالسمن»(6) ، وموثق سماعة أو صحيحه عنه (عليه السلام): «قال: المختلف مثلان بمثل يداً

(1) تهذيب الأحكام ج: 1

ص: 84 حديث: 68.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 9 من أبواب الربا حديث: 1.

(3و4و5و6) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب الربا حديث: 2، 4، 6، 10.

بيد لا بأس»(1).

وما عن علي بن إبراهيم عن رجاله عمن ذكره قال في حديث طويل: «وما عد أو لم يكل ولم يوزن فلا بأس به اثنان بواحد يداً بيد ويكره نسيئة»(2) ، بناءً على روايته عن المعصوم، وإن لم يبعد خلافه كما يناسبه ما في بعض فقرات الحديث بطوله فراجعه.

وصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: البعير بالبعيرين والدابة بالدابتين يداً بيد ليس به بأس»(3) ، وموثق عبد الرحمن بن أبي عبد الله (عليه السلام): «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن العبد بالعبدين والعبد بالعبد والدراهم.

قال: لا بأس بالحيوان كله يداً بيد»(4) وغيرها.

ثم إن المستفاد من مجموع هذه النصوص النهي عن النسيئة في بيع العروض بالعروض من دون خصوصية للربويين، لورود بعضها في غير الربويين وعموم فرض اختلاف الجنس في بعضها لغير الربويين.

غايته أن ذلك لا يشمل ما إذا كان أحد العوضين من الأثمان لما سبق من الجواهر.

هذا ولكن النبوي لا ينهض بالاستدلال، إذ هو مع عدم روايته من طرقنا لا يخلو عن إجمال، لظهوره في انحصار الربا بالنسيئة، مع تظافر النصوص بأن معيار الربا الزيادة في أحد العوضين في الجملة من دون أن يتوقف على النسيئة.

وأما بقية النصوص فهي بين ما اقتصر فيه على تقييد الترخيص بما إذا كان البيع يداً بيد، وما تضمن التعبير بالكراهة أو أنه لا يصلح أو لا ينبغي.

والاستدلال بالأول يبتني على ظهور القيد في المفهوم، وبالثاني يبتني على حمل التعابير المذكورة على الحرمة.

لكن ظهور القيد في المفهوم وإن كان قريباً في المقام، إلا أن المفهوم يفس

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب الربا حديث: 9.

(2و3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب الربا حديث: 12، 4.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب الربا حديث: 6. كذا روي في الكافي والفقيه والتهذيب. ورواه في الاستبصار هكذا: «ولا بأس بالحيوان كله يداً بيد ونسيئة». والظاهر أنه خطأ. ولا أقل من سقوط رواية الشيخ في التهذيبين بالتعارض. ويكون العمل على رواية الكافي والفقيه.

القسم الثاني، فالعمدة في الاستدلال هو القسم المذكور.

والتعابير المذكورة فيه قد تكون أقرب إلى الحرمة منها إلى الكراهة، إلا أنه قد يوهن الاستدلال بها على الحرمة بلحاظ قوة ظهور نصوص شروط الربا في قصر الحرمة على موردها مع الجواز بدونها.

ولاسيما مع ما في حديث إسحاق بن عمار قال: أظنه عن عبد الله بن جذاعة: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السيف المحلى بالفضة يباع بنسية.

قال: ليس به بأس، لأن فيه الحديد والسير»(1).

مع قوة ظهوره في عدم خصوصية النسيئة في المنع، وأن المدار في الجواز على ارتفاع محذور الربا.

مضافاً إلى أمور: الأول: ورود الترخيص في النسيئة في بعض موارد البيع غير الربوي، مع ما سبق من ورود الكراهة.

ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «وقال: لا بأس بالثوب بالثوبين يداً بيد ونسيئة إذا وصفتهما»(2).

وقريب منه صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بالثوب بالثوبين إذا وصفت الطول والعرض»(3).

لأن الوصف إنما يحتاج إليه في النسيئة والسلف.

وقد تضمن غير واحد من النصوص الترخيص في بيع السيف المحلى نسيئة(4) ، مع النهي عنه في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج(5) المتقدم عند الكلام في الزيادة الحكمية، والتعبير بالكراهة فيها في حديث آخر(6).

كما أن موثق عبد الرحمن المتقدم وإن تضمن تقييد التفاضل في الحيوان بما إذا كان يداً بيد بنحو يشمل ما إذا كان مع أحد العوضين دراهم، إلا أن في صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام): «سألته عن الحيوان بالحيوان بنسية وزيادة

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 10.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب الربا حديث: 1.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب الربا حديث: 5.

(4) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف.

(5و6) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 1، 4.

دراهم ينقد الدراهم ويؤخر الحيوان قال: إذا تراضيا فلا باس»(1).

الثاني: قوة احتمال التقية في هذه النصوص، كما يناسبه ما تقدم في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج من قوله (عليه السلام): «إن الناس لم يختلفوا في النساء [النسيء] أنه الربا»(2).

وما في معتبر سعيد بن يسار: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن البعير بالبعيرين يداً بيد ونسيئة.

فقال: نعم لا بأس إذا سميت الأسنان جذعين أوثنيين.

ثم أمرني فخططت على النسيئة»(3).

وفي التهذيبين: «ثم قال: خط على النسيئة».

فإن الجواب فيه كالصريح في حكم النسية، فلا يظهر الوجه في الأمر بالخط عليها إلا التقية.

ولاسيما بلحاظ ما في الفقيه: «ثم أمرني فخططت على النسيئة، لأن الناس يقولون: لا.

فإنما فعل ذلك للتقية».

وإن لم يبعد كون قوله: «فإنما فعل ذلك للتقية» من كلام الصدوق (قده).

الثالث: أن قولهم (عليهم السلام) في النصوص السابقة: «يداً بيد» ظاهر في اعتبار التقابض في المجلس.

والظاهر عدم القائل به منا.

وإن كانت بعض كلماتهم قد تظهر في ذلك، لكن لا يبعد كون المراد لهم النقد في مقابل النسيئة، كما تناسبه بقية كلماتهم، نعم قد يناسبه ما يأتي من الغنية.

ومن هنا يصعب الخروج بهذه النصوص عن ظهور النصوص الكثيرة في أن المعيار في الحرمة والحل على تحقق شروط الربا وعدمه.

ولاسيما مع ظهور اضطراب الأصحاب في المسألة.

وبذلك يظهر الحال في صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام):

«قال: لا تبع راحلة عاجلاً بعشر ملاقيح من أولاد جمل في قابل»(4).

فإن النهي وإن كان ظاهراً في الحرمة، إلا أن حمله على الكراهة أو التقية بلحاظ ما سبق قريب جداً.

مع قرب أن يراد بالملاقيح ما في بطون الأمهات من الأجنة، لأنه أحد معانيه، بل لعله الأقرب في المقام،

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب الربا حديث: 17.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الصرف حديث: 1.

(3و4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب الربا حديث: 7، 5.

(191)

الثاني: ان يكون العوضان من المكيل او الموزون

الثاني: أن يكون كل من العوضين من المكيل أو الموزون (1).

فإن كانا مما يباع بالعد كالبيض والجوز فلا بأس (2)، فيجوز بيع بيضة بيضتين وجوزة بجوزتين.

ويكون منشأ النهي عدم إحراز سلامة الثمن، فيخرج عما نحن فيه.

فلاحظ.

(1) كما صرح به غير واحد.

وفي الجواهر أنه المشهور شهرة عظيمة.

بل في ظاهر مجمع البيان الإجماع عليه.

ويشهد به النصوص المستفيضة، كصحيح زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: لا يكون الربا إلا فيما يكال أو يوزن»(1) ، ونحوه موثق عبيد بن زرارة(2) ، وموثق منصور بن حازم: «سألته عن الشاة بالشاتين والبيضة بالبيضتين.

قال: لا بأس ما لم يكن كيلاً أو وزناً(3)»، ونحوها غيرها(4).

هذا وظاهر الأصحاب المفروغية عن عدم اشتراط صحة البيع في الربويين مع عدم التفاضل بالتقابض في المجلس في غير الصرف، لعدم تعرض الأكثر لذلك، بل صرح بعدمه في القواعد والتذكرة، وظاهر الثاني الإجماع عليه.

لكن صرح في الغنية باعتبار التقابض في المجلس في كل مكيل وموزون، بل ظاهره الإجماع عليه.

وهو غريب، لعدم الشاهد عليه من النصوص ولا من كلمات الأصحاب.

وقد يكون نظره إلى ما سبق في فرض اختلاف الجنس، وتعميمه لصورة اتحاد الجنس بتنقيح المناط أو الأولوية.

إلا أنه سبق الإشكال في ذلك في مورد النصوص والفتاوى، فضلاً عن تعميمه لمحل الكلام.

(2) خلافاً لما في المقنعة والمراسم من أن المعدود بمنزلة المكيل والموزون، وهو المحكي عن ابن الجنيد، وقد يستدل لهم.

.

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الربا حديث: 1، 3، 5.

(4) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16، 17 من أبواب الربا.

الحنطة والشعير من جنس واحد

(مسألة 2): الحنطة والشعير في باب الربا جنس واحد (1)، فلا يباع


تارة: بعموم النهي عن الربا، لأنه مطلق الزيادة.

ويظهر الجواب عنه مما سبق في أول الكلام في الربا من إجمال العموم المذكور.

على أنه لو تم فلابد من الخروج عنه وتخصيصه بما تقدم.

وأخرى: بصحيح محمد بن مسلم: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الثوبين الرديين بالثوب المرتفع، والبعير بالبعيرين.

فقال: كره ذلك علي (عليه السلام) فنحن نكرهه، إلا أن يختلف الصنفان.

قال: وسألته عن الإبل والبقر والغنم أو أحدهن [أحد هو] في هذا الباب.

قال: نعم نكرهه»(1) ، وصحيح ابن مسكان عنه (عليه السلام): «أنه سئل عن الرجل يقول: عاوضني بفرسي وفرسك وأزيدك.

قال: لا يصلح.

ولكن يقول: أعطني فرسك بكذا وكذا، وأعطيك فرسي بكذا وكذا»(2).

وفيه: أنه لا مجال للخروج بهما عن النصوص الكثيرة المستفيضة المتقدم بعضها والصريحة في الجواز مطلقاً أو يداً بيد فلابد من حملهما على الكراهة أو طرحهما.

على أن ذلك ليس من المعدود.

ومنه يظهر ضعف ما في الفقيه، حيث أفتى بمضمون الثاني.

ولاسيما مع ما تقدم في صحيح علي بن جعفر من التصريح بالجواز في مورده بالخصوص.

(1) كما هو ظاهرا لفقيه.

وبه صرح الشيخان وجماعة كثيرة ممن تأخر عنهما.

بل هو المعروف بين الأصحاب المدعى عليه الإجماع في الخلاف وظاهر الغنية أو صريحها، وعن شرح الإرشاد للفخر أن عليه الفتوى، ونسبه في المبسوط لرواية أصحابنا.

والنصوص به مستفيضة، كصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سئل عن الرجل يبيع الرجل الطعام الأكرار، فلا يكون عنده ما يتم له ما باعه، فيقول له:

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب الربا حديث: 7.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب الربا حديث: 16.

(193)

منّ من حنطة بمنين من الشعير، وإن كانا في باب الزكاة جنسين (1)، فلا يضم أحدهما إلى الآخر في تكميل النصاب، فلو كان عنده نصف نصاب


خذ مني مكان كل قفيز حنطة قفيزين من شعير حتى تستوفي ما نقص من الكيل.

قال: لا يصلح، لأن أصل الشعير من الحنطة...»(1) وصحيحي الحلبي وأبي بصير المتقدمين عند الكلام في عموم الزيادة الربوية لغير الجنس وغيرهما.

وعن ابن أبي عقيل وابن الجنيد أنهما جنسان، مع اعتراف الأول بورود بعض الأخبار بما يناسب القول الأول، ووافقهما في السرائر محتجاً باختلافهما حساً ونطقاً، مدعياً أن النصوص المذكورة أخبار آحاد لا توجب علماً ولا عملاً.

وقد جرى في ذلك على مذهبه في خبر الواحد.

وقد ثبت في محله ضعفه.

على أن استفاضة النصوص المذكورة ووثاقة رواتها توجب العلم بمضامينها.

وما أكثر ما أفتى هو في مسائل لا تبلغ نصوصها ذلك القدر.

(1) كما هو ظاهر وصريح غير واحد في المقام، بل هو المقطوع به منهم بلحاظ عدم تنبيههم لذلك في الزكاة.

وهو مقتضى الجمع بين عدهما في نصوص الزكاة صنفين فيها من الأصناف التسعة، وظاهر نصوص تحديد النصاب في كل صنف منها.

ولاسيما صحيح زرارة: «قلت لأبي جعفر وابنه (عليهما السلام): الرجل له الغلة الكثيرة من أصناف شتى، أو مال ليس فيه صنف تجب فيه الزكاة، هل عليه في جميعه زكاة واحدة‌؟ فقال: لا إنما تجب عليه إذا تمّ، فكان يجب في كل صنف منه الزكاة يجب عليه في جميعه في كل صنف منه الزكاة.

فإن أخرجت أرضه شيئاً قدر ما لا تجب فيه الصدقة أصنافاً شتى لم تجب فيه زكاة واحدة»(2).

بل هو كالصريح من موثق ابن بكير عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: وأما ما أنبتت

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الربا حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 2 من أبواب زكاة الغلات حديث: 1.

حنطة ونصف نصاب شعير لم تجب فيهما الزكاة.

والظاهر أن العَلَس ليس من جنس الحنطة، والسلت ليس من جنس الشعير (1).

الأرض من شيء من الأشياء فليس فيه زكاة إلا في أربعة أشياء: البر والشعير والتمر والزبيب. وليس في شيء من هذه الأربعة الأشياء شيء حتى تبلغ خمسة أوساق...»(1).

ولا ينافي ذلك ما في نصوص المقام من جريان الربا بينهما معللاً بأن أصلهما واحد، لأن الاكتفاء بوحدة الأصل في الربا لا تستلزم الاكتفاء بها في الزكاة.

(1) قد اختلف الأصحاب (رضوان الله عليهم) في ذلك، كما اختلفت فيه كلمات اللغويين.

ولعل الأظهر في كلماتهم أن العَلَس قسم من الحنطة، والسُلت قسم من الشعير.

لكن ليس بحيث يبلغ حد الحجية.

كما لا يتسنى لنا إحراز الاتحاد أو التباين عند العرف، لعدم شيوع الابتلاء بهما وإن كان المنقول في كتب اللغة في هيئتها يناسب التباين بينهما وبين الحنطة والشعير عرفاً، وأن الاتحاد بينهما وبين الحنطة والشعير إنما هو بلحاظ المعنى اللغوي.

نعم قد يستفاد التباين من بعض النصوص المتضمنة للتعاطف بينهما وبين الحنطة والشعير في تعداد ما يزكى من الحبوب مما يحمل على الاستحباب أو التقية(2).

وكيف كان فالمتعين عدم إلحاقهما بالحنطة والشعير حكماً ولو بسبب الشك في عموم الحنطة والشعير لهما، كما يظهر مما سبق منّا عند الكلام في اشتراط الجنس في ربا المعاوضة.

نعم لا يبعد استفادة التحريم في كل مورد يعلم فيه باتحاد الشيئين في الأصل، عملاً بعموم التعليل في نصوص الحنطة والشعير، أو استفادة ذلك بالأولوية العرفية، كما هو الحال فيما يعرف عندنا بالدنان مع الرز، حيث إن المسموع أن نبات الرز إذا قلّ

(1) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 1 من أبواب زكاة الغلات حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 6 باب: 9 من أبواب ما تجب فيه الزكاة حديث: 3، 4، 10.

(195)

الكلام في اختلاف اللحوم والألبان مع اختلاف الحيوان

(مسألة 3): اللحوم والألبان والأدهان تختلف باختلاف الحيوان (1) فيجوز بيع حقه من لحم الغنم بحقتين من لحم البقر وكذا الحكم في لبن الغنم بلبن البقر فإنه يجوز بيعها مع التفاضل.

ماؤه وعطش صار دناناً.

وإن كان الظاهر أن العلس مع الحنطة والسُلت مع الشعير ليس من هذا القبيل.

(1) أما اختلاف اللحوم بذلك فقد صرح به الشيخان في المقنعة والنهاية والخلاف والمبسوط، وجرى عليه جماعة كثيرة ممن تأخر عنهما، ونفى الخلاف فيه في الجواهر، وفي الغنية والتذكرة الإجماع عليه.

قال في الجواهر: «الاشتراك في اسم اللحم لا يقتضي الاتحاد، كالاشتراك في اسم الحيوان».

لكن القياس في غير محله، لوضوح اختلاف حقائق الحيوانات عرفاً، وليس كذلك الحال في لحومها وعظامها بل وحدة حقيقة اللحم وحقيقة العظم عرفاً قريبة جداً.

ونظير ذلك الأشجار المختلفة حقيقة عند العرف، حيث يصعب البناء على تعدد حقيقة الخشب أو الحطب المأخوذ منها عرفاً.

وبعبارة أخرى: لما كان المعيار في وحدة الحقيقة وتعددها هو العرف، فتعدد حقائق بعض الأمور عند العرف لا يستلزم تعدد حقائق أجزائها ومكوناتها بنظرهم، بل اشتراك بعض أجزائها في حقيقة واحدة غير بعيد عندهم.

نعم قد يتجه اختلاف لحم الحيوان البري مع لحم السمك المعهود لنا في الجنس عرفاً.

كما أن ما ذكرناه في لحم الحيوان البري إذا لم يبلغ حدّ اليقين باتحاد الجنس عرفاً فلا يمنع من التفاضل، لما سبق من أنه يجوز التفاضل مع الشك في الاتحاد.

وأشكل من ذلك ما في التذكرة قال: «أعضاء الحيوان الواحد كلها جنس واحد مع لحمه، كالكرش والكبد والطحال والقلب والرئة، والأحمر والأبيض واحد.

وكذا

الشحوم كلها بعضها مع بعض ومع اللحم جنس واحد، لأن أصلها واحد، وتدخل تحت اسمه».

وعن حواشي الشهيد أن اللحم والكبد والقلب والكرش كله واحد.

إذ فيه: أن الظاهر تباينها عرفاً.

ومجرد وحدة حقيقة الحيوان لا يستلزم وحدة حقيقة أجزائه.

ولذا لا ريب في اختلاف حقيقة اللحم والعظم، فضلاً عن الشعر والصوف.

وأما تعليل جريان الربا في الحنطة والشعير بأن أصلهما واحد، فلا يراد به وحدة المركب منهما، لينفع فيما نحن فيه، بل وحدة أصل كل منهما، بحيث يرجع أحدهما للآخر وهو غير معلوم في المقام.

ولعله لما ذكرنا حكم في المبسوط والتحرير والدروس بأن اللحم والشحم مختلفان.

بل في المبسوط أن الإلية والشحم الذي في الجوف جنسان.

وإن قرب في الدروس أنهما جنس واحد.

ولعل الأقرب الأول.

نعم لا يبعد كون الكرش من سنخ اللحم ودخولهما في حقيقة واحدة عرفاً.

هذا ومراده (قده) من الأحمر والأبيض إن كان هو قسمي اللحم فالظاهر عدم اشتمال حيوان واحد على القسمين، وإنما يكون كل منهما في حيوان مباين لحيوان آخر في الحقيقة، والالتزام بوحدة حقيقتهما لا يناسب ما ذكره هو وغيره من اختلاف اللحوم باختلاف حيواناتها.

أما بناءً على ما ذكرناه من قرب عدم اختلافها بذلك فمن القريب عدم اختلاف الأبيض مع الأحمر منها في الحقيقة بنظر العرف.

وإن لم يبعد اختلاف لحم السمك المعهود لنا عن لحم الحيوان البري، كما سبق.

فلاحظ.

وأما اختلاف أجناس الألبان باختلاف جنس الحيوان الذي ينتجها فهو الذي صرح به الشيخان في المقنعة والمبسوط والخلاف، وجرى عليه جماعة كثيرة ممن تأخر عنهما.

وفي الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه»، وفي الغنية والتذكرة الإجماع عليه.

ولعل الإشكال فيه أظهر.

قال في الجواهر: «وقد يحتمل اتحاد الجنس في بعضها وإن اختلف اللحمان».

(197)

التمر بانواعه جنس واحد

(مسألة 4): التمر بأنواعه جنس واحد (1)، والحبوب كل واحد منها


بل يظهر من الشيخ في النهاية أن اللبن بجميع أصنافه جنس واحد، وليس كاللحم.

قال: «ولا بأس ببيع اللبن والسمن والزبد كله مثلاً بمثل، ولا يجوز نسيئة، والتفاضل فيه لا يجوز نقداً ولا نسيئة.

واللحمان إذا اتفق أجناسها جاز بيع بعضها مثلاً بمثل يداً بيد.

ولا يجوز ذلك نسيئة، ولا يجوز التفاضل فيها لا نقداً ولا نسيئة.

وإذا اختلف أجناسها جاز التفاضل فيها نقداً، ولا يجوز نسيئة، مثل رطل من لحم الغنم برطلين من لحم البقر نقداً، ولا يجوز نسيئة».

وأما اختلاف أجناس الدهون باختلاف أجناس الحيوان المأخوذة منه فهو المصرح به في التذكرة والقواعد، وقد يظهر من المبسوط.

بل قد يظهر من بعضهم المفروغية عنه.

لنظير ما سبق في اللحم واللبن.

والأمر فيها أشكل، بل اتحاد حقيقتها عرفاً قريب جداً.

وإن صعب الجزم به.

(1) بلا خلاف أجده فيه.

كذا في الجواهر.

وهو المطابق لما عليه العرف، المعتضد بإطلاق صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: لا يباع مختومان من شعير بمختوم من حنطة، ولا يباع إلا مثلاً بمثل.

والتمر مثل ذلك»(1) ، وموثق سماعة: «سألته عن الطعام والتمر والزبيب.

فقال: لا يصلح شيء منه اثنان بواحد.

إلا أن يصرفه نوعاً إلى نوع آخر»(2) ، وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «ويكره قفيز لوز بقفيزين، وقفيز تمر بقفيزين...»(3).

ومثله ما ورد في الرطِب والجاف، كالرطب والتمر والعنب والزبيب(4).

وأظهر من ذلك ما تضمن المنع من التفاضل في التمر تبعاً للاختلاف في الجودة والرداءة(5) ، لأن الغالب في الاختلاف في جودة التمر ورداءته هو

(1) الكافي: ج: 5 ص 187، التهذيب: ج: 7 ص 94. وأخرجه في وسائل الشيعة مختلف النسخة ج: 12 باب: 8 من أبواب الربا حديث: 4.

(2و3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب الربا حديث: 5، 3.

(4) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب الربا.

(5) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الربا.

جنس، فالحنطة (1) والأرز والماش والذرة والعدس وغيرها كل واحد جنس (2)، والفلزات من الذهب والفضة والصفر والحديد والرصاص وغيرها كل واحد منها جنس برأسه (3).

اختلاف صنفه.

هذا وفي المبسوط: «والتمر والبلح جنسان، فكل جنسين يجوز التفاضل فيهما يداً بيد، والنسيئة على ما مضى من الكراهية».

وهو غريب جداً.

بل لا يناسب ما في النهاية من عدم جواز بيع البسر بالتمر متفاضلاً، إذ الفرق بين البلح والبسر لو تم لا يعتد به عرفاً.

وما أبعد ما بينه وبين ما في التذكرة من أن الطلع كالثمرة في الاتفاق وإن اختلفت أصولهما، وطلع الفحل كطلع الإناث.

وإن كان ما في التذكرة لا يخلو عن إشكال أيضاً، لأن الطلع مبدأ تكون التمر من دون أن يكون مبدأ وجود حقيقته عرفاً، بخلاف البلح والتمر.

اللهم إلا أن يستفاد التحريم فيه من التعليل في الحنطة والشعير بأن أصلهما واحد.

نظير ما تقدم في الدنان والرز عند الكلام في اتحاد العَلس والسُلت مع الحنطة والشعير.

فلاحظ.

هذا ومن بعض ما سبق يظهر جريان حكم الجنس الواحد على ثمرة الكرم من حين تصير حصرماً حتى تصير زبيباً.

وأما قبل أن تصير حصرماً فيجري فيها ما سبق في الطلع.

وإن كان الظاهر عدم صلوحها لأن ينتفع بها، لتباع وزناً أو كيلاً.

(1) ويلحق بها الشعير شرعاً، كما سبق.

وسبق أيضاً الكلام في اتحاد العَلس والسُلت مع الحنطة والشعير.

(2) الظاهر عدم الإشكال فيه.

لمطابقته لمقتضى العرف.

(3) بلا إشكال ظاهر.

لعين ما سبق.

(199)

الكلام في اجناس الحيوانات

(مسألة 5): الضأن والمعز جنس واحد (1)، والبقر والجاموس جنس واحد (2)، والإبل العراب والبخاتي جنس واحد (3).

والطيور كل صنف يختص باسم فهو جنس واحد في مقابل غيره (4)، فالعصفور غير الحمام (5)، وكل ما يختص باسم من الحمام جنس في مقابل غيره (6)، فالفاختة والحمام


(1) بلا خلاف أجده فيه.

كذا في الجواهر.

وفي الغنية والتذكرة الإجماع عليه.

ولا يخلو عن إشكال.

ومجرد عموم لفظ الغنم والشاة لهما لا يكفي في ذلك ما لم يحكم العرف بوحدة حقيقتهما.

والإنصاف أن المعز أقرب عرفاً لمثل الغزال منه للضان، مع عدم الإشكال ظاهراً في مباينة مثل الغزال للضان.

ومجرد اشتراك المعز والضان في كونهما أهليين لا يكفي في اتحاد حقيقتهما عرفاً.

(2) كما هو المعروف بينهم المدعى عليه الإجماع في الغنية والتذكرة.

وقد يشهد له العرف الذي هو المرجع في المقام، على إشكال.

(3) كما صرح به جماعة، ونفى الخلاف فيه في الجواهر، وادعى الإجماع عليه في الغنية والتذكرة.

ولا يتضح وجهه بعد النظر في اختلاف تركيبهما، فإن الفرق بينهما أظهر من الفرق بين الحمار والفرس، مع عدم الإشكال ظاهراً في اختلاف نوع الأخيرين وحقيقتهما عرفاً.

ومجرد اشتراكهما في اسم الإبل وفي نوع الانتفاع بهما في بلادهما في الجملة لا يكفي في اتحاد حقيقتهما عرفاً.

ولاسيما مع قرب كون المنسبق والمفهوم من إطلاق الإبل هو العراب، وعدم فهم البخاتي منه إلا بتقييده بالخراساني، نظير الماء المضاف.

فلاحظ.

(4) لا مجال للبناء على ذلك بعمومه، لأن بعض الأسماء قد تخص بعض أصناف الجنس الواحد عرفاًً.

(5) بلا إشكال ظاهر.

لمطابقته لمقتضى العرف.

(6) مما سبق يظهر حال الكبرى المذكورة، فإن تحديد الجنس تابع للعرف

المتعارف جنسان (1) والسمك جنس واحد على قول (2) وأجناس على قول آخر (3) وهو أقوى.

(مسألة 6): الوحشي من كل حيوان مخالف للأهلي (4) فالبقر الأهلي


لا للاسم.

(1) كما في الشرائع وعن التحرير وفي المبسوط والتذكرة والدروس أنها جنس واحد، قال في التذكرة: «لشمول اسم الحمام لها وتقاربها في المنافع».

وهو كما ترى ليس معياراً في الوحدة والتعدد.

بل المعيار نظر العرف، وهو قاض بالتعدد.

وكذا الحال في أنواع الطيور الصغيرة والكبيرة، كالقبرة والزرزور، والصقر والغراب وغيرها.

(2) اختاره في التذكرة والقواعد وغيرها.

وفي الأول: «لشمول اسم السمك للكل.

والاختلاف بالعوارض لا يوجب الاختلاف في الحقيقة».

ويظهر الإشكال في الأول مما سبق.

وفي الثاني بأن الاختلاف بينها ليس بالعوارض بل بالخصوصيات التابعة للذات.

(3) اختاره في المبسوط والخلاف والشرائع والتحرير وغيرها.

وقد يظهر من بعض كلماتهم أن الوجه فيه اختصاص كل منها باسم ويظهر الإشكال فيه مما سبق أيضاً، فإن الأصناف من كل جنس تختلف باسم يخص أحدها.

كأصناف الحيوان والتمر والعنب وغيرها.

ومن هنا يتعين الرجوع للعرف في التفريق بين الخصوصيات الموجبة لاختلاف الجنس والخصوصيات الزائدة عليها مما يوجب اختلاف أصناف الجنس الواحد.

والإنصاف إن اختلاف أقسام السمك ليس أشد من اختلاف الضان عن المعز، والجاموس عن البقر.

ومن ثم يصعب الجزم بأحد الأمرين.

نعم تقدم أنه مع الشك يجري حكم اختلاف الجنس عملاً بعمومات الصحة.

(4) كما صرح به في الشرائع، ويظهر من بعض كلماتهم.

بل ظاهر التذكرة

يخالف الوحشي (1) فيجوز التفاضل بين لحميهما، وكذا الحمار الأهلي والوحشي (2)، والغنم الأهلي والوحشي (3).

الإجماع على الكبرى المذكورة.

لكن لا طريق لإثبات ذلك، لأن الفرق بالأهلية والوحشية ليس معياراً في تعدد الحقيقة عرفاً، بل هو من سنخ الحالات الخارجة عن الذات.

وعلى ذلك يتعين الرجوع للعرف في الصغريات على اختلافها.

(1) كما صرح به جماعة، وفي الغنية وجامع المقاصد وظاهر التذكرة الإجماع عليه.

والذي يظهر من كلام اللغويين وغيرهم أن البقر الوحشي نوع من الظباء الكبيرة، كالمهاة والوعل واليحمور والأيل.

وعليه لا إشكال في مخالفتها للبقر الأهلي في الجنس عرفاً.

(2) كما هو مقتضى عموم معقد إجماع التذكرة المتقدم.

ولم يتضح الوجه فيه.

لأن تقارب هيئتها تناسب وحدة حقيقتهما عرفاً.

بل لا إشكال في أن الفرق بينهما أقل من الفرق بين الضان والماعز والإبل العراب والبخاتي، بل حتى بين البقر والجاموس.

(3) الظاهر أن حاله حال سابقه أو قريب منه.

ثم إن الأثر للنزاع في اختلاف الحيوانين في الجنس يظهر بناءً على ما سبق منهم من تبعية اللحم واللبن والدهن في الجنس لحيوانه، حيث لا يجوز التفاضل بين لحميهما ولبنيهما ودهنيهما في البيع.

ولذا تعرضوا لحال الحيوانات من أجل بيان حال الأمور المذكورة.

وقد تقدم منا الكلام في المبنى المذكور.

هذا إذا كان البيع بين اللحمين الخالصين، أما إذا كان اللحم مشتملاً على أو العظم أو الشحم أو غيرهما، فالأثر المذكور يتوقف على وحدة جنس تمام ما يحويه الحيوان وقد تقدم الكلام في ذلك.

ولا يظهر الأثر في بيع نفس أحد الحيوانين بالآخر إلا فيما إذا كان الحيوان بنفسه يباع كيلاً، أو وزناً كما هو الشايع في السمك.

وربما حصل في عصورنا في بعض

المعيار في الجنس الواحد

(مسألة 7): المشهور أن كل أصل مع ما يتفرع عنه جنس واحد (1)، وكذا الفروع بعضها مع بعض.

ولا يخلو من إشكال.

والأظهر أن تفرع الفرع إن كان من قبيل تبدل الصفة فهما جنس واحد، كالحنطة والدقيق


الحيوانات الأخر إذا بلغ حداً يكون معه الحيوان من المكيل الموزون عرفاً.

فلاحظ.

(1) كما في القواعد والتذكرة.

ويظهر من المقنعة والمبسوط والنهاية وغيرها الجري عليه في الجملة قال في التذكرة: «الأصل مع كل فرع له واحد.

وكذا فروع كل أصل واحد.

وذلك كاللبن الحليب مع الزبد والسمن والمخيض واللباء والشيراز والأقط والمصل والجبن والترجين والكشك والكامخ، والسمسم مع الشيرج والكُسب مع الراشي، وبزر الكتان مع حبه، والحنطة مع الدقيق والخبز على اختلاف أصنافه من الرقاق الفرن وغيرهما ومع الهريسة، والشعير مع السويق، والتمر مع السيلان والدبس والخل منه والعصير منه، والعنب مع دبسه وخله، والعسل مع خله، والزيت مع الزيتون، وغير ذلك.

عند علمائنا أجمع.

فلا يجوز التفاضل... ولا فرق في ذلك بين أن يباع الأصل مع نوعه، أو بعض فروعه مع البعض».

قال في الجواهر: «مؤيداً ذلك كله بعدم العثور على خلاف في شيء من القاعدة المزبورة وفروعها إلا ما عن الأردبيلي...».

لكن ذلك لا يكفي في تأييد الإجماع المدعى بعد عدم التعرض للكبرى المذكورة في كلام كثير منهم، خصوصاً القدماء.

غاية الأمر أنهم تعرضوا لبعض صغرياتها، كاللبن مع السمن والزبد، والحنطة والشعير مع الدقيق ومع السويق، والتمر مع دبسه، والعنب والزبيب مع عصيرهما، وغير ذلك، مع نحو من الاضطراب والتردد في بعض الصغريات.

قال في المبسوط: «ويجوز بيع خلّ الزبيب بخلّ العنب مثلاً، ولا يجوز متفاضلاً.

وقال قوم: لا يجوز بيعه أيضاً مثلاً بمثل، لأن في خلّ الزبيب ماء.

وهو قوي».

(203)

وهو كما ترى، لأن وجود الماء في خلّ الزبيب يقتضي جواز التفاضل فضلاً عن التماثل، لأن وجود الضميمة من غير الجنس في أحد العوضين مانع من حصول الربا نصاً وفتوى.

كما إنه منع من بيع الحنطة بالفالوذق المتخذ من النشاء متماثلاً.

ثم قال: «أما الفالوذق فيجوز بيعه بالحنطة والدقيق متفاضلاً ما لم يؤد إلى التفاضل في الجنس، لأن فيه غير النشاء».

ومقتضى التعليل عدم جواز بيعه بحنطة أقل مما فيه من النشاء.

وعلى كل حال فهو لا يناسب ما ذكره أولاً، لعدم الفرق في الربا بين كون أحد الصنفين ثمناً ومثمناً.

على أن الإجماع لا ينهض بالاستدلال في المقام، لما هو المعلوم من استناد المجمعين في تطبيق كبرى الاتحاد في الجنس على الصغريات إلى اجتهادهم رأساً، أو إلى فهمهم ذلك من النصوص الواردة في المقام، وكلاهما غير حجة.

ومثل ذلك الاستدلال على الكبرى المذكورة بعموم تعليل جريان حكم الجنس الواحد على الحنطة والشعير بأن الشعير من الحنطة، أو بأن أصلهما واحد(1).

إذ فيه: أنه لا يتضح عموم التعليل لبعض صغريات الكبرى المذكورة، مثل الجبن مع الحليب الذي هو بعض منه، والفالوذج مع الدقيق المشتمل على زيادة عليه، بل الظاهر أو المتيقن منه ما يرجع إلى تحول أحد الشيئين للآخر، الذي يكون في مثل اللبن الرائب مع الحليب، والذي يكون وضوح اتحاد الجنس فيه عرفاً مغنياً عن الاستدلال عليه بالتعليل المذكور.

وعلى ذلك يتعين النظر فيما تقتضيه القواعد العامة والنصوص الخاصة.

فنقول: سبق أن المعيار في وحدة الجنس ليس هو الاتحاد في الاسم، بل النظر

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8 من أبواب الربا حديث: 1، 2، 4.

العرفي كما يظهر مما سبق عند الكلام في اللحوم وغيرها أنه لا مانع عند العرف من اشتمال الجنس الواحد على أجزاء مختلفة في الجنس، كاللحم والعظم في الحيوان.

وعلى ذلك فالفرع إن بقي حافظاً لأجزاء الأصل، كاللبن الرائب مع الحليب والراشي مع السمسم والدقيق النيء والمحمص مع حبه فالجنس محفوظ عرفاً.

ولابد من التماثل.

بل لا يبعد ذلك في العجين والخبز مع الحب أو الدقيق، لعدم الاعتداد عرفاً بالأجزاء المائية، خصوصاً في الخبز.

وكذا الحال في الفرعين إذا اشتركا في جزء واحد من أجزاء الأصل، كالجبن واللبن الرائب المجفف، الذي هو المراد من الشيراز فيما تقدم من التذكرة، والدهن والزبد، والمائين الذين يفرزان عند التجبين وتجفيف اللبن الرائب.

وإن فقد الفرع بعض أجزاء الأصل بوجه معتد به كالجبن واللبن الرائب المجفف مع الحليب، والدبس مع التمر، والعصير مع العنب، والنشاء مع أصله تعين جريان حكم الضميمة في أحد العوضين الربويين في المعاوضة بين الأصل والفرع، فيجوز التفاضل بينهما إذا نقص ما في الأصل من الجزء المشترك عن الفرع، ليكون الجزء الآخر من الأصل في مقابل الزيادة من الجزء المشترك في الفرع، على ما يأتي في المسألة الثالثة عشرة إن شاء الله تعالى.

ولو كان الفرع مشتملاً على إضافة جنس آخر كالفالوذج مع أصله فالأمر بالعكس، حيث يتعين الزيادة في الأصل عند المعاوضة بينه وبين الفرع، لتكون مقابل الجنس الآخر الذي يشتمل عليه الفرع.

ويجري نظير ذلك في الفرعين، كالدبس مع خله، حيث لا يصير الدبس خلّاً إلا بإضافة الماء وبعض الأجزاء إليه.

ولو كان كلا الفرعين مشتملاً على إضافة أجزاء أجنبية عن الأصل، كالفالوذج وخبز اللحم، جاز التفاضل مطلقاً، لوجود الضميمة في كلا العوضين، على ما يأتي في المسألة المذكورة إن شاء الله تعالى.

هذا ما تقتضيه القاعدة.

أما النصوص الخاصة فقد تضمن كثير منها النهي عن التفاضل بين الحنطة

والدقيق _(1).

وهو يناسب ما سبق ولا ينافيه.

نعم ورد في بعضها النهي عن التفاضل بين السويق والدقيق(2).

وقد اقتصر غير واحد من اللغويين في تفسير السويق على أنه أمر معروف.

وذكر بعضهم أنه الناعم من دقيق الحنطة والشعير، وفي مجمع البحرين: «والسويق دقيق مقلو من الحنطة والشعير».

وعلى ذلك فهو مناسب لما سبق أيضاً.

نعم لو كان المراد به ما يضاف إليه شيء يحسّن طعمه ويسهل أكله من عسل أو غيره فقد ينافي ما سبق، حيث تكون الضميمة في أحد العوضين بمقتضى القاعدة رافعة لمحذور الزيادة في الآخر الذي هو من جنسه.

وقد يظهر ذلك من صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قلت له: ما تقول في البر بالسويق‌؟ فقال: مثلاً بمثل لا بأس.

قلت: إنه يكون له ريع أو يكون له فضل.

فقال: أليس له مؤنة‌؟ فقلت له: بلى.

قال: هذا بذا»(3).

حيث قد يراد بذلك أنه مع التعاوض بينهما مثلاً بمثل يكون الدقيق أكثر من دقيق السويق في الحقيقة، لأن السويق يزيد حجمه أو وزنه بما يضاف إليه من عسل أو نحوه.

لكن الصحيح نفسه قد تضمن تعليل الحكم بما يناسب كون الزيادة في الدقيق في مقابل المؤنة في السويق الناشئة من إضافة الشيء الأجنبي له، أو من كلفة صنعه، وهو يناسب جواز الزيادة في العوض الآخر وإن كان من الجنس نفسه.

ومن ثم لا يخلو الصحيح عن إجمال أو إشكال.

فلا مجال للخروج به عن مقتضى القاعدة.

ولاسيما مع احتمال عدم الاعتداد بما يضاف له عرفاً لقلته.

غاية الأمر الاقتصار به على مورده.

كما أنه ورد في صحيح محمد بن مسلم الآخر عنه (عليه السلام): «قلت: فالرجل يدفع السمسم إلى العصار يضمن له لكل صاع أرطالاً [مسماة] قال: لا»(4).

وهو أيضاً لا

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 9 من أبواب الربا.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 9 من أبواب الربا حديث: 1، 4.

(3و4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 9 من أبواب الربا حديث: 1، 3.

والسويق، وكالحليب واللبن والجبن (1).

وإن كان من قبيل تولد شيء من


ينافي في ما سبق، لأن المضمون إن كان هو الراشي فهو عين السمسم عرفاً كما سبق، وإن كان هو الدهن فحيث كان هو جزءاً من السمسم فلابد من إحراز عدم زيادة الدهن الذي في السمسم المدفوع عن الدهن المضمون، وكثيراً ما لا يتيسر ضبط ذلك.

على أنه لم يتضح عموم الصحيح للوجهين معاً أو اختصاصه بالثاني.

إذ لعل المعهود من وظيفة العصار عند الإمام (عليه السلام) والسائل أحد الوجهين أو خصوص الأول، وعليه اتكل السائل فلم يذكر الأمر المضمون، فيكون مجملاً مردداً بينهما.

نعم في معتبر أبي الربيع: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما ترى في التمر والبسر الأحمر مثلاً بمثل.

قال: لا بأس.

قلت: فالبختج والعنب مثلاً بمثل.

قال: لا بأس»(1).

والبختج هو ماء العنب المطبوخ.

ومقتضى القائدة المتقدمة عدم اعتبار التماثل فيه، لأن البختج في واقعه جزء من العنب، حيث يفقده قشره وحبه بالعصر.

وذلك يقتضي جواز زيادة البختج على العنب في المعاوضة، مع أن ظاهر الحديث عدم جوازه، لأن التقييد بالمماثلة وإن ورد في كلام السائل، إلا أنه بسبب ارتكاز اعتبار المماثلة في الربويين، فعدم ردع الإمام (عليه السلام) عن ذلك ظاهر في إقراره.

لكن في كفاية ذلك في استفادة الإقرار إشكال.

مع احتمال خصوصية المورد، لعدم الاعتداد عرفاً بالقشر والحب في المعاوضة.

ومن ثم يشكل الخروج عن مقتضى القاعدة المتقدمة.

فلاحظ.

(1) مما سبق يتضح أن الجبن واللبن المجفف متقومان بأحد جزئي الحليب والجزء الآخر هو الماء الذي ينفصل عند التجبين والتجفيف، وهما مختلفا الجنس عرفاً، وللثاني وجوده المعتد به في المعاوضة، فالمعاوضة بين الجبن والحليب مثلاً كالمعاوضة بين العسل والحليب الممزوج بالعسل، حيث لا مجال للبناء على وجوب التماثل بينهما

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب الربا حديث: 2.

شيء فهما جنسان (1)، كالحليب والزبد والسمن.

ومن الأول السمسم والراشي، ومن الثاني السمسم والشيرج.

وكذا الحكم في الفروع بعضها مع بعض فالزبد والمخيض جنسان (2)، والسمن والزبد جنس واحد، والبسر والرطب والتمر جنس واحد، والتمر والخل جنسان (3).

والأحوط استحباباً العمل على المشهور.

لاشتراكهما في العسل.

(1) لا إشكال في ذلك كبروياً، بحسب القاعدة، ويتجه العمل عليه في مثل بيع السمك ببيوضه لولا احتمال عموم التعليل في المنع من المعاوضة بين الحنطة والشعير مع التفاضل بأن أصل الشعير من الحنطة.

أما الصغريات التي ذكرها (قده) فلا تخلو عن إشكال، فإن الزبد والسمن جزء من الحليب عرفاً وكذا الشيرج مع السمسم وسائر الزيوت مع ما تستخرج منه.

ومجرد عدم تميزها عن بقية أجزاء الشيء الذي تستخرج منه في الحيز أو في اللون لا يجعلها من سنخ المتولد المباين لما تولد منه جنساً بنظر العرف.

ونظيرها في ذلك العسل مع الحليب الممزوج به لو تيسر فرزه عنه.

(2) ما سبق في الجبن واللبن مع الحليب يجري هنا، كما يظهر مما سبق في السمن والزبد من عدم مباينتهما للحليب، بل هما جزء منه.

نعم المخيض المنزوع منه الزبد مباين للزبد والسمن.

(3) مما سبق يظهر الإشكال في ذلك إذا كان للأجزاء التمرية في الخل وجود معتد به عرفاً، كما هو غير بعيد حيث يتعين حينئذ البناء على اشتراك كل منهما في بعض أجزاء التمر، وانفراد كل منهما بجزء يختص به.

ويجري عليه حكم وجود الضميمة في كلا العوضين، الذي يجوز معه التفاضل، كما سبق، ويأتي في المسألة الثالثة عشرة إن شاء الله تعالى.

نعم يتجه ذلك لو لم يحمل الخل أجزاء تمرية، بل تكون خلّيته لمجرد

حكم اختلاف الشيء في حال موزوناً وفي حال مكيلاً

(مسألة 8): إذا كان الشيء مما يكال أو يوزن وكان فرعه لا يكال ولا يوزن جاز بيعه مع أصله بالتفاضل (1)، كالصوف الذي هو من الموزون والثياب المنسوجة منه التي ليست منه، فإنه يجوز بيعها به مع التفاضل.

وكذلك القطن والكتان والثياب المنسوجة منهما.


التفاعل بالتمر.

وأظهر من ذلك الدبس مع خله حيث يتعين جريان حكم وجود الضميمة في أحد العوضين لو كان التعاوض بينه وبين الدبس، ولو كان التعاوض بينه وبين التمر جرى حكم وجود الضميمة في كلا العوضين، كما يظهر مما سبق.

نعم يتجه تعدد الجنس لو كان التحول في الخل موجباً لتبدل الحقيقة وتعددها عرفاً، لا بمعنى الاستحالة، بل بمعنى آخر.

اللهم إلا أن يستفاد من عموم التعليل في الحنطة والشعير بأن أصلهما واحد عدم ترتب الأثر على اختلاف الحقيقة في مثل ذلك.

فتأمل جيداً.

(1) فقد صرح في النهاية والسرائر والنافع والتذكرة بجواز بيع الثوب بالغزل مع التفاضل.

ومقتضى تعليله في السرائر والتذكرة بعدم كون أحد العوضين ربوياً عموم الجواز لكل ما إذا خرج بالصنعة عن المكيل والموزون، كما هو مقتضى إطلاق الوسيلة والقواعد وصريح الرياض.

ويقتضيه عمومات الصحة بعد ظهور أدلة اشتراط الكيل والوزن في الربا في لزوم كون العوضين معاً مكيلين أو موزونين.

مضافاً إلى صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع الغزل بالثياب المنسوجة والغزل أكثر وزناً من الثياب.

قال: لا بأس»(1).

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 11 من أبواب الربا حديث: 1.

(209)

(مسألة 9): إذا كان الشيء في حال موزوناً أو مكيلاً وفي حال أخرى ليس كذلك لم يجز بيعه بمثله متفاضلاً في الحال الأولى وجاز في الحالة الثانية (1).

وقد تضمن الكبرى المذكورة مرسل علي بن إبراهيم(1) ، بناء على روايته عن المعصوم.

وإن لم يبعد خلافه، كما سبق في ذيل الكلام في اشتراط اتحاد الجنس في الربا.

هذا وحيث سبق أن الصحة مقتضى العمومات تعين عمومها لعكس الفرض، وهو ما إذا كان الفرع مكيلاً أو موزوناً والأصل غير مكيل ولا موزون، كالجوز مع لبه.

وكذا إذا كان أحد الفرعين مكيلاً أو موزوناً دون الآخر، كالخبز الذي يباع في عصورنا عدداً مع الدقيق أو البرغل الذين يباعان وزناً.

(1) لاختلاف الحالتين في تحقق الربا المحرم وعدمه.

وقد تقدم نظير ذلك في المسألة الثانية من الفصل الثالث عند الكلام في عدم جواز بيع المكيل والموزون جزافاً.

ويترتب على ذلك وعلى المسألة السابقة جواز بيع الجنس المذكور في الحالة التي لا يكون فيها مكيلاً ولا موزوناً بجنس مثله في الحالة التي يكون فيها مكيلاً أو موزوناً، كبيع الثمرة على الشجرة بجنسها موزوناً في السوق وإن لزم التفاضل بينهما.

نعم قد ينافي ذلك ما ورد في بيع الأشياء المحلاة بالذهب أو الفضة من اعتبار كون الذهب أو الفضة أكثر من الحلية، كموثق أبي بصير: «سألته عن السيف المفضض يباع بالدراهم.

فقال: إذا كانت فضته أقل من النقد فلا بأس»(2) وغيره.

لكن لم يتضح أن الحلية في مثل ذلك تباع جزافاً.

على أن من القريب خصوصية الذهب والفضة، لكونهما من الأثمان المبنية على الضبط، وبيعهما جزافاً حالة شاذة،

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب الربا حديث: 12.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 8.

الكلام في بيع لحم الحيوان به حياً

(مسألة 10): الأحوط عدم جواز بيع لحم حيوان بحيوان حي بجنسه (1)،


وليسا كغيرهما مما من شأنه أن يباع جزافاً في بعض الأحوال.

فلاحظ.

(1) فقد منع منه في المبسوط والخلاف والمهذب والغنية والوسيلة والشرائع والدروس وغيرها، وهو المتيقن ممن يأتي منهم إطلاق المنع من بيع الغنم باللحم من دون تقييد منهم بكونه من جنسه.

وفي التذكرة وعن غاية المرام أنه المشهور.

بل في الخلاف والغنية الإجماع عليه، وقد يظهر من محكي إيضاح النافع.

وفي المختلف بعد أن حكى عن ابن إدريس الجواز قال: «وابن إدريس قوله محدث لا يعول عليه، ولا يثلم في الإجماع».

وفي الدروس أنه شاذ.

واستدل له بعد الإجماع المذكور بموثق غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه (عليه السلام): «أن علياً (عليه السلام) كره بيع اللحم بالحيوان»(1) ، والنبوي: «أن النبي نهى عن بيع اللحم بالحيوان»(2) ، ومرسل دعائم الإسلام عن أبي عبد الله (عليه السلام): «أنه نهى عن بيع اللحم بالحيوان»(3).

لكن ضعف الأخيرين مانع من التعويل عليهما.

فلم يبق إلا حديث غياث.

والاستدلال به مبني على حمل الكراهة على الحرمة ولو بضميمة ما تضمن أن علياً (عليه السلام) لا يكره الحلال(4).

هذا وقد ذهب إلى الجواز في السرائر والنافع وكشف الرموز والتذكرة والتحرير ومحكي المفاتيح، ومال إليه في التنقيح ومحكي الكفاية.

وهو ظاهر الوسائل، مع تصريح جماعة منهم بالكراهة.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 11 من أبواب الربا حديث: 1

(2) المستدرك للحاكم ج: 2 ص 35، الموطأ ج: 2 ص 655 وغيرهما.

(3) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 10 من أبواب الربا حديث: 1.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الربا حديث: 1.

(211)

وكأنه لقوة عمومات الصحة بعد عدم تحقق شروط الربا، لكون أحد العوضين غير موزون بنحو يهون لأجلها إهمال حديث غياث، خصوصاً بناءً على عدم العمل بأخبار الآحاد كما هو مبنى ابن إدريس أو حمله على الكراهة، كما يظهر من النافع وغير واحد ممن بعده، حيث حكموا بها.

وأما ما تضمن أن علياً (عليه السلام) لا يكره الحلال فلا مجال للبناء على عمومه، إذ لا إشكال في أنه صلوات الله عليه يكره الحلال المكروه، فيكون مجملاً، ويقتصر فيه على مورده، وهو غير مسألتنا.

لكن في كفاية ذلك في حمل حديث غياث على الكراهة المصطلحة إشكال.

ولاسيما بعد ذهاب جماعة من قدماء الأصحاب وأعيانهم إلى الحرمة، بنحو يظهر في فهمهم لها من الحديث، أو معروفيتها عندهم ولو من غيره.

ولعله لذا كان ظاهر القواعد والإرشاد وغيرهما التردد.

هذا وفي المختلف بعد أن قرب المنع، واستدل بالإجماع وحديث غياث، قال: «ولو قيل بالجواز في الحيوان الحي دون المذبوح، جمعاً بين الأدلة كان قوياً».

ووافقه في التفصيل المذكور في جامع المقاصد والمسالك والروضة ومحكي تعليق الإرشاد.

وهو كما ترى! لظهور أن الجمع المذكور تبرعي.

مع أنه ليس في المقام دليلان متعارضان في المنع والجواز، بل ليس إلا القاعدة المقتضية للجواز، والإجماع والحديث المقتضيان للمنع عنده.

والقاعدة كما تقتضي الجواز في الحي، لعدم كونه موزوناً تقتضيه في المذبوح، إما لعدم كونه موزوناً، وتعارف بيعه جزافاً، كما هو الظاهر، وإما لاشتماله على أجناس مختلفة.

ولا أقل من اللحم والعظم والجلد والصوف أو الشعر، فجوز بيعه بلحم أكثر من لحمه، وتكون الزيادة في اللحم في مقابل بقية الأجناس، كما يجوز بيعه بلحم وعظم مطلقاً، لارتفاع محذور الربا بالضميمة.

ولو غض النظر عن ذلك فلا تقتضي القاعدة المنع من البيع مطلقاً، بل مع التفاضل لا غير.

بل بغير جنسه أيضاً (1) كبيع لحم الغنم ببقرة وإن كان الأظهر الجواز في الجميع.

(مسألة 11): إذا كان للشيء حالتان حالة رطوبة وحالة جفاف، كالرطب يصير تمراً والعنب يصير زبيباً والخبز اللين يكون يابساً، يجوز بيعه جافاً بجاف منه ورطباً برطب منه متماثلاً (2)، ولا يجوز


أما الإجماع والحديث، فالمتيقن منهما الحيوان الحي، بل هما مختصان به.

وتعميم المنع للمذبوح لو تم إنما يكون لاستفادته منهما تبعاً بتنقيح المناط أو الأولوية العرفية.

وتنزيلهما على خصوص المذبوح من أبعد البعيد، بل هو متعذر، خصوصاً في الإجماع، كما لعله ظاهر.

(1) فإن المنع فيه هو مقتضى إطلاق المنع من بيع الغنم باللحم في المقنعة والنهاية والمراسم، وحكي عن ابن الجنيد.

وهو مقتضى إطلاق النصوص المتقدمة.

نعم صرح جماعة بالجواز فيه، بل قطع به بعضهم، وفي الغنية والتنقيح وظاهر الخلاف الإجماع عليه.

بل يظهر من بعضهم حمل إطلاق من أطلق على ما إذا اتحد الجنس.

وكأنه لابتناء الحكم عندهم في النصوص والفتاوى على تجنب محذور الربا أو ما يشبهه، الذي لا مجال له مع اختلاف الجنس.

لكنه غير ظاهر بعد عدم لزوم الربا في المورد، لعدم كون أحد العوضين من الموزون.

بل يشكل فيه اتحاد الجنس عرفاً بعد تقوّم الحيوان عرفاً بالحياة.

مضافاً إلى ما سبق منّا في المسألة الثالثة من الإشكال في تعدد الجنس في اللحم عرفاً تبعاً لتعدد جنس الحيوان المأخوذ منه.

فلاحظ.

(2) عند علمائنا كما عن نهاية الأحكام، وقطعاً كما في التحرير.

ويشهد به النظر في كلمات الأصحاب.

وهو المتيقن من النصوص الكثيرة الدالة على جواز بيع أحد

(213)

متفاضلاً (1).

وأما بيع الرطب منه بالجاف متماثلاً ففيه إشكال (2)،


فردي الجنسين بالآخر مثلاً بمثل(1).

(1) قطعاً.

وبه صرح جماعة بنحو يظهر في المفروغية عنه.

لأنه ربا.

(2) فقد اختلف في ذلك الأصحاب بل اختلف كلام بعضهم أو اضطرب فقد منع في المبسوط من بيع الخبز اللين باليابس مع التماثل والتفاضل، ووافقه في ذلك في المهذب، كما عد في المبسوط مما لا يجوز بيع بعضه ببعض الرطب بالتمر والعنب بالزبيب، والخبز اليابس بالخبز اللين، ثم ذكر أنه يجوز بيع الرطب بالتمر إذا كان موضوعاً على الأرض ولم يبق في النخل.

وقال في النهاية: «ولا يجوز أيضاً بيع الرطب بالتمر مثلاً بمثل، لأنه إذا جف نقص»، وقال في موضع آخر: «ولا يجوز بيع البسر بالتمر متفاضلاً».

وظاهره جواز بيعه مثلاً بمثل، وقال في موضع ثالث منها: «ولا يجوز بيع العنب بالزبيب إلا مثلاً بمثل.

وتجنبه أفضل».

وأطلق في الخلاف جواز بيع الخبر بالخبز مثلاً بمثل بنحو قد يظهر في العموم لبيع اليابس بالرطب.

كما صرح باختصاص المنع ببيع الرطب بالتمر، دون العنب بالزبيب وبقية الثمار الرطبة بيابسها.

ومثله في ذلك ما في الغنية والشرائع والنافع وكشف الرموز، وكذا في نكت النهاية محاولاً توجيه الاختلاف المتقدم من النهاية.

وصرح في الاستبصار بحمل النصوص المانعة من بيع التمر بالرطب على الكراهة دون الحظر.

وصرح في السرائر بالجواز في التمر والرطب، فضلاً عن غيرهما، حيث ادعى الإجماع على الجواز فيه.

كما ذهب إلى عموم المنع العلامة في جملة من كتبه وفي التنقيح وظاهر الدروس وصريح اللمعتين والمسالك وظاهر جامع المقاصد وغيرها، وحكي عن ابن أبي عقيل وابن الجنيد وابن البراج وغيرهم.

وذكر غير واحد أنه المشهور.

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 8، 9 من أبواب الربا.

هذا ومن الظاهر أن ظاهر النصوص العامة المانعة من التفاضل بين العوضين في الجنس الواحد هو التفاضل بينهما حين المعاوضة، من دون نظر لما يؤول إليه كل منهما بعدها بنفسه أو بطارئ خارجي.

ولازم ذلك جواز المعاوضة بين الجاف والرطب مع التماثل في المقدار.

وأما النصوص الخاصة فهي على طائفتين: الأولى: صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: لا يصلح التمر اليابس بالرطب من أجل أن التمر يابس، والرطب رطب، فإذا يبس نقص»(1) ، وموثق داود بن سرحان عنه (عليه السلام): «سمعته يقول: لا يصلح التمر بالرطب.

إن الرطب رطب والتمر يابس، فإذا يبس الرطب نقص»(2) ، وخبر داود الأبزاري عنه (عليه السلام): «سمعته يقول: لا يصلح التمر بالرطب، إن التمر يابس والرطب رطب»(3).

والثانية: موثق سماعة أو صحيحه: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن العنب بالزبيب.

قال: لا يصلح إلا مثلاً بمثل.

قال: والتمر بالرطب مثلاً بمثل»(4) ، ومعتبر أبي الربيع: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما ترى في التمر والبسر الأحمر مثلاً بمثل‌؟ قال: لا بأس.

قلت فالبختج والعنب مثلاً بمثل‌؟ قال: لا بأس»(5).

وهو وإن ورد في البسر لا في الرطب.

إلا أن عموم التعليل في الطائفة الأولى شامل له.

إذا عرفت هذا فقد اعتمد المانعون على الطائفة الأولى.

ولو تم الاستدلال بها

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب الربا حديث: 1، 6، 7.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب الربا حديث: 3.

كذا رواه في التهذيب ج: 7

ص: 97 والاستبصار ج: 3 ص: 92.

وظاهر الوسائل روايته في الكافي كما فيهما لأن الموجود في الكافي طبعة دار الكتب الإسلامية: «قلت والتمر والزبيب.

قال: مثلاً بمثل».

ج: 5 ص: 190.

والظاهر التصحيف فيه، لاختلاف التمر والزبيب جنساً.

وقد يظهر من الكليني الالتفات لغرابة الحديث، لأنه قال بعد ذلك: «وفي حديث آخر بهذا الإسناد قال: «المختلف مثلان بمثل يداً بيد لا بأس».

ومن هنا كانت رواية الكافي المذكورة مورداً للريب، فلا يرفع بها اليد عن رواية التهذيبين. ولاسيما مع بُعد الخطأ فيها، لأنها وردت في الاستبصار في باب بيع الرطب بالتمر.

(5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب الربا حديث: 5.

فاللازم البناء على العموم لكل رطب ويابس، عملاً بعموم التعليل.

ولا مجال لما في السرائر من أنه من القياس الباطل.

ومثله ما سبق منه من دعوى الإجماع على الجواز في غير الرطب والتمر، حيث لا مجال له بعد ما تقدم في نقل أقوالهم.

ويأتي تمام الكلام في ذلك.

أما المجيزون فقد اعتمدوا على الطائفة الثانية، وحملوا من أجلها الطائفة الأولى على الكراهة، وعمدتها موثق سماعة الوارد في الرطب والتمر اللذين هما مورد التعليل في الطائفة الأولى.

وقد استشكل فيه في كشف الرموز بجهالة السائل.

ويندفع بأنه لا يقدح في الاستدلال بعد إخبار سماعة به جازماً، حيث يمكن استناده في إخباره للحس أو الحدس القريب منه.

ومثله ما في الوسائل وغيره من احتمال كون المراد بقوله (عليه السلام): «لا يصلح إلا مثلاً بمثل» المماثلة في الصنف يعني: لا يصلح إلا بيع العنب بالعنب وبيع الزبيب بالزبيب، فيرجع إلى عدم جواز الاختلاف في الرطوبة والجفاف.

بل في مجمع الفائدة أن ذلك هو الأظهر.

إذ فيه: أن الشائع في النصوص إطلاق المماثلة بلحاظ المقدار.

ولو كان المراد ذلك لكان المناسب: أن يقول: لا.

فإنه أخصر وأوضح.

على أن ذلك لا مجال له في ذيل الحديث المتضمن لحكم التمر والرطب.

هذا ويظهر من الشرائع ترجيح الطائفة الأولى لكونها أشهر.

وفيه: أولاً: أنه لم يثبت مرجحية الأشهرية، بل الثابت هو ترجيح المشهور المجمع على روايته على الشاذ النادر، وذلك غير حاصل في المقام.

وثانياً: أن الترجيح فرع استحكام التعارض، ولا مجال له مع إمكان الجمع العرفي، كما هو الحال في المقام حيث يسهل حمل الكراهة وعدم الصلاح في الطائفة الأولى على الكراهة المصطلحة بقرينة الطائفة الثانية.

ودعوى: أن ذلك لا يناسب التعليل في الطائفة المذكورة بلزوم اختلاف المقدار بسبب الجفاف الراجع إلى لزوم الربا المعلوم حرمته.

مدفوعة بأن التعليل المذكور لا يرجع إلى لزوم الربا حقيقة، لما هو المعلوم من نصوص شرح الربا في المعاملة أن المعيار فيه التفاضل الفعلي حين المعاملة غير الحاصل في المقام، لا التفاضل التقديري بلحاظ الطوارئ، ولذا لا إشكال في المقام في عدم جواز الزيادة في الرطب بحيث يساوي الجاف إذا جف.

بل مرجع التعليل إلى حصول ما يشبه الربا، ولا دليل على النهي عنه ومانعيته من صحة البيع إلا هذه النصوص التي يمكن حملها على الكراهة بقرينة الطائفة الثانية.

على أن مقتضى عموم التعليل عدم جواز المعاوضة مع جفاف العوضين معاً أو رطوبتهما كذلك، إذا كان من شأن أحدهما أن يجف بمرتبة زائدة على جفاف الآخر، بحيث يلزم التفاضل بينهما تقديراً.

ولا يمكن البناء على ذلك، لعدم انضباطه.

وأما ما في الجواهر من أنه إذا لم يعلم وقت البيع بحصول التفاضل بعد ذلك فلا مخرج عما يقتضي الصحة من النصوص وغيرها بعد عدم التفاضل حين البيع.

ففيه: أنه بعد فرض تقديم التعليل على النصوص الظاهرة في الاكتفاء بالصحة بعدم التفاضل حين البيع، والبناء على اعتبار عدم التفاضل مطلقاً ولو بعد البيع، فلابد من إحراز ذلك، ولا طريق لإحرازه غالباً لعدم الانضباط، كما ذكرنا.

ولو فرض إحرازه بالأصل، لدعوى أن مقتضى الاستصحاب بقاء التساوي وعدم حصول التفاضل بعد البيع.

فغايته البناء على صحة المعاملة ظاهراً حين البيع مع إناطة صحتها واقعاً بعدم حصول التفاضل واقعاً، ولا يظن منهم البناء عليه، بل هو خلاف المقطوع به بعد النظر في النصوص والفتاوى ومرتكزات المتشرعة وعملهم.

ومن هنا قد يدعى إجمال التعليل والاقتصار فيه على مورده، وهو التمر والرطب، كما سبق من الخلاف والشرائع وغيرهما وإن كان كلامهم لا ينهض بتوجيهه، لأنهم

أغفلوا التعليل، ولم يشيروا للإشكال فيه.

بل عموم التعليل المذكور لا يناسب ما سبق منهم من اعتبار التماثل بين الشيء وفرعه، كالحليب والأقط وغيرها.

وإن سبق الإشكال فيه.

وكيف كان فالتعليل المذكور لا يمنع من حمل الطائفة الأولى على الكراهة بقرينة الطائفة الثانية، بل يتعين البناء على ذلك جمعاً بين الطائفتين.

هذا وفي صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في حديث:

«وكره أن يباع التمر بالرطب عاجلاً بمثل كيله إلى أجل، من أجل أن الرطب ييبس، فينقص من كيله» (1) .

وظاهره تعجيل التمر وتأجيل الرطب.

وحيث كان المراد به أن الرطب ينقص بعد التسليم فلا خصوصية في ذلك للتأجيل، وهو خلاف ظاهر الحديث.

نعم لو كان المراد به تعجيل الرطب وتأجيل التمر أمكن عرفاً خصوصية التأجيل بلحاظ أن التفاضل وإن لم يحصل عند البيع، إلا أنه يحصل حين انتفاع من صار له التمر بالتمر واستفادته منه، لأن الرطب المقبوض سابقاً ينقص حينئذ.

لكن حمل الصحيح على تعجيل الرطب خلاف ظاهره.

ومن هنا لا يخلو مفاد الصحيح عن إشكال.

وعلى كل حال فهو إن حمل على الأول كان مفاده مناسباً للطائفة الأولى فيجري فيه ما سبق فيها.

وإن حمل على الثاني أمكن تخصيصه للطائفة الثانية لكن لا شاهد على حمله عليه، لينظر في تخصيصه لها.

والحاصل: أن المتعين جواز المعاوضة بين الجاف والرطب في متحد الجنس مع التماثل في المقدار.

ثم إنه لا فرق في ذلك بين الرطوبة الذاتية كما في الرطب والعنب والعرضية كما في الجاف المبلول أو الموضوع في جوّ رطب عملاً في الأول بالعمومات والطائفة

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 14 من أبواب الربا حديث: 2.

كذا رواه في من لا يحضره الفقيه ج: 3 ص: 178.

ورواه في تهذيب الأحكام ج: 7

ص: 96 هكذا: «من أجل أن التمر ييبس فينقص من كيله».

والظاهر أنه تصحيف.

وإن كان هو الذي أثبته في الوسائل، ورواه عن الصدوق والشيخ معاً.

كيفية التخلص من الربا

والأظهر الجواز على كراهة.

ولا يجوز بيعه متفاضلاً حتى بمقدار الزيادة، بحيث إذا جف يساوي الجاف (1).

(مسألة 12): إذا كان الشيء يباع جزافاً في بلد (2)، وكيلاً (3) في آخر، فلكل بلد حكم نفسه (4)، وجاز بيعه متفاضلاً في الأول، ولا يجوز في الثاني.

الثانية، وفي الثاني بالعمومات وحدها.

نعم إذا كان البلل مبايناً عرفاً لموضوعه كالماء المنضوح عليه من دون أن ينفذ فيه ويعد جزءاً منه فالمتعين المنع، لعدم التساوي في المقدار عرفاً.

فلاحظ.

(1) بلا إشكال ظاهر، وفي التحرير إطلاق الاتفاق على عدم جواز التفاضل.

ويناسبه النظر في كلماتهم، حيث أطلق المانعون المنع من بيع الجاف بالرطب، وقيده المجوزون بصورة التماثل.

كما أنه مقتضى النصوص العامة الدالة على اشتراط التماثل مع اتحاد الجنس، والطائفة الثانية المصرحة بذلك.

وكذا الطائفة الأولى منها، لأنها أطلقت المنع من بيع الرطب بالتمر، ومرجع التعليل فيها بعد الإطلاق المذكور إلى عموم التفاضل المانع من المعاوضة في الجنس الواحد للتفاضل الشأني بسبب إمكان جفاف الرطب، لا إلى اختصاص التفاضل المانع بالتفاضل بحسب ما يستقر عليه وضع العوضين.

كما لعله ظاهر.

بقي شيء.

وهو أنه ادعى في التحرير الاتفاق على عدم جواز بيع الرطب بالتمر نسيئة.

ولم أعثر عاجلاً على خصوصية التمر والرطب في ذلك والمذكور في كلماتهم مانعية شرط التأجيل مطلقاً، إما لكونه مستلزماً للزيادة الحكمية، أو حتى في غير الربويين.

وقد تقدم الكلام في الأمرين في أوائل الفصل.

فراجع.

(2) وكذا لو كان معدوداً في بعض البلدان.

(3) أو موزوناً.

(4) لأن مقتضى الإطلاق المقامي لنصوص اعتبار الكيل والوزن في تحقق الربا

(219)

هو الرجوع للعرف الذي تقع فيه المعاوضة أو البيع، وهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.

وقد تقدم نظير ذلك في المسألة الخامسة من الفصل الثالث في شروط العوضين، وتعرضنا هناك لكلماتهم هنا في مبحث الربا.

وعقبنا عليها بما يناسب المقام.

وبذلك يظهر حال البلد الواحد إذا اختلف الحال فيه باختلاف الأزمنة.

(1) قال في الجواهر بعد أن ذكر أمثلة الفروض المذكورة: «ولا خلاف بيننا في الجميع، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه مستفيض جداً إن لم يكن متواتراً».

وتقتضيه عمومات صحة العقد والبيع بعد قصور أدلة الربا عن ذلك، لظهورها في فرض كون كل من فردي الجنس الواحد تمام العوض، بحيث يكون التعاوض بين كل منهما بمفرده.

مضافاً إلى النصوص المستفيضة، كصحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال في حديث يتضمن النهي عن صرف الدراهم الجيدة بدراهم رديئة مع التفاضل: «فقلت له: أشتري ألف درهم وديناراً بألفي درهم.

فقال: لا بأس بذلك.

إن أبي كان أجرأ على أهل المدينة مني، فكان يقول هذا، فيقولون: إنما هذا الفرار.

لو جاء رجل بدينار لم يعط ألف درهم، ولو جاء بألف درهم لم يعط ألف دينار.

وكان يقول لهم:

نعم الشيء الفرار من الحرام إلى الحلال» (1) ، وصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: لا بأس بألف درهم ودرهم بألف درهم ودينارين إذا دخل فيها ديناران أو أقل أو أكثر فلا بأس به».(2)

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب الصرف حديث: 1، 4.

موارد جواز الربا

(مسألة 14): لا ربا بين الوالد وولده (1)، فيجوز لكل منهما بيع


ومقتضى إنكار المخالفين على ذلك بأنه الفرار الاعتراف بعدم حصول حدود الربا فيه مع حصول فائدته، وهو كاف في البناء على حليته، إذ لا منشأ للبناء على حرمة ما يحصل به فائدة الحرام إلا القياس المرفوض.

ولاسيما أن تحريم الربا المعاملي حكم تعبدي صرف لا يظهر وجهه للعقلاء ولا للعرف، فيتعين الوقوف عند حدوده المستفادة من الأدلة التعبدية.

(1) إجماعاً محكياً مستفيضاً إن لم يكن متواتراً صريحاً وظاهراً.

بل يمكن تحصيله.

كذا في الجواهر وعده في الانتصار من متفردات الطائفة.

ولم يعرف الخلاف فيه إلا من المرتضى في الموصليات، عملاً بعموم الكتاب، مع حمل النصوص الآتية على النفي بداعي النهي، نظير قوله تعالى: (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ)(1) ، كما صرح بذلك في الانتصار، ثم قال فيه: «ثم لما تأملت ذلك رجعت عن هذا المذهب، لأني وجدت أصحابنا مجمعين على نفي الربا بين من ذكرناه، وغير مختلفين فيه في وقت من الأوقات، وإجماع هذه الطائفة حجة، ويخص بمثله ظواهر الكتاب».

ويشهد به مضافاً إلى ذلك النصوص، كخبر عمرو بن جميع، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

ليس بين الرجل وولده ربا، وليس بين السيد وعبده ربا» (2) ، وخبر زرارة أو محمد بن مسلم الآتي.

ولا يقدح ضعف سندهما بعد ظهور اعتماد الأصحاب عليهما، خصوصاً في مثل هذه المسألة التي كان حكمها مخالفاً لعموم أدلة حرمة الربا، وانفردت به الطائفة عن غيرها، حيث لا يمكن عادة انفرادهم حينئذ إلا تعويلاً على أدلة واضحة قوية.

ومجرد عدم نصهم على وثاقة بعض رجال أسانيد نصوص المسألة لا ينافي قوتها

(1) سورة البقرة الآية: 197.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب الربا حديث: 1.

(221)

الآخر مع التفاضل (1).

وكذا بين المولى ومملوكه (2)، وبين الرجل


في نفسها، ولو بسبب تسالمهم على روايتها وعلى العمل بها في مثل هذا الحكم المهم العملي من الصدر الأول وفي عصور الأئمة (صلوات الله عليهم).

بل الإنصاف أن اعتمادهم على هذه النصوص وتسالمهم على العمل بها في هذا الحكم المهم المخالف للقاعدة كاشف عن وثاقة أسانيد بعضها، لما هو المعلوم من طريقتهم من عدم العمل بخبر غير الثقة.

ولاسيما مع أن السيد المرتضى مع عدم تعويله على أخبار الآحاد لم يطرح هذه النصوص، بل حاول تأويلها بما سبق، وإن كان بعيداً في نفسه، بل يمتنع حمل النصوص عليه عرفاً بالنظر لقرائن الأحوال، كما يظهر بأدنى ملاحظة لها وتدبر فيها.

ومن ثم لا ينبغي التوقف في الحكم.

(1) كما هو مقتضى إطلاق جماعة وصريح آخرين.

لإطلاق معاقد الإجماعات والنصوص.

ولم يعرف الخلاف فيه إلا من ابن الجنيد، حيث قال كما في المختلف: «لا ربا بين الوالد وولده إذا اخذ الوالد الفضل.

إلا أن يكون له وارث، أو عليه دين».

وهو خال عن الدليل بعد ما سبق.

وقد رماه غير واحد بالشذوذ.

(2) إجماعاً بقسميه.

كذا في الجواهر.

وعدّه في الانتصار من متفردات الإمامية على نحو ما سبق في الوالد وولده.

ويقتضيه مضافاً إلى ما سبق آنفاً صحيح علي بن جعفر المروي في الفقيه: «أنه سأل أخاه موسى بن جعفر عن رجل أعطى عبده عشرة دراهم على أن يؤدي العبد كل شهر عشرة دراهم أيحل ذلك‌؟ قال: لا بأس»(1).

وزاد في صحيحه المروي في كتابه: «وسألته عن رجل أعطى رجلاً مائة درهم يعمل بها على أن يعطيه خمسة دراهم أو أقل أو أكثر هل يحل ذلك‌؟ قال: هذا الربا محضاً»(2).

ولعل عدم تعرض الشهيدين له في اللمعتين لعدم ملكيته ولو بنظرهما، فهو

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب الربا حديث: 6، 7.

وزوجته (1)، وبين المسلم والحربي (2)


خارج عن عموم حرمة الربا موضوعاً، ولا حاجة لذكره، وإلا فمن البعيد خلافهما في ذلك.

ومقتضى إطلاق النص والفتوى جواز أخذ الفاضل لكل منهما نظير ما سبق.

لكن في معتبر الجعفريات عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام): «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بيننا وبين خدامنا ربا، نأخذ منهم ألف درهم، ولا نعطيهم»(1).

إلا أن الخروج به عن إطلاق النصوص السابقة وإطلاق معاقد الإجماعات لا يخلو عن إشكال.

وإن كان ذلك غير مهم بعد خروج المسألة في عصورنا عن مورد العمل.

(1) إجماعاً أيضاً بقسميه.

كذا في الجواهر.

وعده في الانتصار من متفردات الإمامية على نحو ما سبق.

ويقتضيه خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: ليس بين الرجل وولده ولا بينه وبين عبده ولا بين أهله ربا...»(2) كذا رواه في الكافي.

ورواه في التهذيب عن زرارة ومحمد بن مسلم عنه(3) وفي الاستبصار عن زرارة عن محمد بن مسلم عنه (4)(عليه السلام)، ومرسل الفقيه: «قال الصادق (عليه السلام): ليس بين المسلم وبين الذمي ربا، ولا بين المرأة وبين زوجها ربا»(5).

ويجري فيهما ما سبق من أن مقتضى إطلاق النص والفتوى جواز أخذ الفاضل لكل منهما.

(2) إجماعاً بقسميه أيضاً إذا أخذ المسلم الفضل.

كذا في الجواهر.

ويقتضيه خبر عمرو بن جميع عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا نأخذ منهم ألف درهم بدرهم، ونأخذ منهم، ولا نعطيهم»(6).

نعم في خبر زرارة أو محمد بن مسلم المتقدم: «قلت: فالمشركون بيني وبينهم

(1) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 7 من أبواب الربا حديث: 2.

(2و3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب الربا حديث: 3، 4.

(4) الاستبصار ج: 3 ص 71.

(5و6) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب الربا حديث: 5، 1.

(223)

عدم الفرق في الولد بين الذكر والأنثى

إذا أخذ المسلم الزيادة (1).

(مسألة 15): لا فرق في الولد بين الذكر والأنثى (2) والخنثى (3) على الأقوى، ولا بين الصغير والكبير (4)، ولا بين الصلبي وولد الولد (5)، ولا


ربا؟ قال: نعم.

قلت: فإنهم مماليك.

قال: إنك لست تملكهم.

إنما تملكهم مع غيرك، أنت وغيرك فيهم سواء...».

لكن لابد من حمله على الذميين، أو الكراهة، أو على النفي المطلق، كما في الأقسام السابقة، فلا ينافي جواز أخذ الفضل منهم مع حرمة إعطائهم.

كل ذلك للجمع مع الخبر السابق والإجماع المتقدم.

(1) كما صرح بذلك جماعة.

وادعى عليه الإجماع في الخلاف والسرائر.

ويقتضيه مضافاً إلى ذلك خبر عمرو بن جميع المتقدم.

ومنه يظهر الإشكال في إطلاق نفي الربا بيننا وبينهم في كلام جماعة، بل هو صريح أو كالصريح من المهذب.

(2) كما نص عليه في التذكرة وجامع المقاصد.

وهو مقتضى إطلاق غيرهما، لعموم الولد لهما.

ومن ثم كان الوجه فيه إطلاق النصوص ومعاقد الإجماعات المتقدمة.

وفي الجواهر: «الأحوط الاقتصار على الذكر، لأنه المنساق عرفاً».

وهو ممنوع.

إلا أن يريد به الانصراف البدوي غير المعتد به.

(3) لما سبق من عدم اختصاص الولد بالذكر، ليشك في انطباقه عليه في فرض كونه مشكلاً، بل حيث كان يعمّ غيره فهو صادق على الخنثى قطعاً.

(4) قطعاً لإطلاق النصوص ومعاقد الإجماعات.

(5) كما صرح به في الدروس.

وهو ظاهر من أطلق.

لإطلاق النصوص ومعاقد الإجماعات، حيث يصدق الولد عليه حقيقة.

وتردد فيه في المسالك ومحكي الكفاية، بل قرّب ثبوت تحريم الربا بينهما في التذكرة والتنقيح وجامع المقاصد والروضة ومحكي تعليق الإرشاد وإيضاح المنافع والميسية، اقتصاراً في الخروج عن عموم التحريم على المتيقن، وهو الولد الأدنى.

لكن لا مجال لذلك مع إطلاق دليل التخصيص، كما سبق.

في المملوك بين القن والمدبر (1) والذكر والأنثى ولا في الزوجة بين الدائمة


وأما ما في التذكرة من أن صدق الولد عليه مجاز، فهو غريب جداً.

نعم لا مجال لتعميم الجواز لولد الرضاع وإن احتمله بعض من تقدم.

لعدم صدق الولد عليه لغة ولا عرفاً.

ولذا لا يطلق الولد عليه إلا مقيداً بالرضاع، كالماء بالإضافة إلى الماء المضاف.

وتعميم حكم الولد له شرعاً في النكاح لا يكفي في الإلحاق به في غيره.

وأما ما يظهر من المسالك من أنه يشترك مع ولد الولد في منشأ احتمال الإلحاق بالولد، وهو إطلاق اسم الولد عليهما، ولذا يجري عليهما حكم الولد في النكاح.

فهو غاية المنع، لصدق الولد على ولد الولد لغة وعرفاً، وعدم صدقه على ولد الرضاع، وجريان حكم الولد عليه في النكاح تعبدي شرعي يقتصر فيه على مورده، كما ذكرنا.

(1) كما صرح جماعة بذلك، وبالتعميم لأم الولد.

وهو مقتضى إطلاق النصوص ومعاقد الإجماعات.

وكذلك الحال في المكاتب إذا لم يتبعض.

لكن استظهر في التحرير والمسالك حرمة الربا معه، وهو المحكي عن نهاية الأحكام.

ومال إليه في الجواهر، لأن المنساق غيره.

ثم قال: «لا أقل من الشك فتبقى حرمة الربا على عمومها».

وهو كما ترى إذ لا إشكال في العموم له، والانسياق لغيره لو تم لا يخرج عن الانصراف البدوي غير المعتد به.

كما لا مجال للتمسك بعموم حرمة الربا مع الشك بعد إطلاق الدليل المخصص وشموله لمورد الشك.

كما سبق في نظيره.

هذا وقد صرح جمع كثير من الأصحاب أولهم ابن الجنيد فيما حكى عنه باختصاص الحل بما إذا كان العبد ملكاً للشخص بتمامه ولم يكن له شريك فيه.

قال في المختلف بعد أن حكى ذلك عن ابن الجنيد: «وباقي أصحابنا أطلقوا.

ومقصودهم ذلك أيضاً، إذ المشترك ليس عبداً».

والمتمتع بها (1) وليست الأم كالأب (2) فلا يصح الربا بينها وبين الولد.


ولا ينبغي الإشكال في خروجه عن ظاهر النصوص وإلحاقه به لفهم عدم الخصوصية عرفاً، فيجوز لجميع مواليه الاشتراك معه في الربا الواحد.

لا يخلو عن إشكال.

ولو تمّ فلا مجال للبناء على جواز انفراد كل منهم بالربا معه، لعدم صحة إضافته لكل منهم بانفراده.

كما أشرنا إلى ذلك في خبر زرارة المتقدم.

وأظهر من ذلك المبعض، لعدم صدق العبد أو المملوك عليه.

والتبعيض في الربا الواحد، كما قيل في زكاة الفطرة ونحوها يحتاج إلى دليل.

فلا مخرج عن عموم حرمة الربا فيه.

فلاحظ.

(1) كما في الدروس وجامع المقاصد والمسالك والروضة وعن تعليق الإرشاد والميسية وغيرها.

وقد يستفاد من إطلاق الأكثر.

وفي الحدائق والرياض أنه مذهب الأكثر، وعن الكفاية أنه المشهور.

وكأنه لإطلاق النصوص ومعاقد الإجماعات.

وذهب لتحريم الربا مع المتمتع بها في التذكرة ومجمع البرهان ومحكي إيضاح النافع، ومال إليه في الرياض، وتردد فيه في التنقيح ومحكي غاية المرام.

قال في التذكرة: «لأن التفويض في مال الرجل إنما يثبت في حق الدائم، فإن للزوجة أن تأخذ من مال الرجل المأدوم».

وهو كما ترى لو تم لا ينهض بالاستدلال في المقام بل هو بالمقياس أشبه.

ومثله ما في الرياض من منع صدق الزوجة عليها حقيقة.

فإن غريب جداً.

فالعمدة في المقام أن كون الزوجية معياراً في الحلية إنما تضمنه مرسل الصدوق.

أما خبر زرارة أو محمد بن مسلم فقد تضمن عنوان الأهل.

ولا يتضح صدقه على المتمتع بها.

ويلزم مع ضعف الخبرين الاقتصار على المتيقن منهما، كما هو اللازم في معقد الإجماع.

وحينئذ يتعين الرجوع في غيره لعموم حرمة الربا.

فلاحظ.

(2) كما صرح به في التنقيح والروضة ومحكي إيضاح النافع والميسية وغيرها.

كما لا فرق بين ربا البيع وربا القرض (1).

(مسألة 16): الأحوط عدم جواز الربا بين المسلم والذمي (2).

وأما الربا في القرض فيأتي حكمه في كتاب القرض إن شاء الله تعالى.

وهو ظاهر كل من اقتصر على ذكر الأب.

ويقتضيه عموم تحريم الربا بعد اختصاص النصوص المحللة ومعاقد الإجماعات بالأب.

(1) يعني: مع جميع من سبق، كما صرح به بعضهم.

لإطلاق النصوص ومعاقد الإجماعات المتقدمة.

وقد تقدم في صحيح علي بن جعفر جواز القرض مع العبد.

بل لعل ربا القرض هو المتيقن من الإطلاقات.

لكن لا بنحو يقتضي قصر الإطلاقات عليه.

(2) فالمنع هو الأشهر، بل المشهور نقلاً وتحصيلاً، بل عليه عامة المتأخرين إلا النادر.

كذا في الجواهر.

وهو المناسب لأكثر معاقد الإجماعات، حيث تضمنت نفيه في الحربي، بنحو ينساب اختصاص الحل به.

وكذا خبر عمرو بن جميع المتقدم(1).

ونقل في السرائر والمختلف عن المفيد جواز الربا معه وإن لم نعثر عليه في المقنعة، كما صرح بذلك غير واحد أيضاً.

وهو مختار الصدوق في المقنع وظاهر الفقيه، وحكاه في المختلف عن الصدوق الأول، كما حكي عن إيضاح النافع، بل هو معقد إجماع المرتضى في الانتصار، حيث اقتصر على الذمي، وجعله من متفردات الإمامية.

ويشهد له مرسل الصدوق المتقدم: «قال الصادق (عليه السلام): ليس بين المسلم وبين الذمي ربا، ولا بين المرأة وبين زوجها ربا»(2).

لكن معقد الإجماع المذكور لا يناسب الفتاوى، ولا الأدلة، لظهور أن غير الذمي هو المتيقن من أدلة الحلّ، ولو لأنه الأولى بالحل من الذمي.

وأما نصوص المسألة بما فيها المرسل فضعف سندها مانع من التعويل لولا ظهور اعتماد الأصحاب عليها.

وذلك يقتضي الاقتصار على المتيقن من مفادها، نظير ما تقدم في الزوجة المت

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب الربا حديث: 2، 5.

(227)

(مسألة 17): الأوراق النقدية لما لم تكن من المكيل والموزون لا يجري فيها الربا (1)، فيجوز التفاضل في البيع بها.

لكن في النفس منه شيء (2) فالأحوط ضم جنس آخر إلى الأقل (3) ولو كان من الدراهم في بيع الدنانير العراقية أو القران في التومان (4).

ومنه يظهر أن تنزيل الأوراق لا بأس به مع الاحتياط المذكور (1).

وأما ما يتعارف في زماننا من إعطاء سند بمبلغ من الأوراق النقدية من دون أن يكون في ذمته شيء، فيأخذه آخر (2)، فينزله عند شخص ثالث بأقل منه، فالظاهر أن مرجعه إلى توكيل من بإمضائه السند للشخص الآخر في إيقاع المعاملة في ذمته (3) على مقدار مؤجل بأقل منه (4).

وحينئذ يكون حكمه حكم التنزيل المتقدم في الاحتياط المذكور (1) والظاهر أن هذا هو المسمى باصطلاح الفرس (سفته).

بها.

وهو يقتضي الاقتصار على مفاد خبر عمرو بن جميع المقتصر فيه على أهل الحرب.

بل قد يظهر من اقتصار المشهور على الحربي عدم التعويل على المرسل.

وقد قرب في الحدائق كما حكي عن غيره ورود المرسل لبيان خروج الذميين عن شروط الذمة، فيجوز الربا معهم لصيرورتهم حربيين.

ولا بأس به جمعاً مع خبر عمرو بن جميع المشعر أو الظاهر في اختصاص الحل بالحربي.

والأمر سهل بعدما عرفت، وبعد عدم الابتلاء بالذميين في عصورنا.

فلاحظ.

(1) يعني ربا البيع والمعاوضة الذي نحن فيه.

(2) قد تنشأ الشبهة في الأيام السابقة القريبة يوم كانت النقود الورقية مقابلة رسمياً بالذهب والفضة.

أما هذه الأيام حين لم يبق من الأمرين شيء فلا منشأ لذلك.

نعم تقدم منا في المسألة الثالثة من الفصل الثامن نحو من الإشكال في التفاضل في غير المكيل والموزون إذا كانت الزيادة في أحد العوضين مع تأجيله، لأنه يؤدي مؤدى القرض الربوي.

فراجع.

(3) ليتخلص به من الربا، كما تقدم في المسألة الثالثة عشرة.

(4) إنما يتخلص من شبهة الربا بذلك يوم كان للدرهم العراقي والقران وجود في قبال الدينار والتومان، نظير الدرهم والدينار حيث كان الدرهم من الفضة والدينار من الذهب، ولا يصلح ذلك للتخلص اليوم، حيث لا يراد من الدرهم والقران إلا جزء من الدينار والتومان.

لا بأس به مع الاحتياط المذكور (1).

وأما ما يتعارف في زماننا من إعطاء سند بمبلغ من الأوراق النقدية من دون أن يكون في ذمته شيء، فيأخذه آخر (2)، فينزله عند شخص ثالث بأقل منه، فالظاهر أن مرجعه إلى توكيل من بإمضائه السند للشخص الآخر في إيقاع المعاملة في ذمته (3) على مقدار مؤجل بأقل منه (4).

وحينئذ يكون حكمه حكم التنزيل المتقدم في الاحتياط


(1) الظاهر أن المراد بتنزيل الأوراق ما تعارف في عصورنا من دفع الدائن وثيقة الدين الذي له على المدين (المسماة بالكمبيالة) وتسجيلها له، ليقبض بها الدين الذي تضمنته من المدين لنفسه بعد أن يعجل بدفع مبلغ من المال أقل من الدين المذكور للدائن.

ومرجعه إلى بيع الدين الذي له على الغير بأقل منه نقداً معجلاً، ودفع الضميمة من غير الجنس مع النقد المعجل للتخلص من شبهة الربا التي أشار إليها (قده).

(2) وهو الشخص الذي يتضمن السند كونه دائناً من دون أن يكون دائناً واقعاً.

وهو ما يسمى في عرفهم بالمجاملة.

(3) يعني: مع الشخص الثالث وإن لم يكن معيناً، بل يوكل تعيينه للوكيل الذي يتضمن السند كونه دائناً.

(4) ولازمه صيرورة المعجل الأقل ملكاً لموقع السند فإن أخذه الشخص الذي يتضمن السند كونه دائناً على أنه قرض لم يجب عليه دفع تمام ما تضمنه السند، لأنه أكثر، فيلزم ربا القرض، وحيث كان مسؤولاً بدفعه بتمامه حسبما تعارف عندهم فلا يصححه إلا شراؤه النقد المعجل من الموقع على السند بتمام ما تضمنه السند إلى أجله مع الضميمة بناء على ما ذكره (قده) من الحاجة إليها.

وكان المناسب له (قده) التنبيه على ذلك.

على أنه لا يظهر لنا وجه إرجاع المعاملة المذكورة إلى ذلك.

ولاسيما أن الطرف الثالث قد لا يعلم بعدم ثبوت شيء في ذمة موقع السند، بل يتخيل شراءه لدين محقق،

(229)

المذكور (1) والظاهر أن هذا هو المسمى باصطلاح الفرس (سفته).

فتبطل المعاملة، لعدم وجود أحد العوضين.

ولو علم بالواقع المذكور فقد لا يقصد إجراء المعاملة بالوجه الذي ذكره سيدنا المصنف (قده)، بل مجرد إقراض من يتضمن السند كونه دائناً للمبلغ الأقل بأكثر منه، ويكون الشخص الذي تضمن السند كونه مديناً بمنزلة الكفيل للدين، حيث يكون ملزماً بدفع المبلغ الذي يتضمنه السند إذا لم يدفعه المقترض له.

وحينئذ ترجع المعاملة إلى القرض الربوي المحرم الباطل، ولا تنفع في تحليله الضميمة.

نعم يمكن إرجاع المعاملة المذكورة إلى الوجه الذي ذكره سيدنا المصنف (قده) إذا اتفق الأطراف الثلاثة على ذلك.

إلا أنه يحتاج إلى عناية خاصة.

(1) وهو ضم جنس آخر للأقل.

بقي في المقام أمران: الأمر الأول: في وجوب إرجاع المال الربوي لصاحبه حيث سبق في أول هذا الفصل أن المعاوضة الربوية كما تحرم تكليفاً تحرم وضعاً وتبطل، فمقتضى القاعدة أنه يجب على آخذ الربا رده على صاحبه أو من يقوم مقامه كالوارث سواءً كان الآخذ هو المرابي، أم من انتقل إليه منه، كمستوهبه منه ومشتريه ووارثه.

وسواء تميز مال الربا، أم اختلط بغيره.

ولو تلف المال الربوي كان مضموناً على من وقع في يده.

أما لو جهل صاحبه جرى عليه حكم مجهول المالك مع تميزه، أو اختلاطه، أو تلفه وانشغال الذمة به.

هذا ما تقتضيه القاعدة، ودلت عليه الأدلة النقلية الواردة في الربا في الجملة.

وعليها العمل والفتوى من دون خلاف ظاهر، إلا في موارد يحسن التعرض لها.

وربما كان عدم تعرض سيدنا المصنف (قده) لها لعدم بنائه عليها.

وإن لم يبعد بناؤه على الأخير، وعدم تعرضه له لكونه مغفولاً عنه.

الأول: قال في النهاية بعد أن شدد في حرمة الربا: «فمن ارتكب الربا بجهالة ولم يعلم أن ذلك محظور فليستغفر الله تعالى في المستقبل.

وليس عليه فيما مضى شيء.

ومتى علم أن ذلك حرام ثم استعمله فكل ذلك محرم عليه، ويجب عليه رده على صاحبه...» وهو كالصريح في عدم وجوب الرد مع الجهل.

وعليه جرى في النافع وظاهر كشف الرموز وفي الدروس والحدائق والرياض وعن المقنع وفقه القرآن للراوندي وإيضاح النافع وآيات الأحكام للأردبيلي.

ويظهر أيضاً من الكليني والصدوق في الكافي والفقيه، لذكرهما النصوص الدالة على ذلك في الباب المناسب له.

قال في مفتاح الكرامة: «وكأنه ميل إليه في التحرير وحواشي الشهيد».

وظاهر القواعد والوسائل التردد.

وقد خالف في ذلك في السرائر والتذكرة والمختلف والإيضاح والتنقيح وكنز العرفان وجامع المقاصد ومحكي نهاية الأحكام وغيرها.

بل حمل في السرائر ما سبق من الشيخ (قده) في النهاية على إرادة نفي العقاب بالجهل لا غير، مع وجوب الرد.

وإن كان ذلك خلاف ظاهر كلامه المتقدم.

ويدل على الأول من الكتاب المجيد قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(1).

وحمله على نفي العقاب مخالف لظاهره، ولظهور اللام في الملك أو الاختصاص، دون العفو.

غاية الأمر أنه قد يعمم للعفو ونفي العقاب توسعاً في تطبيق الاختصاص الذي هو مفاد اللام، بلحاظ تشبيه عدم عقاب الإنسان على الشيء بكونه له من أجل التفضل في ذلك عليه.

وأما ما في بعض التفاسير من ورود ذلك في ربا الجاهلية.

فهو لو تم لا ينافي العموم لما نحن فيه.

وليس هو كقوله تعالى: (وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء

(1) سورة البقرة الآية: 275.

إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ)(1).

للفرق بينهما بأن الاستثناء في الآية الثانية قد ورد بعد عموم النهي بلحاظ حال ما قبل تشريع التحريم، فيعم النهي من لم يصله التحريم، أما في الآية الأولى فالملحوظ أفراد المكلفين بنحو الانحلال، فكل من جاءته الموعظة ووصله التحريم له ما سلف، ومقتضاه العموم لمن وصله التحريم بعد مدة طويلة.

وحمل مجيء الموعظة على أصل تشريع التحريم لا على وصوله له مخالف للظاهر.

ولاسيما بلحاظ ترتيب الانتهاء عليه، لوضوح أن الانتهاء إنما يترتب على وصول التحريم، لا على تشريعه.

ومثله دعوى: أن ذلك لا يناسب قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)(2).

لدلالته على عدم استحقاق المرابي بعد التوبة لغير رأس المال.

لاندفاعها بأن الجمود على سياق هاتين الآيتين الشريفتين يقتضي كون التوبة المفروضة بعد تعمد أخذ الربا بعد التحريم، فيخرج عن موضوع الآية الأولى.

ولو فرض عموم التوبة هنا تعين حمله على ذلك جمعاً مع تلك الآية.

على أن من القريب كون المنظور ما يستحقه المرابي بعد التوبة على المدين من دون نظر إلى ما إذا استوفى دينه وأخذ الربا معه، كما قد يناسبه قوله تعالى بعد ذلك: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ...)(3).

وأما النصوص ففي صحيح الحلبي: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): كل ربا أكله الناس بجهالة ثم تابوا فإنه يقبل منهم إذا عرف منهم التوبة.

وقال: لو أن رجلاً ورث من أبيه مالاً وقد عرف أن في ذلك المال ربا، ولكنه قد اختلط في التجارة بغيره حلال

(1) سورة النساء الآية: 22.

(2) سورة البقرة الآية: 278-279.

(3) سورة البقرة الآية: 280.

[حلالاً] كان حلالاً طيباً فليأكله.

وإن عرف منه شيئاً أنه ربا فليأخذ رأس ماله.

وليرد الربا.

وأيما رجل أفاد مالاً كثيراً قد أكثر فيه الربا، فجهل ذلك ثم عرفه بعد، فأراد أن ينزعه، فما مضى فله ويدعه فيما يستأنف»(1).

ورواه الصدوق مرسلاً.

وفي حديث أبي الربيع: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أربى بجهالة، ثم أراد أن يتركه.

قال: أما ما مضى فله، وليتركه فيما يستقبل»(2).

وفي صحيح محمد بن مسلم: «دخل رجل على أبي جعفر (عليه السلام) من أهل خراسان قد عمل الربا حتى كثر ماله.

ثم إنه سأل الفقهاء: فقالوا: ليس يقبل منك شيء إلا أن ترده إلى أصحابه.

فجاء إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقص عليه قصته.

فقال له أبو جعفر (عليه السلام): مخرجك من كتاب الله (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ) والموعظة التوبة»(3).

فإن السؤال فيه عن وجوب الإرجاع يوجب ظهور الاستدلال بالآية الشريفة في إرادة عدم الإرجاع منها، لا مجرد عدم العقاب لو فرض عدم ظهور الآية في نفسها في ذلك.

نعم مقتضى إطلاق التوبة فيه العموم لما إذا كان العمل بالربا عن علم بالحرمة.

لكن يتعين حمله على ما إذا كان عن جهل بها بقرينة النصوص السابقة.

مضافاً إلى ما عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن أبيه: «إن رجلاً أربى دهراً من الدهر فخرج قاصداً أبا جعفر الجواد (عليه السلام) فقال له: مخرجك من كتاب الله يقول الله: (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ).

والموعظة هي التوبة فجهله بتحريمه ثم معرفته به.

فما مضى فحلال، وما بقي فليستحفظ»(4).

كما ينهض هذان الحديثان بتأكيد ما سبق من ظهور الآية الشريفة في المطلوب.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الربا حديث: 2. ورواه عن أبي المعزا. إلا أن الموجود في الكافي عن أبي المعزا عن الحلبي.

(2و3و4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الربا حديث: 4، 7، 10.

ويصلح ما قبلهما بتأييد ذلك.

وقد يستفاد أيضاً من صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام): «سألته عن رجل أكل ربا لا يرى إلا أنه حلال.

قال: لا يضره حتى يصيبه متعمداً فهو ربا»(1).

فإن قصر الربا فيه على صورة التعمد ظاهر في قصر أحكامه ومنها حرمة المال ووجوب رده على صاحبه على صورة أكله مع العلم بحرمته.

ويبدو أن مخالفة ذلك للقواعد أوجب إحجام غير واحد عن الخروج بما سبق عنها، ومحاولتهم حمله على خلاف ظاهره أو التشبث ببعض الوجوه الظاهرة الوهن لرده، كما يظهر بملاحظة كلماتهم في المقام.

ولا يسعنا استقصاؤها بعدما سبق بل يتعين العمل على ذلك والخروج به مقتضى القواعد، فإن الخروج عنه غير عزيز.

هذا وفي كشف الرموز: «ويمكن أن يقال: إن من ادعى اليوم في الإسلام جهالة تحريم الربا لا يسمع منه.

فيحمل الفتوى والنص على أول الإسلام».

وهو كما ترى أولاً: لأن الجهل بالأحكام الظاهرة شايع بين العامة وغير المتفقهين.

وقد ورد أمر التجار بالتفقه وإلا وقعوا في الربا(2).

وكيف يمكن حمل النصوص الواردة عن الصادقين ومن بعدهما من الأئمة (صلوات الله عليهم) وفتاوى مثل الشيخ (قده) ومن بعده على خصوص أول الإسلام‌؟!.

وثانياً: لأن كثيراً من فروع الربا وصغرياته مغفول عنها أو مورد الاختلاف بين الفقهاء، فينفع الحكم المذكور فيها.

وقد يظهر ذلك من صحيح علي بن جعفر المتقدم.

نعم يظهر من الآية الشريفة والنصوص المذكورة توقف حِلّ ما مضى من الربا مع الجهل بالحرمة على العزم على ترك الربا والتوبة منه.

فكأنه وارد مورد التشجيع على التوبة.

وكلام غير واحد لا يأبى ذلك، لتعرضهم للاستغفار أو الانتهاء المناسبين

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الربا حديث: 9.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب آداب التجارة.

للتوبة.

وإطلاق غيرهم لو تم محمول على ذلك أو مستدرك عليه.

ومثله ما يظهر مما عن الراوندي في فقه القرآن من اختصاص الحِلّ بمن تعذر عليه العلم بحرمة الربا.

أما من كان قادراً على العلم فلم يعلم وأكله بجهالته فيجب عليه الرد.

إذ هو تحكم في إطلاق الأدلة المتقدمة من دون وجه ظاهر.

ومجرد تقصيره في الفحص لا يكفي في التقييد.

على أنه قد لا يكون مقصراً بسبب الغفلة المطلقة.

الثاني: من ورث مالاً فيه الربا.

فإنه وإن قلّ منهم التعرض لذلك بالعنوان المذكور، إلا أنه قد يستفاد من سياق كلام كثير منهم، واستدلالهم بالنصوص المتضمنة لحكمه، أو روايتهم لها، حيث تضمنت التفصيل بين ما إذا علم المال بعينه وما إذا اختلط بغيره واشتبه، كما في صحيح الحلبي المتقدم.

وفي صحيحه الآخر عنه (عليه السلام): «قال: أتى رجل أبي (عليه السلام) فقال: إني ورثت مالاً، وقد علمت أن صاحبه الذي ورثته منه قد كان يربي، وقد عرفت أن فيه ربا، واستيقن ذلك، وليس يطيب لي حلاله لحال علمي فيه.

وقد سألت فقهاء أهل العراق وأهل الحجاز فقالوا: لا يحل أكله.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): إن كنت تعلم بأن فيه مالاً معروفاً ربا وتعرف أهله فخذ رأس مالك، ورد ما سوى ذلك.

وإن كان مختلطاً فكله هنيئاً، فإن المال مالك.

واجتنب ما كان يصنع صاحبه.

فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وضع ما مضى من الربا وحرم ما بقي.

فمن جهل وسعه جهله حتى يعرفه.

فإذا عرف تحريمه حرم عليه، ووجب [وجبت] عليه العقوبة إذا ركبه كما يجب على من يأكل الربا»(1)

ومقتضى الصحيحين أن المراد بمعرفة الربا بعينه ليس معرفة خصوص الزيادة الربوية، بل المال الذي تضمنته المعاملة الربوية المشتمل على الربا، فيجب ردّ مقدار الزيادة الربوية منه، وله رأس المال.

ويستفاد من ذلك وجوب رد الزيادة الربوية لو تميزت بنفسها بالأولوية العرفية.

كما أنهما لم يتضمنا حكم ما إذا تميز المال الربوي ولم يعرف صاحبه.

أما الثاني

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الربا حديث: 3.

فظاهر، لأنه تضمن تقييد وجوب الرد مع تميز المال بما إذا عرف أهله، وتقييد جواز الأكل بما إذا اختلط.

وأما الأول فهو وإن لم يتضمن تقييد وجوب الرد بما إذا عرف أهله، إلا أن وجوب الرد موقوف على معرفة صاحب المال، فلا يحتاج معه للتقييد.

ولا أقل من عدم ظهوره في العموم للصورة المذكورة.

وحينئذٍ يتعين الرجوع فيها للقواعد القاضية بحرمة أكل المال، وجريان حكم مجهول المالك عليه، من وجوب الفحص عن مالكه، ثم التصدق به مع اليأس عن ذلك.

هذا وقد قال ابن الجنيد - كما في المختلف -: «ومن اشتبه عليه الربا لم يكن له أن يقدم عليه إلا بعد اليقين بأن ما يدخل فيه حلال.

فإن قلد غيره أو استدل فأخطأ، ثم تبين له أن ذلك ربا لا يحل، فإن كان معروفاً رده على صاحبه، وتاب إلى الله تعالى.

وإن اختلط بماله حتى لا يعرفه، أو ورث مالاً كان يعلم أن صاحبه يربي، ولا يعلم الربا بعينه فيعز له، جاز له أكله والتصرف فيه إذا لم يعلم فيه الربا».

وما ذكره في صدر كلامه من عدم جواز الإقدام مع اشتباه الربا عليه متين جداً، عملاً بما دل على وجوب الفحص عن الأحكام، خصوصاً ما أشرنا إليه آنفاً مما ورد في التجارة حذراً من الربا(1).

ولاسيما في المعاملات التي يكون مقتضى الأصل فيها عدم ترتب الأثر.

كما أن الظاهر قصور النصوص السابقة المتضمنة حلّ المال الربوي مع الإقدام عليه بجهالة، واختصاصها أو انصرافها لصورة الغفلة عن الحرمة أو اعتقاد الحلية.

فاللازم الرجوع لمقتضى القاعدة المتقدم.

وكذا الحال فيما ذكره في ذيل كلامه في حكم من ورث مالاً فيه الربا من تقييد الحِل بما إذا اختلط المال، كما يظهر مما سبق.

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب التجارة.

إنما الإشكال فيما ذكره في حكم من أربى بجهالة من التفصيل بين تعيين المال واختلاطه، حيث لا وجه مع إطلاق الآية الشريفة والنصوص السابقة.

ولا مجال لتحكيم نصوص من ورث مالاً ربوياً عليها بعد اختلاف الطائفتين مورداً.

ولاسيما مع قضاء المناسبات الارتكازية بابتناء الحكم فيها على العفو تشجيعاً على التوبة، وابتناء التفصيل مع الميراث على التسهيل والتخفيف من أجل اختلاط الحرام بالحلال.

الثالث: ما إذا كان دافع الربا غير محترم المال أو ممن يدين بدين يقضي بحلية الربا.

حيث يتعين حينئذ جواز أكل المال الربوي، لعدم حرمة مال الأول، وإلزاماً للثاني بما يلزمه به دينه، لما دلّ على أن من دان بدين لزمته أحكامه(1).

نعم يحرم إيقاع المعاملة الربوية معه تكليفاً ووضعاً فلا تصح المعاملة ولا يملك الآخذ المال بالعقد الربوي.

لعموم أدلة حرمة الربا من الجهتين.

ومجرد عدم احترام مال دافعه، أو جواز إلزامه بما ألزم به نفسه، لا يستلزم تخصيص العموم المذكور في حقه، بحيث يجوز إيقاع المعاملة الربوية معه تكليفاً ووضعاً.

لعدم ابتناء حرمة إيقاع المعاملة الربوية المتضمنة لأخذ الزيادة من الغير على احترامه، لتسقط بسقوط حرمته في نفسه، أو إلزاماً له بمقتضى دينه.

بل المعاملة محرمة في نفسها، كحرمة الكذب والزنا.

غاية الأمر أنه بعد إيقاع المعاملة عصياناً يجوز إلزامه بمضمونها بأخذ المال منه بسبب سقوط حرمته بأحد الوجهين، والموجب لتملك المال هو أخذه بعد العقد، لا العقد بنفسه كما لو كان صحيحاً.

فلاحظ.

والله سبحانه وتعالى العالم.

والحمد لله رب العالمين.

الأمر الثاني: في عدم انسجام حرمة الربا مع الوضع المعاصر.

يتردد الحديث هذه الأيام عن أن تحريم الربا إنما يتجه يوم كان الربا وسيلة لاستغلال حاجة

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 15 باب: 30 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، وج: 17 باب: 4 من أبواب ميراث الأخوة والأجداد.

(237)

محاولات تبرير الربا في العصر الحاضر ودفعها

المقترض، وجمع الثروة على حساب الآخرين، من دون جهد يبذله المقرض يستحق به أخذ المال.

فهو أداة للظلم والاستئثار وامتصاص جهد الضعيف وإنهاكه حتى ينتهي الأمر بتدميره.

ولا مبرر لتحريمه في العصر الحديث، حيث ابتنى عليه الاقتصاد العالمي، وأصبح من ضروريات المجتمع الإنساني في تنظيم علاقاته الاقتصادية، التي بها يقوم كيانه، وتبتني عليها مصالحه.

بل أصبح الربا وسيلة لإنعاش المحرومين، إذ يستثمرون القرض الربوي في رفع مستواهم الاقتصادي، وتهيئة فرص العمل والإنتاج، من أجل النهوض بالبلاد والعباد وسدّ حاجتهما، وبناء اقتصادهما على الوجه الأكمل.

فالإصرار على حرمة الربا مع ذلك لا يتناسب مع كون الإسلام صالحاً للتطبيق، ونظامه وافياً بحلّ مشاكل الإنسان والمجتمع، ونظم أمرهما، في كل عصر، ومع جميع المستجدات.

والحديث المذكور يصدر.

.

تارة: ممن يحاول عزل الإسلام عن المجتمع الإنساني، وبيان عدم صلوحه للاستمرار في تنظيم وضع الإنسان المعاصر وحل مشاكله، وعجزه عن مجاراة التطور والتجديد.

وأخرى: ممن يحاول الدفاع عن الإسلام بدعوى: أن الربا المحرم شرعاً لا يشمل مثل ذلك مما يبتني عليه نظام الاقتصاد العالمي، ويكون سبباً لإنعاش المحرومين، ورفع مستوى اقتصاد البلاد والعباد.

ومن هنا يحسن بنا الكلام مع القسمين في مقامين: المقام الأول: مع من يحاول عزل الإسلام عن المجتمع نتيجة أحكامه التي لا تتناسب مع الوضع المعاصر، ومنها الحكم بعموم تحريم الربا.

ومن الظاهر أن نظام الربا المقر عالمياً الآن عام لا يفرق بين الدين الذي ينتفع به المقترض وينعش اقتصاده وينتظم به أمر حياته بنحو يفضل عنده ما يستطيع به وفاء دينه، ويخرجه من مأزق التورط في دفع الفوائد باستمرار، والدين الذي يضطر له المقترض لسد ضرورته ثم

يتورط في مأزق الاستمرار في استحقاق الفوائد بنحو لا يستطيع الخروج منه، بل تزيد ديونه ويتحول معه الربا إلى وسيلة لاستغلال الضعيف وامتصاص جهده وإنهاكه وتكبيله بالقيود.

فالربا اليوم كالربا السابق صالح للوجهين.

ويزيد عليه بأمرين: الأول: أنه قد استحكم في نظم الاقتصاد العالمي بنحو يصعب التخلص منه والخروج عنه.

وإن ظهرت قريباً محاولات لإيجاد بديل، نرجو لها النجاح والتوفيق.

الثاني: أنه قد حفّ بمرغبات ومشجعات تستغل المحتاج والجاهل، وتدفعهما للتوحل فيه والتورط به.

ويكفي في استيضاح ذلك النظر في ديون الدول الفقيرة التي تحولت إلى قيود خانقة لها ولشعوبها، تجعلها أسيرة للدول الدائنة، وأداة لاستغلالها وخضوعها لها اقتصادياً وسياسياً.

ولولا فتح هذا الباب والتشجيع عليه لقنع الضعيف مالياً بما عنده وبما يعينه به ذوو الإحسان والمواساة من الهبات والقروض الحسنة، ورتب أوضاعه بما يتناسب مع ذلك ثم يحاول تحسين وضعه بجدّه وكدّه المضاعف من دون أن يتورط بالقرض الربوي الذي يوهمه بالغنى والقدرة المالية، ويغفله عن فقره الذي يحمله على الاقتصاد والقناعة ويدفعه للكد والعمل، ويجنبه كثيراً من سلبيات التوسع في الإنفاق ومضاعفاته الخطيرة.

ثم يكبله القرض الربوي بالقيود المنهكة بنحو قد يفقده حريته، ويجعله أسيراً للدائن.

وإذا قلنا: إن الإسلام صالح للتعايش مع التجديد والتطور وحلّ مشاكل المجتمع في ضوئهما فمرادنا بذلك أنه يستطيع لو فسح له المجال معالجة مشاكل المجتمع بحلول يضعها هو في ضوء تعاليمه ومفاهيمه، وبمراعاة أهدافه وأولوياته.

ولا نريد به أن الإسلام يعترف بالمعالجات والحلول الواردة من الخارج بسلبياتها ومفارقاتها، ويتكيف معها بالتنازل عن تعاليمه ومفاهيمه، وإغفال أولوياته وأهدافه.

فإن ذلك عين الانهزام والذوبان في خضم التحول العالمي الخطير.

بل يبقى الإسلام مصراً على موقفه منكراً لذلك حفاظاً على حدوده، وليبقى

أمل المحرومين والمتضررين من الأوضاع العالمية المتدهورة التي انعكست بسلبياتها حتى على شعوب المخططين لها، كما حصل في الأزمة الاقتصادية التي ظهرت أخيراً، وبدا تأثيرها السلبي جلياً على كثير من الشعوب والدول.

ونتيجة لإصرار الإسلام وموقفه المنكر يبقى الكل بانتظار الفرج الإلهي بظهور المصلح الأكبر الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، ليطبق الإسلام القويم بحدوده وأحكامه على أتم وجه، بعيداً عن التحريف والتشويه والمفارقات والسلبيات.

هذا وقد يحاول بعض أهل المعرفة والاقتصاد في الدفاع عن الربا الاستثماري الذي يشيع عالمياً، وهو ما يدفعه المقترض من الفوائد على القرض الذي يستغله ويستثمره ويجني أرباحه.

ولاسيما أن المقترض قد يجني أرباحاً طائلة، فلا وجه لاستئثاره بها من دون أن يشاركه فيها صاحب المال الذي أقرضه.

لكن الربا الاستثماري المذكور إن كان على القرض الذي يضطر له المقترض، ليستثمره ويجني به من الربح ما يقيم به أوده ويسدّ به حاجته في معاشه ومعاش عائلته، فما الفرق بينه وبين الربا غير الاستثماري على القرض الذي يضطر له المقترض لسدّ حاجته وحاجة عائلته وضروراتهم المعاشية من طعام ولباس وسكن ودواء ونحو ذلك‌؟! ولِمَ يكون الأول مقبولاً دون الثاني مع اشتراكهما في كونهما مورداً للحاجة أو الاضطرار؟!.

وإن كان على القرض الذي يستثمره المقترض لتكديس الأرباح.

فهو الوسيلة الجهنمية التي ظهرت نتيجة التطور العالمي الخطير ليسحب رؤوس الأموال وتكديسها لصالح الشركات والدول الكبرى، من أجل فرض سيطرتها الاقتصادية على العالم، والتحكم فيه، كما نراه عياناً، وتتجرع منه الدول والشعوب الضعيفة الأمرين.

ولو تسنى منعه لاتجه أصحاب الأموال لاستثمار أموالهم في بلادهم بأنفسهم، أو بالتعاون مع من لا مال له، إما بنحو المضاربة المبنية صريحاً على توزيع الربح بين

صاحب المال والعامل، من دون أن يضمن العامل شيئاً من رأس المال ليمنعه فقره من المشاركة في الاستثمار، أو بنحو الاستبضاع ونحوه مما يبتني على استثمار عمل العامل بأجر مقطوع من دون أن يضمن من رأس المال أيضاً، حيث يساعد ذلك على القضاء على البطالة.

ولصارت رقعة استثمار الأموال في البلاد أوسع، وتوزعت الثروات من دون أن تتكدس في مواقع القوة، ولصالح جماعة محدودة تسيطر بسبب التنسيق بينها تدريجياً على الاقتصاد العالمي وتتحكم فيه وفي السياسة العالمية تبعاً له، كما حصل فعلاً.

نعم مع توزيع الثروات والاستثمار قد تكون الأرباح بمجموعها أقل كمية من الأرباح الحاصلة مع حصر الاستثمار في مواقع القوة، لضعف الخبرات والقدرات من جهة، ولتصاعد نسبة الأرباح مع تضاعف رؤوس الأموال من جهة أخرى.

لكن ما الذي يجنيه المجتمع الإنساني من كثرة الأرباح إذا انحصرت بفئة قليلة‌؟! ولاسيما أن هذه الفئة همها مصالحها ولو على حساب المجتمع.

حيث قد تسلك من أجل أن تجني الأرباح الهائلة طرقاً جهنمية مدمرة، كإثارة الحروب، والتشجيع على الفساد والترف والتبذير والسرف وغير ذلك.

والحاصل: أن الربا الاستثماري إن أخذ من المضطر للاسترباح، من أجل سدّ ضرورته فلا مبرر له، كغيره من أفراد الربا.

وإن أخذ من غير المضطر له ممن يحاول تكديس الأرباح فهو وإن بدا وكأنه مبرر أو مستحسن، إلا أنه من وراء ذلك أداة لسحب رؤوس الأموال وتكديسها في مواقع القوة، لفرض سيطرتها على الاقتصاد والسياسة العالميين، وحرمان المناطق الضعيفة من الاستفادة بأموالها واستثمارها لصالحها، وما يستتبع ذلك من دفع عجلة العمل في تلك المناطق، واستثمار الطاقات البشرية الكثيرة العاطلة عن العمل.

والإنصاف أن ما انتهى إليه المجتمع الإنساني اليوم من أوضاع مأساوية نتيجة الوسائل الجهنمية التي تخطط لها وتنفذها رؤوس الأموال من أجل تكديس

الأرباح يمنع المتبصر من الركون للطروحات التي يجري عليها العمل الآن، فضلاً عن الاستحسان لها والدفاع عنها، مهما حاولوا تجميلها وتحسين صورتها.

لأن وراء الأكمة ما وراءها.

فكيف بمثل الربا مما أجمعت الأديان السماوية على تحريمه وتشديد الإنكار عليه.

وبذلك يظهر أن عدم انسجام الإسلام مع الوضع المعاصر والتطور الذي حصل فيه ليس لعجز الإسلام عن تنظيم شؤون الإنسان المعاصر وحلّ مشاكله، بل لتكبيل المجتمع الإنساني من قبل القوى المتنفذة فيه والمسيطرة عليه بأنظمة جهنمية تجعله في دوامة من الشقاء، وتسير به نحو الدمار لا يقرها الإسلام، ولا يسعه القبول بها، والتنسيق معها.

المقام الثاني: مع من يحاول الدفاع عن الإسلام بالمنع من عموم تحريم الربا، وقصره على خصوص بعض الأقسام أو الحالات التي تكون مضرة بالمجتمع الإنساني.

من الظاهر.

.

أولاً: أن أحكام الإسلام لا تخضع للتعديل والتحوير بما يتناسب مع الظروف المستجدة، بل للإسلام الخاتم للأديان أحكامه الثابتة التي شرعت لتسير بالمجتمع الإنساني نحو الرفاه والسعادة في الدنيا والآخرة مادام يعمر هذه الأرض ويعيش فيها.

وليس الاجتهاد المشروع في الإسلام عند الإمامية الذين استضاؤوا بنور أهل البيت (صلوات الله عليهم) وجروا على نهجهم إلا استفراغ الوسع في التعرف على الحكم الشرعي وأخذه من مصادر المعرفة الأصيلة والحفاظ عليه، بعيداً عن التحوير والتطبيع مع الأوضاع المستجدة والمؤثرات الخارجية.

وهو مدعاة فخر هذه الطائفة واعتزازها، حيث حافظت على الأحكام الشرعية بحدودها هذه المدة الطويلة مع فقد رعاية المعصوم بالمباشرة منذ أحد عشر قرناً، وإن كان يرعاها من وراء ستر رقيق.

كما أنه يقتصر في الاجتهاد المذكور وفي آلية الوصول للحكم الشرعي على

الطرق التقليدية التي جرى عليها السلف الصالح في عصور المعصومين (صلوات الله عليهم) وبتوجيه منهم (عليهم السلام).

وهي تعتز بالتمسك بها وعدم الخروج عنها.

ولا يكون التطوير والتحوير إلا في الموضوعات الشرعية، أو الأحكام الولايتية في حدود الولاية الثابتة شرعاً، حسب اختلاف الأنظار والاجتهادات.

والخلط بين ذلك وبين تطوير الحكم الشرعي، أو طرق الاجتهاد خطأ فظيع يقع فيه أنصاف المتعلمين، ولا يدركه إلا ذوو الاختصاص، وينظرون إليه بأسف بالغ.

وثانياً: أنه لا يفترض أن تتضح للناس علل الأحكام الشرعية وملاكاتها، ليتسنى لهم تعميم الأحكام وتخصيصها تبعاً لها، بل يتعين تطويع الحكم للدليل الشرعي، والبناء عليه بعد فرض تحقق موضوعه الذي تضمنه دليله وفق الضوابط المأخوذة من ذلك الدليل.

وبعد ذلك نقول: من الظاهر أن أدلة الربا بقسميه المتقدمين عامة لفظاً.

وهي كما تشمل الربا في صدر الإسلام تشمل الربا في العصر الحاضر.

ومجرد قيام نظام الاقتصاد العالمي على الربا في عصورنا، لا يوجب قصور أدلة الربا عنه.

ولاسيما مع ظهور سلبيات هذا النظام، كما أشرنا إلى بعضها في المقام الأول.

وغاية ما يمكن أن يدعى قصور الأدلة الشرعية عن بعض ما ظهر في العصر الحديث من أنواع الفوائد.

وما قد يحسن النظر فيه مما يتعلق بذلك دعويان تطرحان بصورة ومبررات قد تقبل بحسب النظر البدوي، نحاول عرضهما بوجه أقرب للحوار الحوزوي منه للمصطلحات الاقتصادية الحديثة.

الدعوى الأولى: خروج الفوائد البنكية عن موضوع الربا.

وذلك بالنظر للتضخم المالي المستمر، حيث تضعف القوة الشرائية للنقد بسبب ذلك، فإذا كانت الفائدة معقولة بنحو تناسب التضخم الحاصل بمعدلاته المتوقعة، فهي ليست ربحاً في الحقيقة، بل موازنة لرأس المال بماله من قوة شرائية وضماناً له بلحاظ ذلك، وإن

زادت عليه صورة.

ومن الظاهر أن ذلك لو تم لا يختص بالفوائد البنكية، بل يجري في كل فائدة مناسبة للتضخم الحاصل بغض النظر عن أطراف المعاملة.

لكنها تشكل أولاً: بعدم انضباط ذلك، بحيث يمكن تحديده مسبقاً عند الاقتراض، لخضوعه لعدة عوامل لا يمكن الإحاطة بها بل قد يستند لعوامل متعمدة من قِبَل أصحاب القرار لمصالح اقتصادية تؤدي إلى ارتفاع القوة الشرائية للعملة النقدية أو انخفاضها عند حاجتهم لذلك.

كما أن من المعلوم عدم ابتناء الفوائد البنكية وغيرها على ملاحظة هذه الجهة والتقيد بها.

وثانياً: بأن الملحوظ قديماً وحديثاً في التعامل في البيع والشراء والاقتراض وغيرها على حجم النقد المتعامل به وكميته العددية، لا على قيمته الشرائية، بحيث يختلف المقدار المستحق عند الدفع عما عيّن عند إيقاع المعاملة، تبعاً لاختلاف قوته الشرائية.

ولذا لا يكتفى بالأقل عند ارتفاع قوة النقد الشرائية، مع أن ضبط نسبة اختلاف القوة الشرائية حين الدفع أيسر نسبياً من ضبطها حين إيقاع المعاملة.

ومن ثم يحتاج استحقاق الفائدة وتحديد مقدارها إلى شرط مسبق، ولا يقتضيه إطلاق المعاملة.

بل يجري ذلك حتى في غير النقد من المواد الاستهلاكية والخدمية، كالطعام واللباس والعقار والأجهزة وغيرها، لظهور أنها تتعرض دائماً لزيادة ماليتها وقلتها نتيجة العوامل المختلفة الدخيلة في العرض والطلب.

ونتيجة لذلك تكون الكمية هي المعيار في الربح والخسارة عرفاً، دون القوة الشرائية وزيادة المالية وحينئذ يكون صدق الربا تابعاً لذلك لا غير.

على أن أدلة الربا لم تتضمن عنوان الربح، لتجري الشبهة المتقدمة فيه، بل عنوان الزيادة والتفاضل في مقابل التساوي والتمالك، ومن الظاهر صدق الزيادة بذلك، وإن فرض عدم صدق الربح للشبهة المتقدمة.

وثالثاً: بأن ذلك لا يختص بالعصر الحديث، بل هو أمر معرق مع الزمن، ومنه عصر صدور أدلة تحريم الربا، الذي عليه المعول في تحديد مراد الشارع الأقدس والمعايير المنظورة له في الربح والخسارة والتساوي والتماثل والزيادة والتفاضل.

ووضوح ذلك يغني عن إطالة الكلام في ذكر الشواهد عليه.

وإن كان يحسن ذكر بعضها.

ففي حديث يونس بن يعقوب عن أبي الحسن الأول (عليه السلام): «سمعته يقول: إني كفنت أبي في ثوبين شطويين كان يحرم فيهما وفي قميص من قمصه، وعمامة كانت لعلي بن الحسين، وفي برد اشتريته بأربعين ديناراً، لو كان اليوم أربعمائة دينار»(1).

بل تضمنت النصوص المستفيضة تعرض النسبة بين الدينار والدرهم للاختلاف(2).

وقد يكون فاحشاً.

ففي حديث عبد الملك بن عتبة الهاشمي: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل يكون له عند الرجل الدنانير أو خليط له يأخذ مكانها ورقاً في حوائجه، وهي يوم قبضها سبعة وسبعة ونصف بدينار، وقد يطلبها الصيرفي وليس الورق حاضراً، فيبتاعها له الصيرفي بهذا السعر سبعة وسبعة ونصف، ثم يجيء يحاسبه وقد ارتفع سعر الدينار، فصار باثني عشر كل دينار، هل يصلح له ذلك‌؟ وإنما هي بالسعر الأول يوم قبض منه الدراهم، فلا يضره كيف كان السعر.

قال: يحسبها بالسعر الأول فلا بأس به»(3).

بل يأتي في أوائل الكلام في شروط الصرف بعض النصوص المتضمنة شراء الدينار بستة وعشرين درهماً.

ولذا ورد النهي عن البيع بدينار غير درهم، معللاً بأنه لا يعلم كم الدينار من الدرهم(4) ، وفي بعضها: «فلعل الدينار يصير بدرهم»(5).

(1) وسائل الشيعة ج: 2 باب: 2 من أبواب التكفين حديث: 15.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3، 4، 9 من أبواب الصرف وغيرها.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 9 من أبواب الصرف حديث: 4.

(4) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب أحكام العقود.

(5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب أحكام العقود حديث: 2.

ومن المعلوم جريان الربا المحرم بمقتضى أدلته في جميع ذلك بلحاظ الكم لا بلحاظ القيمة الشرائية ومقدار المالية.

وعليه كان العمل في عصر صدور النصوص.

والحاصل: أن أدلة الربا ظاهرة بل صريحة في أن المعيار فيه الزيادة بلحاظ الكمّ الذي هو المعيار فيه عند العرف في عصر الشارع الأقدس وفي جميع العصور.

وأما المعايير الاقتصادية الحديثة التي يجري عليها ذوو الاختصاص فهي غريبة على العرف وعن مفاد الأدلة.

الدعوى الثانية: أن الربا وإن صدق في المقام، إلا أن الأدلة لا تنهض بعموم حرمة الربا بنحو يشمل أقسام بعض الربا الشايع في عصورنا، لأن الربا إنما شرع بلحاظ كونه ظلماً موجباً لفساد المال وتعطيل التجارات وغير ذلك من المحاذير المهمة، وبذلك يقصر عن مثل الربا الاستثماري الذي يدفعه المنتفع بالقرض والمستثمر له في أرباح طائلة، حيث لا يكون أخذ الفائدة منه ظلماً عند العرف، ولا موجباً لتعطيل التجارات، بل هو موجب للتشجيع عليها، ولا فساداً للمال، بل هو نماء له... إلى غير ذلك.

لكنه يشكل بأن عنوان الظلم والفساد ونحوها مما تقدم قد ورد ذكرها أو ذكر بعضها في موردين: الأول: قوله تعالى: (وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)(1).

وقد يدعى أن التعبير المذكور يوحي بأن الربا المحرم هو الذي يكون ظلماً بنظر العرف، لما فيه من الإنهاك للمقترض، فيقصر عما لا يكون كذلك، كما في محل الكلام.

لكنه يندفع بأن الآية الشريفة لم ترد مورد التعليل للتحريم، ليفترض صدقه في مرتبة سابقة على التحريم، ليدعى حمله على الظلم العرفي بالوجه المتقدم، وقصر التحريم على مورده، كما في سائر موارد التعليل للحكم، حيث لابد من صدق العلة

(1) سورة البقرة الآية: 279.

في مرتبة سابقة على الحكم المعلل.

وإنما تضمنت تطبيق عنوان الظلم على الربا في موردها ويتعين حينئذ حمله على الظلم بمعناه الحقيقي، وهو أخذ غير الحق.

إذ بعد فرض تحريم الربا على الإطلاق، كما في الآية الشريفة، وعدم استحقاق المقرض للزيادة على المال الذي أقرضه، يكون أخذه للزيادة بعد التوبة ظلماً منه، في جميع أقسام الربا، من دون ملزم بالتقييد، كما يكون منعه من رأس ماله ظلماً له بعد عدم الموجب لخروجه عن ملكه.

الثاني: ما رواه الصدوق (قده) بأسانيده عن محمد بن سنان عن الإمام الرضا (عليه السلام) فيما كتب من جواب مسائله، وفيه: «وعلة تحريم الربا بالنسيئة لعلة ذهاب المعروف وتلف الأموال ورغبة الناس في الربح، وتركهم القرض، والقرض صنايع المعروف.

ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال»(1).

وقد يدعى أن سوق هذه الأمور بما فيها الظلم والفساد مساق التعليل ملزم بالبناء على فرض تحققها في رتبة سابقة على التحريم، بأن يراد تحققها عرفاً، فمع فرض عدم تحققها في بعض الأقسام بنظر العرف يتعين عدم تحريمه.

لكن الحديث كما ترى قد تضمن التعليل بجهات كثيرة يعلم بعدم ملازمتها لجميع أفراد الربا في القرض، بحيث يكون تحريمه منوطاً بفعلية ترتبها.

فلابد من كون التعليل بها بلحاظ شأنية ترتبها، بمعنى أن فتح باب الربا في القرض قد يؤدي إلى هذه الأمور، فيكون تحريمه احتياطاً ودفعاً لاحتمال حصولها، وهو ما يصطلح عند أهل الاستدلال بالحكمة، التي لا يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، ولا تمنع من عموم الحكم تبعاً لعموم أدلته.

هذا مضافاً إلى أمور: أحدها: أن صدق الظلم والفساد عرفاً على الربا إنما هو بلحاظ أن المقترض

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب الربا حديث: 1.

قد يخطئ في تقدير الأمور، فيحسب حين الاقتراض قدرته على الوفاء والتخلص من تراكم الفوائد، ويظهر خطؤه بعد ويعجز عن ذلك، وتتراكم عليه الفوائد حتى تنهكه أو تدمره، كما هو المناسب لعطف فناء الأموال على الظلم في الحديث السابق.

وذلك إنما يجري مع إطلاق أمد استحقاق الفوائد، أما مع تحديده بأمد معين فلا يلزم ذلك.

وإلا فما الفرق عند العرف بالنظر إلى العواقب بين أن يبيع البضاعة بمائة نقداً مثلاً، ويشترط زيادة خمسين إن أجلها إلى خمسة أشهر، من دون أن تزيد لو تأخر عن ذلك، وأن يبيعها بمائة وخمسين نسيئة إلى خمسة أشهر، بحيث يكون الأول ظلماً دون الثاني.

بل الأول أخف على المدين، إذ لو تيسر له في الأول تعجيل الوفاء لقلت المؤنة عليه، بخلاف الثاني.

ومن المعلوم حرمة الربا مطلقاً حتى في أمثال الفرض المذكور مما يحدد فيه الأمد، بحيث لا يكون ظلماً عرفاً.

ومنه ما سبق في المسألة الثالثة من الفصل الثامن من عدم جواز تأجيل الدين بزيادة عليه، وما تضمنته النصوص الكثيرة التي تقدم بعضها في المسألة الرابعة من الفصل المذكور من محاولة من حلّ دينه التخلص من الربا ببيع شيء ثم شراؤه رأساً ليفي الدين بأحد الثمنين ويكون الثمن الآخر ديناً عليه وإن زاد على دينه الأول، وهو المعبر عنه في النصوص بالعينة(2) ، حيث يظهر منها المفروغية عن عدم جواز تأخير الدين إلى أجل محدود بزيادة فيه.

وذلك يكشف إما عما ذكرنا من كون التعليل في الحديث المتقدم حكمة، لا علة يدور التحريم مدارها وجوداً وعدماً، أو عن أن تطبيق الظلم على الربا تعبدي، لا عرفي، فيمكن تعميمه على جميع أقسام الربا، بل يتعين، عملاً بإطلاق الحديث.

وثانيها: أن الحديث المتقدم كما تضمن التعليل بالظلم تضمن التعليل بترك الناس القرض الذي هو صنايع المعروف.

بل لا يبعد كون المراد بالفساد هو دفع الزيادة من دون مقابل عيني، بقرينة قوله (رحمه الله) قبل ذلك في تعليل منع الربا المعاملي:

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب العقود.

«لأن الإنسان إذا اشترى الدرهم بالدرهمين كان ثمن الدرهم درهماً، وثمن الآخر باطلاً، فبيع الربا وشراؤه وكس على كل حال على المشتري وعلى البائع.

فحرم الله عز وجل على العباد الربا لعلة فساد الأموال، كما حظر على السفيه أن يدفع إليه ماله لما يتخوف عليه من فساده حتى يؤنس منه رشد».

كما لا يبعد كون المراد بقوله (عليه السلام) فيما تقدم: «ورغبة الناس في الربح» هو ذهاب رغبتهم في الاتجار والاسترباح، واتكالهم في تكثير الأموال على الربا.

وذلك كله موجود في جميع أقسام الربا، لظهور أن آخذ المال بالربا وإن كان قد يستثمره في الاتجار، إلا أن دافع المال يترك الاتجار به، ويتكل على فوائده الربوية، فيتعين عموم الحرمة لها وإن لم يصدق عليها الظلم عرفاً، إذ يكفي في التحريم ثبوت بعض علله، ولا يلزم ثبوت جميعها.

وثالثها: أن من يحاول استفادة تحليل بعض أقسام الربا ينظر إما إلى الربا الذي يدفعه من يقترض من أجل الإعمار وإنعاش البلاد والعباد، أو إلى الربا الاستثماري الذي يستغل فيه المقترض القرض للاتجار والاستثمار وتحصيل الأرباح وتكديسها.

وكلا القسمين قد يلزم منهما الظلم عرفاً بالمعنى المتقدم، لخطأ حسابات المقترض، وعجزه أخيراً عن وفاء الدين وأداء فوائده حتى يتكبل بالقيود، كما يشيع قروض الدول الضعيفة للإعمار، فضلاً عن أفراد الناس.

وقد يحصل في بعض البنوك التي تشجع ذوي المال على إيداع أموالهم عندها، وأخذ فوائدها، من أجل استثمار تلك الأموال وتنميتها لصالح أصحابها، حيث قد تعجز أخيراً، فتعلن عن إفلاسها.

هذا كله مضافاً إلى أن الربا في عصورنا هو الربا في العصور السابقة، وإذا كان البعض يحاول أن يبرز الربا المعاصر أو بعض أقسامه بصورة مبررة أو جميلة فذلك موجود بواقعه سابقاً، وإن لم يتصد أحد لتبريره أو تجميل صورته.

ومع ذلك أصر الشارع الأقدس على عموم حرمة الربا بحدوده الشرعية،

حسبما يفهمه العرف من أدلته، درءاً للفساد، وإهمالاً للمبررات أو المشجعات.

وذلك وحده كاف في الإعراض عنها وعدم التعريج عليها لمن يهمه التعرف على وجهة نظر الشارع الأقدس، والوقوف عند أحكامه وحدوده.

والله سبحانه وتعالى من وراء القصد.

ونسأله التوفيق والتسديد.

وهو حسبنا ونعم الوكيل.

(251) (251)

الفصل العاشر / في بيع الصرف

اشارة

وهو بيع الذهب أو الفضة بالذهب أو الفضة.

ولا فرق بين المسكوك منهما وغيره (1).

(مسألة 1): يشترط في صحة بيع الصرف التقابض قبل الافتراق (2)


(1) كما هو مقتضى إطلاق الذهب والفضة في الوسيلة والغنية.

وقد يظهر الاختصاص بالأول من التعبير بالدراهم والدنانير أو النقدين في كلام بعضهم، ومن التعبير بالأثمان في كلام جماعة، لأن المسكوك من الذهب والفضة كسائر السلع لا خصوصية له في الثمنية.

وما في مفتاح الكرامة من عموم الأثمان لغير المسكوكين غير ظاهر.

ولاسيما مع ما في التذكرة وغيره من أنه إنما سمي صرفاً لأن الصرف لغة هو الصوت وهو يحصل بتقليب العوضين هنا.

نعم قد يستفاد العموم من مساق كلامهم والفروع التي ذكروها، بحيث يفهم منها عدم خصوصية النقدين.

والعمدة في المقام عموم بعض النصوص المتضمنة لحكم الصرف، كما يأتي إن شاء الله تعالى.

(2) كما في المقنعة والنهاية والمبسوط والوسيلة والغنية وجمهور من تأخر عنها.

ونفى الخلاف فيه في الغنية والسرائر والتحرير، كما صرح بالاتفاق عليه ممن عدا

الصدوق في كشف الرموز والتنقيح.

ويشهد به النصوص الكثيرة، كصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا يبتاع رجل فضة بذهب إلا يداً بيد، ولا يبتاع ذهباً بفضة إلا يداً بيد»(1).

وصحيح منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: إذا اشتريت ذهباً بفضة أو فضة بذهب فلا تفارقه حتى تأخذه منه.

وإن نزا حائطاً فانز معه»(2).

وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألته عن الرجل يشتري من الرجل الدراهم بالدينار فيزنها وينقدها ويحسب ثمنها كم هو ديناراً، ثم يقول: أرسل غلاماً معي حتى أعطيه الدنانير.

فقال: ما أحب أن يفارقه حتى يأخذ الدنانير فقلت: إنما هم في دار واحدة وأمكنتهم قريبة بعضها من بعض.

وهذا يشق عليهم.

فقال: إذا فرغ من وزنها وانتقادها [وإنقادها] فليأمر الغلام الذي يرسله أن يكون هو الذي يبايعه ويدفع إليه الورق، ويقبض منه الدنانير حيث يدفع إليه الورق»(3).

وموثق حنان بن سدير: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنه يأتيني الرجل ومعه الدراهم، فأشتريها منه بالدنانير، ثم أعطيه كيساً فيه دنانير أكثر من دراهمه، فأقول: لك من هذه الدنانير كذا وكذا ديناراً ثمن دراهمك، فيقبض الكيس مني ثم يرده عليّ، ويقول: أثبتها لي عندك.

فقال: إن كان في الكيس وفاء بثمن دراهمه فلا بأس»(4).

وكذا ما تضمن وجوب قبض ما يقابل الحلية من ثمن السيف المحلى(5).

وما في مجمع البرهان من أن يداً بيد كأنه كناية عن النقد في مقابل النسيئة لا عن التقابض.

غريب جداً.

ولاسيما أن بعض النصوص وإن اشتمل على التعبير المذكور، إلا أن باقيها صريح في التقايض.

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب الصرف حديث: 3، 8، 1.

(4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الصرف حديث: 1.

(5) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 3، 6 وغيرها.

(253)

ومثله دعوى: أن اشتمال بعض النصوص على قوله (عليه السلام): «ما أحب» مشعر أو ظاهر في الكراهة.

إذ ليس المراد بذلك إلا حديثين: الأول: صحيح عبد الرحمن بن الحجاج.

وتتمته شاهدة بحمله على الوجوب.

الثاني: صحيح الحلبي: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل ابتاع من رجل بدينار، وأخذ بنصفه بيعاً وبنصفه ورقاً.

قال: لا باس.

وسألته هل يصلح أن يأخذ بنصفه ورقاً أو بيعاً ويترك نصفه حتى يأتي بعد، فيأخذ به ورقاً أو بيعاً.

فقال: ما أحب أن أترك منه شيئاً، حتى آخذه جميعاً، فلا تفعله»(1).

وهو أجنبي عن محل الكلام وإن كان ظاهرهم عدّه من نصوص المسألة، إذ ليس المفروض فيه شراء الورق بالنصف الآخر من الدينار، وتأجيل قبض الورق، بل ترك النصف الآخر عند البائع ديناً عليه، حتى ينظر بعد ذلك ما يشتري به منه، والذي لا يكون محبوباً له (عليه السلام) هو ذلك، لا ترك الورق عنده بعد شرائه بالنصف دينار الذي هو محل الكلام.

ولو فرض جدلاً كون الأخير هو المراد من الصحيح فحمل «ما أحب» على الحرمة بقرينة النصوص الأخر أهون بكثير عرفاً من حمل تلك النصوص على الكراهة بقرينته.

نعم في موثق عمار: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يبيع الدراهم بالدنانير نسيئة قال: لا بأس»(2) ، وقريب منه خبراه(3) ، وموثقه الآخر عنه (عليه السلام): «عن الرجل هل يحل له أن يسلف دنانير بكذا وكذا درهماً إلى أجل‌؟ قال: نعم.

لا بأس.

وعن الرجل يحل له أن يشتري دنانير بالنسيئة‌؟ قال: نعم إن الذهب وغيره في الشراء والبيع سواء»(4) ، وخبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: لا بأس أن يبيع الرجل الدنانير نسية بمائة أو أقل أو أكثر»(5) ، وخبر محمد بن عمر [عمرو]: «كتبت إلى أبي الحسن

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الصرف حديث: 9، 11.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الصرف حديث: 10، 12.

(4و5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الصرف حديث: 14، 13.

الرضا (عليه السلام): إن امرأة من أهلنا أوصت أن يدفع إليك ثلاثين ديناراً.

وكان لها عندي فلم يحضرني.

فذهبت إلى بعض الصيارفة.

فقلت: اسلفني دنانير على أن أعطيك ثمن كل دينار ستة وعشرين درهماً، فأخذت منه عشرة دنانير بمائتين وستين درهماً.

وقد بعثتها إليك.

فكتب إليّ: وصلت الدنانير»(1).

وربما يجمع بين الطائفتين بوجوه: الأول: ما في التهذيبين من حمل النسيئة في الطائفة الثانية على أنها صفة للدنانير، لا حالاً للبيع، ويكون المراد أن من كان له على غيره دنانير نسيئة جاز أن يبيعها عليه في الحال بدراهم ويأخذ الثمن عاجلاً.

وهو كما ترى! إذ لو أمكن ذلك في موثق عمار الأول وخبر زرارة فهو متعذر في بقية النصوص.

الثاني: ما في مجمع الفائدة من حمل الطائفة الثانية على النسيئة بشرط القبض قبل التفرق.

قال: «إذ النسيئة لا يستلزم عدم القبض في المجلس».

وهو كما ترى! بعيد جداً، لأنه حمل على الفرد النادر.

وعدم التلازم عقلاً بين النسيئة وعدم القبض في المجلس، لا ينافي التلازم بينهما عرفاً، بحيث يستفاد من دليل جواز النسيئة عدم وجوب التقابض.

ولاسيما مع قوله (عليه السلام) في موثق عمار الثاني: «إن الذهب وغيره في الشراء والبيع سواء».

الثالث: حمل الطائفة الأولى على خصوص بيع النقد وأنه لابد فيه من التقابض مع النسيئة.

وفيه أن نصوص الطائفة الأولى مسوقة عرفاً لعدم جواز بيع النسيئة.

ولذا لا يكون الجمع عرفياً.

خصوصاً بلحاظ ما سبق في موثق عمار الثاني من عدم الفرق بين والذهب وغيره في البيع والشراء، فإن مقتضاه عدم وجوب التقابض حتى في بيع النقد، كما في غير الذهب.

على أن التفصيل المذكور لما كان مغفولاً عنه فلا يحتمل ثبوته في مثل هذه المسألة الشايعة الابتلاء.

الرابع: حمل الطائفة الأولى على الكراهة بقرينة الثانية، كما ذكره في مجمع الفائدة

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الصرف حديث: 15.

أيضاً، وهو المتبع نوعاً في الجمع بين دليلي المنع والترخيص.

لكن يأبى ذلك بعض نصوص الطائفة الأولى، كصحيحي عبد الرحمن بن الحجاج ومنصور بن حازم، وما سبق في موثق عمار من الطائفة الثانية من عدم الفرق بين الذهب وغيره في الشراء والبيع.

ومن هنا كان الظاهر استحكام التعارض بين الطائفتين.

وحينئذ يتعين تقديم الأولى، لأنها أكثر رواة وأشهر رواية.

لرجوع الطائفة الثانية إلى ثلاث رواة، والمعتبر منها روايتان لعمار فقط.

مضافاً إلى ظهور الإعراض عنها من قدماء الأصحاب.

غاية الأمر أنه قد يظهر من الصدوق (قده) في الفقيه العمل بموثق عمار الأول، لأنه ذكره في أول باب الصرف.

لكنه ذكر أيضاً موثق حنان بن سدير المتقدم في نصوص لزوم التقابض.

على أن من الظاهر شيوع الابتلاء بالحكم المذكور في العصور السابقة جداً، وهو مستلزم عادة لظهور الحكم فيه وعدم خفائه على المشهور.

بل يظهر من بعض النصوص مفروغية السائل عن وجوب التقابض، وإنما يسأل عن فروع ذلك، كموثق حنان بن سدير المتقدم ونحوه مما ورد في قبض أكثر من الحق(1) ، وصحيح إسحاق بن عمار: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يأتيني بالورق فأشتريها منه بالدنانير، فأشتغل عن تعيير وزنها وانتقادها وفضل ما بيني وبينه فيها، فأعطيه الدنانير وأقول: إنه ليس بيني وبينك بيع، فإني قد نقضت هذا الذي بيني وبينك من البيع، وورقك عندي قرض، ودنانيري عندك قرض، حتى تأتيني من الغد، وأبايعه.

قال: ليس به بأس»(2) وذلك مناسب لشهرة الحكم بوجوب التقابض وشيوع العمل عليه.

ومن ثم يتعين العمل بالطائفة الأولى، والإعراض عن الطائفة الثانية، ورد

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الصرف.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب الصرف حديث: 5.

علمها لأهلها (صلوات الله عليهم)، لكونها مورداً للريب.

والله سبحانه وتعالى العالم.

بقي في المقام أمور: الأول: قال في التذكرة: «لو تعذر عليهما التقابض في المجلس، وأرادا الافتراق لزمهما أن يتفاسخا العقد بينهما.

فإن تفرقا قبله كان ذلك ربا، وجرى مجرى بيع مال الربا بعضه ببعض نسيئة.

ولا يغني تفرقهما، لأن فساد العقد إنما يكون به شرعاً.

كما أن العقد مع التفاضل فاسد ويأثمان به».

ولا يتضح الوجه في رجوع اشتراط التقابض في الصرف إلى صدق الربا المحرم تكليفاً بدونه.

ولو تم فهما لم يقدما على الربا بعد عزمهما على التقابض، وإنما يصير العقد ربوياً قهراً عليهما، ولا دليل على وجوب الفسخ حذراً من صيرورة العقد ربوياً، لظهور أدلة الربا في حرمة إيقاع العقد الربوي، لا في حرمة إبقاء العقد فراراً من صيرورته ربوياً.

ونظيره في ذلك ما لو فرض حرمة إيقاع عقد الصرف تكليفاً مع عدم التقابض، بحيث يكون الحرام نفس إيقاع العقد فإنه لو أقدما على ذلك عمداً أو جهلاً فلا دليل على وجوب التقابض عليهما، فضلاً عن وجوب الفسخ بتعذره.

وأما صحيح إسحاق المتقدم فهو لا يدل على وجوب الفسخ.

ومجرد فعل إسحاق لذلك وإقرار الإمام (عليه السلام) له لا يدل على جوبه.

ولاسيما مع قرب كون مراد السائل بالفسخ مجرد تنبيه صاحبه إلى بطلان المعاملة، وأن قبض كل منهما لما أخذه بنحو القرض، لا جرياً على المعاملة، ويكون إقرار الإمام من أجل ذلك، وبيان أن القبض بنية القرض غير ضائر وإن كان المقصود إيقاع المعاملة بعد ذلك، وإن المدار في البطلان على إيقاع المعاملة، لا على القصد لإيقاعها بعد ذلك.

الثاني: أن أكثر نصوص المقام وارد في بيع الذهب بالفضة والفضة بالذهب، ولا يشمل بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب وهو مقتضى ما في الدروس من أن الصرف بيع أحد النقدين بالآخر.

لكن مقتضى تعبير غير واحد عن الصرف ببيع

الأثمان بالأثمان عمومه لذلك ووجوب التقابض فيه.

بل هو صريح الغنية والجامع والقواعد، ويظهر من مفتاح الكرامة المفروغية عنه.

ويشهد به ما ورد في بيع السيف المفضض من لزوم قبض ثمن فضته(1) حيث يصلح قرينة على عموم حكم الصرف لما إذا اتحد جنس العوضين.

وقد يستفاد من بقية نصوص المقام تبعاً.

فتأمل.

الثالث: الظاهر كفاية التقابض بقبض أكثر من الحق، بحيث يتعين كل من العوضين في المقبوض، ويملكه صاحبه بنحو ملك الكلي في المعين.

ويستفاد ذلك من النهاية والتذكرة والقواعد وظاهر السرائر والدروس.

ويشهد به موثق حنان بن سدير المتقدم وصحيح أبي بصير: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): آتي الصيرفي بالدراهم أشتري منه الدنانير، فيزن لي أكثر من حقي، ثم ابتاع منه مكاني بها دراهم.

قال: ليس به بأس، ولكن لا تزن أقلّ من حقك»(2) وغيرهما.

الرابع: صرح غير واحد من غير إشكال منهم بكفاية قبض الوكيل.

وهو في محله، لابتناء الوكالة على قيام الوكيل مقام الأصيل.

كما صرحوا أيضاً بأنه لابد من قبض الوكيل قبل افتراق المتبايعين لعموم اعتبار كون التقابض قبل الافتراق.

ولخصوص صحيح عبد الرحمن بن الحجاج المتقدم.

نعم في موثق عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«سألته عن بيع الذهب بالدراهم، فيقول: أرسل رسولاً فيستوفي لك ثمنه فيقول: هات وهلم، ويكون رسولك معه» (3) .

كذا رواه في الوسائل عن الكليني والشيخ، وهو الموجود في الكافي.

ولا يخلو عن اضطراب.

لعدم وضوح الجواب فيه.

لكن الموجود في التهذيب هكذا: «قال: يقول: هات وهلم، ويكون رسولك معه».

وظاهره الاكتفاء بملازمة

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 3، 6.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 4.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب الصرف حديث: 2.

فلو لم يتقابضا حتى افترقا بطل البيع (1).

ولو تقابضا في بعض المبيع صح فيه وبطل في غيره (2).

ولو باع النقد مع غيره بنقد صفقة واحدة ولم يتقابضا


رسول البائع ووكيله في القبض للمشتري، وعدم مفارقته له حتى يستوفي الثمن منه بل في الجواهر أنه قد يدعى صدق كون البيع يداً بيد حينئذٍ.

لكن الظاهر عدم صدق ذلك حقيقة.

وأما الموثق فهو لا يناسب صحيح عبد الرحمن بن الحجاج المتقدم.

والجمع بينهما بالحمل على الكراهة كما في الجواهر في غاية الإشكال، لقوة ظهور الثاني في الوجوب، وانحصار طريق تصحيح المعاملة بتوكيل الرسول في إجراء المعاملة.

ولعله لذا احتمل في مرآة العقول حمل الموثق على أن الرسول هو الذي يوقع عقد البيع، و إن اعترف بأنه خلاف ظاهره.

ومن هنا يشكل الخروج بالموثق عن عموم اعتبار التقابض قبل التفرق.

ولاسيما مع ظهور جري الأصحاب على ذلك، لرجوعه إلى هجر الموثق.

ولذا ذكر في الجواهر أنه لا ينبغي الجرأة بما سبق على مخالفة الأصحاب.

فلاحظ.

(1) كما عبر بذلك غير واحد.

وقد يظهر منه حصول البطلان بعد الصحة قبل التفرق.

لكن مقتضى ما يأتي في المسألة السادسة هو عدم صحة البيع رأساً، وأن القبض شرط في نفوذ البيع وصحته، فيكون المراد بالبطلان هنا تعذر صحته بعد أن كان قابلاً للصحة بالتقابض.

ويأتي الكلام في ذلك هناك إن شاء الله تعالى.

(2) بلا خلاف فيهما، كما في الجواهر.

وبه صرح في الشرائع والنافع والتذكرة والقواعد والإرشاد والدروس وغيرها.

وكأنه لتحقق الشرط في المقبوض دون غيره، كما في سائر موارد تبعض الصفقة الذي تقدم غير مرة من أنه من الأحكام العرفية.

وأخذ القبض شرطاً في المجموع بنحو الارتباطية يحتاج إلى عناية لا تنهض بها النصوص، فإن الأمر فيها صريحاً أو ظاهراً بالتقابض في الكل قد يكون لبيان توقف صحة المعاملة في تمام مضمونها على ذلك من دون أن ينافي الصحة في البعض وحده

حتى افترقا صح في غير النقد وبطل في النقد (1).

مع التقابض فيه.

وأما دعوى ظهور ذيل صحيح الحلبي المتقدم فيمن اشترى بدينار فأخذ بنصفه بيعاً وبنصفه ورقاً في بطلان المعاملة رأساً.

فيظهر ضعفها مما سبق من أن الصحيح أجنبي عما نحن فيه.

مع أنه كسائر النصوص المتضمنة لاعتبار قبض المجموع قابل للحمل على بيان اعتبار ذلك في صحة المعاملة في تمام مضمونها.

هذا وقد صرح في التذكرة واللمعة وغيرهما بثبوت خيار تبعض الصفقة لهما في الباقي، كسائر موارد تبعض الصفقة.

نعم استثنى في اللمعة من ذلك ما إذا كان أحدهما مفرطاً في تأخير القبض فلا خيار له.

ومقتضاه عدم الخيار لهما معاً إذا كان بتفريط منهما معاً، كما في المسالك والروضة وغيرهما، وفي الجواهر: «كما هو واضح».

واستدل عليه في الرياض باستناد الضرر الموجب للخيار إلى المفرط، فيكون التفريط قادماً عليه، فلا موجب لخياره.

وفيه - مع اختصاصه بما إذا علم المفرط في الإقباض ببطلان المعاملة فيما لم يقبض -: أن ثبوت خيار تبعض الصفقة ليس لقاعدة نفي الضرر، لتقصر عن صورة التفريط بلحاظ ورودها مورد الامتنان، بل للخروج عما أقدم عليه الشخص حين المعاملة.

والتفريط في الإقباض بعد ذلك لا ينافي الإقدام على تمامية الصفقة حين المعاملة.

نعم لو رجع التفريط في الإقباض إلى الرضا بتبعض الصفقة تعين سقوط الخيار، كما لعله ظاهر.

(1) لنظير ما سبق.

بل لعل الأمر فيه أظهر، لعدم التبعيض في الشرط.

كما في الصورة الأولى، ليجري ما سبق من احتمال منافاته لظهور النصوص في لزوم التقابض في الكل.

بل غاية الأمر تخلف الشرط في النقد فيختص البطلان به.

ويأتي إن شاء الله تعالى في المسألة الثانية عشرة بيان مقدار ما يجب التقابض فيه.

الكلام في اشراط التقابض في الصلح

(مسألة 2): لو فارقا المجلس مصطحبين وتقابضا قبل الافتراق صح البيع (1).

(مسألة 3): لا يشترط التقابض في الصلح الجاري في النقدين، بل تختص شرطيته بالبيع (2).

(1) كما صرح به غير واحد، ونفى في الجواهر الخلاف فيه.

والنظر في بعض كلماتهم يشهد بالمفروغية عنه.

ويقتضيه صحيحا عبد الرحمن بن الحجاج ومنصور بن حازم المتقدمان.

(2) كما هو مقتضى أخذهم البيع في مفهوم الصرف وتحريرهم للمسألة بعنوان بيع النقدين وبيع الأثمان من دون تنبيه منهم فيما تيسر لنا من الفحص للتعميم.

ولاسيما مع تعرضهم في الربا للكلام في العموم لغير البيع.

إلا أن يكون عدم تنبيههم لذلك في الصرف لاكتفائهم بما ذكروه في الربا، لظهور كلام بعضهم في أن الكلام في الصرف من تتمة الكلام في الربا ومن فروعه.

وكيف كان فنصوص اعتبار التقابض مختصة بالبيع.

لكن من القريب إلغاء خصوصية البيع عرفاً، والعموم لجميع أنحاء المعاوضة والمبادلة.

ولاسيما بلحاظ صحيح إسحاق بن عمار: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تكون للرجل عندي الدراهم الوضح، فيلقاني فيقول: كيف سعر الوضح اليوم‌؟ فأقول له: كذا.

فيقول: أليس عندك كذا وكذا ألف درهم وضحاً؟ فأقول: بلى، فيقول لي: حولها دنانير بهذا السعر، وأثبتها لي عندك.

فما ترى في هذا؟ فقال لي: إذا كنت قد استقصيت له السعر يومئذ فلا بأس بذلك.

قلت: إن لم أوازنه ولم أناقده، إنما كان كلام مني ومنه.

فقال: أليس الدراهم من عندك والدنانير من عندك‌؟ قلت: بلى.

قال: فلا بأس بذلك»(1).

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الصرف حديث: 1.

(261)

(مسألة 4): لا يجري حكم الصرف على الأوراق النقدية، كالدينار العراقي والنوط الهندي والتومان الإيراني والدولار والباون ونحوها من الأوراق المستعملة في هذه الأزمنة استعمال النقدين، فيصح بيع بعضها ببعض وإن لم يتحقق التقابض قبل الافتراق (1).

كما أنه لا


إذ من الظاهر أن تحويل الدراهم إلى دنانير ليس بيعاً مبنياً على تعويض المثمن بالثمن، بل مبادلة محضة بين الدراهم والدنانير، من دون نظر للمثمن منهما والثمن، ومع ذلك انتبه السائل إلى عدم تحقق التقابض الذي هو الشرط في الصرف، وذلك يكشف عن أن المرتكز له عموم الشرط المذكور للمبادلة المذكورة، وعدم اختصاصه بالبيع، ولم يردعه الإمام (عليه السلام) عن ذلك، بل نبه إلى عدم الحاجة للشرط المذكور بسبب كون كلا طرفي المبادلة عند شخص واحد، فهو نظير الوكيل في تولي كلا طرفي المعاملة.

وقريب من ذلك صحيح عبيد بن زرارة: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون لي عنده دراهم، فآتيه فأقول: حولها دنانير من غير أن أقبض شيئاً.

قال: لا بأس.

قلت: يكون لي عنده دنانير فآتيه فأقول: حولها دراهم وأثبتها عندك، ولم أقبض منه شيئاً قال: لا بأس»(2) فإن قول السائل: «من غير أن أقبض شيئاً» وقوله: «ولم أقبض منه شيئاً» مشعران أو ظاهران في عموم اعتبار القبض للتحويل المذكور، وإلغاء خصوصية البيع فيه.

ومن ثم يقرب عموم الشرط المذكور لجميع أفراد المعاوضة والمبادلة وعدم اختصاصه بالبيع، كما هو المناسب لما يأتي في المسألة السابعة من أن تبديل أحد النقدين بالآخر صرف يجب فيه التقابض.

(1) بلا إشكال ظاهر.

لعدم كونهما ذهباً ولا فضة.

بل ولا دراهم ودنانير وإن

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الصرف حديث: 2.

بيع الدين بنقد اخر

(مسألة 5): إذا كان له في ذمة غيره دين من أحد النقدين، فباعه عليه بنقد آخر وقبض الثمن قبل التفرق صح البيع، ولا حاجة إلى قبض المشتري ما في ذمته (2)، ولو كان له دين على زيد، فباعه على عمرو بنقد وقبضه من


أطلق عليهما اسمهما، لأن الدينار والدرهم في اللغة والعرف في عهد الشارع الأقدس هما الذهب والفضة المسكوكان للتعامل بهما.

وإطلاقهما على الأوراق النقدية عرف حادث لا عبرة به، ولا يوجب الدخول في موضوع الأدلة.

وحتى في أوائل عهد إنشاء النقود المذكورة حينما كانت تقابل بالمسكوكات الذهبية والفضية لم تكن من سنخ الوثيقة للمسكوكات المذكورة، بحيث يكون التعامل في الحقيقة بنفس تلك المسكوكات، بل كانت صالحة للإبدال بها، مع قيام المالية بالأوراق النقدية بنفسها، وتكون هي الموضوع للتعامل، وحيث لم تكن ذهباً ولا فضة تعين عدم التقابض فيها.

ولو فرض كونها من سنخ الوثيقة، مع كون موضوع التعامل في الحقيقة هو المسكوكات، تعين اعتبار التقابض في المسكوكات بنفسها، ولا يجتزأ بالتقابض في الأوراق النقدية، كما لعله ظاهر.

(1) حيث يظهر مما سبق خروجها عن موضوع أدلتها، وهو الذهب والفضة المسكوكان للتعامل بهما.

(2) الأصحاب بين من لم يتعرض لبيع ما في ذمة الغير عليه، واكتفى بذكر التحويل الآتي في المسألة السابعة، والذي هو مورد النصوص، ومن نزل التحويل على البيع، ولم أعثر عاجلاً على من جمع بينهما.

ولا ينبغي الإشكال في عدم رجوع التحويل للبيع، لما أشرنا إليه في المسألة الثالثة من تمحض التحويل في التبديل، وابتناء البيع زائداً على ذلك على فرض كون

(263)

أحد طرفي المعاملة هو الأصل في النقل والآخر عوضاً عنه وثمناً له.

وحيث وردت النصوص في التحويل فظاهر سيدنا المصنف الرجوع في البيع للقاعدة القاضية بوجوب التقابض قبل الافتراق.

ولذا يظهر منه وجوب قبض الثمن هنا قبل الافتراق.

وكأن اكتفاءه (قده) بذلك وعدم اعتباره لقبض المشتري للمثمن بعد تعيينه، لكون انشغال ذمته به بمنزلة قبضه له.

لكن ذلك إن رجع إلى دعوى كونه قبضاً حقيقياً بنظر العرف فهو في غاية المنع.

وإن رجع إلى كونه بمنزلة القبض فهو يحتاج إلى دليل.

وأما استفادة ذلك مما ورد في هبة ما في الذمة، حيث يظهر نفوذها من دون حاجة للقبض، مع أن القبض شرط في صحة الهبة.

فلا مجال له.

.

أولاً: لأن ثبوت ذلك في الهبة لا يقتضي ثبوته في غيرها، ومنه المقام.

وثانياً: لرجوع هبة ما في الذمة إلى الإبراء الذي لا يحتاج للقبض، ولذا ورد لزوم الهبة المذكورة(1).

نعم قد يستفاد ذلك من قوله في صحيح عبيد الله بن زرارة الوارد في التحويل والمتقدم في المسألة الثالثة: «من غير أن أقبض شيئاً»، وقوله فيه: «ولم أقبض منه شيئاً».

لظهورهما في مفروغية السائل عن عدم الحاجة لإقباض الدائن للمدين، وإنما السؤال عن الحاجة لإقباض المدين للدائن، وما ذلك إلا لأن انشغال ذمة المدين بمنزلة قبضه.

وكذا الحال في صحيح إسحاق بن عمار المتقدم هناك، بناءً أن المراد بالموازنة والمناقدة فيه خصوص الوزن للمدين وإنقاده الراجع لإقباضه، دون التقابض بينهما معاً.

مضافاً إلى قوله (عليه السلام) في صحيح إسحاق:

«أليس الدراهم من عندك والدنانير من عندك‌؟».

فإنه حيث كان وارداً مورد التعليل فهو ظاهر في عموم سقوط التقابض في التبادل بين النقدين مع كون كلا العوضين فيه عند شخص واحد، من دون أن يختص ذلك بالتحويل بعد ما سبق في المسألة الثالثة من ظهور النصوص المذكورة في ارتكاز عموم وجوب التقابض لجميع أنحاء التبادل بين النقدين.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب كتاب الهبات حديث: 1.

اذا باع ما اشراه نقداً قبل القبض

عمرو، ووكل عمرو زيداً على قبض ما في ذمته (1) ففي صحته بمجرد التوكيل إشكال (2) بل لا يبعد عدم الصحة حتى يقبضه (3) زيد ويعينه في مصداق بعينه (4).

(مسألة 6): إذا اشترى منه دراهم معينة بنقد ثم باعها عليه قبل قبضها لم يصح البيع (5) الثاني، فإذا قبض الدراهم بعد ذلك قبل التفرق


نعم مقتضاه عدم اعتبار قبض البائع للثمن أيضاً في المقام.

فاللازم البناء على ذلك، خلافاً لما يظهر من سيدنا المصنف (قده).

(1) يعني: قبضه عن عمرو، بنية ما في ذمته له.

(2) لما سبق من عدم كون انشغال ذمة الشخص بالشيء قبضاً له، ليمكن توكيله في أن ينوي باستمراره القبض عن عمرو المشتري، كما لا يجري فيه التعليل المتقدم في صحيح إسحاق بن عمار.

(3) يعني عن عمرو قبل تفرق عمرو عن البائع.

(4) ليتحقق بذلك القبض عرفاً.

(5) كما في النهاية ونكتها والشرائع والنافع والتذكرة والقواعد والتحرير والمختلف والدروس وعن إيضاح النافع وغيرها.

وهو المشهور، كما في الحدائق والجواهر وعن الكفاية.

وقد استدل له في نكت النهاية بعدم ترتب الأثر على البيع الأول قبل القبض، فلم يملك المشتري الدراهم ليصح منه بيعها.

وهو يبتني على أن مرجع اشتراط التقابض في الصرف إلى عدم ترتب الأثر على العقد قبله.

أما لو قيل بصحة العقد حين وقوعه وترتب أثره عليه وحصول الملك به، إلا أنه يبطل بالتفرق قبل القبض، فالمتعين صحة البيع الثاني حين وقوعه، فإذا تمّ

(265)

التقابض في البيع الأول بعد ذلك لم يبطل، وإلا بطل.

ولا يبعد ظهور النصوص في الأول.

خصوصاً مثل قوله (عليه السلام) في صحيح محمد بن قيس المتقدم:

«لا يبتاع رجل فضة بذهب إلا يداً بيد، ولا يبتاع ذهباً بفضة إلا يداً بيد» (1) .

لظهور النهي عن البيع من دون تقابض في عدم ترتب الأثر عليه، لا في بطلانه بالتفرق بعد ترتب الأثر عليه.

وبذلك يظهر ضعف ما في التنقيح من ردّ ما سبق من نكت النهاية من أنه سبق منه أن المبيع يملك بالعقد، وبطلانه في المقام قبل التفرق لا ينافي حصول الملك المتزلزل الذي يصح معه البيع الثاني، حيث يظهر مما سبق أن البناء على حصول الملك بالعقد إنما يتجه في غير الصرف، وأنه لا مجال للبناء على حصول الملك المتزلزل فيه قبل القبض، بحيث يبطل بالتفرق قبله بعد صحته.

هذا وقد استدل في المختلف للشيخ مع قطع النظر عما سبق بأنه (قده) يذهب إلى عدم جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضه.

وهو لو تم وجه آخر.

وقد تقدم الكلام فيه جوازاً ومنعاً، وعموماً وخصوصاً، في المسألة السادسة من الفصل السابع.

فراجع.

كما استدل له أيضاً بصحيح إسحاق بن عمار: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يجيئني بالورق يبيعها يريد بها ورقاً عندي، فهو اليقين أنه ليس يريد الدنانير، ليس يريد إلا الورق، فلا يقوم حتى يأخذ ورقي.

فأشتري منه الدراهم بالدنانير، فلا تكون دنانيره عندي كاملة، فاستقرض له من جاري، فأعطيه كمال دنانيره.

ولعلي لا أحرز وزنها.

فقال: أليس تأخذ وفاء الذي له‌؟ قلت: بلى.

قال: ليس به بأس»(2).

فإنه وإن ورد لبيان الاجتزاء بالقبض ولو مع عدم الوزن، واحتمال كون المقبوض أكثر من الحق، إلا أنه ظاهر في مفروغية السائل عن وجوب إقباض الثمن وهو الدنانير قبل بيعها ثانياً، وتقرير الإمام (عليه السلام) له على ذلك، وأنه لابد من إحراز

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب الصرف حديث: 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب الصرف حديث: 3.

صح البيع الأول وبطل الثاني (1)، وإذا لم يقبضها حتى افترقا بطل الأول


كون الدنانير المدفوعة له تفي بمقدار حقه.

وقريب منه صحيح أبي بصير المتقدم في ذيل الكلام في وجوب التقابض في الصرف.

فلاحظ.

ثم إنه لو تم ما سبق من التنقيح من حصول الملك قبل التقابض، وصحة المعاملة الثانية، فمقتضى القاعدة تعذر تصحيح البيع الأول، لتعذر التقابض فيه بسبب البيع الثاني، وخروج العوض عن ملك من ملكه بالبيع الأول، ويتعين صحة البيع الثاني بالتقابض فيه، وضمان المشتري الأول للبائع الدراهم التي اشتراها منه، نظير ما إذا فسخ ذو الخيار بعد بيع أحد العوضين.

لكن يظهر من السرائر صحة البيعين معاً، بل هو صريح التنقيح، حيث قال: «وصح البيع الأول أيضاً، لأنه وإن لم يقبض الدراهم، لكن قبض عوضها، وهو الدنانير، هو قبض العوض كقبض المعوض».

وفيه: أنه لم يتضح الوجه في التنزيل المذكور بعد ظهور النصوص في اعتبار قبض كل من العوضين بنفسه، لا ما يعمّ بدله.

(1) حيث تقدم منه (قده) بطلانه حين وقوعه فلابد من كون مراده من بطلانه بعد التقابض في البيع الأول، هو بقاؤه على البطلان وتعذر تصحيحه.

ولعله ناظر إلى ما في جامع المقاصد من كون العقد فضولياً، فيبتني على مسألة من باع مال غيره ثم ملكه.

بل في المسالك: «وينبغي القول بالصحة مطلقاً إذا تقابضا قبل التفرق.

وغاية ما يحصل في البيع الثاني أن يكون فضولياً، فإذا لحقه القبض صح».

وكأنه يذهب إلى أن من باع مال غيره ثم ملكه نفذ عليه بيعه، غايته أنه يحتاج إلى التراد في القبض، ليتم التقابض للبيع الثاني.

لكن سبق منّا ومن سيدنا المصنف (قده) أنه من باع مال غيره ثم ملكه لم ينفذ بيعه السابق حتى لو أجازه.

ولعله هو الوجه فيما ذكره (قده) هنا.

بل قد يشكل في كون

(267)

والثاني (1).

(مسألة 7): إذا كان له دراهم في ذمة غيره، فقال له حولها دنانير في ذمتك، فقبل المديون، صح ذلك وتحول ما في الذمة إلى دنانير وإن لم يتقابضا.

وكذا لو كان له دنانير في ذمته فقال له حولها دراهم وقبل المديون، فإنه يصح وتتحول الدنانير إلى دراهم (2).

وكذلك الحكم في الأوراق النقدية


المقام من صغريات ما إذا باع الفضولي ثم ملك، إذ لا معنى لبيع ملك الإنسان عليه، فيتعين بطلان البيع رأساً وعدم قابليته للتصحيح حتى لو قلنا بصحة بيع الفضولي إذا ملك بالإجازة أو بدونها.

اللهم إلا أن يقال: إن المفروض في محل الكلام تحقق القصد للبيع ثانياً بسبب الغفلة عن عدم ترتب أثر البيع الأول قبل القبض.

وحيث لم يكن وجه القول بصحة بيع من باع ثم ملك ظاهراً لنا فلا يتيسر لنا تحديده والنظر في شموله لمثل المقام مما يكون فيه البيع بيعاً على المالك واقعاً.

فلاحظ.

(1) قطعاً، لعدم التقابض في الأول، ولما سبق من عدم الملك حين البيع في الثاني.

(2) كما عبر بنظير ذلك في النهاية والنافع وحكي عن ابن الجنيد.

والأصل في ذلك صحيحا إسحاق بن عمار وعبيد بن زرارة المتقدمان في المسألة الثالثة.

وهما صريحان في عدم اعتبار التقابض، وقد سبق تعليل ذلك في الأول بأن كلا العوضين من شخص واحد.

كما أنه سبق في المسألة المذكورة أن تحويل أحد النقدين للآخر ليس بيعاً، فلا وجه لما يظهر من الشرائع وغيره من حمل النص على البيع.

وأشكل من ذلك ما في الدروس وغيره من حمل النصوص والفتوى على البيع وعلى توكيل الشخص للصيرفي في القبض عنه، وما في ذمته مقبوض له.

فإنه تكلف لا شاهد له، بل الظاهر سوق التعليل في صحيح إسحاق لبيان عدم الحاجة للتقابض، فلا يناسب فرض تحقق التقابض بالتوكيل.

الكلام في اقباض المبيع او الثمن

إذا كانت في الذمة فيجوز تحويلها من جنس إلى آخر (1).

(مسألة 8): لا يجب على المتعاملين بالصرف إقباض المبيع أو الثمن (2)، حتى لو قبض أحدهما لم يجب عليه إقباض صاحبه، ولو كان


غاية الأمر البناء على عدم وجوب التقابض في الفرض إما لخروجه عن الصرف، أو تخصيصاً لعموم وجوب التقابض فيه من أجل الصحيحين.

لكن في السرائر منع من ذلك، وصرح ببطلان المعاملة المذكورة مع التفرق قبل التقابض، بل نفى الخلاف في ذلك واستشهد له بما في باب السلم من المبسوط، حيث ذكر جواز التقايل في السلم، وأنه لو حصل وقد تلف الثمن لزم البائع مثله للمشتري ثم قال: «فإن تراضيا بقبض بدله من جنس آخر، مثل أن يأخذ الدراهم بدل الدنانير أو الدنانير بدل الدراهم أو يأخذ عرضا [عوضا] آخر كان جائزاً.

فإن أخذ الدنانير بدل الدراهم، أو الدراهم بدل الدنانير وجب أن يقبضها في المجلس قبل أن يفارقه، لأن ذلك صرف».

لكن إذا توجه منه (قده) البناء على البطلان، لغفلته عن الصحيحين المتقدمين، أو لعدم تعويله على أخبار الآحاد، فلا يتجه منه نفي الخلاف في ذلك بعد وجود الصحيحين المذكورين وعمل الشيخ (قده) في النهاية بهما.

ومجرد خروج الشيخ عن ذلك في المبسوط لا يكفي في نفي الخلاف.

على أنه في غير محله بعد ورود الصحيحين.

(1) بلا إشكال ظاهر.

لأن ذلك وإن خرج عن مفاد الصحيحين، إلا أنه مقتضى عمومات الصحة بعد خروجه عن الصرف، كما سبق في المسألة الرابعة.

(2) لأن الإقباض إنما يجب مع نفوذ البيع عملاً بمقتضاه.

أما حيث كان نفوذ البيع متوقفاً على الإقباض تخصيصاً لعمومات النفوذ كما سبق في المسألة السادسة فلا ملزم بالإقباض، لعدم نفوذ البيع بعد.

(269)

للمبيع أو الثمن نماء قبل القبض كان لمن انتقل عنه (1)، لا لمن انتقل إليه.

(مسألة 9): الدراهم والدنانير المغشوشة إن كانت رائجة في المعاملة بها يجوز خرجها وإنفاقها والمعاملة بها (2)، سواء أكان غشها مجهولاً أم


نعم لو اشترطا حين العقد الإقباض لم يبعد وجوبه عملاً بالشرط، لأن عدم نفوذ العقد من حيثية البيع بسبب التقابض لا ينافي نفوذه من حيثية الشرط، كما لا ينافي نفوذ الشرط بنفسه.

وحينئذ إن حصل التقابض قبل التفرق نفذ البيع أيضاً.

وإن تفرقا قبله كان التفرق محرماً تكليفاً، لمنعه من تحقق التقابض المستحق بالشرط، وتعذر معه تصحيح البيع، كما يرتفع موضوع الشرط، لأن المراد به التقابض المصحح للبيع، والمفروض تعذره بالتفرق.

فتأمل.

(1) يعني لمن من شأن البيع أن ينتقل عنه.

لعدم انتقاله عنه بعد، لما سبق في المسألة السادسة من عدم خروجه عن ملكه قبل التقابض، فيتبعه النماء ومن ذلك يظهر أن المعيار في ذلك عدم حصول التقابض منهما معاً.

ولا يكفي في انتقال النماء قبض ذي النماء وحده.

كما قد توهمه عبارة المتن.

وإن كان الظاهر أن المراد بها ما ذكرنا.

هذا وفرض النماء في مثل الذهب والفضة غير متصور.

نعم يمكن فرض المنفعة ذات المالية، كما لو تزين بهما إنسان قبل تفرق المتبايعين، حيث يكون أجر التزين المذكور بناء على ما سبق لمن كان مالكاً لما يتزين به قبل البيع.

(2) كما في الاستبصار والشرائع والتذكرة والمختلف والدروس وغيرها، وأدعي الإجماع عليه في المختلف.

وفي الجواهر: «بلا خلاف، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، فضلاً عن محكيه.

للسيرة القطعية».

ويشهد به النصوص.

كصحيح أبي العباس البقاق: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الدراهم المحمول عليها.

فقال: إذا أنفقت ما يجوز بين أهل البلد فلا بأس.

وإذا

معلوماً، وسواء أكان مقدار الغش معلوماً أم مجهولاً (1).

وإن لم تكن رائجة فلا يجوز إنفاقها والمعاملة بها إلا بعد إظهار حالها (2).

أنفقت ما لا يجوز بين أهل البلد فلا»(1) ، ومعتبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام):

«جاءه رجل من سجستان، فقال له: إن عندنا دراهم يقال لها: الشاهية [الشامية] يحمل على الدرهم دانقين.

فقال: لا بأس به إذا كانت يجوز [يجوز ذلك]» (2) .

وقريب منه خبر حريز(3).

وفي صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشتري الشيء بالدراهم، فأعطي الناقص الحبة والحبتين.

قال: لا حتى تبينه.

ثم قال: إلا أن يكون نحو هذه الدراهم الأوضاحية التي تكون عندنا عدداً»(4).

وهو وإن ورد في الناقص لا في المغشوش بجنس آخر، إلا أن النقص نحو من الغش.

على أن الغش بجنس آخر إنما يرغب عنه لرجوعه إلى نقص الجنس المطلوب بالأصل.

ومنه يظهر الإشكال في إطلاق النهاية عدم جواز إنفاق الدراهم المحمول عليها إلا بعد بيان حالها.

إلا أن يحمل على ما إذا لم تكن رائجة، لأنها هي تحتاج إلى بيان حالها عرفاً.

(1) كما هو مقتضى إطلاق من سبق، بل صريح بعضهم في الجملة.

ويقتضيه إطلاق النصوص السابقة، بل هو كالصريح من صحيح عبد الرحمن المتقدم، لأن ابتناء الدراهم على العدد يناسب عدم انضباط الوزن بها.

(2) كما صرح به من سبق.

وهو المتيقن من إطلاق النهاية المتقدم.

وفي الجواهر: «بلا خلاف، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، فضلاً عن محكيه.

لما فيه من الغش المحرم نصاً وإجماعاً».

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب الصرف حديث: 9، 6.

(3و4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب الصرف حديث: 10، 7.

(271)

مضافاً إلى صحيح علي بن رئاب لا أعلمه إلا عن محمد بن مسلم: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «الرجل يعمل الدراهم يحمل عليها النحاس مرة أو غيره ثم يبيعها.

قال: إذا بين [ذلك] فلا بأس(1)»، وصدر صحيح عبد الرحمن بن الحجاج المتقدم بالتقريب المتقدم، ومعتبر جعفر بن عيسى: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): ما تقول جعلت فداك في الدراهم التي أعلم أنها لا تجوز بين المسلمين إلا بوضيعة تصير إلي من بعضهم بغير وضيعة بجهلي به، وإنما آخذه على أنه جيد.

أيجوز أن آخذه وأخرجه من يدي على حدّ ما صار إلي من قبلهم‌؟ فكتب: لا يحل ذلك...»(2).

وبذلك يجمع بين إطلاق ما تضمنته النصوص السابقة مفهوماً أو منطوقاً من عدم جواز إنفاق ما لا يجوز بين أهل البلد، وإطلاق صحيح محمد بن مسلم: «سألته عن الدراهم المحمول عليها: قال: لا بأس بإنفاقها»(3).

بقي في المقام طائفتان من النصوص: الأولى: معتبر عمر بن يزيد: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إنفاق الدراهم المحمول عليها: فقال: إذا جازت الفضة المثلين فلا بأس»(4) ، ومعتبره الآخر عنه (عليه السلام): «في إنفاق الدراهم المحمول عليها.

فقال: إذا كان الغالب عليها الفضة فلا بأس بإنفاقها»(5).

ولا يظهر من الأصحاب التعويل عليها في التحديد المذكور، سواء أريد به تحديد جواز التعامل في الجملة في مقابل تحريم التعامل رأساً، أم تحديد جواز التعامل من دون إعلام بالحال في مقابل لزوم الإعلام بالحال.

وقد حملها في الجواهر على أن الجائز في ذلك الوقت ما كان كذلك.

لكن لا شاهد على ذلك.

ومن ثم يتعين الوقوف عندها، ورد علمها لقائلها (عليه السلام).

الثانية: معتبر المفضل بن عمر الجعفي: «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فألقي

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب الصرف حديث: 2، 8، 1.

(4و5) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب الصرف حديث: 3، 4.

بين يديه دراهم، فألقى إلي درهماً منها، فقال: أيش هذا؟ فقلت: ستوق.

فقال: وما الستوق‌؟ فقلت: طبقتين فضة، وطبقة من نحاس، وطبقة من فضة.

فقال: اكسرها، فإنه لا يحل بيع هذا ولا إنفاقه»(1).

ومعتبر موسى بن بكر:

«كنا عند أبي الحسن (عليه السلام) وإذا دنانير مصبوبة بين يديه، فنظر إلى دينار فأخذه بيده ثم قطعه بنصفين، ثم قال لي: ألقه في البالوعة حتى لا يباع شيء فيه غش» (2) .

لكن ما تضمنه الثاني من الإلقاء في البالوعة يناسب عدم المالية في الدينار المذكور، لعدم اشتماله على شيء من الذهب، وتسميته بالدينار لمحض المشابهة، وإلا لزم التبذير المحرم.

ومثل النقد المذكور ينحصر التعامل به بالغش، نظير النقود الورقية المزيفة في عصورنا، فيحرم تعريضه لأن يتعامل به، نظير آلات الفساد.

وعلى ذلك يحمل قوله (عليه السلام): «حتى لا يباع شيء فيه غش».

ولعل كسره من أجل ذلك، من دون يكون واجباً في نفسه، لأن فعله (عليه السلام) أعم من ذلك.

وربما يحمل الأول على ذلك أيضاً، ولو بقرينة النصوص السابقة المصرحة بالجواز، بأن يكون هذا النوع من الدراهم ليس من شأنه أن يتعامل به بما يناسب ماليته القائمة بالفضة ولو مع بيان حاله، بل من شأنه أن يغش به، وينفق بما أنه فضة بتمامه.

فهو وإن كان له مالية في نفسه، إلا أنه يتمحض عرفاً في كونه أداة للغش.

نظير النحاس المطلي بالرصاص لينفق على أنها دراهم، والفضة المطلية بماء الذهب التي من شأنها أن تنفق على أنها دنانير، حيث لا تمنع ماليته من تمحضه في كونه أداة الغش عرفاً.

وهذا بخلاف ما سبق من جواز التعامل به مع بيان حاله أو مع رواجه في نفسه، فإنه وإن أمكن الغش به، نظير ما سبق في مكاتبة جعفر بن عيسى، إلا أنه ليس متمحضاً عرفاً لذلك، بل هو صالح للوجهين، فلا يكون تعريضه لأن يتعامل به

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 10 من أبواب الصرف حديث: 5.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 86 من أبواب ما يتكسب به حديث: 5.

(273)

(مسألة 10): لا يجوز تصريف الريال العراقي بأربعة دراهم عراقية إلا مع ضمّ شيء إلى الريال أو إليهما معاً، ليتخلص من الربا، فإن الريال يساوي ثلاثة دراهم تقريباً.

فينبغي الالتفات إلى ذلك عند تصريف المسكوكات من الفضة أو الذهب أو النحاس إلى أبعاضها، مثل تصريف الليرة العثمانية والمجيدي والروبية إلى أرباعها أو أنصافها.

وكذا أمثالها من المسكوكات فإنه لا يجوز مع التفاضل بين الأصل وأبعاضه، كما هو الغالب.

وإن كان المنع المذكور في بعضها لا يخلو من نظر (1).


محرماً، كسائر الأمور التي قد تستعمل في الحرام من دون أن تتمحض فيه، وتكون آلة له عرفاً.

ولعل ما ذكرنا أولى من حمل معتبر المفضل على كراهة التعامل بالدراهم المذكورة، أو استحباب كسرها والمنع من التعامل بها، جمعاً بينه وبين النصوص السابقة الصريحة في الجواز في الجملة.

فلاحظ.

(1) للإشكال فيها من جهتين: الأولى: أنها كثيراً ما تكون من المعدود عرفاً.

إلا أن يستشكل في خصوص الذهب والفضة، لأنهما من سنخ الأثمان المبنية على الضبط، وبيعهما جزافاً حالة شاذة، نظير ما تقدم التنبيه له في المسالة التاسعة من الفصل السابق.

الثانية: أن أجزاء المسكوكات المذكورة قد يغلب فيها الخليط، بحيث لا تعد عرفاً فضة أو ذهباً، بل ممزوجاً منها ومن الخليط، وتكون الفضة فيها أو الذهب أقل من الفضة والذهب في السكة الكاملة، كالريال.

بل خرجت أخيراً الدراهم العراقية ونحوها في البلاد الأخرى عن كونها فضة إلى معدن آخر مباين له، بحيث يرتفع الإشكال من أصله، لاختلاف الجنس.

(مسألة 11): يكفي في الضميمة التي يتخلص بها من الربا الغش الذي يكون في الذهب والفضة المغشوشين (1) إذا كان الغش له قيمة في


نعم توقف صرفها بالمسكوكات الفضية بسبب ذلك، وفقدت نسبتها إليها، وخرجت المسكوكات الفضية والذهبية عن كونها عملة يتعامل بها إلى كونها سلعة تباع وتشرى.

(1) كما في التذكرة.

قال: «صرفاً للخالص إلى الغش والغش إلى الخالص».

ويستفاد ذلك من غير واحد ممن جعل الغش من الضميمة المانعة من الربا.

والذي ينبغي أن يقال: الخليط إن كان مستهلكاً في المغشوش بحيث لا وجود له في مقابله عرفاً.

غايته أن يوجب حسن ما يخلط به أو رداءته، كالنحاس الذي يخلط بالذهب على عيارات مختلفة فهو لا يوجب تعدد الجنس، ولا يصلح لأن يكون ضميمة مانعة من الربا، كما صرح بذلك بعض مشايخنا (قده).

لعدم تعدد الجنس بذلك عند العرف الذي هو المرجع في المقام.

فلا يجوز مثلاً التفاضل بين الذهب من عيار واحد وعشرين والذهب من عيار اثنين وعشرين.

وهو المناسب لما في القواعد من أنه لا اعتبار بالذهب اليسير في جوهر الصفر، ولا بالفضة في جوهر الرصاص.

ولما في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في الأسرب يشتري بالفضة.

قال:

إذا كان الغالب عليه الأسرب فلا بأس به» (1) ، وخبر معاوية بن عمار أو غيره عنه (عليه السلام): «سألته عن جوهر الأسرب وهو إذا خلص كان فيه فضة أيصلح أن يسلم الرجل فيه الدراهم المسماة‌؟ فقال: إذا كان الغالب عليه أسلم الأسرب فلا بأس بذلك»(2).

وبذلك يظهر الإشكال فيما في المبسوط في بعض الفروع من عدم الفرق بين

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب الصرف حديث: 1، 2.

(275)

الكلام في الضميمة التي يتخلص بها من الربا

حال كونه غشاً (1).

ولا يكفي أن يكون له قيمة على تقدير التصفية (2)، فإذا كان الطرفان مغشوشين كذلك صح مع التفاضل (3).

وإذا كان أحدهما مغشوشاً دون الآخر جاز التفاضل إذا كانت الزيادة في الخالص (4)، ولا


كون الغش مستهلكاً وعدمه.

إلا أن يريد بالاستهلاك مع آخر.

فراجع.

وكذا الحال إذا لم يكن الخليط مستهلكاً في المغشوش، إلا أنه كان تابعاً من دون أن يكون جزءاً من أحد العوضين، لعدم النظر إليه في المعاملة.

أما إذا لم يكن مستهلكاً في نفسه وكان ملحوظاً في المعاوضة فهو صالح لأن يكون ضميمة يتخلص به من الربا، سواء كان متميزاً عما غش فيه، كالدراهم التي تكون طبقة من فضة أو ذهب وطبقة من نحاس، أم ممتزجاً به، بحيث لا يصدق على المجموع عرفاً أنه جنس واحد جيد أو رديء، بل هو مركب من الجنسين معاً.

(1) مما سبق يظهر أن المعيار في الصحة كون جزءاً من أحد العوضين منظوراً إليه في المعاوضة، ولا يعتبر كونه ذا مالية، لما تكرر منا من عدم اعتبار المالية في العوضين.

اللهم إلا أن يقال: المنصرف من نصوص الضميمة خصوص ما كان له مالية.

أما غيره فهو وإن أمكن أن يكون طرفاً في المعاوضة بنفسه، إلا أنه لا يصلح لأن يكون ضميمة رافعة لمحذور الربا.

فتأمل.

(2) لأن المعيار في المعاوضة صلوح العوضين حينها لأن يكون طرفاً في المعاوضة.

(3) لأن وجود الضميمة في الطرفين رافع لمحذور التفاضل، لعدم كون الأقل هو تمام العوض وحده.

بل مع الضميمة على ما تقدم في المسألة الثالثة عشرة من الفصل السابق.

(4) لتكون الزيادة المذكورة مقابل الغش في الطرف الآخر.

بيع الآلات المحلاة بالذهب

يصح إذا كانت الزيادة في المغشوش (1).

لكن في تحقق الفرض نظر (2).

(مسألة 12): الآلات المحلاة بالذهب يجوز بيعها بالذهب إذا كان أكثر من الذهب المحلى (3) بها وإلا لم يجز، نعم لو بيع السيف المحلى بالسيف


(1) حيث يلزم الزيادة على الخالص من جنسه ومن غير جنسه وهو الغش، فيلزم الربا المحرم.

(2) لغلبة عدم القيمة ولا الاعتداد بالغش حين الغش به، بل هو من سنخ الوسخ الذي من شأنه الإتلاف والحرق بالتيزاب ونحوه.

(3) كما صرح به غير واحد.

لتكون الزيادة في الذهب الثمن مقابل نفس الآلة المحلاة المفروض كونها غير ذهب أما لو كان الذهب بقدر الحلية لزم الزيادة من غير الجنس في المبيع المثمن.

مضافاً إلى النصوص الخاصة الواردة في ذلك، كموثق أبي بصير:

«سألته عن السيف المفضض يباع بالدراهم فقال: إذا كانت فضته أقل من النقد فلا بأس وإن كانت أكثر فلا يصلح» (1) ، وغيره.

نعم في خبر منصور الصيقل عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«قلت له: السيف أشتريه وفيه الفضة تكون الفضة أكثر وأقل قال: لا بأس به» (2) .

وقد يظهر في فرض كون الفضة التي في السيف أكثر من الفضة في الثمن.

لكن لابد من رفع اليد عنه كما يأتي من الاستبصار أو حمله على ما لا ينافي القاعدة والنصوص الأخر من كون البيع بغير الفضة أو بها مع الضمية كما في الوسائل.

ولاسيما أن في خبر منصور الآخر عنه (عليه السلام): «سألته عن السيف المفضض يباع بالدراهم.

فقال: إذا كانت فضته أقل من النقد فلا بأس، وإن كانت أكثر فلا يصلح»(3).

ومن ثم حمل الأول في الاستبصار على وهم

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 8.

(2و3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 9، 7.

(277)

الراوي عن منصور.

بقي في المقام أمور: الأول: أنه ورد في خبر إبراهيم بن هلال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

جام فيه فضة وذهب أشتريه بذهب أو فضة.

فقال:

إن كان يقدر على تخليصه فلا، وإن لم يقدر على تخليصه فلا بأس» (1) .

وهو مع ضعف سنده لا يناسب النصوص الكثيرة المتقدم بعضها، حيث لم يشر فيها لشيء من ذلك.

كما لم يظهر العمل به من الأصحاب.

نعم ذكر في الشرائع والدروس وغيرهما التفصيل بين إمكان النزع وعدمه من أجل اعتبار معرفة الوزن إذا كان مجهولاً، وأنه لا يعفى عن جهالة وزنه إلا إذا تعذر نزعه ولو لكونه مضراً به.

وهو أجنبي عن مفاد الخبر المتقدم.

لظهوره في عدم جواز البيع مع إمكان النزع مطلقاً تعبداً، لا من جهة معرفة الوزن.

كما أن ما ذكروه من محذور جهالة الوزن لا يفرق فيه بين إمكان النزع وعدمه.

مع أنه مندفع بإطلاق النصوص المتقدمة.

مضافاً إلى تعارف بيع الحلية في هذا الحال من دون وزن، وقد سبق في محله أن اعتبار معرفة الوزن يختص بما تعارف وزنه حال البيع.

نعم مقتضى ذلك خروجه عن كونه ربوياً لولا النصوص السابقة.

وقد تقدم في المسألة التاسعة من الفصل السابق احتمال خصوصية الذهب والفضة في ذلك.

فراجع.

ومثله ما ذكره الشيخ وجماعة من أن المصوغ من الجنسين إن أمكن تخليص أحدهما من الآخر قبل بيعه بالنقدين وجب، وإلا جاز بيعه بهما، على اختلاف بينهم بين من أطلق ومن يظهر منه أن الحاجة لتخليص أحدهما من الآخر من أجل معرفة وزن كل منهما.

فإنه أيضاً أجنبي عن مفاد الخبر المتقدم، لظهور الخبر في المحلى بأحد

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 5.

الأمرين لا في المصوغ منهما، كما هو مورد كلامهم.

كما أنه لا دليل عليه آخر.

غاية الأمر أنه يتعين التحفظ من الربا باختلاف الجنس أو جعل الضميمة مع الأقل.

الثاني: قد يظهر من ذكر الأصحاب ذلك في مبحث الصرف كونه من صغرياته، فيجب فيه التقابض في المجلس، ولا تشرع فيه النسيئة.

بل هو المصرح به في كلام غير واحد في الجملة.

وقد يستدل له بصحيح محمد بن مسلم: «سئل عن السيف المحلى والسيف الحديد المموه بالفضة نبيعه بالدراهم.

فقال: نعم وبالذهب.

وقال: إنه يكره أن تبيعه نسية.

وقال: إذا كان الثمن أكثر من الفضة فلا بأس»(1) ، بناءً على حمل الكراهة فيه على الحرمة.

وصحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألته عن السيوف المحلاة فيها الفضة تباع بالذهب إلى أجل.

فقال: إن الناس لم يختلفوا في النساء [النسيء] أنه الربا، وإنما اختلفوا في اليد باليد»(2).

لكن ظاهر الثاني أن المانع من النسيء الربا، لا وجوب التقابض في الصرف.

وقد تقدم عند الكلام في الزيادة الحكمية في الربا أنه لا يخلو عن إجمال.

كما أن حمل الكراهة في الأول على الحرمة لا يخلو عن إشكال.

ولاسيما بعدما تقدم في الفصل السابق عند الكلام في بيع العروض بالعروض من الكلام في النسيئة.

فراجع.

فالأولى الاستدلال لذلك بصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«قال: لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بنساء [نسياً] إذا نقد ثمن فضته.

وإلا جعل ثمنه طعاماً ولينسه إن شاء» (3) وقريب منه صحيح أبي بصير(4).

لكنهما صريحان في الاكتفاء بنقد خصوص ما يقابل الحلية كما يأتي من الاستبصار.

وبه صرح في النافع، وقد ينصرف إليه إطلاق الآخرين لأن الصرف خصوص ما يقابل الحلية.

ولعله لذا قال في الرياض: «بلا خلاف في الظاهر».

وكيف

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 4، 1.

(3و4) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 6، 2.

كان فبهذين الصحيحين يخرج عن ظهور الصحيحين الأولين لو تم الاستدلال بهما في المنع من النسيئة في تمام الثمن.

نعم في صحيح إسحاق بن عمار قال: أظنه عن عبد الله بن جذاعة:

«سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السيف المحلى بالفضة يباع بنسية.

قال: ليس به بأس، لأن فيه الحديد والسير» (1) .

وقد حمله في الاستبصار على ما إذا نقد مثل ما فيه من الفضة، جمعاً مع النصوص المتقدمة.

كما احتمل في الوسائل حمله على ما إذا كان البيع بغير النقدين.

لكن كلا الحملين لا يناسب التعليل فيه بأن فيه الحديد والسير، لظهوره في أن الضميمة تخرج المورد عن الصرف المعتبر فيه التقابض، كما تخرجه عن الربا المعتبر فيه التماثل في المقدار.

ومن ثم قد يكون الأقرب حمل ما تقدم من النصوص لأجله على الاستحباب.

وإن لم يخل عن إشكال، لقوة ظهور الصحيحين السابقين في تطبيق الصرف في مقدار الحلية، ومن المعلوم وجوب التقابض في الصرف.

ولاسيما مع ضعف سنده بالإرسال وعدم ظهور انجباره بعمل الأصحاب.

بل قد يكون ظاهرهم الإعراض عنه.

ومن هنا لا مجال للخروج عن مقتضى الصحيحين من وجوب التقابض في المقدار المقابل للحلية.

كما أنه يستفاد منهما ولو لإلغاء خصوصية موردهما عرفاً جريان ذلك في جميع موارد الصرف بلحاظ أبعاض المعاملة، كما استظهره في الرياض، فيجب التقابض في خصوص الأجزاء النقدية من الذهب أو الفضة في المعاملة، بحيث يقبض الأقل منها في أحد الطرفين بتمامه، ويقبض بقدره من الآخر، ولا ينقص عن ذلك.

بل من القريب أن يكون ذلك مقتضى عموم بعض نصوص وجوب التقابض في الصرف، كقول أمير المؤمنين (عليه السلام) المتقدم: «لا يبتاع رجل فضة بذهب إلا يداً بيد،

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 10.

المحلى جاز مطلقاً وإن كانت الحلية في أحدهما أكثر من الحلية في الآخر (1).

(مسألة 13): الكلبتون المصنوع من الفضة لا يجوز بيعه بالفضة إلا إذا كانت أكثر منه وزناً والمصنوع من الذهب لا يجوز بيعه بالذهب إلا إذا


ولا يبتاع ذهباً بفضة إلا يداً بيد»(1).

فتأمل.

الثالث: ظاهر الأصحاب، بل صريح الدروس والروضة، لزوم العلم بزيادة مجانس الحلية في الثمن عليها، لتكون الزيادة في مقابل ذي الحلية الذي هو من جنس آخر، ومع عدم العلم بذلك يجب اشتمال الثمن على جنس آخر.

كل ذلك للتحفظ من الربا.

وهو مقتضى اشتراط كون الثمن أكثر في النصوص المتقدمة، حيث يلزم إحراز الشرط.

كما أنه كالصريح من النصوص الواردة في بيع المختلط من الجنسين في لزوم بيعه بالجنسين(2).

وكذا صحيح عبد الرحمن بن الحجاج المتقدم: «سألته عن السيوف المحلاة فيها الفضة تباع... فقلت له: يبيعه بدراهم نقد.

فقال: كان أبي يقول: يكون معه عرض أحب إلي.

فقلت له: إذا كانت الدراهم التي تعطى أكثر من الفضة التي فيه.

فقال: وكيف لهم بالاحتياط في ذلك‌؟ قلت: فإنهم يزعمون أنهم يعرفون ذلك.

فقال: إن كانوا يعرفون ذلك فلا بأس.

وإلا فإنهم يجعلون معه العرض أحب إلي»(3).

فإن الظاهر أن حبهما (عليهما السلام) لجعل الجنس الآخر للتحفظ من الربا.

لكن مع ذلك اكتفى في اللمعة بغلبة الظن مطلقاً أو تعذر العلم.

ولم يتضح وجهه.

(1) لارتفاع محذور الربا بوجود الضميمة في الطرفين، وهي في المقام السيف

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب الصرف حديث: 3.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 20 من أبواب الربا، وباب: 11 من أبواب الصرف.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 15 من أبواب الصرف حديث: 1.

(281)

اذا اشرى ذهباً او فضة ثم وجدها جنساً اخر

كان أكثر منه وزناً (1).

(مسألة 14): إذا اشترى فضة معينة بفضة أو بذهب، وقبضها قبل التفرق، فوجدها جنساً آخر رصاصاً أو نحاساً أو غيرهما بطل البيع (2).

وليس له المطالبة بالإبدال (3).

ولو وجد بعضها كذلك بطل البيع فيه، وصح في الباقي (4).

وله حينئذ رد الكل لتبعض


الذي هو من الحديد، وما قد يتبعه من الخشب والقراب والحمائل.

نعم يجب التقابض على النحو المتقدم.

(1) لتكون الزيادة في مقابل الضميمة، وهي الخيوط في الكلبتون.

(2) بلا خلاف ولا إشكال، كما في الجواهر.

لتخلف عنوان المبيع المقوم له.

ومنه يظهر وقوع البيع باطلاً، وبالوجدان المذكور يظهر ذلك، لا أنه هو المبطل للبيع.

(3) كما صرح به غير واحد.

لعدم تناول المبيع للبدل بعد فرض المبيع شخصياً معيّناً.

بل لا يشرع لأجل ذلك الإبدال.

إلا أن يرجع إلى إيقاع بيع آخر على البدل.

(4) كما هو صريح الشرائع والإرشاد والمختلف والتحرير والمسالك والروضة وظاهر القواعد والتذكرة والدروس.

لتبعض البيع بتبعض المبيع، نظير ما إذا باع ما يملك وما لا يملك، حيث سبق في المسألة العشرين من الفصل الثاني الكلام في وجه تبعض الصفقة في مثل ذلك.

فراجع.

لكن يظهر من المبسوط والوسيلة أن البيع صحيح بتمامه، وأن لمن دخل عليه النقص الرد، كما لو ظهر أحد العوضين من الجنس نفسه مشتملاً على عيب كالخشونة في الفضة.

ولم يتضح وجهه.

ولاسيما مع تصريحهما ببطلان البيع في الجملة فيما لو ظهر تمام المبيع من جنس آخر.

الصفقة (1) وإن وجدها فضة معيبة كان بالخيار بين الرد (2) والإمساك بالأرش (3).

ولا فرق بين كون الثمن من جنس المبيع


ومثله ما يظهر من اللمعة من أنه مع اتحاد العوضين في الجنس كما هو أحد فرضي المتن لو ظهر بعض المبيع مخالفاً في الجنس يبطل البيع من أصله، وأن تبعض الصفقة يختص بما إذا اختلف العوضان في الجنس، كما هو أحد فرضي المتن أيضاً.

وكأن الوجه فيه ما أشار إليه في مفتاح الكرامة وغيره من أن الجزء المخالف في الجنس حيث لا يدخل في المبيع ينصرف الثمن بتمامه للباقي، فيلزم التفاضل في الجنس الواحد بين العوضين، وهو ربا محرم باطل.

وفيه: أنه لا وجه لانصراف الثمن بمجموعه للباقي بعد عدم القصد المعاملي لذلك، بل ليس المقصود إلا جعل الثمن بتمامه مقابل المجموع بما في ذلك الجزء المخالف في الجنس، وبطلان البيع في الجزء المذكور يستلزم بطلانه في الجزء المقابل له من الثمن، فيكون المقابل للباقي من المبيع ما عداه، ولا يلزم التفاضل الموجب للربا الباطل.

غاية الأمر أن يلزم خيار تبعض الصفقة، كما يأتي، لعدم سلامة المبيع بتمامه.

(1) فإنه من أسباب الخيار، كما تقدم غير مرة، وتقدم الكلام في وجهه في المسألة المذكورة.

(2) لثبوت الخيار بسبب العيب.

ولو كان العيب في بعض المبيع فقد صرح في الشرائع بأنه ليس له الاقتصار في الرد عليه، بل له رد الكل لا غير.

وصريح المبسوط والوسيلة والتذكرة أن له الاقتصار على رد البعض.

قال في الجواهر: «وإن كان ظاهرهم في بحث العيب الإجماع على عدمه».

وقد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الستين من الفصل الرابع في فروع خيار العيب.

(3) بناءً على مختاره (قده) من التخيير بينهما في مورد العيب.

لكن تقدم منا في خيار العيب أن المتعين معه بدواً الخيار بين الرد والإمساك لا غير، فإن تعذر الرد

وغيره (1) وكون أخذ الأرش قبل التفرق وبعده (2).

وإذا اشترى فضة في الذمة بفضة أو بذهب، وبعد القبض وجدها جنساً آخر رصاصاً أو نحاساً أو غيرهما، فإن كان قبل التفرق جاز للبائع إبدالها (3)، فإذا قبض البدل قبل التفرق صح البيع.

وإن وجدها جنساً آخر بعد التفرق


لبعض الأسباب المتقدمة هناك كان له الأرش.

(1) أشار بذلك إلى ما سبق في المسألة الواحدة والخمسين من الفصل الرابع في فروع خيار العيب من المبسوط وغيره بل لعله المعروف بين الأصحاب من سقوط الأرش مع اتحاد الجنس، لئلا يلزم الربا، حيث ينقص الأرش من الثمن، فيلزم التفاضل بين الجنسين.

وقد سبق من سيدنا المصنف (قده) ومنا المنع من ذلك، لعدم كون الأرش جزءاً من الثمن في المعاملة، ليلزم التفاضل، وإنما يستحق بعد ذلك بأمر خارج عن المعاملة.

وقد تقدم هناك تفصيل الكلام في ذلك.

فراجع.

(2) لأنه بعد خروج الأرش عن الثمن فعدم قبضه في المجلس لا يوجب بطلان البيع في الصرف.

لكن كلمات الأصحاب قد اضطربت في المقام جداً، فإنه بعد أن ذكر غير واحد منهم كما سبق اختصاص استحقاق الأرش بما إذا اختلف الجنسان، فقد صرح جمع منهم بأنه يجوز أخذه من الأثمان قبل التفرق، أما بعده فلابد من أخذه من غير الأثمان، وأنه لو أخذ منها بطل فيما يقابله، على اختلاف منهم في حكم أخذه من جنس المعيب أو من الجنس الآخر.

وقد أطالوا في ذلك، كما يظهر بالرجوع لمفتاح الكرامة والجواهر ولا يسعنا استقصاء كلماتهم، لعدم الثمرة لذلك بعد ما سبق.

(3) بلا خلاف ولا إشكال ظاهر.

نعم لا يجب عليه ذلك، لما سبق في المسألة الثامنة من عدم وجوب الإقباض على المتبايعين في الصرف تكليفاً، وإن توقفت عليه صحته.

وما في كلام غير واحد أن للمشتري المطالبة بالإبدال، لا ينافي عدم وجوب الاستجابة له.

بطل البيع (1).

ولا يكفي الإبدال في صحته (2).

وإذا وجدها فضة معيبة فالأقوى أن المشتري مخير بين رد المقبوض وإبداله (3) والرضا به من


(1) بلا خلاف ولا إشكال ظاهر، لعدم التقابض المعتبر في صحة بيع الصرف.

ومن الظاهر أن بطلان البيع إنما يكون بمجرد التفرق، ووجدان المقبوض جنساً آخر كاشف عن ذلك، وليس هو الموجب للبطلان، كما تقدم في نظيره.

(2) إذ لا يتحقق به التقابض قبل تفرق المتبايعين المعتبر في الصرف.

نعم يمكن تجديد البيع حين دفع البدل.

(3) له ذلك قبل التفرق قطعاً، كما في الشرائع، وبه صرح غير واحد.

لعدم المانع منه بعد فرض عدم بطلان البيع، لعدم التفرق، وابتناء البيع على السلامة من العيب.

وأما بعد التفرق فهو المصرح به في المبسوط والخلاف والوسيلة والتذكرة والإرشاد وغيرها، وفي الجواهر أنه المشهور بين من تعرض له.

والوجه فيه صحة البيع، لحصول التقابض قبل التفرق، لكون المعيب من أفراد المبيع، غايته أن له الإبدال، لبناء العقلاء على ذلك، ولو لابتناء البيع على وصف السلامة، وإن لم يكن مقوماً للمبيع، نظير الشرط، والتفرق لا يمنع منه بعد فرض صحة البيع.

لكن تردد في ذلك في الشرائع والقواعد والإيضاح وعن غيرها، بل منع في الدروس من الإبدال.

وقد يظهر منه توجيهه بأن مرجع الإبدال إلى تعيين المبيع في البدل بعد أن كان متعيناً في المبدل، والمفروض أن البدل لم يقبض في مجلس العقد، فيلزم من الإبدال بطلان العقد.

وفيه: أن المبيع لما كان كلياً في الذمة فدفع الفرد عنه لا يقتضي تعين المبيع به، بحيث يكون هو المبيع، لعدم انقلاب البيع عما وقع عليه.

غايته أن يكون المدفوع أداء للمبيع لكفاية أدائه عرفاً، ويجب في الصرف إقباضه قبل التفرق، لأن المراد بالقبض

دون أرش (1).


اللازم فيه ما يعمّ ذلك.

وحينئذٍ فاعتبار التقابض في الصرف لما كان مخالفاً للقاعدة، لزم الاقتصار فيه على المتيقن، وهو في المقام قبض المبدل، حيث صدق به التقابض قبل التفرق.

واعتبار التقابض في البدل مع ذلك لا شاهد عليه، بل مقتضى عمومات الصحة عدمه.

وبذلك يظهر أنه لو التفت للعيب قبل التفرق، وأراد الإبدال لم يجب الإبدال وقبض البدل قبل التفرق، لتحقق الشرط بقبض المبدل ونفوذ البيع بذلك، بلا حاجة لقبض البدل.

وأضعف من ذلك ما في الإيضاح من أنه لو قلنا بجواز الإبدال بعد التفرق تعين القبض في مجلس الرد.

إذ فيه مضافاً إلى ما ذكرنا من عدم الدليل على توقف صحة البيع على قبض البدل: أن مجلس الرد في مفروض كلامه بعد التفرق عن مجلس العقد، ونصوص الصرف إنما تضمنت وجوب قبض المبيع قبل التفرق عن مجلس العقد لا غير.

(1) كما يظهر من عدم التعرض له في الخلاف والمبسوط والوسيلة، والوجه فيه: أن ثبوت الأرش مع العيب مخالف للقاعدة، وينحصر الوجه فيه بنصوص خيار العيب، وظاهرها أو المتيقن منها ما إذا كان المبيع شخصياً، أما إذا كان كلياً وظهر العيب في المقبوض الشخصي فاللازم الاقتصار فيه على ما تقتضيه القاعدة من الإبدال دون الفسخ على ما يأتي فضلاً عن الأرش.

إلا أن يتعذر الإبدال أو يمتنع منه البائع، فيقتصر على الفسخ، كما يأتي.

ومنه يظهر الإشكال فيما في التذكرة والقواعد والتحرير والدروس وغيرها من ثبوت الأرش مع اختلاف جنس الثمن والمثمن، وعدم ثبوته مع اتحادهما في الجنس، لشبهة لزوم الربا التي تقدم دفعها.

وليس له فسخ العقد من أصله (1).

ولا فرق بين كون الثمن من جنس المبيع وغيره (2)، ولا بين كون ظهور العيب قبل التفرق وبعده (3).

نعم قد يقال: لو حدثت في المعيب المقبوض أحد موانع الرد المتقدمة في خيار العيب تعين امتناع الإبدال والفسخ ولزم الأرش، لفهمه من نصوص خيار العيب بضميمة إلغاء خصوصية موردها عرفاً.

لكنه لا يخلو عن إشكال، بل منع.

بل مقتضى القاعدة هو الإبدال أو الفسخ مع جريان حكم تصرف ذي الخيار قبل الفسخ فيما وصل إليه، بناء على ما تقدم منهم في خيار الغبن.

نعم حيث تقدم منّا الإشكال فيه أيضاً فينحصر الأمر بالصلح.

فلاحظ.

(1) كما في المختلف والتذكرة، وهو ظاهر عدم ذكر الفسخ في التحرير واللمعة.

حيث لا وجه له بعد عدم كون المعيب هو المبيع وإمكان تحصيل السليم بالإبدال حتى مع التفرق.

خلافاً للخلاف والمبسوط والوسيلة والقواعد والإرشاد.

وقد يوجه بأن المبيع يتعين بالمقبوض المفروض كونه معيباً.

ويظهر اندفاعه مما سبق من أن تسليم الفرد وإن كفى في تسليم المبيع الكلي، إلا انه لا يقتضي تعينه به، وانقلاب المبيع عما وقع عليه العقد.

نعم لو امتنع البائع من التبديل ولو لتعذره عليه تعين جواز الفسخ، لعدم القيام بمقتضى العقد من تسليم السليم.

ولعله لذا ذهب في الدروس لجواز الفسخ بعد التفرق، لأنه سبق منه عدم جواز الإبدال حينئذ.

(2) لما سبق من أن عدم استحقاق الأرش لاختصاص أدلته بما إذا كان المبيع معيناً، لا من أجل لزوم الربا، ليختص بما إذا اتحد العوضان في الجنس.

(3) لما سبق من إمكان الإبدال في الحالين.

(287)

استبدال ما في الذمة بثمن اخر

(مسألة 15): لا يجوز أن يشتري من الصائغ أو غيره خاتماً أو غيره من المصوغات من الفضة أو الذهب بجنسه مع زيادة (1) بملاحظة أجرة الصياغة، بل إما أن يشتريه بغير جنسه، أو بأقل من مقداره من جنسه مع الضميمة، ليتخلص من الربا.

(مسألة 16): لو كان له على زيد دنانير كالليرات الذهبية وأخذ منه دراهم كالروبيات فإن كان الأخذ بعنوان الاستيفاء ينقص من الليرات في كل زمان أخذ فيه بمقدار ما أخذ بسعر ذلك الزمان (2)، فإذا كان الدين خمس ليرات، وأخذ منه في الشهر الأول عشر روبيات، وفي الثاني عشراً، وفي الثالث عشراً، وكان سعر الليرة في الشهر الأول خمس عشرة روبية، وفي


(1) بلا خلاف ولا إشكال، كما في الجواهر.

إذ لا تكون الزيادة أجرة للصياغة بعد فرض تحقق الصياغة، بل لابد من أن تكون جزءاً من أحد العوضين، فيلزم التفاضل مع اتحاد الجنس، وبه يتحقق الربا.

لكن في الخلاف: «إذا باع خاتماً من فضة بدراهم أكثر مما فيه من الفضة كان ذلك جائزاً».

وهو غريب.

إلا أن يكون المفروض في كلامه اشتمال الخاتم على غير الفضة، كالحجر الكريم، كما يناسبه ما في المبسوط من اشتراط كون الفضة الثمن أكثر من فضة الخاتم.

نعم لو اشترى غير مصوغ من دون تفاضل جاز دفع الزيادة أجرة لصياغته بلا إشكال.

(2) كما في النهاية والوسيلة والتذكرة والقواعد والدروس وغيرها.

والظاهر عدم الإشكال فيه.

إذ مع تحقق الوفاء به يتعين كونه بسعر حال الوفاء.

مضافاً إلى صحيح إسحاق بن عمار: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يكون لي عليه المال، فيقبضني بعضاً دنانير وبعضاً دراهم، فإذا جاء يحاسبني ليوفيني يكون قد تغير سعر

الثاني اثنتي عشرة روبية، وفي الثالث عشر روبيات، نقص من الليرات ثلثا ليرة في الشهر الأول وخمسة أسداس في الثاني وليرة تامة في الثالث وإن كان الأخذ بعنوان القرض كان ما أخذه ديناً عليه لزيد وبقي دين زيد عليه (1).

وفي جواز احتساب أحدهما دينه وفاءً عن الآخر إشكال (2)، كالإشكال في

الدنانير، أي السعرين أحسب له، الذي كان يوم أعطاني الدنانير، أو سعر يومي الذي أحاسبه [يوم أحاسبه]؟ قال: سعر يوم أعطاك الدنانير، لأنك حبست منفعتها عنه»(1) ومعتبر يوسف بن أيوب عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال في الرجل يكون له على الرجل دراهم، فيعطيه دنانير ولا يصارفه، فتصير الدنانير بزيادة أو نقصان، قال: له سعر يوم أعطاه»(2).

وقد يستفاد من غيرهما.

(1) بلا إشكال ظاهر، حيث لا منشأ لاحتمال التهاتر قهراً، ليقع الكلام في وقت التهاتر، وفي السعر الذي يكون التهاتر بلحاظه.

بل يظهر من بعض النصوص المفروغية عن عدم التهاتر، كصحيح عبيد بن زرارة: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له عند الصيرفي مائة دينار، ويكون للصيرفي عنده ألف درهم، فيقاطعه عليها.

قال: لا بأس»(3).

لصراحته في أن المقاطعة معاملة متأخرة عن انشغال ذمة كل منهما لصاحبه بماله، وعدم حصول التهاتر قبل ذلك.

ونحوه غيره.

وأما التعليل في صحيح إسحاق المتقدم بأنه حبس منفعتها عنه فلابد من حمله على بيان وجه تحديد سعر الوفاء في فرض قصد الوفاء وتحققه به، كما هو مورده، لا مطلقاً ولو مع قصد القرض دون الوفاء.

فلاحظ.

(2) يبدو ممن تعرض للمسألة رجوعها إلى التصارف بين الدينين الذي هو عندهم من صغريات البيع، والمفروض في كلام سيدنا المصنف (قده) أنه ليس بيعاً،

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 9 من أبواب الصرف حديث: 2، 5.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب الصرف حديث: 3.

جواز بيع دين أحدهما بدين الآخر (1).

نعم تجوز المصالحة بينهما على إبراء كل منهما صاحبه مما له عليه (2).

لأنه تعرض لبيع أحدهما بالآخر بعد ذلك.

وهو المتعين، لأن الوفاء عرفاً مباين للبيع.

وحينئذ ينحصر الوجه في الإشكال بعد النظر في كلماتهم بعدم التقابض في المقام.

لكنه يندفع أولاً: بأنه لا يناسب ما سبق منه (قده) من اختصاص حكم الصرف ووجوب التقابض بالبيع المفروض خروج المقام عنه.

وثانياً: بما تقدم في المسألة الخامسة من ظهور بعض النصوص في المفروغية عن عدم الحاجة لقبض المدين ما في ذمته وعليه جرى سيدنا المصنف (قده) نفسه.

وثالثاً: بما تقدم في معتبر عبيد بن زرارة، لظهوره في عدم الحاجة للتقابض في المقاطعة المذكورة وهي عين الاحتساب المفروض في المقام.

ولعله لذا قرّب بعض مشايخنا (قده) صحة الاحتساب.

نعم لابد من تراضيهما معاً به، والظاهر أنه المفروض في المقام.

(1) لما تضمن عدم جواز بيع الدين بالدين(1) ، بعد كون المتيقن منه ما إذا كان كل من العوضين ديناً قبل البيع، وشمول إطلاقه المذكور لما إذا كان المتبائعان صاحبي الدينين.

ولعل توقفه (قده) عن الجزم بالمنع لاحتمال انصراف الإطلاق عن الصورة المذكورة، أو لاحتمال شمول إطلاق المقاطعة في معتبر عبيد للبيع، فيكون مخرجاً عن مقتضى إطلاق المنع من بيع الدين بالدين لو تم.

لكن لا مجال للأول.

والثاني لا يخلو عن إشكال.

إلا أن يفهم منه العموم، ولو بإلغاء خصوصية المقاطعة.

وهو أيضاً لا يخلو عن إشكال.

(2) من دون فرق بين أن يكون الصلح على الإبراء بعد الصلح الذي هو فعل

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 5 من أبواب الدين والقرض حديث: 1.

بيع درهم بدرهم بشرط صياغة خاتم

(مسألة 17): إذا أقرض زيداً نقداً معيناً من الذهب أو الفضة، أو أصدق زوجته مهراً كذلك، أو جعله ثمناً في الذمة مؤجلاًَ أو حالاً، فتغير السعر لزمه النقد المعين (1)، ولا اعتبار بالقيمة وقت اشتغال الذمة.

(مسألة 18): لا يجوز بيع درهم بدرهم بشرط صياغة خاتم مثلاً (2).

ويجوز أن يقول له صغ لي هذا الخاتم وأبيعك درهماً بدرهم على أن يكون البيع جعلاً لصياغة الخاتم (3) كما يجوز أيضاً أن يشتري منه


لكل منهما، وأن يكون على براءة كل منهما من دينه بالصلح الذي نظير شرط النتيجة.

كل ذلك لعمومات الصلح والعقود من دون ملزم بالخروج عنها.

(1) بلا إشكال ظاهر، كما هو الحال في الذميات من العروض.

لابتناء المعاملات عرفاً على ذلك، كما يشهد به سيرتهم.

وفي معتبر إسحاق بن عمار: «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): الرجل يكون له على الرجل الدنانير فيأخذ منه الدراهم، ثم يتغير السعر.

قال: فهي له على السعر الذي أخذها يومئذ.

وإن أخذ الدنانير وليس له دراهم عنده فدنانيره عليه يأخذها برؤوسها متى شاء»(1) لما تقدم في أوائل الفصل السابق منه (قده) ومن جماعة من تحقق الربا بالزيادة الحكمية.

وتقدم من الشيخ في النهاية جواز الشرط المذكور، ووافقه جماعة، وهم بين من خص ذلك بشرط الصياغة، ومن تعدى لغيره، كما يظهر من النهاية.

ويظهر من غير واحد ابتناء ذلك على النص الآتي مع الاقتصار على مورده، أو التعدي عنه، لإلغاء خصوصية مورده.

لكن سبق أن النص أجنبي عن ذلك، وأن جواز الشرط المذكور يبتني على اختصاص الزيادة الموجبة للربا بالزيادة العينية.

دون الحكمية.

فراجع.

(3) كما تضمنه حديث أبي الصباح الكناني: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 9 من أبواب الصرف حديث: 3.

(291)

مثقال فضة مصوغاً خاتماً بمثقال غير مصوغ على أن تكون الصياغة قيداً للمبيع (1).

الرجل يقول للصائغ: صغ لي هذا الخاتم، وأبدل لك درهماً طازجاً بدرهم غلة.

قال: لا بأس»(1).

على أن مقتضى القاعدة صحة ذلك، حيث لا يلزم محذور الربا حتى بناءً على حصوله بالزيادة الحكمية بمثل الشرط، لما أشرنا إليه من عدم كون الصياغة شرطاً في البيع، بحيث تلزم به، وتكون زيادة في أحد العوضين، بل البيع هو الذي يلزم بسبب الصياغة، لكونه جعلاً عليها.

والفرق بينهما كالفرق بين الدين بشرط هبة أمر زائد من المدين للدائن، والهبة بشرط الدين، حيث يلزم الربا في الأول دون الثاني.

وبذلك يظهر عدم توقف الحكم المذكور على صحة سند الحديث، ليستشكل فيها بعدم ثبوت وثاقة محمد بن الفضيل الواقع في سنده لو تم.

كما يظهر جواز التعدي عن مورد الحديث المتقدم في العمل وتعميمه لغير صياغة الخاتم، وفي الإبدال وتعميمه لكل إبدال بين متجانسين مختلفين بالصفات والخصوصيات.

(1) بأن يكون المبيع كلياً مقيداً بالصياغة حيث لا يلزم الزيادة العينية، ولا الحكمية، لأن الذي يقابل بالعوض هو الفضة حال كونها مصوغة لا الفضة بنفسها مع اشتراط صياغتها زائداً على ذلك.

وأظهر من ذلك ما إذا كان المبيع هو الفضة المشخصة المصوغة، فالمقام نظير ما إذا باعه تمراً جيداً شخصياً أو كلياً بتمر مماثل له وزناً.

نعم لا بد من التقابض قبل التفرق، وكون المقبوض هو المصوغ فعلاً، لا الفضة غير المصوغة على أن تصاغ بعد ذلك، لعدم تحقق قبض المبيع بقبضها، لفقدها لقيده.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب الصرف حديث: 1.

(مسألة 19): لو باع عشر روبيات بليرة ذهبية إلا عشرين فلساً صح بشرط أن يعلما قيمة الليرة من الفلوس (1) وإن لم يعلما مقدار نسبة العشرين فلساً إلى الليرة (2).

(1) لتحقق العلم بقدر الثمن حينئذٍ بناء على اعتباره في صحة البيع على ما تقدم الكلام فيه في شرط العوضين.

(2) من الظاهر أنه مع معرفة قيمة الليرة إلى الفلوس فاستثناء مقدار معين من الفلوس مستلزم لمعرفة نسبة المقدار المستثنى من الليرة، وإن لم يتيسر تحديده بكسر عشري أو مئوي لدقته، ولا دليل على لزوم إمكان الإشارة بالنحو المذكور.

نعم في خبر وهب عن جعفر (عليه السلام) عن أبيه:

«أنه كره أن يشتري الرجل بدينار إلا درهم وإلا درهمين نسبة، ولكن يجعل ذلك بدينار إلا ثلثاً وإلا ربعاً وإلا سدساً أو شيئاً يكون جزءاً من الدينار» (1) .

وهو مع ضعف سنده ليس وارداً لبيان وجوب ذكر النسبة التفصيلية بالكسر العشري، بل لبيان عدم جواز الاقتصار على استثناء الدرهم من الدينار في النسيئة.

ولعله لاحتمال تبدل نسبة الدرهم للدينار، فيلزم الجهل بالثمن أو التردد فيه، كما تضمن ذلك موثق السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام): «في رجل يشتري السلعة بدينار غير درهم إلى أجل.

قال: فاسد، فلعل الدينار يصير بدرهم»(2).

ولا يمنع من استثناء الدرهم من الدينار مع معرفة النسبة بينهما وتحديدها ولو من طريق آخر غير النسبة العشرية.

ومثلهما في ذلك خبر حماد عنه (عليه السلام):

«قال: يكره أن يشتري الثوب بدينار غير درهم، لأنه لا يدري كم الدينار من الدرهم [الدراهم من الدنانير]» (3) ونحوه خبر

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 23 من أبواب الصرف حديث: 3، 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 23 من أبواب الصرف حديث: 1.

(293)

عدم جواز بيع المصوغ من الذهب والفضة باحدهما الا مع الزيادة

(مسألة 20): المصوغ من الذهب والفضة معاً لا يجوز بيعه بأحدهما بلا زيادة (1)، بل إما أن يباع بأحدهما مع الزيادة أو يباع بهما معاً أو بجنس آخر غيرهما.

آخر عنه (1)(عليه السلام)، فإنهما وإن لم يختصا بالنسيئة، إلا أن التعليل فيهما يقصر عن صورة تحديد مقدار الدينار من الدرهم ولو بغير النسبة العشرية.

نعم لو فرض في محل الكلام تعرض نسبة الليرة للفلوس للاختلاف، ولم يرجع استثناء مقدار من الفلوس من الليرة لباً لتحديد المقدار المستثنى من الليرة، لإمكان تعرض المقدار المذكور للاختلاف ولو باختلاف زمان التسليم عن زمان إيقاع العقد تعين المنع عنه للجهالة أو التردد، وللنصوص السابقة، خصوصاً موثق السكوني.

ولعل إطلاق جماعة المنع من استثناء الدرهم من الدينار بلحاظ ذلك.

وإلا فكثيراً ما تكون النسبة بينهما معلومة للمتبائعين، فلا وجه للمنع مع تحديدها بوقت خاص وانضباطها.

فلاحظ.

(1) يعني: على المقدار الموجود منه فقط في المبيع.

فإذا اشتمل المبيع على مثقالين من الذهب ومثقالين من الفضة لم يجز بيعه مثلاً بمثقالين من الذهب فقط حيث يلزم زيادة الفضة في المبيع من دون مقابل.

أما إذا بيع بلا زيادة على مجموع المصوغ بأن بيع في الفرض بأربعة مثاقيل من الذهب، فلا إشكال فيه، حيث تكون الزيادة في الذهب على المثقالين مقابل الفضة الموجودة فيه، وهو داخل في قوله (قده): «بل إما أن يباع بأحدهما مع الزيادة».

هذا وقد تقدم في المسألة الثالثة عشرة الكلام في وجوب تخليص أحد الصنفين من الآخر لو أمكن كما تقدم وجوب إحراز عدم التفاضل في الجنس الواحد.

فراجع.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 23 من أبواب الصرف حديث: 4.

الكلام في تراب الصاغة

(مسألة 21): التراب الذي يجتمع عند الصايغ وفيه الأجزاء من الذهب والفضة وغيرهما يتصدق به عند المالكين (1) لها سواء أكان


(1) كما في الشرائع والنافع والتذكرة والقواعد والإرشاد والدروس واللمعة وغيرها.

وفي الجواهر: «بل قيل: إنه لا خلاف فيه».

معللاً في كلام غير واحد منهم بجهل أربابه.

وقد يستدل له بعموم وجوب التصدق بمجهول المالك المستفاد من النصوص المتفرقة التي تقدم التعرض لها في مبحث جوائز السلطان من مسائل المكاسب المحرمة.

مضافاً إلى خصوص معتبر علي الصائغ: «سألته عن تراب الصواغين.

وإنا نبيعه.

قال: أما تستطيع أن تستحله من صاحبه‌؟ قال: قلت: لا.

إذا أخبرته اتهمني.

قال: بعه.

قلت: بأي شيء نبيعه‌؟ قال: بطعام.

قلت: فأي شيء أصنع به‌؟ قال: تصدق به، إما لك وإما لأهله [لأهلك]...»(1) وقريب منه خبره عن أبي عبد الله (عليه السلام).

وقد تقدم عند الكلام في جوائز السلطان التعرض لما ذكره في الجواهر من الإشكال في الاستدلال بالمعتبر بأن ظاهره جواز الصدقة مع تعذر استحلال المالك لخوف التهمة، مع أن خوف التهمة لا يبيح التصرف في مال الغير.

وتقدم دفعه بأنه لابد من حمل الاستحلال فيه على استحلال المالك قبل العمل له، لما قد يسقط من ذهبه أو فضته، لأن ذلك هو الذي يتيسر، دون الاستحلال حين جمع التراب، لما هو المعلوم من طول مدة تجمع التراب عند الصاغة، والجهل بأصحابه بسبب ذلك، خصوصاً مع ظهور قوله (عليه السلام): «إما لك وإما لأهله» في احتمال كون الأجزاء المذكورة ملكاً للصائغ نفسه.

كما أن ذلك هو الموجب للتهمة بحصول التسامح من الصائغ في المال وتفريطه

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 16 من أبواب الصرف حديث: 2

(295)

للجزء مالية عند العرف أم لم يكن (1).

والأحوط مع معرفة صاحبه بعينه الاستئذان منه في ذلك (2).

ولا يبعد اطراد الحكم المذكور في الخياطين


به من أجل الاستحلال، بخلاف الاستحلال في التراب بعد وقوع شيء مما له فيه، فإنه طبيعي جداً، ولا يكون مثاراً للتهمة.

على أنه لا موجب للاستحلال، بل يدفع التراب له بعد فرض العلم بكون ما فيه مالاً له، إذ لا موجب لخروج المال عن ملكه، ولا لاستقلال الصائغ بالتصرف فيه حينئذ.

وقد تقدم تمام الكلام في الحديث هناك بما لا يسعنا إعادته.

وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في وجوب التصدق بالمال في فرض الجهل بصاحبه.

كما أنه يكفي التصدق بثمنه بعد بيعه، على ما تضمنه الحديثان وغيرهما من نصوص مجهول المالك.

نعم لابد من عدم إحراز إعراض المالك، لغفلته عن سقوط شيء من ماله في التراب، وعدم توقعه له.

أما لو توقع ذلك فظاهر سكوته عن المطالبة به إعراضه عنه، فيجوز للصايغ تملكه والاستقلال بالتصرف فيه، ولا يجب عليه التصدق به.

هذا كله فيما كان عليه وضع تراب الصاغة سابقاً حسبما يظهر من الحديثين ومن كلمات الأصحاب.

أما اليوم فالظاهر ملك الصايغ لما في التراب، وأن البناء على تحمل الصايغ درك الساقط، وتسليمه ذهب الغير أو فضته كاملاً.

فيخرج عن محل الكلام.

(1) لقلته.

حيث لا يوجب ذلك خروجه عن ملكه، ولا عن سلطنته بعد ملكه له، وعدم إعراضه عنه.

(2) بل هو المتعين في فرض عدم إحراز إعراضه.

كما يتعين حينئذ الاستئذان لو عرف بعض المالكين بعينه.

كل ذلك لعدم الموجب لخروجه عن ملك صاحبه، ولا لسقوط اعتبار إذنه في التصرف فيه.

والنجارين والحدادين ونحوهم فيما يجتمع عندهم من الأجزاء المنفصلة من أجزاء الثياب والخشب والحديد (1).

ولا يضمنون شيئاً من ذلك وإن كان له مالية عند العرف إذا كان المتعارف في عملهم انفصال تلك الأجزاء (2).

إلا إذا علم الرضا من المالكين بالتصرف فيها فيجوز ذلك (3)، أو علم منهم المطالبة بها فيجب ردها لهم (4).

بل لا ينبغي الإشكال في وجوب استئذان أطراف الشبهة المحصورة مع معرفتهم بأجمعهم، عملاً بمقتضى العلم الإجمالي.

وكذا استئذان بعضهم مع معرفته.

لعموم حرمة التصرف في مال الغير بغير إذنه بعد خروج المورد عن المتيقن من نصوص مجهول المالك.

وحينئذ لو لم يرض البعض بالتصدق يجري حكم المال المردد بين شخصين إذا تعذر الاحتياط فيه.

(1) بل لا ينبغي الإشكال في ذلك في فرض عدم إحراز الإعراض.

لما سبق.

(2) مجرد التعارف لا يكفي في عدم الضمان إذا لم يعلم صاحب المال به ولم يتوقعه.

أما مع علمه به أو توقعه له فظاهر إقدامه عليه إذنه فيه، فيرتفع به الضمان.

كما أن الظاهر من تركه وعدم مطالبته به حينئذ إعراضه عنه، فيجوز لصاحب العمل تملكه، والاستقلال بالتصرف فيه بلا حاجة للتصدق.

(3) يعني: التصرف بأنحائه، ولا يجب التصدق حينئذٍ.

(4) يعني: مع تعيينهم.

أما مع الجهل بهم فيجب التصدق بها.

ويكفي في ذلك الشك في الإعراض، من دون ظهور حال في تحققه من المالك، لأصالة عدم الإعراض.

فيجب حينئذٍ مراجعته فيه مع الإمكان، لحرمة ماله، والتصدق به مع تعذر ذلك، لنصوص مجهول المالك.

والله سبحانه وتعالى العالم.

ومنه نستمد التوفيق والتسديد.

وهو حسبنا ونعم الوكيل.

(297) (297)

الفصل الحادي عشر/ السلف

اشارة

ويقال له السَّلَم (1) أيضاً.

وهو ابتياع كلي مؤجل (2) بثمن حال، عكس النسيئة.

ويقال للمشتري المسلم (بكسر اللام)، والبائع المسلم إليه، وللثمن المسلم، وللمبيع المسلم فيه (بفتح اللام) في الجميع (3).

(مسألة 1): يجوز في السلف أن يكون المبيع والثمن من غير النقدين (4)


(1) كما يظهر من النصوص وكلمات الأصحاب.

وفي موثق سماعة: «سألته عن السلم وهو السلف في الحرير والمتاع...»(1).

بل إطلاق السلم عليه أشيع في النصوص والفتاوى.

(2) وليس منه بيع الشخصي ولو اشترط تأجيل تسليمه، ولا بيع الكلي الحال ولو تأخر تسليمه برضا المتبايعين من دون شرط.

لخروجهما عن الظاهر أو المتيقن من معنى السلف في النص والفتوى.

(3) يعني: في البائع والثمن والمبيع.

كما يقال للمشتري: المسلِف بكسر اللام.

(4) كما هو مقتضى ما في المبسوط والخلاف من جواز كون الثمن من سنخ المكيل أو الموزون أو المذروع أو غيرها مما يكفي فيه المشاهدة، كالجوهرة.

وبه صرح في

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب السلف حديث: 8.

الشرائع والمختلف وغيرهما، وفي المختلف أنه المشهور، وفي الناصريات تعقيباً على ما ذكره الناصر من أن المال إذا كان عرضاً لم يصح سلم قال: «هذا غير صحيح.

ويجوز عندنا أن يكون رأس المال في السلم عرضاً من ثمن سائر المكيلات والموزونات.

ويجوز أن يسلم المكيل في الموزون والموزون في المكيل.

وما أظن في ذلك خلافاً بين الفقهاء.

والدليل على صحة ما ذهبنا إليه الإجماع المتردد.

.

.

».

وقد استدل له بعد عمومات الصحة بخبر وهب عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام): «قال: لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال، وما يكال في ما يوزن»(1).

بدعوى: انجباره بالشهرة.

وإن لم يخل عن إشكال، لقرب استناد المشهور للعمومات المذكورة.

لكن عن أبي عقيل: «لا يجوز السلم إلا بالعين والورِق، ولا يجوز بالمتاع».

ولم يتضح الوجه فيه عدا ما تقدم عند الكلام في اعتبار اتحاد الجنس في الربا من النصوص المقتصرة في جواز بيع المختلفين على ما إذا كان يداً بيد، كما يناسبه النصوص الناهية عن بيع أحدهما بالآخر نسيئة، بإلغاء خصوصية الثمن في المنع من التأجيل.

وقد تقدم هناك ما ينفع في المقام، لأنهما من باب واحد.

فراجع.

وعن ابن الجنيد: «لا يسلم في نوع من المأكول في نوع منه إذا اتفق جنساهما من الكيل والوزن والعدد، وإن اختلفت أسماؤهما، كالسمن في الزيت.

لأنه كالصرف نسيئة».

ولم يتضح وجه القياس، فضلاً عن حجيته.

نعم في صحيح عبد الله بن سنان: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن [في] رجل أسلف زيتاً على أن يأخذ منه سمناً.

قال: لا يصلح»(2).

وفي صحيحه الآخر: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا ينبغي للرجل إسلاف السمن بالزيت، ولا الزيت بالسمن»(3).

وهما مختصان بالزيت والسمن.

فيقرب حملهما على الكراهة بلحاظ مشابهة الزيت للسمن، فكأنهما جنس واحد.

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 7 من أبواب السلف حديث: 1، 2، 3.

مع اختلاف الجنس، أو عدم كونهما أو أحدهما من المكيل والموزون (1).

كما يجوز أن يكون أحدهما من النقدين والآخر من غيرهما، ثمناً كان (2) أو


ولاسيما بلحاظ المفروغية ظاهراً عن عدم جريان الربا فيهما، مؤيداً بخبر علي بن جعفر أو معتبره عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام): «سألته عن رجل اشترى سمناً، ففضل له فضل، أيحل أن يأخذ مكانه رطلاً أو رطلين زيت‌؟ قال: إذا اختلفا وتراضيا فلا بأس»(1).

ولو فرض فهم خصوصية الإسلاف في النهي أمكن الخروج عنه بما تقدم عند الكلام في اعتبار اتحاد الجنس من جواز النسيئة مع اختلاف الجنس، لعموم بعض نصوصه للسلف، ولقرب إلغاء خصوصية النسيئة في الباقي وتعميمه عرفاً للسلف.

نعم لو فرض فهم خصوصية الإسلاف في خصوص الزيت والسمن لم ينفع ذلك في الخروج عنه.

لكنه بعيد جداً.

ومثل قوله: «لا أختار أن يكون الثمن فرجاً يوطأ».

محتجاً بأنه قد يتطرق الفسخ إلى العقد، بسبب تعذر المسلم فيه، فيصادف الفسخ الحبل، وهو يوجب انتقال أم الولد.

إذ فيه: أن ذلك مع عدم اطراده لا ينهض بالمنع من البيع والخروج عن عموم أدلة الصحة، بل غاية الأمر رجوع أم الولد للمشتري حينئذٍ، أو رجوع قيمتها، لتعذر خروجها عن ملك أبي الولد، كما هو الظاهر.

(1) وإلا لزم الربا مع التفاضل، بل حتى مع التساوي بناءً على عموم الزيادة الربوية للزيادة الحكمية، وهي الأجل.

وقد تقدم الكلام في ذلك.

(2) بناءً على ما تقدم آنفاً من جواز كون العروض ثمناً في السلف.

(1) وسائل الشيعة ج 12 باب: 12 من أبواب الربا حديث: 11.

يشرط في السلف امور/ الأول: ضبط الأوصاف

اشارة

مثمناً.

ولا يجوز أن يكون كل من الثمن والمثمن من النقدين (1) اختلفا في الجنس أو اتفقا.

(مسألة 2): يشترط في السلف أمور: الأول: أن يكون المبيع مضبوط الأوصاف التي تختلف القيمة باختلافها (2)، كالجودة والرداءة والطعم والريح واللون وغيرها، كالخضر والفواكه والحبوب والجوز واللوز والبيض والملابس والأشربة والأدوية


(1) لما تقدم في الفصل السابق من لزوم التقابض في الصرف قبل التفرق.

لكنه يقصر عما إذا كان الأجل قصيراً بحيث يحل قبل التفرق، كما نبه لذلك في المسالك.

وعما إذا رضيا بعد العقد بتعجيل تسليم المبيع وتسلمه ولو من أجل تصحيح العقد.

نعم ذكر في الجواهر أن المستفاد من نصوص الصرف عدم جواز الأجل في النقدين زائداً على وجوب التقابض قبل التفرق.

وكأنه لاشتمال بعض نصوصه على اشتراط كون البيع يداً بيد(1).

فإن المستفاد منها عرفاً النهي عن التأجيل، كما يظهر من بعض النصوص أيضاً(2).

وقد تقدم نظير ذلك عند الكلام في وجوب التقابض في الصرف.

فلاحظ.

(2) لم يتعرض كثير من الأصحاب لهذا الشرط صريحاً، وإنما يستفاد من ذكرهم للشرط الثاني، فالكلام فيه يتفرع على ما يأتي هناك.

وهو المناسب لما في الشرائع من أن كلما يختلف لأجله الثمن فذكره لازم.

وكأنه يبتني على ما تقدم في المسألة السابعة من فصل شروط العوضين من لزوم ذكر الجنس والصفات التي تختلف القيمة باختلافها.

وقد تقدم الاستدلال له

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 2 من أبواب الصرف حديث: 3، 6، 7.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب الربا حديث: 2، وباب: 17 من أبواب الربا حديث: 1، 7، 9، 14.

(301)

منهم بالنهي عن بيع الغرر.

بل ذلك هو الظاهر من تتمة كلام سيدنا المصنف (قده).

لكنه لو تم هناك لا مجال له هنا، للفرق بينهما بأنه مع اختلاف صفات المبيع الشخصي الموجبة لاختلاف المالية يكون الجهل بها مستلزماً للجهل بمقدار ماليته، فبيعه وشراؤه حينئذٍ يستلزم الغرر والخطر بلحاظ بعض مراتب المالية، كما تقدم في محله.

أما مع اختلاف أفراد الكلي في الصفات الموجبة لاختلاف المالية فالإقدام على بيعه من دون وصف وتقييد لا يستلزم الغرر، لأن مالية القدر المشترك لا تردد فيها، بل هي مساوية لمالية أقل أفراده، إذ لا أثر لوجود الفرد الأعلى بعد عدم وجوب دفعه.

مضافاً إلى أمرين: الأول: أن استقصاء الصفات الموجبة لاختلاف مالية الأفراد كثيراً ما يستلزم عزة الوجود بالنحو الموجب لبطلان السلف.

ولاسيما مع كثرة الأفراد المبيعة.

ومجرد إمكان رضا البائع بدفع الأفضل، والمشتري بأخذ الأقل، لا يكفي في تصحيحه بعد خروجهما عن المبيع، وعدم استحقاقهما بالبيع.

الثاني: أن ذلك لا يناسب الاقتصار في النصوص الكثيرة على وصف الطول والعرض في الثياب، والأسنان في الحيوان، وأرض الحيوان عند بيع جلده، مع وضوح دخل أمور أخر في مقدار ماليتها.

وأشكل من ذلك ما في الإرشاد من لزوم ذكر الأوصاف التي تختلف الأغراض بتفاوتها.

إذ هو أبعد عن النصوص المذكورة وأولى بعزة الوجود، لأن الأغراض قد تتعلق بأوصاف لا دخل لها في المالية.

مضافاً إلى عدم الدليل عليه، حتى شبهة النهي عن الغرر، لما هو معلوم من اختصاص الغرر عندهم بالجهل بمقدار المالية.

وكأنه لما ذكرنا قال في القواعد: «ويجب أن يذكر الوصف الدال على الحقيقة، كالحنطة مثلاً، ثم يذكر كل وصف تختلف به القيمة اختلافاً ظاهراً لا يتغابن به الناس بمثله في السلم».

على أنه لا يخلو عن إشكال.

إذ هو مع عدم الدليل عليه غير ظاهر الانطباق

على شيء من الأوصاف، لظهور أنه مع أخذ الوصف لا يتسامح فيه آخذه غالباً، بحيث يرضى بتركه مجاناً، ومع عدم أخذه فيه لا يرضى البائع غالباً بالالتزام به مجاناً.

إلا أن يريد بما لا يتغابن به خصوص الأوصاف التي يهتم الناس غالباً بذكرها ولا يهملونها عند إيقاع معاملة السلف على الموصوف بها.

دون غيرها مما لا يهتمون غالباً بضبطه والتنبيه عليه عند إيقاع المعاملة المذكورة.

لكنه مع عدم وضوح انضباطه يبقى محتاجاً للدليل، إذ لا منشأ للبناء على وجوب متابعة الناس في سيرتهم الغالبية الناشئة من تعلق أغراضهم ومصالحهم، بحيث يلزم بها من لا مصلحة له في الجري عليها.

وليست هي كالسيرة الارتكازية التابعة لمرتكزاتهم الفطرية التي أودعها الله تعالى في نفوسهم مع قطع النظر عن الأغراض والمصالح، التي تكرر منّا لزوم العمل عليها ما لم يثبت ردع الشارع الأقدس عنها.

وكيف كان فلا ينبغي الإشكال في أن مقتضى عمومات صحة البيع ونفوذ العقد عدم لزوم ذكر الوصف، فمع الاقتصار على الجنس يجب على البائع تسليمه وإن كان بأقل الأفراد قيمة، كما يجب عليه مع الوصف مهما كثر تسليم أي فرد من أفراد واجد الوصف وإن كان هو الأقل قيمة.

نعم لا ينبغي الإشكال في اعتبار ذكر المقدار كالكيل والوزن والعدد والمساحة فيما يقدر بها.

إذ بعد عدم معلومية إرادة المسمى فلابد من التقدير بها، دفعاً للتردد الممتنع في المبيع والثمن ونحوهما مما يكون مورداً للحق والملك.

بل قد تضمنت النصوص لزوم تقدير الطعام بالكيل.

ومن القريب جداً إلغاء خصوصيته عرفاً والتعدي لجميع المقادير في المقدرات بها.

ويأتي تمام الكلام في ذلك عند التعرض للشرط الرابع إن شاء الله تعالى.

وأما ما لا يقدر بها، بل يباع بالمشاهدة كالثياب والحلل والحيوان وغيرها فقد تقدم أن النصوص تضمنت لزوم ذكر بعض الأوصاف في بعضها، وهي

(303)

الثاني: ذكر الجنس والوصف

وآلات السلاح وآلات النجارة والنساجة والخياطة وغيرها من الأعمال والحيوان والإنسان وغير ذلك، فلا يصح فيما لا يمكن ضبط أوصافه، كالجواهر واللئالي والأراضي والبساتين وغيرها (1) مما لا ترتفع الجهالة والغرر فيها إلا بالمشاهدة.

الثاني: ذكر الجنس والوصف الرافع للجهالة (2).

الطول والعرض في الثياب، والأسنان في الحيوان، وأرض الحيوان عند بيع جلده.

ومن القريب جداً أن يستفاد منها لزوم ضبط المبيع ووصفه في الجملة بالنحو الرافع للاختلاف الفاحش، والذي يكون معرضاً للتشاح والتخاصم مع تركه.

ولا ملزم بما زاد عن ذلك بعد ما سبق من أن مقتضى عمومات الصحة عدم وجوبه.

وقد أطال الأصحاب (رضي الله عنهم) في فروع ذلك بما لا مجال لمتابعتهم فيه بعد ما سبق.

(1) لم يتضح تعذر الضبط في جميع ذلك بحيث يختلف عن الأمور السابقة ليمتنع السلف فيه بناءً على ما سبق.

نعم في خبر جابر عن أبي جعفر (عليه السلام): «سألته عن السلف في اللحم.

قال: لا تقربنه، فإنه يعطيك مرة السمين ومرة التاوي ومرة المهزول.

اشتره معاينة يداً بيد.

وسألته عن السلف في روايا الماء.

فقال: لا تقربنها، فإنه يعطيك مرة ناقصة ومرة كاملة.

ولكن اشترها معاينة يداً بيد، فإنه [فهذا] أسلم لك وله»(1).

لكنه مع ضعفه ظاهر في أن المانع ليس هو عدم الانضباط بل التعرض للتلاعب في مقام التسليم، ويمكن حصوله في جميع ما تضمنت النصوص جواز السلف فيه.

مع أن ظاهر ذيله كون النهي إرشادياً حذراً من التلاعب المذكور، لا من أجل عدم صحة السلف في ذلك.

(2) مقتضى ما سبق منه (قده) في الشرط الأول كون المراد بذلك لزوم ذكر

(1) وسائل الشيعة ج 13 باب: 2 من أبواب السلف حديث: 1.

الثالث: قبض الثمن قبل التفرق

الثالث: قبض الثمن قبل التفرق (1).

ولو قبض البعض صح فيه،


الأوصاف التي تختلف القيمة باختلافها.

(1) كما في المبسوط والخلاف والوسيلة والسرائر والشرائع وغيرها، بل هو المعروف بين الأصحاب، المدعى عليه الإجماع في الغنية والتذكرة والمسالك، وقد يظهر من الدروس ومحكي المهذب البارع، للحكم فيهما بأن قول ابن الجنيد بجواز التأخير ثلاثة أيام متروك.

قال في الخلاف: «دليلنا أنا أجمعنا أنه متى قبض الثمن صح العقد، ولم يدل دليل على صحته قبل قبض الثمن، فوجب اعتبار ما قلناه».

وقريب منه في المختلف.

وهو كما ترى! إذ يكفي في الدليل على الصحة مع عدم القبض العمومات.

وقال في التذكرة: «لأنه عقد لا يجوز فيه شرط تأخير العوض المطلق، فلا يجوز فيه التفرق قبل القبض، كالصرف ولأن المسلم فيه دين في الذمة، فلو أخر تسليم رأس المال عن المجلس لكان ذلك في معنى بيع الكالئ بالكالئ، لأن تأخير التسليم ينزل منزلة الدينية في الصرف وغيره.

ولأن الغرر في المسلم فيه احتمل للحاجة، فيجبر ذلك بتأكيد العوض الثاني بالتعجيل، لئلا يعظم الغرر في الطرفين».

والكل كما ترى! لابتناء الأول على المفروغية عن عدم جواز اشتراط تأخير تسليم الثمن.

وكأنه لأنه يكون من بيع الكالئ بالكالئ.

يعني الدين بالدين.

لكن المتيقن من ذلك ما إذا كان العوضان معاً ديناً قبل العقد، دون ما إذا صار أحدهما أو كلاهما ديناً بالعقد كما في المقام.

مع أن امتناع شرط التأجيل في الثمن لو تم لا يستلزم امتناع تأخير تسليمه من دون شرط.

وثبوت ذلك في الصرف للنص الخاص لا يستلزم ثبوته في المقام.

ومنه يظهر الحال في الثاني.

وأما الثالث فهو أشبه بالاستحسان منه بالاستدلال.

مع أن تأخير الثمن أدفع

(305)

للغرر الحاصل بتأجيل المثمن، كما لعله ظاهر.

ومن هنا ذكر غير واحد أن الدليل في المسألة الإجماع.

وقد يؤيد بظهور اتفاق العامة والخاصة على عدم جواز اشتراط تأخير الثمن، وإنما الخلاف في وجوب تعجيل التسليم قبل التفرق أو جواز التأخير عنه إلى ثلاثة أيام، كما يظهر مما عن ابن الجنيد، حيث قال: «ولا أختار أن يتأخر الثمن الذي يقع به السلم أكثر من ثلاثة أيام»، أو أكثر من ذلك، كما عن مالك.

وهو يناسب اطلاعهم على خصوصيته للسلم في ذلك، وحيث كان ما عن ابن الجنيد خالياً عن الدليل فمن القريب ابتناؤه على وجه اعتباري لا يعول عليه.

لكن في كفاية ذلك في تحقق الإجماع الحجة إشكال.

ولاسيما مع عدم إشارة الشيخ له في الخلاف وإنما اقتصر على الأصل، مع كثرة استدلاله بالإجماع فيه.

بل لم يذكر في النهاية اشتراط تسليم الثمن، ولا ذكره المفيد في المقنعة.

ومع قرب احتمال أن يكون منشأ دعواه أن السلم والسلف لغة مأخوذان من التسليم، فمع عدمه لا تكون المعاملة سلفاً ولا سلماً.

حيث قد يوجب ذلك وضوح بطلان العقد بنظر بعضهم، لعدم تحقق ركنه، بنحو يناسب تحقق الإجماع عليه.

نظير ما يأتي في الشرط الخامس من أخذ تأجيل المبيع في مفهوم السلف، وحكم جماعة ببطلان العقد مع عدم تأجيله.

مع أن الظاهر حينئذٍ صحته بيعاً وإن لم يكن سلفاً، للقصد إلى البيع، وعنوان كونه سلفاً غير مقوم له، فتخلفه لا يوجب بطلانه.

بل مرجعه في المقام إلى عدم قصد السلف على حقيقته، بل بلحاظ بعض خواصه، وهو اشتراط تأخير المبيع.

ومن هنا يصعب التعويل على الإجماع المدعى في البناء على شرطية قبض الثمن وعدم تأجيله في صحة العقد وترتب الأثر عليه.

ولعله لذا توقف فيه في الحدائق ومحكي البشرى.

غاية الأمر أنه لا يصح سلفاً، بحيث تترتب آثاره لو اختص بشيء من الآثار، بل يقع بيعاً مجرداً عن خصوصية السلف.

نعم في مرسل دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام): «أنه قال في رجل

أسلم على عشرة أقفزة من طعام بعشرة دنانير، فدفع خمسة دنانير على أن يدفع الخمسة الباقية.

قال: ليس له إلا خمسة حسب ما دفع»(1).

وهو نص في اشتراط تسليم الثمن في صحة المعاملة.

لكنه ضعيف في نفسه، ولم يتعرض له الأصحاب في المقام، فضلاً عن أن يستدلوا به، ويعتمدوا عليه، لينجبر بعملهم به.

فلاحظ.

والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.

بقي في المقام أمران: الأول: مقتضى العقد حصول الملك للعوضين حين وقوعه من دون أن يتوقف على قبض الثمن، لكن تقدم في المسألة السادسة من الفصل السابق أن ظاهر بعض نصوص التقابض في الصرف توقف ترتب مضمون العقد وحصول الملك على التقابض فلا يحصل الملك ولا تترتب آثاره قبله.

أما هنا فحيث كان الدليل على التقابض هو الإجماع لو تم فالمتيقن منه توقفه عليه في الجملة، ولو لكون تخلفه موجباً لبطلان العقد وخروج العوضين عن الملك بعد حصوله، تبعاً لصحة العقد وترتب الأثر عليه حين وقوعه.

ولا طريق لحمل المقام على الصرف كما قد يظهر من الجواهر بعد اختلاف دليليهما.

وما ذكرنا هو المنساق من كلمات كثير منهم هنا، حيث رتبوا البطلان على التفرق قبل قبض الثمن، بنحو يظهر في ترتبه عليه لا انكشافه به.

بل ذلك صريح التذكرة في بعض فروع المسألة.

وعلى ذلك تترتب آثار الملك في كل من العوضين، كالتهاتر فيه، وجواز الحوالة عليه.

وكذا انعتاق العبد لو كان ثمناً وكان ينعتق على المشتري.

وحينئذٍ لا يحتاج للقبض، لخروج العوض عن الملك لو كان ثمناً بالأمور المذكورة من التهاتر

(1) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 10 من أبواب السلف حديث: 1.

وبطل في الباقي (1).

والانعتاق وغيرهما.

ويخرج الفرض عن المتيقن من الإجماع على وجوب قبض الثمن.

فلاحظ.

الثاني: قال في التذكرة: «لو كان رأس المال منفعة عبد أو دار مدة معينة صح، وكان تسليم تلك المنفعة بتسليم العين».

ونحوه في القواعد.

قال في جامع المقاصد: «وهذا وإن لم يكن تسليماً للخدمة والسكنى حقيقة فهو في حكم التسليم، إذ الممكن من تسليمها ليس شيئاً زائداً على ذلك».

لكنه إنما يتم لو ورد النص بجواز جعلها ثمناً في السلم، حيث يكشف ذلك عن اكتفاء الشارع الأقدس في تصحيح العقد بذلك، دفعاً للغوية النص المذكور.

أما حيث لا نص بذلك فدليل وجوب تسليم الثمن لو تم صالح لتخصيص العمومات القاضية بصحة جعلها ثمناً في السلف إلا مع استيفائها قبل التفرق.

فالعمدة في المقام: أنه لا إطلاق لدليل اعتبار قبض الثمن حقيقة، بحيث يمنع من جعل الثمن منفعة، لينهض بتخصيص العمومات المذكورة، بل يتعين البناء على جواز جعلها ثمناً وإن تعذر قبضها.

لكن مقتضى ذلك عدم شرطية قبضها حتى بتسليم العين.

إلا أن يدعى الإجماع على لزوم ذلك.

ولا يخلو عن إشكال.

(1) كما في الشرائع والنافع والتذكرة والقواعد وغيرها.

لنظير ما تقدم في الصرف.

ويؤيده مرسل دعائم الإسلام المتقدم عند الكلام في اعتبار قبض الثمن.

وحينئذٍ يجري ما تقدم هناك من ثبوت خيار تبعض الصفقة، كما صرح به غير واحد.

وما تقدم هناك من الكلام في التفصيل فيه بين التفريط وعدمه جارٍ هنا.

فراجع.

هذا ولكن صرح في المبسوط بالبطلان في الجميع.

قال: «وإذا أسلم مائة درهم في كر من طعام، وشرط أن يجعل خمسين في الحال وخمسين درهماً إلى أجل، أو عجل خمسين وفارقه، لم يصح السلم في الجميع.

وإن شرط خمسين نقداً وخمسين ديناً له في

ولو كان الثمن ديناً في ذمة البائع فالأقوى الصحة (1)


ذمة المسلم إليه فلا يصح في الدين، ويصح في النقد».

ولم يتضح الوجه الذي اعتمده في عدم التبعيض في الفرض الثاني الذي هو المتيقن من محل الكلام، وهو ما إذا عجل خمسين وفارقه من دون شرط التأجيل مع التزامه بتبعضها في الفرض الثالث.

وأما عدم تبعضها في الفرض الأول وهو ما إذا شرط تأجيل البعض فهو المصرح به في السرائر والقواعد والتذكرة والتحرير واللمعة وجامع المقاصد.

وقد وجهه غير واحد بأن للتأجيل دخل في زيادة الثمن، فما يقابل المعجل أكثر مما يقابل المؤجل، وحيث كانت النسبة بينهما مجهولة، لزم جهالة مقدار المبيع الذي هو في مقابل المعجل.

وفيه مع أن النسبة قد لا تكون مجهولة: أنه لا يعتبر في تبعض الصفقة العلم حين العقد بالنسبة بين ما يصح العقد فيه وما لا يصح.

ولذا احتمل الصحة وتبعض الصفقة في الدروس والروضة.

وأما ما في الجواهر من احتمال كون الشرط في السلم استحقاق قبض جميع الثمن قبل التفرق، وهو غير قابل للتبعيض، لا مجرد فعلية القبض القابلة له.

فلا شاهد له، بل يدفعه عموم أدلة الصحة في العقود.

فلاحظ.

(1) كما في الشرائع والنافع وشروحه وكشف الرموز والتنقيح والرياض والتحرير وعن محكي إيضاح النافع.

بل حكاه في شروح النافع المتقدمة عن الشيخ (قده)، وإن لم نتحققه.

وهو مقتضى عمومات الصحة.

مضافاً إلى معتبر اسماعيل بن عمر: «أنه كان له على رجل دراهم، فعرض عليه الرجل أن يبيعه بها طعاماً إلى أجل، فأمر إسماعيل يسأله [من سأله.

يب].

فقال: لا بأس بذلك.

فعاد عليه إسماعيل فسأله عن ذلك، وقال: إني كنت أمرت فلاناً فسألك

عنها.

فقلت: لا بأس.

فقال: ما يقول فيها من عندكم‌؟ قلت: يقولون فاسد.

فقال: لا تفعله، فإني أوهمت»(1).

وهو صريح في المطلوب.

ولابد من حمل تراجعه (عليه السلام) عن ذلك على التقية.

ولاسيما مع سبقه بالسؤال عن فتوى العامة.

ثم إن ظاهرهم المفروغية عن عدم الحاجة لتعيين الدين ثم قبضه، ولو لما ذكر غير واحد من أنه بمنزلة المقبوض، وإن عرفت الإشكال فيه في المسألة الخامسة من الفصل السابق، وأن الدليل عليه النصوص المختصة بالصرف.

نعم قد يستفاد من تلك النصوص العموم للمقام، لظهورها في المفروغية عن عدم الحاجة إلى القبض المناسب لكون ذلك ارتكازياًَ لا يفرق فيه بين جميع موارد الحاجة إلى القبض.

مضافاً إلى أن الدليل في السلف على وجوب القبض لما كان هو الإجماع فالمتيقن منه غير المقام.

لكن صرح بالإشكال والتوقف في التذكرة والقواعد، وهو ظاهر الإيضاح.

بل قد تقدم من المبسوط المنع من جعل الدين ثمناً.

ونحوه في الخلاف والسرائر والمختلف والدروس واللمعة وجامع المقاصد وعن غيرها.

ونسبه في المسالك للأكثر، وهو الأشهر كما في الرياض، والمشهور كما في الحدائق.

لأنه من بيع الدين بالدين الذي ورد النهي عنه في معتبر طلحة بن زيد عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: لا يباع الدين بالدين (2) »، ومرسل دعائم الإسلام قال: «عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نهى عن الكالئ بالكالئ.

وهو بيع الدين بالدين»(3).

وأضاف إلى ذلك في الرياض صحيح منصور بن حازم: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الرجل طعام أو بقر أو غنم أو غير ذلك، فأتى المطلوب

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 8 من أبواب السلف حديث: 1، 2.

(3) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 15 من أبواب الدين والقرض حديث: 1.

الطالب ليبتاع منه شيئاً.

قال: لا يبيعه نسيئاً.

فأما نقداً فليبعه بما شاء»(1).

ولم يتضح وجه الاستدلال به، فإن النظر في النصوص الواردة في هذا الباب تناسب كون المراد به أن المطلوب لم يكن عنده ما يوفي الطالب ما له عليه من الطعام أو البقر أو الغنم، فأراد أن يشتري منه شيئاً نسيئة ثم يبيعه إياه نقداً، ويشتري بثمنه ما يوفيه، وهو المعبر عنه في النصوص بالعينة.

وهو أجنبي عما نحن فيه.

وقد حاول في الجواهر توجيه الاستدلال به بما اعترف بأنه غير تام.

ولعله لذا أمر في الرياض بعد ذكر الصحيح بالتأمل.

وأما ما تضمن النهي عن بيع الدين بالدين فهو كما ذكر غير واحد ظاهر في فرض كون كلا العوضين ديناً قبل البيع.

وحمله على ما إذا صارا معاً ديناً بالمعاملة بنحو تقتضي المعاملة التأجيل فيهما، كما في تأجيل ثمن السلف، أو صار أحدهما ديناً بها بحيث تقتضي تأجيله والآخر ديناً قبلها كما في المقام.

مخالف للظاهر ومحتاج للدليل.

وأشكل من ذلك حمله على الأعم من الكل، كما لا يبعد رجوع كلام من استدل به في المقام وفي مسألة عدم جواز تأجيل الثمن في السلف إلى ذلك، حيث يقرب الاتفاق على شموله للمعنى الذي ذكرناه، فالاستدلال به في الموردين المذكورين لابد أن يبتني على حمله على الأعم.

ووجه الإشكال فيه: أنه راجع لاستعماله في أكثر من معنى، لعدم الجامع بين المعاني المذكورة عرفاً.

ودعوى: وجود الجامع بينها، بأخذ عنوان الدين بنحو يعم المتلبس به فعلاً والمتلبس به في المستقبل.

مدفوعة: بأن أخذ العنوان بالنحو المذكور يقتضي العموم لما إذا كان العوض كلياً معجلاً، لأنه يصير بالعقد ديناً في الذمة إلى حين التسليم، ولا إشكال في قصور بيع الدين بالدين عنه.

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 6 من أبواب أحكام العقود حديث: 8.

(311)

فلابد في إرادة ما نحن فيه والسلف الذي يؤجل فيه الثمن من قصر الدين الذي يترتب على العقد على خصوص ما إذا اقتضى العقد تأجيله بحيث يشترط فيه ذلك، ولا جامع عرفي بين الدين الفعلي واشتراط التأجيل.

ومن هنا لا مخرج عما سبق.

ثم إنه صرح غير واحد ممن ذهب إلى الجواز بالكراهة.

وقد يوجه تارة: بأنه يشبه بيع الدين بالدين.

وأخرى: بالخروج عن شبهة الخلاف.

والأول أشبه بالاستحسان منه بالاستدلال.

والثاني لا يقتضي الكراهة الحقيقية، بل حسن الاحتياط، كما هو ظاهر.

هذا كله إذا أخذ الدين بنفسه ثمناً، أما إذا أطلق الثمن بعنوان كلي، كمائة درهم، فقد صرح في اللمعة والروضة والمسالك بجواز المحاسبة عليه من الدين الذي للمشتري على البائع.

بل في الأخيرين أنه إنما يحتاج للمحاسبة مع اختلافهما في الجنس أو الوصف، أما مع اتفاقهما فيهما فالمتعين حصول التهاتر القهري بينهما.

لكن في الدروس: «ويلزم منه كون مورد العقد ديناً بدين.

ويشكل صحته».

وهو كما ترى! لفرض كون الثمن هو الكلي الصادق على غير الدين.

والتهاتر القهري بين الدينين مع الاتفاق في الجنس والوصف حكم عقلائي شرعي ليس من سنخ المعاملة والمعاوضة.

ويؤيد ما ذكرنا في معتبر علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام): «سألته عن السلم في الدين.

قال: إذا قال: اشتريت منك كذا وكذا بكذا وبكذا فلا بأس»(1).

فإنه إن حمل على كون الثمن الذي تضمنه العقد نفس الدين كان دليلاً على الجواز في مسألتنا بنحو يغني عن التهاتر القهري، وإن حمل على كون الثمن المذكور كلياً ينطبق على الدين كما هو مقتضى الجمود على حاق العبارة كان مما نحن فيه.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 8 من أبواب السلف حديث: 3.

إذا كان الدين حالاً، لا مؤجلاً (1).

وأما المحاسبة بينهما مع الاختلاف فهي ليست بيعاً، ليكون من بيع الدين بالدين، بل هي نحو من الصلح.

على أن جوازها منصوص عليه في معتبر عبيد بن زرارة: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له عند الصيرفي مائة دينار، ويكون للصيرفي عنده ألف درهم، فيقاطعه عليها.

قال: لا بأس»(1).

نعم استشكل في ذلك كله في الجواهر بعدم وضوح ملكية ثمن السلف قبل القبض، ليكون مورداً للتهاتر ومورداً للمحاسبة.

وقد يشير إلى ذلك ما في المسالك من أنه معاوضة على ثمن السلم قبل قبضه.

لكنه قال في دفع ذلك: «ومثل هذا التقاص والتحاسب استيفاء، لا معاوضة».

وهو كما ترى! إذ لا ريب في عدم كونهما قبضاً حقيقياً يتحقق به شرط السلم.

بل يتوقف تحققهما على ملكية الطرفين للدينين، ولا موضوع لهما مع عدم ملكية أحدهما.

فالعمدة في دفع ما ذكره في الجواهر ما تقدم في ذيل الكلام في وجوب قبض الثمن في السلف من أن الظاهر ملكية العوضين فيه بالعقد، والمتيقن من دليل وجوب القبض وهو الإجماع لو تم بطلان العقد بالتفرق قبل القبض بعد صحته وترتب الملكية عليه.

ويؤيد ذلك ظهور جملة من كلماتهم ومنها ما سبق في عدم توقف حصول الملك على القبض.

ولو فرض حمله على الصرف في توقف الملك على القبض فقد سبق أنه لا حاجة للتقابض في الصرف إذا كان كلا العوضين في ذمة شخص واحد.

فلاحظ.

(1) إذ لو كان مؤجلاً يلزم بيع ما يصير ديناً بالبيع بما هو دين قبل البيع مع كونهما معاً مؤجلين.

وقد منع منه (قده) في المسألة السابعة من كتاب الدين.

والكلام في ذلك موكول لكتاب الدين.

ولو تم أمكن التخلص من ذلك بجعل الثمن كلياً

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 4 من أبواب الصرف حديث: 3.

(313)

الخامس: تعيين اجل مضبوط

الرابع: تقدير المبيع ذي الكيل أو الوزن أو العد بمقداره (1).

الخامس: تعيين أجل مضبوط للمسلم فيه بالأيام أو الشهور أو السنين أو نحوها.

ولو جعل الأجل زمان الحصاد أو الدياس أو الحضيرة بطل البيع (2).

ويجوز فيه أن يكون قليلا كيوم ونحوه وأن يكون كثيراً


معجلاً، ثم المحاسبة عليه بالدين المؤجل، بناءً على ما سبق آنفاً.

ولا مجال للتهاتر هنا، لعدم جريانه مع الاختلاف في الأجل.

(1) كما هو ظاهر السرائر وحكي عن ابن الجنيد.

ويظهر الوجه فيه مما تقدم في الشرط الثاني.

وتقدم أنه يجب ذكر المساحة فيما يتقدر بها.

وربما يريد (قده) بالمعدود ما يعمّ ذلك.

هذا ولكن في المبسوط: «وكل ما أنبتته الأرض لا يجوز السلم فيه إلا وزناً.

.

.

ويجوز السلف في الجوز والبيض وزناً.

وكذا في اللوز والفستق والبندق وزناً وكيلاً ولا يجوز عدداً».

كما منع في الخلاف من السلف عدداً في الجوز والبيض والبطيخ.

وصرح بعدم جواز السلف في المعدودات عدّاً في الغنية والشرائع والنافع وغيرها.

وخصه في التذكرة والمختلف بما يدخل منها تحت الوزن.

ويظهر من القواعد أن المعيار في المنع والجواز على كثرة التفاوت وقلته.

ولعله الأنسب بما تقدم في الشرط الثاني.

فلاحظ.

(2) بلا خلاف أجده بيننا، كما في الجواهر، وعن المفاتيح نفي الخلاف فيه.

وادعى الإجماع عليه في الخلاف والغنية وظاهر التذكرة ومجمع الفائدة ومحكي الكفاية.

وعن نهج الحق أنه مذهب الإمامية.

ويقتضيه النصوص الكثيرة الظاهرة في اعتبار كون الأجل معلوماً، كموثق سماعة أو صحيحه: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن السلم وهو السلف في الحرير والمتاع

كعشرين سنة (1).

الذي يصنع في البلد الذي أنت به.

قال: نعم إذا كان إلى أجل معلوم»(1).

فإنه حيث كان المتعارف ضبط مقادير الزمن بالأيام والشهور والسنين كان ظاهر اعتبار العلم بالأجل لزوم ضبطه بها وإن اختلفت قليلاً في القدر، بخلاف غيرها من الأحداث الزمانية المرددة الوقت.

مضافاً إلى معتبر غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا بأس بالسلم كيلاً معلوماً إلى أجل معلوم، ولا تسلمه إلى دياس ولا إلى حصاد»(2) ، ونحوه مرسلا دعائم الإسلام(3).

وقد استدل غير واحد مضافاً إلى ذلك بلزوم الغرر.

ويظهر الإشكال فيه مما تقدم في المسألة الأولى من الفصل الثامن في النقد والنسيئة.

(1) كما صرح بذلك في الجملة غير واحد، وفي المختلف أنه المشهور، وادعى في الخلاف الإجماع عليه.

ويقتضيه مضافاً إلى عمومات الصحة إطلاق نصوص المقام، ومنها ما تقدم.

وعن ابن الجنيد أنه لابد أن يكون ثلاثة أيام فصاعداً.

قال في المختلف: «احتج ابن الجنيد بأن الأجل لابد وأن يكون له وقع في الثمن، وأقله ثلاثة أيام.

والجواب المنع في المقدمتين».

وعنه أيضاً: «لا أختار أن يبلغ بالمدة ثلاث سنين، لنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع السنين».

لكن النبوي مع عدم وضوح دلالته على المدعى غير مروي من طرقنا، بل من طرق العامة(4).

نعم في معتبر أحمد بن محمد: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام) إني أريد الخروج إلى الجبال

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب السلف حديث: 4، 5.

(3) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 3 من أبواب السلف حديث: 1، 2.

(4) عن سنن أبي داود ج: 3

ص: 67 رقم الحديث: 3374. سنن ابن ماجة ج: 2

ص: 747 رقم الحديث: 2218. سنن النسائي ج: 7 ص: 294.

[الجبل].

فقال: ما للناس بد من أن يضطربوا سنتهم هذه.

فقلت له: جعلت فداك إنا إذا بعناهم نسية كان أكثر للربح.

قال: فبعهم بتأخير سنة.

قلت: بتأخير سنتين‌؟ قال: نعم.

قلت: بتأخير ثلاث‌؟ قال: لا»(1) ، وصحيح أحمد بن محمد بن أبي نصر المروي عن قرب الإسناد: «أنه قال لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إن هذا الجبل قد فتح على الناس منه باب رزق.

فقال: إن أردت الخروج فاخرج، فإنها سنة مضطرب، وليس للناس بد من معاشهم، فلا تدع الطلب.

فقلت: إنهم قوم ملاء ونحن نحتمل التأخير، فنبايعهم بتأخير سنة‌؟ قال: بعهم.

قلت: سنتين‌؟ قال: بعهم.

قلت: ثلاث سنين‌؟ قال: لا يكون لك شيء أكثر من ثلاث سنين»(2).

لكن لا يظهر من الأصحاب (رضي الله عنهم) التعويل على الحديثين في موردهما وهو النسيئة فضلاً عن التعدي منه للسلف، حتى الإسكافي، لظهور ما تقدم عنه في تعويله على النبوي لا عليهما.

على أن النظر في الحديثين يشهد بوحدة الواقعة التي تضمناها، لوحدة الراوي والمروي عنه وخصوصيات السؤال، وليس الاختلاف بينهما إلا في التعبير بسبب النقل بالمعنى.

ولا يظهر من الثاني النهي التعبدي الراجع للبطلان، بل المتيقن منه الإرشاد لتعرض المال للضياع بالتأخير ثلاث سنين، ومع ذلك لا مجال للتعويل على الأول الظاهر في النهي التعبدي بسبب التعارض بينهما في بيان الواقعة الواحدة.

مضافاً إلى أن شيوع الابتلاء بالمسألة المذكورة لا يناسب خفاء حكمها على جمهور الأصحاب، وتسالمهم على الخطأ فيه.

ومن هنا لا مخرج عما سبق.

وعلى ذلك قد يدعى أنه لا مانع من طول الأجل في النسيئة والسلف بنحوٍ يوثق أو يعلم بأنهما لا يعيشان إليه، كألف سنة، كما في المسالك ومفتاح الكرامة وعن غيرهما.

قال في المسالك في مبحث النقد والنسيئة: «للعموم، ولأن الوارث يقوم مقامهما.

لكن يحل بموت المشتري».

وهو يشير بذلك إلى ما ذكروه من أن المدين إذا

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 1 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 2.

مات حل دينه.

اللهم إلا أن يكون علمهما بذلك مانعاً من قصدهما اشتراط الأجل الخاص.

إلا أن يرجع لقصد اشتراط التأجيل حتى بعد الموت المستلزم لمخالفة الشرط للحكم الشرعي الموجبة لبطلانه.

على أن في شمول العموم لذلك إشكالاً، حيث لا يبعد انصرافه عما يعلم بعدم إدراكهما له.

فلاحظ.

بقي في المقام أمور: الأول: الظاهر أن تأجيل المبيع مأخوذ من مفهوم السلف عرفاً.

وما في كلام غير واحد من كونه شرطاً فيه قد يرجع إلى ذلك.

ويشهد به صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الطعام من الرجل ليس عنده، فيشتري منه حالاً.

قال: ليس به بأس.

قلت: إنهم يفسدونه عندنا.

قال: وأي شيء يقولون في السلم‌؟ قلت: لا يرون به بأساً يقولون هذا إلى أجل، فإذا كان إلى غير أجل وليس عند صاحبه فلا يصح.

قال: فإذا كان إلى غير أجل كان أجود [أحق].

..»(1) وقريب منه صحيحه الآخر(2).

بل نصوص اشتراط تعيين الأجل ظاهرة في أنها مسوقة لبيان اعتبار تعين الأجل وتحديده بعد الفراغ عن أصل أخذه في العقد، كما يظهر بسبرها.

وكأنه لأجل ذلك قيل بالبطلان لو كان المبيع حالاً، كما في النهاية والخلاف والسرائر وعن ابن أبي العقيل، بل في الخلاف دعوى الإجماع عليه.

لكن عدم صحته سلفاً لا ينافي صحته بيعاً معجلاً مع قصد التعجيل، لعموم صحة البيع.

ومجرد التعبير بالسلف أو السلم لا يمنع من ذلك، لرجوعه للتسامح في التعبير، وهو غير مانع من صحة العقد على النحو الذي وقع عليه وقصد.

وإلى ذلك يرجع ما ذكره غير واحد وإن كان ظاهر بعضهم أنه سلم حال.

ولا يأباه كلام الشيخ في المبسوط، حيث قال: «والسلم لا يكون إلا مؤجلاً، ولا يصح أن يكون حالاً.

وإن

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب أحكام العقود حديث: 1، 3.

كان الشيء موجوداً في الحال، فإنه لا يكون سلماً».

نعم لفظ السلم والسلف لما كان ظاهراً في التأجيل فإرادة الحلول منه تحتاج إلى عناية وقرينة، وبدونهما يكون ظاهر اللفظ إرادة التأجيل إلى أجل غير معين، فيبطل العقد.

وهو أمر آخر غير اشتراط الأجل في صحة العقد.

الثاني: ظاهر النصوص والفتاوى اشتراط تعيين المدة من حيثية المنتهى من دون نظر لتحديدها من حيثية المبدأ، لأن الأجل عرفاً هو منتهى المدة، لا تمامها، ومقتضى ذلك صحة العقد مع الجهل بزمان وقوعه إذا عين زمان الاستحقاق، كما لو أسلفه إلى عيد الفطر مع تردد زمان العقد بين أول شعبان ونصفه، أو مع خطئهما في تعيين زمان وقوعه.

نعم لو كان الوجه في اعتبار تعيين الأجل هو النهي عن بيع الغرر، فقد يتجه اعتبار تحديد المدة من حيثية المبدأ أو المنتهى معاً، حيث قد يكون ذلك دخيلاً في القيمة.

لكن سبق عدم نهوض ذلك بالاستدلال.

فلاحظ.

الثالث: صرح غير واحد بجواز التوقيت بشهور الروم والفرس.

وحيث كان المعيار هو العلم بالأجل فاللازم إناطة الجواز فيها وفي الأشهر العربية بتعارف التوقيت بها، بحيث يكون معلوماً عرفاً، وهو يختلف باختلاف الأمكنة والأعراف والأشخاص.

وكأن ما ذكره الشيخ في المبسوط من لزوم إسنادها إلى سنة هجرية ناشئ من عدم شيوع معرفة عدد سنيها في عصره (قده)، وإن شاع معرفة مواعيدها من السنة الهجرية بسبب ارتباط الفصول والزراعة بها.

أما في عصورنا وبلادنا فلا مجال لذلك، لمعروفية التوقيت بالسنين الرومية وشهورها.

بل قد يكون التوقيت في بعض الأعراف والأمكنة من بلادنا بالشهور والسنين العربية مهجوراً بحيث لا يوجب العلم بالأجل عرفاً، ولا يجزي في المقام.

السادس: امكان الدفع عند حلول الأجل

السادس: إمكان تعهد البائع بدفعه وقت الحلول (1) وفي البلد الذي


(1) إذ مع تعذر التعهد من البائع لا يتحقق شرط التسليم المعتبر في السلف.

ومن ثم كان هذا الشرط مستغني عنه بما تقدم من بيان معنى السلف، وتوقف صحته على تعيين الأجل المشروط، وإنما ذكره سيدنا المصنف (قده) لبيان عدم اشتراط كون المبيع عام الوجود حين الأجل.

لكن يظهر من بعض مشايخنا (قده) أن الشرط ليس إمكان التعهد بل القدرة على نفس الأمر المتعهد به.

حيث قال: «السادس: إمكان دفع ما تعهد البائع دفعه وقت الحلول.

.

.

».

وهو المناسب لما في الدروس وعن الكفاية من اشتراط القدرة على التسليم عند الأجل، وما في القواعد من إمكان وجوده حينه.

وقد جرينا على ذلك سابقاً.

ورتبنا عليه التفصيل فيما لو تعذر التسليم بحلول الأجل بين ما إذا انكشف عجزه عن التسليم رأساً، وما إذا انكشف قدرته عليه ولو بالقدرة على تحصيله قبل الأجل أو الاحتفاظ به إلى حين حلوله، وإن تعذر عليه بعد ذلك، لتقصيره بالتفريط به أو لخطئه في التقدير.

وأنه ينكشف بطلان السلف رأساً في الصورة الأولى، وصحته في الثانية وترتب الآثار الآتية عليه.

وتوضيح الكلام في ذلك: أنه لا إشكال في إمكان انشغال ذمة الإنسان وضعاً بما يتعذر عليه أداؤه، كما في الدين وموارد الضمان، وليس هو كالتكليف بالشيء يلغو مع تعذر أدائه، لتقومه بالعمل.

وحينئذٍ حيث كان السلف من صغريات البيع وكان مفاد البيع ملكية المبيع على البائع في مقابل ملكية الثمن على المشتري أمكن عقلاً صحته مع تعذر أداء المسلم فيه في وقته.

ومن هنا قد يوجه البطلان مع التعذر في المقام بوجوه: الأول: أخذ القدرة على التسليم شرطاً في صحة البيع، فمع فرض تعذر التسليم في الوقت المأخوذ في السلم يلزم بطلان العقد بتعذر شرط صحته.

(319)

لكن تقدم في المسألة الخامسة عشرة من الفصل الثالث في شروط العوضين عدم وضوح الدليل على شرطية القدرة على التسليم، بحيث يتوقف عليه صحة البيع، بل غايته لزوم الخيار بالتخلف فيما إذا ابتنى البيع على التسليم والتسلم حالاً.

أما في مثل المقام فظاهر الأدلة كفاية تعهد من له الأجل بالتسليم في الأجل(1).

ولذا ليس بناؤهم على بطلان بيع النسيئة إذا تعذر تسليم الثمن في وقته، مع أن القدرة على التسليم عندهم شرط في كلا العوضين، كما هو ظاهرهم في المقام أيضاً، على ما يأتي في المسألة الثامنة إن شاء الله تعالى.

الثاني: أن بيع السلف لا يبتني على مجرد تمليك المبيع بالعوض، ليتجه ما تقدم من إمكان انشغال الذمة بما يتعذر أداؤه، بل على تسليم المبيع في الوقت المحدد زائداً على ذلك، فمع تعذر أدائه في وقته لا مجال لصحة العقد ونفوذه، لتعذر القيام بمقتضاه، فيلغو جعله، كالتكليف بما يتعذر القيام به.

وفيه: أن ابتناء بيع السلف على تسليم المبيع في الوقت المحدد ليس لكونه مقوماً للعقد والبيع، بحيث يكون ركناً فيه يبطل ببطلانه، بل هو راجع إلى اشتراط ذلك زائداً على العقد.

ومن الظاهر أن بطلان الشرط لعدم القدرة عليه لا يوجب بطلان العقد، بل ثبوت الخيار فيه.

ومجرد توقف صحة العقد في المقام على الشرط المذكور لما تقدم من اعتبار تعيين الأجل لا يجعله ركناً في العقد يبطل ببطلانه.

ولذا ليس بناؤهم على ذلك في النسيئة إذا عجز المشتري عن أداء الثمن في الأجل، مع أنهما على نهج واحد.

بل سبق أنه ظاهرهم في المقام أيضاً.

الثالث: صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يجيئني يطلب المتاع، فأقاوله على الربح ثم أشتريه فأبيعه منه.

قال: أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك‌؟ قلت: بلى.

قال: فلا بأس به.

قلت: فإن من عندنا يفسده.

قال: ولِمَ؟

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 5 من أبواب السلف وغيرها.

قلت: قد باع ما ليس عنده.

قال: فما يقول في السلم قد باع صاحبه ما ليس عنده.

قلت: بلى.

قال: فإنما صلح من أجل أنهم يسمونه سلماً؟! إن أبي كان يقول: لا بأس ببيع كل متاع تجده في الوقت الذي بعته فيه»(1).

بتقريب أن مقتضى إطلاق ذيله اعتبار وجود المبيع في الوقت الذي يتعهد البائع تسليمه فيه حالاً كان أو مؤجلاً الراجع لاعتبار القدرة على تسليمه فيه.

وفيه: أن مقتضى الجمود على حاق عبارة الذيل المذكور فعلية وجدان البائع للمبيع حين البيع، لكن بقرينة المورد والنقض في كلام الإمام (عليه السلام) ببيع السلم يتعين حمله على اعتبار فعلية القدرة على المبيع حين البيع، لا حين تعهد البائع بالتسليم، فيختص ببيع الحال الذي هو مورد السؤال.

ومجرد نقض الإمام (عليه السلام) على العامة ببيع السلف لا يقتضي عموم الذيل له، ليتعين حمل وقت البيع فيه على الوقت الذي يتعهد البائع بتسليم المبيع فيه.

فهو نظير ما في صحيح عبد الرحمن الآخر عنه (عليه السلام): «قال: لا يسمي له أجلاً إلا أن يكون بيعاً لا يوجد، مثل العنب والبطيخ وشبهه في زمانه، فلا ينبغي شراء ذلك حالاً»(2).

على أنه لو تم الدليل بدواً على اعتبار قدرة البائع في السلف على تسليم المبيع في وقته فلابد من الخروج عنه بالنصوص المتضمنة أنه مع تعذر تسليم البائع المبيع عند حلول الأجل يجوز أخذ بدله من متاع آخر مع التراضي(3) ، والمتضمنة أن له انتظاره(4).

فإنها كالصريحة في عدم بطلان البيع، ولم يفصل فيها بين ما إذا كان تعذر التسليم طارئاً بعد القدرة عليه، وما إذا كان من أول الأمر، بحيث انكشف عجز البائع عن القيام بمقتضى عقد السلف.

بل في صحيح زرارة: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اشترى طعام قرية

(1و2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب أحكام العقود حديث: 3، 1.

(3) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 11 من أبواب السلف حديث: 5، 6، 8، 11.

(4) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 11 من أبواب السلف حديث: 14.

بعينها، قال: لا بأس.

إن خرج فهو له، وإن لم يخرج كان ديناً عليه»(1).

فإنه وإن لم يصرح فيه بالسلف، إلا أن بيع الثمر قبل خروجه ينحصر بوجهين: الأول: بيعه من دون أن يبتني على التسليم، كما يأتي في بيع الثمار سنة واحدة.

الثاني: بيع السلف.

وحيث لا مجال لحمله على الأول، لأنه لو صح يكون تلفه من مال المشتري، ولا يبقى ديناً على البائع، فيتعين حمله على الثاني.

وهو حينئذٍ صريح في فرض انكشاف عجز البائع عن تسليم المبيع في وقته، لفرض عدم وجوده، ومع ذلك لم يحكم فيه بانكشاف بطلان البيع واستحقاق المشتري الثمن، بل ببقاء المبيع وهو طعام القرية المذكورة ديناً على البائع يدفعه في السنين اللاحقة، المستلزم لصحة البيع.

فتأمل.

ومن هنا يتعين عدم اعتبار القدرة على تسليم المبيع في صحة السلف واقعاً.

نعم مع علم المتبايعين حين العقد بتعذر تسليم المبيع في وقته، أو بخروجه عن قدرة البائع، وإن كان قد يتيسر له صدفة يتعذر منهما القصد لاشتراطه التسليم في الوقت، فيلغو الشرط الذي هو المقوم للسلف، ولا يتيسر منهما القصد لذلك إلا مع البناء على قدرة البائع عليه عادة ولو مع ندرة وجوده، لما هو المعلوم من بناء العقلاء وسيرتهم على عدم التعويل في مقام العمل على احتمال طروء الموانع غير المحتسبة.

وكأنه إلى هذا يرجع ما ذكره سيدنا المصنف (قده) وما ذكره جماعة من اعتبار كون المبيع مأمون الانقطاع حين الأجل.

بل لا يبعد رجوع كلام من اعتبر القدرة أيضاً إلى ذلك، وأن مرادهم اعتقاد تحقق القدرة على التسليم بحلول الأجل، لا القدرة الواقعية، ولذا لم يظهر منهم عند الكلام فيما لو عجز البائع عن التسليم في الوقت التفصيل الذي أشرنا إليه آنفاً اللازم للقول باعتبار القدرة الواقعية.

بقي شيء.

وهو أنه يكفي في إمكان قصد المتبايعين للشرط تعهد البائع بالتسليم

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 13 من أبواب السلف حديث: 1.

شرط التسليم فيه إذا كان قد شرط ذلك (1).

سواء أكان عام الوجود أم نادره (2) فلو لم يمكن تعهد البائع به لعجزه عنه (3) ولو لكونه في سجن

في الأجل حتى مع علمه بالعجز عنه مع عدم علم المشروط له بذلك.

والظاهر الاكتفاء بذلك في صحة السلف.

لعموم أدلة نفوذ العقد، وإطلاق كثير من نصوص المقام، مثل ما تضمن جواز السلف إلى أجل معلوم وكيل معلوم(1) ، وما تضمن جوازه مع ضمان البائع للمبيع في الأجل(2) ، ونحوها.

(1) وإذا لم يشترط بلداً خاصاً لزم إحراز قدرته على تسليمه في البلد الذي يقتضيه الإطلاق، ويأتي الكلام فيه في المسألة الآتية.

(2) أشار (قده) بذلك إلى ما ذكره جماعة من لزوم كونه عام الوجود أو غالب الوجود عند حلول الأجل، كما في المبسوط والشرائع والنافع وموضع من التذكرة وعن نهج الحق، بل عنه أن ذلك مذهب الإمامية، ونفى الخلاف فيه في التحرير.

وهو المناسب لكلام كثير منهم حتى من لم يذكر الشرط المذكور أو اكتفى بالقدرة أو إمكان الوجود.

وعلى ذلك قال في التحرير: «فلا يجوز السلم في الفواكه إذا جعل الأجل وقت تعذرها.

وكذا لا يجوز إذا جعله إلى محل لا يعم وجودها فيه، كوقت أول العنب فيه أو آخر وقته»، ونحوه كلام غيره.

لكن لم يتضح وجهه.

إلا أن يرجع إلى ما أشرنا إليه من فرض ابتناء العقد على عدم إحراز قدرة البائع عليه عادة وإن أمكن قدرته عليه صدفة، حيث لا يتأتى من المتبايعين القصد لاشتراط التسليم، كما سبق.

(3) المعيار في تعذر الشرط اعتقادهما العجز، لا العجز الواقعي.

كما أنه سبق أنه يكفي في تعذر القصد إلى الشرط العلم بخروجه عن قدرة البائع بحيث لا يقع

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3، 6 من أبواب السلف.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 5 من أبواب السلف.

(323)

الكلام في اقتضاء العقد وجوب التسليم في مكان المطالبة

أو في بيداء لا يمكنه الوصول إلى البلد الذي اشترط التسليم فيه عند الأجل بطل.

(مسألة 3): إطلاق العقد يقتضي وجوب تسليم المسلم فيه في مكان المطالبة (1)،


تحت اختياره وإن كان قد يقدر عليه صدفة.

(1) لم يتضح الوجه في اقتضاء الإطلاق ذلك.

نعم هو مقتضى سلطنة المشتري على ماله، فله المطالبة به في أي مكان شاء، ولا يجوز حبسه عنه.

وقد يكون ذلك هو مراد سيدنا المصنف (قده)، بأن يرجع كلامه إلى أنه ليس في إطلاق العقد ما يقتضي الخروج عن مقتضى السلطنة.

وهو المناسب لما يأتي منه (قده) من عدم وجوب تعيين مكان التسليم في العقد، إذ لو فرض أن مقتضى الإطلاق هو التسليم في مكان المطالبة لم يبق موضوع لذلك، حيث يتضمن العقد بإطلاقه مكان التسليم.

ثم إنه لو تم ذلك فكما يقتضي وجوب التسليم على البائع عند مطالبة المشتري في أي مكان كان، كذلك يقتضي وجوب الاستلام والقبض على المشتري عند بذل البائع في أي مكان كان، لما سبق في أوائل الفصل الثامن في النقد والنسيئة إلى أنه ليس لصاحب الحق الامتناع من أخذ حقه إذا بذله له من عليه الحق.

هذا ويظهر من مساق جملة من كلمات الأصحاب (رضي الله عنهم) أن مقتضى الإطلاق التسليم في بلد العقد إذا لم تكن هناك قرينة صارفة عن ذلك، ونسب إلى ظاهر كلامهم في مجمع الفائدة.

بل هو المصرح به في القواعد والتذكرة والمختلف والتحرير والإرشاد واللمعة ومحكي غاية المرام وغيرها.

وفي مفتاح الكرامة أن عباراتهم قد طفحت بذلك، ونسبه في الإيضاح لنص الأصحاب.

وإن كان ظاهر الإيضاح وجامع المقاصد عدم البناء على ذلك.

بل هو لا يناسب ما يأتي من جماعة من وجوب تعيين موضع التسليم في العقد.

نعم في المسالك أنه لو لم نقل بوجوب ذلك تعين موضع العقد.

فأي مكان طالب فيه وجب تسليمه إليه فيه (1).

إلا أن تقوم قرينة على تعيين غيره فيعمل عليها.

والأقوى عدم وجوب تعيينه في العقد (2)، إلا إذا اختلفت الأمكنة في صعوبة التسليم فيها ولزوم الخسارة المالية بحيث يكون الجهل بها غرراً فيجب تعيينه حينئذ (1).

وكيف كان فمن القريب جداً كون مقتضى الإطلاق هو موضع العقد.

إذ بعد اختلاف الأغراض في ذلك، واختلاف مؤن النقل كثيراً بنحو لا يناسب الرضا بالإطلاق، المستلزم لجواز المطالبة في أي موضع اختاره المشتري ووجوب الاستلام في أي موضع اختاره البائع، يتعين انصراف الإطلاق إلى موضع خاص، ووقوع العقد في موضع موجب لرجحانه على غيره بنحو ينصرف الإطلاق إليه بعد ما سبق من عدم كون المراد منه إيكال الأمر للمشتري.

(1) هذا إنما يتجه إذا كان ظرف (فيه) متعلقاً بقوله: «وجب».

لما سبق من أن مقتضى قاعدة السلطنة جواز مطالبة الإنسان بماله في أي موضع شاء وعدم جواز حبسه عنه.

أما إذا كان متعلقاً بقوله: «تسليمه إليه» فلا وجه له.

فإذا طالب فيه في مكان ثم انتقل منه لمكان آخر أو كان له وكيل فيه كفى تسليمه له في المكان الثاني خروجاً عن حرمة حبس المال عن صاحبه.

وليس له المطالبة بتسليمه في المكان الأول، لعدم المنشأ لاستحقاقه ذلك، ليطالب به، ويستجاب له.

وكذا الحال في حق المشتري لو عرض عليه البائع الاستلام.

نعم إذا كان مقتضى الإطلاق التسليم في بلد المطالبة اتجه وجوب التسليم فيه حتى مع فرض الانتقال عنه.

لكن سبق عدم المنشأ لذلك.

فلاحظ.

(2) كما في السرائر والشرائع والإرشاد وجامع المقاصد وظاهر اللمعة.

بل قد يستفاد من كل من لم يذكره في شروط السلف، كما في النهاية والنافع وغيرهما.

ونفى الخلاف فيه في السرائر.

وقد يستدل له بعدم تعرض نصوص السلف لاشتراط ذلك.

وصرح بوجوب ذكره في الخلاف والغنية والدروس، مدعياً في الغنية الإجماع عليه.

وفي المبسوط: «ويجب أن يذكر موضع التسليم.

وإن كان لحمله مؤنة وجب ذكره، وإن لم يكن به مؤنة لا يجب ذلك، وكان ذكره احتياطاً» وظاهره أن ذكر موضع التسليم إنما يجب إذا كان لحمله مؤنة.

وقريب منه في الوسيلة، وفي التحرير: «وهو عندي جيد».

وظاهر التذكرة والقواعد والمختلف والتنقيح وجوب ذكره إذا قامت القرينة على عدم إرادة مقتضى الإطلاق، الذي هو عندهم موضع العقد.

والذي ينبغي أن يقال: بناءً على أن الإطلاق يقتضي مكاناً معيناً فلا وجه لوجوب ذكر موضع التسليم، لإغناء الإطلاق عن ذكره من دون فرق بين ما إذا كان حمله أو نقله محتاجاً لمؤنة وعدمه، لإقدام البائع بمقتضى الإطلاق على تحمل المؤنة.

ومعه لا وجه للتنازع، الذي قد يستدل به لوجوب ذكر موضع التسليم.

إذ هو فرع عدم الإقدام على الأمر الذي لا يرغب فيه.

وإن علم بعدم إرادة الإطلاق، أو قامت القرينة على ذلك، لزم تعيين موضع التسليم.

لأن ذلك إن رجع إلى قصد كل منهما أمراً خاصاً، فمع عدم اتفاقهما في المراد يلزم عدم التطابق بين الإيجاب والقبول المبطل للعقد.

وإن رجع إلى الإهمال والغفلة عن تحديد المراد لزم إبهام التسليم المستحق وعدم تحديده واقعاً، وهو مبطل للمعاملة، لامتناع استحقاق المبهم.

ومجرد عدم تعرض النصوص لذلك لا يكفي في البناء على عدمه بعد قرب صلوح الإطلاق لتعيين مكان التسليم، وغلبة التعيين منهما له عند عدم إرادة مقتضى الإطلاق.

فهو نظير عدم تعرض النصوص لوجوب تعيين الثمن في السلف، حيث لا ينهض شاهداً بعدم وجوب تعيينه.

وبذلك يظهر أن أقوى الأقوال المتقدمة هو الأخير.

المعيار في الشهر المضروب اجلاً

يكون الجهل بها غرراً فيجب تعيينه حينئذ (1).

(مسألة 4): إذا جعل الأجل شهراً أو شهرين، فإن كان وقوع المعاملة في أول الشهر فالمراد الشهر الهلالي (2)، وإن كان في أثناء الشهر فالمراد من الشهر ثلاثون يوماً، ومن الشهرين ستون يوماً، وهكذا (3).


(1) كأنه لئلا يكون البيع غررياً.

لكن تقدم منّا غير مرة المنع من عموم النهي عن بيع الغرر كبروياً.

كما أنه لو فرض أن مقتضى الإطلاق هو التسليم عند المطالبة فالبائع قد أقدم على مثل هذا التردد وعين الثمن المناسب له، كما لو صرح بذلك، أو صرح بموضع خاص تختلف مؤنة النقل إليه زيادة ونقيصة تبعاً لاختلاف العوامل المتوقعة من حرّ أو برد أو مطر أو غيرها، وكما تختلف قيمة نفس المبيع المعين في الوقت المعين ومؤنة تحصيله على البائع باختلاف العوامل المتوقعة كثيراً.

ولا يظن منهم البناء على مانعية التردد في جميع ذلك من صحة البيع من أجل لزوم الغرر.

(2) الكلام في ذلك بعد الفراغ عن كون المراد بالأشهر في أجل السلف هي الأشهر الهلالية، بسبب شيوع إرادتها والتوقيت بها في البلاد الإسلامية في العصور السابقة.

أما في عصورنا فقد شاع التوقيت بالأشهر الشمسية.

وحينئذٍ يجري فيها نظير الكلام الآتي في الأشهر العربية.

إذا عرفت هذا فما ذكره سيدنا المصنف (قده) من أنه إذا وقعت المعاملة في أول الشهر يتعين الشهر الهلالي دون العددي وهو الثلاثين هو المصرح به في كلام غير واحد، ونفى الخلاف فيه في مفتاح الكرامة، وظاهر خلافهم الآتي المفروغية عنه.

وفي الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه.

بل ظاهرهم أنه المعنى الحقيقي للشهر.

بل هو المراد مما في التذكرة من أن الشهر الشرعي ما بين الهلالين.

إذ من المعلوم عدم الحقيقة له شرعاً».

وما ذكره متين جداً.

(3) كما احتمله في القواعد، ولم يستبعده في المختلف.

وقد وجهه السيد عميد

(327)

الدين الأعرجي على ما في بعض نسخ كنز الفوائد بأن الشهر حقيقة في عدة ما بين هلالين أو ثلاثين يوماً.

وقد تعذر المعنى الأول، لأن تتمة كل شهر من الشهر الذي يليه هو المتبادر، فلا يتم شهر هلالي، ويتعين الرجوع للعدد.

وفي الشرائع أن الأشبه هو الرجوع للأشهر الهلالية التامة، ويتم المنكسر ثلاثين يوماً بعدها فإذا كان الأجل ثلاثة أشهر مثلاً ووقع العقد في أثناء الشهر يكون الأجل الشهرين الهلاليين اللذين بعده، وثلاثين يوماً ملفقة من الشهر الذي وقع فيه العقد والشهر الرابع.

وعليه جرى في التذكرة والتحرير والإيضاح والدروس والمسالك والروضة وغيرها، ونسبه في المسالك للأكثر.

قال في التذكرة: «لأن الشهر الشرعي هو ما بين الهلالين، إلا أن في الشهر المنكسر لابد من الرجوع إلى العدد، لئلا يؤخر أمد الأجل عن العقد».

لكن تأخير أمد الأجل عن العقد ممكن في نفسه، وقد التزم الأصحاب بنظيره في خيار الحيوان لو وقع العقد ليلاً، وفي حساب مدة الحيض والنفاس لو حاضت المرأة أو ولدت ليلاً، للبناء على أن المراد بالأيام فيها ما يقابل الليل.

وهو راجع في الحقيقة إلى زيادة الأجل.

نعم هو مخالف للظاهر، بل لا ينبغي الإشكال في عدم البناء عليه في المقام، للقطع بعدم قصد المتعاقدين له.

لكن الخروج عنه بما سبق من التذكرة من التلفيق بعيد في نفسه، لأنه مستلزم لتتميم الشهر الأول المنكسر من الشهر الأخير المنفصل عنه، مع أن الظاهر عرفاً تتميم الشهر المنكسر من الشهر المتصل به، كما تقدم من السيد الأعرجي.

وأما دعوى: أنه يلزم الخروج عن ذلك من أجل الحفاظ على الشهر الهلالي مهما أمكن.

فهي مندفعة بأنه لا يتضح كون الحفاظ على الشهر الهلالي أهم من الحفاظ على تتميم الشهر مما يليه ويتصل به.

وأما ما ذكره في المسالك وغيره من أنه لو وقع العقد في نصف الشهر مثلاً ومضى بعد ذلك شهران هلاليان يصدق عرفاً أنه مضى من الأجل شهران ونصف

حتى لو كانت الأشهر الثلاثة ناقصة، حيث يشهد ذلك ببناء العرف على الرجوع للشهر الهلالي مهما أمكن، لا للشهر العددي في الجميع.

فهو وإن كان مسلماً، إلا أنه لو مضى في الفرض المذكور نصف من الشهر الثاني يصدق عرفاً أيضاً أنه مضى شهر واحد، لا أنه مضى نصفا شهرين من دون أن يتم شهر، وهذا يشهد أيضاً ببناء العرف على تتميم الشهر الأول المنكسر من الشهر المتصل به، لا من الشهر المنفصل عنه بالشهرين الهلاليين.

مضافاً إلى الإشكال في القول المذكور بأنه يبتني على التفريق بين الأشهر، حيث يراد في واحد منها العددي وفي الباقي الهلالي، مع أنها مسوقة في كلام المتعاقدين - الذي عليه المعول في تحديد المراد بالأجل - في مساق واحد.

ومن هنا كان الوجه الأول أوفق بالسياق من هذا الوجه، لما فيه من حمل الشهور على معنى واحد.

وإن شئت قلت: بعد فرض تعذر حمل الشهور في كلام المتعاقدين بأجمعها على الهلالية الذي هو الأصل الأولي فحملها بأجمعها على الأشهر العددية كما هو مقتضى الوجه الأول أولى عرفاً من التفكيك بينها كما هو مقتضى هذا الوجه لأنها مسوقة في كلام المتعاقدين في مساق واحد.

نعم مقتضى الوجه الأول أنه لو وقع العقد في اليوم الثاني من الشهر وكان الأجل عشرة أشهر مثلاً لم يتم الأجل إلا في اليوم السادس أو السابع أو الثامن من الشهر الحادي عشر، لنقص ما يقرب من نصف الأشهر المذكورة، مع إباء العرف ذلك جداً.

مضافاً إلى الإشكال في الوجهين معاً بأن تحديد المراد من الشهر في المقام تابع لقصد المتعاقدين ولو ارتكازاً، وليس هو أمراً تعبدياً، كتحديد زمان خيار العيب وأقل الحيض وأكثره ونحو ذلك.

وحينئذٍ حيث سبق الاتفاق على أنه لو وقع العقد في أول الشهر فالمرجع هو الأشهر الهلالية، لزم اختلاف مراد المتعاقدين من الشهر باختلاف وقت إيقاع العقد، وهو من أبعد البعيد.

ولاسيما أن الفرق بين أول الشهر وأثنائه قد يكون قليلاً جداً، كأول الليلة ونصفها، بل قد يدعى صدق الأثناء بمضي ساعة أو ساعتين منها، مع أن المتعاقدين قد يغفلان عن تحديد وقت العقد ومضي المدة المذكورة حين وقوعه، ليتجه اختلاف مقصودهما من الشهر باختلاف وقت إيقاع العقد.

مع أن ذلك لو جرى في الشهر جرى في السنة، لأن السنة الهلالية اثنا عشر شهراً هلالياً، تبدأ بمحرم وتنتهي بذي الحجة.

فإذا تعذر حساب السنة كاملة لوقوع العقد في أثناء السنة كيف يكون الحساب، خصوصاً إذا وقع في أثناء شهر هلالي منها، فهل تحسب شهورها عددية أو هلالية أو مختلفة‌؟!.

ومن هنا كان التحقيق عدم تمامية مبنى كلا الوجهين، وهو اختلاف المراد من الشهر عرفاً، تبعاً لاختلاف وقت العقد، وأنه قد يكون عددياً وقد يكون هلالياً، إذ الظاهر أن الشهر عرفاً ليس إلا الهلالي، كما أن الشهر الفارسي يبتني على البروج، والشهر الغربي يبتني على تقسيم مصطلح خاص، وإن كانت الأشهر فيها بأجمعها تختلف في عدد الأيام.

غاية الأمر أن الأصل في الشهر الهلالي أن يكون ثلاثين يوماً، ولا يبنى على النقص فيه إلا بظهور الهلال قبل إكمال الثلاثين يوماً.

وهو أمر آخر غير الاختلاف في المراد من الشهر.

نعم بناء العرف في مقام التوقيت على الاكتفاء بالتلفيق مع حصول الأمر المؤقت في أثناء الوحدة الزمانية، كالساعة واليوم والأسبوع والشهر والسنة وغيرها، فيتمم الناقص ما بعده بمقدار ما نقص منه.

وهذا بخلاف مقام التوصيف، حيث لابد من قصر الوصف على تمام المدة أو بعضها على اختلاف الحال.

فإذا استمر الحر من نصف شهر رجب إلى نصف شهر رمضان صح أن يقال: استمر الحر شهرين.

أما إذا أريد بيان الأشهر الحارة فلا يقال: شهران من هذه السنة حاران، بل الحار هو شهر واحد وهو شعبان ونصفي شهرين وهما رجب ورمضان، كما ذكرنا نظير ذلك

في خيار الحيوان.

وعليه جرى الأصحاب هناك في كثير من أبواب الفقه.

وعلى ذلك يتعين أن يكون الأجل في المقام بالشهر الهلالي لا غير، سواء وقع العقد في أول الشهر أم في أثنائه.

غايته أنه في الصورة الثانية يتمم الشهر الذي وقع فيه العقد مما بعده بمقدار ما نقص منه، وهكذا الحال في بقية الشهور مهما كثرت، ولا يكون شيء منها عددياً، فإذا كان الأجل شهراً واحداً أو شهرين أو شهوراً ووقع العقد في اليوم الخامس من الشهر ينتهي باليوم الخامس من الأشهر اللاحقة مهما كان عدد الشهور وإن صادف نقص بعضها أو كثير منها.

والظاهر أن عمل العرف على ذلك في المقام ونحوه، ومنه الإجارة.

وبه تشهد النصوص في الجملة ففي حديث الفضيل بن عياض: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحج الأكبر، فإن ابن عباس كان يقول: يوم عرفة.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: الحج الأكبر يوم النحر.

ويحتج بقوله عز وجل: (فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) وهي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيع الأول وعشر من ربيع الآخر.

ولو كان الحج الأكبر يوم عرفة لكان أربعة أشهر ويوماً»(1) ، ونحوه في تحديد أشهر السياحة التي تضمنتها الآية الشريفة غيره(2).

وإلى ذلك انتهى أخيراً في المبسوط.

قال: «وإن قال: إلى خمسة أشهر جاز أيضاً.

.

.

فإن لم يكن مضى من الهلال شيء عدّ خمسة أشهر.

وإن كان قد مضى من الهلال شيء حسب ما بقي ثم عدّ ما بعده بالأهلة، سواء كانت ناقصة أو تامة، ثم أتم الشهر الأخير بالعدد ثلاثين يوماً، لأنه فات الهلال.

وإن قلنا: إنه يعد مثل ما فات من

(1) الكافي ج: 4

ص: 290 كتاب الحج باب الحج الأكبر والأصغر حديث: 3.

(2) الكافي ج: 4

ص: 290 كتاب الحج باب أشهر الحج حديث: 3. من لا يحضره الفقيه ج: 2

ص: 278 باب أشهر الحج وأشهر السياحة والأشهر الحرم حديث: 4. وراجع بحار الأنوار ج: 21 باب نزول سورة براءة.

(مسألة 5): إذا جعل الأجل جمادى أو ربيعاً حمل على أولهما (1) من


الشهر الهلالي كان قوياً».

ومال إليه في الجواهر، وجرى عليه بعض مشايخنا (قده).

وذكره في الشرائع أولاً، وإن عدل عنه وجعل الأشبه الثاني كما تقدم.

وقد يستفاد ممن أطلق أن المعيار في الأشهر هي الهلالية، كما في اللمعة.

بقي شيء.

وهو أن التتميم من الشهر اللاحق ليس بلحاظ الكسر المشاع كالنصف والثلث، بل بلحاظ عدد الأيام، فإذا وقع العقد في آخر اليوم الخامس عشر من الشهر، وكان ذلك الشهر تاماً فلا يتم الشهر الملفق إلا بمضي اليوم الخامس عشر من الشهر اللاحق حتى لو كان اللاحق ناقصاً يتم نصفه قبل ذلك، لأن ذلك هو المفهوم، وعليه العمل عرفاً.

(1) كما في المبسوط والشرائع والتحرير والإرشاد والإيضاح والدروس، ومال إليه في جامع المقاصد، وفي الإيضاح أن الأصحاب نصوا على ذلك.

لكن تردد فيه في القواعد.

بل ظاهر التذكرة المنع.

وقد يوجه بالاشتراك بينهما لفظاً، والمشترك لا يتعين لأحد معانيه إلا بالقرينة.

ودعوى: أن الأجل لما علق على الاسم المعين فهو يصدق بالأول.

مدفوعة بأن الأجل لم يعلق على الاسم، بل على المسمى، والمفروض تعدده المستلزم لتردد المراد.

لكن منع في الجواهر من الاشتراك اللفظي.

قال: «ضرورة أنهما من المشترك المعنوي، إذ معنى الأول كل ثلاثين بين صفر وجمادى في كل سنة، والثاني كل ثلاثين بين ربيع الثاني ورجب في كل سنة».

فإن تم ذلك كان مقتضى الإطلاق هو حصول الأجل بالأول منهما، لتحقق عنوان المطلق به.

وما في الجواهر من عدم رجوعه بعد التأمل إلى محصل يعتمد عليه.

غريب جداً.

نعم الظاهر عدم تماميته، وأن الاشتراك في المقام لفظي، لعدم التفات العرف

تلك السنة (1).

وحلّ بأول جزء من ليلة الهلال (2).

وإذا جعله الجمعة أو الخميس حمل على الأول من تلك السنة (3).

وحل بأول جزء من نهار


للجامع الذي ذكره، فضلاً عن أن تكون التسمية بلحاظه.

فالعمدة في المقام هو الانصراف عرفاً للأول في المقام ونظائره مما يستوي فيه أطراف الترديد في الاشتهار والابتلاء في مقام العمل.

وقد يكون منشؤه غلبة كون الأول هو الأسبق في التسمية مدة من الزمن، بحيث انفرد بها من دون أن يحتاج إلى التمييز، وصار هو المفهوم من الإطلاق، بخلاف ما بعده، حيث يحتاج للتمييز من أول الأمر.

وصارت هذه الغلبة هي المنشأ في فهم الأول من الإطلاق دائماً حتى في مثل ما نحن فيه مما لم يكن الأول أسبق في التسمية.

فلاحظ.

(1) الظاهر عدم الإشكال فيه بينهم.

لما يأتي عند الكلام فيما لو جعل الأجل الجمعة أو الخميس.

(2) لدخول الشهر بها عند العرف الذي عليه المعول في تحديد مفاهيم الألفاظ.

وفي خبر عمر بن يزيد: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أن المغيرية يزعمون أن هذا اليوم لهذه الليلة المستقبلة.

فقال: كذبوا.

هذا اليوم لليلة الماضية.

إن أهل بطن نخلة حيث رأوا الهلال قالوا: قد دخل الشهر الحرام»(1).

نعم يكون تعارف مزاولة الأعمال ومنها التجارية في النهار قرينة على حمل الأجل على إرادة اليوم الأول من الشهر، وفي الوقت الذي يتعارف مزاولة العمل فيه.

(3) بلا خلاف أجده.

كذا في الجواهر، وفي الإيضاح أن الأصحاب نصوا على ذلك، وعليه جرى في التذكرة والقواعد مع توقفهما في سابقه كما تقدم.

وكأنه للإطلاق، حيث لا ريب في الاشتراك اللفظي هنا.

لكنه يتجه إذا جيء بهما نكرتين، كما إذا قيل: إذا جاء يوم جمعة أو خميس حل

(1) وسائل الشيعة ج: 7 باب: 8 من أبواب أحكام شهر رمضان حديث: 7.

(333)

الكلام في جواز بيع ما اشراه سلفاً قبل حلول الأجل

اليوم المذكور (1).

(مسألة 6): إذا اشترى شيئاً سلفاً لم يجز له بيعه قبل حلول الأجل (2)،

الأجل.

وهو مع ندرته في المحاورات خارج عن مفروض كلامهم.

وأما مع التعريف فإنما يتم الإطلاق إذا كانت اللام للجنس، وهو بعيد جداً، بل الظاهر أنها للعهد الشخصي.

وحينئذٍ يرجع المدعى إلى أن العهد ينصرف للأقرب.

والوجه فيه: أن المتعاملين بعد أن كانا في مقام تحديد الأجل بالعهد، فإن كان بينهما عهد خاص نحو الفرد القريب أو غيره فالعمل عليه، وإن لم يكن بينهما عهد نحو فرد معين كما هو محل الكلام فالقرب جهة صالحة لترجيح القريب ذهناً بنحو ينصرف العهد إليه، وإلا لم يحصل التحديد.

ولاسيما مع عدم وجود حدّ للبعد صالح لأن يعهد، حيث لا نهاية للأفراد البعيدة.

ومن ذلك يظهر الوجه في انصراف الشهر كمحرم وربيع وجمادى الأولى أو الثانية إلى الأقرب، لأن قرينة التحديد تلزم بإرادة فرد معين، والقرب جهة صالحة للترجيح الموجب للانصراف.

فلاحظ.

(1) لأن عناوين أجزاء الأسبوع أسماء للأيام عرفاً.

وإرادة الليالي تحتاج إلى إضافة الليلة للعنوان، فيقال: ليلة الجمعة مثلاً.

(2) كما في النهاية والمراسم والغنية والسرائر والشرائع والنافع والتذكرة والقواعد والدروس وغيرها.

واقتصر في المقنعة على المنع من بيعه على بائعه قبل حلول الأجل بزيادة أو نقصان، من دون تعرض لبقية فروض المسألة.

كما اقتصر في المبسوط على المنع من بيعه على غير البائع، حيث قال: «إذا أسلف في شيء فلا يجوز أن يشرك فيه غيره، ولا أن يوليه».

وقريب منه في الخلاف.

بل صرح في الوسيلة بجواز بيعه على البائع قبل الأجل.

هذا ولا ينبغي الإشكال في أن مقتضى العمومات صحة البيع، ولابد في

الخروج عنها من دليل.

وأما ما يظهر من الرياض من احتمال كون الأجل شرطاً في ملكية المشتري الأول للمبيع، لا في استحقاقه للمطالبة به فقط، ومع عدم ملكيته له لا يصح بيعه له.

ففيه: أن ملكية العوضين بالعقد من الوضوح بحد يغني عن إطالة الكلام فيه.

ومن هنا يتعين النظر في دليل المنع.

وقد يستدل عليه: تارة: بعدم القدرة على التسليم حين البيع.

بل ولا عند حلول الأجل، لأنه تابع لاختيار البائع الأول، لا لاختيار البائع الثاني.

وأخرى: بأنه من بيع ما لم يقبض.

وثالثة: بالنبوي:

«من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» (1) ، والآخر: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره»(2).

ورابعة: بالإجماع.

قال في الجواهر: «للإجماع المحكي في التنقيح وظاهر الغنية وجامع المقاصد وغيرها وعن كشف الرموز، إن لم يكن محصلاً.

بل لعله كذلك.

ولا يقدح ظاهر ما في الوسيلة...

بعد سبقه بالإجماع ولحوقه به، فضلاً عن خلاف بعض متأخري المتأخرين».

ويندفع الأول مع اختصاصه بالبيع على غير البائع بأن القدرة على التسليم حين البيع لو كانت شرطاً فهي شرط في المبيع إذا ابتنى البيع على تعجيل التسليم، دون ما إذا ابتنى على الانتظار إلى حلول الأجل، كما هو محل الكلام.

وأما القدرة على التسليم عند حلول الأجل فيكفي فيها الوثوق بتسليم البائع الأول، كما صح بيع السلف نفسه بوثوقه بقدرته على تسليم المبيع في وقته.

كما يندفع الثاني بأن مقتضاه المنع من البيع قبل القبض، لا قبل حلول الأجل.

مضافاً إلى أنه يختص بالمكيل والموزون على تفصيل وكلام تقدما في أحكام القبض من الفصل السابع.

كما تقدم أنه يختص عند سيدنا المصنف (قده) بالبيع على غير البائع.

(1) سنن الدارقطني ج: 3

ص: 45 رقم الحديث: 187.

(2) السنن الكبرى ج: 6 ص: 30.

فراجع.

وأما الثالث فيشكل بأن النبويين المذكورين مع انصرافهما عن البيع على البائع غير مرويين من طرقنا، بل من طرق العامة.

ولم يتعرض لهما أصحابنا في مقام الاستدلال على المدعى.

وذكر الشيخ لهما في الخلاف والمبسوط قد يكون للاحتجاج على المخالف في الحكم من العامة كما هو دأبه كثيراً من دون أن يتضح تعويله عليهما، ليدعى انجبارهما بعمله.

ولاسيما مع استدلاله بوجوه أخر قد يكون تعويله عليها.

نعم قد يظهر من التنقيح الاستدلال بنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن السلم قبل حلوله.

ولا يبعد رجوعه إلى النبويين المذكورين.

إلا أنه لا مجال لدعوى الانجبار بعمله وحده.

ويندفع الرابع بأنه لا يظهر من الغنية دعوى الإجماع على محل الكلام من حرمة بيع السلف قبل حلول الأجل، بل على ما ذكره بعد ذلك من جواز بيعه بعد حلول الأجل، حيث قال بعد أن ذكر ذلك: «بدليل إجماع الطائفة وظاهر القرآن ودلالة الأصل.

إلا أن يكون المسلم فيه طعاماً، فإن بيعه قبل قبضه لا يجوز إجماعاً».

كما أن جامع المقاصد لم يتضمن دعوى الإجماع في المقام، بل لم يعلق فيه على عبارة القواعد أصلاً.

وإنما علق على حكمه بجواز البيع بعد حلول الأجل بقوله: «سيأتي أن في بعض الصور خلافاً».

واستفادة دعواه الإجماع فيما نحن فيه من ذلك كما ترى!.

نعم نسب في الرياض لظاهر المحقق الثاني والأردبيلي في شرحيهما على الإرشاد دعوى الإجماع.

ولا يحضرني الأول، وليس في الثاني إلا قوله: «فكأن دليله الإجماع.

.

.

» وهو كدعوى الإجماع صريحاً في كشف الرموز والتنقيح لا يكفي في إثبات الإجماع بنحو معتد به.

بل لا مجال للتعويل على دعوى الإجماع والاستدلال بها في مثل هذه المسألة غير الشائعة الابتلاء، ولم ترد فيها النصوص، ليعلم رأي القدماء ومعاصري الأئمة (عليهم السلام)

لا على البائع ولا على غيره، بجنس الثمن الأول أو بغيره، مساوياً أو أكثر أو أقل (1).

أما بعد حلول الأجل فيجوز بيعه على البائع أو غيره إذا كان بغير جنس الثمن (2).

كما يجوز بيعه على غير البائع بجنس الثمن بزيادة


فيها من ذكرهم لها، كما تكرر منّا في نظائر المقام.

ولاسيما مع ما سبق من المقنعة والمبسوط والخلاف والوسيلة، ومع ما في المبسوط من الاستدلال بنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع ما لم يقبض، الذي تقدم حاله، وما في الخلاف من الاستدلال بالأصل وأن الصحة تحتاج إلى دليل، من دون أن يشير للإجماع، مع ما هو المعلوم من سيرته من الإكثار من الاستدلال به فيه، وكذا ما في المهذب من جعل المعيار القبض، المناسب لكون دليله النهي عن بيع ما لم يقبض، ومع عدم تعرض بعضهم للحكم المذكور، كابن سعيد في الجامع.

.

.

إلى غير ذلك مما قد يجده المتتبع.

وبالجملة: لا تنهض دعاوى الإجماع المتقدمة بالخروج به عن العمومات القاضية بالصحة.

نعم لابد من كون الأمر المسلف فيه مما يجوز بيعه قبل قبضه، على ما تقدم الكلام فيه في أحكام القبض من الفصل السابع.

(1) كأن الوجه في التعميم إطلاق الفتاوى ومعاقد الإجماع المدعى، والتصريح في بعضها بالتعميم من بعض الجهات.

(2) كأنه لعموم أدلة الصحة.

وتقدم من المهذب إطلاق عدم جواز بيعه قبل القبض.

وهو المناسب لما تقدم من المبسوط من الاستدلال للمنع من بيعه قبل حلول الأجل بالمنع من بيع ما لم يقبض.

لكن تقدم في أواخر الفصل السابع في التسليم والقبض اختصاص احتمال ذلك بالمكيل والموزون إذا لم يبع تولية أو إذا بيع بربح.

مع أنه لا مجال له إذا بيع على البائع.

إما مطلقاً كما تقدم من سيدنا

المصنف (قده) أو في خصوص المقام، لصحيح عيص بن القاسم عن أبي عبد الله

(عليه السلام): «سألته عن رجل أسلف رجلاً دراهم بحنطة، حتى إذا حضر الأجل لم يكن عنده طعام ووجد عنده دواب ومتاعاً ورقيقاً، يحل له أن يأخذ من عروضه تلك بطعامه‌؟ قال: نعم يسمي كذا وكذا بكذا وكذا صاعاً» (1) ، وخبر علي بن جعفر أو معتبره عن أخيه (عليه السلام): «وسألته عن رجل له على آخر كر من حنطة أيصلح أن يأخذها بكيلها شعيراً أو تمراً؟ قال: إذا تراضيا فلا بأس»(2).

وهو وإن لم يصرح فيه بالسلف، إلا أن أظهر أفراد دين العروض هو السلف.

كما أنه وإن لم يصرح فيهما ببيع الحنطة بالعروض، إلا أنه أيضاً من أظهر أفراد إطلاق المبادلة فيهما.

بحيث لو كان البيع محرماً كان اللازم عرفاً التنبيه للمنع منه.

ومن هنا يتعين الخروج بهما عن عموم النهي عن بيع ما لم يقبض حتى بناءً على عمومه للبيع على البائع نفسه.

نعم قد يعارض الحديثان بالنصوص الآتية المتضمنة أنه ليس للمشتري إلا رأس ماله.

ويأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

كما أن الظاهر صدق الربح إذا بيع بغير الجنس وكان الثمن أكثر قيمة من ثمن الشراء.

ومن هنا قد يشكل إطلاق سيدنا المصنف (قده) هنا، حيث لا يناسب ما تقدم منه هناك من التوقف في جواز بيع المكيل والموزون قبل القبض على غير البائع بربح.

بل تقدم منّا الإشكال حتى في بيعه بوضيعة، واحتمال اختصاص جواز البيع قبل القبض بالتولية التي هي البيع برأس المال.

ومن هنا يشكل بيع المكيل والموزون في المقام على غير البائع بغير الجنس إذا كانت قيمته دون الثمن أيضاً.

بل ربما يشكل مطلقاً، لعدم صدق التولية به وإن كان مساوياً للثمن قيمة.

فراجع وتأمل جيداً.

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب السلف حديث: 6، 13.

أو نقيصة (1).

أما على البائع فالظاهر أيضاً جوازه مطلقاً (2)، وإن كان


(1) مما تقدم آنفاً يظهر الإشكال في إطلاق ذلك.

حيث سبق منه (قده) الإشكال في جواز بيع المكيل والموزون قبل قبضه إذا كان بربح.

بل سبق منّا الإشكال في بيعه حينئذٍ حتى إذا كان بوضيعة.

(2) عملاً بعمومات الصحة.

ولو فرض تخصيصها في المكيل والموزون بما دلّ على عدم جواز بيعه قبل قبضه بربح أو إلا تولية على ما تقدم الكلام فيه في أواخر الفصل السابع في التسليم والقبض تعين الخروج عنه في المقام بالنصوص الخاصة الواردة فيه.

كمعتبر الحسن بن علي بن فضال: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): الرجل يسلفني في الطعام، فيجيء الوقت وليس عندي طعام، أعطيه بقيمته دراهم‌؟ قال: نعم»(1).

ومعتبر الصفار عن محمد بن عيسى عن علي بن محمد وقد سمعته من علي قال: «كتبت إليه: رجل له على رجل تمر أو حنطة أو شعير أو قطن، فلما تقاضاه قال: خذ بقيمة ما لك عندي دراهم، أيجوز له ذلك أم لا؟ فكتب: يجوز ذلك عن تراض منهما إن شاء الله»(2).

وصحيح أبان عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«في الرجل يسلم الدراهم في الطعام إلى أجل، فيحل الطعام، فيقول: ليس عندي طعام، ولكن انظر ما قيمته فخذ مني ثمنه. فقال: لا بأس بذلك» (3) .

وهي وإن لم يصرح فيها بالبيع إلا أنه متيقن منها، لأنه أظهر أفراد المبادلة بين المالين، كما سبق نظيره.

نعم تضمنت جملة من النصوص أنه ليس له إلا رأس ماله، كصحيح الحلبي عنه (عليه السلام): «سئل عن الرجل يسلم في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك إلى أجل مسمى.

قال: لا بأس.

إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه أن يأخذ صاحب الغنم

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب السلف حديث: 8، 11، 5.

نصفها أو ثلثها أو ثلثيها، ويأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم»(1).

وصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أعطى رجلاً ورقاً في وصيف إلى أجل مسمى.

فقال له صاحبه: لا نجد لك وصيفاً، خذ مني قيمة وصيفك اليوم ورقاً.

فقال: لا يأخذ إلا وصيفه أو ورقه الذي أعطاه أول مرة، لا يزاد عليه شيئاً»(2).

وموثق عبد الله بن بكير: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلف في شيء يسلف الناس فيه من الثمار، فذهب زمانها [ثمارها] ولم يستوف سلفه.

قال: فليأخذ رأس ماله أو لينظره»(3).

وصحيح يعقوب بن شعيب: «سألت أبا عبد الله [أبا جعفر] (عليه السلام) عن الرجل يسلف في الحنطة والثمرة مائة درهم، فيأتي صاحبه الذي له، فيقول: والله ما عندي إلا نصف الذي لك، فخذ مني إن شئت بنصف الذي لك حنطة وبنصفه ورقاً.

فقال: لا بأس إذا أخذ منه الورق كما أعطاه»(4).

وصحيح محمد بن قيس الآخر عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: قال أمير المؤمنين: من اشترى طعاماً أو علفاً إلى أجل فلم يجد صاحبه وليس شرطه إلا الورق، وإن قال: خذ مني بسعر اليوم ورقاً فلا يأخذ إلا شرطه طعامه أو علفه.

فإن لم يجد شرطه وأخذ ورقاً لا محالة قبل أن يأخذ شرطه فلا يأخذ إلا رأس ماله (لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)»(5).

وهو لا يخلو عن اضطراب في المتن، إلا أنه يدل بمجموعه على المطلوب.

نعم هكذا رواه في التهذيب ورواه في الاستبصار هكذا: «من اشترى طعاماً أو علفاً فإن لم يجد شرطه وأخذ ورقاً لا محالة قبل أن يأخذ شرطه فلا يأخذ إلا رأس ماله (لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)» (6) وهو وإن كان غير خال عن الاضطراب أيضاً، إلا أنه

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب السلف حديث: 1، 9، 14.

(4و5) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب السلف حديث: 16، 15.

(6) الاستبصار ج: 3 ص: 75.

أجنبي عما نحن فيه، لعدم تضمنه البيع لأجل، بل ظاهر الإطلاق فيه البيع الحال.

وقد يتجه حينئذٍ بطلان البيع بتعذر التسليم، نظير التلف قبل القبض، فيتعين عدم جواز بيع المشتري المبيع حينئذٍ على البائع، لعدم ملكيته له.

غاية الأمر أنه لا يناسب ذكره له في باب تعذر المبيع عند حلول الأجل في السلف.

لكن في كفاية ذلك في ترجيح رواية التهذيب إشكال.

فالعمدة النصوص الأول.

وهي كما تمنع من بيعه بجنس الثمن بزيادة أو نقيصة تمنع من بيعه بغير جنس الثمن.

بل لا يبعد ظهورها في عدم جواز البيع مطلقاً، وأن استحقاق رأس المال يرجع لانحصار الأمر بفسخ البيع، لا لإيقاع بيع جديد بقدره.

لكن لا يبعد ورود هذه النصوص لبيان أن ما يستحقه المشتري عند تعذر التسليم في الأجل ليس إلا الفسخ الموجب لرجوع رأس ماله له أو الانتظار، وليس له المطالبة بالبدل والقيمة الفعلية.

ولا ينافي ذلك ما تضمنته الطائفة الأولى من جواز دفع بدله بتراض منهما من جنس الثمن أو من غيره بعد فرض انشغال ذمة البائع به وعدم بطلان بيع السلف بالتعذر، ولذا يجوز للمشتري الانتظار كما تضمنه موثق ابن بكير من هذه الطائفة.

ولا أقل من إمكان الجمع بينهما عرفاً بذلك.

ودعوى: أن ذلك لا يناسب مثل صحيحي محمد بن قيس الأول ويعقوب بن شعيب المتضمنين عرض البائع نفسه على المشتري أخذ الثمن، لظهورهما في عدم جواز أخذ سعر وقت الأداء حتى لو رضي البائع بذلك، بل ليس له أن يأخذ إلا رأس المال.

مدفوعة بإمكان حمل ذلك على ما إذا ابتنى عرض البائع أخذ الثمن على توهم وجوب ذلك عليه، من أجل وجوب تفريغ ذمته من المبيع، إما بدفعه بنفسه، أو بدفع بدله.

فلا ينافي جواز أخذ البدل من دون أن يبتني على ذلك، بل لمجرد رضاهما بالتبديل بعد فرض عدم استحقاق المشتري إلا الفسخ أو الانتظار.

ولو فرض تعذر الجمع بالوجه المذكور في بعض النصوص تعين الجمع بحمل الطائفة الثانية على كراهة أخذ البدل الفعلي أو استحباب الاقتصار على أخذ رأس المال، كما قد يناسبه صحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) المروي في الكافي والتهذيب، وفيه:

«قلت: أرأيت إن أوفاني بعضاً وعجز عن بعض، أيصلح لي أن آخذ بالباقي رأس مالي‌؟ قال: نعم ما أحسن ذلك» (1) .

وأما ما في التهذيبين من الجمع بينهما بحمل الطائفة الأولى على دفع رأس المال فهو بعيد جداً، بل متعذر عرفاً.

ولا أقل من كون الجمع بأحد الوجهين الأولين أقرب عرفاً، فيكون متعيناً.

هذا وفي معتبر علي بن جعفر:

«سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة، أيأخذ بقيمته دراهم‌؟ قال: إذا قومه دراهم فسد، لأن الأصل الذي يشترى به دراهم، فلا يصلح دراهم بدراهم» (2) .

وصرح في التهذيب بأنه يفتي بمضمونه.

قال: «لأنه يكون قد باع دراهم بدراهم، وربما كان فيه زيادة أو نقصان، وذلك ربا».

وقد يرجع إليه ما في النهاية من أنه يجوز أن يأخذ القيمة إذا لم تزد على رأس المال.

لكن التعليل لا يخلو عن إشكال، لفرض تعدد المعاملة، فلا يلزم الربا.

بل لا ريب نصاً وفتوى في جواز بيع الشيء على شخص بنقد، ثم شراؤه منه بنقد من جنسه بتفاضل.

فلابد من التصرف في التعليل بحمله على أنه يشبه بيع الدراهم بالدراهم.

وحينئذٍ يسهل حمل النهي على الكراهة، فيتعين جمعاً مع النصوص الأول، إذ حمل النصوص على خصوص المساواة لرأس المال بعيد جداً، بل متعذر عرفاً.

هذا تمام الكلام في المسألة.

وقد اضطربت فيها كلمات الأصحاب (رضي الله عنهم) وكثرت أقوالهم.

ولا يسعنا التعقيب عليها بعد ما تقدم.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 5 من أبواب السلف حديث: 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب السلف حديث: 12.

اذا دفع المبيع خالياً من الصفة

الأحوط العدم إذا كان بزيادة أو بنقيصة (1).

والظاهر أنه لا إشكال في جواز أخذ قيمته بعنوان الوفاء (2)، بلا فرق بين النقدين وغيرهما، ولو شرط عليه أن يدفع بدله أكثر من ثمنه إذا لم يدفعه نفسه لم تبعد صحة الشرط (3).

(مسألة 7): إذا دفع البائع المسلم فيه دون الصفة أو أقل من المقدار لم يجب على المشتري القبول (4).

ولو رضي بذلك صح وبرئت ذمة


(1) كأنه للخروج عن معتبر علي بن جعفر والخلاف المتقدم من الشيخ (قده).

وإلا فلو كان للخروج عن النصوص الكثيرة المتضمنة أن له رأس ماله تعين الاحتياط بالامتناع حتى عن البيع بغير الجنس.

(2) لم يتضح الوجه في ذلك مع إطلاق النصوص المانعة حتى معتبر علي بن جعفر.

فإذا بني على العمل بها تعين المنع من أخذ غير رأس المال بأي وجه فرض.

(3) عملاً بعموم نفوذ الشرط بعد ما تقدم منه (قده) ومنّا من البناء على جواز الأمر المشروط.

ولا ينافيه ما تقدم من حمل النصوص المانعة من أخذ غير رأس المال على عدم استحقاق المشتري له.

لأن عدم استحقاقه له بمقتضى بيع السلف بطبعه لا ينافي استحقاقه بمقتضى الشرط الذي تضمنه، كما يستحقه بالمعاملة الجديدة التي تضمنت النصوص الأولى جوازها.

(4) أما دفع ما هو دون الصفة فهو المصرح به في كلام غير واحد.

ولا ينبغي الإشكال فيه، لمخالفته للشرط.

مضافاً إلى ظهور المفروغية عنه في النصوص، كصحيح الحلبي: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) في الرجل يسلم في وصف [وصفاً.

يب] أسناناً معلومة ولون معلوم، ثم يعطى دون شرطه أو فوقه.

فقال: إن كان عن طيبة نفس منك ومنه فلا بأس»(1) ، ونحوه غيره.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 9 من أبواب السلف حديث: 1.

(343)

وأما إذا كان دون القدر.

فإن أريد بذلك وفاء تمام المبيع كما هو ظاهر مفروض كلام سيدنا المصنف (قده) فلا إشكال في عدم وجوب القبول أيضاً، إذ لا موجب لتبعض الحق.

وكذا إذا أريد به وفاء مقداره من المبيع وكان المشروط في السلف ولو ضمناً تسليم المبيع جملة واحدة، لمخالفة الشرط.

أما إذا لم يشترط ذلك فالمتعين وجوب القبول.

إلا أن يمتنع من دفع الباقي، فقد صرح غير واحد بأن له الفسخ في الجميع، ونفى في الجواهر وجدان الخلاف فيه.

لتبعض الصفقة.

لكن في صحيح سليمان بن خالد: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يسلف في الغنم ثنيان وجذعان وغير ذلك إلى أجل مسمى.

قال: لا بأس.

إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها أو ثلثيها، ويأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم.

..»(1) ، ونحوه صحيح الحلبي على اضطراب فيه(2).

ومقتضى الجمود على لسانهما انحصار الوظيفة عند عجز البائع عن الكل في التبعيض وعدم جواز الفسخ في الكل.

من دون فرق بين اشتراط تسليم الكل صريحاً، واستفادته من الإطلاق بمقتضى فرض الصفقة.

وحملهما على بيان جواز التبعيض، كي لا ينافي جواز الفسخ في الكل لتبعض الصفقة، يحتاج إلى قرينة.

اللهم إلا أن يقال: بعد البناء تبعاً للنصوص على أن له الانتظار، وله بيع ما يستحقه على البائع بما يتفقان عليه من الثمن، يتعين حمل التبعيض في الصحيحين على الجواز، فلا ينافي ثبوت خيار تبعض الصفقة.

فتأمل جيداً.

وكيف كان فلا يجري احتمال عدم الخيار المذكور مع قدرة البائع على دفع الباقي وامتناعه منه، لقصور الصحيحين عنه.

(1) تهذيب الأحكام ج: 7 ص: 32.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب السلف حديث: 1.

البائع (1).

وإذا دفعه على الصفة والمقدار وجب عليه القبول (2).

وإذا دفع فوق الصفة، فإن كان شرط الصفة راجعاً إلى استثناء ما دونها فقط وجب


ثم إن كان امتناع البائع من دفع الباقي لتعذره عليه وعجزه عن دفعه فقد تضمنت بعض النصوص السابقة وغيرها أن له أن يسترجع ما يقابله من رأس المال.

وإن كان مع قدرته عليه ولو بشرائه ثم دفعه له فقد يشكل التبعيض وأخذ ما يقابله من رأس المال، بل إما أن يفسخ في الكل أو ينتظر في الباقي، لما سبق في المسألة الرابعة عشرة من الفصل الرابع في الخيارات من عدم مشروعية التبعيض في فسخ العقد.

وقصور نصوص المقام عن إثبات مشروعيته، لعدم وضوح ابتنائها على الفسخ في البعض مع التعذر، بل قد يبتني على استحقاق استرجاع ما يقابله من رأس المال تعبداً من دون فسخ، ولا مجال لذلك مع عدم التعذر، لقصور النصوص عنه.

اللهم إلا أن يستفاد العموم لذلك من ترك الاستفصال في صحيح يعقوب بن شعيب المتقدم، لأنه قوله: «ما عندي إلا نصف الذي لك» شامل لما إذا كان قادراً على شرائه.

فلاحظ.

(1) بلا إشكال ظاهر.

أما مع اختلاف الصفة فللنصوص المتقدمة.

مضافاً إلى أن صفة الجودة حق للمشتري بسبب الشرط الذي تضمنه عقد السلف، فله التنازل عن حقه وإسقاطه.

وأما مع النقص فلرجوعه إلى إسقاط بعض الدين الذي لا إشكال في نفوذه، فإن السلف من أفراد الدين.

ومنه يظهر أنه لو أسقط حقه في الصفة أو في بعض المبيع قبل القبض سقط، وليس له الرجوع في ذلك وإلزام البائع بالحفاظ على الصفة أو المقدار.

(2) بلا إشكال ظاهر ولا خلاف.

ويظهر الوجه فيه مما تقدم في المسألة الأولى من الفصل الثامن في النقد والنسيئة، لأن المسألتين من باب واحد.

(345)

اذا حلّ الأجل ولم يتمكن البايع من الدفع

القبول أيضاً (1)، وإن كان راجعاً إلى استثناء ما دونها وما فوقها لم يجب القبول (2).

ولو دفع إليه زائداً على المقدار لم يجب القبول (3).

(مسألة 8): إذا حلّ الأجل ولم يتمكن البائع من دفع المسلم فيه تخير المشتري بين الفسخ والرجوع بالثمن بلا زيادة ولا نقيصة (4) وبين أن ينتظر إلى أن يتمكن البائع من دفع المبيع إليه في وقت آخر (5).

ولو تمكن من دفع بعضه


(1) لرجوعه إلى تسليم المبيع من دون مخالفة للشرط.

(2) لخروجه عن الشرط، كما لو دفع الأردأ.

(3) لعدم المنشأ له.

وحينئذٍ إن أمكن التبعيض في القبض وجب قبض مقدار الحق لما سبق.

أما إذا تعذر فله الامتناع من قبض الكل، لأن بيع السلف إنما يقتضي بإطلاقه قبض المبيع بعينه، لا مشاعاً بنحو يستلزم الشركة.

(4) من الظاهر أن ذلك مقتضى الفسخ، فهو كالتأكيد له.

(5) قال في مفتاح الكرامة: «ولا ينفسخ العقد إجماعاً منّا.

لأن مورد العقد إنما هو الذمة».

وهو ظاهر على ما سبق من أن التسليم في الأجل شرط خارج عن المبيع، لأنه المفهوم عرفاً، ولذا كان قابلاً للإسقاط عندهم.

أما بناء على أنه قيد فيه فلا مجال لانشغال الذمة بغيره، لأنه أمر غير المبيع، ويلغو انشغال الذمة به، إلا أن يرجع إلى المسؤولية بماليته، نظير انشغال الذمة بالأعيان بعد التلف في موارد ضمانها.

ومن هنا فقد يدعى بطلان العقد حينئذٍ، نظير تلف المبيع قبل قبضه.

فتأمل.

لكن حيث سبق ضعف المبنى المذكور فالمتعين ما ذكروه من عدم انفساخ العقد.

مضافاً إلى ما تضمن من النصوص تخيير المشتري بين الانتظار واسترجاع رأس المال على ما يأتي الكلام فيه.

ثم إن المعروف بين الأصحاب هو التخيير المذكور، لتخلف الشرط.

مضافاً إلى موثق ابن بكير المتقدم: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أسلف في شيء يسلف الناس فيه من الثمار، فذهب زمانها [ثمارها.

يه] ولم يستوف سلفه.

فقال: فليأخذ رأس ماله أو فلينظره»(1) ، وصحيح الحلبي عنه (عليه السلام): «قال: لا بأس بالسلم في الحيوان إذا سميت الذي تسلم فيه فوصفته.

فإن وفيته وإلا فأنت أحق بدراهمك»(2).

وقد يستفاد مما تقدم في التبعيض من أن له أن يسترجع ما يقابل الباقي من رأس المال، فإن بعضها وإن كان ظاهراً في صورة رضا الطرفين كما نبّه له في الجواهر إلا أن مقتضى إطلاق الباقي عدم اعتبار رضا البائع، كصحيح عبد الله بن سنان المتقدم، وفيه: «أيصلح أن آخذ بالباقي رأس مالي‌؟ قال: نعم، ما أحسن ذلك»(3) ، وقوله (عليه السلام) في صحيح سليمان بن خالد: «إن لم يقدر الذي عليه الغنم على جميع ما عليه يأخذ صاحب الغنم نصفها أو ثلثها أو ثلثيها، ويأخذ رأس مال ما بقي من الغنم دراهم.

.

.

»(4) وغيرهما.

وهي وإن وردت في التبعيض، إلا أنه يستفاد منها ما نحن فيه بالأولوية العرفية، أو بفهم عدم الخصوصية.

كما أنها وإن لم تكن نصاً في الفسخ كما تقدم إلا أنها متفقة معه عملاً.

ومن ذلك يظهر ضعف ما في السرائر من منع الفسخ ولزوم الانتظار، محتجاً بعموم نفوذ العقد ولزومه.

ثم إن المفروض في كلام سيدنا المصنف (قده) وإن كان هو صورة عجز البائع عن التسليم، إلا أن الظاهر العموم لما إذا كان قادراً عليه وامتنع منه حتى مرت مدة يصدق معها مخالفته للشرط.

فإن مجرد إمكان مطالبته بالتسليم في الفرض الثاني لا ينافي استحقاق الخيار لتخلف الشرط، كما يظهر مما تقدم في المسألة الرابعة والستين

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب السلف حديث: 14، 17، 2.

(4) تهذيب الأحكام ج: 7 ص: 32.

وعجز عن دفع الباقي كان له الخيار في الباقي بين الفسخ فيه والانتظار (1).

وفي جواز فسخه في الكل حينئذ إشكال (2).

نعم لو فسخ في البعض جاز للبائع الفسخ في الكل (3).


من مباحث الشرط من الفصل الرابع.

فراجع.

(1) أما الفسخ فيه فلعدم تسليمه.

لكن سبق أن يبتني على إمكان تبعيض العقد الواحد في الفسخ، وهو ممنوع.

فالعمدة النصوص الكثيرة المتضمنة أن له أخذ رأس مال ما بقي.

وهي مطابقة للفسخ عملاً وإن لم تصلح أن تكون دليلاً عليه، كما تقدم.

وأما الانتظار فهو مقتضى القاعدة عند عدم قبض الدين.

مضافاً إلى موثق ابن بكير.

وهو وإن ورد في تعذر تسليم الكل، إلا أنه يستفاد منه حكم صورة تعذر تسليم البعض بفهم عدم الخصوصية، أو بالأولوية العرفية.

(2) فقد تقدم منهم أن له الفسخ في الكل لتبعض الصفقة.

وكأن الإشكال فيه بلحاظ ما سبق من احتمال مخالفته لصحيحي سليمان بن خالد والحلبي ومعتبر معاوية.

فراجع.

وقد تقدم أنهما مختصان بما إذا عجز البائع عن تسليم الكل، كما هو مورد كلام سيدنا المصنف (قده).

ومن هنا فلا إشكال في ثبوت خيار تبعض الصفقة للمشتري مع قدرة البائع على تسليم الباقي وامتناعه، كما تقدم.

فراجع.

(3) كما في التحرير والدروس وجامع المقاصد والمسالك والروضة وغيرها.

وفي التنقيح أنه محتمل.

وقيده فيه وفي الدروس وجامع المقاصد والمسالك والروضة ومحكي غيرها بما إذا لم يكن مفرطاً بالتبعيض.

لكن لم يتضح الوجه في ثبوت الخيار حتى مع عدم التفريط منه، لأن الإقدام على وحدة الصفقة في الثمن تبتني على وحدة الصفقة في المبيع، فإذا لم تتم الصفقة في

وجود المبيع في غير البلد الذي يجب التسليم فيه

(مسألة 9): لو كان المبيع موجوداً في غير البلد الذي يجب التسليم فيه، فإن تراضيا بتسليمه في موضع وجوده جاز (1).

وإلا فإن أمكن نقله إلى بلد التسليم وجب نقله على البائع (2)، إلا أن يتوقف على بذل مال يعجز عنه أو يضر بحاله، فيجري الحكم المتقدم من الخيار بين الفسخ والانتظار (3).

المبيع لا يكون تبعض الصفقة في الثمن مخالفاً للشرط الضمني.

ولذا لا يظن منهم البناء على أنه لو تعذر على البائع التعجيل بتسليم المبيع، فتأخر المشتري عن تسليم الثمن يكون للبائع الخيار، لعدم تعجيل تسليم الثمن.

على أن اقتصار صحيحي سليمان بن خالد والحلبي ومعتبر معاوية المتقدمة على بيان التبعيض من دون تنبيه لخيار البائع يوجب ظهوره في عدمه.

بل هو مقتضى إطلاقها، سواء حملت على جواز التبعيض في حق البائع أم على وجوبه، لأن مقتضى إطلاقها ثبوته للمشتري سواء رضي البائع أم لا، بل أراد الفسخ.

ومن الغريب توقف سيدنا المصنف (قده) في ثبوت خيار تبعض الصفقة للمشتري وجزمه بثبوته للبائع، مع أنه هو الأبعد عن المرتكزات، والأولى بأن يحتاج للتنبيه عليه في النصوص المتقدمة بسبب ذلك، ولما عرفت من كون عدم ثبوته مقتضى إطلاقها.

ولعله لذا سكت غير واحد ممن صرح بثبوته للمشتري عن التنبيه لثبوته للبائع، كما في المبسوط والشرائع والقواعد.

بل صرح بعدمه في التذكرة ومحكي إيضاح النافع، معللاً في الأول بأن التبعيض جاء من قبل البائع.

فلاحظ.

(1) لرجوعه إلى تنازل المشتري عن شرط موضع التسليم والذي هو حق قابل للإسقاط ولأن يصالح عليه.

ومنه يظهر جواز اتفاقهما على التسليم في موضع ثالث.

(2) مقدمة لتحقيق الشرط المفروض نفوذه.

(3) أما مع العجز عن مؤنة النقل فظاهر، لرجوعه إلى العجز عن التسليم

(349)

المشروط، ويدخل في موضوع الأدلة السابقة.

وكذا الحال لو كان موجوداً في البلد لكن عجز عن شرائه، أو كان المانع من التسليم في الموضع المشروط أمراً غير العجز عن المال.

وأما مع كون مؤنة النقل مضرة به فكأنه لقاعدة نفي الضرر.

لكن لا مجال لها إذا لزم من عدم التسليم الإضرار بالمشتري.

لما هو المعلوم من أن ورودها مورد الامتنان مستلزم لقصورها عما إذا لزم من إعمالها الإضرار بالغير.

وأما إذا لم يلزم الإضرار بالمشتري، فقد سبق في الاستدلال لخيار الغبن بقاعدة نفي الضرر احتمال قصور القاعدة عن صورة الإقدام على الضرر الحاصل بالإقدام على المعاملة التي يترتب عليها الضرر وإن لم يكن متوقعاً.

بل لا ينبغي الإشكال في قصورها عما إذا كان متوقعاً، كما يمكن فرضه في المقام فيما لو احتمل البائع حين العقد حاجته لنقل المبيع مع المؤنة المذكورة.

ومنه يظهر الحال لو لزم من التسليم المشروط ضرر آخر غير الضرر المالي من دون أن يصل إلى حدّ العجز عرفاً.

هذا وقد أطلق بعض مشايخنا (قده) وجوب النقل على البائع مع إمكانه وتعارف نقله إلى بلد التسليم.

ولم يتضح الوجه في دخل التعارف في المقام.

نعم قد يراد بذلك ما إذا كان عدم التعارف راجعاً إلى تعارف تنازل المشتري وعدم تكليفه للبائع بالنقل والرجوع معه إلى حكم التعذر.

حيث قد يوجه برجوع ذلك لباً إلى تقييد اشتراط التسليم في الموضع الخاص بصورة تعارف النقل إليه.

لكن ذلك إن رجع إلى دعوى تقييد خصوصية موضع التسليم مع إطلاق اشتراط التسليم فاللازم البناء معه على وجوب التسليم في غير الموضع المذكور، لا جريان حكم تعذر التسليم من الفسخ أو الانتظار كما ذكره (قده).

بل مقتضى ذلك وجوب القبول على المشتري، لوجوب قبض صاحب الحق لحقه بعد فرض استحقاقه لأصل التسليم.

دون خصوصية الموضع.

فلاحظ.

وإن رجع إلى دعوى تقييد اشتراط أصل التسليم فالظاهر أن المأخوذ في مفهوم السلف عرفاً والمعتبر في صحته شرعاً هو اشتراط التسليم في الأجل المعين بنحو الإطلاق، كما يظهر بسبر النصوص.

ولاسيما مثل صحيح عبد الله بن سنان: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل أيصلح له أن يسلم في الطعام عند رجل ليس عنده زرع ولا طعام ولا حيوان، إلا أنه إذا جاء الأجل اشتراه فوفاه‌؟ قال: إذا ضمنه إلى أجل مسمى فلا بأس به»(1).

وموثق سماعة: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن السلم في الحيوان.

قال: أسنان معلومة وأسنان معدودة إلى أجل لا بأس به»(2) ، وغيرهما.

والتخيير بين استرجاع الثمن والانتظار عند عدم التسليم ليس مأخوذاً في عقد السلف، بل هو حكم مترتب عليه بعد صحته وتمامية أركانه وشروطه، فلا يترتب مع فرض عدم تعذر التسليم.

ومن هنا لا يخلو التقييد المذكور عن إشكال.

فلاحظ.

والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.

ومنه نستمد العون والتوفيق.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 5 من أبواب السلف حديث: 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب السلف حديث: 7.

(351) (351)

الفصل الثاني عشر/ بيع الثمار

اشارة

(مسألة 1): لا يجوز بيع ثمرة النخل والشجر قبل ظهورها عاماً واحداً (1) بلا ضميمة.

(1) قال في الجواهر: «إجماعاً بقسميه، بل المحكي منهما [منه.

ظ] متواتراً كالنصوص.

ولذا نسبه بعضهم إلى الضرورة».

وفي مفتاح الكرامة: «وأما بيعها قبل الظهور عاماً واحداً فعدم جوازه مما لا ريب فيه.

وقد تواتر أو كاد يكون متواتراً نقل الإجماع عليه.

إذ نقل في الغنية والسرائر والتذكرة والتحرير والمختلف والإيضاح وشرح الإرشاد للفخر وتلخيص التلخيص والدروس والتنقيح وغاية المرام وتعليق الإرشاد والروضة.

ونفى عنه الخلاف في غاية المراد والمسالك».

وهو المناسب لما تقدم منّا في المسألة الخامسة عشرة من الفصل الثالث عند الكلام في اعتبار القدرة على التسليم من أن المستفاد من مجموع النصوص عموم اعتبار إحراز سلامة شيء من المبيع يكون الثمن في مقابله لو لم يسلم باقيه.

مضافاً إلى النصوص الواردة في المقام، كموثق أبي بصير أو صحيحه: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تشتر النخل حولاً واحداً حتى يطعم.

وإن شئت أن تبتاعه سنتين فافعل»(1).

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 10.

ونحوه صحيح سليمان بن خالد(1) ، على ما رواه في الاستبصار(2) ورواه في التهذيب هكذا: «لا تشتر النخل حولاً واحداً حتى يطعم.

وإن كان يطعم.

وإن شئت أن تبتاعه سنتين فافعل»(3).

وهو لا يخلو عن اضطراب مسقط له عن الحجية.

ولاسيما مع عدم الإشارة إليه في الوسائل، حيث يظهر منه اتفاق التهذيبين على ما هو المروي في الاستبصار.

ومعتبر أبي بصير عنه (عليه السلام): «سئل عن النخل والثمرة يبتاعها الرجل عاماً واحداً قبل أن يثمر.

قال: لا حتى تثمر، وتأمن ثمرتها من الآفة...»(4).

وصحيح يعقوب بن شعيب: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء النخل.

فقال: كان أبي يكره شراء النخل قبل أن تطلع ثمرة السنة، ولكن السنتين والثلاث...(5).

ونحوهما غيرها.

لكن مال للجواز في مجمع الفائدة ومحكي الكفاية، بل صرح بالجواز في الحدائق.

حملاً لنصوص المنع على الكراهة أو التقية، لصحيح بريد: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرطبة تباع قطعتين أو ثلاث قطعات.

قال: لا بأس.

قال: وأكثرت السؤال عن أشباه هذا.

فجعل يقول: لا بأس به.

فقلت: أصلحك الله استحياء من كثرة ما سألته وقوله: لا بأس به إن من يلينا يفسدون هذا كله.

فقال: أظنهم سمعوا حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في النخل.

ثم حال بيني وبينه رجل فسكت.

فأمرت محمد بن مسلم أن يسأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في النخل.

فقال أبو جعفر (عليه السلام):

خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمع ضوضاء.

فقال: ما هذا؟ فقيل له: تبائع الناس بالنخل، فقعد النخل العام.

فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): أما إذا فعلوا فلا تشتروا النخل العام حتى

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 9.

(2) الاستبصار ج: 3 ص: 85.

(3) تهذيب الأحكام ج: 7 ص: 88.

(4و5) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 12، 8.

يطلع فيه الشيء.

ولم يحرمه»(1).

وصحيح الحلبي: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن شراء النخل والكرم والثمار ثلاث سنين أو أربع سنين.

فقال: لا بأس.

تقول: إن لم يخرج هذه السنة أخرج في قابل.

وإن اشتريته في سنة واحدة فلا تشتره حتى يبلغ.

.

.

وسئل عن الرجل يشتري الثمرة المسماة من أرض فتهلك ثمرة تلك الأرض كلها.

فقال: قد اختصموا في ذلك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكانوا يذكرون ذلك.

فلما رآهم لا يدعون الخصومة نهاهم عن ذلك البيع حتى تبلغ الثمرة ولم يحرمه، ولكن فعل ذلك من أجل خصومتهم»(2).

ونحوه صحيح عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام): «قلت له: الرجل يبيع الثمرة المسماة...» إلى آخر ما تقدم في صحيح الحلبي.

وصحيح ربعي: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن لي نخلاً بالبصرة، فأبيعه وأسمي الثمن، وأستثني الكر من التمر أو أكثر، أو العدد من النخل.

فقال: لا بأس.

قلت: جعلت فداك بيع السنتين.

قال: لا بأس.

قلت: جعلت فداك إن ذا عندنا عظيم.

قال: أما إنك إن قلت ذاك لقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أحلّ ذلك فتظالموا [فتظلموا.

يب] فقال (عليه السلام):

لا تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها» (3) .

هذا وفي الجواهر أن صحيحي الحلبي وربعي محتملان للبيع سنتين بعد الظهور قبل بدو الصلاح، وصحيح بريد لابد من تأويله بإرادة بدو الصلاح فيه من الطلوع، أو حمل العام فيه على ما كان في ضمن العامين أو طرحه.

وقريب منه كلام غيره.

والذي ينبغي أن يقال: لا ينبغي التأمل في أن حديث النبي في النخل واحد، وأن اختلاف ألفاظه نتيجة النقل بالمعنى.

بل هو كالصريح من صحيح بريد، لأن الإمام (عليه السلام) ذكر له أن منشأ منع العامة من البيع المذكور هو حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 2 وذيله.

(3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 4.

بينه لمحمد بن مسلم من دون أن يشير لحديث آخر له (صلى الله عليه وآله وسلم).

وحينئذٍ فإرادة البلوغ أو بدو الصلاح من الطلوع في صحيح بريد وإن كان ممكناً، بأن يراد منه الطلوع حتى يصل إلى أحد الأمرين.

بل هو قريب بلحاظ الجمع مع بقية الصحاح، إلا أنه إنما يحسن إذا كان بيعهم قبل نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قبل الطلوع أصلاً، أما إذا كان بيعهم بعد الطلوع قبل بدو الصلاح أو البلوغ فلا يحسن التعبير المذكور.

كما أن ذلك هو المناسب لما في الصحيح المذكور من قولهم: «فقعد النخل العام»، لظهوره في عدم إثماره رأساً، لا في تلف الثمرة بعد طلوعها.

ويترتب على ذلك أن مقتضى الجمع بين الصحاح المتقدمة هو أنهم كانوا يبيعون الثمرة قبل طلوعها، فلما تخاصموا نهاهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن البيع قبل البلوغ أو بدو الصلاح.

وحيث اتفقت الصحاح على أن نهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس تحريمياً لزم كون بيعهم السابق على النهي قبل الطلوع رأساً صحيحاً في نفسه.

وبذلك يظهر المنع من حمل الصحاح أو بعضها على السنتين، إذ بعد إشارتها لواقعة واحدة يتعين البناء على عمومها للبيع عاماً واحداً، كما هو صريح صحيح بريد.

بل هو المستفاد من بقية الصحاح، لظهورها في أن منشأ الشبهة هو عدم سلامة الثمرة المبيعة المستتبع للتخاصم والتظلم.

ولاسيما مع ظهور قوله في صحيح ربعي: «قلت: جعلت فداك بيع السنتين» في كون السؤال السابق عليه عن بيع السنة الواحدة.

وظهور أن ذكره (عليه السلام) لتحليل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للرد على استعظام العامة، ومن الظاهر أن البيع سنة واحدة أولى باستعظامهم.

ومن هنا لا ينبغي الإشكال في أن مقتضى هذه الصحاح هو حلّ البيع المذكور.

نعم قد يتوقف في ذلك من أجل الإجماع المدعى في كلام من تقدم.

ويظهر من الحدائق عدم ثبوته عنده بلحاظ تعقيب الشيخ (قده) على أخبار المسألة، ومحاولته الجمع بينها.

قال في التهذيب: «قال محمد بن الحسن: الأصل في هذا أن الأحوط أن

لا تشتري الثمرة سنة واحدة إلا بعد أن يبدو صلاحها.

فإن اشتريت فلا تشتري إلا بعد أن يكون معها شيء آخر.

فإن خاست كان رأس المال فيما بقي.

ومتى اشتري من غير ذلك لم يكن البيع باطلاً، لكن يكون فاعله قد فعل مكروها.

وقد صرح بذلك في الأخبار التي قدمناها أبو عبد الله (عليه السلام)، ومنها حديث الحلبي، وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن ذلك لأجل قطع الخصومة الواقعة بين الصحابة، ولم يحرمه.

وكذلك ذكر ثعلبة بن يزيد(1) ، وزاد فيه أنه إنما نهاهم ذلك العام بعينه، دون سائر الأعوام.

وفي حديث يعقوب بن شعيب أن أبي (عليه السلام) كان يكره ذلك، ولم يقل: كان يحرمه.

وعلى هذا الوجه لا تنافي بين الأخبار».

ونحوه في الاستبصار.

لكن قد يستشكل في ذلك كما في كلام غير واحد: تارة: بأن مراده (قده) ما بعد طلوع الثمرة قبل بدو صلاحها.

وأخرى: بأن ما ذكره لمجرد الجمع بين النصوص ودفع التنافي بينها، من دون أن يكون في مقام الفتوى.

وثالثة: بأن فتواه بذلك لو تمت فهي شاذة لا تقدح في الإجماع.

والكل كما ترى.

إذ الأول لا يناسب استدلاله بحديث بريد الذي عرفت حاله، ولا بحديث يعقوب بن شعيب الذي كان موضوع الكراهة فيه الشراء قبل الطلوع، كما تضمن تعليل الفرق بين السنة والسنتين بقوله (عليه السلام): «إن لم يحمل هذه السنة حمل في السنة الأخرى».

والثاني لا يناسب مساق كلامه (قده)، حيث بدأ بالفتوى، ثم استدل عليها.

مع أنه لا فائدة في الجمع بين النصوص بما لا يقول هو به، فكيف يحمل كلامه عليه‌؟!.

وإن شئت قلت: حمل كلامه هذا على مجرد الجمع بين الأخبار أبعد بكثير من حمله على العدول عما أفتى به في النهاية والمبسوط من عدم جواز بيع الثمرة سنة واحدة قبل بدو الصلاح.

وأما الثالث فلم يتضح وجهه بعد كون دعاوى الإجماع التي وصلت إلينا

(1) مراده (قده) بحديث ثعلبة هو حديث بريد، لاضطراب السند عنده. فليلحظ. منه عفي عنه.

في جواز بيع الثمار عامين

ويجوز بيعها عامين فما زاد (1)،


متأخرة عنه، وأسبقها من ابن زهرة في الغنية المعلوم إكثاره من دعوى الإجماع، ووهن كثير منها، ثم من ابن إدريس بعد البناء منه على حمل ما سبق من التهذيبين على صورة طلوع الثمرة قبل بدو صلاحها الذي سبق الإشكال فيه.

وربما يكون ذلك هو منشأ دعوى الإجماع من غيره.

نعم ادعى الإجماع في المبسوط على عدم جواز البيع قبل بدو الصلاح بشرط التبقية.

بل قد يظهر منه الإجماع على ذلك عند جميع المسلمين، مع الإجماع عندنا أيضاً إذا كان مطلقاً لا بشرط القطع ولا التبقية.

لكنه لا يناسب ما يأتي من الصدوق من جواز البيع بمجرد الطلوع.

مضافاً إلى ظهور حال الكليني في العمل بصحاح بريد والحلبي وربعي، وظهور حال الصدوق في العمل بصحيح الحلبي، ومع الاقتصار في المقنعة على كراهة البيع قبل بدو الصلاح من دون تنبيه لحرمة البيع قبل الطلوع.

بل من البعيد جداً إهمال الأصحاب (رضي الله عنهم) الصحاح المذكورة، بل يقرب عملهم بها وإن اختلفوا في تحديد مفادها.

مع قرب كون استحكام مقتضى القاعدة في نفوسهم من بطلان بيع غير الموجود حَمَلهم على تنزيل هذه النصوص على صورة طلوع الثمرة أو بدو صلاحها.

وكيف يعتمد حينئذٍ على دعاوى الإجماع المذكورة، والخروج بها عما يقتضيه الجمع بين النصوص حتى يطعن في فتوى الشيخ (قده) بالشذوذ.

فلاحظ.

والله سبحانه وتعالى العالم.

(1) كما في المقنع وظاهر الفقيه، ويظهر الميل له من الشرائع، بل صرح به في التذكرة أولاً، ثم قال: «ويحتمل قوياً المنع.

.

.

»، وأخذ في الاستدلال عليه وفي المسالك والروضة أنه قوي إن لم يقم الإجماع على خلافه.

(357)

ولعله يشير إلى ما في السرائر، حيث قال: «وكذا لا يجوز بيعها قبل أن تطلع سنتين بغير خلاف بيننا وبين المخالفين، وإنما يجوز عندنا خاصة بيعها إذا طلعت قبل بدو الصلاح سنتين.

.

.

وقد يشتبه على كثير من أصحابنا ذلك ويظنون أنه يجوز بيعها سنتين وإن كانت فارغة ولم تطلع بعد وقت العقد.

وهذا بخلاف ما يجدونه في تصانيف أصحابنا وخلاف إجماعهم وأخبار أئمتهم وفتاواهم، لأنهم أجمعوا على أن الثمرة إذا لم يبد صلاحها فلا بأس ببيعها سنتين من غير كراهة.

.

.

».

وكأنه فهم الإجماع من تحرير كثير منهم الكلام في صورة عدم بدو الصلاح.

وهو كما ترى لا يكفي في استفادة إجماعهم على المنع من البيع قبل بدو الصلاح، خصوصاً مع الاعتراف منه باشتباه كثير منهم وظنهم الجواز قبل الطلوع، ومع ما سبق من الصدوق، كما نبّه لذلك غير واحد.

وكيف كان فيشهد بالجواز ما تقدم من صحيحي يعقوب بن شعيب والحلبي وموثق أبي بصير أو صحيحه وصحيح سليمان بن خالد على رواية الاستبصار دون ما تقدم من التهذيب.

فراجع.

مضافاً إلى صحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام): «وسألته عن شراء النخل سنتين أيحل‌؟ قال: لا بأس، يقول: إن لم يخرج العام شيئاً أخرج العام القابل إن شاء الله»(1).

وذهب جماعة إلى عدم جواز بيعها إلا بعد ظهور الثمرة أو بدو صلاحها في العام الأول.

وفي الجواهر أنه المشهور نقلاً وتحصيلاً بين المتأخرين.

تعويلاً على القاعدة، لكونه معدوماً، فضلاً عن الغرر والجهالة.

ولمعتبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سئل عن النخل والثمرة يبتاعها الرجل عاماً واحداً قبل أن يثمر.

قال: لا.

حتى تثمر وتأمن ثمرتها من الآفة.

فإذا أثمرت فابتعها أربعة أعوام [إن شئت.

التهذيبين] وإن شئت مع ذلك العام أو أكثر

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 21.

من ذلك أو أقل»(1).

وخبر أبي الربيع: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: إذا بيع الحائط فيه النخل والشجر سنة واحدة فلا يباعن حتى تبلغ ثمرته.

وإذا بيع سنتين أو ثلاثاً فلا بأس ببيعه بعد أن يكون فيه شيء من الخضرة [الخضر.

خ]»(2).

وأما الاستدلال له بإطلاق ما تضمن النهي عن بيع النخل أو بيع الثمرة حتى تزهو أو يعقد أو غير ذلك(3) فلا مجال له، لأن مقتضاه عدم جواز بيعها أكثر من سنة واحدة، لأن الثمرة لا تطلع فضلاً عن أن تزهو في الأكثر.

فهو نظير ما صرح به في خبر محمد بن شريح: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى ثمرة نخل سنتين أو ثلاثاً، وليس في الأرض غير ذلك النخل.

قال: لا يصلح إلا سنة.

ولا تشتره حتى يبين صلاحه.

قال: وبلغني أنه قال في ثمر الشجر: لا بأس بشرائه إذا صلحت ثمرته.

فقيل له: وما صلاح ثمرته‌؟ قال: إذا عقد بعد سقوط ورده»(4).

ولابد من الخروج عن جميع ذلك بالنصوص السابقة بأجمعها.

فيقيد الإطلاق المتقدم بما إذا بيعت عاماً واحداً، ثم العمل بظهوره في التحريم، كما سبق منهم، أو حمله على الكراهة أو التقية، على ما سبق الكلام فيه.

وهو المتعين في خبر محمد بن شريح.

وأما معتبر أبي بصير فقد يشكل باشتماله على اعتبار الأمن من الآفة الذي هو متأخر عن بدو الصلاح، فيلزم حمله على الاستحباب.

كما أن خبر أبي الربيع قد يشكل بعدم خلوّ الخضرة فيه عن الإجمال.

ولو غض النظر عن ذلك فلابد من الخروج عنهما وعن القاعدة بالنصوص الأول المتضمنة لجواز بيعها أكثر من سنة.

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 12، 7.

(3) راجع وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 2، 5، 6، 14، 15، 16، 17.

(4) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 13.

(359)

في جواز بيع الثمار عاماً واحداً مع الضميمة

وعاماً واحداً مع الضميمة (1) على الأقوى.

وأما بعد ظهورها، فإن بدا


وإذا أمكن حمل بعضها على ما إذا أطعم في السنة الأولى من السنتين فلا مجال له فيما تضمن التعليل بأنه إن لم يحمل في هذه السنة حمل في قابل، إذ هو كالصريح في شرائه قبل أن يحمل.

وحينئذٍ يتعين تخصيص القاعدة، وحمل الحديثين المتقدمين على الاستحباب أو التقية.

أو تجريد معتبر أبي بصير عن المفهوم، وحمل الخضرة في خبر الربيع لو تم سنده على أمر غير طلوع الثمرة.

فلاحظ.

(1) كما عن الكفاية.

لكن أطلق في السرائر والتحرير والدروس المنع من بيعها مع الضميمة.

وفصل في التذكرة بين ما إذا كانت الضميمة هي المقصودة بالأصل وما إذا كانت مقصودة بالتبع، فجوّز في الأول، ومنع في الثاني.

وفي المسالك أنه المشهور.

وهو يبتني على ما ذكروه في شروط العوضين من اغتفار الجهالة في التابع، دون ما هو المقصود بالأصل.

لكن المقام ليس من ضم المجهول للمعلوم، بل من ضم ما يحرز سلامته إلى ما لا يحرز، وقد سبق عند الكلام في اشتراط القدرة على التسليم اقتصارهم فيه على بيع العبد الآبق مع الضميمة.

وحيث تقدم منّا هناك عموم الجواز، فيتعين البناء عليه هنا.

ولاسيما مع استفاضة النصوص بذلك في بيع الثمار، كصحيح يعقوب بن شعيب:

«قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعها جميعاً» (1) ، وموثق سماعة أوصحيحه: «سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها؟ فقال: لا، إلا أن يشتري معها شيئاً من غيرها رطبة أو بقلاً، فيقول: أشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا، فإن لم تخرج

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 2 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

صلاحها، أو كان البيع في عامين أو مع الضميمة جاز بيعها بلا إشكال (1).

الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقل»(1) ، وغيرهما.

ومنه ما سبق في حديثي أبي بصير وأبي الربيع المتقدمين والمتضمنين جواز بيع الثمرة أكثر من سنة إذا أثمرت في السنة الأولى أو كانت فيها خضرة، حيث تكون ثمرة السنة الأولى هي الضميمة.

بل ما تقدم من التعليل في حديث سماعة مطابق للتعليل المتقدم في تلك المسألة، بنحو يستفاد منه العموم، وكون الحكم المذكور على طبق القاعدة.

(1) أما مع بدو الصلاح فقد كاد يكون ضرورياً، كما في مفتاح الكرامة.

ويقتضيه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في صحيح ربعي المتقدم: «لا تباع الثمرة حتى يبدو صلاحها» وخبر محمد بن شريح المتقدم.

ويأتي الكلام في تحديد بدو الصلاح.

وعليه يحمل الإطعام والبلوغ في غير واحد من النصوص السابقة، أو على الاستحباب أو التقية أو النهي لدفع الخصومة من دون تحريم، كما صرح به صحيحي الحلبي وعبد الله بن سنان.

كما يتعين لأجل ذلك حمل قوله (عليه السلام) في معتبر أبي بصير السابق: «حتى تثمر وتأمن ثمرتها من الآفة» على الاستحباب أو التقية.

وأما مع كون البيع في أكثر من عام فهو المعروف بينهم، ونفى الخلاف فيه في كشف الرموز، بل ادعي الإجماع عليه فيما تقدم من السرائر وفي الخلاف والغنية والتذكرة والتنقيح وظاهر المبسوط ومحكي المهذب البارع.

نعم قد يظهر الخلاف فيه ممن لم يذكره في مسوغات البيع قبل الظهور أو قبل بدو الصلاح، كما في الإرشاد.

وكيف كان فيقتضيه إطلاق ما تضمن جواز بيعه أكثر من سنة، سواء بقي على إطلاقه كما سبق منّا ومن بعضهم أم حمل على ظهور الثمرة في السنة الأولى، كما تقدم من السرائر وغيره، وتقدم الاستدلال له ببعض النصوص.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

وأما مع الضميمة فهو المصرح به في كلامهم، وادعى عليه الإجماع في التذكرة والتنقيح.

وقد يناسبه ما في المبسوط من نفي الخلاف في جواز بيعها مع أصولها حينئذٍ.

لكن في الجواهر أنه منسوب للأكثر.

ولم يعرف المخالف في ذلك.

إلا أن يستفاد ممن أطلق عدم جواز بيعها قبل بدو صلاحها.

لكنه منصرف لبيعها وحدها.

وكيف كان فيقتضيه مضافاً إلى القاعدة النصوص المتقدمة في بيعها قبل ظهورها مع الضميمة.

ولا مجال لجريان شبهتهم المتقدمة في عدم جواز ضم المعلوم للمجهول إذا كان المجهول مقصوداً بالأصل، لفرض وجود الثمرة وعدم الجهل بها.

غاية الأمر أنه ورد النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.

لكنه لو تم منصرف إلى بيعها وحدها.

ولا أقل من لزوم حمله على ذلك لأجل النصوص المتقدمة.

بقي في المقام أمران: الأول: أن الأصحاب ذكروا أيضاً جواز بيعها بشرط القطع في الحال، وادعي الإجماع عليه في المبسوط والخلاف والغنية والسرائر وكشف الرموز والتذكرة وغيرها.

وهو مقتضى عمومات النفوذ بعد قصور نصوص المقام عن الفرض المذكور، لأن المنساق منها كون المنع من أجل عدم إحراز ترتب الغرض الداعي للشراء، وهو الانتفاع بالثمرة فيما يقصد منها نوعاً، والمفروض في المقام عدم كون الداعي للشراء ذلك، بل الانتفاع بها بوجه آخر يترتب على حال الشراء.

فلاحظ.

الثاني: قال في القواعد: «لو بيعت على مالك الأصل أو باع الأصل واستثنى الثمرة فلا يشترط إجماعاً».

ومراده عدم اشتراط بدو الصلاح.

والوجه في عدم اشتراطه مع استثناء الثمرة أن دليل اشتراطه لو تم وارد في بيع الثمرة، لا في بيع الأصول.

وأما مع بيع الثمرة على مالك الأصل فلم يتضح الوجه فيه مع إطلاق دليل اشتراطه لو تم فضلاً عن دعوى الإجماع عليه.

ولاسيما مع ما في المبسوط والخلاف من عموم المنع له تبعاً لعموم الأخبار.

أما مع انتفاء الثلاثة فالأقوى الجواز (1)


(1) كما تقدم من الشيخ في التهذيبين، سواء حمل كلامه على ما قبل ظهور الثمرة كما تقدم منّا أم على ما بعده، كما يظهر منهم.

وبه صرح في السرائر والتذكرة والقواعد والمختلف والإيضاح والدروس واللمعتين والتنقيح وجامع المقاصد والمسالك وعن غيرها.

وإليه قد يرجع ما في المقنعة من كراهة بيعها قبل بدو صلاحها.

وهو مقتضى القاعدة على مباني الأصحاب، لعدم ورود شبهة الغرر بعد فرض وجود المبيع ورؤيته.

واحتمال تلفه بعد ذلك لا يمنع من صحة المعاملة، كسائر موارد احتمال تعرض المبيع للتلف أو السرقة أو نحوهما، كما نبّه له في السرائر.

مضافاً إلى ما في صحيح ربعي المتقدم من نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها من أجل خصومتهم، بل مع التصريح في صحيحي بريد والحلبي بأنه لم يكن تحريمياً.

ومن أجله يتعين حمل البلوغ في الثاني على بدو الصلاح بعد ما سبق من وحدة الواقعة.

وهو المستفاد أيضاً من صحيح يعقوب بن شعيب، سواء حملت الكراهة فيه على الكراهة المصطلحة كما سبق من التهذيبين أم على التحريم، لظهوره في ارتفاع النهي بالطلوع.

وبذلك يظهر حال النصوص الأخر المتضمنة للبلوغ كصحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «وسألته عن شراء النخل سنة واحدة أيصلح‌؟ قال: لا يشترى حتى يبلغ»(1) ، وصدر صحيح الحلبي وخبر أبي الربيع المتقدمين.

حيث يتعين حمل البلوغ فيها على بدو الصلاح، أو حملها على الكراهة أو التقية.

كما يتعين الحمل على أحد الوجهين في النصوص الناهية عن البيع قبل بدو الصلاح، على الكلام الآتي في تحديده.

وأما ما تضمن النهي عن البيع قبل الإطعام كصحيحي سليمان بن خالد وأبي

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 22.

بصير المتقدمين فإن حمل الإطعام فيها على الطلوع بلحاظ كون الطالع من شأنه أن يطعم كان أسبق من بدو الصلاح، فيشهد بعدم اعتبار بدو الصلاح في جواز البيع، كما هو المدعى.

وإن حمل على فعلية الإطعام بكون الثمرة صالحة للأكل، كان متأخراً عن بدو الصلاح، وتعين حمله على الاستحباب أو التقية من أجل نصوص بدو الصلاح وغيرها.

هذا وقد صرح بعدم جواز البيع حينئذٍ وبطلانه في المبسوط والنهاية والمهذب والغنية والوسيلة والشرائع والنافع وغيرها، وهو المحكي عن ابن الجنيد وأبي الصلاح والتلخيص، وقد يرجع إليه ما في المقنع من عدم جواز بيع الثمرة حتى تبلغ.

ونسبه في المسالك والروضة للأكثر، بل في المبسوط والخلاف والغنية الإجماع عليه.

عملاً بالنصوص الناهية عن البيع قبل بدو الصلاح.

ويظهر ضعفه مما سبق.

وأشكل منه ما في المراسم من كراهة البيع قبل بدو الصلاح، لكن لو خاست الثمرة نقص من الثمن ما كان في مقابل التالف منها، ولم يبق للبائع إلا بقدر ما سلم منها.

ونسبه في كشف الرموز للمفيد في المقنعة أيضاً، واختاره، مدعياً أنه مقتضى الجمع بين النصوص الواردة بالمنع والناطقة بالجواز.

إذ فيه: لم يتضح وجه الجمع بذلك، لكون المنساق من جميع النصوص هو البيع المبتني على سلامة تمام الثمن للبائع، وانقطاع علقته بالمبيع، فهو مخالف لجميع نصوص المقام، من دون أن يشهد له شيء.

على أن المفيد إنما صرح بذلك في البيع قبل الظهور، لا قبل بدو الصلاح، بل اقتصر في البيع قبل بدو الصلاح على الحكم بالكراهة، كما سبق.

وما في كلام غير واحد من حمل الظهور في كلامه على بدو الصلاح غير ظاهر الوجه.

نعم هو خال عن الدليل أيضاً، ومخالف لجميع النصوص، لما سبق.

بقي شيء.

وهو أن مقتضى القاعدة جواز البيع بمجرد ظهور عنوان الثمرة من تمر أو عنب أو غيرهما.

بل وإن كان تحوله للثمرة من سنخ تحول الحقيقة لحقيقة أخرى، نظير تحول البيضة إلى دجاجة، كالطلع والتمر في المقام.

مع الكراهة (1).

نعم لو كان الظاهر أمراً مبايناً لمبدأ تكوينها عرفاً كالورد الذي تنعقد الثمرة بعد سقوطه فلا مجال لتصحيح البيع بمقتضى القاعدة، لأن المبيع إن كان هو الموجود لزم عدم استحقاق ما يخلفه.

وإن كان هو الثمرة فهي غير موجودة فعلاً، لتكون طرفاً في المعاوضة.

كما أنه لو تم الإجماع على عدم جواز بيع الثمرة قبل طلوعها.

فقد يراد به لزوم صدق الثمرة عليه حين البيع، وعدم كفاية ظهور مبدأ التكوين إذا لم يصدق عليه الثمرة، فيكون مخصصاً للقاعدة.

نعم لا يبعد قصوره عما لو صدق عنوان الثمرة بإطلاقه، وإن لم يصدق بخصوصيته المطلوبة، بل يكون داخلاً فيما نحن فيه من الكلام في جواز بيع الثمرة بعد طلوعها قبل بدو صلاحها.

فلاحظ.

(1) كما تقدم من الشيخ في التهذيبين وبه صرح غيره ممن ذهب إلى الجواز.

وهو مقتضى النصوص المانعة عن البيع قبل بدو الصلاح بعد رفع اليد عن ظهورها في التحريم.

وكذا صحيح يعقوب بن شعيب بناء على حمله على الكراهة المصطلحة.

وحملها على التقية وإن كان ممكناً، إلا أنه خلاف الأصل بعد إمكان الجمع العرفي بالحمل على الكراهة الشرعية المصطلحة.

وكذا حمله على النهي الإرشادي أو الولايتي الشخصي لدفع الخصومة.

ومجرد ظهور بعض النصوص المتقدمة في ذلك لا يكفي في حمل غيره من النصوص عليه.

ثم إنه مما سبق يظهر أن الأفضل الانتظار حتى يؤمن على الثمرة من الآفة كما هو مقتضى معتبر أبي بصير المتقدم.

فلاحظ.

بقي شيء.

وهو بعض نصوص المسألة وكلمات الأصحاب وإن اختصت بثمرة النخل.

إلا أنه يبدو من جملة كلماتهم عدم الفرق بينها وبين ثمرة سائر الأشجار، كما هو مقتضى جعل موضوع المسألة بيع الثمار بإطلاقها أو مع التصريح بالتعميم، كما في

(365)

المعيار في بدو الصلاح

(مسألة 2): بدو الصلاح في التمر احمراره أو اصفراره (1)، وفي غيره


المقنعة والنهاية والمبسوط والوسيلة والمهذب والسرائر والجامع وغيرها.

وفي التحرير: «الشجر والنخل في الحكم سواء» وصرح بأن الخلاف في بعض فروع بيع ثمر النخل يجري في ثمر بقية الأشجار في التذكرة والإيضاح وجامع المقاصد.

والوجه في ذلك الإطلاق، بل التصريح بالعموم في صحيحي الحلبي ويعقوب بن شعيب وخبر أبي بصير وجملة من نصوص البيع مع الضميمة.

بل يظهر من صحيحي بريد والحلبي الواردين في نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع ثمرة النخل قبل الطلوع أو البلوغ إلغاء خصوصية النخل، وأن المعيار مطلق الثمرة.

ومن هنا لا ينبغي الإشكال في العموم في جميع الأحكام المتقدمة، ولا يخرج عنه إلا بدليل.

(1) كما في النهاية والمبسوط والسرائر والنافع والتذكرة والتحرير والدروس واللمعتين والمسالك وظاهر جامع المقاصد، وفيه أنه المشهور، وفي النافع والقواعد أنه الأشهر.

وفي الجواهر أنه المشهور بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً شهرة عظيمة.

لمعتبر الوشا: «سألت الرضا (عليه السلام) هل يجوز بيع النخل إذا حمل‌؟ قال: لا يجوز بيعه حتى يزهو.

قلت: وما الزهو جعلت فداك‌؟ قال: يحمر ويصفر وشبه ذلك»(1) ، ورواه الصدوق بطريق صحيح، إلا أنه أسقط قوله: «وشبه ذلك».

وحديث علي بن أبي حمزة: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى بستاناً فيه نخل ليس فيه غيره [غير بسرٍ] بسراً أخضراً.

قال: لا حتى يزهو.

قلت: وما الزهو؟ قال: حتى يتلون»(2) ويؤيدهما ما في حديث المناهي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «ونهى أن يبتاع الثمار حتى تزهو.

يعني تصفر أو تحمر»(3).

وهي كما ترى إنما تتضمن تفسير الزهو بذلك، لا تفسير بدو الصلاح به.

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 1، 5، 14.

نعم في حديث القاسم بن سلام عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنه نهى عن المخاضرة.

وهو أن يبتاع الثمار قبل أن يبدو صلاحها وهي خضر بعد»(1) ، لظهوره في حصول بدو الصلاح بارتفاع الإخضرار، وهو عبارة أخرى عن تبدل لونها للصفرة والحمرة ونحوهما.

لكنه مع ضعف سنده ظاهر في كون التفسير من الراوي.

فالعمدة في المقام أن ما تضمن بدو الصلاح من النصوص ينحصر بصحيح ربعي وخبر محمد بن شريح المتقدمين.

والأول لا يظهر في النهي التعبدي بعد التصريح فيه بأن النهي فيه كان من أجل تظلمهم، ولاسيما مع التصريح في صحيحي بريد والحلبي بأن النهي لم يكن تحريمياً، بضميمة ما سبق من وحدة الواقعة في الصحاح الثلاث.

والثاني ضعيف في نفسه، مخالف لما تطابقت عليه النصوص والفتاوى من جواز البيع أكثر من سنة.

ومن هنا يقرب أن يكون بدو الصلاح في كلام الفقهاء مشيراً لما تضمنت النصوص الأخر التحديد به، من دون أن يكون بنفسه حداً ليقع الكلام في شرحه.

وحيث تقدم ذكر الزهو في النصوص السابقة مع شرحها له بالتلون توجه منهم تحديد بدو الصلاح بذلك، وتنزيل ما تضمن الإطعام والبلوغ عليه، أو على ما لا ينافيه، كما سبق عند الكلام في جواز البيع قبل بدو الصلاح.

هذا وفي صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «سألته عن بيع النخل أيحل إذا كان زهواً؟ قال: إذا استبان البسر من الشيص حلّ بيعه وشراؤه»(2).

وقد يظهر في اعتبار أمر آخر غير الزهو.

لكن الظاهر أن استبانة البسر من الشيص أسبق من الزهو، فيكون ظاهراً في كفاية ذلك في الحلّ، ويتعين لأجله حمل نصوص الزهو على الاستحباب.

نعم رواه في البحار هكذا: «وسألته عن بيع النخل.

قال: إذا كان زهواً واستبان البسر من الشيص حلّ شراؤه»(3).

ومقتضاه اعتبار الأمرين معاً.

وفي المطبوع من

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 15، 17.

(3) بحار الأنوار ج: 10 ص: 257.

انعقاده بعد تناثر ورده (1).

كتاب علي بن جعفر: «قال: إذا كان زهواً أو استبان البسر من الشيص حلّ شراؤه»(1).

ومن ثم لا مجال للخروج به عما سبق.

هذا وقد ذكر بعض مشايخنا (قده) أن بدو الصلاح أن يصير قابلاً للأكل عادة وإن كان في أول أوان أكله.

وكأنه اعتمد على ما تضمن الإطعام بعد حمله على فعلية الإطعام.

لكنه لو تم لزم رفع اليد عنه بنصوص المقام، وحمله على الاستحباب، لأن الظاهر أن التلون أسبق من ذلك.

ولا يتضح الوجه في إهماله لنصوص المقام بعد أن كان فيها الصحيح.

ومثله ما نقل قولاً في المقام وإن لم يعرف قائله من أن بدو الصلاح هو الأمن على الثمرة من الآفة.

فإنه وإن كان يشهد له قوله (عليه السلام) في معتبر أبي بصير المتقدم: «لا.

حتى تثمر وتأمن ثمرتها من الآفة».

إلا أن من الظاهر أن الأمن على الثمرة من الآفة متأخر عن بدو الصلاح والزهو بالمعنى المتقدم، فلابد من حمله على الاستحباب من أجل نصوص المقام.

وكذا ما في الشرائع من أن بدو الصلاح هو الاحمرار أو الاصفرار أو أن يبلغ مبلغاً يؤمن عليه العاهة، سواء أريد به التردد أم التخيير.

إذ لا وجه للتردد مع اعتبار دليل الاحمرار والاصفرار، وتعين الجمع بالاستحباب، كما تقدم.

ولا للتخيير مع ظهور كون بدو الصلاح حسبما يظهر من صحيح ربعي حداً عرفياً معروفاً وليس أمراً تشكيكياً ذا مراتب.

فلاحظ.

(1) قد اختلفت كلمات الأصحاب كثيراً في بدو الصلاح في غير التمر.

فقيل: هو انعقاد الحب، وقيل: هو ذلك مع تناثر الورد، وقيل: هو البلوغ.

على اختلاف بينهم في أن ذلك في الشجر أو في الشجر والسنبل.

(1) مسائل علي بن جعفر ص: 122.

وفي المبسوط: «وبدو الصلاح يختلف بحسب اختلاف الثمار، فإن كانت الثمرة مما تحمر أو تسود أو تصفر فبدو صلاحها فيها الحمرة أو السواد أو الصفرة، وإن كانت مما تبيض فهو أن يتموه، وهو أن ينمو فيه الماء الحلو ويصفر لونه.

وإن كان مما لا يتلون مثل التفاح والبطيخ فبأن يحلو أكله، وإن كان مثل البطيخ فبأن يقع فيه النضج، لأن له نضجاً كنضج الرطب.

وقد روى أصحابنا أن التلون يعتبر في ثمرة النخل خاصة.

فأما ما يتورد فبدو صلاحه أن ينتشر الورد وينعقد.

وفي الكرم أن ينعقد الحصرم.

وإن كان مثل القثاء والخيار الذي لا يتغير طعمه ولا لونه، فإن ذلك يؤكل صغاراً، فبدو صلاحه فيه أن يتناهى عظم بعضه».

هذا وقد سبق أن مقتضى القاعدة جواز بيع الثمرة من دون ضميمة بمجرد طلوعها بحيث يكون هناك شيء له وجود يشار له عرفاً وإن لم يصدق عليه الثمرة، بل كان مبدأ لتكوينها، حتى على ما جروا عليه من المنع عن بيع الغرر.

فاللازم البناء على ذلك في المقام ما لم يثبت النهي عنه، واعتبار شيء زائد على ذلك.

وقد ثبت ذلك في التمر، كما تضمنته نصوص الزهو السابقة.

أما في غيره فلم يرد إلا ما تقدم في خبر محمد بن شريح عن أبي عبد الله (عليه السلام) من قوله: «وبلغني أنه قال في ثمر الشجر: لا بأس بشرائه إذا صلحت ثمرته.

فقيل له: وما صلاح ثمرته‌؟ قال: إذا عقد بعد سقوط ورده(1)».

وما في موثق عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سألته عن الكرم متى يحل بيعه‌؟ قال: إذا عقد وصار عروقاً».

كذا في الكافي.

وفي التهذيب: «قال: إذا عقد وصار عقوداً.

والعقود اسم الحصرم بالنبطية»(2).

أما الأول فهو ضعيف السند، وخصوصاً هذه الفقرة منه، لظهور كلام الراوي في عدم سماعه لها بنفسه من الإمام (عليه السلام)، بل قد بلغته عنه، فهي مرسلة منه عنه (عليه السلام).

مع أن ظاهره إرادة انعقاد الثمرة الملازم لسقوط الورد، وهو أول انعقادها وظهورها،

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 13، 6.

(مسألة 3): يعتبر في الضميمة المجوزة لبيع التمر قبل بدو صلاحه أن تكون مما يجوز بيعها منفردة (1)،


لا بعده بمدة طويلة بعد أن تنمو نمواً معتداً به، فإنه ليس انعقاداً، بل يكون بعد الانعقاد.

ومن الظاهر أن الانعقاد المذكور عبارة أخرى عن ظهور الثمرة وبدو تكوينها الذي سبق أن اعتباره مقتضى القاعدة من دون حاجة للنص.

وأما الثاني فهو وإن تم سنده، إلا أنه سبق الاختلاف في متنه، فعلى رواية الكافي يكون ظاهراً في اعتبار بروز الشعب في زهره، بحيث يبدأ تكون العنقود له، وبه يكون مبدأ انعقاد حبه.

وعلى رواية التهذيب يكون المراد بلوغه حداً يصير حصرماً.

لكن الثاني موقوف على أن يكون التفسير من الإمام (عليه السلام)، وهو غير ظاهر، بل بعيد.

فإن تعبيره بالحصرم رأساً أولى.

بل يكاد يقطع بعدمه بملاحظة رواية الكافي، حيث يبعد جداً حذفه للتفسير المذكور لو كان جزءاً من الرواية، بخلاف الاختلاف في رسم الكلمة الواحدة فإنه أمر مألوف شائع.

ولا أقل من عدم ثبوت كون التفسير المذكور من الإمام، وحينئذٍ لا يكون حجة.

بل هو لا يخلو عن بعد في نفسه، حيث لا يظهر الوجه لتعبير الإمام (عليه السلام) بالنبطية ما لم تكن الكلمة شائعة في العرف بحيث لا تحتاج للتفسير.

ومن هنا لا يبعد حمل رواية التهذيب على بدء انعقاد الحب، فتقارب رواية الكافي.

ولاسيما بملاحظة ما في المنجد من أن عقد الزهر انضمام أجزائه بحيث يصير ثمراً، وهو راجع إلى بدء ظهور الثمرة الذي عرفت أنه مقتضى القاعدة، نظير ما تقدم في خبر محمد بن شريح.

هذا وأما ما عدا ذلك كالخضر فالمتعين الرجوع فيه للقاعدة التي سبق تحديد مفادها.

ولا ملزم باعتبار بدو الصلاح فيه، ليقع الكلام في تحديده.

فلاحظ.

(1) بأن تكون ذات قيمة معتد بها، كما تقدم منه (قده) نظير ذلك في بيع الآبق

وكونها مملوكة للمالك (1)، وكون الثمن لها وللمنضم على الإشاعة (2).

ولا يعتبر فيها أن تكون متبوعة (3) على الأقوى، فيجوز كونها تابعة (4).

مع الضميمة، وتقدم الوجه فيه، فإن المقامين من باب واحد.

ومنه يظهر عدم الوجه لتنظر صاحب الجواهر فيه.

(1) كما ذكره في الجواهر بدواً، وإن تنظر فيه أخيراً.

وهو المنصرف من نصوص المقام.

بل هو صريح موثق سماعة أوصحيحه: «سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها؟ فقال: لا.

إلا أن يشتري معها شيئاً من غيرها رطبة أو بقلاً، فيقول: أشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا، فإن لم تخرج الثمرة كان رأس مال المشتري في الرطبة والبقل.

..»(1).

ونحوه سبق في مبحث القدرة على التسليم في مثل بيع الآبق مع الضميمة، لأنهما على نهج واحد.

(2) كما ذكره في الجواهر بدواً، وإن تنظر فيه أخيراً أيضاً.

وهو المستفاد من النصوص انصرافاً أو ظهوراً.

ولاسيما ما تضمن التعليل بأنه إن لم يخرج كان رأس المال في الضميمة، إذ هو كالصريح في وحدة رأس المال فيهما معاً، إذ لو لم يكن بنحو الإشاعة كان لكل منهما رأس ماله، ولم يبق في مقابل رأس مال الثمرة شيء.

(3) خلافاً لما سبق من التذكرة.

وتقدم وجهه ودفعه عند الكلام في جواز بيع الثمرة قبل ظهورها عاماً واحداً مع الضميمة.

(4) كأغصان الشجر الحاصلة للثمرة.

والوجه فيه إطلاق الشيء في حديث سماعة المتقدم.

مضافاً إلى عموم التعليل الذي تضمنه هو وبعض النصوص المتقدمة عند الكلام في اشتراط القدرة على التسليم في العوضين.

ومنه يظهر الجواز فيما إذا كانا معاً مقصودين بالأصل من دون تبعية.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

(371)

جواز بيع التمر مع ظهور بعضه

(مسألة 4): يكفي في الضميمة في تمر النخل مثل السعف والكرب والشجر اليابس الذي في البستان (1).

(مسألة 5): لو بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها مع أصولها جاز (2) بلا إشكال.

(مسألة 6): إذا ظهر بعض ثمر البستان جاز بيع المتجدد في تلك السنة معه وإن لم يظهر (3)،


(1) يظهر وجهه مما سبق.

ومنه يظهر عدم خصوصية التمر.

ولعله (قده) ذكره لمجرد التمثيل.

(2) كما في الشرائع والنافع والتذكرة وغيرها.

وفي التذكرة والتنقيح الإجماع عليه.

ويقتضيه إطلاق دليل جواز البيع مع الضميمة.

ولاسيما مع كون الضميمة في المقام هي المبيعة أصالة، والثمرة تابعة عرفاً، كحمل الدابة.

مضافاً إلى صحيح غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من باع نخلاً قد أبره فثمره للبائع، إلا أن يشترط المبتاع.

ثم قال: قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)» (1)، ونحوه غيره.

(3) صرح غير واحد بالاكتفاء في جواز بيع جميع الثمرة بظهور بعضها أو بدو صلاحه، على الخلاف في معيار الجواز.

بل هو المدعى عليه الإجماع صريحاً في الخلاف والمسالك، وظاهراً في الغنية والتذكرة.

ويقتضيه مضافاً إلى ما سبق من عموم جواز البيع مع الضميمة النصوص الخاصة، كصحيح يعقوب بن شعيب، قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعها جميعاً» (2).

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 32 من أبواب أحكام العقود حديث: 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 2 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

اتحد الجنس أم اختلف (1)، اتحد البستان أم تكثر (2) على الأقوى.

ومعتبر إسماعيل بن الفضل عنه (عليه السلام): «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع الثمرة قبل أن تدرك.

قال: إذا كان له في تلك الأرض بيع له غلة قد أدركت فبيع ذلك كله حلال»(1).

وصحيح الحلبي عنه (عليه السلام): «قال: تقبل الثمار إذا تبين لك بعض حملها سنة، وإن شئت أكثر.

وإن لم يتبين لك ثمرها فلا تستأجر»(2).

وحديث علي بن أبي حمزة: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى بستاناً فيه نخل وشجر منه ما قد أطعم ومنه ما لم يطعم.

قال: لا بأس فيه إذا كان فيه ما قد أطعم...»(3)

ويحمل على شراء ثمر البستان بقرينة الجواب.

(1) للعموم المتقدم، وإطلاق بعض النصوص المتقدمة، وخصوص صحيح يعقوب بن شعيب منها.

وبه يخرج عما يأتي في موثق عمار، ويتعين حمله على الكراهة.

(2) كما جعله في النافع الأشبه، وجزم به في كشف الرموز والمختلف والدروس والتنقيح والمسالك ومحكي غيرها.

للعموم المتقدم.

وقد يستدل له أيضاً بمعتبر إسماعيل المتقدم، بدعوى شمول قوله (عليه السلام): «في تلك الأرض» لما إذا تعددت البساتين.

ولا يخلو عن إشكال، حيث لا يبعد كون مصحح العهد والإشارة مناسبة الأرض للثمرة المفروضة في السؤال، بلحاظ كونها بستاناً لها.

فالعمدة العموم المتقدم.

لكن في المبسوط: «وإن كان بستانان، فبدا صلاح الثمرة في أحدهما، ولم يظهر في الآخر، لم يجز بيع ما لم يبن صلاحه، لأن لكل بستان حكم نفسه، سواء كان من جنس ما ظهر صلاحه أم من غير جنسه.

وفيه خلاف».

وعليه جرى في الخلاف ويظهر منه دعوى الإجماع عليه.

وقد يظهر من الاستبصار إيضاً، لأنه احتمل حمل موثق عمار الآتي على ما إذا كانت الأنواع المختلفة في أماكن متفرقة.

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 2 من أبواب بيع الثمار حديث: 2، 4، 3.

هذا ويظهر من المختلف والدروس أن دليله على التفصيل المذكور هو موثق عمار المذكور عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سئل عن الفاكهة متى يحل بيعها؟ قال: إذا كانت فاكهة كثيرة في موضع واحد فأطعم بعضها فقد حل بيع الفاكهة كلها.

فإذا كان نوعاً واحداً فلا يحل بيعه حتى يطعم.

فإن كان أنواع متفرقة فلا يباع شيء منها حتى يطعم كل نوع منها واحدة، ثم تباع تلك الأنواع»(1).

وقد حمله في المختلف على ما إذا تعددت العقود.

وجعله في الدروس معارضاً بصحيح إسماعيل بن الفضل المتقدم.

ويشكل الأول بأن الحمل المذكور تبرعي لا شاهد عليه، بل هو مخالف للظاهر جداً.

والثاني بما سبق من الإشكال في عموم صحيح إسماعيل لما إذا تعددت البساتين.

مع أنه لو تم له إطلاق يقتضي ذلك تعين حمله على وحدة البستان، جمعاً مع موثق عمار لو تمت دلالته على المنع من الضميمة إذا تعددت البساتين.

فالعمدة في المقام عدم ظهور الموثق في التفصيل بين وحدة البستان وبين تعدده، بل بين وحدة نوع الفاكهة وتعدده.

غايته أن التفصيل المذكور يكون مستدركاً على إطلاق الجواز الذي تضمنه صدره، ويتعين كونه تعقيباً عليه كالشرح له، كما احتمل ذلك في مفتاح الكرامة.

بل هو المتعين وإن استلزم نحواً من الاضطراب في متنه.

وهو غير عزيز في النصوص.

ولا مجال لحمله على تعدد البساتين، كما تقدم احتماله من الاستبصار، لعدم المنشأ فيه لاحتمال ذلك.

ومن هنا يتعين حمله على الكراهة، جمعاً مع صحيح يعقوب بن شعيب الصريح في جواز الضميمة مع تعدد الأنواع، كما أشرنا إليه آنفاً.

وأما ما سبق من المبسوط من أن لكل بستان حكم نفسه، فلا شاهد له ليخرج به عن الجواز مع الضميمة.

ومن هنا يتعين البناء على عموم الجواز في المقام، عملاً بالعموم المذكور.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 2 من أبواب بيع الثمار حديث: 5.

(مسألة 7): إذا كانت الشجرة تثمر في السنة الواحدة مرتين ففي جريان حكم العامين عليهما إشكال (1).

(مسألة 8): إذا باع الثمرة سنة أو سنتين أو أكثر ثم باع أصولها على شخص آخر لم يبطل بيع الثمرة (2)، بل تنقل الأصول إلى المشتري مسلوبة المنفعة في المدة المعينة (3).

وله الخيار في الفسخ مع الجهل (4).

ولا يبطل


(1) حيث قد يوجه الإلحاق بإلغاء خصوصية السنة عرفاً، وفهم أن المدار على تعدد الإنتاج بنحو يبعد تخلف الإنتاجين معاً.

ولعله لذا جرى عليه بعض مشايخنا (قده).

كما قد يوجه عدمه باحتمال خصوصية السنة في غلبة عدم التخلف مع التعدد.

وهو المتعين.

فالمقام نظير إلحاق تعدد البستان بتعدد السنة، لأن التخلف معه أبعد من التخلف في البستان الواحد، الذي لا مجال له قطعاً.

(2) بلا إشكال ظاهر.

لعدم الموجب للبطلان بعد إمكان اختلاف مالك الأصل مع مالك الثمرة، ولذا أمكن بيعها وحدها، كما هو المفروض في المقام.

(3) لأن ذلك هو الذي يملكه البائع وله السلطنة على بيعه.

والمراد بالمنفعة ما يعم النماء، كما هو ظاهر.

(4) لأنه نحو من النقص في المبيع ينافيه إطلاق البيع عرفاً.

ولا مجال للبناء على ثبوت الأرش له تخييراً مع الفسخ، أو بشرط تغير وضع البستان، كما سبق في خيار العيب.

لعدم كون ذلك عيباً عرفاً.

بل يتعين له الفسخ وإرجاع العين، أو جريان حكم تغيير العين في غير العيب من موارد الخيار.

فلاحظ.

ثم إن ذلك إنما يتجه إذا كانت الثمرة من سنخ المنفعة المملوكة تبعاً من دون أن تكون مقابلة بجزء من الثمن، كما لو لم تكن موجودة حين البيع.

أما إذا كانت موجودة حين البيع ولو بوجود مبدأ تكوينها.

فإن قصد بيع الأصول وحدها أو حكم شرعاً

(375)

تلف التمر قبل القبض

بيع الثمرة بموت بائعها، بل تنتقل الأصول إلى ورثة البائع بموته مسلوبة المنفعة (1).

وكذا لا يبطل بيعها بموت المشتري، بل تنتقل إلى ورثته (2).

(مسألة 9): إذا اشترى ثمرة فتلفت قبل قبضها، انفسخ العقد، وكانت الخسارة من مال البائع (3)، كما تقدم ذلك في أحكام القبض، وتقدم أيضاً إلحاق السرقة ونحوها بالتلف، وحكم ما لو كان التلف من البائع والمشتري والأجنبي.

بذلك كما في بيع النخل بعد التأبير، على ما تقدم عند الكلام فيما يدخل في المبيع فلا موجب للخيار.

وإن كانت جزءاً من المبيع كان من صغريات مسألة بيع ما يملك وما لا يملك، حيث يتوزع الثمن على الأصل والثمرة.

فإن أجاز مالك الثمرة نفذ البيع في الكل، وكان له ما يخصها من الثمن.

وإن لم يجز نفذ البيع في خصوص الأصل بما يخصه من الثمن، ورجع ما يقابل الثمرة للمشتري، وكان له الخيار، لتبعض الصفقة.

(1) لنظير ما سبق.

(2) بلا إشكال ظاهر، لأنها وإن لم تكن مملوكة للمورث حين موته، لعدم وجودها، إلا أنها مستحقة له بالبيع، فينتقل الحق لوارثه.

(3) كما ذكره في المبسوط فيما إذا كانت الثمرة على رؤوس الشجر، وفي الشرائع فيما إذا كانت الثمرة قد بدا صلاحها، وفي التذكرة فيما إذا كانت طالعة وإن لم يبد صلاحها.

لكن المتيقن من ذلك ما إذا بيعت بعد وجودها صالحة للقطف.

وكذا إذا بيعت قبل ذلك، وكان البيع مبتنياً على تعهد البائع بتسليمها صالحة للأكل.

وأما إذا ابتنى البيع على عدم تعهد البائع بذلك كما هو الشائع في بيع الثمار في محل

الكلام فالظاهر عدم ضمان البائع بتلفها قبل القبض إذا تسبب عن نقص داخلي فيها كالمرض أو خارجي طبيعي، كالزوابع والأمطار والحر والبرد ونحوها مما يتعارف تعرض الثمرة له وتلفها به.

وكذا لا ضمان بعدم ظهور الثمرة حينئذٍ، ولا بعدم بلوغها ونضجها حتى تتلف.

كل ذلك لعدم ابتناء البيع على التسليم والتسلم حينئذٍ، بل على إقدام البائع على الخطر، فيقصر دليل ضمان البائع للمبيع قبل قبضه عن ذلك، كما يظهر بالرجوع لمبحث التسليم والقبض.

وكذا إذا كان التلف مستنداً للمشتري على ما سبق هناك أيضاً.

وأما إذا كان مستنداً للبائع فلا إشكال في جواز رجوع المشتري عليه بالمثل أو القيمة، عملاً بالقاعدة، بناءً على ما سبق في مبحث القبض والتسليم من قصور دليل انفساخ البيع بالتلف قبل القبض عن ذلك.

وكذا إذا كان المتلف هو الأجنبي وكانت الثمرة تحت يد البائع أمانة وكان مفرطاً في تمكين الأجنبي من ذلك.

كما يجوز للمشتري الرجوع بذلك على المتلف نفسه.

وفي جواز رجوعه بالثمن المسمى على البائع إشكال، لانحصار الوجه فيه هناك كما سبق بابتناء البيع على اشتراط التسليم، فيثبت الخيار بتخلفه، ولا يجري ذلك هنا، لعدم ابتناء البيع فيه على ذلك بعد ما هو المعلوم من تعرض المبيع هنا لعدم الوجود أو التلف.

إلا أن يدعى ابتناؤه على التسليم في فرض سلامة الثمرة وصلوحها للقطف.

لكنه لا يخلو عن إشكال، لعدم وضوح كونه شرطاً يبتني البيع عليه مع قطع النظر عن وجوب تسليم مال الغير إليه شرعاً.

واللازم الرجوع في ذلك للعرف المعاملي الخاص بهذه المعاملة.

فلاحظ.

(377)

في استثناء ثمرة شجرات

(مسألة 10): يجوز لبائع الثمرة أن يستثني ثمرة شجرات أو نخلات بعينها (1)، وأن يستثني حصة مشاعة (2)، كالربع والخمس، وأن يستثني مقداراً معيناً (3)، كمنّ ووزنة.

لكن في الصورتين الأخيرتين لو خاست


(1) بلا خلاف ولا إشكال، بل الإجماع بقسميه عليه.

كذا في الجواهر.

ويقتضيه مضافاً إلى عمومات النفوذ والصحة صحيح ربعي المتقدم: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن لي نخلاً بالبصرة، فأبيعه وأسمي الثمن، وأستثني الكر من التمر أو أكثر، أو العدد من النخل.

فقال: لا بأس.

..»(1).

نعم لابد من تعيين النخل المستثنى وعدم إبهامه، كما في المقنعة والنهاية والتذكرة وغيرها، بل في التذكرة الإجماع عليه.

لامتناع الإبهام في الأمر المستحق.

وأما ما في الجواهر من التعليل بالجهالة فهو إنما يتجه مع تعيينه واقعاً والجهل به حين العقد، كما لو استثنى الشجر المغروس قبل عشر سنين المجهول لهما أو لأحدهما حين العقد، والظاهر عدم إرادتهم ذلك، بل ما ذكرنا من الإبهام.

(2) بلا خلاف ولا إشكال، بل الإجماع بقسميه عليه، كما في الجواهر.

والوجه فيه عمومات الصحة والنفوذ.

(3) كما هو المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، كما في الجواهر، بل في الخلاف وظاهر التذكرة الإجماع عليه.

ويقتضيه صحيح ربعي المتقدم، وصحيحه الآخر عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في الرجل يبيع الثمرة، ثم يستثني كيلاً وتمراً.

قال: لا بأس به.

قال: وكان مولى له عنده جالساً، فقال المولى: إنه ليبيع ويستثني أوساقاً يعني أبا عبد الله (عليه السلام).

قال: فنظر إليه ولم ينكر ذلك من قوله»(2).

هذا وفي المقنعة والمبسوط والنهاية والسرائر بعد الحكم بالجواز أن استثناء

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 4.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 15 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

الثمرة وزع النقص على المستثنى والمستثنى منه على النسبة (1).

وطريق


الحصة المشاعة أحوط.

وعلله في المبسوط بأن في الأول خلافاً.

وفي المختلف نسب الخلاف لأبي الصلاح.

لكن عن الكافي لأبي الصلاح الحكم بالجواز.

وكيف كان فلا يتضح الوجه في المنع إلا ما عن بعض العامة مما لا مجال للخروج به عما تقتضيه الأدلة الشرعية العامة والخاصة المتقدم التعرض لها.

(1) كما في المقنعة والنهاية والشرائع والنافع والتذكرة والقواعد والتحرير والإرشاد والدروس واللمعتين وجامع المقاصد والمسالك وغيرها، وفي الجواهر: «لا أجد فيه خلافاً بينهم».

ومقتضى إطلاق بعض من تقدم جريان ذلك حتى في الصورة الأولى.

ومن البعيد جداً بناؤهم على ذلك، لتميز المبيع عن المستثنى خارجاً، فلا منشأ لتحميل التلف من أحدهما على الآخر، ولذا قد يظهر من المسالك والجواهر حمل المراد من الإطلاق المذكور على الصورتين الأخيرتين لا غير.

هذا ولا ينبغي الإشكال في التوزيع في الصورة الثانية، لأن الظاهر ابتناء استثناء الجزء المشاع عرفاً على اشتراك الجزئين المشاعين في السلامة والتلف وغيرهما من الطوارئ.

على أن من القريب كون الاستثناء في المقام إنما هو من الثمرة الناضجة الصالحة للاستعمال، لأنها مورد غرض المستثني، كما يأتي في الصورة الثالثة.

أما في الصورة الثالثة فقد يظهر منهم ابتناء التوزيع على حمل المستثنى على الإشاعة، وأنه راجع إلى استثناء جزء مشاع من الثمرة نسبته لمجموعها بقدر نسبة الأرطال لمجموع الثمرة في واقعها لو سلمت، كالربع أو السدس أو العشر أو غيرها، فيتعين جريان حكم الإشاعة المتقدم.

ومن هنا ذكر في الدروس أنه قد يفهم من هذا التوزيع تنزيل شراء صاع من الصبرة على الإشاعة.

وكأنه لاشتراك الصاع من الصبرة والمستثنى في المقام في كونهما

قدراً معيناً من مجموع خارجي موجود أو مقدر الوجود، فحيث فهمت الإشاعة في المقام تعين البناء عليها هناك.

لكن لا ينبغي الإشكال في أنه ليس المراد من بيع الصاع من الصبرة الإشاعة، لابتنائها على عناية يعلم بعدم قصد المتبايعين لها.

ومن هنا يتعين حمله على الكلي في المعين.

وتمام الكلام في محله.

ومن هنا ذكر في الروضة أنه يبقى في المقام السؤال عن الفرق بين المقامين.

وقد أطال شيخنا الأعظم (قده) وجماعة ممن عقب على كلامه في بيان ذلك بما لا يسعنا استقصاؤه، فضلاً عن التعقيب عليه.

نعم الظاهر أنه لا فرق بين المقامين في عدم الإشاعة، لما سبق من ابتناء الإشاعة على عناية يعلم بعدم قصد المتبايعين لها، بل هما معاً من الكلي في المعين.

بل لو فرض انحصار الوجه في التوزيع بالبناء على الإشاعة، تعين البناء على عدم التوزيع بعدم قصد المتبايعين لها.

إلا أن الظاهر عدم انحصار الأمر بها، لأن ثبوت الحق المالي في العين يقتضي بطبعه ورود النقص عليه تبعاً لورود النقص عليها، كما في الوصية والزكاة وغيرهما.

وذلك حكم عرفي أشبه بقاعدة العدل والإنصاف.

فيجري ذلك في المقام.

وإنما لا يجري في البيع لعدم ابتناء البيع على مجرد استحقاق المبيع وهو الكلي في المقام بل على تعهد البائع به زائداً على ذلك، ولذا لا يمنع البائع من بيع بعض الصبرة اكتفاء بالتعهد المذكور.

ومن الظاهر أن النقص لا يمنع من تنفيذ التعهد المذكور بعد بقاء موضوعه.

ولذا لو كان استحقاقه من غير طريق البيع كالوصية لحقه النقص إذا تجاوز الثلث بعد حصول النقص.

كما أنه لو لم يبتن الاستثناء في المقام على قصور المبيع عن المستثنى، بل على تعهد المشتري للبائع بالمقدار المستثنى، نظير الشرط مع كون المبيع تمام الثمرة تعين عدم دخول النقص.

لكنه أمر غير الاستثناء، ويحتاج إلى عناية، وهو خارج عن محل الكلام.

هذا ما يظهر لنا عاجلاً في وجه الفرق.

في استثناء ثمرة شجرات

نعم الظاهر أن ذلك إنما يتم إذا كان التلف بعد بلوغ الثمرة وصلوحها للقطف والأكل.

وقد يناسبه ما في بعض كلمات من سبق من التعبير بهلاك الثمرة.

أما إذا رجع إلى حصول الآفة المانعة من ظهور الثمرة في بعض الأشجار أو من بلوغها ونضجها، أو حصول ما يوجب سقوطها قبل نضجها كالأعاصير فالظاهر عدم استثنائها.

لابتلاء الثمار نوعاً بذلك، بحيث يفوت منها مقدار لا يستهان به، مع غفلة العرف عن توزيعها على الثمرة المستثناة.

ولاسيما مع ما يأتي من توقف معرفة مقدار النقص الوارد على المستثنى على تخمين مقدار الفائت من الثمرة، مع ما هو المعلوم من تعرض التخمين للخلاف، خصوصاً مع غلبة اختلاف مقدار الناتج مع عدم الآفة باختلاف السنين، حيث يستوجب ذلك كثيراً من المشاكل ليس بناء العرف عليها في المقام، ولا على الإقدام على المعاملة نوعاً لو كانت مستلزمة لها.

وحينئذٍ يكون السكوت عن التنبيه للتوزيع مع ذلك في الصحيحين ظاهر في عدمه.

هذا مضافاً إلى قرب كون مورد الصحيحين، بل قصد المتبايعين نوعاً، هو الاستثناء من الثمرة البالغة الصالحة للأكل، لا من الثمرة الشأنية التي يقع البيع عليها، فلا موضوع للتوزيع إلا بعد البلوغ.

وأما ما في الجواهر عن التذكرة هنا من أنه لو صرح بإرادة الاستثناء مما يسلم من الثمرة أمكن بطلان البيع.

فلم يتضح الوجه فيه.

ومجرد الجهل بمقدار السالم لا يكفي في البطلان، إذ هو كالجهل بمقدار الثمرة المتوقعة لو لم تصبها علة، فإن الجهل في بيع الثمار مغتفر قطعاً.

على أن الموجود في التذكرة لا ظهور له في ذلك.

قال: «أما لو استثنى مائة رطل مثلاً من الثمرة ومما يتخلف منها احتمل بطلان البيع».

وإن كان هو لا يخلو عن غموض.

إلا أن يريد بذلك الاستثناء من كل من السالم والتالف، لبيان أن ذلك وإن

(381)

الكلام في بيع الثمرة مع الأصول

معرفته (1) تخمين الفائت (2) بالثلث أو الربع مثلاً، ثم تنسب الأرطال (3) إلى المجموع، ويسقط منها بالنسبة.

فإن كان الفائت الثلث يسقط منها الثلث، وإن كان الربع يسقط الربع، وهكذا.

(مسألة 11): يجوز بيع ثمرة النخل وغيره في أصولها بالنقود وبغيرها (4)، كالأمتعة والحيوان والطعام، وبالمنافع والأعمال وغيرها، كغيره

رجع عملاً للتوزيع، إلا أنه يحتمل بطلانه، للغوية الاستثناء من التالف.

وهو مع عدم خلوه عن الإشكال غير ما نسبه له في الجواهر، وأجنبي عن المقام.

ومثله دعوى: أن ذلك لا يناسب كلماتهم في المقام.

إذ هي لو تمت لا تنفع في الخروج عما عليه العرف، وأكده الصحيحان، لعدم بلوغ ذلك منهم حدّ الإجماع التعبدي الصالح للاستدلال، بل من القريب جداً ابتناؤه على الاجتهاد غفلة عما عليه العرف.

فلاحظ.

والله سبحانه وتعالى العالم.

(1) يعني: في الصورة الثالثة.

أما في الثانية فالمتعين استحقاق البائع مقدار الجزء المشاع من الثمرة السالمة، كما هو ظاهر.

(2) يعني: مع اتفاق الطرفين ولو بعد الرجوع لأهل الخبرة، الذي هو نحو من الصلح بينهما.

ومع التشاح والتنازع لابد من رفع الأمر للحاكم الشرعي.

والظاهر أن الأصل مع البائع، لتبعية الثمرة للأصول في الملكية، فيقتصر في الخروج عنها على المتيقن بسبب البيع.

(3) يعني: إذا كان المستثنى محدداً بالرطل.

(4) بلا خلاف ولا إشكال، كما في مفتاح الكرامة والجواهر.

لعمومات الصحة والنفوذ.

ولا فرق بين أن يبيعه بطعام من جنسه وأن يبيعه بغيره، لعدم لزوم الربا بعد كون الثمر على الشجر ليس من المكيل ولا من الموزون، كما تقدم نظيره في المسألة الثامنة والتاسعة من الفصل التاسع في الربا.

نعم في موثق سماعة أو صحيحه: «سألته عن الزرع، فقلت: جعلت فداك رجل زرع زرعاً مسلماً كان أو معاهداً أنفق فيه نفقة، ثم بدا له في بيعه لنقله [لنقلة.

يب] ينتقل من مكانه أو لحاجة.

قال: يشتريه بالورق، فإن أصله طعام»(1) ، وقريب منه موثقه الآخر أو صحيحه(2).

ومناسبة التعليل تقتضي حمله على صورة اتحاد الجنس.

وإلا كان مجملاً.

ودعوى: أن الزرع مباين للطعام، ولم يفرض في السؤال أنه صار فيه الحب الذي هو الطعام.

مدفوعة بأن التعليل قد يبتني على جريان الربا فيما إذا رجع الجنسان إلى أصل واحد، كما ورد نظيره في الحنطة والشعير.

وإن كان من البعيد جداً تعميم الأصل لمثل ذلك، كيف ولازمه عدم جواز بيع التبن بالطعام، ولا بيع خشب الشجر الذي أصله البذر بثمره.

ومن هنا لا يخلو التعليل عن غموض.

هذا مضافاً إلى النصوص المصرحة بجواز بيعه، كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث: «قال: لا بأس أيضاً أن يشتري زرعاً قد سنبل وبلغ بحنطة»(3) ، وصحيحه الآخر: «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في رجل قال لآخر: بعني ثمرة نخلك هذا الذي فيها بقفيزين من تمر أو أقل أو أكثر يسمي ما شاء فباعه.

فقال: لا بأس به.

وقال: التمر والبسر من نخلة واحدة لا بأس به.

فأما أن يخلط التمر العتيق و [أو.

في] البسر فلا يصلح.

والعنب والزبيب مثل ذلك»(4).

وقد يستفاد من غيرهما.

ومن هنا يتعين حمل حديثي سماعة على الكراهة، كما قد يناسبه صحيح يعقوب بن شعيب: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يكون له على الآخر مائة كر تمر، وله نخل، فيأتيه فيقول: اعطني نخلك هذا بما عليك.

فكأنه كرهه»، ونحوه صحيح

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 13 من أبواب بيع الثمار حديث: 3، 4، 1.

(4) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 6 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

(383)

الكلام في المزابنة

من أفراد البيع.

نعم لا تجوز المزابنة (1).

وهي بيع ثمرة النخل - تمراً كانت


الحلبي(1).

ويأتي تمام الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

(1) لا إشكال نصاً وفتوى في حرمة المزابنة والمحاقلة.

ودعوى الإجماع على ذلك مستفيضة، وإنما الكلام في تحديدهما.

قال في المبسوط: «بيع المحاقلة والمزابنة محرم بلا خلاف، وإن اختلفوا في تأويله.

فعندنا أن المحاقلة بيع السنابل التي انعقد فيها الحب واشتد بحب من ذلك السنبل.

ويجوز بيعه من جنسه على ما روي في بعض الأخبار.

والأحوط أن لا يجوز بحب من جنسه على كل حال، لأنه لا يؤمن أن يؤدي إلى الربا.

والمزابنة هي بيع التمر على رؤوس النخل بتمر منه.

فأما بتمر موضوع على الأرض فلا بأس به.

والأحوط أن لا يجوز ذلك لمثل ما قلناه في بيع السنبل سواء».

وهو كالصريح في اختصاص المحاقلة والمزابنة عندنا بما إذا كان الثمن من عين المثمن، وإن الاحتياط بالتعميم لشبهة الربا، لا لعموم المزابنة والمحاقلة.

وقريب منه في المهذب وكذا في الوسيلة والنافع لكن مع البناء على عموم التحريم.

واقتصر في النهاية على تحريم الأول، وصرح بجواز الثاني، من دون أن يشير للاحتياط المذكور.

وعليه جرى في التذكرة وحكي عن الراوندي وأبي الصلاح وابن البراج في الكامل.

وعلى ذلك جرى في الخلاف في المحاقلة تعريفاً وتحريماً مع التصريح بالتحليل في البيع بحنطة من غير ذلك السنبل، مدعياً ورد رواية أصحابنا به، وإن نبّه لخلاف بعضهم.

مستنداً في التحليل للأصل بعد قصور إجماع أصحابنا عنه.

أما المزابنة فقد قال في تعريفها: «بيع الثمر على رؤوس الشجر بثمر موضوع على الأرض.

وهو محرم بلا خلاف.

ومن أصحابنا من قال: إن المحرم هو أن يبيع ما

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 6 من أبواب بيع الثمار حديث: 2 وذيله.

على الرؤوس من النخل بتمر منه، فأما بتمر آخر فلا بأس به.

والخبر الذي قدمناه يدل على ذلك».

لكن أطلق في المقنعة تحريم بيع الثمرة في رؤوس النخل وتحريم بيع الزرع بالحنطة، ثم قال: «وهذه هي المحاقلة التي نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عنها وحظرها في شريعة الإسلام» وقريب منه في المراسم وأصر على العموم في السرائر، ونسبه لجماعة من أصحابنا، كما صرح بالعموم في الغنية والشرائع ونكت النهاية وكشف الرموز والمختلف والتحرير والقواعد والإرشاد على ما في بعض نسخه والدروس واللمعتين والتنقيح وجامع المقاصد والمسالك وعن غيرها، وفي مفتاح الكرامة أنه المشهور المعروف، وفي الجواهر أنه المشهور نقلاً وتحصيلاً.

ويدل عليه صحيح عبد الرحمن بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن المحاقلة والمزابنة.

قلت: وما هو؟ قال: أن يشتري حمل النخل بالتمر والزرع بالحنطة»(1).

وقريب منه موثقه، إلا أنه قال فيه:

«المحاقلة النخل بالتمر، والمزابنة السنبل بالحنطة...» (2) .

وعن أبي عبيدة القاسم بن سلام بأسانيد عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنه نهى عن بيع المحاقلة والمزابنة.

فالمحاقلة بيع الزرع وهو في سنبله بالبر، والمزابنة بيع التمر في رؤوس النخل بالتمر»(3).

لكن الظاهر أن التفسير ليس منه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا ينفع في المقام.

فالعمدة الأولان.

نعم هما معارضان بصحيحي الحلبي المتقدمين.

وحيث يتعذر الجمع بينها بالكراهة، للإجماع على حرمة المزابنة والمحاقلة، تعين إما البناء على التساقط والاقتصار على المتيقن من المزابنة والمحاقلة، وهو الأخص.

أو حمل حديثي عبد الرحمن على العهد، فإن التمر والحنطة وإن لم يتقدما بلفظهما، إلا أنهما تقدما بمعناهما عند ذكر حمل النخل والزرع.

وحينئذٍ يكونان أخص من صحيحي الحلبي لو تم عمومهما لما إذا كان

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 13 من أبواب بيع الثمار حديث: 1، 2، 5.

الثمن ثمر النخل وحنطة الزرع المبيعين، ولم ينصرفا عن ذلك بلحاظ ارتكاز التباين بين الثمن والمثمن.

ويؤيد ذلك أو يعضده صحيح الحسن بن علي، يعني الوشا: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل اشترى من رجل أرضاً جرباناً معلومة بمائة كر على أن يعطيه من الأرض.

فقال: حرام.

فقلت: جعلت فداك فإني أشتري الأرض بكيل معلوم وحنطة من غيرها.

قال: لا بأس بذلك»(1).

بناء على عدم الجمود على لفظه من شراء نفس الأرض، لعدم المنشأ لاحتمال التحريم في شرائها بزرع منها، ليقع السؤال عنه، وعدم بناء الأصحاب على حرمته، ليناسب الجواب، حيث قد يصلح ذلك قرينة على حمله على شراء زرع الأرض.

وموثق الكناني: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)، يقول: إن رجلاً كان له على رجل خمسة عشر وسقاً من تمر، وكان له نخل، فقال له: خذ ما في نخلي بتمرك.

فأبى أن يقبل.

فأتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول الله لفلان عليّ خمسة عشر وسقاً من تمر، فكلمه يأخذ ما في نخلي بتمره، فبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليه، فقال: يا فلان خذ ما في نخله بتمرك.

فقال: يا رسول الله لا يفي، وأبى أن يفعل.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لصاحب النخل: اجذذ نخلك، فجذه، فكاله، فكان خمسة عشر وسقاً.

فأخبرني بعض أصحابنا عن ابن رباط، ولا أعلم إلا أني قد سمعته منه أن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: إن ربيعة الرأي لما بلغه هذا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: هذا ربا.

قلت: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين.

قال: صدقت»(2).

وهو وإن لم يصرح فيه بالبيع، إلا أن سكوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام (عليه السلام) من بعده، وعدم تنبيههما إلى أنه يجب أن لا يقع على وجه البيع، موجب لظهوره في عموم الجواز لما إذا وقع على وجه البيع، لأنه الوجه الشائع، فينفع في المطلوب.

وعلى ذلك

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 12 من أبواب بيع الثمار حديث: 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 6 من أبواب بيع الثمار حديث: 3.

يصلح الحديثان شاهدين على حمل حديثي عبد الرحمن على العهد.

نعم في موثق السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: رخص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في العرايا بأن يشتري بخرصها تمراً.

قال: والعرايا جمع عرية.

وهي النخلة تكون للرجل في دار رجل آخر، فيجوز له أن يبعها بخرصها تمراً.

ولا يجوز ذلك في غيره»(1).

ومقتضى إطلاقه كون الثمن في العرية مطلق التمر لا خصوص التمر منها.

كما أن مقتضى ذيله اختصاص الترخيص بها، والمنع من ذلك في غيرها.

لكن يمكن بقرينة النصوص السابقة حمل إطلاق التمر فيه على خصوص التمر منها، لكون ذلك هو المعهود في العرية، والمناسب للغرض من بيعها، وهو تجنب دخول مالك النخلة لدار من هي في داره من دون أن يحرم من ثمرها.

على أن من البعيد جداً كون التفسير وما بعده من الإمام (عليه السلام)، حيث لا يعهد منهم (عليهم السلام) إرجاع الجمع للمفرد، وإنما ذلك نهج مستحدث للمؤلفين، فيقرب كونه من بعض من هو في سلسلة السند قد أثبته في كتابه تعقيباً على الحديث وشرحاً له.

فلا يكون ما تضمنه الذيل من اختصاص الترخيص بالعرية حجة.

ولعل وجه التنبيه للترخيص في العرية شيوع الابتلاء بها، فورد السؤال عنها من أجل شبهة الربا، وورد الترخيص فيها لذلك من دون أن ينافي عموم الترخيص لغيرها.

ثم إنه مما تقدم يظهر أنه لا مجال لشبهة الربا الذي يظهر من غير واحد كونها منشأ الحرمة.

ومن ثم لو تمت الحرمة فهي مخالفة للقاعدة يقتصر فيها على مفاد أدلتها.

كما أن بيع ثمرة النخل بتمر منها وإن كان هو المتيقن من المزابنة المتفق على تحريمها، إلا أنه قد ينافيه قوله في ذيل صحيح الحلبي الثاني المتقدم: «التمر والبسر من نخلة واحدة فلا بأس به».

بدعوى ظهوره في جواز بيع البسر بالتمر من نخلة واحدة.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 14 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

لكنه لا يخلو عن إجمال، لعدم وضوح كون المراد بيع أحدهما بالآخر، ولاسيما مع احتمال كونه كلاماً مستقلاً للإمام (عليه السلام)، لا من تتمة الكلام الأول المسوق جواباً عن السؤال عن البيع.

بل لعل المراد كون أحد العوضين مخلوطاً منهما.

كما قد يناسبه قوله: «فأما أن يخلط التمر العتيق والبسر فلا يصلح».

على أنه لا مجال للتعويل عليه بعد ظهور اتفاق النص والفتوى على حرمة المزابنة وكون ذلك هو المتيقن منها.

بقي شيء.

وهو أنه قد يدعى امتناع بيع حمل النخل بثمرة منها في نفسه، لاتحاد الثمن والمثمن، فيكون النهي عنه مطابقاً للقاعدة، ويتعدى منه لغيره من موارد بيع حمل الشجر والزرع بثمر منه.

لكن من الظاهر أن بيع الثمر في نفسه لا يبتني على تملك الثمر حين البيع، حيث قد لا يكون موجوداً فلابد أن يبتني على التمليك معلقاً على وجود الثمر، ولا يكون أثر البيع حين وقوعه إلا ثبوت الحق في الأصول بنحو يقتضي ملكية الثمرة حين ظهورها.

وحينئذٍ يمكن فرض ذلك في بيع الثمرة بثمرة منها فيما لو اختلف زمان ملكية الثمن مع زمان ملكية المثمن، كما لو كان الثمر المبيع غير ظاهر أصلاً، وكان الثمر الثمن هو الثمر بعد جذاذه، حيث يرجع البيع إلى ثبوت حق في الأصول يقتضي ملكية المشتري للثمر بمجرد ظهوره، في مقابل حق للبائع في الثمر يقتضي جذ قسم منه وتملكه بعد الجذ.

وأما لو بيع الثمر بعد ظهوره قبل نضجه أو بعده، فيرجع إلى ملكية المشتري للثمر فعلاً في مقابل ثبوت حق للبائع فيه يقتضي جذ قسم منه وتملكه بعد الجذ.

نعم ثبوت صحة البيع المذكور يتوقف على شمول عموم صحة البيع لذلك.

وهو لا يخلو عن إشكال، لأن البيع المعهود عرفاً هو البيع المقتضي لملكية المتبايعين كلا من العوضين فعلاً الموقوف على تباين العوضين.

كما إن إطلاقات جواز بيع الثمار قد تنصرف لما هو المتعارف المعهود من بيعها

أو رطباً أو بسراً أو غيرها (1) - بالتمر، دون الرطب والبسر أو غيرهما (2)،


بثمن مباين لها، فيتوقف تصحيح بيعها بجزء منها على الدليل الخاص، ويتعين البناء على البطلان بدونه.

اللهم إلا أن يتمسك لصحته بعموم نفوذ العقود، وإن قصرت عنه إطلاقات البيع أو بيع الثمار.

فإنه عقد عرفي قد سبق إمكان صحته في نفسه، فيكفي العموم المذكور في البناء على صحته.

وأظهر من ذلك ما إذا رجعت المعاملة إلى الاتفاق بين الطرفين على أن يكون الزائد من الثمرة على المقدار المتفق عليه لغير صاحب الشجر في مقابل خدمته أو خدمة الثمرة بقطفها في أوانها وتسليم المقدار المتفق عليه منها لصاحب الشجر، من دون أن يتكلف هو ذلك.

فلاحظ.

والله سبحانه وتعالى العالم.

(1) إذ بعد البناء على عموم المزابنة عملاً بحديثي عبد الرحمن المتقدمين فموضوع المنع في صحيحه هو بيع حمل النخل الشامل لجميع ذلك.

وعليه يحمل المنع عن بيع النخل في موثقه.

ولو كان البيع في المقام قبل ظهور الثمر تعين بطلانه تعدياً عن مورد الصحيح، لفهم عدم الخصوصية أو بالأولوية العرفية.

بل قد يستفاد من إطلاق الموثق.

هذا بناءً على جواز بيع الثمر قبل طلوعه في غير المقام، أما بناءً على عدم جوازه فالأمر أظهر.

فلاحظ.

(2) لاختصاص الصحيحين بالتمر فالتعدي لغيره يبتني على كون علة التحريم الربا، أو فهم عدم الخصوصية.

والأول قد سبق المنع منه.

والثاني لا يخلو عن إشكال.

نعم مقتضى إطلاق سيدنا المصنف (قده) جواز بيع ثمرة النخل بغير التمر حتى إذا كان من نفس الثمرة.

وهو لا يناسب ما يأتي منه من المنع من بيع ثمر غير النخل

(389)

الكلام في العموم لغير النخل

سواء من ثمره أم من غيره (1)، في الذمة أم معيناً في الخارج (2).

وفي عموم المنع لثمر غير النخل إشكال.

والأظهر الجواز (3)، إلا إذا كان بيعها بمقدار


بثمر منه.

فإن وجهه عنده (قده) ينحصر بما سبق الكلام فيه من محذور اتحاد الثمن والمثمن، وهو يجري في المقام.

ومن ثم لا يبعد عدم إرادته (قده) ذلك من الإطلاق.

(1) مما سبق يظهر الإشكال في عموم المنع لما إذا كان من غيره، بل الأظهر فيه الجواز.

(2) كما هو مقتضى إطلاق التمر في الحديثين.

(3) لقصور الحديثين عنه، والتعدي عن موردهما يبتني إما على إلغاء خصوصية النخل والتمر عرفاً وفهم العموم لبيع كل ثمر في شجره بثمر من جنسه منفصل عنه، أو على لزوم الربا من البيع المذكور.

والأول مخالف لظاهر النص جداً بعد وروده في مقام التحديد.

كما لا مجال للثاني على ما سبق.

ومن هنا ذكر في التذكرة أن العموم هو المتعين لو كان لوجه في منع المزابنة والمحاقلة هو لزوم الربا والاقتصار على النصوص هو المتعين لو لم يكن الوجه في المنع ذلك.

لكن صرح بعموم المنع في الدروس واللمعتين وجامع المقاصد والمسالك ومحكي شرح الإرشاد والميسية، وفي الروضة أنه المشهور.

وينحصر الوجه فيه بشبهة الربا، أو التعدي عن مورد حديثي عبد الرحمن، أو المنع من بيع الرطب بالجاف.

وقد عرفت عدم جريان الأول، والمنع من الثاني، كما سبق في المسألة الحادية عشرة من الفصل التاسع في الربا المنع من الثالث.

مع أنه لو تم فالظاهر اختصاصه بالمكيل والموزون، ورجوعه لمحذور الربا الذي سبق عدم جريانه في المقام.

وما يظهر من جامع المقاصد وغيره من كونه محذوراً مستقلاً عن محذور لزوم الربا غريب جداً.

منها فالأظهر عدم جوازه (1).

(مسألة 12): يجوز أن يبيع ما أشتراه من الثمر بثمن زائد على ثمنه الذي اشتراه به أو ناقص أو مساو، سواء أباعه قبل قبضه أم بعده (2).

على أن ذلك يختص ببيع الرطب بالجاف أو العكس ولا يجري في بيع الجاف بالجاف والرطب بالرطب.

مع أن الظاهر منهم عموم المنع في المقام لذلك.

(1) كما في الجواهر.

وكأنه لوجوب التباين بين الثمن والمثمن الذي تقدم الكلام فيه آنفاً.

(2) بلا خلاف ولا إشكال، كما في الجواهر، وفي المسالك أن المسألة محل وفاق.

ويقتضيه عموم أدلة الصحة والنفوذ بعد عدم كون المبيع من المكيل والموزون، ليجري فيه ما سبق في المسألة السادسة من الفصل السابع من الكلام في بيعه قبل قبضه.

مضافاً إلى النصوص، كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سألته عن الرجل يشتري الثمرة ثم يبيعها قبل أن يأخذها.

قال: لا بأس به.

وإن وجد ربحاً فليبع»(1).

وقريب منه صحيح محمد بن مسلم(2).

بناء على ما هو الظاهر، وجرى عليه الأصحاب، من انصراف بيع الثمرة إلى بيعها في أصولها.

ولا أقل من كون ذلك هو المتيقن، أو لزوم حمله عليه بقرينة النصوص المانعة من بيع المكيل والموزون قبل قبضه.

ومعتبر إبراهيم الكرخي: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت له: إني كنت بعت رجلاً نخلاً كذا وكذا نخلة بكذا وكذا درهماً، والنخل فيه تمر، فانطلق الذي اشتراه مني، فباعه من رجل آخر بربح، ولم يكن نقدني ولا قبضته.

فقال: لا بأس بذلك.

أليس كان قد ضمن لك الثمن‌؟ قلت: نعم.

قال: فالربح له»(3) ، بناء على حمل بيع النخل فيه على بيع ثمره، كما هو غير بعيد.

وصرح في النافع بكراهة البيع المذكور.

وفي مفتاح الكرامة: «ولم نجد له

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 7 من أبواب بيع الثمار حديث: 2، 3، 1.

(391)

الكلام في بيع الزرع قبل ظهوره

(مسألة 13): لا يجوز بيع الزرع قبل ظهوره (1).

ويجوز الصلح


موافقاً».

وربما استدل له بإطلاق النهي عن بيع ما لم يقبض.

لكن ظاهره في باب القبض اختصاص كراهة بيعه بالمكيل والموزون.

(1) يظهر منهم المفروغية عنه جرياً على ما تقدم منهم في بيع ثمر الشجر.

لكن من الظاهر الفرق بأن ثمر الشجر لا وجود له قبل ظهوره، فيرجع بيعه إلى ملكيته معلقاً على ظهوره.

وهو وإن كان ممكناً في بيع الثمار في الجملة كما تقدم إلا أنه مخالف للقاعدة التي سبق منّا التنبيه لها في أول الكلام في بيع الثمار، وتقدم تفصيل الكلام فيها عند الكلام في اعتبار القدرة على التسليم من لزوم إحراز سلامة بعض المبيع عند البيع، فينحصر وجه الجواز فيه في النصوص المتقدمة، على الكلام السابق في دلالتها أولاً، وفي مخالفتها للإجماع ثانياً.

أما في المقام فلا مجال للقاعدة المذكورة، لأن الزرع قبل ظهوره على وجه الأرض بل وإن كان بذراً بعد لم ينفلق له وجود عرفي صالح للتملك فعلاً، كما أن له مالية بلحاظ توقع نموه.

غايته أنه معرض للخطر، وهو ليس محذوراً، كما سبق عند الكلام في بيع الثمرة بعد ظهورها قبل بدو صلاحها.

والذي يشبه بيع الثمرة قبل ظهورها هو بيع ثمرة الزرع من الحب ونحوه قبل ظهورها، بحيث ينفرد المبيع بها من دون أن يكون الزرع في جملة المبيع، ولا مملوكاً للمشتري.

وهو خارج عن مفروض كلامهم من بيع الزرع نفسه.

على أنه يشهد بجوازه معتبر زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في زرع بيع وهو حشيش ثم سنبل.

قال: لا بأس إذا قال: ابتاع منك ما يخرج من هذا الزرع، فإذا اشتراه وهو حشيش، فإن شاء أعفاه، وإن شاء تربص به»(1).

حيث تضمن جواز شراء الحب قبل ظهوره وظهور السنبل.

نعم هو مختص بما إذا ظهر الزرع الذي ينتج

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب بيع الثمار حديث: 9.

عليه.

كما يجوز بيعه تبعاً للأرض لو باعها معه (1).

أما بعد ظهوره فيجوز


الحب، ولا يعم شراؤه قبل ذلك.

اللهم إلا أن يقال: ظاهر الحديث شراء نفس الحشيش، حيث صرح بذلك في السؤال والجواب، ولاسيما مع التصريح بأن له أن يعفيه الذي يراد به جزّه وهو حشيش، إذ هو كالصريح في ملكية المشتري للحشيش قبل ظهور الزرع فيه.

فيتعين حمل الشرط فيه على كون المراد هو شراء الحشيش بنحو له إبقاؤه حتى يسنبل وينتج الحب، فالحب غير الموجود حين البيع ليس هو تمام المبيع، كما هو محل الكلام، بل ناتج المبيع الموجود فعلاً وهو الحشيش.

فلاحظ.

وكيف كان فمما سبق يظهر ضعف الاستدلال لحرمة شراء البذر بلزوم الغرر، كما في الجواهر.

نعم قد يستدل لحرمة شرائه البذر والزرع قبل ظهوره على وجه الأرض بمعتبر المعلى بن خنيس: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشتري الزرع‌؟ قال: إذا كان قدر شبر»(1).

لكن لا مجال للبناء على اشتراط بلوغ الحد المذكور بعد إطلاق النصوص الكثيرة بجواز شراء الزرع وظهور جري الأصحاب عليها من دون تقيد بهذا الحد، حيث يتعين حمله على الاستحباب أو غيره مما لا ينافي الإطلاق المذكور، كما أشار إلى ذلك في الجواهر.

فلم يبق في المقام إلا ظهور الإجماع الذي يصعب التعويل عليه في الثمرة قبل ظهورها كما سبق فضلاً عن المقام.

ولعله لذا كان ظاهر بعض مشايخنا (قده) التوقف في المسألة.

فلاحظ.

(1) قال في الجواهر: «وفي الصلح وجه، كالوجه لو شراه تبعاً للأرض».

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب بيع الثمار حديث: 4.

بيعه مع أصله (1)، بمعنى بيع المقدار الظاهر مع أصوله الثابتة.

فإن شاء


وكأن وجه الصلح خروجه عن المتيقن من الإجماع المدعى، لأن كلامهم في البيع.

إلا أن يفهم منه العموم.

لكنه في غاية الإشكال، بل المنع.

وأما البيع تبعاً للأرض فلا ينبغي الإشكال في جوازه.

لما سبق من جواز بيع ما لا يحرز سلامته مع الضميمة، خصوصاً إذا كانت الضميمة هي المقصودة بالأصل، كما في المقام.

بل الظاهر قيام سيرة المتشرعة على ذلك، لشيوع وجود البذر المقصود وغير المقصود حين بيع الأرض الزراعية فيها، مع بناء المتبايعين على انقطاع علقة البائع بها.

(1) قال في الجواهر: «وأما شراء الزرع قبل أن يسنبل فلا إشكال، بل ولا خلاف معتد به، في جواز شرائه مع اشتراط التبقية أو القصل أو بدونهما».

ويقتضيه مضافاً إلى عمومات الصحة النصوص المستفيضة، كصحيح الحلبي: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا بأس بأن يشتري زرعاً أخضر، ثم تتركه حتى تحصده إن شئت أو تعلفه [تقلعه. صا] من قبل أن يسنبل وهو حشيش...»(1).

وصحيح بكير بن أعين: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أيحل شراء الزرع الأخضر؟ قال: نعم لا بأس به»(2) ، ونحوه صحيح زرارة: «وقال: لا بأس أن تشتري الزرع والقصيل أخضر، ثم تتركه إن شئت حتى يسنبل ثم تحصده.

وإن شئت أن تعلف دابتك قصيلاً فلا بأس به قبل أن يسنبل.

فأما إذا سنبل فلا تعلفه رأساً [تقطعه رأساً رأساً.

صا] فإنه فساد»(3) ، وغيرها.

هذا ولم يعرف الخلاف في ذلك إلا ما نسب للصدوق في باب المزارعة من المقنع من منع بيع الزرع قبل السنبل إلا مع القصل يعلفه للدواب.

لكن ملاحظة كلامه بتمامه لا تشهد بذلك.

قال (قده): «وسئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن شراء القصيل يشتريه الرجل فلا يقصله ويبدو له في تركه حتى يخرج سنبله شعيراً

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب بيع الثمار حديث: 1، 2، 3.

المشتري فصله، وإن شاء أبقاه (1).

أو حنطة، وقد اشتراه من أصله، وعلى أربابه خراج.

فقال: إن كان اشترط حين اشتراه إن شاء قطعه قصيلاً وإن شاء تركه كما هو حتى يصير سنبلاً، وإلا فلا ينبغي له أن يتركه حتى يكون سنبلاً.

ولا يجوز أن يشتري زرع الحنطة والشعير وهو حشيش إلا أن يشتريه للقصيل تعلفه الدواب».

وصدره يشهد بأن المراد بذيله خصوص صورة ما إذا لم يشترط أن له الإبقاء، لا مطلقاً، بحيث لا يجوز شراؤه إلا للقصل، كما هو ظاهر ما نسب له.

وكيف كان فقد يستدل للقول المذكور كما في مفتاح الكرامة بمعتبر أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سألته عن الحنطة والشعير أشتري زرعه قبل أن يسنبل وهو حشيش.

قال: لا، إلا أن يشتريه لقصيل يعلفه الدواب، ثم يتركه إن شاء حتى يسنبل»(1).

لكن كلام الصدوق المتقدم لا يناسب ذيل الحديث.

ومن هنا كان من القريب حمل الزرع فيه على نفس الحب، لبيان أنه لا يجوز شراؤه قبل انعقاده، وأنه يمكن تحصيل نتيجة ذلك بشراء الأصل وهو قصيل يصلح لعلف الدواب، ثم يتركه حتى يسنبل وينعقد الحب فيه، فيكون الحب له، لأنه نماء ملكه.

نظير ما ذكره (قده) في حديث معاوية بن عمار: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا تشتر الزرع ما لم يسنبل.

فإذا كنت تشتري أصله فلا بأس بذلك.

..»(2).

وعلى كل حال لا مجال للخروج عن النصوص الكثيرة المتقدمة بمعتبر أبي بصير، بل لابد إما من طرحه، أو حمله على ما ذكرنا، أو على الاستحباب كما في مفتاح الكرامة أو غير ذلك.

(1) لا ينبغي الإشكال في جواز الإبقاء مع اشتراطه، وفي وجوب القلع مع

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب بيع الثمار حديث: 10، 5.

اشتراطه.

وإنما الإشكال مع عدم الشرط.

ففي السرائر والتحرير أنه يجب على البائع الإبقاء، وفي مفتاح الكرامة أنه ظاهر إطلاق الفتاوى وجملة من النصوص.

وكأنه يريد صحيحي الحلبي وزرارة المتقدمين والمصرح فيهما بتخيير المشتري بين الإبقاء حتى يسنبل وعلف الدواب به، ومعتبر سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: لا بأس بأن يشتري زرعاً أخضر.

فإن شئت تركته حتى تحصده، وإن شئت فبعه حشيشاً»(1).

وبذلك يخرج عما تقتضيه القاعدة من وجوب قبض المبيع وأخذه، وعدم إشغال أرض البائع به، لابتناء البيع على ذلك.

لكن يظهر مما تقدم من المقنع عدم جواز إبقائه إلا مع الشرط، عملاً بموثق سماعة أو صحيحه الذي أشار إليه في صدر كلامه: «سألته عن شراء القصيل يشتريه الرجل فلا يقصله، ويبدو له في تركه حتى يخرج سنبله شعيراً أو حنطة، وقد اشتراه من أصله.

وما كان على أربابه من خراج فهو على العلج.

قال: إن كان اشترط حين اشتراه إن شاء قطعه وإن شاء تركه كما هو حتى يكون سنبلاً.

وإلا فلا ينبغي له أن يتركه حتى يكون سنبلاً»(2).

وزاد في بعض طرقه: «فإن فعل فإن عليه طسقه ونفقته، وله ما خرج منه»(3).

وفي مفتاح الكرامة أنه ظاهر في الكراهة دون التحريم.

وهو كما ترى، فإن (لا ينبغي) إن لم تكن ظاهرة في التحريم، فلا أقل من عدم ظهورها في الكراهة، بل هي صالحة للوجهين، ويتعين حملها على التحريم هنا بلحاظ ظهور صدر الحديث في السؤال عن الجواز، فتعليقه على الشرط حين الشراء ظاهر في الحرمة مع عدم الشرط.

ولاسيما مع ما سبق من ابتناء البيع على الإسراع بأخذ المبيع وتفريغ أرض البائع منه.

ومثله ما في الجواهر من لزوم حملها على الكراهة، لما هو المعلوم من النص والفتوى من أن للمشتري الإبقاء مع عدم اشتراط القطع صريحاً أو ضمناً.

إذ فيه: أن حمل النصوص المتقدمة على قيام القرينة حين العقد على كون شراء

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب بيع الثمار حديث: 6، 7، 8.

فإن أبقاه حتى يسنبل كان له السنبل (1)،


الزرع الأخضر من أجل الحصول على ناتجه الراجع لاشتراط الإبقاء ضمناً أقرب عرفاً من حمل حديث سماعة على الكراهة.

بل لعل ذلك هو منصرف النصوص المذكورة بدواً، حيث يقرب جداً ورودها من أجل الشبهة في شراء الحب قبل ظهوره وانعقاده، فيراد التخلص من ذلك بشراء نفس الزرع الذي من شأنه أن ينتجه.

ومن هنا لا مخرج عن ظاهر حديث سماعة المطابق لمقتضى القاعدة، والمعتضد بحديث زرارة الذي سبق الكلام فيه عند الكلام في حرمة بيع الزرع قبل ظهوره.

فراجع.

وأما الفتوى فهي ليست من الوضوح بحيث تبلغ حدّ الإجماع التعبدي الصالح لإثبات الحكم الشرعي، لقلة من صرح بذلك، وقرب انصراف إطلاق غيرهم إلى صورة ظهور حال المتبايعين في فرض شراء الزرع من أجل ما ينتجه، نظير ما تقدم في النصوص التي هي دليلهم.

ولاسيما مع ما سبق من المقنع.

ومع ما في المقنعة والنهاية والشرائع والنافع من أنه إذا باع الزرع قصيلاً كان على المشتري قطعه.

وحمله كما في السرائر والجواهر على صورة اشتراط القطع خالٍ عن الشاهد.

فلاحظ.

(1) لأنه نماء ملكه.

ومجرد تعديه في إبقائه لو لم يكن مشروطاً بناءً على ما سبق لا يمنع من جريان قاعدة تبعية النماء للأصل في الملكية.

مضافاً إلى ما سبق في حديث سماعة.

غايته أن للبائع إرغامه على الإزالة.

بل قد يكون له الإزالة بنفسه لو تعذر عليه إرغامه.

كما لا يبعد أن يكون للبائع الفسخ، لخروج المشتري عن مقتضى العقد، نظير ما إذا امتنع المشتري من استلام المبيع.

وعليه أجرة الأرض (1).

وإن فصله قبل أن يسنبل فنمت الأصول الثابتة في الأرض حتى سنبل كان له أيضاً (2)، وعليه أجرة


نعم في الجواهر أن ظاهر الأصحاب عدم الخيار مع اشتراط القطع صريحاً، مع أنه أولى بالخيار من المقام.

لكن لو تم ظهور كلامهم في ذلك فلا مجال للخروج به عما تقتضيه القاعدة.

ودعوى: ظهور بعض النصوص في عدم الخيار، لعدم التنبيه فيها له.

ممنوعة.

إذ ليس في النصوص ما تضمن حكم اشتراط القصل.

وحديث سماعة إنما ورد في فرض كون القصل مقتضى إطلاق العقد، وهو ناظر لحكم النماء مع المخالفة، وأنه يصير للمشتري، لا لبيان تمام الوظيفة عند المخالفة، ليكون عدم التنبيه فيه للخيار موجباً لظهوره في عدمه.

فتأمل.

(1) لم يتضح الوجه في ذلك إذ الإبقاء إن كان مستحقاً بالشرط أو تعبداً من أجل النصوص المتقدمة فلا وجه لضمان الأجرة.

ولاسيما مع عدم التنبيه لذلك في النصوص، وهو مما يحتاج للتنبيه.

وإنما يتجه ثبوت الأجرة مع جواز الإبقاء فيما إذا كان إشغال الأرض غير مستحق على صاحبها من دون أن يكون المشغل لها معتدياً، كما تقدم في خيار الغبن من فرض إشغال الأرض المبيعة قبل الفسخ.

وكذا إذا زرع الأجنبي الأرض باعتقاد استحقاقه لذلك، ونحوهما.

نعم لو ابتنى اشتراط الإبقاء على إبقائه بأجرة لا مجاناً تعين استحقاق الأجرة.

لكنه محتاج إلى عناية خاصة.

ولا يبعد خروجه عن مفروض كلام سيدنا المصنف (قده).

(2) كما في التذكرة والقواعد والدروس.

وكأنه لأنه نماء ملكه.

لكن من الظاهر أن إبقاء الأرض مشغولة بالأصول بحيث تصلح للاستنماء مخالف لظهور اتفاق

الأرض (1) على الأحوط.

المتبايعين حين العقد.

وحينئذٍ إذا ابتنى إبقاؤها على إذن صاحب الأرض، لإعراض المشتري عنها وتركه لها تعين ملكية صاحب الأرض لها بوضع يده على الأرض وما فيها، فيكون نماؤها له، لا للمشتري.

وإذا ابتنى على إغفال صاحب الأرض أو إرغامه فالنماء وإن كان للمشتري حينئذٍ، إلا أن لصاحب الأرض قلعها قبل ظهور الحب وبعده، حيث لا حرمة لعرق ظالم.

وإذا لم يقلعها حينئذٍ ورضي ببقائها أو غفل عنها حتى أنتجت فلا يبعد استحقاق الأجرة لكن لا يبعد خروجه عن مفروض كلام سيدنا المصنف (قده).

وإذا ابتنى على اتفاقهما على الإبقاء من أجل الاستنماء للمشتري تعين على البائع الصبر، ويكون استحقاقه للأجرة تابعاً لكيفية اتفاقهما على الإبقاء، وأنه مجاناً أو بأجرة.

والظاهر خروجه أيضاً عن مفروض كلام سيدنا المصنف (قده).

نعم لو كان الإبقاء غفلة من المشتري أو قهراً عليه أو نحوهما من الأعذار من دون إعراض عن الأصول، ولا إرغام للمالك، ولا اتفاق معه، فصادف نموها كان النماء له، وتعين على المالك الصبر إذا لم يلزم عليه الضرر بذلك، لعدم كون المشتري معتدياً حينئذٍ على تفصيل تقدم في المسألة الثلاثين من الفصل الرابع في الخيارات.

ولعل ذلك هو المنظور لسيدنا المصنف (قده).

(1) لإشغاله لها بملكه واستيفاء منفعتها بذلك.

ومجرد وجوب الصبر على البائع دفعاً لضرر المشتري، أو جواز القلع له على ما تقدم في الصورة الرابعة والثانية لا يسقط حرمة ماله، وهو منفعة الأرض.

وليس هو كاستحقاق الإبقاء بالشرط أو تعبداً.

ومن هنا لم يتضح وجه توقف سيدنا المصنف (قده) واكتفاؤه بالاحتياط.

ومما ذكرنا يظهر استحقاقه الأجرة بالإبقاء حتى لو لم يطالب بها غفلة عن حقيقة الحال.

وأنها لا تسقط إلا إذا رضي بإبقائه مجاناً.

ويجوز بيعه لا مع أصله، بل قصيلاً (1) إذا كان قد بلغ أو أن قصله، أو قبل ذلك على أن يبقى حتى يصير قصيلاً (2) أو قبل ذلك (3).

فإن قطعه ونمت الأصول حتى صارت سنبلاً كان السنبل للبائع (4)، وإن لم يقطعه كان لصاحب الأرض قطعه (5).

وله إبقاؤه والمطالبة بالأجرة (6).

فلو

(1) كما في التذكرة والقواعد والدروس وغيرها.

لعمومات النفوذ والصحة.

والمراد به كون المبيع هو الزرع الظاهر دون أصله.

(2) يعني: باع الزرع قبل أن يصير قصيلاً على أن يبقى حتى يصير قصيلاً ثم يقصله، من دون أن تكون الأصول داخلة في المبيع.

(3) يعني: على أن له قطعه قبل أن يصير قصيلاً، إما تنازلاً عن شرطه وإبقاءه حتى يصير قصيلاً، أو لأن المشترط حين البيع هو قطعه قبل أن يصير قصيلاً.

(4) كما في التذكرة والقواعد والدروس وغيرها.

لأنه نماء الأصول المفروض بقاؤها في ملكه.

(5) كما في النهاية والشرائع والنافع مع ما سبق منها من إطلاق وجوب القطع على المشتري والسرائر وغيرها.

لكن المتيقن من ذلك ما إذا كان المشتري معتدياً في عدم قطعه والخروج عن مقتضى الشرط، كما أشرنا إليه آنفاً في فرض شراء الأصول وعدم قلعها.

أما إذا لم يكن معتدياً فلابد من استئذانه، فإن تعذر تعين استئذان الحاكم الشرعي وملاحظة مصلحة المشتري لئلا يضر به القطع، لعدم المصرف له.

ومع تزاحم الضررين يجري ما سبق في المسألة الثلاثين من الفصل الرابع في الخيارات.

(6) كما في الشرائع والدروس.

وعليه اقتصر في التذكرة، ولم يذكر أن للبائع القطع.

لنظير ما سبق في فرض شراء الأصول وعدم قلعها.

ولم يتضح وجه الفرق بين الموردين بنحو يكون منشأ لتوقف سيدنا المصنف (قده) هناك وجزمه باستحقاق الأجرة هنا.

أبقاه فنمى حتى سنبل فالوجه اشتراك البائع والمشتري فيه (1).

وفي كونهما على السوية إشكال (2)، والأحوط التصالح (3).

وكذا الحال لو اشترى نخلاً، لكن هنا لو اشترى الجذع بشرط القلع، فلم يقلعه ونمى كان النماء للمشتري لا غير (4).


(1) كما في التذكرة وغيره.

لأنه عرفاً نماء المجموع المركب من الأصول المملوكة للبائع والزرع المملوك للمشتري.

(2) لعدم وضوح مقدار تأثير كل من الأصول والقصيل في حصول السنبل.

وعدم إطلاق لدليل الشراكة هنا، ليحمل على التساوي.

(3) كما جزم به في التذكرة.

وهو المتعين بعد ما سبق، لعدم وضوح حلّ آخر للإشكال الحاصل في المقام.

(4) كما في المقنع والنهاية والسرائر والتذكرة وعن ابني الجنيد والبراج، وغيرهم.

ونفى الخلاف فيه في السرائر، كما نفى الريب فيه في الجواهر.

واستدل له بمعتبر هارون بن حمزة: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري النخل يقطعه للجذوع، فيغيب الرجل، فيدع النخل كهيئته لم يقطع، فيقدم الرجل وقد حمل النخل.

فقال: له الحمل يصنع به ما شاء.

إلا أن يكون صاحب النخل كان يسقيه ويقوم عليه»(1).

وقريب منه معتبره الآخر، إلا أن فيه: «هو له، إلا أن يكون صاحب النخل ساقاه وقام عليه»(2).

كذا في الوسائل عن التهذيب.

لكن في الطبعة الحديثة من التهذيب: «هو له، إلا أن يكون صاحب الأرض سقاه وقام عليه»(3).

ورواه هكذا في التذكرة والمختلف.

ولا مجال للاستدلال عليه بالقاعدة بدعوى: أن الحمل نماء النخل الذي اشتراه،

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 9 من أبواب بيع الثمار حديث: 1، 2.

(3) تهذيب الأحكام ج: 7 ص: 90.

كما قد يظهر من الشرائع، حيث جعله نظير شراء الزرع بشرط القطع.

لاندفاعها بأن ذلك إنما يتم في شراء النخل بتمامه مع أصوله، أما شراؤه ليقطعه جذوعاً فظاهره شراء الجذع دون الأصل الذي يقوم عليه، بل يبقى الأصل في ملك البائع، نظير شراء الزرع الظاهر دون أصوله، الذي سبق أن النماء معه يكون مشتركاً بين البائع والمشتري.

فالحكم مخالف للقاعدة، وينحصر الدليل عليه بالحديثين.

هذا وفي النهاية: «فإن كان صاحب الأرض ممن قام بسقيه ومراعاته كان له أجرة المثل».

واستظهر في الجواهر كون ذلك هو المراد من الاستثناء في الحديثين.

بل في السرائر نسب ذلك للرواية.

وقيده كالتحرير بما إذا كان المشتري قد طلب ذلك منه، وإلا فهو متبرع لا أجرة لعمله، وإنما له أجرة الأرض لو أخر قطعه بغير إذنه.

وكأنه طرح منه للرواية، لعدم عمله بأخبار الآحاد، أو تنزيل لها على مقتضى القاعدة، كما جرى عليه في الجواهر أولاً، ثم قال: «اللهم إلا أن يدعى عدم الحاجة هنا إلى الإذن باعتبار احتياج صاحب الأرض السقي لبستانه، والفرض تضرره بشرب النخل المزبور الماء.

فتأمل جيداً».

لكنه كما ترى! فإن تضرره بذلك لو تم لا يقتضي استحقاقه أجرة المثل لسقي النخل والقيام عليه.

بل غاية الأمر استحقاق قيمة الماء الذي شربه النخل.

على أنه لا يخلو أيضاً عن إشكال، لأنه هو الذي أقدم على الضرر المذكور من دون أن يستند للمشتري.

ومثله ما في المختلف، قال: «وليس في كلام الشيخ ولا الرواية ذكر التبرع، فتحمل على ما إذا كان العمل بإذنه، أو تحمل الأجرة على أجرة الأرض، لا العمل».

لظهور أن كلا الحملين بعيد في نفسه، فإن فرض غيبة صاحب النخل يناسب إهماله له، وعدم الاتفاق مع صاحب الأرض على سقيه.

كما أن فرض سقي النخل والقيام عليه يناسب أجرة العمل لا أجرة الأرض.

بل أجرة الأرض لو استحقت فهي تستحق وإن لم يعمل، لأنها تستند إلى إبقاء المشتري للنخل في الأرض، وإشغاله لها به.

وأوهن من ذلك حمل الرواية كما في التذكرة على جريان عقد المساقاة بين المشتري والبائع.

فإن ظهور وهنه يغني عن إطالة الكلام فيه.

ودعوى: أن ذلك هو الظاهر من الخبر الثاني على رواية الوسائل.

ممنوعة، فإن الظاهر وحدة مرجع الضميرين في قوله (عليه السلام): «ساقاه وقام عليه»، وحيث كان مرجع الثاني هو الشجر تعين كونه هو مرجع الأول، وتعين حمل المساقاة على السقي.

ولاسيما مع مناسبة ما تضمنه من فرض ترك المشتري للنخل لإهماله له.

ومع ظهور وحدة الواقعة في الحديثين، والاختلاف في ألفاظهما بسبب النقل بالمعنى، والأول صريح في إرادة سقي النخل.

على أن ما في الوسائل لم يثبت بعد ما سبق من الطبعة الحديثة للتهذيب وغيرها.

فالعمدة في المقام أنه لا ظهور للرواية في ثبوت أجرة المثل، بل في ملكية صاحب الأرض للحمل إذا كان قد تعاهد النخل وسقاه.

لأن المستثنى منه هو ملكية صاحب الجذوع للحمل، فيكون مقتضى الاستثناء عدم ملكيته له إذا كان صاحب الأرض قد سقى النخل وقام عليه، فعدم ذكر المالك له حينئذٍ ظاهر في كون صاحب الأرض هو المالك له، لأنه حصل بجهده.

وإلا كان الجواب غير مستوفٍ لحكم السؤال، وهو مخالف للظاهر جداً.

ومخالفة ذلك للقاعدة لا يمنع من العمل بالرواية، لأنها أخص منها، فتكون مخصصة لها.

ودعوى: ظهور إعراض الأصحاب عنها.

ممنوعة، لأن ظاهر الكليني العمل بالرواية.

بل عبارة الصدوق (قده) في المقنع تطابق لسانها، وكلام ابني الجنيد والبراج لا يحضرنا، وحكاية العلامة في المختلف موافقتهما للشيخ لا مجال للتعويل عليها بعد أن نقل ذلك عن الصدوق أيضاً.

على أنه لم يتضح من الشيخ (قده) الإعراض عن الرواية، بل لعل ذلك منه يبتني على الاجتهاد في مفادها بسبب أنس ذهنه الشريف بالقاعدة، كما هو الظاهر من السرائر.

فلاحظ.

والله سبحانه وتعالى العالم.

(403)

الكلام في المحاقلة

(مسألة 14): يجوز بيع الزرع محصوداً (1).

ولا يشترط معرفة مقداره بالكيل أو الوزن (2).

بل تكفي فيه المشاهدة (3).

(مسألة 15): لا تجوز المحاقلة.

وهي بيع سنبل الحنطة أو الشعير بالحنطة (4).

(1) كما ذكره الأصحاب بنحو يظهر من بعضهم المفروغية عنه، ونفى الخلاف فيه في مفتاح الكرامة.

ويقتضيه مضافاً إلى عمومات النفوذ والصحة موثق إسماعيل بن الفضل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في حديث: «وسألته عن بيع حصاد الحنطة والشعير وسائر الحصائد.

فقال: حلال، فليبعه بما شاء(1)».

(2) لأنه ليس من المكيل والموزون في هذا الحال، كما لو كان قبل الحصاد.

(3) بل لابد منها بناء على ما ذكروه من اعتبار العلم بالعوضين، على ما سبق الكلام فيه في فصل شروط العوضين، وفي مبحث خيار الرؤية.

وإن سبق منّا في الموضعين الإشكال في ذلك.

فراجع.

(4) تقدم في المسألة الحادية عشرة الكلام في المحاقلة من حيثية اختصاصها بما إذا كان الثمن من عين المثمن أو عمومها لما إذا كان من غيره.

أما من حيثية جنس المثمن فكلمات الأصحاب (رضي الله عنهم) تختلف بين التعبير ببيع السنبل بحنطة، وببيع الزرع بالحنطة، وببيع السنبل بجنس من جنسه، وببيع الزرع بالحب.

.

.

إلى غير ذلك.

والنظر في النصوص وكلمات الأصحاب يقضي باعتبار اتحاد الجنس بين الثمن والمثمن فيها، لذكر المحاقلة فيها في سياق المزابنة التي هي بيع حمل النخل بالتمر، ولأن الأصحاب حرروا الخلاف فيهما معاً في اعتبار كون الثمن فيها من عين المثمن أو يكفي كونه من جنسه، من دون أن يظهر منهم احتمال العموم لغير الجنس مما يصدق عليه الحب مثلاً.

(1) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 9 من أبواب إحياء الموات حديث: 2.

المذكور غشير ظاهر مع عموم السنبل للدخن والأرز وغيرهما، كما نبّه له في المسالك.

ولو تم فما سبق في وجه اعتبار اتحاد الجنس في المحاقلة صالح لحمل الزرع والسنبل في الحديثين على خصوص سنبل الحنطة.

وأشكل من ذلك قوله في الجواهر بعد ذلك: «وما ذاك إلا لاتحاد الجنس هنا كما في الربا.

بل يستفاد منه حينئذٍ أيضاً بيع سنبل الحنطة بالشعير، بل والشعير بالشعير، فتتم دلالة الخبرين على الصور الأربع».

وقد يرجع إليه ما في التحرير من أن المحاقلة

ومجرد التعبير عن المثمن بالزرع أو السنبل في النصوص وكلماتهم، وعن الثمن بالحنطة أو الحب في كلماتهم، لا يوجب التوقف في ذلك، كالتعبير في بعض كلماتهم عن المزابنة ببيع الثمرة بالتمر، حيث لا يتوهم منه إرادة بيع أي ثمرة بالتمر.

ولذا لا إشكال ظاهراً في جواز بيع سنبل الحنطة بمثل العدس والماش، مع تعبير بعضهم كما سبق أيضاً عنها ببيع الزرع بالحب.

كما أنه قد عرف في التذكرة المحاقلة ببيع الزرع بالحب، ثم قال: «قد عرفت أن المحاقلة هي بيع الحنطة في سنبلها بالحنطة الصافية.

.

.

» إلى غير ذلك مما يشهد بما ذكرنا.

وحينئذٍ حيث تقدم في حديثي عبد الرحمن اللذين هما عمدة الدليل في المسألة، كما سبق التعبير عن الثمن بالحنطة، تعين كون المراد بالمثمن فيهما زرع الحنطة وسنبلها.

ولاسيما بناء على ما سبق منّا من أن مقتضى الجمع بين الحديثين وصحيحي الحلبي حمل الألف واللام في الحنطة على العهد، وأن المراد بحنطته، كما هو ظاهر.

لكن في الجواهر أن الذي يظهر بتتبع نصوص المقام وغيره أن إطلاق الزرع والسنبل فيها منصرف إلى الشعير والحنطة.

ولعله لأن المتعارف في ذلك الزمان والمكان فلا ريب في شمول لفظ الزرع والسنبل في حديثي عبد الرحمن لسنبل الحنطة والشعير، فيكون مقتضاهما أن بيع سنبل الحنطة والشعير بالحنطة محاقلة.

وكأن هذا هو المنشأ لما ذكره سيدنا المصنف (قده) من تعميم المبيع لسنبل الشعير.

وفيه: أن الانصراف

بيع الزرع بحنطة أو شعير، بأن تكون (أو) في كلامه للترديد والتعميم، والمراد بيع الزرع سواء كان للحنطة أم للشعير بالحنطة أو الشعير، وفي الجواهر أنه حكي عن ابن المتوج.

بخلاف ما لو كانت للتقسيم بأن يكون المراد بيع زرع الحنطة بالحنطة وزرع الشعير بالشعير، فلابد أن يبتني على أمر آخر.

وكيف كان فيرد عليه أن عموم الحكم للحنطة والشعير للوجه الذي ذكره أولاً يبتني على ظهور السنبل أو الزرع في العموم لهما وإن اختلفا في الجنس.

ولذا لو فرض ظهور السنبل أو الزرع في الأعم منهما تعين كون بيع الأعم بالحنطة محاقلة وإن اختلف الجنس.

وقضية اتحاد الجنس إن رجعت إلى أن علة تحريم المحاقلة هي اتحاد الجنس، كما في الربا.

فهي كما تقتضي التعميم للصور الأربع تقتضي التعميم لجميع الثمار، فيحرم بيع الثمرة في أصولها بثمرة من جنسها منفصلة عن الأصول.

ولذا سبق أنه لو كان ملاك تحريم المزابنة الربا تعين التعدي لجميع الثمار.

مع أنه (قده) صرح بقصور الحديثين عن ذلك، وعدم الدليل عليه من غيرهما.

وإن رجعت إلى دعوى جريان حكم الحنطة في المقام على الشعير، كما جرى حكمها عليه في الربا وإن لم تكن العلة في المقام هي لزوم الربا.

فهي أشبه بالقياس.

وعلى كلا الوجهين لا يكون الاستدلال بها مبتنياً على تقريب استفادة العموم من الحديثين بالوجه المتقدم، بل هي وجه قائم بنفسه.

وبالجملة: لا مخرج عما ذكرنا من ابتناء المحاقلة كالمزابنة على اتحاد الجنس في الثمن والمثمن، وأن اختصاص الثمن في الحديثين بالحنطة ملزم بحمل المثمن فيهما على سنبلها وزرعها لا غير.

نعم لو فرض إلغاء خصوصيتي النخل والتمر والسنبل والحنطة عرفاً، والتعدي لبيع كل ثمر في أصوله بثمر منفصل عن الأصول منه أو من جنسه تعين عموم المنع لجميع الثمار، وكذا لو كان منشأ التحريم في المزابنة والمحاقلة هو لزوم

سواء أكانت منه أو في الذمة أم موضوعة على الأرض (1).

وكذا بالشعير على الأحوط (2).

والأظهر جواز بيع الزرع قبل أن يسنبل بالحنطة (3)، فضلاً عن الشعير.

وكذا بيع سنبل غير الحنطة والشعير من الحبوب بحب


الربا، كما ذكرناه آنفاً.

غايته أنه على الثاني يحرم بيع سنبل الحنطة بالشعير وبالعكس، لما سبق من أنهما جنس واحد في الربا، وعلى الأول لا يحرم ذلك.

لكن لا مجال لكلا الوجهين، لأن الأول لا يناسب ظهور النصوص في شرح العنوانين وتحديدهما، وحملها على مجرد التمثيل مخالف لظاهرها جداً.

كما سبق أنه لا مجال للثاني، لعدم تحقق شرط الربا وهو الكيل والوزن في أحد العوضين.

(1) تقدم الكلام في التعميم المذكور في المسألة الحادية عشرة.

(2) لعله لاحتماله (قده) تمامية ما سبق من الجواهر من جريان حكم اتحاد الجنس في المقام بناء على التقريب الثاني له، والذي سبق منّا أنه أشبه بالقياس.

أو لأن من البعيد جداً عدم جواز بيع سنبل الشعير بحنطة وجواز بيعه بالشعير، وحينئذٍ يقرب جريان حكم اتحاد الجنس هنا.

فتأمل.

(3) كما في التذكرة، معللاً بأنه حشيش وليس مطعوماً، ونحوه في مفتاح الكرامة.

وقد ينافي ذلك إطلاق بعضهم كما سبق تعريف المحاقلة بأنها بيع الزرع بالحنطة.

لكن في المسالك: «ويظهر من كلامهم الاتفاق على أن المراد به السنبل، وإن عبروا بالأعم».

وكيف كان فحديثا عبد الرحمن قد اختلفا، ففي صحيحه أنه بيع الزرع، وفي موثقه أنه بيع السنبل، ومن القريب أن يكونا حديثاً واحداً والاختلاف بينهما بسبب النقل بالمعنى، فيتعين الاقتصار في مفادهما على المتيقن، وهو السنبل.

بل حتى لو كانا حديثين، فحيث كانا واردين في مقام التحديد وشرح المفهوم، لا مجرد بيان الحكم كانا متعارضين، وتعين أيضاً الاقتصار في مفادهما على المتيقن.

(407)

الكلام في بيع بعض الخضر قبل ظهورها

من جنسه (1) في الذمة أو موضوعة على الأرض، ولا يجوز بحب منه (2).

(مسألة 16): الخضر كالخيار والباذنجان والبطيخ لا يجوز بيعها قبل ظهورها (3).

كما أنه لو كان علة تحريمها لزوم الربا لم تجر في المقام، لأن الزرع قبل أن يسنبل حشيش وليس من جنس الحنطة عرفاً.

(1) تقدم أن تحريمه يبتني إما على إلغاء خصوصية السنبل والحنطة والتعميم لبيع كل ثمر في أصوله بثمر من جنسه منفصل عن الأصول أو على أن علة تحريم المحاقلة لزوم الربا، وأنه لا مجال لكلا الأمرين.

نظير ما تقدم في تعميم حكم المزابنة لغير النخل من الشجر.

(2) كأنه لوجوب التباين بين الثمن والمثمن، الذي تقدم الكلام فيه في ذيل الكلام في المزابنة.

كما أنه تقدم منه (قده) نظيره هناك.

(3) كما صرح به غير واحد، بل هو المعروف بينهم واستظهر في الحدائق عدم الخلاف فيه، وفي مفتاح الكرامة الإجماع عليه.

نعم قد يظهر من إطلاق الوسيلة الجواز، حيث قال: «ويجوز أيضاً بيع الرطبة وأمثالها الجزة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو جميعاً».

فإن ظاهرهم أن المراد بالجزة الأولى جزة ما هو الموجود، فيكون المراد بما بعدها جزة ما لم يوجد بعد.

كما أنه صرح في المقنعة والمراسم بكراهة بيع ما لم يبدو صلاحه من الخضروات.

وصريح الأول وظاهر الثاني عدم فساد البيع المذكور.

فإن كان مرادهما ببدو الصلاح انعقاد الثمرة وتناثر الورد كما يأتي من السرائر كانا مخالفين في المسألة.

وإن كان مرادهما به أمراً زائداً على ذلك كما يأتي من المبسوط كانا موافقين للمشهور.

وكيف كان فالوجه في المنع عدم إحراز سلامة شيء من المبيع، وقد سبق عند الكلام في اعتبار القدرة على التسليم اعتباره في صحة البيع.

وأما بناءً على ما ذكروه

من أن مقتضى القاعدة اعتبار القدرة على تسليم تمام المبيع فالأمر أظهر.

وزاد على ذلك في الجواهر بأن المبيع معدوم.

لكن ذلك إنما يكون محذوراً إذا ابتنى البيع على ملكية المبيع فعلاً، وهو غير مراد في المقام، بل المراد ملكيته على تقدير وجوده، كما هو المراد في كثير من صور بيع الثمرة التي جوزها الأصحاب.

وحيث كان ذلك ممكناً في نفسه أمكن تصحيحه في المقام بالعمومات لولا ما سبق.

ومن ثم كان هو العمدة في المقام.

وقد استدل مضافاً إلى ذلك بوجهين: الأول: فحوى النصوص المتقدمة المتضمنة للمنع من بيع ثمر النخل والأشجار قبل ظهورها، كما في الجواهر.

لكن المراد بالفحوى إن كان هو فهم المنع هنا بضميمة الأولوية فلم يتضح منشؤها في المقام.

وإن كان هو فهمه بإلغاء خصوصية مواردها عرفاً، وفهم أن المنع بلحاظ عدم وجود المبيع وعدم إحراز سلامته، فهو غير بعيد، وإن كان محتاجاً لمزيد من التأمل.

الثاني: موثق سماعة أو صحيحه: «وسألته عن ورق الشجر هل يصلح شراؤه ثلاث خرطات أو أربع خرطات‌؟ قال: إذا رأيت الورق في شجره فاشتر منه ما شئت من خرطة»(1).

لظهوره في عدم جواز شرائه قبل ظهور شيء منه.

وبه يقيد إطلاق بعض نصوص الجواز، كصحيح بريد: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرطبة تباع قطعتين أو ثلاث قطعات.

فقال: لا بأس.

..»(2).

نعم الاستدلال به موقوف على التعدي عن مورده وهو ورق الشجر للخضر، كما تقدم في نصوص ثمر النخل والشجر.

فالوجهان راجعان في الحقيقة إلى فهم العموم من النصوص الواردة في الموارد المتفرقة، وكلما كانت الموارد أكثر كان فهم العموم منها أيسر.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 4 من أبواب بيع الثمار حديث: 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 1 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

ويجوز بعد ظهورها (1)


هذا ولكن ذلك لو تم كما هو غير بعيد فهو كما يقتضي استفادة العموم من النصوص المذكورة يقتضي حملها على الكراهة لم تم حمل بعضها عليها، كما تقدم تقريبه في نصوص ثمر النخل والشجر.

ولاسيما بملاحظة صحيح بريد المتقدم، لما تضمنه ذيله من عدم كون نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع النخل قبل طلوعه تحريمياً، مع ظهوره في عدم الفرق بين الرطبة والنخل، لجعله (عليه السلام) فيه نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المذكور منشأ لشبهة المنع في الرطبة، ودفعها بعدم كونه تحريمياً.

فلاحظ.

ثم إن الظاهر أن محل الكلام في الخضر هو بيع نفس الخضرة والثمرة قبل ظهورها دون الأصول.

أما لو بيعت الأصول حينئذٍ فلا ينبغي الإشكال في الجواز كما تقدم في الزرع، لعمومات الصحة والنفوذ من دون مخرج عنها، لاختصاص ما تقدم لو تم ببيع الثمرة نفسها، كما هو ظاهر.

(1) كما هو مقتضى إطلاق جماعة.

وإليه قد يرجع ما في السرائر من عدم جواز بيعه قبل بدو صلاحه، لأن مراده من بدو الصلاح فيما يتورد انعقاده وانتثار ورده.

أما في النهاية والوسيلة فقد اعتبر في جواز بيعها بدو صلاحها، ولم يتضح منهما المراد من بدو الصلاح فيها.

وما في النهاية من أن بدو الصلاح هو الانعقاد وتناثر الورد إنما ذكره في ثمر الفواكه، لا في كل ما يتورد، بل تقدم في المسألة الثانية من المبسوط أن بدو صلاح المعتبر في صحة بيع القثاء والخيار مما لا يتغير طعمه ولا لونه، بل يؤكل صغاراً أن يتناهى عظم بعضه، وفي مثل البطيخ أن ينضج ويحلو ويطيب أكله.

نعم تقدم هناك أنه لا ملزم بذلك، بل يتعين البناء على جواز بيع الثمرة بمجرد ظهورها في غير ما ورد النهي عنه بالخصوص، ومنه المقام.

ولعله لذا أطلق جماعة كما سبق، وقد تقدم احتماله فيما سبق من المقنعة والمراسم.

بل صرح في التذكرة بعدم

مع المشاهدة (1) لقطة واحدة أو لقطات (2).

والمرجع في تعيين اللقطة عرف الزراع (3).

ولو كانت الخضرة مستورة - كالشلجم والجزر ونحوهما - لم يجز بيعها (4).

اعتبار ما زاد على الظهور من تغير لون أو طعم أو غيرهما، وفي الدروس والروضة ومحكي شرح الإرشاد للكركي وغيرها بعدم اعتبار تناهي العظم فيها.

(1) بناءً على ما تقدم منهم من اعتبار العلم بالعوضين، نظير ما سبق في المسألة الرابعة عشرة.

اللهم إلا أن يرفع اليد عنه في خصوص المقام بما تضمن الاكتفاء في جواز المعدوم من الثمرة بالضميمة، وأنه يكفي العلم بسلامة بعض المبيع، حيث يناسب ذلك عدم اعتبار المشاهدة لتمام الموجود، بل يكفي العلم بوجود شيء صالح للبيع.

ويأتي عند الكلام في بيع المستور كالجزر ما ينفع في المقام.

فلاحظ.

(2) كما صرح به الأصحاب بنحو يظهر منهم التسالم عليه.

ويقتضيه ما تقدم من القاعدة.

مضافاً إلى النصوص المتقدمة الواردة في بيع الثمرة مع الضميمة، وموثق سماعة المتقدم المتضمن بيع ورق الشجر خرطات، وقريب منه غيره، حيث لا يبعد استفادة العموم منها بإلغاء خصوصية مواردها.

(3) والظاهر أنه المراد من العرف في الدروس والروضتين والمسالك وغيرها.

والوجه فيه ظاهر.

نعم لابد من التفات المتبايعين لمقتضى العرف المذكور ولو ارتكازاً.

وإلا تعين بطلان البيع إذا اختلف قصدهما، لعدم التطابق بين الإيجاب والقبول.

كما أنه إذا اتفقا على ضابط آخر تعين العمل عليه.

(4) قال في التذكرة: «إذا كان المقصود مستوراً في الأرض لم يجز بيعه إلا بعد قلعه، كالجزر والثوم والبصل.

.

.

للجهالة لانتفاء المشاهدة والوصف».

وقريب منه في القواعد والتحرير، بل حكاه في الدروس عن جماعة.

لكن حكى فيه عن ابن الجنيد الجواز، واختاره تحكيماً للعرف.

ولم يتضح

نعم يجوز الصلح عليها (1) على الأظهر.

ولو كان ورقه بارزاً وأصله


الوجه في الرجوع للعرف في الأحكام.

إلا أن يرجع لسيرة المتشرعة المستمرة من عهد المعصومين (صلوات الله عليهم)، والكاشفة عن حكمهم على طبقها.

وليس من السهل إثبات ذلك.

فالعمدة في المقام: أنه لو سلم عموم مانعية الجهالة، إلا أن المستفاد من النصوص عدم مانعيتها من بيع الثمار إذا أدرك بعضها، فضلاً عما إذا بيع ما هو المدرك وحده.

ولاسيما بملاحظة التعليل في موثق سماعة أو صحيحه: «سألته عن بيع الثمرة هل يصلح شراؤها قبل أن يخرج طلعها؟ قال: لا، إلا أن يشتري معها شيئاً من غيرها رطبة أو بقلاً، فيقول: أشتري منك هذه الرطبة وهذا النخل وهذا الشجر بكذا وكذا، فإن لم تخرج الثمرة كان رأس المال المشتري في الرطبة والبقل»(1).

بل هو مقتضى إطلاق صحيح يعقوب بن شعيب: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا كان الحائط فيه ثمار مختلفة فأدرك بعضها فلا بأس ببيعها جميعاً»(2).

فإن مقتضاه جواز بيع البستان بإدراك مثل هذه الثمار، وهو يقتضي جواز بيعها وحدها بالأولوية العرفية.

نعم لابد من العلم بإدراكها إذا بيع المقصود المستور منها وحده، أما إذا بيع الزرع بتمامه مع أصله فلا ملزم بذلك.

ومجرد عدم كون الورق في مثل الجزر والشلجم مقصوداً بالأصل لا يمنع من بيع الكل بعد كون الكل مقصوداً بنفسه ولو بلحاظ توقع بلوغه وإمكان الانتفاع بالورق ولو بوجه غير مقصود.

(1) لإطلاق أدلة نفوذ الصلح، وعدم الملزم باعتبار المشاهدة أو مانعية الجهالة فيه، إلا بلحاظ عموم النهي عن الغرر، وعدم اختصاصه ببيع الغرر، وهو غير ثابت،

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 2 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

مستوراً كالبصل جاز بيعه (1) والصلح عليه.

(مسألة 17): إذا كانت الخضرة مما يجز كالكراث والنعناع واللفت (2) ونحوها يجوز بيعها بعد ظهورها جزة وجزات، ولا يجوز بيعها قبل ظهورها (3).

والمرجع في تعيين الجزة عرف الزراع، كما سبق.

وكذا


كما تقدم في مباحث الشرط عند الكلام في مانعية الجهالة من صحة الشرط.

(1) من الظاهر أن الثمار المذكورة ذات أوراق ظاهرة، ولا يختص ذلك بالبصل.

نعم قد يتميز البصل بأن الظاهر منه مقصود كالأصل المستور.

قال في التحرير بعد الحكم بعدم جواز بيع ما المقصود منه مستور: «ولو كان الظاهر مقصوداً كالبصل فالظاهر جوازه منفرداً ومع أصوله.

وكذا لو كان معظم المقصود مستوراً على إشكال».

لكن من الظاهر أن البصل إذا تكامل نموه يجف الظاهر منه، ولا ينتفع به، فلا يكون مقصوداً.

مع أن مشاهدة بعض المبيع والعلم به لا يكفي عندهم، بل لابد من مشاهدته بتمامه، لأنه هو الرافع للغرر عندهم.

فالتفصيل غير ظاهر الوجه.

ولا مخرج عما تقدم.

(2) صرح غير واحد من اللغويين بأن اللفت هو الشلجم.

نعم ذكر بعض المتأخرين منهم أن الشلجم نوع من اللفت صالح لتغذية الحيوانات، فقد يكون مراد سيدنا المصنف (قده) ذلك، وأنه يجز ورقه مرة بعد أخرى لعلف الحيوانات.

(3) يظهر الحال فيها مما تقدم في الخضر، فإن الكلام فيهما على نهج واحد.

بل النصوص قد وردت هنا، ومنها صحيح بريد المتقدم ومعتبر معاوية بن ميسرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) وفيه: «قلت: فالرطبة يبيعها هذه الجزة وكذا بكذا جزة بعدها؟ قال: لا بأس به.

ثم قال: قد كان أبي يبيع الحناء كذا وكذا خرطة»(1).

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 4 من أبواب بيع الثمار حديث: 3.

(413)

الكلام في كيفية بيع المشرك بين اثنين

الحكم فيما يخرط، كورق الحناء والتوت، فإنه يجوز بيعه بعد ظهوره خرطة وخرطات (1).

(مسألة 18): إذا كان نخل أو شجر أو زرع مشتركاً بين اثنين جاز أن يتقبل أحدهما حصة صاحبه بعد خرصها بمقدار معين، فيتقبلها بذلك المقدار (2).

فإذا خرص حصة صاحبه بوزنة مثلاً جاز أن يتقبلها


(1) الكلام فيه كما في سابقه.

ويستفاد الحكم فيه من معتبر ميسرة المتقدم هناك وموثق سماعة المتقدم عند الكلام في بيع الخضر.

(2) كما هو المعروف بين الأصحاب، ونفى في مفتاح الكرامة الخلاف فيه إلا من الحلي في السرائر.

للنصوص الكثيرة، كصحيح يعقوب بن شعيب: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في الرجلين يكون بينهما النخل، فيقول أحدهما لصاحبه: إما أن تأخذ هذا النخل بكذا وكذا كيل مسمى، وتعطيني نصف هذا الكيل إما زاد أو نقص، وإما أن آخذه أنا بذلك.

قال: نعم لا بأس به»(1).

وموثق محمد بن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام): «سألته عن الرجل يمضي فأخرص عليه في النخل.

قال: نعم.

قلت: أرأيت إن كان أفضل مما يخرص عليه الخارص أيجزيه ذلك‌؟ قال: نعم»(2).

وقريب منهما صحيح محمد بن عيسى عن بعض أصحابه عن أبي الحسن (3)(عليه السلام).

إلا أنه تضمن اعتبار بلوغ الثمر.

وصحيح يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله (عليه السلام) الوارد في المزارعة والمتضمن مزارعة النبي (صلى الله عليه وآله) يهود خيبر، وفيه: «فلما بلغ الثمر أمر عبد الله بن رواحة فخرص

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 10 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 14 من أبواب المزارعة حديث: 3.

(3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 10 من أبواب بيع الثمار حديث: 4.

عليهم النخل، فلما فرغ منه خيّرهم، فقال: قد خرصنا هذا النخل بكذا وكذا صاعاً، فإن شئتم فخذوه وردوا علينا نصف ذلك، وإن شئتم أخذناه وأعطيناكم نصف ذلك.

فقالت اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض»(1).

ونحوه في قضية خيبر صحيحا الحلبي(2) وأبي الصباح(3) ، ومعتبر الجعفريات(4) ، وما عن أمالي أبي علي بسنده عن سليمان بن بلال عن الإمام الرضا (5)(عليه السلام)، وما عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن مسلم عن محمد الحلبي عن أبي عبد الله (6)(عليه السلام).

ومن هذه النصوص يظهر أن المعيار هو الاشتراك في الثمر، سواء كان للاشتراك في الأصول أم لمثل المزارعة والمساقاة.

لاختصاص بعض النصوص بالأول، كصحيح يعقوب بن شعيب الأول، وبعضها بالثاني، كنصوص خيبر، وإطلاق بعضها، كموثق محمد بن مسلم.

كما أن أكثر هذه النصوص وإن اختص بالنخل، إلا أن ورود بعضها في المزارعة يقتضي العموم للزرع والشجر، كما ذكره في مفتاح الكرامة وغيره وسبق من سيدنا المصنف (قده).

بل لا يبعد إلغاء خصوصية مواردها عرفاً.

ولاسيما بملاحظة صحيح يعقوب بن شعيب الثاني، حيث ورد في المزارعة، واستشهد الإمام (عليه السلام) فيه بخرص النخل في خيبر.

كما أن ما فيه وفي غيره من أن السماوات قامت بذلك يناسب العموم، لرجوعه إلى صحة المعاملة ارتكازاً، لابتنائها على الإنصاف، المناسب لعدم الفرق بين الموارد، كما لعله ظاهر.

هذا وقد تعرض في السرائر لنصوص خيبر، وما يأتي من الأصحاب في تعقيبها من أنه لو تلفت الثمرة لم يلزم المخروص عليه شيء.

ثم استشكل فيها بأن ذلك إن

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 10 من أبواب بيع الثمار حديث: 5، 2، 3.

(4و5و6) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 12 من أبواب المزارعة حديث: 1، 2، 3.

بتلك الوزنة زادت عليها في الواقع أو نقصت عنها أو ساوتها (1).


كان بيعاً فهو محاقلة ومزابنة، وكلاهما باطل، وإن كان صلحاً على أن يكون بغلة من تلك الأرض فهو غرري باطل، لعدم كونه مضموناً، وإن كان بغلة في الذمة لزم وكان لازماً وإن هلكت الثمرة، وهو خارج عن مفروض كلامهم.

ثم قال: «فليلحظ ذلك فهو الذي تقتضيه أصول مذهبنا، وتشهد به الأدلة.

فلا يرجع عنها بأخبار الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً وإن كررت في الكتب».

وهو كما ترى! بعد كثرة هذه النصوص، وعمل الأصحاب بها.

وإذا التزم برد مثلها لم يبق له أخبار يبني عليها فقهه.

بل هي أكثر وأظهر من نصوص النهي عن المزابنة والمحاقلة والغرر.

ومن هنا لا ينبغي الإشكال في المسألة.

(1) كما هو ظاهرهم في المقام، بل صرح به غير واحد، كما في النهاية والوسيلة والتحرير.

وهو ظاهر النصوص، لابتناء الخرص على ذلك، بل هو صريح موثق محمد بن مسلم المتقدم، وما يأتي في مرسل محمد بن عيسى.

كما أن ظاهرهم أيضاً بل صريح الوسيلة هو لزوم العقد، فليس لأحدهما الرجوع عنه ولو قبل ظهور الحال، فإنهم وإن عبروا بالجواز، إلا أنه لبيان مشروعية العقد المذكور، ومع مشروعيته يتعين لزومه.

وكيف كان فاللزوم هو المنساق من نصوص المقام، لما ذكرنا من أنه الأصل في العقود.

ولاسيما ما تضمن نفوذه وإن لم يطابق الخرص الواقع، كالموثق والمرسل.

ومن هنا لا مجال لما في التذكرة من الإشكال في لزوم المعاملة المذكورة، بل ظاهر التنقيح ومحكي إيضاح النافع والميسية الجزم بعدمه، وكلام المسالك لا يخلو عن اضطراب.

فإنه خروج عن ظاهر النصوص من دون وجه.

نعم في ذيل مرسل محمد بن عيسى المتقدم له الإشارة: «قلت: إنه يجيء بعد ذلك فيقول: إن الحرز لم يجئ كما حرزت وقد نقص.

قال: فإذا زاد يرد عليكم‌؟

والظاهر عدم الفرق بين كون الشركاء اثنين أو أكثر (1)، وكون المقدار المتقبل به منها وفي الذمة (2).

نعم إذا كان منها فتلفت الثمرة


قلت: لا.

قال: فلكم أن تأخذوه بتمام الحرز.

كما أنه إن زاد كان له كذلك إن نقص كان عليه».

ومقتضاه أنه يمكن وقوع المعاملة بنحو يبتني على تدارك النقص.

لكنه مع ضعفه يرجع إلى عدم وقوع العقد الملزم بين الطرفين، وبقاء الأمر كما لو لم يقع العقد.

(1) كما في مفتاح الكرامة.

فإن بعض النصوص وإن تضمن الشركة بين اثنين، إلا أن نصوص خيبر قد تضمنت الشركة بين المسلمين واليهود، وإذا أمكن إرجاع حصة المسلمين لواحد، بلحاظ أن المالك هو الجهة من دون أن يملكوا أشخاصهم فلا مجال لذلك في اليهود، لملكية العاملين في الأرض بأشخاصهم.

هذا مضافاً إلى إلغاء خصوصية وحدة الشريك وتعدده عرفاً، خصوصاً بلحاظ ما تضمنته نصوص خيبر من أن السماوات والأرض قامت بذلك، لما تقدم من رجوع ذلك إلى أن المعاملة مقبولة ارتكازاً بلحاظ ابتنائها على الإنصاف، ومن الظاهر أنه لا خصوصية في ذلك لعدد الشركاء.

وليس ذلك مثل حق الشفعة التعبدي الذي يمكن فيه خصوصية عدد الشركاء.

(2) قد يظهر مما ذكره جماعة كثيرة، بل نسبه في جامع المقاصد للأصحاب، من أن التلف بآفة سماوية أو أرضية يقع على الجميع، أن المفروض في المقام كون الخرص بحصة من الثمرة نفسها، لا في الذمة.

نعم في الروضة أن ذلك مشروط بما إذا التقبيل على الإشاعة، ويأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

وكيف كان فالعموم للصورتين مقتضى عموم صحيح يعقوب بن شعيب الأول وموثق محمد بن مسلم المتقدمين المستفاد من ترك الاستفصال فيهما.

وأما قضية خيبر فهي قضية في واقعة صالحة للوجهين.

فلا ضمان على المستقبل (1)، بخلاف ما لو كان في الذمة، فإنه باق على


اللهم إلا أن يقال: المتيقن من السيرة في أمثال ذلك هو كونه من نفس الثمرة.

بل لعل ذلك هو المعهود منها، وليس فائدة الخرص إلا تعيين الحصة بالقدر الخاص لا غير، لأن ذلك هو مفاد الخرص.

ولذا ليس بناء الطرفين ظاهراً على دفع الحصة من غير الثمرة.

ولاسيما مع اختلاف الأصناف في الجودة والرداءة كثيراً.

ومن هنا يشكل استفادة العموم لكون الخرص بما في الذمة من حديثي يعقوب بن شعيب ومحمد بن مسلم المتقدمين، لقرب الإشارة فيهما للمعاملة المعهودة الشائعة بين الناس.

وينحصر الوجه في صحة الخرص بما في الذمة بالعمومات، بناء على ما سبق في المزابنة والمحاقلة من أن المتيقن منهما ما إذا كان الثمن جزءاً من المثمن، أو على ما هو الظاهر من النص والفتوى من اختصاصهما بالبيع، وعدم جريانهما في غيره من المعاملات كالصلح، ومنه ما نحن فيه.

(1) كما صرح به في الوسيلة والقواعد والإرشاد والدروس واللمعة، ونسب للنهاية، وإن كان كلامه لا يخلو عن غموض.

وفي جامع المقاصد أن الأصحاب ذكروا ذلك.

وتردد في التذكرة وعن تعليق الإرشاد الاستشكال فيه.

وفي المسالك والروضة أنه غير واضح الوجه.

قال في الروضة: «وتوجيهه بأن المتقبل لما رضي بحصة معينة في العين صار بمنزلة الشريك.

فيه أن العوض غير لازم كونه منها وإن جاز ذلك فالرضا بالقدر، لا به مشتركاً.

إلا أن ينزل على الإشاعة».

لكن من القريب كون مفروض كلامهم أن المقدار المستحق من الثمرة نفسها، كما يظهر مما سبق.

نعم كونه على الإشاعة بعيد جداً، لاحتياج الإشاعة مع تعيين المقدار المستحق بغير الشقص إلى عناية، نظير ما سبق في المسألة العاشرة في صورة

ضمانه (1).

والظاهر أنه معاملة مستقلة (2)، لا بيع ولا صلح.

ويكفي فيها كل لفظ دال على المقصود (3).

الاستثناء، ولقرب ابتناء الخرص على استقلال آخذ الثمرة بالتصرف بها.

وذلك يناسب استحقاق المقدار المعين في الثمرة بنحو الكلي في المعين.

ويتعين كون الوجه في ثبوت النقص عليه ما سبق منّا في صورة الاستثناء من بناء العرف على ورود النقص على الحق الثابت في العين تبعاً للنقص الوارد عليها.

غاية الأمر أن ذلك لا يجري في المبيع لابتنائه على تعهد البائع بتسليم المبيع للمشتري زائداً على استحقاقه له، أما الخرص في المقام، فلا يبتني على ذلك، لتمحضه في تعيين المقدار المستحق.

فلاحظ.

(1) لعدم الموجب لدخول النقص عليه بعد تعلقه بالذمة وانقطاع علقة صاحبه بالعين التي لحقها، فهو نظير ما لو باع حقه من الثمرة أو استبدله بشيء من غير جنس الثمرة.

(2) ففي المسالك أنه معاوضة مستقلة.

لكن لم يتضح كونها معاوضة، بل مفادها محض الاتفاق على تعيين مقدار الحق.

فهي معاملة مستقلة، كما نسبه في مفتاح الكرامة لظاهر الأصحاب.

وهي أشبه بالصلح، وإن لم يتضح كونها منه، والأمر سهل.

ولا إشكال في عدم كونها بيعاً، فلا تجري عليها أحكامه.

نعم قد تشبهه أو ترجع إليه إذا كانت الحصة في الذمة، لا في العين.

فلاحظ.

(3) كما هو مقتضى إطلاق نصوص المقام وعموم نفوذ العقود.

وقد يرجع إليه ما في مزارعة جامع المقاصد من أنه لابد من إيجاب وقبول بلفظ الصلح أو التقبيل أو ما أدى هذا المعنى.

لكن عن الميسية أنه لابد من وقوعها بلفظ التقبيل.

ولم يتضح الوجه فيه بعد ما سبق.

وأما ما في مفتاح الكرامة من أنه المتيقن في الخروج عن استصحاب بقاء

(419)

الكلام في حق المارة

بل تجرى فيها المعاطاة (1)، كما في غيرها من العقود.

(مسألة 19): إذا مرّ الإنسان (2)


الملك على ما كان عليه.

ففيه: أنه يكفي في الخروج عن الاستصحاب المذكور الإطلاق والعموم المتقدمين، كما هو الحال في جميع العقود.

(1) لما سبق من الإطلاق والعموم.

لكن سبق من جامع المقاصد أنه لابد من اللفظ.

وقد يظهر من غيره.

بل في الجواهر أنه لا ريب في اعتبار الصيغة في لزومها.

وكأنه مبني على الخلاف المعروف في المعاطاة.

(2) هذا الحكم في الجملة قد ذكره جماعة من الأصحاب (رضوان الله تعالى عليهم) وفي الجواهر أنه المشهور بينهم نقلاً وتحصيلاً، ويظهر من المسالك ندرة الخلاف فيه قبل عصر المحقق (قده).

بل ادعى الإجماع عليه في الخلاف وفي أطعمة السرائر وفي مكاسبها، وإن قال في الأخير: «ولا يعتد بخبر شاذ أو خلاف من يعرف اسمه ونسبه».

ويقتضيه النصوص الكثيرة، كصحيح علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام): «سألته عن الرجل يمر على ثمرة، فيأكل منها.

قال: نعم.

قد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تستر الحيطان برفع بنائها»(1) ، وصحيح ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«سألته عن الرجل يمر بالنخل والسنبل والثمر، فيجوز له أن يأكل منها من غير إذن صاحبها من ضرورة أو غير ضرورة‌؟ قال: لا بأس» (2) ، وصحيح يونس عن بعض رجاله عنه (عليه السلام): «سألته عن الرجل يمر بالبستان وقد حيط عليه أو لم يحط عليه هل يجوز له أن يأكل من ثمره، وليس يحمله على الأكل من ثمره إلا الشهوة، وله ما يغنيه عن الأكل من ثمره‌؟ وهل له أن يأكل من جوع‌؟ قال: لا بأس أن يأكل ولا يحمله ولا يفسده»(3) ، وصحيح عبد الله بن سنان

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 8 من أبواب بيع الثمار حديث: 2، 3، 5.

عنه (عليه السلام): «قال: لا بأس بالرجل يمر على الثمرة ويأكل منها، ولا يفسد.

قد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تبنى الحيطان بالمدينة لمكان المارة...»(1) ، وغيرها(2).

وحكى في المسالك عن المرتضى في المسائل الصيداوية المنع.

لكن في كشف اللثام أنه احتاط فيها.

وهو المناسب لما في مفتاح الكرامة من أن المنقول من عبارتها قوله: «الأحوط والأولى أن لا يأكل».

وكيف كان فقد قرب المنع في متاجر المختلف والتنقيح وجامع المقاصد، وحكي عن حواشي المحقق الثاني الثلاثة وعن الفاضل الميسي.

وقد يظهر الميل إليه من الروضة.

كما يظهر من الإرشاد وأطعمة المختلف والتحرير والدروس ومحكي التلخيص التردد فيه.

وفي الإيضاح بعد أن أشار إلى وجه الجواز قال: «والأولى عصمة مال المسلم».

وقد يستدل للمنع بعموم حرمة مال المسلم، وصحيح علي بن يقطين: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يمر بالثمرة من الزرع والنخل والكرم والشجر والمباطخ وغير ذلك من الثمر، أيحل له أن يتناول منه شيئاً ويأكل بغير إذن صاحبه‌؟ وكيف حاله إن نهاه صاحبه [صاحب الثمرة أو أمره القيم فليس له.

وكم الحد الذي يسعه أن يتناول منه‌؟ قال: لا يحل له أن يأخذ منه شيئاً»(3).

وصحيح مروك عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قلت له: رجل يمر على قراح الزرع ويأخذ منه السنبلة.

قال: لا.

قلت: أي شيء سنبلة‌؟! قال: لو كان كل من يمر به يأخذ سنبلة كان لا يبقى شيء»(4).

وما عن نوادر أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام)

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 8 من أبواب بيع الثمار حديث: 12.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 6 باب: 17 من أبواب زكاة الغلات. وج: 13 باب: 8 من أبواب بيع الثمار، وج: 18 باب: 23 من أبواب حد السرقة.

(3و4) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 8 من أبواب بيع الثمار حديث: 7، 6.

أنه قال: «وليس للرجل أن يتناول من ثمرة بستان أو أرض إلا بإذن صاحبه، إلا أن يكون مضطراً.

قلت: فإنه يكون في البستان الأجير والمملوك.

قال: ليس له أن يتناوله إلا بإذن صاحبه»(1).

لكن عموم حرمة مال المسلم قابل للتخصيص، والنصوص الأول كافية في تخصيصه.

وأما النصوص الأخيرة فلا مجال للخروج بها عن النصوص الأول مع كثرتها واشتهارها، وظهور عمل الأصحاب بها، خصوصاً في مثل هذه المسألة الشائعة الابتلاء والمخالفة للقاعدة ولما عليه المخالفون من المنع، حيث يبعد جداً، بل يمتنع عادة خطأ المشهور فيها.

ومن هنا قد يحمل صحيح علي بن يقطين على الكراهة كما في الاستبصار جمعاً مع النصوص الأول.

ولعله أولى مما فيه أيضاً وفي التهذيب من حمله على أخذه الثمرة وحملها معه من دون أن يأكلها.

لما يستلزمه من عدم استيفاء الجواب للسؤال.

نعم يقرب ذلك في حديث مروك، لأن السؤال فيه عن الأخذ، لا عن الأكل.

ولاسيما مع ظهور ذيل الحديث في أن منشأ السؤال الاستهوان بالسنبلة لقلتها، لا لحلية الأخذ في نفسه.

كما يقرب حمل حديث ابن مسلم إما على غير من يمرّ على الثمرة، أو على الأخذ من دون أكل، أو على كراهة الأكل للمار.

وقد يناسب الأخير استثناء الاضطرار، حيث لا يبعد كون المراد به الاضطرار العرفي الذي يكفي فيه الحاجة بنحو معتد به، المعلوم عدم كفايته في الترخيص في التصرف في مال الغير بغير إذنه لو كان المراد به الأخذ من دون أكل، أو الأكل لغير المار.

ولاسيما مع عدم التنبيه فيه للضمان، مع وضوح أن الاضطرار لا يرفع الضمان فيما من شأنه أن يضمن.

ومن هنا يقرب جداً حمله على النهي عن الأكل للمار مع عدم الاضطرار العرفي.

(1) مستدرك الوسائل ج: 13 باب: 5 من أبواب بيع الثمار حديث: 4.

بشيء من النخل (1)


وحينئذٍ لا مجال للبناء على الحرمة مع عدم الاضطرار المذكور، عملاً بظاهر النهي في الحديث.

لإباء النصوص الأول له جداً، خصوصاً ما تضمن منها نهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بناء الحيطان من أجل المارة، بل هو خلاف صريح حديثي ابن أبي عمير ويونس.

وعليه يكون المتحصل من ذلك أنه يكره الأكل لغير المحتاج حاجة معتداً بها.

وعلى ذلك أيضاً يحمل صحيح مسعدة بن زياد عن جعفر بن محمد (عليه السلام): «أنه سئل عما يأكل الناس من الفاكهة والرطب مما هو لهم حلال.

فقال: لا يأكل أحد إلا من الضرورة.

ولا يفسد إذا كان عليها فناء محاط.

ومن أجل الضرورة نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبنى على حدائق النخل والثمار بناء، لكي يأكل منها كل أحد»(1).

ويظهر الوجه فيه مما سبق.

هذا وأما ما في المختلف من الجمع بين النصوص بحمل نصوص الجواز على ما إذا علم بشاهد الحال إباحة المالك لذلك.

فهو مع كونه جمعاً تبرعياً خالياً عن الشاهد بعيد جداً لا يناسب مساق النصوص المذكورة، ولا ما سبق في وجه لزوم العمل بها.

ولاسيما أن من جملة النصوص التي استدل بها للجواز خبر محمد بن مروان: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أمر بالثمرة فآكل منها.

قال: كل ولا تحمل.

قلت: جعلت فداك إن التجار اشتروها ونقدوا أموالهم.

قال: اشتروا ما ليس لهم»(2).

فإنه صريح في ثبوت الحق في الثمرة للمار، وعدم سلطنة المالك بنحو يقتضي منعه من الأكل.

(1) وعليه اقتصر في أطعمة الشرائع وفي متاجر النافع وأطعمته وحكي عن الحائريات للشيخ.

ولم يتضح الوجه فيه بعد إطلاق الثمر في بعض النصوص

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 8 من أبواب بيع الثمار حديث: 10، 4.

أو الشجر (1) أو الزرع (2) جاز أن يأكل من ثمره بلا إفساد (3) للثمر (4)


والتصريح في بعضها بالعموم لغير النخل.

هذا وقد اقتصر في باب بيع الثمار من النهاية على الفواكه، وهو المحكي عن ابن البراج، ومن البعيد أن يريدا بها خصوص ثمرة غير النخل، لأن حيطان النخل هي الشائعة في عصور المعصومين (صلوات الله عليهم)، والمصرح بها في جملة من النصوص.

ولاسيما أن الرطب عدّ من الفاكهة في بعض النصوص(1).

ولا أقل من أن يستفاد منه الجواز في ثمرة النخل، بل في جميع الثمار بالأولوية العرفية، لأن الفاكهة أولى بأن يستغنى عنها ويمنع من الأخذ منها عرفاً.

فتأمل.

(1) وقد اقتصر في مكاسب القواعد على ثمر النخل والفواكه، كما حكي عن غيره.

وقد يظهر في الاقتصار على النخل والشجر.

وكأنه لانصراف الثمرة إليهما، دون الزرع الأخضر.

لكنه غير ظاهر.

(2) التعميم للثلاثة هو المصرح به في بيع الثمار من الشرائع والتذكرة واللمعة وغيرها، وهو مقتضى إطلاق البستان أو الثمار أو نحوها في المقنع والمبسوط ومكاسب النهاية وجماعة كثيرين.

وعن المقتصر أن الأصحاب لم يفرقوا بين النخل وغيره من الشجر وغيره من المباطخ والزرع.

وعن المهذب البارع: «إن أكثر الأصحاب لم يفرقوا بين النخل وغيره».

وهو المتعين بالنظر للنصوص المتقدمة وغيرها.

(3) بلا خلاف أجده فيه، كما في الجواهر.

بل إجماعاً، كما في القواعد وعن نهاية الأحكام.

ويأتي الكلام في وجهه إن شاء الله تعالى.

(4) الإفساد له قد يراد به أحد وجوه: الأول: الإفساد لا بسبب الأكل عبثاً بالثمرة، كقطفها قبل وقتها، أو شقها أو ثقبها.

ولا ينبغي الإشكال في حرمته، لعموم احترام مال المسلم، وحرمة التبذير،

(1) بحار الأنوار ج: 66 ص: 122.

ونحو ذلك، من دون مخرج عنه من نصوص المقام وغيرها.

بل تقدم في حديث يونس قوله (عليه السلام): «ولا يحمله ولا يفسده».

وقوله (عليه السلام) في صحيح مسعدة بن زياد: «ولا يفسد إذا كان عليها فناء محاط» بناء على أن المراد به إفساد الثمرة.

لكن من القريب أن يكون المراد به إفساد السياج من أجل الوصول للثمرة والأكل منها، فيكون أجنبياً عما نحن فيه.

الثاني: الإفساد بسبب الأكل، كأكل بعض الثمرة وترك بعضها فيفسد.

ومقتضى العمومات المتقدمة تحريمه من دون أن تنهض نصوص المقام بالترخيص فيه، لأن حلية الأكل لا تستلزم حلية الإفساد، إلا إذا كان ملازماً له نوعاً، وليس هو كذلك في المقام.

بل الظاهر عموم النهي عن الإفساد في حديث يونس المتقدم له.

وإن كان هو غير مهم بعد كفاية العمومات المتقدمة في المطلوب.

الثالث: الإفساد بنفس الأكل، قال في الرياض: «بأن يكون منه كثيراً، بحيث يؤثر فيها أثراً بيّناً.

ويصدق معه مسماه عرفاً.

ويختلف ذلك بكثرة الثمرة والمارة وقلتهما جداً».

لكن في صدق الإفساد بذلك إشكال بل منع، لأن الإفساد عرفاً هو الخروج بالشيء عما وضع له بحيث لا ينتفع به، وهو غير حاصل بذلك.

ومقتضى إطلاق النصوص المتقدمة جوازه.

ولاسيما بلحاظ ما في ذيل كلامه المتقدم من اختلافه بكثرة الثمرة والمارة وقلتهما، لظهور أنه مع استناده لكثرة المارة فكل واحد منهم لا يتحقق منه الإفساد بالمعنى الذي ذكره.

والبناء على حرمة الأكل على الجميع لاستناد الإفساد الواحد لهم بمجموعهم لا يناسب النصوص المتقدمة جداً.

كيف ولازمه قصرها على الثمار الواقعة في الطريق التي تقل فيها المارة.

مضافاً إلى أن ظاهر النصوص والفتاوى إرادة الفساد في ثمرة الشجر التي يكون المرور عليها والتي يجوز الأكل منها، لا ثمرة البستان بتمامه، ومن الظاهر قلة الثمرة التي تقع على الطريق فيؤثر أكل القليل من الناس فيها أثراً بيّناً.

أو الأغصان أو الشجر (1) أو غيرها (2).

والظاهر جواز الأكل وإن كان قاصداً له من أول الأمر (3).

نعم لو كان لمقصده طريقان فرجح العبور من الطريق الذي يمر بالشجر لأجل الأكل ففي جواز الأكل حينئذ


ومن هنا يتعين حمل الإفساد في النص والفتوى على المعنيين الأولين.

ودعوى: أن وضوح التحريم فيهما لا يناسب التنبيه عليه في النص والفتوى.

مدفوعة بأنه قد يكون سبب التنبيه تعارف تسامح المارة من عامة الناس فيهما.

نعم قد يدعى انصراف الأكل المرخص فيه للقليل الذي يتعارف من الإنسان حال مروره سداً للحاجة أو الشهوة، دون الإكثار والتملي.

وهو لو تم يقتضي تحريم الإكثار حتى لو لم يتحقق به الإفساد بالمعنى المتقدم.

فلاحظ.

(1) كما ذكره في الجملة غير واحد.

ولا ينبغي الإشكال فيه بالنظر للعمومات، سواء كان الإفساد ملازماً للأكل أم لم يكن.

ومجرد جواز الأكل في الأول لا يستلزم جواز الإفساد بعد أن لم يكن ملازماً له نوعاً، ليستفاد من دليل جواز الأكل جوازه تبعاً، نظير ما سبق في إفساد نفس الثمرة.

(2) كالسياج، لما سبق من العمومات.

وتقدم عند الكلام في إفساد الثمرة قرب إرادته من صحيح مسعدة بن زياد.

(3) كما يظهر من الجواهر.

وهو الذي يقتضيه إطلاق النصوص والفتاوى.

قال في مفتاح الكرامة: «ثم إن اشتراط عدم القصد مما لا ريب فيه.

وإن ترك التصريح به جماعة من القدماء فهو مستفاد من تعبيرهم بالمرور، ومقطوع به من كلام غيرهم ومن النصوص المبيحة.

.

.

».

هذا والكلام.

.

تارة: في اعتبار عدم كون تمام المقصود بقطع المسافة هو الوصول للثمرة من دون أن يكون هناك مقصود آخر وراءها.

وأخرى: في أنه بعد الفراغ عن ذلك فهل يعتبر عدم القصد قبل المرور على

الثمرة للأخذ منها حين الوصول إليها.

أما الأول فالظاهر عدم الإشكال فيه بالنظر للنصوص والفتاوى، لأن ظاهر المرور بالشيء أو عليه عدم كونه هو المقصود بالأصل الذي إليه ينتهي القاصد، بل هو الواقع في طريق المقصد، فالمرور على المكان مساوق للعبور عليه، لا للوصول إليه.

ولا أقل من كون ذلك هو المتيقن من المرور في خصوص المقام، خصوصاً بلحاظ ما تضمن نهي النبي (صلى الله عليه وآله) عن بناء الحيطان أو رفعها من أجل المارة، حيث لا إشكال في كون المراد به العابرين عليها في مقاصدهم.

وأما قوله (عليه السلام) في صحيح عبد الله بن سنان المتقدم: «لا بأس بالرجل يمر على الثمرة ويأكل منها، ولا يفسد».

فالظاهر منه ليس هو نفي البأس عن كل من المرور والأكل، ليكون ظاهره إطلاق جواز الأكل ولو مع عدم المرور، إذ لا منشأ لتوهم ثبوت البأس في المرور، ليكون مسوقاً لدفعه، بل هو نفي البأس عن خصوص الأكل المتعقب للمرور، فالواو في المقام ليست عاطفة، بل حالية، والمرخص فيه هو مدخولها فقط، فلا يكون له إطلاق يشمل أكل غير المار.

فلاحظ.

نعم يأتي في موثق السكوني أن من سرق الثمار في كمه فما أكل منه فلا إثم عليه.

ومقتضى إطلاقه جواز الأكل لكل من يصل إلى الثمرة وإن كان قاصداً لها غير عابر عليها إلى مقصد آخر.

لكن لا يظهر منهم البناء على ذلك.

وحينئذٍ قد يحمل على من يسرق حال مروره وعبوره.

فلاحظ.

وأما الثاني فقد يناسبه ما في الشرائع من تقييد المرور بالاتفاق، قال: «إذا مرّ الإنسان بشيء من النخل أو شجر الفواكه أو الزرع اتفاقاً جاز أن يأكل».

وقد يرجع إليه ما في النافع والقواعد من مانعية القصد.

فإن الجمود عليه وإن كان يقتضي اعتبار عدم القصد للعبور على الأمور المذكورة، إلا أنه حيث لا منشأ لاحتمال ذلك، بل يقطع بعدم إرادته، فقد يحمل على اعتبار عدم القصد للأكل منها.

لكن لا يبعد كون المراد لهما المعنى الأول الراجع إلى عدم كونها مقصداً بالأصل،

إشكال (1).

وأشكل منه ما لو لم يكن له مقصد إلا الأكل (2).

وكذا إذا كان للبستان جدار أو حائط (3)،


بل لابد من وقوعها في طريق المقصد، كما يظهر من بعض شراح كلامهما، فيخرج عما نحن فيه.

نعم في شرح القواعد لكاشف الغطاء اعتبار عدم القصد لخصوص تلك الثمرة ولو في أثناء الطريق.

وقد يظهر في المطلوب.

لكنه خروج عن إطلاق النصوص والفتاوى المتضمنة لعنوان المرور من دون وجه.

ومجرد خروجه مع القصد المذكور عن المتيقن من دليل الجواز لو تم لا يكفي في المنع منه بعد الإطلاق المذكور، كما في الجواهر.

ومن ثم كان ما ذكره سيدنا المصنف (قده) هو المتعين.

(1) بل يظهر من الرياض المنع منه.

لكن لم يتضح الوجه فيه بعد إطلاق النص والفتوى، لصدق المرور بلا إشكال.

(2) إن كان المراد به كون الوصول للثمرة تمام المقصد، بحيث ينتهي السير عندها، فالمتعين المنع من جواز الأكل، كما سبق.

وإن كان المراد به كون الغرض من قصد ما بعد الثمرة هو استحلال الثمرة وأكلها، من دون أن يكون له غرض آخر في الوصول للمكان المذكور، فقد يتجه الإشكال في جواز الأكل بانصراف المرور في النصوص والفتاوى إلى ما إذا تعلق له غرض بالوصول للمنتهى، ويكون تحليل الأكل من سنخ الفائدة المترتبة على ذلك، لا أن تكون هي تمام المطلوب.

(3) إن كان السياج مانعاً من الوصول إلى الثمرة، بحيث يتوقف الوصول إليها على اختراقه فالاختراق المذكور يحرم في نفسه لحرمة الدخول في أرض الغير إذا كانت محجوبة غير مكشوفة.

فلو عصى ودخل حتى مرّ بالثمرة لم يبعد حرمة الأكل، لانصراف المرور في النصوص والفتاوى عن المرور العدواني المنهي عنه.

أو علم بكراهة المالك (1).


نعم لو أذن له صاحب البستان في العبور حتى مرّ بالثمرة تعين جواز الأكل.

إلا أن يكون الإذن في العبور مقيداً بعدم الأكل، فيشكل الأكل حينئذٍ، لاستلزامه حرمة العبور.

أما إذا لم يكن السياج مانعاً من الوصول للثمرة، لإشرافها على الطريق تعين جواز الأكل عملاً بإطلاق النصوص والفتاوى بعد تحقق المرور السائغ غير العدواني.

ودعوى: لزوم الخروج عنه بقوله (عليه السلام) في صحيح مسعدة بن زياد المتقدم: «لا يأكل أحد إلا من الضرورة، ولا يفسد إذا كان عليها فناء محاط».

مدفوعة بأنه لو تم وروده فيمن يمر بالثمرة، على ما سبق الكلام فيه، إلا أنه لم يتضح رجوع الشرط للنهي عن الأكل في غير حال الضرورة، بل سبق قرب رجوعه للإفساد، لبيان أنه لا يجوز إفساد السياج من أجل الوصول للثمرة.

ولا أقل من احتمال ذلك بنحو يمنع من الخروج به عن الإطلاق.

فلاحظ.

(1) فعن المهذب البارع المنع مع العلم أو الظن بكراهة المالك.

لكن من الظاهر دلالة نصوص المقام على عدم حرمة المال من هذه الجهة.

ولذا لا يعتبر إذن المالك.

بل تقدم أن صريح حديث محمد بن مروان ثبوت الحق للمار في الثمرة، بنحو يمنع من سلطنة المالك على المنع.

وحينئذٍ فالمنع مع العلم بكراهة المالك لا يناسب إطلاق النصوص.

ولاسيما أن المدعى إن كان هو مانعية كراهة المالك وعدم تنجزها إلا بالعلم، لزم حرمة الأكل واقعاً مع ثبوتها من دون أن يعلم بها، ولزم حمل النصوص على الحل الظاهري لا الواقعي، وهو مخالف لظاهرها جداً.

وإن كان هو مانعية الكراهة الواقعية من الحل بشرط العلم بها، أو مانعية القطع

وإذا حمل معه شيئاً حرم ما حمل (1)، ولم يحرم ما أكل (2).


بها وإن لم يصادف الواقع، فهو بعيد في نفسه لا نعهد له نظيراً في فروع الفقه.

كما لا شاهد له من القواعد، لأن القاعدة إنما تقتضي شرطية الرضا أو الإذن في جواز الأكل.

ومن هنا لا مخرج عن الإطلاق.

ومن ذلك يظهر جواز الأكل حتى مع نهي المالك، كما لعله ظاهر.

(1) بلا إشكال ظاهر، بل هو مقطوع به بين الطائفة، كما في الرياض.

ويقتضيه مضافاً إلى العمومات النهي عنه صريحاً في بعض النصوص المتقدمة وغيرها.

(2) لإطلاق النصوص المرخصة في الأكل.

لكن يظهر من المسالك وعن غير واحد من المتأخرين عنه شرطية عدم الحمل في حلّ الأكل، بحيث لو حمل حرم ما أكل.

ونسبه في الرياض لظاهر الأصحاب.

وكأنه لحمل النهي عن الحمل في النصوص على مانعيته من حلّ الأكل.

وهو غير ظاهر، كما صرح به غير واحد.

كيف‌؟! ولو كان مسوقاً لبيان الشرطية لم يدل على الحرمة التكليفية، لعدم الجامع بينهما، مع عدم الإشكال ظاهراً في دلالته عليها.

ولو فرض إجمال النهي في النصوص المذكورة، وصلوحه للوجهين، فهو إنما يمنع من استفادة إطلاق حلّ الأكل منها، ولا يمنع من العمل بإطلاق بقية نصوص الحل، لعدم ثبوت المقيد لها.

هذا مضافاً إلى موثق السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: قضى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في من سرق الثمار في كمه فما أكل منه فلا إثم عليه، وما حمل فيعزر ويغرم قيمته مرتين»(1) ، بناءً على حمله على ما إذا مرّ بها، لعدم بنائهم ظاهراً على جواز الأكل لغير المار.

وإن كان الأمر أظهر من ذلك.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 8 من أبواب بيع الثمار حديث: 1.

الكلام في العرية

(مسألة 20): يستثنى من حرمة المزابنة (1) بيع العرية (2).

وهي النخلة الواحدة (3) لشخص في دار غيره أو بستانه (4)


(1) تقدم في المسألة الحادية عشرة تحديد المزابنة والدليل على حرمة بيعها.

فراجع.

(2) حيث لا إشكال في جوازه، وفي الجواهر أنه لا خلاف فيه بيننا، بل وبين سائر المسلمين عدا أبي حنيفة، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه في أعلى مراتب الاستفاضة.

ويقتضيه موثق السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: رخص رسول الله في العرايا بأن تشتري بخرصها تمراً.

قال: والعريا جمع عرية.

وهي النخلة تكون للرجل في دار رجل آخر، فيجوز له أن يبيعها بخرصها تمراً، ولا يجوز ذلك في غيره»(1).

وفي خبر القاسم بن سلام بسنده عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنه رخص في العرايا»(2).

(3) كما صرح به جماعة كثيرة، وعن بعض شراح القواعد أنه لم يجد فيه مخالفاً.

لكن التقييد بالوحدة لم يرد في موثق السكوني، وإنما هو مقتضى إفراد النخل فيه.

ومن هنا يقرب التعدي للأكثر إلغاءً لخصوصية الوحدة عرفاً.

إلا أن تكون مخالفة الحكم للقاعدة عندهم تلزم بالاقتصار على المتيقن، خصوصاً مع ما تقدم عند الكلام في المزابنة من قرب عدم كون التفسير في الموثق من المعصوم، فيلزم الاقتصار فيها على المتيقن من كلمات الأصحاب وأهل اللغة، وهي النخلة الواحدة.

(4) كأنه للاعتماد على تعريف بعض أهل اللغة لها بالأعم من الدار والبستان وثوقاً بالتعريف المذكور، ولو بسبب ذكر جماعة من الفقهاء له، ودعوى الإجماع عليه في الغنية.

وبه يخرج عن خصوصية الدار في موثق السكوني، ولو لإهماله بلحاظ ما

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 14 من أبواب بيع الثمار حديث: 1، 2.

(431)

ويشق عليه دخوله عليها (1)، فيبيعها منه بخرصها تمراً من غيرها، أو كلياً في الذمة (2).

ويجوز له حينئذٍ أعطاؤه من تمرها (3).

سبق من قرب عدم كونه من المعصوم.

ولا مجال لما عن المهذب البارع من التعميم لغير الدار والبستان، كمعصرة الغير وخانه وبزارته ودباسته.

لخروجه عن المتيقن بعد فرض كون الترخيص المذكور مخالفاً للقاعدة.

بل الإنصاف أن التعدي للبستان أيضاً خروج عن المتيقن.

ولعله لذا اقتصر بعضهم على الدار.

(1) الظاهر أن المشقة تكون هي الداعي نوعاً للبيع، من دون أن تكون قيداً في معنى العرية، أو في الترخيص في بيعها بالنحو المذكور.

(2) ولا يكون بخرصها تمراً منها بناء على لزوم التباين بين الثمن والمثمن على ما سبق الكلام فيه في ذيل الكلام في المزابنة والمحاقلة.

وإنما يكون ذلك مستثنى بناء على عموم المزابنة والمحاقلة المنهي عنهما لبيع ثمر النخل والشجر بجنسه، أما بناء على جوازه واختصاص المزابنة والمحاقلة ببيعه بثمر منه كما تقدم منّا فلا يكون مستثنى، بل يكون على طبق القاعدة، ولا تكون العرية مستثناة إلا إذا رجعت إلى بيع ثمر النخلة بخرصها تمراً منها، كما تقدم منّا هناك احتماله في موثق السكوني، جمعاً مع نصوص جواز بيع الثمرة بجنسها، وتقدم أيضاً احتمال إبقائه على ظاهره في عموم الثمن للجنس مع عدم ابتناء الترخيص فيه على الاستثناء.

فراجع.

(3) لأن الوفاء منه لا يجعله ثمناً، ليلزم اتحاد الثمن والمثمن، بل ثمنية الثمن تابعة لجعله في العقد، والمفروض أن المجعول ثمناً في العقد هو الكلي لا الشخصي المدفوع وفاء.

هذا ولو اشترط الوفاء من تمرها، فإن رجع إلى تقييد الثمن به رجع إلى كون الثمن منها.

وإن رجع إلى كونه شرطاً زائداً في المعاملة مع إطلاق الثمن، فلا يلزم المحذور المذكور، ويتجه صحته.

إلا أن يكون الحكم مخالفاً للقاعدة ومستثنى منها، فيجب الاقتصار فيه على المتيقن، وهو غير صورة الشرط المذكور، لانصراف الموثق عنه.

فلاحظ.

والله سبحانه وتعالى العالم.

(433) (433)

الفصل الثالث عشر / في بيع الحيوان

اشارة

(مسألة 1): يجوز استرقاق الكافر الأصلي (1) إذا لم يكن معتصماً


(1) بلا خلاف، كما في الجواهر.

ويظهر بسبر كلماتهم المفروغية عنه.

وكفى بذلك دليلاً في مثل هذه المسألة الشائعة الابتلاء من صدر الإسلام إلى عصورنا القريبة.

مضافاً إلى دلالة النصوص عليه في الجملة.

كصحيح رفاعة النخاس: «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إن الروم يغزون على الصقالبة والروم فيسرقون أولادهم من الجواري والغلمان، فيعمدون إلى الغلمان فيخصونهم، ثم يبعثون بهم إلى بغداد إلى التجار، فما ترى في شرائهم، ونحن نعلم أنهم قد سرقوا، وإنما أغاروا عليهم من غير حرب كانت بينهم‌؟ قال: لا بأس بشرائهم.

إنما أخرجوهم من الشرك إلى دار الإسلام»(1).

وحديث زكريا بن آدم عن الإمام الرضا (عليه السلام) وفيه: «وسألته عن سبي الديلم يسرق بعضهم من بعض، ويغير المسلمون عليهم بلا إمام، أيحل شراؤهم‌؟ قال: إذا أقروا لهم بالعبودية فلا بأس بشرائهم»(2).

ونحوه معتبر المرزبان بن عمران(3).

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 2 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1، 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 50 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه حديث: 2.

وصحيح العيص: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوم مجوس خرجوا على ناس من المسلمين في أرض الإسلام هل يحلّ قتالهم‌؟ قال: نعم وسبيهم»(1).

وغيرها.

هذا وقوله (عليه السلام) في صحيح رفاعة: «إنما أخرجوهم من الشرك إلى دار الإسلام» غير ظاهر في التعليل الذي يدور الحكم مداره وجوداً أو عدماً، ليقصر الحكم عما إذا كان الكافر في بلاد الإسلام أو لم يخرجه الآخذ عن دار الكفر، ويكون مقتضاه أنه لا يملك بالحيازة والاستيلاء إلا بعد وصوله إلى دار الإسلام.

بل المتيقن ورود ذلك لبيان أن الحكم المذكور سبب لخيره وتقريب وسائل الهداية له.

نعم حديثا زكريا والمرزبان ظاهران في توقف جواز الشراء على إقرار المبيع للبائع بالعبودية، وعدم كفاية استيلائه عليه وقهره له، بحيث يكون تحت يده.

لكنه راجع إلى مقام الإثبات من دون أن ينافي حصول الملك بالقهر والاستيلاء ثبوتاً، فيخرج عن محل الكلام.

وربما يأتي الكلام في ذلك.

هذا وظاهر النصوص المتقدمة أن الملك والاسترقاق لا يحصل بمجرد وضع اليد، بل بالقهر والاستيلاء، لأن ذلك هو الظاهر من السرقة والمعهود في الغزو اللذين تضمنتهما النصوص.

وهو الظاهر من السبي في كلام غير واحد.

بل الظاهر المفروغية عن ذلك.

وهو المتعين بعد كونه المتيقن من أدلة المقام وهي الإجماع والنصوص حيث يتعين الرجوع في غيره لاستصحاب عدم حصول الملك.

ثم إنه ورد في بعض النصوص أن المشركين في أنفسهم مماليك(2).

ولو تم العمل بظاهره من كونهم فعلاً مماليك، ولم يحمل على أنه قابل لأن يملك، فهو إنما يدل على كونهم مماليك لعموم المسلمين، ولا ينافي توقف اختصاص شخص المسلم بملكه على استيلائه عليه.

(1) وسائل الشيعة ج: 11 باب: 50 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه حديث: 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 7 من أبواب الربا حديث: 3.

(435)

الكلام في شروط الاسرقاق

بعهد (1) أو ذمام (2) سواء أكان في دار الحرب أم في دار الإسلام (3)،


(1) بلا خلاف، كما في الجواهر.

ويناسبه التقييد في كلام بعضهم بالحربي.

بل يظهر منهم المفروغية عنه.

لمنافاته للعهد المفروض إمضاؤه.

ولخروجه عن المتيقن من دليل الاسترقاق.

هذا ولا يبعد الاكتفاء بالعهد الشخصي، كما لو أذن أولياء أمور المسلمين ممن ثبت إمضاء تصرفهم للكافر في دخول بلاد الإسلام على أن لا يهاج ولا يعتدى عليه ولا يستملك.

بل لا يبعد ذلك في الدول الكافرة، حيث كانت هي طرف التعاهد والتعاقد مع المسلمين قديماً.

وحينئذٍ يجري ذلك في عصورنا، كما لو أخذ عدم استملاك الأفراد شرطاً من قبل الدول الكافرة في فسح المجال لدخول أفراد المسلمين لبلادها، أو التجنس بجنسيتها أو نحو ذلك.

ومنه ما إذا اشترط العمل بقانون البلاد وعدم الخروج عنه.

(2) الكلام فيه هو الكلام في سابقه.

مضافاً إلى ما في ذيل حديث زكريا بن آدم المتقدم: «وسألته عن أهل الذمة أصابهم جوع فأتاه رجل بولده، فقال: هذا لك أطعمه وهو لك عبد.

فقال: لا تبتع حراً، فإنه لا يصلح لك، ولا من أهل الذمة»(1).

فإن الجواب فيه وإن تضمن النهي عن الابتياع، إلا أن السؤال لم يتضمن ذلك، بل مجرد دفع الولد للعجز عن نفقته.

ومن هنا لا يبعد أن يستفاد منه التلازم في المقام بين عدم جواز الابتياع وعدم جواز الاسترقاق.

ولا أقل من استفادة ذلك بضميمة ظهور المفروغية عن عدم الفصل بين الأمرين.

فلاحظ.

(3) كما هو مقتضى إطلاق الأصحاب.

وقد وردت النصوص بالأمرين، وقد تقدم بعضها.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1.

وسواء أكان بالقهر والغلبة أم بالسرقة أم بالغيلة (1).

ويسري الرق في أعقابه (2) وإن كان قد أسلم (3).

(1) تقدم آنفاً أنه لابد في الاسترقاق والتملك من قهر المملوك والاستيلاء عليه.

ومن هنا لا يبعد أن يكون مراد سيدنا المصنف (قده) من التقسيم بيان مناشئ الاستيلاء المذكور، وأنه تارة: يكون بمواجهة وقهر في حرب أو نحوها.

وأخرى: بسرقته من أهله من دون مقاومة منه ولا منهم.

وثالثة: يكون بخديعته واستدراجه حتى يقع تحت السيطرة، فإن الخديعة من معاني الغيلة.

(2) بلا خلاف كما في الجواهر.

ويظهر منهم المفروغية عنه، تبعاً للسيرة المستمرة التي هي أقوى من قاعدة تبعية النماء للأصل في الملك التي قد استدل بها في المقام، لعدم العموم أو الإطلاق لدليل القاعدة المذكورة، بل هي من القواعد العقلائية، وعموم حكم النماء فيها لولد الإنسان الذي هو بطبعه حرّ لا يخلو عن غموض.

وليس هو كالحيوان من شأنه أن يملك، ويكون بنظرهم نماء للأم تابعاً لها.

نعم يمكن استفادته من النصوص المتضمنة لتبعيته للحر من أبويه(1) ، لظهورها في المفروغية عن رقيته مع رقبة أبويه معاً.

بل هو مقتضى المفهوم في صحيح ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سألته عن الرجل الحر يتزوج بأمة قوم، الولد مماليك أو أحرار؟ قال: إذا كا أحد أبويه حراً فالولد أحرار»(2).

مضافاً إلى النصوص الكثيرة في الموارد المتفرقة.

(3) بلا خلاف كما في الجواهر.

ويظهر منهم المفروغية عنه.

وهو المقطوع به من السيرة، وتشهد به في الجملة النصوص الواردة في عتق العبد الصالح(3) ، والمؤمن(4) ،

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 14 باب: 30 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

(2) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 30 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 5.

(3) راجع وسائل الشيعة ج: 16 باب: 28 من أبواب كتاب العتق.

(4) راجع وسائل الشيعة ج: 16 باب: 33 من أبواب كتاب العتق.

أما المرتد الفطري والملي فلا يجوز استرقاقهما على الأقوى (1).

ولو قهر


ومنها ما ورد في الكفارة من الآيات والنصوص الكثيرة.

(1) كما صرح به غير واحد، وهو مقتضى التقييد في الشرائع والقواعد والتذكرة وغيرها الكفر بالأصلي.

وفي الجواهر: «لأصالة الحرية بعد اختصاص الفتاوى والنصوص ولم بحكم التبادر في غيره».

لكن لو سلم اختصاص النصوص بالكافر الأصلي، إلا أن التعدي لغيره بإلغاء خصوصيته قريب جداً بعد كون المتبادر منها سقوط حرمته، لعدم الإسلام العاصم له.

ووجوب قتل المرتد الأصلي لا ينافي جواز استرقاقه قبله.

نعم لو جاز تملكه لبقي رقاً حتى بعد توبته، ولو كان البناء على ذلك لظهر، لكونه مورداً للعمل.

بل ورد في التاريخ أن معقل بن قيس لما أرسله أمير المؤمنين (عليه السلام) لقتال الخريت الخارجي وقتله، وأسر جماعته وفيهم مرتدين ونصارى قد نقضوا العهد، عرض على المرتدين الإسلام فمن أسلم أطلقه، وقتل رجلاً منهم لم يسلم، ولم يسترق إلا النصارى، فاشتراهم مصقلة بن هبيرة وأعتقهم ودفع بعض المال، ولما طولب بالباقي هرب إلى معاوية(1) ، في قضية مشهورة.

بل قد يقال: إن وجوب قتل المرتد الفطري وإن لم يناف جواز استرقاقه، إلا أنه قد يستفاد من أدلة وجوب قتله وبقية أحكامه المذكورة هو أن ذلك تمام ما يترتب على الارتداد الفطري من الأحكام، ولا يوجب ذلك استرقاقه زائداً على ذلك، كما لم يوجب الارتداد الملي ذلك زائداً على أحكامه التي تضمنتها أدلته.

لكن في معتبر أبي الطفيل: «أن بني ناجية قوماً كانوا يسكنون الأسياف، وكانوا قوماً يدعون في قريش نسباً وكانوا نصارى، فأسلموا ثم رجعوا عن الإسلام فبعث أمير المؤمنين (عليه السلام) معقل بن قيس التميمي، فخرجنا معه.

فلما انتهينا إلى القوم جعل

(1) الكامل في التاريخ ج: 3 ص: 369.

حربي حربياً آخر فباعه ملكه المشتري (1) وإن كان أخاه أو زوجته أو ممن ينعتق عليه، كأبيه وأمه.

وفي كونه بيعاً حقيقة وتجري عليه أحكامه إشكال وإن كان أقرب (2).

بيننا وبينه أمارة.

فقال: إذا وضعت يدي على رأسي فضعوا فيهم السلاح.

فأتاهم فقال: ما أنتم عليه‌؟ فخرجت طائفة فقالوا: نحن نصارى [فأسلمنا] لا نعلم ديناً خيراً من ديننا فنحن عليه.

وقالت طائفة: نحن كنا نصارى، ثم أسلمنا، ثم عرفنا أنه لا خير عن الدين الذي كنا عليه، فرجعنا إليه.

فدعاهم إلى الإسلام ثلاث مرات، فأبوا.

فوضع يده على رأسه.

قال: فقتل مقاتليهم وسبى ذراريهم.

قال: فأتى بهم علياً (عليه السلام) فاشتراهم مصقلة بن هبيرة بمائة ألف درهم فأعتقهم، ثم حمل إلى علي عليه الصلاة والسلام خمسين ألفاً، فأبى أن يقبلها.

قال: فخرج بها فدفنها في داره، ولحق بمعاوية.

قال: فخرب أمير المؤمنين (عليه السلام) داره، وأجاز عتقهم»(1).

ونحوه مختصراً في تاريخ اليعقوبي(2).

وهو صريح في استرقاق المرتد الملي.

ولا يناسب ما ذكره الأصحاب.

ومن ثم يشكل الحال حتى في المرتد الفطري، حيث لا شاهد حينئذٍ على كون قتله وعدم قبول توبته تمام آثار الارتداد، بحيث لا يوجب سقوط حرمته وجواز استرقاقه زائداً على ذلك.

فلاحظ.

(1) كما هو مقتضى إطلاق الشرائع وغيره وصريح العلامة وغيره، وفي شرح القواعد لكاشف الغطاء دعوى الإجماع بقسميه عليه.

والظاهر المفروغية عنه بينهم تبعاً للسيرة.

وتشهد به في الجملة النصوص المتقدمة.

(2) كما هو مقتضى إطلاق بعض النصوص المتقدمة في الاسترقاق بالقهر،

(1) وسائل الشيعة ج: 18 باب: 3 من أبواب حد المرتد حديث: 6.

(2) تاريخ اليعقوبي ج: 2 ص: 181-182. طبع النجف الأشرف.

الشامل لما إذا كان المقهور ممن ينعتق على القاهر، وهي قد تضمنت التعبير بالبيع والشراء.

لكن قد يرفع اليد عنه بإطلاق نصوص انعتاق الأقارب، الشامل لما إذا كانا معاً كافرين، ومع عدم تملكه لابد من كون بيعه صورياً، لا حقيقياً.

ودعوى: أن النصوص المذكورة لا تمنع من حصول الملك بأسبابه، وإلا لم يحصل العتق تبعاً لحصول سبب الملك من البيع والميراث ونحوهما، وإنما يقتضي ارتفاع الملك بعد حصوله بأسبابه، فلا مانع في المقام من تملك القاهر للمقهور بالقهر ثم انعتاقه عليه ثم تملكه له باستمرار القهر ثم انعتاقه عليه، وهكذا حتى يحصل البيع.

مدفوعة بأن اعتبار الملكية آناً ما للرق بحصول سببها لا يلغو عرفاً بلحاظ ترتب الانعتاق عليه.

أما حصول الملكية على الحر بالقهر بهذا النحو فهو لاغٍ عرفاً.

وبعبارة أخرى: المستفاد عرفاً من النصوص المذكورة أن القرابة كما تمنع من بقاء الملك بعد حصوله تبعاً لسببه تمنع من حدوث الملك للحرّ بحصول سببه.

وحينئذٍ يتعين إما البناء على تقييد إطلاق نصوص انعتاق الأقارب في المقام، أو على عدم كون البيع حقيقياً، بل هو صوري بلحاظ ترتب الملك عليه تعبداً.

وتحقيق أحد الأمرين ليس مهماً بعد عدم ترتب أثر مهم عليه.

ولاسيما مع عدم الابتلاء بالمسألة في عصورنا.

هذا وفي خبر عبد الله اللحام: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يشتري من رجل من أهل الشرك ابنته فيتخذها.

قال: لا بأس»(1) ، وفي خبره الآخر: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يشتري امرأة رجل من أهل الشرك يتخذها.

فقال: لا بأس»(2).

ويظهر مما تقدم في خبر زكريا بن آدم جواز شراء الولد من غير أهل الذمة.

لكن لا يظهر من النصوص المذكورة تملك الحربي قبل بيعه لما يبيعه بالقهر

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 3 من أبواب بيع الحيوان حديث: 2، 3.

عدم ملك بعض المحارم

(مسألة 2): يصح أن يملك الرجل كل أحد (1) غير الأب والأم والجد (2) وإن علا، لأب كان أو لأم، والولد وإن نزل ذكراً كان أو أنثى، والمحارم.

وهي الأخت والعمة والخالة وإن علون (3)، وبنات الأخ وبنات الأخت وإن نزلن (4).

والاستيلاء، بل مجرد بيعه له لقدرته على تسليمه.

وحينئذٍ يتعين حمله على كون البيع صورياً، ولا يملك المبيع إلا باستيلاء المشتري بعد البيع.

ويترتب على ذلك أنه لو امتنع المبيع على البائع بعد البيع، ثم أسلم قبل أن يستولي عليه المشتري، امتنع تملك المشتري له، بخلاف ما إذا كان قد ملكه البائع بالاستيلاء والقهر ثم باعه.

فلاحظ.

(1) بلا خلاف ظاهر، بل في الخلاف وعن غيره الإجماع عليه.

بل الظاهر مفروغيتهم عنه.

ويقتضي حدوث التملك له عموم أدلة سببية أسباب التملك بعد فرض قابليته في نفسه للتملك، كما يقتضي بقاء ملكيته له بعد حصولها بأسبابها الاستصحاب.

وإن كان الأمر أظهر من ذلك بلحاظ ما سبق.

(2) كان المناسب ذكر الجدة هنا أو في المحارم.

(3) كعمة وخالة الأب أو الأم أو الجد أو الجدة، دون عمة العمة أو خالة الخالة أو نحوهما، إذ قد لا يكن من المحارم.

(4) قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه نصاً وفتوى.

إذ اقتصار البعض على ذكر البعض ليس خلافاً في المقام قطعاً، كما لا يخفى على من لاحظ.

بل الإجماع بقسميه على ذلك».

ويقتضيه المروي بأسانيد فيها الصحيح والموثق عن أبي بصير وأبي العباس وعبيد كلهم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمته أو خالته أو بنت أخيه أو بنت أخته، وذكر أهل هذه الآية من النساء عتقوا جميعاً.

ويملك

(441)

عمه وابن أخيه وابن أخته والخال.

ولا يملك أمه من الرضاعة ولا أخته ولا عمته ولا خالته.

إذا ملكن عتقن.

وقال: ما يحرم من النسب فإنه يحرم من الرضاع.

وقال: لا يملك الذكور ما خلا والداً أو ولداً.

ولا يملك من النساء ذات رحم محرم.

قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك‌؟ قال: نعم يجري في الرضاع مثل ذلك»(1).

ورواه الشيخ والصدوق في الموثق عن أبي بصير وزاد في آخره: «وقال: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب(2)».

وهناك نصوص أخر قد يأتي الكلام فيها.

والتعميم فيه لمن علا من الآباء ومن نزل من الأبناء إن لم يفهم من الوالدين اللذين قد يظهران في المباشرين بإلغاء خصوصيتهما عرفاً، فلا أقل من استفادته من قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «ما خلا والداً أو ولداً» لصدق الوالد والولد على الجميع.

ولاسيما مع استفادة العموم في النساء لمن علا من ذكر من في الآية المقتصر فيها على الأم والبنت والأخت وبنتها وبنت الأخ والعمة والخالة مع المفروغية عن إرادة العموم فيها لمن علا ونزل، حيث يناسب ذكر إرادة العموم في الباقي.

ومن هنا كان الظاهر المفروغية عن العموم من هذه الجهة.

هذا وقد اقتصر في المقنعة على الأبوين والولد والأخت والعمة والخالة مع تصريحه بجواز تملك من عدا ذلك.

وإذا أمكن حمل كلامه ككلام غيره على الأبوين والعمة والخالة وإن علوا والولد وإن نزل، فلا إشكال في عدم ذكره لبنتي الأخ والأخت، بل مقتضى ذيل كلامه جواز تملكها.

ولم يتضح الوجه فيه بعد ما تقدم من النصوص، فإنه وإن أهمل في بعض النصوص ذكرهما، إلا أنه قد أهمل في بعضها أيضاً بعض من ذكره، كالأخت والولد.

ولم أعثر على نص يقتصر فيه على تمام ما ذكره.

مع أنه إن بنى على حمل النصوص على الحصر لزم الاقتصار على ما أجمعت عليه، وحمل ما انفرد به بعضها على الكراهة، وليس مما أجمعت عليه الولد ولا الأخت لعدم ذكرهما في بعض النصوص.

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 4 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1، 2.

ففي صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر الأول (عليه السلام): «قال: إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو خالته أو عمته عتقوا.

ويملك...»(1).

وفي صحيحه الآخر عنه (عليه السلام): «قال: لا يملك الرجل والده ولا والدته ولا عمته ولا خالته.

ويملك أخاه وغيره من ذوي قرابته من الرجال»(2).

وفي موثق عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: إذا ملك الرجل والديه أو أخته أو عمته أو خالته عتقوا.

ويملك...»(3).

ونحوها غيرها.

وإن لم تحمل على الحصر لزم الأخذ بما تضمن الأكثر، مثل ما تقدم.

وهو المتعين.

ولعله لذا سبق من الجواهر حمل كلام من اقتصر على بعض ما تقدم على عدم كونه مخالفاً فيه.

فلاحظ.

هذا وفي معتبر سدير: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل يجزي الولد أباه‌؟ قال: ليس له جزاء إلا في خصلتين: أن يكون الوالد مملوكاً فيشتريه ابنه فيعتقه، أو يكون عليه دين فيقضيه عنه»(4).

ونحوه خبر سالم الحناط إن لم يكن عينه(5).

وظاهرهما بدواً استقرار ملك الولد للوالد، وأن انعتاقه يستند لعتقه له.

لكنهما محمولان بقرينة ما سبق على انعتاقه بنفس الشراء، ونسبة العتق فيه للولد بلحاظ فعله لسببه الشرعي وهو الشراء، لا بلحاظ إيقاعه له بعده، كما هو ظاهره بدواً.

بقي شيء.

وهو أن النصوص في المقام تختلف في بيان الحكم المذكور، حيث تضمن بعضها عدم ملك المذكورين، وتضمن جملة منها أنهم إذا ملكوا أعتقوا.

والظاهر أن تنزيل الأول على الثاني بحمله على عدم استقرار الملك أقرب عرفاً من حمل الثاني على الأول بحمله على إرادة حصول أسباب الملك من الشراء أو الميراث أو غيرهما من دون أن يترتب عليها الملك.

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 7 من أبواب كتاب العتق حديث: 1، 2، 4.

(4) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 106 من أبواب أحكام الأولاد حديث: 5.

(5) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 30 من أبواب الدين حديث: 2.

ولا فرق في المذكورين بين النسبيين والرضاعيين (1).

وإذا وجد السبب


ولاسيما أن الملك قد يكون مقوماً للسبب، كالبيع المتقوم بالمعاوضة وتملك المشتري للمبيع والبائع للثمن، والهبة المتقومة بتملك الموهوب له للموهوب.

فالبناء على عدم حصول الملك رأساً مستلزم إما لعدم قصد السبب بحقيقته، أو لتخلف الأمر الواقع للمقصود.

والثاني بعيد جداً.

كما لا مجال للبناء على الأول، حيث لا ريب في ترتب الأثر مع قصد السبب.

ولاسيما أن القريب قد يكون جزءاً من المبيع أو الموهوب لبيعه أو هبته مع غيره في صفقة واحدة.

ومن هنا يتعين البناء على حصول الملك في رتبة متأخرة عن حصول سببه سابقة على الانعتاق.

وقد سبق أن اعتبار الملكية بالنحو المذكور مقبول عرفاً بلحاظ ترتب الأثر المذكور، ولا يكون لاغياً.

(1) كما في النهاية والتهذيبين والخلاف والوسيلة وكشف الرموز والجامع والتذكرة والمختلف والتحرير والدروس واللمعتين وجامع المقاصد وغيرها.

وفي بيع الشرائع أنه الأشهر، وفي عتقه وعتق النافع أنه الأشهر رواية.

وقد يظهر من اقتصاره على ذلك تردده فيه، كما هو ظاهر القواعد والإرشاد.

بل صرح بعدم سريان المانعية من التملك بالرضاع في المقنعة والمراسم والسرائر وهو ظاهر الغنية، كما حكي عن ابن أبي عقيل وابن الجنيد وأبي الصلاح.

وفي السرائر أنه قول المحصلين من أصحابنا.

هذا ومقتضى جملة من النصوص هو إلحاق الرضاع بالنسب، مثل ما تقدم، وموثق عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: لا يملك الرجل أخاه من النسب، ويملك ابن أخيه، ويملك أخاه من الرضاعة.

قال: وسمعته يقول: لا يملك ذات محرم من النساء، ولا يملك أبويه ولا ولده.

وقال: إذا ملك والديه أو أخته أو عمته أو خالته أو بنت أخيه، وذكر أهل هذه الآية من النساء أعتقوا.

ويملك ابن أخيه

وخاله.

ولا يملك أمه من الرضاعة(1)»، وقوله (عليه السلام) في صحيحه: «ولا يملك أمه من الرضاعة»(2).

.

.

إلى غير ذلك.

ولا إشكال في نهوضها بالخروج عما تقتضيه القاعدة من جواز التملك من الرضاع.

نعم في معتبر عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: إذا اشترى الرجل أباه وأخاه فملكه فهو حر، إلا ما كان من قبل الرضاع»(3) ، وفي موثق الحلبي عنه (عليه السلام): «في بيع الأم من الرضاعة.

قال: لا بأس بذلك إذا احتاج»(4).

ومقتضاهما عدم الانعتاق بعلقة الرضاع.

وأما ما في التهذيبين من احتمال حمل الحديثين على ما إذا لم يبلغ الرضاع الحد المحرم.

فهو من أبعد البعيد، لعدم صدق عنوان الأب والأخ والأم معه، والمفروض فيهما صدقه.

ومثله ما فيهما من حمل (إلا) في الأول على معنى الواو، وحمل تحليل البيع في الثاني على تحليله لأبي المرتضع إذا ملك المرضعة لا للمرتضع نفسه، فيكون وارداً لبيان أن حكم أم الولد يختص بأمومتها بالولادة، دون أمومتها بالرضاع.

إذ فيه: أن استعمال (إلا) بمعنى الواو لم يثبت، وإنما ادعاه بعض النحويين في بعض الاستعمالات، وأنكره عليهم آخرون، وأولوها في تلك الاستعمالات بوجه آخر، كما يظهر بمراجعة مغني اللبيب ومجمع البيان في تفسير قوله تعالى: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ) (5) وغيره.

ولا يسعنا إطالة الكلام في ذلك بعد عدم الإشكال في عدم كون ذلك مألوفاً، بل هو غير مقبول عرفاً، بحيث يحمل عليه الخبر.

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 7 من أبواب كتاب العتق حديث: 7.

(2) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 7 من أبواب كتاب العتق حديث: 5.

(3) تهذيب الأحكام ج: 8

ص: 245 رقم الحديث: 885.

(4) تهذيب الأحكام ج: 8

ص: 245 رقم الحديث: 886.

(5) سورة البقرة الآية: 150.

كما أن حمل جواز البيع في الثاني على جوازه لأبي المرتضع لا للمرتضع نفسه بعيد جداً، حيث يفهم مع عدم التعرض فيه لمن يحل له البيع إرادة الولد نفسه الذي هو طرف إضافة الأمومة المصرح بها في الحديث، وهو المطرد في نظائر الاستعمال المذكور، كقولنا: تكرم الأم، ويواسى الأخ، ويستشار العم.

.

.

إلى غير ذلك.

وكأن الملزم له (قده) بذلك هو البناء على استحكام التعارض بين الحديثين والنصوص الأول، فلا تنهض بمعارضتها.

قال: «لأنها أكثر عدداً وأشد موافقة بعضها لبعض، فلا يجوز ترك تلك والعمل بهذه.

.

.

».

فيكون ذكر الاحتمالات المتقدمة في الحديثين تجنباً لطرحهما، كما هو دأبه عند الاضطرار لترك العمل بالنصوص.

لكن الظاهر عدم استحكام التعارض بين الطائفتين، وأن الأقرب عرفاً الجمع بينهما بحمل النصوص الأول على كراهة إبقاء الاسترقاق، أو استحباب العتق بسبب الرضاع.

كما قد يناسبه صحيح الحلبي وابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في امرأة أرضعت ابن جاريتها.

قال: تعتقه»(1) فإن حمله على الأمر بعتقه استحباباً أقرب بكثير من حمله على الانعتاق القهري.

وقريب منه معتبر عبد الرحمن بن أبي عبد الله بل صحيحه: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يتخذ أباه أو أمه أو أخاه أو أخته عبيداًً.

قال: أما الأخت فقد عتقت حين يملكها، وأما الأخ فيسترقه، وأما الأبوان فقد عتقا حين يملكهما.

قال: وسألته عن المرأة ترضع عبدها أتتخذه عبداً؟ قال: تعتقه وهي كارهة»(2).

فإن حمله على الاستحباب المؤكد للعتق أهون من حمله على الانعتاق القهري.

ولاسيما مع اختلاف التعبير بين الصدر والذيل.

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 8 من أبواب كتاب العتق حديث: 1.

(2) الكافي ج: 6 ص: 178. تهذيب الأحكام ج: 8 ص: 240. الاستبصار ج: 4 ص: 14. أورد صدره في وسائل الشيعة ج: 16 باب: 7 من أبواب كتاب العتق حديث: 6 وذيله في باب: 8 من أبواب كتاب العتق حديث: 2.

عدم ملك بعض المحارم

المملك اختيارياً كان - كالشراء - أو قهرياً - كالإرث - (1) انعتق قهراً.

ولو ملك أحد الزوجين صاحبه ولو بعضاً منه استقر الملك (2)، وبطل


هذا وقد تحمل الطائفة الثانية على التقية، لما حكاه في الخلاف من ذهاب جميع فقهاء العامة إلى عدم الانعتاق مع الرضاع.

وربما يؤيد بموثق عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) (عليه السلام): «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن امرأة ترضع غلاماً لها من مملوكة حتى تفطمه، يحل لها بيعه‌؟ قال: لا، حرم عليها ثمنه.

أليس قد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب‌؟ أليس قد صار ابنها؟! فذهبت أكتبه.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ليس مثل هذا يكتب»(1).

بدعوى: أن النهي عن كتابته يناسب منافاته للتقية.

لكن من المعلوم أن الحمل على التقية إنما يكون مع تعذر الجمع العرفي، وقد سبق إمكانه.

والموثق لا يخلو عن غموض، لما هو المعلوم من سيرة الرواة من أصحابهم (عليهم السلام) على كتابة أحاديثهم حتى ما خالف منها التقية.

ولاسيما أنه لم يتضمن النهي عن كتابة الحديث المذكور، بل أنه ليس من شأنه أن يكتب.

ولعله بلحاظ أن مضمونه من الظهور والوضوح بحيث ليس من شأنه أن ينسى ليكتب.

ومن هنا كان الأنسب هو الجمع بين الطائفتين بحمل الأولى على استحباب العتق.

اللهم إلا أن يدعى أن ذلك لا يناسب مساق النصوص، لسوق كثير منها علقة الرضاع مساق علقة النسب، والتنبيه في جملة منها لكبرى أن ما يحرم من الرضاع يحرم من النسب، بنحو يناسب تحريم البيع أو امتناع الاسترقاق بحكم الشارع قهراً على المكلف كتحريم النكاح.

فالأمر في غاية الإشكال.

والله سبحانه وتعالى العالم.

(1) بلا إشكال ظاهر لأطلاق النصوص المتقدمة وغيرها، وصراحة بعضها في كل من القسمين.

(2) الظاهر مفروغيتهم عنه، كما يظهر مما يأتي.

والوجه فيه مضافاً إلى

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 8 من أبواب كتاب العتق حديث: 3.

النكاح (1).

القاعدة النصوص الآتية.

نعم في خبر أبي حمزة: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ما تملك من قرابتها؟ فقال: كل أحد إلا خمسة: أبوها وأمها وابنها وابنتها وزوجها»(1).

وظاهره خصوصاً بضميمة السياق عدم استقرار ملكها للزوج.

لكن لابد من حمله على مجرد منافاة الزوجية للملك، بحيث لا يجتمعان مستقرين ولو ببطلان الزوجية، لما يأتي.

(1) إجماعاً بقسميه، كما في الجواهر.

والنصوص به في الجملة مستفيضة، كصحيح إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال في امرأة لها زوج مملوك، فمات مولاه فورثته.

قال: ليس بينهما نكاح»(2).

وموثق عبيد بن زرارة عنه (عليه السلام): «في امرأة لها زوج مملوك فورثته فأعتقته، هل يكونان على نكاحهما الأول‌؟ قال: لا، ولكن يجددان نكاحاً آخر»(3).

وصحيح عبد الله بن سنان: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في رجل زوج أم ولد له مملوكه، ثم مات الرجل فورثه ابنه، فصار له نصيب في زوج أمه، ثم مات الولد أترثه أمه‌؟ قال: نعم.

قلت: فإذا ورثته كيف تصنع وهو زوجها؟ قال: تفارقه، وليس له عليها سبيل [وهو عبدها]»(4).

.

.

إلى غير ذلك مما ورد في ملكية المرأة لزوجها.

ومن الأخير يظهر العموم لما إذا ملكت بعضه.

نعم النصوص المذكورة واردة في ملكية الزوجة لزوجها، دون العكس.

ويبدو منهم المفروغية عن عدم الفرق.

وقد يستدل له مضافاً إلى ذلك بما في الجواهر من أن ظاهر التفصيل في أسباب

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 9 من أبواب كتاب العتق حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 49 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 4.

(3) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 50 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1.

(4) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 49 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1.

ويكره أن يملك غير هؤلاء من ذوي قرابته (1)، كالأخ والعم والخال


حل الاستمتاع في الكتاب والسنة بين الزوجية وملك اليمين عدم الشركة بينهما، وحيث لا إشكال في تأثير أسباب التمليك تعين بطلان الزواج.

وفيه: أنه لم يتضح الوجه في ظهور التفصيل في السبب في عدم الشركة، بحيث لا يمكن اجتماع السببين في شخص واحد.

نعم قد يتجه ذلك في التقسيم، كما لو قال: هؤلاء النساء قسمان زوجات وإماء، لظهوره في تباين القسمين، ولا كذلك في الأسباب، لإمكان اجتماع السببين، وتأكد المسبب إن كان قابلاً للتأكد، وإلا استند للأسبق.

ومجرد اختلاف الأحكام كوجوب القسمة في النكاح وعدمه في ملك اليمين لا يكفي في التنافي، بل يتعين جريان أحكام التزاحم في نفس الأحكام.

ولعل الأولى الاستدلال بموثق سماعة: «سألته عن رجلين بينهما أمة فزوجاها من رجل، ثم إن الرجل اشترى بعض السهمين.

فقال: حرمت عليه»(1).

وفي موثقه الآخر: «حرمت عليه باشترائه إياها.

وذلك أن بيعها طلاقها.

إلا أن يشتريها من جميعهم».

وفي طريقه الآخر: «إلا أن يشتريها جميعاً»(2) ، حيث لا منشأ لتحريمها بمجرد الشراء إلا بطلان النكاح، كما صرح به في الثاني.

ولا ينافي ذلك الحكم فيه بالحل مع شرائها بتمامها، حيث تحل حينئذٍ بملك اليمين.

ولاسيما مع عمومه لما إذا كان شراؤها بتمامها تدريجياً، حيث لا يحتمل عود النكاح بعد بطلانه بشراء البعض.

نعم هو مختص بشراء البعض، ولا يشمل شراء الكل دفعة واحدة.

لكن يستفاد منه العموم بإلغاء خصوصية مورده، أو بالأولوية العرفية.

(1) كما في النهاية والاستبصار والشرائع والنافع والتذكرة والقواعد وغيرها.

ومرادهم كراهة إبقائهم في ملكه وإجراء أحكام الملك عليهم من البيع وغيره عدا

(1و2) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 46 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1، 2.

العتق، بل يبادر لعتقهم.

ويقتضيه في الجملة قوله (عليه السلام) في معتبر ابن سنان المتقدم: «إذا اشترى الرجل أباه وأخاه فملكه فهو حر...»(1) ، وقوله (عليه السلام) في موثق عبيد بن زرارة المتقدم أيضاً: «لا يملك الرجل أخاه من النسب، ويملك ابن أخيه ويملك أخاه من الرضاعة»(2).

ومعتبر سماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في رجل يملك ذا رحم هل يصلح له أن يبيعه أو يستعبده‌؟ قال: لا يصلح له بيعه ولا يتخذه عبداً، وهو مولاه وأخوه في الدين.

وأيهما مات ورثه صاحبه إلا أن يكون له وارث أقرب إليه منه»(3).

ولابد من حمل الحكم في ذيله بالتوارث بينهما على فرض عتقه له جرياً على ما تضمنه صدره من النهي عن اتخاذه عبداً.

وقد يستدل له أيضاً بموثقه أو صحيحه: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل يملك ذا رحم، يحل له أن يبيعه أو يستعبده‌؟ قال: لا يصلح له أن يبيعه، وهو مولاه وأخوه، فإن مات ورثه دون ولده، وليس له أن يبيعه ولا يستعبده»(4).

لكنه ظاهر في بقاء ملكه له، ولذا يرثه دون ولده.

فلابد من حمل النهي عن استعباده على النهي عن معاملته معاملة العبد في الاستخدام ونحوه، فيكون أجنبياً عن المدعى.

فالعمدة ما قبله.

ويتعين حملها على الكراهة جمعاً مع النصوص المتقدمة المصرح في بعضها بملك الأخ.

هذا وقد صرح في النافع والتذكرة بتأكد الكراهة فيمن يرثه، ونفى في مفتاح الكرامة وجدان الخلاف فيه.

وكأن مرادهم الأقرب الذي يرثه فعلاً لو كان حراً، وإلا فجميع الأقرباء يصلحون للميراث، ويرثون لو فقد الأقرب منهم.

وكأنه لحديث علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام): «سألته عن رجل

(1) تهذيب الأحكام ج: 8

ص: 245 رقم الحديث: 885.

(2) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 7 من أبواب كتاب العتق حديث: 7.

(3و4) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 13 من أبواب كتاب العتق حديث: 5، 1.

وأولادهم.

وتملك المرأة كل أحد غير الأب والأم والجد والجدة والولد وإن نزل (1).

زوج جاريته أخاه أو عمه أو ابن عمه أو ابن أخيه فولدت، ما حال الولد؟ قال: إذا كان الولد يرث من ملكه شيئاً عتق»(1).

وحيث كان من المعلوم عدم ميراث العبد فلابد من حمله على أنه من شأنه أن يرث منه، لعدم وجود من هو أقرب منه إليه.

كما لابد من حمله على استحباب عتقه، لا فعلية انعتاقه بقرينة ما سبق من الإجماع والنصوص على عدم انعتاق غير من سبق.

فلاحظ.

(1) بلا خلاف أجده فيه نصاً وفتوى في المستثنى، كذا في الجواهر.

ويقتضيه - مضافاً إلى ظهور الإجماع الذي يبعد الخطأ فيه في مثل هذا الحكم الشائع الابتلاء - خبر أبي حمزة المتقدم: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة ما تملك من قرابتها؟ فقال: كل أحد إلا خمسة: أبوها وأمها وابنها وابنتها وزوجها»(2).

والخدش في سنده، لعدم ثبوت وثاقة أسد بن أبي العلاء الواقع فيه، غير ضائر بعد ظهور عمل الأصحاب به، بل انحصار دليلهم به في المقام.

مضافاً إلى موثق عبد الله بن سنان المتقدم في حكم الرضاع وغيره مما ورد في الرضاع، لظهوره في المفروغية عن سببية العنوان النسبي للانعتاق.

وقد يستفاد منه عدم ملك الأبوين بالأولوية، لما هو المعلوم من أولوية الآباء من الأبناء بالتكريم بنظر الشارع الأقدس.

هذا ويستفاد مما سبق حكم من علا من الآباء ومن نزل من الأبناء.

ولاسيما بضميمة الإجماع، وما سبق في الرجل، حيث يناسب جداً عدم الفرق من هذه الجهة.

فلاحظ.

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 13 من أبواب كتاب العتق حديث: 2.

(2) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 9 من أبواب كتاب العتق حديث: 1.

(451)

الكلام في عدم ملك الكافر للمسلم

ذكراً كان أو أنثى (1)، نسبيين كانوا أو رضاعيين (2).

(مسألة 3): الكافر لا يملك المسلم ابتداء (3) ولو أسلم عبد الكافر


هذا وقد أضاف في المقنعة للمذكورين الأخ والعم والخال فحكم بعدم ملك المرأة لهم.

ولم يتضح الوجه في ذلك بعد قضاء العمومات بالملك وعدم ورود ما يخرج عن ذلك.

إلا أن يفهم مما سبق في الرجل من عدم ملك المحارم بإلغاء خصوصيته في ذلك.

لكن المعيار في الانعتاق إذا كان هو المحرمية فلا وجه لعدم ذكره ابنتي الأخ والأخت في الرجل كما تقدم وابني الأخ والأخت في المرأة.

مضافاً إلى أن إلغاء خصوصية الرجل والتعدي للمرأة في ذلك غير ظاهر، مع ما هو المعلوم من ابتناء التشريع في كثير من الموارد على تحميل الرجل مزيداً من المسؤولية.

خصوصاً بعد ورود خبر أبي حمزة المتقدم الصريح في الحصر، وظهور العمل به من الأصحاب.

إذ لو فرض عدم ثبوت حجيته عنده فلا أقل من أن يوجب التوقف وعدم الجزم بإلغاء خصوصية الرجل في النصوص السابقة.

فلاحظ.

(1) كما هو مقتضى إطلاق الأصحاب وصريح الخبر المتقدم.

(2) الحال هنا كما تقدم في الرجل نصاً وفتوى.

(3) أما إذا كان المسلم حراً فظاهر، لأن المسلم الحر غير قابل لأن يسترق من قبل المسلم فضلاً عن الكافر.

وأما إذا كان رقاً فملكه إنما يتصور بأسباب الملك الاختيارية كالشراء والاستيهاب أو القهرية كالميراث.

أما الأسباب الاختيارية فيظهر حالها مما ذكروه في البيع من اشتراط كون المشتري مسلماً إذا كان العبد المبيع مسلماً.

وقد صرح به جمهور الأصحاب، وفي الجواهر: «على المشهور بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً».

وفي الغنية الإجماع عليه.

وقد استدل عليه في كلام غير واحد بقوله تعالى: (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ

الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)(1).

لكن نبّه في الحدائق إلى ما في خبر أبي الصلت الهروي عن الإمام الرضا (عليه السلام) في حديث طويل في دفع شبهة من يتمسك بهذه الآية الشريفة لإثبات أن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يقتل، بل ألقي شبهه على من قتل ورفع هو (عليه السلام) إلى السماء، حيث قال (عليه السلام): «وأما قول الله عز وجل: (وَلَن يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً).

فإنه يقول: لن يجعل الله لكافر على مؤمن حجة.

ولقد أخبر الله عز وجل عن كفار قتلوا النبيين بغير الحق، ومع قتلهم إياهم لن يجعل الله لهم على أنبيائه سبيلاً من طريق الحجة»(2).

وذلك هو المناسب للسياق، حيث سيق نفي السبيل تعقيباً على حكم الله تعالى بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة.

وقد أجاب عن ذلك في مفتاح الكرامة بأن ذلك يكفي في الاستدلال بالآية الشريفة على منع البيع، لأن إمضاء البيع شرعاً يكون حجة للكافر من قبل الله تعالى في تملكه للمسلم، وليس هو كالظلم والقتل مما يفعله الكافر بالمسلم من دون حجة من الله تعالى.

وفيه: أن ظاهر الآية الشريفة بلحاظ السياق هو نفي الحجة للكافر في خصومته مع المؤمن وإبطال الحق الذي هو عليه، دون ما يتعلق بالحقوق الثابتة للكافر تبعاً للأدلة الشرعية.

قال الله عز وجل: (إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا * الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن.)(3).

ولذا لا إشكال ظاهراً في جواز مثل بيع الدين المالي الذي في ذمة المسلم على الكافر، مع أنه يوجب نحواً من الحق للكافر على المسلم.

(1) سورة النساء الآية: 141.

(2) عيون أخبار الرضا ج: 2

ص: 204 طبع النجف الأشرف.

(3) سورة النساء الآية: 140-141.

هذا مضافاً إلى أمرين: الأول: أن مقتضى الخبر المتقدم والسياق كون المراد بالكافر المنافق أو ما يعمه والكافر، وليس بناؤهم على ذلك في المقام.

الثاني: أن السبيل لا يكون بمجرد الملكية، بل بالسلطنة، فلو تمت دلالة الآية الشريفة دلت على نفي السلطنة لا على نفي الملكية.

وهو المناسب لما يأتي من أنه لو أسلم عبد الكافر لم يخرج عن ملكه، بل بيع قهراً عليه.

ويأتي بعض الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى.

هذا وقد يستدل أيضاً بما أرسله في الفقيه من قوله (عليه السلام): «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»(1) ء.

وروي مسنداً إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من طرق العامة(2).

بتقريب أن ملكية الكافر للمسلم لا تناسب علو الإسلام وعدم علو الكفر عليه.

لكنه مع ضعفه حيث لا يمكن البناء على عمومه لجميع جهات العلو يتعين إجماله أو الاقتصار فيه على المتيقن من علو الحجة.

ولاسيما مع ما أشرنا إليه ويأتي منهم من أن إسلام الكافر لا يخرجه عن ملك الكافر، بل يجبر على بيعه.

ودعوى: أن المتعين البناء على عمومه لجميع جهات العلو والاقتصار في الخروج عن ذلك على المتيقن، ومنه ما سبق.

مدفوعة بأن لسانه بسبب ارتكازيته آب عن التخصيص، فيتعين كون المراد به ما لا يلزم منه التخصيص المستلزم لإجماله أو الاقتصار فيه على المتيقن، كما سبق.

ولعل الأولى الاستدلال للمدعى مضافاً إلى المرتكزات بما يظهر منهم الاتفاق عليه من أن العبد الكافر إذا أسلم بيع على مسلم.

فإن المستفاد منه عرفاً عدم جواز بيع المسلم ابتداءً على الكافر، لأن شرعية بيعه عليه بنحو الاستقرار ينافي الغرض المطلوب، بل هو وقوع فيما فرّ منه، وبيعه عليه على أن لا يبقى عنده، بل يباع قهراً عليه

(1) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 1 من أبواب موانع الإرث من الكفر والقتل والرق حديث: 11.

(2) فتح الباري ج: 9 ص: 370.

بيع على مسلم وأعطي ثمنه (1).

أيضاً، وهكذا كلما تكرر بيعه على الكافر لغو وعبث عرفاً، نظير ما تقدم عند الكلام في ملكية الكافر من ينعتق عليه بالحيازة والقهر.

وذلك كافٍ في استفادة المدعى من دليل تلك المسألة.

ومنه يظهر وهن ما قيل وإن لم يعرف قائله من جواز بيعه على الكافر، لكن يجبر على بيعه من مسلم.

نعم الظاهر قصور المنع للمرتكزات والوجه المتقدم عن البيع على من ينعتق قهراً عليه، لعدم منافاته للغرض المذكور، بل يتحقق به ما هو الأفضل للمسلم، وهو التحرر والانعتاق.

وبذلك صرح في الشرائع والتذكرة والدروس وغيرها.

خلافاً للمبسوط وغيره تمسكاً بعموم عدم ملك الكافر للمسلم الذي عرفت عدم الدليل عليه.

بل لا يبعد قصور المنع أيضاً عما لو اشترط عليه المبادرة لعتقه، بحيث لا يبقى في ملكه وتحت سلطنته مدة معتد بها، كما قربه في الدروس.

فلاحظ.

وأما ملك الكافر للمسلم بالأسباب القهرية فالمعروف منها الميراث، ولا يتضح تحققه إلا فيما إذا أسلم عبد الكافر ومات مالكه قبل أن يباع قهراً عليه.

والظاهر قصور ما سبق منّا في وجه المنع عن ذلك، بل مقتضى عموم أدلة الميراث انتقاله لوارثه الكافر.

وبه صرح في التذكرة وجامع المقاصد وغيرهما.

وظاهرهم، بل صريح جامع المقاصد أنه اتفاقي.

غاية الأمر أن يجبر على بيعه كالمورث على ما يأتي إن شاء الله تعالى حيث يفهم ذلك من دليله عرفاً، بل هو مقتضى إطلاقه، كما يظهر بملاحظته.

(1) كما صرح به غير واحد وظاهرهم الاتفاق عليه، لعدم تنبيههم للخلاف فيه.

ويشهد به مرفوع محمد بن يحيى عن حماد بن عيسى عن أبي عبد الله (عليه السلام): «أن أمير

المؤمنين (عليه السلام) (عليه السلام) (عليه السلام) أتي بعبد لذمي قد أسلم.

فقال: اذهبوا فبيعوه من المسلمين، وادفعوا ثمنه إلى صاحبه، ولا تقروه عنده»(1).

وحكي عن نوادر أحمد عن أبي جعفر عن أبيه (عليهما السلام): «أن علياً أتي....»(2).

وضعف سنده - لو تم - مجبور بظهور عمل الأصحاب به وتسالمهم على مضمونه.

هذا وفي الإيضاح: «والأقوى عندي أن الكافر إذا أسلم يباع على سيده من مسلم، لأنه قد زال ملك السيد عنه، وبقي له حق استيفاء ثمنه في رقبته، لا بمعنى انه يملكه، لأن الملك سبيل، وهو منفي لعموم الآية.

فهذا البيع بالنسبة إلى الكافر استنقاذ، وإلى المشتري كالبيع».

وهو مبني على نهوض آية نفي السبيل بعدم ملكية الكافر للمسلم.

وقد سبق المنع من ذلك.

مضافاً إلى أمرين: الأول: أن ثبوت حق الكافر في رقبة العبد المسلم بنحو يقتضي استيفاء ثمنه منه من سنخ تملكه له من حيثية جعل السبيل.

الثاني: أنه إن اعتمد في وجوب البيع على الإجماع أو الخبر المتقدم فظاهرهما بقاؤه على ملك الكافر إلى حين البيع، وأن البيع حقيقي في المقام، والغرض منه دفع محذور بقاء المسلم تحت سلطنة الكافر.

وإن لم ينهضا بالحجية عنده في المقام فلا منشأ لثبوت حق الكافر في استيفاء ثمن العبد من رقبته بعد فرض خروجه عن ملكه بمقتضى آية نفي السبيل.

ثم إن المفهوم عرفاً من الخبر أن البيع على خصوص المسلمين من أجل التخلص من محذور بقائه تحت يد الكافر.

وذلك يقتضي جواز بيعه على من ينعتق عليه من الكفار أو بشرط عتقه له، نظير ما سبق في بيع المسلم ابتداء عليهم.

وللأصحاب في المقام فروع لا يسعنا إطالة الكلام فيها.

فلاحظ.

(1) وسائل الشيعة ج: 17 باب: 73 من أبواب كتاب العتق حديث: 1.

(2) النوادر

ص: 62 كما ذكره محقق الوسائل تعقيباً على الحديث المذكور.

(مسألة 4): كل من أقر على نفسه بالعبودية حكم عليه بها (1) مع الشك (2)


(1) بلا خلاف أجده.

كذا في الرياض والجواهر.

لما هو المعلوم من بناء العقلاء على نفوذ إقرار الإنسان على نفسه.

مؤيداً بالمرسل عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «أنه قال: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز»(1).

والآخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا إنكار بعد الإقرار»(2).

ويعضده النصوص الكثيرة الدالة على نفوذ الإقرار في الموارد المتفرقة، حيث يقرب استفادة العموم منها بإلغاء خصوصية مواردها عرفاً.

مضافاً إلى النصوص الدالة على إلزام المقر بالرقية، كصحيح عبد الله بن سنان: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كان علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول: الناس كلهم أحرار، إلا من أقر على نفسه بالعبودية وهو مدرك من عبد أو أمة، ومن شهد عليه بالرق صغيراً كان أو كبيراً»(3) ، وصحيح الفضل: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حرّ أقرّ أنه عبد.

قال: يؤخذ بما أقرّ به»(4) ، وغيرهما.

لكن منع ذلك في السرائر من قبول إقرار اللقيط بالرق إذا كبر ونسبه لمحصلي أصحابنا.

قال: «لأن الشارع حكم عليه بالحرية».

وفيه: أن المناسبات الارتكازية قاضية بأن حكم الشارع الأقدس بحرية اللقيط(5) ظاهري من صغريات أصالة الحرية التي يخرج عنها بالإقرار.

وليس هو حكماً واقعياً راجعاً إلى جعل حرمته ثبوتاً.

ولذا لا إشكال ولا خلاف ظاهراً في الحكم برقيته لو قامت البينة عليها.

(2) كما صرح به غير واحد، بل لا إشكال فيه ظاهراً.

لما هو المعلوم من أن الإقرار من الحجج التي يعول عليها في مقام الإثبات الذي هو فرع الشك، وليس هو

(1و2) مستدرك الوسائل ج: 16 باب: 2 من أبواب كتاب الإقرار حديث: 1، 2.

(3و4) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 29 من أبواب كتاب العتق حديث: 1، 2.

(5) راجع وسائل الشيعة ج: 17 باب: 22 من أبواب كتاب اللقطة.

(457)

الكلام في دعوى العبد الحرية

إذا كان عاقلاً بالغاً (1) مختاراً (2) ولم يكن مشهور الحرية (3).

(مسألة 5): لو اشترى عبداً فادعى الحرية لم يقبل قوله إلا بالبينة (4).

سبباً لتحقق مضمونه ثبوتاً.

(1) فقد ذكروا ذلك في شروط قبول الإقرار.

ولا ينبغي الإشكال فيه لما هو المعلوم من رفع القلم عن الصبي والمجنون.

وقد ذكرنا في فصل شروط المتعاقدين وغيره أن المراد من رفع القلم رفع تبعة العمل وعدم تحمل مسؤولية، وإلزام المقر بالإقرار نحو من تحميله تبعته والمسؤولية من أجله.

مضافاً إلى قصور أدلة نفوذ الإقرار المتقدمة عن غير البالغ.

بل ظاهر التقييد بالإدراك في صحيح عبد الله بن سنان أنه احترازي، فيكون مقتضى مفهومه عدم نفوذ إقرار غير المدرك.

(2) بلا إشكال ظاهر.

لما تضمن رفع الإكراه.

نظير ما تقدم في فصل شروط المتعاقدين من عدم نفوذ عقد المكره.

فراجع.

(3) كما في الشرائع والتحرير.

لكن لا يبعد كون مرادهما ما إذا علم بحريته بسبب الشهرة، فيرجع إلى ما سبق من اشتراط الشك، نظير ما في الرياض من قوله: «ما لم يعلم حريته سابقاً بشياع ونحوه».

نعم لا مجال لذلك في المتن والجواهر، حيث جعل الشك فيهما شرطاً آخر.

ولا يتضح الوجه في ذلك بعد عموم أدلة حجية الإقرار.

بل يصعب حمل صحيح الفضل المتقدم على خصوص من لم يكن مشهور الحرية، لأن فرض السائل حرية المقر وعدم تردده فيها يناسب ظهور حريته بدواً المناسب لاشتهارها جداً.

(4) بلا خلاف، كما في الرياض.

عملاً بمقتضى اليد مع عدم البينة، وعموم حجية البينة المقدم على اليد بلا إشكال.

مضافاً إلى موثقة مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سمعته يقول: كل شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك.

وذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، والمملوك عندك

في استبراء الأمة

(مسألة 6): يجب على مالك الأمة إذا أراد بيعها وقد وطئها أن يستبرئها قبل بيعها (1)


لعله حرّ قد باع نفسه أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك.

والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة»(1).

ويناسبه صحيح العيص بن القاسم عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سألته عن مملوك ادعى أنه حرّ ولم يأت ببينة على ذلك أشتريه‌؟ قال: نعم»(2).

ومعتبر حمزة بن حمران: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أدخل السوق وأريد [أن.

الكافي] أشتري الجارية، فتقول: إني حرّة.

فقال: اشترها إلا أن يكون لها بينة»(3).

(1) كما هو المعروف بين الأصحاب، ونفى الخلاف فيه في الحدائق والرياض، وظاهر الخلاف أو صريحه دعوى الإجماع عليه، وفي السرائر أنه مقتضى الدليل القاطع وأخبار أصحابنا المتواترة وتصانيفهم المجمع عليها.

وربما يظهر من المقنعة في باب ابتياع الحيوان عدم الوجوب، حيث قال: «ينبغي للبائع أن يستبرئ الأمة قبل بيعها».

لكنه قال في باب لحوق الأولاد من كتاب النكاح وما يلحق به: «ولا يجوز لأحد أن يبيع جارية قد وطئها حتى يستبرئها.

.

.

».

ومن ثم يصعب نسبة الخلاف له.

ويقتضيه النصوص، كصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في الرجل يبيع الأمة من رجل.

قال: عليه أن يستبرئ من قبل أن يبيع(4)».

وموثق عمار: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): الاستبراء على الذي يبيع الجارية واجب إن كان يطأها.

وعلى الذي يشتريها الاستبراء أيضاً.

قلت: فيحل له أن يأتيها دون

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 4 من أبواب ما يكتسب به حديث: 4.

(2و3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 5 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1، 2.

(4) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 18 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1.

(459)

بحيضة إن كانت تحيض (1)، وبخمسة وأربعين يوماً من حين الوطء إن


الفرج‌؟ قال: نعم قبل أن يستبرئها»(1) ، وغيرهما مما قد يأتي بعضه.

نعم في خبر علي بن جعفر المحكي عن قرب الإسناد عن أخيه موسى (عليه السلام): «سألته عن الرجل يشتري الجارية فيقع عليها أيصلح بيعها من الغد؟ قال: لا بأس»(2).

لكن ضعف سنده، وظهور إعراض الأصحاب عنه، وتسالمهم على خلافه، تمنع من التعويل عليه والخروج به عن ظاهر النصوص الكثيرة، بحيث تحمل لأجله على الاستحباب.

ولاسيما مع أن الموجود في الطبعة الحجرية من قرب الإسناد: «أيصلح بيعها من الجد؟»(3).

وقد حمل على بيعها على الشيخ الذي يستخدمها ولا يتسراها، وفي طبعة مؤسسة آل البيت لإحياء التراث: «أيصلح أن يبيعها مرابحة‌؟»(4).

وهو الموجود في مسائل علي بن جعفر(5).

فيحمل على بيان أن الانتفاع بها بالاستمتاع لا يمنع من بيعها مرابحة.

فلاحظ.

(1) تحديد الاستبراء بحيضة فيمن تحيض هو المشهور من دون خلاف يعرف، كما في الحدائق ومفتاح الكرامة.

بل في الخلاف دعوى الإجماع عليه.

وهو وإن ذكر أنها تعتد بقرئين، إلا أنه قال: «وروي حيضة بين الطهرين.

والمعنى متقارب»، حيث يظهر من ذلك أن مراده بالقرئين طهري المواقعة من البائع والمشتري، لأنهما هما اللذان تكون بينهما حيضة واحدة.

(1) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 18 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 5.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 10 من أبواب بيع الحيوان حديث: 7.

(3) قرب الإسناد

ص: 113 الطبعة الحجرية.

(4) قرب الإسناد

ص: 264 طبعة مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

(5) مسائل علي بن جعفر ص: 123. طبعة مؤسسة آل البيت لإحياء التراث.

وكيف كان فيقتضيه ما في صحيح الحلبي عنه (عليه السلام): «وسألته عن رجل اشترى جارية وهي حائض.

قال: إذا طهرت فليمسها إن شاء»(1) ، وموثق سماعة: «سألته عن رجل اشترى جارية وهي طامث، أيستبرئ رحمها بحيضة أخرى أو تكفيه هذه الحيضة‌؟ قال: لا، بل تكفيه هذه الحيضة.

فإن استبرأها بحيضة أخرى فلا بأس، هي بمنزلة فضل»(2).

وغيرهما.

لكن في السرائر في باب السراري: «والأظهر الصحيح وجوب الاستبراء بقرئين».

وكأنه لصحيح محمد بن إسماعيل: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجارية يشتري من رجل مسلم يزعم أنه قد استبرأها، أيجزي ذلك أم لابد من استبرائها؟ قال: يستبرئها بحيضتين.

قلت: يحل للمشتري ملامستها؟ قال: نعم، ولا يقرب فرجها»(3).

وصحيح سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): «سألته عن رجل يبيع جارية كان يعزل عنها، عليه فيها استبراء؟ قال: نعم.

وعن أدنى ما يجزي للمشتري والبائع‌؟ قال: أهل المدينة يقولون حيضة.

وكان جعفر (عليه السلام) يقول: حيضتان»(4).

وقد حملهما الشيخ على الاستحباب جمعاً مع النصوص الأخر، مؤيداً بالتصريح بذلك في موثق سماعة المتقدم، وجرى على ذلك غير واحد.

ودعوى: أن ذلك لا يناسب نسبة القول بالحيضة الواحدة في الثاني لأهل المدينة، لظهور أن مرادهم وجوبها، بل المناسب لذلك صدور نصوص الحيضة الواحدة تقية.

مدفوعة بما أشار إليه بعضهم من احتمال ذهاب أهل المدينة إلى عدم استحباب

(1) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 10 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 5.

(4) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 10 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1.

كانت لا تحيض (1)


الثانية.

مضافاً إلى أن مثل هذا الحكم الشائع الابتلاء في العصور السابقة يبعد جداً خفاؤه على المشهور وخطؤهم فيه، بحيث يجرون فيه على فتوى العامة.

ولاسيما أن الأول قد فرض فيه إخبار البائع باستبرائها، الذي يأتي الاكتفاء به مع أمانته، والثاني قد تضمن ثبوت الاستبراء المذكور في البكر، وأظهر أفرادها غير المدخول بها التي لا يجب استبراؤها.

فلاحظ.

(1) كما هو المعروف بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) المدعى عليه الإجماع في الخلاف.

ولم يعرف الخلاف فيه إلا من المقنعة في باب بيع الحيوان فجعله ثلاثة أشهر، مع أنه وافق المشهور في باب لحوق الأولاد بالآباء.

وكيف كان فيشهد للمشهور النصوص، كالصحيح المروي بطرق عن الحلبي ومحمد بن مسلم وسماعة عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في رجل اشترى جارية لم يكن صاحبها يطؤها يستبرئ رحمها؟ قال: نعم.

قلت: جارية لم تحض كيف يصنع بها؟ قال: أمرها شديد، غير أنه إن أتاها فلا ينزل عليها حتى يستبين له إن كان بها حبل.

قلت: وفي كم يستبين‌؟ قال: في خمسة وأربعين ليلة»(1).

معتبر منصور بن حازم: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن عدة الأمة التي لم تبلغ المحيض وهو يخاف عليها.

فقال: خمسة وأربعون ليلة»(2) ، ونحوهما غيرهما.

نعم في صحيح عبد الله بن سنان: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري الجارية ولم تحض.

قال: يعتزلها شهراً إن كانت قد مست»(3).

كذا رواه في الكافي بسنده عن عبد الله بن سنان.

وفي الاستبصار بسند آخر عنه.

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 10 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 5.

(3) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 2.

وهي في سن من تحيض (1).

لكن رواه في التهذيب بالسند الثاني هكذا: «إن كانت قد يئست» فيخرج عما نحن فيه.

إلا أنه لا مجال للتعويل عليه بعد ظهور تعقيب الشيخ على الحديث في التهذيب في وروده في غير اليائس.

ولا أقل من أن يكون اختلاف الشيخ في نقله في التهذيبين، موجباً لسقوط كلتا روايتيه بالمعارضة، ويكون المعول على رواية الكافي.

هذا وقد حمل في التهذيب والوسائل الحديث على من تحيض في الشهر، فيخرج عن محل الكلام.

لكنه لا يناسب فرض عدم حيض الجارية في السؤال.

ومثله حمله في الوسائل على غير البالغة، وفي الجواهر على مجهولة البلوغ، ليكون الأمر بالاستبراء للندب.

إذ هما مع عدم الشاهد عليهما لا يناسبان فرض مسها في الحديث.

ومن هنا قد يكون الأنسب حمل نصوص الخمسة والأربعين لأجله على الاستحباب، لولا ظهور إعراض الأصحاب (رضي الله عنهم) عن الحديث المذكور، بنحو يوجب سقوطه عن الحجية.

مضافاً إلى كثرة نصوص الخمسة والأربعين بنحو يصعب حملها بأجمعها على الاستحباب، وخصوصاً الأول المتضمن تحديد مدة احتمال الحمل.

فلاحظ.

(1) أما إذا لم تكن في السن المذكور فالظاهر عدم الإشكال في عدم وجوب استبرائها، كما صرح به غير واحد، ونفى وجدان الخلاف فيه في الجواهر، بل نفى الخلاف فيه في الرياض، وفي الحدائق ادعى الإجماع على عدم الاستبراء في الصغيرة، كما ادعاه في مفتاح الكرامة فيها وفي اليائسة.

ويقتضيه إطلاق ما تضمن عدم العدة على من لا تحبل، مثل معتبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: التي لا تحبل مثلها لا عدة لها»(1).

(1) وسائل الشيعة ج: 15 باب: 3 من أبواب العدد حديث: 2.

ولو باعها بدون الاستبراء صح البيع (1)، ووجب على المشتري استبراؤها (2)، فلا يطؤها إلا بعد حيضة أو مضي المدة المذكورة.

مضافاً إلى النصوص الخاصة، كصحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «أنه قال في رجل ابتاع جارية ولم تطمث.

قال: إن كانت صغيرة لا يتخوف عليها الحبل فليس عليها عدة، وليطأها إن شاء، وإن كانت بلغت ولم تطمث فإن عليها العدة...»(1).

ومعتبر منصور بن حازم: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجارية التي لا يخاف عليها الحبل.

قال: ليس عليها عدة»(2).

وخبر عبد الله بن عمر: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) أو لأبي جعفر (عليه السلام): الجارية الصغيرة يشتريها الرجل وهي لم تدرك، أو قد يئست من المحيض.

قال: فقال: لا بأس بأن لا يستبرئها»(3).

وغيرها.

(1) كما هو الظاهر من كلام الأصحاب على ما في الحدائق.

وعلله في المسالك برجوع النهي لأمر خارجي.

لكن قد يدعى أن المنصرف من الأمر والنهي في المعاملات الإرشاد للشرطية والمانعية، دون النهي التكليفي.

فالعمدة في المقام: أنه حيث يأتي عدم وجوب الاستبراء على المشتري إذا كان البائع قد استبرأها، فأمر المشتري بالاستبراء في النصوص الكثيرة لابد أن يحمل على الأمر الطريقي احتياطاً مراعاة لاحتمال عدم استبراء البائع.

وهو مستلزم لصحة البيع مع عدم استبراء البائع، إذ لو كان البيع باطلاً حينئذٍ لا يكون الاستبراء منه مشروعاً، لعدم كونه مالكاً، ليحل له الوطء بعده.

وبعبارة أخرى: يعلم بعدم وجوب الاستبراء عليه، إما لكون البائع مستبرئاً لها، أو لعدم كونه مالكاً لها بالشراء.

(2) بلا إشكال ظاهر، كما يظهر مما يأتي فيما إذا شك في استبراء البائع لها.

(1و2) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 3 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1، 2.

(3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب الحيوان حديث: 1.

وإذا لم يعلم أن البائع استبرأها أو وطئها وجب عليه الاحتياط في استبرائها (1).

وإذا علم أن البائع لم يطأها أو أنه استبرأها لم يجب عليه استبراؤها (2).

وكذا إذا أخبره صاحبها بأنه قد استبرأها أو أنه لم يطأها إذا كان أميناً (3).

(1) من غير خلاف يعرف فيه، بل الإجماع بقسميه عليه.

كذا في الجواهر.

ويقتضيه نصوص تحديد الاستبراء، وقد سبق بعضها.

وكذا النصوص الآتية في تصديق البائع إذا كان ثقة، وما سبق في صحيح الحلبي.

.

.

إلى غير ذلك.

(2) كما ذكر ذلك غير واحد.

ويقتضيه ما يأتي في تصديق البائع بذلك، لأن حجية قوله إثباتاً فرع سقوط الاستبراء بتحقق ما قاله ثبوتاً، كما هو ظاهر.

(3) كما هو المعروف بين الأصحاب، وإن اختلفوا في أن المعيار الثقة أو العدالة.

ونسب للأكثر في الرياض وللمشهور في الجواهر.

ويقتضيه في الجملة معتبر محمد بن حكيم عن العبد الصالح: «قال: إذا اشتريت جارية فضمن لك مولاها أنها على طهر فلا بأس بأن تقع عليها»(1).

وصحيح حفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في الرجل يشتري الأمة من رجل، فيقول: إني لم أطأها.

فقال: إن وثق به فلا بأس أن يأتيها...(2)».

وصحيح أبي بصير: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يشتري الجارية وهي طاهر ويزعم صاحبها أنه لم يمسها منذ حاضت.

قال: إن ائتمنه فمسها»(3).

والظاهر نهوض الأخيرين بتقييد الأول بالأمانة والثقة الراجعين لمعنى واحد.

ومثلهما في ذلك ما في صحيح عبد الله بن سنان عنه (عليه السلام): «قلت: أفرأيت إن ابتاعها وهي طاهر، وزعم صاحبها أنه لم يطأها منذ طهرت.

فقال: إن كان عندك أميناً

(1و2و3) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 3، 1، 4.

[وإن كان عدلاً أميناً.

خ ل.

كافي] فمسها.

وقال: إن ذا الأمر شديد.

فإن كنت لابد فاعلاً فتحفظ لا تنزل عليها»(1).

ولابد من حمل ذيله على استحباب التحفظ المذكور بقرينة السكوت عنه في الصحيحين، لقوة ظهورهما في عدم وجوبه.

وذهب في السرائر لوجوب الاستبراء على المشتري مطلقاً.

وكأنه لإهمال النصوص والرجوع لإطلاق نصوص وجوب الاستبراء على المشتري.

وهو غير ظاهر الوجه بعد اعتبار أسانيد النصوص المذكورة وتعاضدها.

ومثله ما في الإيضاح من متابعة السرائر، لأن الاحتياط في الفروج أولى.

لظهور أن أولوية الاحتياط المذكور لا تمنع من البناء على جواز تركه اعتماداً على النصوص السابقة.

نعم قد تعارض النصوص المذكورة بما دلّ على وجوب الاستبراء، كصحيح محمد بن إسماعيل: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجارية يشترى من رجل مسلم يزعم أنه قد استبرأها، أيجزي ذلك أم لابد من استبرائها؟ قال: يستبرئها بحيضتين»(2).

وخبر عبد الله بن سنان: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشتري الجارية من الرجل المأمون فيخبرني أنه لم يمسها منذ طمثت عنده وطهرت.

قال: ليس جائزاً أن تأتيها حتى تستبرئها بحيضة.

ولكن يجوز ذلك [لك.

فقيه] ما دون الفرج.

إن الذين يشترون الإماء ثم يأتونهن قبل أن يستبرئوهن فأولئك الزناة بأموالهم»(3).

لكن الأول ظاهر في عدم كفاية إسلام البائع في قبول خبره، فلا ينافي النصوص الأول الظاهرة في قبول قول الثقة المأمون.

ولو غضّ النظر عن ذلك أمكن الجمع بينه وبينها بحمله على الاستحباب.

ولاسيما مع ما تضمنه من كون الاستبراء بحيضتين.

وهو المتعين في الثاني.

على أن تطبيق الزنا في ذيله ظاهر في انطباقه واقعاً حتى في فرض تحقق الاستبراء من البائع.

ومرجعه إلى وجوب الاستبراء على المشتري واقعاً

(1و2) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 6 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 2، 5.

(3) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 11 من أبواب بيع الحيوان حديث: 5.

ولا يجب الاستبراء في أمة المرأة (1)،


حتى مع استبراء البائع.

فيكون نظير صحيح الحلبي عنه (عليه السلام): «في رجل اشترى جارية لم يكن صاحبها يطؤها يستبرئ رحمها؟ قال: نعم» (1)، وخبر ربيع بن القاسم: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الجارية التي لم تبلغ المحيض ويخاف عليها الحبل.

قال: يستبرئ رحمها الذي يبيعها بخمسة وأربعين ليلة، والذي يشتريها بخمسة وأربعين ليلة» (2)، وموثق عمار (3) المتقدم في أول المسألة.

ولابد من رفع اليد عنها أو حملها على الاستحباب من أجل النصوص السابقة المتضمنة الاكتفاء بخبر البائع المأمون، وما تقدم في الاكتفاء في الاستبراء بالحيضة الواحدة المتضمنة الاكتفاء في استبراء الحائض حين الشراء بخروجها عن الحيض.

مؤيداً بما يأتي من عدم وجوب استبراء الأمة المشتراة من المرأة.

لما هو المعلوم من أن خصوصية المرأة إنما تناسب رفع الاستبراء الواحد الذي يجب على البائع.

ولاسيما مع ظهور تعويل الأصحاب على النصوص المذكورة واشتهار العمل بها.

(1) على المشهور بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً شهرة عظيمة.

كذا في الجواهر.

لصحيح رفاعة: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الأمة تكون لامرأة فتبيعها.

قال: لا بأس أن يطأها من غير أن يستبرئها».

ونحوه حديث حفص عن أبي عبد الله (4) (عليه السلام).

وخبر زرارة: «اشتريت جارية بالبصرة من امرأة فخبرتني أنه لم يطأها أحد، فوقعت عليها ولم أستبرئها، فسألت عن ذلك أبا جعفر (عليه السلام)، فقال: هوذا أنا قد فعلت ذلك.

وما أريد أن أعود» (5).

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 10 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1.

(2 و 3) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 18 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 2، 5.

(4) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 7 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1 وذيله.

(5) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 7 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 2.

إلا أن يعلم أنها موطوءة (1)


وفي السرائر أن الأولى وجوب الاستبراء، ووافقه في الأيضاح، لأولوية الاحتياط في الفرج.

لكن لا مجال لذلك بعد ما سبق من النصوص.

وإذا كان ذلك متجهاً من ابن إدريس على مبانيه في أخبار الآحاد، فلا مجال لذلك من فخر المحققين، لوضوح أن أولوية الاحتياط في الفروج لا تنهض بالخروج عن النص المعتبر.

(1) كما يظهر من الرياض ومفتاح الكرامة والجواهر.

وذكر في الرياض وغيره أنه يشعر بذلك في الجملة خبر زرارة المتقدم.

بل هو المتعين بلحاظ الحكمة من الاستبراء وهي لزوم الفساد باختلاط الأنساب.

لكن الخبر المذكور ظاهر في استحباب الاستبراء أو كراهة تركه، ولا إشعار فيه بما ذكروه.

وأما الحكمة فهي مع عدم اطرادها، حيث قد يعلم بعدم ترتب الحمل على وطء المشتري لا تنهض دليلاً في المقام وغيره.

فالعمدة في المقام أن ما تضمن احترام الوطء يقتضي وجوب الاستبراء منه، مثل ما روي بطريقين عن مسمع كردين عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في بيان جملة من المحرمات، حيث عدّ منها أمتك وقد وطئت حتى تستبرأ بحيضة(1).

ولا ينافيه ما تضمن عدم استبراء الأمة المشتراة من المرأة، لأنه راجع إلى عدم وجوب استبرائها ظاهراً احتياطاً لاحتمال الوطء المحترم، تعويلاً على استصحاب عدم الوطء المذكور، بخلاف الأمة المشتراة من الرجل، فإنه يجب فيها الاحتياط المذكور، ولا يجوز فيها التعويل على الاستصحاب المزبور.

وهو لا ينافي وجوب الاستبراء واقعاً مع تحقق الوطء المذكور المفروض العلم به، كما لا ينافي وجوب استبراء الأمة المشتراة من الرجل عدم وجوبه واقعاً مع عدم

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 14 باب: 8 من أبواب ما يحرم بالرضاع حديث: 4، وباب: 19 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 2.

وطئاً محترماً (1)، ولا في الصغيرة ولا في اليائسة (2)، ولا في الحائض حال البيع (3).

نعم لا يجوز وطؤها حال الحيض.

ولا استبراء في الحامل (4).

نعم لا يجوز وطؤها في القبل إلا بعد مضي أربعة أشهر وعشرة أيام (5).

الوطء المذكور، فيعمل عليه مع العلم بعدم الوطء.

فلاحظ.

(1) يعني: بنكاح أو ملك يمين ولو بالتحليل بشبهة، دون الزنا، حيث لا حرمة له فلا عدة له ولا استبراء.

نعم يستحب استبراء المزني بها من ماء الفجور، خصوصاً إذا كان الزاني بها هو الذي يريد التزويج بها، على ما يذكر في محله من مبحث العدد.

(2) لما سبق من عدم وجوب استبراء من هي خارج سن الحيض.

(3) على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة.

كذا في الجواهر.

وفي الخلاف دعوى الإجماع عليه.

وقد يستفاد من غيرهما بلحاظ استدلالهم على الاكتفاء في الاستبراء بحيضة واحدة بصحيح الحلبي وموثق سماعة المتقدمين هناك المتضمنين لذلك.

وكفى بهما دليلاً عليه.

ومنه يظهر ضعف ما في السرائر من عدم كفاية ذلك.

وهو يبتني على ما سبق منه من وجوب الاستبراء بقرئين.

وسبق الكلام فيه.

فراجع.

(4) كما صرح به غير واحد.

وكأنه لعدم الموضوع له، لأن الاستبراء من أجل احتمال ظهور الحمل، ولا موضوع له مع العلم به.

أما لو كان الاستبراء مجرد ترك الوطء فاللازم البناء على ثبوته عند من يقول بحرمة الوطء.

والأمر سهل.

(5) كلمات الأصحاب في المقام في غاية الاضطراب والاختلاف، إلا أن ما في المتن هو المصرح به في الشرائع والإرشاد والتحرير والإيضاح، وقد يظهر من التهذيبين.

وفي الدروس أنه المشهور.

وقد سبقهم إليه في النهاية والوسيلة من دون تقييد بالقبل.

لصحيح رفاعة بن موسى: «سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قلت: أشتري الجارية.

.

.

قلت: فإن كان حمل فما لي منها إن أردت‌؟ قال: لك ما دون الفرج إلى أن تبلغ في حملها أربعة أشهر وعشرة أيام، فإذا جاز حملها أربعة أشهر وعشرة أيام فلا بأس بنكاحها في الفرج.

قلت: إن المغيرة وأصحابه يقولون: لا ينبغي للرجل أن ينكح امرأته وهي حامل قد استبان حملها، حتى تضع، فيغذو ولده.

قال: هذا من فعال اليهود»(1).

وبه يخرج عن إطلاق النصوص الكثيرة المانعة من الوطء، كصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال في الوليدة يشتريها الرجل وهي حبلى.

قال: لا يقربها حتى تضع ولدها»(2).

وصحيح أبي بصير عنه (عليه السلام): «قلت له: الرجل يشتري الجارية وهي حبلى ما يحل له منها؟ فقال: ما دون الفرج...»(3) ، وغيرهما.

ومنه يظهر عدم الوجه للاقتصار في المدة في كلام جماعة على أربعة أشهر.

وأشكل منه ما يظهر من المقنعة وغيره من اشتراط الجواز بعد أربعة أشهر بما إذا عزل، وما يظهر من الغنية من اشتراط التحريم في الأربعة بما إذا لم يعزل.

إذ فيه: إن العزل إنما جعل في النصوص دخيلاً في حكم الولد، دون النهي عن الوطء، بل صريح بعضها عموم النهي عن الوطء لصورة العزل، كصحيح إسحاق بن عمار: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية حاملاً قد استبان حملها فوطأها.

قال: بئس ما صنع.

فقلت: ما تقول فيها؟ قال: عزل عنها أم لا؟ قلت: أجبني في الوجهين.

قال: إن عزل عنها فليتق الله ولا يعد.

وإن كان لم يعزل عنها فلا يبيع ذلك الولد، ولا يورثه، ولكن يعتقه، ويجعل له شيئاً من ماله يعيش به، فإنه قد

(1و2) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 8 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 3، 1.

(3) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 5 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 3.

غذاه بنطفته»(1).

كما يظهر مما سبق أيضاً ضعف إطلاق المنع من وطء الحامل حتى تضع ولدها في اللمعة.

وإطلاق جوازه على كراهة في السرائر.

ومثله ما في الخلاف من كراهة وطئها حتى يمضي لها أربعة أشهر وعشراً.

مستدلاً عليه بالإجماع والأصل.

حيث يظهر منه حمل الصحيح على الكراهة.

إذ هو خالٍ عن الشاهد، بل مخالف لظاهره جداً.

ولاسيما مع ثبوت الكراهة بعد المدة المذكورة بمقتضى إطلاق بقية النصوص، خصوصاً مثل صحيح محمد بن قيس.

هذا وقد أشار غير واحد إلى أن مقتضى القاعدة أن الحمل إن كان من زنا فلا حرمة له، تبعاً لعدم حرمة سببه، وإن كان من نكاح صحيح أو شبهة فاللازم حرمة وطئها حتى تضع وتنقضي عدتها.

ومن ثم ذهب بعضهم للتفصيل المذكور، إما مع إهمال النصوص جميعاً، كما في التذكرة وظاهر الدروس.

أو حمل التفصيل الذي تضمنه صحيح رفاعة على خصوص الحمل من الزنا مع حمله على التحريم، كما في الإيضاح وعن غيره، أو على الكراهة كما في المختلف.

أما في غير الزنا فيحرم وطؤها حتى تضع.

أو حمل التفصيل المذكور في الصحيح على خصوص غير الزنا مع جواز الوطء مطلقاً في الزنا، كما في الروضة، واستحسنه في المسالك.

لكن الجميع اجتهاد في مقابل النصوص من دون شاهد له منها.

ولو فرض عموم القاعدة للمقام فتخصيصها بالنصوص غير عزيز.

نعم قد يوجه الأخير بدعوى انصراف نصوص المقام للوطء المحترم، لأن اعتزال المرأة من صغريات العدة التي هي من لواحق الوطء المذكور، ومع قصورها عن الزنا يتعين الرجوع معه للقاعدة القاضية بجواز الوطء.

(1) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 9 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1.

فإن وطئها وقد استبان حملها عزل استحباباً (1)، فإن لم يعزل فالأحوط لو لم يكن أقوى عدم جواز بيع الولد، بل وجوب عتقه (2)، وجعل شيء له من


لكن لم يتضح كون الاعتزال المذكور من صغريات العدة التي هي من لواحق الوطء المحترم، فلا مخرج عن عموم النص.

ثم إن التقييد في كلام من عرفت بالقبل يبتني على اختصاص النهي عن القرب والغشيان والنكاح والفرج ونحوها مما تضمنته نصوص المقام بالوطء في القبل، ولا يظهر منهم البناء على ذلك في سائر الموارد.

والأمر لا يخلو عن إشكال.

وقد تقدم منّا بعض الكلام في ذلك عند الكلام في سببية الوطء في الدبر للجنابة والغسل من كتاب الطهارة.

فراجع.

(1) كما صرح به غير واحد، بل يظهر من بعضهم أنه المشهور.

ولم يتضح الوجه فيه.

وفي الجواهر: «لولا التسامح في أدلة السنن لأمكن الإشكال في ثبوت استحبابه».

(2) كما ذكر ذلك في الجملة في المقنعة والنهاية والوسيلة والغنية، وما عن التقي الحلبي وادعى في الغنية الإجماع عليه.

ويشهد له معتبر إسحاق المتقدم.

وموثق غياث بن إبراهيم أو صحيحه عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: من جامع أمة حبلى من غيره فعليه أن يعتق ولدها ولا يسترق، لأنه شارك فيه الماء(1).

وموثق السكوني عنه (عليه السلام): «إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل على رجل من الأنصار، وإذا وليدة عظيمة البطن تختلف، فسأل عنها، فقال: اشتريتها يا رسول الله وبها هذا الحبل.

قال: أقربتها؟ قال: نعم.

قال: اعتق ما في بطنها.

قال: يا رسول الله بِمَ استحق العتق‌؟ قال: لأن نطفتك غذت سمعه وبصره ولحمه ودمه»(2).

ولكن صرح في الشرائع والنافع بكراهة بيعه، وتبعه العلامة في جملة من كتبه

(1و2) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 9 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 2، 3.

ماله يعيش به (1).

وجماعة ممن تأخر عنه، وفي الدروس أنه المشهور.

وفي مفتاح الكرامة: «لعل ذلك من هؤلاء لضعف الأخبار، مع أصالة البراءة».

وفيه: أن الظاهر اعتبار النصوص المذكورة في نفسها.

ولاسيما مع ظهور عمل من سبق بها.

ومثله ما أشار إليه في الجواهر وإن لم يظهر منه التعويل عليه من ظهور التعليل في الكراهة، لرجوعه إلى أنه يكون بذلك كالولد.

إذ فيه: أن ذلك لا ينهض شاهداً على الكراهة، بل يجتمع مع الحرمة.

نظير تنزيل الرضاع منزلة النسب.

ومن هنا يتعين البناء على الوجوب عملاً بظاهر النصوص المتقدمة.

هذا وصريح المقنعة عدم الفرق في جريان الحكم المذكور بين الوطء قبل مضي المدة السابقة والوطء بعد مضيها، وقد يظهر من إطلاق ما عن التقي الحلبي.

وصريح النهاية اختصاصه بما إذا كان الوطء قبل مضي المدة، أما بعد مضيها فيجوز بيع الولد على كل حال، وهو المتيقن من الغنية والوسيلة.

كما أن ظاهر المتن اختصاصه بما إذا كان بعد استبانة الحمل.

ومن الظاهر عموم حديثي غياث والسكوني.

وأما صحيح إسحاق فقد ورد في فرض الوطء بعد استبانة الحمل، والمتيقن منه بعد مضي المدة المذكورة.

لكن التقييد فيه لما كان في كلام الراوي فهو لا ينهض بالخروج عن إطلاق الحديثين الأولين، كما لعله ظاهر.

(1) كما في النهاية والوسيلة والغنية وعن التقي.

ويقتضيه صحيح إسحاق.

لكن عدم ذكر ذلك في حديثي إبراهيم والسكوني مع ظهورهما في بيان تمام ما يجب في الفرض المذكور قد تنهض بالقرينة على حمل الأمر به في صحيح إسحاق على الاستحباب.

نظير ما ورد من الأمر بالإنفاق على المعتق الذي لا حيلة له(1).

(1) وسائل الشيعة ج: 16 باب: 14 من أبواب كتاب العتق حديث: 1.

(473)

وجوب الاستبراء في غير البيع

(مسألة 7): وجوب استبراء البائع للأمة قبل البيع يثبت لكل مالك يريد نقلها إلى غيره ولو بسبب غير البيع (1).

وكذلك وجوب استبراء المشتري قبل الوطء يثبت لكل من تنتقل إليه الأمة بسبب (2) وإن كان إرثاً أو استرقاقاً أو نحوهما، فلا يجوز له وطؤها إلا بعد الاستبراء.

ولاسيما أن التعليل المذكور في النصوص الثلاثة يناسب تشبيهه بالولد، والولد لا يجب ذلك في حقه، وأن عزل مثل هذا المال قد يصعب أو يتعذر على الواطئ.

هذا وفي المقنعة: «وينبغي له أن يجعل له من ماله بعد وفاته قسطاً ويعوله في حياته».

وهو وإن كان غير آب عن الحمل على الاستحباب، إلا أن مفاده مخالف لمفاد الصحيح، لانصرافه إلى عزل المال حين العتق بلحاظ حاجته إليه بعد عدم وجوب نفقته على أحد بسبب عتقه.

ومثله ما في الشرائع والقواعد وغيرهما من استحباب عزل شيء له من ميراثه.

(1) المذكور في كلام الأصحاب هو ما يأتي من إلحاق غير الشراء من أسباب التملك بالشراء في وجوب الاستبراء.

أما إلحاق غير البيع من أسباب النقل عن الملك بالبيع في ذلك فلم يتعرضوا له.

ومن الصعب البناء عليه بعد اختصاص النصوص بالبيع.

ولاسيما مع كون وجوب الاستبراء من البائع تعبدياً محضاً، لأنه ليس احتياطاً لنفسه، بل للمشتري، لأنه هو الذي يحرم عليه وطء الأمة الموطوءة قبل الاستبراء.

(2) كما هو المشهور نقلاً وتحصيلاً، على ما في الجواهر.

وفي الخلاف دعوى الإجماع على وجوب الاستبراء على من ملك أمة بابتياع أو هبة أو إرث أو استغنام.

ولم يعرف الخلاف في ذلك إلا من السرائر في كتاب البيع، مع موافقته لهم في باب السراري.

وقد استدل على عدم وجوب الاستبراء بعموم قوله تعالى: (أَوْ مَا مَلَكَتْ

الكلام في جواز شراء بعض الحيوان

(مسألة 8): يجوز شراء بعض الحيوان مشاعاً (1)، كنصفه وربعه.

ولا يجوز شراء بعض معين منه كرأسه وجلده إذا لم يكن المقصود منه الذبح (2)،


أَيْمَانُكُمْ)(1).

ويظهر ضعفه مما سبق في الأمة المشتراة من المرأة من أن العموم المذكور مخصص بما دلّ على احترام الوطء، فالتمسك به مع الشك فيه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية.

وجواز الوطء مع الشك ليس مقتضى العموم المذكور، بل مقتضى استصحاب عدم تحقق الوطء المحترم.

ومرجع دليل الاستبراء إلى عدم جواز التعويل على الاستصحاب المذكور احتياطاً للنسب.

وحينئذٍ فإلغاء خصوصية المشتري في النصوص السابقة عرفاً قريب جداً.

ويؤيده خبر الحسن بن صالح عن أبي عبد الله (عليه السلام):

«قال: نادى منادي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم أوطاس أن استبرئوا سباياكم بحيضة (2) ».

بل قد يستدل به بدعوى انجباره بعمل الأصحاب، ويستفاد منه العموم بضميمة عدم الفصل.

لكنه لا يخلو عن إشكال.

.

أولاً: لعدم وضوح اعتمادهم عليه، ومجرد موافقته لفتواهم لا يكفي في ذلك.

وثانياً: لعدم كفاية مجرد عدم الفصل في التعميم، ما لم يرجع للإجماع على عدم الفصل، وهو غير ثابت في المقام.

فالعمدة ما سبق.

فلاحظ.

والله سبحانه وتعالى العالم.

(1) بلا خلاف ولا إشكال، بل الإجماع بقسميه عليه.

كذا في الجواهر.

لعمومات الصحة واللزوم، كما هو الحال في سائر موارد شراء الجزء المشاع.

(2) كما ذكره غير واحد، بل في شرح القواعد لكاشف الغطاء: «للإجماع بقسميه».

وقد يستدل عليه مضافاً إلى ذلك.

.

تارة: بالجهالة، لعدم تعيين موضع

(1) سورة النساء الآية: 3.

(2) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 17 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1.

(475)

القطع.

وأخرى: بعدم القدرة على التسليم.

وثالثة: بعدم إمكان الانتفاع به.

ورابعة: بأن ذلك قد يؤدي إلى النزاع والتشاجر، للاختلاف في إرادة ذبح الحيوان وإبقائه حياً.

ويشكل الأول بما تكرر منّا من عدم وضوح عموم مانعية الجهالة.

مضافاً إلى أنه مع الإطلاق وعدم تحديد موضع القطع يتعين الاقتصار فيه على منتهى العضو، إلا مع تعارف ما زاد عليه، فيحمل عليه الإطلاق.

والثاني في غاية المنع لإمكان تسليمه بتسليم الحيوان.

ومجرد الاتفاق بين المتبايعين على عدم فصله، للبناء على عدم ذبح الحيوان، لا يمنع من تحقق التسليم.

ومثله الثالث، لظهور أن الانتفاع بالحيوان مستلزم للانتفاع بأجزائه وإن اختلف نحو الانتفاع بكل منها.

غايته أن يتفق الشريكان على مقدار انتفاع كل منهما به أو حصة كل منهما من قيمة منفعته بتمامه.

على أنه لا وجه لاعتبار فعلية الانتفاع بالمبيع في صحة البيع.

ومنه يظهر ضعف الرابع، حيث لا دليل على مانعية التعرض للنزاع من صحة البيع.

ولاسيما بلحاظ حصول ذلك في الشركة نوعاً.

مع أنه يمكن التخلص من ذلك بالاتفاق على وقت خاص للذبح أو نحو ذلك.

وأما الإجماع فقد تكرر منّا عدم نهوضه بالاستدلال في مثل هذا الحكم الخالي عن النصوص وغير الشائع الابتلاء.

ومن القريب أن يكون ذهاب من ذهب للمنع مبتنياً على بعض الوجوه الاعتبارية المتقدمة أو غيرها، من دون أن يبتني على إجماع تعبدي.

على أنه لم يتضح حصول الإجماع بعد عدم تعرض غير واحد له، خصوصاً مع تعرض بعضهم لحكم استثناء الرأس والجلد.

بل في المقنعة: «ولا بأس بابتياع أبعاض الحيوان، كما يبتاع ذلك من غيره، كالمتاع والعقار».

وقريب منه في النهاية.

ومقتضى إطلاق كلامهما جواز الشراء بالنحو المذكور وإن لم يكن المقصود بالحيوان الذبح.

ومن هنا لا مخرج عما تقتضيه العمومات من الصحة.

بل كان المقصود منه الإبقاء للركوب أو الحمل أو نحوهما.

ولو كان المقصود منه الذبح جاز شراء بعض معين منه (1)، لكن لو لم يذبح لمانع كما إذا كان في ذبحه ضرر مالي كان المشتري شريكا بنسبة ماله، لا بنسبة الجزء (2).

كما يتعين العموم لما إذا لم يكن الحيوان مأكول اللحم لو فرض تعلق الغرض بشراء بعض أجزائه.

وربما يأتي في تتمة المسألة ما ينفع في المقام.

(1) يظهر من غير واحد المفروغية عن ذلك.

وتقتضيه عمومات الصحة بناء على ما سبق من عدم نهوض شيء من الوجوه السابقة بالمنع.

مضافاً إلى معتبر الغنوي الآتي الذي قد يستفاد منه العموم بإلغاء خصوصية مورده عرفاً.

(2) كما صرح به جماعة، واحتمل بعضهم كونه إجماعياً.

لمعتبر هارون بن حمزة الغنوي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في رجل شهد بعيراً مريضاً وهو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم، وأشرك فيه رجلاً بدرهمين بالرأس والجلد.

فقضي أن البعير برئ، فبلغ ثمانية دنانير.

قال: فقال: لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ.

فإن قال: أريد الرأس والجلد فليس له ذلك.

هذا الضرار.

وقد أعطي حقه إذا أعطي الخمس»(1).

هكذا رواه الشيخ(2).

ولكن رواه الكليني هكذا: «فجاء وأشرك فيه رجلاً بدرهمين بالرأس والجلد، فقضي أن البعير برئ فبلغ ثمنه دنانير.

قال: فقال لصاحب الدرهمين: خذ خمس ما بلغ فأبى.

قال: أريد الرأس والجلد.

فقال: ليس له ذلك.

هذا الضرار، وقد أعطي حقه إذا أعطي الخمس»(3).

ومقتضاه إجزاء الخمس في الخروج عن حقه، لا تعين حقه في الخمس.

نعم يمكن حينئذٍ الاستدلال على تعين حقه في الخمس بأنه حيث كان مقتضى

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 22 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1.

(2) تهذيب الأحكام ج: 7 ص: 82.

(3) الكافي ج: 5 ص: 293.

القاعدة أن له المطالبة بالرأس والجلد، وكان الاجتزاء بغير ذلك مخالفاً للقاعدة، تعين الاقتصار على الخمس، تبعاً للنص المتقدم في جواز الخروج عنها.

على أن الكليني والشيخ (قدس سرهما) وإن اختلفا في متن الحديث في رواية محمد بن يحيى له بسنده عن الغنوي، إلا أن الشيخ رواه بسند آخر معتبر بالوجه الأول(1).

فيكون هو الحجة بعد سقوط رواية محمد بن يحيى له بالتعارض بسبب اختلافهما في نقلها.

فلاحظ.

بقي في المقام أمور: الأول: أن الحديث صريح في أنه ليس للشريك المنع من بيع الحيوان، والمتيقن من ذلك ما إذا كان منعه منه من أجل أن يذبح ويأخذ الرأس والجلد، دون ما إذا كان من أجل توقع زيادة الثمن، فيتعين الاستجابة له حينئذٍ إلى أن يتضح الحال.

الثاني: أن المتيقن من الحديث ما إذا بيع الحيوان، وانتهى الأمر للثمن.

أما إذا لم يبع وبقي حتى ذبح فلا ملزم بالخروج عما تقتضيه القاعدة من ملكية كل من الشريكين للجزء الذي كان له حين الشراء من دون أن يتبدل الحال بالإشاعة.

الثالث: حيث سبق أن مقتضى القاعدة جواز الشراء بالنحو المذكور، فالظاهر التعدي عن مورد الحديث إلى بقية أجزاء الحيوان، لإلغاء خصوصيته عرفاً، فيكون الاشتراك في ثمن بيع الحيوان ثانياً بنسبة ما دفعه كل منهما ثمناً في بيعه أولاً.

إلا أن يذبح، فينفرد كل منهما بماله من الأجزاء.

الرابع: أن الحديث مختص بما إذا حصل ملك الشريكين له معاً بالشراء حين إرادة الذبح.

أما إذا سبق ملك أحدهما له واشترى الآخر منه العضو حين إرادة الذبح، فإن كان ملك الأول له مجاناً بهبة أو ميراث أو غيرهما فلا موضوع للشركة بينهما بنسبة المال.

وإن كان بشراء فالشركة بنسبة المال وإن كانت ممكنة، إلا أنه لا مجال للبناء عليها

(1) تهذيب الأحكام ج: 7 ص: 79.

ولو باع الحيوان واستثنى الرأس والجلد، أو اشترك اثنان أو جماعة وشرط أحدهم لنفسه الرأس والجلد، فإنه يكون شريكاً بنسبة الرأس والجلد (1)، لا بنسبة المال.

عد خروجها عن مورد الحديث.

كيف! وقد يلزم منها الحيف على أحدهما.

كما لو كان الأول قد اشتراه صحيحاً بمائة درهم مثلاً، فلما مرض وأراد ذبحه اشترى الآخر العضو منه بدرهمين، ثم برئ وأرادوا بيعه.

أو اشتراه الأول صغيراً بعشرة دراهم فلما كبر وأراد ذبحه اشترى الآخر العضو منه بعشرة دراهم، ثم عرض ما أوجب عدولهم عن ذبحه.

وحينئذٍ يتعين الجري على مقتضى القاعدة من ملكية كل منهما للجزء الذي له حين شراء الثاني، فإذا انتهى الأمر أخيراً للذبح أخذ كل منهم ما يختص به، نظير ما سبق في مورد الحديث، وإذا انتهى الأمر أخيراً للبيع تعين شركة كل منهما في الثمن بنسبة الجزء الذي له، نظير ما يأتي في فرض الاستثناء.

نعم قد يستفاد من الحديث المتقدم أنه لو حدث أمر غير متوقع عند بيع العضو أوجب عدم المصلحة في الذبح فليس لمشتري العضو التعنت وطلب الذبح، بحيث يكون مضاراً عرفاً، لقضاء المناسبات الارتكازية بإلغاء خصوصية المورد عرفاً في ذلك.

وإن كان الأمر محتاجاً لمزيد من التأمل.

والله سبحانه وتعالى العالم العاصم.

(1) أما مع استثناء البائع فهو المصرح به في النهاية والمبسوط والمهذب وظاهر الشرائع، بل النافع أيضاً، ومحكي التلخيص.

ويقتضيه موثق السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: اختصم إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلان اشترى أحدهما من الآخر بعيراً واستثنى البيع [البائع.

خ ل] الرأس أو الجلد، ثم بدا للمشتري أن يبيعه.

فقال للمشتري: هو شريكك في البعير على قدر الرأس والجلد»(1).

وقريب منه خبر العيون

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 22 من أبواب بيع الحيوان حديث: 2.

بأسانيده عن الإمام الرضا (عليه السلام)، إلا أن فيه: «ثم بدا له أن ينحره».

وظاهر المقنعة والانتصار والغنية وغيرها ممن اقتصر على بيان صحة الاستثناء بقاء المستثنى في ملك البائع، وينفرد كل منهما بماله من دون شركة.

وهو صريح السرائر.

والذي ينبغي أن يقال: لا ينبغي الإشكال في أن ذلك مقتضى الاستثناء.

ولا ينافيه موثق السكوني، لأن ما تضمنه من الشركة إنما هو في فرض البيع، ومن الظاهر أن بيع ملك شخصين صفقة يقتضي اشتراكهما في الثمن بنسبة قيمة مال كل منهما لقيمة المجموع.

نعم قد ينافي ذلك رواية العيون، لأن المفروض فيها هو نحر البعير، فالحكم فيها بالشركة مع ذلك يناسب رجوع الاستثناء إلى الإشاعة على خلاف قصد المتبايعين.

لكن الرواية مع عدم خلوها عن الضعف في السند لا يخلو مضمونها عن إشكال، لظهورها في أن إرادة النحر أمر طارئ على خلاف ما كان عليه البناء حين البيع والاستثناء، مع وضوح أن إرادة النحر هي الأمر الطبيعي حين إيقاع مثل هذا البيع والاستثناء.

ومن هنا لا يبعد حمل قوله: «ثم بدا له أن ينحره» على البداء في النحر، بمعنى العدول عنه، فيناسب موثق السكوني.

ولا أقل من التوقف في رواية العيون لاضطراب متنها، وانفراد موثق السكوني في المقام الذي سبق أن المتيقن من الشركة فيه هو الشركة في الثمن في صورة البيع، فيلزم البناء مع عدمه بامتياز كل منهما بماله من دون شركة.

وذلك كالصريح من الدروس، حيث قال: «ولو استثنى الرأس والجلد فالمروي الصحة، فإن ذبحه فذاك، وإلا كان البائع شريكاً بنسبة القيمة».

وعليه جرى في الجواهر.

نعم قد يدعى أن الاستثناء لا يصح، بل يبطل البيع على الوجه الذي قصده المتعاقدان، ويحمل النص على حصول الشركة تعبداً.

كما يناسب ذلك ما في المبسوط

والخلاف من المنع من الاستثناء المذكور، وما في المهذب من التصريح ببطلان البيع حينئذٍ، مع ما سبق منهم من حصول الشركة.

وكأن الوجه فيه ما في الخلاف من أن الاستثناء المذكور استثناء من غير الجنس، أو ما تقدم في بيع عضو خاص من الحيوان الذي لا يراد منه الذبح من الجهالة، أو عدم القدرة على التسليم أو غيرهما.

وحينئذٍ تكون الشركة التي تضمنها الحديثان المتقدمان حكماً تعبدياً راجعاً إلى حصول ما لم يقصده المتعاقدان، فاللازم البناء عليه حتى مع الذبح.

لكن تقدم دفع محذور الجهالة وعدم القدرة على التسليم وغيرهما.

فراجع.

وأما دعوى أن الاستثناء المذكور من غير الجنس فهي تبتني على كون المستثنى هو الجزء حال الذبح، لا حال الحياة، ولا ملزم بالبناء على ذلك، بل لا محذور في استثناء الجزء حال الحياة، عملاً بظاهر الاستثناء.

وعلى ذلك لا مخرج عما سبق.

ومنه يظهر ضعف ما ذكره العلامة وجماعة ممن تأخر عنه من بطلان الاستثناء مطلقاً أو في غير المذبوح أو في غير ما يراد ذبحه، من دون بناء على الشركة، استضعافاً للحديثين السابقين، أو طرحاً لهما، لمخالفتهما لما تضمنه الكتاب المجيد من وجوب الوفاء بالعقد المتعذر في المقام.

حيث يظهر مما سبق أنه لا موجب لبطلان العقد، وكما لا وجه لاستضعاف الحديثين بعد كون حديث السكوني من الموثق، وظهور عمل الأصحاب به.

كما ظهر إمكان الوفاء بالعقد على الوجه الذي أوقع عليه.

وغاية ما يلزم تخصيصهما لقاعدة السلطنة القاضية بأن للبائع المستثني للعضو الامتناع من البيع والإلزام بالذبح، كما يلزم ذلك في معتبر الغنوي المتقدم، وهو ليس محذوراً.

كما يظهر أيضاً أن الحكم لا يختص بالرأس والجلد، بل يصح استثناء سائر الأعضاء، كما لا يأباه كلام من سبق.

فلاحظ.

هذا كله فيما إذا استثنى البائع العضو من الحيوان.

وأما إذا اشترك جماعة في شراء

(481)

لو قال لآخر: اشر حيواناً بشركتي

(مسألة 9): لو قال شخص لآخر: اشتر حيواناً بشركتي صح (1)، ويثبت البيع لهما على السوية مع الإطلاق (2)، ويكون على كل واحد منهما نصف الثمن.

ولو قامت القرينة على كون المراد الاشتراك على التفاضل كان العمل عليها.

ولو دفع المأمور عن الآمر ما عليه من جزء الثمن، فإن كان الأمر بالشراء على وجه الشركة قرينة على الأمر بالدفع عنه رجع الدافع عليه


الحيوان وشرط بعضهم لنفسه عضواً من الحيوان الذي هو الفرض الثاني المذكور في المتن فجريان ذلك فيه يبتني على إلحاقه بصورة استثناء البائع للجزء.

وقد يدعى أن ذلك ليس بأولى من إلحاقه بما إذا اشترى شخص الجزء الذي تقدم في معتبر الغنوي أن المشتري يكون شريكاً بنسبة ماله، بل لعل الثاني أقرب عرفاً.

ولعله لذا ذهب إلى صيرورته شريكاً بنسبة ماله في الشرائع والنافع وغيرهما.

لكن من الظاهر أنه خارج عن مورد نصوص المسألتين، فلا وجه لإلحاقه بإحداهما، بل يلزم الرجوع فيه للقاعدة.

وقد سبق أنها تقتضي اختصاص كل منهما بماله من دون شركة، وأن الشركة إنما تثبت في الثمن على تقدير البيع، وأن موثق السكوني منزل على ذلك، فيتعين البناء عليه في الفرض المذكور.

(1) بلا إشكال ولا خلاف ظاهر.

لرجوعه إلى التوكيل له في الشراء، فيترتب عليه الأثر، كما في سائر موارد التوكيل.

(2) بلا خلاف ولا إشكال، كما في الجواهر.

لأن إطلاق الشركة وإن لم يختص بصورة التساوي، إلا أن إطلاق الأمر بالتشريك ينصرف إليها، لما هو الغالب من عدم تعلق الغرض بمطلق التشريك على اختلاف مراتبه، فعدم تعيين مرتبة خاصة منه يوجب الانصراف لصورة التساوي بين الشريكين، بحيث لا يترجح أحدهما على الآخر.

فلاحظ.

ظهور الأمة بعد الوطء انها ملك لغير البايع

بما دفعه عنه (1)، وإلا كان متبرعاً (2)، وليس له الرجوع عليه به (3).

(مسألة 10): لو اشترى أمة فوطئها فظهر أنها ملك لغير البائع كان للمالك انتزاعها منه (4)، وله على المشتري عشر قيمتها إن كانت بكراً، ونصف العشر إن كانت ثيباً (5).

(1) لرجوع ذلك إلى إذنه له في إقراضه ما يدفعه عنه.

(2) من الظاهر أن التبرع أمر قصدي، ولا يستلزم عدم الأمر بالدفع عنه، فضلاً عن عدم قيام القرينة على الأمر، حيث قد يقصد حينئذٍ الدافع الرجوع على المدفوع عنه من دون أن يتبرع عنه.

غايته أن قصد الرجوع لا يكون ملزماً للمدفوع عنه مع عدم أمره بالدفع، فيتعين عدم الرجوع عليه، كما لو قصد التبرع.

(3) إذ لا منشأ له بعد عدم إذنه له في ذلك.

نعم لو كان الدفع عنه منوطاً بضمانه له ومعلقاً عليه، تعين عدم ترتب الأثر عليه، فيكون له استرجاعه، وتبقى ذمة الشريك مشغولة للبائع بقسطه من الثمن.

لكنه يحتاج إلى عناية.

مع أن التعليق في الوفاء لا يخلو عن إشكال.

نعم يمكن الدفع بنحو الإقراض على أن يكون له الاستيفاء به إذا عوض الشريك شريكه عنه.

(4) بلا خلاف ولا إشكال، كما في الجواهر.

لعدم خروجها بذلك عن ملكه، فله أخذها بمقتضى سلطنته على ملكه.

مضافاً للنصوص الواردة في المقام ونظائره، كمعتبر زرارة: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): الرجل يشتري الجارية من السوق، فيولدها، ثم يجيء الرجل، فيقيم البينة على أنها جاريته لم تبع ولم تهب.

فقال: يرد إليه جاريته، ويعوضه بما انتفع...»(1) ، وغيره مما قد يأتي بعضه.

(5) كما هو المشهور نقلاً وتحصيلاً شهرة عظيمة، على ما في الجواهر.

بل في الخلاف دعوى الإجماع عليه.

(1) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 2.

(483)

ويقتضيه صحيح الوليد بن صبيح عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في رجل تزوج امرأة حرة، فوجدها أمة قد دلست نفسها له.

قال: إن كان الذي زوجه إياها من غير مواليها فالنكاح فاسد.

.

.

ولمواليها عليه عشر ثمنها إن كانت بكراً.

وإن كانت غير بكر فنصف عشر قيمتها، بما استحل من فرجها...»(1).

وصحيح الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) الوارد في تحليل الشخص جاريته لغيره.

وفيه: «قلت: أرأيت إن أحل له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فافتضها.

قال: لا ينبغي له ذلك.

قلت: فإن كان فعل أيكون زانياً؟ قال: لا، ولكن يكون خائناً، ويغرم لصاحبها عشر قميتها إن كانت بكر، وإن لم تكن فنصف عشر قيمتها»(2).

ونحوه صحيح رفاعة(3).

وموثق طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام): «أن علياً (عليه السلام) قال: إذا اغتصبت أمة فافتضت فعليه عشر ثمنها.

فإذا كانت حرة فعليه الصداق»(4).

وهي وإن وردت في غير ما نحن فيه، إلا أن إلغاء خصوصية مواردها عرفاً قريب جداً.

بل هو المتعين بلحاظ التعليل بقوله (عليه السلام) في صحيح الوليد بن صبيح: «بما استحل من فرجها» لظهوره في أن الغرامة المذكورة من أجل حرمة الفرج، نظير حرمة المنفعة المستوفاة، وذلك يقتضي التعميم لكل وطء للجارية غير مستحق.

ويؤيد ذلك ما ورد فيمن اشترى جارية حبلى وهو لا يعلم من أنه يردها ويرد نصف عشر قيمتها(5).

بل في مرسلة الكليني: «إن كانت بكراً فعشر ثمنها، وإن لم تكن بكراً فنصف عشر ثمنها»(6).

نعم في بعضها: «يردها ويرد معها شيئاً»(7) وفي آخر: «يردها ويكسوها»(8).

(1) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1.

(2و3) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 35 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1، 2.

(4) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 82 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 1.

(5) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب أحكام العيوب.

(6و7و8) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 5 من أبواب أحكام العيوب حديث: 4، 5، 6.

ولو حملت منه كان عليه قيمة الولد يوم ولد حياً (1) ويرجع على البائع بما


ولا يبعد تنزيلهما على ما يساوي نصف العشر، لثيبوبة الحبلى غالباً.

والعمدة الصحاح السابقة.

هذا وقد يشكل بعدم ذكر ذلك في نصوص كثيرة واردة في الجارية الموطوءة شبهة، كالمشتراة من غير المالك(1) وغيرها(2).

ولعله لذا لم يذكره في المقنعة والنهاية.

نعم حكي عن النهاية ذكره في كتاب الحدود وإن لم أعثر عليه.

لكن لابد من حملها بقرينة النصوص المتقدمة على عدم كونها في مقام استيفاء الأحكام.

وذهب الشيخ في كتاب الغصب من المبسوط إلى وجوب المهر إذا لم تكن زانية.

ولأجل ذلك نسب له غير واحد وجوب مهر المثل.

لكن قد يكون مراده بالمهر العشر ونصف العشر، كما فسره به في أحكام تفريق الصفقة من كتاب البيع.

نعم صرح بذلك ابن إدريس وجماعة في باب الغصب، وذكر في السرائر أن ما تضمن العشر ونصف العشر وارد فيمن اشترى جارية فوطئها ثم ظهرت حاملاً فأراد ردّها، فلا يقاس عليه ما نحن فيه.

لكن عرفت أن العمدة الصحاح السابقة التي يجب التعدي عن موردها.

كما أن وجوب مهر المثل إنما ورد في الحرة إذا وطئت شبهة، وليس من شأنها التقويم.

فحمل الأمة عليها قياس.

ومن هنا لا مخرج عما سبق.

(1) ظاهره كون الولد حراً، كما ادعى الإجماع عليه في الخلاف والمبسوط.

لكن في المقنعة: «كان لمالكها انتزاعها من يد المبتاع واسترقاق ولدها، إلا أن يرضيه الأب بشيء عن ذلك».

وفي النهاية: «كان لمالكها انتزاعها من يد المبتاع وقبض ولدها.

إلا أن يرضيه الأب بشيء عن ذلك».

وفي المهذب: «كان الولد رقاً لسيدها.

وعلى سيدها

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 14 باب: 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

(2) راجع وسائل الشيعة ج: 14 باب: 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

اغترمه للمالك (1) إن كان جاهلاً (2).

تسليم الولد لسيدها بالقيمة».

والأول هو المناسب لما تضمن عدم ملكية ولد الحر.

وحينئذٍ تكون القيمة هي قيمته حين يولد حياً، إذ هو بعد ذلك حر فلا معنى لتقييمه.

ودعوى: أن اللازم تقييمه حين انعقاد نطفته، لأنه محكوم بالحرية حينئذٍ.

مدفوعة بأن مقتضى نسبة القيمة للولد في النصوص تقييمه وهو ولد، وهو لا يكون إلا حين ولادته.

لكن الإنصاف أن النصوص في المقام في غاية الاضطراب من هذه الجهة، حيث اختلفت في حرية الولد ورقيته.

نعم يتعين الجمع بينها، إما بأنه حرّ بحكم الرق في ضمانه لصاحب الجارية بالقيمة حين سقوطه حياً، وإما بأن من شأنه أن يتحرر بدفع قيمته لصاحب الجارية، بقرينة موثق سماعة: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مملوكة أتت قوماً وزعمت أنها حرة فتزوجها رجل منهم وأولدها ولداً، ثم إن مولاها أتاهم فأقام عندهم البينة أنها مملوكة، وأقرت الجارية بذلك.

فقال: تدفع إلى مولاها هي وولدها.

وعلى مولاها أن يدفع ولدها إلى أبيه بقيمته يوم يصير إليه....(1).

نعم لم يتضمن الموثق ضمان قيمة الولد حين سقوطه حياً، بل قيمته حين يصير للأب.

ومن هنا لا يخلو الأمر عن إشكال.

وإن لم يكن مهماً بعد عدم الابتلاء بالمسألة في عصورنا.

(1) لقاعدة الضمان بالتغرير التي تقدم تفصيل الكلام فيها في المسألة التاسعة عشرة من الفصل الثاني في شروط المتعاقدين في تتمة أحكام عقد الفضولي.

فراجع.

(2) الظاهر أن مراده (قده) جهل المشتري، ليكون بذلك مغروراً من البائع ويستحق الرجوع.

لكنه إذا كان عالماً بالحال كان زانياً، إلا أن يجهل اعتبار إذن المالك،

(1) وسائل الشيعة ج: 14 باب: 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء حديث: 5.

(مسألة 11): الأقوى أن العبد يملك (1)، فلو ملّكه مولاه شيئاً ملكه.

وكذا لو ملّكه غيره أو حاز لنفسه شيئاً إذا كان بإذن المولى (2).

ولا ينفذ تصرفه فيما ملكه بدون إذن مولاه (3).


ومع الزنا يكون الولد رقاً، على ما يذكر في محله.

(1) كما هو ظاهر الأكثر على ما في الدروس.

لظهور جملة من النصوص المتضمنة لإضافة المال للعبد(1) في المفروغية عن ذلك.

وهي وإن لم يكن لها إطلاق، إلا أنها حيث دلت على قابلية العبد للملكية فمقتضى إطلاق أدلة أسباب الملك عمومها للعبد.

بل قد يكون ذلك مقتضى الإطلاقات المقامية لأدلة الأسباب المذكورة، حيث يستفاد منها التحويل في تشخيص القابلية للعرف، وهو يرى قابلية العبد للتملك.

ولا ينافي ذلك كونه مملوكاً فضلاً عن كونه محجوراً عليه.

ودعوى: أن ملكيته لغيره فرع ملكيته لنفسه.

ممنوعة فإن ملكية الإنسان لنفسه ليست من سنخ ملكيته لغيره، بل هي عبارة عن محض السلطنة عليها، وهي وإن لم تتحقق في العبد، إلا أنها ليست شرطاً في ملكية الغير، حيث لا إشكال في عدم مانعية الحجر من الملك.

هذا وقد ذهب جماعة كثيرة إلى عدم ملك العبد مطلقاً كما نسبه في المسالك للأكثر، بل ربما ادعي الإجماع عليه أو في الجملة على اختلاف وجوه التفصيل.

لوجوه ضعيفة لا يسعنا إطالة الكلام فيها بعد خروج المسألة عن محل الابتلاء.

(2) لأن التملك نحو من التصرف الذي يمنع منه العبد بغير إذن المولى.

(3) قطعاً لما أشرنا إليه من عموم الحجر عليه، ومنعه من التصرف بغير إذن المولى.

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 16 باب: 24 من أبواب كتاب العتق وغيرها.

(487)

اذا اشرى كل من العبدين صاحبه من مولاه

(مسألة 12): إذا اشترى كل من العبدين المأذونين من مولاهما بالشراء صاحبه من مولاه، فإن اقترن العقدان وكان شراؤهما لأنفسهما بطلا (1)،


(1) كما صرح به جماعة.

لامتناع ملك كل منهما لصاحبه وعدم المرجح بعد فرض التقارن.

مضافاً إلى صحيح أبي خديجة [سلمة] عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال في رجلين مملوكين مفوض إليهما يشتريان ويبيعان بأموالهما، فكان بينهما كلام، فخرج هذا يعدو إلى مولى هذا، وهذا إلى مولى هذا.

وهما في القوة سواء، فاشترى هذا من مولى هذا العبد، وذهب هذا فاشترى من مولى هذا العبد الآخر، وانصرفا إلى مكانهما، وتشبث كل منهما بصاحبه، وقال له: أنت عبدي قد اشتريتك من سيدك.

قال: يحكم بينهما من حيث افترقا بذرع الطريق، فأيهما كان أقرب فهو الذي سبق الذي هو أبعد.

وإن كانا سواء فهما ردا على مواليهما، جاءا سواء وافترقا سواء.

إلا أن يكون أحدهما سبق صاحبه، فالسابق هو له، إن شاء باع وإن شاء أمسك.

وليس له أن يضربه»(1).

نعم قال الكليني (قده): «وفي رواية أخرى: إذا كانت المسافة سواء يقرع بينهما، فأيهما وقعت القرعة به كان عبده»(2).

وقريب منه في التهذيب(3).

ومقتضى إطلاقه الإقراع حتى مع العلم بالاقتران.

ولعله لذا قال في النهاية: «فإن اتفق أن كان العقدان في حالة واحدة أقرع بينهما فمن خرج اسمه كان البيع له.

ويكون الآخر مملوكه.

وقد روي أنه إذا اتفق العقدان في حالة واحدة كانا باطلين.

والأحوط ما قدمناه».

لكن لم يتضح وجه الاحتياط في ذلك.

مع أن الإقراع إن كان لعمومات القرعة فهي لو تمت إنما تقتضي تعيين المجهول بالقرعة، ولا جهالة في المقام، بل مقتضى القاعدة بطلانهما معاً.

على أنها غير تامة على ما ذكرناه في المسألة التاسعة والثلاثين من

(1) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 18 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 18 من أبواب بيع الحيوان حديث: 2. الكافي ج: 5 ص: 218.

(3) تهذيب الأحكام ج: 7 ص: 73.

وإن كان شراؤهما للسيدين فالأقوى الصحة (1).

وإن ترتبا صح


مقدمة كتاب التجارة من هذا الشرح.

وإن كان للمرسل المتقدم، فهو وإن كان ممكناً في نفسه كمرجح تعبدي، نظير ما ورد فيمن قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فورث سبعة جميعاً(1) ، ومن أوصى بعتق ثلث مماليكه(2) ، إلا أن المرسل مع ضعفه في نفسه، وقرب انصرافه عن صورة العلم بتقارن العقدين، لندرتها جداً حتى مع تساوي الطريقين لا ينهض بالاستدلال في قبال صحيح أبي خديجة الصريح في الحكم ببطلان العقدين معاً مع تساوي الطريقين إلا مع العلم بسبق أحدهما بعينه.

هذا وقد أهمل سيدنا المصنف (قده) ما تضمنه الصحيح من أمارية اختلاف الطريقين على تقدم عقد من كان طريقه أقرب.

وكأنه لعدم تعرض الأكثر لذلك بنحو قد يظهر في هجرهم للصحيح.

لكنه في غاية الإشكال، حيث قد يظهر التعويل عليه في ذلك من الكليني والشيخ في التهذيب، بل صرح بالحكم المذكور في النافع وفي كشف الرموز أنه يدل عليه النظر والأثر، وحكاه عن صاحب البشرى.

فلاحظ.

(1) كما في جامع المقاصد، لكون كل منهما مأذوناً في الشراء إلى حين خروجه عن ملك صاحبه بتمام العقد، ولا يخرج عن ملك صاحبه وإذنه إلا بعد إكمال العقد وترتب الأثر عليه.

وأما ما يظهر من المختلف من خروج كل منهما عن الإذن بإقدام بائعه على بيعه، وحيث كان إقدام بائع كل منهما مقارناً لوقوع العقد من كل منهما تعين عدم نفوذ عقد كل منهما، لكونه فضولياً واحتاج للإجازة.

فهو غير ظاهر، بل غاية ما يمكن أن يدعى أن ظاهر حال الإذن استمراره مادام مملوكاً للآذن، والإقدام على بيعه لا يستلزم الرجوع عن الإذن.

(1و2) وسائل الشيعة ج: 18 باب: 13 من أبواب كيفية الحكم وأبواب الدعوى حديث: 15، 10.

(489)

وطء الشريك جارية الشركة

السابق (1).

وأما اللاحق إن كان الشراء لنفسه فهو باطل (2).

وإن كان الشراء لسيده توقف على إجازته (3).

(مسألة 13): لو وطئ الشريك جارية الشركة حدّ بنصيب غيره (4).

فإن حملت قوّمت عليه (5)،


(1) بلا إشكال ظاهر.

وبه صرح غير واحد.

لعمومات نفوذ العقد ولزومه بعد فرض وقوعه من أهله في محله.

مضافاً إلى صحيح أبي خديجة المتقدم فيما إذا كان شراؤهما لأنفسهما.

(2) لانتهاء الإذن له ببيعه، وعدم ترتب الأثر بعده حتى لو فرض استمراره، ولامتناع ملكه لمالكه.

(3) لانتهاء إذنه له بخروجه عن ملكه، لانصرافه لذلك، فلا ينفذ تصرفه وشراؤه له إلا بإجازته.

(4) للإجماع المحكي إن لم يكن المحصل، كما في الجواهر.

وللنصوص المستفيضة، كمعتبر عبد الله بن سنان: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قوم اشتركوا في شراء جارية، فائتمنوا بعضهم وجعلوا الجارية عنده، فوطئها.

قال: يجلد الحد، ويدرأ عنه من الحد بقدر ما له فيها، وتقوم الجارية، ويغرم ثمنها للشركاء...»(1).

ونحوه معتبره الآخر(2) ، بل لعله عينه، وغيرهما من النصوص.

(5) لا إشكال في تقويم الجارية على الواطئ بسبب الوطء في الجملة، فيجب عليه أن يأخذ حصص الشركاء بالقيمة، وتصير الجارية بتمامها له.

وإنما الكلام في أن ذلك يثبت بمجرد الوطء أو باحتمال الحمل أو بتحقق الحمل.

ظاهر النهاية الأول.

ويشهد له معتبر ابن سنان المتقدم.

(1) وسائل الشيعة ج: 18 باب: 22 من أبواب حد الزنا حديث: 4.

(2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 17 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1.

لكن في ذيل معتبره الثاني: «قلت: فإن أراد بعض الشركاء شراءها دون الرجل.

قال: ذلك له.

وليس له أن يشتريها حتى تستبرأ.

.

.

».

وهو صريح في عدم وجوب شرائه لها إذا لم تكن حاملاً.

ويناسبه ما في موثق إسماعيل الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام): «في رجلين اشتريا جارية، فنكحها أحدهما دون صاحبه.

قال: يضرب نصف الحد، ويغرم نصف القيمة إذا أحبل»(1).

وحينئذٍ يتعين حمل الإطلاق في معتبر عبد الله بن سنان الأول وصدر معتبره الثاني تخلصاً من التدافع على صدوره لدفع توهم عدم وجوب احتسابها عليه إذا حملت، لعدم النظير له، بل إما أن يجوز بيع حصته منها، لعدم ملكها بتمامها، لتكون أم ولد، أو لا يجب شراء بقية الحصص التي لم تكن في ملكه حين الوطء، كما لا يجب على الواطئ زانياً أو عن شبهة شراء موطوءته لو حملت منه.

ولعله لذا ذهب في السرائر والشرائع وكثير غيرهما إلى عدم التقويم عليه إلا بالحمل، بل في مفتاح الكرامة: «لم أجد للشيخ موافقاً، والموجود في السرائر وما تأخر عنها أنها إنما تقوم عليه إذا حملت».

وأما احتمال وجوب تقويمها عليه بمجرد احتمال الحمل الذي ذكره سيدنا المصنف (قده) في آخر كلامه فلم أعرف بعد النظر في كلماتهم قائلاً به، وإن قيل بندرته.

وكأن وجهه صحيح عمرو بن عثمان عن عدة من أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: سئل عن رجل أصاب جارية من الفيء، فوطأها قبل أن يقسم.

قال: تقوم الجارية، وتدفع إليه بالقيمة، ويحط له منها ما يصيبه من الفيء، ويجلد الحد، ويدرأ له من الحد بقدر ما كان له فيها.

فقلت: وكيف صارت الجارية تدفع إليه هو بالقيمة دون غيره‌؟ قال: لأنه وطأها، ولا يؤمن أن يكون ثَم حبل»(2).

لكنه لا يناسب موثق إسماعيل المتقدم المتضمن إناطة التقويم بنفس الحبل، لا باحتماله، ومثله ذيل معتبر ابن سنان المتقدم المتضمن جواز شراء أحد الشركاء لها بعد

(1و2) وسائل الشيعة ج: 18 باب: 22 من أبواب حد الزنا حديث: 8، 6.

وانعقد الولد حراً (1)، وعليه قيمة حصص الشركاء من الولد عند سقوطه حياً (2).

بل يحتمل تقويمهم لها عليه بمجرد الوطء مع احتمال


الاستبراء، لظهور أن الاستبراء يكون نوعاً مع احتمال الحبل.

ومن هنا يقرب اختصاصه بمورده ونحوه مما يتعذر فيه الانتظار لاستكشاف الحال، لأن من شأن الفيء التعجيل بقسمته، وتفرق الغانمين بعد أخذ حصصهم منه.

وعلى ذلك لا مخرج عما عليه المشهور واقتضاه الجمع بين النصوص من اختصاص التقويم بصورة الحمل في غير مورد الصحيح المتقدم.

(1) كما صرح بذلك جماعة من دون خلاف ظاهر، بل يظهر من بعض كلماتهم المفروغية عنه.

لكن ذلك لا يناسب كلامهم فيمن اشترى جارية مستحقة لغير البائع، أو تزوج جارية على أنها حرة، فظهرت مملوكة، حيث يظهر من بعضهم أنه مملوك يجب على أبيه فكه بدفع القيمة، وقد تقدم في المسألة العاشرة ما يناسب ذلك من النصوص.

نعم لا ينبغي الإشكال في عدم معاملة الولد معاملة ولد الزنا، بل هو كالمولود بوطء المملوكة، لأن ما تضمنته نصوص المقام من تقييم الجارية على الواطئ يبتني على صيرورتها بسبب الحمل أم ولد، بحيث يلزم بقاؤها عنده وعدم خروجها عن ملكه، وهو يناسب صيرورة الولد شرعياً بسبب ملك أبيه لبعض أمه.

(2) كما في السرائر والشرائع والنافع والتذكرة والدروس وكثير غيرها.

ويظهر منهم أن ذلك يستفاد من نصوص استيلاد الجارية المستحقة المتقدمة في المسألة العاشرة والمتضمنة ضمانه قيمة الولد لصاحب الجارية، ومن النصوص الواردة في الجارية التي يقع عليها أكثر من واحد فتجيء بولد يدعيه كل منهم، المتضمنة أنه يقرع بينهم فمن خرج الولد له ضمن قيمته للباقين(1).

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 14 باب: 57 من أبواب نكاح العبيد والإماء.

في مستحبات شراء المملوك

الحمل (1).

(مسألة 14): يستحب لمن اشترى مملوكاً تغيير اسمه (2) وإطعامه شيئاً


لكن الطائفة الأولى إنما وردت في الجارية المستحقة للغير التي تبقى على ملك صاحبها بعد الاستيلاد، وتكون قيمة الولد نظير قيمة المنفعة المستوفاة منها، لا في المشتركة التي تقوّم على صاحبها مع الحمل فتكون له بسبب الحمل، والتي هي محل الكلام.

ولعله لذا خصّ ضمان قيمة الولد للشركاء بما إذا لم تقوم وهي حامل في مجمع الفائدة والحدائق والرياض وغيرها، وإلا دخلت قيمة الولد معها.

لكنه يشكل أيضاً مضافاً إلى أن النصوص إنما تضمنت تقويم الجارية، وإلحاق الحمل بالحيوان عند بيعه لو تم لا يستلزم إلحاقه به عند تقويمه على الشخص قهراً عليه بأن نصوص تقويم الولد مختصة بما إذا كانت الموطوءة مملوكة للغير حين الوطء، وكان الوطء شبهة جهلاً بملكيته، ولم يجب شراؤها على الواطئ بسبب الحمل، والمفروض في المقام العدوان في الوطء مع العلم بملكية الشركاء لها، وحكم الشارع بتقويمها عليه بسبب الحمل تعبداً.

وأما الطائفة الثانية فلم يتضح ورود شيء منها في وطء الشريك.

ولاسيما مع عدم التعرض في الطائفتين لتقويم الجارية على الواطئ، ولا في نصوص المقام لضمان قيمة الولد للشركاء، مع ظهور جميع الطوائف في استيفاء أحكام مواردها.

ولعله لذا لم يذكر في النهاية في المقام ضمان قيمة الولد للشركاء.

فلاحظ.

(1) سبق التعرض لمنشأ الاحتمال المذكور، وتمام الكلام فيه.

(2) كما ذكره غير واحد.

ويقتضيه صحيح زرارة: «كنت جالساً عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فدخل عليه رجل ومعه ابنه.

فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): ما تجارة ابنك‌؟ فقال: التنخس.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تشتر شيناً ولا عيباً [سبياً ولا غبياً.

يب].

وإذا اشتريت رأساً فلا ترين ثمنه في كفة الميزان.

فما من رأس يرى ثمنه في كفة

(493)

من الحلاوة (1)، والصدقة عنه بأربعة دراهم (2)، ولا يريه ثمنه في الميزان (3).

والأحوط عدم التفرقة بين الأم والولد قبل الاستغناء عن الأم (4).

الميزان فأفلح.

وإذا اشتريت رأساً فغير اسمه، وأطعمه شيئاً حلواً إذا ملكته، وصدق [وتصدق.

خ ل] عنه بأربعة دراهم»(1).

(1) كما ذكره غير واحد.

وفي النافع وأن يطعمه شيئاً حلواً، وهو أعم من الحلاوة.

ويناسبه ما تقدم في صحيح زرارة.

(2) كما في التذكرة والدروس.

وقد تقدم في صحيح زرارة.

وأطلق في الشرائع والقواعد والإرشاد الصدقة عنه.

ولم يتضح وجهه.

(3) كما ذكره جماعة كثيرة.

ويشهد به ما تقدم في صحيح زرارة، وفي معتبر ميسر عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال: من نظر إلى ثمنه وهو يوزن لم يفلح»(2).

(4) فقد اختلف الأصحاب في تحريمه وكراهته، فالمشهور كما في التذكرة الحرمة، وفي الخلاف الإجماع عليه.

وذهب جماعة للكراهة، بل عن إيضاح النافع أنه الأظهر بين الأصحاب.

واختلف كلام بعضهم باختلاف كتبهم أو باختلاف أبواب الفقه في الكتاب الواحد.

وكيف كان فقد يستدل للتحريم بصحيح عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): «أنه قال في الرجل يشتري الغلام أو الجارية وله أخ أو أخت أو أب أو أم بمصر من الأمصار.

قال: لا يخرجه إلى مصر آخر إذا كان صغيراً، ولا يشتريه.

وإن كانت له أم فطابت نفسها ونفسه فاشتره إن شئت»(3) ، وموثق سماعة أو صحيحه: «سألته عن أخوين مملوكين هل يفرق بينهما، وبين المرأة وولدها؟ قال: لا هو حرام إلا أن يريدوا ذلك»(4) ، وصحيح عمرو بن أبي نصر: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الجارية

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 6 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1، 2.

(3و4) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 13 من أبواب بيع الحيوان حديث: 1، 4.

أما البهائم فيجوز فيها ذلك (1) ما لم يؤد إلى إتلاف المال المحترم.

الصغيرة يشتريها الرجل.

فقال: إن كانت قد استغنت عن أبويها فلا بأس»(1).

لكن لا مجال لحمل الأولين على التحريم بعد اشتمالهما على الإخوة، وجعل معيار الحل في الأول طيب نفس الطرفين، وفي الثاني إرادتهما أو رضاهما، لا استغناء أحدهما عن الآخر الذي هو محل الكلام.

نعم قد ينهض بالاستدلال عليه الثالث، مؤيداً بالمرتكزات المتشرعية، وبصحيح معاوية بن عمار: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: أتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسبي من اليمن، فلما بلغوا الجحفة نفدت نفقاتهم فباعوا جارية من السبي كانت أمها معهم.

فلما قدموا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سمع بكاءها.

فقال: ما هذه‌؟ قالوا: يا رسول الله احتجنا إلى نفقة فبعنا ابنتها، فبعث بثمنها فأتي بها.

وقال: بيعوهما جميعاً، أو أمسكوهما جميعاً»(2) ، حيث يمكن حمله على وقت حاجتها إليها.

(1) الظاهر عدم الخلاف فيه ولا الإشكال.

وهو المقطوع به من السيرة.

والحمد لله رب العالمين.

(1و2) وسائل الشيعة ج: 13 باب: 13 من أبواب بيع الحيوان حديث: 5، 2.

(495)

خاتمة في الإقالة

اشارة

وهي فسخ العقد من أحد المتعاملين (1) بعد طلبه من الآخر (2).

(1) وليست بيعاً جديداً، كما حكي عن العامة، على اختلاف منهم في عمومه وخصوصه.

لظهور التباين بينهما مفهوماً.

ولما يأتي من أنها تكون في غير البيع أيضاً.

ولعدم وقوعها ابتداءً، بل لابد من تعقبها لعقد سابق بنحو تقتضي حلّه وفسخه، بخلاف البيع وسائر العقود.

ووضوح ذلك يغني عن إطالة الكلام فيه.

ويترتب على ذلك أمران: الأول: أنه يجوز الإقالة في بيع الربويين المتماثلين لو نقص أحد العوضين بجفاف أو زاد أحدهما برطوبة، ولو كانت بيعاً حرمت حينئذٍ للزوم الربا، كما هو ظاهر.

الثاني: أنه لا تثبت في الإقالة الشفعة كما نبّه لذلك في الشرائع والتذكرة والقواعد وغيرها، وفي مفتاح الكرامة أن عباراتهم قد طفحت به، بل ظاهر التذكرة الإجماع عليه، فلو باع أحد الشريكين فلم يأخذ شريكه بالشفعة، ثم حصل التقايل في بيع الحصة لم يكن للشريك الشفعة، لاختصاص الشفعة بالبيع، ولو كانت بيعاً لكان له الشفعة.

وهناك آثار أخر تظهر للمتتبع.

(2) الظاهر عدم أخذ الطلب المذكور في مفهومها عرفاً، بل يكفي رغبة الآخر فيه بحيث يكون الفسخ عن اتفاق منهما.

كما أن نفوذ الفسخ من المرغوب إليه ليس

والظاهر جريانها في عامة العقود اللازمة (1) غير النكاح (2).

وفي


انفراده بالسلطنة على حلّ العقد، كما لو كان له حق الخيار، بل لرجوع رغبة الطرف الآخر أو طلبه إلى رضاه بالفسخ، فيرجع الأمر حقيقة إلى التقايل.

ولذا لو سقطت سلطنة الطرف الآخر على حلّ العقد بسفه أو نحوه لم تنفذ الإقالة وإن رغب فيها أو طلبها.

نعم لا يجعلها ذلك عقداً، بل هي حلّ العقد وفسخه، وهما متقابلان مفهوماً ومتباينان خارجاً.

(1) تقدم في الفصل الرابع في الخيارات عند الكلام في شرط الخيار في البيع أن الإقالة واشتراط الخيار إنما يشرعان فيما إذا كان لزوم العقد حقياً، حيث يكون لذي الحق التنازل عن حقه، أما إذا كان اللزوم حكمياً، فيكون الفسخ بالتقايل واشتراط الخيار منافياً للحكم الشرعي.

وقد تقدم هناك أن لزوم العقود نوعاً حقي، وأنه لذلك يشرع فيها التقايل واشتراط الخيار، إلا ما قام الدليل على عدم مشروعيتهما فيه، لكون لزومه حكمياً.

كما تقدم هناك الكلام في بعض العقود، وفي كون لزومها حقياً أو حكمياً.

فراجع.

هذا والظاهر جريان الإقالة في العقود غير اللازمة أيضاً.

ومجرد سلطنة كل من الطرفين على فسخها لا يمنع من صدق الإقالة فيما لو لم يرغب أحد الطرفين في المبادرة إلى فسخ العقد، ورغب من الآخر أن يعفيه منه ويقيله، فأقاله استجابة لرغبته.

وإذا سبق منهم الإشكال في اشتراط الخيار في العقود الجائزة، لدعوى لغوية نفوذ الشرط، فلا مجال لذلك هنا بعد عدم ابتناء الإقالة على شرط ليقع الكلام في لغوية نفوذه وعدمها.

غاية الأمر أن الإقالة في العقد الجائز لا ترجع إلى التقايل وإن أمكن أن تجتمع معه، حيث يكفي فيها سلطنة أحد الطرفين على الفسخ.

فلاحظ.

(2) فقد تقدم في المسألة الحادية عشرة من الفصل الرابع في الخيارات تقريب كون لزومه حكمياً، وعدم مشروعية التقايل فيه.

جريانها في الهبة اللازمة والضمان إشكال (1)، وتقع بكل لفظ يدل على المراد وإن لم يكن عربياً (2).

بل تقع بالفعل كما تقع بالقول (3)، فإذا طلب أحدهم الفسخ من صاحبه، فدفع إليه (4) كان فسخاً وإقالة، ووجب على الطالب إرجاع ما في يده إلى صاحبه.

(1) للإشكال في كون اللزوم فيهما حقياً.

وقد سبق في المسألة المذكورة منشأ الإشكال في الهبة.

أما الضمان فقد تقدم منه (قده) مشروعية اشتراط الخيار فيه.

وهو يناسب مشروعية التقايل فيه.

نعم تقدم منّا تقريب توقف ذلك على إذن المدين فيه.

كما أنه تقدم منه (قده) الإشكال في مشروعية اشتراط الخيار في الصدقة.

وهو لو تم يقتضي عدم مشروعية التقايل فيها.

والعمدة فيه ما تضمن أن ما كان لله عز وجل فلا رجعة فيه(1).

(2) بلا إشكال ظاهر، بل لعله لا خلاف فيه.

لتحقق الإقالة به عرفاً، فتجري معه أحكامها.

(3) لنظير ما تقدم في سابقه، وللسيرة المستمرة، كما في الجواهر.

وفي خبر هذيل: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري المتاع أو الثوب، فينطلق به إلى منزله، ولم ينقد شيئاً، فيبدو له فيرده، هل ينبغي له ذلك‌؟ قال: لا، إلا أن تطيب نفس صاحبه»(2).

فإنه صريح في كفاية طيب النفس في تحقق الإقالة، ومن الظاهر كفاية الفعل في الكشف عن طيب النفس، كما يكفي في الكشف عنه مطلق القول من دون ملزم بتقييده بشيء.

(4) يعني: دفع المطلوب منه ما أخذه من العوضين إلى الطالب وأرجعه إليه.

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 6 باب: 24 من أبواب الصدقة. وج: 13 باب: 3، 5 من كتاب الهبات. وباب: 11 من أبواب كتاب الوقوف والصدقات، وغيرها.

(2) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب آداب التجارة حديث: 3.

(مسألة 1): لا تجوز الإقالة بزيادة عن الثمن أو المثمن أو نقصان (1).

فلو أقال كذلك بطلت (2)، وبقي كل من العوضين على ملك مالكه.

وإذا جعل له مالاً في الذمة أو في الخارج ليقيله، بأن قال له: أقلني ولك هذا المال،


(1) قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيهما إلا ما حكاه الشهيد في حواشيه عن الإسكافي.

قال: ولو اصطلح المتبايعان بزيادة أو نقيصة صحّ عند ابن الجنيد.

والأصحاب على خلافه، لأنها فسخ لا بيع».

ومرجعه أن الفسخ يقتضي حلّ البيع ورجوع العوضين إلى ما كانا عليه قبله.

فاشتراط الزيادة أو النقيصة خروج عن مقتضى الإقالة، ولا يجتمع مع قصدها، نظير اشتراط ما يخالف مقتضى العقد.

لكن هذا إنما يتم في اشتراط الوضيعة، لأن عدم رجوع بعض أحد العوضين ينافي الفسخ المقتضي لرجوع تمام كل من العوضين لصاحبه الأول، أما الزيادة فاشتراط استحقاقها بالفسخ لا ينافي مقتضى الفسخ إلا إذا قصد بالشرط استحقاقها على نحو استحقاق العوض، بحيث تكون جزءاً منه راجعاً برجوعه، ومن المعلوم عدم القصد لذلك، بل المراد استحقاقها مع العوض كأمر خارج عنه بسبب الشرط.

وحينئذٍ يجري فيه الكلام الآتي في الشرط.

(2) لا ينبغي الإشكال في ذلك في اشتراط الوضيعة.

للتنافي بين الإقالة والشرط، المانع من نفوذهما معاً، نظير ما تقدم في الشرط المخالف لمقتضى العقد من مباحث الشروط، كما أشرنا آنفاً.

مضافاً إلى صحيح الحلبي: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل اشترى ثوباً [ولم يشترط على صاحبه شيئاً فكرهه] ثم رده على صاحبه، فأبى أن يقيله [يقبله] إلا بوضيعة.

قال: لا يصلح أن يأخذه بوضيعة.

فإن جهل فأخذه فباعه بأكثر من ثمنه ردّ على صاحبه الأول ما زاد»(1).

(1) وسائل الشيعة ج: 12 باب: 17 من أبواب أحكام العقود حديث: 1.

(499)

جواز الإقالة بزيادة الثمن

أو: أقلني ولك عليّ كذا.

نظير الجعالة، ففي الصحة وجه (1).

ولو أقال بشرط مال عين أو عمل كما لو قال للمستقيل: أقلتك بشرط أن تعطيني كذا، أو تخيط ثوبي فقبل، ففي الصحة إشكال (2).


وأما اشتراط الزيادة فقد ذكرنا جريان ما يأتي في الشرط فيه.

(1) لعدم منافاة ذلك للإقالة، بل هو مترتب عليها بعد وقوعها على الوجه الذي تضمنته من حلّ العقد ورجوع كل من العوضين إلى ما كان عليه قبل العقد، فيتعين استحقاقه، كما في سائر موارد الجعالة.

وأظهر من ذلك ما إذا دفع إليه الجعل على أن يقيله، بحيث تكون الإقالة هي الجزاء على الجعل.

(2) حيث قد يدعى استفادته من الصحيح، لإلغاء خصوصية الوضيعة فيه عرفاً، أو لعدم الفصل، أو لأن اشتراط الوضيعة وعدم رجوع بعض الثمن أعم من عدم رجوعه بالفسخ ورجوعه به ثم استحقاق البائع له بالشرط.

وبعبارة أخرى: لا يراد باشتراط الوضيعة في الصحيح إلا عدم أخذ المشتري لتمام الثمن، سواء كان لعدم رجوعه بتمامه بالفسخ، أم لاستحقاق البائع لبعضه بعد الفسخ بالشرط.

وحينئذٍ يستفاد منه عدم صحة الإقالة بنحو يستفيد بها أحد الطرفين.

لكن الجميع في حيز المنع.

وقد أطال في الجواهر في ذلك.

فراجع.

ودعوى: أن الإقالة حيث كانت حلاً للعقد ولم تكن عقداً فهي لا تقبل الشرط، لأن الشرط إنما يكون في ضمن العقد.

ومرجع ذلك إلى عدم الدليل على نفوذ الشرط المذكور وإن لم يثبت مانع من نفوذه.

مدفوعة بأن كون الإقالة حلاً للعقد السابق، لا عقداً قائماً بنفسه، لا ينافي كونها طرفاً لعقد مستقل مركب منها ومن الشرط المذكور، فتكون مشمولة لعموم نفوذ العقود.

كما يكون الشرط فيها مشمولاً لعموم نفوذ الشروط، بناء على ما سبق في أول

(مسألة 2): لا يجري في الإقالة فسخ أو إقالة (1).

(مسألة 3): في قيام وارث المتعاقدين مقام المورِّث في صحة الإقالة إشكال، وإن كان أقرب (2).

(مسألة 4): تصح الإقالة في جميع ما وقع عليه العقد وفي بعضه (3).


كتاب التجارة من صدق الشرط على أحد طرفي الالتزام العقدي.

ولعله لذا ذهب بعض مشايخنا (قده) إلى صحة الشرط المذكور.

فلاحظ.

(1) قد يظهر من الجواهر المفروغية عنه، لعدم معهودية تزلزل الفسخ.

والعمدة فيه أن الإقالة في العقد اللازم وإن توقفت على رضا الطرفين، إلا أنها ليست عقداً، بل هي حلّ للعقد، وبعد حلّه لا يتصور عرفاً فسخ الحلّ ورجوع العقد الأول، بل لابد من عقد جديد.

(2) كما في التذكرة.

كأنه لأن ملكية الوارث عرفاً بقاء لملكية المورث، فهي ملكية واحدة تواردا عليها، وليست هي كملكية الموهوب أو المشتري مباينة لملكية الواهب والبائع.

ولذا تقدم منّا تقريب قيام الوارث في مقام المورث في إجازة العقد الفضولي، وإن تقدم منه (قده) التوقف في ذلك الذي هو لا يناسب ما هنا.

هذا وقد منع بعض مشايخنا (قده) من كون الوارث مقيلاً، وأجاز كونه مستقيلاً.

ولم يتضح لنا وجه التفصيل المذكور بعد ما سبق من رجوع الإقالة إلى التقايل من الطرفين.

(3) كما في الشرائع والتذكرة والقواعد وغيرها كثير، وعن شرح الإرشاد للفخر الإجماع عليه.

واستدل له في الجواهر بإطلاق أدلة الإقالة.

لكن لم أعثر على نصوص شارحة لكيفية الإقالة، وإنما ينحصر الأمر بما تضمن استحباب الإقالة، أو إقالة النادم في البيع(1) ، وما تقدم من عدم جواز الإقالة بوضيعة، وهي لا تنهض بشرح الإقالة.

(1) راجع وسائل الشيعة ج: 12 باب: 3 من أبواب آداب التجارة.

(501)

تلف احد العوضين لا يمنع من الإقالة

ويتقسط الثمن حينئذٍ على النسبة (1).

وإذا تعدد البائع أو المشتري تصح الإقالة بين أحدهما والطرف الآخر بالنسبة إلى حصته (2).

ولا يشترط رضى الآخر (3).

(مسألة 5): تلف أحد العوضين أو كليهما لا يمنع من صحة الإقالة (4)


غاية الأمر أن مقتضى إطلاقها المقامي التحويل على العرف في شرحها، وحيث كانت الإقالة فسخاً للعقد فقد سبق منّا في المسألة الرابعة عشرة من الفصل الرابع في الخيار المنع من التبعيض في فسخ العقد الواحد عرفاً.

فيتعين المنع من التبعيض في الإقالة.

من دون فرق بين تعدد أحد طرفي العقد وعدمه.

خلافاً لما صرحوا به من إمكان التبعيض فيها مطلقاً، وما عن ابن المتوج من إمكان التبعيض فيها مع تعدده فقط.

(1) على نحو ما تقدم في تبعيض الصفقة في المسألة الواحدة والعشرين من الفصل الثاني في شروط المتعاقدين، لأن المقامين من باب واحد لو صح التبعيض في المقام.

(2) بناءً على ما سبق منه من إمكان التبعيض في الإقالة.

(3) لانفراد كل منهما بالسلطنة على حصته، والشركة إنما تمنع من انفراد كل منهما بالسلطنة على المجموع، والمفروض عدم اقتضاء الإقالة التصرف فيه، بل في خصوص الحصة.

كما لا مجال لشفعة الآخر في الحصة التي هي مورد الإقالة بعد اختصاص الشفعة بالبيع، وعدم كون الإقالة منه، على ما ذكرناه في أول الكلام في الإقالة.

(4) لأن الإقالة حيث كانت فسخاً فموضوع الفسخ هو العقد بما له من وجود استمراري، دون العوضين بشخصهما ليرتفع موضوع الإقالة والفسخ بتلف أحدهما.

وأما ما سبق منّا من الإشكال في بقاء بعض الخيارات مع تلف أحد العوضين فهو لا يبتني على امتناع الفسخ مع تلف أحد العوضين، بل على قصور دليل ثبوت حق الخيار عن صورة تلفه، فلا ينافي إمكان التقايل من دون استحقاق للخيار.

فإذا تقايلا رجع كل عوض إلى صاحبه الأول (1).

فإن كان موجوداً أخذه (2)، وإن كان تالفاً رجع بمثله إن كان مثلياً وبقيمته إن كان قيمياً (3).

نعم حيث لم يرد من الشارع شرح للإقالة وبيان حدودها وكان مقتضى الإطلاقات المقامية الرجوع للعرف في تحديدها فلابد من إحراز بناء العرف على مشروعيتها، والمتيقن من بنائهم عليها ما إذا كان أحد العوضين موجوداً وكان هناك غرض عقلائي يقتضي الاهتمام برجوعه، لكونه من القيميات التي يتعلق الغرض نوعاً بتحصيلها.

أما مع عدم ذلك، بحيث لا يكون فائدة التقايل إلا رجوع بدله الذي قد يكون أكثر من الثمن أو أقل، فلا يتضح بناؤهم على التقايل، بل لعله بنظرهم لا يرجع إلا إلى الاهتمام بتحصيل فرق ما بين الثمن المجعول في المعاملة وقيمة التالف الذي يتيسر لمن يرضى بدفعه ابتداء بلا حاجة إلى التقايل، وليس التقايل إلا تكلفاً مستغنى عنه حينئذٍ.

وإن كان الأمر محتاجاً لمزيد من التأمل، لاحتمال كون عدم بنائهم على الفسخ لعدم الفائدة فيه لا ينافي بناءهم على صحته لو وقع، لكون لزوم العقد حقياً تابعاً لهما وتحت سلطنتهما.

فتأمل جيداً.

(1) يعني: بلحاظ مفاد الإقالة والفسخ.

أما الرجوع الفعلي فهو موقوف على إمكان تملكه له، على ما يتضح مما يأتي.

(2) قطعاً لأنه ملكه.

بل يجب على الأول تسليمه له لو احتاج إلى مؤنة، لأنه مسؤول بتسليمه، كما يجب على البائع تسليم المبيع، لكونه مضموناً عليه بضمان المعاوضة، على ما يأتي.

(3) أما أصل الضمان والانتقال للبدل فلضمان التالف بضمان المعاوضة بسبب العقد، كما سبق نظيره في المسألة التاسعة والعشرين من الفصل الرابع في الخيار.

وأما كيفية الضمان والانتقال للمثل والقيمة فلأن ذلك مقتضى الأصل في الضمان، كما تقدم

وتتعين قيمة زمان التلف (1).

والخروج عن الملك بيع أو هبة أو نحوهما بمنزلة التلف (2).

وتلف البعض كتلف الكل يستوجب الرجوع بالبدل عن البعض التالف (3).

والعيب في يد المشتري يستوجب الرجوع عليه


في المسألة الثالثة عشرة من الفصل الأول في شروط العقد.

فراجع.

(1) تقدم منه (قده) نظير ذلك في المسألة الخامسة والثلاثين من الفصل الرابع في الخيار فيما لو فسخ المغبون بعد تلف ما في يد الغابن.

وتقدم منّا المنع من ذلك، وتقريب لزوم قيمة زمان الفسخ، مع احتمال لزوم قيمة زمان الأداء.

وقد أطلنا الكلام هناك في المسألة بما لا يسعنا إعادته هنا.

فراجع.

(2) لتعذر رجوع العوض إلى ملك مالكه الأول بالفسخ، فيتعين الانتقال لبدله.

ومثل ذلك ما إذا حصل الملزم ببقائه في ملكه، كاستيلاد الجارية، كما هو ظاهر.

وقد تقدم نظير ذلك مع بعض فروعه فيما لو فسخ المغبون من المسألة التاسعة والعشرين من الفصل الرابع.

(3) لكونه مضموناً بضمان المعاوضة، كما لو تلف الكل.

ولو كان للاجتماع دخل في زيادة القيمة كان النقص في الباقي مضموناً بعين ملاك ضمان العيب بالأرش، فتنسب قيمة الباقي لقيمة المجموع ويضمن الفرق، فيدفع.

أما إذا كان الاجتماع موجباً لنقصها ففي جبر الزيادة الحاصلة في الباقي بسبب قلته لنقص التالف إشكال، فإذا كان قيمة المجموع اثني عشر وقيمة النصف ثمانية، وكان الفسخ بعد تلف النصف، أشكل الاكتفاء بدفع ثلث الثمن، من أجل أن قيمة الباقي ثلثا قيمة المبيع.

إذ الثمن مقابل في العقد بإجزاء المجموع بالتساوي، فنصف الثمن مقابل لنصف المثمن.

غاية الأمر أن الباقي قد زاد بسبب النقص، والزيادة المذكورة ليست ناشئة من صفة فيه مملوكة للمشتري، كما لو صبغ الثوب، ليدعى جبر نقص التالف بها، بل هي

بالأرش (1).

والحمد لله رب العالمين.


نظير الزيادة السوقية لا تصلح لجبر النقص الحاصل بالتلف.

وبذلك يظهر أنه لا مجال لدعوى: أن اللازم ضمان التالف بسبب قلته بالقيمة الزائدة، وهي ثلثا قيمة المجموع في الفرض الأول، لا بنصف قيمة المجموع.

لاندفاعها بأن التلف لما ورد عليه وهو في ضمن المجموع لا منفرداً فقيمته حين التلف هي القليلة بسبب الاجتماع، وهي نصف قيمة المجموع في الفرض المذكور، لا ثلثا قيمة المجموع، ويتعين أن يكون مقابله نصف الثمن لا غير، كمقابل النصف الباقي فلاحظ.

(1) لكون النقص الحاصل بالعيب مضموناً بضمان المعاوضة.

وقد تقدم بعض الكلام في ذلك في المسألة التاسعة والعشرين من الفصل المذكور آنفاً.

والحمد لله رب العالمين.

انتهى الكلام في كتاب البيع شرحاً لكتاب (منهاج الصالحين) تأليف سيدنا الأستاذ الجد آية الله العظمى المرجع الأعلى للطائفة (السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قده).

وكان ذلك ليلة السبت الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ألف وأربعمائة وثلاثين للهجرة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلوات وأزكى التحيات.

في النجف الأشرف ببركة الحرم المشرف على مشرفه الصلاة والسلام.

بقلم العبد الفقير (محمد سعيد) عفي عنه، نجل سماحة آية الله (السيد محمد علي) الطباطبائي الحكيم دامت بركاته.

ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والتسديد، وقبول الأعمال وصلاح الأحوال.

إنه أرحم الراحمين وولي المؤمنين.

وهو حسبنا ونعم الوكيل.

فهرست تفصيلى

(5)في أحكام الشروط5

(7)الكلام في الشروط7

(9)الكلام في الشرط المخالف للكتاب والسنة9

(13)مخالفة الشرط للحكم الشرعي الاقتضائي13

(17)منافاة الشرط لمقتضى العقد17

(19)اشتراط كونه مذكوراً في ضمن العقد19

(21)اشتراط القدرة على الشرط1)2

(25)أن لا يكون الشرط مجهولاً25

(27)الكلام في الشرط المعلق27

(29)امتناع المشروط عليه من فعل الشرط29

(37)إذا لم يتمكن المشروط عليه من فعل الشرط37

(41)عدم جواز تصرف المشروط عليه ما يمنع من فعل الشرط41

(43)لصاحب الشرط إسقاط شرطه43

(45)جزئية الشرط من مضمون العقد وعدم انحلاله45

(47)بطلان الشرط بالفسخ أو التقايل47

(51)الفصل الخامس51

(51)في أحكام الخيار51

(55)كون الخيار من الحقوق55

(61)حكم ما إذا تعدد الوارث للخيار61

(63)أثر فسخ الورثة بالخيار63

(65)الكلام في خيار الأجنبي إذا مات65

(73)الفصل السادس73

(73)فيما يدخل في المبيع73

(81)استثناء النخلة في بيع البستان81

(83)ما يدخل في بيع الدار83

(87)الفصل السابع87

(87)في التسليم والقبض87

(97)كيفية التسليم والقبض فيما لا ينتقل97

(99)إذا تلف المبيع بآفة سماوية قبل القبض99

(101)في معنى ضمان البائع101

(103)الكلام في معنى الخروج عن الضمان103

(107)موارد تحقق القبض107

(113)حدوث العيب قبل القبض113

(115)الكلام في تفريغ المبيع115

(119)البيع قبل القبض119

(125)جواز البيع قبل القبض فيما ملك بغير الشراء125

(131)الفصل الثامن131

(131)في النقد والنسيئة131

(139)لو باع شيئاً بثمن نقداً وبأكثر نسيئة139)

(145)الكلام في جواز تأخير الثمن الحال145

(147)الكلام في شراء المشترى نسيئة قبل حلول الأجل147

(153)إلحاق فيه153

(153)في المساومة والمرابحة والمواضعة والتولية153

(159)الكلام في البيع مرابحة إذا كان الشراء بالثمن المؤجل159

(161)الكلام في جواز البيع مرابحة لما اشتراه صفقة161

(163)إذا تبين كذب البائع في إخباره برأس المال163

(165)كيفية معرفة رأس مال السلعة165

(169)الفصل التاسع169

(169)في الربا169

(173)الكلام في الربا المعاملي173

(175)الكلام في حكم الزيادة الحكمية175

(183)شروط تحقق الربا183

(183)الأول: اتحاد الجنس183

(185)الكلام في اتحاد الجنس في الربا185

(191)الثاني: أن يكون العوضان من المكيل أو الموزون191

(193)الحنطة والشعير من جنس واحد193

(195)الكلام في اختلاف اللحوم والألبان مع اختلاف الحيوان195

(197)التمر بأنواعه جنس واحد197

(199)الكلام في أجناس الحيوانات199

(203)المعيار في الجنس الواحد203

(209)حكم اختلاف الشيء في حال موزوناً وفي حال مكيلاً209

(211)الكلام في بيع لحم الحيوان به حياً211

(213)الكلام في بيع الرطب بالجاف213

(219)كيفية التخلص من الربا219

(221)موارد جواز الربا221

(223)عدم الفرق في الولد بين الذكر والأنثى223

(227)عدم الربا في الأوراق النقدية227

(229)وجوب إرجاع المال الربوي لصاحبه229

(237)محاولات تبرير الربا في العصر الحاضر ودفعها237

(251)الفصل العاشر251

(251)في بيع الصرف251

(253)اشتراط التقابض في بيع الصرف253

(261)الكلام في اشتراط التقابض في الصلح261

(263)بيع الدين بنقد آخر263

(265)إذا باع ما اشتراه نقداً قبل القبض265

(267)إذا قال له: حوّل ما في الذمة إلى دنانير267

(269)الكلام في إقباض المبيع أو الثمن269

(271)الدراهم والدنانير المغشوشة271

(273)الكلام في تصريف العملة المعدنية273

(275)الكلام في الضميمة التي يتخلص بها من الربا275

(277)بيع الآلات المحلاة بالذهب277

(281)إذا اشترى ذهباً أو فضة ثم وجدها جنساً آخر281

(287)استبدال ما في الذمة بثمن آخر287

(291)بيع درهم بدرهم بشرط صياغة خاتم291

(293)عدم جواز بيع المصوغ من الذهب والفضة بأحدهما إلا مع الزيادة293

(295)الكلام في تراب الصاغة295

(297)الفصل الحادي عشر في السلف297

(297)يشترط في السلف أمور297

(301)الأول: ضبط الأوصاف301

(303)الثاني: ذكر الجنس والوصف303

(305)الثالث: قبض الثمن قبل التفرق305

(311)الرابع: تقدير المبيع ذي الكيل أو الوزن311

(313)الخامس: تعيين أجل مضبوط313

(319)السادس: إمكان الدفع عند حلول الأجل319

(323)الكلام في اقتضاء العقد وجوب التسليم في مكان المطالبة323

(327)المعيار في الشهر المضروب أجلاً327

(333)الكلام في جواز بيع ما اشتراه سلفاً قبل حلول الأجل333

(343)إذا دفع المبيع خالياً من الصفة343

(345)إذا حلّ الأجل ولم يتمكن البائع من الدفع345

(349)وجود المبيع في غير البلد الذي يجب التسليم فيه349

(351)الفصل الثاني عشر351

(351)في بيع الثمار351

(357)في جواز بيع الثمار عامين357

(359)في جواز بيع الثمار عاماً واحداً مع الضميمة359

(365)المعيار في بدو الصلاح365

(371)جواز بيع التمر مع ظهور بعضه371

(375)تلف التمر قبل القبض375

(377)في استثناء ثمرة شجرات377

(381)الكلام في بيع الثمرة مع الأصول381

(383)الكلام في المزابنة383

(389)الكلام في العموم لغير النخل389

(391)الكلام في بيع الزرع قبل ظهوره391

(403)الكلام في المحاقلة403

(407)الكلام في بيع بعض الخضر قبل ظهورها407

(413)الكلام في كيفية بيع المشترك بين اثنين13)4

(419)الكلام في حق المارة419

(431)الكلام في العرية431

(433)الفصل الثالث عشر433

(433)في بيع الحيوان433

(435)الكلام في شروط الاسترقاق435

(441)عدم ملك بعض المحارم441

(451)الكلام في عدم ملك الكافر للمسلم451

(457)الكلام في دعوى العبد الحرية457

(459)في استبراء الأمة459

(473)وجوب الاستبراء في غير البيع473

(475)الكلام في جواز شراء بعض الحيوان475

(481)لو قال لآخر: اشتر حيواناً بشركتي481

(483)ظهور الأمة بعد الوطء أنها ملك لغير البائع483

(487)إذا اشترى كل من العبدين صاحبه من مولاه487

(489)وطء الشريك جارية الشركة489

(493)في مستحبات شراء المملوك493

(495)خاتمة في الإقالة495

(499)جواز الإقالة بزيادة الثمن499

(501)تلف أحد العوضين لا يمنع من الإقالة501