الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 20

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء العشرون

تتمة القسم الثامن: من الحديبية إلى فتح مكة

تتمة الباب الحادى عشر: موتة. . الى الفتح

الفصل الثاني: معركة مؤتة

اشارة

المسلمون في مؤتة:

قالوا: و لما فصل المسلمون من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فتجمعوا لهم، و قام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع أكثر من مائة ألف، و قدم الطلائع أمامه (1).

فلما نزل المسلمون وادي القرى، بعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين من المشركين، فاقتتلوا. و انكشف أصحاب سدوس، و قد قتل، فشخص أخوه-و عند الواقدي: «و خاف شرحبيل بن عمرو، و دخل حصنا فتحصن، و بعث أخا له يقال له: وبر بن عمرو» (2)-إلى هرقل يستمده، فبعث هرقل زهاء مائتي ألف (3).


1) راجع: الروض الأنف ج 4 ص 132 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 148 و السيرة الحلبية ج 2 ص 66 و 67 و الطبقات الكبرى لاين سعد ج 2 ص 129 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 13.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 760 و تاريخ الخميس ج 2 ص 71 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 148 و البحار ج 21 ص 61 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 13.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 148 و تاريخ الخميس ج 2 ص 71.

المسلمون في مواجهة هرقل:

و مضى المسلمون حتى نزلوا معان من أرض الشام. و بلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، و انضم إليهم مائة ألف أخرى من لخم و جذام، و بكر و وائل، و قبائل قضاعة من بلقين، و بهراء، و بليّ، عليهم رجل من بليّ، ثم أحد بني إراشة، يقال له: مالك بن رافلة.

و قيل: كانوا مائتي ألف من الروم و خمسين ألفا من قبائل العرب المتنصرة، و معهم من الخيول و السلاح ما ليس مع المسلمين.

فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، و قالوا: نكتب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فنخبره بكثرة عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، و إما أن يأمرنا بأمر فنمضي له.

فشجع الناس عبد اللّه بن رواحة، فقال: «يا قوم، و اللّه، إن التي تكرهون، للتي خرجتم تطلبون: الشهادة. و ما نقاتل الناس بعدد، و لا قوة، و لا كثرة، و ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور، و إما شهادة، و ليست بشرّ المنزلتين» .

فقال الناس: صدق و اللّه ابن رواحة (1).


1) أسد الغابة ج 3 ص 158 و عن إعلام الورى ج 1 ص 212 و 213 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 319 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 7 و 83 و ج 28 ص 124 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 458 و عيون الأثر ج 2 ص 166 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 831 و مجمع الزوائد ج 6 ص 158 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 148 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 787 و راجع: النص و الإجتهاد ص 30 و الدرر لابن عبد البر ص 209 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 481 و البداية و النهاية ج 4 ص 277 و الكامل في التاريخ لابن الأثير ج 2 ص 235 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 41.

فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل، من الروم و العرب، بقرية من قرى البلقاء، يقال لها: مشارف (1).

في المواجهة:

ثم دنا العدو، و انحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة. فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون (2).

و روى أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم، و محمد بن القرّاب في تاريخه، عن برذع بن زيد، قال: قدم علينا وفد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى مؤتة، و عليهم زيد بن حارثة، و جعفر بن أبي طالب، و عبد اللّه بن رواحة، و خرج معهم


1) تنسب إليها السيوف المشرفية، حيث يقال: إنها طبعت لسليمان «عليه السلام» بها. راجع: مجمع البلدان ج 5 ص 131 و 220 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 321 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 278 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 832 و عن عيون الأثر ج 2 ص 166 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 460 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 148 و البحار ج 21 ص 56 و إعلام الورى ج 1 ص 213.

2) راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 158 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 321 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 278 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 832 و عن عيون الأثر ج 2 ص 167 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 460 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 148.

منا عشرة إلى مؤتة، يقاتلون معهم. قد كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نهاهم أن يأتوا، فركبت القوم ضبابة، فلم يبصروا حتى أصبحوا على مؤتة.

و روى محمد بن عمر، عن أبي هريرة قال: «شهدت مؤتة، فلما دنا العدو منا رأينا ما لا قبل لأحد به من العدد و العدد، و السلاح و الكراع، و الديباج و الحرير، و الذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة، كأنك ترى جموعا كثيرة.

قلت: نعم.

قال: إنك لم تشهد معنا بدرا، إنّا لم ننصر بالكثرة (1).

قال ابن إسحاق: و تعبأ المسلمون للمشركين، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من عذرة، يقال له: قطبة بن قتادة، و على ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عباية بن مالك.

(قال ابن هشام): و يقال له: عبادة بن مالك (2).


1) شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 67 و شجرة طوبى ج 2 ص 299 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 14 و ج 11 ص 108 و تاريخ الإسلام للذهبي ج 2 ص 482 و البداية و النهاية ج 4 ص 278 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 461 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 148 و البحار ج 21 ص 61 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 340 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 67 و الإصابة ج 1 ص 500.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 148 و المغازي للواقدي ج 2 ص 759 و 760 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 66 و 67 و تاريخ الخميس ج 2 ص 61 و البحار ج 21 ص 55 و 56 و 71 و مقاتل الطالبيين ص 7 و مجمع الزوائد ج 6 ص 159 و المعجم الكبير ج 5 ص 85 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 462 و ج 49 ص 336 و عن أسد الغابة ج 3 ص 114 و عن الإصابة ج 5 ص 340 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 321 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 278 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 832 و عن عيون الأثر ج 2 ص 167 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 460.

استشهاد القادة:

قال ابن عقبة، و ابن إسحاق، و محمد بن عمر: ثم التقى الناس، و اقتتلوا قتالا شديدا.

فقاتل زيد بن حارثة براية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى شاط في رماح القوم.

ثم أخذها جعفر بن أبي طالب، فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء، فعرقبها.

ثم قاتل القوم حتى قتل.

فكان جعفر أول رجل من المسلمين عرقب فرسا له في سبيل اللّه (1).

و روى ابن إسحاق، عن عباد بن عبد اللّه بن الزبير، قال: حدثني أبي الذي أرضعني، و كان أحد بني مرة بن عوف، و كان في غزوة مؤتة، قال: و اللّه، لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عقرها، ثم قاتل حتى قتل، و هو يقول:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 148 و المغازي للواقدي ج 2 ص 761 و السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و تاريخ الخميس ج 2 ص 71 و البحار ج 21 ص 50 و 51 و 54 و 61 و 62 و عن أمالي الطوسي ص 87 و 88 و عيون الأثر ج 2 ص 167 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 69 و مقاتل الطالبيين ص 7 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 321 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 833.

يا حبذا الجنة و اقترابهاطيبة و باردا شرابها

و الروم روم قد دنا عذابهاكافرة بعيدة أنسابها

علي إذ لاقيتها ضرابها

و هذا الحديث رواه أبو داود من طريق ابن اسحاق، و لم يذكر الشعر (1).

و في حديث أبي عامر عند ابن سعد: أن جعفرا «رحمه اللّه» تعالى لبس السلاح، ثم حمل على القوم، حتى إذا همّ أن يخالطهم رجع فوحّش بالسلاح، ثم حمل على العدو، و طاعن حتى قتل.

قال ابن هشام: و حدثني من أثق به من أهل العلم: أن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل «رحمه اللّه» تعالى، و هو ابن ثلاث و ثلاثين سنة. فأثابه اللّه بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 149 و تاريخ الخميس ج 2 ص 71 و مجمع الزوائد ج 6 ص 159 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 833 و البداية و النهاية ج 4 ص 278 و 279 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 461 و سنن أبي داود ج 1 ص 580 و راجع: مقاتل الطالبيين ص 7 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 87 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 321 و المنتخب من ذيل المذيل ص 2 و ذخائر العقبى ص 217 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 577 و ج 7 ص 731 و المعجم الكبير ج 2 ص 106 و تاريخ مدينة دمشق ج 68 ص 88 و ج 70 ص 271 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 84 و الإصابة ج 1 ص 593 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 209 و تهذيب الكمال ج 5 ص 58 و أسد الغابة ج 1 ص 288 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 37 و معرفة السنن و الآثار ج 7 ص 25.

و يقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين (1).

و قيل: وقع أحد نصفيه في كرم، فوجد في نصفه ثلاثون أو بضعة و ثلاثون جراحا (2).

جراحات جعفر:

روى الذهبي: عن أسامة بن زيد الليثي، عن نافع: أن ابن عمر قال: جمعت جعفرا على صدري يوم مؤتة، فوجدت في مقدم جسده بضعا و أربعين من بين ضربة و طعنة (3).

و عن نافع، عن ابن عمر أيضا: «أنه وقف على جعفر يومئذ، و هو قتيل، فعددت به خمسين بين طعنة و ضربة، ليس منها-أو قال فيها-شيء في


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 149 و تاريخ الخميس ج 2 ص 71 و البحار ج 21 ص 61 عن المعتزلي، و راجع: الطبقات لابن سعد ج 4 ص 38 و البداية و النهاية ج 4 ص 279 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 833 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 208 و البحار ج 21 ص 61 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 462.

2) المنتخب من ذيل المذيل ص 3 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 208 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 38 و البحار ج 21 ص 61 و راجع: سير أعلام النبلاء ج 1 ص 210 و البداية و النهاية ج 4 ص 292.

3) سير أعلام النبلاء ج 1 ص 210 و قال في هامشه: إسناده حسن. و أخرجه البخاري {4260} في المغازي: باب غزوة مؤتة من طريق ابن وهب، عن عمرو، عن ابن أبي هلال قال: و أخبرني نافع: أن ابن عمر أخبره: أنه وقف على جعفر يومئذ و هو قتيل. فعددت به خمسين بين طعنة و ضربة ليس منها شيء في دبره- يعني ظهره.

دبره» (1).

و عن أبي جعفر «عليه السلام» : «أصيب يومئذ جعفر، و به خمسون جراحا، خمس و عشرون منها في وجهه» (2).

و روى البخاري، و البيهقي، عن عبد اللّه بن عمر قال: «كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، و وجدنا في جسده بضعا و ستين من طعنة و رمية» (3).

و عن نافع، عن ابن عمر: أنه كان يأتي عبد اللّه بن جعفر، فقال له الناس: إنك تكثر إتيان عبد اللّه بن جعفر.

فقال ابن عمر: لو رأيتم أباه، أحببتم هذا. وجد فيما بين قرنه إلى قدمه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 157 و 149 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 86، و عن سنن سعيد بن منصور، و السيرة الحلبية ج 3 ص 69 و تاريخ الخميس ج 2 ص 71 و البحار ج 21 ص 58 عن جامع الأصول، و العمدة لابن البطريق ص 408 و عن فتح الباري {المقدمة} ص 218 و ج 7 ص 394 و المعجم الكبير ج 2 ص 107 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 280 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 464.

2) البحار ج 21 ص 56 عن إعلام الورى ص 110 و 111 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 177 و شجرة طوبى ج 2 ص 299 و إعلام الورى ج 1 ص 213.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 149 و 158 و المغازي للواقدي ج 2 ص 761 و راجع: الطبقات الكبرى ج 4 ص 38 و شرح الأخبار ج 3 ص 548 و العمدة لابن البطريق ص 408 و ذخائر العقبى ص 218 و البحار ج 21 ص 58 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 87 و تهذيب الكمال ج 5 ص 54 و معجم ما استعجم ج 4 ص 1172 و راجع: الطبقات الكبرى ج 4 ص 38.

سبعون بين ضربة سيف و طعنة برمح (1).

و في نص آخر عنه أيضا: وجد فيما أقبل من بدن جعفر ما بين منكبيه اثنان و سبعون ضربة بسيف، أو طعنة برمح (2).

و قيل: وجدوا في إحدى شقيه بضعة و ثمانين جرحا (3)، و فيما أقبل من بدنه اثنين و سبعين ضربة بسيف، و طعنة برمح (4).

و عن ابن عمر أيضا: وجدنا فيما بين صدر جعفر و منكبيه، و ما أقبل منه تسعين جراحة، ما بين ضربة بالسيف، و طعنة بالرمح (5).

و عن ابن عمر قال: «التمسنا جعفر بن أبي طالب، فوجدناه في القتلى، في جسده {نيفا} بضعا و تسعين من طعنة و رمية» (6).


1) تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 262 و عن تاريخ الإسلام للذهبي {حوادث سنة 61-80} ص 430 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 458 و 459 و تهذيب الكمال ج 14 ص 371.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 761 و راجع: البحار ج 21 ص 61 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 129 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 67 و شجرة طوبى ج 2 ص 299.

3) راجع: النص و الإجتهاد ص 29 و عن الكامل في التاريخ ج 2 ص 236 و تاريخ الخميس ج 2 ص 71 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 378.

4) السيرة الحلبية ج 3 ص 69 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 38.

5) السيرة الحلبية ج 3 ص 69 و تاريخ الخميس ج 2 ص 71 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 38 و عن الإحتجاج ج 1 هامش ص 172 و الدرجات الرفيعة ص 75 و البحار ج 22 ص 276 و عن عيون الأثر ج 2 ص 168.

6) المعجم الكبير ج 2 ص 107 و كنز العمال ج 10 ص 561 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 87 و البحار ج 21 ص 58 و تهذيب الكمال ج 5 ص 54 و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 5 ص 182 في المغازي، باب غزوة مؤتة من أرض الشام، و أبو نعيم في الحلية ج 1 ص 117 و الحاكم ج 3 ص 212 و ابن سعد ج 4 ص 38 و راجع: شرح الأخبار ج 3 ص 548 و العمدة لابن البطريق ص 408 و ذخائر العقبى ص 218 و عن فتح الباري ج 7 ص 394 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 210 و معجم ما استعجم ج 1 ص 1172.

و في نص آخر: فقدنا جعفر بن أبي طالب. طلبناه في القتلى، فوجدناه و به طعنة و رمية بضع و تسعون فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده (1).

و قال ابن عمر: و كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفرا، فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعا و تسعين ما بين ضربة بسيف و طعنة برمح و رمية.

و روى ابن كثير: أنه لما قتل، وجدوا فيه بضعا و تسعين ما بين ضربة بسيف، و طعنة برمح، و رمية بسهم، و هو في ذلك كله مقبل غير مدبر، و كانت قد طعنت يده اليمنى ثم اليسرى و هو ممسك للواء، فلما فقدهما احتضنه حتى قتل و هو كذلك (2).

و عن الفيروز آبادي: فوجد فيما أقبل من جسده تسعون ضربة ما بين طعنة برمح و ضربة بسيف (3).


1) الطبقات الكبرى ج 4 ص 38 و ذكر عن الفضل بن دكين: تسعين ضربة بين طعنة برمح و ضربة بسيف، و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 550 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 210 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 158.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 292 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 483.

3) البحار ج 69 ص 124 و 125 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 685 و راجع: مسند ابي حنيفة ص 529.

و ذكر ابن الأثير: أنه لما قتل جعفر وجد به بضع و سبعون جراحة ما بين ضربة بسيف و طعنة برمح كلها فيما أقبل من بدنه.

و قيل: بضع و خمسون، و الأول أصح (1).

فظهر ذلك التخالف. أي أن التخالف بين الروايات أصبح ظاهرا و واضحا.

كيفية الجمع بين الروايات:

قال الحافظ: و يجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم، أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام، فإن ذلك لم يذكر في الرواية الأولى، أو الخمسين مقيدة بكونها ليس فيها شيء في دبره أي ظهره، فقد يكون الباقي في بقية جسده، و لا يستلزم ذلك أنه ولى دبره، و إنما هو محمول على أن الرمي جاءه من جهة قفاه أو جانبيه، و لكن يريد الأول: أن في رواية العمري عن نافع: فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده، بعد أن ذكر العدد بضعا و تسعين (2).

و وقع في رواية البيهقي في الدلائل بضع و سبعون-بتقديم السين على الموحدة-و أشار أن بضعا و تسعين بتقديم الفوقية على السين أثبت (3).

طليعة شرحبيل:

ذكرت الروايات المتقدمة: أن شرحبيل بن عمرو الغساني قد جمع مائة ألف.


1) أسد الغابة ج 1 ص 288 و راجع: صحيح ابن حبان ج 11 ص 45.

2) البحار ج 21 ص 58 عن جامع الأصول.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 157 و 158 عن صحيح البخاري، و راجع: الطبقات الكبرى ج 4 ص 38.

و لكنها تعود لتقول: إنه لما نزل المسلمون وادي القرى أرسل شرحبيل أخاه في خمسين رجلا، فاقتتلوا، ثم انكشف المشركون و قد قتل أخوه سدوس. .

ثم تذكر: أن شرحبيل هذا قد خاف، فدخل حصنا فتحصن فيه.

و نقول:

إن هذه التصرفات لا تنسجم مع المنطق السليم، و العقل القويم، و ذلك لما يلي:

1-إن من يجمع مائة ألف مقاتل لا تكون طليعته خمسين رجلا بحسب العادة، فإن المشركين الذين لا يجمعون ما يصل إلى عشر ما جمعه شرحبيل، تكون طليعتهم مائتي فارس في الحديبية (1)، لمواجهة أقل من ألف و خمس مائة مقاتل. .

2-ما معنى أن يخاف شرحبيل من ثلاثة آلاف رجل حتى إنه ليدخل حصنا و يتحصن فيه، مع أن معه مائة ألف مقاتل؟ ! . .


1) راجع: نور الثقلين ج 1 ص 543 و كنز الدقائق ج 2 ص 606 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 36 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 35 و تفسير القمي ج 1 ص 150 و ج 2 ص 310 و البحار ج 20 ص 348 و ج 83 ص 110 و نيل الأوطار ج 8 ص 191 و الأم للشافعي ج 7 ص 149 و مستدرك الوسائل ج 6 ص 518 و النص و الإجتهاد ص 165 و الميزان {تفسير} ج 5 ص 64 و ج 18 ص 264 و عن فتح الباري ج 5 ص 243 و عن عيون الأثر ج 2 ص 114 و عن ابن سعد في الطبقات ج 2 ص 95 و نيل الأوطار ج 8 ص 191 و تفسير القمي ج 1 ص 150 و ج 2 ص 310.

3-و حين دخل شرحبيل الحصن، أين كان المائة ألف الذين جمعهم؟ هل دخلوا معه؟ ! أم تركهم في خارجه؟

و إذا كانوا دخلوا معه، فهل اتسع ذلك الحصن لهذه الأعداد الهائلة؟ !

و إن كانوا قد بقوا في الخارج، كيف أقنعهم بصحة تصرفه هذا، و أن يبقوا عرضة للخطر في العراء، و يبيت هو في داخل الحصن؟ !

و هل رضوا منه به أم لم يرضوا؟

4-و عن أخيه سدوس نقول:

كيف تجرأ أخوه سدوس على الدخول في حرب ضد ثلاثة آلاف مقاتل، مع أن الذين معه كانوا خمسين رجلا فقط؟ !

و إذا كان شرحبيل-و هو في مائة ألف مقاتل-لا يجرؤ على مواجهة ثلاثة آلاف مقاتل، بل يدخله خوفه منهم حصنا ليأمن على نفسه فيه، فكيف يقدم سدوس على الدخول في حرب مع نفس هؤلاء الذين هرب منهم أخوه الذي أرسله؟ !

و إذا كان باستطاعة الخمسين رجلا-بمن فيهم سدوس-أن يفلتوا، و ينكشفوا و يسلموا حتى إنه لم ينقل أحد أن أحدا منهم قد أصيب و لو بجراحة، فلما ذا لم يفلت سدوس نفسه أيضا؟ !

5-و لست أدري كيف استطاع شرحبيل أن يجمع مائة ألف مقاتل بهذه السرعة الفائقة. أي من حين بدأ المسلمون مسيرهم نحوهم، و إلى حين وصولهم؟ ! هل كانوا مجتمعين في منطقة واحدة، فدعاهم، فأجابوه؟ ! أم أنه قد جمعهم من مناطق متباعدة؟ !

إننا لم نعهد في منطقة مؤتة تجمعات كبيرة تستطيع أن تفرز مائة ألف

مقاتل بهذه السرعة. .

6-على أن من يستطيع أن يجمع أكثر من مائة ألف بهذه السرعة، فلا بد أن يكون ذا نفوذ عظيم يضاهي نفوذ هرقل ملك الروم، و يستحق أن يجعله هرقل على بلاد الشام كلها، و لا يجعل سواه، لا الحارث بن أبي شمر الغساني، و لا غيره.

بل هو يستطيع أن يستقل عن هرقل نفسه، فهو ليس بحاجة إليه، فلما ذا يأنف من أن يكون تابعا له؟ !

الأرقام عن عدد جيوش العدو:

نحن و إن كنا لا نريد أن نعطي رقما مبالغا فيه عن عدد جيوش العدو، غير أننا نشير إلى أن مراجعة النصوص المتقدمة تعطي الإنطباع عن عدد جيوش العدو، و أنه كان أكثر من مائتي ألف، بل قد يصل إلى ضعف هذا العدد. .

فقد تقدم: أن شرحبيل جمع أكثر من مائة ألف، و أن هرقل بعث إليه زهاء مائتي ألف.

و كان هرقل نفسه قد نزل البلقاء في مائة ألف من الروم، و مائة ألف أخرى من العرب.

و قيل: بل كان معه مائتا ألف من الروم، و خمسون ألفا من العرب المتنصرة. .

فإذا ضممنا هذه الأرقام إلى بعضها البعض، فإن العدد سوف يتضاعف ليصل إلى ما يقارب الخمس مائة و خمسين ألفا. و هو رقم لم يذكره أحد من

المؤرخين. فهل كان ذلك غفلة منهم عن حقيقة الحال؟ ! أم أن ارتباك الروايات جعلهم يقتصرون على ذكر المائتي ألف، أو ما يزيد على ذلك بما لا يصل إلى هذه الأرقام العالية؟ !

أم أن كثرة الأعداد، أوجبت اختلاط الأمور عليهم؟ !

إننا لا نستطيع أن نقدم أية إجابة حاسمة على هذا السؤال، لكننا نقول:

لا شك في أن الجيوش المجتمعة كانت هائلة، حتى مع الإعتراف بغياب القدرة على تقديم إحصاءات دقيقة عنها. .

و قد يكون سبب عزوف المؤرخين عن التصريح بأرقامها العالية هو استبعادهم أن يكون ذلك قد حصل فعلا. فاكتفوا بذكر ما يسع الناس تصديقه، و لو بنحو من التكلف و ادّعاء التسامح، و تركوا ما عداه. .

و احتمال تكثير عدد الجيوش إلى هذا الحد الذي ربما يبدو خياليا هو إيجاد العذر لخالد عن هزيمته النكراء التي فوتت على الإسلام و المسلمين أعظم الإنجازات التي ربما لو تحققت لفتح الإسلام بلاد الروم بأسرها. و لكن ذلك و إن كان في محله إلا أن للمبررات حدودها المعقولة، فلو لم يكن العدد هائلا بالفعل لم تصح و لم تقبل هذه المبالغة من أحد.

غير أن مما لا شك فيه أن النصر كان أكيدا مهما قلنا في عدد الجيوش، و أن خالدا هو الذي ضيعه، و يدل على ذلك هذا الموقف الصارم من المسلمين تجاه خالد و جميع من فر معه، و لم يتدخل النبي «صلى اللّه عليه و آله» للتخفيف عنهم، لأنه رآهم يستحقون أكثر من ذلك، و رأى أن للمسلمين الحق بأن يعاملوه بما هو أشد.

فتجمعوا لهم:

ذكرت النصوص المتقدمة: أن المائة ألف الذين جمعهم شرحبيل قد تجمعوا لهم. أي استعدادا لمواجهة المسلمين.

غير أننا نقول:

إن المتوقع ممن يستعد لمواجهة عدو قادم هو أن يواجهه بكمائن و مفاجآت تربك أو تعيق حركته، و تنهك قوته، و ربما تنجح في حسم الأمور معه بأدنى الخسائر. . غير أننا لم نجد شيئا من ذلك سوى طليعة سدوس التي انتهت بقتله، و فرار من معه.

مع ملاحظة: أنه ليس فيها أي عمل ذكي من الناحية العسكرية، بل هي مجرد عمل روتيني فاشل و ضعيف.

إما النصر و إما الشهادة:

و عن تشجيعات عبد اللّه بن رواحة للناس، و قوله: «هي إحدى الحسنيين، إما ظهور، أو شهادة، و ليست بشر المنزلتين» ، نقول:

إن الحديث عن الظهور و الغلبة في ظروف كهذه، و حيث يعدّ عدوهم بمئات الألوف، و بأحسن عدة، و أتم تجهيز، لهو أمر يبعث على الإعتزاز، و الفخر من جهة، و هو يدل على وجود مبررات لهذا الحديث، تجعل من توقع حصول النصر أمرا مقبولا و معقولا. . و على أن هذه الأعداد لم تفاجئهم، بل كانوا يتوقعون حشودا كبيرة جدا، تقترب من الأرقام التي صادفوها.

لكن ما لم يكن ذلك الجيش الإسلامي يتوقعه هو زيادة رقم الحشود إلى حد جعله يفكر بمراجعة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمعرفة ما إذا كانت

هذه الزيادة تستدعي توجيها آخر منه «صلى اللّه عليه و آله» ، أم أن الأمور لم تصل إلى حد يدعو إلى ذلك. .

و لكن ما يبقى غامضا بالنسبة إلينا هو حقيقة تلك المبررات التي تدعو جيش المسلمين إلى توقع النصر، أو احتماله. فإن المادة التاريخية المتوفرة لدينا لا تخولنا معرفة شيء منها.

و لعل السبب في ضآلة النصوص هنا هو الرغبة في الحفاظ على ماء الوجه لبعض من تسبب بحدوث الهزيمة، فعمد الرواة و المؤرخون إلى إهمال التصريح بأمور كثيرة و خطيرة، كان التصريح بها مفيدا جدا و ضروريا. .

و ينبغي أن لا نهمل الإشارة إلى أن مما يوكد ذلك كله: هو التعبير عن الشهادة بأنها «ليست بشر المنزلتين» ، حيث يستبطن هذا التعبير إلماحة إلى أن موضوع الشهادة، كان هو الأبعد احتمالا عن ذهن جيش المسلمين، باستثناء استشهاد القادة الثلاثة. .

و هناك ما هو أصرح و أوضح، و هو: قول ثابت بن أقرم لأبي هريرة، حين رأى جموع الروم، فبهرته كثرتهم و تجهيزاتهم:

«يا أبا هريرة، كأنك ترى جموعا كثيرة! !

قلت: نعم.

قال: إنك لم تشهد معنا بدرا، إنّا لم ننصر بالكثرة» (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 148 و عن مغازي الواقدي ج 2 ص 760 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 67 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 14 و ج 11 ص 108 و عن الإصابة ج 1 ص 500 و شجرة طوبى ج 2 ص 299 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 278 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 468 و عن دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 278.

فالنصر كان متوقعا، و كانت الأمثولة لهم هي غزوة بدر، و النصر المؤزر الذي تحقق فيها. .

فخرج على قومه في زينته:

و إن قصة أبي هريرة حين رأى كثرة القوم، و العدّة و السلاح، و الحرير، و الديباج، و الذهب، حيث برق بصره-لتذكرنا بقوله تعالى عن قارون: فَخَرَجَ عَلىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قٰالَ اَلَّذِينَ يُرِيدُونَ اَلْحَيٰاةَ اَلدُّنْيٰا يٰا لَيْتَ لَنٰا مِثْلَ مٰا أُوتِيَ قٰارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَ قٰالَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوٰابُ اَللّٰهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً وَ لاٰ يُلَقّٰاهٰا إِلاَّ اَلصّٰابِرُونَ (1).

و يقول تعالى عن فرعون: وَ نٰادىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قٰالَ يٰا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَ هٰذِهِ اَلْأَنْهٰارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلاٰ تُبْصِرُونَ، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هٰذَا اَلَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَ لاٰ يَكٰادُ يُبِينُ، فَلَوْ لاٰ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جٰاءَ مَعَهُ اَلْمَلاٰئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطٰاعُوهُ إِنَّهُمْ كٰانُوا قَوْماً فٰاسِقِينَ (2).

فقد أظهرت هذه الآيات الخلل العميق في النظرة و في المعايير لدى قوم فرعون، و أمثالهم من طلاب الحياة الدنيا، و ذلك لأن رؤيتهم للزينة الحاضرة، و للأنهار تجري من تحت فرعون، و كون أن ملك مصر بيده. . ثم


1) الآيتان 79 و 80 من سورة القصص.

2) الآيات 51-54 من سورة الزخرف.

التفاتهم إلى أن موسى «عليه السلام» لا تلقى عليه أسورة الذهب، و لا تأتي معه الملائكة، قد جعلهم يتخيلون أن السعادة، و اللذة و الحياة ستكون في جانب فرعون، و أن البؤس و السغب و الحرمان سيكون في الجانب الآخر، فيستثير ذلك غرائزهم، و يدفع أهواءهم، للإندماج و الانغماس، في هذا الواقع الزاخر بالشهوات. . و يدفعهم ذلك إلى أن ينأوا بأنفسهم عن الاستجابة لدعوات الحق، و يزيد من نفورهم منه، و ابتعادهم عنه.

و أما عقولهم، فلا يكون لها دور، و لا يسمع لها رأي، لأنهم يشعرون أن عقولهم تدعوهم للتخلي على اللذة الحاضرة منهم، من دون عوض حاضر تقدمه إليهم.

و هذا بالذات هو ما جرى لأبي هريرة، فإنه حين رأى الديباج و الحرير، و الذهب، و العدة و العدد، و العتاد و السلاح، استيقظت غرائزه، و اشرأبت أعناق الشهوات و حب الدنيا في نفسه، لتغرق في هذا الذهب، و ذلك الحرير، و تعيش الركون إلى العدة و العدد، و السلاح. . و غاب العقل عن مسرح القرار، و خف ميزانه، و ضعفت قدرته على التأثير في نفس هيمنت عليها الغرائز، و تملكها حب الدنيا، و ركنت و انشدت إليها. .

و ربما يذكّره ثابت بن أقرم بالمعادلة الصحيحة، و هي: أن النصر ليس للكثرة، و أن بدرا هي خير شاهد و دليل على ذلك. .

فسكت أبو هريرة، و لم يجرؤ على إظهار حقيقة ما يعتلج في نفسه، و لم يكن لديه حيلة، و لا وسيلة، إلا هذا السكوت الساتر لما في الضمائر. .

إيذاء الحيوان لا يجوز:

و ذكروا: أن جعفرا رضوان اللّه تعالى عليه قد عقر فرسه. . و هذا ما رواه أبو داود، من طريق محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، قال: عن يحيى بن عبّاد، عن أبيه عبّاد بن عبد اللّه بن الزبير، قال: حدثني أبي الذي أرضعني، فذكره، و قال: ليس هذا الحديث بالقوي.

قال الصالحي الشامي: و قد جاء نهي كثير من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (عن تعذيب البهائم، و قتلها عبثا)كذا قال أبو داود: إنه ليس بقوي و ابن اسحاق حسن الحديث.

و قد صرح بالتحديث في رواية زياد البكائي، فقال: حدثني يحيى بن عباد، و يحيى و أبوه ثقتان، و جهالة اسم الصحابي لا تضرّ، و رواه أيضا عن ابن اسحاق عن عبد اللّه بن إدريس الأودي كما في مستدرك الحاكم، فسند الحديث قوي (1).

قال الخطابي عن عقر جعفر لفرسه: و هذا يفعله الناس في الحرب إذا أرهق و أيقن أنه مغلوب، لئلا يظفر به العدوّ، فيتقوى به على قتال المسلمين (2).

قال الحلبي: و من ثم لم ينكر عليه أحد من أصحابه. و به استدل من جوز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به الكفار (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 157.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 157 و السيرة الحلبية ج 3 ص 57 و عون المعبود ج 7 ص 172.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 279 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 461.

و اختلف العلماء في الفرس يعقره صاحبه لئلا يظفر به العدو، فرخص فيه مالك، و كره ذلك الأوزاعي و الشافعي.

و احتج الشافعي بحديث النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «من قتل عصفورا فما فوقه بغير حقه يسأله اللّه تعالى عن قتله» .

و احتج بنهيه «صلى اللّه عليه و آله» عن قتل الحيوان إلا لمأكلة.

قال: و أما أن يعقر الفرس من المشركين، فله ذلك، لأن ذلك أمر يجد به السبيل إلى قتل من أمر بقتله (1).

هذا ما قاله هؤلاء، أما نحن فنقول:

عقر الفرس أم عرقبها:

1-مما تجدر الإشارة إليه، هو: أن ما يذكرونه عن جعفر بالنسبة لفرسه، قد ورد بصيغتين:

إحداهما: أنه عرقب فرسه (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 157 و كتاب الأم ج 7 ص 375.

2) راجع: المحاسن للبرقي ص 634 و الكافي ج 5 ص 49 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 11 ص 544 و منتهى المطلب {ط ق} ج 2 ص 913 و جواهر الكلام ج 21 ص 83 عن الوسائل، و التهذيب، و المحلى ج 7 ص 296 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 170 و البحار ج 45 ص 14 و ج 58 ص 223 و ج 94 ص 25 و راجع: التنبيه و الإشراف ص 131 و مجمع البحرين ج 3 ص 168 و عمدة القاري ج 17 ص 267 و الإستيعاب ج 1 ص 77 و تاريخ مدينة دمشق ج 70 ص 281.

و الأخرى: أنه عقر فرسه (1).

و لعل الثانية هي الأولى و الأقرب إلى الصحة، لأن عرقبة الفرس لا تتناسب مع ما ورد من النهي الشرعي عن إيذاء الحيوان، حسبما قدمناه في غزوة الحديبية، و ذكرناه في كتابنا: «حقوق الحيوان في الإسلام» ، و نحن نجل جعفرا عن الإقدام على عمل نهى عنه الشارع، و يأباه الخلق الإنساني الرفيع.

بل هناك نص عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يتعرض لنفس هذا المعنى، فقد روي عنه «صلى اللّه عليه و آله» قوله: «إذا حرنت على أحدكم


1) راجع: الأمالي للطوسي {المجلس الخامس} ص 141 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 38 و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 28 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 177 و البحار ج 21 ص 50 و 62 و النص و الإجتهاد ص 28 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 69 و الدرجات الرفيعة ص 75 و السير الكبير ج 2 ص 796 و عن البداية و النهاية ج 2 ص 30 و بشارة المصطفى ص 432 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 2 ص 299 و مقاتل الطالبيين ص 7 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 580 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 78 و مجمع الزوائد ج 6 ص 159 و عن عون المعبود ج 7 ص 172 و الثقات ج 3 ص 49 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 68 ص 88 و عن أسد الغابة ج 1 ص 288 و تهذيب الكمال ج 5 ص 58 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 209 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 84 و عن الإصابة ج 1 ص 593 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 5 ص 58 و المنتخب من ذيل المذيل ص 2 و 3 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 2 ص 833 و عن عيون الأثر ج 2 ص 167.

دابة في أرض العدو فليذبحها، و لا يعرقبها» (1).

أما عقر الفرس فلا يأبى عن إفادة معنى الذبح، فهو الأقرب و الأنسب بسجايا جعفر، الذي أشبه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في خلقه و خلقه (2).


1) الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 16 ص 307 و 308 و ج 8 ص 396 و ج 5 ص 52 و الكافي ج 5 ص 49 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 173 و ج 9 ص 82، و البحار ج 61 ص 222 و 23 و ج 94 ص 25 عن الكافي، و عون المعبود ج 2 ص 333 و سنن أبي داود ج 3 ص 29 و المحاسن للبرقي ج 2 ص 634 و مستدرك الوسائل ج 8 ص 301 و ج 16 ص 157.

2) البحار ج 22 ص 275 و ج 38 ص 307 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 67 و ج 5 ص 345 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 635 و شرح مسند أبي حنيفة ص 539 و الدرجات الرفيعة ص 71 و أسد الغابة ج 1 ص 287 و لسان الميزان ج 4 ص 269 و ذخائر العقبى ص 215 و الغدير ج 10 ص 130 و غنية النزوع ص 76 و تحرير الأحكام {ط ج} ج 1 ص 136 و أنساب الأشراف ص 153 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 107 و 108 و عن مسند أحمد ج 5 ص 204 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 217 و مجمع الزوائد ج 9 ص 275 و عن فتح الباري ج 7 ص 390 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 184 و المصنف للصنعاني ج 11 ص 227 و كنز العمال ج 11 ص 639 و 662 و 755 و ج 12 ص 255 و الطبقات الكبرى لابن سعد ص 36 و تاريخ بغداد ج 9 ص 63 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 362 و تهذيب الكمال ج 24 ص 395 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 214 و المجدي في أنساب الطالبيين ص 320 و المناقب للخوارزمي ص 66 و كشف الغمة ج 1 ص 97 و ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ج 2 ص 219 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 1 ص 99 و 419 و ج 18 ص 253 و 444 و ج 2 ص 140 و عن الفتح الكبير للسيوطي ج 14 ص 251 و عمدة القاري ج 16 ص 214.

و الذبح لغرض عقلائي، لا يأباه الخلق الإنساني، و لا يمنع منه الشرع الشريف.

2-زعموا: أنه يمكن توجيه مبادرته إلى عرقبة الفرس بأنه أراد أن يحرم العدو من الاستفادة منه (1).

و نقول:

إن ذلك غير دقيق، فيما لو كان بإمكانه إيكال أمره إلى غيره من مقاتلي المسلمين، ليستفيد منه في الحرب و النزال، أو في غرض مشروع آخر. .

3-أما أسباب المبادرة إلى ذبح الفرس، فيمكن أن نتلمسها فيما يلي:

ألف: إفهام العدو سرّ البطولة، و رمزها، و حقيقتها. و أنها إرادة و تصميم، و إيمان و جهاد، و تضحيات، و أن يملك الإنسان نفسه، و قرارها، و القدرة على التصرف فيها. .

و ليست الشجاعة هي مجرد امتلاك القدرة على التصرف في قدرات الجسد، في دائرة هوى النفس، و على خط تلبية متطلباتها.

بل الشجاعة هي امتلاك القدرة على التصرف في الجسد نفسه، انسجاما مع مقتضيات الإيمان، و تطبيقا للمبادئ، و انسجاما مع القيم، و المثل الإلهية العليا.

إنه يريد: أن يوجه للروم و للعرب الذين معهم إنذارا، و أن يزرع الإعجاب و الرعب في قلوبهم في آن واحد، ثم أن يعطي المسلمين الذين


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 75 و عن عون المعبود ج 7 ص 172 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 157.

جاؤوا معه للجهاد درسا في الشمم و الفداء، و معنى الشجاعة، و سر الإباء، و لكنه درس كلماته الأفعال، و حروفه التضحيات، و اللسان الناطق به هو إيمان شامخ، و رأي باذخ، و يقين راسخ.

أما جيوش الروم فوجدت نفسها أمام التحدي الكبير، فواجهت اندفاع جعفر للتضحية و الفداء، باندفاع غرائزي فيها، يهدف إلى التنفيس عن حقد دفين، و عن لؤم مشين و خزي و ابتذال مهين، و لاذت بأسلحتها الفتاكة، و انهمرت على جعفر بطعناتها و ضرباتها. . فقطعت يده اليمنى، ثم اليسرى. . و ذلك حين وجدوا أنفسهم أمام حرب لا تخمد نارها إلا بإسقاط راية القائد، الذي لن يدعها تسقط ما دام حيا. .

لقد آثر جعفر التخلص من الفرس، لأنه يريد أن يفهم عدوه مدى تصميمه في حربهم، و مدى تفانيه في الأهداف التي يحارب من أجلها. .

و أن قادة الجيوش الإسلامية لا يريدون الإحتماء بالأبطال، و لا يريدون أن يموت الناس في الدفاع عنهم، بل هم الذين يريدون أن يموتوا قبل الناس، من أجل حفظ دين الناس، و حفظ أرواحهم و راحتهم. .

و ليست القضية مجرد خطب حماسية، و شعارات رنانة، بل هي مبادرة، و استعداد، و بذل و تضحية و جهاد، يرونه رأي العين. .

بل إن هذا القائد لا يريد أن يهرب من الموت، و لا أن يحمي نفسه منه، فإنه يراه خيرا و صلاحا، و سعادة، و نجاحا، و فوزا و فلاحا. إنه يريد أن لا تفصله عنه حتى عدوة فرس، فآثر التخلص منه، فعقره. .

أول من عرقب فرسه:

و زعموا: أن جعفرا كان أول من عرقب فرسه في الإسلام (1).

و لكننا قلنا: إن ذلك لم يثبت، بل الراجح: أنه قد عقر فرسه، (2)، لا أنه


1) المحاسن للبرقي ص 634 و جواهر الكلام ج 21 ص 83 و الكافي ج 5 ص 49 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 11 ص 544 و البحار ج 21 ص 54 و ج 58 ص 223 و ج 94 ص 25 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 197 و ج 10 ص 231 و عن عيون الأثر ج 2 ص 167 و مجمع البحرين ج 3 ص 168 و عمدة القاري ج 17 ص 267 و عن الإستيعاب ج 1 ص 77.

2) راجع: البحار ج 21 ص 50 و 62 و النص و الإجتهاد ص 28 و مجمع الزوائد ج 6 ص 159 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 69 و الدرجات الرفيعة ص 75 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 209 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 321 و عن المنتخب من ذيل المذيل ص 2 و 3 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 833 و الأمالي للطوسي ص 141{المجلس الخامس: حديث 43} و المبسوط للسرخسي ج 10 ص 28 و مقاتل الطالبيين ص 7 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 177 و السير الكبير ج 2 ص 796 و عن البداية و النهاية ج 2 ص 30 و قصص الأنبياء لابن كثير ج 2 ص 299 و عن سنن أبي داود ج 1 ص 580 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 78 و عن عون المعبود ج 7 ص 172 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 37 و الثقات ج 3 ص 49 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 68 ص 88 و تهذيب الكمال ج 5 ص 58 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 209 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 84 و عن الإصابة ج 1 ص 593 و عن عيون الأثر ج 2 ص 167 و عن أسد الغابة ج 1 ص 327 و عن زاد المعاد ج 1 ص 113 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 41.

عرقبه. فرواية الأمالي هي الأصح، و هي الأوفق بالتزام جعفر لحدود الشرع فيما يرتبط بالتعامل مع الحيوان.

و قد نقل «رحمه اللّه» عن الزهري قوله: و كان جعفر أول رجل من المسلمين عقر فرسه (1).

آخر محاولة للشيطان! !

و رووا: أنه لما أخذ جعفر بن أبي طالب الراية جاءه الشيطان فمنّاه الحياة الدنيا، و كرّه له الموت، فقال:

الآن! ! حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا؟ !

ثم مضى قدما حتى استشهد. فصلى عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و دعا له، ثم قال: «استغفروا لأخيكم جعفر؛ فإنه شهيد، و قد دخل الجنة، و هو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث يشاء من الجنة» (2).

و نقول:

لا شك في أن الشيطان لا يدع فرصة إلا و يحاول اقتناصها، و هو يرى: أنه


1) الأمالي للطوسي ص 141{المجلس الخامس: حديث 43} و البحار ج 21 ص 50 و بشارة المصطفى ص 432.

2) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 38 و الثاقب في المناقب ص 102 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 68 و الدرجات الرفيعة ص 76 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 14 و ج 19 ص 368 و كنز العمال ج 11 ص 661 و البداية و النهاية ج 2 ص 282 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 467 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 1 ص 425 و الفتح الكبير ج 1 ص 80.

حين تنقطع السبل بالإنسان، و يواجه الخطر الأعظم في لحظة الموت الرهيب، تضعف عزيمته، و تتبلبل أفكاره، و يضطرب في قراراته، و يضيع في زحمة المشاعر و الأفكار التي تظهر عليها عوارض التناقض و الإختلاف.

و لكن هناك رجال مؤمنون، و أصفياء متقون، لا يفقدون السيطرة على أنفسهم، حتى في هذه اللحظات، بل إن منهم من يجد في هذه اللحظات ما يؤكد يقينه، و يزيد من وضوح الصورة لديه، فيزيده ذلك رضا، قد يصل به إلى حد البهجة و السرور، على قاعدة: «فزت و رب الكعبة» ، حيث يأنس بالموت كما يأنس الطفل بثدي أمه، و يراه أحلى من العسل، لأنه يشاهد ما أعده اللّه تعالى له، انطلاقا من حقيقة: «لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا» ، و على هذا الأساس جاء قول جعفر:

يا حبذا الجنة و اقترابهاطيبة و باردا شرابها

و الروم روم قد دنا عذابهاكافرة بعيدة أنسابها

علي إذ لا قيتها ضرابها (1)

فقد عبر «سلام اللّه عليه» في أبياته هذه عن تلهفه للجنة، و اشتياقه البالغ لها. .


1) راجع: النص و الإجتهاد ص 28 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 833 و البداية و النهاية ج 4 ص 278 و السنن الكبرى للبيهقي ج 13 ص 520 و تهذيب الكمال ج 3 ص 124 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 150 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 461 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 150.

تسقط اليد و يرتفع اللواء:

و حين قطعت يد جعفر و سقطت، فإن ألم قطعها لم يشغل جعفرا، و لم يمنعه من المبادرة إلى رفع اللواء باليد الأخرى، و لم ير «عليه السلام» في هذا الذي جرى له عذرا يبرر انكفاءه عن المواجهة.

بل وجد أن واجبه هو: أن يهزم العدو بالرعب من خلال ما يشاهده من إصراره الأكيد على رفع اللواء باليد الأخرى، و ليكون ذلك سببا في مضاعفة حدة اندفاع المسلمين في مواجهة عدوهم.

و حتى حين قطعت اليد الأخرى، فإنه يواصل جهاده و يبذل قصارى جهده في حفظ جذوة الحماس ملتهبة لدى كتائب الجيش الإسلامي، الذي لا بد أن يظهر-من أجل ذلك-من البسالة و الإقدام و الشجاعة، ما يحير العقول، و يذهل الألباب. .

و تصعد روح جعفر إلى بارئها، و يرتفع جعفر، و يحلق إلى مقامات القرب و الزلفى، و مواقع العز و الكرامة بنفس هاتين اليدين المقطوعتين، اللتين ألبستاه-بفقدهما-حلتين من البهاء و الجمال، و العظمة و الجلال.

الطيار بعد قطع يديه:

و قد صرحت بعض الروايات: بأن جعفرا قطعت يمينه، فأخذ الراية بيساره، فقطعت يساره، فاحتضن الراية، و قاتل حتى قتل (1).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و تاريخ الخميس ج 2 ص 71 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 26 و عن عيون الأثر ج 2 ص 167 و عن زاد المعاد ج 1 ص 1134 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 141 و الخرائج و الجرائح ج 1 ص 166.

و نقول: إننا نتعقل أن يأخذ مقطوع اليدين اللواء ببقايا يديه، و يضمه إلى صدره، و لكن لا يمكن أن نتصوره قادرا على قتال العدو بسيف أو برمح، سوى مبادرته إلى ركل من يهاجمه بإحدى رجليه، ليدفعه عن نفسه، و ليلحق به أكبر قدر ممكن من الأذى.

بل إن أخذه الراية بشماله، بعد قطع يده اليمنى يجعله غير قادر على حمل السيف بها أيضا، لأنها أصبحت مشغولة باللواء.

و هذا معناه: أنه «عليه السلام» قد بذل محاولة لإبقاء الراية مرفوعة ليراها المسلمون، و يواصلوا القتال أطول وقت ممكن، لأنه يعلم: أن وقوع الراية على الأرض، يوجب تضعضع الجيش، و ربما يؤدي ذلك إلى هزيمته، و هذا ما لا يريده و لا يرضاه. .

الطيار أسوة و قدوة:

و غني عن البيان هنا: أن نفس هذا الذي جرى لجعفر بن أبي طالب «عليه السلام» قد جرى ما يشبهه للعباس بن أمير المؤمنين «عليهما السلام» في كربلاء، فإن يمينه قطعت، فأخذ السيف بيساره، فقطعت، فقاتل حتى ضعف، فضربه ملعون بعمود من حديد على رأسه فقتله (1).


1) البحار ج 45 ص 40 و 41 و ينابيع المودة ج 3 ص 68 و العوالم ص 283 و عن المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 256 و نور العين في مشهد الحسين ص 41 و 42 و إبصار العين في أنصار الحسين ص 62 و العوالم {الإمام الحسين «عليه السلام»} ص 283 و 284 و عن ينابيع المودة ج 3 ص 67 و 68.

و قد روي: أن اللّه تعالى عوضه أيضا بجناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، فقد روى الصدوق «رحمه اللّه» بسنده عن ثابت بن أبي صفية، قال: قال علي بن الحسين «عليه السلام» : رحم اللّه العباس-يعني ابن علي-فلقد آثر و أبلى، و فدى أخاه حتى قطعت يداه، فأبدله اللّه بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة، كما جعل لجعفر بن أبي طالب (1).

استشهاد جعفر و هو صائم:

و تقدم عن ابن عمر قال: أتيته {يعني جعفرا} و هو مستلق آخر النهار، فعرضت عليه الماء، فقال: إني صائم، فضعه في ترسي عند رأسي، فإن عشت حتى تغرب الشمس أفطرت.

قال: فمات صائما قبل غروب الشمس شهيدا، و عمره إحدى و أربعون سنة، و قيل: ثلاث و ثلاثون. .

و نقول: ألف: بالنسبة لعمره «عليه السلام» فإن صح ما يقولونه من كونه أسن من علي «عليه السلام» بعشر سنين (2). فإن عمر علي «عليه السلام» كان


1) الخصال ج 1 ص 68{باب الإثنين حديث 101} و تفسير نور الثقلين ج 4 ص 246 و الأمالي للطوسي ص 548 و البحار ج 44 ص 298 و العوالم {الإمام الحسين} ص 349 و درر الأخبار ص 192 و مقتل الحسين لأبي مخنف ص 176.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 69 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 539 و البحار ج 22 ص 275 و ج 42 ص 115 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 183 و عون المعبود ج 6 ص 267 و شرح النهج ج 11 ص 116 و 250 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 42 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 9 و 24 و ج 42 ص 574 و عن أسد الغابة ج 1 ص 287 و ج 3 ص 422 و تهذيب الكمال ج 2 ص 236 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 206 و تهذيب التهذيب ج 7 ص 226 و عن الإصابة ج 1 ص 539 و الأعلام ج 2 ص 125 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 292 و ج 8 ص 52 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 484 و عن الإستيعاب ج 3 ص 73 و المدهش لابن قيم الجوزية ص 64.

آنذاك حوالي ثلاثين سنة، فلا بد أن يكون عمر جعفر أكثر من ذلك بعشر سنين. فكيف يكون عمره ثلاثا و ثلاثين سنة-كما يقولون-؟ !

ب: إن المعركة إذا كانت قائمة، فلا يكون هناك مجال لأن يستلقي جعفر آخر النهار، ليعرض ابن عمر الماء عليه. ثم يستشهد قبل غروب الشمس! !

ج: قال الحلبي: «كونه رضي اللّه عنه مات صائما لا يناسب كونه شق نصفين» (1).

و هو كلام عجيب، فهل شقه نصفين يمنع من كونه مات صائما؟ ! فإن شقه هذا لا يوجب إفطاره، و لا إفساد صومه. .

ذو الجناحين:

و في بعض المصادر: أنه «قد وردت أخبار في أنه لما رفعوه على الرماح، منّ اللّه عليه بجناحين، فطار من رأس الرماح إلى السماء، و هو يطير في الجنة


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 69.

مع الملائكة» (1).

و لا ندري مدى صحة هذا الحديث، و لو صح فربما يكون هذا قد جاء على سبيل المجاز، أو أنه قد طار فعلا إلى السماء مقدارا ثم عادت جثته إلى الأرض، و بقيت روحه تطير مع الملائكة، و ربما، و ربما. .

نظرة في الكرامات:

إنه تعالى حين يظهر الكرامة لولي من أوليائه، فإنه لا يريد بذلك أن يقهر الناس على الإيمان، و لا أن يتهددهم بهذا الأمر، ليفرض عليهم سلوك طريق الحق، تحت طائلة التدخل الغيبي في صورة مخالفتهم للأوامر و النواهي الإلهية. .

بل يريد تبارك و تعالى. . أن يثير في نفس الإنسان المؤمن، الطموح، لنيل مقامات القرب و الزلفى عنده، و ذلك من خلال تقديم نموذج تطبيقي حي و ملموس، يسهّل على المؤمنين اليقين بوعد اللّه تعالى، و السكون و الركون إلى تحققه حتى كأنهم يرونه ماثلا أمامهم، من دون أي إخلال أو انتقاص.

و يريد أن يقول لهم: إنه لا مجال لاحتمال المبالغة في البيانات الصادرة، فإنه إن كان هناك تجوّز في التعبير عن حقيقة ذلك الوعد، و الموعود به، فإنما هو محاولة لتقريب الصورة الحقيقية، التي تعجز التعابير المجازية أو الكنايات و الإستعارات، عن الإحاطة بها، بل تبقى مجرد إشارات و إلماحات لما هو أعظم و أتم، و أخطر و أهم. .


1) تنقيح المقال ج 1 ص 212.

كما أن هذا الإنسان الذي هو مستغرق فيما هو مادي و محسوس، إلى درجة أنه إنما يطل على الغيب من خلال ذلك. . يحتاج إلى اختصار المسافة بينه و بين الغيب. . فتأتي الكرامات و المعجزات، لتقوم بهذه المهمة، و ليكون للغيب أيضا حضوره و شهوده. ليعطي سلاما للروح، و حياة في الوجدان، و يقظة في الضمير، و حركة في العقل بالاتجاه الصحيح، و على أساس من الوعي العميق، و الرؤية الواضحة، و الشمولية، و الواقعية. .

على أن هذه الكرامات تسهل على الإنسان المؤمن أن يعي كيف أن لمسألة الغيب حضورها في كل شيء، بل هي جزء من حياة هذا الكائن، و هي مستوعبة لكل المساحات التي ينطلق فيها في حركته نحو اللّه تعالى. .

فالغيب ليس غائبا عن أي من مواقع حركة هذا الإنسان، حتى فيما يتخيل أنه مادي صرف، و لا موقع للغيب فيه، فإن الغيب كامن في عمق ذاته، و في كنه وجوده. . فعليه أن يشعر به في كل المواقع و المواضع من دون استثناء.

و من جهة أخرى: فقد تمس الحاجة إلى إقامة الحجة على الناس في أمر ظهر فيه تقصيرهم، أو ظهرت فيهم بوادر هذا التقصير، كما هو الحال في قضية جعفر «عليه السلام» في مؤتة، فإن ظهور هذه الكرامة له، بأن يطير جسده إلى السماء و لو مقدارا ما. . لا بد أن يقيم الحجة على الأعداء أولا. . من حيث إنه يفتح أمامهم باب الهداية، و يسهل عليهم الحصول على القناعة من أقرب طريق. . ألا و هو طريق الوجدان، و الإحساس القلبي، و يختصر المراحل أمامهم. .

ثم هو تعميم للحجة على جيش المسلمين، الذين قد يخطر ببالهم: التماس

العذر لأنفسهم عن فرار و شيك ربما يراود أذهانهم، فيزعمون: أن مواجهة مئات الألوف لا مبرر لها، لأن احتمالات النصر على تلك الأعداد الهائلة تكاد تكون معدومة، بل هي معدومة فعلا. .

و أما ما فعله جعفر «عليه السلام» فإنما هو مبادرة شخصية منه، و تضحية يحمد عليها، و لكنها هدر للطاقة، لا تجدي نفعا، و لا تحقق نصرا.

فجاءت الكرامة الإلهية له لتقول لهم: إن اللّه تعالى إذا كان هو الراعي لهم، و المشرف على حالهم، و هو الذي ينزل النصر عليهم، أو يحجبه عنهم. فعلى كل أنسان أن يقوم بواجبه، و يمتثل أمر اللّه و رسوله، و ليس له أن ينظر في نتائج ذلك، و لا أن يحدد طبيعة النصر، و حجمه، و مواصفاته. . و لا أن يدّعي لنفسه المعرفة بالغيب الإلهي فيه.

فلعل المطلوب الإلهي أمر آخر غير النصر العسكري-كما كان الحال في كربلاء مثلا-و لعل المطلوب هو النصر العسكري، و لكن بطريقة حجب اللّه تعالى عنهم بعض عناصرها. و لو بأن تحدث اختلافات و منازعات بين كتائب جيوش الأعداء، لأجل ما يرونه من استبسال لدى جنود أهل الإسلام. . و قد ينشأ عن ذلك الإستبسال، و الإستشهاد هداية لطائفة أو لطوائف من جيش الأعداء. و قد تحدث انقسامات بين العرب و بين غيرهم لأكثر من سبب فيما لو طالت الحرب. . إلى غير ذلك من أسباب.

استشهاد ابن رواحة:

روى ابن إسحاق، قال: قتل جعفر، فأخذ الراية عبد اللّه بن رواحة، ثم تقدم بها و هو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه و يتردد بعض التردد، ثم قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنهطائعة أو لتكرهنه

إن أجلب الناس و شدوا الرنةما لي أراك تكرهين الجنة

قد طالما قد كنت مطمئنةهل أنت إلا نطفة في شنة

و قال أيضا:

يا نفس إلاّ تقتلي تموتيهذا حمام الموت قد صليت

و ما تمنيت فقد أعطيتإن تفعلي فعلهما هديت (1)

يريد صاحبيه زيدا و جعفرا، ثم نزل.

فلما نزل أتاه ابن عمر بعرق من لحم، فقال: شد بهذا صلبك، فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت.

فأخذه من يده، ثم انتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس، فقال: و أنت في الدنيا؟

ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل.

و وقع اللواء من يده، فاختلط المسلمون و المشركون، و انهزم بعض الناس، فجعل قطبة بن عامر يصيح: يا قوم يقتل الرجل مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 149 و تاريخ الخميس ج 2 ص 71 و 72 و النص و الإجتهاد ص 29 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 833 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 279 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 155 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 321 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 121 و شرح النهج ج 15 ص 69 و 70 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 461 و مجمع الزوائد ج 6 ص 159.

قال سعيد بن أبي هلال: و بلغني أن زيدا، و جعفرا، و عبد اللّه بن رواحة دفنوا في حفرة واحدة (1).

تردد ابن رواحة في النزول:

و في بعض الروايات: «فأخذها {يعني: الراية} عبد اللّه رواحة، و تقدم بها و هو على فرسه، و جعل يتردد في النزول عن فرسه، ثم نزل، و قاتل حتى قتل» (2).

و نستطيع أن نفهم أن النزول عن الفرس إنما هو حين يراد إفهام العدو أن الفارس قد استقتل، و أن أي توهم في حبه للنجاة من خلال بقائه على ظهر فرسه، ما هو إلا توهم باطل. .

الحرب دامت أياما:

من يلاحظ النصوص المتداولة لغزوة مؤتة يخرج بنتيجة مفادها: أن القادة الثلاثة قد قتلوا في أول المعركة، ثم أخذ اللواء خالد، و ولى هاربا، و تبعه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 150 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و عن فتح الباري ج 7 ص 393.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 69 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 41 و عن فتح الباري ج 7 ص 293 و حياة الصحابة {باب الجهاد} تحريض النبي و ترغيبه على القتال، و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 321 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 279 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 833 و عن عيون الأثر ج 2 ص 167 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 462 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 149 و زاد المعاد ج 1 ص 1134.

المسلمون. . و لذلك اقتصر عدد قتلى المسلمين على ثمانية شهداء، و قيل: قتل اثنا عشر شهيدا، أو نحو ذلك. كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى. .

و لكننا نقول:

إن ذلك موضع شك كبير. و من موجبات هذا الشك:

أن هذا الرقم للقتلى لا يتناسب مع قولهم أيضا: إن الحرب قد دامت سبعة أيام (1).

و يؤيد ذلك قولهم المتقدم: إن ابن عمر جاء إلى ابن رواحة بعرق من لحم، و قال له: «شد بهذا صلبك، فإنك لقيت في أيامك هذه ما لقيت» .

حيث يشير إلى أن ابن رواحة قد لقي مصاعب كبيرة خلال أيام مرت عليه، و لعلها هي الأيام السبعة المشار إليها، و كان-فيما يبدو-يمارس القتال المجهد فيها.

و أما احتمال أن يكون المراد هو: مشقات قطع المسافات الطويلة من المدينة إلى مؤتة، فهو بعيد عن الذهن، و ليس له ما يؤيده.

و يؤيد ذلك: ما سيأتي من أن المسلمين اعتمدوا أسلوب مبارزة الفرسان، و هي طريقة ممتعة، يظهر فيها الفرسان شجاعتهم، و يقدمون فيها عروضا شيقة لفنون الحرب و القتال و توجب طول أمد الحرب. . .

و لعل المسلمين أظهروا فيها براعة نادرة، و شجاعة فريدة. . فقل شهداؤهم، و كثرت القتلى من أعدائهم، و ربما كان لابن رواحة سهم وافر في هذا المجال. .


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151.

ثم اختار الأعداء أسلوب الهجوم الشامل. . فقتل القادة آنئذ. . و ربما تكون بوادر النصر قد بدأت بالظهور، فضيعها خالد.

هزيمة خالد:

و بعد أن استشهد عبد اللّه بن رواحة بادر خالد بن الوليد فأخذ الراية و انهزم بها و تبعه سائر الناس، و لكن هناك من سعى لتزوير الحقيقة و إيهام الناس بعكسها، و نحن نذكر ذلك، و نبين وجه الحق فيه في الفصل التالي.

الآن حمي الوطيس:

و حول القول المنسوب لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يصف للمسلمين ما يجري في مؤتة: «الآن حمي الوطيس» ، قال ابن أبي الزناد ما يلي:

«بلغت الدماء بين الخيل موضع الأشاعر من الحافر. و الوطيس أيضا ذاك. و إذا حمي ذلك الموضع من الدابة كان أشد لعدوها» (1).

و نحسب: أننا لسنا بحاجة إلى التعليق على هذه الروايات المغرقة في غرابتها، و لكن الأغرب منها: أن يبادر المؤرخون و المحدثون إلى إيرادها في كتبهم و في مجاميعهم الحديثية و التاريخية، و غيرها، و يقدمونها للناس على أنها هي الحقائق الناصعة، و ذلك من أجل أن تبقى حقيقة فرار خالد عن الناس ضائعة. .

و لست أدري كيف يمكن أن يخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن بلوغ الدماء موضع الأشاعر، و هو يرى ما يجري عيانا، بعد أن رفع اللّه تعالى له


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و راجع: البحار ج 21 ص 62.

كل خفيض، و خفض كل رفيع، ثم يرى الناس يظلمون هؤلاء المجاهدين و يطردونهم. . ثم لا يدافع عنهم؟ ! بل إنهم حتى لو كانوا قد هربوا من ساحة المعركة فإنهم لم يرتكبوا بذلك حراما، بعد أن كان عدوهم يزيدهم بعشرات الأضعاف. كما أشرنا إليه أكثر من مرة. .

و ذلك يدل على عدم صحة ما زعموه، و أن الصحيح هو أن خالدا قد فرّبهم لحظة استشهاد القادة. .

و تتأكد الشكوك في صحة هذه المزاعم حين نقارن بين عدد شهداء المسلمين و بين ما يزعم من أن الدماء قد بلغت الأشاعر من حوافر الخيل! !

شهداء مؤتة:

أما بالنسبة للذين استشهدوا من المسلمين في سرية مؤتة فهم:

جعفر بن أبي طالب، و زيد بن حارثة، و عبد اللّه بن رواحة، و مسعود بن الأسود بن حارثة {بن نضلة} ، و وهب بن سعد بن أبي سرح، و عباد بن قيس، و الحارث بن النعمان {بن إساف بن نضلة} ، و سراقة بن عمرو بن عطية {بن خنساء} (1).

و زاد ابن هشام نقلا عن ابن شهاب الزهري:

أبا كليب، أو كلاب بن عمرو بن زيد، و أخاه جابر بن عمرو بن زيد،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 154 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 840 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 295 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 330 و عن عيون الأثر ج 2 ص 169 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 498.

و عمرو، و عامر ابنا سعد بن الحارث (1).

و زاد الكلبي و البلاذري: هو بجة بن بجير الضبي. و لما قتل فقد جسده، و لا ذكر لهوبجة فيما و قفت عليه من نسخ الإصابة للحافظ، و لا القاموس. مع ذكر الذهبي له في التجريد، و أن له وفادة و هجرة (2).

و زاد ابن سعد، و العدوي، و ابن جرير الطبري: زيد بن عبيد بن المعلى الأنصاري (3).

و زاد ابن إسحاق، كما في الإصابة، و جزم به في الزهر: عبد اللّه بن سعيد بن العاص بن أمية.

قال ابن الأثير: قتل باليمامة في الأكثر.

و قال الذهبي: الأصح ببدر.

و قيل: باليمامة.

و قيل: بمؤتة (4).

و زاد ابن الكلبي، و ابن سعد، و الزبير بن بكار: هبار بن سفيان بن عبد


1) عن البداية و النهاية ج 4 ص 295 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 154 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 840 و عن و عن تاريخ مدينة دمشق ج 25 ص 330 و عن عيون الأثر ج 2 ص 169 و السيرة النبوية لابن كثير ج 2 ص 498.

2) عن أسد الغابة ج 5 ص 74 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 154.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 450 و عن الإصابة ج 2 ص 507.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 55 و 75 و عن الإصابة ج 2 ص 89.

الأسد المخزومي، و قال عروة، و ابن شهاب الزهري، و ابن إسحاق، و ابن سعد: استشهد بأجنادين (1).

و قال سيف بن عمر: استشهد باليرموك (2).

و زاد ابن عقبة: عبد اللّه بن الربيع الأنصاري (3)، و معاذ بن ماعص (4).

و وقع في نسخة من مغازي موسى بن عقبة: أن الذي استشهد بمؤتة أخوه عباد (5).

و قال في البداية، بعد أن ذكر جميع من قتل بمؤتة من المسلمين: {فالمجموع على القولين} اثنا عشر رجلا (6).

و هذا عظيم جدا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين، أحدهما و هو الفئة التي تقاتل في سبيل اللّه تعالى عدتها ثلاثة آلاف، و أخرى كافرة عدتها


1) الطبقات الكبرى ج 4 ص 135 و عن البداية و النهاية ج 7 ص 41 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 822 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 29 ص 70 و ج 37 ص 467 و تاج العروس ج 3 ص 609 و عن الإصابة ج 6 ص 414.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و عن الإصابة ج 6 ص 414.

3) عن تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 78 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و عن الإصابة ج 6 ص 414 و عن تاريخ مدينة دمشق ج 26 ص 237 و ج 58 ص 467، و 470 و في ج 2 ص 11 عباد بن ناعص.

5) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و عن الإصابة ج 6 ص 114.

6) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 295 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 489.

مائتا ألف مقاتل: من الروم مائة ألف، و من نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون و يتصاولون، ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين سوى اثني عشر رجلا، و قتل من المشركين خلق كثير، هذا خالد و حده يقول:

«لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف و ما صبرت في يدي إلا صفيحة يمانية» .

فماذا ترى قد قتل بهذه الأسياف كلها؟

دع غيره من الأبطال و الشجعان (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 154 و 155 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 295 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 189.

الفصل الثالث: خالد يضيع النصر الأعظم

اشارة

الإنحياز، أم النصر و الفتح؟ !

لقد وضع محبو خالد خطة تهدف إلى حفظ ماء وجهه، حتى لو كان ثمن ذلك هو تضييع الحق و تزوير التاريخ، و الخطة هي التالية:

أن يدّعوا: أن الذي حصل هو أحد أمرين: إما مجرد الانحياز و المحاشاة، ثم الانصراف. و إما النصر و الفتح على يد خالد.

ثم يتم تضعيف دعوى المحاشاة، و ادعاء أن الصحيح هو الفتح، و تحقيق النصر على يد خالد بن الوليد. .

فنحن نبدأ بذكر ما قالوه و ما استدلوا به، ثم نعقب ذلك بالنصوص المصرحة بالحقيقة، و بيان زيف دعواهم و بطلانها، و ذلك على النحو التالي:

قال ابن إسحاق: «فلما أخذ الراية خالد بن الوليد دافع القوم، و حاشى بهم، ثم انحاز، و انحيز عنه، و انصرف الناس» (1).

و على حد تعبير الزهري: «ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، فناوش


1) سبل الهدى و الرشاد ج 3 ص 463 و ج 6 ص 151 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 27 و راجع: ما عن المصادر التالية: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 322 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 834 و عن فتح الباري ج 7 ص 395 و البداية و النهاية ج 4 ص 279 و عيون الأثر ج 2 ص 167.

القوم، و راوغهم حتى انحاز بالمسلمين منهزما، و نجا بهم من الروم» (1).

قالوا: هكذا ذكر ابن إسحاق: أنه لم يكن إلا المحاشاة و التخلص من أيدي الروم الذين كانوا مع من انضم إليهم أكثر من مائتي ألف، و المسلمون ثلاثة آلاف. و وافق ابن اسحاق على ذلك شرذمة.

و على هذا سمي هذا نصرا و فتحا، باعتبار ما كانوا فيه من إحاطة العدو، و تراكمهم، و تكاثرهم عليهم. و كان مقتضى العادة أن يقتلوا بالكلية (2).

و هو محتمل، لكنه خلاف الظاهر من قوله «صلى اللّه عليه و آله» : «حتى فتح اللّه عليكم» (3).

و قد لوحظ: أنهم حين يريدون الحديث عن الهزيمة يقتصرون على خصوص عبارة ابن إسحاق التي جاءت ملطفة و مخففة إلى حد كبير، ثم يصفون سائر الذين صرحوا بالهزيمة بأنهم شرذمة. نعم مجرد شرذمة بنظرهم. . ثم يواصلون توجيه الكلام بطريقة توحي بأن النصر أمر مسلّم، لكن الاختلاف إنما هو في كيفيته و مداه.

فيزعمون: أن سبب تسمية ما جرى في مؤتة نصرا هو تمكن المسلمين من الإفلات من يد تلك الكثرة الهائلة، و أن هذا هو ما يقصده ابن إسحاق، و أنه محتمل، و لكنه خلاف الظاهر.


1) البحار ج 21 ص 50 و 51 و عن أمالي الطوسي ص 87 و 88 و {ط دار الثقافة} ص 141 و راجع: بشارة المصطفى ص 432.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 68 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 150.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 150 و في هامشه عن البخاري ج 7 ص 585. و راجع: البخاري ج 5 ص 87.

و مهما يكن من أمر، فإنهم استدلوا على النصر في مؤتة بما يلي:

دلائل انتصار خالد:

و قالوا أيضا: و الأكثرون على أن خالدا و من معه قاتلوا المشركين حتى هزموهم.

ففي حديث أبي عامر عند ابن سعد و غيره: أن عبد اللّه بن رواحة لما قتل «انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط. {في كل وجه} ، حتى لم أر اثنين جميعا. ثم أخذ اللواء رجل من الأنصار، {يقال له: ثابت بن أرقم، فجعل يصيح بالأنصار} ، ثم سعى به حتى إذا كان أمام الناس، ركزه ثم قال: إليّ أيها الناس.

فاجتمع إليه الناس، حتى إذا كثروا مشى باللواء إلى خالد بن الوليد.

فقال له خالد: لا آخذه منك، أنت أحق به.

فقال الأنصاري: و اللّه ما أخذته إلا لك.

فأخذ خالد اللواء من الأنصاري، و «حمل على القوم، فهزمهم اللّه أسوأ هزيمة رأيتها قط. حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا، {و أظهر اللّه المسلمين}» (1).

فأتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبرته، فشق ذلك عليه،


1) الطبقات الكبرى ج 2 ص 130 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 150 و السيرة الحلبية ج 3 ص 67 عن ابن سعد، و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و البحار ج 21 ص 62 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 68 و تاريخ المدينة ج 2 ص 14 و ج 11 ص 107.

فصلى الظهر ثم دخل الخ. .

و روى الطبراني برجال ثقات، عن موسى بن عقبة، قال: ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على خالد بن الوليد المخزومي، فهزم اللّه تعالى العدو، و أظهر المسلمين (1).

و روى محمد بن عمر الأسلمي، عن عطاف بن خالد: لما قتل ابن رواحة مساء، بات خالد بن الوليد، فلما أصبح غدا، و قد جعل مقدمته ساقته، و ساقته مقدمته، و ميمنته ميسرة، و ميسرته ميمنة، فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم و هيأتهم، و قالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا و انكشفوا منهزمين.

قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم.

و في نص آخر: فتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف شاءوا، فغنم المسلمون من أموالهم، فرجعوا إلى المدينة (2).

و ذكر ابن عائذ في مغازيه نحوه (3).

و روى محمد بن عمر، عن الحارث بن الفضل: لما أخذ خالد بن الوليد


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و عن فتح الباري ج 7 ص 395 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 10 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 282 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 468.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 15 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 282.

3) راجع ما تقدم في: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72.

الراية قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «الآن حمي الوطيس» (1).

و روى الحاكم في المستدرك، عن أبي هريرة، و أبي سعيد الخدري، و هذا الذي ذكره أبو عامر و الزهري، و عروة، و ابن عقبة، و عطاف بن خالد، و ابن عائذ، و غيرهم، هو ظاهر قوله «صلى اللّه عليه و آله» في حديث أنس: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف اللّه، ففتح اللّه على يديه» (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و في هامشه قال: أخرجه مسلم ج 3 ص 1398 كتاب الجهاد {76-1775} من حديث عباس، و أحمد في المسند ج 1 ص 207 و عبد الرزاق {9741} . و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و السيرة الحلبية ج 3 ص 68 و كنز العمال ج 4 ص 253 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 129 و ج 4 ص 253 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 238 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 282 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 467.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و 153 و في هامشه قال: أخرجه البخاري {4262} ، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 468 و 482 و 476 و 469 و عن البداية و النهاية ج 7 ص 129 و ج 4 ص 283 و 288 و 291 و مسند أحمد ج 1 ص 204 و عن صحيح البخاري ج 4 ص 218 و ج 5 ص 87 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 298 و مجمع الزوائد ج 9 ص 349 و عن فتح الباري ج 7 ص 394 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 113 و ج 10 ص 233 و الآحاد و المثاني ج 2 ص 25 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 180 و المعجم الكبير ج 2 ص 106 و ج 4 ص 104 و كنز العمال ج 10 ص 386 و 559 و راجع الدر المنثور ج 2 ص 245 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 37 و التاريخ الصغير ج 1 ص 49 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 255 و عن أسد الغابة ج 2 ص 94.

و في حديث أبي قتادة مرفوعا كما سيأتي: ثم أخذ خالد بن الوليد اللواء، و لم يكن من الأمراء، هو أمّر نفسه. ثم رفع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إصبعه، ثم قال: «اللهم إنه سيف من سيوفك فانصره» (1).

و عند الحلبي أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، نعم عبد اللّه و أخو العشيرة، و سيف من سيوف اللّه سله اللّه على الكفار و المنافقين، من غير إمرة حتى فتح اللّه عليهم» (2).

فمن يومئذ سمي خالد بن الوليد «سيف اللّه» (3)، رواه الإمام أحمد برجال ثقات.

و يزيده قوة، و يشهد له بالصحة، ما رواه الإمام أحمد، و مسلم، و أبو داود، و البرقاني، عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: «خرجت (مع من خرج)مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، و رافقني مددي من المسلمين من اليمن، ليس معه غير سيفه. فنحر رجل من المسلمين جزورا، فسأله المددي


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 4 ص 368 و ابن أبي شيبة في المصنف ج 14 ص 513 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و فضائل الصحابة ص 44 و عن مسند احمد ج 5 ص 299 و 301 و راجع: المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 546 و سنن النسائي ج 5 ص 69 و صحيح ابن حيان ج 15 ص 523 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 16 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 209 و ج 4 ص 60 و عن تاريخ الطبري ج 3 ص 322 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 281 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 466.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 68.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72.

طائفة من جلد، فأعطاه إياه، فاتخذه كهيئة الدرقة، و مضينا، و لقينا جموع الروم، فيهم رجل على فرس له أشقر، عليه سرج مذهب، و سلاح مذهب، فجعل الرومي يسل على المسلمين، و يغري بهم، فقعد له المددي خلف صخرة، فمر به الرومي، فعرقب فرسه بسيفه، و خر الرومي، فعلاه بسيفه فقتله، و حاز سلاحه، و فرسه.

فلما فتح اللّه تعالى على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد، فأخذ منه بعض السلب.

قال عوف: فأتيت خالدا، و قلت له: أما علمت أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قضى بالسلب للقاتل؟

قال: بلى، و لكني استكثرته.

فقلت: لتردنه، أو لأعرفنكها عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فأبى أن يرد عليه.

قال عوف: فاجتمعنا عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقصصت عليه قصة المددي و ما فعل خالد، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما صنعت» ؟

قال: استكثرته.

قال: «رد عليه ما أخذت منه» .

قال عوف: دونكها يا خالد، ألم أف لك؟

(فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و ما ذاك» ؟

فأخبرته).

فغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال: «يا خالد، لا ترد عليه.

هل أنتم تاركون أمرائي؟ لكم صفوة أمرهم، و عليهم كدره» (1).

الغنائم دليل النصر:

و قالوا أيضا: روى محمد بن عمر، و الحاكم في الإكليل، عن جابر رضي اللّه تعالى عنه، قال: أصيب بمؤتة ناس من المسلمين، و غنم المسلمون بعض أمتعة المشركين، و كان فيما غنموا خاتم جاء به رجل الى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: قتلت صاحبه يومئذ.

فنفله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إياه (2).

و تقدم في حديث عوف بن مالك ما يشير إلى ذلك آنفا.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و 152 و قال في هامشه: أخرجه مسلم 3 ص 473 كتاب الجهاد و ذكر بعضه الواقدي في المغازي ج 2 ص 768. و راجع: نيل الأوطار ج 8 ص 96 و 97 و عن صحيح مسلم ج 5 ص 149 و مسند أبي داود ج 1 ص 618 و عون المعبود ج 7 ص 278 و كنز العمال ج 10 ص 385 و 386 و الجامع لأحكام القرآن ج 8 ص 8 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 488 و المغني لابن قدامة ج 10 ص 430 و المحلى لابن حزم ج 7 ص 338 و عن مسند أحمد ج 6 ص 28 و سنن أبي داود ج 1 ص 618 و عن المعبود ج 7 ص 278 و شرح معاني الآثار ج 3 ص 231 و صحيح ابن حبان ج 11 ص 176 و مسند الشاميين ج 1 ص 275 و عن نصب الراية ج 4 ص 301 و راجع: كنز العمال ج 10 ص 386 و عن أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 71 و تاريخ مدينة دمشق ج 68 ص 90 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 285 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 472.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 152 و المغازي للواقدي ج 2 ص 768 و السنن الكبرى ج 6 ص 309 و تاريخ مدينة دمشق ج 41 ص 16.

و روى محمد بن عمر، عن خزيمة بن ثابت قال: «حضرت مؤتة، فبارزني رجل منهم يومئذ، فأصبته و عليه بيضة له فيها ياقوتة، فلم تكن همتي إلا الياقوتة، فأخذتها. فلما رجعنا إلى المدينة أتيت بها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فنفلنيها، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار، فاشتريت بها حديقة نخل» (1).

قال في البداية: «و هذا يقتضي أنهم غنموا منهم، و سلبوا من أشرافهم، و قتلوا من أمرائهم» (2).

و روى البخاري عن خالد، قال: «لقد اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، و ما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية» (3).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 769 و السنن الكبرى ج 6 ص 309 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 152 و 156 و راجع: كنز العمال ج 10 ص 555 و عن فتح الباري ج 7 ص 395 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 359 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 468{لكن بدل زمن عثمان زمن عمر} .

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 152 و 156 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 385 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 478.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 152 و في هامشه قال: أخرجه البخاري ج 7 ص 588، و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و تاريخ الخميس ج 2 ص 73 و الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 1 ص 408 و الإصابة ج 1 ص 414 و ج 2 ص 218 و المصنف لابن أبي شيبة ج 4 ص 582 و ج 7 ص 579 و ج 8 ص 548 و المعجم الكبير ج 4 ص 104 و رياض الصالحين ليحيى بن شرف النوري ص 717 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 253 و ج 7 ص 395 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 248 و 249 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 281 و 285 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 465 و 472.

و هذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا، و لو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، إذ كان المسلمون ثلاثة آلاف، و المشركون أكثر من مائتي ألف، و هذا وحده دليل مستقل (1).

و قال الحلبي: و في رواية: أصاب خالد منهم مقتلة عظيمة، و أصاب غنيمة.

و هذا لا يخالف ما يأتي أن طائفة منهم فروا إلى المدينة لما عاينوا كثرة جموع الروم، فصار أهل المدينة يقولون لهم: أنتم الفرارون (2).

و قد ذكر ابن إسحاق: أن قطبة بن قتادة العذري، الذي كان على ميمنة المسلمين حمل على مالك بن زافلة، و يقال: ابن رافلة، و هو أمير أعراب النصارى، فقتله، و قال قطبة يفتخر بذلك:

طعنت ابن رافلة ابن الإراشبرمح مضى فيه ثم انحطم

ضربت على جيده ضربةفمال كما مال غصن السلم

و سقنا نساء بني عمهغداة رقوقين سوق النعم

و هذا يؤيد ما نحن فيه، لأن من عادة أمير الجيش إذا قتل أن يفر أصحابه، ثم إنه صرح في شعره بأنهم سبوا من نسائهم، و هذا واضح فيما


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 152 و 156 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 472 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 285.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 68 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 249 تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 230 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 156 و عن السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 471 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 284.

ذكرناه (1).

و عن أنس قال: نعى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو على المنبر زيدا، و جعفرا، و ابن رواحة للناس يوم أصيبوا قبل أن يأتيه خبرهم، فقال:

«أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، و عيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللّه، ففتح اللّه عليهم» (2).

و روى النسائي، و البيهقي، عن أبي قتادة قال: «بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جيش الأمراء، فانطلقوا فلبثوا ما شاء اللّه، فصعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» المنبر، فنودي: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 152 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 472 و 473 و تاريخ مدينة دمشق ج 49 ص 337 و البداية و النهاية ج 4 ص 285 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 835.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 153 عن البخاري و البيهقي، و في هامشه: عن البخاري ج 7 ص 92 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و مسند أحمد ج 3 ص 113 و السنن الكبرى للبيهقي ج 8 ص 154 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 42 و طبقات ابن سعد ج 4 ق 1 ص 25 و نيل الأوطار ج 4 ص 96 و راجع: المناقب لابن شهر آشوب ج 1 ص 94 و أحكام الجنائز ص 166 و عن صحيح البخاري ج 5 ص 87 و تحفة الأحوذي ج 8 ص 113 و ج 10 ص 233 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 276 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 280 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 463.

«أخبركم عن جيشكم هذا. إنهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدا، فاستغفر له. ثم أخذ اللواء جعفر فشدّ على القوم حتى قتل شهيدا، فاستغفر له، ثم أخذه خالد بن الوليد، و لم يكن من الأمراء، هو أمر نفسه» .

ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره» . فمن يومئذ سمي خالد: «سيف اللّه» (1).

صمود و نصر، أو مجرد انحياز:

فاتضح مما تقدم: أن سياق حديث هؤلاء يسير باتجاه الإيحاء بأن الذي كان في مؤتة هو إما الانحياز و المحاشاة، أو النصر و الفتح. . ثم يصرحون بعدم صحة الأول، و يؤكدون على صحة الثاني، كما رأينا. .

غير أننا نقول: إن هؤلاء الناس أنفسهم قد ساقوا لنا طائفة من الدلائل و الشواهد على أن الأمر لم يكن كما زعموا، و إن كان ربما يلاحظ في بعضه سعي لحفظ


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 153 و السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و الكامل في التاريخ ج 2 ص و أحكام الجنائز ص 33 و فضائل الصحابة ص 18 و 53 و عن مسند أحمد ج 5 ص 299 و 301 و مجمع الزوائد ج 6 ص 156 و عن فتح الباري ج 7 ص 394 و المصنف ج 8 ص 546 و السنن الكبرى ج 5 ص 48 و 69 و 77 و صحيح ابن حبان ج 15 ص 523 و كنز العمال ج 10 ص 387 و 556 و الطبقات الكبرى ج 7 ص 395 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 17 و ج 16 ص 238 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 209 و ج 4 ص 60 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 322 و البداية و النهاية ج 4 ص 281 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 466.

ماء الوجه بطريقة أو بأخرى. .

كما أن نفس تلك النصوص التي أرادوا منها أن تدلل على صحة ما قالوه و تؤيده قد جاء أكثرها عاجزا عن ذلك، كما سيتضح إن شاء اللّه تعالى.

تهافت بلا مبرر:

إن هناك العديد من الموارد قد تخالف ما سبق و قد ظهر فيها أيضا التهافت حتى في الرواية الواحدة، فلاحظ ما يلي:

1-حدث رجل من بني مرة، كان في الجيش. قيل له: إن الناس يقولون: إن خالدا انهزم من المشركين.

فقال: لا و اللّه، ما كان ذلك. لما قتل ابن رواحة، نظرت إلى اللواء قد سقط، و اختلط المسلمون و المشركون، فنظرت إلى اللواء في يد خالد منهزما، و اتبعناه فكانت الهزيمة (1).

2-و يروي الواقدي عن محمد بن صالح، عن رجل من العرب عن أبيه: أنه لما قتل ابن رواحة انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط، في كل وجه، ثم تراجعوا، و كان ثابت بن أقرم قد أخذ اللواء. . ثم أعطاه لخالد «فأخذه خالد، فحمله ساعة، و جعل المشركون يحملون عليه، فثبت حتى تكركر المشركون، و حمل بأصحابه، ففض جمعا من جمعهم، ثم دهمه منهم بشر كثير، فانحاش المسلمون، فانكشفوا راجعين» (2).


1) المغازي ج 2 ص 762 و 763 و تاريخ مدينة دمشق ج 68 ص 87.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 763 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 150 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و البحار ج 21 ص 62 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 15 و ج 11 ص 108.

قال ابن إسحاق: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم.

فقالوا: أنت.

قال: ما أنا بفاعل.

فاصطلح الناس على خالد بن الوليد (1).

و روى الطبراني عن أبي اليسر الأنصاري، قال: أنا دفعت الراية إلى ثابت بن أقرم لما أصيب عبد اللّه بن رواحة، فدفعت إلى خالد.

و قال (له ثابت بن أقرم): أنت أعلم بالقتال مني (2).

و عند الواقدي: أنت رجل سن، و قد شهدت بدرا.

زاد الحلبي: «فقال له خالد: أنت أحق به مني، لأنك ممن شهد بدرا، ثم أخذه خالد و مانع القوم، و ثبت، ثم انحاز كل من الفريقين عن الآخر من غير هزيمة على أحدهما» (3).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 763 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و السيرة النبوية ج 4 ص 27 و مجمع الزوائد ج 6 ص 159 و الثقات ج 2 ص 33 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 321 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 279 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 834 و عن عيون الأثر ج 2 ص 167 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 463 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 150.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 150 و السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و مجمع الزوائد ج 6 ص 157 و عن فتح الباري ج 7 ص 394 و المعجم الأوسط ج 2 ص 179 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 106 و عن أسد الغابة ج 1 ص 220.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 67.

3-و عن ابن كعب بن مالك قال: حدثني نفر من قومي حضروا يومئذ، قالوا: لما أخذ خالد اللواء انكشف بالناس، فكانت الهزيمة، و قتل المسلمون، و اتبعهم المشركون، فجعل قطبة بن عامر يصيح: يا قوم، يقتل الرجل مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا، يصيح بأصحابه، فما يثوب إليه أحد، هي الهزيمة.

و يتبعون صاحب الراية منهزما (1).

4-و عن أبي هريرة: لما قتل ابن رواحة، انهزم المسلمون، فجعل خالد يدعوهم في أخراهم، و يمنعهم عن الفرار، و هم لا يسمعون، حتى نادى قطبة بن عامر: أيها الناس، لأن يقتل الرجل في حرب الكفار، خير من ان يقتل حال الفرار، فلما سمعوا كلام قطبة تراجعوا (2).

طريق جمع فاشل:

و قد حاول بعضهم: أن يجمع بين هذه الروايات المختلفة و المتخالفة، فقال:

«هذا لا يخالف ما يأتي من أن طائفة منهم فروا إلى المدينة لما عاينوا كثرة جموع الروم، فصار أهل المدينة يقولون لهم: أنتم الفرارون» (3).

قال في البداية: لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع العدو، على ما ذكروه مائتي ألف، و كان المسلمون ثلاثة آلاف، و مثل هذا يسوغ الفرار.

فلما فر هؤلاء ثبت باقيهم، و فتح اللّه عليهم، و تخلصوا من أيدي


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 763 و تاريخ مدينة دمشق ج 49 ص 337.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 72.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 68 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 249.

أولئك، و قتلوا منهم مقتلة عظيمة، كما ذكره الزهري، و موسى بن عقبة، و العطاف بن خالد، و ابن عائذ.

و حديث عوف بن مالك السابق يقتضي أنهم غنموا منهم، و سلبوا من أشرافهم، و قتلوا من أمرائهم.

و قد تقدم فيما رواه البخاري: أن خالدا قال: «اندقت في يدي تسعة أسياف الخ. .» ، يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا، و لو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم، و هذا وحده دليل مستقل (1).

و قال الصالحي الشامي: أكثر الآثار تدل: على أن المسلمين هزموا المشركين، و في بعضها أن خالدا انحاز بالمسلمين، و قد تقدم بيان ذلك.

قال الحافظ: و يمكن الجمع بأن يكون المسلمون هزموا جانبا من المشركين، و خشي خالد أن يتكاثر الكفار عليهم. فقد مر أنهم كانوا أكثر من مائتي ألف، فانحاز عنهم حتى رجع بالمسلمين إلى المدينة (2).

و قال الحافظ ابن كثير في البداية: يمكن الجمع بأن خالدا لما انحاز بالمسلمين بات، ثم أصبح و قد غير بقية العسكر كما تقدم، و توهم العدو أنهم قد جاءهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ فولوا فلم يتبعهم، و رأى الرجوع بالمسلمين مع الغنيمة الكبرى (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 156 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 249 و عن فتح الباري ج 7 ص 295{و فيه أنهم أكثر من مائة ألف بدل مائتي ألف} .

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 156 و عن فتح الباري ج 7 ص 395{و فيه أنهم أكثر من مائة ألف بدل مائتي ألف} .

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 158 و 159 و المغازي للواقدي ج 2 ص 764.

و قال الواقدي: «فانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة عظيمة، لم يقتلها قوم» (1).

غير أنه سيتضح: أن هذه التمحلات بعيدة جدا عن الواقع، و أن من نسب إليهم القول بحصول النصر و الفتح على يد خالد و من معه، لا تصح النسبة إلى معظمهم، أو لا يصح الاستدلال بقولهم. . فنسبة ذلك إليهم ما هو إلا تدليس ظاهر، من ماكر ماهر.

و الذين نسب إليهم ذلك هم-كما زعموا-أبو عامر، و أبو هريرة، و الزهري، و عوف بن مالك، و أنس، و ابن عائذ، و عروة، و أبو سعيد الخدري، و عطاف بن خالد، و ابن عقبة. .

و سيتضح فيما يلي مطالب عدم صحة ذلك، إلا بالنسبة لبضعة أفراد لا يصل عددهم إلى عدد أصابع اليد الواحدة. بل إن بعضهم قد روى العكس، كما سنوضحه فيما يلي:

حديث جابر و خزيمة:

ورد في حديث جابر كلام عن اغتنام بعض أمتعة المشركين، و أن أحدهم غنم خاتما، فجاء به إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فنفله إياه (2).

بالإضافة إلى حديث الياقوتة التي غنمها خزيمة بن ثابت، فنفله إياها


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 15 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 282 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 467 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 152 و المغازي للواقدي ج 2 ص 768.

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1)أيضا. .

و كلا الحديثين غير مفيد، و ذلك لما يلي: 1-إنه لو كان هناك نصر و فتح، و غنائم في مؤتة، فلا بد أن يقسّم في ساحة المعركة، بعد انتهاء الحرب، فما معنى أن يبقى ذلك الخاتم مع ذلك الرجل إلى المدينة، حتى يعرضه على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فينفله إياه؟ !

و لماذا لم يعترض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على ذلك الرجل، لأنه احتفظ بذلك الخاتم إلى هذا الوقت؟

و لماذا لم يسأله عن السبب في أنه لم يعلم به أمير الجيش حين اقتسام الغنائم؟ !

2-إن رواية خزيمة تصرح بأن خزيمة قد قتل صاحب الياقوتة، و سلبه إياها، فهو من السلب الذي حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأنه للقاتل، و قد كان هذا الأمر معروفا لدى الناس، كما ظهر من قصة عوف بن مالك مع خالد. فما معنى مراجعة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الياقوتة، لينفله إياها.

3-إن الحرب في مؤتة لم تكن عابرة، و بلا جهد و جهاد، من قبل جيش المسلمين، حتى لو كان هذا الجيش قد انهزم في نهاية الأمر متابعة منه لخالد بن الوليد حامل لوائه.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 152 و المغازي للواقدي ج 2 ص 769 و كنز العمال ج 10 ص 555 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 359 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 486.

و قد ذكروا: أن ذلك الجيش بقي سبعة أيام يقاتل أعداءه إلى أن استشهد قادته الثلاثة. و من الطبيعي أن يحصل بعضهم على بعض السلب ممن كانوا يقتلونهم من أفراد جيش العدو. . ثم كانت الهزيمة بعد ذلك على يد خالد، و لم يكن هناك اقتسام لغنائم، فجاء أولئك الأفراد ببعض ما حصلوا عليه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لعل قصة جابر، و خزيمة قد جاءت على هذا السياق.

4-إن رواية خزيمة نفسها تصرح بالهزيمة، فقد جاء فيها-حسب رواية البيهقي-قوله: «فأخذتها، فلما انكشفنا رجعنا إلى المدينة الخ. .» (1).

فما معنى الاستدلال بهذه الرواية على صمودهم، و على حصول النصر و الفتح لهم؟ !

حديث عوف بن مالك:

و جاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي: أن أحدهم قد غنم فرس و سلاح أحد المشركين.

و نقول: 1-إن هذا أيضا لا يدل على أنه قد غنم ذلك بعد استشهاد القادة، بل ظاهر الرواية: أن ذلك قد حصل بمجرد نشوب الحرب، و بمجرد التقاء المسلمين بجموع الروم.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 156 و راجع: شرح النهج ج 14 ص 275 و كنز العمال ج 10 ص 555 و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 359 و ج 24 ص 397 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 486.

2-إن هذا الحديث مرفوض جملة و تفصيلا، فإنه يكاد يكون صريحا في ادّعاء: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تناقض في تصرفاته، إذ إنه إذا كان-كما يزعمون-قد خطّأ خالدا في رأيه الأول، فكيف صح أن يعود إلى تصويبه أخيرا. فهل يصح تصويب الخطأ؟ !

قال الصالحي الشامي: إنما رد «صلى اللّه عليه و آله» السلب إلى خالد بعد الأمر الأول بإعطائه للقاتل نوعا من النكير، و دعا له، لئلا يتجرأ الناس على الأئمة.

و كان خالد مجتهدا في صنيعه ذلك، فأمضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» اجتهاده لما رأى في ذلك من المصلحة العامة، بعد أن خطّأه في رأيه الأول.

و يشبه أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» عوّض المددي من الخمس الذي هو له، و أرضى خالدا بالصفح عنه، و تسليم الحكم له في السلب (1).

و نقول: و يلاحظ عليه: أنه يعترف بخطأ خالد في أخذه السلب من صاحبه، فردّه النبي «صلى اللّه عليه و آله» عليه، ثم رأى أن من المصلحة أن يتراجع عن حكمه هذا. و يسترجع السلب من صاحبه مرة أخرى. .

ثم لما رأى شناعة هذا الفعل ادّعى من عند نفسه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عوّض ذلك المددي من الخمس! !

و لا ندري من أين جاء بهذا الادعاء التاريخي الخيالي و الموهوم، الذي


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 159.

يلزم منه نسبة السفه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! فإنه إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» قد عوضه من الخمس، فلماذا يأخذ منه مالا هو له، و حتى يجب عليه أن يعوض صاحبه عنه؟ !

فإن قيل: إن السبب هو التأديب.

أجيب: بأن التأديب لا يحصل بهذا النحو من التصرف العبثي.

3-إنه إذا كان خالد بن الوليد هو الذي أمّر نفسه، كما هو مجمع عليه عند المؤرخين؛ و كما صرحت به بعض الروايات.

فما معنى أن يغضب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يقول لعوف: «هل أنتم تاركون أمرائي لكم صفوة الخ. .» فإن خالدا لم يكن أميرا من قبله «صلى اللّه عليه و آله» ، و إذا كان الناس قد رضوا به أميرا، فعليه {أي على خالد} أن يلتزم بالحدود التي فوضوه التصرف فيها. .

4-ما معنى أن ينسب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أنه قال عن أمرائه «لكم صفوة أمرهم، و عليهم كدره» ؟ ! فهل ذلك يعني أنه لا يحق لأحد أن يعترض على الأمير إذ حكم بغير ما أنزل اللّه؟ ! و تصرف على خلاف ما يريده اللّه؟ و ما جاء في سنة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

كما هو الحال في هذا المورد بالذات؟ !

5-و أي صفو ظهر من خالد هنا، و هو يظلم شخصا حقه الذي قرره له الشرع الشريف و سنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! . . بل هو يصر على سلبه حقه هذا حتى بعد أن أخبره بأن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي سن و قرر، و قضى بأن السلب للقاتل. . فهل هذا من صفو الأمر الذي يعود نفعه للناس؟ !

و هل يصح توجيه اللوم و التأنيب إليهم، إذا لم يرضوا بهذا التعدي؟ !

6-هل يمكن أن يتخيل أحد أن السلب إذا كان كثيرا فليس للقاتل أن يأخذه، و أن السلب القليل فقط هو الذي يكون له؟ !

7-هل وعد عوف لخالد: بأنه سيعرّفه الحكم الصحيح عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم تذكيره إياه بهذا الوعد، يستدعي هذا الغضب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و يوجب إنزال هذه العقوبة به؟ !

8-حتى لو كان عوف قد تجاوز الحد مع خالد، فهل هذا يبطل حقه بالسلب؟ ! و هل عقوبة من يتجاوز الحد بهذا النحو هي دفع هذه الغرامة المالية؟ ! أم أن العقوبة هي الحبس أو التعزير، أو ما إلى ذلك؟ !

خالد يتحدث عن نفسه! !

و حديث خالد عن بطولاته أيضا، حتى إن سبعة أسياف قد اندقت بيده، و لم تثبت بيده إلا صفيحة يمانية-إن ذلك-كله لا مجال لقبوله، و ذلك لما يلي:

1-جاءت الأخبار الكثيرة لتؤكد أن خالدا قد فر، بل كان أول الفارّين.

2-إنه إنما يجرّ بذلك النار إلى قرصه، و يسعى إلى تبرئة نفسه. و لا تقبل شهادة الإنسان لنفسه في القضاء، إلا إذا كان نبيا أو وصي نبي، أو ممن جاء الوحي الإلهي بقبول أقوالهم، و أخبر اللّه عن صدقهم. .

و أما في غير القضاء، فلا بد أن تثبت وثاقة من يتحدث عن نفسه، و تقوم الشواهد على صدقه، و ليس خالد من هؤلاء، فإنه قاتل مالك بن نويرة،

و الزاني بامرأته، و المتحامل على أهل البيت «عليهم السلام» ، و المشارك في مهاجمة بيت الزهراء «عليها السلام» إلى غير ذلك من موبقات. .

3-إنه لم يصرح بالوقت الذي ظهرت فيه بطولاته هذه، فهل كانت بعد استشهاد القادة الثلاثة؟ ! أو كانت قبل ذلك؟ !

فإن كانت في الأيام السبعة التي سبقت استشهادهم، فلا تفيد في دفع التهمة الواردة في النصوص، و الدالة على أنه حين استشهد القادة آثر الفرار على الثبات. .

4-لعل البطولات التي تحدث عنها خالد قد كانت في تلك القرية التي هاجموها حين عودتهم من مؤتة، و كان بها حصن أيضا، فافتتحوه، و قتل خالد من كان فيه من المقاتلين، كما سنرى. .

حديث قتل ابن رافلة:

و الحديث القائل: إن قطبة بن قتادة العذري قد قتل مالك بن رافلة، لا يدل أيضا على مطلوبهم، و ذلك لما يلي:

1-من الذي قال: إن قتل ابن رافلة قد كان بعد استشهاد القادة الثلاثة، فإن القتال قد دام سبعة ايام قبل استشهادهم حسبما استظهرناه. فلعله قتله في تلك الأيام السابقة.

2-إنهم قد ذكروا: أن الجيش قد هاجم-و هو عائد-قرية لها: حصن، فحاصروهم حتى فتحوا ذلك الحصن. و قتل خالد مقاتلتهم (1).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و 155 و عن فتح الباري ج 7 ص 395 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 16.

فلعل ابن رافلة قد قتل في هذه المعركة.

3-أما حديث السبي الوارد في هذه الرواية، فأمره أكثر إشكالا، و حديثه أكثر اعتلالا، و اختلالا، فإنهم إذا كانوا قد سبوا أحدا فلماذا اختص ذلك ببنات عم أمير أعراب النصارى؟ ! و لماذا لم تسب آلاف النسوة اللواتي كن مع ذلك الجيش العظيم، الذي يدّعون أنه قد هزم على يد خالد و جيشه؟ ! حيث لا بد أن تغص المدينة بهذا السبي الهائل! !

على أن الأهم من ذلك هو كيف يترك ذلك الجيش بنات عم أعظم أمراء نصارى الأعراب تسبين، ثم لا يلحق بالمسلمين لتخليصهن؟

4-إن الشعر المذكور في الرواية يدّعي: أن سبي بنات عم ابن رافلة إنما حصل في الغارة على موضع سماه ب «رقوقين» و قد بحثت عن هذا الاسم، فلم أجد فيما توفر لدي من مصادر شيئا يفيد في تحديد معناه سوى أنه اسم موضع.

و قال الصالحي الشامي: «لم أجد له ذكرا فيما وقفت عليه من أسماء الأماكن» (1).

و من الذي قال: إن هذا الموضع كان في مؤتة؟ !

5-إن ما ذكره من أن ابن رافلة كان أمير أعراب النصارى، لا يتناسب مع ما يذكرونه من أن الحارث ابن أبي شمر الغساني كان هو الأمير الأكبر في تلك المنطقة، و كان عاملا لقيصر ملك الروم. .

إلا أن يقال: إنه كان أميرهم في القتال في تلك المعركة. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 165.

إخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن الشهداء:

أما ما ذكروه: من أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد وصف المعركة للمسلمين، و نعى «صلى اللّه عليه و آله» زيدا، ثم جعفرا، ثم ابن رواحة، ثم أخبر عن أخذ خالد للراية، و وصفه بأنه: سيف من سيوف اللّه، ففتح اللّه عليهم.

نقول فيه: 1-قد تقدم: أن جعفرا كان هو الأمير الأول في مؤتة، و هذه الروايات تذكر تقدم زيد عليه، و هذا يشير إلى وجود تلاعب و تصرف في هذا الأمر، فلا يؤمن أن يكون التلاعب قد نال مواضع أخرى في الرواية أيضا.

2-إذا كان خالد سيفا من سيوف اللّه، و له هذه الشجاعة الفريدة، و الهمة العتيدة، و هذا الأثر العظيم، فلماذا لم يوله القيادة معهم «صلى اللّه عليه و آله» قيادة الجيش من أول الأمر؟ ! بل هو لم يوله أصلا؟ ! . .

فهل يعقل أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد فرط في أمر المسلمين، فولى من ليس أهلا، و ترك هذا الرجل العظيم؟ ! ! مع علمه بموقعه، و بأثره، كما ظهر من وصفه له بأنه سيف من سيوف اللّه؟ ! !

أم أنه-و العياذ باللّه-قد أراد التخلص من القادة الثلاثة بصورة غادرة و ماكرة، لأسباب عجز التاريخ عن الإفصاح عنها؟ ! و هل يصح هذا المكر و الغدر من أفضل الأنبياء و أشرف الخلق؟ ! و هل يكون مسلما أو مؤمنا من يعتقد بالنبي أنه-و العياذ باللّه-يغدر و يمكر؟ !

و من الذي قال: إن هذا الموضع قد كان في مؤتة؟ !

3-و إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» لا يميز بين من هو أهل للقيادة، و بين من ليس أهلا لها، فالأمر يصبح أعظم و أدهى، لما يتضمنه من الطعن

في عقل و إدراك النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» ، نعوذ باللّه من الخطأ و الزلل، في الفكر و القول، و العمل.

4-و أما الحديث عن أن خالدا هو سيف اللّه، فستأتي الإشارة إلى أنه غير صحيح إن شاء اللّه تعالى.

5-و أي فتح كان على يد خالد سوى الفرار القبيح و المرزي، الذي استحق به هو و من معه أن يحثو أهل المدينة التراب في وجوههم، و أن يقاطعوهم، و لا يكلمهم منهم أحدا؟ !

حديث عطاف بن خالد:

و قد ذكر في حديث عطاف بن خالد: أن ابن رواحة قتل مساء، ثم لما أصبحوا غير خالد الميمنة إلى الميسرة و العكس، و جعل الساقة مقدمة، فأوهم ذلك جيش الأعداء بأن مددا قد أتى للمسلمين، فهربوا رعبا من ذلك. .

و نقول:

1-هل طبعت صورة الأشخاص في الجيش الإسلامي في ذاكرة جيش العدو حتى أصبح يتحرك و يتعامل مع خصوص تلك الصور؟ !

و حتى لو كان الأمر كذلك، فهل كان من الواجب أن لا تتبدل مواقع الأفراد في كل يوم عما كانت عليه في اليوم السابق؟ !

و لماذا لا يفسرون هذا التبدل: بأن القائد الميداني قد وزع الأشخاص بطريقة مخالفة للتوزيع الذي كان في اليوم السابق؟ !

و لماذا يظنون بوصول مدد للجيش المقابل. ألا يرون حجمه، و عدده؟ و أنه لم يزد عما كان عليه في اليوم السابق؟ !

2-هل صحيح: أن الناس تمكنوا من المبيت في ساحة المعركة، حتى بعد استشهاد ابن رواحة؟ ! أم أن الهزيمة قد حلت بهم، و غادروا إلى جهة المدينة يتقدمهم خالد فور استشهاد ابن رواحة؟ !

إن النصوص التي أوردناها تؤكد هذا الأمر الثاني! !

3-إذا كان المسلمون قد قتلوا المشركين كيف شاؤا، أو قتلوهم مقتلة لم يقتلها قوم، فلماذا اختص نقل ذلك بعطاف بن خالد، و بابن عائذ؟ !

و لماذا لم ينقله حتى ابن إسحاق، و هو المعتمد في المغازي، بل الناس عيال عليه فيها؟ ! بل لماذا جاءت الروايات الأخرى من الذين حضروا المعركة لتؤكد على حصول الهزيمة النكراء؟ !

4-و لماذا لم يحتف أهل المدينة بهؤلاء الفاتحين حين عودتهم، و لم يكرموهم، و لم يقيموا لهم الإحتفالات، و لم يتغن أحد من الشعراء بهذا النصر العظيم؟ !

بل هم قد و اجهوهم بما يسؤهم، حتى اضطروهم بالاختباء في بيوتهم؟ !

بل لماذا لم يعتذروا هم للناس و لم يقولوا لهم: إن القضية كانت على عكس ما يظنون، فقد انتصروا على أعدائهم، و قتلوهم قتلة لم يقتلها قوم، و هزموهم أسوأ هزيمة؟ !

و لماذا لم تشفع لهم الغنائم و السبايا التي جاؤا بها إلى المدينة؟ و التي لا بد أن تعد بعشرات الألوف، و لماذا لم يخمد غضب الناس الغاضبين و لم ينظر إليها أحد من أهلهم و محبيهم الذين طردوهم و أهانوهم؟ !

و لماذا لم يدافع عنهم الرسول الكريم «عليه السلام» إذا كانوا مظلومين فيما يجري لهم؟ و لماذا؟ ! و لماذا؟ !

حديث برذع:

و قد لوحظ: أن ما روي عن برذع بن زيد، من أن المسلمين اقتتلوا مع المشركين سبعة أيام (1)قد أورد في سياق الإستدلال على عدم هزيمة خالد، مع أنه لا يدل على ذلك، لأن الظاهر: هو أنه يتحدث عن الفترة التي استمرت فيها المبارزات و المناوشات قبل استشهاد القادة.

بل الأولى جعله من أدلة هزيمته، و الشاهد على ما نقول: أن الظاهر: هو أن ابن رواحة قد حارب المشركين أياما قبل استشهاده، حتى إن ابن عم له قد جاءه بعرق من لحم ليقيم به صلبه، بعد أن لقي ما لقيه في أيامه التي سبقت استشهاده (2).

حديث أبي عامر:

1-و قد ظهر من رواية أبي عامر المتقدمة: أنهم يريدون أن يدّعوا: أن الهزيمة التي حلت بالمسلمين قد حلت بهم قبل أن يأخذ خالد اللواء. .

و قد فصلنا الكلام حول هذه المقولة، و أظهرنا أنها لا يمكن قبولها، لأن النصوص المختلفة تكذبها. . و يكفي دليلا على ذلك ما جرى في المدينة من أن الناس قد حثوا التراب في وجه الجيش العائد بقيادة خالد، و عيروهم بهذا الأمر، حتى انزووا في بيوتهم.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 عن القراب في تاريخه، و السيرة الحلبية ج 3 ص 67.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 150 و راجع: و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 462 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 279 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 834 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 462.

2-إن رواية أبي عامر تذكر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد علم بما جرى في مؤتة من أبي عامر نفسه، مع أن النصوص الأخرى تؤكد على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر الناس و هو على المنبر بما جرى لحظة فلحظة، حيث خفض اللّه له كل رفيع، و رفع له كل خفيض، حتى رأى ما يجري هناك.

3-إن الحديث المتقدم عن الرجل المرّي يصرح: بأن خالدا كان في طليعة المنهزمين، و تبعه الناس في الهزيمة، و حديث أبي عامر أيضا ذكر أن الناس انهزموا أسوأ هزيمة رآها قط. حتى لم ير اثنين جميعا.

و لكن أبا عامر يدّعي: أن الناس قد تجمعوا بعد تلك الهزيمة، و هاجموا جيش العدو، و هزموه.

و هو كلام غير مقبول، فإنه إذا وقعت الهزيمة، فسيبقى الجيش المتفوق يلاحق المنهزمين، و يمعن فيهم قتلا، و أسرا، و يطلب الحصول على ما يتركونه من غنائم. .

و لم نر جيشا منتصرا يترك عدوه يفلت من يده، و يقف ليتفرج عليه و هو ينسحب من الساحة بأمان، و يمهله حتى تتجمع فلوله، ثم يعود لمهاجمته من جديد، خصوصا مع علمه بأن ملاحقة فلول الجيش المنهزم لا تضره، ما دام أن مصدر الإمداد لهم بعيد عنهم مسيرة أيام كثيرة، بل لعل عبارات أبي عامر الذي لم ير اثنين جميعا، تشير إلى حدوث هذا الإمعان في ملاحقتهم لتفريق جمعهم، و تشتيت شملهم. .

4-على أن حديث أبي عامر هذا لا يتلاءم مع ما زعموه من أن ابن رواحة قد قتل عند المساء، فباتوا. و في اليوم التالي خالف خالد في ترتيب أجنحة الجيش فخاف جيش العدو، فانهزم.

5-إن الهزيمة معناها سعي المنهزمين للخروج من المعركة بأقصى سرعة يقدرون عليها. و لذلك يسعى الفرسان إلى اقتناء السابق من الخيل، ليتمكن صاحبها من الحركة السريعة في ميدان الحرب، و من اللحاق بالمطلوب إذا كان طالبا و من النجاة عليه إن حز به أمر، يخاف فيه الهلاك، فأصبح هاربا. .

فما معنى أن يتمكن أبو عامر من أخذ اللواء في لحظات الهزيمة، ثم أن يسعى حتى يسبق المقاتلين، و يصير أمامهم؟ ! إلا أن يكون أسرع من الطير في الهواء، و من السهم في حنايا البيداء؟ !

6-إن حديث أبي عامر يصرح: بأن ثابت بن أقرم الأنصاري أعطى اللواء إلى خالد، فرفض خالد قبوله: فقال الأنصاري: و اللّه ما أخذته إلا لك. .

مع أن ابن اسحاق يقول: إن ثابتا أخذ اللواء و قال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، فقالوا: أنت.

فقال: ما أنا بفاعل.

فاصطلح الناس على خالد. .

و في نص ثالث عن أبي اليسر: أنه هو الذي دفع الراية إلى ثابت بن أقرم، فدفعت {بالبناء للمجهول} إلى خالد، فهل ذلك يدل على أن الذي دفع الراية إلى خالد هو غير ثابت هذا؟ !

و في جميع الأحوال نقول: أي ذلك هو الصحيح؟ !

7-ما معنى أن يقول ثابت بن أقرم لخالد: ما أخذته إلا لك؟ !

فلما ذا أخذه لخصوص خالد؟ ! ألم يكن في ذلك الجيش من يليق بمقام القيادة غير خالد؟ ! أم أن لخالد خصوصية لدى ثابت بن أقرم. . أو أنه هو وحده المقبول من قبل المقاتلين؟ !

و الإحتمال الأخير بعيد، فإن رواية ابن اسحاق قد صرحت: بأنه حين قال ثابت بن أقرم للناس: إصطلحوا على رجل منكم.

قالوا: أنت. و لم يذكروا خالدا و لا غيره.

و هذا معناه: أنه لم تكن لخالد عندهم خصوصية تميزه عن غيره و ترجحه على من عداه لقيادة الجيش.

8-على أن رواية ثابت بن أقرم تصرح: بأن خالدا هو الذي بادر إلى أخذ اللواء بنفسه، و لم يأخذه له ابن أقرم، و تصرح أيضا: بأنه أخذه و انهزم به، فتبعه الناس. .

9-ثم إن رواية أبي عامر تدّعي: أن ثابتا هو الذي دعا الناس إليه، فاستجابوا له، و اجتمعوا عنده، فأعطى اللواء لخالد. .

مع أن أبا هريرة يقول: إن الناس إنما تراجعوا عن الهزيمة استجابة لكلام قطبة بن عامر. و إن كانت رواية ابن كعب بن مالك تذكر: أنهم لم يستجيبوا لقطبة أيضا بل اتبعوا صاحب الراية في هزيمته. و صاحب الراية هو خالد نفسه. . و قديما قيل: لا حافظة لكذوب.

و أغرب من ذلك، ما زعمه أبو هريرة أيضا: من أن خالدا جعل يصيح بالناس حين انهزموا، و يدعوهم في أخراهم، فلم يستجيبوا له، فلما دعاهم قطبة استجابوا، مع أن رواية الرجل المرّي تقول: إن خالدا كان أول من انهزم، ثم تبعه الناس. و مع أن السؤال المحير يبقى ماثلا أمامنا عن السبب في استجابة الناس لقطبة بن عامر، و عدم استجابتهم لخالد! !

ألا يجعلنا هذا التهافت نظن: أن المهم عند أبي هريرة هو حفظ ماء وجه خالد، و التصريح بأنه لم ينهزم، بل المنهزم هم الآخرون؟ ! .

إيهام أم إبهام؟ !

و ذكرت بعض الروايات المتقدمة: أن ثابت بن أقرم الأنصاري أخذ اللواء، و جعل يصيح بالأنصار، ثم سعى به إلى خالد.

و نقول:

لماذا خص صياح ثابت بن أقرم بالأنصار؟ هل يريد الإيحاء بأن الهزيمة إنما وقعت على الأنصار دون المهاجرين؟ !

و ربما لأجل ذلك أعطى اللواء لخالد، الذي يعد في جملة المهاجرين دون الأنصار؟ !

أم أنه يريد أن يفهمنا: أن المهاجرين لم يحضروا غزوة مؤتة لتقع الهزيمة عليهم. {رغم أن الروايات قد صرحت بأسماء عدد منهم كان قد حضر مؤتة} أم أن ثابت بن أقرم لم يكن يرى أن من حقه أن ينادي المهاجرين، لأنه كان أنصاريا، و لم يكن مهاجريا؟ !

مع أن هذا باطل أيضا، و لو صح، فقد كان بامكانه أن يقول كما ذكرته رواية أبي عامر و غيرها: إليّ أيها الناس. . و لكنها قد غيرت، لأن هؤلاء الناس يريدون حياكة الأمور بطريقة ذكية، تجعلها تصب في الاتجاه الذي رسموه، و تخدم الأهداف التي حددوها. . حتى إذا ما رأوا: أن في تلك الصياغة ما يضر أيضا بمصالحهم، عادوا إلى التقليم و التطعيم، و التغيير و التبديل، وفق ما يحبون، و على حسب ما يشتهون، فإنا للّه و إنا إليه راجعون.

هل اصطلح المسلمون على خالد؟ !

و قد تقدم: أن الروايات قد اختلفت في كيفية وصول اللواء إلى خالد،

فهل خصه به ثابت بن أقرم، و هو إنما اخذ اللواء له؟ ! أم أن المسلمين اصطلحوا على خالد؟ !

و نضيف هنا التساؤلات التالية: هل كانت هناك فرصة للحوار حول موضوع اللواء، بعد قتل القادة، مع أن المسلمين قد اختلطوا بالمشركين؟ !

أم ان المقصود هو تشريف خالد، و إظهار عظمته، و بخوع الناس لشجاعته، و تنزهه عن السعي لأخذ اللواء، و إظهار أنه أعلم بالقتال من غيره، و أن المسلمين هم الذين حمّلوه هذه المسؤولية؟ ! و أنه. . و أنه؟ !

أم أن المطلوب هو التعتيم على الحقيقة و التشكيك بالنصوص التي صرحت: بأن خالدا بمجرد أن أخذ اللواء، الذي كان قد سقط على الأرض انهزم به، فلما رآه المسلمون منهزما تبعوه و وقع المحذور-كما صرحت به روايات عديدة، و منها رواية ذلك الرجل المرّي، و غيرها؟ !

ثبت خالد مقدارا مّا:

و يريدون إيهام الناس أيضا برواية مصطنعة تقول: إن خالدا نفسه لم ينهزم، بل انهزم الناس، فلما أخذ اللواء حمله ساعة. . فثبت للحملات عليه حتى تكركر المشركون، ثم حمل بأصحابه ففض جمعا من جمعهم. «ثم دهمه منهم بشر كثير، فانحاش المسلمون، فانكشفوا راجعين» (1).


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 763 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 150 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و البحار ج 21 ص 62 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 253 و تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 107 و 108 و ج 2 ص 15.

و نقول:

إن هذه الرواية تريد ان تقول: إن خالدا لم ينهزم، لا في البداية و لا في النهاية، بل ثبت، و الذين انهزموا قبل أخذه للواء هم المسلمون، فلما أخذه ثبت بهم أولا، ثم ألحق هزيمة بجمع من جمع العدو. . ثم إن المسلمين انحاشوا، ثم انكشفوا راجعين، فهم أيضا لم ينهزموا، بل ما حصل هو مجرد الانحياش، ثم الانكشاف. . و ترك الحرب و الرجوع، مع أننا قد ذكرنا:

1-أن الرواية المتقدمة عن الرجل المرّي الذي كان حاضرا تقول: إن أول منهزم كان في المرة الأولى هو خالد بن الوليد، ثم تبعه في الهزيمة سائر الناس. . و صرحت روايات عديدة أخرى بهزيمة خالد أيضا.

و في رواية ابن كعب بن مالك عن رجال من قومه: أن قطبة بن عامر جعل يصيح: يا قوم. . فما يثوب إليه أحد، هي الهزيمة. و يتبعون صاحب الراية منهزما.

و قد ذكر المرّي: أن صاحب الراية هو خالد. .

2-و سيأتي: أن أهل المدينة قد و اجهوا ذلك الجيش العائد بالطرد، و الإدانة، و الإهانة حتى حثوا في وجوههم التراب، و عيروهم بالفرار. . و عاشوا حالة من الإحساس بالذلة و الذنب، بلغت بهم حد الاختفاء عن أعين الناس في بيوتهم، و انقطعوا عن المسجد، و عن الصلاة مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

3-إنه إذا انحاش المسلمون و انحازوا إلى جهة بعينها، و تجمعوا فيها حين دهمهم الكفار، فلماذا انكشفوا راجعين في هذه اللحظة بالذات. . مع أنهم كانوا-حسب زعم هؤلاء-قادرين على مواصلة الحرب و القتال. .

خصوصا إذا أخذنا بقول الحلبي: «ثم أخذه خالد، و مانع القوم و ثبت، ثم انحاز كل من الفريقين عن الآخر، من غير هزيمة على أحدهما» (1). فإن ذلك يتطلب منهم معاودة الهجوم، لا ترك ساحة الحرب و الانكشاف و العودة! !

4-و الغريب في الأمر: أن رواية كعب بن مالك عن نفر من قومه تقول: «فكانت الهزيمة، و قتل المسلمون، و اتبعهم المشركون» .

و هذا معناه: أن الهزيمة كانت هي السبب في استشهاد هذا العدد من المسلمين. . ثمانية أو اثنا عشر أو نحو ذلك. .

و هو يعني أيضا: أن المشركين لم يتركوا المسلمين حين انهزم بهم خالد، بل لا حقوهم، و قتلوا عددا منهم.

و هو يدل أيضا: أن أحدا لم يستشهد قبل استشهاد القادة، رغم استمرار الحرب سبعة ايام، كما تقدم.

النصر الموهوم:

و عن زعمهم: أن خالدا قد سجل نصرا مؤزرا و عظيما على جيوش الروم. . بل في بعضها: أن الروم قتلوا قتلة لم يقتلها قوم، و أن المسلمين قد وضعوا اسيافهم حيث شاؤوا، نقول:

قد نسي الأفاكون: أن أهل المدينة قد طرد ذلك الجيش العائد، بقيادة خالد. و حثوا التراب في وجوههم، و هجروهم، و عاقبوهم أسوأ عقوبة كما سيأتي. . فلو صح انهم قد انتصروا لكان ينبغي أن يلاقوهم بالورود


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 67.

و الأناشيد، و بالأفراح و الزغاريد، و أن يرفعوهم على الراحات، و يدوروا بهم في النوادي و الساحات.

و لكان يجب على خالد و جيشه أن يعترضوا على استقبال أهل المدينة بالتعنيف و الطرد، و أن يشتكوهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يجهروا بمظلوميتهم و بأنهم معتدى عليهم. فلماذا اختبأوا في بيوتهم، حتى إن منهم من ترك الحضور للصلاة من شدة الخجل مما حدث و حصل؟ !

بل إن المتوقع في مثل هذه الحالة هو أن يبادر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمنع هذا التجني، و لجم الظلم الذي حاق بهؤلاء الأبرياء المجاهدين! ! و لو بأن يخطب الناس في المدينة، و يؤنبهم على ظلمهم هذا، إن لم يتمكن من أن يعاقبهم عليه.

على أن هذا الذي ذكرناه لا يعني أننا نريد أن ننفي أن يكون المسلمون قد أظهروا درجة من الجدية في قتال أعدائهم، و أنهم قد سجلوا عليهم انتصارات قوية. .

و لكننا نقول: إن ذلك إن كان قد حصل، فإنما حصل في الأيام أو في الساعات التي سبقت استشهاد القادة، و لعل جذوته قد اتقدت بعد استشهادهم بصورة أكبر. و لكن خالدا ضيع ذلك. .

على أن من الواضح: أن صياغة الأحداث بهذه الطريقة التي نشاهدها في كتب التاريخ تعطي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ألقى بالمسلمين إلى تهلكة عظيمة، و أن خالد بن الوليد هو الذي نجاهم منها.

و هذه جرأة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و خروج عن حدود الاعتقاد الصحيح، و لا نريد أن نقول أكثر من ذلك.

المضحك المبكي:

و من المضحك المبكي حديث الرجل من بني مرة، الذي أنكر فيه أن يكون خالد قد انهزم. . ثم شرح ذلك، بأن اللواء سقط بعد قتل ابن رواحة. . و استمرت الحرب قال: «فنظرت إلى اللواء في يد خالد منهزما، و اتبعناه، فكانت الهزيمة» (1).

فما معنى نفيه هزيمة خالد أولا، ثم إثباته لها أخيرا. حتى لقد جعل خالدا أول منهزم باللواء فيهم، ثم تبعه الناس.

و هذه القضية التي جاءت بعفوية تامة، تظهر إلى أي حد كان هذا الرجل سليم الذات، فهو ينقاد لمشاعره تجاه خالد أولا، فلا يرضى بنسبة الهزيمة إليه، ثم لما أراد بيان ما جرى ساقته عفويته، و سلامة ذاته، و صدق لهجته إلى بيان حقيقة ما جرى بدقة، فظهر التناقض بين ما تدعوه إليه مشاعره من جهة، و بين ما أظهرته عفويته، و سلامة نفسه، و صدق لهجته من جهة أخرى. .

دلالات في تشويش النصوص و تناقضها:

إن من يقرأ تلك النصوص، و سواها مما سيأتي يخرج مندهشا من شدة اضطرابها، و اختلافها، حيث إن بعضها حريص على الإيحاء بأن قيادة خالد قد جلبت النصر للمسلمين. مع ظهور أو صراحة قسم وافر منها، و مؤيد بالشواهد و الأدلة على أن هذه القيادة قد جلبت على ذلك الجيش الهزيمة


1) الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 129 و تاريخ مدينة دمشق ج 49 ص 37 و ج 68 ص 87.

و العار، حتى من أهلهم و ذويهم. .

و لا شك في أن هذا السعي الحثيث، و هذا الإصرار العجيب على تصوير الهزيمة بأنها فتح و نصر، بل هي أعظم من النصر في خيبر، و الخندق، و بدر-يدل على أن ثمة استهتارا بالحق و الحقيقة، و قلة حياء، و انعدام ضمير لدى من يتصدى لهذا الأمر، و يحرص عليه. .

و لئن ظهر هذا الأمر في هذا المورد بصورة جلية، فمن السذاجة أن نعتبره المورد الوحيد الذي تعرض لمثل هذا التزوير الفاضح، بل إن هذه الخيانة قد مورست في سائر مفاصل السيرة و غيرها، بل هي قد نالت سائر الموارد التي تشبه في دلالاتها و في إيحاءاتها ما يحرصون على التخلص منه و طمسه في سرية مؤتة. .

و هذه خيانة عظيمة، بل جناية كبرى على أمة الإسلام، و على البشرية كلها، حين تصور الأكاذيب و الأباطيل على أنها هي الحقائق. و تصبح الحقائق في عداد الأباطيل و الترهات، فإنا للّه و إنا إليه راجعون و لا حول و لا قوة إلا باللّه.

خالد سيف اللّه:

و قد زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد وصف خالدا في سرية مؤتة بأنه سيف من سيوف اللّه (1). .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 68 و 67 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و 153 و نقله في هوامشه عن المصادر التالية: صحيح البخاري {4262} و عن ج 7 ص 62 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 368 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 14 ص 513 و عن مسند أحمد ج 3 ص 113 و السنن الكبرى ج 8 ص 154 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 42 و الطبقات الكبرى لابن سعد {ط ليدن} ج 4 ق 1 ص 25 و عن الكامل في التاريخ ج 2 ص و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 41.

فسمي بسيف اللّه منذئذ (1).

فهو غير صحيح، و ذلك لأن خالدا كان حديث عهد بالإسلام، فإنه أسلم في شهر صفر سنة ثمان، و ذكره بعضهم (2)، كما تقدم بيانه في موضعه من هذا الكتاب. و سرية مؤتة كانت بعد ذلك بحوالي ثلاثة أشهر. أي في جمادى الأولى في سنة ثمان (3).

و قيل: أنه أسلم قبل غزوة مؤتة بشهرين (4).

و قيل: أنه أسلم سنة سبع (5).

و قد أفنى عمره في محاربة هذا الدين و أهله، كما أنه لم يكن مهتما بالالتزام بأحكامه، و التقيد بشرائعه. . كما ظهر من سيرته في حياة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و بعده.

و قد شكى خالد عمارا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» لكلام جرى


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و تاريخ تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و الجامع لأحكام القرآن ج 16 ص 282.

2) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 240 و راجع مكاتيب الرسول ج 2 ص 627 و فيض القدير ج 1 ص 191.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 144 و مسند أبي داود ص 158.

4) فيض القدير ج 1 ص 191.

5) الإصابة ج 6 ص 419.

بينهما، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : إنه من يعادي عمارا يعاديه اللّه، و من يبغض عمارا يبغضه اللّه، و من سبه سبه اللّه (1).

ثم إن من يكون سيفا للّه، فلا يبطش بالناس بغير حق كما صنع خالد ببني جذيمة، حيث قتلهم صبرا، بعد أن أمنهم، مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسله إليهم داعيا لا مقاتلا.

و لما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما فعل بهم، رفع يديه و قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» . .

ثم أرسل «صلى اللّه عليه و آله» الإمام عليا «عليه السلام» ، فودى لهم الدماء، و ما أصيب من الأموال، حتى إنه ليدي ميلغة الكلب، و بقيت بقية من المال، أعطاهم إياها احتياطا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).


1) رجال الكشي ص 35 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 20 ص 277 و عوالي اللآلي ج 1 ص 113 و أجوبة مسائل جار اللّه ص 26 و الغدير ج 1 ص 331 و 332 و ج 9 ص 27 و فضائل الصحابة ص 50 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 390 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 74 و المعجم الكبير ج 4 ص 112 و كنز العمال ج 11 ص 726 و ج 13 ص 534 و علوم القرآن للسيد محمد باقر الحكيم ص 305 و أسباب نزول الآيات ص 106 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 530 و تاريخ مدينة دمشق ج 43 ص 399 و 400 و تهذيب الكمال ج 25 ص 366 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 415 و ج 9 ص 367 و خلاصة عبقات الأنوار ج 3 ص 23 و إختيار معرفة الرجال ج 1 ص 150 و جامع الرواة ج 1 ص 293 و معجم رجال الحديث ج 8 ص 41 و ج 13 ص 288.

2) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 66-68 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 173 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 53 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 147 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 145 و أسد الغابة ج 3 ص 102 و عن صحيح البخاري ج 3 ص 48 و الإستيعاب {بهامش الإصابة} ج 1 ص 407 وضوء النبي «صلى اللّه عليه و آله» ج 2 ص 17 و المحلى ج 8 ص 166 و الخصال ص 563 و المسترشد ص 492 و الغدير ج 7 ص 169 و الإمام علي «عليه السلام» للرحماني ص 688 و كتاب المنمق ص 217 و {ط مؤسسة الأعلمي} ج 2 ص 342 و البداية و النهاية ج 4 ص 358 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 592 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201.

و قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» في فتح مكة لخالد و للزبير: لا تقاتلا إلا من قاتلكما (1)، و لكن خالدا بسط يده، و قتل نيفا و عشرين رجلا من قريش، و أربعة نفر من هذيل، فأرسل إليه من يردعه عن ذلك (2).

و قد تابع خالد مسيرته الدموية هذه إلى ما بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

فأغار على قوم الصحابي المعروف مالك بن نويرة، فأمنهم أيضا، وصلوا و إياهم، ثم أخذهم فقتلهم، و قتل مالك بن نويرة، و نزا على امرأته في نفس تلك الليلة، و جعل رأسه أثفية تحت القدر التي كان يطبخ فيها الطعام.

و تكلم عمر بن الخطاب في ذلك عند أبي بكر، فلم يسمع منه، و عذر أبو بكر خالدا (3).


1) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 333 و النص و الإجتهاد للسيد عبد الحسين شرف الدين ص 495 عن السيرة النبوية لابن هشام ج 14 ص 100.

2) راجع عبقرية عمر للعقاد ص 266.

3) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 278-279 و في {ط ليدن} ج 4 ص 141، و راجع: وفيات الأعيان ج 6 ص 15 و المختصر في أخبار البشر ج 1 ص 158 و روضة المناظر {بهامش الكامل في التاريخ} ج 7 ص 167 و الكامل في التاريخ {ط دار صادر} ج 3 ص 49 و شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 1 ص 179 و الخصال ص 563 الإمام علي «عليه السلام» لأحمد الرحماني الهمداني ص 688 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 358 و كشف الغمة ج 1 ص 220. و راجع: المبسوط للسرخسي ص 92 و ج 20 ص 2145 و المحلى لابن حزم ج 8 ص 166 و الخصال ص 563 و المسترشد ص 492 و 493 و شرح الأخبار ج 1 ص 310 و الإحتجاج ج 1 ص 124 و البحار ج 21 ص 142 و ج 31 ص 330 و النص و الإجتهاد ص 461 و الفايق في غريب الحديث ج 3 ص 379 و تفسير القرآن العظيم لابن كثير ج 1 ص 548 و أسد الغابة ج 2 ص 94 و كتاب المحبر ص 124 و السيرة النبوية لابن هشام الحميري ج 4 ص 884 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 201 و غريب الحديث لابن قتيبة ج 1 ص 372 و 373 و النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج 2 ص 277 و ج 5 ص 226.

و قال: تأول فأخطأ. . أو اجتهد فأخطأ. .

و أما بالنسبة لسبب تسمية خالد بسيف اللّه:

فالظاهر: أن منشأها أبو بكر بن أبي قحافة. فإنه حين ألح عليه عمر بن الخطاب بعزل خالد بن الوليد، بسبب قتله مالك بن نويرة، محتجا بأن في سيفه رهقا. .

قال أبو بكر: لا يا عمر، ما كنت لأشيم سيفا سله اللّه على الكافرين (1).

و عن سبب هذه التسمية ذكر صاحب البحار: أنه بعد أن قلد أبو بكر الصدقات بقرى المدينة و ضياع فدك رجلا من ثقيف يقال له: الأشجع بن مزاحم الثقفي، و كان له أخ قتله علي بن أبي طالب في وقعة هوازن و ثقيف. .


1) راجع نفس المصادر السابقة.

فباغت ضيعة من ضياع أهل البيت «عليهم السلام» يقال لها «بانقيا» ، و احتواها، و احتوى صدقات لعلي «عليه السلام» ، و تغطرس على أهلها، يريد الثأر لأخيه يوم هوازن، فشكوه لعلي «عليه السلام» . .

ثم ذكر: أن الفضل بن العباس قتله بعد أن قال لعلي «عليه السلام» : قبحك اللّه و بتر عمرك. . .

و لما أراد أصحابه قتل الفضل سل علي «عليه السلام» سيفه، فرمى القوم أسلحتهم.

ثم أتوا أبا بكر برأس صاحبهم، فجمع المهاجرين و الأنصار و حرضهم للخروج على علي «عليه السلام» ، فدارت أعينهم في وجوههم و أخذتهم سكرة الموت حسب تعبيره. .

قال: فالتفت إليه عمر بن الخطاب، فقال: ليس له إلا خالد بن الوليد.

فالتفت إليه أبو بكر، فقال: يا أبا سليمان، أنت اليوم سيف من سيوف اللّه، و ركن من أركانه، و حتف اللّه على أعدائه، و قد شق علي بن أبي طالب عصا هذه الأمة، و خرج في نفر من أصحابه إلى ضياع الحجاز، و قد قتل من شيعتنا ليثا صؤولا و كهفا منيعا، فصر إليه في كثيف من قومك و سله أن يخدل الحضرة، فقد عفونا عنه، فإن نابذك الحرب فجئنا به أسيرا (1).

و أما الرواية التي تقول: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أطلق هذه التسمية عليه، و في مناسبة حرب مؤتة فهي غير صحيحة، لأن


1) راجع: البحار ج 29 ص 46-52 عن إرشاد القلوب للديلمي، و الأنوار العلوية 314-316.

خالدا انهزم بالناس في مؤتة. . فكيف يعطي النبي «صلى اللّه عليه و آله» الأوسمة للمهزوم؟ !

و حينما عاد الجيش إلى المدينة جعل الناس يحثون التراب في وجه ذلك الجيش، و يقولون: يا فرار في سبيل اللّه. .

و دخل أفراد ذلك الجيش إلى بيوتهم، و لم يعد يمكنهم الخروج منها، لأنهم كلما خرجوا صاح بهم الناس: أفررتم في سبيل اللّه؟ ! . . كما تقدم.

علي عليه السّلام سيف اللّه المسلول:

غير أن الحقيقة هي: أن هذا اللقب: «سيف اللّه المسلول» هو من مختصات علي عليه السلام، و لكنه سرق في جملة كثيرة من فضائله، و مناقبه عليه السلام، في غارات شعواء من الشانئين، و الحاقدين، و المبطلين، و المزورين للحقائق. .

و قد روي عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أنه قال: «علي سيف اللّه يسله على الكفار و المنافقين» (1).

و في الحديث القدسي، المروي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «و أيّدتك بعلي، و هو سيف اللّه على أعدائي» (2).

و حول تسمية التمر بالصيحاني روي عن جابر: أن سببها هو أنه صاح:


1) البحار ج 22 ص 197 و ج 40 ص 33 عن أمالي الشيخ الطوسي ص 322 و {ط دار الثقافة} ص 506 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 334.

2) البحار ج 40 ص 43 و الكافي ج 8 ص 11 و إحقاق الحق ج 6 ص 153 عن در بحر المناقب {مخطوط} ص 43، و راجع ذخائر العقبى ص 92 و المناقب المرتضوية ص 93 و الروضة في المعجزات و الفضائل ص 128.

«هذا محمد رسول اللّه، و هذا علي سيف اللّه» (1).

و قال خالد بن سعيد بن العاص لعمر، في أحداث غصب الخلافة: «و فينا ذو الفقار، و سيف اللّه و سيف رسوله» (2).

و في زيارة أمير المؤمنين، المروية عن الصادق «عليه السلام» : «و سيف اللّه المسلول» (3).

و عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «هذا علي بن أبي طالب، هذا سيف


1) فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب، لسلمان العجيلي المعروف بالجمل {ط القاهرة} ص 62 و فرائد السمطين {ط دار النعمان، النجف} ص 120 و نظم درر السمطين ص 124 و عن المناوي في شرح الجامع الصغير، و إحقاق الحق {الملحقات} ج 15 ص 42 و 59 و ج 20 ص 518 و 283 عن آل محمد للمردي الحنفي، و عن غيره ممن تقدم. و عن فيض القدير ج 5 ص 293 و الأنوار العلوبة ص 153 و البحار ج 60 ص 146 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 34 و ج 10 ص 14.

2) راجع المصادر التالية: الإحتجاج {ط سنة 1313 ه. ق} ج 1 ص 190 و 191 و 300 و الصراط المستقيم ج 2 ص 80 و 82 و قاموس الرجال ج 3 ص 476 و 478 و 479 و الخصال ج 2 ص 462 و 463 و اليقين في إمرة أمير المؤمنين ص 108-110 عن أحمد بن محمد الطبري، المعروف بالخليلي، و عن محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ في كتابه: مناقب أهل البيت «عليهم السلام» و البحار ج 28 ص 210 و 211 و 214 و 219 و رجال البرقي ص 63 و 64.

3) مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 321 و راجع: المناقب لابن شهر آشوب ج 3 ص 74 و الفضائل لابن شاذان ص 77.

اللّه المسلول على أعدائه» (1).

و عن جابر: «علي سيف اللّه» (2).

و عن سلمان عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «فأنا رسول اللّه، و علي سيف اللّه» (3).

و عنه «صلى اللّه عليه و آله» في حديث له في حق علي: «و سيف اللّه و سيفي» (4).

و عن أنس عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يا معاشر المسلمين، هذا أسد اللّه، و سيفه في أرضه على أعدائه (5).

و نجد في فصل: الحصار و القتال في غزوة بني قريظة المزيد من المصادر.

من الذي سمى خالدا بسيف اللّه؟ !

فتبين مما تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي لا ينطق عن الهوى


1) أرجح المطالب {ط لاهور} ص 38 و مناقب علي «عليه السلام» للعيني الحيدر آبادي {ط أعلم بريش، جهار منار} ص 57 و 37.

2) نظم درر السمطين للزرندي الحنفي ص 124 و فيض القدير في شرح الجامع الصغير ج 5 ص 293 و ينابيع المودة للقندوزي ج 1 ص 409.

3) فرائد السمطين {مطبعة النعمان، النجف} ص 29.

4) إحقاق الحق ج 4 ص 297 عن مناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي.

5) ينابيع المودة {ط إسلامبول} ص 213 و راجع: أرجح المطالب {ط لاهور} ص 14 و 29 و إحقاق الحق {الملحقات} ج 20 ص 250 عن: آل محمد للمردي الحنفي و ج 4 ص 225 عن عدد من المصادر.

لا يسمي خالدا بسيف اللّه، ما دام أن سيرته ستكون حافلة بمعاصي اللّه، و التعدي على عباده. .

و إن أبا بكر-فيما يبدو لنا-هو الذي منح خالدا هذا اللقب، و ذلك حين طلب منه عمر أن يجازي خالدا على ما فعله بمالك بن نويرة، فقال له أبو بكر: ما كنت لأشيم سيفا سله اللّه على أعدائه (1).

ثم جاء عمر بعد ذلك، و أكد على هذا اللقب لخالد، مدّعيا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي منحه إياه، حيث يقول:

«و لو أدركت خالدا ثم وليته، ثم قدمت على ربي، فقال لي: من استخلفت على أمة محمد لقلت: سمعت عبدك و خليلك يقول لخالد: سيف من سيوف اللّه، سله اللّه على المشركين» (2).

ثم عملوا على نسبة هذا الكلام إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما قلنا (3)، مع أن الصحيح هو: أن عليا «عليه السلام» هو صاحب هذا اللقب.


1) راجع: الغدير ج 7 ص 158-163 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 503 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 359 و أسد الغابة ج 4 ص 295 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 105 و الإصابة ج 3 ص 357 و تاريخ الخميس ج 2 ص 209 و 233 و تاريخ أبي الفداء ج 1 ص 158.

2) الغدير ج 10 ص 10 و ج 5 ص 362 و 363 و عن تاريخ ابن عساكر ج 5 ص 102 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 22 و أعلام النساء ج 2 ص 876.

3) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 102 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 24 و الإصابة ج 1 ص 414 و الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 1 ص 408 و 409.

حديث الهزيمة:

و قد صرحت الروايات: بهزيمة جيش مؤتة، و صرح عدد منها بأن خالدا كان هو المنهزم الأول، فلاحظ ما يلي:

1-قال ابن إسحاق عن خالد: إنه لما أخذ الراية: «دافع القوم، و حاشى بهم، ثم انحاز، و انحيز عنه، و انصرف الناس» (1).

و هو تعبير خجول عن هزيمة الجيش بقيادة خالد، كما لا يخفى.

2-و قال الزهري: «فناوش القوم، و راوغهم، حتى انحاز بالمسلمين منهزما، و نجا بهم من الروم» (2).

3-و يقول الواقدي في بعض كلامه: «ثم دهمه بشر كثير، فانحاش المسلمون، فانكشفوا راجعين» (3).

4-و روى ابن كعب بن مالك، عن نفر من قومه: أنه «لما أخذ خالد اللواء انكشف بالناس، فكانت الهزيمة، و قتل المسلمون، و اتبعهم


1) السيرة النبوية ج 4 ص 27 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151 و راجع ص 150 و السيرة الحلبية ج 3 ص 69 و راجع ص 67 و راجع: ما عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 322 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 279 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 834 و ج 2 ص 167 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 462.

2) البحار ج 21 ص 50 و 51 عن الأمالي للطوسي ص 87 و 88 و بشارة المصطفى ص 432.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 763 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و البحار ج 21 ص 62 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 150 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 68 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 253 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 15.

المشركون» (1).

ثم تذكر الرواية صياح قطبة بن عامر: «فما يثوب إليه أحد، هي الهزيمة، و يتبعون صاحب الراية» (2).

5-و قال الحلبي: «ثم أخذه خالد، و مانع القوم، و ثبت، ثم انحاز كل من الفريقين عن الآخر، من غير هزيمة على أحدهما» (3).

6-و في حديث رجل من بني مرة قال: إنه لما قتل ابن رواحة. . «فنظرت إلى اللواء في يد خالد منهزما، و اتبعناه، فكانت الهزيمة» (4).

7-و عن عروة بن الزبير: «لما أقبل أهل مؤتة إلى المدينة تلقاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون، و جعل الناس يحثون على الجيش التراب، و يقولون: يا فرار فررتم في سبيل اللّه الخ. .» (5).

8-و روي نحوه عن أبي سعيد الخدري (6).


1) تاريخ مدينة دمشق ج 49 ص 337 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 129.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 763 و تاريخ مدينة دمشق ج 49 ص 337.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 67.

4) المغازي للواقدي ج 2 ص 762 و 763.

5) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و 156 و راجع: الطبقات لابن سعد ج 2 ق 1 ص 93 و السيرة الحلبية ج 3 ص 69 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و 765 و البحار ج 21 ص 57 عن إعلام الورى ص 111 و 112 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 42.

6) المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و 765 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 70.

9-و هذا هو الذي أشار إليه ابن عمر في حديثه عن فرار الناس في سرية لم يصرح باسمها، قال: «فحاص الناس فكنت في من حاص» . ثم ذكر عودتهم إلى المدينة، و قولهم لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : نحن الفرارون (1).

و قد ذكر الصالحي الشامي و الحلبي و الشافعي هذا الحديث في سياق سرية مؤتة، فراجع.

10-و قال الواقدي: قال أبو عبد اللّه: «و الأول أثبت عندنا: أن خالدا انهزم بالناس» (2).

11-و عن داود بن سنان قال: «سمعت ثعلبة بن أبي مالك يقول:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 151 و ج 6 ص 156 و في هامشه: عن أبي داود ج 2 ص 52 و عن الترمذي ج 4 ص 186 و عن مسند أحمد ج 2 ص 111 و حلية الأولياء ج 9 ص 57 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 78 و السيرة الحلبية ج 3 ص 69.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 762 و 765 و البحار ج 21 ص 62 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 68 و راجع: الأحكام ليحيى بن الحسين ج 2 ص 502 و كتاب الأم ج 4 ص 180 و المجموع للنووي ج 19 ص 291 و نيل الأوطار ج 8 ص 79 و المسند للشافعي ج 1 ص 207 و عن مسند أحمد ج 2 ص 70 و سنن أبي داود ج 1 ص 596 و سنن الترمذي ج 3 ص 130 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 77 و 276 و مسند أبي يعلى ج 9 ص 447 و المنتقى في السنن المسندة ص 263 و الفايق في غريب الحديث ج 1 ص 217 و تفسير مجمع البيان ج 4 ص 445 و تفسير الميزان ج 9 ص 558 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 383 و تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 306 و عن الدر المنثور ج 3 ص 174 و تاريخ مدينة دمشق ج 51 ص 266.

انكشف خالد بن الوليد يومئذ حتى عيروا بالفرار، و تشاءم الناس به» (1).

12-و عن خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن عبد اللّه بن عتبة، قال: «ما لقي جيش بعثوا معنا ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة، لقيهم اهل المدينة بالشر، حتى إن الرجل لينصرف إلى بيته و أهله، فيدق عليهم الباب فيأبون أن يفتحوا له، يقولون: ألا تقدمت مع أصحابك؟ !

فأما من كان كبيرا من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجلس في بيته استحياء، حتى جعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرسل إليهم رجلا رجلا، يقول: أنتم الكرّار في سبيل اللّه، فخرجوا» (2).

13-و عن إسماعيل بن مصعب، عن إبراهيم بن يحيى بن يزيد، قال: لما أخذ اللواء ثابت بن أرقم، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد.

قال ثابت: اصطلحتم على خالد؟ !

قالوا: نعم.

فأخذ خالد فانكشف بالناس (3).

14-زاد في نص آخر قوله: و كانت الهزيمة (4).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و البحار ج 21 ص 62 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 70.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و 765 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 323 و راجع: البحار ج 21 ص 62 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 70.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 11 ص 107 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 253.

4) تاريخ الخميس ج 2 ص 72.

15-يضاف إلى ذلك: ما روي عن أبي هريرة عما لقوه من أهل المدينة، قال: كنا نخرج و نسمع ما نكره من الناس. لقد كان بيني و بين ابن عم لي كلام، فقال: إلا فرارك يوم مؤتة! ! فما دريت أي شيء أقوله له (1).

16-و عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال: كان في ذلك البعث سلمة بن هشام بن المغيرة، فدخلت امرأته على أم سلمة، فسألتها عن سلمة، فأخبرتها: أنه لا يستطيع الخروج، إذا خرج صاحوا به و بأصحابه: يا فرار، أفررتم في سبيل اللّه؟ حتى قعد في البيت.

فذكرت أم سلمة ذلك لرسوله اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: بل هم الكرار، فليخرج، فخرج (2).

17-عن خزيمة بن ثابت: حضرت مؤتة، و برز لي رجل منهم. . {ثم ذكر أنه قتله و سلب منه ياقوتة} إلى أن قال: «فلما انكشفنا رجعنا إلى المدينة، فأتيت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخ. .» (3).

18-و رويت هذه الرواية عن عمارة بن غزية، عن أبيه، فراجع (4).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و المستدرك للحاكم {ط دار المعرفة} ج 3 ص 42 و راجع: شيخ المضيرة لأبي رية ص 74 عن المستدرك على الصحيحين للحاكم ج 2 ص 12.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 323 و عن السيرة النبوية ج 4 ص 30 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 156.

3) راجع: كنز العمال ج 10 ص 555 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 152 و 156.

4) راجع: مغازي الواقدي، و تاريخ مدينة دمشق ج 16 ص 359 و قال في هامشه: كذا بالأصل و ابن العديم و مختصر ابن منظور 8/45 و قد صححها محقق مغازي الواقدي «عمارة بن غزية» و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 486 و قال: هو في مغازي الواقدي 2/769، و قد أخطأ محقق الكتاب مارسدن جونس، فأبدل لفظ «خزيمة» ب «غزية» مع أنه في الأصل الذي اعتمده «خزيمة على الصواب» على الصواب.

رواة حديث الهزيمة:

و قد أظهرت الروايات المتقدمة-رغم أننا لم نستقص النصوص-: أن رواة هزيمة الجيش في مؤتة كثيرون. و أن طائفة منها قد صرحت: بأن خالدا كان هو المبادر للهزيمة، فتبعه الآخرون. .

و الروايات المتقدمة كلها-باستثناء روايتين أو ثلاث-تدل على هذه الهزيمة الشاملة. .

و الذين ذكرنا رواياتهم آنفا هم: أبو سعيد الخدري، و أبو هريرة، و ابن إسحاق، و ابن كعب بن مالك عن نفر من قومه، و الواقدي، و الزهري، و ثعلبة بن أبي مالك، و رجل من بني مرة، و أبو عامر، و أبو بكر بن عبد اللّه بن عتبة، و إبراهيم بن يحيى بن زيد، و خزيمة بن ثابت، و غزية بن الحارث الأنصاري، و عروة. .

و لا مجال لتأويل هذه النصوص، أو النقاش فيها إلا على سبيل التعسف، و التحكم غير المقبول، و لا المعقول. .

شر ذمة لماذا؟ !

و قد اتضح مما ذكرناه: أن وصف من روى حديث فرار الجيش بقيادة خالد: بأنهم «شر ذمة» ، و بأن ذلك مجرد احتمال (1)ما هو إلا تجن على الحقيقة،


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 150 و عن السيرة النبوية ج 3 ص 68.

و مجانبة للإنصاف. .

كما أن ما ذكروه من روايات زعموا أنها تدل على النصر و الفتح، لا تصمد أمام النقد الموضوعي و النزيه، فإن معظمها لا يدل على مطلوبهم، كما اتضح مما سجلناه على رواية جابر و خزيمة، و برذع، و عوف بن مالك، و ابن إسحاق. . و حديث خالد عن نفسه، و حديث قتل ابن رافلة، و حديث أن خالدا سيف اللّه-الذي جاء في ذيل أخبار النبي «صلى اللّه عليه و آله» عن أمر الشهداء، و حديث عطاف بن خالد، و أبي عامر، و غير ذلك. .

الفصل الرابع: نهايات و نتائج

اشارة

عدد الشهداء دليل هزيمة خالد:

قد تقدم: أن البعض قد زعم: أن قلة عدد الشهداء دليل على انتصار خالد، غير أننا نقول:

إن عكس ذلك هو الصحيح، فإن عدد الشهداء الذين سقطوا في غزوة مؤتة يدل على أن خالدا لم يحارب، بل أخذ الراية و انهزم بها. .

فإن المفروض: أن القادة الثلاثة، قد سقطوا قبل أخذ خالد للراية، و هم من الفرسان المشهود لهم بالشجاعة، و الفروسية، و لا شك في أن الأمر لم يقتصر عليهم، بل قتل معهم اناس آخرون.

و بعد أن أخذ الراية خالد، فإذا صح أنه قد حارب، حتى اندقت في يده تسعة أسياف، و أن عدوهم كان مئتي ألف، بل مئات الألوف، و كان المسلمون ثلاثة آلاف فقط، فلا بد أن نتوقع أن يقتل من المسلمين المئات، و الألوف أيضا، فإن المشركين قتلوا في أحد عشرات المسلمين، و استشهد في بدر مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عدد من المسلمين، يضاهي عدد شهداء مؤتة مع أن المشركين كانوا لا يصلون إلى ألف رجل، و كان جيش المسلمين يقارب ثلث عدد المشركين، فكيف حقق خالد ما لم يحققه أبطال الإسلام في ظل قيادة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و إذا كان خالد قد حقق هذا الإنجاز، فلما ذا يطردهم المسلمون، و يعادونهم، و يظلمونهم هذا الظلم الفاحش العجيب؟ ! ثم يسكت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك. .

هذا كله، بالإضافة إلى ما قدمناه من أدلة و شواهد تؤيد هزيمة خالد، بل هي تؤيد أن الذين قتلوا من المسلمين إنما قتلوا في المبارزات التي جرت قبل استشهاد القادة.

أليس بعد كل هذا الذي ذكرناه هنا و فيما سبق يصبح قول ابن كثير في البداية و النهاية: من أن قلة عدد الشهداء تشهد لانتصار خالد بمن معه و حصول الفتح على أيديهم مما يضحك الثكلى؟ !

المبارزات قللت عدد الشهداء:

و قد جرت مبارزات بين فرسان الجيشين، كما رواه عمارة بن غزية عن أبيه. .

و مبارزة الفرسان أمر يتشوق له الناس في ساحات القتال، و يعطي للحرب رونقا، و يثير حماس الشجعان، و يدعوهم إلى إظهار فنونهم، و شدتهم، و بطولاتهم.

و لعل هذا يفسر امتداد الحرب في مؤتة إلى سبعة أيام كما ذكروه (1)، و ربما يساعد هذا على تفسير قلة الشهداء في صفوف المسلمين.

فقد ذكروا: أن عددهم هو ثمانية شهداء (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 67 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 151.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 769 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 154 و عن السيرة النبوية لابن هشام {ط محمد علي صبيح} ج 3 ص 840 البداية و النهاية ج 4 ص 295 عن ابن إسحاق، و عن عيون الأثر ج 2 ص 169 عن ابن إسحاق، و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 489.

أو اثنا عشر شهيدا (1).

أو خمسة عشر شهيدا (2)على أبعد تقدير.

و هذا يدل: على أن جيش الروم كان يعاني من هزيمة حقيقية في معنوياته، و أن زمام المبادرة لم يكن في يد ذلك الجيش في ساحة المعركة طيلة عدة أيام و إلى آخر ساعاتها أي لحظة قتل القادة الثلاثة، فليس صحيحا: أن القادة قد استشهدوا في الساعات الأولى من المعركة.

و مما يدل على أن زمام المبادرة في ساحة القتال كان بيد المسلمين. . ما روي عن ابن عمر: أنه قال أتيته {يعني جعفرا} بعرق من لحم و هو مستلق آخر النهار، فعرضت عليه فقال: إني صائم، فضعه عند رأسي، فإن عشت حتى تغرب الشمس أفطرت.

قال: فمات صائما قبل غروب الشمس (3).

لو كان النصر للروم؟ ! :

و من الأمور الجديرة بالتأمل: أن هذا الجيش الهائل الذي جمعه الروم، لم


1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام {ط محمد علي صبيح} ج 3 ص 840 و البداية و النهاية ج 4 ص 295 عن ابن هشام، و عن عيون الأثر ج 2 ص 169 عن ابن هشام أيضا.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 36 و 37.

3) السيرة الحلبية ج 3 ص 69 و {ط دار المعرفة} ج 2 ص 768.

يجرؤ على ملاحقة جيش المسلمين حتى حين انسحب من المعركة، مهزوما بفعل خالد بن الوليد. .

و لو كان ذلك الجيش الهائل يرى نفسه منتصرا لحظة استشهاد القادة، أو يحتمل أن بإمكانه أن يكسب لنفسه نصرا لم يتوان عن ملاحقتهم حتى المدينة، لكي يتخلص من هؤلاء الناس الذين تجرؤوا على غزو أمبرطوريتهم في عقر دارهم و بلادهم، و شاهدوا منهم ما أذهلهم، و طاشت له ألبابهم، طيلة أيام عديدة، و كان ما جرى للقادة الثلاثة هو التتويج لتلك البطولات، الذي وضعهم على عتبة الإنهيار و الاستسلام لو لم يبادر خالد إلى الفرار، و تبعه المسلمون في ذلك.

نعم، إن اللّه تعالى ألبسهم لباس الذل و الخزي، و ملأ الرعب قلوبهم و هذا هو الذي يصنع النصر كما قال «صلى اللّه عليه و آله» : «نصرت بالرعب» . و لم يكن أمامهم أي خيار سوى لملمة جراحهم، و الإنكفاء الذليل، الذي جعلهم يعيشون الحيرة، و ربما الدهشة، و الرضا بالنكسة التي نالتهم.

لقد استبدل خالد النصر الذي كان في متناول أيدي المسلمين بهزيمة شنعاء، نكراء نشأت عنها متاعب جمة، و تسببت بأن يعود لكيان الأمبرطورية الرومية لاستجماع قواه، و ليلحق الأذى بأهل الإسلام بعد ذلك مرة بعد أخرى.

أثر مؤتة في فتح مكة:

و لا نستطيع أن نستبعد تأثير ما جرى في مؤتة التي تمثل هزيمة حقيقية لجيش ملك يهيمن على إحدى الدولتين الأعظم في العالم. . رغم أن ذلك

الملك و تلك الدولة تعيش عنفوانا قويا بلغ أقصى مداه بانتصاره على مملكة فارس، و لا بد أن تكون آثار هذا النصر بالغة العمق على الدولة الرومية و على ملكها، الذي نذر المشي على لزيارة بيت المقدس، و قد قطع مئات الأميال من أجل الوفاء بنذره هذا.

فما معنى أن تنتصر على هذا الملك و على جيشه العظيم الخارج من نصر غال جدا مجموعة صغيرة من الناس كانت تعيش في جاهليتها حالة الإنكفاء، و الإنطواء و الإنزواء في صحراء الجزيرة العربية؟ !

و لا بد أن يزيد هذا من ثورة الألم لدى قيصر و جيشه، و هو يرى أن هذه المجموعة الصغيرة تجتاح البلاد التي سيطر عليها عن عمد و قصد، و تصميم، و مبادرة متعمدة، رغم قلة عددها، ثلاث آلاف لتواجه مئات الألوف. . علما بأن مئة ألف من ذلك الجيش الهائل كان من سنخ اولئك المهاجمين، و لا يختلف عنهم كثيرا في اللغة، و في الذهنية، و في التركيبة الإجتماعية، و في المفاهيم، و في العادات، و التقاليد، و ما إلى ذلك.

فماذا يمكن لمشركي مكة ان يفعلوا بعد هذا كله. . و بعد أن سحق بغي اليهود، و سقطت جيوش الشرك طعمة لسيوف أهل الإيمان في المعارك المختلفة، طيلة تلك السنوات التي خلت.

الإخلاص في العمل أشد من العمل:

و روى عبد الرزاق عن ابن المسيب مرسلا قال: قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «مثل جعفر، و زيد، و ابن رواحة في خيمة من در، فرأيت زيدا، و ابن رواحة في أعناقهما صدودا، و رأيت جعفرا مستقيما ليس فيه

صدود، فسألت، أو قيل لي: إنهما حين غشيهما الموت اعترضا، أو كأنهما صدا بوجهيهما، و أما جعفر فإنه لم يفعل، و إن اللّه تعالى أبدله جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء» (1).

و روى البخاري و النسائي، عن عامر الشعبي، قال: «كان ابن عمر إذا حيّا عبد اللّه بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين» (2).

قال ابن إسحاق: «و لما أصيب القوم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -فيما بلغني-: «أخذ الراية زيد بن حارثة، فقاتل بها حتى قتل شهيدا» .

قال: ثم صمت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى تغيرت وجوه الأنصار، و ظنوا أنه قد كان في عبد اللّه بن رواحة بعض ما يكرهون، ثم قال: «ثم أخذها عبد اللّه بن رواحة، فقاتل بها حتى قتل شهيدا» .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 153 و السيرة الحلبية ج 3 ص 68 و 69 و رسائل المرتضى ج 1 ص 406 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 266 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 73.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 154 عن البخاري ج 7 ص 94 و ذخائر العقبى ص 216 و فضائل الصحابة ص 18 و عن صحيح البخارى {ط دار الفكر} ج 4 ص 209 و ج 5 ص 87 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 41 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 183 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 48 و المعجم الكبير ج 2 ص 109 و ج 12 ص 204 و كنز العمال ج 13 ص 448 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 262 و أسد الغابة ج 1 ص 289 و تهذيب الكمال ج 5 ص 55 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 212 و 215 و ج 3 ص 459 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 84 و الإصابة ج 1 ص 594 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 280 و 292.

ثم قال: «لقد رفعوا إليّ في الجنة فيما يرى النائم على سرر من ذهب» . فذكر مثل ما سبق (1).

و في نص آخر: لما أصابت الجراحة ابن رواحة نكل، فعاتب نفسه، فشجع، فاستشهد (2).

التأكيد على عظمة جعفر:

1-لقد صرحت النصوص المتقدمة بما دل على أن جعفرا كان هو الأفضل و الأكمل، و الأصفى، و الأتم و الأعظم إخلاصا للّه تبارك و تعالى. . و قد جاهد في اللّه حق جهاده بخصائصه هذه، التي ميزته حتى عن رفيقيه في الجهاد، و في الاستشهاد. .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 154 عن ابن إسحاق، و تاريخ الخميس ج 2 ص 73 و راجع: البحار ج 21 ص 53 و 54 و مجمع الزوائد ج 6 ص 160 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 69 و كنز العمال ج 10 ص 386 و عن أسد الغابة ج 1 ص 288 و تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 120 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 280 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 834 و عن عيون الأثر ج 2 ص 167 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 463.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 762 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 68 و الدرجات الرفيعة ص 76 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 530 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 14 و ج 19 ص 369 و ج 28 ص 127 و البداية و النهاية ج 4 ص 282 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 467 الدرجات الرفيعة ص 76 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 3 ص 530 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 14 و ج 19 ص 369 و ج 28 ص 127.

2-إن الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه اللّه لخاصة أوليائه، و الشهادة هي ما بعد ذلك الباب، و لا ينال درجتها إلا من أقدم عليها طائعا مختارا، قاصدا القربة إلى اللّه تعالى. . فمن أجبر عليها حتى قتل كارها لموقفه فهو قتيل، و ليس شهيدا.

3-إن الإنسان حين يشارك في أي حرب حقيقية، فإنه يعرض نفسه لخطر محتمل، مع تفاوت درجات قوة هذا الاحتمال لديه، كما أن احتمال السلامة في أكثر مواقف الجهاد قائم أيضا. . و لكن احتمال الخطر حتى لو كان قويا فهو لا يجوز التخلي عن ساحة القتال بحال من الأحوال.

و أما حين يكون القتل يقينيا، فقد يجب الإصرار على مواجهة الموت، و قد يحرم ذلك فيما لو أوجب ذلك انكسار جيش الإسلام، و ظهور جيش الكفر.

و قد يجب الخروج من ساحة المعركة، إذا كان في قتل هؤلاء هدر للطاقة، و تجرئة للعدو، و إضعاف لقوة الدين و أهله.

و قد يكون التعرض للقتل راجحا، من دون أن يصل إلى حد الإلزام، كما جرى لرسولي النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى مسيلمة، حيث خيّرهما مسيلمة لعنه اللّه بين القتل، و بين الإقرار بنبوته، فرفض أحدهما فقتل، و قال له الآخر: أنت و محمد رسول اللّه، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أما أحدهما فمضى على يقينه، و أما الآخر فأخذ بالرخصة (1).


1) راجع: البحار ج 29 ص 405 و التبيان ج 2 ص 453 و مجمع البيان ج 2 ص 274 و النصائح الكافية لابن عقيل ص 226 و تفسير القرآن للصنعاني ج 2 ص 362 و 363 و النصائح الكافية ص 226.

و الظاهر من موقف النبي «صلى اللّه عليه و آله» من الفارين في مؤتة هو وجوب التصدي حتى لو تيقن بعض المقاتلين بالشهادة، لأن هذا هو الذي كان يستحق النصر على جيش الروم، و سيكون نصرا هائلا و عظيما في آثاره و في بركاته. .

و ربما يكون من تلك البركات هو انتشار الإسلام في جميع أنحاء الدولة الرومية، و في مناطق نفوذها.

4-إن هذه النصوص و ما يجري مجراها قد بينت أن على أهل الإيمان أن يحتفظوا بصفاء إيمانهم، و أن يبلغوا في إيمانهم حدا لا يشعرون معه بأن ثمة بونا أو فجوة فيما بين الأمر الاعتقادي، و بين ما يجري في هذه الحياة الدنيا من أحداث. . فلا يظنون أن الاستشهاد في ساحات الجهاد، معناه: أن الشهيد قد أودع حفرة، تأكله فيها هوام الأرض، و بقي غيره من بعده يتمتع بالنعم، و يحصل على الأموال و الإمتيازات، و يتقلب في أحضان الملذات و الشهوات.

و قد أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يبين هذه الحقيقة للناس من خلال تقديم صورة حية و واقعية لما جرى للشهداء القادة في مؤتة. . فإن تقديم المفهوم الإيماني، و غيره، متجسدا في واقع ينبض بالحياة، يجعله قادرا على اقتحام القلوب و العقول، و احتلال موقعه اللائق به فيها.

و كان المثال الأكثر تأثيرا هو ذلك الذي يأتي في اللحظة التي يعيش الناس فيها أجواء إثارة و انفعال، توهج عاطفي مرتبط بشهيد اختار طريق الشهادة بوعي، و صلابة، و باندفاع، و إخلاص، و إباء في أجواء زاخرة بالتحدي الذي يتجاوز التصورات، ليلامس الخيال المغرق في البعد، حين يواجه ذلك الشهيد مئات الألوف، و يبذل كل ما يملكه غير آسف على

شيء في هذه الدنيا، و لا يجد في نفسه عن الموت صدودا، مع أنه يراه بأم عينيه، و لا يرى عنه محيدا.

5-و أظهرت الملاحظة التي بينها الرسول «صلى اللّه عليه و آله» حول التردد الخفي الذي راود ابن رواحة، و حتى زيدا لتؤكد للناس: أن النية جزء من العمل، و ان تأثير العمل في تحقيق غايته مرهون بدرجة الخلوص و الإخلاص فيه، كما هو ظاهر.

إمتياز جعفر لقرابته! !

و قد ذكرت الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: رأيت جعفرا ملكا يطير في الجنة، تدمى قادمتاه، و رأيت زيدا دون ذلك.

فقلت: ما كنت أظن أن زيدا دون جعفر.

فأتى جبرئيل «عليه السلام» و قال: إن زيدا ليس بدون جعفر، و لكنا فضلنا جعفرا لقرابته منك (1).

و نقول:

أولا: إن ما حصل عليه جعفر «عليه السلام» من امتيازات لم يكن لأجل قرابته من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» -و إن كان للقرابة قيمة من بعض الجهات و لأجل بعض الآثار-و إنما لأنه لم يجد صدودا، و لا إعراضا، و لا ترددا. حين واجه الموت في سبيل اللّه سبحانه، كما صرحت به الروايات.

ثانيا: قد تقدم في فصول سابقة من هذا الكتاب و لا سيما في غزوة خيبر:


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 762 و كنز العمال ج 11 ص 665 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 38 و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 369.

أن لجعفر «عليه السلام» من الفضل ما لا يدانيه فيه زيد و لا ابن رواحة. .

و من ذلك قوله «صلى اللّه عليه و آله» : خير الناس حمزة، و جعفر و علي (1).

فلماذا نجعل القرابة هي السبب؟ !

حرب أخرى في مؤتة:

قال ابن عائذ: «و قفل المسلمون، فمروا في طريقهم بقرية لها حصن، كان أهلها قتلوا في ذهاب المسلمين رجلا من المسلمين، فحاصروهم حتى فتحه اللّه عليهم عنوة، و قتل خالد مقاتلتهم» (2).

و نقول:

إننا نحب أن نسأل:

1-هل استأذن خالد و من معه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في قتال هذه القرية، و حصارها؟ ! ثم في قتل مقاتليها؟ !

2-إن كان أهل تلك القرية قد اعتدوا عليهم، و قتلوا منهم رجلا، فلما ذا لم يقاتلوهم في ذلك الوقت و بمجرد اعتداءهم عليهم، و قتلهم لذلك الرجل المسلم؟ ! و لماذا انصرف جعفر و زيد و ابن رواحة عن مطالبتهم بأسباب عدوانهم و لماذا لم يطلب منهم تسليم قاتلي ذلك الرجل؟ !


1) قاموس الرجال ج 2 ص 602 عن مقاتل الطالبيين ص 3-10 و البحار ج 21 ص 60 و شجرة طوبى ج 2 ص 297 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 72 و الدرجات الرفيعة ص 7 و شرح إحقاق الحق ج 15 ص 261.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و عن فتح الباري ج 7 ص 395 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 16.

أم يعقل أن تكون مهمتهم حين الذهاب كانت مستعجلة، و لا يجوز فيها التواني و التأخير، و لو للمطالبة بدم شهيد منهم؟ !

3-كيف تجرأ أهل تلك القرية على النيل من جيش المسلمين الذي سار ذكر انجازاته و بطولاته في الآفاق، و بعد أن فتح حصون خيبر، و بعد حرب أحد، و بدر، و الخندق، و سواهما؟ !

4-لماذا قتل خالد مقاتلتهم و لم يبقهم أسرى، ليعرض أمرهم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ليبت هو في شأنهم؟ ! .

النبي صلّى اللّه عليه و آله يرى ما جرى في مؤتة:

و قد صرحت الروايات بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد وصف لأصحابه في المدينة ما كان يجري في مؤتة لحظة وقوعه. . ثم وصف ذلك ليعلى بن أمية، ثم لعبد الرحمن بن سمرة، حتى إنه «صلى اللّه عليه و آله» ما ترك من أمرهم حرفا واحدا لم يذكره.

فقد ذكر الزهري: أنهم لما عادوا أنفذ خالد رجلا يقال له عبد الرحمن بن سمرة إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالخبر، قال عبد الرحمن: فسرت إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما وصلت إلى المسجد قال لي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : على رسلك يا عبد الرحمن، ثم قال: أخذ اللواء زيد فقاتل به فقتل الخ. . (1).


1) البحار ج 21 ص 50 و 51 عن أمالي الطوسي ص 87 و 88 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 54 عن الحكيم الترمذي في الثالث و العشرين بعد المئة من فوائده، و مقاتل الطالبيين ص 7 و الأمالي للطوسي ص 141 و كنز العمال ج 10 ص 387 و عن الدر المنثور ج 2 ص 245 و بشارة المصطفى ص 432.

و روى البيهقي عن ابن عقبة، قال: «قدم يعلى بن أمية على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بخبر أهل مؤتة، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن شئت أخبرني، و إن شئت أخبرك بخبرهم.

قال: بل أخبرني يا رسول اللّه، فأخبره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» خبرهم كله.

فقال: و الذي بعثك بالحق، ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره، و إن أمرهم لكما ذكرت.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن اللّه عز و جل رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم، و رأيتهم في المنام على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد اللّه بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: عم هذا؟ .

فقيل لي: مضيا، و تردد بعض التردد، ثم مضى» (1).

و نقول:

1-قد يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبر كلا الرجلين يعلى بن أمية، و عبد الرحمن بن سمرة، بما جرى في مؤتة. .

2-إن ما ورد في رواية الزهري من أن زيدا كان أول من أخذ اللواء لا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 153 و البداية و النهاية ج 4 ص 247 و {ط دار إحياء التراث العربي} ص 280 و مجمع الزوائد ج 6 ص 160 و السيرة الحلبية ج 3 ص 68 و 69 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 73 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 69 و تاريخ مدينة دمشق ج 28 ص 121 و أسد الغابة ج 3 ص 159 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 834 و عن عيون الأثر ج 2 ص 168 و السيرة النبوية ج 3 ص 463.

يصح. . بل كان جعفر بن أبي طالب هو الأول كما تقدم.

3-قد تضافرت الروايات: في أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد نعى لأهل المدينة القادة الثلاثة و وصف لهم ما جرى قبل وصول الخبر إليهم (1)، لأن اللّه تعالى قد رفع له الأرض حتى رأى معتركهم كما في حديث يعلى بن أمية. .

و عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: بينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المسجد إذ خفض له كل رفيع، و رفع له كل خفيض حتى نظر إلى جعفر «عليه السلام» و هو يقاتل الكفار، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : قتل جعفر. و أخذه المغص (2).


1) إعلام الورى ص 111 و {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 213 عن صحيح البخاري، و البحار ج 21 ص 56 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 70 و ج 8 ص 154 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 177 و عن ذخائر العقبى ص 218 و عن صحيح البخاري {ط دار الفكر} ج 4 ص 184 و السنن الكبرى للنسائي ج 1 ص 616 و ج 4 ص 26 و المعجم الكبير ج 2 ص 205 و دلائل النبوة للأصبهاني ص 90 و راجع: شرح الأخبار ج 3 ص 206 و الغدير ج 6 ص 162 و مسند أبي يعلى ج 7 ص 205 و كنز العمال ج 10 ص 562 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 39 و الكامل لابن عدي ج 2 ص 276 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 18 و ج 16 ص 237 و ج 28 ص 127 و تهذيب الكمال ج 14 ص 508 و عن البداية و النهاية {و ط دار إحياء التراث} ج 4 ص 281 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 463 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 153.

2) الكافي ج 8 ص 308 الحديث رقم 565 و {ط دار الكتب الإسلامية} ص 376 و البحار ج 21 ص 58 و شرح أصول الكافي ج 12 ص 538 و الأنوار العلوية ص 19.

و الذي نريد أن نقرره هنا: هو أن رؤية النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأهل مؤتة، و رفع كل خفيض، و خفض كل رفيع من الأرض له ليس بالأمر الخارج عن سياق الحركة الطبيعية بالنسبة إليه «صلى اللّه عليه و آله» . . بل هو جار وفق ما رسمه اللّه تعالى لنبيه «صلى اللّه عليه و آله» من وظائف، و قرره من مهمات، و هيأ له كافة القدرات و الوسائل التي تمنحه القدره على إنجازها. . فإن مقام الشاهدية على الأمة و على الأنبياء السابقين «عليهم السلام» الذي نطق به القرآن و هو من شؤون النبوة الخاتمة يقضي بتحقق هذا الشهود النبوي المباشر لما جرى في مؤتة. .

فأما شاهديته على هذه الأمة فقد أشير إليه في قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً، وَ دٰاعِياً إِلَى اَللّٰهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرٰاجاً مُنِيراً (1).

و قال سبحانه: إِنّٰا أَرْسَلْنٰاكَ شٰاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً (2).

و عن شاهديته «صلى اللّه عليه و آله» على الأنبياء «عليهم السلام» قال تعالى: فَكَيْفَ إِذٰا جِئْنٰا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنٰا بِكَ عَلىٰ هٰؤُلاٰءِ شَهِيداً (3).

و قال سبحانه: وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنٰا بِكَ شَهِيداً عَلىٰ هٰؤُلاٰءِ (4).

و هذه الشاهدية تعني رؤية «صلى اللّه عليه و آله» بأعمال العباد، و بكل ما يقع في دائرة مسؤولياته، على مستوى الحضور و الشهود و قد يسرها اللّه


1) الآية 45 و 46 من سورة الأحزاب.

2) الآية 8 من سورة الفتح.

3) الآية 41 من سورة النساء.

4) الآية 89 من سورة النحل.

له حين جعله يرى من خلفه، و تنام عيناه و لا ينام قلبه، إذ لولا ذلك لم يتمكن من الشهادة على الناس في حال نومه، أو حين يكونون خلف ظهره.

و لا بد أن يكون من وسائل ذلك أيضا: أن يرفع له الخفيض من الأرض، و يخفض الرفيع، بمعنى أن لا تمنعه الحواجز من مشاهدة أعمالهم، و أن يتمكن من رؤية نواياهم، و يطّلع على حالاتهم النفسية، فيرى الحب و البغض، و الغبطة و الحسد، و الفرح و الحزن، و ما إلى ذلك، و أن يكون مجهزا بما يمكنه من الإحاطة بذلك كله بالنسبة إلى الأمة بأسرها، حتى بعد استشهاده «صلى اللّه عليه و آله» .

بل لا بد أن يكون له درجة أو نوع من الحضور و الشهود بالنسبة للأنبياء السابقين «عليهم السلام» ، ليتمكن من أن يشهد على أعمالهم في يوم القيامة، وفق ما دلت عليه الآيات المشار إليها. .

و هذا معناه: أن له حياة من نوع ما، حتى في تلك الأحقاب و الأزمان، يمكن أن يصدق معها قوله «صلى اللّه عليه و آله» : أو «كنت نبيا {أو نبئت} و آدم بين الروح و الجسد» (1).


1) الإحتجاج ج 2 ص 248 و الفضائل لابن شاذان ص 34 و البحار ج 15 ص 353 و ج 50 ص 82 و الغدير ج 7 ص 38 و ج 9 ص 287 و مسند أحمد ج 4 ص 66 و ج 5 ص 59 و 379 و سنن الترمذي ج 5 ص 245 و مستدرك الحاكم ج 2 ص 609 و مجمع الزوائد ج 8 ص 223 و تحفة الأحوذي ج 7 ص 111 و ج 10 ص 56 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 438 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 347 و كتاب السنة لابن أبي عاصم ص 179 و المعجم الأوسط ج 4 ص 272 و المعجم الكبير ج 12 ص 73 و ج 20 ص 353 و الجامع الصغير ج 2 ص 296 و كنز العمال ج 11 ص 409 و 450 و تذكرة الموضوعات للفتني ص 86 و كشف الخفاء ج 2 ص 129 و خلاصة عبقات الأنوار ج 9 ص 264 عن ابن سعد، و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 392 و 522 عن كتاب النكاح، و عن فيض القدير ج 5 ص 69 و عن الدر المنثور ج 5 ص 184 و فتح القدير ج 4 ص 267 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 148 و ج 7 ص 59 و التاريخ الكبير للبخاري ج 7 ص 274 و ضعفاء العقيلي ج 4 ص 300 و الكامل لابن عدي ج 4 ص 169 و ج 7 ص 37 و عن أسد الغابة ج 3 ص 132 و ج 4 ص 426 و ج 5 ص 377 و تهذيب الكمال ج 14 ص 360 و سير أعلام النبلاء ج 7 ص 384 و ج 11 ص 110 و ج 13 ص 451 و من له رواية في مسند أحمد ص 428 و تهذيب التهذيب ج 5 ص 148 و عن الإصابة ج 6 ص 181 و المنتخب من ذيل المذيل ص 66 و تاريخ جرجان ص 392 و ذكر أخبار إصبهان ج 2 ص 226 و عن البداية و النهاية ج 2 ص 275 و 276 و ص 392 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 166 و عن عيون الأثر ج 1 ص 110 و السيرة النبوية لابن كثير ج 1 ص 288 و 289 و 317 و 318 و دفع الشبه عن الرسول ص 120 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 79 و 81 و 83 و ج 2 ص 239 و عن ينابيع المودة ج 1 ص 45 و ج 2 ص 99 و 261.

4-و آخر ما نحب الإشارة إليه هنا: هو أن النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد أن يحفظ إيمان الناس، و أن يربط على قلوبهم، و يقوي من عزيمتهم من خلال ربطهم بالغيب، و إفهامهم أنهم في موضع رعاية اللّه، و في محل عنايته. . و أن تضييع النصر الأكبر على يد خالد لا يعني أن يهيمن عليهم الشعور بالخيبة، و أن يستسلموا لمشاعر الفشل. فإن اللّه الذي يرفع كل وضيع، و يخفض كل رفيع من الأرض لنبيه «صلى اللّه عليه و آله»

قادر على إسقاط جبروت الملوك، و تحطيم كبريائهم الظالم. .

يا فرّار! ! :

و على كل حال، فإن الهاربين بقيادة خالد حين اقتربوا من المدينة لقيهم الصبيان يشتدون، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مقبل مع القوم على دابة، فقال: خذوا الصبيان فاحملوهم، و اعطوني ابن جعفر، فإتي بعبد اللّه بن جعفر، فأخذه فحمله بين يديه (1).

و روى إسحاق، عن عروة، قال: لما أقبل أصحاب مؤتة، تلقاهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون معه (2).

قال: و جعل الناس يحثون على الجيش التراب، و يقولون: يا فرار، فررتم في سبيل اللّه! !

قال: فيقول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ليسوا بالفرّار و لكنهم


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 69 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 323 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 283 و 289 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 836 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 469 و 479.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و 156 و السيرة الحلبية ج 3 ص 69 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و البحار ج 21 ص 54 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 323 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 283 و 289 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 469 و 478 و إعلام الورى ص 111 و 112 و {ط مؤسسة آل البيت لإحياء التراث} ج 1 ص 215 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 836.

الكرّار إن شاء اللّه تعالى» (1).

و روي نحو ذلك: عن أبي سعيد الخدري (2).

و روى أحمد، و أبو داود، و ابن ماجة عن عبد اللّه بن عمر قال: «كنت في سرية من سرايا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فحاص الناس و كنت فيمن حاص (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 155 و 156 و الطبقات لابن سعد ج 2 ق 1 ص 93 و السيرة الحلبية ج 3 ص 69 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و البحار ج 21 ص 57 عن إعلام الورى ص 111 و 112 و {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 215 و المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و 765 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 323 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 283 و 289 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 469 و 479 و عن مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 177 و البحار ج 21 ص 57 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 836.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و 765.

3) كتاب الأم للشافعي ج 4 ص 180 و المجموع للنووي ج 19 ص 291 و نيل الأوطار ج 8 ص 79 و المسند للشافعي ص 207 و عن مسند احمد ج 2 ص 70 و سنن أبي داود ج 1 ص 596 و سنن الترمذي ج 3 ص 130 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 76 و تحفة الأحوذي ج 5 ص 309 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 733 و الأدب المفرد ص 209 و مسند أبي يعلى ج 10 ص 128 و المنتقى من السنن المسندة ص 263 و تفسير الميزان ج 9 ص 58 و عن تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 306 و عن الدر المنثور ج 3 ص 174 و فتح القدير ج 2 ص 295 و تاريخ مدينة دمشق ج 51 ص 266 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 283 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 470 و سبل الهدى و الرشاد ج 1 ص 496 و ج 6 ص 156 و ج 7 ص 151.

و في رواية: فلما لقينا العدو في أول غادية، فأردنا أن نركب البحر، فقلنا: كيف نصنع و قد فررنا من الزحف؟

ثم قلنا: لو دخلنا المدينة {قتلنا} ، فقدمنا المدينة في نفر ليلا، فاختفينا.

ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فاعتذرنا إليه، فإن كانت لنا توبة و إلا ذهبنا.

فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: «من القوم» ؟

قلنا: نحن الفرارون.

قال: «بل أنتم الكرارون، و أنا فئتكم. .» .

أو قال: «و أنا فئة كل مسلم» .

قال: فقبلنا يده (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 151 و ج 6 ص 156 و قال في هامشه: أخرجه أبو داود ج 2 ص 52 ح 2647 و الترمذي ج 4 ص 186 ح 1716 و أحمد في المسند ج 2 ص 111 و البيهقي في السنن ج 9 ص 78 و أبو نعيم في الحلية ج 9 ص 57 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 69 و راجع: الأحكام ليحيى بن الحسين ج 2 ص 502 و المجموع للنووي ج 19 ص 291 و نيل الأوطار ج 8 ص 79 و 80 و فقه السنة ج 2 ص 653 و عن مسند أحمد ج 2 ص 70 و 111 و سنن أبي داود ج 1 ص 596 و سنن الترمذي ج 3 ص 130 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 76 و 77 و تفة الأحوذي ج 7 ص 437 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 733 و الأدب المفرد للبخاري ص 209 و تفسير مجمع البيان ج 9 ص 58 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 383 و عن تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 306 و عن الدر المنثور ج 3 ص 174 و فتح القدير ج 2 ص 296 و تاريخ مدينة دمشق ج 51 ص 266 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 284 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 470.

حدثني داود بن سنان قال: سمعت ثعلبة بن أبي مالك يقول: انكشف خالد بن الوليد يومئذ، حتى عيروا بالفرار، و تشاءم الناس به (1).

قال الواقدي أيضا: حدثني خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن عبد اللّه بن عتبة، يقول: ما لقي جيش بعثوا معنا ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة، لقيهم أهل المدينة بالشر، حتى إن الرجل لينصرف إلى بيته و أهله، فيدق عليهم الباب، فيأبون أن يفتحوا له، يقولون: ألا تقدمت مع أصحابك؟

فأما من كان كبيرا من أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجلس في بيته استحياء، حتى جعل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يرسل إليهم رجلا رجلا، يقول: أنتم الكرار في سبيل اللّه! فخرجوا (2).

حدثني مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد اللّه بن الزبير، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، قال:

كان في ذلك البعث سلمة بن هشام بن المغيرة، فدخلت امرأته على أم سلمة زوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقالت أم سلمة: ما لي لا أرى سلمة بن هشام؟ أشتكى شيئا؟

قالت امرأته: لا و اللّه، و لكنه لا يستطيع الخروج. إذا خرج صاحوا به و بأصحابه: «يا فرار، أفررتم في سبيل اللّه؟ حتى قعد في البيت.

فذكرت ذلك أم سلمة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال رسول


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و البحار ج 21 ص 62 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 70.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و 765 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 323 و البحار ج 21 ص 59 و شرح النهج ج 15 ص 70.

اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل هم الكرار في سبيل اللّه، فليخرج! فخرج (1).

حدثني خالد بن إلياس، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: كنا نخرج و نسمع ما نكره من الناس، لقد كان بيني و بين ابن عم لي كلام، فقال: إلا فرارك يوم مؤتة! فما دريت أي شيء أقوله له.

الرسول صلّى اللّه عليه و آله: رؤوف رحيم:

و نقول تعليقا على ما تقدم:

لقد عرف الناس كلهم هذا النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» بالرحمة و الرأفة بالمؤمنين، و بمناهضة التعدي و الظلم، من أي إنسان على أي كان من الناس. .

و قد نوه القرآن الكريم بهذه الخصال فيه، و مدحه عليها، بل أظهر بما لا يقبل الشك أنها متجذرة في أعماق أعماقه، حتى ليكاد يظن بعض الناس من ذوي الأفهام القاصرة: أنها قد تجاوزت حدود ما هو مطلوب. .

قال تعالى: فَبِمٰا رَحْمَةٍ مِنَ اَللّٰهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ اَلْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (2).


1) عن السيرة النبوية ج 4 ص 30 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 323 و المغازي للواقدي ج 2 ص 764 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 156 و تاريخ الخميس ج 2 ص 72 و عن أسد الغابة ج 5 ص 625 و عن الإصابة ج 3 ص 131 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 323 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 284 و عن السيرة النبوية لابن هشام ص 836 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 471.

2) الآية 59 من سورة آل عمران.

و قال سبحانه: لَقَدْ جٰاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (1).

غير أننا نلاحظ: أن أهل المدينة يخرجون لاستقبال الجيش العائد، بقيادة خالد، ثم يحثون التراب في وجه العائدين، و يصيحون في وجوههم: يا فرار، فررتم في سبيل اللّه. . و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حاضر و ناظر، لا يلوم أحدا على فعله، و لا يظهر تغيظا، و لا يعاقب، و لا يطالب. . مع أنه نصير كل مظلوم، و إنما يكتفي بالتفوه بكلمات يسيرة على سبيل تطييب الخاطر، و السعي لإعادة المعنويات المنهارة. .

بل إن هؤلاء العائدين بالفشل لا يجرؤون على شكوى أحد من الناس الذين يواجهونهم بالتأنيب و اللوم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، بل يكتفون بالاختباء في بيوتهم، رغم أنهم لم يقترفوا ذنبا، و لا ارتكبوا خطيئة، لا عند الشرع، و لا بنظر العرف.

كما أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه لا يسأل عن أحد منهم، و لا يتساءل عن سبب غيبتهم عن جماعته، و عن مجلسه، و عن جميع المنتديات و المجالس.

و يتأكد مضمون هذا السؤال إذا لاحظنا أن المختبئين في البيوت هم أصحاب الشأن، و الأعيان منهم، حسبما صرحت به الروايات. .

هل ظلم الفارون؟ !

و إنما قلنا: أنهم لم يرتكبوا ذنبا بنظر الشرع، لأن الفقهاء قد ذكروا: أنه


1) الآية 128 من سورة التوبة.

يجوز الهرب في الجهاد في أحوال ثلاثة:

الأولى: أن يزيد عدد الكفار على ضعف عدد المسلمين، و الدليل على الجواز:

1-قوله تعالى: اَلْآنَ خَفَّفَ اَللّٰهُ عَنْكُمْ وَ عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صٰابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ مَعَ اَلصّٰابِرِينَ (1).

2-ما رواه العامة عن ابن عباس، قال: «من فر من اثنين فقد فر، و من فر من ثلاثة فما فر» (2).

3-ما روي من طريق الخاصة: عن الصادق «عليه السلام» : «من فر من رجلين في القتال من الزحف فقد فر، و من فر من ثلاثة في القتال من الزحف فلم يفر» (3).


1) الآية 66 من سورة الأنفال.

2) سنن البيهقي ج 9 ص 76 و الحاوي الكبير ج 14 ص 182 و المغني ج 10 ص 543 و العزيز شرح الوجيز ج 11 ص 405 و منهى المطلب {ط ق} ج 2 ص 907 و تذكرة الفقهاء {ط ق} ج 2 ص 411 و {ط ج} ج 9 ص 58 و المجموع للنووي ج 19 ص 291 و المغني لابن قدامة ج 10 ص 551 و الشرح الكبير ج 10 ص 386 و كشف القناع ج 3 ص 50 و نيل الأوطار ج 8 ص 80 و المعجم الكبير ج 11 ص 77 و كنز العمال ج 4 ص 433 و عن أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 612 و عن الدر المنثور ج 3 ص 174.

3) الكافي ج 5 ص 34 ح 1 و التهذيب ج 6 ص 174 و منتهى المطلب {ط ق} ج 2 ص 907 و تذكرة الفقهاء {ط ق} ج 1 ص 411 و {ط ج} ج 9 ص 58 و دعائم الإسلام ج 1 ص 370 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 69 و مختلف الشيعة ج 4 ص 389 و إيضاح الفوائد ج 1 ص 356 و مسالك الأفهام ج 3 ص 25 و جواهر الكلام ج 21 ص 58 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 15 ص 84 و {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 63 و البحار ج 94 ص 34 و تفسير العياشي ج 2 ص 313 و التفسير الأصفى ج 1 ص 447 و نور الثقلين ج 2 ص 139 و 166.

الحالة الثانية: أن يترك القتال، و لكن لا بنية الهرب، بل لأجل أن ينصرف ليمكن في موضع، ثم يهجم.

الحالة الثالثة: أن يتحيز إلى فئة، و هو: أن ينصرف على قصد أن يذهب إلى طائفة ليستنجد بها في القتال (1).

و على هذا فإنه إذا كان عدد الفارين ثلاثة آلاف، و الجيش الذي يواجههم يعد بمئات الألوف، فلما ذا يلامون على الفرار؟ و لماذا يطردون؟ و لماذا يعيرون؟ ! و لماذا؟ ! و لماذا؟ !

التخفيف و التلطيف:

و أما قوله «صلى اللّه عليه و آله» للذين اعترفوا أمامه بالفرار من الزحف: «بل أنتم الكرارون، و أنا فئتكم، أو قال: و أنا فئة كل مسلم» فأراد «صلى اللّه عليه و آله» به أن يؤيد اعترافهم بالفرار، ثم يخفف من وطأة ذلك على نفوسهم حين يقرر أن فرارهم يدخل في سياق التحيز إلى فئة، و بذلك


1) راجع ما تقدم في تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي {ط ق} ج 1 ص 411 و {ط ج} ج 9 ص 61 و جواهر الكلام ج 21 ص 58 و المهذب لابن البراج ج 1 ص 304 و جامع المقاصد ج 3 ص 382 و التحفة السنية {مخطوط} للجزائري ص 199.

يكون قد خفف عنهم بعض الألم الذي كان يعتصر قلوبهم. .

و بتعبير آخر أوضح و أصرح: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما قال ذلك لهم على سبيل التشبيه و التنزيل و المجاز، لا على سبيل الحقيقة، إذ ليس في ظاهر حالهم حين فرارهم ما يدل على أنهم كانوا يقصدون بهذا الفرار التحيز إلى فئة. بل كان همهم النجاة بأنفسهم و حسب.

و لكن النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كما قلنا-قد أراد معالجة سلبيات الهزيمة بهذا النحو من التخفيف و التلطيف، و اعتبارهم كأنهم قد تحيزوا إلى فئة، حتى قال لهم: و أنا فئتكم.

و لو كان كلامه «صلى اللّه عليه و آله» جار على سبيل الحقيقة، لم يحتج إلى بيان من هو الفئة لهم. .

لو دخلنا المدينة قتلنا! !

و الأمر الأكثر إثارة، و الأشد غرابة و الأوضح دلالة، أن يبلغ الخوف بالفارين من الزحف حدا يجعلهم يصرحون بأنهم لو دخلوا المدينة قتلوا. .

فإن هذا الخوف لا يكون لمجرد تحيزهم إلى فئة، بل هو فرارهم من الزحف. .

إن لم نقل: إن ذلك قد يثير احتمال ظهور تواطؤ أو خيانة منهم اكتشفها المسلمون، فأثارت لدى مرتكبيها احتمالات القتل. .

و يتأكد هذا الذي ذكرناه مع علم الجميع: بأن الفرار من وجه جيش يزيدهم عشرات الأضعاف، لا يوجب للفارين أية مجازاة أو عقوبة. أو لوم.

الحر تكفيه الإشارة:

عن الزهري: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما أخبر الناس بقتل القادة الثلاثة «بكى أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و هم حوله، فقال لهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «و ما يبكيكم» ؟

فقالوا: و ما لنا لا نبكي، و قد ذهب خيارنا و أشرافنا، و أهل الفضل منا؟ !

فقال لهم «صلى اللّه عليه و آله» : لا تبكوا، فإنما مثل أمتي مثل حديقة قام عليها صاحبها، فأصلح رواكبها، و بنى مساكنها، و حلق سعفها، فأطعمت عاما فوجا، ثم عاما فوجا، ثم عاما فوجا.

فلعل آخرها طعما أن يكون أجودها قنوانا، و أقومها شمراخا! !

و الذي بعثني بالحق نبيا، ليجدن عيسى بن مريم في أمتي خلفا من حواريه» (1).

و نقول: إن كلام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هنا يكاد يكون صريحا في أنه يدين ما صدر من الفارين في مؤتة، فإنه أشار إلى قتل الخيار لا بد أن يعقبه أن تنجب الأمة فوجا آخر من هؤلاء الخيار.

و لعل الفوج الأخير-الذي هو من أنصار المهدي «عليه السلام» - سوف يكون خيرا من حواري عيسى «عليه السلام» نفسهم. . و سيلمس عيسى «عليه السلام» ذلك حينما يظهر مع الإمام «عليه السلام» ، ليقيم


1) البحار ج 21 ص 51 و الأمالي للطوسي ص 88 و مقاتل الطالبيين ص 7 و 8 و بشارة المصطفى ص 432 و كنز العمال ج 12 ص 181.

الحجة على النصارى في أمر بشريته، و تابعيته لوصي محمد «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث يصلي خلفه، و يكون من أعوانه. .

فيلاحظ: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يشر بشيء إلى أي نصر أنجزه خالد و من معه، فضلا عن تحقيق ما يستحق أن يسمى فتحا. . بل هو «صلى اللّه عليه و آله» قد قبل بأن المقتولين هم خيار أصحابه، و أشرافهم، و أهل الفضل فيهم. . و لا يرى في الذين سلموا في مؤتة خلفا من الذين قتلوا، بل لا بد من انتظار ظهور فوج جديد من الأخيار، و الأشراف، و أهل الفضل.

النصر الضائع:

و نستطيع بعد كل هذا الذي ذكرناه و قررناه، أن نؤكد على أن كل الدلائل تشير إلى أن الفارين كانوا عارفين بعظيم جرمهم، و قبح جنايتهم، كما أن أهل المدينة كانوا عارفين بذلك، و كذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و قد كان واضحا للجميع: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسلهم لإنجاز مهمة كبرى كان يعرف حجمها، و لا بد ان يكون قد رسم لهم معالم حركتهم فيها، و حدد كل تفاصيلها، و لا بد أن يكون عارفا بجموع قيصر و نواياه و خططه، و كيف لا يكون كذلك، و هو قد اثبت أن لديه قدرة فائقة على رصد حركة أعدائه في مختلف البقاع و الأصقاع مهما اختلفت الفئات و الأنواع.

و كانت هذه المهمة من الخطورة بحيث تستحق أن يضحي من أجلها بمثل جعفر، و زيد، و ابن رواحة، و لعلها كانت ستنتهي بالانتصار على

جيوش قيصر، و ربما بأسره، و إسلام البلاد التي يحكمها أو كان له نفوذ فيها. . و لعل هذا النصر كان سيتحقق بعد استشهاد القادة بيسر، و لكن الفرار قلب الأمور، فوقع المحذور.

و لذلك لم يتمكن الفارون من تقديم أي عذر أو تأويل، بل ربما كانوا خائفين من وصول الأمور إلى حد اتخاذ القرار بقتلهم.

و لذلك لم يتساهل أهل المدينة معهم، بل حثوا التراب في وجوههم و طردوهم، و لم يفتحوا لهم أبواب بيوتهم، كما أن النبي الكريم، و الرؤوف الرحيم بالمؤمنين لم يعترض على أحد من أهل المدينة فيما يفعل، و لم يردعهم عن شيء من تصرفاتهم التي تدخل في سياق الإهانة و التحقير لهذا الجيش. .

و قد قلنا آنفا: أن الفرار من جيش يفوق عدده عدد جيش المسلمين بعشرات الأضعاف ليس جرما و لا حراما. .

و هذا يدلنا: على أن القضية لم تكن قضية فرار و حسب، و إنما هي أدهى و أكبر، و أعظم، و أمر و أخطر، لأنها قضية تضييع أعظم نصر عرفه تاريخ البشرية.

و اقتصر الأمر على مجرد تراجع جيش الروم عن تصميمه بمهاجمة المسلمين في عمق بلادهم، و في عقر دارهم، في المدينة نفسها. .

إذ إننا نرى: أن هرقل بعد أن انتصر على كسرى، طمع بالإستيلاء على الحجاز ليؤكد شوكته، و ليعزز سلطانه. .

فجاء بالجيوش بحجة المشي إلى بيت المقدس وفاء بنذره، فبادر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لمباغتته بخطة تبطل كيده، و تمزق جنده، فضيع ذلك خالد بهزيمته النكراء تلك. و إلا فكيف نفسر وجود هذه الجيوش

الهائلة التي تعد بمئات الألوف في منطقة الأردن القريبة من الحجاز، بل هي على مشارفه، و قد ظهر مصداق هذا النصر في الحرب التي لم تسفر رغم امتدادها أياما سوى عن ثمانية، و قيل: اثني عشر قتيلا على أبعد التقادير.

مع أن العادة تقضي بأن جيشا، قد يصل عدده إلى نصف مليون مقاتل لا يحتاج إلى استئصال ثلاثة آلاف مقاتل إلى أكثر من نهار.

النبي صلّى اللّه عليه و آله. . و عائلة جعفر:

عن أسماء بنت عميس رحمها اللّه قالت: دخل علي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم أصيب جعفر و أصحابه، فقال: «إيتيني ببني جعفر» .

فأتيته بهم فضمهم، و شمهم، و ذرفت عيناه، فقلت: يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي، ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر و أصحابه شئ؟

قال: «نعم أصيبوا هذا اليوم» .

قالت: فقمت أصيح. و اجتمع إليّ النساء (1).

زاد الواقدي و ابن سعد: فجعل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: يا أسماء، لا تقولي هجرا، و لا تضربي صدرا.

قالت: فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى دخل على ابنته فاطمة «عليها السلام» و هي تقول: وا عماه.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 153 و البحار ج 79 ص 92 و تهذيب الكمال ج 5 ص 60 و 61 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 286 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 474 و مسند ابن راهويه ج 5 ص 41 و المعجم الكبير ج 24 ص 44 و عن أسد الغابة ج 1 ص 289 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 835.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : على مثل جعفر فلتبكي الباكية، ثم قال: اصنعوا لآل جعفر طعاما، قد شغلوا عن أنفسهم اليوم (1).

و قال الواقدي: حدثني محمد بن مسلم، عن يحيى بن أبى يعلى، قال: سمعت عبد اللّه بن جعفر يقول: أنا أحفظ حين دخل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أمي، فنعى لها أبي، فأنظر إليه و هو يمسح على رأسي و رأس أخي، و عيناه تهراقان الدموع حتى تقطر لحيته. ثم قال: اللهم إن جعفرا قد قدم إلى أحسن الثواب، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته.

ثم قال: يا أسماء، ألا أبشرك؟

قالت: بلى، بأبى و أمى.

قال: فإن اللّه عز و جل جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة.

قالت: بأبى و أمى يا رسول اللّه، فأعلم الناس ذلك!

فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أخذ بيدى، يمسح بيده رأسي


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 153 و عن أحمد، و ابن ماجة، و المغازي للواقدي ج 2 ص 766 و السيرة الحلبية ج 3 ص 68 و البحار ج 21 ص 63 عن المعتزلي و الطبقات الكبرى ج 8 ص 282 و شرح أصول الكافي ج 7 ص 190 و الإحتجاج ج 1 ص 173 و عن ذخائر العقبى ص 218 و النص و الإجتهاد ص 296 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 550 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 71 و الدرجات الرفيعة ص 76 و عن أسد الغابة ج 1 ص 289 و تهذيب الكمال ج 5 ص 61 و ج 35 ص 374 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 211 و أنساب الاشراف ص 43.

حتى رقي على المنبر، و أجلسني أمامه على الدرجة السفلى، و الحزن، يعرف عليه، فتكلم فقال: إن المرء كثير بأخيه و ابن عمه. ألا إن جعفرا قد استشهد، و قد جعل اللّه له جناحين يطير بهما في الجنة.

ثم نزل «صلى اللّه عليه و آله» ، فدخل بيته، و أدخلني، و أمر بطعام فصنع لأهلي، و أرسل إلى أخى فتغدينا عنده-و اللّه-غداء طيبا مباركا، عمدت سلمى خادمته إلى شعير فطحنته، ثم نسفته، ثم أنضجته، و أدمته بزيت، و جعلت عليه فلفلا. فتغديت أنا و أخي معه،

فأقمنا عنده ثلاثة أيام في بيته، ندور معه كلما صار في إحدى بيوت نسائه، ثم رجعنا إلى بيتنا، فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد ذلك و أنا أساوم بشاة أخ لي، فقال: اللهم بارك في صفقته.

فقال عبد اللّه: فما بعت شيئا و لا اشتريت إلا بورك فيه (1).

و عن الإمام الصادق «عليه السلام» قال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب، و زيد بن حارثة كان إذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدا، و يقول: كانا يحدثاني و يؤنساني، فذهبا جميعا (2).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 766 و 767 و السيرة الحلبية ج 3 ص 68 و البحار ج 79 ص 92 و ج 21 ص 56 و 57 عن إعلام الورى ص 111 و 112 و مسكّن الفؤاد ص 69 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 71 و الدرجات الرفيعة ص 76 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 257 و كنز العمال ج 13 ص 477 و شجرة طوبى ج 2 ص 300.

2) البحار ج 21 ص 55 و ج 79 ص 104 عن من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 127 و منهى المطلب {ط ق} ج 1 ص 466 و تذكرة الفقهاء {ط ج} ص 2 ص 118 و {ط ق} ج 1 ص 56 و الحدائق الناضرة ج 4 ص 163 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 3 ص 280 و {ط دار الإسلامية} ج 2 ص 922 و مسكن الفؤاد للشهيد الثاني ص 69 و نهاية الأحكام ج 2 ص 289 و الذكرى للشهيد الأول ص 70.

عن خالد بن الوليد قال: لما أصيب زيد بن حارثة أتاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فجهشت بنت زيد في وجه رسول اللّه، فبكى «صلى اللّه عليه و آله» حتى انتحب {أي رفع صوته في البكاء} .

فقال له سعد بن عبادة: يا رسول اللّه، ما هذا؟ !

قال «صلى اللّه عليه و آله» : هذا شوق الحبيب إلى حبيبه (1).

و عن الإمام السجاد «عليه السلام» : ما من يوم أشد على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من يوم أحد، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب، أسد اللّه، و أسد رسوله.

و بعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب.

ثم قال «عليه السلام» : لا يوم كيوم الحسين، ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل الخ. . (2).


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 74 مستدرك الوسائل ج 2 ص 465 و مكارم الأخلاق ص 22 و مسكن الفؤاد للشهبد الثاني ص 96 و البحار ج 16 ص 235 و 236 و الإخوان لابن أبي الدنيا ص 152 و فيض القدير ج 3 ص 695 و الدرجات الرفيعة ص 439 و الطبقات الكبرى ج 3 ص 47 و تاريخ مدينة دمشق ج 19 ص 371 و سير أعلام النبلاء ج 1 ص 230.

2) أمالي الصدوق ص 374 المجلس السبعون و {ط مؤسسة البعثة} ص 547 و البحار ج 22 ص 274 و ج 44 ص 298 و العوالم {الإمام الحسين «عليه السلام»} للبحراني ص 348 و 349 و مقتل الحسين «عليه السلام» لأبي مخنف ص 176 و الأنوار العلوية للنقدي ص 442.

و عن العباس بن موسى بن جعفر قال: سألت أبي «عليه السلام» عن المأتم، فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لما انتهى إليه قتل جعفر بن أبي طالب دخل على أسماء بنت عميس امرأة جعفر، فقال: أين بني؟ !

فدعت بهم، و هم ثلاثة: عبد اللّه، و عون، و محمد. فمسح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رؤوسهم، فقالت: إنك تمسح رؤوسهم كأنهم أيتام!

فعجب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من عقلها، فقال: يا أسماء، الم تعلمي أن جعفرا رضوان اللّه عليه استشهد؟ !

فبكت، فقال لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا تبكي، فإن اللّه أخبرني أن له جناحين في الجنة من ياقوت أحمر.

فقالت: يا رسول اللّه، لو جمعت الناس و أخبرتهم بفضل جعفر، لا ينسى فضله.

فعجب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من عقلها.

ثم قال: ابعثوا إلى أهل جعفر طعاما فجرت السنة (1).

و قالوا أيضا: لما قتل جعفر بمؤتة، أمهل النبي «صلى اللّه عليه و آله» آل جعفر أن يأتيهم ثلاثة أيام، فندبوا.

ثم قال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، و قال: إن له جناحين يطير بهما


1) البحار ج 21 ص 55 و ج 76 ص 83 و المحاسن للبرقي ج 2 ص 420 الحديث رقم 194 و راجع: مستدرك الوسائل ج 2 ص 473.

حيث شاء من الجنة (1).

لا تقولي هجرا، و لا تضربي صدرا:

1-إن المصائب التي تحل بالناس، و لا سيما فقد الأحبة، قد تخرجهم عن حالة التوازن، فتصدر منهم بعض التصرفات غير المقبولة و لا المعقولة. . فإذا تركوا، فقد يتفاقم الأمر، ليص إلى حد الخروج عن دائرة الشرع و أحكام الدين. .

و لذلك، كان من المستحسن إذا ظهرت بوادر هذا الاختلال، المبادرة إلى وضع حد يمنع من الانسياق مع أجواء الانفعال هذه لتبقى الأمور تحت السيطرة، و في دائرة الانضباط. .

و الظاهر: أن ما ظهر من أسماء بنت عميس في حضرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حين أخبرها باستشهاد زوجها جعفر بن أبي طالب يدخل في هذا السياق، فإن صياحها بحضرة الرسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و اجتماع النساء إليها قد أظهر أنها قد تخرج تحت تأثير الفاجعة عن حدود


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 75 و المجموع للنووي ج 1 ص 296 و الشرح الكبير لابن قدامة ج 1 ص 106 و نيل الأوطار ج 1 ص 155 و ذخائر العقبى ص 219 و عن مسند أحمد ج 1 ص 204 و سنن أبي داود ج 2 ص 288 و سنن النسائي ج 8 ص 182 و مجمع الزوائد ج 6 ص 157 و عن فتح الباري ج 7 ص 394 و السنن الكبرى للنسائي ج 5 ص 180 و 407 و رياض الصالحين للنووي ص 645 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 37 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 255 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 288 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 476.

الاتزان المعقول و المقبول في كلامها، و في حركتها الإنفعالية التصعيدية. .

فبادر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى وضع حد لهذا التصعيد حين جعل يقول لها: لا تقولي هجرا، و لا تضربي صدرا. . مع ملاحظة: أن سياق هذا التعبير يعطي أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد كرر قوله هذا لها.

2-يضاف إلى ما تقدم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعلم: أن الناس يتعاملون مع أقواله، و أفعاله، و كل ما يفعل بحضرته مع سكوته عنه، و قدرته على القبول و الرد. . على أنه مسنون و مشروع. .

فإذا لطمت أسماء صدرها بحضرته، و سكت عنها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فسيفهم الناس أن ذلك مما يشرع أو يسنّ في الشريعة بالنسبة إلى كل بيت، و قد يدخل ذلك في صميم عادات الناس و ممارستهم حين يفقدون أحدا من أعزائهم.

مع أن الشهيد الذي يحسن إظهار الجزع في مأتمه، و يكون لطم الصدور فيه راجحا هو الإمام الحسين «عليه السلام» ، لأن في ذلك قوة للدين، و ترسيخا للإيمان و اليقين. . فلا بد من حفظ الخصوصية له صلوات اللّه و سلامه عليه من أجل ذلك. .

فالنهي عن لطم الصدر هنا لا يعني أنه حرام، بل هو هنا لأجل أن لا يستفاد من ذلك مطلوبية هذا الأمر، بالنسبة لكل من مات أو استشهد. .

على مثل جعفر فلتبك البواكي:

1-ثم إن هناك نوعا من الناس يحمل مزايا فريدة، و يتميز بإنسانية عالية و كاملة و رائدة، و أمثولة للفضيلة حية، فإذا مات أو استشهد فلا بد أن

يبكيه الناس كلهم، لأن فقده يعنيهم كلهم. و خسارة لهم جميعا. .

و قد بين النبي «صلى اللّه عليه و آله» مواصفات هؤلاء الناس من خلال النموذج الذي قدمه لهم على أنه يحمل هذه المزايا و المواصفات، و ذلك حين قال: على مثل جعفر فلتبك البواكي (1).

فالبكاء على جعفر إنما هو لأجل ما ذكرناه، لا لأنه في نسبه قريب أو صاحب أو حبيب.

و قد أوضح نص آخر: أن هذه المزايا لا حد لها و لا حصر لها في شخصية جعفر «عليه السلام» .

فقد روي أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال لفاطمة «عليها السلام» ، حين قتل جعفر بن أبي طالب: لا تدعي بذل، و لا ثكل، و لا حرب. و ما قلت فيه فقد صدقت (2).


1) قاموس الرجال ج 2 ص 603 و شرح أصول الكافي للمازندراني ج 7 ص 190 و عن ذخائر العقبى ص 218 و البحار ج 22 ص 276 و ج 23 ص 556 و النص و الإجتهاد ص 296 و عن أسد الغابة ج 1 ص 289 و أنساب الأشراف ص 43 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 65 و 66 و المصنف للصنعاني ج 3 ص 550 و شرح النهج للمعتزلي ج 15 ص 71 و الجامع الصغير ج 2 ص 159 و كنز العمال ج 11 ص 660 و عن فيض القدير ج 4 ص 427 و الطبقات الكبرى ج 8 ص 282 و تهذيب الكمال ج 5 ص 61 و ينابيع المودة ج 2 ص 96.

2) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 126 الحديث رقم 521 و البحار ج 21 ص 57 عن إعلام الورى ص 111 و 112 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 176 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 3 ص 272 و {ط الإسلامية} ج 2 ص 915 و مجمع البحرين ج 1 ص 317 و منتهى المطلب {ط ق} ج 1 ص 467 و تذكرة الفقهاء {ط ق} ج 1 ص 55 و {ط ج} ج 2 ص 117.

فهذه العبارة الأخيرة قد أفسحت المجال لكل قول يبين سجايا جعفر و مزاياه الفاضلة، مهما كان نوع و مستوى ما يقال من تلك السجايا و المزايا. لأن كل ما يقال فيه من فضل، فهو صدق و حق و عدل. .

و هذه المزايا إذا اجتمعت و تكاملت في أي كان من الناس، فإنه يصبح مثلا أعلى، و أسوة و قدوة، يحس الناس كلهم بالحاجة إليه، و يكون إلحاق الأذى به بمثابة التعدي عليهم، و إلحاق الأذى بهم كلهم.

فلماذا إذن لا يبكون إذا فقد، و لا يحنون إليه إذا غاب.

2-و من جهة ثانية إن هذه الكلمة و كذا النصوص المصرحة ببكاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» على جعفر «عليه السلام» ، و زيد بن حارثة «رحمه اللّه» ، قد جاءت لتؤكد على مشروعية البكاء على الميت، بل على مطلوبيته بالنسبة لبعض من يموت أو يستشهد، من الأتقياء الأبرار، و العلماء الأخيار. . فلا يصح ما يزعمونه من المنع عن ذلك، و قد أشرنا إلى هذه الحقيقة في أكثر من موضع من هذا الكتاب.

مدى حزن النبي صلّى اللّه عليه و آله على جعفر:

و إذا أردنا أن نتصور مدى حزن النبي «صلى اللّه عليه و آله» على جعفر، فعلينا أن نتذكر عودة جعفر من الحبشة، فقد كان سرور النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقدومه منها يوازي سروره بفتح اللّه خيبرا على يد أخيه علي «عليه السلام» ، أو يزيد عليه. .

فإن ذلك يعطي انطباعا عن مستوى، و مقدار حزنه على هذا الرجل الذي أشبه خلقه و خلقه «صلى اللّه عليه و آله» ، فإن مقدار الحزن لا بد أن يوازي مقدار السرور هناك. .

و خصوصا إذا كان شرار الخلق قد هتكوا حرمته، حتى قضى شهيدا، و بالأخص بعد قطع يديه، و ما جرى عليه، حتى إن الطعنات التي وجدت في مقدم جسده باتت تعد بالعشرات حسبما تقدم. .

النبي صلّى اللّه عليه و آله بدون جعفر و علي عليهما السّلام:

قال المسعودي: «و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعد أن قتل جعفر بن أبي طالب الطيار، بمؤتة من أرض الشام، لا يبعث بعلي في وجه من الوجوه، إلا و يقول: وَ زَكَرِيّٰا إِذْ نٰادىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاٰ تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْوٰارِثِينَ (1)» (2).

و نقول:

أما بالنسبة لجعفر فقد ذكرنا في حديثنا عن غزوة خيبر شبهه برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ما كان له من قيمة عند اللّه، أما علي فقد صرح القرآن الكريم: بأنه «عليه السلام» هو نفس رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث قال في آية المباهلة:

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اَللّٰهِ


1) الآية 89 من سورة الأنبياء.

2) مروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 434.

عَلَى اَلْكٰاذِبِينَ (1).

و قد أكد ذلك النبي «صلى اللّه عليه و آله» في عشرات النصوص، في العديد من المناسبات، و ذلك كله يبين: أن فقد النبي «صلى اللّه عليه و آله» لجعفر و لعلي «عليهما السلام» معناه: أن لا يبقى له «صلى اللّه عليه و آله» نظير على وجه الأرض، و لذلك، كان يظهر شعوره بقيمة علي «عليه السلام» ، و يعتبر أن فقده لعلي «عليه السلام» سيجعله فردا وحيدا في هذه الحياة، و لا يعود له وارث في الأرض. .

فكان لا يبعث عليا «عليه السلام» في وجه من الوجوه إلا و يقول: وَ زَكَرِيّٰا إِذْ نٰادىٰ رَبَّهُ رَبِّ لاٰ تَذَرْنِي فَرْداً وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْوٰارِثِينَ (2).

حديث عائشة في بكاء النساء:

و ربما يقال: قد روي في هذه المناسبة ما يدل على عدم صحة البكاء على الأموات، كما ذكرته عائشة فيما رواه الواقدي عنها، فقد قالت: لما قدم نعي جعفر عرفنا في وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحزن.

قالت: قديما ما ضرّ الناس التكلف؛ فأتاه رجل فقال: يا رسول اللّه، إن النساء عنّيننا مما يبكين.

قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ارجع إليهن فأسكتهن، فإن أبين فاحث في أفواههن التراب» .

فقلت في نفسي: أبعدك اللّه! فو اللّه ما تركت نفسك، و ما أنت بمطيع


1) الآية 61 من سورة آل عمران.

2) الآية 78 من سورة الأنبياء.

رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و روى الواقدي أيضا عن عائشة: «أنا أطّلع من صير الباب فأسمع هذا» (1).

و نقول: إنه يمكن قبول هذه الرواية، إذا كان ذلك الرجل يريد أن يشتكي من أن بكاء النساء قد تجاوز الحدود المعقولة و صار يوجب إلحاق العناء بالناس، كما صرحت به الرواية.

أو أنه صار كأنه يمثل نوعا من الاعتراض على اللّه سبحانه. .

أو أنه بلغ حدا من شأنه أن يضر بمعنويات المجتمع الإسلامي، و يوهن من عزيمته، و يحد من الإقبال على الجهاد في سبيل اللّه. . فلا بد من التصدي لهذه المبالغات لتعود الأمور إلى مجراها الطبيعي.

و هذه الاحتمالات معقولة، و مقبولة، و تنسجم مع سائر ما دل على جواز البكاء على الأموات.

غير أن في النص أمرا آخر، لا بد من الوقوف عنده، و هو أن عائشة تقول: إنها كانت تسمع هذا و هي تطّلع من صير الباب. حيث إننا لا نظن أن يرضى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا العمل منها. . و لو أنه رآها تفعل ذلك، أو أن أحدا ذكر له ذلك عنها لزجرها و أنبها، و أعلن عن عدم رضاه


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 767 و 768 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 68 و البداية و النهاية لابن كثير ج 4 ص 287 و مسند ابن راهويه ج 2 ص 413 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 835 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 475.

بهذه الجرأة، و بهذا التجسس عليه، الهادف إلى الإطلاع على ما يريد ستره عنها، و هو أمر قد نهى عنه القرآن، و أكدت على رفضه و أدانته كلمات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المناسبات المختلفة.

أسماء و تعريف الناس بفضل جعفر:

و قد صرحت الروايات المتقدمة: بأن أسماء قد طلبت من النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أن يعلم الناس بما حبا اللّه تعالى به جعفرا «عليه السلام» ، فأجاب طلبها رضوان اللّه تعالى عليها، و أخبر الناس من على منبره بذلك.

و نقول:

لقد أظهرت أسماء عقلا راجحا، و اتزانا واضحا، حين طلبت من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يذكر للناس فضل جعفر، كما صرحت به الرواية المتقدمة عن الإمام الكاظم «عليه السلام» ، لأن هدف أسماء رحمها اللّه تعالى لم يكن هو الفخر، و التباهي أمام الناس بهذا العطاء الإلهي لجعفر «عليه السلام» ، لتكون قد استغلت دمه الشريف لأهداف دنيوية، و إثارات فارغة. .

بل كان هدفها: أولا: أن يستفيد الناس من هذه الأمثولة الرائدة المزيد من الاندفاع للتضحية، و البذل و العطاء في سبيل اللّه تعالى. و أن يتضاعف حرصهم على نيل المقامات السامية، و الحصول على المزيد من التطهير و التزكية لنفوسهم و قلوبهم.

ثانيا: إنها أرادت أن تبين للناس: أن ما يثيره الحاقدون من أجواء

تشكيكية بفضل جعفر «عليه السلام» ، و بهجرته و جهاده، ما هو إلا سموم تنضح من أنياب أفاع يلذ لها أن تنهش بأجساد الأخيار و الأبرار، و ان ما تظهره تلك الأراقم من لين الجانب و نعومة الملمس إنما يخفي و راءه السم الناقع، و الغدر الذميم و البغيض.

و لأجل ذلك استجاب لها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و لم نلاحظ أن لديه أي تحفظ على ما طلبته، و لو أنه شعر بأنها تسعى لنيل شيء من حطام الدنيا، حتى لو كان ذرة من حب التفاخر و التباهي لأظهر لها ذلك، و لكان و عظها و حذّرها، و لرفض طلبها، إذ لا يمكن أن يرضى لنفسه أن يكون له أي أثر في تمكينها من تحقيق أهداف من هذا القبيل.

و يعزز هذا الذي نقوله: أن أسماء كانت معروفة بالعقل و الإتزان، و بالالتزام و التقوى. و لم يلاحظ أحد على سلوكها و تصرفاتها أنها ممن كان يسعى لا ستجلاب المنافع الدنيوية لنفسها.

بل الظاهر من حالها و حياتها هو: مراعاة أحكام الشرع، و الاهتمام بما يرضي اللّه سبحانه. .

و يدل على ذلك: ما روي من شهادة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها بأنها من أهل الجنة، أو من المؤمنات (1). و أن نجابة ولدها محمد بن أبي بكر أتت


1) تنقيح المقال ج 3 ص 69 و الخصال ص 363 و شرح الأخبار للقاضي النعمان ص 57 و البحار ج 22 ص 195 و 291 و فضائل الصحابة ص 86 و السنن الكبرى ج 5 ص 103 و المعجم الكبير ج 11 ص 328 و ج 24 ص 132 و مجمع الزوائد ج 9 ص 260 و المستدرك للحاكم ج 4 ص 32 و الآحاد و المثاني ج 5 ص 456 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 346 و كنز العمال ج 12 ص 138 و تاريخ مدينة دمشق ج 3 ص 234 و أنساب الأشراف ص 44 و عن الإصابة ج 8 ص 450 و الطرائف ص 249 و مستدرك سفينة البحار ج 1 ص 74 و ج 5 ص 177 و معجم رجال الحديث ج 24 ص 195 و اللمعة البيضاء للأنصاري ص 839 و مواقف الشيعة ج 2 ص 406 و تهذيب الكمال ج 35 ص 298 و تهذيب التهذيب ج 12 ص 399 و الجامع لأحكام القرآن ج 5 ص 346 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 3 ص 443 و الفتح الكبير ج 1 ص 505 و عن الإستيعاب ج 4 ص 201.

من قبلها (1).

على أن الوقت الذي طلبت فيه أسماء رحمها اللّه من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعرف الناس بفضل جعفر، كان وقت وقوع الصدمة عليها، و هو الوقت الذي تلتهب فيه المشاعر إلى أقصى مدى، فلا يبقى مجال للتفكير في أمثال هذه القضايا، أو الانسياق و راء هذه الأوهام.

إتخاذ الطعام في أيام العزاء سنة:

قال السهيلي معلقا على حديث الطعام لأبناء جعفر «عليه السلام» : هو أصل في طعام التعزية، و يسميه العرب «الوضيمة» .

كما تسمي طعام العرس: «الوليمة» .


1) تنقيح المقال ج 3 ص 69 و الإختصاص {ط مؤسسة النشر الإسلامي} ص 70 و إختيار معرفة الرجال {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 281 و البحار ج 33 ص 584 و 585 و مجمع البحرين ج 1 ص 571 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 20 ص 209 و الإختصاص ص 70 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 177 و معجم رجال الحديث ج 15 ص 242.

و طعام القادم من السفر: «النقيعة» .

و طعام البناء: «الوكيرة» (1).

و الدليل الصحيح و الأدق في موضوع طعام التعزية هو ما روي عن الإمام جعفر الصادق «عليه السلام» قال: «لما مات جعفر بن أبي طالب أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فاطمة «عليها السلام» أن تتخذ طعاما لأسماء بنت عميس، و تأتيها و نساؤها ثلاثة أيام، فجرت بذلك السنة: أن يصنع لأهل الميت ثلاثة أيام طعام» (2).

زيارة عوائل الشهداء:

و قد أظهرت النصوص المتقدمة: أن سيد الرسل و أفضل الخلق «صلى


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 68

2) البحار ج 21 ص 54 و 55 و ج 76 ص 72 و 82 و 83 عن أمالي الطوسي ص 57 و 58 و عن المحاسن ص 419 و عن الكافي {الفروع} ج 1 ص 59 و الحدائق ج 4 ص 158 و 160 و غنائم الأيام ج 3 ص 560 عن: {الكافي ج 3 ص 217 ح 21 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 116 ح 549 و المحاسن ص 419 ح 191 و الوسائل ج 2 ص 888 أبواب الدفن ب 67} . و راجع: تذكرة الفقهاء {ط ق} ج 1 ص 57 و نهاية الحكام ج 2 ص 212 و الذكرى ص 70 و الحبل المتين ص 74 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 112 و 182 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 3 ص 236 و ج 24 ص 364 و {ط دار الإسلامية} ج 2 ص 888 و ج 16 ص 412 و أمالي الطوسي {ط دار الثقافة-قم} ص 659 و شجرة طوبى ج 2 ص 300 و سنن النبي «صلى اللّه عليه و آله» للطباطبائي ص 254 و منتهى الجمان ج 1 ص 304.

اللّه عليه و آله» ، الذي كان لا يتعامل مع الأمور بمنطق العشائرية و القبلية، بل بروح رسالية، و توجيه إلهي كان يزور بيوت الشهداء، و يواسي عوائلهم، و يجهش بالبكاء، و يشاركهم فيما يظهرونه من أسى و ألم. .

الأمر الذي يجسد رقته «صلى اللّه عليه و آله» و حنانه، و رأفته، كما أنه يؤكد رعايته، و أبوته لتلك العوائل بصورة عملية و واقعية.

ثم هو يدلل على درجة عالية من الإخاء و المصافاة و الوفاء. . بين الناس و بين موقع القيادة، حتى على مستوى النبوة الخاتمة، حيث إن هذا النبي الكريم و العظيم يعامل من يقر بنبوته، و يتبع رسالته بهذه الروح، بعيدا عن أي حالة تشي بتمييز نفسه عنهم، أو حتى بأية خصوصية له دونهم، فهو فيهم كأحدهم، يفرح لفرحهم، و يحزن لحزنهم، و تندمج روحه بأرواحهم حبا، و يذيبها الحنين إليهم شوقا.

شهداء في قبر واحد، و إخفاء القبر:

قال ابن عنبة: «دفن جعفر، و زيد بن حارثة، و عبد اللّه بن رواحة في قبر واحد، و عمي القبر» (1).

و لم تبذل محاولة حقيقية لتحديد موضع دفنهم رضوان اللّه تعالى عليهم إلا في العصور المتأخرة. .

و قد كان من الطبيعي: أن يعمّى موضع قبور الشهداء، فإن المنطقة قد بقيت في يد الأعداء، إلى ظهر الإسلام فيها، و لكن لم يكن هؤلاء


1) عمدة الطالب ص 36.

المسلمون ممن يهتمون بإظهار أمر آل أبي طالب، بل كان اهتمامهم منصبا على ما يناقض ذلك. .

و قد أخفي قبر علي بن أبي طالب «عليه السلام» حوالي مئة سنة إلى أن أظهره الإمام الصادق «عليه السلام» في عهد المنصور العباسي.

كيف و قد نبش الحجاج ثلاثة آلاف قبر من أجل أن يعثر على جسد علي «لكي يحرقه» ، و لا يبقي له أثرا، فلم يمكنه اللّه من ذلك (1).

و قد أخفي قبر زيد بن علي، ثم لما عرف صلبوه سنوات، ثم أحرقوه (2).

و علينا أن لا ننسى قبر الزهراء «عليها السلام» الذي لا يزال مجهولا إلى يومنا هذا.

و لعلها حين ارادت إعلان الاحتجاج على الذين آذوها و ضربوها، و أسقطوا جنينها، و اغتصبوا منها فدكا و سواها. .

أرادت أيضا: أن تحفظ جثمانها الطاهر من أن يتعرض للنبش و الهتك من قبل من حاول نبش قبر ولدها الإمام الحسين «عليه السلام» ، و زوجها علي، و نبش قبر حفيدها زيد، كما هو ظاهر.


1) روضات الجنات ج 2 ص 54 و راجع: تفسير القرآن الكريم {تفسير أبي حمزة الثمالي} ص 75.

2) شجرة طوبى ج 1 ص 143 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 3 ص 100 و الإيضاح لابن شاذان هامش ص 399 و عن الكامل لابن الأثير ج 5 ص 90 و الكافي ج 8 ص 251.

الفصل الخامس: صورة موهومة لسرية ذات السلاسل

اشارة

غزوة ذات السلاسل:

قال ابن عقبة، و ابن إسحاق، و ابن سعد، و محمد بن عمر، و اللفظ له: «بلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن جمعا من قضاعة يريدون أن يدنوا الى أطراف مدينة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فدعا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن العاص بعد إسلامه بسنة» .

و عند ابن إسحاق: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعث عمروا يستنفر العرب إلى الشام، فعقد له لواء أبيض، و جعل معه راية سوداء، و بعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين، {منهم: عامر بن ربيعة، و صهيب، و سعيد بن زيد، و سعد بن أبي وقاص} و الأنصار، {منهم: أسيد بن حضير، و عباد بن بشر، و سلمة بن سلامة، و سعد بن عبادة} و أمره أن يستعين بمن مرّ به من العرب: من بلي، و عذرة، و بلقين.

و ذلك أن عمروا كان ذا رحم فيهم، كانت أم العاص بن وائل بلوية، فأراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يتألفهم بعمرو (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 167 و المغازي للواقدي ج 2 ص 770 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 190 و عن زاد المعاد ج 1 ص 1118 و 1139 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 167 و عن فتح الباري ج 8 ص 59 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 131 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 22 و تاريخ المدينة لابن أبي شبة ج 1 ص 301 و عن عيون الأثر ج 2 ص 171 و عمدة القاري ج 18 ص 12.

و في حديث بريدة عند إسحاق بن راهويه: أن أبا بكر قال: «إن عمروا لم يستعمله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلا لعلمه بالحرب» . انتهى.

و كان معه ثلاثون فرسا، فكان يكمن النهار و يسير الليل، حتى إذا كان على ماء بأرض جذام، يقال له: السلاسل-و يقال: السلسل، و بذلك سميت الغزوة ذات السلاسل-{و قيل: سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض، مخافة أن يفروا} (1). بلغه أن لهم جمعا كثيرا، فبعث عمرو رافع بن مكيث الجهني إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يخبره أن لهم جمعا كثيرا و يستمده.

فبعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا عبيدة بن الجراح، و عقد له لواء، و بعث معه سراة المهاجرين، كأبي بكر و عمر بن الخطاب، و عدة من الأنصار. و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا عبيدة أن يلحق بعمرو بن العاص، و أن يكونا جميعا و لا يختلفا.

و كان أبو عبيدة في مائتي رجل حتى لحق بعمرو. فلما قدموا أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس، فقال عمرو: «إنما قدمت عليّ مددا لي، و ليس لك أن تؤمني و أنا الأمير» .

فقال المهاجرون: «كلا بل أنت أمير أصحابك و هو أمير أصحابه» .


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 75 و عن فتح الباري ج 8 ص 58 و تاريخ المدينة لابن أبي شبة ج 1 ص 302 و سبل الهدى ج 6 ص 172 و عمدة القاري ج 18 ص 12 و ج 16 ص 70 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 3 ص 198.

فقال عمرو: «لا، أنتم مدد لنا» .

فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف، و كان رجلا لينا حسن الخلق سهلا، هينا عليه أمر الدنيا، يسعى لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عهده، قال: «يا عمرو، تعلمن أن آخر شيء عهد إليّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن قال: «إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا و لا تختلفا. و إنك و اللّه إن عصيتني لأطيعنك» .

و أطاع أبو عبيدة عمروا. فكان عمرو يصلي بالناس.

و قال عمرو: «فإني الأمير عليك و أنت مددي» .

قال: «فدونك» (1).

و عن الشعبي مرسلا قال: «انطلق المغيرة بن شعبة إلى أبي عبيدة فقال: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد استعملك علينا، و إن ابن فلان قد اتبع أمير القوم، فليس لك معه أمر» .

فقال أبو عبيدة: «إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمرنا أن نتطاوع، فأنا أطيع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و إن عصاه عمرو» .

فأطاع أبو عبيدة عمروا، فكان عمرو يصلي بالناس، و صار معه خمسمائة.

فسار حتى نزل قريبا منهم، و هم شاتون. فجمع أصحابه الحطب


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 167 و المغازي للواقدي ج 2 ص 770 و 771 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 75 و السيرة الحلبية ج 3 ص 190 و 191 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 22 و 25 و 26 و ج 25 ص 449 و عن الإصابة ج 3 ص 477 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 312 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 516 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 199.

يريدون أن يوقدوا نارا ليصطلوا عليها من البرد، فمنعهم، فشق عليهم ذلك، حتى كلمه في ذلك بعض المهاجرين، فغالظه.

فقال له عمرو: «قد أمرت أن تسمع لي» .

قال: نعم.

قال: فافعل (1).

و روى ابن حبان، و الطبراني برجال الصحيح، عن عمرو بن العاص:

أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعثه في غزوة ذات السلاسل، فسأله أصحابه: أن يوقدوا نارا، فمنعهم. فكلموا أبا بكر، فكلمه، فقال: «لا يوقد أحد منهم نارا إلا قذفته فيها» (2).

و روى الحاكم (3)عن بريدة قال: «بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن العاص في سرية فيهم أبو بكر، و عمر بن الخطاب، فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو ألا يوقدوا نارا، فغضب عمر بن الخطاب، و همّ أن يأتيه، فنهاه أبو بكر، و أخبره أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 168 عن أحمد و المغازي للواقدي ج 2 ص 770 و 771 و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 75 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 22.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 168 و في هامشه: عن الهيثمي في المجمع ج 5 ص 323، و قال: رواه الطبراني بإسنادين، و رجال الأول رجال الصحيح. و السيرة الحلبية ج 3 ص 191 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 404 و موارد الظمآن ص 400 تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 75.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 168 و في هامشه قال: أخرجه الحاكم ج 3 ص 42 في كتاب المغازي و قال: هذا الحديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه و أقره الذهبي.

يستعمله إلا لعلمه بالحرب. فهدأ عنه (1).

و في حديث بريدة: أن عمر أراد أن يكلم عمروا لما منع الناس أن يوقدوا نارا.

و في حديث عمرو: أن أبا بكر كلم عمروا في ذلك.

و يجمع بين الحديثين: بأن أبا بكر سلم لعمرو أمره، و منع عمر بن الخطاب من كلامه، فلما ألح الناس على أبي بكر في سؤاله سأله حينئذ فلم يجبه. و يحتمل أن منع أبي بكر لعمر بن الخطاب كان بعد سؤال أبي بكر لعمرو (2).

و روى ابن حبان، و الطبراني عن عمرو بن العاص: أن الجيش لما رجعوا ذكروا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منعي لهم من إيقاد النار، و من اتباعهم العدو، فقلت: يا رسول اللّه، إني كرهت أن يوقدوا نارا فيرى عدوهم قلتهم، و كرهت أن يتبعوهم، فيكون لهم مدد، فيعطفوا عليهم.

فحمد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمره (3).

فسار عمرو الليل، و كمن النهار، حتى و طئ بلاد العدو و دوخها


1) و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 770 و 771 و السيرة الحلبية ج 3 ص 191 و عن فتح الباري ج 8 ص 59 و النص و الإجتهاد ص 337 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 41 و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 146.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 173 و عن فتح الباري ج 8 ص 59

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 171 و السيرة الحلبية ج 3 ص 191 و عن فتح الباري ج 8 ص 59 و صحيح ابن حبان ج 10 ص 404 و موارد الظمآن ص 400 و كنز العمال ج 12 ص 501 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 27 و ج 46 ص 144.

كلها، حتى انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان به جمع، فلما سمعوا به تفرقوا.

فسار حتى إذا انتهى إلى أقصى بلادهم، و لقي في آخر ذلك جمعا ليسوا بالكثير، فاقتتلوا ساعة، و حمل المسلمون عليهم فهزموهم، و تفرقوا {و رمي يومئذ عامر بن ربيعة بسهم، فأصيب ذراعه} .

و دوخ عمرو ما هنالك، و أقام أياما لا يسمع لهم بجمع و لا مكان صاروا فيه (إلا قاتلهم).

و كان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء و النعم، فكانوا ينحرون و يأكلون، و لم يكن أكثر من ذلك، لم يكن في ذلك غنائم تقسم. كذا قال جماعة (1).

قال البلاذري: فلقي العدو من قضاعة، و عاملة، و لخم، و جذام-و كانوا مجتمعين-ففضهم، و قتل منهم مقتلة عظيمة، و غنم.

و روى ابن حبان، و الطبراني، عن عمرو: أنهم لقوا العدو، فأراد المسلمون أن يتبعوهم فمنعهم.

و بعث عمرو عوف بن مالك الأشجعي بشيرا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقفولهم و سلامتهم، و ما كان في غزاتهم (2).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 168 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 23 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 312 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 517 و عن عيون الأثر ج 2 ص 171 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 131.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 168 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 770 و 771 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 131 و عن عيون الأثر ج 2 ص 172.

و نقول:

إن لنا مع ما تقدم وقفات، نجملها في ما يلي من مطالب:

تاريخ غزوة ذات السلاسل:

قالوا: إن غزوة ذات السلاسل كانت في جمادى الآخرة سنة ثمان (1).

و قيل: كانت سنة سبع، و به جزم ابن أبي خالد في صحيح التاريخ (2).

و نقل ابن عساكر الاتفاق: على أنها كانت بعد غزوة مؤتة إلا أن ابن إسحاق قال قبلها (3).

و الظاهر: أن ذلك في غير رواية زياد البكائي، التي نقلها ابن هشام في


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 167 و 172 عن ابن سعد، و تاريخ الخميس ج 2 ص 75 و المجموع ج 2 ص 284 و نيل الأوطار ج 1 ص 324 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 576 و الديباج على مسلم ج 5 ص 373 و تاج العروس ج 7 ص 380 و عون المعبود ج 1 ص 365 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 131 و عن عيون الأثر ج 2 ص 171 و القاموس المحيط ج 3 ص 397.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 172 و تاريخ الخميس ج 2 ص 75 و النص و الإجتهاد ص 336 عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 272 و 274 و عن الكامل لابن الأثير ج 2 ص 156 و السيرة الحلبية ج 3 ص 190 و راجع: معجم قبائل العرب ج 3 ص 974 و عن فتح الباري ج 8 ص 58.

3) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 75 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 172 و قد نقل هذا الإتفاق عن ابن عسكر النووي في تهذيبه، و ابن حجر في فتح الباري، و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 21 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 153 و عن فتح الباري ج 8 ص 58.

تهذيبه. . أما رواية زياد فذكرت ذات السلاسل بعد غزوة مؤتة (1).

مقصد السرية:

هل المقصود بذات السلاسل، ماء وراء ذات القرى، و ذلك من المدينة على عشرة أيام؟ أو هو موضع بناحية الشام في أرض بني عذرة.

و في سيرة ابن هشام: ماء بأرض جذام؟ (2).

سراة المهاجرين و الأنصار مع عمرو:

و قد زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بعث عمروا في سراة المهاجرين و الأنصار، ثم ذكروا بعض أسماء هؤلاء. ثم لما استمد عمرو النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث أبا عبيدة مددا له، و معه سراة المهاجرين، و عدة من الأنصار (3).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 172 عن تهذيب ابن هشام.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 75 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 172 و 168 و المغازي للواقدي ج 2 ص 770 و المجموع ج 2 ص 284 و مستدرك سفينة البحار ج 5 ص 96 و شرح مسلم للنووي ج 15 ص 153 و عن عون المعبود ج 1 ص 364 و معجم البلدان ج 3 ص 233 و 236 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 238 و عن عيون الأثر ج 2 ص 171 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 435 و النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 389 و عن فتح الباري ج 8 ص 58 و عون المعبود ج 1 ص 364 و لسان العرب ج 11 ص 345 و تارج العروس ج 7 ص 380.

3) تقدم مصادر ذلك.

و نقول: 1-إن ظاهر عباراتهم أن الثلاث مئة كانوا جميعا من سراة المهاجرين و الأنصار. .

و لا ندري إن كان في المهاجرين و الأنصار هذا المقدار من السراة؟ ! و إن كان ذلك فيهم، فهل كانوا جميعا يستطيعون المشاركة في الحرب؟ !

2-لماذا تخيّر النبي «صلى اللّه عليه و آله» خصوص السراة ليرسلهم مع عمرو؟ ! . .

مع أننا لم نجده قد فعل مثل ذلك مع غيره في أية غزوة أخرى، لا قبل ذلك و لا بعده.

3-إن الذين عدوّهم من السراة، و الذين كانوا مع عمرو أيضا إنما كانوا باستثناء سعد بن عبادة من الذين يدورون في فلك غاصبي الخلافة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، أو من أقرب أعوانهم على هذا الأمر، أو من مؤيديهم فيه. .

أما سعد بن عبادة، فإن سعيه للاستئثار بهذا الأمر لنفسه. . يجعله في الجهة المناوئة لعلي «عليه السلام» ، فهم يقدرون له موقفه هذا، و إن كانوا يكرهونه لأجل أنه لم يسلم بالخلافة لأبي بكر، بل نافسه فيها، و نابذه، و لم يبايعه حتى اغتاله خالد بن الوليد بالشام. . ثم زعموا: أن الجن قتلته (1).


1) راجع: الغدير ج 7 ص 150 و ج 9 ص 379 و طرائف المقال للبروجوردي ج 2 ص 86 عن البلاذري في تاريخه، و حياة الإمام الحسين «عليه السلام» للقرشي ج 1 ص 238 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 321 و حاشية رد المحتار ج 1 ص 371 و معجم رجال الحديث ج 9 ص 76 و إكمال الكمال ج 3 ص 141 و تاريخ مدينة دمشق ج 20 ص 243 و تهذيب التهذيب ج 3 ص 412 و العبر و ديوان لمبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 64 و مجمع الزوائد ج 1 ص 206 و بغية الباحث ص 38 و المعجم الكبير ج 6 ص 16 و شرح النهج للمعتزلي ج 10 ص 111 و عن أسد الغابة ج 2 ص 284 و البحار ج 6 ص 298.

4-إن اللافت: أنهم حين ذكروا الذين كانوا مع أبي عبيدة قالوا: «بعث معه سراة المهاجرين، كأبي بكر، و عمر بن الخطاب، و عدة من الأنصار» كما تقدم. . فالسراة حسب تعبيرهم هذا هم في المهاجرين فقط. . مثل أبي بكر و عمر. . أما الأنصار فلا سراة فيهم، و لذلك جاء التعبير ليقول: «و عدة من الأنصار» ، فهل السبب في هذه المفارقة: أنه لم يكن في هؤلاء الأنصار من كان يظهر النصرة و التأييد و الحماس لهم، و لمشروعهم الرامي إلى غصب الخلافة من صاحبها الشرعي؟ !

لا ندري! ! و لعل الفطن الذكي يدري! !

علم عمرو بن العاص بالحرب:

و قد ذكروا: أن أبا بكر قال: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يستعمل عمروا إلا لعلمه بالحرب.

و نقول: 1-إننا لم نعرف عن عمرو علما يذكر له بالحرب سوى أنه كان إذا دهمه أمر لا يقدر على دفعه، اتقاه بعورته، كما صنع في صفين، فإنه خلّص نفسه من سيف علي «عليه السلام» بأن كشف عن عورته، فأعرض عنه

علي، فنجا عمرو بنفسه (1).

كما أنه لم يظهر منه في غزوة ذات السلاسل ما يدل على هذه المعرفة، و لا على الشجاعة التي تحتاجها الحروب، بل ظهر منه خلافها. و سنرى أنه لا صحة لما يدّعونه له من إنجازات فيها. و ليس له في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أثر آخر يستحق الذكر في حروبه في صفوف المسلمين. كما أنه لم يظهر له ما يشير إلى شيء من ذلك، حين كان يقاتل في صفوف المشركين. .

3-إذا كان علم عمرو بن العاص بالحرب هو السبب في تأمير النبي «صلى اللّه عليه و آله» له على السرية، فلما ذا لم يؤمر من هم أعرف منه بأمر الحرب، و أظهر شجاعة، و أكثر مراسا؟ !

و لا نريد أن نذكر: المقداد، و أبا دجانة و أمثالهما، بل نريد أن نخص بالذكر من يحبونهم. . و ينسبون لهم البطولات في المواقف المختلفة، مثل الزبير، و خالد، و محمد بن مسلمة و سواهم، ممن يزعمون: أن لهم سوابق مشهورة و مشهودة، و آثار محمودة في هذا السبيل. .

4-من أين علم أبو بكر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد ولى عمروا هذه السرية لعلمه بالحرب. . فلعله و لاه تألفا له؟ ! بل لعله و لاه ليفضح أمره فيما يدّعيه لنفسه من بطولات، أو من إخلاص يدّعي أنه قد بلغ فيه حدا يجعله على استعداد للتضحية بكل غال و نفيس في سبيل هذا الدين؟ !


1) الغدير ج 2 ص 161 و البحار ج 32 ص 512 و 585 و صفين للمنقري ص 407 و كتاب سليم بن قيس {بتحقيق المحمودي} ص 339 و شرح النهج للمعتزلي ج 8 ص 60 و الأخبار الطوال للدينوري ص 177 و المناقب للخوارزمي ص 236 و عن مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 360 و الصراط المستقيم ج 3 ص 52.

فجاءت هذه القضية لتفضحه، و لتكون بمثابة تحذير للناس من أن يخدعوا بكلامه، و يصدقوه فيما يحاول أن يدلسه عليهم.

ورطة تأمير عمرو على الشيخين:

قال الصالحي الشامي:

«ليس في تأمير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمروا على أبي بكر و عمر تفضيله عليهما، بل السبب في ذلك معرفته بالحرب، كما ذكر ذلك أبو بكر لعمر، كما في حديث بريدة، فإن عمروا كان أحد دهاة العرب، و كون العرب الذين أمره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يستعين بهم أخوال أبيه، كما ذكر في القصة، فهم أقرب إجابة إليه من غيره» .

و روى البيهقي، عن أبي معشر، عن بعض شيوخه: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «إني لأؤمر الرجل على القوم، و فيهم من هو خير منه؛ لأنه أيقظ عينا، و أبصر بالحرب» (1).

و عن أبي عثمان النهدي قال: سمعت عمرو بن العاص يقول: بعثني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على جيش ذي السلاسل، و في القوم أبو بكر، و عمر، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبي بكر و عمر إلا لمنزلة عنده.

قال: فأتيته حتى قعدت بين يديه، و قلت: يا رسول اللّه من أحب الناس؟

قال: «عائشة» .


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 172 و في هامشه عن دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 400 و راجع: كنز العمال ج 6 ص 78 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 24 و ج 46 ص 146.

قلت: إني لست أ سألك عن أهلك.

قال: «فأبوها» .

قلت: ثم من؟

قال: «عمر» .

قلت: ثم من؟ حتى عد رهطا.

قلت في نفسي: لا أعود أسأل عن هذا،

و في رواية الشيخين: فسكتّ مخافة أن يجعلني في آخرهم (1).

و نقول:

1-قد اتضح: أن المشكلة عند هؤلاء هو أن يتأمر عمرو بن العاص على أبي بكر و عمر، فلا بد من إيجاد مخرج من هذه الورطة، التي ربما تلقي بظلال غير مرغوب فيها على الهالة التي ينسجونها حول الشيخين، و ما لهما من مقام عند اللّه و رسوله، و ما لهما من ميزات و فضل في أنفسهما.

2-لقد أكد الحاجة إلى هذا المخرج ما يعرفونه في عمرو بن العاص -و هو من دهاة العرب-من قدرة على الاستفادة من هذا الأمر في خدمة طموحاته و رغباته. . و ربما يكون غضب عمر السريع، و بلا مبرر ظاهر، في قضية المنع من إيقاد النار حتى احتاج إلى تهدئة إبي بكر، -إن غضبه هذا-


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 171 و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 5 ص 6 و مسلم، كتاب الفضائل، و أحمد في المسند ج 4 ص 204 و السنن الكبرى ج 6 ص 170 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 44 ص 220 و ج 46 ص 247 و عن فتح الباري ج 7 ص 19 و تحفة الأحوذي ج 10 ص 260 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 314.

قد جاء قبل أن يظهر له المخرج المناسب من هذه الورطة، فلما أظهره أبو بكر له هدأ! !

و لو صحت قصة أبي عثمان النهدي {المحرفة} فإنها تكون شاهدا على هذا أيضا.

و قد جاء هذا المخرج على لسان أبي بكر تارة، ثم جاء منسوبا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» تارة أخرى. .

و ملخصه: أن الأمارة في السرايا لا تخضع لعنوان الفضل و المقام و الكرامة عند اللّه تعالى.

بل ليس ميزانها هو الشجاعة و الإقدام أيضا، و إنما ميزانها العلم و البصر بالحرب، و يقظة العين.

و لا مانع من التنازل عن هذه الأمور، مع الاحتفاظ بعناوين الأفضلية في سائر الجهات، التي يريدون تسويقها، لكي ترشّح أبا بكر و عمر لمقام الخلافة بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و لذلك هدأ عمر عند ما وجد لدى أبي بكر الرد الكافي، و الدواء الشافي. و هو قوله: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لم يول عمروا إلا لعلمه بالحرب. .

ثم نسب أبو معشر إلى بعض شيوخه أنه زعم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال: «إني لأؤمر الرجل على القوم، و فيهم من هو خير منه، لأنه أيقظ عينا، و أبصر بالحرب» .

ثم سعوا إلى تضعيف مقولة علم عمرو بالحرب، بمقولة أخرى، لا تعطيه أية مزية، سوى أن له أخوالا يحتاج الرسول «صلى اللّه عليه و آله» إلى

الاستعانة بهم.

و لذلك زعموا: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما ولى عمروا في تلك الغزوة لأنه أراد منه و أمره أن يستعين بالعرب الذين هم أخوال أبيه، و هم بنو بلي (1).

و نظن: أن موضوع الاستعانة بالأخوال قد اختلق في وقت متأخر، و لعله لأجل تعمية الأمور على الأجيال الآتية. . و ذلك لأن الناس الذين حضروا الواقعة لا يفيدهم هذا التوجيه؛ إذ لا أساس له من الصحة، فلا مجال للإعتذار به لهم. .

و أما حديث علم عمرو بالحرب، فيمكن معالجته بادعاءات أو بأساليب أخرى، بحسب ما يناسب كل فريق.

3-أما حديث أبي عثمان النهدي فهو يرويه عن ابن العاص نفسه، و قد صاغه ابن العاص وفق هواه السياسي، و قد ظهرت على هذا النص معالم التجني و الافتراء.

و لكننا لا نستطيع أن نقطع: بأن عمروا هو الذي كذب هذا الحديث، حيث إننا لا نملك الدليل القاطع على ذلك. .

بل نريد أن نقول: إننا نرجح أن يكون عمرو نفسه قد اصطنع هذا الحديث، و ذلك حين احتاج إلى التزلف للشيخين، من أجل أن يحصل منهما


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 172 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 27 و ج 46 ص 130 و عن أسد الغابة ج 4 ص 116 و النزاع و التخاصم للمقريزي ص 76 و عن البداية و النهاية ج 5 ص 328 و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 435 و ج 3 ص 516 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1040.

على بعض ما يطمح إليه من مناصب و ولايات. . و غنائم و إقطاعات.

4-إن حديث عمرو قد تضمن: أن أحب الناس إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» عائشة، فلما قال له: إني لست أسألك عن أهلك. . أخبره: أن أحب الناس إليه أبو بكر، ثم عمر.

و روي عن عائشة و ابن العاص: أنهما سألا رسول اللّه أي الناس أحب إليك؟

فقال: أبو بكر.

قالا: ثم من؟

قال: عمر.

فقال فتى من الأنصار: يا رسول اللّه، فما بال علي؟

فقال له النبي «صلى اللّه عليه و آله» : ما ظننت أن أحدا يسأل عن نفسه (1).

مع أن عائشة تروي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : أن أحب الناس إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فاطمة «عليها السلام» من النساء، و علي «عليه السلام» من الرجال (2). فأيهما نصدق؟ عائشة؟ أم عمرو بن العاص؟ !


1) شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني ج 2 ص 272 عن: السيوطي في كتاب اللآلي {ط 1} ج 1 ص 198 بطرق ثلاثة أو أربعة و روى بعضها أيضا تحت الرقم: {361} من باب فضائل علي «عليه السلام» من كنز العمال {ط 2} ج 15 ص 125.

2) راجع المصادر التالية: المسترشد للطبري ص 449 و 450 و شرح الأخبار ج 1 ص 140 و 429 و ج 3 ص 55 و مناقب آل أبي طالب ج 3 ص 111 و الفضائل ص 169 و الطرائف ص 157 و ذخائر العقبى ص 35 ص 62 و البحار ج 32 ص 272 و ج 37 ص 78 و ج 38 ص 313 و ج 43 ص 38 و 53 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 145 و 146 و 151 و 233 و خلاصة عبقات الأنوار ج 2 ص 302 و الغدير ج 10 ص 86 و مكاتيب الرسول ج 3 ص 672 و سنن الترمذي ج 5 ص 362 و المستدرك للحاكم ج 3 ص 157 و نظم درر السمطين ص 102 و خصائص أمير المؤمنين للنسائي ص 109 و تاريخ بغداد ج 11 ص 428 و المناقب للخوارزمي ص 79 و البحار ج 3 ص 157 و كنز العمال ج 13 ص 145 و تاريخ بغداد ج 11 ص 428 و تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 261 و 263 و 264 و تهذيب الكمال ج 5 ص 126 و سير أعلام النبلاء ج 2 ص 125 و 131 و الجوهرة في نسب الإمام علي و آله «عليهم السلام» للبري ص 17 و إعلام الورى ج 1 ص 295 و المناقب للخوارزمي ص 79 و كشف الغمة ج 1 ص 94 و ج 2 ص 90 و جواهر المطالب في مناقب الإمام علي «عليه السلام» ج 1 ص 53 و ينابيع المودة للقندوزي الحنفي ج 2 ص 39 و 55 و 151 و 320 و اللمعة البيضاء للتبريزي ص 179 و النصائح الكافية لمحمد بن عقيل ص 50.

و عن شريح بن هاني عن أبيه، عن عائشة قالت: ما خلق اللّه خلقا كان أحب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من علي بن أبي طالب (1).

و نبادر إلى القول: إننا لا بد أن نصدق عائشة، لأن إجابة النبي «صلى اللّه عليه و آله» لها قد فرضت عليها فرضا، و جاءت على خلاف هواها، لأنها في حق أناس تبغضهم، و قد ظهر هذا البغض في حروب طاحنة أثارتها ضدهم.

أما عمرو بن العاص فقد جاء كلامه منسجما مع أهوائه، و قد كان يرى: أن له مصلحة في تحريف الحقائق، و إنكار فضائل علي «عليه السلام» ؛


1) راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 42 ص 260 و عن كفاية الطالب ص 184 و قال: هذا حديث حسن رواه ابن جرير في مناقبه، و أخرجه ابن عساكر في ترجمته.

و كان يهمه أيضا منح الفضائل لأبي بكر و عمر، لأن في ذلك إيذاء لعلي و أهل بيته «عليهم السلام» ، الذين شن هو و معاوية الحروب الطاحنة عليهم، و لأن ذلك يجلب له المنافع و المناصب، و قد كان يملك مفاتيحها، أبو بكر و عمر، و محبوهما.

النبي صلّى اللّه عليه و آله يتألف الناس بعمرو، و يستنفر العرب:

و ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث عمرو بن العاص في ثلاث مئة يستنفر العرب للشام، و أمره أن يستعين بمن مر به من العرب من بليّ، و عذره، و بلقين. لأنه كان ذا رحم فيه لأن أم العاص كانت بلوية (1).

و نقول: أولا: إننا لم نجد ما يدل على أن البلويين، و عذرة، و بلقين قد أعانوا عمروا في مهمته تلك. و لم يزد عدد من معه في سريته سوى أولئك الذين التحقوا به ممن جاؤوا من المدينة مع أبي عبيدة.

ثانيا: إن الكثيرين بين المسلمين كانوا ذوي رحم في تلك القبائل التي كانوا يسيرون لحربها بين الفينة و الأخرى، أو كانوا يمرون عليها في مسيرهم إلى حروبهم. فلما ذا لم يكن يوليهم أمارة الجيوش ليستميل بهم تلك القبائل، و يستعين بها في حروبه تلك.

ثالثا: إن هذا النص يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما بعث عمروا ليستنفر العرب إلى الشام، و لم يبعثه ليحارب. . فهل تعدى أمر رسول اللّه


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 167 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 22.

«صلى اللّه عليه و آله» و حارب من دون أن يكون مأمورا بذلك؟ ! .

رابعا: لماذا لم يستجب لعمرو أحد من العرب؟ فبقي في الثلاث مئة الذين جهزهم معه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم أضيف إليهم مئتان جهزهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليه أيضا، بقيادة أبي عبيدة؟ ! .

خامسا: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل إلى مؤتة ثلاثة آلاف مقاتل، و إلى خيبر ألفا و خمس مئة مقاتل، و كان معه في الحديبية، نحو ذلك أيضا، و لم نسمع أنه أرسل يستنفر العرب لأي من هذه الوقائع، و ليس فيما بين أيدينا ما يشير إلى أن لدى قضاعة في بلاد الشام ما يخيف إلى هذا الحد. .

على أن الذين ذهبوا مع عمرو هم خمس مئة مقاتل فقط، و قد زعموا: أنه دوخ بهم البلاد، و جال في بلادهم حتى بلغ أقصاها. . و لم يحتج في سفره ذاك لأكثر من العدد الذي جهزه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . فلما ذا بعثه يستنفر العرب إلى الشام. إذا كان ذلك يكفيه، و لا يحتاج على أحد. .

اللواء. . و الراية:

قد ذكروا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» حين أرسل عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل «عقد له لواء أبيض، و جعل معه راية سوداء» (1).

و لا ندري لماذا كان ذلك؟ ! أي لما ذا أعطاه الإثنين معا؟

و لماذا اختلفت ألوانهما، هذا أبيض، و تلك سوداء؟ !


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 190 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 131 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 22 و عن عيون الأثر ج 2 ص 171 و 314 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 167.

فإن المفروض هو: أن تكون لمثل هذه الأفعال دلالاتها المفيدة لمعنى ظاهر، إذ ليس ذلك من الأمور التعبدية. . و لا هو من الرسوم أو العادات المتبعة في الحروب. .

و نحن لم نفهم لضم الراية السوداء إلى اللواء الأبيض أي معنى، لا بالنسبة للذين أرسلهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» . . و لا بالنسبة لقائدهم، و لا فيما يرتبط بالتأثير على العدو في ميادين الحرب، أو نحو ذلك.

غير أننا نظن أن ذلك من تفننات محبي عمرو بن العاص، بهدف الإيحاء بأن له خصوصية مّا، و لو بهذا المقدار الذي لا معنى له، و لا طائل تحته.

هذا كله. . على فرض أن يكون ثمة اختلاف بين اللواء و الراية، مع أنه قد تقدم في غزوة أحد و في غيرها: أنهما واحد، و إن حاول بعضهم أن يدّعي خلاف ذلك. .

سراة المهاجرين و الأنصار:

و يلفت نظرنا قولهم: «بعثه في ثلاث مئة من سراة المهاجرين و الأنصار» . ثم طلب منه عمرو المدد، «فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في ماءتين من سراة المهاجرين و الأنصار، و بينهم أبو بكر و عمر» (1).

و قد راجعنا كتب الحديث و السيرة و التاريخ، فلم نجدهم ذكروا أسماء أحد من الصحابة، تستطيع أن تبرر إطلاق وصف السراة-خصوصا بنظر


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 190 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 131 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 22 و عن عيون الأثر ج 2 ص 171 و 314 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 167.

هؤلاء-سوى اسم رجلين كانوا و ما زالوا يهتمون بهما، و يحاولون تعظيمهما، و هما أبو بكر، و عمر، الذين كانا مع أبي عبيدة، الذي أرسله النبي «صلى اللّه عليه و آله» مددا لعمرو، و لا نرى أن ذلك يبرر إطلاق هذا التعبير بهذه الطريقة التهويلية، إلا على قاعدة: «من أجل عين ألف عين تكرم» . كما أن التعبير ب «السراة» فيه تعظيم و تفخيم لعمرو و أبي عبيدة.

خصوصا مع علمنا: بأن مجموع عدد الصحابة قليل و ليس فيهم هذا العدد الضخم من السراة، فإن السرى هو العظيم في قومه.

و وجود خمس مئة سري إنما يتوقع في أمة تعد بعشرات الألوف، و قد قلنا: إن عدد المسلمين كان قليلا و ضئيلا جدا كما هو معلوم. .

الإختلاف على الصلاة؟ أم على الإمارة؟ !

1-إن من الواضح: أن صلاة الجماعة منوطة في مذهب أهل البيت «عليهم السلام» بثقة المأموم بعدالة الإمام، و ليست منوطة بالإمارة على الجند، و لا على غيرهم، و لا بأي منصب آخر. . فمن وثق به الناس جاز لهم أن يأتموا به في الجماعة. . و قد يأتمون اليوم بشخص، ثم يأتمون غدا بغيره. .

كما أن أغلب أهل السنة و الجماعة يجيزون إمامة الفاسق: استنادا إلى ما رووه عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» : صلوا خلف كل بر و فاجر (1).


1) راجع: سنن أبي داود كتاب الصلاة: الباب 63 و جامع الخلاف و الوفاق ص 84 و فتح العزيز للرافعي ج 4 ص 331 و المجموع للنووي ج 5 ص 268 و مغني المحتاج للشربيني ج 3 ص 75 و المبسوط السرخسي ج 1 ص 40 و تحفة الفقهاء للسمرقندي ج 1 ص 229 و بدائع الصنائع لأبي بكر الكاشاني ج 1 ص 156 و الجوهر النقي للمارديني ج 4 ص 19 و البحر الرائق لابن نجيم المصري ج 1 ص 610 و تلخيص الحبير ج 4 ص 331 و نيل الأوطار ج 1 ص 429 و شرح أصول الكافي ج 5 ص 254 و المسترشد للطبري و الإفصاح للشيخ المفيد ص 202 و المسائل العكبرية للشيخ المفيد ص 54 و الطرائف لابن طاووس ص 232 و عوالي اللآلي ج 1 ص 37 و السنن الكبرى للبيهقي ج 4 ص 19 و عمدة القاري للعيني ج 11 ص 48 و تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص 145 و سنن الدار قطني ج 2 ص 44 و تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق للذهبي ج 1 ص 256 و 257 و نصب الراية ج 2 ص 33 و 34 و الدراية في تخريج أحاديث الهداية ج 1 ص 168 و الجامع الصغير للسيوطي ج 2 ص 97 و كنز العمال ج 6 ص 54 و كشف الخفاء للعجلوني ج 2 ص 29 و 32 و شرح السير الكبير للسرخسي ج 1 ص 156.

فلا مكان للاختلاف و التنازع في هذا الأمر، فما معنى تنازع أبي عبيدة، و عمرو بن العاص فيه؟ كما لا مجال للاستدلال على الأحقية بإمامة الصلاة بأن هذا أمير، و ذاك ليس بأمير، كما أن هذا لا يدخل في باب التشاح إمامة الصلاة لأجل الحصول على الثواب، لأن اختلافهم إنما هو على الأحقية بها، حيث إن كلا منهما يدّعيها لنفسه دون الآخر، و لأجل هذا و ذاك نقول:

ألا يدل ذلك على انهم إنما يتنازعون على أمر يرون فيه مكسبا دنيويا؟ !

2-إننا حين نتأمل في النصوص التي نقلت لنا هذا الحدث نلاحظ: أن موضوع الإمامة في الصلاة كان هو الواجهة، و أن مصبّ الاختلاف كان أمرا آخر، سرعان ما ظهرت دلائله، و نشرت أعلامه، ألا و هو الإمارة على السرية نفسها، حيث فهم عمرو بن العاص: أن تصدي أبي عبيدة لإمامة

الصلاة ينطلق من خلفية سعيه إلى إمارة السرية، و قد وجد من بين أصحابه من يؤيده في ذلك، و لا يرضى بإمارة عمرو. .

3-و لعل من أبرز هؤلاء المؤيدين لأبي عبيدة أبو بكر و عمر، كما يظهر من تغيظ عمر، إلى حد أنه أراد أن يبادر إلى الاعتراض على ابن العاص، لكن نصيحة أبي بكر منعته من ذلك. . ربما لأنه وجد أن حجة عمرو ستكون أقوى، و أعظم أثرا في نفوس الناس، فآثر الخروج من حلبة الصراع بخسارة واحدة، بدلا من خسارتين.

4-ثم إن أبا عبيدة حين وجد أن الغلبة ستكون لعمرو آثر أن ينسحب من هذا المأزق بلباقة، و أن يعوض عن بعض خسارته بإظهار التسامح و التواضع و الانقياد لأوامر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، التي زعم أنه أصدرها له، بقوله: قدمت على صاحبك فتطاوعا.

ثم جاء محبوه و مؤيدوه، فصرحوا بما ألمح إليه، حين وصفوه بحسن الخلق، و لين العريكة، و اعتبروا أن هذا هو سبب تراجعه أمام حجة عمرو بن العاص.

المغيرة داعية فتنة و متزلف:

و لسنا بحاجة إلى تفصيل القول فيما ذكره المغيرة بن شعبة لأبي عبيدة عن أن فلانا من الناس قد اتبع أمير القوم. . و قول أبي عبيدة: «فأنا اطيع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و إن عصاه عمرو» .

غير أننا نكتفي بالإشارة إلى ما يلي:

1-إن حركة المغيرة هذه تظهر كيف أن المغيرة يغتنم الفرصة للعبث

بمشاعر الناس، و إثارة غرائزهم العدوانية تجاه بعضهم البعض، حتى لو كان هؤلاء الناس ممن يلتقي معهم في كثير من التوجهات و الانتماءات، فيحاول الإبقاء على حالة التنافر، و التنافس بين أبي عبيدة و عمرو بهذا التحريض الذي مارسه في موقفه هذا.

2-إن المغيرة لا يتورع عن إشراك أناس آخرين في حالة الصراع، و يسعى ليوغر صدر أبي عبيدة على {ابن فلان} ، لمجرد أنه قبل بمنطق عمرو في أمر تولي عمرو للصلاة.

3-إن حركة المغيرة هذه يمكن وضعها في سياق تزلف المغيرة لأبي عبيدة أيضا. . و ربما يكون سببها في ذلك هو شعور المغيرة بالضعف، و الحاجة إلى مساعدة أبي عبيدة في تحقيق مأرب يعجز المغيرة عن تحقيقه بنفسه. .

4-و الملاحظة الأخيرة لنا هنا: هي أن أبا عبيدة يصرح: بأنه يعتبر عمروا عاصيا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم يقدم نفسه هو على أنه مطيع لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» دونه. .

فهو يشير بذلك: إلى أن قضيته مع عمرو قد تجاوزت حدود الخطأ غير المقصود، أو الخطأ في الاجتهاد لتصل إلى مستوى التمرد على الآمر، و المعصية المتعمدة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و بذلك يظهر: أن ثمة اختلافا أساسيا في موضوع عدالة الصحابة بين أبي عبيدة و بين أكثر المسلمين من غير الشيعة، الذين يصرون على عدالتهم، و على ان ما يرتكبونه ما هو إلا خطأ في الاجتهاد، و لا يصل إلى حد المعصية للّه و لرسوله.

أخلاق أبي عبيدة:

و قد وصف الراوي أبا عبيدة: بأنه «كان رجلا لينا، حسن الخلق، سهلا، هينا عليه أمر الدنيا، يسعى لأمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و عهده» .

و نقول: 1-ليت أبا عبيدة كان كذلك في يوم السقيفة، حين سعى في تضييع أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و نقض تدبيره. . بل هو قد سعى في تكريس مخالفة أمر اللّه، و ساعد و شارك في نقض عهد اللّه تبارك و تعالى، و ذلك حين نكث بيعته لعلي «عليه السلام» في يوم الغدير، و خالف أمر اللّه و رسوله في التسليم لإمامته «عليه السلام» ، و البخوع لأمر اللّه تبارك و تعالى فيها. . و كان هو و عمر بن الخطاب من أقوى المساعدين على استئثار أبي بكر بهذا الأمر.

2-إن إمامة الجماعة ليست من أمور الدنيا، التي تهون على أبي عبيدة، بل هي عبادة لها ثوابها، و قيمتها المعنوية، التي لا يصح التفريط أو الاستهانة بها.

أما اعتبار قيادة السرية و إمارتها أمرا دنيويا. . فذلك أيضا غير مقبول، لأن هذه الإمارة أيضا أمر عبادي، من حيث أنه موقع جهادي متقدم و حساس، و ليس على المؤمن لو طلبه و سعى إليه من غضاضة. .

3-إن هؤلاء الذين يقدسون جميع الصحابة، و يعتقدون بعدالتهم، و إن كانوا قد مدحوا أحدهم، و دافعوا و دفعوا عنه، ما ربما ينسب إليه مما لا يليق به، و لكنهم قد سقطوا في فخ الطعن في نزاهة صحابي آخر حيث نسبوا إليه حب الدنيا و السعي إليها. . ألا و هو عمرو بن العاص نفسه.

و هذا يتنافى مع نظرتهم التنزيهية للصحابة. . إلا أن يدّعوا: أن حب

الدنيا لا ينافي العدالة التي يتحدثون عنها. .

غير أننا نقول: إن حب الدنيا و التنازع عليها منقصة في الإنسان، و المفروض بأهل الإيمان و المجاهدين أن ينزهوا أنفسهم عنها. و لا سيما و هم في مواقع الجهاد، و في ساحات التضحية.

صلاة الجماعة:

1-لما ذا يقع النزاع بين عمرو و أبي عبيدة على إمامة الجماعة؟ ! ما دام أن الأمر يرجع فيها إلى المأمومين أنفسهم، فالأمر في اختيار إمام الجماعة يعود إليهم، فهم يأتمون بمن شاؤوا. . إذ لا يجب أن يكون أمير السرية هو الإمام في الصلاة.

فاختلافهم في ذلك يدل على عدم وجود نص حاسم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على إمامة شخص بعينه في هذه السرية على أقل تقدير.

2-إن نفس أن يتصدى أبو عبيدة لإمامة الناس يدل على أن إمامة الأمير للناس في الصلاة لم تكن مستندة إلى أوامر من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنما هو اعتماد على مجرد تقليد متّبع، و عادة جرت. و هذا هو ما قصد إليه عمرو في اعتراضه على أبي عبيدة. .

و يؤكد هذا المعنى: أن أبا عبيدة لم يتصد لإمامة الماءتين الذين جاء بهم. . بل تصدى لإمامة جميع الحاضرين حتى الذين جاؤوا مع عمرو، و حتى عمرو نفسه. و هذا ما أثار حفيظته، و دعاه إلى الطلب من أبي عبيدة أن يتنحى، و يترك الأمر له.

3-إنه لأمر مثير للعجب أن يكون الذين أجابوا عمرو بن العاص على

حجته هم خصوص المهاجرين، كما صرحت به الرواية. .

بل هم خصوص المهاجرين الذين جاؤوا مع أبي عبيدة. . و نتوقع أن يكون على رأسهم عمر بن الخطاب، فإنه هو الذي يشهر سيف الاعتراض كثيرا، حيث يبدو لنا: أنه هو و ربما غيره من المهاجرين معه قد اعترضوا على إمامة عمرو لهم، خوفا من أن يؤسس ذلك لتفضيله و تقديمه عليهم في أمور أخرى. .

4-و لعل هذا الأمر يشير إلى أنه قد كان ثمة ضعف ظاهر في الأنصار، حيث لا يظهر منهم أي تحرك اعتراضي أو حتى استعراضي، كما نشهده لدى المهاجرين. . في العديد من المناسبات، و في هذه السرية أيضا.

المهاجرون يعترضون مرة أخرى:

و قد ذكرت النصوص المتقدمة: موقفا آخر للمهاجرين في هذا السياق، فحين منعهم عمرو، هم و غيرهم من إيقاد النار ليصطلوا عليها، كلمه في ذلك بعض المهاجرين فغالظه. . ثم طلبوا من أبي بكر أن يكلمه، ففعل فتوعد أن يقذف في النار من أوقدها.

و ذكروا أيضا: غضب عمر من هذا الإجراء. و أنه همّ أن يأتيه، فنهاه أبو بكر، و أخبره: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لم يستعمله إلا لعلمه بالحرب، فهدأ عنه.

و نقول:

1-لماذا علت أصوات المهاجرين فقط في هذه الحادثة أيضا؟ ! . .

فهل كان الأنصار يخافون من الاعتراض على القائد إذا كان مهاجريا؟ !

و لماذا يخافون؟ !

2-لماذا يصل الأمر إلى حد المغالظة و التهديد بإلقاء الناس في النار

التي يوقدونها؟ !

ألم يكن بالإمكان حسم الأمر بكلمة واحدة، و هي أن إيقاد النيران يدل العدو على وجودهم في المنطقة، و لهذا الأمر سلبيات كبيرة، أدناها ضياع الفرصة المتاحة، و منح العدو فرصا قد تكون خطيرة على هذه السرية؟ !

3-إن التأييد الذي روي عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في هذا الإجراء إنما رواه عمرو بن العاص نفسه، لتدعيم موقفه أمام منتقديه، فليلاحظ ذلك.

4-ما معنى أن يعاقب عمرو من يوقد نارا بأن يقذفه فيها؟ ! فهل وردت هذه العقوبة في آية أو رواية؟ أو سمعها من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ أو رآه فعلها؟ أو رخص أحدا فيها؟ !

و لماذا لم يعترض عليه أبو بكر: بأنه ليس من حقه أن يمارس عقوبة من هذا القبيل؟ !

و لا يمكن حمل كلام عمرو على المبالغة في الوعيد، إلا إذا قامت قرينة على أنه لم يكن قاصدا لظاهر كلامه. . و هي مفقودة هنا.

التناقض و الإختلاف:

إننا نراهم تارة يزعمون: أن الذين سار إليهم عمرو بسريته تلك هم قضاعة، و عاملة، و جذام، و لخم. . و أنهم جمع كثير، و أنهم كانوا مجتمعين ففضهم، و قتل منهم مقتلة عظيمة، و غنم.

و تارة يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسله إلى جمع من قضاعة، و لم يذكر غيرهم.

ثم يقولون: إنه وطأ بلاد العدو و دوخها كلها، حتى انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان به جمع، فلما سمعوا به تفرقوا. . ثم سار حتى بلغ أقصى بلادهم، فلقي هناك جمعا ليسوا بالكثير، فاقتتلوا ساعة، و حمل عليهم المسلمون فهزموهم و تفرقوا. .

ثم يذكرون: أنه أقام لا يسمع لهم بجمع و لا مكان صاروا فيه إلا قاتلهم. و كان يبعث أصحاب الخيل، فيأتون بالشاء و النعم، فكانوا ينحرون و يأكلون، و لم يكن اكثر من ذلك، و لم يكن في ذلك غنائم تقسم، كذا قال جماعة.

و يقولون في مقابل ذلك: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخبره أن اللّه سوف يغنمه في مسيره ذاك. .

فترى كيف أن التناقضات ظاهرة بين هذه النصوص بحيث لا مجال للملاءمة فيما بينها كما هو ظاهر.

غنائم عمرو المكذوبة:

و قد زعمت الروايات عن عمرو بن العاص نفسه: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعاه، و أمره أن يأخذ ثيابه و سلاحه، و قال: يا عمرو، إني أريد أن أبعثك على جيش، فيغنمك اللّه، و يسلمك.

فقلت: إني لم أسلم رغبة في المال.

قال: نعم المال الصالح للرجل الصالح (1).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 191 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 2 و عن فتح الباري ج 8 ص 60 و الأدب المفرد للبخاري ص 72 و كنز العمال ج 11 ص 729 و تاريخ مدينة دمشق ج 46 ص 143.

و نقول:

إن هذا الكلام غير صحيح، إذ لو كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك، لكان قد تحقق، و لكان عمرو قد أتى بغنائم تحقق ما وعده به النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، مع أنهم يقولون: إنه قد رجع خالي الوفاض من أي شيء من ذلك، رغم أنهم يزعمون: أنه سار حتى انتهى إلى أقصى بلادهم، و دوّخ عمرو ما هنالك. و أنه أقام أياما لا يسمع لهم بجمع و لا مكان صاروا فيه إلا قاتلهم.

«و كان يبعث أصحاب الخيل، فيأتون بالشاء و النعم، فكانوا ينحرون و يأكلون و لم يكن أكثر من ذلك. لم يكن في ذلك غنائم تقسّم. كذا قال جماعة» (1).

فأين كانوا يخبئون شاءهم و نعمهم يا ترى؟ ! أم أنهم كانوا يأخذونها معهم أينما ذهبوا، و حيثما توجهوا؟ !

أليس قد وطأ عمرو بلادهم بعساكره؟ و دوّخ تلك البلاد؟

و لماذا فشل في العثور عليها رغم إقامته أياما لا يسمع بجمع لهم إلا قصده؟ !

و لماذا يأتي-كما يزعمون-ابن أبي حدرد و في غزوة الغابة، و رجلان معه بإبل عظيمة، و غنم كثيرة، و يأتي أبو قتادة في خمسة عشر رجلا فقط،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 168 و المغازي للواقدي ج 2 ص 670 و 771 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 23 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 312 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 517.

بألفي شاة، و مئتي بعير، حتى يحصل كل فرد بعد إخراج الخمس من تلك السرية على ثلاثة عشر بعيرا. ثم لا يصيب عمرو بن العاص في تلك البلاد كلها إلا بعض ما استفاده في طعامهم، و لم يكن أكثر من ذلك.

إن هذا الأمر عجيب جدا، و أي عجيب! !

و هل يعقل أن لا يصدق ما أخبره به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من أن اللّه يغنمه و يسلمه، ؟ ! و هو الذي صرح القرآن بأنه: وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ، إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ (1).

ألا يحق لنا بعد هذا كله، أن نشك في كثير مما ينسبه ابن العاص لنفسه، أو ينسبه له الناس؟ !

و لماذا لا يكون عمرو بن العاص قد أراد أن يضع لنفسه أمجادا، مكذوبة؟ حتى لو أدى ذلك إلى التشكيك بالنبوة و العياذ باللّه؟ !

و إذا كان هو الذي وضع هذه الأمور لصالح نفسه، فالسؤال هو: كيف يكذب و هو صحابي؟ ! أليس الصحابة عدو لا كما يزعم هؤلاء؟ !

لا تأمّرن على اثنين:

و قالوا أيضا:

روى ابن إسحاق، و محمد بن عمر، عن رافع ما ملخصه قال: «كنت امرءا نصرانيا و سميت سرجس، فلما أسلمت خرجت في تلك الغزوة التي بعث فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل» .


1) الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.

قال: «فقلت: و اللّه، لأختارن لنفسي صاحبا» .

قال: «فصحبت أبا بكر فكنت معه في رحله، و كان ذا عباءة، فدكية، فكان إذا أنزلنا بسطها، و إذا ركبنا لبسها، ثم شكها عليه بخلال له.

و ذلك الذي يقول أهل نجد، حين ارتدوا كفارا: نحن نبايع ذا العباءة؟ !

قال: «فلما دنونا من المدينة قافلين، قلت: يا أبا بكر رحمك اللّه، إنما صحبتك لينفعني اللّه تعالى بك، فانصحني و علمني» .

قال: «لو لم تسألني ذلك لفعلت. آمرك أن توحد اللّه تعالى، و لا تشرك به شيئا، و أن تقيم الصلاة، و أن تؤتي الزكاة، و تصوم رمضان، و تحج البيت، و تغتسل من الجنابة، و لا تتأمرن على رجلين من المسلمين أبدا» .

إلى أن قال: ففارقته على ذلك، فلما قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و استخلف أبو بكر على الناس قدمت عليه فقلت له: يا أبا بكر، ألم تك نهيتني عن أن أتأمر على رجلين من المسلمين؟

قال: «بلى، و أنا الآن أنهاك عن ذلك» .

فقلت له: «فما حملك على أن تلي أمر الناس» ؟

قال: «اختلف الناس، و خشيت عليهم الهلاك» .

و في رواية: «الفرقة، و دعوا إلي، فلم أجد بدا من ذلك» (1).

و نقول:

إن لنا مع هذه القضية وقفات، هي التالية:


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 169 و 170 و المغازي للواقدي ج 2 ص 772 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1041.

نبايع ذا العباءة؟ !

قد نقل ذلك الرجل عن أهل نجد أنهم حين رفضوا بيعة أبي بكر، قالوا: نبايع ذا العباءة؟ !

و نقول:

إنه و إن كان يحتمل أن تكون كلمة «ذا العباءة» قد جاءت للإشارة إلى صاحبها، و لكن من المحتمل جدا أيضا أن يكون هذا التعبير قد جاء على سبيل الاستصغار لشأن أبي بكر، و إظهار الاستنكاف عن إعطاء البيعة له. .

و قد ظهر رفض البيعة لأبي بكر لدى قبائل كثيرة، و لكن أبا بكر أصرّ على بسط نفوذه على تلك القبائل، فكان يطالبهم بدفع الزكاة له. . فمن أبى منهم اتهمه بالكفر و الارتداد، و شن الحرب عليه، و قتل الرجال، و سبي النساء و الأطفال، و استولى على الأموال.

و لذلك يلاحظ: أنهم يطلقون على حروبهم لما نعي الزكاة عن أبي بكر، اسم «حروب الردة» ، تعمية بذلك على الناس، و سعيا في إبطال الحقائق. .

مع أن الحقيقة هي: أن هؤلاء لم يرضوا بمخالفة أمر اللّه، و رد توجيهات رسوله في موضوع الإمامة. . خصوصا بعد يوم الغدير و بيعة عشرات الألوف من الناس لعلي «عليه السلام» .

و الظاهر: أن هؤلاء الذين ذكرهم رفيق أبي بكر، كانوا من هؤلاء الذين أوقع بهم أبو بكر. . و لم يكونوا مرتدين على الحقيقة، بل هم رفضوا الاعتراف بشرعية خلافته، و الرواية المتقدمة تدل على ذلك تلميحا، فرغم نعتهم بالإرتداد إلا أنّ ما نسبه إليهم من قول لا يعدو كونه إعلانا برفض بيعة أبي بكر، و قد امتنعوا عن إعطاء الزكاة له تعبيرا عن هذا الرفض،

فجعل ذلك أبو بكر ذريعة لاتهامهم بالارتداد، و سببا للإيقاع بهم، و قتلهم. . و قصة مالك بن نويرة معروفة و مشهورة. .

أما الذين ارتدوا بالفعل، أو أعلنوا مناقضة هذا الذين. . فهم مسيلمة الكذاب، و الأسود العنسي، و طليحة بن خويلد. . و هم إنما أعلنوا ذلك، أو ارتدوا في عهد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما يعلم بالمراجعة. .

أبو بكر مجبر على الخلافة:

و لسنا بحاجة إلى التعليق على ما زعمه أبو بكر مبررا لقبوله للخلافة، غير أننا نقول:

1-إن الذي أو جد الخلاف بين الناس، و كان هو الركن الرئيس فيه هو أبو بكر نفسه، و معه صاحبه عمر بن الخطاب.

و قد بادر هو إلى ابتزاز هذا الأمر من صاحبه الشرعي، حتى قبل أن يدفن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و هو الذي وراء حادث الهجوم على بيت فاطمة الزهراء «عليها السلام» ، و محاولة إحراقه بالنار، ثم ضربها في ذلك الهجوم، و أسقاط جنينها، إلى غير ذلك مما جرى عليها يعلمه القاصي و الداني. .

2-أما اجتماع الأنصار في السقيفة، فلم يكن يشكل أية خطورة على وحدة المسلمين، بل كان أمرهم أهون مما نتصور. .

و الدليل على ذلك: أن بضعة أشخاص قد لا يبلغ عددهم عدد أصابع اليد الواحدة، قد سلبوا الأنصار المجتمعين في سقيفتهم، و بحضور أكثريتهم، ما كان سعد بن عبادة يطمح له، و أراد أن يسبقهم بعد أن علم بتصميمهم على سلب هذا الأمر من صاحبه الشرعي، و هو علي «عليه السلام» .

و الأشخاص الذين نتحدث عنهم، و الذين سلبوهم هذا الأمر هم أبو بكر، و عمر، و أبو عبيدة. . و عاونهم من الأنصار بشير بن سعد، و أسيد بن حضير. .

و هؤلاء هم الفريق الذي كان الناس يعرفون أنهم مصممون على إبعاد علي «عليه السلام» عن حقه في هذا الأمر بكل ثمن. .

3-إن أبا بكر هو الذي بادر مع عمر و أبي عبيدة لا قتناص الخلافة من الأنصار، و لم يطلب منه أحد منهم التدخل لحسم خلافهم فيه. . بل لم يكن قد ظهر بينهم فيه خلاف.

فما معنى قوله: إنه أراد حسم الخلاف في هذا الأمر، و أنهم دعوا إليه، فلم يجد بدا من ذلك؟ !

4-إذا كان الاختلاف حول هذا الأمر قد بلغ حدا يخشى أبو بكر معه على الناس الهلاك، فهل يعقل أن لا يكون هناك بيان من اللّه و رسوله حول هذا الأمر؟ !

ألم يأمرهم اللّه سبحانه بالرجوع في الأمور التي يختلفون فيها إلى اللّه و رسوله، فقال: وَ مَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اَللّٰهِ ذٰلِكُمُ اَللّٰهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنِيبُ (1).

و من الواضح: أن أعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان. .


1) الآية 10 من سورة الشورى.

كما يقوله الشهرستاني (1).

و هل نسي الناس ما جرى في يوم الغدير، الذي حصل قبل استشهاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بسبعين يوما؟ ! و كذلك سائر مواقف رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الكثيرة، و أقواله الغزيرة حول إمامة علي أمير المؤمنين «عليه السلام» ؟ ! .

الأجرة على قسمة الجزور:

عن عوف بن مالك الأشجعي قال: «كنت في الغزاة التي بعث فيها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عمرو بن العاص، و هي غزوة ذات السلاسل، فصحبت أبا بكر و عمر، فمررت بقوم و هم على جزور قد نحروها، و هم لا يقدرون على أن يبعضوها. و كنت امرءا (لبقا)جازرا، فقلت لهم: أتعطوني منها عشيرا على أن أقسمها بينكم؟

قالوا: نعم.

فأخذت الشفرة، فجزأتها مكاني، و أخذت جزءا، فحملته إلى أصحابي، فاطّبخناه و أكلناه.

فلما فرغوا قال لي أبو بكر و عمر: أنى لك هذا اللحم يا عوف؟

فأخبرتهما.

فقالا: و اللّه، ما أحسنت حين أطعمتنا هذا. ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما منه.


1) الملل و النحل للشهرستاني ج 1 ص 24 و راجع: المهذب لابن البراج ج 1 ص 13 و دلائل الإمامة للطبري ص 16 و عن المراجعات ص 51.

فلما قفل الناس (من ذلك السفر). كنت أول قادم على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فجئته و هو يصلي في بيته، فقلت: السلام عليك يا رسول اللّه و رحمة اللّه و بركاته.

فقال: «أعوف بن مالك» ؟

فقلت: نعم، بأبي أنت و أمي.

فقال: «أصاحب الجزور» ؟ و لم يزدني على ذلك شيئا (1).

و نقول:

لا ندري ماذا نقول حول هذا التقيؤ لما أكلاه، و كأنهما يريدان إظهار الورع عن أن يرضيا بأن يستقر طعام فيه شبهة في بطونهما، مع أنه لا مجال لادعاء الشبهة في ذلك اللحم، فهو جعالة تراضى عليها الطرفان، و قد أخذ عوف حقه الذي جعل له. .

ثم إننا لا ندري لما ذا يسألاه عن شأن ذلك اللحم قبل طبخه، أو قبل أو حتى أثناء أكله؟ !

بل أخرا السؤال إلى أن أكلا و شبعا. .

و لا ندري كذلك كيف يقفان عند شبهة لا حقيقة لها هنا، ثم يقدمان على اغتصاب إرث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من ابنته فاطمة «عليها


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 171 و قال في هامشه: أخرجه البيهقي في الدلائل ج 4 ص 402 عن طريق ابن إسحاق، و ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ج 1 ص 50. و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 773 و السيرة الحلبية ج 3 ص 191 و كنز العمال ج 3 ص 923 و 924 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 313 و 314 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1042 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 520.

السلام» ، و على اغتصاب فدك منها أيضا.

يضاف إلى ذلك: أنهما كانا يرتزقان من بيت المال، الذي كان يحوي أموال مانعي الزكاة الذين قتلوهم، و غنموا أموالهم مثل مالك بن نويرة و أضرابه؟ !

ألا يرون في ذلك كله أية شبهة توجب تقيؤ ما يأكلانه من هذا و ذاك؟ ! و لو بمقدار الشبهة في اللحم الذي كان لعوف بن مالك أجرة له على عمل قام به؟ !

هذا كله، عدا عن الشبهة في اغتصاب خلافة علي، و في ضرب الزهراء «عليهما السلام» ، و في إسقاط جنينها، و غير ذلك من أمور!

جنابة، و صلاة:

و ذكروا: أن جنابة أصابت عمروا في طريق العودة، فتيمم و صلى بأصحابه (1)، و قد حاول بعضهم أن يثير الإشكال في صحة الجماعة إذا كانت صلاة الإمام بالتيمم.

و لكن الصحيح هو: أنه يجوز للمتوضي أن يأتم بالجنب المتيمم فلا إشكال!


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 773 و 774 و السيرة الحلبية ج 3 ص 191 و سنن الدار قطني ج 1 ص 178 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 117 و السنن الكبرى للبيهقي ج 1 ص 225 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 170 و في هامشه عن بعض من تقدم و عن مسند أحمد ج 4 ص 203 و عن أبي داود ج 1 ص 334 و 492 و تذكرة الفقهاء {ط ج} ج 2 ص 157 و الحدائق الناضرة ج 4 ص 325 و عوالي اللآلي ج 2 ص 209 و إيضاح الفوائد ج 1 ص 66.

رواياتهم مزيفة:

قد ظهر مما تقدم: أن رواياتهم لما جرى في سرية ذات السلاسل مليئة بالأكاذيب، حافلة بالادعاءات الباطلة، التي تكذبها الوقائع، و يدحضها المنطق السليم، و الاعتبار العقلائي القويم. .

غير أن بعض ما ذكروه ليس مكذوبا من أساسه، بل هو صحيح في حد ذاته، و لكنه حرّف و زيّف بصورة كبيرة.

الصورة الأوضح و الأصرح:

و لكن ما لم يكن يدور في خلدنا هو أن يسقط هؤلاء الناس عمدة و أهم أحداث هذه السرية. و هو ذلك الجانب الذي يظهر أن ثمة أحداثا فريدة و متميزة من شأنها أن تسوق الفكر إلى استقدام صور لأحداث مشابهة، على سبيل تداعي المعاني، ليتكون-من ثم-انطباع في غاية السلبية عن شخصيات كان لها أثر عظيم، و لا يزال في تصورات و في اعتقادات طائفة كبيرة من المسلمين، مع مزيد من الاحترام و التقديس منقطع النظير. .

إن الصورة الحقيقية لما حدث تبين أن ما جرى في خيبر، و في فدك، و في قريظة، قد تكرر في سرية ذات السلاسل أيضا، حيث أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» جيشه إلى ذات السلاسل، و على رأسه قيادات لم تستطع أن تحقق نصرا، فعادت تجر أذيال الخيبة، حتى أرسل عليا «عليه السلام» ، ففتح اللّه على يديه، و عاد بالخبر الأكيد، و النصر الفريد، و الخبر السعيد. . فظهر بذلك فضله على من سواه. و اللّه متم نوره، و لو كره المشركون، و الكافرون،

و الحاقدون، و الشانئون. .

و نحن نذكر النصوص التي ذكرت ذلك، ثم نشير إلى بعض ما يرتبط بها، و ذلك فيما يأتي من مطالب.

الفصل السادس: الصورة الحقيقية لغزوة ذات السلاسل

اشارة

تتمات أغفلوها عمدا:

قلنا في الفصل السابق: إن الحديث عن سرية ذات السلاسل. قد جاء مبتورا و محرفا، بصورة عجيبة و غريبة. . و قد ظهرت بعض سمات تحريفه فيما سبق، و سيأتي إن شاء اللّه المزيد عن ذلك في الشروح، و الملاحظات، و الإلفاتات الآتية. .

و أما بالنسبة لكونه جاء مبتورا، فتوضحه نصوص أخرى قد جرى إغماض النظر عنها عمدا، لأنها ليس فقط لا تنسجم مع الهوى السياسي و المذهبي لأولئك الذين تصدوا لتدوين التاريخ. .

بل هي تفسد عليهم خطتهم التي ترمي إلى سوق الأمور باتجاه معين، يخدم أهدافا رسمت، و أهواء اتبعت و سياسات وضعت. .

و بما أن النصوص المشار إليها قد جاءت مطولة و مفصلة، فلا محيص عن اختصار و تلخيص بعضها. و إيراد بعضها الآخر كما هو. .

و هذا ما سوف نقوم به أولا. . ثم نلحق ذلك ببيانات و توضيحات نرى أنها ضرورية و مفيدة، فنقول:

نصوص أوجزناها:

و النصوص التي أوجزناها هي التالية:

1-ورد في بعض الروايات عن الإمام الصادق «عليه السلام» : أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» وجّه عمر بن الخطاب في سرية فرجع منهزما، يجبّن أصحابه و يجبنونه، فأرسل عليا «عليه السلام» و أمره أن لا يفارقه العين، فأغار عليهم، فنزلت: وَ اَلْعٰادِيٰاتِ ضَبْحاً. . إلى آخر السورة (1).

2-و روي أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» لما بعث سرية ذات السلاسل، عقد الراية و سار بها أبو بكر، حتى إذا صار بها بقرب المشركين اتصل خبرهم فتحرزوا و لم يصل المسلمون إليهم، فأخذ الراية عمر و خرج مع السرية، فاتصل بهم خبرهم، فتحرزوا، و لم يصل المسلمون إليهم.

فأخذ الراية عمرو بن العاص، فخرج في السرية فانهزموا.

فأخذ الراية لعلي، و ضم إليه أبا بكر، و عمر، و عمرو بن العاص، و من كان معه في تلك السرية.

و كان المشركون قد أقاموا رقباء على جبالهم، ينظرون إلى كل عسكر يخرج إليهم من المدينة على الجادة، فيأخذون حذرهم و استعدادهم.

فلما خرج علي «عليه السلام» ترك الجادة، و أخذ بالسرية في الأودية بين الجبال.


1) أمالي ابن الشيخ ص 259 و 260 و البحار ج 21 ص 75 و 76 عنه، و البرهان ج 4 ص 498 و 499 و نور الثقلين ج 5 ص 652 و أمالي الطوسي ص 407 و التفسير الصافي ج 5 ص 361.

فلما رأى عمرو بن العاص و قد فعل علي ذلك، علم أنه سيظفر بهم، فحسده فقال لأبي بكر، و عمر، و وجوه السرية: إن عليا رجل غر لا خبرة له بهذه المسالك، و نحن أعرف بها منه، و هذا الطريق الذي توجه فيه كثير السباع، و سيلقى الناس من معرتها أشد ما يحاذرونه من العدو، فاسألوه أن يرجع عنه إلى الجادة.

فعرّفوا أمير المؤمنين «عليه السلام» ذلك، قال: من كان طائعا للّه و لرسوله منكم فليتبعني، و من أراد الخلاف على اللّه و رسوله فلينصرف عني.

و في نص آخر: فقال لهم أمير المؤمنين «عليه السلام» : الزموا رحالكم، و كفوا عما لا يعنيكم، و اسمعوا و أطيعوا فإني أعلم بما أصنع (1).

فسكتوا، و ساروا معه، فكان يسير بهم بين الجبال في الليل، و يكمن في الأودية بالنهار، و صارت السباع التي فيها كالسنانير، إلى أن كبس المشركين و هم غارون آمنون وقت الصبح، فظفر بالرجال، و الذراري، و الأموال، فحاز ذلك كله، و شد الرجال في الحبال كالسلاسل، فلذلك سميت غزاة ذات السلاسل.

فلما كانت الصبيحة التي أغار فيها أمير المؤمنين «عليه السلام» على العدو-و من المدينة إلى هناك خمس مراحل-خرج النبي «صلى اللّه عليه و آله» فصلى بالناس الفجر، و قرأ: «و العاديات» في الركعة الأولى، و قال: «هذه سورة أنزلها اللّه عليّ في هذا الوقت، يخبرني فيها بإغارة علي على العدو،


1) راجع هذه الفقرة: البحار ج 21 ص 74 و تفسير القمي ج 2 ص 439 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 657.

و جعل حسده لعلي حسدا له، فقال: إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (1). و الكنود: الحسود (2).

3-و ذكر نص آخر: أن أعرابيا أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» باجتماع قوم من العرب في وادي الرمل ليبيتوه في المدينة. . فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» المسلمين. .

فانتدب إليهم جماعة من أهل الصفة، فأقرع بينهم، فخرجت القرعة على ثمانين رجلا، فاستدعى أبا بكر، فقال له: خذ اللواء، و امض إلى بني سليم، فإنهم قريب من الحرة. .

فمضى إليهم. و هم ببطن الوادي، و المنحدر إليهم صعب. فخرجوا إليه-حين أرادوا الإنحدار-فهزموه، و قتلوا من المسلمين جمعا كثيرا.

فعقد «صلى اللّه عليه و آله» لعمر بن الخطاب و بعثه إليهم. . فهزموه أيضا.

فأرسل إليهم عمرو بن العاص بطلب من عمرو نفسه، فخرجوا إليه، فهزموه، و قتلوا جماعة من أصحابه. .

فدعا عليا «عليه السلام» ، فعقد له، ثم قال: «أرسلته كرارا غير فرار» .

و شيعه إلى مسجد الأحزاب، و أنفذ معه أبا بكر، و عمر، و عمرو بن العاص.

فسار بهم «عليه السلام» نحو العراق متنكبا للطريق، حتى ظنوا أنه


1) الآية 6 من سورة العاديات.

2) البحار ج 21 ص 76 و 77 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 167 و 168 و راجع: إثبات الهداة ج 2 ص 118.

يريد بهم غير ذلك الوجه، ثم انحدر بهم على محجة غامضة، حتى استقبل الوادي من فمه. .

و كان يسير بالليل، و يكمن بالنهار.

فلما قرب من الوادي أمرهم أن يعكموا الخيل. .

فعرف عمرو بن العاص أنه الفتح.

ثم ذكرت الرواية نحو ما تقدم في الرواية السابقة.

ثم قالت: قالوا: و قتل منهم مئة و عشرين رجلا. و كان رئيس القوم الحارث بن بشر، و سبى منهم مئة و عشرين.

فلما رجع و استقبله النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون. .

قال له: «لولا أني أشفق أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم مقالا لا تمر بملأ من الناس إلا و أخذوا التراب من تحت قدميك» (1).

4-و جاء في نص آخر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخبر الناس بما أنذر به الإعرابي، و قال لهم: «فمن للوادي» ؟

فقام رجل من المهاجرين، فقال: أنا له يا رسول اللّه، فناوله اللواء، و ضم إليه سبع مائة رجل، فسار إليهم، فسألوه عن شأنه، فأخبرهم، فقالوا: «ارجع إلى صاحبك، فإنّا في جمع لا تقوم له» ، فرجع.


1) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 164 و 165 و البحار ج 21 ص 77-79 و راجع ص 83 و 84 و تفسير فرات، و البرهان {تفسير} ج 4 ص 498 و المستجاد من الإرشاد ص 103 و كشف الغمة ج 1 ص 203 و 231.

فأرسل مهاجريا آخر، فمضى ثم عاد بمثل ما عاد به صاحبه.

فأرسل عليا «عليه السلام» فمضى إلى وادي الرمل، فوافى القوم بسحر فأقام حتى أصبح، ثم عرض على القوم أن يسلموا أو يضربهم بالسيف، فطلبوا منه أن يرجع كما رجع صاحباه، فأبى، و أخبرهم أنه علي، فاضطربوا لما عرفوه ثم اجترأوا على مواقعته، فقتل منهم ستة أو سبعة، و انهزموا، و ظفر المسلمون بالغنائم، و رجعوا.

فاستقبله المسلمون و النبي، فلما بصر بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ترجل عن فرسه، و أهوى إلى قدميه يقبلهما.

فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : «اركب، فإن اللّه تعالى و رسوله عنك راضيان» .

فبكى علي «عليه السلام» فرحا، و نزلت سورة العاديات في هذه المناسبة (1).

5-و في حديث ابن عباس: أنه «صلى اللّه عليه و آله» دعا أبا بكر إلى غزوة ذات السلاسل، فأعطاه الراية فردها. .

ثم دعا عمر، فأعطاه الراية فردها.

ثم دعا خالد بن الوليد فأعطاه الراية، فرجع.


1) راجع: الإرشاد للمفيد ج 1 ص 114-117 و البحار ج 21 ص 80-82 عنه و ج 36 ص 178 و 179 و ج 41 ص 92 و 93 و عن إعلام الورى ص 116 و 117 و مناقب آل أبي طالب ص 328-330 و المستجاد من الإرشاد ص 100- 103 و شجرة طوبى ج 2 ص 295 و 296 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 574-576 و عن كشف الغمة ج 1 ص 230-232 و كشف اليقين ص 151 و 152 و تأويل الآيات ج 2 ص 840 و 841.

فأعطاها عليا «عليه السلام» فانطلق بالعسكر، فنزل في أسفل جبل كان بينه و بين القوم، و قال: اركبوا {لعل الصحيح: اكعموا} دوابكم.

فشكا خالد لأبي بكر و عمر: أنه أنزلهم في واد كثير الحيات، كثير الهام، كثير السباع، فإما يأكلهم مع دوابهم سبع، أو تعقرهم و دوابهم حيات، أو يعلم بهم العدو فيقتلهم. .

فراجعوا عليا «عليه السلام» بالأمر، فلم يقبل منهم.

ثم راجعوه مرة أخرى فلم يقبل.

فلما كان السحر أمرهم فطلعوا الجبل، و انحدروا على القوم، فأشرف عليهم، و قال لأصحابه: انزعوا عكمة دوابكم، فشمّت الخيل ريح الإناث، فصهلت، فسمع القوم صهيل الخيل فهربوا.

فقتل مقاتليهم، و سبى ذرايهم. فنزلت سورة «و العاديات» على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم جاءته البشارة (1).

إختلافات لها حل:
اشارة

و قد ظهرت في النصوص المتقدمة بعض الاختلافات التي تحتاج إلى معالجة معقولة و مقبولة.

و هذه المعالجة ليست بعيدة المنال في هذا المورد الذي نحن بصدد الحديث عنه.

و نحن نذكر نماذج منها، ثم نعقب ذلك بما نراه معالجة مناسبة، فنقول:


1) البحار ج 21 ص 82 و 83 و ج 41 ص 92 و 93 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 328 و 329 و شجرة طوبى ج 2 ص 295 و تفسير فرات ص 591.

1-ما هو المقصد؟ !

و هل بعث النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذه السرية إلى قضاعة، و إلى عاملة، و لخم، و جذام، و كانوا مجتمعين (1).

أو إلى قضاعة فقط كما في الروايات الأخرى، بعد أن بلغه أنهم أرادوا أن يدنوا إلى أطراف المدينة (2). أو بعثها إلى بني سليم (3).

بل في بعض الروايات: أنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث عمرو بن العاص، يستنفر العرب إلى الشام (4).

2-المقتولون من الأعداء:

و قد ذكرت بعض نصوص هذه الغزوة: أن المقتولين من الأعداء حين هاجمهم علي «عليه السلام» هم مئة و عشرون رجلا، و سبي منهم مئة


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 168 عن البلاذري.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 167 و المغازي للواقدي ج 2 ص 770 و عن عيون الأثر ج 2 ص 171 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 131. .

3) البحار ج 21 ص 77 و 83 و ج 36 ص 178 و تفسير فرات ص 592 و كشف اليقين ص 151 و تأويل الآيات ج 2 ص 840 و 841.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 167 و المغازي للواقدي ج 2 ص 770 و تاريخ مدينة دمشق ج 2 ص 23 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 312 و ج 5 ص 238 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1040 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 208 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 516 و ج 4 ص 435.

و عشرون ناهدا (1).

و في نص آخر: قتل منهم ستة أو سبعة، ثم انهزموا (2).

3-المحرض على الاعتراض:

و ثمة من يصرح: بأن عمرو بن العاص هو الذي حرك أبا بكر و عمر ليعترضا على علي «عليه السلام» ، لأنه سار بهم في طريق و عرة، أو نزل بهم في موضع صعب (3).

ثم نجد ما يدل: على أن المحرض على الاعتراض هو خالد بن الوليد، لا عمرو بن العاص (4).

4-محور الاعتراض:

و هل اعترض أبو بكر، و عمر، و عمرو بن العاص على المنزل الذي أنزلهم علي «عليه السلام» فيه (5).


1) تفسير فرات ص 593 و البحار ج 21 ص 84 عنه.

2) البحار ج 21 ص 81 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 116 و إعلام الورى ص 116 و 117 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 576.

3) البحار ج 21 ص 77 و 78 و ج 36 ص 179 و ج 41 ص 92 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 167 و الإرشاد ج 1 ص 164 و تأويل الآيات ج 2 ص 842 و كشف اليقين ص 151 و 152.

4) البحار ج 21 ص 82 و ج 41 ص 92 و تفسير فرات ص 591.

5) البحار ج 21 ص 82 و ج 36 ص 179 و ج 41 ص 92 و تفسير فرات ص 591 و شجرة طوبى ج 2 ص 295.

أو أنهم اعترضوا على الطريق التي سلكها بهم (1).

5-من المخبر للنبي صلّى اللّه عليه و آله بجمع الأعداء؟ ! :

و قد تحدثت بعض الروايات عن أن جبرئيل هو الذي أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بجمع هؤلاء الأعداء، و بعددهم، و بما تعاقدوا و تعاهدوا عليه، فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» الناس بذلك (2).

و لكن نصوصا أخرى تقول: إن الذي أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بجمعهم هو رجل أعرابي (3).

6-وقت الإغارة:

تذكر روايات: أن عليا «عليه السلام» أغار على الأعداء عند الفجر (4).


1) الإرشاد ج 1 ص 164 و تأويل الآيات ج 2 ص 842 و كشف اليقين ص 151 و 152 و كشف الغمة ج 1 ص 231 و البحار ج 21 ص 77 و 78.

2) البحار ج 21 ص 68 و تفسير القمي ج 2 ص 434 و تفسير الثقلين ج 5 ص 652 و تفسير الصافي ج 5 ص 362 و تأويل الآيات ج 2 ص 844.

3) البحار ج 21 ص 77 و 80 و الإرشاد ج 1 ص 114 و 162 و كشف الغمة ج 1 ص 230 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 844.

4) راجع: البحار ج 21 ص 76 و 77 و 79 و 83 و ج 41 ص 92 و الأمالي للشيخ ص 259 و 260 و شجرة طوبى ج 2 ص 295 و تفسير فرات ص 602 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 329 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 168 و الإرشاد ج 1 ص 165 و المستجاد في الإرشاد ص 103 و كشف الغمة ج 1 ص 232.

و بعضها يقول: عند السحر (1).

7-ماذا جرى لأبي بكر و عمرو بن العاص؟ !

و هل خرج إلى أبي بكر مئتا رجل فكلموه و خوفوه فرجع، حسبما تقدم؟ ! (2). أم أنه لما صار أبو بكر إلى الوادي، و أراد الانحدار خرجوا إليه، فهزموه، و قتلوا من المسلمين جمعا كثيرا؟ !

ثم أرسل إليهم عمر بن الخطاب، فجرى له نفس ما جرى لأبي بكر.

ثم أرسل عمرو بن العاص، فكان الأمر كذلك أيضا (3).

8-كيف أوقع علي عليه السّلام بالأعداء؟ !

و في حين تذكر روايات: أن عليا «عليه السلام» ، سار إلى أن كبس المشركين، و هم غارون، فظفر بهم (4).


1) البحار ج 1 ص 83 و 84 و تفسير فرات ص 592.

2) البحار ج 21 ص 69 و 70 و تفسير القمي ج 2 ص 435 و تفسير فرات ص 599 و تفسير الصافي ج 5 ص 362 و إعلام الورى ص 116 و 117 و تأويل الآيات ص 845 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 653.

3) البحار ج 21 ص 78 و ج 36 ص 179 و ج 41 ص 92 و الإرشاد ج 1 ص 163 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 328 و المستجاد من الإرشاد ص 101 و 102 و تأوي الآيات ج 2 ص 840 و كشف الغمة ج 1 ص 231 و كشف اليقين ص 151.

4) البحار ج 21 ص 79 و 84 و تفسير فرات ص 593 ص 602 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 168 و راجع: الإرشاد ج 1 ص 165 و المستجاد من الغرشاد ص 103.

تجد نصا آخر يقول: إنهم سمعوا صهيل خيله، فولوا هاربين (1).

و في نص ثالث: أنه «عليه السلام» خاطبهم، و أخبرهم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أرسله إليهم، ثم عرفهم بنفسه، فاجترؤا على مواقعته، فواقعهم، فقتل منهم ستة أو سبعة و انهزموا (2).

9-عدد قتلى المشركين:

و هل قتل من المشركين ستة أو سبعة (3).

أو قتل منهم مئة و عشرون رجلا (4).

10-الذين هاجموا المشركين:

ثم إن بعض النصوص قد اقتصرت على ذكر عمرو بن العاص، و أنه هاجم المشركين، فهربوا، و دوّخ تلك البلاد، و هي التي اختارها عموم المؤرخين، من الفريق المحب لعمرو بن العاص.

و لكن نصا آخر يذكر: أنه أرسل عمر، ففشل، فأرسل عليا «عليه


1) البحار ج 21 ص 83 و ج 41 ص 93 و تفسير فرات ص 592 و مناقب آل أبي طالب ج 32 ص 329.

2) البحار ج 21 ص 81 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 116 و إعلام الورى ص 116 و 117 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 576.

3) البحار ج 21 ص 81 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 116 و إعلام الورى ص 116 و 117 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 576.

4) البحار ج 21 ص 84 و تفسير فرات ص 593.

السلام» (1)، فكان الفتح على يديه.

و ذكر نص آخر: إرسال أبي بكر، ثم عمر، ثم علي (2).

و في نص آخر ذكر: رجلا من المهاجرين، ثم رجلا من المهاجرين، ثم عليا (3).

و ذكر نص آخر: أبا بكر، ثم عمر، ثم عمرو بن العاص، ثم عليا «عليه السلام» (4).

و في نص أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى الراية أبا بكر، فردها، ثم أعطاها عمر، فردها. ثم أعطاها خالدا، فرجع. ثم أعطاها عليا «عليه السلام» (5).

11-كيف عرف المشركون بجيش علي عليه السّلام:

و قد ذكرت بعض تلك الروايات: أن المشركين عرفوا بوجود جيش


1) البحار ج 21 ص 75 و الأمالي للشيخ ص 259 و 260 و التفسير الصافي ج 5 ص 361 و التفسير الأصفى ج 2 ص 1469.

2) البحار ج 21 ص 68 و تفسير القمي ج 2 ص 434 و تأويل الايات ج 2 ص 844 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 652 و تفسير الصافي ج 5 ص 362.

3) البحار ج 21 ص 80 و راجع ص 66 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 114 و إعلام الورى ص 116 و 117 و مجمع البيان ج 10 ص 528 و 529 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 574.

4) البحار ج 21 ص 77 و ج 41 ص 92 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 167 و الإرشاد ج 1 ص 163 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 328 و المستجاد من الإرشاد ص 101 و كشف الغمة ج 1 ص 231.

5) البحار ج 21 ص 82 و تفسير فرات ص 591.

علي «عليه السلام» حين سمعوا صهيل خيل المسلمين، فولوا هاربين (1).

و نص آخر يقول: بل كلمهم علي «عليه السلام» ثم واقعهم (2).

12-وادي اليابس أم وادي الرمل:

و ذكرت بعض الروايات: أن السرية أرسلت إلى وادي اليابس (3).

و ذكر بعضها: أنها أرسلت إلى وادي الرمل (4).

هذا هو الحل:

و بعد ما تقدم نقول:

هناك سؤال يقول: ألا يضعف هذا الاختلاف من درجة اعتبار هذه


1) البحار ج 21 ص 83 ج 41 ص 93 و تفسير فرات ص 592 و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 329.

2) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 114-117 و البحار ج 21 ص 80-82 و ج 41 ص 92 و عن إعلام الورى ص 116 و 117 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 574-576.

3) البحار ج 21 ص 68 و شجرة طوبى ج 2 ص 295 و تفسير القمي ج 2 ص 434 و تفسير فرات ص 599 و التفسير الصافي ج 5 ص 362 و التفسير الأصفى ج 2 ص 1469 و بحوث في تاريخ القرآن للزرندي ص 51 و تأويل الآيات ج 2 ص 844.

4) مستدرك الوسائل ج 4 ص 161 و البحار ج 20 ص 308 و ج 21 ص 80 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 574 و إعلام الورى ج 1 ص 382 و كشف الغمة ج 1 ص 230 و الإرشاد ج 1 ص 162 و المستجاد في الإرشاد ص 100 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 174 و النص و الإجتهاد ص 336 و كشف اليقين ص 151 و تأويل الآيات ج 2 ص 840.

الروايات، و يسقطها عن صلاحية الاعتماد عليها؟ !

و يمكن أن نجيب: أن هذه الاختلافات لا تصل إلى حد التناقض و الاختلاف.

إذ يمكن أن يعترض عمرو بن العاص على علي «عليه السلام» ، ثم يحرض أبا بكر و عمر على ثني عزيمة علي «عليه السلام» ، على مواصلة مسيره ذاك. .

و يمكن أن يعترض أبو بكر و عمر على علي «عليه السلام» مرتين، مرة على المسير المخيف، و مرة أخرى على المنزل المخيف.

و يمكن أن يخبر جبرئيل بجمع الأعداء، ثم يخبر به ذلك الأعرابي مرة أخرى.

و يمكن أن يكبس علي «عليه السلام» المشركين، و هم غارون. ثم تكون أول معرفتهم بالمهاجمين هو حين سمعوا صهيل الخيل، فهربوا فأوقع بهم علي «عليه السلام» . .

و يمكن أن يكون قد واقعهم في اليوم الأول، فقتل منهم ستة أو سبعة فانهزموا، ثم لما استقر بهم المقام عاد فهاجمهم في فجر اليوم التالي، فقتل منهم مائة و عشرين رجلا. .

و يمكن أن يكون هناك واد واحد يسمى بوادي اليابس تارة، و بوادي الرمل أخرى.

و يمكن أن تذكر بعض النصوص مهاجمة عمر، ثم علي لهم. . و تسكت عن مهاجمة أبي بكر و عمرو و خالد. . و لكن راويا آخر يضيف أبا بكر، ثم يضيف راو ثالث عمروا، أو خالدا. .

و يمكن أن يفاجئهم علي «عليه السلام» بالجيش، ثم يكلمهم و يقيم عليهم الحجة، و يحصل بعض المواجهات فيما بينهم، و يقتل منهم ستة، أو سبعة. . ثم يغير عليهم مرة أخرى بعد ذلك، في وقت السحر أو حين طلوع الفجر.

و يمكن أن تجتمع سليم، و قضاعة، و لخم، و جذام. . فيروي أحد الرواة وجود هذا الفريق، و يهمل الإشارة إلى من عداه. . و لهذا الإهمال أسبابه التي تختلف من شخص لآخر أيضا، ثم يذكر راو آخرن ذلك الفريق، و يهمل من عداه.

و يمكن أن تكون هناك مهمات عديدة لبعث واحد، مثل أن يواجه الأعداء المتربصين من جهة، و أن يستنفر العرب إلى الشام أيضا. .

و يمكن: أن يعبر عن الصبح و الفجر بالسحر، و كذلك العكس لتقارب الوقتين و اتصالهما، خصوصا و أن الناس يتسامحون في مثل هذه الاختلافات.

و يمكن: أن تتعدد التعابير بتعدد الهجمات، فإحداها كانت عند السحر، و الأخرى عند الصبح و هكذا. .

و يمكن: أن يتحدث أحدهم عن أن عدد الجيش هو سبع مائة، و يكون نظره إلى أول دفعة، ينتدبها، و يغض الرسول «صلى اللّه عليه و آله» الطرف عن ذكر العدد النهائي.

إختلافات لا حل لها:
اشارة

و تبقى هناك اختلافات لا مجال لحلها على الطريقة المتقدمة. . بل تحتاج

إلى حلول أخرى قد يكون من بينها الحكم على الرواية بالتحريف و التزييف، إذا قامت الأدلة و الشواهد الأخرى على ذلك. .

و قد يكون من بينها أيضا الحكم بتعدد الواقعة، إذا كان ذلك ممكنا، حتى و إن استلزم ذلك نسبة الوهم و الخطأ إلى بعض الناقلين، حيث ظنوا بأن تلك الوقائع واحدة، لمجرد رؤيتهم لبعض مفردات التشابه فيما بينها. فأقحموا توضيحات و تفسيرات من عند أنفسهم، ظنا منهم أنهم يسهلون فهم الأمور على من بعدهم. .

و لعل مما يصلح شاهدا على ما نقول: هذا التشابه الشديد فيما بين السرايا، ثم هذا التشابه بين مضامين عدد من الأحاديث أيضا. . حتى إنك تجد أمرا واحدا يذكر في العديد من المواقع و المواضع. .

و من شواهد إقحام الرواة تفسيراتهم الخاطئة في النص ما يذكر في ولادة الحسنين «عليهما السلام» ، من أن أسماء كانت حاضرة آنئذ، و أتت بهما إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و المراد هو: أسماء بنت يزيد الأنصارية، أو أسماء أخرى منهم، و لكن الرواة أقحموا كلمة «بنت عميس» من عند أنفسهم، ربما لارتكاز ذلك في أنفسهم، أو بهدف التوضيح، مع أن أسماء بنت عميس كانت حين ولادة الحسنين «عليهما السلام» مع زوجها جعفر بن أبي طالب في الحبشة. .

و قد يسأل سائل هنا: عن السبب في أن كثيرا من مؤرخي أهل السنة، و المتصدين لمعالجة رواياتهم منهم، حين يلاحظون وجود بعض الاختلافات بين الروايات يبادرون إلى الحكم بتعدد الواقعة. .

و لكنهم لم يذكروا شيئا من ذلك في غزوة ذات السلاسل.

و الجواب: أن ذلك يعود إلى أنهم قد قصروا نظرهم في هذه الغزوة على مروياتهم هم، و التي تحصر الموضوع في عمرو بن العاص، و ادعاء أنه دوّخ بلاد قضاعة، و عاد منتصرا. . و لم يكترثوا بالروايات الأخرى التي وردت في مصنفات سائر المسلمين، و لا سيما شيعة و اتباع خط و نهج أهل البيت «عليهم السلام» .

1-عدد أفراد السرية:

و قد روى المؤرخون المتعاطفون مع عمرو بن العاص، و أبي عبيدة و غيرهما، و المهتمون بحفظ ماء وجههم: أن عدد أفراد سرية ذات السلاسل بلغ خمس مائة مقاتل، مائتان منهم جاء بهم أبو عبيدة مددا لعمرو بن العاص. و قد تقدم ذلك في فصل سابق (1).

أما الروايات الأخرى فتقول: إن العدد قد بلغ أربعة آلاف مقاتل (2).

و رواية أخرى تقول: كانوا سبع مائة مقاتل (3).


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 167 و 168 و المغازي للواقدي ج 2 ص 770 و تاريخ الخميس ج 2 ص 175 و عن عيون الأثر ج 2 ص 171 و عن فتح الباري ج 8 ص 59 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 131 و غير ذلك كثير.

2) البحار ج 21 ص 67-73 و تفسير القمي ج 2 ص و تفسير فرات ص 599 و التفسير الصافي ج 5 ص 362 و تفسير نور الثقلين ج 5 ص 652 و تأويل الآيات ج 2 ص 844.

3) البحار ج 21 ص 80 و 82 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 114 و 117 و عن إعلام الورى ص 116 و 117 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 575.

و هناك نص يقول: إنه أرسل عليا «عليه السلام» في ثمانين من أهل الصفة، أخرجتهم له القرعة (1).

2-المقتولون مع أبي بكر:

إن بعض الروايات تصرح: بأن أبا بكر قد عاد إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» دون أن يباشر قتالا، و كذلك عمر-و هي رواية القمي. .

و رواية أخرى ذكرت: أن أولئك القوم خرجوا إلى أبي بكر، فهزموه، و قتلوا من المسلمين جمعا كثيرا (2).

3-اختلاف التاريخ:

هناك من يقول: إنها كانت قبل مؤتة-كابن إسحاق-.

و قيل: بعدها.

و قيل: كانت سنة سبع.

و قيل: ثمان، في جمادى الآخرة. .

و كل ذلك قد تقدم.


1) البحار ج 21 ص 77-79 و 83 و 84 و ج 36 ص 178 و راجع: الإرشاد للمفيد ج 1 ص 164-166 و تفسير فرات ص 592 و المستجاد في الإرشاد ص 101 و كشف اليقين ص 151 و تأويل الآيات ج 2 ص 840 و كشف الغمة ج 1 ص 23.

2) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 163 البحار ج 21 ص 78 عنه و مناقب آل أبي طالب ج 2 ص 328 و المستجاد من الإرشاد ص 101 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 577 و كشف الغمة ج 1 ص 231.

فإن كانت سنة سبع، فذلك لا يتلاءم مع القول: بأن عمرو بن العاص قد اسلم أول سنة ثمان، و أنه قد حضر هذه الغزوة، و كان له دور فيها. .

و ذكرها المفيد رحمه اللّه بعد غزوة تبوك، و ذكرها على وجه آخر-على ما في بعض النسخ القديمة-بعد غزوة بني قريظة، و قبل غزوة بني المصطلق (1).

قال المجلسي نقلا عن المفيد: و قد كان من أمير المؤمنين عليه السلام في غزوة وادي الرمل-و يقال: إنها كانت تسمى بغزوة السلسلة (2).

4-بعدها عن المدينة:

و هل تبعد عن المدينة اثنتا عشرة مرحلة (3).

أربع عشرة مرحلة؟ (4).

أو تبعد عنها خمس مراحل فقط؟ (5).


1) البحار ج 21 ص 80.

2) البحار ج 21 ص 80 و مستدرك الوسائل ج 4 ص 161 و الإرشاد ج 1 ص 113 و بيت الأحزان ص 27.

3) معجم البلدان ج 2 ص 15 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 479 و كتاب العين للفراهيدي ج 5 ص 342.

4) راجع: فتح الباري ج 8 ص 448 و شرح النووي {ط دار الكتاب العربي} ج 15 ص 45 و {ط دار الفكر} ص 58 و تحفة الأحوذي {ط دار الفكر} ج 5 ص 312 و ج 8 ص 405 و {ط دار الكتب العلمية} ج 5 ص 310 و ج 8 ص 402 و شجرة طوبى ج 2 ص 312 و عون المعبود ج 1 ص 174 و عمدة القاري ج 9 ص 64 و مجمع البحرين ج 1 ص 265.

5) البحار ج 21 ص 77 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 168.

و في جميع الأحوال نقول: إنه يمكن اعتماد الرواية التي تقول: إن المكان كان قريبا من المدينة. . و ذلك للرواية التي تقول: «كان المشركون قد أقاموا رقباء على جبالهم، ينظرون إلى كل عسكر يخرج إليهم من المدينة على الجادة، فيأخذون حذرهم الخ. .» (1).

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسلهم لغزوة بني سليم، فإنهم قريب من الحرة (2).

هل هناك اكثر من سرية؟ ! :

و هذه الاختلافات في الموارد الأربعة المتقدمة تدعونا للتفكير بجدية في اعتبارها مبررا لتقوية احتمال تعدد الحادثة، و أن هذه الحوادث قد تشابهت في بعض عناصرها.

إلا أن يحمل هذا الاختلاف على وهم وقع فيه الرواة، أو عبث مارسوه، لغاية في أنفسهم. . و في جميع الأحوال نقول:

إنه لا بد لنا من وقفات تدبر و تأمل في النصوص المذكورة، فلاحظ ما نذكره فيما يلي:


1) البحار ج 21 ص 77 و الخرايج و الجرايح ج 1 ص 167.

2) الإرشاد للمفيد ج 1 ص 163-165 و البحار ج 21 ص 77-79 و 83 و 84 عنه، و عن تفسير فرات ص 592 و المستجاد من الإرشاد ص 101 و كشف الغمة ج 1 ص 231.

الإغارة قبل الاحتجاج أم بعده؟ !

و نريد أن نرجح هنا: أن عليا صلوات اللّه و سلامه عليه قد فاجأ الأعداء في اليوم الأول، و دعاهم إلى ما فيه لهم خير و صلاح، و فلاح و نجاح، فأصروا، فواقعهم، فقتل منهم ستة أو سبعة، ثم أغار عليهم في سحر الليلة الثانية، أو حين الفجر، فأوقع بهم، و قتل منهم مئة و عشرين رجلا، و أسر منهم مئة و عشرين ناهدا، و غنم ما شاء اللّه. .

نقول هذا لأننا نعرف: أن عليا «عليه السلام» لم يكن يحارب قوما إلا بعد أن ينذرهم، و يحذرهم، و يحتج عليهم، فإذا أصروا على العناد و الحرب واقعهم. .

و قد أوصاه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك-فيما روي-فقال له: «يا علي لا تقاتل أحدا حتى تدعوه إلى الإسلام الخ. .» (1).

بل لقد روي عن الصادق «عليه السلام» أنه قال: ما بيّت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عدوا قط ليلا (2).


1) البحار ج 19 ص 167 و ج 97 ص 34 و ج 98 ص 364 و الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 30 و {ط مؤسسة آل البيت} ج 15 ص 43 و في هامشه عن فروع الكافي ج 1 ص 235 و 337 و عن تهذيب الأحكام ج 2 ص 47 و الكافي ج 5 ص 36 و مستدرك الوسائل ج 11 ص 30 و ج 17 ص 210 و كتاب النوادر ص 140 و مستدرك سفينة البحار ج 10 ص 502 و منتهى المطلب {ط ق} ج 2 ص 904 و تذكرة الفقهاء {ط ج} ج 9 ص 44 و 45 و رياض المسائل {ط ج} ج 1 ص 486 و 493 و مشكاة الأنوار ص 193.

2) الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 46 و {ط مؤسسة آل البيت} ج 15 ص 63 و في هامشه عن فروع الكافي ج 1 ص 334 و عن تهذيب الأحكام ج 2 ص 56 و منتهى المطلب {ط ق} ج 2 ص 909 و تذكرة الفقهاء {ط ق} ج 1 ص 412 و رياض المسائل {ط ق} ج 1 ص 489 و {ط ج} ج 7 ص 511 و جواهر الكلام ج 21 ص 82 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 174.

و روي عنه «عليه السلام» قال: كان أمير المؤمنين «عليه السلام» لا يقاتل حتى تزول الشمس.

و يقول: تفتح أبواب السماء، و تقبل الرحمة، و ينزل النصر.

و يقول: هو أقرب إلى الليل، و أجدر أن يقلّ القتل، و يرجع الطالب، و يفلت المنهزم (1).

فهل يصح بعد هذا كله، أن يقال: إنه قد فاجأهم، و قتل و سبا، و غنم، قبل أن يحتج عليهم. .

و قد يقال: إن قتال علي «عليه السلام» لهؤلاء القوم إنما كان بعد أن غزوا، و قوتلوا، و قاتلوا، و ذلك حين سار إليهم أبو بكر، و عمر، و عمرو، و لا يجب دعوتهم في مثل هذه الحال، كما دلت عليه الرواية عن الإمام الصادق «عليه السلام» (2).


1) الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 46 و {ط مؤسسة آل البيت} ج 15 ص 63 و في هامشه عن الكافي {الفروع} ج 1 ص 335 و عن علل الشرايع ج 2 ص 603 و عن تهذيب الأحكام ج 2 ص 56 و البحار ج 33 ص 453 و ج 97 ص 22 و الكافي للحلبي ص 256 و رياض المسائل {ط ج} ج 7 ص 511 و جواهر الكلام ج 21 ص 81 و الكافي للكليني ج 5 ص 28.

2) الوسائل {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 30 و {ط مؤسسة آل البيت} ج 15 ص 43 و في هامشه عن فروع الكافي ج 1 ص 332 و عن تهذيب الأحكام ج 2 ص 45 و راجع: جواهر الكلام ج 21 ص 18 و الكافي {ط دار الكتب الإسلامية} ج 5 ص 20 و تهذيب الأحكام {ط دار الكتب الإسلامية} ج 6 ص 135.

بل لقد ذكرت بعض الروايات: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، و أنه صلوات اللّه و سلامه عليه قد فعل ذلك. . و قد ذكرنا ذلك فيما تقدم.

تحرزوا! ! انهزموا! !

في الحديث رقم {2} المذكور في صدر هذا الفصل، يلاحظ: أن الرواية تحاول أن تتحاشى التصريح بهزيمة أبي بكر و عمر، فتقول:

«حتى إذا صار بها بقرب المشركين اتصل بهم خبرهم، فتحرزوا، و لم يصل المسلمون إليهم. .»

و هذا معنا: أن أبا بكر و عمر لم ينهزما بالراية، بل لم تجر حرب و لا صدام فيما بينهم و بين المشركين، لأن المشركين تحرزوا منهم.

و أما حين يصل الأمر إلى عمرو بن العاص فإن الحديث يصرح بهزيمة عمرو. .

فما هذا الحنان على أبي بكر و عمر، الذي لا يستحقه حتى عمرو بن العاص، مع أنه هو الآخر أيضا من أوليائهم و أحبائهم؟ !

على أنك تلاحظ: أنهم حين يصلون إلى عمرو، لا يشيرون إلى تحرز المشركين، الذين كانوا أيضا يراقبون العساكر التي تخرج من المدينة. .

فإن كانوا قد تحرزوا من أبي بكر و عمر، فلما ذا لم يتحرزوا من عمرو. . لكي يرجع عمرو كما رجع صاحباه من دون أن يصل المسلمون إليهم؟ ! .

و إن كانوا لم يتحرزوا و هاجموا عمروا و من معه، فلما ذا لم يهاجموا أبا بكر و من معه، و عمر و من معه. . و تركوهم يرجعون قبل أن يصلوا إليهم؟ ! .

القائد فقط هو السبب:

و ذكرت الرواية المتقدمة برقم {2} أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يزد على أن «أخذ الراية لعلي، و ضم إليه أبا بكر، و عمر، و عمرو بن العاص، و من كان معه في تلك السرية» . فتحقق النصر العظيم على يده صلوات اللّه و سلامه عليه، مع أنه لم يجر أي تعديل، سوى أنه أعطى القيادة لأمير المؤمنين علي «عليه السلام» . .

و هذا يشير إلى: أن العيب، أو فقل التقصير كان من القادة بالدرجة الأولى. .

بل يمكن القول: إن هزيمة نفس هذا الجيش ثلاث مرات متوالية، من شأنها أن تجعل احتمالات الهزيمة في المرة الرابعة أقوى، لأن تلك الهزائم قد حطمت معنوياته و زادت من جرأة جيش الأعداء عليه، و من شراسته ضده.

و هذا الأمر لا بد من أن يؤثر في زيادة الأمور صعوبة، من حيث أنه يهيئ الأجواء لهزيمة أتعس، و لمقاومة من قبل الأعداء أشد و أشرس.

و لكن النتائج قد جاءت على عكس ذلك تماما، و كان النصر على يد سيد الوصيين، و قائد الغر المحجلين، إلى جنات النعيم كما هو معلوم. .

حسد عمرو أشرّ من الهزيمة و أضرّ:

و بعد، فقد يمكن أن يلتمس للمهزوم عذر، و لو كان باهتا و ضعيفا، و لو بادعاء أن يكون خوفه على نفسه، و شدة الوجل و الوهل قد أذهله عن تكليفه الشرعي، و أضعف عزيمة التصدي و الصمود لديه. . ثم هو قد يراجع نفسه، و يندم على ما فرط منه، و يكون ما بدر منه حافزا له على أن يرمي نفسه في أشد الأخطار، ليكفر عن ذنبه، و ليرضي بذلك ربه. .

و لكن أن يبادر الإنسان الذي يعيش في محيط الأمن و الأمان، إلى العمل على تضييع النصر، و إلحاق الهزيمة بنفسه، و بجيش المسلمين لمجرد الاستجابة لرذيلة الحسد التي تحركت في نفسه، فذلك يدل على خلل عميق في الدين، و في واقع الإيمان في عمق ذاته. .

استجابة الشيخين لابن العاص:

و الذي يثير دهشة كل منصف: أن ينقاد أبو بكر و عمر لابن العاص، و أن يجيبا طلبه في العمل على ثني علي «عليه السلام» عن عزمه، و حمله على التراجع عن خطته في مهاجمة العدو! !

فهل هما لم يلتفتا إلى حقيقة ما يرمي إليه ابن العاص؟ ! . و كيف يكون ذلك و الحال: أن محبيهما ما زالوا يصفونهما بالحصافة و الحكمة و التبصر. . و إن كانا قد التفتا إلى هذا الخطأ، ثم طاوعاه، و رضيا بأن يكونا أداة بيده لتنفيذ مآربه، فالأمر يصبح أدهى و أمر، و أتعس و أضر، و لا نريد أن نقول أكثر من ذلك.

أمير المؤمنين عليه السّلام يتهم:

و يظهر من جواب أمير المؤمنين «عليه السلام» لهؤلاء المعترضين: أنه يعتبر اتباعه «عليه السلام» إطاعة للّه و لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن الاعتراض عليه عصيان للّه و لرسوله. .

و هو يصرح: بأن إصرارهم على اعتراضهم سوف ينتج طردهم من صفوف الجيش الذي يقوده «عليه السلام» . و عليهم أن يواجهوا عاقبة فعلهم هذا، و أن يقدموا تفسيرا مقبولا و مرضيا لدى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . .

و إذا أضيف إلى ذلك جوابه الآخر، المتضمن لأمرهم بلزوم رحالهم، و الكف عما لا يعنيهم، فإنه يكون قد أفهمهم:

1-أنه سوف يكون حازما في موقفه هذا بنحو لا مجال فيه لأي جدل، أو اعتراض، لأنه في موقف لا مجال لغير الحزم فيه، و سيكون إفساح المجال للجدل، و للتشكيك، و الأخذ و الرد فيه سببا في خلق مشكلات و نشوء عراقيل قد تؤثر على المهمة التي انتدبه الرسول «صلى اللّه عليه و آله» لإنجازها.

2-إن الانضباط في المهمات القتالية، و الكون في المواقع المحددة من قبل القيادة، يعطي القدرة على التخطيط، و الطمأنينة لسلامة التنفيذ، و يمكّن من تحقيق النتائج، بعيدا عن المفاجآت التي يهيئ لها الخلل في الإعداد و الاستعداد. .

3-إن تدخل الجنود فيما لا يعنيهم، و خصوصا فيما يرتبط بالقرارات الحربية للقيادة. . معناه: أن يفقد القائد قدرته على التأثير في فرض تنفيذ قراراته.

4-إنه «عليه السلام» قد عرّف الناس: أن هذا الاعتراض يهدف إلى تهيئة الأجواء لعصيان أوامر القائد، و التمرد على قراراته، و ليس من مصلحة المعترضين أن يظهر هذا الأمر للناس، و لذلك فلم يعد أمامهم أي خيار سوى التراجع عن موقفهم. .

5-إنه قد عرفهم و عرف الناس: أن ما يتذرعون به من أنهم يعرفون أمرا لم يكن علي عارفا به غير صحيح، فهو عالم بما يصنع، و لذلك لا مجال لتضليل الناس بذرائع من هذا القبيل.

خطة علي عليه السّلام:

إن حذر القوم الذين يراد مهاجمتهم، و استعدادهم لا بد أن يكون له أسبابه الواقعية. . و هي أحد أمرين هما:

1-أن يكون لهم عين في المسلمين، يرسل إليهم بما يجري، و يعلمهم بتوجه السرية نحوهم، و بطبيعة تحركاتها. .

2-أن يكون لهم رقباء في الجبال المشرفة، يخبرونهم بما يرونه، فيحتاطون و يستعدون للأمر قبل وقوعه، اعتمادا على ما يبلغونهم إياه من مشاهدات، أو معلومات.

و قد كان سلوك علي «عليه السلام» لطريق آخر يكفي لتعريف أولئك القادة الذين هزموا أو هربوا بأن عليا «عليه السلام» يتصرف بحكمة، و بدقة بالغة. .

و لأجل ذلك عرف عمرو بن العاص: أنه «عليه السلام» سيظفر بهم. . فكيف لم يعرف بذلك أبو بكر و عمر؟ و لعل وضوح هذا الأمر و بداهته قد

جعل عليا «عليه السلام» يعتبر المعترضين يسعون إلى مجرد الخلاف عليه، و أنهم يريدون معصية اللّه و رسوله بذلك. .

تبييت العدو ليس غدرا:

و قد ذكرت الروايات المتقدمة، و سواها: أنه «عليه السلام» ، قد بيت المشركين و كبسهم، و هم غارون فظفر بهم. .

و نعتقد: أن ذلك قد كان بعد الاحتجاج عليهم كما دلت عليه رواية القمي الآتية، التي ذكرت: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمرا أبا بكر «أن إذا رآهم أن يعرض عليهم الإسلام، فإن تابعوا و إلا واقعهم» .

كما أنه سيأتي: أنه «صلى اللّه عليه و آله» ما كان يقاتل قوما حتى يدعوهم، و يحتج عليهم. و على كل حال، فإن عليا «عليه السلام» ، بعد أن فرض عليهم المعركة، في الموقع و المكان و الوقت و الزمان، الذي أحب و أراد، لم يعد يمكنهم التخلي عن مواقعهم إلى أي موقع آخر، لأن ذلك معناه: الاستيلاء على كل ما لديهم، و على منازلهم و أموالهم، بل هو قادر على سبي نسائهم و أطفالهم. .

فإذا أبوا الاستجابة لأي منطق، و رفضوا الانصياع لأي خيار مقبول أو معقول، و اختاروا طريق البغي و العدوان، فلا مانع من أن يكبسهم و هم غارون في أي وقت شاء. .

و ليس في هذا العمل أية مخالفة للشرايع، أو الأخلاق، بل هو العمل الحكيم الذي يؤيده الخلق الإنساني، و يرضاه الشرع، و تقره العقول. . لأنه ليس من حق العدو المحارب، المعتدي و الظالم أن يعتبر نفسه في مأمن، في الوقت الذي يعطي لنفسه الحق بالغدر بالآخرين، و يرخص لنفسه في

تبييتهم، و الفتك فيهم، ظلما و عتوا، و بغيا و علوا. .

بل إن أخذ ذلك الظالم على حين غرة من شأنه أن يقلل من عدد القتلى في صفوف المهاجمين، و في صفوف الأعداء أنفسهم، لأن ذلك يسقط قدرتهم على المقاومة. و ينتهي الأمر بالاستسلام.

و إذا كان الاستسلام لأهل الدين. فإن معاملتهم لا بد أن تخضع لأحكام الشرع، وفق ما تفرضه الأخلاق الفاضلة، و تقضي به العقول، و لن يكون متأثرا بالأهواء و النزوات و الميول. .

تسمية الغزوة بذات السلاسل:

و قد أظهرت الرواية الثانية المتقدمة: أن سبب تسمية الغزوة بذات السلاسل: هو أنهم حين أسروا الرجال شدوهم بالحبال كالسلاسل، و قيل: هو اسم ماء يقال له: السلاسل.

و يظهر من أبي عبيد البكري: أن السلاسل رمل بالبادية، يكون بعضه على بعض كأنه السلسلة (1)، و لعل هذا هو مرادهم حين قالوا: إن الأعداء قد اجتمعوا بوادي الرمل (2)، فراجع.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 172 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 190 و عن فتح الباري ج 7 ص 19 و تحفة الحوذي ج 10 ص 260.

2) راجع: البحار ج 20 ص 308 و ج 21 ص 77 و الإرشاد للمفيد ج 1 ص 162 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 174 و المستجاد من الإرشاد ص 100 و موسوعة التاريخ الإسلامي ج 2 ص 574 و كشف الغمة ج 1 ص 230 و كشف اليقين ص 151 و تأويل الأحاديث ج 2 ص 840.

مع احتمال أن تكون هناك أكثر من سرية، و يكون بعضها إلى وادي الرمل، و بعضها إلى مواضع أخرى.

محاباة لعمر؟ !

و قد صرحت الرواية الثالثة: بأن الأعداء قد قتلوا جماعة كثيرة من المسلمين، حينما كانت قيادة المسلمين لأبي بكر. .

و لكن الرواية تسكت عن قتل المسلمين حين استلم القيادة عمر بن الخطاب، و تكتفي بذكر هزيمته. . ثم لما وصل الأمر إلى عمرو بن العاص، عادت للتصريح بالهزيمة، و بقتل جماعة من المسلمين! ! .

فما هذه المحاباة لعمر في هذا النص على حساب رفيقيه، أبي بكر، و عمرو بن العاص؟ ! .

علي عليه السّلام كرار غير فرار:

و قد صرحت الرواية الثالثة أيضا: بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد وصف عليا «عليه السلام» بأنه كرار غير فرار. .

و هذا الوصف هو نفسه: هو الذي أطلقه النبي «صلى اللّه عليه و آله» على علي «عليه السلام» يوم خيبر، بعد أن هزم أبو بكر، ثم عمر. و أعطى «صلى اللّه عليه و آله» الراية لعلي «عليه السلام» ، فرجع بالفتح.

و قد شرحنا هناك هذا النص، فراجع غزوة خيبر الفصل الثالث.

ما جرى في خيبر لم يزل يتكرر:

و اللافت و العجيب: أن فرار هؤلاء القوم بالراية و الجيش، ثم حصول

الفتح على يد أمير المؤمنين علي «عليه السلام» قد تكرر مرات عديدة. .

فإنا للّه. . و إنا إليه راجعون. .

فقد حصل ذلك في:

1-قريظة.

2-في خيبر.

3-في فدك.

4-في وادي الرمل بمشاركة عمرو بن العاص.

5-أو في ذات السلاسل قرب المدينة و مشاركة خالد.

6-و ربما في بني سليم.

7-و ربما في قضاعة في بلاد الشام.

فهل هذه صدف. . أم أن النبي الحاضر يرى ما لا يراه الغائب و يريد لهذا الأمر أن يتكرر، و أن يعرف الناس الحقيقة.

علي عليه السّلام يقبّل قدمي النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و ذكرت الرواية الرابعة المتقدمة: أن عليا «عليه السلام» أهوى إلى قدمي النبي «صلى اللّه عليه و آله» يقبلهما. .

و هذا يدحض المزاعم التي تقول بعدم جواز التبرك بالأنبياء «عليهم السلام» ، و بآثارهم، لأن عليا «عليه السلام» ، إنما فعل ذلك طلبا لرضى اللّه سبحانه، و رغبة في ثوابه. . و التماسا للبركة، التي تعني المزيد من العطاء الهنيء و الخير النامي، و المقام السامي. .

و علينا أن لا ننسى: أن هذا يشير إلى ترابية أمير المؤمنين «عليه السلام» ،

و شدة خضوعه للّه سبحانه، و لرسوله «صلى اللّه عليه و آله» ، لم يكن يرى نفسه زميلا لمحمد. كما أنه يشير إلى صفاء ذاته، و طهارة روحه، و خلوص نواياه. .

و نجد في مقابل ذلك: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه، كان يتبرك بالعرق الذي يكون على وجه علي «عليه السلام» (1).

اللّه و رسوله عنك راضيان:

و قد كانت الجائزة العظمى التي نالها علي «عليه السلام» هي أن اللّه تعالى و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» راضيان عنه. . و تكون هذه الكلمات هي البشارة الكبرى التي يبكي علي «عليه السلام» فرحا بها و شوقا إليها. .

فهو إذن لا يطمع بالقصور، و لا بالحور، و لا تهمه الجنان و لا يفرحه كل ما فيها، بمقدار ما يهمه و يفرحه رضى اللّه تعالى، و رضى رسوله، وفقا


1) راجع: مستدرك الوسائل ج 17 ص 335 و مناقب أمير المؤمنين «عليه السلام» للكوفي ج 1 ص 394 و المسترشد للطبري ص 602 و مائة منقبة لمحمد بن أحمد القمي {ابن شاذان} ص 58 و التحصين للسيد ابن طاووس ص 555 و اليقين للسيد ابن طاووس ص 179 و 196 و 197 و 243 و 367 و البحار ج 37 ص 300 و 324 و ج 38 ص 2 و ج 40 ص 15 و 82 و 315 و ج 89 ص 91 و كتاب الأربعين للشيرازي ص 55 و حلية الأبرار ج 2 ص 446 و كتاب الأربعين للماحوزي ص 249 و مناقب أهل البيت «عليهم السلام» للشيرواني ص 116 و الغدير ج 8 ص 87 و مستدرك سفينة البحار ج 7 ص 194 و 381 و الإمام علي «عليه السلام» للهمداني ص 92 و 148 و تفسير فرات ص 406 و المناقب للخوارزمي ص 85 و كشف الغمة ج 1 ص 112 و كشف اليقين ص 266 و تأويل الآيات ج 1 ص 185 و تنبيه الغافلين ص 28.

لقوله تعالى: . . رَضِيَ اَللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ ذٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (1).

و قوله تعالى: يٰا أَيَّتُهَا اَلنَّفْسُ اَلْمُطْمَئِنَّةُ، اِرْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً (2).


1) الآية 8 من سورة البينة.

2) الآيتان 27 و 28 من سورة الفجر.

الفصل السابع: رواية القمي توضح. . بل تصرح

اشارة

ذات السلاسل برواية القمي:

و قد روى القمي عن جعفر بن أحمد، عن عبيد بن موسى، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه «عليه السلام» -ما ملخصه-:

إن أهل وادي يابس اجتمعوا اثني عشر ألف فارس، و تعاقدوا، و تعاهدوا، و تواثقوا: أن لا يتخلف رجل عن رجل، و لا يغدر بصاحبه، و لا يخذل أحد أحدا، و لا يفر عن صاحبه، حتى يموتوا كلهم، و يقتلوا محمدا «صلى اللّه عليه و آله» ، و علي بن أبي طالب «عليه السلام» .

فنزل جبرئيل «عليه السلام» على النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخبره بالأمر، و أمره أن يبعث أبا بكر في أربعة آلاف فارس، من المهاجرين و الأنصار.

فخطب «صلى اللّه عليه و آله» الناس، و أخبرهم بما أخبره به جبرئيل «عليه السلام» عن أهل وادي اليابس، و أن جبرئيل أمره بأن يسير إليهم أبو بكر بأربعة آلاف فارس.

ثم أمرهم أن يتجهزوا للمسير مع أبي بكر يوم الإثنين، فلما حان وقت المسير أمر «صلى اللّه عليه و آله» أبا بكر: «أن إذا رآهم أن يعرض عليهم

الإسلام، فإن تابعوا، و إلا واقعهم، فقتل مقاتليهم، و سبى ذراريهم، و استباح أموالهم، و خرب ضياعهم، و ديارهم» .

فسار أبو بكر بهم سيرا رفيقا، حتى نزل قريبا منهم، فخرج إليه منهم مئتا فارس، و هم مدججون بالسلاح، فسألوهم: من أين أقبلوا؟ و إلى أين يريدون؟ ثم طلبوا مقابلة صاحبهم.

فخرج إليهم أبو بكر، فسألوه، فأخبرهم بما جاء له.

فقالوا: أما و اللات و العزى، لولا رحم ماسة، و قرابة قريبة لقتلناك و جميع أصحابك قتلة تكون حديثا لمن يكون بعدكم، فارجع أنت و من معك، و ارتجوا العافية، فإنما نريد صاحبكم بعينه، و أخاه علي بن أبي طالب.

فقال أبو بكر لأصحابه: يا قوم، القوم أكثر منكم أضعافا، و أعدّ منكم، و قد نأت داركم عن إخوانكم من المسلمين، فارجعوا نعلم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بحال القوم.

فقالوا جميعا: خالفت يا أبا بكر رسول اللّه، و ما أمرك به، فاتق اللّه و واقع القوم، و لا تخالف قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال: إني أعلم ما لا تعلمون. الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.

و رجعوا إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأعلن على المنبر: أن أبا بكر قد عصى أمره، و أنه لما سمع كلامهم: «انتفخ صدره، و دخله الرعب منهم» ثم قال «صلى اللّه عليه و آله» :

«و إن جبرئيل «عليه السلام» أمرني عن اللّه: أن أبعث إليهم عمر مكانه في أصحابه، في أربعة آلاف فارس، فسر يا عمر على اسم اللّه، و لا تعمل كما عمل أبو بكر أخوك، فإنه عصى اللّه و عصاني» .

و أمره بما أمر به أبا بكر.

فسار بهم يقتصد بهم في سيرهم، حتى نزل قريبا من القوم، و خرج إليه مئتا رجل، و قالوا له و لأصحابه مثل مقالتهم لأبي بكر.

فانصرف، و انصرف الناس معه، و كاد أن يطير قلبه مما رأى من عدة القوم و جمعهم، و رجع يهرب منهم.

فنزل جبرئيل «عليه السلام» و أخبر محمدا بما صنع عمر. .

فصعد «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخبرهم بما صنع عمر، و أنه خالف أمره و عصاه. .

فلما قدم عمر قال «صلى اللّه عليه و آله» : «يا عمر، عصيت اللّه في عرشه، و عصيتني، و خالفت قولي، و عملت برأيك، ألا قبح اللّه رأيك» .

ثم ذكر: أن جبرئيل «عليه السلام» أمره أن يرسل عليا «عليه السلام» مع الأربعة آلاف، و أن اللّه يفتح عليه و على أصحابه، ثم دعاه و أخبره بذلك. .

فخرج علي «عليه السلام» فسار بأصحابه سيرا غير سير أبي بكر و عمر، فقد أعنف بهم في السير، حتى خافوا أن ينقطعوا من التعب، و تحفى دوابهم، فقال لهم: لا تخافوا، فإن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمرني بأمر، و أخبرني: أن اللّه سيفتح عليّ، و عليكم، فأبشروا، فإنكم على خير، و إلى خير.

فطابت نفوسهم و قلوبهم، و واصلوا سيرهم التّعب، حتى نزلوا بالقرب منهم. .

فخرج إليه منهم مائتا رجل شاكين بالسلاح، فلما رآهم علي «عليه

السلام» خرج إليهم في نفر من أصحابه، فقالوا لهم: من أنتم؟ و من أين أنتم؟ و من أين أقبلتم؟ و أين تريدون؟

قال: أنا علي بن أبي طالب، ابن عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخوه و رسوله إليكم، أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا اللّه، و أن محمدا عبده و رسوله، و لكم ما للمسلمين، و عليكم ما عليهم من خير و شر.

فقالوا له: إياك أردنا، و أنت طلبتنا، قد سمعنا مقالتك، فاستعد للحرب العوان، و اعلم أنّا قاتلوك و قاتلوا أصحابك، و الموعود فيما بيننا و بينك غدا ضحوة، و قد أعذرنا فيما بيننا و بينك.

فقال لهم علي «عليه السلام» : ويلكم تهددوني بكثرتكم و جمعكم؟ ! فأنا أستعين باللّه و ملائكته و المسلمين عليكم، و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم.

فانصرفوا إلى مراكزهم، و انصرف علي «عليه السلام» إلى مركزه. فلما جنه الليل أمر أصحابه أن يحسنوا إلى دوابهم، و يقضموا، و يسرجوا.

فلما انشق عمود الصبح صلى بالناس بغلس، ثم غار عليهم بأصحابه، فلم يعلموا حتى وطئتهم الخيل، فما أدرك آخر أصحابه حتى قتل مقاتليهم، و سبى ذراريهم، و استباح أموالهم، و خرب ديارهم، و أقبل بالأسارى و الأموال معه.

و نزل جبرئيل فأخبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بما فتح اللّه على علي «عليه السلام» و جماعة المسلمين، فصعد المنبر، فحمد اللّه، و أثنى عليه، و أخبر الناس بما فتح اللّه على المسلمين، و أعلمهم أنه لم يصب منهم إلا رجلان.

و نزل فخرج يستقبل عليا «عليه السلام» في جميع أهل المدينة من

المسلمين حتى لقيه على أميال من المدينة.

فلما رآه علي مقبلا نزل عن دابته، و نزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى التزمه، و قبل ما بين عينيه.

فنزل جماعة المسلمين إلى علي «عليه السلام» حيث نزل رسول اللّه، و أقبل بالغنيمة و الأسارى، و ما رزقهم اللّه من أهل وادي اليابس.

ثم قال جعفر بن محمد «عليهما السلام» : ما غنم المسلمون مثلها قط إلا أن تكون خيبرا، فإنها مثل خيبر.

فأنزل اللّه تبارك و تعالى في ذلك اليوم: وَ اَلْعٰادِيٰاتِ ضَبْحاً. . إلى آخر الرواية (1).

و نقول:

إن لنا هنا وقفات نجملها على النحو التالي:

وادي اليابس:

إن كانت غزوة وادي اليابس هي نفس غزوة ذات السلاسل، كما يفهم من تطابق أحداثهما، فتكون وادي اليابس وراء وادي القرى، التي كانت من أرض الشام، و ليست من أرض المدينة، كما يظهر من كلام السمهودي (2).


1) البحار ج 21 ص 67-73 و تفسير القمي ج 2 ص 434-438 و تفسير فرات ص 599-602 و البرهان {تفسير} ج 4 ص 495-497 و نور الثقلين ج 5 ص 652-655 و التفسير الصافي ج 5 ص 361-365 و تأويل الآيات ص 844-848.

2) وفاء الوفاء ج 4 ص 1329 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 190.

و يظهر من كلامه أيضا: أن دومة الجندل بوادي القرى، و هي تبعد عن المدينة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة (1).

لماذا يعادون عليا عليه السّلام؟ !

إذا كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد جاء بما أغاظهم، من حيث أن فيه نقضا لما هم عليه من دين الآباء و الأجداد، فلما ذا هذا الحقد على علي «عليه السلام» ؟ ! أليس من أجل أنهم رأوا نكايته في أعداء اللّه، و شدته في دين اللّه، و نصرته المؤثرة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! . . حتى لقد هزم الشرك في بلاد العرب، و أذل عزه، و أبار كيده، و تبر ما علاه، و حطم و هدم ما بناه. .

أربعة آلاف:

قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بعث أربعة آلاف فارس مع أبي بكر، ثم مع عمر بن الخطاب.

فقد يقال: إن ذلك موضع ريب، لأن المسلمين كانوا من القلة بحيث لا يمكن أن يجهزوا هذا العدد الكبير. . و إنما كانت خيبر قبل ذلك بسنة، و لم


1) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 469 عن ابن سعد، و السيرة الحلبية ج 2 ص 277 و سيرة مغلطاي ص 54 و نهاية الإرب ج 17 ص 163 و المواهب اللدنية ج 1 ص 108 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 62 و تاريخ الإسلام للذهبي {المغازي} ص 23 و التنبيه و الإشراف ص 214 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266. و وفاء الوفاء ج 4 ص 1328 و عن عيون الأثر ج 2 ص 32 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 94 و البدء و التاريخ ج 4 ص 214.

يجهز لها النبي «صلى اللّه عليه و آله» سوى ألف و خمس مئة مقاتل. .

و يجاب: بأن المسلمين قد كثروا بعد خيبر بصورة ظاهرة، مكنت النبي «صلى اللّه عليه و آله» من إرسال ثلاثة آلاف مقاتل إلى مؤتة، و إنما كانت ذات السلاسل بعدها بأكثر من سنة. .

و ربما يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد استنفر العرب لحربهم-كما تقدم في بعض النصوص-فاستجابوا له لأكثر من سبب يقنعهم بأن من مصلحتهم مجاراة النبي «صلى اللّه عليه و آله» في ما يريد. . خصوصا بعد سقوط خيبر، و بعد الحديبية، و عمرة القضاء، و غزوة مؤتة.

تخريب الضياع و الديار:

و قد ذكر النص المتقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر أبا بكر بتخريب الضياع و الديار. .

و هذا يتنافى مع سياسته «صلى اللّه عليه و آله» ، و مع وصاياه لبعوثه، و ما أكثرها. . و قد تقدمت وصيته للجيش الذي أرسله إلى مؤتة، و فيها: «و لا تقربن نخلا، و لا تقطعن شجرا، و لا تهدمن بيتا» (1).

لما ذا هذا السير الرفيق؟ !

و قد ذكرت الرواية المتقدمة: أن أبا بكر قد سار بأصحابه سيرا رفيقا.


1) السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 69 و البحار ج 21 ص 60 عن المعتزلي، و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 146 و المغازي للواقدي ج 2 ص 758 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 66.

و هذا يعطيهم نفحة راحة تشعرهم بحب الدنيا، و الرغبة بتجنب ضرب السيوف، و ملاقات الحتوف، و عزوف أنفسهم عن تحمل المشاق و المتاعب.

و سيصبح من الصعب عليهم الانتقال المفاجئ من هذا النعيم و الهناء، إلى مواجهة الأخطار و البلاء، و الشقاء و العناء.

الإحسان إلى دوابهم:

و ذكرت الرواية: أن عليا «عليه السلام» قد أمر أصحابه في الليلة التي شن الغارة على أعدائه في صبيحتها: أن يحسنوا إلى دوابهم. . و ذلك بإنزال أحمالها عنها، و تقديم الماء و العلف لها. و جعلها في مكان مريح، و إبعاد جلها عنها، و نحو ذلك.

و هذا يجعلها أكثر حيوية و فاعلية في موقع النزال، فلا ينتابها التعب بسرعة، و لا يعرضها لحمل أكثر مما تطيق. .

على نفسها جنت براقش:

و بعد أن أعلن الأعداء الحرب على أمير المؤمنين «عليه السلام» و من معه، و قالوا: إنهم قاتلوه و من معه. . أصبح من المحتم عليهم أن يتوقعوا من الطرف الآخر أن يهتبل أية فرصة لإيراد ضربته القاصمة بهم. و ربما يواجههم بكثير من الأمور الخادعة، و الضربات الموجعة. .

و لا يلام علي «عليه السلام» في الإغارة عليهم في أية ساعة غفلة يرصدها فيهم، بل ذلك هو غاية الحزم، و التدبير الذكي، الذي يستحق عليه الثناء و التقدير، لأنه يحفظ بذلك أهل الإيمان، و يوقع بأهل البغي و الطغيان، و يبطل كيدهم، و يخلص الناس من شرهم. .

السرعة. . و المفاجأة:

و يلاحظ هنا: سرعة حسم علي «عليه السلام» لأمر الحرب لصالح أهل الإسلام، و قد ألحق بأعدائه أفدح الخسائر، من دون أن تلحق بأهل الإيمان خسائر تذكر، حيث لم يصب منهم إلا رجلان. .

أبو بكر يخوف أصحابه:

و إذا عدنا بالحديث إلى أبي بكر، فلا بد أن يستوقفنا تخويفه لأصحابه بكثرة عدد و بحسن عدة أعدائهم؟ ! . .

ألم يكن يعلم: أنه لم يكن لهم في كل حروبهم السابقة-رغم كثرتها-أية فرصة للتكافؤ مع أعدائهم في العدد و العدة؟ ! بل كانت كلها أبعد عن هذا الأمر، مما هي عليه في هذه السرية؟

فقد كان الجيش الذي يقوده أبو بكر أكبر جيش جهزه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» حتى ذلك الوقت، حيث بلغ أربعة آلاف مقاتل حسبما ذكرته الرواية المشار إليها.

فلماذا يثير أمامهم حتى مجرد احتمال الحاجة إلى المدد و العون؟ ! . و هل حدث في أي من الحروب الكثيرة و الخطيرة السابقة، أن أمدوا أي سرية و جيش بمال، أو رجال؟ ! .

لا نريد إلا محمدا و عليا! !

و الغريب في الأمر: أن يعلن هؤلاء الناس لأبي بكر: أنهم لا يريدون إلا شخص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و نفس علي «عليه السلام» . ثم

يرضى أبو بكر بالرجوع عنهم، و لا تثور حفيظته، و لا يزيد تصميمه على حربهم و قتالهم، بل ظنهم أن يسلّم أصحاب محمد محمدا «صلى اللّه عليه و آله» لأعدائه ليقتلوه. إن لم نقل: إنه قد صدق ظنهم فعلا.

و بذلك يكون قد أظهر للناس: أن المسلمين لا يدافعون عن دينهم و نبيهم، و إنما كل همهم هو حفظ أنفسهم، حين يجدون أنهم هم المستهدفون بالحرب. . فلو حادت الأمور عنهم، فربما لا يدخلون في الحرب بجد و حماس كهذا الذي يعاينه الناس منهم. .

بل إذا كان هذان الشخصان، و هما النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» يشكلان مشكلة حقيقية لأتباعهما، فقد يفكر هؤلاء الأتباع بحلول وسط، تزيل أية مشكلة بينهم و بين الناس، و قد يفكرون بالتخلي عن محمد و علي صلوات اللّه و سلامه عليهما في يوم من الأيام.

و لا ندري إن كان أبو بكر قد فكر بالسبب الذي دعا هؤلاء الأعداء، للحرص على قتل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و علي «عليه السلام» ، مع أنه ربما لا يكون فيما بينهما و بينهم أية مشكلة، إذ لم يكن لهم عندهم ما يعتبره أهل الجاهلية ثارات و لا غير ذلك. .

و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو صاحب الدعوة، و كانت هي ذنبه الأكبر عند أهل الشرك. فلما ذا الحقد على علي «عليه السلام» ؟ ! الذي هو تابع لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كسائر الصحابة الذين كانوا معه. .

الشاهد يرى ما لا يرى الغائب:

و أغرب ما سمعناه هنا: أن يقول أبو بكر لأصحابه: «الشاهد يرى ما

لا يرى الغائب» ، فأي شيء رآه أبو بكر لم يره أصحابه الذين كانوا معه؟ ! . .

و هل كانت هناك أمور غائبة حقا؟ ! أم أن كل شيء كان واضحا، و مكشوفا للناس كلهم؟ !

و ما الذي علمه أبو بكر، و جهله غيره، ليصح له القول: «إني أعلم ما لا تعلمون» ؟ !

و ليس لنا أن نؤيد احتمال أن تكون هناك اتصالات، أو اتفاقات سريّة بين أبي بكر هو و بين أهل وادي اليابس. . لم يعلم و لم يشارك بها سواه، و غاب عنها جميع من كانوا معه.

و ذلك لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أزال هذا الاحتمال حين رجع أبو بكر، فصعد «صلى اللّه عليه و آله» المنبر، و خطب الناس، و أخبرهم بأن سبب هزيمة أبي بكر هو الخوف و الجبن، فقد قال في خطبته:

«فلما سمع كلامهم، و ما استبقلوه به انتفخ صدره، و دخله الرعب منهم، و ترك قولي، و لم يطع أمري» .

و مهما يكن من أمر، فإن إحالة أبي بكر الأمر على مجهول دليل على أنه لم يكن قادرا على التبرير المقنع و المعقول.

فارجعوا نعلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

و الذي زاد الأمر تعقيدا: أن أبا بكر لم يجد بين أربعة آلاف رجل حتى رجلا واحدا يوافقه على ما يريد. .

بل أعلنوا جميعا: أن قراره هذا يخالف أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أن عليه أن يتقي اللّه، و لا يصر على رأيه. فإن أمر رسول اللّه «صلى

اللّه عليه و آله» كان محددا و واضحا.

و الأهم من ذلك: أن ما زعم أنه يريد أن يخبر به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كان نفس الرسول «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبره به علنا، و في خطبة عامة على المنبر في المسجد، و قد سمعها الجميع، فذكر لهم «صلى اللّه عليه و آله» عدد الأعداء الذين يرسلهم إليهم، و بما تعاقدوا عليه بصورة تفصيلية. .

كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أزاح احتمال أن يكون قد عرف ذلك من حملة الأخبار و من الأرصاد، الذين قد يهمون، و يخطئون، و قد يكذبون أيضا-فأخبرهم «صلى اللّه عليه و آله» بأن جبرئيل «عليه السلام» هو الذي أخبره.

بل إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبرهم بأن جبرئيل أيضا هو الذي أمره بإرسال أبي بكر في أربعة آلاف. .

و ذلك يعني: أن أبا بكر قد تمرد على الأمر الإلهي، و لذلك استحق أن يخطب النبي «صلى اللّه عليه و آله» الناس، و يخبرهم بمخالفة أبي بكر لأمر اللّه تعالى.

و ملاحظة أخيرة و هامة نذكرها هنا، و هي: أنه إذا كان جبرئيل هو الذي نقل الأمر الإلهي بإرسال أبي بكر، فذلك يعني أن اللّه سبحانه هو الذي يريد أن يرى الناس هزيمة أبي بكر، و جبنه، و مخالفته لأمر اللّه تعالى، و أمر رسوله. . لأن اللّه يعلم بما سيكون من أبي بكر. .

فهل المقصود هو تعريف الناس بأن أبا بكر ليس أهلا، لما يسعى للحصول عليه؟ أم أن ثمة سرا آخر؟ !

عمر أخو أبي بكر، و علي عليه السّلام أخو النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ورد في كلام رسول اللّه قوله لعمر: «و لا تعمل كما عمل أبو بكر أخوك» .

و لكنه وصف عليا «عليه السلام» على المنبر أيضا في الخطبة الأولى بأنه أخوه، فقال: «حتى يقتلوني، و أخي علي بن أبي طالب» .

كما أن عليا «عليه السلام» قد وصف نفسه لأهل وادي اليابس بقوله:

«ابن عم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أخوه» . و أهل الوادي أيضا وصفوه بالأخوة لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما ظهر من قولهم لأبي بكر. .

و قد عمل كل واحد من الأخوين ما يناسب عمل أخيه، و أخلاقه، و حالاته. .

فالرسول «صلى اللّه عليه و آله» المطيع للّه سبحانه و تعالى في كل شيء كان له أخ مثله في ذلك. .

و أبو بكر الذي عصى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رغم التنبيه و التحذير، له أخ مثله في ذلك أيضا.

و اللافت: أن عمر قد سار في أصحابه سيرا رفيقا، كما سار بهم أبو بكر، ثم هرب من الأعداء كما هرب، و عاش الرعب و الخوف كما عاش.

كما أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حين حذره من أن يعمل مثل عمل أخيه، كأنه أشار إلى أن أخوته له هي التي تثير هذا التوقع منه، و هذا يدل على أن هذه الأخوة قد جاءت على أساس ملاحظة قواسم مشتركة بين الرجلين، ينشأ عنها توافق في السلوك و في المواقف. .

ذنب عمر أعظم:

و قد اظهرت كلمات النبي «صلى اللّه عليه و آله» التي واجه بها عمر بن الخطاب أن الذنب الذي ارتكبه عمر كان أعظم عند اللّه من ذنب أبي بكر. . و ذلك للأسباب التالية:

1-إنه قد جاء بعد التنبيه و التأكيد.

2-إنه بعد ظهور كونه معصية للّه سبحانه، و لرسوله.

3-و بعد التنديد العلني بهذا العمل الشنيع. .

فلا مجال بعد هذا كله لتوهم أن شيئا ما قد خفي على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و أنه يريد أن يعلمه به، و لا مجال أيضا لاحتمال أن تكون بعض الأمور التي أخبر عنها قد جاءت على سبيل الحدس و التخمين. . و لا مجال أخيرا لاحتمال أن تأتي الأحكام مختلفة و متفاوتة من واقعة لأخرى، أو من حال إلى حال. .

الفتح على يد علي عليه السّلام:

و قد أخبر جبرئيل: أن اللّه تعالى يفتح على علي «عليه السلام» و على أصحابه. . مبينا بكل هذه الأحداث المتتابعة: أن هناك سياسية إلهية لتعريف الناس بأن اللّه سبحانه و تعالى يرعى مسيرة هذه الرسالة، و يواكب تحركات من يدبرون في الخفاء للعبث بالتدبير الإلهي، و سوق الأمور باتجاه آخر، يخدم مصالحهم، و يحقق طموحاتهم. .

و لأجل ذلك اختار اللّه أبا بكر أولا، ثم اختار عمر ثانيا ليظهر للملأ أنهما ليسا في الموقع الذي يضعان نفسيهما فيه، و لم يكونا مؤهلين لما يطمحان

للاستئثار به، و سلبه من صاحبه الشرعي. .

ثم اختار عليا «عليه السلام» ثالثا. مع التصريح بان الفتح سيكون على يديه، ليعلمهم: أن اللّه مطلع على دخائل نفوسهم، و اللّه قد اختاره لعلمه بأنه هو الذي يوصل السفينة إلى شاطئ السلام.

الفتح لعلي عليه السّلام و أصحابه:

و قد وجدنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اكتفى بتبديل القائد، و أما الجيش نفسه، فأبقاه على ما هو عليه، و لم يستبدل منه حتى رجلا واحدا، و قد كانت الهزيمة من نصيب هذا الجيش مرتين متواليتين، مع نفس العدو و مع تقارب الزمان و في نفس المكان، و في نفس الظروف، و بنفس الأسلوب، و بعين الكلمات التي استخدمت، و نفس الخطاب و الجواب. .

و كان النصر حليفا لهذا الجيش نفسه، مع ذلك العدو بالذات، و في نفس الحالات، و في الزمان و المكان عينه، رغم أن القائدين الأولين قد سارا بهذا الجيش سيرا رفيقا، أو مقتصدا يحببهم بقائدهم. أما الأمير الثالث، فقد بهم في السير، حتى خافوا أن ينقطعوا من التعب، و أن تحفى دوابهم. . و لا بد أن يثقل أمر هذا القائد عليهم، و تتجافى عنه قلوبهم، و لا يندفعون في محبته، و في طاعته بالمقدار الذي يحظى به اللذان سبقاه. .

و لكن النتائج جاءت معاكسة تماما، فقد تحقق النصر، و كان الفتح و العز و الكرامة نصيبهم معه، و كانت الهزيمة و المذلة، و المعصية للّه في عرشه و لرسوله مع ذينك الأولين.

و هذا مثل للبشر جميعا، يحمل لهم العبرة، و العظة، و يدعوهم للتأمل

العميق، و الفكر الدقيق، حملته لنا كلمته «صلى اللّه عليه و آله» لعلي «عليه السلام» عن جبرئيل: «فأخبرني: أن اللّه يفتح عليه، و على أصحابه» . .

فقد نسب الفتح إلى اللّه، الذي حبا به عليا «عليه السلام» و أصحابه معا، مع أن الإنسان العادي قد يتوقع تخصيص الفتح بعلي دون أصحابه، الذين هزموا مع القائدين اللذين سبقاه. .

و لكن اللّه و رسوله يريدان لنا أن ندرك حقيقة أن القيادة الصالحة، هي التي تعطي المواقف، و تغير من أحوال الرعية، و تؤثر في توجهاتها و مواقفها، و تعطيها صلابة في الدين، و ورعا في يقين، و تحملها على الصراط المستقيم، و لو لم تصدر لها أمرا، أو تفرض عليها قرارا، أو تبتز منها موقفا.

و هي التي تثير حميتها و إباءها، و تمنحها نفحة الشجاعة و الإقدام، أو التخاذل و الإحجام. .

و قد ظهر ذلك في هذه الغزوة بصورة جلية و واضحة، فقد ساقهم موقف أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى مواقع العزة و الكرامة و الإباء، و أعطاهم نفحة من نفحات الشجاعة، و الشعور بالكرامة. ففتح اللّه عليه و عليهم، وفق ما قاله الرسول الأكرم و الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» له و لهم.

تطمينات علي عليه السّلام لأصحابه:

و حين سار علي «عليه السلام» باصحابه ذلك السير الحثيث الذي أتعبهم، فإنه يكون قد أفهمهم بذلك بأن ثمة جدية حقيقية في إنجاز أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أحسن وجه و أتمه.

و لعلهم أصبحوا يتخوفون من أن يكون للتعب الذي لحقهم في

مسيرهم هذا دورا في خسارتهم الحرب التي يترقبونها. . فأراد «عليه السلام» أن يطمئنهم، و لكن لا بالوعود المادية و لا بالخطب الحماسية، بل بإعطائهم جرعة إيمانية روحية تتولى هي شحذ عزائمهم، و تقوية ضعفهم، و تعطيهم المزيد من الرضا و السعادة و البهجة، و ذلك بالاعتماد على الغيب الذي يربطهم باللّه سبحانه، و برسوله.

فذكر لهم قول رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بصيغة الإخبار من النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» لهم بالفتح العظيم.

و الخبر من النبي «صلى اللّه عليه و آله» معناه: أن اللّه سبحانه هو الذي عرف رسوله به، و أطلعه على غيبه. . فليس الأمر مجرد تفاؤل، و لا هو كلام لمجرد التشجيع، و إثارة الحماس. .

و لذلك يصرح النص المتقدم: بأن نفوسهم قد طابت و قلوبهم قد اطمأنت، و واصلوا سيرهم الشاق، و زالت عنهم الوساوس و المخاوف. .

علي عليه السّلام أخو النبي و رسوله إليكم:

و لم نعهد في الذين آخى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بينهم أن يذكروا هذه الأخوة في مواقع إبلاغ رسائل الحرب و القتال، لا سيما و أنها أخوة أنشأها و جعلها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و ليست أخوة نسب. .

و لكن عليا «عليه السلام» قد فعل ذلك، و أبلغ هذا العدو المحارب بهذه الحقيقة، حين قال لهم: إنه أخو النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و رسوله إليهم.

و لعله أراد أن يفهمهم أن موقفه منهم يحدده موقفهم من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . . و أنه لا مجال للفصل في حسابات الربح و الخسارة

بين علي كشخص، و بين علي الشريك مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في الأخوة، و في العمل على حفظ الرسالة، من خلال حفظ الرسول، فإن ذلك هو الذي يوصل إلى حفظ هذا الدين و الذود عن حياضه.

علي عليه السّلام لا يحتكر النصر:

و رغم أن عليا «عليه السلام» قد حقق المعجزات في تاريخه الجهادي الطويل، و لا سيما حين قلع باب خيبر، و جعله ترسا يدفع به ضرب السيوف، و طعن الرماح، ثم حمله جاعلا منه معبرا للجيش، بالإضافة إلى أعظم الإنجازات القتالية في بدر، و أحد، و الأحزاب، و قريظة، و النضير، و ما إلى ذلك. .

و لكنه لا يتهدد الأعداء بقوته، و لا يذكر لهم مواقفه هذه، بل هو يكتفي باستنكار تهديد الأعداء له، ثم هو يستعين باللّه، و بالملائكة، و بالمسلمين عليهم، و يخبرهم أن كل حول و قوة لديه إنما هو من اللّه، و به سبحانه و تعالى. .

و هذا يعطي المسلمين نفحة روحية، و يذكرهم بنصر اللّه لهم في بدر، حين أمدهم بالملائكة في سائر المواطن. و لا بد أن يحدث هذا التذكير بلبلة حقيقية في قلوب الكافرين، و طمأنينة و سكينة في قلوب المؤمنين، لأن له سابقة أثبتت صحة هذا المنطق و قوته، و ظهرت نتائجه نصرا مؤزرا في حروب صعبة و هائلة، لا بد أن تبقى الأجيال تتمثله كحدث تاريخي فريد، و كيوم من أيام الإسلام مجيد. .

و لا بد أن يترك إشراك علي «عليه السلام» للمسلمين في هذا العمل

الجهادي أثرا طيبا في نفوسهم. . لأن الذي يعطيهم هذا الوسام هو نفس علي الذي لا يرتاب أحد في مقامه الجهادي و الإيماني العظيم، و لا يشك أحد في صدقه، و في تجربته، و في خبرته بالحرب، و لشهادته هذه قيمة كبيرة لديهم، و لا بد أن يهتم كل أحد في أن يحصل على أدنى لفتة من علي، أعظم مجاهد على وجه الأرض، فكيف بما هو أكثر من ذلك. .

يضاف إلى ذلك: أن هذا المنطق العلوي، الذي أوضح: أن اللّه و ملائكته سوف يساهمون في تسجيل هذا النصر، لا بد أن يصعّب على المتخاذلين، و على غيرهم اتخاذ قرار الانسحاب من المعركة، و سيفرض على الجميع بذل جهد، و درجة تحمل و صبر أعلى و أكبر مما اعتادوا عليه في الحالات الأخرى. .

هل خرّب علي عليه السّلام ديارهم؟ !

و أما ما ذكرته الرواية: من أن عليا «عليه السلام» قد خرب ديار الأعداء. . فلا بد من التروي في قبوله. . إذ قد يقال: إن أوامره «صلى اللّه عليه و آله» بعدم التعرض للديار و الأشجار، حسبما تقدم في غزوة مؤتة لا يتلاءم مع هذا الذي ورد في هذه الرواية. . إلا إذا فرضت الحرب نفسها إجراءات تؤدي إلى شيء من ذلك، من حيث توقف تحقيق النصر، على ذلك. .

و كذا إذا احتاج حفظ أرواح المسلمين، أو احتاج المسلمون أنفسهم إلى قطع السبيل على أعدائهم و منعهم من تجديد القوى، و معاودة الفساد و الإفساد، و خلق المتاعب و العبث بأمن أهل الإسلام. .

أصول الحرب في سورة العاديات:

و قد ذكرت الروايات المختلفة، و هذه الرواية أيضا: أن سورة العاديات قد نزلت في هذه الغزوة-غزوة ذات السلاسل-أو وادي اليابس-.

و الذي يلاحظ سير الأحداث فيها، و يلاحظ أيضا ما حكته سورة «و العاديات» نفسها، سيجد: أن هذه السورة قد تضمنت أصول الحرب كلها. . و أن عليا «عليه السلام» قد راعاها في هذه الغزوة بالذات. .

و نحن نشير إلى ذلك باختصار فيما يلي:

1-إنه حين يقسم اللّه سبحانه بأمر بعينه، فذلك يعني أن لهذا الأمر أهمية كبيرة، و أنه محبوب و مطلوب له تعالى، لأن له موقعا كبيرا و أساسيا في المنظومة التي يريد اللّه سبحانه لها أن تؤثر في إنجاز الأهداف الإلهية الكبرى في إيصال الإنسان، و ما في هذا الكون إلى كماله. .

2-و حين أقسم اللّه تبارك و تعالى بالعاديات، و بالموريات، الخ. . فإنه لم يخرج عن هذه القاعدة؛ فالخيل التي تعدو في سبيل اللّه، و تسرع في هذا العدو إلى الحد الذي تضبح معه بأنفاسها، كما قال تعالى: وَ اَلْعٰادِيٰاتِ ضَبْحاً (1). فإنها تكون قد بلغت أقصى مدى في سرعة الحركة، التي لها دور هام و حاسم في الحرب.

و قد فسر الضبح: بأنه «صوت أنفاس الفرس، تشبيها بالضباح، و هو صوت الثعلب.

و قيل: هو حفيف العدو، و قد يقال ذلك: للعدو.


1) الآية 1 من سورة العاديات.

و قيل: الضبح كالضبع، و هو مد الضبع في العدو الخ. .» (1). أي حتى لا يجد مزيدا (2).

و المراد بالضبع هنا: وسط العضد بلحمه، أو العضد كله، أو الإبط (3).

و قيل: الضبح: صوت أجواف الخيل إذا عدت، ليس بصهيل و لا حمحمة (4).

3-إن عدو الخيل هذا يشير إلى أنها دائمة الإنتقال من مكان إلى مكان، و أنه انتقال سريع، و هذا من شأنه أن يحرم العدو من فرصة رصدها في مكان بعينه، و أن يفقده القدرة على التخطيط لأي عمل يمثل لها خطرا، أو يلحق بها ضررا. .

4-إن شدة اندفاع الخيل في هجمتها تحتم على ذلك العدوّ أن يتراجع عن موقعه، و أن يتخلى عن حالة الثبات و الطمأنينة، دون أن يملك قدرة العودة إلى ذلك الموقع، و هذه حركة لا يختارها المحارب، الذي يملك زمام المبادرة، و يكون له الإختيار.


1) المفردات للراغب ص 292.

2) البحار ج 21 ص 66 عن مجمع البيان ج 10 ص 528 و 529 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 421 و 422.

3) راجع أقرب الموارد، مادة: ضبع و راجع: بدائع الصنائع ج 1 ص 210 و كتاب العين ج 1 ص 284 و لسان العرب ج 8 ص 216.

4) البحار ج 21 ص 66 عن مجمع البيان ج 10 ص 528 و 529 و {ط مؤسسة الأعلمي} ص 421 و 422 و كتاب العين للفراهيدي ج 3 ص 110 و لسان العرب ج 2 ص 543 و القاموس المحيط ج 1 ص 226 و تاج العروس ج 2 ص 186.

فحالة الضعف و الوهن التي ظهرت لديه هي التي فرضت عليه هذه الحركة التخاذلية.

5-إنه إذا صاحب هذا الاندفاع القوي للخيل كيفيات و حالات خاصة، مثل الأصوات أو الهيئات المخيفة، و منها صوت ضبح الخيل الذي يدعوهم لتصور حجم اندفاع عدوهم نحوهم، ثم صاحب ذلك لمعات نارية خاطفة و كثيرة، حين تقدح الخيل الشرر بحوافرها، فسوف يتشارك لدى ذلك العدوّ السمع و البصر في رسم صورة الخطر الداهم، و ما يحمله من عنف، يزعزع ثباته، و يهزمه في عمق وجوده.

بل قد يوجب قدح النار تحت حوافر الخيل نشوء حالة تضليلية، من خلال تلهي أفراد العدو بالنظر إليها، و إثارة التكهنات حولها، فتتهيأ الفرصة لمفاجأتهم بالقتال المرير، و الضاري.

هذا كله، عدا عن أن قدح النار من حوافر الخيل، من شانه أن يبهج روح فرسانها و يقوي من اندفاعهم، ما دام أنه ناتج عن حركتهم و فعلهم.

6-و يأتي بعد ذلك كله عنصر المفاجأة بالقتال، بشتى أنواعه، التي يحتاج العدو في تحرزه منها إلى حركات متفاوتة في مداها و في اتجاهاتها، شريطة أن تكون بالغة السرعة، و قوية التأثير. .

و لن يكون الإنتقال إلى هذه الحركات سهلا و ميسورا، إلا لأقل القليل من الناس.

فكيف إذا كان هؤلاء المقاتلين في صفوف العدو، لا يقومون بعمل قد اختاروه لأنفسهم، بل تكون حركتهم مجرد رد فعل، يفقدون معه أي خيار، أو اختيار لموقع القتال و لأسلوبه، فضلا عن عجزهم عن استهداف أي نقطة

بالقتال، فضلا عن الضعف الذي سوف يعتري طبيعة حركاتهم القتالية نفسها. .

و الخلاصة: أن هذه المفاجأة بالقتال لا بد أن تربكهم، و تمنعهم من التأمل و من التدبر و التدبير، و تدارك خطة مدروسة لمواجهة الموقف.

7-إن للتوقيت و تحديد ساعة الصفر أهمية بالغة في النجاح في الحرب، فإن المفاجأة إذا كانت في وقت الصبح على قاعدة: فَالْمُغِيرٰاتِ صُبْحاً (1)، فلا بد أن تكون فرص النجاح أكبر و أوفر، لأن الفريق الذي لم يكلف بمهمات قتالية، و لو بمثل الرصد و الحراسة، يميل في هذه الساعة إلى أن يخلد للراحة، ظنا منه أن غيره يشاركه في هذا الميل، فينسجم ظنه هذا مع رغبته تلك، و يستسلم من ثم لأحلامه اللذيذة، و تأخذه سنة الكرى، و هو أكثر طمأنينة، و أبعد عن التفكير فيما يزعج و يثير.

و أما المكلف بالرصد أو بالحراسة، فإنه إذا كان قد سهر الليل، حتى بلغ ساعات الصباح الأولى، فلا بد أن يتنفس هذا الساهر المرهق في هذا الوقت الصعداء، و يحسب أنه قد أنهى مهمته، و أن عليه أن يستريح، و يعوض جسده عن هذا السهر الطويل، بالنوم المستغرق و العميق. .

و هذا كله يجعل المفاجأة لهؤلاء و أولئك كبيرة و خطيرة؛ حيث يكون الراصد و الحارس في أقصى حالات الإرهاق، و يكون غيره من الناس مستغرقا في أحلامه، و لن يكون قادرا على الإنتقال من حالة الإسترخاء الشديد بأقصى درجاته إلى حالة الإستنفار، بل إلى الدخول في أعنف


1) الآية 3 من سورة العاديات.

حالات الحركات القتالية، التي لا يقتصر الأمر فيها على أن يفكر في الأسلوب و في الطريقة القتالية التي يختارها و حسب. بل عليه أن يفكر في اكتشاف الحركة القتالية للعدو أولا، ثم يعود إلى نفسه ليفكر فيما يمتلكه من وسائل دفعها، و في كيفية استعمال تلك الوسائل بما يناسب حركة العدو هذه. .

و في سياق آخر نقول:

إن المغير يعرف هدفه، و قد حدده و رسم خطة للتعامل معه، و هو ينفذ ما رسم.

أما الذين يغير غيرهم عليهم، فلا يعرفون شيئا عن مواقع المهاجمين أو عن خطتهم، أو حالاتهم، و ليس لديهم أية وسيلة لكشف ذلك فيهم، لأن العين و هي حاسة الرؤية تكون معطلة بسبب الظلمة، و النور الضئيل الذي ربما يكون قد بدأ ينتشر إنما هو في مستوى محدود، و لا يغير من الواقع شيئا. .

بل إنه حتى في حالات الحرب في العصور الحديثة، فمن جهة تكون أجهزة الرصد غير ذات أثر، فيما بين طلوع الفجر و طلوع الشمس، و كذلك بعد غياب الشمس إلى مضي حوالي ساعة من أول الليل، و من جهة تكون العين المجردة محجوبة بالظلمة، أو تكون دائرة عملها محاصرة و محدودة بمقدار النور الذي استطاع أن يقتحم جحافل الظلام، و أن يتسلل إلى ثنايا تراكماته المهيمنة. .

8-و هنا يأتي دور النقع و الغبار، الذي يثور في ساحة المعركة، بسبب سرعة حركة الخيل المغيرة، ليكون الساتر، و المانع من الاستفادة من كمية

النور الضئيلة، التي تسللت إلى الأفق فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

كما أن لهذا النقع دورا في إرباك حركة العدو، و في التأثير على مخيلته، و يهيء الفرصة لتوهم كيفيات و صور قتالية ضخمة و مهولة، لا وجود لها في الواقع.

و من شأن هذا أيضا أن يزيد ذلك العدو ضعفا و وهنا، و يؤكد هزيمته الروحية، و ربما يكون سببا في مبادرته إلى هدر طاقات، و بذل جهد في غير الاتجاه الصحيح.

9-ثم يأتي دور تلك الخيل العادية في الالتفاف على العدو، و محاصرته بسرعة حسبما أشير إليه في قوله تعالى: فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (1)، حتى إذا رأى العدو أنه يواجه القتال في كل اتجاه، فإنه لا بد أن يصاب بالإحباط، و باليأس من أن تتيح له المقاومة شيئا ذا بال، و ستتأكد لديه القناعة بأنه لا فائدة من الاستمرار فيها، لأن حصادها لن يكون في هذه الحال سوى أن يصبح طعمة للسيوف، و أن يلاقي الحتوف، و في مثل هذه الحال سيرى: أن الاستسلام هو الأرجح و الأصلح.

و قد أظهرت النصوص المنقولة، و كذلك نزول هذه السورة المباركة في هذه المناسبة: أن عليا «عليه السلام» قد طبق هذه الأمور كلها في غزوة ذات السلاسل.

فصلوات اللّه و سلامه على علي، سيد الوصيين، و قائد الغر المحجلين، إلى جنات النعيم.


1) الآية 5 من سورة العاديات.

سرية علي عليه السّلام إلى بني خثعم:

عن سلمان الفارسي رحمه اللّه قال: بينما أجمع ما كنا حول النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما خلا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» إذ أقبل أعرابي بدوي، فتخطى صفوف المهاجرين و الأنصار حتى جثا بين يدي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسأله النبي عن نفسه، و ما جاء به، فأخبره أنه رجل من بني لجيم.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «ما وراك بما جاء لجيم» ؟

قال: يا رسول اللّه خلفت خثعم، و قد تهيأوا و عبأوا كتائبهم، و خلفت الرايات تخفق فوق رؤسهم، يقدمهم الحارث بن مكيدة الخثعمي في خمسمائة من رجال خثعم، يتألّون باللاّت و العزى أن لا يرجعوا حتى يردوا المدينة، فيقتلوك و من معك يا رسول اللّه.

قال: فدمعت عينا النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى أبكى جميع أصحابه، ثم قال: «يا معشر الناس سمعتم مقالة الاعرابي» ؟

قالوا: كلّ قد سمعنا يا رسول اللّه.

قال: «فمن منكم يخرج إلى هؤلاء القوم قبل أن يطؤنا في ديارنا و حريمنا، لعل اللّه يفتح على يديه، و أضمن له على اللّه الجنة؟

قال: فو اللّه ما قال أحد: أنا يا رسول اللّه.

قال: فقام النبي «صلى اللّه عليه و آله» على قدميه و هو يقول: «معاشر أصحابي هل سمعتم مقالة الأعرابي» ؟

قالوا: كلّ قد سمعنا يا رسول اللّه.

قال: «فمن منكم يخرج إليهم قبل أن يطؤنا في ديارنا و حريمنا، لعل اللّه

أن يفتح على يديه، و أضمن له على اللّه اثني عشر قصرا في الجنة» .

قال: فو اللّه ما قال أحد: أنا يا رسول.

قال: فبينما النبي «صلى اللّه عليه و آله» واقف إذ أقبل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، فلما نظر إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» واقفا و دموعه تنحدر كأنها جمان انقطع سلكه على خديه لم يتمالك أن رمى بنفسه عن بعيره إلى الأرض، ثم أقبل يسعى نحو النبي «صلى اللّه عليه و آله» يمسح بردائه الدموع عن وجه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو يقول: ما الذي أبكاك؟ لا أبكى اللّه، عينيك يا حبيب اللّه! هل نزل في أمتك شيء من السماء؟

قال: «يا علي، ما نزل فيهم إلا خير، و لكن هذا الأعرابي حدثني عن رجال خثعم بأنهم قد عبأوا كتائبهم.

ثم ذكر له ما جرى، فطلب منه أن يصف له القصور، فوصفها له.

فقال: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» : فداك أمي و أبي يا رسول اللّه، أنا لهم.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «يا علي، هذا لك و أنت له، أنجد إلى القوم» .

فجهزه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في خمسين و مائة رجل من الأنصار و المهاجرين، فقام ابن عباس رضي اللّه عنه و قال: فداك أبي و أمي يا رسول اللّه تجهز ابن عمي في خمسين و مائة رجل من العرب إلى خمسمائة رجل و فيهم الحارث بن مكيدة يعد بخسمائة فارس؟ !

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : «امط عني يا ابن عباس، فو الذي

بعثني بالحق لو كانوا على عدد الثرى و عليّ وحده لأعطى اللّه عليهم النصر حتى يأتينا بسبيهم أجمعين» .

فجهزه النبي «صلى اللّه عليه و آله» و هو يقول: «اذهب يا حبيبي، حفظ اللّه من تحتك، و من فوقك، و عن يمينك، و عن شمالك، اللّه خليفتي عليك» .

فسار علي «عليه السلام» بمن معه حتى نزلوا بواد خلف المدينة بثلاثة أميال يقال له: وادي ذي خشب، قال: فوردوا الوادي ليلا، فضلوا الطريق، قال: فرفع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» رأسه إلى السماء و هو يقول: يا هادي كل ضال، و يا مفرج كل مغموم، لا تقو علينا ظالما، و لا تظفر بنا عدونا، و اعهدنا إلى سبيل الرشاد.

قال: فإذا الخيل يقدح بحوافرها من الحجارة النار، حتى عرفوا الطريق فسلكوه، فأنزل اللّه على نبيه محمد: وَ اَلْعٰادِيٰاتِ ضَبْحاً. . يعنى الخيل فَالْمُورِيٰاتِ قَدْحاً قال: قدحت الخيل بحوافرها من الحجارة النار فَالْمُغِيرٰاتِ صُبْحاً قال: صبحهم علي مع طلوع الفجر.

و كان لا يسبقه أحد إلى الأذان، فلما سمع المشركون الاذان قال بعضهم لبعض: ينبغي أن يكون راعي في رؤوس هذه الجبال يذكر اللّه.

فلما أن قال: أشهد أن محمدا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

قال بعضهم لبعض: ينبغى أن يكون الراعي من أصحاب الساحر الكذاب.

و كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» لا يقاتل حتى تطلع الشمس، و تنزل ملائكة النهار.

قال: فلما أن دخل النهار، التفت أمير المؤمنين «عليه السلام» إلى

صاحب راية النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال له: ارفعها.

فلما أن رفعها، و رآها المشركون عرفوها، و قال بعضهم لبعض: هذا عدوكم الذي جئتم تطلبونه، هذا محمد و أصحابه.

قال: فخرج غلام من المشركين، من أشدهم بأسا، و أكفرهم كفرا، فنادى أصحاب النبي: يا أصحاب الساحر الكذاب، أيكم محمد؟ فليبرز إليّ.

فخرج إليه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» و هو يقول: ثكلتك أمك أنت الساحر الكذاب، محمد جاء بالحق من عند الحق، قال له: من أنت؟

قال: أنا علي بن أبي طالب، أخو رسول اللّه، و ابن عمه، و زوج ابنته.

قال: لك هذه المنزلة من محمد؟

قال له علي: نعم.

قال: فأنت و محمد شرع واحد، ما كنت أبالي لقيتك أو لقيت محمدا، ثم شد على علي و هو يقول:

لا قيت يا علي ضيغماقرما كريما في الوغا معلّما

ليث شديد من رجال خثعماينصر دينا معلما و محكما

فأجابه علي بن أبي طالب «عليه السلام» و هو يقول:

لا قيت قرنا حدثا و ضيغما (1)ليثا شديدا في الوغا غشمشما

أنا علي سأبير خثعمابكل خطّيّ يري النقع دما

و كل صارم يثبت الضرب فينعما (2)


1) هذا الشعر ورد كذلك، و لا يخفى عدم استقامة الوزن في هذا الشطر.

2) هذا الشطر غير مستقيم الوزن.

ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه، فاختلف بينهما ضربتان، فضربه علي «عليه السلام» ضربة فقتله، و عجل اللّه بروحه إلى النار، ثم نادى أمير المؤمنين «عليه السلام» : هل من مبارز؟

فبرز أخ للمقتول، و حمل كل واحد منهما على صاحبه، فضربه أمير المؤمنين «عليه السلام» ضربة، فقتله و عجل اللّه بروحه إلى النار، ثم نادى علي «عليه السلام» : هل من مبارز؟

فبرز له الحارث بن مكيدة و كان صاحب الجمع، و هو يعد بخمسمائة فارس، و هو الذي أنزل اللّه فيه: إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ، قال: كفور وَ إِنَّهُ عَلىٰ ذٰلِكَ لَشَهِيدٌ قال: شهيد عليه بالكفر وَ إِنَّهُ لِحُبِّ اَلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» : يعني باتباعه محمدا.

فلما برز الحارث، حمل كل واحد منهما على صاحبه، فضربه علي ضربة فقتله، و عجل اللّه بروحه إلى النار.

ثم نادى علي «عليه السلام» : هل من مبارز؟

فبرز إليه ابن عمه يقال له: عمرو بن الفتاك، و هو يقول:

أنا عمرو و أبي الفتاكو بيدي نصل سيف هتاك

أقطع به الرؤس لمن أرى كذاك

فأجابه أمير المؤمنين «عليه السلام» و هو يقول:

هاكها مترعة دهاقاكأس دهاق مزجت زعاقا

إني امرؤ إذا ما لاقاأقد الهام و أجذ ساقا

ثم حمل كل واحد منهما على صاحبه، فضربه علي «عليه السلام» ضربة فقتله، و عجل اللّه بروحه إلى النار، ثم نادى علي «عليه السلام» : هل من مبارز؟

فلم يبرز إليه أحد، فشد أمير المؤمنين «عليه السلام» عليهم حتى توسط جمعهم، فذلك قول اللّه: فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً ، فقتل علي «عليه السلام» مقاتليهم، و سبى ذراريهم، و أخذ أموالهم، و أقبل بسبيهم إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فبلغ ذلك النبي، فخرج و جميع أصحابه حتى استقبل علي «عليه السلام» على ثلاثة أميال من المدينة.

و أقبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يمسح الغبار عن وجه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» بردائه، و يقبل بين عينيه و يبكي، و هو يقول:

«الحمد للّه يا علي الذي شد بك أزري، و قوّى بك ظهري، يا علي، إنني سألت اللّه فيك كما سأل أخي موسى بن عمران صلوات اللّه و سلامه عليه أن يشرك هارون في أمره، و قد سألت ربي أن يشد بك أزري» ثم التفت إلى أصحابه و هو يقول:

«معاشر أصحابي لا تلوموني في حب علي بن أبي طالب «عليه السلام» ، فإنما حبي عليا من أمر اللّه، و اللّه أمرني أن أحب عليا و أدنيه، يا علي من أحبك فقد أحبني و من أحبني فقد أحب اللّه، و من أحب اللّه أحبه اللّه، و حقيق على اللّه أن يسكن محبيه الجنة، يا علي من أبغضك فقد أبغضني، و من أبغضني فقد أبغض اللّه، و من أبغض اللّه أبغضه و لعنه، و حقيق على

اللّه أن يقفه يوم القيامة موقف البغضاء، و لا يقبل منه صرفا و لا عدلا» (1).

و نقول:

إننا بغض النظر عن ركاكة الرجز الذي ذكرته الرواية، و عدم استقامة أوزان عدد من فقراته نشير إلى ما يلي:

إعتراض ابن عباس:

قد ذكرت الرواية: أن ابن عباس قد قام، فقال لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «فداك أبي و أمي يا رسول اللّه، تجهز ابن عمي في خمسين و مائة رجل من العرب، إلى خمسمائة رجل، و فيهم الحارث بن مكيدة، يعد بخمسمائة فارس» ؟ !

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «أمط عني يا بن عباس الخ. .» (2).

و نقول:

أولا: إن من البعيد أن يصدر ذلك عن ابن عباس، الذي ولد سنة الهجرة، أو قبلها بثلاث سنوات، فيكون عمره في غزوة ذات السلاسل ثماني سنوات أو أحد عشرة سنة على أبعد تقدير. . و لا يتوقع من صبي بهذه السن أن يواجه النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الاعتراض. و أن يجيبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الجواب.

فإن هذا الجواب، خصوصا قول «صلى اللّه عليه و آله» : «أمط عني يا بن عباس» يستبطن درجة من القسوة على طفل بهذه السن. .


1) البحار ج 21 ص 84 و 90 عن تفسير فرات ص 593-598.

2) البحار ج 21 ص 87 و تفسير فرات ص 595.

كما أن نفس هذا الذي اعترض به ابن عباس و المتضمن لتفصيل و استدلال، و جرأة، إنما يتوقع من أناس نشأوا في بيئة غير صالحة، و ممن لا يلزمون أنفسهم بمقتضيات الأدب مع النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» . .

ثانيا: إنهم يزعمون: أن العباس هاجر قبل الفتح بقليل و هو موضع ريب و شك، بل هو قد أسلم يوم فتح مكة، قال في الإستيعاب: «أظهر إسلامه يوم فتح مكة، و شهد حنينا و الطائف و تبوك» (1).

و قال البلاذري: «لقي العباس النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذي الحليفة، -قال ابن هشام: لقيه بالجحفة-و هو يريد مكة، و قد أظهر إسلامه. فأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يمضي ثقله إلى المدينة، و قال له: هجرتك يا عم آخر هجرة، كما أن نبوتي آخر نبوة» (2).

و نظن أن أحفاده العباسيين هم الذين حاولوا: أن ينيلوه فضل الهجرة و لو بأن يلتقي بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» بذي الحليفة، إذ لا هجرة بعد الفتح. مع أنهم قد غفلوا عن أنه كان لا يزال حين الفتح في مكة، و هو الذي ضغط على أبي سفيان لكي يظهر الإسلام قبل ضرب عنقه، و ذلك حين


1) الإستيعاب {مطبوع مع الإصابة} ج 3 ص 95 و راجع: الجوهر النقي ج 9 ص 106 و عن ذخائر العقبى ص 191 و مغني المحتاج ج 4 ص 239 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 98.

2) السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 859 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 534 و أنساب الأشراف ج 1 ص 255 و سبل الهدى و الرشاد ج 2 ص 213 و البداية و النهاية ج 4 ص 328 و مواقف الشيعة ج 1 ص 171 عن عيون الخبار لابن قتيبة ج 1 ص 5.

استعرض هو و إياه كتائب المسلمين الآتية لفتح مكة فراجع (1).

فإذا كان العباس آنئذ لا يزال يعيش في مكة، و لم يهاجر إلى المدينة إلا بعد الفتح. و كانت عائلته معه، فمن أين؟ و كيف ظهر ابن عباس في هذه الغزوة التي سبقت فتح مكة؟

ثالثا: أليس قد عاد الناس لتوّهم من غزوة خيبر، التي كان جيش المسلمين فيها حوالي ألف و خمس مئة مقاتل، في مقابل عشرة آلاف من اليهود فضلا عن غيرهم؟

و كان قد شاع و ذاع أيضا ما حاق بالمشركين على يد المسلمين في بدر، و أحد، و الأحزاب، و في سائر المواقف، مع قلة عدد المسلمين في أكثر المعارك، و كثرة عدد أعدائهم، الذين كثيرا ما كانوا يزيدونهم بأضعاف، و قد كان النصر حليفهم باستمرار. .

رابعا: إذا كان ابن مكيدة يعد بخمس مئة فارس، فإن عليا «عليه السلام» يعد بالألوف، و هو قالع باب خيبر، و فاتح حصونها بالأمس وحده، و هو قاتل عمرو بن عبد ود، الذي كان يعدّ يعد بألف فارس، و هو هازم جيش الشرك في حرب أحد وحده، إلى غير ذلك مما هو ذائع و شائع.

عدد جموع الأعداء:

و قالوا لقد كان العدد الذي جمعه بنو خثعم لمهاجمة المدينة هو خمس مئة


1) راجع: مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 178 و البحار ج 21 ص 128 و 129 و مستدرك سفينة البحار ج 8 ص 108 و 109 و إعلام الورى ج 1 ص 220 و 221 و قصص الأنبياء ص 346 و 347.

من رجل كما ورد في بعض الروايات (1).

و نقول:

ألا يمكن أن يقال: إن خمس مئة رجل قد لا يجرؤون على مهاجمة المدينة، بعد أن هزم اللّه يهود خيبر، و هم أكثر من عشرة آلاف، بتلك الطريقة المخزية كما تقدم، و هزم اللّه المشركين يوم الأحزاب، و هم ألوف، و هزمهم اللّه أيضا في بدر و في أحد، و في سائر المشاهد؟ !

إلا إن كان الهدف هو أخذ المسلمين على حين غرة، قد تنتهي بقتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و انفراط جمع المسلمين. و لكنه احتمال بعيد، فإن الإسلام قد انتشر و شاع و ذاع، و كثر له الأتباع في جميع الأصقاع، و لا بد أن يوجب قتل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثورة جميع الناس ضد بني خثعم.

إن هذا يقوي احتمال تعدد هذه الواقعة، و تعدد فرار أولئك القوم، أعني أبا بكر، و عمر، قد جاء ليزيل به أية شبهة في عدم صحة ما يدّعونه لأنفسهم من فضل و كرامات، و مواقف و بطولات، فظهرت هزيمتهم في المواقف المختلفة لكي لا يتخيل أحد: أن ما جرى لهم في بني قريظة، ثم في خيبر، ثم في فدك، و قد كان مجرد حالة عفوية، طارئة، فرضتها معطيات مفاجئة، لم يكونوا يظنون أنهم سوف يواجهونها. .

يضاف إلى ذلك كله، فرارهم المتوالي في سرية وادي يابس، و سرية ذات السلاسل، و ربما وادي الرمل، و سوى ذلك مما يتأكد احتماله لدى


1) البحار ج 21 ص 85 و 86 و 88 و تفسير فرات ص 593.

الباحث المنصف (1).

بكاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:

ثم إن الرواية المتقدمة قد ذكرت: بكاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى أبكى جميع أصحابه، و ذلك حين أخبره ذلك الرجل بما عزم عليه بنو خثعم.

و السؤال هو: لماذا هذا البكاء يا ترى؟ !

إننا لا يمكن أن نحتمل: أن يكون بكاء الخوف، أو بكاء الضعف، فإن هذا مما لا بد من تنزيه رسول اللّه عنه. . علما أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد واجه أضعاف هذا العدد من الأعداء في وقت كان المسلمون فيه في غاية القلة، و الضعف من حيث العدة و العدد. و لم ينس المسلمون بعد ما جرى في خيبر، و الأحزاب، و بدر، و أحد، و سوى ذلك. .

كما أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أضحى قادرا على حشد اضعاف ما حشده بنو خثعم. .

و حتى لو كان هذا الأمر يستوجب البكاء، و لنفترض: أنه بكى إشفاقا على بعض أصحابه من أن يصيبهم سوء، أو لغير ذلك من أسباب. .

و لكن هل يصح أن يكون هذا البكاء علنيا و على رؤوس الأشهاد؟ !

و ألا يوجب هذا البكاء و الإبكاء و هنا في المسلمين، و إطماعا لأعدائهم بهم؟ ! فيكون بالتالي نقضا للفرض، و تضييعا بل تفريطا خطيرا، و غير مقبول؟ !


1) تقدم مصادر ذلك.

الإحجام غير المفهوم:

و لا ندري لماذا يحجم المسلمون عن الخروج إلى أولئك القوم، فلا يجيبون رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و لماذا زهدوا بالجنة التي ضمنها لهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، مع كثرة جموعهم، و قلة عدوهم؟ !

كيف و قد جهز «صلى اللّه عليه و آله» إلى مؤتة بالأمس ثلاثة آلاف مقاتل. و جهز قبلها ألفا و خمس مائة مقاتل إلى خيبر، و مثلها إلى الحديبية قبل ذلك. . ثم لا يجرؤ أحد من أصحابه على إجابته، و المبادرة إلى امتثال أمره؟ !

مئة و خمسون فقط:

و أما بالنسبة لاقتصار النبي «صلى اللّه عليه و آله» على مائة و خمسين رجلا في مقابل خمس مئة، و منهم بطل يعد بخمس مئة فارس. نلاحظ: أن الرواية أشارت إلى أن ثمة من التفت إلى هذا الأمر، و سأل عنه، و قد سمت الرواية ابن عباس، و قالت: إنه سأل عن أنه إذا كان بإمكان النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يجهز الألوف إلى الحرب، فلماذا اكتفى بمائة و خمسين رجلا؟ !

فأجابه «صلى اللّه عليه و آله» بأنه يريد أن يظهر أثر علي «عليه السلام» ، و شجاعته، و مدى استعداده للتضحية؟ ! و أنه لو ارسله وحده فإن اللّه ينصره عليهم.

و ذلك ليؤكد للناس: أنه «عليه السلام» محل عناية اللّه و رعايته، و أنه مؤيد بنصره عز و جل. . و ما ذلك إلا لشدة تفانيه في ذات اللّه، و حرصه على الفوز برضاه تبارك و تعالى.

الضلال عن الطريق و الاهتداء إليها:

ثم إننا نستبعد: أن يكون علي «عليه السلام» ، و من معه ما لبثوا أن ضلوا عن الطريق و هم أهل البلاد، و يعرفون شعابها و مسالكها. .

و لو فرض: أن بعضهم قد وقع في الشبهة، فإن من الطبيعي أن يكون بين هذا العدد من الناس الكثيرون ممن يعرفون الطريق، و يرشدون رفقاءهم إليها، و يدلونهم عليها. .

يضاف إلى ذلك: أن عليا «عليه السلام» قائدهم هو الذي سلك المسالك الوعرة و الغامضة في سرية ذات السلاسل، حتى إن ذلك قد حرك عمرو بن العاص، و كذلك خالد بن الوليد لتوسيط أبي بكر و عمر لديه، ليرجع بهم إلى الجادة، فأجابهم أنه يعلم ما يصنع. .

فلماذا لا يرشدهم علي العارف بغوامض الطرق، و الواقف على المسالك الصعبة، إلى طريق الجادة، حتى احتاجوا إلى قدح النار من حوافر خيولهم؟ !

و حتى لو قبلنا بأنهم قد ضلوا الطريق. . فإن حديث معرفتهم الطريق بسبب قدح النار من حوافر الخيل، يبقى هو الآخر موضع ريب، فإن قدح الشرر لا يوجب رؤية الطريق، و تمييز معالمها، كما أنه لا يوجب اشتعال النار، إلى حد أن تكشف ما حولها. .

إلا إن كان المقصود: أن سيره على الحجارة الذي أوجب قدح الشرر من حوافر الخيل قد عرّفهم بأنهم يسيرون على الطريق. مع افتراض أن يكون وجود الحجارة دليلا على الطريق، باعتبار أن سائر المسالك لا حجارة فيها. .

و لكن هذا يبقى مجرد احتمال، قد يعرض له التأييد أو التفنيد، بحسب ما يعرض له من أدلة أو شواهد. بل هو احتمال بعيد، و افتراض غير سديد.

لا يقاتل حتى تطلع الشمس:

و أما ما ذكرته الرواية: من أن عليا «عليه السلام» كان لا يقاتل حتى تطلع الشمس، و تنزل ملائكة النهار. .

فلعله اشتباه من الراوي، و ذلك لما يلي:

1-إن ملائكة النهار تنزل من حين طلوع الفجر، كما روي عن الإمام الصادق «عليه السلام» في تفسير قوله تعالى: إِنَّ قُرْآنَ اَلْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً (1)، يعني صلاة الفجر، تشهده ملائكة الليل، و ملائكة النهار (2).


1) الآية 78 من سورة الإسراء.

2) راجع: البحار ج 5 ص 321 و ج 9 ص 296 و ج 11 ص 117 و 118 و ج 53 ص 212 و ج 73 ص 254 و 263 و ج 77 ص 30 و 72 و 73 و 99 و 102 و مستدرك سفينة البحار ج 6 ص 329 و ج 8 ص 132 و عن مسند أحمد ج 2 ص 474 و راجع: فقه الرضا «عليه السلام» ص 72 و المعتبر للمحقق الحلي ج 2 ص 17 و منتهى المطلب {ط ق} ج 1 ص 196 و {ط ج} ج 4 ص 25 و 27 و تذكرة الفقهاء {ط ق} ج 1 ص 72 و {ط ج} ج 2 ص 273 و الذكرى ص 113 و 122 و مدارك الأحكام ج 3 ص 24 و الحبل المتين ص 122 و مفتاح الفلاح ص 4 و الحدائق الناضرة ج 6 ص 207 و مستند الشيعة ج 4 ص 53 و جواهر الكلام ج 7 ص 168 و مسند زيد بن علي ص 99 و المبسوط للسرخسي ج 1 ص 157 و فقه السنة ج 1 ص 97 و 157 و المحاسن ج 2 ص 323 و الكافي ج 3 ص 283 و 487 و ج 8 ص 341 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 222 و 455 و علل الشرايع ج 2 ص 324 و 336 و أمالي الصدوق ص 254 و ثواب الأعمال ص 136 و الإستبصار ج 1 ص 275 و تهذيب الأحكام ج 2 ص 37 و روضة الواعظين ص 317 و مختصر بصائر الدرجات ص 131 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 1 ص 273 و ج 4 ص 50 و 52 و 53 و 212 و 213 و {ط دار الإسلامية} ج 1 ص 261 و ج 3 ص 35 و 36 و 37 و 60 و 154 و 155 و مستدرك الوسائل ج 3 ص 51 و 120 و 124 و 164 و ج 4 ص 75 و الإختصاص ص 36 و أمالي ص 695 و عوالي اللآلي ج 1 ص 421 و حلية الأبرار ج 1 ص 160 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 220 و سنن الترمذي ج 4 ص 364 و المستدرك للحاكم ج 1 ص 211 و المصنف للصنعاني ج 1 ص 523 و عن السنن الكبرى للنسائي ج 6 ص 381 و صحيح ابن خزيمة ج 2 ص 365 و صحيح ابن حبان ج 5 ص 409 و كتاب الدعاء للطبراني ص 59 و تفسير أبو حمزة الثمالي ص 236 و تفسير القمي ج 2 ص 25 و التبيان ج 6 ص 509 و مجمع البيان ج 2 ص 128 و ج 6 ص 283 و تفسير جوامع الجامع ج 2 ص 382 و فقه القرآن ج 1 ص 82 و 114 و تفسير غريب القرآن ص 197 و التفسير الصافي ج 3 ص 210 و التفسير الأصفى ج 1 ص 692 و نور الثقلين ج 3 ص 201 و جامع البيان ج 15 ص 173 و 174 و 175 و 176 و معاني القرآن ج 4 ص 183 و زاد المسير ج 5 ص 53 و الجامع لأحكام القرآن ج 10 ص 306 و تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 13 و 53 و تفسير الجلالين ص 374 و عن الدر المنثور ج 4 ص 396 و عن فتح القدير ج 3 ص 251 و 255 و عن البداية و النهاية ج 1 ص 56 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 150 و النهاية في غريب الحديث ج 2 ص 513.

2-قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما بيّت عدوا قط ليلا. .

بل إن عليا «عليه السلام» كان لا يقاتل إلا بعد زوال الشمس ظهرا، و قد تقدم ذلك. .

لماذا لا يقاتل إلا بعد الزوال؟ !

و قد شرح أمير المؤمنين «عليه السلام» نفسه أسباب عدم قتاله إلا بعد

زوال الشمس. . فركز على الأسباب التالية:

1-إن هذا الوقت أقرب إلى الليل، فإذا ذاق المقاتلون طعم القتال، و عرفوا أنه ليس مجرد نزهة، بل فيه آلام و مصائب، و كوارث و نوائب، ثم جنهم الليل، فإنهم سوف يعيدون النظر في حساباتهم، و سيقيّمون الأمور وفق أمور عينية ملموسة، لم تعد مجرد تصورات غائمة، تكتنفها الكثير من التخيلات التي تقلل من وضوحها، و تهون من أمرها.

فالألم المتصور و المفترض لا يؤثر في قرار الإنسان بمقدار ما إذا أصبح ماثلا و حاضرا، و المصاب الذي تسمع به أو تقرأ عنه ليس تأثير بمقدار المصاب الذي تراه و تعيشه، و تعاني منه ما تعاني. .

فقد يدفعك خيال مّا، أو يهيجك هائج حمية أو عصبية، أو يدعوك داعي طمع، أو جشع، أو تزين لك أحلام وردية، ترتكز إلى حسابات خاطئة أن تقتحم أتون الحرب. . فتبادر إلى ذلك. . فإذا مسّك شيء من بلاياها و زراياها، يرجع إليك صوابك، و تلتمس الخلاص، و لات حين مناص. . ثم تطحنك رحى الحرب فيما تطحن، و تحطم ما صلب منك، و تلتهم ما رقّ و لان. و تجد نفسك غير قادر على استرجاع ما ذهب، و لا استدراك ما يأتي، و تفرض عليك تلك الحرب كل تبعاتها، و تحملك ما أردته و ما لم ترده من جرائمها و موبقاتها، و تلقي عليك بكلاكلها و أثقالها، و تبوء بكل مخزياتها. .

2-إن هذا الوقت القصير، الذي هو بداية القتال، يكون فيه رجال الحرب على درجة عالية من اليقظة، و النشاط و الحذر، و يريد كل منهم أن يختبر قدرات العدو، و أن يكتشف مكامن قوته، و مواضع ضعفه.

فالإقدام فيه محدود، و الحذر فيه على أشده. . و لا تتوفر فيه دواع للاستقتال و طلب الموت، إذ لم يستحر القتل فيه بالأحبة، و لا وقع الأسر بعد على الأبناء و الإخوة، و لا السبي أو العدوان على رموز الشرف، و مواضع الغيرة. .

فلا موجب إذن لثورة حماس الشجعان. ليلقوا بأنفسهم في المهالك، طلبا للثار، أو لأجل محو العار.

و إذا كانت الأمور لا تزال في حدودها المعقولة هذه، فيمكن للعاقل أن يثوب إليه رشده في الليلة التي تعقب هذه البداية، و يكون-في هذه الحال- مدركا بعمق حقيقة ما هو فيه، و نتائج ما يقدم عليه، فيوازن بين الحالين، و يتخذ القرار الرشيد، و الموقف السديد. .

3-و إذا كان هناك من يلاحق مهزوما فسيمنعه حلول الليل من مواصلة سعيه.

4-و لا ضير في أن ينجو ذلك المهزوم، فإن هزيمته النفسية، تكفيه هو الآخر ليعيد حساباته، و يستأنف حياته، بنمط جديد، و حزر شديد.

كما أن المطلوب المهم هو دفع شره، و التخلص من أذاه. . و قد حصل ذلك فعلا. . و ليس المطلوب هو قتله، أو أسره، إلا إذا كان دفع شره يحتاج إلى ذلك.

و هذا هو ما قاله علي «عليه السلام» : «هو أقرب إلى الليل، و أجدر أن يقل القتل، و يرجع الطالب، و يفلت المنهزم» (1).


1) الوسائل ج 11 ص 46 و في هامشه عن الكافي {الفروع} ج 1 ص 335 و عن تهذيب الأحكام ج 2 ص 256 و عن علل الشرايع ج 2 ص 603 و البحار ج 33 ص 453 و ج 97 ص 22 و الكافي للحلبي ص 256 و منتهى المطلب {ط ق} ج 2 ص 997 و التحفة السنية {مخطوط} ص 199 و رياض المسائل {ط ق} ج 1 ص 489 و {ط ج} ج 7 ص 511 و جواهر الكلام ج 21 ص 81 و الكافي {ط دار الكتب الإسلامية} ج 6 ص 173 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 15 ص 63 و {ط دار الإسلامية} ج 11 ص 47 و البحار ج 11 ص 453 و ج 94 ص 22.

إن الإنسان لربه لكنود في من نزلت؟ !

و قد ذكرت الرواية المتقدمة أن قوله تعالى: إِنَّ اَلْإِنْسٰانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (1)قد نزل في الحارث بن مكيدة، إلى أن قال تعالى: وَ إِنَّهُ لِحُبِّ اَلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (2).

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» : يعني باتباعه محمدا (3).

و قيل: المراد عمرو بن العاص (4).

و قيل: غير ذلك. .

و نقول:

إن هذا الاختلاف لا ضير فيه، إذ لعل السورة قد نزلت أكثر من مرة. و لهذا نظائر كثيرة، حسبما أشرنا إليه في موارد أخرى في هذا الكتاب، و في غيره.

غير أن تفسير آية: وَ إِنَّهُ لِحُبِّ اَلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (5)بعلي «عليه السلام» . لا


1) الآية 6 من سورة العاديات.

2) الآية 8 من سورة العاديات.

3) البحار ج 21 ص 88 و 89 عن تفسير فرات ج 1 ص 16.

4) البحار ج 21 ص 77 عن الخرايج و الجرايح.

5) الآية 8 من سورة العاديات.

يلائم سياق الآيات. حيث يظهر من السياق أن حب ذلك الكنود للخير، أي أن حبه للنعم الدنيوية، مثل المال، و الجاه، و البقاء على قيد الحياة، شديد، و لذلك خاف الذين أرسلهم النبي «صلى اللّه عليه و آله» أولا على أنفسهم، و حسدوا عليا «عليه السلام» ، و حاولوا إحباط مسعاه في تحقيق النصر. .

ثم ذكرت الآيات أن هؤلاء المحبين للدنيا سيرون في يوم القيامة كيف أن اللّه سيظهر ما أضمروه في صدورهم، و سيفضح ما انطوت عليه قلوبهم. أَ فَلاٰ يَعْلَمُ إِذٰا بُعْثِرَ مٰا فِي اَلْقُبُورِ، وَ حُصِّلَ مٰا فِي اَلصُّدُورِ، إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (1).


1) الآيات 9-11 من سورة العاديات.

الفصل الثامن: سرايا حدثت. . إلى فتح مكة

اشارة

سرية أبي قتادة إلى بطن إضم:

و في أول شهر رمضان سنة ثمان أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» التوجه الى مكة لفتحها، بعث أبا قتادة الحارث بن ربعي في ثمانية نفر إلى بطن إضم (1)، ليظن ظان أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» توجه إلى تلك الناحية، و لأن تذهب بذلك الأخبار (2).

و قال بعضهم: بعثنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى إضم (في نفر من المسلمين)، أميرنا أبو قتادة الحارث بن ربعي، و فينا محلم بن جثامة الليثي، و أنا. فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم مر بنا عامر بن الأضبط


1) بطن إضم: بين ذي خشب و ذي المروة، على ثلاثة برد من المدينة.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 211 و ج 6 ص 190 عن محمد بن إسحاق، و محمد بن عمر، و ابن سعد، و ابن أبي شيبة، و الإمام أحمد، و الترمذي، و حسنه، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الخرائطي في مكارم الأخلاق، و الطبراني، و أبي نعيم، و البيهقي في دلائلهما، عن عبد اللّه بن أبي حدرد، و الطبراني عن جندب البجلي، و ابن جرير عن ابن عمر، و ابن أبي حاتم عن الحسن، و عبد الرزاق، و ابن جرير. و راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 76 و السيرة الحلبية ج 3 ص 195 و راجع: تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 149 و عن عيون الأثر ج 2 ص 177.

الأشجعي على قعود له، و معه متيّع له، و وطب من لبن.

قال: فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام فأمسكنا عنه، و حمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه و بينه، و سلبه بعيره و متيعه.

فلما قدمنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أخبرناه الخبر نزل فينا: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ اَلسَّلاٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا فَعِنْدَ اَللّٰهِ مَغٰانِمُ كَثِيرَةٌ. . (1).

فانصرف القوم و لم يلقوا جمعا، حتى انتهوا إلى ذي خشب. فبلغهم أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد توجه إلى مكة، فأخذوا على بيبن حتى لحقوا برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالسقيا (2).

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمحلم: «أقتلته بعد ما قال آمنت باللّه» ؟

و في حديث ابن عمر، و الحسن: فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول اللّه {ليستغفر له} ، فقال «صلى اللّه عليه و آله» : «أقتلته بعد ما قال إني مسلم» ؟

قال: يا رسول اللّه، إنما قالها متعوذا.

قال «صلى اللّه عليه و آله» : «أفلا شققت عن قلبه» ؟

قال: لم يا رسول اللّه؟

قال: «لتعلم أصادق هو أم كاذب» .

قال: و كنت عالما بذلك يا رسول اللّه. هل قلبه إلا مضغة من لحم؟


1) الآية 94 من سورة النساء.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 190 و عن مراصد الاطلاع ج 2 ص 72. و تاريخ الخميس ج 2 ص 76 و السيرة الحلبية ج 3 ص 195 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 133 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 150 و عن عيون الأثر ج 2 ص 177.

قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إنما كان ينبئ عنه لسانه» .

و في رواية: فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لا ما في قلبه تعلم، و لا لسانه صدقت» .

فقال: استغفر لي يا رسول اللّه.

فقال: «لا غفر اللّه لك» .

فقام و هو يتلقى دموعه ببرديه. فما مضت سابعة حتى مات (1).

و في حديث ابن إسحاق: فما لبث أن مات، فحفر له أصحابه، فأصبح و قد لفظته الأرض، ثم عادوا و حفروا له، فأصبح و قد لفظته الأرض إلى جنب قبره (2).

قال الحسن: لا أدري كم قال أصحاب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كم دفناه، مرتين، أو ثلاثا؟ ! (3).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 190 و قال في هامشه: ذكره السيوطي في الدر ج 2 ص 201 و عزاه لابن أبي حاتم، و البيهقي في الدلائل، عن الحسن. و تاريخ الخميس ج 2 ص 76 و السيرة الحلبية ج 3 ص 195 و راجع: مجمع الزوائد ج 1 ص 27 و المفاريد عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ص 43 و مسند ابي يعلى ج 3 ص 92 و المعجم الكبير ج 2 ص 177 و عن الدر المنثور ج 2 ص 201 و راجع ص 202 و أسباب نزول الآيات ص 116.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 191 و راجع: أسباب نزول الآيات ص 116 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 309 و عن الدر المنثور ج 2 ص 201.

3) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 191 و راجع: أسباب نزول الآيات ص 116 و عن الدر المنثور ج 2 ص 201.

و في حديث جندب، و قتادة: أما ذلك فوقع ثلاث مرات، كل ذلك لا تقبله الأرض، فجاؤوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فذكروا ذلك له، فقال: «إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، و لكن اللّه تعالى (يريد أن) يعظكم» ، فأخذوا برجليه فألقوه في بعض الشعاب، و ألقوا عليه الحجارة.

و سيأتي في غزوة حنين حكومته «صلى اللّه عليه و آله» بين عيينة بن حصن، و الأقرع بن حابس في دم عامر بن الأضبط (1).

نقول:

إن لنا مع هذا الذي ذكروه وقفات، نذكرها في ضمن العناوين التالية:

توضيح لا بد منه:

إن الذي يقرأ ما تقدم يحتاج إلى إضافات و توضيحات تفيده في استكمال ملامح صورة ما جرى، فيحتاج إلى أن يقال له: إن تلك السرية تبدو و كأنها سرية استطلاعية للجيش الكبير المجتمع، الذي يريد التحرك نحو مقصد لم يفصح عنه قائده. .

فإذا كانت السرية الاستطلاعية قد توجهت إلى هدف مّا، فمن


1) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 234 و 339 ج 6 ص 191 و تاريخ الخميس ج 2 ص 76 و السيرة الحلبية ج 3 ص 195 و السنن الكبرى للبيهقي ج 9 ص 116 و عن أسد الغابة ج 2 ص 282 و ج 4 ص 413 و عن جامع البيان ج 5 ص 301 و عن تفسير القرآن العظيم ج 1 ص 552 و عن الدر المنثور ج 2 ص 200 و عن فتح القدير ج 1 ص 502 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 257 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 426 و أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 309 و تفسير الثعالبي ج 2 ص 281.

الطبيعي أن يظن المراقب للأحداث أن الهدف هو التمهيد، و رصد الطرق و المسالك التي سيسلكها ذلك الجيش، أو يمر بالقرب منها. لكي لا تفاجئه كمائن العدو بهجمات قد تؤثر على تماسكه، و على معنوياته. .

و ربما يكون الهدف من السرايا الاستطلاعية هو تحديد الهدف الأقصى، الذي يراد تسديد الضربة القوية له. .

هل كان أبو قتادة عالما بهدف النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و يظهر من ثنايا النصوص التي نقلناها: أن أبا قتادة و من معه ما كانوا يعلمون إلى أين سيتوجه النبي «صلى اللّه عليه و آله» . .

و لذلك قال: فلما انتهوا إلى ذي خشب بلغهم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد توجه إلى مكة، فلحقوا به.

و هذا معناه: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد مارس أقصى درجات الحيطة و الحذر، حتى إن نفس سراياه كانوا لا يعلمون بالهدف الذي يريد توجيه الضربة إليه، و لا يعلمون بخطته الحربية، و لا بمقاصد تحركاته، حتى بعناوينها العامة. .

و بذلك يكون قد أعطى درسا عمليا فيما يرتبط بالأسرار الحربية، على قاعدة ما روي عن أمير المؤمنين في قوله لأصحابه: «إن لكم عليّ أن لا أخفي عنكم سرا إلا في حرب» (1).


1) راجع: نهج البلاغة {بشرح عبده} ج 3 ص 79 و الأمالي للشيخ الطوسي ص 217 و البحار ج 33 ص 76 و 469 و ج 72 ص 354 و نهج السعادة ج 4 ص 229 و ميزان الحكمة ج 1 ص 124 و شرح نهج البلاغة ج 17 ص 16 و وقعة صفين للمنقري ص 107.

نصرت بالرعب:

قلنا في بعض المواضع من هذا الكتاب: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يريد أن يفتح مكة من دون إراقة محجمة من دم فيها، و ذلك حفاظا منه «صلى اللّه عليه و آله» على قدسية البيت الحرام، الذي يريده اللّه حرما آمنا، حتى حين يتخطف الناس من حوله.

فكان أن انتهج سياسة تعرّف أولئك الطغاة، بقوة الإسلام الحقيقية، و تزيل عن أعينهم غشاء الغرور و العنجهية، ليروا الحقائق على ما هي عليه، بعيدا عن التحجيم تارة، و عن التضخيم أخرى. .

حتى إذا اتضح لهم ذلك دب الرعب في قلوبهم، و لم يجدوا عن التراجع عن تلك المواقف المخزية محيصا، و بذلك يتابع الإسلام مسيرته الظافرة، و يمارس حقه الطبيعي في الدعوة إلى اللّه تعالى.

و هذا بالذات هو ما عناه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بقوله: «نصرت بالرعب» .

و حين كان «صلى اللّه عليه و آله» من جهة أخرى يمارس أسلوب المفاجأة، فإنما كان يريد أن يظهر جانبا آخر من قوة الإسلام، من حيث أن أسلوب الحرب، و طبيعة الحركة فيها من شأنه أن يضيف المزيد من القدرات المؤثرة في إضعاف العدو، و في هزيمته الروحية، و في زيادة اندفاع القوات المهاجمة له، التي تريد تحقيق النصر عليه. .

و لذلك بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا قتادة في ثمانية نفر إلى بطن إضم، ليظن ظان أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يفكر في التحرك بذلك الاتجاه. أو أنه يفكر في معالجة القضايا القريبة منه، و ليس له همة فيما

هو أبعد من ذلك.

حتى إذا اطمأن العدو، و انصرف ليفكر في شأن آخر، باغته رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بجيش قد لا يجرؤ أو لا يقدر على مواجهته حتى و هو في أقصى درجات الاستعداد، فكيف يواجهه في حال الغفلة و الاستنامة. .

بل إنه حتى لو كان العدو ملتفتا إلى حركة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» باتجاه مواقعه، فإن شعوره بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قادر على فتح أكثر من جبهة في آن واحد، حتى لو كانت إحدى هذه الجبهات هي أعتى قوى الشرك في الحجاز كله، فإن ذلك سيفسح المجال لخياله ليسرح في آفاق القدرات التي توفرت لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الذي جرّبت الحرب معه مرات و مرات، و خسرها كل من جربها.

ابن جثامة تلفظه الأرض:

و قد زعموا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد رفض أن يستغفر لابن جثامة و أن الأرض قد لفظته.

و نقول:

إننا نتحفظ على قولهم هذا:

فأولا: قد قيل: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد استغفر له بعد دعائه عليه (1).

ثانيا: إن ابن جثامة قد مات بحمص أيام ابن الزبير (2).


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 195.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 195.

ثالثا: إنهم يقولون: إن رجلا لفظته الأرض اسمه فليت (1). فلعلهم استعاروا هذه الحادثة من ذلك الرجل و اتحفوا بها ابن جثامة لأسباب لا يهمنا التعرف عليها.

رابعا: لماذا يستغفر النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأسامة، كما يدعون، و يرفض أن يستغفر لابن جثامة؟ !

ما معنى أن يطلب «صلى اللّه عليه و آله» من اللّه أن لا يغفر لابن جثامة، الذي كان يبكي، و يظهر الندامة، مع أن اللّه قد أرسله رحمة للعالمين. و مع أنه قد كان يمكنه أن يجري عليه الأحكام الشرعية التي تتعلق بالقاتل، إن وجده مدانا فيما أقدم عليه.

ثم إن اللّه هو الذي يتولى حسابه على نواياه، إن كان صادقا في توبته، أو غير صادق فيها.

ملاحظة أخيرة:

و يلاحظ هنا: أن هذه القصة تشبه في عناصرها، و سياقاتها قصة أسامة بن زيد، التي تقدم الحديث عنها في الجزء السابق من هذا الكتاب.

فكيف لم يتعظ محلم بن جثامة بما جرى لأسامة؟ !

و هل يمكن أن نعتبر أن الشدة التي أظهرها النبي الكريم «صلى اللّه عليه و آله» على محلم بن جثامة، ترجع إلى أن ما جرى لأسامة كان يجب أن يردع ابن جثامة و غيره عن ارتكاب نفس المخالفة، فضلا عن أن يقدم نفس العذر.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 10 ص 222 عن الروض الأنف.

سرية واحدة أم سريتان؟ ! :

قد أورد الواقدي سرية أبي قتادة إلى خضرة، و ابن أبي حدرد إلى الغابة في سياق واحد، معتبرا إياهما سرية واحدة. .

لكنه في السيرة الحلبية جعلهما سريتين.

و نحن لا نريد أن نبذل المزيد من الجهد في تحقيق ذلك، و لا سيما بملاحظة ما يرد على كثير من المواضع فيهما من الإشكالات التي تزيد في و هنهما، و إبعادهما عن درجة الاعتماد. .

غير أن لنا الحق في أن نقدم تصورا لما جرى، ربما يكون قادرا على حل الإشكال فيما يرتبط بوحدة القضية أو تعددها. . و هو: أن يكون ابن أبي حدرد و رجلان آخران قد كلفوا بمهمة قتل رفاعة بن قيس، فوافق ذلك مسير أبي قتادة، فضمهم إليه. . فأنجز ابن أبي حدرد ما كلفه به الرسول، في طريق الذهاب أو العودة، و شارك في سرية أبي قتادة، فأصاب ما أصاب من الغنائم في السريتين. . و لأجل ذلك آثرنا الفصل بينهما، و كأنهما سريتان مستقلتان.

و لكن المهم هو إثبات أصل وجود كثير من هذه السرايا، و منها سرية أبي قتادة، و سرية قتل ابن أبي حدرد لرفاعة. . فضلا عن لزوم إثبات توافق المواقع و المواضع التي يقيم فيها هؤلاء و أولئك، و إمكانية الإلتقاء في طرقها و مسالكها.

إذ لو كانت هذه القبيلة أو الموقع في الشرق، و ذاك في الغرب، فإن هذا التصور يسقط عن الاعتبار.

غير أن علينا هنا أن نذكر ما ذكروه، ثم نشير إلى مواضع النظر فيما

زعموه، فنقول:

إننا نورد النصوص التي تتحدث عن هذه القضية و تلك أولا، ثم نعقب عليها بما يقتضيه المقام. . فلاحظ ما يلي:

سرية أبي قتادة إلى خضرة:

عن عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلمي قال: تزوجت ابنة سراقة بن حارثة النجاري و قد قتل ببدر، فلم أصب شيئا من الدنيا كان أحب إلي من نكاحها، و أصدقتها مائتي درهم، فلم أجد شيئا أسوقه إليها، فقلت: على اللّه تعالى و رسوله «صلى اللّه عليه و آله» المعول.

فجئت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فأخبرته، فقال: «كم سقت إليها» ؟

فقلت: مائتي درهم يا رسول اللّه.

فقال: «سبحان اللّه، و اللّه لو كنتم تغترفونه من ناحية بطحان-و في رواية- «لو كنتم تغترفون الدراهم من واديكم هذا ما زدتم» .

فقلت: يا رسول اللّه أعنّي على صداقها.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «ما وافقت عندنا شيئا أعينك به، و لكن قد أجمعت أن أبعث أبا قتادة في أربعة عشر رجلا في سرية، فهل لك أن تخرج فيها؟ فإني أرجو أن يغنمك اللّه مهر امرأتك.

فقلت: نعم (1).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 185 عن ابن إسحاق، و أحمد و الواقدي و قال في هامشه: أخرجه أحمد في المسند ج 3 ص 448 و البيهقي في السنن ج 7 ص 235 و الحاكم في المستدرك ج 2 ص 178 و ذكره الهيثمي في المجمع ج 4 ص 282 و المغازي للواقدي ج 2 ص 777 و 778 و السيرة الحلبية ج 3 ص 194 و عن مسند أحمد {ط دار صادر} ج 6 ص 11 و مجمع الزوائد {ط دار الكتب العلمية} ج 6 ص 206 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 341.

و في حديث محمد بن عمر، و أحمد. و اللفظ للأول: فخرجنا، و معنا سلاحنا من النبل و السيوف، فكنا ستة عشر رجلا بأبي قتادة، و هو أميرنا. فبعثنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى غطفان نحو نجد.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «سيروا الليل، و اكمنوا النهار، و شنوا الغارة، و لا تقتلوا النساء و الصبيان» .

قال: فخرجنا حتى جئنا ناحية غطفان (1).

و في حديث أحمد: فخرجنا حتى جئنا الحاضر ممسين، فلما ذهبت فحمة العشاء، قال محمد بن عمر، قال: و خطبنا أبو قتادة، و أوصانا بتقوى اللّه تعالى. و ألّف بين كل رجلين، و قال:

«لا يفارق كل رجل زميله حتى يقتل أو يرجع إلي فيخبرني خبره، و لا يأتين رجل فأسأله عن صاحبه، فيقول: لا علم لي به، و إذا كبرت فكبروا، و إذا حملت فاحملوا، و لا تمعنوا في الطلب» .

فأحطنا بالحاضر، فسمعت رجلا يصرخ: يا خضرة، فتفاءلت و قلت: لأصيبن خيرا، و لأجمعن إلي امرأتي، و قد أتيناهم ليلا.

قال: فجرد أبو قتادة سيفه و كبر، و جردنا سيوفنا و كبرنا معه، فشددنا


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 185 عن ابن إسحاق، و أحمد و الواقدي و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 778 و السيرة الحلبية ج 3 ص 193.

على الحاضر و قاتلنا رجالا، و إذا أنا برجل طويل قد جرد سيفه و هو يمشي القهقري، مرة يقبل علي بوجهه، و مرة يدبر عني بوجهه، كأنه يريد أن يستطردني فأتبعه، ثم يقول: يا مسلم، هلم إلى الجنة فأتبعه.

ثم قال: إن صاحبكم لذو مكيدة، أمره هذا الأمر. و هو يقول: الجنة الجنة. يتهكم بنا.

فعرفت أنه مستقتل، فخرجت في أثره، و ناديت: أين صاحبي؟

فقال: لا تبعد، فقد نهانا أميرنا عن أن نمعن في الطلب، فأدركته، و ملت عليه فقتلته، و أخذت سيفه.

و قد جعل زميلي يناديني أين تذهب؟ إني و اللّه إن ذهبت إلى أبي قتادة فسألني عنك أخبرته.

قال: فلقيته قبل أبي قتادة.

فقلت: أسأل الأمير عني؟

قال: نعم، و قد تغيظ علي و عليك.

و أخبرني أنهم قد جمعوا الغنائم، و قتلوا من أشرافهم.

فجئت أبا قتادة فلامني، فقلت: قتلت رجلا كان من أمره كذا و كذا، و أخبرته بقوله كله.

ثم سقنا النعم، و حملنا النساء و جفون السيوف معلقة بالأقتاب، فأصبحت و بعيري مقطور بامرأة كأنها ظبي. فجعلت تكثر الالتفات خلفها و تبكي، فقلت: إلى أي شيء تنظرين؟

قالت: أنظر و اللّه إلى رجل لئن كان حيا لاستنقذنا منكم.

فوقع في نفسي أنه هو الذي قتلت.

فقلت: قد و اللّه قتلته، و هذا و اللّه سيفه معلق بالقتب.

قالت: فألق إلي غمده.

فقلت: هذا غمد سيفه.

قالت: فشمه إن كنت صادقا.

قال: فشمته فطبق.

قال: فبكت، و يئست (1).

و عن ابن عمر قال: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سرية قبل نجد، فخرجت فيها، فغنمنا إبلا و غنما كثيرة، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا، فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا كل إنسان، ثم قدمنا على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقسم علينا غنيمتنا، فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرا بعد الخمس، و ما حاسبنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالذي أعطانا صاحبنا، و لا عاب عليه ما صنع (2).


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 185 و 186 عن أحمد و السيرة الحلبية ج 3 ص 194 و المغازي للواقدي ج 2 ص 778 و 779 و عن مسند أحمد ج 6 ص 11 و 12 و مجمع الزوائد ج 6 ص 206 و 207 و عن عون المعبود ج 4 ص 59 و 60 و تاريخ مدينة دمشق ج 27 ص 341.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 187 و المجموع ج 19 ص 383 و نيل الأوطار ج 8 ص 108 و السنن الكبرى للبيهقي ج 6 ص 312 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 190 و راجع صحيح ابن حبان ج 11 ص 164 و المعجم الأوسط ج 5 ص 155 و المعجم الكبير ج 12 ص 294 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 362 و عن الدر المنثور ج 3 ص 160 و الطبقات الكبرى ج 4 ص 146 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 274 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 454.

و في رواية: نفلنا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بعيرا بعيرا، فكان لكل إنسان ثلاثة عشر بعيرا (1).

قال عبد اللّه بن أبي حدرد: فأتينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و جئت برأس رفاعة أحمله معي، فأعطاني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» من تلك الإبل ثلاثة عشرة بعيرا، فدخلت بزوجتي، و رزقني اللّه خيرا كثيرا (2).

و عند محمد بن عمر، عن جعفر بن عمر: و قالوا: غابوا خمس عشرة ليلة، و جاؤوا بمائتي بعير، و ألف شاة، و سبوا سبيا كثيرا، و جمعوا الغنائم،


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 187 عن أحمد، و البخاري، و مسلم، و أبي داود و قال في هامشه: أخرجه البخاري ج 7 ص 653 كتاب المغازي و صحيح مسلم ج 3 ص 368 و أحمد في المسند ج 2 ص 10-62 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 779 و 780 و تاريخ الخميس ج 2 ص 76 و المغني ج 1 ص 417 و الشرح الكبير ج 10 ص 741 و نيل الأوطار ج 8 ص 108 و 109 و سنن أبي داود ج 1 ص 623 و السنن الكبرى ج 6 ص 312 و عن فتح الباري ج 6 ص 169 و عن عون المعبود ج 7 ص 298 و المصنف لابن أبي شيبة ج 8 ص 518 و مسند الشاميين ج 4 ص 142 و كنز العمال ج 4 ص 536 و الجامع لأحكام القرآن ج 7 ص 362 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 274 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 454.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 187 و تاريخ الخميس ج 2 ص 76 و 77 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 423 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 255 و عن أسد الغابة ج 3 ص 335 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1046 و عن عيون الأثر ج 2 ص 180.

فأخرجوا الخمس، فعزلوه، و عدل البعير بعشر من الغنم (1).

قال الديار بكري: فقتل من أشرافهم، و سبى سبيا كثيرا، و استاق النعم، فكانت الأبل مائتي بعير، و الغنم ألفي شاة، و كانت غيبته خمس عشرة ليلة (2).

و نقول:

المهور الغالية:

و الذي لا مجال للإغماض عنه: هو أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استكثر المهر الذي أعطاه ابن أبي حدرد لزوجته، و وجه له ما يشبه اللوم لمجرد أنه أصدق زوجته ماءتي درهم. .

و نقول:

1-إن النبي نفسه «صلى اللّه عليه و آله» قد أصدق زوجاته-كما يقول هؤلاء أنفسهم-ضعف هذا المبلغ أو أزيد من ذلك. . فلماذا يعترض على غيره في أمر هو قد سنه للناس؟ ! و للناس في رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أسوة حسنة. .

2-على أن ما يزعم أنه قد قاله لابن أبي حدرد: «لو كنتم تغترفون الدراهم من واديكم هذا ما زدتم» ، غير ظاهر الوجه على المستوى العملي، فإن عمر بن الخطاب قد أمهر زوجته أم كلثوم أربعين ألف درهم، أو عشرة


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 187 و المغازي للواقدي ج 2 ص 780.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 76 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 132 و عن عيون الأثر ج 2 ص 176 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 149.

آلاف دينار، أو أربعين ألف دينار (1).

ثم زادت المهور، و تنامت حتى بلغت مئات الألوف و الملايين.


1) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 149 و 150 و راجع: جواهر الكلام ج 31 ص 15 و المبسوط للشيخ الطوسي و السرائر ج 3 ص 637 ط جماعة المدرسين و الوسائل ط مؤسسة آل البيت ج 21 باب 9 من أبواب المهور و الفتوحات الإسلامية ج 2 ص 455 و 456 و أسد الغابة ج 5 ص 615 و الذرية الطاهرة للدولابي ص 160 و الإصابة ج 4 ص 492 و البداية و النهاية ج 7 ص 156 و ج 5 ص 330 و ميزان الإعتدال ج 2 ص 425 و الدر المنثور ص 62 و تاريخ الإسلام للذهبي عهد الخلفاء الراشدين ص 166 و الإستيعاب {بهامش الإصابة} ج 4 ص 491 و الطبقات الكبرى لابن سعد {ط دار التحرير} ج 8 ص 340 و {ط دار صادر} ص 464 و سير أعلام النبلاء ج 3 ص 501 و كنز العمال {ط مؤسسة الرسالة} ج 13 ص 625 عن ابن سعد، و البيهقي في السنن، و ابن أبي شيبة، و ابن عساكر، و ابن عدي في الكامل، و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 270{ط مطبعة الإستقامة} و الكامل في التاريخ ج 3 ص 54 و نساء أهل البيت لخليل جمعة ج 1 ص 660 و المجموع ج 16 ص 327 و ذخائر العقبى ص 170 عن أبي عمر، و الدولابي، و ابن السمان، و إفحام الأعداء و الخصوم ص 165 و مختصر تاريخ دمشق لابن منظور ج 4 ص 270 و ج 9 ص 161 و المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 319 و شرح النهج للمعتزلي ج 12 ص 227 و عيون الأخبار لابن قتيبة ج 4 ص 71 و عمدة القاري ج 20 ص 137 و حياة الحيوان ج 1 ص 494 و سيرة ابن إسحاق ص 249 و مختصر تاريخ دمشق ج 9 ص 161 و تهذيب تاريخ دمشق ج 6 ص 28 و راجع: تاريخ عمر بن الخطاب ص 267 و نهاية الأرب ج 19 ص 391 و السيدة زينب لحسن قاسم ص 64 و نظام الحكومة النبوية {التراتيب الإدارية} ج 2 ص 405 عن المختار الكنتي في الأجوبة المهمة، نقلا عن الحافظ الدميري.

و حديث زواج بوران بنت الفضل بن سهل بالمأمون، و ما أنفق في زفافها، و ما جعل نحلة لها، مما لا يجهله أي مطلع على كتب التاريخ (1).

3-قد أحل اللّه سبحانه أن يعطي الرجل للمرأة من المهر ما شاء. و إن كان يستحب تقليل المهر. . و لكن لا يلام و لا يجبه من لم يعمل بالمستحب. .

4-إن مقدار المهر و خصوصياته قد تفرضه ظروف خارجة عن اختيار الزوج، و قد يكون منها رغبة الزوجة، أو رغبة أهلها بتكثير المهر لأسباب خاصة بهم. . فلا يستحق الزوج هذا التأنيب أو اللوم، إلا إذا ثبت أنه هو قد بادر إلى ذلك على سبيل المباهاة، أو الشطط. .

تبييت العدو:

و قد ذكرت تلك الرواية: أن المسلمين أغاروا على القوم ليلا. . مع أنه قد تقدم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ما بيت عدوا ليلا. .

فإذا كان هو لم يفعل ذلك تنزها عنه، فهل يسمح به لسراياه و بعوثه؟ !

الغنائم و الأسرى:

و الذي يثير الشبهة أيضا هذه الغنائم الكثيرة، التي بلغت ألفي شاة، و ماءتي بعير، بل أكثر، بالإضافة إلى الأسرى و السبايا، هو أن الغانمين كانوا ستة عشر رجلا فقط. . فكيف استطاعوا أن يحافظوا على كل هذه الغنائم، و كل هذا السبي من محاولات أصحابها، استرجاعها، أو اقتطاع جزء أو أجزاء منها، من أي جهة أرادوا. .


1) الدر المنثور في طبقات ربات الخدور ص 102 و 103.

فإن ستة عشر رجلا إذا تفرقوا حول ذلك الحشد العظيم من الغنائم و غيرها، و صاروا أفرادا متباعدين حولها، فإن هجوم أي جماعة من أية جهة كانت، سوف يكون ناجحا في استعادة ذلك السلب و السبايا، أو في استعادة كثير منه.

علما بأن كثرة هذه الإبل و الغنم، إن لم تكن تشير إلى كثرة المالكين لها، فإن مجرد كونهم من قبائل غطفان يكفي على هذه الكثرة فيهم، و معها الجرأة أيضا. .

فقد عرفنا: أن عيينة بن حصن الغطفاني كان يتحرك في المنطقة كلها من منطلق كونه قوة رئيسة فيها، حتى لقد كان المناوئون للإسلام يعرضون عليه أثمانا باهظة جدا، إذا نصرهم بالألوف من الغطفانيين الذين كانوا تحت أمره و بأمرته.

إذن. . فكيف يمكن أن نتصور ستة عشر رجلا يغيرون على غطفان، و هي في بلاد بعيدة عن المدينة-حتى لقد غاب المسلمون في سريتهم إليها خمس عشرة ليلة-ثم يأخذون سبايا و غنائم بهذا الحجم العظيم، و لا يبادر الأهل و الأصحاب، و أهل النجدة من تلك القبيلة لنجدة من حل بهم المصاب؟ ! و استرجاع كل أو بعض ما أخذ من سبايا، و أسلاب؟ ! خصوصا مع طول المسير، و ليس للمغيرين ظهير و لا مجير، و لا محام و لا نصير! !

الإحاطة بالحاضر:

و إذا كانت الغنائم و السبايا بهذه الكثرة، فإن الدائرة التي يكون فيها الحاضر متسعة، فكيف أحاط ستة عشر رجلا بهم فيها؟ ! و كيف تعرّف بعضهم على بعض؟ . . و كيف؟ . . و كيف؟ . .

يرى وجه مهاجمه في ظلام الليل:

و قد صرحت الروايات المتقدمة: بأن هجوم أبي قتادة و من معه كان ليلا، بعد ان ذهبت فحمة العشاء، {أي ذهب إقباله و أول سواده (1)} . . فكيف رأى ابن أبي حدرد الرجل الطويل، و قد جرد سيفه؟ ! و كيف رآه يمشي القهقري، و مرة يقبل عليه بوجهه، و مرة يدبر عنه بوجهه؟ !

افتراق الزميلين:

و إذا كان هو قد طارد ذلك الرجل الطويل، و ترك صاحبه، فلماذا يتركه صاحبه؟ ! أو لماذا يترك هو صاحبه؟ ! و إذا كان يراه يذهب كما تقول الراوية، فلماذا لم يلحق به؟ !

الغنائم تحل المشكلات:

ثم إننا لا نستطيع أن نتجاهل ذلك الإنطباع غير المحمود، الذي تتركه الطريقة التي يزعمون أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد عالج بها مشكلة ابن أبي حدرد، من حيث أنه اعتمد في ذلك على الغنائم التي سوف تحصل عليها تلك السرية، و كأن همه «صلى اللّه عليه و آله» منصرف إلى حل المشكلات بهذا الأسلوب. . و كأن سراياه كانت سرايا تحصيل أموال، و حصول على سبايا و غنائم. .


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 194 و كنز العمال ج 1 ص 3401 و عون المعبود ج 7 ص 189 و شرح سنن النسائي للسيوطي ج 1 ص 287 و النهاية في غريب الحديث ج 3 ص 417 و لسان العرب ج 2 ص 448.

و نحن لا نشك في عدم صحة ذلك، و أنه لا يمكن أن يكون ذلك محط اهتمامات رسول «صلى اللّه عليه و آله» ، و لا هو مما يرتكز إليه في وعوده المالية. . بل كان همه «صلى اللّه عليه و آله» هو الدعوة إلى اللّه. و تحصين المسلمين، و حفظهم من كيد اعدائهم، و المتربصين بهم. .

وعد آخر بسبية متوقعة:

هذا و قد رووا عن عبد اللّه بن أبي حدرد: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد وعد محمية بن جزء الزبيدي بجارية من أول فيء يفيء اللّه به. فلما رجع أبو قتادة بالغنائم و السبي التي أخذها من غطفان، في أرض محارب، جاء محمية بن جزء إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قال: يا رسول اللّه، إن أبا قتادة قد اصاب جارية وضيئة، و قد كنت وعدتني جارية من أول فيء يفيء اللّه به عليك.

فأرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى أبي قتادة، و قال: هب لي الجارية، فوهبها له، فأخذها و دفعها إلى محمية بن جزء (1).

و نقول:

1-لماذا يطلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» من أبي قتادة أن يهبه الجارية، و لا يطلب منه أن يبيعها له؟ ! أليس ذلك هو الأنسب، من حيث أنه لا تبقى


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 193 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 187 و المغازي للواقدي ج 2 ص 780 و تاريخ الخميس ج 2 ص 76 و راجع: الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 133 و تاريخ مدينة دمشق ج 67 ص 149 و عن الإصابة ج 6 ص 37 و الأعلام للزركلي ج 7 ص 189 و عن عيون الأثر ج 2 ص 176.

لأحد منة على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و هو الأولى، من حيث تأكيد اليقين بطيب نفسه عن تلك الجارية الوضيئة، و الرضا بالمال الذي يحصل عليه كثمن لها؟ !

2-لماذا اختار ذلك الرجل الموعود خصوص جارية أبي قتادة الوضيئة، و لم يختر سواها؟ !

أو فقل: لماذا يفسح المجال لذلك الشخص ليعيّن هو هذه الجارية أو تلك؟ و لماذا لا يكتفي بمجرد مطالبة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالوفاء بوعده، باستخلاص أية جارية كانت من صاحبها، لكي يعطيه إياها؟

3-ألم يكن لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الصفى من المغانم؟ أليس كان من الطبيعي أن تكون الجارية الوضيئة التي قد يثور حولها خلاف حين الاقتسام، هي الصفى لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، لينقطع بذلك دابر الخلاف فيها، و يزول الاحساس بالغبن، و التحاسد لدى سائر المقاتلين الذين لم تكن تلك الجارية من نصيبهم؟ !

4-إن ما يستوقفنا هنا أيضا: أن غطفان لم تحاول اللحاق بأولئك الذين قتلوا رجالها، و سبوا نساءها، و استاقوا نعمها و شاءها، و هم خمسة عشر رجلا فقط، مع أن مسيرهم طويل، و ليس فيهم من يخشاه فوارس غطفان، الذين كانوا يعدون بالمئات و الألوف. .

سرية ابن أبي حدرد إلى الغابة:

و في هذه السنة كانت سرية عبد اللّه بن أبي حدرد الأسلمي أيضا، و معه رجلان إلى الغابة، لما بلغه «صلى اللّه عليه و آله» أن رفاعة بن قيس يجمع

لحربه، فذهب الرجال الثلاثة إلى رفاعة فقتلوه و هزموا عسكره، و غنموا غنيمة عظيمة. حكاه مغلطاى (1).

و عن عبد اللّه بن أبي حدرد أنه قال: أقبل رجل اسمه رفاعة بن قيس، أو قيس بن رفاعة في بطن عظيم من بني جشم، حتى نزل بقومه، و بمن معه الغابة، يريد أن يجمع قيسا على حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كان ذا اسم و شرف في جشم.

فدعاني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و رجلين من المسلمين فقال: «أخرجوا إلى هذا الرجل، حتى تأتوني منه بخبر و علم» .

و قدم لنا شارفا عجفاء، يحمل عليها أحدنا، فو اللّه ما قامت به ضعفا، حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم، حتى استقلت، و ما كادت. ثم قال: «تبلغوا عليها و اعتبقوها» (2).

قال عبد اللّه بن أبي حدرد: فخرجنا، و معنا سلاحنا من النبل و السيوف، حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر {عشيشية} ، مع غروب الشمس، كمنت في


1) راجع: كتاب المحبر ص 123 و عن أسد الغابة ج 3 ص 334 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 317 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 185 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 254 و عن السيرة النبوية لابم هشام ج 4 ص 1064 و عن عيون الأثر ج 2 ص 179 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 422 و عن زاد المعاد ج 1 ص 1119.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 186 و تاريخ الخميس ج 2 ص 76 و السيرة الحلبية ج 3 ص 194 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1046 و عن عيون الأثر ج 2 ص 179 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 317 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 422.

ناحية، و أمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، و قلت لهما: إذا سمعتماني قد كبرت و شددت في ناحية العسكر، فكبرا، و شدا معي.

قال: فو اللّه إنا لكذلك ننتظر غرة القوم، أو أن نصيب منهم شيئا، غشينا الليل، فذهبت فحمة العشاء، و كان راعيهم قد أبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه. فقام صاحبهم رفاعة بن قيس، أو قيس بن رفاعة. فأخذ سيفه، فجعله في عنقه، ثم قال: و اللّه لأتبعن أثر راعينا هذا، فلقد أصابه شر.

فقال بعض من معه: نحن نكفيك فلا تذهب.

فقال: و اللّه لا يذهب إلا أنا.

فقالوا: و نحن معك.

قال: و اللّه لا يتبعني أحد منكم. و خرج حتى مر بي، فلما أمكنني نفحته بسهم، فوضعته في فؤاده، فو اللّه ما تكلم، و وثبت إليه، فاحتززت رأسه، و شددت في ناحية العسكر، و كبرت، و شد صاحباي و كبرا.

فو اللّه ما كان إلا النجاء ممن فيه: عندك، عندك. بكل ما قدروا عليه من نسائهم و أبنائهم، و ما خف معهم من أموالهم، و استقنا إبلا عظيمة، و غنما كثيرة (1).

ثم ذكر أنه جاء بالغنيمة إلى رسول اللّه فأعانه «صلى اللّه عليه و آله» ، منها بثلاثة عشر بعيرا.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 187 و تاريخ الخميس ج 2 ص 76 و السيرة الحلبية ج 3 ص 194 و عن البداية و النهاية ج 2 ص 254 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1046 و عن عيون الأثر ج 2 ص 179 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 317 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 422 و عن زاد المعاد ج 1 ص 1119.

و نقول:

إن أكثر المفردات التي وردت في هذه السرية قد جاءت في غير السياق الطبيعي، فلاحظ على سبيل المثال ما يلي:

1-إن راوي هذه الأحداث هو ابن أبي حدرد نفسه، و هو يدعي أنه حقق بطولات نادرة، من شأنها أن تصبح حديث النوادي، للحاضر، و للبادي، و أن يحتفي الناس ببطلها و بمساعديه، و يصبح الرجل المقدم على الأقران، و أن نسمع الثناء عليه و عليهم من كل شفة و لسان، حتى من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، في ذلك الوقت، و في كل عصر و زمان. .

و لكن كل ذلك لم يكن. .

2-إذا كان هناك جمع عظيم مجموع، و مستعد لحرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد هزمه ثلاثة أشخاص فقط، فإن المتوقع من هذا الجمع العظيم، أن يعيد الكرة على مهاجميه، بعد أن يعود إليه صوابه، و أن يلاحق الذين استاقوا الأبل و الشاء، و أن يراقب حركتهم، و يسعى إلى الانتقام لنفسه، و يستعيد كرامته، و يستنقذ شرفه.

و لكن كل ذلك لم يكن أيضا.

3-إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إنما أرسل ابن أبي حدرد و رفيقيه في مهمة محددة، و هي أن يأتوا من رفاعة بن قيس بخبر، فما معنى أن يشنوا الغارة عليه، و يقتلوه، و لم يأمرهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك. .

4-ما معنى أن يعطيهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مهمتهم تلك التي تحتاج إلى النشاط و الحركة السريعة، لكونها مهمة استطلاع شارفا

واحدا؟ . ثم أن تكون هذه الشارف عجفاء، أي لم تستطع أن تقوم بواحد منهم لشدة ضعفها (1).

5-لماذا أصر رفاعة على الخروج في طلب الراعي، و لم يوكل ذلك إلى بعض قومه؟ ! ثم لماذا أصر أن يكون وحده؟ ! فهل كان غاضبا من قومه، لائما لهم على تقصيرهم؟ ! .

أم أن على الرئيس أن يتولى أمر تفقد رعاته، و أن يبحث عنهم بنفسه؟ !

6-لماذا حمل رأس قيس بن رفاعة معه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! و هل جرت عادة السرايا أن يأتوا برؤوس الناس إليه «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

و ما الذي قاله له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في ذلك؟ ! هل قبله منه؟ أم اعترض عليه؟ ! أم سكت عنه؟ ! .

7-من هو الذي جمع هذا الجمع العظيم؟ ! هل هو قيس بن رفاعة؟ أم هو رفاعة بن قيس؟ ! . .

و هل يكون مثلا من يستطيع أن يجمع هذا الجمع نكرة و مجهولا إلى هذا الحد؟ !

8-لماذا لم يذكر الرواة لنا عن هؤلاء الذين جمعهم رفاعة بن قيس شيئا، فلم تعرف قبائلهم، و لا عرفنا أحدا من الشخصيات التي كانت


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 194 و عن البداية و النهاية ج 2 ص 254 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 4 ص 1046 و عن عيون الأثر ج 2 ص 179 و عن تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 317 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 422 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 185.

معهم، أو في جملة قياداتهم. .

9-قد ذكروا: أن ابن أبي حدرد زعم: أنه طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعينه في مهر زوجته، فأرسله في هذه السرية، و أعانه «صلى اللّه عليه و آله» بثلاثة عشر بعيرا في صداق زوجته (1).

ثم ذكروا: أنه حين طلب منه «صلى اللّه عليه و آله» المعونة في ذلك: أرسله مع أبي قتادة في سرية فحصل على ما أراد، فقد روي عن ابن أبي حدرد نفسه أنه قال:

«لما طلبت منه «صلى اللّه عليه و آله» الإعانة في مهر زوجتي. قال لي: ما وافقت عندنا شيئا أعينك به، و لكن قد أجمعت أن أبعث ابا قتادة في أربعة عشر رجلا في سرية، فهل لك أن تخرج فيها» .

ثم ذكر خروجه معهم، و أنه قتل ذلك الرجل الذي صار يتهكم به، و أنه رأى في السبي إمرأة كأنها ظبي، تبين له أنها هي صاحبة ذلك الرجل الذي كان قد قتله، فراجع (2).

و يلاحظ: أن ثمة تشابها في مقدار الغنيمة، بين هذه السرية و السرية التي قبلها، فحصته كانت في كل واحدة منها ثلاثة عشر بعيرا.


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 194 و المستدرك للحاكم ج 2 ص 178 و السنن الكبرى ج 7 ص 235 و مجمع الزوائد ج 4 ص 282 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 3 ص 319 و بغية الباحث ص 158 و المعجم الكبير ج 22 ص 352 و عن فيض القدير ج 5 ص 421 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 4 ص 310 و عن أسد الغابة ج 5 ص 169 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 187.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 194 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 185.

سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر:

و كانت سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر، ليرصدوا عيرا لقريش (1). في شهر رجب في السنة الثامنة للهجرة، و ذلك بعد أن نكثت قريش العهد و قبل الفتح (2).

قال بعضهم: و كان النكث-كما زعم هؤلاء-في شهر رمضان (3).

و لعل الأمر قد اشتبه عليه، فإن الفتح كان في شهر رمضان، أما النكث فكان قبل ذلك.

و لعله أراد أن يكتب أن الفتح كان في شهر رمضان، فكتب بدل ذلك، أن النكث كان فيه.

و عند ابن سعد: أن هذه السرية كانت في سنة ست أو قبلها، قبل الحديبية (4).


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 191 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 314 و 315 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 522 و عن صحيح البخاري {ط دار العامرة- إستانبول} ج 6 ص 224 و عن صحيح مسلم ج 6 ص 62 و مسند الحميدي ج 2 ص 521 و مسند أبي يعلى ج 2 ص 457 و صحيح ابن حبان ج 12 ص 63 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 176 و البحار ج 21 ص 64.

2) تاريخ الخميس ج 2 ص 75 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 132 و عن عيون الأثر ج 2 ص 173 و تاج العروس ج 5 ص 125.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 75 عن ابن العراقي في شرح التقريب.

4) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 179 و عن عيون الأثر ج 2 ص 174 و 175 و عن فتح الباري ج 8 ص 61.

و على كل حال، فقد قالوا: بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أبا عبيدة بن الجراح في سرية فيها المهاجرون و الأنصار، و هم ثلاثمائة رجل إلى ساحل البحر، إلى حي من جهينة، فأصابهم جوع شديد، فأمر أبو عبيدة بالزاد فجمع حتى إنهم كانوا ليقتسمون التمرة.

فقيل لجابر: فما يغني ثلث تمرة.

قال: لقد وجدوا فقدها.

قال: و لم تكن معهم حمولة. إنما كانوا على أقدامهم، و أباعر يحملون عليها زادهم. فأكلوا الخبط، حتى إن شدق أحدهم بمنزلة مشفر البعير العضة.

فمكثنا على ذلك حتى قال قائلهم: لو لقينا عدوا ما كان بنا من حركة إليه. لما بالناس من الجهد.

فقال قيس بن سعد: من يشتري مني تمرا بجزر. يوفيني الجزر ههنا، و أو فيه التمر بالمدينة؟

فجعل عمر يقول: و اعجباه لهذا الغلام، لا مال له، يدّان في مال غيره.

فوجد رجلا من جهينة، فقال قيس بن سعد: بعني جزرا و أوفيك سقة من تمر بالمدينة.

قال الجهني: و اللّه ما أعرفك. و من أنت.

قال: أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم.

قال الجهني: ما أعرفني بنسبك. أما إن بيني و بين سعد خلة، سيد أهل يثرب.

فابتاع منهم خمس جزر، كل جزور بوسقين من تمر. يشرط عليه البدوي تمر ذخيرة مصلبة من تمر آل دليم.

قال: يقول قيس: نعم.

قال الجهني: فأشهد لي.

فأشهد له نفرا من الأنصار، و معهم نفر من المهاجرين.

قال قيس: أشهد من تحب.

فكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب، فقال عمر: لا أشهد! هذا يدان و لا مال له. إنما المال لأبيه.

قال الجهني: و اللّه، ما كان سعد ليخني بابنه في سقة من تمر! و أرى وجها حسنا، و فعالا شريفا.

فكان بين عمر و بين قيس كلام حتى أغلظ له قيس الكلام.

و أخذ قيس الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاثة. كل يوم جزورا. فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره و قال: تريد أن تخفر ذمتك و لا مال لك؟

و قال الواقدي: حدثني محمد بن يحيى بن سهل، عن أبيه، عن رافع بن خديج، قال: أقبل أبو عبيدة بن الجراح و معه عمر بن الخطاب، فقال: عزمت عليك ألا تنحر؛ أتريد أن تخفر ذمتك و لا مال لك؟

فقال قيس: يا أبا عبيدة، أترى أبا ثابت و هو يقضي دين الناس، و يحمل الكل، و يطعم في المجاعة، لا يقضي سقة من تمر لقوم مجاهدين في سبيل اللّه!

فكاد أبو عبيدة أن يلين له، و يتركه حتى جعل عمر يقول: اعزم عليه! فعزم عليه، فأبى عليه أن ينحر.

فبقيت جزوران معه، حتى وجد القوم الحوت، فقدم بهما قيس المدينة ظهرا يتعاقبون عليها.

و بلغ سعد ما كان أصاب القوم من المجاعة، فقال: إن يكن قيس كما

أعرفه فسوف ينحر للقوم.

فلما قدم قيس لقيه سعد، فقال: ما صنعت في مجاعة القوم حيث أصابهم؟

قال: نحرت.

قال: أصبت، انحر.

قال: ثم ماذا؟

قال: ثم نحرت.

قال: أصبت، انحر.

قال: ثم ماذا؟

قال: ثم نحرت.

قال: أصبت، انحر.

قال: ثم ماذا؟

قال: نهيت.

قال: و من نهاك؟

قال: أبو عبيدة بن الجراح أميري.

قال: و لم.

قال: زعم أنه لا مال لي، و إنما المال لأبيك.

فقلت: أبي يقضي عن الأباعد، و يحمل الكل، و يطعم في المجاعة، و لا يصنع هذا بي.

قال: فلك أربع حوائط.

قال: و كتب له بذلك كتابا.

قال: و أتى بالكتاب إلى أبي عبيدة، فشهد فيه، و أتى عمر فأبى أن يشهد

فيه-و أدنى حائط منها يجذ خمسين و سقا. و قدم البدوي مع قيس فأوفاه سقته، و حمله، و كساه.

فبلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» فعل قيس، فقال: إنه في بيت جود (1).

ثم روى الواقدي عن جابر بن عبد اللّه: أن البحر ألقى لهم حوتا مثل الظرب، فأكل الجيش منه اثنتي عشرة ليلة، ثم أمر أبو عبيدة بضلع من أضلاعه فنصب، ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مر تحتها فلم يصبها (2).

حدثني ابن أبي ذئب، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللّه، قال: إن كان الرجل ليجلس في وقب عينه، و إن كان الراكب ليمر بين ضلعين من أضلاعه على راحلته.

حدثني عبد اللّه بن الحجازي، عن عمر بن عثمان بن شجاع، قال: لما قدم الأعرابي على سعد بن عبادة، قال: يا أبا ثابت! و اللّه، ما مثل ابنك صنعت، و لا تركت بغير مال؛ فابنك سيد من سادات قومه، نهاني الأمير أن أبيعه.

قلت: لم؟

قال: لا مال له! فلما انتسبت إليك عرفته، فتقدمت لما عرفت أنك تسمو على معالي الأخلاق و جسيمها، و أنك غير مذم بمن لا معرفة له لديك.


1) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 177-178 و عن عيون الأثر ج 2 ص 174 و 175 و عن فتح الباري ج 8 ص 62 و تاريخ مدينة دمشق ج 94 ص 412- 415 و سير اعلام النبلاء ج 3 ص 105 و 106.

2) راجع: مسند ابن الجعد ص 387 و صحيح ابن حبان ج 2 ص 65 و رياض الصالحين للنووي ص 281 و عن نصب الراية ج 6 ص 70 و عن مسند أحمد ج 3 ص 306 و عن صحيح مسلم ج 6 ص 61.

قال: فأعطى ابنه يومئذ أموالا عظاما (1).

رصد عير قريش لا يصح:

و نقول:

قد ذكروا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل أبا عبيدة بن الجراح في ثلاث مائة رجل إلى حي من جهينة في ساحل البحر.

و قيل: ليرصدوا عيرا لقريش.

قال الحلبي: «و عليه فتكون هذه السرية قبل الهدنة الواقعة في الحديبية، لما تقدم أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكن يرصد عيرا لقريش إلى الفتح.

و تعدد سرية الخبط بعيد، فلا يقال: يجوز أن تكون سرية الخبط مرتين: مرة قبل الهدنة، و مرة بعدها. و من ثم حكم على هذا القول: بأنه و هم الخ. .» (2).

و نضيف إلى ذلك: أن رصد العير، إن كان لأجل مهاجمتها و أخذها، كان ذلك نقضا للهدنة، و لا يقدم النبي «صلى اللّه عليه و آله» على ذلك أبدا.

و إن كان لمجرد الاستعلام عن مسيرها، و عن حالاتها، فيرد سؤال عن الفائدة في الحصول على هذه المعلومات.

و سؤال آخر عن سبب تجهيز ثلاث مائة رجل لمجرد مهمة رصد،


1) المغازي للواقدي ص 774-777 و راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 192 و 193 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 178 و تاريخ مدينة دمشق {ط دار الكتب العلمية} ج 52 ص 270.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 191.

يكفي فيها أقل من عشر هذا العدد.

و سؤال ثالث يفرض نفسه هنا، عن سبب امتداد إقامة ثلاث مائة شخص ما يقارب الشهرين في تلك المنطقة النائية.

و سؤال رابع عن سبب قصور أزوادهم عن أن تكفيهم في هذه المدة التي يحتاجون إليها لتحقيق مراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و إنجاز المهمة الموكلة إليهم. .

ثم أن نسأل أخيرا. . إذا كانت المهمة قتالية، لمن كان في ساحل البحر من جهينة، فإن كانوا قد أنجزوها فور وصولهم، فلماذا لم يرجعوا إلى بلادهم مباشرة؟

و لماذا امتدت إقامتهم إلى حين نفذت أزوادهم حتى أكلوا الخبط؟ ثم إلى حين أكلوا شهرا من تلك الدابة البحرية.

و إن كانت تلك المهمة لم تنجز، و لم يباشروا القتال الذي أمروا بمباشرته، فلا بد أن نسأل عن سبب ذلك.

على أن الأغرب من ذلك كله. . أن سرية تمتد تحتاج إلى حوالي شهرين لإنجاز مهمتها، و فيها ثلاث مائة مقاتل، لا يذكر لنا التاريخ أي شيء عما جرى لها، و عن أي شيء من إنجازاتها. .

فلا ندري هل حققت نصرا، أم منيت بهزيمة. . و إن كانت قد ظفرت بالعدو، فكم قتلت منهم؟ و كم أسرت؟ و ما هي الغنائم التي حصلت عليها؟

و إذا كان ثلاثة أشخاص، أو أربعة عشر شخصا أو نحو ذلك يحققون الإنجازات الكثيرة في سرايا أخرى، فلماذا لم يستطع هذا العدد الكبير هنا تحقيق أي شيء رغم هذه الكثرة؟ !

هدف السرية:

و روي عن جابر أنه قال: إن سبب بعث هذه السرية هو «طلب عير لقريش، و ترصدها. فأقمنا على الساحل حتى فني زادنا، و أكلنا الخبط حتى تقرحت أشداقنا، ثم إن البحر ألقى إلينا دابة، يقال لها: العنبر، فأكلنا منها نصف شهر حتى صحت أجسامنا» (1).

و نقول:

إننا لا ندري ما معنى أن يرسل «صلى اللّه عليه و آله» ثلاث مائة رجل في طلب عير لقريش مع أنه يكفي لأخذ العير ما هو أقل من هذا العدد بكثير. .

إلا إذا فرض: أن قريشا كانت تجهز مئات المقاتلين لحماية قوافلها الاقتصادية.

و إن كان المطلوب كما صرحت به الرواية هو مجرد ترصد تلك البعير، و ليس المطلوب القتال فإن هذا العدد الكبير لا يناسب حالة الترصد و الاستطلاع، لأنه عدد لا يمكن إخفاؤه لمدة طويلة. . بل هو سوف يطير خبره في كل اتجاه، و سوف يتحاشى الناس من الاقتراب منه. . و فرض توزعهم في الشعاب و الجبال ليقوموا بمهمة الرصد، لا يمنع من افتضاح أمرهم مع طول المدة التي تحتاجها مهمة الرصد هذه. . إلا إن كان الهدف


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 75 و راجع: مسند الحميدي ج 2 ص 521 و 522 و صحيح ابن حبان ج 12 ص 63 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 522 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 315 و عن صحيح البخاري ج 6 ص 233 و عن صحيح مسلم ج 6 ص 61 و 62.

من هذه السرية هو الضغط على قريش من الناحية النفسية، و إيجاد حالة من الخشية و الترقب، و عدم الاستقرار لديها. .

على أن من غير المعقول: في سرية بهذا الحجم، و تحتاج في إنجاز مهمتها إلى وقت طويل، أن لا تحمل معها من القوت ما يكفيها طيلة إقامتها إلا أن يكون اعتمادها على الغارة و السلب، و هذا ما لا يقرهم عليه دينهم و خلقهم، و لا يقبله وجدانهم و لا يرضاه منهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كما أشرنا إليه أكثر من مرة.

عقلاء. . أم حساد؟ ! :

إن سعد بن عبادة كان رئيس الخزرج، و كان من بيت شرف و أريحية و إباء. . و كان قيس نفسه معروفا بالجود و الكرم أيضا. .

و لسنا نشك في أن سعدا لا يخذل ولده في موقف كهذا، بل هو يسر و يفتخر و يتباهى به. و قد قال ذلك الرجل-بائع التمر-نفسه: و اللّه، ما كان سعد ليخني بابنه في سقة من تمر.

و لكن اللافت: هو هذا الموقف الحاد الذي اتخذه عمر بن الخطاب، الذي كان يكفيه أن يسدي النصيحة لقيس فيما بينه و بينه. و أما تقبيح عمله على رؤوس الأشهاد، ثم التشكيك بوفاء أبيه له، فلا يرضاه أحد لا سيما و انه يستبطن انتقاصا من سعد و من قيس على حد سواء. .

و لا نريد أن نفسح المجال لخيالنا ليلا حق دوافع هذا الموقف الحاد، فنفترض تارة أن الهدف هو صلاح قيس، و حفظ أموال سعد عن الإهدار و التبذير. .

ثم نناقش في ذلك: بأن هذا ليس من التبذير و لا الإهدار، بل هو مال تحفظ به النفوس، و تصان به الأرواح. و إن لم تسخ به نفس سعد بن عبادة، و لم يف بذمة ولده، فلا شك في أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه هو الذي سيتولى هذا الوفاء، و لو من بيت مال المسلمين.

و سيكون «صلى اللّه عليه و آله» شاكرا لقيس، مغتبطا بما صنع، لأنه حفظ جيش المسلمين من الضياع، و إبعاد الأذى و المتاعب عنه، حتى لو كانت في أدنى حالاتها أمر محبوب و مطلوب للّه تعالى، و لرسوله، و لكل عاقل أريب. .

و قد كنا نتوقع أن يبادر عمر نفسه، أو أمير السرية و المسؤول عن حفظها-و هو أبو عبيدة-إلى نفس ما فعله قيس. و لكن الأمور سارت على عكس ما توقعناه، فهما لم يفعلا شيئا، كما أنهما قد اتفقا على منع غيرهما من فعل أي شيء من ذلك.

و قد زاد الطين بلة، أن عمر بن الخطاب أبى أن يشهد ليس فقط لم يشهد على صفقة قيس مع ذلك الأعرابي على الجزائر التي أخذها ليطعم الجيش، و إنما هو لم يشهد حتى على الكتاب الذي كتبه سعد لولده بالحوائط الأربع، مكافأة له على ما فعل حسبما تقدم.

فهل كان ذلك من حسد اعترى هذا، أو ذاك، أو كليهما؟ أم كان قصر نظر، و عجز عن إدراك هذا الأمر الظاهر البداهة؟ أم أنهم لا يريدون لقيس المعروف بولائه لعلي «عليه السلام» أن يذكر بفضيلة أو مكرمة؟

لا ندري و لعل الفطن الذكي يدري.

عدد الجزائر:

قال البخاري: نحر لهم تسع جزائر، كل يوم ثلاثا (1).

و قيل: نحر لهم ستة جزائر، كل يوم ثلاثا ثم نهاه أبو عبيدة (2).

لكن الحلبي يقول: بل نحر ثلاث جزائر، ثم أيد ذلك بما تقدم عن الواقدي، من أنه بقي معه جزوران قدم بهما إلى المدينة.

و نقول:

لا ندري كيف أيد القول بأنه نحر لهم ثلاث جزائر من قولهم: إنه بقي


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 75 و السيرة الحلبية ج 3 ص 192 و {ط دار الفكر} ج 3 ص 201 و راجع: المصنف للصنعاني ج 4 ص 508 و مسند الحميدي ج 2 ص 522 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 522 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 177 و السنن الكبرى للبيهقي {ط دار الفكر} ج 14 ص 150 و صحيح البخاري {ط دار إحياء التراث العربي} ج 8 ص 407 و عن صحيح مسلم {ط دار الكتب العلمية} ج 13 ص 74{4956} و سنن النسائي ج 7 ص 273 و السنن الكبرى للنسائي {ط دار الكتب العلمية} ج 3 ص 164 و اللؤلؤ و المرجان ج 1 ص 620 و فتح الباري {ط دار الفكر} ج 8 ص 407 و شرح الزرقاني ج 4 ص 296 و عمدة القاري ج 18 ص 13 و البداية و النهاية {ط مكتبة المعارف} ج 2 ص 276 و زاد المعاد ج 1 ص 1142

2) راجع: البحار ج 21 ص 64 عن الكازروني في المنتقى في مولد المصطفى و راجع: و صحيح البخاري {ط دار إحياء التراث العربي} ج 11 ص 39 و فتح الباري {ط دار الفكر} ج 11 ص 38 و سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 177 و السنن الكبرى للبيهقي {ط دار الفكر} ج 14 ص 156 و عمدة القاري ج 21 ص 104 و تاريخ مدينة دمشق ج 52 ص 270.

معه جزوران. . فلماذا لا ينحر لهم تسعة، و يبقى معه جزوران، فإن المفروض هو: أنه أطعم الجيش ثلاثة أيام. .

و إذا كان عدد الجيش ثلاث مائة رجل، فمن المعلوم: أن الجزور الواحد إنما يكفي مائة رجل. . كما ظهر في غزوة بدر، حيث كشف النبي «صلى اللّه عليه و آله» عدد جيش المشركين من ذبحهم يوما تسعا، و يوما عشرا، فكان الجيش ما بين تسع مائة إلى ألف. . فهل أطعم قيس في كل يوم مائة رجل فقط، و أبقى مائتين بلا طعام؟ !

مبالغات لا مبرر لها:

و قد أفاضوا ما شاءت لهم قرائحهم في وصف دابة العنبر، و بيان ضخامتها، و عظم خلقتها حتى قالوا: «فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه، فإذا هو دابة تدعى العنبر، فأقمنا عليها شهرا، و نحن ثلاثمائة حتى سمنّا.

و لقد رأيتنا نغترف من وقب عينيه بالقلال الدهن، و نقتطع منه القدر كالثور.

و لقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينها، و أخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا، ثم ركبه أطول رجل منا {و هو قيس بن سعد} فجاز من تحتها، و تزودنا من لحمه الوسائق.

فلما قدمنا المدينة أتينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه اللّه تعالى لكم.

فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟

فأرسلنا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منه فأكله» (1).

و نقول:

إننا نشك في كثير مما ذكروه هنا. . و ذلك لما يلي:

هل للعنبر فلس؟ !

إن أول سؤال يرد على الأذهان هو:

هل صحيح أن لحم هذه الدابة العظيمة مما يحل أكله؟ ! من حيث أن لها فلسا يكون علامة على ذلك، أو ليس لها فلس، فتكون حراما. كما هو مذهب أهل الحق. .

مقدار وقب عينها:

ثم إن هناك تناقضات حتى في مبالغاتهم، فبينما يظهر من بعضها أن شخصا واحدا قد جلس في وقب عينها نجد نصا آخر يقول: إن أبا عبيدة قد أجلس في وقب عينها، ثلاثة عشر رجلا! !

فأي ذلك هو الصحيح؟ !


1) راجع: السيرة الحلبية ج 3 ص 192 و 193 و المحلى ج 7 ص 395 و عن مسند أحمد ج 3 ص 312 و عن صحيح مسلم ج 6 ص 61 و سنن أبي داود ج 2 ص 216 و شرح مسلم للنووي ج 12 ص 86 و مسند ابن الجعد ص 387 و رياض الصالحين للنووي ص 281 و الجامع لأحكام القرآن ج 6 ص 319 و عن تفسير القرآن العظيم ج 2 ص 105.

الأعجوبة التي لم يهتم لها أحد! !

إن هذه الدابة إذا كانت بهذا الوصف فهي أعجوبة الدهر، فلماذا لم يقصدها الناس للتفرج على حجم أضلاعها من جميع البلاد؟ و لماذا لم يحتقظ أحد منهم بوقب عينها؟ ! أو بضلع من أضلاعها، ليفاخر به؟ !

لا نظير لهذه الدابة في المحيطات:

و إذا كان هذا هو حجم وقب عينها، و ارتفاع أضلاعها، فإن طولها لا بد أن يكون مئة متر، أو أكثر بكثير. فهل وجد في محيطات هذا العالم حيوان بهذا الحجم؟ !

إنهم يقولون: إن أكبر حيوان بحري يعرف في العالم كله، لا يزيد طوله على ثلاثة و ثلاثين مترا، و لعل هناك من يحتمل أن يصل طول واحد منها إلى أربعين مترا. .

مع أن وقب عين الدابة التي يتحدث هؤلاء عنها يبلغ مساحة غرفة طولها ثلاثة أمتار بعرض ثلاثة، أو أقل بقليل، فإذا أضفنا إلى ذلك مساحة العين الأخرى، ثم المساحة الواقعة بينهما. .

فإن مساحة وجه تلك الدابة، ستكون ما بين عشرة أمتار إلى خمسة عشر مترا على أقل تقدير. . فما بالك بطول هذه الدابة التي عبرت عنها الروايات بالكثيب الضخم. .

هل هذا ميتة؟ !

و في حين يقولون: إنهم حين وجدوا الدابة التي تدعى العنبر، قال أبو

عبيدة: ميتة.

ثم قال: اضطررتم إليها، فكلوا، فأقمنا عليها شهرا و نحن ثلاث مائة حتى سمنا (1).

ثم يقولون في مناقضة ذلك: «فلما قدمنا المدينة، ذكرنا ذلك لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر العنبر، فقال: أخرجه اللّه تعالى لكم، لعل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ ! .

فأرسلنا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» منه فأكله.

أي و لم يكن أروح، بدليل أنه «صلى اللّه عليه و آله» ، قال: لو نعلم أننا ندركه لم يروح لأحببنا لو كان عندنا منه.

قال ذلك ازديادا منه (2).

فكيف يكون ميتة أولا، و لم يحل لهم إلا لأنهم اضطروا إليه، ثم يطلب النبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يأتوه منه بشيء، ثم يأكله و هو لم يكن مضطرا


1) السيرة الحلبية ج 3 ص 192 و مسند ابن الجعد ص 387 و الجامع لأحكام القرآن ج 2 ص 228 و المحلى ج 7 ص 395 و نيل الأوطار ج 9 ص 27 و عن مسند أحمد ج 3 ص 311 و عن صحيح مسلم ج 6 ص 61 و السنن الكبرى ج 9 ص 251 و شرح مسلم للنووي ج 13 ص 85 و عن فتح الباري ج 9 ص 508 و صحيح ابن حبان ج 12 ص 65 و رياض الصالحين للنووي ص 281 و عن نصب الراية ج 6 ص 70 و الفصول من الأصول للجصاص ج 4 ص 41 و عن البداية و النهاية ج 4 ص 315 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 522.

2) السيرة الحلبية ج 3 ص 193 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 6 ص 18 و عن فتح الباري ج 8 ص 65.

إليه؟ !

إن لم يكن أروح:

و أما الحديث عن الرائحة، فلست أدري ما أقول فيه! ! و كيف يمكن أن يبقى هذا اللحم طيلة ما يقرب من أربعين يوما، و في بلاد الحجاز بالذات، التي تمتاز بارتفاع درجات الحرارة فيها، ثم لا تظهر له رائحة كريهة، و لا يعرض عليه ما يوجب التحفظ من الاستفادة منه في الطعام؟ !

على أن كلمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «لو نعلم: أننا ندركه لم يروح لأحببنا الخ. .» تشير إلى أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يتوقع فيه ذلك، و أن القضية في ذلك لا تخضع للمعجزة و الكرامة، و التصرف الإلهي، بل هي جارية وفق السنن و الأوضاع الطبيعية، فلا مجال لأي ادعاء في غير هذا السياق.

الفصل التاسع: حنين الجذع. . و منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله

اشارة

إتخاذ المنبر:

و زعموا: أن المنبر قد اتخذ لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في سنة ثمان من الهجرة، فصار «صلى اللّه عليه و آله» يخطب عليه و كان قبل ذلك إذا خطب يقوم و يستند إلى أحد جذوع النخل التي كانت في المسجد، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بنى مسجده مسقوفا على جذوع النخل.

و قد اختلفوا في كثير من الأمور التي يرتبط بهذا الأمر، مما يمكن أن يعطي صورة غير مرضية عن مدى الخلل في رسمهم لصورة كثير من الوقائع و الأحداث، ثم هو يشير إلى مدى الجهد الذي ينبغي أن يبذل للتعرف على الصورة الحقيقية، أو المقاربة لها في كل ملامحها، و سماتها، كبيرة كانت، أو صغيرة، و كمثال على ذلك نشير إلى الاختلافات التالية:

1-هل صنع المنبر في السنة السابعة، أو الثامنة، أو التاسعة.

2-هل صنع المنبر من أثل {شجر} ، أو من طرفاء.

3-و هل صنعه {باقوم} باني الكعبة لقريش، أو باقوم، أو ميمون، أو رجل رومي، أو صباح، غلام العباس، أو كلاب غلامه، أو مينا، غلام امرأة أنصارية، اسمها: غلاثة.

4-و هل هو درجتان و مجلس، كما عن الواقدي. . أو هو ثلاث مراقي،

أو أربع.

5-و هل الذي اقترح على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» صنع المنبر امرأة أنصارية اسمها عائشة أو علاثة، فعمله غلامها باقوم الرومي. أو أن رجلا سأله «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك فأجابه إليه (1).

و نحن نذكر هنا بعض الروايات التي تضمنت شيئا مما تقدم.

قال الصالحي الشامي:

«و فيها: اتخذ المنبر و حنين الجذع، و هو أول منبر عمل في الإسلام، كما جزم به ابن النجار و غير واحد.

قال الحافظ: و فيه نظر، لما ورد في حديث الإفك في الصحيحين عن عائشة، قالت: فثار الأوس و الخزرج حتى كادوا أن يقتتلوا، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على المنبر، فنزل يخفضهم حتى سكنوا.

فإن حمل على التجوز في ذكر المنبر و إلا فهو أصح مما مضى» (2).


1) راجع هذه الاختلافات في: تاريخ الخميس ج 2 ص 68 و 69 و البحار ج 21 ص 47 عن المنتقى للكازروني. و راجع: المصنف للصنعاني ج 7 ص 433 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 393 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 69 و عن مسند أحمد ج 3 ص 300 و عن صحيح البخاري ج 1 ص 116 و ج 3 ص 14 و {ط دار الكتب العلمية} ج 2 ص 114 و ج 5 ص 43 و شرح مسلم للنووي ج 5 ص 34 و {ط دار الفكر} ج 5 ص 28 و عن المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 433 و سير أعلام النبلاء ج 12 ص 238 و عن البداية و النهاية ج 6 ص 140 و عمدة القاري ج 4 ص 101 و 210 و ج 11 ص 212.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 69.

لكننا قدمنا في الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب: أن حديث الإفك موهون جدا، و قد تواردت عليه العلل و الأسقام من كل جانب و مكان. فلا يصح الإعتماد عليه في رد ما عداه.

هذا. . و قد روي عن سهل بن سعد: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل إلى علاثة، امرأة قد سماها سهل: أن مري غلامك النجار أن يعمل لي أعواد المنبر أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة.

و في رواية: فعمل هذه الثلاث درجات، ثم جاء بها، فأرسلته إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأمر بها فوضعت هاهنا (1).

و عن أبي بن كعب قال: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصلي إلى جذع إذ كان المسجد عريشا، و كان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسول اللّه، هل لك أن تجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة، حتى يراك و تسمع الناس خطبتك؟

قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات، هي التي أعلى المنبر، فلما صنع وضعه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» موضعه الذي هو فيه، فكان إذا بدأ الرسول «صلى اللّه عليه و آله» أن يخطب عليه تجاوز الجذع الذي كان يخطب إليه أولا.


1) سبل الهدى و الرشاد ج 8 ص 182 و 183 و ج 12 ص 69 عن البخاري، و مسلم، و البيهقي و راجع: صحيح مسلم ج 2 ص 74 و السنن الكبرى للبيهقي ج 3 ص 195 و شرح مسلم للنووي ج 5 ص 34 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 252.

ثم إن الجذع خار حتى تصدّع و انشق، فنزل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلما سمع صوت الجذع مسحه بيده حتى سكن، ثم رجع إلى المنبر، و كان إذا صلى صلى إليه.

فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب، فكان عنده حتى بلي (فأكلته الأرض و عاد رفاتا) (1).

و روي عن أنس أنه قال: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، فخطب الناس، فجاءه رومي، فقال: ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم، فصنع له منبرا له درجان و مقعد على الثالثة، فما قعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على المنبر خار الجذع (2).

و قد تقدم في حديث الإفك: أن بعض الروايات قد صرحت: بأن تميم


1) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 69، عن الشافعي، و أحمد، و ابن ماجة، و راجع: مستدرك سفينة البحار جج 2 ص 42 و عن مسند أحمد ج 5 ص 137 و سنن الدارمي ج 1 ص 18 و فتح الباري {ط دار المعرف} ج 6 ص 444 و {ط دار الكتب العلمية} ج 7 ص 277 و البداية و النهاية {ط دار إحياء التراث العربي} ج 6 ص 138 و {ط مكتبة المعارف} ج 3 ص 125 و عن دلائل النبوة للبيهقي ج 6 ص 67 و عن سنن ابن ماجة في إقامة الصلاة ح 1414 و عمدة القاري {ط دار الفكر} ج 16 ص 117.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 69 و راجع: سنن الدارمي ج 1 ص 19 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 140 و البحار ج 17 ص 170 و عن البداية و النهاية ج 6 ص 139 و قصص الأنبياء للراوندي ص 311.

الداري هو الذي صنع المنبر.

و بعضها يقول: إن غلاما للعباس اسمه كلاب هو الذي صنع المنبر. و في نص آخر: أن غلام العباس الذي صنع المنبر اسمه صباح. .

و بملاحظة هذه الروايات كلها يتضح مدى التلاعب و التصرف الذي نال هذه القضية، التي قد لا يخطر على بال أحد أن تكون مسرحا للأهواء، و أن يخبط فيها الرواة خبط عشواء. و لا نريد أن نقول أكثر من ذلك.

و نحن بدورنا لا نرى ضرورة لصرف العمر في تحقيق هذا الأمر، فنكتفي بالإشارة إلى ما يلي:

حنين الجذع:

و يقولون: إن الروايات قد تواترت في أن ذلك الجذع الذي كان يستند إليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، قد اضطرب، و سمع له حنين كحنين الناقة التي انتزع ولدها.

و قد روى هذا الحديث بضعة عشر صحابيا.

و في رواية أنس: حتى ارتج المسجد لخواره، و كثر بكاء الناس لما رأوا به (1).

و في رواية عن أبي بن كعب: أنه تصدع و انشق حتى جاء النبي «صلى


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 69 و راجع في حنين الجذع: البحار ج 17 ص 365 و 326 و 327 و الخرائج الجرايح ج 1 ص 165 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 304 و عن عيون الأثر ج 1 ص 218 و سنن الدارمي ج 1 ص 19 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 140.

اللّه عليه و آله» ، {فاحتضنه أو} فوضع يده عليه فسكن (1).

لكن في نص آخر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» دعاه إليه، فجاء يخرق الأرض، ثم أمره فعاد إلى مكانه (2).

و في رواية عنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: هذا بكى لما فقد من الذكر (3).


1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 69 و البحار ج 17 ص 365 و ج 21 ص 47 و الخرائج ج 1 ص 165 و كتاب المسند للشافعي ص 65 و عن مسند أحمد ج 5 ص 137 و 138 و سنن الدارمي ج 1 ص 18 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 454 و كنز العمال ج 12 ص 411 و الطبقات الكبرى ج 1 ص 252 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 292 و عن البداية و النهاية ج 6 ص 138 و عن فتح الباري ج 6 ص 444 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 304 و عن عيون الأثر ج 1 ص 318 و مصباح الزجاجة ج 1 ص 252 و جامع الأحاديث و المراسيل ج 18 ص 253 و عمدة القاري ج 6 ص 214 و ج 16 ص 117 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 394 و ج 12 ص 69 عن الشافعي، و أحمد، و ابن ماجة.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 69 و السيرة الحلبية {ط دار المعرفة} ج 2 ص 352 و الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 304.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 69 و البحار ج 21 ص 47 و عن مسند أحمد ج 3 ص 300 و المصنف لابن أبي شيبة ج 7 ص 433 و صحيح ابن خزيمة ج 3 ص 140 و كنز العمال ج 11 ص 371 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 393 و عن البداية و النهاية ج 6 ص 140 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 304 و عن عيون الأثر ج 1 ص 318.

دفن الجذع:

و قالوا: فأمر به النبي «صلى اللّه عليه و آله» فدفن تحت المنبر (1).

و لكن روى الراوندي: أن الجذع بقي إلى أن هدم بنو أمية المسجد فقلعوا الجذع (2).

و في حديث أبي بن كعب: «فكان إذا صلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» صلى إليه، فلما هدم المسجد و غيّر أخذ أبي ذلك الجذع، و كان عنده في تلك الدار إلى أن بلي، و أكلته الأرضة {الأرض} ، و عاد رفاتا» (3).

عبرة. . و مناسبة:

و في رواية: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال: معاشر المسلمين، هذا الجذع


1) راجع: تاريخ الخميس ج 2 ص 69 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 304 و عن عيون الأثر ج 1 ص 318.

2) البحار ج 17 ص 365 عن الخرائج و الجرائح ج 1 ص 165 و درر الأخبار ص 160.

3) تاريخ الخميس ج 2 ص 69 و البحار ج 17 ص 380 و ج 21 ص 47 عن المنتقى للكازروني، و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 80 و مستدرك سفينة البحار ج 2 ص 42 و كتاب المسند للشافعي ص 65 و عن مسند أحمد ج 5 ص 137 و 138 و سنن الدارمي ج 1 ص 18 و سنن ابن ماجة ج 1 ص 454 و عن فتح الباري ج 6 ص 444 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 1 ص 252 و تاريخ مدينة دمشق ج 4 ص 392 و 393 و عن البداية و النهاية ج 6 ص 138 و عن الشفا بتعريف حقوق المصطفى ج 1 ص 304 و عن عيون الأثر ج 1 ص 320 و سبل الهدى و الرشاد ج 12 ص 69 عن الشافعي، و أحمد، و ابن ماجة.

يحن إلى رسول رب العالمين، و يحزن لبعده عنه.

ففى عباد اللّه الظالمين أنفسهم من لا يبالي: قرب من رسول اللّه أم بعد، و لولا أني احتضنت هذا الجذع، و مسحت يدي عليه، ما هدأ حنينه إلى يوم القيامة.

و إن من عباد اللّه و إمائه لمن يحن إلى محمد رسول اللّه، و إلى علي ولي اللّه، كحنين هذا الجذع، و حسب المؤمن أن يكون قلبه على موالاة محمد و علي و آلهما الطيبين منطويا.

أرأيتم شدة حنين هذا الجذع إلى محمد رسول اللّه؟ و كيف هدأ لما احتضنه محمد رسول اللّه، و مسح يده عليه؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه.

قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : و الذي بعثني بالحق نبيا، إن حنين خزّان الجنان، و حور عينها، و سائر قصورها و منازلها إلى من يوالى محمدا و عليا و آلهما الطيبين، و يبرأ من أعدائهما لأشد من حنين هذا الجذع، الذي رأيتموه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و إن الذي يسكّن حنينهم و أنينهم، ما يرد عليهم من صلاة أحدكم معاشر شيعتنا على محمد و آله الطيبين، أو صلاة نافلة، أو صوم، أو صدقة.

و إن من عظيم ما يسكن حنينهم إلى شيعة محمد و علي، ما يتصل بهم من إحسانهم إلى إخوانهم المؤمنين، و معونتهم لهم على دهرهم.

يقول أهل الجنان بعضهم لبعض: لا تستعجلوا صاحبكم، فما يبطئ عنكم إلا للزيادة في الدرجات العاليات في هذه الجنان، بإسداء المعروف إلى إخوانه المؤمنين.

و أعظم من ذلك مما يسكّن حنين سكان الجنان و حورها إلى شيعتنا ما يعرّفهم اللّه من صبر شيعتنا على التقية، و استعمالهم التورية، ليسلموا من كفرة عباد اللّه و فسقتهم، فحينئذ تقول خزان الجنان و حورها: لنصبرن على شوقنا إليهم كما يصبرون على سماع المكروه في ساداتهم و أئمتهم، و كما يتجرعون الغيظ، و يسكتون عن إظهار الحق لما يشاهدون من ظلم من لا يقدرون على دفع مضرته.

فعند ذلك يناديهم ربنا عز و جل: يا سكان جناتي، و يا خزّان رحمتي، ما لبخل أخرت عنكم أزواجكم و ساداتكم، و لكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي، بمواساتهم إخوانهم المؤمنين، و الأخذ بأيدي الملهوفين، و التنفيس عن المكروبين، و بالصبر على التقية من الفاسقين الكافرين، حتى إذا استكملوا أجزل كراماتي، نقلتهم إليكم على أسر الأحوال و أغبطها، فأبشروا.

فعند ذلك يسكن حنينهم و أنينهم (1).

التبرك بمنبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:

و في حديث عن أبي عبد اللّه الصادق «عليه السلام» في بيان آداب زيارة النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: «فإذا فرغت من الدعاء عند القبر، فأت المنبر، و امسح بيدك، و خذ برمانتيه، و هما السفلاوات، و امسح عينيك، و وجهك به، فإنه يقال: إنه شفاء للعين.

و قم عنده فاحمد اللّه، و اثني عليه، و سل حاجتك، فإن رسول اللّه «صلى


1) البحار ج 17 ص 327 و 328 و ج 62 ص 33 و 34 و ج 68 ص 33 ج 8 ص 163 و 164 عن التفسير المنسوب للإمام العسكري «عليه السلام» ص 188-190.

اللّه عليه و آله» قال: ما بين منبري و بيتي روضة من رياض الجنة، و إن منبري على ترعة من ترع الجنة، و قوائم المنبر رتب في الجنة» .

و الترعة: هي الباب الصغير (1).

و قد أشرنا أكثر من مرة إلى مشروعية التبرك و الاستشفاء بآثار الأنبياء «عليهم السلام» ، و أن ما يدّعيه بعض الجهلة من حرمة ذلك، لا أساس له في دين الإسلام.

و يمكن مراجعة كتاب: «التبرك بآثار الأنبياء و الصالحين» للعلامة الشيخ الأحمدي الميانجي «رحمه اللّه» . . ففيه ما ينقع الغلة، و يشفي الغليل. .

إنزل عن منبر أبي:

و مما يناسب ذكره هنا: موقف هام جدا للإمام الحسن «عليه السلام» في مقابل أبي بكر، حيث جاء إليه يوما و هو يخطب على المنبر، فقال له: نزل عن منبر أبي.

فأجابه أبو بكر: صدقت. و اللّه، إنه لمنبر أبيك، لا منبر أبي.


1) البحار ج 97 ص 151 عن كامل الزيارات، و سفينة البحار ج 8 ص 172 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 568 و تهذيب الأحكام ج 6 ص 77 و الوسائل {ط مؤسسة آل البيت} ج 14 ص 345 و {ط دار الإسلامية} ج 10 ص 270 و مستدرك سفينة البحار ج 9 ص 527 و المزار لابن المشهدي ص 76 و مستدرك الوسائل ج 10 ص 195 و منتقى الجمان ج 3 ص 465 و الكافي ج 4 ص 553 و جواهر الكلام ج 20 ص 84 و الحدائق الناضرة ج 17 ص 415 و مدارك الأحكام ج 8 ص 471.

فبعث علي «عليه السلام» إلى أبي بكر: إنّه غلام حدث، و إنّا لم نأمره.

فقال أبو بكر: إنا لم نتهمك (1).

و ليتأمل قوله «عليه السلام» : إنّا لم نأمره، فإنه لا يتضمن إنكارا على الإمام الحسن «عليه السلام» ، و لا إدانة لموقفه.

و لقد صدق أمير المؤمنين صلوات اللّه و سلامه عليه؛ فلم يكن الإمام الحسن «عليه السلام» يحتاج إلى أمر، فلقد أدرك خطة الخصوم بما آتاه اللّه من فضله، و بإحساسه المرهف، و فكره الثاقب. و هو الذي عايش الأحداث عن كثب، بل كان في صميمها.

و إذن. . فمن الطبيعي أن يدرك: أن عليه مسؤولية العمل على إفشال تلك الخطة، و إبقاء حق أهل البيت «عليهم السلام» و قضيتهم على حيويتها


1) راجع: تاريخ الخلفاء للسيوطي ص 80 و 143 و تاريخ بغداد ج 1 ص 141 عن أبي نعيم و غيره، و أنساب الأشراف {بتحقيق المحمودي} ج 2 ص 26 و 27 بسند صحيح عندهم، و الصواعق المحرقة ص 175 عن الدار قطني، و المناقب لابن شهر اشوب ج 4 ص 40 عن فضائل السمعاني، و أبي السعادات، و تاريخ الخطيب، و سيرة الأئمة الاثني عشر ج 1 ص 529 و إسعاف الراغبين {بهامش نور الأبصار} ص 123 عن الدار قطني، و شرح النهج للمعتزلي ج 6 ص 42 و 43 و مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 93 و ينابيع المودة ص 306 و حياة الصحابة ج 2 ص 494 عن الكنز، و أبي سعد، و أبي نعيم، و الجابري في جزئه، و الغدير ج 7 ص 126 عن السيوطي، و عن الرياض النضرة ج 1 ص 139 و عن كنز العمال ج 3 ص 132 و حياة الإمام الحسن «عليه السلام» للقرشي البحار ج 1 ص 84 عن بعض من تقدم، و الإتحاف بحب الأشراف ص 23.

في ضمير و وجدان الأمة.

و كان علي وصي النبي «صلى اللّه عليه و آله» يحتاط للأمر، حتى لا تحدث تشنجات حادة، ليس من مصلحة القضية، و لا من مصلحة الإسلام المساهمة في حدوثها في تلك الظروف.

و الإمام الحسين عليه السّلام أيضا:

و لا عجب إذا رأينا للإمام السبط الشهيد الحسين «عليه السلام» موقفا مماثلا تماما لموقف أخيه مع الخليفة الثاني عمر بن الخطاب. .

و نجد: أن عمر قد أخذه إلى بيته، و حاول تقريره: إن كان أبوه أمره بهذا، أو لا. فأجابه عن ذلك بالنفي.

و بعض الروايات تقول: إنه سأله عن ذلك في نفس ذلك الموقف أيضا، فنفى ذلك، فقال عمر: منبر أبيك و اللّه، و هل أنبت على رؤوسنا الشعر إلا أنتم (1).


1) راجع: مقتل الحسين للخوارزمي ج 1 ص 145 و الإصابة ج 1 ص 333 و قال: سنده صحيح، و أمالي الطوسي ج 2 ص 313 و 314 و إسعاف الراغبين {بهامش نور الأبصار} ص 123 و حياة الصحابة ج 2 ص 495 عن كنز العمال ج 7 ص 105 عن ابن كثير، و ابن عساكر، و ابن سعد، و ابن راهويه، و الخطيب، و الصواعق المحرقة ص 175 عن ابن سعد و غيره، و الإحتجاج للطبرسي ج 2 ص 13 و المناقب لابن شهر اشوب ج 4 ص 40 و تاريخ بغداد ج 1 ص 141 و كشف الغمة للأربلي ج 2 ص 42 و حياة الحسن للقرشي ج 1 ص 84 و الإمام الحسن للعلايلي ص 305 عن الإصابة، و صححه، و ينابيع المودة ص 168 و تذكرة الخواص 235 و سيرة الأئمة الاثني عشر للحسني ج 2 ص 15 و كفاية الطالب ص 224 عن مسند أحمد، و ابن سعد و تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 4 ص 324 و تهذيب التهذيب ج 2 ص 346 و صححه، و فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 3 ص 369 و هامش أنساب الأشراف {بتحقيق المحمودي} ج 3 ص 27 عن تاريخ دمشق ج 13 ص 15 و 110 بعدة أسانيد، و ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص 141 و 142 و في هامشه عن ابن سعد ج 8 في ترجمة الإمام الحسين و عن كنز العمال ج 7 ص 105 عن ابن راهويه و غيره، و الغدير ج 7 ص 126 عن ابن عساكر.

فأبو بكر لم يكن يرى: أن اتهام أمير المؤمنين في قضية الإمام الحسن «عليه السلام» من صالحه. .

أما عمر، الذي رأى أنه قد أصبح قويا في الحكم، و قد تكرس الموقف لصالح غير أهل البيت «عليهم السلام» على الصعيد السياسي. .

نعم، إن عمر هذا، يهتم بالتعرف على مصدر هذه الإرهاصات، ليعمل على القضاء عليها قبل فوات الأوان، ما دام يملك القدرة على ذلك بنظره.

لقد كانت مواقف الحسنين «عليهما السلام» هذه تعتبر تحديا عميقا للسلطة، في أدقّ و أخطر قضية عملت هذه الجهة من أجل حسم الأمور فيها لصالحها، و رأت أنها قد وفقت في مقاصدها تلك إلى حد بعيد. . فجاءت هذه المواقف لتهز من الأعماق ما كاد يعتبر، أو قد اعتبر بالفعل من الثوابت الراسخة.

و الحسنان «عليهما السلام» هما ذانك الفرعان من دوحة الإمامة، و غرس الرسالة، اللذان يفهمان الظروف التي تحيط بهما، و يقيّمانها التقييم الصحيح و السليم، ليتخذا مواقفهما على أساس أنها وظيفة شرعية، و مسؤولية إلهية.

أما التكليف الشرعي، و الموقف الذي لأبيهما، فهو و إن كان في ظاهره يبدو هنا مختلفا، إلا أنه و لا شك يخدم نفس الهدف، و يسير في نفس الاتجاه.

أول قود في الإسلام:

قالوا: و في هذه السنة أقاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رجلا من هذيل برجل من بني ليث، و هو أول قود كان في الإسلام (1).

و من الواضح: أن هذا القود مهم جدا في توجه الناس نحو الانقياد لأحكام الشرع في أكثر الأمور حساسية و أهمية في حياتهم، وفقا لقاعدة: وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصٰاصِ حَيٰاةٌ يٰا أُولِي اَلْأَلْبٰابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (2)، و قاعدة: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسٰادٍ فِي اَلْأَرْضِ فَكَأَنَّمٰا قَتَلَ اَلنّٰاسَ جَمِيعاً (3).

فإن من الواضح: أن من يستحل قتل الناس، فإنه يكون قد تجاوز جميع الحدود، و أعفى نفسه من الالتزام بجميع الحقوق، و سمح لنفسه بهتك جميع الحرمات الإنسانية. فلا سبيل إلى عقد أي التزام مع إنسان من هذا القبيل، إذ لا يمكن الاطمينان إليه، بأن يفي بأي عهد أو عقد، أو أن يقف عند أية حرمة إنسانية. .

و عل كل حال، فإن لهذا الموضوع جهات كثيرة من البحث، نسأل اللّه التوفيق للتعرض لها بالمعالجة في فرصة أخرى إن شاء اللّه تعالى. .


1) تاريخ الخميس ج 2 ص 70 و عن أسد الغابة ج 1 ص 23 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 382 و عن عيون الأثر ج 2 ص 358.

2) الآية 179 من سورة البقرة.

3) الآية 32 من سورة المائدة.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل الثاني: معركة مؤتة 5-50

الفصل الثالث: خالد يضيع النصر الأعظم 51-106

الفصل الرابع: نهايات و نتائج 107-156

الفصل الخامس: صورة موهومة لسرية ذات السلاسل 157-198

الفصل السادس: الصورة الحقيقة لغزوة ذات السلاسل 199-234

الفصل السابع: رواية القمي توضح. . بل تصرح 235-280

الفصل الثامن: سرايا حدثت. . إلى فتح مكة 281-324

الفصل التاسع: حنين الجذع. . و منبر الرسول صلّى اللّه عليه و آله 325-340

الفهارس 341-355

2-الفهرس التفصيلي

الفصل الثاني: معركة مؤتة المسلمون في مؤتة:7

المسلمون في مواجهة هرقل:8

في المواجهة:9

استشهاد القادة:11

جراحات جعفر:13

كيفية الجمع بين الروايات:17

طليعة شرحبيل:17

الأرقام عن عدد جيوش العدو:20

فتجمعوا لهم:22

إما النصر و إما الشهادة:22

فخرج على قومه في زينته:24

إيذاء الحيوان لا يجوز:26

عقر الفرس أم عرقبها:27

أول من عرقب فرسه:32

آخر محاولة للشيطان! !33

تسقط اليد و يرتفع اللواء:35

الطيار بعد قطع يديه:35

الطيار أسوة و قدوة:36

استشهاد جعفر و هو صائم:37

ذو الجناحين:38

نظرة في الكرامات:39

استشهاد ابن رواحة:41

تردد ابن رواحة في النزول:43

الحرب دامت أياما:43

هزيمة خالد:45

الآن حمي الوطيس:45

شهداء مؤتة:46

الفصل الثالث: خالد يضيع النصر الأعظم الإنحياز، أم النصر و الفتح؟ !53

دلائل انتصار خالد:55

الغنائم دليل النصر:60

صمود و نصر، أو مجرد انحياز:64

تهافت بلا مبرر:65

طريق جمع فاشل:67

حديث جابر و خزيمة:69

حديث عوف بن مالك:71

خالد يتحدث عن نفسه! !74

حديث قتل ابن رافلة:75

إخبار النبي صلّى اللّه عليه و آله عن الشهداء:77

حديث عطاف بن خالد:78

حديث برذع:80

حديث أبي عامر:80

إيهام أم إبهام؟ !84

هل اصطلح المسلمون على خالد؟ !84

ثبت خالد مقدارا مّا:85

النصر الموهوم:87

المضحك المبكي:89

دلالات في تشويش النصوص و تناقضها:89

خالد سيف اللّه:90

علي عليه السّلام سيف اللّه المسلول:96

من الذي سمى خالدا بسيف اللّه؟ !98

حديث الهزيمة:100

رواة حديث الهزيمة:105

شرذمة لماذا؟ !105

الفصل الرابع: نهايات و نتائج عدد الشهداء دليل هزيمة خالد:109

المبارزات قللت عدد الشهداء:110

لو كان النصر للروم؟ ! :111

أثر مؤتة في فتح مكة:112

الإخلاص في العمل أشد من العمل:113

التأكيد على عظمة جعفر:115

إمتياز جعفر لقرابته! !118

حرب أخرى في مؤتة:119

النبي صلّى اللّه عليه و آله يرى ما جرى في مؤتة:120

يا فرّار! ! :126

الرسول صلّى اللّه عليه و آله: رؤوف رحيم:130

هل ظلم الفارون؟ !131

التخفيف و التلطيف:133

لو دخلنا المدينة قتلنا! !134

الحر تكفيه الإشارة:135

النصر الضائع:136

النبي صلّى اللّه عليه و آله. . و عائلة جعفر:138

لا تقولي هجرا، و لا تضربي صدرا:143

على مثل جعفر فلتبك البواكي:144

مدى حزن النبي صلّى اللّه عليه و آله على جعفر:146

النبي صلّى اللّه عليه و آله بدون جعفر و علي عليهما السّلام:147

حديث عائشة في بكاء النساء:148

أسماء و تعريف الناس بفضل جعفر:150

إتخاذ الطعام في أيام العزاء سنة:152

زيارة عوائل الشهداء:153

شهداء في قبر واحد، و إخفاء القبر:154

الفصل الخامس: صورة موهومة لسرية ذات السلاسل غزوة ذات السلاسل:159

تاريخ غزوة ذات السلاسل:165

مقصد السرية:166

سراة المهاجرين و الأنصار مع عمرو:166

علم عمرو بن العاص بالحرب:168

ورطة تأمير عمرو على الشيخين:170

النبي صلّى اللّه عليه و آله يتألف الناس بعمرو، و يستنفر العرب:176

اللواء. . و الراية:177

سراة المهاجرين و الأنصار:178

الإختلاف على الصلاة؟ أم على الإمارة؟ !179

المغيرة داعية فتنة و متزلف:181

أخلاق أبي عبيدة:183

صلاة الجماعة:184

المهاجرون يعترضون مرة أخرى:185

التناقض و الإختلاف:186

غنائم عمرو المكذوبة:187

لا تأمّرنّ على اثنين:189

نبايع ذا العباءة؟ !191

أبو بكر مجبر على الخلافة:192

الأجرة على قسمة الجزور:194

جنابة، و صلاة:196

رواياتهم مزيفة:197

الصورة الأوضح و الأصرح:197

الفصل السادس: الصورة الحقيقة لغزوة ذات السلاسل تتمات أغفلوها عمدا:201

نصوص أوجزناها:202

إختلافات لها حل:207

1-ما هو المقصد؟ !208

2-المقتولون من الأعداء:208

3-المحرض على الاعتراض:209

4-محور الاعتراض:209

5-من المخبر للنبي صلّى اللّه عليه و آله بجمع الأعداء؟ ! :210

6-وقت الإغارة:210

7-ماذا جرى لأبي بكر و عمرو بن العاص؟ !211

8-كيف أوقع علي عليه السّلام بالأعداء؟ !211

9-عدد قتلى المشركين:212

10-الذين هاجموا المشركين:212

11-كيف عرف المشركون بجيش علي عليه السّلام:213

12-وادي اليابس أم وادي الرمل:214

هذا هو الحل:214

إختلافات لا حل لها:216

1-عدد أفراد السرية:218

2-المقتولون مع أبي بكر:219

3-اختلاف التاريخ:219

4-بعدها عن المدينة:220

هل هناك اكثر من سرية؟ ! :221

الإغارة قبل الاحتجاج أم بعده؟ !222

تحرزوا! ! انهزموا! !224

القائد فقط هو السبب:225

حسد عمرو أشرّ من الهزيمة و أضرّ:226

استجابة الشيخين لابن العاص:226

أمير المؤمنين عليه السّلام يتهم:227

خطة علي عليه السّلام:228

تبييت العدو ليس غدرا:229

تسمية الغزوة بذات السلاسل:230

محاباة لعمر؟ !231

علي عليه السّلام كرار غير فرار:231

ما جرى في خيبر لم يزل يتكرر:231

علي عليه السّلام يقبّل قدمي النبي صلّى اللّه عليه و آله:232

اللّه و رسوله عنك راضيان:233

الفصل السابع: رواية القمي توضح. . بل تصرح ذات السلاسل برواية القمي:237

وادي اليابس:241

لماذا يعادون عليا عليه السّلام؟ !242

أربعة آلاف:242

تخريب الضياع و الديار:243

لماذا هذا السير الرفيق؟ !243

الإحسان إلى دوابهم:244

على نفسها جنت براقش:244

السرعة. . و المفاجأة:245

أبو بكر يخوف أصحابه:245

لا نريد إلا محمدا و عليا! !245

الشاهد يرى ما لا يرى الغائب:246

فارجعوا نعلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:247

عمر أخو أبي بكر، و علي عليه السّلام أخو النبي صلّى اللّه عليه و آله:249

ذنب عمر أعظم:250

الفتح على يد علي عليه السّلام:250

الفتح لعلي عليه السّلام و أصحابه:251

تطمينات علي عليه السّلام لأصحابه:252

علي عليه السّلام أخو النبي و رسوله إليكم:253

علي عليه السّلام لا يحتكر النصر:254

هل خرّب علي عليه السّلام ديارهم؟ !255

أصول الحرب في سورة العاديات:256

سرية علي عليه السّلام إلى بني خثعم:262

إعتراض ابن عباس:268

عدد جموع الأعداء:270

بكاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله:272

الإحجام غير المفهوم:273

مئة و خمسون فقط:273

الضلال عن الطريق و الاهتداء إليها:274

لا يقاتل حتى تطلع الشمس:275

لماذا لا يقاتل إلا بعد الزوال؟ !276

إن الإنسان لربه لكنود في من نزلت؟ !279

الفصل الثامن: سرايا حدثت. . إلى فتح مكة. . سرية أبي قتادة إلى بطن إضم:283

توضيح لا بد منه:286

هل كان أبو قتادة عالما بهدف النبي صلّى اللّه عليه و آله:287

نصرت بالرعب:288

ابن جثامة تلفظه الأرض:289

ملاحظة أخيرة:290

سرية واحدة أم سريتان؟ ! :291

سرية أبي قتادة إلى خضرة:292

المهور الغالية:297

تبييت العدو:299

الغنائم و الأسرى:299

الإحاطة بالحاضر:300

يرى وجه مهاجمه في ظلام الليل:301

افتراق الزميلين:301

الغنائم تحل المشكلات:301

وعد آخر بسبية متوقعة:302

سرية ابن أبي حدرد إلى الغابة:303

سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر:309

رصد عير قريش لا يصح:314

هدف السرية:316

عقلاء. . أم حساد؟ !317

عدد الجزائر:319

مبالغات لا مبرر لها:320

هل للعنبر فلس؟ !321

مقدار وقب عينها:321

الأعجوبة التي لم يهتم لها أحد! !322

لا نظير لهذه الدابة في المحيطات:322

هل هذا ميتة؟ !322

إن لم يكن أروح:324

الفصل التاسع: حنين الجذع. . و منبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله 325

إتخاذ المنبر 327

حنين الجذع 331

دفن الجذع 333

عبرة. . و مناسبة 333

التبرك بمنبر رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله 335

إنزل عن منبر أبي 336

و الإمام الحسين عليه السّلام أيضا 338

أول قود في الإسلام 340

الفهارس 341

1-الفهرس الإجمالي 343

2-الفهرس التفصيلي 345