ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
الجزء السابع و العشرون
روى الشيخان عن جرير بن عبد اللّه البجلي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: «ألا تريحني من ذي الخلصة» ؟ و كان بيتا لخثعم و بجيلة، فيه نصب تعبد، تسمى الكعبة اليمانية.
قال جرير: فنفرت في مائة و خمسين راكبا من أحمس، و كانوا أصحاب خيل، و كنت لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري، و قال: «اللهم ثبته على الخيل، و اجعله هاديا مهديا» (1).
قال: فأتيناه، فكسرناه، و حرقناه، و قتلنا من وجدنا عنده.
و بعثت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجلا يبشره يكني أبا أرطأة. فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «يا رسول اللّه، (و الذي بعثك بالحق) ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب» .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 244 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 234. و راجع: طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 78 و أسد الغابة ج 1 ص 280 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 158 و صحيفة النبي ص 121 و المصباح المضيء ج 1 ص 248 و الإصابة ج 1 ص 232 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 234 عمدة القاري ج 14 ص 279 و إمتاع الأسماع ج 12 ص 55.
قال: «فبرك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على خيل أحمس و رجالها خمس مرات» .
قال جرير: فأتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدعا لنا و لأحمس (1).
و نقول:
1-قال أبو عمر: كان إسلام جرير في العام الذي توفي فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
قال جرير: أسلمت قبل موت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأربعين يوما (2).
و قال العسقلاني: و هو غلط، ففي الصحيحين عنه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال له: استنصت الناس في حجة الوداع، و جزم الواقدي: بأنه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 244 عن الشيخين، و في هامشه عن: البخاري في الصحيح (كتاب المغازي) (4355) انتهى. و راجع: طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 78 و أسد الغابة ج 1 ص 280 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 158 و صحبة النبي ص 121 و المصباح المضيء ج 1 ص 248 و الإصابة ج 1 ص 232 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 234 و مسند أحمد ج 4 ص 360 و 362 و صحيح البخاري ج 4 ص 38 و ج 5 ص 112 و صحيح مسلم ج 7 ص 157 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 174 و عمدة القاري ج 15 ص 10 و ج 18 ص 11 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 204 و أمالي المحاملي ص 349 و المعجم الكبير ج 2 ص 300 و الإستيعاب ج 4 ص 1596 و البداية و النهاية ج 4 ص 432 و ج 5 ص 92 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 712 و ج 4 ص 153.
2) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 233 و (ط دار الحيل) ص 237 و الإصابة ج 1 ص 232 و أعيان الشيعة ج 4 ص 72.
و فد على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في شهر رمضان سنة عشر (1).
و له ذكر في حديث موت النجاشي. و موته قد كان قبل سنة عشر (2).
2-قد تقدم في أول الكتاب: أنهم بسبب حسدهم للكعبة أنشأوا الكعبة الشامية و اليمانية، و ما إلى ذلك، بل إن أبرهة جاء من اليمن بفيلته ليهدم الكعبة، فأهلكه اللّه هو و جيشه، و نزلت سورة الفيل لتحكي لنا قصتهم.
3-إن هؤلاء يصنعون آلهتهم، و يتخذون أربابا لأنفسهم لاٰ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ (3)، في مناقضة منهم ظاهرة لحكم العقل، و المنطق، و الفطرة، و الوجدان. .
4-أما ما ادّعته الروايات لجرير بن عبد اللّه البجلي من دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» له، فنحن نشك فيه، بل نعتقد أنه مصنوع له، مكافأة له على مواقفه من علي «عليه السلام» .
فقد روي: أن مسجد جرير من المساجد الملعونة، فعن أبي جعفر «عليه السلام» : فأما المساجد الملعونة، فمسجد ثقيف، و مسجد الأشعث، و مسجد
1) الإصابة ج 1 ص 232 و ص 582 و راجع: عمدة القاري ج 16 ص 282 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 64 و أعيان الشيعة ج 4 ص 72 و المسح في وضوء الرسول للآمدي ص 138 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 312.
2) الإصابة ج 1 ص 232 و ص 582 و راجع: و المسح في وضوء الرسول للآمدي ص 138 و أعيان الشيعة ج 4 ص 72 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 312.
3) الآية 20 من سورة النحل.
جرير بن عبد اللّه البجلي، و مسجد سمّاك بن أبي خرشة (1).
و قد قال هو و الأشعث بن قيس لضبّ مر بهما: يا أبا الحسن (أو يا أبا الحسل) ، هلم نبايعك.
فبلغ ذلك عليا «عليه السلام» ، فقال: الخ. . (2).
وجددت أربعة مساجد بالكوفة، فرحا بقتل الحسين «عليه السلام» : مسجد الأشعث، و مسجد جرير، و مسجد شبث (3).
و نظن: أن المقصود هو: فرحهم بقتل علي «عليه السلام» ، لأن جريرا توفي قبل استشهاد الإمام الحسين «عليه السلام» سنة أربع و خمسين، أو سنة إحدى و خمسين (4).
و كان فارق عليا «عليه السلام» إلى معاوية، و خرب علي «عليه السلام»
1) تهذيب الأحكام ج 3 ص 250 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 519 و راجع: المزار للمشهدي ص 118 و المفيد من معجم رجال الحديث للجواهري ص 104 و مجمع البحرين للطريحي ج 1 ص 362.
2) شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 75.
3) الكافي ج 3 ص 490 و الخصال ج 1 ص 300 و تذكرة الفقهاء للحلي (ط ج) ج 2 ص 426 و (ط ج) ج 1 ص 90 و نهاية الإحكام ج 1 ص 354 و ذكرى الشيعة ج 3 ص 119 و جواهر الكلام ج 14 ص 139 و تهذيب الأحكام للطوسي ج 3 ص 250 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 5 ص 250 و (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 520 و المزار للمشهدي ص 119 و البحار ج 45 ص 189 و العوالم للبحراني ص 377 و جامع احاديث الشيعة ج 4 ص 546.
4) المعارف لابن قتيبة ص 99 و الإصابة ج 1 ص 232 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 234 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 536.
داره بالكوفة، كما هو معلوم (1).
و قدم وفد ثقيف بعد رجوع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من تبوك.
فقد روى البيهقي عن عروة، و محمد بن عمر عن شيوخه، و ابن إسحاق عن رجاله، قالوا: إن عبد ياليل بن عمرو، و عمرو بن أمية أحد بني علاج الثقفيان لما قدما على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مع وفد ثقيف و أسلموا قالوا: أرأيت الربة ماذا نصنع فيها؟
قال: اهدموها.
قالوا: هيهات، لو تعلم الربة أنّا أوضعنا في هدمها قتلت أهلنا.
قال عمر بن الخطاب: و يحك يا عبد ياليل ما أحمقك، إنما الربة حجر لا تدري من عبده ممن لم يعبده.
قال عبد ياليل: إنّا لم نأتك يا عمر.
و قالوا: يا رسول اللّه، اتركها ثلاث سنين لا تهدمها، فأبى.
فقالوا: سنتين، فأبى.
فقالوا: سنة. فأبى.
فقالوا: شهرا واحدا. فأبى أن يوقت لهم وقتا، و إنما يريدون ترك الربة خوفا من سفهائهم و النساء و الصبيان، و كرهوا أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام.
1) قاموس الرجال ج 2 ص 585 و راجع: الإصابة ج 1 ص 232 و الذريعة للطهراني ج 2 ص 141.
و سألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يعفيهم من هدمها، و قالوا: يا رسول اللّه، اترك أنت هدمها، فإنّا لا نهدمها أبدا.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أنا أبعث أبا سفيان بن حرب، و المغيرة بن شعبة يهدمانها» . فذكروا الحديث (1).
فعاد الوفد، و أخبروا قومهم خبرهم و خبر الربة.
فقال شيخ من ثقيف قد بقي في قلبه شرك بعد: فذاك و اللّه مصداق ما بيننا و بينه، فإن قدر على هدمها فهو محق و نحن مبطلون، و إن امتنعت ففي النفس من هذا بعد شيء.
فقال عثمان بن أبي العاص: «منتك و اللّه نفسك الباطل و غرتك الغرور. الربة و اللّه ما تدري من عبدها و من لم يعبدها» .
و خرج أبو سفيان بن حرب، و المغيرة بن شعبة و أصحابهما لهدم الربة. فلما دنوا من الطائف قال المغيرة لأبي سفيان: تقدم أنت على قومك.
و أقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، و دخل المغيرة في بضعة عشر رجلا يهدمون الربة. فلما نزلوها عشاء باتوا، ثم غدوا على الربة يهدمونها.
فقال المغيرة لأصحابه الذين قدموا معه: «لأضحكنكم اليوم من ثقيف» .
فاستكفّت ثقيف كلها: الرجال، و النساء، و الصبيان، حتى خرج العواتق من الحجال حزنا يبكين على الطاغية، لا يرى عامة ثقيف أنها
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 226 و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 ص 302 و انظر البداية و النهاية ج 5 ص 33.
مهدومة، و يظنون أنها ممتنعة.
فقام المغيرة بن شعبة و استوى على رأس الدابة و معه المعول، و قام معه بنو معتب دريئة بالسلاح مخافة أن يصاب كما فعل عمه عروة بن مسعود.
و جاء أبو سفيان و صمم على ذلك، فأخذ الكرزين، و ضرب المغيرة بالكرزين ثم سقط مغشيا عليه يركض برجليه، فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة و قالوا: أسعد اللّه المغيرة، قد قتلته الربة. زعمتم أن الربة لا تمتنع، بلى و اللّه لتمنعن، و فرحوا حين رأوه ساقطا، و قالوا: من شاء منكم فليقترب، و ليجتهد على هدمها، فو اللّه لا يستطاع أبدا.
فوثب المغيرة بن شعبة و قال: قبحكم اللّه يا معشر ثقيف إنما هي لكاع، حجارة و مدر، فاقبلوا عافية اللّه تعالى و لا تعبدوها، ثم إنه ضرب الباب فكسره، ثم سورها و علا الرجال معه، فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالأرض، و جعل السادن يقول: ليغضبن الأساس، فليخسفن بهم.
فلما سمع بذلك المغيرة حفر أساسها، فخرّبه حتى أخرجوا ترابها، و انتزعوا حليتها و كسوتها، و ما فيها من طيب و ذهب و فضة، و ثيابها.
فبهتت ثقيف، فقالت عجوز منهم: أسلمها الرضاع، لم يحسنوا المصاع.
و أقبل أبو سفيان و المغيرة و أصحابهما حتى دخلوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بحليّها و كسوتها، و أخبروه خبرهم، فحمد اللّه تعالى على نصر نبيه، و إعزاز دينه. و قسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مال الطاغية من يومه، و سأل أبو المليح بن عروة بن (مسعود بن معتب الثقفي) رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن (يقضي) عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : (نعم) .
فقال له قارب بن الأسود: و عن الأسود يا رسول اللّه فاقضه، و عروة و الأسود أخوان لأب و أم.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن الأسود مات مشركا» .
فقال قارب: يا رسول اللّه، لكن تصل مسلما ذا قرابة، يعني نفسه، إنما الدين علي، و إنما أنا الذي أطلب به.
فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا سفيان أن يقضي دين عروة و الأسود من مال الطاغية (1).
و نقول:
إن لنا هنا مؤاخذات، و إيضاحات، نذكرها فيما يلي:
إن أول ما يطالعنا في النص المتقدم: أن ما يشغل بال عبد ياليل، و عمرو بن أمية حتى بعد أن أسلما هو مصير الصنم الذي كانوا يعبدونه، أو بالأحرى مصيرهم معه، حيث الخوف منه كان مهيمنا عليهما، و كانا يبحثان عن مخرج.
فلما قال لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إهدموها» ، أخذهما الخوف، و تكلما بالمتناقضات. . فقالوا: هيهات لو تعلم الربة أننا أوضعنا في هدمها، لقتلت أهلنا» .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 226 و 227 و السيرة النبوية للحميري ج 4 ص 969 و عيون الأثر ج 2 ص 274.
فهم إذ يقرون بأن الربة تجهل ما يدبرونه في أمرها. فما معنى عبادتهم لصنم يجهل ما يدبره عبّاده في شأنه؟ !
ثم عبّروا عن خوفهم من الربة أن تقتل أهلهم، فلماذا تقدر على قتل أهلهم، و لا تقدر على معرفة ما يريدونه في شأنها؟ !
و لماذا خافوا أن تقتل الربة أهلهم، و لم يخافوا من أن تقتلهم هم أنفسهم؟ ! إلا إذا كانوا قد تعودوا على نسبة كل ما يفرحهم أو يسوءهم إلى فعل الربة بهم، بزعم أنها غاضبة أو راضية عليهم، لسبب كذا، أو كذا. . ثم هم يشيعون ذلك و يتداولونه، فتتأكد رهبتها و مكانتها في نفوسهم بسبب جهلهم، و سذاجتهم. .
و لعل المبرر لطلبهم تأجيل هدم الربة ثلاث سنين، أو سنتين، أو سنة، أو شهرا. . هو أنهم يريدون أن يطمئنوا إلى أن ذلك الصنم سوف لا ينتقم منهم، بسبب تركهم له، و هذا الأمر لا ينتهي، و لا مجال لحسمه، إذ لعل أحدا منهم يأتيه أجله، أو يتفق تعرضه لحادث، فإنهم سوف يتوهمون أن الصنم هو الذي فعل ذلك بهم، حنقا منه و غضبا عليهم، و سيفكرون بالعودة إليه، و التماس رضاه. .
و أية قيمة لإيمان من هذا القبيل، حيث يكون-باستمرار-متمازجا مع اعتقادهم بتأثير الصنم في سعادتهم، و شقائهم، و حاجتهم إلى إرضائه، و التزلف له باستمرار. .
و الذي دلنا على أن هذا هو سبب طلبهم تأجيل هدمه هو قولهم: «لو
تعلم الربة أننا أوضعنا في هدمها قتلت أهلنا» .
و يؤكد لنا ذلك: أنهم طلبوا من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعفيهم من هدمها.
و كذلك قولهم له: فإنّا لا نهدمها أبدا. . كما تقدم.
فجاء الموقف الحاسم و الحازم الذي يقضي بضرورة المبادرة إلى هدم ذلك الصنم، لكي تنقطع علاقتهم به، و يزول خوفهم منه. .
و بذلك يتضح عدم صحة التعليل الذي ذكره رواة النص الذي نقلناه، و هو: أنهم أرادوا ترك الربة خوفا من سفهائهم، و النساء و الصبيان. . و كرهوا أن يروعوا قومهم بهدمها، حتى يدخلهم الإسلام، فقد عرفنا أن بقاء هذا الصنم، سوف يكون مانعا قويا من دخول الإسلام إلى قلوبهم. .
و قد اختار «صلى اللّه عليه و آله» لهدم صنم ثقيف كلا من أبي سفيان، و المغيرة بن شعبة. .
فلعل سبب اختياره لهذين الرجلين بالذات، أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يفهمهم أن مصدر قلق مشركي تلك المنطقة أمران:
الأول: خوفهم من أن تكون قريش تضمر لهم الشر و الإنتقام، فيما لو تبدلت الأحوال، و عادت إلى الإمساك بمقاليد الأمور، فإذا كانت قريش متمثلة بزعيمها الذي قادها لمحاربة الإسلام و أهله، طيلة عشرين سنة، هي التي تتولى هدم أصنامهم، و محاربة المصرّين على الشرك فيهم، فلا يبقى مبرر لخوفهم، أو لترددهم أو قلقهم. .
الثاني: الخشية من أن يكون لتلك الأصنام أدنى تأثير فيما يصيبهم أو يصيب أهلهم من رخاء أو بلاء، أو سراء أو ضراء. فإذا تولى هدمها رجل ثقفي، كالمغيرة، ثم لم يصب في نفسه، و لا في أهله بسوء، فإن ذلك سوف يطمئنهم إلى صحة ما يقوله لهم الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، من أنها مجرد جمادات لا تضر و لا تنفع، و لا تبصر و لا تسمع. .
و يكون هدمها و سلامة من يتولى ذلك من موجبات تأكد التوحيد، و اقتلاع آثار الشرك من نفوسهم، وفقا لما قاله ذلك الشيخ الثقفي: «فذاك و اللّه مصداق ما بيننا و بينه، فإن قدر على هدمها فهو محق، و نحن مبطلون. و إن امتنعت ففي النفس من هذا بعد شيء» .
و قد سبق: أن عامة ثقيف كانت لا ترى أنها مهدومة، و يظنون أنها ممتنعة. و هيمن عليهم جميعا الحزن و البكاء. .
و نرى: أن هذا الحزن و البكاء ناشئ عن خوفهم من أن تغضب عليهم و تهلكهم، أو ترميهم بالبلايا و الرزايا.
أو لعلهم كانوا يشعرون بالسلامة و الأمن حين تكون إلى جانهبم، فإذا فقدت، فقد يراودهم الشعور بالضياع، و صيرورتهم في مهب الرياح، عرضة لكل طالب، و نهزة لكل راغب، من قاتل لهم أو سالب.
و بعد. . فإن المغيرة بن شعبة يقول لأصحابه: «لأضحكنكم اليوم من ثقيف» ثم تذكر الرواية: أنه حين ضرب الربة بمعوله تظاهر بالغشية الخ. .
و نقول:
هل كان المغيرة يعبد ذلك الصنم طيلة حياته بين أهله و عشيرته؟ ! أم لم يكن كذلك؟ !
و هل كان يعتقد فيه ما يعتقدونه، أو كان يخالفهم في ذلك؟ !
و هل خرج حب الأصنام من قلبه حقيقة؟ ! أم أنه لا يزال على مثل ما هم عليه. .
إن كل ذلك قد لا نجد له جوابا واضحا و صريحا. .
غير أننا نعلم:
أن المغيرة كما قال «عليه السلام» : لم يسلم عن قناعة بالإسلام، و إنما لفجرة و غدرة كانت منه بنفر من قومه، فهرب، فأتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» كالعائذ بالإسلام. و اللّه ما رأى أحد عليه منذ ادّعى الإسلام خضوعا و لا خشوعا (1).
و قال أمير المؤمنين «عليه السلام» لعمار عن المغيرة: «إنه و اللّه دائما يلبس الحق بالباطل، و يموه فيه، و لن يتعلق من الدين إلا بما يوافق الدنيا» (2).
و هذا هو الذي يوضح لنا السبب في انحرافه عن علي «عليه السلام»
1) البحار ج 34 ص 290 و الغارات للثقفي ج 2 ص 517 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 80 و قاموس الرجال ج 10 ص 194 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ للريشهري ج 11 ص 310 و 326.
2) الأمالي للشيخ المفيد ص 218 و البحار ج 32 ص 125 و معجم رجال الحديث للسيد الخوئي ج 19 ص 304 و المفيد من معجم رجال الحديث للجواهري ص 616 و قاموس الرجال للتستري ج 10 ص 194.
و ممالأته لمعاوية، و لكل حاكم طمع بأن ينال من دنياه شيئا، و لذلك قالوا: سلم على عمر بقوله: «السلام عليك يا أمير المؤمنين» فجروا عليه (1). مع أن هذا الاسم خاص بأمير المؤمنين علي «عليه السلام» .
و كان من الذين حرضوا على غصب الخلافة من علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و قال لهم: وسعوها في قريش تتسع (2)و أغرى أبا بكر بأن يجعل للعباس نصيبا، ليضعف علي «عليه السلام» (3).
و هو الذي أغرى معاوية بالبيعة لولده يزيد أيضا (4).
1) قاموس الرجال للتستري (مؤسسة النشر الإسلامي) ج 10 ص 194 و (و نشر دار الكتاب-طهران) ج 9 ص 85 عن آداب الصولي.
2) شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 43 و السقيفة و فدك ص 70 قاموس الرجال للتستري (مؤسسة النشر الإسلامي) ج 10 ص 196 و غاية المرام للبحراني ج 5 ص 307.
3) قاموس الرجال للتستري (مؤسسة النشر الإسلامي) ج 10 ص 196 و الغدير ج 5 ص 373 و ج 7 ص 93 و السقيفة و فدك ص 49 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 220 و ج 2 ص 52 و الدرجات الرفيعة ص 87 و الوضاعون و أحاديثهم للأميني ص 496 و أعيان الشيعة ج 3 ص 552.
4) راجع: قاموس الرجال للتستري (مؤسسة النشر الإسلامي) ج 10 ص 195 و راجع: الإمامة و السياسة ج 1 ص 187 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 219 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 3 ص 214 و 215 و (ط دار صادر) ص 504 و تاريخ الأمم و الملوك ج 6 ص 169 و 170 و الغدير ج 10 ص 229 و النصائح الكافية ص 64 و حياة الإمام الحسين «عليه السلام» للقرشي ج 2 ص 192.
و أشار عليه أيضا باستلحاق زياد (1).
و قد تصور إبليس بصورته يوم قبض النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: أيها الناس، لا تجعلوها كسرانية، و لا قيصرانية، وسعوها تتسع، و لا تردوها في بني هاشم، فينتظر بها الحبالى الخ. . (2).
و قد حرص الخليفة الثاني على مكافأة المغيرة على تأييده لسياساتهم و معونته لهم، فعمل جاهدا على تبرئة ساحته، و دفع حد الزنا عنه، حين صد زياد بن أبيه عن أداء الشهادة كما هو حقها (3).
ثم إنه حين عزله عن البصرة-التي زنا فيها-للتخلص من كلام الناس، عاد فولاه الكوفة، فصار ذلك مثلا، فكان يقال: غضب اللّه عليك كما غضب عمر على المغيرة، عزله عن البصرة و استعمله على الكوفة (4).
1) قاموس الرجال للتستري (مؤسسة النشر الإسلامي) ج 10 ص 195 و راجع: مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 6 و الغدير ج 10 ص 190 و النصائح الكافية ص 72.
2) الأمالي للطوسي ص 177 و البحار ج 28 ص 205 و تفسير الميزان ج 9 ص 108 و مجمع النورين ص 84 و قاموس الرجال للتستري (مؤسسة النشر الإسلامي) ج 10 ص 196.
3) راجع: الإيضاح لابن شاذان ص 553 و النص و الإجتهاد ص 356 و السقيفة و فدك ص 95 و أحكام القرآن لابن عربي ج 3 ص 348 و راجع: فتح الباري ج 5 ص 187 و شرح معاني الآثار ج 4 ص 153 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 237 و قاموس الرجال للتستري (مؤسسة النشر الإسلامي) ج 10 ص 195
4) قاموس الرجال للتستري (مؤسسة النشر الإسلامي) ج 10 ص 197 عن عيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 216 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 121 عن ابن سيرين.
و لما بويع معاوية أقام المغيرة خطباء يلعنون عليا «عليه السلام» (1).
و الحديث حول المغيرة و أفاعيله، و أباطيله يطول، فلا محيص عن الإكتفاء بما ذكرناه.
و نعود نقول:
إن هذا الرجل-فيما يظهر-لم يكن يرجع إلى دين، و لا يهتم لشيء من قضايا الإيمان، إلا في حدود مصالحه الدنيوية، و هذه صفة بالغة السوء، تضع الإنسان على حد الكفر و الزندقة كما هو واضح. .
روى البيهقي، عن ابن إسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان، و عبد اللّه بن أبي بكر، و روى البيهقي عن عروة بن الزبير، و محمد بن عمر عن شيوخه قالوا:
لما توجه رسول اللّه صلى اللّه قافلا إلى المدينة من تبوك بعث خالد بن الوليد في أربعمائة و عشرين فارسا في رجب سنة تسع إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل. و كان أكيدر من كندة، و كان نصرانيا.
فقال خالد: كيف لي به وسط بلاد كلب، و إنما أنا في أناس يسيرين؟
1) قاموس الرجال للتستري (مؤسسة النشر الإسلامي) ج 10 ص 199 و شرح النهج للمعتزلي ج 13 ص 230 و كتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم ص 604 و ضعفاء العقيلي ج 2 ص 168 و العثمانية للجاحظ ص 283 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ للريشهري ج 11 ص 388.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنك ستجده (ليلا)يصيد البقر، فتأخذه، فيفتح اللّه لك دومة. فإن ظفرت به فلا تقتله، و ائت به إلي، فإن أبى فاقتله» .
فخرج إليه خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، في ليلة مقمرة صائفة، و هو على سطح له، و معه امرأته الرباب بنت أنيف الكندية. فصعد أكيدر على ظهر الحصن من الحر، و قينة تغنّيه، ثم دعا بشراب.
فأقبلت البقر الوحشية تحك بقرونها باب الحصن، فأشرفت امرأته فرأت البقر، فقالت: ما رأيت كالليلة في اللحم.
قال: و ما ذاك؟
فأخبرته. فأشرف عليها، فقالت امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟
قال: لا.
قالت: فمن يترك هذا؟
قال: لا أحد.
قال أكيدر: و اللّه، ما رأيت بقرا جاءتنا ليلة غير تلك الليلة، و لقد كنت أضمّر لها الخيل، إذا أردت أخذها شهرا، و لكن هذا بقدر.
ثم ركب بالرجال و بالآلة، فنزل أكيدر و أمر بفرسه فأسرج، و أمر بخيله فأسرجت، و ركب معه نفر من أهل بيته، معه أخوه حسان و مملو كان له، فخرجوا من حصنهم بمطاردهم. فلما فصلوا من الحصن، و خيل خالد تنظر إليهم لا يصول منها فرس و لا يجول، فساعة فصل أخذته الخيل، فاستأسر أكيدر و امتنع حسان، و قاتل حتى قتل، و هرب المملوكان و من
كان معه من أهل بيته، فدخلوا الحصن، و كان على حسان قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد.
و قال خالد لأكيدر: هل لك أن أجيرك من القتل حتى آتي بك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أن تفتح لي دومة؟
فقال أكيدر: نعم.
فانطلق به خالد حتى أدناه من الحصن.
فنادى أكيدر أهله: أن افتحوا باب الحصن، فأرادوا ذلك، فأبى عليهم مضاد أخو أكيدر.
فقال أكيدر لخالد: تعلم و اللّه أنهم لا يفتحون لي ما رأوني في وثاقك، فخل عني فلك اللّه و الأمانة أن أفتح لك الحصن، إن أنت صالحتني على أهلي.
قال خالد: فإني أصالحك.
فقال أكيدر: ان شئت حكمتك، و إن شئت حكمتني.
فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت.
فصالحه على ألفي بعير، و ثمانمائة رأس، و أربعمائة درع، و أربعمائة رمح، على أن ينطلق به و بأخيه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيحكم فيهما حكمه.
فلما قاضاه خالد على ذلك خلى سبيله، ففتح باب الحصن، فدخله خالد و أوثق مضادا أخا أكيدر، و أخذ ما صالح عليه من الإبل و الرقيق و السلاح.
و لما ظفر خالد بأكيدر و أخيه حسان أرسل خالد عمرو بن أمية
الضمري بشيرا، و أرسل معه قباء حسان.
قال أنس و جابر: رأينا قباء حسان أخي أكيدر حين قدم به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، و يتعجبون منه.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أتعجبون من هذا؟ فو الذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 220 و 221 و ج 7 ص 298 و 405 و ج 12 ص 67 ال في هامشه: أخرجه ابن ماجة (157) و أحمد في المسند ج 3 ص 209 و 122 و 207 و 238 و 277 و ج 4 ص 289 و 301 و 302 و الحديث أخرجه البخاري ج 10 ص 303(5836) و ص 141 و ج 4 ص 87 و نيل الأوطار ج 2 ص 71 و صحيح مسلم ج 7 ص 151 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 56 و شرح مسلم للنووي ج 16 ص 23 و مجمع الزوائد للهيثمي ج 9 ص 310 و عمدة القاري ج 6 ص 179 و ج 12 ص 27 و ج 13 ص 170 و ج 15 ص 157 و ج 23 ص 173 و تحفة الأحوذي للمباركفوري ج 5 ص 317 و عون المعبود (ط دار الكتب العلمية-بيروت) ج 11 ص 64 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 235 و مسند الحميدي ج 2 ص 506 و المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج 8 ص 497 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 471 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 8 و شرح معاني الآثار لأحمد بن محمد بن سلمة ج 4 ص 247 و صحيح ابن حبّان ج 15 ص 509 و 510 و كنز العمال و ج 10 ص 587 و ج 11 ص 686 و 688 و ج 13 ص 412 و 414 و الطبقات الكبرى لابن سعد 3 ص 435 و 436 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 97 و تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ج 9 ص 203 و ج 52 ص 427 و أسد الغابة ج 3 ص 411 و سير أعلام النبلاء للذهبي ج 1 ص 292 و الإصابة لابن حجر ج 4 ص 419 و أخبار القضاة لمحمد بن خلف بن حيان ج 2 ص 42 و تاريخ الطبري ج 2 ص 373 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 281 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 329 و البداية و النهاية لابن كثير ج 4 ص 148 و ج 5 ص 22 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 63 و ج 14 ص 50 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 953 و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 259 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 249 و ج 4 ص 31 و معجم ما استعجم للبكري الأندلسي ج 1 ص 304. و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 225. و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 98 و البحار ج 18 ص 136 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 312 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 97 و أعيان الشيعة ج 1 ص 283.
ثم إن خالدا لما قبض ما صالحه عليه أكيدر عزل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» صفيّه له قبل أن يقسم شيئا من الفيء، ثم خمّس الغنائم بعد.
قال محمد بن عمر: كان صفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عبدا أو أمة، أو سيفا أو درعا، أو نحو ذلك.
ثم خمّس خالد الغنائم بعد، فقسمها بين أصحابه.
قال أبو سعيد الخدري: أصابني من السلاح درع و بيضة، و أصابني عشر من الإبل.
و قال واثلة بن الأسقع: أصابني ست فرائض.
و قال عبد اللّه بن عمرو بن عوف المازني: كنا مع خالد بن الوليد أربعين رجلا من بني مزينة، و كانت سهماننا خمس فرائض لكل رجل، مع سلاح يقسم علينا دروع و رماح.
قال محمد بن عمر: إنما أصاب الواحد ستا و الآخر عشرا بقيمة الإبل.
ثم إن خالدا توجه قافلا إلى المدينة، و معه أكيدر و مضاد.
و روى محمد بن عمر عن جابر قال: رأيت أكيدر حين قدم به خالد، و عليه صليب من ذهب، و عليه الديباج ظاهرا.
فلما رأى النبي «صلى اللّه عليه و آله» سجد له، فأومأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بيده: لا، لا، مرتين.
و أهدى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هدية فيها كسوة.
قال ابن الأثير: و بغلة، و صالحه على الجزية.
قال ابن الأثير: و بلغت جزيتهم ثلاثمائة دينار، و حقن دمه و دم أخيه، و خلى سبيلهما.
و كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا فيه أمانهم و ما صالحهم عليه، و لم يكن في يد النبي «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ خاتم، فختم الكتاب بظفره.
قال محمد بن عمر، حدثني شيخ من أهل دومة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتب له هذا الكتاب:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم:
هذا كتاب من محمد رسول اللّه لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام، و خلع الأنداد و الأصنام مع خالد بن الوليد سيف اللّه في دومة الجندل و أكنافها: أن لنا الضاحية من الضحل، و البور و المعامي، و أغفال الأرض، و الحلقة (و السلاح)، و الحافر و الحصن، و لكم الضامنة من النخل، و المعين من المعمور بعد الخمس، و لا تعدل سارحتكم، و لا تعد فاردتكم، و لا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها، و تؤتون الزكاة بحقها، عليكم
بذلك عهد اللّه و الميثاق، و لكم بذلك الصدق و الوفاء، شهد اللّه تبارك و تعالى و من حضر من المسلمين» (1).
و قال بجير بن بجرة الطائي يذكر قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لخالد بن الوليد: «إنك ستجده يصيد البقر» ، و ما صنعت البقر تلك الليلة بباب الحصن، تصديقا لقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :
تبارك سائق البقرات إنيرأيت اللّه يهدي كل هاد
فمن يك حائدا عن ذي تبوكفإنّا قد أمرنا بالجهاد
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 222 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 303 عن المصادر التالية: العقد الفريد (ط جديد) باب الوفود ج 2 ص 47 و 48 و معجم البلدان ج 2 ص 488(في كلمة دومة) عن كتاب الفتوح لأحمد بن جابر، و إعلام السائلين ص 41 و فتوح البلدان للبلاذري ص 72 و في (ط أخرى) ص 82 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 289 و في (ط أخرى) ج 1 ق 2 ص 36 و الأموال لأبي عبيد ص 194 و في (ط أخرى) ص 282 و رسالات نبوية ص 83 و صبح الأعشى ج 6 ص 370 و ج 2 ص 265 و الروض الأنف ج 3 ص 196 و غريب الحديث لأبي عبيد ج 3 ص 200 و في (ط أخرى) ص 365 و المغازي للواقدي ج 3 ص 1030 و السيرة الحلبية ج 3 ص 233 و الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 458 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 49(عن صبح الأعشى و الروض الأنف ج 2 ص 319 و شرح الزرقاني للمواهب اللدنية ج 3 ص 414) و الإصابة ج 1 ص 127 و نثر الدر للآبي ج 1 ص 210 و 211 و مدينة البلاغة ج 2 ص 260 و نشأة الدولة الإسلامية ص 338 و الفائق للزمخشري ج 3 ص 416. و عن المبسوط للسرخسي ج 30 ص 169 و السيرة الحلبية ج 3 ص 266 و تاريخ مدينة دمشق ج 68 ص 234.
قال البيهقي بعد أن أورد هذين البيتين من طريق ابن إسحاق، و زاد غيره، و ليس في روايتنا: فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لا يفضض اللّه فاك» (1).
فأتى عليه تسعون سنة فما تحرك له ضرس.
و روى ابن منده، و ابن السكن، و أبو نعيم، كلهم عن الصحابة، عن بجير بن بجرة قال: كنت في جيش خالد بن الوليد حين بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أكيدر دومة، فقال له: «إنك تجده يصيد البقر» .
فوافقناه في ليلة مقمرة و قد خرج كما نعته رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذناه، فلما أتينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنشدته أبياتا، فذكر ما سبق.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «لا يفضض اللّه فاك» .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 222 عن: البيهقي في الدلائل ج 5 ص 251 و ذكره ابن حجر في المطالب (4065) و ابن كثير في البداية و النهاية ج 5 ص 17 و (ط دار احياء التراث ص 22) و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 98 و البحار ج 18 ص 137 و دلائل النبوة للأصبهاني ج 4 ص 1284 و كنز العمال ج 10 ص 584 و تاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 202 و أسد الغابة ج 1 ص 164 و الإصابة لابن حجر ج 1 ص 402 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 14 ص 48 و السيرة النبوية لابن هشام (ط مكتبة محمد علي صبيح و أولاده-مصر) ج 4 ص 953 و (ط دار المعرفة-بيروت) و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 31 و معجم ما استعجم للبكري الأندلسي ج 1 ص 303.
فأتت عليه تسعون سنة و ما تحرك له سن (1).
تنبيهان:
الأول: أكيدر: هو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن.
الثاني: و قالوا: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر على المهاجرين إلى دومة الجندل، و بعث خالد بن الوليد على الأعراب معه. و قال: «انطلقوا، فإنكم ستجدون أكيدر دومة يقنص الوحش، فخذوه أخذا، و ابعثوا به إليّ، و لا تقتلوه، و حاصروا أهلها» (2).
قلت: و ذكر أبي بكر في هذه السرية غريب جدا لم يتعرض له أحد من أئمة المغازي التي وقفت عليها (3).
و نقول:
إن لنا ههنا وقفات عديدة هي التالية:
تقدم قول خالد لأكيدر: «هل لك أن أجيرك من القتل، حتى آتي بك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أن تفتح دومة؟
فقال: نعم.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 222 و راجع: دلائل النبوة للأصبهاني ج 4 ص 1285 و كنز العمال ج 10 ص 584 و أسد الغابة ج 1 ص 164 و الإصابة ج 1 ص 402.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 223 عن البيهقي، و ابن مندة، و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 93 عن البيهقي، و ابن مندة، و يونس في زيادات المغازي.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 223 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 93.
و نقول:
إن هذا النص لا يعد مخالفا لقول النبي «صلى اللّه عليه و آله» لخالد عن أكيدر: إن ظفرت به فلا تقتله، إذ لعله أراد أن يوهم أكيدر بعزمه على قتله لو رفض طلبه، ليستجيب لطلبه، و يفتح له الحصن من دون قتال. و لا ضير في ممارسة أسلوب كهذا إذا كان يوفر على المسلمين تعريض أنفسهم لأخطار هم في غنى عنها.
غير أننا نقول:
ماذا لو أن أكيدر رفض الإستجابة لطلب خالد؟ ! فهل كان سيقتله، فيكون بذلك مخالفا أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و منقادا لحميته، و مؤثرا لإظهار قوة كلمته و شدته؟ ! أم أنه سيبحث عن مخرج آخر؟ !
إننا نترك الإجابة عن ذلك، و ترجيح أي من الإحتمالين المذكورين إلى من درس نفسية خالد، و عرف تاريخه، و جرأته على الخلاف. و ضعف التزامه بما يفرضه شرع اللّه، و طاعة أوامر رسول اللّه و أوليائه. .
و قد صرحت تلك النصوص: بأن خالدا قد تردد في قبول المهمة رغم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل تحت امرته أربع ماية و عشرين فارسا، فقال: كيف لي به، و هو وسط بلاد كلب؟ ! و إنما أنا في أناس يسيرين. .
فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : إنك تجده ليلا يصيد البقر، فتأخذه، فيفتح اللّه لك دومة الجندل، فإن ظفرت به، فلا تقتله الخ. .
و هذا معناه: أن خالدا سوف لا يواجه حربا، و لا طعنا، و لا ضربا، و أن هذا العدد الكبير من المقاتلين، و الجم الغفير، لم تكن له مهمة قتالية، بل هي مهمة أخذ رجل في البرية من دون قتال، ثم تسلّم البلد، و بسط الأمن فيه.
و ربما يمكن أن نفهم: أن هذا الوعد النبوي لخالد قد أحرجه، و فرض عليه قبول المهمة، لأنه إن رفضها، فسيفهم الناس: أنه يكذّب النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيما يخبر به، أو أنه يشك في صدقه. و هذا ردّ لكتاب اللّه سبحانه الذي يقول: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ، إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1).
و إذا ألقينا نظرة على ما تضمنته الرواية من وصف للأحداث، فسنجدها أمورا غير معقولة، و لا مقبولة. . و لا نرضى أن نتهم في عقولنا، وفقا لقاعدة: حدّث العاقل بما لا يليق له، فإن لاق له، فلا عقل له. . فلاحظ ما يلي:
1-إن الرواية تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر خالدا بأنه سوف يجده ليلا يصيد البقر. فما معنى أن تذكر الرواية: أنه وجده في حصنه على سطح له، و معه امرأته، ثم ركب بالرجال، و خرجوا من حصنهم، و خيل خالد تنظر إليه، فساعة فصل أخذته الخيل. . فالرواية الصحيحة هي رواية بجير بن بجرة الذي قال: «فوافقناه في ليلة مقمرة و قد خرج كما نعته رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذناه» .
1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.
2-كيف وصلت خيل خالد إلى حصن أكيدر، حتى رأوا أكيدر و امرأته على السطح و حركاتهما، و وقفت تلك الخيل الكثيرة جدا بأصحابها، و لم تصهل و لم تحمحم، و لم يسمع أحد صوت وقع حوافرها في ليل يهيمن عليه السكون، و تكون الأصوات فيه أوضح مما تكون عليه في النهار. .
و قد تنبه الرواة لهذه الملاحظة، فأدرجوا في كلامهم عبارة: «لا يصول منها فرس و لا يجول» ! !
3-إن البقر الوحشية قد اقتربت من الحصن حتى صارت تحك بابه بقرونها. .
و السؤال هو: إذا كان أكيدر و زوجته، و ربما من كان معه قد رأوا البقر الوحشية تحك باب الحصن بقرونها، فذلك يعني: أنهم قد راقبوها، و رصدوا حركتها، و المفروض: أن الليلة كانت مقمرة، و الرؤية فيها ممكنة حتى إن خيل خالد رصدت أكيدر و زوجته، و راقبت حركتهم بدقة. فلماذا لم يرهم أكيدر، أو زوجته، أو أي من الرجال الذين خرج بهم من الحصن حين كانوا يتابعون حركة البقر الوحشية؟ ! أم أنهم قد لبسوا طاقية الإخفاء عن كل هؤلاء الناس؟
4-لماذا لم تنفر البقر الوحشية من جيش خالد؟ ! و كيف تمكن خالد من الإقتراب منها إلى هذا الحد؟ !
إلا أن يقال: إن رؤيتهم البقر الوحشية تحك بقرونها باب الحصن لعله كان قبل قدوم خالد و جيشه، أو أن البقر الوحشية قدمت من جهة، و قدم خالد و جيشه من الجهة الأخرى. .
و يجاب: بأن ذلك يخالف ظاهر الحديث، فقد كان باب الحصن بمرأى من جيش خالد، ففي النصوص المتقدمة: أنهم قد فصلوا من الحصن و خيل خالد تنظر إليهم، و هذا معناه: أن جيش خالد كان بحيث يرى الحصن. و ليس إلى الجهة الأخرى منه. .
و فيه أيضا: أن خالدا خرج إليه-أي أكيدر-حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة، و هو على سطح له. . ثم تستمر الرواية في وصف ما جرى إلى أن تقول: و خيل خالد تنظر إليهم، و لا يصول منها فرس و لا يجول. .
فهذا السياق ظاهر في: أن خيل خالد قد وصلت إلى الحصن حين كان أكيدر على سطح له. ثم وصفت صعوده إلى سطح الحصن نفسه و سائر ما جرى. . و إنما جاءت البقر الوحشية في هذه الأثناء.
كما أن ذلك قد حصل من دون أن تبدر من خيل خالد أية بادرة، تشي بوجودها على مقربة منهم. .
و قد جاء في سياق الحديث عن هذه السرية: أن خالدا قد أخذ أكيدر، و هو في الصيد، ثم صالحه على أن يفتح له الحصن، فصالحه على ألفي بعير، و ثمان مائة رأس الخ. .
و انتهى الأمر عند هذا الحد. .
و من الواضح: أن الأرض المفتوحة صلحا، من دون أن يوجف عليها بخيل و لا ركاب تكون للنبي «صلى اللّه عليه و آله» خالصة له. .
و هذا معناه: أن ما صالحهم عليه أكيدر أيضا ليس من قبيل الغنائم التي يقتسمها المقاتلون، بل تكون للّه و لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» . .
فما معنى: أن يقسمها خالد بين المقاتلين بعد إخراج الصفي منها و الخمس؟ !
و لعلك تقول: إن قتالا قد حصل و سقط فيه حسان و أخذ خالد سلبه، و ذلك يدخل دومة الجندل فيما أخذ عنوة.
و الجواب: أن هذا القتال لم يأذن به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . بل أمر بأخذ أكيدر و حسب، و ليس ثمة ما يثبت وجود مقاومة من حسان أو غيره من أصحاب أكيدر.
بل إن مقاومتهم غير معقولة، بعد أن كانوا بضعة أفراد هرب أكثرهم بمجرد رؤية هذا الجيش الكبير جدا، و هم لم يلبسوا لامة الحرب. بل أخذوا معهم ما يفيدهم في صيد البقر، فلعل خالدا قد طمع ببزة حسان، فقتله، و أخذ سلبه.
و الذي يهون الخطب: أن خالدا لم يكن من أهل المعرفة بأحكام اللّه، و أن الأمر سوف ينتهي إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيعالجه بما يستحقه، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يأبى أن ينال المسلمون من هذه الأموال، حتى لو كان ذلك نتيجة خطأ في فهم الأمور. .
و قد تقدم عن قريب: كيف أنهم كانوا يتجاوزون حدود ما هو مسموح به فيما يرتبط بالغنائم و الخمس. . فلا نعيد.
و لو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يسترجع هذه الأموال منهم، فقد يجد بعض الناس في أنفسهم حرجا أو ألما، و قد يتّهم بعضهم النبي
«صلى اللّه عليه و آله» بما يوجب كفر ذلك المتهم. .
و أما وضوح الحكم الشرعي لهذه الأموال، فهو حاصل من خلال البيانات النبوية، و التأكيد على الضوابط و المعايير. فلا خوف على الحكم الشرعي من هذه الجهة.
و قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد نهى خالدا عن قتل أكيدر، و أمره أن يبعث به إليه. . و لعل السبب في ذلك، أمور نذكر منها:
1-إنه أراد أن لا يطلق العنان لخالد، فيظن أنه له أن يتصرف كما يحلو له. . فإن المطلوب هو إبقاؤه السيطرة، و أن لا يفقد الشعور بأنه مطالب و محاسب، و أن يبقى ملتزما جانب الإنضباط و الطاعة. .
2-إنه أراد أن يستكمل إقامة الحجة على أكيدر، فإن الأحداث المختلفة قد أظهرت: أن بعض الناس يتخذون مواقف عدائية لبعض الدعوات، أو الفئات قبل أن يقفوا على كنه الحقيقة، و يعرفوا التفاصيل، و ذلك لشعورهم بالخوف مما تحمله لهم من أمور مجهولة، و تغييرات لا يعرفون متى تنتهي، و عند أي حدّ تقف. .
3-إنه إذا أسلم ملك دومة الجندل فسوف يسهّل ذلك دخول جل- إن لم يكن كل-أهل منطقته في الإسلام، لأنه بالنسبة إليهم هو واسطة العقد، و رأس الهرم، فإذا اختار شيئا لنفسه، فإنهم يرون انه لا يختار إلا الأفضل و الأسمى، و الأمثل و الأعلى، فلماذا لا يقتدون به، و يرضون لأنفسهم ما رضيه لنفسه؟ !
على أن من الطبيعي: أن هذا الرجل لو قتل، لأقاموا شخصا آخر مقامه، و لعل ذلك الشخص من أجل أن يثبت مصداقيته، و يؤكد نفوذه فيهم، يبادر إلى مغامرة تنتهي إلى إلحاق أذى كبير في المسلمين، و ربما يحتاج الأمر للسيطرة على الأمور إلى إزهاق كثير من الأرواح، و نشوء الكثير من المشكلات الإجتماعية، أو الإقتصادية لجماعات من الناس. .
و لربما تنشأ عن هذه الحروب أحقاد و تعقيدات يصعب التخلص منها حتى تمضي عقود من الزمن. .
فذلك كله يعرفنا بعض الأسباب التي دعت النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى نهي خالد عن قتل أكيدر، بل المطلوب هو أخذه، و إرساله إليه. .
و الناس إنما يقيسون و يتخيلون، ما هو محجوب عنهم في الغيب، انطلاقا مما يتوفر لهم من مشاهدات، أو ما عاشوه من حالات. . و قد تقصر حركة خيالهم حتى عن بلوغ أدنى مرتبة مقبولة أو معقولة منه. . و أكثر ما يتجلى هذا القصور في الأمور التي ترتبط بيوم القيامة و حالاته، و أحداثه، و أهواله، و في نعيمه و جحيمه. .
و قد حاولت الآيات و الروايات: أن ترسم للبشر صورا، و تضع لهم إشارات و إثارات تقربهم إليها، و تقربها إليهم، رغم كل الحجب المادية، التي قد لا يوفق الكثيرون إلى التخلص منها في الحياة الدنيا. أو أنهم لا يريدون ذلك بصورة جدية. .
و قد وجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» في إعجاب الناس بقباء حسان
أخي أكيدر مناسبة لإطلاق توجيه جديد، يفيد في تربية و إعداد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأصحابه، و دفعهم نحو مراتب أعلى، و مقامات أسمى يكونون فيها أكثر وعيا، و أصفى روحا، و أكثر رهافة في الإحساس، و نبلا في الشعور. .
فاستفاد من توافر درجة من الشعور بميزات هذا القباء، ليجعلها وسيلة لنقلهم إلى آفاق أخرى أرحب، هم بأمس الحاجة للانتقال إليها من أجل بناء أرواحهم، و رسم و إنشاء ارتباطاتهم العاطفية و القلبيّة بقضايا الإيمان، و رفع مستوى استعدادهم لبذل الجهد، و التضحية و الفداء من أجلها. و التسابق، لحفظها، و تقويتها، و ترسيخ دعائمها، في كل ساح و ناح. .
فقايس لهم ما أدركوه في قباء حسان بمنديل أحد إخوانهم ممن عاشوا معه دهرا، و مارسوا معه شؤون الحياة، و ذاقوا معا حلوها و مرها. . حتى فاز هو بمقام الشهادة دونهم، ألا و هو سعد بن معاذ. . فنقلهم «صلى اللّه عليه و آله» إلى الجنة ليروا مناديل سعد مباشرة، و بيّن لهم: أنهم حين يقارنونها بهذا القباء، فسيجدون مناديل سعد أفضل منها. .
و قد تقدم: أنه لما رأى أكيدر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سجد له، فأومأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليه بيده: لا، لا مرتين. .
و واضح: أن هذا الرجل يعامل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما كان يفرضه هو على غيره، و يفرضه سائر الملوك على الناس. أما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقد رفض تصرفه هذا لفهمه أنه حتى لو لم يكن على دينه، و لم
يعترف بنبوته، و حتى حين يكون أسيرا في يده، و يعلم أنه يضمر العداء له، و يود لو يقطعه إربا إربا، فإن ذلك كله لا يفقده سائر حقوقه التي أعطاه اللّه إياها من حيث هو بشر. . و من أولى برعاية هذه الحقوق من أنبياء اللّه، و أوليائه و أصفيائه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و حول ما زعمته بعض الروايات المتقدمة: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» ولّى في تلك الغزوة خالدا على الأعراب، و ولّى أبا بكر على المهاجرين، نقول:
1-قد تقدم قول الصالحي الشامي: إن ذكر أبي بكر في هذه السرية غريب جدا، و لم يتعرض إليه أحد فيما وقفت عليه من أئمة المغازي.
2-إن الرواية لم تصرح لنا باسم من كان أميرا على السرية كلها، إذ لم نعهد منه «صلى اللّه عليه و آله» أن جعل أكثر من أمير على سرية واحدة.
بل وجدنا كما تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا بعث سرايا منفصلة، يقرر لهم في صورة الإجتماع أميرا واحدا و يسميه لهم. و قد ظهر ذلك، حين أرسل عليا «عليه السلام» في سرية، و خالدا في أخرى، فإذا اجتمعا فالأمير على الجميع هو علي «عليه السلام» .
3-كما أن المناسب-لو صح قولهم هذا-هو: أن تنسب السرية إلى أبي بكر، لا إلى خالد، و هو ما يقتضيه إرادة تكريم المهاجرين، و إظهار امتيازهم على غيرهم، كما هو ظاهر.
فلماذا نسبت إلى خالد؟
بل لماذا نسي أئمة المغازي اسم أبي بكر، فلم يذكروه أصلا؟ !
كما أن أحدا لم يذكر لنا أي دور لأبي بكر في الإدارة و في القتال، أو في التفاوض و المصالحة التي جرت، و غيرها. .
بل إن أحدا لم يخص المهاجرين بشيء من الذكر في هذه السرية على الخصوص. .
مع أن هذه الرواية العجيبة الغريبة تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل أبا بكر، و بعث معه خالدا، و كأن خالدا كان تابعا لأبي بكر. . فكيف لا نسمع للمتبوع أي ذكر بعد ذلك؟ ! بل تمحورت القضايا كلها حول التابع، و أصبح هو المدبر و المقرر! !
و قد ورد في الكتاب الذي قالوا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتبه لأكيدر، و أهل دومة الجندل-ورد فيه-وصف خالد: بأنه سيف اللّه.
و نقول:
أولا: تقدم في هذا الكتاب: أن هذا التوصيف مكذوب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن أبا بكر هو الذي خلعه على خالد بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فراجع فصل: «حصار و انهيار» و فصل: «خالد يضيع النصر» .
ثانيا: إن الظاهر هو: أن عبارة «مع خالد سيف اللّه» مقحمة في الكتاب، بل هي قد تكون مفسدة للسبك و المعنى، و من موجبات ركاكته، إذ لا مبرر للقول: بأن فلانا قد خلع الأنداد و الأصنام مع فلان، أو أن فلانا أجاب إلى الإسلام مع فلان.
بل يكفي أن يقال: فلان خلع الأنداد و أجاب إلى الإسلام. . بل إن هذه الإضافة تغير المعنى، و توقع في الإشتباه، إذ يصبح المعنى: أن أكيدر و كذلك خالد كلاهما قد خلع الأنداد مع أن هذا ليس هو المراد. .
و يؤيد إقحامها في الكتاب: أنها لم تذكر في نص معجم البلدان لياقوت، و فتوح البلدان للبلاذري، فراجع. .
إن النصوص المتقدمة تقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صالح أكيدر و قومه على الجزية. .
و لكن ذلك لا يصح. .
أولا: ورد في نص كتاب الصلح، ما يدل على إسلام أكيدر و قومه، فقد قال عن أكيدر: هذا كتاب محمد رسول اللّه لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام، و خلع الأنداد، و الأصنام.
و قال عن قومه: يقيمون الصلاة لوقتها، و يؤتون الزكاة بحقها. .
و ذلك يدل على إسلام أكيدر، و إسلام قومه، فإذا كانوا قد أسلموا، فكيف تؤخذ الجزية منهم؟ ! و الجزية إنما توضع على غير المسلم. .
ثانيا: قوله: لا تعدل سارحتكم، و لا تعد فاردتكم. معناه أن ماشيتهم لا تمنع عن مرعاها، و لا تحشر في الصدقة إلى المصدق لكي تعدّ مع غيرها ليكتمل بها النصاب، إذا كانت فاردة، أي مما لا تجب فيه صدقة لفقد شروطها. .
و قد أضاف في طبقات ابن سعد قوله: و لا يؤخذ منكم إلا عشر الثبات. .
ثم قال: و الثبات: النخيل القديم قد ضرب عروقه في الأرض (1).
فذلك كله يدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يعاملهم كمسلمين. . و لا تضرب الجزية على المسلم.
و الذي نراه هو: أن أكيدر نفسه و طائفة من قومه قد قبلوا الإسلام، و لكن معظمهم أبى ذلك، فأبقاه «صلى اللّه عليه و آله» ملكا عليهم، و أخذ منهم الجزية، و خص المسلمين منهم ببعض الفقرات، و هو أنه طلب منهم إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة بحقها. . و ربما يكون رواة الكتاب لم يدققوا في كلماته حين نقلوها لنا، فلم يتضح الفصل في الخطاب بالنسبة للفريقين. .
و قد يسأل سائل عن السبب في أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد صالح هؤلاء القوم على شرط أخذ الحصون، و السلاح و غيره من وسائل الحرب منهم.
و يمكن أن يجاب: بأن سبب ذلك هو أنهم كانوا لا يؤمن من غدرهم، لبعدهم عن مركز الحكومة الإسلامية، و قربهم من بلاد الأعداء.
و لعل الأقرب هو أن يقال: إن ملكهم قد أخذ، و صالحوا خالدا على بعض أموالهم قبل أن يسلموا، فأصبحت أرضهم، و كل شيء لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . ثم إنهم حين أسلموا أعاد «صلى اللّه عليه و آله»
1) الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج 1 ص 289 و مكاتيب الرسول للأحمدي ج 3 ص 312 و تاريخ مدينة دمشق ج 68 ص 234 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 65.
بعض ذلك إليهم، و حجب عنهم بعضه الآخر لمصالح راعاها. . و لا ضير في ذلك. .
أما قول بعضهم: إن أكيدر لم يسلم، و هذا الإختلاف فيه بين أهل السيرة و من قال إنه أسلم فقد أخطأ خطأ ظاهرا (1).
فلا يصح: حسبما اتضح من النصوص التي أوردناها في الفقرة السابقة. .
و الذي يبدو لنا هو: أن أكيدر قد قتله خالد بن الوليد في عهد أبي بكر، بحجة أنه منع الصدقة (2)فهو في جملة الذين قتلهم أبو بكر، لأنهم لم يعترفوا بخلافته. . فيما أسموه هم و محبوهم بحروب الردة، أو حروب مانعي الزكاة. .
و لعل سبب زعمهم أن أكيدر لم يسلم أصلا هو: أنهم أصيبوا بالتخمة من كثرة من قتلوهم، استنادا لهذا الزعم الموهون.
1) أسد الغابة ج 1 ص 113 و أشار العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» في مكاتيب الرسول ج 3 ص 314 إلى: المغازي للواقدي ج 3 ص 1030 و الإصابة ج 1 ص 61 و 125 و معجم البلدان ج 2 ص 487 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 3 ص 109 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 281 و الطبقات الكبرى ج 2 ق 1 ص 120 و السيرة الحلبية ج 3 ص 233 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 374.
2) أسد الغابة لابن الأثير ج 1 ص 114 و ج 3 ص 332 و الأعلام للزركلي ج 2 ص 6 و معجم البلدان ج 2 ص 488 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 233 و 234 و تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 97 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 4 ص 234 و كتاب المحبر للبغدادي ص 125 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 48 و سبهل الهدى و الرشاد ج 6 ص 220 و 223.
و سيأتي المزيد من الكلام حول موضوع أكيدر في اواخر غزوة تبوك إن شاء اللّه، حيث سنجد هناك بعض ما يساعد على فهم بعض الأمور التي ذكرناها هنا.
و سنرى: أن الظاهر هو: أن خالدا لم يكن هو أمير السرية، و إن كان ربما قد قام بدور فيها. .
و أن الوصف لما جرى المذكور هنا قد يكون غير دقيق. فانتظر.
عن أبي أمامة قال: بعثني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى قومي أدعوهم إلى اللّه عز و جل، و أعرض عليهم شرائع الإسلام. فأتيتهم و قد سقوا إبلهم، و حلبوها و شربوا.
فلما رأوني قالوا: مرحبا بالصدي بن عجلان. و أكرموني، و قالوا: بلغنا أنك صبوت إلى هذا الرجل.
فقلت: لا و لكن آمنت باللّه و رسوله، و بعثني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليكم أعرض عليكم شرائع الإسلام.
فبينا نحن كذلك إذ جاؤا بقصعتهم فوضعوها، و اجتمعوا حولها يأكلونها، و قالوا: هلم يا صدي.
قلت: و يحكم، إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم إلا ما ذكيتم، كما قال اللّه تعالى.
قالوا: و ما قال؟
قلت: نزلت هذه الآية: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةُ وَ اَلدَّمُ وَ لَحْمُ اَلْخِنْزِيرِ وَ مٰا
أُهِلَّ لِغَيْرِ اَللّٰهِ بِهِ وَ اَلْمُنْخَنِقَةُ وَ اَلْمَوْقُوذَةُ وَ اَلْمُتَرَدِّيَةُ وَ اَلنَّطِيحَةُ وَ مٰا أَكَلَ اَلسَّبُعُ إِلاّٰ مٰا ذَكَّيْتُمْ وَ مٰا ذُبِحَ عَلَى اَلنُّصُبِ وَ أَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلاٰمِ. . (1).
فجعلت أدعوهم إلى الإسلام، فكذبوني، و زبروني و أنا جائع ظمآن، قد نزل بي جهد شديد.
فقلت لهم: و يحكم، إيتوني بشربة من ماء، فإني شديد العطش.
قالوا: لا، و لكن ندعك تموت عطشا.
قال: فاغتممت، و ضربت برأسي في العمامة، و نمت في حر شديد. فأتاني آت في منامي بقدح فيه شراب من لبن لم ير الناس ألذ منه فشربته حتى فرغت من شرابي و رويت، و عظم بطني.
فقال القوم: أتاكم رجل من أشرافكم و سراتكم، فرددتموه؟ فاذهبوا إليه، و أطعموه من الطعام و الشراب ما يشتهي.
فأتوني بالطعام و الشراب، فقلت: لا حاجة لي في طعامكم و لا شرابكم، فإن اللّه تعالى أطعمني و سقاني، فانظروا إلى الحال التي أنا عليها.
فأريتهم بطني، فنظروا، فأسلموا عن آخرهم بما جئت به من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
قال أبو أمامة: و لا و اللّه، ما عطشت و لا عرفت عطشا بعد تيك الشربة (2).
و نقول:
إننا نواجه إبهامات و اختلالات في هذه الرواية، فلاحظ ما يلي:
1-لو افترضنا صحة هذه الرواية، فإن ذلك لا يبرر تسميتها «سرية» ، و لا يصح إيرادها في جملة السرايا.
2-قد ذكرت الرواية: أن أبا أمامة كان من أشراف و سراة باهلة. . و هذا لا يتناسب مع هذه المعاملة التي تذكر الرواية أنهم عاملوه بها، حيث لم يجد فيهم و لو رجلا واحدا يسقيه شربة من ماء، فأين كان عنه أقرانه، و سائر الأشراف في قومه، الذين يفترض أن يكون لهم موقف و أسلوب آخر في التعاطي معه. .
3-و هل كانت قبيلة باهلة من قلة العدد بحيث تجتمع على قصعة واحدة؟ ! أي أنها قد لا يزيد عددها على عشرة رجال! ! .
4-ما معنى أن يعظم بطنه من شرب قدح من لبن؟ ! و لماذا لم يعطه اللّه تعالى لهم غير بطنه العظيمة هذه، لتكون آية لهم؟ ! و لماذا لم يظنوا أن عظم بطنه كان لمرض ألمّ به؟ !
5-و لماذا لم يكمل المعروف فيطعمه لقمة أيضا، لا يحتاج معها إلى طعام طيلة حياته؟ !
6-لو كانت هذه الخصوصية قد بقيت في أبي أمامة بحيث لا يحتاج إلى ماء، لشاع أمره و ذاع، و لوجدت الناس يتناقلونها، و كبار القوم يتوافدون عليه، و يتبركون به ما دام حيا. و لوجدت الصحاح و المسانيد حافلة بالروايات التي تتحدث عن قصد أعيان الصحابة و كبار العلماء له، و سؤالهم إياه عن هذه الحادثة بالخصوص.
مع العلم: بأن عمر هذا الرجل قد طال، فقد روي: أنه توفي سنة إحدى و ثمانين، و قيل: ست و ثمانين، و هو آخر من مات بالشام من الصحابة (1)، و له مائة و ست سنين (2).
7-و إذا كانت باهلة قد أسلمت عن بكرة أبيها لرؤيتهم بطن أبي أمامة، إذن لعظموه و بجلوه، و التفوا حوله، و تفاخروا به في مختلف مواقف المفاخرة. .
8-لماذا زبروه أولا، و منعوه حتى من شربة، ماء و صمموا على أن يتركوه حتى يموت عطشا، ثم بعد أن نام تلك النومة قالوا لبعضهم: أتاكم رجل من أشرافكم و سراتكم فرددتموه؟ ! فاذهبوا إليه فأطعموه من الطعام و الشراب ما يشتهي. .
فمن الآمر؟ و من المأمور في هذا النص؟ !
و لماذا لم يصدروا أمرهم بإطعامه و سقيه، حين كانوا مجتمعين على قصعتهم. .
9-على أن رواية العسقلاني عن أبي يعلى تقول: بعثني رسول اللّه
1) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 4 و 5 و الإصابة ج 2 ص 182 و عمدة القاري ج 12 ص 157 و سبل السلام ج 1 ص 18 و الإستيعاب لابن عبد البر ج 2 ص 736 و ج 4 ص 1602 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 13 و مستدركات علم رجال الحديث للشاهرودي ج 4 ص 259 و أسد الغابة ج 5 ص 139 و الأعلام للزركلي ج 3 ص 203 و الوافي بالوفيات ج 16 ص 177.
2) الإصابة ج 2 ص 182 و (ط دار الكتب العلمية-بيروت) ج 3 ص 340 و ذكر المقريزي في هامش إمتاع الأسماع ج 12 ص 50.
«صلى اللّه عليه و آله» إلى قوم. . فلم يعين القوم الذين أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم (1).
إلا أن يقال: إن الراوي أو الكاتب للنص أسقط الياء من كلمة «قومي» .
10-على أن حصر رواية هذه الحادثة بأبي أمامة يثير الشبهة أيضا. فإنني لم أجدها مروية عن غيره حتى لو كان باهليا أيضا! !
و في شهر ربيع الأول، أو ربيع الآخر، أو جمادى الأولى، سنة عشر (2)بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خالد بن الوليد إلى بني الحارث بن كعب بنجران، و كانوا مشركين: و أمره أن يدعوهم إلى الإسلام ثلاثة أيام قبل أن يقاتلهم. فإن استجابوا، فاقبل منهم، و إن لم يفعلوا، فقاتلهم.
1) الإصابة ج 2 ص 182 و (ط دار الكتب العلمية-بيروت) ج 3 ص 339 و سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 251.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 232 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 510 و 511 و في هامشه عن المصادر التالية: تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 3 ص 126 و ما بعدها، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 339 و في (ط أخرى) ج 1 ق 2 ص 72 و أسد الغابة ج 5 ص 117 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 112 و في (ط أخرى) ص 293 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 262 و في (ط أخرى) ص 240 و الإصابة ج 3 ص 660 و البحار ج 21 ص 369 و 370 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 657 و رسالات نبوية ص 141 و زاد المعاد ج 3 ص 35 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 102 و في (ط أخرى) ج 4 ص 33 و المفصل ج 3 ص 537 و ج 7 ص 479.
فخرج إليهم خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، و يدعون إلى الإسلام و يقولون: «أيها الناس، أسلموا تسلموا» .
فأسلم الناس و دخلوا فيما دعوا إليه. فأقام فيهم خالد بن الوليد، يعلمهم شرائع الإسلام، و كتاب اللّه عز و جل، و سنة نبيه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
ثم كتب خالد بن الوليد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :
«بسم اللّه الرحمن الرحيم لمحمد النبي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (من خالد بن الوليد)
السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو.
أما بعد. . يا رسول اللّه صلى اللّه عليك، فإنك بعثتني إلى بني الحارث بن كعب، و أمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام، و أن أدعوهم إلى الإسلام، فإن أسلموا قبلت منهم، و علمتهم معالم الإسلام و كتاب اللّه و سنة نبيه، و إن لم يسلموا قاتلتهم.
و إني قدمت عليهم، فدعوتهم إلى الإسلام ثلاثة أيام، كما أمرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و بعثت فيهم ركبانا ينادون: يا بني الحارث،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 232 و 320 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 511 و البحار ج 21 ص 369 و معجم قبائل العرب ج 1 ص 231 و تاريخ الطبري ج 2 ص 385 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 114 و السيرة النبوية للحميري ج 4 ص 1012 و عيون الأثر ج 2 ص 297 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 188.
أسلموا تسلموا.
فأسلموا و لم يقاتلوا. و إني مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم اللّه به، و أنهاهم عما نهاهم اللّه عنه، و أعلمهم معالم الإسلام و سنة النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى يكتب إليّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و السلام عليك يا رسول اللّه و رحمته و بركاته» (1).
فكتب إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :
«بسم اللّه الرحمن الرحيم
من محمد النبي رسول اللّه إلى خالد بن الوليد. .
سلام عليك، فإني أحمد إليك اللّه الذي لا إله إلا هو. .
أما بعد. . فإن كتابك جاءني مع رسولك يخبر أن بني الحارث بن كعب
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 232 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 512 و 513 و في هامشه عن المصادر التالية: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 263 و في (ط أخرى) ص 239 و في (ط مكتبة محمد علي صبيح و أولاده-مصر) ص 1013 و في (ط دار المعرفة-بيروت) ج 4 ص 189 و تاريخ الطبري ج 2 ص 385 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 285 و في (ط أخرى) ج 3 ص 126 و جمهرة رسائل العرب عن صبح الأعشى ج 6 ص 465 و البحار ج 21 ص 370 و مآثر الأنافة ج 3 ص 277 و البداية و النهاية ج 5 ص 98 و في (ط أخرى) ص 114 و حياة الصحابة ج 1 ص 96 و رسالات نبوية ص 141 و مجموعة الوثائق السياسية ص 166 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 102 و ج 4 ص 33 و نشأة الدولة الإسلامية ص 161 و صبح الأعشى ج 6 ص 454 و المصباح المضيء ج 2 ص 257 و أشار إليه في الطبقات الكبرى ج 1 ق 2 ص 72.
قد أسلموا، و شهدوا أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، قبل أن تقاتلهم، و أجابوا إلى ما دعوتهم إليه من الإسلام، و أن قد هداهم اللّه بهداه، فبشرهم، و أنذرهم، و أقبل. و ليقبل معك و فدهم. .
و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته. .» (1).
فلما قرأ خالد الكتاب أقبل، و أقبل معه من كل بطن منهم، من رؤسائهم واحد أو اثنان، و هم:
1-يزيد بن عبد المدان.
2-يزيد بن المحجل.
3-عبد اللّه بن قريط.
4-قيس بن الحصين بن يزيد.
5-شداد بن عبد اللّه القناني.
6-عمرو بن عمرو الضبابي.
7-عبد اللّه بن عبد المدان.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 232 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 114 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 189 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 510 و في هامشه عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 72 و العبر و تاريخ المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ص 828 و في (ط أخرى) ج 2 ق 2 ص 53 و زاد المعاد ج 3 ص 35 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 411 و في (هامشه أخرج النص) و السيرة الحلبية ج 3 ص 259 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 384 و الإصابة ج 3 ص 660(9288) و الكامل في التاريخ ج 2 ص 293 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 3 ص 102 و ج 4 ص 33.
8-عبد اللّه بن عمرو الضبابي.
و سيأتي إن شاء اللّه ما يتعلق بذلك حين نتحدث عن موضوع الوفود. .
و قد حدد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لخالد مدة الدعوة قبل القتال بثلاثة أيام، لكي لا يتسرع، و يوقع بهم، طمعا في أموالهم، و نساءهم و ذراريهم، ليعطيهم فسحة للإعراب عن دخائل نفوسهم بعد التروي، و التأمل و النقاش، و الإستيضاح، و سماع التفسير. . ثم ليظهر إسلامهم أمام الملأ، فلا يبقى مجال للمناقشة أو الجدال فيه.
و تحديد مدة الدعوة هذا، معناه: أن بني الحارث بن كعب لم يكونوا قد أعلنوا الحرب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا جمعوا الجموع من أجل ذلك.
فكان لابد من الرفق بهم، و إعطائهم الوقت لكي يستوفوا حقهم في الإطلاع على الدعوة، و التأمل و التدبير فيها. . و هكذا كان. .
و بعد هذا، فمن الطبيعي أيضا أن يكون في هذا التحديد دلالة على أن خالدا لا يؤمن على هذا الأمر، لأنه كانت تراوده أطماع و طموحات لا يستسيغها العقل و لا الشرع، و قد أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يلجمها، و يحاصرها، و يمنعها من الحركة.
و من هنا نفهم السبب في إننا لم نجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حدد وقتا لعلي «عليه السلام» ، أو لغيره ممن كان يثق بحكمتهم، و يعرف حقيقة اهتماماتهم، و يطمئن إلى أن أعظم همهم هو هداية الناس، و ليس
اكتساب الثناء، و بعد الصيت في الفروسية و البطش، و غير ذلك من عناوين فارغة. . و لا الحصول على الغنائم و السبايا، و التسلط على الآخرين و إذلالهم و استعبادهم. .
عن عمرو بن مرة قال: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث جهينة، و مزينة إلى أبي سفيان بن الحارث، بن عبد المطلب. و كان منابذا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما ولوا غير بعيد قال أبو بكر الصديق: يا رسول اللّه، بأبي أنت و أمي، علام تبعث (هؤلاء)قد كادا يتفانيان في الجاهلية، و قد أدركهم الإسلام و هم على بقية منها.
فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بردهم حتى وقفوا بين يديه. فعقد لعمرو بن مرة على الجيشين، على جهينة و مزينة و قال: «سيروا على بركة اللّه» .
فساروا إلى أبي سفيان بن الحارث. فهزمه اللّه تعالى، و كثر القتل في أصحابه. فلذلك يقول أبو سفيان بن الحارث: (. . .) (1).
و نقول:
لم يذكر لنا الصالحي الشامي المصدر الذي أخذ منه هذا النص. . على أن لنا أن نثير بعض التحفظات و التساؤلات حول صحة ما ذكره كما يلي:
أولا: أين كان أبو سفيان بن الحارث معسكرا حين خرج إليه جيش
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 247، و موضع النقاط يشير إلى فقدان النص و مجمع الزوائد ج 6 ص 201.
رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ فإن أبا سفيان مكي قرشي، و لم نعلم أنه فتح جبهة مستقلة عن قريش، و أعلن حربا تختص به دونها، و لا أنه انحاز عنها إلى منطقة بعينها، و لو حصل شيء من ذلك لسجله لنا التاريخ. . بل كان مشاركا لقريش في حروبها المعروفة و المعلنة، و لا شيء أكثر من ذلك. .
ثانيا: إن ما ذكره أبو بكر عن تفاني جهينة و مزينة في الجاهلية ليس ظاهرا من النصوص، بل كانت العلاقة بين القبيلتين كأية علاقة أخرى بين القبائل العربية. .
ثالثا: إنه حين أرسلهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك البعث، هل أمرّ عليها أميرا واحدا؟ ! أو أمّر على كل قبيلة أميرا؟ ! أم لم يؤمّر عليهما أحدا؟ ! و هل كان الأمير من إحدى القبيلتين؟ ! أم كان غريبا عنهما؟ ! .
إن كل ذلك لم توضحه هذه الرواية لنا.
رابعا: إننا لم نعرف ما الذي غيّره النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين ردّهم إليه، و أمّر عليهم عمرو بن مرة الجهني؟ و لماذا اختاره جهنيا لا مزنيا؟ و كيف رضيت به مزينة، و هو جهني؟
و المفروض: أن بين القبيلتين بقية من عداوة كانت في الجاهلية! ! إلا إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد نسي في بادئ الأمر أن يؤمّر أحدا، فلما اعترض أبو بكر تذكر ذلك، فاختاره جهنيا، و يكون بذلك قد زاد الطين بلة، و الخرق اتساعا. . على خلاف ما أراده أبو بكر. و نعوذ باللّه من الخذلان، و نستجير به من غضبه، و من الخزي و الخسران.
خامسا: إن أبا بكر حين اعترض على النبي «صلى اللّه عليه و آله» إنما أراد أن يرشده إلى الصواب، باعتبار أن ما فعله «صلى اللّه عليه و آله» كان
خطأ بنظره. .
و لا شك في أن هذا الأمر مما لا يحمد عليه أبو بكر، و لا يقبل منه و لا من غيره، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» ، معصوم و مسدد بالوحي. .
على أنه لو صح تعليل أبي بكر من ظهور العداوة بين القبيلتين، لكان ذلك مشتهرا في الجزيرة العربية، و لعلمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين أقدم على إرسال هاتين القبيلتين. .
سادسا: ما معنى أن يرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» جيشين إلى مواجهة أبي سفيان بن الحارث، فإن الرواية تقول: «فعقد لعمرو بن مرة على الجيشين» ؟ ! و هل كان من عادته «صلى اللّه عليه و آله» أن يرسل جيشين بقائد واحد إلى قتال طائفة واحدة، أو هل فعل ذلك «صلى اللّه عليه و آله» قبل أو بعد ذلك و لو مرة واحدة في ظروف مشابهة؟ !
ذكر ابن سعد في الوفود: أن بني عبس وفدوا و هم تسعة.
فبعثهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سرية لعير قريش (1).
و في نص آخر: أنه قال لهم: «ابغوني لكم عاشرا أعقد لكم لواء» .
فدخل طلحة بن عبيد اللّه، فعقد لهم لواء (2)، و جعل شعارهم: يا
عشرة، فهو إلى اليوم كذلك (1).
و كان «صلى اللّه عليه و آله» لا يعقد لواء لأقل من عشرة.
و هم: بشر بن الحارث، و الحارث بن الربيع بن زياد، و سباع بن زبد، و عبد اللّه بن مالك، و قرة بن حصن، و قنان بن دارم، و ميسرة بن مسروق، و هرم بن مسعدة، و أبو الحصين بن القيم (2).
و نقول:
ما زعموه: من أن طلحة كان هو العاشر غير مسلم، فقد روى ابن سعد في الطبقات الكبرى: أن عيرا لقريش أقبلت من الشام، فبعث بني عبس في سرية، و عقد لهم لواء.
فقالوا: يا رسول اللّه، كيف نقسم غنيمة إن أصبناها و نحن تسعة؟
فقال: أنا عاشركم (3).
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 224 و الإصابة لابن حجر ج 1 ص 427 و معجم ما استعجم ج 3 ص 927.
2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 224 و الإصابة لابن حجر ج 1 ص 427 و في هامش إكمال الكمال ج 6 ص 249.
3) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 224 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 296 و تاريخ مدينة دمشق ج 49 ص 359.
و من الواضح: أن الوفود إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما كانت سنة تسع، و قد عقد صلح الحديبية، و كف المسلمون عن مهاجمة عير قريش قبل ذلك بسنوات، ثم كان فتح مكة في سنة ثمان. .
و ذلك كله يشير إلى: أن هذا الوفد من بني عبس إنما جاء إلى المدينة قبل صلح الحديبية، فأرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعير لقريش قادمة من الشام. .
قال المؤرخون، و اللفظ للواقدي:
بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة يصدقهم، و كانوا قد أسلموا، و بنوا المساجد بساحاتهم، فلما خرج إليهم و سمعوا به قد دنا منهم، خرج منهم عشرون رجلا يتلقونه بالجزور، و النعم، فرحا به.
و قيل: خرجوا بها يؤدونها عن زكاتهم.
و لم يروا أحدا يصدق بعيرا قط. و لا شاة، فلما رآهم ولى راجعا إلى المدينة و لم يقربهم. فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه لما دنى منهم لقوه بالسلاح يحولون بينه و بين الصدقة.
(و قيل: إنه قال: إنهم ارتدوا. .) (1).
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 38 و في هامش الغارات للثقفي ج 1 ص 251 و الإستيعاب ج 4 ص 1553 و الدرر لابن عبد البر ص 191 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 239 و راجع تفسير الميزان للطباطبائي ج 18 ص 314 و تفسير السمعاني ج 5 ص 217 و تفسير العز بن عبد السلام للإمام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الشافعي ج 3 ص 213 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 136 و قاموس الرجال للتستري ج 10 ص 440 و أسد الغابة ج 5 ص 91 و تهذيب الكمال للمزي ج 31 ص 56 و الإصابة لابن حجر ج 6 ص 481 و تهذيب ابتهذيب لابن حجر ج 11 ص 126 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 276.
(أو قال: إن الحارث منعني الزكاة، و أراد قتلي) (1).
فهمّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يبعث إليهم من يغزوهم. و بلغ ذلك القوم، فقدم الركب الذين لقوا الوليد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
(و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ضرب البعث إلى الحرث، فأقبل الحرث، فاستقبل البعث) (2)، ثم دخلوا.
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 38 و المعجم الكبير ج 3 ص 274 و تفسير المزان ج 18 ص 318 و تفسير إبن أبي حاتم ج 10 ص 3303 و أسباب نزول الآيات للنيسابوري ص 262 و الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 88 و فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 62 و تاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 228 و 229.
2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 38 و راجع أسباب نزول الآيات للنيسابوري ص 262 و هامش سير اعلام النبلاء للذهبي ج 3 ص 413 و أسد الغابة ج 1 ص 335 و تاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 229 و 228 و فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 62 و الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 88 و أسباب نزول الآيات للنيسابوري ص 262 و تفسير إبن أبي حاتم ج 10 ص 3303 و تفسير الميزان ج 18 ص 318 و المعجم الكبير للطبراني ج 3 ص 274.
فأخبروا النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخبر على وجهه، فنزلت هذه الآية: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا فَعَلْتُمْ نٰادِمِينَ (1)، فقرأ النبي «صلى اللّه عليه و آله» القرآن، و أخبرنا بعذرنا، و ما نزل في صاحبنا، ثم قال: من تحبون أن أبعث إليكم؟ !
قالوا: تبعث إلينا عباد بن بشر.
قال: يا عباد سر معهم، فخذ صدقات أموالهم، و توقّ كرائم أموالهم.
قال: فخرجنا مع عباد، يقرؤنا القرآن، و يعلمنا شرائع الإسلام، حتى انزلناه في وسط بيوتنا، فلم يضيّع حقا، و لم يعد بنا الحق.
و أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأقام عندنا عشرا، ثم انصرف إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» راضيا (2).
و قالوا أيضا: إن سبب ذلك أن الحارث بن عمرو الخزاعي، و المصطلق بطن من خزاعة قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأسلم، و عاد إلى قومه، ليقنعهم بالإسلام ثم يجمع زكاتهم، ثم يرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» في وقت-قد عينوه-من يأخذ منه ما جمعه من صدقات. .
فمضى الوقت المحدد، و لم يأته رسول من قبل النبي «صلى اللّه عليه
و آله» ، فجمع سروات قومه، و أخبرهم بالأمر، و قال لهم: ليس الخلف منه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم ذهب بهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1). حسبما تقدم. .
و نقول:
إن لنا مع ما تقدم وقفات هي التالية:
قال ابن عبد البر: لا خلاف بين أهل التأويل أن الآية: إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا نزلت في الوليد (2).
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 38.
2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 38 و في هامش الغارات لإبراهيم بن محمد الثقفي ج 1 ص 252 و عين العبرة في غبن العترة للسيد أحمد آل طاووس ص 63 و البحار ج 31 ص 153 و 154 و خلاصة عبقات الأنوار للنقوي ج 3 ص 271 و الغدير للأميني ج 8 ص 124 و مستدرك سفينة البحار للشاهرودي ج 8 ص 201 و الإستيعاب ج 4 ص 1553 و 1554 و فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 371 و التفسير الأصفى للكاشاني ج 2 ص 1192 و تفسير الميزان ج 18 ص 319 و جامع البيان للطبري ج 26 ص 160 و 161 و تفسير السمرقندي ج 3 ص 308 و تفسير الثعلبي ج 9 ص 77 و أسباب نزول الآيات للنيسابوري ص 261 و تفسير الواحدي ج 2 ص 1062 و تفسير البغوي ج 4 ص 212 و الفسير النسفي ج 4 ص 163 و زاد المسير لابن الجوزي ج 7 ص 180 و تفسير القرطبي ج 16 ص 311 و تفسير ابن كثير ج 4 ص 223 و 225 و فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 60 و الذريعة للسيد المرتضى ج 2 ص 536 و أصول السرخسي ج 1 ص 371 و تهذيب الكمال ج 31 ص 56 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 414 و تهذيب التهذيب ج 11 ص 126 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 276 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 217 و الجمل للمفيد ص 115 و تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص 132 و السيرة الحلبية ج 2 ص 592 و النصائح الكافية ص 170.
و لكن قد أخرج أبو داود عن أبي موسى، عبد اللّه الهمداني، عن الوليد بن عقبة، قال: لما افتتح «صلى اللّه عليه و آله» مكة جعل أهلها يأتونه بصبيانهم، فيمسح على رؤوسهم، فأتي بي إليه، و أنا مخلق، فلم يمسسني من أجل الخلوق (1).
و نقول:
إن هذا الحديث لا يصح، لما يلي:
أولا: قال ابن عبد البر: الحديث منكر مضطرب لا يصح، و أبو موسى مجهول (2).
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 38 و 39 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 631 و الإصابة ج 3 ص 638 و فلك النجاة في الإمامة و الصلاة لعلي محمد فتح الدين الحنفي ص 154 و السيرة الحلبية ج 2 ص 592 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 370 و ج 10 ص 111 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 276 و الإصابة ج 6 ص 482 و تهذيب الكمال ج 31 ص 55 و تاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 224 و ضعفاء العقيلي ج 2 ص 319 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 136 و الإستيعاب ج 4 ص 1552 و المعجم الكبير ج 22 ص 151.
2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 39 و الإصابة ج 3 ص 638 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 631 و أسد الغابة ج 5 ص 90 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 239 و الإستيعاب ج 4 ص 1553 و عون المعبود للعظيم آبادي ج 11 ص 158 و الجوهر النقي ج 9 ص 56 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 136 و تهذيب الكمال ج 31 ص 56 و الإصابة لابن حجر ج 6 ص 482 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 276 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 215 و 216.
ثانيا: قال أيضا: إن من يكون صبيا يوم الفتح، لا يبعثه مصدّقا بعد الفتح بقليل (1).
ثالثا: لما هاجرت أم كلثوم بنت عقبة في الهدنة خرج أخواها الوليد و عمارة ليرداها. فمن يكون صبيا يوم الفتح كيف يخرج ليرد أخته قبله؟ (2).
رابعا: قال الحافظ: و مما يؤيد أنه كان في الفتح رجلا: أنه قدم في فداء ابن عم أبيه الحرث بن أبي و جرة لما أسر يوم بدر، فافتداه بأربعة آلاف (3).
خامسا: ورد في منازعة الوليد لعلي «عليه السلام» ، قول الوليد لعلي
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 39 و الإصابة ج 3 ص 638 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 631 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 17 ص 239 و الإستيعاب ج 4 ص 1553 و عون المعبود للعظيمآبادي ج 11 ص 158 و الجوهر النقي ج 9 ص 56 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 136 و أسد الغابة ج 5 ص 90 و تهذيب الكمال ج 31 ص 56 و الإصابة لابن حجر ج 6 ص 482 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 276 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 215 و 216.
2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 39 و الإصابة ج 3 ص 638 و في (ط دار الكتب العلمية-بيروت) ج 6 ص 482 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 631 عن الزبير بن بكار و غيره من علماء السير.
3) شرح المواهب للزرقاني ج 4 ص 39 و الإصابة ج 3 ص 638 و في (ط دار الكتب العلمية-بيروت) ج 6 ص 482 و تهذيب التهذيب ج 11 ص 127 و تفسير الآلوسي ج 21 ص 136.
«عليه السلام» : اسكت فإنك صبي و أنا شيخ الخ. . (1).
و هذا صريح في أن عمره كان آنئذ يعد بعشرات السنين.
سادسا: قال له الإمام الحسن «عليه السلام» : اقسم باللّه، لأنت أكبر في الميلاد و أسن ممن تدعى إليه (2).
و الحقيقة هي: أن هؤلاء المتحذلقين يريدون بدعواهم صغر سن الوليد، تكذيب أو على الأقل إثارة الشبهة حول نزول آية: إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا في حق الوليد بن عقبة، و ذلك حفاظا منهم على البيت الأموي، و رعاية لحق عثمان، لأن الوليد أخوه من أمه. . و فرارا من الإعتراف بأن في الصحابة فاسق، حتى لو نطق القرآن بذلك. .
و قد ذكرت بعض النصوص: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث خالد بن الوليد خفية في عسكر لاستكشاف الخبر في بني المصطلق، و أمره أن يخفي عنهم قدومه، فلما دنا منهم بعث عيونا ليلا، فإذا هم ينادون بالصلاة و يصلون. فأتاهم خالد، فلم ير منهم إلا طاعة و خيرا، فرجع إليه
«صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره فنزلت الآية (1).
و نقول:
1-الذي يبدو لنا من ملاحظة النصوص: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تصرف باتجاهين بصورة متوازنة، فهو في نفس الوقت الذي أظهر فيه أنه يريد التصدي لتمرد بني المصطلق، فضرب على الناس البعث إليهم، فإنه من جهة أخرى أرسل خالدا إليهم سرا، ليستعلم خبرهم مباشرة.
فانسجم الموقف الحازم المتمثل بالتصرف الأول مع الدقة في متابعة الأمور، و الإحتياط لدماء الناس، و حفظ كراماتهم و مصالحهم، المتمثل بالتصرف الثاني. .
2-إن الآية الكريمة (آية النبأ) إنما نزلت بعد أن ظهر للناس كذب ما جاءهم به الوليد، و أنه قد افترى على بني المصطلق، و اختلق أمورا لا أساس لها؛ فجاء توصيفه في الآية بالفاسق ليصدق هذه الوقائع التي رآها الناس بأعينهم. .
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 39 عن عبد الرزاق و غيره، عن قتادة، و عكرمة، و مجاهد. و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 632 و الإصابة ج 3 ص 637 و راجع: تفسير الثعلبي ج 9 ص 77 و تفسير البغوي ج 4 ص 212 و تفسير القرآن للصنعاني ج 3 ص 231 و أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 529 و تاريخ مدينة دمشق ج 63 ص 232 و الإصابة ج 6 ص 481 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 217.
قال الزرقاني: «و لا يشكل تسميته فاسقا بإخباره عنهم بذلك على ظنه للعداوة و رؤية السيوف. و ذلك لا يقتضي الفسق، لأن المراد الفسق اللغوي، و هو الخروج عن الطاعة. . و سماه فاسقا لإخباره بخلاف الواقع على المبعوث إليهم، لا الشرعي الذي هو من ارتكب كبيرة، أو أصر على صغيرة، لعدالة الصحابة.
و قد صرح بعضهم: بأن كون ذلك مدلول الفسق، لا يعرف لغة إنما هو مدلول شرعي (1).
و نقول:
أولا: هناك آيتان في القرآن الكريم نزلتا في الوليد بن عقبة، توضح أحدهما الأخرى، إن لم نقل: إنها ناظرة إليها. .
أحديهما: قوله تعالى: أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لاٰ يَسْتَوُونَ (2)، فقد كان بين علي «عليه السلام» و بين الوليد بن عقبة تنازع و كلام، فقال له علي «عليه السلام» : اسكت فإنك فاسق. فأنزل اللّه تعالى: أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لاٰ يَسْتَوُونَ .
و حكى المعتزلي عن شيخه: أن هذا من المعلوم الذي لا ريب فيه لاشتهار الخبر به، و إطباق الناس عليه (3).
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 39.
2) الآية 18 من سورة السجدة.
3) راجع: الأغاني ج 5 ص 153 و جامع البيان للطبري ج 21 في تفسير الآية، و تفسير الخازن ج 4 ص 470 و أسباب النزول للواحدي ص 235 و الرياض النضرة ج 3 ص 156 و ذخائر العقبى ص 88 و المناقب للخوارزمي ص 188 و كفاية الطالب ص 55 و غرائب القرآن للنيسابوري ج 21 ص 72 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 462 و نظم درر السمطين ص 92 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 80 و ج 6 ص 292 و ج 1 ص 394 و ج 2 ص 103 و الدر المنثور ج 4 ص 178 عن بعض من تقدم، و عن الأغاني، و ابن عدي، و ابن مردويه، و الخطيب، و ابن عساكر، و ابن إسحاق، و ابن أبي حاتم، و عن السيرة الحلبية ج 2 ص 85 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 633 و موسوعة الإمام علي للريشهري ج 11 ص 316 و غاية المرام للبحراني ج 4 ص 130.
و أما نزول الآية الثانية في الوليد: فيكفي أن نذكر قول ابن عبد البر: إنه «لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله عز و جل: إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا (1)نزلت في الوليد» (2).
1) الآية 6 من سورة الحجرات.
2) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 632 و راجع: أسد الغابة ج 5 ص 90 و الإصابة ج 3 ص 637 و تفسير البغوي ج 4 ص 212 و تفسير النسفي ج 4 ص 163 و زاد المسير لابن الجوزي ج 7 ص 180 و تفسير القرطبي ج 16 ص 311 و تفسير ابن كثير ج 4 ص 223 و تفسير الواحدي ج 2 ص 1016 و أسباب نزول الآيات للنيسابوري ص 261 و تفسير الثعلبي ج 9 ص 77 و تفسير السمرقندي ج 3 ص 308 و جامع البيان للطبري ج 26 ص 161 و 160 و تفسير الميزان ج 18 ص 319 و التفسير الأصفى للكاشاني ج 2 ص 1192 و فقه القرآن للراوندي ج 1 ص 371 و الإستيعاب ج 4 ص 1554 و 1553 و مستدرك سفينة البحار للشاهرودي ج 8 ص 201 و الغدير ج 8 ص 124 و خلاصة عبقات الأنوار للنقوي ج 3 ص 271 و البحار ج 31 ص 154 و عين العبرة في غبن العترة للسيد أحمد آل طاووس ص 63 و فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 60 و أصول السرخسي ج 1 ص 371 و تهذيب الكمال ج 31 ص 56 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 414 و تهذيب التهذيب ج 11 ص 126 و الوافي بالوفيات ج 27 ص 276 و إمتاع الأسماع ج 13 ص 217 و الجمل للمفيد ص 115 و تنبيه الغافلين عن فضائل الطالبين لابن كرامة ص 132 و السيرة الحلبية ج 2 ص 592.
فلو قبلنا بمقولة: أن المراد بالفسق ليس هو معناه الشرعي، فإننا نقول:
لقد بين لنا القرآن معنى الفسق المقصود بالآيات، و هو أعظم و أخطر مما أراد الزرقاني و أضرابه الهروب منه، لأن القرآن جعل الفسق مقابل الإيمان، فوصف الوليد بالفاسق يخرجه عن صفة الإيمان بالكلية كما أظهرته آية: أَ فَمَنْ كٰانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كٰانَ فٰاسِقاً لاٰ يَسْتَوُونَ النازلة في حق الوليد بالذات.
و قال تعالى: مِنْهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ أَكْثَرُهُمُ اَلْفٰاسِقُونَ (1).
و آيات كثيرة أخرى تشير إلى هذا المعنى، و تجعل الفاسق بحكم الكافر.
ثانيا: قال الإمام الحسن المجتبى «عليه السلام» طاعنا على الوليد في مجلس معاوية: «و أنت الذي سماه اللّه الفاسق، و سمى عليا المؤمن» .
ثم ذكر قصة مفاخرته مع علي «عليه السلام» ، و نزول الآية الشريفة موافقة لعلي «عليه السلام» .
ثم قال: «ثم أنزل فيك موافقة قوله: إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ويحك يا وليد مهما نسيت، فلا تنس قول الشاعر فيك و فيه:
1) الآية 110 من سورة آل عمران.
أنزل اللّه و الكتاب عزيزفي علي و في الوليد قرآنا
فتبوى الوليد إذ ذاك فسقاو علي مبوأ إيمانا
ليس من كان مؤمنا عمرك الله كمن كان فاسقا خوانا (1)
فإن طعن الإمام الحسن «عليه السلام» على الوليد بذلك يشير إلى أن الآية قد تضمنت أعظم الذم للوليد.
و لو أردنا أن نأخذ بما يقوله الزرقاني لوجب أن يكون نزول الآية في حقه خطأ و ظلما، لأنها أو همت ذمه، و جعلته في موضع الخزي إلى يوم القيامة. .
على أنه لو أمكن التشكيك في مفاد آية النبأ، و قبلنا منهم هذه التمحلات، فإنه لا نجاة له من مفاد الآية الأخرى حسبما أوضحناه، فإنها لا تريد أن تثني على الوليد، بل هي بصدد ذمه الشديد و الأكيد، و إثبات صفة الفسق بمعنى عدم الإيمان عليه. .
ثالثا: أما قوله: إن المراد بالفسق ليس معناه الشرعي، لثبوت عدالة الصحابة، فهو أول الكلام، لأن هذه الآيات و سواها مما نزل في حق الكثيرين منهم تنفي عموم عدالتهم.
نعم، لا ريب في ثبوت العدالة لطائفة من الصحابة.
رابعا: إن الأمر لم يقتصر على مجرد ظن الوليد بشيء، ثم ظهر مخالفة هذا الظن للواقع، بل تجاوز ذلك إلى اختلاقه أخبارا، و مبادرته إلى افتراءات
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 38 و الغدير ج 8 ص 275 و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 293 و أعيان الشيعة ج 1 ص 575 و غاية المرام للبحراني ج 4 ص 132.
لا واقع لها، حيث نسب إليهم أنهم ارتدوا، و أنهم أرادوا قتله، و ما إلى ذلك مما تشير إليه النصوص. .
و من المعلوم: أن الإفتراء على المؤمنين، و التحريض عليهم، و التسبب بإرسال الجيوش لحربهم و قتلهم، بل مجرد تعمد الكذب-إن ذلك-من موجبات الفسق الشرعي و العرفي، و الأخلاقي و ما إلى ذلك.
فما معنى أن يقال: إنه لم يصدر منه سوى أنه قد ظن أمرا، بسبب خوف اعتراه، ثم ظهر عدم صحة ظنه؟ !
عن خالد بن الوليد: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعثه إلى أناس من خثعم، فاعتصموا بالسجود، فقتلهم، فوداهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نصف الدية، ثم قال: أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين لا تراءى ناراهما (1).
و نقول:
1-ماذا كان يضير خالد بن الوليد لو أنه تثبّت من إسلام هؤلاء الذين يعتصمون بالسجود؟ ! . . فإنه سوف لا يخسر شيئا، و لا يفوته قتلهم لو كانوا مستحقين للقتل. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 247 عن الطبراني في الكبير ج 4 ص 134 و قالوا: إن رجال الرواية ثقات و عمدة القاري ج 13 ص 277 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 1 ص 402 و 403 و الفتح السماوي للمناوي ج 2 ص 566 و 568.
2-لماذا لا يكون مصب اهتمام خالد على أخذهم أسرى، ليرى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيهم رأيه، فلعله يرجح استرقاقهم لينتفع بهم المسلمون، أو يمهلهم ليسمعوا كلام اللّه، أو يوفر لهم الفرصة ليعيشوا الإسلام في مفاهيمه و قيمه، و في عقائده و شرائعه، و يقارنوا بينه و بين الشرك الذي هم عليه، ليروا البون الشاسع فيما بينهما، و يكون اختيارهم له مستندا إلى الحس و المشاهدة القريبة. .
3-على أن من المعلوم: أن المهمة التي كلفه بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليست هي قتل كل من لم يسلم بل كلفه بالدعوة إلى اللّه تعالى، و كفّ شر من يريد بالإسلام و بالمسلمين شرا، حين يعلن الحرب على الإسلام و أهله.
4-أما قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أنا بريء من كل مسلم أقام مع المشركين، لا تراءى ناراهما، فهو ليس تبرئة لخالد بقدر ما هو إدانة له، فإن نفس اعتصام أولئك القوم بالسجود إظهار للإسلام، و إعلان له، و دلالة واضحة على أنهم أهله، لأن المقصود بترائي ناري المسلمين و المشركين هو: إظهار ما يمكن به التمييز بين الفريقين. و الإعتصام بالسجود هو من هذه العلائم التي تحقق هذا التمييز.
و حتى لو كان هناك شك في ذلك، فإن التبيّن و التأكد من الحقيقة ليس بالأمر الصعب، و لا هو بالأمر الرديء و المستهجن و المعيب. .
الفصل الأول: وفادات غير معتادة
الفصل الثاني: أشخاص علم تاريخ وفادتهم
الفصل الثالث: وفادات أشخاص قليلة التفاصيل
الفصل الرابع: ست وفادات شخصية
سبق و تحدثنا في كتابنا هذا عن عدد من الوفود على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لاقتضاء المناسبة ذلك. . فنحن سوف لا نعيد الحديث عن هذه الوفود اكتفاء بما ذكرناه عنها سابقا. . و من هذه الوفود التي تحدثنا عنها:
1-وفد بني عبس.
2-وفد بني تميم.
3-وفد هوازن.
4-وفد صداء.
5-وفد بلال بن الحارث في أربعة عشر رجلا من مزينة.
6-وفادة عدي بن حاتم.
7-وفادة كعب بن زهير.
عن عمرو بن عوف: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان في المسجد، فسمع كلاما من ورائه، فإذا هو بقائل يقول: اللهم أعنّي على ما تنجيني مما خوفتني.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين سمع ذلك: «ألا يضم إليها أختها» .
فقال الرجل: اللهم ارزقني شوق الصالحين إلى ما شوقتهم إليه.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأنس: «اذهب إليه فقل له: يقول لك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تستغفر له» .
فجاءه أنس فبلغه.
فقال الرجل: يا أنس، أنت رسول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلي؟
قال: نعم.
قال: اذهب فقل له: إن اللّه عز و جل فضلك على الأنبياء بمثل ما فضل رمضان على سائر الشهور، و فضل أمتك على سائر الأمم بمثل ما فضل يوم الجمعة على سائر الأيام، فذهب ينظر إليه فإذا هو الخضر «عليه السلام» (1).
و عن أنس، قال: خرجت ليلة مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» أحمل الطهور فسمع (مناديا ينادي، فقال لي: «يا أنس صه» فسكت، فاستمع فإذا هو)يقول: اللهم أعنّي على ما ينجيني مما خوفتني منه.
قال: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لو قال أختها معها» .
فكأن الرجل لقن ما أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: و ارزقني شوق الصالحين إلى ما شوقتهم إليه» .
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «يا أنس، دع عنك الطهور، و ائت
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 436 عن ابن عدي، و البيهقي، و قال في هامشه: ذكره السيوطي في اللآلئ ج 1 ص 164 و وضعه و الإصابة لابن حجر ج 2 ص 258.
هذا فقل له: أدع لرسول اللّه أن يعينه على ما ابتعثه اللّه به، و ادع لأمته أن يأخذوا ما أتاهم به نبيهم من الحق» .
قال: فأتيته (فقلت: رحمك اللّه، ادع اللّه لرسول اللّه أن يعينه (على ما ابتعثه) به، و ادع لأمته أن يأخذوا ما أتاهم به نبيهم من الحق.
فقال لي: و من أرسلك؟
فكرهت أن أخبره و لم أستأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فقلت له: رحمك اللّه ما يضرك من أرسلني؟ ادع بما قلت لك.
قال: لا، أو تخبرني من أرسلك.
قال: فرجعت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقلت له: يا رسول اللّه، أبى أن يدعو لك بما قلت له حتى أخبره بمن أرسلني.
فقال: «ارجع إليه فقل له: أنا رسول رسول اللّه» .
فرجعت إليه فقلت له.
فقال لي: «مرحبا برسول (رسول)اللّه، أنا كنت أحق أن آتيه، اقرأ على رسول اللّه مني السلام و قل له: الخضر يقرأ عليك السلام و يقول لك: إن اللّه تعالى فضلك على النبيين كما فضل شهر رمضان على سائر الشهور، و فضل أمتك على الأمم كما فضل يوم الجمعة على سائر الأيام» .
قال: فلما و ليت سمعته يقول: «اللهم اجعلني من هذه الأمة المرشدة المرحومة، المتاب عليها» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 436 عن الدار قطني في الإفراد، و الطبراني في الأوسط، و ابن عساكر، و ذكره السيوطي في اللآلئ ج 1 ص 85 و ابن الجوزي في الموضوعات ج 1 ص 194 و الإصابة لابن حجر ج 2 ص 259.
و نقول:
إن هذه الرواية موضع شك كبير، فلاحظ ما يلي:
ألف: قد ذكرت الرواية الأولى: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسل أنس بن مالك إلى الخضر ليطلب منه أن يستغفر له. . فنظر إليه أنس، فإذا هو الخضر «عليه السلام» . .
و نحن لا نشك في عدم صحة هذه الرواية:
أولا: إذا كان الخضر «عليه السلام» قد سمع صوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ضم لتلك الكلمة أختها، فلماذا لم يكلمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة، بل أرسل إليه أنس بن مالك يطلب منه أن يستغفر له. .
و دعوى: أنه أراد أن لا يعرّف الناس أنه «صلى اللّه عليه و آله» يطلب الإستغفار. . لا تنفع، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يجاهر في مثل هذا الأمر. .
ثانيا: من أين عرف أنس بن مالك أن الذي يكلمه هو الخضر «عليه السلام» ، فإن أحدا لم يخبره بذلك، فهل كان قد رآه من قبل؟ ! و متى؟ و أين؟ !
ثالثا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» معصوم عن الزلل، لا يحتاج إلى استغفار أحد. .
رابعا: لقد أجابه الخضر «عليه السلام» بأن اللّه فضل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و فضّل أمته، ليقنعه بأنه لا يحتاج إلى الإستغفار، و لا شك في أن هذا كان معلوما لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما كان معلوما لدى الخضر «عليه السلام» ، فلماذا لم يكتف به عن هذا الطلب الذي تعقبه ذلك الرد؟ !
خامسا: لماذا بقي الخضر «عليه السلام» بعيدا عن النبي «صلى اللّه عليه
و آله» ، و لم يقترب إليه، و لم يلتق به، بل اكتفى بلقاء أنس؟ ! . . أليس تذكر الروايات أنه كان يلتقي النبي «صلى اللّه عليه و آله» في أكثر من مورد و مناسبة؟ !
سادسا: قال الصالحي الشامي: «قال الشيخ في النكت البديعات: «أورده البيهقي من طريق عمرو بن عوف المزني، و قال: فيه بشير بن جبلة عن أبيه، عن جده، نسخة موضوعة، و عبد اللّه بن نافع متروك الخ. .» (1).
2-أما الرواية الثانية فيرد عليها مع ضعف سندها جميع ما قدمناه آنفا باستثناء الإيراد الثاني و الثالث.
يضاف إلى ما تقدم:
أولا: ما معنى قوله: إنه «صلى اللّه عليه و آله» سمع مناديا ينادي: «اللهم أعنّي على ما ينجيني الخ. .» ؟ !
فهل كان الخضر «عليه السلام» يصرخ بدعائه، و ينادي به؟ ! .
و إذا كان ينادي بدعائه، فلماذا سمعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» وحده، و لم يسمعه أنس، حتى اضطر «صلى اللّه عليه و آله» إلى إسكات أنس ليستكمل سماع ذلك النداء؟ !
و هل سمع هذا النداء أحد من المسلمين من أهل المدينة غير أنس، و غير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! . .
و إذا كانوا قد سمعوا ذلك، هل خرجوا لرؤية ذلك المنادي؟ أم أن موقفهم كان هو الإهمال و عدم المبالاة أم غير ذلك؟ ! . .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 437.
ثانيا: ما معنى قول أنس: فكأن الرجل لقن ما أراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و لماذا لا تكون هذه الكلمات مما يعرف العالمون بها ارتباطها ببعضها، فلا يفصلون بين فقراتها؟ !
على أنه ليس في كلام النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما يشير لأنس، و لا لغيره أنه يقصد خصوص الفقرة التي قالها الخضر «عليه السلام» ، فلعله قصد بكلمة أختها فقرة أخرى غيرها.
إلا أن يقال: إن هذا هو مقتضى المقابلة مع ما خوّف به في الفقرة الأولى، تقابل ما يحوّف به مع ما يشوّق إليه و يرغّب فيه. على نسق قوله: خوفا و طمعا. . فلاحظ.
ثالثا: ما نسبته الرواية إلى الخضر «عليه السلام» من أنه قال: أنا كنت أحق أن آتيه ليس له مبرر، إذ لماذا ترك الخضر «عليه السلام» العمل بهذا الأولى و الأحق. . و لم يعتذر بشيء عن هذا الترك؟ !
و لماذا لم يتلاف هذا التقصير الذي أحس به حتى بعد أن قال هذا القول؟ ! و قد كان بإمكانه أن يذهب إليه، و يتشرف بلقائه، و يتلافى ما فرط منه.
رابعا: إن رواية أنس تريد أن تروي لنا نفس ما تضمنته رواية عمرو بن عوف. . مع أن المقارنة بين الروايتين تعطي: أنهما متناقضتان في كثير من فقراتهما. .
فإن كان لهذه القضية أصل، فلا شك في أن الأيدي الأثيمة قد نالت منها، و شوّهتها و أفسدتها، حتى بدت عليها معالم التزوير و التحوير، حسبما أوضحناه. .
قال أنس: قال لي إلياس: من أنت؟
قلت: أنا أنس بن مالك خادم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
قال: فأين هو؟
قلت: هو يسمع كلامك.
قال: «فأته فأقرأه مني السلام، و قل له: أخوك إلياس يقرؤك السلام» .
قال: فأتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبرته: فجاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دنا معه حتى إذا كنا قريبا منه تقدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و تأخرت. فتحدثا طويلا.
و في لفظ آخر: «حتى جاءه فعانقه، و سلم عليه، ثم قعدا يتحدثان.
فقال إلياس: «يا رسول اللّه، إني إنما آكل في السنة يوما، و هذا يوم فطري، فآكل أنا و أنت» .
فنزل عليهم من السماء شبه السفرة.
قال ابن أبي الدنيا: فيها كمأة، و رمان، و كرفس.
و قال الحاكم: عليها خبز و حوت و كرفس. فأكلا و أطعماني و صليا، ثم ودعه، و جاءت سحابة فاحتملته. و كنت أنظر إلى بياض ثيابه تهوي به قبل الشام» (1).
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 435 عن الحاكم، و ابن أبي الدنيا و راجع لسان الميزان ج 6 ص 295 و ميزان الإعتدال ج 4 ص 441 و 295 و فتح القدير للشوكاني ج 4 ص 412 و فتح القدير للشوكاني ج 4 ص 412.
و نقول:
إن هذا الحديث لا يصح، و ذلك للأمور التالية:
بالنسبة لسند هذا الحديث نكتفي هنا بما ذكره الصالحي الشامي، فقد قال: الحديث في سنده يزيد بن يزيد الموصلي التيمي (مولى لهم). قال ابن الجوزي و الذهبي: إنه حديث باطل، و اتهما به يزيد. قال الذهبي: أما استحى الحاكم من اللّه تعالى أن يصحح مثل هذا الحديث؟ !
و قال في تلخيص المستدرك: هذا موضوع، قبح اللّه من وضعه، و ما كنت أحسب أن الجهل يبلغ بالحاكم أن يصحح مثل هذا، و هو مما افتراه يزيد الموصلي.
قلت: كما أن البيهقي ذكره في الدلائل و قال: هذا الذي روي في هذا الحديث في قدرة اللّه جائز، و ما خص اللّه به رسوله من المعجزات يثبته، إلا أن إسناد هذا الحديث ضعيف بما ذكرته و نبهت على حاله.
و رواه ابن شاهين، و ابن عساكر بسند فيه مجهول عن واثلة بن الأسقع أطول مما هنا، و فيه ألفاظ منكرة. و على كل حال لم يصح في هذا الباب شيء.
قال الشيخ في النكت البديعات: أخرجه الحاكم، و البيهقي في الدلائل و قال: إنه ضعيف (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 435.
و ذكروا: أن وفد الجن جاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سنة إحدى عشرة من النبوة (1)، فعن الزبير بن العوام قال: صلى بنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلاة الصبح في مسجد المدينة، فلما انصرف قال: «أيكم يتبعني إلى وفد الجن الليلة» ؟
فخرجت معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها، و أفضينا إلى أرض، فإذا رجال طوال كأنهم الرماح، مستثفرين ثيابهم من بين أرجلهم. فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديدة حتى ما تحملني رجلاي من الفرق.
فلما دنونا منهم خطّ لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بإبهام رجله خطا، فقال: «اقعد في وسطه» ، فلما جلست ذهب عني كل شيء كنت أجده من ريبة، و مضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بيني و بينهم، فتلا قرآنا، و بقوا حتى طلع الفجر، ثم أقبل. فقال: «الحقني» .
فمشيت معه فمضينا غير بعيد، فقال لي: «التفت و انظر هل ترى حيث كان أولئك من أحد» ؟
فخفض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الأرض (فتناول) عظما و روثة، ثم رمي بهما و قال: «إنهم سألوا الزاد، فقلت لهم: لكم كل عظم و روثة» (2).
1) الدر المنثور ج 6 ص 45 عن أبي نعيم في دلائل النبوة، و الواقدي و عمدة القاري ج 6 ص 37 و ج 16 ص 309 و الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 45 و تفسير الآلوسي ج 26 ص 32 و ج 29 ص 83 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 443.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 434 عن أبي نعيم، و قال في هامشه: ذكره الهيثمي في المجمع ج 1 ص 215، و قال: رواه الطبراني في الكبير و إسناده حسن، و البحار ج 60 ص 294 و السيرة الحلبية ج 2 ص 60 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 64.
عن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحب النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أحد ليلة الجن؟
قلت: ما صحبه منا أحد، و لكن فقدناه ذات ليلة فالتمسناه في الأودية و في الشعاب، فقلنا: اغتيل؟ استطير؟ ما فعل؟ فبتنا بشر ليلة بات بها قوم.
فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء.
فقلنا: يا رسول اللّه، فقدناك فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلة بات بها قوم.
فقال: «إنه أتاني داعي الجن، فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن» .
قال: فانطلق فأرانا آثارهم و آثار نيرانهم.
و سألوه الزاد فقال: «لكم كل عظم ذكر اسم اللّه عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحما، و كل بعرة أو روثة علف لدوابكم»
قال: «فلا تستنجوا بهما، فإنهما زاد إخوانكم من الجن» .
و قال الشعبي: و كانوا من جن الجزيرة (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 434 عن أحمد، و الترمذي، و مسلم، و الدر المنثور ج 6 ص 44 عنهم و عن عبد بن حميد، و البحار ج 60 ص 294 و راجع: صحيح مسلم ج 2 ص 36 و سنن الترمذي ج 5 ص 59 و سنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 109 و ضعيف سنن الترمذي للألباني ص 415 و تفسير البغوي ج 4 ص 174 و أحكام القرآن لابن العربي ج 4 ص 316 و تفسير القرطبي ج 1 ص 315 و ج 19 ص 4 و 6 و تفسير إبن كثير ج 4 ص 176 و أضواء البيان للشنقيطي ج 4 ص 121.
عن ابن مسعود قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «بت الليلة أقرأ على الجن واقفا بالحجون» (1).
و قوله: إنه لم يكن مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصح مما رواه ابن جرير على الزهري قال: أخبرنا أبو عثمان بن سنة-بفتح المهملة و تشديد النون-الخزاعي أنه سمع عبد اللّه بن مسعود يقول: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لأصحابه و هو بمكة: «من أحب منكم أن يحضر الليلة أثر الجن فليفعل» . فلم يحضر معهم أحد غيري.
قال: فانطلقنا فإذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطا ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى إذا قام فافتتح القرآن (فجعلت أرى أمثال النسور تهوي و تمشي في رفرفها، و سمعت لغطا و غمغمة، حتى خفت على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و غشيته أسودة كثيرة حالت بيني و بينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 434 عن ابن جرير، و قال في هامشه: أخرجه الطبري في التفسير ج 26 ص 21، و أحمد في المسند ج 1 ص 416، و ذكره ابن كثير في التفسير ج 7 ص 275 و في (ط دار المعرفة-بيروت) ج 4 ص 177 و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 416 و مسند أبي يعلى ج 8 ص 474 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 224 و 225 و موارد الظمآن للهيثمي ج 5 ص 448 و كنز العمال ج 6 ص 144 و جامع البيان للطبري ج 26 ص 43 و تفسير ابن كثير ج 4 ص 177 و الدر المنثور للسيوطي ج 6 ص 44.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 435 عن ابن جرير، و قال في هامشه عن: المستدرك للحاكم ج 2 ص 503 و عن دلائل النبوة (129) . و راجع: البحار ج 60 ص 295 و راجع: مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 44 و الدرر لابن عبد البر ص 59 و جامع البيان للطبري ج 26 ص 43 و تفسير البغوي ج 4 ص 173 و تفسير القرطبي ج 16 ص 212 و و تفسير ابن كثير ج 4 ص 177 و تهذيب الكمال ج 34 ص 68.
و قال أبو نعيم: كان إسلام الجن و وفادتهم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» كوفادة الإنس فوجا بعد فوج، و قبيلة بعد قبيلة، بمكة، و بعد الهجرة.
عن ابن مسعود قال: إن أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجلا، و تركت، فأخذ بيدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و مضى إلى حجرة أم سلمة، ثم انطلق بي حتى أتينا بقيع الغرقد، فخط بعصاه خطا ثم قال: «اجلس فيها و لا تبرح حتى آتيك» .
ثم انطلق يمشي، و أنا أنظر إليه من خلال الشجر، حتى إذا كان من حيث أراه ثارت مثل العجاجة السوداء، فقلت: ألحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإني أظن هذه هوازن مكروا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليقتلوه، فأسعى إلى البيوت فأستغيث بالناس، فذكرت أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمرني ألا أبرح مكاني الذي أنا فيه.
فسمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقرعهم بعصاه و يقول: «اجلسوا» . فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح، ثم ثاروا و ذهبوا.
فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: «أولئك وفد الجن، سألوني المتاع و الزاد، فمتعتهم بكل عظم حائل، و روثة و بعرة، فلا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل، و لا روثة إلا وجدوا عليها
حبها الذي كان يوم أكلت» (1).
و نقول:
إننا لا نستطيع أن نؤيد صحة النصوص المتقدمة، لأسباب كثيرة مثل:
1-إن أسانيدها تحتاج إلى بحث و تدقيق، لا سيما و أنها لم ترو عن المعصومين «عليهم السلام» ، كما أن في أسانيدها من لا مجال للإطمئنان إلى صدقه، أو إلى ضبطه.
2-إن رواية علقمة عن ابن مسعود صريحة في نفي حضور أحد من الصحابة مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليلة الجن في مكة، فهي تنفي صحة رواية ابن مسعود الأخرى التي تقول: إنه حضرها مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة، بل هي تنفي صحة رواية حضور الزبير أيضا، حتى لو صرحت روايته بأن ذلك كان في المدينة، و تنفي صحة رواية حضور ابن مسعود لوفدهم في المدينة أيضا، و ذلك لسبب بسيط، و هو أن العناصر التي اشتملت عليها الروايات كلها متشابهة بدرجة كبيرة، كما يظهر بالمراجعة
1) سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 445 و ج 6 ص 433 عن أبي نعيم، و في هامشه عن: نصب الراية ج 1 ص 145 و عن تفسير ابن كثير ج 7 ص 282 و في (ط دار المعرفة- بيروت) ج 4 ص 182 و راجع: صحيح البخاري ج 4 ص 241 و فتح الباري ج 7 ص 132 و مسند الشاميين للطبراني ج 4 ص 115 و جامع البيان للطبري ج 26 ص 42 و تفسير الثعلبي ج 9 ص 21 و تفسير البغوي ج 4 ص 174 و تفسير القرطبي ج 13 ص 183 و ج 16 ص 212 و السيرة الحلبية ج 2 ص 64.
و المقارنة، و ذلك يدل على أن الرواة يتصرفون في نص واحد تارة ينسبونه لهذا، و أخرى ينسبونه لذاك، و تارة يجعلونه في هذا البلد، و أخرى في ذاك.
فراجع و قارن لتقف على مدى تأثير الأهواء في صياغة النصوص، و في محاولات تحريفها.
أما الآيات القرآنية فقد صرحت بما يشير إلى مجيء نفر من الجن إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لاستماع القرآن، قال تعالى: وَ إِذْ صَرَفْنٰا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ اَلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ اَلْقُرْآنَ فَلَمّٰا حَضَرُوهُ قٰالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّٰا قُضِيَ وَلَّوْا إِلىٰ قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (1). و لم تصرح الآيات بأنهم قد كلموا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو أظهروا له أنفسهم، و إن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد علم بهم، بوحي من اللّه تعالى، قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ اَلْجِنِّ فَقٰالُوا إِنّٰا سَمِعْنٰا قُرْآناً عَجَباً، يَهْدِي إِلَى اَلرُّشْدِ فَآمَنّٰا بِهِ وَ لَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنٰا أَحَداً (2).
و هذا المقدار لا يبرر اعتبار ذلك وفادة منهم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . إلا إذا استندنا في ذلك إلى الروايات، لكن المروي منها في مصادر غير الشيعة لا مجال للوثوق به أيضا. لكثرة وجوه الإختلاف فيه (3)مع سقوط أسانيده عن الإعتبار: و لكثرة ما يرد عليه من مآخذ كما يعلم بالمراجعة.
و عن الروايات حول وفادات الجن، الواردة في كتب الشيعة نقول:
ذكر القمي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» خرج من مكة إلى سوق عكاظ يدعو الناس، فلم يجبه أحد، ثم رجع إلى مكة، فلما بلغ وادي مجنة تهجد بالقرآن في جوف الليل، فمر به نفر من الجن فسمعوا قراءته، فولّوا إلى قومهم منذرين، فجاؤوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أسلموا، و آمنوا. و علمهم شرائع الإسلام (و نزلت سورة الجن بهذه المناسبة) .
و كانوا يعودون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، في كل وقت، فأمر «صلى اللّه عليه و آله» عليا أمير المؤمنين «عليه السلام» أن يعلمهم و يفقههم (1).
و ذكر نص آخر عن الإمام الكاظم «عليه السلام» : أن تسعة من جن نصيبين و اليمن استمعوا القرآن. فأقبل إليه من الجن أحد و سبعون ألفا، فاعتذروا له و بايعوه (2).
و تجد في كثير من كتب الحديث المروي عن أهل البيت «عليهم السلام» و كذلك في الكتاب الشريف بحار الأنوار (3)للعلامة المجلسي (رفع اللّه مقامه) -تجد-أحاديث كثيرة تتعرض لوفادات كثيرة لأفراد و لجماعات من
1) البرهان (تفسير) ج 4 ص 177 و 178 و البحار ج 18 ص 90 و ج 60 ص 81 و تفسير القمي ج 2 ص 300 و التفسير الصافي للكاشاني ج 5 ص 18 و ج 6 ص 461 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 435 و تفسير الميزان ج 18 ص 220.
2) البحار ج 60 ص 97 و 98 عن الإحتجاج و راجع: ج 10 ص 44 و ج 16 ص 415 و ج 17 ص 292.
3) راجع: البحار ج 60 ص 42-130.
الجن على رسول اللّه، و ملاقاتهم له «صلى اللّه عليه و آله» . . و هي مروية عن أهل البيت «عليهم السلام» و شيعتهم، و هي أكثر سدادا من الروايات الأخرى. . فياحبذا لو أن كتّاب السيرة استفادوا من تلك الروايات في تدوينهم للسيرة النبوية الشريفة، فإن أهل البيت أدرى بما فيه، و هم المأمونون على هذا الدين و على سيرة سيد المرسلين. .
قال المجلسي «رحمه اللّه» : «لا خلاف في أن الجن و الشياطين مكلفون، و أن كفارهم في النارهم معذبون» (1).
و في تفسير القمي: سئل العالم «عليه السلام» عن مؤمني الجن يدخلون الجنة؟ !
فقال: لا، و لكن للّه حظائر بين الجنة و النار، يكون فيها مؤمنو الجن، و فساق الشيعة (2).
و قال العلامة المجلسي «رحمه اللّه» : «و لا خلاف في أن نبينا «صلى اللّه عليه و آله» مبعوث إليهم، و أما سائر أولي العزم، فلم يتحقق عندي بعثهم عليهم نفيا أو إثباتا، و إن كان بعض الأخبار يشعر بكونهم مبعوثين
عليهم» (1).
ذكرت الروايات المتقدمة: أن ابن مسعود كان من أهل الصفة، و ورد التصريح بذلك في مصادر أخرى (2).
غير أننا نقول:
إن علينا أن نأخذ بنظر الإعتبار الأمور التالية:
1-إن الرواية تفيد: أن قضية ابن مسعود أنه كان من أهل الصفة حتى بعد زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأم سلمة، و من المعلوم: أن زواجها به «صلى اللّه عليه و آله» قد كان في السنة الرابعة من الهجرة (3)و الذين قالوا أن زواجه منها كان في السنة الثانية مخطئون قطعا لأن زوجها أبو سلمة بن عبد أسد قد جرح في معركة أحد و مات من جراحاته (4)ثم تزوجها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد انقضاء عدتها منه.
1) البحار ج 60 ص 291.
2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 433 و تفسير السمعاني ج 2 ص 107 و نصب الراية ج 1 ص 215 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 64.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 369 و عمدة القاري ج 3 ص 216 و فتح الباري ج 1 ص 324.
4) تهذيب التهذيب ج 12 ص 405 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 150 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 103 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 217 و غيرها.
2-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما قدم المدينة أقطع الدور، لأصحابه و أقطع ابن مسعود في من أقطع (1).
و قال ياقوت: «لما قدم «صلى اللّه عليه و آله» مهاجرا إلى المدينة أقطع الناس الدور و الرباع، فخط لبني زهرة في ناحية من مؤخر المسجد، و كان لعبد الرحمن بن عوف الحش المعروف به. و جعل لعبد اللّه و عقبة ابني مسعود الهذليين الخطة المشهورة بهم عند المسجد» (2).
و قد حدد المؤرخون موضع دار ابن مسعود، و أنها مقابل أول باب للمسجد من أبواب الشام مما يلي المشرق.
و جعلوا في موضع دار ابن مسعود الدار المعروفة بدار المضيف. و هي إلى جنب دار أبي الغيث ابن المغيرة، التي جعلوا في موضعها الرباط المعروف برباط الظاهرية و الشرشورة (3).
1) المعجم الكبير ج 10 ص 374 و المبسوط ج 3 ص 274 و جواهر الكلام ج 38 ص 55 و الأم للشافعي ج 4 ص 50 و عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ق 1 ص 107 و راجع ص 108 و راجع: معجم البلدان ج 5 ص 86 و مسالك الأفهام، كتاب إحياء الموات و وفاء الوفاء ج 2 ص 718 و بيل الأوطار للشوكاني ج 6 ص 59 و مكاتيب الرسول للاحمدي ج 1 ص 355 و مجمع الزوائد ج 4 ص 197 و المعجم الأوسط للطبراني ج 5 ص 163 و امعجم الكبير للطبراني ج 10 ص 222.
2) وفاء الوفاء ج 2 ص 718 و معجم البلدان ج 5 ص 86.
3) راجع: وفاء الوفاء ج 2 ص 695 و 728 و كانت تدعى دار القراء و خلاصة الوفا باخبار دار المصطفى ج 1 ص 170 و 220.
3-الصفة: مكان في مؤخرة المسجد النبوي مظلل، أعد لنزول الغرباء فيه، ممن لا مأوى لهم و لا أهل، و أهل الصفة هم أناس فقراء لا منازل لهم، فكانوا ينامون في المسجد لا مأوى لهم غيره (1).
و في بعض النصوص: لا يأوون على أهل و لا مال، و لا على أحد (2).
فهل بقي ابن مسعود بلا بيت، و بلا دار، و بلا مال طيلة هذه السنوات؟ !
و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أقطعه دارا في أول الهجرة، فلماذا لم يستفد منها في إيجاد محل يأوي إليه؟ ! في حين أن بناء البيت لا يحتاج إلى بذل أموال، أو استئجار الرجال، بل كان يمكنه هو أن يجمع بعض الحجارة و يبنيها، ثم يسترها بما يجده من سقف أو سواه، ثم يأوي إليه. .
على أن لنا سؤالا آخر، و هو: أين كانت عائلة ابن مسعود، و أخواته، و أمه و. . و. . طيلة هذه المدة هل كانوا معه في الصفة أيضا؟ !
إن ذلك كله يشير إلى أن عدّه من أصحاب الصفة، و كذلك غيره ممن يشبه حاله حال ابن مسعود يبقى غير مفهوم.
1) وفاء الوفاء ج 2 ص 453 و 454 و ميزان الحكمة للريشهري ج 4 ص 3226 و فتح الباري ج 11 ص 244 و عمدة القاري ج 4 ص 198 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 28 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 255.
2) وفاء الوفاء ج 2 ص 455 و مناقب الإمام أمير المؤمنين «عليه السلام» محمد بن سليمان الكوفي ج 1 ص 73 و سنن الترمذي ج 4 ص 61 و 62 و فتح الباري ج 11 ص 243 و تحفة الأحوذي للمباركفوري ج 7 ص 150 و رياض الصالحين للنووي ص 276 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 319 و 320.
ورووا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان على جبل من جبال تهامة خارج مكة، إذ أقبل شيخ متوكئ على عصا-و في لفظ: بيده عصا- فسلم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فرد عليه السلام، و قال: «نغمة الجن و مشيتهم» -و في رواية: «جني و نغمته-من أنت» ؟
قال: أنا هامة بن الهيم بن لا قيس بن إبليس.
قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ليس بينك و بين إبليس إلا أبوان» ؟ !
قال: نعم.
قال: «فكم أتى عليك الدهر» ؟
قال: قد أفنت الدنيا عمرها إلا قليلا. كنت ليالي قتل قابيل هابيل غلاما ابن أعوام، أفهم الكلام، و أمر على الآكام، و آمر بإفساد الطعام، و قطيعة الأرحام، و أأرّش بين الناس، (و أغري بينهم).
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «بئس لعمر اللّه عمل الشيخ المتوسم، و الفتى المتلوم» .
قال: دعني من اللوم، فقد جرت توبتي على يدي نوح «عليه السلام» ، و كنت معه فيمن آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم و أبكاني.
و قال: لا جرم، إني على ذلك من النادمين، و أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين.
و كنت مع هود «عليه السلام» في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم
أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم و أبكاني، فقال: لا جرم، إني على ذلك من النادمين، و أعوذ باللّه أن أكون من الجاهلين.
(و ذكرت رواية القمي و غيره: أنه عاتب صالحا أيضا على دعائه على قومه) .
و كنت أزور يعقوب، و كنت مع يوسف بالمكان المكين.
و كنت ألقى إلياس في الأودية و أنا ألقاه الآن.
و كنت مع إبراهيم خليل الرحمن لما ألقي في النار، فكنت بينه و بين المنجنيق، حتى أخرجه اللّه منه.
و لقيت موسى بن عمران فعلمني من التوراة و قال لي: إن أنت لقيت عيسى ابن مريم فأقرأه مني السلام.
و كنت مع عيسى فقال: إن لقيت محمدا فأقرئه مني السلام.
و أنا يا رسول اللّه قد بلغت و آمنت بك.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و على عيسى السلام» -و في لفظ: - «و عليك يا هامة، ما حاجتك» ؟
فقال: موسى علمني من التوراة، و عيسى علمني من الإنجيل، فعلمني من القرآن.
فعلمه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سورة المرسلات، و عم يتساءلون، و إذا الشمس كورت، و المعوذتين، و قل هو اللّه أحد.
و في لفظ عمر: إذا وقعت الواقعة.
و في رواية: علمه عشر سور.
و قال له «صلى اللّه عليه و آله» : «ارفع إلينا حاجتك يا هامة، و لا تدع
زيارتنا» .
و قال عمر بن الخطاب: فقبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لم ينعه إلينا، و لسنا ندري أحي هو أو ميت (1).
و نقول:
لقد ذكر البعض هذا الحديث في جملة الوفود على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و لا يخالجنا شك في كونه من الأحاديث الموضوعة، فتابعناه و ذكرناه، لكي نؤكد للقارئ الكريم على هذه الحقيقة، مستدلين عليها بما يلي:
أولا: لقد حكم غير واحد على هذا الحديث بأنه مكذوب أو ضعيف، و قد أورده ابن الجوزي في الموضوعات، فراجع (2).
ثانيا: إن هذه الرواية تتضمن الإساءة لأنبياء اللّه سبحانه و تعالى، و تنسب إليهم الخطأ و الندم عليه.
ثالثا: إنها تنسب الخطأ أو الجهل، أو الظلم إلى اللّه تبارك و تعالى. . لأن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 438 و 439 عن ابن الجوزي في الموضوعات و اللآلي المصنوعة، و النكت البديعات، و عن عبد اللّه بن أحمد في زوائد الزهد، و العقيلي في الضعفاء، و ابن مردويه في التفسير، و أبي نعيم في حلية الأولياء و الدلائل، و البيهقي في الدلائل، و المستغفري في الصحابة، و إسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، و الفاكهي في كتاب مكة، و البحار ج 60 ص 303 و 83-84 و ج 38 ص 54-57 و ج 27 ص 14-17 و ج 18 ص 84 عن أسد الغابة و عن تفسير القمي و بصائر الدرجات ص 27.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 439.
إغراق قوم نوح و إهلاك قوم هود و صالح، إذا كان خطأ، فإما أن يكون اللّه تعالى كان جاهلا بهذا الخطأ، فنسبته ذلك إلى اللّه تبارك و تعالى جريمة عظمى، و معصية كبرى. .
و إما أن يكون تعالى قد علم بالخطأ في حقهم، ثم فعله، فذلك ظلم منه سبحانه لهم. . و هو ينافي ألوهيته، و تؤدي نسبته إلى العزة الإلهية إلى الكفر باللّه سبحانه، فإذا كان هود و نوح قد اعتقدا بأن قومهما قد ظلموا بما جرى عليهم، فذلك يعني أنهما ينسبان إلى اللّه تبارك و تعالى، إما الظلم أو الجهل. . و هذا يؤدي إلى نسبة الكفر لهذين النبيين الكريمين العظيمين.
رابعا: إذا كان حفيد إبليس قد عرف خطأ نوح و هود في دعائهما على قومهما، و لم يعرفا هما ذلك، فإنه يكون أحق بالنبوة منهما، و أولى بالتقدم عليهما.
خامسا: إن ظاهر كلام حفيد إبليس هو: أنه قد كرر عتابه لنوح و هود، حتى فاز بما يريد، و أنهما «عليهما السلام» لم يقبلا منه إلا بعد لأي. . فلماذا احتاج حفيد إبليس إلى تكرار العتاب لهما؟ هل لأن حجته لم تكن كافية؟ ! أم أنهما رفضا الإعتراف بالخطأ على سبيل العناد و اللجاج؟ ! و هل يستحق اللجوج العنيد مقام النبوة؟ !
إن حفيد إبليس قد ادّعى أنه كان مع هود في مسجده مع من آمن من قومه (1)، مع أن الآيات القرآنية تقول: إن قوم هود قد هلكوا عن بكرة أبيهم
1) البحار ج 27 ص 16 و بصائر الدرجات ص 118 و مدينة المعاجز ج 1 ص 128 و جامع احاديث الشيعة للبروجردي ج 14 ص 330 و كنز العمال ج 6 ص 165 و ضعفاء العقيلي ج 1 ص 99 و طبقات المحدثين بأصبهان لابن حبان ج 3 ص 267 و الموضوعات لابن الجوزي ج 1 ص 207 و ميزان الإعتدال ج 1 ص 187 و لسان الميزان ج 1 ص 356 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 113 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 186.
و لم ينج منهم إلا هود و أهله، باستثناء امرأته فإنها هلكت مع من هلك.
فكيف يدعي حفيد إبليس أنه كان مع هود جماعة مؤمنون من قومه؟ !
و قد أضافت النصوص المروية في كتب الشيعة: أنه لما طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعلمه شيئا من القرآن قال «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» علّمه، فقال هام: يا محمد، إنا لا نطيع إلا نبيا أو وصي نبي، فمن هذا؟
قال: هذا أخي، و وصيي، و وزيري، و وارثي علي بن أبي طالب.
قال: نعم، نجد اسمه في الكتب إليّا، فعلمه أمير المؤمنين، فلما كانت ليلة الهرير بصفين جاء إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» (1).
و نقول:
أولا: هناك زيادة طويلة ذكرها في رواية روضة الكافي، و فيها ما يناقض هذا الذي ذكر آنفا، حيث صرحت: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله»
1) تفسير القمي ج 1 ص 376 و تفسير الصافي للكاشاني ج 3 ص 107 و البحار ج 60 ص 84 و ج 27 ص 14 و 16 و ج 18 ص 84 عن تفسير القمي و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 8.
سأل حفيد إبليس إن كان يعرف وصيه، فقال: إذا نظر إليه يعرفه بصفته و اسمه الذي قرأه في الكتب.
فقال له: انظر، فنظر في الحاضرين، فلم يجده فيهم.
و بعد حديث طويل سأله فيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أوصياء الأنبياء «عليهم السلام» ، و أجابه، و وصف له عليا «عليه السلام» ، ثم جاء علي «عليه السلام» فعرفه بمجرد أن وقع نظره عليه.
ثم تذكر الرواية: أن الهام بن الهيم بن لا قيس قتل بصفين (1).
ثانيا: إن نفس اعتراض هذا الجني على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين طلب من علي «عليه السلام» أن يعلمه شيئا من القرآن يدل على خلل أساسي في إيمانه، لأن الإيمان برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معناه الطاعة له، و الإستسلام لأوامره و نواهيه، و من يرفض ذلك لا يكون كذلك.
ثالثا: ما الذي جعل لهذا الجني الحق في أن لا يطيع ما عدا الأنبياء و أوصياءهم، حتى حين يأمرهم الأنبياء و الأوصياء بذلك؟ و ما الذي يميزه عن غيره من بني جنسه في ذلك؟ !
1-عن أبي هريرة قال: جاء ذئب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأقعى بين يديه، و جعل يبصبص بذنبه، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) البحار ج 38 ص 54-57 و ج 27 ص 15-17 و أشار في هامشه إلى الروضة ص 41 و 42 و بصائر الدرجات ص 27 و الروضة في فضائل أمير المؤمنين لابن جبرئيل القمي ص 223.
و آله» : «هذا وافد الذئاب، جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئا» .
فقالوا: لا و اللّه يا رسول اللّه، لا نجعل له من أموالنا شيئا.
فقام إليه رجل من الناس، و رماه بحجر، فسار و له عواء (1).
2-و عن حمزة بن أبي أسيد قال: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في جنازة رجل، فإذا ذئب متفرشا ذراعيه على الطريق، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هذا معترض فافرضوا له» .
قالوا: ما ترى يا رسول اللّه.
قال: «من كل سائمة شاة في كل عام» .
قالوا: كثير، فأشار إلى الذئب أن خالسهم، فانطلق الذئب (2).
3-عن المطلب بن عبد اللّه بن حنطب قال: بينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس بالمدينة في أصحابه، إذ أقبل ذئب فوقف بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فعوى (بين يديه)، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هذا وافد السباع إليكم، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، و ان أحببتم تركتموه و تحررتم منه، فما أخذ فهو رزقه» .
فقالوا: يا رسول اللّه، ما تطيب أنفسنا له بشيء.
فأومأ إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأصابعه: أن خالسهم، فولى و له
عسلان (1).
4-عن رجل من مزينة أو جهينة قال: صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الفجر، فإذا هو بقريب من مائة ذئب قد أقعين. (و كانوا)وفود الذئاب.
فقال لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هؤلاء وفود الذئاب، سألتكم أن ترضخوا لهم شيئا من فضول طعامكم، و تأمنوا على ما سوى ذلك» .
فشكوا إليه حاجة.
قال: «فادنوهن» . فخرجن و لهم عواء (2).
5-عن سليمان بن يسار مرسلا قال: أشرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» على الحرّة، فإذا ذئب واقف بين يديه، فقال: «هذا يسأل من كل سائمة شاة» . فأبوا، فأومأ إليه بأصابعه، فولى (3).
قد يقول قائل: إن افتراس الذئاب للغنم و لغيرها لم يبدأ في زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يكفي أن نذكر ما تعلل به أخوة يوسف «عليه السلام» لإخفاء مكرهم بأخيهم يوسف حيث ادّعوا أن الذئب قد أكله، و جاؤوا على
1) البداية و النهاية ج 6 ص 166 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 440 عن ابن سعد، و أبي نعيم، و قال في هامشه: أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 ج ق 2 ص 86، و أبو نعيم في الدلائل (133) ، و انظر البداية و النهاية ج 5 ص 95. و العسلان: هو السرعة و راجع: أسد الغابة ج 2 ص 172 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 235.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 440 عن الدارمي، و ابن منيع في مسنده، أبي نعيم.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 440 عن الواقدي، و أبي نعيم.
قميصه بدم كذب. .
كما أن الذئاب كانت تفترس ما تقدر عليه طيلة سنوات كثيرة بعد بعثة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل وفادة الذئاب عليه، فما معنى أن تأتي أخيرا هذه الذئاب إليه «صلى اللّه عليه و آله» لتتقدم بهذا الطلب حتى تخرج بتلك النتيجة التي ذكرتها الروايات السابقة؟ !
و الجواب: أن كل ذلك صحيح، و لكنه لا يمنع من أن يكون اللّه سبحانه أراد أن يظهر الكرامة لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» بتكليم السباع له، و ظهور معرفته بلغة الحيوانات، و طاعتها له، و تعريف الناس بأن لنبينا «صلى اللّه عليه و آله» ميزة على كل أنبياء اللّه «عليهم السلام» الذين سبقوه، تمثلت في عرض تقدمه هذه الذئاب بالتخلي حتى عن طباعها المتأصلة فيها على مدى آلاف السنين، و الرضا بما يفرضه الناس لها من نصيب في مواشيهم و التعهد بعدم التعرض لسواه، و ذلك إكراما لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تمييزا له عن جميع البشر. .
أما هذا الإختلاف الذي يظهر في الروايات المتقدمة. . فيمكن معالجته، بأن من الجائز أن يكون الحدث قد تكرر في المواضع و الأزمنة، و الحالات المختلفة، و قد حضر في كل مرة أناس غير الذين حضروا في المرات الأخرى، و بذلك نفسر أيضا الإختلاف في عدد الذئاب التي حضرت، و غير ذلك من أمور و تفاصيل.
عن ذابل بن الطفيل بن عمرو الدوسي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قعد في مسجده منصرفه من الأباطح، فقدم عليه خفاف بن نضلة بن عمرو بن بهدلة الثقفي، فأنشد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :
كم قد تحطمت القلوص في الدجىفي مهمه قفر من الفلوات
فل من التوريس ليس بقاعهنبت من الأسنات و الأزمات
إني أتاني في المنام مساعدمن جن وجرة كان لي و موات
يدعو إليك ليالياثم احزألّ، و قال لست بآت
فركبت ناجية أضربنيهاجمز تجب به على الأكمات
حتى وردت إلى المدينة جاهداكيما أراك مفرج الكربات
قال: فاستحسنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: «إن من البيان كالسحر، و إن من الشعر كالحكم» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 329 عن البيهقي في دلائل النبوة، و عن أبي سعيد النيسابوري في شرف المصطفى، و نقله في هامشه عن صحيح مسلم 4/2055 (7/2670) و عن البخاري 10/537(6145) و كنز العمال ج 3 ص 860.
و نقول:
قد تضمنت هذه الأبيات أمورا: أهمها: أنه يرى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مفرج الكربات في الأزمات، و قد تحدثنا عن ذلك فيما سبق، فلا نعيد.
عن محجن بن وهب قال: قدم أبو ثعلبة الخشني على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يتجهز إلى خيبر، فأسلم و خرج معه فشهد خيبر، ثم قدم بعد ذلك سبعة نفر من خشين، فنزلوا على أبي ثعلبة، فأسلموا و بايعوا و رجعوا إلى قومهم (1).
هناك وفاداتان لأناس من ثقيف، إحداهما: وفادة شخصية، بمعنى: أن الوافدين لم يكونوا مبعوثين من قبل قومهم، و لا يتكلمون باسمهم، بل هم يعلنون البراءة منهم، و العداء لهم، و يقطعون صلتهم بهم.
و هي وفادة رجلين قدما على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل إسلام ثقيف، بل ربما قبل فتح مكة أيضا، كما قد يستفاد من تشدد ذينك الرجلين في قطع صلتهما بقومهما، و إظهار براءتهما منهم، فقد قالوا:
كان أبو المليح بن عروة، و قارب بن الأسود قدما على رسول اللّه «صلى
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 334 عن ابن سعد، عن الواقدي، و الإصابة ج 4 ص 30 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 329 و ج 7 ص 416 و تاريخ مدينة دمشق ج 66 ص 100.
اللّه عليه و آله» قبل وفد ثقيف، حين قتل عروة بن مسعود يريدان فراق ثقيف، و ألا يجامعاهم على شيء أبدا، فأسلما، فقال لهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «توليا من شئتما» .
فقالا: نتولى اللّه و رسوله (1).
أي أنهما قد وطّنا النفس على قطع أية علاقة مع معسكر الكفر و الشرك، حتى لو لزم من ذلك البراءة من الأهل و العشيرة. . و لأجل ذلك أفسح «صلى اللّه عليه و آله» لهما المجال ليتوليا من شاءا، و تكون بينهما و بينه علاقة الولاء-أعني ولاء ضمان الجريرة، ليمكن التوارث بينهما، فاختارا ولاء اللّه و رسوله. .
و إنما يصح و لاء ضمان الجريرة فيما إذا لم يكن للمضمون وارث.
روي عن الزهري و ثابت، و شريك بن عبد اللّه كلاهما عن أنس، و ابن عباس ما ملخصه و مضمونه:
أن أنس في رواية ثابت قال: «نهينا في القرآن أن نسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن شيء. كان يعجبنا أن نجد الرجل من أهل البادية العاقل، فيسأله و نحن نسمع» .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 297 و عيون الأثر ج 2 ص 273 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 968 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 30 و الإصابة ج 5 ص 306 و أسد الغابة ج 4 ص 187 و ج 5 ص 304 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 504 و الدرر لابن عبد البر ص 249.
و في حديث أبي هريرة: «بينا النبي «صلى اللّه عليه و آله» مع أصحابه متكئا، أو قال جالسا في المسجد، إذ جاء رجل على جمل، فأناخه في المسجد، ثم عقله» .
و في حديث ابن عباس قال: «بعث بنو سعد بن بكر، ضمام بن ثعلبة وافدا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقدم عليه و أناخ بعيره على باب المسجد، ثم دخل المسجد و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس في أصحابه، و كان ضمام رجلا جلدا، أشعر ذا غديرتين، فأقبل حتى انتهى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .» .
قال أنس في رواية شريك: «فقال: أيكم محمد» ؟ أو «أيكم ابن عبد المطلب؟ و النبي «صلى اللّه عليه و آله» متكئ بين ظهرانيهم.
فقلنا له: هذا الأبيض المتكئ» .
أو قالوا: هذا الأمغر المرتفق.
قال: فدنا منه، و قال: إني سائلك فمشدد عليك، أو فمغلظ عليك في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك.
قال: «لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك» .
قال أنس في رواية ثابت: فقال: يا محمد، أتانا رسولك فقال لنا: إنك تزعم أن اللّه تعالى أرسلك؟
قال: «صدق» .
قال: فمن خلق السماء؟
قال: «اللّه» .
قال: فمن خلق الأرض؟
قال: «اللّه» .
قال: فمن نصب هذه الجبال، و جعل فيها ما جعل؟
قال: «اللّه» .
فقال: «فأنشدك اللّه إلهك و إله من قبلك، و إله من هو كائن بعدك» .
أو قال: «فبالذي خلق السماء و خلق الأرض و نصب هذه الجبال» ، «آللّه أمرك أن نعبده وحده، و لا نشرك به شيئا، و أن ندع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟
قال: «اللهم نعم» .
قال: «و زعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا و ليلتنا» .
قال: «صدق» .
قال: فأنشدك اللّه إلهك و إله من كان قبلك، و إله من هو كائن بعدك، آللّه أمرك أن تصلي هذه الصلوات الخمس؟
قال: «اللهم نعم» .
قال: «و زعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا» .
قال: «صدق» .
قال: أنشدك باللّه، آللّه أمرك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فترده على فقرائنا؟
فقال: «اللهم نعم» .
قال: «و زعم رسولك أن علينا صوم شهر في سنتنا» .
قال: «صدق» .
قال: «و أنشدك اللّه، آللّه أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم نعم» .
قال: «و زعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا» .
قال: «نعم» .
و في حديث ابن عباس: «ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة، فريضة الزكاة و الصيام، و الحج، و شرائع الإسلام كلها، ينشده عن كل فريضة منها كما ينشده عن التي قبلها، حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا اللّه، و أشهد أن محمدا رسول اللّه، و سأؤدي هذه الفرائض، و أجتنب ما تنهينّي عنه، ثم لا أزيد و لا أنقص» .
و في رواية شريك: «آمنت بما جئت به، و أنا رسول من ورائي من قومي، و أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر» .
و في حديث أبي هريرة: «و أما هذه الهناة، فو اللّه إن كنا لنتنزه عنها في الجاهلية» .
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن صدق ليدخلن الجنة» .
و في حديث أبي هريرة: «فلما أن ولى قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فقه الرجل» .
و قال: «فكان عمر بن الخطاب يقول: «ما رأيت أحدا أحسن مسألة، و لا أوجز من ضمام بن ثعلبة» .
فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به: بئست اللات و العزى.
فقالوا: مه يا ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون.
قال: «ويلكم» ! إنهما و اللّه لا يضران و لا ينفعان، إن اللّه قد بعث رسولا
و أنزل عليه كتابا، فاستنقذكم به مما كنتم فيه، و إني أشهد ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، و قد جئتكم من عنده بما أمركم به و ما نهاكم عنه» .
قال: «فو اللّه ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل أو امرأة إلا مسلما» .
زاد ابن سعد: «و بنوا المساجد، و أذنوا بالصلوات» .
قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (1).
قال أبو الربيع: اختلف في الوقت الذي وفد فيه ضمام هذا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقيل: سنة خمس، ذكره الواقدي و غيره، و قيل: سنة تسع، (قال الزرقاني: في سنة تسع على الصواب، و به جزم ابن إسحاق، و أبو عبيدة و غيرهما، خلافا لما زعم الواقدي أنه سنة خمس كما أفاده
1) راجع ما تقدم كلا أو بعضا في المصادر التالية: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 353 و 354 و 355 عن البخاري، و مسلم، و أحمد، و الترمذي، و أبي داود، و النسائي، و ابن ماجة، و أبي القاسم البغوي، و ابن سعد، و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 192-202 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 215-217 و الإصابة ج 2 ص 210 و 211 و مسند أحمد ج 1 ص 265 و سنن الدارمي ج 1 ص 167 و المستدرك للنيسابوري ج 3 ص 55 و عمدة القاري ج 2 ص 22 و الإستيعاب ج 2 ص 753 و تاريخ المدينة للنميري ج 2 ص 523 و تاريخ الطبري ج 2 ص 384 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 290 و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 73 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 997 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 355.
الحافظ) (1). و به جزم ابن حبيب أيضا.
و نقول:
أولا: قال في البداية: و في سياق حديث ابن عباس ما يدل على أن ضماما رجع إلى قومه قبل الفتح، لأن العزّى هدمها خالد بن الوليد أيام الفتح.
و قد يناقش في ذلك: بأن ذكر العزّى بالسوء، حتى بعد هدمها على يد خالد كان كافيا لإحداث الخوف لدى أصحاب النفوس الضعيفة. من الإصابة بالجنون، و الجذام، و. . و. . الخ. . فلا يدل ذكرها على أن هذه الحادثة قد حصلت بعد هدمها، و نرد على هذه المسألة: بأن هذا الإحتمال بعيد، لأن العزى لم تستطع أن تدفع الهدم عن نفسها، و لا استطاعت أن توصل لمن تولى هدمها أي سوء. فهل يمكن أن نتوقع منها أن يبتلى من يشتمها بجنون، أو بجذام، أو بغير ذلك؟ !
ثانيا: إن ضماما قد وفد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سنة تسع، لأن ابن عباس يقول في روايته لما جرى: «فقدم علينا» (2). فيدل لك على أنه كان حاضرا في هذه المناسبة.
و من الواضح: أن ابن عباس إنما قدم المدينة بعد فتح مكة.
زعم أنس: أن القرآن قد نهاهم عن أن يسألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن شيء، فكانوا يعجبهم مجيء الرجل من البادية، فيسأله، و يسمعون. .
و نقول:
إن ذلك غير مقبول، بل غير معقول. .
أولا: إنهم قد زعموا أن القرآن قد نهاهم عن سؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الذي نهاهم القرآن عنه هو السؤال عن بعض الأشياء التي لو أبديت لهم لساءتهم، فكان يجب أن يصبروا حتى ينزل القرآن ببيانها، لكان خيرا لهم.
ثانيا: لو فرضنا أنهم يزعمون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فسر لهم النهي عن توجيه أي سؤال له «صلى اللّه عليه و آله» فنقول: إن هذا غير معقول، لأن اللّه تعالى قد أمرهم بسؤال أهل الذكر، فقال: فَسْئَلُوا أَهْلَ اَلذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ (1)، فلا معنى لأن ينهاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عما أمرهم اللّه تعالى به! و إن كان النهي عن ذلك قد صدر عن غير النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أي أن بعض الصحابة نهاهم عن ذلك، أو فسر لهم النهي القرآني بما يفيد العموم، فالسؤال هو: لماذا أطاعوا ذلك الناهي لهم في أمر يخالف به القرآن؟ بل لماذا لم يشتكوه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ليرشده إلى الحق و يحمله عليه؟ ! أو على الأقل لماذا لم يسألوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن صحة ما قيل لهم؟ !
و لو فرضنا أنه قيل لهم ذلك، فلماذا لا يأخذون بما روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» من أنه قال: سائلوا، و خالطوا الحكماء، و جالسوا الفقراء (2).
و عن الإمام الصادق «عليه السلام» : «إنما يهلك الناس لأنهم لا يسألون» (1).
و عنه «عليه السلام» : «إن هذا العلم عليه قفل مفتاحه السؤال» (2).
و كان الإمام السجاد «عليه السلام» إذا جاءه طالب علم قال: مرحبا بوصية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).
ثانيا: إن في تعليم العلم، و إجابة السائلين مثوبات لا يرغب عنها الإنسان المؤمن؛ فكيف برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
فقد روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال: «العلم خزائن، و مفتاحه السؤال، فاسألوا يرحمكم اللّه، فإنه يؤجر فيه أربعة: السائل، و المعلم، و المستمع، و المجيب لهم» .
و عن الإمام الصادق عن أبيه «عليهما السلام» نحوه (4).
و هناك الأحاديث المثبتة لعقوبة من كتم علما نافعا، فعنه «صلى اللّه عليه
1) البحار ج 1 ص 198 عن منية المريد و الحدائق الناضرة ج 1 ص 78 و الكافي ج 1 ص 40 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 95.
2) البحار ج 1 ص 198 عن منية المريد و الكافي ج 1 ص 40 و منية المريد للشهيد الثاني ص 175 و 259 و البحار ج 1 ص 198 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 102.
3) سفينة البحار ج 6 ص 348 و البحار ج 1 ص 168 و ج 46 ص 62 و 63 و المجموع للنووي ج 1 ص 27 و روضة الطالبين للنووي ج 1 ص 74 و الخصال للصدوق ص 518 و الأمالي للطوسي ص 478.
4) البحار ج 1 ص 196 و 197 عن صحيفة الرضا «عليه السلام» ، و عن الخصال.
و آله» قال: من كتم علما نافعا جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار (1).
ثالثا: لماذا ينهى أصحاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن سؤاله، و يباح للأعراب و أهل البادية أن يسألوه؟ ألا يشير ذلك إلى أن الذين نهوا عن سؤاله «صلى اللّه عليه و آله» هم أشخاص بأعيانهم؟ !
بل لماذا لا يقال-كما أثبتته النصوص-: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان ينهى بعض الناس أو كلهم عن السؤال تعنتا؟ ! أو لأجل أنهم كانوا يسألونه «صلى اللّه عليه و آله» عن أمور لا يصح السؤال عنها مطلقا، أو إلا حين
1) سفينة البحار ج 6 ص 358 و التحفة السنية للجزائري ص 11 و أمالي الطوسي ص 377 و منية المريد للشهيد الثاني ص 369 و البحار ج 2 ص 68 و ج 7 ص 217 و الغدير ج 8 ص 153 و مسند أحمد ج 2 ص 296 و 499 و 508 و مجمع الزوائد ج 1 ص 163 و المعجم الأوسط للطبراني ج 2 ص 382 و ج 5 ص 108 و 356 و المعجم الكبير للطبراني ج 11 ص 117 و الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 54 و جامع بيان العلم و فضله لابن عبد البر ج 1 ص 4 و 5 و 38 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 1 ص 254 و كنز العمال ج 10 ص 196 و 216 و تفسير الصافي ج 1 ص 163 و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 518 و تفسير الميزان ج 3 ص 75 و تفسير القرآن للصنعاني ج 1 ص 64 و أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 122 و تفسير الرازي ج 1 ص 184 و الدر المنثور للسيوطي ج 1 ص 162 و تفسير الآلوسي ج 2 ص 26 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 331 و ضعفاء العقيلي ج 1 ص 74 و ج 4 ص 160 و الكامل ج 3 ص 455 و ج 4 ص 312 و ج 5 ص 212 و ج 6 ص 341 و كتاب الضعفاء للأصبهاني ص 50 و تاريخ بغداد ج 7 ص 418 و ج 14 ص 325 و تاريخ مدينة دمشق ج 43 ص 541 و ميزان الإعتدال للذهبي ج 2 ص 582 و غيرها.
يحين وقتها. إذ لو أجيبوا عنها قبل ذلك كان فيه مضرة عليهم، و يشير إلى ذلك قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَسْئَلُوا عَنْ أَشْيٰاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَ إِنْ تَسْئَلُوا عَنْهٰا حِينَ يُنَزَّلُ اَلْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اَللّٰهُ عَنْهٰا وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهٰا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهٰا كٰافِرِينَ (1).
و قد قال الخضر لموسى «عليهما السلام» : فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلاٰ تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّٰى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (2). و في هذا دلالة على أن هناك أسئلة لا يرى المسؤول مصلحة في الإجابة عليها في وقت أو في مرحلة معينة. .
و ربما كانوا يسألون عن علم يضرهم علمه، أو يسألون عن علم لا يضرهم جهله، و لا ينفعهم علمه، فقد روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قوله في من وصف له بأنه علاّمة، لعلمه بأنساب العرب، و وقايعها و أيام الجاهلية، و بالأشعار و العربية: «ذاك علم لا يضر من جهله، و لا ينفع من علمه» (3).
و عن الإمام الكاظم «عليه السلام» ، أنه قال: «فلا تشغلن نفسك بعلم
1) الآيتان 101 و 102 من سورة المائدة.
2) الآية 70 من سورة الكهف.
3) سفينة البحار ج 6 ص 244 عن أمالي الصدوق و تحرير الأحكام للحلي ج 1 ص 40 و عوائد الأيام للنراقي ص 551 و الكافي ج 1 ص 32 و الأمالي للصدوق ص 340 و معاني الأخبار للصدوق ص 141 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 17 ص 327 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 12 ص 245 و مستطرفات السرائر لابن إدريس الحلي ص 627 و مشكاة الأنوار للطبرسي ص 242 و عوالي اللئالي ج 4 ص 79 و البحار ج 1 ص 211 و معارج الأصول للمحقق الحلي ص 23.
ما لا يضرك جهله» (1).
و قد تقدم: أن ذلك الوافد قال: أيكم محمد؟ ! فدلوه عليه. .
و هذا يدل على: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يمتاز في مجلسه عن غيره من جلسائه.
و إن نور النبوة، و جلال الإيمان، و إن كان يحتم على كل قادم أن ينشدّ إليه، و ينبهر بإشراقة وجهه، و يؤخذ بهيبته، و يأسره و قاره.
و لكن ذلك لا يعفيه من السؤال عنه، على قاعدة: . . قٰالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قٰالَ بَلىٰ وَ لٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي. . (2). لا سيما و أن هؤلاء الوافدين لم يعتادوا على مساواة الرؤساء أنفسهم بعامة الناس. .
و لعل عليا «عليه السلام» كان حاضرا، و هو أخو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأثار ذلك لدى ذلك الوافد بعض الإلتباس، فاحتاج إلى تحصيل السكينة عن طريق السؤال. .
و زعموا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان متكئا بين أصحابه. .
و نحن نشك في صحة ذلك، فقد روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ما اتكأ بين يدي رجل قط (1).
و قد قرأنا في النص السابق مناشدات ضمام لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و استحلافه له على صدق ما يقول، و أنه أسلم بعد أن أخبره «صلى اللّه عليه و آله» بصحة ذلك كله. .
و نحن و إن كنا نرى أن ثمة قدرا من العفوية لدى أهل البادية، الذين لا يجدون الكثير من الحوافز لديهم للإستفادة من أساليب المكر، أو اتخاذ مواقف التزلف، و المحاباة و الرياء، غير أن مما لا شك فيه أن ضمام بن ثعلبة لم يكن ذلك الرجل المغفل و الساذج، و لا مجال للإستهانة بالطريقة التي أسلم بها. بل هي أسلوب له دلالات ذات قيمة كبيرة، و أهمية بالغة، حيث إنها عبرت عن صفاء الفطرة، و عن حسن الإدراك، إذ لا شك في أن هذا الرجل لم يجد في هذه التعاليم أي شيء يصادم فطرته، و يرفضه عقله، أو يأباه ضميره و وجدانه، بل هو لم يجد فيها أي غموض أو إبهام يستحق حتى الإستفهام عن معناه أو مغزاه، أو عن مبرراته.
1) راجع: عيون اخبار الرضا ج 1 ص 197 و البحار ج 49 ص 91 و موسوعة أحاديث أهل البيت ج 5 ص 206 و إعلام الورى ج 2 ص 63 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 12 ص 209 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 439 و جامع أحاديث الشيعة ج 15 ص 556 و مسند الإمام الرضا ج 1 ص 45 و مستدرك سفينة البحار ج 3 ص 187.
بل غاية ما احتاج إليه هو مجرد تحصيل السكون و الطمأنينة إلى مصدر هذه التعاليم، و أنها تنتهي إلى الوحي الإلهي. .
و أما عن اكتفاء ضمام بشهادة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، على النحو الذي تقدم، فإننا نقول:
إن هناك عوامل عدة تفرض على ضمام أن ينصاع لما يقرره النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو يعرف موقع بني هاشم في الأمة، و مكانتهم في قريش، و العرب، و مكة، و يعرف أيضا ما كان من عبد المطلب في عام الفيل. بالإضافة إلى معرفته بسيرة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» منذ طفولته حتى كهولته، و لا شك في أن أحدا لم يكن يجهل معجزات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» طيلة أكثر من عشرين سنة، و القرآن الكريم معجزة حاضرة لهم في كل زمان و مكان. . بل إن معجزات علي «عليه السلام» و منها اقتلاعه باب خيبر، و هي الأخرى معجزات للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و من دلائل صحة النبوة. و لم يكن ذلك كله ليخفى على أحد في المنطقة العربية بأسرها. .
و هذا كله يعطي أن مطلوب ضمام هو الحصول على السكينة و الطمأنينة، باتصال النبي «صلى اللّه عليه و آله» باللّه عن طريق جبرئيل من نفس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بعد أن حصل على القناعات العقلية الكافية، من خلال جميع ما أشرنا إليه و سواه.
و واضح: أن ما كان يخشاه هؤلاء من اللاّت و العزّى هي أمور حتى لو حصلت فعلا، فإنه لا يمكن إقامة الدليل على أن لتلك الأصنام صلة بها.
بل إن هذه الوفادة إن كانت قد حصلت بعد فتح مكة، فإن هدم علي «عليه السلام» الأصنام التي كانت في الكعبة، و غيرها مما هدمه «عليه السلام» منها بعد ذلك و عدم حصول أي شيء له طيلة هذه المدة يكفي لإثبات عدم صحة الزعم بقدرة الأصنام على شيء من ذلك.
و المفارقة هي: أن هؤلاء يستندون إلى و هم هنا، و خيال هناك. و لكنهم يرفضون الإنصياع لما تقضي به فطرتهم، و تحكم به عقولهم، ألا و هو التوحيد، و سائر الإعتقادات الحقة، و التعاليم الصحيحة، رغم تأييدها بالمعجزات و الكرامات، و كل شواهد الصدق و دلائله.
عن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي قال: لما سمعوا بخروج النبي «صلى اللّه عليه و آله» وثب ذباب-رجل من بني أنس اللّه بن سعد العشيرة- إلى صنم كان لسعد العشيرة يقال له: فرّاض، فحطمه، ثم وفد إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» و قال:
تبعت رسول اللّه إذ جاء بالهدىو خلفت فرّاضا بدار هوان
شددت عليه شدة فتركتهكأن لم يكن و الدهر ذو حدثان
و لما رأيت اللّه أظهر دينهأجبت رسول اللّه حين دعاني
فأصبحت للإسلام ما عشت ناصراو ألقيت فيه كلكلي و جراني
فمن مبلغ سعد العشيرة أننيشريت الذي يبقى بآخر فاني (1)
1) سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 211 و ج 6 ص 338 عن ابن سعد، و الإصابة (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 336 و ج 7 ص 105، و ج 1 ص 481 عن ابن شاهين، و في و ابن مندة في دلائل النبوة، و المعافي في الجليس، و البيهقي في الدلائل، و ابن سعد، و كنز الفوائد للكراجكي ص 92، و البحار ج 18 ص 102، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 342، و أسد الغابة ج 2 ص 136، و أعيان الشيعة ج 8 ص 52.
و عن عبد اللّه بن شريك النخعي، قال: كان عبد اللّه بن ذباب الأنسي مع علي بن أبي طالب «عليه السلام» بصفين، فكان له غناء (1).
و قالوا: إنه قبل المسير إلى تبوك وفد واثلة بن الأسقع الليثي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقدم المدينة و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتجهز إلى تبوك، فصلى معه الصبح، فقال له: «ما أنت؟ و ما جاء بك؟ و ما حاجتك» ؟
فأخبره عن نسبه، و قال: أتيتك لأؤمن باللّه و رسوله.
قال: «فبايع على ما أحببت و كرهت» .
فبايعه و رجع إلى أهله، فأخبرهم، فقال له أبوه: «و اللّه لا أكلمك كلمة أبدا، و سمعت أخته كلامه، فأسلمت و جهزته.
فخرج راجعا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوجده قد صار إلى تبوك، فقال: من يحملني عقبه و له سهمي؟
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 338 عن ابن سعد، و الإصابة ج 1 ص 481، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 342، و أعيان الشيعة ج 8 ص 52.
فحمله كعب بن عجرة حتى لحق برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و شهد معه تبوك، و بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع خالد بن الوليد إلى أكيدر، فغنم، فجاء بسهمه إلى كعب بن عجرة، فأبى أن يقبله، و سوغه إياه و قال: إنما حملتك للّه (1).
و في نص آخر: عن ابن جرير عن واثلة بن الأسقع قال: خرجت من أهلي أريد الإسلام، فقدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في الصلاة، فوقفت في آخر الصفوف و صليت بصلاتهم. فلما فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الصلاة انتهى إليّ و أنا في آخر الصلاة. فقال: «ما حاجتك» ؟
قلت: الإسلام.
قال: «هو خير لك» .
ثم قال: «و تهاجر» ؟
قلت: نعم.
قال: «هجرة البادي أو هجرة الباني» ؟
قلت: أيهما خير؟
قال: «هجرة الباني أن يثبت مع النبي، و هجرة البادي أن يرجع إلى باديته» .
و قال: «عليك بالطاعة في عسرك و يسرك، و منشطك و مكرهك» .
قلت: نعم.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 373 و ج 6 ص 402 عن الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج 1 ص 305، و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 353، و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 106، و أعيان الشيعة ج 1 ص 241، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 176.
فقدم يده و قدمت يدي.
فلما رآني لا أستثني لنفسي شيئا، قال: «فيما استطعت» .
فقلت: فيما استطعت، فضرب على يدي (1).
و عن واثلة بن الأسقع قال: لما أسلمت أتيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال لي: إذهب، فاحلق عنك شعر الكفر، و اغتسل بماء و سدر (2).
و نقول:
1-إننا نرتاب فيما ذكرته الرواية الأولى: من أن واثلة قد أسلم حين كان «صلى اللّه عليه و آله» يتجهز إلى تبوك، فقد ذكروا: أنه كان من أصحاب الصفة، و أنه خدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث سنين (3)، و غزوة تبوك إنما كانت في سنة تسع.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 433 و في هامشه عن: مجمع الزوائد ج 5 ص 255 و قال: رواه الطبراني و رجاله ثقات، و كنز العمال ج 16 ص 676، و تاريخ المدينة للنميري ج 2 ص 486.
2) قاموس الرجال ج 9 ص 240 عن تاريخ بغداد (ترجمة منصور بن عمار) و في (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ج 10 ص 421، و كنز العمال ج 1 ص 94، تاريخ بغداد ج 13 ص 73، و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 355، و 356، و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 38.
3) الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 643 و راجع: قاموس الرجال ج 9 ص 239، و الإستيعاب ج 4 ص 1563، و شرح مسند أبي حنيفة للقاري ص 590، أسد الغابة ج 5 ص 77، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 6 ص 216، و الوافي بالوفيات ج 27 ص 243، و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 347 و 349، و الجرح و التعديل للرازي ج 9 ص 47.
2-إن أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» واثلة أن يحلق عنه شعر الكفر، يشير إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يجعلهم يتحسسون قبح ما كانوا عليه، و سوء آثاره حتى على أجسادهم، علما بأن الآثار على الأرواح و الأجساد لا تنحصر بما يتعاطى الإنسان معه من أمور مادية، بل يتجاوز ذلك ليصبح لنفس التصورات، و للإعتقادات التأثير الكبير و العميق على الروح، و النفس، و على البدن أيضا، و لذلك طلب منه أن يحلق عنه شعرا نبت و نما في زمن كفره، لأنه يحمل معه قذارات معنوية، يريد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن ينزهه عنها.
قال ابن عباس: أهدر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دم أسيد بن أبي أناس (أو إياس) لما بلغه أنه هجاه، فأتى أسيد الطائف فأقام بها. فلما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة خرج سارية بن زنيم إلى الطائف، فقال له أسيد: ما وراءك؟
قال: «قد أظهر اللّه تعالى نبيه و نصره على عدوه، فاخرج يا ابن أخي إليه، فإنه لا يقتل من أتاه» .
فحمل أسيد امرأته، و خرج و هي حامل تنتظر، و أقبل فألقت غلاما عند قرن الثعالب، و أتى أسيد أهله، فلبس قميصا و اعتم، ثم أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سارية بن زنيم قائم بالسيف عند رأسه يحرسه، فأقبل أسيد حتى جلس بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: يا محمد، أهدرت دم أسيد؟
قال: «نعم» .
قال: تقبل منه أن جاءك مؤمنا؟
قال: «نعم» .
فوضع يده في يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «هذه يدي في يدك، أشهد أنك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أشهد ألا إله إلا اللّه» .
فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجلا يصرخ: أن أسيد بن أبي أناس، قد آمن، و قد أمّنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و مسح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وجهه، و ألقى يده على صدره.
فيقال: إن أسيدا كان يدخل البيت المظلم فيضيء.
و قال أسيد:
أ أنت الفتى تهدي معدا لربهابل اللّه يهديها و قال لك أشهد
فما حملت من ناقة فوق كورهاأبّر و أوفى ذمة من محمد
و أكسى لبرد الحال قبل ابتذالهو أعطى لرأس السابق المتجرد
تعلم رسول اللّه أنك قادرعلى كل حي متهمين و منجد
تعلم بأن الركب ركب عويمرهم الكاذبون المخلفو كل موعد
أنّبوا رسول اللّه أن قد هجوتهفلا رفعت سوطي إلي إذا يدي
سوى أنني قد قلت يا ويح فتنةأصيبوا بنحس لا يطاق و أسعد
أصابهم من لم يكن لدمائهمكفيئا فعزّت حسرتي و تنكدي
ذؤيب و كلثوم و سلم و ساعدجميعا فإن لا تدمع العين تكمد
فلما أنشده: «أ أنت الذي تهدي معدا لدينها» ، قال رسول اللّه «صلى اللّه
و لسنا بحاجة إلى تفنيد ما زعمته الرواية من أن سارية بن زنيم كان قائما على رأس النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالسيف يحرسه. . فقد ذكرنا بعض ما يفيد في إظهار زيف هذه الإدعاءات في موضع سابق من هذا الكتاب، فراجع. .
تقدم: أن الأشعار المذكورة هي لأسيد بن أبي أناس (إياس) .
و لكنهم ذكروا في مورد آخر: أنها لأنس بن زنيم (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 271 و 365 و 366 عن ابن شاهين، عن المدائني، و ابن عساكر، و الإصابة ج 1 ص 47 عن المدائني و ابن شاهين، و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 22، و إسد الغابة ج 1 ص 89 و 90، و الوافي بالوفيات ج 9 ص 238، و الإصابة ج 2 ص 336.
2) راجع: الإصابة ج 1 ص 69 و 390، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 263، و ج 6 ص 271 عن الواقدي، و الطبراني، و تصحيفات المحدثين للعسكري ج 3 ص 929 و 931، و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 282، و الوافي بالوفيات ج 9 ص 237، و البداية و النهاية لابن كثير ج 4 ص 356، و السيرة النبوية للحميري ج 4 ص 879، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 589.
و حاول العسقلاني أن يقول: إنه يحتمل وقوع ذلك لهما (1).
غير أننا نقول:
إن ذلك و إن كان ليس مستحيلا عقلا لكنه مما لا يتفق عادة، و لا سيما إذا كانت قصيدة مطولة، فإن احتمال أن تكون قد قيلت من قبل رجلين، من دون تغيير يذكر، سفه من القول، و لا مجال لتصور وقوعه، و لا يقبل من أحد الحديث عنه، فضلا عن الإستناد إليه. .
تقدم قول أسيد بن أبي أناس (أو إياس) :
تعلم بأن الركب ركب عويمرهم الكاذبون المخلفو كل موعد
و لم تذكر أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» زجره عن قوله هذا، فكيف سكت «صلى اللّه عليه و آله» عن هذه الجرأة على قوم مسلمين؟ !
قالوا:
قال دعبل بن علي في طبقات الشعراء قوله:
فما حملت من ناقة فوق كورهاأعف و أوفى ذمة من محمد
هذا أصدق بيت قالته العرب (2).
إن نفس أن يظهر للناس أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يقتل من أتاه، قد أسهم في إقبال الناس على الاستفادة من هذه الحالة في إصلاح أوضاعهم، و إنهاء مقاومتهم لدين اللّه، و حربهم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و على المسلمين، بل و صيرورتهم له أتباعا و أعوانا و مناصرين، بعد أن كانوا له أعداء محاربين و منابذين.
إن نفس أن يبحث هؤلاء الذين أهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمهم لافترائهم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و صدهم عن سبيل اللّه عن طريق الأكاذيب، و إكذابهم أنفسهم، و قبولهم بالإدانة على ما اقترفوه من ظلم و بغي في حق أهل الإيمان-إن ذلك نفسه-كان مطلوبا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لتطمئن بعض النفوس الضعيفة، و لينقطع أمل من يداجي و ينافق و يتآمر، و لكي تزول أية شبهة عن الإسلام و أهله يمكن أن تؤثر على الأجيال اللاحقة.
إن من المضحك أن يتصرف أسيد مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أساس أنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يعرفه. . مع أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أظهر لهم في مفردات تعد بالمئات طيلة أكثر من عشرين سنة أنه مشرف على الغيب، و هو يرفد إيمانهم بالكرامات الباهرة و الدلالات الظاهرة و قد
صرح القرآن الكريم: بأن الأنبياء «عليهم السلام» قادرون على إخبار الناس حتى بما يأكلون، و بما يدخرونه في بيوتهم، و بأنه سبحانه قد أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» شاهدا على قومه. . و لهذا البحث مجال آخر.
و قدم وفد غسان على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في شهر رمضان سنة عشر، و هم ثلاثة نفر، فأسلموا و قالوا: لا ندري أيتبعنا قومنا أم لا؟ و هم يحبون بقاء ملكهم، و قرب قيصر، فأجازهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بجوائز، و انصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم، فلم يستجيبوا لهم، و كتموا إسلامهم (1).
و نلاحظ هنا:
1-أن هؤلاء القوم يرون أن دخولهم في الإسلام يذهب ملكهم عنهم، مع أن الأمر ليس كذلك، فقد رأينا أنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد للناس المزيد من القوة و الشوكة و السعادة، و لم يسلب أحدا ممن أسلم ملكه، بل زاده الإسلام شوكة و عظمة و نفوذا، و أصبح كل من يدخل منهم في الإسلام يجد في سائر الأمم التي أسلمت عونا له، و قوة، و عامل ثبات و بقاء. .
أما قيصر، فكان يريدهم لنفسه، فهو يريد أموالهم لا ليقسمها في فقرائهم،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 391 عن زاد المعاد و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 223، و عيون الأثر ج 1 ص 316، و الطيقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 339، و تاريخ مدينة دمشق ج 68 ص 94، و السيرة الحلبية ج 3 ص 277.
و لا ليستفيد منها في إقرار الأمن، و إشاعة العدل، و بناء المجتمعات على القيم، و المثل العليا، كما كان يفعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل ليصرفها على شهواته و ملذاته، و لكي توجب له المزيد من القوة على الظلم و التعدي، و إشاعة الإنحراف، و الموبقات و المآثم. .
و يريد رجالهم ليكونوا وقودا لحروبه التي يخوضها لتوسعه ملكه، و بسط نفوذه، و حماية شخصه، و تلبية رغباته، و الإستجابة لنزواته.
و أما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيريدهم مجاهدين لا في سبيل شخصه بل في سبيل اللّه و في سبيل المستضعفين، ينشرون دينه بين عباده.
2-إن هؤلاء الأشخاص قد كتموا إسلامهم حين رجعوا إلى قومهم، حيث دعوهم فلم يستجيبوا لهم. فيكونون بذلك قد مارسوا مبدأ التقية، الذي يدرك الإنسان بفطرته، و بعقله السديد، و رأيه الرشيد صحته، و صوابيته، تماما كما فعل عمار بن ياسر حينما استعمل التقية مع المشركين.
فهذا المبدأ إذن هو مما ترشد إليه الفطرة، و يحكم به العقل، و قد أيده القرآن و النصوص الشريفة، فما معنى إنكاره من بعض الذين لا يحتاجون إليه، بعد أن جعلوا أنفسهم أتباع الحكام، و وعاظ السلاطين؟ ! ثم إنهم حين يحتاجون إليه يمارسونه، و يغوصون فيه إلى الأعماق، كما أظهرته وقائع التاريخ، و قد ذكرنا بعض مفردات ممارستهم للتقية، في أوائل هذا الكتاب.
عن جرير بن عبد اللّه البجلي قال: بعث إلي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتيته، فقال: «ما جاء بك» ؟
قلت: جئت لأسلم.
فألقى إلي كساءه و قال: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» .
و قال «صلى اللّه عليه و آله» : «أدعوك إلى شهادة ألا إله إلا اللّه، و أني رسول اللّه، و أن تؤمن باللّه و اليوم الآخر، و القدر خيره و شره، و تصلي الصلاة المكتوبة، و تؤدي الزكاة المفروضة، و تصوم شهر رمضان، و تنصح لكل مسلم، و تطيع الوالي و إن كان عبدا حبشيا» (1).
عن جرير بن عبد اللّه البجلي قال: لما دنوت من مدينة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أنخت راحلتي و حللت عيبتي، و لبست حلتي، و دخلت المسجد، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخطب، فسلمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فرماني الناس بالحدق، فقلت الجليسي: يا عبد اللّه، هل ذكر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن أمري شيئا؟
قال: نعم، ذكرك بأحسن الذكر، فبينا هو يخطب إذ عرض لك فقال: «إنه سيدخل عليكم من هذا الباب-أو قال من هذا الفج-من خير ذي يمن، و إن على وجهه لمسحة ملك» . فحمدت اللّه على ما أبلاني (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 311 عن الطبراني، و البيهقي، و ابن سعد و قال في هامشه: أخرجه ابن سعد في الطبقات ج 2 ص 110، و البحار ج 21 ص 371، و الطبقات المبرى لابن سعد ج 1 ص 347. و راجع: الإصابة ج 1 ص 232 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 233.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 311 عن أحمد، و البيهقي، و الطبراني، و راجع: الإصابة ج 1 ص 232 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 233، و فضائل الصحابة للنسائي ص 60، و المستدرك للنيسابوري ج 1 ص 285، و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 صص 222، و المصنف ج 7 ص 538 و ج 8 ص 455، و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث ص 308، و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 82، و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 149، و صحيح ابن حبان ج 16 ص 174، و المعجم الكبير للطبراني ج 2 ص 353، و كنز العمال ج 13 ص 327.
و روى البزار، و الطبراني عن عبد اللّه بن حمزة، و الطبراني عن البراء بن عازب قال: بينا أنا يوما عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في جماعة من أصحابه أكثرهم اليمن إذ قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «سيطلع عليكم من هذه الثنية-و في لفظ: من هذا الفج-خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك» .
فما من القوم أحد إلا تمنى أن يكون من أهل بيته، إذ طلع عليه راكب، فانتهى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنزل عن راحلته، فأتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأخذ بيده و بايعه و قال: «من أنت» ؟
قال: جرير بن عبد اللّه البجلي.
فأجلسه إلى جنبه، و مسح بيده على رأسه و وجهه، و صدره و بطنه، حتى انحنى جرير حياء أن يدخل يده تحت إزاره، و هو يدعو له بالبركة و لذريته، ثم مسح رأسه و ظهره و هو يدعو له، ثم بسط له عرض ردائه و قال له: «على هذا يا جرير فاقعد» . فقعد معهم مليا ثم قام و انصرف.
و قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 311 عن أحمد، و البزار، و البيهقي، و الطبراني برجال ثقات، و قال في هامشه: أخرجه ابن ماجة (3712) و البيهقي في السنن ج 8 ص 168، و الطبراني في الكبير ج 2 ص 370 و 325، و الحاكم في المستدرك ج 4 ص 292، و أبو نعيم في الحلية ج 6 ص 205، و ابن عدي في الكامل ج 1 ص 181، و المجموع لمحيى الدين النووي ج 14 ص 43، و مستدرك الوسائل للميرزا النوري ج 8 ص 396، و مستدرك سفينة البحار للشاهرودي ج 9 ص 106، و مجمع الزوائد للهيثمي ج 8 ص 15، و مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ص 34، و الأحاديث الطوال للطبراني ص 21، و المعجم الأوسط للطبراني ج 5 ص 262 و 369 و ج 6 ص 240، و المعجم الصغير للطبراني ج 2 ص 12، و الاستيعاب ج 1 ص 237 و ج 3 ص 928، و تاريخ بغداد ج 1 ص 201 و ج 7 ص 97، و أسد الغابة ج 1 ص 279، و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 532، و غيرها. و راجع: الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 233 و الإصابة ج 1 ص 232.
و عن جرير بن عبد اللّه البجلي قال: أتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقلت: يا رسول اللّه، أبايعك على الهجرة.
فبايعني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و اشترط عليّ النصح لكل مسلم، فبايعته على هذا.
قال ابن سعد: و كان نزول جرير بن عبد اللّه على فروة بن (عمرو) البياضي (1).
و قد ذكرت الرواية المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل إلى جرير، فلما جاءه قال له: ما جاء بك؟
فقد يقال: إن هذا التصرف متناقض، لا يصدر عن النبي «صلى اللّه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 312 عن الطبراني برجال الصحيح، و الطبقات الكبرى لإبن سعد ج 1 ص 347.
عليه و آله» ، إذ معنى إرساله إليه أنه قد جاء تلبية لدعوته، و أن دعوته له هي السبب في مجيئه، فما معنى أن يسأله عن سبب مجيئه و يقول له: ما جاء بك؟
و يمكن أن يجاب: بأنه لا مانع من أن يدعوه، و لكنه حين يأتيه، لا يكون إتيانه طاعة و استجابة له، بل لداع آخر، فأراد «صلى اللّه عليه و آله» منه أن يصرح بما دعاه إلى ذلك، و لعله توطئة و استدراج له ليظهر ما يستحق به الأكرام و الثناء. .
و لكن هذا الجواب، و إن كان صحيحا في نفسه، و لكن ليس محله هنا، بل الصحيح هو: أن الصالحي الشامي اختار النص المحرّف الذي أورده البيهقي (1)و فضله على نص آخر، ظاهر البطلان أيضا، و هو مروي أيضا عن جرير بن عبد اللّه البجلي.
قال: «لما بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» أتيته فقال: ما جاء بك؟ ! الخ. .» (2). إذ يرد على هذه الرواية:
أولا: قال العسقلاني: «حصين فيه ضعف» (3). يضاف إلى ذلك: أن هذا الخبر مروي عن جرير نفسه، الذي يجر النار إلى قرصه. .
ثانيا: هناك فاصل كبير بين البعثة و بين وفادة الوفود، يصل إلى عشرين
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 312.
2) الإصابة ج 1 ص 232 و 582، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 311 و ج 9 ص 388، و أعيان الشيعة ج 4 ص 72، و مسند الشهاب لابن سلامة ج 1 ص 445، و كشف الخفاء للعجلوني ج 1 ص 75، و تهذيب التهذيب ج 2 ص 64.
3) الإصابة ج 1 ص 232 و في (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 582، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 312، و أعيان الشيعة ج 4 ص 72.
سنة، فقد بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم دعا إلى اللّه في مكة ثلاث عشرة سنة، ثم قدم المدينة، ثم حارب قريشا و غيرهم، ثم فتح مكة في أواخر سنة ثمان، ثم وفدت عليه الوفود مع أن جريرا لم يكن قد اسلم طيلة هذه المدة، فقد جزم ابن عبد البر بما روي عن جرير نفسه، بأنه أسلم قبل وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأربعين يوما (1).
و جزم الواقدي: بأن جريرا وفد على النبي «صلى اللّه عليه و آله» سنة عشر في شهر رمضان (2).
و حتى لو كان قد وفد عليه قبل ذلك، و قبل سنة سبع، فإن حديثه عن أنه قد وفد على النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين البعثة يبقى بلا مبرر معقول أو مقبول.
و أجاب العسقلاني عن ذلك: بأن المقصود به المجاز. أي لما بلغنا بعثة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلعله بلغه ذلك في سنة سبع أو ثمان أو تسع أو عشر، أو يحمل على المجاز بالحذف أي لما بعث «صلى اللّه عليه و آله» ،
1) الإصابة ج 1 ص 232 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 233 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 312، و تهذيب التهذيب ج 2 ص 64، و الذريعة للطهراني ج 8 ص 51، و أعيان الشيعة ج 4 ص 72، و تاج العروس ج 14 ص 44.
2) الإصابة ج 1 ص 232، و فتح الباري ج 1 ص 193 و ج 7 ص 99، و عمدة القاري ج 15 ص 144، و شرح مسند أبي حنيفة للقاري ص 66، و إرواء الغليل للألباني ج 1 ص 139، و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 35، و الكاشف في معرفة من له رواية في كتب الستة للذهبي ج 1 ص 291، و المعارف لابن قتيبة ص 292.
و جرى كذا و كذا منه ذلك الوقت إلى سنة عشر أتيته الخ. . (1).
و نقول:
إنه كلام لا يصح أيضا، أما بالنسبة لحمل الكلام على المجاز. فلأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حارب المشركين و اليهود، و غزا الروم في تبوك، و مؤتة، و أرسل السرايا في مختلف الجهات قبل سنة عشر، فلا يعقل أن لا تصل أخبار بعثته إلى بجيلة إلا بعد اثنتين أو ثلاث و عشرين سنة. أو قبل وفاته «صلى اللّه عليه و آله» بأربعين يوما.
و أما بالنسبة للمجاز في الحذف فهو مجاز مخل بإفهام المعنى هنا، فلا يصار إليه، و لا يصح الإعتماد عليه في بيان المقاصد.
و ذكرت الروايات التي رواها جرير لنفسه:
أولا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعاه ليؤمن بالقدر خيره و شره. . و من المعلوم: أن مراد التيار الأموي بهذا النوع من التعابير هو ما ينتهي إلى الإعتقاد بالجبر الإلهي، حسبما أشرنا إليه في موضع آخر من هذا الكتاب. .
و أما إذا كان المراد بهذه العبارة هو ما يصيب الإنسان بسبب أمور خارجة عن اختياره، كالذي يصيبه بسبب الكوارث الطبيعية، مثل الزلازل و نحوها فلا إشكال فيه. .
ثانيا: ورد: أن مما أخذه «صلى اللّه عليه و آله» على جرير أن يطيع الوالي
1) الإصابة ج 1 ص 232، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 312.
و إن كان عبدا حبشيا، فإن كانت هذه دعوة لطاعة الطواغيت و الظالمين فهي تتناقض مع مبادئ الإسلام و القرآن.
و إن كان المقصود هو أن يلزمه بطاعة الإمام الذي يعينه اللّه و رسوله أيا كان ذلك الإمام، حتى لو كان عبدا حبشيا، فهو كلام صحيح و لا غبار عليه.
غير أن من الواضح: أن ورود هذا الكلام على لسان رجل أعلن رفضه لنهج أهل البيت «عليهم السلام» و خطهم، و التزم بنهج و خط أعدائهم يعطي: أن المطلوب هو تأييد النهج المناوئ لأهل البيت، و تقوية حكومة الظالمين، و إلزام الناس بطاعة جبابرة بني أمية، من خلال ما نسبوه للنبي «صلى اللّه عليه و آله» من أنه أمرهم بطاعة كل وال، ثم اعتبار ذلك من القضاء الإلهي، الذي لا خيار لأحد فيه، و لا مناص منه.
و قد تقدم: أن جريرا سأل جليسه إن كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذكره في خطبته. . و هذا عجيب من جهتين:
إحداهما: أن المفروض: أنه ورد على قوم لا يعرفهم و لا يعرفونه، فما معنى طرحه هذا السؤال على جليسه من دون أن يعرّفه بنفسه.
الثانية: لماذا يتوقع جرير أن يذكره النبي «صلى اللّه عليه و آله» في خطبته، و يخبرهم بأمره؟ فحتى لو كان هذا الرجل يعظمه كسرى أو قيصر، فإنه لا يتوقع أن يذكره النبي «صلى اللّه عليه و آله» في خطبته.
إلا أن يقال: لعل القرائن-و هو أمر غير بعيد-قد دلت جريرا على أن
رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد تقدم إلى الناس فيه بشيء، فقد ذكرت الرواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بيّن لهم صفة من يدخل من الباب، و أنه من خير ذي يمن، على وجهه مسحة ملك.
و يمكن أن يعرفوا الداخل بسمات أهل اليمن، و بسمة الملك المذكورة، و عهدهم بصدق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مضافا إلى إمكان تقدم ذكر أمور أخرى أدلّ و إن لم تنقلها الرواية، فلما دخلوا نظروا إليه جميعا، فأحس بأنه قد كان جرى له ذكر بينهم.
قد تضمنت الروايات المتقدمة ثناء على جرير بن عبد اللّه البجلي، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» ألقى إليه كساءه، و أنه قال: «إذا جاءكم كريم قوم فاكرموه» ، و أنه ذكره بأحسن الذكر، و أن على وجهه لمسحة ملك، و أنه خير ذي يمن الخ. .
و نقول:
إن ذلك كله لا يمكن أن يصح، و نعتقد أنه من مصنوعات جرير لنفسه، لأنه في أكثره مروي عنه أو عن أعداء أهل البيت «عليهم السلام» ، و خصوصا أصحاب النزعة الأموية من موظفي معاوية لوضع الأحاديث، في الحط من علي «عليه السلام» ، و ذم أصحابه و أوليائه، و رفع شأن مناوئيه، و إطراء أعدائه. .
و السبب في ذلك: أن جريرا هذا قد فارق عليا «عليه السلام» و لحق
بمعاوية (1).
و قد خرب علي «عليه السلام» داره بالكوفة (2).
و نهى أمير المؤمنين «عليه السلام» عن الصلاة في مسجده (3)، و هو من المساجد الملعونة (4).
1) راجع: مروج الذهب ج 2 ص 373 و تذكرة الخواص ص 84 و الإصابة ج 2 ص 232، و نيل الأوطار للشوكاني ج 1 ص 223، و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 118 و ج 4 ص 75.
2) راجع: قاموس الرجال ج 2 ص 585، و بحار الأنوار ج 32 ص 381، و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 118، و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 442، و انساب الأشراف للبلاذري ص 277، و أعيان الشيعة ج 1 ص 471، و وقعة صفين للمنقري ص 60.
3) الخصال ج 1 ص 300، و الكافي ج 3 ص 490، و روضة الواعظين للنيسابوري ص 336، و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 5 ص 250 و (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 520، و البحار ج 97 ص 438.
4) تهذيب الأحكام للطوسي ج 3 ص 250، و تذكرة الفقهاء (ط. ق) للحلي ج 1 ص 90 و (ط. ج) ج 2 ص 426، و منتهى المطلب (ط. ق) للحلي ج 1 ص 387، و نهاية الإحكام للحلي ج 1 ص 354، و كشف الغطاء (ط. ق) للشيخ جعفر كاشف الغطاء ج 1 ص 212، و الكافي ج 3 ص 490، و روضة الواعظين للنيسابوري ص 336، و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 5 ص 249، و (ط دار الإسلامية) ج 3 ص 519، و مستدرك الوسائل للنوري ج 3 ص 397 و 399، و الغارات ج 2 ص 486، و أمالي الطوسي ص 169، و فضل الكوفة و مساجدها للمشهدي ص 18، و المزار للمشهدي ص 118، و البحار ج 80 ص 361 و ج 97 ص 438، و جامع أحاديث الشيعة للبروجردي ج 4 ص 543.
و قد بايع هو و الأشعث بن قيس ضبا (1).
و كان يبغض عليا «عليه السلام» (2). و قد مدحه عمر بن الخطاب بقوله: جرير يوسف هذه الأمة (3).
و قدمه عمر في العراق على جميع بجيلة (4).
و قال عمر: ما زلت سيدا في الجاهلية سيدا في الإسلام (5).
1) راجع: شرح النهج ج 4 ص 75، و البحار ج 109 ص 60.
2) راجع: قاموس الرجال ج 2 ص 585، و أعيان الشيعة ج 4 ص 75.
3) راجع: الإصابة ج 1 ص 232 و أسد الغابة ج 1 ص 279 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 233، و شرح النهج للمعتزلي ج 3 ص 118، و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 535، و المعارف لابن قطيبة ص 292، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 4 ص 187، و الوافي بالوفيات ج 11 ص 58، و البداية و النهاية لابن كثير ج 8 ص 61، و تاج العروس ج 14 ص 44.
4) الإصابة ج 1 ص 232 و في (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 583، و خزانة الأدب ج 8 ص 22.
5) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 234 و في (ط دار الجيل) ج 1 ص 238، و أعيان الشيعة ج 4 ص 72.
و قالوا: بعث فروة بن عمرو الجذامي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رسولا بإسلامه، و أهدى له بغلة بيضاء، هي فضة، و فرسا يقال له: الظرب، و حمارا يقال له: يعفور، و أثوابا، و قباء مذهبا، فقبل هديته. و أعطى رسوله مسعود بن سعد الجذامي اثني عشرة أوقية فضة (1).
و كان فروة عاملا لقيصر ملك الروم على من يليه من العرب، و كان منزله معان و ما حولها من أرض الشام.
فلما بلغ الروم ذلك من أمر إسلامه طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم، فقال في محبسه:
طرقت سليمى موهنا أصحابيو الروم بين الباب و القروان
صد الخيال و ساءه ما قد رأىو هممت أن أغفي و قد أبكاني
لا تكحلنّ العين بعدي إثمداسلمى و لا تدننّ للإتيان
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 192، و تاريخ مدينة دمشق ج 58 ص 9، و الإصابة ج 6 ص 78، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 262 و 281 و ج 7 ص 435.
و لقد علمت أبا كبيشة أننيوسط الأعزة لا يحص لساني
فلئن هلكت لتفقدن أخاكمو لئن بقيت لتعرفن مكاني
و لقد جمعت أجل ما جمع الفتىمن جودة و شجاعة و بيان
فلما أجمعت الروم على صلبه على ماء لهم بفلسطين، يقال له عفراء، قال:
ألا هل أتى سلمى بأن حليلهاعلى ماء عفرى فوق إحدى الرواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمهامشذبة أطرافها بالمناجل
فزعم الزهري ابن شهاب أنهم لما قدموه ليقتلوه قال:
أبلغ سراة المسلمين بأننيسلم لربي أعظمي و مقامي
ثم ضربوا عنقه، و صلبوه على ذلك الماء، و اللّه تعالى أعلم (1).
و نقول:
إن هذا الرجل-أعني فروة الجذامي-: لم يسلم حين أسلم طمعا في مال أو مقام، أو جاه، لأن ذلك كان حاصلا له، بل هو بإسلامه قد خاطر بجاهه، و مقامه، و بحياته أيضا. . كما ان هذا الرجل لم ير رسول اللّه «صلى
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 391 عن ابن إسحاق، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 192 و راجع: الإصابة ج 3 ص 213 عن ابن إسحاق و ابن شاهين، و تاريخ مدينة دمشق ج 48 ص 273، و الإصابة ج 5 ص 295، و الوافي بالوفيات ج 24 ص 6، و عيون الأثر ج 2 ص 297.
اللّه عليه و آله» ، ليمكن أن يتوهم أنه قد تأثر بشخصيته، أو بقوة بيانه، كما أنه لم يكن له طمع بمال قدمه إليه، أو بجاه أو مقام عرضه عليه. .
بل جاءته الدعوة الإلهية بكل صفائها، و نقائها، و وضوحها، لا تشوبها أية شائبة، من ترهيب أو ترغيب أو غيرهما، فانصاع لها عقله، و رضيها وجدانه، و انسجمت معها فطرته. و أصبحت عنوان وجوده، و حقيقة شخصيته و كيانه، و وجد أن التفريط بها معناه: التفريط بهويته، و بإنسانيته، و لأجل ذلك آثر أن يصر عليها، و أن يحتفظ بها و لا يساوم عليها، مع أنه كان قادرا على كتمان أمره، و الإسرار بدخيلة نفسه. .
و اللافت هنا: هو هذه القسوة التي عامل الروم بها عاملهم، حيث إنهم بمجرد معرفتهم بإسلامه طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم، ثم قتلوه، و صلبوه (1).
و هذا معناه:
1-أنه قد جرت مطاردة واسعة، و استنفار عام من قبل الروم لملاحقة هذا الرجل، حتى تمكنوا أخيرا من أخذه.
2-إننا لم نرهم سألوه عن سبب اعتناقه الإسلام، و لا ناقشوه في صحة هذا الدين. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 390 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 115 و في (ط دار صادر) ج 7 ص 435، و معجم ما استعجم ج 4 ص 1242، و البحار ج 21 ص 409.
3-إن هذا الفعل منهم يشير إلى أنهم يريدون فرض النصرانية على الناس بقوة السيف. فلا صحة لما يزعمونه من أن دينهم دين سلام و محبة، و تسامح. . و ليس لهم أن يتهموا الإسلام بأنه دين القهر، و العنف، و أنه إنما انتشر بالسيف و بالأكراه! !
فإن الإسلام هو الذي أطلق القاعدة الشاملة لكل عصر و مصر، و لكل دين و نحلة و لجميع الفئات و الأقوام و مختلف الشرائح، و التي تقول: لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ اَلرُّشْدُ مِنَ اَلْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّٰاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللّٰهِ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ اَلْوُثْقىٰ لاَ اِنْفِصٰامَ لَهٰا وَ اَللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1).
و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حارب بعض الأقوام، فإنما حاربهم دفاعا عن النفس. .
على أنه ليس لمن تقدم له الأدلة و البراهين الفطرية و العقلية، و يظهر عجزه عن مواجهتها، حيث تكون أمامه أظهر من الشمس، و أبين من الأمس-ليس له-أن يرفض الخضوع لها، استكبارا منه و عتوا. . و إلا سقطت المعايير، و اختل نظام الحياة، و لا بد أن يسقط الناس معها في هوة سحيقة من الظلم و الفوضى، و ضياع الحقوق في ظل حكومة الأقوياء، و الجباريين، و المستكبرين. .
4-إن صلبهم لفروة بعد قتله يدل على أنهم أرادوا أن يجعلوا منه عبرة و رادعا لكل من يمكن أن يمر في خياله أو يخطر على باله أن يفكر بالإسلام كخيار له في هذه الحياة. فالتفكير، بل و حتى تخيل هذا الأمر ممنوع على
1) الآية 256 من سورة البقرة.
الناس تحت وطأة صولة الجبارين، و بقوة السيف، لا بقوة الدليل، و لا بسلطان البرهان. .
عن رجل من عنس بن مالك، من مذحج، قال: كان منا رجل وفد على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتاه و هو يتعشى فدعاه إلى العشاء، فجلس. فلما تعشى أقبل عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «أتشهد ألا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله» ؟
فقال: أشهد ألا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله.
فقال: «أراغبا جئت أم راهبا» ؟
فقال: أما الرغبة فو اللّه ما في يديك مال، و أما الرهبة فو اللّه إني لببلد ما تبلغه جيوشك، و لكني خوفت فخفت، و قيل لي: آمن باللّه فآمنت.
فأقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على القوم، فقال: «رب خطيب من عنس» .
فمكث يختلف إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم جاء يودعه، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اخرج» . و بتته أي أعطاه شيئا، و قال: «إن أحسست شيئا فوائل إلى أدنى قرية» فخرج فوعك في بعض الطريق، فوأل إلى أدنى قرية، فمات رحمه اللّه و اسمه ربيعة.
و عند الطبراني: اسمه ربيعة بن رواء العنسي (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 389 عن ابن سعد، و الطبراني، و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 106 و الإصابة ج 1 ص 508 و في (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 387، و راجع: مجمع الزوائد ج 9 ص 394، و المعجم الكبير للطبراني ج 5 ص 66، و أسد الغابة ج 2 ص 168.
و نقول:
1-لم تذكر الرواية لنا تاريخ هذا الوفد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
2-قد تضمنت هذه الرواية إقرار العنسي أمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه لم يسلم رهبا و لا رغبا. . و إنما أسلم حين ظهر له أن ثمة ما يدعو إلى الخوف من الآخرة، فحكم عليه عقله بلزوم اتخاذ سبيل الإحتياط و الحذر، فأطاع عقله، و لم يتأثر بما يمليه عليه هواه من تقليد الأباء، و التزام ما ألفه و اعتاده، لأن الآباء قد يخطئون، و الإلف قد يكون لما فيه شر و فساد، و العادة لا تدل على الحق. .
3-إن إيمانه باللّه لم يكن إيمانا بشيء كان مترددا فيه، بل كان إيمانا بشيء اقتنع به، و انتقل من قناعاته تلك إلى تحصيل قناعات أخرى، مثل أنه لم يخلقه عبثا، و أنه لا بد أن يكلفه بما يحقق الهدف من خلقته، و أن لا يرضى بمخالفة أوامره، و إهمال تكاليفه. و أنه لا بد من مثوبة و عقوبة، و سوف ينظر إلى نفسه ليريها موقعها من أوامره و زواجره و ما ينتظرها من عقوبة و مثوبة. . فرأى أنه لا يستطيع أن يطمئن إلى مصيره، فإن ثمة أمورا جعلته يخاف معها على نفسه. . و لذلك رأى نفسه مضطرا إلى الإيمان بما اقتنع به فكريا فآمن باللّه، و شهد للنبي يالعبودية و الرسالة، و واصل سيره باتجاه الحصول على ما يوجب له السلام و الأمان في الدنيا و الآخرة.
4-غير أن هذه الرواية قد تضمنت دعوى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال للعنسي: رب خطيب من عنس، و نحن لا نجد أي تناسب لهذه الكلمة مع قول العنسي و فعله، فهو لم يخطب، بل أخبر عن إيمانه و سببه، كما أننا لم نتأكد من وجود أية شهرة للعنسيين في الخطابة. .
إلا أن يقال: قد يكون عدم اشتهار العنسيين بالخطابة، هو الذي دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى قوله: رب خطيب من عنس-أي عنس التي لا خطابة فيها يظهر منها خطيب. . فلاحظ.
عن رجل من بني عقيل قال: وفد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الرقاد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة بن كعب. و أعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالفلج ضيعة، و كتب لهم كتابا و هو عندهم (1).
عن واثلة بن الأسقع قال: سبب إسلام الحجاج بن علاط أنه خرج في ركب من قومه إلى مكة، فلما جن عليه الليل و هو في واد موحش مخوف، فقال له أصحابه: قم يا أبا كلاب فخذ لنفسك و لأصحابك أمانا.
فقام الحجاج بن علاط يطوف حولهم يكلؤهم و يقول: أعيذ نفسي، و أعيذ صحبي، من كل جني بهذا النقب، حتى أؤوب سالما و ركبي.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 314 عن طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 46 و مجموعة الوثائق السياسية ص 318.
فسمع قائلا يقول: يٰا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطٰارِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاٰ تَنْفُذُونَ إِلاّٰ بِسُلْطٰانٍ (1).
فلما قدم مكة أخبر بذلك قريشا، فقالوا: «صبأت و اللّه يا أبا كلاب» إن هذا فيما يزعم محمد أنه أنزل عليه.
فقال: و اللّه لقد سمعته و سمعه هؤلاء معي.
فسأل عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقيل له: بالمدينة.
فأتاه، فأسلم (2).
و لا ندري مدى صحة هذه الرواية التي تفرد بها واثلة بن الأسقع، مع العلم بأنها مما تتوافر الدواعي على نقله، و لا سيما من أولئك الذين سمعوا ما سمعه ابن علاط. و قد عجزت الروايات عن نسبة ذلك إلى ابن علاط نفسه، مع أن هذا الأمر هو سبب إسلامه. .
و الحال أن الرواة ينقلون لنا ما هو أبسط من ذلك بمراتب.
قال ابن إسحاق، و محمد بن عمر: قدم فروة بن مسيك المرادي وافدا
1) الآية 33 من سورة الرحمن.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 321 عن ابن أبي الدنيا في الهواتف، و ابن عساكر، و البحار ج 60 ص 299 و كنز العمال ج 13 ص 348 و أسد الغابة ج 1 ص 381 و الهواتف لابن أبي الدنيا ص 38 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 1 ص 325 و الإصابة (دار الكتب العلمية) ج 2 ص 29 و الوافي بالوفيات للصفدي ج 11 ص 245 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 4 ص 32 و أعيان الشيعة ج 4 ص 565.
على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مفارقا لملوك كندة، و متابعا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال في ذلك:
لما رأيت ملوك كندة أعرضتكالرجل خان الرجل عرق نسائها
قربت راحلتي أؤم محمداأرجو فواضلها و حسن ثرائها
ثم خرج حتى أتى المدينة، و كان رجلا له شرف، فأنزله سعد بن عبادة عليه، ثم غدا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو جالس في المسجد، فسلم عليه ثم قال: يا رسول اللّه، أنا لمن ورائي من قومي.
قال: «أين نزلت يا فروة» ؟
قال: على سعد بن عبادة. و كان يحضر مجلس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كلما جلس، و يتعلم القرآن، و فرائض الإسلام و شرائعه.
و كان بين مراد و همدان قبيل الإسلام وقعة أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا، حتى أثخنوهم في يوم يقال له: يوم الردم. و كان الذي قاد همدان إلى مراد، الأجدع بن مالك في ذلك اليوم.
قال ابن هشام: الذي قاد همدان في ذلك اليوم ابن حريم الهمداني.
قال ابن إسحاق: فلما انتهى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا فروة، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم» ؟
قال: يا رسول اللّه، من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم و لا يسوؤه ذلك؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا» .
و في ذلك اليوم يقول فروة بن مسيك:
مررن على لفات و هن خوصينازعن الأعنة ينتحينا
فإن نغلب، فغلابون قدماو إن نغلب، فغير مغلبينا
و ما إن طبنا جبن و لكنمنايانا و دولة آخرينا
كذاك الدهر دولته سجالتكر صروفه حينا فحينا
فبينا ما نسر به و نرضىو لو لبست غضارته سنينا
إذ انقلبت به كرات دهرفألفيت الألى غبطوا طحينا
فمن يغبط بريب الدهر منهميجد ريب الزمان له خؤونا
فلو خلد الملوك إذا خلدناو لو بقي الكرام إذا بقينا
فأفنى ذلكم سروات قوميكما أفنى القرون الأولينا
و استعمل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فروة بن مسيك على مراد، و زبيد و مذحج كلها، و بعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و نقول:
يستوقفنا في حديث فروة أمور، نذكر منها:
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 392 و 393 عن ابن إسحاق، و الواقدي، و في هامشه عن البداية و النهاية ج 5 ص 71، و تاريخ الطبري ج 2 ص 392، و البداية و النهاية ج 5 ص 83، و إمتاع الأسماع ج 2 ص 98 و ج 9 ص 378، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1004، و عيون الأثر ج 2 ص 290، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 137، و السيرة الحلبية ج 3 ص 259.
إن الشعر المنسوب لفروة بن مسيك يشير إلى أن هذا الرجل كان يملك عقلا، و حكمة، و بعد نظر، و أن التجارب قد حنكته، و تقلبات الزمان قد علمته، و هذبته. .
و لأجل ذلك يقال: إن الإمام الحسين «عليه السلام» قد تمثل بنفس هذه الأبيات في واقعة كربلاء (1)، لأنها تعطي صورة واقعية صادقة عن حركة الدهور، و تقلبات الأزمان. .
و قد لاحظنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يسأل فروة بن مسيك عن يوم الردم إن كان قد ساءه.
و السؤال هو: لماذا يطرح النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا السؤال؟ ! أليس تأثر الرجل بما يصيب قومه من نكبات أمرا طبيعيا؟ !
و نجيب: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يسأله عما بقى لذلك اليوم من آثار حزن في قلبه، بل سأله هذا السؤال الذي لا يحتاج إلى جواب، توطئة لما يريد أن يقوله بعد ذلك، أي أنه أراد من فروة بن مسيك أن يستحضر صورة ما جرى ليتمكن «صلى اللّه عليه و آله» من طرح العلاج الذي كان ضروريا. .
1) مقتل الحسين للخوارزمي ج 2 ص 7 و اللهوف ص 54 و عن تاريخ ابن عساكر ج 4 ص 334.
فإنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يبني مجتمعا متعاونا، و متراحما، ليعيش الأخوّة في أعمق معانيها، و هذا غير ممكن إلا باستلال الأحقاد من القلوب، و تطهير النفوس، و العقول من الوساوس و التزيينات الشيطانية. .
و لأجل ذلك: نجده «صلى اللّه عليه و آله» يبادر إلى بلسمة الجرح من خلال التنويه بقيمة العوض الأسمى و الأبقى الذي حصل عليه قوم فروة بن مسيك، معتبرا أن اللّه قد زادهم في الإسلام خيرا مما أصيبوا به يوم الردم، و قد كان سبب هذا العطاء هو نفس ما جرى عليهم في ذلك اليوم. .
و الذي يبدو لنا هو: أن هؤلاء القوم قد تصرفوا بحكمة و أناة، و لم ينساقوا وراء ردات الفعل، فصبروا، و كفوا أيديهم عن الأبرياء، فاستحقوا أن يعوضهم اللّه عن ذلك بمزيد من الخير و الفضل الذي حباهم به في الإسلام. .
قال عبد عمرو بن جبلة بن وائل بن الجلاح الكلبي: شخصت أنا و عاصم-رجل من بني رقاش من بني عامر-حتى أتينا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فعرض علينا الإسلام، فأسلمنا.
و قال: «أنا النبي الأميّ الصادق الزكي، و الويل كل الويل لمن كذبني و تولى عني و قاتلني، و الخير كل الخير لمن آواني و نصرني، و آمن بي و صدق قولي، و جاهد معي» .
قالا: فنحن نؤمن بك و نصدق قولك، و أنشأ عبد عمرو يقول:
أجبت رسول اللّه إذ جاء بالهدىو أصبحت بعد الجحد باللّه أوجرا
و ودعت لذات القداح و قد أرىبها سدكا عمري و للهو أهدرا
و آمنت باللّه العلي مكانهو أصبحت للأوثان ما عشت منكرا (1)
و نقول:
و يستوقفنا هنا ما يلي:
لقد وصف النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه بالأوصاف المذكورة، و ليس يريد بهذا الثناء على نفسه، بقدر ما يقصد به الإعلام، أو فقل التذكير بما شاع و ذاع عنه، من أنه أمين و صادق، و زكي.
فإن الأمية تشير إلى: أنه لم يقرأ كتب من مضى، لكي يتهم بأنه قد أخذ منها. .
و الصدق الذي عرف به، و ظهرت لهم دلائله في مطابقة ما أخبر به من غيوب للواقع، يحتم عليهم قبول ما جاء به، و بخوعهم لنبوته. .
و أما كونه زكيا، فيشير إلى طهارته و أنه لا ينقاد إلى هواه، و لا تتحكم به شهواته، فلا معنى لأن يتوهم في حقه شيء مما يحاول الظالمون إلصاقه به. .
و لذلك رتب «صلى اللّه عليه و آله» على جامعيته لهذه الأوصاف الثلاثة، نتيجة هي: أن الويل كل الويل لمن كذبه، و تولى عنه، و قاتله. و أن الخير كل الخير لمن أواه و نصره، و آمن به، و صدق قوله، و جاهد معه. . لأن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 401 عن ابن سعد في الطبقات (ط ليدن) ج 2 ص 92 و في (ط دار صادر) ج 1 ص 334، و الإصابة ج 4 ص 315.
من يكون جامعا للأوصاف الثلاثة المذكورة يكون صادقا في دعواه النبوة. . فتكذيبه و محاربته لابد أن تجلب الويل كل الويل لصاحبها، كما أن الخير كله سيكون من نصيب من صدقه و آمن به و جاهد معه، لأن تلك الصفات تجعل ذلك المتحلّي مصونا و محفوظا من أي خلل أو خطل، و بعيدا عن التأثر بالأهواء، و الإنصياع للآراء الباطلة، و الخيالات المضللة. .
و قد تعهد عبد عمرو في شعره رفض الأوثان، و ترك شرب الخمر و اللهو، و أجاب إلى الإيمان باللّه، و الإيمان بما جاء به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
فأمّا البنسبة لما تعهد بتركه و رفضه، فمن الواضح: أن عبادة الأوثان أصبحت أمرا معيبا في ذلك المجتمع، الذي استيقظت فطرته، و تنبه عقله، و أدرك مدى سوء و وهن هذا الإعتقاد، و سخف و سقوط، و هجنة هذه العبادة.
أما الخمر، فكان للعرب تعلق خاص بها، حتى إن أعشى قيس قدم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليسلم، و قد مدحه بقصيدة، فلما كان بمكة أو قريبا منها قيل له: إن محمدا يحرّم الزنا.
فقال: و اللّه، إن ذلك لأمر ما لي فيه من إرب.
فقيل له: و إنه ليحرم الخمر.
فقال: أما هذه ففي النفس منها لعلالات، و لكني منصرف فأرتوي
منها عامي هذا ثم آتيه أسلم، فمات في عامه ذاك، و لم يوفق للإسلام (1).
كما أنهم يقولون: إن بني تغلب كانوا نصارى، و لكنهم ما كانوا يتعلقون من النصرانية إلا بالزنا و شرب الخمر (2). بل إن جميع نصارى العرب كانوا كذلك (3).
غير أن من الواضح: أن التجاهر بالزنا لم يكن أمرا محمودا عندهم، و كان ربما يجر عليهم المتاعب، بل المصائب.
و لأجل ذلك نلاحظ: أن الشاعر عبد عمرو اعتبر نفسه مضحيا بتركه لذات قداح الخمر، و هو يتمدح نفسه و يثني عليها من أجل رضاها بذلك. .
عن أبي نفيع طارق بن علقمة الرؤاسي قال (4): قدم رجل منا يقال له:
1) راجع: الروض الأنف ج 2 ص 136 و البداية و النهاية ج 3 ص 101 و 102 و 103 و (ط دار إحياء التراث العربي) ص 127 و سيرة مغلطاي ص 25 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 80، و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 25-28، و الأغاني (ط ساسي) ج 8 ص 85 و 86، و الروض الانف ج 2 ص 136، و سيرة مغلطاي ص 25، و تفسير الميزان ج 6 ص 134، و السيرة الحلبية ج 2 ص 262، و محاضرات الأدباء المجلد الثاني ص 418، و الشعر و الشعراء لابن قتيبة ص 135.
2) المصنف للصنعاني ج 6 ص 72 و ج 7 ص 186 و السنن الكبرى ج 9 ص 248، و أسد الغابة ج 1 ص 58.
3) المصنف للصنعاني ج 6 ص 72 و 73 و ج 7 ص 186 و السنن الكبرى ج 9 ص 217.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 340 عن ابن سعد، و في هامشه عن طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 65 و في (ط دار صادر) ج 1 ص 300، و راجع: الإصابة ج 3 ص 13.
عمرو بن مالك بن قيس على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأسلم ثم أتى قومه، فدعاهم إلى الإسلام، فقالوا: حتى نصيب من بني عقيل بن كعب مثلما أصابوا منا.
فخرجوا يريدونهم، و خرج معهم عمرو بن مالك، فأصابوا منهم. ثم خرجوا يسوقون النعم، فأدركهم فارس من بني عقيل يقال له: ربيعة بن المنتفق بن عقيل و هو يقول:
أقسمت لا أطعن إلا فارساإذا الكماة ألبسوا القلانسا
قال أبو نفيع: فقلت نجوتم يا معشر الرجالة سائر اليوم.
فأدرك العقيلي رجلا من بني عبيد بن رؤاس يقال له: المحرس بن عبد اللّه (بن عمرو بن عبيد بن رؤاس)، فطعنه في عضده فاختلها، فاعتنق المحرس فرسه و قال: يا آل رؤاس.
فقال ربيعة: رؤاس خيل أو أناس؟
فعطف على ربيعة عمرو بن مالك فطعنه، فقتله.
قال: ثم خرجنا نسوق النعم، و أقبل بنو عقيل في طلبنا حتى انتهينا إلى تربة، فقطع ما بيننا و بينهم وادي تربة، فجعلت بنو عقيل ينظرون إلينا و لا يصلون إلى شيء، فمضينا.
قال عمرو بن مالك: فأسقط في يدي و قلت: قتلت رجلا، و قد أسلمت و بايعت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فشددت يدي في غل إلى عنقي، ثم خرجت أريد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قد بلغه ذلك.
فقال: «لئن أتاني لأضربن ما فوق الغل من يده» .
فأطلقت يدي ثم أتيته فسلمت عليه، فأعرض عني، فأتيته عن يمينه،
فأعرض عني، فأتيته عن يساره، فأعرض عني، فأتيته من قبل وجهه، فقلت: «يا رسول اللّه، إن الرب ليترضى فيرضى، فارض عني رضي اللّه عنك» .
قال: «قد رضيت عنك» (1).
و نقول:
إن هذا الحديث إنما يرويه لنا مالك عن نفسه، و نحن نشك في صحة ما نقله من رضا النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه، فإنه إن كان قد قتل مشركا، فلماذا يتوعده «صلى اللّه عليه و آله» بضرب ما فوق الغل من يده؟ ! و لماذا يغضب عليه و يعرض عنه، ثم لا يرضى إلا بعد أن قال له الكلام السابق عنه؟ !
و إن كان المقتول مسلما، فإن المطلوب هو قتله قودا، أو قصاصا. . و ما معنى: أن يرضى عنه لمجرد أنه أتاه من قبل وجهه، مع أنه قد اقترف هذا الذنب العظيم، ألا و هو قتل امرئ مسلم؟ !
و لماذا لم يبادر إلى تنفيذ ما كان تعهد به و هو: أن يضرب ما فوق الغل من يده، فهل إطلاق يده يسقط العقوبة الإلهية عنه، و يمنع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من تنفيذ ما تعهد به؟ !
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 340 عن ابن سعد، و في هامشه عن طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 45 و في (ط دار صادر) ج 1 ص 301، و راجع: الإصابة ج 3 ص 13، و الآحاد و المثاني للضحاك ج 3 ص 178، و الثقات لابن حبان ج 3 ص 270، و أسد الغابة ج 5 ص 12، و الإصابة ج 4 ص 560.
قالوا: وفد زياد بن عبد اللّه بن مالك على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما دخل المدينة توجه إلى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كانت خالة زياد-لأن أمه عزة بنت الحارث-و هو يومئذ شاب. فدخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو عندها. فلما رآه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غضب فرجع.
فقالت ميمونة: يا رسول اللّه، هذا ابن أختي.
فدخل إليها ثم خرج حتى أتى المسجد و معه زياد، فصلى الظهر، ثم أدنى زيادا فدعا له، و وضع يده على رأسه، ثم حدّرها على طرف أنفه، فكانت بنو هلال تقول: ما زلنا نعرف البركة في وجه زياد.
و قال الشاعر لعلي بن زياد:
يا بن الذي مسح النبي برأسهو دعا له بالخير عند المسجد
أعني زيادا لا أريد سواءهمن غائر أو متهم أو منجد
ما زال ذاك النور في عرنينهحتى تبوأ بيته في الملحد
و قدم قيس بن عاصم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سنة تسع (1).
و روى الطبراني بسند جيد عن قيس بن عاصم قال: قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما رآني قال: «هذا سيد أهل الوبر» .
1) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 232.
فلما نزلت أتيته فجعلت أحدثه، فقلت: يا رسول اللّه، ما المال الذي ليست عليّ فيه تبعة من ضيف ضافني، أو عيال كثروا عليّ؟
قال: «نعم المال الأربعون، و الأكثر الستون، و ويل لأصحاب المئين إلا من أعطى من رسلها و نجدتها، و أطرق فحلها، و أفقر ظهرها، (و منح غزيرتها)، و نحر سمينها، و أطعم القانع و المعتر» .
قال: يا رسول اللّه، ما أكرم هذه و أحسنها، إنه لا يحل بالوادي الذي أنا فيه لكثرة إبلي.
فقال: «فكيف تصنع بالطروقة» ؟
قال: قلت تغدو الإبل و يغدو الناس، فمن شاء أخذ برأس بعير فذهب به.
قال: «فكيف تصنع في الأفقار» ؟
قلت: إني لأفقر الناب المدبرة و الضرع الصغير.
قال: «فكيف تصنع في المنيحة» ؟
قلت: إني لأمنح في كل سنة مائة.
قال: «فمالك أحب إليك أم مال مواليك» ؟
قلت: لا، بل مالي.
قال: «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، و سائره لمواليك» .
فقلت: و اللّه لئن بقيت لأقلن عددها (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 399 و 400 عن الطبراني في الكبير ج 18 ص 339 و الإصابة ج 3 ص 253، و مجمع الزوائد ج 10 ص 242، و تهذيب الكمال ج 24 ص 64، و تاريخ المدينة ج 2 ص 531، و راجع إمتاع الأسماع ج 4 ص 355.
قال الحسن البصري: فعل و اللّه. فلما حضرت قيسا الوفاة جمع بنيه فقال: يا بني، خذوا عني، فإنكم لن تأخذوا من أحد هو أنصح لكم مني. إذا أنا مت فسوّدوا أكابركم، و لا تسوّدوا أصاغركم، فتسفّهكم الناس و تهونوا عليهم، و عليكم بإصلاح المال فإنه سعة للكريم و يستغنى به عن اللئيم، و إياكم و المسألة فإنها آخر كسب المرء، و إذا أنا مت فلا تنوحوا عليّ فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم ينح عليه، و قد سمعته ينهى عن النياحة، و كفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها و أصوم، و إذا دفنتموني فلا تدفنوني في موضع يطلع عليه أحد، فإنه قد كان بيني و بين بني بكر بن وائل حماسات في الجاهلية، فأخاف أن ينبشوني، فيصيبون في ذلك ما يذهب فيه دينكم و دنياكم.
قال الحسن: نصح لهم في الحياة، و نصح لهم في الممات (1).
قد تضمنت النصوص التي نقلناها آنفا ثناء من النبي «صلى اللّه عليه و آله» على قيس بن عاصم، يرويه لنا قيس بن عاصم نفسه، كما أن من يراجع كتب التراجم يجد نصوصا أخرى تعطيه المزيد من الأوسمة في
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 399 و الإصابة ج 3 ص 253 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 234، و المعجم الكبير للطبراني ج 18 ص 340، و الأحاديث الطوال للطبراني ص 51، و مجمع الزوائد ج 3 ص 108.
الجاهلية و في الإسلام، و فيها: أنه حرم الخمر على نفسه في الجاهلية (1)، و أنه سيد أهل الوبر و غير ذلك كثير (2).
و نحن لا نرى في هذا الرجل ما يستحق ذلك كله، و نشك في صحته. . فهذا الرجل كما روى هؤلاء أنفسهم كان يئد بناته، حتى وأد منهنّ ثمانية، كما اعترف به لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).
1) الإصابة ج 3 ص 253، و تاريخ المدينة ج 2 هامش ص 523، و السيرة الحلبية ج 3 ص 245.
2) راجع: الإصابة ج 3 ص 253 و 254، و المجموع للنووي ج 2 ص 152، و مقاتل الطالبيين ص 56، و أمالي المرتضى ج 1 ص 72، و النيسابوري في المستدرك ج 3 ص 611، و مجمع الزوائد ج 3 ص 107 و ج 9 ص 404 و ج 10 ص 242، و فتح الباري ج 5 ص 124، و الأدب المفرد للبخاري ص 203، و بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث لإبن أبي أسامة ص 152، و المفاريد عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للموصلي ص 106، و الأحاديث الطوال للطبراني ص 50، و الإستيعاب ج 3 ص 1295، و التمهيد لابن عبد البر ج 4 ص 213، و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 128 و 130، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 294 و ج 7 ص 36، و معرفة الثقات للعجلي ج 2 ص 221، و الثقات لابن حبان ج 3 ص 338 و ج 6 ص 320، و مشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص 68، و تاريخ مدينة دمشق ج 40 ص 359، و أسد الغابة ج 2 ص 235 و ج 4 ص 219، و تهذيب الكمال ج 23 ص 448 و ج 24 ص 58 و 59 و 61، و الإصابة ج 2 ص 505 و ج 5 ص 367 و 369، و تهذيب التهذيب ج 8 ص 357، و غيرها.
3) الإصابة ج 3 ص 253 عن ابن مندة، و راجع هامش الأعلام للزركلي ج 5 ص 207 نقلا عن الإصابة: ت 7194 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 434 و النقائض، (طبعة ليدن)1023 و رغبة الآمل ج 3 ص 10 و ج 4 ص 99 و 234 و يؤخذ منه أنه كان يئد بناته في الجاهلية، و ج 5 ص 144 و 148 و المرزباني ص 324 و حسن الصحابة ص 329 و خزانة البغدادي ج 3 ص 428 و 429 و 509 و مجمع الزوائد ج 9 ص 404 و سمط اللآلي 487 و المحبر 238 و 248، و التبريزي ج 4 ص 68 و مجالس ثعلب ص 36.
و عن عبد اللّه بن مصعب، قال: قال أبو بكر لقيس بن عاصم: ما حملك على أن و أدت. و كان أول من وأد.
فقال: خشيت أن يخلف عليهن غير كفؤ (1).
و قد ارتد بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و آمن بسجاح، و كان مؤذنها، و قال في ذلك:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بهاو أصبحت أنبياء اللّه ذكرانا
ثم لما تزوجت سجاح بمسيلمة، و آمنت به آمن به قيس معها. و لما قتل مسيلمة أخذ قيس أسيرا الخ. . (2).
بل إنه بعد أن أسلم بلغه أن أحدهم استأذن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بغزوه حين أبطأ في إعلان إسلامه، فقال للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : أما لي سبيل إلى الرجوع؟ !
قال: لا.
قال: لو كان لي إلى الرجوع سبيل لأدخلت على عتبة و نسائه الذل (1).
عن نضلة بن طريف: أن رجلا منهم يقال له: الأعشى، و اسمه عبد اللّه بن الأعور كانت عنده امرأة يقال لها: معاذة، و خرج في رجب (يمير أهله من هجر، فهربت امرأته بعده ناشزا عليه، فعاذت برجل منهم يقال له: مطرف بن بهصل المازني، فجعلها خلف ظهره.
فلما قدم لم يجدها في بيته، و أخبر أنها نشزت عليه، و أنها عاذت بمطرف بن بهصل، فأتاه، فقال: يا ابن عم أعندك امرأتي معاذة فادفعها إلي.
قال: ليست عندي، و لو كانت عندي لم أدفعها إليك.
قال: و كان مطرف أعز منه.
قال: فخرج الأعشى حتى أتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فعاذ به و أنشأ يقول:).
يا مالك الناس و ديان العربإني لقيت ذربة من الذرب
غدوت أبغيها الطعام في رجبفخلفتني في نزاع و هرب
أخلفت العهد و لظت بالذنبو هن شر غالب لمن غلب
(فكتب النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى مطرف: «انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه» .
فأتاه كتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقرئ عليه، فقال: «يا معاذة،
1) الإصابة ج 3 ص 254 و في (ط دار الكتب العلمية) ج 5 ص 369.
هذا كتاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيك، و أنا دافعك إليه.
قالت: خذ لي العهد و الميثاق، و ذمة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ألا يعاقبني فيما صنعت.
فأخذ لها ذلك، و دفعها إليه، فأنشأ يقول:
لعمرك ما حبي معاذة بالذييغيره الواشي و لا قدم العهد
و لا سوء ما جاءت به إذ أذلهاغواة رجال إذ يناجونها بعدي (1)
و لسنا بحاجة إلى التعليق على هذه الوفادة.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 275 عبد اللّه بن أحمد بن حنبل في زوائد المسند، و الشيرازي في الألقاب، و ابن أبي خيمة، و الحسن بن سفيان، و ابن شاهين، و أبي نعيم، و في هامشه عن البداية ج 5 ص 74 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 288 عن: الإصابة ج 3 ص 556(8715) و ج 2 ص 276(4535) في عبد اللّه بن الأعور، و أسد الغابة ج 1 ص 102 في ترجمة الأعشى المازني و ج 5 ص 546 في معاذة، و مسند أحمد ج 2 ص 202 و أعلام السائلين ص 42 و رسالات نبوية ص 265 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 50 و ج 7 ق 1 ص 37 و (ط دار صادر) ص 53 و 54 و الإستيعاب ج 2 ص 266 و البداية و النهاية ج 5 ص 74 و الوثائق السياسية ص 242/126(عن جمع ممن تقدم و عن الفائق للزمخشري في مادة «دين» و لسان العرب مادة «اثب» و «ذرب» و «خلف» و ديوان الأعشى المسمى بالصبح المنير ص 282 و 283 مع الحواشي عن المكاثرة للطيالسي ص 13 و ألف باء لأبي الحجاج البلوي ج 1 ص 832 و المقاصد النحوية ج 2 ص 289 و حسن الصحابة لعلي فهمي ص 113 و معجم الصحابة لابن قانع خطية: ورقة 11 و مجمع الزوائد ج 4 ص 231.
قال: و قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبو حرب بن خويلد بن عامر بن عقيل، فقرأ عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» القرآن، و عرض عليه الإسلام.
فقال: أما و أيم اللّه، لقد لقيت اللّه أو لقيت من لقيه، و إنك لتقول قولا لا نحسن مثله، و لكني سوف أضرب بقداحي هذه على ما تدعوني إليه و على ديني الذي أنا عليه، و ضرب بالقداح، فخرج عليه سهم الكفر، ثم أعاده، فخرج عليه ثلاث مرات. فقال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أبى هذا إلا ما ترى.
ثم رجع إلى أخيه عقال بن خويلد، فقال له: قلّ خيسك، هل لك في محمد بن عبد اللّه يدعو إلى دين الإسلام، و يقرأ القرآن، و قد أعطاني العقيق أن أنا أسلمت.
فقال له عقال: أنا و اللّه أخطك أكثر مما يخطك محمد. ثم ركب فرسه، و جر رمحه على أسفل العقيق، فأخذ أسفله و ما فيه من عين.
ثم إن عقالا قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فعرض عليه الإسلام، و جعل يقول له: «أتشهد أن محمدا رسول اللّه؟
فيقول: أشهد أن هبيرة بن المفاضة نعم الفارس، يوم قرني لبان.
ثم قال: «أتشهد أن محمدا رسول اللّه» ؟
قال: أشهد أن الصريح تحت الرغوة.
ثم قال له الثالثة: «أتشهد» ؟
قال: فشهد و أسلم.
قال: و ابن المفاضة هبيرة بن معاوية بن عبادة بن عقيل، و معاوية هو فارس الهرّار، و الهرّار: اسم فرسه، و لبان: اسم موضع (1).
و أغرب ما قرأناه هنا: أن أبا حرب يعترف بأنه «صلى اللّه عليه و آله» لقي اللّه، أو لقي من لقيه، و لكنه لا يسلم إلا إذا وافقت قداحه على إسلامه. .
و هذا يشير إلى خفة و سفه، و قلة عقل، فإن الحق إذا ظهر فهو أحق أن يتبع، و كيف يمكن أن يجري إنسان سليم العقل قرعة على الحق و الباطل، و بين الإيمان الذي ظهرت دلائله و وضحت آياته و بين الكفر الخاسئ البيّن الغي؟ !
و ماذا عليه لو أسلم و أخذ العقيق، فإنه يكون قد ربح الدنيا و الآخرة.
و أما إعطاء أخيه عقال له أرضا أوسع من العقيق، فإنه إن أفاده في الدنيا شيئا، فسيكون ممحوق البركة سيء الآثار، و هو بالتالي إلى فناء و زوال، و سوف يتركه إلى غيره لينتعم به من بعده، و يذهب هو في الآخرة
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 384 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 503 عن: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 302 و في (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 45 و البداية و النهاية ج 5 ص 90 و رسالات نبوية ص 148 و نشأة الدولة الإسلامية ص 365 و مدينة البلاغة ج 2 ص 294 و الإصابة ج 3 ص 423 في ترجمة مطرف بن عبد اللّه بن الأعلم. و مجموعة الوثائق السياسية ص 312 و 216 عن الطبقات، و رسالات نبوية، و قال: قابل معجم البلدان مادة عقيق، و انظر اشپرنكر ج 3 ص 513.
إلى الجحيم، و إلى العذاب الأليم، و الخزي المقيم. .
و لست أدري ما أقول في أجوبة عقال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنها أجوبة المهزوم و العاجز عن المواجهة، و الباحث عن مهرب، أو لعلها أسئلة من يريد أن يمتحن صبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، علما بأن الصبر لم يكن من صفات الإنسان العربي الذي يعيش في الصحراء بين الحيوانات المفترسة، أو بين سباع الغارة و القتل، و السلب و النهب، بل هو الرجل النزق، و السريع المبادرة للعنف، و قلّ أن تجد فيهم حليما.
عن معاوية بن حيدة قال: أتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فلما دفعت إليه قال: «أما إني سألت اللّه عز و جل أن يعينني عليكم بالسّنة (المراد سنة القحط) فتحفيكم، و بالرعب أن يجعله في قلوبكم» .
فقال معاوية بن حيدة بيديه جميعا: أما إني خلقت هكذا و هكذا، أي لا أؤمن بك و لا أتبعك، فما زالت السّنة تحفيني، و ما زال الرعب يرعب في قلبي حتى وقفت بين يديك؛ فباللّه الذي أرسلك، بماذا بعثك اللّه به عز وجل؟
قال: «بعثني بالإسلام» .
قال: و ما الإسلام؟
قال: «شهادة ألا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، و تقيموا الصلاة، و تؤتوا الزكاة، أخوان نصيران، لا يقبل اللّه عز و جل من أحد توبة أشرك بعد
إسلامه» .
قال: قلت: يا رسول اللّه، ما حق زوج أحد منا عليه؟
قال: «يطعمها إذا طعم، و يكسوها إذا اكتسى، و لا يضرب الوجه، و لا يقبح، و لا تهجر إلا في المبيت» .
و في رواية: ما تقول: في نساءنا؟
قال: نِسٰاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ (1).
قال فينظر أحدنا إلى عورة أخيه.
قال: «لا» .
قال: فإذا تفرقا.
قال: «فضم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إحدى فخذيه على الأخرى، ثم قال: «ههنا تحشرون، ههنا تحشرون، ههنا تحشرون-ثلاثا- يعني الشام-ركبانا و مشاة، و على وجوهكم. موفون يوم القيامة سبعين أمة، أنتم آخر الأمم، و أكرمها على اللّه تعالى و على أفواهكم الفدام، و أول ما يعرب عن أحدكم فخذه» (2).
و نقول:
إن في هذا الحديث مواضع للنظر، فلاحظ يلي:
قد تضمن هذا النص أمورا عديدة هي مثار أسئلة حقيقية، و لا يمكن المرور عليها مرور الكرام، بل هي تفرض على الإنسان المنصف أن يدير ظهره لنصوص لا تستطيع أن تجيب على ما ينقضها. و نحن نجمل هذه الأسئلة على النحو التالي:
1-ماذا يمثل معاوية بن حيدة من خطورة على مسيرة أهل الإيمان، حتى يواجهه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الخطاب الذي يعبر عن أن ابن حيدة يمثل موقعا أساسيا في التحدي المفعم بالبغي على الإسلام و أهله، إلى حد أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلب من ربه أن يأخذهم بالرعب و بالسنين حتى تحيفهم (أي تلح عليهم بشدة و استقصاء بالغ) .
2-و حين أصابت السّنة قريشا، و هم أعدى أعدائه، إن قريشا ليس فقط لم تبادر إلى الإسلام، بل هي أصرت على حربه، و استئصال شأفته، و لم يجبرها إلحاح السنين على التخلي عن موقفها، فلماذا يدعو النبي «صلى اللّه عليه و آله» بإلحاح السنين و هو قد جربها و عرف أن لا أثر لها؟ ! فهل كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أخطأ التقدير و العياذ باللّه، فظن أن للسنين أثرا؟ !
3-و هل كان اللّه سبحانه يعامل الناس بهذه الطريقة ليجبرهم على قبول دينه؟ ! و إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يستعمل هذه الوسيلة بالنسبة لجميع الأمم السالفة. . ليوفر على الأنبياء بعضا من عنائهم؟ !
أم أنه فعل ذلك و لم يؤثر شيئا في السابق، فلماذا عاد في اللاحق إلى وسيلة لا أثر لها؟ !
4-نلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يترك قريشا تكابد الجوع حتى
يضطروا إلى قبول الإسلام و الدخول فيه، بل بادر لإرسال المعونات لهم إلى مكة، و لأبي سفيان بالذات (1).
فهل كان غير راغب بإسلامهم آنئذ، أم أنه ندم على ما فرط منه. أي أنه كان قد طلب من اللّه أن يبتليهم بالقحط حتى إذا استجاب اللّه تعالى له بادر إلى نقضه، بتقديم المعونات و دفع آثار القحط عنهم؟ !
5-لم نفهم ما معنى أن يضم النبي «صلى اللّه عليه و آله» فخذيه حين سئل عن أنه إذا تفرق الزوجان فما العمل؟ !
6-و قد ذكر أن المحشر و المنشر في الشام. .
و نقول:
أولا: لماذا كان الحشر في الشام-كما ذكرته هذه الرواية، و لا يكون في اليمن، أو في فلسطين، أو في غير ذلك من البقاع. .
ثانيا: ألا ينافي ذلك ما رووه من أن بيت المقدس هو الذي يكون فيه المحشر و المنشر (2).
7-و الأدهى من ذلك كله أن يكون أول ما يعرب عن كل امرئ فخذه في يوم القيامة، فلماذا لا تعرب عنه يده أو أنفه، أو لسانه أو رأسه، و ما إلى ذلك؟ !
و قد قال اللّه سبحانه: اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىٰ أَفْوٰاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنٰا أَيْدِيهِمْ
وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ (1).
و قال: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ (2).
و لنفترض: أن المقصود بالرجل هو: الفخذ (و إن كان ذلك من التحكم غير المقبول) فإننا نقول:
ليس في الآية ما يدل أن الفخذ هو أول من يشهد. بل إن تكلم الأيدي قد ذكر في الآية قبل تكلم الرجلين.
إن هناك وفدين من جرم قدما على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :
الوفد الأول: عن مرة الجرمي قال: وفد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجلان منا يقال لأحدهما: الأصقع بن شريح بن صريم بن عمرو بن رياح، و الآخر هوذة بن عمرو بن يزيد بن عمرو بن رياح فأسلما. و كتب لهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا (3).
1) الآية 65 من سورة يس.
2) الآية 24 من سورة النور.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 309 عن ابن سعد و قال في هامشه: أخرجه ابن سعد في الطبقات ج 2 ص 99، و في (ط دار صادر) ج 1 ص 335، و مكاتيب الرسول للأحمدي الميانجي ج 1 هامش ص 250 نقلا عن اليعقوبي ج 2 ص 55 و راجع تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 406 و البداية و النهاية ج 3 ص 247 و البحار ج 19 ص 174 و 187 و السيرة الحلبية ج 2 ص 135 و الوثائق السياسية ص 266/158-ألف (عن اليعقوبي، و عن إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 ص 55) و راجع الطبقات الكبرى ج 2 ق 1 ص 6 و راجع المفصل ج 4 ص 251 و 265 و 267 و 312 و 339 و 432 و 532 و ج 7 ص 353 و الدرر لابن عبد البر ص 64 و المنتظم ج 3 ص 90.
الوفد الثاني: عن عمرو بن سلمة قال: كنا بحضرة ماء ممر الناس عليه، و كنا نسألهم ما هذا الأمر؟
فيقولون: رجل يزعم أنه نبي، و أن اللّه أرسله و أن اللّه أوحى إليه كذا كذا، فجعلت لا أسمع شيئا من ذلك إلا حفظته، كأنما يغرى في صدري بغراء، حتى جمعت فيه قرآنا كثيرا.
قال: و كانت العرب تلوّم بإسلامها الفتح، يقولون: انظروا، فإن ظهر عليهم فهو صادق، و هو نبي.
فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام حوائنا ذلك، و أقام مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما شاء اللّه أن يقيم (و تعلموا القرآن، و قضوا حوائجهم) .
قال: ثم أقبل فلما دنا منا تلقيناه، فلما رأيناه قال: جئتكم و اللّه من عند رسول اللّه حقا، ثم قال: إنه يأمركم بكذا و كذا، و ينهاكم عن كذا و كذا، و أن تصلوا صلاة كذا، في حين كذا، و صلاة كذا في حين كذا، و إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، و ليؤمكم أكثركم قرآنا أو نحو ذلك.
قال: فنظر أهل حوائنا فما وجدوا أحدا أكثر قرآنا مني الذي كنت أحفظه من الركبان. فدعوني فعلموني الركوع و السجود، و قدموني بين أيديهم، فكنت أصلي بهم و أنا ابن ست سنين.
قال: و كان عليّ بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا است قارئكم؟
قال: فكسوني قميصا من معقد البحرين.
قال: فما فرحت بشيء أشد من فرحي بذلك القميص (1).
و في نص آخر: فقدموني، فصليت بهم، فما شهدت مجمعا إلا و أنا إمامهم إلى يومنا هذا (2).
و نقول:
إن لنا بعض البيانات و المؤخذات على ما سبق، فلاحظ ما يلي:
إن ثمة إشكالا في صحة ما ذكر آنفا من أن ذلك الذي كان أكثر تلك الجماعة جمعا للقرآن، و أصبح إماما لها. كان بعمر ست سنين، فإن أحدا لا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 309 عن البخاري، و ابن سعد، و ابن مندة، و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 49، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 337 و ج 7 ص 90.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 309 عن ابن سعد، و في هامشه عن الطبقات الكبرى ج 2 ص 99، و أسد الغابة ج 4 ص 110 و ج 2 ص 340، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 336 و ج 7 ص 89، و إرواء الغليل للألباني ج 1 ص 229، و عون المعبود ج 2 ص 208، و فتح الباري ج 8 ص 19، و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 92 و 225، و سنن أبي داوود ج 1 ص 141، و مسند أحمد ج 5 ص 71، و المصنف ج 1 ص 379، و كنز العمال ج 8 ص 265.
يرضى بأن يأتم بصبي عمره ست سنين. . و المتوقع هو: أن يراجع الناس النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل أن يقدموا على هذا الأمر. .
و لم يكن هؤلاء الذين أسلموا لتوهم من أهل التقوى و الإنقياد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى حد أن يطيعوه في مثل هذا الأمر الذي تأباه نفوسهم.
لو فرضنا أن أحدا يجهل أن ستر العورة مطلوب في الصلاة، فإن من المعلوم: أن أحدا لا يستطيع كشفها، من ناحية الأدب الإجتماعي، فكيف يرضى أولئك القوم بأن يؤمهم من تنكشف عورته حين صلاته بهم؟ !
على أن ما يحتاج إلى تفسير هنا هو: حضور النساء للجماعة، ثم رؤيتهن لعورة الإمام حال الركوع و السجود، مع أن المفروض هو: أنهن في هاتين الحالتين لا يقدرن على رؤية الإمام حتى لو تعمدن ذلك، خصوصا إذا لاحظنا صغر حجمه، إذا كان بعمر ست سنوات، و كانت هناك صفوف من الرجال تفصل النساء عنه. . و تحجبهم بالتالي عن رؤيته في حالتي الركوع و السجود.
إلا إذا فرض أن النساء لم يكنّ في جملة المصلين. .
و قد ذكر آنفا: أن وفد جرم عادوا إلى قومهم، فسألوا عن الأقرأ للقرآن فوجدوا: أن سلمة بن قيس الجرمي هو الأكثر جمعا، فقدموه فصلى بهم، و كان إمامهم. .
فقد يقال: إذا كانت جرم لم تسلم بعد، فلماذا يتعلم الناس فيها القرآن؟ و يشيع ذلك فيهم، حتى يحتاج إلى معرفة الأكثر أخذا له. .
و قد يجاب: بأن هذا الوفد قد جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و عاد من عنده بعد ظهور الإسلام في قبيلة جرم. .
و هو جواب غير دقيق، فقد صرح عمرو بن سلمة بأنه قد حفظ القرآن في أيام الشرك حيث كانوا على ماء ممر الناس عليه، فكانوا يسألونهم عن هذا الأمر، فكانوا يجيبونهم و يقرأون عليهم بعض الآيات، فكان عمرو بن سلمة يحفظ من ذلك أكثر من غيره.
و سواء قلنا بصحة ما ذكروه حول ذلك الغلام أو بعدم صحته، فإن ذلك لا يمنع من أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قرر أن إمام القوم أكثرهم جمعا للقرآن، و ذلك على قاعدة: «قيمة كل امرئ ما يحسنه» ، و استجابة لواجب الحث و التشجيع على حفظ القرآن، و الإهتمام بجمعه، غير أن سؤالا قد يطرح هنا، و هو: أن الناس كانوا آنئذ بحاجة إلى معرفة أحكام دينهم، مقدمة للإلتزام و العمل بها، فلماذا لم يأمرهم بتقديم الأفقه و الأعرف بأحكام دينه؟ !
و يمكن أن يجاب: بأن القرآن أساس الدين، و حصنه الحصين، و فيه كل معارف الدين، في عقائده، و شرائعه، و أحكامه، و مفاهيمه، و أخلاقياته، و سياساته، و عبره و عظاته، و غير ذلك مما لا بد منه للإنسان المسلم و المؤمن. .
على أن نفس ربط الإنسان باللّه، و شعوره بأن اللّه هو الذي يتكلم معه،
يجعله أكثر شعورا بحقيقته و حجمه، و يدعوه للتواضع أمام عظمة اللّه، و يدفع عنه الشعور بالكبر، و الخيلاء، و يجعله يشعر بأنه محاسب، و مسؤول، و لا يستطيع أن يخفى شيئا من أفعاله، أو أقواله، أو نواياه. .
و من شأن هذا أن يزيد في انقياده، و عبوديته، و سعيه لاستكمال ما يحتاج إليه لنيل رضا اللّه تبارك و تعالى، و الفوز بدرجات القرب منه. على أن الإستكثار من القرآن، و جمعه، و قراءته، لا بد أن يفتح أمام الإنسان أبوابا عديدة للسؤال، و الإستقصاء عن الكثير الكثير من المعارف التي لولا قراءته للقرآن، لم تخطر له على بال، و لم تمر له في خيال.
و مع غض النظر عن ذلك كله. . فإن هذا الحكم النبوي لا بد أن يعطي الأمثولة الرائعة لتطبيق المعايير الإسلامية و الإيمانية، حين يصبح أصغر القوم إمامهم، لا لأجل مال جمعه، أو وصل إليه، و لا لأجل دنيا أصابها، أو جاه ظفر به، و إنما لأنه سار في طريق رضا اللّه سبحانه، و نال المعارف التي تيسّر له التقوى، و توصله إلى مقامات القرب و الزلفى.
ثم إن ذلك يذكي الطموح لدى الآخرين ليدخلوا الحلبة، و ليستبقوا الخيرات، و الباقيات الصالحات، لا ليستبقوا المآثم و الموبقات.
و قالوا: كانت قبيلة جعفي يحرمون أكل القلب في الجاهلية، فوفد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجلان منهم: قيس بن سلمة بن شراحيل، و سلمة بن يزيد، و هما أخوان لأم، و أمهما مليكة بنت الحلو. فأسلما. فقال لهما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «بلغني أنكم لا تأكلون القلب» .
قالا: نعم.
قال: «فإنه لا يكمل إسلامكما إلا بأكله» .
و دعا لهما بقلب، فشوي، ثم ناوله سلمة بن يزيد، فلما أخذه أرعدت يده، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «كله» .
و كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لقيس بن سلمة كتابا نسخته:
«كتاب من محمد رسول اللّه لقيس بن سلمة بن شراحيل، أني استعملتك على مران و مواليها، و حريم و مواليها، و الكلاب و مواليها، (من أقام الصلاة، و آتى الزكاة، و صدّق ماله و صفاه).
(قال الكلاب: أود، و زبيد)و جزء ابن سعد العشيرة، و زيد اللّه بن سعد، و عائذ اللّه بن سعد، و بنو صلاءة من بني الحارث بن كعب. .
ثم قالا: يا رسول اللّه، إن أمنا مليكة بنت الحلو كانت تفك العافي، و تطعم البائس، و ترحم المسكين، و إنها ماتت و قد و أدت بنية لها صغيرة، فما حالها؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «الوائدة و الموؤدة في النار» .
فقاما مغضبين.
فقال: «إلي فارجعا» .
فقال: «و أمي مع أمكما» .
فأبيا، و مضيا و هما يقولان: و اللّه، إن رجلا أطعمنا القلب، و زعم أن أمنا في النار لأهل ألاّ يتبع. و ذهبا. فلما كانا ببعض الطريق لقيا رجلا من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معه إبل من إبل الصدقة، فأوثقاه، و طردا الإبل.
فبلغ ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» فلعنهما فيمن كان يلعن في قوله: «لعن اللّه رعلا، و ذكوان، و عصية، و لحيان، و ابني مليكة بن حريم، و مران» (1).
و قالوا: وفد أبو سبرة و هو يزيد بن مالك بن عبد اللّه الجعفي على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و معه ابناه: سبرة و عزيز. فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعزيز: «ما اسمك» ؟
قال: عزيز.
قال: «لا عزيز إلا اللّه، أنت عبد الرحمن» . فأسلموا.
و قال أبو سبرة: يا رسول اللّه، إن بظهر كفي سلعة قد منعتني من خطام راحلتي.
فدعا له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (بقدح، فجعل يضرب به على السلعة، و يمسحها، فذهبت، فدعا له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»)و لا بنيه.
و قال له: يا رسول اللّه، أقطعني وادي قومي باليمن، و كان يقال له: حردان. ففعل (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 314 و 315 و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 1 ص 324-326، و الكافي ج 8 ص 71، و البحار ج 22 ص 137 و ج 57 ص 232، و مستدرك البيسابوري ج 4 ص 82، و الدر المنثور ج 3 ص 284، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 325.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 315 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 90، و في (ط دار صادر) ج 1 ص 326.
و نقول:
كنا قد ذكرنا في أكثر من موضع: أن الناس كانوا يرون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا بد أن يكون قادرا على شفائهم من كل عاهة، و أنه ينزل الغيث، و يخبر بالغائبات و ما إلى ذلك، و لم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يسجل أي تحفظ على فهمهم هذا، بل هو يستجيب إلى ما كانوا يطلبونه منه في هذا السياق. . و قد ذكر آنفا بعض ما يرتبط بذلك. و يبقى أن نشير هنا إلى ما يلي:
قد يناقش البعض بأنه لا يجد وجها للقول المنسوب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» للجعفيين: «لا يكمل إسلامكما إلا بأكل القلب» ، ثم شوى لهما قلبا و أطعمهما منه. .
و نجيب: بأن المقصود أن تحريم أي شيء مما أحله اللّه تعالى معناه: أن ثمة نقصا في إسلام من يحرم ذلك، و تمام الإسلام و كماله إنما هو بالتسليم التام، و القبول بكل ما جاء به النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . و لا يريد «صلى اللّه عليه و آله» أن يقول: إن لأكل القلب خصوصية في الإسلام.
و قد كان لا بد من أن يرفع الحرج الناشئ عن رواسب الجاهلية، فلأجل ذلك أطعمهما فعلا من قلب شواه لهما. . فإن من السهل على الإنسان أن يعلن قبوله بالشيء، و لكنه حين يواجه به، و يريد أن يصدق قوله بفعله تجده يصد عن ذلك، و تأبى نفسه الإنصياع. .
و لذلك أرعدت يد سلمة بن يزيد حين ناوله النبي «صلى اللّه عليه
و آله» القلب المشوي ليأكله. . و لو أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يواجهه بهذا الأمر، فلربما يؤدي التزامه بأمر الجاهلية إلى أن يستقر هذا الأمر الخاطئ في داخل نفسه من جديد، و لربما يضاف إليه أمور جاهلية أخرى، إلى أن ينتهي به الحال إلى العودة إلى ما كان عليه قبل إسلامه. .
و قد زعمت الرواية المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر ذينك الرجلين بأن أمهما في النار، بعد أن أطعمهما القلب، فلما غضبا أضاف أمه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أمهما، فحكم عليها أنها في النار أيضا استرضاء لهما، و لكنهما لم يقبلا منه و ذهبا. .
و لسنا بحاجة إلى القول: بأن أساس الرواية مشكوك، فإن هذه الطريقة التي نسب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه عامل بها ذينك الرجلين، ليست من مصاديق الدعوة إلى اللّه بالحكمة و الموعظة الحسنة، بل هي قد أدت إلى تنفير هذين الرجلين من الإسلام، و صدودهما عنه، رغم زعمهم أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد واساهما بنفسه بإضافة أمه إلى أمهما، فلاحظ الفقرة التالية:
قد ذكر النص المتقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «الوائدة و الموؤودة في النار، فقام قيس بن سلمة، و قيس بن يزيد و هما مغضبان، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : و أمي و أمكما في النار» .
و نقول:
إننا لا نرتاب في كذب هذه المزعمة، و ذلك لما يلي:
أولا: قد تقدم في الجزء الثاني من هذا الكتاب في فل: «بحوث تسبق السيرة» إثبات إيمان آباء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد ألف السيوطي كتبا و رسائل في إثبات ذلك، مثل كتاب: التعظيم و المنة في أن أبوي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الجنة. و نشر العلميين المنيفين، و غير ذلك. فراجع ما ذكرناه هناك. .
ثانيا: إنه لا ريب في أن العقل يقبح عقوبة البريء، البالغ العاقل، فهل يمكن أن يرضى بتعذيب الأبرياء من الأطفال؟ فكيف إذا كانوا صغارا لا يملكون من الإدراك ما يصحح مؤاخذتهم بشيء؟ !
ثالثا: إن الآيات قد صرحت: بأنه لا عذاب على الولدان، قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ ظٰالِمِي أَنْفُسِهِمْ قٰالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قٰالُوا كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي اَلْأَرْضِ قٰالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا فَأُولٰئِكَ مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً، إِلاَّ اَلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ اَلرِّجٰالِ وَ اَلنِّسٰاءِ وَ اَلْوِلْدٰانِ لاٰ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لاٰ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (1).
رابعا: روي عن ابن عباس في الموؤودة قوله: «فمن زعم أنهم في النار فقد كذب» (2).
خامسا: عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «رفع القلم عن ثلاثة: الصبي، و المجنون، و النائم» و نحوه غيره (1).
1) راجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 73 و كنز العمال ج 3 ص 59 و تذكرة الخواص ص 157 و المناقب للخوارزمي ص 48 و سنن أبي داود ج 4 ص 114 و 140 و فرائد السمطين ج 1 ص 66 و ذخائر العقبى ص 81 و الغدير ج 6 ص 102 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 659 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 59 و ج 4 ص 389 و جامع الأصول ج 4 ص 271 و تيسير الوصول ج 2 ص 8 و الرياض النضرة ج 3 ص 144 و حاشية الحفنى على الجامع الصغير ج 2 ص 258 و مصباح الظلام ج 2 ص 136 و فتح الباري ج 12 ص 121 و عمدة القاري ج 23 ص 292 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 264 و إرشاد الساري ج 4 ص 14 و ج 10 ص 9 عن البغوي، و أبي داود، و النسائي، و ابن حبان، و فيض القدير للمناوي ج 4 ص 357 و صحيح البخاري (كتاب المحاربين: باب لا يرجم المجنون و لا المجنونة) .
عن لقيط بن عامر قال: خرجت أنا و صاحبي نهيك بن عاصم (بن مالك بن المنتفق)(لانسلاخ رجب) (1)حتى قدمنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبا، فقال: «يا أيها الناس، ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لتسمعوا الآن، ألا فهل من امرئ قد بعثه قومه فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ألا ثمّ رجل لعلّه أن يلهيه حديث نفسه، أو حديث صاحبه، أو يلهيه ضال؟ ! ألا و إني مسؤول هل بلغت؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا» .
فجلس الناس، و قمت أنا و صاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده و بصره قلت: يا رسول اللّه، ما عندك من علم الغيب؟
1) الإصابة ج 3 ص 579 و 330، و مسند أحمد ج 4 ص 13، و المستدرك للنيسابوري ج 4 ص 560، و مجمع الزوائد ج 10 ص 338، و ما روي في الحوض و الكوثر للقرطبي ص 153، و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 286، و المعجم الكبير للطبراني ج 19 ص 211، و جزء بقي بن مخلد لابن بشكوال ص 153، و أسد الغابة ج 5 ص 44، و الإصابة ج 6 ص 376.
فضحك، فقال: «لعمر اللّه» و هز رأسه، و علم أني أبتغي سقطه، فقال: «ضنّ ربك عز و جل بمفاتيح خمسة من الغيب لا يعلمها إلا اللّه» . و أشار بيده.
فقلت: و ما هي يا رسول اللّه؟
فقال: «علم المنية، قد علم متى منية أحدكم و لا تعلمونه، و علم ما في غد و ما أنت طاعم غدا و لا تعلمه، و علم المني حين يكون في الرحم قد علمه و لا تعلمونه، و علم الغيث يشرف عليكم آزلين مسنتين، فيظل يضحك قد علم أن غوثكم قريب» .
قال لقيط: قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرا يا رسول اللّه.
قال: «و علم يوم الساعة» .
قلت: يا رسول اللّه، إني سائلك عن حاجتي فلا تعجلني.
قال: «سل عما شئت» .
قال: قلت يا رسول اللّه: علّمنا مما لا يعلم الناس، و مما تعلم، فإنّا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحدا، من مذحج التي تدنو إلينا، و خثعم التي توالينا، و عشيرتنا التي نحن منها.
قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ثم تلبثون ما لبثتم، يتوفى نبيكم ثم تبعث الصائحة، فلعمرو إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات، و الملائكة الذين مع ربك، فيصبح ربك عز وجل يطوف في الأرض قد خلت عليه البلاد، فيرسل ربك السماء تهضب من عند العرش، فلعمرو إلهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل، و لا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلفه من قبل رأسه، فيستوي جالسا.
فيقول ربك: مهيم-لما كان فيه.
فيقول: يا رب، أمس اليوم، و لعهده بالحياة يحسبه حديث عهد بأهله» .
فقلت: يا رسول اللّه، فكيف يجمعنا بعد ما تمزقنا الرياح، و البلى، و السباع؟
فقال: «أنبئك بمثل ذلك في آلاء اللّه، أشرقت على الأرض و هي مدرة بالية.
فقلت: لا تحيا هذه أبدا، ثم أرسل ربك عليها، فلم تلبث إلا أياما حتى أشرفت عليها و هي شربة واحدة، و لعمرو إلهك لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأصواء، و من مصارعكم، فتنظرون إليه و ينظر إليكم» .
قال: قلت: يا رسول اللّه، كيف و نحن ملء الأرض، و هو عز وجل شخص واحد ينظر إلينا و ننظر إليه؟
قال: «أنبئك بمثل ذلك في آلاء اللّه عز وجل: الشمس و القمر آية منه صغيرة ترونهما و يريانكم ساعة واحدة، (و لعمرو إلهك أقدر على أن يراكم و ترونه من أن ترونهما و يريانكم)لا تضارون-و في لفظ: لا تضامون-في رؤيتهما» .
قلت: يا رسول اللّه، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه؟
قال: «تعرضون عليه بادية له صفحاتكم، لا تخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمرو إلهك ما تخطئ وجه أحد منكم قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء.
و أما الكافر فتنضحه، أو قال: فتحطمه بمثل الحمم الأسود.
ثم ينصرف نبيكم، و يتفرق على أثره الصالحون، فتسلكون جسرا من النار، فيطأ أحدكم الجمر، فيقول: حس.
فيقول ربك عز و جل: أو إنه! ألا فتطلعون على حوض نبيكم، لا يظمأ و اللّه ناهله قط، فلعمر إلهك ما يبسط أحد منكم يده الا وقع عليها قدح يطهره من الطوف و البول و الأذى، و تحبس الشمس و القمر فلا ترون منهما واحدا» .
قال: قلت يا رسول اللّه، فبم نبصر يومئذ؟
قال: «بمثل بصرك ساعتك هذه، و ذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض، و واجهته الجبال» .
قال: قلت: يا رسول اللّه، فبم نجزى من سيئاتنا و حسناتنا؟
قال: «الحسنة بعشر أمثالها، و السيئة بمثلها إلا أن يعفو» .
قال: قلت: يا رسول اللّه، فما الجنة و ما النار؟
قال: «لعمرو إلهك إن النار لها سبعة أبواب، ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، و إن للجنة ثمانية أبواب، ما منها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما» .
قال: قلت: يا رسول اللّه، فعلام نطلع من الجنة؟
قال: «على أنهار من عسل مصفى، و أنهار من خمر ما بها من صداع و لا ندامة، و أنهار من لبن لم يتغير طعمه، و ماء غير آسن، و فاكهة، و لعمرو إلهك ما تعلمون، و خير من مثله معه أزواج مطهرة» .
قال: قلت: يا رسول اللّه، أ و لنا فيها أزواج؟ ! أ و منهنّ صالحات؟
قال: «المصلحات للصالحين» .
و في لفظ: «الصالحات للصالحين، تلذّون بهن مثل لذاتكم في الدنيا،
و يلذذن بكم غير أن لا توالد» .
قال لقيط: قلت: يا رسول اللّه، أقصى ما نحن بالغون و منتهون إليه؟
فلم يجبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
قال: قلت: يا رسول اللّه، علام أبايعك؟
قال: فبسط رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يده و قال: «على إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و زيال الشرك، فلا تشرك باللّه إلها غيره» .
قال: فقلت: يا رسول اللّه، و إن لنا ما بين المشرق و المغرب؟
فقبض النبي «صلى اللّه عليه و آله» يده و ظن أني أشترط عليه شيئا لا يعطينيه.
قال: قلت: نحل منها حيث شئنا، و لا يجني على امرئ إلا نفسه؟
فبسط إليّ يده و قال: «ذلك لك، تحل حيث شئت و لا يجزي عنك إلا نفسك» .
قال: فانصرفنا عنه. فقال: «ها إنّ ذين، ها إنّ ذين، من أتقى الناس في الأولى و الآخرة» .
فقال له كعب بن الخدارية، أحد بني بكر بن كلاب: من هم يا رسول اللّه؟
قال: «بنو المنتفق أهل ذلك منهم» .
قال: فانصرفنا و أقبلت عليه، فقلت: يا رسول اللّه، هل لأحد ممن مضى من خير في جاهليتهم؟
فقال رجل من عرض قريش: و اللّه إن أباك المنتفق لفي النار.
قال: فلكأنّه وقع حرّ بين جلدة وجهي و لحمي مما قال لأبي، على
رؤوس الناس، فهممت أن أقول: و أبوك يا رسول اللّه؟ ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول اللّه، و أهلك؟
قال: «و أهلي لعمرو اللّه، حيث ما أتيت على قبر عامري أو قرشي أو دوسي قل أرسلني إليك محمد، فأبشر بما يسوؤك تجر على وجهك و بطنك في النار» .
قال: قلت: يا رسول اللّه، و ما فعل بهم ذلك؟ و قد كانوا على عمل لا يحسنون إلا أياه، و كانوا يحسبون أنهم مصلحون.
قال «صلى اللّه عليه و آله» : «ذلك بأن اللّه تعالى بعث في آخر كل سبع أمم نبيا، فمن عصى نبيه كان من الضالين و من أطاع نبيه كان من المهتدين» .
قال الصالحي الشامي:
رواه عبد اللّه ابن الإمام أحمد في زوائد المسند، و الطبراني.
و قال الحافظ أبو الحسن الهيثمي: أسنادها متصلة و رجالها ثقات. و إسناد الطبراني مرسل، عن عاصم بن لقيط.
و قال في زاد المعاد: «هذا حديث كبير جليل، تنادي جلالته و فخامته و عظمته على أنه خرج من مشكاة النبوة، رواه أئمة السنة في كتبهم، و تلقوه بالقبول، و قابلوه بالتسليم و الإنقياد، و لم يطعن أحد منهم فيه و لا في أحد من رواته» .
و سرد «ابن القيم» من رواه من الأئمة، منهم البيهقي في كتاب البعث (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 404 و 406 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 230-233 عن أحمد، و ابن معين، و خلق، و النسائي، و ابن صاعد، و أبي عوانة، و الطبراني، و آخرين. و راجع: الإصابة ج 3 ص 330 و أشار إليه في ص 579 عن زوائد المسند، و ابن شاهين، و الطبراني.
و نقول:
قد تضمن الحديث المتقدم مواضع مكذوبة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و نحن نكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها، و هي التالية:
قد زعمت الرواية المتقدمة: أن اللّه عز وجل: «يظل يضحك قد علم أن غوثكم قريب.
قال لقيط: قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرا» .
و قالت: «فيصبح ربك عز وجل يطوف في الأرض قد خلت عليه البلاد» .
و قالت: «. . فتخرجون من الأصواء، و من مصارعكم، فتنظرون إليه، و ينظر إليكم» .
قال: قلت: «يا رسول اللّه، كيف و نحن ملء الأرض، و هو عز وجل شخص واحد، ينظر إلينا، و ننظر إليه؟ !
قال أنبئك بمثل ذلك في آلاء اللّه عز وجل: الشمس و القمر آية منه صغيرة، ترونهما و يريانكم ساعة واحدة، و لعمرو إلهك أقدر على أن يراكم و ترونه من أن ترونهما و يريانكم»
و قالت الرواية أيضا: «فيأخذ ربكم عز وجل بيده غرفة من الماء، فينضح قبلكم» .
و قد حاول هؤلاء: أن يبعدوا هذا النوع من الروايات عن دائرة التجسيم، فزعموا-كما قال في زاد المعاد في قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «فيظل يضحك» ، هذا من صفات أفعاله سبحانه و تعالى التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، و قد وردت هذه القصة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها، كما لا سبيل إلى تشبيهها و تحريفها، و كذلك قوله: «فأصبح ربك يطوف في الأرض» ، هو من صفات أفعاله، كقوله تعالى: وَ جٰاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (1)، و قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّٰ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ (2). و ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا (و يدنو عشية عرفة، فيباهي بأهل الموقف الملائكة)، و الكلام في الجميع صراط واحد مستقيم، إثبات بلا تمثيل، و تشبيه و تنزيه بلا تحريف و تعطيل (3).
و من الواضح: أن هذا كله من قبيل الضحك على اللحى، و نحن نوضح هنا هذا الأمر بعض التوضيح بقدر ما تسمح لنا به المناسبة، فنقول:
إن الحنابلة قد أثبتوا للّه صفات وجدت الفرق الأخرى أنها قد أدت بالقائلين بها إلى إثبات صفة الجسمية له تعالى. . و يسمون أنفسهم صفاتية.
فأثبتوا للّه تبارك و تعالى يدا، و إصبعا، و ساقين، و قدمين، و عينين، و نفسا، و نواجذ و ما إلى ذلك مما وردت به أحاديثهم. . و قد أثبتوها له بما لها
من معان حقيقية.
و قالوا: إنه تعالى فوق عرشه في السماوات، و ينزل إلى الأرض.
و قد جمع ابن خزيمة في كتابه: التوحيد و إثبات صفات الرب مئات من هذه الأحاديث، ثم اختار منها البيهقي الصحاح و الحسان، و حاول تأويلها في كتابه: «الأسماء و الصفات» بكثير من التكلف و التعسف. و لو أنه أقر بكذبها لكان أراح و استراح.
و يشير إلى كثرة أحاديث التجسيم، التي يسمونها أحاديث الصفات قول ابن تيمية: «و قد جمع علماء الحديث من المنقول في الإثبات، ما لا يحصي عدده إلا رب السماوات» (1). و قد بلغ بهم تشددهم في هذه العقيدة، حدا جعلهم ينكرون المجاز، و أطلقوا عليه أنه طاغوت (2).
و لعل أصدق كلمة في التعبير عن واقع و منحى هذه الأحاديث هو ما وصف به الفخر الرازي كتاب ابن خزيمة، فقد قال و هو يتحدث عن آية: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (3): «و اعلم أن محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سماه: ب «التوحيد» ، و هو في الحقيقة كتاب الشرك، و اعترض عليها، و أنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنه كان رجلا مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل» (4).
و لعل مما سهّل تقبل الناس لعقيدة التجسيم: أنها كانت منسجمة مع عبادة الأصنام التي كانت شائعة في العرب، فهم و إن كانوا قد اصبحوا يعبدون اللّه، و لكنهم أعطوه نفس صفات أصنامهم.
يضاف إلى ذلك: أن هذه العقيدة كانت موجودة لدى أهل الكتاب. فالنصارى شبهوا المسيح باللّه، و جعلوه الابن، و قالوا: إنه الأقنوم الثالث في الذات الإلهية. و كان في العرب نصارى، و في الحيرة و في الشام، و في نجران (1).
و اليهود الذين كانوا أكثر إغراقا في التجسيم الإلهي، كانوا يقيمون في المدينة المنورة، أو قريبا منها مثل خيبر، و كان لهم وجود قوي في تيماء، و في وادي القرى. و في اليمن كان لهم ملوك. و كان العرب مبهورين بهم، خاضعين لهم ثقافيا، و كان لكعب الأحبار، و وهب بن منبه، و عبد اللّه بن سلام، و أضرابهم تأثير في إشاعة ثقافة اليهود بواسطة فريق من الناس كانوا يأخذون منهم من دون أي تحفظ، مثل أبي هريرة، و عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و مقاتل و غيرهم. .
و إذا استثنينا عليا و أهل البيت «عليهم السلام» ، و كذلك شيعتهم، فسنجد أن الحكام بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد ساعدوا على ذلك، و كذلك الأمويون و العباسيون.
و أما علي «عليه السلام» «فخطبه في بيان نفي التشبيه (أي التجسيم)
1) فجر الإسلام ص 26.
و في إثبات العدل أكثر من أن تحصى» (1). و عنه أخذ المعتزلة القول بالتنزيه.
و قد ذكرنا بعض ما يرتبط بهذا الأمر في الجزء الأول من هذا الكتاب.
و قد حاول الأشاعرة أن ينأوا بأنفسهم عن عقيدة الصفات (أعني إثبات الأعضاء و الحركات) التي التزم بها أهل الحديث بزعامة أحمد بن حنبل، و قبله و بعده. . و لكنهم عادوا ليلتزموا بطرف منه، و وقعوا فيما هربوا منه، حين اثبتوا رؤية اللّه تعالى في الآخرة. .
يبقى أن نشير إلى: أن ما زعمه ابن القيم من التفريق بين الأعضاء، و بين الحركات و الأفعال، فقال: إن التجسيم إنما هو فيما كان من قبيل الأول، أما الثاني، فليس منه، ما هو إلا محاولة فاشلة:
أولا: لأنهم إنما يثبتون له تعالى حركة تلازم صفة الجسمية من حيث كونها حركة له، و لأجل ذلك قال ابن تيمية: إنه تعالى ينزل إلى السماء الدنيا كما ينزل هو عن المنبر، ثم نزل ابن تيمية عن منبره (2). أو أنه تعالى بعد نفخ
1) فضل الإعتزال ص 163.
2) راجع: رحلة ابن بطوطة ص 90 و (ط أخرى) ج 1 ص 57 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 64 و أعيان الشيعة ج 1 ص 23 و 42 و 57 عن ابن بطوطة، و القول الصراح في البخاري و صحيحه الجامع للأصبهاني ص 143 و كشف الإرتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب للسيد محسن الأمين ص 382 و صفات اللّه عند المسلمين لحسين العايش ص 31 عن علاقة الإثبات و التفويض ص 86 و 87 و ابن تيمية في صورته الحقيقية لصائب عبد الحميد ص 18 عن رحلة ابن بطوطة ص 95 و الدرر الكامنة ج 1 ص 154.
الصور يطوف في الأرض، قد خلت عليه البلاد (1).
ثانيا: إن الرواية قد تضمنت رؤية الناس لربهم و رؤيته لهم حين يخرجون من مصارعهم حين ينفخ في الصور.
و من الواضح: أن نظرهم إلى ربهم لابد أن يكون على نحو الحقيقة، كنظره تعالى إليهم، و ذلك لا يكون إلا إذا كان في مكان وجهة بعينها، و كان جسما أيضا، تماما كما هو الحال بالنسبة لإشراق الشمس و القمر علينا، و رؤيتنا لهما. حسبما أوضحته الرواية نفسها.
كما أنها قد تضمنت: أن اللّه سبحانه و تعالى يأخذ بيده غرفة من الماء، فينضح بها قبلكم، ثم هي قد تحدثت عن ضحك اللّه عز وجل. .
و هما حركتان جسمانيتان بالدرجة الأولى، و لا مجال لدفع ظهور الكلام في ذلك إلا بالإلتزام بالمجازات البعيدة، و التأويلات السخيفة الأخرى لكلمة «اليد» ، و «غرفة الماء» ، و «الضحك» و ما إلى ذلك. .
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 404 و الفايق في غريب الحديث للزمخشري ج 3 ص 401 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 157 و الدر المنثور ج 6 ص 293 و البداية و النهاية ج 5 ص 95 و كتاب السنة لابن عاصم ص 287 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 142 و غريب الحديث لابن قتيبة ج 1 ص 228.
و قال الصالحي الشامي، تعليقا على قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «فلعمرو إلهك» ، هو قسم بحياة اللّه تعالى، و فيه دليل على جواز الإقسام بصفاته، و انعقاد اليمين بها، و أنها قديمة، و أنه يطلق عليه منها أسماء المصادر، و يوصف بها، و ذلك قدر زائد على مجرد الأسماء، و أن الأسماء الحسنى مشتقة من هذه المصادر دالة عليها (1).
و نقول:
إننا لا نريد أن نناقش في صحة جميع الفقرات التي أوردها، غير أننا نكتفي بالقول: إن ما زعمه من قدم صفاته تعالى، إذا انضم إلى ما يزعمونه من أن الصفات زائدة على ذاته تعالى. ثم ما يحتمه ذلك عليهم من الإلتزام بتعدد القديم-إن ذلك-يجعلنا نستذكر قول الفخر الرازي: «النصارى كفروا لأنهم أثبتوا ثلاثة قدماء، و أصحابنا قد أثبتوا تسعة» (2).
و بعد. . فقد تضمنت الرواية الآنفة الذكر: أن بني المنتفق من أتقى الناس في الأولى، و الآخرة. .
و نقول:
أولا: لا ندري لماذا صار بنو المنتفق من أتقى الناس في الأولى و الآخرة، و لم يكن بنو هاشم أو أية قبيلة أخرى بهذا المستوى؟ !
على أننا لم نجد في هذه القبيلة من هو في مستوى سلمان، أو أبي ذر، أو المقداد، أو عمار، أو أبي الهيثم بن التيهان، أو قيس بن سعد، و غيرهم؟ ! . .
كما أنه لم يشتهر أحد من بني المنتفق بهذه الخصوصية-أعني خصوصية التقوى-حتى بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بحيث يكون متميزا على من عداه فيها؟ !
ثانيا: لم نفهم المقصود بالأولى و الآخرة في قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «من اتقى الناس في الأولى و الآخرة. .» .
فإن كان المقصود بالأولى: الدنيا. . و بالآخرة: الحياة الباقية يوم القيامة. . فما معنى أن يصفهم بالتقوى في الآخرة، مع أنه لا تكليف فيها، لتتحقق فيها الطاعة تارة، و المعصية أخرى؟ !
و إن كان المقصود بالأولى: الجاهلية. . و بالآخرة: الإسلام. . فلماذا يكون هؤلاء المشركون من أتقى الناس، و لا يكون بنو هاشم هم الأتقى من كل أحد، فإن بني هاشم كانوا على دين الحنفية، بل كان فيهم الأنبياء و الأوصياء، وفقا للحديث: ما زال اللّه ينقله من نبي إلى نبي حتى أخرجه من صلب أبيه عبد اللّه (1).
1) راجع: الخصال للصدوق ص 483 و معاني الأخبار ص 308 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للمير جهاني ج 3 ص 93 و البحار ج 15 ص 5 و شجرة طوبى ج 2 ص 210 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 68، و راجع: فتوح الشام للواقدي ج 2 ص 23.
و الحديث في أن عبد المطلب يحشر و عليه سيماء الأنبياء و هيبة الملوك (1)، و أنه كان حجة، و أنه من أوصياء إبراهيم «عليه السلام» (2)، و الحديث عن أن أبا طالب كان من الأوصياء، و أن وصايا عيسى «عليه السلام» قد تناهت إليه (3)، و غير ذلك كثير.
و لا نعرف لبني المنتفق شيئا من ذلك. .
ثالثا: إذا كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقرر أن بني المنتفق من أتقى الناس. . فلا يجوز إيذاؤهم بذكر أمواتهم، و لا السكوت عن هذا الإيذاء، فما معنى أن يقول ذلك القرشي: إن المنتفق في النار؟ ! . . حيث لم يعترض عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنه ليس له أن يقول هذا، لأن ذلك يؤذي الأحياء، و قد نهى «صلى اللّه عليه و آله» عن مثله. . حسبما
1) راجع: الكافي ج 1 ص 447 و شرح أصول الكافي ج 7 ص 171 و البحار ج 15 ص 157 و ج 35 ص 156 و ج 108 ص 205 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 12 ص 92 و شرح النهج لابن أبي الحديد ج 14 ص 68 و الحجة على الذاهب إلى تكفير أبي طالب لفخار بن معد الموسوي ص 56 و موسوعة التاريخ الإسلامي لليوسفي ج 1 ص 242 و الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص 40 و 797 عن كتاب مدينة العلم.
2) راجع: الإعتقادات في دين الإمامية للصدوق (طبع المطبعة العلمية، قم سنة 1412 ه) ص 85 و (ط دار المفيد) ص 110 و البحار ج 15 ص 117 و ج 17 ص 142 و ج 35 ص 138 و الخصائص الفاطمية للكجوري ج 2 ص 62 و مكيال المكارم ج 1 ص 369، و الغدير ج 7 ص 385.
3) راجع: المحاسن للبرقي ج 1 ص 235 و البحار ج 17 ص 142 و الغدير ج 7 ص 385 و نفس الرحمن للطبرسي ص 51 و إيمان أبي طالب للأميني ص 76.
قدمناه في الجزء الثاني من هذا الكتاب. .
قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قدم الجارود العبدي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و معه سلمة بن عياض الأسدي، و كان حليفا له في الجاهلية. و ذلك أن الجارود قال لسلمة: إن خارجا خرج بتهامة يزعم أنه نبي، فهل لك أن نخرج إليه؟ فإن رأينا خيرا دخلنا فيه، فإنه إن كان نبيا فللسابق إليه فضيلة، و أنا أرجو أن يكون النبي الذي بشّر به عيسى بن مريم.
و كان الجارود نصرانيا قد قرأ الكتب.
ثم قال لسلمة: «ليضمر كل واحد منا ثلاث مسائل يسأله عنها، لا يخبر بها صاحبه، فلعمري لئن أخبر بها إنه لنبي يوحى إليه» .
ففعلا. فلما قدما على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال له الجارود: بم بعثك ربك يا محمد؟
قال: «بشهادة ألا إله إلا اللّه، و أني عبد اللّه و رسوله، و البراءة من كل ند أو وثن يعبد من دون اللّه تعالى، و إقام الصلاة لوقتها، و إيتاء الزكاة بحقها، و صوم شهر رمضان، و حج البيت، مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسٰاءَ فَعَلَيْهٰا وَ مٰا رَبُّكَ بِظَلاّٰمٍ لِلْعَبِيدِ (1).
قال الجارود: إن كنت يا محمد نبيا فأخبرنا عما أضمرنا عليه.
فخفق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كأنها سنة ثم رفع رأسه، و تحدر
1) الآية 46 من سورة فصلت.
العرق عنه، فقال: «أما أنت يا جارود فإنك أضمرت على أن تسألني عن دماء الجاهلية، و عن حلف الجاهلية، و عن المنيحة، ألا و إن دم الجاهلية موضوع، و حلفها مشدود. و لم يزدها الإسلام إلا شدة، و لا حلف في الإسلام، ألا و إن الفضل الصدقة أن تمنح أخاك ظهر دابة أو لبن شاة، فإنها تغدو برفد، و تروح بمثله.
و أما أنت يا سلمة، فإنك أضمرت على أن تسألني عن عبادة الأصنام، و عن يوم السباسب، و عن عقل الهجين، فأما عبادة الأصنام فإن اللّه تعالى يقول: إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهٰا وٰارِدُونَ (1).
و أما يوم السباسب، فقد أعقب اللّه تعالى منه ليلة بلجة سمحة، لا ريح فيها، تطلع الشمس في صبيحتها، لا شعاع لها.
و أما عقل الهجين، فإن المؤمنين إخوة تتكافأ دماؤهم، يجير أقصاهم على أدناهم، أكرمهم عند اللّه أتقاهم» .
فقالا: نشهد ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أنك عبد اللّه و رسوله.
و عند ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن الحسن: أن الجارود لما انتهى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كلمه، فعرض عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الإسلام، و رغّبه فيه.
فقال: يا محمد، إني كنت على دين، و إني تارك ديني لدينك، أفتضمن لي ديني؟
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «نعم أنا ضامن أن قد هداك
1) الآية 98 من سورة الأنبياء.
اللّه إلى ما هو خير منه» . فأسلم و أسلم أصحابه.
ثم سأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحملان، فقال: «و اللّه ما عندي ما أحملكم عليه» .
فقال: يا رسول اللّه، فإن بيننا و بين بلادنا ضوال من ضوال الناس- و في لفظ المسلمين-أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟
قال: «لا، إياك و إياها، فإنما تلك حرق النار» . .
زاد في نص آخر: فقال: «يا رسول اللّه، ادع لنا أن يجمع اللّه قومنا» .
فقال: «اللهم اجمع لهم ألفة قومهم، و بارك لهم في برهم و بحرهم» .
فقال الجارود: يا رسول اللّه، أي المال أتّخذ ببلادي؟
قال: «و ما بلادك» ؟
قال: مأواها وعاء، و نبتها شفا، و ريحها صبا، و نخلها غواد.
قال: «عليك بالإبل، فإنها حمولة، و الحمل يكون عددا. و الناقة ذودا» .
قال سلمة: يا رسول اللّه، أي المال أتّخذ ببلادي؟
قال: «و ما بلادك» ؟
قال: مأواها سباح، و نخلها صراح، و تلاعها فياح.
قال: «عليكم بالغنم، فإن ألبانها سجل، و أصوافها أثاث، و أولادها بركة، و لك الأكيلة و الربا» .
فانصرفا إلى قومهما مسلمين.
و عند ابن إسحاق: فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه، و كان حسن الإسلام، صليبا على دينه حتى مات، و لما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينه الأول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر، قام
الجارود فشهد شهادة الحق، و دعا إلى الإسلام، فقال: أيها الناس، إني أشهد ألا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، و أكفّر من لم يشهد.
و قال الجارود:
شهدت بأن اللّه حق (و إنما)بنات فؤادي بالشهادة و النهض
فأبلغ رسول اللّه عني رسالةبأني حنيف حيث كنت من الأرض
و أنت أمين اللّه في كل خلقهعلى الوحي من بين القضيضة و القض
فإن لم تكن داري بيثرب فيكمفإني لكم عند الإقامة و الخفض
أ صالح من صالحت من ذي عداوةو أبغض من أمس على بغضكم بغضي
و أدني الذي واليته و أحبهو إن كان في فيه العلاقم من بغض
أذب بسيفي عنكم و أحبكمإذا ما عدوكم في الرفاق و في النقض
و اجعل نفسي دون كل ملمةلكم جنّة من دون عرضكم عرضي
و قال سلمة بن عياض الأسدي:
رأيتك يا خير البرية كلهانشرت كتابا جاء بالحق معلما
شرعت لنا فيه الهدى بعد جورناعن الحق لما أصبح الامر مظلما
فنورت بالقرآن ظلمات حندسو أطفأت نار الكفر لما تضر ما
تعالى علو اللّه فوق سمائهو كان مكان اللّه أعلى و أكرما
و عن عبد اللّه بن عباس: أن الجارود أنشد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين قدم عليه في قومه:
يا نبي الهدى أتتك رجالقطعت فدفدا و آلا فآلا
و طوت نحوك الصحاصح طرالا تخال الكلال فيه كلالا
كل دهناء يقصر الطرف عنهاأرقلتها قلاصنا إرقالا
و طوتها الجياد تجمح فيهابكماة كأنجم تتلالا
تبتغي دفع بؤس يوم عبوسأوجل القلب ذكره ثم هالا (1)
وقع في العيون: الجارود بن بشر بن المعلى. قال في النور: و الصواب: حذف (ابن)يبقى الجارود بشر بن المعلى (2).
و الذي نريد لفت النظر إليه في هذه القصة هو: أن المعجزة الخالدة لنبينا الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» هي القرآن الكريم.
كما أن من المعلوم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بتوجيه من اللّه تعالى، لم يكن يستجيب لمطالب المشركين التعجيزية. و قد صرح القرآن بذلك، مستدلا على صحة هذا الموقف بأنه «صلى اللّه عليه و آله» بشر رسول. .
قال تعالى: أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ اَلْأَنْهٰارَ خِلاٰلَهٰا تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ اَلسَّمٰاءَ كَمٰا زَعَمْتَ عَلَيْنٰا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللّٰهِ وَ اَلْمَلاٰئِكَةِ قَبِيلاً أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقىٰ فِي اَلسَّمٰاءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّٰى تُنَزِّلَ
عَلَيْنٰا كِتٰاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّٰ بَشَراً رَسُولاً (1).
و لكننا نراه «صلى اللّه عليه و آله» يستجيب هنا لما يطلبه الجارود العبدي، و سلمة بن عياض من إخبارهما بما نوياه. فلماذا يستجيب هنا، و يكون لابد من رفض الإستجابة هناك، وفقا للتوجيه الإلهي؟ !
و يمكن أن يجاب: بأن طلبات المشركين التي تحدثت الآيات عنها كانت تهدف إلى الإستفادة من تلبيتها في تضليل الناس، لأن المشركين سيضعونها في سياق إثبات ما يدّعونه من ضرورة أن يكون الأنبياء من سنخ آخر غير سنخ البشر، و أن البشرية لا تتلاءم مع النبوة، أو في سياق اتهامه «صلى اللّه عليه و آله» بالسحر و الكهانة.
و هذا يوضح لنا سبب أمر اللّه تعالى نبيه «صلى اللّه عليه و آله» بأن يقول لهم: . . قُلْ سُبْحٰانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّٰ بَشَراً رَسُولاً ؟ !
و يؤيد ذلك أيضا قوله تعالى: وَ لَوْ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ كِتٰاباً فِي قِرْطٰاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقٰالَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ سِحْرٌ مُبِينٌ (2).
و يلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين لا يستجيب لطلبهم هذا يوضح للناس: أن هدفهم هو مجرد التعجيز، و ليس لديهم نية الإنصياع لمقتضاه لو استجيب لهم، لأن المطلوب إن كان هو رؤية المعجزة، فإن نفس هذا القرآن متضمن لها، فقد قال تعالى: لَقَدْ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكُمْ كِتٰاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ
أَ فَلاٰ تَعْقِلُونَ (1).
أي أنهم لو رجعوا إلى عقولهم لوجدوا في هذا القرآن ما يدفع عنهم أية شبهة، و يزيل كل ريب و لزالت جميع المبررات لطلباتهم التعجيزية، لو كانوا يريدون أن يجدوا ما يحتم عليهم الإيمان، و يدعوهم إلى البخوع للحق. . كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أظهر لهم من المعجزات ما لا يقل عما يطلبونه منه، فلماذا لم يؤمنوا؟
و الخلاصة: أنه لا مجال لأن يستجيب لطلبهم حين تسهم استجابته هذه في تكريس مفهوم خاطئ عن طبيعة النبي و النبوة، أو إذا كان يمكّنهم من التأثير السلبي على بعض السذج أو الغافلين الذين قد لا يتيسر إخراجهم من غفلتهم بسبب عدم إمكان الوصول إليهم، أو لأي سبب آخر، فتستحكم الشبهة لديهم، و يؤدي بهم ذلك إلى الإغراق في الضلال، أو الخروج عن دائرة الإستقامة على طريق الحق و الهدى بالكلية.
و الأهم من ذلك هو: أن الطلب الذي رفض، قد تضمن أمورا كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد فعلها، و تحدث القرآن عن بعضها، مثل قضية المعراج إلى السماوات. . كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» و كذلك الأئمة الطاهرون «عليهم السلام» قد فجروا الينابيع، و شق اللّه القمر لهم نصفين، و ردّ الشمس لعلي «عليه السلام» إلى غير ذلك مما صنعه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كذلك صنعه للأنبياء «عليهم السلام» من قبله. .
و لكن ما صنعه «صلى اللّه عليه و آله» من معجزات، منه ما كان بمبادرة
1) الآية 10 من سورة الأنبياء.
منه «صلى اللّه عليه و آله» لمصلحة اقتضت ذلك، و لم يقترحه الناس عليه، و منه ما كان استجابة لطلب بعض الناس، بهدف تحصيل اليقين بالنبوة. .
و ربما يكون قد ظهر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن طالب المعجزة كان غير قادر على إدراك إعجاز المعجزة الكبرى الخالدة، و هي القرآن لسبب أو لآخر. .
و ربما يكون قد ساعد على ذلك طبيعة المطلوب، و حجمه و مداه، فإنهم إنما طلبوا منه أن يخبرهم بما أضمروه لا أكثر. . و لو أنهم كانوا بصدد الجحود و الكيد له، لادّعوا أنهم قد أضمروا غير ما أخبرهم به.
و قد تقدم: أن حلف الجاهلية مشدود، و أنه لا حلف في الإسلام، و لعلنا قد أشرنا في ثنايا هذا الكتاب إلى أن حلف الجاهلية المشدود هو الحلف القائم على دفع الظلم، و على التناصر في الحق، و مواجهة و صد من يريد التعدي، و يسعى في الفساد و الإفساد. .
و لا يصح أن يتحالف المسلم مع مسلم آخر ضد مسلم ثالث. . لأن الإسلام يمنع من الظلم، و يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي اَلْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ اَلْفَحْشٰاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلْبَغْيِ (1)، لأن هذه الآية توجب التناصر ضد الظلم، فيرتفع بذلك موضوع التحالف، إذا كان المراد به التحالف على ظلم الآخرين، و العدوان و البغي عليهم.
1) الآية 90 من سورة النحل.
و قد وصفت الرواية المتقدمة ليلة القدر بأنها: «ليلة بلجة سمحة، لا ريح فيها، تطلع الشمس في صبيحتها، لا شعاع لها. .» .
غير أن هذا الوصف لا يتتطابق مع المروي عن الأئمة الطاهرين من أهل البيت «عليهم السلام» ، فقد روى محمد بن مسلم عن أحدهما-الباقر أو الصادق «عليهما السلام» -قال: «علامتها أن يطيب ريحها، و إن كانت في برد دفئت، و إن كانت في حر بردت، فطابت الخ. .» (1).
فإن مفاد هذه الرواية: أن في ليلة القدر ريحا، و لكنه طيب.
و أما أنها بلجة أو سمحة أو أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها، فلم نجده فيما بين أيدينا من روايات عن أهل البيت «عليهم السلام» . .
يضاف إلى ذلك: أن المشاهدة المستمرة عبر السنين المتطاولة لليالي شهر رمضان لا تؤيد هذه الأوصاف، و لا سيما فيما يرتبط بالشمس و شعاعها،
1) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 10 ص 350 و (ط دار الإسلامية) ج 7 ص 256، و الكافي ج 4 ص 157 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 102، و منتهى المطلب (ط. ق) للعلامة الحلي ج 2 ص 626، و مشارق الشموس (ط. ق) للمحقق الخوانساري ج 2 ص 446، و الحدائق الناضرة للبحراني ج 13 ص 440، و دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي ج 1 ص 281، و من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق ج 2 ص 159، و مستدرك الوسائل ج 7 ص 468، و إقبال الأعمال للسيد ابن طاووس ج 1 ص 152، و البحار ج 94 ص 9، و التفسير الصافي للفيض الكاشاني ج 5 ص 352 و ج 7 ص 521، و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 623، و منتقى الجمان لصاحب المعالم ج 2 ص 570.
فإنها لا تكون ذات شعاع في مختلف الأيام التي تكون ليلتها في محتملات ليلة القدر. .
فضلا عن يوم السابع و العشرين من شهر رمضان، فإنه أيضا لا يختلف عن سائر الأيام في ذلك. .
و إنه لمن الأمور الهامة جدا أن نقرأ عن الجارود العبدي: أنه يرضى بترك دينه، و الدخول في دين آخر اعتمادا على ضمان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه. .
و الأهم من ذلك: أنه انتقل إلى دين يدعو إليه نفس الشخص الضامن، و يقدم نفسه للناس على أنه النبي له مع العلم بأن الجارود العبدي لم يكن إنسانا مغفلا، و لا طائشا، فإنه كان سيد قبيلة عبد القيس (1)، و سادة القبائل يكونون عادة أكثر وعيا و نباهة من غيرهم. .
و هذه القضية إن دلت على شيء فهي تدل على مدى قبول الناس لشخص رسول «صلى اللّه عليه و آله» من خلال ما عرفوه عنه، و ما لمسوه فيه من ميزات إنسانية، و من صدق و التزام و استقامة على طريق الحق و الخير.
و تبقى استفادات أخرى من النص المتقدم نصرف النظر عن ذكرها، فقد تقدم منا بعض ما يشير إليها. و من ذلك ما نلاحظه من أن الجارود يسأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أي مال يتخذه ببلاده، أي أنه يرى أن
1) الإصابة ج 1 ص 216، و إكمال الكمال لابن ماكولا ج 6 ص 134، و تهذيب التهذيب ج 2 ص 47، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 238.
المفروض بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يكون عالما بمثل هذه الأمور أيضا، و يستجيب «صلى اللّه عليه و آله» له على النحو المذكور، و لم يقل له: إن ذلك ليس من اختصاصي. . فراجع.
عن الحارث بن حسان البكري قال: خرجت أشكو العلاء الحضرمي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فمررت بالربذة، فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت: يا عبد اللّه، إن لي إلى رسول اللّه حاجة، فهل أنت مبلغي إليه؟
قال: فحملتها، فأتيت المدينة، فإذا المسجد غاص بأهله، و إذا راية سوداء تخفق، و بلال متقلد السيف بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقلت: ما شأن الناس؟
قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجها.
قال: فجلست، فدخل منزله، فاستأذنت عليه، فأذن لي. فدخلت فسلمت، فقال: «هل كان بينكم و بين تميم شيء» ؟
قلت: نعم، و كانت الدائرة عليهم، و مررت بعجوز من بني تميم منقطع بها، فسألتني أن أحملها إليك، و ها هي بالباب.
فأذن لها فدخلت.
فقلت: يا رسول اللّه، إن رأيت أن تجعل بيننا و بين تميم حاجزا، فاجعل الدهناء.
فحميت العجوز و استوفزت، و قالت: يا رسول اللّه، أين يضطر مضرك؟
قال الحارث: قلت: إن مثلي ما قال الأول: معزى حملت حتفها، حملت هذه و لا أشعر أنها كانت لي خصما، أعوذ باللّه و رسوله أن أكون كوافد عاد.
قالت هي: و ما وافد عاد؟ و هي أعلم بالحديث منه، و لكن تستطعمه.
قلت: إن عادا قحطوا فبعثوا وافدا لهم. فمر بمعاوية بن بكر. فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر، و تغنيه جاريتان يقال لهما: الجرادتان.
فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهم إنك تعلم (أني) لم أجئ إلى مريض فأداويه، و لا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود، فنودي منها: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تبق من عاد أحدا.
قال: فما بلغني أنه أرسل عليهم من ريح إلا بقدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا.
قال أبو وائل: و كانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا يكن كوافد عاد (1).
و نقول:
قد أظهر هذا النص: كيف أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد فتح أمام الناس أبواب الشكوى من عماله. و هذا أمر هام و حساس للغاية، لأنه مما تقتضيه سنة الإنصاف و العدل، و توجبه مسؤولية حفظ و صيانة الشأن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 318 و 319 عن أحمد، و الترمذي، و النسائي، و ابن ماجة، و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 99.
العام من أي تعد و إفساد، لأن الفساد آفة الدول، و من موجبات وهنها و سقوطها. .
و أما استياء العمال من الشاكين، فهو لا يضر ما دام أنه بلا مبرر، و غاية ما يحدثه من أثر هو إفساد علاقتهم ببعض الأفراد، و يقابل ذلك منافع عظمى تبدأ بحفظ أولئك العمال أنفسهم من الإساءة و الخطأ، و تنتهي بحفظ الدولة و الرعية من الظلم و الفساد. .
إن الراية التي رآها الحارث بن حسان كانت سوداء، و قد ذكرنا: أن الراية السوداء كانت ترفع حين تكون الحرب مع الكافرين و المشركين. .
إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يمهل الحارث حتى يفصح له عن حاجته، بل هو قد بادره بالسؤال عن حالهم مع بني تميم، إن كان قد حصل شيء بين الفريقين، و هذا يفصح عن شدة اهتمام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بمتابعة ما يجري بين الفئات المختلفة، و هو يعرّف الناس: أنه معنيّ جدا بما جرى. .
و يلاحظ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يتدخل بين تلك التميمية و بين الحارث بن حسان. . بل اكتفى بالسماع. . ربما لأنه رأى أن ثمة تكافؤا في الحوار فيما بينهما. . و أن العجوز لم تظلم الحارث حين اعترضت عليه،
لأنها رأت أن جعل الدهناء هي الحاجز بين الفريقين مضر بحال قومها، ربما لأنه يمنعهم من الوصول إلى مواضع يحتاجون إلى الوصول إليها. .
و لعلها قد لاحظت أيضا: أنه بصدد التشفي بقومها حين أضاف بلا مبرر ظاهر قوله: «و كانت الدائرة عليهم» ، حيث لم يسأله النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن نتيجة ما جرى، بل سأله عن أصل حدوث شيء. .
كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يلاحظ: أن لدى الحارث نوايا سيئة وراء طلبه هذا، فهو إنما أراد أن يحجز بين الفريقين ليحقن الدماء، و لم يكن يقصد الإضرار بتميم فيما يرتبط بمعاشها، أو في حريتها بالتنقل و التقلب في البلاد المختلفة للتجارة أو لسواها. .
عن أبي عبد الرحمن المدنيّ قال: لما قدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» المدينة وفد إليه عبد العزّى بن بدر الجهنيّ، من بني الرّبعة بن زيدان بن قيس بن جهينة، و معه أخوه لأمه أبو روعة، و هو ابن عمّ له. فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعبد العزّى: «أنت عبد اللّه» .
و لأبي روعة: «أنت رعت العدو إن شاء اللّه» .
و قال: «من أنتم» ؟ .
قالوا: «بنو غيّان» .
قال: «أنتم بنو رشدان» . و كان اسم واديهم غوى، فسمّاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -رشدا-و قال لجبلي جهينة: «الأشعر و الأجرد: هما من جبال الجنة، لا تطؤهما فتنة» . و أعطى اللواء يوم الفتح عبد اللّه بن بدر،
و خط لهم مسجدهم، و هو أول مسجد خط بالمدينة (1).
و قال عمرو بن مرة الجهني: كان لنا صنم و كنا نعظمه و كنت سادنه، فلما سمعت برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كسرته و خرجت حتى أقدم المدينة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأسلمت و شهدت شهادة الحق، و آمنت بما جاء به من حلال و حرام، فذلك حين أقول:
شهدت بأن اللّه حق و أننيلآلهة الأحجار أول تارك
و شمرت عن ساق الأزار مهاجراإليك أجوب الوعث بعد الدكادك
لأصحب خير الناس نفسا و والدارسول مليك الناس فوق الحبائك
قال: ثم بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فأجابوه إلا رجلا واحدا، رد عليه قوله، فدعا عليه عمرو بن مرة فسقط فوه فما كان يقدر على الكلام، و عمي، و احتاج (2).
و عن عمران بن حصين قال: سمعت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «جهينة مني و أنا منهم، غضبوا لغضبي و رضوا لرضائي، أغضب لغضبهم. من أغضبهم فقد أغضبني، و من أغضبني فقد أغضب اللّه» (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 316 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى ج 1 ص 333.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 316 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 333 و 334، و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 343، و البداية و النهاية ج 2 في حاشية ص 392.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 316 و في هامشه عن: المعجم الكبير للطبراني ج 18 ص 108 و ج 19 ص 317، و مجمع الزوائد ج 8 ص 48، و مجمع الزوائد ج 10 ص 48، و الآحاد و المثاني للضحاك ج 5 ص 30، و كنز العمال ج 12 ص 63.
و نقول:
قد تكلمنا في أكثر من مرة عن موضوع تغيير الأسماء، و أشرنا إلى تأثيراتها على الروح و النفس، فلا حاجة إلى الإعادة، غير أننا نشير هنا إلى الأمور التالية:
إذا صح أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال عن جبلي جهينة الأشعر و الأجرد: «إنهما من جبال الجنة» ، فالمفروض أن يصبحا مزارا للناس للتبرك بهما، أو رؤيتهما، و التقرب إلى اللّه بالصلاة و الدعاء عليهما، تماما كما كانوا يقصدون ما بين قبره «صلى اللّه عليه و آله» و منبره لأجل ذلك، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «ما بين قبري و منبري روضة من رياض الجنة، و منبري على ترعة من ترع الجنة» (1). مع أن هذين الجبلين لا يعرفان،
1) معاني الأخبار ص 267 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 568 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 14 ص 345 و 369 و (ط دار الإسلامية) ج 10 ص 270 و 288 و 289 و المزار لابن المشهدي ص 76 و البحار ج 97 ص 192 و جامع أحاديث الشيعة ج 12 ص 243 و 255 و 261 و قاموس الرجال للتستري ج 12 ص 333 و شفاء السقام للسبكي ص 288 و تطهير الفؤاد لمحمد بخيت المطيعي ص 3 و 132 و في عمدة القاري ج 7 ص 262 و 263 نزعة من نزع الجنة، و راجع: مسند أحمد ج 2 ص 412 و 534 و مجمع الزوائد ج 4 ص 9 و تأويل مختلف الحديث ص 113 و مسند أبي يعلى ج 1 ص 109 و ج 3 ص 320 و 462 التمهيد لابن عبد البر ج 17 ص 179 و كنز العمال ج 12 ص 260 و 261 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 619.
و يضطرب الناس في تحديد موقعهما. .
أما دعوى: أن وفادة جهينة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت في أول الهجرة، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد خط لهم مسجدهم، فكان أول مسجد خط في المدينة (1). فلا نكاد نطمئن لها، لأننا نستبعد وفادة أي من القبائل في هذا الوقت المبكر جدا.
و لأننا لا ندري إن كانت جهينة تسكن في داخل المدينة، لتحتاج إلى مسجد، يخطه لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أم أنها كانت بالقرب منها هي و مزينة، و أسلم و غفار.
أما إن كان المقصود: أنه «صلى اللّه عليه و آله» اختط لهم مسجدا في منطقتهم خارج المدينة، فلا يكون مسجدهم أول مسجد اختطه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن مسجد قباء كان هو الأسبق في ذلك.
تقدم ثناء النبي «صلى اللّه عليه و آله» على جهينة بقوله: «جهينة مني و أنا منهم، غضبوا لغضبي و رضوا لرضائي، أغضب لغضبهم. من أغضبهم فقد أغضبني، و من أغضبني فقد أغضب اللّه» .
و تقدم أيضا: ثناؤه «صلى اللّه عليه و آله» على جبلي جهينة: الأشعر
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 316 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 333 و محاضرة الأوائل ص 94 عن أوائل السيوطي.
و الأجرد، و أنهما من جبال الجنة، لا تطؤهما فتنة. .
و نقول:
إننا لا نرتاب في أن ذلك مكذوب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذلك لما يلي:
أولا: إن جهينة-كما صرح به عكرمة-كانت من قبائل النفاق التي تسكن بالقرب من المدينة، كما قال عكرمة في تفسير قوله تعالى: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفٰاقِ لاٰ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلىٰ عَذٰابٍ عَظِيمٍ (1). قال: هم جهينة و مزينة، و أسلم و غفار (2).
ثانيا: إن هذا الحديث يدل على عصمة جهينة، لأن من يغضب اللّه و رسوله لغضبهم، يجب أن يكونوا معصومين في جميع أحوالهم، لأن من يفعل المنكر و يترك المعروف، لا بد أن ينهاه الآخرون عن المنكر، و أن يأمروه بالمعروف، حتى لو غضب من ذلك، و من يكون كذلك فلا يغضب اللّه لغضبه، إلا أن يكون اللّه سبحانه يرضى بفعل المنكر و ترك المعروف، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا. .
ثالثا: إن ظاهر قوله: «غضبوا لغضبي» : أن جهينة قد غضبت لغضب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و رضوا لرضاه، و هذا خبر عن أمر حصل، فالسؤال هو: متى غضبت جهينة لغضبه، و رضيت لرضاه «صلى اللّه عليه
و آله» ؟ و في أية قضية كان ذلك؟ ! و ما هي وقائع تلك القضية؟ ! فإنها لابد أن تكون على درجة كبيرة من الخطورة.
و هل لم يغضب أحد من المسلمين فيها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سوى جهينة؟ ! فان كان الجواب بالإيجاب، فلماذا لم يذكر في هذا السياق سوى جهينة؟ ! و إن كان الجواب بالسلب، فلماذا أحجموا عن نصرة نبيهم؟ !
و الذي أراه هو: أن هذا المفتري على اللّه و على رسوله، إما أنه كان على درجة من الغباء، أو أن اللّه سبحانه قد أعمى قلبه، و طمس على بصيرته، على قاعدة خَتَمَ اَللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ وَ عَلىٰ سَمْعِهِمْ وَ عَلىٰ أَبْصٰارِهِمْ غِشٰاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (1).
فإن من يريد أن يفتري و يختلق، لابد أن لا يكون ما يختلقه ظاهر الخطل و البطلان. . فلا يصح أن يدعي مثلا: أن المسك سيء الرائحة، و لا أن يقول: إن الذهب خشب، و التفاحة دجاجة، و ما إلى ذلك. . فإن فعل ذلك، فقد سعى إلى حتفه بظلفه، و فضح نفسه بنفسه، و إنما على نفسها جنت براقش (2).
و الأمر في هذا الحديث المفترى قد جاء على نفس السياق، إذ لا يمكن
أن يكون له معنى في هذا المورد، إذ لا يمكن أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» من جهينة، كما لا يمكن أن تكون جهينة منه «صلى اللّه عليه و آله» . .
فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ليس من جهينة، لا حقيقية و لا مجازا، فهو «صلى اللّه عليه و آله» ليس منها نسبا، و ذلك ظاهر. و ليس منها بما يمثله من دين و رسالة، لأنها ليس لها أثر يذكر في نشر الإسلام، أو في الدفاع عنه، بل قد تقدم: أن عكرمة يصرح بأنها كانت إحدى القبائل الأربع التي عناها اللّه تعالى بقوله: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ .
و مهما يكن من أمر، فإن أحدا لا يجهل أن عبارة: «من أغضبها فقد أغضبني، و من أغضبني فقد أغضب اللّه» ، قد قالها النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حق الزهراء «عليها السلام» ، و هذا ما أوجب ما يوجب الطعن على من أغضبها بأنه قد أغضب اللّه و رسوله، بأنه لا يمكن أن يكون أهلا لأن يكون في مقام خلافة النبوة؟ !
كما أن أحدا لا يجهل: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال في حق الحسين «عليه السلام» ، الذي يبعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يحييه، بإحياء دينه، و إسقاط أطروحة عدوه، و فضحه باستشهاده «عليه السلام» ، حيث قال فيه: «حسين مني و أنا من حسين» ، فهو من النبي «صلى اللّه عليه و آله» بكل المعاني، و النبي بما له من صفة النبوة و الرسولية من الحسين «عليه السلام» .
عن وائل بن حجر قال: بلغنا ظهور رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»
و أنا في بلد عظيم، و رفاهة عظيمة فرفضت ذلك، و رغبت إلى اللّه عز وجل، و إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فلما قدمت عليه أخبرني أصحابه أنه بشّر بمقدمي عليهم قبل أن أقدم بثلاث ليال.
قال الطبراني: فلما قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سلمت عليه فرد علي، و بسط لي رداءه، و أجلسني عليه، ثم صعد منبره و أقعدني معه، و رفع يديه، و حمد اللّه تعالى، و أثنى عليه، و صلى على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و اجتمع الناس إليه فقال لهم: «يا أيها الناس، هذا وائل بن حجر قد أتاكم من أرض بعيدة، من حضر موت، طائعا غير مكره، راغبا في اللّه و في رسوله، و في دين بيته، بقية أبناء الملوك» .
فقلت: يا رسول اللّه، ما هو إلا أن بلغنا ظهورك، و نحن في ملك عظيم و طاعة، و أتيتك راغبا في دين اللّه.
فقال: «صدقت» (1).
و عن وائل بن حجر قال: جئت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: «هذا وائل بن حجر جاء حبا للّه و رسوله» ، و بسط يده، و أجلسه، و ضمه إليه،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 431 عن البخاري في تاريخه، و البزار، و الطبراني، و البيهقي، و في هامشه عن: مجمع الزوائد ج 9 ص 378 عن الطبراني في الصغير و الكبير، و قصص الأنبياء للراوندي ص 294، و راجع: الإستيعاب (بهامش الإصابة) ، و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 60، و البحار ج 18 ص 108 و ج 22 ص 112، و مجمع الزوائد ج 9 ص 374، و عون المعبود ج 2 ص 293، و التاريخ الكبير للبخاري ج 8 ص 175، و مشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص 77، و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 391، و السيرة الحلبية ج 1 ص 333.
و أصعده المنبر، و خطب الناس فقال: «ارفقوا به، فإنه حديث عهد بالملك» .
فقلت: إن أهلي غلبوني على الذي لي.
فقال: «أنا أعطيكه و أعطيك ضعفه» .
و قالوا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصعده إليه على المنبر، و دعا له، و مسح رأسه و قال: «اللهم بارك في وائل و ولد ولده» (1).
و نودي: الصلاة جامعة، ليجتمع الناس سرورا بقدوم وائل بن حجر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معاوية بن أبي سفيان أن ينزله منزلا بالحرة، فمشى معه، و وائل راكب، فقال له معاوية: أردفني خلفك (و شكا إليه حر الرمضاء).
قال: لست من أرداف الملوك.
قال: فألق إلي نعليك.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 431 عن الطبراني، و أبي نعيم، و في هامشه عن: البداية و النهاية ج 5 ص 79، و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 60، و البحار ج 18 ص 108 و ج 22 ص 112، و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 335، و الإستيعاب ج 4 ص 1562، و شرح مسند أبي حنيفة للملا علي القاري ص 492، و التاريخ الكبير للبخاري ج 8 ص 175، و ضعفاء العقيلي ج 4 ص 59، و الثقات لابن حبان ج 3 ص 425، و مشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص 77، و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 391، و أسد الغابة ج 5 ص 81، و الأعلام للزركلي ج 8 ص 106، و الأنساب للسمعاني ج 2 ص 230، و الوافي بالوفيات ج 27 ص 250، و تاريخ ابن خلدون ج 7 ص 380، و قصص الأنبياء للراوندي ص 294، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 154، و السيرة الحلبية ج 1 ص 333.
قال: لا، إني لم أكن لألبسهما و قد لبستهما.
قال: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي.
قال: امش في ظل ناقتي، كفاك به شرفا.
(و قال معاوية: فأتيت النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأنبأته بقوله، فقال: إن فيه لعيبة من عيبة الجاهلية) .
فلما أراد الشخوص إلى بلاده كتب له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا (1).
و نقول:
تضمنت النصوص المتقدمة: أوسمة عديدة لوائل بن حجر، مع أننا لا نرى مبررا لشيء منها، فإننا حين نراجع ما بلغنا عن حياة هذا الرجل لا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 431 و 432 و أشار في مكاتيب الرسول ج 3 ص 361 إلى المصادر التالية: شرح النهج لابن أبي الحديد ج 19 ص 352 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر لابن خلدون ج 2 ص 835 و المعجم الكبير ج 22 ص 47 و المعجم الصغير ج 2 ص 144 و الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 619 و أسد الغابة ج 5 ص 81 و الإصابة ج 3 ص 628 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 3 ص 642 و المحاسن للبيهقي ص 268 و البحار ج 18 ص 108 و البداية و النهاية ج 5 ص 79 و 80 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ق 2 ص 79 و 80 و رسالات نبوية ص 286 و مجمع الزوائد ج 9 ص 373 و معجم البلدان ج 5 ص 454 و نشأة الدولة الإسلامية ص 243 و ما بعدها، و ربيع الأبرار ج 3 ص 414.
نجد فيها شيئا يستحق الذكر، سوى أنه كان قبل أن يسلم من أقيال حضر موت، و وفد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن عزّ الإسلام، و نصر اللّه نبيه على الشرك و الكفر في المنطقة بأسرها. ثم إنه أسلم، و لم يسهم في شيء في تأييد هذا الدين أو في نصره و نشره. كما أنه لم يكن معروفا بشيء يميزه، لا في علمه و لا في تقواه، و لا في أي شيء آخر. .
و نحن نعلم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يوزع الأوسمة على الراغبين و الخاملين بصورة مجانية، بل هو يمنح الوسام لمستحقيه، باعتباره جزءا من الواجب، و ثمنا لجهد، و سياسة إلهية لا طراد المسيرة الإيمانية بصورة أكثر قوة، و أشد ثباتا.
بل إن هذه الأوسمة لوائل إذا لم يكن وائل مستحقا لها، تكون من موجبات التغرير بالناس، في أمره، و لم يكن وائل أهلا لشيء من ذلك كما سنرى. .
و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» صعد منبره، و أقعده معه. .
و السؤال هو: هل كان المنبر في مسجد الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يتسع لشخصين؟ !
و هل كان وائل هذا من الخطباء، و يريد «صلى اللّه عليه و آله» أن يعرّف الناس بخصوصيته هذه؟ !
و إذا صح هذا، فما هي الخطبة التي أوردها على الناس من على ذلك
المنبر؟ ! و هل كان «صلى اللّه عليه و آله» يعرف الناس بخصوصيات زائريه بهذه الوسائل؟ !
أم أنه أراد أن يجعل له الأمر من بعده و يقول للناس: إنه يجلس في مجلسه، و يقوم على منبره؟ !
أم أن الأرض ضاقت بالجالسين، فلم يجد مكانا يجلس فيه مع ضيفه إلا المنبر؟ !
إلى غير ذلك من الأسئلة التي لن تجد لها جوابا مقبولا و لا معقولا، إلا إذا اعترف أهل الإنصاف بوضع هذه المفتريات، لألف سبب و سبب. .
و قد زعم وائل نفسه-و هو يجر النار إلى قرصه-: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بشّر الناس قبل ثلاثة أيام بمقدمه. .
و لسنا ندري ما هي الفائدة و العائدة من هذه البشارة! ! فهل كان وائل سوف يزيل الغمة بمقدمه عن هذه الأمة؟ ! أو أنه سوف يغني عنهم في شيء من المهمات التي كانت تنتظرهم؟ ! أو أنه سيكون له دور حاسم في نشر العلم و التقوى بينهم، أو في أي منطقة أخرى تحتاج إلى شيء من ذلك؟ !
إننا لا نجد شيئا من ذلك يبرر هذه البشارة المزعومة بمقدم وائل هذا. .
ثم إن وائلا هو الذي استفاد من الإسلام حين دخل فيه، حيث قال: يا رسول اللّه، اكتب لي بأرضي التي كانت لي في الجاهلية، و شهد له أقيال حمير، و أقيال حضر موت، فكتب له.
قالوا: و كان الأشعث و غيره من كندة: نازعوا وائل بن حجر في واد بحضرموت، فادّعوه عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكتب به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لوائل (1).
و إذا كانت وفادة وائل على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد جاءت متأخرة أكثر من عشرين سنة على بعثة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد شاعت أخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذاعت، و لا سيما بعد أن هاجر إلى المدينة، و بدأت الحروب ضده من قبل المشركين و اليهود، بل هو قد واجه ملك الروم في مؤتة، و انتشرت سراياه و بعوثه، و دعاته في مختلف البلاد، فما معنى أن يزعم وائل: أنه بمجرد أن بلغه ظهور النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ترك ملكه العظيم و طاعة قومه، و جاءه راغبا في الإسلام. .
على أن وائلا لم يكن ملكا كما زعم، بل كان من بقية أبناء الملوك كما صرحت به نفس الرواية التي ذكرت الفقرة السابقة. . و هذا تناقض آخر في هذه الرواية المزعومة.
و نص آخر يقول: إنه حديث عهد بالملك، و هذا معناه أنه كان ملكا، و قد فقده لتوه، فهو حديث عهد به.
ثم إنه يقول: إن أهله غلبوه على الذي له، فكيف نوفق بين هذا كله، و بين قوله: إنه لما سمع بظهور النبي «صلى اللّه عليه و آله» ترك ملكه و قدم
1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 360، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 287.
على النبي «صلى اللّه عليه و آله» راغبا في دين اللّه؟ !
و على كل حال، فإن وائلا قد أظهر في نفس مقدمه ذاك أنه لا يستحق أي و سام، و ليس جديرا بأي ثناء كما دل عليه سلوكه غير الإنساني مع معاوية، حيث لم يرض بإردافه و لا بإعطائه نعله ليتقي بها الرمضاء. . و إنما سمح له بأن يمشي في ظل ناقته و حسب، فلما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» ذلك قال: «إن فيه لعيبة من عيبة الجاهلية» .
و معاوية و إن كان هو الأسوأ أثرا في الإسلام، و لكن ذلك لا يبرر هذا التصرف من وائل تجاهه، و هو ينم عن خلال مقيتة و سيئة فيه. . حيث دل على مدى ما يحمله في داخل نفسه من غطرسة و كبر، و من قسوة، و حب للدنيا. .
و لكن مهما صدر عن وائل من سيئات مع معاوية و غيره، فإنه يبقى محبوبا و منصورا، و ذنبه مغفورا، و في جميع أحواله مصيبا و مأجورا. لأنه- كما يقولون-كان عند علي «عليه السلام» بالكوفة، و كان يرى رأي عثمان، فقال لعلي «عليه السلام» : إن رأيت أن تأذن لي بالخروج إلى بلادي، و أصلح مالي هناك، ثم لا ألبث إلا قليلا إن شاء اللّه حتى أرجع إليك، فأذن له علي «عليه السلام» .
فخرج إلى بلاد قومه، و كان قبلا من أقيالهم، عظيم الشأن فيهم، و كان يرى رأي عثمان، فدخل بسر صنعاء، فطلبه وائل و كتب إليه، فأقبل بسر إلى
حضرموت بمن معه، فاستقبله وائل و أعطاه عشرة آلاف، و أشار عليه بقتل عبد اللّه بن ثوابة (1).
ثم كان هو الذي حمل حجر بن عدي إلى معاوية بأمر زياد بن أبيه، فكان شريكا أيضا في دم هذا العبد الصالح، و بقية الستة الذين استشهدوا معه على يد معاوية بالذات (2).
عن محمد بن غالب بن عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني أبي عن آبائه: أن أبا صفرة قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أن يبايعه، و عليه حلة صفراء، و له طول و منظر و جمال، و فصاحة لسان، (فلما رآه أعجبه ما رأى من جماله)فقال له: «من أنت» ؟
قال: أنا قاطع بن سارق بن ظالم بن عمر بن شهاب بن مرة بن الهقام بن
1) الغارات للثقفي ج 2 ص 629-631 و راجع: البحار (ط كمباني) ج 8 ص 671 و (ط سنة 1413 ه) ج 34 ص 16 و سفينة البحار ج 8 ص 403 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 228 و شرح النهج للمعتزلي ج 4 ص 94 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ للريشهري ج 7 ص 49، و مكاتيب الرسول ج 3 ص 362.
2) أسد الغابة ج 1 ص 386 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 356 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 472 و تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 200-204 و الغدير ج 11 ص 47-50 و مواقف الشيعة ج 2 ص 458 و تاريخ الكوفة للسيد البراقي ص 319 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 232.
الجلند بن المستكبر، الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، أنا ملك ابن ملك.
فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «أنت أبو صفرة، دع عنك سارقا و ظالما» .
فقال: أشهد ألا إله إلا اللّه، و أشهد أنك عبده و رسوله حقا حقا يا رسول اللّه، و إن لي ثمانية عشر ذكرا و قد رزقت بأخرة بنتا سميتها صفرة.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فأنت أبو صفرة» (1).
و نقول:
نحب لفت النظر إلى سلسلة الأسماء قاطع، بن سارق، بن ظالم. . و ابن مرة، و ابن المستكبر الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا. .
فإنها سلسلة لا يصح التباهي بها، و ليست هذه الأسماء من أسماء الملوك، بل إن السوقة من الناس، و السراق أنفسهم لا يرضون بأن يناديهم أحد باسم سارق و يرونه عيبا و عارا، فكيف يتباهى به هؤلاء؟ ! ثم يعتبرون أنفسهم ملوكا. .
و هذا إن دل على شيء فإنما يدل على عقلية و ذهنية، و أجواء و طموحات و قيم أولئك الناس الذين تعامل معهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سرعان ما جعل منهم أمة رائدة في كل المجالات العلمية و الأخلاقية، و الحضارية، بهرت الأمم بقيمها، و بسموّ أهدافها، و بنهجها
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 352 عن ابن مندة، و ابن عساكر، و الديلمي، و في هامشه عن كنز العمال (37573) ، و الإصابة ج 7 ص 185.
الإلهي العظيم. .
و أين هذا من نسب أهل بيت الطهارة، و العصمة، الذين كان كل منهم طهرا طاهرا مطهرا، من طهر طاهر مطهر. .
إنه لا شك في أن هذا النسب الذي ذكره و افتخر به لا يمكن أن يصل إلى زمن موسى «عليه السلام» ، الذي كان يعيش في زمن ذلك الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، كما أشارت إليه آيات القرآن الكريم و هي تعرض ما جرى بين موسى و العبد الصالح «عليهما السلام» . .
و بذلك يتضح: أن أبا صفرة يقصد شخصا آخر كان يأخذ كل سفينة غصبا، و لا بد أنه كان يعيش قبل ظهور نبينا «صلى اللّه عليه و آله» بحوالي قرنين من الزمن.
و قد صرح هذا الرجل: بأن له ثمانية عشر ولدا ذكرا، و أنه قد رزق آخر الأمر ببنت أسماها صفرة، و إذ بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» يكنيه بأبي صفرة! !
فلماذا اختار «صلى اللّه عليه و آله» أن يكنيه باسم ابنته، و ترك تكنيته باسم أي واحد من أولاده الذكور؟ !
قد يكون سبب ذلك: أن العرب كانوا يحتقرون البنت و يمقتونها، و يظلمونها إلى حد أن الرجل منهم كان يدفن ابنته و هي حية حتى لا تشاركه في طعامه، أو خوفا من أن يلحقه عار بسببها. . و قد تحدث اللّه تبارك و تعالى
عن نظرتهم لها، و عن جرائمهم هذه في أكثر من آية، و منها قوله تعالى: وَ إِذَا اَلْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (1).
و قال سبحانه: وَ إِذٰا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ يَتَوٰارىٰ مِنَ اَلْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مٰا بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي اَلتُّرٰابِ أَلاٰ سٰاءَ مٰا يَحْكُمُونَ (2).
و قال عز و جل: أَ لَكُمُ اَلذَّكَرُ وَ لَهُ اَلْأُنْثىٰ تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزىٰ (3).
و قال جل و علا: إِنَّ اَلَّذِينَ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ اَلْمَلاٰئِكَةَ تَسْمِيَةَ اَلْأُنْثىٰ (4).
و قال سبحانه: أَ فَأَصْفٰاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَ اِتَّخَذَ مِنَ اَلْمَلاٰئِكَةِ إِنٰاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً (5).
و قال عز من قائل: فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ اَلْبَنٰاتُ وَ لَهُمُ اَلْبَنُونَ (6).
و قال تعالى: أَمِ اِتَّخَذَ مِمّٰا يَخْلُقُ بَنٰاتٍ وَ أَصْفٰاكُمْ بِالْبَنِينَ وَ إِذٰا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمٰا ضَرَبَ لِلرَّحْمٰنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي اَلْحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي اَلْخِصٰامِ غَيْرُ مُبِينٍ وَ جَعَلُوا اَلْمَلاٰئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبٰادُ اَلرَّحْمٰنِ إِنٰاثاً
أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهٰادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ (1).
فإذا كانت هذه هي نظرة العرب، و منهم هذا الرجل إلى المرأة، و إذا كان قد ولد لهذا الرجل ثمانية عشر ولدا ذكرا، فمن الطبيعي أن يعيش حالة لا تطاق من الزهو و الكبر، و العنجهية و الغرور. .
و قد دل على ذلك اعتزازه حتى بما يعد رذيلة، لو لم يكن قد وافق الإسم المسمى «سارق-ظالم-قاطع-مستكبر-يأخذ كل سفينة غصبا. .» .
علما بأن للأسماء إيحاءاتها، و آثارها على النفوس حين يصل الأمر إلى حد الأنس بالإسم، و تتفاعل معه بصورة إيجابية. .
فكان لابد من ترويض هذه النفوس، و مواجهتها بالقيم الإلهية، المنسجمة مع الفطرة، و أحكام العقل، و إفهامهم: أن للأنثى قيمتها عند اللّه تبارك و تعالى، و أنها تكون أولى بالتقدير، و الإحترام من عشرات الرجال إذا كانت تسير في خط الإستقامة دونهم، و أن التقوى هي معيار الكرامة عند اللّه، . . إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اَللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ. . (2).
و لأجل ذلك نلاحظ: أن أبا صفرة لم يعترض، و لم يناقش، و لم يستفهم عن طبيعة أو قيمة هذه المعادلة الجديدة التي واجهه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بآثارها و مقتضياتها بصورة عملية. .
الفصل الأول: وفود قبل فتح مكة
الفصل الثاني: وفادات قبل سنة تسع
الفصل الثالث: وفادة الملوك سنة تسع و وفد همدان
الفصل الرابع: وفود سنة تسع
الفصل الخامس: وفود سنة تسع قبل شهر رمضان. . و وفد ثقيف
الفصل السادس: وفود السنة العاشرة و الحادية عشرة
الفصل السابع: خمسة وفود بلا تاريخ
الفصل الثامن: وفود بلا تاريخ، قليلة التفاصيل
الفصل التاسع: وفد نجران. . أحداث و تفاصيل
الفصل العاشر: وقفات. . مع حديث النجرانيين
الفصل الحادي عشر: الكيد السفياني في حديث المباهلة
قالوا: وفد رفاعة بن زيد الجذامي، ثم أحد بني الضبيب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الهدنة قبل خيبر، و أهدى له عبدا و أسلم. فكتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا:
«هذا كتاب من محمد رسول اللّه لرفاعة بن زيد، إني بعثته إلى قومه عامة، و من دخل فيهم، يدعوهم إلى رسوله، فمن آمن-و في لفظ: فمن أقبل منهم ففي حزب اللّه و حزب رسوله، و من أدبر. و في لفظ: من أبى، فله-أمان شهرين» (1). فلما قدم على قومه أجابوه و أسلموا.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 307 و راجع: مكاتيب الرسول ج 2 ص 469 عن المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 3 ص 259 و السيرة النبوية لزيني دحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 176 و ج 3 ص 31 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 267 و في (ط أخرى) ص 243 و تاريخ الأمم و الملوك للطبري ج 2 ص 395 و في (ط أخرى) ج 3 ص 140 و أسد الغابة ج 4 ص 390 في ترجمة معبد بن أكثم و ج 2 ص 281 في رفاعة بن زيد و ص 190 في رومان بن بعجة الجذامي، و إعلام السائلين ص 39 و جمهرة رسائل العرب ج 1 ص 45 و صبح الأعشى ج 6 ص 382 و ج 13 ص 323 و رسالات نبوية ص 150 و الإصابة ج 3 ص 441 في معبد بن فلان الجذامي و ج 1 ص 521 و 522 في رومان، و مجمع الزوائد ج 5 ص 309 و قال: رواه الطبراني متصلا هكذا و منقطعا مختصرا عن ابن إسحاق، و حياة الصحابة ج 1 ص 124 عن الطبراني، و المغازي لابن إسحاق، و المغازي للواقدي ج 2 ص 557 و المعجم الكبير للطبراني ج 5 ص 46 و نشأة الدولة الإسلامية ص 335 و مجموعة الوثائق السياسية ص 280/175 عن جمع ممن تقدم و عن منشئات السلاطين لفريدون بك ج 1 ص 35، و وسيلة المتعبدين ج 8 ورقة 31-ب و قال: انظر اشپرنكر ج 3 ص 279. و راجع: المصباح المضيء ج 2691 و ج 2 ص 322 و أشار إليه في الكامل ج 2 ص 207 و العبر و ديوان المبتدأ لابن خلدون ج 2 ص 837 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 1 ص 505 و البحار ج 20 ص 374 و 375 و البداية و النهاية ج 5 ص 218 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ق 2 ص 67 و 83 و ج 7 ق 2 ص 148 و تاريخ الخميس ج 2 ص 9 و المنتظم ج 3 ص 258.
زاد الطبراني قوله: ثم سار حتى نزل حرة الرجلاء. ثم لم يلبث أن قدم دحية الكلبي من عند قيصر حين بعثه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى إذا كان بواد من أوديتهم يقال له: شنار، و معه تجارة له أغار عليهم الهنيد بن عوص و ابنه عوص بن الهنيد الضلعيان. ثم ذكر ما جرى لدحية، و ما تبع ذلك من إرسال النبي «صلى اللّه عليه و آله» سرية زيد بن حارثة. . (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 307 عن ابن سعد و الطبراني، و قال في هامشه: أخرجه ابن سعد في الطبقات ج 2 ص 117، و ذكره الهيثمي في المجمع ج 5 ص 312 و عزاه للطبراني. و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 285 و 260 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 472 عن المصادر التالية: تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 140 و ما بعدها، و البداية و النهاية ج 5 ص 218 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ق 1 ص 65 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 60 و السيرة الحلبية ج 3 ص 202 و البحار ج 20 ص 374 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 260 و تاريخ الخميس ج 2 ص 10 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 207 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 2 ص 176 و المنتظم ج 3 ص 258.
و نقول:
كنا قد تحدثنا عن هذه السرية في موضع سابق من هذا الكتاب فلا حاجة إلى الإعادة.
غير أننا نشير هنا إلى الأمور التالية:
قد لاحظنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث رفاعة بن زيد إلى قومه ليدعوهم إلى الإسلام، فإن الدعوة إذا جاءت من القريب و الحبيب، فإنها تكون أوقع في النفس، و أقرب إلى القبول، و لا سيما إذا خلت من احتمالات أن يكون ثمة من يريد أن يجر النار إلى قرصه، و من احتمال أن يكون له على قومه بذلك أي امتياز سواء في الموقع الإجتماعي، أو في نفوذ الكلمة، أو ما إلى ذلك. .
و يتأكد هذا الأمر بجعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» من يقبل دعوة رفاعة و يدخل في الإسلام في حزب اللّه و حزب رسوله، و لم يدخل رفاعة في هذا الأمر لا من قريب و لا من بعيد.
و الحاصل: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل من يؤمن مرتبطا باللّه
و برسوله مباشرة، فأدخله في فريقهما و حزبهما، و أعطاه شرف الإنتماء لهما، و لم يشر إلى سلطة و لا إلى هيمنة أي كان من الناس على هذا المؤمن، كما أنه لم يتحدث عن تبعية أو طاعة لرفاعة و لا لغيره. .
و أما إعطاء الأمان شهرين لمن أبى، فلأجل أن الشرك يصادم التوحيد و يتناقض معه، فلا مجال للتعايش فيما بينهما بأي وجه من الوجوه، لأن المشرك يجد نفسه في موقع المحارب للتوحيد، و الساعي لإبطاله. . و لأجل ذلك جاء الأمر الإلهي الذي يقول: وَ اُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ .
و أما أهل الكتاب فلهم ارتباط باللّه تبارك و تعالى، و إن كانوا يخطئون في بعض التفاصيل، كما أن نظرتهم للمسلمين لا تخرج عن هذا السياق. . فلا يرون أنفسهم في موقع المناقض لتوحيد المسلمين، و المحارب له، فيمكن التعايش معهم إن لم يعلنوا الحرب، و هناك قواسم مشتركة أخرى معهم، يمكن من خلالها العمل على تصحيح الخطأ، و تسهل الوصول إلى حلول مرضية، في كثير من الأحيان. .
و هم في جميع الأحوال أقل خطرا من المشركين، الذين يريدون هدم الإسلام، و إبطال عقيدة التوحيد من أساسها، و اقتلاعها من جذورها. .
إن ذكر زيد بن حارثة في هذا المورد يدل على: أن وفود رفاعة و كتابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» الكتاب له قد كان قبل فتح مكة، و قبل غزوة مؤتة، التي استشهد فيها زيد بن حارثة. .
و أما القول: بأن ذلك قد كان في آخر سنة ست أو أول سنة سبع قبل غزوة خيبر أيضا، استنادا إلى أن إرسال الرسائل إلى الملوك قد كان في تلك الفترة. . فيمكن المناقشة فيه: بأن من الجائز أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل دحية إلى قيصر أكثر من مرة. . كما لا يخفى.
و تقدم أنهم يزعمون: أن دحية الكلبي كان جميلا، و أن جبرئيل كان يأتي إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» على صورته، و قد قدمنا: أن ذلك لا مبرر له، إذ لماذا لم يكن يأتيه على صورة علي «عليه السلام» الذي كان أحب الخلق إليه؟ ! مع أن اللّه تعالى قد كلم نبيه حين المعراج بصوت علي حسبما قدمناه في هذا الكتاب.
و قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أربعمائة من دوس، فقال رسول اللّه: «مرحبا، أحسن الناس وجوها، و أطيبهم أفواها، و أعظمهم أمانة» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 262 و ص 336 عن الطبراني بسند ضعيف، في هامشه قال: أخرجه الطبراني ج 12 ص 222 و ذكره الهيثمي في المجمع ج 10 ص 50. و راجع: شرح المواهب اللدنية ج 5 ص 185، و المعجم الأوسط للطبراني ج 7 ص 47، و المعجم الكبير للطبراني ج 12 ص 172، و كنز العمال ج 12 ص 58، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 338، و السيرة الحلبية ج 3 ص 262.
قال في زاد المعاد: قال ابن إسحاق: كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدّث أنه قدم مكة و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بها. فمشى إليه رجال من قريش، و كان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا، فقالوا له: يا طفيل، إنك قدمت بلادنا، و هذا الرجل الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا، و شتت أمرنا، و إنما قوله كالسحر يفرق بين المرء و ابنه، و بين المرء و أخيه، و بين الرجل و زوجه، و إنّا نخشى عليك و على قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه، و لا تسمع منه.
قال: فو اللّه ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا و لا أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا، فرقا من أن يبلغني شيء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى اللّه إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: و اثكل أمياه، و اللّه إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإن كان ما يقول حسنا قبلت، و إن كان قبيحا تركت.
قال: فمكثت حتى انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته، دخلت عليه فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا و كذا، فو اللّه ما برحوا يخوفوني أمرك حتى سددت أذنيّ بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى اللّه إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولا حسنا، فاعرض عليّ أمرك.
فعرض عليّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الإسلام، و تلا علي
القرآن، فلا و اللّه ما سمعت قولا قط أحسن منه، و لا أمرا أعدل منه، فأسلمت و شهدت شهادة الحق و قلت: يا نبي اللّه، إني امرؤ مطاع في قومي، و إني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع اللّه لي أن يجعل لي آية تكون عونا لي عليهم، فيما أدعوهم إليه.
فقال: «اللهم اجعل له آية» .
قال: فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عينيّ مثل المصباح، قلت: اللهم في غير وجهي، إني أخشى أن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم.
قال: فتحول، فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلق، و أنا أنهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم، و أصبحت فيهم. فلما نزلت أتاني أبي و كان شيخا كبيرا. فقلت: إليك عني يا أبت، فلست منك و لست مني.
قال: و لم يا بني، بأبي أنت و أمي؟ !
قلت: فرق الإسلام بيني و بينك، فقد أسلمت و تابعت دين محمد «صلى اللّه عليه و آله» .
قال: يا بني فديني دينك.
قال: فقلت: اذهب فاغتسل، و طهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت.
قال: فذهب، فاغتسل، و طهر ثيابه. ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم.
ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عني فلست منك و لست مني.
قالت: لم بأبي أنت و أمي؟
قلت: فرق الإسلام بيني و بينك. أسلمت و تابعت دين محمد «صلى اللّه عليه و آله» .
قالت: فديني دينك.
فقلت: اذهبي، فاغتسلي، ففعلت، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت.
ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطأوا عليّ، (و عند آخرين: أجابه أبو هريرة وحده (1)) ، فأتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (في مكة قبل الهجرة أيضا) ، فقلت: يا نبي اللّه، إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع اللّه عليهم.
فقال: «اللهم اهد دوسا» (2). ثم قال: «ارجع إلى قومك فادعهم إلى اللّه،
1) شرح المواهب اللدنية ج 5 ص 183 و 184 عن الطبراني و عن الأغاني من طريق الكلبي، و الإصابة ج 2 ص 226.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 336 و 337 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 184 و 185 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 232 و 234 و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 11-15 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 237 فما بعدها، و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 360 فما بعدها، و كتاب الأم ج 1 ص 189، و حلية الأبرار للبحراني ج 1 ص 309، و كتاب المسند للإمام الشافعي ص 280، و مسند احمد ج 2 ص 243، و صحيح البخاري ج 3 ص 235 و ج 5 ص 123 و ج 7 ص 165، و صحيح مسلم ج 7 ص 180، و فتح الباري ج 6 ص 77 و ج 11 ص 120، و عمدة القاري ج 14 ص 207 و ج 18 ص 34 و ج 23 ص 19، و تحفة الأحوذي ج 2 ص 172، و مسند الحميدي ج 2 ص 453، و مسند ابن راهويه ج 1 ص 19، و الأدب المفرد للبخاري ص 134، و صحيح ابن حبان ج 3 ص 259، و المعجم الكبير للطبراني ج 8 ص 326، و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 12، و أسد الغابة ج 3 ص 55، و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 344، و الإصابة ج 3 ص 423، و البداية و النهاية لابن كثير ج 3 ص 124.
و ارفق بهم» .
فرجعت إليهم، فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى اللّه.
ثم قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس. ثم لحقنا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين (1).
و عند الطبراني بسند ضعيف: أنهم أربع مائة (2).
و نشير هنا إلى نموذج من التناقضات التي تسهل ملاحظتها في روايات هذا الحدث المزعوم، فبعضها يقول: «جئنا خيبر، فنجده قد فتح النطاة، و هو محاصر الكتيبة، فأقمنا حتى فتح اللّه علينا، فأسهم لنا مع المسلمين» (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 418 و ج 6 ص 337 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 185 و 186، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 239، و تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 12، و أسد الغابة ج 3 ص 55، و البداية و النهاية لابن كثير ج 3 ص 124، و السيرة النبوية للحميري ج 1 ص 258، و عيون الأثر ج 1 ص 185، و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 75، و السيرة الحلبية ج 2 ص 70.
2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 185.
3) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 185 عن البخاري في التاريخ، و ابن خزيمة، و الطحاوي، و البيهقي، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 137.
و في بعضها: «قدمنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قد فتح خيبر، فكلم المسلمين، فأشركنا في سهمانهم» (1).
و تارة تقول: «إن قريشا حذرت الطفيل من الإتصال بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» و الإستماع منه، فحشا أذنه بالكرسف حتى لا يسمع شيئا» .
و أخرى تقول: «إن قريشا قد طلبت منه ان يتصل بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يخبر حاله» (2).
و تقدم الإختلاف في عدد الوفد من دوس، هل هم ثمانون، أو سبعون، أو خمسة و سبعون، أو اربع مائة.
و الروايات المتقدمة تقول: إن الطفيل هو الذي قدم بالوفد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، رواية أخرى تقول: إن جندب بن عمرو بن حممة الدوسي لما سمع بأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» جاء بالوفد إليه، و هم خمسة و سبعون رجلا من قومه، فأسلم و أسلموا. قال أبو هريرة: فكان جندب يقدمهم رجلا رجلا (3).
ثم إننا قد قرأنا فيما سبق من أجزاء هذا الكتاب: أن إسلام أهل المدينة قد بدأ بإسلام أسعد بن زرارة، و أنه قد جرى لأسعد مع قريش و النبي
«صلى اللّه عليه و آله» نفس تلك الأحداث التي قرأناها آنفا منسوبة لأبي الطفيل (1)، لكن قد حاول محبو أبي الطفيل أن يلحقوا بها بعض اللمسات الطفيفة و الخفيفة التي اقتضاها و فرضها تبديل الشخصية الحقيقية بشخصية أخرى لا ربط لها بحقيقة ما جرى. .
تقول الرواية المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لوفد دوس: «مرحبا أحسن الناس وجوها، و أطيبهم أفواها، و أعظمهم أمانة» .
غير أننا قد ذكرنا حين الحديث عن وفد الأزد أنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ما يشبه ذلك لوفد الأزد أيضا.
و قد يقال: إن قبيلة دوس كانت من الأزد أيضا. فلعلهم قصدوا خصوص الدوسيين من الأزد، و قد يطلق العام و يراد به الخاص.
و لكنه احتمال موهون، فإن التسامح في أحاديث الفضائل غير متوقع، بل المتوقع هو الحرص على التحديد، و التصدي لأي احتمال يوجب الإيهام مهما كان قريبا، فكيف إذا كان غريبا.
و لو سلمنا أن المقصود هو دوس في كلتا الحالتين، فكيف نوفق بين ذلك، و بين ما ذكروه في موضع آخر: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك لوفد جرش، فأي ذلك هو الصحيح؟ !
1) راجع: البحار ج 19 ص 9 و إعلام الورى ص 57 عن علي بن إبراهيم.
و قد يلاحظ على الحديث المتقدم: أنه مروي عن الطفيل نفسه، فيحتمل أنه من حرصه يريد أن يجر النار إلى قرصه، ليكون هو الرابح الأكبر لو صدّق الناس روايته. .
ثم إننا لم نجد تفسيرا لطرد الطفيل أباه، بقوله: إليك عني يا أبت الخ. . إلا إذا كان عذره هو الجهل الذريع، و سوء الفهم، و الخطأ الفاضح في التقدير، و سوء الأدب، فإن أبا الطفيل كان قد أظهر الإسلام قبل مدة وجيزة، و لم يعرف من آدابه و أخلاقياته، و مفاهيمه و شرائعه، و عقائده إلا القليل. .
و لكنه عذر موهون، فإن محاسن الأخلاق، و قواعد الأدب لم تكن أمورا يجهلها الإنسان العربي حتى الجاهلي، و لا سيما الأدب مع الأبوين. .
ثم إنه إذا كان قد أسلم، فالمفروض فيه هو: أن يقبل على أبيه، و يعامله برفق، و يظهر له التغير الأخلاقي إلى الأصلح، و يبين له محاسن الإسلام، و موافقته لما تقضي به الفطرة، و ما تحكم به العقول، و يصر عليه بقبول الإسلام و الإيمان.
أما أن يطرد أباه، الذي يشعر بدالة الأبوة على ولده، و يجرح كبرياءه، فإن ذلك سوء أدب غير مقبول، إذا كان مع شخص غريب، فكيف إذا كان من ولد تجاه والده.
و ذلك هو ما فرضه الإسلام على كل مسلم تجاه أي إنسان آخر، حتى لو لم يكن أبا و لا زوجة و لا ولدا، و ذلك هو ما تفرضه عليه أحكام الأمر
بالمعروف و النهي عن المنكر، فإن المفروض هو: أن يسعى لإقناع ذلك الغير بالحق، و أن يفتح معه باب الحوار الإيجابي الهادئ و الرصين على قاعدة: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة. .
و قد رأينا: أن الرواية المتقدمة تقول: إن الطفيل أمر زوجته بالإبتعاد عنه أيضا، قائلا لها: إن الإسلام قد فرّق بينه و بينها، مع أنهم يروون أن آية: وَ لاٰ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ اَلْكَوٰافِرِ (1)، قد نزلت في المدينة بعد الحديبية بعد الهجرة، فطلّق عمر يومئذ امرأتين كانتا له في الشرك (2). أما قضية الطفيل و زوجته فكانت قبل هجرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» من مكة.
و نحن و إن كنا نعتقد أن الحكم بعدم جواز نكاح المسلم للمشركة كان ثابتا على لسان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قبل ذلك، إلا أننا نقول:
1) الآية 10 من سورة الممتحنة.
2) الدر المنثور ج 6 ص 205 و 207 عن البخاري، و عن ابن مردويه، و نيل الأوطار ج 8 ص 187، و مسند احمد ج 4 ص 331، و صحيح البخاري ج 3 ص 182، و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 220، و عمدة القاري ج 14 ص 5، و المصنف للصنعاني ج 5 ص 340، و المعجم الكبير للطبراني ج 20 ص 14، و جامع البيان لابن جرير الطبري ج 26 ص 130 و ج 28 ص 91، و الدر المنثور ج 6 ص 205، و فتح القدير للشوكاني ج 5 ص 217، و تاريخ مدينة دمشق ج 57 ص 230، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 372، و البداية و النهاية لابن كثير ج 4 ص 201، و إمتاع الأسماع ج 9 ص 13، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 335.
أولا: إننا نلزمهم بما ألزموا به أنفسهم.
ثانيا: لعله «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن مكلفا بإبلاغ هذا الحكم لجميع الناس. . أو لعل الكثيرين كانوا لا يحتاجون إلى هذا الحكم إما لأن نساءهم كنّ يسلمن حين يسلم أزواجهن، و إما لأنهن كنّ يخترن الإنفصال، و الإلتحاق بأهلهن من المشركين. .
و قد زعم الطفيل لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنه مطاع في قومه، و يريد أن يدعوهم إلى الإسلام، ثم طلب منه أن يدعو اللّه أن يجعل له آية تعينه عليهم، فجعل له النور في طرف سوطه. .
و نقول:
أولا: اللافت هنا: أن هذا المطاع في قومه، لم يطعه أحد من قومه سوى أبي هريرة كما تقدم! !
رغم أنه كان يحمل إليهم معجزة كانت ماثلة أمامهم و يشاهدونها كلما يحلو لهم! !
فعدم إطاعتهم له مع كل هذه الخصوصيات أمر يثير العجب حقا. .
ثانيا: ما معنى أن يعود الطفيل إلى مكة طالبا من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يدعو على قومه؟ ! (1). فهل دعا النبي «صلى اللّه عليه و آله» على غيرهم من أجل ذلك، أم أنه كان يدعو لهم بالهداية و لا يدعو عليهم؟ !
1) تهذيب تاريخ دمشق ج 25 ص 12 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 237.
ثالثا: إذا كان مطاعا في قومه، فلماذا يطلب الآية لهم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
رابعا: هل كان من عادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يزود دعاته بآيات من هذا القبيل؟ ! !
خامسا: ما معنى أن يرفض الطفيل النور الذي حل في جبهته؟ ! ألم يكن من الأفضل له أن يرضى بما رضيه اللّه تعالى؟ !
أم أنه أدرك أمرا كان خافيا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و كيف يخشى أن يظن قومه أن ذلك مثلة فيه؟ ! و هل يمكن أن نصدق أن قومه كانوا لا يستطيعون التأكد من كون هذا الذي في جبهته ليس مثلة، و إنما هو نور وضعه اللّه فيها؟ !
سادسا: ألا يحق لنا أن نظن بأنه لو صح شيء من هذه القصة، فإن السبب في عدم قبول أحد أن يسلم على يد الطفيل، هو معاملته السيئة لهم، حسبما أشار إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين أمره بأن يعود إليهم و يرفق بهم، و إذا كان أسلوبه مع أبيه و زوجته بتلك الحدة و الشراسة فما بالك بالأسلوب الذي كان يعامل به غيرهما. .
عن ابن عباس، و غيره قال: قدم وفد بني عبد بن عدي، فيهم الحارث بن وهبان، و عويمر بن الأخرم، و حبيب و ربيعة ابنا ملة، و معهم رهط من قومهم، فقالوا: يا محمد، نحن أهل الحرم و ساكنيه، و أعز من به، و نحن لا نريد قتالك، و لو قاتلك غير قريش قاتلنا معك، و لكنا لا نقاتل قريشا، و إنّا
لنحبك و من أنت منه، و قد أتيناك، فإن أصبت منا أحدا خطأ فعليك ديته، و ان أصبنا أحدا من أصحابك فعلينا ديته، إلا رجلا منا قد هرب، فإن أصبته أو أصابه أحد من أصحابك فليس علينا و لا عليك.
فقال عويمر بن الأخرم: دعوني آخذ عليه.
قالوا: لا، محمد لا يغدر، و لا يريد أن يغدر به.
فقال حبيب و ربيعة: يا رسول اللّه، إن أسيد بن أبي أناس (إياس) هو الذي هرب، و تبرأنا إليك منه، و قد نال منك.
فأباح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دمه.
لقد كان هذا الوفد قبل الفتح، إذ قد صرّحت الرواية: بأنه لما بلغ أسيدا أقوال الوفد أتى الطائف فأقام بها، و بقي فيها إلى أن تم فتح مكة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخبره سارية بما جرى. .
ثم إن من غرائب الأحوال أن يفتخر هؤلاء الناس على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنهم أهل الحرم، و أعز من فيه، مع معرفتهم التامة بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و بحسبه و نسبه، و حتى بصفاته الشخصية، و بسيرته الذاتية، كما دلت عليه كلماتهم، فقد قالوا لعويمر: «محمد لا يغدر، و لا يريد أن يغدر به» ، فاكتفوا بمعرفتهم هذه عن أخذ العهود و المواثيق عليه.
و كيف لا يعرفونه، و هم يدّعون أنهم أهل الحرم، و أعز ساكنيه، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» و سائر آبائه هم سادات هذا الحرم الذين لا يجهلهم أحد. .
فكيف استجازوا لأنفسهم أن يقولوا لسادة الحرم، و حفظته و لنبي هو أعظم و أقدس رجل على وجه الأرض، و أعز من في الحرم: إنهم أهل الحرم، و أعز من فيه؟ !
عن النعمان بن مقرن قال: قدمت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أربعمائة من مزينة و جهينة، فأمرنا بأمره، فقال القوم: يا رسول اللّه، ما لنا من طعام نتزوده.
فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعمر: «زود القوم» .
فقال: يا رسول اللّه، ما عندي إلا فضلة من تمر، و ما أراها تغني عنهم شيئا.
قال: «انطلق فزودهم» .
فانطلق بنا إلى علّيّة، فإذا تمر مثل البكر الأورق.
فقال: خذوا.
فأخذ القوم حاجتهم. قال: و كنت في آخر القوم، فالتفت و ما أفقد موضع تمرة، و قد احتمل منه أربعمائة و كأنا لم نرزأه تمرة (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 411 عن أحمد، و الطبراني، و البيهقي، و أبي نعيم، و في هامشه عن مسند أحمد ج 5 ص 455، و راجع: الآحاد و المثاني للضحاك ج 2 ص 342، و صحيح ابن حبان ج 14 ص 462، و موارد الظمآن للهيثمي ج 7 ص 52.
و روى ابن سعد (1)عن كثير بن عبد اللّه المزني، عن أبيه، عن جده قال: كان أول من وفد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من مضر أربعمائة من مزينة، و ذلك في رجب سنة خمس، فجعل لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الهجرة في دارهم و قال: «أنتم مهاجرون حيث كنتم، فارجعوا إلى أموالكم» ، فرجعوا إلى بلادهم.
و عن أبي مسكين، و أبي عبد الرحمن العجلاني قالا: قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفر من مزينة، منهم خزاعي بن عبد نهم، فبايعه على قومه مزينة، و قدم معه عشرة منهم، فيهم بلال بن الحارث، و النعمان بن مقرن، و أبو أسماء، و أسامة، و عبد اللّه بن بردة، و عبد اللّه بن درة، و بشر بن المحتفز، و كان منهم دكين بن سعيد، و عمرو بن عوف (2).
قال: و قال هشام في حديثه: ثم إن خزاعيا خرج إلى قومه، فلم يجدهم كما ظن، فأقام، فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حسان بن ثابت، فقال: «اذكر خزاعيا و لا تهجه» .
فقال حسان بن ثابت:
ألا أبلغ خزاعيا رسولابأن الذم يغسله الوفاء
و أنك خير عثمان بن عمروو أسناها إذا ذكر السناء
و بايعت الرسول و كان خيراإلى خير و أداك الثراء
فما يعجزك أو ما لا تطقهمن الأشياء لا تعجز عداء
قال: و عداء بطنه الذي هو منه.
قال: فقام خزاعي، فقال: يا قوم، قد خصكم شاعر الرجل، فأنشدكم اللّه.
قالوا: فإنّا لا ننبوا عليك.
قال: و أسلموا و وفدوا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فدفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لواء مزينة يوم الفتح إلى خزاعي، و كانوا يومئذ ألف رجل. و هو أخو المغفل أبي عبد اللّه بن المغفل، و أخو عبد اللّه ذي البجادين (1).
و نقول:
قد تحدثنا عن وفادة بلال بن الحارث في أربعة عشر رجلا من مزينة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سنة خمس، في نفس كتابنا هذا في الباب الخامس، في الفصل السادس بعنوان: «متفرقات الأحداث» . .
و لذلك فنحن نشير هنا إلى ما لم نشر إليه هناك، فنقول:
1-إن الناس كما أشرنا إليه أكثر من مرة كانوا يرون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» مسؤول عن شفاء مرضاهم، و عن حل مشاكلهم، و حتى عن تزويدهم بالطعام.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 411 و 412، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 292، و الإصابة ج 2 ص 238، و أعيان الشيعة ج 1 ص 240.
و النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يحاول أن يعفي نفسه من هذه المسؤولية، رغم أنه لم يكن يملك ما يزودهم به فعلا، فما كان منه إلا أن بادر إلى التصرف الغيبي، دون أن يستفيد-بحسب ظاهر الأمر-من الدعاء و الابتهال، بل هو قد فعل ذلك على سبيل المبادرة بالأمر الحاسم و الجازم.
2-إن خزاعي بن عبد نهم كان قادرا على إقناع قومه بالإسلام، و لكنه تقاعس عن ذلك لا لعناد، و لا استخفاف، و إنما لظنه أن رفضهم الذي واجهوه به في المرة الأولى يكفي عذرا له، و يجعله في حل من الوفاء بما التزم به. .
فأراد «صلى اللّه عليه و آله» إثارة الحافز لديه، و إفهامه أن ينتظر وفاءه، فأشار إلى حسان ليذكره في شعره، دون أن يهجوه، لأنه لا يستحق الهجاء من جهة، و لأن المطلوب من جهة أخرى هو التحريك و الإثارة، لمعاودة المحاولة. .
3-و لسنا نشك في أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان عارفا بمدى تأثير خزاعي في قومه، و ما له من المكانة فيهم، و أنه سيكون قادرا على الوفاء بما أخذه على نفسه، و هكذا كان. .
4-و أما أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل لمزينة الهجرة في دارهم فقد تحدثنا عن موضوع الهجرة في جزء سابق من هذا الكتاب، فراجع ما ذكرناه حين الكلام عن هجرة العباس. .
مع ملاحظة: أن مزينة كانت إحدى قبائل النفاق التي كانت حول المدينة، حيث يقال: إنها مقصودة في قوله تعالى: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مُنٰافِقُونَ (1).
1) الآية 101 من سورة التوبة.
قدمت أشجع على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عام الخندق، و هم مائة، و رأسهم مسعود بن رخيلة، فنزلوا شعب سلع.
فخرج إليهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أمر لهم بأحمال التمر.
فقالوا: «يا محمد، لا نعلم أحدا من قومنا أقرب دارا منك منّا، و لا أقل عددا، و قد ضقنا بحربك و بحرب قومك، فجئنا نوادعك» . فوادعهم.
و يقال: بل قدمت أشجع بعد ما فرغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من بني قريظة، و هم سبعمائة، فوادعهم، ثم أسلموا بعد ذلك (1).
إن وفد أشجع إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له اهمية، و دلالات ذات قيمة، فقد جاء هذا الوفد بعد انتصار ثمين جدا، حققه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون على يد علي أمير المؤمنين «عليه السلام» في كل من الخندق و قريظة على قوى كبيرة و أساسية جدا، و ذات فعالية في المنطقة، و هي قريش في مكة، و قريظة في المدينة، و ذلك بعد حربي بدر و أحد، و هما من أهم و أخطر الحروب بالنسبة للمسلمين. .
و من الطبيعي: أن يكون لدى المسلمين حساسية بالغة في هذا الظرف بالذات، فوجود المشركين في المحيط الذي يعيش فيه المسلمون يشكل مصدر تهديد بالغ الخطورة لأمن المسلمين و حتى لمستقبلهم و وجودهم، إذا
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 273 عن ابن سعد، و الطبقات الكبرى ج 1 ص 306.
استطاع اليهود في خيبر، أو المشركون بزعامة قريش أن يستفيدوا من تلك القبائل المنتشرة حول المدينة، و في سائر المناطق في الجهد الحربي بمختلف أنواعه و مستوياته.
و هذه القبيلة، و إن كانت قد تذرعت بضعفها و بقرب مساكنها لتبرير طلب الموادعة، و لكن ذلك لا يمنع من أن تمارس دورا خطيرا-و لو تجسسيا-في ظل هذه الموادعة بالذات، التي تؤمن لها غطاء كافيا لصرف الأنظار عن وجهة نشاطها و طبيعتها.
من أجل ذلك نقول:
إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد عامل هؤلاء الناس بأخلاق النبوة، حيث ابقاهم بالقرب منه، و لم يتخذ أي إجراء ضدهم، يقوم على اساس استغلال ضعفهم، و خوفهم، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد ان يعطيهم فرصة ليعيشوا التأمل في حركة الأحداث، و في الرعاية الإلهية لمسيرة أهل الإيمان، مع إبقاء الوضع القائم مع هذه القبيلة تحت السيطرة، في الوقت الذي يكون قد حسم أمر عدم مشاركتها العلنية في أي نشاط عسكري ضد المسلمين. خصوصا و أن هذه الموادعة تفتح الطريق، و تعطيه الحق بإنزال ضربات حاسمة بحقها، لو أرادت ذلك لأنها تكون قد نقضت عهدا، و مارست خيانة لعهد هي التي طلبته، و صنعته بملء اختيارها، و من دون أي إكراه، أو إلجاء.
عن ابن عباس، و سلمة بن الأكوع، و ابن إسحاق قالوا: قدم على
رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وفد بني عامر، فيهم عامر بن الطفيل، و أربد بن قيس، و جبار بن سلمى (قاتل عامر بن فهيرة ببئر معونة) ، و كان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم و شياطينهم، (و كان في نية عامر بن الطفيل عدو اللّه الإعتداء على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و الغدر بالنبي «صلى اللّه عليه و آله»).
و قد قال لعامر بن الطفيل قومه: يا عامر، إن الناس قد أسلموا فأسلم.
قال: و اللّه، لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، أفأتبع عقب هذا الفتى من قريش؟ ثم قال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فسأشغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف (1).
و في حديث ابن عباس: فإن الناس إذا قتلت محمدا لم تزد على أن تلتزم بالدية، و تكره الحرب، فسنعطيهم الدية.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 361 عن ابن المنذر و ج 10 ص 260، و ابن أبي حاتم، و أبي نعيم، و ابن مردويه، و البيهقي، و الحاكم، و ابن إسحاق، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 130 و 131، و قرب الاسناد ص 321، و البحار ج 17 ص 228 و ج 21 ص 365، و راجع: حلية الأبرار للبحراني ج 1 ص 114، و الدرر لابن عبد البر ص 253، و تاريخ الطبري ج 2 ص 398، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 299، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 679، و الوافي بالوفيات ج 8 ص 216، و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 68، و إمتاع الأسماع ج 2 ص 100 و ج 12 ص 94، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 992، و إعلام الورى بأعلام الهدى ج 1 ص 250، و عيون الأثر ج 2 ص 277، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 109، و السيرة الحلبية ج 3 ص 246.
قال أربد: افعل.
و انتهى إليه عامر و أربد، فجلسا بين يديه.
قال ابن إسحاق: قال عامر بن الطفيل: يا محمد، خالني (1).
قال: «لا و اللّه، حتى تؤمن باللّه وحده لا شريك له» .
قال: يا محمد خالني، و جعل يكلمه و ينتظر من أربد ما كان أمره به. و لكن أربد لا يحير شيئا.
و في حديث ابن عباس: إن يد أربد يبست على السيف فلم يستطع سله.
قال ابن إسحاق: فلما رأى عامر أربد ما يصنع شيئا قال: يا محمد خالني.
قال: «لا و اللّه، حتى تؤمن باللّه وحده لا شريك له» .
و في حديث ابن عباس: فقال عامر: ما تجعل لي يا محمد إن أسلمت؟
فقال رسول اللّه «عليه السلام» : «لك ما للمسلمين و عليك ما عليهم» .
قال عامر: أتجعل لي الأمر بعدك إن أسلمت؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ليس ذلك لك و لا لقومك، و لكن لك أعنة الخيل» .
قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، أتجعل لي الوبر و لك المدر؟
قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لا» .
فلما قاما عنه قال عامر: أما و اللّه لأملأنها عليك خيلا و رجالا.
1) أي: إجعلني خليلا.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يمنعك اللّه عز و جل» (1).
و في حديث موله بن (كثيف)بن حمل: و اللّه يا محمد، لأملأنها عليك خيلا جردا و رجالا مردا، و لأربطن بكل نخلة فرسا.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم اكفني عامرا» .
زاد قوله: «واهد قومه» (2).
و في رواية أخرى: أنه خيّر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بين ثلاث أن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 361 و ج 10 ص 260، و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ج 5 ص 319، و ذكره ابن كثير في البداية ج 5 ص 57، و الهيثمي في المجمع ج 7 ص 44، و عزاه للطبراني في الأوسط و الكبير بنحوه، و البحار ج 21 ص 365، و تاريخ الطبري ج 2 ص 398، و إمتاع الأسماع ج 2 ص 100 و ج 12 ص 94، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 991، و إعلام الورى بأعلام الهدى ج 1 ص 250، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 277، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 109، و السيرة الحلبية ج 3 ص 246. و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 131، و الدر المنثور ج 4 ص 46 عن الطبراني في الكبير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و أبي نعيم في دلائل النبوة.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 361 و 362 و في هامشه عن دلائل النبوة ج 5 ص 321 و المعجم الكبير ج 6 ص 155 و مجمع الزوائد ج 6 ص 26 و البداية و النهاية ج 5 ص 75 و راجع: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 131، و الدر المنثور ج 4 ص 46 عن الطبراني في الكبير، و ابن المنذر، و أبي نعيم في دلائل النبوة، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 679، و إمتاع الأسماع ج 12 ص 96، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 110.
يكون للنبي أهل السهل، و لعامر أهل المدر، او أن يكون له الأمر من بعده، أو يغزوه بألف أشقر و ألف شقراء، فطعن في بيت امرأة من بنى سلول، فقال أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بنى فلان الخ. . (1).
قال ابن إسحاق: فلما خرجوا من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال عامر لأربد: ويلك يا أربد، أين ما كنت أمرتك به؟ و اللّه ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك، و أيم اللّه لا أخافك بعد اليوم أبدا.
قال: لا أبا لك لا تعجل علي، و اللّه ما هممت بالذي أمرتني به من أمره إلا دخلت بيني و بين الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟ (2).
1) شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 132 عن البخاري و عن البيهقي في الدلائل، و الدرر لابن عبد البر ص 254، و تاريخ الطبري ج 2 ص 398، و الوافي بالوفيات ج 16 ص 330، و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 68، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 992، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 110، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 362، و خزانة الأدب للبغدادي ج 3 ص 81.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 362 و ج 10 ص 260، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 131، و البحار ج 21 ص 365، و تاريخ الطبري ج 2 ص 398، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 299، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 679، و الوافي بالوفيات ج 8 ص 217، و البداية و النهاية ج 5 ص 68، و إمتاع الأسماع ج 2 ص 100 و ج 12 ص 95، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 992، و إعلام الورى بأعلام الهدى ج 1 ص 250، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 278، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 110، و السيرة الحلبية ج 3 ص 247، و خزانة الأدب ج 3 ص 80.
و في رواية غير ابن إسحاق: إلا رأيت بيني و بينه سورا من حديد.
و في رواية: لما أردت أن أسل سيفي نظرت فإذا فحل من الإبل، فاغر فاه بين يدي يهوي إلي، فو اللّه لو سللته لخفت أن يبتلع رأسي.
و جمع: بأن تكرر الهمّ صاحبه واحد من هذه الأمور (1).
و في حديث ابن عباس: فلما خرج أربد و عامر من عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى إذا كان بحرّة واقم نزلا، فخرج إليهما سعد بن معاذ و أسيد بن الحضير، فقالا: إشخصا يا عدوا اللّه عز و جل، لعنكما اللّه.
فقال عامر: من هذا يا أربد؟
قال: هذا أسيد بن الحضير، فخرجا (2).
و عن إسحاق بن عبد اللّه بن أبي طلحة، قال: مكث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يدعو على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا: «اللهم اكفني عامر بن الطفيل بما شئت، و ابعث عليه داء يقتله» . حتى إذا كان بالرقم بعث اللّه تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله اللّه في بيت امرأة من بني سلول. فجعل يمس قرحته في حلقه و يقول: يا بني عامر أغدّة كغدّة البكر في بيت امرأة من بني سلول؟ (3).
1) المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 131 عن الروض الأنف.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 362 و الدر المنثور ج 4 ص 46، و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 71.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 362 و ج 10 ص 260، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 131، و البحار ج 21 ص 365، و تاريخ الطبري ج 2 ص 398، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 299، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 679، و الوافي بالوفيات ج 8 ص 217، و البدآية و النهاية ج 5 ص 68، و إمتاع الأسماع ج 2 ص 100 و ج 12 ص 95، و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 992، و إعلام الورى بأعلام الهدى ج 1 ص 250، و عيون الأثر لابن سيد الناس ج 2 ص 278، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 110، و السيرة الحلبية ج 3 ص 247، و خزانة الأدب ج 3 ص 80.
زاد ابن عباس: يرغب عن أن يموت في بيتها.
ثم ركب فرسه فأحضرها، و أخذ رمحه و أقبل يجول، فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتا (1).
قال ابن إسحاق: ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر شانّين. فلما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أربد؟
قال: لا شيء، و اللّه لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله. فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل اللّه عز و جل عليه و على جمله صاعقة فأحرقتهما.
و في حديث ابن عباس: حتى إذا كان بالرقم أرسل اللّه تعالى عليه صاعقة فقتلته.
قال ابن عباس و ابن إسحاق: و أنزل اللّه عز و جل في عامر و أربد: اَللّٰهُ يَعْلَمُ مٰا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثىٰ وَ مٰا تَغِيضُ اَلْأَرْحٰامُ وَ مٰا تَزْدٰادُ وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدٰارٍ
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 361 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 132، و البدآية و النهاية ج 5 ص 69، و إمتاع الأسماع ج 12 ص 96، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 110، و السيرة الحلبية ج 3 ص 248.
إن عامر بن الطفيل يصرح بأنه كان يخاف من أربد خوفا عظيما، مع أنه صاحبه، و المتآمر معه على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و صدق اللّه حيث يقول: تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتّٰى (3). و إذا كان عامر يخاف من أربد، فهل لا يخاف من علي بن أبي طالب «عليه السلام» قالع باب خيبر، إلا أن يقصد أنه يخاف من مكر أربد به. و إن كان ذلك خلاف ظاهر كلامه، حيث إنه إنما يتكلم عن شجاعة أربد لا عن مكره و غدره.
قال في البداية: الظاهر: أن قصة عامر بن الطفيل متقدمة على الفتح،
و إن كان ابن إسحاق و البيهقي قد ذكراها بعد الفتح (1). و قد قدمنا طائفة من نصوصها المختلفة، و بعض ما يرتبط بها في غزوة بئر معونة، فراجع. .
بل إن ذكر سعد بن معاذ فيها يدل على أن قدوم ابن الطفيل كان قبل سنة خمس، لأن سعدا استشهد في غزوة بني قريظة، و ذلك ظاهر. .
قد يقال: إن عامر بن الطفيل وصف النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأربد بن قيس بأنه فتى، مع أن عمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» حينئذ كان أكثر من ستين سنة، و الفتى في اللغة هو الشاب الحدث (2).
و يمكن أن يجاب: أن كلمة «غلام» تطلق على الكهل، و على الشاب فهي من الأضداد (3).
فكذلك كلمة «فتى» ، فإنها و إن كان معناها الشاب الحدث، لكنها قد تستعار فتطلق على العبد حتى لو كان شيخا (4).
إننا نقرأ فيما تقدم: أن عامر بن الطفيل آلى على نفسه أن لا ينتهي حتى تتبع العرب عقبه، أفيتبع عقب هذا الفتى من قريش؟ !
و نقول:
أولا: لا ندري بماذا يريد عامر بن الطفيل أن يحمل العرب على أن يطأوا عقبه، و يكون هو الزعيم الأوحد لهم. هل يريد أن ينال هذا المقام بعلمه، و من أين له العلم النافع و هو رجل أعرابي، و قد وصف اللّه الأعراب بقوله: اَلْأَعْرٰابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفٰاقاً وَ أَجْدَرُ أَلاّٰ يَعْلَمُوا حُدُودَ مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (1).
أم باستقامته على جادة الحق، و بإيمانه و تقواه، و القرآن يقول: اَلْأَعْرٰابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفٰاقاً .
أم بماله الكثير، الذي ينفقه على الناس. و هو أعرابي أيضا لم يؤثر عنه جود أو كرم، و لم نقرأ اسمه في أسخياء العرب، كحاتم الطائي، و زيد الخيل، و قيس ابن سعد و غيرهم. . و هو أيضا أعرابي و يقول اللّه تعالى عن الأعراب: وَ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ مَنْ يَتَّخِذُ مٰا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ اَلدَّوٰائِرَ عَلَيْهِمْ دٰائِرَةُ اَلسَّوْءِ وَ اَللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (2)» (3). فالأعراب يرون أن الإنفاق في الجهاد للدفاع عن أرواح الناس، و عن أعراضهم و أموالهم، و عن حرياتهم و كراماتهم، أو في سبيل الخير (يرون هذا الإنفاق) مغرما و خسارة. و بلا فائدة و لا عائدة، فهل ينفقون أموالهم على الفقراء و المحتاجين؟ ! أم بجاهه العريض، و شهرته الواسعة، و هو لم يكن أشهر من غيره من زعماء العرب
و رجالاتهم؟ !
أم بسعيه إلى إثبات إخلاصه و حبه للناس، و نيل ثقتهم به، و هو أعرابي، و اللّه تعالى يقول عن الأعراب: إن منهم من يَتَرَبَّصُ بِكُمُ اَلدَّوٰائِرَ عَلَيْهِمْ دٰائِرَةُ اَلسَّوْءِ وَ اَللّٰهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1).
أم بقوته، و بشجاعته. . و كأنه لم يسمع بما صنعه أمير المؤمنين «عليه السلام» بمشركي العرب، في بدر و أحد، و حنين و ذات السلاسل، و سوى ذلك، و باليهود من بني النضير، و قينقاع، و قريظة، و خيبر. .
و هل من المعقول: أنه لم يبلغه اقتلاع علي «عليه السلام» لباب خيبر. . و غير ذلك مما لا يجهله أحد؟ !
و ماذا يصنع ابن الطفيل بفرسان العرب، و صناديدها، و فيهم الكثير من الرجال الأشداء، الذين يواجهون الأهوال، و يركبون المخاطر؟ !
أم بميزاته و خصائصه الإنسانية و هو الذي يمارس الغدر حتى في نفس هذا المقام، فيتآمر مع أربد بن قيس على قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، في حين أنه يواجه خلق النبوة العظيم، و النبي الكريم، و الكرم الهاشمي، و العلم الإلهي، و كل الخصال الحميدة، و المزايا الفريدة في شخص من يريد الغدر به و قتله، و هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثانيا: إن عامر بن الطفيل يصرح للناس بما يدل على شدة أنانيته، و غروره و عنجهيته، و احتقاره للناس، و أنه لا ينطلق في مواقفه من أخلاق و مبادئ و قيم، فإنه يتجاهر بقوله: إنه يريد أن يجعل الناس يطأون عقبه،
1) الآية 99 من سورة التوبة.
و يكونون في خدمته، و تحت زعامته.
و في مقابل ذلك نلاحظ: أن الرسول «صلى اللّه عليه و آله» رغم كل تضحياته في سبيل الأمة يقول لهم: قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ (1).
و رغم شدة العرب عليه «صلى اللّه عليه و آله» كان يذوب رقة و حنانا، و أسفا عليهم، حتى إن اللّه سبحانه يقول له: فَلاٰ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰاتٍ (2).
و يقول، فَلَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ عَلىٰ آثٰارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهٰذَا اَلْحَدِيثِ أَسَفاً (3).
و معنى باخع نفسك: قاتل نفسك.
و قد توقع عامر بن الطفيل أن يقتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم يرضى الناس بديته، لأنهم يكرهون الحرب. و لم يحسب أي حساب لغضب أهل الإيمان، و نخوتهم، و شدة محبتهم لنبيهم، و لا سيما علي «عليه السلام» قالع باب خيبر، و فاتح حصونها، و قاتل عمرو بن عبد ود، و هازم الأحزاب، و مذل المشركين في بدر و أحد، و حنين و سواها. فهل سيتركه علي «عليه السلام» ، و هو الذي فدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه ليلة
الهجرة، و يدعه يرجع الى بلده سالما غانما؟
و هل سيترك الأنصار و سائر أهل المدينة نبيهم يقتل، ثم يرضون بديته. . و هم يرتبطون به برباط الإيمان، و يرون أنفسهم ملزمين بالإنتقام من قتلة الأنبياء، و الأوصياء. .
و إذا استطاع أن يقتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فهل سيرضى العرب المسلمون بابن الطفيل رئيسا لهم، و هل؟ و هل؟ الخ. .
و قد طلب عامر بن الطفيل من النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يتخذه خليلا، و قد رفض النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلبه هذا، إلا أن يسلم، فإن آمن باللّه وحده لا شريك، فإنه سيفعل ذلك، فأصرّ عامر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك، فأصر «صلى اللّه عليه و آله» على الرفض إلا إذا أسلم عامر.
فلو أن عامرا أسلم لفاز بخلّة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما فاز بها سعد بن معاذ (1)من قبل. . و زعموا ذلك لعثمان بن عفان أيضا (2).
و هذا يضع علامة استفهام كبيرة حول حديث: لو كنت متخذا خليلا
لاتخذت أبا بكر خليلا (1)، من حيث إنه يوجب اتهام أبي بكر بالكفر- و العياذ باللّه-إذ لو كان مسلما لكان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قبل خلته. .
و ببيان أكثر تفصيلا نقول:
إن حديث عامر يدل على أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يتخذ المشرك خليلا، و لا يلزم من هذا أن يكون كل من لم يتخذه النبي «صلى اللّه عليه و آله» خليلا مشركا، فقد لا يقبل «صلى اللّه عليه و آله» خلّة مسلم لمانع آخر فيه. .
لكن هؤلاء يقولون: إن أبا بكر خير من عامر في سائر صفاته ما عدا الإيمان، فينبغي أن لا يكون فيه مانع آخر عن قبول خلته غير الشرك، و مع ذلك فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يتخذه خليلا.
و هذا يعني أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يكون أمام خيارين:
الأول: أن لا يتخذ خليلا أصلا، كما قال في حديث أبي بكر، فيرد
1) المصنف للصنعاني ج 10 عن ابن الزبير، و في هامشه عن سعيد بن منصور، و الغدير ج 9 ص 347 عن صحيح البخاري ج 5 ص 243 باب المناقب، و باب الهجرة ج 6 ص 44، و الطب النبوي لابن القيم ص 207، و المحلى ج 1 ص 35 و ج 9 ص 287، و مسند احمد ج 1 ص 359 و 408 و 412 و 434 و 437 و 439 و 455 و 463، و سنن الدارمي ج 2 ص 353، و صحيح البخاري ج 4 ص 191، و صحيح مسلم ج 7 ص 108، و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 246، و فتح الباري ج 3 ص 47، و عمدة القاري ج 4 ص 244، و مسند أبي داود الطيالسي ص 39، و المصنف ج 10 ص 263، و مسند ابن راهويه ج 1 ص 41، و كتاب السنة لعمرو بن أبي عاصم ص 563، و غيرها كثير فراجع.
سؤال: لماذا إذن قال «صلى اللّه عليه و آله» لعامر: إنه يتخذه خليلا إذا آمن باللّه وحده؟ !
الثاني: أن يتخذ خليلا إذا انتفت الموانع، و أبرزها الشرك، فير سؤال أيضا و هو: لماذا قال «صلى اللّه عليه و آله» : لو كنت متخذا الخ. . فقرر أنه لم يتخذ أبا بكر و لا غيره خليلا مع أن أبا بكر خير من عامر عند هؤلاء؟ !
و خلاصة الأمر إننا نقول:
إن حديث «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر» مكذوب كما قدمناه في أوائل هذا الكتاب، فراجع حديث المؤاخاة في فصل: «أعمال تأسيسية في مطلع الهجرة» .
و لعلهم أرادوا به تكذيب حديث خلة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» ، و تعويض أبي بكر عما لحقه بسبب ذلك. فوضعوا حديث: لو كنت متخذا خليلا الخ. .
و عن حديث خلة علي «عليه السلام» نقول:
1-أخرج عبد الكريم بن أحمد الرافعي القزويني عن أبي ذر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: لكل نبي خليل، و إن خليلي و أخي علي (1).
2-روى ابن المغازلي الشافعي بإسناده عن الإمام الباقر، عن أبيه، عن جده الحسين بن علي بن أبي طالب «عليهم السلام» ؛ قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : علي بن أبي طالب خليفة اللّه و خليفتي، و خليل اللّه
1) إحقاق الحق (الملحقات) ج 40 ص 223 عن مفتاح النجا للبدخشي (مخطوط) ، و كنز العمال ج 11 ص 634، و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 250.
و خليلي، و حجة اللّه و حجتي الخ. . (1).
و الذي يثير الإنتباه أيضا: أن الرواية التي ذكرت لحوق سعد بن معاذ، و أسيد بن حضير لعامر بن الطفيل و أربد من قيس، حيث طردوه و لعنوه. . تقول: أن عامرا سأل عن الرجلين، فأجابه أربد بقوله: هذا أسيد بن الحضير، و لم يذكر سعد بن معاذ. .
و ذلك يشير إلى أن ثمة رغبة في إعزاز أسيد بن حضير لإيفائه بعض حقه، لأنه ساعد أبا بكر في سعيه للخلافة، و كان إلى جانبه في سقيفة بني ساعدة، ولديه قرابة. . حتى لو كان هذا الإعزاز على حساب شهيد اهتز العرش لموته ألا و هو سعد بن معاذ رحمة اللّه تعالى. .
و قد أجاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» عامر بن الطفيل حين طلب منه أن يجعل له الأمر من بعده: «ليس ذلك لك و لا لقومك» .
1) إحقاق الحق (الملحقات) ج 4 ص 297 عن مناقب الإمام علي بن أبي طالب لابن المغازلي، و الأمالي للشيخ الصدوق ص 271، و مائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي ص 34، و كنز الفوائد للكراجكي ص 185، و العقد النضيد و الدر الفريد للقمي ص 148، و الصراط المستقيم لعلي بن يونس العاملي ج 2 ص 34، و البحار ج 26 ص 263 و ج 38 ص 137 و 151، و بشارة المصطفى للطبري ص 60، و نهج الإيمان لابن جبر ص 217.
فلو كان أمر الخلافة بيد البشر، فلماذا يطلبه عامر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و قد يقال: لعل عامرا قد توهم أن الأمر في الإسلام يشبه ما عرفه من أمر الجاهلية، حيث كانت السلطة تنتقل من السابق إلى اللاحق باختيار السابق له، و جعل الأمر إليه. . و لم يعلم أن الإسلام قد أرجع الأمر إلى الناس و جعله شورى بينهم.
و يجاب: بأنه لو صح لكان يجب على النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يرجعه إلى الصواب، و يعلمه ما جهله، و يقول له: «إن الأمر ليس لي، فإن رضوا بك و اختاروك، فلا مانع لدي» . .
و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» قد آيسه منها و أعلن أنه لا حق له و لا لقومه، و لو أنه «صلى اللّه عليه و آله» اكتفي بالإخبار عن عامر و لم يذكر قومه لأمكن أن يقال: لعله لمعرفته بأنه سوف يموت على الكفر، و لن يصل إلى شيء. .
و لكنه حين أضاف إليه قومه، فإن التصريح بحرمانهم كعامر من هذا الأمر يدل على أن الأمر لم يكن بيد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أيضا فضلا عن أن يكون بيد الناس، و أن الأمر للّه تعالى يضعه حيث يشاء، كما قال «صلى اللّه عليه و آله» لبني عامر بن صعصعة حين عرض عليهم دعوته في مكة، و شرطوا عليه أن يكون لهم من بعده.
و لا يفاجئنا توعد عامر بن الطفيل للنبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن
يملأها عليه خيلا و رجالا. فإن هذا الرجل المحب للدنيا و المغرور بنفسه، و الذي بلغ غروره حدا جعله يطلب من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثمنا لإسلامه، و هو: أن يجعله خليفته من بعده، و أن يكون للنبي «صلى اللّه عليه و آله» المدر و له الوبر.
و مع أنه يرى بأم عينيه كيف أنه «صلى اللّه عليه و آله» هزم قريشا، و مشركي العرب، و هزم اليهود أيضا، و واجه قيصر الروم، و دخلت البلاد و العباد في دينه.
نعم، إنه مع ذلك يتهدد النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأنه سوف يملأ الأرض عليه خيلا و رجالا، و الذي قاده إلى ذلك كله هو غروره و حمقه و لا شيء أكثر من ذلك. و لكن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يجبه على تهديده باستعراض قوته، و لا بتعداد انتصاراته، بل أوكل الأمر إلى اللّه سبحانه، لكي يفهمه: أن اللّه أيضا معه، و من ينصره اللّه فلا غالب له.
و قد جاء الرد الإلهي ليقول لابن الطفيل، و كل من يجاريه في تفكيره و في تصوراته ليقول لهم: إن هذا الغرور الذي أوصل عامرا إلى موقع البغي و الطغيان سوف يثمر لأهله مهانة و ذلا، يكابد آلامه، و يواجهه خزيه في لحظات يرى نفسه عاجزا عن المواجهة. فإن الخيل و الرجال، و امتلاك أعنة خيل أهل نجد لا تدفع عنه الغدة التي ظهرت في عنقه، و لا تجديه في دفع الموت الذليل عنه، حيث مات في بيت سلولية.
و قد عبر هو نفسه عن مرارته البالغة من هذا الواقع الذي أوصله إليه
غروره و طغيانه و جحوده.
«فجعل يمس قرحته في حلقه، و يقول: يا بني عامر، أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول» ؟ ! .
و قد تقدم: أن أربد بن قيس لم يستطع أن يسل سيفه لقتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و حين عاتبه عامر بن الطفيل على عدم تنفيذ ما اتفقا عليه أخبره بالأمر. . و لكن ذلك لم ينفع في بخوع عامر أو أربد للحق، و قبولهما الإيمان. . بل بقي عامر يفاوض و يصر على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليحصل على عوض عن إيمانه. . و كأنه يحسب أن إيمانه يمثل خسارة شيء عظيم، يوازي خلافة النبوة، أو على الأقل الأمارة على جميع الوبر.
أما أربد بن قيس، فلم يكن موقفه أفضل من موقف عامر، فهو ليس فقط قد وافق عامرا على موقفه، و إنما زاد عليه: أنه أخبر قومه أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دعاه لعبادة من يتمنى لو أنه عنده حتى يرميه بنبله حتى يقتله. و هذا غاية في الجرأة على مقام العزة الإلهية، فاستحق أن يرميه اللّه تعالى بالصواعق، و له في الآخرة عذاب أليم.
عن رجل من بني ثعلبة (عن أبيه)قال: لما قدم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الجعرانة سنة ثمان قدمنا عليه أربعة نفر، وافدين مقرين بالإسلام. فنزلنا دار رملة بنت الحارث (1)، فجاءنا بلال، فنظر إلينا فقال: أمعكم غيركم؟
قلنا: لا.
فانصرف عنا، فلم يلبث إلا يسيرا حتى أتانا بجفنة من ثريد بلبن و سمن، فأكلنا حتى نهلنا. ثم رحنا الظهر، فإذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد خرج من بيته و رأسه يقطر ماء، فرمى ببصره إلينا، فأسرعنا إليه، و بلال يقيم الصلاة.
فسلمنا عليه و قلنا: يا رسول اللّه، نحن رسل من خلفنا من قومنا، و نحن (و هم)مقرون بالإسلام، و هم في مواشيهم و ما يصلحها إلا هم، و قد قيل لنا يا رسول اللّه: «لا إسلام لمن لا هجرة له»
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «حيثما كنتم و اتقيتم اللّه فلا يضركم» .
1) الحارث: جد رملة، أما أبوها فاسمه الحدث (بفتح الدال) بن ثعلبة بن الحرث كما يقول الواقدي. و عند ابن سعد اسمه الحرث: راجع: الإصابة ج 4 ص 305.
و فرغ بلال من الأذان، و صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنا الظهر، لم نصل وراء أحد قط أتم صلاة و لا أوجه منه، ثم انصرف إلى بيته، فدخل، فلم يلبث أن خرج إلينا فقيل لنا: صلى في بيته ركعتين.
فدعا بنا، فقال: «أين أهلكم» ؟
فقلنا: قريبا يا رسول اللّه، هم بهذه السرية.
فقال: «كيف بلادكم» ؟
فقلنا: مخصبون.
فقال: «الحمد للّه» .
فأقمنا أياما، و تعلمنا القرآن و السنن، و ضيافته «صلى اللّه عليه و آله» تجري علينا، ثم جئنا نودعه منصرفين، فقال لبلال: «أجزهم كما تجيز الوفود» .
فجاء بنقر من فضة، فأعطى كل رجل منا خمس أواق و قال: ليس عندنا دراهم، فانصرفنا إلى بلادنا (1).
و نقول:
إن هذه الرواية قد تضمنت قولهم: إنه بلغهم أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، و قد لاحظنا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يقل لهم: إنه لا هجرة بعد
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 295 عن الواقدي، و ابن سعد، و في هامشه عن: الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 2 ص 63، و مكاتيب الرسول ج 3 ص 286، و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 104، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 172.
الفتح، بل قرر: أن عدم هجرتهم لا تضرهم إن اتقوا اللّه. .
و معنى هذا أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قرر: أن الهجرة باقية بعد الفتح كما كانت قبله.
و قد تحدثنا عن هذا الموضوع حين الكلام عن هجرة العباس، و ذلك حين سار النبي «صلى اللّه عليه و آله» لفتح مكة فراجع.
قالوا: قدم مطرف بن الكاهن الباهلي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد الفتح وافدا لقومه. فقال: يا رسول اللّه، أسلمنا للإسلام، و شهدنا دين اللّه في سماواته، و أنه لا إله غيره، و صدقناك و آمنا بكل ما قلت، فاكتب لنا كتابا.
فكتب له: «من محمد رسول اللّه لمطرف بن الكاهن، و لمن سكن بيشة من باهلة. إن من أحيا أرضا مواتا فيها مراح الأنعام فهي له، و عليه في كل ثلاثين من البقر فارض، و في كل أربعين من الغنم عتود، و في كل خمسين من الإبل مسنة، (و ليس للمصدق أن يصدقها إلا في مراعيها، و هم آمنون بأمان اللّه) (1)الحديث. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 278 عن ابن شاهين عن ابن إسحاق، و ابن سعد في الطبقات ج 2 ص 49 و ذكر العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» في كتابه مكاتيب الرسول ج 3 ص 143 المصادر التالية: الطبقات الكبرى ج 1 ص 284 و في (ط أخرى) ج 1 ق 2 ص 33 و نشأة الدولة الإسلامية ص 351 و رسالات نبوية ص 262 و مدينة البلاغة ج 2 ص 233، و نقل شطرا منه في الإصابة ج 3 ص 423/8014 في ترجمة مطرف بن خالد بن نضلة، و أوعز إليه في أسد الغابة ج 4 ص 372، و البداية و النهاية ج 5 ص 91 و الوثائق السياسية ص 291/188 عن رسالات نبوية لعبد المنعم خان، و الطبقات، و نثر الدر المكنون للأهدل ص 66، ثم قال: قابل الطبقات و انظر كايتاني ج 9 ص 7 و اشپرنكر ج 3 ص 322. و ذكره ص 292 لمطرف بن خالد بن نضلة الباهلي نقله عن أسد الغابة و هو ابن الكاهن، و راجع أيضا ص 720 عن سبل الهدى و الرشاد للصالحي الشامي (خطية باريس)1993 ورقة 9-ألف.
و فيه: فانصرف مطرف و هو يقول:
حلفت برب الراقصات عشيةعلى كل حرف من سديس و بازل
قال ابن سعد: ثم قدم نهشل بن مالك الوائلي من باهلة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وافدا لقومه فأسلم، و كتب له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و لمن أسلم من قومه كتابا فيه شرائع الإسلام. و كتبه عثمان بن عفان (1).
و نقول:
بيشة: قرية باليمن على خمس مراحل من مكة.
فظهر أن لبني باهلة وفدين:
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 278 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 307 و ذكر العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» في كتابه مكاتيب الرسول ج 3 ص 141 المصادر التالية: الطبقات الكبرى ج 1 ص 284 و في (ط أخرى) ج 1 ق 2 ص 33 و 49 و المصباح المضيء ج 2 ص 349 و رسالات نبوية ص 294 و نشأة الدولة الإسلامية ص 351 و مدينة البلاغة ج 2 ص 334 و الوثائق السياسية ص 292/189 عن رسالات نبوية، ثم قال: قابل الطبقات 1 و انظر كايتاني ج 9 ص 8 و اشپرنكر ج 3 ص 323 و راجع أيضا ص 720 من الوثائق عن سبل الهدى و الرشاد للصالحي الشامي خطية پاريس 1993 ورقة 9-ألف و لخص نص الكتاب.
أحدهما: وفد باهلة، و هم من قيس عيلان. . و منهم: نهشل بن مالك (1).
و الآخر: وفد بني قراص أو قراض و هم بنو شيبان، و قد دخلوا في بني باهلة، و كان على بني شيبان مطرف بن الكاهن (2).
قالوا: قدم عبد اللّه بن علس الثّمالي، و مسلمة بن هاران الحدّاني على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في رهط من قومهما بعد فتح مكة، فأسلموا و بايعوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قومهم. و كتب لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم، كتبه ثابت بن قيس بن شماس، و شهد فيه سعد بن عبادة، و محمد بن مسلمة (3).
1) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 142 عن اللباب ج 1 ص 116 و الأنساب للسمعاني ج 2 ص 70 و معجم قبائل العرب ص 60، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 307، و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 345، و البداية و النهاية لابن كثير ج 5 ص 373، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 278.
2) نهاية الأرب ص 161، و مكاتيب الرسول ج 3 ص 142، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 307، و الإصابة ج 6 ص 100، و البداية و النهاية ج 5 ص 106، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 176، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 278.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 303 و البداية و النهاية ج 5 ص 341 و (دار إحياء التراث العربي) ص 363 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 135 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 353 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 166 و 282 و ج 3 ص 140 و عن الإصابة ج 3 ص 7993 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 327 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 672.
و نقول:
1-بنو حدّان بطن من أزد شنوءة يسكنون عمان.
و هناك بنو حدّان أيضا بطن من همدان من القحطانية، و قد وفد هؤلاء أيضا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سنة تسع مرجعه من تبوك، و عليهم مقطعات الحبرات، و العمائم المدنية، على الرواحل المهرية، و الأرحبية و مالك بن نمط يرتجز و يقول:
همدان خير سوقة و إقبالليس لها في العالمين أمثال
2-ما ذكره النص المتقدم من أن الوفد أسلموا، و بايعوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قومهم يحتمل أحد أمور، هي:
ألف: أن تكون قبيلتهم هي قد قررت الدخول في الإسلام، فأرسلتهم إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لإنجاز هذا الأمر بالصورة التي رأوا أنها مفيدة و سديدة. .
ب: أن يكون لأعضاء هذا الوفد من النفوذ و التأثير على من وراءهم، بحيث يطمئنون إلى أنهم يطيعونهم فيما يطلبونه منهم.
ج: أن يكونوا قد أخطأوا التقدير، و تخيلوا أنهم قادرون على أمر. . ثم جاءت الأحداث لتوافق ما تخيلوه، لأسباب لعلها لم تخطر لهم على بال.
روى ابن سعد عن علي بن محمد القرشي، و رجل من بني عقيل، قالا: وفد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفر من بني قشير فيهم ثور بن عزرة بن عبد اللّه بن سلمة بن قشير، فأسلم، فأقطعه رسول اللّه «صلى اللّه
عليه و آله» قطيعة و كتب له كتابا.
و منهم حيدة بن معاوية بن قشير، و ذلك قبل حجة الوداع و بعد حنين.
و منهم قرة بن هبيرة بن سلمة الخير بن قشير، فأسلم، فأعطاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و كساه بردا، و أمره أن يتصدق على قومه، أي يلي الصدقة، فقال قرة حين رجع:
حباها رسول اللّه إذ نزلت بهو أمكنها من نائل غير منفد
فأضحت بروض الخضر و هي حثيثةو قد أنجحت حاجاتها من محمد
عليها فتى لا يردف الذم رحلهتروك لأمر العاجز المتردد (1)
قالوا: و قدم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجل من بني سليم، يقال له: قيس بن نسيبة، فسمع كلامه و سأله عن أشياء، فأجابه، و وعى ذلك كله، و دعاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الإسلام، فأسلم و رجع إلى قومه بني سليم، فقال: قد سمعت برجمة الروم، و هينمة فارس، و أشعار العرب، و كهانة الكاهن، و كلام مقاول حمير، فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم، فأطيعوني و خذوا نصيبكم منه.
فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 398 عن ابن سعد في الطبقات (ط ليدن) ج 2 ص 67، و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط دار صادر) ج 1 ص 304، و الإصابة ج 5 ص 334، و أعيان الشيعة ج 1 ص 240.
و آله» ، فلقوه بقديد و هم سبعمائة.
و يقال: كانوا ألفا و فيهم العباس بن مرداس، و أنس بن عباس (عياض) بن رعل، و راشد بن عبد ربه، فأسلموا و قالوا: اجعلنا في مقدمتك، و اجعل لواءنا أحمر، و شعارنا مقدما.
ففعل ذلك بهم، فشهدوا معه الفتح، و الطائف، و حنينا، و أعطى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» راشد بن عبد ربه رهاطا، و فيها عين يقال لها: عين الرسول (1).
و كان راشد يسدن صنما لبني سليم، فرأى يوما ثعلبين يبولان عليه، فقال:
أرب يبول الثعلبان برأسهلقد ذل من بالت عليه الثعالب (2)
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 346 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 307 و (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 49، و مكاتيب الرسول ج 3 ص 437، و تاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 324.
2) البيت للعباس بن مرداس انظر ملحق ديوانه 151، و نسب أبي ذر، و انظر اللسان (ثعلب) و غيرهما انظر الدرر ج 4 ص 104 و جمهرة اللغة (1181) و الهمع ج 2 ص 22، و البحار ج 3 ص 254، و التفسير الصافي ج 4 ص 17، و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 21، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 308، و تاريخ مدينة دمشق ج 9 ص 325، و البداية و النهاية ج 2 ص 427 و ج 5 ص 107، و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 4 ص 19، و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 374 و ج 4 ص 177، و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 216 و ج 6 ص 346 و ج 9 ص 458، و السيرة الحلبية ج 3 ص 447، و الصحاح للجوهري ج 1 ص 93.
ثم شد عليه فكسره.
ثم أتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال له: «ما اسمك» ؟
قال: غاوي بن عبد العزى.
قال: «أنت راشد بن عبد ربه» .
فأسلم و حسن إسلامه، و شهد الفتح مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «خير قرى عربية خيبر، و خير بني سليم راشد» (1). و عقد له على قومه.
و روى ابن سعد عن رجل من بني سليم من بني الشريد قالوا: وفد رجل منا يقال له: قدد بن عمار على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالمدينة، فأسلم و عاهده على أن يأتيه بألف من قومه على الخيل.
ثم أتى قومه فأخبرهم الخبر، فخرج معه تسعمائة، و خلّف في الحي مائة، فأقبل بهم يريد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فنزل به الموت، فأوصى إلى ثلاثة رهط من قومه: إلى عباس بن مرداس و أمّره على ثلاثمائة، و إلى جبار بن الحكم، و هو الفرار الشريدي و أمّره على ثلاثمائة، و إلى الأخنس بن يزيد و أمّره على ثلاثمائة، و قال: ائتوا هذا الرجل حتى تقضوا العهد الذي في عنقي، ثم مات.
فمضوا حتى قدموا على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «أين الرجل
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 346 و في هامشه: أخرجه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ج 3 ص 141 و ج 9 ص 325، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 308.
الحسن الوجه، الطويل اللسان، الصادق الإيمان» ؟
قالوا: يا رسول اللّه، دعاه اللّه فأجابه، و أخبروه خبره.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «أين تكملة الألف الذي عاهدني عليهم» ؟
قالوا: قد خلّف مائة بالحي مخافة حرب كانت بيننا و بين كنانة.
قال: «ابعثوا إليها، فإنه لا يأتيكم في عامكم هذا شيء تكرهونه» .
فبعثوا إليها، فأتته بالهدة، و هي مائة، عليها المقنع بن مالك بن أمية، فلما سمعوا وئيد الخيل قالوا: يا رسول اللّه، أتينا.
قال: «لا، بل لكم لا عليكم، هذه سليم بن منصور قد جاءت» .
فشهدوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الفتح و حنينا (1).
و نقول:
قد تضمنت النصوص المتقدمة أمورا يمكن أن تكون موضع نقاش من قبل الباحثين، و لكننا نؤثر الإضراب عنها، لأننا لا نجد جدوى كبيرة من صرف الوقت فيها. . و بعضها تقدمت الإشارة منا إليه، و منه موضوع تغيير الأسماء. .
و لذلك فإننا سوف نقتصر منها على ما يلي:
و لسنا بحاجة إلى التذكير بتكسير نفس سادن الصنم للصنم الذي كان في خدمته حين رأى الثعلب يبول عليه، و لم لا يدفع عن نفسه و لا يمنع،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 346 و 347 و في هامشه عن الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 234 و 309.
و ذلك في صحوة وجدانية هيّأت لها الأجواء التي تعيشها المنطقة في ظل تنامي المد الإيماني، المعتمد على قوة المنطق، و المنسجم مع ما يحكم به العقل، و تقضي به الفطرة، و قد تعزّز ذلك بالإنتصارات التي كان يحققها أهل الإيمان على من لجأوا إلى منطق العدوان، و التحدي، بعد أن ظهر عجزهم عن مقارعة الحجة بالحجة، فاختاروا أن يكونوا في موقع المحارب و المعادي للحق، و للصدق، و للقيم الإنسانية و الأخلاقية، و مسلمات العقل الصحيح و السليم.
و لأجل ذلك استحق راشد الوسام النبوي الكريم، الذي أشار إلى أن راشدا خير بني سليم، و لكنهم قد أضافوا إلى النص كلمة لا معنى و لا مبرر لها، و هي قولهم: «خير قرى عربية خيبر» رغم أن خيبرا كانت بيد اليهود، الذين لم يكونوا من العرب.
بل يكفي أن نقول في رد ذلك:
إن أم القرى هي مكة، و لا شك في انها عربية، و انها خير قرية عربية، كما أن المدينة هي من القرى العربية، و هي خير من خيبر أيضا. .
على أننا لا نجد أية مناسبة بين الثناء على راشد، و بين الثناء على خيبر. .
و يستوقفنا تعبير منسوب للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال في الثناء على قدد بن عمّار: «الحسن الوجه، الطويل اللسان» فإن عبارة الطويل اللسان إنما تستعمل في مقام الذم، لإفادة أنه كثير الكلام، أو أنه يتطاول بكلامه على الآخرين. فما معنى أن تجعل من مفردات المدح و الثناء. ؟ !
تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى رهاطا لراشد بن عبد ربه.
و رهاط-بضم الراء-: موضع على ثلاث ليال من مكة.
و قيل: وادي رهاط ببلاد هذيل.
و قال السمهودي: إنه موضع بأرض ينبع اتخذت به هذيل سواعا (1). و هو الصنم الذي ورد اسمه في القرآن.
و السؤال هنا هو: ما هو المبرر لإعطاء شخص واحد هذا العطاء الكبير، و تخصيصه بهذه المساحات الشاسعة، مع أنه كان من الممكن توزيع هذه المساحات على مجموعة من الأفراد الذين يعانون من الحاجة الملحة، و ليكن منهم أصحاب الصفة المعروفون بالفقر، و كان «صلى اللّه عليه و آله» ينفق عليهم بحسب ما يتيسر له.
و إذا كانت هذه الأراضي قد أصبحت تحت اختيار السلطة، فذلك لا يبرر التصرف فيها، لتكريس يسيء إلى سمعة الدين، و يسقط منطق العدل و الدين فيه. من خلال إعطاء تلك الأراضي لفئة صغيرة قد تكون في غنى عنها، بل يجب أن يستفيد منها أكبر عدد من الناس، و خصوصا الفقراء منهم.
و قد حاول البعض أن يجيب: بأن من الجائز: أن تكون بعض هذه
1) وفاء الوفاء ج 4 ص 1225 و راجع: عمدة الأخبار ص 329، و مكاتيب الرسول ج 3 ص 437، و معجم البلدان للحموي ج 3 ص 107.
المناطق الممنوحة لم تكن منحا جديدا، و إنما كان إعطاؤها لهم مجرد تأكيد لملكية سابقة، و هذا الإقطاع معناه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أقرها في يد صاحبها، فقد كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يضمّن كتب الأمان التي يصدرها للأفراد و الجماعات ما يملكون من أراضي. و قد يرد في بعض الحالات اسم زعيم القبيلة أو الوفد وحده على رأس الوثيقة.
و لكن ليس معنى ذلك: أن كل ما يرد في الوثيقة يخص ذلك الزعيم شخصيا، بل إن سائر أفراد القبيلة تكون لهم عين الحقوق المعطاة في الوثيقة المعنية، و ما الزعيم، الذي ورد اسمه إلا الممثل لمصالحهم (1).
غير أننا نقول:
إن هذه الإجابة غير دقيقة، و لا تناسب كثيرا من النصوص الواردة في كتب الإقطاعات، و إذا كان أولئك الناس قد أسلموا طواعية، فإن الشرع يحكم بأن من أسلم على أرض فهي له. فأي داع للتصريح بمالكيتهم لأراضيهم؟ !
على أن هذا لو صح لاقتضى أن تشمل الكتابة بذلك جميع الناس، و أن لا تختص ببعض الناس دون بعض.
و الإجابة الصحيحة على هذا السؤال تحتاج إلى الحديث في جهات عدة، و لو بصورة موجزة و ذلك كما يلي:
1) نشأة الدولة الإسلامية ص 255-256، و مكاتيب الرسول ج 3 ص 533.
إن الإسلام لا يريد أن يرى الفقر يعشعش في داخل المجتمع الإنساني، لأن الفقر ليس فضيلة، كما أن الغنى ليس عيبا، أو نقصا، بل الإسلام يريد أن يرى المجتمع طموحا و فاعلا، و غنيا و قويا. . و متكافلا و متعاونا على البر و التقوى لا على الإثم و العدوان.
فإن كان ثمة من فقير، فلابد أن يكون سبب فقره ظروفا قاهرة، أو إتكالية و كسلا مرفوضا و ممقوتا، أو سوء تصرف، أو غير ذلك.
و لذلك جاءت تشريعات الإسلام حاسمة في معالجة مسألة الفقر، باقتلاعه من جذوره، و قد روي عن أمير المؤمنين «عليه السلام» : الفقر الموت الأكبر (1).
و عن الإمام الصادق «عليه السلام» : كاد الفقر أن يكون كفرا، و كاد الحسد أن يغلب القدر (2).
1) سفينة البحار ج 7 ص 133، و نهج البلاغة ج 4 ص 41، و تحف العقول لابن شعبة الحراني ص 111، و خصائص الأئمة للشريف الرضي ص 108، و روضة الواعظين للنيسابوري ص 454، و مشكاة الأنوار للطبرسي ص 228، و البحار ج 69 ص 45 و ج 75 ص 53، و شرح النهج للمعتزلي ج 18 ص 386، و معارج اليقين في أصول الدين للسبزواري ص 302.
2) سفينة البحار ج 7 ص 131 و 132 و البحار ج 70 ص 246 و ج 110 ص 71، و الكافي ج 2 ص 307، و الأمالي للشيخ الصدوق ص 371، و الخصال ص 12، و الوسائل ج 15 ص 366 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 293، و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 551.
هذا. . و قد قال تعالى على لسان يوسف «عليه السلام» مخاطبا أباه: . . وَ قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ اَلسِّجْنِ وَ جٰاءَ بِكُمْ مِنَ اَلْبَدْوِ. . (1).
ما يعني أن الخروج من حياة البدو كان نعمة عظيمة توازي خروجه من السجن.
و قال تعالى أيضا: يَحْسَبُونَ اَلْأَحْزٰابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَ إِنْ يَأْتِ اَلْأَحْزٰابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بٰادُونَ فِي اَلْأَعْرٰابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبٰائِكُمْ وَ لَوْ كٰانُوا فِيكُمْ مٰا قٰاتَلُوا إِلاّٰ قَلِيلاً (2).
فهو تعالى يذم هؤلاء الناس على أن الأمر قد بلغ بهم حدا فقدوا معه الموازين، و اختلت فيه المعايير لديهم، بسبب حبهم للدنيا و زخارفها، فكانوا يهربون من الجهاد الذي هو من أشرف الأعمال و أعظمها، لما فيه من حماية لحياة المسلمين، و حفظ لعزتهم و دولتهم، و الدفع عن منجزاتهم الحضارية، و يفضلون عليه أحط الخيارات و أرخصها، و أتفهها. ألا و هو أن يكونوا بادين في الأعراب، و لا يكونوا في ساحات الشرف و الجهاد و الكرامة.
و بالرجوع إلى التاريخ نلاحظ: أن الإنسان العربي كان آنئذ يعيش البداوة بأجلى مظاهرها، و ربما لم تكن له علاقة بالأرض، و لا يراوده حنين
إليها إلا بقدر ما تحمله له من ذكريات، مرّة تارة، و حلوة أخرى، و لا شيء أكثر من ذلك. .
و كان همه مصروفا إلى تحصيل لقمة عيشه بطرق سهلة، مثل رعي الإبل و المواشي، و إلا فالسلب و النهب و الغارة، و لو بقيمة إتلاف النفوس، و إزهاق الأرواح. .
فكان من نتائج ذلك: أن قويت عصبية الإنسان العربي للعشيرة، و اشتدت نفرته، و خوفه من كل من عداها. . فكان أن حرم من تعاون بني جنسه معه على حل مشكلات الحياة، و من فرص إرساء أسس لحضارة ذات قيمة. .
و بذلك يكون العرب قد حرموا أنفسهم أيضا من علوم كثيرة كان من الممكن أن تساعدهم على اقتحام مجالات حياتية مهمة و رائعة، فلم يمارسوا شيئا من الصنائع، و لا استخرجوا من كنوز الأرض و معادنها و خيراتها ما يفتح أمامهم أبوابا من المعرفة، تفيدهم في تنويع الإستفادة منها. و لا مارسوا حرفا تفيدهم في تيسير سبل العيش لهم، كما أنهم لم يجدوا أنفسهم ملزمين و لو بالإلمام بشيء من العلوم الإنسانية، على كثرتها و تنوعها و اختلافها.
و غني عن القول: إنه إذا أريد بناء دولة قوية و مجتمع إنساني فاعل، و متماسك، و قادر على إنشاء الحضارات و تحمل المسؤوليات التاريخية فلا بد من توفر العناصر الضرورية لذلك، و منها يتوفر لديه الأمل و الطموح،
و الشعور بالأمن و السلام، ثم التفرغ للتأمل و التفكير، و التعرف على المشكلات و قهر الموانع و تجاوز العقبات، و التخطيط، و استنباط وسائل التغلب عليها بالتسلح بالعلم و المعرفة، ثم السعي للحصول على القدرات اللازمة لذلك كله.
و بديهي: أن يكون ذلك كله مرهونا بالإستقرار المؤدي لإعمار الأرض، من خلال الإرتباط بها، و بذل الجهد في استخراج خيراتها، و معادنها و كل ما فيها، و وضع ثمرات هذا الجهد في التداول، و الإهتمام بتطوير الحياة به و من خلاله. و لا يكون ذلك كله ممكنا إلا بالتعاون و التعاضد، و العمل على إنتاج رؤية سليمة تؤدي إلى تطويع و إخضاع قوانين الطبيعة لإرادة الإنسان، لتكون في خدمته. .
و لا مجال للنجاح في ذلك كله، إلا في ظل الأطروحة الصحيحة، التي تحدد الأهداف القصوى، و تحفظ مسيرة الوصول إليها و سلامتها. و تهيمن على المسار و المسير، و تمنح الثقة بالنجاح و الفلاح، من خلال تضافر الجهود، و استنفار العقول.
و قد كان لا بد من الخروج من حياة البداوة، و العمل على بناء مجتمع مدني قوي و فاعل، و قد عمل الرسول الكريم «صلى اللّه عليه و آله» على تحقيق هذا الغرض النبيل، من خلال إجراءات عديدة و متنوعة، فأوجب على الإنسان نفقات، و حمّله مسؤوليات مالية، ثم حثّه على العمل و اعتبره كالجهاد في سبيل اللّه، و حث على الهجرة من البدو، و على السعي في سبيل
بناء حياة كريمة، و أوجب على كل فرد فرد تحصيل كل علم يحتاج الناس إليه. . و حث على تعلم الحرف و الصناعات و شجع على التجارة و الزراعة و إثارة الأرض و عمارتها، ثم إنه من جهة أخرى ذم الكسل و التواكل، و منع من أكل المال بالباطل، و من الظلم و الحيف، و اغتصاب الأموال، و التعدي على أراضي الغير، و لو بمقدار شبر واحد، و منعه من الربا و القمار، و الإحتكار. . و. . و. . ثم كانت سياسة إقطاع الأراضي كما سنرى. .
و مما يشير إلى اهتمام الإسلام بالحرف، و بإحياء الأرض، و بالإعمار و غير ذلك ما روي من أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان إذا نظر إلى الرجل فأعجبه قال: هل له حرفة؟ ! فإن قالوا: لا.
قال: سقط من عيني (1). .
و في مجال الزراعة روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أوصى عليا «عليه السلام» عند وفاته بقوله: «يا علي، لا يظلم الفلاحون بحضرتك» (2).
1) البحار ج 100 ص 9 و في هامشه عن جامع الأخبار (ط الحيدرية النجف الأشرف) ص 139، و مكاتيب الرسول ج 3 ص 537، و الفايق في غريب الحديث للزمخشري ج 1 ص 240، و ميزان الاعتدال للذهبي ج 1 ص 230، و غريب الحديث لابن قتيبة ج 1 ص 321، و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 1 ص 370، و معارج اليقين في أصول الدين للسبزواري ص 390.
2) راجع: الكافي ج 5 ص 284 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 154 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 19 ص 63 و (ط دار الإسلامية) ج 13 ص 216 و جامع أحاديث الشيعة ج 18 ص 460 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 540 و الخراجيات للمحقق الكركي ص 90 و رسائل الكركي ج 1 ص 284.
و قال «صلى اللّه عليه و آله» : إن اللّه أهبط آدم إلى الأرض، و أمره أن يحرث بيده ليأكل من كدّه (1).
و قد حث أمير المؤمنين «عليه السلام» في وصيته للإمام الحسن «عليه السلام» على أن لا يقلع شجرة حتى يغرس عوضا عنها و دية، حتى تشكل أرضها غراسا (2). أي لا تمتاز الأرض عن الشجر.
و عنه «عليه السلام» : من وجد ماء و ترابا ثم افتقر فأبعده اللّه (3).
و قال «عليه السلام» في عهده للأشتر: ليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة. و من
1) راجع: الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 6 ص 382 و ج 19 ص 36 و (ط دار الإسلامية) ج 4 ص 981 و ج 13 ص 196 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 540 و مستدرك الوسائل ج 4 ص 475 و ج 13 ص 24 و 462 و البحار ج 11 ص 211 و 212 و جامع أحاديث الشيعة ج 5 ص 235 و ج 17 ص 130 و ج 18 ص 434 و 435 و تفسير العياشي ج 1 ص 40 و قصص الأنبياء للراوندي ص 53 و منازل الآخرة للقمي ص 41.
2) راجع: نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 3 ص 22 و مستدرك الوسائل ج 14 ص 57 و البحار ج 42 ص 255 و ج 100 ص 184 و جامع أحاديث الشيعة ج 19 ص 103 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 147 و النهاية لابن الأثير ج 2 ص 496 و لسان العرب ج 11 ص 357.
3) قرب الإسناد ص 115 و جامع أحاديث الشيعة ج 17 ص 134 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ للريشهري ج 4 ص 28 و 172 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 17 ص 41 و (ط دار الإسلامية) ج 12 ص 24 و البحار ج 100 ص 65.
طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد، و لم يستقم أمره إلا قليلا (1).
و قال الواسطي: سألت جعفر بن محمد «عليه السلام» عن الفلاحين، فقال: هم الزارعون كنوز اللّه. و ما في الأعمال شيء أحب إلى اللّه من الزراعة. و ما بعث اللّه نبيا إلا زارعا إلا إدريس «عليه السلام» ، فإنه كان خياطا (2).
و قد علّم اللّه تعالى نبيه داوود «عليه السلام» صناعة الدروع، و ألان له الحديد. . كما صرح به القرآن الكريم.
و من المفردات المفيدة جدا في هذا المجال هو: إقطاع الأراضي، فإن إقطاع الأراضي لشخص ما، معناه: أن تصبح تلك الأرض تحت اختياره، و منع الآخرين من مزاحمته أو الحد من فاعليته فيها، فيستفيد من هذه الفرصة التي منحت له ليعمل على إحياء تلك الأرض إما بالزراعة، أو بالإستفادة منها في أي مجال إنتاجي تجاري، أو صناعي، أو تعليمي، أو
1) راجع: نهج البلاغة و قد ذكرنا شطرا من مصادر هذا العهد في كتابنا دراسات و بحوث في التاريخ و الإسلام، و مستدرك الوسائل ج 13 ص 166، و البحار ج 33 ص 606، و جامع أحاديث الشيعة ج 17 ص 336، و شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 17 ص 71.
2) البحار ج 100 ص 171 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 17 ص 42 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 12 ص 25 و راجع: مستدرك الوسائل ج 13 ص 459 و (ط مؤسسة آل البيت) ص 26 و 461.
تربوي، أو غيره. . و استخراج خيراتها، و معادنها، و تطويرها. . و رفد السوق بها، و وضعها في دائرة التداول، لينعش الحالة الإقتصادية، من حيث إنه يضخ في عروق اقتصاد المجتمع دما جديدا، و يزيده قوة و صلابة، و يحفزه لمواصلة نموه، و يمكّن من ثمّ من تهيئة الظروف و القدرات للتحرك نحو مراحل و مستويات حياتية أعلى و أرقى، و أرحب و أوسع، لها طبيعتها و وسائلها، و حاجاتها، و لا بد من مواجهة مسؤولياتها، و حل مشاكلها.
إن من الطبيعي أن يستفيد ذلك الذي وضعت الأرض بتصرفه، من طاقات الآخرين لإنجاز مهمة الإحياء، و إيصالها إلى أهدافها، لكي تؤتي ثمارها في ظل نظام قائم على العدل، يضع الأمور في نصابها، و يعطي كل ذي حق حقه. .
و هذا يقتضي وضع ضوابط و معايير ترتكز إلى منظومة من المثل و القيم تحدد طبيعة العلاقة، و تحكم طريقة التعامل، و ربما يحتاج ذلك إلى رصد ميزات نفسية و أخلاقية معينة تفرضها صحة و سلامة هذا التعامل الممتد عبر الأعصار و الأزمان.
و بذلك يصبح إقطاع الأراضي الموات بهدف إحيائها، و إنعاش الحالة الإقتصادية، و إيجاد فرص عمل لفئات من الناس، ثم دفع المجتمع ليتعلق بأرضه، و يستخرج خيراتها، و ليعيش حالة السلام و الأمن-يصبح- ضرورة لا بد منها، و لا غنى عنها لبناء المجتمع الإنساني و بناء الدولة، ثم إرساء قواعد الحضارة القائمة على أساس صحيح و متين من القيم الإنسانية
و الإلهية، ليمكن الإنطلاق بالمجتمع الإنساني إلى آفاق السلام و السلامة، لينعم بالعيش الرغيد و السعيد. .
ثم إن هذه الإقطاعات التي حصلت في زمن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد كانت في الأكثر لأناس يحتاجون إليها، و ليسوا من الأغنياء، إلا في موارد نادرة جدا، أريد بها تأليف بعض الناس، و كف أذاهم، مع عدم الإضرار أو الإجحاف في حق أي كان. و يظهر هذا الأمر من مراجعة قائمة الذين أقطعهم الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، ممن وصلت أسماؤهم إلينا. .
و مما يشير إلى أن إقطاع هؤلاء كان من موجبات القوة، و لم الشعث، و إنعاش الإقتصاد بصورة أو بأخرى، و من دون حيف و إجحاف أننا لم نجد أحدا شكى، أو تساءل عن أي أمر له علاقة بهذا الموضوع، أو أبدى أية ملاحظة حول الأشخاص الذين أقطعهم «صلى اللّه عليه و آله» . مع أن بعض الأنصار اعترضوا على إعطاء غنائم حنين للمؤلفة قلوبهم، حتى أوضح لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما أزال موجبات الإعتراض من نفوسهم. .
هذا. . و قد يكون الفقير أو الغني أحيانا لا يريد أو غير قادر على الإحياء، فيصبح إعطاؤه الأرض لكي يحييها بلا مبرر، و لا يقدم عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن المهم هو: إحياء الأرض بيد من يقدر على إحيائها، وفقا لأحكام الشرع. .
و ليس المقصود: مجرد تمليك الأراضي للناس، و ينتهي الأمر عند هذا. .
و قد ذم الإسلام الكسالى، و الإتكاليين، الذين يريدون أن يعيشوا كلاّ على الناس، و أعلن عن شديد مقته لهم، و لم يرض لهم بمدّ يد العون، و عليه فلا حق لهم لكي تصح المطالبة به، لأنهم هم الذين جنوا على أنفسهم. .
إن الأراضي التي كان «صلى اللّه عليه و آله» يقطعها على أقسام هي:
ألف: أراض موات هي للّه و لرسوله، و قد جعلها اللّه و رسوله لمن أحياها وفقا لقوله «صلى اللّه عليه و آله» : «من غرس شجرا، أو حفر واديا بديا، لم يسبقه إليه أحد، أو أحيا أرضا ميتة فهي له، قضاء من اللّه و رسوله» (1).
و ثمة أحاديث أخرى أيضا تشير إلى ذلك، فلتراجع في مظانها (2).
1) راجع: الكافي ج 5 ص 280، و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 151 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 17 ص 328 و الإستبصار ج 3 ص 107 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 151 و المقنع ص 132، و المقنع للصدوق ص 393، و النهاية للطوسي ص 421، و السرائر لابن إدريس الحلي ج 2 ص 378، و الجامع للشرايع لابن سعيد الحلي ص 374، و تذكرة الفقهاء (ط. ق) للعلامة الحلي ج 2 ص 400، و منتهى المطلب (ط. ق) للعلامة الحلي ج 2 ص 1024، و رسائل الكركي ج 2 ص 203، و السراج الوهاج للفاضل القطيفي ص 74.
2) راجع: الكافي ج 5 ص 279 و الوسائل (ط دار الإسلامية) ج 17 ص 326 و الإستبصار ج 3 ص 108 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 152 و ترتيب مسند الشافعي ج 2 ص 133 و الأم للشافعي ج 3 ص 264 و 268 و كنز العمال ج 3 ص 512 و 513 و 516 و 517 و الأموال لأبي عبيد ص 386 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 142 و 143 و إرشاد الساري ج 4 ص 184 و الخراج للقرشي ص 82 و 84 و مستدرك الوسائل ج 2 ص 149 و شرح الموطأ للزرقاني ج 4 ص 424 و 425 و مجمع الزوائد ج 4 ص 157 و نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 290 و جامع أحاديث الشيعة و غير ذلك.
ب: الأنفال: و هي الزيادات، و تكون في الأموال، مثل الديار الخالية، و القرى البائدة، و تركة من لا وارث له، و تكون في الأرضين أيضا. و هي على ما ذكره الفقهاء، و دلت عليه الأحاديث، تشمل الأرض المحياة التي تملك من الكفار من غير قتال، سواء انجلى عنها أهلها، أو سلموها للمسلمين طوعا.
و تشمل الأرض الموات عرفا، سواء أكانت معمورة، ثم انجلى عنها أهلها، أو لم يجر عليها ملك، كالمغاور، و سيف البحار، و رؤوس الجبال، و بطون الأودية (1). .
ج: الفيء: هو ما يرجع أو يرد من أموال الكفار و أراضيهم إلى مالكه الأصلي من دون إيجاف خيل و لا ركاب.
و الفيء للّه و لرسوله، و ليس لأحد فيه حق. و للرسول أن يملّك منه ما شاء لمن شاء. .
و هناك كلام في تداخل هذين القسمين الأخيرين، فإن ما سلموه للمسلمين طوعا هو الفيء، و قد تقدم: أنه قسم من الأنفال أيضا. و لسنا بصدد البحث و المناقشة في ذلك.
إن الإقطاعات التي كانت من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما
1) راجع: مصباح الفقاهة، كتاب الخمس، و مسالك الأفهام للشهيد الثاني ج 3 شرح ص 58.
كانت من هذه الأقسام المتقدمة، و لم يكن ليقطع أحدا من مال حاضر النفع، ظاهر العين، لأن هذا لا مجال لإقطاعه، إلا على سبيل التأليف على الإسلام، و هذا إنما كان بالنسبة لأفراد قليلين جدا أكثرهم من أهل مكة، و كان الهدف إنهاء شغبهم على الدين و أهله، و إبعاد أذاهم، و لم تكن الإقطاعات في أكثرها تدخل في هذا السياق. .
و قد يسجل على هذه الإجابة إعتراضات:
الأول: قد ورد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين ورد المدينة أقطع الناس الدور.
و هذا معناه: أنه قد أقطع من مال ظاهر العين، حاضر النفع.
و الجواب: أنه إنما أقطعهم مساحات من الأرض، ليبنوا عليها دورهم (1)، و ذلك بعد أن وهبت الأنصار كل فضل كان في خططها (2).
و قد ذكر ياقوت الحموي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقطع أصحابه هذه القطائع فما كان في عفا الأرض فإنه أقطعهم إياه، و ما كان في الخطط المسكونة العامرة فإن الأنصار وهبوه له، فكان يقطع من ذلك (3).
و قال الحلبي الشافعي: «خط للمهاجرين في كل أرض ليست لأحد،
و فيما وهبته الأنصار من خططها» (1).
الثاني: قد يعترض على ذلك أيضا بما ورد من أنه «صلى اللّه عليه و آله» أقطع أرضا ذات نخل و شجر (2).
و هذا معناه: أنه كان يقطع الناس من مال حاضر النفع ظاهر العين.
و الجواب:
أولا: قال ياقوت: أقطع الزبير بن العوام بقيعا واسعا (3).
و البقيع: هو الموضع الذي فيه أروم الشجر، يعني أصوله من ضروب شتى (4). و هذا يشير إلى أنها كانت أرضا متروكة، حتى لم يبق من النخيل إلا أصوله.
1) عن السيرة الحلبية ج 2 ص 94.
2) راجع: الأموال ص 394 و مكاتيب الرسول ج 1 ص 329 عن: فتوح البلدان ص 31 و البخاري ج 4 ص 116 في فرض الخمس، باب ما يعطي النبي المؤلفة قلوبهم، و مسند أحمد ج 6 ص 347 و فتح الباري ج 6 ص 181 و الخراج لأبي يوسف ص 66 و النهاية لابن الأثير في مادة: قطع. و راجع أصول مالكيت ج 2 ص 111 و المصنف لابن أبي شيبة ج 12 ص 354 و صحيح البخاري ج 4 ص 116 و صحيح مسلم ج 4 ص 1716 و القواعد للشهيد ج 1 ص 349 و حياة الصحابة ج 2 ص 691 و راجع: ترتيب مسند الشافعي ج 2 ص 133 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 1386 و الطبقات الكبرى ج 3 ق 2 ص 72 انتهى.
3) معجم البلدان ج 5 ص 86 و الطبقات الكبرى (ط ليدن) ج 3 ق 1 ص 72.
4) وفاء الوفاء ج 4 ص 1154، و معجم البلدان للحموي ج 1 ص 473، و راجع: مجمع البحرين للطريحي ج 3 هامش ص 308، و المناقب للخوارزمي هامش ص 89، و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 1 هامش ص 366، و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 7.
ثانيا: عن ابن سيرين قال: أقطع رسول اللّه رجلا من الأنصار يقال له: سليط، فانطلق إلى رسول اللّه فقال: يا رسول اللّه، إن هذه الأرض التي أقطعتنيها شغلتني عنك، فاقبلها مني، فلا حاجة لي في شيء يشغلني عنك.
فقبلها النبي «صلى اللّه عليه و آله» منه، فقال الزبير: يا رسول اللّه، اقطعنيها.
قال: فأقطعها أياه (1)، فهو قد اشتغل في إحيائها، و اهتم بها حتى أشغلته عنه، ثم انصرف عنها، و استقال منها، فأعطاها «صلى اللّه عليه و آله» لغيره.
ثالثا: إن ذلك يفسر لنا قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى بني عقيل العقيق ما أقاموا الصلاة، و آتوا الزكاة، و سمعوا و أطاعوا (2).
و العقيق: موضع فيه قرى و نخل كثير (3).
فإن من الجائز أن يكون المقصود بالنخل هو: أصولها، أو أنها مما تركه أهله، لم يكن لها من يهتم بها.
1) راجع: الأموال لابن زنجويه ج 2 ص 613 و 614 و راجع ص 627 و الأموال لأبي عبيد ص 394.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 384 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 503 عن: الطبقات الكبرى ج 1 ص 302 و في (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 45 و البداية و النهاية ج 5 ص 90 و رسالات نبوية ص 148 و نشأة الدولة الإسلامية ص 365 و مدينة البلاغة ج 2 ص 294 و الإصابة ج 3 ص 423 في ترجمة مطرف بن عبد اللّه بن الأعلم. و الوثائق السياسية ص 312 و 216 عن الطبقات، و رسالات نبوية، و قال: قابل معجم البلدان مادة عقيق، و انظر اشپرنكر ج 3 ص 513.
3) مكاتيب الرسول ج 3 ص 503 عن معجم البلدان، و معجم البلدان ج 4 ص 139.
و ربما يكون بنو عقيل هم الأقرب إليها، أو الأقدر على إحيائها من غيرهم.
إنه لا شك في أن الأرض التي كان يقطعها النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن فيها أي حق لأحد من المسلمين، و قد صرح بهذا الأمر في الكتاب الذي كتبه لبلال بن الحارث بالأرض التي أقطعه إياها، حيث قال: «و لم يعطه حقّ مسلم» (1).
و كذا في كتابه «صلى اللّه عليه و آله» لبني عقيل (2).
1) المبسوط للشيخ الطوسي ج 3 ص 274 و نيل الأوطار ج 4 ص 309 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 145 و 151 و رسالات نبوية ص 101 و 102 و مسند أحمد ج 2 ص 306 و سنن أبي داود ج 3 ص 174 و الأحكام السلطانية ج 2 ص 198 و النهاية في اللغة، مادة قدس، و السرائر لابن إدريس الحلي ج 1 ص 479، و المجموع لمحيى الدين النووي ج 15 ص 232، و نيل الأوطار للشوكاني ج 6 ص 54، و مسند احمد ج 1 ص 306، و سنن أبي داود ج 2 ص 47، و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 145، و أمالي المحاملي ص 322، و التمهيد لابن عبد البر ج 3 ص 237، و تفسير القرطبي ج 3 ص 325، و تاريخ مدينة دمشق ج 10 ص 425، و إمتاع الأسماع ج 9 ص 359، و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 4 ص 24.
2) راجع: مكاتيب الرسول ج 3 ص 503 عن المصادر التالية: الطبقات الكبرى ج 1 ص 302 و (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 45 و البداية و النهاية ج 5 ص 90 و رسالات نبوية ص 148 و نشأة الدولة الإسلامية ص 365 و مدينة البلاغة ج 2 ص 294 و الإصابة ج 3 ص 423 في ترجمة مطرف بن عبد اللّه بن الأعلم. و الوثائق السياسية 312/216 عن الطبقات، و رسالات نبوية، و قال: قابل معجم البلدان مادة عقيق و انظر اشپرنكر ج 3 ص 513. أقول: الذي نجده في المعجم ذكره عقيق اليمامة، و هو عقيق بني عقيل قال: فيه قرى و نخل كثير، و يقال له: عقيق تمرة، و لم يذكر الإقطاع و الكتاب و راجع البداية و النهاية ج 5 ص 90.
و قدم وفد عبد قيس-و هي قبيلة، تسكن البحرين و ما والاها من أطراف العراق (1)-إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» سنة تسع (2).
و رووا (3): أنه بينما رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحدث أصحابه إذ قال لهم: «سيطلع عليكم من ها هنا ركب هم خير أهل المشرق» .
فقام عمر، فتوجه نحوهم، فلقي ثلاثة عشر راكبا، فقال: «من القوم» ؟
فقالوا: من بني عبد القيس.
قال: «فما أقدمكم، التجارة» ؟
1) المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 133.
2) المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 137.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 367 عن أبي يعلى، و الطبراني، و البيهقي، و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 ص 327 و انظر البداية و النهاية ج 5 ص 47، و فتح الباري ج 1 ص 121، و الآحاد و المثاني للضحاك ج 3 ص 314، و المعجم الكبير للطبراني ج 20 ص 345، و تهذيب الكمال ج 13 ص 354، و البداية و النهاية ج 5 ص 57، و إمتاع الأسماع ج 14 ص 55، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 90، و السيرة الحلبية ج 3 ص 251.
قالوا: لا.
قال: أما إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ذكركم آنفا فقال خيرا.
ثم مشوا معه حتى أتوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الذي تريدون، فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم، فمنهم من مشى، و منهم من هرول، و منهم من سعى حتى أتوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فابتدره القوم، و لم يلبسوا إلا ثياب سفرهم، فأخذوا بيده فقبلوها، و تخلف الأشجّ، و هو أصغر القوم في الركاب حتى أناخها، و جمع متاع القوم، و ذلك بعين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و في حديث الزارع بن عامر العبدي عند البيهقي: فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبّل يد رسول اللّه و رجله، و انتظر المنذر الأشج حتى أتى عيبته فلبس ثوبيه.
و في حديث عند الإمام أحمد: فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقبّلها، و كان رجلا دميما، فلما نظر «صلى اللّه عليه و آله» إلى دمامته قال: يا رسول اللّه، إنه لا يستقى في مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه: لسانه و قلبه.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن فيك خصلتين يحبهما اللّه و رسوله: الحلم و الأناة» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 367 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 140، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 314.
قال: يا رسول اللّه، أنا أتخلق بهما، أم اللّه جبلني عليهما؟
قال: «بل اللّه تعالى جبلك عليهما» .
قال: الحمد للّه الذي جبلني على خلّتين يحبهما اللّه تعالى و رسوله (1).
قال: «يا معشر عبد القيس ما لي أرى وجوهكم قد تغيرت» ؟
قالوا: يا نبي اللّه، نحن بأرض و خمة، و كنا نتخذ من هذه الأنبذة ما يقطع من بطونها، فلما نهيتنا عن الظروف، فذلك الذي ترى في وجوهنا (2).
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن الظروف لا تحلّ و لا تحرم، و لكن كل مسكر حرام، و ليس أن تجلسوا فتشربوا، حتى إذا ثملت العروق تفاخرتم، فوثب الرجل على ابن عمه بالسيف فتركه أعرج» .
قال: و هو يومئذ في القوم الأعرج الذي أصابه ذلك.
و أقبل القوم على تمرات لهم يأكلونها، فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يسمي لهم هذا كذا و هذا كذا.
قالوا: أجل يا رسول اللّه، ما نحن بأعلم بأسمائها منك. و قالوا لرجل منهم: أطعمنا من بقية الذي بقي في نوطك، فقام و جاءه بالبرني.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هذا البرني أمسى من خير
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 367 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 140، و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 314.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 367 و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 141، و مجمع الزوائد للهيثمي ج 5 ص 64، و فتح الباري ج 10 ص 51، و مسند أبي يعلى ج 12 ص 244، و صحيح ابن حبان ج 16 ص 179.
ثمراتكم» (1).
و روى ابن سعد (2)عن عروة بن الزبير قال: و حدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قالا: كتب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أهل البحرين أن يقدم عليه عشرون رجلا منهم، فقدم عليه عشرون رجلا رأسهم عبد اللّه بن عوف الأشج، و فيهم الجارود، و منقذ بن حيان، و هو ابن أخت الأشج، و كان قدومهم عام الفتح، فقيل: يا رسول اللّه، هؤلاء وفد عبد القيس.
قال: «مرحبا بهم، نعم القوم عبد القيس» .
قال: و نظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الأفق صبيحة ليلة قدموا و قال: «ليأتين ركب من المشرق، لم يكرهوا على الإسلام، قد أنضوا الركاب، و أفنوا الزاد، بصاحبهم علامة، اللهم اغفر لعبد القيس، أتوني لا يسألوني مالا، هم خير أهل المشرق» .
قال: فجاؤوا عشرين رجلا و رأسهم عبد اللّه بن عوف الأشج، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسجد، فسلموا عليه، و سألهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أيكم عبد اللّه الأشج» ؟
فقال: أنا يا رسول اللّه، و كان رجلا دميما.
فنظر إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «إنه لا يستقى في
مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه: لسانه و قلبه» . و ذكر نحو ما سبق.
و عن الزارع بن عامر أنه قال: يا رسول اللّه، إن معي رجلا خالا لي، مصابا فادع اللّه تعالى له.
فقال: «أين هو؟ ائتني به» .
قال: فصنعت مثل ما صنع الأشج، ألبسته ثوبيه و أتيته به، فأخذ طائفة من ردائه، فرفعها حتى بان بياض إبطه، ثم ضرب ظهره و قال: «أخرج عدو اللّه» .
فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الأول، ثم أقعده بين يديه فدعا له، و شج وجهه، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفضل عليه.
و روى الشيخان (1)عن ابن عباس قال: قدم وفد عبد القيس على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «من القوم» ؟
قالوا: من ربيعة.
قال: «مرحبا بالقوم غير خزايا و لا ندامى» .
فقالوا: يا رسول اللّه، إنّا نأتيك من شقة بعيدة، و إنه يحول بيننا و بينك
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 368 و قال في هامشه: أخرجه البخاري (7266) و مسلم ج 1 ص 47(24-17) . و راجع: المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 134 و 135 و 136، و مجلة تراثنا لمؤسسة آل البيت ج 53 ص 119 نقلا عن صحيح البخاري، كتاب العلم ج 1 ص 32، الجامع لأخلاق الراوي و السامع ص 71.
هذا الحي من كفار مضر، و إنّا لا نصل إليك إلا في شهر حرام.
فمرنا بأمر فصل، إن عملنا به دخلنا الجنة.
قال: «آمركم بأربع، و أنهاكم عن أربع» .
قال: أمرهم بالإيمان باللّه وحده و قال: «هل تدرون ما الايمان باللّه» ؟
(قالوا: «اللّه و رسوله أعلم» .
قال:) «شهادة ألا إله إلا اللّه، و أن محمدا رسول اللّه، و إقام الصلاة، و إيتاء الزكاة، و صوم رمضان، و أن تعطوا الخمس من المغنم.
و أنهاكم عن أربع: عن الدباء، و الحنتم، و المزفت، و النقير-و ربما قال المقير-فاحفظوهن، و ادعوا إليهن من وراءكم» .
قالوا: يا نبي اللّه، ما علمك بالنقير؟
قال: «بلى، جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعاء» -أو قال: «من التمر-ثم تصبون فيه من الماء، حتى إذا سكن غليانه شربتموه، حتى إن أحدكم ليضرب ابن عمه بالسيف» .
قال: و في القوم رجل أصابته جراحة كذلك.
قال: و كنت أخبأها حياء من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
قالوا: ففيم نشرب يا رسول اللّه؟
قال: «في أسقية الأدم التي يلاث على أفواهها» .
فقالوا: يا رسول اللّه، إن أرضنا كثيرة الجرذان، و لا تبقى بها أسقية الأدم.
(فقال نبي اللّه «صلى اللّه عليه و آله»): «و إن أكلتها الجرذان» ، مرتين أو ثلاثا.
ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأشج عبد القيس: «إن فيك
لخصلتين يحبهما اللّه و رسوله: الحلم و الأناة» (1).
و عن شهاب بن عباد (2): أنه سمع بعض وفد عبد القيس يقول: قال
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 368 و 369 عن البيهقي، و مكاتيب الرسول ج 3 ص 200 عن المصادر التالية: البخاري ج 1 ص 139 و ألفاظ النصوص مختلفة و في بعضها بعد ذكر الشهادتين: عقد بيده واحدة، و في بعضها كالبخاري ج 5 ص 213 و ج 1 ص 21 و 32 و صحيح مسلم ج 1 ص 46-69 بأسانيد متعددة في روايتين، و مسند أحمد ج 1 ص 228 و سنن أبي داود ج 4 ص 219 و السنن الكبرى ج 6 ص 294 و كنز العمال ج 1 ص 19 و 20 و تأريخ المدينة لابن شبة ج 1 ص 104 و السيرة الحلبية ج 3 ص 251 و السيرة النبوية لدحلان (بهامش الحلبية) ج 3 ص 16 و البداية و النهاية ج 5 ص 46 و زاد المعاد ج 3 ص 29 و في (ط أخرى) ص 35 زاد ذكر الصوم، و زاد في مسند أحمد ج 1 ص 361: «و أن تحجوا البيت» ، و أسقط بعضها ذكر الصوم و الحج كالبخاري ج 1 ص 139 و ج 2 ص 131 و صحيح مسلم في باقي الروايات، و سنن أبي داود ج 3 ص 330 و الأموال لأبي عبيد ص 20 و الأموال لابن زنجويه ج 1 ص 104. و راجع أيضا: الروض الأنف ج 4 ص 221 و فتح الباري ج 1 ص 120 و 166 و ج 2 ص 136 و ج 3 ص 212 و ج 8 ص 67 و عمدة القاري ج 5 ص 6 و ج 8 ص 263 و ج 18 ص 20 و موارد الظمآن ص 337. كما أن بعض المصادر أسقط هذا الحديث و لم ينقله كالطبقات الكبرى ج 1 ص 314 و في (ط أخرى) ج 1 ق 2 ص 54 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 242 و في (ط أخرى) ص 222. و راجع أيضا: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 4 ص 13 و موارد الظمآن ج 4 ص 367.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 369 و قال في هامشه: أخرجه أحمد في المسند ج 4 ص 207 و ذكره البيهقي في الكنز (13252) .
الأشج: يا رسول اللّه، إن أرضنا ثقيلة وخمة و إنّا إذا لم نشرب هذه الأشربة هيجت ألواننا، و عظمت بطوننا، فرخّص لنا في هذه. و أومأ بكفيه.
فقال: «يا أشج، إني إن رخصت لك في مثل هذه» -و قال بكفيه هكذا- «شربته في مثل هذه» -و فرّج يديه و بسطهما. يعني أعظم منها- «حتى إذا ثمل أحدكم من شرابه قام إلى ابن عمه فهزر ساقه بالسيف» .
و كان في القوم رجل يقال له: الحارث قد هزرت ساقه في شراب لهم، في بيت من الشعر تمثل به في امرأة منهم، فقال الحارث: لما سمعتها من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جعلت أسدل ثوبي فأغطي الضربة بساقي، و قد أبداها اللّه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» .
و عن أنس: أن وفد عبد القيس من أهل هجر قدموا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فبينما هم عنده إذ أقبل عليهم، فقال: «لكم تمرة تدعونها كذا، و تمرة تدعونها كذا» . حتى عد ألوان تمرهم أجمع.
فقال له رجل من القوم: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، لو كنت ولدت في هجر ما كنت بأعلم منك الساعة، أشهد أنك رسول اللّه.
فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «إن أرضكم رفعت لي منذ قعدتم إليّ، فنظرت من أدناها إلى أقصاها، فخير تمركم البرني الذي يذهب بالداء و لا داء معه» (1).
عن ابن عباس (2)قال: «إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول
اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مسجد عبد القيس بجواثى من البحرين» .
و عن أم سلمة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخّر الركعتين بعد الظهر بسبب اشتغاله بوفد عبد القيس حتى صلاهما بعد الظهر في بيتها.
و عن ابن عباس و أبي هريرة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «خير أهل المشرق عبد القيس» (1).
و عن نوح بن مخلد: أنه أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو بمكة فسأله: «ممن أنت» ؟
فقال: أنا من بني ضبيعة بن ربيعة.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «خير ربيعة عبد القيس، ثم الحي الذي أنت منهم» . رواه الطبراني.
و عن ابن عباس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «أنا حجيج من ظلم عبد القيس» (2).
و نقول:
قد تضمنت النصوص المتقدمة أمورا عديدة تحتاج إلى شيء من التصحيح أو التوضيح. و فيما يلي بعض من ذلك:
ذكرت الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» وصف عبد القيس بأنهم خير أهل المشرق. و أنه «صلى اللّه عليه و آله» حجيج من ظلم عبد القيس، و أن عبد القيس خير ربيعة. .
و نحن لا نستطيع أن نؤكد أو ننفي صحة هذه الروايات، غير أننا نقول:
1-لو صحت هذه الروايات، فقد يكون المقصود بها هم خصوص الذين كانوا موجودين في تلك البرهة من الزمان. و لا شيء يؤكد لنا شمولها لمن بعدهم.
2-إن روايات فضائل القبائل، و البلدان، و كذلك روايات ذمها كانت موضوع أخذ و ردّ، و ربما يكون الكثير منها موضوعا، كما أظهرت الدراسات في بعض مواردها.
3-لعل المقصود بخيريّتهم هو حسن نظرتهم للأمور، و صحة معالجتهم لها، و لا يتصرفون بانفعال و طيش و رعونة. و لأجل ذلك فإن مواقفهم تكون أقرب إلى الإتزان من مواقف غيرهم.
4-إن خيريتهم و تقدمهم على غيرهم نسبية، فإذا كانت هناك نسبة من الخير في أهل المشرق فإنها تكون في عبد القيس أكثر من غيرهم. .
لعل ما يشهد لصحة تفكير عبد القيس، و اتزانهم في مواقفهم، هو: أنهم-كما ذكر العلامة الأحمدي-صاروا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و نصروه في حروبه. و لسراتهم يد بيضاء في نصرة ولي اللّه
تعالى، لا سيما أبناء صوحان: صعصعة، و زيد، و سيحان، و عمرو بن المرجوم و. . (1).
و قد اشتهر بنو عبد القيس بالخطابة و الشعر، و الفصاحة (2).
و يبدو أنهم كانوا على درجة عالية من الثقافة أيضا، فقد قيل: إن صحار بن العباس العبدي له كتاب: «الأمثال» (3).
و يستوقفنا هنا قول عمر للوفد حين وصلوا معه إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» : هذا صاحبكم الذي تريدون. . فإنه ليس مما يليق، و لا مما ينبغي. . بل هو قد يستبطن إساءة و إهانة يستحق معها القتل عند خالد بن الوليد فقط، فإن خالدا كان يعتذر عن قتل مالك بأنه كان يقول، و هو يراجع الكلام: ما أخال صاحبكم إلا قال (4).
1) مكاتيب الرسول ج 3 ص 203 عن الغارات للثقفي، و صفين للمنقري، و البحار ج 32 في حربي الجمل و صفين، و الإصابة (ترجمة صحار) ج3 ص 51.
2) مكاتيب الرسول ج 3 ص 203 و الاصابة (ترجمة صحار) ج 2 ص 177 و المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 8 ص 82 و 781 و ج 9 ص 238 و 430 و 655 و 729 و 784.
3) مكاتيب الرسول ج 3 ص 203 عن الفهرست لابن النديم ص 132 و عن المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج 4 ص 328 و 327.
4) البحار ج 30 ص 491 و في هامشه عن: تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 279 و عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 359، و الاحتجاج للطبرسي ج 1 هامش ص 125، و الغدير ج 7 ص 164، و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 214، و أسد الغابة ج 4 ص 296، و الإصابة ج 5 ص 561، و الكامل في التاريخ ج 2 ص 359، و إمتاع الأسماع ج 14 ص 240.
و قد حكى القاضي عبد الجبار عن أبي علي الجبائي: أن خالدا قد قتل مالكا لأنه أوهم بقوله ذلك: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليس صاحبا له (1).
و نقول:
لو كان هذا هو ما جرى لكان خالد اعتذر به لأبي بكر، و لكان تأول فأصاب، لأن مالكا يكون بذلك مرتدا، يجب قتله، فما معنى أن يقول أبو بكر لعمر: إن خالدا تأول فأخطأ؟ ! (2).
و الذي يظهر لنا هو: أنه قصد بقوله: «صاحبك» أبا بكر و ليس النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ففهم خالد أن مالكا لا يرى أبا بكر صاحبا له.
و هذا معناه: أنه ينكر خلافته.
و يشير إلى ذلك: أن خالدا قال لمالك: إني قاتلك.
قال مالك: أو بذلك أمرك صاحبك-يعني أبا بكر-.
قال: و اللّه لأقتلنك. و كان ابن عمر، و أبو قتادة حاضرين، فكلما خالدا
الخ. . (1).
ثم تذكر الرواية: أن مالكا طلب من خالد أن يرسله إلى أبي بكر ليحكم في أمره، فرفض و قتله، فلو كان قد ظهر من مالك ما فيه إساءة للرسول «صلى اللّه عليه و آله» لم يتوسط له ابن عمر، و أبو قتادة الخ. .
و سواء أكان مالك قد قصد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو قصد أبا بكر، فإن جرأة عمر قد كانت بحق النبي «صلى اللّه عليه و آله» دون سواه، فلماذا جرّت باء خالد و لم تجرّ باء غيره؟ !
و قد ذكرت الروايات المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» صار يعد للوفد أنواع التمر، حتى عد ألوان تمرهم أجمع، حتى قالوا له: ما نحن بأعلم بأسمائها منك.
و قال بعضهم: لو كنت ولدت بهجر ما كنت بأعلم منك الساعة.
و نستفيد من ذلك:
1-عدم صحة ما تقدم في بعض الوفود، من نصوص تظهره «صلى اللّه عليه و آله» كرجل لا يعرف عن التمور، و أنواعها ما يحسن السكوت عليه. .
2-إن هذا الأمر قد بهر ذلك الوفد، إلى حد أن قائل ذلك عقب كلامه بقوله: أشهد أنك رسول اللّه. .
1) وفيات الأعيان ج 6 ص 13-15، و النص و الإجتهاد للسيد شرف الدين ص 135 نقلا عن وفيات الأعين.
3-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبرهم بما هم أعلم الناس به، و يعرفون صحته و دقة ما يقوله. فإذا أظهر أنه أعلم منهم بما يدّعون لأنفسهم التقدم فيه، فسوف يكون له أثر عميق على وجدانهم، و إيمانهم، بخلاف ما إذا حدّثهم بما لا يعرفون عنه قليلا و لا كثيرا، فإنه سيكون حديثا غير ظاهر النتائج، و لا يستطيعون حسم الأمر فيه، لأنه سيكون خاضعا لجميع الإحتمالات.
و قد ذكرت الرواية أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن ذكر لهم أنواع التمور حتى كأنه مولود في هجر قال: إن أرضكم رفعت لي منذ قعدتم إلي، فنظرت من أدناها إلى أقصاها الخ. .
و إنما قال لهم ذلك، بعد أن بين لهم أنه أعلم منهم بما هم أعرف الناس به. و بذلك يكون قد صدق الخبر الخبر. .
و هذا أدعى لرسوخ الإيمان، و انقياد النفوس. . ثم إنه يكون بذلك قد نقلهم نقلة نوعية و كبيرة في مجال الإعتقاد، و الوقوف على بعض خصائص النبوة حين يخبرهم: بان اللّه قد رفع له جميع أرضهم، من أدناها إلى أقصاها، و أصبح يراها كأنها حاضرة لديه، تماما كما جرى حين مات ملك الحبشة، حيث رفع اللّه له كل خفض، و خفض كل رفع. حتى رأى جسد النجاشي و صار أمامه، و صلى عليه صلاة الميت كما قدمناه. .
و قد ذكرت الرواية: أن اللّه قد جبل الأشج على خصلتين، هما: الحلم و الأناة. .
و نقول:
إنه إن كان المقصود بذلك معنى ينتهي إلى ما يعتقد به الجبريون، فذلك غير صحيح، كما اثبته علماؤنا الأبرار فراجع (1).
بالإضافة إلى أن هذا يؤدي إلى القول بعدم استحقاق الأشج أية مثوبة على أي فعل تدعوه إليه تانك الخلتان. .
و إن كان المقصود: أن اللّه تعالى قد أودع في الأشج استعدادا ينتهي به إلى العمل بهاتين الخلتين، دون أن يكون مسلوب الإختيار، فهو قصد صحيح و لا ضير فيه. .
و ثمة سؤال عن قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : سيطلع عليكم من ها هنا ركب الخ. . هل هو إخبار عن أمر غيبي؟ ! أم أنه ليس كذلك؟
قد يقال: نعم. فإن هذا هو ظاهر الكلام.
و قد يقال: لا، لأن ثمة نصا يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أرسل إلى البحرين يطلب قدوم وفد عبد القيس إليه (2).
و يمكن ان يؤيد ذلك: أنه قد كانت لعبد القيس وفادتان، فلعل إحداهما كانت بطلب منه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هي التي حصلت سنة تسع أو بعدها، و كان عدد الوفد أربعين رجلا. .
و كانت الأخرى قبل الفتح، أو سنة خمس، أو قبلها، و تكون هي التي أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن طلوع وفدها عليهم.
بل يحتمل: أن يكون قد أخبر بالغيب، حتى بالنسبة للوفادة التي طلبها النبي «صلى اللّه عليه و آله» منهم، فإن طلب قدوم الوفد لا يعني: المعرفة الدقيقة بوقت حركته، و بوقت وصوله، و لحظة طلوعه عليهم. .
إلا أن يقال: بأن من المحتمل أن يكون قد جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أخبره بموعد وصول الوفد. . فلا يكون ما حصل من قبيل الإخبار بالغيب أصلا.
و الصحيح هو: أن هذا من الإخبارات الغيبية، لأن حديث استقدام النبي «صلى اللّه عليه و آله» لوفدهم يقول: ليأتين ركب من المشرق. . إلى أن قال: بصاحبهم علامة-و المقصود بصاحبهم-الأشج. . و هذا التعبير يشير إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» بصدد إخبارهم بأمر غيبي لم يكن قد علمه بالطرق العادية.
و قد ذكرنا آنفا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد طلب من العلاء بن الحضرمي: أن يوفد إليه من عبد القيس. أو أنه طلب من نفس بني عبد القيس إيفاد من يختارونه إليه. و ذلك يدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يطلب وفادتهم من أجل أن يسهّل عليهم من أجل الإندماج في المجتمع الجديد، ثم من أجل أن يسمعوا كلامه، و يروا بأم أعينهم سلوكه، و حالاته، فلعل ذلك يدعوهم إلى تلمس الفرق بين سلوكهم و مواقفهم، و حالهم،
و بين سلوك و مواقف و حالات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المجتمع الإيماني بصورة عامة.
فإن من شأن ذلك: أن يسهل عليهم اتخاذ القرار بالتعاون و التلاقي، و التفاهم، و الإسلام و الإندماج. .
كما أن هذه السياسة لهم من شأنها: أن تطمئنهم إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» ليس راغبا في إذلالهم، و لا في التسلط الظالم عليهم، و لا في الإستيلاء على ثرواتهم، و بلادهم.
ثم إن هذه الوفود ستجد الفرصة للتأمل فيما يلقيه إليها، و عليها، أو يطلبه منها، و يجدون فرصة تقييمه بصورة صحيحة في أجواء هادئة. بعيدا عن التشنج و الإنفعال، إذ ليست الأجواء أجواء مواجهة، و تهديدات.
و قد صرحت بعض النصوص المتقدمة: بأن الأشج كان أصغر من في الوفد، و بأنه تخلف في الركاب حتى أناخها، و جمع متاع القوم، و ذلك بعين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
لكن ذلك غير دقيق، فقد صرحت روايات أخرى: بأن الأشج كان
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 367، و الآحاد و المثاني ج 3 ص 314، و مسند أبي يعلى ج 12 ص 246، و المعجم الكبير للطبراني ج 20 ص 346، و الرخصة في تقبيل اليد لابن إبراهيم المقرئ ص 66، و أسد الغابة ج 4 ص 352، و تهذيب الكمال ج 13 ص 355، و البداية و النهاية ج 5 ص 57، و إمتاع الأسماع ج 14 ص 55.
رئيس الوفد (1)، فلا يعقل أن يتأخر عنه، بل لابد أن يكون في مقدمته، و يتولى هو الكلام في حضرته «صلى اللّه عليه و آله» . .
إلا أن يقال: ربما يكون تخلفه في الركاب، و جمعه متاع القوم، و كان أصغر الوافدين، إنما كان في وفادتهم الأولى، ثم نتج عن اهتمام النبي «صلى اللّه عليه و آله» به، و ظهور حصافة رأيه و عقله أن أصبح رئيسا مقدما، فجاء في وفادتهم الثانية، و له صفة الرئيس.
و في الروايات الآتية تحت عنوان: متى قدم وفد عبد القيس: دلائل ظاهرة على تقدم الأشج في السن، و قد أضربنا عن ذكرها هنا استغناء بما ذكرناه هناك.
و قد جاءت النصوص التي ذكروها عن وفد عبد القيس مضطربة، و مشوشة، فتارة يقول بعضها: فلما نظر «صلى اللّه عليه و آله» إلى دمامته قال: إنه لا يستقى في مسوك (2)الرجال، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه، لسانه، و قلبه (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 368 عن الطبقات الكبرى (ط ليدن) ج 1 ق 2 ص 54.
2) المسوك: الجلود.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 367 عن أبي يعلى، و الطبراني، و البيهقي، و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 5 ص 327 و انظر البداية و النهاية ج 5 ص 47 و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 139 و 140 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 558.
فيظهر من هذا النص: أن قائل هذه الكلمات هو الأشج نفسه.
لكنّ نصا آخر يقول: فنظر إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «إنه لا يستقى في مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه: لسانه و قلبه» (1). حيث إنه صريح في: أن قائل ذلك هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و هذا هو الموافق لما هو معروف من نسبة عبارة: «المرء بأصغريه: قلبه و لسانه» إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و الظاهر: أن ثمة غلطا في ذلك منشؤه رواية الطبقات. . رغم أن الطبقات نفسه قد روى الرواية الصحيحة أيضا.
و قد نستفيد من قوله «صلى اللّه عليه و آله» عن وفد عبد القيس: «أتوني لا يسألوني مالا» : أن الكثيرين ممن كانوا يأتونه كانوا طامعين بالحصول على الأموال، على سبيل الجشع و الطمع، لا لمجرد رفع الحاجة، التي لا سبيل لهم إلى رفعها بغير مساعدته «صلى اللّه عليه و آله» . .
تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عالج خال الزارع بن عامر، و أخرج منه (الجنّي) اللعين الذي كان سبب بلائه. . و إن كنا لم نستطع أن نفهم السبب في أنه قد شج وجه ذلك المصاب، رغم أن أمارات الشفاء قد
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 368 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 5 ص 558 و عن البيان و التعريف لحمزة الدمشقي ج 1 ص 240.
ظهرت عليه، و جعل ينظر نظر الصحيح، ليس بنظره الأول. .
و قد ذكرنا أكثر من مرة: أن الناس كانوا يتوقعون من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يكون عارفا بكل ما يحتاجون إلى علمه، و أنه قادر على إيصالهم إلى كل ما يريدون، من خلال صلته باللّه تعالى. .
و قلنا أيضا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يظهر أي اعتراض على طلباتهم هذه، بل كان يبادر إلى تلبيتها، و بذلك يكون قد كرس لديهم هذا الفهم لمقام النبوة. و قد جاءت النتائج لترسخ لديهم اليقين بصحة فهمهم هذا، و ضرورة الإستقامة، و الإستمرار على الالتزام بمقتضياته.
النبي صلّى اللّه عليه و آله يؤخر الركعتين بعد الظهر: و أما تأخير النبي «صلى اللّه عليه و آله» الركعتين بعد الظهر بسبب انشغاله بوفد عبد القيس، فليس فيه ما يوجب الإشكال، فإنه-لو فرض صحة الرواية بذلك-فإنما أخر صلاة مستحبة، و لعلها نافلة العصر، التي قد يكون من عادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» الإتيان بها فور الإنتهاء من صلاة الظهر، فأخرها عن الوقت الذي جرت عادته على الإتيان بها فيه، من دون أن يتجاوز في ذلك وقت فضيلة العصر. . فأخرها لأمر رأى أن ثوابه أعظم، كما أنه لم يؤخرها عن وقتها، بل أخرها عما اعتاده من الإتيان بها في وقت بعينه. .
لماذا اقتصر على بعض الأوامر؟ ! : و قد ذكرت الرواية المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمرهم بأربع، و نهاهم عن أربع، فلماذا اقتصر على هذه الأربع.
و يجاب: بأنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر، لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، و لم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلا و تركا.
و يدل على ذلك: إقتصاره في المناهي على الإنتباذ في الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الإنتباذ، لكن اقتصر منها على هذه الأمور لكثرة تعاطيهم لها (1).
و نقول:
إنه لا ريب في أنهم يعرفون حكم ما هو من قبيل: الصدق، و الكذب، و قتل النفس المحترمة، و قطيعة الرحم، أو صلتها، و غير ذلك كثير، و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد أن يؤكد عليهم في الأمور التي يعرف أنهم لا ينشطون إليها، بل لديهم الصوارف الكثيرة عنها.
تعظيم مضر لشهر رجب: و أما بالنسبة لقولهم: إنه لا يصلون إليه إلا في شهر حرام.
فالظاهر: أن المراد به: شهر رجب.
و لذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة، حيث قال: رجب مضر.
و الظاهر: أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم، مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخر، إلا أنهم ربما أنسأوها، و لذا ورد في بعض الروايات:
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 371 و 372 و شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 5 ص 138.
الأشهر الحرم، و في بعضها: إلا في كل شهر حرام (1).
نبايعك على أنفسنا: ثم إن من دلائل عقل الأشج: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال له: تبايعون على أنفسكم و قومكم؟ !
فقالوا: نعم.
فقال الأشج: يا رسول اللّه، إنك لن تزاول الرجل على شيء أشد عليه من ديته، نبايعك على أنفسنا، و نرسل من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا، و من أبي قتلناه.
قال: صدقت. . إن فيك خصلتين: الحلم و الأناة (2).
متى قدم الوفد؟ ! : و عن تاريخ قدوم وفد عبد القيس إلى المدينة نقول:
ذكر العلامة الأحمدي «رحمة اللّه» : وجوه الإختلاف في تاريخ قدوم وفد عبد القيس، فقيل: سنة خمس.
و قيل: تسع.
و قيل: قبل فتح مكة.
و قيل: بعده.
و قيل: سنة عشر (1).
و قال أيضا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى العلاء ابن الحضرمي في البحرين: أن يقدم عليه عشرون رجلا، فقدموا عليه و رأسهم عبد اللّه بن عوف الأشج (ثم ذكر أسماءهم) . فشكى الوفد العلاء بن الحضرمي، فعزله «صلى اللّه عليه و آله» و ولى أبان بن سعيد، و أوصى بعبد القيس خيرا (2).
و هذا يدل على: أن وفودهم كان في سنة تسع، لأن بعث العلاء إلى البحرين كان بعد فتح مكة.
غير أننا نقول:
إن ذلك لا يمنع من أن يكونوا قد وفدوا قبل ذلك، فقد قيل: إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث ابن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى في البحرين في السنة الثامنة.
و قيل: في السابعة.
و قيل: قبل فتح مكة.
و قيل: في العاشرة كما في الطبري (3).
و هذه الأقوال تفسح المجال أمام احتمالات الأقوال في وقت مجيء الوفد إلى المدينة.
و لكنّ نصا آخر يصرح: بأن راهبا أخبر صديقه المنذر بن عائذ، بأن نبيا يخرج بمكة يأكل الهدية، و لا يأكل الصدقة، بين كتفيه علامة، فأخبر المنذر الأشج بذلك، ثم مات الراهب.
فبعث الأشج ابن أخته و صهره، اسمه عمرو بن عبد القيس إلى مكة، و معه تمر ليبيعه، و ملاحف. و كان ذلك عام الهجرة، فلقي النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و رأى صحة العلامات، و أسلم، و علمه النبي «صلى اللّه عليه و آله» سورة الحمد و سورة إقرأ. و قال له: ادع خالك إلى الإسلام، فرجع و أسلم المنذر، ثم خرج في ستة عشر رجلا من أهل هجر، وافدا إلى المدينة. و ذلك عام الفتح، ثم شخص «صلى اللّه عليه و آله» إلى مكة، ففتحها (1).
و قيل: إنه أتى النبي «صلى اللّه عليه و آله» في مكة (2).
و ربما يكون قد اتاه في مكة يوم فتحها، لا قبل الهجرة.
و قد رجح الزرقاني: أنه كانت لعبد القيس وفادتان: إحداهما: قبل الفتح، بدليل: أنهم قالوا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن كفار مضر قد حالوا بينهم و بين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن حيلولتهم هذه إنما كانت سنة خمس أو قبلها.
و يوضح ذلك نص آخر، فيقول: إن منقذ بن حيان كان متجره إلى المدينة في الجاهلية، فشخص إلى المدينة بملاحف، و تمر من هجر بعد هجرة
النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليها، فبينما منقذ قاعد إذ مرّ به «صلى اللّه عليه و آله» ، فنهض إليه منقذ، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : كيف قومك؟ ثم سأله عن أشرافهم، رجل رجل يسميهم بأسمائهم، فأسلم منقذ، و تعلم سورة الفاتحة، و سورة إقرأ، ثم رحل قبل هجر، و كتب «صلى اللّه عليه و آله» معه لجماعة عبد القيس كتابا، فلما وصل إليهم كتمه أياما، و كان يصلي و يقرأ، فذكرت ذلك زوجته لأبيها المنذر بن عائذ، (و هو الأشج) (1)، و قالت له: أنكرت بعلي منذ قدم يثرب، إنه يغسل أطرافه، و يستقبل الجهة-تعني القبلة-فيحني ظهره مرة، و يضع جبينه مرة.
و ذكرت: أنه قد صبأ.
فاجتمعا، و تجاريا ذلك، فأسلم المنذر، ثم أخذ الكتاب و ذهب إلى قومه، فقرأه عليهم، فأسلموا، و اجمعوا المسير إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
تغير الوجوه دليل تعدد الوفادة! ! : استدلوا على تعدد وفادة عبد القيس بقوله «صلى اللّه عليه و آله» لهم: «ما لي أرى ألوانكم تغيرت» ، ففيه إشعار بأنه رآهم قبل التغير (3).
و لكنه استدلال غير كاف، فإن من الممكن أن تكون الآثار قد ظهرت
على وجوههم، فإن كل إنسان يستطيع أن يدرك أن ثمة تغيرا طرأ على الوجوه، التي يفترض أن تكون على صفة معينة، تشابه فيها ما يعرفه الناس من ألوان وجوه الذين يعيشون معهم في نفس المحيط.
دليل سبق عبد القيس إلى الإسلام: و لعل مما يدل على تعدد وفادتهم، قولهم: «اللّه و رسوله أعلم. و قولهم: يا رسول اللّه، دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين» (1).
و نقول:
إننا و إن كنا نرى: أنهم كانوا مسلمين حقا في ذلك الوقت غير أن من الجائز أن يكون قولهم هذا قد جاء بعد إسلامهم في نفس هذه الوفادة، و لعل الرواة اختصروا ما جرى، أو غفلوا عن ذكر بعض فصوله.
عبد قيس سبقت إلى الإسلام: و يدل على سبقهم إلى الإسلام: ما رواه العقدي عن ابن عباس: أن أول جمعة أقيمت بعد جمعة في مسجد رسول اللّه، هي تلك التي أقيمت في مسجد عبد القيس بقرية «جواثى» في البحرين. و إنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم. قال العسقلاني: فدل على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام (2).
و جواثى: بضم الجيم، و بعد الألف مثلثة مفتوحة.
غير أننا نقول:
إن ذلك يدل على تمكنهم من إظهار دينهم، و ممارسة شعائرهم، و لعل غيرهم كان أسبق منهم إلى الإسلام، لكن لا يستطيع إقامة الجمعة، بسبب ما يخشاه من أذى يناله من المحيط الذي يعيشون فيه.
غير أننا بالنسبة لتقدم إسلام عبد القيس على مضر نقول:
إن قولهم: و بيننا و بينك هذا الحي من مضر، و لا نصل إليك إلا في شهر حرام. يدل على: تقدم إسلام عبد القيس على إسلام قبائل مضر الذين كانوا بينهم و بين المدينة، و كانت مساكن عبد القيس بالبحرين و ما والاها من أطراف العراق (1).
متى فرض الحج؟ ! : و قالوا: إن خلو الرواية من ذكر الحج يدل على: أن هذا الوفد كان قبل تشريعه، لأن ابن القيم يقول: إن الحج قد فرض في السنة العاشرة (2).
ورد عليه القسطلاني: بان فرض الحج كان سنة ست على الأصح (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 370 عن البداية و النهاية، و المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 141، و فتح الباري ج 1 ص 122، و عمدة القاري ج 1 ص 309، و السيرة الحلبية ج 3 ص 252.
2) المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 143 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 371.
3) المواهب اللدنية و شرحه للزرقاني ج 5 ص 142 و 143، و فتح الباري ج 1 ص 124، و السيرة الحلبية ج 3 ص 307.
و قالوا: إن رواية أحمد قد صرحت: بأن إحدى الوفادتين كانت قبل فرض الحج، و الأخرى كانت بعد ذلك، أي بعد السنة السادسة.
فرد العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» : بأن الحديث صدر عنه «صلى اللّه عليه و آله» مرة واحدة، و لكن الراوي لم يذكر الحج في بعض النصوص، كما لم يذكر الصيام في بعضها الآخر (1).
و قد ورد في رواية البيهقي قوله: «و تحجوا البيت الحرام» .
و اعتبرها الزرقاني رواية شاذة، لأنها لم ترد في البخاري، و مسلم، و ابن خزيمة، و ابن حبان.
إلا أن هذا إنما هو بالنسبة لرواية أبي حمزة عن ابن عباس، لكن روى أحمد من طريق ابن المسيب و عكرمة عن ابن عباس ذكر الحج في قصة وفد عبد القيس (2).
عدد الوفد: قال العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» ما ملخصه: «اختلفوا في عدد الوافدين، فقيل: ثلاثة عشر راكبا.
و قيل: أربعة عشر.
و قيل: ستة عشر.
و قيل: ثمانية عشر.
و قيل: عشرون.
و قيل: أربعون» .
و قال الزرقاني: كان هناك وفدتان:
إحداهما: قبل الفتح، حيث كفار مضر يحولون بينهم و بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان ذلك إما في سنة خمس من الهجرة أو قبلها. و عدد الوفد ثلاثة عشر كما رواه البيهقي. و قيل: أربعة عشر كما جزم به القرطبي و النووي.
و الأخرى: سنة الوفود. و كان عدد الوفد الثاني أربعين رجلا.
و قد عدّ العلامة الأحمدي «رحمه اللّه» في هامش كتابه أسماء ثمانية و ثلاثين رجلا من الوافدين، مشيرا إلى المصادر التي صرحت باسم كل منهم (1).
فلا يلتفت إلى قول النووي: «إنهم كانوا أربعة عشر راكبا-ثم ذكر أسماءهم-و لم نعثر بعد طول التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء» (2).
1-الفهرس الإجمالي
2-الفهرس التفصيلي
الفصل الثاني عشر: السرايا ما قبل الأخيرة 5-70
الباب السابع: الوفادات على رسول الله صلّى اللّه عليه و آله الفصل الأول: وفادات غير معتادة 73-102
الفصل الثاني: أشخاص علم تاريخ وفادتهم 103-140
الفصل الثالث: وفادات أشخاص قليلة التفاصيل 141-184
الفصل الرابع: ست وفادات شخصية 185-234
الباب الثامن: وفود لها تاريخ الفصل الأول: وفود قبل فتح مكة 237-278
الفصل الثاني: وفادات قبل سنة تسع 279-338
الفهارس:339-354
الفصل الثاني عشر: السرايا ما قبل الأخيرة هدم الكعبة اليمانية:7
سرية المغيرة لهدم الربة:11
خرافة تشغل بال الزعماء:14
طلب تأجيل هدم الصنم (الربة) ! :15
سبب اختيار أبي سفيان و المغيرة:16
حزن و بكاء ثقيف على صنمها:17
المغيرة. . يضحك أصحابه من ثقيف:17
سرية خالد إلى أكيدر:21
عرض خالد على أكيدر:29
بطولة؟ ! أم مهمة إحراجية:30
حدّث العاقل بما لا يليق له:31
دومة الجندل فتحت صلحا:33
النبي صلّى اللّه عليه و آله ينهى خالدا عن قتل أكيدر:35
مناديل سعد بن معاذ في الجنة:36
أكيدر يسجد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:37
أبو بكر، أم خالد؟ ! :38
خالد سيف اللّه! ! :39
هل صالحهم على الجزية؟ ! :40
خلع السلاح لماذا؟ ! :41
وراء الأكمة ما وراءها! ! :42
سرية أبي أمامة إلى قومه:43
سرية خالد إلى بني الحارث بن كعب:47
تحديد مدة الدعوة قبل القتال، لماذا؟ !51
سرية الجهني إلى أبي سفيان بن الحارث:52
وفد بني عبس تحول سرية:54
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله هو العاشر:55
تاريخ هذه السرية:56
بعثة الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق:56
الوليد كان طفلا:59
إجراءات إحترازية:62
الوليد ليس بفاسق حتى لو نزلت الآية فيه! ! :64
سرية خالد إلى قوم من خثعم:68
الباب السابع: الوفادات على رسول الله صلّى اللّه عليه و آله الفصل الأول: وفادات غير معتادة وفود تحدثنا عنها:75
إجتماع الخضر بالنبي صلّى اللّه عليه و آله:75
حديث إلياس موضوع:81
ضعف سند الحديث:82
وفد الجن:83
قيمة هذه النصوص:87
حديث الجن في القرآن:88
روايات الجن في كتب الشيعة:89
النبي صلّى اللّه عليه و آله مبعوث للإنس و الجن:90
ابن مسعود من أهل الصفة:91
حفيد إبليس عند النبي صلّى اللّه عليه و آله:94
إضافات على الرواية المتقدمة:98
وفود السباع:99
طبع الذئاب:101
إختلاف الروايات:102
الفصل الثاني: أشخاص علم تاريخ وفادتهم وفادة خفاف بن نضلة:105
في وفود خشين إليه صلّى اللّه عليه و آله:106
الوفد الأول لثقيف:106
وفود ضمام بن ثعلبة:107
متى وفد ضمام:111
النهي عن السؤال:112
أيكم محمد؟ ! :117
الرسول صلّى اللّه عليه و آله يتكئ بين أصحابه:117
مناشدات ضمام، ثم إسلامه:118
اتق الجذام، اتق البرص:119
قدوم ذباب بن الحارث:120
وفد واثلة بن الأسقع:121
قدوم أسيد بن أبي أناس:124
سارية قائم بالسيف على رأس النبي صلّى اللّه عليه و آله:126
لمن الشعر؟ ! :126
هجاء بني عبد عدي:127
أصدق بيت قالته العرب:127
النبي صلّى اللّه عليه و آله لا يقتل من أتاه:128
إكذابهم أنفسهم مطلوب له صلّى اللّه عليه و آله:128
علم النبي صلّى اللّه عليه و آله بالغيب:128
وفود غسان:129
وفود جرير بن عبد اللّه البجلي:130
ما جاء بك؟ ! تفضح التلاعب بالرواية:133
الإيمان بالقدر و طاعة الأمراء:136
هل ذكر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من أمري شيئا:137
جرير لا يستحق هذا الثناء:138
الفصل الثالث: وفادات أشخاص قليلة التفاصيل وفود فروة بن عمرو الجذامي:143
دلالات في إسلام فروة:144
منطق الغالب هو المغلوب:145
وفود رجل من عنس:147
وفود جعدة:149
وفود الحجاج بن علاط السلمي:149
وفود فروة بن مسيك:150
إن من الشعر لحكمة:153
يوم الردم في كلام النبي صلّى اللّه عليه و آله:153
وفد عامري، و كلبي:154
النبي صلّى اللّه عليه و آله أمي، صادق، زكي:155
ما تعهد به عبد عمرو:156
وفود بني الرؤاس بن كلاب:157
وفد زياد بن عبد اللّه الهلالي:160
وفادة قيس بن عاصم:160
تعظيم قيس بن عاصم لماذا؟ ! :162
قدوم أعشى بني مازن:165
وفادة أبي حرب:167
أبو حرب يسلم استنادا لقداحه:168
إسلام عقال:169
معاوية بن حيدة:169
أسئلة لا تجد لها جوابا:171
وفود جرم:173
إمام الجماعة بعمر ست سنين:175
ستر العورة في الصلاة واجب:176
متى تعلّم الجرميون القرآن؟ ! :176
أكثرهم قرآنا يؤم جماعتهم:177
وفود جعفي:178
وفادة أبي سبرة:180
لا يكمل إسلامه إلا بأكل القلب:181
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة:182
الموؤودة في النار، و أمي مع أمكما:182
الفصل الرابع: ست وفادات شخصية 1-وفادة أبي رزين لقيط بن عامر:187
مديح و تصحيح:192
تأكيد عقيدة التجسيم:193
تمحلات و تأويلات باردة:194
مصدر هذه العقيدة:196
الأشاعرة و عقيدة التجسيم:197
صفات الأفعال. . و التشبيه:197
قدم الصفات:199
بنو المنتفق من اتقى الناس:199
2-قدوم الجارود بن المعلى، و سلمة بن عياض:202
إقتراح المعجزة:206
حلف الجاهلية مشدود، و لا حلف في الإسلام:209
ليلة القدر في الإسلام:210
كفاه ضمان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:211
3-وفادة الحارث بن حسان:212
الشكوى من العمال:213
الراية السوداء:214
الإهتمام بأخبار الفئات:214
حياد النبي صلّى اللّه عليه و آله:214
4-وفود جهينة:215
الأشعر و الأجرد من جبال الجنة:217
مسجد جهينة:218
يرضى اللّه لرضا جهينة، و يغضب لغضبها:218
جهينة مني، و أنا منهم:220
إبتذال. . و خيانة:221
5-قدوم وائل بن حجر:221
أوسمة لوائل بن حجر:224
وائل بن حجر على منبر الرسول صلّى اللّه عليه و آله:225
ما الحاجة للبشارة بمقدم وائل:226
لماذا يكذب وائل؟ ! :227
في وائل عيبة من الجاهلية:228
وائل بن حجر عدو علي عليه السّلام:228
6-وفود أبي صفرة:229
نسب الأطهار:230
المستكبر لم يكن في زمان موسى عليه السّلام:231
لماذا كناه بابنته:231
الباب الثامن: وفود لها تاريخ الفصل الأول: وفود قبل فتح مكة وفود جذام:239
داعيتهم منهم:241
فله أمان شهرين:242
تاريخ هذه السرية:242
جبرئيل في صورة دحية الكلبي:243
وفد دوس:243
نماذج من تناقضات الروايات:247
سرقة فضيلة، أم استعارتها؟ ! :248
مدائح دوس مشكوكة:249
راوي حديث الطفيل:250
أبو الطفيل يطرد أباه:250
التفريق بين المسلم و زوجته الكافرة:251
المطاع في قومه لا يطيعه قومه:252
وفد بني عبد بن عدي:253
تاريخ هذا الوفد:254
نحن أهل الحرم:254
وفود مزينة:255
وفد أشجع:259
دلالة في موادعة أشجع:259
وفود بني عامر بن صعصعة:260
خوف ابن الطفيل من أربد:267
تاريخ هذه القضية:267
هل النبي صلّى اللّه عليه و آله فتى؟ ! :268
طموحات عامر بن الطفيل:268
توقعات ابن الطفيل للمستقبل:271
النبي صلّى اللّه عليه و آله يرفض خلة ابن الطفيل:272
يذكر ابن حضير دون ابن معاذ:275
الأمر ليس لك و لا لقومك:275
غضب ابن الطفيل و تهديده:276
الموت الذليل:277
الجحود رغم ظهور الآيات:278
الفصل الثاني: وفادات قبل سنة تسع وفود بني ثعلبة:281
لا إسلام لمن لا هجرة له:282
وفود باهلة:283
وفود ثمالة و الحدّان:285
وفود بني قشير:286
وفود بني سليم:287
بول الثعلب على الصنم:290
الرجل الطويل اللسان:291
الإقطاعات و العطايا:292
إجابة مرفوضة:292
الجواب الأمثل:293
الفقر الموت الأكبر:294
البداوة مذمومة:295
آثار البداوة على الإنسان العربي:295
عناصر ضرورية لبناء الدولة و الحضارة:296
سياسة الإسلام للتخلص من البداوة:297
لماذا إقطاع الأراضي؟ ! :300
ضرورة التعاون:301
إقطاع الأرض للمحتاجين:302
الإقطاع للقادرين و المبادرين:302
صفة الأرض المعطاة:303
إعتراضات و إجابات:305
لا حق لمسلم في الأراضي المعطاة:308
وفد عبد القيس:309
هم خير أهل المشرق:318
عبد القيس في نصرة أمير المؤمنين عليه السّلام:318
هذا صاحبكم:319
معرفة النبي صلّى اللّه عليه و آله بأنواع التمور:321
النبي صلّى اللّه عليه و آله يرى ما في البحرين:322
خصلتان جبل الأشج عليهما:322
سيطلع عليكم ركب:323
طلب الإيفاد:324
الأشج ليس أصغرهم:325
المرء بأصغريه:326
أتوني لا يسألوني مالا:327
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يداوي مريضا:327
النبي صلّى اللّه عليه و آله يؤخر الركعتين بعد الظهر:328
لماذا اقتصر على بعض الأوامر؟ ! :328
تعظيم مضر لشهر رجب:329
نبايعك على أنفسنا:330
متى قدم الوفد؟ ! :330
تغير الوجوه دليل تعدد الوفادة! ! :333
دليل سبق عبد القيس إلى الإسلام:334
عبد قيس سبقت إلى الإسلام:334
متى فرض الحج؟ ! :335
عدد الوفد:336
الفهارس339
1-الفهرس الإجمالي341
2-الفهرس التفصيلي343