الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 31

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء الحادى و الثلاثون

ادامة القسم العاشر: من الفتح. . إلى الشهادة

تتمة الباب العاشر: تبليغ سورة براءة و حجة الوداع

الفصل الثالث: حج النبي صلّى اللّه عليه و آله برواية الإمام‌الصادق عليه السّلام

دخول مكة و المسجد الحرام:

ثم نهض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أن نزل بذي طوى، و هي المعروفة اليوم بآبار الزاهر، فبات بها ليلة الأحد، لأربع خلون من ذي الحجة، و صلى بها الصبح، ثم اغتسل من يومه، و نهض إلى مكة من أعلاها من الثنية العليا، التي تشرف على الحجون.

و كان في العمرة يدخل من أسفلها، و في الحج دخل من أعلاها و خرج من أسفلها.

ثم سار حتى دخل المسجد ضحى.

و عن ابن عمر قال: دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و دخلنا معه من باب عبد مناف، و هو الذي تسميه الناس: «باب بني شيبة» (1).

و خرج من باب بني مخزوم (إلى الصفا) .

فلما نظر إلى البيت، و استقبله و رفع يديه و كبر، و قال: «اللهم أنت السلام، و منك السلام، فحينا ربنا بالسلام، اللهم زد هذا البيت تشريفا، و تعظيما، و تكريما، و مهابة، و زد من عظّمه، ممن حجه أو اعتمره، تكريما و تشريفا،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 461 و 462 عن الطبراني، و راجع: المعجم الأوسط للطبراني ج 3 ص 238.

و تعظيما و برا» (1).

و نقول:

إن المروي بسند صحيح عن صادق أهل البيت «عليهم السلام» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» : «فلما دخل مكة دخل من أعلاها من العقبة، و خرج حين خرج من ذي طوى» (2).

و في نص آخر: «دخل من أعلى مكة، من عقبة المدنيين، و خرج من أسفل مكة، من ذي طوى» (3).

حج النبي برواية أهل البيت عليهم‌السّلام:

و حيث إنه قد وردت عن أهل بيت النبي «عليهم السلام» روايات صحيحة السند تصف لنا حج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . نرى أن عرضها للقارئ الكريم ضروري جدا، ليأخذ الحقيقة من أهل الحقيقة، فإن أهل البيت أدرى بما فيه. .

و قد رأينا تقديم ذكرها على التفاصيل التي يذكرها أتباع غير أهل البيت، لكي تكون رواياتهم «عليهم السلام» هي المعيار و الميزان للصحيح


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 و في هامشه عن: البيهقي ج 5 ص 73.

2) الكافي (الفروع) ج 4 ص 250 و البحار ج 21 ص 296 و 397 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 224 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 158 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 579.

3) الكافي (الفروع) ج 4 ص 248 و البحار ج 21 ص 393 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 355.

من الفاسد، و الحقيقي من المزيف. .

و بما أن هذه الروايات قد تعددت، فقد رأينا أن نأتي بخلاصة جامعة لما تضمنته من جزئيات و خصوصيات، مقتصرين منها على ما أورده الكليني «قدس اللّه نفسه الزكية» في باب «حج النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .» و خصوصا الروايات التي جاءت مطولة و مفصلة، فنقول:

في صحيحة معاوية بن عمار عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: أنزل اللّه عز و جل عليه: وَ أَذِّنْ فِي اَلنّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالاً وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (1)، فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصواتهم: بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحج في عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة، و أهل العوالي و الأعراب، و اجتمعوا لحج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما كانوا تابعين ينظرون ما يؤمرون و يتبعونه، أو يصنع شيئا فيصنعونه (2).

و في صحيح عبد اللّه بن سنان عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: ذكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحج، فكتب إلي (3): من بلغه كتابه ممن دخل في الإسلام: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يريد الحج، يؤذنهم


1) الآية 77 من سورة الحج.

2) الكافي (الفروع) ج 4 ص 245 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 316 و الفصول المهمة ج 1 ص 649 و البحار ج 21 ص 390 و التفسير الصافي ج 3 ص 374 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 146 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 386.

3) كذا في الأصل، و لعل الصحيح «إلى» بالمقصورة، و قد وقع فيها تصحيف، فلاحظ.

بذلك، ليحج من أطاق الحج (1).

و في صحيح معاوية بن عمار: فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة زالت الشمس، فاغتسل ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عند الشجرة، فصلى فيه الظهر، و عزم بالحج مفردا، و خرج حتى انتهى إلى البيداء عند الميل الأول، فصف له سماطان، فلبى بالحج مفردا، و ساق الهدي ستا و ستين، أو أربعا و ستين (2)حتى انتهى إلى مكة في سلخ أربع من ذي الحجة (3).

و في صحيح الحلبي عن علي «عليه السلام» : خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتى أتى الشجرة، فصلى بها، ثم قاد راحلته حتى أتى البيداء، فأحرم منها، و أهل بالحج، و ساق مائة بدنة، و أحرم الناس كلهم بالحج لا ينوون عمرة، و لا يدرون ما المتعة (4).


1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 249 و الحدائق الناضرة ج 15 ص 58 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 224 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 158 و البحار ج 21 ص 396 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 359 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 282 و منتقى الجمان ج 3 ص 163.

2) الترديد من الراوي.

3) الكافي (الفروع) ج 4 ص 245 و البحار ج 21 ص 390 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 454 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 487 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 387.

4) الكافي (الفروع) ج 4 ص 248 و 249 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 551 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 222 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 157 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 76 و البحار ج 21 ص 395 و ج 96 ص 88 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 356 و ج 10 ص 455 و 499.

و في صحيح ابن سنان: فأقبل الناس، فلما نزل الشجرة أمر الناس بنتف الإبط، و حلق العانة، و الغسل، و التجرد في إزار و رداء، أو إزار و عمامة، يضعها على عاتقه لمن لم يكن له رداء.

و ذكر أنه حيث لبى قال: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك و الملك، لا شريك لك» .

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يكثر من ذي المعارج، و كان يلبى كلما لقي راكبا، أو علا أكمة، أو هبط واديا، و في آخر الليل، و في إدبار الصلوات.

فلما دخل مكة دخل من أعلاها من العقبة، و خرج حين خرج من ذي طوى.

فلما انتهى إلى باب المسجد استقبل الكعبة.

و ذكر ابن سنان: أنه باب شيبة، فحمد اللّه و أثنى عليه، و صلى على أبيه إبراهيم، ثم أتى الحجر فاستلمه، فلما طاف بالبيت (و طاف الناس معه) صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم «عليه السلام» .

و دخل زمزم فشرب منها، ثم قال: «اللهم إني أسألك علما نافعا، و رزقا واسعا، و شفاء من كل داء و سقم» ، فجعل يقول ذلك و هو مستقبل الكعبة.

ثم قال لأصحابه: ليكن آخر عهدكم بالكعبة استلام الحجر، فاستلمه (1).


1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 249 و 250 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 579 و الحدائق الناضرة ج 15 ص 58 و مستند الشيعة ج 11 ص 175 و ج 11 ص 290 و دعائم الإسلام ج 1 ص 298 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 224 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 158 و البحار ج 21 ص 396 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 359 و 499 و ج 11 ص 14 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 17 و منتقى الجمان ج 3 ص 163.

و في صحيح معاوية بن عمار: فطاف بالبيت سبعة أشواط، ثم صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم «عليه السلام» ، ثم عاد إلى الحجر فاستلمه، و قد كان استلمه في أول طوافه، ثم قال: إِنَّ اَلصَّفٰا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اَللّٰهِ) ، فابدأ بما بدأ اللّه تعالى.

و إن المسلمين كانوا يظنون أن السعي بين الصفا و المروة شيء صنعه المشركون، فأنزل اللّه عز و جل: (إِنَّ اَلصَّفٰا وَ اَلْمَرْوَةَ مِنْ شَعٰائِرِ اَللّٰهِ فَمَنْ حَجَّ اَلْبَيْتَ أَوِ اِعْتَمَرَ فَلاٰ جُنٰاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمٰا. . (1).

ثم أتى الصفا فصعد عليه، و استقبل الركن اليماني، فحمد اللّه و أثنى عليه، و دعا مقدار ما يقرء سورة البقرة مترسلا.

ثم انحدر إلى المروة، فوقف عليها كما وقف على الصفا، ثم انحدر و عاد إلى الصفا فوقف عليها، ثم انحدر إلى المروة حتى فرغ من سعيه (2).

و في صحيح الحلبي عن الإمام الصادق «عليه السلام» : و هو شيء أمر اللّه عز و جل به، فأحل الناس، و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لو


1) الآية 158 من سورة البقرة.

2) الكافي (الفروع) ج 4 ص 245 و 246 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 632 و ج 1 ق 3 ص 644 و كشف اللثام (ط. ق) ج 1 ص 341 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 316 و مستند الشيعة ج 12 ص 159.

كنت استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم» (1).

و لم يكن يستطيع أن يحل من أجل الهدي الذي كان معه، إن اللّه عز و جل يقول: وَ لاٰ تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتّٰى يَبْلُغَ اَلْهَدْيُ مَحِلَّهُ (2).

و في صحيح معاوية بن عمار، عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، و كذا في صحيح الحلبي باختصار: فلما فرغ من سعيه و هو على المروة، أقبل على الناس بوجهه، فحمد اللّه و أثنى عليه ثم قال: إن هذا جبرئيل، و أومأ بيده إلى خلفه، يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يحل، و لو استقبلت من أمري ما استدبرت لصنعت مثل ما أمرتكم، و لكني سقت الهدي، و لا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ الهدي محله.

قال: فقال له رجل من القوم: لنخرجن حجاجا و رؤوسنا و شعورنا تقطر؟

و في بعض الروايات: «و ذكرنا تقطر» ؟ أي من ماء المني (3).

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أما إنك لن تؤمن بهذا أبدا.

فقال له سراقة بن مالك بن جعشم الكناني: يا رسول اللّه، علمنا ديننا كأنا خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أم لما يستقبل؟


1) الكافي ج 4 ص 249 و علل الشرائع ج 2 ص 413 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 222 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 157 و البحار ج 21 ص 395 و ج 96 ص 89 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 185 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 466.

2) الآية 196 من سورة البقرة.

3) راجع المصادر في الهوامش السابقة.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : بل هو للأبد، إلى يوم القيامة، ثم شبك أصابعه و قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» (1).

قال: و قدم علي «عليه السلام» من اليمن على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو بمكة، فدخل على فاطمة «سلام اللّه عليها» و هي قد أحلت، فوجد ريحا طيبة، و وجد عليها ثيابا مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة؟

فقالت: أمرنا بهذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فخرج علي «عليه السلام» إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مستفتيا، فقال: يا رسول اللّه، إني رأيت فاطمة قد أحلت و عليها ثياب مصبوغة؟

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أنا أمرت الناس بذلك، فأنت يا علي بما أهللت» ؟

قال: يا رسول اللّه، إهلالا كإهلال النبي.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قرّ على إحرامك مثلي، و أنت شريكي في هديي» .

قال: و نزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة بالبطحاء هو و أصحابه، و لم ينزل الدور، فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس أمر الناس أن يغتسلوا


1) مرآة العقول ج 17 ص 113 و جواهر الكلام ج 18 ص 3 و الكافي ج 4 ص 246 و و منتهى المطلب (ط. ق) ج 2 ص 886 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 316 و مستند الشيعة ج 11 ص 217 و جامع المدارك ج 2 ص 568 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 455 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 215 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 151 و البحار ج 21 ص 391 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 352 و فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 266 و منتقى الجمان ج 3 ص 123.

و يهلوا بالحج، و هو قول اللّه عز و جل، الذي أنزل على نبيه «صلى اللّه عليه و آله» : فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ (أبيكم) إِبْرٰاهِيمَ (1).

فخرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه مهلين بالحج حتى أتى منى، فصلى الظهر و العصر، و المغرب و العشاء الآخرة، و الفجر.

ثم غدا و الناس معه، و كانت قريش تفيض من المزدلفة و هي جمع، و يمنعون الناس أن يفيضوا منها، فأقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون، فأنزل اللّه تعالى عليه: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ اَلنّٰاسُ وَ اِسْتَغْفِرُوا اَللّٰهَ. . (2)، يعني إبراهيم و إسماعيل، و إسحاق في إفاضتهم منها و من كان بعدهم.

فلما رأت قريش أن قبة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد مضت، كأنه دخل في أنفسهم شيء، للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتى انتهى إلى نمرة، و هي بطن عرنة بحيال الأراك، فضربت قبته، و ضرب الناس أخبيتهم عندها.

فلما زالت الشمس خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و معه قريش و قد اغتسل، و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس و أمرهم و نهاهم، ثم صلى الظهر و العصر بأذان و إقامتين.

ثم مضى إلى الموقف فوقف به، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته يقفون إلى جانبها، فنحاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: «أيها الناس، ليس


1) الآية 95 من سورة آل عمران.

2) الآية 95 من سورة آل عمران.

موضع أخفاف ناقتي بالموقف، و لكن هذا كله» ، و أومأ بيده إلى الموقف، فتفرق الناس، و فعل مثل ذلك بالمزدلفة.

فوقف الناس حتى وقع القرص-قرص الشمس-ثم أفاض، و أمر الناس بالدعة حتى انتهى إلى المزدلفة، و هو المشعر الحرام، فصلى المغرب و العشاء الآخرة بأذان واحد و إقامتين.

ثم أقام حتى صلى فيها الفجر، و عجل ضعفاء بني هاشم بليل، و أمرهم أن لا يرموا الجمرة جمرة العقبة حتى تطلع الشمس.

فلما أضاء له النهار أفاض حتى انتهى إلى منى، فرمى جمرة العقبة (1).

و في صحيح إسماعل بن همام، عن الإمام الحسن «عليه السلام» قال: أخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين غدا من منى في طريق ضب (جبل عند مسجد الخيف) ، و رجع ما بين المأزمين. و كان إذا سلك طريقا لم يرجع فيه (2).

و كان الهدي الذي جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أربعة و ستين أو ستة و ستين.

و جاء علي «عليه السلام» بأربعة و ثلاثين أو ستة و ثلاثين، فنحر رسول


1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 245-247 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 350- 354.

2) الكافي (الفروع) ج 4 ص 248 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 237 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 458 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 336 و البحار ج 21 ص 395 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 463 و سنن النبي «عليه السلام» للسيد الطباطبائي ص 62 و منتقى الجمان ج 3 ص 346.

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ستة و ستين، و نحر علي «صلى اللّه عليه و آله» أربعة و ثلاثين بدنة.

و في الرواية الأخرى: نحر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثا و ستين نحرها بيده، ثم أخذ من كل بدنة بضعة فجعلها في قدر الخ. . (1).

و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يؤخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم، ثم تطرح في برمة، ثم تطبخ، فأكل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» ، و حسيا من مرقها (2).

زاد في صحيح الحلبي قوله: «قد أكلنا منها الآن جميعا، و المتعة خير من القارن السائق، و خير من الحاج المفرد» (3).


1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 249 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 551 و علل الشرائع ج 2 ص 413 و البحار ج 96 ص 89.

2) الكافي (الفروع) ج 4 ص 246-248 و مجمع الفائدة ج 7 ص 286 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 670 و ج 1 ق 3 ص 670 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 318 و جواهر الكلام ج 19 ص 159 و جامع المدارك ج 2 ص 462 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 457 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 217 و ج 14 ص 163 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 153 و ج 10 ص 144 و البحار ج 21 ص 393 و 395 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 354 و ج 12 ص 101 و ج 12 ص 104 و منتقى الجمان ج 3 ص 125 و ج 3 ص 373 و ج 3 ص 401 و راجع المغني لابن قدامة ج 11 ص 109 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 579 و ج 3 ص 582 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 111 و تفسير البغوي ج 3 ص 284.

3) الكافي (الفروع) ج 4 ص 249 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 551 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 223 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 158 و البحار ج 21 ص 396 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 343 و 357 و تفسير الميزان للسيد الطباطبائي ج 2 ص 84 و منتقى الجمان ج 3 ص 122.

و في صحيح معاوية بن عمار: و لم يعطيا الجزارين جلودها، و لا جلالها، و لا قلائدها، و تصدق به، و حلق، و زار البيت و رجع إلى منى، و أقام بها حتى كان اليوم الثالث من آخر أيام التشريق.

ثم رمى الجمار و نفر حتى انتهى إلى الأبطح، فقالت له عايشة: يا رسول اللّه، ترجع نساؤك بحجة و عمرة معا، و أرجع بحجة؟

فأقام بالأبطح، و بعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم.

فأهلت بعمرة، ثم جاءت، و طافت بالبيت و صلت ركعتين عند مقام إبراهيم «عليه السلام» ، وسعت بين الصفا و المروة، ثم أتت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فارتحل من يومه، و لم يدخل المسجد الحرام، و لم يطف بالبيت.

و دخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين، و خرج من أسفل مكة من ذي طوى (1).

و في صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» قال: الذي كان على بدن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ناجية بن جندب الخزاعي


1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 248 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 319 و جامع المدارك ج 2 ص 491 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 457 و البحار ج 21 ص 389 و 393 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 355 و ج 11 ص 271 و 272 و ج 12 ص 207 و تفسير مجمع البيان ج 2 ص 42 و منتقى الجمان ج 3 ص 254.

الأسلمي، و الذي حلق رأس النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حجته معمر بن عبد اللّه بن حراثة بن نصر بن عوف بن عويج بن عدي بن كعب.

قال: و لما كان في حجة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يحلقه، قالت قريش: أي معمر! أذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في يدك، و في يدك الموسى؟ !

فقال معمر: و اللّه، إني لأعده من اللّه فضلا عظيما علي.

قال: و كان معمر هو الذي يرحل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول اللّه: «يا معمر، إن الرحل الليلة لمسترخى» .

فقال معمر: بأبي أنت و أمي، لقد شددته كما كنت أشده، و لكن بعض من حسدني مكاني منك يا رسول اللّه أراد أن تستبدل بي.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما كنت لأفعل» (1).

و نقول:

إن النصوص المتقدمة و إن كانت مأخوذة من روايات صحيحة السند، و لكنها تحتاج أيضا إلى بعض التوضيح و البيان، فنقول:

إضافة فقرة و تصحيف أخرى:

جاء في رواية الصدوق للخبر الأخير عن الإمام الصادق «عليه السلام» فقرة أخرى لم يوردها الكليني، و هي قوله: «و الذي حلق رأسه


1) الكافي (الفروع) ج 4 ص 250 و 251 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 339 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 458 و البحار ج 21 ص 400 و جامع الرواة ج 2 ص 253 و معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 19 ص 288.

«عليه السلام» يوم الحديبية خراش بن امية الخزاعي» .

و فيه أيضا: «كان معمر بن عبد اللّه يرجل شعره «عليه السلام» . .» .

قال المجلسي «رحمه اللّه» : لعل الأصل يرحل بعيره، فصحفوه بقولهم: يرجل شعره، لعله لكونه يناسب الحلق.

لا فضل لقرشي على غيره إلا بالتقوى:

قال البيضاوي-على ما نقله عنه المجلسي-: «و قوله تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفٰاضَ اَلنّٰاسُ (1). أي من عرفة، لا من المزدلفة، و الخطاب مع قريش لما كانوا يقفون بالجمع، و ساير الناس بعرفه، و يرون ذلك ترفعا عليهم، فأمروا بأن يساووهم.

إلى أن قال: و المعنى أن الإضافة من عرفة شرع قديم فلا تغيروه» (2).

و بذلك يكون اللّه تعالى، و رسوله قد بينا بصورة عملية أن لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

أحرم صلّى اللّه عليه و آله من المسجد:

تقدم في صحيح الحلبي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قاد راحلته حتى أتى البيداء، فأحرم منها.

قال العلامة المجلسي: «لعل المراد بالإحرام هنا عقد الإحرام بالتلبية،


1) الآية 95 من سورة آل عمران.

2) راجع: مرآة العقول ج 17 ص 114 و تفسير البيضاوي (ط دار الفكر) ج 1 ص 487 و تفسير أبي السعود ج 1 ص 209.

أو إظهار الإحرام و إعلامه، لئلا ينافي الأخبار المستفيضة الدالة على أنه «صلى اللّه عليه و آله» أحرم من مسجد الشجرة» (1).

ساق مائة بدنة:

و ذكرت صحيحة الحلبي أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ساق مائة بدنة.

و المراد-كما ذكره العلامة المجلسي أيضا-: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ساق مائة، لكن ساق بضعا و ستين لنفسه، و الباقي لأمير المؤمنين «عليه السلام» ، لعلمه بأنه «عليه السلام» يحرم كإحرامه، و يهل كإهلاله الخ. . (2).

أو المراد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» هو و علي «عليه السلام» قد ساقا مائة بدنة، فنسب ما جاء به علي «عليه السلام» إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأنه أخوه، و لأنه أهلّ بما أهلّ به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و اشتركا في مجموع المائة.

يتمنى القرشيون قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

قال الفيض الكاشاني «رحمه اللّه» تعليقا على الرواية الأخيرة: «كأن قريشا كنوا بما قالوا عن قدرة معمر على قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تمنوا أن لو كانوا مكانه، فقتلوه. و ربما يوجد في بعض نسخ الكافي: «أذى» بدل «أذن» .


1) راجع: مرآة العقول ج 17 ص 116.

2) راجع: مرآة العقول ج 17 ص 116.

و المعنى حينئذ: أن ما يوجب الأذى من شعر الرأس و شعثه منه «صلى اللّه عليه و آله» في يدك، كأنه تعيير منهم إياه بهذا الفعل في حسبه و نسبه، و هذا أوفق للجواب من الأول» (1).

حج النبي صلّى اللّه عليه و آله قران! ! أم تمتع؟ ! :

لقد كان حج النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع حج قران لا حج تمتع و لا إفراد. . و قد تحير أتباع غير أهل البيت «عليهم السلام» في هذا الأمر، و اختلفوا فيه. .

و نحن نذكر ما قالوه مستفيدين من عبارة الصالحي الشامي أكثر من غيره، ثم نناقش أو نبين بعض ما قالوه وفق ما يتيسر لنا، فنقول:

قالوا: و ساق هديه مع نفسه، و دعا ببدنته، و في رواية: بناقته فأشعرها في صفحة سنامها من الشق الأيمن، ثم سلت الدم عنها، و قلدها نعلين، و تولى إشعار بقية الهدي و تقليده غيره، و كان معه «صلى اللّه عليه و آله» هدي كثير.

قال ابن سعد: و كان على هديه ناجية بن جندب الأسلمي، و كان جميع الهدي الذي ساقه من المدينة (2).

«فلما صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصبح أخذ في الإحرام، فاغتسل غسلا ثانيا، غير الغسل الأول، و غسل رأسه بخطمي و أشنان،


1) راجع: مرآة العقول ج 17 ص 119 و هامش كتاب الكافي ج 4 ص 251.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 451 و 452 و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 124.

و دهن رأسه بشيء من زيت غير كثير» (1).

و عن ابن عمر قال: «كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يدّهن بالزيت-و هو محرم-غير المقتت» (2).

و في حديث أبي أيوب عند الشيخين: أنه «صلى اللّه عليه و آله» في غسله حزك رأسه (أي ضغطه) بيديه جميعا، فأقبل بهما و أدبر، و طيبته بذريرة و طيب فيه مسك (3)، و بالغالية الجيدة-كما رواه الدارقطني، و البيهقي-في بدنه و رأسه حتى كان وبيص المسك يرى من مفارقه، و لحيته الشريفة «صلى اللّه عليه و آله» (4). ثم استدامه، و لم يغسله.

و عن عائشة قالت: كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أيام و هو محرم (5).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 452 عن أحمد، و البزار، و الطبراني، و الدراقطني عن عائشة، و في هامشه عن: مسند أحمد ج 6 ص 78 و البزار كما في الكشف ج 2 ص 11(1085) و الدارقطني ج 2 ص 226.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 452 عن الترمذي، و ابن ماجة و في هامشه عن: الترمذي ج 3 ص 294(962) و ابن ماجة ج 2 ص 1030(3083) و ضعفه البوصيري في الزوائد، و راجع: مسند أحمد ج 2 ص 25 و 59 و عمدة القاري ج 9 ص 154 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 439.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 452 عن البخاري، و مسلم و في هامشه عن: البخاري ج 10 ص 384(5930) و مسلم ج 2 ص 147(35/1189) و الدارقطني ج 2 ص 222 و البيهقي ج 5 ص 35.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 452 و في هامشه عن: البيهقي ج 5 ص 34.

5) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 452 و 453 عن الحميدي، و أحمد، و أشار في هامشه إلى: مسند أحمد ج 6 ص 124(و 109 و 128 و 130 و 175 و 186 و 212 و 245 و 250 و 254 و 256 و 280) و هو عند البخاري ج 3 ص 463(1538) و مسلم (39/119) و راجع: المجموع للنووي و ج 7 ص 215 و إعانة الطالبين ج 2 ص 350 و مغنى المحتاج ج 1 ص 479 و البحر الرائق ج 2 ص 562 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 86 و تلخيص الحبير ج 1 ص 193 و نيل الأوطار ج 5 ص 33 و 76 و فقه السنة ج 1 ص 655 و صحيح البخاري ج 1 ص 72 و صحيح مسلم ج 4 ص 11 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 977 و سنن النسائي ج 5 ص 140 و 141 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 34 و 35 و عمدة القاري ج 3 ص 221 مسند أبي داود الطيالسي ص 197 و 198 و 199 و مسند ابن الجعد ص 47 و غير ذلك من مصارد فراجع.

و قالوا أيضا:

و لما كان بسرف قال «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه: «من لم يكن معه هدي فأحب أن يجعلها عمرة فليفعل، و من كان معه هدي فلا» .

قال ابن القيم: و هذا رتبة أخرى فوق رتبة التخيير عند الميقات، فلما كان بمكة، أمر أمرا حتما من لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة، و يحل من إحرامه، و من معه هدي أن يقيم على إحرامه، و لم ينسخ ذلك شيء البتة.

و قد روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» الأمر بفسخ الحج إلى العمرة أربعة عشر من الصحابة، و أحاديثهم صحاح، و سرد أسماءهم (1).

و لم يحل هو «صلى اللّه عليه و آله» من أجل هديه، فحل الناس كلهم إلا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من كان معه هدي، و منهم أبو بكر و عمر،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 461 و راجع: زاد المعاد ج 1 ص 246.

و طلحة و الزبير، و قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي، و لجعلتها عمرة» .

و هناك سأله سراقة بن مالك بن جشم، و هو في أسفل الوادي، لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة و الإحلال: يا رسول اللّه، ألعامنا هذا أم للأبد؟

فشبك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصابعه واحدة في الأخرى، فقال: «لا» ، ثلاث مرات.

ثم قال: «دخلت العمرة في الحج-مرتين أو ثلاثا-إلى الأبد» ، فحل الناس كلهم إلا النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من كان معه هدي (1).

و أمر «صلى اللّه عليه و آله» من لم يسق الهدي بفسخ الحج إلى العمرة، رواه عنه خلائق من الصحابة.

و قد اختلفوا في ذلك، فقال مالك، و الشافعي: كان ذلك من خصائص الصحابة، ثم نسخ جواز الفسخ كغيرهم، و تمسكوا بما رواه مسلم، عن أبي ذر: لم يكن فسخ الحج إلى العمرة إلا إلى أصحاب محمد «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و أما أحمد فرد ذلك، و جوّز الفسخ لغير الصحابة.

و هناك دعا للمحلقين بالمغفرة ثلاثا، و للمقصرين مرة.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 466 و 467.

2) البداية و النهاية ج 5 ص 184 و ج 5 ص 184 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 331 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 467.

فأما نساؤه فأحللن، و كن قارنات إلا عائشة، فإنها لم تحل من أجل تعذر الحل عليها بحيضتها، و فاطمة حلت، لأنها لم يكن معها هدي، و علي لم يحل من أجل هديه.

و أمر من أهل بإهلال كإهلاله «صلى اللّه عليه و آله» أن يقيم على إحرامه، إن كان معه هدي، و أن يحل من لم يكن معه هدي (1).

حج تمتع أو قران أو إفراد؟ ! :

قال الصالحي الشامي:

اختلف في ذلك على أربعة أقوال:

الأول: الإفراد بالحج.

روى الشافعي و أحمد، و الشيخان، و النسائي عن عائشة.

و أحمد، و مسلم، و ابن ماجة، و البيهقي عن جابر بن عبد اللّه.

و أحمد، و مسلم، و البزار، عن عبد اللّه بن عمر.

و مسلم، و الدارقطني، و البيهقي، عن ابن عباس: «أنه- «صلى اللّه عليه و آله» أهل بالحج مفردا» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 467 عن الطبراني برجال ثقات، و راجع: عيون الأثر ج 2 ص 344 و مسند أحمد ج 6 ص 274.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 455 و قال في هامشه: حديث عائشة عند الشافعي في المسند ج 6 ص 104 و البخاري ج 3 ص 492(1562) و مسلم ج 2 ص 875 (122/1211) و مالك ج 1 ص 335(37) و النسائي ج 5 ص 112 و أخرجه ابن ماجة ج 2 ص 988(2966) و حديث جابر أخرجه مسلم (2/881) حديث (136/1213) . و راجع: المجموع للنووي ج 7 ص 153 و نيل الأوطار ج 5 ص 44 و صحيح مسلم ج 4 ص 52 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 4 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 216 و فتح الباري ج 3 ص 342 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 345 و تاريخ بغداد ج 10 ص 297 و البداية و النهاية ج 5 ص 140 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 240.

الثاني: القران. روى أحمد، و البخاري، و أبو داود، و النسائي، و ابن ماجة و البيهقي عن عمر بن الخطاب.

و أحمد عن عثمان.

و أحمد و البخاري، و ابن حبان، عن علي.

و أحمد، و النسائي، و الشيخان، و البزار، و البيهقي، عن أنس.

و الترمذي، و ابن ماجة، و البزار، و الدارقطني، و البيهقي، عن جابر بن عبد اللّه.

و أحمد، و ابن ماجة، عن أبي طلحة، زيد بن سهل الأنصاري.

و أحمد، عن سراقة بن مالك.

و مالك، و أحمد، و الترمذي و صححه، و النسائي عن سعد بن أبي و قاص.

و الطبراني، عن عبد اللّه بن أبي أوفى.

و أحمد، و أبو داود، و الترمذي، و ابن ماجة، عن ابن عباس.

و أحمد و مسلم، و النسائي، و الدارقطني، عن الهرماس بن زياد.

و أبو يعلى، عن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب.

و أحمد، و الشيخان، عن ابن عمرو.

و أحمد، عن عمران بن حصين.

و الدارقطني، عن أبي قتادة.

و الترمذي-و حسنه-عن جابر بن عبد اللّه.

و أحمد، عن حفصة.

و الشيخان، و البيهقي، عن عائشة: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان قارنا» (1).

الثالث: التمتع. عن ابن عمر قال: تمتع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع بالعمرة، إلى الحج، و أهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، و بدأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج. الحديث (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 455 و 456 و قال في هامشه: من حديث عمر: أحمد في المسند ج 1 ص 174 و البخاري من حديث عبد اللّه بن عمر ج 3 ص 640(1691) . و من حديث عثمان: أحمد في المسند ج 1 ص 57. و من حديث علي: أحمد ج 1 ص 57. و من حديث جابر: الترمذي ج 3 ص 170 و ابن ماجة ج 2 ص 990. و من حديث أبي طلحة: أحمد ج 4 ص 28. و من حديث سراقة: أخرجه أحمد ج 4 ص 75. و من حديث سعد: أحمد ج 1 ص 174 و السنائي ج 5 ص 118. و من حديث ابن أبي أوفى البزار كما في الكشف ج 2 ص 27. و من حديث ابن عباس أبو داود ج 2 ص 159. و من حديث الهرماس: أحمد ج 3 ص 485 و من حديث عمران بن حصين: أحمد ج 4 ص 427. و من حديث أبي قتادة: الدارقطني ج 2 ص 261. و من حديث حفصة: أحمد ج 6 ص 285. و من حديث عائشة: البخاري ج 3 ص 630 حديث (1692) .

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 456 عن و البخارى، و مسلم، و أبي داود، و النسائي، و قال في هامشه: هو عند أبي داود (1805) و النسائي ج 5 ص 179 و راجع: المجموع للنووي ج 7 ص 154 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 565 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 580 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 162 و تلخيص الحبير ج 7 ص 113 و 165 و نيل الأوطار ج 5 ص 42 و مسند أحمد ج 2 ص 139 و صحيح البخاري ج 2 ص 181 و صحيح مسلم ج 4 ص 49 و سنن أبي داود ج 1 ص 405 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 17 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 208 و عمدة القاري ج 10 ص 31 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 348 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 142 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 16 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 199 و 214 و 218 و 219 تفسير البغوي ج 1 ص 167 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 241 و الدر المنثور ج 1 ص 216 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 365.

و عن عائشة عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في تمتعه بالعمرة إلى الحج: و تمتع الناس معه (1).

و عن ابن عباس قال: «قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هذه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 456 عن أحمد، و البخاري، و مسلم، و في هامشه عن: البخاري ج 3 ص 630(1692) و راجع: المجموع للنووي ج 7 ص 155 و 157 و تلخيص الحبير ج 7 ص 165 و مسند أحمد ج 2 ص 140 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 18 و 20 و فتح الباري ج 3 ص 433 و عمدة القاري ج 10 ص 34 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 142 و 199 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 218 و البداية و النهاية ج 5 ص 141 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 243.

عمرة استمتعنا بها، فمن لم يكن عنده الهدي فليحل الحلّ كلّه، فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة» (1).

و عن حفصة أنها قالت: يا رسول اللّه، ما شأن الناس حلّوا بعمرة؟ و لم تحلل أنت من عمرتك؟

قال: «إني لبدت رأسي، و قلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 456 عن مسلم، و في هامشه قال: أخرجه مسلم في الحج (303) و أبو داود (1790) و ابن أبي شيبة ج 4 ص 102 و الدارمي ج 2 ص 51 و أحمد ج 1 ص 236 و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 144 و 145 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 249 و مسند أحمد ج 1 ص 236 و 341 و سنن الدارمي ج 2 ص 51 و سنن أبي داود ج 1 ص 402 و سنن النسائي ج 5 ص 181 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 18 و مسند أبي داود الطيالسي ص 344 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 544 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 368 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 205 و الدراية لابن حجر ج 2 ص 34.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 456 عن البخاري، و في هامشه قال: أخرجه البخاري ج 3 ص 635(1697) و كتاب الأم للإمام الشافعي ج 7 ص 226 و المجموع لمحيي الدين النووي ج 7 ص 180 و 221 و موطأ مالك ج 1 ص 394 و الجوهر النقي للمارديني ج 5 ص 14 و البحر الرائق ج 2 ص 638 و ج 3 ص 7 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 235 و 303 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 235 و 248 و 410 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 568 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 102 و نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 130 و اختلاف الحديث للشافعي ص 568 و المسند للشافعي ص 196 و مسند أحمد ج 6 ص 284 و 285 و صحيح البخاري ج 2 ص 152 و 182 و 188 و ج 5 ص 125 و ج 7 ص 59 و صحيح مسلم ج 4 ص 50 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1013 و سنن أبي داود ج 1 ص 406 سنن النسائي ج 5 ص 136 و 172 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 12 و 13 و 134 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 211 و 212 و 232 و فتح الباري ج 3 ص 451 و ج 10 ص 304 و عمدة القاري ج 9 ص 201 و ج 10 ص 38 و 66 و ج 18 ص 37 و ج 22 ص 55 و عون المعبود للعظيم آبادي ج 5 ص 168 السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 337 و 361 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 477 و 481 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 144 و 196 و المعجم الكبير للطبراني ج 23 ص 190 و 191 و 211 و 215 و مسند الشاميين للطبراني ج 1 ص 413 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 3 ص 514 و 517 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 301 و 303 و 364 و التمهيد لابن عبد البر ج 8 ص 208 و ج 15 ص 297 و 302 و 303 و أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 181 و 183 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 239 و أضواء البيان الشنقيطي ج 4 ص 367 و 369 و 370 و 371 و ج 5 ص 149 و 151 و 171 و 173 و البداية و النهاية ج 5 ص 155 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 32 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 227 و 243 و 271 و 272 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 456.

و عن ابن عباس قال: «تمتع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أبو بكر، و عمر، و عثمان، و أول من نهى عنه معاوية» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 عن أحمد، و الترمذي، و في هامشه عن: أحمد ج 1 ص 313 و الترمذي ج 3 ص 85(822) ، و راجع: شرح الأخبار ج 2 ص 532 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 224 و سنن الترمذي ج 2 ص 160 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 339 و كنز العمال ج 5 ص 169 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 و النصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص 122.

و عن ابن عباس، عن معاوية قال: «قصرت عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمشقص» ، زاد مسلم، فقلت: «لا أعلم هذه إلا حجة عليك» (1).

و عن عطاء، عن معاوية قال: «أخذت من أطراف شعر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمشقص كان معي، بعد ما طاف بالبيت، و بالصفا و المروة، في أيام العشر» (2).

قال قيس بن سعد الراوي، عن عطاء: «و الناس ينكرون هذا على معاوية» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 عن البخاري، و مسلم، و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 3 ص 656(1730) و مسلم في الحج باب (209) و أبو داود (1802) و النسائي ج 5 ص 244 و راجع: المجموع للنووي ج 8 ص 196 و مسند أحمد ج 4 ص 96 و 98 و صحيح البخاري ج 2 ص 189 و صحيح مسلم ج 4 ص 58 و سنن أبي داود ج 1 ص 405 و سنن النسائي ج 5 ص 245 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 102 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 231 و فتح الباري ج 3 ص 450 و 452 و عمدة القاري ج 10 ص 66 و 67 و مسند الحميدي ج 2 ص 275 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 416 و المعجم الكبير ج 19 ص 309 و نصب الراية ج 3 ص 216 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 369 و 371 و ج 5 ص 183 و علل الدارقطني ج 7 ص 51 و 52 و الإصابة ج 6 ص 120 و البداية و النهاية ج 4 ص 422 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 696.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 و في هامشه عن: النسائي ج 5 ص 197 و راجع: سنن النسائي ج 5 ص 245 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 416.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 و نيل الأوطار ج 5 ص 131 و سنن النسائي ج 5 ص 245 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 416.

و روى البخاري عن ابن عمر قال: «اعتمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل أن يحج» (1).

الرابع: الإطلاق.

عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا نذكر حجا و لا عمرة، و في لفظ: «نلبي لا نذكر حجا و لا عمرة» ، و في لفظ: «خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا نرى إلا الحج. حتى إذا دنونا من مكة، أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من لم يكن معه هدى إذا طاف بين الصفا و المروة، أن يحل» (2).

و في نص آخر: «خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المدينة لا يسمي حجا و لا عمرة، ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء بين الصفا


1) كتاب موطأ لمالك ج 1 ص 343 و مسند أحمد ج 2 ص 47 و ج 4 297 و صحيح البخاري ج 2 198 و سنن أبي داود ج 1 ص 442 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 354 و مجمع الزوائد ج 3 ص 279 و فتح الباري ج 3 ص 477 و عمدة القاري ج 10 ص 110 و عون المعبود ج 5 ص 319 و مسند الشاميين للطبراني ج 4 ص 136 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 90 و 91 و التمهيد لابن عبد البر ج 20 ص 13 و ج 24 ص 411 و الكافي لابن عبد البر ص 134.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 عن البخاري، و مسلم، و في هامشه عن: البخاري ج 3 ص 492(1561) و راجع: البحار ج 30 ص 610 و سنن النسائي ج 5 ص 245 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 5 و عمدة القاري ج 10 ص 46 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 327 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 302 و أضواء البيان للشنقيطي ج 5 ص 149.

و المروة، فأمر أصحابه من كان منهم أهلّ و لم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة. .» (1)الحديث.

فهذه أربعة أقوال: الإفراد، و القران، و التمتع، و الإطلاق، و رجحا أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قارنا، و رجحه المحب الطبري، و الحافظ، و غيرهم.

قال: أهلّ في مصلاه، ثم ركب ناقته، فأهل أيضا، ثم أهلّ لما استقلت به على البيداء، و كان يهلّ بالحج و العمرة تارة، و بالعمرة تارة، و بالحج تارة، لأن العمرة جزء منه، فمن ثم قيل: قرن. و قيل: تمتع، و قيل: أفرد، و كل ذلك وقع بعد صلاة الظهر، خلافا لابن حزم، و صاحب الاطلاع.

قال النووي، و الحافظ: و طريق الجمع بين الأحاديث، و هو الصحيح: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان أولا مفردا بالحج، ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك، و أدخلها على الحج فصار: قارنا، فمن روى الإفراد هو الأصل، و من روى


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 عن الشافعي، و قال في هامشه: عن مسند الشافعي ج 1 ص 372(960) . و راجع: تذكرة الفقهاء (ط. ج) ج 7 ص 233 و منتهى المطلب (ط. ق) الحلي 2 ص 675 و كشف اللثام (ط. ج) ج 5 ص 256 و (ط. ق) ج 1 ص 313 و جواهر الكلام ج 18 ص 203 و كتاب الأم للشافعي ج 2 ص 139 و المجموع للنووي ج 7 ص 166 و تلخيص الحبير ج 7 ص 111 و اختلاف الحديث للشافعي ص 567 و 568 و كتاب المسند للشافعي ص 111 و 196 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 339 و ج 5 ص 6 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 3 ص 488 و 513 و 516 و 556 و البداية و النهاية ج 5 ص 160 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 280 و السيرة الحلبية ج 3 ص 311.

القران اعتمد آخر الأمر، و من روى التمتع أراد التمتع اللغوي، و هو الانتفاع و الإرتفاق (1).

ترجيحات لحج القران:

و ذكروا ترجيحات لقول من رأى أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قارنا:

و ذلك من وجوه، كما قال في زاد الميعاد.

الأول: أنهم أكثر.

الثاني: أن طريق الإخبار بذلك تنوعت.

الثالث: أن فيهم من أخبر عن سماعه لفظه «صلى اللّه عليه و آله» صريحا، و فيهم من أخبر عن نفسه بأنه فعل ذلك، و منهم من أخبر عن أمر ربه بذلك، و لم يجئ شيء من ذلك في الإفراد.

الرابع: تصديق روايات من روى أنه اعتمر أربعا، و أوضح ذلك ابن كثير بأنهم اتفقوا على أنه «صلى اللّه عليه و آله» اعتمر عام حجة الوداع، فلم يتحلل بين النسكين، و لا أنشأ إحراما آخر للحج، و لا اعتمر بعد الحج، فلزم القران، قال: و هذا مما يفسر الجواب عنه انتهى (2).

الخامس: أنها صريحة لا تحتمل التأويل، بخلاف روايات الإفراد، كما سيأتي.

السادس: أنها متضمنة زيادة سكت عنها من روى الإفراد، أو نفاها،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 457 و 458 و تنوير الحوالك ص 317 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 135 و الديباج على مسلم ج 3 ص 300.

2) البداية و النهاية ج 5 ص 157 و 171 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 275.

و الذاكر و الزائد مقدم على الساكت، و المثبت مقدم على النافي.

السابع: روى الإفراد أربعة: عائشة، و ابن عمر، و جابر، و ابن عباس، و غيرهم رووا القران، فإن صرنا إلى تساقط رواياتهم سلمت رواية من عداهم للقران عن معارض، و إن صرنا إلى الترجيح وجب الأخذ برواية من لم تضطرب الرواية عنه و لا اختلفت، كعمر بن الخطاب، و علي بن أبي طالب، و أنس، و البراء، و عمران بن حصين، و أبي طلحة، و سراقة بن مالك، و سعد بن أبي و قاص، و عبد اللّه بن أبي أوفى، و هرماس بن زياد.

الثامن: أنه النسك الذي أمر به من ربه، كما تقدم فلم يكن ليعدل عنه.

التاسع: أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي، ثم يسوق هو الهدي و يخالفه.

العاشر: أنه النسك الذي أمر به له و لأهل بيته، و اختاره لهم، و لم يكن يختار لهم إلا ما اختار لنفسه.

الحادي عشر: قوله: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» ، يقتضي أنها صارت جزءا منه أو كالجزء الداخل فيه بحيث لا يفصل بينه و بينه، و إنما يكون كالداخل في الشيء معه.

الثاني عشر: قول عمر: للصبي بن معبد-و قد أهل بحج و عمرة- فأنكر عليه زيد بن صوحان، و سلمان بن ربيعة، فقال له عمر: هديت لسنة نبيك «صلى اللّه عليه و آله» و هذا يوافق رواية عمر: أنه الوحي جاء من اللّه بالإهلال بهما جميعا، فدلّ على أن القران سنة التي فعلها، و امتثل أمر اللّه تعالى بها.

قال ابن كثير: و الجمع بين رواية من روى أنه أفرد الحج، و بين رواية

من روى القران، أنه أفرد أفعال الحج، و دخلت فيه العمرة نية و فعلا و قولا، و اكتفى بطواف الحج وسعيه عنه و عنها، كما في مذهب الجمهور في القارن خلافا لأبي حنيفة.

و أما من روى التمتع و صح عنه أنه روى القران، فالتمتع في كلام السلف أعم من التمتع الخاص، و الأوائل يطلقونه على الإعتمار في أشهر الحج، و إن لم يكن معه حج.

قال سعد بن أبي و قاص: تمتعنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما يريد بهذا إحدى العمرتين المتقدمتين: إما الحديبية، و إما القضاء، فأما عمرة الجعرانة، فإنها كانت بعد الفتح، و حجة الوداع بعد ذلك سنة عشر.

و أما حديث ابن عمر و عائشة السابقان، فقد رويا التمتع، فهو مشكل على الأقوال، أما قول الإفراد ففي هذا إثبات عمرة إما قبل الحج أو معه، و أما على قول التمتع الخاص، فإنه ذكر أنه لم يحل من إحرامه بعدما طاف بالصفا و المروة، و ليس هذا شأن المتمتع (1).


1) البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 157 و 158 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 276 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 486 و 487 عنه.

الفصل الرابع: قبل أن يسير صلّى اللّه عليه و آله إلى عرفات (بروايتهم)

اشارة

طواف النبي صلّى اللّه عليه و آله و استلام الركن و الحجر:

و كان طوافه «صلى اللّه عليه و آله» بالبيت في حجة الوداع ماشيا، فقد روي عن جابر بن عبد اللّه أنه قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» باب المسجد، فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد، فبدأ بالحجر فاستلمه، و فاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا، و مشى أربعا حتى فرغ، قبّل الحجر، و وضع يديه عليه، و مسح بهما وجهه» (1).

هل طاف ماشيا؟ ! :

و لكن و في مقابل ما ذكرناه آنفا هناك نصوص تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد طاف راكبا لا ماشيا، فقد روي عن عائشة أنها قالت: «طاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على بعيره، يستلم الركن، كراهة أن يضرب


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 عن البيهقي، و ابن كثير، و في هامشه عن: البيهقي ج 5 ص 74 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 455 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 74 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 212 و 229 و الدرر لابن عبد البر ص 261 و البداية و النهاية ج 5 ص 177 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 317 و السيرة الحلبية ج 3 ص 314.

عنه الناس» (1).

و عن ابن عباس قال: «قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة يشتكي، فطاف على راحلته، و كلما أتى الركن استلم بمحجن، فلما فرغ من طوافه أناخ فصلى ركعتين (2).

و عن ابن عباس و أبي الطفيل و جابر و غيرهم: «طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن» (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 عن مسلم و المجموع للنووي ج 8 ص 26.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 عن أبي داود، و في هامشه عن: أبي داود ج 2 ص 177(1881) .

3) راجع: المجموع للنووي ج 8 ص 26 و بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 2 ص 146 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 415 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 1 ص 422 و ج 3 ص 394 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 180 و نيل الأوطار للشوكاني ج 5 ص 114 و صحيح البخاري ج 2 ص 162 و صحيح مسلم ج 4 ص 67 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 983 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 عن البيهقي ج 5 ص 100 و سنن أبي داود ج 1 ص 419 و سنن النسائي ج 2 ص 47 و ج 5 ص 233 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 99 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 18 و عمدة القاري ج 9 ص 252 و ج 20 ص 156 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 262 و ج 2 ص 401 و المنتقى من السنن المسندة ص 121 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 4 ص 86 و نصب الراية ج 3 ص 118 و 119 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 14 و تغليق التعليق ج 3 ص 70 و كنز العمال ج 5 ص 179 و أضواء البيان للشنقيطي 4 ص 409 و تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 97 و ج 31 ص 51 و تهذيب الكمال للمزي ج 19 ص 70.

زاد في نص آخر قوله: «و يقبل المحجن» (1).

قال: طاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجته بالبيت على ناقته الجدعاء، و عبد اللّه بن أم مكتوم آخذ بخطامها يرتجز

و قد أجابوا عن هذه الأحاديث: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» كما يقول ابن كثير: كان له في حجة الوداع ثلاثة أطواف، هذا الأول.

و الثاني: طواف الإفاضة، و هو طواف الفرض و كان يوم النحر.

و الثالث: طواف الوداع.

فلعل ركوبه «صلى اللّه عليه و آله» كان في أحد الأخيرين، أو في كليهما.

فأما الأول: و هو طواف القدوم فكان ماشيا فيه، و قد نص على هذا الشافعي.

و الدليل على ذلك: ما رواه البيهقي بإسناد جيد، عن جابر قال: «دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد فبدأ بالحجر فاستلمه، و فاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثا، و مشى أربعا، حتى فرغ، فلما فرغ قبّل الحجر، و وضع يديه عليه و مسح بهما وجهه (2).


1) التبرك للأحمدي ص 384 عن المصادر التالية: صحيح مسلم ج 2 ص 893 و 924 و 927 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 242 و السيرة الحلبية ج 3 ص 294 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 983 و مسند الإمام الشافعي (هامش كتاب الأم) ج 6 ص 272/149 و البداية و النهاية ج 6 ص 12 و سنن أبي داود ج 2 ص 176 و المصنف للصنعاني ج 15 ص 41 بسندين.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462 و 463 عن البيهقي، و المستدرك للحاكم ج 1 ص 455 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 74 و السيرة الحلبية ج 3 ص 315 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 213 و البداية و النهاية ج 5 ص 177 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 317.

قال ابن القيم: و حديث ابن عباس إن كان محفوظا فهي في إحدى عمره، و إلا فقد صح عنه: الرمل في الثلاثة الأول من طواف القدوم، إلا أن يقول كما قال ابن حزم في السعي: إنه رمل على بعيره، فقد رمل لكن ليس في شيء من الأحاديث أنه كان راكبا في طواف القدوم. فلما حاذى «صلى اللّه عليه و آله» الحجر الأول استلمه، و لم يزاحم عليه قلت: و قال لعمر: «يا عمر، إنك رجل قوي لا تزاحم على الحجر، تؤذي الضعيف، إن وجدت خلوة فاستلمه، و إلا فاستقبله و هلل و كبر (1).

و ثبت عنه: أنه استلم الركن اليماني، و لم يثبت عنه أنه قبّله، و لا قبل يده حين استلامه.

و قول ابن عباس: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقبل الركن


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 463 و في هامشه عن: أحمد ج 1 ص 28، و سبل السلام ج 2 ص 206 و نيل الأوطار ج 5 ص 114 و مسند أحمد ج 1 ص 28 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 80 و مجمع الزوائد للهيثمي ج 3 ص 241 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 28 و عون المعبود ج 5 ص 234 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 178 و نصب الراية ج 3 ص 115 و 117 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 13 و كنز العمال ج 5 ص 58 و البداية و النهاية ج 5 ص 177 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 318 و السيرة الحلبية ج 3 ص 316.

اليماني، و يضع خده عليه (1).

قال ابن القيم: «المراد بالركن اليماني هاهنا الحجر الأسود، فإنه يسمى الركن اليماني مع الركن الآخر يقال لهما: اليمانيان.

و يقال له مع الركن الذي يلي الحجر من ناحية الباب: العراقيان.

و يقال للركنين اللذين يليان الحجر: الشاميان.

و يقال للركن اليماني، و الذي يلي الحجر من ظهر الكعبة: الغربيان.

و لكن ثبت عنه: أنه قبّل الحجر الأسود، و ثبت عنه أنه استلمه بيده، فوضع يده عليه ثم قبلها.

و ثبت عنه: أنه استلمه بمحجنه، فهذه ثلاث صفات.

و روي عنه: أنه وضع شفته عليه طويلا يبكي (2).

و عن عمر بن الخطاب: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل الركن، ثم سجد عليه، ثم قبله، ثم سجد عليه، ثلاث مرات، و لم يمس من الركنين إلا اليمانيين فقط (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 464 عن الدارقطني، و الوفاء لابن الجوزي ج 2 ص 526 و تاريخ الخميس ج 1 ص 126 و راجع: نيل الأوطار ج 5 ص 115 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 215 و سنن الدارقطني ج 2 ص 254 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 2 ص 38 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 464.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 464 عن ابن القيم.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 464 عن الطيالسي و البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 521 و البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 521.

و عن جعفر بن عبد اللّه قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبل الحجر و سجد عليه، ثم قال: رأيت خالك ابن عباس يقبله و يسجد عليه، و قال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب قبله و سجد عليه، ثم قال: رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فعل هكذا، ففعلت (1).

و عن ابن عباس: رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسجد على الحجر (2).

و نص آخر يقول: استقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحجر، ثم وضع شفتيه عليه يبكي طويلا (3).


1) راجع: التبرك للأحمدي ص 383 عن المصادر التالية: السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 74 و سنن الدارمي ج 2 ص 53 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 455 و النسائي ج 5 ص 227 و البداية و النهاية ج 5 ص 154 و منحة المعبود ج 1 ص 215 و البيان لآية اللّه الخوئي قسم التعليقات ص 558 المرقم 13 و راجع: المصنف للصنعاني ج 5 ص 37 و البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 521.

2) السنن الكبرى ج 5 ص 75 و راجع: المجموع للنووي ج 8 ص 33.

3) سنن ابن ماجة ج 2 ص 982 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 454 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 384 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 384 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 982 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 454 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 24 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 212 و العهود المحمدية للشعراني ص 224 و فيض القدير ج 6 ص 456 و كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 334 و الدر المنثور ج 1 ص 135 و كتاب المجروحين لابن حبان ج 2 ص 272 و تهذيب الكمال ج 26 ص 242 و ميزان الاعتدال للذهبي ج 3 ص 676 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 73 و لسان العرب ج 12 ص 298.

و عن نافع قال: رأيت ابن عمر استلم الحجر بيده و قبل يده، و قال: ما تركته منذ رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفعله (1).

و كان جابر و أبو هريرة، و أبو سعيد الخدري، و ابن عباس يفعلون ذلك أيضا (2).

و ثمة مصادر أخرى ذكرت استلام أركان البيت، و تقبيل الحجر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن الصحابة، و عن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» (3).


1) السنن الكبرى ج 5 ص 75 و مسند أحمد ج 2 ص 108 و عن صحيح مسلم ج 2 ص 924 و عن فتح الباري ج 3 ص 378 و 380 و 381.

2) راجع: التبرك للأحمدي ص 384 عن المصادر التالية: السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 75 و كتاب الأم للشافعي ج 2 ص 146 و فتح الباري ج 3 ص 378 و الترمذي ج 3 ص 215 و مسند أحمد ج 1 ص 338 و فيه: «أنه-يعني ابن عباس -كان عند الحجر و عنده محجن يضرب به الحجر فيقبله» .

3) راجع: كتاب التبرك للأحمدي ص 385 عن المصادر التالية: البداية و النهاية ج 5 ص 153-155 و الوفاء لابن الجوزي ج 2 ص 526 و دلائل النبوة للبيهقي ج 1 ص 153 و الوسائل ج 9 ص 402-413 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 148 و 149 و مستدرك الحاكم ج 1 ص 456 و تاريخ الخميس ج 2 ص 126 و مسلم ج 2 ص 924 و ما بعدها، و سنن ابن ماجة ج 2 ص 987-983 و البخاري ج 2 ص 183 و ما بعدها، و فتح الباري عن شرحه للأحاديث، و مسند الشافعي (هامش كتاب الأم) ج 6 ص 146 و الترغيب و الترهيب ج 2 ص 152 و كتاب الأم للشافعي ج 2 ص 145 و ما بعدها، و النسائي ج 5 ص 266 و 431 و 262 و 233 و 228 و الترمذي ج 3 ص 292 و 214 و ما بعدها، و أبي داود ج 2 ص 175 و 176 و 181 و الدارمي ج 2 ص 42 و 46 و مسند أحمد ج 1 ص 213 و 217 و 237 و 267 و 291 و ج 3 ص 430 و البيان للسيد الخوئي ص 558 و كنز العمال ج 5 ص 91 و 95 و الغدير ج 6 ص 103 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 29 و 40 و 41 و 43 و 71.

قالوا: و روى الشيخان، عن ابن عباس قال: طاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجنه.

قال ابن القيم: و هذا الطواف ليس بطواف الوداع، فإنه كان ليلا، و ليس بطواف القدوم، لوجهين:

أحدهما: أنه قد صح عنه: أن الرمل في طواف القدوم. و لم يقل أحد قط رملت به راحلته، و إنما قالوا رمل نفسه.

و الثاني: قول عمرو بن الشريد: أفضت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا، و هذا ظاهره: أنه من حين أفاض معه، ما مست قدماه الأرض إلى أن رجع (1).

فلما فرغ من طوافه جاء إلى خلف المقام، فقرأ: وَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اَللّٰهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (2). فصلى ركعتين، و المقام بينه و بين البيت (3).

و نقول:

إننا نسجل حول النصوص المتقدمة بعض الإيضاحات، أو التحفظات على النحو التالي:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 480.

2) الآية 81 من سورة مريم.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 464.

السعي و الطواف راكبا:

و قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد طاف راكبا.

و عن الإمام الصادق «عليه السلام» أنه قال: طاف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ناقته العضباء، و جعل يستلم الأركان بمحجنه، و يقبل المحجن (1).

و عن الإمام الباقر، عن أبيه «عليهما السلام» : أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» طاف على راحلته، و استلم الحجر بمحجنه، و سعى عليها بين الصفا و المروة (2).

و في نص آخر: أنه كان يقبل الحجر بالمحجن (3).


1) الكافي ج 4 ص 430 و راجع: مجمع الفائدة ج 7 ص 100 و الحدائق الناضرة ج 16 ص 129 و مستند الشيعة ج 12 ص 83 و الكافي ج 4 ص 429 و الوسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 441 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 492 و البحار ج 21 ص 402 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 315 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 197 و ج 6 ص 596 و ج 8 ص 394 و منتقى الجمان ج 3 ص 313.

2) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 442 و ج 13 ص 497 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 492 و 533 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 402 و الحدائق الناضرة 16 ص 129 و 270 و مستند الشيعة ج 12 ص 70 و جواهر الكلام ج 19 ص 289 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 420 و 450 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 315 و الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 76.

3) وسائل الشيعة ج 9 ص 492 عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 402 و الحدائق الناضرة ج 16 ص 129 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 307.

سؤال. . و جوابه:

غير أن من الواضح: أن الأفضل هو الطواف و السعي ماشيا.

فعن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : سألته عن الرجل يسعى بين الصفا و المروة راكبا؟ !

قال: لا بأس، و المشي أفضل (1).

و نحن نعلم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: ابن سمية (أو عمار) ما عرض عليه أمران قط إلا اختار الأرشد منهما (أو أرشدهما) (2)فإن كان هذا حال عمار فكيف بالنبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

فركوبه «صلى اللّه عليه و آله» على الناقة مع كون المشي أفضل لا بد له من سبب موجب.

و قد وجدنا بعض النصوص المتقدمة عن ابن عباس تصرح: بأن السبب في ذلك هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قدم مكة يشتكي.

و رواية عائشة المتقدمة تقول: إنه طاف راكبا كراهة أن يضرب عنه الناس.

غير أننا نعلم: أن المقصود إن كان هو إضرب الناس عن استلام الركن لو لم يستلمه بالمحجن، فيكفي لتلافي هذه السلبية أن يصدر لهم أمره


1) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 496 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 532 عن التهذيب ج 5 ص 155 و الكافي ج 4 ص 437 و راجع: المقنعة ص 71 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 416 و مستند الشيعة ج 12 ص 171.

2) راجع المصادر في الهوامش المتقدمة.

باستلامه، و أن يبادر هو إلى استلامه حين يطوف ماشيا بعد ذلك. .

و إن كان المقصود هو أن الناس حين يطوفون مشاة يزدحمون على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فيضربون ليتفرقوا عنه، فالجواب هو: أن أحدا لم يكن ليتجرأ على ضرب أحد بمحضر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان يكفي أن يأمر الناس بأمره ليلتزموا به، خصوصا إذا كان ذلك بمحضره. .

فقول ابن عباس: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يشتكي هو الأولى و الأقرب، إن لم نقل: إنه الأصح و الأصوب.

متى طاف راكبا؟ ! :

و ملاحظة النصوص المختلفة تعطي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يطف راكبا، بل طاف ماشيا و استلم الحجر، و سجد عليه، و مسحه بيده و مسح بها وجهه إلى آخر ما تقدم و لكن ذلك لا يمنع من أن يكون قد طاف راكبا كما ورد في عمرة القضاء، و ربما تكرر ذلك منه، في عمرة له في بعض طوافاته الأخرى التي طافها في حجة الوداع، و منها: طواف الحج و طواف النساء، و ربما العديد من الطوافات المستحبة. . حيث كان مرضه يمنعه من الطواف ماشيا.

إنك حجر لا تضر و لا تنفع:

و قد رووا: أن عمر بن الخطاب استند في تقبيله الحجر الأسود إلى فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقالوا: لما دخل عمر المطاف قام عند الحجر، فقال: إني لأعلم أنك حجر لا تضر و لا تنفع، و لو لا أني رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبلك ما قبلتك.

فقال له علي «عليه السلام» : بلى يا أمير المؤمنين هو يضر و ينفع.

قال: و لم؟ !

قلت: ذاك بكتاب اللّه.

قال: و أين من كتاب اللّه؟ !

قلت: قال اللّه تعالى: وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ. . (1)الآية. و كتب ذلك في رق. . فألقمه ذلك الرق، و جعله في هذا الموضع.

فقال عمر: أعوذ باللّه أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن (2).

و كلام عمر عن أنه يعلم أنه حجر لا يضر و لا ينفع، و لو لم ير رسول


1) الآية 172 من سورة الأعراف.

2) راجع: الإحسان بتقريب صحيح ابن حبان ج 9 ص 130 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 100 و كنز العمال ج 5 ص 177 و التبرك ص 382 عن المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 1 ص 188 و الوسائل ج 9 ص 406 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 148 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 457 و تلخيص الذهبي (بهامش المستدرك) ، و البحار ج 99 ص 216 و ما بعدها، و ص 228 و فتح الباري ج 3 ص 370 و الدر المنثور ج 3 ص 144 عن فضائل مكة، و المطولات، و الحاكم، و البيهقي، و شعب الإيمان، و ابن الجوزي في سيرة عمر ص 106 و الأزرقي في تاريخ مكة، و إرشاد الساري للقسطلاني ج 3 ص 195 و عمدة القاري ج 4 ص 606 و الجامع الكبير للسيوطي كما في ترتيبه ج 3 ص 35 و ابن أبي الحديد ج 3 ص 122 و الفتوحات الإسلامية لدحلان ج 2 ص 486 و شرح السيوطي للنسائي (في هامشه) ج 5 ص 228 و كنز العمال ج 5 ص 93 و الغدير ج 6 ص 103 عن الحاكم، و عن مصادر جمة.

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقبله لما قبله مذكور في مصادر كثيرة فراجع (1).

و لعل هذا الموقف العمري، بالإضافة إلى أمره بقطع الشجرة التي كانت بيعة الرضوان تحتها، و كان المسلمون يقصدونها للتبرك بها و الصلاة عندها، و توعد من يعود للصلاة عندها بالقتل (2)، هما الأصل في النزعة التي ظهرت في المسلمين، و التي تقضي بالمنع من التبرك بآثار الأنبياء و الصالحين.

لماذا هذا الموقف من عمر؟ ! :

و الذي نظنه: أن عمر بن الخطاب أراد أن يظهر شدة رفضه لعبادة الأصنام بهذه الطريقة و أنه يمتاز عن غيره بهذا التشدد في كل ما يشير إلى


1) التبرك للعلامة الأحمدي «رحمه اللّه» ص 382 و 381 عن المصادر التالية: السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 74 و صحيح مسلم ج 2 ص 925 و 926 و النسائي ج 5 ص 227 و الترمذي ج 3 ص 214 و مسند أحمد ج 1 ص 16 و 21 و 26 و 34 و 35 و 36 و 39 و 46 و 51 و 53 و 54 و البخاري ج 2 ص 183 و 185 و 186 و البداية و النهاية ج 5 ص 153 و 154 بأسانيد متعددة، و فتح الباري ج 3 ص 369 بأسانيد متعددة عن عابس و غيره، و كنز العمال ج 5 ص 91 و 92 و الموطأ ج 1 ص 334 و أبي داود ج 2 ص 175 و ابن ماجة ج 2 ص 981 و الدارمي ج 2 ص 53 و منحة المعبود ج 1 ص 215 و 216.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 101 و ج 1 ص 178 و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 100 و تاريخ عمر بن الخطاب لابن الحوزي ص 115 و عمدة القاري ج 17 ص 220 و الدر المنثور ج 6 ص 73 و فتح القدير ج 5 ص 52 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 50 و عن فتح الباري ج 7 ص 448 و عن إرشاد الساري ج 9 ص 231 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 25 و المصنف لابن أبي شيبة ج 2 ص 269.

تقديس الأحجار، حتى لو كان هو الحجر الأسود. فهو مغرق في التوحيد، حتى إنه ليتجاوز فيه و يفوق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه.

عمر يخطّئ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و لكن إغراق عمر في التوحيد و الإنقطاع إلى اللّه، يتضمن التعريض بغيره، و الإتهام لهم بمن فيهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بأنهم مقصرون في هذا الأمر، بل إن شائبة عبادة الأحجار و الأوثان لا تزال تظهر فيهم. .

نعم. . لقد تضمن كلام عمر عن الحجر الأسود، و أنه لا يضر و لا ينفع تسفيها لفعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إفراغا له من محتواه، بل فيه اتهام للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في دينه، و في صحة توحيده، فإنه و من معه لا يقدسون حجرا هو الحجر الأسود و حسب، بل يرونه معبودا و لذلك قال له عمر: إني لأعلم أنك حجر-المشعر بأن غيره لا يراه حجرا. . لأنه يرى له من القدر ما يرفعه عن مستوى الحجرية، و يجعله و ثنا يعبد.

بل إن قوله: إنه يعلم أنه حجر لا يضر و لا ينفع، و لو لا التأسي برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما قبله. يثير سؤالا عن حكمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و سلامة عقله، و صحة تصرفاته، إذ لا جدوى من تقبيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» لحجر لا يضر و لا ينفع.

على أنه إما قبّله بأمر من اللّه، أو من عند نفسه، فإن كان بأمر من اللّه، فهل يأمر اللّه تعالى بشىء عبثي؟ ! و إن كان من عند نفسه فذلك يمثل طعنا في رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . كما هو واضح. .

التبرك في أجلى مظاهره:

إن تقبيل المحجن و تقبيل اليد بعد استلام الحجر أو الركن بهما، و كذلك وضع اليد على الحجر، ثم مسح الوجه بها، لهو من أجلى مظاهر التبرك، و أقواها دلالة، إذ هو لا يتبرك بملامسة الشيء المبارك، بل يتبرك بما لامسه أيضا، و لو كان محجنا.

سجود النبي صلّى اللّه عليه و آله على الحجر:

و يذكرنا سجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الحجر بما يرمى به الشيعة من قبل أهل السنة، حين يرونهم يسجدون على التربة الحسينية و يقبلونها، فيتهمونهم بأنهم يعبدون الحجر.

و ليت شعري هل يتهم هؤلاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا بأنه يعبد الحجر، لأنه يسجد على الحجر الأسود و يقبله؟ ! .

و هل يمكن أن يقال: إن أهل السنة قد أخذوا هذه التهمة من عمر بن الخطاب حين لّمح في كلامه إلى أن الذين يقبلون الحجر، و يسجدون عليه إنما يقبلون حجرا لا يضر و لا ينفع، فهو بمثابة الوثن الذي يعبد؟ !

فإن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الصحابة لا يعبدون الحجر الأسود حين يسجدون عليه و يقبلونه، فلماذا يعتبرون الشيعة عبّاد أحجار، و لماذا لا يقلعون عن اتهامهم في دينهم، و عن مضايقتهم، و توجيه أنواع الأذى و التجريح إليهم؟ ! .

الصلاة خلف مقام إبراهيم:

و قد صلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» خلف مقام إبراهيم، و قد قال تعالى: وَ اِتَّخِذُوا مِنْ مَقٰامِ إِبْرٰاهِيمَ مُصَلًّى (1)، و مقام إبراهيم هو الموضع الذي في الأصل حجر أو صخرة كان يقف عليها إبراهيم و إسماعيل لما بنيا البيت، و كان ملصقا بالكعبة أعزها اللّه تعالى، و لكن العرب بعد إبراهيم و إسماعيل أخرجوه إلى مكانه اليوم.

و لما بعث اللّه محمدا «صلى اللّه عليه و آله» ، و فتح اللّه له ألصقه بالبيت كما كان على عهد أبويه إبراهيم و إسماعيل. .

فلما ولي عمر أخره إلى موضعه اليوم، و كان على عهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبي بكر ملصقا بالبيت (2).

فما هذا الولع في العودة إلى رسوم الجاهلية، كما هي الحال هنا و في رجوعهم في التاريخ الهجري إلى جعل شهر محرم هو أول السنة، كما كان في الجاهلية، بدلا من شهر ربيع الأول، و كما في المنع من العمرة في أشهر الحج كما كانوا في الجاهلية. . و كما في منعهم من زواج المتعة، الذي لم يكن في الجاهلية. . و. . و. .


1) الآية 125 من سورة البقرة.

2) راجع: النص و الإجتهاد ص 278 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 284 و تاريخ الخلفاء ص 137 و الوسائل ج 9 ص 479 و عن شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 113 و عن تاريخ عمر بن الخطاب لابن الجوزي ص 60 و عن حياة الحيوان مادة: الديك. و الكافي ج 8 ص 58-63 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 55 باب 9 حديث 7 و 8 و 9 و 10 و مقدمة مرآة العقول ج 2 ص 128.

ثم إنهم يرمون الناس كلهم بالشرك، و يكفرونهم لمجرد تقبيلهم قبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أو سجودهم على تربة الحسين «عليه السلام» مع مبالغتهم في إظهار شدة تعلقهم بالتوحيد، حتى ليخيل للناظر أنهم يكادون يرمون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالوثنية، لأنه قبّل الحجر الأسود و استلم الأركان. . فما هذه المفارقات في تصرفاتهم و في مواقفهم؟ !

بكاء النبي صلّى اللّه عليه و آله حين استلام الحجر:

و عن بكاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين استلام الحجر الأسود نقول:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يبك خوفا من عقوبة على ذنب اقترفه، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» نبي معصوم عن الخطأ، مبرأ من الزلل. .

و لكنه بكاء الشوق إلى اللّه تعالى، و الفرح بالوفاء بالميثاق، و بمصافحة أول ملك من الملائكة أقر بالميثاق. فأودعه اللّه تعالى مواثيق الخلائق (1). .

بل في بعض الروايات عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: الحجر يمين اللّه، فمن شاء صافحه لها (2).

قال المجلسي: «و هذا القول مجاز، و المراد: أن الحجر جهة من جهات القرب إلى اللّه تعالى، فمن استلمه و باشره قرب من طاعته تعالى، فكان


1) البحار ج 96 صباب فضل الحجر، و علة استلامه و راجع: من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 192 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 318 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 404 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 31 و ج 11 ص 305 و 306.

2) المجازات النبوية ص 44 و البحار ج 96 ص 228.

كاللاصق بها، و المباشر لها. .» (1).

ابن أم مكتوم آخذ بزمام الناقة:

و لا نستطيع أن نؤيد صحة الخبر الذي يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد طاف على ناقته، و ابن أم مكتوم آخذ بخطامها يرتجز (2). . لأن ابن أم مكتوم كان أعمى، و قد يرتبك الأعمى في طوافه حول البيت وحده، و من دون مرشد و دليل، فكيف يتولى هداية ناقة غيره أيضا في الطواف؟ ! .

طواف الوداع:

و قد مرت في النصوص المتقدمة الإشارة إلى طواف الوداع، الذي يكون بعد طواف الفرض.

و نقول:

إن طواف الوداع فيما يبدو لنا: هو في الأصل طواف النساء، و لكنهم بدلوا حقيقته، فلم يعد مجزيا عن طواف النساء الواجب، لعدم توفر النية الصحيحة فيه، فيا ليتهم تركوا هذا الحكم، و أراحوا أنفسهم من السؤال عنه، أو المحاسبة عليه يوم القيامة. .


1) البحار ج 96 ص 228.

2) البحار ج 96 ص 228 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 634 و مجمع الزوائد ج 3 ص 244 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 462.

إنكار تقبيل الركن اليماني:

و قد أنكر ابن القيم تقبيل النبي «صلى اللّه عليه و آله» الركن اليماني، رغم صراحة الروايات في أنه قبّله و وضع خده عليه.

و ادّعى: أن المراد بقول ابن عباس: كان «صلى اللّه عليه و آله» يقبل الركن اليماني و يضع خده عليه هو ركن الحجر الأسود، لأنه يماني أيضا، و لذلك يقال له، و للركن اليماني: يمانيان.

و هو تأويل بارد، عار من القرينة و الشاهد. .

بل ربما يقال: إنه لا يصح إطلاق كلمة «الركن اليماني» على ركن الحجر الأسود، إذ لعل إطلاق اليماني على ركن الحجر الأسود قد جاء على سبيل التغليب كقولك: العمرين، و الحسنين، و القمرين، و نحو ذلك.

و لكن لا يصح إطلاق هذا الوصف على الطرف الآخر مع إفراده، فأبو بكر لا يقال له: عمر، و الشمس لا يقال لها: قمر، و الحسين «عليه السلام» لا يقال له: حسن هكذا.

و لو سلمنا أنه كان يطلق عليهما ذلك، فإن إرادة الحجر من كلمة الركن اليماني، تحتاج إلى قرينة و شاهد، و أما مع الإطلاق، فالمتبادر هو خصوص الركن اليماني المقابل للحجر، دون سواه. .

عمر رجل قوي لا يزاحم:

و عن قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعمر: «إنك رجل قوي لا تزاحم» ، نقول:

إنه لا شك في حرمة أذى الناس، سواء جاء هذا الأذى من القوي، أو

من الضعيف، و لا بد من تجنب أذى الناس و هو أمر ممكن و واقع من القوي و من الضعيف على حد سواء. .

و لم نسمع أن قويا آذى أحدا في الزحام و عفي من المؤاخذة و العقوبة، إلا إذا صدر عنه بلا اختيار. . و لم نسمع أحدا اعتذر في مقام الدفاع عن نفسه أمام القاضي في المحاكم بأنه «قوي» ، كما لم نسمع أن القاضي احتمل في حقه ذلك ليجعله سببا في تخفيف العقوبة، أو شبهة توجب درء الحد عنه. .

و كل ذلك يدلنا على أن عمر بن الخطاب حين كان يؤذي الناس في الزحام، لم يكن له عذر في ذلك، بل السبب في صدور هذا الأذى منه أنه لم يكن يهتم لراحة الناس، بل كان يستفيد من قوته و شدته للحصول على ما يريد. . و من كان كذلك، هل يكون للرعية كالوالد الرحيم، ليصح أن يتولى أمرهم؟ ! .

الرمل في الطواف:

و عن الرمل في الطواف نقول:

إن ذلك لا يصح، و إنما كان الرمل في عمرة القضاء، فقد روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» مر في عمرة القضاء بنفر من أصحابه جلوس في فناء الكعبة فقال: «هو ذا قومكم على رؤوس الجبال، لا يرونكم، فيروا فيكم ضعفا» .

قال: فقاموا فشدوا أزرهم، و شدوا أيديهم على أوساطهم فرملوا (1).


1) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 352 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 428 عن علل الشرائع ص 143 و (ط أخرى) ج 2 ص 412 و الحدائق الناضرة ج 16 ص 127 و جواهر الكلام ج 19 ص 351 و البحار ج 96 ص 195 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 316.

و في نص آخر عن أبي جعفر «عليه السلام» : «أمر الناس أن يتجلدوا، و قال: أخرجوا أعضادكم، و أخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عضده، ثم رمل بالبيت ليريهم أنه لم يصبهم جهد، فمن أجل ذلك يرمل الناس، و إني لأمشي مشيا، و قد كان علي بن الحسين «عليه السلام» يمشي مشيا» (1).

زاد في نص آخر عن ابن عباس قوله: «و رملوا بالبيت ثلاثة أشواط، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ناقته، و عبد اللّه بن رواحة آخذ بزمامها، و المشركون بحيال الميزاب، ينظرون إليهم، ثم خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد ذلك، فلم يرمل، و لم يأمرهم بذلك» (2).

و قد تحدثنا عن هذا الأمر في عمرة القضاء، في هذا الكتاب، فراجع. .

سعى راكبا:

عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 352 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 428 و علل الشرايع ج 2 ص 412 و كشف اللثام (ط. ج) ج 5 ص 466 و (ط. ق) ج 1 ص 342 و رياض المسائل ج 7 ص 40 و جواهر الكلام ج 19 ص 351.

2) الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 429 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 353 عن نوادر أحمد، و راجع فقه الرضا (ط حجرية) ص 73 و الحدائق الناضرة ج 16 ص 128 و رياض المسائل ج 7 ص 41 و جواهر الكلام ج 19 ص 351 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 395 و البحار ج 96 ص 353 و جامع أحاديث الشيعة ج 11 ص 317.

و آله» طاف في حجة الوداع على راحلته بالبيت، و بين الصفا و المروة ليراه الناس.

و بكونه سعى راكبا جزم ابن حزم (1).

و ظاهر الأحاديث عن جابر و غيره، يقتضي: أنه مشى، خصوصا قوله: فلما انصبت قدماه في الوادي رمل حتى إذا صعد مشى.

و جزم ابن حزم: بأن الراكب إذا انصب به بعيره فقد انصب كله، و انصبت قدماه أيضا مع سائر جسده.

قال ابن كثير: و هذا بعيد جدا (2).

و في الجمع بينهما وجه أحسن من هذا، و هو: أنه سعى ماشيا أولا، ثم أتم سعيه راكبا، و قد جاء ذلك مصرحا به، ففي صحيح مسلم، عن أبي الطفيل، قال: قلت لابن عباس: أخبرني عن الطواف بين الصفا و المروة راكبا، أسنة هو؟ فإن قومك يزعمون أنه سنة.

قال: «صدقوا و كذبوا» .

قال: قلت: ما قولك صدقوا و كذبوا؟ !

قال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كثر عليه الناس يقولون: هذا محمد، حتى خرج عليه العواتق من البيوت، قال: و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يضرب الناس بين يديه، قال: فلما كثر عليه الناس ركب،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 465 عن أحمد، و مسلم، و النسائي، و ابن كثير، و ابن القيم، و ابن حزم و غيرها من المصادر التي مرت.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 465.

و المشي أفضل (1).

و عن قدامة بن عمار قال: «رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يسعى بين الصفا و المروة على بعير، لا ضرب، و لا طرد، و لا إليك إليك» (2).

قلت: «و في حديث يعلى بن أمية: أنه رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مضطجعا بين الصفا و المروة ببرد له نجراني» (3).


1) سبل الهدى الرشاد ج 8 ص 465 عن ابن كثير، و ابن حزم، و راجع: بداية المجتهد لابن رشد الحفيد ج 1 ص 273 و نيل الأوطار ج 5 ص 122 و 123 و مسند أحمد ج 1 ص 229 و 297 و 311 و 312 و 369 و 373 و صحيح مسلم ج 4 ص 64 و 65 و سنن أبي داود ج 1 ص 421 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 82 و 100 و 154 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 11 و الديباج على مسلم ج 3 ص 348 و مسند أبي داود الطيالسي ص 351 و مسند الحميدي ج 1 ص 237 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 215 و 240 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 180 و أمالي المحاملي ص 82 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 119 و 154 و المعجم الكبير ج 10 ص 267 و 268 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 193 و التمهيد لابن عبد البر ج 2 ص 70 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 119 و 125 و فيض القدير ج 1 ص 74 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 95 و 120 و تهذيب الكمال ج 34 ص 9 و 10 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 463 و البداية و النهاية ج 4 ص 264 و ج 5 ص 180 و 181.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 466 و البيهقي ج 5 ص 101 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 330 و البداية و النهاية ج 5 ص 183.

3) مسند أحمد ج 4 ص 223 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 465 عنه، و البداية و النهاية ج 5 ص 178 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 319.

يرى بياض فخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت: «رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يطوف بين الصفا و المروة، و الناس بين يديه و هو وراءهم، و هو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، يدور به إزاره و هو يقول: «اسمعوا فإن اللّه عز و جل كتب عليكم السعي» .

و في الكبير قال: «و لقد رأيته من شدة السعي يدور الإزار حول بطنه و فخذيه حتى رأيت بياض فخذيه» (1).

و نقول:

إن لنا مع هذه الأقاويل وقفات عديدة، هي التالية:

الإضطباع: حكمه، و معناه:

إضطبع الرجل: أبدى أحد ضبعيه، و اضطبع المحرم بثوبه، أدخل الرداء تحت إبطه الأيمن، و غطى به الأيسر. .

و روايات أهل البيت «عليهم السلام» لم تشر إلى الإضطباع بشيء، بل تكتفي بالأمر بلبس الإزار و الرداء، و لا تشير إلى لزوم كيفية بعينها، فلا بد من حملها على لبسهما على النحو المتعارف، و هو أن يأتزر بأحد الثوبين، و يرتدي بالآخر بوضعه على الكتفين.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 466 عن أحمد و الطبراني، و في هامشه عن أحمد ج 6 ص 421 و مجمع الزوائد ج 3 ص 147 و راجع: المعجم الكبير للطبراني ج 24 ص 227.

و أما حديث علي بن أمية أنه رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» مضطبعا بأحد ثوبيه، فإن كان له نصيب من الصحة، فربما يكون رداء الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد اختل بسبب الهواء، أو الزحام، فرآه يعلى في تلك الحال، قبل أن يصلحه «صلى اللّه عليه و آله» . .

رأى بياض فخذي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله! ! :

و إذا كانوا يروون عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن الفخذ من العورة التي لا يجوز إظهارها، فإن ذلك يقتضي عدم جواز تشريع ما يوجب انكشافها من الأساس. .

و احتمال أن يكون التشريع لا يوجب ذلك، و إنما اتفق ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لسبب ما. . لا مجال لقبوله، لأن ذلك لا بد أن يدخل في سياق التهاون و التقصير في رعاية الأحكام، و هذا ممنوع على النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» . . و بدون ذلك، فإن اللّه تعالى لا بد أن يسدد نبيه و يحفظه من أن يظهر منه ما يخل بمقامه، و لا سيما العورة التي يأنف كل أحد من أن يراها أي كان من الناس، حتى و لو بالرغم عنه. .

و قد تقدم لنا كلام حول هذا الموضع حين الحديث عن نقل الحجارة لبناء الكعبة في الجزء الثاني من هذا الكتاب، فراجع. .

قدوم علي عليه السّلام من اليمن:

قالوا: و سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل يوم التروية بيوم، فقلنا غدا إن شاء اللّه تعالى بالخيف، حيث استقسم المشركون، ثم سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -و الناس معه-حتى نزل الأبطح شرقي

مكة، في قبة حمراء من أدم، ضربت له هناك.

و هناك-كما قال ابن كثير-: قدم علي من اليمن ببدن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محرشا لفاطمة.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «صدقت» ثلاثا، «أنا أمرتها يا علي بم أهللت» ؟

قال: قلت: اللهم إني أهلّ بما أهلّ به رسولك. قال: و معي هدي.

قال: «فلا تحل» ، فكان جملة الهدي الذي قدم به علي من اليمن و الذي ساقه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المدينة مائة بدنة (1).

و نقول:

لاحظ ما يلي:

تحريش علي لفاطمة عليهما السّلام:

قد تقدم في روايات أهل البيت «عليهم السلام» : أن عليا «عليه السلام» قدم من اليمن فوجد فاطمة «عليها السلام» قد أحلت، فذهب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مستفتيا.

فتغيرت كلمة مستفتيا عند مناوئي أهل البيت «عليهم السلام» ، فصارت: «محرشا» لتدل على: أن فاطمة «عليها السلام» لم تكن مأمونة في دينها بنظر علي «عليه السلام» ، أو أن عليا «عليه السلام» نفسه كان ذا طبيعة عدوانية، و استفزازية. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 467.

الإجمال في النية:

لقد دلت نية علي «عليه السلام» و هي: أهللت بما أهل به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، صحة الإجمال في النية، حين يكون المنوي محددا في الواقع، و إن لم يعلم الناوي تفصيله، و حدوده و خصوصياته حين إنشائه للنية.

فنية النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت محددة واقعا، فيكفي أن يقصد علي «عليه السلام» ما قصده النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ لا ترديد في النية و لا في المنوي بحسب الواقع. .

الكلب و الحمار و المرأة:

و كان «صلى اللّه عليه و آله» يصلي مدة مقامه هنا إلى يوم التروية بمنزله الذي هو نازل فيه بالمسلمين بظاهر مكة، فأقام بظاهر مكة أربعة أيام يقصر الصلاة: الأحد، و الإثنين، و الثلاثاء، و الأربعاء.

و لم يعد إلى الكعبة، كما في الصحيح عن ابن عباس.

و في حديث أبي جحيفة: أنه أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالأبطح و هو في قبة له حمراء، فخرج بلال بفضل وضوئه، فمن ناضح و من نائل.

قال: فأذن بلال، فكنت أتتبع فاه هاهنا و ها هنا، يعني يمينا و شمالا، ثم خرج بلال بالعنزة بين يديه، فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عليه حلة حمراء، فكأني أنظر إلى بريق ساقيه، فصلى بنا الظهر و العصر، ركعتين ركعتين، تمرّ المرأة، و الكلب، و الحمار من وراء العنزة.

فقام الناس، فجعلوا يأخذون بيده فيمسحون بها وجوههم.

قال: فأخذت يديه فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج، و أطيب ريحا من المسك (1).

و نقول:

1-لقد تحدثنا فيما سبق عن عدم صحة قولهم: لا يقطع الصلاة إلا الكلب، و الحمار، و المرأة. . و أن في هذا الكلام إساءة إلى الدين، و تكذيب لآياته، و إبطال لمناهجه، فإنه لا يصح مساواة المرأة بالكلب و الحمار، و قد قال اللّه تعالى في كتابه: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ (2)، بلا فرق في ذلك بين المرأة و الرجل. .

و قد كانت الزهراء «عليها السلام» بعد أبيها و بعلها أفضل الخلق. و أكرمهم على اللّه تبارك و تعالى.

2-على أننا لا ندري لماذا انحصر قطع الصلاة بالكلب و الحمار دون سائر البهائم، فلم يقطعها مرور الخنزير، أو الفرس، أو أي حيوان آخر؟ !

3-و قد تحدثنا عن تبرك الصحابة بآثار نبيهم الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» أكثر من مرة فلا نعيد.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 467 و 468 عن أحمد، و البخاري و مسلم، و راجع: مسند أحمد ج 4 ص 308 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 326 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 1 ص 119 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 450 و البداية و النهاية ج 5 ص 186 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 336.

2) الآية 6 من سورة الحجرات.

الفصل الخامس: حج النبي صلّى اللّه عليه و آله برواية أهل السنة

اشارة

النبي صلّى اللّه عليه و آله في عرفات:
اشارة

قال ابن سعد: فوقف بالهضبات من عرفات و قال: «كل عرفة موقف إلا بطن عرنة» (1). أي بالنون.

قال ابن تيمية: بطن عرنة واد من حدود عرفة.

فخطب الناس قبل الصلاة على راحلته خطبة عظيمة.

و هو قائم في الركابين-كما عند أبي داود-عن العداء بن خالد (2).

و نص الخطبة بعد الحمد للّه، و الثناء عليه:

«أيها الناس، إن دماءكم و أموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. و إنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، و قد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليردها لمن ائتمنه عليها.

ألا إن كل شيء من أمر الجاهلية موضوع تحت قدمي، و إن أول دمائكم أضع. و في رواية: و إن أول دم أضع من دمائنا دم ربيعة.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 468 عن أبي داود ج 2 ص 189(1917) و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 173 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 113.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 468 عن أبي داود ج 2 ص 189(1917) .

(و في رواية: دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعا في بني سعد بن بكر، فقتلته هذيل (1).

و عند ابن إسحاق، و النسائي، في بني ليث، فقتلته هذيل) . فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية، و إن كل ربا موضوع، فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوٰالِكُمْ لاٰ تَظْلِمُونَ وَ لاٰ تُظْلَمُونَ (2)، قضى اللّه أنه لا ربا، و إن أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله.

أما بعد أيها الناس، الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، و لكنه إن يطمع فيما سوى ذلك، فقد رضي بما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.

أيها الناس، إنّ اَلنَّسِيءُ زِيٰادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عٰاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عٰاماً لِيُوٰاطِؤُا عِدَّةَ مٰا حَرَّمَ اَللّٰهُ فَيُحِلُّوا مٰا حَرَّمَ اَللّٰهُ (3)و يحرموا ما أحل اللّه، و إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات و الأرض، السنة اثنا عشر شهرا، و في رواية: إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللّٰهِ اِثْنٰا عَشَرَ شَهْراً ، مِنْهٰا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ (4)، ثلاثة متوالية: ذي القعدة، و ذي الحجة، و المحرم، و رجب مضر، الذي بين جمادى و شعبان.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 468 و 469 و في هامشه عن: مسلم ج 2 ص 886- 892(147/1218) و أبي داود ج 2 ص 185(1905) و ابن ماجة ج 2 ص 1025(3074) .

2) الآية 36 من سورة التوبة.

3) الآية 279 من سورة البقرة.

4) الآية 36 من سورة التوبة.

«أما بعد. . أيها الناس، اتقوا اللّه، و استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهم شيئا، و إنكم إنما أخذتموهن بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهن بكلمة اللّه» . و في رواية: «بكتاب اللّه» .

و لكم عليهن حق، و لهن عليكم حق، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، و عليهن ألا يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن اللّه قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع، و تضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن عليكم رزقهن و كسوتهن بالمعروف.

فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلغت، و قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي أبدا-إن اعتصمتم به-أمرين، (و في رواية: أمرا بينا) كتاب اللّه عز و جل، و سنة نبيه «صلى اللّه عليه و آله» .

أيها الناس، اسمعوا قولي و اعقلوه، تعلمنّ أن كل مسلم أخ لمسلم.

و في رواية: أخو المسلم، و أن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، فلا تظلمن أنفسكم.

و اعلموا أن القلوب لا تغل على ثلاث: إخلاص العمل للّه عز و جل، و مناصحة أولي الأمر، و على لزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم.

و من تكن الدنيا نيته يجعل اللّه فقره بين عينيه، و يشتت عليه ضيعته، و لا يأتيه منها إلا ما كتب له، و من تكن الآخرة نيته يجعل اللّه غناه في قلبه، و يكفيه ضيعته، و تأتيه الدنيا و هي راغمة.

فرحم اللّه امرأ سمع مقالتي حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه و ليس بفقيه، و رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. أرقاءكم، أرقاءكم، أطعموهم

مما تأكلون، و اكسوهم مما تلبسون، فإن جاء بذنب لا تريدون أن تغفروه فبيعوا عباد اللّه، و لا تعذبوهم، أوصيكم بالجار (حتى أكثر، فقلنا: إنه سيورثه) .

أيها الناس، إن اللّه قد أدى لكل ذي حق حقه، و إنه لا يجوز وصية لوارث، و الولد للفراش، و للعاهر الحجر، و من ادّعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة اللّه، و الملائكة، و الناس أجمعين، لا يقبل اللّه منه صرفا و لا عدلا.

العارية مؤداة، و النحلة مردودة، و الدين مقضي، و الزعيم غارم.

أما بعد. . فإن أهل الشرك و الأوثان كانوا يدفعون من هاهنا عند غروب الشمس، حتى تكون الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. هدينا مخالف هديهم، و كانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس على رؤوس الجبال مثل عمائم الرجال على رؤوسها. و يقولون: أشرق ثبير، كيما نغير، فأخر اللّه هذه و قدم هذه. (يعني: قدم المزدلفة قبل طلوع الشمس، و أخر عرفة إلى أن تغيب الشمس) ، و إنّا لا ندفع من عرفة حتى تغيب الشمس، و ندفع من المزدلفة حتى تطلع الشمس، و هدينا مخالف لهدي الأوثان و الشرك» (1).

و في حديث المسور بن مخرمة قال: خطبنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعرفات، فحمد اللّه و أثنى عليه، ثم قال:

«أما بعد. . أهل الشرك و الأوثان كانوا يدفعون من هذا الموضع إذا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 468 و 469 و 470 عن ابن إسحاق و النسائي.

كانت الشمس على رؤوس الجبال، كأنها عمائم الرجال في وجوهها، و إنّا ندفع بعد أن تغيب، و كانوا يدفعون من المشعر الحرام إذا كانت الشمس منبسطة» (1).

«و أنتم تسألون عني فما أنتم قائلون» ؟

قالوا: نشهد أنك بلغت، و أديت، و نصحت، فقال بإصبعه السبابة، يرفعها إلى السماء و ينكتها على الناس: «اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد» . ثلاث مرات.

و عن ابن عباس: «أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خطب بعرفات، فلما قال: «لبيك اللهم لبيك، قال: إنما الخير خير الآخرة» .

و نقول:

قد تضمنت هذه الخطبة العظيمة أمورا هامة لا مجال للإفاضة في الحديث عنها، فآثرنا أن نقتصر منها على ثلاثة أمور، نعرضها للقارئ الكريم باختصار هنا، و بتفصيل بعد انتهاء الحديث عن حج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و هي التالية:

الأول: قريش في مواجهة الرسول صلّى اللّه عليه و آله:

إنها تعرضت لموضوع الإمامة بشكل أساسي، فواجهت قريش و أعوانها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالسوء و الأذى و الإهانة و الغوغائية. . و سنشرح ذلك بالتفصيل إن شاء اللّه حين نتعرض له، في باب


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 470 عن الطبراني في الكبير ج 20 ص 24.

«الغدير و الإمامة» .

الثاني: لبيك اللهم لبيك:

قد يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد لبى في آخر الخطبة المذكورة آنفا، مع أن الحاج يقطع التلبية في عرفة.

و يجاب: بأن قطع الحاج للتلبية في عرفة إنما هو عند زوال الشمس. .

و قد صرح النص المتقدم: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خطب هذه الخطبة قبل الصلاة، و هذا معناه: أن تلبيته المشار إليها في آخر الخطبة قد حصلت مع الزوال أو قبله بلحظات. .

الثالث: تحريف خطبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

إن التدقيق في نصوص الخطبة المشار إليها، و في النصوص التي وردت في سائر الآثار بالأسانيد الصحيحة و الصريحة يفيد أن هذه الخطبة قد تعرضت-فيما يظهر-للتحريف من ناحيتين:

إحداهما: قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «قد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدي أبدا، إن اعتصمتم به» ، أمرين: كتاب اللّه عز و جل، و سنة نبيه.

فإن الرواية الصحيحة في حديث الثقلين هي قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي» .

و لكنها بدلت و غيرت من قبل مناوئي العترة، ظنا منهم أن ذلك يجدي في تقوية موقفهم مقابل أهل بيت النبوة عليهم الصلاة و السلام.

على أننا نقول:

أولا: قد ذكرنا في بعض فصول هذا الكتاب: أن حديث «و سنتي» لا

يتنافى مع حديث «و عترتي» ، بل منسجم معه تمام الإنسجام حيث يدلان معا على أن السنة التي تركها «صلى اللّه عليه و آله» ، لا بد أن تؤخذ من العترة دون غيرهم، لأن العترة هم المأمونون على سنته أكثر من كل أحد سواهم كما أظهرته الوقائع. .

ثانيا: إن نفس هذا الذي اختار إيراد الخطبة المحرفة التي قالت: «و سنتي» بدل و عترتي. . و لم يشر لا من قريب و لا من بعيد إلى الروايات الصحيحة. .

إنه هو نفسه قد عاد فذكر الرواية الصحيحة في موضع آخر من كتابه، فأوجب هذا الفصل بين الروايتين صعوبة التنبه و الجمع بينهما على القارئ العادي، بل قد لا يخطر في باله: أن ثمة رواية أخرى على الإطلاق، و الرواية الصحيحة أو الأصح هي التالية:

روى الترمذي و حسنه، عن جابر بن عبد اللّه، قال: رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع يوم عرفة، و هو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول: إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب اللّه، و عترتي أهل بيتي (1).


1) راجع: ينابيع المودة ج 1 ص 99 و 109 و 125 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 6 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 327 و امتاع الأسماع ج 6 ص 4 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 123 و المعجم الأوسط ج 5 ص 89 و المعجم الكبير ج 3 ص 66 و نظم درر السمطين ص 232 و الغيبة للنعماني ص 50 و المحتضر ص 199 و البحار ج 23 ص 129 و ج 89 ص 102 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 196 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 232 و خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 105 و 124 و 198 و 234 و 251 و 255 و كنز العمال ج 1 ص 48(ط أولى) و نوادر الأصول ص 68 و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 10 ص 51 و تحفة الأشراف ج 2 ص 278 و جامع الأصول ج 1 ص 277 و مشكاة المصابيح ج 3 ص 258.

الثانية: إنه قد حذف من الخطبة حديث: «الأئمة بعدي إثنا عشر، كلهم من قريش» ، الذي نص البخاري و مسلم، و مصادر كثيرة أخرى على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قاله في يوم عرفة على رؤوس الأشهاد، فأقامت قريش، و من يدور في فلكها الدنيا عليه و لم تقعدها. .

و أساءت الأدب مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و فضحت نفسها، و ضجت و عجت، و منعت النبي «صلى اللّه عليه و آله» من إكمال كلامه، كما سنوضحه في باب: «الغدير. . و الإمامة» . إن شاء اللّه تعالى. .

الذين أردفهم النبي صلّى اللّه عليه و آله خلفه:

و يلاحظ هنا: أنهم يذكرون: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين أفاض من عرفة أردف أسامة بن زيد خلفه (1). .

و قالوا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» سار بمزدلفة مردفا للفضل بن عباس، و انطلق أسامة بن زيد على رجليه في سباق قريش (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 472 و مسند أحمد ج 1 ص 75 و 157 و 213 و 214 و سنن أبي داود ج 1 431 و كنز العمال ج 5 ص 151 و التاريخ الصغير للبخاري ج 1 ص 330 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 128 و علل الدارقطني ج 4 ص 16 و عيون الأثر ج 2 ص 346.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 473 و راجع: مسند أحمد ج 5 ص 200 و سنن الدارمي ج 2 ص 57 و صحيح مسلم ج 4 ص 74 و سنن أبي داود ج 1 ص 431 و سنن النسائي ج 5 ص 261 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 122 و فتح الباري ج 3 ص 417 و 425 و عمدة القاري ج 10 ص 24 و كنز العمال ج 5 ص 201 و عيون الأثر ج 2 ص 347.

و حين أفاض إلى مكة، زعموا: أنه أردف معاوية بن أبي سفيان من منى إلى مكة (1).

الفضل بن عباس. . و النظر إلى الأجنبية:

و قالوا أيضا: إنه حين كان مردفا الفضل بن عباس في طريقه تلك عرضت له امرأة من خثعم جميلة، فسألته عن الحج عن أبيها. و كان شيخا كبيرا لا يستمسك على الراحلة، فأمرها أن تحج عنه، و جعل الفضل ينظر إليها و تنظر إليه، فوضع «صلى اللّه عليه و آله» يده على وجهه، فصرفه إلى الشق الآخر، لئلا تنظر إليه و لا ينظر إليها.

و قال جابر: و كان الفضل رجلا حسن الشعر أبيض و سيما، فقال العباس: لويت عنق ابن عمك.

فقال: «رأيت شابا و شابة، فلم آمن الشيطان عليهما» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 479 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 117.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 473 و 474 و راجع: كتاب الأم للشافعي ج 2 ص 124 و كتاب الموطأ لمالك ج 1 ص 359 و المغني لابن قدامة ج 7 ص 460 و سبل السلام ج 2 ص 181 و كتاب المسند للشافعي ص 108 و مسند أحمد ج 1 ص 359 و صحيح البخاري ج 2 ص 140 و 218 و صحيح مسلم ج 4 ص 101 و سنن أبي داود ج 1 ص 407 و سنن النسائي ج 5 ص 118 و ج 8 ص 228 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 328 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 97 و عمدة القاري ج 9 ص 123 و ج 10 ص 215 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 325 و ج 3 ص 472 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 342 و 343 و 344 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 301 و 309 و المعجم الكبير ج 18 ص 282 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 473 و الاستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 163 و التمهيد لابن عبد البر ج 9 ص 122 و تفسير البغوي ج 1 ص 330 و السيرة الحلبية ج 3 ص 326.

ليس هذا قياسا:

و سأله آخر هناك عن أمه، و قال: «إنها عجوز كبيرة، و إن حملتها لم تستمسك، و إن ربطتها خشيت أن أقتلها» .

قال: «أرأيت إن كان على أمك دين أكنت قاضيه» ؟

قال: نعم.

قال: «فحج عن أمك» (1).

و نقول تعليقا على ما تقدم:

حتى معاوية:

إننا لا ننكر أن يردف النبي «صلى اللّه عليه و آله» من يحتاج إلى الإرداف، لأجل حاجته إلى ما يركبه. . أو لأنه «صلى اللّه عليه و آله» كان


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 474 و سنن الدارمي ج 2 ص 41 و سنن النسائي ج 5 ص 119 و ج 8 ص 229 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 325 و ج 3 ص 470 و المعجم الكبير ج 18 ص 296 و كنز العمال ج 5 ص 273.

يريد تكريمه و تشريفه.

و لكننا لا يمكن أن نصدق: أن هذا الأمر قد أصبح ظاهرة سلوكية، و كأنه مهنة له «صلى اللّه عليه و آله» . .

و لا سيما إذا كان يردف أشخاصا ليسوا ممن يحتاج إلى راحلة، و لا ينقصهم المال الذي يهيئون به ما يحتاجون إليه، كما أنهم ليسوا أهلا للتكريم، بل قد يستفيدون من هذا التكريم لخداع الناس، و المكر بهم.

من أجل هذا و ذاك، فنحن نشك كثيرا في صحة قولهم: إنه أردف معاوية أيضا في مسيره من منى إلى مكة، أو إلى غيرها. . فإن معاوية لم يكن عاجزا عن تهيئة الراحلة، كما أنه لم يكن ثمة موجب لتكريمه من قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

تحويل وجه فضل بن عباس:

و قد رأينا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يزجر فضل بن عباس عن النظر إلى تلك المرأة، بل هو قد مارس الفعل عوضا عن القول، فحول وجه فضل بن عباس إلى الجهة الأخرى بصورة عملية، فنستفيد من ذلك:

أولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يفسح المجال لممارسة التدليس، بمسارقة النظر، مع التظاهر بغض البصر، مع تعذر مراقبته و مراقبتها في لحظة واحدة، حسبما تجري به العادة. .

ثانيا: إنه بفعله هذا قد سلب الشابين القدرة على النظر غير البريء إلى بعضهما البعض. .

ثالثا: إن فعله هذا قد لفت نظر الآخرين و دعاهم للتساؤل عن سببه،

لكي يأتيهم التصريح بعد التلويح. . فيكون أوقع في النفس، و أكثر تعبيرا عن المطلوب.

رابعا: إن ذلك يعطي درسا مفاده أن الحكمة تقضي بعدم السماح لأسباب الفساد بالوجود، لا أن يتركها توجد و تتنامى، ثم يحاول اقتلاعها، و هيهات أن يوفق لذلك. .

خامسا: إنه لم يتهم فضل بن عباس، و لا تلك المرأة بشيء، بل صرح: بأنه أراد أن لا يقعا في خلاف ما يرضي اللّه تبارك و تعالى. .

سادسا: إن هذا الأمر يعطي: أن على الحاكم أن يقدر الأمور، و أن يحتاط لأي طارئ قبل حدوثه، و أنّ للإجراءات الإحتياطية قوتها في مجال التطبيق و العمل، كغيرها مما يكون لمعالجة واقع راهن. .

تطبيق للقاعدة:

أما بالنسبة لحج الإنسان عن أمه، و اعتبار الحج دينا، فنقول:

إن هذا ليس من قبيل الإستدلال بالقياسات الظنية، التي منع عنها الشارع، و حاشا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يمارس أمرا نهى هو نفسه عنه. . بل هذا من قبيل تطبيق الكبرى على الصغرى، و القاعدة على موردها.

فإن الحج دين على تلك المرأة، سوف يطالبها اللّه تعالى به، و ولدها مطالب بقضاء ديونها، فلا فرق بين ما كان دينا للّه، و ما كان دينا للناس، إذا كان الذي للّه مما يمكن أداؤه و قضاؤه. .

النبي صلّى اللّه عليه و آله ينشد الشعر:

و في حديث ابن عمر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أفاض من

عرفات و هو يقول:

«إليك تغدو قلفا وضينهامخالفا دين النصارى دينها»

رواه الطبراني و قال: المشهور في الرواية أنه من فعل ابن عمر (1).

يضاف إلى ذلك:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 472 عن الطبراني في الكبير و الأوسط، و مجمع الزوائد ج 3 ص 256 و راجع: كتاب الأم للشافعي ج 2 ص 234 و المجموع للنووي ج 8 ص 144 و مغني المحتاج ج 1 ص 501 و إعانة الطالبين ج 2 ص 349 و المبسوط للسرخسي ج 4 ص 18 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 444 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 444 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 579 و تلخيص الحبير ج 7 ص 370 و البحار ج 21 ص 336 و 339 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 494 و كتاب المسند للشافعي ص 373 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 126 و مجمع الزوائد ج 3 ص 256 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 529 و ج 6 ص 176 و المعجم الأوسط ج 1 ص 282 و المعجم الكبير ج 12 ص 238 و معرفة السنن و الآثار ج 4 ص 120 و الإستيعاب لابن عبد البر ج 3 ص 890 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 423 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 367 و جزء أحاديث الشعر 85 و كنز العمال ج 5 ص 195 و كنز العمال ج 5 ص 207 و 215 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 2 ص 382 و تفسير السمعاني ج 5 ص 345 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 5 ص 241 و تفسير البحر المحيط ج 8 ص 201 و الدر المنثور ج 1 ص 223 و 224 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 165 و 357 و الكامل لابن عدي ج 1 ص 378 و ميزان الإعتدال للذهبي ج 1 ص 263 و الإصابة 1 ص 446 و ج 5 ص 438 و غير ذلك من المصادر.

أولا: لماذا خص النصارى بمقالته هنا، مع أن اليهود كانوا هم الأشر و الأضر، و كان العرب و المشركون مبهورين بهم أكثر من كل أحد سواهم؟ .

ثانيا: إنهم يزعمون، و إن كنا لم نرتض ذلك-: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يحسن حتى التفوه بالشعر، و لو على سبيل النقل و الحكاية. فكيف استطاع أن يتفوه بهذا الشعر هنا؟ ! .

ثالثا: إننا لا نظن أنه «صلى اللّه عليه و آله» ينشد الشعر في هذا الوقت و في هذه الأمكنة بالذات، إذ إن الذي يعهد من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، هو انشغاله بتسبيح اللّه و تقديسه، و لا سيما في المشاعر المقدسة، و حيث يريد لكل حركة من حركاته أن تحمل عبرة، و كل كلمة من كلماته أن تتضمن درسا وعظة. .

الصلاة قبل الوقت:

قالوا: فلما برق الفجر، صلاها (يعني صلاة الصبح) في أول الوقت خلافا لمن زعم أنه صلاها قبل الوقت بأذان و إقامة، يوم النحر، و هو يوم العيد، و يوم الحج الأكبر، و يوم الأذان ببراءة اللّه و رسوله من كل مشرك (1). .

و من الواضح: أن دعوى أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى الصبح قبل وقتها، افتئات و افتراء على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و لا نرى حاجة إلى الإستدلال على كذب هذه الترهات التي ربما يكون وراءها أعداء اللّه و أعداء رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، لإشغال الناس


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 473.

بأباطيل، و أضاليل و إثارة شبهات من شأنها أن تسقط محل النبي «صلى اللّه عليه و آله» من نفوسهم. .

الغلو في الدين هو الأخطر:

و أمر الفضل بن عباس أن يلقط له حصى الجمار سبع حصيات، و لم يكسرها من الجبل تلك الليلة، كما يفعل من لا علم عنده، و لا التقطها بالليل.

فالتقط له سبع حصيات من حصى الخذف، فجعل ينفضهن في كفه و يقول: «أمثال هؤلاء، فارموا، و إياكم و الغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» (1).

و يلاحظ هنا:

1-قوله: إنه لم يلتقط حصيات الجمار بالليل، لا يدل على كراهة


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 473 و المجموع للنووي ج 8 ص 171 و المبسوط للسرخسي ج 4 ص 69 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 133 و تلخيص الحبير 7 ص 397 و عوالي اللآلي ج 1 ص 185 و مسند أحمد ج 1 ص 215 و سنن النسائي ج 5 ص 268 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 466 و فتح الباري ج 13 ص 234 و عمدة القاري ج 25 ص 37 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 435 و مسند أبي يعلى ج 4 ص 316 و 357 و المنتقى من السنن المسندة ص 127 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 274 و 276 و أمالي المحاملي ص 84 و صحيح ابن حبان ج 9 ص 183 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 350 و نصب الراية ج 3 ص 165 و موارد الظمآن 3 ص 330 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 25 و فيض القدير ج 1 ص 613 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 12 و الدر المنثور ج 1 ص 235.

التقاطها فيه، ما لم يرد نص صريح في كراهة ذلك. .

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخذ الحصيات و أراهم إياها، و لاحظوا نوعها، و ألوانها، و أشكالها، و أحجامها، و أمرهم أن يرموا بأمثالها، فاستغنى بذلك عن وصفها بما ربما يلتبس المراد منه لدى بعض القاصرين لسبب أو لآخر. .

3-ثم نهاهم عن الغلو في الدين، و أخبرهم أن سبب هلاك من كان قبلهم، هو الغلو في الدين. .

و الغلو: هو الخروج عن حد الإعتدال فيه، و هو أخطر بكثير من التفريط في الإلتزام بأحكامه، لأن الغلو يؤدي إلى الإبتداع و إدخال ما ليس من الدين في الدين، حيث تتبدل حقائقه، بسبب تبدل حدوده، من الأدنى إلى الأعلى، و من الأقل إلى الأكثر، فتدخل مساحات من الإعتقاد و الممارسة لم تكن من قبل. . فإذا انتقل إلى الآخرين على هذه الحالة، فإن الخطر سيتضاعف و يزداد تبعا لسعة انتشاره. . فتصبح الأولوية هي منع هذا الإتساع و الإنتشار، و محاربة الجهود التي تبذل في ذلك.

أما التفريط في الإلتزام فغاية ما يترتب عليه هو المخالفة العملية لأحكامه و شرائعه مع بقائها على ما هي عليه. . و ذلك يبقى أثره محصورا بالشخص، و لا يتعداه إلى غيره. . فيمكن أن يصل الدين إلى الغير سليما و قويما، و لا يكون هناك أي ضير من هذا الإنتقال.

خذوا عني مناسككم:

عن جابر قال: رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على راحلته يوم

النحر، يقول لنا: «خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» (1).

و نقول:

1-إن هناك روايات تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال للناس ذلك حين كان يطوف (2)، و حين صلى خلف المقام (3)، و حين سعى، و حين رمى الجمار، و حين كان بعرفة، و غير ذلك.

و لا مانع من أن يتكرر هذا القول منه «صلى اللّه عليه و آله» ، في المواضع المختلفة، و لا سيما في المناسك، حين وصوله إلى مكة، و شروعه بالأعمال، بل قبل ذلك أيضا. .

2-و غني عن البيان: أن الرؤية التطبيقية للفعل هي أفضل أنواع التعليم و أدقه، حيث يبقى ما يراه الإنسان في وعيه و في ذاكرته، أكثر من الذي يلقى إليه كأوامر و زواجر يراد لها أن تحفظ في الذاكرة. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 475 عن مسلم، و ابن سعد، و البيهقي، و قال في هامشه: أخرجه مسلم ج 2 ص 943(310/1297) و أبو داود ج 2 ص 201(1970) و النسائي ج 5 ص 219 و البيهقي ج 5 ص 125 و أحمد ج 3 ص 301 و راجع: المجموع للنووي ج 8 ص 21 و المبسوط للسرخسي ج 4 ص 24 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 125 و تفسير الرازي ج 4 ص 69 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 418 و الإحكام لابن حزم ج 3 ص 300 و البداية و النهاية ج 5 ص 203.

2) راجع: المجموع ج 8 ص 30 و مغني المحتاج ج 1 ص 486 و مواهب الجليل ج 4 ص 97 و 101.

3) مغني المحتاج ج 1 ص 491.

3-و حين تهتز مشاعرهم بقوله: «لا أدري، لعلي لا أحج بعد حجتي هذه» ، فإن اندفاعهم إلى التأسي بأفعاله في هذه الحالة سيصاحبه شعور بالحنين و الإشفاق، فتتحقق درجة من الإرتباط بين الفعل و الفاعل، لتحتفظ به الذاكرة، كحدث مميز، تعرف حدوده، و تدرك دقة تطابقها مع الرمز الكبير، و يستمر ذلك إلى ما شاء اللّه. .

التظليل:

و قالوا: «و كان «صلى اللّه عليه و آله» في مسيره ذلك يلبي حتى شرع في الرمي، و بلال و أسامة معه، أحدهما: آخذ بخطام ناقته، و الآخر: يظله بثوب من الحر» (1).

و الذي كان يظله بلال كما في حديث أبي أمامة، عن بعض الصحابة (2). .

و حديث أم جندب: أنه كان راكبا يظلله الفضل بن العباس. .

قال بعضهم: و هو غريب مخالف للروايات الصحيحة (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 474 و فتح العزيز ج 7 ص 434 و مواهب الجليل ج 4 ص 206 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 493 و الإحتجاج ج 1 ص 65 و معرفة السنن و الآثار ج 4 ص 43 و تفسير الإمام العسكري «عليه السلام» ص 389 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 474.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 474 عن ابن سعد، و في هامشه عن: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 127.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 474 و في هامشه: عن أبي داود ج 2 ص 200 (1966) و ابن ماجة ج 2 ص 1008(3031) عن أحمد، و البيهقي.

و نقول:

1-المفروض: أن يقطع التلبية بزوال الشمس من يوم عرفة، فلا معنى للعودة إليها في مسيره إلى منى، و الإستمرار فيها إلى حين الشروع في الرمي. .

2-إن اختلافهم في تحديد الشخص الذي كان يظلل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، يلقي بظلاله على مستوى الوثوق بصحة هذا النقل.

يضاف إلى ذلك: أنه كيف يصح حديث تظليل بلال، أو الفضل بن العباس على النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين مسيره، و حين رميه، مع أنه لا يجوز التظليل؟ !

إلا إذا فرض: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان مريضا أو مضطرا، و ليس لدينا ما يثبت ذلك أو يشير إليه، لا من قريب و لا من بعيد؟ !

بطن محسّر:

قالوا: فلما أتى بطن محسّر حرك ناقته، و أسرع السير، و هذه كانت عادته «صلى اللّه عليه و آله» في المواضع التي نزل فيها بأس اللّه بأعدائه، فهنالك أصاب الفيل ما قص اللّه علينا. و لذلك سمي الوادي وادي محسر، لأن الفيل حسر فيه. أي أعيى و انقطع عن الذهاب (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 474 و راجع: عون المعبود ج 5 ص 266 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 534.

خطبة النبي صلّى اللّه عليه و آله في منى:

و بعد أن رمى النبي «صلى اللّه عليه و آله» جمرة العقبة. . رجع إلى منى، فخطب الناس خطبة بليغة.

قال بعض الصحابة: خطب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الناس بمنى، و أنزلهم منازلهم، فقال: «لينزل المهاجرون هاهنا» و أشار إلى يمين القبلة، «و الأنصار هاهنا» و أشار إلى ميسرة القبلة، «ثم لينزل الناس حولهم» ، و علمهم مناسكهم، ففتحت أسماع أهل منى، حتى سمعوه في منازلهم (1).

و سئل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يبنى له بناء بمنى يظله من الحر، فقال: «لا، منى مناخ لمن سبق إليه» (2).

و قال «صلى اللّه عليه و آله» و هو على ناقته العضباء، بعد أن حمد اللّه و أثنى عليه:

«ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات و الأرض، و السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم. ثلاث متواليات: ذو القعدة، و ذو


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 475 و في هامشه عن أحمد ج 4 ص 61 و راجع: مسند أحمد ج 5 ص 374 و البداية و النهاية ج 5 ص 206 و عيون الأثر ج 2 ص 347 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 375.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 477 و في هامشه عن أحمد ج 6 ص 207 و الحاكم ج 1 ص 467 و ابن ماجة (3006،3007) و انظر صحيح مسلم (1218) و أبو داود (1907) و راجع: المغني لابن قدامة ج 4 ص 306 و نيل الأوطار ج 8 ص 172 و مسند أحمد ج 6 ص 207 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 16 و تهذيب الكمال ج 35 ص 308.

الحجة، و المحرم، و رجب مضر، الذي بين جمادى و شعبان، أتدرون أي يوم هذا» ؟

قلنا: اللّه و رسوله أعلم.

فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: «أليس هذا يوم النحر» ؟

قلنا: بلى.

قال: «أي شهر هذا» ؟

قلنا: اللّه و رسوله أعلم.

فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس ذو الحجة» ؟

قلنا: بلى.

قال: «فأي بلد هذا» ؟

قلنا: اللّه و رسوله أعلم.

فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس البلدة» ؟

قلنا: بلى.

قال: فإن دماءكم و أموالكم-قال محمد: و أحسبه قال: و أعراضكم- عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، و ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا ليبلغ الشاهد الغائب، فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه» ، ثم قال: «ألا هل بلغت» ؟

قلنا: نعم.

قال: «اللهم فاشهد» (1).

و عن ابن عباس قال: خطب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم النحر، فقال: «أيها الناس، أي يوم هذا» ؟

قالوا: يوم حرام.

قال: «فأي بلد هذا» ؟

قالوا: بلد حرام.

قال: «فأي شهر هذا» ؟

قالوا: شهر حرام.

قال: «فإن دماءكم، و أموالكم، و أعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا، في شهركم هذا» .

فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه (إلى السماء)فقال: «اللهم هل بلغت؟ اللهم هل بلغت» ؟ (2).

و عن ابن عمر قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع: «ألا أي شهر تعلمونه أعظم حرمة» ؟

قالوا: شهرنا هذا.

قال: «ألا أي بلد تعلمونه أعظم حرمة» ؟


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 475 لا و 476 عن أحمد، و البخاري، و مسلم، و قال في الهامش: أنظر مسند أحمد ج 5 ص 37 و راجع: المعجم الأوسط ج 1 ص 293 و فضائل الأوقات للبيهقي ص 428 و البداية و النهاية ج 5 ص 213.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 476 عن أحمد و البخاري، و قال في هامشه: مسند أحمد ج 1 ص 230 و البخاري ج 3 ص 670 حديث (1739) (7079) .

قالوا: بلدنا هذا.

قال: «ألا أي يوم تعلمونه أعظم حرمة» ؟

قالوا: يومنا هذا.

قال: «فإن اللّه تبارك و تعالى قد حرم عليكم دماءكم، و أموالكم، و أعراضكم إلا بحقها كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، ألا هل بلغت ثلاثا» ؟

كل ذلك يجيبونه: ألا نعم.

قال: «و يحكم-أو قال: ويلكم-لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» (1).

النص الكامل لخطبة منى:

قالوا: و خطب «صلى اللّه عليه و آله» الناس بمنى خطبة عظيمة.

و كان عم أبي حرّة الرقاشي آخذا بزمام ناقة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يذود عنه الناس.

و سببها أنه «صلى اللّه عليه و آله» أنزلت عليه سورة النصر في هذا اليوم، فعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء فرحّلت له، فوقف للناس بالعقبة، فاجتمع إليه الناس-و في رواية: ما شاء اللّه من المسلمين-فحمد اللّه تعالى، و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 476 عن البخاري و مسلم، و في هامشه قال: البخاري ج 3 ص 671(1742 و 4403 و 6043 و 2166 و 6785 و 6868 و 7077) .

«أما بعد أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، ألا و إن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، و لا لعجمي على عربي، و لا لأسود على أحمر، و لا لأحمر على أسود إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم.

ألا هل بلغت» ؟

قالوا: بلّغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال: «فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلّغ أوعى من سامع» ، ثم قال: «أي شهر هذا» ؟

فسكتوا.

فقال: شهر حرام، أي بلد هذا؟

فسكتوا، فقال: بلد حرام، أي يوم هذا؟

فسكتوا.

قال: «يوم حرام» .

ثم قال: «إن اللّه تعالى قد حرم دماءكم و أموالكم، و أعراضكم، كحرمة شهركم هذا، في بلدكم هذا، في يومكم هذا، إلى أن تلقوا ربكم، ألا هل بلغت» ؟

قالوا: نعم.

قال: «اللهم اشهد» .

ثم قال: «إنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت» ؟

قال الناس: نعم.

قال: «اللهم اشهد، ألا و إن من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، ألا و إن كل ربا في الجاهلية موضوع، و إن كل دم في الجاهلية

موضوع، و إن أول دمائكم أضع دم إياس بن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد بن ليث، فقتلته هذيل، ألا هل بلغت» ؟

قالوا: نعم.

قال: «اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، ألا إن كل مسلم محرم على كل مسلم» . ثم قال: «اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا، ألا لا تظلموا. إنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه» .

فقال عمرو بن يثربي: يا رسول اللّه، أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي فأخذت شاة فاحترزتها؟

فقال: «إن لقيتها تحمل شفرة و أزنادا بخبت الجميش فلا تهجها» .

ثم قال: «أيها الناس، إِنَّمَا اَلنَّسِيءُ زِيٰادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عٰاماً وَ يُحَرِّمُونَهُ عٰاماً لِيُوٰاطِؤُا عِدَّةَ مٰا حَرَّمَ اَللّٰهُ فَيُحِلُّوا مٰا حَرَّمَ اَللّٰهُ (1).

ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات و الأرض» ، ثم قرأ: إِنَّ عِدَّةَ اَلشُّهُورِ عِنْدَ اَللّٰهِ اِثْنٰا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتٰابِ اَللّٰهِ يَوْمَ خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ مِنْهٰا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذٰلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ فَلاٰ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ (2)ثلاث متواليات: ذو القعدة، ذو الحجة، و المحرم، و رجب الذي يدعى شهر مضر، الذي بين جمادى و شعبان، و الشهر تسعة و عشرون و ثلاثون، ألا هل بلغت» ؟

قال الناس: نعم.


1) الآية 37 من سورة التوبة.

2) الآية 36 من سورة التوبة.

فقال: «اللهم اشهد»

ثم قال: «أيها الناس، إن للنساء عليكم حقا، و إن لكم عليهن حقا، فعليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا، و لا يدخلن بيوتكم أحدا تكرهونه إلا بإذنكم، فإن فعلن فإن اللّه تعالى قد أذن لكم أن تهجروهن بالمضاجع، و أن تضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين و أطعنكم، فلهن رزقهن و كسوتهن بالمعروف، و إنما النساء عندكم عوان، لا يملكن لأنفسهن شيئا، و إنما أخذتموهن بأمانة اللّه، و استحللتم فروجهن بكلمة اللّه، فاتقوا اللّه في النساء، و استوصوا بهن خيرا، ألا هل بلغت» ؟

قال الناس: نعم.

قال: «اللهم اشهد» .

ثم قال: «أيها الناس، إن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم هذه، و لكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونه، فقد رضي به، إن المسلم أخو المسلم، إنما المسلمون إخوة، و لا يحل لامرئ مسلم دم أخيه و لا ماله إلا بطيب نفس منه، إنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا اللّه، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها، و حسابهم على اللّه.

لا تظلموا أنفسكم، لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض.

إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا: كتاب اللّه تعالى، ألا هل بلغت» ؟

قال الناس: نعم.

قال: «اللهم اشهد» (1).

و نقول:

نكتفي هنا بالإشارة إلى أمور، نتوخى منها مجرد الإيضاح و البيان.

فنقول:

تنظيم المنازل في منى:

لقد ذكر النص المتقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي حدد مواضع نزول كل فريق من الحجاج الذين حضروا الموسم. .

و قد لوحظ: أنه فصل بين المهاجرين و الأنصار، و جعل كلا على حدة، ثم جعلهم في وسط سائر الناس.

و نظن أنه فعل ذلك لكي يعرف الناس من الذي سيثير الشغب ضده، حين يخطب في منى، و يذكر أهل البيت، و الأئمة الإثني عشر «عليهم السلام» ، و أن المهاجرين القرشيين هم الذين سيتولون ذلك. . دون الأنصار.

و جعل الناس حولهم لكي يمكّن أكبر عدد منهم-على اختلاف أقوامهم و انتماءاتهم-من الإشراف بأنفسهم على ما يجري، «فما راء كمن سمعا» .

و سيأتي بيان ذلك في باب: «الغدير و الإمامة» ، إن شاء اللّه تعالى. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 482 و 483 و راجع: البحار ج 21 ص 380 و 381 عن الخصال ج 2 ص 84 و فيه تقديم و تأخير و زيادة و نقص، و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 275.

ما المراد باستدارة الزمان؟ ! :

1-و حول المراد من استدارة الزمان، كهيئة يوم خلق اللّه تعالى السماوات و الأرض نقول:

إن العرب كانوا يؤخرون المحرم إلى صفر، و هو النسيء، ليقاتلوا فيه، و في السنة الثانية ينقلونه شهرا، فيصير في ربيع الأول، و هكذا. . فينتقل المحرم من شهر إلى شهر، و تنتقل سائر الشهور و راءه تبعا له، حتى يمر في جميع شهور السنة. .

فلما كانت تلك السنة، أعني سنة حجة الوداع كان قد عاد إلى زمنه الطبيعي المخصوص به قبل ذلك النقل المتكرر، و دارت السنة و عادت كهيئتها الأولى، فجاء في تلك السنة متوافقا مع ذي الحجة الواقعي. .

2-و أما نسبة رجب إلى مضر، فلأن مضرا كانت تعظم هذا الشهر، بخلاف غيرهم، ثم حدد «صلى اللّه عليه و آله» للناس الأشهر الحرم، و ذكر لهم: أن شهر رجب بين شعبان و جمادى، لمزيد التوضيح و البيان، لأنهم كانوا ينسئونه، و يحولونه من شهر إلى شهر، فكانت الأمور تختلط على الناس، فأحب «صلى اللّه عليه و آله» التأكيد على موقع الشهر الحرام منذ تلك السنة لكي تستقر الأمور، و لا يضيع الناس بسبب تأثيرات النسيء على ذهنيتهم، و ليتم ضبط أمور الشهور لديهم. .

ففتحت أسماع أهل منى:

و قد تقدم: أن اللّه تعالى فتح أسماع جميع أهل منى، حتى سمعوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» في منازلهم. و قد حصلت هذه المعجزة له «صلى اللّه

عليه و آله» بعد جرأتهم عليه، و منعهم إياه من بلوغ مراده في عرفات، كما سيأتي بيانه بالتفصيل في فصل: «الغدير و الإمامة» ، ليفهم الناس أن الجرأة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا تبطل نبوته، و أن عدم اتخاذ موقف صارم ضد المتجرئين لا يعني ضعف النبي «صلى اللّه عليه و آله» و تخلّي ربه عنه.

و لكنه حلم و تكرم، و إعطاء مهلة، و إمداد للمبطلين، الذين ظهرت حسيكة الطمع و الحسد لأهل البيت «عليهم السلام» التي كانت تعتمل في نفوسهم. .

و إذا تأكد لدينا أن ما جرى في عرفات قد تكرر أيضا في منى، فإن جرأتهم هذه المرة قد جاءت في نفس اللحظات التي يعاينون فيها كرامة اللّه تعالى له، و لكنهم لا يبالون بها، و يعودون لارتكاب حماقتهم في نفس هذه الخطبة التي لا تزال المعجزة تتجلى فيها مع كل كلمة، و كل حرف. .

تحريف حديث الثقلين:

و قد حرفت رواية ابن عمر حديث الثقلين في خطبته «صلى اللّه عليه و آله» في منى أيضا. . كما حرفوا خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في عرفات، كما ألمحنا إليه فيما سبق فليلا حظ ذلك. .

على عليه السّلام لم يشارك النبي صلّى اللّه عليه و آله في نحر البدن:

قالوا: ثم انصرف «صلى اللّه عليه و آله» إلى النحر بمنى، فنحر ثلاثا و ستين بدنة بيده الشريفة بالحربة، و كان ينحرها قائمة معقولة اليسرى، و كان عدد هذا الذي نحره عدد سنيّ عمره «صلى اللّه عليه و آله» .

ثم أمسك، و أمر عليا «عليه السلام» أن ينحر ما بقي من المائة، ثم أمره

أن يتصدق بجلالها، و جلودها، و لحومها، في المساكين، و أمره أن لا يعطي الجزار في جزارتها شيئا منها، و قال: «نحن نعطيه من عندنا» (1)، و قال: «من شاء اقتطع» (2).

و في حديث ابن جريج، عن جعفر بن محمد، عن جابر: ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر، فطبخت، فأكلا من لحمها، و شربا من مرقها.

قال ابن جريج: قلت: من الذي أكل مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» و شرب من المرق؟

قال جعفر: علي بن أبي طالب «عليه السلام» أكل مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» و شرب من المرق.

و قول أنس: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نحر بيده سبع بدن قياما. حمله أبو محمد: على أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم ينحر بيده أكثر من سبع بدن كما قال أنس، و أنه أمر من ينحر ما بعد ذلك إلى تمام ثلاث و ستين، ثم زال عن ذلك المكان، و أمر عليا «عليه السلام» فنحر ما بقي، أو أنه لم يشاهد إلا نحره «صلى اللّه عليه و آله» سبعا فقط بيده، و شاهد جابر تمام نحره «صلى اللّه عليه و آله» للباقي، فأخبر كل واحد منهما بما رأى و شاهد، أو أنه «صلى اللّه عليه و آله» نحر بيده مفردا سبع بدن كما قال أنس، ثم أخذ هو و علي الحربة معا، فنحرا كذلك تمام ثلاث و ستين.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 476 و 477 و المجموع للنووي ج 8 ص 361 و قد تقدمت مصادره فراجع.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 476 و 477 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 558 و قد تقدمت مصادره فراجع.

و قد قال عروة بن الحارث الكندي: أنه شاهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ أخذ بأعلى الحربة، و أمر عليا «عليه السلام» فأخذ بأسفلها، و نحرا بها البدن، ثم انفرد علي «عليه السلام» ينحر الباقي من المائة كما قال جابر (1).

و نقول:

لاحظ ما يلي:

لتخرس الألسنة:

لو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أشرك أبا بكر في الهدي كما أشرك عليا «عليه السلام» ، أو أشركه بما هو أقل من هذا، لأقاموا الدنيا و لم يقعدوها في التحليلات، و الإستفادات، و الإستدلالات على عظمة و منزلة أبي بكر، و على إمامته و خلافته، و ربما يترقى بهم الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير و. . و. . الخ. .

بل إن إساءات و ضعف و أخطاء أبي بكر و عمر، تعتبر فضائل و كرامات، و إشارات و دلالات، و قد تجلى ذلك في موقفهم من كلمة عمر: إن النبي ليهجر، فإنهم اعتبروا هذه الكلمة سببا في إنقاذ الإسلام و الأمة من أمر عظيم! ! كما سنرى. .

و لكن حين يتعلق الأمر بعلي «عليه السلام» ، فإن الألسنة تخرس، و المحابر تجف، و الأقلام تلتوي و تعيا عن أن تسجل عشر معشار ما حصل،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 476 و 477.

فهل يتوقع منها أن تشير إلى شيء من الدلالات و اللمحات؟ ! . بل تلهج ليل نهار بالتأويلات الهادفة إلى إفراغ مواقفه الرائدة و العظيمة من محتواها.

نحرا على عدد سني عمرهما:

إنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد نحر ثلاثا و ستين بدنة على عدد سني عمره، فإن عليا «عليه السلام» أيضا قد نحر الباقي، و كان على عدد سني عمره أيضا. و ليس لنا أن نقطع بأن ذلك قد جاء على سبيل الصدفة، للإحتمال القوي أن يكون مرادا له و مقصودا. .

المرجع هو أحاديث العترة:

بالنسبة للإختلاف في عدد الإبل التي نحرها الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و كيفيته، و في استقلاله بذلك أو في مشاركته عليا «عليه السلام» لا سبيل إلى الجزم بذلك إلا إذا وجد أهل البيت «عليهم السلام» ضرورة للتحديد و البيان، فيتعين العودة إليهم، و الأخذ منهم، فإن أهل البيت «عليهم السلام» أدرى بما فيه. .

النبي صلّى اللّه عليه و آله يقسم شعره للتبرك به:

قالوا: لما أكمل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نحره استدعى بالحلاق، فحلق رأسه، فقال للحلاق-و هو معمر بن عبد اللّه بن نضلة- و حضر المسلمون يطلبون من شعره-و هو قائم على رأسه بالموسى، و نظر في وجهه و قال: «يا معمر، أمكنك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من شحمة أذنه، و في يدك الموسى» ! ! .

قال معمر: فقلت: أما و اللّه يا رسول اللّه، إن ذلك من نعم اللّه علي و منّه.

قال للحلاق: «خذ» ، و أشار إلى جانبه الأيمن، فلما فرغ منه قسم شعره على من يليه.

ثم أشار إلى الحلاق، فحلق جانبه الأيسر، ثم قال: «ها هنا أبو طلحة» ، فدفعه إليه (1).

قال ابن سعد: و حلق رأسه، و أخذ من شاربه و عارضيه، و قلم أظفاره، و أمر بشعره و أظفاره أن تدفن (2).

و روى البخاري عن أنس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما حلق رأسه كان أبو طلحة أول من أخذ شعره، قال: و هذا لا يناقض رواية مسلم.

و في رواية: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أعطاه أم سليم، و لا يعارض هذا أنه دفعه لأبي طلحة لأنها امرأته.

و في لفظ: فبدأ بالشق الأيمن، فوزعه الشعرة و الشعرتين بين الناس،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 477 و 478 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 413 و 414 و مسند أبي يعلى ج 5 ص 211 و صحيح ابن حبان ج 4 ص 206.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 478 و قال في هامشه: البخاري ج 1 ص 273 (171) و مسلم ج 2 ص 947(323/1305) ، (326/1305) ، و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 174 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 116 و ج 10 ص 50.

ثم قال: بالأيسر، فصنع به مثل ذلك، ثم قال: «هاهنا أبو طلحة» فدفعه إليه.

و في لفظ ثالث: دفع إلى أبي طلحة شعر شق رأسه الأيسر، ثم أظفاره و قسمها بين الناس.

و كلمه خالد بن الوليد في ناصيته حين حلق، فدفعها إليه، فكان يجعلها في مقدم قلنسوته، فلا يلقى جمعا إلا فضه.

و حلق أكثر أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» و قصر بعضهم، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اغفر للمحلقين» ، ثلاثا، كل ذلك يقال: و المقصرين يا رسول اللّه، فقال: «و المقصرين في الرابعة» (1).

و مما يدخل في هذا السياق يعني سياق دعوة الناس للتبرك قولهم: إنه مج في دلو، فأفرغ على سقايتهم في زمزم (2). .

و نقول:

إننا نشير هنا إلى بعض الأمور، فنقول:

قصة الحلاق:

إن روايتهم لقصة الحلاق هنا قد اختلفت عما روي عن أهل البيت «عليهم السلام» ، فقد تقدم عن الإمام الصادق «عليه السلام» : أن قريشا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 478 و مستدرك الوسائل ج 10 ص 7 و 135 و البحار ج 96 ص 302 و مسند أحمد ج 6 ص 402 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 116 و السيرة الحلبية ج 2 ص 713.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 479.

قالت للحلاق: «أي معمر، أذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في يدك، و في يدك الموسى» ؟ .

لكن روايتهم هنا تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي قال لمعمر ذلك. .

و قد قلنا هناك: إن من القريب جدا أن يكون الذين قالوا ذلك لمعمر كانوا يريدون إغراءه بقتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بصورة مبطنة. .

و لعل الرواية عن الإمام الصادق «عليه السلام» هي الأولى بالإعتبار، إذ لا يمكن أن يقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك لمعمر، لأنه إن كان يقصد إغراءه بالقتل، فذلك لا يمكن صدوره عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن الإغراء بالقتل من أعظم الجرائم، فكيف إذا كان المقصود هو أن يغريه بقتل نفسه، و كيف إذا كان أكرم الخلق، و أعظم الأنبياء، و سيد المرسلين؟ !

و إن كان المقصود: هو اتهام معمر بأنه يقصد ذلك، أو يراد جعله في دائرة الإحتمال بنظر الناس، فذلك لا يصدر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا، إذ لا يحق له اتهام الناس بلا مبرر و دليل. .

و إن كان المقصود هو المزاح و الملاطفة، فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يمزح بما يثير الشبهة، و يعطي الإنطباع السلبي عن الأبرياء. .

إصرار عائشة بلا مبرر:

و رغبت إليه عائشة تلك الليلة-أعني ليلة النفر من منى-: أن يعمرها عمرة منفردة.

فأخبرها أن طوافها بالبيت و بالصفا و المروة قد أجزأ عن حجها و عمرتها.

فأبت إلا أن تعتمر عمرة منفردة.

فأمر أخاها عبد الرحمن أن يعمرها من التنعيم.

ففرغت من عمرتها ليلا، ثم وافت المحصب مع أخيها، فأتيا في جوف الليل، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فرغتما؟

قالت: نعم.

فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول اللّه، يرجع الناس بحج و عمرة و أرجع أنا بحجة.

فقال: «أو ما كنت طفت ليالي قدمنا مكة» ؟

قلت: لا.

قال: «فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلي بعمرة، ثم موعدك مكان كذا و كذا» (1).

قالت عائشة: فلقيني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مصعدا على أهل مكة و أنا منهبطة، أو أنا مصعدة و هو منهبط منها.

و ظاهر هذا: أنهما تقابلا في الطريق، و في الأول: أنه انتظرها في منزله، فلما جاءت نادى بالرحيل في أصحابه.

و قولها: و هو مصعد من مكة، و أنا منهبطة عليها للعمرة، ينافي انتظاره


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 484 و راجع: نيل الأوطار ج 5 ص 59 و مسند أحمد ج 6 ص 122 و صحيح البخاري ج 2 ص 151 و 196 و صحيح مسلم ج 4 ص 33 و سنن النسائي ج 5 ص 178 و عمدة القاري ج 9 ص 195 و عمدة القاري ج 10 ص 98 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 366 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 203 و تغليق التعليق ج 3 ص 114.

لها في المحصب.

قال: فإن كان حديث الأسود محفوظا عنها، فصوابه: (لقيني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أنا مصعدة من مكة، و هو منهبط إليها، فإنها طافت و قضت عمرتها ثم أصعدت لميعاده، فوافته و هو قد أخذ في الهبوط إلى مكة للوداع، فارتحل و أذن في الناس بالرحيل) .

و لا وجه لحديث الأسود غير هذا (1).

و نقول:

1-إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر عائشة: أنه لا داعي لتلك العمرة التي طلبتها، فلماذا تصر على فعل شيء يخبرها النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه لم يعد له مكان؟ و هل بقي ذلك مستحبا إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عرّفها أنه لم يعد له مكان بعد حجها؟ !

2-و لو فرضنا: أن ذلك كان منها طمعا في الثواب، فلماذا تحرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أمر أظهر أنه يرغب بخلافه؟ أليس ذلك يوجب حبط عملها لو كان عملها مستحبا؟ ! و ألا يسقط استحبابه، و يحبط أجره- لو سلمنا باستحبابه-حين تكون قيمته هي أذى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و إرباك حركته و تفويت ما يرغب النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعدم تفويته؟ ! .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 484 و راجع: مسند إسحاق بن راهويه ج 3 ص 862 و البداية و النهاية ج 5 ص 227 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 413.

عائشة تعتمر رغم نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله:

عن عائشة قالت: أحرمت من التنعيم بعمرة فدخلت، فقضيت عمرتي، و انتظرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالأبطح حتى فرغت، و أمر الناس بالرحيل (1). .

كما أن أم سلمة لم تكن قد طافت، و أرادت الخروج-و كانت قد اشتكت، فأمرها أن تطوف على بعيرها من وراء الناس، و الناس يصلون- أي الصبح-فطافت كذلك (2). .

و نقول:

إنه لا كلام لنا على حديث طواف أم سلمة. و لكننا نريد أن نشير إلى بعض ما يرتبط بعمرة عائشة، فنقول:

أولا: يفهم مما ذكرناه آنفا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن راضيا


1) السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 410 عن البخاري و مسلم، و أبي داود، و راجع: سنن أبي داود ج 1 ص 445 و البداية و النهاية ج 5 ص 225 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 41.

2) السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 411 عن البخاري، و راجع: كتاب الموطأ لمالك ج 1 ص 371 و المغني لابن قدامة ج 3 ص 388 و 415 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 391 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 3 ص 394 و 395 و كشاف القناع للبهوتي ج 2 ص 559 و المحلى لابن حزم ج 4 242 و نيل الأوطار ج 5 ص 122 و مسند أحمد ج 6 ص 290 و صحيح البخاري ج 1 ص 119 و ج 2 ص 164 و 167 و ج 6 ص 49 و صحيح مسلم ج 4 ص 68 و سنن أبي داود ج 1 ص 420 و سنن النسائي ج 5 ص 223 و غير ذلك من مصادر فراجع.

باعتمار عائشة، حتى لقد قالت له: «أترجع نساؤك بحجة و عمرة معا، و أرجع بحجة» ؟ (1).

ثانيا: قال ابن عباس: و اللّه، ما أعمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك.

و قال: كانوا يرون: أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض (2). .

و نلاحظ هنا على رواية ابن عباس: أنه لا شك في أنه قد كان لدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يدعوه إلى الإسراع بالخروج، و لكن إصرار عائشة قد منعه «صلى اللّه عليه و آله» من المضي لإنجاز ذلك الأمر الهام.

اللهم اغفر للمحلقين:

و قد تقدم في النص السابق: أن بعض أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» أصر على التقصير، و لم يرض بالحلق. و قد مر نظير ذلك في الحديبية. .

و هذا يعطي: أن عدم حلق الناس في الحديبية، لم يكن بسبب حنقهم


1) الكافي ج 4 ص 248 و البحار ج 21 ص 393 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 457 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 217 و 218 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 153 و 154 و مسند أحمد ج 6 ص 165 و 266 و مسند إسحاق بن راهويه ج 3 ص 643 و تفسير مجمع البيان ج 2 ص 42 و منتقى الجمان ج 3 ص 125.

2) الغدير ج 6 ص 217 عن صحيح البخاري ج 3 ص 69 و عن صحيح مسلم ج 1 ص 355 و سنن البيهقي ج 4 ص 345 و سنن النسائي ج 5 ص 180.

لأجل عدم دخول مكة، بل كان لأمر آخر. قد يكون له ارتباط بعدم صحة اعتقادهم، أو بعدم الرغبة في التخلي عن الرسوم التي كانت لدى أهل الجاهلية، أو بعدم مبالاتهم بمراعات الأحكام الشرعية. . أو بغير ذلك. .

كما أن هذا التصرف الذي ظهر منهم في حجة الوداع يمثل فضيحة أخرى لهم، و يبين أن ما يدعونه لأنفسهم من الطاعة للّه و رسوله، أو ما يدّعى لهم من العدالة و الإستقامة، هو مجرد ادّعاءات، أو شعارات ترفع لتلافي الإحراج، في مواقع الإستدلال و الإحتجاج. .

تبرك الصحابة:

و رغم ظهور هذه الهنات في سلوك كثير من صحابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن ذلك لم يمنع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أن يوزع شعره و أظفاره على الناس لأجل التبرك، لأن ذلك يدخل في دائرة التشريع، و التعليم لهم، و لا يختص أثره بأهل تلك الحقبة، بل يمتد إلى كل مسلم يأتي عبر الأجيال و الأحقاب. .

هذا بالإضافة إلى أنه يفيد خالصي الإيمان منهم، و كذلك الحال بالنسبة للتائبين و النادمين.

التبرك، في معناه و مغزاه:

و إذا أردنا أن نعرف مغزى تشريع التبرك بالأنبياء و الأوصياء، و آثارهم، حسبما أكده النبي «صلى اللّه عليه و آله» للناس في مناسبات كثيرة، و منها هذا المورد الذي نحن بصدد الحديث عنه، فعلينا أن نرجع أولا إلى معنى البركة في اللغة، لنجد أنها تعني: النماء و الزيادة، فالتبرك: هو طلب ذلك. .

فإذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يوجه الناس إلى التبرك، فهو يوجههم إلى طلب الفاقد للنماء و الزيادة من الواجد، من خلال الإقتراب منه و الإتصال به. .

و اللّه هو مصدر الفيض لكل هذا الوجود و ما فيه، فالإتصال به و لو بمستوى الإتصال الشكلي أو الرمزي، أو الروحي بصفيّه و نبيه، بإظهار الحب، و بالتعبير عن القناعة الوجدانية-إن هذا الإتصال من موجبات النماء و الزيادة، و يهيء لهذا الفيض، الذي هو مرهون باستجلاب الرضا و المحبة و الفوز بالعناية و الرعاية، و المنح و الألطاف. .

و بذلك نعرف: أن التبرك معناه: الشعور بالحاجة و النقص و الضعف، أو بالحاجة إلى الإنتقال من حسن إلى أحسن، و من مرحلة إلى مرحلة أسمى منها. .

كما أنه يعني: بلورة إرادة التكامل و التسامي، و الخروج من هذا الواقع إلى ما هو أفضل منه و أمثل.

كما أن التبرك ينتهي بالإنسان إلى الدخول في آفاق الرحمة الإلهية، و الإنطلاق في رحابها، بعد أن يكون الإنسان قد حرر نفسه من كل قيد يشده إلى الأرض، و من كل عبودية و بعد أن يملك قراره، و حريته، و اختياره. .

ثم هو يعني: الشعور بالقوة، و بالغنى عن الخلق، و التخلي عن الأنا، و الإبتعاد عن الغرور و العنجهية.

و هو أخيرا: يدفع الإنسان إلى مراقبة نفسه، و تهذيبها، و رسم ملامحها وفق ما يرضي من يسعى لنيل رضاه، و يرى في ذلك غاية الفوز بمبتغاه. .

النفر من منى:

قالوا: و كان يوم الثلاثاء، فركب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و المسلمون معه، فنفر بهم من منى، فنزل المحصب-و هو واد بين مكة و منى -فصلى بهم العصر، و هو بالأبطح، و هو خيف بني كنانة، حيث تقاسم المشركون على الكفر، ثم هجع هجعة بعد العشاء الآخرة، ثم دخل مكة فطاف بالبيت (1). .

و هذا يشير إلى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قصد أن ينزل بالمحصب، مراغمة لمشركي قريش لما كتبوا الصحيفة التي التزموا فيها بمصارمة بني هاشم و بني المطلب، حيث حصروهم في شعب أبي طالب «عليه السلام» .

و هذا هو الموضع الذي نزل فيه عام الفتح أيضا. .

و قد حاول بعضهم أن يدّعي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يتعمد ذلك (2)، و لعله لكي يخفف من حدة وقع هذا الإجراء على رؤوس الحاقدين على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و على دينه. .

لم يدخل صلّى اللّه عليه و آله إلى البيت و لم يطف:

و قد زعمت الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد نفره من منى دخل مكة، و طاف بالبيت، و بقي إلى صباح اليوم التالي، فصلى الصبح، ثم


1) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 405-408 و المبسوط للسرخسي ج 4 ص 8 و نيل الأوطار ج 5 ص 165 و مسند أحمد ج 2 ص 110 و 124 و البداية و النهاية ج 5 ص 224.

2) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 408 و 409.

ارتحل (1). .

و لكننا نقول:

أولا: إن الروايات الصحيحة، الواردة عن أهل البيت «عليه السلام» تقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» نفر حتى انتهى إلى الأبطح، فطلبت عائشة العمرة، فأرسلها، فاعتمرت، ثم أتت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فارتحل من يومه، و لم يدخل المسجد الحرام، و لم يطف بالبيت (2). .

ثانيا: عن جابر قال: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من مكة عند غروب الشمس، و صلى المغرب في سرف (3)، و هذا معناه: أنه لم يصلّ المغرب و العشاء، و لا الصبح في مكة في اليوم التالي، كما زعموه. .

فلا يصح قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» : لما فرغ من صلاة الصبح، طاف بالبيت سبعا، و وقف في الملتزم بين الركن الذي فيه الحجر الأسود، و بين باب الكعبة، فدعا اللّه عز و جل و ألزق جسده بجدار الكعبة.

و لا يصح أيضا ما روي عن بعضهم: أنه رأى رسول اللّه «صلى اللّه


1) السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 406 و 407 و 410 و 411 و المغازي ج 3 ص 1114 و راجع: مغني المحتاج ج 1 ص 472.

2) الكافي ج 4 ص 248 و البحار ج 21 ص 393 و راجع: تهذيب الأحكام ج 5 ص 275 و 457 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 217 و 218 و ج 14 ص 284 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 153 و ج 8 ص 154 و ج 10 ص 229 و مستطرفات السرائر لابن إدريس ص 553 و البحار ج 21 ص 393 و ج 96 ص 327 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 355 و ج 10 ص 355.

3) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 305 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 412.

عليه و آله» ، يلزق وجهه، و صدره بالملتزم (1). .

غير أن ذلك لا يعني أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يفعل ذلك كله، بل الظاهر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد وقف في الملتزم، و ألزق جسده به، و غير ذلك، لكن في الأيام التي سبقت على النفر من منى. .

عمرة في رمضان تعدل حجة معه:

و قالوا: إنه بعد رجوع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من حجة الوداع، أعلم أن عمرة في رمضان تعدل حجة معه (2). .

لكننا نقول:

قد يقال: إن السبب في ذلك هو: أن مرض الجدري أو الحصبة انتشر في الناس بعد إعلان النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن عزمه على المسير إلى الحج، فمنعت من شاء اللّه أن تمنع من الحج. . فإن صح ذلك، فإن إعلان هذا الأمر بعد عودته، قد يسهم في جبر النفوس الكسيرة، التي آلمها حرمانها من نيل شرف المسير مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .


1) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 411 و 412 و تلخيص الحبير ج 7 ص 420 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 164 و سنن الدارقطني ج 2 ص 254 و نصب الراية للزيلعي ج 3 ص 185 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 2 ص 30 و كنز العمال ج 7 ص 93 و الكامل لابن عدي ج 6 ص 424 و البداية و النهاية ج 5 ص 226 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 412.

2) راجع سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 450 عن ابن سعيد.

غير أننا نقول عن الإعتمار في شهر رمضان:

إننا لم نجد فيما روي عن أهل بيت العصمة «عليهم السلام» ، ما يدل على فضل العمرة في شهر رمضان على ما سواها، بل وجدنا ما روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» : «أفضل العمرة، عمرة رجب» (1). .

و عن معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السلام: أنه سئل اي العمرة أفضل؟ عمرة في رجب أو عمرة في شهر رمضان؟ فقال: لابل عمرة في شهر رجب أفضل (2).

و عنه «عليه السلام» : «اعتمر في أي شهر شئت، و أفضل العمرة، عمرة رجب» (3). .

و عنهم «عليهم السلام» : «لكل شهر عمرة» (4). .


1) تفسير العياشي ج 1 ص 88 و البحار ج 96 ص 332 و 331 و عن علل الشرائع ص 408.

2) ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 697 و الحدائق الناضرة ج 16 ص 330 و رياض المسائل ج 7 ص 176 و مستند الشيعة ج 13 ص 121 و راجع جواهر الكلام ج 20 ص 458 و جامع المدارك ج 2 ص 558 و الإحصار و الصد ص 172 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 454 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 14 ص 301 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 14 ص 301.

3) دعائم الإسلام ج 1 ص 334 و البحار ج 96 ص 333 و مستدرك الوسائل ج 10 ص 176.

4) قرب الإسناد ص 162 و البحار ج 96 ص 331 و مختلف الشيعة ج 4 ص 360 و الحدائق الناضرة ج 16 ص 320 و رياض المسائل ج 7 ص 179 و مستند الشيعة ج 11 ص 163 و ج 13 ص 121 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 458 و الإستبصار ج 2 ص 156 و 326 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 32 و 164 و 435 و البحار ج 96 ص 331 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 340 و غير ذلك من المصادر فراجع.

و لعل الصحيح هنا ما روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» عندما سأله الوليد بن صبيح:

«قال: قلت لأبي عبد اللّه «عليه السلام» : بلغنا أن عمرة في شهر رمضان تعدل حجة.

فقال: إنما كان ذلك في امرأة وعدها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال لها: اعتمري في شهر رمضان فهي لك حجة» (1).

فالظاهر من هذه الرواية اختصاص هذا الفضل بتلك المرأة لوعد النبي صلى اللّه عليه و آله و ضمانه «صلى اللّه عليه و آله» لها بقرينة «فهي لك حجة» .

يويد ذلك ما روي من حديث أم معقل الذي أخرجه أيضا النسائي من طريق معمر عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن امرأة من بني أسد يقال لها أم معقل قالت: «أردت الحج فاعتل بعيري، فسألت رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فقال: اعتمري في شهر رمضان فإن عمرة في شهر رمضان تعدل حجة» (2).


1) الكافي ج 4 ص 536 و كشف اللثام (ط. ج) ج 6 ص 295 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 462 و جواهر الكلام ج 20 ص 459 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 14 ص 304 و (ط دار الإسلامية) ج 10 ص 241.

2) مسند أحمد ج 6 ص 406 و نيل الأوطار ج 5 ص 30 و فتح الباري ج 3 ص 480 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 472 و المعجم الكبير للطبراني ج 25 ص 155 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 106 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 56.

و أما رواية علي بن حديد التي تقول: «كتبت إلى أبي جعفر «عليه السلام» أسأله عن الخروج في عمرة شهر رمضان أفضل، أو أقيم حتى ينقضي الشهر و أتم صومي؟ فكتب إلي كتابا قرأته بخطه:

سألت يرحمك اللّه عن أي العمرة أفضل، عمرة شهر رمضان أفضل يرحمك اللّه» (1).

فالمراد بها كما قال المحقق النراقي و غيره: أن العمرة في شهر رمضان أفضل من الإقامة و الصوم، كما يدل عليه صدرها (2).

إعتمار النبي صلّى اللّه عليه و آله بعد حجة الوداع:

و قد زعمت روايات غير أهل البيت «عليهم السلام» : أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتمر في حجة الوداع، فقد روي عن ابن عباس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اعتمر أربع عمر، عمرة الحديبية، و عمرة القضاء، و عمرة الجعرانة، و العمرة التي مع حجة الوداع (3). .

و لكن المروي عن أئمة أهل البيت «عليهم السلام» -و هم أدرى بما فيه-:


1) مستند الشيعة ج 13 ص 121 و جواهر الكلام ج 20 ص 459 و الكافي ج 4 ص 536 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 14 ص 304 و خاتمة المستدرك ج 5 ص 336 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 463.

2) مستند الشيعة ج 13 ص 121 و راجع جواهر الكلام ج 20 ص 459 و الإحصار و الصد ص 173.

3) البحار ج 21 ص 397 و 398 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 152 و عن الطبري، و عن الخصال ج 1 ص 93 و تقدم ذكر المصادر فراجع.

أنه «صلى اللّه عليه و آله» اعتمر ثلاث عمر متفرقات، هي: الحديبية، و القضاء، و الجعرانة، بعد رجوعه من الطائف من غزوة حنين (1). .

و عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» ، قال: ذكر أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اعتمر في ذي القعدة ثلاث عمر، كل ذلك يوافق عمرته ذا القعدة (2). .

في الطريق إلى المدينة:

و في العودة إلى المدينة: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أسفل مكة، عند غروب الشمس (3)، فصلى المغرب في سرف-على بعد تسعة أميال من مكة. .

ثم واصل سيره و معه مئات الألوف من الناس، حتى بلغ غدير خم، حيث أخذ «صلى اللّه عليه و آله» البيعة لعلي «عليه السلام» بالإمامة بعده، كما سنرى في الأبواب و الفصول التالية.


1) البحار ج 21 ص 398 و 400 و 401 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 152 و عن الكافي (الفروع) ج 1 ص 235 و تقدم ذكر المصادر فراجع.

2) الكافي ج 4 ص 252.

3) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 412 و مسند أحمد بن حنبل ج 3 ص 305 و البداية و النهاية ج 5 ص 226 و المعجم الأوسط ج 2 ص 134 و كنز العمال ج 8 ص 247 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 305 و السيرة الحلبية ج 3 ص 335.

الباب الحادي عشر: الغدير في الحديث و التاريخ

اشارة

الفصل الأول: الغدير و المعارضون

الفصل الثاني: الموقف. الفضيحة

الفصل الثالث: في حدود المكان و الزمان

الفصل الرابع: حديث الغدير و أسانيده

الفصل الخامس: في ظلال حديث الغدير

الفصل السادس: في ظلال آيات الغدير

الفصل السابع: سورة المائدة متى نزلت و كيف؟ !

الفصل الثامن: شبهات. . و أجوبتها

الفصل التاسع: الغدير في ظل التهديدات الإلهية

الفصل الأول: الغدير و المعارضون

اشارة

توطئة و تمهيد:

قال اللّه سبحانه و تعالى في كتابه الكريم: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكٰافِرِينَ (1).

نزلت هذه الآية الشريفة في حجة الوداع، لتؤكد على لزوم تبليغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما أمر به من أمر الإمامة. و ولاية علي «عليه الصلاة و السلام» على الناس. كما ذكرته المصادر الكثيرة و الروايات الموثوقة. . و لسنا هنا بصدد الحديث عن ذلك.

و قد يرى البعض: أن هذه الآية قد تضمنت تهديدا للرسول نفسه، بالعذاب و العقاب إن لم يبلّغ ما أنزل إليه من ربه، و في بعض الروايات الآتية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ذكر ذلك في خطبته للناس يوم الغدير.

و لكننا نقول:

إن التهديد الحقيقي موجه لفئات من الناس كان يخشاها الرسول، كما صرح به هو نفسه «صلى اللّه عليه و آله» و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) الآية 67 من سورة المائدة.

ممتنعا عن الإبلاغ، و لكنه كان ممنوعا منه، فالتهديد له-إن كان-فإنما هو من باب: «إياك أعني، و اسمعي يا جارة» .

و هذا بالذات، ما نريد توضيحه في هذا البحث، بالمقدار الذي يسمح لنا به المجال، و الوقت فنقول:

الغدير و الإمامة:

إن من يراجع كتب الحديث و التاريخ، يجدها طافحة بالنصوص و الآثار الثابتة، و الصحيحة، الدالة على إمامة علي أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام» ، و لسوف لا يبقى لديه أدنى شك في أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و سلم لم يأل جهدا، و لم يدخر وسعا في تأكيد هذا الأمر، و تثبيته، و قطع دابر مختلف التعلّلات و المعاذير فيه، في كل زمان و مكان، و في مختلف الظروف و الأحوال، على مر العصور و الدهور.

و قد استخدم في سبيل تحقيق هذا الهدف مختلف الطرق و الأساليب التعبيرية، و شتى المضامين البيانية: فعلا و قولا، تصريحا، و تلويحا، إثباتا لجانب و نفيا لجانب آخر، و ترغيبا و ترهيبا، إلى غير ذلك مما يكاد لا يمكن حصره، في تنوعه، و في مناسباته.

و قد توجت جميع تلك الجهود المضنية، و المتواصلة باحتفال جماهيري عام نصب فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» رسميا عليا «عليه السلام» بعد انتهائه «صلى اللّه عليه و آله» من حجة الوداع في مكان يقال له: «غدير خم» . و أخذ البيعة له فعلا من عشرات الألوف من المسلمين، الذين يرون نبيهم للمرة الأخيرة.

و هدفنا هنا هو الإلماح إلى حدث حصل في نفس حجة الوداع التي هي حجته الوحيدة و ذلك في يوم عرفة و منى.

لأن التعرف على هذا الحدث الذي سبق قضية الغدير لسوف يمكننا من أن نستوضح جانبا من المغزى العميق الذي يمكن في قوله تعالى: وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (1). و لكننا قبل ذلك، لا بد لنا من إثارة بعض النقاط المفيدة في هذا المجال فنقول:

الحدث الخالد:

إن من طبيعة الزمن في حركته نحو المستقبل، و ابتعاده عن قضايا الماضي، هو أن يؤثر في التقليل من أهمية الأحداث الكبيرة، التي يمر بها، و تمر به، و يساهم في أفولها شيئا فشيئا، حتى تصبح على حد الشبح البعيد البعيد، ثم قد ينتهي بها الأمر إلى أن تختفي عن مسرح الذكر و الذاكرة، حتى كأن شيئا لم يكن.

و لا تحتاج كبريات الحوادث في قطعها لشوط كبير في هذا الاتجاه إلى أكثر من بضعة عقود من الزمن، مشحونة بالتغيرات و المفاجآت.

و حتى لو احتفظت بعض معالمها-لسبب أو لآخر-بشيء من الوضوح، و نالت قسطا من الاهتمام، فلا يرجع ذلك إلى أن لها دورا يذكر في حياة الإنسان و في حركته، و إنما قد يرجع إلى أنها أصبحت تاريخا مجيدا، يبعث الزهو و الخيلاء لدى بعض الناس، الذين يرون في ذلك شيئا يشبه


1) الآية 67 من سورة المائدة.

القيمة، أو يعطيهم بعضا من الاعتبار و المجد بنظرهم، و ربما يكون ثمة أسباب أخرى أيضا.

و لكن قضية الغدير، رغم مرور الدهور و الأحقاب، و بعد ألف و أربع مائة سنة زاخرة بالتقلبات العجيبة، و بالقضايا الغريبة، و مشحونة بالحروب و الكوارث، و بالعجيب من القضايا و الحوادث.

و رغم المحاولات الجادة، و المتتابعة للتعتيم عليها، و إرهاقها بالتعليلات و التعللات غير المعقولة، باردة كانت أو ساخنة، بهدف حرفها عن خطها القويم، و عن الاتجاه الصحيح و السليم.

و كذلك رغم ما عاناه و يعانيه المهتمون بها من اضطهاد و غربة، و تشريد و محنة، و ما يصب على رؤوسهم من بلايا و مصائب، و كوارث و نوائب.

نعم، رغم ذلك كله و سواه، فإن هذه الحادثة بما تمثله من قضية كبرى للإيمان و للإنسان، قد بقيت و لسوف تبقى القضية الأكثر حساسية و أهمية، لأنها الأكثر صلة بالإيمان و بالإنسان، و الأعمق تأثيرا في حياة هذا الكائن، و في بنية شخصيته من الداخل، و على علاقاته بكل من و ما يحيط به، أو يمت إليه بأدنى صلة أو رابطة من الخارج.

و هي كذلك القضية الأكثر مساسا و ارتباطا بمستقبل هذا الإنسان، و بمصيره، إن في الدنيا، و إن في الآخرة.

و هذا بالذات هو السر في احتفاظ هذه القضية بكل حيويتها، و حساسيتها بالنسبة إليه، على مر الدهور، و تعاقب العصور، و لسوف تبقى كذلك كما سيتضح فيما يأتي.

مفتاح الحل:

و إذا كان الأمر كذلك فلا مجال للإصغاء لما قد يثيره البعض، من أنه: سواء أكان الحق في ذلك لعلي «عليه السلام» ، و قد اغتصب منه، و أقصي عن منصب هو له، أم لم يكن الأمر كذلك، فإن هذه القضية قد تجاوزتها الأحداث، و أصبحت تاريخا يحكيه البعض، و ينساه آخرون، كأي حدث تاريخي آخر.

فلم يعد الوقوف عندها و الاهتمام بها مجديا، و لا مفيدا، إن لم نقل: إن فيه ما يوجب الفرقة، و يرسخ التباعد، بما يثيره من كوامن و ضغائن.

نعم. . لا مجال لهذا القول؛ فإن قضية الغدير، لا تزال و لسوف تبقى هي القضية الأساسية و الرئيسة بالنسبة للمسلمين بل للناس جميعا، و هي المفتاح للباب الذي لا بد من الدخول منه لحل المشاكل المستعصية الكبرى، و بعث الإسلام العزيز من جديد، و بناء قوته، و بث الحياة و الحيوية في أبنائه.

و بدون ذلك، فإن على الجميع أن يستعدوا لمواجهة المزيد من المصائب، و أن يقبلوا-شاؤوا أم أبوا-باستمرار حالة الضعف و التقهقر، بل و انهيار بناء الإسلام الشامخ.

خلافة أم إمامة:

و ما ذلك إلا لأن القضية لا تقتصر على أن تكون مجرد قضية خلافة و حكم و سلطة في الحياة الدنيا، و لا هي قضية: أن يحكم هذا، أو يحكم ذاك، لسنوات معدودة، و ينتهي الأمر. . و إن كان ربما يقال: إن الذين تصدوا للحكم، و استأثروا به لأنفسهم قد قصدوا ذلك.

و لكننا نجد شواهد كثيرة قد لا تساعد على هذا الفهم الساذج للأمور.

و إنما هو يتجاوزه لما هو أهم و أخطر، و أدهى و أعظم، فقد عمل الحكام الأمويون على تكريس مفهوم الإمامة و الخلافة الإلهية في كل شخصية تصدت للحكم. و ذلك في نطاق تقديم العديد من الضوابط و المعايير، المستندة إلى مبررات ذات طابع عقائدي في ظاهر الأمر، يتم على أساسها اضطهاد الفكر و الاعتقاد المخالف، و التخلص من رجالاته بطريقة أو بأخرى.

و قد سرت تلك المفاهيم المخترعة في الناس، و أصبحت أمرا واقعا، لا مفر منه و لا مهرب، و لا ملجأ منه و لا منجى. و تفرقت الفرق، و تحزبت الأحزاب، رغم أن غير الشيعة من أرباب الفرق و المذاهب الإسلامية يدّعون شيئا، و يمارسون شيئا آخر، فهم يعتقدون بالخلفاء أكثر مما يعتقده الشيعة في أئمتهم، و يمارسون ذلك عملا، و لكنهم ينكرون ذلك، و لا يعترفون به قولا، بل هم ينكرون على الشيعة اعتقادهم في أئمتهم ما هو أخف من ذلك و أيسر.

دور الإمامة في بناء الإنسان و الحياة:

و ليس من الغريب القول بأن معرفة قضية الإمامة و تحديد الموقف منها هو الذي يحدد مسار الإنسان و اتجاهه في هذه الحياة. و على أساس هذا التحديد، و المعرفة و الاعتراف يتحدد مصيره، و يرسم مستقبله، و بذلك تقوم حياته، فيكون سعيدا أو شقيا، في خط الإسلام و هداه، أو في متاهات

الجاهلية و ظلماتها، كما أشير إليه في الحديث الشريف: «من مات و لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» أو ما بمعناه (1).

فعلى أساس الإعتقاد بالإمامة و طريقة التعامل معها يجسد الإنسان على صعيد الواقع، و العمل، مفهوم الأسوة و القدوة، الذي هو حالة طبيعية، يقوم عليها-من حيث يشعر أو لا يشعر-بناء وجوده و تكوين شخصيته، منذ طفولته.

كما أن لذلك تأثيره الكبير في تكوينه النفسي، و الروحي، و التربوي، و في حصوله على خصائصه الإنسانية، و في حفاظه على ما لديه منها.

و على أساس هذا الإعتقاد، و ذلك الموقف-أيضا-يختار أهدافه، و يختار السبل التي يرى أنها توصله إليها.

و الإمامة هي التي تبين له الحق من الباطل، و الحسن من القبيح، و الضار من النافع.


1) راجع: الغدير ج 1 ص 390 عن التفتازاني في شرح المقاصد ج 2 ص 275 و كنز الكراجكي ص 151 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 217 و مجمع الزوائد ج 5 ص 224 و 225 و 219 و 218 و مسند أحمد ج 4 ص 96 و البحار ج 23 ص 92 و 88 و 89 و ج 29 ص 38 و ج 32 ص 331 و في هوامشه عن: الإختصاص ص 269 و عن إكمال الدين ص 230 و 231 و عن عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ص 219 و منتخب الأثر ص 15 عن الجمع بين الصحيحين و الحاكم. و راجع: الرسائل العشر للشيخ الطوسي ص 317 و الصراط المستقيم ج 1 ص 111 و الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص 495.

و على أساس الإلتزام بخطها يرتبط بهذا الإنسان أو بذاك، و يتعاون معه، و يتكامل، أو لا يفعل ذلك.

كما أنها هي التي تقدم للإنسان المعايير و النظم، و المنطلقات التي لا بد أن يلتزم بها، و ينطلق منها، و يتعامل و يتخذ المواقف-إحجاما أو إقداما- على أساسها.

أضف إلى ذلك: أنها تتدخل في حياته الخاصة، و في ثقافته، و في أسلوبه و في كيفية تفكيره.

و من الإمام يأخذ معالم الدين، و تفسير القرآن، و خصائص العقائد، و دقائق المعارف. و هذا بالذات هو السر في اختلاف الناس في ذلك كله، و اختلفوا في تحديد من يأخذون عنه دينهم، و في من يتخذونه أسوة و قدوة.

إذن. . فموضوع الغدير، و نصب الإمام للناس، و تعريفهم به، لا يمكن أن يكون على حد تنصيب خليفة، أو حاكم، أو ما إلى ذلك، بل الأمر أكبر و أخطر من ذلك. . كما أنه ليس حدثا عابرا فرضته بعض الظروف، لا يلبث أن ينتهي و يتلاشى تبعا لتلاشي و انتهاء الظروف التي فرضته أو أوجدته، و ليصبح في جملة ما يحتضنه التاريخ من أحداث كبيرة، و صغيرة، لا يختلف عنها في شيء، و لا أثر له في الحياة الحاضرة إلا بمقدار ما يبعثه من زهو، و اعتزاز، أو يتركه من مرارة و ألم على مستوى المشاعر و الانفعالات لا أكثر.

بل أمر الإمامة، يمس في الصميم حقيقة هذا الإنسان، و مصيره و مستقبله، و دنياه و آخرته، و يؤثر في مختلف جهات وجوده و حياته.

و معنى ذلك: هو أنه لا بد من حسم الموقف في هذا الأمر، ليكون

الإنسان على بصيرة من أمره، فلا يموت ميتة جاهلية. كما تقدم عن الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» .

و اشتراط الحديث الشريف تحصيل معرفة الإمام في النجاة من الهلكة، و ذلك في صيغة عامة تشمل كل إنسان، حتى و لو لم يكن يعتنق الإسلام، حيث قال: «من مات و لم يعرف إمام زمانه. .» ، و لم يقل: إذا مات المسلم و لم يعرف. . الخ. .

إن هذا الإشتراط يوضح لنا: أن تجاهل قضية الإمامة، و عدم حسم الأمر في موضوع الأسوة و القدوة يساوي رفضها، و إبعادها عن محيط الحياة و الإنسان في كونه يوجب الميتة الجاهلية، و يترك آثاره السلبية المهلكة و المبيدة، على مجمل حياة هذا الكائن و على مستقبله و مصيره، في الدنيا و الآخرة.

و مما يدل على ذلك، و يثبته و يؤكده: أنه تعالى قد اعتبر عدم إبلاغ أمر الإمامة إلى الناس، يساوي عدم إبلاغ الرسالة نفسها من الأساس، و ذلك يعني: أنه لا يمكن التسامح فيها و لا المحاباة، كما أنه لا مجال لإبعادها و تعطيلها، لأن ذلك يعني إبعاد الدين و تعطيله، و منعه من أن يكون هو سيد الموقف، و صاحب القرار في حياة الإنسان، و في مجمل مواقفه و في مستقبله.

الإمامة. . تعدل الرسالة كلها:

لا شك في أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بلّغ هذا الدين في عقائده و شرائعه، و مفاهيمه، و قيمه، و سياساته، و غير ذلك طيلة ثلاث و عشرين

سنة، لكن ذلك كله لكي يكون مقبولا عند اللّه سبحانه، و محققا للأهداف، و موصلا للغايات المتوخاة منه-يحتاج-إلى ولاية أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و لذلك قال تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكٰافِرِينَ (1)فقرر أن تبليغ أي حكم، أو اعتقاد، أو مفهوم يبقى ناقصا، إذا لم يصاحبه الاعتقاد بالولاية و الإمامة لأهلها، فالتوحيد الذي لا ولاية معه ليس هو التوحيد الذي أراد اللّه تعالى، و الاعتقاد بالمعاد بدون الاعتقاد بالولاية ليس هو المطلوب له تعالى، و الصلاة أيضا، و الحج، و الجهاد، و التسبيح، و التوبة، و. . و. . الخ. . كل ذلك إذا لم تصاحبه ولاية علي «عليه السلام» فهو ناقص، و لا يحقق الأهداف، و لا يوصل إلى الغايات الإلهية، و ليس هو ما يريده اللّه عز و جل. .

فإذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بلّغ جميع أحكام الدين، و لم يبلّغ الولاية، فإنه يكون قد بلّغ الرسالة، و إذا أردنا توضيح ذلك بالمثال، نقول: لو أن جسدا ملقى له عين و قلب، و يد، و رجل، و لسان، و أذن، و. . و. . الخ. . فإذا كان فاقدا للروح، فوجود اليد و الرجل و اللسان، و سائر الأعضاء يكون كعدمه، فإن العين لا ترى، و اليد لا تتحرك، و الأذن لا تسمع، و اللسان لا يتكلم، و ليس له عقل، و لا مشاعر، و لا قوة، و لا غريزة جنسية، و لا، و لا الخ. .

فإذا نفخت فيه الروح، فإن ذلك كله يبدأ بالعمل، فالعين تبصر،


1) الآية 67 من سورة المائدة.

و القلب ينبض، و اليد تمتلئ قوة، و يصير يحب و يبغض، و يحس و يتألم، و يلتذ، و تبدأ سائر قواه بالتنامي الخ. .

و ولاية أمير المؤمنين «عليه السلام» بالنسبة للأعمال من هذا القبيل، و لذلك ورد أنها شرط لقبولها، و المثوبة عليها، و بدون هذه الولاية لا يكون لكل تلك الأعمال الجوارحية و الجوانحية فائدة و لا أثر، بل يكون وجودها كعدمه. .

سر السعادة و رمز البقاء:

نعود لنقول:

إن تبليغ و حفظ دين اللّه تعالى هو أهم قضية بالنسبة للبشر؛ فهو سر سعادتهم و نجاتهم، و هو رمز بقائهم، و به تتبلور حقيقتهم الإنسانية، و على أساسه لا بد أن يكون تعاملهم. و من خلال تعاليمه، و مفاهيمه، لابد أن يتم بناء شخصيتهم الإنسانية.

كما أن كل حكم، و كل حقيقة في هذا الدين على ارتباط وثيق بأمر الولاية و الإمامة، حتى إنه إذا لم يتم تبليغها فإن الدين نفسه يصبح كأن لم يكن أصلا. .

و نتيجة ذلك كله هو: أن تصبح هذه الولاية ضرورة للبشرية، و ليس فوقها ضرورة على الإطلاق.

فعدم تبليغها يجعل الدين و الرسالة بلا مضمون و بلا فائدة، و يكون وجوده كعدمه تماما كما صرحت به الآية الكريمة: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ .

المعارضون:

ثم إننا إذا رجعنا إلى القرآن الكريم، فسنجد أنه قد أفصح لنا عن وجود فئات من الناس، كانت تقف في وجه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة، و تسعى لعرقلة حركته، و تمنعه من بيان أمر الإمامة، و إقامة الحجة فيها، حتى احتاج «صلى اللّه عليه و آله» إلى طلب العصمة من اللّه سبحانه، ليتمكن من مواجهة هؤلاء، و كبح جماحهم.

فمن هم هؤلاء الأشرار الأفّاكون، و العتاة المجرمون؟ ! . الذين يجترئون على مقام النبوة الأقدس، و يقفون في وجه إبلاغ أوامر اللّه، و أحكامه؟ ! .

الجواب:

إن كتب التاريخ و الحديث، و السيرة زاخرة بالشواهد و الدلائل القاطعة، و البراهين الساطعة، التي تكشف لنا القناع عن وجه هؤلاء، و تظهر مدى تصميمهم على رفض هذا الأمر، و محاربته، و طمسه و منابذته، بكل ما أوتوا من حول و قوة. .

و نحن في مقام التعريف بهم، و الدلالة عليهم نبادر إلى القول: إنهم -للأسف-قوم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قريش، بالذات. . قريش، التي حاربت الإسلام في بدء ظهوره، و حاربته و هو غضّ طري العود، ثم حاربته بعد أن ضرب بجرانه، و عملت على زعزعة أركانه، حينما أرادت حرمانه من العنصر الضروري و الأهم للحياة و للإستمرار، و البقاء. . و أعني به عنصر الإمامة و القيادة. و النصوص التالية خير شاهد على سياسات قريش هذه. فلنقرأها بتمعن، و صبر، و أناة.

النصوص الصريحة:

قال عثمان بن عفان لابن عباس: «لقد علمت: أن الأمر لكم، و لكن قومكم دفعوكم عنه» .

ثم تذكر الرواية له كلاما آخر، و جواب ابن عباس له، فكان مما قال:

«فأما صرف قومنا عنا الأمر، فعن حسد-قد و اللّه-عرفته، و بغي- و اللّه-علمته بيننا و بين قومنا» (1).

و حين ظهرت نتائج الشورى التي عينها عمر بن الخطاب، قال رجل من بني مخزوم لعمار-هشام بن الوليد بن المغيرة-: «ما أنت و تأمير قريش لأنفسها» ؟ ! (2).

ثم تستمر الرواية إلى أن تذكر:

أن المقداد قال: «تاللّه، ما رأيت مثل ما أتي إلى أهل هذا البيت. وا عجبا لقريش، لقد تركت رجلا، ما أقول، و لا أعلم أحدا أقضى بالعدل. .


1) قاموس الرجال ج 6 ص 37 و شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 9 و البحار ج 31 ص 455 و الموفقيات ص 606 و التحفة العسجدية ليحيى بن الحسين بن القاسم ص 131.

2) تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 930 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 297 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص 71 و البحار ج 31 ص 402 و الغدير ج 9 ص 115 و الدرجات الرفيعة ص 261 و قاموس الرجال ج 10 ص 488 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 194 و ج 9 ص 58 و ج 12 ص 265 و السقيفة و فدك للجوهري ص 92 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 220 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 3 ص 109.

الخ. .» (1).

و خطب أبو الهيثم بن التيهان بين يدي أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ، فقال:

«إن حسد قريش إياك على وجهين:

أما خيارهم فتمنوا أن يكونوا مثلك منافسة في الملأ، و ارتفاع الدرجة.

و أما شرارهم فحسدوك حسدا أنغل القلوب، و أحبط الأعمال.

و ذلك أنهم رأوا عليك نعمة قدّمك إليها الحظ، و أخّرهم عنها الحرمان، فلم يرضوا أن يلحقوك حتى طلبوا أن يسبقوك. فبعدت-و اللّه- عليهم الغاية، و أسقط المضمار.

فلما تقدمتهم بالسبق، و عجزوا عن اللحاق بك بلغوا منك ما رأيت، و كنت و اللّه أحق قريش بشكر قريش» (2).


1) الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص 71 و قاموس الرجال ج 6 ص 384-385 و البحار ج 31 ص 403 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 348 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 3 ص 110 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 194 و ج 9 ص 57 و 58 و ج 12 ص 266 و الأمالي للشيخ الطوسي ص 191 و في كلمات المقداد «رحمه اللّه» عبارات أخرى صريحة في ذلك، فلتراجع.

2) الأمالي للشيخ المفيد ص 155 و إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس ج 2 ص 253 و البحار ج 29 ص 492 و 580 و الأوائل ج 1 ص 316-317 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 3 ص 74 ج 5 ص 35 و ج 8 ص 300 و الشيعة في الميزان للشيخ محمد جواد مغنية ص 23.

و عمرو بن عثمان بن عفان أيضا قال: «ما سمعت كاليوم إن بقي من بني عبد المطلب على وجه الأرض أحد بعد قتل الخليفة عثمان» .

إلى أن قال: «فيا ذلاه، أن يكون حسن و سائر بني عبد المطلب-قتلة عثمان-أحياء يمشون على مناكب الأرض. .» (1).

إنهم يقولون هذا مع أنهم يعلمون: أن الحسن «عليه السلام» كان يدافع عن عثمان و هو محاصر في داره.

و عن علي بن الحسين «عليه السلام» ، أنه قال: «ما بمكة و المدينة عشرون رجلا يحبنا» (2).

و دخل العباس على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «يا رسول اللّه. إنا لنخرج فنرى قريشا تحدّث؛ فإذا رأونا سكتوا» .

فغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و درّ عرق بين عينيه (3).


1) الإحتجاج ج 1 ص 403 و البحار ج 44 ص 71.

2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 104 و البحار ج 34 ص 297 و ج 46 ص 143 و (ط حجرية) ج 8 ص 676 و 730 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 579 و راجع: الغارات ج 2 ص 573 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 298.

3) مسند أحمد ج 1 ص 207 و ج 4 ص 165 و راجع ص 210 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 50 و حياة الصحابة ج 2 ص 487 و 488 و 431 و ج 3 ص 333 و الإصابة ج 2 ص 271 و نزل الأبرار: ص 34-35 و راجع: تاريخ المدينة ج 2 ص 639 و 640 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 333 و تلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة، و منحة المعبود ج 2 ص 147 و مجمع الزوائد ج 9 ص 269 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 652 و صححه، و أسد الغابة ج 3 ص 110 و 331 و كنزالعمال ج 13 ص 90 و 88-89 و 83 و ج 16 ص 254 و 135 و 128 و ج 4 ص 165 عن عدد من المصادر و نقله بعض الأعلام عن الكامل لابن عدي ج 6 ص 1885 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 12 ص 108 و عن المعرفة و التاريخ ج 1 ص 497 و 499. و البحار (ط حجرية) ج 8 ص 151. و راجع: تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 122 و الدر المنثور ج 6 ص 7 و تفسير الآلوسي ج 25 ص 32 و ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ج 2 ص 110 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 4 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 300 و ذخائر العقبى للطبري ص 9 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 24 ص 304 و ج 33 ص 111.

و قال «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» : «يا على، إنك ستلقى بعدي من قريش شدة، من تظاهرهم عليك، و ظلمهم لك» (1).

و سئل الإمام السجاد «عليه السلام» -و ابن عباس أيضا: ما أشد بغض قريش لأبيك؟ ! .

قال: «لأنه أورد أولهم النار، و ألزم آخرهم العار» (2).


1) كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 134 و البحار ج 28 ص 54 و 55 و 71 عن إكمال الدين، و كتاب سليم، و الغيبة للنعماني. و راجع: موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 11 ص 82 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 180 و ج 2 ص 74 و تفسير كنز الدقائق للمشهدي ج 1 ص 458 و نفس الرحمن في فضائل سلمان للميرزا حسين النوري الطبرسي ص 428 و إكمال الدين ص 264.

2) نثر الدر للآبي ج 1 ص 304 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 220 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 290 و كشف الغمة ج 2 ص 319 و الإحتجاج للطبرسي ج 1 ص 129 و البحار ج 29 ص 143 و ج 75 ص 159 و (ط الحجرية) ج 8 ص 151 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 499 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 11 ص 245 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 28 ص 129 و ج 33 ص 780.

و عن ابن عباس: قال عثمان لعلي «عليه السلام» :

«ما ذنبي إذا لم تحبك قريش، و قد قتلت منهم سبعين رجلا، كأن وجوههم سيوف الذهب» (1).

و قريب منه ما روي أن ابن عمر، قد قاله لعلي أمير المؤمنين «عليه السلام» أيضا (2).

و روي أن العباس قال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن قريشا، جلسوا، فتذاكروا أحسابهم، فجعلوا مثلك مثل نخلة في كبوة من الأرض، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «إن اللّه خلق الخلق فجعلني من خيرهم الخ. .» (3).


1) معرفة الصحابة لأبي نعيم (مخطوط في مكتبة طوب قپوسراي) الورق 22 رقم 1 ص 497-أ، و الجمل ص 99 و شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 23 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 11 ص 246.

2) المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 21 و البحار ج 29 ص 482 و راجع: المسترشد للطبري ص 384.

3) مكاتيب الرسول ج 1 ص 582 و قال في هامشه: الترمذي ج 5 ص 584(و (ط دار الفكر) ج 5 ص 244)و لسان العرب في «كبا» و راجع: مجمع الزوائد ج 8 ص 216 و راجع النهاية لابن الأثير، و الفائق للزمخشري في «كبا» . و راجع: الكامل لابن عدي ج 2 ص 665 و ج 6 ص 2207 و دلائل النبوة ج 1 ص 131 و 133 و في الكامل: أن القائل هو أبو سفيان. و راجع: تحفة الأحوذي ج 10 ص 54 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 138 و البداية و النهاية ج 2 ص 315 و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 4 ص 146 و لسان العرب ج 15 ص 213.

و حسب نص آخر: أن ناسا من الأنصار جاؤوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقالوا: إنا لنسمع من قومك، حتى يقول القائل منهم:

«إنما مثل محمد مثل نخلة في كباة» (1).

أي أن النبي فقط هو الإنسان المقبول في بني هاشم، و هو كنخلة. و هم بمثابة المزبلة التي نبتت تلك النخلة فيها.

و قال أبو سفيان: مثل محمد في بني هاشم مثل ريحانة وسط النتن (2).

و يقولون أيضا: قد كان هوى قريش كافة ما عدا بني هاشم في عثمان (3).


1) راجع مسند أحمد ج 4 ص 166 و لسان العرب ج 15 ص 213 و النهاية في اللغة ج 4 ص 146 و في الكامل لابن عدي ج 2 ص 665 و ج 6 ص 2207 و كذا في ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 133: أن القائل هو أبو سفيان، و في البحار ج 36 ص 278 و 294 و ج 30 ص 310-314: أن القائل هو عمر بن الخطاب. و الكبا: الكناسة، و التراب الذي يكنس، و راجع: ذخائر العقبى ص 14 و ينابيع المودة ص 189 و مجمع الزوائد ج 8 ص 216 و 215 و راجع: دلائل النبوة ج 1 ص 131 و 133 و الجامع الصحيح للترمذي ج 5 ص 584. و راجع: كتاب الغيبة للنعماني ص 85.

2) الكامل لابن عدي ج 2 ص 665 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 248 و راجع: البحار ج 36 ص 98 و 278 و 294 و كنوز الحقائق (مطبوع بهامش الجامع الصغير) ج 2 ص 88 و راجع: ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 134.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 52 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 214 و السقيفة و فدك للجوهري ص 86.

و قال المقداد: و اعجبا لقريش، و دفعهم هذا الأمر عن أهل بيت نبيهم (1).

و قال الثقفي: كانت قريش كلها على خلافه مع بني أمية (2).

و بعد بيعة عثمان تلكم عمار، فذكر: أن قريشا هي التي صرفت هذا الأمر عن أهل البيت «عليهم السلام» ، ثم قال المقداد لعبد الرحمن بن عوف:

«يا عبد الرحمن، اعجب من قريش، إنما تطوّلهم على الناس بفضل أهل هذا البيت، قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعده من أيديهم. أما و أيم اللّه يا عبد الرحمن، لو أجد على قريش أنصارا لقاتلتهم كقتالي إياهم مع النبي «عليه الصلاة و السلام» يوم بدر» (3).

«و بعد أن بايع الناس عليا «عليه السلام» قام أبو الهيثم، و عمار، و أبو أيوب، و سهل بن حنيف، و جماعة معهم، فدخلوا على علي «عليه السلام» ، فقالوا: يا أمير المؤمنين، انظر في أمرك، و عاتب قومك هذا الحي من قريش، فإنهم قد نقضوا عهدك، و أخلفوا وعدك، و دعونا في السر إلى رفضك» (4).


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 163 و قاموس الرجال ج 10 ص 229 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 468 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 12 ص 314.

2) الغارات ج 2 ص 569 و راجع 554.

3) مروج الذهب ج 2 ص 343 و الغدير ج 9 ص 116 و راجع: إختيار معرفة الرجال ج 1 ص 127 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 468.

4) شرح النهج لابن للمعتزلي ج 7 ص 39-40 و البحار ج 32 ص 19 و المعيار و الموازنة ص 109 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للمير جهاني ج 2 ص 277 و الجمل لضامن بن شدقم المدني ص 68 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 4 ص 109.

كما أن البراء بن عازب قد ذكر: أنه حين توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تخوف أن تتمالأ قريش على إخراج هذا الأمر عن بني هاشم (1).

و روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لعلي «عليه السلام» :

«إن الأمة ستغدر بك بعدي» (2).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 219 و ج 2 ص 51 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 146 و البحار ج 28 ص 293 و الدرجات الرفيعة ص 87 و 454 و السقيفة و فدك للجوهري ص 48.

2) نزل الأبرار ص 261 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 448 و البداية و النهاية ج 6 ص 244 و ج 7 ص 360 و تاريخ بغداد ج 11 ص 216 و تذكرة الحفاظ للذهبي ج 3 ص 995 و الجمل للمفيد ص 92 و إعلام الورى ج 1 ص 92 و الدر النظيم ص 442 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 150 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 142 و تلخيصه للذهبي بهامش نفس الصفحة، و كنز العمال ج 15 ص 56 و (ط مكتبة الرسالة) ج 11 ص 297 و 617 و البحار ج 18 ص 124 و ج 28 ص 45 و 50 و 65 و 76 و 191 و 210 و ج 29 ص 453 و ج 34 ص 338 و (طبعة حجرية) ج 8 ص 629 و في هوامشه عن: أمالي الطوسي، و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ، و الإرشاد للمفيد، و الإيضاح لابن شاذان، و عن المعتزلي، و عن التاريخ الكبير للبخاري، و الطرائف، و المطالب العالية ج 4 ص 56 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 107 و ج 20 ص 326 و راجع: كشف الغطاء (ط. ق) ج 1 ص 10 و الإيضاح لابن شاذان ص 452 و شرح الأخبار ج 1 ص 436 و الأمالي للطوسي ص 476 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 265 و المراجعات ص 251 و نهج السعادة للمحمودي ج 2 ص 607 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 68 و مستدركات علم رجال الحديث ج 6 ص 204 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 9 ص 409 و نهج الحق و كشف الصدق ص 330 و إحقاق الحق (الأصل) ص 279 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 7 ص 326 و 327 و ج 17 ص 257 و ج 21 ص 436 و 437 و ج 22 ص 454 و ج 23 ص 294 و 295 و ج 23 ص 313 و 319 و 320 و 388 و ج 31 ص 244 و الخصال ص 462 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 533 و 545 و الإرشاد ج 1 ص 285 و الإحتجاج ج 1 ص 98 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 17 و الطرائف ص 427 و اليقين ص 337 و وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ص 68 و الغدير ج 7 ص 173 و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 296.

كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر أمير المؤمنين، بأن في صدور أقوام ضغائن، لا يبدونها له إلا بعده.

و في بعض المصادر: أن ذلك كان منه «صلى اللّه عليه و آله» حين حضرته الوفاة (1).


1) راجع المصادر التالية: تذكرة الخواص ص 45-46 و كفاية الطالب ص 272 و فرائد السمطين ج 1 ص 152 و البحار ج 28 ص 45 و 52 و 53 و 54 و 66 و 75 و 78 و 129 و ج 26 ص 350 و 54 و 55 و 66 و 35 و ج 44 ص 75 و ج 36 ص 337 و 328 و 218 و ج 37 ص 192 و ج 22 ص 536 و ج 51 ص 108 و كتاب سليم بن قيس ص 22. و راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 118 و 269 و ج 1 ص 88 عن البزار و الطبراني و أبي يعلى، و المناقب للخوارزمي ص 37 و تاريخ بغداد ج 12 ص 398 و مقتلالحسين للخوارزمي ج 1 ص 36 و ترجمة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 322-325 و نور الأبصار ص 79 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 355 و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 107 و كنز العمال ج 15 ص 156 عن ابن النجار، و أبي الشيخ، و المستدرك، و البزار، و ابن الجوزي، و الخطيب، و أبي يعلى، و كفاية الأثر ص 124 و 158 و 102 و نثر الدر للآبي ج 1 ص 241 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 139 و 333 و الملاحم و الفتن لابن طاووس ص 112 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 340 و 341. و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 578 و في هامشه عن: المعجم الكبير للطبراني ج 17 ص 185 و الضعفاء الكبير للعقيلي ج 4 ص 148 و الكامل لابن عدي ج 5 ص 1885 و ج 2 ص 665 و تأريخ المدينة لابن شبه ج 2 ص 639 و 640 و النهاية لابن الأثير ج 3 ص 91 في «ضغن» و ج 4 ص 75 في «قطب» . و راجع: لسان العرب، و أسد الغابة ج 3 ص 110 و 331 و الإصابة ج 2 ص 271 و كنز العمال ج 13 ص 83 و 88 و 89 و ج 4 ص 165 و ج 16 ص 128 و 135 و 254 و مسند أحمد ج 4 ص 165 بسندين، و المعرفة و التأريخ ج 1 ص 295 و 297 و 499 و منحة المعبود ج 4 ص 147. و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 12 ص 108 و في هامشه عن: الترمذي ج 2 ص 217 و حياة الصحابة ج 2 ص 431 و 432 و ج 3 ص 333 و العمدة لابن بطريق ص 54 و الفردوس للديلمي ج 4 ص 113 و مسند علي ص 1005 و المعجم الصغير للطبراني ج 1 ص 239 و مشكل الآثار للطحاوي ج 2 ص 26 و ينابيع المودة ص 12 و 135 و 190 و 191 و 271 و 272 و 303 و 309 و الصواعق المحرقة ص 172 و 187 و 230 و 231 و المعجم الأوسط للطبراني ج 3 ص 460.

الخليفة الثاني يتحدث أيضا:

قال عمر لابن عباس، و هو يتحدث عن سبب صرف الأمر عن علي «عليه السلام» :

«و اللّه» ، ما فعلنا الذي فعلنا معه عن عداوة، و لكن استصغرناه، و خشينا أن لا يجتمع عليه العرب، و قريش؛ لما قد وترها» (1).

و قال لابن عباس أيضا: «كرهت قريش أن تجمع لكم النبوة و الخلافة، فتجفخوا الناس جفخا (2)، فنظرت قريش لأنفسها، فاختارت، و وفقت، فأصابت» (3).


1) اليقين لابن طاووس ص 523 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 3 ص 70 و الغدير ج 1 ص 389 و ج 7 ص 80 عن محاضرات الراغب، و البحار ج 30 ص 212 و (ط حجرية) ج 8 ص 209.

2) الجفخ: التكبر.

3) قاموس الرجال ج 6 ص 33 و 403 و ج 7 ص 199 و قال: رواه الطبري في أحوال عمر، و المسترشد في إمامة علي «عليه السلام» ص 167 و (مؤسسة الثقافة الإسلامية) ص 684 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 53 و راجع ص 9 و عبر فيه ب‌ «قومكم» و فيه: «إنهم ينظرون إليه نظر الثور إلى جازره» ، و راجع ج 2 ص 58 و الإيضاح ص 199 و عن شرح ديوان زهير لثعلب، و البحار ج 8 ص 209 و ج 31 ص 71 و التحفة العسجدية ليحيى بن الحسين بن القاسم ص 145 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 452 و المراجعات ص 394 و مواقف الشيعة مع خصومهم ج 1 ص 151 و ج 2 ص 237 عن الأغاني.

و في موقف آخر قال الخليفة له: «فاستصغرت العرب سنه» (1).

و قال لابن عباس أيضا: ما أظن القوم منعهم من صاحبك إلا أنهم استصغروه (2).

و في مناسبة أخرى قال له: «لا، و رب هذه البنية، لا تجتمع عليه قريش أبدا» (3).


1) راجع: البحار ج 29 ص 637 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 448 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 733 عن: شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 80 و قاموس الرجال ج 6 ص 34 و 380 و بهج الصباغة ج 4 ص 361 و راجع: التحفة العسجدية ليحيى بن الحسين بن القاسم ص 147 و سفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 23.

2) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 45 و ج 12 ص 46 و راجع ج 2 ص 58 و 81 و في هامشه عن الرياض النضرة ج 2 ص 173 و راجع: بهج الصباغة ج 4 ص 361 و قاموس الرجال ج 7 ص 201 و ج 6 ص 35 عن الموفقيات، و البحار ج 40 ص 125 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 226 و السقيفة و فدك للجوهري ص 72 و الدرجات الرفيعة ص 105 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 122 و كشف الغمة ج 2 ص 47 و كشف اليقين للعلامة الحلي ص 175 و 470.

3) شرح النهج ج 12 ص 20 و 21 عن كتاب بغداد لأحمد بن أبي طاهر، و راجع ج 12 ص 79 و 85 و 86 و 84 و 80 و 82 و قاموس الرجال ج 6 ص 398 و ج 7 ص 188 و بهج الصباغة ج 6 ص 244 و ج 4 ص 381 و عن ناسخ التواريخ (الجزء المتعلق بالخلفاء) ص 72 و 80. و راجع: البحار ج 30 ص 244 و 556 و ج 31 ص 75 و ج 38 ص 157 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 450 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 707 و الدرجات الرفيعة ص 106 و كشف الغمة لابن أبي الفتح ج 2 ص 47 و كشف اليقين ص 472 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 91 و 391 و التحفة العسجدية ليحيى بن الحسين بن القاسم ص 144 و سفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 226.

و في نص آخر: «إن قومكم كرهوا أن تجتمع لكم النبوة و الخلافة» (1).

و في آخر: «لولا ثلاث هنّ فيه ما كان لهذا الأمر من أحد سواه.

قلت: و ما هن يا أمير المؤمنين؟

قال: كثرة دعابة، و بغض قريش له، و صغر سنه» (2).

و قال أيضا لابن عباس: «إن عليا لأحق الناس بها، و لكن قريشا لا تحتمله. .» (3).


1) البحار ج 31 ص 75 و مواقف الشيعة مع خصومهم ج 1 ص 147 و 148 و مناقب الإمام علي من تاريخ دمشق (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 6 و شرح نهج البلاغة ج 1 ص 189 و ج 2 ص 58 و ج 20 ص 155 و التحفة العسجدية ص 144 و بناء المقالة الفاطمية للسيد ابن طاووس ص 157.

2) نظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص 132 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 3 ص 73 عن فرائد السمطين، و مواقف الشيعة مع خصومهم ج 1 ص 404 و 396 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 31 ص 467.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 158 و قاموس الرجال ج 6 ص 36 عنه. و مكاتيب الرسول ج 3 ص 733 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 3 ص 102.

قريش في كلمات علي عليه السّلام:

و إذا رجعنا إلى كلمات أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام» نفسه، فإننا نجده يحمل قريشا مسؤولية كل المصائب و الرزايا و البلايا التي واجهها هو و كل المخلصين بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا سيما فيما يرتبط بأمر الخلافة، و ما نشأ عن ذلك من تمزق، في جسم الأمة، و توزع في أهوائها. ثم ما كان من تقاتل و تناحر، و انحراف عن خط الإسلام و عن مفاهيمه و أحكامه، و إلى يوم يبعثون.

و نذكر من كلماته «عليه السلام» هنا، ما يلي: قال «عليه السلام» : «اللهم اخز (اجز) قريشا، فإنها منعتني حقي، و غصبتني أمري» (1).

و عنه «عليه السلام» : «فجزى قريشا عني الجوازي، فإنهم ظلموني حقي، و اغتصبوني سلطان ابن أمي» (2).


1) الغارات للثقفي ج 2 ص 768 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 191 و البحار ج 29 ص 629 و شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 306 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 446 و ميزان الحكمة ج 1 ص 146 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 9 ص 418 و التحفة العسجدية ص 142.

2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 61 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 119 و ج 9 ص 306 و ج 16 ص 148 و 151 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج 4 ص 129 و الغارات ج 2 ص 431 و 768 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 191 و البحار ج 29 ص 621 و ج 34 ص 23 و 24 و 25 و مناقب أهل البيت «عليه السلام» للشيرواني ص 446 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 5 ص 393 و المعيار و الموازنة ص 180 و نهج السعادة ج 5 ص 302 و الدرجات الرفيعة ص 156 و الجمل للمفيد ص 61 و 92 و ميزان الحكمة ج 1 ص 146 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 9 ص 418 و ج 11 ص 334 و 335 و 336 و التحفة العسجدية ص 142.

و قال «عليه السلام» : «اللهم إني أستعديك على قريش، فإنهم أضمروا لرسول اللّه ضروبا من الشر و الغدر، ففجروا عنها و حلت بينهم و بينها، فكانت الوجبة بي، و الدائرة علي» (1).

و في نهج البلاغة و غيره قال «عليه السلام» : «اللهم إني أستعديك على قريش و من أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي، و صغروا عظيم منزلتي، و أجمعوا على منازعتي أمرا هو لي، ثم قالوا: ألا في الحق أن تأخذه، و في الحق أن تتركه» .


1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 202 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للمير جهاني ج 1 ص 147 و ج 4 ص 79 و الإقتصاد للشيخ الطوسي ص 210 و الجمل للشيخ المفيد ص 92 و الغارات ج 1 ص 308 و ج 2 ص 570 و 767 و التعجب للكراجكي ص 69 و البحار ج 29 ص 607 و 629 و ج 30 ص 15 و ج 33 ص 569 و النص و الإجتهاد ص 444 و كشف المحجة لثمرة المهجة للسيد ابن طاووس ص 180 و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 48 و مسألتان في النص على علي «عليه السلام» للشيخ المفيد ج 2 ص 28 و الرسائل العشر للشيخ الطوسي ص 125 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 104 و ج 6 ص 96 و ج 9 ص 305 و ج 11 ص 109 و ج 20 ص 298 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 416 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 579.

و زاد في نص آخر: «فاصبر كمدا، أو فمت متأسفا حنقا، و أيم اللّه لو استطاعوا أن يدفعوا قرابتي-كما قطعوا سنتي-لفعلوا، و لكن لم يجدوا إلى ذلك سبيلا» (1).

و في خطبة له «عليه السلام» ، يذكر فيها فتنة بني أمية، ثم ما يفعله المهدي «عليه السلام» بهم، يقول: «فعند ذلك تود قريش بالدنيا و ما فيها، لو يرونني مقاما واحدا، و لو قدر جزر جزور، لأقبل منهم ما أطلب اليوم بعضه، فلا يعطونيه» (2).

و عنه «عليه السلام» : «حتى لقد قالت قريش: إن ابن أبي طالب رجل شجاع، و لكن لا علم له بالحرب» (3).


1) راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 2 ص 227 الخطبة 217 و المسترشد في إمامة علي «عليه السلام» ص 80 و (ط مؤسسة الثقافة الإسلامية) ص 416 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 104 و ج 6 ص 96 راجع: البحار ج 29 ص 497 ج 33 ص 569 و (ط الحجرية) ج 8 ص 730 و 672 و بهجة المجالس ج 1 ص 406 و الصراط المستقيم ج 1 ص 41-43 و الغارات ج 2 ص 308 و 570 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج 1 ص 148 و 276 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 186 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 7 ص 101.

2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 184 و كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 258 و الغارات ج 2 ص 677 و البحار ج 34 ص 117 و 262 و ج 41 ص 349 و شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 45.

3) الأغاني ج 15 ص 45 و نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 70 و المهذب لابن البراج ج 1 ص 324 و دعائم الإسلام ج 1 ص 390 و الغارات ج 2 ص 477 و مقاتل الطالبيين ص 15 و شرح الأخبار ج 2 ص 75 و البحار ج 34 ص 65 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 10 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 5 ص 285 و نهج السعادة ج 2 ص 564 و ج 5 ص 317 و المعيار و الموازنة ص 99 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 75 و الأخبار الطوال للدينوري ص 212 و العثمانية للجاحظ ص 96 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 4 ص 43 ج 7 ص 122.

و قال «عليه السلام» : «إني لأعلم ما في أنفسهم، إن الناس ينظرون إلى قريش، و قريش تنظر في صلاح شأنها، فتقول: إن وليّ الأمر بنو هاشم لم يخرج منهم أبدا. و ما كان في غيرهم فهو متداول في بطون قريش» (1).

و قال «عليه السلام» : «إن العرب كرهت أمر محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و حسدته على ما آتاه اللّه من فضله، و استطالت أيامه، حتى قذفت زوجته، و نفرت به ناقته، مع عظيم إحسانه إليها، و جسيم مننه عندها، و أجمعت مذ كان حيا على صرف الأمر عن أهل بيته بعد موته.

و لولا أن قريشا جعلت اسمه ذريعة إلى الرياسة، و سلّما إلى العز و الإمرة، لما عبدت اللّه بعد موته يوما واحدا، و لارتدت في حافرتها، و عاد قارحها جذعا، و بازلها بكرا (2).

ثم فتح اللّه عليها الفتوح؛ فأثرت بعد الفاقة، و تمولت بعد الجهد و المخمصة، فحسن في عيونها من الإسلام ما كان سمجا، و ثبت في قلوب


1) راجع: قاموس الرجال ج 6 ص 384 و 385 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 194 و ج 12 ص 266 ج 9 ص 57 و 58 و البحار ج 31 ص 403.

2) البازل من الإبل: الذي فطر نابه.

كثير منها من الدين ما كان مضطربا، و قالت: لولا أنه حق لما كان كذا.

ثم نسبت تلك الفتوح إلى آراء ولاتها، و حسن تدبير الأمراء القائمين بها، فتأكد عند الناس نباهة قوم، و خمول آخرين، فكنا نحن ممن خمل ذكره، و خبت ناره، و انقطع صوته وصيته، حتى أكل الدهر علينا و شرب. .» (1).

و في نص آخر عنه «عليه السلام» أنه قال: «فلما رق أمرنا طمعت رعيان البهم من قريش فينا» (2).

و عنه «عليه السلام» : «يا بني عبد المطلب، إن قومكم عادوكم بعد وفاة النبي، كعدواتهم النبي في حياته، و إن يطع قومكم لا تؤمرّوا أبدا» (3).

و عنه صلوات اللّه و سلامه عليه: «ما رأيت منذ بعث اللّه محمدا رخاء، لقد أخافتني قريش صغيرا، و أنصبتني كبيرا، (لقد خفت صغيرا و جاهدت


1) شرح النهج للمعتزلي ج 20 ص 298 و 299 و الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» للرحماني ص 728 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 11 ص 244 و الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة ص 37.

2) الأمالي للشيخ المفيد ص 324 و البحار ج 29 ص 582 و نهج السعادة ج 1 ص 486 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 322 و ج 3 ص 64 و شرح الأخبار ج 2 ص 261 و الأمالي للشيخ الطوسي ص 9 و تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص 242 و كشف الغمة ج 2 ص 4.

3) شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 54 و نقل ذلك أيضا عن مروج الذهب ج 3 ص 12 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 215 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 408 و السقيفة و فدك للجوهري ص 88.

كبيرا) حتى قبض اللّه رسوله، فكانت الطامة الكبرى» (1).

و قال له رجل يوم صفين: «لم دفعكم قومكم عن هذا الأمر، و كنتم أعلم الناس بالكتاب و السنة» ؟ ! .

فقال «عليه السلام» : «فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم، و سخت عنها نفوس آخرين» (2).

و عنه «عليه السلام» : «ما لي و لقريش، و لقد قاتلتهم كافرين، و لأقاتلنهم مفتونين» (3).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 108 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 172 و البحار ج 29 ص 626 و ج 34 ص 339 و ج 41 ص 5 و راجع: الإرشاد ج 1 ص 284 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 387 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج 1 ص 314.

2) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 81 الخطبة رقم 32 و راجع ج 2 ص 64 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 372 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 177 و البحار ج 29 ص 485 و ج 38 ص 159 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 456 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 548 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 391 و شرح النهج للمعتزلي ج 9 ص 241 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 7 ص 86 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 579 و ج 3 ص 732 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2360.

3) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 ص 81 و الإرشاد ج 1 ص 248 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 185 و 187 و الجمل لابن شدقم ص 112 و البحار ج 32 ص 76 و ج 32 ص 114 و نهج السعادة ج 1 ص 250 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 5 ص 36 و 141 و 190 و ج 11 ص 249.

كما أنه «عليه السلام» قد أجاب على رسالة من أخيه عقيل: «فإن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك اجتماعها على حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل اليوم، و جهلوا حقي، و حجدوا فضلي، و نصبوا لي الحرب، و جدّوا في إطفاء نور اللّه، اللهم فاجز قريشا عني بفعالها، فقد قطعت رحمي، و ظاهرت علي. .» (1).

و في بعض المصادر ذكر (العرب) بدل قريش (2).

و أما بالنسبة لمعاوية الخليفة الأموي، فقد أخبر «عليه السلام» : أنه لو استطاع لم يترك من بني هاشم نافخ ضرمة (3).


1) جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن الدمشقي ج 1 ص 365 و الإمامة و السياسة (بتحقيق الزيني) ج 1 ص 54 و (بتحقيق الشيري) ج 1 ص 75 و راجع: المعيار و الموازنة ص 180 و راجع: أنساب الأشراف للبلاذري (بتحقيق المحمودي) ص 75.

2) راجع: الغارات ج 2 ص 431 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 119 و راجع ج 16 ص 148-152 و الأغاني ج 15 ص 46 و الدرجات الرفيعة ص 156 و البحار ج 29 ص 621 ج 34 ص 23 و (ط حجرية) ج 8 ص 621 و 673 و راجع أيضا: نهج السعادة ج 5 ص 302 و راجع: جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 595. و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للميرجهاني ج 4 ص 129 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 580 موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 5 ص 42 و ج 11 ص 250 و العبارات في المصادر متفاوتة فليلاحظ ذلك.

3) تفسير العياشي ج 2 ص 81 و البحار ج 21 ص 349 و ج 32 ص 592 و 594 و الغدير ج 10 ص 173 و الفايق في غريب الحديث للزمخشري ج 2 ص 282 و شرح النهج للمعتزلي ج 5 ص 221 و ج 19 ص 129 و الدرجات الرفيعة ص 191 و كتاب الفتوح لابن أعثم ج 3 ص 144 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 181 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 5 ص 301 و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 3 ص 86 و 128 و ج 5 ص 90 و 141 و غريب الحديث لابن قتيبة ج 1 ص 367 و النصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص 112 و اللمعة البيضاء للتبريزي ص 340 و لسان العرب ج 3 ص 63 و ج 7 ص 421 و ج 12 ص 355 و ج 13 ص 267 و مجمع البحرين ج 4 ص 343 و 399 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 18 ص 120.

و بعد. . فإن الامام الحسن «عليه السلام» أيضا قد ذكر في خطبة له: أن قريشا هي المسؤولة عن موضوع إبعاد أهل البيت «عليه السلام» عن الخلافة، فراجع (1).

بعض ما قاله المعتزلي هنا:

هذا. . و قد أكد المعتزلي هذه الحقيقة في مواضع من شرحه لنهج البلاغة. و نحن نذكر هنا فقرات من كلامه، و نحيل من أراد المزيد على ذلك الكتاب، فنقول:

قال المعتزلي: «إن قريشا اجتمعت على حربه منذ بويع، بغضا له


1) راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 16 ص 24 و 33 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 180 و البحار ج 44 ص 55 و 64 و كتاب الفتوح لابن أعثم ج 4 ص 285 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 11 ص 228 و ج 33 ص 526 و كشف الغمة ج 2 ص 192 و مطالب السؤول في مناقب آل الرسول لابن طلحة الشافعي ص 356.

و حسدا، و حقدا عليه؛ فأصفقوا كلهم يدا واحدة على شقاقه و حربه، كما كانت في ابتداء الإسلام مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لم تخرم حاله من حاله أبدا» (1).

و قال: «إنه رأى من بغض الناس له، و انحرافهم عنه، و ميلهم عليه، و ثوران الأحقاد التي كانت في أنفسهم، و احتدام النيران التي كانت في قلوبهم، و تذكروا الترات التي و ترهم فيما قبل بها، و الدماء التي سفكها منهم، و أراقها.

إلى أن قال: و انحراف قوم آخرين عنه للحسد الذي كان عندهم له في حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لشدة اختصاصه له، و تعظيمه إياه، و ما قال فيه فأكثر من النصوص الدالة على رفعة شأنه، و علو مكانه، و ما اختص به من مصاهرته و أخوّته، و نحو ذلك من أحواله.

و تنكّر قوم آخرين له، لنسبتهم إليه العجب و التيه-كما زعموا- و احتقاره العرب، و استصغاره الناس، كما عددوه عليه، و إن كانوا عندنا كاذبين، و لكنه قول قيل، و أمر ذكر. .» (2).

و قال: «فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها، حين بويع بالخلافة، بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخمس و عشرين سنة، و في دون هذه المدة تنسى الأحقاد، و تموت الترات، و تبرد الأكباد الحامية، و تسلو القلوب الواجدة، و يعدم قرن من الناس، و يوجد قرن، و لا يبقى من


1) شرح النهج ج 16 ص 151.

2) شرح النهج ج 11 ص 112 و 113.

أرباب تلك الشحناء و البغضاء إلا الأقل» .

«فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حاله لو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه «صلى اللّه عليه و آله» من إظهار ما في النفوس، و هيجان ما في القلوب، حتى إن الأخلاف من قريش، و الأحداث و الفتيان، الذين لم يشهدوا وقائعه و فعتكاته في أسلافهم و آبائهم، فعلوا به ما لو كانت الأسلاف أحياء لقصرت عن فعله، و تقاعست من بلوغ شأوه» (1).

و قال: «اجتهدت قريش كلها، من مبدأ الأمر في إخمال ذكره، و ستر فضائله، و تغطية خصائصه، حتى محي فضله و مرتبته من صدور الإسلام» (2).

و قال: «إن قريشا كلها كانت تبغضه أشد البغض. .

إلى أن قال: «و لست ألوم العرب، و لا سيما قريشا في بغضها له، و انحرافها عنه، فإنه وترها، و سفك دماءها، و كشف القناع في منابذته. و نفوس العرب و أكبادها كما تعلم» ! (3).

و قال: «و اتفق له من بغض قريش و انحرافها، ما لم يتفق لأحد» (4).

هذا و قد أشار إلى بغض قريش و منابذتها له في مواضع عديدة أخرى من كتابه، فليراجعها من أراد (5).


1) شرح النهج ج 11 ص 114.

2) شرح النهج ج 18 ص 18.

3) شرح النهج ج 14 ص 299 و راجع: نثر الآبي ج 1 ص 340.

4) شرح النهج ج 9 ص 28 و 29.

5) راجع شرح النهج ج 9 ص 28 و 29 و 52 و ج 4 ص 74-104.

و استقصاء النصوص الدالة على هذا الأمر غير متيسر، بل هو متعذر، بسبب كثرته و تنوعه، و تفرقه في المصادر التي تعد بالمئات.

و بعد ما تقدم: فإن الوقت قد حان للوقوف على حقيقة موقف قريش، و من تابعها، مما جرى في قضية «الغدير» ، و الظرف الذي كان يواجهه الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» مع هؤلاء، في هذه المناسبة بالذات، فإلى الفصل التالي.

الفصل الثاني: الموقف-الفضيحة

اشارة

الصخب و الغضب:

لقد ذكرت الروايات الصحيحة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قد خطب الناس في حجة الوداع؛ في عرفة، فلما أراد أن يتحدث في أمر الإمامة و ذكر حديث الثقلين (1)، ثم ذكر عدد الأئمة، و أنهم اثنا عشر، واجهته فئات من الناس بالضجيج و الفوضى، إلى حد أنه لم يتمكن من إيصال كلامه إلى الناس.

و قد صرح بعدم التمكن من سماع كلامه كل من: أنس، و عبد الملك بن عمير، و عمر بن الخطاب، و أبي جحيفة، و جابر بن سمرة (2)، و لكن رواية


1) راجع: حديث الثقلين للوشنوي ص 13 و ما ذكره من مصادر. .

2) راجع: كشف الغطاء (ط. ق) ج 1 ص 7 و السنة في الشريعة الإسلامية لمحمد تقي الحكيم ص 63 و الأمالي للصدوق ص 387 و 469 و الخصال ص 470 و 471 و 472 و إكمال الدين ص 68 و 272 و 273 و كفاية الأثر ص 51 و 76 و 77 و 78 و شرح أصول الكافي ج 2 ص 240 و ج 5 ص 230 و ج 7 ص 374 و كتاب الغيبة للنعماني ص 104 و 105 و 120 و 121 و 122 و 123 و 124 و الغيبة للطوسي ص 128 و 129 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 248 و 249 و 254 و العمدة لابن البطريق ص 416 و 417 و 418 و 420 و 421 و الطرائف لابن طاووس ص 170 و البحار ج 36 ص 231 و 234 و 235 و 236 و 237 و 266 و 267 و 269 و 298 و 362 و 363 و 364 و 365 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 381 و 386 و سفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 385 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 193 و الملاحم و الفتن لابن طاووس ص 345 و المسلك في أصول الدين للمحقق الحلي ص 274 و تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص 418 و إعلام الورى ج 2 ص 159 و 162 و كشف الغمة ج 1 ص 57 و 58 و مسند أحمد ج 5 ص 87 و 88 و 90 و 92 و 93 و 94 و 95 و 96 و 97 و 98 و 99 و 100 و 101 و 106 و 107 و 108 و صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 8 ص 127 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 6 ص 3 و 4 و سنن أبي داود ج 2 ص 309 و سنن الترمذي ج 3 ص 340 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 617 و 618 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 201 و مجمع الزوائد ج 5 ص 190 و فتح الباري ج 13 ص 181 و عمدة القاري ج 24 ص 281 و مسند أبي داود الطيالسي ص 105 و 180 و مسند ابن الجعد ص 390 و الآحاد و المثاني ج 3 ص 126 و 127 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 518 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 43 و 44 و 46 و المعجم الأوسط ج 3 ص 201 و ج 6 ص 209 و المعجم الكبير ج 2 ص 195 و 196 و 197 و 214 و 218 و 223 و 226 و 232 و 241 و 249 و 253 و 254 و 255 و المعجم الكبير ج 22 ص 120 و الرواة عن سعيد بن منصور لأبي نعيم الأصبهاني ص 44 و الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 95 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 386 و طبقات المحدثين بأصبهان ج 2 ص 90 و تاريخ بغداد ج 2 ص 124 و ج 14 ص 354 و تاريخ مدينة دمشق ج 5 ص 191 و سير أعلام النبلاء ج 8 ص 184 و ج 14 ص 444 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 176 و البداية و النهاية ج 1 ص 177 و ج 6 ص 278 و 279 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 12 ص 302 و 203 و ينابيع المودة ج 3 ص 289.

هذا الأخير، كانت أكثر صراحة و وضوحا.

و يبدو أنه قد حدّث بما جرى مرات عديدة، فرويت عنه بأكثر من طريق. و حيث إننا لسنا بصدد التتبع و الإستقصاء، فإننا نختار بعض نصوصها-و لا سيما ما ورد منها في الصحاح و الكتب المعتبرة، فنقول:

1-في مسند أحمد؛ حدّثنا عبد اللّه، حدثني أبو الربيع الزهراني، سليمان بن داود، و عبيد اللّه بن عمر القواريري، و محمد بن أبي بكر المقدمي، قالوا: حدثنا حماد بن زيد، حدثنا مجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: خطبنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعرفات-و قال المقدمي في حديثه: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخطب بمنى.

و هذا لفظ حديث أبي الربيع: فسمعته يقول:

«لن يزال هذا الأمر عزيزا ظاهرا، حتى يملك اثنا عشر كلهم-ثم لغط القوم، و تكلموا-فلم أفهم قوله بعد (كلّهم) ؛ فقلت لأبي: يا أبتاه، ما بعد كلّهم؟ .

قال: «كلّهم من قريش» (1).

و حسب نص النعماني: «و تكلم الناس، فلم أفهم، فقلت لأبي. .» (2).

2-عن الشعبي، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا، ينصرون على من ناواهم عليه إلى اثني عشر خليفة.


1) مسند أحمد ج 5 ص 99.

2) الغيبة للنعماني ص 121 و 122.

قال: «فجعل الناس يقومون و يقعدون» (1).

زاد الطوسي: «و تكلم بكلمة لم أفهمها، فقلت لأبي، أو لأخي: . .» (2).

و في حديث آخر عن جابر بن سمرة صرّح فيه: «أن ذلك قد كان في حجة الوداع» (3).

و من المعلوم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يحج إلا هذه الحجّة. . (4).

3-عن جابر بن سمرة، قال: «خطبنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعرفات؛ فقال: لا يزال هذا الأمر عزيزا منيعا، ظاهرا على من ناواه حتى يملك اثنا عشر، كلهم-قال: فلم أفهم ما بعد-قال: فقلت لأبي: ما قال


1) مسند أحمد ج 5 ص 99 الغيبة للنعماني ص 105 و الغيبة للطوسي ص 129 و إعلام الورى ص 384 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 162 و البحار ج 36 ص 237 و 299 و تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص 418 و منتخب الأثر ص 20.

2) الغيبة للطوسي ص 88 و 89 و (مؤسسة المعارف الإسلامية) ص 129 و كتاب الغيبة للنعماني ص 105 و إعلام الورى ص 384 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 162 و البحار ج 36 ص 237 و 299 و تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص 418 و منتخب الأثر ص 20.

3) مسند أحمد ج 5 ص 87.

4) راجع: السيرة الحلبية (مطبعة مصطفى محمد بمصر سنة 1391 ه‌) ج 3 ص 289 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش السيرة الحلبية أيضا) ج 3 ص 2. و راجع: صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 352 و مسند زيد بن علي ص 220 و عمدة القاري ج 4 ص 271 و ج 18 ص 41 و ج 25 ص 62 و شرح مسلم للنووي ج 8 ص 236 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 331 و البداية و النهاية ج 4 ص 205 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 342.

بعد كلّهم؟

قال: «كلّهم من قريش» (1).

و عن أبي داود و غيره: -و إن لم يصرّح بأن ذلك كان في عرفات-زاد قوله: كلّهم تجتمع عليه الأمة، فسمعت كلاما من النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم أفهمه، فقلت لأبي. . (2).

و في لفظ آخر: «كلهم يعمل بالهدى و دين الحق» (3).


1) مسند أحمد ج 5 ص 93 و في ص 96 في موضعين و ص 98 و 101، و كتاب الغيبة للنعماني ص 123 و الإكمال في أسماء الرجال ص 34 و 183.

2) سنن أبي داود السجستاني ج 4 ص 106 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 309 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 400 و تاريخ الخلفاء ص 10 و 11 و راجع: فتح الباري ج 13 ص 181 و كرر عبارة «كلهم تجتمع عليه الأمة» في ص 182 و 183 و 184 و ذكرها أيضا في الصواعق المحرقة ص 18 و في إرشاد الساري ج 10 ص 273 و ينابيع المودة ص 444 و (ط دار الأسوة) ج 3 ص 289 و راجع: الغيبة للطوسي ص 88 و الغيبة للنعماني ص 121 و 122 و 123 و 124 و البحار ج 36 ص 365 و سفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 386 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 18 و ج 19 ص 629.

3) الخصال ج 2 ص 474 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص 474 و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» للصدوق ج 2 ص 55 و البحار 36 ص 240 عنه و عن عيون أخبار الرضا «عليه السلام» و فتح الباري ج 13 ص 184 و عمدة القاري ج 24 ص 282 و تاريخ بغداد ج 4 ص 258 و تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 189 و البداية و النهاية ج 6 ص 280 و إمتاع الأسماع ج 12 ص 306 و شرح إحقاق الحق ج 13 ص 47 و ج 19 ص 629.

و في بعض الروايات: ثم أخفى صوته، فقلت لأبي: ما الذي أخفى صوته؟

قال: قال: «كلهم من بني هاشم» (1).

4-و ذكر في نص آخر: أن ذلك كان في حجة الوداع، و قال:

ثم خفي عليّ قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان أبي أقرب إلى راحلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مني؛ فقلت: يا أبتاه، ما الذي خفي عليّ من قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

قال: يقول «كلهم من قريش» .

قال: فأشهد على إفهام أبي إيّاي: قال: «كلهم من قريش» (2).

5-و بعد أن ذكرت رواية أخرى عنه حديث أن الأئمة اثنا عشر قال: ثم تكلم بكلمة لم أفهمها، و ضج الناس؛ فقلت لأبي: ما قال؟ (3).

6-و لفظ مسلم عن جابر بن سمرة، قال: انطلقت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و معي أبي؛ فسمعته يقول: لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة؛ فقال كلمة صمّنيها الناس.

فقلت لأبي: ما قال؟


1) ينابيع المودة ص 445 و (ط دار الأسوة) ج 2 ص 315 و ج 3 ص 290 عن كتاب: مودة القربى للسيد علي الهمداني (المودة العاشرة) و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 30 عن مودة القربى (ط لاهور) ص 445.

2) مسند أحمد ج 5 ص 90 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 32.

3) مسند أحمد ج 5 ص 93 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 35.

قال: «كلهم من قريش» (1).

و عند أحمد و غيره: فقلت لأبي-أو لابني-: ما الكلمة التي أصمّنيها الناس؟ ! .

قال: «كلهم من قريش» (2).

7-و عن جابر بن سمرة قال: كنت عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: يلي هذا الأمر اثنا عشر، فصرخ الناس؛ فلم أسمع ما قال، فقلت لأبي -و كان أقرب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مني-فقلت: ما قال رسول اللّه؟

فقال: قال: «كلّهم من قريش، و كلهم لا يرى مثله» (3).

8-و لفظ أبي داود: فكبر الناس، و ضجوا، ثم قال كلمة خفية. . (4).


1) صحيح مسلم ج 6 ص 4 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 1 عنه، و العمدة لابن البطريق ص 421 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 418 الإكمال في أسماء الرجال ص 34.

2) مسند أحمد ج 5 ص 101 و الخصال ج 2 ص 470 و 472 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 39 و البحار ج 36 ص 235 و راجع: النهاية في اللغة ج 3 ص 54 و لسان العرب ج 12 ص 343 و نقل عن كتاب: القرب في محبة العرب ص 129.

3) إكمال الدين ج 1 ص 272-273 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 68 و 273 و الخصال ج 2 ص 473 و راجع: البحار ج 36 ص 239.

4) سنن أبي داود ج 4 ص 106 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 309 و مسند أحمد ج 5 ص 98 و فتح الباري ج 13 ص 181 و الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 95 و إرشاد الساري ج 10 ص 237 و البحار ج 36 ص 365 تاريخ بغداد ج 2 ص 124 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 29 ص 94.

و لفظ أبي عوانة: فضج الناس.

و قد قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» كلمة خفيت عليّ. . (1).

و على كل حال. . فإن حديث الاثني عشر خليفة بعده «صلى اللّه عليه و آله» ، و الذي قال فيه «صلى اللّه عليه و آله» كلمة لم يسمعها جابر، و غيره- ممن كان حاضرا، و روى الحديث. . أو لم يفهمها، أو خفض بها صوته، أو خفيت عليه، أو نحو ذلك-إن هذا الحديث-مذكور في كثير من المصادر و المراجع، فليراجعها طالبها (2).


1) مسند أبي عوانة ج 4 ص 394 و الخصال ج 2 ص 471 و البحار ج 36 ص 236 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 617 و المعجم الكبير ج 2 ص 196 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 29 و 41.

2) راجع المصادر التالية: صحيح مسلم ج 6 ص 3 بعدة طرق، و مسند أحمد ج 5 ص 93 و 92 و 94 و 90 و 95 و 96 و 97 و 98 و 89 و 99 و 100 و 101 و 106 و 107 و 108 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 394 و حلية الأولياء ج 4 ص 333 و إعلام الورى ص 382 و العمدة لابن البطريق ص 416-422 و إكمال الدين ج 1 ص 272 و 273 و الخصال ج 2 ص 469 و 475 و فتح الباري ج 13 ص 181-185 و الغيبة للنعماني ص 119-125 و صحيح البخاري ج 4 ص 159 و ينابيع المودة ص 444-446 و تاريخ بغداد ج 2 ص 126 و ج 14 ص 353 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 618 و تلخيصه للذهبي (مطبوع بهامش المستدرك) نفس الصفحة، و منتخب الأثر ص 10-23 عن مصادر كثيرة، و الجامع الصحيح ج 4 ص 501 و سنن أبي داود ج 4 ص 116 و كفاية الأثر ص 49 إلى آخر الكتاب، و البحار ج 36 ص 231 إلى آخر الفصل، و إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 1-50 عن مصادر كثيرة. .

الرسول صلّى اللّه عليه و آله و المتآمرون:

قد عرفنا فيما تقدم: أن قريشا قد صدت النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن إبلاغ أمر الإمامة في عرفات و في منى في مسجد الخيف. .

و تقدم في فصول أخرى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بمجرد انتهائه من المناسك، بادر إلى ترك مكة من دون أن يذهب إلى البيت، و لو لإلقاء نظرة الوداع عليه من قرب. .

و قد تأكد لنا مما أسلفناه: أن تأخيره «صلى اللّه عليه و آله» إبلاغ ما أنزل إليه في شأن الإمامة و الولاية، قد كان بسبب المعارضة الكبيرة التي يجدها لدى قريش، التي كانت لا تتورع عن مواجهة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليس فقط بالضجيج و الصخب، و إنما باتهام شخصه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الطعن و التشكيك في نزاهته، و في خلوص عمله و نيته. بل سيأتي أنها قد اتهمته حتى في عقله بعد إظهارها الإسلام، كما اتهمته بالجنون قبل ذلك، و هذا هو ما عبرت عنه كلمة عمر الشهيرة: إن النبي ليهجر. أو غلبه الوجع. أو كلمة معناها ذلك.

و قد صرحت طائفة من النصوص المتقدمة: بأن قريشا كانت هي التي تتصدى و تتحدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إليك نموذجا آخر من تصريحات الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، مع التذكير بأن اللّه تعالى لم يكن أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يبلغ أمر الولاية على كل حال، بل وفقا لظروف و مقتضيات النجاح. أي أنه أمره بإبلاغ منتج، لا بإبلاغ عقيم.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» يحتاج إلى ما يطمئنه إلى جدوى تبليغ أمر الإمامة، و عدم إثارة قريش للشبهات التي تضيع جهده «صلى اللّه عليه

و آله» ، و لو باتهامه «صلى اللّه عليه و آله» في عقله، أو في عصمته. .

فحين جاءته العصمة بادر إلى ما أمره اللّه تعالى به.

أمثلة و شواهد:

فمن الشواهد التي تدل على أن المطلوب هو إسكات قومه و خصوصا عشيرته، و أن يكون تبليغ أمر الإمامة مجديا، في إقامة الحجة، نذكر ما يلي:

1-قال الطبرسي: «قد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر، و أبي عبد اللّه «عليهما السلام» : أن اللّه أوحى إلى نبيه «صلى اللّه عليه و آله» : أن يستخلف عليا «عليه السلام» ؛ فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه؛ فأنزل اللّه هذه الآية تشجيعا له على القيام بما أمره اللّه بأدائه. .» (1).

و المراد ب‌ «هذه الآية» قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. . (2).

2-عنه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه لما أمر بإبلاغ أمر الإمامة قال: «إن قومي قريبو عهد بالجاهلية، و فيهم تنافس و فخر، و ما منهم رجل إلا و قد وتره وليّهم، و إني أخاف، فأنزل اللّه: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ. . » (3).


1) مجمع البيان ج 3 ص 223 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص 383 و سعد السعود للسيد ابن طاووس ص 69 و البحار ج 37 ص 250 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 153 و التبيان ج 3 ص 588 و مجمع البحرين ج 1 ص 242.

2) الآية 67 من سورة المائدة.

3) شواهد التنزيل ج 1 ص 191 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 261 و شرح إحقاق الحق ج 14 ص 39 و راجع: مكاتيب الرسول ج 1 ص 597 و قال في هامشه: راجع البرهان ج 2 ص 146 و كنز الدقائق ج 3 ص 137 و 140 و 158 و مجمع البيان ج 3 ص 223 و الدر المنثور ج 2 ص 298 و ج 3 ص 259 و 260 و نور الثقلين ج 2 و راجع إثبات الهداة ج 1.

3-عن ابن عباس إنّه «صلى اللّه عليه و آله» قال في غدير خم: «إن اللّه أرسلني إليكم برسالة، و إني ضقت بها ذرعا، مخافة أن تتهموني، و تكذبوني، حتى عاتبني ربي بوعيد أنزله علي بعد وعيد. .» (1).

4-عن الحسن قال في غدير خم أيضا: «إن اللّه بعثني برسالة؛ فضقت بها ذرعا، و عرفت: أن الناس مكذبي، فوعدني لأبلغنّ أو ليعذبني، فأنزل اللّه: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. . » (2).


1) شواهد التنزيل ج 1 ص 193 و (مؤسسة الطبع و النشر التابعة لوزارة الثقافة و الإرشاد الإسلامي-ايران) ج 1 ص 258 و الأمالي للصدوق ص 436 و التحصين لابن طاووس ص 633 و البحار ج 37 ص 111 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 654 و تأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج 1 ص 159 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 14 ص 34.

2) شواهد التنزيل ج 1 ص 193 و الدر المنثور ج 2 ص 298 عن أبن أبي حاتم، و عبد بن حميد و ابن جرير و أبي الشيخ و راجع: إكمال الدين ص 276 و الإحتجاج ج 1 ص 213 و فتح القدير ج 2 ص 60 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 351 و التحصين لابن طاووس ص 633 و البحار ج 33 ص 147 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 129 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 255 و 270 و لباب النقول (دار إحياء العلوم) للسيوطي ص 94 و (دار الكتب العلمية) ص 82 و الغدير ج 1 ص 165 و 196 و 221 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 402 و مسند الشاميين ج 3 ص 314 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 413 و الدر المنثور ج 2 ص 298.

5-عن ابن عباس، و جابر الأنصاري، قالا: أمر اللّه تعالى محمدا «صلى اللّه عليه و آله» : أن ينصب عليا للناس، فيخبرهم بولايته، فتخوف النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يقولوا: حابى ابن عمه، و أن يطعنوا في ذلك فأوحى اللّه: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. . » (1).

6-عن جابر بن عبد اللّه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نزل بخم، فتنحى الناس عنه، و نزل معه علي بن أبي طالب؛ فشقّ على النبي تأخر الناس؛ فأمر عليا فجمعهم؛ فلمّا اجتمعوا قام فيهم، متوسدا (يد) علي بن أبي طالب، فحمد اللّه، و أثنى عليه، ثم قال: «أيها الناس، إنه قد كرهت تخلفكم عني حتى خيّل إلى: أنه ليس شجرة أبغض إليكم من شجرة تليني. .» (2).


1) الدر المنثور ج 2 ص 193 و ص 298 عن أبي الشيخ، و راجع: البرهان ج 2 ص 146 و كنز الدقائق ج 3 ص 137 و 140 و 158 و مجمع البيان ج 3 ص 344 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص 382 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 193 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 597 و روح المعاني ج 2 ص 348 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 152 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 227 و مجمع البيان ج 3 ص 382 و الغدير ج 1 ص 219 و 223 و 377 و البحار ج 37 ص 250 و إثبات الهداة، و نور الثقلين ج 2 ص و الدر المنثور ج 2 ص 298 و ج 3 ص 259 و 260.

2) راجع: مجمع البيان ج 3 ص 223 و تفسير العياشي ج 1 ص 331 و تفسير البرهان ج 1 ص 489 و شواهد التنزيل ج 1 ص 192 و إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس ج 2 ص 248 و الغدير ج 1 ص 22 و 219 و 223 و 377 عن المجمع، و عن روح المعاني ج 2 ص 348 و عن الثعلبي في تفسيره، و عن ابن المغازلي كما في ضياء العالمين، و راجع: البحار ج 37 ص 133 و الطرائف ص 145 و العمدة لابن البطريق ص 107 و مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 25 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 115 و 231 و ج 9 ص 169 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 89 و ج 6 ص 253 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 138 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 143.

7-و يقول نص آخر: إنه لما أمر «صلى اللّه عليه و آله» بنصب علي «عليه السلام» : «خشي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من قومه، و أهل النفاق، و الشقاق: أن يتفرقوا و يرجعوا جاهلية، لما عرف من عداوتهم، و لما تنطوي عليه أنفسهم لعلي «عليه السلام» من العداوة و البغضاء، و سأل جبرائيل أن يسأل ربّه العصمة من الناس» .

ثم تذكر الرواية:

«أنه انتظر ذلك حتى بلغ مسجد الخيف. فجاءه جبرئيل، فأمره بذلك مرة أخرى، و لم يأته بالعصمة، ثم جاء مرة أخرى في كراع الغميم-موضع بين مكة و المدينة-و أمره بذلك، و لكنه لم يأته بالعصمة. ثم لما بلغ غدير خم جاءه بالعصمة» .

فخطب «صلى اللّه عليه و آله» الناس، فأخبرهم: «أن جبرئيل هبط إليه ثلاث مرات يأمره عن اللّه تعالى، بنصب علي «عليه السلام» إماما و وليّا للناس» . .

إلى أن قال:

«و سألت جبرائيل: أن يستعفي لي عن تبليغ ذلك إليكم-أيها الناس- لعلمي بقلة المتقين، و كثرة المنافقين، و إدغال الآثمين، و ختل المستهزئين

بالإسلام، الذين وصفهم اللّه في كتابه بأنهم: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مٰا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ (1)، وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اَللّٰهِ عَظِيمٌ (2)، و كثرة أذاهم لي في غير مرّة، حتى سمّوني أذنا، و زعموا: أنّي كذلك لكثرة ملازمته إيّاي، و إقبالي عليه، حتى أنزل اللّه عز و جل في ذلك قرآنا: وَ مِنْهُمُ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلنَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ (3).

إلى أن قال:

و لو شئت أن أسميهم بأسمائهم لسميت، و أن أومي إليهم بأعيانهم لأومأت، و أن أدل عليهم لفعلت. و لكني و اللّه في أمورهم تكرّمت» (4).

8-عن مجاهد، قال: «لما نزلت: بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ. . . قال: «يا رب، إنما أنا واحد كيف أصنع، يجتمع عليّ الناس؟ فنزلت وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ » (5).


1) الآية 11 من سورة الفتح.

2) الآية 15 من سورة النور.

3) الآية 61 من سورة التوبة.

4) راجع: مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 25 و العمدة لابن البطريق ص 107 و الإحتجاج ج 1 ص 73 و اليقين ص 349 و البحار ج 37 ص 206 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 236 و الغدير ج 1 ص 22 عنه و عن الثعلبي في تفسيره، كما في ضياء العالمين. و راجع: موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 8 ص 53 و التفسير الصافي ج 2 ص 58

5) الإحتجاج ج 1 ص 69 و 70 و 73 و 74 و راجع: روضة الواعظين ص 90 و 92 و البرهان ج 1 ص 437-438 و الغدير ج 1 ص 221 و فتح القدير ج 2 ص 60 و الدر المنثور ج 2 ص 298 عن عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ. و راجع: مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 130.

9-قال ابن رستم الطبري: «فلما قضى حجّه، و صار بغدير خم، و ذلك يوم الثامن عشر من ذي الحجة، أمره اللّه عز و جل بإظهار أمر علي؛ فكأنه أمسك لما عرف من كراهة الناس لذلك، إشفاقا على الدين، و خوفا من ارتداد القوم؛ فأنزل اللّه يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ. . » (1).

10-و في حديث مناشدة علي «عليه السلام» للناس بحديث الغدير، أيّام عثمان، شهد ابن أرقم، و البراء بن عازب، و أبو ذر، و المقداد، أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و سلم قال، و هو قائم على المنبر، و علي «عليه السلام» إلى جنبه:

«أيها الناس، إن اللّه عز و جل أمرني أن أنصب لكم إمامكم، و القائم فيكم بعدي، و وصيي، و خليفتي، و الذي فرض اللّه عز و جل على المؤمنين في كتابه طاعته، فقرب (2)بطاعته طاعتي، و أمركم بولايته، و إني راجعت ربّي خشية طعن أهل النفاق، و تكذيبهم، فأوعدني لأبلغها، أو ليعذبني» (3).


1) المسترشد في إمامة علي «عليه السلام» (ط مؤسسة الثقافة الإسلامية) ص 465.

2) لعل الصحيح: فقرن.

3) الإحتجاج ج 1 ص 214 و إكمال الدين للصدوق ص 277 و الغدير ج 1 ص 166 و التحصين للسيد ابن طاووس ص 634 و البحار ج 31 ص 412 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 442 و مصباح الهداية في إثبات الولاية للسيد علي البهبهاني ص 354 و المناشدة و الإحتجاج بحديث الغدير للشيخ الأميني ص 14 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 79 و ج 5 ص 36 و ج 13 ص 52.

و عند سليم بن قيس: «إن اللّه عز و جل أرسلني برسالة ضاق بها صدري، و ظننت الناس تكذبني، فأوعدني. .» (1).

11-و عن ابن عباس: لما أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يقوم بعلي بن أبي طالب المقام الذي قام به؛ فانطلق النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة، فقال:

«رأيت الناس حديثي عهد بكفر (بجاهلية) و متى أفعل هذا به، يقولوا، صنع هذا بابن عمّه. ثم مضى حتى قضى حجة الوداع» (2).

و عن زيد بن علي، قال: لما جاء جبرائيل بأمر الولاية ضاق النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك ذرعا، و قال: «قومي حديثو عهد بجاهليّة، فنزلت


1) فرائد السمطين ج 1 ص 315 و 316 و الغدير ج 1 ص 165-166 و 196 و 377 عنه، و إكمال الدين ج 1 ص 277 و راجع البرهان ج 1 ص 445 و 444 و البحار ج 31 ص 411 و ج 33 ص 147 و كتاب الولاية لابن عقدة الكوفي ص 198 و ينابيع المودة للقندوزي ج 1 ص 347 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 441 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 28 و سليم بن قيس ص 149 و (بتحقيق الأنصاري) ص 199 و الإحتجاج ج 1 ص 213 و كتاب الغيبة للنعماني ص 75 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 5 ص 35 و ج 20 ص 96 و 361 و ج 21 ص 78 و ج 22 ص 285 و ثمة بعض الإختلاف في التعبير.

2) كتاب سليم بن قيس ص 148 و البرهان ج 1 ص 444 و 445 و الغدير ج 1 ص 52 و 377 عن سليم بن قيس، و راجع ص 217 عن ابن مردويه. و راجع: خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 198 و ج 8 ص 262.

الآية» (1).

12-و روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لما انتهى إلى غدير خم: «نزل عليه جبرائيل، و أمره أن يقيم عليا، و ينصبه إماما للناس.

فقال: إن أمتي حديثو عهد بالجاهلية.

فنزل عليه: إنها عزيمة لا رخصة فيها، و نزلت الآية: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ. . » (2).

13-و جاء في رواية عن الإمام الباقر «عليه السلام» : أنه حين نزلت آية إكمال الدين بولاية علي «عليه السلام» :

«قال عند ذلك رسول اللّه: إن أمتي حديثو عهد بالجاهلية، و متى أخبرتهم بهذا في ابن عمي، يقول قائل، و يقول قائل. فقلت في نفسي من غير أن ينطلق لساني، فأتتني عزيمة من اللّه بتلة أوعدني: إن لم أبلغّ أن يعذبني.


1) الغدير ج 1 ص 51-52 و 217 و 378 عن كنز العمال ج 6 ص 153 عن المحاملي في أماليه، و عن شمس الأخبار ص 38 عن أمالي المرشد باللّه، و راجع: كشف الغمة ج 1 ص 318 و البحار ج 37 ص 177 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 269 و 308 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 349 و الغدير ج 1 ص 217 و 378 و مناقب علي بن أبي طالب «عليه السلام» و ما نزل من القرآن في علي «عليه السلام» لابن مردويه ص 240 و كشف الغمة ج 1 ص 324 و 325.

2) إعلام الورى ص 132 و (نشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث) ج 1 ص 261.

فنزلت: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ » (1).

و في بعض الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما أخر نصبه «عليه السلام» فرقّا من الناس، أو لمكان الناس (2).

و لما انتهى النبي «صلى اللّه عليه و آله» من نصب علي «عليه السلام» لقي عمر عليا فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة (3).


1) البرهان في تفسير القرآن ج 1 ص 488 و الكافي ج 1 ص 290 و التفسير الأصفى ج 1 ص 285 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 588 و التفسير الصافي ج 2 ص 52 و شرح أصول الكافي ج 6 ص 122 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 287.

2) تفسير العياشي ج 1 ص 332 و البرهان (تفسير) ج 1 ص 489 و البحار ج 37 ص 139 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 262 و تفسير الميزان ج 6 ص 53 و غاية المرام ج 3 ص 325.

3) مسند أحمد ج 4 ص 281 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 503 و كنز العمال ج 13 ص 134 و التفسير الكبير للرازي (ط الثالثة) ج 12 ص 2 و 49 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 194 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 92 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 220 و 221 و 222 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 632 و البداية و النهاية ج 5 ص 229 و ج 7 ص 386 و المناقب للخوارزمي ص 156 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 417 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» لابن الدمشقي ج 1 ص 84 و نهج الإيمان لابن جبر ص 113 و 116 و 120 و تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص 64 و 65 و بشارة المصطفى ص 284 و ذخائر العقبى للطبري ص 67 و نظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص 109 و ينابيع المودة للقندوزي ج 1 ص 98 و 101 و 158 و ج 2 ص 285 و مودة القربى (المودة الخامسة) ، و بناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص 294 و 297 و تفسير غرائب القرآن للنيسابوري ج 6 ص 170 و خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 90 و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 236 و 237 و العمدة لابن البطريق ص 92 و 96 و 100 و المراجعات ص 263 و شرح أصول الكافي ج 5 ص 196 و ج 6 ص 120 و العدد القوية للحلي ص 185 و الطرائف ص 146 و 150 و البحار ج 37 ص 149 و 159 و 179 و 198 و 249 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 144 و 148 و الإكمال في أسماء الرجال ص 25 و خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 305 و ج 7 ص 29 و 54 و 61 و 69 و 86 و 92 و 115 و 119 و 122 و 124 و 127 و 146 و 148 و 149 و 167 و 170 و 180 و 182 و 192 و 196 و 208 و 218 و 253 و 285 و 295 و 301 و 321 و 326 و ج 8 ص 218 و 234 و 241 و 247 و 259 و 272 و ج 9 ص 93 و الغدير ج 1 ص 19 و 143 و 144 و 219 و 220 و 221 و 271 و 272 و 273 و 274 و 275 و 277 و 279 و 280 و 281 و 306 و 355 و ج 2 ص 37 و ج 6 ص 56 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 116 و 118 و 120 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 264 و 272 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 231 و 235 و 236 و 238 و 239 و 240 و 290 و 362 و 363 و 364 و 366 و ج 14 ص 34 و 561 و 569 و 583 و ج 20 ص 173 و 174 و 358 و 603 و ج 21 ص 31 و 32 و 34 و 35 و 37 و 38 و 39 و 40 و 66 و 86 و 88 و ج 22 ص 113 و 115 و 121 و ج 23 ص 4 و 9 و 325 و 554 و 635 و 637 و ج 30 ص 23 و 418 و 419 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 368 و 370.

أو قال له: بخ بخ يا علي، أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة (1).


1) ما نزل من القرآن في علي «عليه السلام» لأبي نعيم ص 86 و ثمار القلوب للثعالبي ص 636 و راجع: تاريخ بغداد ج 8 ص 290 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 284 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 233 و 234 و سير أعلام النبلاء ج 19 ص 328 و البداية و النهاية ج 7 ص 386 و المناقب للخوارزمي ص 156 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 430 و 516 و ينابيع المودة ج 2 ص 249 و كشف الغمة ج 1 ص 238 و 335 و كشف اليقين ص 208 و 250 و نهج الإيمان لابن جبر ص 427 و الإرشاد ج 1 ص 177 و كنز الفوائد ص 232 و العمدة لابن البطريق ص 106 و 170 و 195 و 344 و الطرائف ص 147 و المحتضر للحلي ص 114 و بشارة المصطفى ص 158 و 402 و إعلام الورى ج 1 ص 262 و 329 و تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص 64 و البحار ج 21 ص 388 و ج 37 ص 108 و 142 و 251 و ج 38 ص 344 و ج 94 ص 110 و ج 95 ص 321 و مسار الشيعة للمفيد ص 39 و الأمالي للصدوق ص 50 و المحتضر للحلي ص 114 و رسائل المرتضى للشريف المرتضى ج 4 ص 131 و كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 356 و روضة الواعظين للنيسابوري ص 350 و شرح أصول الكافي ج 5 ص 196 و ج 6 ص 120 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 134 و 246 و 277 و 344 و 354 و ج 8 ص 261 و 278 و 279 و 302 و 303 و ج 9 ص 186 و الغدير ج 1 ص 11 و 222 و 233 و 272 و 275 و 276 و 392 و 402 و المعيار و الموازنة ص 212 و تفسير الإمام العسكري «عليه السلام» ص 112 و تفسير فرات الكوفي ص 516 و خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 97 و 153 و تفسير كنز الدقائق ج 1 ص 114 و شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 203 و ج 2 ص 391.

ممن الخوف يا ترى؟ ! :

و تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» خاف أن يتهموه، و يكذبوه، و أن يقولوا: حابى ابن عمه، و أن يطعنوا في ذلك، و خشي أهل النفاق و الشقاق أن يتفرقوا، و أن يرجعوا جاهلية، و أنه أمسك إشفاقا على الدين، و خوفا من ارتداد القوم.

و عن الحسن: «ضاق بها ذرعا، و كان يهاب قريشا. فأزال اللّه بهذه الآية تلك الهيبة» (1).

يريد: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ضاق ذرعا و خاف قريشا بالنسبة لبلاغ أمر الإمامة، فأزال اللّه خوفه بآية: وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ .

المتآمرون:

هذا غيض من فيض مما يدل على سبب خوف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و على دور المتآمرين من قريش، و من يدور في فلكها في صرف الأمر عن أمير المؤمنين علي «عليه السلام» ، و تصميمهم على ذلك، لأسباب أشير إلى بعضها في ما نقلناه سابقا من كلمات و نصوص.

و في مقدمة هذه الأسباب حرص قريش على الوصول إلى السلطة، و حقدها على أمير المؤمنين «عليه السلام» لما قد وترها في سبيل اللّه و الدين.

و كل ما تقدم يوضح لنا السر فيما صدر من هؤلاء الحاقدين من صخب و ضجيج، حينما أراد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في منى


1) مجمع البيان ج 3 ص 223.

و عرفات: أن يبلغ الناس أمر الإمامة، و دورها، و أهميتها، و عدد الأئمة، و أنهم اثنا عشر إماما، و غير ذلك.

فإنهم تخوفوا من أن يكون قد أراد تنصيب علي «عليه السلام» إماما للناس بعده. فكان التصدي منهم. الذي انتهى بالتهديد الإلهي. فاضطر المتآمرون إلى السكوت في الظاهر على مضض، و لكنهم ظلوا في الباطن يمكرون، و يتآمرون، وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللّٰهُ وَ اَللّٰهُ خَيْرُ اَلْمٰاكِرِينَ (1).

فإلى توضيح ذلك فيما يلي من صفحات، و ما تحويه من مطالب.

ظهور الأحقاد و المصارحة المرة:

و قد تقدمت كلمات أمير المؤمنين «عليه الصلاة و السلام» التي صرح فيها بأن العرب كرهت أمر محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و حسدته على ما آتاه اللّه من فضله، و استطالت أيامه، حتى قذفت زوجته، و نفرت به ناقته.

و لو لا أن قريشا جعلت اسمه ذريعة للرياسة، و سلما إلى العز و الإمرة، لما عبدت اللّه بعد موته يوما واحدا.

و على هذا، فإن من الطبيعي جدا: بعد أن جرى ما جرى منهم معه «صلى اللّه عليه و آله» في منى و عرفات و بعد أن تأكد لديهم إصرار النبي «صلى اللّه عليه و آله» على جعل الأمر في أهل بيته، و لعلي «عليه السلام» على وجه الخصوص، أن يظهر الحقد و البغض على وجوههم، و في حركاتهم و تصرفاتهم، و على مجمل مواقفهم. و صاروا يعاملون رسول اللّه «صلى اللّه


1) الآية 30 من سورة الأنفال.

عليه و آله» معاملة غريبة، و بصورة بعيدة حتى عن روح المجاملة الظاهرية.

و قد واجههم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهذه الحقيقة، و صارحهم بها، في تلك اللحظات بالذات. و يتضح ذلك من النص المتقدم في الفصل السابق و الذي يقول:

عن جابر بن عبد اللّه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نزل بخم فتنحى الناس عنه، و نزل معه علي بن أبي طالب، فشق على النبي تأخر الناس، فأمر عليا، فجمعهم، فلما اجتمعوا قام فيهم متوسدا (يد) علي بن أبي طالب، فحمد اللّه، و أثنى عليه. . ثم قال:

«أيها الناس، إنه قد كرهت تخلفكم عني، حتى خيّل إلي: أنه ليس شجرة أبغض إليكم من شجرة تليني» (1).

و روى ابن حبان بسند صحيح على شرط البخاري-كما رواه آخرون بأسانيد بعضها صحيح أيضا:

أنه حين رجوع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من مكة، حتى إذا بلغ الكديد أو (قدير) ، جعل ناس من أصحابه يستأذنون، فجعل «صلى اللّه


1) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 226 و 227 و مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 25 و العمدة لابن البطريق ص 107 و إقبال الأعمال ج 2 ص 248 و الطرائف ص 145 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 115 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 597 و البحار ج 37 ص 134 و شرح إحقاق الحق ج 5 ص 89 و ج 6 ص 253 و ج 30 ص 408 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 138 و 231 ج 9 ص 169 و الغدير ج 1 ص 22 عنه، و عن الثعلبي في تفسيره، كما في ضياء العالمين.

عليه و آله» يأذن لهم.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :

«ما بال شق الشجرة التي تلي رسول اللّه أبغض إليكم من الشق الآخر؟» .

قال: فلم نر من القوم إلا باكيا.

قال: يقول أبو بكر: «إن الذي يستأذنك بعد هذا لسفيه في نفسي الخ. .» (1).


1) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ج 1 ص 444 و مسند أحمد ج 4 ص 16 و مسند الطيالسي ص 182 و مجمع الزوائد ج 1 ص 20 و ج 10 ص 408 و قال: رواه الطبراني، و البزاز بأسانيد رجال بعضها عند الطبراني و البزار رجال الصحيح، و كشف الأستار عن مسند البزار ج 4 ص 206 و قال في هامش (الإحسان) : إنه في الطبراني برقم:4556 و 4559 و 4557 و 4558 و 4560. و راجع: بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 212 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 24 و صحيح ابن حبان ج 1 ص 444 و المعجم الكبير للطبراني ج 5 ص 50 و 51 و موارد الظمآن للهيثمي ج 1 ص 103 و كنز العمال ج 10 ص 477 و تهذيب الكمال للمزي ج 9 ص 208. و راجع: مسند الحارث ج 3 ص 103 و المسند الجامع ج 12 ص 221 و حلية الأولياء ج 3 ص 93.

الفصل الثالث: في حدود الزمان و المكان

اشارة

إلفات النظر إلى أمرين:

و قبل أن نواصل الحديث، فيما نريد التأكيد عليه، نلفت النظر إلى أمرين:

الأول: المكان. .

فقد اختلفت الروايات حول المكان الذي أورد فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» خطبته هذه في حجة الوداع. فذكرت طائفة منها: أن ذلك كان في عرفات.

و في إحدى الروايات تردد فيها الرواي بين عرفات و منى.

و هناك طائفة من الروايات عبّرت ب‌ «المسجد» (1).

و سكتت روايات أخرى عن التحديد. مع أنها جميعا قد تحدثت عن حدوث فوضى و ضجيج، لم يستطع معه الراوي أن يسمع بقية كلام الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ؛ و توجد روايات أشارت إلى عدم فهم الراوي، و لكنها لم تشر إلى الضجيج.


1) راجع بالنسبة لخصوص هذه الطائفة من الروايات الخصال ج 2 ص 469 و 472 كفاية الأثر ص 50 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 398 و إكمال الدين ج 1 ص 272 و حلية الأولياء ج 4 ص 333 و البحار ج 36 ص 234 و منتخب الأثر ص 19.

فهل كرر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك في عدة خطب، في المواضع المختلفة؟ ! فكان يواجه بالضجيج و الفوضى! ! و يكون المقصود بالمسجد، هو: المسجد الموجود في منى، أو عرفة؟ ! إن لم يكن ذكر منى اشتباها من الراوي. أم أنه موقف واحد، اشتبه أمره على الرواة و المؤرخين؟ !

أم أن ثمة يدا تحاول التلاعب و التشويش بهدف طمس الحقيقة، و إثارة الشبهات حول هذا الموضوع الهام و الحساس جدا. ألا و هو موضوع الإمامة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

قد يمكن ترجيح احتمال تعدد المواقف، التي أظهرت إصرار فئات الناس على موقف التحدي، و الخلاف. و ذلك بسبب تعدد الناقلين، و تعدد الخصوصيات و الحالات المنقولة.

و قد صرحوا بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خطب في حجته تلك: خمس خطب. واحدة في مكة، و أخرى في عرفات، و الثالثة يوم النحر بمنى، ثم يوم النفر بمنى، ثم يوم النفر الأول.

و حتى إن كان ذلك قد جصل في موقف واحد، فإن الذي نرجحه هو أن يكون ذلك في عرفات. .

و ستأتي بعض الروايات التي صرحت: بأن اللّه تعالى أمر نبيه «صلى اللّه عليه و آله» بإبلاغ أمر الإمامة في عرفات، و لم تنزل العصمة، ثم في مسجد الخيف و لم تنزل العصمة، ثم في كراع الغميم و لم تنزل، ثم نزلت في غدير خم، ثم نزلت و هو في طريقه إلى المدينة. .

فلعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يبادر إلى خطبة الناس في كل مرة، فإذا أحس الناس انه يريد أن يصرح بالأمر واجهوه بالضجيج المانع له

من أداء مهمته، فلما نزلت العصمة: وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (1)لم يجرؤ أحد على شيء من ذلك.

الثاني: كلهم من قريش. .

قد ذكرت الروايات أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «كلهم من قريش» . .

و السؤال هو:

هل قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك حقا؟ !

و إذا كان قد قاله، فما هو السبب في ذلك؟

ألا يمكن أن يعتبر بعض قاصري النظر أن ذلك نوع من التخفيف من لهجة رفض المنطق القبلي؟

أضف إلى ذلك: أن ما تقدم من حقيقة الموقف الظالم لقريش، و من هم على رأيها، و خططهم التي تستهدف تقويض حاكمية خط الإمامة، قد يشجع على استبعاد صدور كلمة «كلهم من قريش» منه «صلى اللّه عليه و آله» . . و ترجيح أن تكون العبارة التي لم يسمعها جابر بن سمرة، و أنس، و عمر بن الخطاب، و عبد الملك بن عمير، و أبو جحيفة، بسبب ما أثاره المغرضون من ضجيج، هي عبارة: «كلهم من بني هاشم» . كما ورد في بعض النصوص (2).

و هي الرواية التي استقر بها القندوزي الحنفي، على أساس: أنهم «لا


1) الآية 67 من سورة المائدة.

2) ينابيع المودة ص 445 عن مودة القربى، و راجع: منتخب الأثر ص 14 و هامش ص 15 عنه.

يحسّنون خلافة بني هاشم» (1).

غير أننا نقول:

إننا نرجح أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد قال الكلمتين معا، أي أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «كلهم من قريش، كلهم من بني هاشم» . و يكون ذكر الفقرة الأولى توطئة و تمهيدا لذكر الثانية.

و لكن قريشا قد عرفت ما يرمي إليه «صلى اللّه عليه و آله» ، خصوصا بعد أن ذكر لهم حديث الثقلين، فثارت ثائرتها هي و أنصارها، و عجوا و ضجوا، و قاموا و قعدوا! !

و إلا. . فإن قريشا، و من يدور في فلكها لم يكن يغضبهم قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «كلهم من قريش» بل ذلك يسرهم، و يفرحهم، لأنه هو الأمر الذي ما فتئوا يسعون إليه بكل ما أوتوا من قوة و حول، و يخططون و يتآمرون، و يعادون، و يحالفون من أجله، و على أساسه، فلماذا الهياج و الضجيج؟ ! و لماذا الصخب و العجيج، لو كان الأمر هو ذلك؟ ! .

الموقف، الفضيحة:

و لا نشك في أن طائفة الأخيار، و المتقين الأبرار من صحابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت تلتزم بأوامره «صلى اللّه عليه و آله» ، و تنتهي بنواهيه، و تسلم له «صلى اللّه عليه و آله» في كل ما يحكم و يقضي به.

و لكن هؤلاء كانوا فئة قليلة إذا قيست بالفئة الأخرى، المتمثلة


1) ينابيع المودة ص 446.

بأصحاب الأهواء، و طلاب اللبانات، و ذوي الطموحات، ممن لم يسلموا، و لكنهم غلبوا على أمرهم، فاستسلموا، و أصبح كثير منهم يتظاهر بالورع، و الدين و التقوى، و الطاعة و التسليم للّه، و لرسوله، متخذا ذلك ذريعة للوصول إلى مآربه، و تحقيق أهدافه.

أما هؤلاء، الذين كانوا يظهرون خلاف ما يبطنون، و يسرون غير ما يعلنون، فقد كان لا بد من كشف زيفهم و إظهار خداعهم بصورة أو بأخرى.

و قد رأينا: كيف أن هؤلاء الذين كانوا يتبركون بفضل وضوء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و حتى ببصاقه، و نخامته، و يدّعون الحرص على امتثال أوامر اللّه سبحانه بتوقيره، و بعدم رفع أصواتهم فوق صوته (1)،


1) راجع الآيتان 1 و 2 من سورة الحجرات. و قد ورد أنّ هذه الأيات نزلت حينما حصل اختلاف فيما بين أبي بكر و بين عمر حول تأمير بعض الأشخاص من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأصر أحدهما على شخص و أصر الآخر على آخر، حتى ارتفعت أصواتهما. فقد روي أن عبد اللّه بن الزبير أخبرهم: أنه قدم ركب من بني تميم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال أبو بكر: أمر القعقاع معبد بن زرارة. و قال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس. قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي. قال عمر: ما أردت خلافك. فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزلت في ذلك: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إلى قوله تعالى: . . أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاٰ تَشْعُرُونَ (الآيتان 1 و 2 من سورة الحجرات). و يلاحظ: أن المراد من الإيمان قوله تعالى في الآية: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا هو الإيمان بمعناه العام-أي إعلان الإسلام-لا الخاص. و يدل على ذلك قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اَلْكِتٰابِ اَلَّذِي نَزَّلَ عَلىٰ رَسُولِهِ (الآية 136 من سورة النساء). راجع في الحديث الذي ذكرناه: الدر المنثور ج 6 ص 83-84 عن البخاري، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و أسباب النزول ص 218 و صحيح البخاري ج 3 ص 122 و (ط دار الفكر) ج 5 ص 116 و ج 6 ص 47 و الجامع الصحيح ج 5 ص 387 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 205-206 و لباب التأويل ج 4 ص 164 و فتح القدير ج 5 ص 61 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 300-301 و غرائب القرآن (مطبوع بهامش جامع البيان) ج 26 ص 72. و راجع: البداية و النهاية ج 5 ص 50 و تاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 191 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 78 و سنن النسائي ج 8 ص 226 و عمدة القاري ج 18 ص 19 و ج 19 ص 181 و 184 و تحفة الأحوذي ج 9 ص 108 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 465 و ج 6 ص 466 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 193 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 172 و زاد المسير ج 7 ص 177 و تفسير الثعلبي ج 9 ص 70 و تفسير البغوي ج 4 ص 209 و أسباب نزول الآيات للواحدي النيسابوري ص 257 و أضواء البيان للشنقيطي ج 7 ص 401 و الإحكام لابن حزم ج 6 ص 804 و تفسير الآلوسي ج 26 ص 133 و فتح القدير ج 5 ص 61 و لباب النقول ص 178 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 267 و البحار ج 30 ص 278 و الطرائف ص 403 و عين العبرة في غبن العترة ص 4 و الغدير ج 7 ص 223.

و بالتأدّب معه، و بأن لا يقدموا بين يدي اللّه و رسوله و. . و. .

لقد رأينا أن هؤلاء بمجرد إحساسهم بأنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد الحديث عن الأئمة الاثني عشر، و بيان مواصفاتهم-و يتجه نحو تحديدهم

بصورة أدق، و أوفى و أتم-كيف ثارت ثائرتهم. و أن خشيتهم من إعلان إمامة من لا يرضون إمامته، و خلافة من يرون أنه قد وترهم، و أباد خضراءهم في مواقفه المشهورة، دفاعا عن الحق و الدين-ألا و هو علي أمير المؤمنين «عليه السلام» -إن ذلك-قد أظهر حقدهم، فعلا ضجيجهم، و زاد صخبهم، و التعبيرات التي وردت في الروايات واصفة حالهم، هي مثل:

«ثم لغط القوم و تكلموا» (1). فلم أفهم قوله بعد «كلهم» ، فقلت لأبي: ماذا قال؟ ! الخ. .

أو: «و تكلم الناس فلم أفهم» (2).

أو: «و ضج الناس» (3).

أو: «فقال كلمة أصمّنيها الناس» (4).


1) مسند أحمد ج 5 ص 99 و المعجم الكبير ج 2 ص 196 و كتاب الغيبة للنعماني ص 123 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 34.

2) الغيبة للنعماني ص 121 عن عوالم العلوم:153/106 ح 16.

3) مسند أحمد ج 5 ص 93 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 394 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 35.

4) راجع: مسند أحمد ج 5 ص 98 و 101 و صحيح مسلم ج 6 ص 4 و الخصال ج 2 ص 470 و 472 و البحار ج 36 ص 235 و 266 و 362 و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 3 ص 54 و لسان العرب ج 12 ص 343 و إثبات الهداة ج 1 ص 535 و إحقاق الحق (ملحقات) ج 13 ص 39 و سفينة النجاة للسرابي التنكابني ص 386 و العمدة لابن بطريق ص 421.

أو: «صمّنيها الناس» (1).

و في نسخة: «صمّتنيها الناس» (2).

أو: «فصرخ الناس، فلم أسمع ما قال» (3).

أو: «فكبر الناس، و ضجوا» (4).

أو: «فجعل الناس يقومون، و يقعدون» (5).


1) راجع: العمدة لابن البطريق ص 418 و 421 و صحيح مسلم ج 6 ص 4 و الديباج على مسلم ج 4 ص 440 و الإكمال في أسماء الرجال ص 34 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 1.

2) راجع: شرح مسلم للنووي ج 12 ص 203 و الديباج على مسلم ج 4 ص 440 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 29 ص 93.

3) و الخصال ص 473 و إكمال الدين ج 1 ص 272 و (مؤسسة النشر الإسلامي) ص 68 و 273 و إثبات الهداة ج 1 ص 494 و 507 و البحار ج 36 ص 239 عن الخصال.

4) مسند أحمد ج 5 ص 98 و سنن أبي داود ج 4 ص 106 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 309 و فتح الباري ج 13 ص 181 و البحار ج 36 ص 365 و إرشاد الساري ج 1 ص 273 و الكفاية للخطيب البغدادي ص 95 و تاريخ بغداد ج 2 ص 124 و إحقاق الحق (الملحقات) ج 13 ص 20 و ج 29 ص 94.

5) مسند أحمد ج 5 ص 99 و إثبات الهداة ج 1 ص 546 و الخصال ج 2 ص 75 و البحار ج 36 ص 237 و 299 و كتاب الغيبة للنعماني ص 105 و إعلام الورى ص 384 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 2 ص 162 و تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي ص 418 و الغيبة للطوسي ص 88 و 89 و (ط مؤسسة المعارف الإسلامية) ص 129 و غاية المرام ص 194 و منتخب الأثر ص 20.

نعم، لقد كان هذا هو موقفهم من الرسول، و هم الذين يدعي البعض لهم مقام العصمة عن كل ذنب، و يمنحهم و سام الاجتهاد في الشريعة و الدين (! !) .

التدبير النبوي:

و توضيحا لما جرى نقول:

لقد أعلن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في سنة عشر من الهجرة: أنه يريد الحج، و أرسل إلى الآفاق يخبرهم و يدعوهم إلى ذلك.

و نفر إليه الناس سراعا من كل حدب و صوب و اجتمعت في ذلك الموسم عشرات الألوف من كل بلد و حي و قبيلة، ليحجوا مع أكرم مخلوق، و أفضل نبي، ثم يرجعون إلى بلادهم من سفر محفوف بالأخطار، و بعد طول انتظار، و يحدثونهم بما جرى لهم و صار.

و سيصغي الناس إليهم بشغف و بتلذذ، فإن للحجاج أحاديثهم و ذكرياتهم، التي يرغب الناس في سماعها حتى لو كانت لا تعني لهم شيئا في الظروف العادية، فكيف إذا كانت هذه الأحاديث لها علاقة بأفضل و أكمل، و أقدس، و أعزّ، و أغلى، و أشرف إنسان في الوجود؟ و سيحدثونهم عن كل لفتة و بسمة، و عن كل كلمة و حركة، و غير ذلك مما لا بد أن يبقى محفورا في قلوبهم. . طيلة حياتهم. .

أما إذا حدث أمام أعينهم ما لم يكن في الحسبان، و كان الحدث قد صنعه أناس يدّعون القرب منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الإثرة لديه، فإن ذلك سوف يكون له وقع الصاعقة عليهم، خصوصا إذا وجدوا فيه مساسا

بقداسته، و تقويضا لهيبته، و إبطالا لتدبيره «صلى اللّه عليه و آله» . .

نعم. . لقد حج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، في تلك السنة، فاجتمع إليه مائة ألف و أربعة عشر ألفا، أو مائة و عشرون ألفا، أو تسعون ألفا، أو سبعون ألفا. . ليحجوا معه، و قيل غير ذلك. . (1).

و أما قول بعضهم: «إنهم كانوا أربعون ألفا» (2)، فلعله نظر إلى من سار مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من المدينة، لا من اجتمع معه في مكة و في المشاعر ممن جاء من مختلف البلاد. كما يشير إليه قولهم: و قد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين (3).

و كان معظم الناس بمن فيهم سكان مكة و ما والاها قد أسلموا، أو أرسلوا وفودا إلى المدينة ليعلموه بإسلامهم بعد فتح مكة، و بالتحديد في سنة تسع-سنة الوفود-و سنة عشر.


1) راجع: السيرة النبوية لأحمد زيني دحلان، باب حجة الوداع. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 130 و المجموع للنووي ج 7 ص 104 و البحار ج 37 ص 150 و ج 109 ص 19 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 350 و ج 9 ص 196 و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 577 و الغدير ج 1 ص 296 و 392 و العدد القوية للحلي ص 183 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 300.

2) راجع: تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 80 و البداية و النهاية ج 5 ص 154 و ج 4 ص 270 و مقدمة ابن الصلاح لعثمان بن عبد الرحمن ص 177.

3) راجع: تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 80 و البداية و النهاية ج 5 ص 154 السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 270.

و أما المسلمون عدا هؤلاء، و منهم أهل المدينة أنفسهم، و شراذم قليلة موزعة في محيط المدينة، أو في غيرها فكانوا قلة قليلة جدا، حتى إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قال لهم في سنة ست: «اكتبوا لي كل من تلفظ بالإسلام» فكتب له حذيفة ألفا و خمس مئة رجل. . (1).

و في رواية أخري: «و نحن ما بين الست مئة إلى السبع مئة» (2).

و لا شك أن فيهم من كان صحيح الإيمان، و منهم من لا يبالي بأمر


1) الإحتجاج ج 1 ص 200 و البحار ج 28 ص 202 و الصراط المستقيم ج 2 ص 82 عن كتاب إبطال الاختيار، بسنده عن أبان بن عثمان، عن الإمام الصادق «عليه السلام» . و عمدة القاري ج 14 ص 305 و تغليق التعليق ج 3 ص 459 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 344 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 367 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 110 و قال في هامشه: راجع البخاري ج 5 ص 4 و ((ط دار الفكر) ج 4 ص 34)و مسلم ج 4 ص 2121 و المعجم الكبير للطبراني ج 19 ص 47 و فتح الباري ج 8 ص 28 و 87 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 377 و راجع أيضا: الدر المنثور ج 3 ص 287 عن عبد الرزاق، و ابن أبي شيبة، و أحمد، و البخاري، و مسلم، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و البيهقي، و المنار ج 11 ص 67 و القرطبي ج 8 ص 282.

2) راجع: صحيح البخاري (ط سنة 1309 ه‌) ج 2 ص 116 و صحيح مسلم (مشكول) ج 1 ص 91 و مسند أحمد ج 5 ص 384 و سنن ابن ماجة ج 2 ص 1337 و التراتيب الإدارية ج 2 ص 251 و 252 و ج 1 ص 220-223 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 619 و شرح مسلم للنووي ج 2 ص 179 و عمدة القاري ج 14 ص 306 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 171 و كنز العمال ج 11 ص 228 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 346.

الدين، بل يهتم بمصالحه الشخصية، و فيهم الهمج الرعاع الذين يميلون مع كل داع، و ينقادون لكل راع، و فيهم المدخول و المنافق قال تعالى: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفٰاقِ (1).

و من الواضح: أن الذين تلفظوا بالإسلام آنئذ كانوا منتشرين في المدينة و حولها، و في الحبشة أيضا، و في غير ذلك من المناطق.

و قد فرض الإسلام وجوده، و هيبته في تلك السنين التي كانت زاخرة بالتحديات، و سمع به القاصي و الداني. .

و كان المسلمون في المدينة، فريقين:

أحدهما: الأنصار، و هم أهل المدينة أنفسهم.

و الآخر: القرشيون المهاجرون من مكة-بصورة عامة-.

و من البديهي: أن جميع الناس لم يحجوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ لا يعقل أن يتركوا جميعهم مواشيهم، و زراعاتهم، و بيوتهم، و ديارهم خاوية من كل أحد، فإن ذلك يجعلها عرضة للمتربصين للسلب و الغارة في ذلك المجتمع الذي يرى أن ذلك من وسائل عيشه.

المحبون و المناوئون:

كما أن من الواضح: أن الناس كانوا بين محبين عرفوا الحق، و التزموا به، و بين مناوئين اختاروا طريق النفاق و التآمر الخفي، و ما أكثر هؤلاء، أي أن أفاضل الصحابة و أماثلهم من أمثال سلمان، و عمار، و المقداد، و أبي ذر،


1) الآية 101 من سورة التوبة.

و أبي الهيثم بن التيهان، و بني هاشم، و سواهم، كانوا من محبي علي، و من أنصاره.

و كان المهاجرون هم الذين يناوئون عليا «عليه السلام» ، و يسعون في إبطال أمره، و يدبرون لإبعاد الخلافة عنه بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد تعاهدوا و تعاقدوا على ذلك. .

و كان المراقب لتصرفاتهم في مختلف الموارد يدرك مدى انحرافهم عن الإمام علي «عليه السلام» ، و أنهم تكتل واضح المرامي و الأهداف، ظاهر التباين و الاختلاف، لا مجال لأن يفكر بالإنصياع للتوجيهات النبوية، و لا حتى للقرارات الإلهية فيما يرتبط بأمر الإمامة و الخلافة في أي من الظروف و الأحوال. .

و قد حج مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من المهاجرين الذين هم في هذا الإتجاه بضع عشرات، قد لا يصلون إلى المئات. . و لكن كان فيهم رجال مجربون، كانوا على درجة كبيرة من الحنكة و الدهاء، و كان ثقلهم الحقيقي في مكة، التي أظهرت في السنة الثامنة من الهجرة، الإستسلام للإسلام، بالإضافة إلى ما حولها من البلاد و العباد، الذين يخضعون لنفوذها، و يلتقون في مصالحهم معها. .

و لأجل ذلك وجد المهاجرون الطامحون، في قريش، و في مكة و ما والاها، عضدا قويا، و سندا لهم، شجعهم على مواجهة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بهذه الحدة و الشدة التي سلفت الإشارة إليها. .

و بعد أن فعلوا فعلتهم الشنيعة تلك، و ظنوا أنهم قد ربحوا معركتهم ضد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بمنعهم إياه من الإعلان على الحجيج

تنصيب علي في مقام الإمامة، بما أثاروه من صخب و ضجيج، كان لا بد لهم من التوجه نحو محاولة غسل هذا العار عنهم، و لو بادعاء أنها مجرد غلطة صدرت، و قد ندم مرتكبوها على ما فرط منهم، و قد يدّعون: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد عفا عنهم و سامحهم. ثم قرّبهم إليه حتى جعلهم موضع سره، و أوقفهم على ما دبره و قرره. .

و قد يدّعون أيضا: أنه أعلمهم بأن ما أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بيانه في عرفات و سواها لم يكن هو ولاية و إمامة علي «عليه السلام» . إلى غير ذلك مما قد يكون سببا في بلبلة الأفكار، الذي قد يسهم في تضييع الحق. .

فجاء التخطيط النبوي الحكيم ليقضي، بأن يخرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» من مكة فور انتهاء مراسم الحج مباشرة، و من دون إبطاء أو تفريط و لو بساعة، بل دقيقة واحدة من الوقت، فنفر في اليوم الثالث عشر من منى بعد الزوال (1). و لم يطف بالبيت، و لا زاره كما أسلفناه (2). و إن كانت بعض


1) السيرة الحلبية (ط سنة 1391 ه‌) ج 3 ص 306 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 333 و المجموع ج 4 ص 363 و ج 8 ص 249 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 90 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 149.

2) راجع: البحار ج 21 ص 393 و الحدائق الناضرة ج 14 ص 319 و الكافي ج 4 ص 248 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 11 ص 217 و (ط دار الإسلامية) ج 8 ص 153 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 355 و 455 و ج 12 ص 207 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 457 و منتقى الجمان ج 3 ص 125.

المصادر قد زعمت خلاف ذلك (1).

و ذلك، لأن أي تأخير، سوف يكون معناه أن يخرج أشتات من الناس إلى بلادهم، و لا يتمكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، من إيصال ما يريد إيصاله إليهم. .

و حين يخرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» معهم فمن الطبيعي أن يتقيد الناس في مسيرهم بمسير رسول اللّه، و الكون في ركبه، إما حياء، أو طلبا لليسر و الأمن، و البركة، و الفوز بسماع توجيهاته.

هذا. . و قد قطع «صلى اللّه عليه و آله» المسافة ما بين مكة و الجحفة، حيث غدير خم، و هي عشرات الأميال، في أربعة أيام فقط، ثم يأتي التهديد الإلهي للمتجرئين بالعودة إلى نقطة الصفر، و خوض حروب طاحنة معهم تشبه حرب بدر و حنين، وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (2). فجمعهم «صلى اللّه عليه و آله» في غدير خم، و نصب عليا «عليه السلام» هناك إماما للأمة، و بايعه حتى أشد الناس اعتراضا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في عرفات و غيرها. و لم يجرؤا على التفوه ببنت شفة إلا همسا. .

لأنهم وجدوا أنفسهم أفرادا قليلين، لا يتجاوز عددهم بضع عشرات من الناس بين عشرات الألوف، فقد خلفوا حماتهم، و هم أهل مكة و ما


1) السيرة الحلبية (ط سنة 1391 ه‌) ج 3 ص 307 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 334 و المجموع ج 4 ص 363 و ج 8 ص 249 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 90 و مصادر كثيرة من كتب أهل السنة.

2) الآية 67 من سورة المائدة.

والاها، وراء ظهورهم، و أما اليمن، فقد أسلمت طائفة من أهلها قبل أيام يسيرة على يد الإمام علي «عليه السلام» ، الذي لحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مكة مع بعض من أسلم على يديه. .

سبب جرأتهم:

و ربما كان السبب في هذه الجرأة الظاهرة، و الوقاحة السافرة التي تجلت في حجة الوداع؛ هو شعور هذا الفريق من مهاجري قريش بالقوة و هم في بلدهم، و بين أنصارهم و محبيهم-أي في محيط مكة و ما والاها-و قد لاحظنا أن هذا التعاطف معهم كان يظهر منهم بين الفينة و الفينة حتى حين كانوا يحاربون الإسلام و أهله و هي حروب لم تخب نارها إلا في فتح مكة قبل مدة يسيرة، حيث اضطرت قريش إلى الإنكفاء عن الصراع السافر إلى التدبير التآمري الماكر.

لقد أدركت قريش: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بصدد الإعداد لأمر عظيم، لا تريد أن ترى نفسها راضية به. ألا و هو إبلاغ الأمة بأسرها بإمامة علي «عليه السلام» ، و خلافته لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و أن هذا الإبلاغ يتم بصورة لا تترك لها أية فرصة للتخلص و التملص، و المناورة، و تصبح مقهورة على تجرع الغصة و تفوت منها الفرصة. .

و لعل قريشا حين تجرأت على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في عرفات، أو في منى، أو فيهما معا ظنت أنها قد أفلحت في درء خطر عظيم، و تلافي خطب جسيم، كان قد أوشك أن يلم بها. .

و لكن اللّه خيب فألها، و أبار كيدها، و أبطل مكرها. . و يمكرون و يمكر

اللّه، و اللّه خير الماكرين. .

ظروف فرضت نفسها:

إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرف: أن معظم الناس قد أعلنوا الإسلام بعد فتح مكة، أي في السنتين الأخيرتين من حياته «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن إسلام الأكثرين منهم كان سطحيا، بل صوريا، فرضته الظروف التي نشأت في المنطقة بعد فتح مكة، حيث لم يكونوا يعرفون عن هذا الدين الشيء الكثير، لأنهم كانوا يعيشون في بواديهم، و وفق مناهجهم الجاهلية، و عاداتهم القبلية، و لم يكن زعماؤهم يسمحون للمبلغين المسلمين بأن يصلوا إليهم، أو أن يحدثوهم بشيء عن هذا الدين و أحكامه، و مفاهيمه، و تفاصيله، و. . و. .

و حتى الذين أسلموا منهم، فإنهم قد عاشوا حياتهم بمفاهيم الجاهلية أيضا. و لم يفارقوا عاداتها، و لم يتربّوا بعد على معاني الإيمان و الإسلام. بل كان زعماؤهم هم الذين يتحكمون بهم، و يسيّرون أمورهم، و يهيمنون على حركتهم. .

و من جهة أخرى: فقد كان هناك طامعون و طامحون قد أذكى طموحهم هذا التوسع السريع و الهائل، الذي كان من نصيب أهل الإسلام في فترة وجيزة جدا. . و هو توسع قد هيأ لهم المال الوفير و الجاه العريض، و النفوذ، و القوة. . و ما إلى ذلك من أمور لم يكونوا يحلمون بها. .

و من جهة ثالثة: فقد كان في المدينة و حولها، من لم يرق لهم الانصهار في المجتمع الإسلامي و الذوبان فيه، و الانطلاق به في الحياة. . فكانوا

يكيدون في الخفاء، و يشاركون في كل ما يلحق بالإسلام ضررا مهما كان حجمه و نوعه. . و قد وجد هؤلاء في كثير من مسلمة الفتح سندا و عضدا في هذا الإتجاه أيضا. .

هذا. . عدا عن غيرهم من الفئات التي ما أسلمت و لكنها استسلمت، فلما وجدت الفرصة لإظهار أمرها لم تتوان في ذلك. .

و كل هذا الذي ذكرناه من شأنه أن يصعّد من درجة الخطورة التي يواجهها الإسلام، و المخلصون من أهله بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و كان الهدف الأعظم و الأهم هو حفظ تعاليم هذا الدين، و صيانة عقائده و مفاهيمه، و تمكينها من اختراق هذه السدود، و اجتياز هذه الجدود، و تذليل كل العقبات التي تواجهها، و تمنع من حصول الأجيال الآتية عليها.

و هذا بالذات هو ما فعله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع، و في العديد من المفاصل الحساسة بعدها. .

و هذا ما يفسر لنا جمعه لهذه الجموع العظيمة و الهائلة، التي جاء بها إلى أقدس مكان، في أقدس زمان، مع أقدس إنسان خلقه اللّه تعالى، لأداء شعيرة عبادية هي من أعظم الشعائر.

و جاء معه أولئك الذين يدبرون في الخفاء ما يدبرون. و كان «صلى اللّه عليه و آله» يعلم أن مكة و ما والاها؛ من حزبهم، و إلى جانبهم، بالإضافة إلى أن طائفة من أهل المدينة و ما حولها كانت تتعاطف معهم، و تميل إليهم. . فكان ما كان مما تقدم بيانه.

دراسة الحدث في حدود الزمان و المكان:
اشارة

و نحن في نطاق فهمنا لموقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع في منى و عرفات، و منع قريش له من نصب علي «عليه السلام» إماما للأمة، نسجل النقاط التالية:

1-يوم عبادة:

إن يوم عرفة هو يوم عبادة و دعاء و ابتهال، و توبة و انقطاع إلى اللّه، سبحانه، و يكون فيه كل واحد من الناس منشغلا بنفسه، و بمناجاة ربه، لا يتوقع في موقفه ذاك أي نشاط سياسي عام، و لا يخطر ذلك له على بال.

و هو يوم لا نظير له في تاريخ حياتهم، لأنهم يحجون مع أكرم و أعظم نبي في فرصة وحيدة و نادرة في تاريخ البشرية.

و هو أفضل الأيام، و أكثرها انسجاما مع أجواء التقوى و الإنضباط مع القرارات الإلهية، و الخضوع لمشيئته، و تنفيذ أوامره تعالى، و قد لفت النبي «صلى اللّه عليه و آله» نظرهم إلى هذا الأمر حين قررهم «صلى اللّه عليه و آله» في خطبته، فأقروا بفضل هذا اليوم عند اللّه (1).

فإذا رأى الإنسان المؤمن أن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» يبادر إلى عمل من هذا القبيل، فلا بد و أن يشعر: أن هناك أمرا بالغ الخطورة، و فائق الأهمية، فينشدّ لسماع ذلك الأمر، و التعرف عليه، و يلاحق جزئياته بدقة و وعي، و بانتباه فائق. فإذا رأى تمرد أصحابه عليه، و عاين إساءة الأدب


1) راجع: خطبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حجة الوداع.

معه، من قبل المدّعين للإخلاص في الإيمان، و المظهرين للإستعداد للجهاد و التضحية، فإن ذلك سيشكل مفاجأة له إلى حد الصدمة.

و سيتمكن كل من حضر الحج من مشاهدة و معرفة ما يجري، فإن الجميع يكونون في هذا اليوم مجتمعين في صعيد واحد.

أما في منى، أو في سواها، فالحجاج يكونون منصرفين إلى أعمال، و موزعين في جهات مختلفة: هذا يرجم الجمرات، و ذلك يحلق أو يقصر، و آخر يريد أن يذبح أضحيته، و قد يكون هناك من لا يزال في الطريق، كما أن هناك من فرغ من ذلك كله، و ذهب إلى خيمته للإستراحة، أو ذهب إلى الحرم ليطوف، أو ما إلى ذلك.

2-الإحرام:

ثم إن جميع الحجاج في موقف عرفة على حالة الإحرام، الذي بدأوه بتلبية داعي اللّه تعالى، و أعلنوا براءتهم من الشرك و رفضهم له، و أقروا بأن كل شيء مملوك له تبارك و تعالى، و صادر منه و عنه، و هو وحده له الحمد، و النعمة، و الملك. .

و في الإحرام يمارسون الإمتناع عن الملذات، و عن كثير مما يحل لهم، و هم يخوضون تجربة السيطرة على دوافعهم الغريزية، و من ذلك امتناعهم عن النساء و ما إلى ذلك، و هم يمتنعون حتى عن إيذاء النملة و القملة، فهل يمكن أن يؤذوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! أو هل يقدمون على مخالفة أوامره و نواهيه؟ !

كما أنهم يشعرون بمساواة غنيهم لفقيرهم، و عالمهم بجاهلهم، و كبيرهم

بصغيرهم، و ملكهم و سوقتهم، و حرهم و مملوكهم أمام المحكمة الإلهية العادلة إلى غير ذلك مما لا يخفى.

3-لماذا في موسم الحج؟ ! :

و إذا كان موسم الحج هو المناسبة التي يجتمع فيها الناس من مختلف البلاد، على اختلاف طبقاتهم، و أجناسهم، و أهوائهم، فإن أي حدث متميز يرونه و يشاهدونه فيه لسوف تنتشر أخباره بواسطتهم على أوسع نطاق، فكيف إذا كان هذا الحدث يحمل في طياته الكثير من المفاجآت، و العديد من عناصر الإثارة، و فيه من الأهمية ما يرتقي به إلى مستوى الأحداث المصيرية للدعوة الإسلامية بأسرها.

4-وجود الرسول صلّى اللّه عليه و آله أيضا:

كما أن نفس وجود الرسول «صلى اللّه عليه و آله» في موسم الحج، لا بد أن يضفي على هذه المناسبة المزيد من البهجة، و الارتياح، و لسوف يعطي لها معنى روحيا أكثر عمقا، و أكثر شفافية. و سيشعر الحاضرون بحساسية زائدة تجاه أي قول و فعل يصدر من جهته «صلى اللّه عليه و آله» ، و سيكون الدافع لديهم قويا لينقلوا للناس مشاهداتهم، و ذكرياتهم في سفرهم الفريد ذاك.

فكيف إذا رافق ذلك إعلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم أن لقاءهم به سيكون يتيما، إذ إنه يوشك أن يفارقهم فراقا أبديا، لا لقاء بعده، فإن مشاعرهم سوف تتوهج، و قلوبهم ستمتلئ شغفا بكل حركة، أو لفتة، أو كلمة ينطق بها، و سيعودون إلى بلادهم بأغلى الذكريات و اعزها، و أجملها، و أفضلها.

كما أن الناس الذين يعيشون في مناطق بعيدة عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يشتاقون إليه، لسوف يلذ لهم سماع تلك الأخبار، و سيجهدون في تتبعها بشغف، و بدقة و بانتباه زائد؛ ليعرفوا كل ما صدر من نبيهم، من: قول، و فعل، و توجيه، و سلوك، و أمر، و نهي و تحذير، و ترغيب و ما إلى ذلك.

ثم إن الحدث الذي سمعه هؤلاء الناس من نبيهم و سينقلونه إلى من وراءهم، هو حدث مثير و خطير في حد ذاته، و يمثل صدمة كبيرة و خطيرة لمشاعرهم، و خيبة لكل أمل كان يراود خواطرهم.

و حدث كهذا لا بد ان ينتشر في البلاد و بين العباد، و سينتقل في الأجيال اللاحقة جيلا بعد جيل، و ستتداوله الفرق، و تهتم له المذاهب، و سيثور الجدل حوله بين أربابها، لأنه الحدث الذي تقوم به الحجة على كل عاقل لبيب، و أريحي أريب، و ألمعي أديب، فلله الحجة البالغة على البشر كلهم، و الناس هم الذين يختارون مع أي فريق يكونون، و أي طريق يسلكون.

5-ظهور المعجزة:

و قد لوحظ هنا أيضا: أن اللّه تعالى قد أظهر لهم المعجزة في منى، حيث كان «صلى اللّه عليه و آله» يخطبهم، و يصل صوته إلى كل من كان في منى كما تقدم.

و لكنه حين خطبهم في عرفات لم يظهر لهم هذه المعجزة، فقد ذكرت النصوص: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يخطبهم و كان علي «عليه السلام» يقف في مكان آخر، و يوصل كلامه إلى من هم في الجهة الأخرى، و قد

تحدثنا عن ذلك في ما سبق (1).

و يمكن أن نستفيد من هذا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان في المواضع المشابهة من حيث كثرة الحاضرين، يمارس هذه الطريقة لإبلاغ كلامه للآخرين، و لعل هذا هو ما جرى في غدير خم أيضا.

6-الذكريات الغالية:

و قد قلنا آنفا: إن كل من رافق النبي «صلى اللّه عليه و آله» في هذا السفر العبادي، لسوف يحتفظ في ذاكرته بأدق الذكريات، لأنها ستكون ذكريات عزيزة و غالية على قلبه، تبقى حية غضة في روحه و في وجدانه، على مدى الأيام و الشهور، و الأعوام و الدهور، ما دام أن هذه هي آخر مرة يرى فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أعظم و أكرم، و أغلى رجل وجد و يوجد على وجه الأرض.


1) راجع: مسند أحمد ج 3 ص 477 و البداية و النهاية ج 5 ص 217 و تاريخ مدينة دمشق ج 18 ص 4 و 5 و أسد الغابة ج 2 ص 155 و ج 5 ص 11 و تهذيب الكمال ج 9 ص 33 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 396 و أدب الإملاء و الإستملاء ص 101 و السنن الكبرى للبيهقي ج 2 ص 343 و (ط دار الفكر) ج 3 ص 247 و ج 5 ص 140 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 443 و المعجم الكبير ج 5 ص 19 و إمتاع الأسماع ج 6 ص 389 و المغني لابن قدامة ج 1 ص 624 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 319 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 312 و 314 زج 8 ص 212 و ج 9 ص 138 و تلخيص الحبير لابن حجر ج 4 ص 621 و سنن أبي داود ج 1 ص 437 و ج 2 ص 263 و نيل الأوطار ج 2 ص 90 و كشف اللثام (ط. ج) ج 6 ص 78 و (ط. ق) ج 1 ص 356 و المجموع للنووي ج 8 ص 90.

و الذي نريد أن نضيفه هنا هو: أن العلاقة بالحدث حين تتخذ بعدا عاطفيا، يلامس مشاعر الإنسان، و أحاسسيه، فإنها تصبح أكثر رسوخا و حيوية، و أبعد أثرا في مجال الإلتزام و الموقف، و لا شك في أن هذا كان من أهم الأهداف التي كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرمي إلى تحقيقها من خلال اختياره لخصوصية الزمان و المكان. . و غير ذلك من حالات و أوضاع.

7-الناس أمام مسؤولياتهم:

و قد عرفنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اختار الزمان-يوم عرفة-لأنه يوم العبادة و الإنقطاع إلى اللّه سبحانه.

و اختار المكان، و هو نفس جبل عرفات، لأن الكل يجتمعون في صعيد واحد، و على حالة واحدة، بالإضافة إلى خصوصيات أخرى ذكرناها فيما سبق.

ثم اختار أسلوب الخطاب الجماهيري، لا خطاب الأفراد و الأشخاص كما هو الحال في المناسبات العادية-لقد اختار «صلى اللّه عليه و آله» ذلك كله-لأنه أراد أن يضع الأمة أمام مسؤولياتها، ليفهمها: أن تنفيذ هذا الأمر يقع على عاتقها؛ فليس للأفراد أن يعتذروا بأن هذا أمر لا يعنيهم، و لا يقع في دائرة واجباتهم، كما أنهم لا يمكنهم دعوى الجهل بأبعاده و ملابساته، أي أن الجميع أصبحوا مطالبين بإنجاز هذا الواجب، و مسؤولين عنه، و ليس خاصا بفئة من الناس، لا يتعداها إلى غيرها، كفئة المهاجرين أو الأنصار، أو بني هاشم، أو أهل المدينة، أو ما إلى ذلك. .

و بذلك تكون الحجة قد قامت على الجميع، و لم يبق عذر لمعتذر، و لا

حيلة لمتطلب حيلة.

8-إحتكار القرار:

و هذه الطريقة في العمل قد أخرجت القضية عن احتكار جماعة بعينها، قد يروق لها أن تدّعي: أنها وحدها صاحبة الحل و العقد في هذه المسألة، لتصبح قضية الأمة بأسرها، من مسؤولياتها التي لا بد و أن تطالب، و تطالب بها، فليس لقريش بعد هذا، و لا لغيرها: أن تحتكر القرار في أمر الإمامة و الخلافة، كما قد حصل ذلك بالفعل.

و لنا أن نعتبر هذا الأمر من أهم إنجازات هذا الموقف، و هو ضربة موفقة في مجال التخطيط لمستقبل الرسالة، و تركيز الفهم الصحيح لمفهوم الإمامة لدى جميع الأجيال، و على مر العصور.

حيث كان لا بد لهذه القضية من أن تخرج من يد أناس يريدون أن يمارسوا الإقطاعية السياسية و الدينية، على أسس و مفاهيم جاهلية، دونما أثارة من علم، و لا دليل من هدى، و إنما من منطلق الأهواء الشيطانية، و الأطماع الرخيصة، و الأحقاد المقيتة و البغيضة.

9-تساقط الأقنعة:

و لعل الإنجاز الأهم هنا، هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استطاع أن يكشف زيف المزيفين، و خداع الماكرين، و يعريهم أمام الناس، حتى عرفهم كل أحد، و بأسلوب يستطيع الناس جميعا أن يدركوه و يفهموه على اختلاف مستوياتهم، و حالاتهم، و درجاتهم في الفكر، و في الوعي، و في السن، و في الموقع، و في غير ذلك من أمور. .

فقد رأى الجميع: أن هؤلاء الذين يدّعون: أنهم يوقرون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يتبركون بفضل وضوئه، و ببصاقه، و حتى بنخامته، و أنهم يعملون بالتوجيهات الإلهية التي تقول:

لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ (1).

لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاٰ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ (2).

مٰا آتٰاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (3).

أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ (4).

و غير ذلك من آيات تنظم تعاملهم، و تضع الحدود، و ترسم معالم السلوك معه «صلى اللّه عليه و آله» ، مما يكون الفسق و الخروج عن الدين، في تجاهله، و في تعديه.

هذا إلى جانب اعترافهم بما له «صلى اللّه عليه و آله» من فضل عليهم، و أياد لديهم، فإنه هو الذي أخرجهم-بفضل اللّه-من الظلمات إلى النور، و من الضلال إلى الهدى، و أبدلهم الذل بالعز، و الشقاء بالسعادة، و النار بالجنان.

يضاف إلى ذلك كله: ادّعاء هؤلاء أنهم قد جاؤوا مع هذا الرسول الأكرم و الأعظم، في هذا الزمان الشريف، إلى هذا المكان المقدس-عرفات-لعبادة


1) الآية 1 من سورة الحجرات.

2) الآية 2 من سورة الحجرات.

3) الآية 7 من سورة الحشر.

4) الآية 59 من سورة النساء.

اللّه سبحانه، و طلب رضاه، معلنين بالتوبة، و بالندم على ما فرطوا به في جنب اللّه، منيبين إليه سبحانه، ليس لهم في حطام الدنيا مطلب، و لا في زخارفها مأرب.

و هم يظهرون أنفسهم بمظهر من يسعى لإنجاز عمل صالح يوجب غفران ذنوبهم، و رفعة درجاتهم.

نعم، رغم ذلك كله: فإنه «صلى اللّه عليه و آله» استطاع أن يري الجميع بأم أعينهم: كيف أن حركة بسيطة منه «صلى اللّه عليه و آله» قد أظهرتهم على حقيقتهم، و كشفت خفيّ مكرهم، و خادع زيفهم، و قد رأى كل أحد كيف أنهم: قد تحولوا إلى وحوش كاسرة، ضد نبيهم بالذات، و ظهر كيف أنهم لا يوقرون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يرفعون أصواتهم فوق صوته، و يجهرون له بالقول أكثر من جهر بعضهم لبعضهم، و يعصون أوامره. . و. . و. . كل ذلك رغبة في الدنيا، و زهدا في الآخرة، و طلبا لحظ الشيطان، و عزوفا عن الكرامة الإلهية، و عن طلب رضى الرحمن.

10-و على هذه فقس ما سواها:

و لا بد لكل من عاين هذه الأحداث أن يطرح على نفسه السؤال التالي: إذا كان هؤلاء لا يتورعون عن معاملة نبيهم بهذا الأسلوب الوقح و القبيح، فهل تراهم يوقرون من هو دونه، في ظروف و حالات هي أقل بكثير من حالاتهم معه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! .

و ماذا عسى أن يكون موقفهم ممن طفحت قلوبهم بالحقد عليه، و لهم قبله ترات و ثارات أسلافهم الذين قتلهم على الشرك، و هو أمير المؤمنين

الإمام علي بن أبي طالب صلوات اللّه و سلامه عليه. .

و سيجدون أن الإجابة لن تكون في صالح هؤلاء المتجرئين على نبيهم «صلى اللّه عليه و آله» .

و هكذا. . فإنه يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أفقدهم، و أفقد مؤيديهم كل حجة، و حرمهم من كل عذر، سوى البغي و الإصرار على الباطل، و الجحود للحق؛ فقد ظهر ما كان خفيا، و أسفر الصبح لذي عينين، و لم يعد يمكن الإحالة، على المجهول، بدعوى: أنه يمكن أن يكون قد ظهر لهم ما خفي علينا.

أو أنهم-و هم الأتقياء الأبرار-لا يمكن أن يخالفوا أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا أن يبطلوا تدبيره، و يخونوا عهده، و هو لمّا يدفن.

أو أن من غير المعقول: أن تصدر الخيانة من أكثر الصحابة؟ ! أو أن يسكتوا عنها بأجمعهم.

و ما إلى ذلك من أساليب تضليلية، يمارسها البعض لخداع السذج و البسطاء، و من لا علم لهم بواقع أولئك الناس، و لا بمواقفهم.

فإن كل هذه الدعاوى قد سقطت، و جميع تلكم الأعذار قد ظهر زيفها و بطلانها، فمن شاء فليؤمن، و من شاء فليكفر.

11-القرار الإلهي الثابت:

و الذي ساهم في قطع كل عذر، و بوار كل حجة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قد تابع طريقته الحكيمة في فضح أمر هؤلاء المتجرئين، بما ستأتي الإشارة إليه، في أمور فاجأهم بها، مثل قضية تجهيز جيش أسامة،

و عزل أبي بكر عن الصلاة، و طلب كتابة الكتاب، فيما عرف برزية يوم الخميس.

و كل ذلك قد كان منه في الأيام الأخيرة من حياته «صلى اللّه عليه و آله» ، بحيث لم يبق مجال لدعوى الإنابة و التوبة، أو الندم على ما صدر منهم، و لا لدعوى تبدل الأوضاع و الأحوال، و الظروف و المقتضيات، و لا لدعوى تبدل القرار الإلهي النبوي الثابت.

12-التهديد و التآمر:

هذا. . و قد تقدم: أن هؤلاء أنفسهم حينما رأوا جدية التهديد الإلهي، قد سكتوا في غدير خم حين أعلن النبي «صلى اللّه عليه و آله» إمامة علي «عليه السلام» ؛ فلم نجد منهم أية بادرة، إلا فيما ندر من همسات عابرة، لا تكاد تسمع.

و قد بادر هؤلاء أنفسهم إلى البيعة له «عليه السلام» . . و إن كانوا قد أسروا و بيتوا ما لا يرضاه اللّه و رسوله، من القول و الفعل، و النية و التخطيط. الذي ظهرت نتائجه بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو «صلى اللّه عليه و آله» لما يدفن، بل و قبل ذلك، حينما تصدى بعضهم لمنع النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» من كتابة الكتاب بالوصية لعلي «عليه السلام» ، حينما كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» على فراش المرض، في ما عرف برزية يوم الخميس! و قال قائلهم: إن النبي ليهجر!

أو: غلبه الوجع!

أو فقالوا: هجر رسول اللّه!

أو: ما شأنه أهجر؟

قال سفيان: يعنى هذى، استفهموه! (1).


1) راجع: مسند أحمد ج 1 ص 222 و 324 و 325 و 355 و الإيضاح ص 359 و تذكرة الخواص ص 62 و سر العالمين ص 21 و صحيح البخاري ج 3 ص 60 و ج 4 ص 5 و 173 و ج 1 ص 21-22 و ج 2 ص 115 و (ط دار الفكر) ج 4 ص 31 و 66 و ج 5 ص 137 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 202 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 434 و المصنف للصنعاني ج 6 ص 57 و ج 10 ص 361 و راجع ج 5 ص 438 و الإرشاد للمفيد ص 107 و البحار ج 22 ص 472 و 498 و ج 30 ص 530 و 538 و راجع: الغيبة للنعماني ص 81-82 و عمدة القاري ج 14 ص 298 و ج 15 ص 90 و ج 18 ص 61 و 62 و فتح الباري ج 8 ص 101 و 102 و البداية و النهاية ج 5 ص 227 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 247 و البدء و التاريخ ج 5 ص 59 و الملل و النحل ج 1 ص 22 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 244 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 192-193 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 2 ص 436 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 320 و أنساب الأشراف ج 1 ص 562 و شرح النهج للمعتزلي ج 2 ص 55 و ج 6 ص 51 و ج 13 ص 31 و نصب الراية ج 4 ص 343 و تاريخ الخميس ج 2 ص 164 و صحيح مسلم ج 5 ص 75 و 76 و السيرة الحلبية ج 3 ص 344 و نهج الحق ص 273 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 247 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 450 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض ج 2 ص 192 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 447 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 قسم 2 ص 62. و راجع: حق اليقين ج 1 ص 181-182 و دلائل الصدق ج 3 قسم 1 ص 63-70 و الصراط المستقيم ج 3 ص 3 و 6 و المراجعات ص 322 و 353 و 354 و النص و الاجتهاد ص 149-163 و مسند الحميدي ج 1 ص 242.

و سيأتي إن شاء اللّه أنهم أخذوا هذا الأمر من صاحبه الشرعي بقوة السلاح، بعد أن ارتكبوا جرائم و عظائم، و انتهكوا للّه حرمات. . فإنا للّه و إنا إليه راجعون. .

الخير في ما وقع:

و أخيرا. . فإن ما جرى في عرفة، و منى، و إظهار هؤلاء الناس على حقيقتهم، و ما تبع ذلك من فوائد و عوائد أشير إليها، قد كان ضروريا و لازما، للحفاظ على مستقبل الدعوة، و بقائها، فقد عرفت الأمة الوفي و التقي، من المتآمر و الغادر، و المؤمن الخالص، من غير الخالص، و في ذلك النفع الكثير و الخير العميم. فَعَسىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اَللّٰهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (1). و صدق اللّه و رسوله، و خاب من افترى. . فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمٰا يَنْكُثُ عَلىٰ نَفْسِهِ (2).


1) الآية 19 من سورة النساء.

2) الآية 10 من سورة الفتح.

الفصل الرابع: حديث الغدير و أسانيده

اشارة

غدير خم لتبرئة علي عليه السّلام:

قال ابن كثير: «فصل في إيراد الحديث الدال على أنه «عليه السلام» خطب بمكان بين مكة و المدينة، مرجعه من حجة الوداع، قريب من الجحفة -يقال له غدير خم-فبين فيها فضل علي بن أبي طالب، و براءة عرضه مما كان تكلم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنها بعضهم جورا، و تضييقا و بخلا، و الصواب كان معه في ذلك.

و لهذا لما تفرغ «عليه السلام» من بيان المناسك، و رجع إلى المدينة بين ذلك في أثناء الطريق. فخطب خطبة عظيمة في اليوم الثامن عشر من ذي الحجة عامئذ، و كان يوم الأحد بغدير خم، تحت شجرة هناك، فبين فيها أشياء. و ذكر من فضل علي و أمانته و عدله و قربه إليه ما أزاح به ما كان في نفوس كثير من الناس منه» (1).

إلى أن قال: «قال محمد بن إسحاق-في سياق حجة الوداع-: حدثني يحيى بن عبد اللّه بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد


1) البداية و النهاية ج 5 ص 227 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 414.

بن ركانة، قال: لما أقبل علي من اليمن، ليلقى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمكة، تعجل إلى رسول اللّه، و استخلف على جنده الذين معه رجلا من أصحابه، فعمد ذلك الرجل، فكسا كل رجل من القوم حلة من البز الذي كان مع علي.

فلما دنا جيشه خرج ليلقاهم، فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك! ما هذا؟

قال: كسوت القوم ليتجملوا به إذا قدموا في الناس.

قال: ويلك! انزع قبل أن تنتهي به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال: فانتزع الحلل من الناس، فردها في البز.

قال: و أظهر الجيش شكواه لما صنع بهم (1).

ثم روى ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري قال: اشتكى الناس عليا، فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فينا خطيبا، فسمعته يقول: «أيها الناس لا تشكوا عليا، فواللّه إنه لأخشن في ذات اللّه أو في سبيل اللّه من أن يشكى» (2).


1) و البداية و النهاية ج 5 ص 228 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 415 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 603 و (و نشر مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 1021 و البحار ج 41 ص 115 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 402 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 377 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 304 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 194.

2) و البداية و النهاية ج 5 ص 228 و ج 7 ص 381 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 415 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 194 و مسند أحمد ج 3 ص 86 و مجمع الزوائد ج 9 ص 129 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 603 و (و نشر مكتبة محمد علي صبيح) ج 4 ص 1022 و ينابيع المودة ج 2 ص 398 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 4 ص 1857 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 199 و تهذيب الكمال ج 35 ص 187 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 240 و 234 و 440 و 441 و 442 و ج 20 ص 300 و 302 و ج 23 ص 606 و ج 31 ص 48.

و نقول:

إن ما زعمه ابن كثير، ليس له أية قيمة علمية، فإنه مجرد اجتهاد منه في مقابل النصوص التي صرحت: بأن ما فعله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما هو نصب منه، بل من اللّه لعلي «عليه السلام» لمقام بعينه، و كلمات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في يوم الغدير صريحة في ذلك. .

و نزول آية كمال الدين في مناسبة الغدير كما ورد في النصوص، يبطل هذا الإجتهاد الذي أتحفنا به ابن كثير. .

و حتى لو كانت آية الإكمال قد نزلت يوم عرفة، فإنها قد دلت على أنه لم يكن إكمال الدين بإضافة أمر جديد، إذ لم نجد في الآية الشريفة المذكورة إلا التأكيد على أحكام سبق تشريعها في آيات أخرى.

فالجديد إذن هو ولاية علي «عليه السلام» ، و قد حاول أن يبلغها يوم عرفة، فمنعته قريش، و الطامعون في الأمر بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فأنزل اللّه عليه العصمة من الناس، و أمره بالتبليغ مرة أخرى في قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكٰافِرِينَ (1).

فجمع الناس في غدير خم، و أبلغهم ولاية علي «عليه السلام» ، ثم نزل


1) الآية 67 من سورة المائدة.

جبرئيل عليه يأمره بقراءة آية إكمال الدين و إتمام النعمة عليهم، ففعل «صلى اللّه عليه و آله» .

و إن نفس اعتبار هذا الأمر الذي أمر بإبلاغه موازيا للرسالة كلها، يكفي لدحض ما زعمه ابن كثير. .

و سيأتي إن شاء اللّه المزيد مما يدل على سقوط اجتهاد هذا الرجل. .

بل ما رواه ابن إسحاق أخيرا من خطبة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» في حق علي «عليه السلام» يشير إلى أنها خطبة أخرى لا ربط لها بما جرى في الغدير. و لكن ابن كثير اجتهد في تطبيق هذه على تلك. . و لم يكن موفقا في ذلك أبدا. . كما سنرى.

يوم الغدير يوم اللّه الأكبر:

إن ما جرى في يوم الغدير قد جعل هذا اليوم من أكثر الأيام حساسية و أهمية للإسلام و لأهله. و قد أصبح هذا اليوم عيدا لدى طائفة كبيرة من المسلمين المؤمنين. و اعتبرته طائفة أخرى يوم بلاء و عناء، تتعامل مع كل ما يجري فيه بالحقد و الضغينة، و الشنآن.

بل قد يبلغ الأمر ببعض هؤلاء حد استحلال دماء من يظهر الفرح في هذا اليوم، فكانوا و ما زالوا يرتكبون أعظم المجازر في حقهم. و أحداث التاريخ تشهد على ما نقول كما ربما يمر معنا.

و من جهة أخرى، فإن هذا اليوم قد حظي بعناية بالغة، من حيث البحث و التقصي لما قيل فيه و جرى، و من نقل وروى. . فألفت الكتب الكثيرة، و كتبت البحوث الغزيرة منذ عهود الإسلام الأولى، و إلى يومنا هذا.

و نحن لا نريد استقصاء ذلك كله، بل نريد عرض ما جرى، مع مراعاة الإختصار الشديد، و توخي الوضوح الأكيد، و ربما نتناول بعض الجوانب التي نرى أن تناولها راجح و مفيد.

غير أننا نود أن نعلم القارئ بأننا سوف نكثر من الإحالة على كتاب الغدير للعلامة الأميني، فإنه من أجلّ الكتب و أكثرها استيفاء للنصوص و المصادر.

خلاصة ما جرى يوم الغدير:

و نبدأ بذكر ملخص لما جرى وفق ما أورده صاحب كتاب الغدير في أول كتابه كما يلي:

قال «رحمه اللّه» :

«فلما قضى مناسكه، و انصرف راجعا إلى المدينة، و معه من كان من الجموع المذكورات، وصل إلى غدير خم من الجحفة التي تتشعب فيها طرق المدنيين و المصريين و العراقيين، و ذلك يوم الخميس الثامن عشر من ذي الحجة، نزل إليه جبرئيل الأمين عن اللّه بقوله: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكٰافِرِينَ (1). و أمره أن يقيم عليا علما للناس، و يبلغهم ما نزل فيه من الولاية، و فرض الطاعة على كل أحد.

و كان أوائل القوم قريبا من الجحفة، فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) الآية 67 من سورة المائدة.

و آله» أن يرد من تقدم منهم، و يحبس من تأخر عنهم في ذلك المكان، و نهى عن سمرات خمس متقاربات، دوحات عظام، أن لا ينزل تحتهن أحد، حتى إذا أخذ القوم منازلهم، فقمّ ما تحتهن.

حتى إذا نودي بالصلاة-صلاة الظهر-عمد إليهن فصلى بالناس تحتهن، و كان يوما هاجرا يضع الرجل بعض رداءه على رأسه، و بعضه تحت قدميه، من شدة الرمضاء، و ظلّل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بثوب على شجرة سمرة من الشمس.

فلما انصرف «صلى اللّه عليه و آله» من صلاته، قام خطيبا وسط القوم (1)


1) راجع: الغدير ج 1 ص 210-223 و قد صرح بنزول الآية في هذه المناسبة كثيرون، فراجع ما عن المصادر التالية: ابن جرير الطبري في كتاب الولاية في طرق حديث الغدير كما في ضياء العالمين، و الدر المنثور ج 2 ص 298 و فتح القدير ج 2 ص 57 و 60 عن ابن أبي حاتم، و كنز العمال ج 11 ص 603 و عن أبي بكر الشيرازي و ابن مردويه، و كشف الغمة للأربلي ص 324 و 325 و عن تفسير الثعلبي، و العمدة لابن البطريق ص 100 و الطرائف لابن طاووس ج 1 ص 152 و 121 و مجمع البيان ج 3 ص 344 و المناقب لابن شهرآشوب ج 3 ص 29 و أبي نعيم في كتابه ما نزل من القرآن في علي «عليه السلام» ص 86 و خصائص الوحي المبين ص 53 و أسباب النزول ص 135 و شواهد التنزيل ج 1 ص 255 و تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 237 و التفسير الكبير للرازي ج 12 ص 49 و مفتاح النجا في مناقب آل العبا ص 34 و مودة القربى (المودة الخامسة) و فرائد السمطين ج 1 ص 158 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 42 و عمدة القاري ج 18 ص 206 و غرائب القرآن للنيسابوري ج 6 ص 170 و شرح ديوان أمير المؤمنين للميبذي ص 406 و عن أبي الشيخ، و ابن أبي حاتم، و عبد بن حميد، و ابن مردويه، و ثمار القلوب للثعالبي ص 636 و راجع: روح المعاني ج 6 ص 192 و ينابيع المودة ج 1 ص 119 و راجع: تفسير المنار ج 6 ص 463 و البحار ج 37 ص 115 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 657 و إعلام الورى ج 1 ص 261 و قصص الأنبياء للراوندي ص 353 و كشف اليقين ص 240 و تفسير القمي ج 1 ص 173 و التفسير الصافي ج 2 ص 69.

على أقتاب الإبل، و أسمع الجميع رافعا عقيرته (1)، فقال:

«الحمد للّه و نستعينه و نؤمن به، و نتوكل عليه، و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا، و من سيئات أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضل، و لا مضل لمن هدى، و أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله.

أما بعد. . أيها الناس، قد نبأني اللطيف الخبير: أنه لم يعمر نبي إلا مثل نصف عمر الذي قبله، و إني أوشك أن أدعى فأجيب، و إني مسؤول، و أنتم مسؤولون، فماذا أنتم قائلون؟

قالوا: نشهد أنك قد بلغت و نصحت و جهدت، فجزاك اللّه خيرا.

قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، و أن جنته حق، و ناره حق، و أن الموت حق، و أن الساعة آتية لا ريب فيها، و أن اللّه يبعث من في القبور؟

قالوا: بلى نشهد بذلك.

قال: اللهم اشهد.

ثم قال: أيها الناس ألا تسمعون؟


1) راجع: الغدير ج 1 ص 10 و راجع: البحار ج 37 ص 166 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 544.

قالوا: نعم.

قال: فإني فرط على الحوض، و أنتم واردون علي الحوض، و إن عرضه ما بين صنعاء و بصرى (1)، فيه أقداح عدد النجوم من فضة، فانظروا كيف تخلفوني في الثقلين (2).

فنادى مناد: و ما الثقلان يا رسول اللّه؟

قال: الثقل الأكبر كتاب اللّه، طرف بيد اللّه عز و جل، و طرف بأيديكم، فتمسكوا به لا تضلوا، و الآخر الأصغر عترتي، و إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فسألت ذلك لهما ربي، فلا تقدّموهما فتهلكوا، و لا تقصّروا عنهما فتهلكوا.

ثم أخذ بيد علي فرفعها حتى رؤي بياض آباطهما، و عرفه القوم أجمعون، فقال: أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟

قالوا: اللّه و رسوله أعلم.

قال: إن اللّه مولاي، و أنا مولى المؤمنين، و أنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنت مولاه فعلي مولاه، يقولها ثلاث مرات-و في لفظ أحمد إمام الحنابلة: أربع مرات-ثم قال: اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و أحب من أحبه، و أبغض من أبغضه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله، و أدر الحق معه حيث دار، ألا فليبلغ الشاهد الغائب.

ثم لم يتفرقوا حتى نزل أمين وحي اللّه بقوله: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ


1) صنعاء: عاصمة اليمن اليوم. و بصارى: قصبة كورة حوران من أعمال دمشق.

2) الثقل، بفتح المثلاثة و المثناة: كل شيء خطير نفيس.

دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي الآية (1)» (2).

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : اللّه أكبر على إكمال الدين، و إتمام النعمة، و رضى الرب برسالتي، و الولاية لعلي من بعدي.

ثم طفق القوم يهنئون أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه.

و ممن هنأه في مقدم الصحابة: الشيخان أبو بكر و عمر، كلّ يقول: بخ بخ لك يا بن أبي طالب أصبحت و أمسيت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة.


1) الآية 3 من سورة المائدة.

2) و قد روي نزول الآية في يوم الغدير في المصادر التالية: الغدير ج 1 ص 11 و 230 -237 و 296 و روى ذلك الطبري في كتاب الولاية في طرق حديث الغدير، كما في ضياء العالمين. و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 14 عن ابن مردويه، و الدر المنثور ج 2 ص 259 و تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 237 و الإتقان ج 1 ص 31 و كشف الغمة ج 1 ص 330 و عن مفتاح النجا، و عن الفرقة الناجية و ما نزل من القرآن في علي «عليه السلام» لأبي نعيم ص 56 و كتاب سليم بن قيس ج 2 ص 828 و تاريخ بغداد ج 8 ص 290 و مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 18 و العمدة لابن البطريق ص 106 و شواهد التنزيل للحسكاني ج 1 ص 201 و المناقب للخوارزمي ص 135 و 156 و فرائد السمطين ج 1 ص 74 و 72 و عن النطنزي في كتابه الخصائص العلوية، و توضيح الدلائل للصالحاني، و تذكرة الخواص ص 30 و البداية و النهاية ج 5 ص 210. و راجع: البحار ج 21 ص 390 و ج 37 ص 134 و 166 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 301 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 544 و إعلام الورى ج 1 ص 261-363 قصص الأنبياء للراوندي ص 353-354 و تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص 20 و كشف اليقين ص 253.

و قال ابن عباس: و جبت و اللّه في أعناق القوم (1).

الخطبة برواية الطبري:

و عن زيد بن أرقم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» خطب في يوم الغدير خطبة بالغة، ثم قال: إن اللّه تعالى أنزل إلىّ: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (2)، و قد أمرني جبرئيل عن ربي أن أقوم في هذا المشهد، و أعلم كل أبيض و أسود: أن علي بن أبي طالب أخي، و وصيي، و خليفتي، و الإمام بعدي.

فسألت جبرئيل أن يستعفي لي ربي، لعلمي بقلة المتقين، و كثرة المؤذين لي، و اللائمين لكثرة ملازمتي لعلي، و شدة إقبالي عليه، حتى سموني أذنا، فقال تعالى: وَ مِنْهُمُ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلنَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ (3). و لو شئت أن أسميهم و أدل عليهم لفعلت، و لكني بسترهم قد تكرمت.

فلم يرض اللّه إلا بتبليغي فيه. فاعلموا معاشر الناس ذلك، فإن اللّه قد نصبه لكم وليا و إماما، و فرض طاعته على كل أحد، ماض حكمه، جائز


1) الغدير ج 1 ص 10 و 11. و راجع: العمدة لابن البطريق ص 104-106 و البحار ج 37 ص 184 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 132 و ج 8 ص 122 عن المناقب لابن المغازلي 16-18 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 255 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 341 و 342 عن ابن المغازلي.

2) الآية 67 من سورة المائدة.

3) الآية 67 من سورة المائدة.

دِينَكُمْ (1)بإمامته، فمن لم يأتم به، و بمن كان من ولدي من صلبه إلى القيامة، فأولئك حبطت أعمالهم، و في النار هم خالدون.

إن إبليس أخرج آدم «عليه السلام» من الجنة، مع كونه صفوة اللّه، بالحسد (2)، فلا تحسدوا فتحبط أعمالكم، و تزل أقدامكم.

في علي نزلت سورة وَ اَلْعَصْرِ إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ (3).

معاشر الناس! آمنوا باللّه و رسوله و النور الذي أنزل معه مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهٰا عَلىٰ أَدْبٰارِهٰا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمٰا لَعَنّٰا أَصْحٰابَ اَلسَّبْتِ (4). النور من اللّه فيّ، ثم في عليّ، ثم في النسل منه إلى القائم المهدي.

معاشر الناس! سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار، و يوم القيامة لا ينصرون، و إن اللّه و أنا بريئان منهم، إنهم و أنصارهم و أتباعهم في الدرك الأسفل من النار. و سيجعلونها ملكا اغتصابا، فعندها يفرغ لكم أيها الثقلان و يُرْسَلُ عَلَيْكُمٰا شُوٰاظٌ مِنْ نٰارٍ وَ نُحٰاسٌ فَلاٰ تَنْتَصِرٰانِ (5)» (6).


1) الآية 3 من سورة المائدة.

2) لنا كتاب مستقل حول هذا الموضوع أسميناه «براءة آدم» ، فلا بأس بالرجوع إليه في هذا الموضوع.

3) الآيتان 1 و 2 من سورة العصر.

4) الآية 47 من سورة النساء.

5) الآية 35 من سورة الرحمن.

6) الغدير للعلامة الأميني ج 1 ص 215 و 216 عن ضياء العالمين للفتوني عن كتاب الولاية للطبري. و راجع: كتاب الإحتجاج ج 1 ص 133-162 و التحصين لابن طاووس ص 579 590 و نهج الإيمان لابن جبر ص 91-112 و العدد القوية للحلي ص 169- 183 و التفسير الصافي ج 2 ص 56-67 و فيها زيادات هامة، و البحار ج 37 ص 201-219 و روضة الواعظين ص 100-113 و (ط منشورات الشريف المرتضى) ص 91-99 و غاية المرام ج 1 ص 402-419 و راجع: الصراط المستقيم ج 1 ص 301-304.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يعلمهم التهنئة و البيعة:

و تذكر الروايات أيضا: أنه قال «صلى اللّه عليه و آله» :

«معاشر الناس! قولوا أعطيناك على ذلك عهدا من أنفسنا، و ميثاقا بألسنتنا، و صفقة بأيدينا، نؤديه إلى من رأينا من أولادنا و أهالينا، لا نبغي بذلك بدلا، و أنت شهيد علينا، و كفى باللّه شهيدا.

قولوا ما قلت لكم، و سلموا على عليّ بإمرة المؤمنين، و قولوا: اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي هَدٰانٰا لِهٰذٰا وَ مٰا كُنّٰا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لاٰ أَنْ هَدٰانَا اَللّٰهُ (1)، فإن اللّه يعلم كل صوت، و خائنة كل عين، فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمٰا يَنْكُثُ عَلىٰ نَفْسِهِ وَ مَنْ أَوْفىٰ بِمٰا عٰاهَدَ عَلَيْهُ اَللّٰهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (2). قولوا ما يرضي اللّه عنكم، ف‌ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اَللّٰهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ (3)» (4).


1) الآية 43 من سورة الأعراف.

2) الآية 10 من سورة الفتح.

3) الآية 7 من سورة الزمر.

4) الغدير للعلامة الأميني ج 1 ص 508 و 509 و (ط دار الكتاب العربي) ص 270 عن الطبري في كتاب الولاية، و عن الخليلي في مناقب علي بن أبي طالب. و عن كتاب النشر والطي. و راجع: الصراط المستقيم ج 1 ص 303 و البحار ج 37 ص 217.

قال زيد بن أرقم: فعند ذلك بادر الناس بقولهم: نعم، سمعنا و أطعنا لما أمرنا اللّه و رسوله، بقلوبنا، و أنفسنا، و ألسنتنا، و جميع جوارحنا.

ثم انكبوا على رسول اللّه، و على عليّ بأيديهم

و كان أول من صافق رسول اللّه أبو بكر و عمر، و طلحة و الزبير، ثم باقي المهاجرين (و الأنصار و باقي)الناس على طبقاتهم، و مقدار منازلهم، إلى أن صليت الظهر و العصر في وقت واحد، و المغرب و العشاء الآخرة في وقت واحد، و لم يزالوا يتواصلون البيعة و المصافقة ثلاثا، و رسول اللّه كلما بايعه فوج بعد فوج يقول: «الحمد للّه الذي فضلنا على جميع العالمين» .

و صارت المصافقة سنة و رسما، و استعملها من ليس له حق فيها (1).

ثم جلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في خيمة تختص به، و أمر أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» أن يجلس في خيمة أخرى، و أمر أطباق الناس بأن يهنئوا عليا في خيمته.

و لما فرغ الناس عن التهنئة له أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمهات المؤمنين بأن يسرن إليه و يهنئنه، ففعلن.

و ممن هنأه من الصحابة: عمر بن الخطاب، فقال: هنيئا لك (أو بخ بخ


1) الغدير للعلامة الأميني ج 1 ص 508 و 509 و (ط دار الكتاب العربي) ص 270 و عن الطبري في كتاب الولاية، و عن الخليلي في مناقب علي بن أبي طالب. و عن كتاب النشر و الطي. و راجع: الصراط المستقيم ج 1 ص 303 و الإحتجاج ج 1 ص 84 و اليقين لابن طاووس ص 360 و البحار ج 37 ص 217 و التفسير الصافي ج 2 ص 67 و نهج الإيمان لابن جبر ص 112 و العدد القوية للحلي ص 1183.

لك) يا بن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى جميع المؤمنين و المؤمنات (1).

و في نص آخر: قال أبو بكر و عمر: أمسيت يابن أبي طالب مولى كل


1) راجع: تاريخ روضة الصفا لابن خاوند شاه ج 2 ص 541 و حبيب السير ج 1 ص 411. و حول تهنئة عمر له راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 12 ص 78 و مسند أحمد ج 4 ص 281 و جامع البيان ج 3 ص 428 و الغدير ج 1 ص 273 و 274 عن الحسن بن سفيان الشيباني النسوي و عن شرف المصطفى للخركوشي، و ابن مردويه، و عن الكشف و البيان، و عن العاصمي في زين الفتى، و عن فضائل الصحابة للسمعاني، و المناقب لابن الجوزي و الخصائص العلوية للنطنزي، و عن مودة القربى، و عن الصراط السوي للقادري، و عن السهارنپوري، و عن ولي اللّه الدلهوي، و عن مفتاح النجا و معارج العلى، و عن تفسير شاهي و الرياض النضرة ج 3 ص 113 و عن حياة علي بن أبي طالب للشنقيطي ص 28 و نظم درر السمطين ص 109 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 40 و مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 18 و سر العالمين ص 21 و الملل و النحل ج 1 ص 145 و المناقب للخوارزمي ص 94 و التفسير الكبير ج 12 ص 49 و النهاية في اللغة ج 5 ص 228 و عن أسد الغابة ج 4 ص 108 و تذكرة الخواص ص 29 و وسيلة المتعبدين ج 5 ق 2 ص 162 و فرائد السمطين ج 1 ص 77 و مشكاة المصابيح ج 3 ص 360 و بديع المعاني ص 75 و البداية و النهاية ج 5 ص 209 و 210 و الخطط للمقريزي ج 1 ص 388 و كنز العمال ج 13 ص 133 و شرح ديوان أمير المؤمنين للميبذي ص 406 و وفاء الوفاء ج 3 ص 1018 و المواهب اللدنية ج 3 ص 365 و وسيلة المآل ص 117 و نزل الأبرار ص 52 و الروضة الندية ص 155 و وسيلة النجاة ص 102 و مرآة المؤمنين ص 41 و تاريخ بغداد ج 8 ص 290 و مصادر أخرى تقدمت.

مؤمن و مؤمنة (1).

فقال حسان: إئذن لي يا رسول اللّه أن أقول في عليّ أبياتا تسمعهن.

فقال: قل على بركة اللّه.

فقام حسان، فقال: يا معشر مشيخة قريش، أتبعها قولي بشهادة من رسول اللّه في الولاية ماضية، ثم قال (2):


1) راجع: الغدير ج 1 ص 273 عن كتاب الولاية لابن عقدة، و عن المرزباني في كتابه سرقات الشعر، و عن الدارقطني، و عن الإبانة لابن بطة، و عن التمهيد للباقلاني، و عن العاصمي في زين الفتى، و الصواعق المحرقة ص 44 و كفاية الطالب ص 62-64 و فيض القدير للمناوي ج 6 ص 218 و (دار الكتب العلمية) ج 6 ص 292 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 7 ص 13 و الفتوحات الإسلامية ج 2 ص 306. و الفضائل لابن شاذان ص 133 و كتاب الولاية لابن عقدة ص 155 و البحار ج 104 ص 117 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 211 و 263 و 364 و 405 و 412 و ج 8 ص 82 و ج 9 ص 97 و 143 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 282 و الغدير ج 1 ص 11 و 273 و 281 و 282 و 303 و 309 و 354 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 366 و ج 20 ص 581 و 599 و ج 21 ص 50 و 52 و 56 و ج 31 ص 500 و راجع: نهج الإيمان لابن جبر ص 127.

2) الغدير للعلامة الأميني ج 1 ص 11 و 232 و رسائل المرتضى ج 4 ص 131 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 119 و 363 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 469 و خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 94 و الطرائف ص 146 و تنبيه الغافلين لابن كرامة ص 64 و الجمل للمفيد ص 117 و مناقب علي بن أبي طالب «عليه السلام» و ما نزل من القرآن في علي «عليه السلام» لابن مردويه ص 233 و المناقب للخوارزمي ص 136 و البحار ج 21 ص 388 و ج 37 ص 112 و 166 و 178 و 179 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 147 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 309 و 310 و 316 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 356 و ج 20 ص 199 و الأمالي للصدوق ص 670 و نهج الإيمان لابن جبر ص 116 و خصائص الأئمة للشريف الرضي ص 42 و روضة الواعظين ص 103 و شرح أصول الكافي ج 6 ص 120 و نظم درر السمطين ص 112 و الفصول المختارة للشريف المرتضى ص 290 و الإرشاد ج 1 ص 177 و أقسام المولى للشيخ المفيد ص 35 و الصراط المستقيم ج 1 ص 305 و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 230 و كنز الفوائد ص 123 و مسار الشيعة للشيخ المفيد ص 39 و إعلام الورى ج 1 ص 262 و الدر النظيم ص 253 و 396 و كشف الغمة ج 1 ص 325.

يناديهم يوم الغدير نبيهمبخم فاسمع بالرسول مناديا

يقول: فمن مولاكم و وليكم؟فقالوا و لم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا و أنت وليناو لم تر منا في الولاية عاصيا

فقال له: قم يا علي فإننيرضيتك من بعدي إماما و هاديا

فمن كنت مولاه فهذا وليهفكونوا له أنصار صدق مواليا

هناك دعا: اللهم وال وليهو كن للذي عادا عليا معاديا

و حسب رواية سليم بن قيس:

ألم تعلموا أن النبي محمدالدى دوح خم حين قام مناديا

و قد جاءه جبريل من عند ربهبأنك معصوم فلا تك وانيا

و بلغهم ما أنزل اللّه ربهمو إن أنت لم تفعل و حاذرت باغيا

عليك فما بلغتهم عن إلههمرسالته إن كنت تخشى الأعاديا

فقام به إذ ذاك رافع كفهبيمنى يديه معلن الصوت عاليا

فقال لهم: من كنت مولاه منكمو كان لقولي حافظا ليس ناسيا

فمولاه من بعدي علي و إننيبه لكم دون البرية راضيا

فيا رب من والى عليا فوالهو كن للذي عادى عليا معاديا

و يا رب فانصر ناصريه لنصرهمإمام الهدى كالبدر يجلو الدياجيا

و يا رب فاخذل خاذليه و كن لهمإذا وقفوا يوم الحساب مكافيا (1)

و عن عمر بن الخطاب قال:

نصب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليا علما، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و اخذل من خذله، و انصر من نصره، اللهم أنت شهيدي عليهم.

قال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه! و كان في جنبي شاب حسن الوجه طيب الريح، قال لي: يا عمر لقد عقد رسول اللّه عقدا لا يحله إلا منافق.

فأخذ رسول اللّه بيدي فقال: يا عمر، إنه ليس من ولد آدم، لكنه جبرائيل أراد أن يؤكد عليكم ما قلته في علي (2)

و راجع: خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 187 و ج 9 ص 273 و العقد النضيد و الدر الفريد للقمي ص 178 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 252 عن أرجح المطالب (ط لاهور) ص 565، و ج 21 ص 65 عن آل محمد (نسخة مكتبة السيد الأشكوري) ص 453 و راجع: الدر النظيم ص 253.

.

1) كتاب سليم بن قيس ج 2 ص 828 و 829 و (بتحقيق الأنصاري) ص 356 و البحار الأنوار ج 37 ص 195.

2) الغدير للعلامة الأميني ج 1 ص 57 عن مودة القربى لشهاب الدين الهمداني، المودة الخامسة، و ينابيع المودة ج 2 ص 73 و (ط دار الأسوة) ص 284 عنه.

قضية الغدير ليست واقعة حرب معروفة:

كانت تلك خلاصة لواقعة الغدير. و قد ظهر أنها ليست واقعة حرب معروفة، كما زعمه الدكتور ملحم إبراهيم الأسود في تعليقته على ديوان أبي تمام (1)، إذ ليس في غزوات النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا في سراياه أية واقعة حرب أخرى معروفة بهذا الاسم.

و ما عرف في الجاهلية بهذا الاسم (2)لم يكن للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و لا لعلي «عليه السلام» أي ارتباط به. .

كما أنها لم تكن لأجل تبرئة علي «عليه السلام» مما نسب إليه من الجور على من كان معه في اليمن، كما زعمه ابن كثير، و من هم على شاكلته. .

عيد الغدير عبر القرون و الأحقاب:

هذا. . و لا حاجة بنا إلى إثبات أن عيد الغدير عيد إسلامي أصيل، و أنه لم يزل معروفا بهذه الصفة منذ القرون الثلاثة الأولى.

و بذلك يظهر عدم صحة قول المقريزي عن عيد الغدير: «أول ما عرف في الإسلام بالعراق، أيام معز الدولة علي بن بويه، فإنه أحدثه في سنة اثنتين


1) الغدير للعلامة الأميني ج 2 ص 331 عن شرح ديوان أبي تمام ص 381.

2) راجع: الأغاني ج 10 ص 14 و 15 و العقد الفريد لابن عبد ربه ج 5 ص 99.

و خمسين و ثلاث مائة، فاتخذه الشيعة من حينئذ عيدا» (1).

فإن هذا القول لا يصح، و لا مجال لقبوله، فقد قال المسعودي: «و ولد علي رضي اللّه عنه، و شيعته يعظمون هذا اليوم» (2).

و المسعودي قد توفي قبل التاريخ المذكور، أي في سنة 346 ه‌.

و روى فرات بن إبراهيم، و هو من علماء القرن الثالث عن الصادق، عن أبيه، عن آبائهم «عليهم السلام» ، قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يوم غدير خم أفضل أعياد أمتي الخ. .» (3).

و قد اعتبره أمير المؤمنين علي «عليه السلام» عيدا أيضا، حيث إنه «عليه السلام» خطب في سنة اتفق فيها الجمعة و الغدير، فقال: «إن اللّه عز و جل جمع لكم معشر المؤمنين في هذا اليوم عيدين عظيمين كبيرين. .» .

و الخطبة طويلة يأمرهم فيها تفصيلا بفعل ما ينبغي فعله في الأعياد، و بإظهار البشر و السرور، فمن أراد فليراجع (4).


1) الخطط للمقريزي ج 1 ص 288.

2) التنبيه و الإشراف ص 221 و 222.

3) راجع: الغدير ج 1 ص 283 و الأمالي للصدوق ص 188 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 2 ص 264 و البحار ج 37 ص 109 و ج 94 ص 110 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 589 و بشارة المصطفى للطبري ص 49 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 339 و روضة الواعظين ص 102.

4) مصباح المتهجد ص 698 و (ط مؤسسة فقه الشيعة) ص 754 و الغدير ج 1 ص 284 عنه، و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 10 ص 445 و (ط دارالإسلامية) ج 7 ص 327 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 2 ص 256 و المصباح للكفعمي ص 697 و البحار ج 94 ص 114 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 421 و الغدير ج 1 ص 284 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» للعطاردي ج 2 ص 23 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 8 ص 72.

و قد روى فرات بسنده عن فرات بن أحنف، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: قال: قلت: جعلت فداك، للمسلمين عيد أفضل من الفطر و الأضحى، و يوم الجمعة، و يوم عرفة؟ !

قال: فقال لي: «نعم، أفضلها، و أعظمها، و أشرفها عند اللّه منزلة، هو اليوم الذي أكمل اللّه فيه الدين، و أنزل على نبيه محمد: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي الآية (1)» (2).

و في الكافي: عن الحسن بن راشد، عن الإمام الصادق «عليه السلام» أيضا: أنه اعتبر يوم الغدير عيدا.

و في آخره قوله: «فإن الأنبياء صلوات اللّه عليهم كانت تأمر الأوصياء باليوم الذي كان يقام فيه الوصي أن يتخذ عيدا» .

قال: قلت: فما لمن صامه؟


1) الآية 3 من سورة المائدة.

2) الغدير ج 1 ص 284 و 285 و تفسير فرات ص 117 حديث 123 و مستدرك الوسائل ج 6 ص 278 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 473 و البحار ج 37 ص 169 و جامع أحاديث الشيعة ج 6 ص 180 و 313 و 413.

قال: «صيام ستين شهرا» (1).

و يؤيده: ما رواه الخطيب البغدادي، بسند رجاله كلهم ثقات، عن أبي هريرة: من صام يوم ثماني عشر من ذي الحجة كتب له صيام ستين شهرا، و هو يوم غدير خم الخ. .» (2).


1) الكافي ج 4 ص 148 و 149 و الغدير ج 1 ص 285 عنه، و مصباح المتهجد ص 680 و (ط مؤسسة فقه الشيعة) ص 737 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 519 و مشارق الشموس (ط. ق) ج 2 ص 451 و الحدائق الناضرة ج 13 ص 361 و جامع المدارك ج 2 ص 224 و ثواب الأعمال للصدوق ص 74 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 90 و تهذيب الأحكام ج 4 ص 305 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 10 ص 441 و (ط دار الإسلامية) ج 7 ص 324 و البحار ج 37 ص 172 و ج 94 ص 111 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 420 و بشارة المصطفى للطبري ص 364.

2) تاريخ بغداد ج 8 ص 290 و (ط دار الكتب العلمية) ج 8 ص 284 و أشير إليه في تذكرة الخواص ص 30 و المناقب للخوارزمي ص 94 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 156 و فيه ستين سنة بدل ستين شهرا، و مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 19 و في فرائد السمطين الباب 13 ج 1 ص 77 كما في مناقب الخوارزمي، و الغدير ج 1 ص 232 و 401 و 402 عنهم، و عن زين الفتى للعاصمي. و راجع: كتاب الأربعين للشيرازي ص 114 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 425 و الأمالي للصدوق ص 50 و شرح أصول الكافي ج 5 ص 196 و ج 6 ص 120 و ينابيع المودة ج 2 ص 283 و الطرائف ص 147 و روضة الواعظين ص 350 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 134 و 187 و 246 و 277 و 344 و 348 و 354 و ج 8 ص 277 و 281 و 292 و 293 و 301 و 302 و العمدة لابن البطريق ص 106 و البحار ج 37 ص 108 و ج 94 ص 110 و ج 95 ص 321 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 194 و شواهد التنزيل ج 1 ص 200 و 203 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 148 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 233 و 234 و بشارة المصطفى للطبري ص 158 و 402 و كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 258 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 234 و 255 و 353 و ج 14 ص 289 و 290 و 291 و ج 20 ص 197 و ج 21 ص 61 و 64 و ج 30 ص 77 و 78 و 79 و البداية و النهاية ج 5 ص 233 و 386.

و في رواية أخرى: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أوصى عليا «عليه السلام» أن يتخذوا ذلك اليوم عيدا (1).

و ليراجع ما رواه المفضل بن عمر، عن الصادق «عليه السلام» (2).

و ما روي عن عمار بن حريز العبدي عنه «عليه السلام» (3).


1) الكافي ج 4 ص 149 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 10 ص 440 و (ط دار الإسلامية) ج 7 ص 323 و البحار ج 37 ص 172 و الغدير ج 1 ص 285 و 286 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 519 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 419 و الحدائق الناضرة ج 13 ص 362 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 342.

2) الخصال ج 1 ص 264 و الغدير ج 1 ص 286 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 10 ص 443 و (ط دار الإسلامية) ج 7 ص 325 و البحار ج 94 ص 11 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 421 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 342.

3) مصباح المتهجد ص 680 و (ط مؤسسة فقه الشيعة) ص 737 و الغدير ج 1 ص 286 و البحار ج 95 ص 298 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 10 ص 444 و (ط دار الإسلامية) ج 7 ص 326 و راجع: مستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 470 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 344 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 535 و جامع أحاديث الشيعة ج 7 ص 411 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 8 ص 33.

و عن أبي الحسن الليثي عنه «عليه السلام» (1).

و عن زياد بن محمد عن الصادق «عليه السلام» (2).

و عن سالم عن الإمام الصادق «عليه السلام» (3).


1) الغدير ج 1 ص 287 عن الحميري، و مستدرك الوسائل ج 6 ص 276 و إقبال الأعمال ج 2 ص 279 و البحار ج 95 ص 300 و جامع أحاديث الشيعة ج 7 ص 411 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 343.

2) مصباح المتهجد ص 679 و (ط مؤسسة فقه الشيعة) ص 736 و المصباح للكفعمي ص 688 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 419 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 10 ص 443 و (ط دار الإسلامية) ج 7 ص 326 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 8 ص 38.

3) الكافي ج 4 ص 149 و الغدير ج 1 ص 285 و ذخيرة المعاد (ط. ق) ج 1 ق 3 ص 519 و الحدائق الناضرة ج 13 ص 362 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 10 ص 440 و (ط دار الإسلامية) ج 7 ص 323 و إقبال الأعمال ج 2 ص 263 و البحار ج 37 ص 172 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 419 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 6 ص 192 و ج 7 ص 392 و ج 8 ص 36.

و قال الفياض بن عمر الطوسي سنة تسع و خمسين و مائتين، و قد بلغ التسعين: إنه شهد أبا الحسن علي بن موسى الرضا «عليه السلام» في يوم الغدير، و بحضرته جماعة من خاصته، قد احتبسهم للإفطار، و قد قدم إلى منازلهم الطعام، و البر و الصلات، و الكسوة حتى الخواتيم و النعال، و قد غير من أحوالهم، و أحوال حاشيته، و جددت لهم آلة غير الآلة التي جرى الرسم بابتذالها قبل يومه، و هو يذكر فضل اليوم و قدمه (1).

و في المحتضر، بالإسناد، عن محمد بن علاء الهمداني الواسطي، و يحيى بن جريح البغدادي، قالا في حديث: قصدنا جميعا أحمد بن إسحاق القمي، صاحب الإمام أبي محمد العسكري «عليه السلام» ، بمدينة قم، و قرعنا عليه الباب، فخرجت إلينا من داره صبية عراقية، فسألناها عنه، فقالت: هو مشغول بعيده، فإنه يوم عيد.

فقلنا: سبحان اللّه، أعياد الشيعة أربعة: الأضحى، و الفطر، و الغدير، و الجمعة الخ. .» (2).


1) الغدير ج 1 ص 287 و مصباح المتهجد ص 696 و (ط مؤسسة فقه الشيعة) ص 752 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 10 ص 444 و (ط دار الإسلامية) ج 7 ص 326 و البحار ج 94 ص 112 و جامع أحاديث الشيعة ج 9 ص 421 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» عطاردي ج 2 ص 21 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليه السلام» ج 8 ص 70 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 346.

2) الغدير ج 1 ص 287 و البحار ج 31 ص 120 و ج 95 ص 351 و المحتضر ص 93.

و بعد. . فقد حشد العلامة الأميني، في كتابه القيم: «الغدير» عشرات النصوص عن عشرات المصادر الموثوقة عند أهل السنة، و التي تؤكد على عيدية يوم الغدير في القرون الأولى، و أنه قد كان شائعا و معروفا في العصور الإسلامية الأولى. .

و تكفي مراجعة الفصل الذي يذكر فيه تهنئة الشيخين أبي بكر و عمر لأمير المؤمنين «عليه السلام» بهذه المناسبة، فقد ذكر ذلك عن ستين مصدرا. .

هذا. . عدا المصادر الكثيرة التي ذكرت تهنئة الصحابة له «عليه السلام» بهذه المناسبة، و عدا المصادر التي نصت على عيدية يوم الغدير، فإنها كثيرة أيضا (1).

و من ذلك كله يعلم: عدم صحة ما ذكره ابن تيمية عن عيد الغدير: «إن اتخاذ هذا اليوم عيدا لا أصل له، فلم يكن في السلف، لا من أهل البيت، و لا من غيرهم، من اتخذ ذلك عيدا» (2).

فإنه كلام ساقط عن الإعتبار، لأنه لا يستند إلى دليل علمي، و لا تاريخي على الإطلاق. . و إنما الأدلة كلها على خلافه.


1) الغدير ج 1 ص 267-289 و 508 و 509 و (ط دار الكتاب العربي) ص 270 عن الطبري في كتاب الولاية، و عن الخليلي في مناقب علي بن أبي طالب. و عن كتاب النشر و الطي. و راجع: الصراط المستقيم ج 1 ص 303 و البحار ج 37 ص 217. و راجع: التنبيه و الإشراف للمسعودي ص 222 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 367.

2) إقتضاء الصراط المستقيم ص 294 و (ط سنة 1419 ه‌-1999 م) ج 2 ص 83.

ماذا يقول شانئو علي عليه السّلام؟ ! :

ذكرت بعض النصوص المتقدمة: أن صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة يعدل صيام ستين شهرا، و لكن نفوس شانئي علي «عليه السلام» ، و المتحاملين عليه لم تحتمل سماع هذه الفضيلة له، فبادرت إلى تكذيبها بصورة قاطعة معززة بالأيمان المغلظة، و كان مستندهم في ذلك غريبا و عجيبا، فاستمع إلى ابن كثير و هو ينقل لنا ذلك عن الذهبي، فيقول عن هذا الحديث:

«إنه حديث منكر جدا، بل كذب، لمخالفته لما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أن هذه الآية نزلت في يوم الجمعة، يوم عرفة. و رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم واقف بها كما قدمنا.

و كذا قوله: إن صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجة، و هو يوم غدير خم، يعدل صيام ستين شهرا، لا يصح، لأنه قد ثبت ما معناه في الصحيح: أن صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستين شهرا-هذا باطل.

و قد قال شيخنا الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي بعد إيراده هذا الحديث: هذا حديث منكر جدا. و رواه حبشون الخلال، و أحمد بن عبد اللّه بن أحمد النيري، و هما صدوقان، عن علي بن سعيد الرملي، عن ضمرة.

قال: و يروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطاب، و مالك بن الحويرث، و أنس بن مالك، و أبي سعيد و غيرهم بأسانيد واهية.

قال: و صدر الحديث متواتر أتيقن أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قاله، و أما: اللهم وال من والاه، فزيادة قوية الإسناد. و أما هذا الصوم

فليس بصحيح، و لا و اللّه، ما نزلت هذه الآية إلا يوم عرفة، قبل غدير خم بأيام، و اللّه تعالى أعلم» (1).

و نقول:

إن كلام الذهبي مرفوض جملة و تفصيلا، و ذلك لما يلي:

1-قد ذكرنا: أن نزول الآية في يوم عرفة في ضمن سورة المائدة لا يعني عدم نزولها مرة أخرى بعد ثمانية أيام في غدير خم. .

بل قد ذكرنا: أن ثمة آيات و سورا قد نزلت أكثر من مرة لمناسبات اقتضت نزولها. .

2-إن هؤلاء قد رووا أيضا: أن من صام رمضان ثم اتبعه ستا من شوال فكأنما صام الدهر (2).

3-عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن المنهال، عن أبيه، عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أنه كان


1) البداية و النهاية ج 5 ص 233 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 425.

2) سنن أبي داود للسجستاني ج 1 ص 544 و مجمع الزوائد ج 3 ص 183 و فتح الباري ج 4 ص 194 و مسند الحميدي ج 1 ص 188 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 163 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 298 و المعجم الأوسط ج 5 ص 171 و المعجم الكبير ج 4 ص 136 و أمالي الحافظ الأصبهاني ص 21 و 34 و معرفة السنن و الآثار ج 3 ص 450 و الإستذكار ج 3 ص 379 و الإنصاف للمرداوي ج 3 ص 343 و أحكام القرآن لابن العربي ج 1 ص 109 و ج 321 و البرهان للزركشي ج 2 ص 136 الدر المنثور ج 3 ص 66 و تاريخ مدينة دمشق ج 36 ص 35.

يأمر بصيام البيض. ثلاث عشرة، و أربع عشرة، و خمس عشرة. و يقول: «هو كصوم الدهر، أو كهيئة صوم الدهر» (1).

4-و عن علي «عليه السلام» : «في رجب يوم و ليلة، من صام ذلك اليوم، و قام تلك الليلة، كان له من الأجر كمن صام مائة سنة، و قام مائة سنة، و هي لثلاث ليال بقين من رجب، في ذلك اليوم بعث اللّه محمدا نبيا» (2).

5-و روي: من صام يوما من رجب كان كصيام سنة (3).

6-عن ابن عمر عنه «صلى اللّه عليه و آله» : صوم يوم عرفة صوم سنة (4).

و في نص آخر: يعدله بصوم سنتين (5).


1) مسند أحمد ج 5 ص 27 و 28 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 544 و عمدة القاري ج 11 ص 96 و الآحاد و المثاني ج 3 ص 268 و ج 4 ص 289 و المعجم الكبير ج 10 ص 137 و ج 19 ص 17 و راجع: مسند أبي داود الطيالسي ص 170 و أسد الغابة ج 4 ص 195 و 414 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 294 و فتح الباري ج 4 ص 197 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 81.

2) تذكرة الموضوعات للفتني ص 116 و فضائل الأوقات للبيهقي ص 96 و الدر المنثور ج 3 ص 235.

3) فضائل الأوقات للبيهقي ص 93 و كنز العمال ج 8 ص 578 و ج 12 ص 311 و الدر المنثور ج 3 ص 235.

4) مسند أبي يعلى ج 10 ص 17 و كنز العمال ج 5 ص 75 و 193 و شرح معاني الآثار ج 2 ص 72.

5) مسند أحمد ج 5 ص 307 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 152.

7-عن أبي قتادة قال: صيام يوم عرفة يعدل السنة و التي تليها، و صيام عاشوراء يعدل سنة (1).

8-و روي مرسلا: صيام كل يوم من أيام العشر كصيام شهر، و صيام عرفة كصيام أربعة عشر شهرا (2).

9-و عن ابن عباس، عنه «صلى اللّه عليه و آله» : من صام يوم عرفة كان له كفارة سنتين، و من صام يوما من المحرم فله بكل يوم ثلاثون يوما (3).

10-و روى البخاري، و مسلم، و أحمد، و ابن ماجة و غيرهم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لعبد اللّه بن عمرو: صم ثلاثة أيام من الشهر صوم الدهر كله (4).

فهل يستطيع العجلوني و الذهبي، و من ينسج على منوالهما أن يحكم بكذب هذه الروايات كلها و سواها مما يدخل في هذا السياق، مع أن بعضها وارد في صحاحهم، و لا يكاد يخلو منه كتاب حديث لهم يتعرض لثواب صيام الأيام. .

أم أن وراء الأكمة ما وراءها من التحامل على علي «عليه السلام» ،


1) كنز العمال ج 5 ص 75 و 76.

2) كنز العمال ج 5 ص 76.

3) مجمع الزوائد ج 3 ص 190 و المعجم الصغير ج 2 ص 71 و الجامع الصغير ج 2 ص 614 و العهود المحمدية ص 191 و كنز العمال ج 8 ص 572 و فيض القدير ج 6 ص 210.

4) مسند أحمد ج 2 ص 189 و سنن النسائي ج 4 ص 214 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 299 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 131.

و التشكيك في كل ما يؤيد إمامته، و يدين ما جرى عليه و على زوجته فاطمة الزهراء «عليهما السلام» بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

الإبتداع الغبي:

و قالوا عن سنة 389 ه‌: «و فيها أرادت الشيعة أن يصنعوا ما كانوا يصنعونه من الزينة يوم غدير خم، و هو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة، فيما يزعمونه، فقاتلهم جهلة آخرون من المنتسبين إلى السنّة؛ فادعوا: أنّ في مثل هذا اليوم حصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أبو بكر في الغار، فامتنعوا من ذلك» (1).

و استمر أهل السنّة يعملون هذا العيد المزعوم دهرا طويلا. و قد أظهروا فيه الزينة، و نصب القباب، و إيقاد النيران الخ. . (2).

و نقول:

لا ندري لماذا قاتل جهلة السنّة الشيعة الذين يريدون إقامة شعائرهم؟


1) راجع: البداية و النهاية ج 11 ص 325 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 11 ص 373 و راجع: المنتظم ج 7 ص 206، و شذرات الذهب ج 3 ص 130، و الخطط المقريزية ج 1 ص 389، و الكامل في التاريخ ج 9 ص 155، و ذيل تجارب الأمم لأبي شجاع ج 3 ص 339-340، و نهاية الإرب ج 1 ص 185.

2) راجع: البداية و النهاية ج 11 ص 325-326، و شذرات الذهب ج 3 ص 130، و المنتظم ج 7 ص 206، و الكامل في التاريخ ج 9 ص 155، و تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة 380-400 ه‌) ص 25، و عن تاريخ كزيده ص 148، و ذيل تجارب الأمم للوزير أبي شجاع ج 3 ص 339-340.

و لماذا لا يردعهم عقلاؤهم عن أعمال كهذه، فيها تعدّ و ظلم و بغي على الآخرين؟ .

و الأغرب من ذلك أن يبتدعوا عيدا جديدا لا يعترف لهم به علماؤهم، و هم من الحنابلة المتشدّدين في أمور كهذه، و يرونها بدعة، و خروجا على حدود الشرع و الدين! ! .

ثمّ نجد هذا العيد يستمر إلى عشرات السنين، دونما مانع أو رادع! ! .

و الذي يلفت النظر هو: أنّ المؤرّخين الذين هم على مذهب هؤلاء، ينسبون ذلك إلى العوام، و يتحاشون التعبير بكلمة (عيد) قدر الإمكان؛ فيقولون مثلا: عمل عوام السنّة يوم سرور، و كأنّ الأسماء تغيّر الواقع و تلغيه! !

و لكن الذي يضحك الثكلى هو: أن التاريخ الذي ألزم هؤلاء أنفسهم به، و هو أن تكون هجرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» و حصره بالغار، قد حصل في الثامن عشر من ذي الحجّة! !

فإن الأمة بأسرها مجمعة على أنّ الهجرة قد كانت في شهر ربيع الأوّل، بلا شك و لا ريب في ذلك.

فكيف استمروا على ذلك عشرات السنين، و لم يتنبّه علماؤهم إلى خطأ ذلك و فساده؟ ! .

و إن كانوا قد تنّبهوا إليه، فلماذا سكتوا على ذلك، و لم يردعوهم عنه؟ أخوف الفضيحة و العار؟ ! .

مصادر حديث الغدير:

أما مصادر هذا الحديث الشريف، و هو نصب علي «عليه السلام»

إماما، و أخذ البيعة له من الناس في يوم الغدير، فقد كفانا العلامة الأميني في كتابه «الغدير» مؤونة جمع مصادره، فإنه قد أورد في كتابه هذا طائفة كبيرة من ذلك، و لكنه لم يستطيع أن يستوعب أكثرها، و يمكن الإستدراك عليه بأكثر مما جمعه، خصوصا إذا استفيد من الأجهزة الآلية الحديثة التي جمعت قسما كبيرا من المؤلفات، و ستبقى مصادر هذا الحديث تتنامى و تزداد تبعا لتنامي رصيدا هذا الجهاز، بما يضاف إليه من الكتب على امتداد الأيام. .

و لذلك فنحن نكتفي بإرجاع القارئ إلى كتاب الغدير، و من أراد المزيد فليراجع ما عداه من المصادر التي تعد بالمئات و الآلاف بما في ذلك كتب الحديث، و اللغة، و التاريخ، و الأدب و ما إلى ذلك. .

حديث الغدير متواتر:

و لا شك في أن هذا الحديث متواتر أيضا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، رواه الجم الغفير عن الجم الغفير. و الروايات الصحاح و الحسان كثيرة فيه، رغم أن تواتر الحديث يغني عن النظر في الأسانيد، و لا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا اطّلاع و لا بصيرة له في هذا العلم، فقد ورد مرفوعا-كما قالوا- عن أبي بكر الصديق، و عمر بن الخطاب، و طلحة بن عبيد اللّه، و الزبير بن العوام، و سعد بن أبي و قاص، و عبد الرحمن بن عوف، و العباس بن عبد المطلب، و زيد بن أرقم، و البراء بن عازب، و بريدة بن الحصيب، و أبي هريرة، و أبي سعيد الخدري، و جابر بن عبد اللّه، و عبد اللّه بن عباس، و حبشي بن جنادة، و عبد اللّه بن مسعود، و عمران بن حصين، و عبد اللّه بن عمر، و عمار بن ياسر، و أبي ذر الغفاري، و سلمان الفارسي، و أسعد بن زرارة، و خزيمة بن

ثابت، و أبي أيوب الأنصاري، و سهل بن حنيف، و حذيفة بن اليمان، و سمرة بن جندب، و زيد بن ثابت، و أنس بن مالك و غيرهم من الصحابة رضوان اللّه عليهم. و صحح عن جماعة منهم ممن يحصل القطع بخبرهم (1).

و قد أحصى العلامة الأميني رواية مائة و عشرة من الصحابة لهذا الحديث، و ربما يمكن إضافة عدد وافر منهم بالإستفادة من الجهاز الآلي (الكمبيوتر) ، تبعا لازدياد المصادر التي تضاف إلى ذاكرته.

و قال جمال الدين الحسيني الشيرازي: أصل هذا الحديث-سوى قصة الحارث (2)-تواتر عن أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و هو متواتر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا، و رواه جمع كثير، و جم غفير من الصحابة (3).

و عن السيوطي أيضا: إنه حديث متواتر (4).

و عده المقبلي أيضا في جملة الأحاديث المتواترة و المفيدة للعلم (5).


1) الغدير ج 1 ص 298 و 299 و أسنى المطالب ص 47 و 48 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 190 و شرح إحقاق الحق ج 21 ص 103.

2) أي التي نزلت آيات سورة المعارج بسببها.

3) الغدير ج 1 ص 301 و 302 عن الأربعين للشيرازي، و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 198 و ج 8 ص 261 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 294.

4) فيض القدير ج 6 ص 218 و قطف الزهار ص 277 و البيان و التعريف ج 3 ص 75 و 233 و الغدير ج 1 ص 300 و 308 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 291.

5) الغدير ج 1 ص 306 عن كتاب الأبحاث المسددة في الفنون المتعددة، و عن هداية العقول إلى غاية السؤول ج 2 ص 30 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 213.

و قال محمد الصنعاني: حديث الغدير متواتر عند أكثر أئمة الحديث (1).

و عده العمادي الحنفي من المتواترات (2).

و راجع كتاب تشنيف الآذان ص 77، فإنه حكم بتواتره و ذكر طائفة من طرقه أيضا.

و قد أشار العلامة الأميني إلى طائفة من المؤلفات في حديث الغدير بلغت ستة و عشرين مؤلفا.

كما أن للعلامة السيد عبد العزيز الطباطبائي «رحمه اللّه» كتابا بعنوان: «الغدير في التراث الإسلامي» صدر عن دار المؤرخ العربي في بيروت سنة 1414 ه‌. أشار فيه إلى ما لم يذكره العلامة الأميني «رحمه اللّه» .

و قد حكي عن الجويني الملقب بإمام الحرمين، أستاذ الغزالي: أنه كان يتعجب و يقول: «رأيت مجلدا في بغداد في يد صحاف فيه روايات خبر غدير خم، مكتوبا عليه: المجلدة الثامنة و العشرون من طرق قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «من كنت مولاه فعلي مولاه» ، و يتلوه المجلدة التاسعة و العشرون» (3).

و قال الذهبي: رأيت مجلدا من طرق الحديث لابن جرير، فاندهشت


1) الروضة الندية ص 154 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 218 و الغدير ج 1 ص 307 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 296.

2) الصلات الفاخرة ص 49 و الغدير ج 1 ص 310.

3) البحار ج 37 ص 236 و الغدير ج 1 ص 158 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 545 و قاموس الرجال ج 11 ص 517 و نهج الإيمان لابن جبر ص 134 و ينابيع المودة ج 1 ص 113 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 292.

له، و لكثرة تلك الطرق (1).

أغرب و أعجب ما قرأت! ! :

و من غرائب الأمور ما نقرأه عن الفخر الرازي، الذي يعترف له كل أحد بالفضل ينساق وراء أهوائه، و ينقاد لعصبيته و أحقاده، فيقول: «ظفرت بأربعمائة طريق إلى حديث الغدير، و مع ذلك لم يؤثر صحته في قلبي» (2).

و نحن لا نريد التعليق على هذا الإعتراف البالغ الخطورة، بل نكل ذلك إلى ضمير القارئ و وجدانه الحي، ليعرف مع من نتعامل، و بمن ابتلي علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و إذا كان هذا حال الخلف، فليت شعري كيف كان حال السلف معه صلوات اللّه و سلامه عليه. علما بأن الرازي يتهم بالتشيع أيضا! ! !

المنكرون و المشككون:

و لأجل ما قدمناه فلا يلتفت إلى من حاول الطعن العشوائي، و الأهوائي


1) تذكرة الحفاظ ج 2 ص 713 و مشكل الآثار ج 2 ص 308 و الصواعق المحرقة ص 42 و 43 و المعتصر من المختصر ج 2 ص 301 و المرقاة في شرح المشكاة ج 10 ص 476 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 43 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 219 و الغدير ج 1 ص 152 و 307 و الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» لأحمد الرحماني ص 808 و فتح الملك العلي لابن الصديق المغربي ص 15.

2) رسالة في الإمامة للشيخ عباس-نجل الشيخ حسن صاحب كتاب أنوار الفقاهة -ص 98.

في حديث الغدير، حتى لقد زعم التفتازاني: أن أكثر الذين تنسب إليهم رواية حديث الغدير لم يرووه على الحقيقة (1).

و هو كلام تحكمي ليس له ما يبرره من الناحية العلمية.

و زعم ابن تيمية (2): أنه لا ريب في كذب هذا الحديث.

و آخر طعن في حديث الغدير و اعترف بصحة الدعاء، و قال: لم يخرّج غير أحمد إلا الجزء الأخير من قوله: «اللهم وال من والاه الخ. .» (3).

مع أن أدنى مراجعة للمصادر تظهر زيف هذا الإدعاء. .

و ثمة من يقول: «لم يروه علماؤنا» (4).

أو: لا يصح من طريق الثقات (5).

أو قال: لم يذكره الثقات من المحدثين (6).

و آخر يزعم: أنه لم يخرجه إلا أحمد في مسنده (7).

و كل ذلك تحكم جائر، و تمحل غبي، يظهر عواره للعيان، حتى للعيان من الصبيان، فضلا عن العوران و الحولان. .


1) شرح المقاصد ج 5 ص 274.

2) منهاج السنة ج 4 ص 85.

3) الغدير ج 1 ص 315 عن نجاة المؤمنين لمحمد محسن الكشميري.

4) الغدير ج 1 ص 315 عن ابن حزم في المفاضلة بين الصحابة.

5) الغدير ج 1 ص 315 و الفصل في الملل و الهواء و النحل ج 4 ص 148 و عنه في منهاج السنة ج 4 ص 86.

6) الغدير ج 1 ص 316 عن السهام الثاقبة لسبط ميرزا مخدوم بن عبد الباقي.

7) الغدير ج 1 ص 315 عن نجاة المؤمنين لمحمد محسن الكشميري.

و قد شحن العلامة الأميني «رحمه اللّه» كتابه الغدير بالنصوص المتضمنة لكثير من تأكيدات كبار علماء أهل السنة على صحة أو تواتر حديث الغدير بجميع فصوله و نصوصه. فراجع الجزء الأول منه. .

نظرة في تواتر حديث الغدير:

نعود إلى التذكير و التأكيد على أن العلامة الأميني «رحمه اللّه» قد أحصى في كتابه النفيس «الغدير» مائة و عشرة من الصحابة رووا حديث الغدير، و رواه من التابعين أكثر من هذا العدد،

كما أن السيد عبد العزيز الطباطبائي قد أضاف بعضا آخر إلى من روى حديث الغدير من الصحابة. فراجع كتابه: «على ضفاف الغدير» .

و رواية هذا الجم الغفير قد جاءت على الرغم من محاربة الحكام الشرسة لكل من يتفوه بكلمة حول هذا الموضوع، الذي يرون أن روايته من أخطر الأمور عليهم و على مستقبلهم، و كل وجودهم.

و لذلك فهم لا يتورعون عن إلحاق أي من أنواع الأذى إلى من يرويه، و بتشويه سمعته، و اضطهاده و ملاحقته بشراسة و قسوة للتخلص منه، بأي نحو كان.

على أن هناك طائفة كبيرة من الناس قد صدتها الأحقاد و الضغائن عن رواية هذا الحديث.

قال ابن قتيبة الدينوري عن تعصب أهل السنة على علي «عليه السلام» :

«و تحامى كثير من المحدثين أن يحدثوا بفضائله «كرم اللّه وجهه» ، أو يظهروا ما يجب له. . و أهملوا من ذكره، أو روى حديثا من فضائله، حتى

تحامى كثير من المحدثين ثوابها، و عنوا بجمع فضائل عمرو بن العاص، و معاوية! ! كأنهم لا يريدونهما بذلك. بل يريدونه.

فإن قال قائل: أخو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي، و أبو سبطيه الحسن و الحسين، و أصحاب الكساء: علي، و فاطمة، و الحسن و الحسين، تمعّرت الوجوه، و تنكرت العيون، و طرّت حسائك الصدور.

و إن ذكر ذاكر قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «من كنت مولاه فعلي مولاه» ، و «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» و اشباه هذا التمسوا لتلك الأحاديث المخارج ليتنقصوه و يبخسوه حقه» . انتهى (1).

ثم إن أكثر من حضر يوم الغدير كان من أعراب البوادي، الذين ذهبوا و ذهب ما عندهم، و لم ينقل شيء عنهم إلى غيرهم إلا ما شذ.

و لنا أن نقول:

إن تواتر هذا الأمر الذي يحاربه الأكثرون، و يعاقب من يرويه بأشد ما يكون. لا يحتاج إلى كل هذا العدد الهائل، بل يكفي لإثباته، و ظهور تواتره خمس هذا العدد، أو أقل من ذلك، ما دام أن الراوي له إنما يحمل دمه على كفه، و يخاطر بروحه و نفسه، و يسير إلى حتفه بظلفه. .

طرق حديث الغدير:

قال العلامة الأميني «رحمه اللّه» : «رواه أحمد بن حنبل من أربعين


1) الإختلاف في اللفظ (ط دار القدسي بمصر سنة 1349 ه‌) ص 47 و فتح الملك العلي لأحمد بن الصديق المغربي ص 154 و دفع الإرتياب عن حديث الباب لعلي بن محمد العلوي ص 33.

طريقا، و ابن جرير الطبري من نيف و سبعين طريقا، و الجزري المقري من ثمانين طريقا، و ابن عقدة من مائة و خمس طرق، و أبو سعيد السجستاني من مائة و عشرين طريقا، و أبو بكر الجعابي من مائة و خمس و عشرين طريقا، و في تعليق هداية العقول ج 2 ص 30 عن الأمير محمد اليمني (أحد شعراء الغدير في القرن الثاني عشر) : إن له مائة و خمسين طريقا» (1). و كذا في طبق الحلوى، عن السيد محمد إبراهيم.

و أنهاها أبو العلاء العطار إلى مائتين و خمسين طريقا (2).

و جمع الدارقطني الحافظ طرقه في جزء (3).

و جمع الحافظ ابن عقدة الكوفي كتابا مفردا فيه الخ. . (4). عن سبعين صحابيا و أكثر (5).


1) الغدير ج 1 هامش ص 14 و ذكر تفاصيل ذلك ص 152-158.

2) الغدير ج 1 هامش ص 302 و 158 عن القول الفصل ج 1 ص 445 للعلوي الهدار الحداد، و نهج الإيمان لابن جبر ص 133 و شرح إحقاق الحق ج 9 ص 678.

3) الغدير ج 1 ص 154 و 297 و الفصول المهمة في معرفة الأئمة لابن الصباغ ج 1 ص 50 عن كفاية الطالب ص 60.

4) كفاية الطالب ص 59 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 102 و الغدير ج 1 ص 297 و كتاب الولاية لابن عقدة الكوفي ص 139.

5) تهذيب التهذيب ج 7 ص 339 و (ط دار الفكر للطباعة) ج 7 ص 298 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 193 و الغدير ج 1 ص 153 و 299 و كتاب الولاية لابن عقدة الكوفي ص 140 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 289.

و قال العسقلاني في فتح الباري: «و أما حديث من كنت مولاه فعلي مولاه، فقد أخرجه الترمذي و النسائي، و هو كثير الطرق جدا، و قد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، و كثير من أسانيدها صحاح و حسان» (1).

و قال العاصمي: «هذا حديث تلقته الأمة بالقبول، و هو موافق بالأصول» (2).

و قال ابن عبد البر عن حديث المؤاخاة، و حديثي الراية و الغدير: «و هذه كلها آثار ثابتة» (3).

و قال ابن المغازلي عن هذا الحديث: «و قد رواه نحو مائة نفس، منهم العشرة المبشرة، و هو حديث ثابت، لا أعرف له علة» (4).

و في سر العالمين: «أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته في يوم


1) الغدير ج 1 ص 153 و 399 و 304 و 310 و فتح الباري ج 7 ص 61 و المواهب اللدنية ج 3 ص 365 و الصواعق المحرقة ص 42 و 43 و وسيلة المآل ص 117 و 118 و نزل الأبرار ص 54 و البحار ج 37 ص 199 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 211 و 216 و ينابيع المودة ج 2 ص 369 و راجع: شرح إحقاق الحق ج 6 ص 291 و 292 و 295.

2) الغدير ج 1 ص 295 عن زين الفتى.

3) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 373 و (ط دار الجيل) ج 3 ص 1099 و الغدير ج 1 ص 295 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» ص 44.

4) مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص 27 و العمدة لابن البطريق ص 108 و الطرائف ص 142 و الصراط المستقيم ج 1 ص 300 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 121 و البحار ج 37 ص 183 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 141 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 139 و ج 9 ص 16 و الغدير ج 1 ص 295 و 315 و نهج الإيمان لابن جبر ص 122.

غدير خم، باتفاق الجميع» (1).

و في المناقب لابن الجوزي: «اتفق علماء السير» (2).

و قال السمناني: «هذا حديث متفق على صحته» (3).

و قال الذهبي: «صدر الحديث متواتر، أتيقن أن رسول اللّه قاله «صلى اللّه عليه و آله» ، و أما «اللهم وال من والاه. .» فزيادة قوية الإسناد» (4).

كما أن شمس الدين الجزري روى حديث الغدير من ثمانين طريقا، و أفرد في إثبات تواتره رسالته أسنى المطالب. و قال بعد ذكر مناشدة أمير المؤمنين «عليه السلام» يوم الرحبة: «هذا حديث حسن من هذا الوجه، صحيح من وجوه كثيرة، تواتر عن أمير المؤمنين علي «عليه السلام» . .» (5).


1) سر العالمين ص 21 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 284 و البحار ج 37 ص 251 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 186 و الغدير ج 1 ص 276 و 296 و 392.

2) البحار ج 37 ص 150 و ج 109 ص 19 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 350 و ج 9 ص 195 و الغدير ج 1 ص 296 و 392 و العدد القوية ص 183.

3) العروة لأهل الخلوة ص 422 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 314 و 315 و الغدير ج 1 ص 297 و 396.

4) البداية و النهاية ج 5 ص 228 و (دار إحياء التراث العربي) ج 5 ص 333 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 426 و راجع: الغدير ج 1 ص 297 و 298 و (ط مركز الغدير للدراسات) ج 1 ص 132 و 133 و راجع: روح المعاني ج 6 ص 195 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 282.

5) الغدير ج 1 ص 298 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 186 و 190 و شرح إحقاق الحق ج 21 ص 102.

لماذا ينكرون التواتر؟ ! :

و الذين حاولوا أن ينكروا تواتر حديث الغدير إنما أرادوا أن يعتبروه من أخبار الآحاد، ربما لكي يلزموا الشيعة بذلك، و ليسقطوا احتجاجهم به، لأن الشيعة متفقون على لزوم التواتر فيما يستدل به على الإمامة (1).

و قد غفلوا عن أن المتواتر عند بعض طائفة من علماء أهل نحلتهم هو: ما يرويه ثمانية من الصحابة (2)، أو أربعة منهم (3)، أو خمسة (4)، بل إن هذا المدعي نفسه يجزم بتواتر حديث الأئمة من قريش، و قد رواه عندهم ثلاثة أشخاص هم: أنس، و ابن عمر، و معاوية، و روى معناه ثلاثة آخرون هم: جابر بن سمرة، و جابر بن عبد اللّه، و عبادة بن الصامت (5).

و منهم من يحكم بتواتر حديث روي باثنتي عشرة طريقا (6)، و جوّد السيوطي قول من حدد التواتر بعشرة (7).


1) شرح المقاصد للتفتازاني ج 5 ص 272 و الصواعق المحرقة ص 42.

2) الصواعق المحرقة ص 23 و الغدير ج 1 ص 321 و خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص دراسات 35.

3) المحلى لابن حزم ج 2 ص 135 و ج 7 ص 512 و ج 8 ص 453 و ج 9 ص 7 و الغدير ج 1 ص 321 و الفصول في الأصول للجصاص ج 3 ص 51 و فيض القدير ج 1 ص 649.

4) المنخول للغزالي ص 329.

5) الفصل لابن حزم ج 4 ص 89.

6) البداية و النهاية ج 7 ص 289 و نظم المتناثر من الخديث المتواتر ص 16.

7) ألفية السيوطي في علم الحديث ص 44 و المجموع للنووي ج 19 ص 232 و نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص 8.

فكيف إذا كان الحديث مرويا بمئات الطرق ذكر منها بعضهم مائة و خمسين، و بعضهم الآخر مائتين و خمسين طريقا عن أكثر من مائة و عشرة من الصحابة؟ !

أما أحمد أمين، فقد فضح نفسه، حين اكتفى بالقول: إن الشيعة يروون حديث الغدير عن البراء بن عازب. . فاقرأ و اعجب، فما عشت أراك الدهر عجبا! !

الغدير لم يخرّجه الشيخان:

و طعن بعضهم في حديث الغدير: بأن البخاري و مسلم لم يخرجاه (1)، بل قال بعضهم: إن أحدا من أصحاب الصحاح لم يخرجه (2). مع أن الترمذي قد أخرجه في صحيحه، و كذلك ابن ماجة في سننه، فضلا عمن عداهم، مثل الضياء في المختارة و غيره.

و عدم إخراج الشيخين له إنما يوجب الطعن بهما، من حيث إنه يشير إلى تعصبهما، و مجانبتهما سبيل الإنصاف، و اتباعهما طريق الإعتساف. .

على أن هناك آلافا من الأحاديث التي لم يخرجها الشيخان، فراجع المستدرك للحاكم، و تلخيصه للذهبي، فضلا عن مستدركات أخرى ذكرها آخرون، فهل يرضى هؤلاء بإهمالهما، أو بطمسهما؟ !


1) شرح المقاصد للتفتازاني ج 5 ص 274 و المواقف لعضد الدين الأيجي ص 405 و الغدير ج 1 ص 316.

2) الغدير ج 1 ص 317 عن مرافض الروافض للسهارنپوري.

الفصل الخامس: في ظلال حديث الغدير

اشارة

بداية:

كان حديثنا في الفصل يهدف إلى إعطاء لمحة عن الحدث الخالد الذي جرى في غدير خم، و لمحة أخرى عن تواتر أسانيده، و ثبوته بصورة قاطعة لكل عذر، بعيدة عن أي ريب.

و نريد هنا أن نعمق فهمنا لمرامي الأقوال و التوجيهات، و التحركات، و الإجراءات في المواقف المختلفة، لنستفيد الفكرة الهادية، و العبرة الصادقة، و الوعي الصحيح، و العميق لسياسة الإسلام، القائمة على الحق و العدل، و الهدى الإلهي، فنقول:

الخروج السريع من مكة:

إن من جملة ما لا بد أن يثير انتباه الناس، ليتبلور لديهم أكثر من سؤال هو إسراعه «صلى اللّه عليه و آله» في الخروج من مكة، حتى إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يطف بالبيت، بل هو لم يدخل إلى المسجد الحرام أصلا، و لو لإلقاء نظرة الوداع على بيت اللّه تبارك و تعالى. .

و لا أحد من الناس يجهل مدى علاقة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ببيت اللّه، و حبه له، فلا بد أن يتساءلوا عن أسباب هذه السرعة في المغادرة، و أن يربطوا بين الخروج على هذا النحو و بين ما جرى في مكة و في منى، حيث

واجهته قريش، و من يدور في فلكها بالأذى و الخذلان. . و بين ما يجري في غدير خم.

إرجاع المتقدم و حبس المتأخر:

و إذا اتصل بهذا الإجراء إجراء آخر يتمثل في أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، حين وصل إلى غدير خم، وقف حتى لحقه من تأخر بعده، و أمر برد من كان تقدم، فإنهم سيعرفون أن ثمة أمرا سيحدث، و أنه سيكون بالغ الأهمية أيضا، و سيتوقعون أن يكون اتصاله بما جرى في منى و عرفات قويا، و سيفتحون آذانهم، و تتعلق قلوبهم بكل حركة تصدر عنه، أو كلمة يتفوه بها. .

الدوحات الخمس منطقة محظورة:

و يتأكد هذا الأمر لديهم حين منعهم من النزول تحت الشجرات، الخمس دوحات المتقاربات العظام، اللواتي أمر بإزالة الشوك، و تمهيد المكان عندها، حتى إذا نودي بالصلاة عمد إليهن فصلى بالناس تحتهن، ثم نصّب لهم عليا «عليه السلام» (1).


1) الفصول المهمة لابن الصباغ ص 241 و الغدير ج 1 ص 10 و 26 و 27 عن مصادر كثيرة أخرى، و البداية و النهاية ج 5 ص 209 و ج 7 ص 348 و تاريخ مدينة دمشق ج 12 ص 226 و الصواعق المحرقة ص 43. و راجع: كتاب الأربعين للماحوزي ص 139 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 155 و 156 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 342.

دقة و بلاغة في أسلوب الإبلاغ:

ثم إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد اتبع أساليب بالغة الدقة في واقعة الغدير، بهدف رفع مستوى الإطمينان إلى دقة و شمولية المعرفة بما يجري، و اتساع نطاقها إلى أبعد مدى، حتى ليكاد الباحث يجزم بأن كل فرد فرد من المسلمين قد وقف على ما يراد إيقافه عليه، و عرف حدوده و تفاصيله، و دقائقه، و حقائقه، بل لقد صرحت بعض الروايات بهذه الشمولية، بالقول:

«و أخذ بيد علي فرفعها حتى عرفه القوم أجمعون، ثم قال: اللهم وال من والاه الخ. .» (1).

و في نص آخر عن زيد بن أرقم: فقلت لزيد: سمعته من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

فقال: و إنه ما كان في الدوحات أحد إلا رآه بعينيه، و سمعه بأذنيه (2).


1) جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 33 و كتاب الولاية لابن عقدة الكوفي ص 233 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 344 و ج 21 ص 79 و الغدير ج 1 ص 25 و 47 عن جواهر العقدين للسمهودي، و ينابيع المودة ص 38 و 39 و (دار الأسوة للطباعة) ج 1 ص 120.

2) الخصائص للنسائي ص 21 و الغدير ج 1 ص 30 و 34 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 130 و إكمال الدين ص 235 و 238 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 435 و البحار ج 37 ص 137 و مجمع الزوائد ج 9 ص 164 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 130 و (مكتبة نينوى الحديثة) ص 93 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 416 و المناقب للخوارزمي ص 154 و البداية و النهاية ج 5 ص 228 و أنساب الأشراف للبلاذري ص 111 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 194 و كنز العمال ج 13 ص 104 و خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 134 و 138 و 145 و 174 و 193 و 231 و ج 7 ص 11 و 256 و 292 و ج 8 ص 116 و 118 و 120 و 126 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 262 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 440 و ج 6 ص 374 و ج 15 ص 648 و ج 16 ص 566 و ج 20 ص 354 و ج 21 ص 46 و ج 22 ص 119 و 127 و 129 و ج 24 ص 217 و ج 30 ص 403.

و يؤكد ذلك سائر الإجراءات التي اتخذت، و البيانات التي قيلت، كما ربما يتضح جانب منه إن شاء اللّه تعالى.

رفع مستوى اليقظة و التنبه:

إن حبس المتقدمين و إرجاعهم، و انتظار وصول و اجتماع المتأخرين منهم، سيثير لدى أولئك الناس أكثر من سؤال، و سيجعلهم أشد انتباها و يقظة، وسعيا لفهم مغزى هذا الإجراء النبوي، و لن تؤثر سائر الصوارف على تشويش الفكرة التي يراد إيصالها إليهم. .

حر الرمضاء:

و زاد من شعورهم بخطورة ما يريد «صلى اللّه عليه و آله» أن ينتهي بهم إليه أن هذه الإجراءات كلها إنما تتم في حر الهاجرة الذي يصرح بعض هؤلاء بأنه كان بالغ الشدة إلى حد أن زيد بن أرقم يقول: ما أتى علينا يوم كان أشد حرا منه (1). فخطب خطبته هناك، و بدأت إجراءات البيعة و التهنئة


1) المستدرك للحاكم ج 3 ص 533 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 248 و ج 9 ص 83 و الغدير ج 1 ص 32 و المعجم الكبير ج 5 ص 171 و شرح إحقاق الحق ج 4 ص 438 و ج 18 ص 271 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 440.

لعلي «عليه السلام» .

أكثر من خطبة:

و يبدو أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد خطب في ذلك المكان أكثر من مرة، فإن النصوص تشير تارة إلى أن ذلك قد كان ظهرا في حر الهاجرة، و بعضها قال: إنه فعل ذلك عشية بعد الصلاة (1).

فإذا لاحظنا اختلاف نص الخطب المنقولة، فسوف يترجح لدينا احتمال تعدد الخطبة في أيام الثلاثة. .

و بعض نصوص الغدير تقول: «ينادي رسول اللّه بأعلى صوته» (2).

الحديث عن الضلال و الهدى:

و قد استهل «صلى اللّه عليه و آله» خطبته يوم الغدير بالحديث عن الضلال و الهدى، و كل الناس يحبون و يعتزّون بأن يعدوا أو أن يوصفوا بالهداية، و يربأون بأنفسهم عن الاتصاف بالضلال و الغواية.


1) المستدرك على الصحيحين ج 3 ص 109 و شرح إحقاق الحق ج 4 ص 437 و ج 9 ص 321 و ج 18 ص 272 و ج 21 ص 41 و خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 153 و ج 7 ص 105 و 261 و 339 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 24 و الغدير ج 1 ص 31 و الإكمال في أسماء الرجال ص 119.

2) المناقب للخوارزمي ص 94 و الغدير ج 1 ص 277 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 235.

و هذا مغروس في طبائعهم، و مستقر في نفوسهم، و كل منهم يحب أن يعرف موقعه بالنسبة لطريقي الهدى و الضلال. . و لا سيما إذا جاء هذا من قبل نبي يبلغهم عن اللّه، و متصل بالغيب، و مطّلع عليه.

و قد أظهرت بداية كلامه «صلى اللّه عليه و آله» أنه يريد أن يبين لهم أمرا يرتبط بهذا الأمر بالذات، الذي يعني كل شخص مباشرة، و لا يستطيع أن يتجاهله، و يمضي عنه.

يوشك أن أدعى فأجيب:

ثم ساق «صلى اللّه عليه و آله» الكلام في اتجاه مثير لمشاعر الخوف من المجهول، و الرهبة من فقدان ما يرون فيه الضمان، و يشعرون معه بالسكينة و الأمان، حين قال: يوشك أن أدعى فأجيب، موضحا لهم: أن هذا الأمر الذي يريد بيانه، يفيد في هدايتهم و حفظهم في خصوص تلك المرحلة المخيفة، و هي مرحلة ما بعد موته «صلى اللّه عليه و آله» .

إني مسؤول، و أنتم مسؤولون:

ثم قد أكد «صلى اللّه عليه و آله» حساسية هذا الأمر الذي يريد أن يثيره أمامهم حين قال لهم: إني مسؤول، و أنتم مسؤولون. . فما أنتم قائلون؟ !

مما يعني: أن تملصهم من المسؤولية في الدنيا لا يجديهم، لأن الحساب سيكون أمامهم في الآخرة، فلا منجا و لا مهرب منه، و لا مفر و لا محيص عنه.

بل قرر أنه هو «صلى اللّه عليه و آله» أيضا مسؤول و محاسب. و سيرى الخلائق في الآخرة كما هو الحال في الدنيا أنه قد أبلغهم ما أمره اللّه بإبلاغه إياهم على أتم وجه.

و لذلك قالوا: نشهد أنك قد بلغت، و نصحت، و جهدت. .

التذكير بالركائز العقائدية:

ثم ذكرهم «صلى اللّه عليه و آله» بالركائز العقائدية الصحيحة، التي تضع كل إنسان أمام مسؤولياته. . كما أنها تمثل الحافز القوي للالتزام بأوامر اللّه الواحد الأحد، و الإنتهاء بنواهيه المتمثلة بالشريعة و الأحكام، و الإلتزام بالحقائق الإيمانية، و كل ما جاءهم به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن اللّه تبارك و تعالى. .

ثم بين لهم سبل الرشاد و الهداية إلى ذلك كله و هو الالتزام بالثقلين، و هما كتاب اللّه و العترة.

الأسئلة التقريرية هي الأهم:

ثم تأتي بعد ذلك الأسئلة التقريرية، التي واجههم بها التي فرضت عليهم التنبه التام، و أن تنشد القلوب و العقول إلى النتيجة التي يريد أن ينتهي إليها. و ليكون الجميع قد استنفروا كل قواهم لتلقي كل كلمة، و استنطاق كل حرف يتفوه به، لتقوم بذلك الحجة عليهم، و ليأخذوا الأمر بجدية تامة، من دون أن يفسح المجال لأي تأويل أو اجتهاد يرمي إلى تمييع القضية، و الإنتقاص من حيويتها، و من الشعور بخطورتها و أهميتها.

أما مضمون الأسئلة فكان هو الأهم، و الأجدر بالتأثير، حيث إنه بعد سؤاله عن أولويته بالمؤمنين-بما هم جماعة (1)-من أنفسهم، سألهم عن


1) و قد قال تعالى: اَلنَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ الآية 6 من سورة الأحزاب.

أولويته بكل فرد فرد من نفسه. . فأعطاهم الإنطباع بأن الأمر يعني كل فرد فرد منهم، بشخصه، و بلحمه و دمه، و كل وجوده.

ثم هو يسألهم عن حدود سلطتهم على أنفسهم، و يريد أن يسمع إقرارهم له بأن سلطته و ولايته عليهم، و موقعه منهم فوق سلطة و موقعية و ولاية أمهاتهم و آبائهم، و حتى أنفسهم على أنفسهم.

و هذا يؤكد لهم: أن القرار الذي يريد أن يتخذه يعنيهم في صميم وجودهم، و ينالهم في أخص شؤونهم و حالاتهم، و لا بد أن يزيد هذا الأمر من اهتمامهم بمعرفة هذا الأمر الخطير، و التعامل معه بإيجابية متناهية.

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكتف بسؤالهم عن ذلك لمرة واحدة، بل كرر السؤال عن نفس الأمور الأساسية و الحساسة عليهم ثلاث مرات على سبيل التعميم أولا، ثم على سبيل التحديد و التشخيص بفرد بعينه أخرى، فقد روي أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: أيها الناس، من أولى الناس بالمؤمنين.

قالوا: اللّه و رسوله أعلم.

قال: أولى الناس بالمؤمنين أهل بيتي. يقول ذلك ثلاث مرات.

ثم قال في الرابعة، و أخذ بيد علي: اللهم من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه-يقولها ثلاث مرات-ألا فليبلغ الشاهد الغائب (1).


1) الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 238 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 144 و كشف الغمة ج 1 ص 49-50 عن الزهري، و خلاصة عبقات الأنوار ج 1 ص 258 و ج 7 ص 229 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 234 و 301 و ج 21 ص 93 و الروضة في فضائل أمير المؤمنين ص 118 و سعد السعود لابن طاووس ص 71 و البحار ج 42 ص 156 و الغدير ج 1 ص 11 و 33 و 176 و راجع: الإصابة لابن حجر (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 34

و في نص آخر: كرر ذلك أربع مرات (1).

و عن البراء بن عازب: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نزل بعد حجته في بعض الطريق، و أمر بالصلاة جامعه، فأخذ بيد علي، فقال: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ !

قالوا: بلى.

قال: ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟ !

قالوا: بلى.

قال: فهذا ولي من أنا مولاه. اللهم وال من والاه و عاد من عاداه (2).


1) مشكاة المصابيح ج 3 ص 360 و تذكرة الخواص ص 29 و فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل ج 2 ص 586 و عن مسند أحمد ج 5 ص 494 و كفاية الطالب ص 285 و عن ابن عقدة، و الغدير ج 1 ص 11.

2) الطرائف ص 149 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 116 و العمدة لابن البطريق ص 96 و 100 و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 236 و البحار ج 37 ص 159 و مسند أحمد ج 4 ص 281 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 43 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 442 و ج 2 ص 370 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 80 و 86 و 115 و 122 و 147 و 294 و 301 و 335 و ج 8 ص 117 و 218 و 247 و ج 9 ص 261 و الغدير ج 1 ص 220 و 272 و 274 و 277 و 279 و نظم درر السمطين ص 109 و خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 89 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 92 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 221 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 632 و بشارة المصطفى لطبري ص 284 و المناقب للخوارزمي ص 155 و نهج الإيمان لابن جبر ص 120 و ينابيع المودة ج 1 ص 102 و ج 2 ص 284 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 235 و 238 و ج 14 ص 34 و ج 20 ص 173 و 357 و ج 21 ص 34 و 38 و 39 و ج 23 ص 325 و 554 و ج 30 ص 418 و 419.

و في نص آخر عن البراء: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى نزلنا غدير خم، بعث مناديا ينادي. فلما اجتمعنا قال: ألست أولى بكم من أنفسكم؟

قلنا: بلى يا رسول اللّه.

قال: ألست أولى بكم من أمهاتكم؟

قلنا: بلى يا رسول اللّه.

قال: ألست أولى بكم من آبائكم؟

قلنا: بلى يا رسول اللّه.

قال: ألست؟ ألست؟ ألست؟

قلنا: بلى يا رسول اللّه.

قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه. اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه» .

فقال عمر بن الخطاب: هنيئا لك يا بن أبي طالب، أصبحت اليوم ولي كل مؤمن (1).


1) مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 368 و 441 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 29 و 146 و ج 9 ص 93 و البداية و النهاية ج 7 ص 386 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 220 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 361 و 376 و الغدير (ط مركز الغدير للدراسات الإسلامية) ج 1 ص 50-53 و (ط دار الكتاب العربي) ج 1 ص 19 و 20 متنا و هامشا عن مصادر كثيرة جدا.

فليبلغ الشاهد الغائب:

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يتكل على ما يعرفه من رغبة الناس بنقل ما يصادفونه في أسفارهم، إلى زوارهم بعد عودتهم، فلعل أحدا يكتفي بذكر ذلك فور عودته، ثم لا يعود لديه دافع إلى ذكره في الفترات اللاحقة، فجاء أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لهم ليلزمهم بإبلاغ كل من غاب عن هذا المشهد، مهما تطاول الزمن، و جعل ذلك مسؤولية شرعية في أعناقهم.

و بذلك يكون قد سد باب التعلل من أي كان من الناس بادعاء أن أحدا لم يبلغه هذا الأمر، و أنه إنما كان قضية في واقعة، و قد لا ينشط الكثيرون لذكرها، إن لم يكن ثمة ما يلزمهم بذلك. . و لعلهم قد كانت لديهم اهتمامات أخرى شغلتهم عنها. .

العمائم تيجان العرب:

قال الزبيدي: «و من المجاز: عمّم-بالضم-أي سوّد، لأن تيجان العرب العمائم، فكلما قيل في العجم: توج، من التاج قيل في العرب: عمم. . و كانوا إذا سودوا رجلا عمموه عمامة حمراء، و كانت الفرس تتوج ملوكها، فيقال له: المتوج. .» (1).


1) تاج العروس ج 8 ص 410 و (ط دار الكفر) ج 17 ص 506 و الغدير ج 1 ص 290 و راجع: لسان العرب ج 17 ص 506.

و قال: «و العرب تسمي العمائم التاج، و في الحديث: «العمائم تيجان العرب» جمع تاج، و هو ما يصاغ للملوك من الذهب و الجوهر، أراد أن العمائم للعرب بمنزلة التيجان للملوك؛ لأنهم أكثر ما يكونون في البوادي مكشوفي الرؤوس أو بالقلانس، و العمائم فيهم قليلة. . و الأكاليل: تيجان ملوك العجم. و توّجه: أي سوّده، و عممه» (1).

و عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «العمائم تيجان العرب» (2).

و عن علي «عليه السلام» قوله: عممني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم غدير خم بعمامة، فسدلها خلفي (أو فسدل طرفها على منكبي) ، ثم قال: «إن اللّه أمدّني (أيدني) يوم بدر و حنين بملائكة يعتمّون هذه العمة» .

و قال: «إن العمامة حاجزة بين الكفر و الإيمان» (3).


1) تاج العروس ج 2 ص 12 و (ط دار الفكر) ج 3 ص 305 و الغدير ج 1 ص 290 و لسان العرب ج 2 ص 219.

2) راجع بالإضافة إلى تاج العروس ج 2 ص 12: الجامع الصغير ج 2 ص 193 و النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 199 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 5 ص 56 و 57 و (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 378 و مكارم الأخلاق للطبرسي ص 119 و أدب الإملاء و الإستملاء للسمعاني ص 39 و مسند الشهاب لابن سلامة ج 1 ص 75 و الغدير ج 1 ص 290 و جامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 746 و نور الأبصار ص 58 و الفردوس للديلمي ج 3 ص 87 حديث رقم 4246.

3) مسند أبي داود الطيالسي ص 23 و كنز العمال ج 15 ص 306 و 482 و 483 و السمط المجيد ص 99 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 2 ص 42 و فرائد السمطين ج 1 ص 75 و 76 و عن ابن أبي شيبة، و معرفة الصحابة لأبي نعيم ج 1 ص 301 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 14 و الرياض النضرة ج 3 ص 170 و الغدير ج 1 ص 291 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 234 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 10 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 41 و عن الصراط السوي.

و عن ابن شاذان في مشيخته عن علي «عليه السلام» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عممه بيده، فذنب العمامة من ورائه و من بين يديه، ثم قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أدبر.

فأدبر.

ثم قال له: أقبل.

فأقبل.

و أقبل على أصحابه، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : هكذا تكون تيجان الملائكة (1).

و العمامة التي عممه بها تسمى السحاب (2).

و قد قال ابن الأثير: «كان اسم عمامة النبي «صلى اللّه عليه و آله»


1) الغدير ج 1 ص 291 و فرائد السمطين ج 1 ص 76 و نظم درر السمطين ص 112 و كنز العمال ج 15 ص 484 و راجع: الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 5 ص 56 و (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 377 و كشف اللثام (ط. ج) ج 3 ص 263 و الحدائق الناضرة ج 7 ص 127 و الكافي ج 6 ص 461 و جواهر الكلام ج 8 ص 247 و غنائم الأيام ج 2 ص 353 و البحار ج 42 ص 69 و ج 80 ص 198 و جامع أحاديث الشيعة ج 16 ص 747 و مكارم الأخلاق للطبرسي ص 120 و رياض المسائل ج 3 ص 213.

2) الفردوس ج 3 ص 87 و فرائد السمطين ج 1 ص 76 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 236 و الغدير ج 1 ص 290 و 291.

السحاب» (1).

قال الملطي: «قولهم-يعني الروافض-: علي في السحاب. فإنما ذلك قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي: أقبل، و هو معتم بعمامة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت تدعى «السحاب» ، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : قد أقبل علي في السحاب، يعني في تلك العمامة التي تسمى «السحاب» ، فتأولوه هؤلاء على غير تأويله» (2).

و قال الغزالي و الحلبي و الشعراني: «و كانت له عمامة تسمى السحاب، فوهبها من علي، فربما طلع علي فيها، فيقول «صلى اللّه عليه و آله» : طلع علي في السحاب» (3).

و نقول:

إن لنا مع النصوص المتقدمة وقفات هي التالية:


1) النهاية في اللغة ج 2 ص 345 و راجع: البحار ج 10 ص 5 و ج 16 ص 97 و 121 و 126 و ج 30 ص 94 و شرح السير الكبير للسرخسي ج 1 ص 71 و نهج الإيمان لابن جبر ص 497 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 271 و لسان العرب ج 1 ص 461 و تاج العروس ج 2 ص 68.

2) التنبيه و الرد على أهل الأهواء و البدع ص 19 و الغدير ج 1 ص 292.

3) إحياء علوم الدين ج 2 ص 345 و البحر الزخار ج 1 ص 215 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 341 و الغدير ج 1 ص 292 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 563 و الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» ص 283.

الرمز و الشعار:

إننا نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد مازج بين واقع ما يجري، و بين الرمز المشير، الذي يجعل الإنسان يعيش الشعور التمثلي الرابط بين الرمز و بين حركة الواقع.

1-فيرى كيف يسبغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» على علي «عليه السلام» مقام الرئاسة و السيادة، و ذلك حين يعممه بيده. و لا يأمره بلبس العمامة، و كأنه يريد أن يحسس الناس بأنه يريد أن يجعل من هذه الحركة الرمزية وسيلة لإنشاء مقام الحاكمية له. .

2-ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» يختار أن تكون العمامة التي يتوّجه بها هي نفس العمامة التي عرف الناس أنها له، حتى بما لها من اسم و من خصوصية مميزة. . ليشير بذلك إلى أنه إنما يعطيه الموقع الذي هو له، أو انه يريده أن يكون امتدادا له فيما يمثله، و فيما يوكل إليه من مهام. .

3-ثم هو يتجاوز الفعل إلى القول، فيعلن: أنه يقصد بفعله هذا تكريس معنى السيادة و الحاكمية فيه من خلال هذا التتويج، ما دام أن العمائم تيجان العرب.

4-ثم تجاوز ذلك إلى إعطاء هذا التصرف المقصود مضمونا دينيا عميقا، و مثيرا، حين أعلن أن ما فعله بعلي «عليه السلام» لا يشبه لبس الآخرين من الأسياد و الحاكمين لعمائم سيادتهم، بل هي سيادة خاصة تمتد قداستها، بعمقها الروحي، و بمضمونها الإيماني المرتبط بالسماء، ما دام أن الملائكة فقط هم الذين يعتمون هذه العمة.

5-و لم يكن فعل الملائكة هذا مجرد ممارسة لأمر يخصهم، و لا كان يريد

لعلي «عليه السلام» أن يتشبه بهم فيه، أو أن يكون له شبه بهم. . بل هو فعل له ارتباطاته الواقعية و العملية، بنفس حركة علي «عليه السلام» الجهادية و الإيمانية، حيث قرر: أن الملائكة إنما تعتم بهذه العمامة في خصوص بدر و حنين. . و هما الواقعتان المتشابهتان جدا في كثير من خصوصياتهما، و المتميزتان بأن عليا «عليه السلام» جاء بالنصر فيهما، و لم يكن لأي من مناوئي علي «عليه السلام» أي دور أو أثر إلا الفرار من الزحف، و ربما الممالأة لأهل الشرك على أهل الإيمان. .

في حين أن الإسلام كله كان رهن النصر الذي أحرزه سيف علي «عليه السلام» دون سواه.

6-ثم جاء التصريح بعد التلميح ليؤكد على أن هذه العمامة بما لها من دلالات و خصوصيات ترمز إلى أمر أهم من ذلك كله، و هو: أنها الحد الفاصل بين الإيمان الخالص و بين دنس الشرك، بمختلف مظاهره و حالاته و حتى لو بمستوى أن يراود خاطر أي من الطامحين و الطامعين، أو تلوث وجدانه استجابة لأي طمع بالحياة الدنيا.

7-أما ما نسبه الملطي للروافض، من أنهم قد تأولوا قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «طلع علي في السحاب» ، فلعله لا يقصد بالروافض الإمامية الاثني عشرية أعزهم اللّه تعالى. . فإننا لا نشعر أن لديهم أي تأويل يعاني من أية شائبة تذكر. .

أما غيرهم، فإن كان الملطي صادقا فيما يقول، فلسنا مسؤولين عن أفعال و أقوال أهل الزيغ، بل سنكون مع من يناوئهم، و يدفع كيدهم، و يسقط أباطيلهم.

نعوذ باللّه من شرور أنفسنا:

ثم إن الإنسان قد لا يجد في نفسه دافعا نحو ارتكاب بعض الأمور إلا إذا كان هناك تزيين شيطاني، و وسوسة، و سعي لقلب الحقائق، و جعل القبيح حسنا، و الحسن قبيحا، و لو بربطه بأمور أخرى تكون ظاهرة الحسن أو القبح، أو الإيهام بأن هذا مصداق لها، و في جملة منطبقاتها، و لو عن طريق الإدعاء و التخييل.

و هذا ما يعبر عنه بالتزيين الشيطاني الذي يظهر القبح بصورة الحسن، قال تعالى: زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمٰالِهِمْ (1). أَ فَمَنْ كٰانَ عَلىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَ اِتَّبَعُوا أَهْوٰاءَهُمْ (2). زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ (3). وَ كَذٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَ صُدَّ عَنِ اَلسَّبِيلِ (4). وَ كَذٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاٰدِهِمْ شُرَكٰاؤُهُمْ (5)و آيات كثيرة أخرى.

و هناك أمور لا يحتاج الإنسان للاندفاع إليها إلى تزيين شيطاني، بل تكون هي بنفسها تملك زينة ظاهرة، تلائم نوازع النفس الأمارة، فيتلهى الإنسان بزينتها تلك عن التدبر في واقعها السيء، الذي قد يكون بمثابة السم المهلك.


1) الآية 37 من سورة التوبة.

2) الآية 14 من سورة محمد.

3) الآية 8 من سورة فاطر.

4) الآية 37 من سورة غافر.

5) الآية 137 من سورة الأنعام.

و ربما يكون الأمر من قبيل الدواء الذي يشفي المريض، لكن النفس الأمارة حين تتلاءم مع بعض حالات ذلك الدواء، كما لو كان له طعم العسل مثلا، تخرج فيه عن المقدار المفيد، و تتناوله على غير الوصف الذي حدّد له، فيفقد تأثيره من أجل ذلك، أو يصبح مضرا، و ربما يؤدي إلى الهلاك في بعض الأحيان. .

و الإمارة و السلطان هي من الأمور التي تتلاءم في بعض جوانبها مع نوازع النفس الأمارة، فتندفع إليها، و لا تهتم بواقعها السيء، المتمثل في كونها ظلما و عدوانا على الناس، و اغتصابا لحق الغير. . بل هي حين تفقد شرعيتها تمرد على اللّه، و تعد على حاكميته المطلقة، و تجاوز لحدوده. .

و لأجل ذلك نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بدأ خطبته بالإستعاذة باللّه من شرور أنفسنا، و سيئات أعمالنا، التي هي الأكثر فعالية، و الأشد تأثيرا في الإندفاع إلى التعدي على حدود اللّه، و غصب الحاكمية من صاحبها الشرعي، و التعدي على حقوق الناس و ظلمهم.

لا هادي لمن أضل اللّه:

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن استعاذ باللّه من شرور الأنفس، و سيئات الأعمال، لكي لا يستسلم الناس لدواعي الغفلة، عرفهم أن اللّه الذي يعيذهم هو المالك الحقيقي للتصرف، و أن لجوءهم إليه، إذا كانوا صادقين فيه، سوف يجعلهم في حصن حصين، و سيعني هذا اللجوء أنهم يستحقون أن يعود عليهم بالفضل، و يفتح أمامهم أبواب الرحمة.

و لن تستطيع أية قوة أن توصد تلك الأبواب، بل لا بد أن يبقوا في ذلك

الحصن الحصين، و المكان الأمين ما شاؤوا. . و ما استقاموا على طريق الحق.

و حين يتسبب العبد بأن توصد أمامه أبواب الرحمة و الهداية، فلن يستطيع أحد أن يفتح تلك الأبواب أمامه، إلا إذا أصلح ذلك العبد ما أفسده، و استحق أن يعود اللّه عليه بالرحمة، فإن اللّه تعالى وحده دون سواه هو الذي يفتح أمامه تلك الأبواب من جديد، على قاعدة: مٰا يَفْتَحِ اَللّٰهُ لِلنّٰاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاٰ مُمْسِكَ لَهٰا وَ مٰا يُمْسِكْ فَلاٰ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ (1). و هذا البيان يفسر لنا قوله «صلى اللّه عليه و آله» : لا هادي لمن أضل الخ. .

الإقرار بالإعتقادات:

ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» بادر إلى الشهادة للّه بالوحدانية، و الإقرار على نفسه بالعبودية للّه، و لها بالرسولية، توطئة لتقرير ذلك الحشد بمثل ذلك، و تسهيلا للإقرار به عليهم، و رفعا لاستهجانهم، و إبعادا لأي ظن أو احتمال قد يراود أذهانهم فيما يرتبط بمستوى الثقة، و اليقين بصدق إيمانهم. فإن ذلك أدعى لإلزامهم فيما يلزمون به أنفسهم، و أقوى في تعظيم أمر النكث و تهجينه، و استقباح صدوره منهم، إن لم يكن تدينا و خوفا من العقوبة في الآخرة، فالتزاما بالإعتبارات التي ألزموا بها أنفسهم في الحياة الدنيا.

فهو يستعين بكل ما لا مانع شرعا من الإستعانة به لدفع الفساد، و الإفساد، و تضييق الخناق على الباطل، و تأكيد وضوح الحق، فهو نظير


1) الآية 2 من سورة فاطر.

قول أمير المؤمنين «عليه السلام» لأصحابه: أما تستحيون؟ ! أما تغارون؟ ! نساؤكم يزاحمن العلوج في الأسواق؟ ! (1).

فإنه «عليه السلام» يريد أن يحرك فيهم معنى الحياء و الغيرة، لكي يبادروا إلى منع ما قد ينشأ عنه الفساد، و لو في أدنى مستوياته.

و هكذا فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإنه ذكرهم بأصل التوحيد، فشهدوا للّه تعالى بالوحدانية، و بأصل النبوة، فشهدوا له «صلى اللّه عليه و آله» بأنه رسول من اللّه إليهم، مما يعني أن ما يأتيهم به هو من عند اللّه.

و ذكّرهم بالنار التي يعاقب بها المتمردون على اللّه، المخالفون لرسوله، و بالجنة التي يثاب بها المطيعون لهما، و بأن الموت حق، و البعث و الحساب حق، فلماذا يتعلقون بالدنيا، و يفسدون آخرتهم من أجلها. .

ثم ذكّرهم بالإمامة، و بما يحفظ من الهداية و الضلال، و بميزان الأعمال من خلال التأكيد على حديث الثقلين.

كل ذلك توطئة لنصب أمير المؤمنين «عليه الصلاة السلام» وليا و هاديا، و مرجعا و إماما.


1) الكافي ج 5 ص 537 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 20 ص 236 و (ط دار الإسلامية) ج 14 ص 174 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 8 ص 144 و كنز العمال ج 3 ص 780 و مسند أحمد ج 1 ص 133 و مشكاة الأنوار ص 417 و راجع: البحار ج 76 ص 115 و جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 271 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 96 موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 8 ص 243 و المغني لابن قدامه ج 8 ص 137 و الحدائق الناضرة ج 23 ص 153 و جامع أحاديث الشيعة ج 20 ص 271 و جامع السعادات ج 1 ص 239.

الحساب على الحب و البغض:

و ربما يسعى بعض الناس إلى إشاعة المفهوم القائل: إن أمر الحب و البغض ليس اختياريا، و ذلك ليتسنى لهم التملص من تبعات حبهم لمن يبغضهم اللّه، و بغضهم لمن يحبهم اللّه تبارك و تعالى.

باعتبار أن الإنسان لا يحاسب على الحب و البغض إلا إذا ظهرت آثارهما في مقام العمل، فالحساب إنما يكون عليه، لا عليهما.

و لكن ما ورد في كلام الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يوم غدير خم يدل على خلاف ذلك، حيث دعى «صلى اللّه عليه و آله» لمحب علي «عليه السلام» ، و دعا على مبغضه، فقال: «اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و أحب من أحبه، و ابغض من أبغضه» .

و لأجل ذلك، أوجب تعالى حب أهل الإيمان و بغض أهل الضلال و الكفر و الطغيان. و عاتب و عاقب من يخالف ذلك. . و تجد في الآيات و الروايات ما يؤكد هذا الأمر، فراجع.

و أدر الحق معه حيث دار:

و قد ضمّن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعاءه لعلي «عليه السلام» يوم الغدير قوله: «و أدر الحق معه حيث دار» ، فدل ذلك على أن المولوية التي جعلها له «عليه السلام» تختزن معنى الحق و المسؤولية عنه، علما أو عملا، أو كلاهما. إذ لولا ذلك لم يحتج إلى هذا الدعاء.

حديث الثقلين:

و هذه المسؤولية عن الحق هي التي فرضت أن يقرن «صلى اللّه عليه و آله» بين القرآن و العترة لحفظ الأمة من الضلال، و جعل استمرار هذا الاقتران بينهما من مسؤولية الأمة أيضا.

و لا بد أن يكون اقترانا متناسبا مع شمولية القرآن، و مع ما تضمنه من حقائق، و ما يتوخى من موقف للأمة تجاهه. . و مع مسؤولية العترة تجاه القرآن في مجال العلم و العمل، و التربية، و ما يترتب على ذلك من لزوم الطاعة و النصرة، و ما إلى ذلك. . و لا يكون ذلك إلا بالتمسك به، و بالعترة في العلم و في العمل و الممارسة. . سواء في الأحكام أو في القضاء بين الناس، أو في السياسات، أو في الإعتقادات، أو في الأخلاق، و في كل ما عدا ذلك من حقائق، لهج و صرح بها القرآن الكريم، و هذا يختزن معنى الإمامة بكل أبعادها و شؤونها. .

و انصر من نصره:

و يؤكد هذا المعنى، و يزيده رسوخا قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «و انصر من نصره، و اخذل من خذله. .» ، فإن إيجاب النصر له على الناس، و تحريم الخذلان إنما هو في صورة التعرض للتحدي، و المواجهة بالمكروه، من أي نوع كان، و من أي جهة صدرت.

و ذلك يشير إلى: أنه «عليه السلام» هو المحق في كل نزاع يحاول الآخرون أن يفرضوه عليه، و أن على الأمة نصره، بردع المعتدي، فإن لم تستطع، فلا أقل من أن لا تنصر أعداءه، و أن تعتقد بأن غيره ظالم له، معتد

عليه، مبطل في ما يدّعيه.

و قد جاءت هذه الإشارات اللائحة، و الدلالات الواضحة قبل وفاته «صلى اللّه عليه و آله» بيسير، و قد واجه علي «عليه السلام» المحنة التي فرضها عليه نفس هؤلاء الذين خاطبهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الخطاب! ! و استنطقهم، و قررهم، و ردوا عليه الجواب. و هم الذين هنأوا عليا «عليه السلام» ، و بخبخوا له، و بايعوه، حتى قال ابن عباس: وجبت-و اللّه-في أعناق القوم.

أمهات المؤمنين يهنئن عليا عليه السّلام:

و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر أمهات المؤمنين بأن يسرن إلى علي «عليه السلام» و يهنئنه، ففعلن، و ما ذلك إلا لأنه يريد أن يقطع العذر لمن تريد منهن أن تشن عليه حربا ضروسا، يقتل فيها المئات و الألوف، فلا تدّعي أنها لم تعرف شيئا مما جرى في يوم الغدير، لأنها كانت معزولة في خدرها عن الحدث، رهينة الحجاب المفروض عليها.

أو أن تدّعي: أن ما عرفته من أفواه الناس من أقاربها كان لا يقيم حجة، و لا يقطع عذرا، أما النساء فإنهن و إن أبلغنها بشيء مما كان يجري، لكن حالهن حالها، و ربما يبلغها ما لا يبلغهن، أو أن ما يبلغها قد يكون أكثر دقة مما يتناهى إلى مسامعهن، بعد أن تعبث به الأهواء، و يختلط مع التفسيرات و التأويلات، و الإجتهادات و ما إلى ذلك. .

و إن نفس الطلب إلى نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يقمن بهذا الأمر، لا بد أن يفسح المجال لسؤالهن عن سبب هذه التهنئة، و عن حقيقة

ما جرى. لا سيما إذا كانت هذه أول مرة يطلب فيها من أمهات المؤمنين أن يشاركن في تهنئة أحد، فإن هذا أمر له ارتباط بالرجال غير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و قد جاء الأمر بذلك عاما و شاملا لهن من دون استثناء، فلا مجال للتأويل و التحليل، أو لاحتمال أن ذلك كان لخصوصية اقتضت طلب ذلك من امرأة بعينها. .

معنى الولاية في حديث الغدير:

قال السيد المرتضى «رحمه اللّه» : إن أولى بمعنى مولى، كما قاله أئمة اللغة في تفسير الآية (1).

أما سائر معاني كلمة مولى فهي إما بديهية الثبوت لعلي، فيكون ذكرها في يوم الغدير عبثا. . مثل: «ابن العم، و الناصر» التي ذكر أنها من معاني «المولي» .

و إما واضحة الإنتفاء، و لا يصح إرادتها. مثل: «معنى المعتق و المعتق، فلا يصح إرادتهما في مناسبة الغدير، لأن ذلك يستلزم الكذب فيهما. . و ذلك لا يصدر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .» .

فأجاب الرازي بما ملخصه: إنه لو كان مولى و أولى بمعنى واحد لصح


1) راجع: رسائل المرتضى ج 3 ص 253 و ج 4 ص 131 و الشافي في الإمامة للشريف المرتضى ج 2 ص 261 و راجع: العمدة لابن البطريق ص 116 و البحار ج 37 ص 238 و ج 37 ص 240 و تفسير مجمع البيان ج 8 ص 125 و نهج الإيمان لابن جبر ص 124 و الصراط المستقيم ج 1 ص 308 و الرسائل العشر للشيخ الطوسي ص 135 و راجع: كنز الفوائد ص 229 و قد ذكر العلامة الأميني طائفة كبيرة من أقوال العرب و أهل اللغة، فراجع كتاب الغدير ج 1 ص 345-348.

استعمال كل منهما مكان الآخر، فكان يجب أن يصح أن يقال: هذا مولى من فلان. . و يصح أن يقال: هذا أولى من فلان (1).

و قد أجاب علماؤنا على كلام الرازي بما يلي:

أولا: إن الترادف إنما يكون في حاصل المعنى، دون الخصوصيات التي تنشأ من اختلاف الصيغ، و الإشتقاقات، أو أنحاء الإستعمال. . فكلمة «أفضل» تضاف إلى صيغة التثنيه بدون كلمة «من» ، فيقال: زيد أفضل الرجلين، لكن حين تضاف إلى المفرد، فلا بد من كلمة من، فلا يقال: زيد أفضل عمرو، بل يقال: زيد أفضل من عمرو.

ثانيا: لنأخذ معنى الناصر في كلمة «مولى» . . فإنه يصح أن يقال: فلان ناصر دين اللّه، و لكن لا يصح أن يقال: فلان مولى دين اللّه.

و قال عيسى: مَنْ أَنْصٰارِي إِلَى اَللّٰهِ (2). و لا يقال: من مواليّ إلى اللّه. .

و يقال: اللّه ولي المؤمنين و مولاهم. . و يقال: فلان ولي اللّه، و لا يقال: مولى اللّه، كما ذكره الراغب (3).

و يقال: إنك عالم. و لا يقال: إنّ أنت عالم.

فالمولى اسم للمتولي، و المالك للأمر، و الأولى بالتصرف. و ليس صفة و لا هو من صيغ أفعل التفضيل بمنزلة الأولى، لكي يقال: إنه لا يأخذ أحكام كلمة «أولى» التي هي صفة. .


1) راجع: التفسير الكبير ج 29 ص 227 و الغدير ج 1 ص 350 و 351 عنه، و عن نهاية العقول، تفسير الآلوسي ج 27 ص 178.

2) الآية 52 من سورة آل عمران.

3) مفردات الراغب ص 533.

ثالثا: لو كان المراد بالمولى المحب و الناصر، فقوله «صلى اللّه عليه و آله» : «من كنت مولاه فعلي مولاه» . إن كان المراد به: الإخبار بوجوب حبه «عليه السلام» على المؤمنين، أو إنشاء وجوب حبه عليهم، فذلك يكون من باب تحصيل الحاصل، لأن كل مؤمن يجب حبه على أخيه المؤمن، فما معنى أن يجمع عشرات الألوف في ذلك المكان؟ ! ليقول لهم: يجب أن تحبوا أخاكم عليا؟ !

و لماذا يكون ذلك موازيا لتبليغ الرسالة وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ ؟ ! (1). و لماذا يكمل به الدين، و تتم به النعمة؟ ! .

و لماذا يهنئه عمر و أبو بكر بهذا الأمر، و يقولان له: أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة، و كأنه لم يكن كذلك. قبل هذا الوقت باعتقادهما.

ألم يكن اللّه تعالى قد أوجب على المؤمنين أن يحب بعضهم بعضا؟ !

ألم يكن اللّه قد اعتبر المؤمنين بمثابة الإخوة؟ !

يضاف إلى ما تقدم: أن وجوب النصرة و المحبة لا يختص بعلي «عليه السلام» ، بل يشمل جميع المؤمنين.

و إن كان المقصود هو إيجاب نصرة مخصوصة تزيد على ما أوجبه اللّه على المؤمنين تجاه بعضهم، فهو المطلوب، لأن هذا هو معنى الإمامة، و لا سيما مع الإستدلال على هذه النصرة الخاصة بمولوية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم. .

و إن كان المراد الإخبار بأنه يجب على علي «عليه السلام» أن يحبهم و أن


1) الآية 67 من سورة المائدة.

ينصرهم. . فلا يحتاج هذا إلى جمع الناس يوم الغدير، و لا إلى نزول الآيات، و ما إلى ذلك. . إذ كان يكفي أن يخبر عليا بأنه يجب عليه ذلك. .

و على كل حال، فإن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «ألست أولى بكم من أنفسكم» يفيد أنها ولاية نصرة و محبة ناشئة عن هذه الأولوية منهم بأنفسهم. . كما أن جعل وجوب نصرة علي «عليه السلام» كوجوب نصرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم يؤكد ذلك. .

فإن نصرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لهم إنما هي من حيث نبوته، و ملكه لأمورهم، و زعامته عليهم. . و ليست كوجوب نصرتهم أو محبتهم لبعضهم بعضا.

و أما القول بأن المراد بالمولى المالك و المعتق، فيرد عليه: أنه لم يكن هناك مالكية حقيقية، و لا عتق، و لا انعتاق.

و إن كان المراد بكلمة مولى: السيد، فهو يقترب من معنى الأولى، لأن السيد هو المتقدم على غيره. و هذا التقدم ليس بالقهر و الظلم، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قرن سيادة علي «عليه السلام» بسيادة نفسه، فلا بد أن يكون التقدم بالإستحقاق، من خلال ما يملك من مزايا ترجحه عليهم، و بديهي: أن أية مزية شخصية لا توجب تقدما، و لا تجعل له حقا عليهم، يجعله أولى بهم من أنفسهم، إلا إذا كانت هذه المزية قد أوجبت أن يجعل من بيده منح الحق و منعه لصاحب هذه المزية مقام الأولوية بهذا المستوى الذي هو من شؤون النبوة و الإمامة. و ليس لأحد الحق في منح هذا المقام إلا للّه تبارك و تعالى. .

و كذلك الحال لو كان المراد بكلمة المولى، المتصرف و المتولي للأمر، فإن

حق التصرف إنما يثبت له بجعل من له الحق في الجعل، و هو اللّه سبحانه وفق ما ذكرنا آنفا. .

الجمع بين المعاني:

و قد ذكر العلامة الأميني و غيره: أن الذي يجمع تلك المعاني كلها هو الأولى بالشيء، فإنه مأخوذ من جميع تلك المعاني بنوع من العناية، ف‌ «المعتق» أولى. لأن له حقا على «المعتق» ، و هو أولى به لتفضله عليه.

و المالك أولى بالمملوك، و السيد أولى بمن هم تحت سيادته، و الابن أولى بالأب، و الأخ أولى بأخيه، و التابع أولى بمتبوعه، و الصاحب أولى بصاحبه الخ. .

فالمعاني التي تذكر لكلمة مولى ليست معاني لها على سبيل الإشتراك اللفظي، بل هي خصوصيات في موارد استعمال كلمة مولى، و ليس لها دخل في معناها و هو «الأولى» . و قد اشتبه عندهم المفهوم بخصوصية المصداق.

و قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «ألست أولى بكم من أنفسكم» يدل على ما نقول. .

و يدل عليه أيضا: ما ورد في بعض نصوص الحديث، من أنه «صلى اللّه عليه و آله» سأل الناس، فقال: فمن وليكم؟ !

قالوا: اللّه و رسوله مولانا.

و قوله «صلى اللّه عليه و آله» في نص آخر: «تمام نبوتي، و تمام دين اللّه في ولاية علي بعدي. .» فإن ما يتم به الدين هو الولاية بمعنى الإمامة.

و في بعض النصوص أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال في تلك المناسبة: هنئوني،

هنئوني، إن اللّه تعالى خصني بالنبوة، و خص أهل بيتي بالإمامة. .

يضاف إلى ذلك قوله «صلى اللّه عليه و آله» : اللّه أكبر على إكمال الدين، و إتمام النعمة، و رضا الرب برسالتي، و الولاية لعلي من بعدي.

و يؤيد ذلك أيضا، بل يدل عليه: بيعتهم لعلي «عليه السلام» في تلك المناسبة، و قد استمرت ثلاثة أيام.

و كذلك قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «إني راجعت ربي خشية طعن أهل النفاق و مكذبيهم، فأوعدني لأبلغها أو ليعذبني» أو ما هو قريب من هذه المعاني، فإن طعن أهل النفاق، و خوف النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الإبلاغ إنما هو لأمر جليل كأمر الإمامة، و لا ينسجم ذلك مع إرادة المحب أو الناصر من كلمة المولى.

يضاف إلى ذلك، التعبير بكلمة: «نصب عليا» ، أو «أمر اللّه تعالى نبيه أن ينصبني» ، أو «نصبني» أو نحو ذلك.

و عبارة ابن عباس: و جبت و اللّه في رقاب (أو في أعناق) القوم.

و نزول قوله تعالى: وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (1).

و ثمة مؤيدات و قرائن أخرى ذكرها كلها العلامة الأميني في كتابه الغدير، فراجع الجزء الأول منه، فصل «القرائن المعيّنة لمعنى الحديث» . و راجع الأحاديث الأخرى المفسرة لمعناه أيضا في كتاب الغدير ج 1 ص 385-390.


1) الآية 67 من سورة المائدة.

الفصل السادس: في ظلال آيات الغدير

اشارة

بداية:

قال تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ وَ مٰا أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللّٰهِ بِهِ وَ اَلْمُنْخَنِقَةُ وَ اَلْمَوْقُوذَةُ وَ اَلْمُتَرَدِّيَةُ وَ اَلنَّطِيحَةُ وَ مٰا أَكَلَ اَلسَّبُعُ إِلاّٰ مٰا ذَكَّيْتُمْ وَ مٰا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلاٰمِ ذٰلِكُمْ فِسْقٌ اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاٰ تَخْشَوْهُمْ وَ اِخْشَوْنِ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجٰانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1).

إننا من أجل توضيح المراد نحتاج إلى البحث في جهات عدة، نجعلها ضمن العناوين التالية:

قد عرفنا: أن هناك آيتين قد نزلتا في مناسبة الغدير، و هما قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْكٰافِرِينَ (2).

و الأخرى قوله تعالى: اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاٰ تَخْشَوْهُمْ وَ اِخْشَوْنِ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ


1) الآية 3 من سورة المائدة.

2) الآية 67 سورة المائدة.

اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً (1).

و ثمة أمور تحتاج إلى توضيح و بيان، نذكر منها هنا ما يلي:

تأكيد التحريم لا تأسيس! :

بالنسبة لقوله تعالى: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ نقول:

قد ذكرت الآية المباركة بعض ما حرمه اللّه تعالى من الأطعمة، فيما يرتبط باللحوم. فذكرت حرمة أربعة منها، هي: الميتة، و الدم، و لحم الخنزير، و ما أهل لغير اللّه به. و هي أمور قد ورد تحريمها في آيات أخرى، في سور أخرى نزلت قبل سورة المائدة، و هي: سورة الأنعام الآية 145، و سورة النحل الآية 114 و 115 و هما مكيتان، و سورة البقرة الآية 173 و هي مدينة قد نزلت في أوائل الهجرة.

فتكون آية سورة المائدة قد جاءت لتأكيد التحريم لا للتأسيس.

ثم أضاف تعالى بعض مصاديق الميتة إما واقعا، أو ما اعتبره الشارع بحكم الميتة، من حيث كونه من مصاديق الفسق المشار إليه بقوله: ذٰلِكُمْ فِسْقٌ (2)، الذي حرمته الآية 145 من سورة الأنعام المكية.

فذكر من مصاديق الميتة الواقعية: المنخنقة، و الموقوذة، و المتردية، و النطيحة، و ما أكل السبع، فإن موتها قد استند لغير التذكية.

و ذكر أيضا من مصاديق ما هو بحكم الميتة لكونه من الفسق: ما ذبح على النصب، و هي الأحجار التي كانت تنصب حول الكعبة للذبح عليها،


1) الآية 3 من سورة المائدة.

2) الآية 3 من سورة المائدة.

و تقديسها. و كذلك ما أخذ على سبيل المقامرة و الإستقسام بالأزلام، حيث كانوا يقسمون السهام إلى عشرة، فيكون لسبعة منها حظوظ، و ثلاثة لا حظوظ لها، فمن أصابتهم هذه الثلاثة يغرمون قيمة الجزور، الذي يقسم على خصوص أصحاب السهام السبعة الأخرى.

و ما أهل لغير اللّه به، و هو الذبح باسم أحد المعبودات.

و قد حكم تعالى بأن هذا العمل يوجب حرمة تلك الذبيحة، و يجعلها من مصاديق الفسق، و بحكم الميتة. .

ثم ذكر سبحانه: أن من اضطر في مخمصة-و هي شدة الجوع-للتناول من هذه المحرمات، لأجل حفظ نفسه، و لم يتجاوز الحد، فإن اللّه غفور رحيم. .

و بملاحظة هذا الإستدراك في الآية: رجحنا تخصيص الإستقسام بالأزلام، و الإهلال لغير اللّه به بخصوص الذبائح. و لم نحكم بشموله لكل استقسام بالأزلام، و لو في غير هذا المورد. .

الجملة اعتراضية:

ثم إنه لا ريب في أن قوله تعالى: اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاٰ تَخْشَوْهُمْ وَ اِخْشَوْنِ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً (1). جملة اعتراضية وردت في ضمن بيان حرمة الميتة و محرمات أخرى من اللحوم و الذبائح على المختار أولا. . ثم جواز ذلك للمضطر ثانيا. .


1) الآية 3 من سورة المائدة.

و قلنا: إن جميع هذه الأحكام قد سبق أن بينها اللّه تعالى في آيات نزلت قبل سنوات من نزول سورة المائدة. إما بنحو التنصيص و الصراحة، أو ببيان حكم العنوان العام الشامل لها. كعنوان الميتة، و عنوان الفسق.

لماذا الجملة الإعتراضية؟ ! :

و يلاحظ: أن الإتيان بالجملة الإعتراضية بين أمرين ظاهري التلازم، يشير بوضوح إلى أهمية الأمر الذي يراد بيانه في الجملة الإعتراضية، لدلالته على أن هذا الأمر لا مجال لتأجيله، بل هو من الأهمية بحيث جعل المتكلم يبادر إلى قطع كلامه المترابط، ليشير إليه، ثم يعود لإكمال كلامه من حيث قطعه.

فإن أحدا لا يقطع كلامه لأجل بيان أمر تافه، أو عادي، كأن يقول لأحدهم مثلا: يا فلان، انفض الغبار عن كم قميصك. ثم يعود لمتابعة كلامه الأول. بل هو يقطع كلامه ليقول: احذر من أن يقع ولدك عن السطح، أو في البئر، أو إحذر من الأفعى لا تلدغك، أو نحو ذلك.

لماذا جعلت بين أحكام سبق بيانها؟ ! :

و إنما أورد تبارك و تعالى هذا الأمر الخطير في ضمن جملة إعتراضية، بين أحكام سبق بيانها أكثر من مرة، و ليس فيها و لو حكم تأسيسي واحد، لكي لا يتوهم أحد أن الدين قد كمل بإبلاغ هذا الحكم أو هذه الأحكام الواردة في هذه الآية في هذا اليوم.

كما أنه قد اختار أن يجعل الحديث عن إكمال الدين في سياق التأكيد على أحكام سبق بيانها لأنه يريد أن يقول: إن التأكيد على الأحكام إنما هو بهدف حفظ الأحكام، و الإهتمام بإلزام الناس، و التزامهم بها. .

كما أن من جملة وظائف الإمام، و من دواعي نصبه للناس علما، هو أيضا الحفاظ على أحكام الدين، و سلامتها من الإهمال، و من التحريف، و ضمان و صحة تطبيقها في حياة الأمة.

فالجملة الإعتراضية جاءت لتأكيد المضمون العام للبيان التأكيدي للأحكام.

لماذا الأحكام الإلزامية تحريمية؟ ! :

و يلاحظ هنا أيضا: أن هذا الإعتراض إنما جاء في سياق التأكيد على أحكام إلزامية، تحريمية، لا وجوبية، فهي إلزامية بحيث يكون أي إخلال بها من موجبات الوقوع في الهلكة، و الابتلاء بالمأزق الذي يلامس مصير الإنسان نفسه.

و هي تحريمية إذ لو كانت إلزاميّة وجوبية، فقد يتوهم أن المقصود هو جلب المصلحة، و هي قد يتخلى الإنسان عنها لسبب أو لآخر، أما الأحكام التحريمية، فإن مخالفتها تعني الوقوع في الهلكة مباشرة، و لا مجال للتخلي عنها لأي سبب. . إلا إذا كان ذلك رافعا لحكم التحريم. .

و كذا الحال لو جاء بها في سياق بيان بعض المستحبات، أو بعض الضوابط الأخلاقية، أو في سياق بعض السياسات التدبيرية، فسوف لن يكون لها هذا الأثر، و لأمكن التأويل و التهرب من مضمونها الإلزامي.

بل قد نجد من يدّعي: أن الأمر لا ينحصر بعلي «عليه السلام» و لا بغيره، بل قد يكون غيره قادرا على القيام بنفس الدور، و لا خصوصية لعلي و لا للأئمة من أهل البيت «عليهم السلام» ، بل و لا حتى للنبي الأعظم

«صلى اللّه عليه و آله» في ذلك.

متى يئس الذين كفروا. . و كمل الدين؟ ! :

و قد اقترن قوله تعالى: اَلْيَوْمَ يَئِسَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ . بقوله: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1)، فدل على: أن اليوم الذي يئس فيه الذين كفروا من الدين هو نفس اليوم الذي أكمل اللّه تعالى فيه دينه، لكنهم اختلفوا في تحديد هذا اليوم. . فقيل: المراد به: فتح مكة (2).

و يرد عليه: أنه إذا كان كمال الدين لبيان تمام الأحكام، فذلك يعني: أن الدين لم يكمل آنئذ، و لم تتم النعمة. . إذ قد استمر تشريع الأحكام بعد يوم الفتح أيضا، و سورة المائدة نفسها، قد تضمنت شيئا من ذلك.

و قيل: المراد به: ما بعد تبوك، حيث نزلت سورة براءة، و قد انبسط الإسلام على جزيرة العرب كلها، و عفيت آثار الشرك، و ذهبت سنن الجاهلية و زالت (3).

و يرد عليه: نفس ما قلناه آنفا، فإنه قد نزلت فرائض و أحكام، و أبلغت تشريعات كثيرة بعدئذ، كما أن في نفس سورة المائدة أحكاما كثيرة، و هي قد نزلت بعد سورة براءة.


1) الآية 3 من سورة المائدة.

2) تفسير السمرقندي ج 1 ص 393 و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 6 ص 60 و فتح القدير ج 2 ص 10 و تفسير السمعاني ج 2 ص 10 و راجع: تفسير الجلالين ص 135.

3) تفسير الميزان ج 5 ص 169.

و قيل: المراد به: يوم عرفة، حيث رووا: أن آية إكمال الدين قد نزلت في يوم عرفة، فراجع البخاري و مسلم و سواهما (1).

و يرد عليه: أن يأس الذين كفروا يوم عرفة لا بد له من مبرر، فإن كان المبرر هو: فتح مكة، أو غزوة تبوك، أو نزول سورة براءة، فقد حدث ذلك قبل يوم عرفة في السنة العاشرة بزمان طويل.

و إن كان المبرر هو تمام نزول الأحكام، فيرد عليه: أن بعض الأحكام قد نزل بعد يوم عرفة، مثل آية الكلالة التي في آخر سورة النساء، و آيات الربا، كما قاله عمر بن الخطاب في خطبة له (2).


1) تفسير مقاتل بن سليمان ج 1 ص 280 و جامع البيان للطبري ج 6 ص 105 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 392 و 405 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 16 و تفسير ابن زمنين ج 2 ص 8 و تفسير الواحدي ج 1 ص 308 و زاد المسير لابن الجوزي ج 2 ص 238 عن مجاهد و ابن زيد، و التفسير الكبير تفسير للرازي ج 5 ص 191 و تفسير العز بن عبد السلام ج 1 ص 370 و التسهيل لعلوم التنزيل ج 1 ص 168 و تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان ص 220 و تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص 58.

2) صحيح مسلم ج 2 ص 81 و ج 5 ص 8 و الغدير ج 6 ص 127 و نهج السعادة ج 8 ص 422 و مسند أحمد ج 1 ص 26 و 28 و 48 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 150 و شرح مسلم للنووي ج 5 ص 53 و ج 11 ص 57 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 166 و جامع البيان للطبري ج 6 ص 59 و تفسير البغوي ج 1 ص 404 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 606 و الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 69 و 168 و الدر المنثور ج 2 ص 249 و فتح القدير ج 1 ص 544 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 44 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 195 و راجع: مسند أبي يعلى ج 5 ص 75.

و روي أيضا ذلك عن ابن عباس (1).

و إن كان الموجب ليأس الذين كفروا، و لإكمال الدين هو نزول أحكام: الميتة، و الدم، و لحم الخنزير في آية سورة المائدة، فهي لا توجب هذا اليأس أيضا، إذ لا خصوصية لها على ما عداها. .

و قد ذكرنا: أن ذكر هذه الأحكام لم يكن للتأسيس، بل هي للتأكيد، لأنها كانت قد نزلت قبل عدة سنوات، حسبما أو ضحناه. .

و إن كان المبرر هو حضور النبي «صلى اللّه عليه و آله» في موسم الحج، و تشريع بعض أحكامه، فيرد عليه: أن ذلك لا يوجب يأس الكفار من الدين أيضا. . إذ لا فرق في التشريع بين ما يرتبط بالحج، و بين غيره. .

و بعد ظهور عدم صحة ذلك كله، نقول:

العلة المحدثة و المبقية:

إن إكمال الدين إنما هو بإيجاد علته المبقية، بنصب الحافظ له، و المبين لحقائقه، و العالم بمعاني قرآنه، و العارف بناسخه و منسوخه، و محكمه و متشابهه، و بذلك ييأس الذين كفروا من تحريف الدين، و التلاعب بشريعة رب العالمين، فإن الإمام هو الذي يصونه من عبث أهل النفاق، و يحفظ الناس من الوقوع فريسة للشكوك و الشبهات. .

فإذا كان الذين كفروا يفكرون في أن بإمكانهم النيل من دين اللّه بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن نصب الولي، و الإمام الحافظ


1) راجع: أسباب نزول الآيات ص 9 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 563 و عمدة القاري ج 18 ص 195 و البرهان للزركشي ج 1 ص 209.

سوف يبعث اليأس في نفوسهم من أن يتمكنوا من تحريفه، و من التلاعب بمفاهيمه، و قيمه، و العبث بتعاليمه، و أحكامه. .

فظهر أن الدين قد كمل بنصب الإمام، و تكريس مفهوم الإمامة في الإسلام، و سدت بهذا التشريع الرباني الثغرة التي قد يحاول المبطلون النفوذ منها، و أنيط حفظ الدين بهذا القرار الديني و الشرعي الملزم للناس، و أصبح هو المعيار الذي يرجعون إليه، بعد أن ثبت و تعزز في وجدان الأمة على النحو الذي سعى إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» طيلة ثلاث و عشرين سنة، توجتها مناسبة يوم الغدير.

و كما أن الكافرين سوف ييأسون، فإن المؤمنين سوف يشعرون بكمال دينهم، و بتمام النعمة عليهم، بعد أن وضعت الضمانات المؤثرة في رد كيد الأعداء، و وضح السبيل لفضح خدعهم، و بوار أباطيلهم.

و بذلك رضي اللّه تعالى الإسلام دينا باقيا، و أبديا للبشرية كلها. .

فلا تخشوهم و اخشوني:

و قد زالت بذلك موجبات خشية المؤمنين من كيد الذين كفروا، و أصبح الأمر مرهونا بالمسلمين أنفسهم، بمدى التزامهم بما أخذ عليهم من عهد و ميثاق منه تعالى، و خضوعهم للتدبير الرباني، و استجابتهم لما يحييهم، و طاعتهم لمن نصبه اللّه و رسوله وليا و حافظا لهم، و لدينهم. . و لذلك قال تعالى: فَلاٰ تَخْشَوْهُمْ وَ اِخْشَوْنِي (1).


1) الآية 150 من سورة البقرة.

فالآية تريد أن تحدد المسؤوليات، و تسد أبواب التملصات المقيتة، من قبل من يظهرون الطاعة و الإنقياد، و يبطنون الصدود و العناد، و يدبرون في الخفاء للإستئثار بالأمر، و إقصاء صاحبه الشرعي عنه، و لا شيء يدفعهم إلى ذلك سوى حب الدنيا و زينتها، و عدم الإعتداد بشيء آخر سواها. .

فعلى الناس أن يحفظوا نعمة اللّه عليهم، و أن لا يفرطوا فيما حباهم اللّه به، و لا يخضعوا لأهواء أهل الكفر، و لا يخشوا كيدهم و مؤامراتهم، و إلا فإنهم سيذوقون و بال أمرهم، و ستكون أعمالهم هي السبب في سلب هذه النعمة منهم و عنهم.

أكملت. . أتممت:

و يلاحظ: أن الآية قد عبرت بالإكمال بالنسبة للدين، و بالإتمام بالنسبة للنعمة، و ربما يكون الفرق بينهما: أن الإكمال هو تتميم خاص، فإنه يستعمل حيث يكون للشيء أجزاء لها أغراض و آثار مستقلة، فكلما حصل جزء، تحقق معه أثره و غرضه، فهو من قبيل العموم الأفرادي، و يمكن أن يمثل له بصيام شهر رمضان، فإن صيام أي يوم منه يوجب تحقيق أثره، و يسقط وجوبه، و تبقى سائر الأيام على حالها. .

أما الإتمام، فيستعمل فيما يكون له أجزاء لا يتحقق لها أثر حتى تكتمل، فيكون الأثر لمجموعها، فلو فقد واحد منها لا نتفى الأثر المترتب على المجموع. فهو نظير ساعات اليوم الذي يصام فيه، فإنها لا يترتب الأثر على صيامها إلا بعد انضمام أجزائها إلى بعضها، بحيث لا يتخلف جزء منها، فإنه

يوصف بالتمام في هذه الحال، و لذلك قال: أَتِمُّوا اَلصِّيٰامَ إِلَى اَللَّيْلِ (1)، و كذلك الحال في الصلاة بالنسبة لأجزائها، فإن بطلان أو إسقاط أي جزء منها يوجب سقوط الصلاة نفسها، و بطلانها.

و الدين هو مجموعة قضايا و مفاهيم و أحكام، لها آثارها الخاصة بها، و لكل واحد منها طاعته و معصيته على حدة. . فيصح التعبير عنه بالإكمال.

أما النعمة التي أتمها اللّه فهي هنا تشريع ما يكون موجبا لحفظ الدين، و هو ولاية أولياء اللّه تبارك و تعالى، لتقام بهم أركان الدين، و تنشر بهم أعلامه. و بذلك يأمن المؤمنون من أي فتنة أو افتتان.

و يتحقق بذلك شرط قبول أعمال العباد، فإذا نقض المسلمون عهدهم، و لم يلتزموا بطاعة الإمام، حرموا من بركات وجوده، و عاشوا في المصائب و البلايا في حياتهم الدنيا، و يكونون عرضة للفتن و المحن بما كسبت أيديهم.

الإسلام مرضي للّه دائما:

و قد يتوهم: أن قوله: وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاٰمَ دِيناً (2)، يدل على أن الإسلام لم يكن مرضيا قبل ذلك اليوم أيضا.

و هو توهم باطل، فإن الإسلام مرضي للّه دائما. و المراد بهذه الكلمة هنا: أن اللّه تعالى قد رضي لهم الإسلام دينا مطلقا و في كل حين، فلكونه رضيه لهم، قد شرعه، و بلّغه على لسان أنبيائه و رسله، و وضع الضمانات لبيان حدوده و قواعده، و هيأ الظروف لبقائه و استمراره، من خلال تشريع الولاية، و حمايته


1) الآية 187 من سورة البقرة.

2) الآية 3 من سورة المائدة.

بها. و وضع أركانها، و تعريف الناس بالأئمة الذين اختارهم اللّه لحمل هذه الأمانة.

فالآية ليس لها مفهوم. أي أنها لا تريد أن تقول: إنني في هذا اليوم فقط رضيت لكم الإسلام دينا، بل تريد أن تقول: إن يأس الكفار، و إكمال الدين و إتمام النعمة كان في هذا اليوم، و أن اللّه سبحانه كان دائما راضيا بالإسلام التام و الشامل دينا للبشرية. .

آية الإكمال نزلت مرتين:

و بعد. . فإنه يبدولنا أن سورة المائدة قد نزلت يوم عرفة دفعة واحدة، فقرأها النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الناس، و سمعوا آية الإكمال، و حاول أن يبلغ أمر الإمامة في عرفة، فمنعته قريش و أعوانها، ثم بدأت الأحداث تتوالى، و تنزل الآيات المرتبطة بكل حدث على حدة. فنزلت بعد ذلك آية: بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (1). و جاءته بالعصمة من ربه، فبادر إلى إعلان إمامة علي «عليه السلام» يوم الغدير، ثم تلا عليهم، أو نزلت عليه آية الإكمال بعد نصبه «صلى اللّه عليه و آله» عليا «عليه السلام» في ذلك اليوم الأغر، و قبل أن يشرع الناس بالتفرق.

فيكون الحديثان في نزول هذه الآية صحيحين معا، لكن نزولها يوم عرفة كان في ضمن السورة، التي نزلت دفعة واحدة، و نزولها يوم الغدير كان بصورة منفردة عن بقية آيات السورة، بل و منفردة عن سائر فقرات


1) الآية 67 من سورة المائدة.

الآية التي هي في ضمنها أيضا، حسبما بيناه. .

و قد نقل الرواية بذلك الطبرسي في الإحتجاج و نقله به غيره أيضا (1)، و فيها: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قرأ عليهم آية إكمال الدين يوم عرفة، حيث أمره اللّه تعالى بتبليغ ولاية علي «عليه السلام» ، و لم تنزل العصمة.

و قد قلنا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» حاول تنفيذ ما طلب منه، فمنع، فنزل قوله تعالى: بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، ففعل ذلك في يوم الغدير، و لم ينبس أحد منهم ببنت شفة بصورة علنية.

و يؤيد هذ المعنى: ما ذكر في بعض الروايات، من أن يوم الغدير كان يوم الخميس (2).


1) راجع: الإحتجاج (ط النعمان-النجف الأشرف) ج 1 ص 67 فما بعدها، و اليقين لابن طاووس ص 343 و التفسير الصافي ج 2 ص 53.

2) المناقب للخوارزمي ص 135 و كتاب سليم بن قيس (بتحقيق الأنصاري) ص 355 و المناقب لابن شهرآشوب-ج 2 ص 227 و البحار ج 37 ص 156 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ ج 2 ص 310 و شرح أصول الكافي ج 5 ص 195 و شرح أصول الكافي ج 6 ص 120 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 118 و 137 و 362 و 434 و المسترشد للطبري (الشيعي) ص 468 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 147 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 303 و ج 8 ص 278 و 280 و 310 و 311 و 314 و 315 و الغدير ج 1 ص 42 و 43 و 232 و 233 و 234 و نهج الإيمان لابن جبر ص 115 و خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 93 و بشارة المصطفى للطبري ص 328 و شرح إحقاق الحق ج 6 ص 355 و ج 20 ص 198.

و قد روي عن عمر (1)، و معاوية، و سمرة بن جندب، و نسب إلى علي «عليه السلام» أيضا أن آية الإكمال نزلت في يوم عرفة (2)، و إنما كان يوم عرفة يوم الإثنين، و يؤيد ذلك أن نزول آية الإكمال يوم الإثنين.

و يدل على ذلك: ما روي عن ابن عباس، من أنه قال: «ولد نبيكم يوم


1) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 258 عن الحميدي، و عبد بن حميد، و أحمد، و البخاري، و مسلم، و الترمذي، و النسائي، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن حبان، و البيهقي في سننه، و راجع: صحيح البخاري ج 5 ص 186 و ج 8 ص 137 و (ط دار المعرفة) ج 1 ص 16 و صحيح مسلم ج 8 ص 238 و 239 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 181 و ج 5 ص 118 و سنن النسائي ج 8 ص 114 و مسند أحمد ج 1 ص 28 و سنن الترمذي ج 4 ص 316 و عمدة القاري ج 18 ص 199 و ج 25 ص 23 و مسند الحميدي ج 1 ص 19 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 420 و المعجم الأوسط للطبراني ج 1 ص 253 و ج 4 ص 174 و مسند الشاميين ج 2 ص 60 و فضائل الأوقات للبيهقي ص 351 و كنز العمال ج 2 ص 399 و جامع البيان ج 6 ص 109 و 111 و معاني القرآن للنحاس ج 2 ص 261 و تفسير السمعاني ج 2 ص 10 و شرح أصول الكافي ج 6 ص 121 و ج 11 ص 278 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 272.

2) راجع: مجمع الزوائد ج 7 ص 13 و المعجم الكبير ج 7 ص 220 و ج 12 ص 198 و ج 19 ص 392 و مسند الشاميين ج 3 ص 396 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 15 و الدر المنثور ج 2 ص 258 و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 318 و سير أعلام النبلاء ج 5 ص 323 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 8 ص 508 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 15 و الكامل لابن عدي ج 5 ص 11 و كنز العمال ج 2 ص 400 و جامع البيان ج 6 ص 106.

الإثنين، و نبئ يوم الإثنين، و نزلت سورة المائدة اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (1)يوم الإثنين، و توفي يوم الإثنين» (2).

فظهر أن نزول سورة المائدة يوم الإثنين بما فيها آية الإكمال-كما قاله ابن عباس-يؤيد ما قلناه. و ذلك كان يوم عرفة.

أما ما زعموه: من أن يوم عرفة كان الخميس أو الجمعة، فلا يتلائم مع قولهم: إن يوم الغدير كان في الثامن عشر من ذي الحجة في يوم الخميس أيضا، حسبما نبه إليه العلامة الأميني في كتابه «الغدير» كما تقدم. .

و إلا. . فلو أردنا الحكم بأن الآية لم تنزل يوم الغدير، بل نزلت يوم عرفة فقط، لم يمكن أن تجد لمضمون الآية موردا، و منطبقا حسبما أو ضحناه.

متى نزلت آية الإكمال:

و قد روى البخاري و مسلم و غيرهما: أن آية اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ قد نزلت يوم عرفة (3).

و لكن العلامة الأميني ردّ ذلك استنادا إلى ما يلي:

أولا: إنهم يقولون: إن وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت في الثاني من شهر ربيع الأول (4).


1) الآية 3 من سورة المائدة.

2) الدر المنثور ج 2 ص 258 و 259 عن ابن جرير و جامع البيان ج 6 ص 54 و البداية و النهاية ج 3 ص 218 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 232.

3) الغدير ج 1 ص 230 و راجع المصادر المتقدمة في الهوامش السابقة.

4) أشار في هامش كتاب الغدير ج 1 ص 230 إلى المصادر التالية: الكامل لابن الأثير ج 2 ص 9 و إمتاع الأسماع ص 548 و البداية و النهاية ج 6 ص 332 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 382. و راجع: تلخيص الحبير لابن حجر ج 7 ص 3 و تفسير السمعاني ج 2 ص 11.

ثم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يعمّر بعد نزول هذه الآية إلا أحدا و ثمانين يوما، أو اثنين و ثمانين يوما (1).

قال العلامة الأميني: و كأن فيه تسامحا بزيادة يوم واحد على الإثنين و ثمانين يوما، بعد إخراج يومي الغدير و الوفاة (2).

ثانيا: إنه لا مجال لتجاهل النصوص التي رويت عن أبي سعيد الخدري، و غيره، كأبي هريرة، و ابن عباس، و جابر، و عن الإمامين الباقر و الصادق


1) الدر المنثور ج 2 ص 257 و التفسير الكبير ج 7 ص 112 و ج 11 ص 139 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 14 و 416 و تفسير الثعالبي ج 1 ص 51 و تفسير البحر المحيط ج 2 ص 356 و فتح القدير ج 2 ص 12 و تفسير البيضاوي ج 1 ص 577 و البداية و النهاية ج 5 ص 117 و ج 6 ص 23 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 194 و تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص 58 و إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم لأبي السعود ج 3 ص 7 و الغدير ج 1 ص 230 و 237 و تفسير الرازي ج 11 ص 139 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 201 و ج 2 ص 226 و البحار ج 22 ص 471 و ج 37 ص 156 و فتح الباري ج 8 ص 564 و عمدة القاري ج 18 ص 132 و 199 و تفسير مجمع البيان ج 2 ص 214 و تفسير الثعلبي ج 2 ص 290 و تفسير البغوي ج 1 ص 504 و ج 2 ص 10 و تفسير الآلوسي ج 3 ص 55 و ج 6 ص 60 و زاد المسير ج 1 ص 289 و ج 2 ص 239.

2) الغدير ج 1 ص 230.

«عليهما السلام» ، و عن مجاهد، الدالة على أن هذه الآية نزلت في غدير خم، و رواية أبي هريرة صحيحة الإسناد عند هؤلاء.

ثالثا: إننا حتى لو سلمنا بصحة روايتي البخاري و مسلم فمن الممكن أن تكون هذه الآية قد نزلت مرتين. .

رابعا: إن آية بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ إن كانت نزلت في غدير خم لم يجز أن تكون آية الإكمال قد نزلت قبلها في عرفة، لأن مفاد آية التبليغ أنه قد بقي شيء من الدين يوازي الدين كله، و بذلك تنضم الروايات التي صرحت بنزول آية البلاغ في مناسبة الغدير إلى روايات نزول آية الإكمال فيها أيضا، و تصبح أقوى في معارضة رواية البخاري و مسلم.

خامسا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يبلّغ شيئا من الدين في يوم عرفة، لكي تنزل آية الإكمال، و إنما بلّغ يوم الغدير أمرا عظيما وهاما، فنزول آية الإكمال في يوم الغدير يصير هو المتعين، لكي يتوافق مع الوقائع. .

أبو طالب عليه السّلام و حراسة النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قد رووا عن ابن عباس: أن أبا طالب «عليه السلام» كان يرسل كل يوم رجالا من بني هاشم، يحرسون النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى نزلت هذه الآية وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ ، فأراد أن يرسل معه من يحرسه، فقال: يا عم: إن اللّه عصمني من الجن و الإنس (1).


1) الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 158 و لباب النقول في أسباب النزول ص 83 عن ابن مردويه، و الطبراني، و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 81 و الغدير ج 1 ص 228 و لباب النقول للسيوطي (ط دار إحياء العلوم) ص 95 و (ط دارالكتب العلمية) ص 83 و مجمع الزوائد ج 7 ص 17 و أسباب نزول الآيات ص 135 و المعجم الكبير ج 11 ص 205 و الدر المنثور ج 2 ص 298.

و نقول:

أولا: إن ما ذكرناه آنفا من الإجماع على نزول سورة المائدة في المدينة، و أنها آخر ما نزل، أو من آخر ما نزل. . و من الصحابة من يقول: إنها نزلت في حجة الوداع-إن ذلك-يكفي للرد على هذه المزعمة. فإن أبا طالب قد توفي قبل الهجرة إجماعا. .

ثانيا: لقد كانت هناك حراسات للنبي «صلى اللّه عليه و آله» تجري في المدينة، و في المسجد أسطوانة يقال لها: أسطوانة المحرس. . و كان علي «عليه السلام» يبيت عندها يحرس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فإذا كانت الآية المشار إليها قد نزلت في مكة، فترك الحرس منذئذ، فلا معنى لتجديد الحراسات عليه في المدينة.

ثالثا: قد تقدم في هذا الكتاب: أن أبا طالب «عليه السلام» كان في الشعب إذا حلّ الظلام، و هدأت الأصوات يقيم النبي «صلى اللّه عليه و آله» من موضعه، و ينيم عليا «عليه السلام» مكانه. حتى إذا حدث أمر، فإن عليا يكون هو الفداء للنبي «صلى اللّه عليه و آله» .

فلو صح: أن أبا طالب كان يرسل رجالا لحراسته «صلى اللّه عليه و آله» كل يوم، فلا تبقى حاجة لهذا الإجراء، فإن الحرس موجودون، و أي أمر يحدث، فإنهم هم الذين يتصدون له. .

آية البلاغ في اليهود:

لقد حاولوا: أن يكثروا من الأقاويل حول آية بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ، حتى زعموا: أن الأقوال فيها قد بلغت العشرة. . و قد ذكرها العلامة الأميني فراجع (1).

و ذكر: أن الرازي رجّح أنها تريد أن تؤمّن النبي «صلى اللّه عليه و آله» و تعصمه من مكر اليهود و النصارى، فأمره اللّه تعالى بإظهار التبليغ من غير مبالاة منه بهم، لأن ما قبل الآية و ما بعدها كان كلاما مع اليهود و النصارى (2).

و نقول:

أولا: إن السياق ليس بحجة، و لا سيما بعد ورود الروايات الموضحة للمقصود عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

ثانيا: إن أمر اليهود كان قد حسم قبل ذلك بعدة سنوات، و لم يعد النبي يخشاهم. و لم يكن للنصارى نفوذ يذكر في الجزيرة العربية، و كان «صلى اللّه عليه و آله» حين نزول سورة المائدة قد بلغ جميع الأحكام، فلم يبق أي شيء يتوهم أنه «صلى اللّه عليه و آله» يكتمه مما كان لدى اليهود و النصارى حساسية تجاهه. .

و لم يبق مما يخشى أهل النفاق فيه سوى أخذ البيعة للإمام علي «عليه السلام» بالخلافة بعده «صلى اللّه عليه و آله» ، لا سيما إذا كانت سورة المائدة قد


1) راجع: الغدير ج 1 ص 225 و 226.

2) التفسير الكبير ج 12 ص 50.

نزلت-كما يقول محمد بن كعب-في حجة الوداع فيما بين مكة و المدينة (1). و قد كانت سائر الأمور الحساسة قد حسم الأمر فيها في ذلك الوقت.

و روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله في حجة الوداع: «إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا» (2).

و صرحت عدة روايات بنزولها في حجة الوداع. فراجع ما روي عن محمد بن كعب القرظي، و الربيع بن أنس (3).

و عن عائشة: إن المائدة آخر سورة نزلت (4).


1) الإتقان في تفسير القرآن ج 1 ص 20 و الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أبي عبيد.

2) الغدير ج 1 ص 227 و تفسير الثعلبي ج 4 ص 5 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 47 و تفسير أبي السعود ج 3 ص 4 و تفسير الخازن ج 1 ص 429 و الجامع لأحكام القرآن، و الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أبي عبيد، عن ضمرة بن حبيب، و عطية بن قيس.

3) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أبي عبيد و ابن جرير، و عمدة القاري ج 18 ص 195 و 196 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 47 و الغدير ج 6 ص 256 و راجع: جامع البيان للطبري ج 6 ص 112.

4) الغدير ج 1 ص 429 عن تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 3 عن أحمد، و الحاكم، و النسائي، و الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، و أبي عبيد في فضائله، و النحاس في ناسخه، و النسائي، و ابن المنذر، و الحاكم و صحح، و ابن مردويه، و البيهقي في سننه، و المحلى لابن حزم ج 7 ص 390 و ج 9 ص 407 و الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 84 و نيل الأوطار ج 9 ص 204 و مسند أحمد ج 6 ص 188 و مسند الشاميين ج 3 ص 144 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 31 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 388 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 615 و الفتح السماوي ج 2 ص 552 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 47 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 377 و فتح القدير ج 2 ص 3 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 5 ص 302 و السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 333 و مسند ابن راهويه ج 3 ص 956 و عون المعبود ج 10 ص 13 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 172 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 311.

و عن عبد اللّه بن عمر: إن آخر سورة أنزلت، سورة المائدة، و الفتح (1)، يعني سورة النصر، كما يقول الأميني.

و عن أبي ميسرة: آخر سورة أنزلت سورة المائدة، و إن فيها لسبع عشرة فريضة (2).

ثالثا: إن الآية قد صرحت: بأن هذا الذي أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإبلاغه يعدل الدين كله، حيث قالت: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ . . مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أبلغ الرسالة كلها، فهذا التعبير يشير إلى أن هذا الأمر له مساس بجميع أحكام الدين و شرائعه و حقائقه. .

و لو كان المقصود: أنه لم يبلغ حكما ما، فقد كان الأولى أن يقول: و إن لم تفعل فالدين يبقى ناقصا. . لا أن يقول: إنك لم تبلغ شيئا من الرسالة أصلا. .


1) الغدير ج 2 ص 228 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 257 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 377 و سنن الترمذي ج 4 ص 326 و تفسير الآلوسي ج 6 ص 47 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 3 عن الترمذي، و الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، و الترمذي و حسّنه، و الحاكم و صححه، و ابن مردويه، و البيهقي في سننه.

2) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن سعيد بن منصور، و ابن المنذر، و راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 30.

موقع آية البلاغ بين الآيات:

و قد حاول البعض أن يقول: إن الآيات التي سبقت آية الإبلاغ و لحقتها تتحدث عن أهل الكتاب. فينبغي أن تكون آية يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (1). ناظرة إلى تبليغ ما أنزله اللّه تبارك و تعالى في أهل الكتاب، مثل قوله تعالى: قُلْ يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ لَسْتُمْ عَلىٰ شَيْءٍ حَتّٰى تُقِيمُوا اَلتَّوْرٰاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ وَ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ (2)» (3).

و أجيب أولا: بأن قوله تعالى في الآية: وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (4)يدل على أن ثمة خطرا يتهدد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أو الدين نتيجة لإبلاغ هذا الحكم. . و لم يكن اليهود و النصارى يشكلون أي خطر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» آنئذ، بل كان خطرهم قد انحسر بدرجة كبيرة جدا، و لم يعد هناك ما يبرر إحجامه «صلى اللّه عليه و آله» عن تبليغ أمر يرتبط بهم، بانتظار أن يمنحه اللّه العصمة منهم.

ثانيا: ليس في الآية حدة توجب خوفه «صلى اللّه عليه و آله» من أهل الكتاب، و قد أبلغ «صلى اللّه عليه و آله» اليهود ما هو أشد منها. . علما بأن شوكة اليهود و كذلك النصارى كانت قد كسرت حين نزول سورة المائدة،


1) الآية 67 من سورة المائدة.

2) الآية 68 من سورة المائدة.

3) تفسير الميزان ج 6 ص 42 و دلائل الصدق ج 2 ص 51 و 52 عن الرازي.

4) الآية 67 من سورة المائدة.

و قبلوا هم و النصارى بإعطاء الجزية (1).

ثالثا: إن هذا مجرد اجتهاد من الرازي في مقابل النص الذي يقول: إنها نزلت في مناسبة الغدير.

رابعا: لو كانت الآية ناظرة لأهل الكتاب، فالمناسب هو أن يقول: «و اللّه يعصمك منهم» ، فالتصريح بكلمة «الناس» إنما يشير إلى الناس الذين لم يسبق الحديث عنهم، و هم الذين معه، حيث كان كثير منهم من أهل النفاق. و قد ذكرت هذه الآية بين الآيات التي تتحدث عن أهل الكتاب ربما لتشير إلى أن المنافقين مثلهم في الكفر.

على أي شيء يخاف النبي صلّى اللّه عليه و آله:

إنه لا شك في أن خوف النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن على نفسه، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يضنّ بنفسه و لا بأي شيء يعود إليه، عن أن يبذله في سبيل اللّه سبحانه و تعالى. .

فالأقرب إلى الإعتبار هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يخاف من الناس أن يتهموه فيما يبلّغه بما يبطل أثر تبليغه، و يوجب فساد دعوته، أي أنه يخاف على الرسالة، فهو بصدد تحصينها من أن ينالها المبطلون بسوء.

و بذلك تبطل الروايات التي تدّعي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يحرس فلما نزل قوله تعالى وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (2)أوقف الحرس (3)،


1) الميزان (تفسير) ج 6 ص 42.

2) الآية 67 من سورة المائدة.

3) الميزان ج 6 ص 61 عن تفسير المنار عن أهل التفسير المأثور، و عن الترمذي، و ابي الشيخ و الحاكم، و أبي نعيم، و البيهقي، و الطبراني، و فتح القدير، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه. و راجع المصادر في الهوامش السابقة.

أو أن اللّه أرسله برسالته فضاق بها ذرعا، و عرف أن الناس سيكذبونه، و إن كان يخشى من العذاب، لو لم يفعل، فنزلت الآية (1). فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يفعل فعلا يخاف معه من عذاب اللّه. إلا إن كان المقصود بهذه الكلمات و أشباهها ما ينسجم مع المعنى الذي أشرنا إليه.

أما ما ورد في رواية أخرى: «أنه لما أمر بتبليغ ما أمر به قال: يا رب إنما أنا واحد، كيف أصنع؟ يجتمع عليّ الناس، فنزلت: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ (2)» (3)فهو مما لا مجال لقبوله بما له من معنى ظاهر. .

أهمية الحكم المعني بالآية:

و قد أظهر قوله تعالى: وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ أن الحكم الذي يراد تبليغه للناس، لم يكن كسائر الأحكام، بل هو يوازي في خطورته و أهميتة الرسالة كلها، بحيث لولاه فإن الشريعة كلها تصبح كالجسد بلا


1) الميزان ج 6 ص 61 عن الدر المنثور و فتح القدير. .

2) الآية 67 من سورة المائدة.

3) الميزان ج 6 ص 61 عن الدر المنثور و فتح القدير، عن عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ. و راجع: مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 130 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 255 و 270 و ج 9 ص 226 و الغدير ج 1 ص 221 و الدر المنثور ج 2 ص 298 و فتح القدير ج 2 ص 60.

روح، و سيترتب على إهماله أثر حقيقي يطال جميع الأحكام، و ليس هو إلا أمر الولاية الذي به يكون قبول الأعمال كلها، و به يكون قوامها. .

و قد كان هذا الحكم بالغ الحساسية، شديد الخطورة، عظيم الأثر، لا يتورعون عن فعل أي شيء من أجل إبطاله و استبداله، حتى لو كلفهم ذلك قتل علي و الزهراء «عليهما السلام» ، و إسقاط جنينها، و إبادة بني هاشم. .

و كان «صلى اللّه عليه و آله» يترقب الفرصة المناسبة لإبلاغ هذا الحكم الخطير. . فوعده اللّه بالإمداد الغيبي، و بالعصمة من كيد أهل الباطل.

اللّه يبرئ رسوله صلّى اللّه عليه و آله:

و قد عبرت الآية المباركة عنه «صلى اللّه عليه و آله» بكلمة «الرسول» لا بكلمة «النبي» ، ربما لتشير إلى أن ما يأتيهم به ليس من الأمور التدبيرية التي يكون للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أي دور فيها، كما قد يتوهمون أو قد يشيعون، و إنما هو مجرد رسول، يأتيهم بالقرار الرباني المحض، الذي لا خيار له و لهم فيه.

كما أنه لم يطلب منه أن يبين لهم أمر الولاية مثلا، بل هو قد أمره بمجرد التبليغ فقال بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ (1).

ثم بين لهم الأمر الصادر بصورة صريحة و واضحة، فقال لهم: إنه قد أنزل إليه من ربه. .

ثم بين: أن عدم إبلاغ ذلك يساوق عدم تبليغ الرسالة من أساسها،


1) الآية 67 من سورة المائدة.

و هذا ليس له فيه أي دور.

العصمة من الناس:

ثم يأتي قوله تعالى: وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (1)ليكون تأكيدا على صحة فعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سلامة و صدق توقعاته، و أن ما فعله قد كان في محله. . و لا لوم عليه فيه، إذ لولا العصمة الإلهية لم يصح التبليغ، لأنه سيكون بمثابة التفريط بالمهمة، و التقصير في اتخاذ الإحتياطات اللازمة، و عدم توخي الظرف الملائم. و الإستعجال و عدم انتظار توفر الشرائط.

فما بلغت رسالته:

و بعد أن عرفنا: أن القضية ليست قضية شخص، و إنما هي قضية الرسالة، أن تكون، أو لا تكون، و هو يساوق القول: بأنها قضية أن يكون هناك إنسان و حياة أو لا يكون. فقد أصبح واضحا أن المنع من إبلاغ الرسالة و الإمامة معناه حرمان الإنسان من الهداية الإلهية، و من الرعاية الربانية، و ليس هناك جريمة أعظم و لا أخطر من ذلك.

و من هنا، كان لا بد من إلقاء نظرة على ما كانت عليه الحال في زمن الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، فيما يرتبط بهذه النقطة بالذات، لنتعرف على أولئك الناس الذين حاولوا منع الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» من إبلاغ أمر الإمامة إلى الناس، و سعوا لزعزعة أركان هذا


1) الآية 67 من سورة المائدة.

الأمر الخطير، و العبث بمستقبل الإنسان، و بكل حياته، و وجوده. . و تلك هي الجريمة الأكبر و الأضر، و الأخطر و الأشر. . فكان أن عقدنا فصلا لنتعرف فيه على بعض ما جرى في هذا الإتجاه. . و هو الذي سيأتي إن شاء اللّه بعد تمام حديثنا عن الآيات الشريفة، فانتظر. .

سورة المعارج مكية:

ثم إنهم قد زعموا: أن سورة المعارج مكية، و هو ما ذكرته الرواية عن ابن عباس (1)، و ابن الزبير (2)، فتكون قد نزلت قبل بيعة الغدير بسنوات.

و الصحيح: أنها نزلت في المدينة، بعد حادثة الغدير، حيث طار خبر ما جرى في غدير خم في البلاد، فأتى الحارث بن النعمان الفهري أو (جابر بن النضر بن الحارث بن كلدة العبدري) .

«قال الأميني: لا يبعد صحة ما في هذه الرواية من كونه جابر بن النضر، حيث إن جابرا قتل أمير المؤمنين «عليه السلام» والده النضر صبرا، بأمر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما أسر يوم بدر» (3).


1) الدر المنثور ج 6 ص 263 عن ابن الضريس و النحاس و ابن مردويه و البيهقي، و سعد السعود لابن طاووس ص 291 و راجع: فتح القدير ج 5 ص 287 و تفسير الميزان ج 6 ص 56 و ج 20 ص 11 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) و (ط دار الكتب العلمية) ص 202 و تفسير ابن أبي حاتم ج 10 ص 3372 عن السدي.

2) الدر المنثور ج 6 ص 263 عن ابن مردويه، و تفسير الميزان ج 6 ص 56.

3) الغدير ج 1 ص 239 هامش.

فقال: يا محمد، أمرتنا من اللّه أن نشهد أن لا إله إلا اللّه، و أنك رسول اللّه، و بالصلاة، و الصوم، و الحج، و الزكاة، فقبلنا منك، ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبع ابن عمك، ففضلته علينا، و قلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من اللّه؟ !

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : و الذي لا إله إلا هو، إن هذا من اللّه.

فولى جابر، يريد راحلته، و هو يقول: اللهم، إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم.

فما وصل إليها حتى رماه اللّه بحجر فسقط على هامته، و خرج من دبره، و قتله. و أنزل اللّه تعالى: سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ الآية» (1).


1) الغدير ج 1 ص 239 عن غريب القرآن لأبي عبيد و نقله أيضا عن كثير من المصادر التالية: شفاء الصدور لأبي بكر النقاش، و الكشف و البيان للثعلبي، و تفسير فرات ص 190 و (1410 ه‌-1990 م) ص 505 و خصائص الوحي المبين لابن البطريق ص 88 و كنز الفوائد للكراجكي، و شواهد التنزيل ج 2 ص 383 و 381 و دعاة الهداة للحاكم الحسكاني. و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 18 ص 278 و تذكرة الخواص ص 30 و الإكتفاء للوصابي الشافعي، و فرائد السمطين ج 1 ص 82 و إقبال الأعمال لابن طاووس ج 2 ص 251 و المناقب لابن شهرآشوب ج 2 ص 240 و البحار ج 37 ص 136 و 162 و 176 و كتاب الأربعين لماحوزي ص 154 و 161 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 115 و معارج الوصول للزرندي الحنفي، و نظم درر السمطين ص 93 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 41 و جواهر العقدين للسمهودي الشافعي، و تفسير أبي السعود العمادي ج 9 ص 29 و السراج المنير (تفسير) ج 4 ص 364 للشربيني الشافعي، و الأربعين في مناقب أمير المؤمنين لجمال الدين الشيرازي ص 40 و ينابيع المودة ج 2 ص 370 و فيض القدير ج 6 ص 218 و منهاج الكرامة للعلامة الحلي ص 117 و العقد النبوي و السر المصطفوي لابن العيدروس، و وسيلة المآل لأحمد بن باكثير الشافعي ص 119 و 120 و نزهة المجالس ج 2 ص 209 للصفوري الشافعي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 302 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 337 و الصراط السوي في مناقب النبي للقادري المدني، و شرح الجامع الصغير ج 2 ص 387 للحفني الشافعي، و معارج العلى في مناقب المرتضى لمحمد صدر العالم، و تفسير شاهي لمحمد محبوب العالم، و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 7 ص 13 و ذخيرة المآل في شرح عقد جواهر اللآلي لعبد القادر الحفظي الشافعي، و الروضة الندية لمحمد بن إسماعيل اليماني ص 156 و نور الأبصار ص 159 للشبلنجي الشافعي و المنار (تفسير) لرشيد رضا ج 6 ص 464 و الأربعون حديثا لابن بابويه ص 83 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 342 و 357 و 362 و 368 و 370 و المراجعات للسيد شرف الدين ص 274 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 52.

و قد رد ابن تيمية هذا الحديث، لعدة أدلة أوردها، و تبعه فيها غيره (1).

و أدلته هي التالية:

1-إن قصة الغدير إنما كانت بعد حجة الوداع بالإجماع-و الروايات تقول: إنه لما شاعت قصة الغدير جاء الحارث و هو بالأبطح، و الأبطح بمكة. مع أن اللازم أن يكون مجيئه إلى رسول «صلى اللّه عليه و آله» في المدينة.

2-إن سورة المعارج مكية باتفاق أهل العلم. .


1) راجع: منهاج السنة ج 4 ص 13 و تفسير المنار لرشيد رضا ج 6 ص 464 فما بعدها.

3-إن قوله: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، نزلت عقيب بدر بالاتفاق. و قصة الغدير كانت بعد ذلك بسنين.

4-إن هذه الآية-أعني آية: سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ (1)-نزلت


1) الغدير ج 1 ص 239 عن غريب القرآن لأبي عبيد و نقله أيضا عن كثير من المصادر التالية: شفاء الصدور لأبي بكر النقاش، و الكشف و البيان للثعلبي، و تفسير فرات ص 190 و كنز الفوائد للكراجكي و شواهد التنزيل ج 2 ص 383 و 381 و دعاة الهداة للحاكم الحسكاني. و الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج 18 ص 278 و تذكرة الخواص ص 30 و الإكتفاء للوصابي الشافعي و فرائد السمطين ج 1 ص 82 و معارج الوصول للزرندي الحنفي، و نظم درر السمطين ص 93 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 41 و جواهر العقدين للسمهودي الشافعي و تفسير أبي السعود العمادي ج 9 ص 29 و السراج المنير (تفسير) ج 4 ص 364 للشربيني الشافعي، و الأربعين في مناقب أمير المؤمنين لجمال الدين الشيرازي ص 40 و فيض القدير ج 6 ص 218 و العقد النبوي و السر المصطفوي لابن العيدروس و وسيلة المآل لأحمد بن باكثير الشافعي ص 119 و 120 و نزهة المجالس ج 2 ص 209 للصفوري الشافعي و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 302 و الصراط السوي في مناقب النبي للقادري المدني و شرح الجامع الصغير ج 2 ص 387 للحفني الشافعي و معارج العلى في مناقب المرتضى لمحمد صدر العالم و تفسير شاهي لمحمد محبوب العالم، و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 7 ص 13 و ذخيرة المآل في شرح عقد جواهر اللآلي لعبد القادر الحفظي الشافعي و الروضة الندية لمحمد بن إسماعيل اليماني ص 156 و نور الأبصار ص 159 للشبلنجي الشافعي و المنار (تفسير) لرشيد رضا ج 6 ص 464.

بسبب ما قاله المشركون بمكة، و لم ينزل عليهم العذاب هناك لوجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» لقوله تعالى: مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ .

5-لو صح ذلك لكانت آية كآية أصحاب الفيل، و مثلها تتوفر الدواعي على نقله، مع أن أكثر المصنفين في العلم و أرباب المسانيد و الصحاح، و الفضايل و التفسير و السير قد أهملوا هذه القضية، فلا تروى إلا بهذا الإسناد المنكر.

6-إن الحارث المذكور في الرواية كان مسلما حسبما ظهر في خطابه المذكور مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و من المعلوم بالضرورة أن أحدا لم يصبه عذاب على عهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

7-إن الحارث بن النعمان غير معروف في الصحابة، و لم يذكر في الإستيعاب، و لا ذكره ابن منده، و أبو نعيم و أبو موسي في تآليفهم في أسماء الصحابة.

و نقول:

إن جميع ذلك لا يمكن قبوله. . و سوف نكتفي هنا بتلخيص ما ذكره العلامة الأميني «رحمه اللّه» ، فنقول:

بالنسبة للدليل الأول نقول:

ألف: إن كلمة الأبطح إنما وردت في بعض الروايات دون بعض، فإطلاق الكلام بحيث يظهر منه أن الإشكال يرد على جميعها في غير محله. .

و ورد في بعض نصوص الرواية: أن مجيء السائل كان إلى المسجد (1).


1) تذكرة الخواص ص 30 و الغدير ج 1 ص 248 عنه، و عن معارج العلى للشيخ محمد صدر و العالم، العدد القوية للحلي ص 185 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 368.

و قد نص في السيرة الحلبية: على أن ذلك كان في مسجد المدينة (1).

ب-إن كلمة الأبطح لا تختص ببطحاء مكة، بل هي تطلق على كل مسيل فيه دقائق الحصى (2).

و قد ورد في البخاري في صحيحه (3)، أحاديث ترتبط بالبطحاء بذي الحليفة.

و كان «صلى اللّه عليه و آله» إذا رجع إلى المدينة دخل من معرس الأبطح،


1) الغدير ج 1 ص 248 و السيرة الحلبية ج 3 ص 274 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 337 و شرح إحقاق الحق ج 4 ص 442.

2) راجع: معجم البلدان ج 2 ص 213 و 215 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 1 ص 446 و الغدير ج 1 ص 250 و راجع: عمدة القاري ج 10 ص 101.

3) عن صحيح البخاري ج 2 ص 556 حديث 1459 و ج 1 ص 183 حديث 470 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 143 و 197 و راجع: صحيح مسلم (كتاب الحج) ج 3 ص 154 و 155 و (ط دار الفكر) ج 4 ص 106 و التمهيد لابن عبد البر ج 15 ص 243 و ج 24 ص 429 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 226 و سنن النسائي ج 5 ص 127 و سنن أبي داود ج 1 ص 453 و عمدة القاري ج 9 ص 146 و ج 10 ص 102 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 244 و 245 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 429 و 477 و الإستذكار لابن عبد البر ج 4 ص 339 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 3 ص 540 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 330 و كتاب الموطأ لمالك ج 1 ص 405 و الغدير ج 1 ص 248 و مسند أحمد ج 2 ص 28 و 87 و 112 و 119 و 138.

فكان في معرسه ببطن الوادي، فقيل له: إنك ببطحاء مباركة (1).

و ورد التعبير بذلك أيضا في كلام عائشة عن موضع قبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و ثمة أحاديث عن حذيفة بن أسيد، و عامر بن ليلى، تذكر في أحاديث الغدير: أنه حين رجوع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من حجة الوداع، لما كان


1) إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 122 و الغدير ج 1 ص 248 و سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 485 و راجع: مسند أحمد ج 2 ص 90 و 136 و صحيح البخاري ج 2 ص 144 و ج 3 ص 71 و ج 8 ص 155 و صحيح مسلم ج 4 ص 106 و سنن النسائي ج 5 ص 127 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 115 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 245

2) كما في مصابيح السنة للبغوي ج 1 ص 83 و إعانة الطالبين للدمياطي ج 2 ص 135 و المحلى لابن حزم ج 5 ص 134 و الجوهر النقي ج 4 ص 3 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 53 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 614 و تاريخ المدينة لابن شبة ج 3 ص 945 و البداية و النهاية ج 5 ص 293 و التنبيه و الإشراف ص 251 و تهذيب الكمال ج 22 ص 158 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 209 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 242 و نصب الراية ج 2 ص 358 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 342 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 541 و تحفة الأحوذي ج 4 ص 130 و عمدة القاري ج 8 ص 224 و فتح الباري ج 3 ص 204 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 3 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 369 و سنن أبي داود ج 2 ص 84 و نيل الأوطار ج 4 ص 129 و سبل السلام ج 2 ص 110 و تلخيص الحبير ج 5 ص 225 و فيض القدير ج 4 ص 153.

بالجحفة نهى عن سمرات متقاربات بالبطحاء أن لا ينزل تحتهن أحد (1).

و ثمة حديث عن بطحاء واسط، و بطحاء ذي الحليفة، و بطحاء ابن ازهر، و بطحاء المدينة، و هو أجل من بطحاء مكة (2)، و قد نسب البطحاوي العلوي إلى جده قوله:

و بطحا المدينة لي منزلفيا حبذا ذاك من منزل. .

و في قول حيص بيص المتوفي سنة 574 ه‌.

ملكنا فكان العفو منا سجيةفلما ملكتم سال بالدم أبطح (3)

و يوم البطحاء (منسوب إلى بطحاء ذي قار) من أيام العرب المعروفة.

و من الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» :

أنا ابن المبجل بالأبطحينو بالبيت من سلفي غالب

قال الميبذي في شرحه: يريد أبطح مكة و المدينة (4).

و أما الجواب عن الدليل الثاني، و هو أن سورة المعارج مكية بالإجماع لا


1) راجع: الغدير ج 1 ص 10 و 26 و 249 و في معجم البلدان ص 213-222 و البلدان لليعقوبي ص 84 و الفصول المهمة لابن الصباغ ج 1 ص 241 و خلاصة عبقات الأنوار ج 7 ص 155 و 249 و شرح إحقاق الحق (الملحقات) ج 6 ص 342 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 139.

2) معجم البلدان ج 1 ص 444.

3) راجع: ديوان حيص بيص ج 3 ص 404 و خلاصة عبقات الأنوار ج 8 ص 391 و الغدير ج 1 ص 255.

4) راجع: شرح ديوان أمير المؤمنين «عليه السلام» ص 197 و البحار ج 34 ص 397 و الغدير ج 1 ص 252.

مدنية، فنقول:

أولا: إن الإجماع إنما هو على أن مجموع السورة كان مكيا، لا جميع آياتها. فلعل هذه الآية بالخصوص كانت مدينة. .

و قد يعترض على ذلك: بأن المتيقن في اعتبار السورة مكية أو مدنية هو تلك التي تكون بداياتها كذلك، أو تكون تلك الآيات التي انتزع اسم السورة منها كذلك. .

و الجواب عن ذلك. .

ألف: إن هناك سورا كثيرة يقال عنها إنها مكية مثلا مع أن أوائلها تكون مدنية، و كذلك العكس، و ذلك مثل:

سورة العنكبوت. . فإنها مكية إلا عشر آيات من أولها (1).

سورة الكهف. . مكية إلا سبع آيات من أولها (2).


1) راجع: جامع البيان ج 20 ص 86 و الجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 323 و السراج المنير للشربيني ج 3 ص 123 و سعد السعود لابن طاووس ص 289 و الغدير ج 1 ص 255 و البيان في عد آي القرآن للداني ص 203 و زاد المسير ج 6 ص 119 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للأندلسي ج 4 ص 305 و تفسير السمعاني ج 4 ص 165 و تفسير ابن زمنين ج 3 ص 339 و التفسير الكبير للرازي ج 25 ص 25 و فتح القدير ج 4 ص 191 و تفسير الثعالبي ج 4 ص 288 و الجامع لأحكام القرآن ج 13 ص 323 و تفسير العز بن عبد السلام ج 2 ص 504 و التفسير الصافي ج 4 ص 110 و التبيان ج 8 ص 185 و عمدة القاري ج 19 ص 108.

2) راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 346 و الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 16 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 185 و الغدير ج 1 ص 256 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 505 و راجع: عمدة القاري ج 19 ص 36 و التبيان ج 7 ص 3 و تفسير شبر ص 289 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 2 ص 278 و تفسير العز بن عبد السلام ج 2 ص 237 و تفسير أبي السعود ج 5 ص 202 و فتح القدير ج 3 ص 268 و ج 9 ص 37 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 199.

سورة المطففين، مكية إلا الآية الأولى، (و فيها اسم السورة) (1).

سورة الليل، مكية إلا أولها، (و فيها اسم السورة أيضا) (2).

و هناك سور أخرى كثيرة مكية، و فيها آيات مدنية. . مثل سورة هود، و مريم، و الرعد، و إبراهيم، و الإسراء، و الحج، و الفرقان، و النحل، و القصص، و المدثر، و القمر، و الواقعة، و الليل، و يونس (3).

ب-و هناك سور مدنية، و فيها آيات مكية، مثل:

سورة المجادلة، فإنها مدنية إلا العشر الأول، (و فيها تسمية السورة) (4).


1) راجع: جامع البيان ج 30 ص 58 و الغدير ج 1 ص 257 و راجع: التفسير الصافي ج 5 ص 298 و ج 7 ص 421 و تفسير العز بن عبد السلام ج 3 ص 429 و الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 17 و (ط دار الفكر) ص 55 و فتح القدير ج 5 ص 397 و تفسير مجمع البيان ج 10 ص 289 و البحار ج 66 ص 116.

2) راجع: الإتقان في علوم القرآن (ط دار الفكر) ص 54 و الغدير ج 1 ص 257.

3) راجع في ذلك كله: الغدير ج 1 ص 256-257.

4) راجع: إرشاد العقل السليم لأبي السعود ج 8 ص 215 و السراج المنير ج 4 ص 219 و الغدير ج 1 ص 257 و راجع: تفسير مجمع البيان ج 9 ص 407 و التفسير الصافي ج 5 ص 142 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 5 ص 272 و تفسير الآلوسي ج 28 ص 2 و الجامع لأحكام القرآن ج 17 ص 269 و تفسير العز بن عبد السلام ج 3 ص 291.

سورة البلد، و هي مدنية إلا الآية الأولى، (و فيها اسم السورة) . و حتى الرابعة (1)، و غير ذلك.

ثانيا: لو سلمنا أن هذه السورة مكية، فإن ذلك لا يبطل الرواية التي تنص على نزولها في مناسبة الغدير، لإمكان أن تكون قد نزلت مرتين، فهناك آيات كثيرة نص العلماء على نزولها مرة بعد أخرى، عظة و تذكيرا، أو اهتماما بشأنها، أو اقتضاء موردين لنزولها، نظير: البسملة، و أول سورة الروم، و آية الروح.

و قوله: مٰا كٰانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ. . .

و قوله: أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ طَرَفَيِ اَلنَّهٰارِ .

و قوله: أَ لَيْسَ اَللّٰهُ بِكٰافٍ عَبْدَهُ .

و سورة الفاتحة، فإنها نزلت مرة بمكة حين فرضت الصلاة، و مرة بالمدينة حين حولت القبلة، و لتثنية نزولها سميت بالمثاني (2).

و عن الدليل الثالث أجاب:

أن نزول آية سورة الأنفال قبل سنوات، لا يمنع من أن يتفوه بها هذا


1) راجع: الإتقان ج 1 ص 17 و (ط دار الفكر) ص 55 و تفسير الآلوسي ج 30 ص 133 و الغدير ج 1 ص 257.

2) راجع: الغدير ج 1 ص 257 و تفسير مجمع البيان ج 1 ص 47 و التفسير الصافي ج 1 ص 80 و البحار ج 84 ص 79 و التفسير الكبير للرازي ج 19 ص 207 و البرهان للزركشي ج 1 ص 29 و تفسير الآلوسي ج 14 ص 79 و تفسير الميزان ج 12 ص 191 و السيرة الحلبية ج 1 ص 396 و الإتقان ج 1 ص 60 و (ط دار الفكر) ص 105 و فيه موارد أخرى أيضا.

المعترض على اللّه و رسوله، و يظهر كفره بها. و لعله قد سمعها من قبل، فآثر أن يستخدمها في دعائه، لإظهار شدة عناده و جحوده أخزاه اللّه.

و عن الدليل الرابع أجاب:

ألف: إنه قد لا ينزل العذاب على المشركين لبعض الأسباب المانعة من نزوله، مثل إسلام جماعة منهم، أو ممن هم في أصلابهم، و لكنه ينزل على هذا الرجل الواحد المعاند في المدينة لارتفاع المانع من نزوله. . و لا سيما مع طلبه من اللّه أن ينزل عليه العذاب.

ب: قد يقال: إن المنفي في آية مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ هو عذاب الاستئصال للجميع، و لا يريد أن ينفي نزول العذاب على بعض الأفراد. .

ج: قد دلت الروايات على نزول العذاب على قريش، و ذلك حين دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عليهم بأن يجعل سنيهم كسني يوسف «عليه السلام» فارتفع المطر، و أجدبت الأرض، و أصابتهم المجاعة حتى أكلوا العظام و الكلاب و الجيف (1). .


1) راجع: صحيح مسلم ج 5 ص 342 ح 39(كتاب صفة القيامة و الجنة و النار) و (ط دار الفكر) ج 8 ص 131 و سنن الترمذي ج 5 ص 56 و البخاري ج 2 ص 125 و (ط دار الفكر) ج 2 ص 15 و ج 5 ص 217 و ج 6 ص 19 و 32 و 40 و 41 و مسند أحمد ج 1 ص 431 و 441 و التفسير الكبير للرازي ج 27 ص 242 و النهاية في اللغة ج 3 ص 293 و ج 5 ص 200 و الخصائص الكبرى للسيوطي ج 1 ص 246 و عمدة القاري ج 7 ص 27 و 28 و ج 19 ص 140 و دلائل النبوة ج 2 ص 324 و السنن الكبرى لبيهقي ج 3 ص 353 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 575 ح 369 و الغدير ج 1 ص 259 و الغدير ج 1 ص 259 و البحار ج 16 ص 411 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 189 و البداية و النهاية ج 6 ص 101 و راجع: تفسير السمعاني ج 2 ص 359.

د-إنه قد نزل العذاب أيضا على بعض الأفراد بدعاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما جرى لأبي زمعة، الأسود بن المطلب، حيث كان هو و أصحابه يتغامزون بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فدعا عليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعمى، و يثكل ولده، فأصابه ذلك (1).

و دعا على مالك بن الطلاطله، فأشار جبريل إلى رأسه، فامتلأ قيحا فمات (2).

ثم ما جرى للحكم بن أبي العاص حيث كان يحكي مشية النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فرآه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: كن كذلك، فكان الحكم مختلجا يرتعش منذئذ (3).


1) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 27 و (ط دار صادر) ج 2 ص 74 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 332 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 220 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 461 و الغدير ج 1 ص 259 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 513 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 62 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 580.

2) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 27 و (ط دار صادر) ج 2 ص 75 و الغدير ج 1 ص 259 و راجع: البحار ج 18 ص 49 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 220 و تفسير مجمع البيان ج 6 ص 133 و جامع البيان ج 14 ص 95 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 580 و سيرة ابن إسحاق ج 5 ص 254 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 278.

3) راجع الاستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 218 و (ط دار الجيل) ج 1 ص 359 و النهاية في اللغة ج 2 ص 60 و إمتاع الأسماع ج 12 ص 101 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 150 و الإصابة ج 1 ص 345 و 346 و البحار ج 31 ص 173 و الخصائص الكبرى ج 2 ص 132 و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 214 و دلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 239 و 240 و الغدير ج 1 ص 260 و ج 8 ص 244.

و ما جرى لجمرة بنت الحارث، فقد خطبها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال أبوها: إن بها سوءا، و لم تكن كذلك، فرجع إليها، فوجدها قد برصت (1).

و ما جرى لذلك الرجل الذي كذب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و ما جرى لابن بن أبي لهب، فإنه سب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فدعا اللّه أن يسلط عليه كلبه، فافترسه الأسد (3).


1) راجع الإصابة ج 1 ص 276 و (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 663 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 133 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 392 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 310 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 418 و الغدير ج 1 ص 260 الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 169.

2) راجع: الخصائص الكبرى ج 1 ص 244 و دلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 245 و الغدير ج 1 ص 260 و الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 84.

3) الغدير ج 1 ص 261 و جامع البيان للطبري ج 27 ص 55 و تفسير القرآن للصنعاني ج 3 ص 250 و البداية و النهاية ج 6 ص 294 و الدر المنثور ج 6 ص 121 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 147 و 244 و النهاية في اللغة ج 3 ص 91. و دلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 338 و 339 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 588 و 585 و 586 حديث رقم 383 و 381 و 380 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 65.

ه‌-قد هدد اللّه قريشا بقوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صٰاعِقَةً مِثْلَ صٰاعِقَةِ عٰادٍ وَ ثَمُودَ (1). . فإن كان مناط الحكم في هذه الآية هو إعراض الجميع، فإن الصاعقة لم تأتهم لأن بعضهم قد آمن. و لو أنهم استمروا جميعا على الضلال لأتاهم ما هددهم به. و لو كان وجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» مانعا من جميع أقسام العذاب، لم يصح هذا التهديد. . و لم يصح أن يصيب الحكم بن أبي العاص، و غيره ممن تقدمت أسماؤهم شيء من الأذى. .

و عن الدليل الخامس أجاب «رحمه اللّه» :

إن حادثة الفيل استهدفت تدمير أعظم رمز مقدس لأمة بأسرها، فالدواعي متوفرة على نقلها. . أما قصة هذا الرجل الذي واجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في قضية الغدير، فالدواعي لنقلها أقل بكثير، و هي ككثير من معجزات الرسول «صلى اللّه عليه و آله» التي نقلت عن طريق الآحاد، و بعضها قد قبله المسلمون من دون نظر في سنده. .

بل الدواعي متوفرة على طمس هذه القضية، و ذلك إمعانا في إضعاف واقعة الغدير، و إبعادها عن أذهان الناس، و إنساء الناس لها، لأنها تمثل إدانة خطيرة لفريق تقدسه طائفة كبيرة من الناس. .

و أما دعواهم: أن المصنفين قد أهملوا هذه القضية، فهي مجازفة ظاهرة، إذ قد تقدم أن كثيرين منهم قد رووها. .

و عن الدليل السادس أجاب «رحمه اللّه» :

بأن الحديث كما أثبت إسلام الحارث، فإنه قد أثبت ردته. . و العذاب


1) الآية 13 من سورة فصلت.

نزل عليه، بعد ردته لا حين إسلامه، فلا يصح قوله: إنه لم يصب العذاب أحدا من المسلمين في عهد النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

ثم ذكر شواهد عن عذاب لحق بعض المسلمين في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كقصة جمرة بنت الحارث، و غيرها.

و قصة ذلك الذى أكل عند النبى «صلى اللّه عليه و آله» بشماله، فقال له النبى «صلى اللّه عليه و آله» : كل بيمينك.

فقال: لا أستطيع.

قال: لا استطعت. فما رفعها إلى فيه بعد (1). و قد رواها مسلم في صحيحه.

و قصة الأعرابي الذي عاده رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و أنه حين قال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا بأس، طهور إن شاء اللّه.

قال: قلت طهور؟ كلا بل حمى تفور (أو تثور) ، على شيخ كبير، تزيره القبور.

قال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : فنعم إذا.

فما أمسى من الغد إلا ميتا (2).


1) صحيح مسلم ج 4 ص 259 ح 107 و الغدير ج 1 ص 264 و فتح الباري ج 9 ص 456 و عمدة القاري ج 21 ص 29 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 422 و عون المعبود ج 10 ص 179 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 215 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 1 ص 367.

2) راجع: صحيح البخاري ج 3 ص 1324 ح 3420 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 383 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 197 و كنز العمال ج 9 ص 211 و صحيح ابن حبان ج 7 ص 225 و راجع: الجوهر النقي للمارديني ج 3 ص 382.

و كذا بالنسبة لمن نقى شعره في الصلاة، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : قبح اللّه شعرك، فصلع مكانه (1).

و أجاب عن الوجه السابع:

بأن معاجم الصحابة لم تستوف ذكر جميعهم، و قد استدرك المؤلفون على من سبقهم أسماء لم يذكروها.

و قد أوضح العسقلاني ذلك في مستهل كتابه «الإصابة» فراجع. .

و قد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» توفي و كان عدد من رآه و سمع منه زيادة على مئة ألف إنسان. .

أضف إلى ذلك: أنه قد يكون إهمال ذكر هذا الرجل في معاجم الصحابة لأجل ردته. .

سورة و العصر نزلت في علي عليه السّلام:

و قد يتساءل البعض عن المقصود بقوله «صلى اللّه عليه و آله» في خطبة يوم الغدير: «فى علي نزلت سورة وَ اَلْعَصْرِ إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ .

و يمكن أن يجاب: بأن الأحاديث الشريفة قد صرحت: بأن المراد بالإنسان الذي في خسر، هم أعداؤهم «عليهم السلام» ، ثم استثنى أهل صفوته من خلقه، حيث قال: إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ (2)يقول: آمنوا بولاية أمير المؤمنين وَ تَوٰاصَوْا بِالْحَقِّ


1) راجع: أعلام النبوة للماوردي ص 134 و المناقب لابن شهرآشوب ج 1 ص 72 و الغدير ج 1 ص 264.

2) الآيتان 2 و 3 من سورة العصر.

ذرياتهم و من خلقوا بالولاية و تواصوا بها، و صبروا بها، و صبروا عليها» (1).

و في نص: وَ تَوٰاصَوْا بِالْحَقِّ يعني الإمامة و وَ تَوٰاصَوْا بِالصَّبْرِ يعني بالعترة (2).


1) البرهان (تفسير) ج 4 ص 504 و 505 و نور الثقلين ج 5 ص 666 و 667 و البحار ج 24 ص 215 و ج 36 ص 183 و ج 64 ص 59 و تفسير القمي ج 2 ص 441 و التفسير الصافي ج 5 ص 372.

2) البرهان (تفسير) ج 4 ص 504 و 505 و نور الثقلين ج 5 ص 666 و 667 إكمال الدين ص 656 و البحار ج 64 ص 59 و ج 66 ص 270 و التفسير الأصفى ج 2 ص 1474.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل الثالث: حج النبي صلّى اللّه عليه و آله برواية الإمام الصادق عليه السّلام 5-38

الفصل الرابع: قبل أن يسير صلّى اللّه عليه و آله إلى عرفات (بروايتهم)39-68

الفصل الخامس: حج النبي صلّى اللّه عليه و آله برواية أهل السنة 69-118

الباب الحادي عشر: الغدير في الحديث و التاريخ الفصل الأول: الغدير و المعارضون 121-158

الفصل الثاني: الموقف-الفضيحة 159-184

الفصل الثالث: في حدود الزمان و المكان 185-218

الفصل الرابع: حديث الغدير و أسانيده 219-264

الفصل الخامس: في ظلال حديث الغدير 265-296

الفصل السادس: في ظلال آيات الغدير 297-342

الفهارس:343-356

2-الفهرس التفصيلي

الفصل الثالث: حج النبي صلّى اللّه عليه و آله برواية الإمام الصادق عليه السّلام دخول مكة و المسجد الحرام:7

حج النبي برواية أهل البيت عليهم السّلام:8

إضافة فقرة و تصحيف أخرى:19

لا فضل لقرشي على غيره إلا بالتقوى:20

أحرم صلّى اللّه عليه و آله من المسجد:20

ساق مائة بدنة:21

يتمنى القرشيون قتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:21

حج النبي صلّى اللّه عليه و آله قران! ! أم تمتع؟ ! :22

و قالوا أيضا:24

حج تمتع أو قران أو إفراد؟ ! :26

ترجيحات لحج القران:35

الفصل الرابع: قبل أن يسير صلّى اللّه عليه و آله إلى عرفات (بروايتهم) طواف النبي صلّى اللّه عليه و آله و استلام الركن و الحجر:41

هل طاف ماشيا؟ ! :41

السعي و الطواف راكبا:49

سؤال. . و جوابه:50

متى طاف راكبا؟ ! :51

إنك حجر لا تضر و لا تنفع:51

لماذا هذا الموقف من عمر؟ ! :53

عمر يخطّئ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:54

التبرك في أجلى مظاهره:55

سجود النبي صلّى اللّه عليه و آله على الحجر:55

الصلاة خلف مقام إبراهيم:56

بكاء النبي صلّى اللّه عليه و آله حين استلام الحجر:57

ابن أم مكتوم آخذ بزمام الناقة:58

طواف الوداع:58

إنكار تقبيل الركن اليماني:59

عمر رجل قوي لا يزاحم:59

الرمل في الطواف:60

سعى راكبا:61

يرى بياض فخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:64

الإضطباع: حكمه، و معناه:64

رأى بياض فخذي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله! ! :65

قدوم علي عليه السّلام من اليمن:65

تحريش علي لفاطمة عليهما السّلام:66

الإجمال في النية:67

الكلب و الحمار و المرأة:67

الفصل الخامس: حج النبي صلّى اللّه عليه و آله برواية أهل السنة النبي صلّى اللّه عليه و آله في عرفات:71

الأول: قريش في مواجهة الرسول صلّى اللّه عليه و آله:75

الثاني: لبيك اللهم لبيك:76

الثالث: تحريف خطبة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:76

الذين أردفهم النبي صلّى اللّه عليه و آله خلفه:78

الفضل بن عباس. . و النظر إلى الأجنبية:79

ليس هذا قياسا:80

حتى معاوية:80

تحويل وجه فضل بن عباس:81

تطبيق للقاعدة:82

النبي صلّى اللّه عليه و آله ينشد الشعر:82

الصلاة قبل الوقت:84

الغلو في الدين هو الأخطر:85

خذوا عني مناسككم:86

التظليل:88

بطن محسّر:89

خطبة النبي صلّى اللّه عليه و آله في منى:90

النص الكامل لخطبة منى:93

تنظيم المنازل في منى:97

ما المراد باستدارة الزمان؟ ! :98

ففتحت أسماع أهل منى:98

تحريف حديث الثقلين:99

علي عليه السّلام لم يشارك النبي صلّى اللّه عليه و آله في نحر البدن:99

لتخرس الألسنة:101

نحرا على عدد سني عمرهما:102

المرجع هو أحاديث العترة:102

النبي صلّى اللّه عليه و آله يقسم شعره للتبرك به:102

قصة الحلاق:104

إصرار عائشة بلا مبرر:105

عائشة تعتمر رغم نهي النبي صلّى اللّه عليه و آله:108

اللهم اغفر للمحلقين:109

تبرك الصحابة:110

التبرك، في معناه و مغزاه:110

النفر من منى:112

لم يدخل صلّى اللّه عليه و آله إلى البيت و لم يطف:112

عمرة في رمضان تعدل حجة معه:114

إعتمار النبي صلّى اللّه عليه و آله بعد حجة الوداع:117

في الطريق إلى المدينة:118

الباب الحادي عشر: الغدير في الحديث و التاريخ الفصل الأول: الغدير و المعارضون توطئة و تمهيد:123

الغدير و الإمامة:124

الحدث الخالد:125

مفتاح الحل:127

خلافة أم إمامة:127

دور الإمامة في بناء الإنسان و الحياة:128

الإمامة. . تعدل الرسالة كلها:131

سر السعادة و رمز البقاء:133

المعارضون:134

النصوص الصريحة:135

الخليفة الثاني يتحدث أيضا:145

قريش في كلمات علي عليه السّلام:148

بعض ما قاله المعتزلي هنا:155

الفصل الثاني: الموقف-الفضيحة الصخب و الغضب:161

الرسول صلّى اللّه عليه و آله و المتآمرون:169

أمثلة و شواهد:170

ممن الخوف يا ترى؟ ! :181

المتآمرون:181

ظهور الأحقاد و المصارحة المرة:182

الفصل الثالث: في حدود الزمان و المكان إلفات النظر إلى أمرين:187

الأول: المكان 187

الثاني: كلهم من قريش 189

الموقف، الفضيحة:190

التدبير النبوي:195

المحبون و المناوئون:198

سبب جرأتهم:202

ظروف فرضت نفسها:203

دراسة الحدث في حدود الزمان و المكان:205

1-يوم عبادة:205

2-الإحرام:206

3-لماذا في موسم الحج؟ ! :207

4-وجود الرسول صلّى اللّه عليه و آله أيضا:207

5-ظهور المعجزة:208

6-الذكريات الغالية:209

7-الناس أمام مسؤولياتهم:210

8-إحتكار القرار:211

9-تساقط الأقنعة:211

10-و على هذه فقس ما سواها:213

11-القرار الإلهي الثابت:214

12-التهديد و التآمر:215

الخير في ما وقع:217

الفصل الرابع: حديث الغدير و أسانيده غدير خم لتبرئة علي عليه السّلام:221

يوم الغدير يوم اللّه الأكبر:224

خلاصة ما جرى يوم الغدير:225

الخطبة برواية الطبري:230

النبي صلّى اللّه عليه و آله يعلمهم التهنئة و البيعة:233

قضية الغدير ليست واقعة حرب معروفة:239

عيد الغدير عبر القرون و الأحقاب:239

ماذا يقول شانئو علي عليه السّلام؟ ! :247

الإبتداع الغبي:251

مصادر حديث الغدير:252

حديث الغدير متواتر:253

أغرب و أعجب ما قرأت! ! :256

المنكرون و المشككون:256

نظرة في تواتر حديث الغدير:258

طرق حديث الغدير:259

لماذا ينكرون التواتر؟ ! :263

الغدير لم يخرّجه الشيخان:264

الفصل الخامس: في ظلال حديث الغدير بداية:267

الخروج السريع من مكة:267

إرجاع المتقدم و حبس المتأخر:268

الدوحات الخمس منطقة محظورة:268

دقة و بلاغة في أسلوب الإبلاغ:269

رفع مستوى اليقظة و التنبه:270

حر الرمضاء:270

أكثر من خطبة:271

الحديث عن الضلال و الهدى:271

يوشك أن أدعى فأجيب:272

إني مسؤول، و أنتم مسؤولون:272

التذكير بالركائز العقائدية:273

الأسئلة التقريرية هي الأهم:273

فليبلغ الشاهد الغائب:277

العمائم تيجان العرب:277

الرمز و الشعار:281

نعوذ باللّه من شرور أنفسنا:283

لا هادي لمن أضل اللّه:284

الإقرار بالإعتقادات:285

الحساب على الحب و البغض:287

و أدر الحق معه حيث دار:287

حديث الثقلين:288

و انصر من نصره:288

أمهات المؤمنين يهنئن عليا عليه السّلام:289

معنى الولاية في حديث الغدير:290

الجمع بين المعاني:294

الفصل السادس: في ظلال آيات الغدير بداية:299

تأكيد التحريم لا تأسيس! :300

الجملة اعتراضية:301

لماذا الجملة الإعتراضية؟ ! :302

لماذا جعلت بين أحكام سبق بيانها؟ ! :302

لماذا الأحكام الإلزامية تحريمية؟ ! :303

متى يئس الذين كفروا. . و كمل الدين؟ ! :304

العلة المحدثة و المبقية:306

فلا تخشوهم و اخشوني:307

أكملت. . أتممت:308

الإسلام مرضي للّه دائما:309

آية الإكمال نزلت مرتين:310

متى نزلت آية الإكمال:313

أبو طالب عليه السّلام و حراسة النبي صلّى اللّه عليه و آله:315

آية البلاغ في اليهود:317

موقع آية البلاغ بين الآيات:320

على أي شيء يخاف النبي صلّى اللّه عليه و آله:321

أهمية الحكم المعني بالآية

322

اللّه يبرئ رسوله صلّى اللّه عليه و آله

323

العصمة من الناس

324

فما بلغت رسالته

324

سورة المعارج مكية

325

سورة و العصر نزلت في علي عليه السّلام

341

الفهارس

343

1-الفهرس الإجمالي

345

2-الفهرس التفصيلي

347