ghaemiyeh.com
نام کتاب: کتاب الطهارة موضوع: فقه استدلالی نویسنده: دزفولی، مرتضی بن محمد امین انصاری تاریخ وفات مؤلف: 1281 ه ق زبان: عربی قطع: وزیری تعداد جلد: 5 ناشر: کنگره جهانی بزرگداشت شیخ اعظم انصاری تاریخ نشر: 1415 ه ق نوبت چاپ: اول مکان چاپ: قم- ایران محقق/ مصحح: گروه پژوهش در کنگره ملاحظات: به اسم" تراث الشیخ الأعظم 1" چاپ شده است
( «النظر الرابع (1)«فی أسباب التیمّم و کیفیّته یجب التیمّم لما تجب له الطهارتان، و إنّما یجب عند فقد الماء، أو تعذّر استعماله للمرض أو البرد أو الشین، أو خوف العطش أو اللصّ أو السبع أو ضیاع المال، أو عدم الآلة، أو عدم الثمن.
و لو وجده و خاف الضرر بدفعه جاز التیمّم. و لو وجده بثمنٍ لا یضرّه فی الحال، وجب الشراء و إن زاد عن ثمن المثل علی إشکال، و کذا الآلة.
و لو فقده وجب الطلب غلوة سهمٍ فی الحزنة من کلّ جانب، و سهمین فی السهلة.
و لو وجد ماءً لا یکفیه للطهارة تیمّم، و لو وجد ما یکفیه لإزالة النجاسة خاصّة أزالها و تیمّم.
و لا یصحّ إلّا بالأرض، کالتراب و أرض النورة و الجص و تراب القبر و المستعمل.
1) هذا النظر و النظر الخامس الذی یلیه من الإرشاد، و لم نقف علی شرح المؤلف قدّس سرّه لهما، إلّا أنّا وجدنا ورقتین من المؤلف فی بحث التیمّم، و هو شرح لکتاب الدروس، جعلناه فی ملحق فی آخر هذا المجلّد.
و لا یصحّ بالمعادن و الرماد و الأُشنان و الدقیق و المغصوب و النجس.
و یجوز بالوَحَل مع عدم التراب، و بالحجر معه. و یکره بالسبخة و الرمل.
و لو فقده تیمّم بغبار ثوبه و لِبْد سرجه و عُرْف دابّته.
و الأولی تأخیره إلی آخر وقت الصلاة إلّا لعارضٍ لا یرجی زواله.
و یجب فیه النیّة للفعل لوجوبه أو ندبه متقرّباً، و لا یجوز رفع الحدث، و یجوز الاستباحة مستدامة الحکم.
ثمّ یضرب یدیه علی التراب، ثمّ یمسح بهما جبهته من القصاص إلی طرف الأنف الأعلی، ثم یمسح ظهر کفّه الیمنی من الزند إلی أطراف الأصابع ببطن الیسری، ثم ظهر الیسری ببطن الیمنی.
و إن کان التیمّم بدلًا من الغسل ضرب للوجه ضربةً و للیدین اخری.
و یجب الترتیب و الاستیعاب، و لا یشترط فیه و لا فی الوضوء طهارة غیر محلّ الفرض من العینیّة.
و لو أخلّ بالطلب ثمّ وجد الماء مع أصحابه أو فی رحله أعاد.
و لو عدم الماء و التراب سقطت أداءً و قضاءً.
و ینقضه کلّ نواقض الطهارة، و یزید وجود الماء مع تمکّنه من استعماله، فإن وجده قبل دخوله تطهّر، و إن وجده و قد تلبّس بالتکبیرة أتمّ.
و یستباح به کلّ ما یستباح بالمائیّة، و لا یعید ما صلّی به.
و یخصّ الجنب بالماء المباح أو المبذول، و یتیمّم المحدث و المیّت.
و لو أحدث المجنب المتیمّم أعاد بدلًا من الغسل و إن کان أصغر.
و یجوز التیمّم مع وجود الماء للجنازة، و لا یدخل به فی غیرها.)
( «النظر الخامس «فی ما به تحصل الطهارة أمّا الترابیّة فقد بیّناها، و أما المائیّة فبالماء المطلق لا غیر، و کذا إزالة النجاسة.
و المطلق: ما یصدق علیه إطلاق الاسم من غیر قید، و المضاف بخلافه، و هما فی الأصل طاهران، فإن لاقتهما نجاسة فأقسامهما أربعة:
الأوّل: المضاف کالمعتصر من الأجسام کماء الورد، و الممتزج بها مزجاً یسلبه الإطلاق کالمرق و هو ینجس بکلّ ما یقع فیه من النجاسة، قلیلًا کان أو کثیراً.
الثانی: الجاری من المطلق، و لا ینجس إلّا بتغیّر لونه أو طعمه أو ریحه بالنجاسة، فإن تغیّر نجس المتغیِّر خاصّة، و یطهر بتدافع الماء الطاهر علیه حتّی یزول التغیّر. و ماء الحمّام إذا کان له مادّةٌ من کرٍّ فصاعداً و ماء الغیث حال تقاطره کالجاری.
الثالث: الواقف کمیاه الحیاض و الأوانی و الغدران:
إن کان قدرها کرّاً و هو ألف و مائتا رطل بالعراقی، أو ما حواه ثلاثة أشبار و نصف طولًا فی عرض فی عمق بشبر مستوی الخلقة لم ینجس إلّا بتغیّر أحد أوصافه الثلاثة بالنجاسة، فإن تغیّر نجس أجمع إن کان کرّاً، و یطهر بإلقاء کرٍّ علیه
دفعةً فکرّ حتی یزول التغیّر.
و إن کان أکثر فالمتغیّر خاصّة إن کان الباقی کرّاً، و یطهر بإلقاء کرٍّ علیه دفعةً فکرّ حتی یزول التغیّر، أو بتموّجه حتی یستهلکه الطاهر.
و إن کان أقلّ من کرّ نجس بجمیع ما یلاقیه من النجاسة و إن لم یتغیّر بالنجاسة وصفه، و یطهر بإلقاء کرٍّ طاهر علیه دفعة.
الرابع: ماء البئر إن تغیّر بالنجاسة نجس، و یطهر بالنزح حتّی یزول التغیّر، و إن لم یتغیّر لم ینجس.
و أکثر أصحابنا حکموا بالنجاسة، و أوجبوا:
نزح الجمیع فی موت البعیر، و وقع المنی، و دم الحیض و الاستحاضة و النفاس، و المسکر، و الفقّاع، فإن تعذّر لکثرته تراوح أربعة رجال یوماً.
و نزح کرٍّ فی موت الحمار و البقرة و شبههما.
و نزح سبعین دلواً من دلاء العادة فی موت الإنسان.
و خمسین فی العذرة الذائبة، و الدم الکثیر غیر الدماء الثلاثة کذبح الشاة.
و أربعین فی موت السنَّور و الکلب و الخنزیر و الثعلب و الأرنب، و بول الرجل، و وقوع نجاسة لم یرد فیها نصّ، و قیل: الجمیع.
و ثلاثین فی وقوع ماء المطر مخالطاً للبول أو العذرة، و خرء الکلاب.
و عشر فی العذرة الیابسة، و الدم القلیل غیر الثلاثة کذبح الطیر و الرعاف الیسیر.
و سبع فی موت الطیر کالنعامة و الحمامة و ما بینهما، و الفأرة إذا تفسّخت أو انتفخت، و بول الصبی، و اغتسال الجنب الخالی من نجاسة عینیّة، و خروج الکلب حیّاً.
و خمس فی ذرق الدجاج.
و ثلاث فی موت الحیّة و الفأرة.
و دلو فی العصفور و شبهه، و بول الرضیع الذی لم یغتذ بالطعام.
و کلّ ذلک عندی مستحب.)
( «تتمّة لا یجوز استعمال الماء النجس فی الطهارة مطلقاً، و لا فی الأکل و الشرب اختیاراً، و لو اشتبه النجس من الإناءین اجتنبا و تیمّم.
و یستحب تباعد البئر عن البالوعة بسبع أذرع إن کانت الأرض سهلة و کانت البالوعة فوقها، و إلّا فخمس.
و أسآر الحیوان کلّها طاهرة، عدا الکلب و الخنزیر و الکافر و الناصب.
و المستعمل فی رفع الحدث طاهرٌ مطهِّر، و فی رفع الخبث نجس، سواء تغیر بالنجاسة أو لا، إلّا ماء الاستنجاء فإنّه طاهر، ما لم یتغیّر بالنجاسة أو یقع علی نجاسة خارجة.
و غسالة الحمّام نجسة، ما لم یعلم خلوّها من النجاسة.
و تکره الطهارة بالمسخَّن بالشمس فی الأوانی، و المسخَّن بالنار فی غسل الأموات، و سؤر الجلّال، و آکل الجِیَف، و الحائض المتّهمة، و البغال، و الحمیر، و الفأرة، و الحیّة، و ما مات فیه الوزغ و العقرب.)
( «النظر السادس «فی ما یتبع الطهارة) التی تقدّم أنّ المراد بها فی مصطلح الفقهاء ما عدا شاذٍّ منهم-: إحدی الطهارات الثلاث، و أنّ استعمالها فی إزالة النجاسة مجاز، فیکون ذکر النجاسات و بیان وجوب إزالتها فی الموارد المخصوصة، من التوابع.
و قد تقدّم (1)أنّ التحقیق: أنّ الطهارة قد یطلق اسم مصدر، فیکون المراد منه عند الفقهاء: إحدی الطهارات، و قد یطلق علی صفة حقیقیّة أو اعتباریّة فی المکلّف، و هی: الحالة الحاصلة عقیب إحدی تلک الثلاث، و یقابلها بهذا المعنی الحدث، و قد یطلق علی صفة حقیقیّة أو اعتباریّة فی الأجسام، و یقابلها بهذا المعنی: النجاسة، فهی النظافة و الخلوّ عن النجاسة.
و النجاسة لغةً: القذارة، و شرعاً قذارة خاصّة فی نظر الشارع مجهولة الکنه، اقتضت إیجاب هجرها فی أُمورٍ مخصوصة، فکلّ جسم خلا عن تلک القذارة فی نظر الشارع فهو طاهر نظیف.
1) لم نقف علیه.
و یظهر من المحکیّ عن الشهید فی قواعده (1): أنّ النجاسة حکم الشارع بوجوب الاجتناب استقذاراً و استنفاراً. و ظاهر هذا الکلام أنّ النجاسة عین الحکم بوجوب الاجتناب، و لیس کذلک قطعاً؛ لأنّ النجاسة مما یتّصف به الأجسام، فلا دخل له فی الأحکام، فالظاهر أنّ مراده أنّها صفة انتزاعیّة من حکم الشارع بوجوب الاجتناب للاستقذار أو الاستنفار.
و فیه: أنّ المستفاد من الکتاب و السنّة أنّ النجاسة صفة متأصّلة یتفرّع علیها تلک الأحکام، و هی القذارة التی ذکرناها، لا أنّها صفة منتزعة من أحکام تکلیفیّة نظیر الأحکام الوضعیّة المنتزعة منها کالشرطیّة و السببیّة و المانعیّة.
ثمّ دعوی أنّ حکم الشارع بنجاسة الخمر لأجل التوصّل إلی الفرار عنها و لتزید نفرة الطباع عنها لیست بأولی من دعوی أنّ حکمه بوجوب التنفّر عنها لأجل قذارة خاصّة فیها، إلّا أن تکون دعوی الشهید قدّس سرّه فیما ذکره مستندة إلی ما یظهر من أدلّة تحریم الخمر: من أنّ العلّة فیه هو تخمیر العقل، لکنّک خبیر بأنّه لا ینافی کون التخمیر مستنداً إلی تلک القذارة، کما یومی إلیه قوله علیه السلام فی صفة الخمر: «ما یبلّ المیل منه ینجس حُبّاً من الماء» (2).
و کیف کان، فالمراد بالمصدر فی قوله: (النجاسات عشرة): الأعیان النجسة، مبالغة فی نجاسة عینها، کما فی قوله تعالی إِنَّمَا الْمُشْرِکُونَ نَجَسٌ (3).
[الأعیان النجسة (1)]
الأول و الثانی: مسمّی (البول و الغائط من) الحیوان (ذی النفس السائلة.)
و المراد بها علی ما نسب إلی أهل اللغة و الأصحاب (2)-: الدم یجتمع فی العروق و یخرج عند قطعها بقوّة و دفق، لا کدم السمک.
(غیر المأکول) لحمه، إجماعاً محقّقاً فی الجملة و مستفیضاً (3)کالأخبار:
ففی حسنة ابن سنان بابن هاشم: «اغسل ثوبک من أبوال ما لا یؤکل لحمه» (4).
و مفهوم حسنة زرارة: «لا تغسل ثوبک من بول شیءٍ ممّا یؤکل لحمه» (5).
1) العنوان منّا.
2) نسبه فی الحدائق 5: 3، و راجع المصباح المنیر: 617، و القاموس 2: 255، و لسان العرب 14: 234، ذیل مادّة «نفس».
3) راجع المعتبر 1: 410، و التذکرة 1: 49، و المدارک 2: 259، و مفتاح الکرامة 1: 136.
4) الوسائل 2: 1008، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحدیث 2.
5) الوسائل 2: 1010، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحدیث 4.
و النبوی المحکیّ عن قرب الإسناد: «لا بأس ببول ما یؤکل لحمه» (1).
و موثّقة عمّار: «کلّ ما أُکل لحمه فلا بأس بما یخرج منه» (2)دلّت علی المطلوب بمفهوم الوصف الوارد فی مقام بیان الضابط و المعیار، کالقید المأخوذ فی الحدود، إلی غیر ذلک ممّا یأتی بعضها فی بول الدواب و الخُشّاف (3).
هذا کلّه، مضافاً إلی المستفیضة الواردة فی البول و العذرة کما سیجیء بناءً علی عدم اختصاص العذرة بغائط الإنسان.
و ربّما یخدش فی دلالة إیجاب الغسل علی النجاسة، و فیه بعد اتّفاق العلماء علی استفادة النجاسة من أمثال ذلک-: أنّ وجوب الغسل مطلقاً لا یکون إلّا لأجل النجاسة؛ إذ احتمال کونه لأجل وجوب التجنّب عن أجزاء غیر المأکول، مدفوع بإطلاق وجوب الغسل حتّی لو جفّ الثوب أو مسح مسحاً یزیل أثره و لم یبق منها أثر، و قد قام الضرورة و الإجماع علی أنّه لا یشترط فی ثوب المصلی بعد الإباحة أزید من الطهارة و عدم کونه مما لا یؤکل أو ملاصقاً له، مع أنّ فی کثیرٍ من أخبار خصوص البول و العذرة ما یدلّ علی نجاستهما بقول مطلق (4).
ثمّ إنّه لا فرق فی إطلاق النصوص و معاقد الإجماع فیما لا یؤکل بین أن یکون تحریمه (بالأصالة کالأسد و بالعارض (1)ک) الموطوء و (الجلّال) و عن التذکرة: نفی الخلاف فی إلحاقهما بغیر المأکول (2)و عن ظاهر الذخیرة (3)و الدلائل (4)و صریح المفاتیح (5): إلا جماع علیه. و فی الغنیة: إلا جماع علی إلحاق خصوص الجلّال (6)، و تبعه جماعة فی خصوص الدجاج من الطیر (7).
و ربّما یتوهّم التعارض بین ما دلّ علی نجاسة بول ما لا یؤکل الشامل لبول الجلّال و الموطوء، و ما دلّ علی طهارة ما یؤکل بالذات کالإبل و الغنم و البقر و نحو ذلک من العنوانات الواردة فی النصوص بالخصوص. و فیه ما لا یخفی.
و کیف کان، فلا إشکال فی التعمیم المذکور، و إنّما الإشکال فی عموم الحکم لغیر المأکول من الطیر و اختصاصه بغیرها (8)، فالمشهور علی الأوّل، بل ربّما یدّعی دخوله فی إطلاق دعوی المعتبر (9)و المنتهی (10): إجماع علماء
1) فی الإرشاد: «أو بالعرض».
2) التذکرة 1: 51.
3) الذخیرة 1: 145.
4) لا یوجد عندنا، و حکاه عنه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 136.
5) مفاتیح الشرائع 1: 65.
6) الغنیة: 40.
7) کالعلّامة فی المختلف 1: 455، و الفاضل المقداد فی التنقیح الرائع 1: 146 و السیّد العاملی فی المدارک 2: 265.
8) کذا، و المناسب: «بغیره».
9) المعتبر 1: 410.
10) المنتهی 3: 166، 173.
الإسلام علی نجاسة البول و الغائط مما لا یؤکل لحمه، فتأمّل.
و عن الغنیة: نجاسة بول ما لا یؤکل لحمه و خرؤه بلا خلاف (1). و دعوی کونه ظاهراً فی غیر رجیع الطیر کما عن کشف اللثام (2)فی غیر محلّه.
و عن الجامعیّة فی شرح الألفیّة: أنّه أجمع الکل علی نجاسة البول و الغائط من کلّ حیوان محرّم أکله، إنساناً کان أو طیراً أو غیرهما من الحیوانات (3).
و عن الحلیّ فی السرائر فی باب البئر: قد اتّفقنا علی نجاسة ذرق غیر المأکول من سائر الطیور، و قد رویت روایة شاذّة لا یعوّل علیها: «أنّ ذرق الطائر طاهر، سواء کان مأکول اللحم أو غیر ماکوله» و المعوّل عند محقّقی أصحابنا و المحصّلین منهم خلاف هذه الروایة؛ لأنّه هو الذی یقتضیه أخبارهم المجمع علیها (4).
و عن التذکرة: دعوی الإجماع علی نجاسة البول و الغائط، قال: و قول الشیخ بطهارة ذرق ما لا یؤکل لحکمه من الطیور لروایة أبی بصیر ضعیف؛ لأنّه لم یعمل بها أحد (5).
و عن الخلاف: أنّ بول ما لا یؤکل لحمه و خرءه نجس بلا خلاف (6).
و عن العمانی و الجعفی (1)و ظاهر الفقیه (2): القول بالطهارة، و وافقهم الشیخ فی المبسوط فی غیر الخفّاش (3)، و تبعهم المصنّف فی المنتهی (4).
و عن المدارک (5)و الذخیرة (6)و البحار (7): القول بطهارة الذرق مع التردّد فی البول.
و عن شارح الدروس (8)و کاشفی اللثام (9)و الأسرار (10)و الفخریة (11)و شرحها (12)و شرح الفقیه للمجلسی (13)و حدیقته (14)و المفاتیح (15)و الحدائق (16)
1) نقله عنهما الشهید فی الذکری 1: 110.
2) حکاه عنه صاحب الجواهر فی الجواهر 5: 275 و 288، و راجع الفقیه 1: 71، ذیل الحدیث 164.
3) المبسوط 1: 39.
4) المنتهی 1: 177.
5) المدارک 2: 262.
6) الذخیرة: 145.
7) البحار 80: 111.
8) مشارق الشموس 1: 296.
9) کشف اللثام 1: 390.
10) لا یوجد لدینا، و حکاه عنه السیّد بحر العلوم فی المصابیح (مخطوط): 415.
11) لا یوجدان لدینا، نعم حکاه عنهما السیّد بحر العلوم فی المصابیح (مخطوط): 415.
12) لا یوجدان لدینا، نعم حکاه عنهما السیّد بحر العلوم فی المصابیح (مخطوط): 415.
13) روضة المتّقین 1: 210 211.
14) لا یوجد لدینا، نعم حکاه عنه السیّد بحر العلوم فی المصابیح (مخطوط): 415.
15) مفاتیح الشرائع 1: 65 و 66.
16) الحدائق 5: 11.
موافقة الأوّلین؛ للأصل، و اختصاص العذرة فی الأخبار وضعاً أو انصرافاً بعذرة الإنسان أو مطلق البهیمة.
و دعوی: ترادف العذرة و الخرء کما فی المعتبر (1)ممنوعةٌ، کعموم صحیحة ابن سنان المتقدّمة (2)و إخوتها (3)للطیر؛ لعدم البول للطیر أو لندرة إصابته للثوب بناءً علی وجوده له، کما یظهر من توحید المفضّل المروی عن الصادق علیه السلام (4)و روایة أبی بصیر الآتیة (5)، مع ضعف دلالة ما عدا الصحیحة؛ لمنع العموم فی المفهوم فی مثل المقام الذی لا یبعد کون الکلام فیه مسوقاً لبیان ضابط الطهارة فقط.
فلم یبق إلّا إلا جماع، و هو غیر متحقّق، و المنقول منه فی عبارتی المعتبر (6)و المنتهی (7)لا یشمل الطیر قطعاً؛ لأنّ «رجیع الطیر» معنونٌ فی کلامهما بعد ذلک (8)، فلاحظ الکتابین یتّضح لک ما ذکرنا.
و أمّا ما عن شرح الألفیّة (9)فلوهنه فی المقام لوجود المخالف، و لم یدّع الإجماع المصطلح حتّی یقال: إنّه لا یقدح فیه مخالفة معلوم النسب، و فرق
1) المعتبر 1: 411.
2) تقدّمت فی الصفحة 21.
3) المراد بها حسنة زرارة و النبوی و موثّقة عمّار، المتقدّمات فی الصفحة 21 22.
4) توحید المفضّل: 113، و البحار 3: 103.
5) تأتی فی الصفحة 28.
6) المعتبر 1: 410.
7) المنتهی 3: 169 و 173.
8) راجع المعتبر 1: 411، و المنتهی 3: 176 177.
9) تقدّم النقل عنه فی الصفحة 24.
بیّنٌ (1)بین دعوی الإجماع المصطلح المتضمّنة للإخبار بقول الإمام أو رضائه لیصیر بمنزلة الإخبار عن السنّة نظیر أخبار الرواة و لا یناقضه وجود المخالف واحداً أو أکثر، و بین دعوی اتّفاق العلماء الذی یعلم أنّ المراد منه اتّفاق أهل الفتوی و إن علمنا بأنّ مثل هذا الاتّفاق کاشف لمدّعیه عن قول الإمام علیه السلام أو رضاه إلّا أنّه لم یخبر عنه بهذا الکلام، فلا یکون إخباراً عن السنّة و یناقضه وجود المخالف، ففیه الوهن من الوجهین.
و منه یظهر ما فی دعوی الحلیّ من الاتّفاق (2)، مضافاً إلی أنّ الظاهر من ذیل کلامه أنّه إنّما استنبط هذا الاتفاق من دلالة الأخبار، و معلومٌ أنّه لیس فی الأخبار إلّا بعض الإطلاقات القابلة لدعوی الاختصاص وضعاً أو انصرافاً بغیر محلّ النزاع، فتأمّل.
و نحوهما فی الوهن عبارة التذکرة (3)، و یکفی فی وهنه تصریح المحقّق فی المعتبر (4)بعد إیراد روایة أبی بصیر-: بأنّ هذه الروایة حسنةٌ لکنّ العامل بها قلیل (5)، بل یکفی فی وهنه میله فی المنتهی إلی العمل بهذه الروایة (6)، و لعلّ المراد بما فی التذکرة بیان وهن الروایة بأنّه لم یعمل أحدٌ بظاهرها، بناءً علی ما عن المختلف: من الإجماع علی نجاسة بول الخُفّاش (7).
و الحاصل: أنّ دعوی الزائد عن الشهرة فی المسألة لا تخلو عن شائبة الجزاف، کمنع عموم صحیحة ابن سنان المتقدّمة (1)، فهی عموم معتضد بالشهرة، لکن بإزائها عموم آخر معتضد بالأصل و هی روایة أبی بصیر، بل صحیحته: «کل شیءٍ یطیر لا بأس بخرئه و بوله» (2)و مصحّحة علی بن جعفر عن أخیه علیه السلام: «عن الرجل یری فی ثوبه خرء الطیر، هل یحکّه و هو فی الصلاة؟ قال: لا بأس (3).
و النسبة بینهما و بین صحیحة ابن سنان عموم من وجه، إلّا أنّ رجحان الثانی مما لا یخفی؛ لأنّ ظاهر الصحیحة بیان کون نفس الطیران عنواناً أخصّ من حرمة اللحم. و لو سلّم التعارض، فترجیح أحدهما بالشهرة محلّ نظر بل منع؛ لأنّ شهرة الفتوی لا یمکن أن تصیر قرینة لترجیح أحد العامّین و ارتکاب التخصیص فی الآخر، فلا بدّ من الحکم بإجمال العامّین بالنسبة إلی محل التعارض، فیجب الرجوع إلی الأصل إن لم یوجد هنا عموم یدلّ علی نجاسة البول و الخرء بقول مطلق، و إلّا فیجب الرجوع إلیه.
و لا یتوهّم أنّ مثل هذا العام بعد تخصیصه بما دلّ علی طهارة بول المأکول یصیر کصحیحة ابن سنان معارضاً مع روایة أبی بصیر بالعموم من وجه لکنّ الإشکال فی ثبوت هذا العام؛ لما عرفت من قوّة انصراف مطلقات البول و العذرة إلی غیر محلّ الکلام، فالمسألة لا تخلو عن الإشکال،
إلّا أنّ العمل علی المشهور؛ لموثّقة عمّار الآتیة: «خرء الخُطّاف لا بأس به، و هو مما یؤکل» (1)حیث علّل الطهارة بأکل اللحم لا بالطیران، و ضعفه إن کان منجبرٌ بما عرفت.
و أمّا الخشّاف، فالمتعیّن فیه مذهب المشهور، بل عن المختلف دعوی الإجماع علیه (2)، فتأمّل و راجع کلامه؛ إذ الظاهر أنّه أراد اتّفاق الخصم دون المعنی المصطلح، و یدلّ علیه روایة داود الرقیّ، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن بول الخشاشیف یصل ثوبی فأطلبه و لا أجده؟ قال: اغسل ثوبک» (3)و رواها فی محکیّ السرائر عن کتاب محمّد بن علی بن محبوب الذی هو أحد الکتب المعتبرة (4).
و لا یعارضها روایة غیاث التبری: «لا بأس بدم البراغیث و البقّ و بول الخشاشیف» (5)و نحوها المروی عن أمیر المؤمنین علیه السلام (6)لوهنهما بالشهرة و الإجماع المحکی (7)و شهادة الشیخ بأنّها روایة شاذّة یجوز أن تکون وردت للتقیّة (8)، و قد عرفت إمکان تنزیل عبارة التذکرة المتقدّمة (9)علیه،
1) تأتی فی الصفحة اللاحقة.
2) المختلف 1: 457.
3) الوسائل 2: 1013، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحدیث 4.
4) السرائر 3: 611.
5) الوسائل 2: 1013 1014، الباب 10 من أبواب النجاسات، الحدیث 5.
6) المستدرک 2: 559، الباب 6 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
7) فی المختلف 1: 457.
8) التهذیب 1: 266، ذیل الحدیث 65.
9) تقدّمت فی الصفحة 24.
فلعلّه اطّلع علی اختصاص کلام القائلین بطهارة خرء الطیر مطلقاً بما عدا الخشّاف.
و أمّا خرؤه، فالظاهر عدم القائل بالفرق بینه و بین البول، کما عن الناصریّات (1)و الروض (2)و المدارک (3)و الذخیرة (4): عدم الفرق بین الأرواث و الأبوال.
و أمّا بول الخُطّاف و خرؤه، فالأقوی طهارتهما؛ بناءً علی حلّیة أکله و إن کره، کما هو المشهور سیّما بین المتأخّرین، بل نسب إلی عامّتهم.
و لو فرض القول بحرمته أمکن القول بطهارة ما یخرج منه؛ لما رواه فی المختلف عن کتاب عمّار عنه عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «قال: خرء الخُطّاف لا بأس به، هو مما یؤکل، و إنّما کره أکله لأنّه استجار بک و آوی إلی منزلک، فکلّ طیر یستجیر بک فأجره» (5)بناءً علی إرادة الحرمة من لفظ الکراهة، و یکون المراد: أنّ حرمة أکله من جهة الاستجارة لا بالذات حتّی یوجب نجاسة الخرء، فلا یوجب نجاسة خرئه.
لکنّ الإنصاف: أنّ هذه الروایة من أدلة حلّیة الخُطّاف، فتدلّ علی أنّ کراهة أکله لا یوجب نجاسة الخرء.
ثمّ إنّ المحکی عن ابن الجنید: طهارة بول الصبی؛ لما دلّ علی أنّه لا یغسل منه الثوب (1)، و هو نادر و مستنده قاصر، و عن السیّدین: دعوی الإجماع علی نجاسة بول الصبی بالخصوص (2).
و خرج بقید «ذی النفس» ما لا نفس له؛ فإنّ المشهور شهرة محقّقة عدم نجاسة بوله و خرئه، بل لم نعثر علی قائلٍ بالنجاسة و لا حاکٍ لهذا القول، بل عن الحدائق: نفی الخلاف عنه صریحاً (3)، إلّا أنّ المحقّق قد تردّد فیه أوّلًا و أفتی ثانیاً بالطهارة (4)، و لعلّ منشأ التردّد عدم مخصِّص صریح للعمومات المتقدّمة، و ما ذکره وجهاً للطهارة: من انّ میتته و منیّه و لعابه طاهر فاشتبهت (5)فضلاته عصارة النبات، ضعیف جدّاً، کدعوی عدم شمول العمومات له أو انصراف الإطلاقات إلیه، فالعمدة إلا جماع لو ثبت.
و أضعف من هذا کلّه: الحکم بنجاسة ذرق الدجاجة مع ما عرفت من العمومات المعتضدة بالشهرة و عدم الخلاف إلّا عن الشیخ (6)و المفید (7)، و قد رجع الأوّل فی کتاب الخلاف (8).
و خرج ب «غیر المأکول»: ما حلّ أکله؛ فإنّ بوله و خرءه طاهران بالاتّفاق، کما فی المعتبر (1)و المنتهی (2).
نعم، وقع الخلاف فیما یکره أکله، أعنی الخیل و البغال و الحمیر؛ فإنّ المحکیّ عن جماعة کما یظهر من المنتهی (3)منهم الإسکافی (4)و الشیخ فی النهایة (5): النجاسة، و تبعهما جماعة من متأخّری المتأخّرین، کالأردبیلی (6)و صاحبی المعالم (7)و المدارک (8)و غیرهم (9)لمضمرة سماعة، قال: «سألته عن بول الکلب و السنَّور و الحمار و الفرس؟ فقال: کأبوال الإنسان» (10)دلّت علی نجاسة بول البغل بالإجماع المرکّب و الأولویّة.
و موثّقة عبد الرحمن ب «أبان»، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن رجل یمسّه بعض أبوال البهائم، أ یغسله أم لا؟ قال: یغسل بول الفرس و الحمار و البغل، و أمّا الشاة و کلّ ما یؤکل لحمه فلا بأس ببوله» (11).
1) المعتبر 1: 411.
2) المنتهی 3: 169 و 177.
3) المنتهی 3: 172.
4) حکاه عنه فی المعتبر 1: 413.
5) النهایة 1: 51.
6) مجمع الفائدة 1: 301.
7) معالم الدین (قسم الفقه) 2: 456.
8) المدارک 2: 301 303.
9) انظر الذخیرة: 146، و مفاتیح الشرائع 1: 65، و الحدائق 5: 21.
10) الوسائل 2: 1009، الباب 8 من أبواب النجاسات، الحدیث 7.
11) الوسائل 2: 1011، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحدیث 9.
و فی صحیحة الحلبی، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن أبوال الخیل و البغال؟ فقال: اغسل ما أصابک منه» (1).
و فی حسنة ابن مسلم: «اغسله فإن لم یعلم مکانه فاغسل الثوب کلّه، و إن شککت فأنفخه» (2).
و روایة علی بن جعفر المروی عن کتابه عن أخیه، قال: «سألته عن الثوب یوضع فی مربط الدابة علی بولها أو روثها کیف یصنع؟ قال: إن علق به شیءٌ فلتغسله و إن کان جافّاً فلا بأس» (3).
و ما ورد: فی أنّ الماء الذی یبول فیه الدواب إن تغیّر بها فلا یجوز التوضؤ به (4)، بل فی روایة أبی بصیر، قال: «سألته عن کرٍّ من ماء مررت به و أنا فی سفر قد بال فیه حمار أو بغل أو إنسان؟ قال: لا تتوضأ منه و لا تشرب» (5)بناءً علی حملها علی صورة التغیّر أو حمل الکرّ علی ما یقرب منه و یصل إلیه تقریباً لا تحقیقاً.
و روایة زرارة عن أحدهما علیهما السلام: «فی أبوال الدواب تصیب الثوب فکرهه، فقلت: أ لیس لحومها حلالًا؟ فقال: بلی، و لکنّ لیس مما جعله اللّٰه للأکل» (6).
1) الوسائل 2: 1011، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحدیث 11.
2) الوسائل 2: 1010، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحدیث 6، و فیه بدل «فأنفخه»: «فانضحه».
3) الوسائل 2: 1012، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحدیث 21.
4) الوسائل 1: 103، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحدیث 3.
5) الوسائل 1: 103، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحدیث 5.
6) الوسائل 2: 1010، الباب 9 من أبواب النجاسات، الحدیث 7.
و بهذا یجمع بین الأخبار المذکورة و بین ما تقدّم من الأخبار فی طهارة بول کلّ ما یؤکل، بحمل تلک الأخبار علی ما جعله الشارع للأکل دون ما جعله للرکوب و الزینة.
و یؤیّد هذا الحمل: جعل ما یؤکل لحمه قسیماً للدواب الثلاث فی موثّقة عبد الرحمن (1).
و مع هذا کلّه، فالأقوی الطهارة وفاقاً للمشهور، بل ربّما یدّعی عموم إطلاق إجماعی المعتبر و المنتهی (2)لما نحن فیه، و فیه نظرٌ یظهر لمن نظر فی الکتابین؛ للأخبار الکثیرة الصارفة لما عدا الأوّل من الأخبار المذکورة عن ظاهرها إلی الاستحباب:
کروایة أبی الأغرّ النحاس: «إنّی أُعالج الدواب فربّما خرجت باللیل و قد بالت و راثت، فیضرب أحدها برجله فینضح علی ثیابی فأصبح فأری أثره فیه؟ فقال: لیس علیک شیء» (3).
و روایة المعلّی بن خنیس و عبد اللّٰه بن أبی یعفور: «و کنّا فی جنازة و قدّامنا حمار فجاءت الریح ببوله حتّی صکّت وجوهنا و ثیابنا، فدخلنا علی أبی عبد اللّٰه علیه السلام فأخبرناه، فقال: لیس علیکم بأس» (4).
و لأنّ الصلاة فی جلودها صحیحة باتّفاق من لم یحرّم أکلها فکذا فی بولها و روثها؛ للموثّقة لزرارة فی باب لباس المصلی المقسِّمة للحیوانات إلی
محرّم الأکل و غیره، و التصریح بجواز الصلاة فی بول القسم الثانی و روثه و کلّ شیءٍ منه (1).
هذا کلّه مضافاً إلی الأخبار المستفیضة الدالّة علی طهارة أرواثها (2)، بناءً علی نفی القول بالفرق، کما عن المنتقی (3)و الذخیرة (4)و کشف اللثام (5)و غیرها (6).
و لو فرض تساقط ما ذکرنا من أخبار الطرفین بالمعارضة، فیجب الرجوع إلی عمومات طهارة ما یخرج ممّا یؤکل لحمه (7)الشامل لمکروه الأکل.
و ما ذکرنا من روایة زرارة (8)شاهداً علی أن المراد ب «ما یؤکل»: ما جُعل للأکل، ففیه مع عدم جریانه فی موثّقة زرارة الواردة فی لباس المصلی (9)کما لا یخفی، و مع قوّة احتمال أن یکون وجهاً لکراهة ما یخرج من هذه الدواب کما یشعر به لفظ «فکرهه» معارض بروایة عمّار المتقدّمة فی
1) الوسائل 3: 250، الباب 2 من أبواب لباس المصلی، الحدیث الأوّل.
2) الوسائل 2: 1009، الباب 9 من أبواب النجاسات، الأحادیث 1 و 2 و 3 و 16 و 19.
3) لم نعثر علیه فی المنتقی، و لا علی الحاکی عنه. نعم حکاه فی الحدائق عن المعالم، راجع الحدائق 5: 29، و معالم الدین (قسم الفقه) 2: 449.
4) الذخیرة: 146.
5) کشف اللثام 1: 419.
6) مشارق الشموس: 300.
7) راجع الوسائل 2: 1009، الباب 9 من أبواب النجاسات.
8) راجع الصفحة 33.
9) المشار إلیها آنفاً.
الخُطّاف (1)حیث یظهر منها أنّ مجرّد عدم حرمة الأکل کاف فی طهارة ما یخرج منه و إن کان مما لم یخلق للأکل، کما هو الحال فی الخُطّاف.
و ممّا ذکرنا یظهر الجواب عن الموثّقة الاولی (2)و إن لم تقبل الحمل علی الاستحباب، بل لا یبعد أیضاً حملها علی الاستحباب، بأن یقال: إنّ المراد استحباب المعاملة معها کأبوال الإنسان فی الاحتراز، لا أنّها کأبوال الإنسان عند الشارع.
و ممّا یؤیّد الاستحباب: ما ورد من التفصیل بین أبوالها و أرواثها ممّا یشعر بکون الحکم استحبابیّاً لا إلزامیّاً، مثل: روایة عبد الأعلی بن أعین، قال: «سألت الصادق علیه السلام عن أبوال الخیل و البغال؟ فقال: اغسل ثوبک منها. قلت: فأرواثها؟ قال: فهی أکثر من ذلک» (3)، و فی روایة أبی مریم: «أمّا أبوالها فاغسل ما أصابک، و أمّا أرواثها فهی أکثر من ذلک» (4)فإنّ الظاهر عند المتأمّل أنّ قوله: «فهی أکثر» علّة لرفع تأکّد الاستحباب لا لرفع الإیجاب، یعنی: أنّ الأرواث أکثر من أن یلتزم الإنسان بالاجتناب عنها لا من أن یلزم الشارع به، کما یتوهّم أحیاناً.
و کیف کان، فالظاهر أنّه لا ینبغی الإشکال فی طهارة الأرواث؛ للأخبار القریبة من التواتر، و أمّا الأبوال فالأقوی کونها کذلک، إلّا أنّ الاحتیاط لا ینبغی أن یترک.
[الثالث المنی (1)]
(و) الثالث: (المنی من کلّ حیوان ذی نفس سائلة) بالإجماع المحقّق و المستفیض (2)، و هو المعتمد فی إطلاق الحکم، دون إطلاقات الأخبار؛ لانصرافها إلی منیّ الإنسان، و لیس کذلک إطلاق معاقد الإجماع؛ للقطع بإرادة المطلق عنها، مع أنّ المحکی عن التذکرة (3)و کشف اللثام (4): التصریح بالعموم.
و لو لا الإجماع لأشکل تعمیم الحکم لمطلق غیر المأکول، فضلًا عن مطلق الحیوان (و إن کان مأکول (5)) اللحم، سیّما مع عموم قوله علیه السلام فی موثّقة عمّار: «و کلّ ما أُکل لحمه فلا بأس بما یخرج منه» (6)و قوله علیه السلام
فی موثّقة زرارة الواردة فی لباس المصلی: «و کلّ شیءٍ منه ممّا أحلّ اللّٰه أکله فالصلاة فی شعره و وبره و بوله و روثه وکل شیءٍ منه جائز» (1).
و ممّا ذکرنا یعلم الوجه فی الحکم بطهارة المنی من غیر ذی النفس؛ لفقد عمومٍ فی الأدلّة اللفظیّة، و عدم ثبوت الإجماع إلّا فی منّی ذی النفس، بل الظاهر عدم الخلاف فی طهارة غیره، و إن أشعر بعض العبائر کعبارة المنتهی (2)بوجود الخلاف فیه. نعم، ربّما یقوّی التردّد فیه قوّة التردّد فیما تقدّم فی بول غیر ذی النفس و خرئه؛ من جهة عدم مخصِّص صریح للعمومات، بناءً علی أنّ المنی أشدّ من البول کما فی الروایة (3)فکلّ حیوان نجس البول نجس المنی، و کل ما لیس نجس المنی لیس بنجس البول، إلّا أنّ المسهِّل للخطب هو عدم العثور علی الخلاف فی المسألتین من الأصحاب، بل ظاهر الأردبیلی أنّ مسألة المنی مظنّة إلا جماع (4)، و کذا ظاهر الریاض (5).
و الاحتیاط ممّا لا یترک فی المقامین، فقد تردّد المحقّق فی الشرائع (6)و المعتبر (7)و المصنّف فی المنتهی، و إن رجّح کالمحقّق الطهارة أخیراً (8).
ثمّ المعروف من مذهب الأصحاب طهارة سائر الرطوبات الخارجة عن المخرجین عدا البول و الغائط و المنی و الدم حتّی المذی، و هو کما عن المعتبر-: ما یخرج عقیب الملاعبة و الملامسة (1)، و عن المنتهی: ماء لزج یخرج عقیب الشهوة علی طرف الذکر (2).
و یدلّ علی طهارته: الأخبار المستفیضة (3)، و فی بعضها: «إنّه لا ینقض الوضوء و لا یغسل منه الثوب، إنّما هو بمنزلة النخامة و المخاط» (4).
إلّا أنّ فی روایة ابن أبی العلاء: «عن المذی یصیب الثوب؟ قال: إن عرفت مکانه فاغسله، و إن لم تعرف مکانه فاغسل الثوب کلّه» (5)لکنّه مع معارضتها بالأخبار الکثیرة معارضة بروایته الأُخری: «أنّه لا بأس به. قال: فلمّا رددنا علیه، قال: تنضحه بالماء» (6)و الأمر بالنضح وارد فی غیرها أیضاً.
و کیف کان، فقول الإسکافی بنجاسة ما یخرج منه عن شهوة (7)شاذٌّ، کما صرّح به فی المختلف، حیث قال: إنّ إجماع الإمامیّة علی طهارته، و خلاف ابن الجنید لا یعتدّ به؛ لما ذکره الشیخ فی فهرسته: من أنّ أصحابنا
ترکوا خلافه؛ لأنّه کان یقول بالقیاس (1)، انتهی.
ثمّ الظاهر من تفصیل ابن الجنید: أنّ المذی قد یخرج لا عن شهوة، و ظاهر ما تقدّم عن المعتبر و المنتهی: خروجه عقیب الشهوة (2)، و هو الظاهر من مرسلة ابن رباط، قال: «و أمّا المذی فهو الذی یخرج من الشهوة، و الودی من البول، و الوذی من الارواء (3)و لا شیء فیه» (4)و الأمر سهل بعد طهارته مطلقاً.
و نحوه الودی، و هو بسکون الدال المهملة-: ماءٌ أبیض یخرج عقیب البول.
[الرابع المیتة (1)] (و) الرابع: (المیتة من) الحیوان (ذی النفس السائلة (2)) إنساناً کان أو غیره.
أمّا الآدمی، فتدلّ علی نجاسته مضافاً إلی دعوی الاتّفاق علیه بالخصوص فی المعتبر (3)و المنتهی (4)، کما عن الخلاف (5)و غیره (6)صحیحة الحلبی: «عن الرجل یصیب ثوبه جسد المیّت؟ قال: یغسل ما أصاب الثوب منه» (7).
و صحیحة إبراهیم بن میمون، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن الرجل یقع ثوبه علی جسد المیّت؟ قال: إن کان غسل المیت فلا تغسل
ما أصاب ثوبک منه و إن کان لم یغسل فاغسل ما أصابک (1)ثوبک منه، یعنی: بعد البرد» (2).
و المروی من الاحتجاج عن مولانا القائم عجّل اللّٰه فرجه ما کتب إلیه الحمیری: «أنّه روی لنا عن العالم علیه السلام أنّه سئل عن إمام قوم صلّی بهم بعض صلاة و حدثت علیه حادثة، فکیف یعمل من خلفه؟ قال: یؤخّر بعضهم و یتقدّم بعضهم و یتمّ صلاتهم و یغتسل من مسّه، فکتب عجّل اللّٰه تعالی فرجه: لیس علی من نحّاه إلّا غسل الید» (3).
و عنه أیضاً: أنّه کتب إلیه: «أنّه روی عن العالم علیه السلام أنّ من مسّ میّتاً بحرارته غسل یده، و من مسّه ببرد فعلیه الغسل، و هذا المیّت فی هذه الحالة لا یکون إلّا بحرارته، فالعمل فی ذلک علی ما هو؟ و لعلّه ینحّیه بثیابه و لا یمسّه، فکیف یجب علیه الغسل؟ التوقیع: إذا مسّه علی هذه الحالة لم یکن علیه إلّا غسل یده» (4).
و یؤیّدها ما ورد فی وقوع الإنسان فی البئر (5)، و ما تقدّم من الأخبار الواردة فی غسل المیّت الدالّة علی أنّ المغسِّل یغسل یدیه أوّلًا ثم یکفّن المیّت (6)، فتأمّل.
1) فی الوسائل: «ما أصاب».
2) الوسائل 2: 1050، الباب 34 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
3) الاحتجاج 2: 302، و عنه فی الوسائل 2: 932، الباب 3 من أبواب غسل المس، الحدیث 4.
4) الاحتجاج 2: 302، و عنه فی الوسائل 2: 932، الباب 3 من أبواب غسل المس، الحدیث 5
5) راجع الوسائل 1: 142، الباب 22 من أبواب الماء المطلق.
6) الوسائل 2: 760، الباب 35 من أبواب التکفین، الأحادیث 1 3، و قد تقدّمت فی الجزء 4: 333.
و ظاهر الروایتین وجوب غسل ما لاقی الثوب مع رطوبة متعدّیة من المیّت إلیه، فلا یجب غسل ما لاقاه مع یبوستها؛ للأصل السلیم عما یدلّ علی التعدّی من دون رطوبة فی أحد المتلاقیین، عدا ما تخیّله فی المدارک: من إطلاق هاتین الروایتین (1)، اللتین عرفت ظهورهما فی اکتساب الثوب رطوبة من جسد المیّت، مع أنّه لو سلّم الإطلاق فیهما کالثالث فهو مقیّدٌ بما هو مرکوز فی أذهان المتشرّعة: من اعتبار الرطوبة فی التأثیر.
فظهر ضعف ما عن المنتهی: من وجوب غسل ما لاقاه یابساً (2)، مضافاً إلی عموم قوله علیه السلام: «کلّ یابس ذکیّ» (3)بل عن الحلیّ اختیار عدم السرایة مع الرطوبة أیضاً، و قال فیما حکی عنه: لأنّ هذه نجاسات حکمیّات و لیست عینیّات، قال: و لا خلاف بین الأُمّة کافةً أنّ المساجد یجب أن تجتنب النجاسات العینیّة، و أجمعنا بغیر خلاف أنّ من غسل میّتاً، له أن یدخل المسجد و یجلس فیه، فلو کان نجس العین لما جاز ذلک، و لأنّ الماء المستعمل فی الطهارة الکبری طاهر بغیر خلاف، و من جملة الأغسال غسل من مسّ میّتاً، و لو کان ما لاقی المیّت نجساً لما کان الماء الذی یغتسل به طاهراً (4)، انتهی.
و أجاب المحقّق عن الأوّل: بمنع جواز دخول من مسّ میّتاً المسجد، کما یمنع من علی جسده نجاسة. و عن الثانی: بالتزام نجاسة الماء إذا لم یغسل یده قبل الاغتسال (5).
أقول: و یردّ الحلیّ مضافاً إلی الإجماعات المستفیضة (1)علی النجاسة التی من حکمها التعدّی مع الرطوبة إلی ما لاقاه بوسائط، بل ادّعی فی المعتبر إطباق الإمامیّة علی نجاسته نجاسةً عینیّة کغیرها من المیتات (2)بل الحلیّ بنفسه حکی عنه دعوی عدم الخلاف بین المحصّلین فی نجاسة اللبن فی ضرع المیتة؛ لأنّه مائع لاقی المیّت (3)إلّا ان یقال: إنّ ظاهر کلامه هنا الاختصاص بالآدمی-: أنّ الأمر بغسل الملاقی ممّا یفهم منه النجاسة فی عرف المتشرّعة، فضلًا عمّن لاحظ الأخبار الکثیرة المکنیّة عن النجاسة بوجوب غسل الملاقی (4)، مع أنّه لو لم نحکم بنجاسة الملاقی بنجاسة حقیقیّة لزم جواز استصحابه فی الصلاة و جواز التطهّر لو کان ماءً، و حینئذٍ فیجب غسل الثوب الملاقی له و یجوز استعمال الماء الملاقی له، فیلزم أن یکون ملاقاته مؤثّرة فی الثوب منعاً و غسلًا غیر مؤثر فی الماء القلیل، و هو باطل، کما فی المعتبر (5)، فتأمّل.
و ما أبعد ما بین هذا القول و ما عن المصنّف: من نجاسة المیّت نجاسة عینیّة و لو مع الیبوسة (6)و هو المحکیّ عن البیان (7)و فوائد القواعد (8)، بل عن التذکرة (9)
و نهایة الإحکام (1): أنّه ظاهر الأصحاب، و عن کشف الالتباس: أنّه المشهور (2).
ثم إنّ المحکی عن جماعة (3)نسبة القول بنجاسته الحکمیة إلی السیّد، مع أنّ عبارته المحکیّة فی شرح الرسالة: أنّ المیّت من الناس نجس العین و مطهِّره الغسل (4)، انتهی. و لو کان منشأ هذه النسبة هو حکمه بعدم وجوب غسل المسّ، ففیه ما لا یخفی.
و کیف کان، فهل تخصّ نجاسته بما بعد البرد، کما هو ظاهر أوّل المحقّقین (5)و صریح ثانیهما (6)کأوّل الشهیدین (7)و حکی عن ابن سعید (8)و المصنّف فی النهایة (9)و کاشف الالتباس (10)و المیسی (11)و الذخیرة (12)؟
1) نهایة الإحکام 1: 173.
2) کشف الالتباس 1: 319.
3) منهم فخر الدین فی إیضاح الفوائد 1: 66، و المحقّق الثانی فی جامع المقاصد 1: 461.
4) حکاه المحقّق فی المعتبر 1: 348.
5) المعتبر 1: 349.
6) جامع المقاصد 1: 459.
7) الدروس 1: 117.
8) الجامع للشرائع 1: 32.
9) نهایة الإحکام 1: 172.
10) کشف الالتباس 1: 315.
11) حکاه عنه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 153.
12) لم نعثر علیه فی الذخیرة، بل رجّح فیه النجاسة قبل البرد، کما حکاه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة: 153، راجع الذخیرة: 147، نعم قال فی الصفحة 91 ذیل بحث الأموات: و یستفاد من هذه الأخبار الاختصاص بحال برده.
أم نجس بمجرّد الموت، کما هو ظاهر المصنّف قدّس سرّه فی القواعد (1)و محکیّ التذکرة (2)و الشهید الثانی (3)و کاشف اللثام (4)و صاحب الریاض (5)، و حکی عن المبسوط (6)و المدارک (7)و الکفایة (8)، بل نسبه فی الریاض إلی ظاهر الأصحاب (9)، و قریب منه فی مفتاح الکرامة (10)؟
و فیه نظر؛ لأنّ الأصحاب لیس فی کلامهم ما یظهر منه الإطلاق عدا إطلاق فتاواهم أو معاقد إجماعهم، أمّا الفتاوی فهی مختلفة کما عرفت، و أمّا معاقد الإجماع فلا ینفع إطلاقها بعد ذهاب مدّعیها إلی العدم، فإنّ منهم المحقّق و المصنّف و الشهید، و قد عرفت أنّ ظاهرهما کالمحکیّ عن نهایة المصنّف التقیید.
نعم، یمکن التمسّک بإطلاق روایتی الحلبی و الاحتجاج المتقدّمتین (11)
1) قواعد الإحکام 1: 192.
2) التذکرة 2: 135.
3) روض الجنان: 113 114.
4) کشف اللثام 1: 420.
5) الریاض 2: 351.
6) المبسوط 1: 4.
7) لم نعثر علیه فی المدارک، بل صرّح فیه: بأنّ الحکم بعد البرد، کما حکاه عنه فی مفتاح الکرامة 1: 153.
8) کفایة الأحکام: 11.
9) الریاض 2: 351.
10) مفتاح الکرامة 1: 153.
11) تقدّمتا فی الصفحة 41 و 42.
و إطلاق الرضوی المتقدّم (1)، و ما فی ذیل روایة ابن میمون من التفسیر بقوله: «یعنی بعد البرد» و (2)لا یصلح لتقیید الإطلاق.
و لا یوهن فیه ما فی الذکری: من عدم الجزم بالموت مع الحرارة (3)، و لا ما ربّما یقال: من أنّه لم ینقطع عنه تعلّق الروح بالکلّیة؛ لضعف الأوّل: بأنّ المفروض تحقّق موته لغةً و عرفاً؛ و لذا لم یقل أحد کما فی الروض بعدم جواز دفنه قبل البرد (4)، و الثانی: بأنّ الحکم منوط بالموت، لا انقطاع تعلّق الروح بالکلّیة.
و أمّا میتة غیر الآدمی، فهی أیضاً نجسة بإجماع علمائنا علی الظاهر المصرَّح به فی محکیّ کثیرٍ من العبائر، کظاهر الطبریّات (5)و صریح الغنیة (6)و المعتبر (7)و المنتهی (8)و التذکرة (9)و الذکری (10)و کشف الالتباس (11)و الروض (12)
1) تقدّم فی الجزء 4: 441.
2) کذا و الظاهر زیادة «الواو».
3) الذکری 2: 100.
4) روض الجنان: 113.
5) لا یوجد لدینا، نعم حکاه عنه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 138.
6) الغنیة: 42.
7) المعتبر 1: 420.
8) المنتهی 3: 195.
9) التذکرة 1: 59.
10) الذکری 1: 113.
11) کشف الالتباس 1: 396.
12) روض الجنان: 162.
و کشف اللثام (1)و الدلائل (2).
و الأصل فی ذلک الکتاب و السنّة، قال اللّٰه تبارک و تعالی إِلّٰا أَنْ یَکُونَ مَیْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِیرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ (3)بناءً علی عود الضمیر إلی کلّ واحدٍ من المذکورات.
و فی النبوی: «المیتة نجسة و لو دبغت» (4).
و موثّقة عمّار عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام، قال: «سئل عن الخنفساء و الذباب و الجراد و النملة و ما أشبه ذلک یموت فی البئر و الزیت و السمن و شبهه؟ قال: کلّ ما لیس له دم فلا بأس» (5).
و صحیحة ابن مسکان: «کل شیءٍ یقع فی البئر لیس له دم مثل العقرب و الخنافس و أشباه ذلک فلا بأس» (6).
و ظاهرهما سیّما الثانیة تنویع المیتة علی قسمین مختلفین فی الحکم، لا مجرّد بیان ضابطة کلّیة فی طرف المنطوق فقط، نظیر قوله: «کلّ مسکر حرام» (7)فهما مسوقان سیاق قوله علیه السلام فی موثّقة غیاث: «لا یفسد الماء إلّا ما کان له نفس سائلة» (8).
1) کشف اللثام 1: 392.
2) لا یوجد لدینا، نعم حکاه عنه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 138.
3) الأنعام: 145.
4) المستدرک 2: 592، الباب 39 من أبواب النجاسات، الحدیث 6.
5) الوسائل 2: 1051، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
6) الوسائل 2: 1052، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحدیث 3.
7) الوسائل 2: 1075، الباب 52 من أبواب النجاسات، الحدیث 2.
8) الوسائل 2: 1051، الباب 35 من أبواب النجاسات، الحدیث 2. و فیه حفص بن غیاث.
هذا، مضافاً إلی الأخبار المتفرّقة فی مسائل الماء المتغیّر و البئر و الماء القلیل و غیر ذلک، ففی روایة القمّاط: «عن الرجل یمرّ بالماء النقیع فیه المیتة و الجیفة؟ فقال أبو عبد اللّٰه علیه السلام: إذا کان الماء قد تغیّر ریحه أو طعمه فلا تشرب منه و لا تتوضأ» (1)و نحوها ما ورد فی نجاسة الماء المتغیّر بالجیفة (2).
و فی روایة یونس بن یعقوب عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام، قال: «سألته عن العقرب تخرج من الماء میتة؟ قال: استق منها عشر دلاء. قلت: فغیرها من الجِیَف؟ قال: الجِیَف کلّها سواء إلّا جیفة قد أُجیفت، فإن کان (3)جیفة قد أُجیفت فاستق منها مائة دلو، فإن غلب علیها الریح بعد مائة دلو فانزحها کلّها» (4)دلّت علی وجوب نزح الکلّ لکلّ جیفة تغیّر بها ماء البئر، إلی غیر ذلک ممّا تقف علیها فی مسألة البئر (5).
و مثل ما ورد: من طهارة عشرة أشیاء من المیتة (6)فإنّ ظاهره نجاسة ما عداها من الأجزاء.
و مثل ما ورد من المستفیضة فی القِطَع المبانة من الحیّ معلّلًا بأنّها میتة (7)إلی غیر ذلک.
1) الوسائل 1: 103، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحدیث 4.
2) راجع الوسائل 1: 102، الباب 3 من أبواب الماء المطلق، الحدیث الأوّل و 119، الباب 9 من الأبواب، الحدیث 11.
3) فی الوسائل: «کانت».
4) الوسائل 1: 143، الباب 22 من أبواب الماء المطلق، الحدیث 7.
5) راجع الجزء 1: 213 و ما بعدها.
6) الوسائل 16: 366، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث 9.
7) راجع الوسائل 2: 1081، الباب 62 من أبواب النجاسات، الحدیث 1 و 2، و 16: 295، الباب 30 من أبواب الذبائح.
و ظاهر هذه الأخبار کمعاقد الإجماع شمول الحکم للمیّت من الحیوان المائی، بل عن التذکرة: أنّ میتة ذی النفس من المائی نجسة عندنا (1)، فما یحکی عن الشیخ: من الحکم بطهارتها (2)، ضعیف.
و أضعف منه: ما عن المدارک: من التأمّل فی أصل المسألة و حکایة الطهارة عن الصدوق؛ نظراً إلی ذکره روایة ظاهرة فی الخلاف، و ضمانه فی أوّل کتابه صحّة جمیع ما یورده و أنّه حجة بینه و بین ربّه (3).
و أنت تعلم أنّ التتبّع فی روایات الفقیه یشهد برجوعه عمّا التزم به فی أوّل کتابه، کما حکی عن المجلسی فی شرح الفقیه (4)، و عن بعضٍ دعوی عدم الشکّ فی ذلک (5).
مع إمکان حمل المیتة فی الروایة علی میتة ما لا نفس له، فقد جرت عادة الأعراب بوضع السمن و الزیت فی جلود بعض هذه الحیوانات. نعم، عن المقنع: أنّه لا بأس أن یتوضأ بالماء إذا کان فی زقّ المیتة (6)، لکنّه لو لم یؤوّل کالروایة شاذٌّ جدّاً، یکفی فی ضعفه استفاضة دعوی الإجماع بل تواترها کالأخبار، بل دعوی ضرورة المذهب کما عن شرح المفاتیح (7)علی
1) التذکرة 1: 61.
2) حکاه عن ظاهر الخلاف الفاضل الأصفهانی فی کشف اللثام 1: 392، و مثله السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 138، و راجع الخلاف 1: 189.
3) راجع المدارک 2: 268 269.
4) حکاه عنه الوحید البهبهانی فی مصابیح الظلام (مخطوط): الورقة 231.
5) حکاه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 138 عن أُستاذه الوحید البهبهانی.
6) المقنع: 18.
7) مصابیح الظلام (مخطوط): الورقة 234.
بطلان قول ابن الجنید (1)بطهارة جلد المیتة بالدبغ؛ لظاهر بعض الأخبار المصروفة عن ظاهرها و فراراً عن الطرح المرغوب عنه.
و منه یظهر ما عن المحدّث الکاشانی: من میله إلی ذلک المذهب معلّلًا بأنّ عدم جواز الانتفاع کما فی الأخبار لا یدلّ علی النجاسة مع ورود بعض الأخبار بجوازه فی الجملة (2).
ثمّ لا إشکال (و) لا خلاف فی أنّ فی حکم المیتة (أجزاءها، سواء أُبینت من حیٍّ أو میّت).
أمّا المنفصلة عنها بعد الموت عدا المستثنیات الآتیة فهو واضح؛ إذ دعوی اعتبار الانضمام فی نجاستها ممّا یقطع العوام بفسادها، فضلًا عن الخبیر بالفتاوی و النصوص، فلا یعلم وجهٌ لتردّد صاحب المدارک لولا الإجماع و فهم حصر الدلیل فی الاستصحاب (3)، مع أنّه حکم بنجاسة أجزاء الکلب المنفصلة بنفس أدلّة نجاسة الکلب (4).
و أمّا الأجزاء المبانة من الحیّ، فالظاهر أیضاً عدم الخلاف فی کونها میتة أو بحکم المیتة، کما استظهره فی الحدائق (5)و حکی عن المعالم (6). و فی شرح المفاتیح: أنّه اتّفاق الفقهاء و إن الظاهر کونه إجماعاً و أنّ علیه عمل
الشیعة فی الأعصار (1)، سواء کان من الآدمی أم من غیره. و فی المدارک: أنّه مقطوع به بین الأصحاب (2). و عن الذخیرة: أنّ المسألة کأنّها إجماعیّة، قال: و لو لا الإجماع لم نقل بها؛ لضعف الأدلّة (3)، و تبع فی ذلک شیخه فی المدارک (4). و عن التذکرة: أنّ کل ما أُبین من الحیّ ممّا تحلّه الحیاة فهو میّت، فإن کان من آدمیٍّ فهو نجس عندنا خلافاً للشافعی (5)، انتهی.
و یدلّ علیه فی غیر الآدمی: الأخبار الواردة فی باب الصید: أنّ ما قطعت الحبالة فهو میّت (6)، و ما ورد فی باب الأطعمة فی ألیات الغنم المبانة منها فی حال الحیاة و أنّها میتة (7)لا یجوز الاستصباح بها، و فی بعضها تعلیل منع الاستصباح: بأنّه یصیب الید و الثوب و هو حرام (8)، و الظاهر الإشارة بذلک إلی نجاستها. هذا، مضافاً إلی مفهوم التعلیل فی قوله: «إنّ الصوف لیس فیه روح» (9).
و فی الآدمی: مرسلة أیّوب بن نوح: «إذا قطع من الرجل قطعة فهی میتة، فإذا مسّها إنسان فکلّ ما کان فیه عظم فقد وجب علی من مسّه
1) مصابیح الظلام (مخطوط): الورقة 231.
2) المدارک 2: 271.
3) الذخیرة: 147.
4) المدارک 2: 272.
5) التذکرة 1: 60.
6) الوسائل 16: 237، الباب 24 من أبواب الصید، الحدیث 2.
7) الوسائل 16: 295، الباب 30 من أبواب الصید، الحدیث 1 و 3.
8) نفس المصدر، الحدیث 2.
9) الوسائل 2: 1089 1090، الباب 68 من أبواب النجاسات، الحدیث 1 و 7.
الغسل، فإن لم یکن فیه عظم فلا غسل علیها» (1)لشمولها للمبانة من الحیّ و المیّت، بل لا یبعد دعوی اختصاصه (2)بالمبانة من الحی کما اعترف به بعض (3)فمن العجب بعد ذلک تأمّل صاحب (4)المدارک (5)و الذخیرة (6).
نعم، الإغماض عن الأخبار المذکورة و الاستناد فی هذا الحکم إلی تحقّق الموت فی العضو المبان ضعیف جدّاً؛ لأنّ الموت و الحیاة من صفات نفس الحیوان فلا یتّصف بهما أجزاؤه إلّا تبعاً.
و لا فرق فی إطلاق المرسلة بین ما خرج عنه الروح بالقطع و بین ما خرج عنه قبله، و دعوی انصراف الإطلاق إلی الأوّل ممنوعة، إلّا أنّ ما خرج عنه الروح لا دلیل علی نجاسته مع کونه جزءً من الإنسان، و قد عرفت أنّه لا یصدق علیه المیتة؛ لأنّ الموت لا یتّصف به حقیقةً إلّا الحیوان. و أمّا جعل الشارع الأجزاء المبانة من الحیّ بمنزلة المیتة فلا دلیل علی التنزیل قبل الإبانة، مضافاً إلی روایة علی بن جعفر الآتیة (7)الشاملة لصورة موت الثالول أو یعمّ الجرح أو بعضها متّصلًا بالبدن، مع أنّه نقل الإجماع علی طهارتها حال الاتّصال شارح الوسائل و نفی الریب فی بطلان القول
بنجاستها عن المعالم (1)، و فی شرح المفاتیح: دعوی الضرورة علی عدم التزام الناس بقطعها (2).
فظهر ممّا ذکرنا ضعف التردّد فی الأجزاء الکبیرة التی تعرّض لها الموت حال الاتّصال، کما عن شارح الدروس (3). نعم، إذا کان اتّصالها ضعیفاً بحیث یعدّ منفصلًا عرفاً فلا یبعد الحکم بنجاستها.
ثمّ إنّ الظاهر من الروایة بحکم التبادر اختصاص الحکم بما یعدّ جزءاً من بشرة الإنسان، فما یعدّ عرفاً کالخارج الأجنبی مثل القشور، فحکمها حکم الشعر و الظفر، لا یحکم بنجاستها بعد الانفصال، تمسّکاً بأصالة طهارتها الثابتة قبل القطع.
و أمّا الأجزاء الصغار من اللحم کالثالول و نحوه-، فمقتضی الروایة الحکم بنجاستها. و دعوی انصراف القطعة إلی غیر الأجزاء الصغار، ناشئة عن الخلط بین التشکیک الابتدائی کانصراف الماء إلی الصافی، و بین التشکیک المستقرّ کانصراف الدرهم و الدینار إلی الرائج؛ و لذا تمسّک بعض کالمصنّف فی المنتهی علی عدم نجاستها: بلزوم الحرج لولاه، فإنّه اعترف بعموم أدلّة النجاسة و قیام المقتضی لها لولا دلیل العفو (4).
و قد یضاف إلی ذلک: التمسّک بروایة علی بن جعفر عن أخیه علیه السلام، قال: «سألته عن الرجل یکون به الثالول و الجراح، هل یصلح له أن یقطع
الثالول و هو فی صلاته أو ینتف بعض لحمه من ذلک الجرح و یطرحه؟ قال: إن لم یتخوّف أن یسیل الدم فلا بأس، و إن تخوّف أن یسیل الدم فلا یفعلها» (1).
لکن فی دلالتها نظرٌ؛ من حیث إنّ قطع الثالول أو نتف اللحم لا یستلزم حمله آناً ما فی الصلاة و لا مسّه برطوبة حتی یجب علی تقدیر النجاسة تقیید الإمام علیه السلام له بصورة عدم لزوم حمل الجزء أو مسّه بالرطوبة، فالحکم بنفی البأس مبنیٌّ علی رفع توهّم کونه فعلًا کثیراً منافیاً، کما یشهد به سیاق الأسئلة التی ذکر هذا السؤال فی جملتها.
لکنّ الإنصاف بقرینة اشتراط عدم خوف سیلان الدم الذی لا دخل له بالفعل الکثیر یقضی أنّ الإمام علیه السلام فی مقام الترخیص الفعلی من جمیع الجهات، فکان ینبغی تقییده علی تقدیر نجاسة المقطوع بصورة عدم الحمل أو المسّ برطوبة، مع غلبة عدم انفکاک القطع عن أحدهما، فالاستدلال به حسن کما عن نهایة الإحکام (2)و المعالم (3)-، مع عدم وجدان قائل بالنجاسة عدا ما عن کشف اللثام: من المیل إلی القول بالنجاسة (4)، لکنّه ضعیف مخالف للمشهور بین المتأخّرین المصرّح به فی المنتهی (5)و عن
الفائدة (1)و المعالم (2)و شرحی الدروس (3)و المفاتیح (4)و الموجز فی خصوص البثور و الثالول (5)، و کشف الالتباس (6)و الذخیرة (7)و البحار (8)علی ما حکی عن أکثرهم، بل فی الحدائق: الظاهر أنّه لا خلاف فیه منهم (9)یعنی: فی طهارة البثور و الثالول و نحوهما.
و المسألة محل إشکال، و الاحتیاط لا ینبغی أن یترک فی غیر ما یعدّ من قبیل القشور شیئاً زائداً علی البدن أجنبیّا عنها، کقشور الرّجل و الشفة و الجرح و اللحم الزائد فی الجروح و نحو ذلک.
ثمّ إنّ الظاهر عدم الخلاف فی طهارة المسک، ففی المنتهی (10)و عن التذکرة (11): إلا جماع علیه.
و یدلّ علیه: سیرة المسلمین فی استعمالها، بل روی: أنّ النبی صلّی اللّٰه علیه و آله کان یحبّه (12).
1) مجمع الفائدة 1: 305.
2) معالم الدین (قسم الفقه) 2: 485.
3) مشارق الشموس: 314.
4) مصابیح الظلام (مخطوط): الورقة 232.
5) الموجز الحاوی (الرسائل العشر): 58.
6) کشف الالتباس 1: 401.
7) الذخیرة: 147.
8) البحار 80: 75 76.
9) الحدائق 5: 77.
10) المنتهی 3: 210.
11) التذکرة 1: 58.
12) لم نعثر علیه فی المجامیع الروائیّة. نعم نقله العلّامة فی المنتهی 3: 210.
و الظاهر أنّ هذا المسک المتعارف هو بعض أقسامه، و إلّا فلا إشکال فی نجاسة الباقی، فقد ذکر فی التحفة: أنّ للمسک أقساماً أربعة (1):
أحدها: المسک الترکی، و هو دم یقذفه الظبی بطریق الحیض أو البواسیر فینجمد علی الأحجار.
الثانی: الهندی، و لونه أخضر: دم ذبح الظبی المعجون مع روثه و کبده و لونه أشقر، و هذان ممّا لا إشکال فی نجاستهما.
الثالث: دم یجتمع فی سرّة الظبی بعد صیده، یحصل من شقّ موضع الفأرة و تغمیز أطراف السرّة حتّی یجتمع الدم فیجمد، و لونه أسود، و هو طاهر مع تذکیة الظبی، نجس لا معها.
الرابع: مسک الفأرة، و هو دم یجتمع فی أطراف سرّته ثم یعرض للموضع حکّة تسقط بسببها الدم مع جلدةٍ هی وعاءٌ له، و هذا و إن کان مقتضی القاعدة نجاسته؛ لأنّه دم ذی نفس، إلّا أنّ إلا جماع دلّ علی خروجه عن هذا العموم؛ إمّا لخروج موضوعه بدعوی استحالة الدم أو بدعوی التخصیص فی العموم.
و کیف کان، فلا إشکال فی طهارة هذا الذی یتعاطاه المسلمون و إن کان خالیاً عن الفأرة.
و أمّا فأرته و هی الجلدة، ففی التذکرة (2)و الذکری (3)و الموجز (4): إطلاق القول بطهارتها.
و فی المنتهی (1)کما عن کشف الالتباس (2)تقییده بما إذا انفصل من الحیّ أو أُخذ من المذکّی، و صرّح فی المنتهی: بأنّها إن أُخذت من میتة فالأقرب نجاستها (3).
و المحصّل من إطلاق کلامه فی المسک و تقییده فی فأرته: أنّ طهارة المسک لا ینافی نجاسة فأرته، کما صرّح به فی النهایة، حیث قال: علی ما حکی-: المسک طاهر و إن قلنا بنجاسة فأرته المأخوذة من المیتة کالإنفحة، و لم یتنجّس بنجاسة الظرف؛ للحرج (4).
و فیه: أنّ الحرج یندفع بالأخذ من المسلم. نعم لو ادّعی انجماد الدم قبل زمان الحکم بنجاسة الفأرة، تعارض أصالة عدم الملاقاة حین الرطوبة مع أصالة بقاء الجفاف حین الملاقاة، لکنّ الانجماد عادةً لا یحصل حین الموت.
فالقول بنجاسة المسک المعلوم کونه فی الفأرة المأخوذة من المیتة لا یخلو عن قوّة، و الروایة الواردة بجواز استصحابه فی الصلاة (5)مع عدم دلالته علی الطهارة الواقعیّة، بل یکفی الحکم (6)بطهارتها أخذها من مسلم معارضة بروایةٍ أُخری علّق الجواز فیها بقوله: «إذا کان ذکیّاً» (7).
اللهمّ إلّا أن یقال: إنّ کون الجلدة جزءاً تحلّه الحیاة من الظبی غیر معلوم؛ و لهذا لا یحکم بنجاسة المنفصل، فلعلّه شیءٌ کالبیض للدجاج، و مجرّد کونه جلداً لا یستلزم کونه محلّاً للروح، فیتّجه حینئذٍ الحکم بطهارته و عدم الفرق بین المنفصل من الحیّ و المیتة.
لکن یمکن الفرق: بأنّ انفصاله من الحیّ علامة استقلاله و خروجه عن جزئیّة البدن، بخلاف أخذه منه میتة؛ فإنّه جزءٌ مقطوع منه، و سیأتی فی حکم ما لا تحلّه الحیاة قوله علیه السلام فی حسنة الحلبی (1)الآتیة: «و کلّ شیءٍ ینفصل من الشاة و الدابّة فهو ذکیّ».
نعم، قد تکون الفأرة فی الظبیة المیتة مشرفة علی الانفصال، بحیث لم یحتج فی انفصاله إلی قوّة دافعة لیست للمیّت، فهی کالمنفصلة عن الحی. فالفرق المذکور مبنیٌّ علی الغالب، و بهذا یندفع ما أورده کاشف اللثام علی المصنّف: من أنّ الفرق بین انفصالها عنه حیّاً و أخذها منه بعد الموت من غیر تذکیة غریبٌ لم أعرف له وجهاً (2). و لعلّ ما ذکرنا فی توجیه کلام العلّامة أولی ممّا قیل فیه: من أنّ النصوص و الأخبار منصرفة إلی المأخوذة من الحیّ (3).
و کیف کان، فیهوّن الخطب تعاطیها بأیدی المسلمین و أسواقهم، و إلّا فلا دلیل علی الخروج عن عموم نجاسة جمیع أجزاء المیتة (إلّا ما لا تحلّه الحیاة، کالصوف و الشعر و الوبر و الظفر و العظم (4)) فإنّ الظاهر عدم الخلاف فی
طهارتها، کما عن کاشف اللثام (1)و شرح المفاتیح (2)و الحدائق (3)و غیرها (4)، إلّا أنّ المحکی عن الشیخ تقیید الأربعة الأُولی بما إذا أُخذت جزّاً لا قلعاً (5)، و هو ضعیف أو محمول علی عدم جواز الانتفاع بالمقلوع قبل الغسل.
و اقتصار المصنّف علی الخمسة من باب المثال للکلّیة المستثناة، فیدخل فیها: القرن و السن و الریش و الحافر و أشباه ذلک.
و قد أُشیر إلی الکلّیة المذکورة، بل صرّح بها فی صحیحة الحلبی: «لا بأس بالصلاة فیما کان من صوف المیتة؛ إنّ الصوف لیس له روح» (6).
و روایة قتیبة بن محمد المرویّة عن مکارم الأخلاق عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام و فیها: «قلت له: إنا نلبس الطیالسة البربریّة و صوفها میّت؟ قال: لیس فی الصوف روح، أ لا تری أنّه یجزّ و یباع و هو حی» (7).
و فی روایةٍ أُخری یعلِّل طهارة الإنفحة من المیّت: بأنّه لیس لها عِرْق و لا دم و لا عظم (8). و المقصود: أنّه لا یعدّ من أعضاء المیّت التی تحلّها الحیاة المشتملة علی العرق و الدم أو العظم؛ لأنّ ما تحلّه الحیاة یعنی الحسّ لا یخلو عن شیءٍ من الثلاثة. و یمکن أن یراد: أنّها لیست بعضاً للحیوان؛
1) کشف اللثام 1: 406، و فیه: اتّفاقاً.
2) مصابیح الظلام (مخطوط): الورقة 233.
3) الحدائق 5: 77.
4) المدارک 2: 272، و الذخیرة: 147.
5) النهایة: 585.
6) الوسائل 2: 1089، الباب 68 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
7) الوسائل 2: 1090، الباب 68 من أبواب النجاسات، الحدیث 7.
8) الوسائل 16: 364، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث الأوّل.
لعدم سرایة دمه أو عروقه فیه، و لا عظم فیه لیکون من أعضاء الحیوان، فهی شیءٌ مستقلّ مخلوق فیه؛ و لهذا قال علیه السلام بعد ذلک: «إنّها بمنزلة بیضة خرجت من دجاجة میّتة» (1)فحاصل التعلیل: أنّ کلّ شیءٍ لا یُعدّ من أعضاء الحیوان، بل هو شیء مستقلٌّ فیه یکون طاهراً.
و فی حسنة حریز: «أنّه قال الصادق علیه السلام لزرارة و محمّد بن مسلم: اللبن و اللبأ و البیضة و الشعر و الصوف و القرن و الناب و الحافر و کلّ شیءٍ ینفصل من الشاة و الدابّة فهو ذکی، و إن أخذته منه بعد أن یموت فاغسله و صلّ فیه» (2).
و ظاهر الأمر بالغسل فیها نجاسة موضع الاتّصال بالمیتة.
و ربّما یتوهّم من ظاهرها وجوب الغسل و إن لم یتّصل بالمیتة، کما لو أُخذ جزّاً.
و یضعّف: بأنّ غسل الشیء للصلاة فیه لیس إلّا لنجاسته، و قد دلّت النصوص علی طهارة ما لا تحلّه الحیاة بالذات (3)، فالغسل لا یکون إلّا للنجاسة العرضیة الحاصلة بالملاقاة الذی لا یکون بالجزّ.
و أضعف من هذا ما عن الشیخ فی النهایة: من عدم طهارة ما یؤخذ قلعاً (4)، حیث حکی عن بعض أنّه نقل عنه تعلیل ذلک: بأنّ أُصولها المتّصلة باللحم من جملة أجزائه، و إنّما یستکمل استحالتها إلی أحد المذکورات بعد تجاوزها عنه (5).
و ربّما یردّ قوله بإطلاق الأخبار المتقدّمة.
و فیه: أنّ هذا المعنی لا تردّه الأخبار الدالّة علی طهارة الأشیاء المعهودة من حیث عدم الروح فیها؛ لأنّها لا تنافی نجاستها باتّصال جزءٍ من المیتة بها، إلّا أن یتمسّک بسکوتها مع اقتضاء المقام لبیان کیفیّة الأخذ، فافهم.
و الأقوی ردّه بمنع کون أُصول الشعر الداخلة فی اللحم جزءاً من اللحم، بل هو شیءٌ لا تحلّه الحیاة من الفضلات المستعدّة للشعریّة.
و دعوی: أنّه و إن لم یکن لحماً إلّا أنّه ینقلع معه جزءٌ لطیف من اللحم لا ینفک عنه إلّا بالجزّ، ممنوعة؛ فإنّا لا نحس فی أصل الشعر المقلوع إلّا جزءاً لطیفاً أبیض لا یشبه اللحم فی شیء، و لا سبیل إلی الحکم بنجاسته حتّی مع الشکّ فی حلول الحیاة فیه، فضلًا عن صورة القطع أو الظنّ بعدمه.
ثمّ استقرب المصنّف قدّس سرّه فی المنتهی نجاسة البیض من الدجاجة الجلّالة و ممّا لا یؤکل لحمه ممّا له نفس سائلة (1)، و نحوه المحکی عن نهایته (2).
و عن المعالم: لا نری له وجهاً و لا نعرف له موافقاً (3).
و علی أیّ تقدیرٍ، فالظاهر اتّفاق الأصحاب کما عن المدارک (4)و الحدائق (5)علی اعتبار اکتساء القشر الأعلی فی طهارة البیض و إن اختلفوا
بین من عبّر ب «الجلد الفوقانی» (1)و من عبّر ب «القشر الأعلی» (2)و من عبّر ب «الصلابة» (3)و من عبّر ب «الجلد الغلیظ» (4)تبعاً لروایة غیاث بن إبراهیم التی هی مستند الحکم عن الصادق علیه السلام، قال: «إذا اکتست الجلد الغلیظ فلا بأس بها» (5)، و الظاهر أنّ مراد الجمیع واحد، و هو الجلد الذی لا جلد فوقه، و الظاهر أنّه یعتبر غلظته لا صلابته.
ثمّ إنّه لا خلاف ظاهراً کما فی الکفایة فی طهارة الإنفحة من المیتة (6)، بکسر الهمزة و تشدید الحاء کما عن القاموس (7)، أو بتخفیفها کما فی المجمع (8)، أو بالتخفیف و التشدید کما عن المغرب (9)، و عن المصباح: أنّ التشدید أکثر (10).
و هذا الحکم نسبه فی المنتهی إلی علمائنا (11). و عن الغنیة (12)و کشف اللثام (13)
1) مثل الشیخ فی النهایة: 585، و ابن حمزة فی الوسیلة: 362.
2) مثل المحقّق فی المختصر النافع 2: 253، و الشهید فی اللمعة: 250.
3) مثل العلّامة فی نهایة الإحکام: 270، و المنتهی 3: 207.
4) مثل ابن سعید فی الجامع: 390.
5) الوسائل 16: 365، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث 6.
6) کفایة الأحکام: 11.
7) القاموس المحیط 1: 253، مادّة «نفح».
8) مجمع البحرین 2: 420، مادّة «نفح».
9) حکاه فی مجمع البحرین 2: 420.
10) المصباح المنیر: 616، مادّة «نفح».
11) المنتهی 3: 207.
12) الغنیة: 401.
13) کشف اللثام 1: 422.
و شرحی الإرشاد (1)و المفاتیح (2): الإجماع علیه. و فی المدارک (3)کما عن غیره (4)-: أنّه ممّا قطع به الأصحاب، و الأخبار به مع ذلک مستفیضة (5).
و إنّما وقع الخلاف بین العلماء تبعاً لأهل اللغة فی معنی الإنفحة:
فعن الجوهری حاکیاً عن أبی زید: أنّها کرش الجدی و الحمل ما لم یأکل، فإذا أکل فهی کرش (6).
و عن القاموس: بأنّها شیءٌ یستخرج من بطن الجدی الرضیع أصفر، یعصر فی صوفة مبتلّة فیغلظ کالجبن، فإذا أکل الجدی فهی کرش، و تفسیر الجوهری الإنفحة بالکرش سهوٌ (7)، انتهی.
و عن المغرب: ما یقرب من التفسیر المذکور (8).
و عن الفیّومی: أنّه حکی عن بعض أنّه لا یکون الإنفحة إلّا لکلّ ذی کرش، و هو شیء یستخرج من بطنه أصفر یعصر فی خرقة مبتلّة یغلظ کالجبن، و لا یسمّی إنفحة إلّا و هو رضیع، فإذا رعی قیل: استکرش، أی صارت إنفحته کرشاً (9).
1) مجمع الفائدة 1: 306.
2) مصابیح الظلام (مخطوط): الورقة 232.
3) المدارک 2: 273.
4) حکاه فی مفتاح الکرامة 1: 155.
5) راجع الوسائل 16: 364، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة.
6) الصحاح 1: 413، مادة «نفح».
7) القاموس المحیط 1: 253، مادّة «نفح».
8) حکاه الطریحی فی مجمع البحرین 2: 420.
9) المصباح المنیر: 616، مادّة «نفح».
و التفسیر الأوّل محکیٌّ عن السرائر (1)و التنقیح (2)و جامع المقاصد (3)و الروضة (4)و کشف اللثام (5)و شرح المفاتیح (6)و الدلائل (7)، و قد یستظهر من الذکری؛ حیث جعل الأولی غسل ظاهرها لملاقاة المیتة (8).
و الثانی ظاهر المصنّف قدّس سرّه فی القواعد (9)کما عن کشف الالتباس (10).
و حکی عن کاشف اللثام: أنّ تفسیره باللبن هو المعروف (11).
و یؤیّده قوله علیه السلام فی الروایة المتقدّمة «إنّها أی الإنفحة تخرج من بین فرث و دم» (12)و فیه إشارة إلی قوله تعالی نُسْقِیکُمْ مِمّٰا فِی بُطُونِهِ مِنْ بَیْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خٰالِصاً سٰائِغاً لِلشّٰارِبِینَ (13).
1) السرائر 3: 112.
2) التنقیح الرائع 4: 43 44.
3) جامع المقاصد 1: 168.
4) الروضة البهیّة 7: 305.
5) کشف اللثام 1: 422 423.
6) مصابیح الظلام (مخطوط): الورقة 234.
7) حکاه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 155.
8) استظهره فی مفتاح الکرامة 1: 155، و راجع الذکری 1: 118.
9) قواعد الأحکام 1: 192.
10) کشف الالتباس 1: 400.
11) کشف اللثام 1: 422.
12) الوسائل 16: 364، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث الأوّل، و تقدّمت الروایة فی الصفحة 60.
13) النحل: 66.
و ظاهر الروایة: بیان أصل الإنفحة حیث کانت فی بطن المرضعة لبناً بین الفرث و الدم، بناءً علی ظاهر ابن عباس: أنّ العلف المستقرّ فی جوف الحیوان یصیر أعلاه دماً و أسفله ثُفلًا ما بینهما لبناً، فجری الدم إلی العروق و اللبن إلی الضرع و یبقی الثفل (1).
و یؤیّده أیضاً: ما فی بعض الأخبار: من السؤال عن الجبن یجعل فیه إنفحة المیتة (2)، فإنّ الظاهر أنّ الجبن إنّما یصنع من الشیء الذی فی جوف السخلة مثل اللبن، و الظاهر أنّ الکرش محلّها.
و کیف کان فالمستفاد من محکیّ القاموس و المصباح، بل المغرب: أنّ الإنفحة هی التی تصیر کرشاً بعد الرعی (3)، و لا یظهر مخالفة ذلک لما عن الصحاح (4)و الجمهرة (5)، فتشخّص الفرق بین القولین حتّی أنّه نسب فی القاموس تفسیر الجوهری إلی السهو (6)لا یخلو عن إشکال، إلّا أن یقال: إنّ ظاهر کلام الجوهری أنّ للسخلة کرشاً قبل الرعی، و هو محلّ لبنه الذی یشربه یسمّی إنفحة، و بعد الرعی لا تصدق علیه. و تخطئتهم فی ذلک من جهة أن لا کرش للسخلة إلّا بعد الرعی، فیصیر الشیء الأصفر بعد الرعی
1) انظر مجمع البیان 3: 371، ذیل الآیة: 66 من سورة النحل.
2) الوسائل 17: 91، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحدیث الأوّل.
3) تقدّمت الحکایة عنها فی الصفحة 64.
4) المتقدّم فی الصفحة 64.
5) حکاه الشهید الثانی فی الروضة البهیّة 7: 304، و السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 154.
6) تقدّمت النسبة فی الصفحة 64.
مستحیلًا إلی الکرش، فإن کانت الإنفحة هی اللبن المستحیل فلا إشکال فی طهارته ذاتاً لکونه ممّا لا تحلّه الحیاة، و عَرَضاً لأنّ الحکم بطهارته مع کونه مائعاً یستلزم الحکم بعدم تأثیرها بملاقاة المیتة، و إن کانت هی الکرش فلا إشکال أیضاً فی طهارة ذاته و إن کان ممّا تحلّه الحیاة کما فی الروضة (1). و فی وجوب غسل ظاهرها لملاقاتها للمیتة کالصوف المقلوع وجهٌ قوی.
و اعلم أنّ ظاهر الروایات اختصاص الإنفحة بما کان من مأکول اللحم؛ و لذا تردّد صاحب المعالم فیما کان من غیره (2)، إلّا أنّ ما ورد من التعلیل فی بعض الأخبار المتقدّمة بعلّة أنّه لیس لها دم و لا عرق و لا عظم (3)و أنّها بمنزلة البیضة (4)ربّما یفید العموم.
و أمّا اللبن، فالأقوی أیضاً طهارته، وفاقاً للمحکیّ عن الکلینی (5)و الصدوق (6)و الشیخین (7)و القاضی (8)و ابن زهرة (9)و ابن حمزة (10)و الشهیدین
فی الدروس (1)و المسالک (2)و جماعة من المتأخّرین، منهم: أصحاب المدارک (3)و الکفایة (4)و کشف اللثام (5)و المشارق (6)و الریاض (7)و الحدائق (8)و المفاتیح (9)و المستند (10)و الجواهر (11)و غیرهم (12). و هو المشهور بین الأصحاب کما فی اللمعة (13)و عن البیان (14)، کما عن أطعمة المسالک: أنّه مذهب أکثر المتقدّمین و جمعٍ من متأخری المتأخّرین (15). و عن الدروس: ندرة القائل بخلافه (16).
1) الدروس 1: 124 و 3: 15.
2) المسالک 12: 56 57.
3) المدارک 2: 274 275.
4) کفایة الأحکام: 11 و 250.
5) کشف اللثام 1: 422.
6) مشارق الشموس: 321.
7) الریاض (الطبعة الحجریّة) 2: 288.
8) الحدائق 5: 93.
9) مفاتیح الشرائع 1: 68.
10) مستند الشیعة 1: 175.
11) الجواهر 5: 328.
12) مثل ابن سعید فی الجامع: 390، و کشف الرموز 2: 368، و الطباطبائی فی الدرّة النجفیّة: 49.
13) اللمعة الدمشقیة: 250.
14) البیان: 90.
15) انظر المسالک 12: 56.
16) الدروس 3: 15.
و عن الخلاف (1)و الغنیة (2): إلا جماع علیه.
و یدلّ علیه: صحیحة زرارة المرویّة عن الفقیه و التهذیب، قال: «سألته عن الإنفحة تخرج من بطن الجدی المیّت؟ قال: لا بأس. قلت: اللبن یکون فی ضرع الشاة و قد ماتت؟ قال: لا بأس، قلت: و الصوف و الشعر و عظام الفیل و البیض یخرج من الدجاجة؟ قال: کلّ هذا لا بأس» (3).
و روایة الحسین بن زرارة، قال: «کنت مع أبی عند الصادق علیه السلام و أبی یسأله عن السنّ من المیتة و اللبن من المیتة و البیضة من المیتة و إنفحة المیّت؟ قال: کلّ هذا ذکی (4).
و نحوهما مرسلة الفقیه المسندة فی الخصال إلی ابن أبی عمیر المرفوعة منه إلی الصادق علیه السلام (5)، و ربّما یستدلّ بحسنة حریز المتقدّمة (6)، و فیه نظر.
خلافاً للمحکیّ عن سلّار (7)و الحلیّ (8)و المحقّق (9)و المصنّف فی کثیرٍ من
1) الخلاف 1: 519 520.
2) الغنیة: 401.
3) الفقیه 3: 342، الحدیث 4212، و التهذیب 9: 76، الحدیث 324، و الوسائل 16: 366، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث 10.
4) الوسائل 16: 365، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث 4.
5) الفقیه 3: 347، الحدیث 4217، و الخصال: 434، الحدیث 19، و الوسائل 16: 366، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث 9.
6) فی الصفحة 61.
7) المراسم: 213.
8) السرائر 3: 112.
9) الشرائع 3: 223.
کتبه (1)و أبی العباس (2)و الفاضل المقداد فی أطعمة التنقیح (3)و الصیمری (4)و المحقّق الکرکی فی جامع المقاصد (5)، بل فیه و فی المنتهی (6): أنّه المشهور، و عن أطعمة غایة المرام: أنّه مذهب المتأخّرین (7)، بل عن الحلیّ: أنّه لا خلاف فیه بین المحصّلین (8)، و إن اعترضه کاشف الرموز: بأنّ الشیخین مخالفان و المرتضی و أتباعه لم یتعرّضوا للمسألة، فلا أعرف من بقی معه من المحصّلین (9).
و لهم علی ذلک مضافاً إلی القاعدة المجمع علیها-: روایة وهب بن وهب: «أنّ علیّاً علیه السلام سئل عن شاةٍ ماتت فحلب منها لبن؟ فقال علیه السلام: ذلک الحرام محضاً» (10)و الروایة و إن کانت ضعیفة السند بمن هو من (11)أکذب
1) التحریر 1: 24، و المختلف 8: 316، و المنتهی 3: 204 205، و نهایة الإحکام 1: 270.
2) انظر المهذّب البارع 4: 214، و الموجز الحاوی (الرسائل العشر): 58.
3) التنقیح الرائع 4: 44.
4) غایة المرام 4: 62 و کشف الالتباس 1: 400.
5) جامع المقاصد 1: 167.
6) المنتهی 3: 204.
7) غایة المرام 4: 62.
8) السرائر 3: 112.
9) کشف الرموز 2: 369.
10) الوسائل 16: 367، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث 11.
11) لم ترد «من» فی «ع».
البریّة (1)، موافقةً لمذهب العامّة کما عن الشیخ (2)، إلّا أنّها منجبرة بالقاعدة، کما أنّ روایات الطهارة و إن کانت صحیحة، إلّا أنّها مخالفة للقاعدة. و طرح الأخبار الصحیحة المخالفة لأُصول المذهب غیر عزیز، إلّا أن تعضد بفتوی الأصحاب کما فی الإنفحة، أو بشهرة عظیمة توجب شذوذ المخالف، و ما نحن فیه لیس کذلک.
و علی القول بالطهارة، ینبغی الاقتصار علی لبن المأکول؛ لأنّه المنصوص من الحکم المخالف، و لازم کلام المصنّف فی المنتهی (3)و النهایة (4): من تقیید البیضة بما کان من المأکول، ثبوت هذا التقیید هنا بطریقٍ أولی، و کذا لازم صاحب المعالم حیث تردّد فی إنفحة غیر المأکول (5).
فالاحتیاط ممّا لا ینبغی ترکه و إن کان روایة الحسین بن زرارة المتقدّمة (6)مطلقة، إلّا أنّ دعوی الانصراف غیر بعیدة؛ من جهة أنّ الظاهر کون السؤال من جهة الشرب فلا یعم غیر المأکول.
ثمّ إنّ الجنین فی بطن الحیوان حِلٌّ بذکاة امّه إن کان طاهراً حلالًا، و إلّا فهو محرّمٌ نجس کما صرّح به فی الذکری (7)و کشف الغطاء (8). و فی شرح
المفاتیح: دعوی اتّفاق الفقهاء علیه (1). و فی اللوامع: نفی الخلاف فیه (2).
و کأنّه لعموم ما دلّ علی نجاسة الأجزاء المنفصلة من الحیّ و المیتة ممّا تحلّه الحیاة، فإنّ الظاهر حلول حیاة الأُمّ فیه و عدم استقلاله ما لم تلجه الروح، فهو کباقی ما فی الأحشاء.
و یؤیّد ما ذکرنا: قوله علیه السلام: «ذکاة الجنین ذکاة أُمّه» (3)فإنّه دالّ علی أنّ مطلق الجنین و إن لم یلجه الروح محتاج إلی التذکیة، إلّا أنّ تذکیته یحصل بتذکیة امّه. و توهّم اختصاصه بما حلّ فیه الروح، مدفوعٌ بالإجماع علی شموله لما لم تحلّ فیه مع تمام خلقته، بل خصّ الروایة جماعةٌ (4)بالثانی.
و کیف کان، فالروایة صریحة فی عدم ذکاة الجنین من المیتة، فهو منها نجس، و کلّ ما کان نجساً ذاتاً من المیتة فهو نجس العین إذا انفصل من الحی، فتأمّل.
و من بعض ما ذکرنا یظهر الوجه فی نجاسة ما یخرج مع الولد: من لحم أو شبهه.
ثمّ إنّه لا إشکال فیما ذکره المصنّف: من الاستثناء من طهارة ما ینفصل من المیتة بقوله (إلّا من نجس العین، کالکلب و الخنزیر و الکافر) بل لا حاجة إلی ذکره؛ لأنّ الکلام فیما ینجس بالموت، لا ما کان نجساً حال
الحیاة أیضاً، بل قد یخلّ ذکره؛ بناء علی أنّ سائر أجزاء الکلب و أخویه تنجس بالموت، مضافاً إلی نجاسته العینیّة؛ بناءً علی عروض النجاسة العینیّة لنجس العین کالمتنجّس، و لا ینجس به ما لا تحلّه الحیاة، بل یکون علی نجاستها الأوّلیة، فافهم.
[الخامس من النجاسات الدم (1)] (و) الخامس من النجاسات: (الدم) المسفوح (2)(من) الحیوان (ذی النفس السائلة) بإجماع علمائنا کما فی المعتبر (3)و المنتهی (4)، مع استثناء ابن الجنید فی الأوّل فی نجاسة ما دون الدرهم، لکنّه خلافٌ من حیث مقدار الدم، فلا یقدح فیما نحن فیه، بل فی المنتهی (5)کما عن الغنیة (6)و ظاهر
1) العنوان منّا.
2) جعلت کلمة «المسفوح» فی النسخ ضمن متن الإرشاد، لکنّها لم ترد فی النسخة المطبوعة من الإرشاد، و لا فی الإرشاد المطبوع مزجاً مع کتب اخری، مثل روض الجنان و ذخیرة المعاد؛ و علیه فلا مورد لما قاله المؤلف قدّس سرّه بعد أسطر: «ثمّ إنّ کلام المصنّف هنا و فی المنتهی و إن اختصّ .. بالمسفوح ..» لأنّ کلام العلّامة و إن اختصّ بالمسفوح فی المنتهی، لکنّه هنا مطلق.
3) المعتبر 1: 420.
4) المنتهی 3: 188.
5) المنتهی 3: 188.
6) انظر الغنیة: 41.
التذکرة (1)و کشف اللثام (2)اتّفاق المسلمین علیه.
و یدلّ علیه قبل الإجماع الکتاب (إِلّٰا أَنْ یَکُونَ مَیْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِیرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) (3)بناءً علی أنّ إرجاع الضمیر إلی ما تکون میتةً أو دماً أو لحم خنزیر.
و السنّة: ففی النبوی: «یغسل الثوب من المنی و الدم و البول» (4)، و فی موثّقة عمّار: «کلّ شیءٍ من الطیر یتوضّأ بما یشرب منه إلّا أن تری فی منقاره دماً، فإن رأیت فی منقاره دماً فلا تشرب و لا تتوضأ» (5)، إلی غیر ذلک من الأخبار الواردة فی الدماء الخاصّة علی وجهٍ یعلم کون نجاستها مفروغاً عنها، کدم الرعاف (6)و الدماء الثلاثة (7)و دم القروح و الجروح (8)و دم حکّة الجلد (9)و دم الأسنان (10)و نحو ذلک (11).
و ربّما یستدلّ فی المقام بإطلاقات أجوبةٍ مسوقةٍ لبیان حکمٍ آخر،
1) التذکرة 1: 56.
2) کشف اللثام 1: 391.
3) الأنعام: 145.
4) السنن الکبری 1: 14.
5) الوسائل 1: 166، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحدیث 2.
6) الوسائل 2: 1006، الباب 7 من أبواب النجاسات، الحدیث 2.
7) الوسائل 2: 1033، الباب 25 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
8) الوسائل 2: 1029، الباب 23 من أبواب النجاسات، الأحادیث 2 8.
9) الوسائل 2: 1027، الباب 20 من أبواب النجاسات، الحدیث 5.
10) الوسائل 4: 1277، الباب 27 من أبواب قواطع الصلاة، الحدیث الأوّل.
11) الوسائل 4: 1247، الباب 2 من أبواب قواطع الصلاة، الحدیث 15.
نظیر ما ورد جواباً عن السؤال عن حکم الدم إذا وجده بعد الصلاة (1)أو وقع فی ماءٍ قلیل (2)أو بئر (3)أو کرٍّ (4)، و غیر ذلک من أشباه ذلک (5).
ثمّ إنّ کلام المصنّف هنا و فی المنتهی (6)و إن اختصّ کمعقد إجماع الغنیة (7)و المنتهی (8)و کشف اللثام (9)بالمسفوح، و هو لغةً کما فی الحدائق (10): ما انصبّ من العرق، بل ربّما أشعر بنفی الحکم من غیره استدلال المصنّف فی المنتهی (11)کالحلیّ فی محکیّ السرائر (12)علی طهارة دم السمک: بأنّه لیس بمسفوح، و استدلال جامع المقاصد (13)و کاشف اللثام (14)علی طهارة المتخلّف
1) الوسائل 2: 1060، الباب 40 من أبواب النجاسات، الحدیث 7.
2) الوسائل 1: 112، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحدیث الأوّل.
3) الوسائل 1: 141، الباب 21 من أبواب الماء المطلق.
4) لم نعثر علیه.
5) الوسائل 2: 1067، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحدیث 5.
6) المنتهی 3: 188.
7) الغنیة: 41.
8) المنتهی 3: 188.
9) کشف اللثام 1: 391.
10) الحدائق 5: 44.
11) المنتهی 3: 192.
12) السرائر 1: 174.
13) جامع المقاصد 1: 163.
14) کشف اللثام 1: 407.
فی الذبیحة بذلک، کالمصنّف فی المنتهی (1)و المختلف (2). و قد اعترف بإیهام هذه العبائر ذلک فی محکیّ البحار (3)و الحدائق (4)علی طهارة المتخلّف فی الذبیحة (5)، بل ربّما دلّ ظاهر الآیة المتقدّمة علی حلّ ما عدا المسفوح الملازم لطهارته.
إلّا أنّه لا ینبغی الإشکال فی نجاسة مطلق الدم عدا المتخلّف فی الذبیحة المأکولة و ما لیس له نفس سائلة، کما هو معقد اتّفاق المعتبر (6)و التذکرة (7)و استظهره جماعة، کأصحاب المعالم (8)و البحار (9)و الحدائق (10)و شارح المفاتیح (11)و غیرهم (12)و مدلول النبوی و الموثّقة و غیرها من الأخبار فی الموارد الخاصّة (13).
1) المنتهی 3: 190 191.
2) المختلف 1: 474.
3) البحار 80: 86.
4) الحدائق 5: 46.
5) فی العبارة اضطراب و تشویش.
6) المعتبر 1: 420.
7) التذکرة 1: 56.
8) معالم الدین (قسم الفقه) 2: 476.
9) البحار 80: 86.
10) الحدائق 5: 46.
11) مصابیح الظلام (مخطوط): الورقة 230.
12) کالمحقّق السبزواری فی الذخیرة: 149.
13) تقدّمت کلّها فی الصفحة 75.
و الظاهر أنّ مراد المصنّف و غیره من المسفوح: ما یکون من شأنه ذلک، لیخرج دم ما لا نفس له و الدم المتخلّف فی الذبیحة؛ إذ لیس من شأنهما أن یسفحا، بخلاف غیرهما.
و ممّا ذکرنا یظهر: أنّ الأصل فی دم الحیوان النجاسة إلّا ما خرج بالدلیل، و الخارج قسمان:
أحدهما (1): المتخلّف فی الذبیحة بعد خروج ما تعارف خروجه من مثلها، بلا خلاف، کما عن الذخیرة (2)و البحار (3)و کشف اللثام (4)و غیرهما (5)(6). و عن المختلف: أنّ المتخلّف فی عروق الحیوان المأکول اللحم سائغ، و هو طاهر لا یجب غسل اللحم منه إجماعاً (7). و یدلّ علیه مع ذلک ظاهر الآیة المتقدّمة.
و أمّا المتخلّف فی ذبیحة غیر المأکول اللحم، فمقتضی الأصل المتقدّم نجاسته، و عن الذخیرة (8)و البحار (9)و شرح الدروس (10)و شرح المفاتیح (11)
أنّ الظاهر اتّفاق الأصحاب علیه، و هو ظاهر المحکیّ عن المعالم أیضاً؛ حیث إنّه بعد أن ذکر عن بعض معاصریه التردّد فی المسألة، قال: و منشأ التردّد: من إطلاق الأصحاب الحکم بنجاسة الدم مدّعین الاتّفاق علیه، و من ظاهر قوله تعالی أَوْ دَماً مَسْفُوحاً فإنّه یقتضی حِلّ غیر المسفوح، و هو یدلّ علی طهارته. و یضعِّف الثانی: أنّ ظاهرهم الإطباق علی نجاسة الدم سوی الدم المتخلّف فی الذبیحة، و قد قلنا: إنّ المتبادر من الذبیحة المأکول، انتهی. ثمّ أخذ فی رد دلالة الآیة بما حاصله: أنّ دم غیر المأکول حرام قطعاً، فلا یشمله الحلّ فی الآیة قطعاً (1).
نعم، ظاهر کاشف اللثام: التردّد، بل المیل إلی الطهارة بعد ملاحظة حکمه فی مسألة العلقة بعدم عمومٍ فی أدلّة نجاسة الدم (2)حیث إنّه بعد شرح قول المصنّف فی القواعد: «و المتخلّف فی اللحم ممّا لا یقذفه المذبوح طاهر» قال: و لا فرق فی المذبوح بین المأکول و غیره کما یقتضیه الإطلاق، و یحتمل الاختصاص بالمأکول؛ لعموم الأخبار بنجاسة الدم، و الإجماع إنّما ثبت علی طهارة المتخلّف فی المأکول؛ للإجماع علی أکل لحمه الذی لا ینفکّ عنه (3)، انتهی.
و قد یؤیّد الطهارة بإطلاق ما دلّ علی طهارة الحیوان بالتذکیة الشامل لجمیع أجزائه حتّی الدم، مضافاً إلی الحرج فی الاجتناب عنه إذا أُرید أخذ جلده أو غیر ذلک.
و فی الکلّ نظر، فالأقرب النجاسة.
و هل المتخلّف فی الجزء الغیر المأکول من الذبیحة المأکولة کدم الطحال طاهر أم لا؟ ظاهر الاتّفاقات المتقدّمة طهارته، و ظاهر استدلالهم بالآیة عدم شمول الحکم له؛ لأنّه غیر حلال کنفس العضو، إلّا أنّ الأظهر فی کلماتهم طهارته؛ لکونه غیر مسفوح.
و ربّما ینسب إلی المحقّق و الشهید الثانیین نجاسته (1)لما ذکرنا: من أنّ الدم المتخلّف فی الذبیحة طاهر حلال إذا کان جزءً من مأکول (2)، انتهی.
و فیه: أنّ الظاهر أنّ الظرف فی کلامهما قیدٌ للحلّیة لا لها و للطهارة.
و نحوه ما ینسب إلی العلّامة الطباطبائی فی منظومته: من الحکم بطهارة المتخلّف فی ذبیحة الحیوان الغیر المأکول، حیث قال:
و الدم فی المأکول بعد قذف ما یقذف طهر قد أُحلّ فی الدماء و الأقرب التطهیر فیما یحرم من المذکّی و علیه المعظم (3)إذ یحتمل أن یراد بالموصول العضو المحرّم من المذکی المأکول، و یحتمل أن یراد بالموصول الحیوان، إلّا أنّ المراد بالطهر وجوب تطهیره و إزالة الدم عنه، فیکون قولًا بالنجاسة، کما هو قول المعظم.
و قد یؤیَّد ما ذکرنا من عموم نجاسة الدم-: بنجاسة العلقة.
و استدلّ علیه فی محکیّ الخلاف أوّلًا: بإجماع الفرقة علی نجاسته،
و ثانیاً: بأنّ ما دلّ علی نجاسة الدم یدلّ علی نجاستها (1).
و فی محکی المعتبر: أنّ العلقة التی تستحیل إلیها نطفة الآدمی نجسة، ثم قال: إنّه دم حیوان ذی نفس فیکون نجسة (2)، انتهی.
و هو المحکیّ عن المبسوط (3)و السرائر (4)و الجامع (5)و المصنّف فی التذکرة (6)و القواعد (7)و المحقّق الثانی فی شرحه (8)و عن القاضی فی المهذّب: أنّه الذی یقتضیه المذهب (9).
و لا إشکال فی ذلک؛ لما ذکروه: من أنّه دم ذی نفس، مضافاً إلی إجماع الخلاف (10).
و أمّا العلقة التی توجد فی البیضة، فألحقها المحقّق فی المعتبر (11)
1) الخلاف 1: 490.
2) المعتبر 1: 422.
3) المبسوط 1: 92.
4) السرائر 1: 188.
5) الجامع للشرائع: 25.
6) التذکرة 1: 57.
7) قواعد الأحکام 1: 192.
8) جامع المقاصد 1: 167.
9) لم نقف علیه فی مهذّب القاضی، و الذی حکاه عنه فی مفتاح الکرامة هو المهذّب، و الظاهر أنّه المهذّب البارع لابن فهد، لوجود العبارة المنقولة هناک، انظر مفتاح الکرامة 1: 138، و المهذّب البارع 4: 222.
10) تقدّم آنفاً.
11) المعتبر 1: 422.
و المصنّف قدّس سرّه فی التذکرة (1)و القواعد (2)و ابن سعید فی الجامع (3)لما ذکر من کونه دم حیوان.
و فیه إشکال؛ لأنّ تکوّنه فی الحیوان لا یستلزم کونه جزءً منه، و المتبادر من معاقد الإجماع هو ما کان جزءً من الحیوان کاللحم و العظم و نحوهما، لا ما یکون فی شیءٍ خارج کالأجنبی من الحیوان، و من البیّن (4)الفرق بین ما فی البیضة و بین العلقة التی تستحیل إلیها النطفة.
و التحقیق: أنّه إن علم کون علقة البیضة دماً و اعتمدنا فی نجاسة الدم علی إطلاق الدم فی الأخبار، لا مناص عن القول بنجاسته؛ لأنّ انصراف إطلاقات «الدم» إلی ما یکون جزءً بالفعل من حیوان، لیس ممّا یعتنی به، کما لو فرضنا أنّ بعض رطوبات الحیوان استحال دماً بعد خروجه منه، إلّا أن یمنع کونه دماً، کما حکاه کاشف اللثام عن بعض (5)، و لعلّه صاحب المعالم (6).
و إن کان المعتمد فی ذلک إطلاق إلا جماعات المنقولة، فالمسألة فی غایة الإشکال: من انصراف الإطلاق فیها إلی دم الحیوان، و هو ما کان عند تلبّسه بکونه دماً جزءً من حیوان، لا ما صار کذلک بعد خروجه عن الجزئیّة.
و من أنّ غیر واحدٍ من نقلة الاتّفاق کالمحقّق (1)و المصنّف (2)حکم بنجاسته لکونه دماً، فیکشف ذلک عن عموم معاقد إجماعهم لمثل ذلک، مع أنّه لم یعتبر فی معقد إجماع المعتبر إضافة الدم إلی الحیوان، بل قال: الدم کلّه نجس عدا دم ما لا نفس له سائلة (3).
و المسألة لا تصفو عن الإشکال، بل ربّما استشکل جماعة کالمحقّق الأردبیلی (4)و صاحب المعالم (5)و کاشف اللثام (6)و صاحب الحدائق فی العلقة التی تستحیل إلیها النطفة (7)، تبعاً للشهید فی الذکری (8)حیث إنّه بعد ذکر استدلال المعتبر علی نجاسة العلقة بقوله: «لأنّها دم حیوان لها نفس و کذا علقة المضغة»، قال: و فی الدلیل منع، و تکوّنها فی الحیوان لا یدل علی أنّها منه، انتهی. و لا یخفی ضعف المنع.
و أضعف منه ما حکاه کاشف اللثام عن بعض: من منع کونها دماً. نعم، تردّد هو فی ذلک لو لم یتمّ الإجماع؛ من جهة الأصل و منع عموم نجاسة الدم (9).
و قد عرفت أیضاً کفایة بعض الأخبار و إطلاقات (10)إلا جماعات المحکیّة
فی عموم نجاسة الدم إلّا ما خرج، و هو نوعان:
أحدهما: ما تقدّم من الدم المتخلّف فی الذبیحة المأکولة.
و الثانی (1): دم ما لا نفس له، فإنّه لا إشکال فی طهارته و لا خلاف، بل عن السیّد (2)و الشیخ (3)و ابن زهرة (4)و ابن إدریس (5)و المحقّق (6)و المصنّف (7)و الشهیدین (8)و غیرهم (9): الإجماع علیه. و کفی بها (10)حجّة، مضافاً إلی روایة السکونی: «لا بأس بدم ما لم یذک» (11).
نعم، عن المبسوط (12)و الجمل (13)و المراسم (14)و الوسیلة (15)ما یوهم خلاف ذلک. و لا عبرة بالوهم و لا بالموهوم.
1) قد تقدّم النوع الأوّل فی الصفحة 78.
2) الناصریّات: 94.
3) الخلاف 1: 476.
4) انظر الغنیة: 41.
5) انظر السرائر 1: 174.
6) المعتبر 1: 421.
7) تذکرة الفقهاء 1: 56.
8) الذکری 1: 112، و روض الجنان: 163.
9) کالسیّد العاملی فی المدارک 2: 284.
10) کذا، و المناسب: به.
11) الوسائل 2: 1030، الباب 23 من أبواب النجاسات، الحدیث 2.
12) المبسوط 1: 36.
13) الجمل و العقود (الرسائل العشر): 171.
14) المراسم: 55.
15) الوسیلة: 77.
بقی الإشکال فی الدم الغیر المضاف إلی الحیوان، کالدم المخلوق آیةً لموسی بن عمران علیه السلام (1)و المتکوّن لمصیبة سیّد شباب أهل الجنان (2)، و الظاهر عدم نجاستها (3)و إن قلنا بإطلاقات الدم من الأخبار؛ لانصرافها إلی ما کان من أجزاء الحیوان و فضلاته و لو فی الأصل، کعلقة البیضة.
و أوضح من ذلک ما یعصر من الأشجار شبیه الدم، و لا عبرة بإطلاق الدم علیه من العوام و ضعفة الإدراکات، کما لا یخفی.
و لو اشتبه الفرد المحکوم بطهارته من الدم بالمحکوم بنجاسته کالدم المرئی فی بدن الإنسان أو ثوبه المردّد بین دم البراغیث و دم الجلد، فالأقوی الحکم بطهارته، وفاقا للمحکیّ عن النهایة (4)و الذکری (5)و الدروس (6)و الموجز (7)و شرحه (8)و المدارک (9)و کشف الغطاء (10)و الحدائق، بل فی الأخیر: أنّه لا خلاف فی ذلک بین الأصحاب؛ لأصالة الطهارة المتّفق علیها فی مثل المقام من الشبهة الموضوعیة (11).
لکن المصرّح به فی شرح المفاتیح: نسبة وجوب الاجتناب إلی الشیخ و غیره، بل یظهر منه میله (1)، و لا أعرف له وجها عدا الموثّقة الآتیة (2).
و ما یتوهّم لهم: من إطلاق أدلّة نجاسة الدم و وجوب الاقتصار علی ما علم خروجه من ذلک، فیقال: إنّ عمومات النجاسة کما أنّها تشمل کلّ قسم من الدم إلّا ما خرج بالدلیل، کذلک یشمل الدم المشتبه.
و فیه: ما لا یخفی؛ فإنّ شمول العمومات لجمیع أفراد الدم إنّما هو من باب أصالة الحقیقة؛ إذ لو أُرید من العام ما عدا هذا الفرد لوجب البیان و قبح علیه ترکه و تأخیره، و لیس کذلک الفرد المشتبه المردّد بین کونه مصداقاً للنوع المقطوع دخوله و بین کونه مصداقاً للنوع المقطوع بخروجه، فإنّ الحکم بکونه خارجاً أو داخلًا لا یزید و لا ینقص فی مراد المتکلّم بالعام، فلا یجری أصالة الحقیقة و لا تأخیر بیان، فإذا رجعنا فی حکم هذا المشکوک إلی الأُصول الشرعیّة، فلیس فی العام المفروض ظهور لفظی یحکم به علی الأُصول.
فإذا قال المتکلّم: أکرم العلماء، و نصب قرینة علی إرادة خصوص العدول و خروج الفسّاق، فشکّ فی عدالة أحدٍ منهم، فلیس فی العام المذکور ما یزیل ذلک الشک حتی یغنی من الرجوع إلی الأُصول؛ إذ لا یلزم من کونه فاسقاً مخالفةٌ لظاهر اللفظ، کما لا یلزم موافقةٌ له من کونه عادلًا. نعم، لو قلنا: إنّ الخارج هو معلوم الفسق دون الفاسق الواقعی، کان ذلک خارجاً عن الفرض؛ إذ لا تردّد هنا بین کون المشتبه من أفراد الداخل أو الخارج؛
لأنّه لیس من أفراد الخارج قطعاً، فلا إشکال فی دخوله.
و کذا لو کان هنا أصل موضوعی یندرج الموضوع بواسطته تحت العنوان الداخل أو الخارج، کما لو قلنا بأصالة العدالة أو الفسق، فإنّه لا إشکال فی الدخول علی الأوّل و الخروج علی الثانی.
و دعوی: أنّ ما نحن فیه من هذا القبیل؛ لأنّ الخارج من إطلاقات الدم دم ما لا نفس له، و الأصل فیما لم یعلم کونه ممّا لا نفس له أن لا یکون منه، و هکذا الکلام فی کل عنوان وجودی خرج عن مطلق أو عام، و لذا یقال: إنّه لو شکّ فی کون الدم ممّا یعفی عن قلیله أو ممّا لا یعفی کالدماء الثلاثة فالأصل عدم کون المشکوک منها.
توهّم فاسدٌ؛ لأنّ الجاری فی مسألة «الدم المشتبه بالدماء الثلاثة» أصالة عدم ملاقاة الثوب لدم الحیض، لا أصالة عدم کون هذا الدم دم حیض؛ لأنّه غیر مسبوق بالحالة السابقة، و حینئذٍ فإجراء أصالة عدم ملاقاة الثوب لدم ما لا نفس له لا یوجب وجوب الاجتناب عنه، بل الموجب له ملاقاته لغیر ما لا نفس له، و الأصل عدمه.
و أفسد من الدعوی المذکورة: دعوی أنّ الظاهر أنّ الحکم بطهارة دم ما لا نفس له رخصةٌ خرج من عموم المنع، فلا بدّ من الاقتصار فیه علی المتیقّن، کما أنّه إذا استفید کون عنوان الخاص من قبیل المانع عن حکم العام و کون عنوان العام مقتضیاً له، کما لا یبعد ذلک فی مثل: أکرم العلماء، بعد نصب القرینة علی إخراج الفاسق، فلا بدّ من الاقتصار علی ما إذا تیقّن المانع. و تمام ذلک یعلم ممّا قدّمنا لک منه جزءً وافیاً، و توضیحه فی الأُصول (1).
1) راجع مطارح الأنظار: 194.
و قد یستدلّ علی أصالة النجاسة: بإطلاق قوله علیه السلام فی الموثّقة المتقدّمة: «و إن رأیت فی منقاره دماً فلا تشرب منه» (1)دلّ علی أنّ مجرّد رؤیة الدم یکفی فی الاجتناب، خرج منه ما لو علم کونه دم ما لا نفس له، نظیر الحکم بالحیضیّة علی من رأت الدم مع عدم علمها بکونها استحاضة، و بالجنابة علی من رأی بللًا مشتبهاً قبل الاستبراء.
و فیه بعد ظهور سوقها فی مقام بیان تقیید الحکم بعدم رؤیة الدم المفروغ عن نجاسته، کما یقال مثل ذلک فی البول و الغائط و غیرهما-: أنّها ظاهرة فی الدماء النجسة؛ بقرینة کون السؤال عن سؤر الصقر و البازی و نحوهما من سباع الطیور التی تأکل المیتة.
و ثانیاً: بأنّ الروایة معارضة بذیلها المزید علیها فی الاستبصار و المرویّ فی الفقیه، حیث قال: «و سئل عن ماء شربت منه الدجاجة؟ قال: إن کان فی منقارها قذر لم یتوضأ و لم یشرب، و إن لم یعلم أنّ فی منقارها قذراً فیتوضأ منه و اشرب» (2)، و النسبة عموم من وجه، و مع التساقط یرجع إلی عموم: «کل شیءٍ نظیف حتی یعلم أنّه قذر» (3)المعتضد بالإجماع المحقّق علی هذا الأصل الأصیل.
و لو اشتبه الدم المعفوّ بغیره، فقد عرفت أنّ الأقوی العفو، بمعنی أنّ
الثوب الموجود فیه هذا الدم یصلّی فیه، لأصالة عدم تنجسه بدم الحیض و أخویه. و کذلک لو وقع فی البئر، فنقول: الأصل عدم وقوع دم الحیض فیها.
و لا یعارض بأصالة عدم ملاقاة دم غیر الحیض أو عدم وقوعه؛ إذ لا یخفی أنّه لا یترتّب علی عدم وقوع دم غیر الحیض أو عدم ملاقاته حکم شرعی، و الذی یترتب علیه حکمٌ هو وقوع دم غیر الحیض لا عدم وقوعه.
و ربما یستدلّ علی ذلک: بأنّ الدماء الغیر المعفو عنها محصورة، و غیرها غیر محصورة فیلحق المشکوک بالثانی.
و لم أعرف حاصله، و یمکن إرجاعه إلی ما ذکرنا، و حاصله: أنّ الشارع لم یترتّب (1)علی الدماء الأُخر حکماً شرعیاً باعتبار عنواناتها الخاصّة الوجودیة الملحوظة کلّ واحد منها مستقلا، و إنّما حکم علیها من حیث کونها دماً، و أمّا العنوانات المحصورة فإنّما یترتب الحکم علیها باعتبار عنواناتها، فإذا نشکّ فی ثبوت بعضها، فالأصل عدم تحقّقها، فیترتّب علیها أحکام نفس المطلق، دون أحکام العنوانات الخاصّة، فتأمّل (2).
[السادس و السابع الکلب و الخنزیر (1)] (و) السادس و السابع: (الکلب و الخنزیر) و هما نجسا العین بالإجماع المحقّق و المستفیض (2).
و الأصل فی ذلک قبل الإجماع-: الکتاب و السنّة:
قال اللّٰه تعالی إِلّٰا أَنْ یَکُونَ مَیْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِیرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ (3)و فی مقابلة لحم الخنزیر بالمیتة دلالة علی أنّ نجاسته لیست لأجل عدم وقوع التذکیة علیه.
و أمّا السنّة، فحد الاستفاضة أو التواتر، ففی روایة البقباق: «أنّه رجس نجس، لا تتوضأ بفضله، و اصبب ذلک الماء و اغسله بالتراب أوّل مرة ثمّ بالماء» (4).
و فی روایة معاویة بن شریح عن الصادق علیه السلام: «أنّه سئل عن سؤر الکلب یشرب منه أو یتوضأ؟ قال: لا، قال: أ لیس هو بسبع؟ قال: لا، و اللّٰه إنّه نجس» (1).
و فی روایة أبی سهل عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام، قال: «سألته عن لحم الکلب؟ قال: هو مسخ، فقلت: أ هو حرام؟ قال: هو نجس أُعیدها علیه ثلاث مرّات، فی کلّ ذلک یقول: هو نجس» (2)إلی غیر ذلک من الأخبار (3).
و فی روایة علی بن جعفر عن أخیه، قال: «سألته من خنزیر یشرب من إناء کیف یصنع به؟ قال: یغسل سبع مرّات» (4).
و روایة سلمان الإسکاف: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن شعر الخنزیر یخرز؟ قال: لا بأس به، لکن یغسل یده إذا أراد أن یصلّی» (5).
و لا فرق فی إطلاق الکلب بین کلب الصید و غیره.
و المحکیّ عن الصدوق: أنّ من أصاب ثوبه کلب جاف و لم یکن کلب صید فعلیه أن یرشّه بالماء، و إن کان رطباً فعلیه أن یغسله. و إن کان کلب صید فإن کان جافّاً فلیس علیه شیء، و إن کان رطباً فعلیه أن یرشّه بالماء (6).
1) الوسائل 1: 163، الباب الأوّل من أبواب الأسآر، الحدیث 6.
2) الوسائل 2: 1016، الباب 12 من أبواب النجاسات، الحدیث 10.
3) انظر الوسائل 1: 1015، الباب 12 من أبواب النجاسات.
4) الوسائل 1: 162، الباب الأوّل من أبواب الأسآر، الحدیث 2.
5) الوسائل 2: 1017، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحدیث 3.
6) الفقیه 1: 73، ذیل الحدیث 167.
و هو ضعیف مردود بإطلاق الأخبار و خصوص حسنة ابن مسلم بابن هاشم: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن الکلب السلوقی؟ قال: إذا مسسته فاغسل یدک» (1).
ثمّ إنّ إطلاق الحکم فی الأخبار بنجاسة الکلب و الخنزیر (و) وجوب غسل ما لاقاهما یشمل (إجزاءهما) و إن لم تحلّها الحیاة، کما یظهر من روایة الإسکاف المتقدّمة (2)المعتضدة بغیرها.
و عن السیّد المرتضی قدّس سرّه: طهارة شعرهما، بل و سائر ما لا تحلّه الحیاة منها (3)، ناسباً ذلک إلی مذهب أصحابنا، مستدلّاً علیه بالإجماع، قال بعد ذلک: و لیس لأحد أن یقول: إنّ الشعر و الصوف من جملة الکلب و الخنزیر و هما نجسان؛ و ذلک أنّه لا یکون من جملة الحی إلّا ما تحلّه الحیاة، و ما لا تحلّه الحیاة لیس من جملته و إن کان متّصلًا به (4)، انتهی.
و ما ذکر من الإجماع موهون بتفرّده به، و إن سبق إلیه جدّه الناصر علی ما یظهر من المحکی عنه (5). و ما ذکر من الدلیل واضح الضعف، و لو لا دلالة الأدلّة علی طهارة ما لا تحلّه الحیاة من المیتة و فهم استناد النجاسة فیها إلی الموت لم یحکم بطهارة ما لا تحلّه الحیاة منها.
و یتلو هذا القول فی الضعف تعمیم العنوانین للبحری منها (1)، کما عن الحلّی (2)و استقر به فی المنتهی (3)لصدق الاسم لاشتراک اللفظ، مع أنّ المحکی عن تحریره (4)و تذکرته (5)و نهایته (6): التصریح بکون الصدق مجازاً.
و ظاهر المحکیّ عن البیان: التردّد (7)متمسّکاً بصدق الاسم، و هو ممنوع، و علی فرض تسلیمه فانصراف الإطلاق إلی البرّی مانع عن العموم.
و یؤیّد الطهارة، بل یدلّ علیها: صحیحة ابن الحجاج المرویّة فی الکافی فی آخر کتاب الأطعمة فی باب لبس الخزّ: «قال: سأل أبا عبد اللّٰه علیه السلام رجل و أنا عنده، عن جلود الخزّ؟ فقال: لیس بها بأس. فقال الرجل: جعلت فداک، إنّها فی بلادی، و إنّما هی کلاب تخرج من الماء، فقال: أبو عبد اللّٰه علیه السلام إذا خرجت من الماء تعیش خارجةً من الماء؟ فقال
1) کذا، و المناسب: «منهما».
2) انظر السرائر 2: 220.
3) المذکور فی المنتهی المطبوع: «الأقرب أنّ کلب الماء لا یتناوله هذا الحکم؛ لأنّ اللفظ مقولٌ علیه و علی المعهود بالاشتراک اللفظی» و لکن ذکر فی مفتاح الکرامة: «و فی المنتهی: الأقرب أنّ کلب الماء یتناوله هذا الحکم» و هو الصحیح، لأن الاستدلال بالاشتراک اللفظی یناسب شمول الحکم لا النفی. انظر المنتهی 3: 213، و مفتاح الکرامة 1: 139.
4) التحریر 1: 24.
5) التذکرة 1: 67.
6) نهایة الإحکام 1: 272.
7) البیان: 91.
الرجل: لا، قال: لا بأس (1)» و فی التعلیل إشارة إلی طهارة الخنزیر البحری أیضاً.
ثمّ إنّ المتولّد من الحیوانین إن تبع أحدهما فی الاسم، فلا إشکال فی نجاسته.
و کذا لو باینهما، کما فی الذکری (2)و الروض (3)و عن المحقّق الثانی (4).
و إطلاقهما یشمل ما لو فرض صدق اسم حیوان طاهر علیه، و هو مشکل کما عن المنتهی (5)و النهایة (6)و المعالم (7)و المدارک (8)بل الإشکال فی غیره أیضاً؛ من حیث عدم الدلیل علی النجاسة، و مجرّد کونه جزءً منهما فی زمان لا یسوّغ استصحاب نجاسة (9)لانتفاء الموضوع، و إلّا کان اللازم الاکتفاء بتولّده من أحدهما سیّما الأُمّ، إلّا أن یدّعی تحقّق الاستصحاب من جهة بقاء الموضوع عرفاً؛ فإن الجنین فی بطن أحد الحیوانین قبل صیرورته حیواناً آخر نجس؛ لما تقدّم فی المیتة، فیستصحب نجاسته بعد ولوج الروح فیه.
1) الکافی 6: 451، باب لبس الخزّ، الحدیث 3، و الوسائل 3: 263، الباب 10 من أبواب لباس المصلی، الحدیث الأوّل.
2) انظر الذکری 1: 118 119.
3) روض الجنان: 163.
4) جامع المقاصد 1: 161.
5) المنتهی 3: 213.
6) نهایة الإحکام 1: 271.
7) معالم الدین (قسم الفقه) 2: 521.
8) المدارک 2: 286.
9) کذا، و المناسب: «نجاسته».
و منه یظهر وجه کفایة نجاسة الأُمّ لا الأب؛ لأنّ النطفة تستحیل، بخلاف الجنین الذی تلج فیه الروح، فإنّ ولوج الروح لا یوجب ارتفاع الموضوع عرفاً، کما أنّ خروجه لا یوجب ذلک؛ و لذا لا یحتاج فی نجاسة الکلب بعد موته إلی أدلّة نجاسة المیتة، و لا یستثنی منها ما لا تحلّه الحیاة.
إلّا أن یمنع نجاسة الجنین قبل انفصاله عن الام، فأصالة الطهارة سلیمة.
مضافاً إلی إمکان التمسّک بإطلاقات طهارة الحیوان الذی یتبعه فی الاسم، إلّا أن یدّعی انصرافها إلی غیر ذلک، و لعلّه انصرافٌ ابتدائیٌّ لا یقدح، مع أنّ الأصل کاف. و لعلّه لذا کان ظاهر الأصحاب کما فی شرح المفاتیح تبعیّة الولد للطاهر منهما (1).
و حینئذٍ فینبغی ذلک أیضاً فی المتولّد من نجسین لو باینهما حتّی لو کانا کلبین أو خنزیرین؛ و لذا اختار کاشف اللثام طهارة المتولّد من کلبین أو خنزیرین إذا کان هرّة مثلًا أو حیواناً غیر معروف (2).
إلّا أن یدّعی القطع بعدم خروجه عن أحدهما و أنّ المباینة لهما صوریّة، و حینئذٍ فلا یقدح عدم صدق الاسم؛ لأنّ الأحکام إنّما تدور مدار الأسماء؛ لکشفها عن حقائق المسمّیات، لا لأنّ للتسمیة بمجرّدها دخلًا فی الحکم، أو یقال: إنّه و إن کانت حقیقة ثالثة، إلّا أنّ النجاسة إنّما جاءت من تنقیح المناط؛ إذ لا یفرّقون أهل الشرع فی النجاسة و هی القذارة الذاتیّة بین المتولّد من کلبین و بین المتولّد من کلب و خنزیر، کما سیجیء فی ولد
الکافرین: من أنّ کلّ حیوانین حکم الشارع بنجاستهما عیناً یفهم منه أهل الشرع سرایة النجاسة إلی ولدهما و إن لم یصدق علیه عنوان أحدهما، فافهم و تأمّل جیّداً.
و علی کلّ تقدیر، فالأقوی حرمة لحمه إن کان النجس خنزیراً و إن کان الطاهر من أبویه محلّلًا؛ لفحوی النص الدالّ علی: تحریم الجدی الراضع من لبن خنزیر حتّی کبر و شبّ و اشتدّ عظمه، و تحریم نسله من الغنم التی استفحله فیها (1)، بل لا یبعد تعدّی الحکم إلی ما لو کان کلباً و إن لم نقل بجریان أصل الحکم فی الکلب، إلّا أنّه لا ینافی ثبوت الأولویّة؛ فإنّ الحکم بحرمة الغنم المتکوّن نطفته من جدیٍ رضع من الخنزیر یوجب الحکم بحرمة غنم نطفته من الکلب أو سکن فی رحم الکلب بطریقٍ أولی.
مضافاً إلی ما ورد فی حرمة نسل الموطوء ذکراً کان أم أُنثی (2)و لذا احتمل کاشف الغطاء فی هذا المقام الإجماع علی حرمة کلّ ما یتفرّع عن الحرام (3).
بقی الکلام فیما ذکره شیخنا فی الروضة (4)تبعاً للشیخ علی فی حاشیة الشرائع (5)-: من أصالة حرمة اللحم عند الشک؛ فإنّا لم نجد لهذا الأصل مستنداً عدا أصالة عدم وقوع التذکیة علی الحیوان المشکوک فی صحّة
تذکیته، أو أصالة حرمة اللحم الثابتة حال الحیاة، أو ما ذکره شارح الروضة (1)و حکی أیضاً عن بعض محشّیها (2)و نقله عن تمهید القواعد (3)، و محصّله: أنّ المحلّلات محصورة و المحرّم غیر محصور، فإذا لم یدخل فی المحصورات حکم بحرمته.
و فی الکلّ نظر؛ أمّا فی الأوّل: فلأنّ الأقوی أصالة وقوع التذکیة علی کلّ حیوان عدا ما خرج بالدلیل، کما قرّر فی محلّه (4).
و أمّا فی الثانی: فلأنّ حرمة الأکل حال الحیاة لعدم التذکیة، فهی حرمة عرضیّة، و یرتفع بالتذکیة قطعاً، و المقصود إثبات الحرمة الذاتیّة.
و أمّا الثالث: فلا یظهر له وقعٌ عدا أنّ کثرة المحرمات و غلبتها علی المحلَّل یمنع عن التمسّک بأصالة الحِلّ، فالحلیّة توقیفیّة؛ و لذا کان بناؤهم علی السؤال عن المحلَّلات.
و فیه ما لا یخفی؛ فإنّ أصالة الحلّ الثابتة بالکتاب فی قوله تعالی قُلْ لٰا أَجِدُ فِی مٰا أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّماً (5)و قوله خَلَقَ لَکُمْ مٰا فِی الْأَرْضِ جَمِیعاً (6)، و بالسنة فی الثانیة، بأنّه لیس الحرام إلّا ما حرّم اللّٰه (7)، و بتمسّک
الإمام علیه السلام من باب التعلیم بقوله تعالی قُلْ لٰا أَجِدُ فی إباحة بعض الأشیاء (1)، مضافاً إلی قولهم علیهم السلام: «کلّ شیءٍ مطلق حتّی یرد فیه نهی» (2)و غیر ذلک ممّا هو معتضد بأصالة الحِلّ، المتّفق علیها علی الظاهر، المستفاد من تتبّع الموارد فی باب الأطعمة و الأشربة لا یندفع بمثل هذا الاستقراء الضعیف، الغیر الثابت أصله، فضلًا عن اعتباره.
و أمّا سؤال أصحاب الأئمّة عن المحلَّلات، فلعدم جواز العمل بالأُصول قبل التفحّص، کما لا یخفی.
[الثامن الکافر (1)] (و) الثامن: (الکافر) بجمیع أقسامه؛ بالإجماع المحقّق فی الجملة و المحکی عن السیّدین (2)و الشیخ (3)و الحلیّ (4)و المحقّق (5)و المصنّف (6)و الشهید فی الروض (7)و غیرهم (8).
و الأصل فیه قبل ذلک-: الکتاب، قوله تعالی إِنَّمَا الْمُشْرِکُونَ نَجَسٌ (9)بناءً علی شمول المشرک للذمیّ؛ لشیوع إطلاقه علیه، کما صرّح به شارح الروضة، مستشهداً بما حکاه عن النووی فی التحریر: من أنّ المشرک
یطلق علی کل کافر: من عابد صنمٍ و یهودیٍّ و نصرانیٍّ و مجوسیٍّ و زندیقٍ و غیرهم (1). و یؤیّده نسبة الإشراک إلی الیهود و النصاری فی قوله تعالی وَ قٰالَتِ الْیَهُودُ عُزَیْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰاریٰ الْمَسِیحُ ابْنُ اللّٰهِ .. إلی أن قال تعالی .. عَمّٰا یُشْرِکُونَ (2)، و أمّا المجوس، فقد قالوا بإلٰهیّة یزدان و النور و الظلمة.
و النجَس بفتح الجیم: إمّا مصدر، فیکون الحمل کما فی «زیدٌ عدلٌ» و إمّا صفة مرادفة للنجِس بالکسر، کما عن الجوهری (3)و المطرزی (4)و الفیروزآبادی (5)و النووی (6)و الأزهری (7)و الهروی (8)، و یکون إفراد الخبر مع کونه وصفاً علی تأویل: أنّهم نوعٌ أو صنفٌ نجس.
و التأمّل فی ثبوت الحقیقة الشرعیّة فی النجس فی غیر محلّه؛ إمّا لما ذکرنا فی أوّل باب النجاسات (9): من أنّ النجاسة الشرعیّة هی القذارة الموجودة فی الأشیاء فی نظر الشارع، فلم ینقل عن معناها اللغوی، و إمّا لدعوی ثبوت الحقیقة الشرعیّة، و إمّا لوجود القرینة علی إرادة المعنی
الشرعی، و هی حرمة قربهم من المسجد الحرام؛ إذ لا یجب تجنّب المساجد عن غیر النجس الشرعی إجماعاً.
هذا، و لکن الإنصاف: أنّ الظاهر من «المشرکین» خصوص المعهودین عند الخطاب الممنوعین عن دخول المسجد الحرام، فلا یعم کلّ مشرک فرض، إلّا من جهة تعلّق الحکم علی الوصف؛ أو من جهة دعوی عدم القول بالفصل.
فالأولی التمسّک بعد الإجماع بالأخبار المستفیضة، مثل موثّقة الأعرج أو حسنته عن الصادق علیه السلام: «فی سؤر الیهودی و النصرانی، أ یؤکل أو یشرب؟ قال: لا» (1).
و روایة ابن مسلم: «عن رجل صافح مجوسیّاً؟ قال: یغسل یده و لا یتوضأ» (2).
و روایة أبی بصیر: «فی مصافحة الیهودی و النصرانی، قال: من وراء الثیاب، فإن صافحک بیده فاغسل یدک» (3).
و روایة علی بن جعفر عن أخیه علیه السلام قال: «سألته عن النصرانی أ یغتسل مع المسلم فی الحمّام؟ قال: إذا علم أنّه نصرانی اغتسل بغیر ماء الحمّام، إلّا أن یغتسل وحده علی الحوض فیغسله و یغتسل» (4)إلی غیر ذلک من الأخبار (5).
و بإزائها أخبار أُخر أظهر دلالةً علی الطهارة، منها: روایة إسماعیل بن جابر، قال: «قلت لأبی عبد اللّٰه علیه السلام: ما تقول فی طعام أهل الکتاب؟ فقال: لا تأکلوا، ثمّ سکت هنیئة، ثمّ قال: لا تأکله، و لا تترکه تقول: إنّه حرام، و لکن تترکه تنزّهاً عنه؛ إنّ فی آنیتهم الخمر و لحم الخنزیر» (1).
و مصحّحة ابن مسلم: «لا تأکلوا فی آنیتهم إذا کانوا یأکلون فیها المیتة و الدم و لحم الخنزیر» (2).
و روایة زکریا بن إبراهیم، قال: «کنت نصرانیّاً و أسلمت، فقلت لأبی عبد اللّٰه علیه السلام: إنّ أهل بیتی علی دین النصرانیّة، فأکون معهم فی بیت واحد و آکل من آنیتهم؟ فقال: یأکلون لحم الخنزیر؟ قلت: لا، قال: لا بأس» (3).
و فی روایته الأُخری بعد قوله: «قلت: لا» «و لکنّهم یشربون الخمر، قال: کل معهم و اشرب» (4).
و روایة إبراهیم بن أبی محمود قال: «قلت للرضا علیه السلام: الجاریة النصرانیّة تخدمک و أنت تعلم أنّها نصرانیّة لا تتوضأ و لا تغتسل من جنابة؟ قال: لا بأس، تغسل یدیها» (5).
1) الوسائل 16: 385، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث 4.
2) الوسائل 16: 385، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث 6.
3) الوسائل 16: 384، الباب 53 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث 3، و الروایة منقولة عن زکریا بن إبراهیم.
4) الوسائل 16: 385، الباب 54 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث 5، و الروایة منقولة عن زکریا بن إبراهیم أیضاً.
5) الوسائل 2: 1077، الباب 54 من أبواب النجاسات، الحدیث 2.
و هذه الروایة ظاهرة فی الطهارة قولًا و تقریراً، کما لا یخفی.
و أوضح منها من حیث التقریر صحیحة ابن سنان: «إنّی أُعیر الذمّی ثوباً و أنا أعلم أنّه یشرب الخمر و یأکل لحم الخنزیر، ثمّ یردّه علیّ، فأغسله قبل أن أُصلّی فیه؟ فقال أبو عبد اللّٰه علیه السلام: صلّ فیه و لا تغسله من أجل ذلک؛ فإنّک أعرته إیّاه و هو طاهر و لم تستیقن أنّه نجّسه، فلا بأس أن تصلی فیه حتّی تستیقن أنّه نجّسه» (1).
و مصحّحة ابن خنیس: «لا بأس بالصلاة فی الثیاب التی یعملها النصاری و المجوس و الیهود» (2).
و روایة أبی جمیلة: «عن ثوب المجوسی ألبسه و أصلی فیه؟ قال: نعم، قلت: یشربون الخمر؟ قال: نعم، إنّا نشری الثیاب السامریّة و نلبسها و لا نغسلها» (3).
و مصحّحة ابن أبی محمود عن مولانا أبی الحسن الرضا علیه السلام: «الخیّاط و القصّار یکون یهودیّاً أو نصرانیّاً و أنت تعلم أنّه یبول و لا یتوضأ، ما تقول فی عمله؟ قال: لا بأس» (4).
و مصحّحة العیس عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «فی مؤاکلة الیهودی و النصرانی، فقال: لا بأس إذا کان من طعامک. و سألته عن مؤاکلة
المجوس؟ فقال: إذا توضأ فلا بأس» (1).
و موثّقة عمّار: «عن الرجل هل یتوضأ من کوز أو إناء غیره إذا شرب منه علی أنّه یهودی؟ قال: نعم، قلت: فمن ذلک الماء الذی تشرب منه؟ قال: نعم» (2).
و روایة علی بن جعفر المذکور فی ذیل روایته الأخیرة التی ذکرناها فی أدلّة النجاسة (3): «عن الیهودی و النصرانی یدخل یده فی الماء، أ یتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إلّا أن یضطرّ إلیه» (4)و حمل الاضطرار علی التقیّة کما عن الشیخ- (5)بعید.
و هذه الروایات کما تری ظاهرة الدلالة علی الطهارة، قابلة لجعلها قرینة علی حمل الأخبار الأوّلة (6)علی الکراهة؛ من جهة عدم خلوّهم غالباً عن النجاسات العرضیّة؛ لمواظبتهم علی أکل المیتة و لحم الخنزیر و شرب الخمر و عدم التوقّی عن النجاسات، إلّا أنّ المانع عن هذا الحمل أمران:
أحدهما: موافقة هذه الأخبار لمذهب العامّة (7)الذین جعل الرشد فی خلافهم (8)، و أُمر العباد بالرجوع إلیهم عند التحیّر للأخذ بخلاف ما
1) الوسائل 16: 384، الباب 53 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحدیث 4.
2) 1: 165، الباب 3 من أبواب الأسآر، الحدیث 3.
3) راجع الصفحة 101.
4) الوسائل 2: 1020، الباب 14 من أبواب النجاسات، الحدیث 9.
5) لم نعثر علیه.
6) کذا، و المناسب الأوّلات، لأنّ الأوّلة تأتی للمفرد المؤنث، راجع لسان العرب مادة: وأل.
7) أنظر التفسیر الکبیر 16: 25.
8) الوسائل 18: 80، الباب 9 من أبواب صفات القاضی، ضمن الحدیث 19.
یفتون (1)لأنّ فیه الرشد، لا لأنّ فی استفتائهم مداراة، کما قیل: «شاوروهنّ و خالفوهنّ» (2)و قرب احتمال ورودها تقیّةً فی البیان أو فی العمل؛ فإنّ مذهب الجمهور کما فی المنتهی (3)و غیره (4)علی طهارتهم، و یشهد به بعض الروایات، مثل الروایة الثانیة لزکریّا بن إبراهیم، حیث ذکر الراوی: أنّهم لا یأکلون لحم الخنزیر لکنّهم یشربون الخمر، فی جواب استفصال الإمام علیه السلام عن خصوص أکل لحم الخنزیر (5)فإنّه لولا التقیّة لم یکن وجه للفرق بین الخنزیر و الخمر.
و أوضح من ذلک روایة الکاهلی، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن قوم مسلمین یأکلون، فحضرهم رجل مجوسی أ یدعونه إلی الطعام؟ فقال: أمّا أنا فلا أُؤاکل المجوسی، و أکره أن أُحرّم علیکم شیئاً تصنعونه فی بلادکم» (6)فإنّ الظاهر من الروایة أنّ مؤاکلة الیهودی محرّمة من اللّٰه سبحانه، لکنّی لا احرّمه علیکم؛ من جهة شیوع ذلک فی بلادکم، فإنّه لولا التقیّة لم یکن فی ذلک علّة لکراهة التحریم، و لو لم یکن الحکم من اللّٰه التحریم لم یکن وجه لتعلیل کراهة التحریم بشیوع الارتکاب فی تلک البلاد.
و ممّا یرشد إلیه أیضاً روایة إسماعیل بن جابر المذکورة فی أوّل روایات الطهارة (7).
الثانی: موافقة أخبار النجاسة للإجماعات المستفیضة (1)، أ تری أنّ هؤلاء لم یطّلعوا علی هذه الروایات؟ و هل وصلت إلینا إلّا بوساطتهم؟
بل یمکن دعوی الإجماع المحقَّق؛ فإنّ الخلاف لم یحک فی المسألة إلّا عن الإسکافی، حیث قال فی أحد کلامیه: التجنّب من سؤر من یستحلّ المحرّمات من ملیّ أو ذمیّ أحبّ إلیه إذا کان الماء قلیلًا. و فی الآخر: إنّ التجنّب ممّا صنعه أهل الکتاب من ذبائحهم و فی آنیتهم و ممّا صنع فی أوانی مستحلی المیتة و مؤاکلتهم ما لم یتیقّن طهارة آنیتهم و أیدیهم أحوط (2)، انتهی.
و علی تقدیر ظهور المخالفة من هذین الکلامین، فقد ذکر فی ترجمة الإسکافی: أنّ الأصحاب ترکوا خلافه؛ لأجل قوله بالقیاس و أنّ فتاواه غالباً علی طبق العامّة (3)، مع أنّ المجمعین هنا بالخصوص لم یعتنوا بمخالفته، و عدم عثورهم بعید.
و لم یظهر ممّن عداه مخالفة فی المسألة، عدا ما ربّما یحکی عن العمانی القائل بطهارة سؤر الذمیّ (4)، الناشئة عن قوله بعدم انفعال الماء القلیل.
و المفید فی الرسالة الغریّة، حیث صرّح بالکراهة (5)، مع قوّة احتمال إرادة الحرمة أو العدول عنها، و لو بقرینة عدم تعرض أتباعه لنقل مذهبه
و دعوی الإجماع علی خلافه.
و الشیخ فی النهایة، حیث ذکر فیها: أنّه یکره للإنسان أن یدعو أحداً من الکفّار إلی طعامه فیأکل معه، فإن دعاه فلیأمره بغسل یده ثمّ یأکل معه إن شاء (1).
مع أنّ المحکیّ عنه فیما قبل هذا الکلام بأسطرٍ قلیلة: أنّه لا یجوز مؤاکلة الکفّار علی اختلاف مللهم، و لا استعمال أوانیهم، إلّا بعد غسلها بالماء، و کلّ طعام تولّاه بعض الکفّار بأیدیهم و باشروه بنفوسهم لم یجز أکله؛ لأنّهم أنجاس ینجِّسون الطعام بمباشرتهم إیّاه (2)، انتهی.
و عنه فی أوّل الکتاب: أنّه لا یجوز استعمال أسآر من خالف الإسلام من سائر أصناف الکفّار (3)، و حکی عنه نظیره فی باب التطهیر من النجاسات (4).
و قد حمل الحلیّ کلامه الأوّل علی أنّه ذکره إیراداً لا اعتقاداً (5)، کما هو دأبه فی إیراد مضمون بعض الأخبار. و هذا الکلام مع کثرته من الحلیّ فی أمثال ما ذکر من فتاوی الشیخ سیّما فی النهایة لا محصّل له ظاهراً، إلّا أنّ الشیخ ذکر هذه الفتوی بعنوان الحکایة و الروایة لمضمون بعض الأخبار (6).
و لقد أجاد المحقّق فی نکت النهایة، حیث حمل هذا الحکم علی حال الضرورة أو المؤاکلة فی الیابس، و وجّه الأمر ب «غسل الید» بزوال الاستقذار النفسانی الذی یحصل من ملاقاة النجاسات العینیّة، ثمّ ذکر روایة العیص المتقدّمة الآمرة بتوضّؤ المجوسی، و حمل التوضّؤ علی غسل الید (1)، انتهی.
فالإنصاف: أنّ مخالفة ما عدا الإسکافی غیر واضحة کما صرّح به بعض (2)، و کم من إجماع سبقه و لحقه، فلا ینبغی التأمّل فی القول بالنجاسة.
ثمّ إنّه لا فرق علی الظاهر فی النجاسة بین أجزاء الکافر التی تحلّها الحیاة و التی لا تحلّها، و الظاهر أنّ الخلاف المتقدّم من السیّد قدّس سرّه فی الکلب و الخنزیر (3)جارٍ هنا؛ لجریان دلیله فیه حرفاً بحرف؛ و لذا عنون المصنّف فی المختلف قول السیّد: بطهارة ما لا تحلّه الحیاة من نجس العین (4).
و عن صاحب المعالم: الاستشکال هنا فی الحکم؛ نظراً إلی عدم ما یدلّ علی تعلّق الحکم علی المسمّی کما فی الکلب و الخنزیر حتّی یعمّ جمیع أجزائه؛ لأنّ دلالة الکتاب علی نجاستهم ضعیفة، و لیس فی السنّة ما یدلّ علی ذلک (5).
و اعترض علیه فی الحدائق:
أوّلًا: بأنّ الأخبار تدلّ علی نجاسة الیهود و النصاری، و هو عبارة عن مجموع أجزاء الشخص المنسوب إلیهم، و الشخص عبارة عن مجموع الأجزاء، کالکلب و الخنزیر.
و ثانیاً: بمرسلة الوشّاء عن الصادق علیه السلام: «أنّه کره سؤر ولد الزنا و الناصب و الیهودی و النصرانی و المشرک و کلّ من خالف الإسلام» (1).
و ثالثاً: أنّا قد أوضحنا دلالة الآیتین علی نجاستهم (2).
أقول: لا یخفی أنّ کلام صاحب المعالم علی فرض عدم دلالة الآیات کما هو المتّضح عنده و کلامه فی الأخبار، و لا یخفی أنّ مرسلة الوشّاء علی فرض دلالتها لا تدلّ إلّا علی نجاسة سؤرهم، و لا ریب فی ظهور السؤر فیما باشره جسم حیوان، لا کشعره بل و لا کظفره المجرّد، بل ظاهره عرفاً کما تقدّم فی باب الأسآر-: بقیّة الشراب، فلا دلالة فیها علی نجاسة مثل الشعر أصلًا.
و أمّا الأخبار الدالّة علی نجاسة الیهود و النصاری، فلیس فیها إلّا الاجتناب عن مساورتهم و مخالطتهم و مؤاکلتهم، فما ذکره فی مقابل صاحب المعالم لم یصب موقعه.
فالأولی التمسّک فی ذلک بإطلاق معاقد الإجماعات المستفیضة بل المتواترة فی نجاسة الکفّار (3).
ثمّ إنّ المحکی عن جماعة کالشیخ فی المبسوط (1)و المصنّف فی التذکرة (2)و الشهید فی الذکری (3)و صاحب الموجز (4)و شارحه (5)-: الحکم بنجاسة أولاد الکفّار. و عن الکفایة: أنّه المشهور (6)و عن الذخیرة (7): استظهار نفی الخلاف من کلام المصنّف فی التذکرة.
و عن المعالم: استظهاره من کلام جماعة؛ حیث ذکروا الحکم جازمین به من غیر تعرّض لدلیله، کما هو الشأن فی المسائل التی لا مجال للاحتمال فیها (8).
و تبعه فی شرح المفاتیح، حیث قال: إنّ الطفل الذی یولد من الکافر و لم یبلغ أو بلغ مجنوناً نجس عند الأصحاب، لکنّ العلّامة قال فی النهایة: إنّ الأقرب فی أولاد الکفّار التبعیّة لهم، انتهی. و هذا یدلّ علی عدم الإجماع عنده، فإن لم یکن إجماع یشکل الحکم بذلک (9)، انتهی.
أقول: قد عرفت فی المتولّد من الکلب و الخنزیر (10): أنّ الأقوی نجاسة
المتولّد من نجسین؛ إمّا للاستصحاب، بناءً علی بقاء الموضوع عرفاً، کما یحکم بنجاسة ما لا تحلّه الحیاة من الکافر بعد موته.
و إمّا لأجل تنقیح المناط عند أهل الشرع؛ حیث إنّهم یتعدّون من نجاسة الأبوین ذاتاً إلی المتولّد منهما، فهو شیءٌ مرکوز فی أذهانهم و إن لم نعلم وجهه تفصیلًا، فکم لهم من هذا القبیل، کما لا یخفی علی المتتبّع لأحوالهم.
بل هذا الوجه هی العمدة، و إلّا فیمکن منع الاستصحاب؛ بمنع جزئیة الجنین فی بطن امّه للأُم عند صیرورته مضغة، فلا دلیل علی نجاسته فی ذلک الوقت؛ ضرورة عدم صحة استصحاب نجاسته حال کونها علقة؛ لأنّها من حیث کونها دماً.
و أمّا تعبیر المصنّف فی النهایة بلفظ «الأقرب» فهو فی مقابل الاحتمال المخالف، لا القول المخالف، و هو لا ینافی تحقّق اتّفاق أهل الفتوی علیه؛ لأنّ الفروع المبنیّة علی القواعد لا تخلو عن تطرّق الاحتمال، و إن کان الحکم فیها متّفقاً علیه بین أهل الفتوی. نعم، لا یکون هذا إجماعاً.
و یؤیّد ما ذکرنا: روایة عبد اللّٰه بن سنان المحکیّة عن الفقیه: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن أولاد المشرکین یموتون قبل الحِنْث؟ قال: کفّار، و اللّٰه أعلم بما کانوا عاملین یدخلون مداخل آبائهم» (1).
و ما روی: «أنّ أولاد المشرکین یلحقون بآبائهم» (2)لکن فی دلالته علی النجاسة نظر.
و کیف کان، فالظاهر أنّ من بلغ مجنوناً حاله حال الطفل. و أمّا من بلغ و کفر ثمّ جنّ فإنّه لا ینبغی الإشکال فی نجاسته؛ لصدق الکافر علیه، و یشکل لو فرضنا زوال تلک الصفة الراسخة فی قلبه عنه بالمرّة، إلّا أن یتمسّک بالاستصحاب، و فیه ما لا یخفی. و لو أسلم ولد الکافر ثمّ جنّ فلا شکّ فی طهارته.
بقی الکلام فی المسبیّ و اللقیط.
أمّا المسبیّ، فإذا کان منفرداً عن أبویه، ففی شرح المفاتیح: أنّ ظاهر الأصحاب تبعیّته للسابی فی الطهارة، و حکی فیه کما فی اللوامع (1)عن بعض الأصحاب: أنّ الطهارة لا خلاف فیها بینهم و إن اختلفوا فی تبعیّته للسابی فی الإسلام (2). لکن المحکیّ فی شرح الروضة (3)و ظاهر کلام المصنّف فی التلخیص (4): بقاء تبعیّة الأبوین فی جمیع الأحکام، و هو الذی تردّد فیه أوّل الشهیدین فی ظاهر عبارة الذکری، مع إشعارها بوجود الخلاف فی المسألة (5)، و مال إلیه ثانیهما فی المسالک؛ تمسّکاً باستصحاب النجاسة الثابتة له قبل السبی (6)، السلیمة عن المزاحم؛ حیث لم یعدّوا التبعیّة من المطهِّرات، عدا ما ربّما یستدلّ به علی الطهارة: من الأصل، المندفع بورود الاستصحاب؛ و من لزوم الحرج، المردود: بأنّه غیر قابل لإثبات الطهارة إذا لم یکن علیه
دلیل آخر، کما لو استأجر طفل الذمی مدة مدیدة، و کما لو کان ولد الکافر عنده من غیر سبی.
و الأولی: التمسّک بالسیرة القطعیّة المستمرّة علی المعاملة مع السبایا معاملة المسلمین من حیث الطهارة، و عدم الالتزام بالتحرّز عنهم، فالقول بطهارتهم هو المعتمد، سیّما مع ما عرفت: من عدم دلیل معتمد علی نجاستهم قبل السبی لولا الإجماع، عدا ما ذکرنا من الوجهین اللذین یمکن الخدشة فی أوّلهما، و یشکل التمسّک بثانیهما لو انفرد عن الجابر، و النجاسة الثابتة بالإجماع لم یعلم ثبوتها لنفس الطفل أو الطفل المصاحب للأبوین، فلعلّ لوصف المصاحبة مدخلًا فی الموضوع الذی یعتبر القطع ببقائه فی جریان الاستصحاب.
و لا یتوهّم جریان مثل ذلک فی سائر موارد الاستصحاب؛ و لأنّ النجاسة من الأُمور التی إذا تحققت لا یرتفع إلّا بالمزیل، فلا بدّ من إثباته.
لاندفاع الأوّل: بأنّ ذلک من خصائص المستصحب الثابت بالإجماع؛ فإنّ الموضوع فیه مشتبه غالباً، إلّا أن یرجع فی تشخیصه إلی العرف أو کلمات المجمعین، و أمّا إذا ثبت المستصحب بالأدلّة اللفظیّة فالموضوع فیه معلوم غالباً.
و اندفاع الثانی: بأنّ النجاسة إنّما یحتاج إلی المزیل فی ارتفاعها عن محلّها، و أمّا ارتفاعها بارتفاع المحل فلا یحتاج إلّا إلی رافعٍ للمحل أو انقضاء استعداد وجوده.
و أمّا أنّهم لم یعدّوا التبعیة من المطهِّرات؛ فإنّهم لم یذکروا فی مطهِّرات الکافر غیر الإسلام، فمندفع: بأنّهم لم یذکروا فی عنوان المطهِّرات إسلام الوالدین أیضاً، و لا یقدح ذلک مع تعرّضهم للمسألة فی موضعه.
هذا کلّه إذا سباه منفرداً.
و لو سباه مع أبویه، فالمحکیّ عن الشیخ (1)و ابن الجنید (2)و القاضی (3)و الشهید فی بعض فوائده (4): الحکم بنجاسته، و فی شرح الروضة: و کأنّه لا خلاف فیه عندنا (5).
و استدلّ لهم باستصحاب التبعیّة إلی أن یثبت المزیل، و الملکیّة لیست مزیلة، کما لو زوّج المسلم عبده الکافر من أمته الکافرة، فإنّ ولدهما یتبع الأبوین دون المالک.
و بعموم النبوی: «کلّ مولود یولد علی الفطرة و إنّما أبواه یهوّدانه و ینصّرانه و یمجّسانه» (6)فما لم ینقطع عنه تبعیّة الأبوین لم ینتف عنه التهوید و التنصیر و التمجیس، کذا، قیل (7).
و فی دلالة النبوی نظر ظاهر، خصوصاً أنّ المروی فی بعض الکتب علی ما رأینا: «حتّی یکون أبواه یهوّدانه و ینصّرانه و یمجّسانه» (8)و هذا أظهر فی الدلالة علی أنّ الولد طاهر ما لم یضلّه أبواه.
1) المبسوط 2: 22، و 3: 342.
2) حکاه عنه العلّامة فی المختلف فی ما لو سبی مع أحد أبویه، فیکون کذلک لو سبی مع أبویه بطریق أولی. انظر المختلف 4: 421.
3) المهذّب 1: 318.
4) انظر القواعد و الفوائد 1: 334، القاعدة (120).
5) لم نعثر علیه.
6) انظر السنن الکبری 6: 203، الحدیث الأخیر. و فیه: «فأبواه ..».
7) لم نعثر علیه.
8) انظر أمالی السیّد المرتضی 4: 2، و عوالی اللآلی 1: 35، الحدیث 18، و عنه فی البحار 3: 281، الحدیث 22.
و لو سبی مع أحد أبویه، فالمحکیّ عن الجماعة المتقدّم إلیهم الإشارة (1): أنّه یتبعه دون السابی، و تبعهم المصنّف فیما حکی عنه (2)و لعلّه لاستصحاب التبعیّة المتقدم.
و عن جماعة من العامّة تبعیّة السابی (3)لأنّ مدلول النبوی: أنّ الأبوین یهوّدانه لا أحدهما. و هو مفهوم ضعیف، کما عن التذکرة (4)و المنتهی (5).
و المسألة محل الإشکال، و القول بالنجاسة أقوی؛ بناءً علی الاستصحاب المتقدّم.
هذا کلّه من حیث الطهارة.
و أمّا تبعیّته للسابی فی أصل الإسلام، حتّی یترتّب علیه أحکام المسلمین: من وجوب تجهیزه لو مات و نحو ذلک، فالمحکیّ عن الشیخ (6)و ابن الجنید (7)و ابن البراج (8)و المصنّف فی لقطة القواعد (9)و الشهید فی الدروس (10)
1) راجع الصفحة السابقة.
2) قواعد الأحکام 2: 203.
3) حکاه عنهم العلّامة فی المنتهی (الطبعة الحجریّة) 2: 932، و التذکرة (الطبعة الحجریّة) 1: 425، و أُنظر المغنی لابن قدامة 8: 426.
4) التذکرة (الطبعة الحجریة) 1: 425.
5) المنتهی (الطبعة الحجریّة) 2: 932.
6) المبسوط 2: 23، و 3: 342.
7) حکاه عنه فی المختلف 4: 421.
8) المهذّب 1: 318.
9) قواعد الأحکام 2: 203.
10) الدروس 2: 39.
القول بالتبعیّة؛ لأنّ هذا الطفل لا حکم له بنفسه، و قد خرج من تبعیّة الأبوین بانقطاعه عنهما و إخراجه عن دارهما و مصیره إلی دار الإسلام تبعاً للسابی المسلم، فکان تابعاً له فی دینه؛ و لقوله صلّی اللّٰه علیه و آله: «کلّ مولودٍ یولد علی الفطرة و إنّما أبواه یهوّدانه» (1)و فی الدلالة و السند ما لا یخفی.
خلافاً للمحکی عن المصنّف فی بعض کتبه (2)و ولده فی الإیضاح (3)و الحلیّ (4)و المحقّق الثانی (5)، فحکموا بتبعیّته فی الطهارة خاصّة، و هو الأقوی.
و أمّا الکلام فی اللقیط، فالمحکیّ عن الشیخ: الحکم بإسلام لقیط دار الإسلام إذا کان فیها مسلمٌ صالحٌ لتولّده منه، سواء بنیت فی الإسلام و لم یقرّ بها الکفّار، أم کانت دار حرب غلب علیها المسلمون فأخذوها صلحاً أو قهراً، أو کانت دار الإسلام فغلب علیها أهل الحرب. و کذا لقیط دار الحرب إذا استوطنها مسلم و لو أسیراً (6). کلّ ذلک لقوله صلّی اللّٰه علیه و آله فی النبوی: «الإسلام یعلو و لا یعلی علیه» (7)و أمّا إذا دخله التجار، فذکر فیه وجهین: الإسلام؛ لغلبة جانبه، و العدم؛ لأنّ الدار دار الکفر.
و التحقیق فی ذلک کلّه: الحکم بالطهارة؛ لأنّها الأصل. و أمّا أحکام
1) انظر السنن الکبری 6: 203، الحدیث الأخیر. و فیه: «فأبواه ..».
2) قواعد الأحکام 1: 490.
3) إیضاح الفوائد 1: 364، و 2: 141.
4) حکاه الشهید الثانی فی المسالک 3: 43، و لم نعثر علیه فی السرائر.
5) جامع المقاصد 3: 399 و 6: 122.
6) المبسوط 3: 343.
7) الوسائل 17: 376، الباب الأوّل من موانع الإرث، الحدیث 11.
الإسلام، فکلّ ما کان الإسلام شرطاً فلا یحکم، و کلّ ما کان الکفر مانعاً فیحکم به.
المشهور طهارة المخالف لأهل الحقّ، عدا الفرق الآتیة منهم؛ للأصل و أدلّة طهارة المسلمین: من النصّ (1)و الإجماع، بعد ملاحظة ما دلّ علی إسلامهم فی الظاهر؛ بناءً علی تحدید الإسلام المقابل للإیمان الذی هو مناط الطهارة دون المرادف-: بما علیه الناس، من الشهادتین و التزام الصلاة و الصیام و الحج و الزکاة و غیر ذلک، کما لا یخفی علی المتتبّع باب الفرق بین الإیمان و الإسلام من أُصول الکافی (2).
هذا، مضافاً إلی السیرة القطعیّة المستمرّة من زمن حدوث هذا المذهب إلی یومنا هذا من الأئمة صلوات اللّٰه علیهم و أصحابهم و من جمیع المؤمنین: من المباشرة لهم و مساورتهم و الأکل من ذبائحهم و أطعمتهم و مزاوجتهم، فربّما کان أهل بیتٍ واحد بعضهم مؤمن و بعضهم مخالف، و من لاحظ زمان الأئمة علیهم السلام و قلّة المؤمنین فی ذلک الزمان، یقطع بعدم إمکان التحرّز فضلًا عن تعسّره.
و لا ینقض ذلک باستمرار السیرة فی مدّة زمان دولة بنی أُمیة علی المعاشرة و ترک التحرّز عن النصّاب، لشیوع النصب و السبّ فی ذلک الزمان؛ فإنّا نمنع شیوع النصب الحقیقی، و إنّما کان الناس یظهارون البراءة من أمیر المؤمنین علیه السلام تقیّةً، مع أنّ الحکم بنجاسة الناصب لعلّه لم یکن فی ذلک الیوم ظاهراً للناس؛ فإنّ الأحکام إنّما انتشرت بین الناس تدریجاً.
و لا إشکال فی أصل المسألة، إنّما الإشکال و الحیرة فی أنّ السیّد قدّس سرّه مع قرب عهده بذلک الزمان و ابتلائه بذلک فی تلک البلدان کیف أوجب علی نفسه و علی الناس التحرّز عنهم فی المساورة (1).
إلّا أن یقول بالعفو عن نجاستهم، کما عفی عن قلیل الدم عند الشیخ (2)و عن سائر ما یتعلّق بالمعاشرة من أحکام الکافر، کحرمة الذبیحة و حرمة المناکحة و نحو ذلک.
و به یجمع بین ما دلّ علی کفرهم المستلزم لترتّب تلک الأحکام؛ بناءً علی ملازمتها له، و بین الإجماع العملی، بل تواتر السنّة الفعلیّة علی معاملتهم معاملة المسلمین و لا ینافی ما ورد فی الأخبار من جعلهم مسلمین؛ لأنّ المراد به ما یوجب العفو عن أحکام الکفر.
و دعوی: أنّ المعاشرة و عدم الاجتناب إنّما کان لأجل التقیّة و عدم التمکّن من الالتزام بمجانبتهم و المعاشرة بترک عیادتهم و حضور جماعتهم فضلًا عن مجانبتهم فی المساورة بترک ذبائحهم و أطعمتهم.
مدفوعة مع مخالفتها للأصل-: بأنّ السیرة المدّعاة إنّما هی علی المعاملة معهم معاملة الطاهر، لا مجرّد المساورة.
إلّا أن یلتزم بما احتمله صاحب الحدائق فی المقام، بل ربّما مال إلیه: أنّ تسویغ المباشرة للتقیّة و الإذن فیها یوجب عدم ترتّب الأثر علی تلک النجاسة (3). و فیه ما لا یخفی.
أو یقال: إنّ الخلطة لمّا صارت علی وجهٍ یوجب نجاسة الأشیاء علی وجهٍ یوجب إزالة النجاسة عنها بالمرّة إذاعة السر و إضاعة التقیّة، و نحوه التبعیض بمقدار التمکّن سیّما لجهلة الشیعة، و التبعیض فی الإزالة غیر مجد؛ فلذا ارتفع وجوب الإزالة، و عفی عنهم عفو الدم فی الصلاة، لا عفو الدم الغیر المستبین فی الماء.
و فیه: أنّ هذا بعینه موجود بالنسبة إلینا فی هذا الزمان من جهة الحرج، و إن لم یکن من جهة التقیّة، بل من جهة التقیّة أیضاً کما لا یخفی.
فالمقصود الأصلی عدم وجوب غسل ما لاقاهم، و لا غرض یتعلّق بإثبات صفة الطهارة لهم.
بقی الکلام فی سائر أحکام الإسلام التی لا یتعلّق بالمباشرة، کالتجهیز و لا مضایقة علی القول بعدم وجوبه، کما عن المفید (1)و القاضی (2)مع حکمهما بطهارتهم.
و استدلّ الشیخ فی التهذیب للمفید: بأنّ المخالف لأهل الحقّ کافر، فیجب أن یکون حکمه حکم الکفّار إلّا ما خرج بالدلیل (3).
و استدلّ علیه الحلیّ بعد اختیاره له بقوله تعالی وَ لٰا تُصَلِّ عَلیٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً (4)یعنی الکفّار، و المخالف لأهل الحق کافر بلا خلاف (5).
و فی المعتبر فی مسألة الزکاة فی بیان أوصاف مستحقّی الزکاة بعد دعوی إجماع أهل العلم علی عدم إعطاء الکافر، قال: و لا یعطی غیر الإمامی و إن اتّصف بالإسلام، ثمّ استدلّ علی ذلک: بأنّ الإیمان هو تصدیق النبی صلّی اللّٰه علیه و آله فی کلّ ما جاء به و الکفر جحود ذلک، فمن لیس بمؤمن فهو کافر، و لیس للکافر زکاة بما بیّناه؛ و لأنّ مخالف الحق محادٌّ للّٰه و رسوله فلا یجوز موادّته، و الزکاة معونة و إرفاق فلا یصرف إلی محاد (1)، انتهی.
و أوضح من ذلک: ما عن المنتهی، من الاستدلال علی هذا الحکم: بأنّ الإمامة من أرکان الدین و قد علم ثبوتها من الدین ضرورةً، و الجاحد لها لا یکون مصدِّقاً للرسول فی جمیع ما جاء به، فیکون کافراً (2)، انتهی.
و عن شرحه علی فصّ الیاقوت للشیخ الجلیل ابن نوبخت من متقدّمی أصحابنا عند قول الماتن: «دافعوا النصّ کفرة عند جمهور أصحابنا، و من أصحابنا من یفسِّقهم .. إلخ» قال فی شرح ذلک: أمّا دافعوا النص علی أمیر المؤمنین علیه السلام بالإمامة، فقد ذهب أکثر أصحابنا علی تکفیرهم؛ لأنّ النصّ معلوم بالتواتر من دین محمّد صلّی اللّٰه علیه و آله فیکون ضروریّاً، أی معلوماً من دینه ضرورة، فجاحده یکون کافراً، کمن یجحد وجوب الصلاة و صوم شهر رمضان (3)، انتهی.
و الحاصل: أنّ ثبوت صفة الکفر لهم ممّا لا إشکال فیه ظاهراً، کما عرفت من الأصحاب.
و تدلّ علیه أخبار متواترة نذکر بعضها تیمّناً و تشریفاً للکتاب:
ففی روایة أبی حمزة: «قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام یقول: إنّ علیاً باب فتحه اللّٰه، من دخله کان مؤمناً، و من خرج منه کان کافراً» (1).
و روایة أبی بصیر عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «قال: قال رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله: طاعة علی علیه السلام ذلٌّ و معصیته کفر باللّٰه، قیل: یا رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله کیف کان طاعة علی علیه السلام ذلّاً و معصیته کفراً؟ قال: علی یحملکم علی الحق، فإن أطعتموه ذللتم و إنّ عصیتموه کفرتم باللّٰه عزّ و جلّ» (2).
و فی روایة إبراهیم بن أبی بکر: «قال: سمعت أبا الحسن موسی علیه السلام یقول: إنّ علیّاً علیه السلام باب من أبواب الهدی، فمن دخل فی باب علی علیه السلام کان مؤمناً، و من خرج منه کان کافراً، و من لم یدخل فیه و لم یخرج منه کان فی طبقة الذین للّٰه فیهم المشیّة» (3).
و روایة الفضیل بن یسار: «قال: سمعت أبا جعفر علیه السلام یقول: إنّ اللّٰه نصب علیّاً علیه السلام عَلَماً للّٰه بین خلقه، فمن عرفه کان مؤمناً، و من أنکره کان کافراً و من جهله کان ضالّاً، و من نصب معه شیئاً کان مشرکاً، و من جاء بولایته دخل الجنّة، و من جاء بعداوته دخل النار» (4).
و فی روایة إبراهیم بن بکر عن أبی إبراهیم علیه السلام: «أنّ علیّاً علیه السلام بابٌ من أبواب الجنّة، فمن دخل بابه کان مؤمناً، و من خرج من بابه کان
کافراً، و من لم یدخل فیه و لم یخرج کان فی الطبقة الذین للّٰه فیهم المشیئة» (1).
و عن الکافی بسنده إلی الباقر علیه السلام: «قال: إنّ اللّٰه نصب علیّاً علیه السلام عَلَماً بینه و بین خلقه، فمن عرفه کان مؤمناً، و من أنکره کان کافراً، و من جهله کان ضالّاً» (2).
و عن الصادق علیه السلام: «من عرفنا کان مؤمناً، و من أنکرنا کان کافراً» (3).
و عن کمال الدین عن الصادق علیه السلام: «الإمام عَلَمٌ بین اللّٰه عزّ و جل و بین خلقه، من عرفه کان مؤمناً، و من أنکره کان کافراً» (4).
و عن المحاسن بسنده إلی النبی صلّی اللّٰه علیه و آله: «أنّه قال لحذیفة: یا حذیفة، إنّ حجّة اللّٰه بعدی علیک علی بن أبی طالب علیه السلام الکفر به الکفر باللّٰه، و الشرک به شرک باللّٰه، و الشکّ فیه شکٌّ فی اللّٰه، و الإلحاد فیه إلحاد فی اللّٰه، و الإنکار له إنکار للّٰه، و الإیمان به إیمان باللّٰه؛ لأنّه أخو رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله و وصیّه و إمام أُمّته و مولاهم، و هو حبل اللّٰه المتین و عروته الوثقی لا انفصام لها .. الحدیث» (5)إلی غیر ذلک ممّا لا یطیق مثلی الإحاطة بعشر معشاره، بل و لا بقطرة من بحاره (6).
1) الکافی 2: 389، باب الکفر، الحدیث 21، و الروایة منقولة عن موسی بن بکیر عن أبی إبراهیم.
2) الکافی 2: 388، باب الکفر، الحدیث 20.
3) الوسائل 18: 566، الباب 10 من أبواب حدّ المرتد، الحدیث 43.
4) کمال الدین: 412، الحدیث 9، و الوسائل 18: 560، الباب 10 من أبواب حدّ المرتد، الحدیث 18.
5) البحار 38: 97، الحدیث 14.
6) ذکر شطراً منها المحدّث البحرانی فی الحدائق 5: 181 187.
إلّا أنّ المستفاد من مجموع الأخبار و کلمات الأخیار: أنّ المراد بهذا الکفر المقابل للإیمان الذی هو أخص من الإسلام، و ترتّب النجاسة الظاهریّة علی الکفر بهذا المعنی ممّا لم یدلّ علیه دلیل؛ فإنّ عمدة دلیل نجاسة الکفّار إمّا الأخبار الدالّة علی نجاسة الفرق بالخصوص کالیهود و النصاری و غیرهم، و إمّا الإجماعات المحکیّة علی نجاسة کلّ کافر. أمّا الأخبار، فلا تجدی فی المقام کما لا یخفی بل و کذا الإجماع؛ نظراً إلی تصریح نقلة الإجماع بإرادة الکافر فی مقابلة المسلم، و قد ثبت من الأخبار الکثیرة الواردة فی حلّ الجلود و الذبائح (1)إذا کان فی سوق المسلمین (2)أو فی أرض الإسلام أو کان الذابح دان بکلمة الإسلام (3)و نحو ذلک صدق المسلم علیهم أو إطلاقه علیهم؛ لکونهم بمنزلة المسلم فی الطهارة و نحوها من الأحکام المتعلّقة بمعاشرتهم.
و قد عقد ثقة الإسلام فی الکافی باباً لذکر الأخبار الدالّة علی تغایر الإسلام و الإیمان (4)، و لا یبعد دعوی تواترها المعنوی:
منها: روایة ابن أبی عمیر عن الحکم بن أیمن عن القاسم الصیرفی عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «قال: الإسلام یُحقن به الدم و تؤدّی به الأمانة و تستحلّ به الفروج، و الثواب علی الإیمان» (5)و بمضمونها حسنة فضیل بن
یسار (1)، و صحیحی أبی الصباح الکنانی (2)و حمران بن أعین (3).
و روایة سفیان السمط عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «قال: الإسلام هو الظاهر الذی علیه الناس: شهادة أن لا إله إلّا اللّٰه و أنّ محمداً رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله و إقام الصلاة و إیتاء الزکاة و حجّ البیت و صیام شهر رمضان فهذا الإسلام، و الإیمان معرفة هذا الأمر مع هذا، فإنّ أقرّ بها و لم یعرف هذا الأمر کان مسلماً ضالّاً» (4).
و روایة ابن محبوب عن جمیل بن صالح عن سماعة عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «أنّ الإیمان یشارک الإسلام، و الإسلام لا یشارک الإیمان، قلت: فصفهما لی، قال: إنّ الإسلام: شهادة أن لا إله إلّا اللّٰه و التصدیق برسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله به حقنت الدماء، و علیه جرت المناکح و المواریث، و علی ظاهره جماعة الناس، و الإیمان: الهدی و ما یثبت فی القلوب من صفة الإیمان و ما ظهر من العمل» (5).
و صحیحة حمران بن أعین عن أبی جعفر علیه السلام، فیها: «أنّ الإیمان: ما استقرّ فی القلب و أُفضی به إلی اللّٰه تعالی و صدّقه العمل بطاعة اللّٰه و التسلیم لأمره، و الإسلام: ما ظهر من قولٍ أو فعل، و هو الذی علیه جماعة الناس من الفرق کلّها» (6).
و فی روایة زرارة عن أبی جعفر علیه السلام المرویّة عن باب ارتداد الصحابة، و فیها قوله علیه السلام: «و أمّا من لم یصنع ذلک و دخل فی ما دخل فیه الناس علی غیر علمٍ و لا عداوةٍ لأمیر المؤمنین علیه السلام فإنّ ذلک لا یکفّره و لا یخرجه عن الإسلام إلی الکفر» (1)إلی غیر ذلک من الأخبار.
فالحاصل: أنّ المستفاد ممّا یدلّ علی أنّ المخالفین منتحلوا الإسلام (2)لعدم أخذ الولایة فی مفهومه کالنبوّة.
و لم یبق فی المقام إلّا ما ذکره فی الحدائق (3): من دعوی کونهم نصّاباً، و قد أجمع علی نجاسة الناصب.
أو دعوی کون الولایة من ضروریّات الدین، کالصلاة و الزکاة و الصوم و الحج، فمستحل ترکها کافر، کأخواته التی هی أهمّها فی نظر شارع الإسلام، کما صرّح به أبو جعفر علیه السلام فی روایة الفضیل: «بُنی الإسلام علی خمسة .. إلی أن قال: و لم یناد بشیءٍ کما نودی بالولایة» (4).
و یرد علی الاولی بعد تسلیم کونهم نصّاباً، و الإغماض عن الخدشة فیما یجیء من الروایات الدالّة علی ذلک (5)، و سیجیء أنّ الصدوق نسب ذلک إلی توهّم الجهّال (6)-: أنّ العمدة فی دلیل نجاسة الناصب إمّا روایات نجاسة
الناصب الآتیة و ستعرف اختصاصها بالناصب لأهل البیت علیهم السلام (1)، و إمّا الإجماع المفقود هنا، و إمّا إنکاره للضروری، و المسلّم أنّ عداوة أمیر المؤمنین علیه السلام أو أحد الأئمة علیهم السلام مخالف لضروریّ الدین، و أمّا ولایتهم فدعوی ضروریّتها ترجع إلی الدعوی الثانیة من دعوی صاحب الحدائق.
و یرد علیهما: إمکان منع أنّ الولایة من ضروریّات الدین مطلقاً؛ إذ لا یستفاد ذلک من تلک الأخبار الدالّة علی أنّه «بنی الإسلام علی خمس» و لا یلزم من أهمیّتها فی نظر الشارع صیرورتها ضروریّة، فربّما یتحقّق فی الأهم من دواعی الاستتار و موانع الانتشار ما لا یتحقق فی غیره. نعم، لا نضایق من کونها عند بعضٍ من الضروریّات، کمن ثبت عنده ذلک بالتواتر أو بالشیاع، و لا ینبغی الإشکال فی کفره، و لعلّه المراد بدافعی النص فی عبارتی فُصّ الیاقوت و شرحه المتقدّمین (2).
مع أنّا لو سلّمنا کونها ضروریّةً مطلقاً، لکن الأخبار المتقدّمة المذکورة الدالّة علی أنّ جماعة الناس بظاهر الإسلام، و یحلّ مناکحهم و موارثهم مخصِّصٌ لعموم ما دلّ علی کفر منکر الضروری و إن قلنا: إنّ الوجه فی کفره هو استلزامه لتکذیب النبی صلّی اللّٰه علیه و آله علی أحد القولین فی وجه کفر منکر الضروری؛ إذ لا یبعد الحکم بطهارة بعض من کذّب النبی صلّی اللّٰه علیه و آله إذا لم یظهر منه ذلک، بأن یدّعی أنّ النبی صلّی اللّٰه علیه و آله لم یجیء به، لا أنّه صلّی اللّٰه علیه و آله کاذب فیما جاء به، و إن استلزم إنکاره لذلک باطناً علی هذا القول.
و ممّا یرفع هذا الاستبعاد أنّ الظاهر من کثیرٍ من الأخبار المتقدّمة و غیرها ممّا ورد فی تغایر الإسلام و الإیمان-: أنّ مجرّد إظهار الشهادتین و فعل الصلاة و أخواتها کافٍ فی الإسلام، بل فی شرح المفاتیح: أنّ من بدیهیّات المذهب أنّ النبی صلّی اللّٰه علیه و آله کان یساور المنافقین و ما کان یجتنب منهم (1).
إلّا ان یقال: إنّ هذه المعاملة مع المنافقین المبطنین للکفر المظهرین للإسلام، کان مختصّاً بصدر الإسلام؛ و من هنا یضعّف ما فی المعتبر: من الاستدلال علی طهارة العامّة بعدم اجتناب النبی صلّی اللّٰه علیه و آله لفلان و فلان و فلانة و فلانة (2)فإنّ هذا لو تمّ لدلّ علی عدم نجاسة النواصب، فلا محیص عن حملها علی مصلحةٍ اقتضت عدم إیجاب التحرّز عنهم و عن أمثالهم من المنافقین.
و کیف کان، فما ذکرنا: من جواز الحکم بطهارة منکر الضروری و إن رجع إنکاره إلی کذب النبی صلّی اللّٰه علیه و آله ما لم یصرّح بالتکذیب، و إن سلّمنا أنّه خلاف القاعدة المسلّمة: من کفر منکر الضروری و عدم کفایة مجرّد إنکار مجیء رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله إذا لم یحتمل فی حقّه الشبهة، إلّا أنّه لا استبعاد فیه بعد ورود الدلیل علی إسلام هؤلاء المنکرین لهذا الضروری الخاص.
و ما ذکرنا: من کفایة إظهار الشهادتین فی أحکام الإسلام، مؤیّدٌ لرفع الاستبعاد و إن خصّصناه ببدو الإسلام و زمان اقتضاء المصلحة لتکثیر سواد
المسلمین و الغلبة بهم علی أهل الحرب.
و کیف کان، فالحکم بنجاسة المخالف مطلقاً کما عن السیّد (1)و جماعة (2)، أو ما عدا المستضعف منهم کما عن الحلیّ (3)، ضعیف.
و لا یتوهّم من الحکم بطهارتهم الحکم بثبوت مزیّةٍ لهم من حیث الرتبة علی سائر الکفّار، کما توهّمه بعضٌ، فطعن علی المتأخّرین بما طعن، و إنّما نحکم بذلک کما ذکره کاشف اللثام استهزاءً بهم و دفعاً للحرج عن المؤمنین (4).
و الظاهر أنّ سائر فرق الشیعة غیر الاثنی عشریّة فی حکمهم، و إن ورد فیهم عموماً أو فی خصوص بعضهم ما یدلّ علی کفرهم أو نصبهم:
ففی روایة عبد اللّٰه بن المغیرة المحکیّة عن الروضة: «قال: قلت لأبی الحسن علیه السلام: إنّی ابتلیت برجلین: أحدهما ناصبٌ و الآخر (5)زیدیٌّ، و لا بدّ من معاشرتهما، فمن أُعاشر؟ فقال علیه السلام: هما سیّان، من کذب بآیةٍ من آیات اللّٰه تعالی فقد نبذ الإسلام وراء ظهره، و هو المکذِّب لجمیع القرآن و الأنبیاء المرسلین، ثمّ قال: هذا نَصَبَ لک و هذا الزیدی نَصَبَ لنا» (6).
و روایة محمّد بن مطهّر الواردة فی الواقفة، و فیها قوله علیه السلام: «أنا إلی اللّٰه منهم بریء، فلا تولّهم و لا تعد مرضاهم و لا تشهد جنائزهم وَ لٰا تُصَلِّ عَلیٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً، سواء من جحد إماماً من اللّٰه تعالی أو زاد إماماً لیست إمامته من اللّٰه و جحد أو قال: ثالث ثلاثة، إنّ الجاحد أمر آخرنا جاحدٌ أمر أوّلنا، و الزائد فینا کالناقص الجاحد لأمرنا» (1).
و فی روایة ابن أبی یعفور: «ثلاثة لا یکلّمهم اللّٰه یوم القیامة و لا یزکّیهم و لهم عذاب ألیم: من ادّعی إمامةً من اللّٰه لیست له، و من جحد إماماً إمامته من اللّٰه، و من زعم أنّ لهما فی الإسلام نصیباً» (2).
و یدلّ علیه: عموم ما دلّ علی أنّ الناصب هو الذی ینصب للاثنی عشریّة (3)لأنّهم کذلک؛ فإنّ سائر فرق الشیعة کالمخالفین ینصبون للاثنی عشریّة.
و قد ورد أخبارٌ کثیرة فی خصوص الزیدیّة: أنّهم النصّاب (4)، و فی بعض الأخبار عطف الواقفة علیهم (5).
لکنّک خبیر بأنّ ظاهر تلک الأخبار کون هذه الفرق بمنزلة المخالفین، و لا ینفعهم القول بولایة أمیر المؤمنین علیه السلام فإطلاق الکفر علیهم باعتبار
1) الوسائل 18: 565، الباب 10 من أبواب حدّ المرتد، الحدیث 40.
2) الوسائل 18: 558، الباب 10 من أبواب حدّ المرتد، الحدیث 8، و الروایة عن أبی مالک الجهنی، لا ابن أبی یعفور.
3) الوسائل 6: 339، الباب 2 من أبواب ما یجب فیه الخمس، الحدیث 3.
4) الکافی 8: 235، الحدیث 314، و اختیار معرفة الرجال 2: 759، الحدیث 869.
5) اختیار معرفة الرجال 2: 761، الحدیث 873 و 874.
إرادة ما یقابل الإیمان، لا ما یقابل الإسلام الذی لا خلاف فی نجاسته (و إن أظهر الإسلام) و انتحله (إذا جحد ما یعلم ثبوته من الدین) ضرورةً (ک) النواصب، و منهم (الخوارج و) ک (الغلاة) بلا خلافٍ فی نجاسة خصوص الفریقین کما عن ظاهر جماعة (1)بل فی الکلیّة المذکورة، و هی نجاسة کلّ منکرٍ لضروریّ الدین، بناءً علی عدم الخلاف فی کفره، کما هو الظاهر.
قال فی شرح المفاتیح: إنّ کلّ من أنکر ضروریّ الدین یکون خارجاً عنه عند الفقهاء إذا لم یحتمل فیها الشبهة، إلّا أن یکون قریب العهد بالإسلام أو ساکناً فی بلاد الکفّار معیشاً فیها بحیث أمکن فی شأنه عروض الشبهة (2)انتهی.
و ربّما یتأمّل فی تحقّق الإجماع علی نجاسة کلّ کافر؛ بناءً علی انصراف معاقد الإجماع إلی غیر المرتد، فیقوی لذلک طهارته، و هو ضعیف جدّاً.
ثمّ إنّ هنا کلاماً فی أنّ إنکار الضروری سببٌ مستقلٌّ فی النجاسة کما نسبه فی مفتاح الکرامة إلی ظاهر الأصحاب، و حکی النسبة عن أُستاده (3)، و تبعه فی النسبة شیخنا المعاصر فی شرحه علی الشرائع (4)أو من جهة رجوعه إلی إنکار صدق النبی صلّی اللّٰه علیه و آله کما یظهر من عبارة الأردبیلی المحکیّة عنه، حیث قال: الضروری الذی یکفَّر منکره الذی ثبت عنده یقیناً
کونه من الدین و لو بالبرهان و لو لم یکن مجمعاً علیه؛ إذ الظاهر أنّ دلیل کفره هو إنکار الشریعة و إنکار صدق النبی صلّی اللّٰه علیه و آله فی ذلک مع ثبوته یقیناً عنده، و لیس کلّ من أنکر مجمعاً علیه یکفَّر، بل المدار علی حصول العلم و الإنکار و عدمه، إلّا أنّه لمّا کان حصوله فی الضروری غالباً، جعلوا ذلک مناطاً و حکموا به، فالمجمع علیه ما لم یکن ضروریّاً لم یؤثّر، و صرّح به التفتازانی فی شرح الشرح، مع أنّه ظاهر (1)، انتهی.
و کأنّ مراده ما ذکره التفتازانی فی مسألة مثل المجمع علیه؛ قال: إنّه لا خفاء فی أنّه لا یتصوّر من مسلمٍ القول بأنّ إنکار ما علم کونه من الدین بالضرورة لا یوجب الکفریّة، انتهی؛ ثمّ حکی عن بعض العامّة و هو صاحب المنتهی أنّه قال: أمّا القطعی فکفّر به بعض و أنکره بعض، و الظاهر أنّ نحو العبادات الخمس و التوحید ممّا لا یختلف فی حکمها، قال: و هو صریح فی أنّ الخلاف فی کفر منکر الإجماع إنّما هو فی غیر الضروریات (2)، انتهی کلام التفتازانی.
و حکی نحو ما ذکره المحقّق الأردبیلی عن ظاهر الذخیرة (3)، و هو ظاهر شارح الروضة (4)و محشّیها جمال الملّة و الدین الخوانساری، بل صرّح أوّلهما فی کشف اللثام: بأنّه یعتبر فی منکر الضروری علمه بضروریّته (5)،
و قال المحشّی المذکور قدّس سرّه فی وجه عدم التکفیر مع الإنکار لشبهة، قال: و ذلک لأنّ الحکم بکفر منکر الضروری کالصلاة، انّما هو باعتبار أنّ من نشأ بین المسلمین و عاشرهم یعلم بدیهةً وجوب الصلاة فی شرعنا و إخبار نبیّنا صلّی اللّٰه علیه و آله فإنکاره لا یحتمل أن یکون باعتبار إنکار أخبار النبی صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم به، بل لیس منشؤه إلّا عدم الإیمان و التصدیق بالنبی صلّی اللّٰه علیه و آله و إن کان یظهر الإیمان و یحکم بحسب الظاهر أنّ النبی صلّی اللّٰه علیه و آله لم یحکم بوجوبه؛ فإنّ ذلک منه لتقیّةٍ و نحوها، و لیس منشأ الإنکار إلّا ذلک، و إنّما یتمشّی ذلک مع عدم الشبهة؛ إذ من کان قریب العهد و الصحبة بالإسلام أو المسلمین و نشأ فی بلاد الکفر، فلا اطلاع منه علی عقائد المسلمین، فربّما خفی علیه بعض ضروریّات المسلمین و إخبار النبی صلّی اللّٰه علیه و آله فلو أنکره لم یعلم من إنکاره إنکار النبی صلّی اللّٰه علیه و آله فتفطّن (1)، انتهی. و قد صرّح بذلک أیضاً المحقّق القمی قدّس سرّه فی القوانین (2).
أقول: و اللازم علی هذا أن لا یکفّر من أنکر بعض الضروریّات لجهلٍ مرکّبٍ نشأ من تقصیره فی طلب الحقّ و الاقتصار علی تقلید أسلافه فی أنّ ما هم علیه ممّا جاء به النبی صلّی اللّٰه علیه و آله عموماً أو خصوصاً، مع أنّ کثیراً من الخوارج و النواصب المتأخّرین من أسلافهم علی هذا الوجه، نراهم یتقرّبون إلی اللّٰه و إلی رسوله صلّی اللّٰه علیه و آله بالبراءة من أمیر المؤمنین صلوات اللّٰه و سلامه علیه و علی أولاده الطاهرین مع أنّ الأصحاب یتمسّکون فی کفر الفرقتین بأنّهم منکرون للضروری، و کذلک کلّ ضروریٍّ صار إنکاره دیناً لطائفة.
و علی هذا فلا بدّ أن یکون الکفر مختصّاً بالطبقة الاولی من منکریه، العالمین بأنّه ممّا جاء به النبی صلّی اللّٰه علیه و آله دون المتأخّر الذی نشأ علی هذا الاعتقاد من أوّل عمره و إن کان متفطّناً عالماً بأنّ جماعةً من الناس بل أکثرهم علی خلاف هذا، بل و إن صار تفطّنه هذا موجباً لشکّه فی صحّة دینه؛ فإنّ الشاک فی الضروری إنّما یکفّر علی هذا القول إذا علم الشاکّ بأنّه ممّا جاء به النبی صلّی اللّٰه علیه و آله حتّی یرجع شکّه إلی الشک فی صدق النبی صلّی اللّٰه علیه و آله و المفروض أنّ الرجل شاک فی أنّ النبی صلّی اللّٰه علیه و آله جاء به أم لا.
و دعوی أنّ کلّ فردٍ من أفراد الخوارج و النواصب علموا بأنّ من دین النبی صلّی اللّٰه علیه و آله مودّة ذی القربی، و یکذّبونه فی دعوی أنّه من اللّٰه، خلاف المحسوس.
نعم، لو قلنا بما نسبوه إلی ظاهر الأصحاب (1): من أن منکر الضروری کافر لا من حیث إنّه مکذّبٌ للنبی صلّی اللّٰه علیه و آله لم یرد علیه ما ذکرنا؛ إذ إنکار الضروری یصیر سبباً مقابلًا للإقرار بالرسالة و التصدیق بما جاء به.
نعم، یرد علی هذا أیضاً: أنّه لا وجه حینئذٍ لما اشتهر: من إخراج صورة الشبهة؛ فإنّ إنکار أُصول الدین کالإلٰهیّة و الرسالة لا فرق فی تکفیر منکرها بین ما کان للجحد مع العلم أو لشبهة. هذا، مع أنّ الأخبار الدالّة علی بیان الإسلام و تحدیده خالٍ عن اعتبار التصدیق بخصوص الضروریّات من حیث إنّها صارت ضروریّة، و إن ورد: أنّ الإسلام بنی علی خمس، إلّا
1) نسبه إلیهم السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 143، و قد تقدّم ذلک فی الصفحة 130.
أنّ المراد ذوات هذه الخمس، لا من حیث صیرورتها ضروریّات، حتّی یکون کلّ ما صارت کذلک یکون مبنی للإسلام.
و الذی یمکن أن یقال فی توضیح المرام فی هذا المجال: إنّه لا شکّ فی أنّ الإسلام عرفاً و شرعاً عبارة عن التدیّن بهذا الدین الخاصّ الذی یراد منه مجموع حدود شرعیّة منجّزة علی العباد، کما قال اللّٰه تعالی إِنَّ الدِّینَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ (1)فمن خرج عن ذلک و لم یتدیّن به کان کافراً غیر مسلم، سواء لم یتدیّن به أصلًا أو تدیّن ببعضه دون بعضه، أیَّ بعضٍ کان.
ففی صحیحة أبی الصباح الکنانی: «قال: قلت لأبی جعفر علیه السلام إنّ عندنا قوماً یقولون: إذا شهد أن لا إله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله فهو مؤمن، قال: فلِمَ یُضربون الحدود و لِمَ تُقطع أیدیهم (2)؟ و ما خلق اللّٰه عزّ و جل خلقاً أکرم علی اللّٰه عزّ و جل من المؤمنین، و إنّ الملائکة خدّام المؤمنین و إنّ جوار (3)اللّٰه للمؤمنین و إنّ الجنّة للمؤمنین، و إنّ الحور العین للمؤمنین، ثمّ قال علیه السلام: فما بال من جحد الفرائض کان کافراً .. الحدیث» (4)فهذه الروایة واضحة الدلالة علی أنّ التشرّع بالفرائض مأخوذٌ فی الإیمان المرادف للإسلام، کما هو ظاهر السؤال و الجواب، کما لا یخفی.
و فی مکاتبة عبد الرحیم الصحیحة و فیها: «و لا یخرجه إلی الکفر إلّا
الجحود و الاستحلال، بأن یقول للحلال: هذا حرام، و للحرام: هذا حلال، و دان بذلک، فعندها یکون خارجاً من الإسلام و الإیمان داخلًا فی الکفر» (1).
و فی صحیحة عبد اللّٰه بن سنان: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن الرجل یرتکب الکبیرة من الکبائر فیموت، هل یخرجه ذلک عن الإسلام؟ و إن عذّب کان عذابه کعذاب المشرکین، أم له مدّة و انقطاع؟ فقال: من ارتکب کبیرةً من الکبائر فزعم أنّها حلال أخرجه ذلک عن الإسلام و عذّب أشدّ العذاب، و إن کان معترفاً أنّه أذنب و مات علیه أخرجه من الإیمان و لم یخرجه من الإسلام و کان عذابه أهون من عذاب الأوّل .. إلخ» (2)و نحوها روایة مسعدة بن صدقة المرویّة فی الکافی فی باب الکبائر (3). و الظاهر أنّ المراد الإیمان الکامل فی الجملة.
و صحیحة یزید (4)العجلی عن أبی جعفر علیه السلام: «قال: سألته عن أدنی ما یکون به العبد مشرکاً؟ قال: من قال للنواة: حصاة، و للحصاة: إنّها نواة، ثمّ دان به» (5).
و فی روایة سلیم بن قیس الهلالی عن أمیر المؤمنین علیه السلام التی فی سندها حمّاد بن عیسی و فیها: «أدنی ما یکون به العبد کافراً: من زعم
أنّ شیئاً نهی اللّٰه عنه أن اللّٰه أمر به و نصبه دیناً یتولّی علیه، و یعبد (1)الذی أمره و إنّما یعبد الشیطان .. إلخ» (2).
إلی غیر ذلک من الأخبار الدالّة علی کفر منکر شیءٍ من الدین، و مثل (3)قوله علیه السلام: «من شرب النبیذ علی أنّه حلال خلّد فی النار، و من شربه علی أنّه حرام عذّب فی النار» (4)، و مثل ما دلّ علی وجوب قتل من أفطر شهر رمضان (5)، و شارب الخمر (6)، بل و تارک الصلاة (7)، إذا نفوا الإثم عن أنفسهم.
نعم، ورد فی الأخبار ما یدلّ علی استثناء الجاهل، مثل ما ورد فی باب حدّ شارب الخمر: من أنّ الأمیر علیه السلام دفع الحدّ عن شرب الخمر معتذراً: بأنی لم أعرف حرمته (8)، و ما ورد فی ذلک الباب عن محمّد بن مسلم: «قال: سألت أبا جعفر علیه السلام عن رجل دعوناه إلی جملة ما یحقّ له من جملة الإسلام فأقرّ به، ثمّ شرب الخمر و زنا و أکل الربا و لم یبیّن له شیءٌ من الحلال و الحرام، أُقیم علیه الحدّ إذا جهله؟ قال: إلّا أن تقوم علیه بیّنة
1) فی الکافی: «و یزعم أنّه یعبد».
2) الکافی 2: 415، باب أدنی ما یکون به العبد مؤمناً أو کافراً، الحدیث الأوّل.
3) کذا، و المناسب: «مثل» من دون «واو».
4) الوسائل 17: 253، الباب 13 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث الأوّل.
5) الوسائل 7: 178، الباب 2 من أبواب أحکام شهر رمضان، الحدیث الأوّل.
6) راجع الوسائل 18: 465 و 476، الباب 2 و 11 من أبواب حدّ المسکر.
7) یدلّ علیه ما فی الوسائل 3: 28، الباب 11 من أبواب أعداد الصلوات.
8) الوسائل 18: 475، الباب 10 من أبواب حدّ المسکر، الحدیث الأوّل.
أنّه کان أقرّ بحرمتها» (1)و دعوی عدم المنافاة بین الکفر و عدم إقامة الحدّ علیه للجهل، بعیدة جدّاً.
و أمّا ما دلّ من النصوص (2)و الفتاوی علی کفایة الشهادتین فی الإسلام، فالظاهر أنّ المراد به حدوث الإسلام ممّن ینکرهما من غیر منتحلی الإسلام؛ إذ یکفی منه الشهادة بالوحدانیّة و الشهادة بالرسالة المستلزمة للالتزام بجمیع ما جاء به النبی صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم و تصدیقه فی ذلک إجمالًا، فإنّ المراد من الشهادة بالرسالة الشهادة علی أنّه صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم رسولٌ و مبلِّغٌ من اللّٰه بالنسبة إلی ما جاء به من الشریعة، فلا ینافی کون ما ذکرنا: من عدم التدیّن ببعض الشریعة أو التدیّن بخلافه، موجباً للخروج عن الإسلام.
و کیف کان، فلا إشکال فی أنّ عدم التدیّن بالشریعة کلا أو بعضاً مخرجٌ عن الدین و الإسلام.
ثمّ إنّ عدم التدیّن قد یرجع إلی عدم الانقیاد للّٰه، بأن یعلم مجیء النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم به و یعلم صدقه فی ذلک، إلّا أنّه لا یتدیّن بذلک عصیاناً، بحیث لو أوجب اللّٰه علیه ذلک من غیر واسطة لأبی عنه و امتنع، نظیر کفر إبلیس، لعنه اللّٰه.
و قد یرجع إلی إنکار صدق النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم کمن أنکر شیئاً من الدین مع علمه أنّ النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله جاء به.
و لا إشکال فی کفر هذین القسمین، إلّا أنّ تکفیرنا له متوقّفٌ علی علمنا بعلمه المذکور، سواء نشأ علمنا من الخارج أو من جهة إقراره أو من
جهة کون المنکَر بالفتح ضروریّاً لا یخفی علی مثل هذا الشخص الذی نشأ بین المسلمین، بل لو ادّعی الجهل بمجیء النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم به لم یقبل، بل یحمل دعواه علی خوف التشنیع أو التکفیر، فعلمنا من ذلک بضروریّة المنکَر بالفتح لا دخل له فی کفر المنکر، و إنّما له دخلٌ فی تکفیرنا إیّاه؛ حیث إنّه لا سبیل لنا غالباً إلی العلم بعلم المنکَر إلّا من جهة کون المنکَر ممّا لا یخفی علی مثل المنکِر ممّن نشأ بین المسلمین.
و قد لا یرجع إنکاره إلی شیءٍ من العنوانین، کمن أنکر شیئاً من الدین بدعوی عدم مجیء النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم به أو مجیئه بخلافه بحیث یعلم أو یحتمل أنّ ذلک لیس لأجل تکذیب النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله کما عرفت: من أنّ کثیراً من الخوارج و النواصب و المتدیّنین ببعض ما هو مخالف لضروریّ الدین من هذا القبیل قطعاً أو ظنّاً أو احتمالًا، بل ربما یعدّون المخالف لهم خارجاً عن الدین فیقربون إلی اللّٰه ببغضه و عداوته، فاللازم علی من استند فی کفر منکر الضروری إلی رجوع إنکاره إلی تکذیب النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم أن لا یحکم بکفرهم، من غیر تفرقة بین کون هذا الإنکار ناشئاً عن قصورهم أو عن تقصیرهم، غایة الأمر مؤاخذة المقصّر علی ترک التدیّن بما أنکره لو کان إنکاره متعلّقاً بالعقائد کالمعاد و نحوه، و إلّا فالعملیّات لا عقاب فیها إلّا علی ترک العمل، فالمنکر لحرمة الخمر لا دلیل علی عقابه إلّا علی نفس شرب الخمر لو شربها، لا علی ترک التدیّن بحرمتها؛ لعدم قصد الشارع إلی التدیّن تفصیلًا بالأحکام العملیّة أوّلًا و بالذات.
و کیف کان، فالمؤاخذة علی ترک التدیّن لا یستلزم الکفر؛ لأنّه متوقّف علی التکذیب المنفی فی المقام.
لکنّ الإنصاف: أنّ هذا القول مخالف لظاهر کلمات الفقهاء فی حکمهم
بکفر منکر الضروری علی الإطلاق، بل مقابلته لإنکار الرسالة، و فی حکمهم بکفر الخوارج و النواصب معلِّلین بإنکارهم للضروری، مع ما هو المشاهد من کثیرٍ من هذه الفرق الخبیثة و أنّهم یتقرّبون إلی اللّٰه بذلک، و لا یحتمل فی حقّهم رجوع إنکارهم لحقّ أمیر المؤمنین و الأئمّة صلوات اللّٰه علیهم إلی إنکار النبیّ و تکذیبه صلّی اللّٰه علیه و آله.
مضافاً إلی مخالفته لإطلاقات الأخبار المتقدّمة (1)فی حصول الکفر باستحلال الحرام و تحریم الحلال، سیّما قوله علیه السلام فی صحیحة الکنانی المتقدّمة (2): «فما بال من جحد الفرائض کان کافراً» فی ردّ من زعم کفایة الشهادتین فی الإسلام، و خصوص ما ورد فی قتل کثیرٍ من مستحلّی المحرّمات (3)کالخمر و ترک الصلاة و الإفطار و نحو ذلک.
مع ما عرفت: من أنّ عدم التدیّن ببعض الدین یوجب الخروج عن الدین؛ فإنّ مستحلّ ترک الصلاة یعدّ خارجاً عن الدین فهو غیر متدیّن بالإسلام. و أنّ ما ورد: من أنّ الإسلام شهادة أن لا إله إلّا اللّٰه و أنّ محمّداً رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم محمول بقرینة ما سبق فی الروایات علی کونه هو الإسلام لمن أراد الدخول فیه و الانتحال له، فی مقابل سائر الملل.
نعم، هذا الوجه الأخیر إنّما یدلّ علی کفر المقصّر فی ترک التدیّن بالضروری دون القاصر؛ لعدم تکلیفه بالتدیّن بما جهله، لکن لا حاجة إلی هذا الوجه فی إثبات المطلب، بل یشکل تمامیّته؛ فإنّه لو تمّ لاختصّ بما کان
من الضروریّات من قبیل العقائد کالمعاد و نحوه، دون ما کان من قبیل الأحکام العملیّة کوجوب الصلاة و حرمة الخمر؛ إذ لا دلیل علی وجوب التدیّن بمثل ذلک تفصیلًا؛ بحیث یعاقب علی ترک التدیّن به کما یعاقب علی ترک العمل، بل الثابت هو الثانی؛ لأنّ الواجب فیه أوّلًا و بالذات العمل، کما عرفت سابقاً. نعم، یجب التدیّن به إجمالًا فی ضمن الإقرار بما جاء به النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله إذ لا إشکال فی وجوب الإقرار المذکور؛ لعدم تمامیّة الإقرار بالرسالة بدونه، لکنّه لا دخل له فی وجوب التدیّن بالأحکام العملیّة، ضروریّة کانت أو نظریّة.
و کیف کان، ففی الإطلاقات المتقدّمة من النصوص و الفتاوی کفایة. فیکون حال القاصر المنکر للضروری حال القاصر المنکر للنبوّة؛ فإنّ الظاهر أنّه لا إشکال فی کفره و نجاسته و إن فرضناه قاصراً؛ إذ لا منافاة بین الکفر و النجاسة و بین عدم المؤاخذة.
و الحاصل: أنّ المنکر للضروری الذی لا یرجع إنکاره إلی إنکار النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله: إمّا أن یکون قاصراً، و إمّا أن یکون مقصّراً. و علی التقدیرین: فإمّا أن یکون الضروری الذی أنکره اعتقاداً من العقائد کالمعاد، و إمّا أن یکون فعلًا کسبّ النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم و إلقاء المصحف فی بعض الأمکنة و إن کان الفاعل یعتقد کون ذلک حراماً فی الشریعة؛ إذ لیس المأخوذ فی الدین التدیّن بحکمه، بل التدیّن بترک عمله، فهذه أقسام ستّة (1):
ظاهر إطلاق النصوص و الفتاوی خصوصاً إجماعهم علی کفر الخوارج و النواصب، مستدلّین بإنکارهم للضروری؛ حیث إنّ عموم کلامهم
1) أی: مع القسمین المتقدّمین فی الصفحة 137.
للقاصر و المقصّر من هذه الفرقة الخبیثة لیس بأولی من عمومه للقسمین من الیهود و النصاری الحکم بکفر جمیعهم.
و یؤیّدها: ما ذکرنا من أنّ التارک للتدیّن ببعض الدین خارج عن الدین، و السیرة المستمرّة من الأصحاب فی تکفیر الحکماء المنکرین لبعض الضروریّات مع العلم أو الظنّ بأنّه لم یکذّب النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله فی ذلک، لا أقلّ من الاحتمال.
إلّا أنّ الإنصاف: أنّ فی شمول الأخبار المطلقة المتقدّمة الدالّة علی حصول الکفر بالاستحلال للقاصر نظراً ظاهراً، و منع وجود القاصر فی الکفّار کلامٌ آخر.
و أمّا نجاسة الخوارج و النواصب، فنمنع کونها لمجرّد الإنکار للضروری، فلعلّه لعنوانهما الخاصّ، بل لا یستفاد من الأخبار إلّا ذلک، کما فی الیهود و النصاری، فیکون ولایة الأمیر و الأئمة صلوات اللّٰه علیهم بمعنی محبّتهم کالرسالة فی کفر منکرها، من غیر فرقٍ بین القاصر و المقصّر.
و لو سلّم ما ذکر من الإطلاق فإنّما هو فی العقائد الضروریّة المطلوبة من المکلّفین التدیّن بالاعتقاد بها، دون الأحکام العملیّة الضروریّة التی لا یطلب فیها إلّا العمل.
فالأقوی: التفصیل بین القاصر و غیره فی الأحکام العملیّة الضروریّة، دون العقائد؛ تمسّکاً فی عدم کفر منکر الحکم العملی الضروری؛ لعدم (1)الدلیل علی سببیّته للکفر مع فرض عدم التکلیف بالتدیّن بذلک الحکم و لا بالعمل بمقتضاه لأنّه المفروض.
1) کذا، و المناسب: «بعدم».
و یبعد أن لا یحرم علی الشخص شرب الخمر و یکفّر بترک التدیّن بحرمته، و صریح الأخبار المتقدّمة فی استحلال الفرائض فی غیر القاصر، و قد تقدّم ما ورد فی درء الحدّ عمّن لم یعلم بحرمة المحرّمات (1). و دعوی عدم الملازمة بین عدم الحدّ و عدم الکفر کما تری! بل ظاهر أدلّة دفع الحدّ أنّه لا یحکم بارتداده، لا أنّه مرتدٌّ لا یقتل. و منه یظهر أنّ من استثنی صورة المشتبهة (2)عن وجوب الحدّ علی شارب الخمر و نحوه ممّن اعترف بعدم اعتقاده للحکم الضروری، ظاهره استثناء ذلک عن الحکم بالارتداد، فلا نقول بکونه مرتدّاً لا یحدّ.
و أمّا الحکم بکفر منکر العقائد الضروریّة فلعلّه الأقوی؛ للإطلاقات المتقدّمة، و خصوص ما ورد فی کلٍّ من العقائد: من الحکم بکفر منکرها، کما لا یخفی علی المتتبّع لأدلّة تلک العقائد، مضافاً إلی ما ذکر: من إجماعهم علی کفر الخوارج و النواصب مستدلّین بإنکارهم للضروری.
هذا حال العقائد الضروریّة. و أمّا النظریّة، فلا إشکال فی عدم کفر منکرها؛ إذ لم یرد دلیلٌ علی کفره بالخصوص.
و أمّا ما ورد الدلیل علی کفر منکره بالخصوص کبعض العقائد التی لیست ضروریّة فهل یحکم بکفر منکرها علی الإطلاق، کما هو ظاهر إطلاق ذلک الدلیل، أو یخصّ ذلک بغیر القاصر؟ فیه إشکالٌ، و الأقوی الأوّل، إذا کان الدلیل ممّا یصلح الرکون إلیه فی الخروج عن أصالة الإسلام و عموماته، فتأمّل. و المسألة من المشکلات، نسأل اللّٰه الفرج.
ثمّ لو قلنا بالأوّل تبعاً للجماعة المتقدّم إلیهم الإشارة من المتأخّرین (1)، فلا إشکال فی وجوب استثناء صورة الإنکار للشبهة الحاصلة عن القصور، بل عن التقصیر أیضاً؛ لعدم رجوع الإنکار معها إلی التکذیب قطعاً، غایة الأمر مؤاخذة المقصّر علی ترک التدیّن بما قصّر فیه.
و أمّا لو قلنا بالثانی، و هو کون الإنکار للضرورة قولًا أو فعلًا سبباً مستقلا، فهل یستثنی صورة الشبهة؟ وجهان:
ممّا تقدّم من إطلاق کلماتهم: من کفر منکر الضروری (2)، و خصوص الخوارج و النواصب، و کذا النصوص المتقدّمة (3).
و من أنّ القاصر غیر مکلّفٍ بالتدیّن بذلک المجهول، فالتدیّن بالنسبة إلیه ما عدا ذلک.
و علی کلّ تقدیر، فالظاهر أنّه لا إشکال فی نجاسة الناصب مطلقاً، کما هو المعروف، بل المجمع علیه فی الحدائق (4)، کما عن کتاب الأنوار للسیّد الفاضل المحدّث الجزائری (5)، و عن جامع المقاصد: أنّه لا کلام فیه (6). و فی شرح المفاتیح: الظاهر أنّها غیر خلافیّة (7).
و یدلّ علیه مضافاً إلی ما ورد فی عدم جواز مناکحة الناصب معلِّلًا بأنّه کافر (1)، و المراد به مقابل الإسلام لا الإیمان؛ إذ (2)الإسلام موجب لجواز المناکحة، و فی باب النکاح: «الناصب لأهل بیتی حرباً أو غالٍ فی الدین مارقٌ منه» (3)و روایة زرارة المتقدّمة فی تغایر الإسلام و الإیمان (4)ما تقدّم بعضه فی مسألة الغسالة (5): من «أنّ اللّٰه تعالی لم یخلق خلقاً شرّاً من الناصب، إنّ الناصب أهون علی اللّٰه من الکلب» (6)و عن العلل فی الموثّق: «أنّ اللّٰه لم یخلق خلقاً أنجس من الکلب، و أنّ الناصب لنا أهل البیت أنجس» (7)و فی بعضها: «أنّ الناصب شرٌّ من الیهود و النصاری» (8).
و الخدشة فی دلالتها: بأنّ النجاسة القابلة للزیادة و النقیصة هی الباطنیّة دون الظاهریّة، مندفعة: بمنع ذلک، و بأنّه بأنّها مسوقة فی بیان حال الغسالة المنفصلة عن أبدانهم، و مجرّد النجاسة الباطنیّة لا یوجب الاجتناب عنها، إلّا أن ینتقض باشتمال أکثر تلک الأخبار علی ولد الزنا و الجنب من حیث هو جنب (9)،
1) الوسائل 14: 427، الباب 10 من أبواب ما یحرم بالکفر و نحوه، الحدیث 15.
2) فی غیر «ع» بدل «إذ»: «إنّ».
3) الوسائل 14: 426، الباب 10 من أبواب ما یحرم بالکفر و نحوه، ضمن الحدیث 14.
4) راجع الصفحة 125.
5) راجع الجزء الأوّل: 358.
6) الوسائل 1: 159، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحدیث 4.
7) علل الشرائع 1: 292، الباب 220 من أبواب آداب الحمّام، الحدیث الأوّل، و الوسائل 1: 159، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، ضمن الحدیث 5.
8) نفس المصدر.
9) الوسائل 1: 158، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الأحادیث 1 4.
کما هو ظاهر المقام، لا باعتبار نجاسة بدنه.
و کیف کان، فلا مجال للکلام فی نجاستهم بعد الأخبار المستفیضة و الاتّفاقات المنقولة، فلا إشکال فی المسألة.
إنّما الإشکال فی معنی الناصب، فالذی یظهر من بعض الأخبار: أنّ النصب لا یختصّ ببغض أهل البیت علیهم السلام بل هو مطلق من قدّم الجبت و الطاغوت (1).
و اختاره فی الحدائق (2)، و ذکر فیها روایتین: أحدهما: قول الصادق علیه السلام لمعلّی بن خنیس: «لیس الناصب من نصب لنا أهل البیت؛ لأنّک لا تجد أحداً یقول: إنّی أبغض محمّداً و آل محمّد صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم و لکنّ الناصب من نصب لکم و هو یعلم أنّکم تتولّونا و تتبرّءون من أعدائنا» (3)و الثانیة: ما رواه عن مستطرفات السرائر عن محمّد بن علیّ بن عیسی: «قال: کتبت إلیه یعنی الهادی علیه السلام أسأله عن الناصب، هل أحتاج فی امتحانه إلی أکثر من تقدیمه الجبت و الطاغوت و اعتقاده بإمامتهما؟ فرجع الجواب: من کان علی هذا فهو ناصب» (4).
أقول: و یؤیّده بل یدلّ علیه ما تقدّم فی حکم غیر الاثنی عشریّة من فرق الشیعة: من روایة ابن المغیرة، و فیها: «أنّ الناصب نَصَبَ لک
و الزیدی نَصَبَ لنا» (1).
و فیه: أنّه بعد ما دلّ الدلیل علی طهارة منکر الولایة من حیث الإنکار، فلا ینفع إطلاق الناصب علیه؛ إذ الدلیل علی نجاسته إمّا الإجماع و إمّا مثل الأخبار السابقة (2)، و اختصاص کلّ منهما بالقسم الأوّل واضح.
هذا، مع أنّ صدق هذا العنوان علی القسم الثانی ممنوع جدّاً، قال الصدوق فی باب النکاح من الفقیه: إنّ الجهّال یتوهّمون أنّ کلّ مخالف ناصب، و لیس کذلک (3)، انتهی. و فی المعتبر (4)و المنتهی (5)فی باب الأسآر: أنّهم الذین یقدحون فی علی علیه السلام. و عن تذکرة المصنّف: أنّه الذی یتظاهر بعداوة أهل البیت (6). و عن السعید (7)المحدّث المتقدّم: أنّه من نصب العداوة لأهل البیت و تظاهر بغضهم، و نسب ذلک إلی أکثر الأصحاب (8). و عن القاموس: أنّ النواصب هم المستدینون ببغض علی علیه السلام لأنّهم نصبوا للذی عادوه (9). و عن الصحاح: النصب العداوة (10). و عن شرح المقداد: أنّ
1) تقدّمت الروایة فی الصفحة 128.
2) فی الصفحة السابقة.
3) الفقیه 3: 408، ذیل الحدیث 4425.
4) المعتبر 1: 98.
5) المنتهی 1: 152.
6) التذکرة 1: 68.
7) کذا، و المناسب بدل «السعید»: «السیّد».
8) الأنوار النعمانیّة 2: 306.
9) القاموس المحیط 1: 133، مادّة «نصب»، و فیه: «المتدیّنون ببغضة علی رضی اللّٰه عنه».
10) الصحاح 1: 225، مادّة «نصب» و فیه: «و نَصَبتُ لفلانٍ نَصْباً، إذا عادیته».
الناصب یطلق علی خمسة أوجه: الأوّل: القادح فی علیّ علیه السلام، الثانی: من ینسب إلی أحدهم ما یسقط العدالة، الثالث: من ینکر فضیلتهم لو سمعها، الرابع: من یعتقد فضیلة غیر علی علیه السلام، الخامس: من أنکر النصّ علی علیّ علیه السلام بعد سماعه و دخوله إلیه بوجهٍ یصدّقه (1).
و لا یخفی أنّ الظاهر من الأخبار هو من یبغض أهل البیت علیهم السلام، و لمّا کان المنشأ فی ذلک غالباً بغض سیّدهم أمیر المؤمنین علیه السلام اقتصر فی المعتبر و المنتهی علی ذلک، و کذا صاحب القاموس، و ینطبق علیه ما حکاه السیّد المحدّث عن أکثر الأصحاب. و کیف کان، فلا یخفی ضعف تعمیم الناصب للمخالف.
و الذی یسهّل الخطب أنّه قد اعترف فی الحدائق، و قال: إنّه لا خلاف منّا فی أنّ الناصب هو العدوّ لأهل البیت علیهم السلام و النصب لغةً: العداوة، و شرعاً بل لغةً أیضاً علی ما یفهم من القاموس-: هو العداوة لأهل البیت علیهم السلام و إنّما الخلاف فی أنّ هؤلاء المخالفین هل یدخلون تحت هذا العنوان أم لا؟ فنحن ندّعی دخولهم و هم یمنعون، و الدلیل علی ما ذکرنا هو الأخبار المذکورة (2)، انتهی کلامه.
و أنت إذا تأمّلت عمدة ما ذکره من الأخبار وجدته غیر دالٍّ علی أنّ الناصب للشیعة ناصبٌ لنا أهل البیت علیهم السلام.
و بالجملة: فالظاهر أنّ العامّة: منهم ناصب و منهم مستضعف و منهم الواسطة بینهما، و المحکوم بنجاسته بالأخبار و الإجماع هو الأوّل، دون الثانیین.
بل ربما یستشکل الحکم فی الأوّل: بأنّ الظاهر من الأخبار و التواریخ أنّ کثیراً من أصحاب النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله و الکائنین فی زمن الأمیر علیه السلام و أصحاب الجمل و صفّین، بل کافّة أهل الشام، بل و کثیراً من أهل الحرمین کانوا فی أشدّ العداوة لأهل البیت علیهم السلام، فقد روی: «أنّ أهل الشام شرٌّ من أهل الروم» (1)و «أنّ أهل مکّة یکفرون باللّٰه جهرة، و أهل المدینة أخبث منهم سبعین ضعفاً» (2)مع أنّه لم ینقل الاحتراز عنهم. و الحاصل: أنّ المخالطة معهم کان کمخالطة أصحاب الأئمة صلوات اللّٰه علیهم مع العامّة.
و توهّم: تقیید الناصب بمن تدیّن ببغضهم دون من یبغضهم مطلقاً، خلاف ما یظهر من الأخبار الکثیرة و إن یوهمه ظاهر تفسیری المعتبر و المنتهی و المحکی عن القاموس.
نعم، یمکن دفع ما ذکر: بمنع کون جمیع من ذکر مبغضاً واقعیاً، بل کثیر منهم سیّما فی دولة بنی أُمیّة کان یظهر البغض لهم تقیّةً، و تحقّق السیرة علی معاملة المبغضین واقعاً معاملة المسلمین فی عدم غسل ما لاقاهم تقیّةً، ممنوع. بل قصّة سیّد الشهداء علیه السلام مع معاویة معروفة فی قوله علیه السلام: «لو قتلناکم ما دفنّاکم و لا صلّینا علیکم» (3).
هذا، مضافاً إلی أنّ الحکم بنجاسة الناصب یمکن أن یکون قد انتشر فی زمان الصادقَین علیهما السلام إذ کثیر من الأحکام کان مخفیّاً قبل زمانهما، کما یظهر من الأخبار و کلمات بعض الأخیار.
و الکلام فی الخوارج یظهر ممّا ذکرنا فی الناصب؛ فإنّهم أشدّ النواصب، مضافاً إلی إطلاق «المشرک» علیهم فی بعض الأخبار، کما فی قوله علیه السلام فی خارجیٍّ دخل علیه: «إنّه مشرک و اللّٰه» (1)و قوله علیه السلام فی الزیارة الجامعة: «و من حاربکم مشرک» (2)مع أنّ نجاستهم إجماعیّة علی الظاهر المصرَّح به فی الروض (3)کما عن غیره (4)، و عن جامع المقاصد: أنّه لا کلام فیها (5). مضافاً إلی النبویّ: «إنّهم یمرقون من الدین کما یمرق السهم من الرامی» (6)و بالجملة فلا شیء أوضح و أشهر من کفر یزید لعنه اللّٰه.
(و) أمّا (الغلاة)، فلا إشکال فی کفرهم؛ بناءً علی تفسیرهم ب: من یعتقد ربوبیّة أمیر المؤمنین علیه السلام أو أحد الأئمة علیهم السلام، لا ما اصطلح علیه بعضٌ (7): من تجاوز الحدّ الذی هم علیه صلوات اللّٰه علیهم، و من هذا القبیل ما یطعن القمّیون فی الرجل کثیراً و یرمونه بالغلوّ (8)، و لذا حکی الصدوق عن شیخه ابن الولید قدّس سرّه: أنّ أوّل درجةٍ فی الغلوّ نفی السهو عن النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله (9).
1) الوسائل 18: 569، الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ، الحدیث 55.
2) التهذیب 6: 98، الباب 46 من کتاب المزار، ضمن الحدیث 177.
3) روض الجنان: 163.
4) حکاه فی مفتاح الکرامة عن الدلائل، انظر مفتاح الکرامة 1: 144.
5) جامع المقاصد 1: 164.
6) البحار 33: 340، و فیه بدل «الرامی»: «الرمیّة».
7) کالشیخ المفید، انظر تصحیح الاعتقاد (مصنّفات الشیخ المفید) 5: 131.
8) انظر جامع الرواة 1: 246، ترجمة الحسین بن عبید اللّٰه بن السعدی.
9) نقل الحکایة الشیخ المفید، انظر تصحیح الاعتقاد (مصنّفات الشیخ المفید) 5: 135.
ثمّ إنّ ظاهر جماعة (1): أنّ کفر الغالی لأجل إنکاره للضروری، و فی کشف الغطاء: عدّهم من الکافرین بالذات لا لإنکارهم بعض الضروریّات (2).
و یمکن أن یقال: إنّهم إن نفوا وجود صانعٍ غیر من زعموا فهم کافرون باللّٰه، کالدهریّة القائلین بتأثیر الدهر، و کالقائلین بإلهیّة فرعون و نمرود. و إن زعموا: أنّ الربّ تعالی اتّحد بمن یزعمون علی نحو الحلول فهم منکرون للضروری، و الأظهر فی مذهبهم الثانی.
و أمّا المجسِّمة، فالمحکیّ عن المبسوط (3)و السرائر (4)کما فی المنتهی (5)و الدروس (6)-: إطلاق القول بنجاستهم.
و یدلّ علیه: قول مولانا الرضا علیه السلام: «من قال بالتشبیه و الجبر فهو کافر» (7)بناءً علی أنّ المشبِّهة کما عن قواعد العقائد و شرحها (8)هم الذین قالوا: إنّ اللّٰه تعالی فی جهة الفوق یمکن أن یُری کما تُری الأجسام.
1) کالمحقّق فی الشرائع 1: 53، و العلّامة فی الإرشاد 1: 239، و الشهید فی الدروس 1: 124.
2) کشف الغطاء: 173.
3) المبسوط 1: 14.
4) کذا فی النسخ، و الظاهر: «التحریر»، و لعلّه من سهو النسّاخ نشأ من الاشتباه فی قراءة الرمز، انظر التحریر 1: 24.
5) المنتهی 3: 224.
6) الدروس 1: 124.
7) الوسائل 18: 558، الباب 10 من أبواب الارتداد، الحدیث 5.
8) لا یوجدان لدینا، نعم حکاه عنهما صاحب الجواهر فی الجواهر 5: 53.
و الظاهر من الروایة إرادة التجسیم بالحقیقة؛ و لذا خصّ الحکم فی المسالک (1)و البیان (2)بالمجسِّمة حقیقةً، أعنی: من ادّعی أنّه جسم کالأجسام، و قضیّة (3)طهارة المجسِّمة بالتسمیة، أعنی من ادّعی أنّه جسم لا کالأجسام؛ إذ لا یلزم علیه القول بحدوثه تعالی؛ و لذا حکی عن السیّد فی الشافی، أنّه قال: فأمّا ما رمی به هشام بن الحکم: من القول بالتجسّم، فالظاهر من الحکایة القول بأنّه جسم لا کالأجسام، و لا خلاف فی أنّ هذا القول لیس بتشبیه و لا ناقضٍ لأصل و لا معترضٍ علی فرع، و أنّه غلط فی عبارة ترجع فی إثباتها و نفیها إلی اللغة، و أکثر أصحابنا یقولون: إنّه أورد ذلک علی سبیل المعارضة للمعتزلة، فقال لهم: إذا قلتم إنّه شیءٌ لا کالأشیاء، فقولوا إنّه جسم لا کالأجسام (4)، انتهی.
بل ربما یمنع من کفر المجسِّمة بالحقیقة و لو استلزم دعواهم لحدوثه تعالی، إلّا أنّهم حیث لم یعترفوا بالملازمة بل ربما ینکرون اللازم، فلا یصدق علیهم أنّهم أنکروا الضروری. و لعلّه لذا اقتصر المحقّق علی حکایة القول بالنجاسة فیهم و فی المجبِّرة عن الشیخ، علی وجهٍ یظهر منه عدم اختیاره له (5). و هو المحکی عن صریح الذکری (6)و ظاهر التذکرة بل صریحها (7).
إلّا أنّ المحکی عن حاشیة جامع المقاصد و الدلائل: أنّه لا کلام فی نجاستهم (1)، یعنی المجسِّمة. و عن شرح المفاتیح: الظاهر أنّه لا خلاف فیه (2). و لعلّه لأنّ أصل الجسمیّة مطلقاً مخالفٌ للضرورة، إلّا أن یقال: إنّ ضروریّة بطلانها لما یعتقده العوام: من وجوب وجود لوازمها فی اللّٰه تعالی، و المفروض أنّ المجسِّمة ینکرونها.
و أمّا المجبِّرة، فعن المبسوط: نجاستهم (3)، و یدلّ علیه الروایة السابقة عن مولانا الرضا علیه السلام (4)، و قوله علیه السلام: «القائل بالجبر کافر، و القائل بالتفویض مشرک» (5)، و قول الصادق علیه السلام: «إنّ الناس فی القدر علی ثلاثة أوجه: رجل یزعم أنّ اللّٰه تعالی أجبر الناس علی المعاصی فهذا قد ظلم فی حکمه فهو کافر، و رجل یزعم أنّ الأمر مفوَّضٌ إلیهم فهذا قد أوهن اللّٰه فی سلطانه فهو کافر» (6)، و للروایة المتقدّمة فی الغالی (7)، و لاستلزامه إبطال النبوّات و التکالیف، کما نصّ علیه کاشف اللثام فی مقام تقویة قول الشیخ، و ذکر أنّ تنجیس المجبِّرة أولی من تنجیس المجسِّمة و المشبِّهة، بل أکثر الکفّار (8).
1) حکاه عنهما السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 145.
2) لم نقف علیه فیه، لکن حکاه عنه فی مفتاح الکرامة 1: 145، أیضاً.
3) المبسوط 1: 14.
4) راجع الصفحة السابقة.
5) الوسائل 18: 557، الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ، الحدیث 4.
6) الوسائل 18: 559، الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ، الحدیث 10.
7) راجع الصفحة 144.
8) کشف اللثام 1: 404.
و ربما یستدلّ بکفرهم بقوله تعالی سَیَقُولُ الَّذِینَ أَشْرَکُوا لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مٰا أَشْرَکْنٰا وَ لٰا آبٰاؤُنٰا وَ لٰا حَرَّمْنٰا مِنْ شَیْءٍ کَذٰلِکَ کَذَّبَ الَّذِینَ مِنْ قَبْلِهِمْ (1)و فی الدلالة نظر.
و الأقوی طهارتهم؛ لأنّ مرجع جمیع ما ذکروه إلی منع حکم العقل بالتحسین و التقبیح، و کثیراً ممَّا لا یقبّحونه علی اللّٰه یعترفون بعدم وقوعه منه، فلا ینکرون إلّا الضروریّات العقلیّة، و لا یلتزمون بترتّب شیءٍ من الضروریّات الشرعیّة علیها، إلّا أنّ اللازم من مذهبهم أنّ اللّٰه کلّف العباد و أجبرهم علی الأفعال، و تفصیله فی محلّه. و لذا حکی عن المنتهی (2)و الذکری (3)و جامع المقاصد (4): تضعیف القول بالنجاسة، و هو الظاهر من المعتبر (5)، کما مرّ فی المجسِّمة. قیل: بل لم أجد موافقاً صریحاً للشیخ (6).
و یؤیّد القول بطهارتهم مضافاً إلی الأُصول و عمومات طهارة المسلم ما لم ینکر للضروری أنّ أکثر المخالفین من المجبِّرة، بل قیل: إنّ غیرهم قد انقرض فی بعض الأزمنة (7)لما قیل: من میل السلاطین إلی هذا المذهب و إعراضهم عن غیره، کما فصّل القول فی ذلک السیّد الکاظمینی فی شرح
الوافیة فی الأدلّة العقلیّة (1).
و أظهر من ذلک القول بطهارة المفوِّضة؛ فإنّ إبطال مذهبهم أخفی من النظر من إبطال مذهب المجبِّرة. و عن شرح المفاتیح: أنّ ظاهر الفقهاء طهارتهم (2). إلّا أنّه عدّ فی کشف الغطاء من إنکار الضروری: القول بالجبر و التفویض، و أنّ الأفعال بأسرها مخلوقة للّٰه تعالی (3).
و بالجملة: فالمدار فی کفر منتحلی الإسلام علی إنکار ما علم ضرورةً، و بدونه لا یحکم بکفرهم، إلّا إذا علمنا أنّ الشخص ممّن لو بذل الجهد وجد الحقّ؛ لکونه من العلماء الذین ربما یکون الشیء ضروریّاً عندهم و إن کان نظریّاً عند العوام، و لیس المقام من قبیل العملیّات التی تقدّم أنّ المکلّف به فیها لیس إلّا العمل دون التدیّن و الاعتقاد، فلاحظ ما ذکرنا فی کفر منکر الضروری: من خروجه عن دین الإسلام بالتقصیر؛ إذ القاصر یکون ما اعتقده دیناً بالنسبة إلیه، کما تقدّم تفصیل ذلک (4).
[حکم ولد الزنا (1)المشهور بین أصحابنا رضوان اللّٰه علیهم طهارة ولد الزنا و إسلامه؛ لأصالة الطهارة و أصالة الإسلام؛ لحدیث الفطرة (2)لما دلّ (3)علی ثبوته لمن أظهره و تدیّن به (4).
خلافاً للمحکیّ عن الصدوق (5)و السیّد (6)و الحلّی (7): من القول بکفره و نجاسته. و عن المختلف: نسبته إلی جماعة (8). و یظهر من المعتبر: أنّ بعضاً منهم ادّعی الإجماع علی ذلک (9). و عن الحلّی: نفی الخلاف فی ذلک (10).
و استدلّ له: بمرسلة الوشّاء عمّن ذکره عن الصادق علیه السلام: «أنّه کره سؤر ولد الزنا و الیهودی و النصرانی و المشرک و کلّ من خالف الإسلام، و کان أشدّ ذلک عنده سؤر الناصب» (1).
و روایة ابن أبی یعفور: «لا تغتسل من البئر التی یجمع فیها غسالة الحمّام؛ فإنّ فیها غسالة ولد الزنا، و هو لا یطهر إلی سبعة آباء» (2)، و فی اخری: تعلیل النهی بأنّه یجتمع فیها ما یغتسل به الجنب و ولد الزنا و الناصب لنا أهل البیت (3).
و مرفوعة سلیمان الدیلمی إلی الصادق علیه السلام و فیها: «أنّ ولد الزنا یقول: یا ربّ فما ذنبی فما کان لی فی أمری صنع؟ فینادیه منادٍ و یقول به: أنت شرّ الثلاثة، أذنب والداک فنشأت علیهما، و أنت رجس و لن یدخل الجنّة إلّا طاهر» (4).
و یؤکّده ما ورد: «من أنّ نوحاً علیه السلام لم یحمل فی السفینة ولد الزنا، و کان حمل الکلب و الخنزیر» (5)، و ما ورد: «من أنّ حبّ علیٍّ علیه السلام علامة طیب الولادة، و بغضه علامة خبثها» (6)، و ما ورد: «من أنّ دیته کدیة الیهودی ثمانمائة درهم» (7)، و موثّقة زرارة عن الباقر علیه السلام: «لا خیر فی ولد
1) الوسائل 1: 165، الباب 3 من أبواب الأسآر، الحدیث 2.
2) الوسائل 1: 159، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحدیث 4.
3) الوسائل 1: 158، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحدیث الأوّل.
4) علل الشرائع: 564، الباب 363، الحدیث 2.
5) البحار 5: 287، الحدیث 13.
6) البحار 39: 300، الحدیث 107.
7) الوسائل 19: 164، الباب 15 من أبواب دیات النفس، الحدیث الأوّل.
الزنا، و [لا فی (1)] بَشَره، و لا فی شعره، و لا فی لحمه، و لا فی دمه، و لا فی شیءٍ منه» (2)، و حسنة ابن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام: «قال: لبن الیهودیّة و النصرانیّة و المجوسیّة أحبّ إلیّ من ولد الزنا» (3)إلی غیر ذلک ممَّا ورد فی مذمّته (4)، و أنّه لن یدخل الجنّة (5)، إلی غیر ذلک.
و الجمیع لا یخلو عن نظر:
أمّا المرسلة، فلأنّ الظاهر منها الکراهة بالمعنی الأعمّ، و لیس عطف الأنجاس علی ولد الزنا قرینة علی نجاسته، فلعلّ سؤره قریب من أسآرهم فی القذارة المعنویّة.
و منه یظهر ضعف دلالة أخبار الغسالة، سیّما روایة ابن أبی یعفور المشتملة علی قوله علیه السلام: «فإنّه لا یطهر إلی سبعة آباء» (6)فإنّه ظاهر فی إرادة القذارة المعنویّة؛ لأنّ النجاسة الظاهریّة غیر متعدّیة عنه إجماعاً، مع أنّ النهی عن استعمال سؤره لا یدلّ علی نجاسته.
و أمّا الرجس فی المرفوعة، فالظاهر أنّه لا یراد به إلّا القذارة المعنویّة.
و ممّا ذکر یظهر حال المؤیِّدات.
فالإنصاف: أنّه لا یظهر من مجموع الروایات إلّا خباثته المعنویّة و أنّه
شرّ الثلاثة، لا نجاسته الظاهریّة التی بینها و بین الخباثة المعنویّة عمومٌ من وجه.
ثمّ إنّ الأخبار المذکورة لا دلالة فیها علی الکفر إلّا بناءً علی نفی الواسطة بین الکفر و الإسلام، مضافاً إلی عموم طهارة کلّ مسلم.
و قد منع صاحب الحدائق عن المقدّمة الأُولی، فاختار أنّه نجس و له حالة غیر حالتی الإیمان و الکفر (1).
و المحکی عن عبارة الصدوق أیضاً: عدم جواز التوضّؤ بسؤره (2)، فلم یبقَ مع الحلیّ روایة تدلّ علی کفره، و لا فتوی یوافقه إلّا علم الهدی، فکیف ینفی الخلاف؟
ثمّ إنّ الأخبار فی مجازاة ولد الزنا مختلفة، و الذی یحصل من الجمع بین مجموعها: أنّه لا یدخل الجنّة و لا یعذّب فی النار إن لم یعمل عملًا موجباً له.
[التاسع المسکرات (1)] (و) التاسع: (المسکرات) المائعة بالأصالة و إن انجمدت بالعرض علی المشهور، بل عن السیّد (2)و الشیخ (3)و ابن زهرة (4)و ابن سعید (5): الإجماع. و عن المعتبر أنّ الأنبذة المسکرة عندنا فی التنجیس کالخمر (6). و عن التحریر: أنّ علی ذلک عمل الأصحاب (7).
و الأخبار فی الخمر لا یبعد تواترها، و قد قیل: إنّها تبلغ عشرین (8).
و أمّا فی النبیذ فمستفیضة، منها: ما ورد: «من أنّ ما یبلّ المیل منه ینجِّس حُبّاً من ماء» (9).
و روایة زکریّا بن آدم عن أبی الحسن علیه السلام: «عن قطرة خمر أو نبیذ مسکر قطرت فی قدرٍ فیه لحم کثیر و مرق کثیر؟ قال: یهراق المرق أو یطعمه أهل الذمّة أو الکلب، و اللحم اغسله» (1).
و مرسلة یونس عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «إذا جاء (2)ثوبک خمر أو نبیذ مسکر فاغسله إن عرفت موضعه، و إن لم تعرف موضعه فاغسله کلّه» (3)و بمضمونها روایة زرارة الآتیة عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام (4).
و موثّقة عمّار الآمرة بغسل الإناء عن النبیذ سبع مرّات (5).
هذا، مضافاً إلی إطلاق «الخمر» علیه فی کثیرٍ من الأخبار (6)، و سیجیء بعضها.
و أمّا فی سائر المسکرات بناءً علی عدم تسلیم شمول إطلاق «النبیذ» فی الأخبار المتقدّمة لها؛ من جهة الانصراف إلی المأخوذ من التمر، فمنها موثّقه عمّار: «لا تصلّ فی ثوبٍ قد أصابه خمرٌ و لا مسکر حتّی تغسله» (7).
و روایة عمر بن حنظلة: «قال: قلت لأبی عبد اللّٰه علیه السلام: ما تقول
1) الوسائل 2: 1056، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحدیث 8.
2) فی الوسائل: «إذا أصاب».
3) الوسائل 2: 1055، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحدیث 3.
4) انظر الصفحة 163.
5) الوسائل 17: 294، الباب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 2.
6) الوسائل 17: 221 222، الباب الأوّل من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 1 و 3.
7) الوسائل 2: 1056، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحدیث 7.
فی قدح من المسکر یصبّ علیه الماء حتّی تذهب عادیته و یذهب سکره؟ فقال: لا و اللّٰه، و لا قطرة تقطر منه فی حُبٍّ إلّا أُهریق ذلک الماء» (1).
و منها: الأخبار الدالّة علی أنّ الخمر من خمسة أشیاء: من الکرم و الزبیب و العسل و الشعیر و التمر، و یسمّی الأوّل: عصیراً، و الثانی: نقیعاً، و الثالث: بِتْعاً، و الرابع: مِزْراً، و الخامس: نبیذاً» (2)، و فی بعض الأخبار بدل «الکرم» الحنطة؛ و لم یذکر فیه اسم المأخوذ منها (3)، و فی روایة ابن عبّاس: أنّها من تسع (4).
و فی روایة عطاء بن یسار: «کلّ مسکر حرام، و کلّ مسکر خمر» (5).
و عن القمّی: «فی تفسیر قوله تعالی إِنَّمَا الْخَمْرُ .. (6)إلخ: کلّ مسکر من الشراب إذا أخمر فهو خمر» (7)فإنّ الظاهر من الحمل إمّا الصدق الحقیقی کما استظهره صاحب الحدائق من کلام الشارع (8)، بل من کلام أهل اللغة
1) الوسائل 17: 272، الباب 18 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث الأوّل.
2) الوسائل 17: 221 222، الباب الأوّل من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 1 و 3.
3) الوسائل 17: 222، الباب الأوّل من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 2.
4) مجمع البیان 2: 239.
5) الوسائل 17: 260، الباب 15 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 5.
6) المائدة: 90.
7) تفسیر القمّی 1: 180، و فیه: کلّ مسکر من الشراب خمر إذا أخمر فهو حرام.
8) الحدائق 5: 113 115.
کالقاموس (1)و المصباح المنیر (2)و مجمع البحرین (3)أو ثبوت أحکام الحقیقة.
و ربما یجعل من هذا القبیل: ما دلّ علی أنّ اللّٰه عزّ و جلّ لم یحرِّم الخمر لاسمها، و لکن لعاقبتها، فما کان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر (4).
و فیه: أنّ الظاهر من السیاق الإلحاق فی التحریم دون النجاسة.
و کیف کان، ففیما ذکرنا من الإجماعات و الأخبار غنیةٌ.
إلّا أنّ ها هنا أخباراً کثیرة تبلغ اثنی عشر (5)کلّها مخالفة لما ذکر فی طهارة الخمر و غیرها من المسکرات؛ و لذا ذهب الصدوق (6)و والده فی الرسالة (7)و جماعة علی ما فی الروض (8)إلی ذلک، و هو ظاهر المقدّس الأردبیلی أو صریحه (9)، و تبعه أصحاب المدارک (10)و الذخیرة (11)، و المشارق (12).
1) القاموس المحیط 2: 23، مادّة «خمر».
2) المصباح المنیر: 182، مادّة «خمر».
3) مجمع البحرین 3: 292، مادّة «خمر».
4) الوسائل 17: 273، الباب 19 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث الأوّل.
5) ذکرها المحدّث البحرانی فی الحدائق 5: 103 105.
6) الفقیه 1: 74.
7) حکاه عنه صاحب الجواهر فی الجواهر 6: 3.
8) روض الجنان: 164.
9) مجمع الفائدة 1: 312.
10) المدارک 2: 192.
11) الذخیرة: 154.
12) مشارق الشموس: 333.
و یظهر من روایة خیران الخادم (1)وجود الخلاف فی المسألة بین القدماء من أصحاب الحدیث.
و هو ضعیف، و الأخبار محمولة علی التقیّة من أُمراء الوقت و الوزراء و جهّال بنی أُمیّة و بنی عبّاس، کما عن الحبل المتین (2). و اشتهار النجاسة بین علمائهم لا یدفع التقیّة من الأئمة علیهم السلام فی إظهارها کما لا یخفی. و فی شرح المفاتیح: أنّ الأصحاب حملوا أخبار طهارة الخمر و المسکر علی التقیّة (3). و کأنّه من فتوی ربیعة الرأی الموجود فی زمن الصادق علیه السلام و هو من شیوخ مالک (4).
و یکفی فی الحکومة بین أخبار الطرفین روایة علی بن مهزیار: «قال: قرأت فی کتاب عبد اللّٰه بن محمّد إلی أبی الحسن علیه السلام: جعلت فداک، روی عن زرارة عن أبی جعفر علیه السلام و أبی عبد اللّٰه علیه السلام فی الخمر یصیب الثوب، أنّهما قالا: لا بأس بأن یصلی فیه إنّما حرم شربها، و روی عن زرارة عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام أنّه قال: إذا أصاب ثوبک خمر أو نبیذ یعنی المسکر فاغسله إن عرفت موضعه، و إن لم تعرف موضعه فاغسله (5)، و إن صلّیت فیه فأعد صلاتک فأعلمنی ما آخذ به؟ فوقّع علیه السلام بخطّه: خذ بقول أبی عبد اللّٰه علیه السلام» (6).
و روایة خیران الخادم: «قال: کتبت إلی الرجل علیه السلام أسأله عن الثوب یصیبه الخمر و لحم الخنزیر، أ یصلّی فیه أم لا، فإنّ أصحابنا قد اختلفوا فیه؟ فکتب علیه السلام: لا تصلّ فیه فإنّه رجس .. الحدیث» (1).
و کیف کان، فأخبار الطهارة لا تعارض أخبار النجاسة، و توهّم حملها علی الاستحباب، مدفوع: بإباء کثیرٍ منها لذلک، کما لا یخفی.
و أبعد منها: حملها علی التقیّة؛ مع ما عرفت من شرح المفاتیح: أنّ الأصحاب علی العکس.
و لقد أجاد فی الذکری حیث ذکر: أنّ القائل بالطهارة تمسّک بأخبارٍ لا تعارض القطعی (2)، فمن العجب شکّ المحقّق فی المقام (3).
نعم، ربما یتمسّک فی نجاسة الخمر بقوله تعالی إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَیْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّیْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ (4)و فی دلالتها نظر؛ حیث إنّ الظاهر من «الخمر» فی الآیة بقرینة عطف «المیسر» علیها و جعلها من عمل الشیطان، هو شربها، فیصیر الرجس شربها لا عینها، فتعیّن حمل الرجس علی الحرام.
ثمّ إنّ قضیّة تقیید المسکر ب «المائع بالأصالة» نجاسة ما انجمد منه بالعرض، و الظاهر أنّه إجماعی، و یکفی فی دلیله الاستصحاب.
و کذا مقتضاه: طهارة الجامد بالأصالة کما هو المعروف بل عن
الدلائل: دعوی الإجماع علیه (1). و عن الذخیرة: أنّ الحکم بنجاسة المسکرات مخصوص عند الأصحاب بالمائع منها بالأصالة (2). و عن المدارک: أنّه مقطوع به بین الأصحاب (3). و فی الحدائق: اتّفاق کلّهم علیه (4). و عن شرح الدروس: عدم ظهور الخلاف فی ذلک (5).
و یدلّ علیه: الأصل، بعد اختصاص ما تقدّم من أدلّة نجاستها من الإجماع و الأخبار بالمائع، کما لا یخفی علی من راجعها. و توهّم: شمول الأخبار للمائع بالعرض، مدفوع: بأنّ الظاهر انصراف إطلاقها إلی المائع بالذات، فبقی المائع بالعرض علی أصالة الطهارة و استصحابها، مضافاً إلی عدم القول بالفرق بین قسمی الجامد بالذات.
ثمّ اعلم أنّ المحکیّ عن المصنّف فی المختلف: أنّه لفّق قیاساً غلطاً لطهارة الخمر تشحیذاً للأذهان، حاصله: أنّ المسکر لا یجب إزالته للصلاة بالإجماع؛ لوقوع الخلاف فیه، و کلّ نجس تجب إزالته إجماعاً، ینتج أنّ المسکر لیس بنجس.
و أجاب عنه بما حاصله: أنّ الإجماع فی المقدّمة الأُولی جزءٌ للمحمول، بمعنی أنّ المنفی هو الوجوب الإجماعی، و فی الثانیة جهةٌ للقضیّة و قیدٌ للربط، فلم یتّحد الأوسط (6).
و أورد علیه فی المشارق: أنّ هذا لا یحسم مادّة الشبهة؛ لأنّ جهة القضیّة یمکن أن تجعل جزءاً من المحمول و تصدق معها القضیّة أیضاً، و کما یصدق: کلّ نجس یجب إزالته إجماعاً، یصدق کلّ نجسٍ ضروریٌّ أو قطعیٌّ وجوب إزالته، و المفروض أنّ الصغری: کلّ مسکر لیس قطعیّ الوجوب، فتکرّر الأوسط.
و أجاب هو بما حاصله: أنّ الجهة التی یمکن أن تجعل جزءاً للمحمول مع صدق القضیّة و صدق جهتها، هی إحدی الجهات الثلاث، أعنی: الضرورة و الإمکان و الامتناع، لا جهات الإدراک: من العلم و الظنّ و متعلّقاتها: من البداهة و الاکتساب، مثلًا: کلّ أربعة زوج بالضرورة، إذا جعلنا الضرورة فیه جزءاً للمحمول، و قلنا: کلّ أربعة ضروریّ الزوجیّة، فحینئذٍ إن أُرید أنّ کلّ أربعة یحکم العقل علیها بالزوجیّة ضرورةً إذا تصوّر بعنوان مفهوم الأربعة الکلّی، أی: إذا أدرک العقل هذه القضیّة یعنی: کلّ أربعة زوج یحکم حکماً بدیهیّاً بها، بحیث یسری إلی الأفراد، فصدقها مسلّم. و إن أُرید أنّ کلّ أربعة بأیّ وجهٍ تصوّرت یحکم علیها العقل بالزوجیّة بدیهةً، فممنوع، و السند ظاهر؛ فإنّ الدراهم الأربعة التی فی کیس زید إذا لم یعلم أنّها أربعة و تصوّرناها بعنوان أنّها فی کیس زید، لم یحکم علیها بالبدیهة أنّها زوج، و لا یحکم علیها بها فی ضمن الحکم بأنّ کلّ أربعة زوج؛ و السرّ فی ذلک أنّ ملاحظة الشیء بالعنوانات المختلفة قد یکون لها أثرٌ فی تعلّق علمنا بأحواله و صفاته (1).
أقول: و الظاهر أنّ جعل الإجماع فی المقدّمة الثانیة جزءاً من المحمول
1) مشارق الشموس: 333 334.
لمّا کان ظاهر الفساد، لم یتعرّض لها العلّامة فی الجواب، فالحاصل: أنّ الإجماع فی المقدّمة الأُولی جزءٌ للمحمول قطعاً، و لا یمکن أن یکون جهةً و إلّا لزم الکذب، و حینئذٍ، فإن جعلنا الإجماع فی الثانیة جهةً صرفة لم یتکرّر الأوسط، و إن جعلناه جزءاً من المحمول: فإن أُرید ب «النجس» فی الکبری النجس الواقعی لم تصدق؛ لاحتمال أن یکون لیس نجساً عند بعض المجمعین، فلیس وجوب إزالته إجماعاً، و إن أُرید النجس المجمع علی نجاسته، فحاصل النتیجة: أنّ المسکر لا یکون نجساً مجمعاً علی نجاسته، و لا ینفع، فافهم.
(و) المشهور کما عن جماعةٍ مستفیضاً أنّ فی حکم المسکر (عصیر (1)) العنب (إذا غلا و اشتدّ) و عن المختلف: نسبته إلی أکثر أصحابنا، کالمفید و الشیخ و السیّد و أبی الصلاح و سلّار و ابن إدریس (2)، بل عن کنز العرفان: دعوی الإجماع علیه (3).
و عن أطعمة التنقیح: الاتّفاق علی أنّ عصیر العنب إذا غلی حکمه حکم المسکر (4). و هو کذلک؛ إذ القائل (5)بالطهارة من القائلین بنجاسة المسکر غیر معلوم، کما یظهر من المختلف (6)و لذا قال فی المقاصد العلیّة: إنّ
1) فی الإرشاد: «العصیر».
2) المختلف 1: 469.
3) کنز العرفان 1: 53.
4) لم نقف علیه فی باب الأطعمة، بل هو فی باب الحدود، انظر التنقیح الرائع 4: 368.
5) کذا، و المناسب: «کون القائل».
6) قال فی المختلف: «الخمر و کلّ مسکر و الفقّاع و العصیر .. نجس ذهب إلیه أکثر علمائنا» ثمّ حکی خلاف ابن أبی عقیل فی الخمر و العصیر. انظر المختلف 1: 469.
تحقّق القولین فی المسألة غیر معلوم (1).
و مع ذلک فقد اختار الطهارة فی شرح القواعد المنسوب إلیه (2)تبعاً للعمانی (3)و الشهید فی الدروس (4)، بل الذکری، حیث قال فیها: إنّ فی حکم المسکرات العصیر إذا غلا و اشتدّ عند ابن حمزة. و فی المعتبر: یحرم مع الغلیان حتّی یذهب ثلثاه، و لا ینجس إلّا مع الاشتداد، کأنه یری الشدّة المطربة؛ إذ الثخانة حاصلة بمجرّد الغلیان. و توقّف الفاضل فی نهایته، و لم نقف لغیرهم علی قولٍ بالنجاسة، و لا دلیل علی نجاسة غیر المسکر (5)، انتهی.
و تبعهم فی ذلک المحقّق الأردبیلی (6)و تلمیذاه (7)و کاشف اللثام (8)و أصحاب الذخیرة (9)و المفاتیح (10)و الحدائق (11)و الریاض (12).
و الأرجح فی النظر: النجاسة؛ لموثّقة معاویة بن عمّار: «قال: سألت
1) المقاصد العلیّة: 83.
2) فوائد القواعد: 56.
3) حکاه عنه فی المختلف 1: 469.
4) لا یوجد ذلک فی الدروس، بل ظاهره خلاف ذلک، انظر الدروس 1: 126.
5) الذکری 1: 115.
6) مجمع الفائدة 1: 312.
7) المدارک 2: 293، و معالم الدین (قسم الفقه) 2: 513.
8) کشف اللثام 1: 396.
9) الذخیرة: 155.
10) مفاتیح الشرائع 1: 73.
11) الحدائق 5: 123.
12) الریاض 2: 365.
أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن الرجل من أهل المعرفة، یأتینی بالبختج و یقول: قد طبخ علی الثلث، و أنا أعلم أنّه یشربه علی النصف، أ فأشربه بقوله و هو یشربه علی النصف؟ فقال: خمرٌ، لا تشربه .. الحدیث» (1)فإنّ حمل الخمر علیه إمّا حقیقة کما نقل عن جماعة من الخاصّة و العامّة (2)، بل عن المهذّب البارع: أنّ اسم «الخمر» حقیقة فی عصیر العنب إجماعاً (3)و إمّا للمشابهة الموجبة لثبوت الأحکام الظاهرة، و منها النجاسة.
و الخدشة فی الروایة: بخلوّ الروایة علی ما فی الکافی (4)عن ذکر قوله «خمر» مع أنّه أضبط من الشیخ، مردودة: بأنّ الظاهر عدم الزیادة حتّی من الشیخ الذی یکثر منه الخلل، کما قیل (5).
و یؤیّد وجود لفظ «الخمر» فی الروایة: تعبیر والد الصدوق بمضمونها فی رسالته إلی ولده، التی هی کالروایات المنقولة بالمعنی، حیث قال: یا بنیّ، اعلم أنّ أصل الخمر من «الکرم» إذا أصابته النار أو غلا من غیر أن تمسّه فیصیر أعلاه أسفله فهو خمر، فلا یحلّ شربه حتّی یذهب ثلثاه (6)، انتهی. و المقصود من الاستشهاد به فتواه بکونه خمراً، و إلّا فالصدوق و والده علی طهارة الخمر.
و أضعف ممّا ذکر: دعوی إرادة التشبیه فی مجرّد الحرمة؛ فإنّه خلاف الظاهر، مع أنّه لا یبعد أن تکون الحرمة لأجل النجاسة إذ لیس فیه إسکار، فلیس عاقبته عاقبة الخمر حتّی تحرم لا من حیث النجاسة، فتأمّل.
و یؤیّده: غیر واحد ممّا دلّ علی أنّه لا خیر فی العصیر إذا غلا حتّی یذهب ثلثاه (1)، و ما عن العیون بسنده إلی ابن مسلم (2)، و فیه حکایة منازعة إبلیس (لعنه اللّٰه) مع نوح علی نبیّنا و آله و علیه السلام فی شجرة العنب حتّی أعطی الشیطان الثلثین و جعل لنفسه الثلث، «قال علیه السلام: فما کان فوق الثلث من طبخها فلإبلیس و هو حظّه، و ما کان من الثلث فما دونه فهو لنوح علیه السلام و هو حظّه، و ذلک الحلال الطیّب فیشرب .. إلخ» (3)فإنّ الظاهر من «الطیّب» مقابل الخبیث، فیدلّ علی أنّ الزائد عن الثلث حرام خبیث، و الخباثة المغایرة للحرمة لیست إلّا النجاسة الظاهریّة، فتأمّل.
و منها: بعض الأخبار الأُخر الحاکیة لقصّة نوح علی نبیّنا و آله و علیه السلام و إبلیس لعنه اللّٰه، و فی ذیلها قوله: «و من هنا طاب الطلاء علی الثلث .. إلخ» (4)و الطلاء: عصیر العنب.
1) الوسائل 17: 227، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 7.
2) لم ترد هذه الروایة فی العیون، نعم وردت فی العلل روایتان حول حکایة منازعة إبلیس مع نوح علیه السلام: إحداهما تتضمّن هذا المضمون علی تفصیله لکنّها لیست مرویّة عن محمّد بن مسلم، بل و لا عن الإمام علیه السلام، بل منقولة عن وهب بن منبه الیمانی. و الأُخری تتضمّن شطراً من الحکایة، و هی التی رواها محمّد بن مسلم عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام. انظر علل الشرائع: 477، الباب 226، الحدیث 2 و 3.
3) کذا، و لیست للحدیث تتمّة، انظر الوسائل 17: 228، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 11.
4) الوسائل 17: 228، الباب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 10.
و لکن فی دلالتهما علی المطلوب بل تأییدهما له نظر، سیّما الاولی.
نعم، فی الأخبار الحاکیة لقصّتی آدم و نوح علی نبیّنا و آله و علیهما السلام مع إبلیس (لعنه اللّٰه) الواردة فی أصل تحریم الخمر و الدالّة علی أنّ تلک الواقعة منشأ تحریم الخمر دلالةٌ واضحة علی أنّ عصیر العنب إذا غلا بالنار أو نشّ بنفسه فحکمه حکم الخمر إلّا أن یذهب ثلثاه أو یصیر خلًا (1)، بل عرفت أنّه لا یبعد أن یدّعی أنّ حرمته من حیث النجاسة و لیس کالخمر فی کون تحریمه لأجل الإسکار، کما یستفاد من الأخبار.
بقی الکلام فی اعتبار الاشتداد زائداً علی الغلیان، و المراد منه کما هو ظاهر جماعة اشتداد نفس العصیر، أعنی: ثخونته و قوامه، کما هو الظاهر من محکیّ المعتبر (2)و التذکرة (3)حیث عنونا صورة الغلیان قبل الاشتداد.
و ظاهر الشهید فی الذکری (4)و المحکیّ عن المحقّق الثانی (5): اعتبار مسمّی الثخونة الحاصلة بمجرّد الغلیان و لو لم یحسّ بها.
و عن فخر الدین فی حاشیة الکتاب: أنّ المراد ب «الاشتداد» عند الجمهور الشدّة المطربة، و عندنا أن یصیر أسفله أعلاه بالغلیان (6)، انتهی.
و المراد به القلب المفسَّر به «الغلیان» فی روایة حمّاد بن عثمان (1).
و یمکن أن یکون مراد المصنّف و المحقّق من «الاشتداد» هذا أیضاً، و یکون مرادهما ممّا بعد الغلیان و قبل الاشتداد هو ما إذا غلا ضعیفاً و لم یحصل القلب؛ و إلّا فیبعد عدم اطّلاع الفخر علی ما ذکره والده و شیخه. و لعلّه لذا ذکر فی حاشیة المدارک: أنّ تفسیر «الاشتداد» بالثخونة غیر ظاهر من الأصحاب (2)، و مراده الثخونة المحسوسة التی تحصل بعد زمان طویل مسمّاها، الحاصلة بمجرّد القلب و انجذاب بعض الرطوبة.
إلّا أنّ الظاهر من الشهیدین فی الذکری (3)و الروض (4)إرادة المحقّق فی المعتبر الثخونة العرفیّة المحسوسة الغیر الحاصلة بمجرّد الغلیان، سیّما فی ما غلا بنفسه.
و علیه، فالعمدة فی مدرک النجاسة لمّا کانت هی الموثّقة المتقدّمة (5)المختصّة بما بعد الثخونة المحسوسة و فتوی المشهور المتیقَّن منها هذا الفرد، کان الاقتصار فی مخالفة الأصل علیها أولی و إن کان الإطلاق لا یخلو عن قوّة؛ نظراً إلی إطلاق المحکیّ فی المختلف عن الأکثر (6)، مع ما عرفت من حاشیة المدارک: من عدم ظهور تفسیر الاشتداد بالثخونة من الأصحاب، و من
حاشیة الإرشاد: من أنّه عندنا صیرورة أسفله أعلاه (1).
ثمّ إنّ المحکیّ عن ابن حمزة تخصیص النجاسة بما إذا غلا بنفسه، فلو غلا بالنار حرم و لم ینجس (2). و لم نقف له علی مأخذ؛ و لعلّه لصدق «الخمر» علیه لاختماره حینئذٍ، و لما یظهر من بعض الأخبار: من عدم جواز ترک نبیذ التمر و نقیع الزبیب حتّی ینشّ (3).
ثمّ إنّه لا یلحق بالعنب الزبیب، بل الأقوی طهارته، بل عن الذخیرة: أنّی لا أعلم قائلًا بنجاسته (4). و فی الحدائق: الظاهر أنّه لا خلاف فی طهارته (5). و فی شرح الوسائل لبعض معاصری صاحب الحدائق: أنّ الإجماع منعقد علی عدم نجاسة عصیر غیر العنب (6). لکن فی المقاصد العلیّة جعل الطهارة أصحّ القولین (7).
و کیف کان، فیکفی فی طهارته: الأصل لعدم الدلیل علی النجاسة و الحرمة.
و لا یرد علیه ما ذکره العلّامة الطباطبائی: من استصحاب حکمه الثابت له حال العنبیّة (8)لتغیّر الموضوع: أمّا بناءً علی عدم صدق العصیر
علی المستخرج من الزبیب فواضح، و أمّا بناءً علی تسلیم الصدق؛ فلأنّ المعتصر من العنب مغایر للماء المطلق الممزوج بالأجزاء اللطیفة من الزبیب، و إن سلّمنا صدق العصیر علی کلٍّ منهما لکنّه لا ینفع مع تغایر عصیر العنب لعصیر الزبیب، و بالجملة فالأمر واضح.
و ربما یجاب عن هذا الاستصحاب: بأنّ المستصحب تعلیقیٌّ، و هی حرمة ماء العنب لو غلا، و هو لیس بحجّة.
و فیه: أنّ هذا لیس من الاستصحاب التعلیقی، بل هو استصحاب حکمٍ شرعیٍّ تنجیزی، و هی: سببیّة غلیانه للحرمة و استلزامه لها، فالمستصحب هو الاستلزام المنجّز، لا ثبوت اللازم المعلّق، و تمام الکلام فی محلّه (1).
و أضعف من ذلک: دعوی معارضة استصحاب النجاسة لاستصحاب الطهارة قبل الغلیان مع ترجیح الثانی بالمرجّحات، و لا یخفی أنّ الاستصحاب الأوّل وارد علی الثانی، کما لا یخفی.
هذا کلّه علی تقدیر القول بالحرمة، و إلّا فلا إشکال فی الطهارة علی القول بالحلّیة علی ما هو المشهور، کما عن جماعة (2)، و عن الریاض: کادت تکون إجماعاً لا لصحیحة أبی بصیر: «أنّه علیه السلام کان یعجبه الزبیبة» (3)إذ لم یعلم کیفیّة طبخه، فلعلّه کان علی وجهٍ لا ینافی دعوی الخصم.
و لا لذهاب ثلثیه بل أزید بالشمس کما استدلّ به الشهیدان فی
الدروس (1)و المسالک (2)و غیرهما (3)لأنّ المحرِّم له هو غلیانه، فلا یجدیه ذهاب الثلثین قبل حصول التحریم. و دعوی: حصول الغلیان و القلب بالشمس، غیر ثابتة مطلقاً أو فی الجملة؛ فإنّ منها ما یحطّ بالظلّ، مع أنّ صدق العصیر علی ما فی حبّات العنب محلّ کلام، مع ما سیأتی: من قوّة حرمة العصیر إذا نشّ و غلا بنفسه.
بل للأصل السالم عن الوارد، عدا ما عرفت فساده: من استصحاب حکم العنب، و عموم ما دلّ علی حرمة کلّ عصیرٍ غلا حتّی یذهب ثلثاه (4)، و خصوص کثیرٍ من الأخبار.
مثل روایة علیّ بن جعفر عن أخیه موسی علیه السلام: «قال: سألته عن الزبیب، هل یصلح أن یطبخ حتّی یخرج طعمه ثمّ یؤخذ ذلک فیطبخ حتّی یذهب ثلثاه و یبقی الثلث ثمّ یرفع و یشرب منه السنة؟ قال: لا بأس» (5).
و موثّقة عمّار الساباطی: «قال: سئل أبو عبد اللّٰه علیه السلام عن الزبیب، کیف طَبْخه حتّی یشرب حلالًا؟ قال: تأخذ ربعاً عن زبیب فتنقیه ثمّ تطرح علیه اثنی عشر رطلًا من الماء ثمّ تنقعه لیلة، فإذا کان من الغد نزعت سلافته ثمّ تصبّ علیه الماء قدر ما یغمره ثمّ تغلیه فی النار غلیة ثمّ تنزع ماءه فتصبّه فی الماء الأوّل ثمّ تطرحه فی إناءٍ واحد جمیعاً، ثمّ توقد تحته
النار حتّی یذهب الثلثان و یبقی الثلث و تحته النار، ثمّ تأخذ رطلًا من عسل فتغلیه بالنار غلیة و تنزع رغوته ثمّ تطرحه علی المطبوخ ثمّ تضربه حتّی یختلط به، و اطرح فیه إن شئت زعفراناً، و طیِّبه إن شئت بزنجبیل قلیل هذا (1). قال: فإذا أردت أن تقسّمه أثلاثاً لتطبخه فکِلْه لشیءٍ (2)واحد حتّی تعلم کم هو، ثمّ اطرح علیه الأوّل فی الإناء الذی تغلیه فیه (3)مقداراً، و حدّه حیث یبلغ الماء، ثمّ اطرح الثلث الآخر، و حدّه حیث بلغ الماء، ثمّ یطرح الآخر ثمّ حدّه (4)ثمّ توقد تحته بنارٍ لیّنة حتّی یذهب ثلثاه و یبقی ثلثه .. الخبر» (5).
و فی روایة أُخری لعمّار: «فی وصف المطبوخ حتّی یشرب حلالًا، قال علیه السلام: تأخذ ربعاً من زبیب و تنقّیه و تصبّ علیه اثنی عشر رطلًا من الماء، ثمّ أنقعه لیلة، فإذا کان أیّام الصیف و خشیت أن ینشّ فاجعله فی تنّورٍ مسجور حتّی لا ینشّ، ثمّ تنزع منه الماء کلّه إذا احتجت، ثمّ تصبّ علیه من الماء بقدر ما یغمره، ثمّ تغلیه حتّی تذهب حلاوته، ثمّ تنزع ماءه الآخر فتصبّه علی الماء الأوّل، ثمّ تکیله فتنظر کم الماء، ثمّ تکیل ثلثه و تطرحه فی
الإناء الذی ترید أن تغلیه فیه و تقدّره و تجعل قدره قصبة أو عوداً فتحدّها علی قدر منتهی الماء، ثمّ تصبّ (1)الثلث الآخر حتّی یذهب الماء الباقی، ثمّ تغلیه بالنار و لا تزال تغلیه حتّی یذهب الثلثان و یبقی الثلث» (2).
و روایة إسماعیل بن الفضل الهاشمی قریب منها (3).
و روایة زید النرسی عن الصادق علیه السلام: «فی الزبیب یدقّ و یلقی فی القدر و یصبّ علیه الماء، فقال: حرامٌ حتّی تذهب ثلثاه. قلت: الزبیب کما هو یلقی فی القدر؟ قال: هو کذلک سواء، إذا أدّت الحلاوة إلی الماء فقد فسد، کلّ ما غلا بنفسه أو بالنار فقد حرم حتّی یذهب ثلثاه» (4).
و یؤیّده ما تقدّم: من أخبار منازعة إبلیس (لعنه اللّٰه) مع آدم و نوح علی نبیّنا و آله و علیهما السلام (5).
و الجواب: أمّا عن أخبار العصیر، فیتوقّف دلالتها علی شمول العصیر وضعاً و انصرافاً لمحلّ الکلام، و هو ممنوع.
و لقد بالغ فی الحدائق (6)فی إنکار ذلک مدّعیاً أنّ الشرع و العرف و اللغة علی خلافه، و أنّ ما یؤخذ من الزبیب یسمّی «نقیعاً» و من التمر «نبیذاً» مستظهراً ذلک من المصباح و النهایة و القاموس و المجمع فی مادّة «عصر»
و «نبذ» و ممّا ورد: «من أنّ الخمر من خمسة: العصیر من الکرم، و النقیع من الزبیب، و النبیذ من التمر .. إلخ» (1).
و ما ذکره و أتعب قلمه فی أثنائه شکر اللّٰه سعیه و إن لم یکن ظاهراً لنا، بل الذی نشاهد فی العرف صحّة إضافة العصیر إلی کلٍّ من العنب و الزبیب و التمر، و المأخوذ من مادّة «العصر» لغةً لیس إلّا أن یکون فی الشیء أجرامٌ مائیّة، من دون فرقٍ بین تکوّنها فیه کما فی العنب و الرمّان و نحوهما، أو لشوبه لها من الخارج کالجامدات المنقّعة فی الماء. مع أنّ اختصاصها بالأوّل لغةً لا یقدح فی مطلب المستدلّ، و أنّ عصیر الرطب داخلٌ قطعاً، فإذا ثبت حرمته بعموم الأخبار ثبت حرمة عصیر الزبیب بالإجماع المرکّب.
و کیف کان، فدعوی الاختصاص شرعاً أو لغةً بعصیر العنب مشکلة، لکن دعوی المعهودیّة فی لفظ «العصیر» فی الأخبار ممّا لا ینکر؛ ضرورة عدم إرادة العموم منها، و إلّا لزم التخصیص المستهجن، فلو لم ندّع ظهور العهد فی خصوص المعتصر من العنب، فلا ظهور فی المعتصر من مطلق ثمرة الکرم و النخل.
و أمّا عن روایة علیّ بن جعفر علیه السلام فبعدم دلالتها علی التحریم قولًا و لا تقریراً.
و أمّا عن الموثّقتین، فبعدم دلالتهما علی التحریم إلّا بالتقریر، مع احتمال أن یکون السؤال عن کیفیّة طبخ الزبیب حتّی یبقی علی الحلّیة و لا یصیر
1) الحدائق 5: 125 132، و الحدیث من الوسائل 17: 221، الباب الأوّل من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث الأوّل.
خمراً بواسطة اختماره بالأجزاء المائیّة الکائنة فیه، و کأنّ هذا المقدار من الطبخ کان شائعاً لخاصّیة نضج الأشربة، بل حکی أنّ میاه الثمار الحلوة جمیعاً بعد غلیانها و ذهاب ثلثیها یعتریها الإسکار بسبب تطاول الأزمان بعد ذهاب الثلثین. و یؤیّد ذلک: ما فی بعض الروایات: من طبخ العصیر الثلث مع العسل حتّی یذهب ثلثاه (1). و یؤیّده أیضاً قوله فی روایة الهاشمی المتقدّمة: «و هو شراب طیّب لا یتغیّر إذا بقی أثره» (2).
و أمّا روایة یزید فضعیفة جدّاً.
و أمّا أخبار نزاع إبلیس مع آدم و نوح علی نبیّنا و آله و علیهما السلام فظاهرها تحریم الخمر أو مع العصیر، کما یظهر من قوله علیه السلام فی بعضها: «فإذا أخذت عصیراً فاطبخه حتّی یذهب ثلثاه» (3)و فی بعضها الآخر قوله: «فمن هنا طاب الطلاء علی الثلث» (4)و الطلا علی ما فی الصحاح-: عصیر العنب (5).
و کیف کان، ففی الخروج بتلک الأخبار عمّا علیه المشهور مشکل.
نعم، ربما حکی عن المصابیح للسیّد العلّامة: دعوی شهرة القدماء بل الشهرة المطلقة؛ نظراً إلی روایة قدماء أصحابنا الرواة لأخبار التحریم (6)
و الأخبار المتقدّمة و نحوها فی خصوص نقیع الزبیب (1)بناءً علی أنّ مذاهبهم تعلم من روایاتهم الظاهرة الدلالة التی أوردوها فی کتبهم من غیر معارض ظاهر، و نظراً إلی إطلاق جملةٍ من فتاوی فقهائنا المتأخّرین عن الشیخ بحرمة العصیر؛ بناءً علی ثبوته لمحلّ الکلام (2).
و لا یخفی ما فی جمیع ذلک من التکلّف المدفوع: بأنّ فقهاءنا أعرف بمذاهب القدماء، مع أنّهم (3)لم ینقل القول بالحرمة عن أحدٍ منهم فی الکتب الموضوعة لنقل الخلاف. نعم، حکاه الشهید عن بعض مشایخه، قال: و هو قول بعض قدمائنا (4).
فالقول بالطهارة لا یخلو عن قوّة، إلّا أنّ الاحتیاط الشدید فی الاجتناب؛ لظهور الموثّقتین فی المطلب، سیّما مع أنّ الظاهر منهما وجوب المداقّة فی إذهاب الثلثین و تحدید مقدار العصیر بقصبة أو عود؛ فإنّ ذلک لا یقتضی أن یکون إذهاب الثلثین لمجرّد الأمن عن الفساد، سیّما مع صراحة روایة زید النرسی المذکورة. و ضعف کتابه بما ذکره الصدوق و شیخه ابن الولید معارض بما ذکره ابن الغضائری الطاعن فی کثیرٍ من الثقات-: من تخلیط الصدوق فی ذلک و أنّ الکتاب المذکور رواه ابن أبی عمیر (5). و عن الشیخ أیضاً: أنّه روی عنه ابن أبی عمیر (6).
هذا، مضافاً إلی أنّ فی روایة العلل: «فی نزاع إبلیس، حیث قال: هذه الشجرة لی، قال نوح علیه السلام: کذبت، قال: فما لی منها؟ قال نوح: لک الثلثان، فمن هنا طاب الطلاء علی الثلث .. إلخ» (1)دلالةً علی وجوب تثلیث ثمرة الکرم مطلقاً عند الغلیان، من غیر فرق بین رطبه و یابسه. إلّا أن یدّعی ذهاب ثلثیه بالشمس، و فیه ما عرفت.
بل یستفاد من الأخبار المذکورة فی الکافی (2)و غیره (3)فی هذا الباب: أنّ اعتبار ذهاب الثلثین فی عصیر العنب و الزبیب کان أمراً مرکوزاً فی أذهان الرواة أیضاً.
و أمّا عصیر التمر، فالمعروف أیضاً طهارته، بل عن حواشی القواعد کأنه للشهید الثانی-: الاتّفاق علی عدم جریان الحکم فی عصیر غیر العنب و الزبیب (4).
و فی المقاصد العلیّة: أنّه لا یلحق به أی بالعصیر العنبی عصیر التمر و غیره إجماعاً، و لا الزبیب علی أصحّ القولین (5). و تبعه فی دعوی الإجماع والد البهائی فی شرح الألفیّة (6)، و بعض شرّاح الوسائل کما عرفت فی مسألة
الزبیب (1). و ادّعی علیه الإجماع صریحاً فی الحدائق (2). فهذه خمسة إجماعات، مع أنّ النجاسة ساقطة بناءً علی الحلّیة، کما هو المعروف.
و فی الحدائق: أنّه کاد یکون إجماعاً (3)، بل هو إجماع کما فی الریاض: أنّه حکی عن بعض الفضلاء عدم الخلاف فیه أصلًا (4).
لکن قال فی الشرائع: إنّ التمر إذا غلا و لم یبلغ حدّ الإسکار ففی تحریمه تردّد، و الأشبه بقاؤه علی التحلیل حتّی یبلغ (5)، انتهی.
لأصالة الإباحة، و عموماتها الثابتة بالکتاب (6)و السنّة (7)، و خصوص روایة محمّد بن جعفر عن أبیه علیه السلام: «قال: قدم علی رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله قومٌ من الیمن، فسألوه عن معالم دینهم، فأجابهم فخرج القوم بأجمعهم، فلمّا ساروا مرحلةً، قال بعضهم لبعض: نسینا أن نسأل رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم عمّا هو أهمّ إلینا، فنزل القوم و بعثوا وفداً لهم فأتی الوفد رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم فقالوا: یا رسول اللّٰه، إنّ القوم قد بعثوا بنا إلیک یسألونک عن النبیذ، فقال رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله: و ما النبیذ، صفوه لی؟
فقالوا: یؤخذ من التمر فینبذ فی إناءٍ ثمّ یصبّ الماء علیه حتّی یمتلئ ثمّ یوقد تحته حتّی ینطبخ، فإذا انطبخ أخرجوه و ألقوه فی إناءٍ آخر ثمّ صبّوا علیه ماءً آخر ثمّ یمرس، ثمّ صفّوه بثوب ثمّ یلقی فی إناءٍ ثمّ یصبّ علیه من عَکَر ما کان قبله ثمّ هدر فغلا ثمّ یسکن علی عکره، فقال رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله: یا هذا، قد أکثرت، أ فیسکر؟ قال: نعم، قال: إنّ کلّ مسکر حرام .. إلی آخر الروایة» و فیها: أنّ القوم رجعوا بأنفسهم، قالوا: یا رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم، فأجابهم بما أجاب الوفد (1).
و فیه دلالة صریحة علی عدم الحرمة ما لم یسکر، و الظاهر أنّ الإسکار إنّما کان یحصل فیما وصفوه بعد إلقاء العَکَر فیه و هدره، أی غلیانه و نشیشه.
و نحوها روایة الفضیل بن یسار عن مولانا أبی جعفر علیه السلام: «قال: سألت عن النبیذ؟ فقال: حرّم اللّٰه الخمر بعینها، و حرّم النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم من الأشربة کلّ مسکر» (2)لم یفرِّق بین أن یغلی النبیذ بالنار و لم یذهب ثلثاه و بین أن لا یغلی.
و روایة مولی حریز عن الصادق (3)علیه السلام: «فقلت له: إنّی أصنع الأشربة من العسل و غیره، و إنّی (4)یکلّفونی فی صنعتها فأصنعها لهم، قال
اصنعها لهم و ادفعها إلیهم و هی حلال قبل أن تصیر مسکراً» (1)إلی غیر ذلک من الأخبار الدالّة علی أنّ مناط التحریم هو الإسکار دون الغلیان (2).
و دعوی حصول السکر أو مبادیه و لو مَنْ شرب کثیره بمجرّد الغلیان و لو فی بعض الأمزجة أو بعض الأهویة و الأمکنة ممنوعة، و مجرّد احتماله لا یوجب الحکم بالتحریم، و لا یجب التفحّص و التجربة أیضاً، مع أنّه لو کان لاتّفق لبعض، و لو اتّفق لنقل و شاع، بل لو کان لأخبر به الحذّاق.
نعم، الظاهر أنّ طول مکث نقیع التمر و کذا الزبیب قبل إذهاب معظم أجزائه المائیّة بإذهاب الثلثین یوجب الاختمار الموجب للإسکار؛ و قد یستعمد اختماره بوضع بعض الأجسام فیه کالعَکَرَة و ثُفل التمر و نحوهما، و قد یختمر بنفسه لتلوّث إنائه ببقیّة النقیع السابق المختمر.
و حینئذٍ فلا إشکال فی التحریم لأجل الإسکار، و لکن لا توجب التحریم قبل حصوله، کما صرّح به علیه السلام فی روایة مولی حریز المتقدّمة (3)، حیث قال: «و هی حلال قبل أن تصیر مسکراً».
و ممّا ذکرنا یظهر ضعف التمسّک للحرمة بموثّقة عمّار بن موسی: «أنّه سئل عن النفوح العتیق (4)، کیف یصنع حتّی یحلّ؟ قال: خذ التمر فأغله حتّی
یذهب ثلثا ماء التمر» (1)و موثّقته الأُخری: «قال: سألته عن النفوح (2)؟ قال: یطبخ التمر حتّی یذهب ثلثاه و یبقی ثلثه، ثمّ یتمشطن» (3)و النفوح: طیب مائع، ینقعون التمر و السکّر و القرنفل و التفّاح و الزعفران و أشباه ذلک فی قارورة مخصوصة فیها قَدَرٌ مخصوص من الماء و یصبرون أیّاماً حتّی ینشّ و یتخمّر؛ فإنّ الظاهر أنّ الأمر بإغلائه حتّی یذهب ثلثاه لأجل أن لا یصیر نجساً إذا نشّ و اختمر مع الأدویة الممزوجة معه؛ لما سیجیء: من أنّ ماء التمر و الزبیب إذا نشّ و اختمر صار مسکراً، لا للنجاسة الحاصلة بالغلیان، فکیف یعمل بالموثّقة فی ذلک مع مخالفتها للشهرة المحقّقة و الإجماعین المحکیّین المعتضدین بعدم ظهور الخلاف فی النجاسة إلّا عن شاذٍّ من متأخّری المتأخّرین (4)؟
و أضعف من ذلک الاستدلال بما روی: «أنّ الصادق علیه السلام کان عند نسائه فشمّ رائحة النفوح (5)، فقال: ما هذا؟ فقالوا: نجعل فیه الضیّاح، فأمر به فأُهریق فی البالوعة .. إلخ» (6).
1) التهذیب 9: 116، الحدیث 502، الوسائل 17: 298، الباب 32 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 2.
2) فی التهذیب و الوسائل: «عن النضوح».
3) التهذیب 9: 123، الحدیث 531، و الوسائل 17: 303، الباب 37 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث الأوّل.
4) حکاها عنهم السیّد بحر العلوم فی المصابیح (مخطوط): 445.
5) فی التهذیب و الوسائل: «النضوح».
6) کذا، و المنقول تمام الحدیث، انظر التهذیب 9: 123، الحدیث 529، و الوسائل 17: 298، الباب 32 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث الأوّل.
و الضیاح: قیل: اللبن الخاثر (1)، و عن القاموس: أنّ الضیّاح ککتّان عطر أو عسل (2)، و عن بعض: أنّه الخمر الممزوج بالماء (3). و حینئذٍ فلا تدلّ الروایة علی نجاسة أصل النفوح، أو یقال: إنّ هذا النفوح کان ممّا لم یذهب ثلثا ماء تمره فاختمر فصار نجساً.
و الحاصل: أنّ إذهاب ثلثی العصیر العنبی إنّما یجب أصالةً لما دلّ من الأخبار و الإجماع (4)علی حرمته قبله، و دعوی شمول العصیر لما نحن فیه أضعف من دعوی شموله لنقیع الزبیب التی قد عرفت ضعفها (5).
و أمّا إذهاب ثلثی ماء التمر المستفاد من هاتین الموثّقتین فلا یبعد أن یکون علاجاً لعدم إفسادها عند النشیش و الاختمار لأجل طول المکث و لما یمتزج، کما یستفاد ذلک من مستفیض الأخبار:
منها: روایة أیّوب بن راشد (6): «قال: سمعت أبا البلاد یسأل الصادق علیه السلام عن النبیذ؟ قال: لا بأس به، فقال: إنّه یوضع فیه العَکَر؟ قال: بئس الشراب، و لکن انبذوه غدوةً و اشربوه بالعشیّ، فقلت: جعلت فداک، هذا یفسد بطوننا؟ فقال أبو عبد اللّٰه علیه السلام: أفسد لبطنک أن تشرب ما لا یحلّ لک .. الخبر» (7)و العَکَر: هو دُردیّ الزیت یوجب غلیان النبیذ
و نشیشه، کما یستفاد من غیر واحدٍ من الأخبار.
و منها: روایة الکلبیّ النسّابة (1): «أنّه سأل أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن النبیذ؟ فقال: حلال، قلت: إنّا ننبذه فنطرح فیه العکر و ما سوی ذلک؟ قال: شه شه تلک الخمرة المنتنة» (2).
و منها: روایة إبراهیم بن أبی البلاد: «أنّه دخل علی أبی جعفر بن الرضا علیهما السلام فقال: إنّی أُرید أن ألصق بطنی ببطنک، فقال: ها هنا یا أبا إسماعیل؟ فکشف عن بطنه و حسرت عن بطنی و ألصقت بطنی ببطنه، ثمّ أجلسنی و دعا بطبقٍ فیه زبیب فأکلت، ثمّ أخذ فی الحدیث فشکا إلیّ معدته، و عطشت فاستسقیت ماءً، فقال: یا جاریة، اسقیه من نبیذی، فجائتنی بنبیذٍ مریس فی قدحٍ من صفر، فشربته فوجدته أحلی من العسل، فقلت له: هذا الذی أفسد معدتک، قال: فقال: هذا تمرٌ من صدقة النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله یؤخذ غدوةً فیصبّ علیه الماء و تمرسه الجاریة، و أشربه علی إثر الطعام و سائر نهاری، فإذا کان اللیل أخرجته (3)فسقته أهل الدار، فقلت له: إنّ أهل الکوفة لا یرضون بهذا، قال: فما نبیذهم؟ قلت: یؤخذ التمر فینقی و تلقی علیه القعوة، قال: و ما القعوة؟ قلت: الدازی، قال: و ما الدازی (4)؟ قلت: حَبٌّ یؤتی به من البصرة فیلقی فی هذا النبیذ حتّی یغلی و یسکن أو یسکر (5)
ثمّ یشرب، قال: ذلک حرام» (1)و غیر ذلک ممّا ورد فی نبیذ التمر (2).
و مثلها فی نقیع الزبیب:
منها: روایة حنّان بن سدیر: «قال: سمعت رجلًا یسأل أبا عبد اللّٰه علیه السلام ما تقول فی النبیذ، فإنّ أبا مریم یشربه و یزعم أنّک أمرت بشربه؟ فقال: صدق أبو مریم، سألنی عن النبیذ، فقلت له: إنّه حلال، و لم یسألنی عن المسکر إلی أن قال: فقلت: جعلت فداک، هذا النبیذ الذی أذنت لأبی مریم فی شربه، أیّ شیءٍ هو؟ فقال: أمّا أبی صلوات اللّٰه علیه فإنّه کان یأمر الخادم فیجیء بقدحٍ و یجعل فیه زبیباً و یغسله غسلًا نقیّاً، ثمّ یجعله فی إناءٍ فیصبّ علیه ثلاثةً مثله أو أربعةً ماءً، ثمّ یجعله باللیل و یشربه بالنهار، و یجعله بالغداة و یشربه بالعشیّ، و کان یأمر الخادم بغسل الإناء فی کلّ ثلاثة أیّام کی لا یغتلم، فإن کنتم تریدون النبیذ فهذا هو النبیذ» (3).
و منها: روایة علیّ بن أسباط: «أنّه قال رجل لأبی عبد اللّٰه علیه السلام: إنّ بی أریاح البواسیر و لیس یوافقنی إلّا شرب النبیذ، قال: فقال علیه السلام: ما لک و لما حرّم اللّٰه و رسوله صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم یقول ذلک ثلاثاً علیک بهذا المریس الذی تمرسه باللیل و تشربه بالغداة، و تمرسه بالغداة و تشربه بالعشیّ، فقال له: هذا ینفخ البطن، قال: فأدلّک علی ما هو أنفع لک من هذا، علیک بالدعاء فإنّه شفاءٌ من کلّ داء .. إلخ» (4).
و قد ورد فی موثّقة عمّار: «فی وصف مطبوخ الزبیب، أنّه إن خشیت أن ینشّ نقیع الزبیب فاجعله فی تنّور مسجور» (1).
إلی غیر ذلک ممّا ربما تقف علیه ممّا یدلّ علی أنّ نقیعی الزبیب و التمر إذا حصل فیهما النشیش لطول المکث أو بالعلاج یحرم إذا اغلی (2)فی النار و أُذهب ثلثاه (3).
و قد صرّح به جماعة من الأصحاب، من (4)نهایة الشیخ: لا بأس بشرب النبیذ غیر المسکر، و هو أن ینقع التمر أو الزبیب ثمّ یشرب قبل أن یتغیّر (5)، و نحوه ما عن الوسیلة (6)و المهذّب (7). و فی الدروس: و لا یحرم المعتصر من الزبیب ما لم یحصل به نشیش، فیحلّ طبخ الزبیب علی الأصحّ (8)، و نحوه ما عن السرائر (9).
ثمّ إنّ الحرمة المستفادة من النصوص و الفتاوی فی ذلک لیس لأجل نفس النشیش و الغلیان حتّی یقاس علیه ما إذا غلا بالنار، بل لحصول
1) الوسائل 17: 230، الباب 5 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 2. و قد تقدّم تمام الحدیث فی الصفحة 176.
2) فی» ع»: «إذا غلا».
3) راجع الوسائل 17: 230، الباب 5 من أبواب الأشربة المحرّمة، الأحادیث 3 5.
4) کذا، و المناسب: «فعن».
5) النهایة: 592.
6) الوسیلة: 365.
7) المهذّب البارع 4: 241.
8) الدروس 3: 16.
9) السرائر 3: 129.
الإسکار أو لدخوله تحت الفقّاع. و لو لم یسکر و لم یدخل تحت اسم الفقّاع لم یحرم أیضاً و إن کان بعض الأخبار مطلقاً (1)، إلّا أنّ التقیید یعلم من بعضها الآخر (2)و (3)ممّا ورد: من أنّ المدار علی الإسکار، مثل روایتی الفضیل و مولی حریز المتقدّمتین فی أوّل المسألة (4)، و غیرهما ممّا یقف علیه من راجع باب الأشربة من الکافی (5).
و کیف کان، فالقول بالتحریم ضعیف جدّاً؛ لعدم الدلیل علیه عدا الموثّقات الثلاث المتقدّمة (6)الدالّة علی النجاسة المخالفة للإجماع و الشهرة، إلّا أنّ الاحتیاط ممّا لا ینبغی ترکه.
و أمّا عصیر الحصرم، فالظاهر أنّه لا إشکال و لا خلاف فی طهارته و حلّیته؛ للأصل و ما عرفت: من حصر المحرّم من الأشربة فی المسکر، و روایة مولی حریز المتقدّمة (7)الدالّة علی حلّیة الأشربة المصنوعة ما لم یسکر، إلی غیر ذلک.
و حکی فی الحدائق عن بعض محدّثی البحرین الالتزام بالاحتیاط فیه؛ لاحتمال شمول العصیر فی الأخبار له (8). و فیه: ما قدّمنا ذکره: من أنّ
الواجب حمل العصیر علی الصنف المعهود فی ذلک الزمان، لا علی العموم و خروج ما خرج بالدلیل، و نحن نعلم أنّ المتعارف فی ذلک الزمان هو عصیر العنب دون الحصرم، مع أنّ عدم العلم بالتعارف کاف. و أمّا أخبار نزاع إبلیس (1)فالظاهر منها أیضاً العنب.
ثمّ ظاهر روایة العلل (2)جریان الحکم فی ثمرة الکرم قبل العنبیّة و بعد الزبیبیّة، إلّا أنّه لیس فیها ذلک الظهور المغنی به، فضلًا عن أن یقاوم الإجماع المستفاد حدساً من العلماء و السیرة القطعیّة، مضافاً إلی ما عن مستطرفات السرائر عن کتاب مسائل الرجال عن أبی الحسن علیه السلام: «أنّ محمّد بن عیسی کتب إلیه: عندنا طبیخ یجعل فیه الحصرم و ربما یجعل فیه العصیر من العنب و إنّما هو لحم یطبخ به، و قد روی عنهم علیهم السلام فی العصیر: أنّه إذا جعل علی النار لم یشرب حتّی یذهب ثلثاه و یبقی ثلثه، فإنّ الذی یجعل فی القدر من العصیر بتلک المنزلة و قد اجتنبوا أکله إلی أن یستأذن مولانا فی ذلک؟ فکتب: لا بأس» (3)فإنّ الظاهر من الروایة أنّهم إنّما کانوا یجعلون فی ذلک الطبخ الحصرم و لم یتوهّم وجوب تثلیثه و لا تعرّض له الإمام علیه السلام فی مقام البیان و إنّما تعرّض السائل للعصیر الذی یجعل فی ذلک أحیاناً.
و کیف کان، فلا أری المسألة محلا للإشکال و إن ذکر کاشف الغطاء
أنّ الأحوط جری حکم العنبی فی الزبیبی و الحصرمی و التمری و البسری (1).
ثمّ إنّ الظاهر عدم الفرق فیما یحرم بالغلی من الأعصرة بین أن یغلی منفرداً أو ممزوجاً مع شیءٍ آخر؛ لإطلاق الأدلّة، إلّا مع استهلاکه علی وجهٍ لا ینسب الغلی إلیه عرفاً، أمّا لو صدق أنّه یغلی و لو فی ضمن غیره بحیث صار کالسکنجبین و کالعصیر علی الفرنی فالظاهر جریان الحکم.
و بالجملة، فالحکم یدور علی صدق غلی العصیر و لو فی ضمن غیره، لا علی صدق العصیر علی المغلی. و قوله علیه السلام فی روایة زید المتقدّمة (2)فی الزبیب المغلی فی الماء: «إذا أدّت الحلاوة إلی الماء فقد فسد» محمولٌ علی ما ذکرنا، دون مجرّد تغیّر الطعم فی الجملة، فافهم. و یؤیّد ما ذکرنا: ما تقدّم فی مسألة الحصرم من روایة السرائر (3).
و لو وقع شیءٌ من العصیر بعد غلیانه و قبل ذهاب ثلثه (4)فی مائعٍ نجّسه، إلّا أن یکون عصیراً آخر، و إن کان مثّلثاً أو کان العصیر المنصَب ممّا لا یستهلک فی ذلک المائع فحینئذٍ یثلّث ذلک العصیر أو المائع علی إشکال فی الأوّل. و سیأتی ذلک فی تطهیر ذهاب الثلثین.
ثمّ إنّ الحکم بالحرمة فی موردها محمول علی نفس المائع المکوّن فی العنب أو الحادث فی الزبیب أو التمر، لا علیه بوصف کونه معصوراً و مخرجاً منهما و إن أوهم الإخبار خلاف ذلک،؛ فإنّ التعبیر عن الموضوع فیها
بالعصیر من باب التعبیر بالغالب، و إلّا فلا بدّ أن لا یحکم بالحرمة إذا استخرج ماء العنب لا بالعصر بل بالغلیان، و هو واضح الفساد.
و علی ما ذکرنا، فلو غلا ماء العنب فی حَبّه من دون أن یخرج حرم، و دعوی: أنّه لا یتحقّق معه القلب المفسَّر ب «الغلیان» فی روایة حمّاد بن عثمان (1)، و فی کلمات الأصحاب (2)ب «صیرورة أعلاه أسفله» مدفوعةٌ: بأنّ الظاهر تحقّقه فی حَبّ العنب بحسب حاله؛ إذ الظاهر أنّه یکفی فی ذلک مجرّد حرکته، و فی موثّقة ذریح: «إذا نشّ العصیر أو غلا حرم» (3).
نعم، ربما یستفاد من مفهوم قوله علیه السلام فی روایة زید المتقدّمة (4)فی إلقاء الزبیب فی القدر کما هو: «إذا أدّت الحلاوة إلی الماء فقد فسد»، فإنّ ضمیر «فسد» و إن قلنا برجوعه إلی الماء مع اقتضاء المقام للبیان یدلّ علی العدم، إلّا أنّ الروایة ضعیفة.
و علی ما ذکرنا، فتحرم حبّات العنب بل تنجس إذا غلت بالشمس قبل أن تصیر زبیباً. فما عن المحقّق الأردبیلی: من التأمّل فی تحریم ذلک مع اعترافه بأنّهم صرّحوا به، محلّ نظر.
قال فی شرح الإرشاد علی ما حکی عنه-: و ظاهر النصوص
1) الوسائل 17: 229، الباب 3 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 3.
2) کالشهید فی الدروس 3: 16، و ابن فهد فی المهذّب البارع 4: 240، و المحقّق الثانی فی جامع المقاصد 1: 162، و الشهید الثانی فی المسالک 1: 123، و المحقّق الأردبیلی فی مجمع الفائدة 11: 198.
3) الوسائل 17: 229، الباب 3 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 4.
4) تقدّمت فی الصفحة 177.
اشتراط کونه معصوراً، فلو غلا ماء العنب فی حَبّه لم یصدق علیه أنّه «عصیر غلا» ففی تحریمه تأمّل، و لکن صرّحوا به، فتأمّل.
و الأصل و العمومات و حصر المحرّمات دلیل الحلّ حتّی یعلم الناقل (1)، انتهی. و قد عرفت أنّ التعبیر فی الأخبار محمول علی الغالب.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ الحکم المذکور مختصٌّ بالعصیر المعبّر عنه فی الأخبار تارة ب «العصیر» (2)و أُخری ب «الطلاء» (3)فلو صار العصیر خلّاً لم یحرم بالغلیان؛ لعدم تحقّق الاسم، أمّا لو صار دبساً فالظاهر بقاء الحکم معلّقاً علی ذهاب الثلثین.
[عرق الجنب من الحرام (1)] و الأقوی نجاسة عرق الجنب من الحرام؛ وفاقاً للمحکیّ عن الصدوقین (2)و الإسکافی (3)و الشیخین فی المقنعة (4)و الخلاف (5)و النهایة (6)و القاضی (7)و ابن زهرة (8). و الظاهر أنّه المشهور بین القدماء، و علیه جماعة من متأخّری المتأخّرین، مثل استاد الکلّ فی شرح المفاتیح (9)و صهره فی الریاض (10)و تلمیذه کاشف الغطاء (11)، بل عن الخلاف: دعوی الإجماع علیه و الأخبار (12)، و نسبه فی الغنیة (13)و المراسم (14)إلی أصحابنا، و جعله فی
1) العنوان منّا.
2) انظر الهدایة: 97، و حکی عن والده فی المقنع: 43 44.
3) حکاه عنه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 150.
4) المقنعة: 71.
5) الخلاف 1: 483.
6) النهایة: 53.
7) المهذّب 1: 51، و حکاه عنه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 150.
8) الغنیة: 45.
9) انظر مصابیح الظلام (مخطوط): الورقة 243.
10) الریاض 2: 366 367.
11) کشف الغطاء: 172.
12) الخلاف 1: 483.
13) الغنیة: 45.
14) المراسم: 56.
الأمالی من دین الإمامیّة (1).
و بذلک کلّه ینجبر ضعف الروایات عن أبی الحسن الهادی علیه السلام:
إحداها: فی الذکری (2)عن إدریس بن زیاد الکفرثوثی: «أنّه کان یقول بالوقف، فدخل سرّ من رأی عهد أبی الحسن علیه السلام و أراد أن یسأله عن الثوب الذی یعرق فیه الجنب، أ یصلّی فیه؟ فبینما هو نائم فی طاق بابٍ لانتظاره، حرّکه الإمام علیه السلام بمقرعة، و قال مبتدئاً: إن کان من حلال فصلّ فیه و إن کان من حرام فلا تصلّ فیه» (3)و عن البحار: أنّه وجد نحوها عن بعض المؤلّفات القدیمة مسندةً إلی الکاظم علیه السلام (4).
و عن المناقب لابن شهرآشوب: «أنّ علیّ بن مهزیار کان أراد أن یسأل أبا الحسن علیه السلام عن ذلک، و هو شاکٌّ فی إمامته علیه السلام قال: فوردت العسکر فرأیت السلطان قد خرج إلی الصید فی یومٍ من الربیع، إلّا أنّه صائف و الناس علیهم ثیاب الصیف، و علی أبی الحسن علیه السلام لبابید، و علی فرسه تجفاف لبود، و قد عقد ذنباً لفرسه، و الناس یتعجّبون منه و یقولون: أ لا تری إلی هذا المدنی و ما فعل بنفسه؟ فقلت فی نفسی: لو کان إماماً ما فعل هذا، فلمّا خرج الناس إلی الصحراء لم یلبثوا أن ارتفعت سحابة عظیمة هطلت، فلم یبق أحدٌ إلّا ابتلّ و غرق بالمطر، فعاد علیه السلام و هو سالم من جمیع ذلک، فقلت فی نفسی: یوشک أن یکون هو الإمام، ثمّ قلت: أُرید أن أسأله
عن الجنب إذا عرق فی الثوب، فقلت فی نفسی: إن کشف عن وجهه فهو الإمام، فلمّا قرب منّی کشف عن وجهه، و قال علیه السلام: إن کان الجنب عرق فی الثوب و جنابته من حرام لا تجوز الصلاة فیه، و إن کانت جنابته من حلال فلا بأس به، فلم یبق فی نفسی بعدُ شبهةٌ فی إمامته .. الخبر» (1)، و نحوها الرضوی (2).
و یؤیّدها: ما ورد من النهی عن الاغتسال بغسالة الحمّام (3)، و قول أبی الحسن علیه السلام فی ردّ من زعم أنّ فیه شفاء العین: «کذبوا، إنّه یغتسل فیه عن الجنب من الحرام الزنا (4)و الناصب، و هو شرّهما و کلّ من خلق، ثمّ یکون فیه شفاء العین!» (5)و فی روایةٍ أُخری: تعلیل النهی بأنّه یُغتسل فیه عن الزنا و ولد الزنا (6)و الناصب (7).
و هذه و إن لم تدلّ علی النجاسة، إلّا أنّها لا تخلو عن تأیید. و إن شئت فتمسّک بهما؛ بناءً علی أنّ الظاهر من التعلیل بیان حکم نجاسة الغسالة، و لا یقدح عدم نجاسة بعض من ذکر فیها مثل ولد الزنا فإنّ الخبر لا یسقط عن الاعتبار باشتماله علی ما یخالف بظاهره الدلیل الظنّی بل القطعی.
1) المناقب 4: 413 414، و المنقول تمام الخبر.
2) الفقه المنسوب إلی الإمام الرضا علیه السلام: 84.
3) انظر الوسائل 1: 158، الباب 11 من أبواب الماء المضاف.
4) فی المخطوطة بدل «الزنا»: «و ولد الزنا»، و فی الوسائل: «و الزانی».
5) الوسائل 1: 158، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحدیث 2.
6) کذا، و فی الوسائل: «و یغتسل فیه ولد الزنا ..».
7) الوسائل 1: 159، الباب 11 من أبواب الماء المضاف، الحدیث 3.
و کیف کان، فالإنصاف یقتضی حصول الظنّ القوی البالغ حدّ سکون النفس من نفس اشتهار الحکم بین القدماء مع کونه ممّا لا یمکن أن یستند فیه إلی شیء سوی ورود الروایة بالخصوص. فلا إشکال فی انجبار الروایات المتقدّمة بمثل هذه الشهرة المعتضدة بالاتّفاقات المحکیّة، مضافاً إلی أنّ المحکیّ عن المبسوط: إضافة الروایة إلی أصحابنا (1)، الظاهرة فی اشتهارها بینهم.
خلافاً للمحکیّ عن المفید فی رسالته إلی ولده (2)و سلّار (3)مع ما تقدّم عنه: من نسبة القول بالنجاسة إلی أصحابنا (4)، فلعلّه أراد الشهرة القریبة من الاتّفاق و تبعهما الحلّی (5)و المحقّق (6)و الشهیدان (7)و عامّة المتأخّرین علی ما حکی (8)، بل عن الحلّی: الإجماع علی الطهارة (9)، و الظاهر أنّه استنبط الإجماع من قاعدة «الطهارة» و عمومات «طهارة عرق الجنب» (10)و لا یخفی ضعفه. و أضعف منه ما عن شرح الموجز: من أنّ القول
1) المبسوط 1: 38.
2) حکاه ابن إدریس فی السرائر 1: 181.
3) المراسم: 56.
4) راجع الصفحة 195.
5) السرائر 1: 181.
6) المعتبر 1: 415.
7) الشهید الأوّل فی الذکری 1: 120، و الشهید الثانی فی فوائد القواعد: 57.
8) حکاه السیّد العاملی فی المدارک 2: 299.
9) السرائر 1: 181.
10) الوسائل 1: 529، الباب 46 من أبواب الجنابة.
بالنجاسة للشیخ (1).
و هو متروک، و لا مستند لهم سوی الأصل و العمومات و إطلاق طهارة عرق الجنب، المندفعة بما عرفت.
ثمّ إنّه لا فرق کما عن المنتهی بین کون الجنب رجلًا أو امرأة، و لا فرق فی الوطء بین أن یکون وطء امرأةٍ، أو لواط، أو وطء بهیمة، أو وطء میّتة و إن کانت زوجته، و سواء کان مع الجماع إنزالٌ أم لا، و الاستمناء بالید کالزنا، قال: أمّا الوطء فی الحیض و الصوم فالأقرب الطهارة، و فی المظاهرة إشکال (2)، انتهی.
و لعلّ وجه الحکم بالطهارة فی الوطء فی الصوم و الحیض؛ أنّ المتبادر من الجنابة من الحرام کون الحرمة من جهة الفاعل أو القابل لا من جهة نفس الفعل، و أمّا الاستمناء فهو نکاح الید کما فی الروایة (3)، و الفرق بین الزوجة الحائض و المیّتة ممّا لا یخفی، خلافاً لکاشف اللثام فسوّی بین الکلّ فی النجاسة (4).
و ممّا ذکرنا یظهر وجه الإشکال فی المظاهرة؛ من حیث إنّ التحریم مستندٌ إلیها حیث جعلها کظَهر الأُمّ، أو إلی نفس الفعل لعارضٍ عرضها کالحیض.
و یظهر ممّا ذکرنا حکم الوطء الممنوع منه لمرضٍ أو حلف.
و لا فرق فی العرق بین الحادث حال الفعل و الموجود بعده، و أمّا السابق الباقی إلی حال الفعل فهو طاهر.
و المناط فی التحریم هو التحریم الواقعی مع عدم تحقّق الحلّیة الظاهریّة، فلو انتفی الأوّل کالواطئ امرأته باعتقاد أنّها أجنبیّة، أو تحقّق الثانی کالواطی للشبهة، فالحکم الطهارة.
و عن المنتهی: أنّه لو وطء الصغیر أجنبیّةً و ألحقنا به حکم الجنابة، ففی نجاسة عرقه إشکال (1).
ثمّ إنّ المحکیّ عن المعالم: أنّه حکی عن الإسکافی أنّه قال فی مختصره بعد الحکم بنجاسة عرق الجنب من الحرام-: و کذا عندی الاحتیاط من عرق جنابة الاحتلام، ثمّ اعترف فی المعالم بعدم الوقوف له علی موافق و لا علی دلیل (2). و هو کذلک، إلّا أن یقال: إنّ تلک الجنابة لا یصدق علیها أنّها من حلال، و کونها من حرام أیضاً و إن کان غیر معلوم فیلحق بالنسبة.
و ربما یوجّه: بأنّ الجنابة من حرام؛ لأنّه من فعل الشیطان و إن کان الشخص غیر مکلّف، فحسن الاحتیاط لأجل ذلک. و هو بعید.
و کیف کان، فیردّه الأصل و عمومات طهارة عرق الجنب.
و أمّا عرق الحائض و النفساء فالمحکیّ عن جماعة (3)منهم المحقّق فی المعتبر (4)الإجماع علی طهارته.
[عرق الإبل الجلّالة (1)] و الأقوی نجاسة عرق الإبل الجلّالة وفاقاً للمحکیّ عن الشیخین (2)و القاضی (3)و المصنّف فی المنتهی (4). و مال إلیه المحقّق الأردبیلی (5)و تلمیذه فی المدارک (6)و تلمیذه فی الذخیرة (7). و جزم به فی الریاض مصرّحاً بشهرته بین القدماء (8).
و عن الغنیة (9)و المراسم (10): نسبته إلی الأصحاب و إن اختار الطهارة
فی الأخیر. و تبعه فی ذلک الحلّی (1)و المحقّق (2)و المصنّف فی کثیرٍ من کتبه (3)و عامّة المتأخّرین (4)عدا قلیلٍ منهم کما مرّ؛ للأصل و العمومات، المندفعة بصحیحة هشام بن سالم: «لا تأکل من لحوم الجلّالة، و إن أصابک شیءٌ من عرقها فاغسله» (5)و حسنة ابن البختری: «لا تشرب من ألبان الجلّالة (6)، و إن أصابک من عرقها فاغسله» (7).
ثمّ إنّ ظاهر الصحیحة الأُولی کالحسنة-: عدم اختصاص الحکم بالإبل، خلافاً للمحکیّ عن الأکثر، فخصّوه بها، و هو الأقوی؛ اقتصاراً فی مخالفة القواعد علی مورد العمل من الروایة المخالفة لها و إن کانت صحیحة.
1) ظاهر الحلّی فی السرائر هو النجاسة، انظر السرائر 1: 181.
2) المعتبر 1: 414 415.
3) انظر التذکرة 1: 52، و المنتهی 3: 232، و المختلف 1: 461، و نهایة الإحکام 1: 275.
4) کالمحقّق فی الشرائع 1: 53، و الشهید فی الذکری 1: 120، و ابن فهد فی المهذّب البارع 1: 227 228، و المحقّق الثانی فی جامع المقاصد 1: 165.
5) الوسائل 2: 1021، الباب 15 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
6) فی المصادر الحدیثیّة: «الإبل الجلّالة»، و لذا لا وجه لما سیذکره المصنّف قدّس سرّه: «إنّ ظاهر الصحیحة الأُولی کالحسنة عدم اختصاص الحکم بالإبل» لأنّ الصحیحة و إن لم تختصّ بالإبل، إلّا أنّ الحسنة مختصّة بها.
7) الوسائل 1: 1021، الباب 15 من أبواب النجاسات، الحدیث 2، و الکافی 6: 251، الحدیث 2، و التهذیب 1: 263، الحدیث 768.
[العاشر من النجاسات الفقّاع (1)] (و) العاشر من النجاسات: (الفقّاع) کرمّان، و لا خلاف ظاهراً فی نجاسته. و عن الانتصار (2)و الخلاف (3)و الغنیة (4): الإجماع علیه، و کذا نقل عن المصنّف قدّس سرّه (5)و جماعةٍ من المتأخّرین (6)، و الظاهر أنّهم أرادوا الإجماع من کلّ من قال بنجاسة الخمر لا مطلقاً.
و یدلّ علیه مضافاً إلی استفاضة الأخبار بکونها خمراً (7)، المستلزم
1) العنوان منّا.
2) المذکور فی الانتصار هو الإجماع علی مجرّد الحرمة من دون تعرّض للنجاسة، انظر الانتصار: 418.
3) المذکور فی الخلاف أیضاً هو الإجماع علی مجرّد الحرمة، انظر الخلاف 5: 489 490.
4) الغنیة: 41.
5) المنتهی 3: 217.
6) کالمحقّق فی المعتبر 1: 424 425، و الفاضل المقداد فی التنقیح الرائع 1: 145، و المحقّق الثانی فی جامع المقاصد 1: 162.
7) الوسائل 17: 287، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الأحادیث 1، 2، 4، 6، 7، 9 و 11.
لثبوت أحکامها له إمّا لثبوت الموضوع، و إمّا لعموم المنزلة أو اختصاصه بالأحکام الشائعة التی من أظهرها النجاسة بعد التحریم، روایة (1)أبی جمیلة عن یونس: «قال: أخبرنی هشام بن الحکم أنّه سأل الصادق علیه السلام عن الفقّاع؟ فقال: لا تقربه فإنّه خمرٌ مجهول، فإذا أصاب ثوبک فاغسله» (2)و ضعف سندها مجبور بما عرفت.
و المراد من الفقّاع علی ما عن مجمع البحرین و المدنیّات-: أنّه ما یتّخذ من ماء الشعیر (3). و عن السیّد فی الانتصار و الرازیّات: أنّه کان یعمل منه و من القمح (4). و عن الشهید: کان قدیماً یتّخذ من الشعیر غالباً و یضع (5)حتّی یحصل له نشیش، و کأنّه الآن یتّخذ من الزبیب (6).
و علی کلّ حال، فالمعتبر الصدق العرفی.
إلّا أنّ المحکیّ عن الإسکافی أنّه قال: إنّه حرام لنشیشه و غلیانه (7). و یظهر منه اعتبار النشیش، و هو کما قیل (8): رفع صوت الماء و غیره إذا غلا.
1) فی النسخ: «و روایة» و المناسب ما أثبتناه.
2) الوسائل 17: 288، الباب 27 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 8.
3) مجمع البحرین 4: 376، مادّة «فقع»، أجوبة المسائل المهنّائیة: 81.
4) حکاه عنهما السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 142، و انظر الانتصار: 419 421، و جوابات المسائل الرازیّة (رسائل الشریف المرتضی) 1: 101 102.
5) کذا، و المناسب: «یوضع».
6) حکاه السیّد العاملی عن مقدادیّات الشهید، انظر مفتاح الکرامة 1: 142.
7) حکاه عنه المحقّق فی المعتبر 1: 425.
8) انظر مجمع البحرین 4: 154، مادّة «نشش».
و هو ظاهر الشهید الثانی فی الروض، حیث قال: إنّ الأصل فی الفقّاع أن یتّخذ من ماء الشعیر کما ذکره فی الانتصار لکن لمّا ورد النهی معلّقاً علی التسمیة ثبت له ذلک، سواء عمل منه أم من غیره إذا حصل فیه خاصّیته، و هو النشیش (1). و نحوه فی الروضة (2).
و عن السیّد المرتضی: أنّه نقل عن أبی هاشم الواسطی أنّ الفقّاع نبیذ الشعیر، فإذا نشّ فهو خمر (3). و فی کشف الغطاء: أنّه یعتبر فیه أن یوضع فی محلٍّ حتّی یحدث فیه فوران و نشیش (4). و فی حاشیة المدارک: أنّ الحرمة و النجاسة یدوران مع الاسم و الغلیان دون الإسکار (5). و فی شرح المفاتیح: أنّ نجاسته و إن لم یکن مسکراً هو المعروف من أصحابنا؛ لتعلیق الحکم علی الاسم و إطلاق الخمر علیه منوطاً (6)بالغلیان (7).
و جزم به فی الحدائق (8)مستدلًا بمصحّحة ابن أبی عمیر: «قال: کان یعمل لأبی الحسن علیه السلام الفقّاع فی منزله، قال ابن أبی عمیر: و لم یعمل فقّاعٌ یغلی» (9)و نحوها روایةٌ أُخری.
1) روض الجنان: 164.
2) الروضة البهیّة 1: 287.
3) الانتصار: 421.
4) کشف الغطاء: 172.
5) لا یوجد لدینا، و حکاه عنها السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 142.
6) کذا، و المناسب: «منوطٌ».
7) مصابیح الظلام (مخطوط): الورقة 241.
8) الحدائق 5: 120 121.
9) الوسائل 17: 305، الباب 39 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث الأوّل.
و فی مصحّحة ابن یقطین: «فی شرب الفقّاع الذی یعمل فی السوق لا یدری کیف یعمل و لا متی عمل، أ یحلّ لی أن أشتریه؟ (1)قال: لا أُحبّه» (2)فإنّ ظاهر قوله: «و لا متی عمل» أنّ الحرام منه ما یبقی حتّی یحصل له فوران.
و علی أیّ حال، فظاهر النصوص و معاقد الإجماع: عدم اعتبار الإسکار فیه، و قد نسبه فی الحدائق إلی ظاهر الأصحاب (3)، و تقدّم فی شرح المفاتیح: أنّ نجاسته و إن لم یکن مسکراً هو المعروف.
و یؤیّده: عدّ الفقّاع فی کلامهم نجساً علی حدةٍ غیر المسکرات، و عن الغنیة: کلّ شرابٍ مسکرٍ نجسٌ، و الفقّاع نجس بالإجماع (4)، و عدّ فی الوسیلة من النجاسة الخمر و کلّ شراب مسکر و الفقّاع (5).
بل المصرّح به فی مجمع البحرین و کشف الغطاء کونه ممّا لا یسکر، قال فی الأوّل: هو شیءٌ یتّخذ من ماء الشعیر، و لیس بمسکر، لکن ورد النهی عنه (6). و فی الثانی: أنّه شراب مخصوص غیر مسکر متّخذ من الشعیر غالباً (7). و فی تحفة الطبّ: أنّه من الأنبذة و لا یسکر (8).
و لکنّ الإنصاف: أنّ ظاهر الأخبار الدالّة علی أنّها خمر أو بمنزلتها (1)اعتبار الإسکار فیه، سیّما بملاحظة ما دلّ علی: أنّ اللّٰه لم یحرّم الخمر لاسمها و إنّما حرّمها لعاقبتها، فما کان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر (2)، إلّا أن یلتزم بأنّه یحصل منه فتور و إن لم یبلغ حدّ السکر.
قال فی کشف الغطاء: و لیس ماء الشعیر الذی یتعاطاه الأطبّاء للدواء منه؛ لأنّ الظاهر أنّه یحصل منه فتور لا یبلغ حدّ السکر و لیس ذلک فی ماء الشعیر (3).
بقی الکلام فی أنّ الظاهر من بعض ما تقدّم: اختصاص الفقّاع فی البیان من ماء الشعیر دائماً أو غالباً، و علیه لا وجه لتعمیم الفقّاع فی الأدلّة لما عداه. و دعوی وضعها للقدر المشترک بین الکلّ ممنوع، إلّا أن یقال بعدم الاختصاص وضعاً و لا انصرافاً.
[حکم المُسوخات (1)] الأقوی طهارة عین المسوخات و لعابها وفاقاً للمشهور، بل المجمع علیه کما ستعرف؛ للأصل و العمومات الدالّة علی طهارة سؤر کلّ حیوان من السباع و الوحش ما عدا الکلب کما فی روایة البقباق المتقدّمة فی باب السؤر (2)خرج عنه الخنزیر، و خصوص ما دلّ علی طهارة سؤر السباع الذی بعضها من المسوخ (3)، و ما دلّ علی طهارة میتة ما لا نفس له (4)و منه الزنبور و العنکبوت و الجراد و الوزغ و العقرب، و ما دلّ علی جواز التمشّط بالعاج (5)و هو من المسوخ، و ما دلّ علی استعمال وبر الأرانب (6)، و ما دلّ
1) العنوان منّا.
2) انظر الوسائل 1: 163، الباب الأوّل من أبواب الأسآر، الحدیث 4. و راجع الجزء الأوّل: 372.
3) انظر الوسائل 1: 163، الباب الأوّل من أبواب الأسآر، الحدیث 6.
4) الوسائل 2: 1051، الباب 35 من أبواب النجاسات.
5) الوسائل 1: 427، الباب 72 من أبواب آداب الحمّام.
6) الوسائل 3: 258 259، الباب 7 من أبواب لباس المصلّی، الحدیث 3 و 5.
علی طهارة سؤر مطلق الطیر (1)و منه الطاوس و الوطواط، و ما دلّ علی طهارة العقرب و الوزغ و الفأرة التی عدّت من المسوخ (2). هذا کلّه، مضافاً إلی السیرة القطعیّة فی بعضها.
خلافاً للمحکیّ عن المبسوط، فقال: لا یجوز بیع الأعیان النجسة کالکلب و الخنزیر و جمیع المسوخ (3)، انتهی. و الظاهر عطف الجمیع علی المثال لا الممثّل.
و عنه فی کتاب الأطعمة من الخلاف: أنّ المسوخ کلّها نجسة (4). و عن الإیضاح فی کتاب الصید: نسبة القول بالتنجیس إلی المفید و الشیخ فی الخلاف و ابن حمزة و سلّار (5). و عن غایة المرام: أنّ أکثر المتقدّمین علی منع بیع المسوخ؛ بناءً علی نجاستها، و أکثر المتأخّرین علی الجواز (6).
و ربما احتمل استفادة القول بالنجاسة من بعض هؤلاء من جهة قوله بنجاسة لعاب المسوخ؛ فإنّ المحکیّ عن ابن حمزة و سلّار فی الوسیلة (7)و المراسم (8)و عن الإصباح (9): نجاسة اللعاب.
کما احتمل فی کلام الشیخ إرادة النجاسة اللغویّة بمعنی الخباثة الموجبة لثبوت بعض أحکام النجاسة، و یشهد له مضافاً إلی ما عنه فی الخلاف: من جواز التمشّط بالعاج و أخذ المداهن منه مدّعیاً علیه الإجماع (1)ما عنه فی الاقتصاد: أنّ غیر الطیر علی ضربین: نجس العین و نجس الحکم، فنجس العین هو الکلب و الخنزیر؛ فإنّه نجس العین نجس السؤر نجس اللعاب. و ما عداه علی ضربین: مأکول و غیر مأکول، فما لیس بمأکول کالسباع و غیرها من المسوخات مباح السؤر و نجس الحکم (2)، انتهی.
و کیف کان، فما تقدّم من الأدلّة کافٍ فی طهارة عینها و سؤرها و لعابها.
و ممّا ذکرنا من الأدلّة یظهر الوجه فی طهارة الثعلب و الأرنب و الفأرة و الوزغة، مضافاً إلی ما دلّ علی جواز تذکیة الأوّلین (3)، و الروایات الخاصّة فی الأخیرین (4).
خلافاً للمحکیّ عن الشیخ فی موضعٍ من المبسوط، فجعل الأمر معه (5)کالکلب و الخنزیر فی وجوب إراقة ما باشرته من المیاه و غسل ما مسّته بیبوسة (6). و عن الوسیلة: الکلب و الخنزیر و الثعلب و الأرنب و الفأرة
و الوزغة و جسد الذمّی و الکافر و الناصب یجب غسل ما مسّ هذه رطباً و رشّه یابساً (1).
و للمحکیّ عن المقنعة، فجعل الأخیرین کالکلب و الخنزیر فی غسل ما مسّاه برطوبة و رشّ ما مسّاه بیبوسة (2)، و نحوه ما عن المراسم (3).
و للمحکیّ عن الحلبیّین فی نجاسة الأوّلین (4)، و عن الغنیة: الإجماع علیه (5).
و للمحکیّ عن القاضی، فألحق الوزغة (6).
و المستند فی الکلّ لو صحّت الحکایات عِدّةٌ من الروایات: ففی المرسل: «سألته عن الرجل یمسّ الثعلب و الأرنب أو شیئاً من السباع حیّاً أو میّتاً؟ قال: لا یضرّه، و لکن یغسل یده» (7).
و فی المصحّح: «عن الفأرة الرطبة قد وقعت فی الماء یمشی علی الثیاب، أ یصلّی فیها؟ قال: اغسل ما رأیت من أثرها، و ما لم تره فانضحه بالماء» (8).
و الخبر المروی من قرب الإسناد: «عن الفأرة و العقرب و أشباه ذلک یقع فی الماء؟ قال: یسکب منه ثلاث مرّات، و قلیله و کثیره بمنزلةٍ واحدة، ثمّ یشرب و یتوضّأ منه، غیر الوزغ فإنّه لا ینتفع بما یقع» (1)، و نحوه ما عن الرضوی (2).
و لا یخفی أنّ ذلک کلّه معارض بالعمومات (3)و الخصوصات فی طهارة الأربعة المذکورة (4).
و أضعف من الکلّ: القول بنجاسة لبن الجاریة کما عن الإسکافی (5)للعلوی الضعیف المعلَّل بعلّةٍ ضعیفة مشعرةٍ بالاستحباب، و هی: أنّ لبنها تخرج من مثانة أُمّها (6).
و أضعف من الکلّ: نجاسة ذرق الدجاج، و قد تقدّم فی البول و الغائط (7).
و أفرط من الکلّ فی الضعف: احتمال نجاسة الحدید، أو تخیّل حسن الاحتیاط، کما حکی عن بعض المتورّعین: أنّه کان یجتنب أکل الجزء المقطوع من البطّیخ بالحدید (8).
1) لم نقف علیه فی قرب الإسناد، و إنّما هو فی التهذیب 1: 238، الحدیث 690، و الاستبصار 1: 24، الحدیث 59، و فیهما: «بما یقع فیه».
2) الفقه المنسوب إلی الإمام الرضا علیه السلام: 93.
3) تقدّمت فی الصفحة 208.
4) تقدّمت أیضاً فی الصفحة 208.
5) حکاه عنه العلّامة فی المختلف 1: 460.
6) الفقیه 1: 68، الحدیث 157.
7) راجع الصفحة 31.
8) حکاه المحدّث البحرانی فی الحدائق 5: 233.
نعم، لا بأس بالحکم باستحباب غسل الید أو مسّه لخباثةٍ باطنیّة فیه، المعبّر عنها فی الأخبار ب «النجاسة» لموثّقة عمّار: «فی الرجل إذا قصّ أظفاره بالحدید أو أخذ من شعره و حلق قفاه، فإنّ علیه أن یمسحه بالماء قبل أن یصلّی، قلت: فإن صلّی و لم یتمسّح ذلک بالماء؟ قال: یمسح بالماء و یعید الصلاة؛ لأنّ الحدید نجس» (1)و قریب منها موثّقته الأُخری (2). و فی روایة أبی بصیر عن الصادق علیه السلام عن أمیر المؤمنین علیه السلام: «لا تجوز الصلاة فی شیءٍ من الحدید؛ فإنّه نجس ممسوخ» (3)و هی علی ظاهرها مخالفةٌ للسیرة الکاشفة عن کون الطهارة من الضروریّات عند العوام و الخواص.
[أحکام النجاسات (1)]
(و یجب) بالوجوب الشرطی أو التکلیفی (إزالة النجاسة (2)) مع الإمکان (عن الثوب و البدن) المتنجّسین (للصلاة) بالإجماع المحقّق فی الجملة و بالکتاب (3)و السنّة المتواترة (4).
و لو کانت النجاسة ملاصقة لهما مع عدم تأثّرهما لم تجب الإزالة، إلّا إذا منعنا عن حمل النجاسة کما سیأتی (5).
و ذکر الثوب من باب المثال؛ فإنّ الواجب إزالة النجاسة عن کلّ ما یصلّی فیه؛ لما یستفاد من النصّ و الفتوی: من عدم جواز الصلاة فی النجس.
ففی مکاتبة خیران الخادم المتقدّمة فی مسألة الخمر فی الثوب الذی
أصابه خمر، قوله علیه السلام: «لا تصلّ فیه فإنّه رجس» (1)دلّ بمقتضی التعلیل علی عدم جواز الصلاة فی کلّ رجس.
و قوله علیه السلام فی روایة أبی بصیر المتقدّمة فی طهارة الحدید-: «لا تصلّ فی شیءٍ من الحدید، فإنّه نجس ممسوخ» (2)فإنّه و إن کان النهی للتنزیه و المراد بالنجاسة «الخباثة»، إلّا أنّه یستفاد منه ثبوت حرمة الصلاة فی النجس الحقیقی.
و قوله علیه السلام فی روایة وهب بن وهب: «السیف بمنزلة الرداء تصلی فیه ما لم ترَ فیه دماً» (3)بناءً علی عدم دخول السیف فی ما لا یتمّ الصلاة فیه.
و أوضح منها الأخبار الآتیة فیما لا یتمّ الصلاة فیه (4)، فإنّ الظاهر کون ذلک کالاستثناء من کلّیة المنع عن الصلاة فی النجس، مع أنّهم عدّوا من ذلک الخاتم و الدملج و الخلخال و السیف و السکّین.
و الحاصل: أنّ الظاهر من النصّ و الفتاوی أنّ المناط فی بطلان الصلاة صدق الصلاة فی النجس إلّا ما ثبت استثناؤه، کما سیأتی فی مسألة ما لا تتمّ الصلاة فیه (5).
1) الوسائل 2: 1055، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحدیث 4، و قد تقدّمت فی الصفحة 164.
2) رواها موسی بن أکیل عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام بلفظ «لا تجوز الصلاة فی شیء من الحدید ..» راجع الوسائل 2: 1102، الباب 83 من أبواب النجاسات، الحدیث 7، و قد تقدّمت فی الصفحة 213.
3) الوسائل 2: 1101، الباب 83 من أبواب النجاسات، الحدیث 3.
4) الوسائل 3: 272، الباب 14 من أبواب لباس المصلی.
5) یأتی فی الصفحة 253.
و حینئذٍ فلو قلنا بجواز حمل النجس، فلا بدّ فی معرفة ما یصلّی فیه و تمییزه عن المحمول من الرجوع إلی العرف، فتراهم یفرّقون بین الخاتم و الثوب الملفوف الکائن مع المصلی، فلو حمل عمامةً تحت إبطه لم یصدق أنّه صلّی فیها. و الظاهر أنّ العصابة المشدودة علی الأعضاء ممّا یصلّی فیه دون المحمول.
نعم، تزول الحاجة إلی التمییز بین المحمول و ما یصلّی فیه إذا قلنا بالعفو عن قذارة کلّ ما لا تتمّ الصلاة فیه، سواء کان من الملابس أم من غیرها؛ لأنّ ما تتمّ به الصلاة داخل فی الثیاب قطعاً، و غیره معفوّ عنه بالفرض. کما تزول الحاجة أیضاً إذا قلنا بالمنع عن المحمول کما عن المبسوط (1)و الإصباح (2)و السرائر (3)و الجواهر (4)و الجامع (5)و جملة من کتب المصنّف قدّس سرّه (6)و الموجز (7)و ظاهر البیان (8)، حیث حکموا بفساد الصلاة بحمل قارورة مشدودة الرأس فیها نجاسة.
و لم یظهر لهم مستند عدا ما ربما یظهر من المرویّ عن قرب الإسناد
عن علیّ بن جعفر، عن أخیه علیه السلام، قال: «سألته عن الرجل یمرّ بالمکان فیه العذرة فتهبّ الریح فتسفی [علیه من العذرة (1)] فتصیب ثوبه و رأسه، أ یصلیّ فیه قبل أن یغسله؟ قال: نعم فینفضه و یصلّی .. إلخ» (2)فإنّها ظاهرة فی وجوب النفض.
و نحوه ما ورد فی فأرة المسک إذا کان (3)مع المصلی، قال: «لا بأس إذا کان ذکیّاً» (4)أمّا بناءً علی أنّ المراد النظافة عن النجاسة العرضیّة فیثبت المطلوب، و أمّا بناءً علی إرادة الذکاة فی مقابلة المأخوذة من میّت بناءً علی نجاسة الفأرة إذا أُخذت من میتة فیدلّ علی عدم جواز استصحاب المیتة، و یلزمه بعدم القول بالفصل المنع عن استصحاب غیرها من النجاسات، إلّا أن یلتزم بالفرق؛ بناءً علی أنّ المنع عن المیتة لیس لنجاسته؛ و لذا منع عنها من یطهّرها بالدباغ، کالإسکافی (5). و حکی فی المقاصد العلیّة عن بعضٍ: المنع من الصلاة فی جلد السمک المیتة مع طهارته، و إن ردّه بعدم الدلیل (6).
و منه یظهر سقوط الاستدلال علی المدّعی بالروایة: «عن الرجل
1) من الوسائل.
2) الوسائل 2: 1036، الباب 26 من أبواب النجاسات، الحدیث 12، و لم نقف علیه فی قرب الإسناد. نعم، رواه علیّ بن جعفر فی کتابه: 155، الحدیث 214.
3) کذا، و المناسب: «کانت».
4) الوسائل 3: 315، الباب 41 من أبواب لباس المصلی، الحدیث 2.
5) نقله عنه المحقّق فی المعتبر 1: 463، و العلّامة فی المنتهی 3: 352.
6) المقاصد العلیّة: 98.
یصلّی و معه دَبّة (1)من جلد حمار میّت (2)؟ قال: لا یصلح أن یصلّی» (3).
و کیف کان، فالمسألة محلّ إشکال؛ لعدم نهوض ما ذکر لإتمام المطلب؛ و لذا أفتی المحقّق فیما حکی عن المعتبر بالجواز (4)، و تبعه جماعة، منهم المحقّق الثانی (5).
إلّا أنّ الإنصاف: أنّ عدم الجواز لا یخلو عن قوّة؛ لصدق الصلاة فی الشیء إذا کان محمولًا؛ فإنّ الظاهر من لفظة «فی» و إن کان هو التلبّس بالشیء و استعماله، إلّا أنّ التتبّع فی استعماله فی الأخبار یشهد بأنّ المراد الأعمّ منه و من المصاحبة.
و یشهد له ما تقدّم: من روایة الصلاة فی السیف (6)و موثّقة ابن بکیر فی باب اللباس، قوله: «فالصلاة فی بوله و روثه» (7)و قوله علیه السلام: «لا تصلّ فی مندیل غیرک و صلّ فی مندیلک» (8)و هذا یؤیّد أصل المطلب؛
1) الدَّبَّة: «وعاءٌ یوضع فیه الدُّهن و نحوه». مجمع البحرین 2: 55، مادّة «دبب».
2) کلمة «میّت» لم ترد فی الوسائل و لا فی الفقیه، و فیهما زیادة: أو بغل.
3) الوسائل 3: 337، الباب 60 من أبواب لباس المصلی، الحدیث 2 و 3.
4) المعتبر 1: 443.
5) الموجود فی جامع المقاصد (1: 185) خلاف ذلک، و إن نسبه إلیه فی مفتاح الکرامة. نعم، تبع المحقّق فی القول بالجواز السیّد العاملی فی المدارک 2: 323، و المحقّق السبزواری فی الذخیرة: 161، و الصیمری و صاحب الدلائل، علی ما فی مفتاح الکرامة 1: 164.
6) هی روایة وهب بن وهب المتقدّمة فی الصفحة 216.
7) الوسائل 2: 1010، الباب 9 من أبواب النجاسات، ذیل الحدیث 6.
8) الوسائل 3: 325، الباب 49 من أبواب لباس المصلی، الحدیث 2.
فإنّ النهی و إن کان محمولًا علی التنزیه، إلّا أنّ الظاهر منه ملاحظة احتمال النجاسة، فیدلّ علی المنع لو علم نجاسته. و أوضح منه ما دلّ علی جواز الصلاة فی خرقة الحنّاء إذا کانت طاهرة (1).
(و) یجب إزالة النجاسة ل (الطواف) الواجب و المندوب؛ لأنّها صلاة، لا لأنّ الطائف فی المسجد.
(و) عن (المساجد (2)) بلا خلاف علی الظاهر المصرّح به فی محکیّ الخلاف (3)و السرائر (4)و نهج الحقّ (5)و المفاتیح (6). و عن الذخیرة عن الشهید: أنّ الظاهر کونه إجماعیّاً (7). و عن اللوامع: حکایة الإجماع عن العاملی (8)، و الظاهر أنّه أراد به الشهید.
و الأصل فیه: قوله تعالی إِنَّمَا الْمُشْرِکُونَ نَجَسٌ فَلٰا یَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ (9)فرّع حرمة دخولهم المسجد علی نجاستهم، و قد مرّ فی نجاسة الکافر: أنّ المراد بها هنا و لو بالقرینة النجاسة الشرعیّة (10)، فدلّت علی المنع من إدخال کلّ نجس.
1) الوسائل 3: 312، الباب 39 من أبواب لباس المصلی، الحدیث 2.
2) فی الإرشاد: «دخول المساجد، و عن الآنیة للاستعمال».
3) الخلاف 1: 518، المسألة 260.
4) السرائر 1: 163.
5) نهج الحقّ: 436.
6) المفاتیح 1: 74.
7) الذخیرة: 156، ذکری الشیعة 3: 129.
8) اللوامع للنراقی (مخطوط)، لا یوجد عندنا.
9) التوبة: 28.
10) راجع الصفحة 100 101.
و فی النبویّ صلّی اللّٰه علیه و آله: «جنّبوا مساجدکم النجاسة» (1)بناءً علی أنّ الظاهر إرادة هذا المعنی، دون مسجد الجبهة و دون موضعها من الأرض؛ تسمیةً للصلاة باسم أشرف أجزائها.
و فی صحیحة الثمالی عن أبی جعفر علیه السلام: «أوحی اللّٰه إلی نبیّه أن طهّر مسجدک، و أخرج منه من یرقد فیه باللیل، و مر بسدّ الأبواب» (2).
هذا کلّه، مع ما علم من الشرع: من وجوب تعظیم المساجد، کما یستفاد من أحکام المساجد و آداب دخولها.
و منه یعلم وجوب إزالتها من الضرائح المقدّسة و المصاحف مع ما علم من زیادة احترام المصاحف علی المساجد، و کذا المشاهد؛ بناءً علی ما یظهر من الأخبار: من أنّ کلّ مسجد کان مکاناً أصابه دم نبیٍّ أو وصیٍّ صلوات اللّٰه و سلامه علی جمیع الأنبیاء و الأوصیاء فأحبّ اللّٰه أن یذکر فیه (3)، فاحترامه یستلزم احترام مدفن النبیّ و الوصیّ صلوات اللّٰه و سلامه علیهما بطریق أولی.
نعم، لو قلنا: بأنّ وجوب الإزالة عن المسجد لیس للاحترام بل لحکمة الأمن عن تنجیس المصلّین؛ فإنّه موضع أُعدّ للصلاة، لم یتعدّ إلی غیره، و احتیج فی إثبات الحکم فی المشاهد و المصاحف إلی دلیل آخر، و لم نعثر علیه عدا ما ربما یظهر من الشهید الثانی: من وجوب تعظیمهما و احترامهما (4).
و فیه: أنّ المسلّم حرمة الإهانة و الاستخفاف، و أمّا التعظیم فمراتبه مختلفة غیر محصورة، و لا دلیل علی وجوب الأعلی بناءً علی تسهیل الأمر علی العباد، و إلّا فاللازم عقلًا و شرعاً هو الاحترام فوق ما یتصوّر، إلّا أنّا نقول: کما لا یحرم ترک بعض الاحترامات، فلم یصل من الشرع ما یدلّ علی وجوب هذا الاحترام؛ و لذا لم یُفتِ المشهور بحرمة دخول الجنب فی المشاهد و حرمة مسّ جلد المصحف.
و لکنّ الإنصاف: أنّ المرکوز فی أذهان المسلمین من مقدار احترامهما یقتضی وجوب الإزالة، فتأمّل.
هذا فی غیر خطّ المصحف، و أمّا فیه فلا إشکال فی وجوب الإزالة بفحوی حرمة مسّ المحدث له.
ثمّ إنّه هل یختصّ المنع فی المساجد و ما الحق بها بالمتعدّیة، أم یعمّ غیرها؟ ظاهر الآیة و الروایة (1)هو الثانی، و فی اللوامع عن الکفایة: أنّه المشهور (2)، بل هو ظاهر معقد نفی الخلاف فی السرائر، بل صریحه حیث قال: لا خلاف بین الأُمّة کافّة فی أنّ المساجد یجب أن تنزّه و تجنّب النجاسات العینیّة، و قد أجمعنا بلا خلاف فی ذلک بیننا علی أنّ من غسّل میّتاً له أن یدخل المسجد و یجلس فیه فضلًا عن دخوله و مروره، فلو کان نجس العین لم یجز له ذلک (3)، انتهی.
و قرّره فی المعتبر علی الإجماع الأوّل و منع الإجماع الثانی، قال: فإنّا
نمنع الاستیطان کما نمنع من علی جسده نجاسة، و یقبح إثبات الدعوی بالمجازفات (1).
هذا مضافاً إلی السیرة المستمرّة فی إزالة النجاسات الغیر المتعدّیة عن المسجد، مثل العذرات الیابسة ..
للأصل (2)و عدم دلالة الآیة علی المدّعی بعد قوّة احتمال ورودها مورد الغالب من أنّ تجویز الدخول لهم کما کانوا علیه قبل نزول الآیة یستلزم سرایة النجاسة إلی المسجد قطعاً.
و أمّا النبویّ، فالمراد بالنجاسة فیه إمّا المصدر، یعنی: جنّبوا مساجدکم عن أن ینجّس، و إمّا الاسم، و علیه فهو ظاهر فی النجاسات العینیّة.
و کیف کان، فلا یدلّ علی تحریم إدخال المتنجّس مطلقاً، إلّا بالإجماع المرکّب.
و یمکن منعه؛ بناءً علی تخصیص المنع بعین النجاسة الملاصقة له أو لفرشه و إن لم یتعدّ إلیه، بناءً علی أنّه هتک لحرمته. و قد نقل عن العلّامة الطباطبائی المیل إلی الحرمة هنا و لو لم یتعدّ، فجعل المدار علی أحد الأمرین: التعدّی، أو هتک الحرمة (3).
مع أنّه ضعیف لا حجّیّة فیه، إلّا بمعونة الاتّفاقات المحکیّة الموهونة
بمصیر کثیر من المتأخّرین إلی الخلاف (1). کالإجماع المحکیّ عن الخلاف (2)، بل دعوی الإجماع المتقدّمة من الحلیّ علی جواز أن یجلس من غسّل میّتاً فی المسجد (3)، و إن أنکرها المحقّق بعد تسلیم الإجماع علی تحریم إدخال النجاسة مطلقاً بناءً منه علی تنافی الإجماعین، کما زعمه الحلیّ أیضاً. و نحن لا نسلّم التنافی، فنأخذ بروایة الحلیّ و نطرح درایته، شکر اللّٰه سعیه.
هذا، مضافاً إلی ما دلّ من الروایات علی جواز دخول الحائض المسجد، ففی صحیحة زرارة و محمّد بن مسلم عن أبی جعفر، قالا: «قلنا له: الحائض و الجنب یدخلان المسجد أم لا؟ قال: الحائض و الجنب لا یدخلان المسجد إلّا مجتازین» (4)و فی اخری: «لا بأس أن یمرّا فی سائر المساجد» (5).
و دعوی: إرادة بیان الجواز فی مقام توهّم المنع عن الدخول من حیث حدثی الجنابة و الحیض فلا ینافی المنع من حیث النجاسة، مسموعة لو لم تکن الحیثیّة الأُخری غالبة المصاحبة مع تلک الحیثیّة، و من المعلوم: أنّ بدن الحائض لا ینفکّ عن النجاسة إلّا نادراً، بل و کذا الجنب بناءً علی أنّ المتعارف عدم إزالة النجاسة عن الحشفة إلّا عند إرادة الاغتسال، کما یظهر
من الأخبار الواردة فی بیان کیفیّته (1)، فترک الاستفصال یفید العموم من هذه الحیثیّة بلا شبهة.
و یؤیّده بل یدلّ علیه-: ما ورد فی صحیحة معاویة بن عمّار فی المستحاضة، و فیها: «و إذا لم یثقب الدم الکرسف توضّأت و دخلت المسجد و صلّت کلّ صلاة بوضوء» (2).
لکن لا یبعد أن یراد بالمسجد هنا مصلّی المرأة فی بیتها، کما یلوح من صدر الروایة و غیرها من الروایات الأُخر الواردة فی أنّ المرأة إذا طمثت فی الصلاة تقوم من مسجدها (3)، فلاحظ.
و فی عدّة أخبار: أنّ المستحاضة تطوف بالبیت بعد العمل بما یجب علیها، ففی موثّقة عبد الرحمن ب «أبان»: «و کلّ شیءٍ استحلّت به الصلاة فلیأتها زوجها و لتطف بالبیت» (4)و ظاهره الطواف المندوب.
هذا کلّه، مضافاً إلی ما علم من السیرة علی عدم منع أصحاب القروح و الجروح و من به الدم القلیل عن الجمعة و الجماعات، و عدم منع الناس (5)عن المرور فی المساجد لأجل الأغراض الأُخر کالمرافعة کما فی زمان أمیر المؤمنین علیه السلام، و مذاکرة العلم کما فی زمان الصادق علیه السلام بالنسبة إلی المسجد الأعظم بالکوفة، إلی غیر ذلک من الأغراض و عدم تحریم تمکین الصبیان، مع أنّ الإنصاف یقتضی القطع بنجاستهم.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ المسجد یصدق علی أرضه و فضائه و سطحه و جدرانه ظاهرها و باطنها، و إن کان ظاهر تحریم «إدخال النجاسة» عدم تحریم تلویث ظواهر جدرانها من الخارج، إلّا أنّ معاقد الإجماعات یشملها.
و یلحق به فرشه کالبواری؛ و کذا الآنیة المخصوصة، و حکی عن ظاهر المدارک: الاتّفاق علیه (1)، قیل: و یشعر به عبارة مجمع البرهان (2)، و لعلّه لأنّه المتبادر من تجنیب المساجد من النجاسة، کما أنّ تجنیب الإنسان نفسه عنها یشمل تجنیب ثیابه و ما یلازمه غالباً أو دائماً.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ وجوب إزالة النجاسة عن المسجد علی الفور بلا خلاف ظاهراً. و عن المدارک و الذخیرة: نسبته إلی الأصحاب (3)، لا لأجل الأمر بل لقرینة المقام؛ حیث إنّ الحکمة فیه إمّا الاحترام، و إمّا من جهة کونه أُعدّ للصلاة، فإنّا نقطع بأنّ المراد من النبویّ (4)لیس هو مجرّد تجنیب المسجد عن النجاسة فی زمان من الأزمنة المستقبلة، مع أنّ المستفاد من الإجماع علی حرمة تنجیس المسجد (5)تنجیسها بمنع (6)إحداث النجاسة فیها هو تحریم إبقائها، بناءً علی ما هو الظاهر فی المقام: من أنّ المناط هو وجود النجاسة فیها، من دون فرق بین الوجود الأوّلی و الثانوی.
ثمّ إنّ الظاهر أنّه لا إشکال فی کونه کفائیّاً بالنسبة إلی من استجمع شرائط هذا التکلیف.
و یظهر ممّا عن الذکری وجوبه علی من أدخله (1). و لعلّ المراد أنّ فعل الغیر مسقطٌ، لا بدل. و لعلّه لاستصحاب الحرمة بالنسبة إلیه، فکما یحرم علیه الإحداث یحرم علیه الإبقاء؛ بناءً علی ما عرفت: من أنّ مناط الحرمة هو الوجود المشترک بین الحدوث و البقاء، و لکن هذا لا ینافی الوجوب الکفائی بالنسبة إلی من عداه، فکما أنّه یعاقب علی الوجود الأوّل یعاقب علی الوجود الثانی، فلو ترک الکلّ عوقبوا أجمع، هذا علی ترک الواجب العینی و من عداه علی ترک الکفائی، و لو فعله هذا سقط عن الباقی، لا من باب الإتیان بالواجب الکفائی. و کذلک العکس لو فعل الباقون سقط عنه من باب السقوط، لا البدلیّة. و وجوبه الکفائی ثابت علی تقدیر ترک من عیّن علیه، نظیر وجوب إنفاق الولد الفقیر عیناً علی والده و کفایةً علی سائر الناس.
و لکن التحقیق: عدم إمکان ذلک بالنسبة إلی العنوان الواحد المستفاد وجوبه من دلیل واحد، فإنّ المفروض أنّ الإزالة الواجبة علی من أدخل النجاسة واجبة بنفس أدلّة وجوب التجنّب الشامل لجمیع المکلّفین.
ثمّ إنّه لو اشتغل التارک للإزالة بعبادةٍ، بُنی صحّتها و فسادها علی النزاع المشهور فی مسألة الضدّ.
و یظهر من بعض مشایخنا (2)عدم ابتناء الصحّة علیه؛ لأنّ الفساد علی
تقدیر حرمة الضدّ فرع وجود الدلیل علی فوریّة وجوب الإزالة حتّی فیما إذا اشتغلت ذمّته بواجب موسّع، و هو ممنوع؛ فإنّ الدلیل إن کان هو الإجماع فلم یثبت، و إن کان دلیلًا لفظیّاً فهو معارض بما دلّ علی عموم وجوب ذلک الموسّع، و مع فقد المرجّح یثبت التخییر، و لازمه الصحّة. نعم، لو ارتکب مباحاً یکون علیه حراماً.
و فیه ما لا یخفی؛ فإنّ منع الإجماع علی الفوریّة فی مقام اشتغال الذمّة بواجب موسّع إن کان من جهة مجرّد اشتغال الذمّة فلا تعارض بینهما؛ لأنّ دلیل الواجب الموسّع کدلیل إباحة الشیء إنّما یفید جواز فعله من حیث هو، فلا ینافیه عروض الحرمة من جهة منافاته لواجب مضیّق؛ و لذا لا یعارض بأدلّة (1)فوریّة الواجبات علی القول باقتضاء الأمر بالشیء النهی عن الضدّ الخاصّ بأدلّة إباحة المباحات. و إن کان المنع من جهة خصوصیّة أُخری غیر اشتغال الذمّة فهو منعٌ للفوریّة، کما یشهد به إطلاقات کلمات المجمعین و نقلة الإجماع.
و ممّا ذکرنا یظهر فساد التعارض بین ما دلّ علی فوریّة الوجوب و ما دلّ علی عموم الوجوب لجمیع أزمنة الواجب الموسّع، کفساد أخذه بینه و بین أدلّة إباحة الضدّ فی غیر العبادات؛ مع أنّ التعارض لا یجدی فی المقام بعد استفادة الفوریّة من مساق الوجوب؛ لأنّ إلغاء الفوریّة یکون کإلغاء القید دون المقیّد، و إلغاء أصل الوجوب خلاف الإجماع.
هذا، مع أنّ ما ذکره: من التخییر المقتضی للصحّة فاسد؛ لأنّ المدار فی العموم من وجه علی التوقّف فی مادّة الاجتماع و الرجوع إلی الأُصول،
1) کذا، و الظاهر: «أدلّة».
و الأصل هنا فساد الواجب الموسّع؛ للشکّ فی تعلّق الأمر به، و أمّا الإزالة فهی مباحة قطعاً؛ لعدم فوریّة الضدّ الموسّع، مع أنّ صحّتها لا یتوقّف علی إباحتها، مع أنّه لو سلّمنا التخییر فهو لا یقتضی الصحّة؛ لأنّ الفرض التخییر بین البناء علی فوریّة وجوب الإزالة حتّی یحکم بالفساد و بین البناء علی وجوب الواجب الموسّع و عدم فوریّة الإزالة حتّی یحکم بالصحّة، فلا بدّ من اختیار المجتهد أو المقلّد لأحدهما، و لیس هذا من باب التخییر بین فعل الإزالة و فعل الصلاة حتّی یصحّ الصلاة.
(و عفی فی الثوب و البدن عن دم القروح و الجروح اللازمة) و هی التی لم تبرء کما عن المحقّق الثانی (1)أو المستمرّة الجروح بحیث لا ینقطع أصلًا أو ینقطع زماناً لا یسع لأداء الفریضة مع إزالتها کما فسّره فی الروض (2).
و اعتبار الاستمرار بهذا المعنی کأنه مذهب الأکثر، کما فی مفتاح الکرامة، قال: إنّ الظاهر من کلام الأکثر أنّ المدار علی المشقّة و الحرج، و کلامهم یعطی لزوم الاستمرار علی وجهٍ لا یتیسّر الصلاة بدون الدم، فیکون حالهما حال صاحب السلس و المبطون و المستحاضة و دائم النجاسة (3)، انتهی.
و ما استظهره من عبائر الأکثر هو الظاهر منها فی أوّل النظر، ففی المقنعة: اعتبار سیلان الدم (4)، و عن المراسم: دم القروح إذا شقّ إزالته و لم
یقف سیلانه (1)، و عن السرائر: اعتبار المشقّة (2)، و عن الوسیلة و کشف الالتباس: القروح الدامیة و الجروح اللازمة (3)، و عن الخلاف و الغنیة: اعتبار اللزوم فی القروح و الجروح (4).
و المراد باللزوم کما عن التذکرة (5)لزوم الدم، و فسّر به فی الروض عبارة المصنّف (6).
و فی الشرائع و الدروس و البیان و الذکری: اعتبار عدم الرقإ (7)، و الرقأ هو: انقطاع الدم و سکونه، کما عن المسالک و المدارک (8).
و لعلّ هذا کلّه للاقتصار فی مخالفة الأصل علی المتیقّن من النصّ و الفتوی؛ و لذا زاد المصنّف فی النهایة علی ما حکی اعتبار الضرورة فی العفو و أوجب إبدال الثوب مع الإمکان محتجّاً بزوال المشقّة (9). و کأنّه لمضمرة سماعة، قال: «سألته عن الرجل به القرح و الجرح لا یستطیع أن یربط و لا یغسل دمه؟ قال: یصلّی و لا یغسل ثوبه کلّ یوم إلّا مرّة، فإنّه لا یستطیع أن یغسل ثوبه کلّ ساعة» (10).
1) المراسم: 55.
2) السرائر 1: 176، و قد عبّر بلفظ: «لا یمکنه التحرّز».
3) الوسیلة: 77، و کشف الالتباس 1: 453.
4) الخلاف 1: 476، المسألة 220، و الغنیة: 41.
5) التذکرة 1: 73.
6) روض الجنان: 165.
7) الشرائع 1: 53، و الدروس 1: 126، و البیان: 95، و الذکری 1: 137.
8) المسالک 1: 124، و المدارک 2: 308.
9) نهایة الإحکام 1: 286.
10) الوسائل 2: 1029، الباب 22 من أبواب النجاسات، الحدیث 2.
و عن مستطرفات السرائر عن البزنطی عن العلاء عن محمّد بن مسلم، قال، قال: «إنّ صاحب القرحة التی لا یستطیع ربطها و لا حبس دمها یصلّی و لا یغسل ثوبه فی الیوم أکثر من مرّة» (1).
دلّت الموثّقة بمقتضی تعلیلها و المضمرة بمفهوم قیدها علی أنّ الوجه فی عدم وجوب غسل الثوب أزید من المرّة هو عدم تیسّره، فدلّ علی وجوب الإزالة إذا تیسّرت بغیر الغسل کالإبدال، و علی وجوب الإزالة إذا کان له زمان فتور الدم لو کان له فترة، کما فی الذکری (2)و کشف اللثام (3)و عن المعتبر (4)و کشف الالتباس (5).
خلافاً للمحکیّ عن الشیخ فی النهایة (6)و المحقّق و الشهید الثانیین (7)و جماعة (8)، بل نسبه بعض إلی الأکثر تارةً و إلی المشهور اخری (9)، فلم یعتبروا فی ظاهر کلامهم استمرار الجریان و لا إبدال الثوب و لا مراعاة الفترات؛ لکثیر من الروایات المطلقة، مثل روایة أبی بصیر، قال: «دخلت
علی أبی جعفر علیه السلام و هو یصلّی، فقال لی قائدی: إنّ فی ثوبه دماً، فلمّا فرغ قلت له: أخبرنی قائدی أنّ بثوبک دماً، فقال لی: إنّ بی دمامیل و لست أغسل ثوبی حتّی تبرأ» (1)فإنّ الظاهر بل المقطوع تمکّن الإمام علیه السلام من إزالة الدم عن الثوب و من إبداله، و المتعارف من الدمامیل ما لها فترة أحیاناً بل فی کثیر من الزمان.
و فی روایة سماعة: «إذا کان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه، فلا یغسله حتّی یبرأ و ینقطع الدم» (2). و المراد بالسیلان لیس استمرار الجریان بمعنی عدم الفترة، بل المراد ما لم ینقطع عنه الدم بل یسیل أحیاناً فی مقابل ما اندمل أو أشرف علی الاندمال، فإطلاق المشتقّ إنّما هو باعتبار الملکة دون الحال، أو باعتبار کون التلبّس بالمبدإ أکثریّاً.
و صحیحة لیث المرادی، قال: «قلت لأبی عبد اللّٰه علیه السلام: الرجل یکون به الدمامیل و القروح، فجلده و ثیابه مملوّة دماً و قیحاً، و ثیابه بمنزلة جلده؟ فقال: یصلّی فی ثیابه و لا یغسلها و لا شیء علیه» (3).
و موثّقة عبد الرحمن، قال: «قلت لأبی عبد اللّٰه علیه السلام: الجرح یکون فی مکان لا یقدر علی ربطه، فیسیل منه الدم و القیح فیصیب ثوبی؟ فقال: دعه، و لا یضرّک أن لا تغسله» (4).
و صحیحة محمّد بن مسلم: «عن الرجل یخرج منه القروح فلا تزال
تدمی، کیف یصلّی؟ قال: یصلّی و إن کانت الدماء تسیل» (1)و المراد بقوله: «لا تزال» تکرّر الخروج دفعة بعد دفعة لا استمرار الجریان و اتّصال الدم، و هو نظیر قولهم: «لا یزال فلان یتردّد إلی بیت فلان، أو یقول هذا القول» و یشهد له قوله علیه السلام: «و إن کانت الدماء تسیل» فإنّ الظاهر کونه من بعض الأفراد الخفیّة للمسألة، لا کونه نفس المسألة، فالمعنی: یجوز لهذا الشخص الذی به جروح لا تزال تدمی الصلاة فی جمیع الأحوال حتّی حال سیلان الدم، فافهم.
و فی روایة الجعفی، قال: «رأیت أبا جعفر علیه السلام یصلّی و الدم یسیل من ساقه» (2)و الظاهر أنّ ما کان بالإمام علیه السلام کان من الجروح المتعارفة دون ما لا یزال یسیل منه الدم.
و موثّقة عمّار: «عن الدمامیل تکون بالرجل فتنفجر و هو فی الصلاة؟ قال: یمسحه و یمسح یده بالحائط أو بالأرض و لا یقطع الصلاة» (3)لم یستفصل علیه السلام بین الکثیر و القلیل، مع أنّه حکم فی غیر واحد من الأخبار بانقطاع الصلاة بالرعاف إذا لم یقدر علی إزالته فی الصلاة (4).
و کیف کان، فظاهر هذه الروایات کون الأمر فی هذا الدم أسهل ممّا تقدّم عن المحقّق و المصنّف و الشهید و غیرهم (5).
ثمّ لا یبعد حمل کلمات أکثر من تقدّم النقل عنه علی ما حملنا علیه الأخبار، فیکون المراد بالقروح و الجروح اللازمة فی محکیّ الخلاف و الغنیة الذی هو معقد الإجماع هی التی لم تبرأ، کما تقدّم عن المحقّق الثانی تفسیر اللزوم به فی کلام المصنّف هنا (1)و إن اعترضه فی الروض: بأنّ هذا لیس مذهباً للمصنّف (2)، إلّا أنّ هذا الاعتراض غیر وارد کما اعترف به ولده فی المعالم منتصراً للمحقّق الثانی: بأنّ الظاهر من هذا الوصف إرادة کون الجرح باقیاً غیر مندمل، و مجرّد کون العلّامة قدّس سرّه لم یصرّح بهذا القول فی غیر هذا الکتاب لا یسوّغ حمل اللفظ علی خلاف ظاهره، سیّما مع ما هو معلوم من حال العلّامة قدّس سرّه: من عدم الالتزام بالقول الواحد فی الکتاب الواحد فضلًا عن الکتب المختلفة (3)، انتهی.
و کذا یمکن حمل «الدامیة» فی کلام من اعتبرها علی معنی «السائلة» الذی تقدّم فی تفسیر روایة سماعة المتقدّمة (4): من کون إطلاق المشتقّ باعتبار کون التلبّس بالمبدإ أکثریّاً أو باعتبار التلبّس بالملکة، فیکون مقابلًا لما خرج عنه هذا الوصف بأن جفّ رطوباته و أشرف علی الاندمال.
و بهذا الوجه یظهر أنّ ما مرّ عن التذکرة: من أنّ المراد باللزوم لزوم الدم (5)، بمعنی عدم انقطاعه رأساً، لا استمرار الجریان و اتّصاله حتّی تنافی ما استظهرناه فی تفسیر «اللازمة» تبعاً للمحقّق الثانی و صاحب المعالم.
و یؤیّد إرادة هذین المعنیین من «اللازمة» و «الدامیة» جمع المصنّف قدّس سرّه فی القواعد بینها و بین التقیید بمشقّة الإزالة (1)فإنّ المراد بها لو کان ما لم ینقطع سیلانه لم یحتج إلی اعتبار مشقّة الإزالة، لأنّ المشقّة حاصلة جزماً.
و ممّا ذکرنا تقدر علی حمل سائر الأوصاف المذکورة فی کلمات من تقدّم کعدم الرقإ و عدم وقوف السیلان و نحو ذلک علی عدم البرء و بقاء المادّة الموجبة لسیلان الدم أحیاناً، لا عدم حصول الفترة فی جریان الدم.
نعم، کلمات کثیر منهم بظاهرها أو صریحها یأبی عن هذا المعنی الذی اعتبره جماعة علی ما تقدّم النقل عنهم و ألغاه ظاهر صحیحة ابن مسلم و روایة الجعفی المتقدّمتین (2)بناءً علی ما ذکرنا فی تقریب دلالتهما.
فقد تبیّن بما ذکرنا عدم اعتبار استمرار الجریان و عدم حصول الفترة فی العفو، و إطلاق الأخبار بل ظهورها فی عدمه.
و أمّا مشقّة الإزالة، فهل هی معتبرة شخصاً فی العفو حتّی یکون مداراً و علّة، أو الاعتبار فی العفو بنوعها حتّی تکون حکمة، نظیر العفو عن قلیل الدم؟ قولان.
الظاهر هو الأوّل، و هو ظاهر کلّ من استدلّ علی العفو بلزوم المشقّة، کما عن المقنعة (3)و التهذیب (4)و فقه القرآن للراوندی (5)و ابنی إدریس (6)
و زهرة (1)و الفاضلین (2). و هو الأقوی؛ لأنّه المنصرف للإطلاقات بحکم الغلبة، بل هو المنوط به الحکم فی تعلیل موثّقة سماعة المتقدّمة (3).
و لا ینافی عدم التزام المشهور بمورد التعلیل من حیث عدم إیجابهم لغسل الثوب فی الیوم مرّة؛ لأنّه لو سلّم الإجماع علی عدم وجوبه و لو علی سبیل التخییر مع الإبدال، إلّا أنّه یمکن حمل قوله: «لا یغسل فی الیوم إلّا مرّة» (4)علی نفی مطلوبیّة أزید من مرّة معلّلًا بعدم التیسّر.
و کیف کان، فالتعلیل دلیل علی أنّ رفع أحکام النجاسة لأجل الحرج الشخصی لا النوعی. إلّا أن یقال: إنّ التعلیل إنّما هو لحکم الشخص (5)السائل حیث فرض تعذّر غسل الدم و ربطه، فلا یدلّ علی أنّ الحکم مطلقاً منوط بالمشقّة.
و کیف کان، فإذا حصل الحرج فی الإزالة بالکلّیة فلا یجب و لو مع تیسّر التخفیف و إزالة البعض، و لا إبدال الثوب. خلافاً للمحکیّ عن النهایة فاستشکل فی وجوب إزالة البعض (6)، و للمحکیّ عنها و عن المنتهی فأوجب الإبدال معلّلًا بانتفاء المشقّة و نفی الترخیص؛ لانتفاء المعلول عند انتفاء علّته (7).
و جعل شارح الروضة الإبدال لازماً لکلّ من اعتبر المشقّة (1).
و فیه نظر؛ فإنّ من الجائز أن یکون مشقّة الإزالة عن البدن کافیة فی الرخصة و رفع الحکم عن الثوب، فإنّ المستند هی الأخبار، و هی منصرفة إلی الغالب، و هی صورة مشقّة الإزالة عن البدن و صورة التمکّن من إبدال الثوب.
بل یمکن حمل کلام کلّ من اعتبر المشقّة علی مشقّة الإزالة رأساً، فیکون ذلک مسوّغاً لوجوده فی الثوب و إن تیسّر إبداله، فیکون الثوب و البدن هنا بمنزلة شیء واحد، فمرجع وجوب الإزالة عن الثوب فقط بمنزلة تخفیف النجاسة، و یؤیّده ما سیجیء: من الإجماع علی عدم وجوب عصب الجرح و تقلیل الدم.
و کیف کان، فإبدال الثوب و إن تیسّر خلاف ظاهر الأخبار؛ من حیث السکوت عن إبدال الثوب، مع أنّ الغالب تیسّره للغالب. هذا، و یزیده وضوحاً عدم التفصیل فی الموثّقة الأخیرة (2)بین التمکّن من إزالة البعض و من الإبدال و من إبقاء الثوب الملوّث إذا کان علیه ساتر آخر و عدم التمکّن من ذلک، [و (3)] صریح بعضها، مثل روایتی أبی بصیر و الجعفی (4)الحاکیین لفعل الإمام علیه السلام.
بل هو خلاف ظاهر الأصحاب؛ حیث إنّهم و إن اختلفوا فی ضابط ما یعفی عنه من حیث اعتبار دوام السیلان و عدمه، إلّا أنّهم جعلوا هذا الدم فی موضع العفو کالعدم، حتّی جعله فی الوسیلة و الجمل و المبسوط نظیر دم البراغیث، فقال فی الأوّل و محکیّ الثانیین: أمّا ما لا یجب إزالة قلیله و لا کثیره فهو دم البراغیث و البقّ و السمک و الجراح اللازمة و القروح الدامیة، انتهی (1).
و من هنا اعترض فی المعالم علی ما ذکره فی المنتهی بما حاصله: أنّ اللازم عدم ثبوت خصوصیّة لهذا الدم من مطلق الدم، فإنّ إیجاب إزالة البعض مع عدم المشقّة یقضی بوجوب التحفّظ مع کثرة التعدّی، و ذلک ثابت فی مطلق الدم، بل فی مطلق النجاسات؛ مع أنّ ظاهر جماعة من الأصحاب أنّ الخصوصیّة هنا ثابتة عند الکلّ و إن اختلفوا فی مقدارها. قال: و ذکر الفاضل الشیخ علیّ فی بعض مصنّفاته: أنّ الشیخ نقل الإجماع علی عدم وجوب عَصْبِ الجرح و تقلیل الدم، بل یصلّی کیف کان و إن سال و تفاحش إلی أن یبرأ، و هذا بخلاف المستحاضة و السلس و المبطون، إذ یجب علیهم الاحتیاط و تقلیل النجاسة بحسب الإمکان (2).
ثمّ إنّ الظاهر من الأخبار بحکم التبادر هو اختصاص العفو بغیر ما تعدّی منه فی غیر محلّ الضرورة، کما عن المنتهی (3)، و استحسنه فی محکیّ المعالم (4). و فصّل فی الحدائق بین ما تعدّی إلیه بنفسه و بین ما عدّاه المکلّف
بأن وضع یده الطاهرة علی دم الجرح (1). و هو حسن و إن کان الاقتصار علی غیر المتعدّی أحسن، و إن کان ظاهر الموثّقة الأخیرة هو العفو مطلقاً، فتأمّل.
ثمّ إنّ الظاهر أنّه لو لاقی هذا الدم نجاسة أُخری فلا عفو، کما صرّح به بعض (2)، و عن شرح المفاتیح: أنّه متّفق علیه (3). و وجهه ظاهر. نعم، الظاهر ثبوت العفو عن الفضلات الطاهرة المتنجّسة به إذا کانت فی محلّه، کالقیح و العرق و نحوهما ممّا لا ینفکّ عن الجرح غالباً، و أمّا ما ینفکّ عنه ففیه إشکال.
و المرجع فی الجروح و القروح إلی العرف، و الظاهر أنّ الکیّ من قبیل الجروح.
و الظاهر أنّ دم جروح الغیر بمنزلة النجاسة الأُخری.
و یستحبّ لصاحب القروح أن یغسل ثوبه فی کلّ یوم مرّة؛ للموثّقة و المضمرة المذکورتین (4). و مال فی الحدائق إلی وجوبه (5)، و جعل الأقرب فی النهایة عدمه (6)، و الظاهر أنّه المشهور. و بحکم غسل الثوب إبداله.
(و) عفی أیضاً (عمّا دون سعة الدرهم البغلی) بإسکان الغین
و تخفیف اللام، أو بالفتح و التشدید (من الدم المسفوح) الکائن علی الثوب إجماعاً مستفیضاً کالأخبار (1).
و البدن کالثوب عند الأصحاب کافّة علی الظاهر و إن کانت الأخبار مختصّة بالثوب، عدا روایة مثنّی بن عبد السلام عن الصادق علیه السلام: «قلت: إنّی حککت جلدی فخرج منه دم؟ قال: إن اجتمع قدر الحمّصة فاغسله، و إلّا فلا» (2)و ربما حمل علی إرادة المقدار. و اعترض: بأنّ هذا المقدار ربّما یصبغ أضعاف الدرهم. و ربما احتمل کون «الخمصة» بالخاء المعجمة، و المراد به أخمص الراحة (3).
و فیه ما لا یخفی؛ من حیث الخلل فی العربیّة. نعم، یمکن حملها علی ظاهرها، فإنّ خروج مقدار الحمصة من البدن أوّلًا ملازم لانتشاره بنفسه فی البدن بقدر سعة الدرهم، کما هو شأن الدم الخارج من البدن غالباً حیث إنّه مجتمع أوّلًا، سیّما إذا خرج مستدیرة (4)ثمّ ینتشر بنفسه.
و کیف کان، فالظاهر أنّه لا إشکال فی إلحاق البدن بالثوب، و إن أبیت إلّا عن أنّ مقتضی العمومات وجوب إزالة الدم بقول مطلق عن البدن منعنا وجود مثل هذا العموم فإنّ بعض أخبار الرعاف (5)و نحوها و إن دلّ علی
ذلک إلّا أنّ المتبادر منها ما یبلغ الدرهم؛ لأنّ الرعاف فی الصلاة یوجب تلویث أکثر من ذلک من البدن غالباً.
فالعمدة فی إلحاق البدن بالثوب تارة، و الثوب بالبدن أُخری إلی غیر ذلک من التعدّیات عن ظواهر النصوص هو الإجماع المستفاد من إرسالهم المسألة إرسال المسلّمات المفروغ عنها، لا من مشاهدة فتاوی کلّ واحد منهم حتّی یستبعد الاطّلاع علیها. و من هنا یمکن تحصیل الإجماع فی رؤوس المسائل التی نعلم بعدم تعرّض الفقهاء لها عادة من فتوی جماعة قلیلة، فضلًا عن فتوی المشهور.
ثمّ سعة الدرهم هل هی نهایة للرخصة أو للمنع؟ توقّف فیه الفاضلان فی النافع و التذکرة (1). و المحکیّ عن السیّد فی الانتصار (2)و سلّار هو الأوّل (3). و الأظهر هو الثانی، و هو المحکیّ عن الصدوقین (4)و الشیخین (5)و الفاضلین (6)و الشهیدین (7)، و به صرّح فی الوسیلة (8)، و حکاه شارح الروضة (9)
1) المختصر النافع: 18، و التذکرة 1: 73.
2) ظاهر عبارته هو الثانی، کما سیأتی عن شارح الروضة نسبة ذلک إلیه، راجع الانتصار: 93.
3) المراسم: 55.
4) الفقیه 1: 71، و قد حکاه عنهما فی المختلف 1: 477.
5) المقنعة: 69، و النهایة: 52.
6) المعتبر 1: 430، و القواعد 1: 193.
7) الدروس 1: 126، و روض الجنان 1: 166.
8) الوسیلة: 77.
9) المناهج السویّة (مخطوط): الورقة: 97.
عن علم الهدی فی صریح الجمل (1)و ظاهر الانتصار (2)و عن فخر الإسلام فی حاشیة الکتاب (3). و الظاهر أنّه المشهور کما اعترف به الشارح المذکور کما عن المسالک (4)و کشف الالتباس (5)، بل قیل: إنّ المحکیّ عن ظاهر السرائر أو صریحها و عن الخلاف و کشف الحقّ: الاتّفاق علیه (6).
و ربّما یناقش فی دلالة عبارة الأخیرین فی معقد الإجماع کعبارتی الحلبی و ابن سعید فی إشارة السبق (7)و الجامع (8)علی هذا القول.
و فیه نظر، و المتّبع هو الدلیل، و هو: عموم ما دلّ علی وجوب إزالة النجاسة للصلاة، و خصوص ما دلّ علی وجوب إزالة الدم، خرج المتیقّن و بقی المشکوک.
و خصوص مصحّحة ابن أبی یعفور: «قلت للصادق علیه السلام: ما تقول فی دم البراغیث؟ قال: لیس به بأس. قلت: إنّه یکثر و یتفاحش؟ قال: و إن کثر و تفاحش. قلت: فالرجل یکون فی ثوبه نقط الدم لا یعلم ثمّ یعلم فینسی أن یغسله فیصلّی، ثمّ یذکر بعد ما صلّی، أ یعید صلاته؟ قال: یغسله
و لا یعید صلاته، إلّا أن یکون مقدار الدرهم مجتمعاً فیغسله و یعید الصلاة» (1). و لا إشکال فی الروایة کما فی الذکری من جهة الأمر بغسل ما دون الدرهم مع عدم وجوبه إجماعاً؛ لأنّ الأمر محمول علی الإرشاد لئلّا یلاقیه شیء فینجس به.
و مرسلة جمیل عن بعض أصحابنا عن الباقر و الصادق علیهما السلام: «لا بأس بأن یصلّی الرجل فی الثوب و فیه الدم متفرّقاً شبیه النضح، و إن کان رآه صاحبه قبل ذلک فلا بأس به ما لم یکن مجتمعاً قدر الدرهم» (2)و لا یقدح الإرسال؛ لأنّ المرسِل «جمیل»، و لا «ابن حدید» لأنّ الراوی عنه «ابن عیسی» الذی کان یُخرج من قم من یروی عن الضعفاء و یعتمد المراسیل، فکیف یروی بنفسه عن الضعیف؟ إلّا أن یکون عنده قرینة علی صدقه، مثل کون الروایة معلومة الانتساب إلی من یروی عنه هذا الضعیف.
و روایة الجعفی عن الباقر علیه السلام: «فی الدم یکون فی الثوب؟ قال: إن کان أقلّ من الدرهم فلا یعید الصلاة، و إن کان أکثر من الدرهم و کان قد رآه و لم یغسله حتّی صلّی فلیعد صلاته .. الخبر» (3).
و یؤیّدها الرضوی (4)، و ما دلّ علی تحدید المقدار بالدینار الذی هو قریب من الدرهم، کما عن الوسائل (5).
و یشهد للقول الآخر حسنة ابن مسلم المرویّة فی الفقیه عن الباقر علیه السلام: «قال: قلت له: یکون الدم فی الثوب علیَّ و أنا فی الصلاة؟ قال: إن رأیته و علیک ثوب غیره فاطرحه و صلّ فی غیره، و إن لم یکن علیک ثوب غیره فامض فی صلاتک و لا إعادة علیک ما لم یزد علی مقدار الدرهم، و ما کان أقلّ من ذلک فلیس بشیء رأیته أو لم تره، و إذا کنت قد رأیته و هو أکثر من مقدار الدرهم فضیّعت غسله و صلّیت فیه صلوات کثیرة فأعد ما صلّیت فیه» (1)، و ربما یؤیّد بذیل روایة الجعفی المتقدّمة (2).
و فیه: أنّ الظاهر فی أمثال المقام أنّ الحدّ للحکم و المعیار فیه هو المذکور فی الشرطیّة الاولی، فلا بدّ من إدخال ما هو خارج عن الشرطیّتین فی موضوع الشرطیّة الثانیة دخولًا موضوعیّاً إن أمکن، و إلّا فإلحاقه بها فی الحکم، بأن یقال: إنّ الاقتصار علی هذا الفرد من جهة کونه غالب الأفراد کما فی المقام، حیث إنّ الغالب و لو بحسب اعتقاد الناظر فی سعة الدم إمّا القطع بکونه أقلّ من الدرهم، و إمّا القطع بکونه أکثر، و أنّ اتّفاق کون الدم مقدار الدرهم فحسبُ بعید جدّاً، بل الغالب إمّا الزیادة و إمّا النقصان (3). نعم، هذه العلّة غیر متحقّقة فی مقدار الدم بالنسبة إلی الواقع.
هذا، مع أنّ الإدخال الموضوعی فی نظائر المقام شائع، بأن یراد من الأکثر من الدرهم الدرهم فالأکثر منه، نظیر قوله تعالی فَإِنْ کُنَّ نِسٰاءً
فَوْقَ اثْنَتَیْنِ (1)و ما ورد فی تحدید انقطاع کثرة سفر المکاری و نحوه: بأن یقوم فی بلده أکثر من عشرة أیّام (2)مع أنّ الحدّ العشرة، و ما ورد فی تحدید الفصل بین الرجل و المرأة فی الصلاة بأکثر من عشرة أذرع (3)و نحو ذلک.
و ممّا ذکرنا: من توجیه عدم التعرّض لأصل الدرهم، یظهر الجواب عن روایة ابن مسلم (4)فإنّ الظاهر من المشار إلیه فی قوله: «و ما کان أقلّ من ذلک» هو نفس الدرهم لا ما زاد علیه، فهذه الروایة نظیر روایة الجعفی.
و علی أیّ تقدیر، فلا یعارض ما ذکرنا من الصحیحة و المرسلة کالصحیحة؛ لکونها (5)أظهر دلالة و أشهر اعتباراً و أوفق بروایة الدینار. و علی فرض التکافؤ فلا بدّ من الرجوع إلی العمومات المانعة عن الصلاة فی النجاسة و خصوص الدم.
و ربما یعکس الأمر، فیدّعی أنّ المراد بالدرهم فی الصحیحة و المرسلة هو ما زاد منه تسامحاً، لغلبة عدم معرفة مقدار الدرهم إلّا بالزیادة علیه، و إلّا فلیس المراد المساوی له حقیقة.
بل و ربما یستظهر (6)ذلک من فتاوی کثیر ممّن تقدّم علی الفاضلین، حیث إنّه لم یعنون الخلاف فی المسألة قبل الفاضلین. و استشهد علی ذلک بما
حکاه عبارة الانتصار و الخلاف و کشف الحقّ و الجامع، حیث إنّ الظاهر من صدر هذه العبائر هو ما نسب إلیهم، إلّا أنّ کلامهم فی الأثناء مشعر بإرادة الزائد، قال: و یؤیّد ذلک أنّه لم یعنون هذا الخلاف قبل الفاضلین (1)، انتهی.
و فی کلا الاستظهارین نظر: أمّا ما استظهره من الفتاوی فمخالف لظواهر أکثرها، کما یظهر بالتأمّل فی عبائرهم و إرجاع ما یوهم خلاف ظواهرها إلی النصّ من کلامهم؛ و لذا لم ینسب أحد ممّن عنون هذا الخلاف القول الأوّل إلی غیر سلّار، حتّی صرّح شارح الروضة: بأنّه لم یظهر الخلاف قبل الفاضلین إلّا من سلّار و علم الهدی علی ما قیل مع تصریحه بخلاف ذلک فی الجُمل (2).
و أمّا ما استظهره من الصحیحة و المرسلة، ففیه ما لا یخفی.
ثمّ الظاهر أنّ المراد بالدرهم لیس هذا الدرهم المتعارف الذی وزنه ستّة دوانیق قطعاً؛ لأنّ الأصحاب بین من قیّده ب «الوافی» الذی وزنه درهم و ثُلث درهم من الدرهم المتعارف، کالمحکیّ عن الفقیه (3)و الهدایة (4)و المقنعة (5)
و الانتصار (1)و الخلاف (2)و الغنیة (3)، بل قیل: إنّه معقد الإجماع فی الثلاثة الأخیرة (4)، و بین من قیّده ب «البَغْلی» کالفاضلین (5)و من تأخّر عنهما (6)، و عن کشف الحقّ: أنّه مذهب الإمامیّة (7).
و البَغْلی علی ما فی الذکری بإسکان الغین منسوب إلی رأس البَغْل، ضربه الثانی فی ولایته بسکة کسرویّة وزنه ثمانیة دوانیق، و البَغْلیّة کانت تسمّی قبل الإسلام بالکسرویّة، فحدث لها هذا الاسم فی الإسلام و الوزن بحاله، و جرت فی المعاملة مع الطبریّة، و هی أربعة دوانیق، فلمّا کان زمان عبد الملک جمع بینهما و اتّخذ الدرهم منهما و استقرّ أمر الإسلام علی ستّة دوانیق، و هذه التسمیة ذکرها ابن درید. و قیل: منسوب إلی بغل، قریة بالجامعین، کان یوجد فیها دراهم سعتها من أخمص الراحة، لتقدّم الدراهم علی الإسلام. قلنا: لا ریب فی تقدّمها و إنّما التسمیة حادثة، فالرجوع إلی المنقول أولی (8)، انتهی.
و عن الحلیّ: أنّ البغلی منسوب إلی مدینة قدیمة یقال لها «بغل» من
1) الانتصار: 13.
2) الخلاف 1: 477، المسألة 220.
3) الغنیة: 41.
4) قاله صاحب الجواهر فی الجواهر 6: 113.
5) المحقّق فی الشرائع 1: 53، و العلّامة فی متن الکتاب، القواعد 1: 193، و غیرهما.
6) کالشهیدین فی اللمعة و شرحها (الروضة البهیّة) 1: 290، و الفاضل المقداد فی التنقیح الرائع 1: 148.
7) کشف الحقّ: 419.
8) الذکری: 136.
بابل، بینها و بینها قریب من فرسخ متّصلة ببلدة الجامعین، تجد فیها الحَفَرةُ و الغسّالون و النبّاشون دراهم واسعة، شاهدت درهماً من تلک الدراهم، و هذا الدرهم أوسع من الدینار المضروب بمدینة السلام المعتاد، یقرب سعته من سعة أخمص الراحة. و قال بعض من عاصرته ممّن له اطّلاع بأخبار الناس و الأنساب: إنّ المدینة و الدراهم منسوبة إلی «ابن أبی البغل» رجل من کبار أهل الکوفة، اتّخذ هذا الموضع قدیماً و ضرب هذا الدرهم الواسع، فنسب إلیه الدرهم البغلی. و هذا غیر صحیح؛ لأنّ الدراهم البغلیّة کانت فی زمن الرسول صلّی اللّٰه علیه و آله و قبل الکوفة (1)، انتهی.
و الظاهر أنّ المخالفة بینه و بین المحکیّ عن ابن درید فی وجه التسمیة، کما أنّ المحکیّ عن المهذّب: من أنّ البَغَلیّ بفتح الغین و تشدید اللام هو الذی سمعناه من الشیوخ رحمهم اللّٰه، قال بعد نقل ما فی الذکری: و اتّباع المشهور بین الفقهاء أولی من اتّباع المنقول عن ابن درید (2)(انتهی) راجعٌ إلی مثل ذلک أیضاً.
ثمّ الظاهر أنّ البَغْلی و الوافی واحد، و لذا جمع بینهما فی الذکری (3)و عن أکثر کتب المتأخّرین (4)، و هی قضیّة الجمع بین الإجماع المتقدّم المحکیّ عن الانتصار و الخلاف و الغنیة (5)و بین نسبة البغلی إلی مذهب الإمامیّة، فلا یبعد
حینئذٍ دعوی الاتّفاق علی أنّ المراد بالبغلی و الوافی درهم واحد کان وزنه ثمانیة دوانیق.
و حینئذٍ فما فی المدارک من الإشکال فی ذلک؛ من جهة أنّ الواجب حمل الخطابات الواردة عن الأئمّة صلوات اللّٰه علیهم علی المتعارف فی زمانهم و أنّ البغلی تُرک فی زمان عبد الملک و هو مقدّم علی زمان الصادق علیه السلام و المسألة قویّة الإشکال (1)محلّ نظر؛ لأنّ غیر واحد من الروایات من مولانا الباقر علیه السلام، و الظاهر عدم هجر إطلاق الدرهم علی البغلیّ فی زمانه علیه السلام، فإنّ مولد الصادق علیه السلام کما قیل قبل وفاة عبد الملک بثلاث سنین (2).
و ربما یدفع هذا الإشکال کما عن شیخنا البهائی رحمه اللّٰه (3)-: بأنّ الواجب حمل کلامهم علی ما یوافق زمان النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله لأنّ أحکامهم متلقّاة عنه و هی عندهم مثبتة فی صحیفة بإملاء رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله و خطّ علیّ صلوات اللّٰه علیهما و آلهما الطاهرین.
و فیه نظر ظاهر؛ لأنّ ذلک لا ینافی جواز التعبیر بل وجوبه باصطلاح أهل زمانهم.
ثمّ إنّ ما ذکرنا: من مغایرة هذا الدرهم لدراهم الإسلام، إنّما ینفع مع معروفیّة سعته، و إلّا فمجرّد العلم بوزنه لا ینفع، و لیس هنا ما یعلم منه ذلک
إلّا ما عرفت من الحلیّ: من شهادته بأنّه بمقدار أخمص الراحة (1).
و عن ابن أبی عقیل: تحدید مقدار أخمص الدم (2)بالدینار (3)، و عن الإسکافی: تحدید الدرهم بعقد الإبهام الأعلی من غیر تعرّض لکونه البغلی أو غیره (4). و فی المعتبر: أنّ الکلّ متقارب (5).
و لا ریب أنّ کلام العمانی لتحدید الدرهم، و الإسکافی لم یتعرّض لخصوص البغلی. نعم، نسب فی المعتبر تقدیر الحلیّ إلی الأشهر، و تبعه فی ذلک شارح الروضة (6). و فی الروض جزم بقبول شهادة الحلیّ (7)، و اعترضه ولده فی المعالم: بأنّ الشهادة یعتبر فیها التعدّد (8).
أقول: و لعلّه من باب حصول الاطمئنان بل القطع بقوله، لا من باب الشهادة. و الأحوط بل الأقوی: الرجوع فیه إلی الأقلّ، لأنّه المتیقّن فی تخصیص عمومات إزالة مطلق النجاسة و خصوص الدم.
و ربما یمنع من ذلک: بأنّ العمومات مخصَّصة قطعاً بالدرهم، فصار الدرهم من حیث المقدار نوعین: أحدهما یجب إزالته، و الآخر لا یجب،
فلا بدّ فی المشتبه منهما من الرجوع إلی الأصل، و هو استصحاب بقاء الثوب علی صحّة الصلاة.
و فیه نظر ظاهر؛ لأنّه قاسه علی الشبهة المصداقیّة، کما لو شکّ فی کون الدم ممّا یعفی عنه أو من غیره کالحیض، و هو باطل.
ثمّ إنّه لا خلاف فی عدم العفو عن الزائد عن المقدار المذکور إذا کان (مجتمعاً، و فی المتفرّق) الزائد عن ذلک المقدار علی تقدیر الاجتماع (خلاف (1).)
(و) ألحق جماعة (دم نجس العین) بدم الحیض و أخویه (2)، و عُلّل بتضاعف النجاسة بعلاقاته لنجس العین (3).
و هو مبنیّ علی ثبوت تضاعف النجاسة أو المتنجّس للتنجّس؛ و بسط المقال فی ذلک أن یقال:
إنّ تضاعف النجاسة علی أربعة وجوه: تنجّس المتنجّس، و تنجّس نجس العین، و نجاسة نجس العین کموت الکافر، و نجاسة المتنجّس کصیرورة ماء العنب المتنجّس خمراً.
و حکمها: أنّ الحکم الشرعی إن کان مترتّباً علی نفس عنوان النجس
1) فی الإرشاد بعد قوله «خلاف» زیادة: «غیر الثلاثة». و الظاهر سقوطها من النسخ لا عدم ذکر المؤلّف لها، بدلیل قوله: و ألحق .. إلخ.
2) منهم: ابن حمزة فی الوسیلة: 77، و الماتن فی متن الکتاب و القواعد 1: 193، و الشهید فی الدروس 1: 126، و من یأتی ذکرهم فی الهامش التالی.
3) من المعلّلین: العلّامة فی المختلف 1: 476، و المحقّق الثانی فی جامع المقاصد 1: 170، و الشهید الثانی فی روض الجنان: 166.
أو المتنجّس، فلا ینبغی الإشکال فی وجوب ترتیب حکم العنوانین، فإذا قال الشارع: «الکافر حکمه کذا، و المیتة حکمها کذا» فالکافر المیّت یجتمع فیه الحکمان، إلّا أن یکونا متماثلین یتداخلان أو یکون أحدهما قابلًا للدخول تحت الآخر، کما إذا ورد الدلیل علی وجوب غَسل ما أصابه البول مرّتین و ما أصابه الدم مرّة، فیکفی المرّتان.
و قد یشکل التداخل، فإذا (1)قال الشارع: یجب نزح الثلاثین مثلًا للکافر و أربعین للمیتة و فرضنا إطلاق کلّ منهما بحیث یشمل مادّة الاجتماع.
و إن کان الحکم الشرعی مترتّباً علی النجاسة، فإن کان مترتّباً علی مطلق النجاسة فلا إشکال فی اتّحاد الحکم، فإذا قال الشارع: «یجب غسل کلّ نجس مرّتین» کفی المرّتان و لو لاقی الثوب ألف فرد من النجاسة؛ إذ النجس لا یقبل الاتّصاف بالنجاسة؛ لامتناع تحصیل الحاصل. و إن کان الحکم الشرعی مترتّباً علی نجاسة خاصّة کما إذا ثبت بالدلیل أنّ نجاسة الخنزیر حکمها کذا و نجاسة الدم معفوّ عنها و لم یثبت أنّ نجاسة البول کذلک أو ثبت خلافه فالظاهر تضاعف النجاسة، سواء جعلنا النجاسة صفة منتزعة عن الأحکام الشرعیّة التی حکم بها الشارع علی العنوانات النجسة أو الأجسام الملاقیة لها، أم جعلناها صفة أصلیّة یتفرّع علیها تلک الأحکام، إذ لا استحالة فی قیام نجاستین فی جسم واحد إذا کانتا متغایرتین بأن کشف عن ذلک تغایر أحکامهما، سیّما الواردة فی النجاسات الواقعة فی البئر.
(و) عفی أیضاً (عن) مطلق (نجاسة ما لا تتمّ الصلاة فیه منفرداً،
1) کذا، و المناسب: کما إذا.
کالتکّة و الجورب) قیل: هو نعل مخصوص معرّب (1)، و القلنسوة بضمّ السین- (و شبههما) و الأصل فی ذلک قبل الإجماع المستفیض بل المحقّق فی الجملة قوله علیه السلام فی روایة ابن سنان: «کلّ ما کان علی الإنسان أو معه ممّا لا تجوز الصلاة فیه وحده فلا بأس أن یصلّی فیه و إن کان فیه قذر، مثل القَلَنْسُوَة و التکَّة و الکَمَرَة و النعل و الخُفّین و ما أشبه ذلک» (2).
و اقتصر بعضهم علی خمسة بإبدال «الکمرة» فی الروایة بالجَوْرَب (3). و لعلّ مراده التمثیل، و إلّا فلفظتا «مثل» و «ما أشبه ذلک» فی الروایة حجّة علیه.
و المراد بعدم جواز الصلاة فیه: عدمه من جهة صغره، لا من جهة رقّته، و لا من جهة اشتمالها (4)علی فُرَج کثیرة لا تستر الفرجین، فیدخل فی الموضوع الخاتم و السوار و الدملج.
و عن ابن إدریس عدّ «السیف» و «السکّین» (5). و لعلّ مراده کما فی کشف اللثام (6)السیر و النجاد، لا نفسُهما أو غلافهما؛ بقرینة أنّه خصّ الحکم بالملابس، إلّا أن یلتزم بإرادة ما یعمّ السیف من الملابس، بأن یراد منها کلّ ما یصدق الصلاة فیه، و قد ورد فی بعض الروایات: أنّه «یُصلّی فی
1) قاله الشهید الثانی فی روض الجنان: 166.
2) الوسائل 2: 1046، الباب 31 من أبواب النجاسات، الحدیث 5.
3) هو القطب الراوندی علی ما فی مفتاح الکرامة 1: 164.
4) کذا، و المناسب للسیاق تذکیر الضمیر، و إن کان التأنیث أیضاً صحیحاً.
5) السرائر 1: 184، و لا یوجد فیه «السکین»، و إن حکاه عنه کاشف اللثام.
6) کشف اللثام 1: 433.
السیف ما لم یُرَ فیه دم» (1).
و ربما یعدّ «العمامة» من ذلک کما عن الصدوق (2)، و حُمل علی الصغیرة التی لم تستر (3). و ربما قیل: إنّ العمامة بهیئتها لا تستر (4).
و فیه نظر. و یردّه أیضاً صحیحة العیص بن القاسم: «عن الرجل یصلّی فی ثوب المرأة و إزارها و تعتمّ بخمارها؟ قال: نعم إذا کانت مأمونة» (5)دلّت علی عدم جواز الصلاة فی العمامة مع العلم بنجاستها.
ثمّ إنّ الظاهر من الروایات المشتملة علی عنوان «الصلاة فیما لا یتمّ الصلاة» (6)هو اختصاص العفو بالملابس، وفاقاً للمحکیّ عن صریح السرائر (7)و ظاهر الأکثر، منهم المصنّف و الشهید فی التذکرة (8)و المنتهی (9)و البیان (10)، بل ظاهر کلّ من عبّر بقوله: «یجوز الصلاة فیما لا یتمّ الصلاة فیه
1) الوسائل 2: 1101، الباب 83 من أبواب النجاسات، الحدیث 3، و فیه: «تصلی فیه ما لم ترَ فیه دماً».
2) الفقیه 1: 73، الحدیث 167.
3) حملها علیها العلّامة فی التذکرة 2: 482، و کذا الراوندی، علی ما نقله عنه المحقّق فی المعتبر 1: 435.
4) قاله السیّد العاملی فی المدارک 2: 322.
5) الوسائل 2: 1040، الباب 28 من أبواب النجاسات، الحدیث 2.
6) الوسائل 2: 1045، الباب 31 من أبواب النجاسات.
7) السرائر 1: 184.
8) انظر التذکرة 2: 481 482.
9) قد صرّح فیها باختصاص العفو بالملابس، راجع المنتهی 3: 260.
10) البیان: 96.
منفرداً» (1)فإنّ ظاهر الصلاة فی الشیء التلبّس به حال الصلاة، فلا یدخل مثل الدرهم و العصابة المحمولة فی الجیب، و فی العصابة المشدودة علی الجرح أو علی العین وجهان.
خلافاً للمحکیّ عن المصنّف فی المختلف (2)و الشهیدین فی الذکری (3)و الدروس (4)و المسالک (5)و المحقّق الثانی فی جامع المقاصد (6)و أصحاب المدارک (7)و الذخیرة (8)و الدلائل (9)و ظاهر التنقیح (10)فعمّموا الحکم لغیرها؛ و لعلّه لقوله علیه السلام فی الروایة المتقدّمة: «کلّ ما کان علی الإنسان أو معه» (11).
و فیه: أنّ ذیله و هو قوله: «فلا بأس أن یصلّی فیه» ظاهر فی الاختصاص بالملابس؛ إذ لا یقال: «إنّه صلّی فی الدراهم».
1) منهم: المفید فی المقنعة: 72، و الشیخ فی النهایة: 54، و ابن سعید فی الجامع للشرائع: 23، و المحقّق فی الشرائع 1: 54.
2) لم نستفد التعمیم من عبارة المختلف لو لم نقل أنّها ظاهرة فی الاختصاص بالملبوس، راجع المختلف 1: 485.
3) الذکری 1: 139.
4) الدروس 1: 126.
5) المسالک 1: 125.
6) جامع المقاصد 1: 171.
7) المدارک 2: 320.
8) الذخیرة: 160.
9) حکاه عنه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 164.
10) التنقیح الرائع 1: 150.
11) تقدّمت فی الصفحة 253.
[و (1)] خلافاً للمحکیّ فی مفتاح الکرامة عن کلّ من لم یخصّ الحکم بالملابس (2).
و یعتبر أیضاً کونها (فی محالّها) لأنّه المتبادر من إطلاق النصّ و معاقد الإجماع.
و علی ما ذکرنا فلو شدّ تکّته علی وسطه أو حملها علی عاتقه لم یجز الصلاة، و کذا لو أخذ القلنسوة بیده بناءً علی المنع من حمل النجاسة فی الصلاة.
إلّا أن یقال: إنّ العفو عن الملابس التی لا تتمّ الصلاة فیها مستلزم للعفو عن المحمول الذی لا تتمّ الصلاة فیه بطریق أولی؛ لأنّ التلبّس بالنجاسة أقوی من الحمل، مع أنّ الظاهر أنّ «الکمرة» فی الروایة و هو کیس یدخل فیه الذکر خوفاً من سرایة النجاسة عند الاحتلام لیس فی حال الصلاة ملبوساً و لا فی محلّه. إلّا أن یقال: إنّ التلبّس بالنسبة إلیه شدّه فی الوسط لیجعل فیه الذکر عند مخافة الاحتلام، فتأمّل.
ثمّ إنّ قول المصنّف قدّس سرّه فی مقام التعمیم
(و إن تنجّس (3)بغیر الدم) کالمستدرک؛ إذ لا مجال لتوهّم اختصاص الحکم بالدم، فهو لمجرّد التوضیح.
ثمّ لمّا ذکر ما یُعفی عن إزالته شَرَع فی کیفیّة الإزالة فی ما یجب إزالته.
و ینبغی أن یُعلم أوّلًا-: أنّه لا إشکال فی أنّه یعتبر فی التطهیر إزالة
عین النجاسة و أثرها الکاشف عن وجود العین، لا العرض الباقی منها علی المحلّ و إن کان ذلک أیضاً جوهراً فی الحقیقة؛ لاستحالة انتقال العرض، إلّا أنّ هذا لا یصدق علیه عرفاً أحد عنوانات النجاسات، و لو صدق فلا ریب فی انصراف الإطلاقات إلی العنوانات العرفیّة، فلون الدم الباقی فی الثوب بعد المبالغة فی غسله بحیث لا یخرج منه الأجزاء الدمویّة إلّا بمعالجات غیر متعارفة لا یصدق علیه أو لا ینصرف إلیه عنوان «الدم»، فلا یحکم بنجاسته. نعم، ما دام یحکم علیه عرفاً بوجود الدم فیه و إن احتاج إخراجه إلی عصر شدید أو فرک بلیغ فیحکم بنجاسته، و کثیراً ما یحصل الشکّ فی بعض المواضع.
و بما ذکرنا یحصل الجمع بین ما ادّعی علیه الإجماع: من عدم وجوب إزالة العَرَض من اللون و الرائحة کما عن المعتبر (1)، و بین ما عن المصنّف فی المنتهی و النهایة: من الجزم بوجوب إزالة اللون مع الإمکان (2).
و عن النهایة: وجوب إزالة الطعم لسهولتها (3). و عنها أیضاً: لو بقیت الرائحة و اللون و عسر إزالتها ففی الطهارة إشکال (4).
و فی محکیّ جامع المقاصد: أنّ المراد بالعسر العسر عادةً، فلو کانت بحیث تزول بمبالغة کثیرة لم تجب. ثمّ قال: و هل تتعیّن نحو الأشنان و الصابون أم یتحقّق العُسر بمجرّد الغسل بالماء إذا لم تزل؟ کلّ محتمل، و الأصل یقتضی الثانی، و الاحتیاط یقتضی الأوّل (5)، انتهی.
و المراد بالعسر ما کان ناشئاً عن المبالغة فی الغسل علی الوجه المتعارف، دون تعسّر الوصول إلی السبب المتعارف للإزالة، فإنّه داخل فی تعسّر الإزالة، و لا مدخلیّة له فی التطهیر.
ثمّ بعد زوال العین عرفاً لو عولج المحلّ فاستخرج منه لون تلوّن الماء به، ففی نجاسة هذا الماء إشکال: من أنّه تغیّر بعین النجاسة، و من أنّ العین غیر موجودة بحکم العرف فکان بمنزلة التغییر الحاصل من المجاورة دون الملاقاة. و علی الأوّل فالظاهر تنجّس الثوب ثانیاً بهذا الماء المتلوّن المستخرج منه، و لا مانع من التزامه؛ لأنّ الأجزاء اللطیفة لم یحکم بنجاستها من جهة إناطة حکم النجاسة بالموجود العرفی للأعیان، لا الوجود الواقعی المفهوم بالدقّة الحِکَمیّة و البراهین الإنّیة باستکشاف وجود الجوهر من وجود عرضه الذی یستحیل انتقاله عنه ثمّ إلی غیره، و المسألة محلّ تأمّل.
الأکثر علی وجوب تعدّد الغسل عن البول فی الثوب و البدن، و عن المعتبر دعوی الاتّفاق (1).
و یدلّ علیه الأخبار فی الثوب و البدن، و فی صحیحة ابن مسلم، قال: «سألته عن البول یصیب الثوب؟ قال: اغسله مرّتین» (2)و نحوها صحیحة ابن أبی یعفور (3). و روایة أبی إسحاق النحوی، قال: «سألته عن البول یصیب الجسد؟ قال: صبّ علیه الماء مرّتین، فإنّما هو ماء. و سألته عن الثوب یصیبه البول؟ قال: اغسله مرّتین» (4). و نحوها فی المتن ما عن الحلیّ
فی مستطرفات السرائر نقلًا عن جامع البزنطی (1). و فی صحیحة ابن مسلم «عن الثوب یصیبه البول؟ قال: اغسله فی المرکن مرّتین، و إن غسلته فی ماءٍ جارٍ فمرّة واحدة» (2).
و لکن فی أخبار الاستنجاء من البول ما یظهر منه الاکتفاء بالمرّة (3). و لو تمّ هذا الظهور أمکن التفصیل بین الاستنجاء و غیره؛ لأنّ أخبار التعدّد ظاهرة فی الإصابة من الخارج. و المسألة محلّ إشکال، و قد مرّ بعض الکلام فی الاستنجاء، فراجع (4).
ثمّ الأقوی اعتبار ورود الماء علی المحلّ، فلو عکس انفعل الماء و لم یفد المحلّ طهارة؛ للأصل، و لعموم ما دلّ علی انفعال القلیل (5)، و أنّ کلّ نجس منجِّس، و عدم جواز التطهیر بالنجس، خرج من القاعدتین الأخیرتین الماء الوارد علی النجاسة، و بقی المورود.
مضافاً إلی انصراف الغسل إلی هذا النحو إذا کان الماء قلیلًا، فتأمّل.
مضافاً إلی ظهور أدلّة الصبّ فی تعیین الورود، و حملها علی إرادة مطلق الملاقاة و ذکر الصبّ من باب الغلبة یحتاج إلی قرینة. و بذلک یقیّد إطلاقات ظهور الغسل لو فرض عدم انصرافها إلی صورة الورود.
ثمّ لا فرق فیما ذکر بین الإناء و غیره، فإنّ استقرار الماء فی الإناء بعد
صبّه منه لا ینافی اعتبار الورود، بل هو نظیر الماء المستقرّ فی الثوب قبل العصر، فالعبرة بالورود فی أوّل الأمر، کما نبّه علیه فی الذکری أخیراً بعد استثنائه الإناء و نحوه من عموم اشتراط الورود (1).
و من هنا یظهر أنّه لا ینافی ما ذکرنا صحیحة ابن مسلم الواردة فی غسل الثوب فی المرکن (2)، فإنّه لا دلالة فیه علی جواز جعل الماء فی المرکن أوّلًا ثمّ نقل الثوب فیه، بل المتبادر جعل الثوب فی المرکن و صبّ الماء علیه، و لا یقدح استقرار الغسالة قبل العصر کما ذکرنا؛ و لذا عدل فی الذکری عن الاستشهاد بها لتقویة عدم الفرق بین الورودین إلی روایة ابن محبوب، و فیها السؤال عن الجصّ توقد علیه العذرة و عظام الموتی فیجصّص به المسجد فقال: «إنّ الماء و النار قد طهّراه» (3)فإنّ الغالب فی تعجین الجصّ أن یجعل الماء أوّلًا فی الإناء ثمّ یجعل فیه الجصّ. و لا یخفی وهن دلالة الروایة.
ثمّ إنّ الأقوی إلحاق سائر النجاسات بالبول فی لزوم التعدّد إذا غسلت بالقلیل: للأصل و فقد الإطلاقات عدا مثل قوله: «إذا أصابک النجاسة الفلانیّة فاغسله» و قوله: «اغسل ثوبک من أبوال ما لا یؤکل» (4)و شبهها. و الظاهر ورودها فی بیان وجوب أصل الغسل و عدم جواز الصلاة قبله، مضافاً إلی فحوی قوله فی روایة أبی العلاء المتقدّمة و صحیحة البزنطی: «فإنّما هو ماء» (5)فإنّ المراد من ذلک و إن کان بیان عدم وجوب الدلک، إلّا
أنّه یظهر منه أنّ الاکتفاء بالصبّ لرقّة البول، فغیره یحتاج مضافاً إلی الصبّ مرّتین إلی الدلک لیزول العین.
و لا ینافی ذلک ما ورد: من أنّه «لا حدّ للاستنجاء إلّا النقاء» (1)مع عدم القائل بالتعدّد فیه، لجواز اختصاصه بهذا الحکم، کما اختصّ ماؤه بالعفو.
هذا کلّه فیما إذا غسل بالقلیل، و سیأتی حکم الغسل بالکثیر و الجاری.
(و لا بدّ من العصر) فی غسل الثوب و نحوه ممّا ینفذ فیه ماء الغسالة علی المشهور، کما عن جماعة (2)بلا خلاف نعرف کما عن الحدائق (3)، بل عند علمائنا کما عن المعتبر (4)، مستدلا فیه کما عن المنتهی (5)-: بدخول العصر فی مفهومه فإن انتفی فهو صبّ. و یؤیّده مضافاً إلی تبادره من غسل الثوب أو من الأمر بغسل الثوب بجعل تعارف العصر بعد غسل الثیاب قرینة علی إرادة العصر و إن لم نقل بدخوله فیه وضعاً أو انصرافاً سیّما مع أنّ المرکوز فی الأذهان کون النجاسة نوعاً من الوسخ فی نظر الشارع نافذاً فی الأجسام بحسب قابلیّتها من حیث الصلابة و عدمها ما تقدّم فی الأخبار: من التعبیر
1) الوسائل 1: 227، الباب 13 من أبواب أحکام الخلوة، الحدیث الأوّل.
2) منهم: المحقّق السبزواری فی الکفایة: 13، و العلّامة المجلسی فی البحار 80: 129، و نقله السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة (1: 171) عن المدارک، و فیه التعبیر بالأکثر، راجع المدارک 2: 325.
3) الحدائق 5: 365.
4) المعتبر 1: 435.
5) المنتهی 3: 265.
فی تطهیر البدن بالصبّ و فی تطهیر الثوب بالغسل (1)، مضافاً إلی حسنة الحلبی بابن هاشم فی بول الصبیّ، قال علیه السلام: «تصبّ علیه الماء فإن کان قد أکل فاغسله غسلًا» (2)و قوله فی موثّقة الفضل أبی العبّاس: «إذا أصاب ثوبک من الکلب رطوبة فاغسله، و إن مسّه جافّاً فاصبب علیه الماء» (3).
ثمّ لو فرضنا عدم العلم بدخول العصر فی مفهوم الغسل کفانا الشکّ فی ذلک لما تقدّم من الأصل و فقد الإطلاق.
و علّله أیضاً فی المنتهی (4)کما فی الروض (5)و عن جامع المقاصد (6)-: بأنّ أجزاء النجاسة لا تزول إلّا به، و لأنّ الماء القلیل تنجّس بها، فلو بقی فی المحلّ لم یطهر.
و زاد فی محکیّ النهایة (7)علی الوجه الأخیر الاستناد إلی قوله علیه السلام فی روایة ابن أبی العلاء فی بول الصبیّ یصیب الثوب، قال: «تصبّ علیه الماء قلیلًا ثمّ تعصره» (8)و کأنّه حمل «الصبیّ» فی الروایة علی من أکل.
و فیه نظر، کما فی دعوی عدم زوال أجزاء النجاسة إلّا بالعصر، کیف!
1) راجع الوسائل 2: 1001، الباب الأوّل من أبواب النجاسات.
2) الوسائل 2: 1003، الباب 3 من أبواب النجاسات، الحدیث 2.
3) الوسائل 2: 1015، الباب 12 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
4) المنتهی 3: 265.
5) روض الجنان: 167.
6) جامع المقاصد 1: 173.
7) نهایة الإحکام 1: 277.
8) الوسائل 2: 1002، الباب 3 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
و بول الصبیّ لا بدّ من أن یزول أجزاؤه مع عدم وجوب العصر فیه اتّفاقاً، و بعض المائعات المتنجّسة أرقّ منه.
فالعمدة فی الاستدلال بعد الشهرة و الاتّفاق المحکیّ هو الوجه الأوّل و الثالث، و علیهما فاللازم فیما یحتاج إلی تعدّد الغسل عصرتان، کما هو المحکیّ عن صریح السرائر (1)و المعتبر (2)، و هو لازم المنتهی حیث ذکر الوجه الأوّل، بل لازم کلّ من لم یتعرّض للعصر، کالمحکیّ عن کثیر من کتب الشیخ و الانتصار و الناصریّات (3)، لظهور اکتفائهم عنه بالغسل، و إلّا فیبعد عدم قولهم بوجوب العصر مع ما سمعت من دعوی المعتبر (4)الاتّفاق علی وجوبه.
و کیف کان، فوجه لزوم تعدّد العصر علی الوجه الأوّل واضح. و أمّا علی الثانی؛ فلأنّ بقاء الغسالة المتنجّسة بعد الغسلة الأُولی یوجب انفعال الماء الثانی، فیخرج عن قابلیّة التطهیر، فإنّ القدر الثابت من الإجماع و لزوم الحرج هو أنّ الماء الثانی لا ینفعل بملاقاة نفس المحلّ، و أمّا عدم انفعاله بملاقاة الغسالة الباقیة فی المحلّ فلم یقم علیه دلیل یخرجه من عموم أدلّة انفعال القلیل.
هذا، مضافاً إلی أنّ حکمة تعدّد الغسل لعلّها حصول خفّة النجاسة
بالغسلة الأُولی لتزول بالمرّة فی الثانیة، و ما دام ماء الغسل فی المحلّ لا یعلم حصول الخفّة، بل ربما یظنّ عدم حصولها.
نعم، تظهر الثمرة بین الوجهین فیما إذا غسل فی المرّة الثانیة بالکثیر أو الجاری، فإنّ العصر یسقط رأساً علی الوجه الثالث؛ و لذا قیّد فی الروض (1)تبعاً للمصنّف (2)و الشهید (3)و المحقّق الثانی (4)و صاحب الموجز (5)و شارحه (6)بل یحکی عن بعض من عاصرناه نفی الخلاف منه (7).
إلّا أنّ المصرَّح به فی البحار وجود القائل بالتعدّد فی غیر القلیل (8)، و لعلّه لازم من أدخل العصر فی مفهوم الغسل.
و حیث عرفت أنّه یکفی الشکّ فی ذلک، فاللازم الحکم بوجوب العصر فی الجاری لولا قوله علیه السلام فی مرسلة الکاهلی: «کلّ شیء یراه ماء المطر فقد طهر» (9)و یثبت الحکم فی الجاری بضمیمة عدم القول بالفرق بین المطر و الجاری، بل یمکن إجراء الحکم فی الکثیر أیضاً؛ لأجل عدم الفرق ظاهراً، مضافاً إلی قوله علیه السلام فی بعض الروایات مشیراً إلی غدیر الماء: «إنّ هذا
لا یصیب شیئاً إلّا طهّره» (1)مضافاً إلی ما ورد: «إنّ ماء الحمّام بمنزلة الجاری» (2).
فالأقوی عدم وجوب العصر فی الکثیر و الجاری، وفاقاً للأکثر علی الظاهر.
و من جمیع ذلک یظهر قوّة الاکتفاء بالغسلة الواحدة فی الجاری و الکثیر فی البول و غیره، مضافاً فی البول إلی ما تقدّم من صحیحة ابن مسلم: «و إن غسلته فی ماءٍ جارٍ فمرّة واحدة» (3)و نحوها الرضویّ (4). و یمکن الاستدلال بها علی ثبوت الحکم فی غیر البول بضمیمة عدم القول بالفصل.
و ممّا ذکرنا فی دلیل العصر یعلم وجوب الدقّ و التغمیز فیما یعسر عصره، کالفراش الغلیظ و المحشوّ بالصوف و نحو ذلک. و ربما یظهر من بعض الروایات کفایة صبّ الماء علیها حتّی ینفذ إلی جانبها الآخر (5)، و لا بدّ من تقییده بکونه مع الغمز أو الدقّ.
1) لم نظفر علیه فی کتب الأخبار، نعم نقله العلّامة فی المختلف (1: 178) عن بعض علماء الشیعة؛ و نقله المحدّث النوری قدّس سرّه عن المختلف، ثمّ قال: «و قال الشیخ الأعظم فی کتاب الطهارة فی کلام له: «مضافاً إلی قوله علیه السلام فی بعض الروایات مشیراً إلی غدیر الماء .. إلخ»، و أراد به هذا الخبر، و لیس فیه ذکر للغدیر، و هو أعرف بما قال». راجع المستدرک 1: 198، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، ذیل الحدیث 8.
2) الوسائل 1: 110، الباب 7 من أبواب الماء المطلق، الحدیث الأوّل.
3) الوسائل 2: 1002، الباب 2 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
4) الفقه المنسوب إلی الإمام الرضا علیه السلام: 95.
5) الوسائل 2: 1004، الباب 5 من أبواب النجاسات، الحدیث 3.
و الحکم بوجوب العصر ثابت فی إزالة کلّ بول نجس، بل کلّ نجاسة (إلّا فی بول الرضیع) فلا یجب العصر فیه بلا خلاف ظاهراً؛ لحسنة الحلبی المتقدّمة عن بول الصبیّ، قال: «یصبّ علیه الماء و إن کان قد أکل فاغسله غسلًا، و الغلام و الجاریة فی ذلک شرع سواء» (1)و ظاهرها جریان الحکم فی الصبیّة کما عن والد الصدوق (2)، إلّا أن یرجع الذیل إلی الجملة الأخیرة: أعنی قوله: «إن کان قد أکل .. إلخ».
ثمّ إنّ المتحصّل ممّا ذکرنا هو: أنّه یعتبر فی التطهیر مداخلة الماء المطلق لأجزاء المتنجّس علی وجه الغلبة ثمّ خروج الغسالة عنها أو اتّصالها بماء عاصم، و یتفرّع علی هذا أنّه لا یطهر المائعات المنجمدة بعد التنجیس کالشمع و القیر و الشحم لعدم مداخلة الماء لباطنها، فلا یطهر إلّا ظاهرها. و قد یشکّ فی المداخلة علی وجه الغلبة کما فی الصابون؛ إذ یحتمل قویّاً کون الواصل إلی الباطن بسبب المجاورة أجزاء مائیّة لطیفة یشکّ فی صدق الماء أو انصرافه إلیها، فضلًا عن تحقّق غلبتها علی الأجزاء الباطنة، فإنّ الحکم بتحقّق الغسل هنا مشکل، و لم یقم علی کفایة مجرّد ملاقاة الماء فی التطهیر دلیل.
نعم، یمکن أن یقال: إنّ مثل قوله علیه السلام فی مرسلة الکاهلی المتقدّمة: «کلّ شیء یراه ماء المطر فقد طهر» (3)و قوله علیه السلام فی الخبر المتقدّم أیضاً مشیراً إلی غدیر الماء: «إنّه لا یصیب شیئاً إلّا طهّره» (4)یدلّان علی کفایة
مجرّد الملاقاة فی الکثیر و الجاری، فیکفی فی القلیل الإجماع علی عدم الفرق بینها من جهة لابدّیة صدق الغَسل؛ و إن کان بینها فرق من جهة وجوب إخراج الغسالة فی القلیل و عدم وجوبه فی غیره.
إلّا أنّ الظاهر من قوله: «یراه ماء المطر» أو قوله: «یصیب شیئاً» لا یشمل مثل نفوذ الرطوبة. نعم، لو کان الواصل هو الماء تمّت الدعوی، فالحاصل: اعتبار دخول الأجزاء المائیّة، و أمّا الغلبة فهی حاصلة فی کلّ جزء بحسب حاله من الصغر.
و الحاصل: أنّ الروایتین المتقدّمتین تدلّان علی طهارة کلّ متنجّس بالکرّ و المطر، و فی حکمه الجاری، و یلحق بهما الغسل بالقلیل؛ للإجماع علی عدم الفرق بینها من هذه الجهة و إنّما منع جماعة (1)طهارة ما ذکر بالقلیل من جهة عدم خروج الغسالة، مع أنّه یمکن أن یستفاد من الأخبار مثل روایة السکونی عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «إنّ أمیر المؤمنین علیه السلام سئل عن قِدر طبخ فإذا فیه فأرة، قال: یهراق المرق و یغسل اللحم و یؤکل» (2)و نحوها روایة زکریّا بن آدم فی قِدرٍ قطر فیه قطرة نبیذ (3).
هذا کلّه مضافاً إلی ما ذکره بعض (4)بل اکتفی به فی الاستدلال به علی هذا المطلب ردّاً علی صاحب الذخیرة، حیث أنکر عموم الدلیل علی طهارة
کلّ شیءٍ بالماء (1)ردّاً علی صاحب المدارک المستدلّ بإطلاق أدلّة الغسل (2): من أنّ تطهیر کلّ متنجّس إذا غسل علی الوجه المعتبر قاعدة کلّیة استفیدت من استقراء الموارد الخاصّة و إلّا لاحتجنا إلی الدلیل فی کلّ جزئیّ.
و بالجملة، فالظاهر أنّه لا إشکال فی تطهیر الأُمور المذکورة إذا علم وصول الماء إلی الأجزاء الباطنة، إنّما الإشکال فیها من جهة التقیید الثانی من التقییدین اللذین اعتبرناهما فی حصول الطهارة، و هو خروج الغسالة أو اتّصالها بالعاصم، و فقد الأمرین فی الغسل بالقلیل واضح؛ و لذا ذکر جماعة منهم الشهیدان (3)و المحقّق الثانی (4)بل نسب فی محکیّ المعالم إلی المعروف بین المتأخّرین (5)-: أنّه لا یطهر بالقلیل ما لا یخرج منه الماء.
خلافاً للمحکیّ عن صریح المنتهی (6)و النهایة (7)و مجمع الفائدة (8)و المدارک (9)، فجوّزوا غسل هذه الأشیاء بالقلیل؛ تمسّکاً بلزوم الحرج، و إطلاق أدلّة الغسل، و أنّ المتخلّف فی هذه لیس بأکثر من المتخلّف فی الحشایا بعد الدقّ و التغمیز.
و فی الکلّ ما لا یخفی؛ لأنّ العسر و الحرج لا یوجبان رفع نجاسة المتنجّس إذا لم یحصل تطهیره علی الوجه المعتبر، و لذا لا یحکم بطهارة المائعات بالقلیل و إن تضرّر الشخص بنجاستها، و سیجیء عدم طهارة ما یفسده التعفیر بدون التراب و غیر ذلک. نعم، یصلحان لتأسیس الحکم إذا دلّ علیه دلیل.
و أمّا الإطلاقات فهی ساکتة عن حال الغسالة حتّی لو قلنا بعدم اعتبار إخراج الماء فی غسل الأُمور المذکورة، فیمکن تقیید ظاهر أدلّة سببیّة الغسل للطهارة بما بعد إخراج الماء المتنجّس بالغسل جمعاً بینها و بین ما دلّ علی انفعال الماء القلیل بالملاقاة (1)و لذا لا یحکم بطهارة الغسالة بإطلاق غسل الثوب.
و أمّا قیاسه علی المتخلّف فی الحشایا فهو فاسد من أصله، مع ظهور الفرق بأنّ الباقی فی الحشایا قلیل من الغسالة و الباقی فی هذه الأُمور مجموع الماء الملاقی للباطن.
نعم، ربما یقال: إنّ اللازم من ذلک وجوب تجفیفها بالشمس بعد الغسل لتزول الغسالة المتنجّسة بالملاقاة. و فیه أیضاً نظر؛ لاحتمال دخول إخراج ماء الغسالة فی مفهوم الغسل أو کون مطلقات الغسل منصرفة إلی ذلک.
و کیف کان، ففی غسل هذه الأُمور بالقلیل إشکال، بل ربما یشکل غسلها بالکثیر و إن کان الظاهر من الذخیرة (2)کما فی المعالم (3)عدم الخلاف
فی جواز غسلها بالکثیر من حیث إنّ الماء النافذ فی أعماق الجسم لا یتّصل بالکثیر علی وجه یصدق اتّحاده معه عرفاً حتّی یصدق علی المجموع عنوان الکرّ أو الجاری.
إلّا أنّ یقال: إنّ الإجماع منعقد علی عدم انفعال المتّصل بالکثیر و الجاری مطلقاً، إلّا أن یدّعی ضعف الاتّصال بحیث یلحق عرفاً بالانقطاع؛ و لهذا لو فرضنا أنّ نجاسة عینیّة وقعت فی الکثیر و کان بعض جوانبه خارجاً عن الماء فنفذ الماء من الکثیر إلی ذلک الجانب فتقاطر علی جسم، فلا یلزم بقاء ذلک الجسم علی الطهارة. إلّا أن یقال: إنّ غایة الأمر الشکّ فی الاتّحاد فیرجع إلی أصالة عدم انفعال تلک الأجزاء، فیطهر الباطن.
نعم، یحصل الإشکال فیما لو انتقع الشیء بالماء و وقع فی الکثیر و فرضنا عدم نفوذ الکثیر إلی أعماقه من جهة وجود أجزاء الماء المتنجّس فیه، فحینئذٍ لا یکفی مجرّد اتّصال تلک الأجزاء بأجزاء الکثیر، أمّا علی اعتبار الامتزاج فظاهر، و أمّا علی مطلق الاتّصال فلعدم تحقّق الاتّحاد عرفاً.
فالأحوط بل الأقوی لزوم تجفیف الجسم النجس أوّلًا ثمّ وضعه فی الکثیر. و أحوط من ذلک تجفیفه بالشمس ثانیاً. و أحوط من ذلک وضعه فی الکثیر ثانیاً. و أحوط من الکلّ تجفیفه ثانیاً.
ثمّ إنّه یشکل العمل بالروایتین المتقدّمتین من حیث شمول إطلاقها أو ظهوره (1)فی کفایة غسل اللحم المتنجّس بالماء القلیل؛ لما ذکرنا من عدم
1) لا یخفی ما فی العبارة، و علی فرض عدم تصحیف النسخ و عدم سقوط شیء من العبارة، فالمراد إطلاق مرسلة الکاهلی المتقدّمة فی الصفحة 264، و ظهور خبر السکونی المتقدّم فی الصفحة 267.
انفصال الغسالة عنه، إلّا أن یدّعی قابلیّة اللحم المطبوخ للعصر، أو یراد غسله فی الکثیر، أو یحمل علی عدم نفوذ النجاسة فی أعماقه، و إلّا فالعمل بهما فی مقابل قاعدة «انفعال الماء القلیل» مشکل، و إن ذکره الشیخ فی النهایة (1)و المصنّف فی المنتهی (2)و المختلف (3)کما حکی عنهم. إلّا أنّ الأوّل یورد ما فی متون الأخبار، و بناء الثانی علی تطهیر أمثاله بالماء القلیل، کما تقدّم (4).
و عن القاضی الفرق بین وقوع قلیل الخمر فی القدر و کثیره، فیطهر اللحم بالغسل فی الأوّل دون الثانی (5).
و ممّا ذکرنا یظهر عدم طهارة الأرض الرخوة بإلقاء الماء القلیل علیه، کما عن جماعة، منهم المحقّق (6)و المصنّف (7)و الشهید (8)إذ لا یخرج منها الماء المغسول به، و الخارج منه هو المقدار الزائد الذی یصبّ بعد تحقّق أقلّ الغسل کما لا یخفی.
الذَّنوب (1)من الماء؛ لروایة أبی هریرة فی أعرابیٍّ دخل المسجد فبال فیه، فأمر رسول اللّٰه صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم بإلقاء ذَنوبٍ من ماء، و فی روایة: «تعلّموا و یسّروا و لا تعسّروا» (2)و حملت الروایة علی کرّیّة الذَّنوب أو کون الأرض حجراً و خرج غسالته إلی خارج المسجد، أو أراد علیه السلام رطوبة الأرض لتجفّفها الشمس، و کلّ ذلک بعید، مع أنّ الروایة مشهورة کما عن البیان (3)و الموجز (4)، و مقبولة کما عن الذکری (5).
لکن الإنصاف أنّ مخالفتها لقاعدة «نجاسة الغسالة» أوهنها، مضافاً إلی اشتهار حال راویها.
نعم، روی الشیخ فی الموثّق عن عمّار عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «أنّه سأل عن الموضع القذر یکون فی البیت أو غیره فلا تصیبه الشمس و لکنّه قد یبس الموضع القذر؟ قال: لا یصلّی فیه و أعلِم موضعه حتّی تغسله .. الحدیث» (6). و ظاهرها جواز غسلها بالماء القلیل. و السند لا یخلو عن قوّة،
1) الذَّنوب: الدلو العظیم، و لا یقال لها ذَنوب إلّا و فیها ماء. مجمع البحرین 2: 60، مادّة «ذنب».
2) ظاهر العبارة أنّها روایة أُخری، و نقلها الشیخ ذیل روایة أبی هریرة بلفظ: «ثمّ قال: علّموا .. إلخ»، راجع الخلاف 1: 494، ذیل المسألة 235.
3) البیان: 94.
4) لم نقف علیه فی الموجز.
5) الذکری: 130.
6) التهذیب 2: 372، الحدیث 1548، و الوسائل 2: 1042، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحدیث 4.
لوجود بنی فضّال فیها الذین ورد فیهم: «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا» (1).
و المسلّم من قاعدة «نجاسة الغسالة» ما إذا جذبت الأرض جمیع الغسالة أو أکثرها، و إلّا فلا یخلو جسم من أن یجذب من الغسالة شیئاً علی حسب استعداده، فإذا کان فی الأرض صلابة بحیث ینفصل عنه أکثر الغسالة فلا ینبغی الإشکال فی طهارتها بالقلیل.
نعم، یحکم بنجاسة الموضع الذی ینتقل إلیه الغسالة، وفاقاً لظاهر المحکیّ عن المحقّق حیث عدّ من جملة ما یطهّر الأرض أن یغسل بماء یغمرها ثمّ یجری إلی موضع آخر فیکون ما انتهی إلیه الماء نجساً (2)، انتهی.
و ربما یستظهر من عبارة الخلاف عدم الخلاف بیننا فی ذلک؛ حیث لم ینسب الخلاف إلّا إلی بعض أهل الخلاف (3).
ثمّ إنّه لو أُرید أن لا یتنجّس بالغسالة موضع آخر من الأرض فلیحفر وسط الأرض حفیرة ینزل إلیها الماء ثمّ یطمّها بالتراب الطاهر.
و ممّا ذکرنا یظهر حال التنّور إذا تنجّس.
و من جملة ما لا یطهر بالغسالة (4)الفضّة و الرصاص إذا تنجّسا فی حال المیعان، فإنّ المحکیّ عن العلّامة الطباطبائی أنّه لا یطهر بالغسل إلّا ظاهرهما، و یجب غسله حیناً بعد حین إذا حکّ بعض ظاهره و خرج الباطن حذراً عن المسّ بالرطوبة (5).
(و تکتفی المربّیة للصبیّ بغسل ثوبها الواحد فی) کلّ (یوم (1)مرّة).
المستند فی ذلک: ما رواه أبو حفص عن الصادق علیه السلام: «فی امرأة لیس لها إلّا قمیص واحد و لها مولود، فیبول علیه (2)؟ قال: یغسل قمیصه فی الیوم مرّة» (3)و العمل بمضمونها مشهور بین المتأخّرین، و به ینجبر ضعف الروایة لو کان، إلّا أنّ اللازم من ذلک وجوب الاقتصار علی المتیقّن من مادّة اجتماع الجابر و المنجبر، و عدم کفایة وجود أحدهما فضلًا عن مورد فقدهما.
و حینئذٍ فلا یلحق المربی بالمربیة، وفاقاً لظاهر المنتهی و النهایة (4).
و لا الصبیّة بالصبیّ، وفاقاً للمحکیّ عن المعتبر و التحریر (5)بل عن الشیخ و الأکثر (6)حیث اقتصروا علی ذکر الصبیّ، و خلافاً للمحکیّ عن الشهیدین (7)و أکثر المتأخّرین (8).
1) فی الإرشاد: «فی الیوم».
2) العبارة فی الوسائل هکذا: «.. فیبول علیها، کیف تصنع؟ قال: تغسل القمیص فی الیوم مرّة».
3) الوسائل 2: 1004، الباب 4 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل مع اختلاف.
4) المنتهی 3: 271، و النهایة: 55.
5) المعتبر 1: 444، و التحریر: 25، و حکاه عنهما السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 180.
6) نسبه إلیه و إلیهم الفاضل فی کشف اللثام 1: 450.
7) الذکری 1: 139، و المسالک 1: 127.
8) منهم: الفاضل مقداد فی التنقیح الرائع 1: 153، و المحقّق الثانی فی جامع المقاصد 1: 175 (حیث نفی البعد عن شمول الحکم للصبیّة)، و السیّد العاملی فی المدارک 2: 355.
و لا الغائط بالبول، وفاقاً للمحکیّ عن ظاهر المعتبر (1)، خلافاً للمصنّف هنا و فی التحریر (2).
و لا البدن بالثوب.
و ظاهر الروایة: عدم الفرق بین تولّد المولود منها أو من غیرها؛ و لذا عُنون المسألة فی کلماتهم ب «المربّیة».
و أنّ المتعیّن هو الغسل، فلا یکفی الصبّ و إن اکتفی به فی بول الصبیّ الذی لم یطعم وفاقاً للمحکیّ عن ظاهر النهایة (3). إلّا أنّ الظاهر أنّ المراد بالغسل هنا ما یعمّ الصبّ، کما فی قوله: «اغسل ثوبک من بول کلّ ما لا یؤکل»، فإنّ الصبیّ لم یخرج من هذا العموم قطعاً.
و ظاهر الروایة أیضاً التخییر فی زمان إیقاع الغسل حتّی فی غیر وقت الصلاة و إن اقتضت العادة طروء النجاسة إذا تقدّمت علی الصلاة.
و أمّا دعوی: ظهور الروایة فی وجوب الغسل فهو لا یکون إلّا بعد دخول الوقت فلا دلیل علی الإجزاء قبله، فمدفوعة: بأنّ المقام مقام بیان علاج هذه النجاسة و لو فی زمان عدم وجوب الصلاة، فظاهره: أنّ الغسل مرّة فی کلّ یوم بدل عن غسله فی کلّ مرّة عرضت النجاسة لها.
نعم، ذکر جماعة (4): أنّ الأولی تأخیر الغَسل إلی آخر النهار لتدرک
1) المعتبر 1: 444، حیث علّل الحکم بتکرار البول.
2) حیث لم یقیّد الثوب هنا بما إذا تنجّس بالبول، و فی التحریر عبّر بثوب تصیبه النجاسة.
3) نهایة الإحکام 1: 288.
4) منهم: العلّامة فی التحریر 1: 25، و المحقّق الثانی فی جامع المقاصد 1: 176، و السیّد العاملی فی المدارک 2: 355، و الفاضل الأصفهانی فی کشف اللثام 1: 451.
الصلوات الأربع مع الطهارة و لا ریب فی الأولویّة. و الظاهر أنّ اللیل داخل فی الیوم.
و لو أُخلّ بغسل الثوب، فالظاهر فساد کلّ صلاة وقعت بعد الإخلال بالواجب.
(و لو صلّی (1)مع نجاسة ثوبه أو بدنه عامداً أعاد فی الوقت و خارجه) بلا خلاف بین من یشترط الطهارة الخبثیّة فی الصلاة.
و الجاهل بالاشتراط کالعامد اتّفاقاً. نعم، لصاحب المدارک (2)و شیخه (3)کلام فی کون الجاهل تفصیلًا مکلّفاً بالواقع و مؤاخذاً علی مخالفته. و یردّه: عموم أدلّة التکالیف مع عدم ثبوت کون الجهل التفصیلی عذراً عقلیّاً أو شرعیّاً. و یؤیّده الإجماع علی تکلیف الکفّار بالفروع، مع أنّه لا یعرف یسیراً من الفروع إلّا یسیر منهم. و یؤیّده أیضاً بعض الأخبار الدالّة علی مؤاخذة الجاهل المقصّر بما جهل، کما فی روایة استماع الغناء فی بیت الخلاء (4)و غیرها.
(و) أمّا (الناسی) فالمشهور أنّه (یعید فی الوقت (5)) و حکی
1) ذکر فی الإرشاد قبل هذه المسألة مسائل لم یتعرّض المؤلّف قدّس سرّه لشرحها، أو سقطت مع شرحها من النسخ.
2) المدارک 2: 344 345.
3) مجمع الفائدة 1: 342.
4) المراد بها ظاهراً ما رواه فی الوسائل 12: 231، الباب 99 من أبواب ما یکتسب به، الحدیث 29، لکن لم نعرف وجه دلالتها، فراجع.
5) فی الإرشاد زیادة: «خاصّة».
علیه الإجماع (1)، و بها أخبار کثیرة (2)لا یعارضها خصوص روایة ابن محبوب (3)و لا عموم قوله علیه السلام: «لا تعاد الصلاة إلّا من خمسة» (4). و أمّا الأخبار الواردة فی ناسی الاستنجاء (5)فإنّما تنفع المقام لو ثبت عدم الفصل فی المسألة، و لا یخلو عن تأمّل.
(و) أمّا (الجاهل) بالنجاسة فعلم بها بعد الصلاة، ففیها أقوال، ثالثها: الإعادة فی الوقت خاصّة، و رابعها: الإعادة مع التقصیر فی ترک النظر مع الالتفات و احتمال وجود النجاسة. و یظهر من محکیّ جماعة الإجماع (6)علی عدم [ثبوت (7)] القضاء هنا، و المحکیّ عن بعضهم ظاهر فی وجود المخالف (8).
و الأقوی ما اختاره المصنّف قدّس سرّه: من أنّه (لا یعید مطلقاً) لعموم «لا تعاد .. إلخ» و خصوص بعض الأخبار (9)، و معارضها (10)أضعف منها و إن
1) حکاه ابن زهرة فی الغنیة: 111، و ادّعی ابن إدریس عدم الخلاف فی السرائر 1: 183.
2) راجع الوسائل 2: 1063، الباب 42 من أبواب النجاسات.
3) المصدر السابق، الحدیث 3.
4) الوسائل 4: 934، الباب 10 من أبواب الرکوع، الحدیث 5.
5) الوسائل 1: 223، الباب 10 من أبواب أحکام الخلوة.
6) منهم: السیّد ابن زهرة فی الغنیة: 111، و ابن فهد فی المهذّب البارع 1: 246، و ادّعی ابن إدریس عدم الخلاف فی السرائر 1: 183.
7) فی النسخ: «سقوط» و هو سهو.
8) یظهر ذلک من عبارة العلّامة فی المنتهی 3: 309، حیث نسب عدم وجوب الإعادة فی خارج الوقت إلی الأکثر.
9) راجع الوسائل 2: 1059، الباب 40 من أبواب النجاسات.
10) المصدر: 1061، الحدیث 9.
اعتضدت بالإجماع المحکیّ عن الغنیة (1)، و لو سلّم التساقط فلا محیص عن الرجوع إلی العموم المذکور.
و مستند القول الرابع: روایة الصیقل عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «قلت له: رجل أصابته جنابة باللیل فاغتسل و صلّی، فلمّا أصبح نظر فإذا فی ثوبه جنابة؟ قال: الحمد للّٰه الذی لم یدع شیئاً إلّا و قد جعل له حدّا، إن کان حین قام نظر فلم یرَ شیئاً فلا إعادة علیه، و إن کان حین قام لم ینظر فعلیه الإعادة» (2)و یؤیّدها تعلیل الإعادة فی بعض روایات الناسی: بأنّه عقوبة لنسیانه کی یهتمّ بالشیء إذا رآه فی ثوبه (3). و روایة وجوب الإعادة علی من غسلت ثوبه الجاریة فلم تبالغ فی غسله حیث قال له علیه السلام: «أمّا لو کنت أنت الذی غسلت لم یکن علیک إعادة» (4)بناءً علی أنّ المراد نفی الإعادة لو رآه یابساً بعد ما کان باشر غسله. و روایة محمّد بن مسلم: «إن رأیت المنیّ قبل أو بعد ما تدخل فی الصلاة فعلیک إعادة الصلاة، و إن أنت نظرت فی ثوبک فلم تصبه ثمّ صلّیت فیه ثمّ رأیت بعد فلا إعادة علیک، فکذلک البول» (5). إلّا أنّ ما هو صریح من هذه الروایات غیر نقیّة السند، و ما هو نقیّ السند غیر صریحة بل و لا ظاهرة؛ و مع ذلک فهی معارضة بما یظهر من
1) لا یخفی أنّ الاعتضاد بإجماع الغنیة إنّما هو بالنسبة إلی الوقت لا القضاء خارج الوقت، راجع الغنیة: 111.
2) الوسائل 2: 1062، الباب 41 من أبواب النجاسات، الحدیث 3.
3) الوسائل 2: 1064، الباب 41 من أبواب النجاسات، الحدیث 5.
4) الوسائل 2: 1024، الباب 18 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
5) الوسائل 2: 1062، الباب 41 من أبواب النجاسات، الحدیث 2.
صحیحة زرارة الطویلة (1): من عدم وجوب الفحص إذا شکّ فی إصابة النجاسة و انحصار ثمرة النظر و الفحص بذهاب الشکّ العارض للإنسان الموجب لعدم حضور القلب فی العبادة من جهة تشویش البال، فلو کان له ثمرة فی الإعادة و عدمها عند انکشاف الحال کان التنبیه علیه مناسباً، بل کان الأولی الأمر بالنظر إرشاداً لئلّا یقع فی کلفة الإعادة، کما أمر بالاستبراء لئلّا یقع فی إعادة الوضوء و الغسل و غسل الثوب عن البلل المشتبه الخارج بعد البول أو المنی. و أیضاً فتعلیل عدم الإعادة فی الصحیحة المذکورة بقوله: «لأنّک کنت علی یقین من طهارتک فشککت .. إلی آخر ما ذکره» ظاهر فی انحصار علّة عدم الإعادة بإیقاع العمل علی ظنّ التکلیف الظاهری من غیر مدخلیّة للفحص و النظر فی ذلک.
و الحاصل: أنّ الظهور المستفاد من الروایات المتقدّمة مع ضعفها و معارضتها بما عرفت لا ینهض لتقیید إطلاقات الأخبار.
هذا کلّه إذا لم یعلم الجاهل بالنجاسة إلّا بعد الفراغ
(و لو علم) بها (فی الأثناء) فإن أمکنه الإزالة أو الاستبدال من دون الاشتغال بشیء من أجزاء الصلاة أو حصول مبطل أزال أو (استبدل، و لو تعذّر) الاستبدال و الإزالة (إلّا بالمبطل أبطل.)
(و لو نجس الثوب و لیس له غیره صلّی عاریاً (2)) علی المشهور، بل عن الشیخ: دعوی الإجماع علیه فی الخلاف (3)لإطلاق النهی عن الصلاة فی
النجس (1)، و الأخبار منها: مضمرة سماعة، قال: «سألته عن رجل یکون فی فلاة من الأرض و لیس علیه إلّا ثوب واحد و أجنب فیه و لیس عنده ماء کیف یصنع؟ قال: یتیمّم و یصلّی عریاناً قاعداً یومی إیماءً» (2). و نحوه مضمر آخر، إلّا أنّ فیه: «یصلّی قائماً یومی إیماءً» (3).
و یمکن الجواب عن إطلاق النهی عن الصلاة فی النجس بمعارضته بإطلاق أدلّة اعتبار الستر و المنع عن الصلاة عاریاً (4)مع أنّ فقد الساتر أسوأ من فقد صفته.
و عن الأخبار بمعارضتها بأقوی منها سنداً و عدداً، منها: روایة علیّ ابن جعفر المرویّة فی التهذیب و الفقیه و قرب الإسناد عن أخیه علیه السلام: «عن رجل عریان و حضرت الصلاة و أصاب ثوباً بعضه دم أو کلّه دم، یصلّی فیه أو یصلّی عریاناً؟ قال: إن وجد ماءً غسله و إن لم یجد ماءً صلّی فیه و لم یصلّ عریاناً» (5).
و التفصی عن الکلّ: بأنّ أدلّة الستر قد قیّدت بالساتر الطاهر،
1) لعلّ المراد به إطلاق التعلیل فی خبر خیران الخادم المروی فی الوسائل 2: 1055، الباب 38 من أبواب النجاسات، الحدیث 4.
2) الوسائل 2: 1068، الباب 46 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
3) المصدر السابق، الحدیث 3.
4) راجع الوسائل 3: 326، الباب 50 من أبواب لباس المصلی.
5) التهذیب 2: 224، الحدیث 884، و الفقیه 1: 248، الحدیث 755، و قرب الإسناد: 191، الحدیث 718، و الوسائل 2: 1067، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحدیث 5.
و المفروض أنّه غیر متمکّن منه فیسقط، و لا معنی لمراعاة المطلق بعد العجز عن المقیّد، إلّا إذا اختصّت الشرطیّة و التقیید بحال الاختیار، و هو ممنوع فی المقام؛ لإطلاق أدلّة اعتبار طهارة الساتر و غیره من لباس المصلی (1).
و منه یظهر ضعف ما ذکر من قوله: «إنّ فوات الساتر أسوأ من فقد صفته» مع أنّ وجود إطلاقٍ فی أدلّة الستر بحیث ینفع فی المقام ممنوع، و الإجماع علی اعتباره کبعض الأخبار (2)مخصّص بما إذا تمکّن من الطاهر.
و أمّا أدلّة الرکوع و السجود، فهی مختصّة بالمستور دون العاری، فالرکوع الحقیقی واجب مشروط بعدم العری، فیرجع الأمر بالأخرة إلی تعارض أدلّة الستر و طهارة اللباس، مع أنّه قد لا یلزم خلل فی الرکوع کما لو دار الأمر بین ستر رأس المرأة بالنجس و بین صلاتها مکشوفة الرأس.
نعم، یمکن أن یقال: إنّ الستر غیر مفقود فی صلاة العاری إذا صلّی مجتمعاً جالساً فقد ستر عورته، إلّا أنّه یفوته الرکوع و السجود؛ و لذا قیل (3): إنّ أدلّة وجوب الإیماء علی العاری (4)دلیل علی وجوب الستر؛ لأنّ الشارع أهمل الرکوع و السجود لاعتبار الستر، فتأمّل.
و أمّا عن الأخبار فبترجیح الأخبار السابقة بالشهرة و الإجماع المنقول، مضافاً إلی إمکان حملها علی ما إذا لم یتمکّن من نزع الثوب لبرد أو نحو ذلک، کما یشهد به روایة الحلبی عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام، قال: «سألته
عن الرجل یجنب فی الثوب أو یصیبه بول و لیس معه ثوب غیره؟ قال: یصلّی فیه إذا اضطرّ إلیه» (1)فإنّ الظاهر أنّ المراد بالاضطرار الاضطرار العادی من جهة بردٍ و نحوه، فیکون قیداً للحکم، لا الاضطرار الشرعی من جهة فقد الساتر لیکون تحقیقاً لمورد السؤال، و هو قوله: «لیس معه غیره».
و التحقیق: أنّ الإجماع منعقد علی اعتبار الساتر إلّا أن یمنع عنه مانع عقلی أو شرعی، و الطهارة لیست شرطاً فی الساتر من حیث کونه ساتراً حتّی یکون الشرط راجعاً إلی شیء واحد و هو «الستر بشیء طاهر» و إنّما هو شرط فی مطلق اللباس من حیث کونه ملبوساً أو مصاحباً أو محمولًا، لا لنقص فیها من حیث الستر أصلًا، و اللازم من ذلک تعارض أدلّة الستر و طهارة اللباس.
و عمومات الرکوع و السجود قد عرفت حالها.
فاللازم ملاحظة الأخبار، و حملها علی التخییر کما ذهب إلیه جماعة، منهم المصنّف رحمه اللّٰه (2)و المحقّق (3)و الشهید الثانی فی المسالک (4)بعید؛ لأنّه طرح لظاهرها، إلّا أن یریدوا التخییر الظاهری من جهة التعارض لا الواقعی بواسطة الحمل، و هو بعید.
فیتعیّن الترجیح، و المرجّح الداخلی مع أخبار الصلاة فی الثوب النجس، و الخارجی مع الأخبار الأُخر. و ما ذکر: من شهادة روایة الحلبی
بحمل الأخبار الأوّلة (1)علی صورة الاضطرار، یأبی عنه روایة علیّ بن جعفر المتقدّمة کما لا یخفی.
فالمسألة محلّ إشکال، و لکن قول المشهور لا یخلو عن قوّة.
1) قد مرَّ التعلیق علی هذه الکلمة فی الصفحة 104، الهامش رقم 6.
[المطهِّرات (1)]
(و تطهّر الشمس ما تجفّفه) بنفسها أو بمعونة الهواء بحیث یسند التجفیف إلیها، و إلّا فلا یخلو الهواء عن الإعانة غالباً (من البول و شبهه) من النجاسات التی تزول عنها بالجفاف لعدم جرم لها، و عن المقنعة (2)و الخلاف (3)و المراسم (4): الاقتصار علی البول، و عن المنتهی: اختصاص الحکم به؛ لأنّه المنصوص (5)بناءً علی ضعف روایة عمّار الآتیة (6).
و المشهور التعمیم، کما عن المهذّب (7)و غیره، بل عن التنقیح: أنّه
لا خلاف فی أنّ الشمس إذا جفّفت ما لا صورة له من النجاسات (فی الأرض و البواری و الحصر) و کلّ ثابت، یجوز الصلاة علیها، إنّما الخلاف فی طهارتها، فابن الجنید و الراوندی علی نفیها (1)، انتهی.
(و) معقده یشمل (الأبنیة و النبات).
و یدلّ علیه عموم روایة أبی بکر الحضرمی: «کلّ ما أشرقت علیه الشمس فقد طهر» (2)و خصوص موثّقة عمّار سئل عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام، قال: «سئل عن الموضع القذر یکون فی البیت أو غیره فلا تصیبه الشمس و لکنّه قد یبس الموضع القذر؟ قال: لا یصلّی علیه، و أعلم موضعه حتّی تغسله. و عن الشمس هل تطهّر الأرض؟ قال: إذا کان الموضع قذراً من البول أو غیر ذلک فأصابته الشمس ثمّ یبس الموضع فالصلاة علی الموضع جائزة، و إن أصابته الشمس و لم ییبس الموضع القذر و کان رطباً فلا یجوز الصلاة علیه حتّی ییبس، و إن کانت رجلک رطبة أو جبهتک رطبة أو غیر ذلک منک ما یصیب ذلک الموضع القذر فلا تصلّ علی ذلک الموضع القذر حتّی ییبس، و إن کان غیر الشمس أصابه حتّی ییبس، فإنّه لا یجوز ذلک .. الحدیث» (3)و ضعفها لو کان منجبر بما عرفت، مع أنّ الظاهر أخذ الروایة من کتب بنی فضّال الذین قال العسکری فی حقّهم: «خذوا ما رووا و ذروا ما رأوا» (4).
نعم، استثنی الشیخ الخمر من النجاسات (1)و وجهه واضح؛ لأنّ جِرمها یبقی بعد الجفاف.
ثمّ إنّ مقتضی عموم روایة الحضرمی المتقدّمة المعتضدة بنفی الخلاف المتقدّم عن التنقیح (2)المعتضد بالشهرة المحکیّة (3)عموم الحکم للأرض و الحصر و البواری و ما لا ینقل، و عن الخلاف: دعوی الإجماع علی الثلاثة الأُوَل (4)، و عن الدلائل: أنّ المتأخّرین عمّموا الحکم لما لا ینقل (5).
و منه یظهر ضعف تخصیص الحکم بالحُصُر و البواری مع التنصیص علی أنّ غیرهما لا یطهر کما عن المهذّب (6)، و ما عن المعتبر: من التردّد فیما عدا الأرض ممّا لا ینقل (7)، و ما عن المبسوط (8)و الجامع (9)و المنتهی (10): من إلحاق کلّ ما عمل من نبات الأرض غیر القطن و الکتّان بالحصر، و نحوهما
1) المبسوط 1: 93.
2) تقدّم فی الصفحة السابقة.
3) حکاه فی الحدائق 5: 436.
4) الخلاف 1: 495، المسألة 236.
5) حکاه عنه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 183.
6) المهذّب 1: 52.
7) لم یصرّح فیه بالتردید، بل استفاد ذلک صاحب المعالم من لازم کلامه، راجع المعتبر 1: 446، و معالم الدین (قسم الفقه): 394 395.
8) المبسوط 1: 90.
9) الجامع للشرائع: 24.
10) کذا، و الظاهر أنّها زائدة.
ما عن المنتهی (1)، و ما عن محکیّ فخر الإسلام: من عموم الحکم للنباتات و إن انفصلت کالخشب و الآلات المتّخذة من النبات (2)لعدم الدلیل علی ذلک عدا روایة الحضرمی (3)، و هی ضعیفة سنداً و دلالة بلزوم تخصیص الأکثر فیها، فلا یعمل بها إلّا مع الجابر المفقود فی الأُمور المذکورة.
و من الغریب فی أنظارنا ما عن النزهة: من قصر التطهیر علی الأرض و البواری، قال: و أمّا الحُصُر فلم أقف علی خبر إلّا من طریق العموم، و هو ما رواه أبو بکر الحضرمی (4)، مع أنّ المحکی عن الصحاح و الدیوان و المغرب (5): أنّ الحصیر هی الباریة، إلّا أنّ عطف البواری علی الحصر فی کلام کثیر من الأصحاب یشعر بمغایرةٍ ما بینهما.
و مقتضی إطلاق النصّ و الفتوی بطهارة الأرض عمومها لذات الرمل و الحصی، فلو أُخذ منها جزءٌ و تنجّس کما فی حجر الاستنجاء فهل یطهر بالشمس بعد إلقائه علی الأرض کما عن المبسوط و المنتهی (6)؟ أم لا کما قیل (7)لانقلابه منقولًا؟ قولان أحوطهما الثانی، و إن کان الأوّل لا یخلو عن قوّة.
ثمّ إنّ المشهور هی إفادة الشمس للطهارة، و هو صریح إجماع الخلاف (1)و السرائر (2)و کشف الحقّ (3)، و هو الذی دلّ علیه روایة الحضرمی المتقدّمة (4)و صحیحة زرارة، قال: «سألت أبا جعفر علیه السلام عن البول یکون علی السطح أو علی المکان الذی یصلّی فیه؟ فقال: إذا جفّفته الشمس فصلّ علیه، فهو طاهر» (5). و یؤیّده حکایة الإجماع مستفیضاً علی اعتبار طهارة موضع السجدة (6)و المفروض جواز السجود علی ما جفّفته الشمس باتّفاق الخصم.
خلافاً للمحکیّ عن الإسکافی (7)و الراوندی (8)و البهائی (9)و المحدّث الکاشانی (10)، و ظاهر النهایة (11)و الوسیلة (12)حیث اقتصرا علی جواز السجود. و لعلّه للأصل و ذیل روایة عمّار المتقدّمة (13)بناءً علی ما عن أکثر
1) الخلاف 1: 495، المسألة 236.
2) السرائر 1: 182.
3) کشف الحقّ: 418.
4) فی الصفحة 286.
5) الوسائل 2: 1042، الباب 29 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
6) راجع الغنیة: 66، و المنتهی 4: 369، و الذکری 3: 150.
7) حکاه عنهما المحقّق فی المعتبر 1: 446.
8) حکاه عنهما المحقّق فی المعتبر 1: 446.
9) الحبل المتین: 125، و نقله عن الراوندی و ابن حمزة و نفی عنه البُعد.
10) المفاتیح 1: 80.
11) النهایة: 53.
12) الوسیلة: 79.
13) فی الصفحة 286.
نسخ التهذیب: «و إن کان عین الشمس أصابه» (1)و روایة ابن بزیع: «عن السطح و الأرض یصیبه البول و ما أشبهه هل تطهّره الشمس من غیر ماء؟ قال: کیف تطهّر من غیر ماء؟» (2).
و رُدّ الأصل بما مرّ، و روایة عمّار بأنّها لم تثبت علی هذا الوجه، مع أنّ تذکیر الضمیر فی «إصابة» یدلّ علی لفظ «الغیر».
نعم، یمکن أن یقال: إنّ سؤال عمّار عن تطهیر الشمس و عدوله علیه السلام إلی الجواب بجواز الصلاة علی الموضع دون أن یقرّره علی التطهیر یدلّ علی عدم التطهیر. لکن هذه دلالة ضعیفة معارضة ببعض ظهورات أُخر فی الروایة.
و أمّا روایة ابن بزیع، فیمکن حملها علی احتیاج تطهیر الأرض إلی الماء لتصیر رطبةً فتجفّفها الشمس. و هذا الحمل و إن بعد، لکنّه أولی من حمل «الطاهر» فی الروایات علی ما هو بمنزلته فی حکمٍ خاصٍّ، و هو جواز السجود، فالأقوی الطهارة.
و ربما یتمسّک بأصالة طهارة الملاقی و أنّها لو عورضت بأصالة بقاء النجاسة فی الملاقی بالفتح تعیّن الرجوع إلی قاعدة الطهارة. و فیه ما لا یخفی؛ فإنّ استصحاب النجاسة وارد علی استصحاب طهارة الملاقی، کما قرّر فی محلّه (3).
ثمّ إنّه متی حکم بطهارة الشیء حکم بطهارة باطنه مع اتّصال
النجاسة و اتّحاد الاسم کما صرّح به فی الروض (1)، فلا یطهر الباطن مع التعدّد کما عن التذکرة (2)و المهذّب (3)و جامع المقاصد (4)و المسالک (5).
(و) تطهّر (النار ما أحالته) دخاناً أو رماداً علی المشهور، بل عن السرائر (6)و جامع المقاصد (7): الإجماع علی طهارة کلٍّ من الدخان و الرماد المستحیلین من النجاسة، و هو ظاهر التذکرة حیث قال: دخان الأعیان النجسة طاهر عندنا و هو أحد وجهی الشافعی و ما أحالته النار عندنا و به قال أبو حنیفة (8)، و عن الخلاف: الإجماع علی طهارة رماد الأعیان النجسة (9)، و عن المنتهی: دخان الأعیان النجسة طاهر عندنا لخروجه عن المسمّی (10)، و نحوه أطعمة الشرائع من غیر ذکر الدلیل (11)، و فی
1) روض الجنان: 170.
2) قال فی التذکرة: «طهرت ظاهراً و باطناً»، و لم یقیّدها باتّحاد الاسم، راجع التذکرة 1: 78، نعم نسب ذلک إلیها فی مفتاح الکرامة 1: 186.
3) المهذّب البارع 1: 257.
4) جامع المقاصد 1: 178، و فیه أیضاً مثل ما فی التذکرة.
5) المسالک 1: 129.
6) لم یذکر ابن إدریس فی السرائر الدخان و لم یدّع الإجماع، بل قال فی مسألة العجین بالماء النجس: «لأنّ النار لا تطهّر الخبز إلّا إذا أحالته و صیّرته رماداً» راجع السرائر 1: 89.
7) جامع المقاصد 1: 179.
8) التذکرة 1: 74 75.
9) الخلاف 1: 500، ذیل المسألة 239.
10) المنتهی 3: 292.
11) الشرائع 3: 226.
کشف اللثام: أنّ الناس مجمعون علی عدم التوقی من رماد النجاسات و أدخنتها [و أبخرتها (1)]، و نحوه عن المعتبر (2)و الذکری فی خصوص الأدخنة (3)، و المنتهی فی خصوص الرماد (4).
و یدلّ علی الطهارة خروج الدخان و الرماد عن مسمّی العین النجسة، فلا تشمله أدلّة نجاستها، فیرجع فی طهارته إلی الأصل لو لم نقل بالرجوع إلی أدلّة طهارة الرماد (5)، بناءً علی عدم انصراف إطلاقها إلی ما نحن فیه، و التمسّک باستصحاب النجاسة غیر ممکن لارتفاع الموضوع.
و قد یستدلّ زیادةً علی ذلک بصحیحة ابن محبوب: «عن الجصّ یوقد علیه بالعذرة و عظام الموتی ما یجصّص به المسجد، أ یسجد علیه؟ فکتب إلیه بخطّه: إنّ الماء و النار طهّراه» (6)بناءً علی أنّ الغالب أنّ الجصّ یلاقی دخان العذرة و العظام و رمادهما، فلولا طهارتهما لم یجز تجصیص المسجد به بالجصّ الملاقی (7).
نعم، یبقی الکلام فی التعلیل: «بأنّ الماء و النار طهّراه» و عدم استقامته
بظاهره، مع إمکان حمله علی بعض المحامل لا یقدح المطلوب. اللهمّ إلّا أن یقال: إنّ تعلیله بذلک یدلّ علی أنّ العلّة لیس (1)طهارة الرماد و الدخان، بل ظاهر الروایة: أنّ الجصّ ینجس بالعذرة و العظام لکن الماء و النار طهّراه، إلّا أن یحمل التطهیر علی إزالة النفرة الحاصلة من ملاقاة العذرة و العظام، و إلّا فالجصّ فی نفسه لا ینفعل بدخان العذرة و رمادها لطهارتهما. و یحتمل إرادة التطهیر الحقیقی بناءً علی ملاقاة الجصّ للرطوبة الحاصلة من العذرة و العظام عند اشتعالهما بالنار، فإنّه الغالب فی العظام و قد یتّفق فی العذرة أیضاً.
و کیف کان، فالروایة صریحة فی جواز تجصیص المسجد بذلک الجصّ مع عدم خلوّه عن الدخان و الرماد.
و نحوها المرویّ عن قرب الإسناد: «عن الجصّ یطبخ بالعذرة أ یصلح أن یجصّص به المسجد؟ قال: لا بأس» (2).
و ممّا ذکر ظهر ضعف التردّد فی طهارة الرماد کما عن المعتبر (3)، أو مع الدخان کما تحتمله عبارة الشرائع فی الأطعمة (4).
و ممّا ذکر أیضاً ظهر: أنّ الاستحالة موجبة للطهارة و لو بغیر النار (5)، و لا خصوصیّة للنار. و بعض الأخبار الغیر المعمول بها کالتعلیل فی
الروایة المتقدّمة (1)، و مثل ما ورد فی الدم الواقع فی القدر الذی یغلی: من «أنّ النار تأکل الدم» (2)، و ما ورد: من طهارة العجین النجس بالتخمیر معلّلًا: بأنّ «النار أکلت ما فیه» (3)و نحو ذلک ممّا لا یعمل بظاهره. و أمّا أولویّة النار فی الإزالة من الماء، ففیه ما لا یخفی.
و ممّا ذکرنا یشکل الأمر فی استحالة المتنجّسات بناءً علی جواز التمسّک فیها باستصحاب النجاسة؛ حیث إنّ نجاستها لیست لصورها النوعیّة، بل لأنّها أجسام ملاقیة للنجاسة، فالموضوع و هو الجسم باقٍ بحاله، فیمکن استصحاب نجاسته.
اللهمّ إلّا أن یقال بعد إطلاق الإجماع المتقدّم عن التذکرة علی طهارة مطلق ما أحالته النار (4)الشامل للمتنجّس، خصوصاً مع تصریحه فیما بعدُ: بأنّ العجین النجس إذا استحال بالنار یصیر طاهراً (5)، و ما عن الوحید البهبهانی: من أنّ المستفاد منهم الإجماع علی إلحاق المتنجّس بالنجس (6)، و بعد أولویّة زوال النجاسة عن المتنجّس بالاستحالة من زوالها عن النجاسات العینیّة، حتّی أنّ صاحب المعالم حکی عنه التوقّف فی فحم نجس العین و نفی البعد عن طهارة فحم الحطب المتنجّس (7)-: إنّه لا دلیل علی أنّ
الموضوع فی نجاسة الملاقی للنجس هو الجسم إلّا الإجماع، و لم یعلم الإجماع علی ثبوت الحکم لذلک الجسم المشترک إن لم ندّعِ الإجماع علی کون النجاسة فی المتنجّسات کالنجاسات تابعة لبقاء الحقیقة النوعیّة، کما عرفت ظهوره من معقد اتّفاق التذکرة و شرح الوحید البهبهانی.
و دعوی: أنّ الإجماع المدّعی إنّما هو علی رفع النجاسة بالاستحالة، فلا ینافی إجماعهم المتقدّم علی کون نجاسة الملاقی من جهة کونه جسماً، فیلزم علی المختار: من عدم حجّیة الإجماع المنقول، البناء علی الإجماع الأوّل حتّی یثبت الرافع للنجاسة.
مدفوعة:
أوّلًا: بأنّ استدلال غیر واحد منهم علی الطهارة بخروج المستحیل عن المسمّی ظاهر فی أنّ کلامهم لیس فی الرفع بل فی الارتفاع.
و ثانیاً: أنّ الإجماع علی نجاسة الملاقی من حیث کونه جسماً غیر متحقّق، و لم یعلم تحقّق الإجماع علی تبعیّة نجاسة المتنجّس للقدر المشترک، غایة الأمر أنّه ظاهر معاقد الإجماعات المنقولة.
فحینئذٍ یحتمل أن یکون موضوع النجاسة هی الصورة النوعیّة و الحقیقة العرفیّة الزائلة بالاستحالة، فحینئذٍ یشکّ فی بقاء الموضوع بعد الاستحالة من جهة الشکّ فی تعیین الموضوع، فلا یجری الاستصحاب؛ لأنّ من شرطه القطع ببقاء الموضوع، و لیس هنا مقام إبقاء الموضوع بالاستصحاب ثمّ استصحاب الحکم؛ لأنّ الشکّ فی موضوعیّة الباقی لا فی بقاء الموضوع، فیُرجع حینئذٍ إلی قاعدة الطهارة المستفادة من قولهم: «کلّ شیءٍ نظیف حتّی یعلم أنّه قذر» (1).
1) الوسائل 2: 1054، الباب 37 من أبواب النجاسات، الحدیث 4.
هذا کلّه، مع ما تقدّم من صحیحة ابن محبوب الدالّة علی نفی البأس عن الجصّ الملاقی غالباً لرماد عظام الموتی و دخانها علی ما هو المتعارف فی طبخ الجصّ: من جمع الوقود علیه ثمّ إحراقه، بل لا ینفکّ عادة من امتزاج الرماد و الدخان، مع أنّ العظام متنجّسة لا نجسة غالباً، مع أنّ العذرة غالباً لا تخلو عن التراب الملصق بها.
و لو شکّ فی الاستحالة فالأقوی استصحاب النجاسة؛ لأصالة بقاء الحقیقة النوعیّة.
و منه یظهر قوّة نجاسة الفحم، وفاقاً للمحکیّ عن صریح المسالک (1)، خلافاً للمحکیّ عن جامع المقاصد (2)و الدلائل (3)و أکثر المتأخّرین (4)، إلّا أن یدّعی العلم بالاستحالة، فیقوی ما ذکروه.
و ربما یستدلّ علی استحالة الفحم بصیرورته حراماً. و فیه: أنّ الحرمة لو سلّمت فلعلّها محمولة علی هذا الصنف، کما لا یدلّ تحریم العصیر بعد الغلیان علی صیرورتها حقیقة أُخری.
نعم، یمکن التمسّک بروایة ابن محبوب المتقدّمة (5)بناءً علی أنّ العظام بل العذرة تصیر فحماً لا رماداً، بل یمکن دعوی غلبة ذلک.
و لا بصیرورة الطین آجراً أو خزفاً (1)، وفاقاً للشهید الثانی (2)، خلافاً للمحکیّ عن الخلاف (3)و نهایة المصنّف (4)و البیان (5)و المعالم (6)و موضع من المنتهی (7)و ظاهر التذکرة (8).
ثمّ إنّ المحکیّ عن المنتهی: أنّ البخار المتصاعد من ماء نجس إذا اجتمعت منه نداوة علی جسم صقیل و تقاطر، فإنّه نجس، إلّا أن یعلم بتکوّنه من الهواء کالقطرات الموجودة علی طرف إناء فی أسفله جمد نجس (9). و نحوه عن المدنیّات إن غلب علی الظنّ تصاعد الأجزاء المائیّة (10).
و هو جیّد؛ لعدم استحالة الماء المتصاعد. و یشکل مع تغایر الحقیقة عرفاً، کما فی العرق و الجلّاب المتّخذین من الماء النجس و الورد أو غیره. أمّا المتّخذ من الماء القراح فالظاهر نجاسته، لعدم ارتفاع الحقیقة.
و لا تنافی بین طهارة البخار و إن اشتمل علی تلک الأجزاء المائیّة و نجاسة تلک الأجزاء عند اجتماعها و صدق الماء علیها عرفاً.
(و) تطهِّر (الأرض باطن (1)النعل و القدم) کما فی الروض، و هو (2)ما تستر الأرض حالة الاعتماد علیها (3)بلا خلاف یعتدّ به، بل عن جامع المقاصد: الإجماع علی ذلک، مع إضافة باطن الخفّ و ما یتنعّل عادة کالقبقاب و نحوه (4).
و الأصل فی ذلک: صحیحة زرارة قال: «قلت لأبی جعفر علیه السلام: رجل وطئ علی عذرة فساخت رجله فیها، أ ینقض ذلک وضوءه؟ و هل یجب علیه غسلها؟ فقال: لا یغسلها إلّا أن یقذّرها، و لکنّه یمسحها حتّی یذهب أثرها و یصلّی» (5).
و صحیحة أُخری لزرارة عن أبی جعفر علیه السلام: «جرت السنّة فی أثر الغائط بثلاثة أحجار أن یمسح العجان و لا یغسله، و یجوز أن یمسح رجلیه و لا یغسلهما» (6).
و ما عن مستطرفات السرائر عن جامع البزنطی عن المفضّل ابن عمر عن محمّد الحلبی عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام قال: «قلت له: إنّ طریقی إلی المسجد فی زقاق یُبال فیه فربّما مررت فیه و لیس علیّ حذاء فیلصق برجلی من نداوته؟ فقال: أ لیس تمشی بعد ذلک فی أرض یابسة؟
قلت: بلی، قال: فلا بأس، إنّ الأرض تطهّر بعضها بعضاً. قلت: فأطأ علی الروث الرطب؟ قال: لا بأس، أنا و اللّٰه ربما وطئت علیه ثمّ أُصلّی و لا أغسله» (1).
و روایة المعلّی بن خنیس، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن الخنزیر یخرج من الماء فیمرّ علی الطریق فیسیل منه الماء، أمرّ علیه حافیاً؟ قال: أ لیس وراءه شیء جافّ؟ قلت: بلی. قال: فلا بأس إنّ الأرض یطهّر بعضها بعضاً» (2).
و روایة حفص بن أبی عیسی، قال: «قلت لأبی عبد اللّٰه علیه السلام: إنّی وطأت عذرة بخفیّ و مسحته حتّی لم أرَ فیه شیئاً، ما تقول فی الصلاة فیه؟ قال: لا بأس» (3).
و نفی البأس و إن احتمل أن یکون من جهة کون الخفّ ممّا لا یتمّ به الصلاة، إلّا أنّ الظاهر السؤال عن طهارة الخفّ و أنّ الإمام علیه السلام قرّره علی الطهارة کما لا یخفی، مضافاً إلی النبویّ المنجبر بما تقدّم: «إذا وطئ أحدکم الأذی بخفّه، فإنّ التراب له طهور» (4).
و یدلّ علیه إطلاق روایة الأحول: «فی الرجل یطأ علی الموضع الذی لیس بنظیف ثمّ یطأ بعده مکاناً نظیفاً؟ فقال: لا بأس إذا کان خمسة عشر
ذراعاً أو نحو ذلک» (1)فإنّ الوطء یعمّ ما کان بالقدم و بالنعل و الخفّ.
و منه یظهر عموم الحکم لکلّ ما یتنعّل و لو کان من خشب.
و فی إلحاق خشبة الأقطَع نظر، قال فی الروض: للشکّ فی تسمیتها نعلًا بالنسبة إلیه (2).
و فیه: أنّ الشکّ فی الصدق لا یوجب التردّد فی الإلحاق، بل الأصل عدم اللحوق و بقاء النجاسة حتّی یثبت صدق موضوع النعل أو یدلّ دلیل علی لحوقها به حکماً، فالأولی فی وجهی النظر: إطلاق الوطء فی الروایة، و قوّة احتمال انصرافه إلی غیر ذلک. و هو الأقوی.
و أمّا أسفل العکاز و کعب الرمح، فالظاهر عدم لحوقهما، إلّا أن یستفاد ذلک من عموم العلّة فی الأخبار المستفیضة المتقدّم بعضها: من «أنّ الأرض یطهّر بعضها بعضاً» (3)فإنّ الظاهر أنّ الأرض المنتقل إلیها تزیل أثر النجاسة الحادث من الأرض المنتقل عنها، و فیه إشکال.
ثمّ إنّ ظاهر روایة الحلبی و المعلّی هو اعتبار یبوسة الأرض، فیقیّد به الإطلاقات، وفاقاً للمحکیّ عن جامع المقاصد (4)و الموجز (5)و المسالک (6)، إلّا أن یدّعی أنّ ذکر الیبوسة فیها من باب أنّ الرطوبة غالباً تزول بالمسح
بأرض یابسة دون الرطبة، فلیس لها مدخلیّة فی العلّة. و لکنّه مشکل.
و قد یجاب: بقصور الروایتین سنداً. و فیه: أنّ الثانیة صحیحة أو حسنة بابن هاشم، و الأولی منقولة عن نوادر البزنطی، و هو حسن لا یروی إلّا عن ثقة، و من أصحاب الإجماع، فالأولی نسبة القصور إلی الدلالة.
و منه یعلم ضعف ما عن مجمع البرهان: من أنّه لم یظهر وجه لاعتبار الجفاف إلّا تخیّل نجاسة الأرض، و هو غیر ضائر کرطوبة النجاسة؛ إذ الضارّ سبق النجاسة لا الحاصل بنفس التطهیر، کما فی غسالة الماء القلیل (1).
و فیه: أنّ وجه اعتبار الجفاف ما عرفت من الروایتین المعتبرتین، لا هذا الوجه الضعیف.
و هل یعتبر طهارة الأرض کما عن الإسکافی (2)و الجماعة المتقدّم إلیهم الإشارة (3)، أو لا، کما نسبه فی الروضة إلی ظاهر النصّ و الفتوی (4)و اختاره المصنّف (5)و مال إلیه فی الروض (6)؟ قولان: من إطلاق النصّ و الفتوی، و من انصراف الإطلاق إلی الطاهر، مضافاً إلی إشعار التعلیل بأنّ «الأرض یطهّر بعضها بعضاً» (7)بناءً علی أنّ المستفاد عرفاً من کون الشیء مطهّراً اعتبار طهارته فی نفسه.
و کیف کان، فلا فرق بین النجاسة الرطبة و الیابسة کما عن المعتبر (1)و المنتهی (2)و التذکرة (3)و جامع المقاصد (4)و المهذّب (5)و شرح الموجز (6)و الروض (7)و الروضة (8)لإطلاق الأخبار.
و لا فرق أیضاً بین ذهاب الأثر بالمشی أو بالمسح، وفاقاً للمحکیّ عن المنتهی (9)و الدروس (10)و المهذّب (11)و حاشیة الشرائع (12)و المسالک (13)لورود الروایة بکلیهما (14). و لا یجزی جعل بعض الأجزاء الأرضیّة آلة للمسح، بأن یأخذ بیده حجراً أو قبضة من تراب أو رمل فیمسح بها المتنجّس؛ لانصراف مسح الرجل إلی مسحها بالأرض.
1) المعتبر 1: 448.
2) المنتهی 3: 285.
3) التذکرة 1: 79.
4) جامع المقاصد 1: 179.
5) المهذّب البارع 1: 259.
6) کشف الالتباس 1: 425.
7) روض الجنان: 170.
8) الروضة البهیّة 1: 312.
9) المنتهی 3: 285.
10) الدروس 1: 125.
11) المهذّب البارع 1: 259.
12) حاشیة الشرائع للمحقّق الکرکی (مخطوط): الورقة 18.
13) المسالک 1: 130.
14) راجع الوسائل 2: 1047، الباب 32 من أبواب النجاسات.
و لا بین أن یکون الأرض تراباً أو حجراً أو رملًا، کما صرّح به الثانیان (1).
ثمّ إنّ ظاهر الفتاوی اختصاص الطهارة بباطن القدم و نحوه، و المراد به علی ما فی الروض (2)و کشف اللثام (3)-: ما تستره الأرض حال الاعتماد علیها.
و صرّحا بعدم طهارة الحافّات، و هو علی إطلاقه مشکل، فإنّ ظاهر قول زرارة فی الصحیحة المتقدّمة: «فساخت رجله فیها» (4)تلوّث بعض الحافّة أیضاً، و لا أقلّ من الإطلاق، فإلحاق الحافّة القریبة من الباطن لا یخلو عن قوّة؛ وفاقاً لکاشف الغطاء (5).
ثمّ النجاسة إن کانت ممّا لا عین لها کالبول و الماء النجس الیابسین فقیل بکفایة مجرّد المماسّة (6)وفاقاً للمحکیّ عن منظومة العلّامة الطباطبائی (7)و کشف الغطاء (8)و بعض أتباعهما (9). فإن أُرید من المماسّة المسح فهو حسن، و إلّا فالأقوی اعتبار المسح علی الأرض أو المشی و عدم
1) الشهید الثانی فی روض الجنان: 170، و المحقّق الثانی فی جامع المقاصد 1: 179.
2) روض الجنان: 170.
3) لم نعثر علیه فی کشف اللثام، راجع 1: 463 464.
4) راجع الصفحة 298.
5) کشف الغطاء: 181.
6) لم نظفر علی مصرّحٍ به غیر من یأتی ذکرهم.
7) الدرّة النجفیّة: 53.
8) کشف الغطاء: 181.
9) کصاحب الجواهر فی الجواهر 6: 311.
کفایة المماسّة، إلّا أن یتمسّک بعموم التعلیل المتقدّم الدالّ علی کون الأرض مطهّرة بقول مطلق (1).
و فیه: أنّه لا یظهر من الروایة کیفیّة التطهیر بالأرض، هل هو بالمسح أو بالمشی أو بمجرّد المسّ؟ نظیر ما قدّمنا فی قوله: «الماء یطهّر» و إجماله من حیث کیفیّة التطهیر (2).
و أمّا إن کانت النجاسة ذات عین فلا إشکال فی اعتبار زوال العین، و هل یعتبر زوال الأثر کما عن جامع المقاصد (3)و المنظومة (4)أو لا کما عن کشف الغطاء (5)؟ قولان.
و التحقیق: أنّه إن أُرید بالأثر مطلق ما یدلّ علی النجاسة، فلا إشکال فی عدم اعتبار زوالها؛ لعدم اعتباره فی التطهیر بالماء فکیف فی التطهیر بالأرض المبتنی علی التسهیل و الرخصة؟ فقد لا یزول الریح و اللون و لو بعد المبالغة فی غسله فکیف بالمسح و المشی؟ مع أنّ روایة «مشی نحو من خمسة عشر ذراعاً» (6)ظاهرة فی عدم اعتبار المشی الکثیر.
و إن أُرید به الأجزاء الصغار، فلا إشکال فی اعتبارها. نعم، الأجزاء الصغار العالقة بالمحلّ التی لا تزول غالباً إلّا بالماء کما فُسّرت بها الأثر فی
مسألة الاستجمار (1)لا یعتبر زوالها. و أمّا الرطوبة المحضة القلیلة الباقیة، فالظاهر أنّها غیر قادحة.
و یمکن الفرق بین ما إذا کانت من نجاسة مائیّة أو من نجاسة جرمیّة کالغائط مثلًا، فإنّه فی الأوّل یعدّ نفس النجاسة، بخلاف الثانی.
و ممّا ذکرنا یظهر أنّ المراد بقوله علیه السلام فی صحیحة زرارة: «یمسحها حتّی یذهب أثرها» (2)هو ما یعدّ من نفس النجاسة، لا مجرّد الأثر.
و قد یقال بعدم اعتبار زوال الأجزاء الصغار؛ لتعسّر ذلک و لاحتیاجه إلی مشیٍ کثیر، مع أنّ ظاهر الروایة کفایة خمسة عشر ذراعاً، مع أنّه کثیراً ما یدخل النجاسة فی شقاق الرجل فلا یزول بالمرّة و لو بالمشی الکثیر أو المبالغة فی المسح. و فیه نظر إن أراد مطلق الأجزاء الصغار.
و اعلم أنّهم قد عدّوا من المطهّرات أُموراً أُخر لا بدّ من التنبیه علیها، و لعلّ إهمال المصنّف لها من جهة أنّها لیست فی الحقیقة رافعة للنجاسة کما ستعرف، بل المطهّر حقیقة هو الماء و الشمس و الأرض. و عدّ النار منها بناءً علی ما یستفاد من بعض الروایات الضعیفة الدلالة، کما تقدّمت (3). و هذا وجه جعلها من المطهّرات الحقیقیّة، و إلّا فهی علی التحقیق رافعة لموضوع النجاسة بإحالته إلی موضوع طاهر من تلک الأُمور المستحال إلیها.
الاستحالة من المطهّرات:
و عن الشهید فی بعض حواشیه علی القواعد: أنّ الاستحالة عند
الفقهاء عبارة عن تغییر الأجزاء و انقلابها من حالٍ إلی حالٍ، و عند الأُصولیّین عبارة عن تبدّل الصورة النوعیّة (1). و الأوّل أنسب بالمعنی اللغوی و الثانی بالعرفی.
و کیف کان، فالذی ینبغی أن یراد هنا من الاستحالة: استحالة الموضوع و تبدّلها إلی مغایرة عرفاً، سواء کان تبدّلها بتبدّل ذاتیّاتها أو بعض خصوصیّاتها العرضیّة، فلو فرضنا أنّ «النجاسة» حمل فی کلام الشارع علی الماء المتلبّس بالتغیّر أو المتّصف بکونه فی الکوز و زالت الصفة زالت النجاسة؛ لأنّ المحمول تابع للموضوع فبزواله یزول، و ثبوته فی موضوع آخر یحتاج إلی دلیل.
و بعبارةٍ اخری: إنّ قوله: «الماء المتغیّر أی المتلبّس بالتغیّر نجس» لا یدلّ علی نجاسة غیر المتغیّر، سواء کان غیر متغیّر من أوّل الأمر أو کان متغیّراً و زال تغیّرُه. و التمسّک بالاستصحاب غیر معقول؛ لأنّ بقاء الحکم فی غیر موضوعه غیر معقول، و لو فرض القول بانتقال الأعراض کان دعوی الانتقال مخالفة للاستصحاب لا موافقة له.
و ممّا ذکر ظهر أنّ کون استحالة الموضوع موجبة لزوال النجاسة ممّا لا ینبغی الخلاف فیه، و أنّ الخلاف الواقع بین الفقهاء من الخاصّة و العامّة فی بعض الموارد راجعٌ إلی ادّعاء استحالة الموضوع و إنکارها، لا إلی کون استحالة الموضوع منشأً للحکم بطهارة المستحال إلیه.
و یشهد بما ذکرنا صریح عبارتی المعتبر (2)و المنتهی (3)، حیث استدلّا
علی عدم طهارة الأعیان النجسة بالاستحالة و عدم طهارة الخنزیر إذا صار ملحاً بوقوعه فی المملحة فی مقابل أبی حنیفة الذی لم ینسبوا الخلاف إلّا إلیه-: بأنّ النجاسة قائمة بالأجزاء فلا یزول بتغیّر الصفات، فإنّ صریح هذا الکلام هو منع ارتفاع موضوع النجاسة بالاستحالة، فلم یتعلّق الاستحالة بالموضوع.
فالمراد بالاستحالة التی أنکر المحقّق و العلّامة کونها مطهّرة هی مجرّد تبدّل الشیء الخارجی من حال إلی حال أو من صورة نوعیّة إلی أُخری، لا استحالة موضوع النجاسة و محلّها.
و من هنا اتّفق الکلّ علی ما فی شرح الروضة (1)علی طهارة العَلَقة بصیرورتها حیواناً، و الماء النجس بصیرورته بولًا لحیوان مأکول اللحم أو لبناً له، و الماء النجس نباتاً، فإنّ الظاهر تسلیم استحالة الموضوع فی ذلک کلّه و لو باستکشاف ذلک من الأدلّة الدالّة علی طهارة الأُمور المذکورة المستحال إلیها.
و من هنا فرّق الفاضلان بین صیرورة الخنزیر ملحاً فی المملحة، و العذرة تراباً (2)، فحکما بنجاسة الأوّل؛ لعدم ثبوت رافع للنجاسة القائمة بذات الخنزیر، و بطهارة الثانی بقوله: «جُعلت لی الأرض مسجداً و ترابها طهوراً» (3)فحینئذٍ ینحصر الکلام فی موارد الخلاف فی استحالة الموضوع و عدمها، و لا ریب أنّ الإشکال فیه من جهة الإشکال فی تعیین الموضوع
و المحلّ للنجاسة، و إلّا فبعد تشخیص الموضوع إن عُلم بزواله فلا معنی لبقاء الحکم کما عرفت، کما لا إشکال فی ما لو عُلم بقاؤه، و لو شکّ فی بقائه رجع إلی أصالة البقاء.
إذا عرفت هذا، فنقول: مراد المحقّق و العلّامة من الاستدلال المتقدّم علی عدم طهارة الخنزیر بصیرورته ملحاً: أنّ النجاسة کالطهارة من الصفات القائمة بجسم الخنزیر کغیره من الأعیان النجسة، و لیستا کالمطلوبیّة و المبغوضیّة القائمتین بالفعل الفلانی، بحیث یکون محلّها نفس النوع. نعم، غایة الأمر أن یکون لخصوصیّة الخنزیریّة مدخلیّة فی قیام الصفة المذکورة بموضوعها المزبور، و إلّا فلیس جزءاً للموضوع؛ لأنّ المفروض أنّ الموضوع هو الجسم الملموس الخارجی و الخصوصیّة المذکورة لیست جزءاً لها، و مجرّد المدخلیّة أعمّ من أن یکون فی الحدوث فقط أو فیه و فی البقاء، فمقتضی الاستصحاب بقاء النجاسة بعد زوال تلک الخصوصیّة، کما اعترف فی جامع المقاصد (1)فی ردّ ما ذکره فخر المحقّقین (2)فی ابتناء المسألة علی استغناء الباقی عن المؤثّر.
نعم، لو کانت النجاسة و الطهارة بأنفسهما من الأحکام الشرعیّة کان تعلّقها بالأنواع علی وجه تکون الصورة النوعیّة جزءاً من الموضوع، لکن الظاهر المتبادر عرفاً کونها من قبیل الصفات القائمة بالجسم، لکن ثبوتها موقوف علی بیان الشارع، و الحکم الشرعیّ إنّما یترتّب علیها.
و من هنا یعلم أنّ ثبوت النجاسة العینیّة للنجاسات و النجاسة العرضیّة للجسم المتنجّس علی نسق واحد و محلّها الجسم، إلّا أنّ الصورة النوعیّة الخاصّة لها مدخلیّة فی الأُولی دون الثانیة. نعم، لو کانت النجاسة من قبیل الحکم الشرعی أمکن الفرق بأنّ الموضوع فی الأوّل هو خصوص النوع و فی الثانی القدر المشترک بین نوعی المستحیل و المستحال إلیه.
و أمّا دعوی مدخلیّة الصورة النوعیّة فی الموضوع علی ما هو المحقّق: من ترکّب الجسم من الهیولی و الصورة و إبطال الجوهر الفرد و الجزء الذی لا یتجزّأ، فهی مدفوعة: بأنّ العرف لا یفهمون محلّ النجاسة إلّا الجسم الخارجی المرکّب من الأجزاء الخارجیّة، و یعتقدون خروج الصورة عن الجسم الخارجی و کونها من الطوارئ، کما هو لازم مذهب جمهور المتکلّمین فی الجسم؛ و لذا یستصحبون نجاسة الکلب و الخنزیر بعد الموت حتّی فیما لا روح فیه من أجزائهما، و کذا طهارة الحیوانات الطاهرة بعد الموت لو لم یدلّ الدلیل علی نجاسة المیتة.
و أمّا ما ذکر سابقاً: من موارد الاتّفاق علی الطهارة، فإمّا لأجل فهم العرف ارتفاع الموضوع، و إمّا من جهة ملاحظة نفس الموضوع کما فی صیرورة العلقة إنساناً، و إمّا لاستکشاف ذلک من أدلّة طهارة المستحال إلیه، فإنّ الشارع إذا قال: «بول الإنسان نجس و بول الشاة طاهر» فشرب (1)شاة بول إنسان فصار بولًا لها، فیکشف حکمُ الشارع بطهارة بول الشاة علی الإطلاق من أنّ بول الإنسان نجس ما لم یصر بول شاة، کما أنّ بول الشاة طاهر ما لم یصر بول إنسان، فافهم.
1) کذا، و المناسب: «فشربت».
ثمّ إنّ المصنّف فی المنتهی بعد ما اختار عدم طهارة الخنزیر و شبهه بالاستحالة رجّح طهارة الأعیان النجسة باستحالتها تراباً، و استدلّ علیه: بأنّ الحکم معلّق علی الاسم یزول بزواله، و لقوله صلّی اللّٰه علیه و آله «جعلت لی الأرض مسجداً و ترابها طهوراً» (1).
و الدلیل الأوّل منه مناقض لما اختاره أوّلًا: من عدم طهارة الخنزیر بالاستحالة ملحاً، إلّا أن یکون اعتماده علی الدلیل الثانی و ذکر الأوّل لکونه معوّلًا علیه عند غیره، فیصیر مؤیِّداً؛ و لذا اقتصر المحقّق فی المعتبر فی ترجیح الطهارة علی الروایة (2).
و کیف کان، فما ذکره یحتاج إلی التأمّل التامّ، نظیر ما ذکره الشهید فی حاشیته علی القواعد: من أنّ الاستحالة إذا فُسّرت بتغیّر الصورة النوعیّة فهی لم تحصل فی الکلب الصائر ملحاً فی المملحة، بخلاف ما إذا فسّرت بتغیّر الحالة (3).
و منها: الانقلاب.
فإذا انقلب الخمر بنفسها خلّا فلا خلاف نصّاً و فتوی و لا إشکال فی طهارتها، و کذا لو طُرح فیها شیء فصار خلّا، نسب الأوّل فی المنتهی إلی علماء الإسلام و الثانی إلی علمائنا (4).
و یدلّ علیه إطلاق المستفیضة
کموثّقة عبید بن زرارة «فی الرجل إذا باع عصیراً فحبسه السلطان حتّی صار خمراً فجعله صاحبه خلّا؟ فقال: إذا تحوّل عن اسم الخمر لا بأس به» (1).
و مصحّحة جمیل: «یکون لی علی الرجل دراهم فیعطینی بها الخمر؟ قال: خذها و أفسدها، قال [علیّ (2)]: و اجعلها خلّا» (3).
و فی المصحّح عن عبد العزیز بن المهتدی، قال: «کتبت إلی الرضا علیه السلام: جعلت فداک، العصیر یصیر خمراً، فیصبّ علیه الخلّ و شیء یغیّره حتّی یصیر خلّا؟ قال: لا بأس» (4).
و عن مستطرفات السرائر عن جامع البزنطی عن أبی بصیر عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «أنّه سئل عن الخمر یعالج بالملح و غیره لتحوّل خلّا؟ قال: لا بأس بمعالجتها» (5).
نعم، هنا أخبار أُخر دالّة علی النهی عمّا عولج:
مثل روایة أبی بصیر: «عن الخمر یجعل فیها الخلّ؟ فقال: لا، إلّا ما جاء من قِبَل نفسه» (6).
1) الوسائل 17: 297، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 5.
2) من المصدر.
3) الوسائل 17: 297، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 6.
4) الوسائل 17: 297، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 8.
5) السرائر 3: 577، و الوسائل 17: 298، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 11.
6) الوسائل 17: 297، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 7.
و ما عن العیون عن علیّ علیه السلام: «کلوا من الخمر ما انفسد (1)، و لا تأکلوا ما أفسدتموه أنتم» (2).
و فی الخبر: «عن الخمر یجعل خلّا؟ قال: لا بأس إذا لم یجعل فیها ما یقلّبها» (3)بناءً علی أنّ «یقلّبها» بالقاف من القلب، أی ما یقلّبها خلّا.
و لا بدّ من حمل الکلّ علی الکراهة؛ لعدم مقاومتها لما ذکر من الأخبار المعتضدة بالاتّفاق المنقول (4).
و مقتضی إطلاق النصّ و الفتوی عدم الفرق فی العلاج بین إلقاء مائع فیه أو جامد، باقٍ فی الخمر بعد التخلیل أو مستهلکٍ فیها قبله أو معه، و إن کان مقتضی القاعدة عدم جواز العلاج بإلقاء جامدٍ یبقی فیه بعد التخلیل؛ لتنجّسه بالخمر و عدم ثبوت طهارته باستحالة الخمر.
لکن ظاهر الشهید الثانی طهارة الأجسام الموضوعة فی الخمر (5)، و استظهر أیضاً الفاضل القمیّ فی أجوبة مسائله (6)، مضافاً إلی الروایة
1) فی المصدر: «کلوا خلّ الخمر ما فسد».
2) عیون أخبار الرضا علیه السلام 2: 40، الحدیث 127، و الوسائل 17: 14، الباب الأوّل من أبواب الأطعمة المباحة، الحدیث 24.
3) الوسائل 17: 296، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث 4، و فیه: ما یغلبها.
4) راجع الصفحة 310.
5) الروضة البهیّة 7: 347.
6) جامع الشتات (الطبعة الحجریّة) 1: 41.
المتقدّمة فی عصیر العنب المحکیّة فی الحدائق عن مستطرفات السرائر عن کتاب مسائل الرجال عن أبی الحسن علیه السلام فی القِدر الذی فیه اللحم فیجعل فیه العصیر (1).
لکن ظاهر المحکیّ عن ابن إدریس تقیید المطروح بما إذا استهلک خلّا (2). و کأنّه المراد بما عن الکفایة (3)و شرح المقدّس (4): من أنّه ربما قیل باشتراط ذهاب عین المعالج. و یظهر من شارح الروضة (5)التردّد أیضاً تبعاً للمقدّس الأردبیلی و المحقّق السبزواری.
و کیف کان، فلو لاقی الخمر نجاسة خارجیّة، فالمحکیّ عن جماعة (6)عدم طهارته بالانقلاب، و هو مبنیّ علی ما یظهر من المنتهی (7)و صرّح به فی کشف اللثام (8)و کشف الغطاء (9)و غیرهم: من قبول النجاسة للمضاعفة.
1) الحدائق 5: 150، و السرائر 3: 584، و الوسائل 17: 229، الباب 4 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحدیث الأوّل.
2) السرائر 3: 133.
3) کفایة الأحکام 1: 253.
4) مجمع الفائدة 11: 294.
5) انظر المناهج السویّة (مخطوط) الورقة: 128 129.
6) منهم العلّامة فی القواعد 1: 195، و ابن فهد فی المهذّب البارع 4: 240، و الشهید فی الدروس 3: 18.
7) المنتهی 3: 221.
8) کشف اللثام 1: 469.
9) لم یصرّح فیه بقبول النجاسة للمضاعفة، راجع کشف الغطاء: 181.
و یمکن منعه؛ للأصل، و اختصاص أدلّة التنجّس إلی ما هو طاهر بالذات، لکن الأقوی ثبوته.
و لو تنجّس العصیر بملاقاة الخمر و بالعکس فلا یبعد طهارتهما بالتخلیل، إلّا أن یقال: بأنّه لا مانع من قیام التنجّس بجسم الخمر من حیث هو جسم، و النجاسة بالنوع من حیث هو نوع. لکن لو تمّ هذا للزم مثله فی الخلّ الملقی فی الخمر؛ حیث إنّه فی أوّل الملاقاة و قبل الاستهلاک منفعل، أمّا لو لم یصر خمراً فالأقوی عدمه؛ لأنّ تخلیل العصیر یرفع نجاسة العصیریّة، لا الأثر الحاصل من ملاقاة الخمر، إلّا أن یقال: إنّ العصیر بعد الغلیان أُطلق علیه الخمر فی بعض الأخبار (1)، و الإطلاق إمّا حقیقة و إمّا للمشابهة فی الأحکام، و من جملة الأحکام: أنّ المتنجّس بالخمر إذا صار خمراً یطهر بالتخلیل. و فیه تأمّل.
و یطهر الإناء بتبعیّة الخمر و إن نقص الخمر عنه بعد کونه مملوّاً منها، و لا یجب ثقب الإناء لإخراج الخلّ منه، کما نُسِب إلی بعض من لا تحصیل له. و بالجملة، طهارة الإناء ممّا یفهم من طهارة الخمر بالتخلیل، و إلّا وجب التنبیه علیه مع عموم البلوی.
و لو تنجّس ماء العنب بإناء الخمر ثمّ صار خمراً فالظاهر طهارته بالتخلیل؛ لإطلاق أدلّته (2)، بل الغالب فی آنیة الخمر کونها ممّا یکرّر فیها وضع الخمر، و قد ذکرنا: من (3)أنّ النجس بالشیء إذا استحال إلی نفس
ذلک الشیء انقلبت نجاسته العرضیّة ذاتیّة. و الأصل فی ذلک: أنّ النجاسة لا تتضاعف مع التماثل، فالمتنجّس بالبول لا یقبل التنجّس ثانیاً بالبول و لا یبقی تنجّسه العرضی إذا استحال بولًا، کما أنّ البول لا یقبل التنجّس بالبول.
و منها: طهر العصیر بزوال ثُلثیه.
إجماعاً نصّاً و فتوی، و کذا بالشمس و الهواء و بطول البقاء أو المرکّب؛ لإطلاق النصّ (1)و الفتوی بکون ذهاب الثلثین غایة التحریم من دون تقیید.
نعم، قد یوجد فی قلیل من الفتاوی (2)و کثیر من النصوص التقیید بإذهاب النار (3)، لکنّهما یحتملان الحمل علی الغالب المتعارف: من إرادة تطهیر العصیر النجس فی زمان قلیل، بأن یکون العصیر إذا تنجّس بالغلی فیکون تطهیره باستمرار الغلی إلی أن یذهب الثلثان.
لکن الإنصاف أنّ الإطلاقات منصرفة إلی الغالب، و هو: الذهاب بالنار، فالتحقیق سقوط التمسّک بالمطلقات و المقیّدات، فبقی أصالتا بقاء التحریم و النجاسة إلی أن یحصل الیقین بالرافع.
و لا فرق فی التثلیث بین اعتباره بالکیل و بین اعتباره بالوزن؛ لصدقه معهما، إلّا أنّ الوزن منصوص، ففی روایة عُقبة بن خالد: «فی الرجل یأخذ
عشرة أرطال [من عصیر العنب (1)] فیجعل معه عشرین رطلًا من ماء فیغلی إلی أن یبقی عشرة أرطال؟ قال: لا بأس» (2).
و الکیل و إن کان أیضاً منصوصاً فی روایتی عمّار المتقدّمتین فی عصیر الزبیب (3)، إلّا أنّه قد عرفت قصور دلالتهما عن إفادة کون التثلیث لأجل زوال التحریم و احتمال کونه لأجل بعض الخواصّ، فتأمّل.
فالأحوط الاقتصار علی الوزن؛ لأنّ المتبادر من إضافة الثلث إلی الموزونات: الثلث من حیث الوزن، إلّا أن یعارضه غلبة اعتبار العصیر عند الطبخ بالکیل أو المساحة الراجعة إلیه و تعسّر الوزن غالباً.
و أضاف بعض المعاصرین فی شرحه إلی الأمرین: المساحةَ، و جعل الأمرین أحوط منها (4). و لم یظهر فرق بین الکیل و المساحة؛ لأنّ الکیل یرجع إلی المساحة و لا یعقل التفاوت بینهما. اللهمّ إلّا أن یقال: بأنّ بناء العرف فی المساحة علی المسامحة؛ و لذا جَعَل الکیل أحوط منها.
و لو تعارض الوزن و الکیل فالأحوط تقدیم الوزن، بل هو الأقوی، لقوله علیه السلام: «ما زاد علی الثلث فهو حرام» (5).
ثمّ إنّه کما یطهر العصیر بذهاب الثلثین یطهر الإناء و إن کانت أجزاء العصیر الغیر المثلّث عالقة بأطرافه الفوقانیّة؛ لأنّ ذلک من اللوازم العادیّة لنقص العصیر، فیطهر الأجزاء العالقة بالإناء من العصیر الغیر المثلّث تبعاً للمثلّث.
و یطهر أیضاً الآلات التی یزاولها العامل و إن کان العصیر الغیر المثلّث عالقاً بها، و کذا ثیاب العامل إذا لاقی شیئاً من العصیر قبل التثلیث، کلّ ذلک ما فهمه (1)من الإطلاقات و ترک الإمام علیه السلام لاستدراکها عند الحکم بطهارة نفس العصیر مع عموم البلوی و عدم تعرّض السائلین للسؤال الکاشف عن فهم ذلک من الإطلاقات.
و من ذلک یعلم أنّ الضابط فی التبعیّة: الأُمور التی یلاقی العصیر غالباً عند التثلیث، و لو باشر العامل قدوراً متعدّدة من العصیر فهل یطهر ثیابه بمجرّد تثلیث بعضها، أو یتوقّف طهارة کلّ جزء علی تثلیث أصله الذی انفصل هذا الجزء منه؟ الأقوی الثانی، مع أنّه أحوط.
و اعلم أنّه ذکر شارح الروضة: أنّه إذا تنجّست الآلةُ به أی بالعصیر ثمّ أُخرجت و مسح ما علیها من العصیر ثمّ أُدخلت فیه بعد أن ذهب ثلثاه لم تطهر، و إنّما تطهر إذا بقی ما علیها حتّی یذهب ثلثاه بالهواء أو غیره أو یُدخل فی العصیر و یبقی قدراً یعلم بذهاب ثلثی ما علیه (2)، و إن أُزیل ما علیها أُدخلت فیه قبل أن یزول ثلثاه. و کذا یطهر المزاول مثل ما طهر به الآلة بأن یذهب ثلثا ما علیه بنفسه أو بالوضع فی العصیر الذی یغلی
أو یضع ما نجس منه بعد إزالة ما علیه فی العصیر قبل ذهاب ثلثیه.
و بالجملة، فذهاب الثلثین إنّما یُطهّر العصیر و ظرفَه و ما لا بدّ منه حین الفعل عادة، کما أنّ تخلیل الخمر یفید طهارة ظرفها. و یدخل فی الظرف کلّ ما یصیبه، فهو أیضاً یطهّر، لکن بذهاب ثلثی ما علیه، و أمّا أن یزیل ما علیه ثمّ یوضع فی العصیر فالظاهر أنّه باقٍ علی نجاسته و ینجّس العصیر، سواء کان الوضع قبل ذهاب الثلثین أو بعده، فهذا هو الفرق بین الآلات و غیرها. و بالجملة، فذهاب الثلثین مطهّر للعصیر و لمحلّه، و یزید الآلة و المزاول أنّهما یطهران بذهاب الثلثین و إن کانا تنجّسا بجزء آخر من العصیر قد أُزیل عنهما و لم یذهب ثلثاه (1)، انتهی.
أقول: ما ذکره من الخصوصیّة للآلات و المزاول لیس مختصّاً بهما، بل یجری فی کلّ جامد أصاب العصیر قبل ذهاب الثلثین ثمّ انفصل عنه. و ما ذکره: من أنّ ما یصیب العصیر إذا أُزیل ما علیه فوضع فی العصیر فهو منجّس فینجّس العصیرَ و لو کان الوضع قبل ذهاب ثلثیه، ممنوع؛ لأنّه کالأجسام المطروحة فی العصیر؛ إذ لا فرق فیها فی ظاهر کلماتهم بین ما لو طرح فیه شیء و أُبقی علی حاله إلی ما بعد الذهاب أو أُخرج شیء منها بالمغرفة و شبهها لاختیار مقدار طبخه ثمّ القی فی العصیر و لو بعد حینٍ بحیث نعلم أنّ هذا العصیر العالق بذلک الشیء لم یذهب ثلثاه.
فالأقوی: طهارة ما لاقی العصیر أوّلًا ثمّ أُخرج منه ثمّ ادخل فیه ثانیاً و إن علق به أجزاء العصیر التی یعلم بعدم ذهاب ثلثیها بعد الوضع ثانیاً، أمّا العصیر فلاستهلاکه فی ذلک العصیر، و لا یتنجّس العصیر قبل الغلیان به؛
1) المناهج السویّة (مخطوط) الورقة: 126.
لما عرفت من عدم تنجّس العین بملاقاة مثلها إلّا أن یمنع من الاستهلاک، لما مرّ فی مسألة امتزاج الماء المطلق بالمضاف فی غیر مختلف الصفات المتلوّن الطعم و الرائحة (1)و فی مسألة وقوع شیء من الماء الرافع للحدث الأکبر فی ماء (2)، حیث إنّ التحقیق هو اختلاط الجزءین، لا استهلاک أحدهما فی الآخر، و حینئذٍ فالعصیر الواقع فی ذلک الجزء باقٍ علی عدم تثلیثه، فینجّس العصیر المثلّث.
لکن کلام الفاضل إنّما هو فیما علّق به العصیر بعد إزالة العصیریّة عنه، و لا یخفی أنّه من قبیل الجسم المطروح قبل ذهاب الثلثین الذی قد عرفت ذهاب المشهور إلی طهارته و دلّ علیه الروایة المتقدّمة فی ماء اللحم الملقی فیه العصیر (3).
و دعوی: اختصاص الروایة و کلامهم بما إذا لم یخرج المطروح فی العصیر و لم ینفصل عنه بعد الطرح و إلّا فهو کنجاسة خارجة مع سخافتها مدفوعة: بما مرّ سابقاً من عدم تنجّس العین بما لاقاه أو لاقی (4)مثله، إلّا أن یقال: بعدم التنافی بین عدم انفعال العصیر حین النجاسة أعنی قبل ذهاب الثلثین و بین بقاء النجس الواقع علی حاله المانع عن طهارة العصیر بذهاب الثلثین؛ لأنّ طهارته یوجب انفعاله بهذا المتنجّس.
فالعمدة هو (1)الشهرة و حکایة الاتّفاق (2)و روایة السرائر المتقدّمة (3)بعد انضمام القطع بعدم الفرق بین ما لو انفصل الجسم المطروح فیه زماناً ثمّ القی فیه و بین ما ابقی علی حاله إلی إذهاب الثلثین.
و الحاصل: أنّ ما یقع فی العصیر إمّا طاهر و إمّا نجس، فإن کان طاهراً فلا یقدح تنجّسه بالعصیر و إن کان جامداً علی المشهور، و قد تقدّم أنّ المحقّق القمیّ فی أجوبة مسائله نسبه إلی ظاهر الأصحاب (4)، بل استظهر الإجماع من عبارة الشهید الثانی (5). و یدلّ علیه: الروایة المتقدّمة المحکیّة عن السرائر فی العصیر الموضوع فی ماء اللحم (6)المعتضدة بعدم التعرّض لذلک فی روایات العصیر مع عموم البلوی و وجود بعض الأجسام غالباً فی العصیر.
و ظاهر کلمات الأصحاب المتعرّضین لهذه المسألة عدم الفرق بین إخراج ذلک الجسم ثمّ إدخاله و بین إبقائه إلی ذهاب الثلثین، و لا بین علوق الأجزاء العصیریّة حین الوضع ثانیاً و بین إزالتها عنه.
و ربما یظهر ممّا تقدّم من شارح الروضة بقاؤه فی الصورة الثانیة علی التنجّس و تنجیس العصیر به إذا لم یکن من الآلات، و أنّه یعتبر فی إعادة
أجزاء العصیر العالقة بالشیء أن یذهب ثلثا نفس تلک الأجزاء، و أنّه لا یکفی ذهاب ثلثی أصل العصیر فی طهارة تلک الأجزاء و إن کانت عالقة بالآلات (1). و قد عرفت أنّ ظاهر کلامهم عدم الفرق، و أنّ العصیر لا ینفعل بملاقاة ذلک الشیء، و لا بملاقاة أجزاء العصیر العالقة بذلک الشیء و إن کانت لم تثلّث بعد الوضع ثانیاً. فکلٌّ مخالف لظاهر کلامهم، من جهة بقاء الجسم الجامد الموضوع فیه ثانیاً علی النجاسة إذا لم یکن من الآلات، و من جهة بقاء الأجزاء العالقة إذا لم تتثلّث هی، و إن ثُلّث أصل العصیر و إن کانت عالقة بالآلات.
هذا کلّه لو أُخرج علی النجاسة من نفس هذا العصیر. و لو أُخرج الجسم العالقُ به أجزاءٌ من عصیرٍ و وُضع فی آخر: فإن کانت طاهرة استهلک فی العصیر الذی فیه، فالظاهر اعتبار ذهاب المجموع و إن علم عدم ذهاب ثلثی تلک الأجزاء العالقة؛ لأنّها کقطرة من الماء الطاهر استهلک حال الغلیان. و إن کانت نجسة ففی طهارتها و طهارة محلّها بذهاب ثلثی المجموع إشکال.
و منها: الإسلام.
یطهر به بدن الکافر و عرقه الکائن علیه الحادث حال الکفر و سائر الرطوبات الکائنة علی بدنه المتنجّسة به، دون المائعات النجسة أو المتنجّسة به، بغیر إشکال فی الحکم المذکور و لا فی تحقّق الإسلام فی الکافر الأصلی أو المرتدّ الملیّ.
و إنّما الإشکال و الخلاف فی تحقّقه للفطری، و الأقوی أنّ توبته أیضاً
1) راجع الصفحة 317 318.
یوجب طهارته و زوال نجاسته، وفاقاً للمحکیّ عن ظاهر التحریر (1)و الذکری (2)و صریح المهذّب (3)و الروضة (4)و جماعة من متأخّری المتأخّرین، کالعلّامة الطباطبائی (5)و المحقّق القمیّ (6)و ظاهر الفاضل فی شرح الروضة (7)لأنّ النجاسة کانت معلّقة علی موضوع الکفر و لا یصدق الکافر علیه بعد التوبة.
و استصحاب کفره المتیقّن قبل التوبة، مدفوع: بأنّ الشکّ إن کان فی الصدق العرفی فالاستصحاب لا یجری فیه کما حقّق فی محلّه (8)، و إن کان فی المعنی الشرعی فالمستفاد من الأخبار: أنّ الکفر من الأُمور الباطنة و إنّما جُعل بعض الأقوال و الأفعال دلیلًا علیه، کما أنّ الإسلام کذلک (9)، و المفروض أنّ المرتدّ بعد التوبة لا خلل فی اعتقاده و لا فی أفعاله و لا فی أقواله. و لیس الکلام فی کون التوبة رافعة للکفر، و إنّما الکلام فی أنّ صفة الندامة علی ما
1) التحریر: 25.
2) الذکری 1: 131.
3) المهذّب 2: 552.
4) الروضة البهیّة 9: 338.
5) الدرّة النجفیّة: 54.
6) جامع الشتات (الطبعة الحجریّة) 2: 741.
7) لم نعثر علیه فی کتاب الطهارة من المناهج السویّة، و لا یوجد لدینا کتاب الحدود منها.
8) انظر فرائد الأُصول 2: 690 696.
9) لم نقف علی تلک الأخبار المستفاد منها ما ذکره المؤلّف قدّس سرّه، راجع أُصول الکافی، کتاب الکفر و الإیمان.
مضی ینافی و یضادّ صفة الکفر أم لا؟ فإنّ المستفاد من الأخبار: أنّ المنکر للوحدانیّة أو الرسالة أو الضروری من الضروریات أو المستخفّ بما علم احترامه ضرورة کافر (1)، و المفروض أنّ النادم علی أحد المذکورات أو علی فعل الاستخفاف لا یصدق علیه «المنکر» و لا «المستخفّ» بل هو مقرّ و معترف و محترِم لما استخفّ به، فلا یصدق علی التائب أنّه کافر. نعم، کان کافراً.
و مجرّد حدوث الکفر له فی زمان لا یوجب بقاء أحکام الکافر، إلّا ما علمنا أنّ حدوثه کافٍ فی ترتّب الحکم و بقائه، کهدر دمه و انتقال ماله إلی الوارث و بینونة زوجته، فإنّ هذه أحکام لیست معلّقة علی «الکافر» بل علی «من کفر» و لهذا تبین الزوجة الغیر المدخولة بمجرّد ارتدادها و إن کانت توبتها مقبولة بالإجماع و أنّها تصیر مسلمة مؤمنة، فإذا لم یصحّ التمسّک بالاستصحاب تعیّن التمسّک بأصالة الطهارة.
و دعوی الإجماع من کاشف اللثام فی باب المیراث علی عدم قبول توبته (2)و کذا حکایته للإجماع عن الخلاف فی باب الحدود (3)، فالمراد به نفی التوبة فی مقابل قبولها من المرتدّ الملیّ و المرتدّة الفطریّة، بمعنی أنّهما یُستتابان و یقبل الحاکم منهما التوبة و یکون الواقع منهما کغیر الواقع فی عدم ترتّب أثر
علیه؛ حیث إنّ التائب من الذنب کمن لم یذنب (1)، بخلاف الفطری، فإنّ توبته غیر مقبولة عند الحاکم؛ و لذا إنّ الشهید فی الذکری مع ظهور کلامه فی دعوی الاتّفاق علی عدم قبول توبته تردّد فی قبول الإسلام منه (2)، بل نسبه إلیه شارح الروضة (3).
و من ذلک یعلم الجواب عمّا دلّ من الأخبار علی عدم قبول توبته، مثل قوله علیه السلام: «من رغب عن الإسلام و کفر بما انزل علی محمّد صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم فلا توبة له و قد وجب قتله و بانت منه امرأته و یقسّم ما ترک علی ولده» (4).
هذا مع أنّ عدم قبول التوبة لا ینافی الإسلام.
و دعوی المنافاة من جهة أنّ عدم القبول مستلزم للخلود فی النار و هو ینافی الإسلام، مدفوع: بأنّه لا إجماع علی خلود الکافر فی النار مطلقاً حتّی مثل هذا بعد التوبة.
هذا، مضافاً إلی معارضتها مع عمومات قبول التوبة (5)حیث إنّ
1) کما ورد فی الخبر، الوسائل 11: 358، الباب 86 من أبواب جهاد النفس، الحدیث 8.
2) ما ظفرنا علیه فی الذکری هو ما قاله فی کتاب الطهارة منها، و إلیک نصّه: «یطهر الکافر بإسلامه إجماعاً و لو کان عن ردّة فطریّة علی الأشبه» الذکری 1: 131.
3) لم نعثر علیه فی کتاب الطهارة من المناهج السویّة، و لا یوجد لدینا کتاب الحدود منها.
4) الوسائل 18: 544، الباب الأوّل من أبواب حدّ المرتدّ، الحدیث 2.
5) راجع الوسائل 11: 356، الباب 86 من أبواب جهاد النفس.
ظاهرها القبول فیما یتعلّق بأمر الآخرة من العقاب، فیدلّ بظاهرها علی أنّ المرتدّ یقبل توبته و لا یخلّد فی النار بعد التوبة، بل یدخل الجنّة فیکون مسلماً؛ للإجماع علی خلود الکافر فی النار. فکما یمکن تقیید هذه بغیر المرتدّ الفطری، کذلک یمکن تقیید مثل الروایة و الأخبار المستفیضة بعدم قبول التوبة (1)فی دفع ما یحکم علیه بحدوث الکفر من مفارقة المال و الزوجة و الحیاة، و بعد التعارض یجب الرجوع إلی الأصل.
هذا، مضافاً إلی قول الباقر علیه السلام المرویّ فی باب إعادة الحجّ: «من کان مؤمناً فحجّ و عمل فی إیمانه خیراً، ثمّ أصابته فتنة فکفر، ثمّ تاب و آمن، قال: یحسب له کلّ عملٍ صالح عمله فی إیمانه و لا یبطل منه شیء» (2).
هذا کلّه، مع أنّ لنا أن نکتفی بالأصل و نستدلّ علی طهارته بما دلّ علی طهارة المسلمین (3). و السند فی دعوی إسلامه أمران:
الأوّل: ما ورد فی بیان الإسلام و أنّه الإقرار بالشهادتین و الإقرار بما جاء به النبیّ صلّی اللّٰه علیه و آله (4)، غایة الأمر تقیید ذلک بواسطة ما ورد: من أنّه إذا وقع الاستخفاف وقع الکفر (5)، و أنّ من جحد الفرائض کان
1) الوسائل 18: 544، الباب الأوّل من أبواب حدّ المرتدّ، الأحادیث 2، 3، 5 و 6.
2) الوسائل 11: 384، الباب 99 من أبواب جهاد النفس، الحدیث الأوّل، مع اختلاف.
3) لم نقف علی خبر یدلّ بمنطوقه علی طهارة المسلمین، نعم هو معلوم من الإجماع و الضرورة و فحوی الأخبار الدالّة علی نجاسة الکفّار.
4) راجع أُصول الکافی 2: 24.
5) الوسائل 1: 24، الباب 2 من أبواب مقدّمة العبادات، الحدیث 15.
کافراً (1)بغیر المستخفّ و غیر الجاحد، و لا شکّ أنّ الشخص یصدق علیه بعد التوبة جمیع ما ذکر و أنّه غیر مستخفّ و لا جاحد.
و دعوی: کون الاستحقاق و الجحود علّة محدثة للکفر، ممنوعة: بأنّ کفر الاستخفاف ککفر الجحود عبارة عن نفس صفة الاستخفاف، لا أنّه شیء حاصل بسبب الاستخفاف و یقبل البقاء بعد انتفاء الاستخفاف.
الثانی: أنّه لا شکّ فی کونه مکلّفاً بالإسلام، و هو یدلّ علی کونه ممکناً فی حقّه و مجزیاً عنه.
و دعوی: أنّ التکلیف لا ینافیه الامتناع بالاختیار، مدفوعة مضافاً إلی ما تقرّر فی موضعه (2): من منافاة الامتناع للتکلیف و إن کان عن الاختیار إذا خرج عن الاختیار-: بأنّ الکلام فی ظاهر أدلّة التکلیف، حیث إنّ الظاهر منها إمکان المکلّف به و عدم امتناعه، فیمکن أن یعارض بها أدلّة عدم قبول التوبة، و لا أقلّ من ذلک، لکنّها نصّ بالنسبة إلی أدلّة عدم القبول؛ لعدم إمکان إخراج المرتدّ عن أدلّة التکلیف و إن ادّعی إمکان ذلک بعض المعاصرین (3)، لکنّه کما تری و عدم إمکان حمل التکالیف بالنسبة إلیهم علی التکلیف الصوری للتسجیل علیهم و إثبات العقاب؛ لأنّه استعمال اللفظ فی أکثر من معنی، مع أنّ التکلیف علی هذا الوجه مع علم المکلّف بالحال قبیح جدّاً أیضاً.
و دعوی: أنّ ذلک یوجب تحقّق الإسلام منه بالنسبة إلی صحّة الصلاة
و کذا طهارته بالنسبة إلی نفسه دون الإسلام المطلق الموجب للطهارة المطلقة، بعیدة جدّاً و مخالفة لظاهر ما دلّ علی اشتراط الصلاة و الصوم بالإسلام المطلق و الطهارة المطلقة.
و منها: الغیبة.
و المراد بها: غیبة الحیوان المتلبّس بالنجاسة زماناً یحتمل زوالها عنه فیه، و فی عدّها من المطهّرات ما لا یخفی من المسامحة.
توضیح الکلام فیه: أنّ المحکیّ عن جماعة کالشیخ (1)و الحلیّ (2)و العلّامة (3)و الشهیدین (4)و صاحب الموجز (5)و کاشف الالتباس (6)و صاحب المدارک (7)و المعالم (8)، بل عن المشهور کما عن مجمع البرهان (9)و غیره (10)-: أنّ الهرّة إذا أکلت میتة ثمّ شربت من ماء قلیل لم ینجس ذلک الماء غابت أو لم تغب، و عن ظاهر الخلاف دعوی الإجماع (11).
1) الخلاف 1: 203، المسألة 167.
2) السرائر 1: 85.
3) التذکرة 1: 42، و المنتهی 3: 227، لکنّه نسبه فیها إلی الشیخ.
4) الشهید الأوّل فی الذکری 1: 108، و الشهید الثانی فی المقاصد العلیّة: 90 91.
5) الموجز الحاوی (الرسائل العشر): 61.
6) کشف الالتباس 1: 433.
7) المدارک 1: 133.
8) معالم الدین (قسم الفقه): 155.
9) مجمع الفائدة 1: 297.
10) الحدائق 1: 433.
11) الخلاف 1: 204، المسألة 167.
و یدلّ علیه مضافاً إلی الإجماع المحکیّ المعتضد بالشهرة و قیام السیرة و لزوم الحرج لو بُنی علی الاجتناب-: إطلاق ما دلّ علی نفی البأس عن سؤر الهرّة (1)مع عدم انفکاکها عن ملاقاة المیتة غالباً، فإنّ تلک المطلقات و إن کانت مسوقة لبیان حکم الهرّة من حیث ذاتها کما ینادی به تعلیل الحکم فی بعض الأخبار بقولهم: إنّ «الهرّة من السباع» (2)و قوله علیه السلام: «إنّی لأستحیی من ربی أن أدع طعاماً من أجل أنّ الهرّة أکلت منه» (3)و نحو ذلک، إلّا أنّ حیثیّة النجاسة العرضیّة الحاصلة له من ملاقاة المیتة لمّا کانت غالبة المقارنة له کان فی إطلاق الحکم دلالة علی عدم مزاحمة هذه الحیثیّة لحکم الذات، و إلّا وجب التنبیه علیه.
لکنّ الإنصاف أنّ فهم هذا من تلک الإطلاقات علی وجهٍ یعتدّ به مشکل، کالاستناد إلی الإجماع المحکیّ من الخلاف؛ لأنّ الشیخ إنّما استدلّ علی مطلبه بإجماع الفرقة علی طهارة سؤر الهرّة من غیر تفصیل، و لا یخفی أنّ مساق هذا الإجماع مساق أخبار طهارة سؤر الهرّة.
و أمّا قیام السیرة و لزوم الحرج، فإنّما ینشئان من وجوب الاجتناب عن سؤرها مع عدم احتمال زوال النجاسة بولوغها فی ماءٍ کثیر، کما هو المحکیّ عن العلّامة فی النهایة (4)، بل قیل (5): إنّه ظاهر التذکرة (6)
و المعتبر (1)و الذکری (2)حیث أسندوا التعمیم لصورتی غیبة الحیوان و عدمها إلی الشیخ فی المبسوط. و فیه نظر.
نعم یمکن الاستدلال علی ذلک بظاهر موثّقة عمّار: «کلّ شیء من الطیر یتوضّأ ممّا یشرب منه إلّا أن تری فی منقاره دماً، فإن رأیت فی منقاره دماً فلا تتوضّأ و لا تشرب» (3)و زاد فی الاستبصار کما حکی عنه أنّه «سُئل عن ماء شربت منه دجاجة؟ قال: إن کان فی منقارها قذر لم یتوضّأ و لم یشرب، و إن لم یعلم أنّ فی منقارها قذراً فتوضّأ منه و اشرب» (4)دلّت علی اختصاص وجوب الاجتناب بصورة وجود عین الدم و القذر فی المنقار.
إلّا أن یقال: بکون ذلک کنایة عن مطلق النجاسة، فتکون مسوقة لبیان اعتبار العلم بالنجاسة الحالیّة فی الحیوانات و عدم اعتبار العلم بالنجاسة سابقاً المتیقّنة فی مثل البازی و نحوه من سباع الطیور.
و ما أبعد ما بین القول المشهور و ما حکی عن ابن فهد (5)و اختاره بعض مشایخنا (6): من اعتبار العلم بزوال النجاسة المتیقّنة سابقاً و من دون
1) المعتبر 1: 99.
2) الذکری 1: 108.
3) الوسائل 1: 166، الباب 4 من أبواب الأسآر، الحدیث 2.
4) الاستبصار 1: 25، الحدیث 64، و الوسائل 1: 166، الباب 4، الحدیث 3.
5) لم نقف علی الحاکی، و سیأتی من المؤلّف قدّس سرّه أنّ ابن فهد وافق المشهور فی المهذّب و الموجز.
6) لم تقف علیه أیضاً. نعم، نقله فی الحدائق (1: 433) قولًا، و لم یسمّ قائله.
فرق بین بدنه و ثیابه و فرشه و آنیته. و هو ظاهر الأردبیلی فی مجمع البرهان حیث قال: النجاسة المحقّقة فی غایة الإشکال و العلم بالنجاسة لا یزول إلّا بمثله (1).
و یردّه السیرة القطعیّة و إطلاق الموثّقة (2)بل الأخبار المتقدّمة (3)التی هی أخصّ من أدلّة الاستصحاب. و یؤیّده الأخبار الدالّة علی طهارة المائع إذا خرج منه الفأرة حیّة (4)، مع أنّها لا تنفکّ عن نجاسة موضع بعرها و مخرج منیّها.
مع أنّ هذا القول لا یکاد یعرف لأحد من الأصحاب، عدا ما حکی عن الموجز لابن فهد، مع أنّ المحکیّ عن مهذّبه موافقة المشهور (5)، بل صرّح فی الموجز بقوله: و نحکم بطهارة حیوان نجس إذا غاب زماناً یمکن طهره مطلقاً، و یکفی زوال العین فی الحیوان و إن لم یغب، و ما علم المالک المتحرّز نجاسته ثمّ شوهد مستعملًا، و مثله الهرّة إذا أکلت فأرة و لم تغب ما لم تتلوّث (6)، انتهی.
و أمّا استشکال الأردبیلی فهو لا ینافی اتّفاق الفقهاء؛ لأنّه کثیراً ما یستشکل فی الاتّفاق.
هذا کلّه فی غیر الإنسان، و أمّا فیه فالظاهر أنّه لا خلاف و لا إشکال فی أنّه لا یحکم علیه بارتفاع النجاسة المحقّقة فی بدنه و ثیابه بمجرّد زوال العین مع عدم طروّ الطهارة، و إنّما الکلام فی أنّه هل یکفی مجرّد الاحتمال أو یعتبر مطلق الظنّ بالزوال أو الظنّ الخاصّ الحاصل من شهادة حاله أو مقاله بذلک؟ وجوه، بل أقوال.
أوسطها الأخیر؛ لظهور الإجماع، بل حکی صریحاً عن بعض شرّاح المنظومة (1)، و ظاهر المحکیّ عن تمهید القواعد أنّه متّفق علیه بین الأصحاب، و عنه أیضاً: أنّهم یعنی الأصحاب علّلوا ذلک بالعمل بظاهر حال المسلم؛ لأنّه یتنزّه عن النجاسة (2).
هذا، مضافاً إلی السیرة القطعیّة، و لزوم الحرج، و ما دلّ علی وجوب تصدیق المسلم (3)و عدم اتّهامه (4)فإنّ ظاهرها و إن کان هو الإخبار المقالی، إلّا أنّ التأمّل الصادق یشهد بأنّه لا یفرق بین تکذیبه أو اتّهامه فی مقاله، و بین تکذیبه أو اتّهامه ممّا یظهر من حاله أو معتقدٍ له و یخبر به.
و یؤیّد المطلوب أیضاً، بل یدلّ علیه: ما دلّ علی کراهة سؤر الحائض
و الجنب المتّهمین و عدم کراهة سؤر غیر المتّهمة (1)، و فی المحکیّة عن السرائر المسئول فیها عن سؤر الحائض: أنّه «لا بأس أن یتوضّأ به إذا کانت تغسل یدیها» (2)و فی روایة أُخری: «إذا کانت مأمونة فلا بأس» (3)فإنّ الظاهر من حال المسلم أنّه لا یباشر مع النجاسة الماء المعدّ فی البیت للشرب و التطهیر، فمباشرتها للماء المذکور فی قوّة إخبارها بتطهیر یدها.
و ممّا ذکرنا من الأدلّة یُعلم اعتبار کون ذلک المسلم عالماً بتنجّس بدنه أو ثوبه وفاقاً للشهیدین فی الذکری (4)و المقاصد العلیّة (5)، بل یستفاد من تعلیل الأصحاب المتقدّم حکایته عن الشهید (6)عدم الخلاف فیه بینهم، کما اعترف بذلک فی التمهید (7).
و کیف کان، فوجه الاعتبار ظاهر ممّا ذکرنا؛ إذ لا إجماع و لا سیرة مع الجهل و لا یعقل معه إخبار المسلم و شهادته حالًا أو مقالًا بالتطهیر، بل غایة الأمر شهادته بالطهارة، و هی و إن کانت قولیّة لا تقبل منه مع العلم بجهله أو غفلته عن التنجّس و ابتناء شهادته علی الأصل أو اعتقاد عدم العروض، و الأدلّة المذکورة أیضاً لا تفی بصورة الجهل.
1) راجع الوسائل 1: 168 169، الباب 7 و 8 من أبواب الأسآر.
2) السرائر 3: 609، و الوسائل 1: 171، الباب 8 من أبواب الأسآر، الحدیث 9.
3) الوسائل 1: 170، الباب 8 من أبواب الأسآر، الحدیث 5.
4) الذکری 1: 132.
5) المقاصد العلیّة: 90.
6) أی الشهید الثانی، و قد تقدّمت الحکایة عنه فی الصفحة السابقة.
7) تمهید القواعد: 308.
و لو شکّ فی العلم فالأصل عدمه، کما أنّه لو شکّ فی الغفلة فالأصل عدمها.
و یظهر ضعف القول ب [عدم] اعتبار (1)العلم إمّا مطلقاً کما هو المحکیّ عن ظاهر السیّد فی منظومته (2)و الشیخ فی کشف الغطاء (3)و اللوامع (4)، أو فی البدن خاصّة دون الثوب کما عن الموجز (5).
و المراد بالعلم: العلم بالنجاسة، لا مجرّد العلم بالسبب مع اعتقاد عدم التنجّس لشبهة ناشئة عن قصورٍ أو تقصیر.
و أمّا اشتراط أهلیّة الإزالة المفسّرة فیما حکی عن المقاصد العلیّة بکونه ممیّزاً معتقداً للنجاسة (6)فمستدرک بعد اعتبار العلم بالتنجّس و شهادة حاله بالإزالة.
و أمّا اشتراط التکلیف کما عن الذکری (7)و إن کان مطابقاً للأصل و غیره، منفیّ بأکثر الأدلّة المتقدّمة، إلّا أنّ السیرة و لزوم الحرج کافیان فی الحکم.
1) فی النسخ: «باعتبار»، و الصواب ما أثبتناه، لأنّ ظاهر عبارة السیّد فی منظومته و الشیخ فی کشف الغطاء و صریح النراقی فی اللوامع هو عدم اعتبار علم المکلّف بعروض النجاسة.
2) الدرّة النجفیّة: 54.
3) کشف الغطاء: 182.
4) اللوامع للنراقی (مخطوط) لا یوجد لدینا، و لکن حکاه عنه فی الجواهر 6: 302.
5) الموجز الحاوی (الرسائل العشر): 61.
6) المقاصد العلیّة: 90.
7) الذکری 1: 132.
نعم، یشکل الأمر فی غیر الممیّز، هل یلحق بالحیوانات أو بالإنسان أو لا یلحق بأحدهما بل یحکم علیه بمقتضی الأصل؟ و لا یبعد جعله من توابع الإنسان مثل فرشه و أوانیه.
و کیف کان، فالقول الأوّل (1)فی أصل المسألة و هو الاکتفاء بمجرّد احتمال الزوال ضعیف لا دلیل علیه و إن حکی الإجماع علیه عن بعض شرّاح المنظومة (2)المصرّح باختیار هذا القول متمسّکاً بالسیرة القطعیّة، و الإجماع ممنوع جدّاً، بل الظاهر من التعلیل المتقدّم عن التمهید (3)هو الاتّفاق علی اختصاص الحکم بمورد التعلیل، و لیس إلّا من ظهر (4)من حاله أو مقاله إزالة تلک النجاسة.
و لا ریب أنّ من تنجّس یده ثمّ غاب عنّا، ثمّ رأیناه و لم یظهر احتمال (5)أو عمل یظهر منه أنّه أزال تلک النجاسة بأن یشتغل بالصلاة أو بالوضوء أو بأکلٍ أو شربٍ أو تناولِ مائعٍ بتلک الید النجسة لا یلزم من الحکم ببقاء النجاسة الحکم بعدم تنزّه هذا الشخص عن النجاسة؛ لأنّ تنزّه المسلم عن النجاسة من حیث هو مسلم إنّما هو فیما یعتبر فیه الطهارة لا مطلقاً، کما لا یخفی.
و ممّا ذکرنا یظهر أنّ التلبّس بفعلٍ یشترط الطهارة فی کماله لا ینفع.
1) تقدّم المقسم فی الصفحة 331 عند قوله: و إنّما الکلام .. إلخ.
2) تقدّم الکلام فیه فی الصفحة 331 (الهامش 1).
3) تقدّم فی الصفحة 331.
4) فی النسخ المطبوعة: «و لیس من الظاهر من حاله ..» و الصواب ما أثبتناه من المخطوطة، إلّا أنّ فیها أیضاً تقدّمت «من» علی «إلّا» سهواً.
5) کذا، و المناسب فی العبارة: «و لم یظهر منه قول أو عمل».
و أضعف ممّا ذکر: القول الثانی، و هو الاکتفاء بظنّ الإزالة إن أُرید به مطلق الظنّ دون الحاصل من قوله و فعله. وجه ضعفه: أنّ الظنّ المطلق لم یثبت حجّیته فهو کالشکّ، فالفرق بینهما غیر وجیه.
و اعلم أنّ مرادنا ب «الظنّ الخاصّ الحاصل من شهادة حال المسلم»: هو الظنّ النوعی، فلا یعتبر الظنّ فی خصوص کلّ واقعة کما هو ظاهر بعض الأدلّة المتقدّمة (1)و صریح روایات کراهة سؤر الحائض و الجنب المتّهمین (2).
و منها: انتقال النجاسة إلی البواطن.
ذکره ابن فهد فی موجزه، و فرّع علیه ما ذکره بقوله: فدمع المکتحل بالنجس و بُصاق الثمیل أعنی شارب الخمر طاهران (3)، انتهی. و فی العبارة ما لا یخفی من التسامح.
و ذکره (4)غیره: أنّ البواطن تطهر بزوال عین النجاسة عنها (5). و هو لا یخلو عن قصور.
و توضیح الحال فی البواطن: أنّ الکلام یقع تارةً فی حکم النجاسة الکائنة فی البواطن، و أُخری فی تأثّر البواطن بها، و ثالثة فی تأثّر ما یحدث فیها من الرطوبات، و رابعة فی تأثّر ما یدخل من الخارج إلیها.
و الکلام فی کلٍّ تارةً یقع فی النجاسة الحادثة فی البواطن، و أُخری فی النجاسة الداخلة إلیها من الخارج، فنقول:
أمّا النجاسة الکائنة فی البواطن، فإن کانت عینیّة حادثة فیها کالدم الحادث فی الفم و جوف الأنف فالظاهر أنّه لا حکم لها، فیجوز معها الصلاة و دخول المساجد و إن منعنا عن حمل النجاسة فی الصلاة و إدخالها فی المسجد مطلقاً. و یدلّ علیه بعد ظهور الإجماع-: إطلاق ما دلّ علی أنّه لا یجب غسل ما عدا ظاهر الأنف (1).
و إن کانت عیناً خارجیّة دخلت فیه، أو متنجّساً مطلقاً، فالظاهر ثبوت حکم النجاسة إذا کان فی مثل الفم و الأنف و نحوهما ممّا یمکن تطهیره، دون مثل الجوف و الدماغ و نحوهما، فلو أکل نجساً أو متنجّساً فبقیت أجزاؤه فی الفم لم تجز له الصلاة و دخول المساجد علی القول بالمنع عن الصلاة مع النجاسة و إدخالها فی المسجد؛ لعموم أدلّة المنع عنهما (2)علی القول بها، خرج ما کان منها فی مثل الجوف بالإجماع و السیرة و بعض الأخبار (3).
قال فی الموجز: و لو وضع فی جیبه (4)درهماً نجساً أخرج للصلاة (5). و تبعه شارحه بانیاً له علی منع حمل النجاسة فی الصلاة (6).
1) الوسائل 2: 1032، الباب 24 من أبواب النجاسات، الحدیث 5.
2) الوسائل 2: 1025، الباب 19 من أبواب النجاسات، و الوسائل 3: 504، الباب 24 من أبواب أحکام المساجد.
3) الوسائل 2: 1031، الباب 24 من أبواب النجاسات، الأحادیث 1، 3، 6 و 7.
4) فی المصدر: «فی فیه».
5) الموجز الحاوی (الرسائل العشر): 61.
6) کشف الالتباس 1: 432.
و أمّا حکم تأثّر البواطن و ما یحدث فیها، فالظاهر أنّه لا إشکال فی عدم تنجّس البواطن و ما یحدث فیها من الرطوبات بالنجاسة المتکوّنة فیها أو الداخلة من الخارج إلیها.
و یدلّ علیه مضافاً إلی ظهور عدم الخلاف کما یظهر من شارح الروضة (1)-: ظهور انصراف دلیل تأثّر ملاقی النجس إلی غیر البواطن لو کان إطلاقاً لفظیّاً، کیف! و لیس الدلیل إلّا الإجماع المفقود فی المقام، بل لا یبعد دعواه علی العکس، کما یظهر من الوحید فی شرح المفاتیح حیث قال: إنّه لا إجماع علی تنجّس البواطن لو لم نقل بالإجماع علی العدم (2).
لکن الإنصاف: أنّ منع شمول معاقد إجماعهم علی تأثّر الملاقی لمثل الفم و مقدّم الأنف و نحوهما مکابرة، فالأولی التمسّک بعد ظهور عدم الخلاف بما فی الصحیح عن صفوان عن عبد الحمید بن أبی الدیلم، عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «فی رجل یشرب الخمر، فبصق فأصاب ثوبی عن بُصاقه؟ قال: لا بأس به» (3). لکن الروایة و عدم ظهور الخلاف غایتهما عدم ثبوت حکم النجاسة بعد زوال العین، فلعلّه مطهّر کما صرّح به الشهیدان حیث ذکرا أنّ البواطن تطهر بزوال العین (4).
و کیف کان، فقد ظهر ممّا ذکرنا: أنّ مراد ابن فهد ممّا تقدّم عن
موجزه، من جعل انتقال النجاسة إلی البواطن من المطهّرات (1): زوال تأثیرها بالنسبة إلی البواطن بعد انتقالها إلیها، لا صیرورتها طاهرة بمجرّد الانتقال إلی البواطن و إن لم تؤثّر فی نفس البواطن.
و علی أیّ حال، فلا یخلو عبارة الموجز عن مسامحة. و نحوها عبارة من قال: إنّ البواطن تطهر بزوال عین النجاسة (2)، بناءً علی ما ذکرنا: أنّها لا تتأثّر بالنجاسة حتّی تحتاج إلی التطهیر. إلّا أن یقال بالتأثّر عملًا بقاعدة «الملاقاة» غایة الأمر دلالة الدلیل علی عدم ثبوت حکم النجاسة بعد زوال عینها، کما عرفت سابقاً.
و منه ینقدح: أنّ البواطن کالجوف و نحوه ممّا لا تطهر أصلًا لا دلیل علی تأثّره (3)بالنجاسة؛ لانصراف عموم قاعدة «الملاقاة» إلی غیرها.
و أمّا البواطن الظاهرة کالأنف و العین و مقدّم الأنف و الأُذن فقد عرفت أنّ دعوی الانصراف إلی غیرها خلاف الإنصاف، فمقتضی الجمع بین الأدلّة هو الحکم بالنجاسة مع طهرها بزوال العین.
و هنا قسم ثالث من البواطن یعامل معها من حیث الخبث معاملة الظواهر کما صرّح به کاشف الغطاء (4)و هی: ما یُعدّ باطناً فی باب الغسل من الجنابة و غیرها، کثقب الأنف و الاذُن و باطن السرّة و موضع تطبیق
الشفتین و الجفنین، حیث إنّ الظاهر من تجویز الارتماس مع عدم وصول الماء غالباً بمجرّده إلی المذکورات عدّها من البواطن، مضافاً إلی صدق الباطن علیها عرفاً، فیشملها ما دلّ علی اختصاص الجنابة بالظاهر و لا یجنب الباطن (1)، و لم یصل مثل هذا الإطلاق عن النجاسة (2)، و إنّما حکم بما حکم هنا من جهة بعض الأخبار أو من جهة الإجماع و السیرة أو من جهة انصراف أدلّة أحکام النجاسة إلی غیر المقام، و إلّا فلیس هنا إطلاق یعتدّ به عُلّق الحکم فیها علی الباطن.
نعم، فی الأخبار دلالة علی حصر ما یجب غسله عند الرعاف و الاستنجاء فیما ظهر من الأنف و المقعد (3)، و لا یلزم من عدم وجوب غسل باطنها عدم وجوب غسل کلّ ما یعدّ باطناً عرفاً، و المسألة محلّ إشکال فی باب الحدث و الخبث فتأمّل.
و أمّا ما یدخل من الخارج إلی البواطن، فمقتضی قاعدة «الملاقاة» هو تأثّره بالنجاسة المتکوّنة فی البواطن و الداخلة إلیها من الخارج، فینجس الطعام بالدم فی الفم و لا یطهر بزوال العین کما صرّح به فی الروضة (4)و شرحها (5)، و قد عرفت من الموجز و شرحه (6)فیحکم (7)بتنجّس الدرهم
بملاقاته النجس فی الفم.
لکنّ الأقوی التفصیل بین ما لا یظهر للحسّ من البواطن کالجوف و نحوه، و بین ما یظهر کالفم و العین و نحوهما، فلا یتأثّر الجسم الخارجی بملاقاة النجاسة الکائنة فیما هو من قبیل الأوّل؛ لما عرفت من انصراف أدلّة أحکام النجاسة إلی غیر ذلک، فإنّ الموجود فیها کالمعدوم من جهة أحکام نفسه و من جهة ملاقیه، و یتأثّر بملاقاة النجاسة الکائنة فیما هو من قبیل الثانی؛ لما عرفت من شمول أدلّة الملاقاة؛ و لذا نحکم بتأثّر نفس البواطن بها، إلّا أنّ الدلیل قام علی طهرها بزوال عین النجاسة عنها.
و یتفرّع علی ما ذکرنا: طهارة ماء الحقنة إذا رجع من الباطن غیر ملوّث بنجاسة، و نحوه المسهل المشروب الذی یخرج کذلک.
(خاتمة)
(یحرم استعمال أوانی الذهب و الفضّة فی الأکل) و نحوه الشرب إجماعاً، علی الظاهر المصرّح فی محکیّ جملة من العبائر (1)(و) کذا (غیره) من الاستعمال، نسبه فی التذکرة إلی علمائنا أجمع (2)، و کذا فی المنتهی (3)بحذف قوله: «أجمع»، و عن کشف الرموز: أنّه لا خلاف فیه (4)، و عن الذخیرة: نقل الاتّفاق عن الذکری أیضاً (5).
و عن البحار: أنّ ظاهر أکثر أصحابنا اتّفاقهم علی تحریم آنیة الذهب و الفضّة مطلقاً (6)، و هو ظاهر الروض أیضاً حیث صرّح بعدم القول بالفرق بین الشرب و غیره (7).
و یدلّ علیه روایة ابن مسلم عن أبی جعفر علیه السلام و فیها «سهل» و أمره سهل-: «نهی عن آنیة الذهب و الفضّة» (1)و ظاهره یعمّ مطلق الاستعمال.
و فی الوسائل: أنّه روی هذا الخبر فی المحاسن عن ابن محبوب عن المعلّی عن ابن مسلم (2)، فالسند صحیح.
و قریب منها فی الدلالة روایة موسی بن بکیر: «آنیة الذهب و الفضّة متاع الذین لا یؤمنون» (3)و فی الوسائل رواه عن البرقی عن أبیه عن عبد اللّٰه بن المغیرة عن موسی بن بکیر (4)، فالسند کالصحیح.
و یؤیّده التعلیل فی النبویّ: «لا تشربوا فی آنیة الذهب و الفضّة، و لا تأکلوا فی صحافها، فإنّها لهم فی الدنیا و لکم فی الآخرة» (5)فإنّ اختصاصها بهم فی الدنیا یدلّ علی حرمة استعمال المؤمنین لها مطلقاً.
و عن الشیخ فی الخلاف أنّه قال: یکره استعمال أوانی الذهب و الفضّة و کذا المفضّض منها، قال الشافعی: لا یجوز استعمال أوانی الذهب و الفضّة، و به قال أبو حنیفة فی الأکل و الشرب (6). ثمّ ذکر الأخبار الظاهرة فی التحریم.
1) الوسائل 2: 1083، الباب 65 من أبواب النجاسات، الحدیث 3.
2) المصدر السابق، ذیل الحدیث 4، و المحاسن 2: 410، الحدیث 2436.
3) الوسائل 2: 1084، الباب 65 من أبواب النجاسات، الحدیث 4، و فیه: موسی ابن بکر .. الذین لا یوقنون.
4) المصدر السابق، ذیل الحدیث 4، و المحاسن 2: 411، الحدیث 2439.
5) کنز العمّال 15: 293، الحدیث 41065.
6) الخلاف 1: 69، المسألة 15.
و کیف کان، فقد حمل المصنّف (1)و من تأخّر عنه (2)کلامه تبعاً للمحقّق (3)علی إرادة الحرمة، و قد حکی عنه فی زکاة الخلاف التصریح بالتحریم (4).
و بالجملة، فلا إشکال فی المسألة و إن حکی عن الصدوق (5)و المفید (6)و سلّار (7)و الشیخ فی النهایة (8)الاقتصار علی ذکر الأکل و الشرب.
و إنّما الإشکال و الخلاف فی تحریم اتّخاذها لغیر الاستعمال، فعن الأکثر کما فی الروض-: التحریم أیضاً (9)، و عن جماعة: نسبته إلی المشهور (10). و لا یخلو عن قوّة؛ لروایة موسی بن بکیر المتقدّمة (11)، و للروایة المتقدّمة عن الباقر علیه السلام المرویّة فی المحاسن (12)کما حکی بسند صحیح.
لکنّ الإنصاف: أنّ هذه الروایات قاصرة الدلالة؛ لأنّ «المتاع» لا یصدق إلّا علی المتّخذ لأجل الاستعمال، فإنّ المتاع و إن کان اسماً لما
1) المختلف 1: 494.
2) کالفاضل الآبی فی کشف الرموز 1: 119، و ابن فهد فی المهذّب البارع 1: 264، و السیّد العاملی فی المدارک 2: 379.
3) المعتبر 1: 454.
4) لم نقف علیه فی زکاة الخلاف، نعم صرّح بذلک فی طهارة المبسوط 1: 13.
5) اقتصر علی ذکر الشرب، راجع المقنع: 424.
6) المقنعة: 584.
7) المراسم: 213.
8) النهایة: 589.
9) روض الجنان: 170.
10) منهم السیّد العاملی فی المدارک 2: 380، و المحقّق السبزواری فی الکفایة: 14، و المحدّث البحرانی فی الحدائق 5: 509.
11) راجع الصفحة السابقة.
12) راجع الصفحة السابقة.
یتمتّع به، إلّا أنّ التمتّع استعمالها، لا مجرّد اتّخاذها إظهاراً للثروة و التذاذاً بوجدانها، و النهی منصرف إلی الاستعمال لا إلی مطلق الاتّخاذ، بل ربّما یخصّ بالاستعمالات المتعارفة، فهو فی کلّ شیء بحسبه.
فالجواز لا یخلو عن قوّة، وفاقاً للمصنّف فی المختلف (1)، و حکی عن الحلیّ أیضاً (2)، مع أنّه حکی عنه فی المختلف المنع (3).
(و یکره المفضَّض) علی المشهور (4)، بل عن الذخیرة (5)و البحار (6)و الریاض (7)نسبته إلی عامّة المتأخّرین. و یدلّ علیه بعد الأصل-: صحیحة ابن سنان أو حسنته: «لا بأس أن یشرب الرجل فی القدح المفضّض و اعزل فمک عن موضع الفضّة» (8).
و عن الشیخ فی الخلاف: التحریم (9)لقوله علیه السلام: «لا تأکل من آنیة فضّة و لا آنیة مفضّضة» (10)و یحمل (11)علی مطلق المرجوحیّة جمعاً.
1) المختلف 1: 495.
2) لم نقف علی الحاکی. و الموجود فی السرائر (3: 123) المنع عن مطلق الاستعمال.
3) المختلف 1: 495.
4) علی المشهور» من «ع» استظهاراً.
5) الذخیرة: 174.
6) البحار 66: 546.
7) الریاض 2: 421.
8) الوسائل 2: 1086، الباب 66 من أبواب النجاسات، الحدیث 5.
9) الخلاف 1: 69، المسألة 15، و قد عبّر الشیخ بالکراهة، لکن حملوها علی إرادة الحرمة.
10) الوسائل 2: 1085، الباب 66 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
11) فی أکثر النسخ بدل «یحمل»: «یطلق».
ثمّ المشهور کما فی الکفایة (1)أنّه (یجتنب (2)موضع الفضّة،) و عن الذخیرة و البحار: أنّه مذهب الشیخ و العلّامة و أکثر المتأخّرین (3)، و حکی عن القاضی (4)و الحلیّ (5)و ابن سعید (6)، و اختاره الشهیدان (7)و المحقّق الثانی (8)، و نسبه فی المدارک (9)إلی عامّة المتأخّرین؛ لظاهر الأمر فی روایة ابن سنان المتقدّمة (10)، و فی روایة أُخری: «فإن لم یجد بدّاً من الشرب فی القدح المفضّض عزل بفمه عن موضع الفضّة» (11).
خلافاً للمحکیّ عن المعتبر (12)، و تبعه بعض متأخّری المتأخّرین (13)، فالاستحباب، و إن لم یعلم له وجهٌ یعتدّ به مع دلالة الصحیحة و غیرها و فتوی المشهور.
1) کفایة الأحکام: 15.
2) فی الإرشاد: «و یجتنب».
3) الذخیرة: 174، و البحار 66: 546.
4) المهذّب 1: 28.
5) السرائر 3: 123.
6) الجامع للشرائع: 391.
7) الدروس 1: 128، و الذکری 1: 146، و روض الجنان: 171.
8) جامع المقاصد 1: 189.
9) المدارک 2: 383.
10) تقدّمت فی الصفحة السابقة.
11) الوسائل 2: 1086، الباب 66 من أبواب النجاسات، الحدیث 3.
12) المعتبر 1: 455.
13) منهم السیّد العاملی فی المدارک 2: 383، و المحقّق السبزواری فی الذخیرة: 174، و السیّد الطباطبائی فی منظومته، الدرّة النجفیّة: 62.
و أمّا المذهب: فظاهر المدارک تبعاً لشیخه الأردبیلی (1)أنّه کالمفضّض (2).
و عن المصنّف: أنّه لم أعثر لأصحابنا فیه علی قول، ثمّ ألحقه بالمفضّض فی الکراهة لأنّه لا ینزل عن درجة الفضّة (3). و ناقشه فی الذخیرة: بأنّه إثبات الکراهة مع فقد النصّ (4).
و کیف کان، فأمر الکراهة سهل، إنّما الإشکال فی معناه، و الظاهر أنّ المراد بالمفضّض: ما کان بعضه فضّة أو متلبّساً بالفضّة أو مموّهاً بماء الفضّة.
و عن البحار: أنّ المفضّض أقسام:
الأوّل: الظروف التی یکون بعضها فضّة و بعضها نحاساً أو غیره متمیّزاً کلّ منهما عن الآخر، کما تُستعمل ظروف أصلها من الخزف أو غیره و فَمُها من الفضّة.
الثانی: ما کان جمیعه مموّهاً بالفضّة، و هو قسمان، أحدهما: ما طلی بماء الفضّة و إذا عرض علی النار لا ینفصل منه شیء، و ثانیهما: ما لُبس بالسبائک و شبهها بحیث إذا عرض علی النار انفصلت الفضّة عن غیرها.
الثالث: ما علّق علیه حلقة أو قطعة من سلسلة من الفضّة.
و الرابع: أن تخلط الفضّة بغیرها و یصنع منهما الآنیة.
الخامس: ما نقش بالفضّة.
قال: و ظاهر أخبار «المفضّض» شمولها للأوّل و الثالث. و أمّا الثانی فالظاهر فی القسم الأوّل منه الجواز، و فی الثانی المنع؛ لصدق «الآنیة» علی اللباس، بل یمکن ادّعاء صدق «آنیة الفضّة» و إلّا فلا، و کأنّه لا اعتبار للغلبة مع عدم صدق الاسم. و أمّا الخامس، فلا یبعد التفصیل فیه کالثانی، بأن یقال: إن حصل لها بالعرض علی النار شیء کان فی حکم المفضّض، و إلّا فلا (1)، انتهی. و فی بعض ما ذکره قدّس سرّه تأمّل.
ثمّ إنّ إطلاق الإناء و عموم الآنیة فی النصوص و معاقد الإجماعات یشمل الصغیر و الکبیر، فمثل المکحلة و ظروف الغالیة و ظروف الأفیون و وعاء الساعات المتعارفة إناء، کما صرّح به فی التذکرة (2)، کما عن الذکری فی المکحلة و ظروف الغالیة (3)، و نحوهما الجعفریّة فی خصوص المکحلة (4)، و کأنّه للمثال، قال الفیّومی فیما حکی عنه فی مصباحه-: الإناء و الآنیة و الوعاء و الأوعیة: ما یوضع فیه الشیء (5).
نعم، ما یعدّ مع مظروفه واحداً فی العرف من جهة لصوقه به لا یبعد خروجه عن إطلاق الآنیة، کما صرّح به بعض (6)، و هو ظاهر کشف
الغطاء (1). إلّا أنّ الذی یقرّب عموم الآنیة لمثل هذا روایة ابن بزیع، قال: «سألت أبا الحسن الرضا علیه السلام عن آنیة الذهب و الفضّة فکرههما، فقلت له: روی بعض أصحابنا أنّه کان لأبی الحسن علیه السلام مرآة ملبّسة فضّة. قال: لا و اللّٰه (2)! إنّما کانت لها حلقة من فضّة و هی عندی» (3)فإنّ قول الراوی: «روی عن بعض أصحابنا» بمنزلة النقض علی عموم کراهة الآنیة، و مبالغة الإمام فی الإنکار یدلّ علی أنّ المرآة الملبّسة من أفراد ما کُرِهَ.
و المراد ب «المرآة الملبّسة» ظاهراً-: أن یکون بیت الزجاج و وعاؤه معمولًا من الفضّة، إلّا أن یراد من التلبّس تلبّس بیت المرآة بالفضّة، فیکون داخلًا فی المفضّض بالمعنی الثانی من المعانی المتقدّمة عن البحار (4). لکن عرفت حاله و أنّ المنع عنه غیر بعید؛ لشهادة هذه الروایة بصدق کونها من آنیة الفضّة.
فالمحصّل: أنّ ما کان مع مظروفه یُعدّ شیئاً واحداً لا یشمله إطلاق الإناء، إلّا إذا کان المظروف من الآنیة فیصدق علی المجموع إناء الفضّة أو المفضّض.
و یؤیّد الجواز فیما ذکر مضافاً إلی الأصل و انصراف النصوص و الإجماعات إلی غیر ما ذکرنا مصحّحة علیّ بن جعفر: «قال: سألته عن
التعویذ یعلّق علی الحائض؟ قال: نعم إذا کان فی جلد أو فضّة أو قصبة حدید» (1). و المسألة لذلک محلّ إشکال.
و أمّا میل الاکتحال، فالمحکیّ عن المعتبر (2)و المنتهی (3)و الذکری (4)و الجعفریّة (5)جواز اتّخاذه من الذهب و الفضّة، و فی المناهل: الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فیه (6).
و یجوز تحلیة السیف و اللجام بالفضّة بلا خلاف ظاهراً.
نعم، روی علیّ بن جعفر عن أخیه علیه السلام، قال: «سألته عن السرج و اللجام فیه الفضّة، أ یرکب به؟ قال: إن کان مموّهاً لا یقدر علی نزعه فلا بأس، و إلّا فلا یرکب» (7)و نحوها عن مستطرفات السرائر عن جامع البزنطی (8). و یمکن حملها علی الکراهة.
و هل یجوز تحلیتهما بالذهب؟ المحکیّ عن الشیخ و الحلیّ و المحقّق و المصنّف المنع (9)لما روی: «أنّ النبی صلّی اللّٰه علیه و آله و سلم خرج ذات یوم و فی یده
1) الوسائل 2: 1087، الباب 67 من أبواب النجاسات، الحدیث 2.
2) المعتبر 1: 457.
3) المنتهی 3: 330.
4) الذکری 1: 149.
5) الجعفریّة (رسائل المحقّق الکرکی) 1: 98.
6) المناهل (مخطوط)، لا یوجد لدینا.
7) الوسائل 2: 1087، الباب 67 من أبواب النجاسات، الحدیث 5.
8) السرائر 3: 574.
9) لم نقف علیه فی کتبهم، و لا علی من حکاه عنهم.
قطعة من ذهب، فقال: هما محرّمان علی ذکور أُمّتی، حِلٌّ لإناثها» (1).
خلافاً للمحکیّ عن الشرائع (2)و الذکری (3)و الذخیرة (4)فی تحلیة السیف؛ لضعف روایة المنع و أصالة الجواز. و حکی عن الوسیلة و الجامع حرمة تحلیة المنطقة بالذهب أیضاً (5)و کأنّه للنبویّ المتقدّم، و الظاهر أنّه مشهور بین أصحابنا.
و توقّف فی الذکری فی جعل ضبّة الإناء من الذهب، و قال: یمکن المنع للنبویّ المذکور (6).
(و أوانی المشرکین طاهرة ما لم یعلم مباشرتهم لها برطوبة) و الوجه فیه ظاهر (و) کذا فیما ذکره: من أنّ (جلد المذکّی (7)طاهر و) جلد (غیره نجس) لکونه میتة.
(و یغسل الإناء من الخمر) سبعاً. علی المشهور، کما فی الروض (8)
1) المستدرک 3: 219، الباب 24 من أبواب لباس المصلی، الحدیث 6، و لفظ الحدیث هکذا: «إنّه [صلّی اللّٰه علیه و آله] خرج و فی إحدی یدیه ذهب و الأُخری حریر و قال: إنّ هذین محرّمان علی ذکور أُمّتی، حلّ لإناثها».
2) لم یتعرّض فی الشرائع للمسألة، انظر الشرائع 1: 55 56.
3) انظر الذکری 1: 147.
4) انظر الذخیرة: 174.
5) لم نعثر علیه فیهما، و لم نقف علی الحاکی أیضاً.
6) لم ترد العبارة فیها، انظر الذکری 1: 146.
7) فی الإرشاد: الذکیّ.
8) روض الجنان: 172.
و عن جامع المقاصد (1)(2)للأصل و موثّقة عمّار «عن الإناء یشرب فیه النبیذ؟ قال: یغسل سبعاً» (3)و عن جامع المقاصد: أنّ ضعف عمّار منجبر بالشهرة.
خلافاً للمحکیّ عن ظاهر الخلاف (4)و صریح کتب المحقّق (5)و القواعد (6)و الدروس (7)، و عن المحقّق نسبته إلی الشیخ فی التهذیب (8)، و نسبه کاشف اللثام إلیه فی کتاب الصید و الذبائح من النهایة (9)و إلی القاضی فی باب الأطعمة و الأشربة من المهذّب (10)لموثّقة عمّار الأُخری-: «عن قدح أو إناء یشرب فیه الخمر؟ فقال: تغسله ثلاث مرّات، سئل أ یجزیه أن یصبّ
1) جامع المقاصد 1: 191.
2) کذا فی المخطوطة، و فی النسخ المطبوعة وردت العبارة هکذا: (و یغسل الإناء من الخمر) خمساً. (و غیره من النجاسات حتّی تزول العین) علی المشهور، کما فی الروض، و عن جامع المقاصد: وجوب غسل الإناء من الخمر سبعاً ..
3) الوسائل 17: 302، الباب 35 من أبواب الأطعمة و الأشربة، الحدیث 2.
4) الخلاف 1: 182، المسألة 138.
5) المختصر النافع: 20، الشرائع 1: 56.
6) القواعد 1: 197.
7) فیه: الأقرب السبع، راجع الدروس 1: 125.
8) نسبه إلیه فی الخلاف و المبسوط، لا فی التهذیب، راجع المعتبر 1: 461. و الشیخ نقل فی التهذیب روایة عمّار فقط، راجع التهذیب 1: 283، الحدیث 830.
9) کذا فی کشف اللثام أیضاً، لکن قاله الشیخ فی کتاب الأطعمة المحذورة و المباحة، راجع کشف اللثام 1: 489، و النهایة: 589.
10) المهذّب 2: 432.
علیه الماء؟ قال: لا یجزیه حتّی یدلکه بیده و یغسله ثلاث مرّات» (1).
و هذه صریحة فی کفایة الثلاث، فیحمل روایة السبع علی الاستحباب.
و ما ذکره فی محکیّ جامع المقاصد: من ترجیح تلک الروایة بالشهرة و لو سلّم المساواة فیبقی الأصل المقتضی لوجوب السبع سلیماً (2)، منظور فیه: بأنّ الترجیح بالنصوصیّة و الظهور مقدّم علی الترجیح بالشهرة ما لم یبلغ الشهرة حتّی (3)یشذّ معها الخلاف. ثمّ لو فرض التکافؤ وجب الرجوع إلی ما سیجیء: من عموم وجوب الثلاث فی کلّ قذر، لا إلی استصحاب النجاسة.
و أضعف من ذلک ما توهّمه بعضهم: من أنّ دلالة الموثّقة الثانیة علی کفایة الثلاث بمفهوم العدد، فیدور الأمر بین تقیید مفهومه و بین حمل الأمر فی الموثّقة الأُولی علی الاستحباب، و التقیید أولی. و أنت خبیر بأنّ الموثّقة صریحة فی کفایة الثلاث من حیث منطوق التحدید لا من [حیث] مفهوم العدد.
فالأقوی: کفایة الثلاث.
و عن ظاهر جماعة و صریح آخرین (4): کفایة المرّة؛ لضعف الروایتین،
1) الوسائل 2: 1074، الباب 51 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
2) الموجود فی جامع المقاصد هو الترجیح بالشهرة فقط، و لیس فیه فرض المساواة و الرجوع إلی الأصل، راجع جامع المقاصد 1: 191.
3) کذا فی النسخ، و الظاهر: «حدّا».
4) لم نقف علی کلامٍ ظاهرٍ فی کفایة المرّة، بل ما وقفنا علیه من کلام القائلین بذلک صریح فی الکفایة، منهم العلّامة فی الإرشاد 1: 240، و المختلف 1: 499، و التذکرة 1: 85، و منهم المحقّق فی المعتبر 1: 462، و السیّد العاملی فی المدارک 2: 396.
فیسلم إطلاقات الغسل عن المقیّد.
أقول: قد أشرنا مراراً إلی أنّ التمسّک بإطلاقات أدلّة الغسل لا یغنی؛ لورودها فی مقام بیان أصل وجوب الإزالة لا فی کیفیّتها، و یرشدک إلی ما ذکرنا صدر الموثّقة الثانیة؛ حیث قال عمّار: «سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن الدنّ الذی یکون فیه الخمر، هل یصلح أن یکون فیه خلّ أو کامخ أو زیتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس. و عن الإبریق و غیره فیه خمر، أ یصلح أن یکون فیه ماء؟ قال: إذا غسل فلا بأس. و قال: فی قدح أو إناء یشرب فیه الخمر؟ قال: تغسله ثلاث مرّات .. إلخ» (1)فانظر کیف اکتفی فی السؤالین الأوّلین بمطلق الغسل، حیث لم یکن المقام إلّا مقام بیان قابلیّة استعمال الأوانی للاستعمال بعد الغسل، ثمّ لمّا سئل عن کیفیّة العلاج أجاب بالتثلیث، ثمّ لمّا توهّم السائل کفایة الصبّ أجاب بلزوم الدلک حتّی یتیقّن زوال جرم الخمر.
و الظاهر أنّ أکثر إطلاقات الغسل من هذا القبیل واردة إمّا فی بیان أصل النجاسة، و إمّا فی مقام بیان توقّف الشیء کالصلاة و نحوها علی إزالة النجاسة، و إمّا فی مقام رفع البأس بعد الإزالة، و إمّا لغیر ذلک.
نعم، یمکن أن یقال: إنّ عموم البلوی یقتضی بیان الکیفیّة أکثر من ذلک، فإنّ مثل إزالة النجاسة عن الثوب و البدن التی هی کالصلاة فی کثرة الدوران و عموم الابتلاء، بل أشدّ و أعمّ ابتلاءً من الصلاة و الغسل، فلو کان الواجب فیها کیفیّة خاصّة زائداً علی إزالة العین لورد فیه من الأخبار ما شاء اللّٰه، و لم ینحصر فی روایة واحدة من روایات عمّار التی نقطع بأنّها لم یکن یرویه إلّا قلیل من الرواة فی قلیل من الکتب.
1) الوسائل 2: 1074، الباب 51 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
إلّا أن یقال: إنّ المذهب قد یعلم بعمل الرواة و العلماء و العوام فی ذلک و إن لم ترد إلینا فیه إلّا روایة واحدة؛ و لهذا ذکر الشهید فی المسألة الآتیة فی عدم کفایة المرّة فی غسل الإناء فی الجواب من ضعف روایة عمّار بأنّا قد نعلم المذهب بالروایة الضعیفة (1)بل قد یکون بعض المسائل أهمّ من ذلک و أهمّ لا نجد فیها مثل هذه الروایة أیضاً، فالمتّبع هو الدلیل، لا الاستبعاد.
و کیف کان، فهل یلحق بالخمر المسکرات النجسة؟ صرّح بالإلحاق بعض القائلین بالسبع فی الخمر (2)، و هو کذلک؛ لصدق الخمر علیها فی الأخبار، قال فی محکیّ جامع المقاصد: و لیس الحکم مقصوراً علی الخمر، بل المسکر المائع کلّه کذلک، و لا یبعد إلحاق الفقّاع (3)، انتهی.
(و) أمّا (غیره) أی غیر المسکر (من النجاسات) عدا ولوغ الکلب و الخنزیر أو هما مع موت الجُرَذ کما سیجیء فالأقوی وجوب التثلیث فی غسل الأوانی منهما (4)، وفاقاً للمحکیّ عن الإسکافی (5)و الصدوق (6)و أکثر کتب الشیخ (7)و الشهیدین فی الدروس (8)و المسالک (9)
1) الذکری 1: 127.
2) منهم المفید فی المقنعة: 73، و الشیخ فی النهایة: 53.
3) جامع المقاصد 1: 191.
4) کذا، و المناسب: «منها» لرجوع الضمیر إلی النجاسات.
5) حکاه عنه المحقّق فی المعتبر 1: 461.
6) لم نقف علیه فی کتبه، و لا علی من حکاه عنه.
7) المبسوط 1: 15، و الخلاف 1: 182، المسألة 138، و النهایة: 5.
8) الدروس 1: 125.
9) لم نعثر علیه فی المسالک، راجع الجزء الأوّل، الصفحة 134.
و المحقّق الثانی فی جامع المقاصد (1)و الوحید البهبهانی فی شرح المفاتیح (2). و عن المعتبر: أنّ الشیخ فی الخلاف ادّعی الإجماع علیه (3)، و فیه نظر یعرف من عبارة الشیخ (4).
و یدلّ علیه مضافاً إلی الأصل-: موثّقة عمّار عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «قال: سئل عن الکوز و الإناء یکون قذراً، کیف یغسل، و کم مرّة یغسل؟ قال: ثلاثاً، یصبّ فیه الماء فیحرّک فیه ثمّ یفرغ منه، ثمّ یصبّ فیه ماء آخر فیحرّک ثمّ یفرغ منه، ثمّ یصبّ فیه ماء آخر فیحرّک ثمّ یفرغ منه، و قد طهر» (5).
خلافاً للمحکیّ عن المقنعة (6)و المراسم (7)و المعتبر (8)و کثیر من کتب المصنّف (9)و البیان (10)و الروض (11)و غیرها فاکتفوا بمطلق غسله (حتّی تزول
1) جامع المقاصد 1: 192.
2) مصابیح الظلام (مخطوط)، لا یوجد لدینا.
3) المعتبر 1: 461.
4) راجع الخلاف 1: 182، ذیل المسألة 138.
5) الوسائل 2: 1076، الباب 53 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
6) المقنعة: 68.
7) المراسم: 36.
8) المعتبر 1: 461.
9) راجع المختلف 1: 499، و نهایة الإحکام 1: 295، و القواعد 1: 197، و المنتهی 3: 345.
10) البیان: 93.
11) روض الجنان: 172.
العین) و حکاه کاشف اللثام عن الأکثر (1)و لعلّه لإطلاقات الغسل، و لمرسلة الشیخ حیث قال فی الخلاف بعد ذکر روایة التثلیث: و روی أنّه یغسل مرّة (2).
و فی الإطلاقات ما عرفت غیر مرّة، و فی المرسلة ما لا یخفی.
نعم، لو غسل فی الکثیر فالأقوی کفایة المرّة وفاقاً للمشهور کما عن الکفایة (3)لما عرفت من المرسلة (4)و روایة الغدیر (5).
ثمّ إنّ الظاهر أنّه لیس لغسل الإناء کیفیّة مخصوصة إلّا صبّ الماء فیه و إیصال الماء بالتحریک إلی جمیع مواضع النجاسة، کما صرّح به فی موثّقة عمّار (6). نعم، لو لم یکن بعض مواضعه نجساً فلا حاجة إلی تحریک الماء إلیه، بل ینجّسه ذلک.
و لو ملأ الإناء کفی عن تحریکه، کما عن محکیّ المعالم (7)و شرح المفاتیح (8)، و اعترف به سبطه فی المناهل (9).
و لا فرق فی ذلک بین الإناء الصغیر و الکبیر و المثبت و غیره.
1) کشف اللثام 1: 491.
2) لم نقف علیه فی الخلاف، نعم صرّح بذلک فی المبسوط 1: 15.
3) کفایة الأحکام: 14.
4) یعنی: ما رواه فی المختلف (1: 178) عن بعض علماء الشیعة.
5) الوسائل 1: 119، الباب 9 من أبواب الماء المطلق، الحدیث 11.
6) تقدّمت فی الصفحة السابقة.
7) معالم الدین (قسم الفقه): 376.
8) مصابیح الظلام (مخطوط)، لا یوجد لدینا.
9) المناهل (مخطوط)، لا یوجد لدینا.
ثمّ إنّ المشهور قابلیّة أوانی الخمر الغیر الصلبة کالخزف الغیر المطلیّ (1)للطهارة. و ظاهرهم عدم الفرق بین غسلها بالقلیل و غیره.
خلافاً للمحکیّ عن الإسکافی (2)و الشیخ فی النهایة (3)و القاضی (4).
و استُدِلّ للأوّل بإطلاق الغسل و إطلاق طهوریّة موثّقة عمّار المتقدّمة فی تطهیر الکوز و الإناء بالغسل ثلاثاً (5)من غیر استفصال بین أفراد الکوز. و نحوها موثّقته المتقدّمة فی غسلها عن الخمر ثلاثاً (6).
و فی الإطلاقین الأوّلین نظر؛ لما عرفت مراراً، فالعمدة إطلاق الموثّقتین، مضافاً إلی ما تقدّم: من أنّ المستفاد من تتبّع الموارد قابلیّة کلّ شیء للطهارة إذا غسل علی الوجه المعتبر.
هذا بالنسبة إلی الغسل بالقلیل، و أمّا بالکثیر و الجاری، فیکفی المرسلة و روایة الغدیر المتقدّمتین (7).
نعم، یحصل الإشکال فی أنّ ماء الغسالة یرسب فی هذه الأشیاء و لا یخرج منها، فیشکل تطهیرها بالقلیل. و الاکتفاء بطهارة ظاهرها بالغسل علی نحو ما قلنا فی تطهیر الأرض و إن أمکن، إلّا أنّ الباطن إذا کان نجساً
1) فی النسخ: «المطلع» و هو سهو من النسّاخ.
2) نقله عنه المحقّق فی المعتبر 1: 467.
3) قد منع من مثل الخشب أو القرع، و صرّح بجواز استعمال الخزف، راجع النهایة: 592.
4) قد خالف فی خصوص الخشب، راجع المهذّب 2: 434.
5) تقدّمت فی الصفحة 355.
6) تقدّمت فی الصفحة 353.
7) تقدّمت الإشارة إلیهما فی الصفحة السابقة.
فالمائع الموضوع فیه بعد تطهیر ظاهرها یسری جزماً فیه إلی الباطن فیتنجّس و یتّصل بالظاهر. و دعوی عدم الاتصال لو تمّت لجرت فیما إذا غسل بالکثیر، فإنّه کیف یدّعی أنّ الجزء النافذ إلی باطن الجسم متّصل بالکثیر فلا ینجس الغسالة، و قد اتّفقوا علی جواز تطهیر ما انتقع بالماء النجس بالماء الکثیر، بناءً علی عدم انفعال غسالتها للاتّصال بالکثیر أو الجاری؟
بل یمکن الإشکال فی تطهیرها بالکثیر؛ بناءً علی أنّه لا یکفی فی زوال جرم الخمر من الباطن مجرّد وصول الماء إلیه، و لذا أمر علیه السلام له بدَلْک القدح المغسول عن الخمر فی موثّقة عمّار المتقدّمة (1).
إلّا أن یقال: إنّ النافذ فی الأعماق رطوبة صافیة لا جِرْمَ فیها و لا أقلّ من عدم العلم بالجِرْم، و الظاهر أنّ کلمات المعظم المجوّزین لتطهیرها بعد الفراغ عن حصول شرائط التطهیر من زوال الجرم و عدم استقرار الغسالة النجسة فیها کالحبوب، فیکون کلامهم فی مقام من قال بعدم جواز استعمالها بمجرّد الغسل بطریق السلب الکلیّ.
(و) یغسل الإناء (من ولوغ الکلب ثلاثاً، أوّلهنّ بالتراب) مرّةً و بالماء مرّتین علی المشهور، بل عن المنتهی: نسبته إلی علمائنا أجمع إلّا ابن الجنید (2)، و عن الانتصار (3)و الخلاف (4)و الغنیة (5)و الذکری (6): الإجماع
علیه، و هی الحجّة.
و عن الناصریّات: «عندنا أنّ الإناء یغسل من ولوغ الکلب ثلاثاً، أوّلهنّ بالتراب» (1)مضافاً إلی ما تقدّم: من وجوب الغسل ممّا عدا البول مرّتین بفحوی وجوبهما فی البول (2)، و الولوغ أولی بالتعدّد.
و بذلک کلّه یقیّد صحیحة أبی [العبّاس (3)] الفضل فی الکلب: أنّه «رجسٌ نجس لا یتوضّأ بفضله، و اصبُب ذلک الماء ثمّ اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء» (4)و غیرها من الروایات المطلقة.
مضافاً إلی المحکیّ عن المعتبر (5)و المنتهی (6)، و هی (7): زیادة لفظة «مرّتین» فی الصحیحة، و تبعهما غیرهما (8). و لا یبعد وجدان الزیادة فی بعض الکتب المعتبرة، و إلّا فقد شهد جماعة (9)بخلوّ الکتب المعروفة عندهم عن هذه الزیادة، و حکی وجودها فی عوالی اللآلی لابن أبی جمهور (10)و فی
1) الناصریّات: 103.
2) کذا فی النسخ، و العبارة مضطربة جدّاً؛ و لم یتقدّم وجوب الغسل ممّا عدا البول مرّتین.
3) من المصدر.
4) الوسائل 2: 1091، الباب 70 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
5) المعتبر 2: 458.
6) المنتهی 3: 336.
7) کلمة «و هی» من النسخة المخطوطة.
8) کما فی الذکری 1: 125، و روض الجنان: 172، و کشف اللثام 1: 487.
9) راجع المدارک 2: 390 391.
10) عوالی اللآلی 4: 48، الحدیث 171.
الرضوی (1)، و یشعر بوجودها قوله: «اغسله بالتراب أوّل مرّة» و إلّا کان المناسب أن یقال: «اغسله بالتراب ثمّ بالماء» فتأمّل.
و کیف کان، فلا حاجة إلی هذه الزیادة بعد کون الأصل فی الغسل التعدّد.
خلافاً للمحکیّ عن ابن الجنید، فقد أوجب سبعاً لروایة عامیّة (2). و قابله بعض متأخّری المتأخّرین بالمیل إلی کفایة المرّة (3)لإطلاق الأخبار.
ثمّ إنّ صریح الصحیحة: أنّ أوّلهن بالتراب، وفاقاً للمحکیّ عن الشیخ (4)و ابن الجنید (5)و جمهور الأصحاب، بل عن الغنیة: الإجماع (6)، و قد سمعت عبارة السیّد أیضاً (7).
خلافاً للمحکیّ عن ظاهر المقنعة، فأوجب التوسیط (8)لما یظهر من الوسیلة من وجود روایة بالتوسیط (9). و هی علی تقدیر الوجود و الدلالة شاذّة.
و للمحکیّ عن ظاهر جماعة (1)، فأطلقوا القول بوجوب غسل الإناء ثلاثاً إحداهن بالتراب. فإن قصدوا الإطلاق فهو ضعیف؛ لما ذکرنا من المقیِّد.
و فی اشتراط طهارة التراب إشکال، الأقوی ذلک؛ لانصراف الإطلاق إلی الطهارة، مضافاً إلی أصالة بقاء النجاسة.
و ربما یتمسّک بقوله صلّی اللّٰه علیه و آله: «جعلت لی الأرض مسجداً و ترابها طهوراً» (2)و فیه نظر، و إن زعم المستدلّ: أنّ الأصحاب غفلوا عنه فی هذا الباب (3)، بل ما ذکره فی جامع المقاصد (4): من أنّه ربما یوجد فی بعض الأخبار: «طهور إناء أحدکم إذا ولغ فیه کلب ..» (5)أوضح دلالة من ذلک، و إن کان فی دلالته أیضاً نظر، فالعمدة الانصراف و الأصل.
و هل یعتبر مزج التراب بالماء أم لا؟ قولان، أقواهما: الثانی. خلافاً للمحکیّ عن الحلیّ (6)و الراوندی (7). و هو ضعیف و إن قوّاه المصنّف فی
1) منهم: السیّد المرتضی فی جمل العلم و العمل (رسائل الشریف المرتضی، المجموعة الثالثة): 23، و الانتصار: 86، و الشیخ فی الخلاف 1: 178، المسألة 133.
2) الوسائل 2: 969، الباب 7 من أبواب التیمّم، الحدیث 1 و 2.
3) المستدلّ به هو المحدّث البحرانی قدّس سرّه فی الحدائق 5: 481.
4) جامع المقاصد 1: 191.
5) المستدرک 2: 603، الباب 45 من أبواب النجاسات، الحدیث 4. و تمام الحدیث: «أن یُغسل بالتراب ثمّ بالماء».
6) السرائر 1: 91.
7) لم نعثر علیه فی فقه القرآن، لکن حکاه عنه السیّد العاملی فی مفتاح الکرامة 1: 200.
المنتهی (1)و تبعه کاشف اللثام (2)لعدم الدلیل عدا ما ربما یتخیّل من دلالة قوله: «اغسله بالتراب» (3).
و فیه: أنّ المراد بالغسل معناه المجازی و إن کان مع مزج التراب بالماء، فاعتبار المزج لا یوجب العمل بحقیقة الغسل، إلّا علی ما ذکره صاحب الذخیرة: من أنّ الغسل الحقیقی لا یختصّ بما کان بالماء، فالمزج المحصّل للمیعان محصّل لصدق الحقیقة (4).
و فیه: أنّ الظاهر أنّ الحلیّ لا یقول بوجوب المزج إلی أن یحصل المیعان المحصّل بحقیقة الغسل، و إن کان یظهر ذلک من الاستدلال له بحصول حقیقة الغسل، و مِن جَعْلِ کاشف اللثام هذا الترکیب من قبیل الغسل بالخطمی و السدر. لکن الظاهر أنّ المحصّل لحقیقة الغسل لا یکون إلّا استعمال الماء أو ما هو بمنزلته فی المیعان، و الماء الممزوج بالتراب إلی أن یحصل له هذا المیعان لا یصدق علیه أنّه غسل بالتراب. و جعله کالغسل بالسدر و الکافور کما ذکره کاشف اللثام یوجب اعتبار بقاء الماء علی إطلاقه؛ لأنّ الباء حینئذٍ یکون للمصاحبة و الظرف مستقرّ، فیکون متعلّق «اغسل» محذوفاً و الإطلاق الناشئ من حذف المتعلّق ینصرف إلی المتعلّق الشائع؛ و لذا فهموا من إطلاقات الغسل فی أدلّة الغسل عن النجاسات وجوب کون الماء مطلقاً.
و قد یقال: إنّ الأمر یدور بین صرف الغسل عن ظاهره إلی الدلک
و بین صرف التراب عن ظاهره، و الأوّل أبعد، فتعیّن الثانی، فیقوی قول الحلیّ.
و فیه: أنّ صرف الغسل عن ظاهره و إن کان بعیداً سیّما مع حمله علی عموم المجاز فی قوله: «اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء» إلّا أنّه معارض بظهور «التراب» فی معناه الحقیقی و ظهور الظرف فی اللغویّة و المتعلّق (1)ب «اغسل» فیکون التراب ممّا یغسل به لا معه، و ظهور مقابلة التراب بالماء فی کون التراب نفس المغسول به، لا من قبیل السدر و الکافور فی قولهم: اغسله بالسدر و الکافور. و لو أُرید الغسل بالماء مع التراب کان المناسب للمقابلة تقیید الماء بالقراح أو الخالص، و إلّا لزم جعل قسم الشیء قسیماً له.
فمذهب المشهور أقوی، و الاحتیاط لا یترک بتکرّر الغسل بالتراب الیابس مرّة و بالممزوج اخری، بل الأحوط أن یکرّر الممزوج فیکون المزج مرّة بحیث لا یوجب المیعان بل یصیر التراب شبه الطین لیقبل الدلک، و أُخری یجعله مائعاً لیحصل معه الغسل الحقیقی. فاحتیاط التعفیر یحصل بثلاث مرّات، إن لم یعمل باحتمال کون التراب هنا بمنزلة السدر بحیث لا یوجب إضافة الماء، و إلّا فالاحتمالات أربع. و إذا روعی مذهب المفید فی تقدیم التراب علی الغسلتین و توسّطه بینهما صارت عشرة، ثمانیة بالتراب بینها غسلة و بعدها غسلة. و إذا روعی مذهب الإسکافی بالسبع صارت الغسلات المتأخّرة خمساً، فیصیر أربعة عشر.
ثمّ الظاهر سقوط التعدّد فی الکثیر دون التعفیر؛ لعموم المرسلة المتقدّمة فی المطر و الروایة المتقدّمة فی الغدیر (2).
و لا یتعدّی إلی غیر الولوغ من أقسام ملاقاة الکلب إلّا اللطع علی قول مشهور.
و عن المفید (1)و الصدوقین (2)و بعض متأخّری المتأخّرین (3): إلحاق المباشرة بسائر أعضائه بالولوغ؛ و لعلّه لما یستفاد من سوق صحیحة البقباق المتقدّمة: من أنّ الوجه فی الحکم نجاسة الکلب و ملاقاته للإناء دون خصوص الشرب منه؛ و لذا استفاد المشهور إلحاق اللطع، و لم یعتبر أحد بقاءَ شیءٍ من المشروب کما هو مورد الروایة (4).
و الإنصاف: أنّ التعدّی من الشرب باللسان إلی شرب مقطوع اللسان فی محلّه، بخلاف التعدّی من الشرب إلی ملاقاة سائر الأعضاء، فإنّه کالتعدّی من الإناء إلی غیره.
فالأقوی وجوب الاقتصار علی ما تیقّن خروجه عن العمومات. نعم، لو صبّ فضله من الإناء المولوغ فیه إلی إناء آخر فلا یبعد إلحاقه به، خلافاً للمحکیّ عن المعتبر (5)و الذکری (6)و ظاهر الخلاف (7).
و لو تعذّر التعفیر، فالأقوی عدم طهارة الإناء بدونه، سواء کان لفقد التراب أو من یقدر علی التعفیر أم کان لعدم قابلیّة الإناء.
و ربما فصّل، فقیل بالتطهیر فی الثانی؛ لاستلزام الحکم بعدمه تعطیل الإناء دائماً، بخلاف غیره (1).
و الأجود تعلیل التفصیل: بأنّ الإناء الغیر القابل للتعفیر لا یدخل فی إطلاق روایة التعفیر، فیرجع فیه إلی عمومات الغسل، بخلاف ما إذا تعذّر التعفیر لفقد التراب، فإنّه لا یوجب تقیید الأمر بالغسل بالتراب؛ لأنّه فی مقام بیان الحکم الوضعی، أعنی علاج النجاسة و إزالتها، فلا تسقط بعدم القدرة؛ فتأمّل.
ثمّ الأقوی سقوط التعدّد فی الجاری و الکثیر، کما عن الکفایة (2)و غیرها (3)نسبته إلی المشهور. و یدلّ علیه مضافاً إلی إطلاقات (4)صحیحة البقباق التی هی الأصل فی هذا الباب، و یدلّ علیه المرسلة فی المطر و الروایة الواردة فی الغدیر من الماء، و قد تقدّمت (5). نعم، لا یسقط التعفیر؛ للأصل و إطلاق الصحیحة، و بهما یقیّد المرسلة و الروایة النافیتین للحاجة إلی شیءٍ آخر.
و عن صریح نهایة الإحکام و ظاهر المختلف: سقوط التعفیر (6). و ما أحسن لها (7)التمسّک بإطلاق المرسلة و الروایة المتقدّمتین (8)، سیّما مع ظهور الصحیحة الآمرة بالتعفیر فی اختصاصها بصورة الغسل بالقلیل. و ما أبعد ما
بینه و بین القول بعدم سقوط التعدّد کما عن المعتبر (1)هو أحوط (2).
و المشهور کما عن الکفایة (3)و شرح المفاتیح (4)-: إلحاق لطع الإناء و هو أخذ ما علق بجوانبها باللسان بالولوغ، و هو الشرب بطرف اللسان. و ربما یستدلّ علیه بالأولویّة (5)بناءً علی أنّ المناط وصول اللعاب إلی الإناء. و فیه نظر.
و کذا وقوع لعابه فی الإناء، فالأحوط الإلحاق.
و عن المقنعة: أنّ الإناء إذا شرب منه کلب أو وقع فیه أو ماسّة ببعض أعضائه، فإنّه یهراق ما فیه من الماء ثمّ یُغسَل مرّة بالماء و مرّة ثانیة بالتراب و مرّة بالماء (6). و ما ذکره أحوط.
ثمّ إنّ المحکیّ عن الشیخ فی المبسوط و الخلاف (7)و القاضی فی المهذّب (8): إطلاق القول بأنّ حکم ولوغ الخنزیر حکم ولوغ الکلب، و ظاهره وجوب التعفیر و إن لم یصرّح به علی ما فهمه المحقّق فی المعتبر (9)
1) لم یصرّح بعدم سقوط التعدّد، بل استشکل علی قول المبسوط بالسقوط، راجع المعتبر 1: 460.
2) العبارة لا تخلو عن خلل.
3) کفایة الأحکام: 14.
4) مصابیح الظلام (مخطوط)، لا یوجد لدینا.
5) استدلّ به المحقّق الثانی فی جامع المقاصد 1: 190، و الشهید الثانی فی المسالک 1: 133.
6) المقنعة: 68.
7) المبسوط 1: 15، و الخلاف 1: 186، المسألة 143.
8) المهذّب 1: 28.
9) راجع المعتبر 1: 459 460.
و تبعه غیره، فإن لم یوجب التعفیر مع أنّه یوجب غسل الإناء من کلّ نجاسة ثلاثاً کان الأولی إلحاق الخنزیر بسائر النجاسات، و أیضاً فإنّه استدلّ علی ذلک بکون الخنزیر کلباً لغة، فله حکمه.
و أمّا استدلاله الآخر: بأنّ الإناء یغسل من النجاسات ثلاثاً و الخنزیر نجس بلا خلاف، فهو فی مقابل بعض أصحاب الشافعی القائل بکفایة الغسلة الواحدة.
و کیف کان، فلم نجد لما ذکره مستنداً، و ما ذکره: من دخوله فی الکلب، کما تری.
فالأقوی وجوب غسل الإناء
(من (1)ولوغ الخنزیر سبعاً) کما هو المشهور، إمّا مطلقاً کما عن الکفایة (2)، أو بین المتأخّرین کما فی الذخیرة (3)لصحیحة علیّ بن جعفر عن أخیه علیه السلام: «فی إناء شرب منه خنزیر؟ قال: یغسل سبعاً» (4)خلافاً لإطلاق کثیرٍ (5)و صریح آخرین (6)، فاقتصروا علی الواحدة، و هو محجوج بالصحیح المعمول به. و حمله علی الاستحباب کما عن المعتبر لا نجد له شاهداً کما اعترف به
1) فی الإرشاد: «و من».
2) کفایة الأحکام: 14.
3) الذخیرة: 178.
4) الوسائل 2: 1017، الباب 13 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
5) الظاهر أنّ المراد بهم کلّ من حکم بنجاسة الخنزیر و لم یذکر لتطهیر ملاقیه کیفیّة خاصّة، قال الفاضل الأصفهانی: «و ظاهر الأکثر أنّه کسائر النجاسات» کشف اللثام 1: 488.
6) منهم: المحقّق فی المعتبر، و المفید فی المقنعة کما سیأتی، و لم نجد التصریح به فی کلام غیرهما.
جماعة (1).
نعم، ربما یقال: کأنّ المحقّق قدّس سرّه لم یجد فیمن تقدّم علیه قائلًا بالسبع (2)، فالصحیحة عنده کانت غیر معمول بها، و هو موهن عنده فی الروایة و إن کان صحیحة، بل قد یذکر فی المعتبر: أنّ الروایة حسنة لکنّ العامل بها قلیل.
فکیف کان، فیرفع هذا الوهن بشهرة المتأخّرین علی العمل بمضمونها، و بها یضعّف قول من جعلها کسائر النجاسات کما حکاه کاشف اللثام عن ظاهر الأکثر (3)، أو صرّح فیه بکفایة المرّة کالمحکیّ عن المقنعة، و فیها بعد بیان حکم الکلب: أنّه لیس حکم غیر الکلب کذلک، بل یهراق ما فیها و یغسل مرّةً واحدة بالماء (4). و أقرب منه (5)کلام المحقّق.
و هل یلحق بالخنزیر موت الجُرَذ فی الإناء؟ قولان، الأشهر نعم، کما عن النهایة (6)و الوسیلة (7)و الذکری (8)و جامع المقاصد (9)للأصل، و لموثّقة عمّار: أنّه یغسل الإناء الذی تصیب فیه الجُرَذ میتاً
سبعاً (1)، و عن جامع المقاصد: أنّ ضعف عمّار منجبر بالشهرة (2).
خلافاً للمحکیّ عن الخلاف (3)و النافع (4)و المعتبر (5)و القواعد (6)فالثلاث؛ لعموم الموثّقة الآتیة بوجوب غسل الإناء ثلاثاً (7). و فیه: أنّ المقیّد یحکَّم علی المطلق.
و للمحکیّ عن ظاهر جماعةٍ و صریح ما مرّ من المقنعة (8)فیکفی الواحدة، و عن ظاهر اللمعة: وجوب المرّتین (9)، و کلاهما ضعیفان.
و الجُرَذ کعُمَر علی ما عن مجمع البحرین (10)هو الذکر من الفیران کما عن العین (11)و المحیط (12)، و عن النهایة الأثیریّة: أنّه الذکر الکبیر منها (13)، و عن الصحاح: أنّه ضرب من الفار (14)، و عن ابن سیدة: أنّه ضرب منها أعظم من
1) الوسائل 2: 1076، الباب 53 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
2) جامع المقاصد 1: 191.
3) الخلاف 1: 182، المسألة 138.
4) المختصر النافع 1: 20.
5) المعتبر 1: 461.
6) القواعد 1: 197.
7) الوسائل 2: 1076، الباب 53 من أبواب النجاسات، الحدیث الأوّل.
8) راجع الصفحة السابقة.
9) استظهره الشهید الثانی من إطلاق عبارة الماتن، الروضة البهیّة 1: 309.
10) مجمع البحرین 3: 179، مادّة: جرذ.
11) العین: 133، مادّة: جرذ.
12) حکاه عنه الفاضل الأصفهانی فی کشف اللثام 1: 489.
13) النهایة (لابن الأثیر) 1: 258، مادّة: جرذ.
14) صحاح اللغة 2: 561، مادّة: جرذ.
الیربوع الذی فی ذنبه سواد (1)، و عن الجاحظ: أنّ الفرق بین الجُرَذ و الفار کالفرق بین الجوامیس و البقر و البخاتی و العراب (2).
و کیف کان، فالکلّ متّفق علی أنّه لیس مطلق الفار، فما عن جامع المقاصد: من أنّ الظاهر عدم التفاوت؛ لصدق اسم الفار علی الجمیع کما صرّح به جمع من الأصحاب و إن توقّف فیه صاحب المعتبر (3)، کما تری! و کأنّ مراده بقوله: «کما صرّح به جمع من الأصحاب» ما فی النهایة (4)و الوسیلة (5)و البیان (6)علی ما حکی عنهم: من عدم الفرق. و هو مشکل؛ لعدم ذکر «الفأر» فی الأخبار.
نعم، حکی عن الشیخ أنّه قال: یغسل الإناء من الخمر سبعاً، و روی مثل ذلک فی الفأر إذا مات فی الإناء (7). لکنّه مع قوّة احتمال إرادة الموثّقة المذکورة لا یکفی المرسلة المجرّدة عن الجابر.
تمّ کتاب الطهارة بحمد اللّٰه تعالی طهّرنا اللّٰه من الأرجاس القولیّة و العملیّة بمحمّد و آله سادات البریّة صلوات اللّٰه علیهم أجمعین و الحمد للّٰه ربّ العالمین
]
[ملحق] [فی التیمّم (1)] ..
و لا دلیل علیه (2)إلّا قوله علیه السلام فی صحیحة حمّاد: «هو بمنزلة الماء» (3)و فی عمومه لمثل هذا الحکم نظر، بل الظاهر کونه بمنزلته فی الآثار، لا فی ما یعتبر فیه و ما لا یعتبر.
و لو مُنِع من ظهور الأخبار فی الموالاة بدعوی کونها لمجرّد بیان الکیفیّة لم یوجد دلیل علی اعتبار الموالاة فی بدل الوضوء أیضاً.
فظهر بذلک ضعف ما قوّاه المصنّف من التفصیل، و أنّه یجوز تفریقه مع
1) لم نعثر علی شرح المؤلف قدّس سرّه لمبحث التیمّم من الإرشاد، إلّا ورقتین جعلناهما فی الملحق، و هو شرح لکتاب الدروس، و قد أشرنا فی مقدّمة کتاب الطهارة (1: 21) إلی أنّ العلّامة الطهرانی نسب إلی الشیخ الأنصاری رسالة فی التیمم، و أنّه رأی نسخة منها فی خزانة المجدد الشیرازی بسامراء. و قلنا: اننا لم نعثر علی تلک الرسالة إلّا أننا عثرنا علی عدّة أوراق مبتورة من بحث التیمم ضمن مجموعة (11127) فی المکتبة الرضویة. و قد رجّحنا تحقیقها و طبعها حفظاً من الضیاع.
2) أی: علی جواز التفریق فی التیمّم البدل من الغسل.
3) الوسائل 2: 995، الباب 23 من أبواب التیمّم، الحدیث 2.
کونه بدلًا عن غسل.
ثمّ المراد بالموالاة المعتبرة فی التیمّم هو تتابع الضرب و المسحات و عدم تفریقها؛ لعدم تعقّل اعتبار الجفاف هنا.
(و) لازم ذلک أنّه (لا یضرّ الفصل بما لا یُعدّ تفریقاً)، و علی تقدیر التفریق یقتضی عموم المنزلة حصول الإثم؛ لأنّه الثابت فی المبدل. نعم، إذا استفید وجوب الموالاة من ظاهر الأخبار (1)الحاکیة لکیفیّة التیمّم، اتّجه الحکم بالبطلان؛ لخروجه بالتفریق عن الکیفیّة المبیّنة.
(و) یجب (المباشرة) لأفعال التیمّم حتّی الضرب و إن لم نقل بکونه منها (بنفسه)؛ لتوجّه الخطاب إلی نفس المکلّف، فما لم یباشرها لم یسقط عنه (إلّا مع العذر) فتصحّ التولیة إجماعاً علی الظاهر. و یدلّ علیه ما ورد فی المجدور الذی أصابته جنابة فغسّلوه فمات فقال علیه السلام: «ألا یمّموه» (2).
(و) أمّا اعتبار (طهارة موضع المسح) فلیس فی الأخبار منه عین و لا أثر، إلّا أنّه أحوط.
(و لو تعذّر) تطهیرها (فالأقرب) بناءً علی اعتبار الطهارة (الصحّة مع عدم تعدّی النجاسة إلی التراب) المانع من صحّة التیمّم به؛ بناءً علی اشتراط طهارته کما هو ظاهر الآیة (3)، و ظاهره أنّه لا یصحّ مع التعدّی و عدم إمکان التجفیف.
و یرد علیه سؤال الفرق بین طهارة موضع المسح و طهارة التراب، حیث جعل الأوّل شرطاً اختیاریّاً و الثانی شرطاً مطلقاً، إلّا أن یقال: إنّ اشتراط الأوّل لمّا کان بالإجماع لم یحسن فی صورة الاضطرار، و أمّا اشتراط الثانی فلظاهر الآیة، و هی ظاهرة فی الشرطیّة المطلقة.
(و لا یشترط خلوّ غیر الأعضاء) الممسوحة (من (1)النجاسة فی أقوی الوجهین) عند المصنّف و جماعة (2)لعدم الدلیل علیه إلّا ما یقال: من ابتنائه علی وجوب (تقدیم (3)) سائر شرائط الصلاة: من (الاستنجاء و إزالة النجاسة علیه إن اعتبرنا) فی صحّة التیمّم (ضیق الوقت) بناءً علی أنّ المراد بآخر الوقت الذی لا یصحّ التیمّم إلّا فیه هو ما لا یسع أزید من التیمّم و الصلاة، اختاره فی المدارک (4)، حاکیاً له عن صریح المعتبر.
و قد ضعّف هذا الابتناء المصنّف قدّس سرّه فی الذکری (5)کما حکی عنه و الشهید الثانی فی المسالک (6): بأنّ المراد ب «ضیق الوقت» ضیقه عن أداء الصلاة و شرائطها التی منها إزالة النجاسة، فلا فرق بین تقدیم الإزالة علی التیمّم و تأخیرها عنه.
و هذا التضعیف ضعیف؛ لأنّ الظاهر من أخبار (1)تضیّق التیمّم سیّما ما عُلّل فیه التأخیر بأنّه: «إن فاته الماء لم تفته الأرض» (2)فی أنّ المراد بضیق الوقت ضیقه عن التیمّم و الصلاة، کما لا یخفی.
[ (و یستحبّ السواک، و التسمیة، و تفریج الأصابع عند الضرب، و نفض الیدین، و مسح الأقطع مستوعباً ما بقی، و أن لا یرفع یده عن العضو حتّی یکمل مسحه. و لا یستحبّ تخلیل الأصابع فی المسح، و لا التکرار فی المسح (3)].
و یستباح به) أی بالتیمّم (کلّ ما یستباح بالمائیّة) لعموم قوله علیه السلام فی صحیحة حمّاد: «هو بمنزلة الماء» (4)، و جمیل بن درّاج: «إنّ اللّٰه جعل التراب طهوراً کما جعل الماء طهوراً» (5)، و صحیحة زرارة: «إنّ التیمّم أحد الطهورین» (6).
و یؤیّد ذلک کلّه الرضوی: «التیمّم غسل المضطرّ و وضوؤه» (7)، فتأمّل.
و أمّا الاستدلال علی ذلک بقوله علیه السلام: «إنّ ربّ الماء ربّ الصعید» (8)،
1) الوسائل 2: 993، الباب 22 من أبواب التیمّم.
2) الوسائل 2: 994، الباب 22 من أبواب التیمّم، الحدیث 3 و 4.
3) من الدروس، و لم یذکره المصنّف، و محلّه بیاض فی الأصل.
4) الوسائل 2: 995، الباب 23 من أبواب التیمّم، الحدیث 2.
5) الوسائل 2: 994، الباب 23 من أبواب التیمّم، الحدیث الأوّل.
6) الوسائل 2: 995، الباب 23 من أبواب التیمّم، الحدیث 5.
7) الفقه المنسوب للإمام الرضا علیه السلام: 88.
8) الوسائل 2: 984، الباب 15 من أبواب التیمّم، الحدیث 15.
و فیه (1)نظر؛ لأنّ الظاهر منه سیّما بملاحظة ما قبله هو أنّ المأمور بالتیمّم لأجل ما یشترط فیه الطهارة لا یجب علیه إعادته إذا فعله به؛ لأنّ الأمر بالطهارة المائیّة عند وجود الماء هو الأمر بالتیمّم بدلًا عنه عند عدمه، فقد أتی بما هو بدل الطهارة المائیّة بحکم الأمر بها، فلا یدلّ علی تمام المطلوب.
ثمّ إنّ مقتضی إطلاق تلک الأخبار عموم إباحة ما تبیحه المائیّة (حتّی الطواف و دخول الکعبة علی الأظهر)، خلافاً لمن منع من دخول الکعبة و ما یستلزمه کالطواف، و حکی عن فخر المحقّقین عدم إباحة اللبث فی مطلق المساجد؛ تمسّکاً بقوله تعالی وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِی سَبِیلٍ حَتَّیٰ تَغْتَسِلُوا .. (2)حیث نهی عن أن یقرب الصلاة جنباً حتّی الاغتسال، و المراد من الصلاة بالنسبة إلی هذا الحکم محلّها و هو المسجد؛ بقرینة استثناء العبور، و أُلحق به مسّ المصحف؛ لعدم فرق الأُمّة بینهما.
و فیه بعد تسلیم الدلالة-: أنّ ما دلّ بعمومه علی بدلیّة التیمّم للطهارتین وارد علی هذا الحکم (3).
[ (و لا یبطل بالردّة، و لا بنزع العمامة و الخفّ، و لا بظنّ الماء أو شکّه (4)].
و یبطل) التیمّم (بالتمکّن من استعمال الماء) بالإجماع و السنّة المستفیضة (فلو وجده قبل) الدخول فی (الصلاة تطهّر) لها، (و) لو
وجده (بعدها) فالمشهور أنّه (لا إعادة.)
و تدلّ علیه صحیحة الحلبی عن الصادق علیه السلام: «فی رجلٍ أجنب و لم یجد الماء، قال: یتیمّم بالصعید، فإذا وجد الماء اغتسل و لا یعید الصلاة» (1).
و صحیحة زرارة: «قلت لأبی جعفرٍ علیه السلام: فإن أصاب الماء و قد صلّی یتیمّم و هو فی وقتٍ؟ قال: تمّت صلاته و لا إعادة علیه» (2).
و صحیحة معاویة بن میسرة: «قال: سألت أبا عبد اللّٰه علیه السلام عن الرجل فی السفر لا یجد الماء ثمّ صلّی (3)ثمّ أتی بالماء و علیه شیءٌ من الوقت، أ یمضی علی صلاته، أم یتوضّأ و یعید الصلاة؟ قال: یمضی علی صلاته؛ فإنّ ربّ الماء هو رَبّ التراب» (4)إلی غیر ذلک من الأخبار المستفیضة (5).
و مقتضی صریح صحیحتی زرارة و معاویة و ظاهر غیرهما عدم لزوم الإعادة و لو فی الوقت، و مقتضی ظواهر الکلّ عدم الفرق فی الجنابة بین الإجناب تعمّداً و غیره، و لا بین الحاضر و المسافر.
خلافاً للمحکیّ عن القدیمین (6)فأوجبا الإعادة فی الوقت؛ لصحیحة یعقوب بن یقطین: «قال: سألت أبا الحسن علیه السلام عن رجلٍ تیمّم فصلّی فأصاب بعد صلاته ماءً، أ یتوضّأ و یعید الصلاة أم تجوز صلاته؟ قال: إذا
1) الوسائل 2: 981، الباب 14 من أبواب التیمّم، الحدیث الأوّل.
2) الوسائل 2: 983، الباب 14 من أبواب التیمّم، الحدیث 9.
3) و فی المصدر: «تیمّم فصلّی ثمّ أتی الماء ..».
4) الوسائل 2: 984، الباب 14 من أبواب التیمّم، الحدیث 13.
5) الوسائل 2: 981، الباب 14 من أبواب التیمّم.
6) حکاه عنهما الشهید فی الذکری 2: 273.
وجد الماء قبل أن یمضی الوقت توضّأ و أعاد الصلاة، فإن مضی الوقت فلا إعادة علیه» (1)، و أُجیب بالحمل علی الاستحباب، و لا بأس به جمعاً.
و للمحکیّ عن الشیخ فی المبسوط، فأوجب الإعادة علی من تعمّد الجنابة (2)لأخبارٍ (3)دالّةٍ علی وجوب الإعادة مطلقاً من غیر تقیید بمتعمّد الجنابة.
و لعلّ وجه الاستدلال: خروج غیر المتعمّد عنها بالأدلّة و بقاء الباقی.
و أُجیب: بإمکان حملها علی الاستحباب؛ لأنّ مثل هذا المجاز أولی من هذا التخصیص بالفرد الغیر الظاهر.
و یمکن أن یقال: إنّ ترجیح التخصیص لأجل لزوم ارتکاب التخصیص علی تقدیر الحمل بالاستحباب؛ إذ لا یستحبّ قضاء الصلاة بعد خروج الوقت مطلقاً.
و للمحکیّ عن السیّد المرتضی، فأوجب القضاء علی الحاضر (4).
و لعلّ وجهه: عمومات وجوب فعلها ثانیاً، خرج المسافر بالإجماع و بقی الباقی.
و لا ریب فی ضعفه و شذوذه، و لا بأس بمراعاة الاحتیاط.
(و) لو تلبّس بالصلاة فوجد الماء (فی أثنائها)، ففی المسألة أقوال و (روایات، أقواها) اعتضاداً بالأصل و العمومات الدالّة علی حرمة قطع
الصلاة (البناء) أی المضیّ عند المصنّف (و لو علی التکبیر) وفاقاً للمحکیّ عن السیّدین فی مسائل الخلاف (1)و الغنیة (2)، و الشیخ فی الخلاف (3)و المبسوط (4)و .. (5)، و الحلّی (6)مدّعیاً علیه [الإجماع (7)]؛ لروایة محمّد بن عمران المعتبرة بوجود البزنطی قبله عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام قال: قلت له: الرجل یتیمّم ثمّ دخل فی الصلاة و قد کان طلب الماء فلم یقدر علیه، ثمّ یُؤتی بالماء حین یدخل فی الصلاة، قال: یمضی فی الصلاة، و اعلم أنّه لیس ینبغی لأحدٍ أن یتیمّم إلّا فی آخر الوقت» (8)، و صحیحة زرارة و محمّد بن مسلم فی الفقیه عن أبی جعفر علیه السلام: «فی رجلٍ لم یصب الماء و حضرت الصلاة فتیمّم و صلّی رکعتین، ثمّ أصاب الماء، أ ینقض الرکعتین، أو یقطعهما یتوضّأ ثمّ یصلّی؟ قال: لا، و لکنّه یمضی فی صلاته و لا ینقضها لمکان أنّه دخلها علی طهور طهر خ ل بتیمّم» (9).
فإنّ مورد السؤال و إن کان خاصّاً بمن صلّی رکعتین، إلّا أنّ التعلیل
1) نقله عنه ابن إدریس فی السرائر 1: 140.
2) الغنیة: 64.
3) الخلاف 1: 141، المسألة 89.
4) المبسوط 1: 3.
5) کلمة لا یمکن قراءتها.
6) السرائر 1: 153.
7) کذا ظاهراً، و الکلمة لا تقرأ.
8) الوسائل 2: 992، الباب 21 من أبواب التیمّم، الحدیث 3.
9) الفقیه 1: 106، الحدیث 215، الوسائل 2: 992، الباب 21 من أبواب التیمّم، الحدیث 4.
بالدخول فیهما علی الطهر یثبت تمام المطلوب.
و عن الشیخ فی النهایة (1)و العمانی (2)و ابن بابویه (3)و السیّد فی شرح الرسالة (4)وجوب الرجوع ما لم یرکع؛ لصحیحة زرارة: «قلت لأبی جعفر علیه السلام: فإن أصاب الماء و قد دخل فی الصلاة؟ قال: فلینصرف و لیتوضّأ ما لم یرکع، فإن کان قد رکع فلیمضِ فی صلاته، فإن التیمّم أحد الطهورین» (5).
و مثلها روایة عبد اللّٰه بن عاصم (6)، و فی طریقها الحسن بن الحسین اللؤلؤی.
و بهما یخصّص عموماته حرمة قطع الصلاة و عمومات وجوب المضیّ مطلقاً، إلّا أنّ روایة حمران (7)ظاهرة فی ما قبل الرکوع؛ لقوله: «یؤتی بالماء حین دخل فی الصلاة»، إلّا أنّها لا تقوی لمعارضة الصحیح، مع قوّة احتمال إرادة خصوص آخر الوقت منها بقرینة قوله: «و اعلم أنّه لیس ینبغی» و الظاهر أنّه لا خلاف فی وجوب المضیّ حینئذٍ، و احتمال حمل الانصراف علی الاستحباب.
1) النهایة: 88.
2) المختلف 1: 435.
3) الفقیه 1: 105، ذیل الحدیث 214.
4) حکاه عنه السیّد العاملی فی المدارک 2: 245، و الموجود فی المعتبر حکایة القولین عن السیّد المرتضی، إلّا أنّ الذی نقله عن الرسالة هو القول الأوّل، انظر المعتبر 1: 400.
5) الوسائل 2: 991، الباب 21 من أبواب التیمّم، الحدیث الأوّل.
6) الوسائل 2: 992، الباب 21 من أبواب التیمّم، الحدیث 2.
7) الوسائل 2: 992، الباب 21 من أبواب التیمّم، الحدیث 3.
و المسألة محلّ إشکال، و إن کان الأقوی ما علیه المصنّف؛ للأصل، و عمومات حرمة الإبطال، و کفایة الدخول فی الصلاة علی التیمّم، و عدم مقاومة صحیحة زرارة للتخصیص بعد معارضتها بروایة حمران، و إن سلّم کونها دونها فی الصحیحة مع أنّ ذلک ممنوع، کیف و قد أجمع الأصحاب علی تصحیح ما یصحّ عن البزنطی. و حکی فی المدارک عن المحقّق فی المعتبر: أنّ محمّد بن حمران أشهر فی العلم و العدالة من عبد اللّٰه بن عاصم، فتکون الروایة صحیحة (1).
نعم، صحیحة زرارة موافقة لما دلّ علی أنّ غایة أجزاء التیمّم وجدان الماء، کما فی صحیحة زرارة عن أبی عبد اللّٰه علیه السلام: «فی رجلٍ تیمّم، قال: یجزیه ذلک إلی أن یجد الماء» (2)دلّ علی أنّه إذا وجد الماء فلا یجزی التیمّم و یفسد الصلاة؛ لقوله علیه السلام: «لا صلاة إلّا بطهور» (3)خرج من هذا العموم ما إذا وجده بعد الرکوع و یبقی الباقی، لکن تخصیصها بصحیحة زرارة الأُخری المتقدّمة هنا متعیّن، فتدبّر. و الأحوط الإتمام ثمّ الفعل ثانیاً.
و اعلم أنّ جریان الخلاف فی المضیّ و القطع علی القول بجواز التیمّم فی السعة واضح. و علی القول بعدم جوازه فی السعة مطلقاً أو مع رجاء زوال العذر فیتصوّر المسألة فیما انکشف بقاء الوقت مع ظنّ ضیقه.
و قد یقال: بجریانه علی هذا القول مطلقاً؛ نظراً إلی أنّ المراد بآخر الوقت آخره العرفی فلا یقدح بقاء شیءٍ یسیر.
خرج من هذا العموم ما إذا وجده بعد الرکوع و یبقی الباقی، لکن تخصیصها بصحیحة زرارة الأُخری المتقدّمة هنا متعیّن، فتدبّر. و الأحوط الإتمام ثمّ الفعل ثانیاً.
و اعلم أنّ جریان الخلاف فی المضیّ و القطع علی القول بجواز التیمّم فی السعة واضح. و علی القول بعدم جوازه فی السعة مطلقاً أو مع رجاء زوال العذر فیتصوّر المسألة فیما انکشف بقاء الوقت مع ظنّ ضیقه.
و قد یقال: بجریانه علی هذا القول مطلقاً؛ نظراً إلی أنّ المراد بآخر الوقت آخره العرفی فلا یقدح بقاء شیءٍ یسیر.
و فیه: أنّه إن أراد ذلک مع ظنّ الضیق أو احتماله احتمالًا معتدّاً به یصدق معه الخوف فهو راجع إلی ما ذکرنا، و إن أراد جواز التیمّم فی الآخر العرفی مع العلم ببقاء شیءٍ یسیر فالظاهر عدم قول القائلین بالتضیّق به، و إباء أدلّة التضیّق عنه، سیّما ما علّل فیه: «بأنّه إن فاته الماء لم تفته الأرض». (1)
1) الوسائل 2: 994، الباب 22 من أبواب التیمّم، الحدیث 4.