ghaemiyeh.com
عنوان و نام پديدآور : الصحیح من سیره النبی الاعظم(ص)/ جعفرمرتضی العاملی
مشخصات نشر : سحرگاهان، ۱۴۱۹ق. = ۱۳۷۷.
مشخصات ظاهری : ج 35
شابک : ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل) ؛ ۱۳۰۰۰۰ریال(دورهکامل)
وضعیت فهرست نویسی : فیپا
يادداشت : عربی.
يادداشت : کتاب حاضر در سالهای مختلف توسط ناشرین مختلف منتشر گردیده است.
يادداشت : افست از روی چاپ بیروت: دار السیره
يادداشت : جلد دهم: الفهارس
یادداشت : کتابنامه
موضوع : محمد (ص)، پیامبر اسلام، ۵۳ قبل از هجرت - ۱۱ق. -- سرگذشتنامه
موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.
رده بندی کنگره : BP۲۲/۹/ع۲ص۳ ۱۳۷۷
رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۳
شماره کتابشناسی ملی : م۷۷-۱۵۹۲۹
محرر الرقمي: میثم حیدری
بسم الله الرحمن الرحیم
الصحيح من سيرة النبي الأعظم
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)
تألیف: جعفر مرتضی عامری
الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر
سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش
الجزء الرابع و العشرون
الفصل الأول: إستعداد العدو. . و استطلاع النبي صلّى اللّه عليه و آله
الفصل الثاني: الجيشان إلي حنين الفصل الثالث: قبل أن تبدأ الحرب
الفصل الرابع: الهزيمة و تحمل الأعذار
الفصل الخامس: متآمرون على حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله
بسم اللّه الرحمن الرحيم و الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و اللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين. . .
و بعد. .
نتابع فيه حديثنا عن هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الإسلام، و التي انتهت بسقوط عنفوان الشرك، في المنطقة بأسرها. . . لتكون الهيمنة المطلقة للإسلام و للمسلمين، باعتراف صريح من رموز الشرك، و عتاته، و فراعنته، و جباريه.
و تتمثل نهايات هذه المرحلة بحسم الأمر بالنسبة لقبيلة هوازن في حنين و أوطاس. . و سقوط ثقيف و خثعم في الطائف. .
ثم تبع هذه المرحلة تداعيات طبيعية، تمثلت بانثيال و فود قبائل العرب على المدينة، ليعلنوا ولاءهم، و تأييدهم، و قبولهم بالإسلام دينا، و اعترافهم بمحمد نبيا. .
و الذي يعنينا الحديث عنه في هذا الباب و فصوله هو عرض ما جرى في حنين، و أوطاس، و الطائف. .
و أما الحديث عن الوفود، و عن سائر الأحداث الهامة، فنأمل أن نوفق للتعرض له فيما سوى ذلك من أبواب إن شاء اللّه تعالى. .
فنقول. . . و نتوكل على خير مأمول و مسؤول:
: إن النصوص التاريخية تؤكد على: أن قبيلة هوازن هي التي بادرت إلى جمع الجموع و تحركت من أماكن سكناها باتجاه المسلمين، لتورد ضربتها الحاسمة فيهم، فلما سمع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بجمعها، و بتحركها، سار إليها.
و سنحاول في هذا الفصل متابعة أحداث هذا التحرك، و الأجواء المهيمنة على هذا المسير، فإلى ما يلي من عناوين و مطالب، و من اللّه نستمد العون و القوة، و نبتهل إليه أن يمنحنا التوفيق و التسديد، إنه ولي قدير و بالإجابة حري جدير. . .
(و تسمى أيضا غزوة هوازن، لأنهم الذين أتوا لقتال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . عن أبي الزناد: أقامت هوازن سنة تجمع الجموع و تسير رؤساؤهم في العرب، تجمعهم). (1)
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 310 و راجع: البداية و النهاية ج 4 هامش ص 368.
قال أئمة المغازي: لما فتح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة مشت أشراف هوازن، و ثقيف بعضها إلى بعض، (و كان أهلها عتاة، مردة، مبارزين) (1)و أشفقوا أن يغزوهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قالوا: قد فرغ لنا فلا ناهية له دوننا، و الرأي أن نغزوه.
فحشدوا، و بغوا، و قالوا: و اللّه، إن محمدا لاقى قوما لا يحسنون القتال، فأجمعوا أمركم، فسيروا في الناس، و سيروا إليه قبل أن يسير إليكم.
فأجمعت هوازن أمرها، و جمعها مالك بن عوف بن سعد بن ربيعة النصري، و هو-يوم حنين-ابن ثلاثين سنة، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها، و نصر، و جشم كلها، و سعد بن بكر، و ناس من بني هلال، و هم قليل.
قال محمد بن عمر: لا يبلغون مائة، و لم يشهدها من قيس عيلان. إلا هؤلاء، و لم يحضرها من هوازن كعب و لا كلاب، مشى فيها ابن أبي براء فنهاها عن الحضور، و قال: و اللّه، لو ناوأوا محمدا من بين المشرق و المغرب لظهر عليهم (2).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 99 و السيرة الحلبية ج 3 ص 105 و (ط دار المعرفة) ص 61 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 310 و تاريخ الخميس ج 2 ص 99 و السيرة الحلبية ج 3 ص 105 و 106 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و راجع: البحار ج 21 ص 148 و تفسير القمي ج 1 ص 285 و البداية و النهاية ج 4 ص 369 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 45 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 611.
و كان في جشم دريد بن الصمة و هو يومئذ ابن ستين و مائة.
و يقال: عشرين و مائة سنة، و قيل: مائة و خمسون سنة. و قيل: مائة و سبعون سنة (1). (و ذكر السيد محسن الأمين: المكثر يقول بلغ المائتين و المقل المائة و العشرين) (2)و هو شيخ كبير قد عمي، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه، و معرفته بالحرب، و كان شيخا مجربا قد ذكر بالشجاعة و الفروسية و له عشرون سنة (3).
فلما عزمت هوازن على حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سألت دريدا الرياسة عليها، فقال: و ما ذاك؟ ! و قد عمي بصري، و ما استمسك على ظهر الفرس؟ و لكن أحضر معكم لأن أشير عليكم برأيي على أن لا أخالف، فإن كنتم تظنون أني أخالف أقمت و لم أخرج.
قالوا: لا نخالفك.
و جاءه مالك بن عوف، و كان جماع أمر الناس إليه، فقالوا له: لا نخالفك في أمر تراه.
فقال له دريد: يا مالك، إنك تقاتل رجلا كريما، قد أوطأ العرب،
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 106 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 240 و مختصر المزني ص 272 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 92 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 27.
2) أعيان الشيعة ج 1 ص 278.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 310 و راجع: البحار ج 21 ص 148 و تفسير القمي ج 1 ص 285 و السيرة الحلبية ج 3 ص 106 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107.
و خافته العجم و من بالشام، و أجلى يهود الحجاز، إما قتلا و إما خروجا على ذل و صغار، و يومك هذا الذي تلقى فيه محمدا له ما بعده.
قال مالك: إني لأطمع أن ترى غدا ما يسرك.
قال دريد: منزلي حيث ترى، فإذا جمعت الناس صرت إليك، فلما خرج من عنده طوى عنه أنه يسير بالظعن و الأموال مع الناس (1).
و كان قائد ثقيف و رئيسهم كنانة بن عبد ليل، و قيل قارب بن الأسود (2).
و كان جملة من اجتمع من بني سعد و ثقيف أربعة آلاف، و انضمت إليهم أعداد من سائر العرب، جموع كثيرة، كان مجموعهم كلهم ثلاثين ألفا، و جعلوا أمر الجميع إلى مالك بن عوف (3).
فلما أجمع مالك المسير بالناس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أمر الناس، فخرجوا معهم أموالهم، و نساؤهم، و أبناؤهم. ثم انتهى إلى أوطاس، فعسكر به، و جعلت الأمداد تأتي من كل جهة، و أقبل دريد بن الصمة في شجار له يقاد به من الكبر، فلما نزل الشيخ لمس الأرض بيده، و قال: بأي واد أنتم؟
قالوا: بأوطاس.
قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، و لا سهل دهس. مالي أسمع
بكاء الصغير، و رغاء البعير، و نهاق الحمير، و بعار الشاء، و خوار البقر؟
قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم، و نساءهم، و أموالهم.
فقال دريد: قد شرط لي ألا يخالفني، فقد خالفني، فأنا أرجع إلى أهلي و تارك ما هنا.
قيل: أفتلقى مالكا فتكلمه؟
فدعي له مالك، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، و إن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام. مالي أسمع بكاء الصغير، و رغاء البعير، و نهاق الحمير، و بعار الشاء، و خوار البقر؟ !
قال: قد سقت مع الناس أبناءهم، و نساءهم، و أموالهم.
قال: و لم؟
قال: أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله و ماله يقاتل عنهم.
فأنقض به دريد، و قال: راعي ضأن و اللّه، ما له و للحرب. و صفق دريد بإحدى يديه على الأخرى تعجبا، و قال: هل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه و رمحه، و إن كانت عليك فضحت في أهلك و مالك، يا مالك، إنك لم تصنع بتقديم البيضة، بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئا، فارفع الأموال، و النساء، و الذراري إلى عليا قومهم، و ممتنع بلادهم، ثم الق القوم على متون الخيل، و الرجال بين أصفاف الخيل، أو متقدمة دريّة أمام الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، و إن كانت عليك الفاك ذلك، و قد أحرزت أهلك و مالك.
فقال مالك بن عوف: و اللّه، لا أفعل، و لا أغيّر أمرا صنعته، إنك قد كبرت و كبر علمك، أو قال عقلك. و جعل يضحك مما يشير به دريد.
فغضب دريد و قال: هذا أيضا يا معشر هوازن، و اللّه ما هذا لكم برأي، إن هذا فاضحكم في عورتكم، و ممكّن منكم عدوكم، و لا حق بحصن ثقيف و تارككم، فانصرفوا و اتركوه.
فسل مالك سيفه، ثم نكسه، ثم قال: يا معشر هوازن! ! و اللّه، لتطيعنّني، أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري. و كره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي.
فمشى بعضهم إلى بعض، و قالوا: و اللّه، لئن عصينا مالكا ليقتلن نفسه و هو شاب، و نبقى مع دريد و هو شيخ كبير لا قتال معه، فأجمعوا رأيكم مع مالك، فلما رأى دريد أنهم قد خالفوه، قال:
يا ليتني فيها جذعأخب فيها و أضع
أقود و طفاء الزمعكأنها شاة صدع (1)
ثم قال دريد: يا معشر هوازن، ما فعلت كعب و كلاب؟
قالوا: ما شهدها منهم أحد.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 311 و البحار ج 21 ص 148 و 149 و 164 و 165 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 106 و 107 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و 108 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 123 و تفسير القمي ج 1 ص 286 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 199 و تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 239 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 345 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 370 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 890 و عن عيون الأثر ج 2 ص 214 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 612 و غريب الحديث ج 1 ص 320 و إعلام الورى ص 120 و 121 و تاريخ الخميس ج 2 ص 99 و 100.
قال: غاب الحد و الجد، لو كان يوم علاء و رفعة. و في لفظ: لو كان ذكرا و شرفا ما تخلفوا عنه، يا معشر هوازن، ارجعوا، و افعلوا ما فعل هؤلاء.
فأبوا عليه.
قال: فمن شهدها منكم؟
قالوا: عمرو بن عامر، و عوف بن عامر.
قال: ذانك الجذعان من بني عامر لا ينفعان و لا يضران.
قال مالك لدريد: هل من رأي غير هذا فيما قد حضر من أمر القوم؟
قال دريد: نعم، تجعل كمينا، يكونون لك عونا، إن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم، و كررت أنت بمن معك، و إن كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد، فذلك حين أمر مالك أصحابه أن يكونوا كمينا في الشعاب، و بطون الأودية، فحملوا الحملة الأولى التي انهزم فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
قال دريد: من مقدمة أصحاب محمد؟
قالوا: بني سليم.
قال: هذه عادة لهم غير مستنكرة، فليت بعيري ينحّى من سنن خيلهم، فنحي بعيره موليا من حيث جاء (1).
و نقول:
إن لنا هنا ملاحظات، و وقفات عديدة، نشير إليها ضمن العناوين التالية:
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 312.
حنين واد إلى جنب وادي ذي المجاز، قريب من الطائف، بينه و بين مكة بضعة عشر ميلا (1).
و قيل: حنين: اسم لما بين مكة و الطائف (2).
و قال بعضهم: اسم موضع قريب من الطائف (3).
و قيل: بينه و بين مكة ثلاث ليال، قرب الطائف (4).
تقدم أنهم يزعمون: أن سبب هذه الغزوة هو: أنه بعد فتح مكة مشت أشراف هوازن، و ثقيف، و قالوا: قد فرغ لنا فلا ناهية له دوننا، و الرأي أن نغزوه.
و لكنّ نصا آخر يقول: إن سببها هو: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 351 و تاريخ الخميس ج 2 ص 99 و عون المعبود ج 7 ص 229 و راجع ج 6 ص 134 و راجع: عمدة القاري ج 14 ص 157 و ج 17 ص 277 و 294 و معجم ما استعجم ج 2 ص 471 و معجم البلدان ج 2 ص 313 و فتح الباري (المقدمة) ص 106 و ج 8 ص 21.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 105 و (ط دار المعرفة) ص 61 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 105 و (ط دار المعرفة) ص 61.
4) تاريخ الخميس ج 2 ص 99 و عمدة القاري ج 14 ص 157 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 149 و معجم البلدان ج 2 ص 313 و راجع: التنبيه و الإشراف ص 234 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 8 و ج 8 ص 388 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278.
خرج لفتح مكة أظهر أنه يريد هوازن، فبلغ الخبر إليهم، فتهيأوا، و جمعوا الجموع و السلاح، و اجتمع رؤساء هوازن إلى مالك بن عوف، فرأسوه عليهم و خرجوا الخ. . . (1).
و نقول:
أولا: إن ثمة خللا في هذا النص الأخير، فإن ما بلغ هوازن قد كان قبل فتح مكة، و بعد فتحها و بقاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيها هذه المدة التي قد يقال: إنها قاربت العشرين يوما، لا بد أن يتوقع أن هوازن قد اقتنعت بأن مكة كانت هي المقصودة بذلك الجيش. . . فلا معنى لأن تقرر هوازن أن تجمع هذه الجموع و تسير لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
ثانيا: إن هوازن قد بقيت سنة تجمع الجموع، و تحث القبائل على مشاركتها في حربها مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و صرحت بعض الروايات: بأنهم قبل فتح مكة كانوا يريدون قتاله «صلى اللّه عليه و آله» (3)، فلا معنى لقولهم: إنها قد تهيأت للحرب حين بلغها
1) البحار ج 21 ص 148 و 149 و تفسير القمي ج 1 ص 285 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 33 و التفسير الصافي ج 2 ص 330 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 197 و تفسير الميزان ج 9 ص 230 و تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 240 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 45.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 310 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و راجع: البداية و النهاية ج 4 هامش ص 368.
3) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و راجع: معجم قبائل العرب ج 1 ص 150 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 344.
مسير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليها، أو أنها قد قررت جمع الجموع و الحرب بعد فتح مكة. .
فلعل الصحيح هو: أنها قد بدأت بالتهيؤ للحرب قبل سنة، ثم زادت و تيرة هذا الاستعداد بعد ما بلغها مسير النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليها. . ثم جددت خيار المبادرة و الدخول في الحرب بصورة فعلية بعد فتح مكة.
لقد بات واضحا: أن هوازن لم تكن تريد بحربها لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و للمسلمين أن تحقّ حقا، أو تبطل باطلا، كما أنها لم تكن تريد الدفاع عن نفس أو عرض، أو مال، أو أرض، و لا الدفاع عن حرية أو كرامة، و لا عن جاه و زعامة، و لا دفاعا عن قيم إنسانية، أو عن حقائق إيمانية، أو ثأرا لعدوان سابق عليهم. و إنما كانت حرب العصاة البغاة، و المعتدين الطغاة، و حرب الأجلاف الجفاة، و العتاة القساة.
إنهم يخوضون حربا يقرر زعماؤهم، و أصحاب الرياسة فيهم زجّهم فيها، و يفرضونها عليهم، و حملهم على مواجهة ويلاتها، و تحمل تبعاتها. .
و لو أنهم تركوا الأمور تسير على طبيعتها، فإن غاية ما كان سيفعله معهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو: أن يعرض عليهم ما يدعو إليه، و يقدم لهم الأدلة القاطعة و البراهين الساطعة عليه، و يبقى خيار القبول أو الرفض عائدا إليهم، وفقا للشعار الذي طرحه الإسلام في قوله تعالى:
لاٰ إِكْرٰاهَ فِي اَلدِّينِ (1).
1) الآية 256 من سورة البقرة.
و إِنْ أَنَا إِلاّٰ نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ (1).
و إِنَّمٰا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هٰادٍ (2).
و فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ (3).
إلى عشرات من الآيات الأخرى المصرحة بهذا المعنى. .
فلماذا إذن تبادر هوازن إلى جمع الجموع، و الاستعداد طيلة سنة كاملة لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و لماذا تريد منعه من إبلاغ رسالات ربه، بأساليب القهر، و الظلم و التعدي، الذي يبلغ حد شن حرب، تأكل الأخضر و اليابس؟ !
و قد قرأنا في النصوص المتقدمة و لم نزل نقرأ أمثال هذه المزاعم في مواقف كثيرة أخرى مشابهة لأهل الكفر، مثل يهود خيبر و غيرهم: «أن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين إنما كانوا ينتصرون في حروبهم المتلاحقة، لأنهم كانوا يلاقون قوما لا يحسنون القتال. . ثم يزعمون أنهم هم أهل الجد و الجلد، و أهل العدة و العدد، و العارفون بفنون الحرب، و الذين يملكون خبرات عالية بأساليب الطعن و الضرب» . . .
و لكن هؤلاء القوم و كذلك غيرهم من اهل اللجاج و العناد يرون المعجزات الباهرة، التي لا تبقي مجالا للشك بحتمية الرعاية الربانية لهذا
الدين و أهله. و قد كانوا يرون بأم أعينهم المعجزات القاهرة للعقول، أو الكرامات الظاهرة الآسرة للوجدان، الموقظة للضمير.
فما معنى: أن يتعامى أولئك الناس عن كل مظاهر هذه العناية الإلهية، و الرعاية الربانية، و يتجهون نحو تزوير الحقائق، و إخفاء أمرها، و تدنيس طهرها. .
فهل يرجع هذا إلى ضعف في بصيرتهم، أو إلى خذلان رباني لهم، حجبهم عن الحقائق، أو حجبها عنهم، على قاعدة: فَلَمّٰا زٰاغُوا أَزٰاغَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ (1)، و وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً وَ آتٰاهُمْ تَقْوٰاهُمْ (2).
إن الإجابة الصحيحة و الصريحة عن ذلك، هي: صحة و وقوع كلا هذين الأمرين، نعوذ باللّه من الخذلان، و من سوء العاقبة و عذاب الخزي في الدنيا و الآخرة. .
إن كلام دريد بن الصمة مع مالك بن عوف فيما يرتبط برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بموقعه، و بما حققه من إنجازات يشير إلى معرفته التامة بما يجري في المنطقة، و بما آلت إليه الأمور بعد تلك الحروب الطويلة، التي خاضها المسلمون مع أعدائهم من مختلف الأديان و الأجناس، و في جميع المواقع. .
كما أنه قد أظهر خبرة غير عادية بحالات القبائل، و سياسات الناس
و أحوالهم. . و تنبأ بما تكون عليه الحال، لو التقى الناس في ساحات القتال، و تنبأ بأن مالكا سيترك أصحابه، و يلجأ إلى حصن الطائف، و هذا ما حصل فعلا.
فإذا كان هذا الرجل يملك هذه الخبرة العالية، و يعرف: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» رجل كريم، فلماذا يستجيز لنفسه قتال الرجل الكريم، من دون ذنب أتاه إليه، و لا إلى غيره، سوى أنه يدعوه إلى الحق و الخير و الهدى؟ !
و إذا كان يعرف أيضا: أن هذا النبي قد أوطأ العرب، و خافته العجم، و خافه من في الشام.
و يعرف: أنه أجلى يهود الحجاز: إما قتلا، أو خروجا على ذل و صغار.
و يعرف: أن الحرب مع محمد «صلى اللّه عليه و آله» ليست مجرد عبث يتلاشى و ينتهي، بل هي عمل تبقى آثاره و نتائجه إلى الأعقاب، عبر الأحقاب. .
فلماذا يرضى من يعرف ذلك كله: بأن يكون المدبر لهذه الحرب الظالمة، و العدوانية، على رجل كريم، قد حقق كل هذه الإنجازات الهائلة التي لم تعرف لها المنطقة العربية مثيلا في كل تاريخها الطويل؟ !
فهل هذه حكمة و دراية، أم رعونة و غواية؟ !
و مما لفت نظرنا هنا أيضا: أن مالك بن عوف لا يرضى بما أشار به دريد بن الصمة، و يسعى إلى فرض رأيه على قومه بأسلوب أرعن و ساقط، حيث إنه يأخذ سيفا، و يهددهم بأنه سوف يقتل به نفسه إن خالفوه. .
و هذا إن دل على شيء فإنما يدل على ضعفه الشديد، و إفلاسه الأكيد، من أي منطق صحيح و سليم.
و لو كان يملك حجة و منطقا صحيحا، فهو يكفي لإلزامهم بالأخذ برأيه، و يفرض عليهم البخوع لحجته. .
و الأشد غرابة هنا: أن لا نجد في تلك القبيلة الكبيرة بأسرها، و التي هي بصدد اتخاذ قرار مصيري و حاسم، يؤثر على مستقبلها و وجودها-لا نجد فيها-من يقول له: إن تهديدك بقتل نفسك لا يدل على صحة قراراتك، إن لم يكن دليلا على ضعف حجتك، و بوار منطقك. .
و إذا كان قرارك خاطئا فسينتج المصائب و البلايا، و الكوارث و الرزايا، على مئات أو ألوف من البشر، لا يحق لك أن تتصرف بمصيرهم من دون روية، و تدبر، و حكمة و تبصر.
بل إنهم جميعا خضعوا لإرادته، و أطاعوه حبا بالحفاظ على حياته، و لم يفكروا بما يحفظ لهم حياتهم. . مع أن هذا الرجل هو مجرد شاب طامح، لا يملك الكثير من الخبرة، أو التجربة، و الحنكة، و لا يشعر بالمسؤولية بالمستوى الذي يؤهله لإصدار قرارات بهذا القدر من الحساسية، و بهذا المستوى من الخطورة. بل هو يستجيب لأحاسيسه، و ينقاد لمشاعره، و أهوائه.
و الأغرب من ذلك: أن هؤلاء الناس قد سمعوا حجة دريد بن الصمة على مالك بن عوف. . و كانت حجة قوية، و مرضية، و سمعوا أيضا جواب مالك عليها، الذي كان مجرد إصرار على رأي ظهر خطؤه، و قد صاحب إصراره هذا الضحك الإزدرائي و حفنة من الشتائم، حيث اعتبره إنسانا قد كبر، و كبر علمه، فأصبح هرم الجسم و العلم و العقل. . فهو يتكلم بما ربما
يصنف في دائرة الخرف و الإختلال، أو التدني في مستوى الإدراك و الوعي للأمور. .
عن جابر بن عبد اللّه، و عمرو بن شعيب، و عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما سمع بخبر هوازن بعث عبد اللّه بن أبي حدرد، فأمره أن يدخل في القوم فيقيم فيهم، و قال: «إعلم لنا علمهم» .
فأتاهم، فدخل فيهم، فأقام فيهم يوما و ليلة، أو يومين، حتى سمع و علم ما قد أجمعوا عليه من حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و سمع من مالك، و أمر هوازن، و ما هم عليه (1).
و عند محمد بن عمر: أنه انتهى إلى خباء مالك بن عوف، فيجد عنده رؤساء هوزان، فسمعه يقول لأصحابه: إن محمدا لم يقاتل قوما قط قبل هذه المرة، و إنما كان يلقى قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب، فيظهر عليهم، فإذا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 313 عن ابن إسحاق، و البداية و النهاية ج 4 ص 370 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 891 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 613 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 346 و عن عيون الأثر ج 2 ص 214 و 215 و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 572 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 48 و 49 و معجم قبائل العرب ج 2 ص 833.
كان السحر فصفّوا مواشيكم و نساءكم من ورائكم، ثم صفوا، ثم تكون الحملة منكم، و اكسروا جفون سيوفكم، فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون، و احملوا حملة رجل واحد، و اعلموا أن الغلبة لمن حمل أولا. انتهى (1).
ثم أقبل حتى أتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره الخبر، فقال: رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لعمر بن الخطاب: «ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد» ؟
فقال عمر: كذب.
فقال ابن أبي حدرد: و اللّه لئن كذبتني يا عمر لربما كذبت بالحق.
فقال عمر: ألا تسمع يا رسول اللّه ما يقول ابن أبي حدرد؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : قد «كنت ضالا فهداك اللّه» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 313 عن الواقدي، و راجع: البحار ج 21 ص 149 و 164-165 و تفسير القمي ج 1 ص 286-287 و راجع: إعلام الورى ص 120 و المغازي للواقدي ج 3 ص 893 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 313 و إعلام الورى ص 120 و البحار ج 21 ص 165 و المغازي للواقدي ج 3 ص 893 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 86 و 82 و (ط مكتبة محمد علي صبيح) ص 891 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 150 و المواهب اللدنية ج 1 ص 161 و عن السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 475 و (ط دار الكتاب العربي) ج 2 ص 572 و أسد الغابة ج 3 ص 141 و شرح المواهب اللدنية ج 3 ص 2 و البداية و النهاية ج 4 ص 371 و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و التراتيب الإدارية ج 1 ص 362 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 613 و 614 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 346.
(زاد الطبرسي قوله: و ابن أبي حدرد صادق) (1).
1-إننا لسنا بحاجة للتذكير بأهمية الإستخبارات في إنجاح أي عمل عسكري ضد العدو، و لذلك رأينا: أنه حين علم «صلى اللّه عليه و آله» بأمر هوازن كان أول عمل قام به هو إرسال العيون لمعرفة نواياهم الحقيقية في أمر الحرب و السلم من جهة، ثم معرفة الخطة التي سيعتمدونها في حربهم، فيما لو كان قرارهم هو إثارة الحرب ضد المسلمين من جهة أخرى.
2-ثم إن هذا التروّي، و عدم التسرع في اتخاذ القرار بجرد وصول الخبر عن جمع هوازن، يدخل في دائرة الإنصاف للآخرين، و الشعور بالمسؤولية، و تحاشي القيام بأي عمل حربي ضدهم، أو أي عمل إيذائي مهما كان نوعه قبل التأكد من صحة الأخبار الواصلة. .
3-و يثير الإنتباه هنا: التعبير الذي اختاره «صلى اللّه عليه و آله» و هو يصدر أمره لابن أبي حدرد، حيث قال له «صلى اللّه عليه و آله» : «إعلم لنا علمهم» .
فالمهمة إذن هي: أن ينوب عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في تحصيل
1) إعلام الورى ص 120 و (ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ج 1 ص 229 و البحار ج 21 ص 165.
العلم بالمطلوب.
4-و متعلق العلم الذي يريده «صلى اللّه عليه و آله» من ابن أبي حدرد هو أيضا نفس علمهم، أي أنه يريد منه أن لا يكتفي بالحدسيات، و بالإمارات و القرائن، و لا بالظنون مهما بلغت قوتها. . و لا بالاستنتاجات المستندة إلى الإجتهاد، بل المطلوب هو: أن يصبح علمه بما عزموا عليه هو نفس علمهم. و كأنه ينقل إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفس علمهم.
و هذا غاية في الإحتياط، و منتهى في الدقة.
و لا ندري السبب في هذا الموقف الغريب و العجيب، الذي اتخذه عمر بن الخطاب من ابن أبي حدرد! ! فإن هذه القضية قد حملت معها الكثير من الدلالات اللافتة و المثيرة. . و نستطيع أن نشير هنا إلى الأمور التالية:
فقد لاحظنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن سمع ما نقله ابن أبي حدرد عن مالك بن عوف، قال لعمر: ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد؟
و قد يكون التفسير الطبيعي لهذا السؤال هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد توجيه عمر إلى خطة مالك بن عوف، التي رسمها لأصحابه لمهاجمة أهل الإسلام.
غير أنه يمكن أن يفسر ذلك بطريقة أخرى، و هي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أراد استدراج عمر، ليفصح عن دخيلة نفسه. و هذا ما حصل فعلا.
ثم جاءت إجابة عمر نشازا، و هجينة في مضامينها، حين اتهم ابن ابي حدرد بالكذب. مع أن اللّه تعالى لم يطلعه على غيبه، كما أنه لم يكن يملك أي دليل يشير إلى كذب هذا الرجل.
إلا أن يكون لعمر بن الخطاب عيون قد حضروا نفس المجلس الذي حضره ابن أبي حدرد، و نقلوا له ما يدل على عدم صحة ما جاء به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
و لا نظن أن أحدا يرتضي حتى إبداء هذا الإحتمال، إلا في صورة واحدة، و هي أن يكون على علم بسوء سريرة عمر بن الخطاب، و يرى أنه يخطط، و يعمل بصورة مستقلة، و لحساب فريق آخر غير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و جماعة المسلمين.
أو أنه يتهم عمر بأنه يمالئ مشركي هوازن، و يتصل بهم، و ينسق معهم، و يريد بموقفه هذا تعمية الأمور على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و التستر عليهم عنده، لتمكينهم من إيراد ضربتهم بأهل الإسلام. أو حفظهم، و دفع الأخطار عنهم، ما وجد إلى ذلك سبيلا.
و هذه احتمالات خطيرة، و لا يمكن البخوع لها و التسليم بها، إذا لم تدعمها الأدلة الدامغة، و الشواهد الواضحة.
و أما جواب ابن ابي حدرد لعمر بقوله: لربما كذبت بالحق. ثم تفسير النبي «صلى اللّه عليه و آله» لذلك: بأنه قد كان ضالا فهداه اللّه. . فهو غير
ظاهر الوجه، و يصعب الإطمئنان إلى عدم عروض التحريف له. . لأن ابن أبي حدرد يريد أن يرد الاتهام بمثله، و التكذيب بالحق أيام الضلال مما لا يختص بعمر، بل هو حال عامة الناس آنئذ.
و عمر إنما نسب إلى ابن أبي حدرد الكذب في نفس مقامه، و عين كلامه، فالمناسب أن يكون رد ابن أبي حدرد عليه هو نسبة الكذب إليه بنفس المستوى، و في نفس ذلك المقام.
بل إن المناسب هو: أن يستبدل كلمة «لربما» بكلمة «لطالما» كما هو المتوقع في أمثال هذه المواقف. . و لعل محبي عمر استبدلوا هذه بتلك للإبقاء على مقام عمر و هيبته.
غير أن بالإمكان دفع هذه الإحتمالات بأن مقصود ابن أبي حدرد بكلامه هذا هو: أن حكم عمر بكذب ابن أبي حدرد في هذا المورد ربما يكون تكذيبا بالحق. .
و لكن يرد على هذا: أنه يخالف التوجيه الذي نسبوه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في جوابه لعمر، و هو قوله: «قد كنت ضالا فهداك اللّه» . .
كما أن ذلك لا يصحح اعتراض عمر، و استنجاده برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و لا يبرر نجدة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له بهذا الكلام المنسوب إليه «صلى اللّه عليه و آله» .
و لو كان هذا مقصود ابن أبي حدرد لكان عمر قد فهم كلام ابن أبي حدرد، و لم يكن معنى لأن يتوجه عمر بشكواه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من الأساس و لا أن يظهر كأنه يدعو النبي «صلى اللّه عليه و آله»
للإنتصار له.
و ليس ثمة ما يبرر الشكوى أو الاستنصار.
كما أنه لم يكن هناك ضرورة للتفسير من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .
و قد انتهى الأمر بإعلان النبي «صلى اللّه عليه و آله» صدق ابن أبي حدرد في أقواله.
حيث أضاف «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «و ابن أبي حدرد صادق» .
و هذا في حد ذاته يعتبر إدانة لعمر، و تكذيبا له، بل هو تأييد لقول ابن أبي حدرد: على رواية «لربما كذبت بالحق» إذا كان مقصوده: أن تكذيبك لي في هذا المورد ربما يكون تكذيبا بالحق. . و النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» قد أكد صحة ذلك. .
فإذا كان صادقا، فلماذا لم يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى تأنيب عمر على نسبته إلى الكذب؟ ! فإن هذا هو المتوقع من النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» في مثل هذه الحالات، إلا إذا فرض: أن ثمة ما يمنع من الزيادة على هذا، و اللّه هو العالم بالحقائق.
و قد لاحظنا: أن أكثر نقلة هذه القضية يقتصرون على بعض فقراتها، و يحذفون سائرها. . خصوصا حينما يصل الأمر إلى عمر و موقفه، و ما جرى، مع أنهم يلاحقون الواو و الفاء، و الباء، و التاء حين يكون هناك ما يحتملون فيه أدنى تأييد له. . فراجع على سبيل المثال السيرة الحلبية، و الإصابة، و أسد
الغابة. . و غير ذلك من مصادر. .
أليس هذا من أجلى مصاديق القول المعروف: «حبك الشيء يعمى و يصم» ؟ ! .
أعاذنا اللّه من الزلل و الخطل في الفكر، و في القول، و في العمل، إنه ولي قدير، و بالإجابة جدير. .
و يلاحظ: أن المؤرخين لا يجرؤون على ذكر صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هذه الغزوة، و لكن القمي «رحمه اللّه» ، لم يهمل الروايات المصرحة باسمه، فجهر بالحق، و لم يبال بالأخطار التي أدناها الاتهام بالزندقة، و الخروج عن الدين، فهو يقول:
«بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اجتماع هوزان بأوطاس، فجمع القبائل، و رغّبهم في الجهاد، و وعدهم النصر، و أن اللّه قد وعده أن يغنمه أموالهم، و نساءهم، و ذراريهم.
فرغب الناس، و خرجوا على راياتهم، و عقد اللواء الأكبر، و دفعه إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» . و كل من دخل مكة براية، أمره أن يحملها. و خرج في اثني عشر ألف رجل، عشرة آلاف ممن كانوا معه (1).
1) البحار ج 21 ص 147 و 149 و 155 و 165 و تفسير القمي ج 1 ص 286 و البرهان (تفسير) ج 2 ص 113 و نور الثقلين ج 2 ص 199 و إعلام الورى ج 1 ص 228 و راجع: الإرشاد للمفيد ج 1 ص 140 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 139 و التفسير الأصفى ج 1 ص 459 و التفسير الصافي ج 2 ص 330 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 106 و تفسير جوامع الجامع للطبرسي ج 2 ص 55 و جامع البيان ج 10 ص 130 و كشف الغمة ج 1 ص 220 و 221 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 341 و شجرة طوبى ج 2 ص 307 و زاد المسير ج 3 ص 281 و تفسير القرطبي ج 8 ص 100 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 25 فتح القدير ج 2 ص 348.
و قيل: عشرة آلاف (1).
و قيل: أحد عشر ألفا (2).
و قيل: أحد عشر ألفا و خمس مائة (3).
و قيل: أربعة عشر ألفا (4).
و قيل: ستة عشر ألفا (5). فيهم ثمانون من المشركين من أهل مكة منهم صفوان بن أمية، و سهيل بن عمرو (6).
و نلاحظ هنا ما يلي: أولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» -وفق هذا النص-قد أخبر الناس بنتائج
1) زاد المسير ج 3 ص 281.
2) فتح القدير ج 2 ص 348.
3) راجع: تفسير الثعلبي ج 5 ص 22 و زاد المسير ج 3 ص 281 عن مقاتل و تفسير القرطبي ج 8 ص 100 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 25.
4) راجع: تفسير البحر المحيط ج 5 ص 25.
5) فتح القدير ج 2 ص 348 و زاد المسير ج 3 ص 281 و تفسير القرطبي ج 8 ص 100 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 25.
6) تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و راجع: إمتاع الأسماع ج 8 ص 389 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 64.
تلك الحرب مسبقا. و لعل ذلك يرجع لعدة أسباب:
أحدها: أن يرغّب الناس في الخروج إلى الحرب. .
الثاني: أن يكون ذلك من أسباب الربط على قلوبهم، و تأكيد اليقين لديهم بصحبة النبوة. .
الثالث: أن يثقوا برعاية اللّه تعالى لهم، و لطفه بهم. .
الرابع: أن يعرف الناس، و يميز أهل اليقين، و الصادقين في إيمانهم عن غيرهم من المدّعين غير الصادقين.
الخامس: أن يدلهم ما جرى من الهزيمة الشاملة، ثم النصر العتيد الذي يأتي بعدها بسيف علي «عليه السلام» على: أن ذلك كان بعلم اللّه، و أن الذي تحقق لم يكن عن استحقاق منهم، بل هو أمر صنعه اللّه لوليه و وصي رسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنهم إنما ينعمون بفواضله، و يستفيدون من ثمار جهده و جهاده، فالغنائم ليست لهم، و كذلك السبايا و الأسرى، فإذا قسمها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على من شاء من المؤلفة قلوبهم، فليس لأحد الحق في أن يعترض بشيء، و ليس له أن يتوهم أن له نصيبا أو حقا فيها. . بل هي لخصوص صانع النصر، ألا و هو علي بن أبي طالب «صلوات اللّه و سلامه عليه» . .
زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» عقد الألوية ليلة حرب حنين في وقت السحر، «فدفع لواء المهاجرين إلى عمر بن الخطاب، و لواء إلى علي بن أبي طالب، و لواء إلى سعد بن أبي وقاص، و لواء الأوس إلى أسيد بن
حضير، و لواء الخزرج إلى حباب بن المنذر، و آخر إلى سعد بن عبادة.
و قيل: كان لكل من الأوس و الخزرج لواء في تلك الغزوة، و لكل قبيلة من القبائل التي كانت معه لواء، ثم ركب «صلى اللّه عليه و آله» بغلته الخ. .» (1).
و في سيرة الدمياطي: في كل بطن من الأوس و الخزرج لواء وراية يحملها رجل منهم (2).
و نقول:
قد تقدم: أن اللواء الأكبر كان مع علي «عليه السلام» ، و لكن هؤلاء يحاولون الكيد لعلي «عليه السلام» ، و التشكيك بما له من فضائل و كرامات بهذه الطريقة الغبية و المفضوحة، فنحن نسجل هنا ما يلي:
1-إنهم هم أنفسهم يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أعطى لواء المهاجرين لعلي «عليه السلام» ، و أعطى راية لعمر بن الخطاب (3).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 101 السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 64 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 150 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 12 و ج 7 ص 170.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 64، و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 150.
3) السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 64 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و راجع: الطبقات الكبرى ج 2 ص 150 و إمتاع الأسماع ج 7 ص 170.
إنه لا شك في كذب هذه الإدعاءات، فالألوية إنما تعطى للشجعان الأكفاء، و لم يظهر من عمر بن الخطاب ما يدل على ذلك، بل ظهر منه عكسه في كثير من المقامات التي انهزم فيها.
2-إن عامة المؤرخين، و المصنفين في السيرة النبوية لا يجرؤن على التصريح باسم حامل اللواء الأكبر في هذه الحرب الهائلة، و أنه علي «عليه السلام» . و هذا يرجع إلى أن لدى الحكام، و كل من يدور في فلكهم من وعاظ السلاطين، و سائر الناس-و الناس على دين ملوكهم-حساسية كبيرة من ذكر أي شيء يرتبط بعلي «عليه السلام» ، أو يشير إلى فضله، و مناقبه و مقاماته. .
و لعل تصريح المصادر الكثيرة: بأنه «عليه السلام» كان حامل لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و في كل مشهد جعلهم يكتفون بذلك، و يعتبرون: أن هذه التصريحات تبرّئ ذمتهم، و تدفع عنهم الإحراجات التي يخشون التعرض لها من التصريح بهذا الأمر في كل غزوة، و مقام، و مشهد، فلا ضير إذا أهملوا ذلك و اكتفوا به عن التصريح المتعاقب و المتوالي في كل مرة.
و قد غاب عنهم: أن هذا التصرف منهم قد أفسح المجال للحاقدين، و المصطادين بالماء العكر لمحاولة تزوير الحقائق، و إطلاق ادّعاءات تجانب الواقع و الحقيقة في المواقف المختلفة، فزعموا في حرب حنين: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى لواء المهاجرين لعمر بن الخطاب، و أن عليا صلوات اللّه و سلامه عليه كان يحمل لواء من ألوية المهاجرين، و أعطى «صلى اللّه عليه و آله» راية لسعد و راية لعمر. ثم أعطى لواء الخزرج لحباب بن المنذر، و لواء
الأوس لأسيد بن خضير.
نقول:
إن ذلك لا يصح، لأن لواء الجيش كله كان مع علي. و لا يمنع أن يكون معه لواء المهاجرين أيضا.
و يدل على ذلك: 1-إنهم يقولون: إنه «عليه السلام» كان صاحب لواء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر، و في كل مشهد (1).
2-عن ابن عباس، قال: لعلي بن أبي طالب «عليه السلام» أربع ما هنّ لأحد: هو أول عربي و عجمي صلى مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و هو صاحب لوائه في كل زحف. و هو الذي ثبت معه يوم المهراس (أي يوم أحد) ؛ و فرّ الناس. و هو الذي أدخله قبره (2).
1) ترجمة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، من تاريخ ابن عساكر (بتحقيق المحمودي) ج 1 ص 145 و تاريخ مدينة دمشق (ط دار الفكر) ج 42 ص 74 و ذخائر العقبى ص 75 عن أحمد في المناقب، و الطبقات الكبرى لابن سعد (ط ليدن) ج 3 ق 1 ص 14 و (ط دار صادر) ج 3 ص 23 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 3 ص 625 و كفاية الطالب ص 336 عنه، و في هامشه عن: كنز العمال ج 6 ص 398 عن الطبراني، و الرياض النضرة ج 2 ص 202 و قال: أخرجه نظام الملك في أماليه. و راجع: فضائل الصحابة لابن حنبل ج 2 ص 650 و 1106 عن ابن عباس، و الحكم، و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 528 و ج 30 ص 220 و ج 32 ص 24.
2) مستدرك الحاكم ج 3 ص 111 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و مناقب الخوارزمي ص 21 و 22 و إرشاد المفيد ص 48 و (ط دار المفيد) ج 1 ص 79 و ذخائر العقبى ص 86 و البحار ج 20 ص 81 و ج 38 ص 240 و 256 و تيسير المطالب ص 49 و مناقب أهل البيت للشيرواني ص 39 و الإستيعاب ج 3 ص 1090 و شرح النهج ج 4 ص 117 و نظم درر السمطين ص 134 و شواهد التنزيل ج 1 ص 118 و الإكمال في أسماء الرجال ص 127 و أبو هريرة للسيد شرف الدين ص 135 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 72 و تهذيب الكمال ج 20 ص 480 و الوافي بالوفيات ج 21 ص 178 و أعيان الشيعة ج 1 ص 335 و المناقب للخوارزمي ص 58 و كشف الغمة ج 1 ص 79 و 190 و العدد القوية ص 244 و النصائح الكافية ص 237 و بناء المقالة الفاطمية للسيد ابن طاووس ص 133 و منهاج الكرامة ص 95 و غاية المرام ج 5 ص 175 و شرح إحقاق الحق ج 4 ص 454 و 455 و ج 15 ص 430 و 654 و ج 20 ص 457 و ج 22 ص 146 و ج 23 ص 509 و ج 31 ص 296 و 604.
3-عن ابن عباس: كان علي «عليه السلام» أخذ راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم بدر.
قال (الحكم)الحاكم: و في المشاهد كلها (1).
4-و عن مالك بن دينار: سألت سعيد بن جبير و إخوانه من القراء: من كان حامل راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
قالوا: كان حاملها علي (رض) (2).
1) ذخائر العقبى ص 75 و الرياض النضرة المجلد الثاني ج 4 ص 156 و ينابيع المودة ج 2 ص 166 و جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 189 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 527 و ج 30 ص 221 و راجع: الكامل لابن عدي ج 1 ص 240 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 72.
2) ذخائر العقبى ص 75 و ينابيع المودة ج 2 ص 167 و شرح إحقاق الحق ج 4 ص 269 و ج 15 ص 550 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 85 و البحار ج 42 ص 60.
و في نص آخر: أنه لما سأل مالك سعيد بن جبير عن ذلك غضب سعيد، فشكاه مالك إلى إخوانه من القرّاء، فعرّفوه: أنه خائف من الحجاج.
فعاد و سأله، فقال: كان حاملها علي (رض) .
هكذا سمعت من عبد اللّه بن عباس (1).
و في نص آخر عن مالك بن دينار، قال: قلت لسعيد بن جبير: من كان صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
قال: إنك لرخو اللبب.
فقال لي معبد الجهني: أنا أخبرك. كان يحملها في المسير ابن ميسرة العبسي، فإذا كان القتال؛ أخذها علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه (2).
5-عن جابر: قالوا: يا رسول اللّه، من يحمل رايتك يوم القيامة؟
1) راجع: مستدرك الحاكم ج 3 ص 137 و صححه، و قال: له شاهد من حديث زنفل العرفي، و فيه طول فلم يخرجه الحاكم، و أعيان الشيعة ج 1 ص 337 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 11 ص 345 و مناقب الخوارزمي ص 258 و 259 و (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ص 358، و شرح إحقاق الحق ج 4 ص 269 و ج 8 ص 524 و ج 15 ص 549 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 85 و البحار ج 42 ص 60 و غاية المرام ج 7 ص 51.
2) الطبقات الكبرى (ط ليدن) ج 3 ق 1 ص 15 و (ط دار صادر) ج 3 ص 25 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 111 و تلخيصه للذهبي بهامشه، و مناقب الخوارزمي ص 21 و 22 و الإرشاد للمفيد ص 48 و تيسير المطالب ص 49 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 9 ص 437 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 524 و ج 32 ص 343.
قال: من عسى أن يحملها يوم القيامة، إلا من كان يحملها في الدنيا، علي بن أبي طالب؟ ! (1).
و في نص آخر: عبر باللواء بدل الراية (2).
6-و حينما مرّ سعد بن أبي وقاص برجل يشتم عليا «عليه السلام» ،
1) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 3 ص 27 و البحار ج 39 ص 213 و مناقب أمير المؤمنين للكوفي ج 1 ص 291 و 515 و ج 2 ص 498 و المعجم الكبير للطبراني ج 2 ص 247 و الإكمال في أسماء الرجال ص 34 و قاموس الرجال ج 10 ص 334 و كتاب المجروحين لابن حبان ج 3 ص 54 و الكامل لابن عدي ج 7 ص 47 و المسترشد للطبري هامش ص 334 و الإحتجاج للطبرسي هامش ص 180 و الرياض النضرة المجلد الثاني ج 3 ص 172 عن نظام الملك في أماليه، و كفاية الطالب ص 336، و قال: ذكره محدث الشام-أي ابن عساكر-في ترجمة علي «عليه السلام» من كتابه بطرق شتى عن جابر، و عن أنس، و كنز العمال ج 13 ص 136 و مناقب أمير المؤمنين «عليه السلام» لابن المغازلي ص 200 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 74 و 75 و الموضوعات ج 1 ص 16 و 388 و ميزان الإعتدال ج 4 ص 240 و البداية و النهاية ج 7 ص 371 و جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 182 و عمدة القاري ج 16 ص 216 و مناقب الخوارزمي ص 358 و شرح إحقاق الحق ج 15 ص 552 و 553 و ج 23 ص 297 و ج 30 ص 224 و حديث خيثمة ص 199 و تنبيه الغافلين ص 19.
2) تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 75 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 8 ص 149 و شرح إحقاق الحق ج 15 ص 557.
و الناس حوله في المدينة، وقف عليه، و قال: يا هذا! علام تشتم علي بن أبي طالب؟
ألم يكن أول من أسلم؟
ألم يكن أول من صلى مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
ألم يكن أزهد الناس؟
ألم يكن أعلم الناس؟
و ذكر حتى قال: ألم يكن صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزواته؟ (1).
و ظاهر كلامه هذا: أن ذلك كان من مختصاته صلوات اللّه و سلامه عليه.
7-عن مقسم: إن راية النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت تكون مع علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و راية الأنصار مع سعد بن عبادة، و كان إذا
1) شرح الأخبار ج 2 ص 542 و الإكمال في أسماء الرجال للخطيب التبريزي ص 78 و إمتاع الأسماع ج 12 ص 35 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 8 ص 321 و شرح إحقاق الحق ج 18 ص 203 و مناقب أمير المؤمنين للكوفي ص 291 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 500 و صححه على شرط الشيخين هو و الذهبي في تلخيص المستدرك، و حياة الصحابة ج 2 ص 514 و 515. و أظن أن القضية كانت مع سعد بن مالك أبي سعيد الخدري، لأن سعد بن أبي وقاص كان منحرفا عن أمير المؤمنين «عليه السلام» . و يشير إلى ذلك ما ذكره الحاكم في مستدركه ج 3 ص 499 من أن أبا سعيد قد دعا على من كان ينتقص عليا «عليه السلام» فاستجاب اللّه له.
استعر القتال كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» مما يكون تحت راية الأنصار (1).
8-عن عامر: إن راية النبي «صلى اللّه عليه و آله» كانت تكون مع علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، و كانت في الأنصار حيثما تولوا (2).
و قد يناقش في هذين النصين الواردين تحت رقم (7) و (8) بأنهما فيما يبدو يرجعان إلى نص واحد و هو المروي عن ابن عباس (3)بواسطة عامر تارة و مقسم أخرى و عامر عن مقسم ثالثة، و كلاهما عن ابن عباس في مورد رابع. و قد يظهر لنا من كل ذلك أنها رواية واحدة اكتفى الراوون بذكر واحد ممن رأوه هو الأشهر و الأذكر بنظرهم.
و في جميع الأحوال نقول: قد يقال: إن هذه الرواية أو الروايتين لا تدلاّن على أن الراية كانت دائما مع علي «عليه السلام» بصورة أكيدة و صريحة، لكن الإنصاف هو: أن ظاهرهما ذلك. و لكن تبقى هذه رواية شاذة لا عبرة بها إذا قورنت بذلك السيل الهائل من الروايات الصحيحة و الصريحة في خلاف ذلك كما هو ظاهر.
1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 288، و التاريخ الكبير ج 6 ص 258 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 527 و ج 20 ص 529 و 332 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 249 و سير أعلام ج 1 ص 273 و راجع: فتح الباري ج 6 ص 89 عن أحمد، عن ابن عباس بإسناد قوي.
2) المصنف للصنعاني ج 5 ص 288 و شرح إحقاق الحق ج 20 ص 530.
3) مجمع الزوائد ج 5 ص 321 و راجع: فتح الباري ج 6 ص 89 و التاريخ الكبير ج 6 ص 258 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 371 و 372 و ج 9 ص 109 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 526.
9-عن ثعلبة بن أبي مالك، قال: كان سعد بن عبادة صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المواطن كلها؛ فإذا كان وقت القتال أخذها علي بن أبي طالب (1).
10-قال ابن حمزة: «و هل نقل أحد من أهل العلم: أن عليا كان في جيش إلا و هو أميره» ؟ (2).
11-و في حديث المناشدة: أن عليا «عليه السلام» قال: نشدتكم اللّه، هل فيكم أحد صاحب راية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منذ يوم بعثه اللّه إلى يوم قبضه، غيري؟ !
قالوا: اللهم لا (3).
قالوا: لما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خبر هوازن و ما عزموا عليه، أراد التوجه لقتالهم، و استخلف عتاب بن أسيد أميرا على أهل مكة، و معاذ بن جبل (إماما بها، وفقيها فيها) يعلمهم السنن و الفقه، و كان عمر عتاب إذ ذاك قريبا من عشرين سنة (4).
1) أسد الغابة ج 4 ص 20 و أنساب الأشراف ج 2 ص 106 لكن فيه: ميسرة العبسي بدل سعد بن عبادة، و راجع: شرح إحقاق الحق ج 8 ص 525.
2) الشافي لابن حمزة ج 4 ص 164.
3) المسترشد في إمامة علي بن أبي طالب «عليه السلام» ص 57 و (ط سنة 1415 قم) ص 334.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 312 و 406 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و راجع: إعلام الورى ص 128 و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و البحار ج 21 ص 174 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 48 و 49 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 10 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 137 و أعيان الشيعة ج 1 ص 278.
و نقول:
قد تقدم الحديث عن عتاب بن أسيد و استخلافه على مكة، و عن إبقاء معاذ بن جبل معه، ليعلمهم بعض الأحكام و السنن.
و قد بينا هناك بعض ما يفيد في معرفة ما يرمي إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» من هذا الإختيار و ذاك. .
عن جابر بن عبد اللّه، و عمرو بن شعيب، و عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، و الزهري، و عن أمية بن سفيان: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما أجمع السير إلى هوازن ذكر له: أن عند صفوان بن أمية أدرعا و سلاحا، فأرسل إليه-و هو يومئذ مشرك-فقال: «يا أبا أمية أعرنا سلاحك هذا نلقى فيه عدونا» .
فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟
قال: «لا، بل عارية مضمونة حتى نردها إليك» .
قال: ليس بهذا بأس، فأعطى له مائة درع بما يكفيها من السلاح، فسأله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يكفيهم حملها، فحملها إلى أوطاس (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 312 عن ابن إسحاق، و أحمد، و أبي داود، و النسائي، و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 370 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 891 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 66 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 346 و التنبيه و الإشراف ص 234 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 262 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و عيون الأثر ج 2 ص 215 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 613 و إمتاع الأسماع ص 10 و إعلام الورى ص 119 و البحار ج 21 ص 164 و 165 و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 63 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108.
و يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» استعار منه أربعمائة درع بما يصلحها (1).
و زعم بعضهم: أن بعض تلك الأدرع فقد، فأراد النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يضمنها له، فأبى بعد إسلامه، و قال: «أنا اليوم في الإسلام يا رسول اللّه أرغب» (2).
قالوا: و استعار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة حنين أيضا من نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح، فقال: «صلى اللّه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 312 و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 63 و إمتاع الأسماع ص 10 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و تفسير القرطبي ج 8 ص 97.
2) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و سبل السلام ج 3 ص 69 و تلخيص الحبير ج 11 ص 210 و نيل الأوطار ج 6 ص 41 و مسند أحمد ج 3 ص 401 و ج 6 ص 465 و السنن الكبرى للنسائي ج 3 ص 410 و سنن الدارقطني ج 3 ص 35 و تنقيح التحقيق للذهبي ج 2 ص 121 و أضواء البيان للشنقيطي ج 9 ص 123 و البداية و النهاية ج 4 ص 371 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 8 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 614 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ص 63.
عليه و آله» : كأني أنظر إلى رماحك هذه تقصف ظهر المشركين (1).
و نقول:
قد يقال: ما هو السبب في استعارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» درعا من مشرك، و كذلك في اقتراضه أموالا من المشركين في مكة، و منهم صفوان بن أمية كما تقدم.
مع أن هذا الأمر لا يخلو من إحسان و تفضل من المعير بالنسبة للمستعير، و كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يطلب من اللّه: أن لا يجعل لكافر و لا مشرك عليه يدا يستحق أن يكافئه، أو أن يشكره عليها (2).
و نقول في الجواب: إن الإمتنان على الآخرين، إنما يصح لو كان لذلك المشرك مال يبذله، و عطاء يسديه، و أما إعطاء العبد لمالكه مالا، فلا يعد تفضلا، لأن العبد و ما ملكت يداه لسيده و مولاه. .
و صفوان بن أمية كان من مشركي مكة التي افتتحها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنوة، و من دون قتال، لأن ما وقع من قتال لم يكن بأذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل كان منهيا عنه. فأصبح أهلها الذين
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 312 عن السهيلي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 63 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108. و راجع: المستدرك للحاكم ج 3 ص 246 و الإستيعاب لابن عبد البر ج 4 ص 1512 و قاموس الرجال ج 10 ص 415 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 47 و أسد الغابة ج 5 ص 46 و المنتخب من ذيل المذيل ص 10.
2) تقدمت مصادر ذلك في الحديث عن إيمان أبي طالب.
نابذوه و قاتلوه ملكا له، يتصرف فيهم كيف يشاء، و أصبح مالهم ماله، فاستعارة الدروع من صفوان لا تجعل لصفوان يدا عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأن صفوان و دروعه ملك له «صلى اللّه عليه و آله» .
يضاف إلى ذلك: أنه قد يقال: إن اقتراضه «صلى اللّه عليه و آله» هذا لم يكن لاستفادته الشخصية، بل هو لأجل حفظ الدين و الدفع عن المؤمنين، فليس لهم أن يمنّوا على شخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما يعود نفعه لغيره.
فإن قلت: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حرر أهل مكة، و قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء. فكانت الأموال لأهلها، فإن أعاروها له «صلى اللّه عليه و آله» كانت يدا لهم عنده.
و نجيب:
أولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء، و لم يقل لهم: اذهبوا فأنتم الأحرار. و الطليق مقابل المقيد، و الأسير. و العبد مقابل الحر. . و إطلاق الأسير يعطيه القدرة على التنقل و الحركة، سواء أكان هذا الطليق عبدا أو حرا.
و إنما لم يقل لهم: اذهبوا فأنتم الأحرار، لإمكان أن يوهموا الناس بأن مقصود النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو تقرير حقيقة ثابتة منذ الأزل. فاختيار كلمة: أنتم الطلقاء تعني من جهة: سبق العبودية لهم. و هي من جهة أخرى تبقي الأمر مؤرجحا بين احتمالين:
أحدهما: أنه قد حررهم بنفس هذه الكلمة.
و الثاني: أنهم لا زالوا على عبوديتهم، و لكنه يعطيهم الحرية في التصرف كتصرف الأحرار.
فمعاملتهم من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و الأئمة، كما يعامل الأحرار لا ينافي ما قلناه. لأنه يكون قد جاء على سبيل التفضل و التكرم، فإن للسيد أن يفسح المجال لعبده ليتملك، و يتزوج، و يبيع و يشتري، و لا يلزمه بالإستئذان منه في شيء من ذلك. . و إن انتهى الأمر بعد ذلك إلى صرف ذلك المالك نظره عن عبده هذا بالكلية، ليصبح طليقا و حرا أيضا. .
أي أن حريته تتحقق بصرف النظر هذا، لا بكلمة: اذهب فأنت طليق. .
و على هذا الأساس يصح من مالك ذلك العبد أن يقترض من عبده، و أن يرد إليه ما اقترضه منه.
و نلاحظ هنا: دقة و أهمية هذه السياسة النبوية مع أناس يعرف «صلى اللّه عليه و آله» أخلاقهم و طموحاتهم، و نفسياتهم، و يتوقع، بل و يعرف كيف سيكون موقفهم من هذا الإسلام، و من رموزه الحقيقين، و هم علي و أهل بيته «عليهم السلام» ، فأراد أن يبقي على هذا الشعور عندهم بحقيقة ما انتهى إليه أمرهم معه من خلال تذكيرهم بأنهم لا يستحقون إلا أن يكونوا أرقاء و يسجل ذلك للتاريخ و للأجيال. .
نعود لنقول:
إن مكة لم تفتح عنوة، و خوف أهل مكة من الجيش المندفع إليها لا يجعلها مفتوحة بقوة السيف. . و لا نرى فرقا بين أن تجتمع الجيوش في المدينة، فيخاف أهل مكة، و يعلنون استسلامهم، و بين أن تحضر الجيوش إلى محيط البلد، فيخاف أهلها، و يجنحون إلى الاستسلام، و بين أن يدخلها ذلك الجيش، فيخاف أهلها و يعزفزن عن القتال. ففي هذه الموارد كلها لا يقال: إن البلد قد فتحت عنوة. .
و ربما يشهد لكون مكة ملكا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : ما ورد في الروايات من كراهة تأجير بيوت مكة للحجاج، و أن يعلقوا عليها أبوبا، و أنه لا ينبغي أن يمنعوا الحاج شيئا من الدور ينزلونها و أن للحجاج أن ينزلوا معهم في دورهم في ساحة الدار، حتى يقضوا مناسكهم، و أن أول من جعل لدور مكة أبوابا هو معاوية (1).
ثانيا: لو سلمنا: أن إطلاقهم يعني تحريرهم، لكن ذلك لا يخرج أموالهم عن كونها غنائم للفاتحين، و لا يعيدها إليهم إلا بإعطاء جديد و صريح.
و مجرد إغماض النظر عن المطالبة بتلك الأموال يكون منة أخرى له «صلى اللّه عليه و آله» عليهم، حيث إنه «صلى اللّه عليه و آله» أباح لهم التصرف بها، و إن لم يملّكهم إياها.
و ربما يقال: إن هذه الأموال إن كانت غنائم، و كانت مكة قد فتحت عنوة، فمعنى ذلك: أنها ملك للفاتحين، و هم هذا الجيش الذي دخل مكة
1) راجع النصوص في المصادر التالية: مسائل علي بن جعفر ص 143 و 168 و قرب الإسناد ص 65 و 52 و الكافي ج 1 ص 243 و 244 و ج 4 ص 243 و 244 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 126 و تهذيب الأحكام ج 5 ص 420 و 463 و علل الشرايع ج 1 ص 396 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 267- 270 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 367 و 368 و البحار ج 33 ص 171 و التفسير الأصفى ج 2 ص 802 و التفسير الصافي ج 3 ص 371 و تفسير نور الثقلين ج 3 ص 481 و الحدائق الناضرة ج 17 ص 348 و 349 و جواهر الكلام ج 20 ص 49 و جامع المدارك ج 2 ص 549 و مختلف الشيعة ج 4 ص 367 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 99 و 101 و منتقى الجمان ج 3 ص 476.
كله، فما معنى أن يتصرف بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دونهم، و أن يعطيها لأهل مكة ليتصرفوا بها؟ !
و نجيب: بأن فتحها عنوة إنما هو بمعنى أخذها قهرا عن أهلها، و لو بواسطة ما دخلهم من رعب حين رأوا ذلك الجيش. . فإذا لم يقع قتال و استسلم الناس لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن أموالهم تكون خالصة له «صلى اللّه عليه و آله» ، لا للمقاتلين، و في هذه الحال يكون هو الذي يعطي و يهب، و يأذن بالتصرف، أو لا يأذن.
فالمراد بقوله: لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب: أنه مما لم يقاتل عليه.
و ليس المراد: أنه لم تحضره الخيل و الرجال.
و أما ما وقع من خالد بن الوليد، من قتال في مكة، فهو غير مشروع، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يأذن به، بل هو قد نهى عنه. .
و دعوى: أن دخول الجيوش إلى مكة، و استسلام أهلها خوفا من تلك الجيوش لإحساسهم بالعجز عن مواجهتها، لا يوجب اعتبار مكة مفتوحة عنوة، كما أوضحناه فيما سبق، و التعبير بكلمة: «فتح» مكة لا يجدي في تغيير الحكم الذي يدور مدار فتحها نتيجة القتال. .
قال أهل المغازي: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى حنين لست خلون من شهر شوال (1).
1) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 346 و فتح الباري ج 8 ص 21 و البحار ج 21 ص 181 عن مجمع البيان ج 5 ص 18 و البداية و النهاية ج 4 ص 369 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 610 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 1 ص 255 و معجم قبائل العرب ج 3 ص 1232 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 9 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 150 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 123 و عن أبي نعيم، و ابن إسحاق، و الواقدي، و ابن سعد، و تاريخ الخميس ج 2 ص 100.
و قال ابن إسحاق: لخمس، و به قال عروة، و اختاره ابن جرير، و روي عن ابن مسعود (1).
و قيل: لليلتين بقيتا من شهر رمضان (2).
و جمع بعضهم بين القولين: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» بدأ بالخروج من أواخر رمضان، و سار سادس شوال (3).
و كان وصوله في عاشره (4).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 314 و البداية و النهاية ج 4 ص 369 و 371 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 143 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 610 و 615 و راجع: عمدة القاري ج 12 ص 136.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 346 و فتح الباري ج 8 ص 21 و البحار ج 21 ص 181 عن مجمع البيان ج 5 ص 18 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 143 و شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 133.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 346 و فتح الباري ج 8 ص 21.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 346 و فتح الباري ج 8 ص 21 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 11 و ج 8 ص 388 و أعيان الشيعة ج 1 ص 379 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 1 ص 255.
و قد انتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء (1).
و قال الواقدي: إن ذلك كان يوم السبت (2).
و نقول:
إننا لا نستطيع أن نؤيد هذا الجمع بين القولين، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يحتاج إلى هذه المدة الطويلة التي تقرب من أسبوع أو أسبوعين، لتحريك قواته إلى المعسكر، مهما كان عدد تلك القوات كبيرا.
و لو صح ذلك، فهو يعني: وجود خلل كبير في حركته، من شأنه أن يسهّل على أعدائه تسديد ضرباتهم القوية إلى الجيش، و إسقاط مقاومته.
و لكان نجاحه في حروبه غير منطقي، و لا مقبول، بل لا بد من اعتباره من خيالات الرواة و المحدثين.
عن أبي هريرة: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: حين أراد حنينا: «منزلنا غدا إن شاء اللّه تعالى بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 316 و 318 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 150 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 11 و أعيان الشيعة ج 1 ص 379.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 314 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 150 و تهذيب المقال ج 3 ص 286 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 9 و أعيان الشيعة ج 1 ص 379 و شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 133.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 230 و 313 عن البخاري، و مسند أحمد ج 2 ص 237 و 262 و 353 و 540 و ج 5 ص 202 و عن صحيح البخاري ج 2 ص 158 و ج 4 ص 33 و 247 و ج 5 ص 92 و ج 8 ص 194 و عن صحيح مسلم ج 4 ص 86 و شرح مسلم للنووي ج 9 ص 61 و عن فتح الباري ج 7 ص 147 و ج 8 ص 13 و راجع: المجموع للنووي ج 8 ص 252 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 446 و ج 2 ص 8 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 160 و ج 6 ص 218 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 467 و نيل الأوطار ج 5 ص 166 و كنز العمال ج 10 ص 388 و ج 11 ص 77 و تهذيب الكمال ج 22 ص 156 و غريب الحديث ج 2 ص 831 و معجم ما استعجم ج 2 ص 526 و عون المعبود ج 5 ص 343 و مسند ابن راهويه ج 1 ص 32 و مسند أبي يعلى ج 11 ص 332 و صحيح ابن خزيمة ج 4 ص 321 و 322 و مسند الشاميين ج 4 ص 177 و شرح النهج للمعتزلي ج 17 ص 277 و عن نصب الراية ج 3 ص 181 و 182 و علل الدار قطني ج 9 ص 248 و المعجم الكبير ج 1 ص 168 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 349 و تاريخ بغداد ج 9 ص 95 و تحفة الأحوذي ج 3 ص 574 و تاريخ مدينة دمشق ج 54 ص 223 و ج 57 ص 394 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 339 و ج 5 ص 224 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 561 و ج 4 ص 407 و لسان العرب ج 12 ص 481.
و في رواية قال: «منزلنا إن شاء اللّه تعالى إذا فتح اللّه الخيف، حيث تقاسموا على الكفر» (1).
و نقول:
قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما قال ذلك حين فتح مكة، و قد
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 231 و 313 و صحيح البخاري و ج 5 ص 92 و مسند أحمد ج 2 ص 322 و صحيح مسلم ج 4 ص 86 و عمدة القاري ج 17 ص 282 و فتح الباري ج 8 ص 16 و البداية و النهاية ج 4 ص 339 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 561 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 333.
كان أهل مكة قد تقاسموا على الكفر بخيف بني كنانة. . فلعل أبا هريرة قد سمع ذلك من غيره، ثم لما أراد أن يحدث به غيره ذهل عن حقيقة ما سمعه، و سافر و همه إلى قصة حنين. . أو أراد أن يبعد حديث التقاسم على الكفر عن قريش التي كان ضالعا في التسويق لبعض الطامحين فيها لإبعاد أمر الخلافة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن أهل بيته الأطهار «عليهم السلام» .
هذا بالإضافة إلى احتمال أن يكون خيف بني كنانة قد أصبح معسكرا لجيش الإسلام في فتح مكة، و في حرب حنين على حد سواء. . لكي ينطلق منه حماة الدين و أنصار اللّه و رسوله من المؤمنين المستضعفين، بعد أن كان ذلك المكان مجمعا لعتاة الكفر، الساعين لإطفاء نور اللّه، و يأبى اللّه إلا أن يتم نوره و لو كره المشركون. . و الكافرون. .
و اللّه العالم بحقيقة الحال، و هو الموفق و المسدد في جميع الأحوال. .
لقد كان أهل حنين-و في رواية: أهل مكة-يظنون حين دنا منهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حين قدم من المدينة أنه مبادر بهوازن، و صنع اللّه لرسوله أحسن من ذلك، فتح له مكة، و أقر بها عينه، و كبت بها عدوه.
فلما خرج إلى حنين، خرج معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدا، ركبانا و مشاة، حتى خرج معه النساء يمشين على غير دين، نظارا ينظرون، و يرجون الغنائم، و لا يكرهون أن تكون الصدمة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه
و آله» (1).
و كان معه ثمانون من المشركين: أبو سفيان بن حرب، و صفوان بن أمية، و كانت امرأته مسلمة و هو مشرك لم يفرق بينهما.
و جعل أبو سفيان بن حرب كلما سقط ترس أو سيف أو متاع من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نادى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن أعطنيه أحمله، حتى أوقر بعيره (2).
و خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و زوجتاه: أم سلمة، و ميمونة، فضربت لهما قبة (3).
و نقول:
لا بد لنا هنا من بيان ما يلي:
إن خروج جميع أهل مكة، مؤمنهم و كافرهم إلى حنين، و إن كانت أغراض الخارجين فيه مختلفة، إنما يشير إلى عمق تأثير ما جرى في فتح مكة
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 314 عن الواقدي، و ابن عقبة، و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و البداية و النهاية ج 4 ص 377 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 625 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 577 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 63.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 314 و راجع: تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 578 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 12.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 314 عن الواقدي.
على حياة الناس، و على تفكيرهم، و في أعماق الروح لدى جميع المكيين، حيث لا بد أن يدركوا أنهم أمام تحد هائل و مصيري، قد أصبح في طور التبلور، بصورة عملية و لا بد من التعاطي معه بمسؤولية، و عقلانية، و استيعاب تداعياته بحكمة و روية، و بحنكة و أناة، و لم يعد مسموحا لأحد أن يتصرف وفق هواه، و مشتهاه.
و خروج جميع أهل مكة إلى حنين يدل على أن الناس بدأوا يسعون للمشاركة، و لو على مستوى المشاعر، و العواطف، و أنهم يرصدون التحولات التي تلف منطقتهم، و تهيمن على محيطهم بحرص و اهتمام بالغ، و إن كانت أغراضهم من ذلك تختلف و تتفاوت، و كثير منهم إنما يبحثون عن الغنائم و المكاسب. و لكن قسما كبيرا لم يكن يفكر بهذه الطريقة. .
و هذا يعطينا تفسيرا معقولا و مقبولا لخروج طائفة من الناس-حتى النساء-إلى حنين، على غير دين، نظارا ينظرون. على حد تعبير النص المذكور آنفا. .
و عن الذين خرجوا يرجون الغنائم، نقول:
إننا لا نستطيع أن نتعقل طمع المشركين بأموال حلفائهم، و من يرونهم إخوانا لهم، و من هم على دينهم، و جيرانهم. و من هم و إياهم في خندق واحد في حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من معه أهل الإيمان. . نعم. . لا يمكن تعقل ذلك، إلا على أساس انعدام الحس الإنساني، و تلاشي حركة الضمير و الوجدان لديهم.
و اللافت هنا: أن يكون على رأس الطامعين بالغنائم زعماء الشرك و على رأسهم أبو سفيان بن حرب و أضرابه ممن كانوا طيلة كل تلك السنين يدعون الناس إلى حرب محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و إلى سفك دمه، و إسقاط أطروحته و دعوته، و لا يكرهون أن تكون الصدمة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ها هم يخرجون مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بصورة علنية و ظاهرة، و لا يخجلون من تصرفهم هذا.
مع أن هذا لا يتوافق حتى مع مفاهيم الجاهلية، و مع طريقة أهل الشرك أنفسهم، حيث يعدونه غدرا و خيانة، و من موجبات الخزي و العار.
و نقرأ في النصوص المتقدمة: أن أبا سفيان كان يجمع ما يسقط من أفراد ذلك الجيش من أترسة و سيوف، و أمتعة. حتى أوقر بعيره منها. و أنه كان هو المبادر لهذا الفعل. .
فهل أراد بذلك إظهار حسن نواياه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و للمسلمين؟ ! . أو أراد أن يكون ما يجمعه بعضا من غنيمة كان يرجوها لو كانت الدائرة على المسلمين؟ !
لعل ما سيأتي من أنه لم يكن صادقا في إسلامه، و كان يرجو أن تكون الدائرة على أهل الإيمان. . يؤيد هذا الإحتمال الأخير.
و دعوى: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يفرق بين صفوان المشرك، و امرأته المسلمة غير ظاهرة الصحة.
فإنه لو صح: أن امرأة صفوان قد أسلمت قبله، فذلك لا يعني خروجها من بيته، و انفصالها التام عنه. بل المطلوب هو: أن يعرّفها «صلى اللّه عليه و آله» أنه ليس لصفوان أن يقربها، و يمكنها بعد ذلك أن تنتظر زوجها إلى حين انقضاء عدتها توقعا لإسلامه. . كما كان الحال بالنسبة لما يذكرونه عن امرأة عكرمة بن أبي جهل، حيث إنها لحقته إلى ساحل البحر، و جاءت به إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كانت مسلمة، و هو لا يزال على شركه، فكانت تمنعه من الإقتراب منها إلى أن أسلم. .
إن إخراج النبي «صلى اللّه عليه و آله» لزوجتيه: ميمونة، و أم سلمة معه في هذه الحرب، و إخراجهن، أو إخراج غيرهن من نسائه، و كذلك إخراج ابنته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء «عليها السلام» ، أحيانا في حروبه الأخرى. . رغم أن جميع تلك الحروب لم تكن-بحسب ظواهر الأمور- مأمونة النتائج من حيث الإنكسار، أو الإنتصار. إن ذلك يعد دليلا آخر على يقينه بوعد اللّه تعالى له. و لا بد أن يعد ذلك من إخباراته الغيبية، و من دلائل نبوته. . إذ إن أحدا لا يخاطر بهذا الأمر الحساس جدا في مثل هذه الحالات. إذا كان غير واثق بالنصر، و بمصونية عرضه من أن يناله أي أذى.
و قد تقدم: أن مالك بن عوف قد أمر في حنين أصحابه بأن يستصحبوا نساءهم و أطفالهم و نعمهم، فتغيّظ عليه دريد بن الصمة، و صفق بيديه، و قال: «راعي ضأن و اللّه» لاحتمال أن تكون الدائرة عليه، فتكون الفضيحة في أهله و ماله. و أمره أن يرفع الأموال و النساء و الذراري إلى عليا قومهم،
و ممتنع بلادهم. هذا على الرغم من أن مالك بن عوف قد جمع أكثر من عشرين ألف سيف، و يرى أن النصر في متناول يده، و يرى أن محمدا «صلى اللّه عليه و آله» لم يقاتل رجالا ذوي خبرة قبل هذه المرة، و إنما كان يلقى قوما أغمارا، لا علم لهم بالحرب، فيظهر عليهم على حد تعبيره، كما تقدم تحت عنوان: الإستخبارات العسكرية. .
إن حمل النبي «صلى اللّه عليه و آله» نساءه «صلى اللّه عليه و آله» يشير للأعداء و للأولياء على حد سواء بثقته بالنصر، بالرغم من عدم توفر شيء من مقوماته. . أو ظهور شيء من علاماته، بل الدلائل و الشواهد متوافرة و متضافرة بضد ذلك، و أن العدو هو الذي يملك مقومات الظفر، و مفاتيح النصر. .
فيكون هذا الفعل منه «صلى اللّه عليه و آله» من أسباب الربط على قلوب الأولياء، و من أسباب كبت الأعداء أيضا، و هو بمثابة إخبار غيبي إلهي بنتائج المعركة، و هو من دلائل صدقه، و شواهد نبوته، و من معجزاته و كراماته كما لا يخفى.
عن أبي قتادة الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى حنين، و نحن حديثوا عهد بالجاهلية، فسرنا معه إلى حنين، و كانت لكفار قريش و من سواهم من العرب شجرة عظيمة-و عند الحاكم في الإكليل: سدرة خضراء-يقال لها: «ذات أنواط» ، يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، و يذبحون عندها، و يعكفون عليها يوما.
فرأينا و نحن نسير مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سدرة خضراء عظيمة، فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول اللّه، اجعل لنا «ذات أنواط» كما لهم «ذات أنواط» .
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، قلتم و الذي نفسي بيده، كما قال قوم موسى لموسى: اِجْعَلْ لَنٰا إِلٰهاً كَمٰا لَهُمْ آلِهَةٌ قٰالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (1)إنها لسنن، لتركبن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة» (2).
و نقول:
1-إن الحديث عن حركة السنن التاريخية في الأمم السابقة و اللاحقة، لا يعني أن ثمة جبرية إلهية تفرض على البشر قراراتهم، و تتحكم بتصرفاتهم،
1) الآية 138 من سورة الأعراف.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 314 عن ابن إسحاق، و الترمذي، و النسائي، و ابن أبي حاتم، و الحاكم في الإكليل، و تاريخ الخميس ج 2 ص 101 و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 64 و راجع: مسند أحمد ج 5 ص 218 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 634 و مسند أبي يعلى ج 3 ص 30 و تفسير ابن أبي حاتم ج 5 ص 1553 و البداية و النهاية ج 4 ص 372 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 37 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 893 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 616 و المعجم الكبير ج 3 ص 244 و الدرر لابن عبد البر ص 325 و كنز العمال ج 11 ص 170 و جامع البيان ج 9 ص 61 و تفسير الآلوسي ج 9 ص 42 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 46.
دون أن يكون لهم فيها أي خيار، أو اختيار. .
بل هو حديث عن حركة الأسباب و العلل، و تأثيرها في المسببات و النتائج.
و هو من أدلة أن اللّه سبحانه قد خلق الخلق، وفق نظام دقيق يهيمن عليه قانون السببية، و يمكن التعرف على طبيعة حركته من خلال هذا النظام، حين يقف الإنسان على حقائقه و دقائقه بصورة صحيحة و يقينية، و يعرف منظوماته الأرقى، و طبيعة علاقاتها بما هو أدنى منها في سلسلة مراتبها المختلفة.
و إذا وقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المعصوم «عليه السلام» على هذه الحقائق و الدقائق من نفس صانعها و واضعها، فإنه سيكون قادرا على رؤية نتائجها المختلفة، في طول الأزمنة المتعاقبة، لأنه يعرف أن الزمان و المكان لا يمثل عائقا لحركة السنن، بل هما حاضنان لنتائجها و تداعياتها، في عين كونهما خاضعين لها أيضا. .
فإخبار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما سيكون بالإستناد إلى هذه السنن، لا يمكن تلقّيه على أنه أمر عادي، و قريب المنال. . بل هو دليل عظمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و آية نبوته، من حيث إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نال درجة استحق معها أن يطلعه اللّه على أسرار الخليقة، و سنن الحياة، و حقائق التكوين. . و هو ما لم ينله أحد من البشر سواه على الإطلاق. .
من أجل ذلك يكون إخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن هذه السنن و الحقائق، هو عين اليقين، لأنه يأخذ عن اللّه تبارك و تعالى، خالق الكون، و واهب الحياة، و جاعل السنن.
و أما ما يخبر به غيره، فلا يعدو أن يكون من التظني، و الرجم بالغيب،
استنادا إلى استقراءات ناقصة، أو اجتهادات تنتهي إلى الحدس و التخمين. . مع ضعف بل عجز ظاهر عن الإحاطة بالسنن، و بمنظومتها، و مراتبها، و طبيعة و مدى علاقاتها و تأثرها و تأثيراتها في بعضها البعض. .
2-ثم إنه لا شك في أن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» على علم تام بأخلاق الناس و بأهوائهم و ميولهم، و هو أعرف من كل أحد بطموحات، و بطريقة تفكير، و بحقيقة و صحة و مدى إيمان أولئك الذين سوف يخلفونه، و يخططون لبلورة دور لهم في المسيرة العامة، خارج دائرة توجيهاته «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا تتلاءم مع الأوامر و الزواجر الإلهية. .
فإذا وضع ذلك في سياق السنن الإلهية في البشر و خلقهم و خلقهم، فلا بد أن يدرك المنحى الذي سوف تتخذه تصرفاتهم، و مواقفهم و ممارساتهم. .
3-و اللافت هنا: أن طلبهم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يجعل لهم ذات أنواط، كأهل الجاهلية، قد أشبه طلبا لبني إسرائيل من موسى، فهل جاء هذا التشابه بين هؤلاء و أولئك على سبيل الصدقة؟ ! أم أن له جذورا في أعماق الذات؟ ! و هل هذا يشير إلى أن ثمة وجوه شبه أخرى بين هذين الفريقين في سائر المجالات؟ !
و هل هناك علاقة بين التعبير الوارد عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الإشارة إلى يهود أمته «صلى اللّه عليه و آله» . . الذين يقتلون ذريته (1)،
1) البحار ج 44 ص 304 و العوالم، الإمام الحسين للبحراني ص 598 عن عيون أخبار الرضا، و تفسير الإمام العسكري ص 369 و التفسير الصافي ج 1 ص 154 و تأويل الآيات لشرف الدين الحسيني ج 1 ص 75 و ذوب النضار لابن نما الحلي ص 12.
و بين يهود بني إسرائيل؟ ! .
إن ذلك كله يحتاج إلى المزيد من التتبع للنصوص، و المقارنة بينها، و رصد الظواهر في هذه الأمة، و في بني إسرائيل! و كنا قد بذلنا محاولة في هذا الإتجاه، نسأل اللّه أن يوفقنا لإتمامها في الوقت المناسب.
عن سهل بن الحنظلية: إنهم ساروا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم حنين، فأطنبوا في السير، حتى إذا كان عشية حضرت صلاة الظهر عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجاء رجل فارس، فقال: يا رسول اللّه، إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا و كذا، فإذا بهوازن قد جاءت عن بكرة أبيهم، بظعنهم، و نعمهم، و شائهم، اجتمعوا.
فتبسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: «تلك غنيمة للمسلمين غدا إن شاء اللّه تعالى» .
ثم قال: «من يحرسنا الليلة» ؟ الخ. . (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 315 عن النسائي، و أبي داود، و تاريخ الخميس ج 2 ص 101 عن المشكاة، و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و المغني لابن قدامة ج 10 ص 380 و سنن أبي داود ج 1 ص 561 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 83 و السننن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 149 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 273 و المعجم الكبير للطبراني ج 6 ص 96 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 456 و أسد الغابة ج 1 ص 130 و تهذيب الكمال ج 34 ص 218 و الإصابة ج 1 ص 280 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 575 و البداية و النهاية ج 4 ص 372 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 616 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و فيه: أن هذا الرجل هو ابن أبي حدرد نفسه.
و نقول:
إن لهذه الحادثة، نظائر عديدة في حياة النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» . و لكن لا بأس بالتوقف قليلا في هذا المورد على الأقل. و نترك سائر الموارد إلى حصافة القارئ الكريم، الذي سيكون قادرا على استنطاق نصوصها، و استخراج معانيها و مراميها، المناسبة لمقام النبوة، و سياق الأحداث. .
فنقول:
لقد بشر النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه بأن ما جاءت به هوازن من ظعن، و نعم، و شاء سيكون غنيمة للمسلمين. . و ذلك على سبيل الإخبار الغيبي، الذي هو من دلائل النبوة، و من أسباب زيادة اندفاع المؤمنين للقتال، و تشكيك الأعداء بقدراتهم، و بقوتهم. .
خصوصا: و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر عن حصول هذا الأمر بالجملة الإسمية المفيدة للتحقق و الثبوت. .
كما أنه قد تبسم قبل أن يتفوه بهذا الخبر المفرح لأهل الإيمان، و المخيف و المحزن لأهل الكفر و الطغيان. .
و هو تبسم يوحي بالثقة و بالرضا و الإرتياح، و ذلك يزيد من رعب العدو، و من ثقة و اندفاع الولي، عوضا عن التوجس، و الترقب. .
و هو أيضا يحمل معه معنى الاستخفاف بالعدو، و السخرية من قراره
باستصحاب الظعن و الأنعام، و أنه خطأ وقع فيه عدوه، حين أحضر ذلك كله أمام أعين محاربيه من المؤمنين، الذين سوف يزيدهم حضور الغنيمة اندفاعا و توثبا. . فكيف إذا كان أهل مكة أنفسهم، و المشركون منهم أيضا قد حضروا هذه الحرب طمعا بالغنائم أيضا حسبما تقدم؟ ! .
إنه تبسم العارف بالنتائج، و الواقف على الخفايا و الأسرار.
ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد علق حصول المسلمين على تلك الغنيمة على مشيئة اللّه تبارك و تعالى.
كما أن صياغة العبارة «تلك غنيمة المسلمين غدا» ، قد خلت من الإشارة إلى أي دور للمسلمين في أخذ هذه الغنيمة، و لو أراد أن يشير إليهم بشيء من ذلك، لقال: غدا يغنمها المسلمون، أو سيغنمها المسلمون، أو نحو ذلك. .
و ذلك. . لأن حصول هذه الغنيمة إنما هو بصنع من اللّه، و بتوفيق منه لنبيه الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، و لوليه العظيم علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، ثم يعطيها للمسلمين بمشيئة منه تبارك و تعالى. .
من دون استحقاق منهم لها، حتى بأن تنسب الغنيمة إليهم. .
فظهر أن قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «إن شاء اللّه تعالى» ، لم يأت لمجرد التيمن، أو الدعاء، بل هو إخبار عن أن الأمر في هذه الغنيمة يرجع كله للّه تعالى، و ليس لإرادة أو لفعل الناس دور يصح معه نسبة ذلك إليهم.
و قد ظهرت صحة و دقة هذا التعبير حين فرّ المسلمون بأجمعهم عن
رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يبق أحد يقاتل المشركين غير علي «عليه السلام» .
و إن كان العباس أو غيره من بني هاشم لم يبادروا إلى الفرار، فإنما كانوا حول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحوطونه و يحفظونه كحراس له، في حين كان المهاجم للأعداء، و صاحب النكاية فيهم هو علي «عليه السلام» دون سواه، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. .
و آخر ما نشير إليه هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، سرعان ما تجاوز هذا الموضوع، و طوى عنه كشحا، مظهرا عدم الإكتراث به، حيث بادر إلى القول: «من يحرسنا الليلة» ؟ ! و كأنه يريد أن يفهم الناس أن هذا الأمر مفروغ عنه، فلا حاجة لأن يشغل الناس أنفسهم في تفاصيله.
و هذا يعد تأكيدا آخرا على تحقق هذا الأمر، و لا بد أن تظهر ثمرات ذلك كله بعد النصر الذي سيعقب هزيمة جميع المسلمين عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هوازن، فبينما نحن نتضحى مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذ جاء رجل على جمل أحمر، فأناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم فتغدى مع القوم.
و جعل ينظر و فينا ضعفة ورقة من الظهر، و بعضنا مشاة، إذ خرج يشتد، فأتى الجمل، فأطلق قيده، ثم أناخه، ثم قعد عليه. فاشتد به الجمل،
و اتبعه رجل من أسلم من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ناقة ورقاء.
و في رواية: أتى عين من المشركين إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في سفر، فجلس عند أصحابه يتحدث. انتهى.
ثم انفتل، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اطلبوه و اقتلوه» .
قال سلمة: و خرجت أشتد، فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل، فأنخته، فلما وضع ركبته على الأرض، اخترطتّ سيفي فضربت رأس الرجل فندر.
ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله و سلاحه، فاستقبلني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و الناس معه، فقال: «من قتل الرجل» ؟
قالوا: ابن الأكوع.
قال: «له سلبه أجمع» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 337 عن البخاري، و في هامشه عن: البخاري في الجهاد (3051) ، و أحمد ج 4 ص 51 و أبو داود (2653) ، و الطبراني في الكبير ج 7 ص 29 و البيهقي في السنن الكبرى ج 9 ص 6 و 147 و 306 و الطحاوي في المشكل ج 4 ص 140 و راجع: نيل الأوطار للشوكاني ج 8 ص 97 و صحيح مسلم ج 5 ص 150 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 67 و فتح الباري ج 6 ص 117 و عمدة القاري ج 14 ص 296 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 227 و معرفة السنن و الآثار ج 5 ص 119 و الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 63 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 6 و أضواء البيان للشنقيطي ج 2 ص 83.
و نقول:
إن في هذه الرواية أمورا من شأنها أن تزلزل الطمأنينة لدينا بصحتها، و نذكر منها:
1-إذا كان ابن الأكوع قد تبع ذلك الرجل وحده، فلا معنى لسؤال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «من قتل الرجل» ؟ لا سيما و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جاء و الناس معه لاستقباله. .
إلا أن يقال: ليس في الرواية دلالة على أن ابن الأكوع تبع ذلك الرجل وحده، و لعله بعد أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتل الرجل انبعث أكثر من شخص، و إنما تحدث سلمة عن خروجه هو، و كيف أنه أدركه فقتله و عاد، فاستقبله النبي «صلى اللّه عليه و آله» و معه الناس. أي سوى من كان خرج في طلب الرجل. .
و لكن هذا الإحتمال لا يتلاءم مع سياق كلام ابن الأكوع، إذ لو كان معه غيره لقال: فاستقبلنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخ. .
2-إن الرواية الأولى تصرح: بأنه تبعه على ناقة ورقاء. . و الثانية تفيد: أنه تبعه راجلا، فأي ذلك هو الصحيح؟ !
3-قد كان بإمكان ذلك الرجل أن ينسل من بينهم بصورة طبيعية، فلماذا يركض و يشتد. . و ما معنى: أن يهجم على الطعام بهذه الطريقة المثيرة؟ ! و المفروض بالعين: أن يكون أكثر كياسة، و لباقة، و حنكة مما نراه.
4-إن حركة الرجل السريعة لا بد أن تثير المسلمين، و تدعوهم لأن يلحقوه، و يأخذوه ليعرفوا خبره، مع أننا لا نجد في الرواية ما يشير إلى أن أحدا تحرك لهذه المهمة سوى رجل واحد هو سلمة بن الأكوع.
و احتمال أن يكون قد تحرك غيره معه لا يتلاءم مع سياق كلام ابن الأكوع حسبما ذكرناه فيما سبق. .
5-حين ينزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» بجيشه لكي يتضحوا (أي لأجل أكل طعام الضحى) ، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يجلس وحيدا بعيدا عن جيشه و في عمق الصحراء، بل المتوقع هو: أن ينزل في مكان، ثم يصير الجيش يتحلق حوله حتى يصبح «صلى اللّه عليه و آله» في الوسط. . فكيف استطاع ذلك الرجل أن يخترق تلك الجموع، و يسير كل تلك المسافات بين جموع تعد بالألوف، و يطارده سلمة بن الأكوع، ثم لا يعترضه أحد من ذلك الجيش، الذي يحتاج إلى عدة دقائق للخروج من بين جموعه؟ ! و كيف لم تثر حركته فضولهم؟ !
و كيف لم يشاركوا سلمة بن الأكوع في اللحاق به؟ !
و كيف؟ ! و كيف؟ !
6-هل إن ملاحقة و حسم مصير عين، أو راصد، تستوجب أن يقوم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بنفسه، و معه الناس لاستقبال من فعل ذلك؟ !
7-إن ما فعله ذلك الرجل، من مجيئه على الجمل، و إطلاق قيده، و إناخته، ثم قعوده عليه، ثم إنهاضه، و الإنطلاق به، يحتاج إلى بعض الوقت، الذي يستطيع معه ابن الأكوع و غيره الوصول إليه، و الفبض عليه قبل أن ينهض به الجمل، فلماذا صبروا حتى فعل ذلك كله. و انطلق بجمله؟ !
8-لماذا كان مع الرجل ناقة و جمل؟ !
أو فقل: إن الرواية تتحدث أولا عن جمل جاء به ذلك الرجل، فأناخه،
و عقله. ثم تتحدث عن ناقة حاذاها سلمة بن الأكوع، ثم عن جمل حاذاه، ثم تقدم حتى أخذ بخطامه. فمن أين و متى جاءت تلك الناقة؟ ! و ما هي الحكمة في ذلك؟ !
9-إذا كان سلمة يركب الناقة، فمتى نزل عنها، حتى أخذ بخطام ذلك الجمل الذي ينطلق بسرعة فائقة؟ !
10-لماذا لم يبادر ذلك الرجل إلى القفز عن ظهر الجمل حينما كان ينخيه سلمة ليتمكن من تجنب سيف سلمة، بل هو قد انتظر حتى اناخ به الجمل، ثم اخترط سيفه، و قتله به؟ !
11-إذا كان قتل ذلك الرجل له أهمية إلى حد ان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخرج مع الناس لاستقبال قاتله، فلماذا اقتصرت الرواية على سلمة نفسه، و لم يهتم بها الرواة، و لم يتناقلوها بالمستوى الذي يليق بها؟ !
12-إننا نلاحظ: أن راوي الحديث في البداية كان سلمة بن الأكوع، و لكنه هو نفسه يعود اخيرا ليقول: «و اتبعه رجل من أسلم، من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فكيف نفسر هذا السياق لراو يتحدث عن نفسه بهذه الطريقة؟ !
و ذكروا: أنهم حين ساروا إلى حنين و أصبحوا قريبا من جمع هوازن. و أرادوا المبيت في موقعهم، قال «صلى اللّه عليه و آله» : من يحرسنا الليلة؟ !
قال أنس بن أبي مرثد: أنا يا رسول اللّه.
قال: «فاركب» .
فركب فرسا له، و جاء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «استقبل هذا الشعب، حتى تكون في أعلاه و لا نغرن من قبلك الليلة» .
فلما أصبحنا خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى مصلاه، فركع ركعتين ثم قال: «هل أحسستم فارسكم» ؟
قالوا: يا رسول اللّه، ما أحسسناه، فثوب بالصلاة.
فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصلي و هو يلتفت إلى الشعب، حتى إذا قضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلاته قال: «أبشروا فقد جاءكم فارسكم» .
فجعل ينظر إلى خلال الشجر في الشعب، و إذا هو قد جاء حتى وقف على رسول اللّه، فقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب، حيث أمرني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما أصبحت، طلعت الشعبين كليهما، فنظرت فلم أر أحدا.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هل نزلت الليلة» ؟
قال: لا، إلا مصليا، أو قاضي حاجة.
فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «قد أوجبت، فلا عليك أن لا تعمل بعدها» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 315 عن النسائي، و أبي داود، و الإصابة ج 1 ص 73 و تاريخ الخميس ج 2 ص 101 و المغني لابن قدامة ج 10 ص 381 و الشرح الكبير ج 10 ص 379 و سنن أبي داود ج 1 ص 561 و المستدرك ج 2 ص 84 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 149 و المعجم الكبير ج 6 ص 96 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 456 و أسد الغابة ج 1 ص 130 و الإصابة ج 1 ص 280 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 575 و البداية ج 4 ص 372 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 617.
و نقول:
إننا نشك في صحة هذه الرواية، و ذلك لما يلي: أولا: إذا كانت الحراسة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فهو لا يحتاجها في جيش يبلغ تعداده الألوف، و إن احتاج إليها، فما معنى أن يكون حارسه رجلا واحدا.
و إن كان المقصود هو: أن يحرس أنس بن أبي مرشد ذلك الجيش كله؟ ! فهو غير معقول! فإن جيشا بهذا العدد الكبير، يحتاج إلى عشرات، بل إلى مئات من الفرسان، الذين يحيطون به من جميع الجهات، حتى لا يفاجئهم العدو من أية جهة كانت.
و لو فرضنا: أن العدو كان في الجهة التي كان أنس مرابطا فيها.
فمن الذي يضمن عدم انتقال العدو منها إلى جهة أخرى، ليشن هجومه منها، أو أن لا يفرق قواه في مختلف الجهات، لتأتي حملته مؤثرة في تشويش الأمور على الجيش الغافل، و الغارق في النوم؟ !
ثانيا: كيف أوكل «صلى اللّه عليه و آله» أمر حراسته، أو حراسة الجيش كله إلى رجل واحد، قد يأخذه النوم، أو يأخذه العدو، و تكون الكارثة؟ ! .
أليس يزعمون: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جرب ذلك و هو في طريق عودته إلى خيبر، حيث طلب من بلال أن يبقى مستيقظا إلى حين
طلوع الفجر، فنام بلال، و فاتتهم الصلاة؟ !
فإننا و إن كنا قد كذبنا هذه المزاعم، لكننا نذكرها هنا على سبيل إلزام من يصدق بها.
ثالثا: ما معنى أن يصلي النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يلتفت إلى جهة الشعب؟ ! .
و احتمال أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد صلى عدة صلوات و كان يلتفت إلى الشعب بعد انتهاء كل صلاة لا يتلاءم مع سياق الكلام، و لا سيما قوله: فثوب بالصلاة، حيث إن ظاهره أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يصلي الصلاة المكتوبة. . و يؤيده قوله: حتى إذا قضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صلاته.
رابعا: قالت الرواية: إن أنس بن أبي مرشد قد نزل من موقعه لأجل قضاء الحاجة. .
ألا يعد ذلك: تفريطا بالمهمة التي أوكلت إليه؟ !
و ألم يكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعلم: أنه بحاجة إلى أن ينزل من موقعه إذا عرضت الحاجة له؟ فماذا لو أن العدو هجم عليه و على المسلمين في هذه اللحظة؟ ! .
خامسا: لعلّ الأمرّ و الأدهى من ذلك كله زعمهم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لأنس: «لا عليك، ألاّ تعمل بعدها» ! .
فهل سهر هذه الليلة في سبيل اللّه يكفيه عن العمل بقية عمره؟ !
و هل معنى قوله هذا: أن العمل قد سقط عنه، و لم يعد مطالبا به، فإذا جاء به فإنه سيكون قد أتى بعمل لا يطلبه اللّه منه. .
و إذا كان ذلك غير مطلوب، فهل يمكن أن نفهم ذلك أن عمله بعد اليوم أصبح بلا ثمرة، و لا أثر؛ لأن سهر تلك الليلة قد أغنى عنه؟ ! . .
و هل يصح من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يلوح لإنسان بأن يترك العمل، و يكتفي بما سلف؟ ! .
و قد سئل النبي «صلى اللّه عليه و آله» -و السائل له هي عائشة-عن السبب في أنه يجهد نفسه في عبادة اللّه، مع أن اللّه قد غفر له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر، قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟ (1). فلماذا لا يدعوه إلى المزيد من
1) راجع: البرهان (تفسير) ج 3 ص 29 عن الكافي، و عن الإحتجاج للطبرسي، و الدر المنثور ج 6 ص 70 عن ابن المنذر، و ابن مردويه، و البيهقي في الأسماء و الصفات، و في شعب الإيمان، و ابن عساكر، و ابن أبي شيبة، و أحمد في الزهد، و أبي يعلى، و الحسن بن سفيان، و ابن عدي، و أبي نعيم في حلية الأولياء عن عائشة، و أنس، و أبي هريرة، و الحسن، و أبي جحيفة و غيرهم. و راجع: الصلاة في الكتاب و السنة للريشهري ص 196 و الكافي ج 2 ص 95 و شرح أصول الكافي ج 8 ص 294 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 128 و مشكاة الأنوار ص 76 و البحار ج 68 ص 24 و ج 81 ص 262 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 403 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 5 ص 421 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3232 و مسند أحمد ج 6 ص 115 و صحيح البخاري ج 6 ص 44 و صحيح مسلم ج 8 ص 142 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 39 و راجع: فتح الباري ج 3 ص 13 و عمدة القاري ج 19 ص 177 و الديباج على مسلم ج 6 ص 171 و المعجم الأوسط ج 4 ص 138 و المعجم الصغير ج 1 ص 71 و فضائل الأوقات للبيهقي ص 128 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 349 و تفسير ابن عربي ج 1 ص 95 و الجامع لأحكام القرآن ج 14 ص 277 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 197 و أضواء البيان للشنقيطي ج 8 ص 360 و تهذيب الكمال ج 16 ص 300 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 315 و 316 و ج 13 ص 33 و أهل البيت في الكتاب و السنة لمحمد الريشهري ص 268 و جامع السعادات ج 3 ص 192 و مكيال المكارم ج 1 ص 290.
الطاعة للّه، ليكون عبدا شكورا أيضا؟
مع أننا نتحفظ على صحة سؤال عائشة أيضا، فإنها إنما قالت ذلك بحسب نظرتها هي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا بحسب واقع الأمر. . فإنها كانت ترى: أن المقصود بالذنب المغفور للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : هو ذنبه تجاه ربه.
و ذلك غير صحيح، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» معصوم عن الذنب و الخطأ، مبرّأ من الزلل. . . و المقصود بالذنب في آيات سورة الفتح هو ما يراه قومه ذنبا.
سادسا. . و أخيرا: إن أنسا قد صرح: بأنه قضى ليلته مصليا، فهل استطاع أن يتوجه إلى الكعبة في صلاته؟ ! . و ما ذا لو كانت الكعبة خلف ظهره، حين يكون في مواجهة العدو؟ ! و هذا هو الأولى بالإحتمال بالنسبة لحنين التي هي إلى جهة الطائف. و المسلمون إنما قدموا من مكة باتجاه حنين، و يفترض أن تكون مكة خلفهم و حنين أمامهم في مسيرهم ذاك. .
و يقولون: إن عباس بن مرداس قد أسدى لهوازن نصيحة في شعره حيث قال:
أبلغ هوازن أعلاها و أسفلهامني رسالة نصح فيه تبيان
إني أظن رسول اللّه صابحكمجيشا له في فضاء الأرض أركان
فيهم سليم أخوكم غير تارككمو المسلمون عباد اللّه غسان
و في عضادته اليمنى بنو أسدو الأجربان بنو عبس و ذبيان
تكاد ترجف منه الأرض ترهبهو في مقدمه أوس و عثمان
قال ابن إسحاق: أوس و عثمان قبيلا مزينة (1).
و غني عن القول: أن المقصود بهذا الشعر إن كان هو نصح هوازن لكي تأخذ حذرها، و تستعد للحرب، فتلك خيانة منه، يحاول أن يتستر عليها بادعاء مدح جيش المسلمين، و تخويف أعدائهم.
و إن كان المقصود هو مجرد الإفتخار، و عرض العضلات، و من عادة العرب: الإفتخار على أعدائهم بشجاعتهم، و بعدتهم، و عددهم. . فلماذا يخبرهم بوقت وصول النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليهم؟ !
و الذي نراه هو: أن هذا الشعر قد تضمن ما يلي:
1-تفويت عنصر المفاجأة على جيش المسلمين، لأنه أخبر العدو بوقت وصول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بجيشه إليهم، و تلك خيانة عظمى، و جناية كبرى.
2-إنه يتضمن تطمينا لهوازن، بأن سليما، التي كان هو من زعمائها هم
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 315 و البداية و النهاية ج 4 ص 372 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 616.
إخوان لهوازن، و هم سوف لن يتركوهم طعمة للسيوف.
و يلاحظ هنا: أنه لم يصف سليما بالإسلام، بل أطلق وصف الإسلام على غسّان، و من بعدهم.
و هذه إشارة أخرى لهوازن: بأن سليما لم تزل تبطن الكفر، و إن اظهرت الإيمان.
و بعد ما تقدم، فقد يراود الذهن احتمال أن يكون هذا الرجل من أهل النفاق، و ربما يكون قد عاد إلى نفسه بعد ذلك.
و قالوا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد انتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء (1)، لعشر خلون من شوال (2).
و كان قد سبقهم مالك بن عوف، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، و فرقهم على الطرق و المداخل (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 316 و 318 و تاريخ الخميس ج 2 ص 101 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 11 و ج 8 ص 388 و 389 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 150 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 316 و 318 و 346 و تاريخ الخميس ج 2 ص 101 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 574 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 2 ص 11 و ج 8 ص 388 و 389 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 1 ص 255 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 150 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و فتح البارى ج 8 ص 21.
3) تاريخ الخميس ج 2 ص 101 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 50 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و شرح السير الكبير للسرخسي ج 1 ص 116 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 316 عن الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 64.
و بعث مالك بن عوف ثلاثة نفر من هوازن ينظرون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه، و أمرهم أن يتفرقوا في العسكر، فرجعوا إليه، و قد تفرقت أوصالهم.
فقال: ويلكم ما شأنكم.
فقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فو اللّه، ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، و اللّه ما نقاتل أهل الأرض، إن نقاتل إلا أهل السماوات، و إن أطعتنا رجعت بقومك، فإن الناس إن رأوا مثل الذي رأينا أصابهم مثل ما أصابنا.
فقال: أف لكم، أنتم أجبن أهل العسكر، فحبسهم عنده، فرقا أن يشيع ذلك الرعب في العسكر.
و قال: دلوني على رجل شجاع.
فأجمعوا له على رجل، فخرج، ثم رجع إليه قد أصابه كنحو ما أصاب من قبله منهم.
فقال: ما رأيت؟
قال: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق، ما يطاق النظر إليهم، فو اللّه ما تماسكت أن أصابني ما ترى. فلم يثن ذلك مالكا عن وجهه (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 316 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 123 و عن أبي نعيم، و الواقدي، و ابن إسحاق، و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 64 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و عن المغازي للواقدي ج 3 ص 892 و 893.
و نقول:
إن علينا أن ننظر إلى هذه الروايات التي تتحدث عن الإمداد بالملائكة بتروّ و أناة، و ليس لأحد ان يبادر إلى رفضها، بل نخضعها للبحث و التحقيق، ما دام أن مضمونها ليس من المحالات العقلية.
و في غزوة بدر صرحت الآيات القرآنية: بأن اللّه تعالى قد أمدّ رسوله فيها بالملائكة.
كما أن القرآن نفسه قد صرح عن حنين أيضا بقوله: ثُمَّ أَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا وَ عَذَّبَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذٰلِكَ جَزٰاءُ اَلْكٰافِرِينَ (1)، فلماذا نستغرب أمثال هذه الروايات التي تتحدث عن رؤية الناس و الملائكة في ساحات القتال؟ ! أو نبادر إلى رفضها؟ أو إلى التشكيك فيها؟ ! .
و لعلك تقول: إن ظاهر الآية القرآنية هو: أن الإمداد بالجنود قد كان بعد أن ولى المسلمون مدبرين، و هذه الرواية تتحدث عن مرحلة ما قبل بدء الحرب.
يضاف إلى ذلك: أن الآية تصرح: بأن الناس لم يروا الجنود.
و الرواية تقول: بأنهم قد رأوها.
و يمكن أن يجاب: أولا: إن رؤية الجنود المنفية في الآية الكريمة هي رؤية المؤمنين لهم، و أما رؤية الكافرين لهم، فلم تتحدث الآية عنها، و قد كان المطلوب أن يرى
1) الآية 26 من سورة التوبة.
الكافرون كثرتهم، ليضعفوا عن الحرب. .
ثانيا: إن الملائكة الذين كانوا جنودا، و مقاتلين، إنما نزلوا بعد الهزيمة، و ذلك لا يمنع من وجود الملائكة مع المسلمين قبل بدء الحرب، لأجل مهمات أخرى غير القتال، و غير الجندية، كأن يكون المقصود تكثير المسلمين، و إلقاء الرعب في نفوس المشركين. .
ثالثا: إن وجود الملائكة مع المسلمين، ثم فرار هؤلاء المسلمين من الحرب، دليل على أن النصر الذي حصل بعد ذلك لم يكن من صنع هؤلاء الهاربين، بل هو من صنع خصوص المؤمنين الحقيقيين، الذين حين أصبحوا وحيدين في ساحة المعركة، أنزل اللّه جنوده ليكونوا معهم، بدلا عن أولئك الهاربين.
و معنى ذلك: أن المقصود: ب «المؤمنين» في قوله تعالى: عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ ، هو: خصوص علي «عليه السلام» ، الذي كان يقاتل المشركين وحده، و قد يشمل الخطاب أيضا بعض بني هاشم، الذين كانوا حول النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأنزل اللّه جنودا ليكونوا معه، لم يرها أولئك الهاربون، فإنها قد نزلت بعد هروبهم، و حين غيبتهم عن ساحة القتال. .
و بعد. . فإن ما جرى لهؤلاء الذين أرسلهم مالك بن عوف لاستكشاف معسكر المسلمين، قد تضمن إقامة الحجة على مالك بن عوف، و من معه، من حيث دلالة ذلك على: أن هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» مسدد و مؤيد بالغيب، و ليس في أمره شبهة و لا ريب. .
و يتأكد هذا المعنى لهم حين يرون: أن نصره ليس بالبشر. فإن البشر
يهربون، و يبقى وحده مع أخيه، و ينزل اللّه جنودا لم يرها المنهزمون، و يؤيده اللّه بالنصر، و ظهور الأمر، هو و من معه من المؤمنين، حتى لو كان رجلا واحدا صابرا مجاهدا، و هو علي بن أبي طالب «عليه السلام» .
و من الطبيعي: أن يكون للأعداء خطتهم لمواجهة المسلمين، لا سيما إذا كانوا هم الذين خططوا و مهدوا، و جمعوا الناس للحرب، و حين لا بد للمسلمين من الدفاع عن أنفسهم فلا بد من أن تكون لهم خطة يعتمدونها في ذلك، غير أننا قبل الدخول في التفاصيل لا بد من الإشارة إلى ما أعدوه و هيأوه لهذه الحرب، التي علقوا عليها آمالهم و ربطوا بها مصيرهم، فنقول:
قال جماعة من أئمة المغازي: خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في اثني عشر ألفا من المسلمين، عشرة آلاف من المدينة، و ألفين من أهل مكة (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 313 و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 62 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 150 و السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و راجع: الدرر لابن عبد البر ص 225 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 97 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 46 و إمتاع الأسماع ج 8 ص 388 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 66 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 62 و تفسير جوامع الجامع ج 2 ص 55 و تفسير غريب القرآن للطريحي ص 537 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 48 و تفسير البغوي ج 2 ص 277 و تفسير البيضاوي ج 3 ص 137 و الدر المنثور ج 3 ص 224 و راجع: تفسير الثعلبي ج 5 ص 22 و فتح القدير ج 2 ص 348 و الكامل لابن عدي ج 1 ص 272 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و 282.
و عن محمد بن عبد اللّه بن عبيد بن عمير الليثي قال: كان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أربعة آلاف من الأنصار، و ألف من جهينة. و ألف من مزينة. و ألف من أسلم. و ألف من غفار، و ألف من أشجع، و ألف من المهاجرين و غيرهم، فكان معه عشرة آلاف، و خرج باثني عشر ألفا (1).
و على قول عروة، و الزهري، و ابن عقبة: يكون جميع الجيش الذين سار بهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أربعة عشر ألفا، لأنهم قالوا: إنه قدم مكة باثني عشر ألفا، و أضيف إليهم ألفان من الطلقاء (2).
و قال ابن الجوزي: كانوا اثنى عشر ألفا قاله قتادة، و ابن زيد، و ابن إسحاق، و الواقدي (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 313 عن أبي الشيخ، و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108 و تفسير الميزان ج 9 ص 234 و الدر المنثور ج 3 ص 225.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 314 و البداية و النهاية ج 4 ص 371 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 615 و راجع: معاني القرآن للنحاس ج 3 ص 194.
3) زاد المسير ج 3 ص 281 و راجع: التبيان للشيخ الطوسي ج 5 ص 197 و جامع البيان للطبري ج 10 ص 128 و 130 و 133 و مجمع البيان للطبرسي ج 5 ص 32 و تفسير الرازي ج 16 ص 21 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 100 و 280 و تفسير الآلوسي ج 9 ص 180 و ج 10 ص 73 و البداية و النهاية ج 6 ص 67 و تفسير ابن زمين ج 2 ص 199 و مجمع البحرين ج 1 ص 590 و تاج العروس ج 7 ص 218 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 674 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 574 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 139 و عون المعبود ج 7 ص 194 و التسهيل لعلوم التنزيل ج 2 ص 73 و تفسير البحر المحيط ج 4 ص 469 و لباب النقول للسيوطي (ط دار إحياء التراث) ص 116 و (ط دار الكتب العلمية) ص 103 و تفسير أبو السعود ج 4 ص 12 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 106 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1773 و تفسير البيضاوي ج 3 ص 95 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 63 و تفسير النسفي ج 2 ص 84 و الفتح السماوي للمناوي ج 2 ص 673 و تفسير جوامع الجامع ج 2 ص 12 و تفسير السمعاني ج 2 ص 298 و شرح السير الكبير ج 1 ص 68 و معجم قبائل العرب ج 2 ص 1232.
و قال عطاء: «كانوا ستة عشرة ألفا» (1).
و قال الكلبي: «كانوا عشرة آلاف» (2).
و قال الطبرسي: «كانوا اثني عشر ألفا، و قيل: عشرة آلاف (3).
و قيل: ثمانية آلاف و الأول أصح» (4).
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و راجع: زاد المسير ج 3 ص 281 و فتح القدير ج 2 ص 348 و تفسير الرازي ج 16 ص 21 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 100 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 73 و تفسير البغوي ج 2 ص 277.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و زاد المسير ج 3 ص 281 و تفسير الرازي ج 16 ص 21 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 100 و تفسير البغوي ج 2 ص 277 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 22.
3) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 140 و البحار ج 21 ص 155 و راجع: التبيان للشيخ الطوسي ج 5 ص 19.
4) مجمع البيان ج 5 ص 17 و 18 و البحار ج 21 ص 147 و راجع: التبيان للشيخ الطوسي ج 5 ص 197 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 73.
الحديث المتقدم عن ابن أبي حدرد يصرح: بأن مالك بن عوف قال لأصحابه: «ثم تكون الحملة منكم، و اكسروا جفون سيوفكم، فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون» (1).
و قيل: كانوا ثلاثين ألفا (2).
و قال ابن شهر آشوب عن أمير المؤمنين «عليه السلام» : «وقف «عليه السلام» في وسط أربعة و عشرين ألفا، ضارب سيف، إلى أن ظهر المدد من السماء» (3).
بل سيأتي: أن جيش المشركين كان أضعاف عدد جيش المسلمين.
و ذلك يدل أولا: على عدم صحة ما زعمه بعضهم: من أن جيش الأعداء كان أربعة آلاف مقاتل فقط (4).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 313 عن الواقدي، و المغازي للواقدي ج 3 ص 893 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109.
2) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و تفسير الثعالبي ج 3 ص 172 و أعيان الشيعة ج 1 ص 282.
3) مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 355 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 9 ص 341 و حلية الأبرار ج 2 ص 429 و البحار ج 41 ص 66.
4) تاريخ الخميس ج 2 ص 99 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 2 ص 62 و تفسير ابن زمين ج 2 ص 199 و تفسير السمعاني ج 2 ص 298 و تفسير الثقفي ج 2 ص 84 و تفسير مقاتل ج 2 ص 42 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 49 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 22 و تفسير البغوي ج 2 ص 278 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 97.
و لعل المراد: أن عدد بني سعد، و ثقيف كان أربعة آلاف (1).
ثانيا: إن آلافا من المقاتلين قد التحقوا بجيش هوازن بعد كلام مالك بن عوف الآنف الذكر.
اعتاد المسلمون في مختلف حروبهم مع أعدائهم أن يكونوا أقل عددا، و أضعف عدة من جيش الأعداء، و يكون هذا التفاوت بحد لا يسمح-بحسب طبيعة الأمور-بتحقيق نصر مهما كان نوعه لهذه القلة على تلك الكثرة. .
و لكن اللّه تبارك و تعالى كان يمنح المسلمين النصر، و المجد، و الفخر أبد الدهر، و يعود أعداؤهم بالذل و الخزي، و الألم و القهر.
و لكن الأمر في غزوة حنين قد جاء على خلاف التوقعات، فعدد المقاتلين من المسلمين قد تضاعف عدة مرات عما كان عليه في أكثر الحروب السابقة. .
كما أن هذا الجيش نفسه قد دخل مكة، و هي أعظم مواقع الخلاف على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و على المسلمين، دون أن يجرؤ أحد من عتاة الشرك على مواجهة مهما كان نوعها. و بذلك يكون قد سجل أعظم انتصار له، من حيث إنه أسقط بذلك عنفوان الشرك، و استلب من المشركين القرار من المنطقة بأسرها، بصورة تامة و نهائية، و إلى الأبد.
ثم يواجه هذا الجيش الكبير، و المنتصر، و الذي أدخل تحسينات كبيرة على
1) راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107.
تجهيزاته، و أصبح أفضل حالا، حتى من الناحية المادية. . جيشا للمشركين أكثر منه عددا، و لكنه لم يكن يظن أنه قادر على الصمود في وجهه، حتى قال بعض الناس في جيش المسلمين: «لن نغلب اليوم من قلة» أو نحو ذلك. .
و لكن النتائج قد جاءت على عكس توقعات جيش المسلمين، فإنه قد خسر المعركة، و يفر من وجه أعدائه، و ينحصر الصراع بين جيش يعد بعشرات الألوف، و بين شخص واحد، يتمكن من تحويل الهزيمة العظمى لأصحابه إلى نصر مؤزر على جيش جرار منتصر قبل لحظات، و يحوّل ذلك الشخص الواحد الرجال و النساء إلى أسرى، و يستولي على كل ما جاؤوا به من شاء و نعم و أموال. . و هذه هي المفارقة الحقيقية و المدهشة حقا! !
فيما يرتبط بالتعبئة و الخطة الحربية لجيش الأعداء يذكر المؤرخون: أنه لما كان ثلثا الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين، و هو واد أجوف ذو خطوط، و ذو شعاب و مضايق. و فرق الناس فيها. و أوعز إليهم أن يحملوا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أصحابه حملة واحدة (1).
و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر «عليه السلام» : أنه لما مضى النبي «صلى اللّه عليه و آله» نحو هوازن، و أصبح منها على مسيرة بعض ليلة،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 316 عن الواقدي، و الطبقات الكبرى ج 2 ص 150 و شرح السير الكبير للسرخسي ج 1 ص 116 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279.
«. . قال مالك بن عوف لقومه: ليصيّر كل رجل منكم أهله و ماله خلف ظهره، و اكسروا جفون سيوفكم، و اكمنوا في شعاب هذا الوادي، و في الشجر، فإذا كان في غبش الصبح، فاحملوا حملة رجل واحد، و هدّوا القوم، فإن محمدا لم يلق أحدا يحسن الحرب» (1).
و قالوا: «وعبأ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه وصفهم صفوفا في السحر، و وضع الألوية و الرايات في أهلها، و لبس درعين، و المغفر، و البيضة. و ركب بغلته البيضاء، و استقبل الصفوف، و طاف عليها بعضها خلف بعض، ينحدرون، فحضهم على القتال، و بشّرهم بالفتح إن صدقوا و صبروا.
و قدم خالد بن الوليد في بني سليم و أهل مكة، و جعل ميمنة و ميسرة و قلبا، كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيه (2).
أما مالك بن عوف، فصف الخيل ثم الرجالة المقاتلة، ثم صفت النساء
1) تفسير القمي ج 1 ص 287 و البحار ج 21 ص 149 و 150 عنه، و شجرة طوبى ج 2 ص 308 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 34 و التفسير الصافي ج 2 ص 331 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 199 و تفسير الميزان ج 9 ص 231.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 316 و 317 عن الواقدي و تاريخ الخميس ج 2 ص 101 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 150 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279.
على الإبل، ثم صفت الإبل، ثم البقر.
ثم قال للناس: إذا رأيتموهم (أو إذا رأيتموني شددت) شدوا عليهم شدة رجل واحد (1).
و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر «عليه السلام» : «فلما صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الغداة انحدر في وادي حنين. و هو واد له انحدار بعيد، و كانت بنو سليم على مقدمته، فخرج عليهم كتائب هوازن من كل ناحية، فانهزمت بنو سليم، و انهزم من وراءهم» (2).
و نقول:
إننا نسجل هنا الأمور التالية:
و قد وعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه بالنصر بشرطين: أحدهما: الصدق، فتصدق أفعالهم أقوالهم، و تتطابق مع ظاهر حالهم، فإنك لو سألت أي واحد منهم عن حاله، لأكد لك: أنه مستعد لبذل كل غال و نفيس من أجل هذا الدين، و أنه مشتاق للشهادة إلى درجة التلهف لها.
1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 106 و (ط دار المعرفة) ص 63 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 108.
2) تفسير القمي ج 1 ص 287 و البحار ج 21 ص 149 عنه، و شجرة طوبى ج 2 ص 307 و التفسير الأصفى ج 1 ص 459 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 34 و التفسير الصافي ج 2 ص 331 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 199 و تفسير الميزان ج 9 ص 231.
و لكن لطالما ظهر: أن هذه الإدعاءات مبالغ فيها، و أن مطابقة الأفعال للأقوال تكاد لا تتحقق إلا لدى أقل القليل منهم، فإن الأغراض لدى أكثرهم لم تكن هي الشهادة و الدفاع عن الدين بقدر ما كانت هي الحصول على حطام الدنيا، سواء في ذلك الغنائم، أو السبايا، أو المقامات، أو ما إلى ذلك. .
الثاني: أن ثمة أناسا صالحين و صادقين في مقاصدهم، و في اندفاعهم لنصرة الدين و أهله. و لكن حين ينتهي الأمر إلى مواجهة البلايا، و الرزايا، و حين تعضهم الحرب بنابها، و تعصر قلوبهم الآلام و المصائب، و تواجههم المتاعب و النوائب، فإنهم يضعفون، و يتراجعون، و يصير همهم تخليص أنفسهم مما هم فيه. . لأنهم لا يصبرون على ما أصابهم، و لا يحتسبون ثواب ذلك عند اللّه. .
و روي بسند صحيح عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» أنه قال: ما مرّ بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم كان أشد عليه من يوم حنين، و ذلك أن العرب تباغت عليه (1).
فهذه الرواية تشير إلى أمر هام، و هو: بغي العرب مجتمعين على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في خصوص حنين.
و لعل فهم هذه الرواية سيكون صعبا للوهلة الأولى، لأن المفروض: أنه
1) البحار ج 21 ص 180 و عن علل الشرايع ص 158 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 462.
«صلى اللّه عليه و آله» قدم بعشرة آلاف مقاتل أو أكثر إلى مكة، و تمكن من فتحها.
ثم خرج أهل مكة معه إلى حنين، عن بكرة أبيهم.
و قد كان هؤلاء من العرب. . فلم يكن في جميع حروبه السابقة أحسن حالا-من حيث سعة تأييد العرب له-منه في حرب حنين. .
فما هو المقصود إذن من قول الإمام الصادق «عليه السلام» : أن العرب تباغت على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حنين؟ ! و أن ذلك هو السبب في شدة حرب حنين عليه «صلى اللّه عليه و آله» .
بل هو «عليه السلام» يقر: بأنه ما مرّ بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» يوم أشد عليه من حنين! !
و لعل الجواب عن ذلك هو: أن القضية في حنين كانت أكبر و أخطر مما نتصوره، فهوازن قد جمعت كما يقول زعيمها مالك بن عوف: عشرين ألف سيف. . بل في بعض الروايات: أنهم كانوا أربعة و عشرين ألفا، أو كانوا ثلاثين ألفا حسبما تقدم.
ثم إن الذين كانوا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أهل مكة، قد جاؤوا نظارا لا يرجعون إلى دين، أو طمعا بالغنائم، حتى لو كانت من المسلمين. .
كما أن قسما منهم، لم يكونوا ينزعجون لو كانت الصدمة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و سنرى أيضا: أن قسما من المقاتلين كانوا من المنافقين. و من المؤلفة قلوبهم، و ممن عبّروا عن رغبتهم بأن تدور الدائرة على أهل الإيمان. . و حين
حلت الهزيمة بالمسلمين أظهروا فرحتهم، و حملوا خبر ذلك كبشارة للناس في مختلف الأنحاء.
و قد أظهرت النصوص: أكثر من محاولة اغتيال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في نفس لحظة فرار المسلمين كما سنرى إن ذلك كله و سواه و كذلك فرار جميع من كان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يؤكد: أن الأمر لم يكن طبيعيا، بل قد يروق للبعض أن يفهم: أن ثمة تفاهما ضمنيا بين هوازن، و بين كثير من الزعماء المشبوهين، الذين كانوا بين أهل الإسلام؟ ! .
و أن تدبيرهم الذكي، و الخفي؛ هو الذي جر المسلمين إلى تلك الهزيمة النكراء، التي كان يراد لها أن تنتهي بقتل النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، إما اغتيالا، أو في زحمة المعركة.
و لعل هذا التدبير التآمري قد تضمن فرار فريق في مقدمة الجيش، ليفر بعده الجيش كله، و يبقى «صلى اللّه عليه و آله» ، ليتمكنوا من قتله في تلك الحال. إن ذلك هو ما سوف نستنطق له الدلائل و الشواهد فيما يأتي من مطالب و فصول، و عليه نتوكل، و منه نسأل التوفيق و التسديد، إنه خير مأمول، و أكرم مسؤول. .
إن ما ذكرته رواياتهم: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ظاهر بدرعين، و لبس البيضة و المغفر. و الدرعان، هما: ذات الفضول، و السغدية و هي درع
داود، التي لبسها حين قتل جالوت (1)مما لا يمكن قبوله.
فأولا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن ليلبس درعين. في حين أن كثيرين من أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» لا يجدون درعا واحدة يتقون بها سلاح الأعداء. .
بل إننا لا نظن: أنه يرضى بأصل لبس الدرع، إذا كان في أصحابه من هو حاسر، بل هو يؤثر بها من لا يجد درعا ليلبسها، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» ليس فقط لا يرضى إلا أن يسوي نفسه بأضعف أصحابه، بل هو يبادر إلى الإيثار على نفسه، قبل أن يطلبه من غيره.
ثانيا: إن من يركب البغلة-لا الفرس-و ينزل عنها حين فرار الناس من حوله، و يقتحم جموع الأعداء، لا يلبس درعين.
ثالثا: إن عليا «عليه السلام» كان يبرز إلى أعدائه في درع لا ظهر لها (2)،
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 107 و (ط دار المعرفة) ص 64 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 368.
2) راجع: البحار ج 42 ص 58 و ج 41 ص 67 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 296-298 و التبيان في شرح الديوان (أي ديوان المتنبي (ط الحلبي بمصر) ج 3 ص 312)و معالم الفتن لسعيد أيوب عن مروج الذهب ج 2 ص 240 و عن كنز العمال ج 11 ص 347 و عن عيون الأخبار لابن قتيبة ج 1 ص 130 و 131 و شرح النهج لابن أبي الحديد ج 20 ص 280 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 9 ص 428 و 429 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 325 و ج 18 ص 78 و 79 و ج 31 ص 569 و النهاية في غريب الحديث ج 4 ص 3 و لسان العرب ج 1 ص 658 و الفايق في غريب الحديث للزمخشري ج 3 ص 63 و مجمع البحرين ج 3 ص 445 و تاج العروس ج 2 ص 303 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 340.
فإذا سئل عن ذلك، يقول: إذا مكنت عدوي من ظهري، فلا أبقى اللّه عليه إن أبقى علي (1).
و عن ابن عباس قال: و اللّه ما رأيت رجلا أطرح لنفسه في متلف من علي، و لقد كنت أراه يخرج حاسر الرأس إلى الرجل الدارع فيقتله (2).
فلم يكن «عليه السلام» يظاهر بين درعين. . مع أنه كان يقذف بنفسه في أتون المعركة، في متن توقدها، و أوج ضرامها.
فهل نصدق على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه قد ظاهر بدرعين في حرب حنين؟ !
1) المستطرف ج 1 ص 199 ط القاهرة، و تاج العروس (ط القاهرة) ج 8 ص 150 و الموفقيات ص 343 و ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق ج 3 ص 863 و ج 42 ص 340 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 9 ص 429 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 325 و ج 18 ص 79 و ج 32 ص 339.
2) الرياض النضرة (ط الخانخي بمصر) ص 225 و ذخائر العقبى (ط مكتبة القدسي بالقاهرة) ص 98 و 99 و أرجح المطالب (ط لاهور) ص 178 و المناقب لابن المغازلي و عن وسيلة المآل، و راجع: جواهر المطالب لابن الدمشقي ج 1 ص 266 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 6 ص 142 و ج 9 ص 428 و شرح إحقاق الحق ج 3 ص 324 و ج 18 ص 80 و ج 32 ص 516.
و قد جعل «صلى اللّه عليه و آله» مقدمته بني سليم، و جماعة أهل مكة بقيادة خالد. و قد أثار اهتمامنا هنا أمران:
الأول: الكتلة العشائرية.
الثاني: دور بني سليم في هزيمة المسلمين.
و في إشارة موجزة إلى هذين الأمرين نقول:
قد ظهر: أن مقدمة جيش المسلمين في حنين كانت مؤلفة من كتلتين عشائريتين هما: بنو سليم. . و أهل مكة. . و أن قيادة هذه المقدمة قد أسندت إلى أحد أهل مكة، الذي عرف بتاريخه القتالي الحافل بالتعديات، و المخالفات، و هو خالد بن الوليد. .
و كنا قد ذكرنا في بعض فصول الجزء الأول من هذا الكتاب: أنه و إن كان الإسلام يحارب العصبيات القبلية و العشائرية، و لكنه كان أيضا يسعى لتغيير منطلقات العلاقة بين أفراد تلك العشائر، و القبائل، و بجعلها منطلقات إنسانية، و إيمانية، تتخذ من القبيلة وسيلة للتلاحم، و التعاضد و التعاون على الصالح العام، و دفع الشرور، و إشاعة الخير و الصلاح. .
و من الواضح: أن جعل أبناء القبيلة الواحدة في موقع قتالي واحد، من شأنه أن يرفع من مستوى التعاون على دفع العدو من جهة، و يمكّن من حفظ بعضهم البعض من جهة أخرى، حيث إن من يجد من نفسه بعضا من قوة، لا بد أن يذب عن أخيه، و يجد الدافع لمضاعفة جهده في هذا السبيل،
من خلال دافع الرحم، و التعصب للقرابة.
و ربما يكون ذلك سببا في تقليل حجم الخسائر التي لا بد أن تترك أثرها على حياة الناس الأسرية، و علاقاتهم الإجتماعية و واقعهم السياسي، و غير ذلك من أمور.
قد أظهرت النصوص التي سيأتي شطر وافر آخر منها: أن بني سليم هم الذين انهزموا أولا. . ثم تبعهم سائر الناس، حتى لم يبق أحد مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و نحن و إن كنا لا نملك ما يدفع ذلك. بل لدينا ما يؤيده و يؤكده، غير أننا نقول:
إن أهل مكة قد شاركوا في هذه الهزيمة بصورة مؤثرة أيضا، فإن قسما منهم قد أسلم، و لكن لم ينصهر بهذا الدين بعد، و لا تفاعل معه، و لا ذاق حلاوته، و قسم أظهر الإسلام نفاقا، و مجاراة لواقع استجدّ. . كما هو حال المؤلفة قلوبهم، الذين كانوا زعماء الناس. و قد أعطاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الغنائم التي بلغت أرقامها الألوف، أو عشرات الألوف من مختلف أنواع الماشية، فضلا عن سائر الغنائم. .
و قد كان هذا النوع من الناس يعدّون بالمئات أو الألوف، حتى لقد أعطى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمائة زعيم عشرة آلاف من الإبل، لكل واحد مائة منها، فضلا عن عشرات أو مئات آخرين أعطاهم أقل من ذلك. . من أجل أن يتألفهم على الإسلام. .
في النصوص أيضا: أن فريقا من أهل مكة كان يرضيهم أن تكون الصدمة للمسلمين في هذه الحرب. و قد أظهر بعضهم شماتته بما جرى حين فرّ المسلمون.
فوجود هؤلاء في المقدمة يجعل احتمال أن تكون لهم مشاركة فاعلة و مؤثرة في الهزيمة قريبا جدا، فكيف إذا دلت عليه بعض النصوص التي ستأتي إن شاء اللّه تعالى.
كما أن خالدا قائدهم لا يمكن تبرئته من المشاركة في صنع هذه الهزيمة، أو تهيئة الأجواء لها، خصوصا و أنه على المقدمة، و لم يظهر منه أي اعتراض على ما جرى، بل كان هو في جملة المنهزمين. .
و الذي يدعونا إلى القبول بهذه الإثارات و تأييدها: أننا وجدنا خالدا لم يظهر له إسلام إلا قبيل الفتح، و حين أظهر إسلامه، و أوكلت إليه بعض المهمات، لم يكن أداؤه فيها محمودا، بل هو قد ارتكب مذابح و فظائع، و فجائع في حق الأبرياء، حتى تبرأ النبي «صلى اللّه عليه و آله» مما صنع، و غضب عليه، و اعرض عنه. .
بل هو لم يرتدع عن مثل هذه الأفاعيل، حتى بعد استشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قصة قتله مالك بن نويرة، و زناه بزوجته في ليلة قتله، معروفة عنه.
فلماذا؟ و كيف يمكن تبرئته من عار صنع الهزيمة في حرب حنين؟ !
قال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضٰاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ
مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا وَ عَذَّبَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذٰلِكَ جَزٰاءُ اَلْكٰافِرِينَ (1).
عن الربيع بن أنس قال: قال رجل يوم حنين: «لن نغلب من قلة» ، فشق ذلك على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و كانت الهزيمة (2).
و عن الحسن قال: لما اجتمع أهل مكة و أهل المدينة قالوا: الآن نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما قالوا، مما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا، فهزموا حتى ما يقوم أحد على أحد (3).
و عن أنس قال: لما اجتمع يوم حنين أهل مكة و أهل المدينة، أعجبتهم كثرتهم، فقال القوم: اليوم و اللّه نقاتل (4).
1) الآيتان 25 و 26 من سورة التوبة.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317 عن يونس بن بكير في زيادات المغازي، و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 107 و البحار ج 21 ص 147 و 165 عن مجمع البيان ج 5 ص 17 و 18 و إعلام الورى ص 119 و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 62 و فتح الباري ج 8 ص 21 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 63 و الفتح السماوي للمناوي ج 2 ص 673 و تفسير الجلالين ص 439 و الدر المنثور ج 3 ص 224 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 116 و (ط دار الكتب العلمية) ص 103 و فتح القدير ج 2 ص 348 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 74 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 575.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317 عن ابن المنذر، و الدر المنثور ج 3 ص 224 و فتح القدير ج 2 ص 348.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317 عن أبي الشيخ، و ابن مردويه، و البزار، و الحاكم و صححه، و الدر المنثور ج 3 ص 225 و فتح القدير ج 2 ص 348.
و لفظ البزار: فقال غلام من الأنصار يوم حنين-و هو سلمة بن الأكوع، أو سلمة بن وقش-: «لن نغلب اليوم من قلة» ، فما هو إلا أن لقينا عدونا، فانهزم القوم، و ولوا مدبرين (1).
و قال المفيد «رحمه اللّه» : فظن أكثرهم أنهم لن يغلبوا، لما شاهدوه من جمعهم، و كثرة عدتهم و سلاحهم، و أعجب أبا بكر الكثرة يومئذ، فقال: لن نغلب اليوم من قلة.
فكان الأمر بخلاف ما ظنوه، و عانهم أبو بكر بعجبه بهم (2).
و تقول رواية أخرى: إن العباس باهى بكثرة العسكر، فمنعه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: «تستنصر بصعاليك الأمة» ؟ ! (3).
عن الزهري: قال رجل من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لو لقينا بني شيبان ما بالينا، و لا يغلبنا اليوم أحد من قلة (4).
قال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل مكة: أن رسول اللّه «صلى اللّه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317 عن أبي الشيخ، و عن الحاكم و صححه، و ابن مردويه، و البزار، و عن مجمع الزوائد ج 6 ص 181 و السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 178 زاد المسير لابن الجوزي ج 3 ص 281 و تفسير السمعاني ج 2 ص 298 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 55 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 73 و راجع: بناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص 139.
2) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 140 و البحار ج 21 ص 155 و كشف الغمة ج 1 ص 220.
3) تاريخ الخميس ج 2 ص 100.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317 و المغازي للواقدي ج 2 ص 896 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 10.
عليه و آله» قال حين فصل من مكة إلى حنين، و رأى كثرة من معه من جنود اللّه تعالى: «لن نغلب اليوم من قلة» ، كذا في هذه الرواية (1).
و الصحيح: أن قائل ذلك غير النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما سبق.
قال ابن إسحاق: و زعم بعض الناس: أن رجلا من بني بكر قالها (2).
و عن سعيد بن المسيب: أن أبا بكر قال: يا رسول اللّه، لن نغلب اليوم من قلة (3). (و شق ذلك على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ساءته تلك
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317 عن ابن إسحاق، و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 895.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317 عن الواقدي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 100 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 895 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 10.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317 عن الواقدي، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 100 و تفسير البحر المحيط لابن حيان الأندلسي ج 5 ص 25 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و (ط دار المعرفة) ص 69 و الإفصاح للمفيد ص 68 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 180 و البحار ج 21 ص 155 و شرح النهج ج 15 ص 106 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 73 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 150 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 574 و البداية و النهاية ج 4 ص 369 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 221 و كشف اليقين للحلي ص 143 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 610 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 1 ص 255 و نهج الحق و كشف الصدق للحلي ص 251 و إحقاق الحق (الأصل) ص 206.
اختلفت الروايات في اسم الذي قال: لن نغلب اليوم من قلة، أو نحو ذلك، هل هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (و العياذ باللّه) ؟ !
أو هو أبو بكر، قال ذلك للنبي «صلى اللّه عليه و آله» .
أو قاله سلمة بن الأكوع.
أو أن القائل هو سلمة أو سلامة بن وقش نفسه؟ !
أو العباس بن عبد المطلب؟ !
أو هو غلام من الأنصار؟ !
أو رجل من الصحابة؟ !
أو أهل مكة، أو أهل المدينة؟ !
1) السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 69 و راجع: البحار ج 21 ص 165 و تخريج الأحاديث و الآثار للزيلعي ج 2 ص 63 و الدر المنثور ج 3 ص 224 و لباب النقول (ط دار إحياء العلوم) ص 116 و (ط دار الكتب العلمية) ص 103 و فتح القدير ج 2 ص 348 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 74 و إعلام الورى ج 1 ص 228 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317 عن المغازي للواقدي ج 3 ص 896 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 100 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 25.
أو رجل من بني بكر؟ !
فما هذا التردد، و ما هذه الحيرة في تعيين قائل تلك العبارة المشؤومة؟ !
ألا يشير ذلك: إلى أن هناك سعيا لإخفاء اسم القائل الحقيقي عن الناس؟ ! و من هو ذلك الشخص المحظوظ، الذي يسعى الرواة لإسداء هذه الخدمة الجليلة إليه؟ !
و نحن لا نرى سببا لإخفاء اسم أحد من هؤلاء، الذين ذكروهم، إلا إن كان اسم العباس، من قبل العباسيين.
أو اسم أبي بكر من قبل من يعتقدون إمامته و خلافته.
فإذا كان هذا الإخفاء يتولاّه أناس عاشوا في زمن بني أمية، مثل الزهري، و الحسن، و بعض الصحابة مثل أنس و أمثالهم، فإن من الواضح: أنه لم يكن للعباسيين دور أو ذكر، أو شوكة، أو نفوذ في تلك الفترة.
فينحصر الأمر في محبي الخلفاء، و المعتقدين بإمامتهم.
و بذلك يترجح احتمال أن يكون قائل ذلك هو: أبو بكر.
و به جزم ابن عبد البر و غيره.
إن اتهام النبي «صلى اللّه عليه و آله» : بأنه ممن أعجبته الكثرة يوم حنين كما أظهرته رواية البراء بن عازب (1)باطل و مكذوب، بلا ريب، و ذلك لما يلي:
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 325 و 326، و راجع: جامع البيان للطبري ج 10 ص 128 و المحرر الوجيز في تفسير القرآن العزيز ج 3 ص 19 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 262 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 895.
أولا: إن نسبة ذلك إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا تجوز، فإن ذلك يستبطن الطعن في نبوته «صلى اللّه عليه و آله» ، على أساس أن القرآن قد صرح: بأن الإعجاب بالكثرة قد صاحبه اعتبار: أن الكثرة هي المعيار في النصر و الظفر، و ليس التأييد الألهي، و لذلك قبّح اللّه تبارك و تعالى ذلك منهم، و لامهم و ذمهم عليه، مصرحا بأنهم: قد اعتمدوا على كثرتهم، و اعتبروا أنها تغنيهم و تكفيهم، فقال سبحانه: إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً . رغم أن اللّه تعالى قد نصرهم في مواطن كثيرة تصل إلى ثمانين.
ثانيا: إننا لم نزل نسمع من الرسول الهادي «صلى اللّه عليه و آله» التأكيد تلو التأكيد على أن النصر من عند اللّه، و بمشيئته، و تسديده، و توفيقه. و قد صرح القرآن بأن النصر لا يكون إلا من عند اللّه تعالى. و النبي «صلى اللّه عليه و آله» .
هو الذي كان يقرأ على الناس قوله تعالى عن بدر: وَ مَا اَلنَّصْرُ إِلاّٰ مِنْ عِنْدِ اَللّٰهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ (1). و هذه الآية إنما نزلت في سورة آل عمران، التي نزلت في أيام بدر، في أوائل الهجرة.
و قد فتح اللّه لهم مكة، و نسب النصر فيها إلى نفسه أيضا، فقال: وَ يَنْصُرَكَ اَللّٰهُ نَصْراً عَزِيزاً (2).
و الجيش الذي فتح مكة هو نفسه الذي يتوجه لقتال هوازن.
و قال عن غزوة أحد: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اَللّٰهُ فَلاٰ غٰالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا اَلَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَ عَلَى اَللّٰهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُؤْمِنُونَ (1).
و قال: وَ اَللّٰهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشٰاءُ (2).
و الآيات التي تشير إلى هذه المعاني كثيرة، و كلها نزلت قبل غزوة حنين. .
ثالثا: إن صريح الآية القرآنية أن الذين أعجبتهم كثرتهم هم الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، ثم ولوّا مدبرين. و ثبت في ساحة المعركة، ثلة قليلة من المؤمنين، فاستحق هؤلاء الثابتون إنزال السكينة عليهم، لأنهم كانوا يتحملون الشدائد، و يواجهون الأخطار الجسام.
و هم علي «عليه السلام» في ساحة القتال و بعض بني هاشم، الذين احترسوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ضربوا عليه طوقا بشريا يحميه. . كما أن السكينة نزلت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و أنزل عليه «صلى اللّه عليه و آله» و عليهم جنودا لم يرها أولئك الذين هربوا. .
فكيف يدّعي هؤلاء الجهلة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال تلك الكلمة المشؤومة؟ !
رابعا: كيف يكون قائل ذلك هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ،
و الحال أن عددا من الروايات يصرح: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كره هذه المقالة منهم؟ !
و بعضها يقول: فشق ذلك على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . أو نحو ذلك فراجع (1).
قد تقدمت الرواية التي تقول: إن العباس باهى بكثرة العسكر، فمنعه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: أتستنصر بصعاليك الأمة؟ (2).
و الصعلوك هو: الفقير.
و صعاليك العرب: ذؤبانها، أي لصوصها، و فقراؤها (3).
و هي كلمة هامة و مثيرة، خصوصا، و أنها صدرت من نبي الإسلام الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي: مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (4).
و إذا أردنا تحليل هذه الكلمة، فإن أول ما يواجهنا فيها هو: أن المقصود بالصعلوك هنا ليس هو الفقير، فإن الفقر لا يمنع من البطولة، و الإقدام، و الشجاعة، و الشدة في الحرب إلى بلوغ النصر. . بل لعل أعظم الناس
شجاعة كانوا من الفقراء، الذين لم يتذوقوا طعم النعيم، و لم تشدهم ملذات الحياة إليها، ليخلدوا إلى الأرض، فيمنعهم ذلك من ركوب الأهوال، و من الإقدام على المخاطر.
إن الشجاعة و الإقدام، هي نتاج طموح كبير، أو نتاج رؤية إيمانية و اعتقادية، تهييء لانفعال روحي و إنساني فاعل و قوي. أو هي وليدة حدث وجداني، يثير هزة مشاعرية عميقة، و تحرك معاني النبل، و الشمم، و الكرم في عمق الذات، و تدفع إلى التضحية و الإيثار، في مواقع الفداء و العطاء، بلا حدود و لا قيود.
أما الذؤبان و اللصوص، فهم الذين يفقدون الإحساس الإنساني، و الدافع الإيماني، و يعيشون في مستنقعات الأهواءن و يصبحون أسرى انحطاط طموحاتهم، و انحسار و ضمور مشاعرهم الإنسانية، و نضوب الروافد الفكرية الإيمانية. .
إن هؤلاء يفقدون معنى الشجاعة، و لا يفهمون معنى لنصرة المظلومين، لأنهم هم الذين يشاركون في إشاعة الظلم، و لا تحركهم المشاعر الإنسانية، لأنهم اجتثوا كل عروقها النابضة، و جففوا روافدها في أعماق نفوسهم، و لا تحجزهم معاني الإيمان و الاعتقاد بعد أن نضبت روافدها، و تلاشت كل أشباح معانيها من حنايا قلوبهم.
إن اللصوصية التي تعني أن يعيش الإنسان حالة مزرية من الإنحطاط الخلقي، و الجفاف العاطفيين و التقوقع في قفص الذات، و التفكير في التفاهات الصغيرة، و صنع مفردات الخزي و العار، لا يمكن أن تدفع صاحبها إلى أن ينجد مظلوما، أو أن يدافع عن قضايا كبيرة، فضلا عن أن
يضحي في سبيل القيم، و من أجل المعاني الإنسانية و الإيمانية.
و ذلك هو ما يفسر لنا استنكار النبي «صلى اللّه عليه و آله» على العباس بقوله: «أتستنصر بصعاليك الأمة» ؟ !
فهو «صلى اللّه عليه و آله» يرى في أكثر ذلك الجمع: أنهم ذؤبان و صعاليك، لأن أكثرهم جاء لأجل الغنائم، و استلاب أموال الناس، و لا يبالي بعد هذا بما يجري للطفل الصغير، و الشيخ الكبير. . كما لا يهمه أن ينتصر الدين، أو ينكسر، و أن يكون النصر للحق و أهله، أو للباطل و حزبه. إنهم يريدون أن يضحوا بكل شيء من أجل أنفسهم و شهواتهم، فهم اللصوص و الذؤبان. . الذين يهربون عن أدنى خطر يستشعرونه، و يخافون من أي سانح أو بارح، و من الساكت و الصائح، و الضاحك و النائح.
و قليل هم أولئك المؤمنون الطيبون الذين يشعرون بالمسؤولية، و يعيشون القيم الإنسانية، و يلتزمون بحدود الشرع، و يفكرون في نصرة الدين و أهله، مهما غلت التضحيات، و قد أظهرت الوقائع أن هؤلاء هم خصوص النبي «صلى اللّه عليه و آله» و ثلة قليلة معه، هم الذين أنزل اللّه سكينته عليهم من المؤمنين.
أنه لا ريب في وقوع الهزيمة على المسلمين، في اول صدام لهم مع المشركين. . و قد حاول أهل التعذير و التبرير، و أنصار المؤلفة قلوبهم عرض الأحداث بطريقة ذكية و خادعة، خلطوا فيها الغث بالسمين، و الصحيح بالسقيم، فقالوا:
كان خالد بن الوليد مع بني سليم في مقدمة الجيش، و كان أكثرهم حسرا ليس عليه سلاح، أو كثير سلاح. فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم. و المسلمون عنهم غافلون، فرشقوهم رشقا لا يكادون يخطئون، فولّى جماعة كفار قريش، الذين كانوا في جيش الإسلام، و شبان الأصحاب، و أخفاؤهم. و تبعهم المسلمون الذين كانوا قريب العهد بالجاهلية، ثم انهزم بقية الأصحاب (1).
و ذكروا أيضا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد انحدر في الوادي في غبش الصبح. . فخرج عليهم القوم، و كانوا قد كمنوا لهم في شعاب الوادي، و مضايقه، فحملوا عليهم حملة رجل واحد، و كانت هوازن رماة،
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 101 و راجع: تفسير البغوي ج 2 ص 278.
فاستقبلوهم بالنبل، كأنهم جراد منتشر، لا يكاد يسقط لهم سهم. .
و قال البراء بن عازب: كانت هوازن رماة، و إنا لما حملنا عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام، فأخذ المسلمون في الرجوع منهزمين، لا يلوي أحد عن أحد.
إلى أن قالوا: إن الطلقاء قال بعضهم لبعض: أخذلوه فهذا وقته، فانهزموا أول من انهزم، و تبعهم الناس (1).
و نقول:
إن في ما ذكر آنفا مواضع للنظر، و النقاش نجملها فيما يلي:
لماذا اختار النبي «صلى اللّه عليه و آله» الإنحدار في الوادي في غبش الصبح؟ مع أن الجيش يسير في العادة نهارا و يستريح ليلا، و المسير في الليل يحمل معه أخطار مواجهة الكمائن في المضائق و الشعاب. .
ألا يدل ذلك: على عدم صحة ما زعموه، و أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد سار في الجيش نهارا.
و زعموا: أن المشركين قد كمنوا في المضايق و الشعاب، فهاجموهم، ثم كانت الهزيمة. .
و هذا الكلام موضع ريب و شك.
1) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و السيرة الحلبية ج 3 ص 108.
أولا: قد تقدم: أن الموضع الذي اختير للقتال لم يكن فيه مضايق و لا شعاب، لأن دريد بن الصمة حين لمس الأرض و سأل عنها، و أخبروه باسمها، قال: نعم مجال الخيل، لا حزن ضرس، و لا سهل دهس.
فالموضع الصالح لجولان الخيل، لا بد أن يكون متسعا ليس فيه عوائق. .
ثانيا: إنه لا يصح قولهم: إن الكمين هو الذي هزمهم، فقد صرحت رواية البراء بن عازب: بأن الجيشين قد تواقفا، و إن جيش المسلمين قد حمل على المشركين فكشفهم، فانكبوا على الغنائم، فاغتنمها منهم المشركون فرصة، فرشقوهم بالسهام. .
ثالثا: إن الهزيمة إنما وقعت على خصوص بني سليم، و من جهة واحدة، و لو كان الهجوم من المضايق و الشعاب، أو على خصوص أهل مكة لم يتبعهم غيرهم. .
إلا أن يدّعى: أن الجيش كان يسير على شكل صف طويل. . لأنه منحدر في الوادي الضيق. . مع أن الأمر ليس كذلك، فإن العائدين قد عادوا إلى القتال في ساحة متسعة، كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بقي صامدا فيها، و قد مر به المنهزمون، و كان يناديهم، و لكنهم لا يلوون على شيء.
و نقول لهؤلاء: إنهم قد فشلوا حين زعموا: أن المقدمة، كانت لا تملك سلاحا.
فإن المقدمة كانت تتألف من أهل مكة، و كان أهل مكة هم الأغنى في المنطقة بأسرها، و هم الأكثر سلاحا فيها.
و من بني سليم، الذين لم يزل العباس بن مرداس يفتخر بهم و بدروعهم، فيقول:
من كل أغلب من سليم فوقهبيضاء محكمة الدخال و قونس (1)
فالدخال: الدروع. و القونس: أعلى بيضة الخوذة.
و يقول:
على الخيل مشدودا علينا دروعناو رجلا كدفاع الآتي عرمرما (2)
و هذا يدل: على أنهم كانوا في غاية الإستعداد و الإعداد، فلماذا يزعم هؤلاء المدافعون عنهم: أن الذين تتألف منهم المقدمة كان أكثرهم حسرا، ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح؟ !
كما أن هؤلاء قد نجحوا حين بينوا: أن كفار قريش كانوا في المقدمة.
و فشلوا أيضا: حين زعموا: أن شبان الأصحاب كانوا في المقدمة. .
فإن ذلك لا يعدو كونه تخرصا و رجما بالغيب.
و نجحوا أيضا حين بينوا: أن الذين انهزموا كانوا قريب العهد بالجاهلية. .
و فشلوا: حين لم يبينوا دور خالد و بني سليم، و زعماء قريش، و عموم أهل مكة بما فيهم الرؤساء و الزعماء في صنع الهزيمة. .
و نجحوا حين اعترفوا بالهزيمة لمن لا يحبون أن ينسبوا إليهم أي شيء ينقص من قدرهم، و يظهر عجزهم.
و فشلوا حين ادّعوا: أن السبب في الهزيمة هو رميهم بالسهام رميا لا
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 101 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 423 و البداية و النهاية ج 4 ص 393 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 912 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 650 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 345.
2) البداية و النهاية ج 4 ص 394 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 913 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 651 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 346.
يكاد يخطئ، فإن ذلك أيضا يدخل في باب التهويل و التضخيم للأمور، بدون دليل معقول، و مقبول. مع تصريح النصوص المتقدمة بأن السلاح الذي واجههم كان من جميع الأنواع. .
و قد يسأل سائل: لماذا اختار الرسول «صلى اللّه عليه و آله» مقدمة جيشه من خصوص هؤلاء، مع أن احتمالات هزيمتهم جبنا و خورا، أو تآمرا و كيدا كانت قريبة، و ظاهرة؟ !
و نجيب: بأننا قد ذكرنا سبب ذلك في موضع سابق من هذا الكتاب. و قلنا: إن من جملة مقاصده «صلى اللّه عليه و آله» ما يلي:
1-إن ذلك يطمئن زعماء مكة، و جميع الزعامات الأخرى في المنطقة إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» يقبلهم في المجتمع الإسلامي، و يعاملهم فيه كغيرهم، و لا يريد أن ينتقم من أحد، و لا محاسبة أحد.
2-كما أنه لا يريد مما يدعوهم إليه ان يكتسب لنفسه شيئا، و لا أن يستأثر بشيء، بل إن أراد شيئا فإنما يريده لهم. .
3-و ليعلم الجميع: أن دخولهم في الإسلام لا ينقص من قدرهم، و لا يوجب الخسران لهم، بل هو يعلي من مقامهم، و يمنحهم العزة و الكرامة، و المجد و الزعامة، و يمكّنهم من الحصول على خير الدنيا و الآخرة.
4-إن أهل المنطقة إذا رأوا أن الذين يخشون سطوتهم هم الذين يدعونهم إلى هذا الدين، بل هم يحاربونهم دفاعا عنه و عن أهله، و عن نبيه، فإن ذلك سوف يعطي أولئك الناس شعورا بالأمن و الطمأنينة إلى أنهم
سوف لا يتعرضون للعقوبة بعد رجوع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى بلده، و صيرورتهم وحدهم في مواجهة أولئك الناس الذين عرفوا قسوتهم، و شهدوا فصولا من انتقامهم من مخالفيهم بصورة غير عقلانية، و لا إنسانية و سوف لا يخشون سطوتهم و انتقامهم.
و قد حاول أهل التبرير، و محبو التماس الأعذار مهما كانت باردة و غير منطقية أن يبرروا الهزيمة، فجاؤوا بالعجب العجاب.
و يتضح ذلك من خلال ملاحظة ما يلي:
و ذكر كثير من أهل المغازي: أن المسلمين لما نزلوا وادي حنين تقدمهم كثير ممن لا خبرة لهم بالحرب، و غالبهم من شبان أهل مكة، فخرجت عليهم الكتائب من كل جهة، فحملوا حملة رجل واحد، و المسلمون غارون، فر من فر، و بلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كروا بعد (1).
و عن البراء بن عازب قال: عجل سرعان القوم-و في لفظة: شبان أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح، فإنّا لما حملنا على المشركين انكشفوا، فأقبل الناس على الغنائم، و كانت هوازن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 318.
رماة، فاستقبلتنا بالسهام كأنما رجل جراد، لا يكاد يسقط لهم سهم (1). انتهى.
و عند الطبرسي: «فما راعنا إلا كتائب الرجال بأيديها السيوف، و العمد، و القنا، فشدوا علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس راجعين، لا يلوي أحد على أحد، و أخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذات اليمين» (2).
و عن أبي إسحاق السبيعي قال: جاء رجل من قيس إلى البراء بن عازب، فقال: أكنتم وليتم؟
و في رواية: أوليت؟
و في أخرى: أوليتم مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟
و في أخرى: أفررتم يوم حنين يا أبا عمارة؟
فقال: أشهد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه ما ولّى.
و في رواية: لا و اللّه، ما ولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم حنين دبره، و لكنه خرج بشبان أصحابه، و هم حسّر ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم، فلما لقيناهم و حملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام كأنها رجل جراد لا
يكادون يخطئون، و أقبلوا هناك إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على بغلته البيضاء، و أبو سفيان بن الحارث يقود به، فنزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و دعا و استنفر، و قال «صلى اللّه عليه و آله» :
«أنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب
اللهم أنزل نصرك» (1).
عن جابر بن عبد اللّه، و عن أنس بن مالك: لما استقبلنا وادي حنين، انحدرنا في واد أجوف، خطوط، له مضايق و شعاب، و إنما ننحدر فيه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 325 و 326 عن ابن سعد، و ابن أبي شيبة، و البيهقي، و البخاري، و ابن مردويه، و في هامشه عن: البخاري ج 7 ص 622 (4317) ، و مسلم ج 3 ص 1400(78) و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 134 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 105 و كنز العمال ج 10 ص 540 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 26 و راجع: صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 3 ص 233 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 5 ص 168 و راجع: سنن الترمذي ج 3 ص 117 و السّنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 155 و عمدة القاري ج 14 ص 202 و مسند ابن الجعد ص 364 و المصنف لابن أبي شيبة الكوفي ج 6 ص 181 و ج 8 ص 550 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 271 و تفسير البغوي ج 2 ص 278 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 413 و تفسير الرّازي ج 16 ص 21 و الدر المنثور ج 3 ص 225 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 15 و إحقاق الحق (الأصل) ص 271 و سير أعلام النبلاء ج 8 ص 185.
انحدارا، و في عماية الصبح، و قد كان القوم سبقونا إلى الوادي فمكثوا في شعابه و أجنابه و مضايقه و تهيؤا، فو اللّه، ما راعنا و نحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد، و كانوا رماة (1).
قال أنس: استقلبنا من هوازن شيء، لا و اللّه ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط، من كثرة السواد، قد ساقوا نساءهم و أبناءهم و أموالهم ثم صفوا صفوفا، فجعلوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال، ثم جاؤوا بالإبل و البقر و الغنم، فجعلوها وراء ذلك، لئلا يفروا بزعمهم.
فلما رأينا ذلك السواد حسبناه رجالا كلهم.
فلما انحدرنا في الوادي، فبينا نحن في غبش الصبح إن شعرنا إلاّ بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي و شعبه، فحملوا حملة رجل واحد، فانكشفت أوائل الخيل-خيل بني سليم-مولية، و تبعهم أهل مكة، و تبعهم الناس منهزمين ما يلوون على شيء، و ارتفع النقع فما منا أحد يبصر كفه (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 318 عن ابن إسحاق، و أحمد، و ابن حبان، و أبي يعلى، و الواقدي. و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 376 و مجمع الزوائد ج 6 ص 179 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 347 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 263 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 893 و عيون الأثر ج 2 ص 215 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 1 ص 255 و إعلام الورى ص 121 و البحار ج 21 ص 166 و تاريخ الخميس ج 2 ص 101 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 49.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 318 و مجمع الزوائد ج 6 ص 181 و راجع تفسير مجمع البيان ج 5 ص 34 و تفسير الميزان ج 9 ص 231 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 151 و شرح السير الكبير للسرخسي ج 1 ص 117 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 574 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 12 و ج 8 ص 389 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 1 ص 255.
و قال جابر: و انحاز رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذات اليمين، ثم قال: «أيها الناس، هلم إلي. أيها الناس، هلم إلي. أنا رسول اللّه، أنا محمد بن عبد اللّه» .
قال: فلا شيء و حملت الإبل بعضها على بعض، فانطلق الناس (1).
و عن أبي بشير المازني قال: لما كان يوم حنين صلينا الصبح، ثم رجعنا على تعبئة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فما شعرنا-و قد كاد حاجب الشمس أن يطلع، و قد طلع-إلا بمقدمتنا قد كرت علينا، قد انهزموا، فاختلطت صفوفنا، و انهزمنا مع المقدمة، و أكر، و أنا يومئذ غلام شاب، و قد علمت أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» متقدم، فجعلت أقول: يا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 318 و مجمع الزوائد ج 6 ص 182 و 183 و راجع: إعلام الورى ص 121 و البحار ج 21 ص 166 و تاريخ الخميس ج 2 ص 101 و مسند أحمد ج 3 ص 376 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 358 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 69 و أسد الغابة ج 4 ص 289 و ج 5 ص 214 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 347 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 263 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 576 و البداية و النهاية ج 4 ص 373 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 893 و عيون الأثر ج 2 ص 215 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 618 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 1 ص 256.
للأنصار، بأبي و أمي، عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تولّون؟ و أكرّ في وجوه المنهزمين، ليس لي همة إلا النظر إلى سلامة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
عن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول اللّه حنينا. فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من المشركين فأرميه بسهم، و توارى عني فما دريت ما صنع.
ثم نظرت إلى القوم، فإذا هم طلعوا من ثنية أخرى، فالتقوا هم و أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فولى أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأرجع منهزما. و علي بردتان، مؤتزرا بإحداهما، مرتديا بالأخرى، فاستطلق إزاري، فجمعتهما جميعا.
و مررت برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أنا منهزم، و هو على بغلته الشهباء، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لقد رأى ابن الأكوع فزعا» (2).
و كان المسلمون بلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كروا بعد و تراجعوا،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 319 عن الواقدي.
2) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 628 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 451 و دلائل النبوة للأصبهاني ج 3 ص 1129 و الدر المنثور ج 3 ص 226 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 581 و البداية و النهاية ج 4 ص 379 و إمتاع الأسماع للمقريزي ج 5 ص 68 و صحيح مسلم ج 5 ص 169 و فتح الباري ج 8 ص 22 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 326 و 348.
فأسهم لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جميعا.
و كانت أم الحارث الأنصارية آخذة بخطام جمل الحارث زوجها، و كان يسمى المجسار، فقالت: يا حار، أتترك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و الناس يولون منهزمين؟ ! و هي لا تفارقه.
قالت: فمر عليّ عمر بن الخطاب، فقلت: يا عمر، ما هذا؟
قال: أمر اللّه تعالى (1).
قال الصالحي الشامي:
«قال ابن إسحاق: لما انهزم الناس، و رأى من كان مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم منهم رجال بما في أنفسهم من الضغن.
قال أبو سفيان بن حرب-و كان إسلامه بعد مدخولا-: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر. و إن الأزلام لمعه في كنانته.
و صرخ جبلة بن الحنبل-و قال ابن هشام: كلدة بن الحنبل، و أسلم بعد ذلك، و هو مع أخيه لأمه صفوان بن أمية، و صفوان مشرك في المدة التي جعل له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -: ألا بطل السحر اليوم! !
فقال له صفوان: اسكت فض اللّه فاك! و اللّه، أن يربّني رجل من قريش أحب إلى من أن يربّني رجل من هوازن (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 331 و المغازي ج 3 ص 904.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 319، و أشار إليه اليعقوبي في تاريخه ج 2 ص 62 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 102 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 111 و السيرة الحلبية ج 3 ص 111 و راجع: تفسير الميزان ج 9 ص 235 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 347 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 236 و البداية و النهاية ج 4 ص 374 وراج: إمتاع الأسماع ج 2 ص 17 و أعيان الشيعة ج 1 ص 280 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 894 و عيون الأثر ج 2 ص 216 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 619.
قال ابن عقبة: و مرّ رجل من قريش بصفوان بن أمية، فقال: أبشر بهزيمة محمد و أصحابه، فو اللّه، لا يجبرونها أبدا.
فقال صفوان: أتبشرني بظهور الأعراب؟ ! فو اللّه، لربّ من قريش أحب إلى من ربّ من الأعراب. و غضب صفوان لذلك.
و بعث صفوان غلاما له، فقال: اسمع لمن الشعار.
فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبيد اللّه، يا بني عبد اللّه.
فقال: ظهر محمد. و كان ذلك شعارهم في الحرب (1).
و روى محمد بن عمر، عن أبي قتادة، قال: مضى سرعان الناس من المنهزمين، حتى دخلوا مكة، ساروا يوما و ليلة، يخبرون أهل مكة بهزيمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عتاب بن أسيد-بوزن أمير-على مكة، و معه معاذ بن جبل، فجاءهم أمر غمهم، و سر بذلك قوم من أهل مكة
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 320 و المغازي ج 3 ص 910 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 102 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 111 و السيرة الحلبية ج 3 ص 111.
و أظهروا الشماتة، و قال قائل منهم: ترجع العرب إلى دين آبائها، و قد قتل محمد و تفرق أصحابه.
فتكلم عتاب بن أسيد يومئذ، فقال: إن قتل محمد، فإن دين اللّه قائم. و الذي يعبده محمد حي لا يموت.
فما أمسوا من ذلك اليوم حتى جاء الخبر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أوقع بهوازن، فسر عتاب بن أسيد، و معاذ بن جبل، و كبت اللّه تعالى من هناك ممن كان يسره خلاف ذلك.
فرجع المنهزمون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلحقوه بأوطاس و قد رحل منها إلى الطائف (1).
و نقول:
لقد حفلت تلك الروايات بمزاعم لا مجال لقبولها، و نحن نذكر ذلك فيما يلي من مطالب:
زعموا: أن الذين تقدموا جيش المسلمين في حنين كانوا شبانا من أهل مكة، و لا خبرة لهم بالحرب، و أنه ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح.
و نقول:
أولا: لا ندري من أين عرف هؤلاء الذين يسمونهم بأهل المغازي: أن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 320 و المغازي ج 3 ص 910 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 102 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 111 و السيرة الحلبية ج 3 ص 111.
الذين تقدموا المسلمين في وادي حنين كانوا شبانا.
و كانوا لا خبرة لهم بالحرب.
و كان غالبهم من أهل مكة.
فإن كان أهل المغازي قد عرفوا ذلك من النصوص، فأين ذهبت تلك النصوص يا ترى؟ ! سوى ما روي عن البراء بن عازب، و هو ما لم يؤيده أي نص سواه من أي صحابي آخر فيما نعلم، و هذا يثير الشبهة في أن يكون موضوعا على لسان البراء لحاجة في النفس، كما سنرى.
و إن كان أرباب المغازي قد علموا ذلك بالمشاهدة، فهم إنما عاشوا في أزمنة متأخرة على ذلك الزمان.
و إن كانوا قد عرفوا ذلك بالاجتهاد، فليدلونا على العناصر التي أنتجت لهم هذه الحقائق، و الدقائق، و التوصيفات.
ثانيا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي كان يكتّب الكتائب، و ينظم الجيش، و يضع هؤلاء في المقدمة، و أولئك في القلب، و فريقا ثالثا في الجناح الأيسر، أو الأيمن، أو الساقة، و ما إلى ذلك.
فما معنى: أن يقول أهل المغازي: «تقدمهم كثير ممن لا خبرة له الخ. .» ؟ !
فإن تقدمهم: إن كان بمبادرة و اقتراح منهم، و من دون رضا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فذلك ما لا يرضاه نبي الإسلام، و لا يوافق عليه و لا يقرّه.
و إن كان برضا و بتقديم، و قرار منه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا بد من السؤال عن سبب هذا الإختيار، و عن سبب عدم تزويدهم بالسلاح الكافي، أو عدم أمرهم بالتزود منه.
فهل كان «صلى اللّه عليه و آله» يريد: أن تحل الهزيمة بجيشه، فمهّد
مقدماتها؟ ! أم أنه كان لا يعرف أن الذين اختارهم هم بهذا المستوى المتدني؟ و أنهم لم يكونوا أهلا لما اختارهم له؟ و قد أخطأ في اختياره، فذلك يعني الطعن في حكمته، بل في نبوته «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو ما لا يرضاه أحد من المسلمين.
مع أنه قد كان بالإمكان أن يسأل عنهم من له معرفة بهم.
و كان على العارفين بهم أن يبادروا إلى تقديم النصيحة له، و تعريفه بهم، و لو لم يطلب منه ذلك.
ثالثا: إن الروايات الأخرى تصرح: بأن أول الخيل، و هي خيل بني سليم هي التي انكشفت أولا، و تبعهم أهل مكة، فما هي الحقيقة إذن؟ و لماذا تناقض الروايات في منح وسام الهزيمة لهذا تارة، و لذاك اخرى، بل و للرسول ثالثة، كما تقدم؟ !
إننا نقرأ في أخبار غزوة حنين نصوصا تتحدث عن محاولات بذلت لاغتيال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و منها محاولة شيبة، و محاولة النضير بن الحارث بن كلدة، و ستأتيان. .
غير أن الأمر لا ينحصر بذلك. إذ يمكن للباحث الأريب أن يلمح في الأفق ما يشير إلى أنه قد كان لأهل مكة دور رئيسي في الهزيمة، كما أن بني سليم قد وافقوهم على ذلك.
و قد كان يمكن للمراقب أن يتوقع المؤامرة من أهل مكة، إلا أن ما فعله بنو سليم لا بد أنه أشد إيلاما و أقوى مرارة في القلب، لأن خيانتهم
تكون من الداخل، أما خيانة أولئك فإنما هي من أناس لا يزالون على شركهم، و على بغضهم و عداوتهم. .
و قد صرحت النصوص المتقدمة بالمؤامرة من أهل مكة، فقد تقدم قولهم: يقال: إن الطلقاء قال بعضهم لبعض: أخذلوه فهذا وقته، فانهزموا أول من انهزم، و تبعهم الناس.
و عند ذلك قال أبو قتادة لعمر: ما شأن الناس؟
قال: أمر اللّه (1).
و مما يدل على تواطؤ بني سليم معهم، و على دورهم في إلحاق الهزيمة بالمسلمين، و تعاطفهم مع هوازن، قولهم: «لما هزم اللّه تعالى هوازن اتبعهم المسلمون يقتلوهم. فنادت بنو سليم بينها: ارفعوا عن بني أمكم القتل.
فرفعوا الرماح، و كفوا عن القتل.
و أم سليم بكمة ابنة مرة، أخت تميم بن مرة، فلما رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الذي صنعوا قال: اللهم عليك ببني بكمة، و لا يشعرون أن لهم أما يقال لها: بكمة-أما في قومي، فوضعوا السلاح وضعا، و أما عن
1) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و السيرة الحلبية ج 3 ص 108 و (ط دار المعرفة) ص 65 و الآحاد و المثاني ج 3 ص 435 و المنتقى من السنن المسندة ص 270 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 226 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 131 و 168 و معرفة السنن و الآثار للبيهقي ج 5 ص 117 و الإستذكار ج 5 ص 59 و التمهيد ج 23 ص 242 و نصب الراية ج 4 ص 295 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 147 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 584 و البداية و النهاية ج 4 ص 376 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 623.
قومهم فرفعوا رفعا.
و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بطلب القوم» (1).
و ذلك يدل على خيانة صريحة من قبل بني سليم حتى بعد عودة جيش المسلمين، و هزيمة الكافرين. . فهل تراهم يقتلون بني أمهم حينما كانوا في مقدمة الجيش في بداية الحرب؟ !
و قد ذكر كثير من اهل المغازي أيضا: أن المسلمين حين انهزموا بلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كروا بعد. .
و نقول:
أولا: إن كان بين حنين، و بين مكة ثلاث ليال، أو بضعة عشر ميلا، و قد سار الناس في هزيمتهم يوما و ليلة حتى بلغوا قلة كما تقدم. فمتى كروا و رجعوا إلى ساحة المعركة، و أوقعوا بالمشركين الهزيمة؟ !
و هل بقي النبي «صلى اللّه عليه و آله» يحارب هو و علي «عليه السلام» ، و بضعة رجال من بني هاشم يحيطون به «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! طيلة هذه المدة؟ و إذا كانوا قد انسحبوا، فهل عاد المسلمون إلى هوازن و هزموها بدون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أو معه؟ !
و إن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» و من معهما بقوا يحاربون، فهل بقوا يحاربون عدوهم الذي يعد بعشرات الألوف أياما؟ !
1) المغازي للواقدي ج 3 ص 912 و 913.
و كيف كانوا يصلّون، و يأكلون، و يشربون؟ !
و إذا حلّ الليل عليهم، كيف كانوا يتحاجزون، و يتحارسون إلى الصباح؟ !
و كيف؟ ! و كيف؟ !
ثانيا: و مما يوضح ذلك: قول أبي قتادة تارة: «مضى سرعان الناس من المنهزمين حتى دخلوا مكة، ساروا يوما و ليلة» .
ثم قوله: إنه قد بلغ أهل مكة خبر إيقاع النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهوازن مساء نفس ذلك اليوم (1).
و هذا يدل على: أن اللّه قد نصر نبيه في غياب المنهزمين عن ساحة المعركة.
و سيأتي المزيد من دلائل ذلك إن شاء اللّه تعالى. .
ثالثا: قال أبو قتادة: «فرجع المنهزمون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلحقوه بأوطاس، و قد رحل منها إلى الطائف» (2).
فالمنهزمون لم يحضروا النصر، و لم يروه، و لا رأوا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بعد هزيمتهم في حنين أبدا.
إننا نلاحظ: أن ثمة اضطرابا في بيان ظروف الهزيمة، فبينما نجد الساعين على إعذار قريش، و خالد، و بني سليم، و سائر المنهزمين يدّعون: أن الذين كانوا في المقدمة كانوا شبانا، ليس معهم سلاح، أو كثير سلاح،
و لا خبرة لهم في الحرب، و كانوا من أهل مكة.
ثم يزعمون: أنهم هاجموا المشركين، فانهزم المشركون، فأقبل الناس على الغنائم، فعاد المشركون إلى مهاجمتهم، و حلت بهم الهزيمة.
نجد في مقابل ذلك: أن سائر الروايات تقول:
إن المشركين كمنوا لهم في الشعاب و المضائق، و كان المسلمون ينحدرون في الوادي، فخرجوا عليهم فجأة. و كانت خيل بني سليم أول المنهزمين، و تبعهم أهل مكة، ثم تبعهم الناس.
و نحن نرى: أن هذه الإدعاءات و تلك مختلقة و مكذوبة.
و الحقيقة هي: أن الذين انهزموا قد انهزموا من دون مبرر، و لذلك استحقوا التأنيب الإلهي، و اعتبرهم اللّه و رسوله عصاة. . و كان لا بد لهم من التوبة.
و أما الإنتصار، على هوازن فقد كان بيد أمير المؤمنين «عليه السلام» و الملائكة معه، و لعل بعض الأنصار من أهل المدينة قد عادوا قبل غيرهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن احسوا ببعض الأمن. فلا داعي لكل هذه التهويلات و التأويلات المختلقة، أو المبالغ فيها، و التي تهدف إلى التبرير، و لو بالتزوير.
و يدل على ما نقول: ما وري عن أبي عبد الرحمن بن يزيد الفهري-يقال: اسمه كرز-قال: كنت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حنين في يوم قائظ شديد الحر، فنزلنا تحت ظلال السمر، فلما زالت الشمس لبست لامتي، و ركبت فرسي، فأتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في فسطاطه، فقلت: السلام عليك يا رسول اللّه و رحمته. الرواح قد حان، الرواح يا رسول اللّه.
قال: «أجل» .
ثم قال رسول اللّه: «يا بلال» !
فثار من تحت سمرة كأن ظله طائر، فقال: لبيك و سعديك، و أنا فداؤك.
قال: «أسرج لي فرسي» .
فأتاه بسرج دفتاه من ليف ليس فيهما أشر و لا بطر، فركب فرسه، ثم سرنا يومنا، فلقينا العدو، و تشامت الخيلان، فقاتلناهم، فولى المسلمون مدبرين كما قال اللّه تعالى. فجعل رسول اللّه الخ. . (1).
و لا نجد في هذا النص ما يوجب الإشكال سوى التعبير بكلمة: «الفرس» ، فإن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان في حنين يركب بغلة لا فرسا كما هو معلوم.
و التفسير الذي له دلالاته و غاياته هو تفسير عمر بن الخطاب للهزيمة. فقد قال بعض من حضر تلك الوقعة:
«و انهزم المسلمون، فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب، فقلت له: ما شأن الناس؟ !
قال: أمر اللّه.
ثم تراجع الناس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .» (2).
كما أن أم الحارث الأنصارية قالت لعمر بن الخطاب حين مر عليها: يا
عمر، ما هذا؟ !
قال: أمر اللّه تعالى (1).
و نقول:
إن لنا على هذا النص العديد من الملاحظات، نذكر منها: 1-إن هذا الذي انهزم مع الجماعة، لم يرض أن ينسب لنفسه المشاركة في الهزيمة، فلم يقل: انهزم الناس و انهزمت معهم.
بل قال: «انهزم الناس، فانهزمت معهم» ، فاستعمل الفاء، بدلا عن الواو، و كأنه يريد الإيحاء: بأنه لم يكن يريد هذا الأمر، و لا شارك فيه، بل هم الذين انهزموا، فتبعهم. لأنهم قد اضطروا إلى ذلك. .
2-إن كلام عمر يشير: إلى أن الناس لا ذنب لهم في هذه الهزيمة، لأن اللّه تعالى هو الذي فعل ذلك بهم، فإن كان ثمة من اعتراض، فلا بد أن يوجه إليه تعالى، لا على المنهزمين.
و بذلك يكون قد برّأ نفسه من عار الهزيمة، و سلم تبعاتها. .
3-لم يقدم عمر دليلا على ما يدّعيه من أن امر اللّه هو السبب فيما حصل. . إلا أن من الواضح: أنه اعتمد على عقيدة الجبر الإلهي، و قد قلنا اكثر من مرة: أن هذه العقيدة من بقايا عقائد المشركين، و الظاهر أنهم أخذوها من اليهود، فراجع كتابنا: أهل البيت «عليهم السلام» في آية
1) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 624 و راجع ص 623 عن البخاري، و بقية الجماعة، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 336 و تفسير القمي ج 1 ص 287 و البحار ج 21 ص 150 و المغازي للواقدي ج 3 ص 904.
التطهير. و الحياة السياسية للإمام الحسن «عليه السلام» .
ثم إن رواية أبي إسحاق السبيعي، عن سؤال رجل للبراء بن عازب:
«أوليتم مع رسول اللّه» ؟ !
ثم قول البراء: أشهد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه ما ولى.
أو قال: لا و اللّه، ما ولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم حنين دبره -إن هذه الرواية-تفيد: أنهم قد أشاعوا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه قد فرّ أيضا يوم حنين.
و يؤيد ذلك: عودة البراء بن عازب، للتأكيد على شجاعة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: «و كنا إذا احمر البأس نتقي برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و إن الشجاع منا الذي يحاذيه» (1).
و لعل هذا الإفتراء الصريح على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، يستبطن
1) راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 209 و كنز العمال ج 10 ص 540 و ج 12 ص 347 و تفسير البغوي ج 2 ص 278 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 101 و ج 10 ص 20 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 326 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 326 الجمع بين الصحيحين ج 1 ص 523 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 281 و مشكاة المصابيح ج 3 ص 1650 و المنتقى من منهاج الإعتدال ج 1 ص 520 و منهاج السنة ج 8 ص 130 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2251 و ج 4 ص 3224 و صحيح مسلم ج 5 ص 168 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 120 و فتح الباري ج 8 ص 25 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 578 و ج 8 ص 550
الحكم عليه: بأنه-و العياذ باللّه من التفوه بالكفر-قد باء بغضب من اللّه، وفقا لقوله تعالى: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّٰ مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ (1).
قال دحلان: «و قد أجمعت الصحابة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ما انهزم مع من انهزم، بل صار يقدم في وجه العدو. بل ما انهزم في موطن قط، و انعقد الإجماع على ذلك.
و قال القاضي أبو عبد اللّه بن المرابط: من قال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هزم يستتاب، فإن تاب و إلا قتل لأنه ينتقصه (2).
و لعل الذي دعاهم إلى ذلك هو: أن يخففوا من وطأة الإشكال على الصحابة، الذين يحبونهم، و قد ولوا مدبرين في حنين، و الرسول يدعوهم في أخراهم، فلا يستجيبون له، بل إن بعضهم بلغ في هزيمته إلى مكة نفسها.
و يؤيد ما نقول، ما سيأتي: من أن بعضهم يحاول إبعاد التهمة عن عمر في أمر الهزيمة، و أنه مرّ عليه، و لم يكن مع المنهزمين.
ثم إن من يقرأ نصوص الهزيمة يلاحظ: أن ثمة حرصا على التهويل و التعظيم لأمر الأعداء، و أنهم كانوا رماة، لا يكاد يسقط لهم سهم، و أنهم قد
شدّوا على المسلمين شدّة رجل واحد، و أنهم استقبلوا المسلمين بما لم يروا مثله في ذلك الزمان، من كثرة السواد، و أنهم قد كمنوا في المضائق و الشعاب، ثم فاجؤوهم.
و أن المسلمين في المقدمة كانوا شبانا، و لا سلاح، و لا خبرات حربية لديهم، إلى غير ذلك مما تقدم.
و المقصود من كل هذا التهويل هو: تبرير الهزيمة، و التخفيف من ذنب المنهزمين.
و لكننا نجد في المقابل: أن اللّه سبحانه و تعالى ينعى عليهم هزيمتهم، و يؤنبهم عليها، و يعاقبهم بأن ينزل سكينته على رسوله «صلى اللّه عليه و آله» و على المؤمنين الذين ثبتوا في ساحة الجهاد دونهم. . ثم هو يعرّض بهم تعريضا خطيرا، حين يلوح لهم: بأنه يستثنيهم من صفة الإيمان.
إنه تعالى يقول لهم: إن السبب فيما جرى ليس هو تلك الأكاذيب التي يسطرونها للناس، ليخدعوهم بها. بل هي الإعجاب بكثرتهم، و أنها لم تغن عنهم شيئا، و ضاقت عليهم الأرض بما رحبت. ثم بعد هذا كله، و لوا مدبرين. .
و يدل على عدم صحة كل هذه الدعاوى: أن النصر قد تحقق على يد علي «عليه السلام» وحده، حين ثبت في ساحة الجهادن و كان هناك أفراد قليلون من بني هاشم، أحاطوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد أنزل اللّه سكينته عليهم و على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فلو أن الناس فعلوا فعل علي «عليه السلام» لم تحصل هزيمة توجب غضب اللّه تبارك و تعالى.
و يتأكد ما قلناه: إذا كان المنهزمون قد عادوا إلى أوطاس، حين توجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى ثقيف كما سنرى.
و زعمت الروايات المشبوهة: أن الكمين في المضايق و الشعاب كان هو السبب في الهزيمة، و ليس ذلك صحيحا. بل هو المؤامرة، مضافة إلى الخور و الجبن. . و إلا، فإن الفريقين قد التقوا في ساحة القتال، و اصطف الجيشان.
بل لقد زعموا: «أنهم لما تلاقوا اقتتلوا قتالا شديدا فانهزم المشركون، و جلوا عن الذراري، ثم نادوا: يا حماة السوء، اذكروا الفضائح، فتراجعوا و انكشف المسلمون و انهزموا» (1).
و قد قرأنا و سنقرأ إن شاء اللّه شواهد كثيرة أخرى على ما نقول. .
و غني عن القول: أن الإسلام قد جاء بإبطال العصبيات القبلية، و غيرها مما يلتقي معها في المضمون و النتيجة. . و قد اعتبرها «صلى اللّه عليه و آله» دعوة منتنة لا يجوز الإقتراب منها، فضلا عن تبنيها.
و لكن صفوان بن أمية يعتبر: أن رب قريش أحب إليه من رب الأعراب، فماذا سيكون موقفه حين يقول له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن رب قريش و الأعراب سواء أكانوا من هوازن، أو من غيرها، واحد؟ !
1) تاريخ الخميس ج 2 ص 102 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 55 و تفسير مقاتل بن سليمان ج 2 ص 42 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 22 و تفسير البغوي ج 2 ص 278.
هل سيرضى به ربا؟ !
و هل سيعبده كما تعبده الأعراب و قريش؟ !
أم أنه سيتخلى عنه؟ !
قال السهيلي: «إن قيل: كيف فر أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنه، حتى لم يبق معه منهم إلا ثمانية. و الفرار من الزحف من الكبائر، و قد أنزل اللّه فيه من الوعيد ما أنزل؟ !
قلنا: لم يجمع العلماء على أنه من الكبائر إلا في يوم بدر.
و كذلك قال: الحسن، و نافع مولى عبد اللّه بن عمر.
و ظاهر القرآن يدل على هذا، فقد قال تعالى: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ (1).
فيومئذ: إشارة إلى يوم بدر، ثم نزل التحقيق (لعل الصحيح: التخفيف) من بعد ذلك في الفارين يوم أحد، و هو قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَفَا اَللّٰهُ عَنْهُمْ (2).
و كذلك أنزل في يوم حنين: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضٰاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا وَ عَذَّبَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذٰلِكَ جَزٰاءُ اَلْكٰافِرِينَ، ثُمَّ يَتُوبُ اَللّٰهُ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3).
و في تفسير ابن سلام: كان الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر. و كذلك يكون من الكبائر في ملحمة الروم الكبرى، و عند الدجال.
و أيضا: فإن المنهزمين عنه «عليه السلام» رجعوا لحينهم، و قاتلوا معه، حتى فتح اللّه عليهم (1).
و نقول:
أولا: إن قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاٰ تُوَلُّوهُمُ اَلْأَدْبٰارَ، وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّٰ مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ (2)خطاب عام، لا يختص بوقت دون وقت، و لا بغزوة دون أخرى. .
و على هذا، فالمراد بقوله تعالى: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ يراد به: يوم لقاء العدو، أو فقل: يوم الزحف.
ثانيا: و يشهد لما ذكرناه: أن الآيات المذكورة آنفا إنما نزلت بعد وقعة بدر، و لذلك ترى الآيات تتحدث عنها بصيغة الماضي، فتقول: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ قَتَلَهُمْ وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ رَمىٰ (3).
و من الواضح: أن الأمور يوم بدر قد سارت على ما يرام، و لم يحصل فرار من قبل المسلمين. . و لكن اللّه، و هو يذكر هذا النصر العظيم، و يمتن على المسلمين به يحذرهم من الفرار من الزحف فيما يأتي من حروب، فيقول
لهم: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمُ (أي في الحروب التالية) اَلَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاٰ تُوَلُّوهُمُ اَلْأَدْبٰارَ (1)، ثم بيّن جزاء من يفعل ذلك في ذيل الآية التالية. .
ثالثا: إنها حتى لو كانت قد نزلت يوم بدر، فإن خصوصية سبب النزول و خصوصية المورد لا يوجب جعل مدلول الآية خاصا.
رابعا: قد صرحت الروايات الكثيرة: بأن الفرار من الزحف من الكبائر. فمن هذه الروايات التي وردت في مصادر الشيعة نذكر:
1-ما روي عن أمير المؤمنين «عليه السلام» : «إن الرعب و الخوف من جهاد المستحق للجهاد و المتوازرين على الضلال ضلال في الدين، و سلب للدنيا مع الذل و الصغار، و فيه استيجاب النار بالفرار من الزحف عند حضرة القتال: يقول اللّه عز و جل: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاٰ تُوَلُّوهُمُ اَلْأَدْبٰارَ (2)» (3).
2-عن الإمام الصادق «عليه السلام» : و الكبائر السبع الموجبات: قتل النفس الحرام. .
إلى أن قال: و الفرار من الزحف (1).
3-روى عبد العظيم الحسني عن الإمام الجواد، عن الرضا، عن الكاظم «عليهم السلام» : أن عمر بن عبيد سأل الإمام الصادق «عليه السلام» عن الكبائر، فقال «عليه السلام» : نعم يا عمر، و أكبر الكبائر الشرك باللّه. .
إلى أن قال: و الفرار من الزحف، لأن اللّه تعالى يقول: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّٰ مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ (2)» (3).
4-عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه «عليه السلام» عن الكبائر، فقال: «هن في كتاب علي «عليه السلام» سبع. . فذكرها. . و عد منها: الفرار من الزحف» .
و في رواية أخرى: «هن خمس» (4).
1) مستند الشيعة ج 18 ص 129 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 329 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 260 و الكافي ج 2 ص 276 و 277 و التفسير الصافي ج 1 ص 444 و تفسير الميزان ج 4 ص 333.
2) الآية 16 من سورة الأنفال.
3) مجمع البيان ج 3 ص 39 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 318 و 319 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 252 و في الكافي (الأصول) ج 2 ص 285 و عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 186 و مسند الإمام الرضا ج 1 ص 326 عن تفسير العياشي ج 1 ص 251 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 350 و تفسير الميزان ج 4 ص 333.
4) راجع: الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 321 و 327 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 254 و 259 و الكافي (الأصول) ج 2 ص 287 و البحار ج 76 ص 4 و 5 و ج 85 ص 26 و 28 و عن عقاب الأعمال ص 19 و علل الشرائع ص 162 و الخصال ج 1 ص 131 و جامع أحاديث الشيعة ج 1 ص 8 و 139 و ج 4 ص 74 و ج 13 ص 355 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 138 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 9 ص 367 و 370 و مستند الشيعة ج 7 ص 265 و ج 18 ص 130 و كفاية الأحكام ج 1 ص 139 و الحبل المتين (ط ق) للبهائي ص 9 و الحدائق الناضرة ج 6 ص 15 و ج 10 ص 48 و كشف اللثام (ط ق) ج 2 ص 370 و (ط ج) ج 10 ص 279 و ذخيرة المعاد (ط ق) ج 1 ق 2 ص 304 و منتقى الجمان ج 2 ص 352 و راجع: تفسير الصافي ج 1 ص 445 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 432.
5-عن محمد بن مسلم، عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، قال: «الكبائر سبع: قتل المؤمن. .
إلى أن قال: و الفرار من الزحف» (1).
6-عن مسعدة بن صدقة قال: سمعت أبا عبد اللّه «عليه السلام» يقول: «الكبائر القنوط من رحمة اللّه. .
1) راجع: الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 322(ط دار الإسلامية) ج 11 ص 254 و الكافي (الأصول) ج 2 ص 277 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 355 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 8 ص 340 و ج 9 ص 266 و ج 12 ص 288 و كشف اللثام (ط ق) ج 2 ص 370 و (ط ج) ج 10 ص 279 و ذخيرة المعاد (ط ق) ج 1 ق 2 ص 304 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 48 و القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري ص 295.
إلى أن قال: و الفرار من الزحف» (1).
7-ورد ذلك أيضا في رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» (2).
8-و ورد مثله في رواية أبي الصامت عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» (3).
1) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 324 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 255 و الكافي (الأصول) ج 2 ص 280 و البحار ج 65 ص 260 و ج 85 ص 26 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 1 ص 449 و ج 7 ص 122 و ج 9 ص 209 و 267 و ج 10 ص 410 و كشف اللثام (ط ق) ج 2 ص 370 و (ط ج) ج 10 ص 280 و ذخيرة المعاد (ط ق) ج 1 ق 2 ص 304 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 48 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 354 و مستدرك الوسائل ج 9 ص 15 و مستند الشيعة ج 18 ص 131.
2) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 324 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 256 و الكافي (الأصول) ج 2 ص 281 و مستند الشيعة ج 18 ص 130 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 354 و جامع المدارك ج 1 ص 495 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 356 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 5 ص 321 و ج 9 ص 268 و كشف اللثام (ط ق) ج 2 ص 370 و (ط ج) ج 10 ص 279 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 49.
3) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 9 ص 536 و ج 15 ص 325 و (ط دار الإسلامية) ج 6 ص 374 و ج 11 ص 258 عن التهذيب للطوسي ج 1 ص 393 و (ط دار الكتب الإسلامية) ج 4 ص 150 و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 621 و ج 13 ص 356 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 8 ص 342 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 49 و مستند الشيعة ج 18 ص 102 و 132.
9-و رواية عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» (1).
10-و عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» : «وجدنا في كتاب علي «عليه السلام» : الكبائر خمسة: الشرك باللّه. .
إلى أن قال: و الفرار من الزحف» (2).
11-و راجع رواية أحمد بن عمر الحلبي، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» (3).
1) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 326 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 258 عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 186 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج 3 ص 561 و البحار ج 27 ص 210 و ج 76 ص 5 و الخصال ج 2 ص 14 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص 364 و علل الشرائع ص 162 و (ط الحيدرية) ج 2 ص 474 و جامع المدارك ج 1 ص 495 و جامع أحاديث الشيعة ج 8 ص 621 و ج 13 ص 358 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 9 ص 271.
2) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 327 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 259 عن علل الشرائع ص 475 و (ط مركز النشر الإسلامي) ج 2 ص 475 و عن الخصال ج 1 ص 131 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص 273 و البحار ج 78 ص و 85 ص 27 و 28 و ج 76 ص 4 و كشف اللثام (ط ج) ج 10 ص 281 و (ط ق) ج 2 ص 371 و مكاتيب الرسول ج 2 ص 140.
3) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 329 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 260 عن ثواب الأعمال ص 71 و (ط أمير قم) ص 129 و 130 و البحار ج 76 ص 12 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 350 و التفسير الصافي ج 1 ص 444 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 473 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 326 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 431 و التحفة السنية (مخطوط) للجزائري ص 18.
12-و رواية الفضل بن شاذان فيما كتبه الإمام الرضا «عليه السلام» للمأمون، و عدّ فيها من الكبائر: الفرار من الزحف (1).
13-و رواية محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» (2).
14-و رواية الأعمش عن الإمام الصادق «عليه السلام» ، في حديث شرايع الدين (3).
1) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 329 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 260 و 261 عن عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ص 268 و 269 و كفاية الأحكام ج 1 ص 141 و مستند الشيعة ج 18 ص 132 و رسائل فقهية للشيخ الأنصاري ص 44 و البحار ج 76 ص 12 و ج 85 ص 27 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 353 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 2 ص 100 و ج 5 ص 55 و ج 9 ص 200 و 211 و ج 9 ص 272 و ج 12 ص 284 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 163.
2) الكافي ج 2 ص 277 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 322 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 261 و 262 عن الخصال ج 2 ص 41 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص 302 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 358 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 355 و ذخيرة المعاد (ط ق) ج 1 ق 2 ص 304 و كشف اللثام (ط ج) ج 10 ص 279 و (ط ق) ج 2 ص 370 و التحفة السنية (مخطوط) للجزائري ص 18 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 8 ص 340 و ج 9 ص 266 و ج 12 ص 288 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 48 و منهاج الأحكام ص 72 و القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري ص 295.
3) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 331 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 262 عن الخصال ج 2 ص 155 و البحار ج 76 ص 9 عنه، و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 350 و مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 14 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» للشيخ هادي النجفي ج 1 ص 204 و ج 2 ص 100 و ج 12 ص 349.
15-و رواية ابن محبوب عن أبي الحسن في كتاب له (1).
16-و راوية ميسر عن أبي جعفر «عليه السلام» (2).
و غير ذلك. .
1-عن أبي هريرة، عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: اجتنبوا السبع الموبقات.
قالوا: و ما هن يا رسول اللّه؟
1) الكافي ج 2 ص 276 و 277 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 318 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 252 عن الكافي، و راجع: مستدرك الوسائل ج 11 ص 358 و مشكاة الأنوار ص 272 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 349 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 9 ص 266 و ج 12 ص 18 و 109 و ذخيرة المعاد (ط ق) ج 1 ق 2 ص 304 و كشف اللثام (ط ج) ج 10 ص 281 و (ط ق)371 و الحدائق الناضرة ج 10 ص 47 و منهاج الأحكام ص 71 و القضاء و الشهادات للشيخ الأنصاري ص 294.
2) مستدرك الوسائل ج 11 ص 355 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 472 و تفسير كنز الدقائق ج 2 ص 430 و شرح الأخبار ج 3 ص 475 و البحار ج 76 ص 13 و ج 85 ص 28 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 356 و عن مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 17 و تفسير العياشي ج 1 ص 237.
قال: الشرك باللّه، و قتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، و السحر، و أكل الربا، و أكل مال اليتيم، و التولي يوم الزحف، و قذف المحصنات الغافلات المؤمنات (1).
1) صحيح البخاري (ط دار الفكر) ج 3 ص 195 و ج 8 ص 33 و صحيح مسلم (ط دار الفكر) ج 1 ص 64 و الدر المنثور ج 2 ص 146 عنهما، و عن أبي داود، و النسائي، و ابن أبي حاتم، و راجع: المجموع للنووي ج 20 ص 50 و المغني لابن قدامة ج 4 ص 122 و ج 10 ص 210 و كشف القناع للبهوتي ج 6 ص 133 و المحلى لابن حزم ج 4 ص 245 و ج 7 ص 293 و ج 8 ص 326 و 486 و ج 11 ص 268 و ج 11 ص 400 و نيل الأوطار ج 8 ص 78 و فقه السنة ج 2 ص 441 و 463 و 654 و ج 3 ص 133 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 330 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 261 عن الخصال ج 2 ص 14 و (ط مركز النشر الإسلامي) ص 364 و سنن أبي داود ج 1 ص 657 و سنن النسائي ج 6 ص 257 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 356 و ج 17 ص 247 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 284 و ج 8 ص 20 و 249 و ج 9 ص 76 و السنن الكبرى للنسائي ج 4 ص 114 و ج 6 ص 418 و شرح مسلم للنووي ج 2 ص 83 و عمدة القاري ج 3 ص 114 و ج 2 ص 216 و ج 14 ص 61 و ج 22 ص 84 و ج 24 ص 28 و الديباج على مسلم ج 1 ص 104 و الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 139 و رياض الصالحين للنووي ص 637 و 692 و الجامع الصغير ج 1 ص 32 و كنز العمال ج 16 ص 90 و كشف الخفاء للعجلوني ج 1 ص 48 و تفسير الميزان ج 4 ص 335 و تفسير ابن حاتم ج 8 ص 2556 و زاد المسير ج 2 ص 114 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 382 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 467 و 492 و ج 2 ص 306 و ج 3 ص 288 و تفسير الثعالبي ج 2 ص 227 و فتح القدير ج 1 ص 458 و تفسير الآلوسي ج 5 ص 17 و ج 9 ص 182 و ج 27 ص 63 و تهذيب الكمال ج 16 ص 439 و تاريخ جرجان ص 495.
2-و روي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كتب إلى أهل اليمن كتابا فيه السنن، و الفرائض، و الديات، و فيه: «إن أكبر الكبائر عند اللّه يوم القيامة: إشراك باللّه، و قتل النفس المؤمنة بغير حق، و الفرار من الزحف، و عقوق الوالدين الخ. .» (1).
3-و حديث آخر أيضا رواه أبو هريرة عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
1) مكاتيب الرسول ج 2 ص 573 و الدر المنثور ج 1 ص 342 و ج 2 ص 146 عن ابن حبان، و ابن مردويه، و المعرفة و التاريخ ج 3 ص 409 و الأحاديث الطوال ص 143 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 89 و نصب الراية ج 2 ص 400 و موارد الظمآن ج 3 ص 77 و كنز العمال ج 5 ص 869 و ج 6 ص 313 و راجع: الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي ص 104 و (ط دار الكتاب العربي) ص 130 و ميزان الحكمة ج 4 ص 3677 عن الترغيب و الترهيب ج 3 ص 327 ح 4 و مجمع الزوائد ج 3 ص 71 و 72 و عمدة القاري ج 22 ص 84 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 504 و تفسير الميزان ج 4 ص 335 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 494 و الثقات لابن حبان ج 2 ص 108 و تاريخ مدينة دمشق ج 45 ص 482 و تهذيب الكمال ج 11 ص 421 و تحفة المحتاج ج 2 ص 451 و الإلمام ج 2 ص 725.
2) الدر المنثور ج 2 ص 146 عن البزار، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 492.
4-و عن ابن عمر حديث آخر ذكر فيه: الكبائر تسع. و عدّ منها الفرار من الزحف (1).
5-و راجع أيضا: حديث عمير الليثي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» (2).
6-و حديث ابن عمرو عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» (3).
1) الدر المنثور ج 2 ص 146 عن علي بن الجعد في الجعديات، و ابن راهويه، و البخاري في الأدب المفرد، و عبد بن حميد، و ابن المنذر، و القاضي إسماعيل في أحكام القرآن، و الأدب المفرد ص 13 و راجع: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 43 و تفسير الآلوسي (روح المعاني) ج 5 ص 18 و التقرير و التحبير ج 2 ص 323 و كشف الأسرار لعلاء الدين البخاري ج 2 ص 584 و الزواجر لابن حجر ج 1 ص 393 و 723 و 843.
2) الدر المنثور ج 2 ص 146 عن أبي داود، و النسائي، و ابن جرير، و ابن أبي حاتم، و الطبراني، و الحاكم، و ابن مردويه، و تفسير ابن أبي حاتم ج 3 ص 931 و فتح الباري ج 12 ص 161 و مجمع الزوائد ج 1 ص 48 و المعجم الكبير ج 17 ص 48 و تهذيب الكمال ج 16 ص 440 و كنز العمال ج 3 ص 544 و زاد المسير ج 2 ص 114 و تفسير الآلوسي ج 15 ص 59 و ضعفاء العقيلي ج 3 ص 45 و تلخيص الحبير ج 4 ص 62 و التقرير و التحبير ج 2 ص 324 و الترغيب و الترهيب ج 1 ص 303 و ج 2 ص 198 و ج 4 ص 17 و الزواجر لابن حجر ج 2 ص 631 و راجع: جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 354 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 361 عن عوالي اللآلي، و سنن النسائي ج 7 ص 89 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 290 و الفضائل العددية لمحمد حياة الأنصاري ص 407.
3) الدر المنثور ج 2 ص 146 عن مردويه، و ابن المنذر، و الطبراني، و فتح الباري ج 12 ص 161 و كنز العمال ج 3 ص 544 و مجمع الزوائد ج 1 ص 103 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 493 و راجع: مستدرك الوسائل ج 18 ص 90 و عوالي اللآلي ج 3 ص 561.
7-و حديث أبي أيوب عنه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
8-و عن أبي قتادة العدوي قال: قرئ علينا كتاب عمر: من الكبائر جمع ما بين الصلاتين يعني بغير عذر، و الفرار من الزحف، و النميمة (2).
9-عن أبي أمامة عنه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه عدّ الفرار من الزحف من الكبائر (3).
10-و عن علي «عليه السلام» قال: الكبائر: الشرك باللّه. .
1) الدر المنثور ج 2 ص 146 عن أحمد، و النسائي، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن حبان، و الحاكم و صححه، و مسند أحمد ج 5 ص 413 و سنن النسائي ج 7 ص 88 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 23 و السنن الكبرى للنسائي ج 2 ص 289 و ج 6 ص 322 و مسند الشاميين ج 2 ص 179 و جامع البيان ج 5 ص 43 و (ط دار الفكر) ص 61 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 493 و تاريخ مدينة دمشق ج 22 ص 177 و كنز العمال ج 3 ص 218 و شرح مشكل الآثار للطحاوي ج 2 ص 350 و معتصر المختصر لأبي المحاسن الحنفي ج 2 ص 274 و إعتقاد أهل السنة للالكائي ج 6 ص 1064
2) الدر المنثور ج 2 ص 147 عن ابن أبي حاتم، و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 169 و نصب الراية ج 2 ص 232 و كنز العمال ج 8 ص 246 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 495 و تفسير ابن أبي حاتم ج 3 ص 933.
3) الدر المنثور ج 2 ص 147 عن ابن جرير، و فتح الباري ج 12 ص 161 و جامع البيان ج 5 ص 62 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 496 و شرح كتاب التوحيد ج 1 ص 338 و الزواجر لابن حجر ج 2 ص 853 و إعراب القرآن للنحاس ج 4 ص 87.
إلى أن قال: و الفرار من الزحف (1).
11-وعدّ ابن عباس: الفرار من الزحف من الكبائر، و استدل بآية سورة الأنفال (2).
ثالثا: إن هناك خصوصيات تتشارك فيها غزوتا بدر و حنين، نذكر منها:
1-الإمداد بالملائكة.
2-أن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه.
3-أن النكاية في المشركين في كليهما كانت لعلي «عليه السلام» .
4-أن عدد الذين قتلهم علي «عليه السلام» متقارب في الغزوتين، حيث قتل في حنين أربعين رجلا بيده (3)، و قتل في بدر ما يقرب من هذا العدد أيضا.
1) الدر المنثور ج 2 ص 147 عن ابن أبي حاتم، و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 497 و تفسير أبي حاتم ج 3 ص 933 و فتح الباري ج 12 ص 182 و شرح كتاب التوحيد ج 1 ص 338.
2) الدر المنثور ج 2 ص 148 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الطبراني، و ابن مردويه، و مجمع الزوائد للهيثمي ج 7 ص 115 و المعجم الكبير للطبراني ج 12 ص 196.
3) الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 99 و راجع: كشف الغطاء (ط ق) ج 1 ص 15 و الكافي ج 8 ص 376 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 355 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 542 و البحار ج 21 ص 176 و ج 41 ص 66 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 452 و التفسير الصافي ج 2 ص 332 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 201 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة ج 1 ص 257 و ج 9 ص 341.
فقد ذكروا: أنه «عليه السلام» قتل نصف السبعين، و شارك في قتل النصف الآخر كما تقدم في غزوة بدر (1).
و حين يذكرون الأسماء، و نجمع بين مختلفاتها، و أقوال الرواة فيها، فلعل العدد يبلغ الأربعين رغم حرصهم الشديد على التكتم و الحذف، و إثارة الشكوك و الشبهات.
5-أن الإمتيازات الحربية في بدر كانت لصالح المشركين، و كذلك الحال في غزوة حنين، كما سنوضحه إن شاء اللّه تعالى، و لو بصورة جزئية.
6-أن حرب بدر كانت مصيرية بالنسبة لأهل الشرك و للمسلمين على حد سواء. و كذلك كانت حرب حنين.
و نفس قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن تهلك هذه العصابة لا تعبد» خير دليل على ذلك.
1) راجع: نهج الحق الموجود في ضمن دلائل الصدق ج 2 ص 353. و لم يعترض عليه ابن روزبهان بشيء، و نهج الحق و كشف الصدق (ط ستارة قم) ص 248 و قال في هامشه: راجع: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج 1 ص 8، و قال: إذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي، و تاريخ الأشراف ليحيى بن جابر البلاذري، و غيرها علمت صحة ذلك. و ليراجع أيضا: نور الأبصار ص 86. و راجع: شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 24 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 419 و البحار ج 41 ص 146 و شجرة طوبى ج 2 ص 273 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 9 ص 339 و أعيان الشيعة ج 1 ص 330 و 395 و كشف اليقين ص 126 و إحقاق الحق (الأصل) ص 206 و شرح إحقاق الحق ج 32 ص 334.
7-أن عدد قتلى المشركين من ثقيف كان سبعين رجلا كما سيأتي (1).
أما عدد الشهداء، فكان أربعة أو خمسة من المسلمين فقط (2).
و في بدر كان عدد قتلى مشركي قريش سبعين رجلا، و عدد الشهداء أيضا كان خمسة، على بعض الأقوال.
8-و كما احتاج المسلمون إلى الماء في بدر، احتاج المسلمون إلى الماء في حنين، فعن سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هوازن، فأصابنا جهد شديد، فدعا بنطفة من ماء في إداوة، فأمر بها فصبت في قدح، فجعلنا نطّهر به، حتى تطهرنا جميعا (3).
9-إن غزوة بدر كانت أول غزوة للعرب، و غزوة حنين كانت آخر غزوة لهم، فخمدت جمرة العرب بهاتين الغزاتين.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 334 و راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 349 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 588 و البداية و النهاية ج 4 ص 383 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 899 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 635 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 246 و عيون الأثر ج 2 ص 218.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 334 و راجع: تفسير الميزان ج 9 ص 235 و معجم الزوائد ج 6 ص 189 و 190 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 352 و البداية و النهاية ج 4 ص 389 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 906 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 644 و تاريخ خليفة بن خياط ج 1 ص 88.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 335 و ج 9 ص 454 عن أبي نعيم، و عمدة القاري ج 13 ص 43 و راجع: الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 307 و تاج العروس ج 10 ص 126 و مسند الروياني ج 2 ص 257 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 450 و غريب الحديث للخطابي ج 1 ص 412 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 18.
10-أنه «صلى اللّه عليه و آله» رمى بالحصى في وجوه المشركين في الغزوتين.
11-أن غزوتي بدر و حنين كانتا مع المشركين، و أما سائر الحروب و الغزوات فكان بعضها مع المشركين، و لكن عمدتها و أهمها، و أخطرها كان مع اليهود و غيرهم.
روي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: لقيت أبي منهزما مع بني أبيه من أهل مكة، فصحت به: يا ابن حرب، و اللّه ما صبرت مع ابن عمك، و لا قاتلت عن دينك، و لا كففت هؤلاء الأعراب عن حريمك!
فقال: من أنت؟
فقلت: معاوية.
قال: ابن هند؟
قلت: نعم.
قال: بأبي أنت و أمي. ثم وقف فاجتمع معه أناس من أهل مكة، و انضممت إليهم، ثم حملنا على القوم فضعضعناهم. و ما زال المسلمون يقتلون المشركين، و يأسرون منهم حتى ارتفع النهار. فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالكف عنه، و نادى: أن لا يقتل أسير من القوم (1).
1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 144 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 86 و البحار ج 21 ص 158 و شجرة طوبى ص 310 و كشف الغمة ج 1 ص 223 و الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص 183.
و نقول:
إن ذلك لا يصح.
أولا: لأن أبا سفيان و معاوية كانا على تل مشرف يتفرجان لمن تكون الدائرة، فقد قالوا: و لما أصبح القوم، و نظر بعضهم إلى بعض أشرف أبو سفيان و ابنه معاوية، و صفوان بن أمية، و حكيم بن حزام على تلّ ينظرون لمن تكون الدائرة (1).
ثانيا: قال ابن إسحاق: لما انهزم المسلمون قال أبو سفيان-و كان إسلامه بعد مدخولا-: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، و إن الأزلام لمعه في كنانته (2).
ثالثا: ما معنى أن يخاطب معاوية أباه بقوله: «يا ابن حرب» ؟ ! أليس
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317 و البحار ج 21 ص 158 و البداية و النهاية ج 4 ص 377 و السيرة النبوية ج 3 ص 626 و دلائل النبوة ج 5 ص 131 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 578.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 319 و راجع: تفسير الميزان ج 9 ص 235 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 347 و الكامل لابن الأثير ج 2 ص 263 و البداية و النهاية ج 4 ص 374 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 17 و أعيان الشيعة ج 1 ص 280 و السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 216 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 619 و النصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص 110 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 1 ص 252 و شرح مشكل الآثار ج 6 ص 412 و معتصر المختصر لأبي المحاسن الحنفي ج 1 ص 229 و زاد المعاد ج 3 ص 469 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 137.
هذا من سوء أدب الأبناء مع الآباء؟ ! أم أن ذلك كان من أساليب الخطاب بين الأبناء و الآباء في الجاهلية؟ !
ثم ما معنى أن لا يعرفه أبوه و لو من صوته، مع أنه قد أطال خطابه معه؟ ! حتى احتاج أن يسأله عن نفسه! !
رابعا: إنه يريد أن يزعم: أن أبا سفيان كان قد أسلم حقا، مع أن الروايات الكثيرة التي مرت و تمر معنا في هذه الغزوة تصرح بخلاف ذلك. و لأجل الوصول إلى هذه الغاية، قال معاوية له: «و لا قاتلت عن دينك» .
ثم أكد ذلك بقوله: و لا كففت هؤلاء الأعراب عن حريمك، للإيهام بأن حريم أبي سفيان في خطر من قبل هوازن، لأنه كان قد أسلم. . مع أن هذا الأمر غير ظاهر، بل لعل غطفان كانت مطمئنة إلى أن أبا سفيان سوف يساعدها على حرب النبي «صلى اللّه عليه و آله» لو وجد سبيلا إلى ذلك.
خامسا: إنه يريد أن يقول: إن كرة أبي سفيان و قريش، هي السبب في هزيمة هوازن. مع أن الروايات الآتية تصرح: بأن الأنصار هم الذين كروا على هوازن حتى طردوها (1).
بل الصحيح هو: أن عليا «عليه السلام» هو واهب النصر للمسلمين كما سيتضح.
سادسا: لماذا يعترض معاوية على أبيه، و يؤنبه بهذه الحدة، و لا ينظر إلى
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 319 و 320 و 323 و مواضع أخرى عن العديد من المصادر، و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 26 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 229.
نفسه، فإنه هو الآخر كان في جملة الهاربين.
فاتضح: أن معاوية في روايته تلك ليس فقط يريد أن يدفع عن نفسه و عن أبيه عار الهزيمة يوم حنين. بل هو يريد أن يدّعي: أنه هو و أبوه و قريش هم صانعو النصر في حنين، فهم الذين ضعضعوا المشركين، ثم ما زال المسلمون يقتلون و يأسرون، حتى كفهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
ثم إنه يريد أن يثبت إسلام أبي سفيان آنئذ، و يبعد صفة النفاق، و الشرك عنه، مع تصريحهم بخلاف ذلك حسبما تقدم و سيأتي.
و نحن على يقين من أن هذه الرواية لو صحت، أو حتى لو أمكن التسويق لها، و لو بشق الأنفس، لو جدت محبي معاوية و أبي سفيان يقذفون بها في كل اتجاه، و لكانت قد امتلأت بها كتبهم، و لأشاروا إليها، و دلوا عليها بمناسبة و بغير مناسبة. .
و لكن القاعدة التي تقول: حدّث العاقل بما لا يليق له، فإن لاق له، فاعلم أنه لا عقل له. . قد قيدتهم هنا، و إن لم تستطع أن تفعل شيئا في مواضع كثيرة أخرى حين يتعلق الأمر بالخليفتين الأولين مثلا.
و لعل السبب في ذلك: أن معاوية و أبا سفيان و قريشا، و إن كانت لهم مكانتهم في قلوبهم، و يعزّون عليهم، و لكن هناك مجال للتساهل في أمرهم، و التغاضي عن بعض ما يرتبط بهم. . أما إذا كان الأمر يرتبط بأركان الخلافة، و خصوصا الشيخين، فلا بد من تعطيل كل العقول، و القبول بكل حديث عن فضائلهم، و قهر القلوب على محبتهم، و محاربة، بل و قتل كل من يتوهم أنهم أخطأوا أو ظلموا، أو اغتصبوا حق علي و بنت النبي عليهم الصلاة و السلام، أو غير ذلك.
و لعل أبا بكر و عمر لا يريدان من أتباعهم كل هذا، بل يرضيهم ما هو أقل منه بكثير، و لكن ماذا نصنع بمن يصبحون ملكيين أكثر من الملك نفسه و اللّه ولي الأمر و التدبير.
و مهما يكن من أمر: فإن كل ذلك إن دل على شيء، فإنما يدلنا على أمرين:
أحدهما: مدى معاناة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أناس هذه حالهم، و تلك هي خصوصيتهم التي تهيمن على كل وجودهم و حياتهم، و تحكم واقعهم. فساعد اللّه قلبك يا رسول اللّه على ما تحملت من الأذى حتى قلت: صلى اللّه عليك و على آلك الطاهرين: ما أوذي أحد بمثل ما أوذيت في اللّه (1)، بحزن و أسى.
1) كنز العمال ج 3 ص 130 الحديث رقم: (5817 و 5818) و ج 11 ص 461 الحديث رقم: (32160 و 32161) و كشف الخفاء ج 2 ص 532 و شرح أصول الكافي ج 9 ص 202 و ميزان الحكمة ج 1 ص 67 و ج 4 ص 3227 و 3228 و فتح الباري ج 7 ص 126 و الجامع الصغير ج 2 ص 488 و فيض القدير ج 5 ص 550 و حلية الأولياء ج 6 ص 333 و أسنى المطالب ج 1 ص 245 و المقاصد الحسنة ج 1 ص 573 و كشف الخفاء ج 2 ص 180 و كتاب المجروحين ج 2 ص 305 و الكامل ج 7 ص 155 و تهذيب الكمال ج 25 ص 314 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 570 و ج 4 ص 472 و الكشف الحثيث ص 233 و كتاب التمحيص للإسكافي ص 4 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 42 و البحار ج 39 ص 56 و التفسير الكبير ج 4 ص 142 و تفسير ابن عربي ج 1 ص 239 و ج 2 ص 82 و تفسير البحر المحيط ج 7 ص 242 و تاريخ الإسلام ج 41 ص 333 و الزواجر ج 1 ص 117.
الثاني: إن ظهور هذا الدين في مجتمع ليس فيه مثل و قيم، و علم و معارف، و تدبير و سياسة، و حكمة و ما إلى ذلك. لا بد أن يكون من أكبر الأدلة على أنه هو الأصلح للبشر، و الأوفق بفطرتهم، و المنسجم مع خصوصيات خلقتهم. . كما لا بد أن يعد ذلك من معجزات النبوة، و دلائل التسديد بالوحي الإلهي، و الهداية و الرعاية الربانية.
و كما كان هذا حال النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فإنه أيضا حال علي «عليه السلام» على قاعدة: «و لك مثلها يا علي» (1). فقد كانت له «عليه السلام» معجزة مماثلة حيث حقق أعظم الإنتصارات على أقوى الأعداء نفوذا، و أكثرهم في الناس آنئذ احتراما و تقديسا، على يد أناس هم إلى أولئك الأعداء أميل، و هم بهم أشبه و أمثل، و كانوا يرون الكون معهم أولى و أجمل، و الإلتزام بتعاليمهم و نهجهم، أصوب و أفضل. .
و ذلك في حربه «عليه السلام» للناكثين و القاسطين و المارقين، حتى قال: أنا فقأت عين الفتنة، و لم يكن ليجرؤ عليها أحد غيري. و لو لم أكن فيكم ما قوتل الناكثون، و لا القاسطون، و لا المارقون (2).
1) راجع: ما جرى في غزوة الحديبية عند كتابة العهد. .
2) أنساب الأشراف (بتحقيق المحمودي) ج 2 ص 374 و 375 و تاريخ الأمم و الملوك ج 4 ص 66 و الأخبار الطوال ص 211 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 193 و شرح النهج للمعتزلي ج 7 ص 57 و مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) للمير جهاني ج 1 ص 103 و راجع ج 2 ص 346 و الغارات للثقفي ج 1 ص 7 و راجع ص 16 و ج 2 ص 677 و شرح الأخبار ج 2 ص 39 و 286 و الملاحم و الفتن لابن طاووس ص 221 و تذكرة الخواص ص 105 عن الواقدي، و البداية و النهاية ج 7 ص 289 و الكامل لابن الأثير ج 3 ص 348 و لم يذكر من بهم رمق. و في مروج الذهب ج 2 ص 207 قال: «قسم السلاح و الدواب بين المسلمين ورد المتاع و العبيد و الإماء إلى أهلهم» و راجع: كتاب سليم بن قيس (تحقيق محمد باقر الأنصاري) ص 256 و كنز العمال ج 11 ص 298 و شرح الأخبار ج 2 ص 286 و البحار ج 32 ص 316 و ج 33 ص 356 و 366 و ج 34 ص 118 و 259 و ج 41 ص 354 و خصائص أمير المؤمنين للنسائي ج 1 ص 194 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 165 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 59 و 133 و راجع: نهج السعادة ج 2 ص 437 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 698 و حلية الأولياء ج 1 ص 68 و 168 و السنة لعبد اللّه بن أحمد بن حنبل الشيباني ج 2 ص 627 و أعيان الشيعة ج 1 ص 358.
و قد شرحنا حقيقة هذه الظروف التي أحاطت بإنجازات أمير المؤمنين في الجزء الأول من كتابنا: «علي و الخوارج» ، فلا بأس برجوع القارئ الكريم إليه، إن أحب التوسع في البيان، و الإطلاع على الدلائل و الشواهد بصورة أتم و أوفى.
عرفنا: أن المسلمين انهزموا عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حنين بلا مبرر، و قد أنزل اللّه في فعلتهم هذه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة. يسجل ملامتهم، و يجاهر بتوبيخهم، و يعلن: أن اللّه سبحانه قد انزل سكينته على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و على خصوص المؤمنين الذين جاهدوا، و صمدوا، و لم يفروا حسبما بيناه فيما سبق. .
ثم جرت أحداث و معالجات للموقف من قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» انتهت بهزيمة المشركين. . فما هي تلك الأحداث التي جرت، و المعالجات التي حصلت؟ !
هذا ما سوف نشير إليه في هذا الفصل الذي عقدناه لبيان هذا الأمر. .
فنقول:
إننا نستطيع أن نجمل ما جرى من حين الهزيمة إلى حين عودة بعض المسلمين من هزيمتهم بما يلي:
1-محاولات لاغتيال النبي «صلى اللّه عليه و آله» هي:
ألف: محاولة شيبة.
ب: محاولة النضير بن الحارث بن كلدة.
2-حينت وقعت الهزيمة على المسلمين صار «صلى اللّه عليه و آله» يركض بغلته قبل الكفار و قد شهر سيفه. ثم نزل عنها، و صار يتقدم نحوهم.
3-أمر «صلى اللّه عليه و آله» عمه العباس: بأن يصعد مرتفعا لينادي المسلمين، و يذكرهم العهد، لكي يرجعوا.
و قد ناداهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه أكثر من مرة: يا للأنصار. .
4-رفع «صلى اللّه عليه و آله» يديه إلى السماء، و صار يدعو بما دعا به موسى «عليه السلام» حين فلق له البحر. .
5-أخذ كفا من حصى أو من تراب، و رمى به في وجوه المشركين، و قال: شاهت الوجوه.
6-تولى علي «عليه السلام» قتال الكفار، و الباقون من بني هاشم، احتوشوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ليكونوا جدارا بشريا له، يحميه من العدو.
7-أنزل اللّه تعالى جنودا من الملائكة لتكون مع المسلمين. .
9-إن البعض قد رأى هؤلاء الجنود. و ذكر ذلك للرسول حسبما تقدم، و سيأتي.
10-حمي و طيس الحرب، حتى كسرت شوكة المشركين بجهاد علي «عليه السلام» ، و صبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .
11-ثم بدأت عودة بعض الأنصار و خصوصا من الخزرج إلى ساحة القتال.
12-قال «صلى اللّه عليه و آله» : أنا ابن العواتك (من سليم) .
و سنتحدث عن هذه المفردات و نظائرها في الفصول التالية.
أما في هذا الفصل فنكتفي بعرض المؤامرات على حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنقول:
روي عن عبد الملك بن عبيد، و عن عكرمة قالا: قال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة: لما كان عام الفتح دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكة عنوة، و غزا حنينا، قلت: أسير مع قريش إلى هوازن، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرّة.
و تذكرت أبي و قتله حمزة، و عمي و قتله علي بن أبي طالب، فقلت: اليوم أدرك ثأري من محمد، و أكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها.
و أقول: لو لم يبق من العرب و العجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا.
فكنت مرصدا لما خرجت له، لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوة.
فلما اختلط الناس، اقتحم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن بغلته، و أصلتّ السيف، و دنوت منه، أريد ما أريد.
و في رواية: فلما انهزم أصحابه جئته من عن يمينه، فإذا العباس قائم عليه درع بيضاء، قلت: عمه لن يخذله، فجئته من عن يساره، فإذا بأبي سفيان بن الحارث، فقلت: ابن عمه لن يخذله، فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع إليّ فيما بيني و بينه شواظ من نار كأنه برق.
فخفت أن يتمحشني، فوضعت يدي على بصري، خوفا عليه، و مشيت القهقرى، و علمت أنه ممنوع.
فالتفت إليّ و قال: «يا شيبة، أدن مني» .
فدنوت منه، فوضع يده على صدري، و قال: «اللهم أذهب عنه الشيطان» .
فرفعت إليه رأسي و هو أحب إلي من سمعي و بصري و قلبي.
ثم قال: «يا شيبة، قاتل الكفار» .
قال: فتقدمت بين يديه، أحب و اللّه أن أقيه بنفسي كل شيء.
فلما انهزمت هوازن رجع «صلى اللّه عليه و آله» إلى منزله، و دخلت عليه، فقال: «الحمد للّه الذي أراد بك خيرا مما أردت» (1).
ثم حدثني «صلى اللّه عليه و آله» بما هممت به.
و حسب نص الرواندي: أن شيبة قال: ما كان أحد أبغض إليّ من محمد، و كيف لا يكون ذلك و قد قتل منا ثمانية، كل منهم يحمل اللواء؟ !
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 320 و 321 و ج 10 ص 66 و 262 عن ابن سعد، و ابن عساكر، و البغوي، و الطبراني، و أبي نعيم، و البيهقي، و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 257 و 258 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 64 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 17 و ج 4 ص 118 و ج 14 ص 16 و تاريخ الخميس ج 2 ص 102 عن السيرة النبوية لابن هشام، و ابن أبي خيثمة، و عن الصفوة، و عيون الأثر ج 2 ص 217 و راجع: شجرة طوبى ج 2 ص 310 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 359 و البحار ج 18 ص 61 و ج 21 ص 166 و 167 و مجمع الزوائد ج 6 ص 184 و المعجم الكبير ج 7 ص 299 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 583 و البداية و النهاية ج 4 ص 381 و ج 8 ص 233 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 632 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 71. و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 188 و المغازي للواقدي ج 3 ص 910 و الإصابة ج 3 ص 161 عن ابن أبي خيثمة، و ابن سعد، و الواقدي، و ابن إسحاق، و البغوي. و راجع: إعلام الورى ص 121 و 122 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 231.
فلما فتح مكة آيست مما كنت أتمناه من قتله، و قلت في نفسي: قد دخلت العرب في دينه، فمتى أدرك ثأري منه؟ !
فلما اجتمعت هوازن بحنين قصدتهم لآخذ منه غرة فأقتله، و دبرت في نفسي كيف أصنع، فلما انهزم الناس، و بقي محمد «صلى اللّه عليه و آله» وحده، و النفر الذين بقوا معه، جئت من ورائه و رفعت السيف، حتى إذا كدت أحطه غشي فؤادي، فلم أطق ذلك، فعلمت أنه ممنوع.
و في نص آخر قال: رفع إليّ شواظ من نار حتى كاد أن يحمشني، ثم التفت إليّ محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال لي: أدن يا شيبة و قاتل. و وضع يده في صدري، فصار أحب الناس إليّ.
و تقدمت و قاتلت بين يديه، فلو عرض لي أبي لقتلته في نصرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فلما انقضى القتال دخلنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال لي: الذي أراد اللّه بك خير مما أردته لنفسك. و حدثني بجميع ما زورته في نفسي.
فقلت: ما اطّلع على هذا إلا اللّه. فأسلمت (1).
و نقول:
1-إننا و إن كنا لا نناقش في أن يكون وضع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يده على صدر إنسان يحدث هذا الإنقلاب فيه، ليكون ذلك من معجزاته «صلى اللّه عليه و آله» .
1) البحار ج 21 ص 154 و 181 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 117 و 118 و راجع: مجمع البيان ج 5 ص 18-20 و تاريخ الخميس ج 2 ص 102 و 103.
و لكن المهم في الأمر هو: أن يكون هذا الناقل صادقا فيما يدّعيه لنفسه من تحول و انقلاب. إذ لعله نسج هذه الفضيلة ليتستر على ما يصل إلى حد الفضيحة له، حين صارحه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما كان قد دبّره.
و الظاهر: أنه هذه المصارحة بحضور آخرين، كما قد يومي إليه قوله: فدخلنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الدال على: أنه لم يكن وحده.
و حتى لو كان وحده، فإنه لم يعد مطمئنا إلى أن هذا الأمر سيظل مكتوما. . و هو يعرف أن انتشاره بين أهل الإيمان سوف يضعه في موقع المتهم، و سيجعلهم ينظرون إليه بعين الريبة و الشك. .
و لعله إذا نسج لنفسه هذه الفضيلة، يجد من يصدقها، و يستعيد بذلك بعضا من الثقة لدى الناس. . إذ لا يمكن لأحد العيش في محيط مشحون بالريبة و الشك.
2-إن هذا الرجل يدّعي: أنه أصلت سيفه، و تقدم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من جهة اليمين، فوجد العباس، ثم من جهة الشمال، فوجد أبا سفيان بن الحارث. . فجاءه من خلفه. .
غير أننا نقول:
قد يصعب على العاقل فهم هذه المزاعم، فإن المفروض: أن شيبة قد فعل ذلك بعد انهزام أصحابه «صلى اللّه عليه و آله» عنه، و إذ قد خلت الساحة منهم، فقد اصبح بإمكان النبي «صلى اللّه عليه و آله» و من معه أن يروا كل من يسعى للإقتراب منهم، سواء أتاهم من الأمام، أو عن اليمين، أو اليسار.
كما أنهم حين يرون أنفسهم في موضع الخطر، فالمفروض هو أن يزداد
حذرهم، و أن ينظروا في كل الإتجاهات، و لا سيما عن يمينهم و يسارهم، و لا يعقل أن يتعلق نظرهم بجهة واحدة، و هي الأمام، ثم يغفلون عن سائر الجهات غفلة تامة. .
فكيف إذن يمكن أن نتصوره قد جاءهم عن اليمين تارة، و عن الشمال أخرى، و هو مصلت سيفه، ثم لا يلتفتون إليه، لا في المرة الأولى، و لا في الثانية؟ !
و لا أقل من أن يكون هو نفسه قد فكّر بأنهم سوف يرونه، ثم يختار المجيء من جهة الخلف من أول الأمر.
3-مع أن ما ذكره شيبة عن كون أبي سفيان بن الحارث، كان عن يسار النبي «صلى اللّه عليه و آله» غير معلوم الصحة، فقد ذكروا أيضا: أنه كان خلف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان يمسك بسرجه عند ثفر بغلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و المراد بثفر البغلة: السير الذي في مؤخر السرج.
هذا كله عدا عن أن الأمر لا ينحصر بالعباس، و بأبي سفيان بن الحارث، فقد كان معه «صلى اللّه عليه و آله» أشخاص آخرون من بني هاشم يحيطون به. .
1) راجع: الإرشاد ج 1 ص 140 و 141 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 82 و مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 2 ص 30 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 305 و ج 2 ص 330 و إعلام الورى ج 1 ص 387 و البحار ج 21 ص 156 و ج 38 ص 220 و ج 41 ص 94 و راجع: مجمع البيان ج 3 ص 18 و 19 و أعيان الشيعة ج 1 ص 379 و ج 3 ص 522 و كشف الغمة ج 1 ص 221.
4-إنه يوجد بعض التناقضات بين نصوص هذه الرواية: فهل بدأ شيبة تنفيذ هجومه حين اختلط الناس، أو بعد انهزام المسلمين عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و هل رفع إليه شواظ من نار كأنه برق؟ ! أو أنه حين رفع السيف غشي فؤاده، فلم يطق أن يحطّه؟ !
5-قال اليعقوبي: «و قال شيبة بن عثمان: اليوم أقتل محمدا، فأراد رسول اللّه ليقتله، فأخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» الحربة منه، فأشعرها فؤاده» (1).
قال محمد بن عمر: حدثنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري، عن أبيه قال: كان النضير (بن الحارث بن كلدة) من أحلم قريش. و كان يقول: الحمد للّه الذي أكرمنا بالإسلام، و منّ علينا بمحمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم نمت على ما مات عليه الآباء، فذكر حديثا طويلا، ثم قال:
خرجت مع قوم من قريش، هم على دينهم-بعد-: أبو سفيان بن حرب، و صفوان بن أمية، و سهيل بن عمرو. و نحن نريد إن كانت دبرة على محمد أن نغير عليه فيمن يغير.
فلما تراءت الفئتان، و نحن في حيز المشركين، حملت هوازن حملة واحدة، ظننا أن المسلمين لا يجبرونها أبدا، و نحن معهم، و أنا أريد بمحمد ما أريد.
و عمدت له، فإذا هو في وجوه المشركين واقف على بغلة شهباء، حولها
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 62.
رجال بيض الوجوه، فأقبلت عامدا إليه، فصاحوا بي: إليك.
فأرعب فؤادي، و أرعدت جوارحي.
قلت: هذا مثل يوم بدر، إن الرجل لعلى حق، و إنه لمعصوم، و أدخل اللّه تعالى في قلبي الإسلام، و غيّره عما كنت أهم به.
فما كان حلب ناقة حتى كرّ أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كرّة صادقة، و تنادت الأنصار بينها: الكرّة بعد الفرّة: يا للخزرج، يا للخزرج، فحطمونا حطاما، فرقوا شملنا، و تشتت أمرنا، و همة كل رجل نفسه، فتنحيت في غبّرات الناس، حتى هبطت بعض أودية أوطاس، فكمنت في خمر شجرة لا يهتدي إليّ أحد إلا أن يدله اللّه تعالى عليّ، فمكثت فيه أياما، و ما يفارقني الرعب مما رأيت.
و مضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الطائف، فأقام ما أقام، ثم رجع إلى الجعرانة.
فقلت: لو صرت إلى الجعرانة، فقاربت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دخلت فيما دخل فيه المسلمون، فما بقي، فقد رأيت عبرا، و قد ضرب الإسلام بجرانه، و لم يبق أحد، و دانت العرب و العجم لمحمد «صلى اللّه عليه و آله» ، فعزّ محمد لنا عز، و شرفه لنا شرف.
فو اللّه إني لعلى ما أنا عليه إن شعرت إلا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يلقاني بالجعرانة كنّة لكنّة، فقال: «النضير» ؟
قلت: «لبيك» .
فقال: «هذا خير لك مما أردت يوم حنين، مما حال اللّه بينك و بينه» .
فأقبلت إليه سريعا.
فقال: «قد آن لك أن تبصر ما أنت فيه توضع» .
قلت: قد أرى أن لو كان مع اللّه تعالى إلها غيره لقد أغنى شيئا، و إني أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أنك رسول اللّه.
قال رسول اللّه: «اللهم زده ثباتا» .
قال النضير: فو اللّه الذي بعثه بالحق، لكأن قلبي حجر، ثباتا في الدين، و بصيرة في الحق، و ذكر الحديث (1).
قد ذكر اسم النضير بن الحارث بن كلدة، على أنه هو الآخر كان قد حاول اغتيال النبي «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة حنين.
و ذكر ابن إسحاق و غيره: أنه كان من المؤلفة قلوبهم، الذين أعطاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» مائة بعير يوم حنين (2). و هو من مسلمة الفتح.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 321 و 322 عن الواقدي، و الإصابة ج 3 ص 558 و 555 و (ط دار الكتب العلمية) ج 6 ص 344 و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 102 و البداية و النهاية ج 4 ص 419 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 691 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 206 و الخصائص الكبرى للسيوطي ج 1 ص 447.
2) الإصابة ج 3 ص 557 و 558 و (ط دار الجيل) ج 6 ص 343 عن ابن إسحاق، و ابن سعد، و ابن شاهين، و ابن عبد البر، و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 3 ص 566 و (ط دار الجيل) ج 4 ص 1525 و أسد الغابة ج 5 ص 31 و (ط دار الكتاب العربي) ص 21 و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 105 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 358 و إعلام الورى ج 1 ص 236 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 441.
و لكن يرد على هذا قولهم: إن موسى بن عقبة ذكر: أن النضير هذا من مهاجرة الحبشة (1). و ذكر ذلك ابن الأثير بلفظ قيل (2).
و قال ابن عبد البر: «كان من المهاجرين، و قيل: من مسلمة الفتح، و الأول أكثر و أصح» (3).
و قال أيضا: «و ذكر آخرون النضير بن الحارث فيمن هاجر إلى أرض الحبشة، فإن كان منهم فمحال أن يكون من المؤلفة قلوبهم» (4).
و يمكن أن يجاب: بما ذكره البلاذري عن الهيثم بن عدي، قال: هاجر النضير بن الحارث إلى الحبشة، ثم قدم مكة، فارتدّ، ثم أسلم يوم الفتح، أو بعده (5).
و قول البلاذري هذا يدفع الإشكال الذي يقول: إنه لو كان مسلما مهاجرا، فكيف يعطيه النبي «صلى اللّه عليه و آله» مائة من الإبل، فإنه إنما كان يعطيها لخصوص المؤلفة قلوبهم (6).
1) الإصابة ج 3 ص 555 و (ط دار الجيل) ج 6 ص 339 و 343 و 383 و الدرر لابن عبد البر ص 234 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 180 و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 105.
2) أسد الغابة ج 5 ص 31 و (ط دار الكتاب العربي) ص 21.
3) الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 3 ص 565 و (ط دار الجيل) ج 4 ص 1525 و عنه في أسد الغابة ج 5 ص 31 و (ط دار الكتاب العربي) ص 21.
4) الدرر لابن عبد البر ص 234 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 180.
5) الإصابة ج 3 ص 555 و (ط دار الجيل) ج 6 ص 339.
6) أسد الغابة ج 5 ص 31 و (ط دار الكتاب العربي) ص 21.
و ارتداده عن الإسلام، و إبطاله لهجرته، يكفي شاهدا على أن ثمة حاجة إلى تأليفه. .
و لكن يبقى هناك إشكال آخر على كلام البلاذري، و على كل من يقول بأنه كان قد أسلم قبل الفتح، و كان من المهاجرين مفاده: أنهم يذكرون: أنه حضر عند الرسول «صلى اللّه عليه و آله» يوم حنين، و صار يسأله عن فروض الصلاة و مواقيتها. . فمن كان من المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، أو إلى المدينة كيف يسأل عن الصلاة و مواقيتها يوم حنين، التي كانت في آخر سنة ثمان؟ ! (1).
و يمكن أن يجاب: بأن الراوي لم يفصل لنا تلك الأسئلة و لم نعرف حيثياتها و خصوصياتها، فلعله سأله عن تفاصيل، و غوامض و دقائق ترتبط بفروض الصلاة و بأوقاتها، غير ما كان متداولا بين الناس. .
ربما يتساءل البعض بسلامة نية تارة، أو بخبث أخرى، حين يريد أن يجعل من سؤاله هذا وسيلة للتشنيع، و الإهانة، و الرفض و الإدانة، فيقول: ما الفائدة من بحوث و تدقيقات من هذا القبيل، أليست مضيعة للوقت، و هدرا للطاقة؟ ! .
و نقول في الجواب:
لا، ليس الأمر كذلك، فإن لهذه البحوث و نظائرها فوائد و عوائد مختلفة. و لعل أهمها:
1) أسد الغابة ج 5 ص 31 و (ط دار الكتاب العربي) ص 21.
1-تعويد القارئ الكريم على عدم الإستئسار السريع للنص الذي يقرؤه، فلا يأخذ الأمور على عواهنها. .
ثم هو يعطيه القدرة على التطواف في حنايا و زوايا أي نص يعرض عليه، و استخراج مكنوناته، و الإستفادة من مخزوناته. . و بذلك يكون قد خرج من حالة الغفلة و السذاجة، إلى حالة من التيقظ و الحذر، تصونه من أن يقع في فخ الهيمنة الفكرية من خلال الإدّعاءات، و الإلقاءات المغرضة، و المؤثرة في استلابه القدرة على التأمل، و التدبر، و النقد الموضوعي، الصحيح و العميق.
2-إن للعلاقة العاطفية بالأشخاص، و الثقة بهم أثرا عميقا في النفس الإنسانية، يهيؤها ذلك للإنقياد التام لهم، و التسليم لكل ما يأتي عنهم، أو ينسب إليهم. حتى لو بلغ الأمر إلى حد نقل هؤلاء المستسلمين من دين إلى دين، و من النقيض إلى النقيض. .
و هذا يحتم على العلماء تعويد الناس على التدقيق بحالة و بواقع كل شخصية يحتاجون إلى التعامل معها بنحو أو بآخر، و ربما يكون لها أدنى دور في تكوينهم الفكري و الثقافي، أو الإيماني، أو ما إلى ذلك. .
و فرق كبير بين شخص تتعاطى معه على أنه خالص الإيمان، و مجاهد باليد و اللسان، و بين أن تعرفه بأنه منافق، أو من المؤلفة قلوبهم، أو متآمر، أو ما إلى ذلك. .
3-إنه لا يصح الإستهانة بأي شيء يمكن أن يكون مؤثرا في حياة الناس، فكما لا يهمل الإنسان ربطة عنقه، و لا يرضى بأن يكون فيها أدنى خلل، حتى في شكلها، فكيف يتغاضى عن أمور تؤثر على فكره، و مسلكيته، و ثقافته، و قيمه و مفاهيمه، و ما إلى ذلك، بحجة أن هذه أمور
صغيرة، و غير ذات أهمية؟ ! فهل ربطة العنق أهم من الدين و الإعتقاد؟ ! و من الفكر، و من القيم؟ ! و. . و. . الخ. .
قد تقدم أكثر من مرة: بعض الحديث عن إسلام أبي سفيان، و أن النصوص تؤكد على: أنه لم يسلم يوم الفتح، بل هو لم يزل كهفا للمنافقين إلى أن توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
ثم يأتي له تاريخ بعد وفاة النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» مليء بالمفاجآت التي تؤكد هذا الإنطباع عنه.
و قد تقدم: أنه خرج إلى حنين، و كانت الأزلام معه في كنانته. . و أنه كان هو و معاوية و آخرون على التل ينظرون لمن تكون الغلبة، و يحبون أن تدور الدوائر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين. . و ستأتي نصوص عديدة أخرى تؤكد هذا المعنى أيضا. .
و ها هي رواية النضير بن الحارث تؤكد أمرين خطيرين:
أولهما: كفر أبي سفيان.
و الثاني: تآمره على النبي «صلى اللّه عليه و آله» في حنين.
يقول النضير بن الحارث: «خرجت مع قوم من قريش، هم على دينهم بعد: أبو سفيان بن حرب، و صفوان بن أمية، و سهيل بن عمرو. و نحن نريد إن كانت دبرة على محمد أن نغير عليه في من يغير» .
و لكن تبقى هناك حلقة مفقودة، لا بد من البحث عنها، و هي: هل كان هناك تنسيق بين هؤلاء المتآمرين و بين غطفان؟ !
و هل كان غيرهم ممن خرجوا إلى حنين، و هم بعد على شركهم، و عددهم ثمانون رجلا-كما يقول البعض-يعرفون بنواياهم هذه؟ !
و هل كان القرشيون-الشبان-الذين كانوا مع بني سليم في المقدمة قد اطّلعوا على نية هؤلاء؟ !
و هل أطلعوا بني سليم أيضا على ما كانوا دبروه و بيتوه؟ !
و هل يمكن أن نعتبر سرعة فرار القرشيين و سليم بمثابة دليل على أن تلك المؤمراة كانت في طريقها إلى التنفيذ؟ ! و أن هزيمة المقدمة كانت أحد فصولها المهمة؟ ! . .
إن هذه الأسئلة كلها تحتاج إلى إجابات مقنعة و مقبولة. .
و لعلنا لا نجد لهذه الإجابات أثرا، إلا إن كانت شتائم و إهانات تواجهنا من قبل محبي معاوية و أبي سفيان و أضرابهما. .
و قد ذكرنا فيما سبق: أن النصوص تدل على أن سبب الهزيمة لم يكن هو الكمائن في الشعاب و المضايق. . و رواية النضير بن الحارث قد أظهرت- كرواية أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب-: أن المسلمين قد التقوا بالمشركين في ساحة القتال، فلما تراءت الفئتان، حمل المشركون عليهم حملة واحدة. فكانت الهزيمة.
و هذا معناه: أن هزيمتهم لم تكن بسبب المفاجأة، و الكمائن في المضايق و الشعاب كما يدّعون. .
و سيأتي المزيد من شواهد ذلك، و دلائله إن شاء اللّه تعالى.
لقد صرح النضير بن الحارث: أنه كان مع المشركين. و أن الأنصار قد عادوا إلى ساحة القتال، قال: «فحطمونا حطاما، فرقوا شملنا، و تشتت أمرنا» .
و صرح أيضا: بأنه لما تراءت الفئتان «كانوا-هو و أصحابه-في حيّز المشركين» .
و لعلهم انحازوا إلى المشركين حين وصولهم إلى ساحة القتال. و لو بأن وقفوا على تل، بالقرب منهم كما قال معاوية.
ثم بدأت المعركة، فانهزم المسلمون أولا، ثم عاد قسم منهم إلى القتال، فلما انهزم المشركون أعلن هؤلاء (أبو سفيان و رفاقه) استسلامهم و بخوعهم، فأعطاهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الغنائم تأليفا لهم. .
و قد صرحوا: بأن النضير كان من جملة الآخذين لمائة من الإبل كسائر المؤلفة قلوبهم، فإذا كان قد قاتل مع مشركي هوازن، فذلك يدل على أمرين:
الأول: أنه انضم إليهم بعد وصوله مع الجيش الإسلامي إلى ساحة المعركة.
الثاني: أن في المؤلفة قلوبهم من كان متظاهرا بالشرك، و لم يكونوا جميعا من المتظاهرين بالإسلام، و لا كانوا في صفوف المسلمين. بل كان بعضهم ممن قاتل المسلمين مع جيش هوازن. سواء أكان قرشيا مثل النضير بن الحارث، أو من قادة هوزان. بل قائدها نفسه مثل مالك بن عوف.
و قد أظهر الحديث المتقدم: أن رؤية النضير للملائكة دعته إلى أن يقارن بين يوم حنين، و يوم بدر، حيث ظهرت الملائكة في كلا هذين اليومين للمشركين. .
فاعترف: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» على حق، و إنه لمعصوم، أي ممنوع بالملائكة، فلا يمكن الوصول إليه لقتله. .
ثم زعم: أن اللّه تعالى أدخل حينئذ الإسلام في قلبه. .
غير أننا نلاحظ على ذلك:
1-إن الذين يرون الملائكة حال القتال هم الكفار، و سيأتي في حديث شيبة الحجبي قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : لا يراها إلا كافر.
2-إنه إذا كان قد رأى الملائكة يوم بدر، و هي تدافع عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلماذا لم يؤمن منذ ذلك اليوم؟ !
فإن كان يريد أن يزعم: أن أمر الإيمان لا يعود إليه، و إنما هو فعل إلهي جبري، يفرضه اللّه على الناس-كما ربما يوحي به قوله: «و أدخل اللّه في قلبي الإسلام، و غيّره عما كنت أهم به» .
فهو كلام مرفوض جملة و تفصيلا. فإن اللّه تعالى لا يتدخل في أمر الإيمان بصورة جبرية، بل هو يقول للناس: فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ (1).
فإن شاء الإنسان الإيمان زاد في توفيقاته، و ألطافه. . و إن اختار الكفر و كله إلى نفسه، و حجب ذلك عنه على قاعدة: وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً وَ آتٰاهُمْ تَقْوٰاهُمْ (2)و فَلَمّٰا زٰاغُوا أَزٰاغَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ (3).
و يبقى السؤال التالي يطرح نفسه، و هو: إذا كان اللّه تعالى هو الذي يحوّل قلبه، و هو الذي يدخل الإسلام فيه، فلماذا لم يغيّر قلبه في بدر، حين رأى الملائكة تنصر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
3-إنه إذا كان اللّه قد غيّر قلبه، و أدخل فيه الإسلام حين رأى الملائكة في حنين، فلماذا لم يمل مع المسلمين على المشركين، و يدفع عن نبي الإسلام من يريده بسوء؟ ! و لماذا بقي مع المشركين مقدار حلب الناقة حتى حطمهم المسلمون حطما، و فرقوهم، و شتتوهم.
4-لماذا لم يمض مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الطائف، و يظهر إسلامه أمامه و يقاتل معه مشركي ثقيف؟ !
5-لماذا لم يفارقه رعبه مدة أيام، مع أن اللّه أدخل الإسلام إلى قلبه و غيّره؟ ! و لماذا لم يغيّر قلبه، من قلب جبان إلى قلب شجاع، و لماذا لم يبدل خوفه طمأنينة، و اضطرابه سكينة؟ !
6-و لنا أن نسأل عن: أنه حين بقي أياما مستترا في خمر الشجر، فمن أين كان يأكل، و يشرب؟ !
و هل ضعف جسده بسبب فقدان الطعام و الشراب أياما؟ ! أم بقي متماسكا؟ ! و هل احتاج إلى معونة أحد للوصول إلى الجعرانة؟ ! و هل؟ ! و هل؟ !
7-إن قول الرسول «صلى اللّه عليه و آله» للنضير حين لقيه بالجعرانة: «قد آن لك أن تبصر ما أنت فيه توضع» يدل على: أنه حتى تلك اللحظة لم يكن قد أبصر أو اهتدى بعد. و اللّه سبحانه قد أمهله، و لم يعاقبه رغم استحقاقه لذلك.
8-إن الرواية المشار إليها قد ذكرت: أن المسلمين قد عادوا بسرعة من فرارهم، بحيث لم يغيبوا عن ساحة المعركة إلا قدر حلب شاة، مع أن الروايات قد تحدثت عن بلوغ المنهزمين في هزيمتهم مكة. .
كما أنه سيأتي حين الحديث: أن النصر قد تحقق على يد علي «عليه السلام» دون سواه، قولهم: فو اللّه، ما رجعت راجعة للمسلمين حين هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتوفين عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فإن صح ذلك، فلا بد أن يكون المراد بها: أن الذين عادوا بسرعة هم طائفة الخزرج من الأنصار، لا جميعهم و هو ما صرحت به نفس هذه الرواية، التي نحن بصدد الحديث عنها، حيث قالت: و تنادت الأنصار بينها: الكرة بعد الفرة، يا للخزرج، يا للخزرج، فحطمونا، الخ. .
و من الواضح: أن الخزرج الذين حضروا المعركة قد لا يصل عددهم إلى بضع مئات. بل لعل المقصود هو: خصوص الثمانين أو المائة رجل، الذين عادوا قبل انهزام المشركين بيسير.
9-أما الحديث عن إمداد اللّه تعالى بالملائكة، فسيأتي عن قريب إن شاء اللّه تعالى. .
10-و أخيرا. . فإن مراجعة ما كان النضير يحدث به نفسه ليقنعها بالإسلام، يشير إلى: أنه إنما كان يعرض على نفسه أمورا دنيوية و مادية، و ليس من بينها أي شيء يمكن تصنيفه في عداد قناعات حكم بها عقله، و قادته إليها فطرته، فهو لم يتحدث مع نفسه عن فساد الشرك، و سخافة عبادة الأحجار، و صحة التوحيد، و نفي الشريك. و ما إلى ذلك. .
بل غاية جهده أن قال و هو مرعوب و خائف: «. . فقد رأيت عبرا، و قد
ضرب الإسلام بجرانه، و لم يبق أحد، و دانت العرب و العجم لمحمد، فعز محمد لنا عز، و شرفه لنا شرف» .
الفصل الأول: النبي صلّى اللّه عليه و آله يعالج الموقف
الفصل الثاني: هزيمة المشركين على يد علي عليه السّلام
الفصل الثالث: الثابتون في حنين
الفصل الرابع: نهايات حرب حنين
قال الشيخ المفيد: «و لما رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هزيمة القوم عنه، قال للعباس-و كان رجلا جهوريا صيّتا-: «ناد في القوم و ذكرهم العهد» ، فنادى العباس بأعلى صوته: يا أهل بيعة الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، إلى أين تفرون؟ اذكروا العهد الذي عاهدتم عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و القوم على وجوههم قد ولّوا مدبرين.
و كانت ليلة ظلماء، و رسول اللّه في الوادي، و المشركون قد خرجوا عليه من شعاب الوادي، و جنباته، و مضايقه، مصلتين سيوفهم، و عمدهم، و قسيهم.
قال: فنظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى الناس ببعض وجهه في الظلماء، فأضاء كأنه القمر ليلة البدر. ثم نادى المسلمين: «أين ما عاهدتم اللّه عليه» ؟
فأسمع أولهم و آخرهم، فلم يسمعها رجل إلا رمى بنفسه إلى الأرض، فانحدروا إلى حيث كانوا من الوادي، حتى لحقوا بالعدو فقاتلوه» (1).
1) البحار ج 21 ص 167 و راجع ص 156 و 157 و الإرشاد ج 1 ص 142 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و كشف الغمة ج 1 ص 222 و كشف اليقين ص 144.
و نص آخر يقول: «فلما رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الهزيمة ركض نحو عليّ بغلته، فرآه قد شهر سيفه، فقال: يا عباس، إصعد هذا الظرب (1)، و ناد: يا أصحاب البقرة، و يا أصحاب الشجرة، إلى أين تفرون؟ هذا رسول اللّه.
ثم رفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يده، فقال: «اللهم لك الحمد و إليك المشتكى و أنت المستعان» .
فنزل جبرئيل، فقال: يا رسول اللّه، دعوت بما دعا به موسى حيث فلق له البحر، و نجاه من فرعون.
ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لأبي سفيان بن الحارث: ناولني كفا من حصى، فناوله، فرماه في وجوه المشركين، ثم قال: «شاهت الوجوه» .
ثم رفع رأسه إلى السماء، و قال: «اللهم إن تهلك هذه العصابة لم تعبد، و إن شئت أن لا تعبد لا تعبد» .
فلما سمعت الأنصار نداء العباس، عطفوا، و كسروا جفون سيوفهم الخ. .» (2).
و ما ذكر آنفا من دعائه «صلى اللّه عليه و آله» بما دعا به موسى حين فلق البحر، رواه الواقدي و غيره، و قالوا: إنه دعا به لما انكشف عنه الناس، و لم
1) الظرب: ما نشأ من حجر، و حدّ رأسه. و الرابية الصغيرة.
2) البحار ج 21 ص 150 و 151 و التفسير الصافي ج 2 ص 331 و 332 و التفسير الأصفى ج 1 ص 459 و 460 و تفسير الميزان ج 9 ص 234 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 199 و 200 و تفسير القمي ج 1 ص 287 و 288 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 104 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 111.
يبق معه إلا المائة الصابرة (1).
و رووا عن أنس أيضا: انه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «اللهم إنك إن تشأ لا تعبد بعد اليوم» (2).
روى ابن إسحاق، و أحمد، عن جابر بن عبد اللّه، و ابن إسحاق، و عبد الرزاق، و مسلم عن العباس، عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قال العباس: شهدت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : يوم حنين، فلزمت أنا و أبو سفيان بن الحارث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلم نفارقه، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على بغلة له شهباء.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 327 عن الواقدي، و في هامشه عن: المعجم الصغير ج 1 ص 122 و مجمع الزوائد ج 10 ص 183 و الترغيب و الترهيب ج 2 ص 618 تاريخ الخميس ج 2 ص 104 و راجع: تفسير النسفي ج 2 ص 84 البحار ج 21 ص 150 و تفسير القمي ج 1 ص 287 و التفسير الصافي ج 2 ص 331 و 332 و التفسير الأصفى ج 1 ص 459 و 460 و تفسير الميزان ج 9 ص 234 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 200 و تفسير القمي ج 1 ص 287 و 288.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 326 و 327 عن ابن أبي شيبة، و أحمد برجال الصحيح، و قال في هامشه: عن أحمد ج 5 ص 152 و عن ابن أبي شيبة ج 10 ص 351 و ج 14 ص 522 و عن مسلم ج 3 ص 1363(23/1743) و ابن سعد ج 2 ق 1 ص 52 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 111 و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 6 ص 75 و (ط دار الفكر) ج 7 ص 95 و ج 8 ص 550 و كنز العمال ج 10 ص 548 و البداية و النهاية ج 4 ص 375 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 621 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2251 عن البحار ج 21 ص 180 ح 16.
قال: فلما التقى المسلمون و الكفار ولّى المسلمون مدبرين.
فطفق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يركض بغلته قبل الكفار، و أنا آخذ بلجام بغلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و في رواية: أكفها أن لا تسرع، و هو لا يألو ما أسرع نحو المشركين (1). (و هو يقول:
أنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب) .
و أبو سفيان بن الحارث آخذ بركاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).
و في رواية: بغرزه (بغرز (النبي) رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله») (3).
1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 103 و مسند أحمد ج 1 ص 207 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 379 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 194 و كنز العمال ج 10 ص 546 و تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 269 و جامع البيان ج 10 ص 131 و الدر المنثور ج 3 ص 224 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 155 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 18 و تهذيب الكمال ج 24 ص 134 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 322.
2) راجع: صحيح مسلم ج 5 ص 167 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 328 و فتح الباري ج 6 ص 93 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 197 و رياض الصالحين للنووي ص 715 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 98 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 18 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 17 و البداية و النهاية ج 4 ص 378 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 67 و ج 7 ص 217 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 627 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 322 و ج 11 ص 102.
3) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 322 و ج 7 ص 47 و ذخائر العقبى ص 198 و مسند أحمد ج 1 ص 207 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 67 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 524 و تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 269 و الدر المنثور ج 3 ص 224 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 19 و تهذيب الكمال للمزي ج 24 ص 134 و الدر المنثور ج 4 ص 160 و جامع البيان ج 10 ص 131 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 124 و 194 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 67 و مشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص 44 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 155 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 277 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 380 و فضائل الصحابة ج 2 ص 927 و طبقات الشافعية الكبرى ج 1 ص 259.
و في رواية: بثفره (بثفر بغلته) (1).
فالتفت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبي سفيان بن الحارث، و هو مقنّع في الحديد، فقال: «من هذا» ؟
فقال: ابن عمك يا رسول اللّه (2).
و في حديث البراء: و أبو سفيان ابن عمه يقود به (3).
قال ابن عقبة: و قام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الركابين، و هو على البغلة، فرفع يديه إلى اللّه يدعو، يقول: «اللهم إني أنشدك ما وعدتني. .
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 322 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 349 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 896 و البداية و النهاية ج 4 ص 374 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 619.
2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 322 و كتاب التوابين لابن قدامة ص 116.
3) راجع: السنن الكبرى ج 5 ص 188 و ج 6 ص 155 و كنز العمال ج 10 ص 540 و جامع البيان ج 10 ص 132 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 26 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 348 و إمتاع الأسماع ج 7 ص 218 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 322 و 349.
اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا» (1)انتهى.
و في نص آخر قال العباس: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا عباس! ! ناديا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة» .
قال العباس: و كنت رجلا صيتا، فقلت بأعلى صوتي: أين الأنصار؟ أين أصحاب السمرة؟ أين أصحاب سورة البقرة؟
قال: و اللّه لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها (2).
و قالوا أيضا: فلما سمعت الأنصار نداء العباس عطفوا، و كسروا جفون
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 322 و قال في هامشه: أخرجه الطبراني في الكبير ج 10 ص 188 و انظر المجمع ج 6 ص 82 و ج 8 ص 619 و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 31 و عبد الرزاق في المصنف (9741) و الحميدي (459) و ابن سعد ج 2 ق 1 ص 112 و أحمد ج 1 ص 207 و راجع: إعلام الورى ص 122 و البحار ج 21 ص 167 و تاريخ الخميس ج 2 ص 102 و 103 و شجرة طوبى ج 2 ص 310 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 578 و البداية و النهاية ج 4 ص 378 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 66 و إعلام الورى ج 1 ص 232 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 626.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 322 و 323 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 103 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 580 و البداية و النهاية ج 4 ص 378 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 138 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 627 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 62 و 63 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و 111.
سيوفهم، و هم يقولون: لبيك، و مروا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و استحيوا أن يرجعوا إليه، و لحقوا بالراية، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، للعباس: من هؤلاء يا أبا الفضل؟
فقال: يا رسول اللّه، هؤلاء الأنصار.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الآن حمي الوطيس.
و نزل النصر من السماء، و انهزمت هوازن (1).
و عند الطبرسي: «فلما سمع المسلمون صوت العباس، تراجعوا، و قالوا: لبيك، لبيك. و تبادر الأنصار خاصة، و قاتلوا المشركين حتى قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الآن حمي الوطيس.
أنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب
و نزل النصر من عند اللّه تعالى، و انهزمت هوازن هزيمة قبيحة، فمروا في كل وجه، و لم يزل المسلمون في آثارهم. و مر مالك بن عوف، فدخل حصن الطائف» (2).
و في حديث عثمان بن شيبة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «يا عباس،
إصرخ بالمهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، و بالأنصار الذين آووا و نصروا» .
قال: فما شبهت عطفة الأنصار على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا عطفة الإبل على أولادها (أو عطفة البقر على أولادها، أو عطفة النحل على يعسوبها) حتى ترك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كأنه في حرجة، فلرماح الأنصار كانت أخوف عندي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من رماح الكفار (1). انتهى.
فقالوا: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك.
قال: فيذهب الرجل يثني بعيره، و لا يقدر على ذلك، أي لكثرة الأعراب المنهزمين-كما ذكره أبو عمر بن عبد البر-فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، و يأخذ سيفه و ترسه، و يقتحم عن بعيره، فيخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
حتى إذا اجتمع منهم مائة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا هم و الكفار. و الدعوة في الأنصار: يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، و كانوا صبّرا عند الحرب.
و أشرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ركابيه، فنظر إلى مجتلدهم، و هم يجتلدون، و هو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «هذا حين حمي الوطيس» أو (الآن حمي الوطيس) .
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 323 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 299 و تاريخ مدينة دمشق ج 33 ص 257 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 66 و مجمع الزوائد ج 6 ص 184.
ثم أخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا، و رب محمد» .
فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فو اللّه، ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدّهم كليلا، و أمرهم مدبرا، فو اللّه ما رجع الناس (أو فو اللّه ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم، حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله») إلا و هم أسارى عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مكتفون، قتل اللّه تعالى منهم من قتل، و انهزم منهم من انهزم، و أفاء اللّه تعالى على رسوله أموالهم، و نساءهم، و أبناءهم (1).
و روي برجال ثقات، عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول اللّه «صلى
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 323 عن أبي القاسم البغوي، و البيهقي، و في هامشه عن: الطبراني في الكبير ج 7 ص 358 و ابن عساكر كما في التهذيب 6 ص 351 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 103 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و 111 و السيرة الحلبية ج 3 ص 111 و راجع ص 108 و 109 و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 207 و صحيح مسلم ج 5 ص 167 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 115 و فتح الباري ج 8 ص 25 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 197 و مسند أبي يعلى ج 12 ص 67 و تفسير البغوي ج 2 ص 278 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 18 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 19 و الجمع بين الصحيحين لمحمد بن فتوح الحميدي ج 3 ص 327 و مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي ج 8 ص 1649 و تهذيب الكمال ج 24 ص 134 و سيرة النبي المختار ج 1 ص 355 و المنتظم في تاريخ الملوك و الأمم ج 3 ص 334.
اللّه عليه و آله» يوم حنين، فولى الناس عنه، و بقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين و الأنصار، فقمنا على أقدامنا و لم نولهم الدبر، و هم الذين أنزل اللّه تعالى عليهم السكينة، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على بغلته لم يمض قدما، فحادت به بغلته، فمال عن السرج، فقلت له: ارتفع رفعك اللّه.
فقال: «ناولني كفا من تراب» ، فناولته، فضرب وجوههم، فامتلأت أعينهم ترابا، ثم قال: «أين المهاجرون و الأنصار» ؟
قلت: هم أولاء.
قال: «اهتف بهم» . فهتفت بهم، فجاؤوا و سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، و ولى المشركون أدبارهم (1).
و عن أنس قال: جاءت هوازن يوم حنين بالنساء، و الصبيان، و الإبل، و الغنم، فجعلوهم صفوفا، ليكثروا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 325 عن أحمد، و الطبراني، و الحاكم، و أبي نعيم، و البيهقي، و قال في هامشه: أخرجه أحمد ج 1 ص 453 و الطبراني في الكبير ج 10 ص 209 و انظر المجمع ج 6 ص 84 و 183 و الحاكم ج 2 ص 117 و تاريخ الخميس ج 2 ص 104 عن أحمد، و الحاكم، و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و 111 و راجع: مسند أحمد ج 1 ص 454 و مجمع الزوائد ج 6 ص 180 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 359 و تاريخ مدينة دمشق ج 33 ص 79 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 582 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 70 و مسند البزار ج 5 ص 368. و راجع: و السيرة الحلبية ج 3 ص 110.
فالتقى المسلمون و المشركون، فولى المسلمون مدبرين، كما قال اللّه تعالى، و بقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وحده، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «يا عباد اللّه، أنا عبد اللّه و رسوله» .
و نادى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نداءين لم يخلط بينهما كلاما، فالتفت عن يمينه، فقال: «يا معشر الأنصار، أنا عبد اللّه و رسوله» .
فقالوا: «لبيك يا رسول اللّه، نحن معك» .
ثم التفت عن يساره، فقال: يا معشر الأنصار، أنا عبد اللّه و رسوله.
فقالوا: لبيك يا رسول اللّه، نحن معك.
فهزم اللّه تعالى المشركين، و لم يضرب بسيف، و لم يطعن برمح (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 325 عن ابن أبي شيبة، و أحمد، و الحاكم، و ابن مردويه، و البيهقي، و قال في هامشه: أخرجه أحمد ج 3 ص 190 و 279 و ج 5 ص 286 و ابن سعد ج 2 ق 1 ص 113 و ابن أبي شيبة ج 14 ص 530 و 531 و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 141 و في السنن ج 6 ص 306 و الدولابي في الكنز ج 1 ص 42 و انظر الدر المنثور ج 3 ص 224 و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 111 و السيرة الحلبية ج 3 ص 108 و 109 و المصنف ج 8 ص 551 و كنز العمال ج 10 ص 550 و صحيح البخاري ج 4 ص 1567 و (ط دار الفكر) ج 5 ص 106 و صحيح مسلم ج 2 ص 735 و (ط دار الفكر) ج 3 ص 106 و المسند المستخرج على صحيح مسلم ج 3 ص 123 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 88 و الجمع بين الصحيحين ج 2 ص 494 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 416 و مسند أحمد ج 3 ص 280 و عمدة القاري ج 17 ص 311 و البداية و النهاية ج 4 ص 357 و (ط دار إحياء التراث العربي) ص 409 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 675.
و يقول أبو بشير المازني: إنه حين رأى المقدمة قد انهزمت، و صار الناس ينهزمون معها: «و أكرّ في وجوه المنهزمين، ليس لي همة إلا النظر إلى سلامة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حتى صرت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يصيح: «يا للأنصار» .
فدنوت من دابته، و التفت من ورائها، و إذا الأنصار قد كروا كرة رجل واحد، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» واقف على دابته في وجوه العدو.
و مضت الأنصار أمام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقاتلون، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سائر معهم يفرجون العدو عنه، حتى طردناهم فرسخا، و تفرقوا في الشعاب، حتى فلوا من بين أيدينا.
فرجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى منزله و قبته، و قد ضربت له، و الأسرى مكتفون حوله، و إذا نفر حول قبته. و في قبته زوجاته: أم سلمة و ميمونة، حولها النفر الذين يحرسون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم: عباد بن بشر، و أبو نائلة، و محمد بن مسلمة (1).
و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» نادى أصحابه، و ذمرهم: «يا أصحاب البيعة يوم الحديبية، اللّه، اللّه الكرة على نبيكم» .
و قيل: إنه قال: «يا أنصار اللّه و أنصار رسوله، يا بني الخزرج» ، و أمر العباس بن عبد المطلب فنادى في القوم بذلك، فأقبل إليه أصحابه سراعا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 319 و 320 عن الواقدي.
و يذكرون في تبرير هزيمتهم: أن المشركين اختبأوا في مضايق الوادي، و شعابه، و أجنابه، و تهيأوا، قالوا: «فما راعنا إلا كتائب الرجال بأيديها السيوف، و العمد، و القنا، فشدوا علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس راجعين. .» (2).
و لكن الشيخ المفيد يقول: إنه بعد أن فرّ المسلمون، و بعد نداء العباس: «و كانت ليلة ظلماء، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الوادي، و المشركون قد خرجوا عليه من شعاب الوادي، و جنباته، و مضايقه، مصلتين سيوفهم، و عمدهم و قسيهم» (3).
1) الإرشاد ج 1 ص 142 و البحار ج 21 ص 167 و راجع ص 156 و 157 و البداية و النهاية ج 4 ص 378 و إعلام الورى ج 1 ص 232 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 626 و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 131 و الإكتفاء ج 2 ص 244 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 66 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 578.
2) إعلام الورى ص 121 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 230 و البحار ج 21 ص 166 و قصص الأنبياء للراوندي ص 347 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 181 و شجرة طوبى ج 2 ص 309 و الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص 182.
3) الإرشاد ج 1 ص 142 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 84 و البحار ج 21 ص 156 و 157 و شجرة طوبى ج 2 ص 308 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279.
و لعل شدة المشركين على المسلمين شدة رجل واحد، قد أرعبت المسلمين، فهربوا، ثم خرج باقي المشركين على النبي «صلى اللّه عليه و آله» من المضائق و الشعاب، بأيديهم العمد، و السيوف، و القسي.
عن سيابة بن عاصم السلمي: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال يوم حنين: «أنا ابن العواتك» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 323 و ج 5 ص 336 عن الطبراني، و في هامشه عن: الطبراني في الكبير ج 7 ص 201، و انظر مجمع الزوائد ج 8 ص 219 و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 135 و سعيد بن منصور (2840 و 2841) و ابن عساكر كما في التهذيب ج 1 ص 289 و راجع: عمدة القاري ج 14 ص 287 و المعجم الكبير (ط دار إحياء التراث) ج 7 ص 169 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 2 ص 691 شرح النهج للمعتزلي ج 14 ص 267 عن الواقدي، و كنز العمال ج 11 ص 443 و ج 12 ص 438 و طبقات خليفة بن خياط ص 101 و الجرح و التعديل ج 4 ص 321 و الثقات ج 1 ص 29 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 107 و 110 و أسد الغابة ج 2 ص 382 و ج 4 ص 184 و تذكرة الحفاظ ج 3 ص 1067 و الإصابة ج 3 ص 194 و ج 5 ص 304 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 120 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 580 و الوافي بالوفيات للصفدي ج 16 ص 36 و البداية و النهاية ج 4 ص 375 و 376 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 164 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 622 و 623 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 67 و ج 2 ص 505 و تاج العروس ج 2 ص 91 و التاج و الإكليل ج 3 ص 392 و المراسيل لابن أبي حاتم ج 1 ص 69 و معجم الصحابة ج 1 ص 302.
أو: «أنا ابن العواتك من قريش» (1).
أو: «أنا ابن العواتك من سليم» (2).
و نقول:
العواتك من سليم ثلاث نساء من جدات رسول اللّه «صلى اللّه عليه
1) الكافي ج 5 ص 51 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 19 ص 250 و (ط دار الإسلامية) ج 13 ص 346 و البحار ج 19 ص 171 و الحدائق الناضرة ج 22 ص 357 و جواهر الكلام ج 28 ص 222 و جامع أحاديث الشيعة ج 19 ص 157 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 81 و موسوعة أحاديث أهل البيت «عليهم السلام» ج 5 ص 33 و مستدركات علم رجال الحديث ج 8 ص 585 و مجمع البحرين ج 3 ص 118.
2) البحار ج 19 ص 171 و 172 و الإستيعاب (ط دار الجيل) ج 2 ص 691 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 330 و الجامع الصغير ج 1 ص 411 و كنز العمال ج 11 ص 402 و 443 و ج 12 ص 434 و غوامض الأسماء المبهمة ج 2 ص 779 و الصحاح للجوهري ج 4 ص 1598 و النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 179 و تاريخ واسط ج 1 ص 43 و غوامض الأسماء المبهمة ج 2 ص 780 و لسان العرب ج 10 ص 464 و فيض القدير ج 3 ص 50 و تاج العروس ج 13 ص 610 و إكمال الكمال لابن ماكولا ج 5 ص 14 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 107 و الأعلام للزركلي ج 3 ص 242 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 120 و الفردوس بمأثور الخطاب ج 1 ص 46 و الفائق ج 2 ص 390 و الروض الأنف ج 1 ص 207 و منح الجليل ص 3 ص 240 و الوافي بالوفيات للصفدي ج 16 ص 36 و الدر النظيم ص 34 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 323 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 1 ص 67 و 144 و تهذيب اللغة ج 1 ص 197.
و آله» ، و هن:
1-عاتكة بنت هلال بن فالج بن ذكوان. أم عبد مناف بن قصي.
2-عاتكة بنت مرة بن هلال، بن فالج بن ذكوان. أم هاشم بن عبد مناف.
3-عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان. أم وهب بن عبد مناف بن زهرة، جد النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .
فالأولى عمة الثانية، و الثانية عمة الثالثة، و بنو سليم تفخر بهذه الولادة (1).
و العواتك من جداته «صلى اللّه عليه و آله» اثنتا عشرة: ثلاث منهن من بني سليم، و اثنتان من قريش، و كنانية، و أسدية، و هذلية، و قضاعية، و أزدية (2).
و قال اليعقوبي: «و اللاتي و لدنه من العواتك اثنتا عشرة عاتكة: عشر منهن مضريات، و قحطانية، و قضاعية. و المضريات: ثلاث من قريش، و ثلاث من سليم، و عدوانيتان، و هذلية، و أسدية. .» (3).
1) راجع: لسان العرب ج 10 ص 464 و الأعلام للزركلي ج 3 ص 242 و البحار ج 19 ص 172 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 81 و فيض القدير ج 3 ص 50 و النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 180 و غوامض الأسماء المبهمة ج 2 ص 780 و الحدائق الناضرة ج 22 ص 357 و مستدركات علم الرجال ج 8 ص 585 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 323 و راجع: الروض الأنف ج 1 ص 206.
2) لسان العرب ج 10 ص 464 و راجع: كتاب المحبر للبغدادي ص 47 و الكامل في التاريخ ج 1 ص 556 و (ط دار صادر) ج 2 ص 34 و راجع: تاج العروس ج 26 ص 266.
3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 120.
و ذكر ابن عساكر في تاريخه عن أبي عبد اللّه العدوي: أن العواتك أربع عشرة و أن السلميات أربع (1)و من أراد التوسع في البحث فليراجع.
غير أننا نقول:
لعل كلمة «من سليم» أو «من قريش» قد أضيفت إلى كلمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . حيث إن المناسب هو: أن يكون مقصوده «صلى اللّه عليه و آله» جميع العواتك الاثني عشر.
إذ قد تقدم: أن الهزيمة التي جرت على المسلمين كان سببها قبيلة سليم، و من معها من أهل مكة في مقدمة الجيش.
بل صرحت بعض الروايات: بأن المسؤول عن ذلك هو خصوص سليم دون سواها. .
فهل يريد «صلى اللّه عليه و آله» : أن يكافئ سليما على فعلتها الشنعاء تلك؟ ! . .
من أجل ذلك نقول:
لعله «صلى اللّه عليه و آله» كان يقصد بكلمته هذه: أن يقول للناس:
أولا: إن خطأ من حضر من سليم في هذه الحرب، لا يعني أن يلحق العار بالأبرياء من هذه القبيلة أيضا.
ثانيا: إن هذا الخطأ يجب أن لا يكون سببا في استمرار سير هذه القبيلة باتجاه واحد، هو سبيل الإنحراف و الغي، فالذي يخطئ و ينحرف يمكنه أن يرجع عن سبيل الغي إلى سبيل الخير و الصلاح و لو بعد حين. .
1) تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 110 و كنز العمال ج 12 ص 435.
و قد كان في بني سليم أناس صالحون في السابق، إلى حد أن ثلاث جدات لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كنّ منها، و قد نشأن في بيوت عز و خير. . فما المانع من أن تعود سليم إلى انتهاج طريق الهدى، و الفلاح و النجاح؟ ! . .
ثالثا: إنه لا بد لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من العمل على ترميم سمعة القبائل التي تبتلى بخطأ بعينه، حتى لا تسقط في مهاوي الخزي و العار، فإن ذلك من شأنه أن يحدث خللا في البنية الإجتماعية، و أن تنشأ عنه تداعيات كبيرة و خطيرة. .
لذلك نلاحظ: أنه ينسب نفسه إلى العواتك، و يقول للناس: إن عليهم أن لا يتمادوا في الطعن في هذه القبيلة أو تلك، ما دام أن له «صلى اللّه عليه و آله» رحما فيها، و في كثير من تلك القبائل، مثل: سليم، و كنانة، و أسد، و هذيل، و قضاعة، و الأزد.
و نضيف نحن هنا أمرا رابعا: و هو أن راوي هذه الرواية و هو سيابة بن عاصم. كان من بني سليم، فقد يكون ذلك من أسباب الشبهة في صحة هذه الإضافة، و هي كلمة «من بني سليم» ، من حيث إن من الممكن أن يكون قد أراد بروايته هذه جرّ النار إلى قرصه، و دفع العار عن بني جنسه. . فلا بأس بالبحث عن طريق آخر لهذه الرواية لا يكون فيه تهمة من هذا القبيل.
و عن المراد بقوله «صلى اللّه عليه و آله» : يا أصحاب سورة البقرة، نقول:
إن هذه السورة هي أول سورة نزلت في المدينة، فلعل هذا النداء يرمي إلى تذكيرهم ببعض آياتها التي تقول: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (1)، و تقول: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اَللّٰهِ (2).
و تقول: وَ مِنَ اَلنّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ رَؤُفٌ بِالْعِبٰادِ (3).
كما أن هذه السورة تضمنت أيضا: حديثا عن المؤمنين الذين يؤمنون بالغيب، و يوقنون بالآخرة، و سائر العقائد، و حديث المنافقين، و عن مختلف قضايا التشريع، و حقائق الدين.
غير أننا نقول:
لعل القول بأن المراد التذكير بقوله تعالى: وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ هو الأنسب بقوله: يا أهل بيعة الشجرة، و يا أصحاب السمرة.
و بقوله: ذكّرهم بالعهد.
و قوله: إلى أين تفرون؟ أذكروا العهد الذي عاهدتم.
و قوله: يا أصحاب البيعة يوم الحديبية. . و نحو ذلك. .
فإن مثل هذا كله يدل على: أن المقصود هو: إلزامهم بعهدهم، ليكون ذلك حافزا لهم على العودة إلى ساحات الجهاد.
كما أنه يتضمن قدرا من التهديد بأن اللّه تعالى سوف يعاملهم بالمثل،
و هذا ما لا يمكنهم تحمله و الرضا به لأنفسهم.
و حين نادى النبي «صلى اللّه عليه و آله» الفارين: أين ما عاهدتم اللّه عليه؟ ! أسمع أولهم و آخرهم، ليقيم اللّه عليهم الحجة بذلك. لأنها معجزة تثبت صدق هذا النبيّ العظيم «صلى اللّه عليه و آله» من جهة. و تذكرهم بما يحفزهم للثبات و التصدي من جهة أخرى، فلم يعد يمكن لأي منهم أن يقول: إن الخوف أنساني كل شيء، و لو أنني التفت لهذه الأمور في تلك اللحظات لكان لي موقف آخر.
و الذي يراجع النص الذي أورده الشيخ المفيد «رحمه اللّه» ، يلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقل: اذكروا العهد الذي عاهدتموني عليه، بل قال: اذكروا العهد الذي عاهدتم عليه رسول اللّه. . فيكون بذلك قد تجنب الإيحاء بأن الأمر يرتبط به كشخص، و أثار في الأذهان صورة عن ارتباط الموضوع باللّه تعالى، حين ذكروا: أن العهد كان معه بما أنه رسول اللّه، لا بما له من صفة شخصية.
و لكنه حين ظهرت معجزته لهم، و رأوا شاهد نبوته عيانا، حيث رأوا وجهه في الظلمات، فأضاء كأنه القمر ليلة البدر، عاد فذكّرهم بالعهد، و لكنه ربطه باللّه مباشرة، و لم يعد ثمة من حاجة إلى تحديد دوره في هذا الأمر. فإن المعجزة قد حددت ذلك، و عرفتهم برسوليته «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا بد أن ينتهي كل شيء إليه تبارك و تعالى. .
و عن دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد فرار أصحابه عنه نقول:
إنه «صلى اللّه عليه و آله» ذكر فقرات ثلاثا، هي:
1-اللهم لك الحمد.
2-و إليك المشتكى.
3-و أنت المستعان.
و في سياق بيان ذلك نقول:
ألف: إنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد أن يعرّف كل أحد انه حتى حين يفر عنه جميع من معه، و يبقى وحده في مواجهة عشرات الألوف من أعدائه، الساعين إلى سفك دمه، فإن ذلك لا ينقص من نعم اللّه عليه، بل ذلك يؤكد أن لا أحد يستحق الحمد سواه تبارك و تعالى؛ لأنه وحده المنعم المتفضل. .
بل إن فرارهم عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا بد أن يفهم على أنه بمثابة التفريط بنعمة اللّه تعالى عليهم، لا أنه إضرار برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو إنقاص من النعم الواصلة إليه، و لذلك قال «صلى اللّه عليه و آله» : اللهم لك الحمد.
ب: و إذا فرط هؤلاء الناس بنعم اللّه، و تخلوا عن واجبهم الإلهي، و استحقوا الإبعاد عن ساحة رحمته، و لطفه جل و علا.
و إذا كان اللّه تعالى-وحده-هو المنعم الواهب، و المتفضل. . فإن أحدا لا يستطيع أن ينفعهم بشيء. و لا أن يصلح ما أفسدوه، و يبني ما هدموه إلا هو تبارك و تعالى. .
و هذا يعني: أن الشكوى لغير اللّه لا تثمر شيئا، بل هي ليست بشكوى، لأن غير اللّه لا يستطيع أن يدفع، و لا أن يمنع. . و الإنسان العاقل لا يعبث و لا يلعب. بل إن الشكوى لغير اللّه-و الحالة هذه-تمثل نكرانا لفضله تبارك و تعالى، و هذه خطيئة لا يمكن أن تصدر من المعصوم. و لذلك قال «صلى اللّه عليه و آله» : و إليك المشتكى.
ج: و إذا كان اللّه تعالى وحده هو القادر، و القاهر، و الحكيم، و العليم، و الرؤوف الرحيم، و المعطي و المانع. و إذا كانت المخلوقات كلها تستمد منه، و تفتقر إليه. فلا معنى للإستعانة بسواه. لأن ذلك من السفه الذي لا يصدر عن الأنبياء صلوات اللّه و سلامه عليهم أيضا. و لذلك قال «صلى اللّه عليه و آله» : و أنت المستعان.
د: و إذا كانت هذه هي العقيدة الراسخة باللّه تبارك و تعالى، و هي خلاصة نظرة الإنسان إلى الكون و ما فيه، و إلى الحياة بكل مظاهرها. .
و إذا تمحض في الإخلاص و الصدق في هذا الدعاء المرتكز إلى ذلك الإيمان الراسخ، فسوف يتحقق بعمق و صدق مفهوم قوله تعالى: اُدْعُونِي . و يكون لا بد من الإستجابة لمن يدعوه تعالى و لا يدعو غيره. . و يرجوه و لا يرجو غيره. .
و لا بد بعد هذا أن ننتظر تحقق المعجزات، و قد تحققت في حنين فعلا، كما تحققت لموسى «عليه السلام» من قبل، و شاهد تحقق المعجزات في حنين: أن اللّه تعالى قد هزم عشرات الألوف بسيف علي «عليه السلام» وحده. بعد أن أمد اللّه رسوله «صلى اللّه عليه و آله» و المؤمنين بجنود لم يروها، تماما كما حصل في حرب بدر العظمى. .
و كما جرى في حرب بدر جرى في حرب حنين، فقد قال «صلى اللّه عليه و آله» في كلتا الواقعتين: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد، و إن شئت أن لا تعبد، لا تعبد.
و نقول:
أولا: لا شك في أن المقصود ب «هذه العصابة» هو عصابة أهل الإيمان، الذين يدافعون عن دينهم و عن نبيهم، و علي «عليه السلام» أولهم، و على رأسهم. .
و أما شمولها للذين ولوا الأدبار، و لم يفوا بعهدهم، بما فيهم المشركون. و قد صرحوا: بأنهم ثمانون رجلا، بما فيهم المنافقون و ما أكثرهم. يضم إليهم أصحاب المطامع و الأهواء. . نعم. . أما شمول هؤلاء فذلك غير ظاهر. . فإن الإسلام إنما كان يقوم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» ، فإن هلكا فلا إسلام بعد ذلك، و لا عبادة للّه تعالى.
و أما المنهزمون، فإن فرارهم الذي هو بمثابة هلاك و بوار دورهم، و انعدام تأثيرهم-فلم يمنع من استمرار عبادة اللّه تبارك و تعالى.
ثانيا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد علق استمرار عبادة اللّه تعالى على مشيئة اللّه تبارك و تعالى.
و من الواضح: أن وجوب شكر المنعم، و عبادة اللّه، و الطاعة له حكم عقلي، لا مجال للتخلف عنه. و هذا معناه: أن المقصود بكلامه هذا «صلى اللّه عليه و آله» ، ليس هو إسقاط هذا الوجوب، بل المراد: أن تزول عبادة اللّه تعالى بزوال المؤمنين، و هلاكهم.
و تحاول بعض النصوص: أن تلطف العبارات، و تخفف من حدة قبح الهزيمة، بطريقة ذكية، حين تنسب الهزيمة إلى الأعراب، لكي يفهم الناس أن قريشا، و أهل مكة، و المهاجرين لم يكونوا مع المنهزمين. . و إن كان معهم منهم أحد، فإنما هم أفراد قليلون، جرفهم السيل البشري للأعراب ربما من غير اختيار منهم.
و هذا و لا شك خيانة للحق و الحقيقة، لما يستبطنه من تزوير و تضليل، و لا نريد أن نقول أكثر من ذلك.
تقدم: أن المسلمين انهزموا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ليلة ظلماء، و أن وجهه «صلى اللّه عليه و آله» أضاء للناس كالقمر ليلة البدر.
و لكن قد يقال: إن ذلك مما يصعب القبول به، إذا أخذنا بالرواية التي تقول: فلما تراءت الفئتان حمل المشركون على المسلمين حملة رجل واحد، فانهزموا. . لأن ترائي الفئتين يكون في النهار عادة. .
و يمكن أن يجاب عن ذلك: بأن المقصود بترائي الفئتين: هو مواجهة كل منهما للأخرى، و لو بوصول طلائع الفريقين إلى موقع ترى فيه طرفا من الفريق الآخر. و هذا يحصل ليلا كما يحصل نهارا.
و ليس المقصود: الرؤية المباشرة نهارا. .
و يؤيد ما نقول: قولهم أيضا في نصوص أخرى سبقت: إنه «صلى اللّه عليه و آله» صار يسأل عن أبي سفيان بن الحارث، و سأل أيضا عن الأنصار
الذين حضروا بعد الهزيمة إلى ساحة القتال. . إذ لعله «صلى اللّه عليه و آله» احتاج إلى السؤال عنهم بسبب حيلولة الظلام بينه و بينهم، فلا يراهم. .
و يمكن الرد على ذلك: بأنه ربما يكون قد سأل عنهم لأنه يريد تعريف الناس بهم، و الجهر باسمهم، و بيان حالهم. . حتى و إن كان قد عرفهم بالرؤية المباشرة، أو بالعلم الخاص، الذي اختصه اللّه تعالى به.
قد ظهر من سياق رواية المفيد: أن الناس لم يصغوا إلى نداء العباس، بل مروا على وجوههم في هزيمتهم.
فلما ناداهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «أين ما عاهدتم اللّه عليه» ؟ لم يسمعها رجل إلا رمى بنفسه إلى الأرض، فانحدروا إلى حيث كانوا من الوادي، حتى لحقوا بالعدو، فقاتلوه (1).
فلا يصح قولهم-حسبما تقدم و ما سيأتي-: إن عودة الأنصار كانت لسماعهم نداء العباس (2).
1) البحار ج 21 ص 167 و راجع ص 156 و 157 و الإرشاد ج 1 ص 142 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و كشف الغمة ج 1 ص 222 و كشف اليقين ص 144
2) راجع على سبيل المثال: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 323 و مجمع البيان ج 5 ص 17 و 18 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 299 و الثقات ج 2 ص 69 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 348 و عيون الأثر ج 2 ص 218 و زاد المعاد ج 3 ص 471 و الإكتفاء ج 2 ص 243 و الدرر لابن عبد البر ص 226 و السيرة النبوية لابن هشام (ط دار الجيل) ج 5 ص 113 و كتاب التوابين لابن قدامة ج 1 ص 114 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 257 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 65 و 66 و البحار ج 21 ص 147 و 151 و تفسير القمي ج 1 و غير ذلك كثير جدا.
غير أن لنا تحفظا على قوله «لحقوا بالعدو فقاتلوه» إذ إن الدلائل و الشواهد تشير إلى أنهم لم يقاتلوهم، كما سيأتي.
قد صرحت رواية عثمان بن شيبة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلب من العباس: أن ينادي المهاجرين و الأنصار.
و لكن الغريب في الأمر: أن المهاجرين لم يستجيبوا للنداء أبدا، و إنما استجاب الأنصار فقط، كما ذكرته رواية القمي و غيره (1)، و رواية عثمان بن أبي شيبة نفسها، بل لقد صرحت رواية الطبرسي بالقول: «تبادرت الأنصار خاصة» (2).
و نص آخر يذكر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» طلب منه أن ينادي خصوص الأنصار.
بل لقد ذكرت رواية أبي بشير المازني: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يصيح: يا للأنصار، و إذ بهم كروا كرة رجل واحد، و مضت الأنصار أمامه
«صلى اللّه عليه و آله» يقاتلون حتى طردوا العدو، فلماذا خص نداءه بالأنصار، و لم يذكر المهاجرين؟
أليس لأنه كان قد يئس من نصرهم؟ !
و تقدم عن أنس: أنه لما بقي النبي «صلى اللّه عليه و آله» وحده، نادى «صلى اللّه عليه و آله» نداءين لم يخلط بينهما كلاما، فالتفت عن يمينه، و قال: يا معشر الأنصار، أنا عبد اللّه و رسوله، فقالوا: لبيك يا رسول اللّه، نحن معك، فهزم اللّه تعالى المشركين الخ. .
و عن سعيد بن جبير: فيومئذ سمى اللّه تعالى الأنصار مؤمنين، قال: ثُمَّ أَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ (1)» (2).
بل صرحت رواية عثمان بن شيبة (3): بأنه لما اجتمع حول النبي «صلى اللّه عليه و آله» مائة، و كانت الدعوة في الأنصار: يا معشر الأنصار. ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج.
بل روي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: يا أنصار رسول اللّه! يا بني الخزرج! !
و ذلك يدل على عدم صحة ما ذكرته رواية ابن مسعود، من أنه بعد أن
1) الآية 26 من سورة التوبة.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 327 عن ابن أبي حاتم، و في هامشه عن الدر المنثور ج 3 ص 223 و راجع: الدر المنثور ج 4 ص 162 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 225 و جمع البيان ج 10 ص 103 و (ط دار الفكر) ص 133 و تفسير ابن أبي حاتم ج 3 ص 752 و ج 6 ص 1774 و فتح القدير ج 2 ص 349.
3) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 105.
ضرب وجوه المشركين بكف من تراب، أمره بأن يهتف: يا للمهاجرين و الأنصار، فهتف بهم، فجاؤوا و سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب.
فإن الصحيح هو: أن الذين جاؤوا و لبوا النداء هم خصوص الأنصار و لا سيما الخزرج. بل الخزرج منهم فقط.
و يتجلى حب الأنصار لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في تعبيرات الروايات، كقول العباس: «و اللّه، لكأنما عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقرة على أولادها» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 323 و 350 و ج 11 ص 102 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 3 ص 111 و السيرة الحلبية ج 3 ص 109 و (ط دار المعرفة) ص 66 و ذخائر العقبى ص 198 و مسند أحمد ج 1 ص 207 و صحيح مسلم ج 5 ص 167 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 328 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 115 و فتح الباري ج 8 ص 25 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 380 و مسند الحميدي ج 1 ص 219 و الآحاد و المثاني ج 1 ص 273 و السنن الكبرى للبيهقي ج 5 ص 197 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 524 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 299 و كتاب التوابين لابن قدامة ص 115 و رياض الصالحين للنووي ص 715 و تفسير ابن أبي حاتم ج 6 ص 1773 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 23 و تفسير البغوي ج 2 ص 278 و تفسير القرطبي ج 8 ص 98 و الدر المنثور ج 3 ص 224 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 17 و 19 و تهذيب الكمال ج 24 ص 134 و تاريخ الإسلام ج 2 ص 580 و البداية و النهاية ج 4 ص 378 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 67 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 327 و مجمع الزوائد ج 6 ص 184.
و قولهم: «ما شبهت عطفة الأنصار على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا عطفة الإبل على أولادها» (1).
و في نص آخر: فثابوا من كل ناحية، كأنهم النحل تأوي إلى يعسوبها (2).
و حين يكون المحارب محبا لقائده، فإنه و إن فرّ حين تفاجئه هجمة قوية، و لكن محبته تبقيه على مقربة ممن يحب، و تدفعه لأن يبذل محاولة لمعرفة ما جرى عليه، ثم العودة إليه بمجرد أن تلوح له بارقة أمل عن حياته و نجاته. .
و أما غير المحب، فلا يرده عن هزيمته شيء، و لا يفكر بأحد.
و لعل هذا كان شأن المهاجرين و كان ذاك شأن الأنصار، و خصوصا الخزرج منهم، و لذلك نادى النبي «صلى اللّه عليه و آله» الأنصار، فكانوا هم الذين استجابوا، و عادوا إليه.
و قد ذكرت رواية الإرشاد المتقدمة: أنه لما انهزم المسلمون عن النبي «صلى
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 323 عن البيهقي، و أبي القاسم البغوي، و في هامشه عن المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 358 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 351 و تاريخ الخميس ج 2 ص 103 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 3 ص 111 و السيرة الحلبية ج 3 ص 109 و (ط دار المعرفة) ص 66 و فتوح الشام للواقدي ج 1 ص 206 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 257 و الخصائص الكبرى للسيوطي (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 449.
2) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 105 و راجع: الإكتفاء ج 3 ص 58 و سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 58.
اللّه عليه و آله» التفت إليهم ببعض وجهه، فأضاء لهم كأنه القمر ليلة البدر.
و نقول:
إن هذا النور المتدفق من وجه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بحيث يراه الناس، و المفروض: أن هذا الأمر يحصل في الليل. . لا بد أن يعطي الدلالة لأهل الإيمان على أن عليهم أن يكونوا أعمق إيمانا، و أشد يقينا مما هم عليه. .
و لا بد أن يدفعهم ذلك إلى إعادة النظر في فرارهم المزري هذا، و يؤكد لهم أن ذلك معناه: خسران الدنيا و الآخرة، إذ لا يمكن أن يوفقهم اللّه لحياة سعيدة في الدنيا، بعد أن تركوا نبيهم لتتناهبه سيوف أعدائه، و أعدائهم. .
بل المتوقع لهم هو: الخذلان الدائم، و العار، و الخزي المقيم. . و في الآخرة ينتظر هم عذاب أليم.
كما أن الحجة تتم على الأعداء، الذين أظهر اللّه لهم نور النبوة، في الليلة الظلماء، فلماذا، و علام يحاربون الأنبياء، و يسعون لقتلهم، و إسقاط دعوتهم؟ و ما هو المبرر لطاعة ساداتهم و كبرائهم في أمر خطير كهذا؟ !
و هل يمكن لأولئك السادات أن يحموهم من غضب اللّه تعالى، أو أن يكونوا بديلا لهم عن عونه و لطفه و رعايته؟ !
ثم إن ذلك يحدد مركز الرسول «صلى اللّه عليه و آله» للأعداء، فإذا منعهم اللّه من الوصول إليه رغم كثرتهم و قوتهم، فذلك معجزة أخرى لهم، تيسر لهم الإيمان، و تقودهم إلى التسليم و البخوع لنبوته «صلى اللّه عليه و آله» ، حين تتهيأ الظروف لإسلامهم، بعد أن تضع الحرب أوزارها، و لا يكون إسلامهم-و الحالة هذه-قهرا و جبرا، و بلا حجة و دليل. .
كما أن المنهزمين لا يمكن أن يعتذروا عن إمعانهم في هزيمتهم: بأنهم لم
يعرفوا مصير النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا معنى للمخاطرة بالعودة إلى ساحة القتال، لأن ذلك إلقاء للنفس إلى التهلكة بلا وجه ظاهر. .
ثم إنهم حين يترقبون سؤالا يحرجهم، و هو: لماذا كان الخزرج هم السبّاقون لإجابة نداء الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و العودة إلى ساحة القتال دون الأوس، و دون سائر المهاجرين؟ !
و لماذا خص النبي «صلى اللّه عليه و آله» الخزرج بندائه، و خصهم الأنصار أنفسهم بالدعوة أيضا؟ !
نعم. . إنهم يترقبون سؤالا من هذا القبيل يبادرون إلى الإجابة بطريقة ضمنية، و يوردون الكلام بعفوية طبيعية، و يرسلونه إرسال المسلمات، فيقولون: إن الخزرج صبّر عند اللقاء.
و نقول:
1-و لا ندري كيف، و لماذا كان الخزرج كذلك دون إخوانهم من الأوس، فضلا عن غيرهم من قبائل المنطقة؟ ! مع أنهم كانوا في الجاهلية يتصاولون مع الأوس تصاول الفحلين.
و لم يظهر لنا: أنهم قد عرفوا بهذه الخصوصية قبل حرب حنين. .
2-و لو كانت هذه صفتهم، فلماذا هربوا قبل لحظات و لم يصبروا كما صبر علي «عليه السلام» ، و نفر من بني هاشم؟ !
إن الحقيقة هي: أن الخزرج كانوا-بصورة عامة-أكثر إيمانا، و التزاما، و طاعة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من غيرهم، و قد عرف فيهم النبي
«صلى اللّه عليه و آله» ذلك فخصهم بالنداء. . و عمّ الأنصار. . فكانوا أسرع استجابة، فصاروا ينادون يا للأنصار، على أمل أن يلتحق بهم غيرهم من سائر القبائل، فلما لم يبادر أحد إلى ذلك صاروا يقولون: يا للخزرج-حسبما تظهره النصوص التي ذكرناها فيما سبق. .
و قد ذكرت رواية ابن مسعود المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، «لم يمض قدما» . أي أنهم يريدون القول: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد ثبت في موضعه، و لم يتقدم للقتال، مكتفيا بالدفاع عن نفسه، و حفظ موقعه بانتظار عودة المنهزمين لمهاجمة الكافرين، ليكون تحقيق النصر على المشركين على أيديهم. . مع ان ذلك غير صحيح.
و الظاهر: أن هذا من أخطاء النساخ.
و الصحيح هو: أن يقال: «لم يزل يمضي قدما» و علي «عليه السلام» يهد المشركين هدا بعد ان قتل صاحب لوائهم. و تحقق النصر.
و قد صرحت الروايات المتقدمة نفسها، بالقول: «فطفق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يركض بغلته قبل الكفار، و أنا آخذ بلجام بغلة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .» .
و في رواية: «أكفها أن لا تسرع، و هو لا يألو ما أسرع نحو المشركين» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 322 و الدر المنثور ج 4 ص 160 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 224 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 18 و مسند أحمد ج 1 ص 207 و راجع: المصنف للصنعاني ج 5 ص 379 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 194 و كنز العمال ج 10 ص 546 و تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 269 و جامع البيان (ط دار الفكر) ج 10 ص 131 و تهذيب الكمال ج 24 ص 134 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 277 و فضائل الصحابة ج 2 ص 924 و 927 و المنتظم ج 3 ص 334.
و قد تقدم في حديث الشيخ المفيد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما رأى الهزيمة ركض نحو عليّ بغلته، فرآه قد شهر سيفه الخ. . (1).
و لم تفصح الروايات: عن سبب ذلك منه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهو يعرف: أن عليا «عليه السلام» لا يمكن أن يفرّ من ساحة المعركة. . فلعله أراد ان يطمئن على سلامته من أي سوء، و أن يؤكد موقعه «عليه السلام» في ساحة الجهاد، لكي لا يحاول المغرضون نسبة الأباطيل إليه «عليه السلام» ، و خداع البسطاء من الناس بها.
و لعل هذه الرواية قد حرّفت و حذفت منها كلمة «نحو علي» و وضع مكانها «نحو المشركين» أو «قبل الكفار» كما ورد في روايات الآخرين، من الذين يحاولون مساواة علي «عليه السلام» بغيره.
و في بعض هذه الروايات: «. . كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يركض ناحية هوازن (الكفار) و يقول:
1) البحار ج 21 ص 150 و 151 و التفسير الصافي ج 2 ص 331 و 332 و التفسير الأصفى ج 1 ص 459 و 460 و تفسير الميزان ج 9 ص 234 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 199 و 200 و تفسير القمي ج 1 ص 287 و 288 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 104 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 111.
أنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب»(1).
مع ملاحظة: أن تعبيرهم أيضا ليس فيه شيء من الكذب، لأن عليا «عليه السلام» كان يغوص في أوساط المشركين، و يقتل منهم من حضرت منيته، و من بلغ إليه سيفه.
و يستفاد من النصوص المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين قال للعباس: ناد بالقوم، و ذكرهم العهد، إنما قصد بذلك خصوص المهاجرين.
و يدل على ذلك: ما ورد في حديث عثمان بن شيبة المتقدم، حيث قال «صلى اللّه عليه و آله» : «يا عباس، إصرخ بالمهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، و بالأنصار الذين آووا و نصروا» .
فإن الأنصار و المهاجرين معا قد بايعوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» تحت الشجرة، فما معنى تخصيص المهاجرين بهذا الوصف، و توصيف الأنصار بالذين آووا و نصروا؟ !
1) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و راجع: تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 580 و تفسير السعدي ج 1 ص 333 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 56 و تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان ص 333 و البداية و النهاية ج 6 ص 67 و التفسير الكبير ج 16 ص 18 و مناهل العرفان ج 2 ص 269 و شرح الزرقاني على الموطأ ج 3 ص 27 و راجع: تفسير الثعلبي ج 5 ص 23 و إمتاع الأسماع ج 7 ص 217 و روح المعاني ج 10 ص 74 و فتح الباري ج 8 ص 31 و عمدة القاري ج 14 ص 157.
ألا يؤكد هذا: على أن المقصود هو تسجيل إدانة للمهاجرين، من حيث إنهم لم يفوا بعهدهم، و من حيث أن وازعهم للعودة هو وفاؤهم بالعهود التي يعطونها، و هو ما يلتزم به حتى الإنسان الجاهلي.
و أما الأنصار، فإنهم و إن أسرعوا في الفرار في بادئ الأمر، إلا أن إيواءهم و نصرتهم تكفي حافزا لهم على سرعة العودة إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكي يحفظوه، و يطيعوه، و ليحفظوا جهدهم، و لا يبطلوا جهادهم، و ذلك هو ما يفرض عليهم الإلتزام و الطاعة.
و هذا يشير إلى اختلاف أساسي بين النظرتين، و بين الفريقين. .
و يدل على نوع الوعي، و درجة الإيمان، و حوافز الإلتزام لدى هؤلاء، و أولئك، و لا نريد أن نقول أكثر من ذلك.
و قد تقدم في حديث القمي: أن الأنصار حين عادوا إلى القتال، استحيوا من أن يرجعوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لحقوا بالراية في ساحة المعركة مباشرة.
و هذا يشير إلى: أن ثمة معاني إنسانية، و قيما أخلاقية تهيمن على الأنصار، و تؤثر في سلوكهم و حركتهم. . و على قاعدة: الحياء من الإيمان. يكون ذلك دليلا على بعض نفحات الإيمان فيهم أيضا.
و سأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» العباس بن عبد المطلب عن أولئك الناس الذين كانوا يرجعون إلى ساحات القتال، فيقول: من هؤلاء
يا أبا الفضل؟ !
فيقول: يا رسول اللّه، هؤلاء الأنصار.
فهل كان العباس «رحمه اللّه» أعرف بهم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و لماذا خفي أمرهم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ظهر لغيره؟ !
إن الجواب الأقرب إلى الإعتبار هنا هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد من العباس أن يعلن هوية الراجعين على الملأ، ليعرف الناس الفضل لأهل الفضل، و لكي يقطع الطريق على المترصدين من سارقي الفضائل، و منتحلي المواقف كذبا و زورا. حتى لا يحرموا الأنصار من حقهم، و فضلهم بالسطو على هذه الفضيلة ايضا في جملة ما يسطون عليه.
و هكذا يقال أيضا: حين رأى «صلى اللّه عليه و آله» أبا سفيان بن الحارث و هو مقنع بالحديد، فسأل عنه، فأجابه أبو سفيان: ابن عمك يا رسول اللّه. .
و قد يلاحظ القارئ الكريم: أن ثمة تناقضات فيما بين الروايات. .
فمن ذلك: اختلاف الروايات في الذي ناول النبي «صلى اللّه عليه و آله» الحصى، أو التراب، أو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» تناوله بنفسه. . و هل نزل عن البغلة من أجل ذلك؟ أم أنها هي التي انخفضت به؟ و قد تقدم ذلك. . و تقدم أن من الممكن دفع التناقض المتوهم.
و منه أيضا: أن عودة الأنصار هل كانت لسماعهم نداء العباس، أو لسماع نداء الرسول «صلى اللّه عليه و آله» نفسه؟ !
و يمكن حل هذا التناقض: بأن من الممكن أن يعود فريق لسماعه صوت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و يعود فريق آخر لسماعه صوت العباس.
و منه: الإختلاف في موقع العباس، و أبي سفيان بن الحارث من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد فرار المسلمين.
فهل كان أبو سفيان آخذا بركاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ أم بغرزه؟ أم بثفر السرج؟
و هل كان الآخذ بعنان البغلة هو العباس؟ أم أبو سفيان بن الحارث؟
و هل كان العباس أمامه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ أم كان آخذا بلجام البغلة؟ أم كان عن يمينه؟
و يمكن أن يدفع هذا التناقض: بأن الحالات قد اختلفت، فتارة كان هذا يأخذ بعنان البغلة، و أخرى ذاك. و تارة يكون أمامه، و أخرى يكون خلفه، و غير ذلك.
و منه: الإختلاف في نداء النبي «صلى اللّه عليه و آله» و العباس.
هل كان للأنصار فقط؟ أم كان للأنصار و المهاجرين معا؟ و قد تقدم ذلك.
و يمكن دفع التناقض: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» ناداهم جميعا أولا، ثم خص الأنصار بالنداء، حين رأى أن المهاجرين لا يلوون على شيء.
و منه: الإختلاف في عدد من ثبت مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. .
و منه: الإختلاف في أنهم بعد عودتهم من فرارهم إلى ساحة المعركة هل قاتلوا أم لا؟
و منه: الإختلاف في الذين نزلت عليهم السكينة. و قد أوضحنا ذلك فيما سبق، و ربما نعود إلى التوضيح.
و منه: اختلاف الروايات في أن هوازن خرجت من الشعاب على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فثبت لهم. أم خرجت على المسلمين، فانهزموا؟ كما سنرى.
إنه لا شك في أنه كانت لدى النبي «صلى اللّه عليه و آله» خيول معروفة بأسمائها و أعيانها، مثل الظرب، و لزاز.
و لكننا نقرأ في النصوص المتقدمة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يركب شيئا من الخيل في حنين، بل كان يركب البغلة الشهباء، أو تلك المسماة بدلدل.
و لعل ذكر الفرس في حديث عبد الرحمن الفهري، حيث قال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» اقتحم عن فرسه، فأخذ كفا من تراب، قد ورد سهوا من الراوي، و إذ قد ظهر ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو:
لماذا لم يركب «صلى اللّه عليه و آله» فرسا، فإنها أقدر على التحرك السريع في ساحات القتال؟ !
و يؤكد ضرورة اختيار الخيل هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان هو المستهدف الأول لكل تلك الجيوش و الكتائب، و ستكون همتها مصروفة للوصول إليه. . و سيكون ركوبه البغلة من دواعي الحرص على استهدافه بالهجمات، حيث يترجح لدى أعدائه احتمال تمكنهم من إلحاق الأذى به «صلى
اللّه عليه و آله» .
و نقول في الجواب:
لعل السبب في هذا الإختيار هو:
1-أن ذلك يدل على: أن ثمة شجاعة نادرة، و ثباتا لا مثيل له لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . «لأن ركوب الفحولة مظنة الإستعداد للفرار و التولي. و إذا كان رأس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار، و الأخذ بأسباب ذلك كان أدعى لاتباعه» (1).
2-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان قد وعد المسلمين النصر، و أن يجعل اللّه ما جاؤوا به من أموال، و أنعام و سواها، غنائم للمسلمين. فإذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» يركب بغلة، و ليس فرسا، و قد فر عنه جميع من كان معه و هم اثنا عشر ألفا، أو أكثر، أو أقل، و قد أصبح هو و ابن عمه علي «عليه السلام» ، و ربما بضعة أشخاص آخرين من بني هاشم وحيدين في بلاد الأعداء النائية، و إذا كان اعداؤه الذين يهاجمونه هم أهل البلاد، العارفون بمسالكها، و فجاجها، و مضايقها، و هم على درجة كبيرة من الكثرة، و وفرة العدد، و حسن العدة، حتى إن عددهم قد يصل إلى عشرين ألف سيف، أو أزيد من ذلك.
و إذا كان قد تفرق عنه جيشه في تلك البلاد و تاه في أرجائها، حتى لم يعد يمكن جمعه، و لا الإعتماد عليه في تحقيق أي شيء يؤثر على مصير الحرب. .
فإذا كان الأمر على هذا الحال. . فإن المتوقع هو أن يغير النبي «صلى اللّه
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 349 و فتح الباري ج 8 ص 26.
عليه و آله» من مسير حركته، و ان يدخل تغييرات أساسية على أوضاعه الأمنية، و القتالية، ليتمكن من تجاوز هذه المحنة بسلام.
و لكن هذا النبي «صلى اللّه عليه و آله» العظيم و الكريم لم يتخذ أي إجراء احتياطي حتى في هذه الحال الشديدة، فلم يبحث عن مركوب يستطيع بحركته السريعة أن يمكّن من يمتطيه، ليس من الخروج من ساحة القتال، و إنما من حفظ نفسه-و لو من خلال المراوغة السريعة-من هجمات أعدائه المتتابعة.
بل بقي في موقع التحدي و التصدي ليحقق النصر، الذي كان قد وعد الناس به، فكان له ما أراد، على يد أحب الخلق إلى اللّه تعالى، و إليه، و هو علي بن أبي طالب «عليه السلام» .
و ليكون ذلك دليلا آخر على صدقه، و على نبوته «صلى اللّه عليه و آله» ، و على أنه متصل بالغيب، و مؤيد باللّه، و مسدد بألطافه، و محاط بعناياته الظاهرة و الخفية.
3-و الذي زاد من وضوح هذه المعجزة الظاهرة، و سطوع هذه الكرامة الباهرة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يعلن للناس عن نفسه، و يصرح لهم باسمه الشريف، ليسمعه الأعداء منهم و الأصدقاء على حد سواء.
و مضمون هذا الإعلان هو: إخبارهم بأنه سينتصر، كما أخبرهم، مضيفا إلى ذلك أنه قد جعل نفس النبوة رهينة بهذا النصر. . و يكون هذا منه في الوقت الذي يرى كل أحد أنه لا يملك شيئا، يمكن أن يعطي أية فرصة مهما كانت ضئيلة لذرة من خيال لاحتمال نجاة له من عشرين ألف سيف يحيطون به، بعد أن فرّ عنه جميع أنصاره، و تركوه في بلاد عدوه وحيدا فريدا.
و قيل: إن جيش الكفار كان ضعفي المسلمين في العدد، و أكثر من ذلك. «و لذا جزم في النور: بأن هوازن كانوا أضعاف الذين كانوا معه «صلى اللّه عليه و آله» . .» (1).
و تقدم القول: بأن بعض جيش المشركين كان ثلاثين ألفا.
و ذكر الثعالبي: أنهم كانوا ثلاثين ألفا (2).
و الدليل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل نفس نبوته رهينة بهذا النصر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعرّف الناس بموقعه و بمكانه، و يتحدث عن نفسه لهم، بعنوان: أنه الذي يحمل صفة النبوة، التي «يستحيل معها الكذب. و يقول:
أنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب (3)
و كأنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: لأنني أنا النبي. و النبي لا يكذب،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 351.
2) راجع: تفسير الثعالبي ج 3 ص 172 و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 107 و السيرة الحلبية ج 3 ص 109 و (ط دار المعرفة) ص 66. و أعيان الشيعة ج 1 ص 282.
3) مصادر هذه الفقرات كثيرة، فراجع على سبيل المثال: إعلام الورى ص 122 و البحار ج 21 ص 167 و الإرشاد ج 1 ص 143 و أمالي الطوسي ص 574 و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 181 و سنن الترمذي ج 3 ص 117 و السنن الكبرى للبيهقي ج 7 ص 243 و تاريخ الخميس ج 2 ص 103 و مسند أحمد ج 4 ص 281 و 289 و صحيح البخاري ج 3 ص 218 و 220 و ج 4 ص 24 و صحيح مسلم ج 5 ص 168.
فلست بكاذب فيما أقول حتى أنهزم، و أنا متيقن من أن الذي وعدني به اللّه من النصر حق.
«و قيل معنى قوله: لا كذب. أي أنا النبي حقا لا كذب في ذلك» (1).
و نظير هذا الموقف رواه لنا محمد بن سنان عن الإمام الرضا «عليه السلام» ، فإنه قال له في أيام هارون: إنك قد شهرت نفسك بهذا الأمر، و جلست مجلس أبيك، و سيف هارون يقطر بالدم؟ ! .
قال: جرأني على هذا، ما قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن أخذ أبو جهل من رأسي شعرة، فاشهدوا أني لست بنبي.
و أنا أقول لكم: إن أخذ هارون من رأسي شعرة، فاشهدوا أني لست بإمام (2).
4-ثم إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نسب نفسه إلى عبد المطلب، لشهرة أمر عبد المطلب في البلاد و العباد، لما رزقه من نباهة الذكر، و طول العمر. .
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 349 و راجع: فتح الباري ج 8 ص 25 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 274 و راجع: فيض القدير ج 3 ص 49 و مجمع البحرين ج 4 ص 28 و التيسير بشرح الجامع الصغير ج 1 ص 374.
2) راجع: الكافي ج 8 ص 257 و 285 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 356 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 451 و البحار ج 49 ص 59 و 115 و الأنوار البهية ص 217 و مدينة المعاجز ج 7 ص 227 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 395 و مسند الإمام الرضا للعطاردي ج 1 ص 165 و راجع: حياة الإمام الرضا «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 41 و ج 2 ص 227 و عن أعيان الشيعة ج 4 ق 2 ص 97 و الحياة السياسية للإمام الرضا «عليه السلام» ص 324.
و لم يكن لعبد اللّه والد النبي «صلى اللّه عليه و آله» شهرته.
5-و الأهم من ذلك كله: أنه «صلى اللّه عليه و آله» -كما ذكر في الروايات المتقدمة-قد نزل عن بغلته حين غشيه الأعداء، و ذلك مبالغة منه في إظهار الإصرار على الثبات و الصبر مهما كانت النتيجة، فإن توهم أحد أن للبغلة أي أثر في حفظ نفسه الشريفة «صلى اللّه عليه و آله» ، أو التسريع في خروجه من دائرة الخطر، فإن نزوله عنها يبدد هذا الوهم، و يمحو أثره من الوجود. .
يضاف إلى ذلك: أن ذلك يتضمن مواساة منه «صلى اللّه عليه و آله» لمن ثبت و جاهد، و عرّض نفسه للخطر، أو لاحتمالاته، أو احتمالات الضرر، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يرغب بنفسه عن أنفسهم.
6-ثم إن هناك تصعيدا آخر في موقفه الحازم و الصارم هذا، و هو: أن الروايات قد ذكرت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد تجاوز موضوع اختيار البغلة كمركوب له في ساحات الخطر. .
ثم النزول عنها ليصبح راجلا.
ثم تعريف الناس بمكانه، و بصوته، و أنه ما زال على قيد الحياة.
نعم. . لقد تقدم خطوة أخرى باتجاه الخطر الهائل الذي يتحاشاه أعظم الناس بطولة و بسالة، و أشدهم إقداما، و شجاعة. . و هو أنه حين غشوه، و أصبح راجلا، صار يتقدم باتجاه أعدائه. .
و لا شك في أن هذا سيفاجئ الأعداء، و يصدمهم، و يثير أمامهم احتمالات تزلزلهم، و تشوش الموقف أمام أعينهم، و ستختلط عليهم الأمور، و تتناقض المشاعر، و سيفهمون ذلك على أنه كرامة، بل معجزة، لا يجوز لهم متابعة التحدي لها، لأن ذلك سيعرضهم لأخطار لم يحسبوا لها
حسابا، و لم تخطر لهم على بال، و لا مرت لهم في خيال. .
و تتبلور تلك الصدمة الكبرى برؤيتهم عليا «عليه السلام» ، و هو يحصدهم حصدا، بسيف يتوالى لمعانه لهم كأنه شعلة نار، يتجلى فيها غضب الجبار، و هي تجري فيهم حكم الواحد القهار.
7-كما أن المهزومين من المسلمين، سوف يصعقون لهذه المفاجأة، و ستتأكد لديهم المعجزة، و الرعاية الإلهية، و الحفظ الرباني لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تأييده بنصره، و سيثير ذلك مشاعر الندم لدى طائفة كبيرة منهم، و يعطيهم القوة و العزيمة، و يدعوهم إلى تدارك ما بدر منهم، و العودة إلى ساحة الحرب، و الشدة في الطعن و الضرب.
نعم. . إن ذلك لا بد أن يعطي الكثير منهم القوة في الإيمان، و النفاذ في البصيرة، و الصدق في العزيمة، و الحماس للتضحية، و الرغبة في مثوبة اللّه تبارك و تعالى.
و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال حين فرّ عنه الناس:
أنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب
و هذا الكلام له وزن الشعر، فهل يعتبر قائله شاعرا؟ !
و كيف نوفق بين ذلك، و بين القول: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن شاعرا؟ ! . .
و نجيب:
أولا: إن الكلام العادي، قد يأتي على وزن الشعر في بعض الأحيان،
و لكنه لا يعد شعرا إلا إذا قصد ذلك منه.
و الشاهد على ذلك: أنه قد ورد في القرآن بعض من ذلك، و لم يقل أحد: إن القرآن قد تضمن شعرا.
فقد قال تعالى: وَ قُرْآناً فَرَقْنٰاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى اَلنّٰاسِ عَلىٰ مُكْثٍ وَ نَزَّلْنٰاهُ تَنْزِيلاً (1).
و قال: وَ أَخْرَجَتِ اَلْأَرْضُ أَثْقٰالَهٰا (2).
و قال سبحانه: إِنّٰا أَعْطَيْنٰاكَ اَلْكَوْثَرَ (3).
و لكن ذلك لا يصحح القول: بأن القرآن قد تضمن بيتا من الشعر، أو شطر بيت، و لم يقل ذلك أحد من المشركين، و الذين اتهموا النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، بأنه شاعر لم يستطيعوا أن يتخذوا من هذه الآيات شاهدا على مزاعمهم، بل إن الناس كذبوهم في مزاعمهم هذه. .
و لم يستطيعوا أن يردوا قوله تعالى: وَ مٰا عَلَّمْنٰاهُ اَلشِّعْرَ وَ مٰا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّٰ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ (4).
و لا قوله عز و جل: وَ مٰا هُوَ بِقَوْلِ شٰاعِرٍ قَلِيلاً مٰا تُؤْمِنُونَ (5).
بادّعاء: أن الآيات التي ذكرناها آنفا تدل على خلاف ما دلت عليه هاتان الآيتان.
ثانيا: إن الآيات حين نفت عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يكون شاعرا، فإنما أرادت أن تقول أمرين:
الأول: أن الشعر مما لا يليق بالأنبياء «عليهم السلام» ، و قد نزه اللّه تعالى عنه نبيه الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، رفعا لدرجته، و تنزيها لساحته عن أن يكون ممن يزين المعاني الشعرية بالتخييلات الكاذبة، و الأوهام الباطلة.
الثاني: أن هذا القرآن لم يعتمد الطريقة الشعرية في بيان مقاصده. لكن ذلك لا يعني أن لا يصدر عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كلام يتوافق مع وزن بيت، أو شطر بيت من الشعر.
بيان ذلك: أن الشعر يقوم على أمرين:
أحدهما: اعتماد الأمور الخيالية، و الأوهام، و التزيينات اللفظية و البديعية، في عرضه للمعاني على القلوب و النفوس، و دفعها للقبول بها.
الثاني: التزام الوزن بما له من موسيقى مثيرة، و إيقاع مؤثر كأسلوب آخر من أساليب التسويق للمقاصد و المعاني، التي يراد إبعادها عن مجال التأمل و التحليل العقلي، فتلقى إلى القلوب و النفوس عبر المشاعر و الإنفعالات فتتلقفها، و تتفاعل معها من دون فكر و روية، و بلا تدبر في الأبعاد، و الأسباب، أو في الأهداف و النتائج.
أما إذا جاء الكلام موزونا، و لكن من دون أن يكون للإيقاع و الوزن أي تأثير في التسويق للمعنى، و من دون أن يعطل دور العقل في التأمل و التفكر، و التحليل، و التدبر، و من دون أن تمازج تلك المعاني خيالات أو أوهام. فإن هذا الكلام لا يكون مشمولا لما نزه اللّه نبيه عنه تجلية منه و تكريما له، و تنزيها عنه.
و هذا هو السبب في أن وجود فقرة أو فقرات يتوافق وزنها مع وزن بعض الشعر لم يجعل هذه الفقرات من الشعر، و لا يكون نقضا للقاعدة التي أطلقها القرآن حول الشعر و الشعراء، و حول القرآن، و الأنبياء. إدانة و رفضا، و حلا و نقضا.
و نقرأ في الروايات المتقدمة: كيف أن النبي كان يركض البغلة نحو الكفار، و كان العباس يكفها، بعد أن ولى المسلمون مدبرين.
و من الواضح: أن هذا الهجوم على الأعداء من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من شأنه أن يرعبهم، لا سيما و هم يرون أنه راكب على بغلة، تقصر به عن بلوغ مراده في ساحة الحرب، فاندفاعه الواثق و القوي هذا يجعل المشركين يحسبون ألف حساب لما يمكن أن يكون معتمده، و ما يريد أن يحققه. و لا بد أن يمنعهم ذلك من الإقدام و المغامرة، أو هو على الأقل يوجب قدرا من التردد لديهم في ذلك. .
أما العباس فهو يكف البغلة عن الإسراع باتجاه العدو، لأنه يرى أن من واجبه أن يحتاط للأمر، و يحفظ حياته و حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و هو لا يلام في ذلك، لأنه لا يقصد مخالفة الرسول، و لا يريد إبطال تدبيره. .
على أن هذا الاندفاع من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان لأجل أن يكون بالقرب من أخيه علي «عليه السلام» ، الذي كان قد غاص في أوساط الأعداء، حتى افتقده العباس، و ظن أنه تخلى عن موقعه، و عن دوره، فأطلق
كلمات تبرّم و شك، فدلوه على موقعه فيما بين تلك الكتائب المتكالبة على قتله، و قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من معهما من المؤمنين.
و قد ذكرت الروايات: أنه لما عاد الأنصار للقتال قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الآن حمي الوطيس (1).
و نقول:
إن الهزيمة للمشركين قد حصلت على يدي علي «عليه السلام» ، فإن كان «صلى اللّه عليه و آله» قد قال هذه الكلمة، فقد قالهل حين اشتد القتال بين المشركين و بين علي «عليه السلام» ، لا بين المسلمين بعد عودتهم و المشركين. إذ
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 328 عن ابن مردويه، و البيهقي، و ابن عساكر، و راجع: إعلام الورى ص 122 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 232 و البحار ج 21 ص 157 و 167 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 111 و السيرة الحلبية ج 3 ص 109 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 62 و 63 و مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج 1 ص 181 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 85 و شجرة طوبى ج 2 ص 309 و تفسير جوامع الجامع للشيخ الطبرسي ج 2 ص 56 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 35 و تفسير الميزان ج 9 ص 231 و زاد المسير لابن الجوزي ج 3 ص 282 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 151 و أعيان الشيعة ج 1 ص 280.
إنهم بعد عودتهم لم يرم أحد منهم بسهم، و لم يطعن برمح، كما سيتضح.
و قد ادّعت بعض الروايات المتقدمة: أن المسلمين الذين عادوا إلى ساحة المعركة قد قاتلوا. فراجع رواية أبي بشير المازني، و كذلك رواية عثمان بن شيبة، و رواية الشيخ المفيد «رحمه اللّه» ، و غير ذلك. . و قد أخذ المؤرخون هذه الرواية بحسن نية، و لم يدققوا في صحتها و سقمها. .
بل لقد قال دحلان: «لما انهزم المشركون تبع أثرهم المسلمون قتلا و أسرا حتى حدّث بعض من هوازن قال: ما خيل لنا إلا أن كل حجر و شجر فارس يطلبنا.
و أنزل اللّه من الملائكة خمسة آلاف، و قيل: ثمانية، و قيل: ستة عشر ألفا.
فقيل: إنهم قاتلوا، و قيل: لم يقاتلوا لإلقاء السكينة في قلوب المؤمنين بإلقاء الخواطر الحسنة» (1).
و نقول:
إن هذا الرجل قد وهم في فهم كلام بعض من هوازن، فإنه إنما أراد: أن الملائكة كانت تلاحقهم (2).
و لم يرد: أن الذين عادوا من هزيمتهم كانوا يلاحقونهم.
و لو سلمنا: أنه أراد ذلك، فلعله رأى جنود الملائكة، فظن أن المنهزمين قد عادوا من هزيمتهم.
و قد صرحت بعض الروايات الآتية حين الحديث عن «النصر الإلهي و الإمداد بالملائكة» : بأنهم كانوا يرون المسلمين بين الملائكة كمثل الشامة. و يرون أن الملائكة هم الذين قتلوهم.
غير أننا نقول:
إن ذلك مشكوك فيه، بل الذي قاتل هو خصوص علي «عليه السلام» ، و قد قتل أربعين رجلا بيده، حسب تصريحهم.
و هو ما روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» أيضا (1).
قال أنس: و كان «عليه السلام» يومئذ أشد الناس قتالا بين يديه (2).
1) الكافي ج 8 ص 376 و البحار ج 21 ص 176 و 178 و 179 و ج 41 ص 94 و 66 عنه، و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 295 و 296 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 355 و الأمالي لابن الشيخ ص 585 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 144 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 99 و راجع: كشف الغطاء (ط ق) ج 1 ص 15 و الكافي ج 8 ص 376 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 542 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 452 و التفسير الصافي ج 2 ص 332 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 201 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة ج 1 ص 257 و ج 9 ص 341.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 324 عن أبي يعلى، و الطبراني، و مجمع الزوائد ج 6 ص 180 و 182 و كنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج 10 ص 548(30225) ، و مسند أبي يعلى ج 6 ص 290 و المطالب العالية ج 17 ص 489 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 324 و ميزان الحكمة ج 3 ص 2251 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 363 و ج 32 ص 397 و المعجم الأوسط ج 3 ص 148 و معجم رجال الحديث لمحمد حياة الأنصاري ج 1 ص 177.
و أما من عداه: فيشك كثيرا في أن يكون أحد منهم قاتل، فلاحظ ما يلي:
1-روي عن أنس، و عكرمة قالا: لما انهزم المسلمون بحنين، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على بغلته الشهباء-و كان اسمها دلدل-فقال لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دلدل، البدي. فألزقت بطنها بالأرض، فأخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حفنة من تراب، فرمى بها في وجوههم، و قال: «حم، لا ينصرون» ، فانهزم القوم، و ما رمينا بسهم، و لا طعنا برمح (1). أو فما رموا بسهم، و لا طعنوا برمح، و لا ضربوا بسيف. فهزمهم اللّه.
2-و عن أنس أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بقي وحده، فنادى الأنصار عن يمينه تارة، و عن يساره أخرى بندائين لم يخلط بينهما، فلبوه بأنهم معه، «فهزم اللّه المشركين، و لم يضرب بسيف، و لم يطعن برمح» (2).
حيث إن الراجح هو: أن تقرأ كلمتا «يضرب» و «يطعن» في العبارة الأخيرة بصيغة المبني للمجهول، فتتوافق في مفادها مع الرواية السابقة. أو
1) مجمع الزوائد ج 6 ص 183 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 324 عن أبي نعيم، و الطبراني، و تاريخ الخميس ج 2 ص 104 عن الطبراني في الأوسط، و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 108 و 109 و 110 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 36 و الخصائص الكبرى للسيوطي (ط دار الكتب العلمية) ج 1 ص 449 و البحار ج 61 ص 191 و المعجم الأوسط ج 4 ص 202 و الدر المنثور ج 5 ص 345 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 350 و دلائل النبوة للإصبهاني ج 1 ص 228.
2) تقدمت مصادر هذا الحديث، حيث ذكرناها تحت عنوان: حديث أنس.
تكون قد حصل فيها تصحيف في لفظ الحروف نضرب و نطعن. صحفت فصارت: يضرب و يطعن. و ربما يكون ذلك قد حصل سهوا، و ربما عمدا، لحاجة في النفس قضيت.
3-قال ابن إسحاق: «و رجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من جهة المشركين بعد انهزامهم إلى العسكر، و أمر أن يقتل كل من قدر عليه، و ثاب من انهزم من المسلمين» (1). فإنه ظاهر في أن عودة من انهزم قد كانت بعد انقضاء الأمر.
4-قولهم: فو اللّه، ما رجعت راجعة للمسلمين حين هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتوفين (مكتفين) عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2). فإنه صريح في أن هزيمة المشركين وقعت، و أسر من أسر منهم قبل
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 332 عن ابن إسحاق، و السيرة الحلبية ج 3 ص 112 و تفسير السمرقندي ج 2 ص 49 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 13.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 323 عن أبي القاسم البغوي، و البيهقي، و في هامشه عن: تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 6 ص 351 و عن الطبراني في المعجم الكبير ج 7 ص 358 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 111 و السيرة الحلبية ج 3 ص 111 و (ط دار المعرفة) ص 70 و راجع ص 108 و 109 و تاريخ الخميس ج 2 ص 103 و مجمع الزوائد ج 6 ص 180 و البداية و النهاية ج 4 ص 373 و 377 و عيون الأثر ج 2 ص 216 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 619 و 625 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 349 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 896 و راجع: شرح إحقاق الحق ج 32 ص 397 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 129.
رجعة راجعة المنهزمين.
و هذا معناه: أن المنهزمين لم يشاركوا في القتال بعد عودتهم. .
5-إن أحاديث: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حثا التراب في وجوه المشركين، فهزمهم اللّه تعالى، تدل على: أن المشركين انهزموا من دون أن يباشر المسلمون العائدون من الهزيمة أي قتال معهم. .
و الأحاديث هي التالية:
1-حديث ابن مسعود عن أنه مع ثمانين من المهاجرين و الأنصار لم يولوا الدبر، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال له: ناولني كفا من تراب، فناوله فضرب وجوههم، فامتلأت أعينهم ترابا، ثم قال: أين المهاجرون و الأنصار؟ !
قلت: هم أولئك.
قال: إهتف بهم.
فهتف بهم، فجاؤوا و سيوفهم بأيمانهم كأنها الشهب، و ولى المشركون أدبارهم (1).
2-عن كرز بن يزيد الفهري قال: «فولى المسلمون مدبرين كما قال اللّه تعالى، فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «يا عباد اللّه. أنا عبد اللّه و رسوله، يا أيها الناس، إني أنا عبد اللّه و رسوله» .
1) تقدمت مصادر هذا الحديث.
فاقتحم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن فرسه، و حدثني من كان أقرب إليه مني: أنه أخذ حفنة من تراب، فحثاها في وجوه القوم، و قال: «شاهت الوجوه» .
قال يعلى بن عطاء: و أخبرنا أبناؤهم عن آبائهم، أنهم قالوا: «ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه و فمه من التراب، و سمعنا صلصلة من السماء كمر الحديد على الطست، فهزمهم اللّه تعالى» (1).
3-عن أنس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أخذ يوم حنين كفا من حصى أبيض، فرمى به و قال: «هزموا و رب الكعبة» .
و كان علي «عليه السلام» يومئذ أشد الناس قتالا بين يديه (2).
4-عن شيبة بن عثمان: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال يوم حنين: يا عباس، ناولني من الحصباء.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 323 و 324 و قال في هامشه: أخرجه أبو داود (5233) و أحمد ج 1 ص 255 و 84 و ج 3 ص 438 و ج 5 ص 286 و 372 و 381 و انظر الدر المنثور ج 5 ص 205 و (ط دار المعرفة) ج 3 ص 224. و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و تاريخ الخميس ج 2 ص 104 عن أحمد، و أبي داود، و الدارمي، و مسند أبي داود الطيالسي ص 196 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 582 و البداية و النهاية ج 4 ص 379 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 69 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 629 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 141 و الخصائص الكبرى للسيوطي ج 1 ص 445.
2) تقدمت مصادر هذا الحديث.
قال: و أفقه اللّه تعالى البغلة كلامه، فانخفضت به حتى كاد بطنها يمس الأرض، فتناول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من البطحاء، فحثا في وجوههم، و قال: «شاهت الوجوه، حم لا ينصرون» (1).
5-و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» طلب كف التراب من أبي سفيان بن الحارث (2).
6-و في نص ثالث: أنه «صلى اللّه عليه و آله» طلبه من العباس و أبي سفيان (3).
7-و في نص رابع: أنه «صلى اللّه عليه و آله» طلب كف التراب من ابن مسعود (4).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 324 عن البغوي، و البيهقي، و أبي نعيم، و ابن عساكر، و قال في هامشه: أخرجه ابن عساكر كما في التهذيب ج 6 ص 351، و الطبراني في الكبير ج 7 ص 359 و (ط دار إحياء التراث العربي) ص 299، و المجمع ج 6 ص 184، و أبو نعيم في الدلائل ج 1 ص 61، و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 141. و راجع: و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و تاريخ الخميس ج 2 ص 104 و البحار ج 61 ص 192 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 36.
2) البحار ج 21 ص 150 و 151 و تفسير القمي ج 1 ص 287 و 288 و التفسير الصافي ج 2 ص 332 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 200 و تفسير الميزان ج 9 ص 234.
3) راجع: الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 263 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 257 و الخصائص الكبرى للسيوطي ج 1 ص 449 و الناسخ و المنسوخ ج 1 ص 136 و 193.
4) المستدرك للحاكم ج 2 ص 117 و مجمع الزوائد ج 6 ص 180 و فتح الباري ج 8 ص 25 و المعجم الكبير ج 10 ص 169 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 358 و الدر المنثور ج 3 ص 224 و فتح القدير ج 2 ص 348 و 349 و تاريخ مدينة دمشق ج 33 ص 79 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 582 و البداية و النهاية ج 4 ص 380 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 69 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 629 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 325 و 350 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 68.
8-عن يزيد بن عامر السوائي، و كان شهد حنينا مع المشركين، ثم أسلم، قال: أخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم حنين قبضة من الأرض، ثم أقبل على المشركين، فرمى بها في وجوههم و قال: «ارجعوا، شاهت الوجوه» .
قال: فما من أحد يلقى أخاه إلا و هو يشكو القذى في عينيه، و يمسح عينيه (1).
9-عن عياض بن الحارث، و عن عمرو بن سفيان قالا: قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم حنين قبضة من الحصباء، فرمى بها وجوهنا،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 324 عن عبد بن حميد، و تاريخ البخاري، و البيهقي، و ابن الجوزي و أشار في هامشه إلى: البخاري في التاريخ ج 8 ص 316 و الطبري في التفسير ج 10 ص 73 و ابن حجر في المطالب (4372) و المجمع ج 6 ص 182 و السيوطي في الدر المنثور ج 3 ص 226. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 104 و المعجم الكبير للطبراني ج 22 ص 237 و أسد الغابة ج 5 ص 115 و البداية و النهاية ج 4 ص 380 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 631 و الآحاد و المثاني ج 3 ص 136 و معجم الصحابة ج 3 ص 225 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 446 و المطالب العالية ج 17 ص 487 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 68.
فانهزمنا (1).
زاد عمرو بن سفيان قوله: فما خيّل إلينا أن كل حجر و شجر فارس يطلبنا (2).
10-و في حديث سلمة بن الأكوع قال: لما غشوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نزل عن بغلته، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض، ثم إنه استقبل به وجوههم، و قال: «شاهت الوجوه» .
فما خلى (خلق) اللّه تعالى منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة. فولوا مدبرين.
و قسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» غنائمهم بين المسلمين (3).
1) راجع: تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 582 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 70 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 630 و البداية و النهاية ج 4 ص 380 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 121 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 142 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 446 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 326.
2) راجع: الدر المنثور ج 3 ص 226 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 403 و البداية و النهاية ج 4 ص 380 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 70 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 631 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 326 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 68 و المعرفة و التاريخ ج 1 ص 152 و 287.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 326 عن البخاري، و مسلم، و البهقي، و في هامشه عن: مسلم ج 3 ص 1402(81) ، و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 140 و 141، و انظر الدر المنثور ج 3 ص 226. و راجع: إعلام الورى ص 122 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 232 و البحار ج 21 ص 167 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 2 ص 19 و صحيح مسلم ج 5 ص 169 و فتح الباري ج 8 ص 25 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 628 و الجمع بين الصحيحين ج 1 ص 581 و مسند الروياني ج 2 ص 253 و مشكاة المصابيح ج 3 ص 1650 و فتح الباري ج 8 ص 32 و مرقاة الجنان ج 11 ص 29 و البيان و التعريف لإبراهيم بن محمد الحسيني ج 2 ص 76 و الأموال لابن سلام ج 1 ص 183 و إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع للشوكاني ج 1 ص 63 و الجواب الصحيح لابن تيمية ج 6 ص 257 و المنتقى من منهاج الإعتدال للذهبي ج 1 ص 520 و منهاج السنة ج 8 ص 130 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 140 و صحيح ابن حبان ج 14 ص 451 و دلائل النبوة للإصبهاني ج 3 ص 1130 و تفسير البغوي ج 2 ص 279 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 581 و البداية و النهاية ج 4 ص 379 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 68.
و نقول:
إن هذه الحادثة تحتاج-قبل أن نواصل الحديث-إلى بعض التوضيح، و البيان، فلاحظ ما يلي:
تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد دعا على المشركين بقوله: «شاهت الوجوه» ، و ذلك حين رمى التراب، أو الحصى في وجوههم.
و قد يسأل سائل عن المراد بهذا الدعاء، فنقول في الجواب:
قد يقال في معنى هذا الدعاء العديد من الوجوه، إذ:
1-لعل المقصود هو: الإلماح إلى أن اللّه تعالى قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، سواء بالنسبة لتكوينه الظاهري المتمثل في صورته البشرية، أو في تكوينه الباطني، المتمثل بما أعطاه اللّه إياه من فطرة سليمة، و عقل
قويم، و من عواطف و مشاعر نبيلة، و من سمات و صفات و ميزات إنسانية، لو حافظ عليها لسار في خط التكامل، و الإرتقاء، حتى يصبح أفضل من الملائكة الأصفياء.
و لكن هذا الإنسان بسوء اختياره، و بعمله الفاسد، و رأيه الكاسد، يشوّه صورته الباطنية، من خلال العدوان على تلك الصفات و الميزات الإنسانية و تشويهها، و تبقى صورته الظاهرية، التي يتعامل بها مع الآخرين على حالها، فيظن الناس فيه الخير و الصلاح، و النجاح و الفلاح، مع أن الأمر ليس كذلك، بل هو يضم جناحيه على طبيعة هي للحيوان أقرب منها للإنسان، فهو يحمل طبع الذئب أو الخنزير، أو السبع، أو غير ذلك، و لكن صورته صورة إنسان. .
و لأجل ذلك، فإن دعاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» على المشركين بتشويه الوجوه، هو الطلب إلى اللّه تعالى أن يفضح أمرهم، و يظهرهم على حقيقتهم.
2-و قد يفهم هذا الدعاء: على معنى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» يطلب من اللّه تعالى: أن يحول هذه الوجوه، التي يظهر عليها الإستبشار و الإبتهاج بانتصار الباطل على الحق-يحولها-إلى وجوه كالحة، يشوهها الغيظ و الخزي، و الذل و الشنار بنصر الحق الإلهي على باطلهم الشيطاني. .
3-و قد يكون المقصود هو: تشويه وجوههم بعذاب النار في الآخرة على قاعدة: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ اَلنّٰارُ وَ هُمْ فِيهٰا كٰالِحُونَ (1).
1) الآية 104 من سورة المؤمنون.
و قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ (1).
4-و قد يكون المقصود أيضا هو: مجموع ذلك. أو سواه من المعاني التي تناسب هذا المقام. .
و قد اختلفت الروايات المتقدمة: حول كيفية أخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» كفا من حصى (أو من تراب) .
هل نزل عن بغلته، و أخذها بنفسه؟
أم أن البغلة نفسها انخفضت به حتى أخذ ما أراد؟
أم أن ابن مسعود ناوله إياها؟
أم ناوله إياها أبو سفيان بنفسه؟
أم ناوله إياها هو و العباس؟
و في بعضها: أن عليا «عليه السلام» هو الذي فعل ذلك (2).
و حاول الصالحي الشامي الجمع بين هذه الروايات، فقال:
«و الجمع بين ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، قال لصاحبه: ناولني، فناوله، فرماهم.
ثم نزل عن البغلة، فأخذ بيده، فرماهم أيضا.
فيحتمل أن الحصى في إحدى المرتين، و في الأخرى التراب. و أن كلا
ممن ذكر ناوله» (1).
و نقول:
يمكننا تصور وجه آخر للجمع، و هو أن المشركين كانوا يعدون بعشرات الألوف، فقيل: عشرون ألفا.
و قيل: أربعة و عشرون.
و قيل: ثلاثون.
و قيل: أضعاف عدد المسلمين.
فلعلهم انقسموا في هجومهم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين إلى عدة طوائف، بسبب ضيق الوادي الذي تجري فيه الحرب. فكان «صلى اللّه عليه و آله» يأخذ الحصى، أو التراب، و يرميه في وجه كل طائفة، و لعله أخذه مرة من العباس، و أخرى من ابن مسعود، و ثالثة من علي «عليه السلام» ، و رابعة بانخفاض البغلة حتى تلزق بطنها بالأرض، أو بنزوله «صلى اللّه عليه و آله» عنها. و ربما كان يرميهم تارة بالتراب، و أخرى بالحصى. .
و إنما قلنا هذا: لأننا لا نرى مبررا لتكرار رمي التراب في وجوههم، فإن اللّه سبحانه لا بد أن يلقي في قلوب المهاجمين الرعب، من أول مرة يرميهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» فيها كما هو ظاهر.
و قالوا أيضا: في رميه «صلى اللّه عليه و آله» الكفار، و قوله: «انهزموا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 350.
و رب الكعبة الخ. .» معجزتان ظاهرتان لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» :
إحداهما: فعلية.
و الأخرى: خبرية.
فإنه «صلى اللّه عليه و آله» أخبر بهزيمتهم، ثم رماهم بالحصى، فأثر ذلك فيهم، فولوا مدبرين فعلا.
و في رواية: استقبل وجوههم، فقال: «شاهت الوجوه» .
و هنا أيضا معجزتان: فعلية و خبرية (1).
فقد أخبر «صلى اللّه عليه و آله» : عن أن هذا الأمر سيصيب وجوههم، ثم كان لفعله تأثير في حصول ذلك لهم. .
قال الطبرسي: . . ثُمَّ أَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا. . (2). حين رجعوا إليهم و قاتلوهم.
و قيل: على المؤمنين الذين ثبتوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : علي، و العباس، في نفر من بني هاشم. عن الضحاك.
و روى الحسن بن علي بن فضال، عن أبي الحسن الرضا «عليه السلام» أنه قال: السكينة ريح من الجنة، تخرج طيبة، لها صورة كصورة وجه
الإنسان، فتكون مع الأنبياء (1).
و روي مثله عن العباس بن هلال (2).
و روي في قول اللّه عز و جل: وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا قال: هم الملائكة. وَ عَذَّبَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا . قال: قتلهم بالسيف.
و روي أيضا عن سعيد بن جبير، قال: «في يوم حنين أمدّ اللّه تعالى رسوله «صلى اللّه عليه و آله» بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، و يومئذ سمى اللّه تعالى الأنصار مؤمنين، قال: ثُمَّ أَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ » (3).
و عن ابن مسعود، قال: كنت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم
1) الكافي ج 4 ص 206 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 13 ص 212 و (ط دار الإسلامية) ج 9 ص 328 و مجمع البيان ج 5 ص 17 و 18 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص 32 و جامع أحاديث الشيعة ج 10 ص 442 و راجع: البحار ج 13 ص 450 و 451 و ج 21 ص 147 و راجع: شجرة طوبى ج 2 ص 309 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 89 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 337 و تفسير العياشي ج 2 ص 84 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 126 و ج 2 ص 201 و منتقى الجمان ج 3 ص 22.
2) البحار ج 13 ص 450 و 451 و مسند الإمام الرضا «عليه السلام» ج 1 ص 337 و تفسير العياشي ج 1 ص 133.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 327 عن ابن أبي حاتم، و الدر المنثور ج 3 ص 223 و (ط دار المعرفة) ص 225 و تفسير ابن أبي حاتم ج 3 ص 752 و ج 6 ص 1774 و فتح القدير ج 2 ص 349 و تفسير الثعالبي ج 5 ص 23 و تفسير البغوي ج 2 ص 279.
حنين، فولى الناس عنه، و بقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين و الأنصار، فنكصنا على أعقابنا نحوا من ثمانين قدما. (و في نص آخر: فقمنا على أقدامنا) و لم نولهم الدبر، و هم الذين أنزل اللّه تعالى عليهم السكينة، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على بغلته لم يمض قدما الخ. . و قد تقدم (1).
و نقول:
إن لنا مع ما تقدم بعض الوقفات، للتوضيح، أو للتصحيح، فلاحظ ما يلي:
إن ما رواه الحسن بن فضال، عن أبي الحسن الرضا «عليه السلام» في معنى السكينة ليس بالأمر المستهجن، الذي يمكن المبادرة إلى رده بيسر
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 325 و 329 و 350 عن أحمد، و الحاكم، و الطبراني، و البيهقي، و أبي نعيم، برجال ثقات. و في هامشه عن: أحمد ج 1 ص 453 و الطبراني في المعجم الكبير ج 10 ص 209 عن مجمع الزوائد ج 6 ص 84 و 183 و الحاكم ج 2 ص 117. و راجع: فتح الباري ج 8 ص 25 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 358 و الدر المنثور ج 3 ص 224 و فتح القدير ج 2 ص 348 و 349 و تاريخ مدينة دمشق ج 33 ص 79 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 582 و البداية و النهاية ج 4 ص 380 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 69 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 629 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 68.
و سهولة، و إن كان قد تضمن بعض التعابير، التي قد لا تروق لبعض الناس.
و ذلك لأن السكينة كما قلنا: هي حالة من الرضا يلقيها اللّه على من يستحقها، و استعد و تهيأ لها من عباده، ليزدادوا بها إيمانا، و تزيد بها طهارة قلوبهم، و صفاء نفوسهم. .
و لكن ذلك لا يمنع من أن تكون لهذه السكينة تجليات خاصة بالنسبة للأنبياء، تتناسب مع حالاتم صلوات اللّه و سلامه عليهم. و إن لم نستطع نحن أن ندرك حقيقة ذلك بدقة، إذ يكفينا أن نعلم: بأن ثمة أمرا خاصا يمتازون به عن سائر الناس.
أما قول سعيد بن جبير: أنه تعالى سمى الأنصار مؤمنين «يوم حنين» فهو محض اجتهاد منه، و يرد عليه:
أولا: إن الآيات القرآنية و صفت الذين كانوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنهم مؤمنون مثل قوله تعالى في أهل بيعة الشجرة: لَقَدْ رَضِيَ اَللّٰهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (1).
و منها قوله تعالى عن فتح مكة: إِذْ جَعَلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ اَلْجٰاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَلْزَمَهُمْ
1) الآية 18 من سورة الفتح.
كَلِمَةَ اَلتَّقْوىٰ وَ كٰانُوا أَحَقَّ بِهٰا وَ أَهْلَهٰا وَ كٰانَ اَللّٰهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (1).
و قال عز و جل: هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدٰادُوا إِيمٰاناً مَعَ إِيمٰانِهِمْ وَ لِلّٰهِ جُنُودُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ كٰانَ اَللّٰهُ عَلِيماً حَكِيماً (2).
و لا شك في أن الأنصار كانوا من بين المؤمنين الذين ذكروا في هذه الآيات، الواردة في سورة الفتح، التي نزلت قبل حنين.
ثانيا: قد ذكرنا و سنذكر: أن النصر إنما كان على يد علي أمير المؤمنين فقط. فالسكينة إنما نزلت على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و على علي «عليه السلام» فقط. . و لا أقل من أن يكون هذا الذي ذكرنا راجحا.
ثالثا: هل نستطيع أن نفهم من الكلام المنسوب لسعيد بن جبير: أن المقصود هو توهين أمر الأنصار، و إثارة الريب في إيمانهم، و تكريس الآيات التي تتحدث عن وجود مؤمنين مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنها تقصد خصوص المهاجرين، رغم فرارهم في هذا الموطن و سائر المواطن؟ !
رابعا: تقدم أن الضحاك يقول: إن السكينة إنما نزلت على خصوص الذين ثبتوا مع رسول اللّه، و هم علي «عليه السلام» و العباس، في نفر من بني هاشم. .
و هذا معناه: أن المقصود بالمؤمنين هم خصوص هؤلاء، و هم من المهاجرين لا من الأنصار، فما معنى قول ابن جبير: إن السكينة نزلت على الأنصار؟ !
و أما رواية ابن مسعود المتقدمة، فنقول فيها:
أولا: إن المهاجرين فروا مع الفارين. . فلا معنى لحشر اسمهم في جملة من ثبت، إلا إن كان المقصود بهم خصوص علي «عليه السلام» و العباس، و نفر من بني هاشم. .
و لكن يبقى سؤال: لماذا هذه التعميمات الموهمة، و التعميمات المضللة؟ !
ثانيا: ما زعمه من أن الثمانين لم يولوا الدبر غير صحيح، بل الجميع قد ولى الدبر باستثناء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و علي «عليه السلام» . . و بعض بني هاشم الذين احتوشوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لكي يحموه من سيوف الأعداء. .
و سنوضح هذه الحقيقة بصورة أتم في مقام آخر.
قال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضٰاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا وَ عَذَّبَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذٰلِكَ جَزٰاءُ اَلْكٰافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اَللّٰهُ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1).
و قد زعموا: أن سبب نزول السكينة على المسلمين ليس هو جبنهم،
1) الآيات 25-27 من سورة التوبة.
فإن فرار المسلمين لم يكن عن جبن، و إنما كان بسبب مفاجأة هوازن و ثقيف لهم، حيث شدوا عليهم شدة رجل واحد، و رموهم بالسهام حتى ما تكاد تخطئ لهم رمية، فاحتاجوا إلى السكينة، فأنزلها اللّه تعالى عليهم. .
و احتاجها أيضا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لأجل ما دخله من الحزن و الإضطراب و الأسف مما جرى على المسلمين. .
و الدليل على أن جبنهم ليس هو السبب: أنهم رجعوا إلى ساحة القتال، بمجرد سماعهم لنداء العباس.
و نقول:
إن ذلك لا يمكن قبوله. . و ذلك لما يلي:
أولا: إن ظاهر الآيات من سورة التوبة هو: أنهم قد فروا جبنا و خوفا، لأنهم اعتقدوا: أن كثرتهم تغني عنهم في ساحة القتال، و لم يفكروا: بأن عليهم أن يرجعوا إلى اللّه، و يعتمدوا عليه. . و لم يتذكروا ربهم الذي نصرهم في ثمانين موطنا.
ثانيا: إن الآيات المشار إليها إنما هي بصدد لومهم و تأنيبهم على فرارهم، و تولية أدبارهم، الأمر الذي يوجب لفاعله: أن يبوء بغضب من اللّه-كما دلت عليه الأية الشريفة: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّٰ مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ (1).
فتولية الأدبار المحرمة في الحرب توجب الغضب الإلهي، سواء أكان بسبب الإضطراب الناشئ من المفاجأة، أو بسبب الجبن. .
1) الآية 16 من سورة الأنفال.
ثالثا: إن أسف النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و حزنه على ما صدر من أصحابه، حيث لم يعتصموا باللّه، أمر محمود، و محبوب للّه تعالى، و لا شأن للسكينة به، و لا يمكن أن يكون مبغوضا، و مع غض النظر عن ذلك، فإنه «صلى اللّه عليه و آله» معصوم، و لا يصدر منه ما يكون مبغوضا.
رابعا: إن المسلمين الذين انهزموا كان فيهم منافقون، و مشركون، و لا يعقل أن تنزل السكينة على هؤلاء. . لأن السكينة ليست هي مجرد السكون و الثبات و الطمأنينة، و رباطة الجأش، لأن السكينة بهذا المعنى كانت حاصلة للكافرين حين هاجموا المسلمين في المرة الأولى، بل هي معطاة لكل شجاع باسل. .
و إنما السكينة حالة يعطيها اللّه سبحانه لأوليائه المؤمنين كرامة منه تعالى لهم.
و هذا ما يفسر لنا السبب في أنه سبحانه يمتن بهذه السكينة على خصوص عباده المؤمنين، و يتفضل بها عليهم، و على رسوله الكريم و العظيم «صلى اللّه عليه و آله» .
و هذه السكينة تحتاج إلى أن يكون من تنزل عليه أهلا لتلقيها، متصفا بالتقوى، و طهارة القلب، و صدق الإيمان، و ما إلى ذلك. . و هي من موجبات زيادة الإيمان كما صرحت به الآية (4) من سورة الفتح. .
و الذين ثبتوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هم المستحقون لهذه الكرامة الإلهية، و أما من ارتكب جريمة الفرار من الزحف، و باء بغضب من اللّه، فلا يصح إشراكه مع أولئك المؤمنين المجاهدين في هذه الكرامة.
خامسا: و أخيرا. . إن نفس قوله تعالى:
لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً. . يدل على: أنهم غير معذورين في هزيمتهم، لأنها تقول: إن اللّه قد نصرهم، حينما كانوا معتمدين عليه، و ملتجئين إليه، فلما اعتمدوا على كثرتهم أصيبوا بهذا البلاء العظيم، و هو أن الأرض قد ضاقت عليهم رغم سعتها، ثم ولوا مدبرين.
و يلاحظ: أنه تعالى وصف المواطن التي نصرهم فيها بالكثيرة، ليظهر كفرانهم لهذه النعمة، و أن ذلك كان عملا ظاهر السوء منهم.
و قد روي: أن المتوكل اشتكى شكاة شديدة، فنذر للّه إن شفاه اللّه أن يتصدق بمال كثير، فعوفي من علته، فسأل أصحابه عن ذلك. إلى أن قال: فقال ابن يحيى المنجم: لو كتبت إلى ابن عمك يعني: أبا الحسن «عليه السلام» ، فأمر أن يكتب له فيسأله، فكتب أبو الحسن «عليه السلام» : تصدق بثمانين درهما.
فقالوا: هذا غلط، سله من أين قال هذا؟
فكتب: قال اللّه لرسوله: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللّٰهُ فِي مَوٰاطِنَ كَثِيرَةٍ ، و المواطن التي نصر اللّه رسوله «صلى اللّه عليه و آله» فيها ثمانون موطنا، فثمانون درهما من حله مال كثير (1).
1) الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 23 ص 300 و راجع ص 298 و (ط دار الإسلامية) ج 16 ص 187 و راجع ص 185 و البحار ج 101 ص 227 و راجع: ص 216 و ج 50 ص 163 و كشف اللثام (ط ق) ج 2 ص 239 و جواهر الكلام ج 35 ص 416 و راجع ص 415 و جامع المدارك ج 5 ص 79 و تفسير العياشي ج 2 ص 84 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 196 و 197 و راجع: الكافي ج 7 ص 463 و مختلف الشيعة ج 8 ص 187 و الحدائق الناضرة ج 22 ص 465 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 309 و مناقب آل أبي طالب ج 3 و ص 506 و غوالي اللآلي ج 2 ص 314 و مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 66 و تفسير الميزان ج 9 ص 229.
فليتأمل الرجل الأريب في هذه الحادثة، فهي في نفس الوقت الذي تبدو فيه شديدة القرب إلى حد البداهة، فإنها تبقى بعيدة المنال عن أفهام الرجال، إلا الكمّل منهم، الذين زقوا العلم زقا. فكانوا حفظته حقا و صدقا.
و يبقى هنا سؤال، و هو: أن الهزيمة هل كانت بسبب إلقاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» الحصى في وجوه المشركين، كما هو صريح عدد من تلك الروايات، أو كان سببها قتل علي «عليه السلام» أبا جرول، كما هو صريح الرواية التي ذكرت ذلك أيضا؟ ! و كيف نحل هذا التناقض القائم بين الروايات؟ !
و يمكن حله بأن يقال: إنه لا إشكال في أن قتل أبي جرول، و جهاد علي «عليه السلام» كان هو السبب في هزيمة المشركين بصورة فعلية. .
و لكن رمي التراب في وجوه اهل الشرك، و وصول التراب إلى أعينهم جميعا يمثل معجزة كبرى لهم، و حجة بالغة عليهم، إذ إن وصول التراب أو الحصى لجميعهم و هم عشرات الألوف، برمي كف واحد منه-أو أكف بناء على تعدد الرمية كما تقدم في وجوه الجمع من أخبار الرمي-يدل بصورة قاطعة على أن هذا الأمر قد تم بتدخل و تصرف إلهي، و لا بد أن يكون ذلك
من موجبات رعبهم، و خور عزائمهم، لأنه يجعل النتائج أمامهم غير مضمونة، و يشككهم في قدرتهم على تحقيق أي نصر، و يجعل قدرات خصمهم الذي يواجهونه غير واضحة المعالم، و لا بينة الأحجام.
و قد رمى النبي «صلى اللّه عليه و آله» التراب قبل ذلك على رؤوس الذين اجتمعوا حول بابه لاغتياله في ليلة الغار، و قد أحس به جميعهم، و كان ذلك آية لهم، و حجة عليهم، و لكنه لم يمنعهم من مواصلة ما كانوا قد عقدوا العزم عليه استكبارا منهم، و عتوا.
كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد رمى كفا من تراب في وجوه المشركين في بدر، تماما كما فعل في حنين، و كان ذلك آية أيضا للمشركين، و حجة عليهم، و لكنهم استمروا على العناد و اللجاج، و دخلوا تلك الحرب، و قتلوا عددا من المسلمين، و قتل منهم أضعاف ذلك، و كانت الهزيمة عليهم بجهاد علي «عليه السلام» ، و فتكات سيفه ذي الفقار. فما يجري في حنين لا يختلف عما جرى في بدر.
عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: حدثني عدة من قومي شهدوا ذلك اليوم يقولون: «لقد رمى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تلك الرمية من الحصى، فما منا أحد إلا يشكو القذى في عينيه. و لقد كنا نجد في صدورنا خفقانا كوقع الحصى في الطاس، ما يهدأ ذلك الخفقان.
و لقد رأينا يومئذ رجالا بيضا، على خيل بلق، عليهم عمائم حمر، قد أرخوها بين أكتافهم، بين السماء و الأرض، كتائب، كتائب ما يليقون شيئا،
و لا نستطيع أن نتأملهم من الرعب منهم (1).
و عن جبير بن مطعم قال: رأيت قبل هزيمة القوم-و الناس يقتتلون- مثل البجاد الأسود، أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة، و لم يكن إلا هزيمة القوم (2).
و عن يحيي بن عبد اللّه بن عبد الرحمن، عن شيوخ من قومه من الأنصار، قالوا: رأينا يومئذ كالبجد السود هوت من السماء ركاما، فنظرنا فإذا رمل مبثوث، فكنا ننفضه عن ثيابنا، فكأن نصر اللّه تعالى أيدنا به (3).
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 328 عن الواقدي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 105 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 114 و (ط دار المعرفة) ص 75 و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و 112 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 16 و ج 3 ص 333.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 327 عن ابن إسحاق، و ابن المنذر، و أبي نعيم، و البيهقي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 105 عن حياة الحيوان، و السيرة الحلبية ج 3 ص 114 و (ط دار المعرفة) ص 75 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و الدر المنثور ج 3 ص 225 و فتح القدير ج 2 ص 349 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 169 و (ط مؤسسة الأعلمي)349 و عيون الأثر ج 2 ص 218 و مرقاة المفاتيح ج 8 ص 69 و زاد المعاد ج 3 ص 472 و الإكتفاء ج 2 ص 244 و السيرة النبوية لابن هشام ج 5 ص 118 و (ط محمد علي صبيح-مصر) ج 4 ص 898 و راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 264 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 16 و ج 3 ص 332.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 327 عن الواقدي، و إمتاع الأسماع ج 2 ص 16 و ج 3 ص 332.
و قال رجل من بني نصر بن معاوية يقال له: شجرة بن ربيعة، للمؤمنين و هو أسير في أيديهم: أين الخيل البلق، و الرجال عليهم الثياب البيض؟ فإنما كان قتلنا بأيديهم، و ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة.
قالوا: تلك الملائكة (1).
عن عبد الرحمن مولى أم برثن قال: حدثني رجل كان من المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن و أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يقوموا لنا حلب شاة أن كببناهم.
فبينما نحن نسوقهم في أدبارهم إذ التقينا بصاحب البغلة (الشهباء) -و في رواية: إذ غشينا-فإذا هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فتلقتنا عنده، و في رواية: إذ بيننا و بينه رجال بيض حسان الوجوه، قالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا. و كانت إياها (يعني: الهزيمة) (2).
1) البحار ج 21 ص 151 و تفسير القمي ج 1 ص 288 و التفسير الأصفى ج 1 ص 460 و التفسير الصافي ج 2 ص 332 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 201 و تفسير البغوي ج 2 ص 279 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 101 و تاريخ الخميس ج 2 ص 105 و راجع: تفسير البحر المحيط ج 5 ص 26 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 75 و تفسير الثعلبي ج 5 ص 24 و تفسير البغوي ج 2 ص 279 و راجع: الإصابة ج 3 ص 256 و روح المعاني ج 10 ص 75.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 327 عن مسدد في مسنده، و البيهقي، و ابن عساكر. و في هامشه عن: البداية و النهاية ج 4 ص 332 و عن دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 143 و البحار ج 21 ص 181 و مجمع البيان ج 5 ص 18-20 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و تاريخ الخميس ج 2 ص 105 عن المواهب اللدنية، و عن ابن جرير، و السيرة الحلبية ج 3 ص 110 و جامع البيان ج 10 ص 134 و الدر المنثور ج 3 ص 226 و تاريخ مدينة دمشق ج 34 ص 173 و المطالب العالية ج 17 ص 482 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 446 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 380 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 583 و إمتاع الأسماع ج 3 ص 331 و ج 7 ص 219 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 630 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 346 و سمط النجوم العوالي ج 2 ص 276.
و قالوا أيضا: «و انهزمت هوازن في كل وجه، كانوا يسمعون قعقعة السلاح في الجو» (1).
و عن يزيد بن عامر السوائي، و كان حضر يومئذ، فسئل عن الرعب، فكان يأخذ الحصاة فيرمي بها في الطست، فيطن، فيقول: أن كنا نجد في أجوافنا مثل هذا (2).
1) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و راجع: البحار ج 21 ص 151 و شجرة طوبى ج 2 ص 309 و تفسير القمي ج 1 ص 288 و التفسير الأصفى ج 1 ص 460 و التفسير الصافي ج 2 ص 332 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 200.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 328 عن عبد بن حميد، و البيهقي، و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و راجع: زاد المسير لابن الجوزي ج 3 ص 224 و إمتاع الأسماع ج 3 ص 332 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 347 و جامع البيان ج 10 ص 103 و الآحاد و المثاني ج 3 ص 136 و المطالب العالية ج 17 ص 484 و مجمع الزوائد ج 6 ص 182 و التاريخ الكبير ج 8 ص 316 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 446 و البداية و النهاية ج 4 ص 333.
و عن ربيعة بن أبزى قال: حدثني نفر من قومي، حضروا يومئذ قالوا: كمنا لهم في المضايق و الشعاب، ثم حملنا عليهم حملة ركبنا أكتافهم، حتى انتهينا إلى صاحب بغلة شهباء، و حوله رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا.
فانهزمنا، و ركب المسلمون أكتافنا، و كانت إياها، و جعلنا نلتفت، و إنا لننظر إليهم يكدوننا، فتفرقت جماعتنا في كل وجه، و جعلت الرعدة تستخفنا حتى لحقنا بعلياء بلادنا، فإن كنا ليحكى عنا الكلام ما ندري به، لما كان بنا من الرعب، و قذف اللّه تعالى الإسلام في قلوبنا (1).
قالوا: «لم يبق أحد إلا امتلأت عيناه و فمه ترابا، و سمعنا صلصلة من السماء كإمرار الحديد على الطست» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 328.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 324 و راجع: الثاقب في المناقب لابن حمزة الطوسي ص 114 و مسند أحمد ج 5 ص 286 و مجمع الزوائد ج 6 ص 182 و عمدة القاري ج 17 ص 294 و مسند أبي داود الطيالسي ص 196 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 555 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 143 و الإستذكار لابن عبد البر ج 2 ص 490 و التمهيد لابن عبد البر ج 22 ص 113 و الفايق في غريب الحديث ج 2 ص 258 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 358 و الدر المنثور ج 3 ص 224 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 156 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 582 و البداية و النهاية ج 4 ص 379 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 69 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 629 و دلائل النبوة للإصبهاني ج 1 ص 227 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 141 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 445 و المنتظم ج 3 ص 335 و سمط النجوم العوالي ج 2 ص 275.
و قيل: إن الملائكة نزلوا يوم حنين لتقوية قلوب المؤمنين و تشجيعهم، و لم يباشروا القتال يومئذ، و لم يقاتلوا إلا يوم بدر خاصة (1).
و نقول:
1-إن المنهزمين حسب نص القرآن الكريم لم يروا الجنود من الملائكة: وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا (2). فكل من يدّعي من المنهزمين رؤية الملائكة، فهو ليس من المؤمنين، كما صرحت به الرواية المتقدمة عن شيبة بن عثمان الحجبي، التي تقول: لا يرى الملائكة إلا كافر. .
2-و لو شككنا في دقة النقل في رواية شيبة بن عثمان، فإن الإستدلال يسوقنا إلى الاعتقاد بكذب دعاوى رؤية الملائكة، لأن اللّه سبحانه قد ذكر: أن المنهزمين لم يروا الجنود الذين أنزلهم، لكن ذلك لا يمنع من أن يكون خصوص المؤمنين الذين ثبتوا، و هم علي «عليه السلام» ، و ربما نفر من بني هاشم كانوا حول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان اللّه قد أراهم تلك الجنود لكي يربط على قلوبهم، و يقويهم، كما قاله في مجمع البيان.
كما أنه سبحانه قد أرى جيوش المشركين تلك الجنود أيضا، لكي يلقي في قلوبهم الرعب. .
1) البحار ج 21 ص 147 و مجمع البيان ج 5 ص 17 و 18 و (ط مؤسسة الأعلمي) ج 32 و 33 و شجرة طوبى ج 2 ص 309 و راجع: تفسير السمرقندي ج 2 ص 10 و تفسير السمعاني ج 2 ص 252 و تفسير البغوي ج 2 ص 281 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 56 و تفسير الآلوسي ج 4 ص 47 و ج 10 ص 75 و روح المعاني ج 10 ص 75.
2) الآية 26 من سورة التوبة.
و تكون النتيجة: أن أيا من المنهزمين عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إذا رأى أولئك الجنود، فلا بد أن يكون من مشركي مكة الذين التحقوا بجيش المسلمين، إما لقتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو للغارة على الغنائم، أو ترصدا لظهور غلبة المشركين لينحازوا إليهم، و يحاربوا معهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين.
3-قد أظهرت الروايات المتقدمة: مدى الرعب الذي حصل للمشركين لمجرد رؤيتهم لتلك الجنود.
4-قد يقال: إن بعض تلك النصوص قد بينت: أن المشركين كانوا يرون المسلمين بين تلك الجنود بمثابة الشامة، و هذا يدل على كثرة الجنود في أعينهم.
غير أننا نقول:
بل ذلك يدل: على أن الذين ثبتوا من المؤمنين هم المقصودون، و هؤلاء -كما تقدم-بضعة أفراد لا يبلغون العشرة. فإذا أضيف إليهم بضعة آلاف من الملائكة، فمن الطبيعي أن يصبح مثلهم مثل الشامة، حسبما ذكره ذلك الرجل.
و مما يدل على ذلك أيضا:
1-الروايات المتقدمة، التي تقول: «ركبنا أكتافهم حتى انتهينا إلى صاحب بغلة شهباء، و حوله رجال بيض حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا. فانهزمنا» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 328.
فالملائكة إنما كانوا حول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لا حول سائر الجيش الذي انهزم. .
2-قول شيوخ ثقيف الذين شهدوا ذلك: «ما زال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في طلبنا-فيما نرى-و نحن مولون، حتى إن الرجل ليدخل منا حصن الطائف، و إنه ليظن أنه على أثره» (1).
فتراه يتحدث عن خصوص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه هو الذي كان في أثرهم، و كان رعبهم منه.
3-و أوضح من ذلك رواية عبد الرحمن مولى أم برثن عن رجل من المشركين قال: «فبينما نحن نسوقهم (أي المسلمين) في أدبارهم إذ التقينا بصاحب البغلة (الشهباء) -و في رواية: إذ غشينا-فإذا هو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فتلقتنا عنده-و في رواية: إذ بيننا و بينه-رجال بيض حسان الوجوه قالوا لنا: شاهت الوجوه، ارجعوا، فرجعنا. و كانت إياها» (2)(أي: الهزيمة) .
من أجل ذلك نقول:
إن الإمداد بالملائكة إنما كان لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لمن ثبت معه، و هم أفراد قليلون حسبما بيناه أكثر من مرة.
4-و بذلك يتبين: أن تعبيرات بعض المنهزمين من هوازن و من معها،
بأن المسلمين كانوا يلاحقونهم و يكدّونهم و نحو ذلك، إنما يقصد بها خصوص النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و علي «عليه السلام» و بعض بني هاشم، و معهم جنود اللّه التي لم يرها المنهزمون عن نبيهم.
و لعل إطلاق التعبير الموهم لإرادة جميع الجيش، هو إما لأجل التضليل من راو مغرض، أو أنهم قصدوا بالمسلمين كل أولئك الذين دخلهم الرعب منهم، بما فيهم الملائكة.
قالوا: لما نادى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأنصار كروا راجعين، فجعلوا يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد اللّه، يا بني عبيد اللّه، يا خيل اللّه.
و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد سمى خيله خيل اللّه، و جعل شعار المهاجرين: بني عبد الرحمن، و جعل شعار الأوس: بني عبيد اللّه، و شعار الخزرج: بني عبد اللّه (1).
و قالوا أيضا: إن سعد بن عبادة جعل يصيح يومئذ: يا للخزرج ثلاثا، و أسيد بن الحضير يصيح: يا للأوس-ثلاثا-فثابوا من كل ناحية كأنهم النحل تأوى إلى يعسوبها.
قال أهل المغازي: فحنق المسلمون على المشركين، فقتلوهم حتى أسرع القتل في ذراري المشركين.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 331 عن الواقدي، و إمتاع الأسماع ج 2 ص 15 و راجع: البحار ج 19 ص 335 و راجع: الدرر لابن عبد البر ص 219 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 867 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 562.
فبلغ ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «ما بال أقوام بلغ بهم القتل حتى بلغ الذرية! ألا لا تقتل الذرية، ألا لا تقتل الذرية» ، ثلاثا.
فقال أسيد بن الحضير: يا رسول اللّه، أليس إنما هم أولاد المشركين؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أليس خياركم أولاد المشركين! كل نسمة تولد على الفطرة، حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها» (1).
و في نص آخر: «لما اجتمع عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» زهاء مائة رجل، و شرعوا في القتال لم تلبث هوازن مقدار حلب شاة، أو حلب ناقة إلا انهزموا» (2).
و قال شيوخ ثقيف: ما زال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في طلبنا،
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 331 عن الواقدي، و المغازي للواقدي ج 3 ص 905 و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 112 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 15 و راجع: مسند أحمد ج 3 ص 435 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 77 و 130 و مجمع الزوائد ج 5 ص 316 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 376 و المعجم الكبير ج 1 ص 284 و 285 و كنز العمال ج 4 ص 382 و 395 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 442 و مجمع البيان ج 9 ص 113 و (ط دار الفكر) ص 151 و تاريخ بغداد ج 8 ص 481 و تفسير الثعلبي ج 7 ص 302 و الأحاديث المختارة ج 4 ص 248 و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 72 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 184 و صحيح ابن حبان ج 1 ص 341 و التمهيد لابن عبد البر ج 18 ص 68 و جزء أبي الطاهر ج 1 ص 26 و حلية الأولياء ج 8 ص 263 و الإستيعاب ج 1 ص 90.
2) تاريخ الخميس ج 2 ص 105 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 331.
فيما نرى، و نحن مولون، حتى إن الرجل منا ليدخل حصن الطائف، و إنه ليظن أنه على أثره، من رعب الهزيمة (1).
قال أنس بن مالك: كان في المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا و يحطمنا، فلما رأى ذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نزل، فهزمهم اللّه تعالى، فولوا، فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين رأى الفتح، فجعل يجاء بهم أسارى رجل رجل، فيبايعونه على الإسلام.
فقال رجل من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن عليّ نذرا لئن جيء بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه.
فسكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و جيء بالرجل، فلما رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: يا نبي اللّه، تبت إلى اللّه.
فأمسك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن مبايعته ليوفي الآخذ بنذره، و جعل ينظر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليأمره بقتله، و هاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فلما رأى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الرجل لا يصنع شيئا بايعه، فقال: يا رسول اللّه، نذري؟
قال: «لم أمسك عنه إلا لتوفي بنذرك» .
فقال: يا رسول اللّه، ألا أو مأت إليّ؟
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنه ليس لنبي أن يوميء»
و في رواية: ألا أو مضت إلى؟
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 328 و 331 و 332 عن الواقدي.
فقال: إنه ليس لنبي أن يومض (1).
قالوا: و هزم اللّه تعالى أعداءه من كل ناحية، و اتبعهم المسلمون يقتلونهم، و غنّمهم اللّه تعالى نساءهم، و ذراريهم، و أموالهم.
و فرّ مالك بن عوف حتى بلغ حصن الطائف. هو و أناس من أشراف قومه، و أسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة رأوا نصر اللّه تعالى رسوله و إعزاز دينه (2).
و لما هزم اللّه تعالى المشركين من أهل حنين، و أمكن رسول اللّه «صلى
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 332 عن أحمد، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 621 و البداية و النهاية ج 4 ص 375 و مسند أحمد ج 3 ص 151 و سنن أبي داود ج 2 ص 78 و السنن الكبرى للبيهقي ج 10 ص 85 و مجمع الزوائد ج 6 ص 167 و 168 و راجع: المعجم الوسط ج 6 ص 343 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 3 ص 114 و شرح مشكل الآثار ج 11 ص 411 و معتصر المختصر ج 1 ص 260 و راجع: إمتاع الأسماع ج 13 ص 111 و المطالب العالية ج 17 ص 455 و كنز العمال ج 10 ص 224 و 519 و جامع البيان ج 10 ص 66 و تفسير ابن أبي حاتم ج 5 ص 1738 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 141 و تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 29 و تلخيص الحبير ج 3 ص 130 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 37 و الأحاديث المختارة ج 7 ص 244.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 332 و إعلام الورى ص 122 و 123 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 232 و البحار ج 21 ص 167 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 578 و 579 و البداية و النهاية ج 4 ص 378 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 627 و شجرة طوبى ج 2 ص 310 و قصص الأنبياء للراوندي ص 348 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 132 و الإكتفاء ج 2 ص 244.
اللّه عليه و آله» منهم، قالت امرأة من المسلمين:
قد غلبت خيل اللّه خيل اللاتو اللّه أحقّ بالثّبات
و يروى: و خيله أحقّ بالثبات.
زاد محمد بن عمر:
إن لنا ماء حنين فخلوهإن تشربوا منه فلن تعلوه
هذا رسول اللّه لن تغلوه
و رجع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من جهة المشركين بعد انهزامهم إلى العسكر، و أمر أن يقتل كل من قدر عليه، و ثاب من انهزم من المسلمين (1).
روي: بسند رجاله ثقات عن أنس: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال يوم حنين: «اجزروهم جزرا» أو «جزوهم جزا» ، و أومأ بيده إلى الحلق (2).
قال المفيد «رحمه اللّه» و غيره: ثم التأم المسلمون و صفوا للعدو، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم إنك أذقت أول قريش نكالا، فأذق آخرها نوالا» .
و تجالد المسلمون و المشركون، فلما رآهم النبي عليه و آله السلام قام في ركابي سرجه حتى أشرف على جماعتهم، و قال: «الآن حمي الوطيس:
أنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب
فما كان بأسرع من أن ولى القوم أدبارهم، وجيء بالأسرى إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله مكتفين (1).
و قالوا: لما انهزمت هوازن كانت راياتهم مع ذي الخمار، فلما قتله علي «عليه السلام» أخذها عثمان بن عبد اللّه بن ربيعة، فقاتل بها حتى قتل (2).
و نقول:
1-سيأتي أنه «عليه السلام» هو الذي قتل أبا جرول، حيث كان يتقدم باللواء في أثر المنهزمين من المسلمين، و هوازن تتبعه. فأوقف قتله حركتهم، و حفظ بذلك ارواحا كثيرة كانت ستزهق على أيدي المشركين. .
و اللافت هنا: هو أن عامة من ذكر قتل عثمان بن عبد اللّه بن ربيعة قد ذكر: أنه أخذ الراية بعد قتل ذي الخمار، و لكن لا يقولون من الذي قتل ذا الخمار هذا. فراجع (3).
1) الإرشاد ج 1 ص 142 و 143 و 144 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 86 و البحار ج 41 ص 94 و ج 21 ص 157 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 604-606 و أعيان الشيعة ج 1 ص 280.
2) البحار ج 41 ص 96 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 606 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 333 عن محمد بن إسحاق.
3) راجع على سبيل المثال: تاريخ الخميس ج 2 ص 106 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 349 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 899 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 334 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 246 و البداية و النهاية ج 4 ص 383 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 635.
فلماذا هذا التعتيم على الحقيقة يا ترى؟ ! و ما الداعي للتلاعب بالنصوص، بالنسبة لذي الخمار تارة، و لأبي جرول أخرى على الذي سوف نذكره فيما يأتي؟ !
2-إنهم لم يذكروا لنا أيضا: من الذي قتل عثمان بن عبد اللّه؟ و نكاد نطمئن إلى أن قاتله علي «عليه السلام» . .
بل نحن نشك: في ان يكون المسلمون قد قتلوا أحدا من المشركين في هذه الحرب كلها، باستثناء قتل بعض الأسرى، و طائفة من الذرية كما سيأتي. . لأن الأدلة التي ذكرناها فيما سبق و ربما يأتي شيء من ذلك أيضا، كلها تدل على: أن أحدا لم يقاتل في حرب حنين سوى علي «عليه السلام» ، بل رجعت راجعة المسلمين فوجدوا الأسرى مكتفين عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
عن البراء بن عازب قال: كان رجل على جمل له أحمر، بيده راية سوداء، على رمح طويل، أمام هوازن، و هوازن خلفه. إذا أدرك طعن برمحه، و إن فاته الناس، رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه. فبينما هو كذلك إذ هوى له علي بن أبي طالب، و رجل من الأنصار يريدانه، فأتاه علي بن أبي طالب من خلفه، فضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، و وثب الأنصاري على الرجل، فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه، فانجعف عن رحله.
و اجتلد الناس، فو اللّه ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى
و جدوا الأسرى مكتفين عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).
و نقول:
1-قال اليعقوبي: «و مضى علي بن أبي طالب إلى صاحب راية هوازن فقتله، و كانت الهزيمة» (2).
2-لعل هذا النص قد تعرض للتحريف، و التصرف و التزييف كما تعودناه في كثير من المواضع، من قبل شانئي علي «عليه السلام» . . إذ قد روى الآخرون حادثة قتل أبي جرول، مصرحين، بأن الذي قتله هو علي «عليه السلام» وحده. .
و قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه» : و إذا فاته الناس دفع لمن وراءه، و جعل يقتلهم و هو يرتجز:
أنا أبو جرول لا براححتى نبيح القوم أو نباح
قال: فصمد له أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فضرب عجز بعيره، فصرعه، ثم ضربه فقطره، ثم قال:
قد علم القوم لدى الصباحأني لدى الهيجاء ذو نصاح
فكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول.
قال: و قتل علي «عليه السلام» أربعين رجلا بعد قتل أبي جرول (1).
2-قال ابن شهر آشوب: «و فارسهم أبو جرول، و إنه قدّه عظيما بنصفين، بضربة في الخوذة، و العمامة، و الجوشن، و البدن إلى القربوس، و قد اختلفوا في اسمه» (2).
3-قالوا: «في عقر علي «رضي اللّه عنه» بعير حامل راية الكفار دليل جواز عقر فرس العدو، و مركوبه، إذا كان ذلك عونا على قتله» (3).
4-بالنسبة لما تقدم: من أن قتل أبي جرول كان السبب في هزيمة المشركين، نقول:
سيأتي: أن قتل حامل اللواء و سقوط اللواء من يده يشوش حركة الجيش، و يتسبب بدرجة كبيرة من الضياع و الإحباط لدى كثير من عناصره، و يؤدي إلى هزيمة فعلية في أحيان كثيرة.
5-قد تقدم: أن لا منافاة بين ما تقدم من أن هزيمة المشركين في حنين قد كانت حين أخذ النبي «صلى اللّه عليه و آله» كفا من تراب أو حصى، و رماها في وجوهم. . و بين ما ذكر هنا من أن قتل أبي جرول بيد علي «عليه السلام» كان هو السبب في الهزيمة. .
و قد بينا الوجه في ذلك. .
6-إن ادّعاء مشاركة رجل أنصاري لأمير المؤمنين «عليه السلام» في قتل أبي جرول. . لا تتلاءم مع قول ابن شهر آشوب: إن عليا «عليه السلام» قد قدّه بنصفين، بضربة في الخوذة و العمامة، و الجوشن، و البدن إلى القربوس.
و هذه هي صفة ضربات علي «عليه السلام» ، فإن ضرباته «عليه السلام» كانت أبكارا (مبتكرات لا عوانا) ، إذا اعتلى قدّ، و إذا اعترض قط (1).
7-لو صدقت روايتهم عن مشاركة الرجل الأنصاري لعلي «عليه السلام» في قتله، فإن ذكر اسم الرجل، و إغفال اسم علي «عليه السلام» أولى بل أوجب. . إذ من غير المناسب أن يذكروا اسم من ضرب الجمل، و يهملوا اسم من قتل ذلك الفارس العظيم، الطارد للمسلمين، و القائد
1) نهج البلاغة (بشرح عبده) ج 1 هامش ص 12 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 355 و البحار ج 21 ص 179 و ج 41 ص 67 و شرح النهج للمعتزلي ج 1 ص 50 و تفسير مجمع البيان ج 1 ص 252 و 389 و الهاشميات و العلويات (قصائد الكميت و ابن أبي الحديد) ص 153 و الصحاح ج 2 ص 597 و ج 3 ص 1153 و الفروق اللغوية ص 432 و 433 و لسان العرب ج 3 ص 344 و ج 4 ص 80 و مختار الصحاح لمحمد بن عبد القادر ص 39 و مجمع البحرين ج 1 ص 232 و تاج العروس ج 2 ص 460 و ج 3 ص 58 و ج 5 ص 207 و أعيان الشيعة ج 1 ص 330 و 340 و 382 و 397 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 328 و 329 و ج 18 ص 79 و ج 31 ص 569 و ج 32 ص 305 و 336 و 337 و تفسير أبي السعود ج 4 ص 267 و تفسير الآلوسي ج 12 ص 218 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 9 ص 430 و النهاية في غريب الحديث ج 1 ص 149.
لجيوش المشركين! !
8-و قد تضمنت الرواية حديثا عن اجتلاد الناس مع المشركين بعد عودتهم من الهزيمة، و بعد قتل أبي جرول، و قد تقدم: تصريح بعض النصوص: بأن الهزيمة وقعت على المشركين، و لم يضرب المسلمون فيهم بسيف، و لا طعنوا برمح. .
و لكنّ مبغضي أمير المؤمنين «عليه السلام» لم يكتفوا بالتزوير الظاهر، الذي تحدثنا عنه، بل تجاوزوا ذلك إلى محاولة تسديد إهانة مبطنة لعلي «عليه السلام» ، حيث قالوا:
فجعلت أم عمارة تصيح: يا للأنصار، أية عادة هذه. ما لكم و الفرار؟ !
قالت: و أنظر إلى رجل من هوازن على جمل أورق، معه لواء يوضع جمله في أثر المسلمين، فاعترض له، فأضرب عرقوب الجمل. فيقع على عجزه، و أشد عليه، و لم أزل أضربه حتى أثبتّه، و أخذت سيفا له.
و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قائم، مصلت السيف بيده، قد طرح غمده ينادي: «يا أصحاب سورة البقرة» .
فكرّ الأنصار، و وقفت هوازن قدر حلب ناقة فتوح، ثم كانت إياها، فو اللّه ما رأيت هزيمة قط كانت مثلها، قد ذهبوا في كل وجه، فرجع إلي أبنائي جميعا: حبيب و عبد اللّه أبناء زيد بأسارى مكتفين، فأقوم إليه من الغيظ، فأضرب عنق واحد منهم، و جعل الناس يأتون بالأسارى فرأيت
في بني مازن ابني النجار ثلاثين أسيرا (1).
و نقول:
1-قد يقال: إنه لا معنى لأن تقول أم عمارة للأنصار: «أية عادة هذه» ؟ لأن الفرار لم يكن عادة للأنصار.
و يمكن أن يجاب: بأن الخطاب لم يكن لخصوص الأنصار، بل كان لعموم الفارين و الأنصار بعض يسير منهم، و حتى لو كان خاصا بالأنصار، فإن الأنصار كانوا مع الفارين، أو مع الذين لم يجرؤوا على المواجهة في أحد، و خيبر، و الخندق، و بني قريظة، و فدك.
2-على أن قبيلة هوازن و إن كانت تشكل جانبا كبيرا من الجيش الذي جاء لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، إلا أن من الواضح: أن هوازن لم تكن هي كل ذلك الجيش و لا نصفه، بل هي أقل من ذلك بكثير، فكيف عرفت أم عمارة أن صاحب الجمل و اللواء كان من قبيلة هوازن.
3-إن قتل صاحب اللواء و سقوط اللواء الذي يراقبه المقاتلون في حركتهم في المعركة يوجب تضعضع الجيش، و إحساسه بالصدمة، و فقدان التوازن. .
فلو صحت رواية شيوخ الواقدي عن قتل أم عمارة لحامل لواء المشركين، فالمفروض: أن يظهر أثر ذلك على هوازن، و أن يختل أمرها، و أن تظهر عليها أمارات الهزيمة، و لم نجد أن هذه الرواية دلتنا على شيء من ذلك.
4-إن أم عمارة حسب ادّعاء الرواية قد قتلت أحد الأسرى، و لا نرى النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد لامها على ذلك، بل لم يذكر ذلك عنها أحد
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 331 عن الواقدي، و المغازي للواقدي ج 3 ص 904.
من الرواة أو المؤرخين فيما نعلم.
5-إن هذا الأمر لو صح، لكان الرواة و المؤرخون قد تناقلوه، و فصلوه، و جعلوه محور حديثهم، و محط أنظارهم، لأنه أمر فريد، يهم كل أحد أن يطلع عليه، و يقف على تفاصيله، و أن يطبّلوا و يزمّروا لامرأة تقتل قائدا، و تكون سببا لهزيمة جيش بأكمله في حرب مصيرية كحرب حنين.
6-و أخيرا. . فإننا نستطيع أن نتيقن أن ما يرمي إليه و اضعوا هذه الرواية هو استلاب إحدى فضائل أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و هي قتله «عليه السلام» لأبي جرول، و انهزام هوازن بسبب ذلك. . و منح هذا الموقف العظيم لامرأة من سائر الناس، ليكون ذلك آكد في و هن أمر علي «عليه السلام» ، و أكثر إيلاما للعارفين بالحق، و الناصرين له.
و ذكروا أيضا: أن عليا «عليه السلام» قال في حرب حنين؛ و أنكرها ابن هشام:
ألم تر أن اللّه أبلى رسولهبلاء عزيز ذى اقتدار و ذي فضل
و قد أنزل الكفار دار مذلةفلاقوا هوانا من أسار و من قتل
فأمسى رسول اللّه قد عز نصرهو كان أمين اللّه أرسل بالعدل
فجاء بفرقان من اللّه منزلمبينة آياته لذوي العقل
فآمن أقوام بذاك فأيقنوافأمسوا بحمد اللّه مجتمعي الشمل
و أنكر أقوام فزاغت قلوبهمفزادهم ذو العرش خبلا على خبل
و حكم فيهم (1)يوم بدر رسولهو قوما كماة (2)فعلهم أحسن الفعل
بأيديهم بيض خفاف قواطعو قد حادثوها بالجلاء و بالصقل
فكم تركوا من ناشئ ذي حميةصريعا و من ذي نجدة منهم كهل
و تبكي عيون النائحات عليهمتجود بإرسال الرشاش و بالوبل
نوائح تبكي عتبة الغي و ابنهو شيبة تنعاه و تنعى أبا جهل
و ذا الذحل تنعى و ابن جدعان فيهممسلبة حرى مبينة الثكل
ثوى منهم في بئر بدر عصابةذوو نجدات في الحروب و في المحل
دعا الغي منهم من دعا فأجابهو للغي أسباب مرمقة الوصل
فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزلعن الشغب و العدوان في أسفل السفل (3)
و نقول:
إن لنا مع تلكم النصوص وقفات عديدة، نجملها ضمن ما يلي من مطالب:
إننا نشير هنا إلى نقطة واحدة، و هي: أن هذا الشعر قد نسب إلى أمير المؤمنين «عليه السلام» ، و هو المجاهد الأول و الفاتح الأكبر في حنين،
و بدر، و أحد، و الخندق، و خيبر، و قريظة، و فدك، و ذات السلاسل. . و. .
و لكننا نراه لا يذكر شيئا عن جهده هو «عليه السلام» و جهاده، و لا عن بطولات سطرها أي من الناس في حنين على الخصوص، بل هو يخص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالثناء، و ينسب كل توفيق و نصر فيها إليه.
ثم هو يذكّر الناس بحقائق الدين، و تعاليمه القائمة على العدل و الحق، و يشير إلى القرآن بعنوان أنه المفرق بين الحق و الباطل، و المنسجم مع ما تقضي به العقول، بما فيه من هدايات تستنزل التوفيق الإلهي، و تكون معاندتها من أسباب الخذلان، و زيادة العمى في القلب.
و لكن لو رجعنا إلى شعر العباس بن مرداس، و سائر من تحدث أو قال الشعر في حرب حنين، فإننا نراه يخلط الحق بالباطل، و ينسب البطولات، و المواقف العظيمة لهذه القبيلة أو تلك، أو لذلك الشخص و سواه.
و الأدهى من ذلك: أن كثيرا من هؤلاء الشعراء لا يكون أمينا على الحقيقة، و لا يلتزم جانب الصدق فيما يقول. . مع أن بعضهم إنما ينفخ في غير ناره، و يكد و يتعب، و يدخل في المتاهات و الضلالات و المهالك، ليس لأجل نفسه بل من أجل جاره. .
أعاذنا اللّه من الخذلان و من وساوس الشيطان. .
و قد عرفنا فيما سبق: أن ثمة وجوه شبه عديدة بين حرب حنين، و حرب بدر، و قد ذكرنا عشرة منها، و نحب هنا أن نلقي المزيد من الضوء على احداها، ألا و هي العناصر المكونة لكلا الفريقين، حيث نجد: أن فريق
المشركين يمتاز بما يلي:
1-إن أكثرهم عصبة واحدة من حيث الإنتماء القبلي، لأن أكثرهم من هوازن، أو ممن له بها رابطة قرابة، أو مصلحة، أو سكنى، أو غير ذلك مما يؤثر على حياة الناس في المستقبل، و مصيرهم، لو أرادوا التواكل أو التواني في التصدي لعدو يتخيلون أنه لا يراعي مصالحهم. . أو يرون أنه يعمل على الإضرار بها.
2-إنهم جميعا يدينون بدين واحد، و لهم قناعات واحدة، من حيث الإلتزام بالشرك، و رفض التوحيد، و جحود نبوة النبي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، و رفض كل ما يترتب على ذلك من آثار.
3-إنهم يلتزمون بتنفيذ أوامر قياداتهم القبلية، و لا يفكرون بالانسلاخ عنها، أو التمرد على أوامرها، حقا كانت أم باطلا، و سواء أكانت ضد الظالم أم كانت ضد المظلوم. . أي أنهم لا يملكون أي معيار آخر يدعوهم للطاعة أو للخلاف سوى القيادة العشائرية التسلطية، و التي تحكمهم بمفاهيم الظلم و التعدي، و بأحكام الهوى و الجاهلية.
4-إن هؤلاء يعيشون في بلادهم، و يشعرون أن عليهم أن يدافعوا عن وطنهم.
5-إن هؤلاء على معرفة تامة بمسالك البلاد، و منعطفاتها، و مواضع مياهها و غياضها، و سهولها و جبالها، و هم أقدر على التحرك فيها. .
و في المقابل نلاحظ: أن ثمة نقاط ضعف بارزة في تركيبة العناصر المكونة للجيش الذي جاء مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، إذ:
1-إن عناصر ذلك الجيش كانوا مختلفين في انتمائهم العقائدي، ففيهم
المسلم و الكافر. . و فيهم المسلم الحقيقي الخالص، و المنافق. .
2-إن إيمان المؤمنين منهم لم يكن في مستوى واحد، إذ فيهم ضعيف الإيمان، و فيهم القوي الصلب في إيمانه.
3-كما أن هناك اختلافا في دوافعهم لخوض هذه الحرب، فهناك المجاهد في سبيل اللّه، المدافع عن دينه و رسوله.
و هناك: الباحث عن الغنائم و الإماء، و العبيد.
و فريق ثالث: يريد أن يتلذذ بأخذ الثارات، أو أن يثبت فروسيته أو مقامه من خلال شن الغارات.
4-ليس لدى هذا الفريق عصبية مؤثرة في مسار الحرب، بل هم من فئات شتى، و قبائل مختلفة، كانت مئات منها على مدى الأيام متناحرة، و متباغضة، بل كان بين بعضها حروب طويلة، و ثارات و إحن و أضغان مستحكمة. و لا يشعر أي منها بأنه معنيّ بحفظ، أو بمعونة غيره من القبائل، إلا ما قل، أو ما شذ منها.
5-و هناك عامل آخر لا بد أن نضيفه إلى ما تقدم، و هو تدنّي مستوى، أو فقل: انحسار واسع لتأثير القيادات القبلية، حيث لم تعد قادرة على فرض موقف على سائر أفراد القبيلة، و هذا الإنحسار قد جاء لصالح تأثير موقع النبوة، و أوامره فيهم، و في رؤسائهم على حد سواء. .
بل إنهم حتى إذا اختاروا التخلي عن نبيهم، أو فقل: حتى إذا عذروا أنفسهم في التخلي عنه، و أسلموه إلى يد عدوه، فإن رؤساء القبائل لن يستعيدوا ما كان لهم من تأثير في مسار الأمور الذي كان لهم قبل قبولهم الإسلام. .
6-إن هؤلاء يقاتلون عدوهم في بلاد يجهلون مسالكها، و منعطفاتها، و ما فيها من مياه، و أشجار، و أماكن مأهولة، أو براري و قفار. .
و من كان كذلك، فهو يعيش هواجس مختلفة تفقده الإستقرار، و تمنعه الراحة في الليل و النهار.
ثم إن هؤلاء الناس قد أصبحوا بعد حلول الهزيمة بهم أكثر ضعفا، لأنهم يشعرون بشيء من الضياع في تلك البقاع. .
و لا بد أن يتضاعف هذا الضعف حين يلاحقهم شبح الخطأ الذي ارتكبوه، و يقضّ مضاجعهم شعورهم بالخزي و العار. خزي الهزيمة، و عار الخيانة.
بالإضافة إلى: ذل و صغار، تزرعه فيهم شماتة الأعداء، و ملامة الأصدقاء و الأولياء. .
عن حارثة بن النعمان قال: لقد حزرت من بقي مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حين أدبر الناس، فقلت: مائة واحد (1).
و عن ابن عمر قال: لقد رأينا يوم حنين و إن الفئتين لموليتان، و ما مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مائة رجل (2).
و يقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما انكشف الناس عنه يوم حنين، قال لحارثة: «يا حارثة، كم ترى الناس الذين ثبتوا» .
قال: فما التفتّ ورائي تحرجا، فنظرت عن يميني و عن شمالي، فحزرتهم مائة، فقلت: يا رسول اللّه! ! هم مائة.
فما علمت أنهم مائة حتى كان يوم مررت على النبي «صلى اللّه عليه و آله»
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 329 عن البيهقي، و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 578 و البداية و النهاية ج 4 ص 378 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 626 و دلائل النبوة ج 5 ص 131.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 329 عن ابن مردويه، و سنن الترمذي ج 3 ص 117 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 274 و أحكام القرآن لابن العربي ج 2 ص 414 و الدر المنثور ج 3 ص 225.
و هو يناجي جبريل عند باب المسجد، فقال جبريل: «يا محمد، من هذا» ؟
قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «حارثة بن النعمان» .
فقال جبريل: هو أحد المائة الصابرة يوم حنين، لو سلّم لرددت عليه، فأخبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حارثة، قال: «ما كنت أظنه إلا دحية الكلبي واقفا معك» (1).
و نقول:
قد حاول بعضهم أن يدّعي: أن لا منافاة بين روايتي الثمانين و المائة. . على اعتبار: أن الذي تحدث عن المائة-و هو ابن عمر-نفى أن يكونوا مائة، و أثبت أنهم أقل، و ابن مسعود أثبت كونهم ثمانين (2).
و لكن هذا التوجيه إن أفاد في رواية ابن عمر، فإنه لا يفيد في رواية حارثة بن النعمان، فإنها تصرح: بأن الذين ثبتوا كانوا مائة رجل بالتحديد، فراجع الرواية المشار إليها آنفا.
و إن أمكن إثارة احتمال الخطأ أو المبالغة بالنسبة لحارثة بن النعمان، فلا يمكن إثارة هذا الإحتمال بالنسبة لجبريل، على أن احتمال المبالغة لا مورد له، لأن المقام مقام تحديد، و بيان العدد، و ليس مقام مبالغة.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 329 عن الواقدي، و السيرة الحلبية ج 3 ص 109 و (ط دار المعرفة) ص 67 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 488 و راجع: الإستيعاب ج 3 ص 1220 و أسد الغابة ج 4 ص 147.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 323 و في هامشه عن: المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 358 و تهذيب تاريخ مدينة دمشق ج 6 ص 351 و راجع: فتح الباري ج 8 ص 30 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 274.
أضف إلى ذلك: أن تحديد ابن مسعود، أو ابن عمر للعدد يبقى موضع ريب، فإن أحدا من الناس في تلك الحرب الهائلة لا يستطيع عد الرجال، و هم في حالة كر و فر، و تردد مستمر، و هو معهم.
إلا إذا فرضنا: أن ابن مسعود، و ابن عمر قد اعتزلا القتال، ليتفرجا على المقاتلين، و ليعدوا الرجال. . و هذا ما لا يرضاه لهما أحد. .
و أما قول الحلبي: «و هذا السياق يدل على أن المائة انتهت إليه «صلى اللّه عليه و آله» بعد الهزيمة، و هو يؤيد القول بأن الذين ثبتوا معه «صلى اللّه عليه و آله» لم يبلغوا المائة» (1). فيدل على ما قلناه و بيناه أكثر من مرة من أن الجميع انهزموا و لم يبق أحد و أن الثمانين أو المائة أو سواهما إنما عادوا إليه بصورة تدريجية، فأخبر هذا عن الثمانين بعد أن عادوا، و أخبر ذاك عن المائة حينما تكاملوا مائة.
اختلفوا في الثابتين في حنين، و نحن نشير هنا إلى ما ذكروه، فنقول:
زعموا: أن الذين ثبتوا كان فيهم نساء و رجال. . فمن النساء أربع نسوة: نسيبة بنت كعب. و أم سليم. و أم سليط. و أم الحارث.
و رووا: عن عبد اللّه بن أبي بكر: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رأى أم سليم بنت ملحان، و كانت مع زوجها أبي طلحة، و هي حامل بعبد اللّه بن أبي طلحة، و قد خشيت أن يغر بها الجمل، فأدنت رأسه منها،
1) راجع: السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 67.
و أدخلت يدها في خزامه (1)مع الخطام.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أم سليم» ؟
قالت: نعم بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه، أقتل المنهزمين عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل.
فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أو يكفي اللّه يا أم سليم» (2).
و عند محمد بن عمر: «قد كفى اللّه تعالى عافية اللّه تعالى أوسع» (3).
و عن أنس قال: اتخذت أم سليم خنجرا أيام حنين، فكان معها، فلقي أبو طلحة أم سليم و معها الخنجر، فقال أبو طلحة: ما هذا؟
قالت: إن دنا مني بعض المشركين أبعج به بطنه.
فقال أبو طلحة: أما تسمع يا رسول اللّه ما تقول أم سليم؟ (الرمصاء. كذا في سيرة ابن هشام) .
فضحك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فقالت: يا رسول اللّه، أقتل من يعدونهم من الطلقاء، انهزموا عنك.
فقال: «إن اللّه تعالى قد كفى و أحسن يا أم سليم» (4).
1) الخزام بكسر الخاء المعجمة حلقة تصنع من شعر، و تجعل في أنف البعير، انظر اللسان (خزم) .
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 330 عن ابن إسحاق، و تاريخ الخميس ج 2 ص 105 و السيرة الحلبية ج 3 ص 112 و 114 و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و الثقات ج 2 ص 71 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 349 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 896 و الإكتفاء ج 2 ص 349.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 330 عن الواقدي.
4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 330 عن أحمد، و ابن أبي شيبة، و مسلم. و قال في هامشه: أخرجه مسلم في الجهاد (134) ، و ابن أبي شيبة ج 14 ص 532 و أحمد ج 3 ص 279 و (ط دار صادر) ص 190 و 279، و البيهقي في السنن ج 6 ص 307 و المغازي ج 3 ص 904 و راجع: السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و البداية و النهاية ج 4 ص 374 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 620 و المعجم الكبير ج 25 ص 120 و راجع: صحيح مسلم ج 5 ص 196 و مسند أبي داود ص 277 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 226 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 169 و ج 16 ص 153 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 425 و الجمع بين الصحيحين ج 2 ص 638 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 331 و حسن الأسوة بما ثبت عند اللّه و رسوله في النسوة ج 1 ص 427.
و عن عمارة بن غزية قال: قالت أم عمارة: لما كان يوم حنين و الناس منهزمون في كل وجه، و كنا أربع نسوة، و في يدي سيف لي صارم، و أم سليم معها خنجر قد حزمته على وسطها، و إنها يومئذ حامل بعبد اللّه بن أبي طلحة.
و أم سليط.
و أم الحارث (1).
و نقول:
1-قد وصف أبو طلحة زوجته لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالرميصاء «بل لقد رووا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: دخلت الجنة، فسمعت خشفة، فقلت من هذا؟ !
فقالوا: هذه العميصاء بنت ملحان» (2).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 330 عن الواقدي، و إمتاع الأسماع ج 2 ص 15.
2) السيرة الحلبية ج 3 ص 112 و (ط دار المعرفة) ص 73 و مسند أحمد ج 3 ص 125 و 239 و 268 و صحيح مسلم ج 7 ص 145 و فضائل الصحابة للنسائي ص 85 و شرح مسلم للنووي ج 16 ص 11 و مجمع الزوائد ج 9 ص 299 و منتخب مسند عبد بن حميد ص 399 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 103 و مسند أبي يعلى ج 6 ص 223 و صحيح ابن حبان ج 16 ص 162 و المعجم الكبير ج 25 ص 130 و الجامع الصغير ج 1 ص 643 و 644 و كنز العمال ج 11 ص 653 و ج 12 ص 146 و 148 و فتح القدير ج 3 ص 690 و 691 و 693 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 8 ص 430 و أسد الغابة ج 5 ص 514 و تهذيب الكمال ج 35 ص 366 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 309 و الإصابة ج 8 ص 255 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 419.
و من الواضح: أنه لا معنى لأن يكتفي النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالضحك من كلام أبي طلحة، لأن «الرميصاء» هي التي يخرج القذى من عينها (1).
و معنى هذا هو: أنه يصفها بما فيه نقص، و مهانة لها و ما لا يرضى الإنسان بأن يشاع و يتداول عنه. .
و هو على الأقل من قبيل التنابز بالألقاب، و في كلتا الحالين لا بد أن يبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى نهي أبي طلحة عن هذا المنكر، و لا يصح الإكتفاء عن ذلك بالضحك.
2-لقد كان بعض الرجال يستصحبون معهم زوجاتهم في الأسفار، حتى لو كان سفر حرب. و حضور النساء في الحرب لا يستلزم مشاركتهن فيها.
و عليهن أن يبقين في المواضع التي تخصص لهن، و قد تقترب هذه
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 112 و (ط دار المعرفة) ص 72.
المواضع من موضع تواجد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد تبتعد عنه.
و من جهة أخرى، فقد ذكرت الروايات: أن بعض نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد كنّ معه في الحرب، فلعل هؤلاء النسوة الأربع قد كن مع نسائه في مكان قريب، و هزم الناس، و بقي النساء في مواضعهن، و ربما اقتربن من موضع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أكثر من أجل تحصيل قدر أكثر من الأمن بالقرب منه. .
و لكن ذلك لا يصحح القول: بأنهن ثبتن في ساحات القتال. . حتى لو حملت بعضهن سيفا، أو خنجرا، أو أي شيء آخر تخوفا من أي طارئ.
و لو صح ادعاء ذلك لهن، لوجب أن يعدوا نساء النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا في جملة الثابتين. . و لم نجدهم فعلوا ذلك.
على أن الحكايات المتقدمة لا تدل على مشاركة أولئك النسوة في تلك الحرب.
فإن أم سليم طلبت من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يقتل المنهزمين عنه كما يقتل أعداءه. و قد أعدت خنجرا حتى إذا دنا منها أحد المشركين تبعج به بطنه. و ليس في هذه الروايات أكثر من ذلك.
فما معنى عدهن ممن ثبت يا ترى؟ !
قال الحلبي، و غيره: «وردت في عدد من ثبت معه «صلى اللّه عليه و آله» روايات مختلفة، فقيل: مائة. و قيل: أقل.
و قيل: ثلاثمائة. و قيل: ثمانون.
و قيل: اثنا عشر. و قيل: عشرة» (1).
و عدوا من الرجال الذين ثبتوا في حنين أشخاصا كثيرين. .
و نحن نذكر هنا ما قاله الصالحي الشامي، و هو ما يلي:
عن الحكم بن عتيبة، قال: لم يبق معه إلا أربعة، ثلاثة من بني هاشم، و رجل من غيرهم، علي بن أبي طالب، و العباس و هما بين يديه، و أبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، و ابن مسعود من جانبه الأيسر، قال: فليس يقبل أحد إلاّ قتل، و المشركون حوله صرعى (2).
فمن أهل بيته: عمه العباس، و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، و أخوه ربيعة ابنا عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الفضل بن العباس، و علي بن أبي طالب، و جعفر بن أبي سفيان بن الحارث، و قثم بن العباس.
إلى أن قال: قال في الزهر: و فيه نظر، لأن المؤرخين قاطبة فيما أعلم عدوه فيمن توفي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو صغير، فكيف شهد
1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 108 و (ط دار المعرفة) ص 65 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و تاريخ الخميس ج 2 ص 102 و راجع: فتح الباري ج 8 ص 30.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 330 عن ابن أبي شيبة، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 109 و (ط دار المعرفة) ص 67 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 109 و تاريخ الخميس ج 2 ص 102 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 417 و (ط دار الفكر) ج 8 ص 553 و فتح الباري ج 8 ص 23 و الغدير ج 7 ص 206 و شرح إحقاق الحق ج 8 ص 474 و المواهب اللدنية ج 1 ص 163.
حنينا! ! و عتبة و معتّب ابنا أبي لهب، و عبد اللّه بن الزبير بن عبد المطلب، و نوفل بن الحارث، و عقيل بن أبي طالب، و أسامة بن زيد، و أخوه لأمه أيمن بن أم أيمن، و قتل يومئذ.
و من المهاجرين: أبو بكر، و عمر بن الخطاب، و عثمان بن عفان.
روى البزار عن أنس: أن أبا بكر، و عمر، و عثمان، و عليا ضرب كل منهم يومئذ بضعة عشر ضربة. و ابن مسعود.
و من الأنصار: أبو دجانة، و حارثة بن النعمان-قد ذكر في ذلك عند محمد بن عمر-و سعد بن عبادة، و أبو بشير-كما في حديثه عند محمد بن عمر-و أسيد بن الحضير.
و من أهل مكة: شيبة بن عثمان الحجبي كما تقدم.
و من نساء الأنصار:
1-أم سليم بنت ملحان، أم أنس بن مالك.
2-أم عمارة نسيبة بنت كعب.
3-أم الحارث جدة عمارة بن غزيّة
4-أم سليط بنت عبيد.
قال محمد بن عمر: يقال: إن المائة الصابرة يومئذ ثلاثة و ثلاثون من المهاجرين، و ستة و ستون من الأنصار (1).
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 329 و 330 و راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 149-152 و راجع: إمتاع الأسماع ج 2 ص 13 و تفسير السمرقندي ج 1 ص 277.
و نقول:
قد تقدم: أن عد النساء في من ثبت غير دقيق، بل لا يصح. .
و أما بالنسبة لمن زعموا: أنهم ثبتوا من الرجال. . فلا نريد أن نحكم على ما تقدم بأنه مكذوب و مختلق من أساسه، بل نحن نقول:
أولا: لقد عدوا شيبة بن عثمان، الذي جاء لاغتيال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في جملة الثابتين. .
ثانيا: قد عدوا النساء في جملة من ثبت. مع أن ذلك غير ظاهر، حسبما قررناه فيما سبق.
بل تقدم: أنهم عدوا الأطفال الصغار في جملة الثابتين. مثل قثم بن العباس.
ثالثا: إن النصوص قد دلت: على أن عليا «عليه السلام» وحده هو الذي ثبت، و قد وردت نصوص كثيرة تضمنت نفي ثبات غيره، و استثنت بعضها بضعة رجال من بني هاشم، كانوا قد أحاطوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكي لا يصل إليه العدو.
أما من ذكروا أنهم ثبتوا، و أنهم ثمانون رجلا، أو مائة رجل، فلعلهم كانوا من أوائل العائدين إلى ساحة المعركة، فصار كل عائد يخبر غيره عمن سبقه، معتقدا بأن الذين يراهم لم يهربوا كما هرب.
فهذا يرجع و يرى النبي «صلى اللّه عليه و آله» وحده، و ذاك يرى معه ثلاثة، و آخر يرجع فيرى معه تسعة، و آخر يرجع فيرى معه ثمانين أو مائة، و هكذا. .
و يدل على ذلك:
1-ما ورد في حديث عثمان بن شيبة، من أنه بعد نداء العباس صار الناس يرجعون إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما اجتمع عنده مائة، استقبلوا الناس، فاقتتلوا هم و الكفار (1).
2-قال الشيخ المفيد: «فرجعوا أولا، فأولا، حتى تلاحقوا، و كانت لهم الكرة على المشركين» (2).
3-بل يدل على ذلك أيضا: حتى تلك النصوص الكثيرة، التي ذكرت كل واحدة منها عددا، ثم جاء من جمع الأسماء، و ضم بعضها على بعض، و رجح و أيّد، و قوّى و شيّد كل واحد منهم، وفق ما ظهر له، أو وفق ما ينسجم مع ميوله و أهوائه. .
غير أن البحث العلمي و الموضوعي لا يسمح بالجزم بثبات احد سوى علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ، فإنه هو الوحيد المتسالم على ثباته من بين جميع من ذكروهم، و من الراجح أيضا: أن يكون هناك جماعة من بني هاشم قد أحاطوا بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» خوفا من أن يناله سلاح الكفار (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 348 و راجع المصادر المتقدمة.
2) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 140 و 141 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 82 و البحار ج 21 ص 155 و ج 38 ص 220 و أعيان الشيعة ج 1 ص 279.
3) البحار ج 49 ص 199 و عيون أخبار الرضا «عليه السلام» ج 2 ص 193 و مواقف الشيعة ج 1 ص 303 و حياة الإمام الرضا «عليه السلام» للقرشي ج 2 ص 264 و موسوعة الإمام علي بن أبي طالب «عليه السلام» في الكتاب و السنة و التاريخ لمحمد الريشهري ج 8 ص 435.
أما القتال فكان محصورا بعلي «عليه السلام» .
و نستند في ذلك إلى ما يلي من نصوص:
1-قال الشيخ المفيد «رحمه اللّه» : و لم يبق منهم مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلا عشرة أنفس: تسعة من بني هاشم خاصة، و عاشرهم أيمن بن أم أيمن، فقتل أيمن رحمة اللّه عليه، و ثبتت التسعة الهاشميون حتى ثاب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من كان انهزم.
فرجعوا أولا فأولا حتى تلاحقوا، و كانت لهم الكرة على المشركين، و في ذلك أنزل اللّه تعالى، و في إعجاب أبي بكر بالكثرة: . .
. . وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَ ضٰاقَتْ عَلَيْكُمُ اَلْأَرْضُ بِمٰا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ (1).
يعني: أمير المؤمنين عليا «عليه السلام» .
و من ثبت معه من بني هاشم، و هم يومئذ ثمانية، أمير المؤمنين «عليه السلام» تاسعهم:
العباس بن عبد المطلب، عن يمين رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
و الفضل بن العباس عن يساره.
و أبو سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند ثفر بغلته.
و أمير المؤمنين «عليه السلام» بين يديه يضرب بالسيف.
و نوفل بن الحارث، و ربيعة بن الحارث، و عبد اللّه بن الزبير بن عبد
1) الآيتان 25 و 26 من سورة التوبة.
المطلب، و عتبة، و معتب ابنا أبي لهب حوله.
و قد ولت الكافة مدبرين سوى من ذكرناه (1).
و كذلك عدهم ابن قتيبة في المعارف، و الثعلبي في الكشف (2).
و أضافوا إلى هؤلاء: أيمن مولى النبي «صلى اللّه عليه و آله» (3).
قال ابن شهر آشوب: «و كان العباس عن يمينه، و الفضل عن يساره، و أبو سفيان ممسك بسرجه عند ثفر بغلته، و سائرهم حوله، و علي «عليه السلام» يضرب بالسيف بين يديه» (4).
2-و في ذلك يقول مالك بن عبادة الغافقي:
لم يواس النبي غير بني هاشمعند السيوف يوم حنين
هرب الناس غير تسعة رهطفهم يهتفون بالناس: أين
ثم قاموا مع النبي على الموت فآبوا زينا لنا غير شين
1) الإرشاد للمفيد (ط دار المفيد) ج 1 ص 140 و 141، و عنه في مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 2 ص 30 و راجع: البحار ج 38 ص 220 و ج 21 ص 156 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 81 و 82 و شجرة طوبى ج 2 ص 308 و أعيان الشيعة ج 3 ص 522 و إعلام الورى ج 1 ص 386، و قريب منه ذكره الطبرسي في مجمع البيان ج 5 ص 18 و 19.
2) البحار ج 41 ص 93 و 94 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 604 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 2 ص 330.
3) البحار ج 41 ص 94 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 604 و 605 و (ط المكتبة الحيدرية) ص 330.
4) المصدر السابق.
و سوى أيمن الأمين من القومشهيدا فاعتاض قرة عين (1)
3-و قال العباس بن عبد المطلب في هذا المقام:
نصرنا رسول اللّه في الحرب تسعةو قد فر من قد فر عنه فأقشعوا
و قولي إذا ما الفضل شد بسيفهعلى القوم أخرى يا بني ليرجعوا
و عاشرنا لاقى الحمام بنفسهلما ناله في اللّه لا يتوجع (2)
4-و في احتجاج المأمون على علماء عصره يقول المأمون عن نزول السكينة في حنين: «إن الناس انهزموا يوم حنين، فلم يبق مع النبي «صلى اللّه
1) الإرشاد للمفيد ج 2 ص 141. و راجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 2 ص 31 و (ط المكتبة الحيدرية) ج 1 ص 305 و ج 2 ص 331 و البحار ج 38 ص 220 و ج 21 ص 156 و المستجاد من الإرشاد (المجموعة) ص 83 و أعيان الشيعة ج 1 ص 280 و ج 3 ص 522 و كشف الغمة ج 1 ص 221 و بناء المقالة الفاطمية لابن طاووس ص 162.
2) الإرشاد للمفيد ص 141 و 142 و المواهب اللدنية ج 1 ص 164 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 30 و في البحار ج 21 ص 156 و ج 38 ص 220 و ج 41 ص 94 و مجمع البيان ج 5 ص 18 و 19 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص 35 و كشف الغمة ج 1 ص 221 و أعيان الشيعة ج 1 ص 280 و ج 3 ص 522 و تفسير الميزان ج 9 ص 231 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 98 و تفسير البحر المحيط ج 5 ص 26 و روح المعاني ج 10 ص 74 و تفسير الآلوسي ج 10 ص 74 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 348 و 349 و في المعارف لابن قتيبة ص 164 و نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 180 و أسد الغابة ج 1 ص 161 و الوافي بالوفيات ج 10 ص 20: سبعة، بدل: تسعة. و ثامننا، بدل: و عاشرنا.
عليه و آله» إلا سبعة من بني هاشم: علي «عليه السلام» يضرب بسيفه، و العباس أخذ بلجام بغلة النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و الخمسة محدقون بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، خوفا من أن يناله سلاح الكفار، حتى أعطى اللّه تبارك و تعالى رسوله «عليه السلام» الظفر.
عنى في هذا الموضع (1): عليا «عليه السلام» ، و من حضر من بني هاشم.
فمن كان أفضل؟ أمن كان مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و نزلت السكينة على النبي «صلى اللّه عليه و آله» و عليه؟ !
أم من كان في الغار مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم يكن أهلا لنزولها عليه؟ (2).
5-قال ابن قتيبة: «كان الذين ثبتوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم حنين، بعد هزيمة الناس: علي بن أبي طالب، و العباس بن عبد المطلب -آخذ بحكمة بغلته-و أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، و ابنه، و الفضل بن العباس بن عبد المطلب، و أيمن بن عبيد-و هو ابن أم أيمن مولاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و حاضنته، و قتل يومئذ هو و ابن أبي سفيان، و لا عقب لابن أبي سفيان-و ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، و أسامة بن زيد بن حارثة. .» (3).
فتجد أنه لم يذكر أبا بكر و عمر في جملة من ثبت.
6-و كانت نسيبة بنت كعب المازنية تحثو في وجوه المنهزمين التراب، و تقول: أين تفرون عن اللّه، و عن رسوله؟
و مر بها عمر، فقالت له: ويلك ما هذا الذي صنعت؟ !
فقال لها: هذا أمر اللّه (1).
و هذا يدل على عدم صحة قولهم: إنه كان في جملة من ثبت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في حنين. حتى ادّعوا: أنه كان آخذا بلجام بغلته «صلى اللّه عليه و آله» . .
7-عن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أنه كان يحدث الناس عن يوم حنين، قال: «فر الناس جميعا، و أعروا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلم يبق معه إلا سبعة نفر، من بني عبد المطلب: العباس، و ابنه الفضل، و علي، و أخوه عقيل، و أبو سفيان، و ربيعة، و نوفل بنو الحارث بن عبد المطلب، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مصلت سيفه في المجتلد، و هو على بغلته الدلدل، و هو يقول:
أنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب» .
إلى أن قال: «التفت العباس يومئذ و قد أقشع الناس عن بكرة أبيهم، فلم ير عليا «عليه السلام» في من ثبت، فقال: شوهة بوهة، أفي مثل هذا الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو
1) تفسير القمي ج 1 ص 287 و البحار ج 21 ص 150 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 106 و شجرة طوبى ج 2 ص 308 و التفسير الصافي ج 2 ص 331 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 200.
صاحب ما هو صاحبه؟ يعني المواطن المشهورة له.
فقلت: نقّص قولك لابن أخيك يا أبه.
قال: ما ذاك يا فضل؟
قلت: أما تراه في الرعيل الأول؟ أما تراه في الرهج؟
قال: أشعره لي يا بني.
قلت: ذو كذا، (ذو كذا) ، ذو البردة.
قال: فما تلك البرقة؟
قلت: سيفه يزيّل به بين الأقران.
قال: برّ، ابن بر، فداه عم و خال.
قال: فضرب علي يومئذ أربعين مبارزا كلهم يقدّه حتى أنفه و ذكره، قال: و كانت ضرباته مبتكرة» (1).
8-و قال اليعقوبي: «فانهزم المسلمون عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى بقي في عشرة من بني هاشم. و قيل: تسعة. و هم: علي بن أبي طالب، و العباس بن عبد المطلب، و أبو سفيان بن الحارث، و عتبة، و معتب ابنا أبي لهب، و الفضل بن العباس، و عبد اللّه بن الزبير بن عبد المطلب. و قيل: أيمن ابن أم أيمن» (2).
9- «. . و في رواية: لما فرّ الناس يوم حنين عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يبق معه إلا أربعة، ثلاثة من بني هاشم، و رجل من غيرهم: علي بن أبي طالب، و العباس-و هما بين يديه-و أبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، و ابن مسعود من جانبه الأيسر. و لا يقبل أحد من المشركين جهته إلا قتل» (1).
10-و قال الطبرسي: «الذين ثبتوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» علي، و العباس، في نفر من بني هاشم. عن الضحاك بن مزاحم» (2).
11-عن البراء بن عازب قال: «و لم يبق مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا العباس بن عبد المطلب، و أبو سفيان بن الحارث» (3).
12-و يقول البعض: «و انهزم المسلمون، فانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب، فقلت له: ما شأن الناس؟ !
قال: أمر اللّه.
ثم تراجع الناس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (4).
1) راجع المصادر المتقدمة.
2) مجمع البيان ج 5 ص 17 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص 32 و راجع: البحار ج 21 ص 147.
3) التفسير الكبير للرازي ج 16 ص 22 و الكشاف ج 2 ص 259 و المواهب اللدنية ج 1 ص 163 عن البخاري في الصحيح، و حاشية الصاوي على تفسير الجلالين ج 3 ص 39.
4) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 624 و راجع ص 623 عن البخاري و بقية الجماعة إلا النسائي. و المغازي للواقدي ج 3 ص 908 و صحيح البخاري (ط دار ابن كثير) ج 4 ص 1570 و (ط دار الفكر) ج 5 ص 101 و عمدة القاري ج 17 ص 300 و 302 و السيرة الحلبية ج 3 ص 65 و فتح الباري ج 8 ص 29 و البداية و النهاية ج 4 ص 329 و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 92 و عون المعبود ج 7 ص 275 و المنتخب من الصحاح الستة لمحمد حياة الأنصاري ص 111 و شرح الزرقاني على الموطأ ج 3 ص 28.
13-قال المجلسي: «إن الإمام الباقر «عليه السلام» قد احتج على الحروري: بأنهم «كانوا تسعة فقط: علي، و أبو دجانة، و أيمن؛ فبان أن أبا بكر لم يكن من المؤمنين» (1).
14-و عند الطبرسي: فما راعنا إلا كتائب الرجال بأيديها السيوف و العمد، و القنا، فشدوا علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، و أخذ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذات اليمين، و أحدق ببغلته تسعة من بني عبد المطلب (2).
15-و عند بعضهم: أن الذين ثبتوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كانوا اثني عشر رجلا (3).
1) البحار ج 27 ص 323.
2) إعلام الورى ص 121 و (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 230 و البحار ج 21 ص 166 و قصص الأنبياء للراوندي ص 347 و راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 181 و شجرة طوبى ج 2 ص 309 و الدر النظيم لابن حاتم العاملي ص 182.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 348 عن النووي، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 108 و (ط دار المعرفة) ص 65 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 110 و تاريخ الخميس ج 2 ص 102 و عمدة القاري ج 14 ص 157 و فتح الباري (ط دار المعرفة-الطبعة الثانية) ج 8 ص 23 و تحقيق محب الدين الخطيب ج 8 ص 30.
16-عن أنس بن مالك، قال: ولى المسلمون مدبرين، و بقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» وحده (1).
17-عن عكرمة: لما كان يوم حنين، ولى المسلمون، و ثبت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: أنا محمد رسول اللّه ثلاث مرات، و إلى جنبه عمه العباس (2).
و قد زعموا: أن عمر بن الخطاب قد ثبت يوم حنين، و قد تقدم ذكره في كلمات الصالحي الشامي أيضا.
و يدل على ذلك: ما روي عن شيبة بن عثمان الحجبي، قال: خرجت مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم حنين، و اللّه ما خرجت إسلاما، و لكن خرجت أنفا أن تظهر هوازن على قريش، فإني لواقف مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إذ قلت: يا رسول اللّه، إني لأرى خيلا بلقا.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 248 و 225 عن أحمد، و ابن أبي شيبة، و الحاكم، و ابن مردويه، و البيهقي. و في هامشه عن: ابن أبي شيبة ج 14 ص 530 و 531 و عن أحمد ج 3 ص 190 و 279 و ج 5 ص 286 و ابن سعد ج 2 ق 1 ص 113 و عن دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 141 و السنن الكبرى ج 6 ص 206 و عن الدولابي في الكنز ج 1 ص 42 و راجع: الدر المنثور ج 3 ص 224 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 555 و كنز العمال ج 10 ص 552 و البداية و النهاية ج 4 ص 374 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 620.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 226 و في هامشه عن: الدر المنثور ج 3 ص 225.
قال «صلى اللّه عليه و آله» : «يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافر» ، فضرب بيده في صدري، و قال: «اللهم اهد شيبة» . فعل ذلك ثلاث مرات، فو اللّه ما رفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الثالثة حتى ما كان أحد من خلق اللّه تعالى أحب إليّ منه.
فالتقى المسلمون، فقتل من قتل، ثم أقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عمر آخذ باللجام، و العباس آخذ بالثفر، فنادى العباس: أين المهاجرون، أين أصحاب سورة البقرة؟ ! -بصوت عال-هذا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .
فأقبل المسلمون، و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقول:
«أنا النبي لا كذبأنا ابن عبد المطلب» .
فجالدوهم بالسيوف، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : الآن حمي الوطيس» (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 66 و ج 5 ص 328 عن ابن مردويه، و البيهقي، و ابن عساكر، و راجع: إعلام الورى ص 122 و البحار ج 21 ص 167 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 111 و السيرة الحلبية ج 3 ص 109 و 114 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 62 و 63 و راجع: مجمع الزوائد 6 ص 183 و المعجم الكبير للطبراني ج 7 ص 298 و كنز العمال ج 10 ص 545 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 359 و الإكليل للكرباسي ص 547 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 254 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 583 و 584 و البداية و النهاية ج 4 ص 381 و إمتاع الأسماع ج 14 ص 17 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 632 و أخبار مكة للفاكهي ج 5 ص 94 و معجم الصحابة ج 1 ص 335 و دلائل النبوة للإصبهاني ج 1 ص 49 و 228 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 146 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 447.
و نقول:
إن في هذه الرواية مواضع للتأمل، نذكر منها:
1-أن جميع النصوص التي ذكرناها حول ثبات علي «عليه السلام» و بضعة نفر من بني هاشم احتوشوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمنع وصول الأعداء إليه، يدل على عدم صحة ما زعموه من أن عمر بن الخطاب كان مع من ثبت في مكة.
2-قد تقدم: أن أم الحارث الأنصارية و أحد الصحابة الآخرين سأل عمر بن الخطاب عن سبب هزيمته، حين مر عليه، فقال: أمر اللّه (1).
2-إن حديث نسيبة بنت كعب المازنية المتقدم برقم (6) صريح في: أن عمر كان فارا مع الفارين، فراجع.
3-أضف إلى ذلك: أن عثمان الحجبي الذي يعترف أنفا بأنه لم يخرج إلى حنين لأجل الدفاع عن الدين و أهله، و إنما بدافع الحميّة الجاهلية. . لا يمكن أن يكون صادقا في أمر يكذبه فيه سائر الصحابة، و فيهم الأبرار و الأخيار، بل يكذبه فيه حتى من لا يحب أن تثبت فضيلة لعلي «عليه السلام» ، و لا أن تنسب سقطة لأمثال عمر و أبي بكر، و سائر من يؤيدهما. .
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 326 عن البخاري، و مسلم، و البيهقي، و أشار في هامشه إلى: مسلم ج 3 ص 1402(81) ، و البيهقي في الدلائل ج 5 ص 140 و 141 و إلى الدر المنثور ج 3 ص 221. و إعلام الورى ص 122 و البحار ج 21 ص 150 و 167 و المغازي للواقدي ج 3 ص 904 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 624 و راجع ص 623 عن البخاري، و بقية الجماعة، و تفسير القمي ج 1 ص 287 و السيرة الحلبية ج 3 ص 108 و مصادر أخرى تقدمت.
4-إن نفس الرواية قد أكدت كفر راويها، فهو بنفسه قد أثبت الكفر لنفسه، على لسان سيد الأنبياء و المرسلين «صلى اللّه عليه و آله» . حيث إنه ذكر أنه رأى خيلا بلقا (يقصد الملائكة الذين أنزلهم اللّه لنصرة نبيه) ، فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «يا شيبة، إنه لا يراها إلا كافر» .
و قد خاطب اللّه تعالى المسلمين بقوله: وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا (1).
و أما ما ادّعاه: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ضرب بيده في صدره، فصار أحب الناس إليه، فهو لا يعدو كونه ممن يريد أن يجر النار إلى قرصه، ليدفع التهمة عن نفسه.
و في جميع الأحوال نقول:
إن من يعترف على نفسه بالكفر، و ينقل لنا شهادة النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بذلك عليه، كيف يمكن أن يكون مأمونا فيما ينقله، و لا سيما إذا خالفه فيه سائر الصحابة الذين حضروا تلك المشاهد؟ !
5-إن الراوي الذي حاول أن يخلط الأمور و القضايا، و يحشر اسم عمر في الرواية و يجعله آخذا بلجام البغلة، و يجعل العباس ممسكا بثفرها. لم يوضح لنا عن أي ساعات القتال يتحدث. . كما أنه لم يذكر شيئا عن الهزيمة التي مني بها المسلمون. . و هذا سياق غريب، لا يتردد أحد يقف عليه، و يقارن بينه و بين سواه، في الحكم بأنه مسوق للتضليل و التعمية، و تضييع الحقيقة على طالبها.
6-و أخيرا. . ما هذا التحول الذي حصل في قلب شيبة؟ ! و كيف
1) الآية 26 من سورة التوبة.
يمكن تصديقه، فإننا لا ننكر أن يكون لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كرامات و معجزات، و لكن لا يمكن قبول هذا الأمر إذا كان يتعلق بتعطيل الإختيار، و فرض الإيمان على الناس، من خلال التصرف التكويني، و القهر الإلهي، من دون أن يكون لمن يفعل به ذلك أية رغبة في الحصول على هذا الأمر، بل تكون رغبة بالحصول على المزيد من البعد، و يكون طريقه الذي ارتضاه لنفسه هو طريق الجحود و اللجاج و العناد.
نعم، إن هذا الأمر مرفوض جملة و تفصيلا، فإن اللّه تعالى، يريد للإنسان نفسه ان يختار الإيمان، و يندفع إليه برضا منه، و قد أخذ على نفسه أن يمد هذا الطالب و المندفع بالتوفيقات و الألطاف و العنايات على قاعدة: وَ اَلَّذِينَ اِهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً وَ آتٰاهُمْ تَقْوٰاهُمْ (1)و فَلَمّٰا زٰاغُوا أَزٰاغَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ وَ اَللّٰهُ لاٰ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفٰاسِقِينَ (2)و قاعدة: أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ اَلنّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3)و فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ (4).
و لا بأس بأن نشير هنا إلى أنهم ينسبون إلى عباس بن مرداس قوله:
فإن سراة الحي إن كنت سائلاسليم و فيهم منهم من تسلما
و جند من الأنصار لا يخذلونهأطاعوا فما يعصونه ما تكلما
فإن تك قد أمرت في القوم خالداو قدمته فإنه قد تقدما
بجند هداه اللّه أنت أميرهتصيب به في الحق من كان أظلما
حلفت يمينا برة لمحمدفأكملتها ألفا من الخيل ملجما
و قال نبي المؤمنين تقدمواو حب إلينا أن تكون المقدما
و بتنا بنهي المستدير و لم تكنبنا الخوف إلا رغبة و تحزما
أطعناك حتى أسلم الناس كلهمو حتى صبحنا الجمع أهل يلملما
يضل الحصان الأبلق الورد وسطهو لا يطمئن الشيخ حتى يسوما
لدن غدوة حتى تركنا عشيةحنينا و قد سالت دوامعه دما
سمونا لهم ورد القطازفة ضحىو كل تراه عن أخيه قد احجما
إذا شئت من كل رأيت طمرةو فارسها يهوي و رمحا محطما
و قد أحرزت منا هوازن سربهاو حب إليها أن نخيب و نحرما (1)
و نقول:
إن من يراجع كتب السيرة و التاريخ سيرى أمامه العديد من القصائد، و المقطوعات الشعرية، المتضمنة للإفتخار بدور بني سليم في حرب حنين، و أكثرها منسوب إلى أحد رؤساء هذه القبيلة، و هو العباس بن مرداس السلمي. .
هذا بالإضافة إلى الثناء على خالد، و تحسين تأميره على المقدمة في حرب حنين. .
غير أنه قد تقدم منا في بعض الفصول: أن خالدا لم يكن ناجحا في قيادته، و خصوصا في حرب حنين، و كان في المنهزمين الأوائل في ساحة القتال (2).
و هكذا الحال بالنسبة لقبيلة سليم-التي كانت تفخر بأن ألفا منها قد حضروا في حنين (3)-فإنها إما تبعت أهل مكة في الهزيمة، و قد كانوا معا في
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 347 و تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 424 و 425 و البداية و النهاية ج 4 ص 394 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 913 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 651.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 317 عن الواقدي، و تاريخ الخميس ج 2 ص 101 و راجع: تفسير البغوي ج 2 ص 278.
3) راجع: تفسير القمي ج 1 ص 287 و البحار ج 21 ص 149 عنه، و شجرة طوبى ج 2 ص 307 و التفسير الأصفى ج 1 ص 459 و تفسير مجمع البيان ج 5 ص 34 و التفسير الصافي ج 2 ص 331 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 199 و تفسير الميزان ج 9 ص 231.
المقدمة. و إما أنها كانت هي المبادرة للفرار، و تبعها الناس في ذلك لا يلوون على شيء (1). و بقي علي أمير المؤمنين «عليه السلام» وحيدا في ساحة القتال، بالإضافة إلى نفر من بني هاشم احتوشوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لكي يمنعوا المشركين من الوصول إليه، و إلحاق الأذى به. .
إن الأشعار المنسوبة للعباس بن مرداس إنما تهدف إلى تزوير الحقيقة، و تبييض صفحة بني سليم، و خالد، و لو عن طريق إشاعة الأباطيل و الأكاذيب. و لا شيء أكثر من هذا. . و بطلان هذه الإدعاءات كالنار على المنار، و كالشمس في رابعة النهار. . و قد خاب من افترى.
و لا ندري كيف يمكن تفسير ما ورد في بعض الروايات المتقدمة: من أن المسلمين حنقوا على المشركين، فقتلوهم حتى أسرع القتل في ذراري المشركين، حتى اضطر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى النداء:
«ألا لا تقتل الذرية، ألا لا تقتل الذرية» ثلاثا (2).
أولا: إن المشركين كانوا يعدون بالألوف، إن لم نقل بعشرات الألوف. . و مجموع من قتل منهم كان حوالي مائة، كما تقدم، و سيأتي. . و أكثر قتلى المشركين قتلوا على يد علي «عليه السلام» ، فإنه «عليه السلام» بعد قتل أبي جرول قتل أربعين رجلا، و لا ندري كم قتل قبل ذلك. . و قد كان قتل أبي جرول-حسبما تقدم-هو السبب في كسر شوكة المشركين، و في هزيمتهم.
و لو أردنا تصديق ما زعموه: من أن أبا طلحة قتل عشرين رجلا من المشركين، و حصل على سلبهم، و أضفنا إلى ذلك الأسير الذي قتله عمر بن الخطاب، و الأسير الذي قتله أم عمارة و الرجل الذي زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قتله. . و أضفنا إلى ذلك المرأة التي قتلها خالد، و الذراري الذين قتلوا من دون مبرر، فلا يبقى سوى قلة قليلة جدا لا تستحق هذه المبالغات، التي يتخيل سامعها أن المسلمين قد حصدوا مئات من المشركين في فورة حنقهم. .
و في جميع الأحوال يبقى السؤال قائما: أين أمعن المسلمون في قتل رجال المشركين؟ ! و ما هي حصيلة هذا الإمعان سوى ما ذكرناه؟ ! .
ثانيا: إذا كان المسلمون عشرة آلاف، أو اثنا عشر ألفا، و يقابلهم ضعف أو أضعاف عددهم من المشركين، قيل: أربعة و عشرون، بل ثلاثون ألفا، فلا بد أن نتوقع سقوط عدد من القتلى يتناسب مع عدد الجيشين، و لو بأن يقتل واحد من كل عشرة من المشركين، و واحد من كل مائة من المسلمين. .
و هذا معناه: أن تكون الحصيلة النهائية تعد بالمئات بل بالألوف. و لا سيما مع الحنق و الهيجان المنسوب للمسلمين، و مع الإسراع في القتل المنسوب إليهم في المشركين، حتى تجاوز الرجال إلى الذرية. .
ثالثا: إن المسلمين قد حاربوا أعداءهم طيلة ثماني سنوات في عشرات الحروب، فما معنى أن يجهل أسيد بن حضير، و هو الرجل الذي يعظمونه و ينسبون إليه المقامات و الفضائل، و هو ينافس على زعامة قبائل الأوس كلها في المدينة. كيف و ما معنى أن يجهل أنه لا يحق لأحد أن يقتل ذرية، و لا عسيفا، و لا امرأة، و لا شيخا؟ !
و هذه هي وصية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لكل بعوثه، و فيها يقول: «لا تقتلوا شيخا فانيا، و لا صبيا، و لا امرأة» (1).
1) تذكرة الفقهاء (ط ج) ج 9 ص 63 و 65 و تذكرة الفقهاء (ط ق) ج 1 ص 412 و منتهى المطلب (ط ق) ج 2 ص 908 و 911 و 912 و التحفة السنية (مخطوط) ص 199 و رياض المسائل ج 7 ص 502 و 507 و جواهر الكلام ج 21 ص 66 و 73 و المغني لابن قدامه ج 10 ص 542 و الشرح الكبير لابن قدامه ج 10 ص 399 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 297 و بداية المجتهد و نهاية المقتصد لابن رشد الحفيد ج 1 ص 308 و نيل الأوطار ج 8 ص 72 و 73 و فقه السنة ج 2 ص 641 و المحاسن للبرقي ج 2 ص 355 و الكافي ج 5 ص 27 و 30 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 138 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 15 ص 58 و (ط دار الإسلامية) ج 11 ص 43 و البحار ج 19 ص 177 و ج 97 ص 25 و جامع أحاديث الشيعة ج 13 ص 117 و 148 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 32 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 345 و ميزان الحكمة ج 1 ص 565 و 566 و سنن أبي داود ج 1 ص 588 و عمدة القاري ج 14 ص 261 و عون المعبود ج 7 ص 196 و 237 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 654 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 31 و الإستذكار لابن عبد البر ج 5 ص 32 و 33 و التمهيد لابن عبد البر ج 24 ص 233 و نصب الراية للزيلعي ج 4 ص 235 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر ج 2 ص 116 و كنز العمال ج 4 ص 382 و فيض القدير ج 2 ص 76 و تفسير نور الثقلين ج 2 ص 188 و الدر المنثور ج 1 ص 205 و تهذيب الكمال للمزي ج 8 ص 151 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 7 و السيرة الحلبية ج 3 ص 135.
بل إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل إلى خالد يقول له: «لا تقتل ذرية و لا عسيفا» (1). و هم و إن لم يصرحوا باسم الغزوة التي أرسل إليه فيها هذا الأمر، لكنها إما حنين، و إما الفتح بلا شك، لأن الرواية صرحت: بأنه قتلها بعد ما جرى على المقدمة التي كانت بقيادته ما جرى.
و من المعلوم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يجعله على مقدمته بعد حنين.
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 335 عن أحمد، و أبي داود، و في هامشه عن أحمد ج 3 ص 488 و (ط دار صادر) ج 4 ص 178 و عن أبي داود في الجهاد ج 2 ص 50 و عن المعجم الكبير للطبراني ج 5 ص 70 و (ط دار إحياء التراث العربي) ج 4 ص 11 و معاني الآثار ج 3 ص 222 و سنن ابن ماجة (2842) و مستدرك الحاكم ج 2 ص 122 و راجع: سبل السلام ج 4 ص 49 و فتح الباري ج 6 ص 103 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 201 و ج 6 ص 132 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 187 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 112 و التمهيد لابن عبد البر ج 16 ص 141 و كنز العمال ج 4 ص 433 و 482 و لسان الميزان ج 4 ص 202 و النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 157 و لسان العرب ج 4 ص 304 و ج 14 ص 286 و تاج العروس ج 6 ص 436.
فما معنى أن يسأل أسيد بن حضير هذا السؤال إلا إذا كان يرى أن في أوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ما يكون خطأ و غير معقول؟ !
و لنترك أسيد بن حضير، لنسأل عن غيره من المسلمين الحانقين الذين فتكوا بالذرية، فنسأل أيضا: لماذا عصوا أوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و توجيهاته لهم، و هي لم تزل تتلى على مسامعهم، عند إرسال كل سرية أو بعث؟ !
رابعا: إن الإسراع في قتل الذرية معناه: أنهم قد انتقلوا من ساحة المعركة، إلى موضع وجودها، إذ إن الذرية لا تكون في ساحة القتال، بل تجعل مع النساء بعيدا عن موضع الخطر، لكي لا ينالها مكروه في حالات الكر و الفر. .
و هذا يشير إلى أنهم إنما فعلوا بالذرية ذلك في حال لم تكن هوازن قادرة على التفكير بهم، و الدفع عنهم. و ليس ذلك إلا حال فرارها من سيف علي «عليه السلام» ، و من جند اللّه تعالى، فشغلها ذلك عن التفكير بأي شيء آخر، فاغتنم المسلمون الفارّون الفرصة للفتك بذرية المشركين في نفس هذه اللحظات. .
و هذه رذيلة، و ليست فضيلة، و هي تدل على منتهى العجز و الخوار، و ليست دليل بسالة و شجاعة.
خامسا: إن ما نسبوه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أنه قال لأسيد بن حضير: «أليس خياركم أولاد المشركين» ، يبقى هو الآخر موضع ريب و شك.
و لعل الصحيح، هو: أنه قال له: أليس تقولون (أو أليس تزعمون) أن
خياركم الخ. .
أو لا بد من حمل كلامه على أنه أجراه وفق ما يعتقده ابن حضير، و من تابعه حيث يوهمون أنفسهم بأنهم خيار الناس، فهو سؤال تقريري أجراه على ظاهر الحال منه. .
و إلا، فالحقيقة هي: أن خيار الناس هم أولاد الموحدين و هم النبي «صلى اللّه عليه و آله» و أهل بيته الطاهرون. . ثم يأتي الناس بعدهم على مراتبهم.
و أخيرا نقول:
أولا: قد اتضح: أن ظواهر الأمور تعطي: بأن بعض الناس، العاجزين، و غير الملتزمين بأوامر النبي «صلى اللّه عليه و آله» و توجيهاته، قد بادروا إلى قتل الذرية، فنهاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
و يدل على ذلك: نفس قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما بال أقوام بلغ بهم القتل حتى بلغ الذرية» ؟ ! . .
ثانيا: إن نفس كلمات النبي «صلى اللّه عليه و آله» أيضا تشير إلى أن ما يفعله هؤلاء في الذرية كان بدافع الحقد و شهوة القتل، و لذلك قال «صلى اللّه عليه و آله» لهم: «بلغ بهم القتل حتى بلغ الذرية. .» أي إن حب و شهوة القتل نفسه قد ساقهم إلى هذا الحد غير المعقول و لا المقبول. .
و هذا في حد نفسه رذيلة لا بد من التنزه عنها، بل هو مرض لا بد من علاجه، و تخليص النفوس منه. .
و أما الحديث عن نذر قتل ذلك الرجل الذي تاب إلى اللّه، و عدم قبول
النبي «صلى اللّه عليه و آله» البيعة منه حتى يفي ذلك الناذر بنذره، فهو غير مقبول، بل غير معقول. .
أولا: لأن ذلك الرجل إذا كان قد أقلع عما كان عليه، و تاب إلى اللّه، فكيف يسمح النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتله، و هل يحق له أن يفرط فيه بعد توبته. . أ و لم يصرح القرآن بأن اللّه تعالى هُوَ اَلَّذِي يَقْبَلُ اَلتَّوْبَةَ عَنْ عِبٰادِهِ (1)، و قال تعالى: وَ إِنِّي لَغَفّٰارٌ لِمَنْ تٰابَ (2).
ثانيا: هل يصح الإمساك عن مبايعة رجل جاء تائبا إلى اللّه تعالى، و اخذه بما سلف منه؟ !
ثالثا: هل يصح نذر ذلك الرجل في أمر كهذا؟ ! . و هل يجب عليه أن يفي به، بعد أن كان أمر الأسرى لا يعود إليه، بل هو بيد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
و المفروض: أن ذلك قد نذر قتله بعد أسره لا قبله. و ليس لأحد أن ينذر في حق الأسرى، أي شيء من دون إذنه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن أصبحوا في عهدة النبي، و صار أمرهم إليه «صلى اللّه عليه و آله» .
و هل هذا إلا مثل أن ينذر أحد أن يتصدق بمال غيره، أو أن يعتق عبد جاره، أو أن يطلق زوجة أخيه؟ ! . و ما إلى ذلك. .
و زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمر المسلمين بقتل من قدروا
عليه من المشركين، و أنه قال لهم: اجزروهم جزرا، و أومأ بيده إلى الحلق (1).
و هو كلام مكذوب على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بلا ريب، فإن المطلوب إذا كان ذلك، فلماذا لم يقتلهم حين قدر عليهم، و أسرهم؟ !
يضاف إلى ذلك: أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما يريد بحربه لهم دفع شرهم، و إبطال كيدهم، و إيقافهم عند حدهم، ثم هدايتهم إلى الحق. و لا يريد أن يتشفى منهم، لأنه لم يكن يحقد عليهم؛ بل كانت نفسه «صلى اللّه عليه و آله» تذهب حسرات على الضالين و المشركين، و قد خاطبه اللّه تعالى بقوله: فَلاٰ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰاتٍ (2)، و قوله: فَلَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ عَلىٰ آثٰارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهٰذَا اَلْحَدِيثِ أَسَفاً (3)، و كان «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون» (4). حتى و هم يقاتلونه،
1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 332 عن ابن إسحاق، و البزار، و في هامشه عن: مجمع الزوائد ج 6 ص 182.
2) الآية 8 من سورة فاطر.
3) الآية 6 من سورة الكهف.
4) البحار ج 11 ص 298 و ج 20 ص 21 و 96 و 117 و ج 21 ص 119 و ج 35 ص 177 و شجرة طوبى ج 2 ص 204 و سنن النبي «صلى اللّه عليه و آله» للطباطبائي ص 413 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 164 و التحفة السنية (مخطوط) ص 52 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 166 و اثنا عشر رسالة للمحقق الداماد ج 8 ص 26 و تأويل مختلف الحديث ص 150 و تفسير مجمع البيان ج 4 ص 279 و تفسير الميزان ج 6 ص 60 و جامع البيان ج 22 ص 192 و معاني القرآن ج 5 ص 487 و زاد المسير ج 6 ص 268 و تفسير القرآن العظيم ج 3 ص 575 و الدر المنثور ج 2 ص 298 و ج 3 ص 94 و تفسير الثعالبي ج 2 ص 104 و فتح القدير ج 2 ص 61 و تاريخ مدينة دمشق ج 62 ص 247 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 301 ص 683 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 105 و إعلام الورى بأعلام الهدى ج 1 ص 179 و عصمة الأنبياء ص 78 و عيون الأثر ج 2 ص 421 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 481 و ج 7 ص 21 و 22 و قصص الأنبياء للجزائري ص 83.
و يحاولون سفك دمه.
و قد صرحت الروايات المتقدمة: بأن نتائج حرب حنين، قد دعت الكثيرين من المكيين إلى الدخول في الإسلام. قالوا:
«و أسلم عند ذلك ناس كثير من أهل مكة، حين رأوا نصر اللّه تعالى رسوله، و إعزاز دينه» (1).
و لسنا بحاجة إلى بذل أي جهد في توضيح حقيقة: أن إسلام هؤلاء الناس من أهل مكة، لم يكن لأجل انصياعهم لما تحكم به عقولهم، و تقودهم إليه فطرتهم، و لا كان ذلك حبا بالحق، و التذاذا بالهدى، و بخوعا و انقيادا لما تفرضه المعجزة القاهرة، و البراهين الظاهرة.
و لكن إسلامهم كان انصياعا للقوة و استجابة لإغراءاتها، و تأثرا
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 332 و إعلام الورى ص 122 و 123 و البحار ج 21 ص 67 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 378 و عن السيرة النبوية ج 3 ص 627 و تاريخ الخميس ج 2 ص 105 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 114 و راجع المصادر المتقدمة.
باقتضاءاتها، فقد رأوا نصر اللّه رسوله، و إعزازه دينه، و يعتبرون أن أمرا من هذا القبيل يعنيهم، و لا بد لهم من البحث عنه، و الحصول عليه، لأنه يمثل مظهرا من مظاهر الحياة الدنيا، و ربما يكون من أقوى السبل إليها، و الحياة الدنيا هي محط أنظارهم، و مهوى أفئدتهم. .
فالإنتصار، و الإعزاز كانا السبب الأقوى لإظهارهم الإسلام، و هذه هي نظرة الضعفاء قليل الحظ في العلم و الثقافة و المعرفة، و المفلسين من القيم و المثل، و البعيدين عن التفاعل الروحي مع الأحداث، و الفاقدين لتوهج المشاعر، و لحياة العواطف. . فانحسر دور هذه المؤثرات، لتتفرد الأهواء و الغرائز بمسار الإنسان، و بمصيره، دونما و ازع من ضمير، أو رادع من وجدان.
قالوا: لما هزم اللّه تعالى هوازن، أتوا للطائف، و معهم مالك بن عوف، و عسكر بعضهم بأوطاس، و توجه بعضهم نحو نخلة، بنو عيرة من ثقيف.
فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خيلا تتبع من سلك نخلة و لم تتبع من سلك الثنايا.
و أدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة، من بني سليم، دريد بن الصمة، فأخذ بخطام جمله، و هو يظن أنه امرأة، و ذلك أنه في شجار له، فإذا هو رجل، فأناخ به و هو شيخ كبير، ابن ستين و مائة سنة، فإذا هو دريد، و لا يعرفه الغلام.
فقال له دريد: ما تريد؟
قال: أقتلك.
قال: و ما تريد إلى المرتعش الكبير الفاني؟
قال الفتى: ما أريد إلا ذاك.
قال له دريد: من أنت؟
قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي.
قال: فضربه، فلم يغن شيئا.
فقال دريد: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي من وراء الرحل في الشجار، فاضرب به، و ارفع عن العظم، و اخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فربّ يوم قد منعت فيه نساءك.
فزعمت بنو سليم: أن ربيعة لما ضربه فوقع، تكشف للموت، فإذا عجانه و بطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل.
فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، قالت: و اللّه لقد أعتق أمهات لك ثلاثا في غداة واحدة، و جز ناصية أبيك.
فقال الفتى: لم أشعر (1).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 333 و 334 عن ابن إسحاق، و الواقدي، و غيرهما. و المغازي للواقدي ج 3 ص 914 و 915 و السيرة الحلبية ج 3 ص 112 و (ط دار المعرفة) ص 72 و تاريخ الخميس ج 2 ص 107 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 351 و الإستيعاب ج 2 ص 491 و تاريخ مدينة دمشق ج 17 ص 237 و 238 و 242 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 264 و البداية و النهاية ج 4 ص 386 و أعيان الشيعة ج 1 ص 280 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 640 و أسد الغابة ج 2 ص 167 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 589 و الوافي بالوفيات ج 14 ص 9 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 901 و الإكتفاء ج 2 ص 246 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 92.
و قالوا أيضا: و وقف مالك بن عوف على ثنية من الثنايا، و شبان أصحابه، فقال: قفوا حتى يمضي ضعفاؤكم، و تلتئم إخوانكم. فبصر بهم الزبير بن العوام، فحمل عليهم حتى أهبطهم من الثنية، و هرب مالك بن عوف، فتحصن في قصر بلية. و يقال: دخل حصن ثقيف (1).
و نقول:
إننا نلاحظ على ما تقدم:
1-قال اليعقوبي: «و قتل دريد بن الصمة، فأعظم الناس ذلك. فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إلى النار و بئس المصير، إمام من أئمة الكفر، إن لم يكن يعين بيده، فإنه يعين برأيه، قتله رجل من بني سليم» (2).
و هذا دليل واضح على أن قتل دريد بن الصمة كان عملا صائبا، و محمودا، فإن هذا الشيخ مع كبر سنه قد حرص على إطفاء نور اللّه، و أصرّ على محاربة الأنبياء، و خذلان الحق، و نصرة الباطل، فهل هناك من هو أسوأ
من هذا. .
فلو أنه بعد أن بلغ من الكبر عتيا. . ندم على ما فرط منه طيلة حياته الحافلة بالظلم و العدوان و قتل الناس. . كما اعترف به آنفا، و اعتزل في بيته على أقل تقدير، و نصح من يأخذ عنه، و يسمع منه بالعمل بما يحفظ لهم كرامتهم، و يؤكد المعاني الإنسانية النبيلة فيهم، لكان خيرا له و لهم. .
و لكنه بالرغم من ظهور عدم طاعة مالك له، أصر على البقاء الذليل معه في ذلك الجمع. آملا أن يتمكن من عمل أي شيء ضد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و من معه من المؤمنين. مع اعترافه لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بأنه ليس كسائر الناس شمما و كرما. .
و مع اعترافه أيضا: أنه قد أظهر لمالك بن عوف و لغيره بأنه على معرفة تامة بما كان يجري في المنطقة من تحولات. . مما يعني: أنه يفعل ما يفعل عن سابق علم و تصميم، و هذا يزيد في وضوح سوء نيته، و خبث طويته، و هو لا يستحق أي نوع من أنواع الرأفة و التسامح.
3-لقد أحسن هذا الشاب فيما أجاب به أمه حين عتبت عليه لعدم تكرّمه على ابن الصمة بالعفو عنه، حيث أوضح لها: أنه لم يكن ليتكرم بما يوجب غضب اللّه و رسوله. . فقد قال لها: ما كنت لأتكرم عن رضا اللّه و رسوله (1).
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 112 و (ط دار المعرفة) ص 72 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و الإصابة ج 2 ص 464 و (ط دار الكتب العلمية) ص 387.
و هذا يدل: على أنه قد قتله عن معرفة تامة باستحقاقه للقتل، و لم يكن ذلك عن رغبة في سفك دماء الناس، كما ربما توحي به رواية قتله التي ذكرها الصالحي الشامي و غيره. .
4-قيل: إن قاتل دريد هو: الزبير بن العوام، و قيل: هو عبد اللّه بن قنيع (أو قبيع) (1). و الحديث المتقدم لا مجال لتطبيقه على الزبير، كما هو ظاهر. .
5-إن سياق حديث قتل ابن الصمة قد يوحي: بأن دريدا كانت له أعمال صالحة تشير إلى أنه كان يملك درجة من النبل، و كرم الطباع، و صالح السجايا، من حيث إنه كان يعتق النساء، و يطلق الأسرى، بعد أن يجز ناصيتهم. .
و لكن الحقيقة هي: أن ذلك لا يكفي لإثبات أن عتقه للنساء، و إطلاقه للأسارى قد كان بدافع إنساني، يستحق معه بعض التكريم، و التعظيم، أو يوجب التعامل معه بشيء من التسامح. . إذ لعله كان يفعل ذلك للحصول على ما هو أفضل من ذلك، في الموقع المناسب. . أو لأجل الحصول على السمعة في الدنيا. . أو ما إلى ذلك.
و يؤيد ما نقول:
أنه كان يهتم بسفك دماء الناس، و له شهرة واسعة في ذلك. . فمن كان
1) السيرة الحلبية ج 3 ص 112 و (ط دار المعرفة) ص 72 و تاريخ الخميس ج 2 ص 107 و راجع: و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و الدرر لابن عبد البر ص 227 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 902 و فتح الباري ج 8 ص 34 و عمدة القاري ج 17 ص 302 و أسد الغابة ج 3 ص 244 و الإصابة ج 4 ص 21.
كذلك، كيف نتوقع أن يكون عتقه للنساء بدافع إنساني يستحق معه العفو؟
و لو فرض أنه يستحق العفو لإطلاق سراح النساء، فهل يستحق العفو بالنسبة للأبرياء الذين قتلهم في كل تاريخه الطويل؟ !
6-و أما الحديث عن عجانه و بطون فخذيه و أنها كانت كالقرطاس من ركوب الخيل، فهو كلام فارغ، لا يعدو كونه مبالغات دأب عليها الناس في مثل هذه الأحوال، رغبة منهم في تهجين الأمور. و إلا، فإن الإنسان لو ركب الخيل عشرات السنين، فلا يتحول عجانه و باطن فخذيه إلى هذه الحالة.
نعم، ربما يكون كبر سنه و ضعف بدنه قد أوجد حالة من الترهل و الإسترخاء. . و ذلك يحصل لكل من طعن في السن، فكيف إذا بلغ مائة و عشرين، أو مائة و ستين، أو حوالي مائتي سنة؟ !
قالوا: و خرج مالك بن عوف عند الهزيمة، فوقف في فوارس من قومه على ثنية من الطريق، و قال لأصحابه: قفوا حتى تمضي ضعفاؤكم، و تلحق أخراكم، فوقف هنالك حتى مرّ من كان لحق بهم من منهزمة الناس.
قال ابن هشام: و بلغني: أن خيلا طلعت و مالك و أصحابه على الثنية، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟
قالوا: نرى أقواما عارضي رماحهم، أغفالا على خيلهم.
قال: هؤلاء الأوس و الخزرج، فلا بأس عليكم منهم، فلما انتهوا إلى أصل الثنية، سلكوا طريق بني سليم.
فقال لأصحابه: ما ذا ترون؟
قالوا: نرى قوما واضعي رماحهم بين آذان خيلهم، طويلة بوادّهم.
قال: هؤلاء بنو سليم، و لا بأس عليكم منهم، فلما سلموا سلكوا بطن الوادي.
ثم اطلع فارس، فقال لأصحابه: ماذا ترون؟
قالوا: نرى فارسا طويل البادّ، واضعا رمحه على عاتقه، عاصبا رأسه بملاءة حمراء.
قال: هذا الزبير بن العوام، و أحلف باللآت و العزى ليخالطنكم فاثنوا له.
فلما انتهى الزبير إلى أصل الثنية أبصر القوم، فصمد لهم فلم يزل يطاعنهم حتى أزاحهم عنها (1).
و نقول:
إننا نشك في صحة هذه الأقاويل. .
أولا: لأن النصوص قد صرحت: بأن مالك بن عوف حين فرّ في حنين، قد بلغ في فراره إلى حصن الطائف، و كان الذعر قد بلغ بالمشركين المنهزمين حدا جعلهم يشعرون و كأن عدوهم يدخل على أثرهم إلى حصن الطائف (2).
و لم يكن المنهزمون قادرين على انتظار أحد من الناس، لا من ضعفتهم،
و لا من غيرهم حتى يلحق بهم، و لا ليجرؤا على الوقوف على ثنية، و يراقبوا كتائب المسلمين و هي تلاحقهم، و يميزوا بين هذه و تلك. .
و كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل الخيل لتلاحقهم كما يقولون، فلم يكونوا ليجدوا الفرصة ليصعدوا على ثنية و لا على غيرها (1).
ثانيا: إن المسلمين كما تقدم: لم يعودوا إلى القتال، بل عادوا فوجدوا أسرى المشركين مكتفين عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فهم لم يلاحقوا المنهزمين. .
أو على الأقل: إن النصوص غير قادره على إثبات ذلك. .
ثالثا: هل كان الزبير وحده في تلك البيداء؟ ! و لماذا كان وحده؟ ! و إذا كانت لديه هذه الشجاعة، و الروحية، و المقدرة، فلماذا هرب مع الهاربين. . و استحق العقاب الإلهي، مع من عوقب و طولب، و ليم و أنّب؟ !
كما أننا لا بد أن نسأل: كيف انتهت المناوشات بينه و بين الذين على الثنية، فهل قتلهم أم قتلوه، أو هزمهم أو هزموه، أو انصرف عنهم، و انصرفوا عنه؟ !
و هل لحق به أحد فعاونه عليهم، أم بقي وحده بينهم؟ ! أم أن مقصوده هو مجرد إزاحتهم عن الثنية ثم لا شغل له بهم؟ !
رابعا: إن عرض الرماح على الخيل معناه: الإعراض عن الحرب، أو الإستهتار بالعدو، لأن معنى عرضها هو: وضعها على العرض، قال الشاعر:
جاء شقيق عارضا رمحهإن بني عمك فيهم رماح
فلماذا يعرض الأوس و الخزرج رماحهم، فإن كان ذلك استهتارا
1) المغازي للواقدي ج 3 ص 914.
بالعدو، فلماذا هربوا منه قبل قليل؟ ! . و إن كان إعراضا عن الحرب، فالمفروض: أنهم يطاردون المنهزمين في كل اتجاه، و لا بد أنهم يستعملون تلك الرماح في تلك المطاردة.
خامسا: ما معنى تسليم سليم على الواقفين على الثنية، هل عرفوا: أن الذين على الثنية هم مالك بن عوف، و أصحابه؟ ! فلماذا سلموا عليهم، و تركوهم، و لم يناجزوهم القتال؟ !
و إن كانوا قد ظنوا أنهم من أصحابهم، فلماذا تركوهم أيضا لم يدعوهم إلى النزول إلى ساحات القتال؟ !
أو على الأقل: لماذا لم يسألوهم عن حالهم، و عن سبب وقوفهم على الثنية؟ !
فإن حال هؤلاء الواقفين مريب على جميع الأحوال. .
قال اليعقوبي: «و كان جميع من استشهد أربعة نفر» (1).
ذكروا: أن الذين استشهدوا من المسلمين في حرب حنين كانوا خمسة رجال فقط، و هم:
1-أيمن بن عبيد اللّه بن زيد الخزرجي، و ابن أم أيمن.
2-و سراقة بن الحارث الأنصاري.
3-و رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان.
1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 63 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112.
4-و أبو عامر الأشعري أصيب بأوطاس، كما سيأتي.
5-و يزيد بن زمعة بن الأسود، جمح به فرس يقال له: الجناح، فقتل.
و استحر القتل من ثقيف في بني مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد اللّه بن الحارث.
و كانت رايتهم مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد اللّه، فقاتل حتى قتل. و لما بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قتله، قال: «أبعده اللّه، فإنه كان يبغض قريشا» (1).
قال دحلان: «قتل من المشركين وقت الحرب أكثر من سبعين. قيل: و في الإنهزام أكثر من ثلاثمائة» (2).
و نقول:
لو صح هذا لوجب أن تكون الهزيمة قد وقعت أولا على المشركين، فلماذا انهزم المسلمون إذن. .
و من جهة أخرى: فقد روي عن عبد اللّه بن الحارث، عن أبيه قال: قتل
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 334 و في هامشه عن المصادر التالية: عبد الرزاق (19904) و ابن أبي عاصم ج 2 ص 638 و ابن سعد ج 5 ص 380، و ابن أبي شيبة ج 12 ص 173 و العقيلي في الضعفاء ج 4 ص 350 و راجع: ج 2 ص 350 و البداية و النهاية ج 4 ص 383 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 899 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 635.
2) السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112.
من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر (1).
و تقدم: أن عليا «عليه السلام» قد قتل بعد أبي جرول أربعين رجلا (2)، أما من قتلهم «عليه السلام» قبل ذلك، فاللّه أعلم بعدتهم. كما أن مجموع من قتلهم علي «عليه السلام» في حنين، لم يذكره لنا التاريخ، و لا تحدثت عنه الروايات.
و كان مجموع من قتل من المشركين مائة رجل (3).
و بعد أن انهزمت هوازن استمر القتل في ثقيف في بني مالك منهم، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم، التي كانت أولا مع ذي الخمار، فقتل. فأخذها عثمان بن عبد اللّه بن ربيعة، فقتل أيضا.
بالنسبة لقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أبعده اللّه، فإنه كان يبغض قريشا (4)، نقول:
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 334 عن البيهقي، و راجع: المستدرك للحاكم ج 2 ص 121 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 582 و البداية و النهاية ج 4 ص 380 و إمتاع الأسماع ج 5 ص 70 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 630 و التاريخ الكبير ج 7 ص 19 و نعجيل المنفعة ج 1 ص 325 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 142.
2) الإرشاد ج 1 ص 142-144 و البحار ج 41 ص 94 عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 604-606.
3) البحار ج 21 ص 181 و مجمع البيان ج 5 ص 18-20.
4) تاريخ الخميس ج 2 ص 106 عن الإكتفاء، و راجع المصادر المتقدمة.
إن اليعقوبي يذكر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال هذه الكلمة بعد قتل ذي الخمار (1).
إن بغض قريش الموجب للدعاء بالسوء لا بد أن يكون لجهة مبغوضة للّه تعالى. أما بغضها لأجل شركها مثلا، فلا يستوجب هذا الدعاء، بل هو من موجبات الحمد و الثناء.
و أما بغض القبائل لبعضها البعض لأجل إحن جاهلية، و ثارات قبلية، فلا يختص بقريش، و هو من الأمور التي عمل الإسلام على اقتلاعها من جميع فئات المجتمع. حتى من قريش في بغضها للقبائل الأخرى إذا كان من أجل ذلك. .
عن رباح بن ربيع: أنه خرج مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في غزوة غزاها، و على مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح و أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على امراة مقتولة مما أصابت المقدمة، فوقفوا ينظرون إليها، يعني: و يعجبون من خلقها، حتى لحقهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على راحلته، فانفرجوا عنها.
فوقف عليها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: «ما كانت هذه لتقاتل» .
فقال لأحدهم: «الحق خالدا و قل له لا تقتل ذرية و لا عسيفا» (2).
و نقول:
1-إن هذه الرواية و إن لم تصرح: بأن ذلك كان في غزوة حنين، لكن عبارة «مرّ على امرأة مقتولة مما جرى على المقدمة» تدل على: أن قتل هذه المرأة كان في حنين، لأنها هي الغزوة الوحيدة التي انهزمت المقدمة فيها بهذا الشكل القبيح، و المهين، و المشين.
2-إن الكلمة الموجزة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تكفلت بحسم الأمر بصورة تامة من جميع جهاته، لأنها أشارت إلى:
ألف: إدانة قتل النساء في الحروب، لأن المقصود بكلمة «هذه» ليس هو شخص تلك المرأة، بل جنسها و لا سيما مع ملاحظة كلمة «ما كانت هذه» . .
ب: إنها دلت على: أن التوجيه النبوي لجيشه كان هو المنع عن قتل النساء، و لذلك أجرى الكلام و كأنه مفروغ عنه، ليفيد: أن الذي يقتل هو خصوص من يقاتل. .
ج: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما أشار إلى أن طبيعة و شأن، و ظاهر حال النساء هو أنهن لا يتصدين للقتال. . فما معنى أن يقتل من هذا حاله. . فلا بد من اعتبار قتل هذه المرأة حالة شاذة، و غير مقبولة. .
3-إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عرف بمجرد رؤية تلك المرأة أن خالد بن الوليد هو المطالب بقتلها، فسارع إلى إعادة تأكيد أوامره له بأن لا يرتكب أمثال هذه المخالفات.
و أما كيف عرف «صلى اللّه عليه و آله» ذلك.
فأولا: هو «صلى اللّه عليه و آله» نبي متصل باللّه، و هو يخبره بكل ما يجب، و يجب.
ثانيا: لعله علم ذلك، من حيث إن الذين مروا في ذلك المكان هم خالد و من معه. دون سواهم. بالإضافة إلى قرائن و دلالات أخرى. لعلها توفرت له.
ثالثا: قد صرح بعضهم: بأنه «صلى اللّه عليه و آله» سألهم عن تلك المرأة، فقالوا: قد قتلها خالد بن الوليد» (1).
4-إنه «صلى اللّه عليه و آله» كان كلما أراد ان يرسل بعثا أو سرية يجلسهم بين يديه، و يوصيهم بوصايا جامعة، و منها قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «لا تقتلوا شيخا فانيا، و لا صبيا، و لا امرأة» (2)فما معنى أن يخالف خالد، و من معه أوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !
5-إن النص المذكور آنفا قد اقتصر على ذكر العسيف، و الذرية في الأمر الصادر لخالد من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .
فلماذا لم يذكر المرأة؟ مع أنها هي الحدث المقتضي لتجديد التأكيد على الأوامر الصادرة.
فالجواب هو: أن ثمة إسقاطا من الرواية، و لا ندري إن كان متعمدا. .
و يدل على ذلك: تصريحهم بأنه لما وقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» على تلك المرأة، و أخبروه بأن خالدا قتلها «بعث إلى خالد، و نهاه عن قتل المرأة،
و الطفل، و الأجير» (1).
و ذكر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن رجلا كان بحنين قاتل قتالا شديدا، حتى اشتدت به الجراح، فقال: «إنه من أهل النار» .
فارتاب بعض الناس من ذلك، و وقع في قلوب بعضهم ما اللّه تعالى به أعلم.
فلما آذته جراحته، أخذ مشقصا من كنانته فانتحر به.
فأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بلالا أن ينادي: ألا لا يدخل الجنة إلا مؤمن، إن اللّه تعالى يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» (2).
و نقول:
1-في هذه الرواية دلالات مختلفة نقتصر منها على الإشارة إلى هذا الضعف الظاهر في إيمان كثيرين ممن عاشوا مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و رأوا الآيات و المعجزات ليس في الحروب و حسب، و إنما في مختلف شؤون الحياة.
و قد بلغ بهم ضعف الإيمان هذا: أن قضية جزئية، يخبر فيها النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن مصير واحد من الناس قد أنستهم كل ما رأوه من
معجزات، و عاينوه من دلالات، و يتلاعب بهم الشيطان، و يشككهم بدينهم و بنبيهم من أجلها. .
فليت شعري، متى صلب هذا الإيمان فيهم، حتى استعصى على الهزات، و خلص من الشوائب، و التشكيكات؟ !
و من يضمن لنا: أن لا تستمر ببعضهم حالات الريب و الشك، و يكتمها عنا، و عن غيرنا إلى ما بعد موته؟ !
و علينا أن لا ننسى لفت نظر القارئ إلى أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» كان يتعمد إلقاء أمثال هذه الأخبار لأصحابه لسببين:
أحدهما: أنه يريد أن يعمق الإيمان في قلوبهم بصورة عملية، بتكرار أمثال هذه الحوادث، ليوصلهم إلى اليقين الراسخ، و القناعة التامة. .
الثاني: أنه يريد: أن يعرّف الأجيال اللاحقة بحقيقة معاناته، و بواقع هؤلاء الناس، الذي سيأتي من ينسب إليهم ثبات القدم في الدين، و شدة اليقين فيه، و حقيقة الوعي لحقائقه و مبانيه، بل سوف يدّعون لهم مقام الإجتهاد، و الرشاد و السداد، إلى درجة العصمة، و يصرون على براءة ساحتهم، من كل تهمة أو وصمة.
عن عبد اللّه بن الأزهر، قال: كان خالد بن الوليد جرح يوم حنين، و كان على خيل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجرح يومئذ، فلقد رأيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد ما هزم اللّه تعالى الكفار، و رجع المسلمون إلى رحالهم يمشي في المسلمين و يقول: «من يدلني على رحل خالد
بن الوليد» ؟
فأتي بشارب، فأمر من عنده فضربوه بما كان في أيديهم، و حثا عليه التراب (1).
قال عبد الرحمن: فمشيت-أو قال: سعيت-بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أنا غلام محتلم، أقول: من يدل على رحل خالد، حتى دللنا عليه، فإذا خالد مستند إلى موخرة رحله، فأتاه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فنظر إلى جرحه، فتفل فيه فبرئ (2).
عن عائذ بن عمرو قال: أصابتني رمية يوم حنين في جبهتي، فسال الدم على وجهي و صدري، فسلت النبي «صلى اللّه عليه و آله» الدم بيده عن
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 334 و 335 عن عبد الرزاق، و ابن عساكر، و في هامشه عن: مسند أحمد ج 4 ص 88 و 350 و 351 و الحميدي ص 897 و عن دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 140. و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 114 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 251 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 320 و ج 9 ص 103 و المصنف لابن ابي شيبة ج 8 ص 542 و تاريخ مدينة دمشق ج 68 ص 50 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 375 و المجموع للنووي ج 19 ص 339 و سنن أبي داود ج 2 ص 362 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 156 و سنن الدارقطني ج 3 ص 112 و كنز العمال ج 5 ص 492 و الجامع لأحكام القرآن ج 12 ص 165 و الأحكام لابن حزم ج 7 ص 1014.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 335 و ج 10 ص 25 و السيرة الحلبية ج 3 ص 114 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و مسند أحمد ج 4 ص 351 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 381.
وجهي و صدري إلى ثندؤتي، ثم دعا لي.
قال حشرج والد عبد اللّه: فرأينا أثر يد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى منتهى ما مسح من صدره، فإذا غرة سابلة كغرة الفرس (1).
و نقول:
أولا: إننا لا نستطيع أن نؤكد صحة هذه الروايات، غير أننا نعلم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لا يميز أحدا على أحد في تعامله. فهل كان يسأل عن المجروحين الآخرين، و يذهب في الطرقات يسأل عن رحالهم؟ ! و يأتيهم، و يشفيهم، كما فعل بخالد؟ !
بل قد زعمت رواية نسبت إلى أنس: أن أبا بكر، و عمر، و عثمان، و عليا «عليه السلام» قد ضرب كل منهم بضعة عشر ضربة (2).
فإذا كان هؤلاء يصدّقون هذه الرواية، فالسؤال هو: إن هؤلاء الأربعة عند هؤلاء أفضل من خالد بن الوليد، فلماذا لم يزرهم في رحالهم، و يهتم بشفائهم كما فعل بخالد؟ !
و إن كان قد فعل ذلك، لكن التاريخ أهمل ذكره، فلا بد أن نسأل أيضا عن سبب هذا الإهمال، فإننا لا نرى أي مبرر. بل قد تعودنا الإحتفاظ بأبسط
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 335 عن الحاكم، و أبي نعيم، و ابن عساكر، و تاريخ الخميس ج 2 ص 106 و السيرة النبوية لدحلان (ط دار المعرفة) ج 2 ص 112 و السيرة الحلبية ج 3 ص 114 و الخصائص الكبرى ج 1 ص 450 و الأحاديث المختارة ج 8 ص 238 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 329 و المعجم الكبير ج 18 ص 20 و مسند الروياني ج 2 ص 33 و مجمع الزوائد ج 9 ص 412.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 329 و 330 عن البزار.
الأمور إذا كانت تتعلق بهؤلاء، فكيف إذا كان الأمر بهذه الخطورة؟ !
ثانيا: ما معنى أن يمشي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسلمين، و هو يسأل عن رحل خالد، ثم يستخدم مراهقا لهذه الغاية، ليسعى بين يديه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هو يقول: من يدل على رحل خالد، فإن هذا الأمر غير متوقع، و لا مألوف منه «صلى اللّه عليه و آله» . .
بل إن ما نتوقعه هو أن نجد المسلمين يتبادرون، و يتسابقون ليدلوا النبي «صلى اللّه عليه و آله» على ما يطلب دلالتهم عليه، و لا تصل النوبة إلى أن يمشي هو فيهم يطلب منهم ذلك، فضلا عن ان يستخدم مراهقا لهذا الغرض.
ثم ألا ترى معي: أن الهدف من ادّعاء أن خالدا جرح، ثم تحرك النبي «صلى اللّه عليه و آله» في الجيش لزيارته في رحله على ذلك النحو الفاقع. . يراد منه: إعادة الإعتبار لخالد بهذا التكريم المزعوم. .
ثم التماس عذر له في الهزيمة، و انه لم يقصر في القيام بواجبه، لكن جراحاته هي التي قصرت به.
و لنا أن نحتمل: أن يكون هذا البرء العاجل لجرح خالد، إنما هو لمنع بحث الناس عن هذا الأمر، حتى لا يظهر أن جراحاته المزعومة كانت ضربا من الخيال. .
كما أن ذلك يسد الطريق على من يريد أن يقول: إنه كان حاضرا، و لم ير خالدا يعاني، لا من جراحة، و لا من غيرها.
قالوا: لما انهزم القوم أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالغنائم أن
تجمع، و نادى مناديه: من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فلا يغل.
و أمر «صلى اللّه عليه و آله» بالذراري، و الأموال أن تحضر إلى الجعرانة، فوقف بها هناك إلى أن انصرف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من حصار الطائف (1).
و جعل الناس غنائمهم في موضع، حيث استعمل عليها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مسعود بن عمرو الغفاري (2).
و أما السبي، فعن سعيد بن المسيب: أنه جعل عليهم أبا سفيان بن حرب (3).
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 338 و 339 و عن مجمع الزوائد ج 6 ص 189 عن البزار، و الطبراني في الكبير و الأوسط، و إعلام الورى ص 123 و مجمع البيان ج 5 ص 18-20 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص 35 و البحار ج 21 ص 168 و 181 و تفسير الميزان ج 9 ص 232 و راجع: إمتاع الأسماع ج 9 ص 296 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 155 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 253 و أعيان الشيعة ج 1 ص 280 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 906.
2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 339 عن ابن إسحاق، و إمتاع الأسماع ج 9 ص 297 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 252 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 906 و دلائل النبوة للبيهقي ج 5 ص 155.
3) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 339 عن عبد الرزاق، و النكت على مقدمة ابن الصلاح ج 1 ص 298 و كنز العمال ج 10 ص 245 و (ط مؤسسة الرسالة) ص 547 و تاريخ مدينة دمشق ج 23 ص 460 و إمتاع الأسماع ج 2 ص 21 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 76.
و قال البلاذري: جعل عليهم بديل بن ورقاء الخزاعي (1).
قال الصالحي الشامي:
قال في زاد المعاد: كان اللّه تعالى قد دعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو الصادق الوعد: أنه إذا فتح مكة دخل الناس في دينه أفواجا، و دانت له العرب بأسرها، فلما تم له الفتح المبين، اقتضت حكمة اللّه تعالى أن أمسك قلوب هوازن و من تبعها عن الإسلام و أن يتجمعوا و يتأهبوا لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، ليظهر أمر اللّه سبحانه و تعالى و تمام إعزازه لرسوله اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و نصره لدينه، و لتكون غنائمهم شكرا لأهل الفتح، ليظهر اللّه و رسوله و عباده قهره لهذه الشوكة العظيمة التي لم يلق المسلمون مثلها، فلا يقاومهم بعد أحد من العرب.
و يتبين ذلك: من الحكم الباهرة التي تلوح للمتأملين.
و اقتضت حكمته تعالى: أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة و الكبوة، مع كثرة عددهم و عددهم و قوة شوكتهم، ليطأ من رؤوس رفعت بالفتح، و لم تدخل بلده و حرمه كما دخله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» واضعا رأسه، منحنيا على فرسه، حتى إن ذقنه تكاد أن تمس سرجه، تواضعا لربه
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 339 و البحار ج 21 ص 181 و مجمع البيان ج 5 ص 18 و 19 و (ط مؤسسة الأعلمي) ص 35 و السيرة الحلبية (ط دار المعرفة) ج 3 ص 76 و البحار ج 21 ص 181 و تفسير الميزان ج 9 ص 232 و إمتاع الأسماع ج 9 ص 296.
تبارك و تعالى، و خضوعا لعظمته، و استكانة لعزته أن أحل له حرمة بلده، و لم يحله لأحد قبله، و لا لأحد بعده.
و ليبين عز و جل لمن قال: لن نغلب اليوم من قلة: أن النصر إنما هو من عنده، و أنه: من ينصره فلا غالب له، و من يخذله فلا ناصر له غيره، و أنه تعالى هو الذي تولى نصر رسوله و دينه لا كثرتكم التي أعجبتكم، فإنها لم تغن عنكم شيئا فوليتم مدبرين.
فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خلع الجبر مع مزيد ثُمَّ أَنْزَلَ اَللّٰهُ سَكِينَتَهُ عَلىٰ رَسُولِهِ وَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ وَ أَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهٰا وَ عَذَّبَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ ذٰلِكَ جَزٰاءُ اَلْكٰافِرِينَ (1).
و قد اقتضت حكمته تبارك و تعالى: أن خلع النصر و جوائزه إنما تفضى على أهل الإنكسار وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوٰارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هٰامٰانَ وَ جُنُودَهُمٰا مِنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَحْذَرُونَ (2).
إلى أن قال:
و بهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين.
فالأولى خوّفتهم و كسرت من حدتهم.
و الثانية: استفرغت قواهم، و استنفدت سهامهم، و أذلت جمعهم، حتى
لم يجدوا بدا من الدخول في دين اللّه تعالى.
و جبر اللّه تبارك و تعالى أهل مكة بهذه الغزوة، و فرّحهم بما نالوا من النصر و المغنم، فكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم.
و إن كان عين جبرهم و قهرهم تمام نعمته عليهم، بما صرفه عنهم من شر من كان يجاورهم من أشراف العرب، من هوازن و ثقيف، بما أوقع بهم من الكسرة، و بما قيّض لهم من دخولهم في الإسلام، و لو لا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها.
و من تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها اللّه سبحانه و تعالى لمسبباتها قدرا و شرعا، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أكمل الخلق توكلا، فقد دخل مكة و البيضة على رأسه، و لبس يوم حنين درعين، و قد أنزل اللّه سبحانه و تعالى: وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (1). و كثير ممن لا تحقيق عنده يستشكل هذا و يتكايس في الجواب، تارة: بأن هذا فعله «صلى اللّه عليه و آله» تعليما لأمته، و تارة: بأن هذا كان قبل نزول الآية! !
لو تأمل: أن ضمان اللّه سبحانه و تعالى له العصمة لا ينافي تعاطيه لأسبابها، فإن هذا الضمان له من ربه تبارك و تعالى لا ينافي احتراسه من الناس و لا ينافيه، كما أن إخبار اللّه عز و جل له بأنه يظهره على الدين كله و يعليه، لا يناقض أمره بالقتال، و إعداد العدة و القوة، و رباط الخيل، و الأخذ بالجد و الحذر، و الإحتراس من عدوه، و محاربته بأنواع الحرب، و التورية، فكان إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، و ذلك لأنه إخبار من اللّه تعالى
1) الآية 67 من سورة المائدة.
عن عاقبة حاله و مآله، فيما يتعاطاه من الأسباب التي جعلها اللّه تعالى بحكمته موجبة لما وعده به من النصر و الظفر، و إظهار دينه، و غلبته على عدوه انتهى (1).
و نقول:
إن مبنى هذا الكلام غير مقبول، بل غير معقول، لأنه مبني على نظرية باطلة جملة و تفصيلا، و هي نظرية الجبر الإلهي. .
حيث نلاحظ: أنه اعتبر أن اللّه تعالى هو الذي أمسك قلوب هوازن، و منعهم من الإيمان و الإسلام، الأمر الذي أدى الى تلك الحرب الشعواء، التي أزهقت فيها نفوس، و يتمت بها أطفال. .
و ذكر أيضا: أنه تعالى هو الذي أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة، لأجل بعض الحكم و المصالح.
و منطق الجبر هذا ينتهي إلى نسبة الظلم إلى اللّه تبارك و تعالى، فإن إمساكه قلوب هوازن و من تبعها، عن الإسلام بزعمهم يعرضها للعذاب الذي لا تستحقه و لم ترده، و هذا ظلم لا يصدر عن العزة الإلهية. .
كما أن ذلك ينتهي إلى بطلان الثواب و العقاب، فلا يصح عقاب هوازن و من معها، لأنهم كانوا مكرهين على البقاء في دائرة الشرك، لأن اللّه أمسك قلوبهم عن الإسلام، كما أن اجتماعهم و تأهبهم لحرب الرسول «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين قد اقتضته حكمة اللّه تعالى لكي يظهر اللّه أمره، و لإتمام إعزازه لدينه، و نصره لرسوله، و لتكون غنائمهم شكرا لأهل الفتح الخ. .
1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 347 و 348.
و لا يصح عقاب المسلمين الذين ولوا أدبارهم، لأن اللّه هو الذي أذاقهم مرارة الهزيمة و الكبوة، ليطأ الرؤوس التي رفعت في الفتح، و لم تفعل كما فعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين دخل مكة، مطأطئا رأسه، منحنيا على فرسه. .
فلماذا إذن يغضب اللّه تعالى على الذين يولون الأدبار، و يقول: وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّٰ مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اَللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ اَلْمَصِيرُ (1).
و لا يصح أيضا إثابة المجاهدين الذين نصروا اللّه و رسوله، لأن اللّه سبحانه هو الذي تولى فعل ذلك دونهم، لأن حكمته اقتضت أن يفعله، و ان يحركهم في تلك الحال حركات لا معنى و لا أثر لها على الإطلاق. .
على أن هذا الجبر المزعوم لا بد أن يصادر الحجة التي يحتج بها أهل الحق على أهل الباطل. . إذ لا يصح لهم أن يعترضوا عليهم لأجل شركهم، لأنهم معذرون فيه، فهو مفروض عليهم جبرا و قهرا. . و لم تعد للّه الحجة البالغة على أحد من المشركين و المجرمين، لأن عذرهم معهم. بل تصبح لهم هم الحجة على اللّه، لأنهم لا بد أن يقولوا له تعالى: «أنت الذي تفعل ذلك بنا، فكيف و لماذا تعذبنا على ما تفعله أنت» ؟ !
2-إنه زعم: أن السكينة قد أنزلت على الذين ولوا مدبرين. . مع أن الآية لم تقل لهم: أنزل اللّه سكينته عليكم. بل غيرت السياق إلى الغيبة و قالت: عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ . .
1) الآية 16 من سورة الأنفال.
و قد ذكرنا فيما سبق: أن نزول السكينة على المنهزمين و العاصين للّه لا يصح. بل نزلت على من جاهد و صبر، و واجه عشرات الألوف من الأعداء، فهو الذي يستحق هذه الكرامة الإلهية، و الهبة الربانية دون سواه.
3-زعم هذا القائل: أن السكينة نزلت على المنهزمين، مستشهدا بآية: وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوٰارِثِينَ وَ نُمَكِّنَ لَهُمْ فِي اَلْأَرْضِ وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هٰامٰانَ وَ جُنُودَهُمٰا مِنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَحْذَرُونَ (1).
و هو كلام غير دقيق و لا مجال لقبوله، فإن الذين تتحدث عنهم الآية المباركة هم أناس قهرهم بغي فرعون و هامان و جنودهما، و استضعفوهم، و أذلوهم من دون أن يقصّر أولئك المقهورون، و المستضعفون في أداء واجبهم.
أما المنهزمون في حنين، فلم يكن لهم عذر في هزيمتهم، و قد تخلفوا عن أداء واجبهم، بل ارتكبوا ما استحقوا به غضب اللّه تبارك و تعالى. . و قد قرّعهم اللّه سبحانه في قرآنه الكريم بما هو معروف و واضح في مقاصده و دلالاته، فما معنى قياس هؤلاء على أولئك، و ما المبرر لاستفادة المساواة في جريان سنة اللّه تعالى التي أجراها اللّه في الذين استضعفهم فرعون، في التاركين لواجبهم الشرعي و العاصين للّه تعالى في قصة حنين؟ !
4-و أما جبر (2)أهل مكة بغزوة حنين، و تفريحهم بما نالوا من النصر و المغنم، فلا يمكن قبوله أيضا، لأن هذا النصر لم يفرح أهل مكة. بل لعلهم
كانوا أكثر الناس انزعاجا منه، و تبرما به.
يضاف إلى ذلك: أنه لم يكن لأهل مكة في صنع هذا النصر أي دور، بل اقتصر دورهم على صنع الهزيمة، لأنهم هم الذين كانوا في المقدمة، و قد انهزموا و انهزم الجيش تبعا لهم. و ذلك قبل أن يحصل أي احتكاك بينهم و بين المشركين. حسبما اتضح فيما سبق.
و لكن زعماء أهل مكة قد فرحوا بالغنائم التي سيقت إليهم، و دقت أبوابهم، و دخلت بيوتهم تلقائيا، و من دون أن يبذلوا في سبيلها أي جهد.
5-على أن ما ذكره: من أن كسر شوكة هوازن و ثقيف قد أراح أهل مكة، و صرف عنهم شر هؤلاء الجيران الأقوياء، لا يعدو كونه مبالغات لا مبرر لها، فإن أهل مكة لم يكونوا منزعجين من شرك هوازن، كما أنهم هم أنفسهم لم يكونوا-في بادئ الأمر على الأقل-مخلصين لإسلامهم. بل إن قسما كبيرا منهم ما كانوا قد أعلنوا إسلامهم بعد، و قد حضروا مع النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى حنين، و هم بعد على شركهم. فلا يرون أن ثمة أي مباينة فيما بينهم و بين جيرانهم من هوازن و ثقيف. .
6-و عن نزول آية: وَ اَللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ اَلنّٰاسِ (1)بعد، أو قبل غزوة حنين، نقول:
إن ظاهر سياق كلام صاحب هذه المزاعم يعطي أنه لا يعترض على القول بنزولها بعد حنين، بل لعل الصحيح أن نقول: إنه لم يقدر على رد القول: بأن آية العصمة من الناس قد نزلت بعد حنين، لأن سورة المائدة كما
1) الآية 67 من سورة المائدة.
رواه محمد بن كعب القرظي (1)، و الربيع بن أنس (2)، قد نزلت في حجة الوداع. و سورة المائدة قد نزلت دفعة واحدة كما هو معلوم (3).
1) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن ابن عبيد، و عمدة القاري ج 18 ص 196 و الغدير ج 1 ص 227 و ج 6 ص 256 و الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ج 1 ص 60 و شرح إحقاق الحق ج 3 ص 335 و فتح القدير ج 2 ص 3 و البحار ج 37 ص 248.
2) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن ابن جرير، و جامع البيان ج 6 ص 112 و مجمع البيان ج 3 ص 274 و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ج 2 ص 155 و التبيان ج 3 ص 426.
3) الدر المنثور ج 2 ص 252 عن أحمد، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و محمد بن نصر في الصلاة، و الطبراني، و البيهقي في شعب الإيمان و دلائل النبوة، و ابن أبي شيبة في مسنده، و أبي نعيم في دلائل النبوة، و البغوي في معجمه، و ابن مردويه، و أبي عبيد عن أم عمرو بن عميس، عن عمها. و عن عبد اللّه بن عمر، و عن أسماء بنت يزيد، و محمد بن كعب القرظي، و الربيع بن أنس، و راجع: كشف اللثام (ط ج) ج 7 ص 78 و الجواهر ج 30 ص 31 و 32 و البحار ج 18 ص 271 و ج 89 ص 274 و الغدير ج 6 ص 256 و ج 8 ص 193 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 484 و 485 و ج 9 ص 504 و فتح الباري ج 5 ص 309 و 310 و تفسير العياشي ج 1 ص 288 و تفسير مجمع البيان ج 3 ص 257 و التفسير الأصفى ج 1 ص 308 و التفسير الصافي ج 2 ص 104 و تفسير نور الثقلين ج 1 ص 582 و ج 5 ص 448 و البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي ص 341 و تفسير الميزان ج 20 ص 72 و البرهان للزركشي ج 1 ص 194 و الصراط المستقيم ج 3 ص 284 و عوالي اللآلي ج 2 ص 6 و 95 و الفتح السماوي للمناوي ج 2 ص 552 و راجع: تفسير الثعلبي ج 4 ص 5 و الجامع لأحكام القرآن ج 3 ص 68 و ج 6 ص 31 و أضواء البيان للشنقطي ج 5 ص 254 و أحكام القرآن للجصاص ج 4 ص 161 و (ط دار الكتب العلمية) ج 2 ص 615 و الكشاف ج 1 ص 637 و البحار ج 77 ص 253 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 326 و عون المعبود ج 10 ص 15 و تخريج الأحاديث و الآثار ج 1 ص 377.
7-قد تقدم: أن مظاهرة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بدرعين لا مجال لإثباتها. بل الشواهد تشير إلى ضد ذلك. . فلا يصغى إلى قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد فعل ذلك تعليما لأمته.
أو قولهم: إن ضمان العصمة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» من اللّه تعالى لا ينافي احتراسه «صلى اللّه عليه و آله» ، مثلما أن وعد اللّه لنبيه بإظهار دينه لا ينافي الأمر بالقتال، و إعداد العدة، و رباط الخيل. . لأن وعده بالنصر، إنما هو وعد له بأمر يحصل له من خلال ما يتعاطاه من أسباب. . و ليس مطلقا.
8-على أن قولهم هذا الأخير، لا يتلاءم مع ما زعمه قبل ذلك: من أن اللّه سبحانه يتدخل في الأمور، و يجريها على الناس بصورة قهرية و جبرية. . لأن الجبر و القهر يجعل من التوسل بالأسباب الظاهرية لغوا، و بلا مبرر، لأن وجودها يكون كعدمها، لأنها مع هذا الجبر الإلهي تكون فاقدة لأي تأثير البتة. .
فالإعتراف بأن إرادة إجراء الأمور مرهونة بها، ينقض القول: بأن اللّه هو الذي يقهر، و يجبر. و ذلك ظاهر.
1-الفهرس الإجمالي
2-الفهرس التفصيلي
الباب الثاني: غزوة حنين. . الهزيمة. . الجريمة الفصل الأول: إستعداد العدو. . و استطلاع النبي صلّى اللّه عليه و آله 9-32
الفصل الثاني: الجيشان إلى حنين 33-80
الفصل الثالث: قبل أن تبدأ الحرب 81-112
الفصل الرابع: الهزيمة و تمحّل الأعذار 113-164
الفصل الخامس: متآمرون على حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله 165-186
الباب الثالث: النصر الإلهي الفصل الأول: النبي صلّى اللّه عليه و آله يعالج الموقف 189-238
الفصل الثاني: هزيمة المشركين على يد علي عليه السّلام 239-290
الفصل الثالث: الثابتون في حنين 291-316
الفصل الرابع: نهايات حرب حنين 317-358
الفهارس:359-371
الباب الثاني: غزوة حنين. . الهزيمة. . الجريمة الفصل الأول: إستعداد العدو. . و استطلاع النبي صلّى اللّه عليه و آله. . بداية:11
هوازن تحشد و تستعد:11
حنين واد قرب الطائف:18
سبب غزوة حنين:18
دوافع هوازن:20
هل هذا ضعف بصيرة أم خذلان؟ !21
دريد بن الصمة في محكمة الوجدان:22
طموح تحمية الرعونة:23
الإستطلاع. . و التثبت:25
ماذا يريد الرسول صلّى اللّه عليه و آله من ابن أبي حدرد؟ ! :27
موقف عمر من ابن أبي حدرد:28
الأمر الأول: سؤال النبي صلّى اللّه عليه و آله:28
الأمر الثاني: تكذيب عمر لابن أبي حدرد:29
الأمر الثالث: لربما كذبت بالحق:29
الأمر الرابع: صدق أبي حدرد:31
الأمر الخامس: لماذا الحذف؟ ! :31
الفصل الثاني: الجيشان إلى حنين الإستعداد للمسير و عقد الألوية:35
عقد الألوية:37
عتاب أمير مكة:46
إستعارة السلاح من المشركين:47
تاريخ خروج النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى حنين:53
خيف بني كنانة. . معسكر أهل الإيمان:55
أهل مكة. . و حرب هوازن:57
خرج الناس نظارا ينظرون:58
الغنائم هي الهدف:59
أبو سفيان يجمع ما يسقط:60
التفريق بين المشرك و زوجته:60
إخراج النساء في الحرب:61
ذات أنواط:62
الأنبياء عليهم السّلام و سنن التاريخ:63
باتجاه هوازن و البشارة بالغنام:66
الغنيمة تقدمة إلهية:68
ابن الأكوع يقتل عينا للمشركين:69
هل هذا معقول؟ ! :73
عباس بن مرداس ينصح هوازن:78
الفصل الثالث: قبل أن تبدأ الحرب النبي صلّى اللّه عليه و آله في حنين:83
جواسيس مالك بن عوف:84
للأعداء خطتهم:87
تعداد جيش المسلمين:87
عدد جيش الأعداء:90
كلمات حول عدد الجيشين:91
ألف: جيش الأعداء:92
ب: جيش المسلمين:93
تعليق النصر على الصدق و الصبر:94
العرب تباغت على النبي صلّى اللّه عليه و آله:95
هل ظاهر النبي صلّى اللّه عليه و آله بدرعين؟ ! :97
بنو سليم. . و أهل مكة، و خالد:100
1-الكتلة العشائرية:100
2-دور بني سليم في هزيمة المسلمين:101
هل هذا أبو بكر؟ ! :102
من القائل: لن نغلب اليوم من قلة؟ !106
اتهام النبي صلّى اللّه عليه و آله بالكفر:107
أتستنصر بصعاليك الأمة؟ ! :110
الفصل الرابع: الهزيمة و تمحّل الأعذار الهزيمة في اللحظات الأولى:115
وقت الإنحدار في الوادي:116
المضائق و الكمائن:116
النبي صلى اللّه عليه و آله هو الذي اختار مقدمة الجيش:119
توجيهات سقيمة للهزيمة:120
شبان لا خبرة لهم:120
قلة السلاح. . و الإقبال على الغنائم:120
اتهام النبي صلّى اللّه عليه و آله بالفرار:121
الكمين سبب آخر:122
هزيمة عمر بن الخطاب:125
شماتة الحاقدين:126
شبان لا خبرة لهم بالحرب:128
روائح كريهة لمؤامرة أخرى:130
أقصى هزيمتهم مكة:132
متى كانت الهزيمة؟ ! :133
أسباب الهزيمة عند عمر بن الخطاب:135
الإفتراء على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:137
لا عذر لأحد في الهزيمة:138
الكمائن ليست هي السبب:140
العصبيات. . و الدين:140
هل الفرار من الزحف كبيرة؟ !141
و من طرق أهل السنة نذكر:149
مقارنتان بين بدر و حنين:154
معاوية يروي الأكاذيب:157
الفصل الخامس: متآمرون على حياة النبي صلّى اللّه عليه و آله ما الذي جرى بعد الهزيمة؟ ! :167
شيبة يريد اغتيال النبي صلّى اللّه عليه و آله:169
النضير يتربص بالنبي صلّى اللّه عليه و آله شرا:174
من هو النضير بن الحارث:176
لا بد من التذكير:178
أبو سفيان لم يكن مسلما بل متآمرا:180
لا توجد كمائن:181
النضير. . مع المشركين:182
إنه لعلى حق، و إنه لمعصوم:182
الباب الثالث: النصر الإلهي الفصل الأول: النبي صلّى اللّه عليه و آله يعالج الموقف النداء و الدعاء:191
عطفة الأنصار:196
شاهد عيان في حنين:197
حديث ابن مسعود:199
حديث أنس:200
تراجع الأنصار، لسماع صوت النبي صلّى اللّه عليه و آله:202
المشركون خرجوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:203
أنا ابن العواتك:204
يا أصحاب سورة البقرة:208
فأسمع أولهم و آخرهم:210
عاهدوا اللّه و رسوله:210
دعاء النبي صلّى اللّه عليه و آله بعد فرار أصحابه:211
إن تهلك هذه العصابة لا تعبد:213
هزيمة الأعراب أم هزيمة قريش و القادة؟ ! :214
هل كانت الهزيمة ليلا؟ ! :214
نداء النبي صلّى اللّه عليه و آله أم نداء العباس؟ ! :215
الأنصار. . و خصوصا الخزرج:216
الحب و الحنان في الأنصار:218
وجه النبي صلّى اللّه عليه و آله كالقمر:219
الخزرج صبّر عند الحرب:221
هل هذا خطأ؟ ! :222
ركض صلّى اللّه عليه و آله بغلته نحو علي عليه السّلام:223
النبي صلّى اللّه عليه و آله يطالب المهاجرين بعهدهم:224
حياء الأنصار من رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:225
من هؤلاء يا أبا الفضل؟ ! :225
تناقضات. . يلاحظها القارئ:226
النبي صلّى اللّه عليه و آله يركب بغلة:228
النبي صلّى اللّه عليه و آله و الشعر:234
النبي صلّى اللّه عليه و آله يركض البغلة، و العباس يكفها:237
الفصل الثاني: هزيمة المشركين على يد علي عليه السّلام الآن حمي الوطيس:241
لم يحارب أحد سوى علي عليه السّلام:242
النبي صلّى اللّه عليه و آله يحثو التراب في وجوههم:246
شاهت الوجوه:251
كف الحصى:253
معجزتان: فعلية و خبرية:254
نزول السكينة:255
حقيقة السكينة:257
متى سمّى اللّه الأنصار مؤمنين؟ ! :258
قيمة رواية ابن مسعود:260
جبنهم و نزول السكينة:260
المواطن الكثيرة ثمانون:263
ما هو سبب هزيمة المشركين؟ ! :264
النصر الإلهي و الإمداد بالملائكة:265
انهزام المشركين:273
علي عليه السّلام يقتل ذا الخمار:278
هزيمة المشركين بقتل أبي جرول:279
هكذا يكيدون عليا عليه السّلام:283
شعر علي عليه السّلام في حرب حنين:285
مع الشعر المنسوب لعلي عليه السلام:286
ظروف حرب حنين:287
الفصل الثالث: الثابتون في حنين. . الثابتون في حنين:293
النساء في حنين:295
الثابتون من الرجال:299
هل ثبت عمر في حنين؟ ! :312
الفصل الرابع: نهايات حرب حنين سليم في شعر ابن مرداس:319
النبي صلّى اللّه عليه و آله يدافع عن ذراري المشركين:321
الوفاء بالنذر. . و العصمة:326
اجزروهم جزرا:327
إيمان أهل مكة. . لظهور القوة:329
قتل دريد بن الصمة:330
مالك بن عوف يفرّ إلى ثقيف:332
أوسمة للزبير بن العوام:335
من استشهد بحنين:338
قتلى المشركين:339
بغض قريش:340
ما كانت هذه لتقاتل! !341
إنه من أهل النار:344
المجروحون في حنين 345
غنائم حنين إلى الجعرانة 348
منطلقات خاطئة لتحليلات و خيالات 350
الفهارس 359
1-الفهرس الإجمالي 361
2-الفهرس التفصيلي 363