الصحیح من سیره النبی الاعظم صلی الله علیه و آله وسلم جلد 12

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

عنوان و نام پديدآور : ال‍ص‍ح‍ی‍ح‌ م‍ن‌ س‍ی‍ره‌ ال‍ن‍ب‍ی‌ الاع‍ظم‌(ص‌)/ ج‍ع‍ف‍رم‍رت‍ض‍ی‌ ال‍ع‍ام‍ل‍ی‌

‏مشخصات نشر : س‍ح‍رگ‍اه‍ان‌، ۱۴۱۹ق‌. = ۱۳۷۷.

‏مشخصات ظاهری : ج‌ 35

‏شابک : ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌) ؛ ۱۳۰۰۰۰ری‍ال‌(دوره‌ک‍ام‍ل‌)

‏وضعیت فهرست نویسی : فیپا

‏يادداشت : ع‍رب‍ی‌.

‏يادداشت : ک‍ت‍اب‌ ح‍اض‍ر در س‍ال‍ه‍ای‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ ت‍وس‍ط ن‍اش‍ری‍ن‌ م‍خ‍ت‍ل‍ف‌ م‍ن‍ت‍ش‍ر گ‍ردی‍ده‌ اس‍ت‌.

‏يادداشت : اف‍س‍ت‌ از روی‌ چ‍اپ‌ ب‍ی‍روت‌: دار ال‍س‍ی‍ره‌

‏يادداشت : ج‍ل‍د ده‍م‌: ال‍ف‍ه‍ارس‌

‏یادداشت : ک‍ت‍اب‍ن‍ام‍ه‌

‏موضوع : محمد‏‫ (ص)‬‬، پیامبر اسلام، ‏‫۵۳ قبل از هجرت -‏‏ ۱۱ق.‏‏‬‬ -- سرگذشتنامه

‏موضوع : اسلام -- تاریخ -- از آغاز تا ۴۱ق.

‏رده بندی کنگره : ‏‫‬‭BP۲۲/۹‏‫‬‭‭/ع‌۲ص‌۳ ۱۳۷۷

‏رده بندی دیویی : ‏‫‬‭۲۹۷/۹۳

‏شماره کتابشناسی ملی : ‭م‌۷۷-۱۵۹۲۹

محرر الرقمي: میثم حیدری

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

الصحيح من سيرة النبي الأعظم

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الصحيح من سيرة النبي الأعظم (ط ـ جدید)

تألیف: جعفر مرتضی عامری

الناشر: موسسه علمی فرهنگی دار الحديث، سازمان چاپ و نشر

سال انتشار: 1426 ق/1385 ه.ش

الجزء الثانى عشر

ادامة القسم السابع: من الخندق إلى الحديبية

تتمة الباب الثالث: غزوة بنى قريظه

الفصل الثانى: حصار و انهيار

اشارة

نزول النبي صلّى اللّه عليه و آله على بئر (أنا) :

و لما سار النبي «صلّى اللّه عليه و آله» إلى بني قريظة نزل على برء من آبارهم (في ناحية أموالهم) يقال لها: (لنا) أو (أنا) عند حرة بني قريظة و تلاحق به الناس (1).

و قال ابن زبالة: «عن عبد الحميد بن جعفر: ضرب رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» قبته حين حاصر بني قريظة على بئر (أنا) .

و صلّى في المسجد الذي هناك.

و شرب من البئر.

و ربط دابته بالسدرة التي في أرض مريم ابنة عثمان» (2).


1) راجع: تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 245 و الثقات ج 1 ص 274 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 و عيون الأثر ج 2 ص 69 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و المغازي للواقدي ج 2 ص 499 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 12 و جوامع السيرة النبوية ص 153 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494 و نهاية الأرب ج 17 ص 187 و 188 و وفاء الوفاء ج 3 ص 950 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 230 و البداية و النهاية ج 4 ص 119 و 120.

2) وفاء الوفاء ج 3 ص 950.

كرامة إلهية للنبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله:

و قد ذكرت بعض المصادر: أن كرامة قد حصلت لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» حين سار إلى بني قريظة فهي تقول:

«فسار المسلمون إليهم، فوجدوا النخل محدقا بقصرهم، و لم يكن للمسلمين معسكر ينزلون فيه.

و وافى رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فقال: ما لكم لا تنزلون؟ !

فقالوا: ما لنا مكان ننزل به، من اشتباك النخل.

فوقف في طريق بين النخل، فأشار بيده يمنة، فانضم النخل بعضه إلى بعض، و أشار بيده يسرة، فانضم النخل كذلك، و اتسع لهم الموضع: فنزلوا» (1).

و نقول:

إن هذه الكرامة، لا بد من أن تزيد من يقين المسلمين و تزيل من نفوسهم و بتعبير أدق من نفوس بعضهم أي تردد أو شك يمكن أن يراودهم و يعترض سبيل يقينهم، ثم هي تكسر عنجهية و عنفوان غيرهم من المعاندين، و لا سيما من اليهود، الذين كانوا يعرفون هذا النبي كما يعرفون أبناءهم و لكنهم يكابرون، و يجحدون ما يعلمون أنه الحق.

و إذا كان ثمة من مبرر لحصول هذه الكرامة الإلهية في هذا الظرف الحساس بالذات، فهو عزاء أولئك الضعفاء من المسلمين الذين كان اليهود


1) الخرائج و الجرائح ج 1 ص 158 و راجع: تفسير القمي ج 2 ص 190 و البحار ج 20 ص 249 و 234 عنهما، على الترتيب.

يحتلون مكانة متميزة في نفوسهم، لإزالة كل أثر سلبي أو عقدة تنشأ من الصدام معهم، و إلحاق الأذى بهم.

و هو كذلك يكشف كل زيف و خداع يمارسه اليهود لتضليل الناس فيما يرتبط بنبوة نبينا الأكرم «صلّى اللّه عليه و آله» .

عدة و عدد المسلمين:

و يقولون: إنه «صلّى اللّه عليه و آله» قد سار إلى بني قريظة في ثلاثة آلاف مقاتل (1). و كان معه من الخيل ستة و ثلاثون فرسا (2)، و كانت للنبي «صلّى اللّه عليه و آله» ثلاثة أفراس (3).

و نحن نشك في ذلك: و ذلك لأن عدد المسلمين في غزوة الأحزاب لم يزد على الألف رجل، بل كانوا أقل من ذلك أيضا.

و الظاهر: أن ما يمكن للمدينة أن تقدمه من الرجال القادرين على


1) الوفا ص 695 و محمد رسول اللّه سيرته و أثره في الحضارة ص 245 و تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و عيون الأثر ج 2 ص 68 و إرشاد الساري ج 6 ص 327 و عمدة القاري ج 17 ص 188 و فتح الباري ج 7 ص 313 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 74 و المواهب اللدنية ص 115 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28 و نهاية الأرب ج 17 ص 188 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333.

2) راجع المصادر المتقدمة في الهامش السابق باستثناء المصدرين الأولين و إضافة تاريخ الإسلام (المغازي) ص 260 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20.

3) إمتاع الأسماع ج 1 ص 242 و تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13.

القتال لا يزيد على ألف و ست مئة رجل فراجع الجزء العاشر (1)من هذا الكتاب لتجد بعض ما يفيد في هذا المجال.

الراية و اللواء مع علي عليه السّلام:

روي عن جعفر بن محمد، عن أبيه «عليهما السّلام» : أن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بعث عليا «عليه السّلام» يوم بني قريظة بالراية، و كانت سوداء تدعى العقاب، و كان لواؤه أبيض (2).

و قال ابن إسحاق: «و قدّم رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة» (3).

و صرح القمي: بأنها كانت الراية العظمى (4).


1) الجزء التاسع، الطبعة الرابعة.

2) قرب الإسناد ص 62 و بحار الأنوار ج 20 ص 246 عنه.

3) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 و عيون الأثر ج 2 ص 69 و تفسير فرات (ط سنة 1410 ه. ق) ص 174 و مجمع البيان ج 8 ص 351 و البحار ج 20 ص 277 و 210. و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و 494 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 11 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 227 و البداية و النهاية ج 4 ص 118 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 و وفاء الوفاء ج 2 ص 306 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 11 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 245 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333 و نور اليقين ص 166 و محمد رسول اللّه و أثره في الحضارة ص 245 و فقه السيرة للغزالي ص 338 و خاتم النبيين ج 2 ص 946 و الثقات ج 1 ص 274 و جوامع السيرة النبوية ص 153.

4) تفسير القمي ج 2 ص 189 و 190 و البحار ج 20 ص 233 و 234 عنه.

و قال البعض: و خرج علي بالراية و كانت على حالها لم تطو بعد (1).

و يظهر من روايات أخرى: أن راية المهاجرين أيضا كانت مع علي «عليه السّلام» ، فقد روي أن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» دعا عليا، فقال: قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة، فقام علي «عليه السّلام» ، و معه المهاجرون، و بنو عبد الأشهل، و بنو النجار كلها، لم يتخلف عنه منهم أحد (2).

و يظهر من روايات أخرى: أنه «صلّى اللّه عليه و آله» قد دفع إلى علي اللواء أيضا، فهي تقول: «فدعا «صلّى اللّه عليه و آله» عليا فدفع إليه لواءه. و كان اللواء على حاله، لم يحل من مرجعه من الخندق، فابتدر الناس» (3).

و في نص آخر: و خرج رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» يحمل لواءه علي بن أبي طالب (4). و عن عروة بعث عليا رضي اللّه تعالى عنه على المقدمة، و دفع إليه اللواء، و خرج رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» في أثره (5).


1) تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 121.

2) إعلام الورى (ط سنة 1390 ه. ق)93 و البحار ج 20 ص 272 و 273 عنه، و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 497 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و 242 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 74 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8 و 9 و 10 و السيرة الحلبية ج 2 ص 33 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 13. و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 493.

4) الثقات ج 1 ص 274 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 و عيون الأثر ج 2 ص 69 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 247.

5) عمدة القاري ج 7 ص 192 عن الحاكم، و البيهقي، و موسى بن عقبة، و فتح-

و جمع نص آخر بين اللواء و الراية فهو يقول: «و كان علي قد سبق في نفر من المهاجرين و الأنصار فيهم أبو قتادة. . و غرز علي الراية عند أصل الحصن.

إلى أن قال أبو قتادة: و أمرني أن ألزم اللواء فلزمته، و كره أن يسمع رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» أذاهم و شتمهم» (1).

علي عليه السّلام في بني قريظة:

قال الأربلي: «أنفذ أمير المؤمنين في ثلاثين من الخزرج، و قال: انظر بني قريظة: هل تركوا (نزلوا) من حصونهم؟

فلما شارفها سمع منهم الهجر، فرجع إلى النبي «صلّى اللّه عليه و آله» فأخبره، فقال: دعهم فإن اللّه سيمكن منهم. إن الذي أمكنك من عمرو لا يخذلك، فقف حتى يجتمع الناس إليك، و أبشر بنصر اللّه، فإن اللّه قد نصرني بالرعب من مسيرة شهر.

قال علي: فاجتمع الناس إلي، و سرت حتى دنوت من سورهم، فأشرف عليّ شخص منهم و نادى: قد جاءكم قاتل عمرو.

و قال آخر كذلك. و تصايحوا بينهم. و ألقى اللّه الرعب في قلوبهم،

(5) -الباري ج 7 ص 318 عنهم، و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 10 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 256 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 14 و مجمع البيان ج 8 ص 351 و البحار ج 20 ص 210 عنه.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 498 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 11 و 12 و راجع أيضا: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 242 و تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و 494.

و سمعت راجزا يرجز:

قتل علي عمرواصاد علي صقرا

قصم علي ظهراأبرم علي أمرا

هتك علي سترا

فقلت: الحمد للّه الذي أظهر الإسلام و قمع الشرك.

و كان النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قال لي: سر على بركة اللّه، فإن اللّه قد وعدكم أرضهم و ديارهم.

فسرت متيقنا بنصر اللّه عز و جل حتى ركزت الراية في أصل الحصن، فاستقبلوني يسبون رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فكرهت أن يسمعه رسول اللّه، فأردت أن أرجع إليه، فإذا به قد طلع (و سمع سبهم له) فناداهم: يا إخوة القردة و الخنازير، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين.

فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا و لا سبابا.

فاستحيا، و رجع القهقرى قليلا، ثم أمر فضربت خيمته بإزاء حصونهم (1).

و ارتجاز راجزهم بما تقدم، و قول علي «عليه السّلام» : الحمد للّه الذي أظهر الإسلام و قمع الشرك، ذكره آخرون أيضا (2).

و سيأتي تعليقنا على الفقرات الأخيرة إن شاء اللّه تعالى.


1) كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 207 و 208 و الإرشاد للمفيد ص 63 و 64 و البحار ج 20 ص 261 و 262 و كشف اليقين ص 135.

2) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 3 ص 171.

النبي صلّى اللّه عليه و آله في بني قريظة:

و يقول المؤرخون: قدّم رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» علي بن أبي طالب برايته (العظمى) إلى بني قريظة، و ابتدرها الناس.

فسار حتى دنا من الحصون، فسمع منها مقالة قبيحة لرسول اللّه، فرجع حتى لقي النبي «صلّى اللّه عليه و آله» في الطريق، فقال: يا رسول اللّه، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابيث

(و في نص آخر: ارجع يا رسول اللّه، فإن اللّه كافيك اليهود.)

قال: لم؟ أظنك سمعت منهم لي أذى.

قال: نعم يا رسول اللّه.

قال: لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا.

فلما دنا منهم (زاد في نص آخر: أمرهم «صلّى اللّه عليه و آله» أن يستروه بجحفهم ليقوه الحجارة حتى يسمع كلامهم، ففعلوا) ، فناداهم: يا إخوان القردة (و الخنازير) ، هل أخزاكم اللّه، و أنزل بكم نقمته؟ !

فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا (أو: ما كنت فاحشا) الخ. .» (1).


1) عيون الأثر ج 2 ص 69 و راجع المصادر التالية: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 12 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 245 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333 و مجمع البيان ج 8 ص 351 و راجع: البحار ج 20 ص 210 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 255 و 256 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 226 و 228 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 370 و راجع: دلائل النبوة لأبي نعيم ص 438 و راجع المصادر التالية: إعلام الورى (ط سنة ص 1390 ه. ق) ص 93 و البحار ج 20 ص 272 و 273 و محمد رسول اللّه سيرته و أثره في الحضارة ص 245 و 246 و البداية و النهاية ج 4 ص 119 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 13 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 245 و حياة محمد لهيكل ص 306 و التفسير السياسي للسيرة ص 279 و جوامع السيرة النبوية ص 153 و خاتم النبيين ج 2 ص 946.

زاد في بعض النصوص قوله: «فدعاهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فأبوا أن يجيبوا إلى الإسلام، فقاتلهم رسول اللّه و من معه من المسلمين حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، و أبوا أن ينزلوا على حكم النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، فنزلوا على داء» (1).

و في نص آخر أنهم: «أشرفوا عليه و سبوه و قالوا: فعل اللّه بك، و بابن عمك، و هو واقف لا يجيبهم» (2).

غير أن نصا آخر يشير: إلى أن عليا سمع منهم قولا سيئا لرسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، و أزواجه رضي اللّه عنهن، فكره أن يسمع ذلك رسول اللّه (3).

و يذكر القمي: أن عليا «عليه السّلام» جاء، و أحاط بحصنهم، فأشرف عليهم كعب بن أسيد من الحصن يشتمهم، و يشتم رسول اللّه الخ. .


1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 370 و راجع دلائل النبوة لأبي نعيم ص 438 و ليس فيه: و أبوا أن ينزلوا إلخ. .

2) إعلام الورى (ط سنة 1390 ه ق) ص 93 و البحار ج 20 ص 272 و 273.

3) البداية و النهاية ج 4 ص 119 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 228 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 13 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 255 و 256 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333.

قالوا: لما قال «صلّى اللّه عليه و آله» لهم: يا إخوة القردة و الخنازير، و عبدة الطاغوت أتشتموني؟ ! إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم،

أشرف كعب من أسيد بن الحصن، فقال: يا أبا القاسم، ما كنت جهولا، فاستحيا رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» حتى سقط الرداء عن ظهره، حياء مما قاله.

و في نص آخر: و جعل يتأخر استحياء، مما قاله لهم (1).

قالوا: و كان علي قد سبق في نفر من المهاجرين و الأنصار فيهم أبو قتادة. و غرز علي الراية عند أصل الحصن، فاستقبلونا في صياصيهم يشتمون رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» و أزواجه.

قال أبو قتادة: و سكتنا و قلنا: السيف بيننا و بينكم.

و طلع رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ، فلما رآه علي «عليه السّلام» رجع إليه، و أمرني أن ألزم اللواء، و كره أن يسمع رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» أذاهم و شتمهم (2).

أما الطبرسي «رحمه اللّه» فيقول: إنه «صلّى اللّه عليه و آله» قال لهم: يا إخوة القردة، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، يا عباد الطاغوت، اخسأوا أخسأكم اللّه، فصاحوا يمينا و شمالا: يا أبا القاسم ما كنت فحاشا فما بدا لك؟


1) راجع: تفسير القمي ج 2 ص 189 و البحار ج 20 ص 233 و 234 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 118 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 298 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 11 و 12 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 242 و تاريخ الخميس ج 1 ص 493 و 494.

قال الإمام الصادق «عليه السّلام» : فسقطت العنزة من يده و سقط رداؤه من خلفه، و جعل يمشي إلى ورائه، حياء مما قال لهم (1).

و يقول نص آخر: فلما نزل رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بحصنهم، و كانوا في أعلاه نادى بأعلى صوته نفرا من أشرافهم حتى أسمعهم، فقال: أجيبوا يا معشر يهود، يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزي اللّه عز و جل، فحاصرهم (2).

و عند اليعقوبي: أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لما عرف من علي «عليه السّلام» : أنهم أساؤوا القول، قال بيده هكذا، و هكذا. فانفرج الجبل حين رأوه.

و قال: يا عبدة الطاغوت، يا وجوه القردة و الخنازير، فعل اللّه بكم و فعل.

فقالوا: يا أبا القاسم، ما كنت فاحشا.

فاستحيا، فرجع القهقرى (3).

و في نص آخر أنهم: لما ترسوا عن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» و خاطبهم بيا إخوة القردة و الخنازير و عبدة الطواغيت أتشتموني، فجعلوا يحلفون بالتوارة التي أنزلت على موسى ما فعلنا، و يقولون: يا أبا القاسم،


1) إعلام الورى (ط سنة 1390 ه. ق) ص 93 و البحار ج 20 ص 272 و 273.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 119 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 228 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 13 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 255 و 256 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52.

ما كنت جهولا (1).

و نقول:

إننا نرتاب كثيرا في دعوى أن يكون رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» قد كلمهم بكلام فاحش، برر اعتراضهم عليه لأجله حتى استحيا مما صدر منه حتى سقطت العنزة من يده، و الرداء عن ظهره، و رجع القهقرى استحياء.

و ذلك لأنه «صلّى اللّه عليه و آله» إنما يشير بقوله لهم: يا إخوان القردة و الخنازير إلى المسخ على صورة القردة و الخنازير، الذي وقع في إخوانهم و قومهم من بني إسرائيل، بسبب ما ارتكبوه في حق الدين و أهله.

فهو «صلّى اللّه عليه و آله» لم يكن بذلك فحاشا، و لا قال لهم ذلك عن جهالة، بل أراد أن يذكرهم بعواقب التمرد على اللّه الذي لمسوه بأنفسهم، و عرفوا عواقبه السيئة و رأوها بأم أعينهم. فلم يكن تصرف الرسول تجاههم و موقفه منهم عن جهالة أيضا بل هو في غاية الحكمة و الدقة، و ليس فيه ما يوجب الاستحياء، و لا ما يستوجب سقوط العنزة من يده و الرداء عن ظهره.

مفارقة ما كنت جهولا! !

إن من غريب الأمور: أن نجد اليهود الغدرة، الفجرة، الذين ما فتئوا يوجهون أنواع السباب للمسلمين، و لخصوص الرسول الأعظم «صلّى اللّه عليه و آله» -بل لقد ذهبت بهم الجرأة إلى حد التعرض بالسباب لأزواجه


1) المغازي ج 2 ص 299 و 500 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 12 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14.

عليه و على آله الصلاة و السّلام-هؤلاء اليهود بالذات يتظاهرون الآن بأنهم من أنصار الالتزام بالقيم و المثل، و يذكرون النبي «صلّى اللّه عليه و آله» بها. مع أنه «صلّى اللّه عليه و آله» لم يتجاوز عما تفرضه القيم و المثل قيد أنملة، فإنه لم يخاطبهم إلا بما هو حق و واقع، بهدف ردعهم عن ممارساتهم المشينة و اللا أخلاقية.

على أن موقفهم هذا: لم نجد له أثرا في تصحيح مواقفهم، و الالتزام بما تمليه قواعد الخلق السامي و النبيل، كما أنهم لم يستفيدوا مما عرفوه و وثقوا به و اطمأنوا إليه من صفات النبل و الكرامة. إلا في دفع غائلة إظهار بعض واقعهم، و إيقاف ما يتعرضون له من فضح لهذا الواقع، حتى لا تزيد هذه الفضيحة و تنتشر، و تتفاعل، لتعيق وصولهم لبعض ما يطمحون للوصول إليه.

و خلاصة الأمر: إنهم في حالة الأمن يغدرون، و يفعلون كل منكر، و يرتكبون كل ما هو سفه و نذالة.

و إذا قدروا فإنهم لا يتورعون عن ارتكاب أبشع الجرائم في حق من يرون به خطرا على مصالحهم الدنيوية.

و إذا عجزوا؛ فإنهم يتظاهرون بالولاء للقيم، و المثل العليا في حين أنهم يتربصون و يترصدون الفرص لتجاوز حالة العجز تلك ليعودوا للانطلاق في مهمه ضلالاتهم، و ممارسة أبشع أنواع الوغول في الدنس و الرذالة و الرذيلة.

و يقول البعض: «هذه خلال اليهود، يسفهون إذا أمنوا، و يقتلون إذا قدروا، و يذكرون الناس بالمثل العليا إذا وجلوا، ليستفيدوا منها وحدهم لا

لشيء آخر» (1).

موقف مصطنع لابن حضير:

و يقولون: «سار رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» إليهم، و تقدمه أسيد بن حضير، فقال: يا أعداء اللّه، لا نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعا، إنما أنتم بمنزلة ثعلب في جحر.

قالوا: يا ابن الحضير، نحن مواليكم دون الخزرج، و خاروا، و قال: لا عهد بيني و بينكم، و لا إلّ» (2).

و نحن نرتاب في صحة هذه الرواية: و نقدّر أنها مصطنعة لصالح ابن حضير الذي كان ثمة اهتمام بنسبة الفضائل إليه، بسبب مواقفه المؤيدة للحكام بعد رسول اللّه و المناهضة لبني هاشم. و سبب ريبنا في صحة هذه الرواية هو ما يلي:

أولا: إن الروايات تقول: إنه «صلّى اللّه عليه و آله» قدم عليا «عليه السّلام» إلى بني قريظة، و ليس ابن حضير، و قول الحلبي: «تقدم أسيد إلى بني قريظة يجوز أن يكون قبل مقدم علي لهم، و يجوز أن يكون بعده» (3)ليس له ما يبرره، إذ إن كلامه هذا لا يحل مشكلة التنافي بين تقديم علي «عليه


1) فقه السيرة للغزالي ص 339.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 499 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و السيرة الحلبية ج 2 ص 333 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 12 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494 إلى قوله في جحر.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 333.

السّلام» و تقديم أسيد، لأن الثابت هو تقديم علي دون غيره.

و يمكن المناقشة فيما ذكرناه: بأن النص المذكور لم يصرح بأن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» هو الذي قدم أسيد بن حضير، فقد يكون أسيد قد ذهب إليهم من تلقاء نفسه و بصفته الشخصية، لا أنه كان على رأس الجيش.

فإن النص يقول: «تقدمه أسيد بن حضير» .

و لكن ذلك غير مقبول: فإن تحرك أسيد أو غيره من تلقاء نفسه، و من دون إذن أو تقديم منه «صلّى اللّه عليه و آله» بعيد و غير سديد.

ثانيا: يلاحظ: أن ابن حضير قد نسب الحلف الذي نفاه إلى نفسه لا إلى قومه حيث قال: «لا عهد بيني و بينكم، و لا إلّ» ! !

إلا أن يقال: إن نقض أحد زعماء القبيلة لحلف و كذلك عقده له هو عند العرب ملزم لقبيلته كلها.

ثالثا: إن بني قريظة إنما خافوا و خاروا حينما نادى علي «عليه السّلام» : «يا كتيبة الإيمان الخ. .» ، فحينئذ أرسلوا إلى حلفائهم الأوس أن يأخذوا لهم مثلما أخذت الخزرج لبني قينقاع، و سيأتي ذلك تحت عنوان: الفتح على يد علي «عليه السّلام» .

القتال ثم الحصار:

«ثم قدم رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» الرماة من أصحابه و أمرهم بأن يرموهم، و يراميهم اليهود و استمر الرمي إلى أن ذهبت ساعة من الليل، و رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» واقف على فرسه عليه السلاح، و أصحاب الخيل حوله. ثم أمر «صلّى اللّه عليه و آله» أصحابه بالانصراف.

قال كعب بن عمر المازني: فانصرفنا إلى منزلنا، و عسكرنا، فبتنا. و كان طعامنا تمرا بعث به سعد بن عبادة أحمال تمر، فبتنا نأكل منها، و لقد رئي رسول اللّه، و أبو بكر، و عمر يأكلون من ذلك التمر» (1).

و كان طعام الصحابة أيام الحصار: التمر، يرسل به إليهم سعد بن عبادة، و قال «صلّى اللّه عليه و آله» يومئذ: نعم الطعام التمر (2).

و كانوا يقاتلونهم في كل يوم من جوانب الحصن، و يرمونهم بالنبل و الحجارة (3).

و عن عائشة بنت سعد، عن أبيها، قال: قال لي رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : يا سعد، تقدم فارمهم.

فتقدمت حيث تبلغهم نبلي، و معي نيف عن الخمسين، فرميناهم ساعة و كأن نبلنا مثل جراد فانجحروا (4)، فلم يطلع منهم أحد، و أشفقنا على نبلنا أن يذهب، فجعلنا نرمي بعضها، و نمسك البعض (5).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 500 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 494.

2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 500 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 12 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و السيرة الحلبية ج 2 ص 334.

3) تاريخ الخيس ج 1 ص 494 و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 13.

4) الجحر: دخل جحره.

5) المغازي للواقدي ج 2 ص 500 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 494.

و يظهر من الرواية: أن ذلك قد كان فور وصول رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» إليهم، و بعد أن كلمهم.

و حاصرهم المسلمون أشد الحصار (1).

و جعل المسلمون يعقب بعضهم بعضا، أي يقاتلهم فوج و يرتاح فوج. فلما أيقنوا بالهلكة تركوا رمي المسلمين، و أرسلوا نباش بن قيس لمفاوضتهم (2).

و نقول:

إننا نذكر القارئ الكريم بالأمور التالية:

1-قال الواقدي: «و يقال: إنه لم يطلع منهم أحد، و لم يبادر (يبارز خ ل) للقتال في روايتنا» (3).

و قال ابن سعد: «و رموا بالنبل، فانجحروا، فلم يطلع منهم أحد» (4).

و هذا لا ينافي ما تقدم: من أنهم كانوا يرمون المسلمين من حصونهم.

و لا ينافي قول اليعقوبي: «قتل من بني قريظة، ثم تحصنوا فحاصرهم الخ. .» (5).

إذ إن الواقدي إنما يتحدث عن فترة الحصار، و أنه لم يحصل قتال


1) الوفا ص 695 و تاريخ الخميس ص 493 و محمد رسول اللّه، سيرته و أثره في الحضارة ص 245 و إرشاد الساري ج 6 ص 329.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 13 و المغازي للواقدي ج 2 ص 501 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 و ستأتي بقية المصادر في حديث مفاوضة نباش بن قيس.

3) المغازي ج 2 ص 504.

4) الطبقات الكبرى (ط دار صادر) ج 2 ص 74.

5) تاريخ اليعقوبي (ط دار صادر) ج 2 ص 52.

بالسيف إبان هذه الفترة.

و سيأتي: أنهم قد نزلوا لمواجهة بعض كتائب المسلمين التي قادها كبار الصحابة فهزموها. ثم لما جاءهم أمير المؤمنين هزمهم، و اضطرهم إلى النزول على حكم اللّه و رسوله. و قد كان ذلك بعد الحصار و في اليوم أو الأيام الأخيرة منه.

و سيأتي الحديث عن ذلك: تحت عنوان: الفتح على يد علي «عليه السّلام» .

2-إننا لا نستغرب: أن يحاول سعد بن أبي وقاص، و ابنته تسجيل فضيلة لسعد، لا سيما في مجال الرمي، الذي مارسه المسلمون في هذه الواقعة.

و لكن ما يلفت نظرنا:

أولا: أن لا يرد هذه الحديث إلا على لسان سعد نفسه، حدث به ابنته التي تفردت بروايته عنه، و كأنه لم يكن يجرؤ على أن يتحدث به أمام الناس، الذين كانوا يعرفون الحقيقة، و قد عاشوها و عاينوها، حتى لا يواجه ما لا يحب.

ثانيا: يستوقفنا أيضا: أن يتضمن حديث سعد لابنته تلويحا ظاهر الدلالة إلى أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» كان هو البادئ في رمي بني قريظة، و هو أمر لا تؤيده الشواهد التاريخية، بل قد ثبت ما ينافيه و يرده، و أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لم يكن يبدأ أحدا بقتال، حتى يبتدئ.

و قد تقدم هذا الأمر عنه و عن علي أمير المؤمنين «عليه السّلام» فراجع.

3-قولهم: إن رمي المسلمين لبني قريظة قد استمر إلى أن أيقنوا بالهلكة، فأرسلوا نباش بن قيس لمفاوضة النبي الأكرم «صلّى اللّه عليه و آله» ، فرجع إليهم و أخبرهم: أنه «صلّى اللّه عليه و آله» لا يقبل إلا بأن

ينزلوا على حكمه فأرسلوا حينئذ بطلب أبي لبابة،

إن هذا القول موضع شك و ريب أيضا: فإن هناك نصوصا تدل على أنهم بعد أن رجع إليهم نباش استمروا أياما. صدوا خلالها حملات بقيادة بعض كبار الصحابة، فجاءهم علي «عليه السّلام» ، فقهرهم، و اضطرهم إلى النزول على حكم سعد بن معاذ، كما سيأتي تفصيله.

و لكن هؤلاء يريدون تجاهل دور سيد الوصيين قدر الإمكان، حقدا منهم و حنقا، و خيانة للدين و للحقيقة.

و يمكرون و يمكر اللّه، و اللّه خير الماكرين.

مدة الحصار:

قد اختلفت كلمات الرواة و المؤرخين في مدة حصار المسلمين لبني قريظة و ذلك على النحو التالي:

1-حاصرهم أياما، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ (1).

أو: «فحصرهم حتى نزلوا على حكمه» (2).

2-حاصرهم إحدى و عشرين ليلة (3).

و في نص آخر: بضعا و عشرين ليلة (4).


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52.

2) أنساب الأشراف ج 1 ص 347.

3) راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 275 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494 عن معالم التنزيل.

4) عمدة القاري ج 17 ص 188 و إرشاد الساري ج 6 ص 327.

3-عشرة أيام (1).

4-أربع عشرة ليلة (2).

و في نص آخر: بضع عشرة ليلة (3).

5-خمسة عشر يوما (4).

6-خمسة و عشرين (5).


1) عن ابن سعد في تاريخ الخميس ج 1 ص 494 و وفاء الوفاء ج 1 ص 306.

2) طبقات ابن سعد ج 2 ص 76 عن ابن المسيب.

3) إرشاد الساري ج 6 ص 330 عن موسى بن عقبة، و عمدة القاري ج 17 ص 192 و فتح الباري ج 7 ص 318 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 35 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 256 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 13 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 229 و البداية و النهاية ج 4 ص 119.

4) راجع المصادر التالية: إرشاد الساري ج 6 ص 329 و سيرة مغلطاي ص 56 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 74 و وفاء الوفاء ج 1 ص 306 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و السيرة الحلبية ج 2 ص 334 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 35 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494 و نهاية الأرب ج 17 ص 188 عن ابن سعد. و راجع: التنبيه و الإشراف ص 217 و قال: و قيل: أكثر من ذلك، و راجع: عمدة القاري ج 17 ص 188 و 192 و فتح الباري ج 7 ص 318 و المواهب اللدنية ج 1 ص 15 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241.

5) المحبر ص 113 و راجع المصادر التالية: إعلام الورى ص 93 و الثقات ج 1 ص 275 و الإرشاد للمفيد ص 64 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 177 و عيون الأثر ج 2 ص 69 و إرشاد الساري ج 6 ص 159 و 330 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 15 و البداية و النهاية ج 4 ص 120-

7-و قيل: حصرهم شهرا (1).

الفتح على يد علي عليه السّلام:

قد تقدم: أن بني قريظة قد طارت قلوبهم رعبا من علي «عليه السّلام» حين قدم إليهم، و نزيد هنا:

أن من الأمور المثيرة: أننا نجد الزبير بن بكار، يذكر لنا في كتاب المفاخرات نصا يفيد: أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قد بعث إلى بني قريظة أكابر أصحابه

(5) -و 153 و 130 و جوامع السيرة النبوية ص 143 و السيرة النبوية ابن هشام ج 3 ص 246 و السيرة الحلبية ج 2 ص 334 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و مجمع الزوائد ج 6 ص 137 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494 و نهاية الأرب ج 17 ص 188 عن ابن إسحاق و وفاء الوفاء ج 1 ص 306 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و ق 1 ص 293 و مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 251 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 208 و بهجة المحافل ج 1 ص 275 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 255 و 257 و 273 و مجمع البيان ج 8 ص 352 و البحار ج 20 ص 210 و 262 و أشار إليه في: سيرة مغلطاي ص 56 و عمدة القاري ج 17 ص 188 و 192 و فتح الباري ج 7 ص 318 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 230 و 237 و 250 و المواهب اللدنية ج 1 ص 15 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 35 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 246.


1) الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 246 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 241 و السيرة الحلبية ج 2 ص 334 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14.

فهزموا، فبعث عليا، فكان الفتح على يديه تماما كالذي جرى في خيبر.

فقد روى الزبير بن بكار مناظرة بين الإمام الحسن «عليه السّلام» و بين عمرو بن العاص، و الوليد بن عقبة، و عتبة بن أبي سفيان، و المغيرة بن شعبة، عند معاوية فكان مما قاله لهم الإمام الحسن «عليه السّلام» : «و أنشدكم اللّه أيها الرهط أتعلمون. . أن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة، فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث عليا بالراية، فاستنزلهم على حكم اللّه، و حكم رسوله، و فعل في خيبر مثلها» (1).

و قال القاضي النعمان مشيرا إلى جهاد علي «عليه السّلام» في بني قريظة: «و انصرف رسول اللّه صلوات اللّه عليه و آله على بني قريظة، فقتلهم، و سبى ذراريهم، و كان ذلك بصنع اللّه لرسوله صلوات اللّه عليه و آله، و للمسلمين، و بما أجراه اللّه على يدي وليّه علي صلوات اللّه عليه، و كان مقامه ذلك من أشهر المقامات و أفضلها» (2).

و يروي المؤرخون: أنه لما تباطأ اليهود في إجابة طلب النبي «صلّى اللّه عليه و آله» بالتسليم، و النزول على حكمه، صاح علي بن أبي طالب قائلا: «يا كتيبة الإيمان» .

و تقدم هو و الزبير بن العوام، و قال: «و اللّه، لأذوقن ما ذاق حمزة أو


1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي الشافعي ج 6 ص 289.

2) شرح الأخبار ج 1 ص 299 و راجع قول المفيد في الإرشاد ص 66 فإنه يقرب من هذا أيضا.

اقتحم (أفتحن) حصنهم» .

(فخافوا، و قالوا: ننزل على حكم سعد) .

فأرسل اليهود إلى حلفائهم من الأوس: أن يأخذوا لهم مثلما أخذت الخزرج لإخوانهم بني قينقاع الخ. .» (1).

و نقول:

ليلاحظ القارئ: حشر اسم الزبير في هذا المقام! !

و قال ابن الحجاج:

أنا مولى الكرار يوم حنينو الظبا قد تحكمت في النحور

أنا مولى لمن به افتتح الإس‌لام حصني قريظة و النضير

و الذي علم الأرامل في بدرعلى المشركين جز الشعور

من مضت ليلة الهرير و قتلاهجزافا يحصون بالتكبير (2)

و سام الفتح:

و يحدثنا التاريخ: أن جماعة من الصحابة اعترضوا على أبي بكر على إقدامه على غصب الخلافة من علي بعد وفاة النبي «صلّى اللّه عليه و آله» .


1) محمد رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» سيرته و أثره في الحضارة ص 247. و راجع المصادر التالية: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 257 و 251 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و عيون الأثر ج 2 ص 73 و البداية و النهاية ج 4 ص 139 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 234 و خاتم النبيين ج 2 ص 929 و تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 121.

2) مناقب آل أبي طالب «عليهم السّلام» (ط دار الأضواء) ج 2 ص 99.

و كان أول من تكلم منهم خالد بن سعيد بن العاص الأموي فقال له: «اتق اللّه، و انظر ما تقدم لعلي بن أبي طالب، أما علمت أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قال لنا، و نحن محدقون به، و أنت معنا في غزاة بني قريظة، و قد قتل علي «عليه السّلام» عدة من رجالهم.

(و عند البياضي: و قد قتل علي رجالهم.

و عند ابن طاووس: و قد قتل علي «عليه السّلام» عشرة من رجالهم، و أولي النجدة منهم) : و كان الذين يحدقون به «صلّى اللّه عليه و آله» آنئذ: جماعة من ذوي القدر و الشأن من المهاجرين و الأنصار:

يا معاشر قريش، إني أوصيكم بوصية فاحفظوها عني، و مودعكم أمرا، فلا تضيعوه، إن علي بن أبي طالب إمامكم من بعدي، و خليفتي فيكم، و بذلك أوصاني جبرئيل عن اللّه عز و جل. .» .

ثم تذكر الرواية: احتجاج كل واحد من الاثني عشر، و بعضهم احتج بحديث الغدير.

قال: «و قال في اليوم الرابع (أو في يوم الجمعة) لما جاء معاذ و عثمان (و في نص آخر: سالم) مولى حذيفة كل في ألف رجل، يقدمهم عمر، (و في نص ابن طاووس: أتاه عمر، و عثمان، و طلحة، و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبي وقاص، و أبو عبيدة بن الجراح، و سعيد بن عمرو بن نفيل، فأتاه كل منهم متسلحا الخ. .

زاد في نص آخر: مع كل واحد منهم عشرة من رجال عشائرهم) .

فلما توسط عمر المسجد، قال: يا أصحاب علي، إن تكلم فيكم أحد بالذي تكلم به الأمس لنأخذن ما فيه عيناه.

فقام إليه خالد (بن سعيد) فقال: يا ابن الخطاب، أبأسيافكم تهددنا؟ أم بجمعكم؟ ! إن أسيافنا أحد من أسيافكم، و فينا ذو الفقار، و سيف اللّه، و سيف رسوله، و إن كنا قليلين ففينا من كثرتكم عنده قلة، حجة اللّه، و وصي رسوله، و لولا أني أؤمر بطاعة إمامي لشهرت سيفي، و جاهدت في اللّه حتى أبلغي عذري، فقال أمير المؤمنين «عليه السّلام» : شكر اللّه مقالتك، و عرف ذلك لك» .

و تذكر نصوص هذه القضية أيضا: أن عمر أمر خالدا بالسكوت، لأنه ليس من أهل المشهورة، فقال له خالد بن سعيد:

بل اسكت أنت، فإنك تنطق بغير لسانك، و تفوه بغير فيك، و إنك لجبان عند الحرب (كما يظهر) ما وجدنا لك في قريش فخرا.

و في نص آخر: إنك ألأمها حسبا، و أقلها عددا (أدبا) ، و أخملها ذكرا، و أقلها غناء عن اللّه عز و جل و عن رسوله، و إنك لجبان عند الحرب، بخيل في الجدب، لئيم العنصر، مالك في قريش مفخر، فأسكته خالد.

زاد في الإحتجاج قوله: و أخسها قدرا (1). و ثمة زيادات أخرى فراجع.


1) راجع المصادر التالية: الإحتجاج (ط سنة 1313 ه. ق) ج 1 ص 190 و 191 و 300 و الصراط المستقيم ج 2 ص 80 و 82 و قاموس الرجال ج 3 ص 476 و 478 و 479 و الخصال ج 2 ص 462 و 463 و اليقين في إمرة أمير المؤمنين ص 108-110 عن أحمد بن محمد الطبري، المعروف بالخليلي، و عن محمد بن جرير الطبري، صاحب التاريخ في كتابه: مناقب أهل البيت «عليهم السّلام» و البحار ج 28 ص 210 و 211 و 214 و 219 و رجال البرقي ص 63 و 64.

قال ابن طاووس: «هذا الحديث روته الشيعة متواترين» (1).

و لنا مع هذا الحديث وقفات، نقتصر منها على ما يلي:

1-إنه «صلّى اللّه عليه و آله» إنما يوصي خصوص قريش بهذه الوصية بحضور ذوي القدر و الشأن من أصحابه المهاجرين و الأنصار.

و لا نبعد إذا قلنا: إنه «صلّى اللّه عليه و آله» كان على معرفة تامة بنوايا قريش تجاه خلافة علي «عليه السّلام» بعده، و قد كان و ما يزال يلمح و يصرح به لهم في المناسبات المختلفة منذ أوائل بعثته «صلّى اللّه عليه و آله» . و كان يدرك تململ قريش، و من يدور في فلكها من هذا الأمر، و رفضها الباطني له. هذا الرفض الذي كان يترجم في مواقف عملية لهم، و أسلوب تعامل هنا و هناك. و قد ذكرنا بعض ما يوضح هذا الأمر في كتابنا: «الغدير و المعارضون» ، فليراجعه من أراد.

2-إنه «صلّى اللّه عليه و آله» لم يكن ليوصي ذوي القدر و الشأن من المهاجرين و الأنصار، بهذه الوصية الحساسة و الخطيرة، و الثقيلة جدا على الكثيرين منهم، إلا حين يكون علي «عليه السّلام» قد حقق إنجازا كبيرا عجز عنه الآخرون.

و قد ألمحت الرواية إلى هذا الانجاز، و هو: أنه «عليه السّلام» قد قتل رجالهم، أو عشرة من رجالهم، و أولي النجدة منهم (أي من بني قريظة) .

و قد ذكرت النصوص المتقدمة أيضا: أن فتح قريظة كان على يديه «عليه السّلام» ، و تحدثت عن رعب بني قريظة منه بمجرد معرفتهم بقدومه


1) اليقين ص 108 و البحار ج 28 ص 214.

إلى حصنهم، و تحدثت عن هزيمة كبار الصحابة الذين أخذوا الراية، ثم فتح اللّه على يديه، تماما كما جرى في خيبر.

و كل ذلك يشجعنا على القول: إنه «صلّى اللّه عليه و آله» لم يكن ليطرح قضية إمامة علي «عليه السّلام» بعده، و هو يعلم أن في أصحابه من يستميت في سبيل إبطال هذا الأمر و إفشاله، إلا حينما تكون ثمة هزيمة نكراء لأولئك المناوئين، و نصر مؤزر لأمير المؤمنين «عليه السّلام» يلجمهم عن التفوه بأي اعتراض، و يصدهم عن السعي لبلبلة الأفكار، و تسميم الأجواء و التشكيك في صوابية ما يوصيهم به «صلّى اللّه عليه و آله» ، و يأمرهم بالتزامه.

و يلمح إلى هذا بل يصرح به نفس هذا النص الذي نحن بصدده، حيث ذكر أنه «صلّى اللّه عليه و آله» إنما قال لهم ذلك حين قتل «عليه السّلام» رجال بني قريظة، أو عشرة من رجالهم و ذوي النجدة منهم، حسبما تقدم.

3-إن الهيئة الحاكمة و أنصارها حين أعوزتهم الأدلة و البراهين لجأوا إلى أسلوب التهديد، و الوعيد، و القمع، و عرض العضلات.

و لولا أنهم كانوا على علم بأن قرار علي «عليه السّلام» هو تجنب المواجهة المسلحة لكانوا قد حسبوا ألف حساب قبل أن يقدموا على ذلك.

4-إن وقائع هذه القضية تعطينا: أن هؤلاء الأعيان من الصحابة حين أعلنوا عدم شرعية ما أقدم عليه أبو بكر و حزبه، و اعتبروا ذلك تعديا و غصبا، و مخالفة صريحة لأوامر النبي الأعظم «صلّى اللّه عليه و آله» ، فإنهم قد انطلقوا في مواقفهم هذه، من ثوابت عقائدية، و استجابة لشعور ديني و ضميري وهّاج و مرهف.

و لكن هذه المواجهة-رغم ذلك-: لم تتحول إلى غوغائية، أو حالة انفعالية، رغم استفزاز الحكم لهم، و محاولته تطوير الصراع، لأنه كان يرى: أن من مصلحته تصعيد التحدي ليتفادى المأزق الذي يجد نفسه فيه، و هو يرى نفسه عاجزا عن تبرير ما أقدم عليه بصورة منطقية و معقولة.

و من جهة أخرى: فإن هذه المعارضة قد عبرت في رفضها الاستجابة إلى استفزازت السلطة، عن أن ذلك ينطلق من التزامها الدقيق بطاعة قيادتها، و من انضباطية صارمة و ملفتة للنظر، فهي التي تقرر حجم الصراع و مستواه، و أساليبه و وسائله، و هي التي تفرض ما تقرره على خصومها أيا كانوا.

5-إن خالد بن سعيد بن العاص الأموي قد وصف عليا هنا ب «الوصي» .

و نود أن نذكّر القارئ الكريم: بأن هذا اللقب له «عليه السّلام» كان معروفا لدى الصحابة، و لدى عموم الناس، و كانوا يطلقونه عليه صلوات اللّه و سلامه عليه في كثير من المناسبات، و قد ذكر المعتزلي طائفة من الأشعار و الأرجاز التي أوردت هذا اللقب (1).

و تجده يتكرر كثيرا في كلمات و أشعار و أرجاز الناس في حربي الجمل و صفين، و غيرهما.

بل إن الخوارج قد احتجوا لخروجهم على أمير المؤمنين «عليه السّلام» بقولهم: «زعم أنه وصي فضيّع الوصية» (2). و تتبع النصوص التي أوردت


1) شرح نهج البلاغة ج 1 ص 143 و 150 و راجع: كتب التاريخ التي تذكر وقائع الجمل و صفين.

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 192.

هذا الوصف له «عليه السّلام» يحتاج إلى توفر تام، و تأليف مستقل.

6-لقد أظهر هذا النص: أن عمر بن الخطاب لم تكن له مكانة مرموقة في قريش. و إنما استفاد من الظروف السياسية و الاجتماعية في أيام الإسلام الأولى، لينشئ لنفسه موقعا، و يحيط نفسه بهالة من نوع ما، و لا سيما في مجتمع المدينة، الذي كان أقل تجربة من المجتمع المكي، و أبعد عن أحابيل السياسة و مناورات و كيد السياسيين.

7-لقد هدد خالد بن سعيد عمر بن الخطاب و من معه بذي الفقار، و بعلي «عليه السّلام» سيف اللّه و سيف رسوله.

و لم يعترض عليه عمر بشيء.

و هذا قد يلمح: إلى أن هذا اللقب «سيف اللّه» هو من ألقاب علي «عليه السّلام» ، و قد دلت على ذلك روايات كثيرة عن رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» (1).

و لكن الآخرين قد سرقوا هذا اللقب، و منحوه لخالد بن الوليد،


1) فرائد السمطين ج 1 ص 138 و نظم درر السمطين ص 125 و ذخائر العقبى ص 92 و ينابيع المودة ص 214 و إحقاق الحق ج 15 ص 42 و 59 و 200 و 435 و 470 و ج 4 ص 115 و 225 و 297 و 386 و ج 5 ص 4 و ج 6 ص 153 و ج 20 ص 250 و 518 عمن تقدم و عن فتوحات الوهاب للعجيلي الشافعي ص 62 و أرجح المطالب ص 38 و 14 و 29 و مناقب علي للحيدر آبادي ص 57 و 37 و خلاصة الوفاء للسمهودي (مخطوط) ص 39 و وسيلة المآل ص 133 و انتهاء الإفهام ص 210 و عن مفتاح النجا (مخطوط) و شرف المصطفى و المناقب المرتضوية ص 93 و أئمة الهدى للأفغاني ص 41 و شرح الجامع الصغير للمناوي ص 759 و در بحر المناقب ص 42 و آل محمد للمردي ص 642 و 195 و عن مناقب الإمام علي «عليه السّلام» لابن المغازلي.

مكافأة له على قتله ذلك الرجل المسلم مالك بن نويرة، ثم الزنى بامرأته ليلة قتله.

و قد برروا قتله له بأنه كان يمتنع عن إعطاء الزكاة للحاكم المغتصب لمقام الخلافة. مع أن السبب الحقيقي هو عشقه لزوجة المقتول.

و قد أعطاه أبو بكر هذا الوسام حينما طالب عمر بمجازاة خالد: «لإحن قديمة بينهما ما كنت لأشيم سيفا سله اللّه على أعدائه» (1).

ثم نسبوا ذلك إلى رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» (2).

مع أن صاحب اللقب الحقيقي هو علي «عليه السّلام» كما أسلفنا.

8-إنه «صلّى اللّه عليه و آله» قد أعلن لهم (أي للمهاجرين و الأنصار) أمر ولاية علي «عليه السّلام» في نفس الساعة التي شاهدوا فيها أثر علي «عليه السّلام» في نصرة دين اللّه، حيث تحقق الفتح على يده، ورأوا بأم أعينهم فرار أولئك الذين يدبرون أو يشاركون في التدبير للإستئثار بالأمر، و نقض عهد اللّه و رسوله فيه.

و سيكون لهذا الكلام وقعه العميق في النفوس. و لا بد من أن تحتفظ به الذاكرة أزمنة طويلة، و سيتذكره الذين سمعوه في نفس اللحظات التي يرون فيها أن وصية الرسول «صلّى اللّه عليه و آله» قد خولفت، و أوامره و عهوده قد نقضت.


1) راجع: الغدير ج 7 ص 158 و 163 و تاريخ الطبري ج 2 ص 503 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 359 و أسد الغابة ج 4 ص 295 و تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 105 و الإصابة ج 3 ص 357 و تاريخ الخميس ج 2 ص 209.

2) تهذيب تاريخ دمشق ج 5 ص 102 و الإمامة و السياسة ج 1 ص 24 و الإصابة ج 1 ص 414 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 408 و 409.

و لذلك بادر خالد بن سعيد بن العاص إلى التذكير بهذه الوصية في هذه اللحظة بالذات، و سجل إدانته الصريحة لمخالفتهم أوامر النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، و نقضهم لعهده.

9-إن النبي الكريم «صلّى اللّه عليه و آله» قد حصر عواقب نقض وصيته في علي «عليه السّلام» بأمور ثلاثة، هي:

ألف: الإختلاف في الأحكام.

ب: إضطراب أمر دينهم عليهم.

ج: أن يليهم شرارهم.

و هي أمور لا بد أن يولوها أهمية بالغة، لأنها تضر بسعادتهم الدنيوية، و الأخروية على حد سواء. فإن ولاية الأشرار تضر بأمنهم، بجميع وجوهه، و في مختلف مواقعه، فلا أمن على الأوراح، و لا على الأعراض، و لا على الأموال. . كما أنه يفقدهم الثقة بسياسات حكامهم، و بنواياهم، و بصحة تفكيرهم، و سلامة قراراتهم يفقدهم القدرة على التخطيط للمستقبل، الأمر الذي يجعلهم في مهب الريح، تتقاذفهم رياح الأهواء، و تكون قراراتهم مرتجلة، و عشوائية، و غبية، و يكون غيرهم هو الذي يتحكم بمصيرهم، حسبما يحلو له، و بما ينسجم مع ما يراه من مصلحته. . و ذلك هو الضياع و الخسران المبين في الحياة الدنيا. .

كما أن إبعاد من نصبه اللّه وليا و حاكما، و إماما عن موقعه الطبيعي، يؤدي بهم إلى الاختلاف في الأحكام، لأن الناس إذا تركوا إمامهم صاروا مثل غنم غاب عنها راعيها. و لن يجديهم نفعا لجوءهم إلى أناس عاديين مثلهم، فإنهم سوف لا يهتدون إلى كثير من الأحكام، لأنهم يملكون من المعرفة بكلام الرسول «صلّى اللّه عليه و آله» و بمواقفه، أو قد يعرفون عددا

منها ما يكفي للأمن من الزلل و الخطل. . كما أن ما علموه من أقواله «صلّى اللّه عليه و آله» و مواقفه، يجهلون مبرراته، و حيثياته، فيفهمونه على غير وجهه، فقد يتوهمون العام خاصا، أو الخاص عاما، و المقيد مطلقا و عكسه. و تختلط عليهم أمور كثيرة فيما يرتبط بالقواعد و المناهج. .

هذا كله، بالإضافة إلى سعي ذوي النفوذ، و طلاب اللبانات، و أصحاب الأهواء إلى التدخل في الأحكام، و فرضهم التلاعب بها لمصلحتهم. . و الأحداث و الوقائع التاريخية خير شاهد على ذلك.

10-و آخر ما نذكره في تعليقنا على الحدث المتقدم، أنه يذكر: أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قد أوصى قريشا بقبول خلافة و إمامة علي «عليه السّلام» بعده، بعد أن قتل علي «عليه السّلام» بني قريظة، أو رجالا من أهل النجدة فيهم. . و هذا يؤيد ما قاله ابن واضح اليعقوبي: «و قتل من بني قريظة، ثم تحصنوا فحاصرهم» (1).

ثم كان الفتح أخيرا أيضا على يد أمير المؤمنين علي «عليه السّلام» كما أكدته سائر النصوص التي قدمناها.

مبارزة الزبير لقريظي:

عن عكرمة: «لما كان يوم بني قريظة، قال رجل من اليهود: من يبارز؟ فقام إليه الزبير، فبارزه.

فقالت صفية: واجدي.


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52.

فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : أيهما علا صاحبه قتله، فعلاه الزبير، فقتله، فنفله رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» سلبه» (1).

و نقول:

1-قال الواقدي: «و لم يسمع بهذا الحديث في قتالهم و أراه، و هل هذا في خيبر» (2).

2-تقدم أنه لم يطلع أحد من بني قريظة، و لم يبادر (يبارز) للقتال (3). أما حينما ذهب إليهم غير علي، فإن الذاهبين إليهم قد هزموا بمجرد أن رأوا بني قريظة ينزلون إليهم، و أما حينما ذهب إليهم علي نفسه، فإنه هو استنزلهم من حصونهم فنزلوا منها على حكم سعد بن معاذ (4).

3-تقدم أيضا ما يقرب من هذه القصة في غزوة الخندق، و أثبتنا أنها مكذوبة و الظاهر: أن هؤلاء الناس متحيرون كيف يمكنهم تسطير الفضائل لمن يحبونهم. و اللّه سبحانه لم يزل و لا يزال يكشف زيف دعاويهم العريضة و أقاويلهم و أباطيلهم، و يمكرون و يمكر اللّه و اللّه خير الماكرين.

الحرب خدعة:

و يقولون: إن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» قال يوم بني قريظة: «الحرب


1) المغازي ج 2 ص 504.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 505.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 504.

4) راجع ص 27 و 28 من هذا الجزء.

خدعة» (1).

و نحن نستبعد أن يكون «صلّى اللّه عليه و آله» قد قالها في هذه المناسبة، إذ لا مناسبة تقتضي ذلك، و لم يقم المسلمون بأي عمل فيه شيء من الخداع لبني قريظة. بل هم قد حاصروهم، و شددوا عليهم الحصار، و حصلت بعض المناوشات على الطريقة المعروفة و المألوفة.

و لم يوفق الذين قاموا بمهاجمتهم أولا، حتى هاجمهم علي أمير المؤمنين، فكان الفتح على يديه «عليه السّلام» .


1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 243.

الفصل الثالث: فشل المفاوضات و خيانة أبي لبابة

اشارة

إسلام أبناء سعية:

«و قال ثعلبة، و أسيد أبنا سعية، و أسد بن عبيد عمهم: يا معشر بني قريظة، و اللّه، إنكم لتعلمون أنه رسول اللّه، و إن صفته عندنا، حدثنا به علماؤنا، و علماء بني النضير، هذا أولهم-يعني حيي بن أخطب-مع جبير ابن الهيبان، أصدق الناس عندنا، هو خبّرنا بصفته عند موته.

قالوا: لا نفارق التوراة.

فلما رأى هؤلاء النفر إباءهم، نزلوا في الليلة التي نزلت قريظة، فأسلموا، فأمنوا على أنفسهم، و أهلهم، و أموالهم» (1).

و أسيد، و أسد و ثعلبة لم يكونوا من بني قريظة و لا النضير بل كانوا فوق ذلك (2). و هم نفر من هدل، من بني عم قريظة (3)، و ليس من هذيل، كما


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 503 و راجع حول إسلام هؤلاء: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 15 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 44 و الثقات ج 1 ص 276.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 15.

3) جوامع السيرة النبوية ص 154 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 249 و عيون الأثر ج 2 ص 71 و البداية و النهاية ج 4 ص 121 و دلائل النبوية للبيهقي ج 4 ص 32 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 232 و البحار ج 20 ص 276 و تاريخ الخميس ج 1-

في بعض المصادر التي زعمت أيضا: أنهم من هذيل إخوة قريظة و النضير (1).

و كان سبب إسلامهم: أن ابن الهيبان-من يهود الشام-قدم على بني قريظة فأقام عندهم، و كان يستسقي لهم أيام القحط، فيسقون، فحضرته الوفاة، فأخبرهم: أن سبب خروجه إلى يثرب هو أنه يتوقع خروج نبي قد أظل زمانه، مهاجره المدينة ليتبعه. ثم أوصاهم باتباعه.

فلما كان فتح بني قريظة قال أولئك النفر-و كانوا شبانا أحداثا-: يا معشر يهود، و اللّه، إنه الذي كان ذكره ابن الهيبان.

فقالوا: ما هو به.

قالوا: بلى و اللّه، إنه لصفته.

ثم نزلوا، و أسلموا، و خلوا أموالهم، و أولادهم، و أهاليهم.

قال ابن إسحاق: و كانت أموالهم في الحصن مع المشركين، فلما فتح ردّ ذلك عليهم (2).

و نقول:

في النفس من هذه الرواية شيء، فإن ابن الهيبان قد مات قبل بعثة النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، و البعثة كانت قبل فتح قريظة بحوالي ثمانية عشر عاما.

(3) -ص 496 و نهاية الأرب ج 17 ص 190 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 258 و الإكتفاء ج 2 ص 180 و السيرة الحلبية ج 2 ص 346 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 248.


1) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 296 و نهاية الأرب ج 17 ص 190.

2) سيرة ابن إسحاق ص 85 و 86 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 496 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 31 و 32 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 274 و الإكتفاء ج 2 ص 180.

و لا بد أن يكون أبنا سعية حين موت ابن الهيبان شبابا، يدركون مغزى كلام ابن الهيبان، و يفهمون وصيته، و لا أقل من أن يكون لهم من العمر عشر سنين، فيكون عمرهم حين فتح قريظة حوالي ثلاثين سنة، فكيف يكون أولئك النفر عند فتح قريظة شبابا أحداثا؟ ! . . إلا إذا كان يصدق على ابن الثلاثين أنه حدث!

و أما السؤال: عن سبب هجرة ابن الهيبان إلى المدينة و ليس إلى مكة.

فقد يجاب عنه: بأن مكة لم تكن تقبل بسكنى اليهود فيها، و إن كان هذا الجواب محل نظر و تأمل، و يحتاج إثبات ذلك أو نفيه إلى دراسة وافية لهذا الموضوع.

عمرو بن سعدى و محمد بن مسلمة:

1-يذكر المؤرخون: أن عمرو بن سعدى اليهودي، قد صارح قومه بأنهم قد عاهدوا محمدا: ألا ينصروا عليه أحدا، و أن ينصروه ممن دهمه، فغدروا و لم يشركهم ابن سعدى في غدرهم، و قال لهم: «فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية، و أعطوا الجزية، فو اللّه، ما أدري يقبلها أم لا.

قالوا: نحن لا نقر للعرب بخرج في رقابنا، يأخذوننا به. القتل خير من ذلك.

قال: فإني بريء منكم. و خرج في تلك الليلة مع ابني سعية، حتى أتى مسجد رسول اللّه، فبات فيه، فلما أصبح غدا، فلم يدر أين هو حتى الساعة.

فسئل «صلّى اللّه عليه و آله» عنه، فقال: ذاك رجل نجاه اللّه بوفائه» (1).


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 503 و 504 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 244 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 15 و 16 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 5 و السيرة الحلبية ج 2 ص 335 و 336.

2-و قال المؤرخون أيضا: «خرج في تلك الليلة (أي ليلة نزول بني قريظة على حكم النبي «صلّى اللّه عليه و آله» عمرو بن سعدى القرظي، فمر بحرس رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» و عليه محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ !

قال: أنا عمرو بن سعدى. (و كان قد أبي أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» .

و قال: لا أغدر بمحمد أبدا) .

فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهم لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله؛ فخرج حتى أتى مسجد رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» بالمدينة تلك الليلة.

ثم ذهب، فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا، فقال رسول اللّه فيه ما سبق.

3-إن البعض يزعم: أنه كان أوثق برمّة فيمن أوثق من بني قريظة، فأصبحت رمته ملقاة، و لا يدري أن يذهب، فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» فيه تلك المقالة (1).


1) راجع النصين المتقدمين في المصادر التالية: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 249 و عيون الأثر ج 2 ص 71 و البداية و النهاية ج 4 ص 121 و تاريخ الخميس ج 1 ص 496 و الإكتفاء ج 2 ص 180 و 181 و نهاية الأرب ج 17 ص 190 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 247 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 32 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 232 و البحار ج 20 ص 276 و السيرة الحلبية ج 2 ص 335 و 336 و راجع: النص الأول في: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 16.

4-إن ابن خلدون يقول: «وفر عنهم عمرو بن سعدى القرظي، و لم يكن دخل معهم في نقض العهد، فلم يعلم أين وقع» (1).

5-قال الذهبي و غيره: «كان عمرو بن سعدى اليهودي في الأسرى، فلما قدموه ليقتلوه، فقدوه، فقيل: أين عمرو؟ !

قالوا: و اللّه، ما نراه، و إن هذه لرمته التي كانت فيها (الرمة قطعة من حبل) فما ندري كيف انفلت.

فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : أفلت بما علم اللّه في نفسه» (2).

و نقول:

أولا: إنك ترى النصوص التاريخية لهذا الحدث مختلفة فيما بينها، مما يشير إلى وقوع تشويه عفوي أو عمدي في هذه القضية.

ثانيا: إذا كان هذا الرجل قد أبى الدخول مع قومه في الغدر، فمن الواضح: أن النبي «صلّى اللّه عليه و آله» لن يعاقبه بما فعل الآخرون، و قد قال اللّه تعالى: وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ (3).

بل سوف يجد نفسه معززا مكرما في ظل الإسلام، حتى و لو أراد أن يبقى على يهوديته.

و ذلك يجعلنا نشك كثيرا فيما يزعمونه من أنه قد ربط مع قومه ليقتل ثم هرب.

و كذا ما يزعمونه من أنهم قدموه ليقتلوه فانفلت منهم دون أن يشعروا.


1) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و جوامع السيرة النبوية ص 154.

2) تاريخ الإسلام المغازي ص 260 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20.

3) الآية 164 من سورة الأنعام و 15 من سورة الإسراء و 18 من سورة فاطر و 7 من سورة الزمر.

و كذا القول إنه هرب قبل ذلك، إذ لماذا يربط؟

و لماذا يعرضونه للقتل، و لماذا يهرب؟ و هو لم يفعل ما يستحق به ذلك.

و لماذا لا يعتمد على سماحة الإسلام و عفوه و كرمه؟ و هو يعلم أن الإسلام لا يأخذ البريء بذنب المسيء؟

و لماذا يحتاج إلى تدخل إلهي لإنجائه؟ حتى قال النبي «صلّى اللّه عليه و آله» : ذاك رجل نجاه اللّه بوفائه.

و هل كان «صلّى اللّه عليه و آله» عازما على قتله، مع علمه بوفائه، ثم نجاه اللّه منه؟ !

ثالثا: هل يمكن إفلات أحد من أيدي حراسه دون أن يشعروا به، مع أنهم قدموه ليقتلوه؟ !

فهل هو من نوع الجن أو الملائكة، الذين يمكنهم إخفاء أنفسهم و الانفلات دون أن يشعر بهم أحد، حتى في هذه اللحظات العصيبة و الحساسة، و مع اجتماع الناس لأجل ذلك.

رابعا: إن حديث إفساح محمد بن مسلمة له المجال لينفلت و يذهب إلى المسجد ليبيت فيه، ثم ذهب. . ينافي حديث ربطه مع قومه، و تقديمه للقتل، و لا ندري كيف نفسر هذا التصرف من محمد بن مسلمة، إذ لماذا لا يراجع فيه ابن مسلمة النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، و يستأمره في شأنه بل تصرف من عند نفسه، حتى لا يحرمه اللّه إقالة عثرات الكرام؟

و إذا كان عمرو بن سعدى لم يدخل مع قومه في الغدر، فأي عثرة له يريد محمد بن مسلمة أن يقيلها؟ !

خامسا: ظاهر كلام البعض: أن ابن سعدى قد فر عن قومه، و لم يعلم

أين وقع (1).

و معنى ذلك: أنه لم يؤسر، و لم يوثق، و لم يهرب من رمته، و لا حين تقديمه إلى القتل.

و نتيجة لما تقدم نقول:

إن الشبهة تحوم حول محمد بن مسلمة، الذي كانت له علاقات من نوع ما مع اليهود، و قد روي أن عليا «عليه السّلام» قال لعمار بن ياسر: «ذنبي إلى محمد بن مسلمة: أني قتلت أخاه يوم خيبر، مرحب اليهود» (2).

و لعله كان أخا له من الرضاعة، أو هو أخ له في الدين.

فيظن أنه هو الذي أفسح له المجال للهرب، وفق تفاهم بينهما، لا مجال للتكهن بتفاصيله و أسبابه.

كما أننا نرتاب في ما ينسب إلى النبي «صلّى اللّه عليه و آله» من قول في هذا المجال، و لعل الأقرب هو ما ذكره البعض من أنه «صلّى اللّه عليه و آله» قال: «أفلت بما علم اللّه في نفسه» (3)و اللّه هو العالم بحقيقة الحال.

لا يقرون للعرب بأي امتياز:

و الشيء الذي رأيناه يتكرر من اليهود هو هذه المشاعر العنصرية التي ألحقت الأذى بهم باستمرار، و أهلكتهم أو كادت.


1) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ص 31 و راجع: جوامع السيرة النبوية ص 154.

2) الإمامة و السياسة ج 1 ص 54 و قاموس الرجال ج 8 ص 388 و راجع كتابنا هذا ج 7 ص 24 و 25.

3) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 260 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20.

و قد عمل اليهود أنفسهم على تركيز هذا الإحساس القوي بالعنصر، حتى كأنهم فوق جميع البشر، و ذلك من خلال ما انتهجوه من أساليب خادعة و ماكرة لفرض هيمنتهم الثقافية على العرب، بعد أن فشلوا فشلا ذريعا في صراعهم العسكري معهم.

و هذا في الحقيقة أمر امتحنهم اللّه فيه، أظهر من خلاله ما يخفونه من روح حاقدة و متكبرة، و متغطرسة و شريرة، وَ لاٰ يَحِيقُ اَلْمَكْرُ اَلسَّيِّئُ إِلاّٰ بِأَهْلِهِ (1). وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اَللّٰهُ وَ اَللّٰهُ خَيْرُ اَلْمٰاكِرِينَ (2).

مفاوضة نباش بن قيس مع النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و حين أيقن بنو قريظة بالهلاك، بسبب رمي المسلمين لهم، أنزلوا نباش بن قيس، فكلم رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ساعة، و قال: يا محمد ننزل على ما نزلت عليه بنو النضير، لك الأموال، و الحلقة، و تحقن دماءنا، و نخرج من بلادكم بالنساء و الذراري، و لنا ما حملت الإبل إلا الحلقة، فأبى رسول «صلّى اللّه عليه و آله» .

فقالوا: فتحقن دماءنا، و تسلم لنا النساء و الذرية، و لا حاجة لنا فيما حملت الإبل.

فقال رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» : لا، إلا أن تنزلوا على حكمي.

فرجع نباش إلى أصحابه بمقالة رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» .

فقال كعب بن أسد: يا معشر بني قريظة: و اللّه، إنكم لتعلمون أن محمدا


1) الآية 43 من سورة فاطر.

2) الآية 30 من سورة الأنفال.

نبي اللّه. و ما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب، حيث لم يكن نبيا من بني إسرائيل، فهو حيث جعله اللّه. و لقد كنت كارها لنقض العهد و العقد، و لكن البلاء، و شؤم هذا الجالس (يعني حيي بن أخطب) علينا و على قومه، و قومه كانوا أسوأ منا. لا يستبقي محمد رجلا واحدا إلا من تبعه.

أتذكرون ما قال لكم ابن حواس، حين قدم عليكم، فقال: تركت الخمر و الخمير و التأمير، و جئت إلى السقاء و التمر و الشعير؟ !

قالوا: و ما ذلك؟

قال: يخرج من هذه القرية نبي؛ فإن خرج و أنا حي اتبعته و نصرته، و إن خرج بعدي فإياكم أن تخدعوا عنه، فاتبعوه، و كونوا أنصاره و أولياءه، و قد آمنتم بالكتابين كليهما الأول و الآخر.

قال كعب: فتعالوا؛ فلنتابعه، و لنصدقه، و لنؤمن به، فنأمن على دمائنا، و نسائنا و أموالنا، فنكون بمنزلة من معه.

قالوا: لا نكون تبعا لغيرنا، نحن أهل الكتاب و النبوة، و نكون تبعا لغيرنا؟ !

فجعل كعب يرد عليهم الكلام بالنصيحة لهم.

قالوا: لا نفارق التوراة، و لا ندع ما كنا عليه من أمر موسى.

قال: فهلم فلنقتل أبناءنا و نساءنا، ثم نخرج في أيدينا السيوف إلى محمد و أصحابه، فإن قتلنا، قتلنا و ما وراءنا أمر نهتم به، و إن ظفرنا فلعمري لنتخذن النساء و الأبناء فتضاحك حيي بن أخطب، ثم قال: ما ذنب هؤلاء المساكين؟

و قالت رؤساء اليهود: الزبير بن باطا و ذووه: ما في العيش خير بعد هؤلاء.

قال: فواحدة قد بقيت من الرأي لم يبق غيرها، فإن لم تقبلوها فأنتم بنو استها.

قالوا: و ما هي؟ !

قال: الليلة السبت، و بالحري أن يكون محمد و أصحابه آمنين لنا فيها أن نقاتله، فنخرج، فلعلنا أن نصيب منهم غرة.

قالوا: نفسد سبتنا، و قد عرفت ما أصابنا فيه؟ !

قال حيي: قد دعوتك إلى هذا و قريش و غطفان حضور، فأبيت أن تكسر السبت، فإن أطاعتني اليهود فعلوا.

فصاحت اليهود: لا نكسر السبت.

قال نباش بن قيس: و كيف نصيب منهم غرة، و أنت ترى أن أمرهم كل يوم يشتد. كانوا أول ما يحاصروننا، إنما يقاتلون بالنهار، و يرجعون الليل، فكان هذا لك قولا، لو بيتناهم. فهم الآن يبيتون الليل، و يظلون النهار، فأي غرة نصيب منهم؟ ! هي ملحمة و بلاء كتب علينا.

فاختلفوا، و سقط في أيديهم، و ندموا على ما صنعوا، ورقوا على النساء و الصبيان. و ذلك أن النساء (و الصبيان) لما رأوا ضعف أنفسهم هلكوا، فبكى النساء و الصبيان، فرقّوا عليهم (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 501-503 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 13-15 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 243 و 244 و السيرة الحلبية ج 2 ص 335 و 336 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 14 و 15 و نهاية الأرب ج 17 ص 188 و تاريخ الخميس ج 1 ص 494 و أشار إلى ذلك أو ذكره بتفصيل في المصادر التالية: الإكتفاء ج 2 ص 178 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 15 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 230 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 251 و جوامع السيرة النبوية ص 153 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 246 و 247 و عيون الأثر ج 2 ص 69 و 70 و البداية و النهاية ج 4 ص 120 و إرشاد الساري ج 6 ص 330 و فتح الباري ج 7 ص 318 و المواهب اللدنية ج 1 ص 115 و 116 و وفاء الوفاء ج 1 ص 307 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 257 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 246 و 247 و مجمع البيان ج 8 ص 351 و 352 و البحار ج 20 ص 211 و 234 و راجع: تفسير القمي ج 2 ص 190.

وقفات مع ما تقدم:

و نقول:

تستوقفنا في هذا الحديث عدة أمور، نذكر منها ما يلي:

1-قد تقدم عدم صحة قولهم: إنهم حين أيقنوا بالهلكة أرسلوا نباش بن قيس، فلما رجع إليهم بالفشل، طلبوا أبا لبابة، ثم نزلوا على حكم ابن معاذ.

و الصحيح هو: أنهم بعد عودة نباش بقوا أياما (1)، صدوا خلالها-كما تقدم-حملات بقيادة كبار الصحابة، فجاءهم علي، و نادى يا كتيبة الإيمان، و انتهى الأمر باستسلامهم على يديه، و طلبوا أبا لبابة، ثم نزلوا على حكم سعد بن معاذ، كما تقدم.

2-إن العبارة الأخيرة قد أسندت الأمر إلى القضاء و القدر الذي لا مفر منه، و أنها كما يقول بنو قريظة: «ملحمة و بلاء كتب علينا» و ذلك من منطق اعتقادهم بالجبر الإلهي.

رغم أن القرار في إبعاد هذه الملحمة و البلاء عنهم يعود إليهم، و بإمكانهم تغيير مسار الأحداث لو تصرفوا بحكمة و تعقل و إنصاف، و تركوا الانقياد إلى الهوى، و إلى العصبيات و العنجهيات الفارغة.


1) تفسير القمي ج 2 ص 190 و البحار ج 20 ص 243 عنه: و فيه غزال بن شمول. بدل نباش بن قيس.

3-إن صيغة اقتراح قتل النساء و الذرية تظهر بوضوح حقيقة نظرة اليهود إلى عنصر المرأة، و اعتبارها من شؤون الرجل، و أن لا شخصية و لا كيان لها إلا بمقدار ما تخدم أغراض الرجل و أهواءه، و ما تقدم له من متعة، فليلاحظ قوله: «و إن ظفرنا فلعمري لنتخذن النساء و الأبناء» .

4-إن اليهود الذين هم عبيد الدنيا، إنما يريدون تحقيق انتصارات كبيرة دون أن يكونوا على استعداد لخسارة أي شيء ذي بال، و من دون أن يخوضوا حربا، أو أن يقدموا شيئا من الأموال و النفائس، بل هم يريدون أن يصلوا إلى أهدافهم عن طريق المكر و الخديعة و الاحتيال.

و لأجل هذا كانت مجالات تحركهم حين يواجهون الأزمات الكبيرة التي لا بد فيها من الصدام العسكري محدودة و محصورة و ضيقة إلى درجة كبيرة.

5-لقد ابتلي اليهود بحب الدنيا، فقتلهم حب الدنيا بسيف الدنيا. و هذا هو غاية المهانة و الخيبة، و منتهى الخذلان و الخسران.

6-قد يمكر الإنسان بكل أحد، و يخدع أي إنسان، حتى أقرب الناس إليه؛ و لكنه لم يكن ليخدع نفسه أبدا.

اللهم إلا أن يكون على شاكلة الحطيئة الشاعر، الذي كان مولعا بهجو الناس، فلما لم يجد أحدا يهجوه هجا نفسه، فقال:

أبت شفتاي اليوم إلا تكلمابهجر فما أدري الذي أنا قائله

أرى لي شكلا قبح اللّه وجههفقبح من وجه و قبح حامله

و هذا بالذات هو ما جرى ليهود بني قريظة، فإنهم رغم اعتراف عدد من كبارهم بالحق و تأكيدهم على أن ما جاء به الرسول «صلّى اللّه عليه و آله» هو محض الصدق، و أنه هو النبي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل، و يعرفونه

كما يعرفون أبناءهم، فإنهم أصروا على رفض الاعتراف به، و التسليم و البخوع له.

مع أنهم ما فتئوا يؤكدون على أنهم لم يفارقوا أمر موسى، و لا يريدون مفارقة التوراة، رغم أن نبوة محمد «صلّى اللّه عليه و آله» هي من التوراة، كما أنه ليس في اتباع محمد «صلّى اللّه عليه و آله» ترك للتوراة و لا لموسى، بل هو التزام بهما بنحو أتم و أكمل، و أوفى و أدق و أشمل.

7-لقد امتحن اللّه سبحانه بني إسرائيل في أمر حساس للغاية، حيث واجههم بالأمر الذي هو أساس الداء الوبيل فيهم، حينما بعث نبيا من غيرهم، فثارت فيهم روح التمييز العنصري، و أكل قلوبهم الحسد. و الأنكى من ذلك أنهم كانوا يدركون ذلك و يصرحون به.

ثم يسلمهم اللجاج، و حالة الاستكبار، و الصدود عن الحق إلى الدمار و البوار، و بئس المصير، الذي اختاروه لأنفسهم، و في العذاب هم مشتركون.

خيانة أبي لبابة:

و حين خاف اليهود من مهاجمة علي «عليه السّلام» لهم، كما قدمناه، سألوا النبي «صلّى اللّه عليه و آله» أن يرسل إليهم أبا لبابة؛ ليشاوروه في أمرهم فأرسله إليهم. و قال له: «فأتهم، و قل معروفا» (1).

قالوا: و كان أبو لبابة مناصحا لهم، لأن ماله، و عياله، و ولده كانت في بني قريظة (2).


1) البحار ج 2 ص 267 و تفسير فرات (ط سنة 1410 ه ق.) ص 175.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 495 و السيرة الحلبية ج 2 ص 336 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15.

و اسم أبي لبابة: زيد بن عبد المنذر، و هو من بني قريظة، ابتاعه النبي «صلّى اللّه عليه و آله» و هو مكاتب، فأعتقه (1). فلما طلع عليهم انتحبوا في وجهه يبكون، و قالوا: لا طاقة لنا اليوم بقتال من وراءك (2).

و بما أن نص الواقدي هو أجمع النصوص لخصوصيات ما حدث، فإننا نختاره على ما سواه ملخصا عنه ثم نشير إلى سائر المصادر التي ذكرت النص كله أو بعضه أو اختصرته، فنقول:

لما اشتد الحصار على بني قريظة طلبوا من النبي «صلّى اللّه عليه و آله» أن يرسل إليهم أبا لبابة، فأرسله إليهم (ليلة السبت) .

قال أبو لبابة: فقام كعب بن أسد، فقال: أبا بشير، قد علمت ما صنعنا في أمرك، و أمر قومك يوم الحدائق و بعاث، و كل حرب كنتم فيها. و قد اشتد علينا الحصار و هلكنا، و محمد يأبى أن يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه، فلو زال عنا لحقنا بأرض الشام، أو خيبر، و لم نطأ له حرا أبدا، و لم نكثر عليه جمعا أبدا.

ثم أنحى أبو لبابة و كعب بن أسد باللائمة على حيي بن أخطب، فقال حيي: ملحمة و بلاء كتب علينا.

ثم استشاروا أبا لبابة في النزول على حكم النبي «صلّى اللّه عليه و آله» ، فقال لهم: نعم، فانزلوا. و أشار إلى حلقه، هو الذبح.

ثم ذكر أبو لبابة: أنه ندم، فاسترجع، فقال له كعب: ما لك يا أبا لبابة؟ !


1) أنساب الأشراف ج 1 ص 483.

2) البحار ج 20 ص 267 و تفسير فرات (ط سنة 1410 ه. ق) ص 175.

قال: «فقلت: خنت اللّه و رسوله، فنزلت، و إن لحيتي لمبتلة من الدموع، و الناس ينتظرون رجوعي إليهم» .

ثم ذكر: أنه أخذ من وراء الحصن طريقا إلى المسجد، فارتبط إلى الأسطوانة «المخلقة» و تسمى أسطوانة التوبة.

قال: و بلغ رسول اللّه ذهابي، و ما صنعت.

فقال: دعوه، حتى يحدث اللّه فيه ما يشاء، لو كان جاءني استغفرت له.

قال: فكنت في أمر عظيم خمس عشرة ليلة.

ثم ذكر أنه كان قد رأى قبل ذلك رؤيا، فعبرها له أبو بكر، بقوله: «لتدخلن في أمر تغتم له، ثم يفرج عنك» ، فكنت أذكر قول أبي بكر (رض) و أنا مرتبط، فأرجو أن تنزل توبتي (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 506 و 507 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 16 و 17، و راجع حديث أبي لبابة مختصرا أو مطولا في: تاريخ الخميس ج 1 ص 495 و المواهب اللدنية ج 1 ص 116 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 244 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 256-258 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و جوامع السيرة النبوية ص 153 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 247 و 248 و الوفا ص 695 و الروض الأنف ج 3 ص 282 و وفاء الوفاء ج 2 ص 442-444 و عيون الأثر ج 2 ص 70 و حدائق الأنوار ج 2 ص 595 و البداية و النهاية ج 4 ص 119 و 120 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 185 و الطبقات الكبرى ج 2 ص 74 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 273 و الإكتفاء ج 2 ص 179 و 180 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 247 و 248 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 و 16 و السيرة الحلبية ج 2 ص 336 و 337 و 345 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 17 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 229-233 و 237 و 227 و البحار ج 20 ص 274 و 275 و الثقات ج 1 ص 275 و 276 و مجمع الزوائد ج 6 ص 137 و سيرة مغلطاي ص 56 و 57.

و عن الزهري: كان رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» قد استعمل أبا لبابة على قتالهم، فلما أحدث ما أحدث عزله و استعمل أسيد بن حضير.

و ارتبط أبو لبابة سبعا، و في نص آخر: (عدة ليال) عند الأسطوانة التي عند باب أم سلمة، في حر شديد، لا يأكل فيهن و لا يشرب و قال: لا أزال هكذا حتى أفارق الحياة، أو يتوب اللّه عليّ.

قال: فلم يزل كذلك، حتى ما يسمع الصوت من الجهد. و رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» ينظر إليه بكرة و عشية. ثم تاب اللّه عليه.

و قد نزلت توبته في بيت أم سلمة في السحر. فاستأذنت رسول اللّه أن تؤذنه بذلك فأذن لها.

قالت: فقمت على باب الحجرة، و ذلك قبل أن يضرب الحجاب، فقلت: يا أبا لبابة، أبشر، فقد تاب اللّه عليك، فثار الناس ليطلقوه فأبى إلا أن يطلقه رسول اللّه بيده، فلما خرج رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» إلى الصبح أطلقه.

تقول أم سلمة: رأيت رسول اللّه «صلّى اللّه عليه و آله» يحل عنه رباطه، و أن رسول اللّه ليرفع صوته يكلمه، و يخبره بتوبته، و لا يدري كثيرا مما يقول من الجهد و الضعف.

و يقال: مكث خمس عشرة مربوطا. و كانت ابنته تأتيه بتمرات لفطره، فيلوك منهن و يترك، و يقول: و اللّه، ما أقدر أن أسيغها فرقا ألا تنزل توبتي. و تطلقه عند وقت كل صلاة، فإن كانت له حاجة توضأ، و إلا أعاد الرباط. و كان الرباط حز في ذراعه، و كان من شعر، و كان يداويه بعد ذلك دهرا.

و كان يبين في ذراعه بعد ما برئ (1).

و نقول:

إن لنا مع هذه القضية وقفات:

أولا: يلاحظ تناقض بين الروايات في مقدار المدة التي بقي أبو لبابة مرتبطا فيها.

فقد تقدم أنها خمسة عشر يوما، و رووا ذلك عن أم سلمة (2).

و في نص آخر: بضع عشرة ليلة، حتى ذهب سمعه، فما يكاد يسمع و كاد يذهب بصره و حتى خر مغشيا عليه (3).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 507 و 509 و راجع بعض ما تقدم أو كله في ما يلي: عيون الأثر ج 2 ص 70 و البداية و النهاية ج 4 ص 120 و المواهب اللدنية ج 1 ص 116 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 17 و 18 و تاريخ الخميس ج 1 ص 495 و قاموس الرجال ج 2 ص 210 و 211 و نهاية الأرب ج 17 ص 189 و وفاء الوفاء ج 1 ص 307 و ج 2 ص 442-444 و الإكتفاء ج 2 ص 178 و 179 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 247 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 و 16 و السيرة الحلبية ج 2 ص 337 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 13-16 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 231 و 232 و بحار الأنوار ج 20 ص 275.

2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 508 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 245 و السيرة الحلبية ج 2 ص 345.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 345 و عيون الأثر ج 2 ص 70 و المواهب اللدنية ج 1 ص 116 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 18 و تاريخ الخميس ج 1 ص 495 و قاموس الرجال ج 2 ص 211 عن الإستيعاب و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و سيرة مغلطاي ص 56 و 57 و وفاء الوفاء ج 2 ص 443.

و قيل: سبع عشرة ليلة (1).

و قال ابن إسحاق: خمسا و عشرين ليلة (2).

و تقدم عن الزهري: أنه ارتبط سبعا بين يوم و ليلة (3)حتى خر مغشيا عليه.

و قيل: ارتبط قريبا من عشرين ليلة أو عشرين ليلة (4).

و قيل: ست ليال (5).

ثانيا: لم نعرف السبب في ذهاب سمع أبي لبابة، ثم كاد أن يذهب بصره، فإن ترك الطعام و الشراب، لمدة أسبوع أو أسبوعين، لا يوجب الطرش، و لا العمى، فلماذا يحتاج النبي «صلّى اللّه عليه و آله» إلى أن يرفع صوته ليسمعه؟


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 245.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 17.

3) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 507 و حدائق الأنوار ج 2 ص 596 و بهجة المحافل ج 2 ص 273 و السيرة الحلبية ج 2 ص 345 و وفاء الوفاء ج 2 ص 444.

4) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 229 و 231 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 256 و البداية و النهاية ج 4 ص 119 و 120 عن موسى بن عقبة، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 17 و سيرة مغلطاي ص 56 و 57.

5) راجع: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و جوامع السيرة النبوية ص 154 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 248 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 231 و عيون الأثر ج 2 ص 70 و البداية و النهاية ج 4 ص 120 و المواهب اللدنية ج 1 ص 116 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 17 و تاريخ الخميس ج 1 ص 495 و نهاية الأرب ج 17 ص 190 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 258 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و السيرة الحلبية ج 2 ص 345 و سيرة مغلطاي ص 56 و 57.

كما أننا لا نعرف السبب في أنه غشي عليه، فإن ذلك أيضا ليس من أسباب الإغماء.

ثالثا: قد ذكرت رواية الزهري: أنه ارتبط في حر شديد (1). و كان يوما صائفا (2)لا يأكل و لا يشرب، فتسبب ذلك بذهاب سمعه، و كاد أن يذهب بصره.

و نقول:

قد تقدم في الفصل الأول من غزوة الخندق: قولهم: إن الخندق كانت في أيام شاتية، و برد و قرّ شديد، بدءا من حفر الخندق، و انتهاء برحيل الأحزاب، فراجع، و قريظة بعد الخندق مباشرة.

رابعا: قد تقدم أنهم لما عرفوا من أبي لبابة أن نزولهم على حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يعني الذبح،

قالوا: ننزل على حكم سعد بن معاذ (3).

و ذكر البعض: رواية أخرى عكس هذه، تقول: إنهم قالوا لأبي لبابة: ما ترى؟ أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ !

و ذكر البعض: رواية أخرى عكس هذه، تقول: إنهم قالوا لأبي لبابة: ماترى؟ أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ !

فأومأ أبو لبابة إلى حلقه: أنه الذبح، فلا تفعلوا (4).

خامسا: رواية أبي لبابة للقضية تقول: إنه ارتبط إلى الأسطوانة المخلقة،


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 507 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و السيرة الحلبية ج 2 ص 237.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 501.

3) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و الثقات ج 1 ص 275 و 276.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 336 و عيون الأثر ج 2 ص 71 عن أبي عمر بن عبد البر.

التي يقال لها: أسطوانة التوبة (1).

لكن الواقدي يقول: «و يقال: ليس تلك، إنما ارتبط إلى أسطوانة كانت و جاه المنبر، عند باب أم سلمة، زوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و هذا أثبت القولين» (2)و هو ما ذكرته رواية الزهري، و يفهم أيضا من الرواية المنسوبة إلى أم سلمة (3).

و عن ابن عمر: الأسطوان التي ارتبط إليها أبو لبابة هي الثانية من القبر، و هي الثالثة من الرحبة (4).

و جدير بالملاحظة هنا: أنه يوجد مسجد يقال له مسجد التوبة بالعصبة، منازل بني جحجبا، من بني عمرو بن عوف من الأوس. و العصبة في غربي مسجد قباء، فيها مزارع، و آبار كثيرة (5).

قال السمهودي: «و ما علمت السبب في تسميته بمسجد التوبة» (6).

و نقول:

إننا نرجح: أن يكون أبو لبابة، بعد أن فعل، ما فعل التجأ إلى هذا المسجد بالذات، لأنه يقع في منطقته. و أما ما جرى في مسجد النبي، فهو ارتباط العشرة


1) راجع: وفاء الوفاء ج 2 ص 445.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 507 و السيرة الحلبية ج 2 ص 337 و غير ذلك من مصادر تقدمت.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 507 و 508 و غير ذلك من مصادر تقدمت.

4) وفاء الوفاء ج 2 ص 445.

5) راجع: وفاء الوفاء ج 3 ص 876.

6) وفاء الوفاء ج 3 ص 877.

الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، و أبو لبابة معهم، إذ لا معنى لأن يأتوا إلى منازل بني جحجبا من بني عمرو بن عوف ليرتبطوا في مسجدهم.

سادسا: بالنسبة للآيات نقول:

1-اختلفوا في الآية التي نزلت في مناسبة توبة أبي لبابة، فهل نزل قوله تعالى: وَ آخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صٰالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اَللّٰهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. . ، كما هو الأثبت عند الواقدي، و المقريزي، و الحلبي (1)؟

أم نزل قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ لاٰ يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسٰارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ مِنَ اَلَّذِينَ قٰالُوا آمَنّٰا بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ. . (2)؟

أو نزل قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَخُونُوا اَللّٰهَ وَ اَلرَّسُولَ وَ تَخُونُوا أَمٰانٰاتِكُمْ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (3)؟


1) الآية 102 من سورة التوبة. و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 509 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 248 و 249 و الروض الأنف ج 2 ص 282 و حدائق الأنوار ج 2 ص 596 و البداية و النهاية ج 4 ص 120 و بهجة المحافل ج 1 ص 273 و المواهب اللدنية ج 1 ص 116 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 245 و تاريخ الخميس ج 1 ص 495 و السيرة الحلبية ج 2 ص 336 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 و 16 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 18 و الإكتفاء ج 2 ص 179 و 180 و وفاء الوفاء ج 2 ص 444 و نهاية الأرب ج 17 ص 189 و قاموس الرجال ج 2 ص 210 و 211 عن القمي و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 258 و عن دلائل النبوة للبيهقي.

2) الآية 41 من سورة المائدة. و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 509 و إمتاع الأسماع ص 245.

3) الآية 27 من سورة الأنفال و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 509 و عيون الأثر ج 2 ص 71 عن أبي عمر بن عبد البر، و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 248 و البداية-

أم أن آية لاٰ تَخُونُوا اَللّٰهَ وَ اَلرَّسُولَ نزلت أولا، ثمّ نزلت آية: وَ آخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ حين حصول التوبة (1)؟

2-إن الآيتين الأولى و الثانية هما في سورتي التوبة و المائدة، و هما من أواخر ما نزل من القرآن، و من البعيد جدا أن تبقى هاتان الآيتان معلقتين في الهواء طيلة سنوات عدة، دون أن تجعلا في سورة من السور القرآنية.

3-إن آية سورة التوبة لا تنطبق على قصة أبي لبابة، لأنها تتحدث عن مجموعة من الناس خلطوا عملا صالحا، و آخر سيئا، و ليس عن رجل واحد.

و لو سلمنا: أنه أريد الفرد في سياق الحديث عن جماعة،

فإننا نقول: إن هذه الآية لا تدل على أن اللّه سبحانه قد قبل توبة أبي لبابة. بل أبقت الأمر مؤرجحا بين الخوف و الرجاء. و تحدثت عن إمكانية توبة اللّه عليهم في المستقبل.

و أجاب الحلبي بأن: «الترجي في حقه تعالى أمر محقق» (2).

و نقول: إنه محقق في صورة تحقق التوبة، و هذا الترجي يشير إلى أن توبة

(3) -و النهاية ج 4 ص 120 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 231 و بهجة المحافل ج 1 ص 273 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 245 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 17 و تاريخ الخميس ج 1 ص 495 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 180 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 و السيرة الحلبية ج 2 ص 336 و وفاء الوفاء ج 2 ص 442 و 444.


1) الآية 102 من سورة التوبة. و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 273 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 15 و السيرة الحلبية ج 2 ص 337 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 231 و البداية و النهاية ج 4 ص 120.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 33.

أبي لبابة كانت ظاهرية لا واقع وراءها.

و من جهة أخرى: فإن أبا لبابة لم يخلط بين العمل الصالح و الآخر السيئ، بل ما صدر منه هو محض العمل السيئ، المتمثل بالخيانة، ثم أتبعه بالتظاهر بالتوبة.

4-روي عن ابن عباس من وجوه: أن آية سورة التوبة قد نزلت في أبي لبابة، و نفر معه سبعة، أو ثمانية، أو سبعة سواه، تخلفوا عن غزوة تبوك، ثم ندموا فتابوا، و ربطوا أنفسهم بالسواري الخ. . (1).

5-روي عن ابن عباس، و ابن المسيب: أن آية سورة الأنفال: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَخُونُوا. . قد نزلت في أبي لبابة حين تخلف عن غزوك تبوك (2).

6-إن آية سورة المائدة تثبت الكفر و النفاق لأبي لبابة. مع أن التاريخ لا يحدثنا أنه كان من المنافقين.

إلا أن يقال: إن التاريخ إنما يثبت لنا ظواهر الأشخاص، و لا يمكنه الكشف عن بواطنهم و قلوبهم، فإذا جاء النص القرآني فهو المعيار. إذا ثبت أن هذه الآية قد نزلت في أبي لبابة.

7-إن آية سورة المائدة أيضا لا تنطبق على قصة أبي لبابة، لأنها أيضا قد تحدثت عن جماعة من الناس كانوا يسارعون في الكفر و قضية أبي لبابة هي قضية شخص واحد.

أضف إلى ذلك: أن أبا لبابة-كما تحكي لنا قصته-لم يكن يسارع في


1) عيون الأثر ج 2 ص 71. و راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 273 و المواهب اللدنية ج 1 ص 116 و تاريخ الخميس ج 1 ص 495 و وفاء الوفاء ج 2 ص 444. و فيهم: أنهم كانوا عشرة.

2) راجع: تاريخ الإسلام (المغازي) ص 257 و 258.

الكفر، و إنما هي زلة، تداركها على الفور، و تاب منها. كما أن ما صدر منه- كما تحكيه القصة أيضا-لم يكن لأجل عدم إيمان قلبه بهذا الدين، و إنما أخذته الشفقة عليهم لما رآهم يبكون.

و لا يفوتنا التنبيه إلى أن آية سورة المائدة، إن جاءت لتقرع أبا لبابة قبل توبته، فهي تأبى عن قبول حصول التوبة منه، لأنها تجعله من المنافقين، ثم تقرنه باليهود لعنهم اللّه، مع مزيد من التقريع الحاد و القوي.

سابعا: «ذكر سعيد بن المسيب: أن ارتباطه بسارية التوبة كان بعد تخلفه عن غزوة تبوك، حين أعرض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عنه و هو عليه عاتب بما فعل يوم قريظة، ثم تخلف عن غزوة تبوك في من تخلف» (1).

و بعبارة أخرى: إنه لما أشار إلى حلقه أخبر عنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بذلك و قال له «صلى اللّه عليه و آله» : أحسبت أن اللّه غفل عن يدك حيث تشير إليهم إلى حلقك. فلبث جنبا و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عاتب عليه. ثم لما غزا تبوك كان أبو لبابة فيمن تخلف. فلما قفل «صلى اللّه عليه و آله» جاءه أبو لبابة يسلم عليه، فأعرض عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، ففزع أبو لبابة، و ارتبط بالسارية (2).

فهذا يعني: أن رسول اللّه بقي عاتبا عليه بما فعله يوم بني قريظة، إلى غزوة تبوك، فلو كان أبو لبابة قد تاب و ارتبط إلى سارية المسجد، ثم إن اللّه قبل توبته، و حله رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بيده، فلماذا يبقى عاتبا


1) تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 257.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 337 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 16.

عليه بعد ذلك كل هذه المدة؟ و هل يمكن أن يرضى اللّه عن أبي لبابة، و يبقى الرسول غاضبا عليه؟ !

كما أن رواية البيهقي و السيرة الحلبية تكاد تكون صريحة في أنه لم يتب مما فعله في بني قريظة.

ثامنا: إن نفس ما يذكرونه هنا، من أن أبا لبابة ارتبط في المسجد إلى أسطوانة التوبة، حتى نزلت توبته في الآيات المتقدمة، و لم يرض بفك نفسه إلا أن يتوب اللّه عليه، فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما و لا شرابا، حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب اللّه عليه و جرى ما جرى من حل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» له، إنما كان في غزوة تبوك (1).

تاسعا: قد ذكرت روايات توبة أبي لبابة: أنه كان لا يأكل و لا يشرب، مع أنه قد تقدم أن ابنته كانت تأتيه بالتمرات، فيلوك منهن و يترك.

إلا أن يقال: إن ذلك كان يسيرا، لا يعتد به.

عاشرا: ذكرت الروايات المتقدمة: أنه لم يرجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بل أخذ طريقا إلى المسجد من وراء الحصن، فربط نفسه فيه.

مع أن رواية البيهقي و الحلبي السابقة تقول: إنه عاد إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فطالبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما فعل، و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقي عاتبا عليه إلى غزوة تبوك.


1) عيون الأثر ج 2 ص 70 و 71 و عن أبي عمر و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 495 و وفاء الوفاء ج 2 ص 443 و 444. و السيرة الحلبية ج 2 ص 337 عن البيهقي و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16.

حادي عشر: زعمت الرواية السابقة: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استعمل أبا لبابة على قتال بني قريظة، ثم لما صدر منه ذلك استبدله بابن حضير.

مع أن من البديهي: أن النبي لم يكن يؤمّر أحدا سوى علي إذا كان حاضرا.

إلا أن يكون: هو و ابن حضير من جملة الذين ولاهم قيادة الجيش في بني قريظة فانهزموا، تماما كما جرى في خيبر. و قد تقدم: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد بعث أكابر أصحابه إلى بني قريظة، فنزلوا من حصنهم فهزموا، فبعث عليا بالراية، فاستنزلهم على حكم اللّه و رسوله (1).

أو يقال: إنه كان قد ولاه على بعض الفرق المقاتلة، و كانت القيادة العامة للجيش كله بيد علي «عليه السّلام» .

و نسجل هنا ملاحظة هامة، و هي: السؤال عن سبب تأخير النبي «صلى اللّه عليه و آله» إطلاق سراح أبي لبابة إلى حين صلاة الصبح، رغم أنه لم يكن يبعد عنه سوى بضع خطوات.

ثاني عشر: و زعموا: أن أبا لبابة جاء رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: أنا أهجر دار قومي التي أصبت فيها هذا الذنب، فأخرج من مالي صدقة إلى اللّه و رسوله؟

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : يجزي عنك الثلث.

فأخرج الثلث، و هجر دار قومه، ثم تاب اللّه عليه، فلم يبن في الإسلام منه إلا خير حتى فارق الدنيا (2).


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي الشافعي ج 6 ص 289.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 509 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و السيرة

و نقول:

1-لم نفهم السر في أن يجزيه الثلث إذا تصدق به، فهل عقوبة من يخون اللّه و رسوله هي أن يتصدق بثلث ماله، أو بأزيد من ذلك، لكن الثلث يجزيه؟ !

2-إن ظاهر هذه الرواية: أنه تصدق بثلث ماله و هجر دار قومه، قبل أن يتوب اللّه عليه.

مع أنهم يقولون: إنه لما أذنب اتخذ طريقا من خلف الحصن إلى المسجد، و ربط نفسه فيه، و لم يأت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

3-قولهم: فلم يبن في الإسلام منه إلا خير حتى فارق الدنيا، غير صحيح، فقد تخلف مع من تخلف في غزوة تبوك، و ربط نفسه في المسجد ليتوب اللّه عليه، كما تقدم.

و بعد هذا فلا ندري مدى صدقه في تعهده بهجران مكان خان فيه ربه و نبيه، و كان له بها أموال فتركها (1)، و ما إلى ذلك. إن صح أنه كان قد تعهد بذلك.

بل إننا لا نكاد نصدق: أن يكون أبو لبابة قد تصدق بثلث ماله، فضلا

(2) الحلبية ج 2 ص 346 و راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 273 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 18 و 19 و عيون الأثر ج 2 ص 70 و 71 و تاريخ الخميس ج 1 ص 495 و مسند أحمد ج 3 ص 453 و قاموس الرجال ج 2 ص 211 و وفاء الوفاء ج 2 ص 444 و 443.


1) وفاء الوفاء ج 2 ص 296 و راجع: المصادر في الهامش السابق، و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و الإكتفاء ج 2 ص 179 و جوامع السيرة النبوية ص 153 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 247 و البداية و النهاية ج 4 ص 120 و حدائق الأنوار ج 2 ص 296.

عن أن يتصدق به كله.

و لا نصدق أيضا: أنه كانت له أموال في بني قريظة فتركها. و ذلك لأن لدينا ما يشير إلى اهتمام أبي لبابة بالدنيا إلى درجة أن يرد طلب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في أمر يتيم، من أجل عذق من النخل.

يقول الواقدي ما ملخصه: كان أول شيء عتب فيه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أبي لبابة بن عبد المنذر أنه خاصم يتيما له في عذق، فقضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالعذق لأبي لبابة، فصيّح اليتيم و اشتكى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال «صلى اللّه عليه و آله» لأبي لبابة: هب لي العذق يا أبا لبابة؟ لكي يرده «صلى اللّه عليه و آله» إلى اليتيم، فأبى أن يهبه له «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال «صلى اللّه عليه و آله» لأبي لبابة: أعطه اليتيم، و لك مثله في الجنة.

فأبى أبو لبابة أن يعطيه.

فقال رجل أنصاري اسمه ابن الدحداحة: أرأيت يا رسول اللّه، إن ابتعت هذا العذق، فأعطيته هذا اليتيم، ألي مثله في الجنة؟

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : نعم.

فابتاع ابن الدحداحة العذق من أبي لبابة بحديقة نخل كانت له، فأعطاه اليتيم. فلم يلبث ابن الدحداحة أن قتل في حرب أحد شهيدا فقال «صلى اللّه عليه و آله» : رب عذق مذلل لابن الدحداحة في الجنة (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 505.

ما نثق به من قصة أبي لبابة:

و ربما يكون لقصة أبي لبابة أساس من الصحة، و لكن ليس بالصورة التي يذكرها المؤرخون.

و ذلك بأن يكون قد خان اللّه و رسوله، و ربما تكون توبته قد تأخرت إلى غزوة تبوك، و ربما كانت توبته خوفا من كشف خيانته من جهة جبرئيل، فبادر إلى ما يدفع غائلة الفضيحة، فربط نفسه إلى أسطوانة في المسجد. و ربما، و ربما. .

على أننا نريد أن نذكّر القارئ هنا بقول بعضهم: «ليس جريمة أن يخطئ المرء، و لكن الجريمة أن يتفيأ ظلال خطئه» .

إلى أن قال: «لأن هذا التمادي هو جريمة نفسية قبل أن تكون مادية، و لذلك تاب أبو لبابة الخ. .» (1).

و لكن الظاهر هو: أن أبا لبابة قد تفيأ ظلال خطئه، و ارتكب هذه الجريمة النفسية، حتى خاف الفضيحة، فأظهر التوبة، و ربما يكون إظهاره لها بعد نزول قوله تعالى: وَ لاٰ يَحْزُنْكَ اَلَّذِينَ يُسٰارِعُونَ فِي اَلْكُفْرِ (2)، فيرتكبون جريمة الخيانة مرة بعد أخرى، مع اليهود تارة، و مع المنافقين المتآمرين تارة. و لا ندري إذا كانت ثمة خيانات أخرى لم يستطع التاريخ أن يفصح لنا عنها لسبب أو لآخر.

من سب فاطمة فقد كفر:

قال السهيلي: «روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد، عن علي بن


1) التفسير السياسي للسيرة ص 283.

2) الآية 158 من سورة آل عمران.

الحسين: إن فاطمة أرادت حله حين نزلت توبته، فقال: قد أقسمت ألا يحلني إلا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «إن فاطمة مضغة (بضعة) مني» .

فصلى اللّه عليه و على فاطمة، فهذا حديث يدل على أن من سبها فقد كفر، و أن من صلى عليها فقد صلى على أبيها «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و قال الحلبي: «ظاهر هذا: أنه (رض) كان يبرّ بإطلاق سيدتنا فاطمة (رض) له، فليتأمل» (2).

لكن الأشخر اليمني، اعترض على كلام السهيلي بقوله: «و هذا القول عجيب، و لا يؤخذ من هذا الحديث ما ذكره، فليتأمل» (3).

أما الشامي فناقش في سند الرواية، بقوله: «علي بن زيد هو ابن جدعان، ضعيفان، و علي بن الحسين روايته مرسلة» (4).

و نقول:

إنه إذا كانت الزهراء بضعة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسب بضعة الرسول سب للرسول نفسه، لأن البضعة هي القطعة من الشيء، و سب بعض الشيء سب للشيء نفسه، و لذا حكم السهيلي بكفر من يسب


1) الروض الأنف ج 2 ص 282 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 273 و السيرة الحلبية ج 2 ص 345 و ذكر الحديث أيضا في: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 18 و وفاء الوفاء ج 2 ص 443 إلى قوله: «بضعة مني» .

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 345.

3) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 273.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 8.

فاطمة، لأنه إنما يسب قطعة و بضعة من النبي «صلى اللّه عليه و آله» نفسه.

و أما ما ذكره الشامي: فهو أيضا غير مقبول؛ لأن الإمام السجاد إمام معصوم، و لو تنزلنا عن ذلك فهو إنما يروي عن أبيه عن جده، عن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، كما هو ثابت عنهم «عليهم السلام» ، فتخرج الرواية عن حد الإرسال، لتصل إلى أعلى درجات الاعتبار.

أما بالنسبة: لعلي بن زيد بن جدعان الذي هو من رجال صحيح مسلم (1)فإنما ضعفوه لأنه كان يتشيع.

قال العجلي: كان يتشيع لا بأس به (2).

و قال الجوزجاني: واهي الحديث ضعيف، و فيه ميل عن القصد (3).

و قال أبو حاتم: ليس بقوي، يكتب حديثه، و لا يحتج به، و هو أحب إلي من يزيد بن زياد، و كان ضريرا، و كان يتشيع (4).

و قال يزيد بن زريع: رأيته، و لم أحمل عنه، لأنه كان رافضيا (5).

و قال ابن عدي: لم أر أحدا من البصريين و غيرهم امتنع من الرواية


1) رجال صحيح مسلم لابن منجويه ج 2 ص 56.

2) تهذيب التهذيب ج 8 ص 323 و تهذيب الكمال ج 20 ص 438 و راجع ميزان الإعتدال ج 3 ص 128 و سير أعلام النبلاء ج 5 ص 207.

3) تهذيب التهذيب ج 8 ص 323 و تهذيب الكمال ج 20 ص 438 و 439.

4) تهذيب التهذيب ج 8 ص 328 و تهذيب الكمال ج 20 ص 439 و الجرح و التعديل ج 6 ص 187.

5) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324 و تهذيب الكمال ج 20 ص 441 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 127 و مختصر تاريخ دمشق ج 17 و ص 289.

عنه. و كان يغلو في التشيع. و مع ضعفه يكتب حديثه (1).

و قال في العبر: كان أحد علماء الشيعة (2)و كان من أوعية العلم على تشيع قليل فيه (3).

و قال آخر: و كان علي بن زيد يتشيع، و كان يغلو في التشيع (4).

و قالوا: أنكر ما حدث به حماد بن سلمة عنه، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، رفعه: إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه، أو فارجموه (5).

و مع ذلك كله: و مع تضعيفهم له، لأجل ما نسبوه إليه من تشيع قليل! ! أو كثير! على ما يظهر، نجد آخرين منهم يوثقونه.

فقد قال يعقوب بن شيبة: ثقة صالح الحديث الخ. . (6).

و قال الترمذي: صدوق، إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره (7).

و قال أبو سلمة: كان وهيب يضعف علي بن زيد.

قال أبو سلمة: فذكرت ذلك لحماد بن سلمة، فقال: و من أين كان يقدر


1) تهذيب التهذيب ج 8 ص 323 و تهذيب الكمال ج 20 ص 439.

2) شذرات الذهب ج 1 ص 176.

3) سير أعلام النبلاء ج 5 ص 207.

4) مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 289.

5) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324.

6) تهذيب التهذيب ج 8 ص 323 و تهذيب الكمال ج 29 ص 438.

7) تهذيب التهذيب ج 8 ص 323 و تهذيب الكمال ج 20 ص 439 و صحيح الترمذي ج 5 ص 46 ح 2678 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 129 و سير أعلام النبلاء ج 5 ص 207 و مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 288.

وهيب على مجالسة علي، إنما كان يجالس علي وجوه الناس؟ ! (1).

و قال ابن الجنيد: قلت لابن معين: علي بن زيد اختلط؟

قال: ما اختلط قط (2).

و اعتبره الجريري من فقهاء البصرة، هو و قتادة و أشعث الحداني (3).

و قال الذهبي: حسن الحديث صاحب غرائب (4).

و قال الساجي: كان من أهل الصدق، و يحتمل لرواية الجلة عنه الخ. . (5).

و قال ابن العماد: كان أحد أوعية العلم (6).

و قال الذهبي أيضا: أحد علماء التابعين (7)، و قال: كان من أوعية العلم (8).


1) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324 و تهذيب الكمال ج 20 ص 442 و الجرح و التعديل ج 6 ص 186 و ميزان الإعتدال ج 3 ص 289.

2) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324 و تهذيب الكمال ج 20 ص 440 و مختصر تاريخ دمشق ج 17 ص 289.

3) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324 و تهذيب الكمال ج 20 ص 443 و ميزان الاعتدال ج 3 ص 127 و سير أعلام النبلاء ج 5 ص 207.

4) ديوان الضعفاء و المتروكين ص 283.

5) تهذيب التهذيب ج 8 ص 324.

6) شذرات الذهب ج 1 ص 176.

7) ميزان الإعتدال ج 3 ص 127.

8) سير أعلام النبلاء ج 5 ص 207.

الفصل الرابع: حكم اللّه من فوق سبعة أرقعة

اشارة

نتائج الحرب، و الأسرى:

و بعد أن جهدهم الحصار، و استنزلهم أمير المؤمنين «عليه السّلام» على حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، أمر «صلى اللّه عليه و آله» -كما يقول المؤرخون-بأسراهم، فكتفوا رباطا، و جعل على كتافهم محمد بن مسلمة، و نحّوا ناحية، و جعلوا النساء و الذرية ناحية، و كانوا ألفا، و جعل عليهم عبد اللّه بن سلام (1).

ثم رجع «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة، «يوم الخميس لتسع (لسبع) ليال-كما ذكر محمد بن عمر، و ابن سعد، و جزم إبن الدمياطي-و قيل: لخمس-كما جزم به في الإشارة-خلون من ذي الحجة» .

و عبارة البعض: فرغ منهم يوم الخميس لسبع أو لخمس خلون الخ. . (2).


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 509 و 510 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 19 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ص 32 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 245 و عيون الأثر ج 2 ص 73 و 74 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 75 و السيرة الحلبية ج 2 ص 339 و 338 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و 17 و الوفا ص 695.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 22 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497 و نهاية

و حين رجع «صلى اللّه عليه و آله» إلى المدينة حبس بني قريظة في بعض دور الأنصار و هي دار بنت الحارث بن كرز بن حبيب بن عبد شمس (1).

و اسمها نسيبة (2)، أو زينب (3)، أو قلابة (4)أو كبشة بنت كريز (5)، أو كيسة (6). و لعل كيسة تصحيف كبشة، أو العكس، أو رملة (7).

(2) الأرب ص 192 و المواهب اللدنية ج 1 ص 117 و سيرة مغلطاي ص 57 و الجامع للقيرواني ص 280 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 247.


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 251 و راجع: كشف الغمة ج 1 ص 208 و 209 و عيون الأثر ج 2 ص 73 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 186 و البداية و النهاية ج 4 ص 124 و بهجة المحافل ج 1 ص 274 و المغازي للواقدي ج 2 ص 512 و 513 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497 و نهاية الأرب ج 17 ص 192 و وفاء الوفاء ج 1 ص 307 و 308 و الإكتفاء ج 2 ص 182 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 261 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 250 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و السيرة الحلبية ج 2 ص 240 و الإرشاد للمفيد ص 64 و 65 و البحار ج 20 ص 262 و 263 و مناقب آل أبي طالب ج 1 ص 252 و عمدة القاري ج 17 ص 192 و فتح الباري ج 7 ص 319.

2) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 238 و البداية و النهاية ج 4 ص 124.

3) قالوا: إنها كانت تحت مسيلمة الكذاب، ثم خلف عليها عبد اللّه بن عامر بن كريز. دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 22 و 23.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 497.

5) بهجة المحافل ج 1 ص 274.

6) إمتاع الأسماع ج 1 ص 247.

7) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 22.

و في بعض النصوص: حبسهم في دار أسامة بن زيد (1).

و جمع البعض بينهما فقال: أمر «صلى اللّه عليه و آله» بالسبي فسيقوا إلى دار أسامة بن زيد، و النساء و الذرية إلى دار ابنة الحارث (2).

و كان «صلى اللّه عليه و آله» كان قد أمر بهم فكتّفوا (3). «ثم أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» حتى ذهبوا برجال بني قريظة إلى المدينة مقرنين في الأصفاد، حتى يرى ضعفاء الإسلام قوة الدين، و عزة ملة سيد المرسلين» (4).

و يقول نص آخر: أمر «صلى اللّه عليه و آله» بأسلحتهم فجعلت في بيت (في بعض المصادر: في قبته) و أمر بهم فكتفوا الخ. . (5).

و لعل الصحيح: (في بيت) ، و ذلك لقول الواقدي: «و أمر «صلى اللّه عليه


1) راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 138 عن الطبراني. و راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 20 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 259 و السيرة الحلبية ج 2 ص 338 و مجمع البيان ج 2 ص 352 و البحار ج 20 ص 211 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 19 و عمدة القاري ج 17 ص 192 و فتح الباري ج 7 ص 319.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 و 513 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 247 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 22 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و عمدة القاري ج 17 ص 192 و فتح الباري ج 7 ص 319 و السيرة الحلبية ج 2 ص 340 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 497.

3) راجع الهامش ما قبل السابق.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 497.

5) مجمع الزوائد ج 6 ص 138 عن الطبراني و راجع: تاريخ الإسلام (المغازي) ص 259 و السيرة الحلبية ج 2 ص 338 و مجمع البيان ج 2 ص 352 و البحار ج 20 ص 211 و دلائل النبوة ج 4 ص 19.

و آله» بالسلاح و الأثاث، و المتاع و الثياب، فحمل إلى دار بنت الحارث، و أمر بالإبل و الغنم، فتركت هناك ترعى في الشجر» (1).

اليهود و التوراة:

قال الواقدي: «و جعلوا ليلتهم يدرسون التوراة، و أمر بعضهم بعضا بالثبات على دينه، و لزوم التوراة» (2).

و نكاد نطمئن إلى أن التجاءهم للتوراة لم يكن بالنسبة لعلمائهم و زعمائهم إلا محاولة لخداع السذج منهم بها، لأنهم كانوا يعرفون هذا النبي كما يعرفون أبناءهم، و يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة، و ما زالوا يتوعدون به عرب الحجاز إلى أن بعث «صلى اللّه عليه و آله» .

معاملة أسرى قريظة:

و كان «صلى اللّه عليه و آله» يقول: «أسقوهم العذب، و أطعموهم الطيب، و أحسنوا إسارهم» (3).

و قال: أحسنوا إسارهم، و قيّلوهم، و اسقوهم حتى يبردوا، فتقتلوا من بقي، لا تجمعوا عليهم حر الشمس، و حر السلاح» (4).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 و 513 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 22 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 247.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 و 513.

3) البحار ج 20 ص 238 و تفسير القمي ج 2 ص 192.

4) المغازي ج 2 ص 514 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 24 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 248.

و قد قال «صلى اللّه عليه و آله» هذا بعد حكم سعد بن معاذ بقتل من حزّب عليه منهم. «و أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأحمال التمر، فنثرت عليهم، فباتوا يكدمونها كدم الحمر» (1).

حكم ابن معاذ في بني قريظة في النصوص التاريخية:

قال الواقدي و غيره ما ملخصه:

إنهم حين جاؤوا بالأسرى، تنحى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فجلس، و دنت الأوس إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و طلبوا منه أن يهب لهم حلفاءهم من بني قريظة، كما وهب لابن أبي ثلاث مئة حاسر، و أربع مئة دارع من بني قينقاع.

و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ساكت لا يتكلم، حتى أكثروا عليه و ألحوا، و نطقت الأوس كلها.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم؟ ! قالوا: بلى!

قال: فذلك إلى سعد بن معاذ.

و كان سعد في خيمة رفيدة، أو كعيبة بنت سعد بن عتبة، في المسجد. و كانت كعيبة تداوي الجرحى، و تلم الشعث، و تقوم على الضائع، و الذي لا أحد له.

فجاءت الأوس إلى سعد، فحملوه على حمار، و طلبوا منه أن يحسن في مواليه، كما صنع ابن أبي في حلفائه.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 و 513 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 247 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 22 و 23.

و الضحاك بن خليفة يقول: يا أبا عمرو، مواليك! مواليك! قد منعوك في المواطن كلها، و اختاروك على من سواك، و رجوا عياذك، و لهم جمال و عدد.

و قال سلمة بن سلام بن وقش: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك و حلفائك. إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يحب البقية. نصروك يوم البعاث و الحدائق و المواطن، و لا تكن شرا من ابن أبي. و سعد لا يتكلم.

فلما أكثروا عليه، قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في اللّه لومة لائم.

فقال الضحاك بن خليفة: وا قوماه.

و قال معتب بن قشير: وا سوء صباحاه.

و قال حاطب بن أمية الظفري: ذهب قومي آخر الدهر.

فلما أقبل سعد إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الناس جلوس حوله، قال «صلى اللّه عليه و آله» : قوموا إلى سيدكم.

فكان رجال من بني عبد الأشهل يقولون: فقمنا على أرجلنا صفين، يحييه كل رجل منا حتى انتهى إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و طلبت الأوس الذين بقوا عند رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : من سعد أن يحسن في بني قريظة، و يذكر بلاءهم عنده. و قالوا له: إنما ولاك لتحسن فيهم.

ثم قال سعد: عليكم عهد اللّه و ميثاقه: أن الحكم فيكم ما حكمت؟ قالوا: نعم.

فقال سعد للناحية الأخرى، التي فيها رسول اللّه، و هو معرض عنها، إجلالا لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : و على من هاهنا مثل ذلك؟ !

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من معه: نعم.

قال سعد: فإني أحكم فيهم: أن يقتل من جرت عليه الموسى، و تسبى النساء و الذرية، و تقسم الأموال.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لقد حكمت بحكم اللّه عز و جل من فوق سبعة أرقعة، أو بحكم الملك.

و كان سعد قد سأل اللّه في الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول اللّه: أن يقر عينه من بني قريظة، فأقر اللّه عينه منهم (1).


1) راجع النص المتقدم في: المغازي للواقدي ج 2 ص 510-512 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 246. و تجد هذه النصوص إجمالا أو تفصيلا في المصادر التالية: عيون الأثر ج 2 ص 72 و 73 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 19-21 و السيرة الحلبية ج 2 ص 339 و 338 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و 17 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 249 و 259 و وفاء الوفاء ج 1 ص 307 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 75- 77 و نهاية الأرب ج 17 ص 190 و 191 و الإكتفاء ج 2 ص 181 و 182 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 259 و 260 و 266 و الجامع للقيرواني ص 280 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و 163 و الوفا ص 695 و حدائق الأنوار ج 2 ص 597. و تاريخ الخميس ج 1 ص 496 و 497 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 274 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 186. و سيرة مغلطاي ص 57 و المواهب اللدنية ج 1 ص 117 و التنبيه و الإشراف ص 217 و مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 251 و 252 و مجمع الزوائد ج 6 ص 137-139 و البداية و النهاية ج 4 ص 121 و 122 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 250 و 251 و 249 و جوامع السيرة النبوية ص 154 و 155 و الثقات ج 1 ص 277 و 276 و تفسير القمي ج 2 ص 190 و البحار ج 20 ص 234 و 235 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 18-22 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 233 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 و إعلام الوري ص 93 و 94. و راجع في قوله «صلى اللّه عليه و آله» : قوموا إلى سيدكم بالإضافة إلى ما تقدم: البداية و النهاية، و السيرة النبوية لابن كثير، و الحلبية، و تاريخ الخميس، و جوامع السيرة النبوية، و السيرة النبوية لدحلان، و راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 10 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 31 و صحيح البخاري ج 3 ص 23 و ج 2 ص 200 و ج 4 كتاب الاستئذان، باب قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : قوموا إلى سيدكم، و شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 93 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 172.

و ذكروا أيضا: أن سعدا قد حكم بأن تكون الديار للمهاجرين دون الأنصار.

قال: فقالت الأنصار: إخواننا، كنا معهم! !

فقال: إني أحببت أن يستغنوا عنكم (1).

و في مجمع البيان: قال للأنصار: إنكم ذوو عقار، و ليس للمهاجرين عقار. فكبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قال لسعد الخ. . (2).

و يذكر البعض: أن بني قريظة أبوا أن ينزلوا على حكم النبي، و نزلوا على حكم سعد فأقبلوا بهم، و سعد أسيرا (لعل الصحيح: يسير) على أتان حتى انتهوا إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخذت قريظة تذكره بحلفهم، و طفق سعد بن معاذ ينفلت إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مستأمرا، ينتظره فيما يريد أن يحكم به، فيجيب به رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) راجع: عيون الأثر ج 2 ص 72 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497 و السيرة الحلبية ج 2 ص 339 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 78 و فتح الباري ج 7 ص 319 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 21 و وفاء الوفاء ج 308 و راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 و لم يذكر اعتراض الأنصار. و البحار ج 20 ص 212 و مجمع البيان ج 8 ص 352.

2) مجمع البيان ج 8 ص 352 و بحار الأنوار ج 20 ص 212.

و آله» يريد أن يقول: أتقر بما أنا حاكم؟ !

و طفق رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: نعم.

قال سعد: فإني أحكم الخ. . . (1).

و يبدو أن سعدا قد أبى أولا أن يحكم فيهم، لأنه يعلم أنه لا يحق له ذلك مع وجود النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

ففي حديث جابر، عن ابن عائذ: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: احكم فيهم يا سعد.

قال: اللّه و رسوله أحق بالحكم.

قال: قد أمرك اللّه تعالى أن تحكم فيهم (2).

و عند البعض: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أرسل لسعد بعد نزول بني قريظة على حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتي به محمولا على حمار، و هو مضنى من جرحه فقال له: أشر علي في هؤلاء.

فقال: إني أعلم أن اللّه قد أمّرك فيهم بأمر أنت فاعله.

قال: أجل، و لكن أشر علي فيهم.

فقال: لو وليت أمرهم لقتلت مقاتلتهم، و سبيت ذراريهم، و قسمت أموالهم.


1) المصنف للصنعاني ج 5 ص 370 و 371 و دلائل النبوة لأبي نعيم ص 438. و ليس فيه: أنهم أبوا النزول على حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

2) فتح الباري 7 ص 317 و المواهب اللدنية ج 1 ص 117 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 21 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497 و السيرة الحلبية ج 2 ص 339 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17.

فقال: و الذي نفسي بيده، لقد أشرت فيهم بالذي أمرني اللّه به (1).

و نقول: إننا هنا نسجل الأمور التالية:

بماذا حكم سعد؟ !

و نحن و إن كنا نجد المؤرخين يذكرون: أن سعدا قد حكم بقتل الرجال، و سبي من عداهم، إلا أننا نشك في شمولية ذلك للجميع، لا سيما و نحن نجد ابن الجوزي يقول: «فحكم فيهم: أن يقتل كل من حزّب عليه، و تغنم المواشي الخ. .» (2).

و يؤيد ذلك قوله تعالى: . . فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً (3). و سيأتي حين الكلام حول عدد المقتولين منهم، بعض ما يفيد في توضيح هذا الأمر، إن شاء اللّه تعالى.

و بذلك يتضح: أنه يشك كثيرا في صحة ما يذكرونه، من أنهم كانوا يتأكدون من بلوغ البالغ منهم بالنظر إلى مؤتزره، فإن كان قد أنبت قتل و إلا ترك.

إلا أن يقال: إن ذلك لا ينافي قول ابن الجوزي الآنف الذكر، لأن ذلك قد كان منهم بالنسبة إلى خصوص من حزّب على المسلمين.

لم يكن الحكم في المسجد:

يفهم من كلام البخاري و غيره: أن حكم سعد بن معاذ إنما كان في


1) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 266.

2) الوفا ص 695.

3) الآية 26 من سورة الأحزاب.

مسجد النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث قال: فلما دنا من المسجد قال للأنصار: قوموا إلى سيدكم، و خيركم.

فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك.

قال: تقتل مقاتلتهم، و تسبي ذراريهم.

قال: قضيت بحكم اللّه، و ربما قال: بحكم الملك (1).

و نقول:

إننا نسجل على هذا النص:

أولا: إننا نجد الآخرين بعد ذكرهم حكم سعد، و قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» له تلك العبارة، يقولون: «ثم رجع إلى المدينة» (2).

و هذا يعني: أن حكم سعد فيهم كان خارج المدينة و لعله كان في المسجد المعروف بمسجد بني قريظة.

ثانيا: إن خيمة رفيدة التي كان سعد يداوى فيها إنما كانت في المسجد النبوي نفسه، كما تقدم في النص السابق لقضية تحكيم سعد.

إذن. . فما معنى أن يؤتى بسعد على حمار، و طأوا له عليه بوسادة إلى آخر ما تقدم؟

ثالثا: لماذا خصص قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : قوموا إلى سيدكم و خيركم بالأنصار؟ ! مع أن الأنصار يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد


1) صحيح البخاري ج 3 ص 23 و ج 2 ص 200 و راجع: صحيح مسلم ج 5 ص 160 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 258 و 259.

2) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 163 و غير ذلك من مصادر.

عم بهذه الكلمة! ! إلا أن يكون قد صعب على هؤلاء أن يكون سعد خيرا منهم، أو سيدا لهم بما فيهم بعض الصحابة الذين يحبونهم، و يتولونهم.

من المقترح لتحكيم ابن معاذ؟ !

قد ذكرت النصوص المتقدمة و غيرها: أن اليهود هم الذين اقترحوا تحكيم سعد بن معاذ (1)و أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لسعد: هؤلاء نزلوا على حكمك (2).

و في نص آخر: نزلوا على حكم سعد بن معاذ (3)و أبوا أن ينزلوا على حكم النبي «صلى اللّه عليه و آله» فنزلوا على داء (4).

لكن نصوصا أخرى تفيد: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي حكّم سعدا فيهم، و أن هذا كان قرارا مباشرا منه «صلى اللّه عليه و آله» .

و قد تقدم في النص المذكور آنفا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال للأوس: أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم؟

قالوا: بلى.

قال: فذلك إلى سعد بن معاذ.


1) راجع النص السابق، و الهوامش المذكورة لبيان مصادره.

2) صحيح البخاري ج 3 ص 23 و ج 2 ص 200 و صحيح مسلم ج 5 ص 160 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 258 و 259.

3) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 122 و 127 و فتح الباري ج 7 ص 318 و نهاية الأرب ج 17 ص 192 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52.

4) المصنف للصنعاني ج 5 ص 370 و 371.

و معنى هذا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان هو المبادر لتحكيم سعد. .

و يدل على ذلك أيضا: ما رواه مسلم، قال: فقاتلهم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . فنزلوا على حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فرد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الحكم فيهم إلى سعد بن معاذ.

قال: فإني أحكم فيهم أن الخ. . (1).

و يقول نص آخر: فحصرهم حتى نزلوا على حكمه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و نرجح: أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قبل منهم أن يختاروا من أصحابه من شاؤوا فاختاروا سعد بن معاذ سيد الأوس. فقبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ذلك منهم (3).

و كان سبب امتناعهم عن قبول حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله»


1) صحيح مسلم ج 5 ص 161 و مجمع الزوائد ج 6 ص 139 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244 و 235. و راجع: مسند أبي عوانة ج 4 ص 167 و 169 و 171 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 26 و البداية و النهاية ج 4 ص 122 و فتح الباري ج 7 ص 318 و 319 و أنساب الأشراف ج 1 ص 347.

2) أنساب الأشراف ج 1 ص 347 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و راجع: تاريخ الإسلام (المغازي) ص 266 و الوفا ص 695 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 19.

3) راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و السيرة الحلبية ج 2 ص 338. و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 19 و 22 و مجمع الزوائد ج 6 ص 138 عن الطبراني، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 20 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 259 و مجمع البيان ج 2 ص 352 و البحار ج 20 ص 211.

هو مشورة أبي لبابة (1)كما تقدم.

فجاء التعبير تارة بنزولهم على حكم رسول اللّه و أخرى على حكم سعد، لأنهم إنما نزلوا على حكم سعد برضى من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و أما خطاب النبي «صلى اللّه عليه و آله» للأوس، فلعله كان قبل أن يعرفوا بنتيجة المفاوضة مع بني قريظة.

قوموا إلى سيدكم:

و قد ذكر النص المتقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: قوموا إلى سيدكم. و زاد في بعض المصادر (2)قوله: «فأنزلوه» .

قال ابن الديبع: فقام المهاجرون (3).

لكن غيره يقول: «أما المهاجرون من قريش فيقولون: إنما أراد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأنصار، و الأنصار يقولون: قد عم بها المسلمين» (4).


1) فتح الباري ج 7 ص 318 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 246 و البداية و النهاية ج 4 ص 124 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 124 و مجمع الزوائد ج 6 ص 138 و سبل الهدى ج 5 ص 20 عن أحمد و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 249 و السيرة الحلبية ج 2 ص 338 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 237.

3) حدائق الأنوار ج 2 ص 597.

4) راجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 162 و 163 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 249-251. و تاريخ الخميس ج 1 ص 496 و 497 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 20 و 21 و الإكتفاء ج 2 ص 182 و نهاية الأرب ج 17 ص 191 و المواهب اللدنية ج 1 ص 116 و 117 و حدائق الأنوار ج 2 ص 597 و البداية و النهاية ج 4-

و هذا النص يعطينا صورة عن رفض مهاجري قريش و إبائهم عن أن يكون هذا الرجل الأنصاري العظيم له امتياز عليهم. و لا أقل من أنه يشير إلى حالة من الاستعلاء الخفي عن أن يكون للأنصار ما يعتزون به في مقابل المهاجرين.

كما أن أولئك الذين يريدون تعزيز موقف بعض المهاجرين الذين يمثلون لهم رموزا دينية أو غيرها قد ادعوا ما هو أبعد من ذلك، فقالوا: إنما أمّر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الأنصار بل خصوص الأوس بذلك (1).

و نرى أن الأنصار كانوا في هذه القضية بالذات أكثر إنصافا، و أقرب إلى الحق فيما يرتبط بفهم مداليل الكلام و مراميه، أو هكذا يخيل لنا الآن.

لا سيما إذا عرفنا أن مهاجري قريش بالذات، دون غيرهم من سائر المهاجرين، هم الذين يهتمون أكثر من غيرهم برفض هذا الأمر.

الأمر الذي يعطينا: أنهم يشعرون أنه يعنيهم أكثر من غيرهم.

كما أن هذا: قد يشير إلى أن غيرهم لا يشاركهم الرأي فيما يرتبط بفهم المدلول الحقيقي لأمر الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .

على أننا نريد أن نلفت النظر هنا: إلى التضحيات الجسام، التي قدمها الأنصار للمهاجرين. بل و حتى في هذه الغزوة بالذات، فإن سعد بن معاذ الشهيد نفسه قد حكم بأن تكون دور بني قريظة للمهاجرين دون الأنصار.

(4) ص 121 و 122. و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 338 و 339 و راجع بهجة المحافل ج 1 ص 274 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 233.


1) راجع: فتح الباري ج 11 ص 43 و راجع: هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160.

هذا. . و لا نجد مبررا لرفض المهاجرين سيادة سعد بن معاذ عليهم سوى الحسد، و الإحساس بالتفوق و التميز عن الآخرين على أساس غير إسلامي، و لا إنساني مقبول، لأن المهاجرين يعتبرون أنفسهم عدنانيين، و أهل يثرب قحطانيون، و كان معظم المهاجرين من قريش، و هم سدنة للكعبة، و من أهل مكة، و هم أيضا قوم و عشيرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و بذلك يتضح السبب: في رفضهم قبول أي امتياز لزعيم الأنصار عليهم. و هو منطق مرفوض من وجهة نظر إسلامية و إنسانية و إيمانية و كانت كلمات النبي واضحة الشمول لهم فإننا لم نجد في خطابه «صلى اللّه عليه و آله» ما يبرر هذا الاختلاف.

فقد خاطب الحاضرين عنده، و الجالسين معه بخطاب واحد عام، ليس فيه أية دلالة على التخصيص بفريق دون فريق. إذ لو وجدت هذه الدلالة لم يكن ثمة اختلاف، أو تردد في المقصود.

و هذا يعني: أن مبررات هذا الاختلاف خارجة عن دلالة اللفظ، و هي محض اجتهاد تمليه أجواء معينة لدى هذا الفريق أو ذاك.

ملاحظة: إن سيادة سعد هذه لا تشمل أولئك الذين أخبر اللّه و رسوله عن مقامهم و سيادتهم و وجوب طاعتهم على الناس كلهم، مثل علي «عليه السلام» . فإن خروجهم عن دائرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مفروغ عنه و معروف للناس الذين حضروا و سمعوا.

محاولة تملص و تخلص فاشلة:

و قد حاول البعض: أن يجد في نفس الكلام قرينة أو دلالة يقوي بها رأي

المهاجرين، فقال: «قوموا: الخطاب للأنصار، و قيل: للحاضرين منهم و من المهاجرين، إلى سيدكم: هذا يقوي القول الأول، لأنه كان سيد الأنصار» (1).

و لكنها محاولة فاشلة: فإنها لو صحت، فإن المناسب حينئذ أن يكون الخطاب لخصوص الأوس، لأنه سيدهم دون الخزرج أيضا.

و قد قلنا: إن نفس الاختلاف في المراد يشير إلى أنه حين تكلم «صلى اللّه عليه و آله» بهذه الكلمة لم يكن يمكن استفادة التخصيص من أية إشارة أو لفتة منه.

و لو كان ثمة اختلاف في الفهم في تلك اللحظة لاستفهموا منه «صلى اللّه عليه و آله» . و لو أن أحدا تخلف عن القيام، و سكت النبي «صلى اللّه عليه و آله» عنه، لاحتج المتخلف بسكوته «صلى اللّه عليه و آله» عنه.

القيام للإعانة:

و من الغريب حقا: أن نجد البعض يحاول أن يقف إلى جانب مهاجري قريش، و يقوي من حجتهم بطريقة تبدو و كأنها علمية منصفة، مع أنها أبعد ما تكون عن الإنصاف.

يقول:

«هذا القيام ليس للتعظيم، لما صح عن النبي عليه الصلاة و السلام قال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضا، بل كان على سبيل الإعانة على النزول لكونه وجعا. و لو كان المراد منه قيام التوقير لقال:


1) هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160.

قوموا لسيدكم» (1).

و هو استدلال لا يصح: لأن المراد من قوله: «قوموا إلى سيدكم» هو القيام لأجل تلقيه، إكراما له و إجلالا.

و هذا هو مراد الشيخ أبي حامد بقوله: القيام مكروه على سبيل الإعظام، لا على سبيل الإكرام، و في لفظ سيدكم إشعار لتكريمه (2).

و قال الطيبي: «لا يلزم من كونه ليس للتعظيم أن لا يكون للإكرام، و ما اعتل به من الفرق بين إلى و اللام ضعيف، لأن إلى في هذا المقام أفخم من اللام، كأنه قيل: قوموا و امشوا إليه، تلقيا و إكراما.

و هذا مأخوذ من ترتيب الحكم على الوصف المناسب، المشعر بالعلية، فإن قوله: «سيدكم» علة للقيام. و ذلك لكونه شريفا، عالي القدر» (3). و هو كلام جيد و مقبول.

و قد حاول البعض أن يرد على مزعمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أمرهم بالقيام لسعد من أجل أن يعينوه على النزول، بأنه لو كان هذا القيام للإعانة لأمر بقيام واحد أو اثنين (4).


1) راجع: هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160 و راجع: فتح الباري ج 11 ص 44 و عمدة القاري ج 22 ص 252 و إرشاد الساري ج 9 ص 153 و أشار إلى ذلك في البداية و النهاية ج 4 ص 127 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244.

2) هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160 و راجع: فتح الباري ج 11 ص 41 و 44.

3) فتح الباري ج 11 ص 44 و عمدة القاري ج 22 ص 252 و إرشاد الساري ج 9 ص 153.

4) هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160 و راجع: فتح الباري ج 11 ص 41 و 46.

و لكنه رد غير مقبول: إذ يمكن أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد خاطبهم بصيغة الجمع: «قوموا» و أراد قيام واحد، أو اثنين، فإن ذلك جائز في الاستعمال.

فأنزلوه:

و قد أضافت بعض المصادر المتقدمة كلمة: «فأنزلوه» (1)إلى قوله: «قوموا إلى سيدكم» . و هي و إن كان ظاهرها: أن القيام للإعانة على النزول، لكن العلماء حيث لم يلتفتوا إلى هذه الزيادة، و لا احتجوا بها، فإننا نفهم من ذلك: أنهم اعتبروها دخيلة على النص و مقحمة فيه.

هذا بالإضافة إلى: أن هذه الكلمة لو صحت، فلا معنى للاختلاف بين المهاجرين و الأنصار في من توجه إليهم الخطاب حسبما تقدم.

التزوير الخفي:

و في محاولة للتزوير الذكي و الخفي، بهدف إفراغ هذه الكلمة الجليلة في حق سعد من محتواها التكريمي، و ليفقد امتيازه بها على من يحبون و يودون، ادّعوا: أن القيام لسعد، إنما كان «توقيرا له بحضرة المحكوم عليهم، ليكون أبلغ في نفوذ حكمه» (2).


1) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 124 و مجمع الزوائد ج 6 ص 138 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 20 عن أحمد، و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 249 و السيرة الحلبية ج 2 ص 338 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 237.

2) السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244 و البداية و النهاية ج 4 ص 127.

فاقرأ و اعجب، فما عشت أراك الدهر عجبا، إذ لو صح ذلك لم يكن بحاجة إلى إعطائه و سام السيادة عليهم.

هل هو تعليم أم اعتراض أم حسد؟ !

في مسند أحمد من حديث عائشة: فلما طلع-يعني سعد-قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : قوموا إلى سيدكم فأنزلوه.

فقال عمر: السيد اللّه.

أو قال: سيدنا اللّه (1).

قال العيني: معناه هو الذي تحق له السيادة، كأنه كره أن يحمد في وجهه، و أحب التواضع (2).

و نقول:

لا ندري كيف نفسر هذا الموقف من الخليفة الثاني، فهل هو اعتراض على رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تخطئة له، لكونه قد فعل خلاف الأولى، حين مدح ذلك الرجل في وجهه؟ و هل كان عمر أتقى للّه سبحانه، و أكثر مراعاة لأصول التربية الإلهية للناس؟ !

أم هو اعتراض على إثباته «صلى اللّه عليه و آله» السيادة لغير اللّه،


1) عمدة القاري ج 17 ص 191 و مسند أحمد ج 6 ص 142 و فتح الباري ج 7 ص 317 و مجمع الزوائد ج 6 ص 138 و البداية و النهاية ج 4 ص 124 و السيرة الحلبية ج 2 ص 338 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 237 و قال: هذا الحديث إسناده جيد، و له شواهد من وجوه كثيرة.

2) عمدة القاري ج 17 ص 191.

فيكون «صلى اللّه عليه و آله» قد ارتكب خطأ عقائديا صححه له الخليفة الثاني، على سبيل الإرشاد و التعليم؟ !

أما أنه حسد سعدا على هذه الكرامة التي أكرمه اللّه تعالى بها، فأظهر ذلك بطريقة غير مباشرة. و نفى عن سعد هذا الوسام بذكاء و دهاء؟ !

إننا نعترف بعجزنا عن معرفة حقيقة القضية، و واقع الأمر.

الخوارج و مشروعية التحكيم:

قال الإمام الحسن «عليه السلام» حين خاض الناس في أمر الحكمين، بعد صفين: «و إنما الحكومة فرض اللّه، و قد حكّم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سعدا في بني قريظة، فحكم فيهم بحكم اللّه لا شك فيه، فنفذ رسول اللّه حكمه، و لو خالف ذلك لم يجزه» (1).

فالإمام الحسن «عليه السّلام» قد ركز على أمرين:

أحدهما: مشروعية التحكيم، و لكن لا من باب أن الأصل هو الجواز فيما لم يرد فيه نص، بل من باب النص على المشروعية، و صدور الحكم الإلهي بذلك فالحكومة-كما قال «عليه السّلام» -فرض اللّه.

الثاني: إن تنفيذ الحكم الصادر منوط بأن لا يخالف حكم اللّه عز و جل، فالتحكيم ما هو إلا امتداد للحكم الإلهي، و من مظاهر و مراحل تنفيذه، و ليس في قبال الحكم الإلهي، كما يدعيه الخوارج.

قال النووي: «فيه جواز التحكيم في أمور المسلمين في أمورهم العظام.


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 3 ص 223.

و قد أجمع العلماء عليه، و لم يخالف فيه إلا الخوارج؛ فإنهم أنكروا على علي التحكيم، و أقام الحجة عليهم.

و فيه جواز مصالحة أهل قرية أو حصن على حكم حاكم مسلم عدل، صالح للحكم، أمين على هذا الأمر. و عليه الحكم بما فيه مصلحة للمسلمين. و إذا حكم بشيء لزم حكمه و لا يجوز للإمام و لا لهم الرجوع عنه، و لهم الرجوع قبل الحكم» (1).

قضية التحكيم في الشعر:

و مهما يكن من أمر: فقد تحدث الشعراء عن هذا التحكيم، و عن مشروعيته، و نتائجه، فقال القاضي التنوخي في جواب ابن المعتز:

و عبت عليا في الحكومة بينهو بين ابن حرب في الطغام الأشايب

و قد حكم المبعوث يوم قريظةو لا عيب في فعل الرسول لعايب (2)

و قال السيد الحميري:

قال الجوار من الكريم بمنزليجري لديه كنسبة المتنسب

فقضى بما رضي الإله لهم بهبالحرب و القتل الملح المخرب

قتل الكهول و كل أمرد منهمو سبى عقائل بدنا كالربرب

و قضى عقارهم لكل مهاجردون الألى نصروا و لم يتهيب (3)


1) شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 92.

2) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 330.

3) ديوان السيد الحميري ص 110 و مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 252.

الأحكام المستخرجة:

و يقولون: إن تحكيم سعد بن معاذ يشير إلى الأمور التالية:

1-يدل على أن التعظيم بالقيام جائز لمن يستحق الإكرام، كالعلماء و الصلحاء (1)

قال النووي: «احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام. قال القاضي: و ليس هذا من القيام المنهي عنه، و إنما ذلك في من يقومون عليه و هو جالس، و يمثلون قياما طول جلوسه.

قلت: القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، و قد جاء فيه أحاديث، و لم يصح في النهي عنه شيء صريح. و قد جمعت كل ذلك مع كلام العلماء في جزء، و أجبت فيه عما توهم النهي عنه» (2).

2-و في هذه القضية أيضا: جواز تحكيم الأفضل ممن هو مفضول (3).

3-و جواز الاجتهاد مقابل النص، قالوا: «و فيها جواز الاجتهاد في زمن النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و هي خلافية في أصول الفقه. و المختار الجواز، سواء كان بحضور النبي «صلى اللّه عليه و آله» أم لا.

و إنما استبعد المانع وقوع الاعتماد على الظن مع إمكان القطع. و لا يضر ذلك، لأنه بالتقرير يصير قطعيا. و قد ثبت وقوع ذلك بحضرته «صلى اللّه


1) هامش صحيح مسلم ج 5 ص 160 و راجع: فتح الباري ج 11 ص 41 و 46 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 93 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 274.

2) شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 93 و فتح الباري ج 11 ص 41 و 46.

3) المواهب اللدنية ج 1 ص 117 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497.

عليه و آله» ، كما في هذه القصة الخ. .» (1).

و نقول: هذا الكلام لا يصح.

أولا: لأن حكم ناقضي العهد، و المحاربين، الذين لهم حالة بني قريظة ليس ظنيا، بل هو قطعي، يعرفه كل أحد. و كان سعد يعرفه، كما كان معتب بن قشير، و حاطب بن أمية، و الضحاك بن خليفة يعرفونه.

و لأجل ذلك: نجد هؤلاء الثلاثة قد صرحوا: بأن نهاية بني قريظة هي القتل بمجرد أن قال لهم سعد: إنه سوف يحكم فيهم بحكم اللّه، و لن تأخذه في اللّه لومة لائم.

فالحكم الشرعي في هذه المسألة كان معروفا لدى الجميع، و ليس من قبيل الاجتهاد الظني، كما يزعم هؤلاء.

ثانيا: لو سلمنا أن هذه المسألة إجتهادية، فالإجتهاد إنما هو في تحديد موضوع الحكم المعلوم. لا في استنباط الحكم نفسه، فهو من قبيل حكم السرقة المعلوم لكل أحد. لكن القاضي يبحث عن كون هذا السارق مستجمعا لشرائط قطع اليد في السرقة، التي هي عشرة شرائط، أم ليس مستجمعا لها.

مبررات الأوس لطلب العفو:

و من يراجع المبررات التي استند إليها الأوس الذين طلبوا الرفق ببني قريظة، يجدها ترتكز على أمور أنشأتها الروح القبلية، و صنعتها و غذتها


1) المواهب اللدنية ج 1 ص 117 و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 497 إلى قوله: أم لا.

مفاهيم الجاهلية، و تعاملت بها و على أساسها.

فهم يبررون طلبهم ذاك بالحلف الذي كان بين الأوس و قريظة ضد الآخرين، و هو حلف لا يأبى الظلم و التعدي، و يهدف إلى تسجيل النصر في كل من ظروف الدفاع و التعدي على حد سواء، و لا يبتعد عن أجواء العنجهية و الابتزاز، و الدعوة الجاهلية.

مع أن الأوس أنفسهم قد رأوا بأم أعينهم كيف نقض بنو قريظة عقدهم و عهدهم مع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . و كان ذلك في مواجهة سعد بن معاذ الأوسي نفسه قبل أيام. مع ما رافق ذلك من إهانات لسعد سيدهم، و للنبي، و للمسلمين. كما تقدم توضيحه في غزوة الخندق.

و الغريب في الأمور: أنهم اعتبروا ندم قريظة على ما فرط منهم من نقض العهد كافيا لاستحقاقهم الإحسان إليهم. .

مع أن هذا الندم لم يأت من خلال قناعات نشأت عندهم بقبح ما فعلوه، بل هو ندم نشأ عن خوف البوار و الدمار، و حين رأوا البأس.

أما حين كان ثمة أمل لديهم بأن تدور الدائرة على النبي و المسلمين، و ذلك حين كان الأحزاب يحاصرونهم، فلم نجد لدى بني قريظة هذا الندم، و لا لاحظنا أي تردد منهم في أمر إبادة المسلمين، و استئصال شأفتهم، و خضد شوكتهم.

تكريس المنطق القبلى مرفوض:

أما بالنسبة لقول الأوس-و المقصود هو بعضهم-لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، عن بني قريظة: يا رسول اللّه، حلفاؤنا دون الخزرج، فهو

يعطينا: أن قبول النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذا المنطق منهم معناه: الإقرار منه «صلى اللّه عليه و آله» بالتعامل على أساس المنطق القبلي، و تكريس حالة الانقسام فيما بين الحيين: الأوس، و الخزرج، الذين لم يزل النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعمل على إزالة الحساسيات من بينهم، بل و صهرهم في بوتقة واحدة هي الإسلام. ثم إن ذلك معناه الفصل بين قضايا الدين، و قضية القبيلة و الفئة.

فالاستجابة لهم على أساس قبول منطق الأوس السابق يعتبر هدما لما بناه، و تخليا عن الأسس التي لم يزل ينطلق منها لبناء المجتمع الإسلامي الناشئ.

و إذا كان سعد قد اعتبر المعترضين على حكمه مجموعة من المنافقين، فكيف يمكن أن نتوقع من النبي أن يوافقهم على ما يريدون، و يحقق لهم ما يشتهون؟

و قد أشار البعض أيضا: إلى هذه النقطة بالذات، فقال: «يبدو أن الأوس الذين طلبوا التسامح مع بني قريظة اعتبروها غير وفية لمحمد، و ليس للأوس.

و هذا يعني: أن أنصار الشفقة كانوا يعتبرون أنفسهم قبل كل شيء أفراد الأوس و ليس أفراد الأمة الإسلامية» .

إلى أن قال: «لقد أدرك رجل بعيد النظر كسعد: أن السماح للعصبية القبلية بالتغلب على الولاء للإسلام يؤدي للعودة إلى الحروب الأخوية التي كانت تأمل المدينة بالتخلص منها بمجيء محمد» (1).


1) محمد في المدينة ص 328.

حراجة الموقف و الحكمة النبوية:

و من الأمور التي تؤيد سعدا في اتهامه للمعارضين لحكمه-بأنهم لا خير فيهم حتى و لو كانوا من الأوس-: أن هؤلاء الناس قد اتخذوا ابن أبي أمثولة لهم، و اعتبروا أن الحكم على بني قريظة بما يسوءهم لا يعدو أن يكون عملا شريرا و سيئا.

و من الواضح: أن هذا يشير إلى أن المعارضين للحكم كانوا عددا يسيرا معلوم الحال، لا يوجب اتهامهم بذلك أي خلل في كيان الأوس، و لا في تماسكهم، و لا يحط من قدر الأوسيين، و لا يذهب شرف جهادهم و كفاحهم من أجل هذا الدين.

و قد كان يمكن لنشاط هؤلاء القلة القليلة أن يكون مؤثرا في إثارة جو من التشكيك و البلبلة لولا حكمة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في معالجة الموقف، حيث إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أحرجهم، و تخلص من إلحاحهم، و أبعد شبح الخلاف و الاختلاف، و أفقدهم إمكانية التأثير على السذج و البسطاء حين جعل الحكم إلى رجل أوسي، و بالذات إلى سعد بن معاذ، الرجل الحكيم و الفذ، و السيد المطاع فيهم.

و قد أكد «صلى اللّه عليه و آله» على سيادة سعد، و على موقعه و مكانته حين قال لهم: قوموا إلى سيدكم.

هل كذبوا؟ أم فهموا خطأ؟ !

و يلفت نظرنا هنا قولهم لسعد: إن رسول اللّه قد ولاك أمر مواليك لتحسن فيهم. . مع أن النبي لم يوله أمرهم لذلك، و إنما ليحكم فيهم بالحق.

قومهم و عشيرتهم:

و يستوقفنا أيضا قول حاطب بن أمية، حين أحس من سعد: أنه ينوي أن يحكم فيهم بحكم اللّه: ذهب قومي آخر الدهر.

و صاح الضحاك: وا قوماه.

فهم إذن يعتبرون هؤلاء اليهود قومهم و عشيرتهم.

و لعل ابن معاذ قد قصد هؤلاء بالذات، حين قال عن الكارهين قتل بني قريظة: ما كرهه من الأوس من فيه خير.

لو كان الكلام أكثر دقة:

و يقول البعض: «لما رأى بنو قريظة جيش المسلمين خارت قواهم و أيقنوا بالهلاك فتبرموا مما ارتكبوه من الغدر، و سألوا الرسول العفو، فأبى ذلك عليهم، و شدد الحصار عليهم خمسة و عشرين يوما حتى نزلوا على حكمه، و سألوا حلفاءهم الأوس أن يتوسطوا في إطلاقهم الخ. .» (1).

و نقول:

قوله: إنهم سألوا الرسول العفو، غير دقيق، إذ إنهم قد أبوا في البداية أن ينزلوا على حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الأمر الذي يشير إلى تشكيكهم في عدالة حكمه و نزاهته. ثم إنه ليس للغادر المحارب أن يشترط لاستسلامه أي شرط كان. إلا أن باستطاعته أن يلتمس العفو و تخفيف العقوبة. أو يقدم المبررات لخيانته و لحربه، إن كان يرى أنها تكفي للإقناع.


1) تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 120.

إذن. . فلم يسألوا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» العفو، فأبى ذلك عليهم، كما يدّعي هذا الكاتب.

و من جهة ثانية: فإن قوله أخيرا: إنهم نزلوا على حكمه «صلى اللّه عليه و آله» ليس دقيقا، بل نزلوا على حكم سعد بن معاذ، و رفضوا النزول على حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الأمر الذي يستبطن إعلانا بعدم الثقة بحكمه بالعدل و الحق.

فلو أن هذا الكاتب كان أكثر دقة لسلم كلامه من مغبة الإيحاء بأن الرسول إنسان قاس، لا يعفو عن طالب العفو منه، بل يصر على أن يقتله، و يسبي النساء و الأطفال و يصادر الأموال.

عدالة الحكم على بني قريظة:

و يبقى هنا سؤال: أليس هذا الحكم في حق بني قريظة قد جاء قاسيا و قويا إلى درجة ملفتة؟ !

ألم يكن من المناسب أن يستفيد بنو قريظة من عفو الإسلام و صفح النبي الكريم، كما استفاد إخوانهم بنو النضير، و بنو قينقاع من قبل؛ فيكتفي بإجلائهم، و تقسيم أموالهم و أراضيهم؟ !

و قد طلبوا هم أنفسهم أن يعاملهم «صلى اللّه عليه و آله» بنفس ما عامل به بني النضير من قبل، فرفض طلبهم، و أصر أن ينزلوا على حكمه.

لقد «انتقد بعض الكتاب الأوروبيين هذا الحكم و وصفوه بأنه وحشي،

و غير إنساني» (1).

و نحن في مقام التوضيح نلمح إلى الأمور التالية:

أولا: إن بني قريظة أنفسهم قد رفضوا النزول على حكم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و قبلوا بالنزول على حكم حليفهم سيد الأوس، سعد بن معاذ، الأمر الذي يشير إلى أنهم كانوا يسيئون الظن فيما يرتبط بحكم رسول اللّه عليهم، و لا يثقون به.

أو فقل: لا يعتمدون على كرمه و حلمه و سماحته، و إمكانية صفحه عنهم، رغم أننا لا نستبعد صفحه «صلى اللّه عليه و آله» لو أنهم قبلوا بالنزول على حكمه.

و يرون أن سعد بن معاذ و هو من الأوس-حلفائهم في الجاهلية-أقرب إلى أن يعاملهم بالصفح و العفو و الكرم. و ذلك حسب منطقهم الجاهلي، الجاهل بحقيقة الإسلام، و بما أحدثه في عقلية الناس و نفوسهم من تغيرات.

ثانيا: إن جريمة بني قريظة تختلف في حجمها و في خطورتها على الإسلام و المسلمين و لا تقاس بجريمة بني النضير و قينقاع.

فقد تحرك بنو قريظة في خط الخيانة، و توغلوا فيها إلى درجة أصبح معها أساس الإسلام في خطر أكيد، و شديد، لا سيما و أن ما بنوا عليه كل مواقفهم هو استئصال شأفة الإسلام و إبادة الوجود الإسلامي بصورة تامة و حاسمة. و لم يكن بنو النضير و لا بنو قينقاع قد توغلوا في أمر الخيانة إلى هذا الحد.

مع الإشارة إلى: أن هدف بني قريظة كان في مستوى الحسابات العملية


1) محمد في المدينة ص 327.

التي اعتمدوا عليها قريب المنال، و قد خطوا خطوات عملية لإنجاز هذا المهم، و للوصول إلى ذلك الهدف، حتى على مستوى التحرك العسكري، الذي يستهدف تمكين الأحزاب و هم معهم من اجتياح الوجود الإسلامي، و سحقه، و إبادة المسلمين، خصوصا النبي و بني هاشم.

أما نقض بني النضير للعهد، فقد بقي في حدود الإصرار على إظهار التمرد، و الغطرسة، و الطغيان. فلا يمكن أن تتساوى عقوبة بني قريظة مع عقوبة بني النضير، و قد طلب القريظيون أن يعاملهم كبني النضير، فرفض إلا أن ينزلوا على حكمه.

ثالثا: لا ريب في أن سكوت النبي على الغطرسة اليهودية، ثم القبول بترميم العلاقات مع اليهود و لو جزئيا، لا يبقي مصداقية للعهود و المواثيق، لما يتركه نقضها من سلبيات خطيرة في هذا المجال، حيث يضعف تأثيرها في ضبط الأمور، و حفظ الكيان العام، و سيزيد من الاعتماد على القوة المسلحة في حسم الأمور على مستوى العلاقات فيما بين القوى المتجاورة، و تقل فرص التعايش السلمي بين الفئات المختلفة في داخل الدولة الواحدة، و حتى على مستوى العلاقات بين الدول و القوى المختلفة.

أضف إلى ذلك: أن التساهل في مواجهة الأعمال الخيانية، التي بهذا الحجم، لسوف يسهّل على الآخرين خيانات قد تكون أشد خطرا، و أعظم أثرا في التدمير، على قاعدة: إن كان ثمة نجاح فهو غاية المنى، و إن فشلت المحاولة، فلن تكون النتيجة في غاية السوء، و إن كانت سيئة إلى حد ما، لكنها تسمح بانتظار فرص أكبر، و حظ أوفر.

رابعا: إن حكم سعد بن معاذ قد جاء وفق ما يحكم به اليهود أنفسهم

على الآخرين، في حالات هي أدنى من حيث المبررات الموضوعية من الحالة التي توغل فيها بنو قريظة.

فاليهود هم الذين كتبوا في توراتهم المحرفة عن المدينة التي يدخلونها عنوة: «و إذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف. و أما النساء، و الأطفال و البهائم و كل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغتنمها لنفسك. و تأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك» (1).

و ثمة نصوص أخرى: أكثر عنفا و قسوة في هذا المجال فراجع هذا الكتاب (2)فإنها تأمر بإحراق المدينة بكل ما فيها مع بهائمها، و قتل جميع سكانها بحد السيف، ثم إحراق المدينة بالنار فتكون تلا إلى الأبد (3).

خامسا: ما الذي يضمن أن لا يعود بنو قريظة إلى نقض العهد، و تسديد الضربة القاصمة و القاضية، حين تسنح لهم الفرصة لذلك.

فإن ظروفا طارئة خارجة عن حدود اختيارهم أوجبت فشلهم في تنفيذ خطتهم الجريئة، و ذلك بسبب الخندق، ثم ضربة علي «عليه السّلام» القاصمة لقيادة جيش الشرك، ثم التدخل الإلهي، بإرسال الريح و الجنود.

بالإضافة إلى الخلافات التي نشأت بينهم و بين الأحزاب، ثم ارتحال الأحزاب و غير ذلك من أمور تقدمت.

و لولا ذلك لتحققت أهدافهم الشريرة، و كان الإسلام و المسلمون في خبر كان.


1) سفر التثنية، الإصحاح العشرون، الفقرة رقم 13 و 14.

2) الجزء الرابع ص 317 الطبعة الرابعة، و في الجزء الخامس ص 208 من هذه الطبعة.

3) و راجع أيضا سفر العدد. الإصلاح 31 الفقرة 7-10 و 13-16.

و لو كان «صلى اللّه عليه و آله» تركهم، ثم عادوا إلى الخيانة، فإن استئصالهم و الحالة هذه قد يكون أصعب، بل قد يصبح متعذرا، بعد أن تلقى الناس صفحه عنهم في المرة الأولى بالقبول.

و قد يفهم الكثيرون: أنه قد جاء عن استحقاق منهم للعفو، و أنه لا يحق له أن يتخذ في حقهم أي إجراء آخر.

و الذي لا بد من الوقوف عنده هنا، هو حكم سعد بن معاذ فيهم، الذي جاء موافقا للحكم الشرعي الإلهي، و منسجما معه، و ذلك هو حكم العقل و الفطرة، و الضمير الحي، و الوجدان الرضي. و قد ارتضوا هم أنفسهم بحكم سعد مسبقا، بل هم الذين اختاروه للحكم.

سادسا: قال الدكتور إسرائيل و لفنسون: «و أما المنافقون فقد خفت صوتهم بعد يوم قريظة، و لم نعد نسمع لهم أعمالا و أقوالا تناقض إرادة النبي و أصحابه، كما يفهم ذلك من قبل» (1).

و بعد. . فهذه هي جريمة القيادات المنحرفة التي تدمر كل شيء، و لا تشكر النعمة الإلهية على حد قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اَللّٰهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دٰارَ اَلْبَوٰارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهٰا وَ بِئْسَ اَلْقَرٰارُ (2).

عهد قريظة مع الأوس و عهدهم مع النبي صلّى اللّه عليه و آله:

و الغريب في الأمر: أن نجد بني قريظة يلجأون إلى سعد بن معاذ نفسه لينقذهم من ورطتهم، و ذلك استنادا إلى الحلف الذي كان بينهم و بين


1) السيرة النبوية للندوي ص 300 عن: اليهود في بلاد العرب ص 155.

2) الآيتان 28 و 29 من سورة إبراهيم.

الأوس. مع أنهم هم أنفسهم قد نقضوا حلفهم مع محمد «صلى اللّه عليه و آله» و أعلنوا بذلك صراحة لسعد بن معاذ نفسه، و قالوا له: أكلت (كذا) (1)أبيك. فهذا النقض للحلف، الذي جرهم لهذا المصير الأسود، قد كان سعد الطرف الرئيس فيه، و قد حاول معالجته لصالحهم، فلم يفلح، و أظهروا من الخبث ما جعله يعرفهم على حقيقتهم، و يطمئن لما هم فيه من سوء نية، و خبث طوية. و ها هم اليوم يطالبون سعدا بترميم ما نقضوه من عهد استنادا إلى عهد آخر.

لكن الفرق بين العهدين كالنار على المنار، و كالشمس في رابعة النهار، و كان سعد مدركا لذلك بلا ريب، فإن عهدهم مع الأوس قد فرضته ظروفهم الجاهلية، التي لا تتبنى العدل و قضايا الإنسان و الإنسانية أساسا لما تبرمه من عهود أو تقوم به من تحالفات.

أما عهدهم مع النبي و المسلمين، فقد فرضته قضية الإنسان، و ضرورات الحياة الكريمة، و الفاضلة، و الحرص على إنسانية الإنسان، و بهدف إسعاده، و إبعاد الشرور و الآفات عنه.

تحكيم ابن معاذ لطف إلهي:

و لا ننسى هنا: أن تحكيم سعد بن معاذ بالذات له دلالته الهامة، فإن ذلك من التوفيقات و الألطاف الإلهية بالمسلمين، و ذلك من أكثر من جهة.

1-فمن جهة كان سعد رئيس الأوس-بل كان سيد الأوس


1) كلمة فاحشة يقبح التصريح بها، تراجع في المصادر.

و غيرهم، كما أشار إليه النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقوله للصحابة: قوموا إلى سيدكم.

و نود أن نمعن النظر جيدا في تأكيد النبي على سيادة سعد هنا، ثم أمره الصحابة بأن يقوموا لسيدهم.

و إذا حكم الرئيس، فإن الجميع يرى حكمه ملزما و نافذا، و يراه صادرا وفق مصلحة مرؤوسيه، و من خلال حسابات دقيقة، و عن إشراف تام على مختلف الحيثيات التي ينبغي ملاحظتها في حكم خطير كهذا. فليس ثمة أية رعونة في اتخاذ القرار، و لا يعاني القرار من جهل في الحيثيات الموضوعية و الاجتماعية و السياسية التي لا بد من أخذها بنظر الاعتبار في إصدار أي حكم.

2-و من جهة ثانية: فإن هذا الحكم من سعد كما أنه أحرق كل خيوط الأمل لبني قريظة، فإنه أيضا قد أحرق قلوبهم، لأنه جاء من أولئك الذين يرون أنهم يهتمون بالحفاظ على حياتهم أكثر من الآخرين.

و إذ بهم يهتمون بالقضاء عليهم و يصرون على ذلك فيحكمون عليهم بالموت، ثم يشاركون-عملا-في تنفيذ ذلك الحكم الصادر.

فأي فجيعة لهم، أكثر من تلك الفجيعة، التي زادها ألما و ضرما، ما يرونه من رسوخ الدعوة المحمدية، و علو نجمها، و اشتداد شوكتها، و اتساع نفوذها يوما بعد يوم، بل و ساعة بعد ساعة.

قبول النبي صلّى اللّه عليه و آله بتحكيم سعد بن معاذ:

و أما فيما يرتبط بقبول النبي «صلى اللّه عليه و آله» بتحكيم سعد بن معاذ فقد تجلت فيه مرونة و انعطاف جديران بأن يبطلا كل المبررات التي

قد يستفيد منها أولئك الأوسيون المتعاطفون مع حلفائهم، لإثارة أجواء مسمومة حول صوابية القرار النبوي في حق بني قريظة، أو تصويره على أنه قاس، أو مجحف، أو ما إلى ذلك. ثم هو يسقط الذرائع التي كانوا يتذرعون بها لممارسة ضغوط على النبي «صلى اللّه عليه و آله» لمنعه من تنفيذ حكم اللّه فيهم.

ثم هو قد ألجم بني قريظة أنفسهم، و وضع حدا لمحاولاتهم تأليب الرأي العام ضد القرار النبوي، و الاستفادة من سذاجة بعض المسلمين، و من سوء سريرة البعض الآخر منهم، خصوصا أولئك الذين اتهمهم ابن معاذ بعدم الإخلاص في نواياهم، و حتى في دينهم.

الفصل الخامس: القتلى و الشهداء

اشارة

حكم سعد بن معاذ في طريقه إلى التنفيذ:

و قد تقدم قولهم: إن سعدا حكم على بني قريظة بقتل الرجال، و سبي النساء، و غنيمة الأموال.

لكن الظاهر أنه حكم عليهم: «أن يقتل كل من حزّب عليه، و تغنم المواشي، و تسبى النساء و الذراري، و تقسم الأموال.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لقد حكمت فيهم بحكم اللّه من فوق سبعة أرقعة» (1).

فكلمة حزّب عليه، أصبحت بعد تصحيفها و إضافة كلمة واحدة إليها للتوضيح هكذا: جرت عليه الموسى (2).

و يؤيد: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قتل من حزّب عليه ما سيأتي من الاختلاف الفاحش في عدد المقتولين.

و يصرح ابن شهرآشوب: أن عدد بني قريظة كان سبع مئة، لكن المقتولين منهم كانوا أربع مئة و خمسين (3).


1) الوفا ص 695.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 21.

3) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 252.

و هو المناسب أيضا لقوله تعالى: فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً (1).

بداية النهاية:

قال القمي: أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بأخدود، فحفرت بالبقيع (2).

و قال آخرون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» حفر لهم خنادق في سوق المدينة، فضرب أعناقهم فيها (3).

و قالت بعض المصادر: «قتلوا عند دار أبي جهل (جهم) بالبلاط، و لم


1) الآية 26 من سورة الأحزاب.

2) تفسير القمي ج 2 ص 191 و البحار ج 20 ص 236.

3) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 251 و 252 و راجع: كشف الغمة ج 1 ص 208 و 209 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 186 و ج 4 ص 124 و عيون الأثر ج 2 ص 73 و الإرشاد للمفيد ص 64 و 65 و البحار ج 20 ص 262 و 263 و مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 252 و البداية و النهاية ج 4 ص 124 و بهجة المحافل ج 1 ص 274 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497 و نهاية الأرب ج 17 ص 192 و وفاء الوفاء ج 1 ص 307 و 308 و الإكتفاء ج 2 ص 182 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 261 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 17 و السيرة الحلبية ج 2 ص 240 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 22 و 23 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 247 و راجع عن ضرب أعناقهم في الخنادق: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 163 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ص 32.

تكن يومئذ بلاط، فزعموا: أن دماءهم بلغت أحجار الزيت بالسوق» (1).

و عند الواقدي: «فأمر بخدود فخدت في السوق، ما بين موضع دار أبي جهم العدوي إلى أحجار الزيت بالسوق» (2).

و جلس «صلى اللّه عليه و آله» و معه علية أصحابه، و دعا برجال بني قريظة، فكانوا يخرجون رسلا، رسلا، تضرب أعناقهم.

ثم يذكرون كيف أنهم كان يلوم بعضهم بعضا.

و كان اللذين يليان قتلهم علي و الزبير (3).

و في بعض المصادر: أنهم كانوا يخرجونهم أرسالا. و حسب نص اليعقوبي: عشرة عشرة، و يلي قتلهم علي و الزبير، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس هناك (4).

و في نص آخر: «تمادى القتل فيهم إلى الليل. فقتلوا على شعل السعف» (5).

قال محمد بن كعب القرظي: قتلوا إلى أن غاب الشفق، ثم رد عليهم


1) دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 260.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 و 513 سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 22.

3) راجع المصادر في الهوامش السابقة.

4) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 و نهاية الأرب ج 17 ص 193 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 275. و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 و تاريخ الخميس ج 1 ص 498 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 254 و السيرة الحلبية ج 2 ص 240 و المغازي للواقدي ج 2 ص 513 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 22.

5) راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 249 و السيرة الحلبية ج 2 ص 340 و المغازي للواقدي ج 2 ص 517.

التراب في الخندق (1).

و «عند قتلهم صاحت نساؤهم، و شقت جيوبها، و نشرت شعورها، و ضربت خدودها و ملأت المدينة بالنوح و العويل» (2).

و نقول:

إننا نشير هنا إلى الأمور التالية:

1-قولهم: إنهم كانوا يخرجونهم أرسالا، أو عشرة عشرة، يقابله قول البعض: «فلما أمسى أمر بإخراج رجل رجل، فكان يضرب عنقه» (3).

و لا بد من ملاحظة التناقض بين قولهم: تمادى القتل فيهم إلى الليل، فقتلوا على شعل السعف، أو إلى أن غاب الشفق. و بين قولهم: فلما أمسى أمر بإخراجهم رجلا رجلا ليضرب أعناقهم.

ثم ملاحظة التناقض بين قولهم: إنهم قتلوا و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جالس، و معه أصحابه، و بين ما سيأتي من أن النبي قد حضر قتل أربعة منهم فقط.

2-و عن ذكر الزبير إلى جانب علي «عليه السّلام» ، و أن هذا كان يقتل عشرة، و ذاك عشرة.

نقول: إنه موضع شك و ريب، و ذلك لما يلي:

أ: يقول نص آخر: «و خرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى موضع


1) راجع: المصادر الثلاثة المتقدمة في الهامش السابق.

2) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 249 و السيرة الحلبية ج 2 ص 340.

3) تفسير القمي ج 2 ص 191 و البحار ج 20 ص 236.

السوق اليوم، و حضر معه المسلمون، و أمر أن يخرجوا و تقدم إلى أمير المؤمنين «عليه السّلام» بضرب أعناقهم في الخندق، فأخرجوا أرسالا» (1).

ب: تذكر رواية أخرى، أنه لما قتل حيي بن أخطب، و نباش بن قيس، و غزال بن سموأل، و كعب بن أسد، قام «صلى اللّه عليه و آله» و قال لسعد بن معاذ: عليك بمن بقي، فكان يخرجهم رسلا رسلا يقتلهم (2).

فهذا النص لم يذكر عليا و لا غيره، بل نسب القضية برمتها إلى سعد بن معاذ.

ج: يقول نص آخر: «فقتل على عشرة، و قتل الزبير عشرة. و قلّ رجل من الصحابة إلا قتل رجلا أو رجلين» (3).

و هذا النص يحاول أن يعطي للزبير-دون غيره-دورا يضارع دور علي «عليه السّلام» ثم أعطى بقية الصحابة نصيبا في هذا الأمر أيضا.

د: و قد جاءت رواية أخرى لتقدم مبررا لإشراك الأوس من الصحابة في قتل بني قريظة، فهي تقول:

جاء سعد بن عبادة و الحباب بن المنذر، فقالا: يا رسول اللّه، إن الأوس كرهت قتل بني قريظة لمكان حلفهم.

فقال سعد بن معاذ: يا رسول اللّه، ما كرهه من الأوس من فيه خير،


1) كشف الغمة ج 1 ص 208 و 209 و الإرشاد للمفيد ص 64 و 65 و البحار ج 20 ص 262 و 263 و كشف اليقين ص 135.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 516.

3) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 252 و راجع: إعلام الورى ص 93 و 94.

فمن كرهه من الأوس لا أرضاه اللّه.

ثم اقترح أسيد بن حضير-كما يزعمون-أن يرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى كل دار (و في نص آخر: قبيلة أو حي) ليقتلوهم، فقبل «صلى اللّه عليه و آله» بالاقتراح، و أرسل إلى كل دار (قبيلة) من الأوس باثنين اثنين، فقتلوهم (1).

و لست أدري لماذا جاء إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» هذان الخزرجيان اللذان كانا من المناوئين لأبي بكر في السقيفة، و هما سعد بن عبادة، و الحباب بن المنذر؟ ثم جاء الحل الذي يقبله النبي «صلى اللّه عليه و آله» و يعمل به من قبل ذلك القريب و النصير لأبي بكر في السقيفة أيضا، و أحد المهاجمين لبيت الزهراء، بعد وفاة أبيها «صلى اللّه عليه و آله» ، و أعني به أسيد بن حضير؟ ! !

و لست أدري أيضا: كيف أصبح اقتراح ابن حضير هو الحل الأمثل، و العلاج للمشكة؟ مع أن ابن معاذ قد قرر: أن الكارهين لقتل بني قريظة هم فئة قليلة لا خير فيها، و تستحق البراءة منها، و الدعاء عليها.

ثم أليس يعدّ قسوة منه «صلى اللّه عليه و آله» أن يأمر الحليف بقتل حليفه! و النبي «صلى اللّه عليه و آله» -كما نطق به القرآن-: . . بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ .


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 515 و 516 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 247 و مجمع الزوائد ج 6 ص 140 عن الطبراني و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 23 و السيرة الحلبية ج 2 ص 340 و 341.

إلا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» : قد أراد بذلك أن يختبر مدى رضوخهم لحكم اللّه و رفضهم لأحكام الجاهلية و أحلافها.

مشاركة الأوس في قتل حلفائهم:

و ثمة نقطة أخرى لا بد من إثارتها هنا، و هي: أنه إذا صحت مشاركة الأوس أنفسهم في تنفيذ حكم سيدهم سعد فإنما كانت مشاركة طوعية منهم، و ذلك هو المأمول بهم. فإذا كانت هذه المشاركة مستوعبة و شاملة، كما تقدم، فإن هذا الأمر سيمنع من حدوث أي تململ في صفوف هؤلاء الحلفاء، و سد الطريق على ذوي النوايا المشبوهة فلم يعد بإمكانهم تحريك النعرات، و التلاعب بالعواطف، و إثارة البلبلة لخلخلة الوضع من الداخل، و خلق عقدة لدى هذا الفريق، أو ذاك.

و أصبحت المشاركة الأوسية في قتل بني قريظة من مفاخرهم و منجزاتهم التي يعتزون بها، و لا يمكن لأحد أن يغمز من قناتهم، و لا أن يتهمهم بالميل إلى الدفاع عن حلفائهم.

تصحيح خطأ:

قالوا: و كان علي «عليه السّلام» هو الذي ضرب في بني قريظة «أعناق اليهود، مثل حيي بن أخطب، و كعب بن الأشرف» (1).

و الصحيح: كعب بن أسد، لأن ابن الأشرف كان قد قتل قبل ذلك بزمان، مضافا إلى أن ابن الأشرف كان من بني النضير، لا من بني قريظة.


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 2 ص 97.

إلا أن يكون مراده: أن عليا «عليه السّلام» هو الذي قتل ابن الأشرف أيضا، ثم زور المزورون للتاريخ هذه الحقيقة، فنسبوا قتله إلى غير علي «عليه السّلام» ، حسدا منهم، و حقدا، و بغيا عليه.

قتل كل من أنبت:

و قالوا: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بقتل كل من أنبت من بني قريظة (1)، و كان من شك في بلوغه نظر إلى مؤتزره، فإن كان أنبت قتل، و إلا طرح في السبي (2).

قال محمد بن كعب القرظي: فكنت في من لم ينبت (3). و كان مسلم بن


1) راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 308 و الإكتفاء ج 2 ص 189 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 252 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و البحار ج 20 ص 246 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24 و السيرة الحلبية ج 2 ص 340 و قرب الإسناد ص 63 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 249 و تاريخ الخميس ج 1 ص 498 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 24 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 55-57 و نهاية الأرب ج 17 ص 195 و جوامع السيرة النبوية ص 155 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 56 و 57 و البداية و النهاية ج 4 ص 125 و بهجة المحافل ج 1 ص 275 عن ابن حبان، و الحاكم، و الترمذي و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 255 و تهذيب الأحكام للطوسي ج 6 ص 173 و 339 و البحار ج 100 ص 35 و الوسائل (ط مؤسسة آل البيت) ج 1 ص 44.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 517 راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 249.

3) طبقات ابن سعد ج 2 ص 56 و 57 و البداية و النهاية ج 4 ص 125 و بهجة المحافل ج 1 ص 275 عن ابن حبان و الحاكم و الترمذي.

بجرة الأنصاري هو الذي تولى كشف عوراتهم. و استدل به الفقهاء على جواز كشف العورة للحاجة (1).

لكن أسلم الأنصاري يقول: جعلني رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على أسرى قريظة، فكنت أنظر إلى فرج الغلام، فإن رأيته قد أنبت ضربت عنقه، و إن لم أره قد أنبت جعلته في مغانم المسلمين (2).

و نقول:

ههنا مواقع للنظر، و هي التالية:

1-قولهم: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بقتل كل من أنبت من بني قريظة، يقابله نص آخر يقول: إن سعدا هو الذي أمرهم بالنظر إلى مؤتزر من شكّوا في بلوغه فصوبه النبي «صلى اللّه عليه و آله» (3).

2-قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر بقتل كل من أنبت لا يستقيم مع ما قدمناه و سيأتي أيضا: من أنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما قتل خصوص من حزّب عليه منهم. و الباقون لم يقتلوا. فإن كان قد كشف عن مؤتزر أحد، فإنما ذلك في خصوص هذا الفريق من الخونة و الأشرار.

3-أما المتولي لكشف عوراتهم، فلعل أسلم الأنصاري هو نفس مسلم بن بجرة الأنصاري، أو أن مسلما هو ابن أسلم (4)، و قد صحّف الراوي، أو


1) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 275 عن ابن شاهين.

2) مجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الكبير و الأوسط، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 24 و 25.

3) عوالي اللآلي ج 1 ص 221 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 86.

4) راجع: الإصابة ج 3 ص 414.

أسقط أحدهما.

4-بقي أن نشير إلى أن بعض النصوص المتقدمة قد ذكرت محمد بن كعب القرظي على أنه هو الذي وجدوه لم ينبت فأطلقوا سراحه.

مع أن محمد بن كعب إنما ولد في سنة أربعين للهجرة، و لا يصح أنه ولد في حياة النبي «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و الصحيح: أن أباه كعبا هو الذي نجا يوم بني قريظة (2).

5-قال ابن حزم: «و استحيا عطية القرظي، و له صحبة» (3).

عن عطية قال: كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر أن يقتل من بني قريظة كل من أنبت منهم. و كنت غلاما، فوجدوني لم أنبت، فخلوا سبيلي (4).


1) راجع: الإصابة ج 3 ص 517 و تهذيب التهذيب ج 9 ص 421 و 422.

2) الإصابة ج 3 ص 517 عن البخاري في تاريخه و تهذيب الكمال ج 26 ص 340 و 341 و 343 و التاريخ الكبير للبخاري ج 1 الترجمة رقم 479 و مختصر تاريخ دمشق ج 23 ص 181 و تهذيب التهذيب ج 9 ص 420 و 421 و 422.

3) جوامع السيرة النبوية ص 155.

4) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 255 و عيون الأثر ج 2 ص 75 و الروض الأنف ج 3 ص 284 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 24 و تاريخ الخميس ج 1 ص 498 و مسند أبي عوانة ج 4 ص 55 و 56 و الإكتفاء ج 2 ص 185 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 259 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19 و السيرة الحلبية ج 2 ص 343 و الأمالي للطوسي ص 403 و البحار ج 20 ص 246 عنه و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 25 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 241 و البداية و النهاية ج 4 ص 125 و 126 و أسد الغابة ج 3 ص 413 و تهذيب الكمال ج 20 ص 157 و 158 و في هامشه عن: سنن أبي داود 4404 و ابن ماجة رقم 2541 و الترمذي رقم 1584 و النسائي ج 6 ص 155.

قال السهيلي: «ففي هذا: أن الإنبات أصل في معرفة البلوغ، إذا جهل الاحتلام، و لم تعرف سنوه» (1).

أما القول بأن عطية هذا هو جد محمد بن كعب القرظي (2)، فلا نراه صحيحا، بل عطية هذا رجل آخر.

و الصحيح هو: ما تقدم عن تاريخ البخاري، فراجع. و ليس تحقيق هذا الأمر مما يهمنا كثيرا لكونه ليس مما يترتب عليه أثر ذو بال.

وصايا الرسول صلى اللّه عليه و آله بالأسرى:

و حين جيء بنباش بن قيس ليقتل، جابذ الذي جاء به حتى قاتله، فدق الذي جاء به أنفه فأرعفه. فسأل النبي «صلى اللّه عليه و آله» الذي جاء به عن السبب، فذكره له، فقال نباش: كذب-و التوراة-يا أبا القاسم، و لو خلاني ما تأخرت عن موطن قتل فيه قومي حتى أكون كأحدهم.

ثم قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : «أحسنوا إسارهم، و قيلوهم، و اسقوهم حتى يبردوا، فتقتلوا من بقي. لا تجمعوا عليهم حر الشمس، و حر السلاح، و كان يوما صائفا. فقيّلوهم، و سقوهم، و أطعموهم، فلما أبردوا راح رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقتل من بقي» (3).


1) الروض الأنف ج 3 ص 284.

2) الروض الأنف ج 3 ص 284.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 514 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 248 و سبل الهدى ج 5 ص 24.

و نقول:

قد تقدم في الفصل السابق، بعض وصاياه «صلى اللّه عليه و آله» بأسرى بني قريظة. و إنما أعدنا بعضه هنا لاقتضاء المناسبة له، و هو قصة نباش بن قيس.

و نسجل هنا ما يلي:

1-إننا لا نكاد نصدق قوله: و لو خلاني ما تأخرت عن موطن قتل فيه قومي الخ. . حيث إننا نلحظ مزيدا من الاهتمام بإضفاء صفة الشجاعة و البطولة و العنفوان لدى هؤلاء الخونة. كما سنرى.

2-إننا قد أشرنا إلى وجود بعض الريب في أن تكون غزوة بني قريظة قد حصلت في الصيف، فراجع ما ذكرناه في غزوة الخندق في الجزء العاشر من هذا الكتاب.

3-إن وصايا الرسول «صلى اللّه عليه و آله» بالأسرى هنا، و قوله في مورد آخر عن بني قريظة، الذين خانوا عهده و مالأوا عدوه: «اسقوهم العذب، و أطعموهم الطيب، و أحسنوا أسارهم» (1)،

إن هذه الوصايا لا تتناقض أبدا مع قتل بني قريظة، فالقتل هو حكم شرعي إلهي لا بد من إطاعته و تنفيذه في حقهم. أما إساءة المعاملة للأسير، فتعتبر تعديا على الأسير، و على شخصيته. و يعتبر الإحسان إليه هو الواجب الخلقي، الذي لا بد من القيام به، حتى بالنسبة للمحكومين بحكم يصل إلى هذه الدرجة.


1) تفسير القمي ج 2 ص 192 و البحار ج 20 ص 238.

إذن. . هناك حكمان لهما حيثيتان فرضتهما حالتان موجودتان في موردهما فللأسير حقه كإنسان، و عليه العقاب بحسب نوع الجريمة التي ارتكبها، فإنها هي التي تفرض نوع العقاب.

قتل كعب بن أسد:

و أتي «صلى اللّه عليه و آله» بكعب بن أسد، مجموعة يداه إلى عنقه- و كان حسن الوجه-فقال «صلى اللّه عليه و آله» : كعب بن أسد؟ !

قال كعب: نعم يا أبا القاسم.

قال: أما انتفعتم بنصح ابن خراش (جواس) ، و كان مصدقا بي؟ أما أمركم باتباعي؟ و إن رأيتموني أن تقرئوني منه السلام؟ !

قال: بلى-و التوراة-يا أبا القاسم، و لولا أن تعيرني اليهود بالجزع من السيف لاتبعتك، و لكني على دين اليهود.

قال «صلى اللّه عليه و آله» : قدمه، فاضرب عنقه، فقدمه، فضرب عنقه (1). و سيأتي لنا كلام حول موقف كعب هذا.

حيي بن أخطب يواجه الموت:

و يقول المؤرخون: ثم أتي بحيي بن أخطب، مجموعة يداه إلى عنقه، فقال له رسول اللّه حين طلع. ألم يمكن اللّه منك يا عدو اللّه؟ !


1) المغازي ج 2 ص 516 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 24 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و 18 و السيرة الحلبية ج 2 ص 340 و كمال الدين ج 1 ص 198 و البحار ج 20 ص 247 عنه و في ص 236 و 237 و تفسير القمي ج 2 ص 191.

قال: بلى و اللّه ما لمت نفسي في عداوتك. و قد التمست العزّ في مكانه، و أبى اللّه إلا أن يمكنك مني. و لقد قلقلت كل مقلقل (أي ذهبت في كل وجه) و لكنه من يخذل اللّه يخذل.

ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس، لا بأس بأمر اللّه، قدر و كتاب، ملحمة كتبت على بني إسرائيل.

ثم أمر به فضربت عنقه (1).

زاد في بعض المصادر قوله: ثم أقيم بين يدي أمير المؤمنين، و هو يقول: قتلة شريفة بيد شريف.

فقال له علي «عليه السّلام» : إن الأخيار يقتلون الأشرار، و الأشرار يقتلون الأخيار، فويل لمن قتله الأخيار، و طوبى لمن قتله الأشرار و الكفار.


1) راجع المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 2 ص 513 و 514 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 247 و 248 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 23 و 24 و السيرة الحلبية ج 2 ص 340. و راجع أيضا: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 252 و كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 309 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 23 و راجع ص 20 و مجمع البيان ج 8 ص 352 و بهجة المحافل و شرحه (أي متنا و هامشا) ج 1 ص 275 و بحار الأنوار ج 20 ص 212 و 263 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239 و عيون الأثر ج 2 ص 73 و الروض الأنف ج 3 ص 284 و المصنف للصنعاني ج 5 ص 371 و 372 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 183 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 260 و 262 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 250 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 186 و البداية و النهاية ج 4 ص 124 و 125 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497 و الإرشاد للمفيد ص 65 و البداية و النهاية ج 1 ص 124 و 125 و نهاية الأرب ج 17 ص 192 و 193.

فقال: صدقت لا تسلبني حلتي.

قال: هي أهون علي من ذاك.

قال: سترتني، سترك اللّه، و مد عنقه، فضربها علي، و لم يسلبه من بينهم (1).

هذا، و قد قال جبل بن جوال الثعلبي في هذه المناسبة:

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسهو لكنه من يخذل اللّه يذخل

فجاهد حتى أبلغ النفس عذرهاو قلقل يبغي العز كل مقلقل (2)

زاد في بعض المصادر: أن أمير المؤمنين «عليه السّلام» قال في ذلك:

لقد كان ذا جد وجد بكفرهفقيد إلينا بالمجامع يقتل

فقلدته بالسيف ضربة محفظفصار إلى قعر الجحيم يكبل

فذاك مآب الكافرين و من يطعلأمر إله الخلق في الخلد ينزل (3)

و لنا على ما تقدم ملاحظات، هي التالية:

الأولى: بالنسبة للشعر المنسوب إلى علي أمير المؤمنين «عليه السّلام» نقول: إنه ليس في المستوى الذي يؤهله لأن ينسب إلى أمير المؤمنين «عليه السّلام» ، و ذلك واضح بأدنى تأمل.


1) كشف الغمة ج 1 ص 209 و الإرشاد للمفيد ص 65 و البحار ج 20 ص 263.

2) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 252 و نهاية الأرب ج 17 ص 193 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 183 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 250 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 23 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239 و راجع: الإصابة ج 1 ص 222.

3) الإرشاد للمفيد ص 65 و البحار ج 20 ص 263 و 264.

الثانية: إن التجاء حيي بن أخطب إلى القدر و القضاء لتبرير ما يتعرض له هو و بنو قريظة ليس له ما يبرره، إلا محاولة التبرير و التزوير للحقيقة. و محاولة التنصل من المسؤولية، بإلقاء اللوم على اللّه سبحانه، الذي لم يأمره بأن يتآمر، و ينقض العهود و المواثيق، و لا طلب منه و منهم أن يواجهوا نبيهم بالحرب، و هم يعرفون صدقه، و صحة نبوته كما يعرفون أبناءهم، و يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة و الإنجيل.

و إذا كان لكلام حيي هذا أساس من الصحة، فصحته تكمن في أنه يبين أن اللّه سبحانه قد قدّر على الباغي، و الناكث، و المكذب للصادقين، و قتلة الأنبياء: أن يقتلوا جزاء ذلك البغي و النكث و التكذيب.

الثالثة: إننا نرجح أن يكون حيي بن أخطب نفسه هو الذي قال: لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه و لكنه الخ. . كما ذكر البعض (1).

بل ذكرت بعض النصوص: أن عليا «عليه السّلام» سأل الذي جاء بحيي للقتل: ما كان يقول و هو يقاد إلى الموت؟

فقال: كان يقول:

لعمرك ما لام ابن أخطب نفسهو لكنه من يخذل اللّه يخذل

فجاهد حتى أبلغ النفس جهدهاو حاول يبغي العز كل مقلقل (2)


1) تفسير القمي ج 2 ص 191 و 192 و البحار ج 20 ص 237 و في دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 23 قال: «و بعض الناس يقول: حيي بن أخطب قالها» و كذا في الإصابة ج 1 ص 222.

2) البحار ج 20 ص 263 و كشف الغمة ج 1 ص 209 و الإرشاد للمفيد ص 265.

و هي بحيي أنسب منها بجبل بن جوال خصوصا إذا كان جبل قد أسلم قبل قتل حيي و بني قريظة، إذ لا مجال له بعد أن أسلم ليرثي حيي بن أخطب بهذه الأبيات.

و إن كان قد أسلم بعد ذلك، فيمكن أن يكون قد رثاه بها. لكن ما حكي من سؤال أمير المؤمنين «عليه السّلام» للذي جاء بحيي عما كان يقول حيي يرجح نسبتها لحيي، حيث أراد أن يترجم ما أجاب به النبي «صلى اللّه عليه و آله» شعرا يتداوله الناس بعده.

الرابعة: إننا نلمح في هذه الروايات، كما هو في غيرها، قدرا من الاهتمام بإظهار مزيد من القوة و الثبات لدى اليهود، و الصبر على مواجهة المصاب الكارثة، ثم المزيد من التأكيد على أنهم قد اختاروا الموت كراما على الخضوع لما يخالف قناعاتهم. .

و قد يكون ما ينسب لحيي هنا، و كذلك ما ينسب لنباش بن قيس، و كعب بن أسد، و حتى ما ينسب لنسائهم، كنباتة النضيرية، قد صنع من أجل تحقيق هذا الهدف بالذات، و لعله أيضا بهدف التخفيف، أو فقل: التعتيم على ما لحقهم من عار النكث و الخيانة.

مع أن النصوص التاريخية تؤكد: ذلهم، و خنوعهم، و جزعهم الشديد حين ذهب إليهم أبو لبابة، فكيف تحول ذلك الذل و الخنوع و الجزع إلى قوة و عزة و شهامة، و بطولة؟ لا ندري و لعل الفطن الذكي يدري.

قتل نباتة النضيرية:
اشارة

و يقال: إنه كان ثمة امرأة من بني النضير، يقال لها: نباتة، تحت رجل

قريظي، (قال السهيلي: هو الحاكم القرظي) يحبها، و تحبه، و كانت في حصن الزبير بن باطا. فخاف زوجها أن تسبى بعده، فأحب أن تقتل بجرمها، فطلب منها فدلت على المسلمين رحى من فوق الحصن، و كان المسلمون ربما جلسوا تحته، يستظلون في فيئه، و كان ذلك بعد اشتداد الحصار على بني قريظة.

فلما أطلعت الرحى، رآها القوم فانفضوا، فأصابت خلاد بن سويد، فشدخت رأسه. فلما كان في اليوم الذي أمر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يقتلوا دخلت هذه المرأة على عائشة، فجعلت تضحك ظهرا لبطن، و هي تقول: سراة بني قريظة، يقتلون، فسمعت قول قائل: يا نباتة.

فقالت: أنا و اللّه التي أدعي.

قالت: و لم؟

قالت: قتلني زوجي.

فسألتها عائشة عن ذلك، فذكرت لها أمر الرحى، و أنها قتلت خلاد بن سويد، فأمر «صلى اللّه عليه و آله» بها فقتلت بخلاد بن سويد.

قالت عائشة: لا أنسى طيب نفس نباتة، و كثرة ضحكها، و قد عرفت أنها تقتل؛ فكانت عائشة تقول: قتلت بنو قريظة يومهم، حتى قتلوا بالليل على شعل السعف (1).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 516 و 517 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 26 و 27 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 249 و في السيرة الحلبية ج 2 ص 341 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 أن اسمها: بيانة. و قيل: مزنة. و دخولها على عائشة و هي تضحك ظهرا لبطن في السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 253 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 184. و راجع: عيون الأثر ج 2 ص 73 و 78 و البداية و النهاية ج 4 ص 126 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497 و 498 و نهاية الأرب ج 17 ص 193 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 262 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 250 و 251 و 254 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242. و راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 276 و جوامع السيرة النبوية ص 155 و مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 252 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 32.

و ذكرت بعض المصادر: أن زوجها قال لها: «غلب علينا محمد، سيقتل الرجال، و يسبي النساء و الذراري» (1).

و قسم من المصادر التي ذكرناها في الهامش ذكر: أن اسمها: بنانة، و قد يكون ذلك تصحيف نباتة، أو العكس.

و سمتها بعض المصادر: بيانة.

و قيل: مزنة، و لعل مزنة هي أرفة الآتي ذكرها.

و نقول:

إننا نسجل هنا الأمور التالية:

1-شجاعة نباتة:

إن مما يلفت نظرنا هنا ما نجده من محاولات جادة لإظهار شجاعة بني قريظة، و ثباتهم و قوتهم، و صبرهم في مواجهة الموت التزاما و وفاء لقناعاتهم، و انسجاما مع أنفسهم في مواصلة الأخطار و الكواراث، دونما رهبة أو وجل.

و قد تجلى ذلك حتى في نسائهم، اللواتي يفترض فيهن أن يظهرن المزيد


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 498.

من الجزع و الضعف و الهلع في مواجهة الموت.

و يكتسب اليهود عن طريق هذا التزوير للتاريخ: صفات الشهامة، و العزة و الكرامة، و الإباء و الشمم، و هي الصفات التي لم نزل نعرف عنهم اتصافهم بما يناقضها و ينافيها.

أما النبي و المسلمون فيصبحون في موقع الناس القساة، الذين لا تظهر منهم بادرة رأفة و لا رحمة. بل هم أناس مجرمون، يحبون سفك الدماء، دونما شفقة أو وازع من ضمير.

2-شكوك حول قصة نباتة:

و يلفت نظرنا في قصة نباتة الأمور التالية:

أولا: كيف دخلت هذه المرأة على عائشة مع أن سبايا بني قريظة، قد جعلوا جميعا في دار رملة بنت الحارث، كما تقدم، و دار أسامة (1)و لم يكن يسمح لأي منهن بالتجول، و دخول المنازل، لا سيما قبل تنفيذ الحكم في رجالهن، و قبل تحديد مصير السبايا أيضا.

بل لقد ذكروا: أن دخول نباتة على عائشة قد كان و النبي مشغول بقتل بني قريظة، كما ذكره دحلان و صاحب السيرة الحلبية.

ثانيا: قال الشيخ المفيد: «قتل من نسائهم امرأة واحدة، كانت أرسلت عليه (أي على النبي «صلى اللّه عليه و آله») حجرا، و قد جاء النبي «صلى اللّه عليه و آله» باليهود يناظرهم قبل مباينتهم له، فسلمه اللّه من ذلك الحجر» (2).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 518 و راجع ص 512.

2) الإرشاد للشيخ المفيد ص 65 و 66 و بحار الأنوار ج 20 ص 264.

ثالثا: قد تكرر ما يشبه هذه القصة، فذكر نظيرها في بني النضير، و في خيبر، فلماذا لم يتعلم المسلمون مما سبق لهم؟ !

رابعا: هل يعقل أن يجلس المسلمون في أصل الحصن للاستظلال به، مع وجود احتمالات إرسال الحجارة أو غيرها عليهم، و هم في حالة حرب مع عدوهم، و لا سيما مع اشتداد الحصار عليهم، كما صرحت به الرواية نفسها؟ ! إن ذلك بعيد، و لا يفعله من له أدنى خبرة في مجال التعامل في أثناء الحرب، و مع إحساس العدو بالخطر الماحق، و بالدمار الساحق.

خامسا: من أين علم زوجها: أنهم سيقتلون و تسبى ذراريهم و نساؤهم و لماذا لم يفكر بحل المشكل بطريقة أخرى؟ !

و لماذا طاوعته زوجته على القيام بما طلبه منها، و قد كان من الطبيعي أن تعترض عليه بأن عليه هو أن يلقي تلك الرحى؟ !

و أيضا لماذا التفت المسلمون إلى فعلها، و هم لا يرونها، بحسب العادة، و بحسب موقعهم في جلوسهم بأصل الحصن.

3-حكم الارتداد لا يجري على نباتة:

قال السهيلي: «و في قتلها دليل لمن قال: تقتل المرتدة من النساء أخذا بعموم قوله «عليه السّلام» : من بدل دينه فاضربوا عنقه. و فيه مع العموم قوة أخرى، و هي تعليق الحكم بالردة و التبديل، و لا حجة مع هذا لمن زعم من أهل العراق بأن لا تقتل المرتدة لنهيه «عليه السّلام» عن قتل النساء و الوالدان.

قلت: هما عامّان تعارضا، و كل من الفريقين يخص أحد الحديثين بالآخر،

فالعراقيون يخصون حديث: من بدل دينه فاقتلوه بحديث النهي عن قتل النساء و الصبيان، و غيرهم يخالفهم، و تخصيص المخالف أولى لوجه ليس هنا موضع ذكره.

و أما استدلاله بهذا الحديث على قتل المرتدة، و لم تكن هذه مرتدة قط، فعجيب، بل هي قاتلة قتلت خلاد بن سويد، و مقاتلة بتعاطيها ذلك، و ناقضة للعهد. فالعراقي موافق لغيره في قتل هذه. و في انفرادها بالقتل عن نساء بني قريظة ما يشعر بأنه لما انفردت به عنهن من قتل خلاد. فليس هذا من حكم المرتدة في ورد و لا صدر» (1).

و أما حديث تخصيص أحد الحديثين بالآخر، ففيه مواضع للنظر ليس هنا موضع التعرض لها.

قتل أرفة بنت عارضة:

قال ابن الأثير: «و قتلت أرفة بنت عارضة منهم» (2).

و قد تكون أرفة هي مزنة (3)، كما تقدمت الإشارة إليه فيما سبق.

الزبير بن باطا و نساء بني قريظة:

و كان نساء بني قريظة يقلن: عسى أن يمن على رجالنا، أو يقبل منهم فدية، فلما أصبحن و علمن بقتل رجالهن صحن، و شققن الجيوب، و نشرن


1) عيون الأثر ج 2 ص 78 و كلام السهيلي في الروض الأنف ج 3 ص 284.

2) الكامل في التاريخ ج 2 ص 186.

3) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 و السيرة الحلبية ج 2 ص 341.

الشعور، و ضربن الخدود، فملأن المدينة.

قال: يقول الزبير بن باطا: «اسكتن، فأنتم أول من سبي من نساء بني إسرائيل منذ كانت الدنيا، و لا يرفع السبي عنهم حتى نلتقي نحن و أنتن. و إن كان في رجالكن خير فدوكن، فالزمن دين اليهودية فعليه نموت، و عليه نحيا» (1).

و نقول:

نحن نشك في هذا النص، لأن الزبير هذا، كان قد قتل فيمن قتل من رجال بني قريظة؛ فأين رآهن الزبير حتى قال لهن هذا القول؟ ! و قد كن محبوسات في مكان آخر منفصل عن حبس الرجال.

كما أن النص المذكور يكاد يكون متناقضا في نفسه، فإن صدره يقول: إنهن علمن بقتل رجالهن فصحن، و شققن الجيوب الخ. .

و ذيل النص يقول على لسان ابن باطا: و إن كان في رجالكن خير فدوكن الخ. . فكيف يمكن لرجالهن فديتهن و هم محبوسون للقتل أو أنهم قد قتلوا بالفعل.

قتل الزبير بن باطا:

و وهب «صلى اللّه عليه و آله» لثابت بن قيس بن الشماس ولد الزبير بن باطا، فاستحيا منهم عبد الرحمن بن الزبير (كانت له صحبة) لكن الزبير نفسه أبى إلا أن يقتل مع قومه قبحه اللّه (2).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 518.

2) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 32 و جوامع السيرة النبوية ص 155.

و تفصيل ذلك وفقا لما ذكره الواقدي: أن الزبير بن باطا الذي كان أعمى (1)كان قد منّ على ثابت بن قيس يوم بعاث، و جز ناصيته. فلما كان يوم قريظة استوهبه من رسول اللّه، و ذلك بموافقة الزبير نفسه، فوهبه له.

فرجع إلى الزبير، فأخبره، ثم رغب الزبير باستيهاب أهله، و ولده، و ماله، فوهب له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أهله، و ماله، و ولده.

فقال الزبير لثابت: أما أنت فقد كافأتني، و قضيت بالذي عليك يا ثابت، ما فعل الذي كأن وجهه مرآة صينية، تتراءى عذارى الحي في وجهه -كعب بن أسد؟

قال: قتل.

قال: فما فعل سيد الحاضر و البادي، سيد الحيين كليهما، يحملهم في الحرب، و يطعمهم في المحل حيي بن أخطب؟

قال: قتل.

قال: فما فعل أول غادية اليهود إذا حملوا، و حاميتهم إذا ولوا-غزال بن سموأل؟

قال: قتل.

قال: فما فعل الحوّل القلّب الذي لا يؤم جماعة إلا فضّها، و لا عقدة إلا حلّها-نباش بن قيس؟


1) مجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الأوسط و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 240 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 260.

قال: قتل.

قال: فما فعل لواء اليهود في الزحف-وهب بن زيد؟

قال: قتل.

قال: فما فعل والي رفادة اليهود، و أبو الأيتام و الأرامل من اليهود- عقبة بن زيد؟ !

قال: قتل.

قال: فما فعل العمران اللذان كانا يلتقيان بدراسة التوراة؟ !

قال: قتلا.

قال: يا ثابت، فما خير العيش بعد هؤلاء؟ ! .

ثم طلب منه، و أصر عليه أن يقتله بسيفه، فقدمه إلى الزبير بن العوام، فضرب عنقه.

و في نص آخر: يذكر فيه نحو ما تقدم، لكنه حين يصل إلى غزال بن سموأل يقول بعده: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قريظة، و بني عمرو بن قريظة.

قال: ذهبوا، قتلوا، فطلب منه أن يقتله، ففعل (1).


1) راجع فيما تقدم، باختصار أو بتفصيل المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 2 ص 518-520 و مجمع الزوائد ج 6 ص 141 و 142 عن الطبراني في الأوسط و البداية و النهاية ج 4 ص 125 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 240 و البحار ج 20 ص 277 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 275 و 276 و تاريخ الخميس ج 1 ص 498 و نهاية الأرب ج 17 ص 193-195 و الإكتفاء ج 2 ص 184 و 185 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 251 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20-24 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 26 و 27 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 و السيرة الحلبية ج 2 ص 241 و 242 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 253 و 254 و عيون الأثر ج 2 ص 74 و 75 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 260 و 261 و راجع إمتاع الأسماع ج 1 ص 249 و وفاء الوفاء ج 1 ص 308.

الهدف الحقيقي:

و هذا النص كغيره من النصوص العديدة التي مرت معنا في هذه الغزوة و غيرها صريح في ما تكررت إشارتنا إليه، و لم نزل نؤكد عليه، من أن المقصود هو: إظهار مزيد شهامة، و رجولة و إباء لدى اليهود، و تسطير المآثر لهم، ليعوضوهم بذلك عن الخزي الذي لحق بهم بسبب نقضهم العهود، و خيانتهم للمواثيق.

ثم تكون نتيجة ذلك أيضا: أن يكون النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمون هم الذين ارتكبوا جريمة، و لا أبشع منها في حق هؤلاء الكرام البررة! !

و ليس ثمة ما يبرر ذلك سوى حب التشفي، و إلا القسوة، و حب سفك دماء الأبرياء.

نعم. . هكذا يريدون أن يصوروا لنا الحال، و ما آلت إليه الأحوال.

و الأمر و الأدهى من ذلك: أن نرى بعض الكتاب المسلمين ينخدعون بهذه المرويات، حتى ليقول بعضهم:

«الحق أن هؤلاء اليهود قد أظهروا من الشجاعة النادرة، و الصبر

المدهش على هذه المحنة و الجلد أمام القتل، ما يحسدون عليه» (1).

و ليت هذا الكاتب أشار أيضا إلى ما أظهره هذا النص من تسامح، و عفو و كرم من قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . ثم ما ظهر من خسة و انحطاط خلقي، و من صلف و قلة مبالاة بالقيم بإصرار هذا اليهودي على موقفه الخياني الأثيم، و انسياقه وراء تسويلات شيطانية رخيصة. و يا ليته أشار أيضا إلى بكاء اليهود بين يدي أبي لبابة ضعفا و خورا و جبنا. .

إسلام رفاعة بن سموأل:

و نظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى سلمى بنت قيس-و كانت إحدى خالاته-و كان رفاعة بن سموأل له انقطاع إليها و إلى أخيها سليط، و أهل الدار. و كان حين حبس أرسل إليها يطلب منها أن تكلم النبي «صلى اللّه عليه و آله» في تركه، لأنها إحدى أمهاته.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : ما لك يا أم المنذر؟

فطلبت منه أن يهب لها رفاعة، و قد رآه «صلى اللّه عليه و آله» يلوذ بها، فوهبه «صلى اللّه عليه و آله» لها.

ثم قالت: يا رسول اللّه، إنه سيصلي، و يأكل لحم الجمل.

فتبسم «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم قال: إن يصلّ فهو خير له، و إن يثبت على دينه فهو شر له.

قالت: فأسلم، فكان يقال له: مولى أم المنذر، فشق ذلك عليه، و اجتنب


1) محمد رسول اللّه سيرته و أثره في الحضارة ص 249.

الدار، فأرسلت إليه: إنه و اللّه ما أنا لك بمولاة، و لكنني كلمت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فوهبك لي، فحقنت دمك، و أنت على نسبك.

فكان بعد يغشاها، و عاد إلى الدار (1).

لكن ابن حزم قال: «وهب رفاعة بن شمويل القرظي لأم المنذر سلمى بنت قيس من بني النجار-و كانت قد صلّت القبلتين-فأسلم رفاعة، و كان له صحبة، و كان ممن لم ينبت» (2).

فإذا كان لم ينبت، فما معنى شفاعة أم المنذر فيه؟ فإنه لم يكن و الحالة هذه في معرض القتل، إلا أن تكون الشفاعة ناظرة إلى إطلاق سراحه من السبي.

عدد القتلى من بني قريظة:

و قد ذكروا أرقاما متفاوتة جدا في عدد المقتولين من بني قريظة الأمر الذي يثير لدينا شكوكا في أن ثمة من يريد أن يستفيد من هذا الأمر و يوظفه


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 514 و 515. و أشار إلى ذلك أو ذكره تفصيلا في المصادر التالية: إمتاع الأسماع ج 1 ص 248 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 255 و عيون الأثر ج 2 ص 75 و البداية و النهاية ح 4 ص 126 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 25 و نهاية الأرب ج 17 ص 195 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 252 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 241 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 32 و تاريخ الخميس ج 1 ص 498 و الإكتفاء ج 2 ص 185 و 186 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19. و السيرة الحلبية ج 2 ص 343.

2) جوامع السيرة النبوية ص 155.

إعلاميا لمقاصد سياسية، أو دينية، أو غيرها.

و الأقوال هي التالية:

1-إن عدد المقتولين كان ألف إنسان، قال المعتزلي: «حصد من بني قريظة في يوم واحد رقاب ألف إنسان صبرا، في مقام واحد، لما علم في ذلك من إعزار الدين، و إذلال المشركين» (1).

2-كانوا تسع مئة (2).

3-المكثر لهم يقول: كانوا بين الثمان مئة و التسع مئة» (3).

4-كانوا سبع مئة و خمسين (4).


1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 16 ص 291.

2) كشف الغمة للأربلي ج 1 ص 208 و الإرشاد للمفيد ص 64 و ذكره بلفظ قيل في حدائق الأنوار ج 2 ص 598 و كذا في عمدة القاري ج 17 ص 192 و فتح الباري ج 7 ص 319 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 36 و البحار ج 20 ص 262 و كشف اليقين ص 135.

3) راجع المصادر التالية: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 252 و عيون الأثر ج 2 ص 73 و البداية و النهاية ج 4 ص 124 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239 و بهجة المحافل ج 1 ص 275 و المواهب اللدنية ج 1 ص 117 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 36 و نهاية الأرب ج 17 ص 192 و الإكتفاء ج 2 ص 183 و تاريخ الإسلام (المغازي)261 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 250 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 23 و فتح الباري ج 7 ص 319 عن الروض الأنف، و محمد رسول اللّه، سيرته و أثره في الحضارة ص 249 و التفسير السياسي للسيرة ص 285.

4) تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 52 و التنبية و الإشراف ص 217 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 249 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و السيرة الحلبية ج 2 ص 338 و المغازي للواقدي ج 2 ص 518 عن ابن عباس.

5-ما بين سبع مئة و ثمان مئة (1).

6-ما بين ست مئة إلى تسع مئة (2).

7-كانوا سبع مئة أو نحو سبع مئة (3).

8-ما بين ست مئة إلى سبع مئة (4).

9-كانوا ست مئة (5).


1) راجع: الكامل في التاريخ ج 2 ص 186 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497. و وفاء ج 1 ص 308 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و السيرة الحلبية ج 2 ص 338.

2) الثقات ج 1 ص 278 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 1 ص 293.

3) البدء و التاريخ ج 4 ص 220 و راجع المصادر التالية: فتح الباري ج 7 ص 319 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 36 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 163 و وفاء الوفاء ج 1 ص 308 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497 عن بن عائذ، و عمدة القاري ج 17 ص 192 كما في مرسل قتادة. و تاريخ الإسلام السياسي ج 1 ص 121 و حدائق الأنوار ج 2 ص 598 و تفسير القمي ج 2 ص 190 و البحار ج 20 ص 234 عنه.

4) راجع: المغازي للواقدي 2 ص 518 و راجع: التفسير السياسي للسيرة ص 283 و محمد رسول اللّه، سيرته و أثره في الحضارة ص 249 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 75 و جوامع السيرة النبوية ص 155 و البداية و النهاية ج 2 ص 186 و بهجة المحافل ج 1 ص 275 و المواهب اللدنية ج 1 ص 117 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 261 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 250 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 239.

5) راجع المصادر التالية: البحار ج 2 ص 212. المغازي للواقدي ج 2 ص 517 و مختصر التاريخ ص 43 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و إرشاد الساري ج 6 ص 330 و عمدة القاري ج 17 ص 192

10-كانوا أربع مئة و خمسين.

و حسب نص ابن شهرآشوب: أنهم كانوا سبع مئة لكن المقتولين منهم كانوا أربع مئة و خمسين (1).

11-كانوا أربع مئة رجل (2).

12-كانوا ثلاثة مئة فقط (3).

أمور ثلاثة هامة:

و نشير هنا إلى أمور ثلاثة لها ارتباط بما تقدم هي:

(5) و فتح الباري ج 7 ص 319 عن ابن إسحاق، و به جزم أبو عمر، و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 36 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 249 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 260 و السيرة الحلبية ج 2 ص 338 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 20 و مجمع البيان ج 8 ص 352.


1) راجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 252 و راجع: مجمع البيان ج 8 ص 352 و البحار ج 20 ص 212.

2) راجع: إرشاد الساري ج 6 ص 330 عن الترمذي و النسائي، و ابن حبان بإسناد صحيح. و البداية و النهاية ج 4 ص 122 و 124 و محمد رسول اللّه: سيرته و أثره في الحضارة ص 249 و عمدة القاري ج 17 ص 192 و فتح الباري ج 7 ص 319 و المواهب اللدنية ج 1 ص 117 و سبل الهدى ج 5 ص 36 و وفاء الوفاء ج 1 ص 308 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 16 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 28 و تاريخ الخميس ج 1 ص 497 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 264 و السيرة الحلبية ج 2 ص 338 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 234.

3) حياة محمد و رسالته، لمولانا محمد علي ص 175.

الأول: إن ما تقدم من الأقوال في عدد المقتولين، قد يكون ناظرا إلى خصوص الذين قتلوا استنادا إلى حكم سعد بن معاذ فيهم.

أما من قتلوا في المعركة و أثناء الحصار، فقد لا يكون محط النظر في هذه الأقوال.

و نجد بعض النصوص يصرح: بأن الذين قتلهم علي «عليه السّلام» وحده في بني قريظة كانوا عشرة (1).

ثم إنهم يصرحون: بأن عليا و الزبير قد توليا قتلهم و هم يعدون بالمئات. إلا إذا صححنا رواية توزيعهم على بيوت الأوس حسبما تقدم.

الثاني: قد ذكر ابن شهر آشوب: أن عدة بني قريظة كانت سبع مئة، لكن المقتولين منهم كانوا أربع مئة و خمسين (2)، و عند غيره: أربع مئة، أو ثلاث مئة، و قد يكون هذا هو الأقرب إلى الواقع و الحقيقة انسجاما مع ظاهر قوله تعالى: فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً (3).

و قد فسر البعض قوله تعالى: وَ تَأْسِرُونَ فَرِيقاً بالسبايا و الذراري. و هو تفسير غير مقبول فإن الأسر هنا إنما يناسب المقاتلين أما النساء و الذراري فالأنسب التعبير عنهم بالسبايا.

و مما يؤيد ما نقوله في عدد بني قريظة، قولهم: إن عدد الذراري و النساء كان سبع مئة و خمسين، أو تسع مئة أو ألفا على أبعد التقادير، مع أن السبي


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 3 ص 171.

2) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 252.

3) الآية 26 من سورة الأحزاب.

لا بد أن يكون أضعاف عدد المقاتلين، و هذا يؤيد أن يكون عدد المقاتلين ما بين المئة إلى المئتين على أبعد تقدير.

الثالث: قد ظهر من الأقوال الآنفة الذكر مدى التفاوت و الاختلاف في عدد قتلى بني قريظة، فقد تراوحت الأقوال ما بين الثلاث مئة إلى الألف، حتى لقد بلغت الأقوال إلى اثني عشر قولا.

و كثرة الأقوال إلى هذا الحد تدل على أنه لم يكن ثمة من يملك معلومات دقيقة عن هذا الموضوع.

و يبدو أنها تقديرات تبرعية، تأثرت برياح الأهواء السياسية، أو العصبيات الدينية، بهدف إظهار قسوة الإسلام و نبي الإسلام على أعدائه و خصوصا اليهود.

و من الغريب: أن نجد معاوية الحاكم الأموي قد أفصح عن دخيلة نفسه فيما يرتبط بقتل كعب بن الأشرف اليهودي الغادر، حين اعتبر قتله نوعا من الغدر و الخيانة.

و قد تقدم ذلك: في بعض فصول هذا الكتاب (1). و لا ندري، فلعل لهؤلاء الحكام بعض التأثير في هذه الأرقام الخيالية في قتلى بني قريظة.

شهداء المسلمين:

أما من قتل من المسلمين في غزوة بني قريظة فهم كما يذكره المؤرخون:

1-خلاد بن سويد، الذي استشهد يوم بني قريظة حيث طرحت


1) راجع: الجزء السابع ص 19.

نباتة النضيرية عليه رحى فقتلته (1)، و كان قد دنا ليكلمهم (2).

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن له لأجر شهيدين (3).

فقالوا: و لم يا رسول اللّه؟

قال: لأن أهل الكتاب قتلوه (4).

قال بعضهم: «قلت: فيؤخذ منه: أن مقتول أهل الكتاب له أجر شهيدين، و اللّه أعلم بالحكمة في ذلك. و أخرجه أبو داود من رواية ثابت بن قيس بن شماس» (5).

2-منذر بن محمد (6)أخو بني جحجبا (7).


1) راجع: الإكتفاء ج 2 ص 190 و أنساب الأشراف ج 1 ص 348 و 244 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 و السيرة الحلبية ج 2 ص 341 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 243 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 30 و المغازي للواقدي ج 2 ص 529 و 530 و جوامع السيرة النبوية ص 157 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 265 و عيون الأثر ج 2 ص 76 و تاريخ الخميس ج 1 ص 498 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 271 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 253 و مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 252 و البداية و النهاية ج 4 ص 126 و نهاية الأرب ج 17 ص 196 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 276.

2) أنساب الأشراف ج 1 ص 348.

3) راجع المصادر المتقدمة في الهامش ما قبل الأخير.

4) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 276.

5) المصدر السابق.

6) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 30 و عيون الأثر ج 2 ص 76 عن ابن عائذ.

7) عيون الأثر ج 2 ص 76.

3-أبو سنان بن محصن، مات في الحصار فدفنه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في مقبرة بني قريظة، التي يدفن فيها المسلمون لما سكنوها اليوم، و إليه دفنوا أمواتهم في الإسلام. كذا قاله ابن إسحاق (1).

و نقول:

إن ذلك كله مشكوك فيه. و ذلك لما يلي:

ألف: بالنسبة لخلاد بن سويد نقول: لقد قال بعضهم: إنه لم يقتل (2).

و نقول أيضا: لماذا اختص بأجر شهيدين، دون غيره من سائر الشهداء؟ و هل ثمة فرق بين من يقتله أهل الكتاب و بين من يقتله غيرهم؟

و لماذا لما ينل من يقتله المشركون أجر شهيدين أيضا؟ ! أم أن جهاد أهل الكتاب أصعب من جهاد غيرهم؟ أو أن سيوفهم أحدّ من سيوف من عداهم. و الآلام التي يواجهها المجاهدون معهم أشد من الآلام مع غيرهم؟ !

و لنا أن نحتمل هنا: أن الهدف هو تقديم خدمة جليلة للسائب بن خلاد بن سويد الذي ولي لمعاوية اليمن (3). فلعلهم أرادوا تعظيم شأن من


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 498 و راجع المصادر التالية: وفاء الوفاء ج 1 ص 307 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 273 و المغازي للواقدي ج 2 ص 529 و 530 و جوامع السيرة النبوية ص 157 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 265 و راجع: عيون الأثر ج 2 ص 76 و مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 252 و البداية و النهاية ج 4 ص 126 و نهاية الأرب ج 17 ص 196 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 253 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 243.

2) أنساب الأشراف ج 1 ص 344 و 345.

3) المصدر السابق.

هو من حزبهم، و مكافأته على إخلاصه لهم، فاخترعوا لأبيه هذه الأوسمة: و سام الشهادة، و وسام أجر شهيدين.

ب: أما بالنسبة لمنذر بن محمد، فشهادته أيضا في بني قريظة موضع شك و ريب.

و ذلك لما يلي:

1-قال ابن شهرآشوب: «لم يقتل فيه من المسلمين غير خلاد» (1).

2-قال ابن حزم عن خلاد بن سويد و أبي سنان بن محصن: «و لم يصب غير هذين» (2).

ج: أما بالنسبة لموت أبي سنان بن محصن، فهو أيضا مشكوك فيه، إذ إن منهم من قال: «بقي إلى أن بايع تحت الشجرة» (3).

و تقدم قولهم: لم يقتل من المسلمين غير خلاد. .

فاتضح مما ذكرناه: أنه لم يثبت استشهاد أي من هؤلاء الثلاثة في بني قريظة. .

الشهداء أشخاص آخرون:

و بعد ما تقدم نقول: إننا نجد في شعر حسان بن ثابت ما يشير إلى وجود قتلى غير هؤلاء، قد استشهدوا في هذه الغزوة، فهو يقول في رثاء سعد بن معاذ،


1) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 252 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 126 و نهاية الأرب ج 17 ص 196.

2) جوامع السيرة النبوية ص 157.

3) تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 273.

و جماعة ممن استشهد يوم بني قريظة:

صبابة وجد ذكّرتني إخوةو قتلى مضى فيها طفيل و رافع

و سعد فأضحوا في الجنان و أوحشتمنازلهم فالأرض منهم بلاقع (1)

أما قول البعض: إن الذين قتلوا من المسلمين في قريظة كانوا ثلاثة نفر، و في الخندق ستة (2)فلعله ناظر إلى أولئك الثلاثة الذين تقدمت أسماؤهم، و ذكرنا ما يوجب الشك في صحة ذلك، أو هو ناظر إلى الذين ذكرهم حسان.

و يزعم البعض: أن مجموع شهداء الخندق و قريظة، كان ستة نفر (3).

لكن قد تقدم في الجزء العاشر: ذكر عدد من استشهد من المسلمين في الخندق. و قد تراوحت الأقوال ما بين أربعة إلى ثمانية شهداء. . و الأقوال في شهداء بني قريظة قد ذكرناها آنفا. .

فما ذكره صاحب البدء و التاريخ، هنا: لعله جاء نتيجة جمعه بين القولين و هما: الأربعة في الخندق، و الاثنان في قريظة، أو خمسة في الخندق، و واحد في قريظة. و قد ظهر الحال مما ذكرناه فلا حاجة للإعادة. . لأنها ستكون خالية عن الإفادة.


1) البداية و النهاية ج 4 ص 136 و سيأتي هذا الشعر مع بقية مصادره.

2) الكامل في التاريخ ج 2 ص 187.

3) البدء و التاريخ ج 4 ص 220.

الفصل السادس: الغنائم و الأسرى

اشارة

الغنائم:

قالوا: «و جمعت أمتعتهم، فكانت ألفا و خمس مئة سيف، و ثلاث مئة درع، و ألفي رمح، و خمس مئة ترس و جحفة، و جمالا كانت نواضح، و أثاثا و آنية كثيرة، و ماشية و شياها كثيرة. و وجدوا جرار خمر، فأهريق، و لم يخمس» (1).

«و أمر بالسلاح و الأثاث، و المتاع، و الثياب، فحمل إلى دار بنت الحارث، و أمر بالإبل و الغنم فتركت هناك ترعى في الشجر» (2).

تخميس الغنائم و قسمتها:
اشارة

ثم قسم «صلى اللّه عليه و آله» النساء، و الأبناء و الأموال، بعد أن أخرج


1) الوفا ص 695. و راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 496 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و السيرة الحلبية ج 2 ص 339 و 340 و المغازي للواقدي ج 2 ص 509 و 510 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 19 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 245 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 32 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 75 و عيون الأثر ج 2 ص 74.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 512 و 513 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 247 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 22. و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 75.

الخمس، و الصفي منها.

و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أسهم للفارس ثلاثة أسهم: سهم له، و سهمان لفرسه. أما الراجل، فأعطاه سهما واحدا (1).

و كانت خيل المسلمين: ستة و ثلاثين (2)أو ثمانية و ثلاثين فرسا (3).

و يزعم الواقدي: أنه كان للزبير فرسان، فأسهم له النبي «صلى اللّه عليه و آله» خمسة أسهم (4). و قاد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ثلاثة أفراس، فلم يضرب إلا سهما واحدا (5).


1) العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 32 و راجع المصادر التالية: الثقات ج 1 ص 278 و جوامع السيرة النبوية ص 155 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 256 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242 و عيون الأثر ج 2 ص 75 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 187 و البداية و النهاية ج 4 ص 126 و بهجة المحافل ج 1 ص 276 و الإكتفاء ج 2 ص 186. و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 252 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و السيرة الحلبية ج 2 ص 339 و المغازي للواقدي ج 2 ص 521 و 525 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 250 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28.

2) راجع المصادر في الهامش السابق و المغازي للواقدي ج 2 ص 522 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 250 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 75 و المواهب اللدنية ج 1 ص 117 و نهاية الأرب ج 17 ص 196.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53 و الإرشاد للمفيد ص 65.

4) المغازي للواقدي ج 2 ص 525.

5) المغازي للواقدي ج 2 ص 522 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 250 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28.

قالوا: «و لم يكن يسهم للخيل إذا كانت مع الرجل إلا لفرسين» (1).

قالوا: «و لم تقع القسمة و لا السهم إلا في غزاة بني قريظة» (2).

و قالوا أيضا: «كان هذا أول فيء وقعت فيه السهمان و الخمس (3)، فعلى سنتها و ما أمضى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فيها وقعت المقاسم، و مضت السنة في المغازي» (4).

و قال ابن سعد: «و أمر بالغنائم فجمعت، فأخرج الخمس من المتاع و السبي، ثم أمر بالباقي فبيع فيمن يزيد، و قسمه بين المسلمين» .

زاد الواقدي قوله: «و قسمت النخل» (5).

و كان المسلمون ثلاثة آلاف، و الخيل ستة و ثلاثين فرسا. فكانت السهمان على ثلاثة آلاف و اثنين و سبعين سهما (6).


1) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 252.

2) دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24.

3) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 256 و عيون الأثر ج 2 ص 75 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242 و البداية و النهاية 4 ص 126 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 187 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 276 و الإكتفاء ج 2 ص 186 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 252 و تاريخ الخميس ج 1 ص 499 و السيرة الحلبية ج 2 ص 339 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24.

4) راجع المصادر في الهامش السابق باستثناء سيرة ابن كثير و البداية و النهاية.

5) طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 75 و راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 117 و نهاية الأرب ج 17 ص 196 و راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 521- 525 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 250 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28.

6) المغازي للواقدي ج 2 ص 522 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 250 و سبل الهدى-

أما الأموال: فجزئت خمسة أجزاء و كتب في سهم منها للّه، و كانت السهمان يومئذ بواء (أي سواء) فخرجت السهمان، و كذلك الرثة، و الإبل، و الغنم و السبي، ثم فض أربعة أسهم على الناس.

و أحذى (أي أعطى من الغنيمة، و في نص آخر: أخذ فيء رسول اللّه) النساء، اللاتي حضرن القتال يومئذ: صفية بنت عبد المطلب و أم عمارة، و أم سليط، و أم العلاء، و السمراء بنت قيس، و أم سعد بن معاذ (1)، و كبشة بنت رافع (2)و لعلها أم سعد بن معاذ نفسها.

و أسهم لخلاد بن سويد، قتل تحت الحصن، و لأبي سنان بن محصن، مات و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» محاصرهم، و كان يقاتل مع المسلمين (3)، و كان «صلى اللّه عليه و آله» يسهم و لا يتخير (4).

و بتعبير آخر: «و كذلك صنع من رثتهم، قسمت قبل أن تباع، و كذلك النخل عزل خمسه، و كل ذلك يسهم عليه خمسة أجزاء، و يكتب في سهم

(6) -و الرشاد ج 5 ص 28 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 17 و راجع: نهاية الأرب ج 17 ص 196.


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 522 إمتاع الأسماع ج 2 ص 250 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28 و 29 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 339.

2) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 29 و السيرة الحلبية ج 2 ص 339.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 522 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 250 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 18 و السيرة الحلبية ج 2 ص 341.

4) المغازي ج 2 ص 524 و 523 و راجع: نهاية الأرب ج 17 ص 196.

منها فيئه، ثم يخرج السهم، فحيث طار سهم أخذه، و لم يتخير» (1).

و صار الخمس إلى محمية بن جزء الزبيدي، و هو الذي قسم المغنم بين المسلمين (2).

و نقول: إن لنا هنا وقفات، و تأملات، نشير إلى طائفة منها فيما يلي:

ألف: جرار الخمر في بني قريظة:

قد ذكرت بعض النصوص: أنهم وجدوا جرار خمر، فاهريق ما فيها. «و هذا يدل على أن الخمر كانت محرمة قبل ذلك» (3).

و قد تحدثنا عن أن تحريم الخمر قد كان في أول الإسلام، و قبل الهجرة في موضع آخر من هذا الكتاب فراجع.

ب: أول فيء جرت فيه السهمان:

قالوا: إن فيء بني قريظة كان أول فيء جرت فيه السهمان.

و نقول:

قال الحلبي: «فيه نظر، لأن ذلك إنما كان في بني قينقاع، فإن الفيء


1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 523 و 524 و راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 75 و المواهب اللدنية ج 1 ص 117 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28 و راجع: نهاية الأرب ج 17 ص 196.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 339 و 340.

الحاصل منهم خمس خمسة أخماس، أخذ «صلى اللّه عليه و آله» واحدا، و الأربعة لأصحابه» (1).

و خمّس أيضا الغنائم في بدر، بل و في موارد أخرى أيضا. حسبما ذكرناه في طيات هذا الكتاب، في موارده المناسبة.

فلعل الصحيح هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» «أسهم للخيل، فكان أول يوم وقعت فيه السهمان لها» (2).

و على حد تعبير اليعقوبي: «كان أول مغنم أعلم فيه سهم الفارس» (3).

لكن من الواضح: أن الخيل كانت موجودة في غزوة بدر، فلا بد من التحقيق إن كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد جعل لها سهما أم لا.

ج: سهام الخيل:

و ذكرت الروايات المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى للفرس سهمين، و لصاحبه سهما واحدا، و كان للزبير فرسان فأعطاه خمسة أسهم.

و نقول:

أولا: لا ندري ما هو المبرر لإعطاء الفرس سهمين، و لصاحبه سهما واحدا، فهل للفرس نشاط حربي يزيد على ما لصاحبه؟ !

ثانيا: قد روي عن الزير بن العوام أنه قال: شهدت بني قريظة فارسا،


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 339.

2) فتح الباري ج 7 ص 319 و وفاء الوفاء ج 1 ص 308.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53 و الإرشاد للمفيد ص 65.

فضرب لي سهم، و لفرسي سهم (1).

ثالثا: قال اليعقوبي و الشيخ المفيد: «قسمت أموال بني قريظة و نساؤهم و أعلم سهم الفارس، و سهم الراجل، فكان الفارس يأخذ سهمين، و الراجل سهما» (2).

سبي بني قريظة:

لم يكن الإسلام مهتما بالرق، و بالاسترقاق، لولا أنه يريد دفع غائلة الآخرين عنه. و قصة سبي بني قريظة، كما يرى البعض، تدل على أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أنشأ الرق على أعدائه في ميدان القتال، معاملة لهم بالمثل، إذ لو أسروا المسلمين لاسترقوهم بل كان المشركون يسترقون الآخرين من غير قتال، بل كانوا أخذوا بعض المسلمين غدرا كما تقدم في غزوة الرجيع فباعوهم، و أذاقوهم أشد العذاب.

فالنبي «صلى اللّه عليه و آله» سبى في الحرب و استرق عملا بمبدأ المقابلة بالمثل، لكن أعداءه استرقوا من المسلمين بغير حرب (3).

الصفي من السبي:

و كان «صلى اللّه عليه و آله» قد أخرج الخمس من المغنم قبل بيعه،


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 524.

2) تاريخ اليعقوبي: ج 2 ص 53 و الإرشاد للمفيد ص 65.

3) راجع: خاتم النبيين ج 2 ص 955 و 956.

و تقسيمه، فكان يعتق من هذا الخمس، و يهب منه، و يخدم منه من أراد (1).

و روي: أنه كان لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» جارية يقال لها: ربيحة، أخذها من سبي بني قريظة، و جعلها في نخل له يدعى نخل الصدقة.

و قد يظهر من بعضهم: أنها نفس ريحانة الآتي ذكرها (2).

و اختار من سبي بني قريظة جارية يقال لها: تكانة بنت عمرو، و كانت في ملكه فلما توفي «صلى اللّه عليه و آله» تزوجها العباس (3).

و ذكروا أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد اصطفى عمرة بنت خنافة (4).

و قال اليعقوبي: «إنه «صلى اللّه عليه و آله» اصطفى من السبي ست عشرة جارية، فقسمها على فقراء بني هاشم، و أخذ لنفسه منهم واحدة، يقال لها: ريحانة» (5).

و قد كان يحق للنبي أن يصطفي من المغنم قبل قسمته، و قبل إخراج خمسه.

و كان من الواضح: أن النبي لم يكن يهمه إلا حل مشكلات الفقراء و المعوزين، فلم يكن يستفيد مما يصطفيه استفادة شخصية، ليزيد من ثروته


1) راجع: المغازي ج 2 ص 523 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28 و الطبقات الكبرى لابن سعد ج 2 ص 75 و المواهب اللدنية ج 1 ص 117.

2) راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 543 و 453.

3) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء)1 ص 209 عن تاج التراجم.

4) المصدر السابق ج 1 ص 252.

5) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 52 و 53.

المالية، أو ليشبع نهما غريزيا له بالنساء.

ريحانة جارية رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:

و كان في جملة سبي بني قريظة جارية اسمها ريحانة، و قد اختلف في نسبها. فهل هي ريحانة بنت عمرو بن خنافة (حذافة، قنافة، حصافة) (1)أم هي بنت زيد (2)؟

أم بنت شمعون بن زيد بن خنافة، بن عمرو، بن قريظة (3).

و شمعون هو نفس عمرو (4). إلى آخر ما هنالك مما يمكن ملاحظته في المصادر المختلفة.

و قالوا: إنها كانت من بني النضير، متزوجة من رجل من بني قريظة


1) الثقات ج 1 ص 278 و راجع: الإصابة ج 4 ترجمة ريحانة و جوامع السيرة النبوية ص 155 و 156 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 256 و عيون الأثر ج 2 ص 75 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242 و البداية و النهاية ج 1 ص 126 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 187 و السيرة الحلبية ج 2 ص 346 و قال: إن شمعون مولى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

2) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 209 و المغازي للواقدي ج 2 ص 520 و 521 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 27 و السيرة الحلبية ج 2 ص 346 و أنساب الأشراف ج 1 ص 454.

3) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19 و المحبر ص 94. و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 453 و راجع ص 515 و 443.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 346 و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 453 و لم يذكر اسمه.

اسمه: الحكم (1).

و عند ابن حبيب: عبد الحكم (2).

و قد اصطفاها النبي «صلى اللّه عليه و آله» لنفسه (3)و كانت جميلة وسيمة (4).

قال الواقدي و غيره ما ملخصه: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» اصطفاها، فأبت أن تسلم فوجد «صلى اللّه عليه و آله» في نفسه.

ثم ذكر ذلك لثعلبة بن سعية القرظي، فأقنعها بالإسلام، فأسلمت، فسر بذلك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

ثم أرسلها إلى بيت سلمى بنت قيس، أم المنذر، فبقيت عندها حتى حاضت و طهرت، فخيّرها النبي «صلى اللّه عليه و آله» بين أن يعتقها، و يتزوجها، و يضرب عليها الحجاب، و بين أن تكون في ملكه.

فاختارت الثاني: فبقيت في ملكه، يطؤها حتى ماتت عند (5)مرجعه من


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 520 و 521 و سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 220 و السيرة الحلبية ج 2 ص 346 و غير ذلك كثير.

2) المحبر ص 94.

3) راجع: تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53 و جميع المصادر التاريخية التي ذكرت أحداث هذه الغزوة.

4) سبل الهدى و الرشاد ج 11 ص 220 و السيرة الحلبية ج 2 ص 346 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19.

5) المغازي للواقدي ج 2 ص 520 و 521 و السيرة الحلبية ج 2 ص 346 و 347 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 27 و 28 و أنساب الأشراف ج 1 ص 454 و وفاء الوفاء ج 1 ص 309.

حجة الوداع فدفنها بالبقيع (1).

و يدل على ذلك ما عن ابن سيرين: أن رجلا لقي ريحانة بالموسم فقال لها: إن اللّه لم يرضك للمؤمنين أما فقالت: و أنت فلم يرضك اللّه لي ابنا (2).

و نقول:

إن لنا في هذا المقام نقاشا نلخصه فيما يلي:

1-أما بالنسبة لما ذكره الواقدي و غيره عن ريحانة، فإننا نقول:

أولا: إن عددا من المؤرخين يصرح: بأنها بقيت في ملكه «صلى اللّه عليه و آله» حتى مات (3).

ثانيا: قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد عرض عليها أن يتزوجها، و يضرب عليها الحجاب، ينافيه ما تقدم في قصة خيانة أبي لبابة: عن أم سلمة، و كذا ما تقدم في الجزء الحادي عشر من هذا الكتاب صفحة 83 عن


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 347 و راجع: وفاء الوفاء ج 1 ص 309.

2) أنساب الأشراف ج 1 ص 453.

3) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 126 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242 و 243 و وفاء الوفاء ج 1 ص 308 و تاريخ الخميس ج 1 ص 4998 و 4990. و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 252 و 253 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 163 و الإكتفاء ج 2 ص 186 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 256 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 262 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24 و البحار ج 20 من 278 و البدء و التاريخ ج 4 ص 220 و المحبر ص 94 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 32. و جوامع السيرة النبوية ص 155 و 156 و راجع عيون الأثر ج 2 ص 75.

عائشة: من أن الحجاب لم يكن قد فرض على نساء النبي حينئذ.

ثالثا: إنهم يقولون: كانت بعد وفاة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تحتجب في أهلها، و تقول: لا يراني أحد بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» . قال الواقدي: فهذا أثبت الحديثين عندنا (1).

رابعا: إنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أعتقها و تزوجها (2)بعد أن أسلمت، و حاضت، و أصدقها إثني عشرة أوقية و نشا، أي نصفا. و أعرس بها في المحرم سنة ست (3).

و قيل: بل جعل صداقها عتقها (4).

خامسا: قد ذكروا: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» طلقها بسبب غيرتها الشديدة، ثم راجعها، و كان يقسم لها كسائر نسائه (5).

سادسا: قال ابن شهرآشوب: إن ريحانة لم تسب في غزوة بني قريظة، بل أهداها المقوقس إليه هي و مارية القبطية.

قال: و يقال: إنه أعتق ريحانة ثم تزوجها (6).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 521 و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 454.

2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 521 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 249 و راجع: مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 209 و سيرة مغلطاي ص 57 و وفاء الوفاء ج 1 ص 309.

3) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19 و السيرة الحلبية ج 2 ص 347.

4) أنساب الأشراف ج 1 ص 454.

5) أنساب الأشراف ج 1 ص 454 و السيرة الحلبية ج 2 ص 347.

6) مناقب آل أبي طالب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 209.

و لم أجد هذا في أي مصدر آخر، و اتفاق المؤرخين على سبيها يبعّده كثيرا.

2-أما بالنسبة لما نقله ابن سيرين، عن قصة ريحانة مع ذلك الرجل في موسم الحج، فقد يناقش فيه: بأن من الممكن أن يكون ذلك الرجل قد التقى بها في الموسم قبل زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» بها في سنة ست.

و هو كلام غير مقبول: إذ لم يمكن للمسلمين الحج إلى مكة إلا بعد فتح مكة في سنة ثمان.

إلا أن يقال: إن عدم إمكان الحج إنما هو بالنسبة للنبي و المسلمين، لا بالنسبة لسبي بني قريظة، و بعض الأفراد الآخرين من الناس العاديين.

و لكن هذا الكلام أيضا بعيد: فإن قريشا لم تكن تسمح لأحد من المسلمين بالحج في تلك الظروف الصعبة. . فلا تصلح رواية ابن سيرين، لا للاستدلال و لا حتى للتأييد.

فالراجح بعد كل ما تقدم هو: أنها قد بقيت بعد وفاة النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

لكن يبقى ثمة حالة من الشك فيما يقال عن: تزوج النبي «صلى اللّه عليه و آله» منها، أو أنها بقيت في ملكه.

و قد يكون الراجح هو: عدم الزواج منها، طبقا للروايات الأخرى، و منها ما ذكره ابن سيرين.

ملاحظة هامة: إن ما يلفت نظرنا هو: أنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يكره ريحانة على الإسلام، و لم يقدّم لها مغريات مادية في هذا السبيل، إذ لا إكراه في الدين، و لأنه «صلى اللّه عليه و آله» يريد لها أن تقتنع بالإسلام الصافي النابع من عمق ضميرها، و صافي وجدانها و لتقبل إليه عن قناعة عقلية

و قلبية، و تفاعل مشاعري و روحي.

ملاحظة أخرى: لعل عدم إسلام ريحانة قد كان في بادئ الأمر، حين عرض عليها ذلك. ثم لما استقر بها المقام و أعادت النظر في الأمور ظهر لها خطأ موقفها الأول، و عرفت الحق، فقبلته.

عدد السبايا:

قالوا: «و كانت نساؤهم و ذراريهم سبع مئة و خمسين» (1).

و قيل: تسع مئة (2).

و قيل: كان السبي ألفا من النساء و الصبيان (3).

بيع السبي:

و أمر «صلى اللّه عليه و آله» فبيع السبي فيمن يريد (أو يزيد) (4)فاشترى أبو الشحم اليهودي امرأتين مع كل واحدة منهما ثلاثة أطفال غلمان، و جوار بخمسين و مئة دينار.

و جعل يقول: ألستم على دين اليهود؟


1) مجمع البيان ج 8 ص 352 و البحار ج 20 ص 212 و بهجة المحافل ج 1 ص 276.

2) بهجة المحافل ج 1 ص 276.

3) إمتاع الأسماع ج 1 ص 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 16 و السيرة الحلبية ج 2 ص 338 و المغازي للواقدي ج 2 ص 523.

4) المغازي للواقدي ج 2 ص 521 و 522 و 524 و 525 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 250 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 28.

فتقول المرأتان: لا نفارق دين قومنا حتى نموت عليه، و هن يبكين (1).

و باع من عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف طائفته (2).

و جعل عثمان لكل من جاء من سبيهم زيادة على الثمن الذي دفعه، و صار أكثر العجائز في سهم عثمان، فربح عثمان بذلك مالا كثيرا، لأن المال كان يوجد عند العجائز و لا يوجد عند الشواب (3).

و يقال: لما اقتسما-أي عثمان، و ابن عوف-جعلا الشواب على حدة، و العجائز على حدة، ثم خيره عبد الرحمن، فاختار عثمان العجائز (4).

قال ابن سبرة: و إنما لم يؤخذ ما جاءت به العجائز، فيكون في الغنيمة؛ لأنه لم يوجد معهن إلا بعد شهر أو شهرين، فمن جاء منهن بالذي وقّت لهن عتق، فلم يتعرض لهن (5).

تفاوت الاهتمامات:

و نود أن يتنبه القارئ العزيز إلى اهتمامات هذين الصحابيين المعروفين:


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 522 و 523 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 29 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 339.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 523 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 250 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 29 و تاريخ الخميس ج 1 ص 499.

3) الشواب: جمع شابات.

4) المغازي للواقدي ج 2 ص 523 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 29 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 346.

5) سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 29.

عبد الرحمن بن عوف، و عثمان بن عفان، هنا، و يقارن بينها و بين قول علي «عليه السّلام» : يا دنيا غري غيري، ثم موقفه «عليه السّلام» من سلب عمرو بن عبدود الذي عاتبه فيه المعاتبون، و قد قدمنا ذلك في غزوة الخندق، فراجع.

بيع السبايا و شراء السلاح:

و بعث «صلى اللّه عليه و آله» سعيد (سعد) بن زيد الأشهلي مع سبايا من بني قريظة إلى نجد، فابتاع لهم بها خيلا و سلاحا (1).

و يقولون أيضا: إنه «صلى اللّه عليه و آله» بعث بطائفة من سبي بني قريظة مع سعد بن عبادة إلى الشام، يبيعهم، و يشتري بهم سلاحا و خيلا (2).


1) راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 256 و عيون الأثر ج 2 ص 75 و البداية و النهاية ج 4 ص 126 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 29 و تاريخ الخميس ج 1 ص 499 و نهاية الأرب ج 17 ص 196 و الإكتفاء للكلاعي ج 2 ص 186 و المحبر ص 93 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 262 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 252 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 و السيرة الحلبية ج 2 ص 346 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 24 و مجمع البيان ج 8 ص 352 و البحار ج 20 ص 212 و 278 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 242. و راجع: خاتم النبيين ج 2 ص 955 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 276.

2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 250 و 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 29 و 24 و 25 و المغازي للواقدي ج 2 ص 523 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 و السيرة الحلبية ج 2 ص 346 و مجمع الزوائد ج 6 ص 141 عن الطبراني في الصغير الأوسط.

قال الحلبي: «فاشترى بذلك خيلا كثيرا قسمها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على المسلمين» (1).

و لعله «صلى اللّه عليه و آله» قد أرسل إلى نجد و إلى الشام معا.

و نقول:

ألف: إن شراء السلاح يدخل في سياسة الردع السلبي، من خلال ما يثيره هذا السلاح الوفير من خوف و رعب لدى أعداء الدعوة الإسلامية. و لا سيما إذا كانت مضاعفة القوة التسليحية قد جاءت بعد حروب قوية و مصيرية، كحروب بدر، و أحد و الأحزاب، و بعد القضاء على شوكة اليهود في محيط عاصمة الإسلام بعد استئصال شأفة بني قينقاع، و النضير، و بني قريظة.

ب: و الملفت للنظر هنا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قسم الخيل و السلاح الذي اشتراه على المسلمين. الأمر الذي يعطي انطباعا بأن على الدولة أن تخطط للتسليح الكافي و الوافي، و لا تقتصر على ما يتوفر لدى الناس العاديين.

ج: و نكاد نطمئن إلى أن الذين باعهم في نجد، و في الشام لم يكونوا من جملة الغنائم التي تعود ملكيتها للمقاتلين، بل هي من الخمس الذي يعود البت فيه إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» نفسه.

إلا إذا قلنا-و ذلك بعيد-: إن أرض بني قريظة لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب، فتعود ملكية كل ما يحصل منها إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 346.

و آله» . و يكون إعطاء الرسول «صلى اللّه عليه و آله» سهما للمقاتلين مع عدم حصول قتال، تفضّل منه «صلى اللّه عليه و آله» و كرم.

و يكون ما قالوه: من تراشق بالنبال و الحجارة بين المسلمين و بين بني قريظة غير دقيق، أو لم يصل إلى درجة يعد معها: أنه قد جرى قتال بين الجيشين.

و أما إرسال أكابر أصحابه لفتح الحصن، ففشلوا، ثم كان الفتح على يد علي «عليه السّلام» ، فهو لا يعني حصول اشتباكات قتالية بين الفريقين أيضا.

إذ قد يكون رعبهم من بني قريظة، أو احترامهم لهم، قد منعهم من قتالهم، فآثروا الهزيمة على الصمود. فلما جاء علي «عليه السّلام» و نادى: يا كتيبة الإيمان، أدركوا أن عليا لن يكون كسلفه، فأخذهم ما قرب و ما بعد، و كان الاستسلام الذليل.

و كل ذلك يبقى مجرد رأي. و لعلنا نجد في بيع سبي بني قريظة في الشام قرينة لذلك.

لا يفرق بين الأم و ولدها:

و قد نهى «صلى اللّه عليه و آله» أن يفرق بين سبي بني قريظة في القسمة و البيع بين النساء و الذرية.

و قال يومئذ: لا يفرق بين الأم و ولدها حتى يبلغوا.

فقيل: يا رسول اللّه، و ما بلوغهم؟ !

قال: تحيض الجارية، و يحتلم الغلام (1).

و كان «صلى اللّه عليه و آله» يومئذ يفرق بين الأختين إذا بلغتا، و بين الأم و ابنتها إذا بلغت (2).

و كانت الأم تباع و ولدها الصغار لمشركي العرب، و ليهود المدينة، و تيماء و خيبر، يخرجون بهم، فإذا كان الوليد صغيرا ليس معه أم لم يبع من المشركين، و لا من اليهود، إلا من المسلمين (3).

و ابتاع يومئذ محمد بن مسلمة امرأة من السبي معها ابناها بخمسة و أربعين دينارا (4).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 524 و الإمتاع ج 1 ص 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 30 و السيرة الحلبية ج 2 ص 346.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 524 و السيرة الحلبية ج 2 ص 346.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 524. و الإمتاع ج 1 ص 252 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 30 و راجع: و السيرة الحلبية ج 2 ص 346.

4) المغازي للواقدي ج 2 ص 524.

ملحق:

بلوغ المرأة

بلوغ الجارية بالسن أم بالحيض:

قد عرفنا، أنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد حدد البلوغ في غزوة بني قريظة بقوله: تحيض الجارية، و يحتلم الغلام، حسبما رواه الواقدي (1).

و نقول:

إن هذا موضع شك و ريب عندنا، فقد ثبت عن النبي الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، و عن أهل بيته الطاهرين:

1-أن بلوغ الغلام لا ينحصر بالاحتلام، بل قد يكون بالسن، و بغيره أيضا.

2-أن بلوغ الجارية إنما يتحقق بإتمامها تسع سنين، و قد دلت على ذلك روايات كثيرة. سيأتي التعرض لها إن شاء اللّه تعالى.

و ستأتي أيضا الروايات التي استند إليها القائلون بأن بلوغها يكون بالحيض. ذاكرين إن شاء اللّه تعالى ما يفيد في الجمع و رفع التعارض فيما بين تلك الروايات. و لكننا نشير قبل ذلك: إلى أن بعض الناس قد استدل على


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 524 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 251 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 30 و السيرة الحلبية ج 2 ص 246.

بلوغ الجارية بالحيض بآية قرآنية، فنحن نشير إلى كيفية استدلاله على ذلك، و إلى وضوح و بداهة بطلان ما يدعيه، فنقول:

حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا اَلنِّكٰاحَ :

استدل البعض: على أن بلوغ الجارية إنما هو بالحيض بقوله تعالى: وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا اَلنِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ. . (1).

معتبرا أن البلوغ الذي يجعل الإنسان مطالبا بتطبيق أحكام الشرع هو بلوغ النكاح، أي الوصول إلى مرحلة النضج الجنسي، الذي يتحقق لدى الشاب بخروج المني، و لدى الفتاة بحدوث الحيض. ثم أيّد ذلك بما نسبه إلى بعض الأطباء، الذين يعتبرهم أهل خبرة، و أن قولهم حجة.

و مما قاله أيضا في هذا المجال: «إن الإنسان ذكرا كان أو أنثى يملك إرادته في أمواله و في نفسه، عند ما يبلغ. و الآية الكريمة المتقدمة: وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا اَلنِّكٰاحَ. . و هو مرحلة النضوج فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ. . تدل على أن الفتاة البالغة إذا كانت رشيدة، فإنها تستقل في شؤونها، في الزواج، و في المال، و في غير ذلك.

و نقول:

أولا: إذا كان المعيار في البلوغ هو النضج الجنسي و كان التعبير الطبيعي عن ذلك هو خروج المني لدى الشاب، و حصول الحيض لدى الفتاة، فلا


1) الآية 6 من سورة النساء.

يبقى معنى لتحديد البلوغ بالسن كلية. فإذا رأت الفتاة و هي في السابعة أو الثامنة من عمرها مثلا قبل بلوغها سن التاسعة دما بصفات دم الحيض فعلى هذا البعض أن يحكم بكونه حيضا، و يكون به بلوغها.

مع أن الفقهاء يحكمون بكونه استحاضة و هو إجماعي عندهم (1)و أنه لا بلوغ قبل سن التاسعة! ! مما يعني أن الروايات التي تتحدث عن الحيض كعلامة للبلوغ، إنما أرادت أنه علامة على البلوغ في خصوص صورة الاشتباه في مقدار السن.

و هي علامة مبنية على الغالب لا يلتفت معه إلى الشاذ النادر جدا فإذا علم بالسن كان هو المعيار، فلو خرج دم بصفة دم الحيض قبل سن التاسعة لا يعتد به، بل يعتبر استحاضة (2).

و مهما يكن من أمر: فمع الاشتباه في السن فإن الدم يكون علامة على البلوغ لأن الحيض لا يكون إلا بعد التسع فإذا علم بالحيض فقد علم بتجاوز التسع سنين.

و يبقى لنا هنا سؤال و هو: ماذا لو تأخر دم الحيض (معيار النضج الجنسي) و كذلك تأخر خروج المني لدى الشاب إلى السادسة عشرة، أو الثامنة عشرة، أو أكثر؟ !

فهل يحكم بتأخر البلوغ تبعا لذلك؟ !


1) مفتاح الكرامة ج 1 ص 339 عن المعتبر و المنتهى، و شرح المفاتيح، و الذكري و المدارك، و مجمع البرهان و ستأتي إن شاء اللّه.

2) راجع: جواهر الكلام ج 26 ص 44 و 45.

فإذا كان الجواب: بالإيجاب فما معنى تحديد البلوغ بالخامسة عشرة لدى الشباب؟ ! و بالثالثة عشرة لدى الفتاة حسبما صرح به نفس هذا القائل في موارد أخرى.

و إذا كان الجواب: بالنفي فذلك هو ما نريد بيانه و تقريره أن الحيض ليس هو الميزان في البلوغ.

ثانيا: إن الآية لم تبين لنا: أن المقصود هل هو فعلية حصول قذف المني، و خروج دم الحيض أو حصول القابلية؟ فإن القابلية تبدأ من سن التاسعة كما يستفاد من الروايات الآتية إن شاء اللّه.

و مما يشير إلى ذلك: أنها عبرت ببلوغ النكاح أي حصول القابلية له و لم تشر إلى ما سوى ذلك.

ثالثا: ليس في الآية الكريمة حديث عن البلوغ الشرعي، و إنما هي قد حددت شرطي تسليم أموال اليتامي إليهم و هما الرشد، و بلوغ النكاح، أي صيرورة اليتيم أهلا للزواج؛ فالأهلية للزواج شرط لدفع المال إليه، و إن كان الذي أصبح أهلا للزواج قد وضع عليه قلم التكليف قبل ذلك بسنوات.

فلا ملازمة بين هذه الأهلية و بين البلوغ الشرعي بمعنى وضع قلم التكليف عليه، إذ قد تمنع الحالة الصحية و البنية الجسدية من تحقق أهلية الزواج و النكاح لكنها لا تمنع من وضع قلم التكليف.

كما أن من الممكن أن يتأخر الرشد عن التكليف و عن حصول الأهلية للنكاح معا.

رابعا: لا نسلم أن بلوغ النكاح هو فعلية النضج الجنسي المتمثل بالحيض و قذف المني بل المراد القدرة على ممارسة الجنس دون أن يحدث ذلك سلبيات أو

مشاكل عضوية كالإفضاء للفتاة و ذلك في الظروف الطبيعية و حيث يكون ثمة تناسب بين الشريكين.

أما بالنسبة للشاب، فبلوغ النكاح هو بخروج المني أو بلوغ السن الذي تتحقق معه قابلية النكاح عادة بالقياس إلى نوع الشباب و غالبيتهم و في الروايات ما يفيد عدم الضمان إذا وطئ الزوجة بعد سن التاسعة و ثبوت الضمان لو وطأها قبل ذلك.

كما دلت الروايات أيضا: على أن الصبي الذي لا ينزل المني قد يطأ المرأة أيضا (1).

خامسا: لو سلمنا: أن المراد هو: النضج الجنسي، فإننا نقول: إن هذا النضج و التجاوب الجنسي له مراتب، و لعل أقصاها هو حالة حصول الحيض في الفتاة و بلوغ سن الخامسة عشرة لدى الشباب.

فقد يكون المراد ببلوغ النكاح: هو بلوغ أولى تلك المراتب، كما تشير إليه كلمة (بلوغ) .

فإذا قيل: فلان بلغ درجة الاجتهاد مثلا فلا يعني ذلك أنه قد بلغ أعلى مراتبه بل يكفي بلوغه أولى تلك المراتب.

و قد تكون أولى مراتب الحيوية و التجاوب الجنسي في الفتاة هي بلوغ البنت سن التاسعة، فلا يلزم من بلوغ النكاح حصول الحيض بالفعل، بل قد يبلغ النكاح مع علمنا بعدم حصول الحيض فعلا.

و بعد ما تقدم فإن النتيجة هي: أن المعيار هو السن و خروج المني في


1) راجع: وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج 28 ص 82 و 83.

الذكور، و بلوغ التاسعة في الإناث. و لكن بما أن ذلك قد يشتبه أحيانا، بسبب عدم ضبط الناس لتواريخ مواليدهم، أو لاحتمال التزوير فيها أحيانا، من أجل التخلص و التملص من أمر مكروه لهم، فقد جعل الإنبات في الذكر و الأنثى، و الحيض في الأنثى علامة على ذلك، لأن ذلك يعني-إلا فيما ندر ندرة كبيرة-: أن من تحيض، أو من أنبت قد تجاوز السن المحدد للتكليف.

و هذا بالذات هو ما حصل في بني قريظة (1)و أشارت إليه بعض النصوص التي تقول: فإن كانوا لا يعلمون أنه قد بلغ، فإنه يمتحن بريح إبطه، أو نبت عانته، فإذا كان ذلك، فقد بلغ (2).

سادسا: إن هذا القائل قد جعل البلوغ منوطا بالنضج الجنسي المتمثل بزعمه بحدوث الحيض للفتاة بالفعل. و جعل أمر الشارع بإعطاء المال لها في هذه الحال إذا كانت رشيدة من آثار هذا البلوغ الشرعي المصاحب للرشد.

فإذا صح جعل إعطاء المال قرينة على تحقق البلوغ الشرعي، حين البلوغ الجنسي، فلم لا يجعل جواز الوطء الذي هو ممارسة فعلية للجنس دليلا على هذا البلوغ الجنسي الشرعي.

و قد حددت الروايات جواز الوطء هذا بسن التاسعة، سواء حصل حيض فعلا أم لم يحصل.

كما أن الروايات: قد ذكرت آثارا أخرى لذلك كوجوب استبراء الأمة


1) جامع المدارك ج 3 ص 362 و قد صرح بالإنبات فقط.

2) الوسائل ج 13 ص 428 و تفسير القمي ج 1 ص 131.

إذا كانت بنت تسع سنين. . و غير ذلك.

و الاستبراء يشير إلى إمكانية الحمل و هو معنى النضج الجنسي.

طائفتين من الروايات
اشارة

و نحن نشير فيما يلي: إلى طائفتين من هذه الروايات، التي يمكن تصنيفها إلى طوائف، فلاحظ ما يلي:

الطائفة الأولى:

ذلك القسم الذي تحدث عن عدم جواز وطء الجارية قبل بلوغ تسع

سنين.

أو أنه إذا دخل بها قبل ذلك فأفضاها كان ضامنا، و نذكر منها ما يلي:

1-معتبرة غياث بن إبراهيم عن علي «عليه السّلام» (1).

2-و ثمة رواية أخرى عنه «عليه السّلام» (2).

3-و صحيحة الحلبي عن الإمام الصادق «عليه السّلام» ، و ثمة رواية أخرى عن الحلبي عن الصادق «عليه السّلام» (3)أيضا.

4-و رواية أبي أيوب عنه «عليه السّلام» (4).


1) راجع: التهذيب للشيخ الطوسي ج 7 ص 410. و الوسائل ج 20 ص 103 أبواب مقدمات النكاح باب 45 ح 7.

2) تهذيب الأحكام ج 10 ص 243 ح 57.

3) الكافي ج 5 ص 398 رقم 2 و 4 و الوسائل ج 20 ص 101-103 باب 45 من أبواب مقدمات النكاح. و تهذيب الأحكام ج 7 ص 410 و راجع: الخصال ص 420. و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 413.

4) الكافي ج 5 ص 429 ح 12 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 311 ح 49 و 50.

5-و حديث أبي بصير عن أبي جعفر «عليه السّلام» (1).

6-و صحيحة حمران عن الإمام الصادق «عليه السّلام» (2).

7-و رواية أخرى عن الإمام الصادق «عليه السّلام» (3).

8-و موثقة زرارة عن أبي جعفر «عليه السّلام» (4)التي ردد فيها بين التسع و العشر سنين.

9-و صحيح رفاعة عن الإمام الكاظم «عليه السّلام» (5)و فيها: أن الطمث قد تحبسه الريح.

10-و مرسل يعقوب بن يزيد عن أبي عبد اللّه «عليه السّلام» (6).


1) الكافي ج 5 ص 398 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 391 ح 42 و راجع ص 451. و راجع: دعائم الإسلام ج 2 ص 214 و نوادر أحمد بن محمد بن عيسى ص 71 و مستدرك الوسائل ج 14 ص 213 و 214 و الوسائل ج 20 ص 102.

2) الوسائل ج 20 ص 104 ح 493 و من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 431 و 432.

3) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 413 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 410.

4) تهذيب الأحكام ج 7 ص 451 ح 14 و ص 410 و ج 9 ص 184 ح 742 و راجع: من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 412 ح 4440 و ج 4 ص 221 و الكافي ج 7 ص 68 و ج 5 ص 398 و مستدرك الوسائل ج 14 ص 214 و الوسائل ج 19 ص 366 و ج 18 ص 411 و ج 20 ص 102 و الخصال ص 420.

5) الكافي ج 3 ص 108 و ج 5 ص 475 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 468 ج 8 ص 177 و الإستبصار ج 3 ص 364 و من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 94 و الوسائل ج 2 ص 339 و ج 21 ص 86.

6) الوسائل ج 20 ص 494 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 311 و الإستبصار ج 4 ص 295 و الكافي ج 5 ص 429.

11-و حديث عمار السجستاني عن أبي عبد اللّه «عليه السّلام» (1).

12-و عن طلحة بن زيد عن جعفر بن محمد «عليه السّلام» (2).

13-و ذكرت الروايات: أن عليا «عليه السّلام» بني بفاطمة، و هي بنت تسع سنين (3).

14-و روايات تدّعي: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد بني بعائشة، و هي بنت تسع أو عشر سنين (4)و إن كنا قد شككنا بقوة في صحة هذه الروايات، فراجع (5).

و سيأتي في الجزء التالي أنها كانت متزوجة برجل قبل زواجها بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» .

15-رواية بريد العجلي عن الإمام أبي جعفر «عليه السّلام» (6).

فإن الروايات المتقدمة كلها قد تحدثت عن جواز وطء بنت تسع سنين، و عدم الضمان لو حدث أمر ما بسبب ذلك.


1) الكافي ج 5 ص 398 و 399 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 391 و 451 و الوسائل ج 20 ص 102.

2) الوسائل ج 20 ص 103 و تهذيب الأحكام ج 7 ص 410.

3) الكافي ج 8 ص 340 و البحار ج 19 ص 113 و 116 و مصادر ذلك كثيرة فراجع: ولادة فاطمة الزهراء «عليها السّلام» في كتابنا هذا.

4) راجع: الكافي ج 7 ص 388 و البحار ج 22 ص 235 و مصادر ذلك كثيرة.

5) راجع ج 3 ص 285.

6) تهذيب الأحكام ج 10 ص 249 و الإستبصار ج 4 ص 294 و الكافي ج 7 ص 314 ح 18 و الوسائل ج 20 ص 494.

و بعضها كموثقة زرارة عن أبي جعفر: قد رددت بين التسع و العشر سنين. فهذا الترديد إن كان من الراوي فلا إشكال. و إن كان من الإمام، فهو محمول على ملاحظة قدرة بنت تسع على تحمل الوطء أحيانا، بسبب ضعف بنيتها، أو بسبب عدم التناسب بينها و بين الطرف الآخر من ناحية جسدية.

و إن كان البعض قد حمله على الترديد من حيث الأفضلية و الاستحباب.

الطائفة الثانية:

هناك قسم آخر من الروايات تحدث عن وجوب استبراء الجارية إذا

كانت بنت تسع سنين و وجوب العدة عليها كذلك،

و أنه لا يجوز له وطؤها إذا لم يستبرئها و لا الزواج منها بدون ذلك و هو واضح الدلالة على وجود النضج الجنسي لديها، لأن إمكانية الحمل الذي يراد التحرز منه، لا يعني غير ذلك و نذكر من هذه الروايات ما يلي:

16-رواية عن الإمام الرضا «عليه السّلام» ، دالة على وجوب استبراء الجارية شهرا، إذا كانت بنت تسع سنين، و إذا كانت لم تدرك مدرك النساء في الحيض، و إذا كانت دون تسع، فلا استبراء لها (1).

17-رواية منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه في عدة الأمة التي لم تبلغ المحيض و يخاف عليها الحبل.

قال: خمسة و أربعون ليلة (2).


1) الوسائل ج 21 ص 85 و عيون أخبار الرضا ج 2 ص 19 رقم 44.

2) الوسائل ج 21 ص 84 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 172 و الإستبصار ج 3 ص 358.

و راجع رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه (1)عنه «عليه السّلام» و المراد ببلوغ المحيض هنا هو حدوث الحيض بالفعل. أي لم يحدث لها ذلك.

18-و كذا رواية ربيع بن القاسم عن أبي عبد اللّه «عليه السّلام» (2).

19-حديث عبد اللّه بن عمر، عن أبي عبد اللّه، في الجارية الصغيرة، يشتريها الرجل، و هي لم تدرك، أو قد يئست من المحيض، فقال «عليه السّلام» : لا بأس بأن لا يستبرئها (3).

20-و رواية الصدوق عن أبي جعفر «عليه السّلام» مثل حديث ابن عمر (4).

21-و حديث أبي بصير عن أبي عبد اللّه «عليه السّلام» ، في الجارية الصغيرة التي لم تطمث، و ليست بعذراء، يستبرئها؟ قال «عليه السّلام» : أمر شديد، إذا كان مثلها يعلق، فيستبرئها (5).

22-رواية عبد الرحمن بن الحجاج عن الإمام الصادق «عليه السّلام» ، حول الثلاثة اللاتي يتزوجن على كل حال، أي من دون حاجة إلى عدة، و ذكر أن بنت تسع ليست منهن، بل هي بحاجة إلى عدة.


1) تهذيب الأحكام ج 8 ص 172 و الإستبصار ج 3 ص 358 و الوسائل ج 21 ص 84.

2) الوسائل ج 21 ص 84 و 85 و 104 و 105 و ج 18 ص 258 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 170 و الكافي ج 5 ص 473 و الإستبصار ج 3 ص 358.

3) الوسائل ج 21 ص 85 و ج 18 ص 260 و الكافي ج 5 ص 472.

4) من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 446 ح 4546 و الوسائل ج 21 ص 85.

5) الوسائل ج 21 ص 85 و الكافي ج 5 ص 475 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 176 و الإستبصار ج 3 ص 362.

و فيها: أن التي لم تبلغ تسعا فهي لا تحيض، و مثلها لا تحيض (1). و قد وصف البعض هذه الرواية ب «الموثقة» .

و لكن آية اللّه الخوئي «رحمه اللّه» قد اعتبر هذه الرواية ضعيفة السند (2)و هو كما قال.

23-صحيحة الحلبي، حول جواز وطء الجارية التي لم تطمث بسبب كونها صغيرة، و أنها بحاجة إلى عدة، إن كانت قد بلغت (3)، أي بلغت مرحلة الحبل، فإن العدة، إنما هي للاستبراء من هذه الناحية، كما ذكره آية اللّه الخوئي «رحمه اللّه» (4).

24-صحيحة حماد بن عثمان، عن الإمام الصادق، في الصبية التي لا يحيض مثلها و التي يئست من المحيض، قال: ليس عليها عدة (5)و إن دخل بها.

25-صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما، في التي تحيض كل ثلاثة أشهر، أو في ستة أو في سبعة أشهر، و المستحاضة، و التي لم تبلغ المحيض. .


1) الكافي ج 6 ص 85 و راجع: تهذيب الأحكام ج 7 ص 469 و ج 8 ص 67 و 137 و الإستبصار ج 3 ص 337 و الوسائل ج 22 ص 179 و 181 و 183.

2) راجع: التنقيح في شرح العروة الوثقى ج 6 ص 86.

3) الوسائل: ج 21 ص 83 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 171 و الكافي ج 5 ص 473 و الإستبصار ج 3 ص 357.

4) مباني العروة الوثقى ج 1 ص 154.

5) الوسائل ج 22 ص 178 و 171 و 182 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 66 و 137 و الكافي ج 6 ص 85 و الإستبصار ج 3 ص 337.

إلى أن قال: فذكر أن عدة هؤلاء كلهن ثلاثة أشهر (1)و لا يكون ذلك إلا في فرض الدخول بهن.

26-رواية ابن أبي يعفور عن الصادق «عليه السّلام» : في الجارية لم تطمث، و لم تبلغ الحبل إذا اشتراها الرجل، قال: ليس عليها عدة، يقع عليها (2).

27-حديث هارون بن حمزة الغنوي عن الإمام الصادق «عليه السّلام» ، في جارية حدثة، طلقت، و لم تحض بعد، فمضى لها شهران، ثم حاضت أتعتد بالشهرين؟

قال «عليه السّلام» : نعم. الخ. . (3).

28-و قريب منه حديث ابن سنان عن الإمام الصادق «عليه السّلام» (4).

29-حسنة محمد بن مسلم عن أبي جعفر «عليه السّلام» : التي لا يحبل مثلها لا عدة عليها (5)فإن الكلام إنما هو في صورة الدخول بها. حيث يظهر أنه ناظر إلى التي لم تبلغ التاسعة، و التي يئست من المحيض.

30-عن أبي بصير قال: عدة التي لم تبلغ المحيض ثلاثة أشهر، و التي


1) جواهر الكلام ج 32 ص 247 و الوسائل ج 22 ص 183 و 184 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 119 و 120 و الإستبصار ج 3 ص 323 و الكافي ج 6 ص 99.

2) الوسائل ج 21 ص 83 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 171 و الإستبصار ج 3 ص 357.

3) تهذيب الأحكام ج 8 ص 139 و الوسائل ج 22 ص 181.

4) تهذيب الأحكام ج 8 ص 138 و الوسائل ج 22 ص 180.

5) الوسائل ج 22 ص 170 و 182 و الكافي ج 6 ص 85 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 68 و الإستبصار ج 3 ص 338.

تعدت من المحيض ثلاثة أشهر (1). فإن أخذنا بروايات ابن أبي حمزة البطائني باعتبار أنهم إنما كانوا يروون عنه قبل وقفه فهذه الرواية تكون صحيحة و معتبرة.

و قد يقال: لم يظهر أن هذا هو ما يذهب إليه أبو بصير شخصيا أو أنه ينقله عن المعصوم.

و الجواب: إن أبا بصير لا يقول ذلك من عند نفسه في أمر توقيفي كهذا.

لكن الشيخ و غيره قد حملوا هذه الرواية على المسترابة، أي التي لا تحيض، و هي في سن من تحيض (2).

31-رواية جميل بن دراج عن الإمام الصادق و الإمام الباقر «عليهما السّلام» في الرجل يطلق الصبية التي لم تبلغ و قد كان دخل بها، و المرأة التي قد يئست من المحيض، و ارتفع طمثها و لا تلد مثلها، قال: ليس عليهما عدة (3)، و إن دخل بهما.

روايات تحديد البلوغ بالتسع:

أما الروايات التي حددت البلوغ بالتسع بشكل صريح فهي التالية:


1) تهذيب الأحكام ج 8 ص 67 و 138 و الإستبصار ج 3 ص 338 و الكافي ج 6 ص 85 و الوسائل ج 22 ص 179.

2) راجع: الوسائل ج 22 ص 179 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 68 و المختلف ج 6 ص 611 و الكافي ج 6 ص 86 عن معاوية بن حكيم.

3) من لا يحضره الفقيه (ط مؤسسة النشر الإسلامي) ج 3 ص 513 و الكافي ج 6 ص 84 و 86 و تهذيب الأحكام ج 8 ص 66 و الوسائل ج 22 ص 178 و عن هامشه عن السرائر.

32-ما رواه محمد بن أبي عمير عن غير واحد عن الإمام الصادق «عليه السّلام» : حد بلوغ المرأة تسع سنين (1)و هي رواية معتبرة.

33-مرسلة أخرى عن الإمام الصادق «عليه السّلام» : إذا بلغت الجارية تسع سنين دفع إليها مالها، و جاز أمرها، و أقيمت الحدود التامة لها و عليها (2).

و يلاحظ: أن الرواية قد أوجبت دفع المال للجارية في سن التاسعة، فهي تصلح تفسيرا لآية: وَ اِبْتَلُوا اَلْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا اَلنِّكٰاحَ. . (3).

34-موثق الحسن بن راشد، عن العسكري «عليه السّلام» : إذا بلغ الغلام ثماني سنين، فجائز أمره، و وجب عليه الفرائض، و الحدود، و إذا تم للجارية تسع سنين فكذلك (4).

فهذه الرواية و إن كانت قد حددت البلوغ للجارية ببلوغ تسع سنين لكن تحديدها لبلوغ الغلام بثمان سنوات يبقى منشأ للإشكال فيها من هذه الناحية.

35-و خبر سليمان بن حفص المروزي، عن الرجل «عليه السّلام» قال: إذا تم للجارية تسع سنين فجائز أمرها. و قد وجبت عليها الفرائض


1) الخصال ص 421 و الوسائل ج 20 ص 104 و مستدرك الوسائل ج 1 ص 86 و 87.

2) الوسائل ج 19 ص 367 و ج 18 ص 411 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 221 ح 5522.

3) الآية 6 من سورة النساء.

4) جواهر الكلام ج 26 ص 37 لكن في تهذيب الأحكام ج 9 ص 183 و في الوسائل ج 19 ص 212: سبع سنين. و الظاهر: أنه تصحيف تسع، لأنهما في الرسم متقاربان. و ما أكثر ما يقع ذلك بسبب عدم وجود النقط في السابق.

و الحدود (1).

36-حديث يزيد الكناس عن أبي جعفر «عليه السّلام» : إذا بلغت الجارية تسع سنين ذهب عنها اليتم، و زوجت، و أقيمت الحدود التامة عليها و لها. و إن لم تدرك مدرك النساء في الحيض (2). و إذا ثبت اتحاد يزيد هذا مع بردة العجلي كانت الرواية صحيحة.

37-و قريب من ذلك رواية حمران عن أبي جعفر «عليه السّلام» (3).

38-موثقة عبد اللّه بن سنان، عن الإمام الصادق «عليه السّلام» ، التي عللت المثوبة و العقوبة للبنت ببلوغ تسع سنين، بأنها تحيض لتسع سنين (4).

39-و أخيرا، فقد قال صاحب الجواهر: إن بعض الروايات تقول: إذا كمل لها تسع سنين أمكن حيضها (5).


1) تهذيب الأحكام ج 9 ص 184 ح 471/16 و ج 10 ص 120 ح 481. و الإستبصار ج 4 ص 249 ح 945 و الوسائل ج 28 ص 397 و جواهر الكلام ج 26 ص 36 و 37 و في هامشه عن المستدرك ج 1 ص 7.

2) الإستبصار ج 3 ص 237 ح 855 و الكافي ج 7 ص 198 و من لا يحضره الفقيه ج 4 ص 221 و تهذيب الأحكام ج 10 ص 38 ح 133 و ج 7 ص 382 ح 1544 و الوسائل ج 1 ص 43 و كتاب الحدود باب اشتراط البلوغ في وجوب الحد تاما.

3) الكافي ج 7 ص 197 و 198 و تهذيب الأحكام ج 10 ص 37 و 38 ح 132 و 133 و الوسائل ج 17 ص 360 و ج 18 ص 411. و مستطرفات السرائر ص 428.

4) الوسائل ج 19 ص 365 و تهذيب الأحكام ج 9 ص 184 و الكافي ج 7 ص 68.

5) جواهر الكلام ج 3 ص 142.

مع احتمال أن يكون «رحمه اللّه» قد استفاد هذا الحكم من خلال الروايات المتقدمة، و ليس هذا نص رواية بخصوصها.

حصيلة ما تقدم:

و قد اتضح من خلال طوائف الروايات المختلفة و الكثيرة التي قدمناها مثل صحيحة الحلبي و غيرها: أن البلوغ غير مقيد بحدوث حيض فعلي، فقد تبلغ و لا تحيض، فيجب أن تعتد، و أن تستبرأ.

و أفادت رواية يزيد الكناسي، و عدد آخر غيرها: أن بلوغ تسع سنين يثبت أحكام البلوغ كإقامة الحدود، و وجوب الفرائض عليها، و إن لم تدرك مدرك النساء في الحيض.

كما أن رواية عبد الرحمن بن الحجاج، و غيرها: قد ذكرت أن التي تبلغ تسع سنين لا يجوز تزويجها على كل حال، بل تحتاج إلى عدة، و ذلك لأن مثلها تحيض. و إن لم يتحقق الحيض منها بالفعل.

و طائفة أخرى كرواية ابن سنان: قد عللت المثوبة و العقوبة حين بلوغ تسع سنين بأنها تحيض لتسع سنين.

و صرحت روايات أخرى كصحيح رفاعة: بجواز وطء التي لم تحض لأن المانع من الحيض ليس هو الحبل دائما، لأن المحيض قد تحبسه الريح.

فاتضح: أن البلوغ إنما هو بتسع سنين، و أن بلوغ النكاح، المتمثل في الوصول إلى مرحلة الحبل، يراد به إمكانية الحبل و لا يلازم ذلك حدوث الحيض فعلا.

و اتضح: أن الميزان ليس هو فعلية الحيض لكل فتاة، بل إمكانية ذلك،

و حدوثه في بعض الموارد يكفي لإنشاء حكم عام على الجميع.

و بذلك يتضح المراد من الروايات التالية:

روايات البلوغ بالحيض:

1-روي بسند حسن عن أبي جعفر «عليه السّلام» قال: لا يصلح للجارية إذ حاضت إلا أن تختمر إلا أن لا تجده (1).

فهذه الرواية لا تنفي لزوم الإختمار في مرحلة ما قبل الحيض. لأنها إنما تحدثت عن لزوم الإختمار عليها في هذه المرحلة و سكتت عما عداها.

كما أن قوله «عليه السّلام» : «إذا حاضت» ليس نصا في فعلية الحيض، و إنما هو نص في حصول القابلية له، و ظاهر فيما سوى ذلك فلا ينافي الروايات التي هي نص في ذلك حيث حددت البلوغ بسن التاسعة.

و هذا الكلام بعينه يجري فيما يلي من روايات:

2-مرسلة الفقيه: على المرأة إذا حاضت الصيام (2).

3-صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي إبراهيم «عليه السّلام» : لا تغطي رأسها حتى تحرم عليها الصلاة (3)أي و لو أن تصبح في سن تحيض فيه مثيلاتها.

4-حديث قرب الإسناد، عن علي «عليه السّلام» : إذا حاضت الجارية،


1) الكافي ج 5 ص 525.

2) الوسائل ج 1 ص 45 و راجع ج 10 ص 237 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 122.

3) الوسائل ج 20 ص 228 كتاب النكاح، باب 126 ح 2 و الكافي ج 5 ص 533.

فلا تصلي إلا بخمار (1).

5-رواية إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن «عليه السّلام» ، الجارية إذا طمثت عليها الحج (2).

6-و كذا رواية شهاب عن أبي عبد اللّه «عليه السّلام» حول ذلك أيضا (3).

7-رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه «عليه السّلام» : على الجارية إذا حاضت الصيام و الخمار (4).

8-حديث يونس بن يعقوب، عن الإمام الصادق «عليه السّلام» : لا يصلح للحرة إذا حاضت إلا الخمار إلا أن لا تجده (5).

9-و عن علي «عليه السّلام» بسند ضعيف أنه أتي بجارية لم تحض، قد سرقت، فضربها أسواطا، و لم يقطعها (6).

10-موثقة عمار الساباطي: عن الصادق، في الجارية: إذا أتى لها ثلاث عشرة سنة، أو حاضت قبل ذلك، فقد وجبت عليها الصلاة، و جرى عليها


1) قرب الإسناد ص 41 ح 506.

2) الوسائل ج 11 ص 45 عن من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 435.

3) الوسائل ج 11 ص 45 عن الكافي ج 4 ص 276 ح 8 و عن تهذيب الأحكام ج 5 ص 6 و الإستبصار ج 2 ص 146.

4) الوسائل ج 10 ص 236 و ج 4 ص 410 و عن التهذيب ج 4 ص 281 ح 851 و ص 326 ح 1015 و الإستبصار ج 2 ص 123 ح 398 و عن المقنع للصدوق ص 62.

5) الوسائل ج 4 ص 405 و عن الفقيه ج 1 ص 373.

6) الكافي ج 7 ص 232 و الوسائل ج 28 ص 295 و تهذيب الأحكام ج 10 ص 121.

القلم (1).

فإن الروايات السبع الأولى و العاشرة مع ضعف أسانيد أكثرها قد اتضح أنها بملاحظة الشواهد التي ذكرناها فيما سبق لا تنافي الروايات التي تحدد البلوغ بالتسع، إذ لا غرو في أن تكون ناظرة إلى إمكانية الحيض منها ببلوغها تسعا، حيث يوجد في أمثالها من تحيض. و ليس المراد فعلية حدوث الحيض لكل فتاة.

أما حديث علي «عليه السّلام» حول عدم قطع السارقة، فلا يفيد شيئا، إذ قد يكون عمر الجارية أقل من تسع، كما أن عدم قطعها و لو كانت في التاسعة قد يكون لأجل أنها لم تسرق من الحرز أو لسبب آخر كعدم كونها رشيدة مثلا. كما أنه لا يأبى عن الحمل على ما ذكرناه آنفا.

أما حديث عمار فقد قال البحراني و غيره: أنه غير معمول به (2). و لا يمكنه معارضة سائر الروايات التي أسلفناها، فإنها أكثر عددا، و أصح سندا.

لفت نظر:

قال بعض كبار فقهائنا: «أما الأنثى فعندنا تسع سنين.

و قال الشافعي: كالذكر.

و قال أبو حنيفة: سبعة عشر سنة.

و قال صاحباه: كالذكر.


1) الوسائل ج 1 ص 45 ح 82 و تهذيب الأحكام ج 2 ص 380 ح 1588 و الإستبصار ج 1 ص 408.

2) راجع: الحدائق الناظرة ج 20 ص 349 و جامع المدارك ج 3 ص 366.

و قال مالك كما حكي عنه: البلوغ أن يغلظ الصوت، أو ينشق الغضروف، و هو رأس الأنف.

قال: و أما السن فلا تعلق له بالبلوغ (1).

فلعل صاحبنا قد أخذ ذلك من أهل السنة، كما عودنا في العديد من الموارد.

البلوغ عند اليهود:

و أخيرا، فإننا نشير إلى أن بلوغ البنت عند اليهود هو ببلوغها سن الثانية عشرة، فقد قال أحمد شلبي نقلا عنهم:

«و أما البنات فمن لم تبلغ منهن الثانية عشرة، فلها النفقة و التربية حتى تبلغ هذه السن تماما و ليس لها شيء بعد ذلك» (2).

و قال أيضا: «السن المفروضة لصحة التزوج هي الثالثة عشرة للرجل، و الثانية عشرة للمرأة و لكن يجوز نكاح من بدت عليه علامات بلوغ الحلم قبل هذه السن» (3). فاقرأ و اعجب، فما عشت أراك الدهر عجبا! !


1) كنز العرفان ج 2 ص 102.

2) مقارنة الأديان: اليهودية ص 301 عن المقارنات و المقابلات ص 334.

3) مقارنة الأديان اليهودية ص 302 عن المقارانات و المقابلات ص 371 و 372.

الفصل السابع: بعد العاصفة

اشارة

هاجهم و جبريل معك:

روى البخاري، عن البراء: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال لحسان بن ثابت يوم قريظة: اهجهم، أو: هاجهم و جبريل معك.

و في نص آخر: أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال يوم قريظة لحسان بن ثابت: اهج المشركين، فإن جبريل معك (1).

و نقول:

إننا نشك في ذلك.

فأولا: لم نجد لحسان و لا لغيره مهاجاة بينه و بينهم، بمعنى أنهم هجوه و هجاهم، بل وجدناه يهجوهم في مقطوعة سنذكرها فيما يلي، و سنرى: أنها إنما قيلت في غزاة بني النضير. و هناك مقطوعة أخرى، تشرح المصير السيء الذي لقيه بنو قريظة، و هي إنما قيلت بعد استئصال شأفتهم، مع وجود بعض الإشكالات فيها، كما سنرى. فلم يكن ثمة مهاجاة بينهم و بين حسان. فإن المهاجاة إنما تكون من طرفين و لم نجد أي ردة فعل منهم في


1) صحيح البخاري ج 3 ص 23 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 30 عنه. و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 131 و قال: و قد رواه البخاري، و مسلم، و النسائي من طرق، عن شعبة، بدون الزيادة التي ذكرها البخاري: يوم بني قريظة.

مجال مهجاة حسان أو غيره. فلا يصح أنه «صلى اللّه عليه و آله» قال له: هاجهم، أو اهجهم.

إلا أن يكون «صلى اللّه عليه و آله» قد أمر حسانا بهجائهم بعد قتلهم. و لا نجد لذلك مبررا مقبولا أو معقولا. كما أن المناسب و الحالة هذه هي أن يقول له: اهجهم لا أن يقول له: هاجهم، لأن المهاجاة تكون من الطرفين.

ثانيا: إذا كان العدو الحاضر، بعد هزيمة المشركين، هم اليهود، فلا معنى لأن يأمر حسانا بهجاء المشركين دونهم. كما دل عليه النص الآخر. .

و بعد. . فإن ما روي عن حسان في شأن بني قريظة هو ما يلي: ألف: قال حسان بن ثابت:

لقد لقيت قريظة ما ساءهاو ما وجدت لذل من نصير

أصابهم بلاء كان فيهسوى ما قد أصاب بني النضير

غداة أتاهم يهوي إليهمرسول اللّه كالقمر المنير

له خيل مجنبة تعادىبفرسان عليها كالصقور

تركناهم و ما ظفروا بشيءدماؤهم عليها كالعبير

فهم صرعى تحوم الطير فيهمكذاك يدان ذو العند الفجور

فأنذر مثلها نصحا قريشامن الرحمن إن قبلت نذيري (1)

لكن قوله: فهم صرعى تحوم الطير فيهم. . مما لا تؤيده النصوص التاريخية،


1) البداية و النهاية ج 4 ص 135 و 136 و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 30 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 259.

لأنها تقول حسبما تقدم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» خندق لهم خنادق و قتلهم و جعلهم فيها ورد عليهم التراب، فلم يكن ثمة مجال للطير لتحوم فيهم.

ب: قالوا: و قال حسان بن ثابت أيضا في بني قريظة:

تعاقد معشر نصروا قريشاو ليس لهم ببلدتهم نصير

هم أوتوا الكتاب فضيعوهو هم عمي من التوراة بور

كفرتم بالقرآن و قد أتيتمبتصديق الذي قال النذير

فهان على سراة بني لؤيحريق بالبويرة مستطير (1)

فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقال:

أدام اللّه ذلك من صنيعو حرق في طوائفها السعير

ستعلم أينا منها بنزهو تعلم أي أرضينا تضير

فلو كان النخيل بها ركابالقالوا: لا مقام لكن فسيروا (2)

و نقول:

قد تقدم: أن هذه الأبيات قد قيلت في غزاة بني النضير. و هذا هو الأنسب بمضمونها لأنها إنما تتحدث عن حرق النخيل. و هو إنما كان في تلك الغزاة، لا في غزوة بني قريظة.

لكن روى أبو عوانة، عن محمد بن يحيى، عن الهيثم بن جميل، عن


1) البداية و النهاية ج 4 ص 136. و سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 31 و الإكتفاء ج 2 ص 196 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 259.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 136 و الإكتفاء ج 2 ص 196 و سيرة ابن كثير ج 3 ص 259 و 260.

زائدة، عن عبيد اللّه، عن نافع، عن ابن عمر: «أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» حرّق على بني قريظة، و النضير نخلا لهم، فقال حسان (رض) :

و هان على سراة بني لؤيحريق بالبويرة مستطير

قال الهيثم: كنت معه بأرض الروم، فحدثني بهذا الحديث و أمر بالحريق» (1)و لا ندري مدى دقة ابن عمر في روايته هذه إن صحت عنه. و لم نعهد من هذا الرجل نباهة و دقة في النقل و هو الذي لم يحسن أن يطلق امرأته، و قصته في ذلك مشهورة (2).

لن تغزوكم قريش:

و يقولون: إنه لما انقضى شأن بني قريظة قال «صلى اللّه عليه و آله» : «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، و لكن تغزونهم» فكان كذلك (3).

و رجع «صلى اللّه عليه و آله» عن بني قريظة يوم الإثنين لأربع خلون من ذي الحجة (4).

و نقول:


1) مسند أبي عوانة ج 4 ص 97.

2) فتح الباري ج 7 ص 54 و مسند أحمد ج 2 ص 51 و صحيح مسلم ج 4 ص 180 و 181 و الكامل في التاريخ ج 3 ص 65 و تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 192 و الغدير ج 10 ص 39.

3) راجع: سيرة مغلطاي ص 56 و عيون الأثر ج 2 ص 76 و السيرة الحلبية ج 2 ص 343 و 344 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19.

4) المحبر ص 114 و الجامع للقيرواني ص 280.

قد تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد قال ذلك بعد الخندق، و هذا هو الأنسب و الأوفق بظاهر الحال، لأن قريشا إنما غزت المسلمين في الخندق، لا في بني قريظة.

إلا أن يكون القضاء على بني قريظة قد زاد من يأس قريش، لأنها أدركت بذلك أنه لم يعد لها في منطقة المدينة من يمكنها أن تعتمد عليه في شيء.

ابن معاذ الشهيد:

و قد ذكرنا في الجزء السابق من هذا الكتاب: أن سعد بن معاذ كان قد أصيب بسهم في أكحله في غزوة الخندق، فدعا اللّه أن لا يميته حتى يقر عينه من بني قريظة، فاستجاب اللّه له.

و بعد أن حكم فيهم بحكم اللّه انفجر جرحه، فمات شهيدا «رحمه اللّه» (1).

و في نص آخر: «فإذا سعد يسيل جرحه دما له هدير» (2).

و لا ندري مدى صحة هذه الفقرة الأخيرة! !

و يقولون: إن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان قد كواه مرتين، فانتفخت يده فيهما.

فدعا اللّه سبحانه: إن كانت الحرب قد وضعت بينهم و بين قريش أن يفجر الجرح، ففجره اللّه.


1) تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 163 و راجع: مرآة الجنان ج 1 ص 10 و حدائق الأنوار ج 2 ص 598 و صحيح البخاري ج 3 ص 23 و عيون الأثر ج 2 ص 75.

2) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19.

فأتاه «صلى اللّه عليه و آله» في نفر من أصحابه يعوده، فوجدوه قد سجي في ملاءة بيضاء، و هو في السياق.

و كان سعد رجلا أبيض طويلا، فجلس «صلى اللّه عليه و آله» عند رأسه، و جعل رأسه في حجره، ثم قال:

«اللهم إن سعدا قد جاهد في سبيلك، و صدق رسولك، و قضى الذي عليه، فاقبض روحه بخير ما تقبض فيه أرواح الخلق» .

ففتح سعد عينيه حين سمع ذلك و قال: السّلام عليك يا رسول اللّه، أشهد أنك قد بلغت رسالته (1). فوضع «صلى اللّه عليه و آله» رأس سعد من حجره، ثم قام و انصرف؛ فمات سعد بعد ذلك بساعة أو أكثر (2)

و قيل: حضر النبي «صلى اللّه عليه و آله» سعدا حين توفي (3).

و زعم البعض: أن عنزا مرت على سعد، و هو مضطجع، فأصابت الجرح بظلفها فما رقأ حتى مات (4).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 525 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 252 و تاريخ الإسلام (المغازي) ج 2 ص 267.

2) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 526 و راجع: إمتاع الأسماع ج 1 ص 252 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 526.

4) عيون الأثر ج 2 ص 76 و عمدة القاري ج 17 ص 193 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 78 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 19 و تاريخ الخميس ج 1 ص 499 و المواهب اللدنية ج 1 ص 118.

اهتز العرش لموت ابن معاذ:

و لما مات سعد لم يشعر أحد بموته، حتى نزل جبريل فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بموت سعد، و أن عرش الرحمن قد اهتز لموته، فخرج «صلى اللّه عليه و آله» فزعا إلى خيمة كعيبة، يجر ثوبه مسرعا، فوجد سعدا قد مات، فاحتملوه إلى منزله؛ فخرج «صلى اللّه عليه و آله» في أثره (1).

و قد روي حديث اهتزاز العرش لموت سعد، عن جابر، و أبي سعيد الخدري، و أسيد بن حضير، و رميثة بنت عمرو، و أسماء بنت يزيد بن السكن، و عبد اللّه بن بدر، و ابن عمر، و حذيفة، و عائشة، و سعد بن أبي وقاص، و الحسن، و يزيد بن الأصم مرسلا (2).

و قال العسقلاني: «جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ، عن عشرة من الصحابة أو أكثر، و ثبت في الصحيحين (3).


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 526 و راجع المصادر التالية: دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 28 و 29 و مجمع البيان ج 8 ص 352 و البحار ج 20 ص 212 و مرآة الجنان ج 1 ص 10 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 262 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 276 و الإكتفاء ج 2 ص 187 و 188 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 265 و السيرة الحلبية ج 2 ص 344 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 244 و عيون الأثر ج 2 ص 75 و 76 و حدائق الأنوار ج 2 ص 599 و 598 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 و البداية و النهاية ج 4 ص 127.

2) عمدة القاري ج 16 ص 268 و راجع: الروض الأنف ج 3 ص 286 فقد ذكر أيضا قسما منهم.

3) فتح الباري ج 7 ص 94.

و حضر جنازته سبعون ألف ملك، و اهتز له عرش الرحمن (1).

و حديث اهتزاز العرش لموت سعد بن معاذ، موجود في مختلف المصادر التاريخية (2).

و قد قال رجل من الأنصار:

و ما اهتز عرش اللّه من موت هالكعلمنا به إلا لسعد أبي عمرو (3)


1) سيرة مغلطاي ص 57 و مرآة الجنان ج 1 ص 10 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 246 و 248 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 28 و 29 و السيرة الحلبية ج 2 ص 344 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 و بهجة المحافل ج 1 ص 277 و 276 و إرشاد الساري ج 6 ص 331 و البداية و النهاية ج 4 ص 127 و 128 و عمدة القاري ج 16 ص 268 و ج 17 ص 193 و المواهب اللدنية ج 1 ص 118 و تاريخ الخميس ج 1 ص 499 و حاشية السندي على البخاري ج 3 ص 23 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 264 و راجع ص 268 و 270 و الروض الأنف ج 3 ص 280 و راجع: عيون الأثر ج 2 ص 76.

2) راجع: بالإضافة إلى المصادر التي ذكرناها في الهامش السابق: الإكتفاء ج 2 ص 188 و جوامع السيرة النبوية ج 156 و الروض الأنف ج 3 ص 385 و هامش صحيح مسلم ج 7 ص 150 و إرشاد الساري ج 6 ص 158 و صحيح البخاري ج 2 ص 200 و فتح الباري ج 7 ص 93 و 94 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 16 ص 22 و شذرات الذهب ج 1 ص 11 و حدائق الأنوار ج 2 ص 598 و 599 و الثقات ج 1 ص 279 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 263. و مجمع البيان ج 8 ص 352 و البحار ج 20 ص 212 إلى غير ذلك من المصادر الكثيرة التي لا مجال، بل لا حاجة لتتبعها، و استقصائها.

3) مرآة الجنان ج 1 ص 10 و تاريخ الخميس ج 1 ص 499 و الإكتفاء ج 2 ص 188.

و قد حاول البعض: التشكيك في المراد من هذا الحديث.

فقد روي عن ابن عمر: اهتز العرش فرحا بلقاء اللّه سعدا، حتى تفسخت أعواده على عواتقنا.

قال ابن عمر: يعني عرش سعد الذي حمل عليه (1).

و عن البراء بن عازب: المراد: أن سرير سعد اهتز (2).

و نقول:

1-و قد أنكر جابر على البراء قوله هذا، و قال: كانت بين هذين الحيين من الأنصار ضغائن، سمعت رسول اللّه يقول: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ (3).

2-كما أن العلماء لم يلتفتوا لقول البراء هذا (4).

و قال القسطلاني: سياق الحديث يأباه، إذ إن المراد منه فضيلته، و أي

(3) و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 249 و البداية و النهاية ج 4 ص 129 و 130 و بهجة المحافل ج 1 ص 276 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 263.


1) إرشاد الساري ج 6 ص 158 و فتح الباري ج 7 ص 93 و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 128 و راجع: تاريخ الإسلام (المغازي) ص 270 و راجع: لسان العرب ج 6 ص 313.

2) الروض الأنف ج 3 ص 286 و صحيح البخاري ج 2 ص 200 و البداية و النهاية ج 4 ص 128 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 247.

3) راجع: الهامش السابق.

4) الروض الأنف ج 3 ص 286.

فضيلة في اهتزاز سريره، إذ كل سرير يهتز إذا تجاذبته أيدي الرجال (1).

و قال أيضا: «قال جماعة: المراد اهتزاز سرير الجنازة، و هو النعش.

و هذا القول: باطل، يرده صريح الروايات التي ذكرها مسلم: اهتز لموته عرش الرحمن الخ. .» (2).

3-هذا بالإضافة إلى شعر الأنصاري المتقدم الذي يصرح فيه باهتزاز عرش اللّه، هذا كله عدا عن صراحة الروايات الكثيرة بذلك أيضا.

و اعتراض العيني على كلام جابر: بأن البراء أيضا هو من قبيلة الأوس مثل ابن معاذ (3)، و الحقد إنما كان بين الأوس و الخزرج، لا بين الأوس أنفسهم، غير مقبول، لأن جابرا يتحدث عن علم و مشاهدة، فقد يكون بين حيين أوسيين ضغائن أيضا.

و أجاب العسقلاني: بأن جابرا كان خزرجيا، فكأنه تعجب من البراء الذي هو أوسي، ثم قال: أنا و إن كنت خزرجيا فلا يمنعني ذلك من قول الحق.

ثم اعتذر العسقلاني عن البراء: بأنه فهم ذلك، فجزم به، و لم يقصد تغطية فضل سعد (4).

أما ابن عمر: فلعله ينطق في موقفه هذا من موقع كونه مهاجريا، لا يريد إثبات فضيلة لسعد الأنصاري، الذي جعله رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) إرشاد الساري ج 6 ص 158.

2) المواهب اللدنية ج 1 ص 118.

3) عمدة القاري ج 16 ص 268 و فتح الباري ج 7 ص 93.

4) راجع: فتح الباري ج 937.

و آله» سيد المهاجرين و الأنصار على حد سواء، حسبما تقدم.

4-و أخيرا، فإننا لم نستطع أن نفهم كيف صح إطلاق العرش، على النعش الذي يحمل عليه الميت، فإننا لم نجد مبررا لذلك، لا في اللغة، و لا فيما بلغنا من نصوص عن العرب، شعرية أو نثرية.

و ما يذكره أهل اللغة في كتبهم، فإنما هو نفس حديث اهتزاز العرش لسعد، ثم أقوال المفسرين للرواية، فراجع (1).

سبب كراهة مالك لرواية هذا الحديث:

و روى عن مالك: أنه كره أن يقال: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ، و لم ير التحدث بذلك. مع صحة نقله و كثرة الرواة له (2).

و قد تعجب السهيلي من هذه الرواية عن مالك: و قال: «لا أدري ما وجه ذلك، و لعلها غير صحيحة عنه، فقد خرجه البخاري» (3)، و هو حديث صحيح، و قال أبو عمر: هو ثابت من طرق متواترة (4).

قال ابن سيد الناس، بعد أن ذكر صحة هذا الحديث: «قلت: هذا يقتضي أن يكون إنكار مالك محمولا عنده على أمر عنده يرجع إلى الإسناد. . و ليس


1) راجع: لسان العرب ج 6 ص 313.

2) الروض الأنف ج 3 ص 286 و عيون الأثر ج 2 ص 77 و 78 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 276 و فتح الباري ج 7 ص 94 عن كتاب: العتيبة.

3) الروض الأنف ج 3 ص 286 و عيون الأثر ج 2 ص 77 و 78 و راجع: شرح بهجة المحافل ج 1 ص 276.

4) الروض الأنف ج 3 ص 286.

كذلك. بل قد اختلف العلماء في هذا الخبر، فمنهم من يحمله على ظاهره، و منهم من يجنح فيه إلى التأويل. و ما كانت هذه سبيله من الأخبار المشكلة فمن الناس من يكره روايته، إذا لم يتعلق به حكم شرعي، فلعل الكراهة المروية عن مالك من هذا الوجه» (1).

و قال ابن رشد في شرح العينية: إنما نهى مالك لئلا يسبق إلى وهم الجاهل: أن العرش إذا تحرك يتحرك اللّه بحركته، كما يقع للجالس منا على كرسيه، و ليس العرش بموضع استقرار اللّه، تبارك اللّه و تنزه عن مشابهة خلقه (2).

قال العسقلاني: «الذي يظهر: أن مالكا ما نهى عنه لهذا، إذ لو خشي من هذا لما أسند في الموطأ حديث ينزل اللّه إلى سماء الدنيا، لأنه أصرح في الحركة من اهتزاز العرش.

و مع ذلك فمعتقد سلف الأئمة، و علماء السنة: أن اللّه منزه عن الحركة، و التحول، و الحلول، ليس كمثله شيء.

و يحتمل الفرق بأن حديث سعد ما ثبت عنده، فأمر بالكف عن التحدث به، بخلاف حديث النزول، فإنه ثابت، فرواه، و وكل أمره إلى فهم أولي العلم، الذين يسمعون في القرآن: . . اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ. . (3)، و نحو ذلك.

و قد جاء حديث اهتزاز العرش لسعد بن معاذ عن عشرة من الصحابة، أو


1) عيون الأثر ج 2 ص 77 و 78.

2) فتح الباري ج 7 ص 94.

3) الآية 54 من سورة الأعراف و الآية 3 من سورة يونس و الآية 2 من سورة الرعد و الآية 59 من سورة الفرقان و الآية 4 من سورة السجدة و الآية 4 من سورة الحديد.

أكثر، و ثبت في الصحيحين، فلا معنى لإنكاره» (1).

و نقول:

إن السلف الذين يتحدث عنهم العسقلاني لا ينزهون اللّه على النحو الذي ذكره فإن عامة أهل الحديث، و على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل قائلون بالتشبيه و التجسيم، و كلماتهم تكاد تكون صريحة في ذلك، بل هي كذلك بالفعل.

فراجع كتاب العلامة السيد مهدي الروحاني «رحمه اللّه» : بحوث مع أهل السنة و السلفية. فإنه قد أوضح هذا الأمر، من خلال كلماتهم أيما إيضاح.

الخلاف في المراد من اهتزاز العرش:

و قد اختلفوا في معنى اهتزاز العرش لموت سعد، فقيل المراد: سرور أهل أو حملة العرش بروحه، فهو على تقدير حذف مضاف.

أو المراد: ارتياح العرش بروحه حين صعد به، لكرامته على ربه. أو تحركه فرحا، أو غير ذلك من وجوه ذكرها المؤلفون (2). و ليس تحقيق ذلك


1) فتح الباري ج 7 ص 94.

2) راجع: جوامع السيرة النبوية ص 156 و الروض الأنف ج 3 ص 285 و هامش صحيح مسلم ج 7 ص 150 و إرشاد الساري ج 6 ص 158 و عمدة القاري ج 16 ص 268 و فتح الباري ج 7 ص 93 و 94 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 16 ص 22 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 277 و المواهب اللدنية ج 1 ص 118 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 و السيرة الحلبية ج 2 ص 344 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 28 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 246 و 278 و لسان العرب ج 6 ص 313.

بالأمر المهم. .

لكن لا بد من اعتماد الوجوه التي لا تنافي أحكام العقل، و ما ثبت بالنصوص الصحيحة و الصريحة.

مراسم تجهيز و تشييع و دفن سعد:

و يقولون: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أسرع المشي إلى سعد، فشكا ذلك إليه أصحابه، فقال: إني أخاف أن تسبقنا إليه الملائكة فتغسله، كما غسلت حنظلة.

فانتهى «صلى اللّه عليه و آله» إلى البيت و هو يغسّل و أمه تبكيه، و تقول:ويل أم سعد سعداحز أمه وجدا

فقال: كل نائحة تكذب إلا أم سعد (1).

و دخل «صلى اللّه عليه و آله» على سعد، و ما في البيت أحد، فجعل يتخطى، فسئل عن ذلك، فقال: ما قدرت على مجلس حتى قبض لي ملك من الملائكة أحد جناحيه فجلست. و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يقول: هنيئا لك أبا عمرو، هنيئا لك أبا عمرو (2).

ثم غسل سعد، و كفن (في ثلاثة أثواب) ، ورئي «صلى اللّه عليه و آله» يحمله بين عمودي سريره، حين رفع من داره إلى أن خرج (3).


1) تاريخ الإسلام (المغازي) ج 2 ص 267 و 268 و راجع ص 269.

2) المغازي للواقدي ج 2 ص 526 و 527 و السيرة الحلبية ج 2 ص 344.

3) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 527 و السيرة الحلبية ج 2 ص 345 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 252.

و غسله الحارث بن أوس بن معاذ، و أسيد بن حضير، و سلمة بن سلامة بن وقش بحضرة رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

و صلى عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (2).

و كان سعد جسيما «من أعظم الناس و أطولهم» (3).

و سألوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن سبب خفة جنازته مع أنه كان جسيما.

و قد ادّعى المنافقون: أنه خف لأنه حكم في بني قريظة. .

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : كذبوا و لكنه خف لحمل الملائكة (4).

قالوا: «و نزع رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» رداءه، و مشى في جنازته


1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 252 و راجع: الثقات لابن حبان ج 1 ص 278.

2) إمتاع الأسماع ج 1 ص 252 و تاريخ الخميس ج 1 ص 500 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20. و الثقات ج 1 ص 279.

3) البداية و النهاية ج 4 ص 129.

4) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 528 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 263 و إرشاد الساري ج 6 ص 159 و عيون الأثر ج 2 ص 76 و عمدة القاري ج 16 ص 268 و ج 17 ص 193 عن الترمذي، و طبقات ابن سعد و فتح الباري ج 7 ص 94 و الإكتفاء ج 2 ص 188 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 248 و البداية و النهاية ج 4 ص 129 و قال: إسناده جيد، و المواهب اللدنية ج 1 ص 118 و تاريخ الخميس ج 1 ص 499 عن ابن سعد، و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 و السيرة الحلبية ج 2 ص 344 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 265 و راجع ص 268 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 278.

بغير رداء» (1).

و زعموا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» مشى أمام جنازته (2).

لكن هذا يخالف ما هو الثابت من طريق أهل البيت «عليهم السلام» من كراهة المشي أمام الجنازة (3). و دفن بالبقيع (4).

و في نص آخر: دفن إلى أس دار عقيل بن أبي طالب (5).

و ذكروا: أنهم و هم يحفرون قبره كان يفوح عليهم ريح المسك (6).

و نزل في حفرته أربعة نفر: الحارث بن أوس، و أسيد بن حضير، و سلمة بن سلامة بن وقش، و أبو نائلة، مالك بن سلامة (7)، و رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» واقف على قبره على قدميه (8).

.


1) إعلام الورى ص 94.

2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 20 و الثقات ج 1 ص 279 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 252

3) راجع: وسائل الشيعة (ط مؤسسة آل البيت) ج 3 ص 149.

4) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 270.

5) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 268.

6) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 528 و تاريخ الخميس ج 1 ص 499 عن ابن سعد، و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 و السيرة الحلبية ج 2 ص 344 و عمدة القاري ج 16 ص 268 و الروض الأنف ج 3 ص 280 و المواهب اللدنية ج 1 ص 118.

7) الثقات لابن حبان ج 1 ص 279 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 252.

8) إمتاع الأسماع ج 1 ص 252.

و كان عمره حين استشهد سبعا و ثلاثين سنة (1).

و قد قال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و قد أهديت له من صاحب دومة الجندل بغلة و حلة سندس: لمناديل سعد في الجنة أحسن (ألين، خير) من هذه (2).

ضغطة القبر:

و يقولون: إنه لما وضع سعد في لحده تغير وجه رسول اللّه، و سبح «صلى اللّه عليه و آله» و سبح معه المسلمون ثلاث مرات، ثم كبر و كبروا ثلاث مرات، حتى ارتج البقيع، فسئل «صلى اللّه عليه و آله» عن ذلك، فقال: تضايق على صاحبكم قبره، و ضمّ ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد، ثم فرج اللّه عنه (3).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 500.

2) عيون الأثر ج 2 ص 76 و صحيح البخاري ج 2 ص 200 و صحيح مسلم ج 7 ص 150 و 151 راجع: سيرة مغلطاي ص 57 و مرآة الجنان ج 1 ص 10 و الطبقات الكبير لابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 78 و البداية و النهاية ج 4 ص 129 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 278 و المواهب اللدنية ج 1 ص 118 و تاريخ الخميس ج 1 ص 500 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 271 السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 248 و 249 و السيرة الحلبية ج 2 ص 345 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 529 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 253 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 263 و البداية و النهاية ج 4 ص 127 و 128 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 29 و 30 و تاريخ الخميس ج 1 ص 500 و المواهب اللدنية ج 1-

و عن عائشة: إن للقبر لضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ (1).

و روي من طريق محمد بن المكندر قال: قبض إنسان قبضة من تراب قبر سعد، فذهب بها، ثم نظر إليها بعد ذلك، فإذا هي مسك. فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : سبحان اللّه، سبحان اللّه، مرتين تعجبا من كون تراب قبره مسكا.

ثم قال: الحمد للّه، شكرا له على تفريجه عن سعد. لو كان أحد ناجيا من ضمة القبر لنجا منها سعد. ضم ضمة، ثم فرج اللّه عنه (2).

و استفادوا من ذلك: «أن فيه إثبات عذاب القبر و أنه حق يجب الإيمان به» (3).

سبب ضمة القبر لسعد:

و أما عن سبب ضمة القبر لسعد، فإنهم يقولون: إن النبي «صلى اللّه(3)-ص 118 و الإكتفاء ج 2 ص 188. و راجع: تاريخ الإسلام (المغازي) ص 264 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 و السيرة الحلبية ج 2 ص 344 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 245.


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 263 و راجع: الروض الأنف ج 3 ص 280 و البداية و النهاية ج 4 ص 128 و الإكتفاء ج 2 ص 188 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 269 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 246 و السيرة الحلبية ج 2 ص 344.

2) السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 عن ابن سعد، و أبي نعيم.

3) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 277.

عليه و آله» قال: لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد، و لقد ضمّ ضمة اختلفت منها أضلاعه، من أثر البول (1).

و ذكر بعض أهل سعد: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قال: إن سبب ضمة القبر له: «أنه كان يقصر في بعض الطهور من البول بعض التقصير» (2).

قال الأشخر اليمني: «قلت: في النفس من صحة هذا الحديث شيء» (3).

و نقول:

1-لو صح هذا الحديث لأمكن تحاشي ضمة القبر، بأن يهتم المؤمنون بأمر الطهور من البول؛ فلا يقصرون فيه، و على هذا، فلا يبقى مبرر لقوله «صلى اللّه عليه و آله» : لو نجا أحد من ضغطة القبر لنجا سعد.

2-هذا. . و لا ندري ما هو الربط بين الطهور من البول، و بين ضمة القبر! !

3-ثم أليس قد نجت فاطمة بنت أسد من ضمة القبر، لأنه «صلى اللّه عليه و آله» ألبسها قميصه، و اضطجع في قبرها حسبما قدمناه في هذا الكتاب حين الكلام عن وفاتها «رحمها اللّه» مع أن سياق الكلام يشير إلى أنه لا ينجو من ضمة القبر أحد؟

4-ما معنى أن يضم سعد بن معاذ ضمة اختلفت منها أضلاعه، مع


1) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 268.

2) الروض الأنف ج 3 ص 281 و البداية و النهاية ج 4 ص 128 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 277 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 265 و السيرة الحلبية ج 2 ص 345 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 30.

3) شرح بهجة المحافل ج 1 ص 277.

أن عائشة تقول: إنها قالت: يا رسول اللّه، ما انتفعت بشيء منذ سمعتك تذكر ضغطة القبر، و ضمته.

فقال: يا عائشة، إن ضغطة القبر على المؤمن كضمة الأم يديها على رأس ابنها، يشكو إليها الصداع (1).

5-بل إن سياق العبارات التي تقدمت يقتضي أن لا ينجو أحد من ضمة القبر حتى الأنبياء «عليهم السلام» ؛ لأنها تقول: لو نجا أحد لنجا سعد.

مع أنهم يقولون: خص «صلى اللّه عليه و آله» بأنه لا يضغط في قبره. و كذلك الأنبياء عليهم الصلاة و السّلام. و لم يسلم من الضغطة صالح، و لا غيره سواهم، و كذا ما في التذكرة للقرطبي إلا فاطمة بنت أسد ببركته «صلى اللّه عليه و آله» (2).

النظرة الأخيرة:

«و جاءت أم سعد تنظر إليه في اللحد، و قالت: أحتسبك عند اللّه. و عزاها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» على قبره، و جلس ناحية، و المسلمون يردون التراب على القبر حتى سوّي، ورش عليه الماء.

ثم وقف «صلى اللّه عليه و آله» فدعا، ثم انصرف» (3).


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 345 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 277.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 345.

3) إمتاع الأسماع ج 1 ص 253 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20. و السيرة الحلبية ج 2 ص 345.

الحزن على سعد:

قالت عائشة: «فو الذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر و أنا في حجرتي، و كانوا كما قال اللّه عز و جل: رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ (1).

قال علقمة: فقلن: أي أمه، فكيف كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يصنع؟ !

قالت: «كانت عينه لا تدمع على أحد. و لكنه كان إذا وجد، فإنما هو آخذ بلحيته» (2).

و نقول:

1-نحن بدورنا لا نستطيع أن نقبل كلام عائشة هذا، فقد تواتر النقل عنه «صلى اللّه عليه و آله» : أنه بكى في أكثر من مورد، حين استشهاد أو موت بعض أصحابه، مثل جعفر، و حمزة، و عثمان بن مظعون، و زيد بن حارثة، و على ولده إبراهيم، و قد قال في مناسبة موت ولده: تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول إلا ما يرضي الرب.

و قد قدمنا بعض الكلام في ذلك: في أواخر غزوة أحد في سياق الكلام عن استشهاد حمزة و قول النبي «صلى اللّه عليه و آله» : أما حمزة فلا بواكي له. فراجع.


1) الآية 29 من سورة الفتح.

2) راجع: مجمع الزوائد ج 6 ص 138 و راجع: مسند أحمد ج 6 ص 142 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 187 و البداية و النهاية ج 4 ص 124 و تاريخ الخميس ج 1 ص 499 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 266 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 253 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 238 و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 276.

2-إننا نذكر القارئ بما هو معروف عن عمر في تشدده بالمنع من البكاء على الأموات حينا، و سماحه بذلك حتى لنفسه حينا آخر (1).

أم سعد تبكي ولدها و ترثيه:

و قد قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لأم سعد: «ألا يرقأ دمعك، و يذهب حزنك، بأن ابنك أول من ضحك اللّه له، و اهتز له العرش» (2)؟

و يلاحظ التعبير ب: «ضحك اللّه» الذي يشم منه رائحة التجسيم.

و عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال: انتهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و أم سعد تبكي، و تقول:

ويل أم سعد سعداجلادة و حدّا

فقال عمر بن الخطاب (رض) : مهلا يا أم سعد، لا تذكري سعدا.

فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» : دعها يا عمر، فكل باكية مكثرة إلا أم سعد، ما قالت من خير فلم تكذب (3).

و في رواية ابن هشام:

ويل أم سعد سعداصرامة و حدّا

و سؤددا و مجداو فارسا معدّا

سد به مسدايقدّ هاما قدّا


1) راجع هذا الكتاب ج 6 ص 266 و 273.

2) تاريخ الإسلام (المغازي) ص 270.

3) المغازي للواقدي ج 2 ص 527.

يقول رسول اللّه: كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ (1).

لكن رواية أخرى تعكس هذا المضمون ليفيد ضد المعنى.

فهي تقول: إن أم سعد كانت تبكي و تقول:

ويل أم سعد سعداحزامة و جدّا

فقيل لها: أتقولين الشعر على سعد؟ !

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : دعوها فغيرها من الشعراء أكذب.

و نتوقف هنا أمام أمرين:

أولهما: موقف عمر من رثاء أم سعد لابنها العظيم.

فإن كان مراده النهي عن البكاء الذي تكرر منه أكثر من مرة، رغم أنه هو نفسه يبكي و يأمر بالبكاء على بعض الناس، و رغم نهي النبي «صلى اللّه عليه و آله» المتكرر له عن التعرض لمن يبكون موتاهم (2)،

إذا كان مراده ذلك: فإننا لا نستطيع قبوله منه هنا لأنه هو نفسه يبكي على سعد حسبما تقدم عن عائشة.


1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 264 و البداية و النهاية ج 4 ص 130 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 277 و إمتاع الأسماع ج 1 ص 252 و تاريخ الخميس ج 1 ص 500 و الإكتفاء ج 2 ص 188 و 189 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 345 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 249 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 20 و فيه: أنه لما احتمل على نعشه بكت أمه، و قالت: الخ. . و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 267 و 268 و راجع ص 269.

2) راجع: هذا الكتاب ج 7 ص 275-283.

و إن كان مراده: أن لا تذكر أم سعد فضائل سعد، و خصائصه الكريمة، و لا تذكر الناس بها، .

فلذلك يعني: أنه كان ينفس على سعد خصائصه، و مزاياه تلك. و كان لا يحب أن يكون لأنصاري مقام رفيع كهذا، حتى بعد موته، و حتى لو كان شهيدا، و في سبيل اللّه؟ !

و هذا الموقف أيضا غير مقبول منه، لأن ذلك يخالف روح الإسلام، و يتنافى مع صريح نصوصه.

ثانيهما: إن الرواية الأخيرة، قد نسبت الكذب إلى أم سعد في شعرها و لكنها قالت: إن غيرها من الشعراء أكذب منها! !

و ليت شعري أي كذب يوجد في شعر أم سعد. ألم يكن سعد بن معاذ يتحلى بتلك الخصال التي وصفته بها؟ !

أم أن المقصود هو تزوير الحقيقة، و تشويه صورة سعد، الذي لم يكن يرتاح له المهاجرون و خصوصا قريش؟

و قد أثار حكمه حفيظة بعض الناس من قومه الأوس أيضا. و هم الذين وصفهم سعد بأنهم لا خير فيهم؟ !

حسان يرثي سعدا و جماعة معه:

و قال حسان بن ثابت يبكي سعدا و جماعة ممن استشهد يوم بني قريظة:

ألا يا لقومي هل لما حم دافعو هل ما مضى من صالح العيش راجع

تذكرت عصرا قد مضى فتهافتتبنات الحشا و انهل مني المدامع

صبابة وجد ذكرتني إخوةو قتلى مضى فيها طفيل و رافع

و سعد فأضحوا في الجنان و أوحشتمنازلهم فالأرض منهم بلاقع

و فوا يوم بدر. .الأبيات. . (1)

و لحسان مقطوعات أخرى يهجو فيها بني قريظة، فمن أرادها فليراجعها في مصادرها (2).

تآمر اليهود من جديد:

و كان يهود بني النضير في خيبر، و يهود خيبر ينتظرون نتائج حصار بني قريظة، فبلغهم ما جرى عليهم، فأنحوا باللائمة على حيي بن أخطب، و بلغ النساء، فشققن الجيوب، و جززن الشعور، و أقمن المآتم. و ضوى إليهن نساء العرب.

و فزعت اليهود إلى سلام بن مشكم، و سألوه عن الرأي، فقال لهم: محمد قد فرغ من يهود يثرب، و هو سائر إليكم، فنازل بساحتكم، و صانع بكم ما صنع ببني قريظة.

قالوا: فما الرأي؟

قال: نسير إليه بمن معنا من يهود خيبر، فلهم عدد، و نستجلب يهود تيماء، و فدك، و وادي القرى، و لا نستعين بأحد من العرب، فقد رأيتم في غزوة الخندق ما صنعت بكم العرب، بعد أن شرطتم لهم تمر خيبر، نقضوا ذلك


1) البداية و النهاية ج 4 ص 136 و سبل الهدى ج 5 ص 32 و الإكتفاء ج 2 ص 189 و 190 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 260.

2) راجع: سبل الهدى و الرشاد ج 5 ص 31 و البداية و النهاية ج 4 ص 130 و عن السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 282 و 286.

و خذلوكم، و طلبوا من محمد بعض تمر الأوس و الخزرج، و ينصرفون عنه. مع أن نعيم بن مسعود هو الذي كادهم بمحمد و معروفهم إليه معروفهم.

ثم نسير إليه في عقر داره، فنقاتل على وتر حديثه و قديم.

فقالت اليهود: هذا الرأي.

فقال كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق: إني قد خبرت العرب، فرأيتهم أشداء عليه، و حصوننا هذه ليست مثل ما هناك، و محمد لا يسير إلينا أبدا لما يعرف.

فقال سلام بن مشكم: هذا رجل لا يقاتل حتى يؤخذ برقبته.

فكان ذلك و اللّه محمود (1).


1) راجع: المغازي للواقدي ج 2 ص 530 و 531.

الباب الرابع: غزوة المريسيع. . أحداث و قضايا

اشارة

الفصل الأول: أحداث غزوة المريسيع

الفصل الثاني: جويرية بنت الحارث

الفصل الثالث: ليخرجن الأعز منها الأذل

الفصل الأول: أحداث غزوة المريسيع

اشارة

تاريخ غزوة المريسيع:

يقول عدد من المؤرخين: إن غزوة المريسيع كانت لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس للهجرة (1).

و قيل: إنها كانت في السنة السادسة و قيل: إن عليه أكثر المحدثين (2).


1) قد ذكر هذا القول مستندا إليه، أو بلفظ قيل، في المصادر التالية: سيرة مغلطاي ص 55 و فتح الباري ج 7 ص 332 و البدء و التاريخ ج 4 ص 214 و السيرة الحلبية ج 2 ص 278 و الجامع للقيرواني ص 281 و أنساب الأشراف ج 1 ص 341 و الثقات ج 1 ص 263 و حبيب السير ج 1 ص 357 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 63 و به جزم الذهبي في تاريخ الإسلام (المغازي) ص 214 و المغازي للواقدي ج 1 ص 404 و نهاية الأرب ج 17 ص 164 و المواهب اللدنية ج 1 ص 108. و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 و البداية و النهاية ج 4 ص 156 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 44 و 45 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 4 ص 258 و 260 و الإصابة ج 4 ص 465.

2) راجع هذا القول في المصادر التالية: تاريخ مختصر الدول ص 95 و السيرة الحلبية ج 2 ص 279 و الجامع للقيرواني ص 283 و سيرة مغلطاي ص 55 عن البخاري، و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 33 و فتح الباري ج 7 ص 332 و بهجة-

و عن ابن عقبة: كانت في السنة الرابعة، كما في البخاري، و عليه جرى النووي في الروضة (1).

لكن في مغازي ابن عقبة: سنة خمس (2).

و نقول:

إننا نرى: أن غزوة المريسيع قد كانت بعد الخندق، و قد تحدثنا عن هذا الأمر في كتابنا حديث الإفك الطبعة الأولى ص 96-106، و نحن نورد هنا بعض ما ذكرناه هناك مع بعض التقليم و التطعيم.

فنقول:

قلنا: في الجزء السابق: إن الصحيح هو أن غزوة الخندق كانت سنة

(2) -المحافل ج 1 ص 241 عن ابن إسحاق، و قال: «الخندق على الأصح سنة أربع» و شذرات الذهب ج 1 ص 11 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 192 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 260 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 302 و نهاية الأرب ج 17 ص 164 عن ابن إسحاق و المواهب اللدنية ج 1 ص 108 مثله و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 و البداية و النهاية ج 4 ص 156 عن ابن إسحاق أيضا و كذا في دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 46 و الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 4 ص 258 و الإصابة ج 4 ص 265.


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 279 و راجع: سيرة مغلطاي ص 55 و المواهب اللدنية ج 1 ص 108 عن ابن عقبة، و صحيح البخاري ج 3 ص 24 عنه أيضا، و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 197 و البداية و النهاية ج 4 ص 156 كلاهما عن ابن عقبة، و فتح الباري ج 7 ص 332.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 279 و المواهب اللدنية ج 1 ص 108 و بهجة المحافل ج 1 ص 241.

أربع. و لا ريب في تأخر المريسيع عنها، و ذلك لما يلي:

أولا: إن فرض الحجاب-كما ذكره المؤرخون الأثبات-قد كان في سنة خمس في ذي القعدة (1)و غزوة المريسيع كانت في شعبان. و فيها كان حديث الإفك الذي كان بعد فرض الحجاب فلا بد أن يكون هو شعبان الذي بعد الحجاب في السنة السادسة، لأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد تزوج بزينب بنت جحش، التي هي سبب الحجاب بعد بني قريظة (2).

و قد تقدم في حديث عائشة، و أم سلمة ما يدل صراحة: على أن الحجاب لم يكن فرض يوم الخندق، و بني قريظة (3).

ثانيا: قد ثبت أن ابن عمر قد شهد المريسيع، و من المعلوم: أن أول مشاهده الخندق كما تقدم في الجزء الحادي عشر من هذا الكتاب، فهذا


1) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 231 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 177 و التنبيه و الأشرف ص 217 و مروج الذهب ج 2 ص 289 و طبقات ابن سعد (ط ليدن) ج 2 ق 1 ص 81 و ج 8 ص 125 و 126 و 157 و صفة الصفوة ج 2 ص 46 و وفاء الوفاء ج 1 ص 310 و فتح الباري ج 8 ص 351 عن الواقدي و تاريخ الخميس ج 1 ص 500 و 501 و 267 و نقله أيضا عن أسد الغابة و المنتقى و البداية و النهاية ج 4 ص 145 عن قتادة، و الواقدي، و بعض أهل المدينة و البيهقي، و السيرة الحلبية ج 2 ص 293 عن إمتاع الأسماع عن بعض أهل الأخبار. ثم أشكل عليه بما ورد في حديث الإفك و سيأتي عدم صحة ذلك.

2) البداية و النهاية ج 4 ص 145.

3) حديث عائشة مع مصادره في الجزء الحادي عشر من هذا الكتاب ص 83 و حديث أم سلمة تقدم في هذا الجزء في الحديث عن توبة أبي لبابة.

يعني: أن المريسيع كانت بعد الخندق.

و محاولة العسقلاني دعوى: أن من الممكن أن يكون قد حضرها دون أن يشترك في القتال، كما ثبت عن جابر: أنه كان يمنح أصحابه الماء في بدر، مع الاتفاق على عدم شهوده بدرا (1)، هذه المحاولة فاشلة، إذ إن التعبير بشهد غزوة كذا، أو أول مشاهده غزوة كذا إنما يعني شهود قتال، لا مجرد الحضور، فإرادة معنى آخر لهذا التعبير يحتاج إلى قرينة و دلالة، و هي مفقودة هنا.

المريسيع:

و يقولون: إن المريسيع ماء لبني خزاعة بينه و بين الفرع يومان (و عند ابن سعد نحو يوم) و بين الفرع و المدينة ثمانية برد (2).

و قيل: إن المريسيع تقع على ستة مراحل من المدينة أو سبعة، مما يلي مكة من ناحية الجحفة (3).

و يقال لها: غزوة محارب، و قيل: محارب غيرها (4).

و تسمى هذه الغزوة أيضا بغزوة بني المصطلق، و هم بطن من خزاعة (5).


1) راجع: فتح الباري ج 8 ص 360.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 470 و سيرة مغلطاي ص 55 و التنبيه و الإشراف ص 215 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 63.

3) الجامع للقيرواني ص 283.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 278.

5) تاريخ الخميس ج 1 ص 470.

سبب غزوة المريسيع:

و سبب هذه الغزوة أن بني المصطلق كانوا ينزلون على بئر يقال لها: المريسيع، من ناحية قديد إلى الساحل، و كان سيدهم الحارث بن أبي ضرار دعا قومه و من قدر عليه من العرب إلى حرب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأجابوه، و تجمعوا، و ابتاعوا خيلا و سلاحا، و تهيأوا للحرب، و المسير معه.

فبلغ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخبر، فأرسل بريدة بن الحصيب الأسلمي ليتحقق ذلك، فأتاهم، و لقي الحارث، و كلمه، مظهرا أنه منهم، و قد سمع بجمعهم، و يريد الانضمام بقومه، و من أطاعه إليهم، و عرف منهم صدق ما بلغهم عنهم. فرجع إلى رسول اللّه فأخبره بأنهم يريدون الحرب.

و في الحلبية: أن بريدة استأذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أن يقول ما يتخلص به من شرهم، فأذن له.

فلما أخبر بريدة النبي «صلى اللّه عليه و آله» بصحة ما بلغه دعا «صلى اللّه عليه و آله» الناس فأسرعوا الخروج، فخرج معه سبع مئة، و معهم ثلاثون فرسا منها عشرة للمهاجرين و عشرون للأنصار و قد عد منهم الواقدي في مغازيه جماعة الفرسان على النحو التالي:

«كان علي «عليه السّلام» فارسا، و أبو بكر، و عمر، و عثمان و الزبير، و عبد الرحمن بن عوف، و طلحة بن عبيد اللّه، و المقداد بن عمرو.

و في الأنصار: سعد بن معاذ، و أسيد بن حضير، و أبو عيسى بن جبر، و قتادة بن النعمان، و عويم بن ساعدة، و معن بن عدي، و سعد بن زيد الأشهلي، و الحارث بن حزمة، و معاذ بن جبل، و أبو قتادة، و أبي بن كعب، و الحباب بن المنذر، و زيادة بن لبيد، و فروة بن عمرو، و معاذ بن رفاعة. انتهى.

و خرج لليلتين من شعبان، و خرجت معهم عائشة، و أم سلمة.

و كان معه «صلى اللّه عليه و آله» فرسان، هما: لزاز، و ظرب.

و استخلف على المدينة زيد بن حارثة (1).

و جعل عمر بن الخطاب على مقدمة الجيش (2). هكذا زعموا.

و زاد في بعض المصادر قوله: و خرج بشر كثير لم يخرجوا في غزاة قبلها.

و عبارة ابن سعد: «خرج معه بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قط مثلها» (3).

قال الواقدي: ليس بهم رغبة في الجهاد، إلا أن يصيبوا من عرض


1) راجع ما تقدم في المصادر التالية، و بعض ما فيها يكمل البعض الآخر: طبقات ابن سعد ج 2 ص 63 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 302 303 و تاريخ الخميس ج 1 ص 470 و السيرة الحلبية ج 2 ص 278 و 279 و سيرة مغلطاي ص 55 و نهاية الأرب ج 17 ص 164 و المواهب اللدنية ج 1 ص 108 و 109 و البداية و النهاية ج 4 ص 156 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 192 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 260 و أنساب الأشراف ج 1 ص 341 و 342 و حبيب السير ج 1 ص 357 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 214 و 215 و المغازي للواقدي ج 1 ص 404 و 405 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 46 و 47 و بهجة المحافل ج 1 ص 241.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 270.

3) زاد المعاد ج 2 ص 112 و المغازي للواقدي ج 2 ص 405 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 63.

الدنيا، و قرب عليهم السفر (1).

المعركة و نتائجها:

و سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» باتجاه بني المصطلق، و أصاب عينا للمشركين كان وجهه الحارث ليأتيه بخبر رسول اللّه؛ فسأله «صلى اللّه عليه و آله» عنهم، فلم يذكر من أمرهم شيئا، فعرض «صلى اللّه عليه و آله» عليه الإسلام فأبى، فأمر عمر بن الخطاب بضرب عنقه، فضرب عنقه (2).

و بلغ الحارث مسير رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إليهم، و بلغه أيضا قتل عينه، الذي كان يأتيه بخبر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فسيء بذلك هو و من معه. و خافوا خوفا شديدا، و تفرق الأعراب الذين كانوا معه فما بقي أحد سواهم.

و انتهى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى المريسيع، و ضرب عليه قبة من أدم، و تهيأوا للقتال، و صفّ رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه.

قال الحلبي و الذهبي: «و أمر «صلى اللّه عليه و آله» عمر بن الخطاب أن يقول لهم: قولوا: لا إله إلا اللّه تمنعوا بها أنفسكم و أموالكم فأبوا» (3).

و دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة،


1) المغازي للواقدي ج 2 ص 405.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 279 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 266 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و في المغازي للواقدي ج 1 ص 506 أن عمر هو الذي قال: «يا رسول اللّه، اضرب عنقه. فقدمه فضرب عنقه» .

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 279 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 215.

و قال الواقدي و خواند أمير: كان لواء المشركين مع صفوان الشامي.

و كان شعار المسلمين يومئذ: يا منصور أمت أمت.

قال الذهبي و الواقدي: «فكان أول من رمى رجل منهم بسهم» ، فتراموا بالنبل ساعة، ثم أمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» أصحابه فحملوا على الكفار حملة واحدة، فقتل منهم عشرة، و أسر الباقون، و لم يفلت منهم أحد، و سبوا الرجال و النساء و الذراري، و أخذوا الشاء و النعم، و كانت الإبل ألفي بعير، و الشاء خمسة آلاف و السبي مائتي أهل بيت.

قال الحلبي: و استعمل على الغنائم شقران و لم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد و بعث «صلى اللّه عليه و آله» أبا نضلة (أو أبا ثعلبة) (أو أبا نملة) الطائي بشيرا إلى المدينة بفتح المريسيع.

و لما رجع المسلمون بالسبي قدم أهاليهم فافتدوهم. كذا ذكره ابن إسحاق (1).


1) النص المتقدم يوجد في: تاريخ الخميس ج 1 ص 470 و يوجد أيضا باختصار أو بتفصيل في المصادر التالية: السيرة الحلبية ج 2 ص 279 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 33 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 260 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 192 و الوفا ص 692 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 و راجع: أنساب الأشراف ج 1 ص 341 و الثقات ج 1 ص 263 و 264 و التنبيه و الإشراف ص 215 و حبيب السير ج 1 ص 357 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و 113 و فتح الباري ج 7 ص 333 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 46-48 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 302 و 303 و تاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص 214 و 215 و المغازي للواقدي ج 1 ص 406 و 407 و نهاية الأرب ج 17 ص 164 و 165 و المواهب اللدنية ج 1 ص 109 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 و 298 و البداية و النهاية ج 4 ص 156 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 و بهجة المحافل ج 1 ص 241.

السبي و الغنائم:

قالوا: «و أمر بالأسارى فكتفوا، و استعمل عليهم بريدة بن الحصيب، و أمر بالغنائم فجمعت، و استعمل عليها شقران مولاه.

و جمع الذرية ناحية، و استعمل على مقسم الخمس و سهمان المسلمين محمية بن جزء.

و اقتسم السبي و فرق، و صار في أيدي الرجال و قسم النعم و الشاء، فعدلت الجزور بعشر من الغنم، و بيعت الرثة في من يزيد.

و أسهم للفرس سهمين، و لصاحبه سهما، و للراجل سهما.

و كانت الإبل ألفي بعير، و الشاء خمسة آلاف شاة.

و كان السبي ماءتي أهل بيت، و صارت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شماس، و ابن عم له؛ فكاتباها على تسع أواق من ذهب، فسألت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كتابتها، و أداها عنها، و تزوجها، و كانت جارية حلوة.

و يقال: جعل صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق.

و يقال: جعل صداقها عتق أسير من بني المصطلق.

و يقال: جعل صداقها عتق أربعين من قومها.

و كان السبي منهم من منّ عليه رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بغير

فداء، و منهم من افتدي، فافتديت المرأة و الذرية بست فرائض.

و قدموا المدينة ببعض السبي، فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم، فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت إلى قومها. و هو الثبت عندنا» (1).

و قال الواقدي: أخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الخمس من جميع المغنم، و جعل على خمس المسلمين محمية بن جزء الزبيدي. «و كان يجمع الأخماس، و كانت الصدقات على حدتها، أهل الفيء بمعزل عن الصدقة، و أهل الصدقة بمعزل عن الفيء.

و كان يعطي الصدقة اليتيم، و المسكين، و الضعيف، فإذا احتلم اليتيم نقل إلى الفيء، و أخرج من الصدقة، و وجب عليه الجهاد، فإن كره الجهاد و أباه لم يعط من الصدقة شيئا، و خلوا بينه و بين أن يكتسب لنفسه.

و كان رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لا يمنع سائلا، فأتاه رجلان يسألانه من الخمس، فقال: إن شئتما أعطيتكما منه، و لا حظ فيها لغني، و لا لقوي مكتسب الخ. .» (2).

و قال البلاذري: «و قسم رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» الغنائم، و أخذ صفيه قبل القسم، ثم جزّأ الغنائم خمسة أجزاء، ثم أقرع عليها، و لم يتخير، فأخرج الخمس، و أخذ سهمه مع المسلمين لنفسه، و فرسه، و كان له «صلى اللّه عليه و آله» صفي من المغنم، حضر أو غاب، قبل الخمس: عبد، أو أمة،


1) راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 64 و راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 410 و 411 و 412 و في نهاية الأرب ج 17 ص 165 ملخص عنه.

2) راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 410 و 411 و 412.

أو سيف، أو درع» (1).

مدة غيبته صلّى اللّه عليه و آله و تاريخ عودته:
اشارة

قالوا: و كانت غيبته «صلى اللّه عليه و آله» في هذه الغزوة ثمانية و عشرين يوما (2)، و قدم المدينة لهلال شهر رمضان المبارك (3).

و قبل أن نواصل الحديث عن سيرة الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ، نتوقف قليلا لنسجل بعض ما نرى ضرورة لتسجيله هنا، فنقول:

1-المريسيع ضربة موفقة لقريش:

و إذا كانت غزوة المريسيع قد أسفرت عن نتائج حاسمة إلى هذا الحد، فإن ذلك يعتبر ضربة موفقة لنفوذ و كبرياء قريش لأنها قد جاءت في منطقة كانت إلى الأمس القريب تقع في نطاق النفوذ المكي إن صح التعبير، و لا أقل من أنها من المواقع المتقدمة في خط الدفاع عن طاغوت الشرك المتمثل في قريش و من تبعها، و تحالف معها، في مكة و غيرها، مما قرب منها أو بعد عنها.

و من جهة ثانية: فإن الطريقة التي تمت بها هذه الضربة القاسية، و النتائج


1) أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 341 و 342.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 و السيرة الحلبية ج 2 ص 291 و سيرة مغلطاي ص 55 و التنبيه و الإشراف ص 215 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 65 و نهاية الأرب ج 17 ص 165 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 و السيرة الحلبية ج 2 ص 291 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 65.

التي أسفرت عنها، لا بد أن تقنع الكثيرين بأن الوقوف في وجه هذا المد العارم يكاد يلحق بالممتنعات.

و حتى قريش و مكة عموما فإنها قد باتت مقتنعة تماما أنها وحدها غير قادرة على تحقيق نصر حاسم. و قضية أحد هي الشاهد الحي على ذلك، خصوصا، و أن أحد قد أظهرت وجود بعض الثغرات في الصف الإسلامي، و تهيأت الفرصة لتسديد ضربة موجعة، و لكنها رغم ذلك أيضا قد عجزت عن تحقيق أي شيء، بل هي قد خسرت بالإضافة إلى معنوياتها و روحياتها خسرت سمعتها و كثيرا من تحالفاتها.

و تأتي هذه الضربات المتلاحقة هنا و هناك، فتزيد من قوة الإسلام و المسلمين، و تمعن في إضعاف شوكة الشرك و المشركين:

فكان لا بد من استباق الأمور، و التحرك بسرعة قبل أن يبلغ السيل الزبى، و قبل أن يستكمل المسلمون قضم أطراف مكة، و حتى أطراف الجزيرة، أو ما هو أبعد من ذلك ثم تصل النوبة إلى مكة نفسها، فيبتلعها التيار العارم، و يضربها الزلزال الهادم، حيث تتهاوى صروح الشرك و الفساد و يعم السلام و الهدى جميع العباد في مختلف الأصقاع و البلاد.

و كان قرار مكة هو أنه لا بد أن يشاركها الآخرون في مهمة القضاء على الإسلام و المسلمين.

و عمدت إلى حشد أكبر عدد ممكن من الناس من القبائل التي كان لها تحالفات معها، أو ممن شاركوها في التآمر و البغي. و من شأن الكثرة أن تقوي الضعيف، و تشجع الجبان، و تؤمن الخائف.

فكان أن تحزبت الأحزاب مع قريش، و قصدوا محمدا و المسلمين في عقر

ديارهم، ليجتثوهم من الجذور، و يقتلعوا منهم الآثار، و يخلوا منهم الديار.

فكانت غزوة الأحزاب «الخندق» ، و التي انتهت هي الأخرى بالفشل الذريع. و طاشت السهام، و خابت الآمال، و انقلب السحر على الساحر.

و كان فشل قريش في هذه المرة فشلا ذريعا، و منيت بهزيمة لا تشبه سائر الهزائم فقد كانت هزيمة مرة و حقيقية و أبدية أيضا.

و هذا بالذات هو ما يميّز غزوة الخندق عما سواها، حتى قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعدها: «الآن نغزوهم و لا يغزوننا» . كما سنرى.

2-المستخلف على المدينة:

ذكر فيما تقدم: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة «رحمه اللّه» .

و يمكن المناقشة في ذلك بما يلي:

أولا: سيأتي إن شاء اللّه: أن البعض يقول: إن زيد بن حارثة كان على الميمنة في المريسيع (1)، فكيف يكون خليفة له «صلى اللّه عليه و آله» على المدينة؟

ثانيا: إن ابن هشام يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» قد استخلف على المدينة أبا ذر الغفاري.

و يقول آخرون: استخلف عليها نميلة بن عبد اللّه الليثي (2).


1) حبيب السير ج 1 ص 357.

2) راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 156 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 و السيرة الحلبية ج 2 ص 279 و زاد المعاد ج 2 ص 112 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 302 و نهاية الأرب-

و قيل: أبا رهم الغفاري (1). إلا أن تكون كلمة أبي رهم تصحيف لكلمة أبي ذر. و لم نجد أبا رهم الغفاري في جملة الصحابة المترجم لهم.

و هذا الذي ذكر من تولية أبي ذر على المدينة في غياب رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : لا يتلاءم مع ما رووه عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أنه قال لأبي ذر: إني أراك ضعيفا، فلا تأمرن على اثنين (2).

إلا أن يقال: إنه «صلى اللّه عليه و آله» إنما قال له ذلك بعد أن اختبره، و عرف أمره. .

على أن هذا الحديث: تفوح منه رائحة الكيد السياسي لأبي ذر، الذي كان الشوكة الجارحة في أعين الذين يمسكون بزمام السلطة و قد جعلوا مال اللّه دولا، و اتخذوا عباد اللّه خولا، و قد كان له معهم مواقف جريئة فضحتهم، و أظهرت زيفهم للأجيال كلها.

3-سعد بن معاذ فارسا:

و تقدم أن الواقفي: قد ذكر سعد بن معاذ في جملة من كان معه فرس في حرب المريسيع، مع أننا قدمنا ما يثبت أن المريسيع كانت بعد بني قريظة،(2)-ج 17 ص 164 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 33 و يظهر منه أنه يرجح ولاية أبي ذر، لكونه ذكر نميلة بلفظ قيل.


1) الجامع للقيرواني ص 283.

2) أمالي الطوسي (ط سنة 1414 نشر دار الثقافة-قم إيران) ص 384 المجلس الثالث عشر و صحيح مسلم ج 6 ص 6 و 7 و سنن النسائي ج 6 ص 255 و سنن أبي داود، كتاب الوصايا ح 4.

التي مات فيها سعد بن معاذ.

4-عمر على مقدمة الجيش:

و لا ندري هل نصدق أم نكذّب ما زعمه الديار بكري: من أن عمر بن الخطاب كان على مقدمة الجيش.

إذ من الواضح: أن من يكون على المقدمة يكون هو رمز صمود الجيش، و لا بد أن يكون من الفرسان المعروفين الذين يرهب جانبهم، و لم يكن عمر بن الخطاب ذلك الرجل الذي له هذه الخصوصية، بل هو في ما يناقضها أذكر و أشهر. و قد أكد هو نفسه هذه الحقيقة بفراره المتعاقب في حرب أحد، و الأحزاب، و ربما في قريظة أيضا، مع عدم ظهور أي تميز له في حرب بدر، بل لعل الذين كانوا إذا حمي الوطيس يلوذون برسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في بدر-كما قال علي «عليه السّلام» -هم: هذا الرجل و أمثاله.

وعدا عن ذلك كله: فإنه لم يظهر منه و لم يؤثر عنه إلى حين موت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أية مواقف حربية شجاعة، بل عرف عنه الفرار في كل مواطن الشدة و الحرج في الحروب كلها. و ليس ما جرى في خيبر و حنين عن أسماعنا ببعيد.

و كلمة أخيرة نقولها هنا و هي: إنه إذا كان المقصود من جعله على المقدمة هو جعله أميرا على الجيش كله، فذلك مما لا ريب في كونه كذبا، بعد أن قدمنا ما يدل بصورة قاطعة على أن عليا أمير المؤمنين «عليه السّلام» كان صاحب لواء وراية رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في المواطن كلها،

باستثناء غزوة تبوك، فراجع أوائل غزوة أحد، من هذا الكتاب.

5-راية المهاجرين كانت مع من؟ !

و قد تقدم أيضا: أن راية المهاجرين كانت مع أبي بكر، و نحن نشك في ذلك، لما يلي:

1-قال خواند أمير: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى راية المهاجرين لعلي «عليه السّلام» ، و راية الأنصار لسعد بن عبادة، و عمر على المقدمة، و على الميمنة زيد بن حارثة، و على الميسرة عكاشة بن محصن (1).

لكن قد تقدم: أن البعض يقول: إنه «صلى اللّه عليه و آله» استخلف زيد بن حارثة على المدينة في هذه الغزوة (2).

2-ذكر البعض: أن راية المهاجرين كانت مع عمار بن ياسر (3).

أما لواء الجيش و رايته فقد كانتا مع علي أمير المؤمنين، حسبما أثبتناه في غزوتي بدر و أحد.

6-المقتولون من بني المصطلق:

و أما عن المقتولين من بني المصطلق، فقد:


1) حبيب السير ج 1 ص 357.

2) أنساب الأشراف ج 1 ص 342 و ثمة مصادر أخرى.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 279 و المغازي للواقدي ج 1 ص 407 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 297 و البداية و النهاية ج 4 ص 92 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 48.

قالوا: إن عليا «عليه السّلام» قتل منهم رجلين: مالكا، و ابنه (1).

و قتل أبو قتادة: صاحب لواء المشركين، و كان الفتح (2).

و نحن لا نستطيع تأكيد ذلك أو نفيه، فالمغرضون يهمهم التلاعب في بعض الأمور، و قد يكون هذا منها.

7-عدد الأسرى و السبايا:

أما بالنسبة لعدد الأسرى و السبايا فقد تقدم أنهم مئتا أهل بيت.

و بعضهم يقول: إنهم كانوا سبع مئة (3).

و قيل: إنهم كانوا أكثر من سبع مئة، و كانت برة بنت الحارث سيد بني المصطلق في السبي (4).

و ليس ثمة تناف بين هذه النصوص فإن مئتي أهل بيت قد يكون عددهم سبع مئة، أو أكثر من ذلك.


1) تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 263 و حبيب السير ج 1 ص 358 و المغازي للواقدي ج 1 ص 407 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 306 و البداية و النهاية ج 4 ص 158 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 302 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 48.

2) حبيب السير ج 1 ص 358 و المغازي للواقدي ج 1 ص 407 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 48.

3) راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 279.

8-قتال الملائكة في المريسيع:

و يقولون: «كان رجل منهم ممن أسلم و حسن إسلامه يقول: لقد كنا نرى رجالا بيضا على خيل بلق، ما كنا نراهم قبل و لا بعد» (1).

و لكننا لا نكاد نطمئن لصحة هذه المقولة، التي لم ينقلها إلا رجل مجهول الهوية منهم، رغم كثرة من أسلم منهم: فكيف تفرد ذلك الرجل بنقل هذا الأمر الغريب الذي تتوفر الدواعي على نقله من كل من يراه؟ ! حتى و لو كان لم يتشرف بدين الإسلام أصلا؟ !

و بعد. . فما هو وجه الحاجة لقتال الملائكة هنا، مع أنه لم يكن ثمة داع إلى ذلك. حيث لم يتعرض المسلمون لخطر يستدعي التدخل الإلهي، بواسطة الإمداد بالملائكة؟ !

إلا أن يقال: إن ذلك يجعل المشركين يندفعون إلى الإسلام، و لا يشتدون في حربهم ضد المسلمين.

9-من قتل من المسلمين؟ !

و قد تقدم: أنه لم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد.

و الظاهر: أنه هشام بن صبابة (ضبابة) ، الذي قاتل مع المسلمين في المريسيع حتى أمعن. و كان قد أسلم، و قد قتله أنصاري اسمه أوس، من


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 285 و راجع: حبيب السير ج 1 ص 358 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 215 و المغازي للواقدي ج 2 ص 409 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 47.

بني عمرو بن عوف، كما يقوله الواقدي بطريق الخطأ، قتله و هو يرى أنه من العدو، و كان هشام قد خرج في طلب العدو، فرجع في ريح شديدة و عجاج (1).

ثم قدم أخوه مقيس في سنة خمس من مكة، متظاهرا بالإسلام، و طلب دية أخيه هشام، فأقام عند رسول اللّه غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه، فقتله، ثم رجع إلى مكة مرتدا (2)فأهدر النبي «صلى اللّه عليه و آله» دمه فقتل يوم فتح مكة (3). و هو متعلق بأستار الكعبة.

و نزل فيه قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ (4)الآية (5).


1) راجع المصادر التالية: المغازي للواقدي ج 1 ص 407 و 408 تاريخ الخميس ج 1 ص 470 و 471 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 192 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 33 و البداية و النهاية ج 4 ص 156 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 298 و راجع: الإصابة ج 3 ص 603.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 و السيرة الحلبية ج 2 ص 285 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 194 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 263 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 305 و 306 و البداية و النهاية ج 4 ص 156 و 157 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 298 و المغازي للواقدي ج 1 ص 408 و بهجة المحافل ج 1 ص 241 و 242.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 285 و راجع: تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 298 و البداية و النهاية ج 4 ص 156.

4) الآية 93 من سورة النساء.

5) بهجة المحافل ج 1 ص 242 و الدر المنثور ج 2 ص 195.

و نقول:

1-قولهم: إن قدوم مقيس بن ضبابة كان سنة خمس، لا ينسجم مع ما قدمناه من أن غزوة المريسيع كانت سنة ست، و بعدها كان قدوم مقيس، إذا فرض أن أخاه الذي جاء لأخذ ثأره و ديته قد قتل بعد المريسيع.

2-يقول النص الآنف الذكر: أن آية سورة النساء: وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً ، قد نزلت في مقيس هذا.

مع أنهم يقولون: إن هذه الآية قد نزلت بعد المريسيع بعدة سنوات، فقد روي عن ابن عباس: أنها في آخر ما نزل، و لم ينسخها شيء حتى قبض رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1)فكيف تأخر نزولها عن الحدث الذي نزلت من أجله؟

3-قد ذكر النص المتقدم أن أنصاريا اسمه أوس و هو من بني عمرو بن عوف قد قتل هشاما، لكونه خرج في طلب العدو، فرجع في ريح شديدة و عجاج، فقتله مقيس بأخيه، مع أن نصا آخر يقول: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعث مقيسا و معه رجل من بني فهر في حاجة للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فاحتمل مقيس الفهري فضرب به الأرض، و رضخ رأسه بين حجرين.

و أوضح نص آخر ذلك فقال: إن الفهري كان رجلا من قريش، أرسله


1) الدر المنثور ج 2 ص 196 عن أحمد، و سعيد بن منصور، و النسائي، و ابن ماجة، و عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الطبراني، و النحاس في ناسخه. و حديث آخر عن ابن عباس أيضا في الدر المنثور ج 2 ص 196 عن عبد بن حميد، و البخاري، و ابن جرير.

النبي «صلى اللّه عليه و آله» معه إلى بني النجار بقباء (1).

4-و هذا النص يقول: إن رجلا اسمه أوس قد قتل هشاما، فقدم أخوه من مكة مطالبا بديته.

مع أن نصا آخر يقول: إن هذين الأخوين قد أسلما و كانا بالمدينة، فوجد مقيس أخاه قتيلا في بني النجار، فانطلق إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فأخبره بذلك.

فأرسل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» معه رجلا من بني فهر من قريش، إلى بني النجار بقباء، أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك، و إلا فادفعوا إليه الدية.

فقالوا: إنهم لا يعلمون له قاتلا، و أعطوه ديته مئة من الإبل.

فرجع هو و الفهري من قباء، فوسوس إليه الشيطان بأن يقتل الفهري، فتغفله، فرماه بصخرة فشدخه، و ارتد عن الإسلام، و ركب بعيرا، و ساق بقيتها إلى مكة، و قال في ذلك شعرا (2).

و لعل هذه الرواية هي الأرجح بملاحظة ما ذكرناه آنفا في تاريخ نزول آية سورة النساء.


1) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 195 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و عن ابن أبي حاتم، و البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس، و عن سعيد بن جبير، و راجع: الإصابة ج 3 ص 603 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 242 عن تفسير البغوي.

2) راجع: الدر المنثور ج 2 ص 195 و 196 عن ابن أبي حاتم، و عن البيهقي في شعب الإيمان، و راجع: الإصابة ج 3 ص 603 و شرح بهجة المحافل ج 1 ص 242 عن تفسير البغوي.

10-للفارس ثلاثة أسهم! !

قد تقدم قولهم: إنه «صلى اللّه عليه و آله» أعطى من الغنائم للفرس سهمين و لصاحبه سهما، فيصير المجموع ثلاثة أسهم، و أعطى للراجل سهما واحدا.

و قد تحدثنا في غنائم بني قريظة: أن هذا لا يصح، و أن الصحيح هو أنه «صلى اللّه عليه و آله» كان يعطي للفارس سهمين، أحدهما له و الآخر لفرسه، فراجع ما ذكرناه هناك إن شئت.

11-هل أغار النبي صلى اللّه عليه و آله عليهم و هم غارون؟ !

11-هل أغار النبي صلى اللّه عليه و آله عليهم و هم غارون (1)؟ !

و في الصحيحين و غيرهما، عن ابن عمر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أغار على بني المصطلق، و هم غارون، و أنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلهم، و سبى ذراريهم و هم على الماء (2)، و كان ابن عمر في الجيش كما ذكره البلاذري.


1) غار الرجل: نام في نصف النهار.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 470 و 471 و المغازي للواقدي ج 1 ص 407 و 408 و السيرة الحلبية ج 2 ص 285 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 33 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 192 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 64 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 215 و المواهب اللدنية ج 1 ص 109 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 298 و البداية و النهاية ج 4 ص 156 و فتح الباري ج 5 ص 23 و صحيح البخاري ج 2 ص 54 و صحيح مسلم ج 5 ص 139 و شرح النووي على صحيح مسلم ج 12 ص 36 و أنساب الأشراف ج 1 ص 342.

قالوا: و الأول أثبت (1)أي أنه لم يغر عليهم و هم غارون.

و لعل سبب كونه هو الأثبت هو عدم صحة ما ذكر من قتل مقاتلهم، لأن بني المصطلق قد بقوا بعد ذلك على كثرتهم، و انتشارهم، و قتل مقاتلهم معناه أن لا تقوم لهم قائمة بعد ذلك.

12-استرقاق العرب:

قد تقدم: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» أمر بالأسارى، فكتفوا، و استعمل عليهم بريدة (رض) ، ثم فرق «صلى اللّه عليه و آله» السبي؛ فصار في أيدي الناس (2).

قال الحلبي: «و في هذا دليل لقول إمامنا الشافعي (رض) في الجديد: يجوز استرقاق العرب، لأن بني المصطلق عرب من خزاعة.

خلافا لقوله في القديم: إنهم لا يسترقون لشرفهم، و قد قال في الأم: لو أنا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هكذا، أي عدم استرقاقهم. أي لا يجوز الرق على عربي» (3).

و نقول:

إن الشافعي و إن كان قد أصاب حين قال بجواز استرقاق العرب، خلافا لقوله القديم: إلا أنه في كتابه الأم يعود ليستسلم لمشاعره في التمييز


1) طبقات ابن سعد ج 2 ص 64 و المغازي للواقدي ج 1 ص 407 و راجع: دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 48 و فتح الباري ج 7 ص 333.

2) و راجع أيضا: السيرة الحلبية ج 2 ص 280.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 280.

العنصري، الذي كرسه عمر بن الخطاب في أقواله و تشريعاته حين تمنى عدم استرقاق العرب، و عدم جواز الرق على عربي، و كأنه لا يعجبه الحكم الإلهي الصائب، و يجد في نفسه حرجا مما قضى اللّه و رسوله.

13-فداء الأسرى موضع شك:

قد تقدم: أنهم يقولون: إن أهالي الأسرى قدموا فافتدوهم، و إن المرأة و الذرية افتدوا بست فرائض، و قدموا المدينة ببعض السبي، فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم. فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت إلى قومها.

مع أنهم يذكرون: أن جميع بني المصطلق قد أسروا، و لم يفلت منهم أحد حسبما تقدم.

و نكاد نلمح من خلال تأكيداتهم على إطلاق سراحهم فورا: أن البعض لا يرتاح لأسر بني المصطلق الذين هم عرب.

و يزعجه جدا أن تسبى نساؤهم. و لعل الفقرة الأخيرة المتقدمة: فلم تبق امرأة من بني المصطلق إلا رجعت إلى قومها، تشير إلى ذلك الانزعاج، و إلى الحرص على إبعاد شبح استرقاق العرب.

و نعتقد: أن السبب في ذلك هو سياسات الخليفة الثاني تجاه العرب، و هو القائل: ليس على عربي ملك (1). و كره أن يصير السبي سنة على


1) الأموال ص 197 و 198 و 199 و الإيضاح ص 249 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 549 و سنن البيهقي ج 9 ص 73 و 74 و نيل الأوطار ج 8 ص 150 و المسترشد في إمامة علي «عليه السّلام» ص 115 و قضاء أمير المؤمنين «عليه السّلام» ص 264 و المصنف للصنعاني ج 10 ص 103 و 105 و ج 7 ص 278 و 279 و النظم الإسلامية ص 463.

العرب (1). و قد أعتق سبي اليمن و هن حبالى، و فرق بينهن و بين من اشتراهن (2). و أعتق كل مصلّ من سبي العرب، و أوصى بعتق كل عربي (3).

و سياسات عمر هذه معروفة عنه.

و قد فصلنا القول فيها في كتابنا: «سلمان الفارسي في مواجهة التحدي» فليراجعه من أراد.


1) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 139.

2) الإيضاح ص 249.

3) راجع: المصنف للصنعاني ج 8 ص 380 و 381 و ج 9 ص 168 و راجع: المسترشد في إمامة علي «عليه السّلام» ص 115.

الفصل الثاني: جويرية بنت الحارث

اشارة

أسر جويرية بنت الحارث:

و يقولون: إن عليا «عليه السّلام» كان قد أسر جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية، ثم المصطلقية (1). و كانت متزوجة من ابن عمها عبد اللّه، كذا في السمط الثمين.

و في غيره: اسمه الشغر بن مسافع. و قتل في غزوة المريسيع (2).

و قال البعض: كانت تحت مسافع بن صفوان (3). و تحت صفوان بن مالك (4). و لا يهمنا تحقيق ذلك.

و يقولون: إنها وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، أو ابن عم له، أو في سهمهما معا، فكاتبته. ثم سألت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إعانتها، فأدى «صلى اللّه عليه و آله» عنها، و تزوجها و هي بنت عشرين سنة،


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 280 و كشف اليقين ص 136 و فيه: أن عليا «عليه السّلام» أيضا قتل مالكا و ابنه.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 474 و راجع: الإصابة ج 4 ص 266.

3) الإصابة ج 4 ص 266 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 265 و المواهب اللدنية ج 1 ص 207.

4) الإصابة ج 4 ص 265 عن ابن سعد، عن الواقدي.

و كان اسمها برة، فحوله «صلى اللّه عليه و آله» إلى جويرية، كره أن يقال: خرج من عند برة، كذا في المشكاة (1).

و عن عمر بن الخطاب: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» كان يقسم لها كما يقسم لنسائه و ضرب عليها الحجاب (2).

و يذكر أيضا: أن ميمونة بنت الحارث الهلالية، و زينب بنت جحش، و زينب بنت أبي سلمة، كانت أسماؤهن أيضا: برة، فغيره رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (3).

و زعم البعض أيضا: أن ثابت بن قيس جعل لابن عمه نخلات له في


1) راجع: ما تقدم كلا أو بعضا في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 474 و السيرة الحلبية ج 2 ص 280، و راجع المصادر التالية: الإصابة ج 4 ص 265 و كراهته «صلى اللّه عليه و آله» الخروج من عند برة في ص 26 عن صحيح مسلم. و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53 و الوفا ص 692 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 258-261 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 192 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 و حبيب السير ج 1 ص 358 و طبقات ابن سعد (ط دار صادر) ج 2 ص 64 و المغازي للواقدي ج 1 ص 410-412 و راجع: نهاية الأرب ج 17 ص 165 و راجع: المواهب اللدنية ج 1 ص 207 و أنساب الأشراف للبلاذري ج 1 ص 341.

2) المغازي للواقدي ج 1 ص 413.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 474 و راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 280 و الروض الأنف ج 4 ص 19 و الإصابة ج 4 ص 250 و 251 و 265 و 313 و 411 و 417 و 266 عن صحيح مسلم و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ص 261 و 314 و 319 و 405.

المدينة مقابل حصته في برة، ثم كاتبها على تسع أواق (1)فأداها عنها رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و تزوجها.

زواج النبي صلى اللّه عليه و آله من جويرية برواية عائشة:

و نذكر هنا حديث عائشة حول زواج النبي «صلى اللّه عليه و آله» ببرة هذه، فهي تقول:

كانت جويرية امرأة ملاحة تأخذها العين. لا يكاد يراها أحد إلا ذهبت بنفسه، فجاءت تسأل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» في كتابتها. فلما قامت على الباب، فرأيتها كرهت مكانها، و عرفت: أن رسول اللّه سيرى منها مثل الذي رأيت، فقالت: يا رسول اللّه، أنا جويرية بنت الحارث، سيد قومه، و كان من أمري ما لا يخفى عليك، و وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، و إني كاتبته على نفسي، فجئت أسألك في كتابتي.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فهل لك فيما هو خير لك؟ !

فقالت: و ما هو يا رسول اللّه؟ !

قال: أؤدي عنك كتابتك و أتزوجك.

قالت: قد فعلت.

فأدى عنها كتابتها، و أعتقها، و تزوجها.

قالت: فتسامع الناس: أن رسول اللّه قد تزوج جويرية، فأرسلوا ما في أيديهم من السبي، فأعتقوهم، و قالوا: أصهار رسول اللّه لا ينبغي أن تسترق.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 280 و راجع: المغازي للواقدي ج 1 ص 410-412 و راجع: طبقات ابن سعد ج 2 ص 64.

قالت: فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة منها، و أعتق بسببها مئة أهل بيت من بني المصطلق.

خرجه بهذا السياق أبو داود (1)، و اعتبر الواقدي هذا الحديث هو الأثبت (2).

و نقول:

لقد توالت على هذه الرواية العلل و الأسقام، و ظهرت الاختلافات و التناقضات بينها و بين سائر الروايات في أكثر الموارد، بصورة ملفتة و مثيرة للعجب.

و في محاولة منا لاستعراض جانب من هذه الاختلافات نقول:


1) تاريخ الخمس ج 1 ص 474 و السيرة الحلبية ج 2 ص 280 و راجع ص 283. و راجع المصادر التالية: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266 و الإصابة ج 4 ص 265 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 266 و سيرة مغلطاي ص 55 و نهاية الأرب ج 18 ص 183. و راجع: بعض ما تقدم أو كله في: الكامل في التاريخ ج 2 ص 192 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 264 و التنبيه و الإشراف ص 215 و حبيب السير ج 1 ص 358 و زاد المعاد ج 2 ص 113 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 307 و 308 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 217 و المغازي للواقدي ج 1 ص 411 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 302. و راجع: البداية و النهاية ج 4 ص 159 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 49 و 50 و بهجة المحافل ج 1 ص 245 و تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53 و المواهب اللدنية ج 1 ص 207 عن أبي داود.

2) المغازي للواقدي ج 1 ص 412.

أولا: هل تزوج صلى اللّه عليه و آله جويرية لجمالها؟ !

لقد ظنت عائشة أن جمال جويرية سوف يؤثر على مشاعر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أحاسيسه، و يدعوه إلى اتخاذها زوجة، فكرهتها لأجل ذلك.

و نحن و إن كنا لا نستغرب غيرة عائشة هذه، فقد لمسناها منها بالنسبة إلى جميع زوجاته «صلى اللّه عليه و آله» ، حيث كانت تغار منهن، و تحسدهن، و تكرههن، و تدبر في الخفاء للكيد لهن. كما دلت عليه النصوص التاريخية و الحديثية المتضافرة و المتواترة.

كما أننا لا ننكر على النبي الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» أن يتزوج المرأة ذات الجمال، فإن ذلك هو ما تقتضيه الجبلة الإنسانية، و يدعو إليه الذوق السليم، و الطبع السوي، و هو أيضا ما حبذته نصوص الشريعة الإلهية السمحة.

إلا أننا ننكر على عائشة أن تفكر هي أو غيرها: أن الجمال و الجمال فقط هو المعيار و الفيصل في إقدام النبي «صلى اللّه عليه و آله» أو إحجامه في هذا المجال، فإنه هو نفسه «صلى اللّه عليه و آله» قد ذكر، أن ثمة معايير أخرى إسلامية و إنسانية هي التي تتحكم في القرار الحاسم في أمر الزواج.

و الذي يظهر لنا هو: أن عائشة-كما يظهر في موارد كثيرة-كانت تنظر إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و كأنه رجل عادي جدا، تستخفه فتأسره مسحة جمال عارضة، و ينشد و ينجذب إليها، دون اختيار، فتفرض عليه موقفا هنا، و تصرفا هناك، تماما كما هو الحال بالنسبة لأي مراهق ناشئ، تثيره غرائزه، و تسيطر عليه أهواؤه و شهواته.

و حاشا نبي الإسلام الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» أن تصدق فيه ظنون عائشة و أوهامها، و هو النبي المعصوم، الذي لا شك في طهارته، و نبله،

و رجاحة عقله، و بعد نظره، و عزوفه عن الدنيا، بكل ما فيها من زبارج و بهارج و مغريات. لا سيما و أنه يقترب من سن الستين، الذي يكون فيه حتى الإنسان العادي قد تجاوز سن المراهقة، و بدأ يتجه نحو عقلنة طموحاته، و السيطرة عليها، فكيف بنبي الإسلام الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» .

ثانيا: التناقض و الاختلاف في أمر جويرية:

هناك تناقضات كثيرة في قصة جويرية هذه، نذكر منها ما يلي:

1-هذه الرواية تقول: إن الناس حين عرفوا بأن النبي «صلى اللّه عليه و آله» تزوجها أرسلوا ما في أيديهم من أسرى بني المصطلق.

و عند الواقدي: «فلما أعتقني و اللّه ما كلمته في قومي حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم» (1).

و في نص آخر: «فلما أعتقني و تزوجني ما شعرت إلا بجارية من بنات عمي تخبرني بفك الأسرى، فحمدت اللّه تعالى» (2).

مع أن هناك ما يناقض ذلك كله:

فقد قيل: جعل «صلى اللّه عليه و آله» صداقها عتق كل أسير من بني المصطلق (3).


1) المغازي للواقدي ج 1 ص 412 و البداية و النهاية ج 4 ص 159 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 303.

2) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 267 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 50.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 2383 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 64 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 50 و المغازي للواقدي ج 1 ص 412.

و قيل: عتق أربعين من قومها (1).

و يقال: إنه أعتقها و تزوجها على عتق مئة من أهل بيت قومها (2).

و قيل: إن النبي «صلى اللّه عليه و آله» وجه إلى أبيها، حين جاء بفدائها، ثم خطبها «صلى اللّه عليه و آله» و تزوجها، و أصدقها أربع مئة درهم (3).

و قال البعض: «كان الأسرى أكثر من سبع مئة، فطلبته فيهم ليلة دخل بها، فوهبهم لها» (4).

و قيل: بل جعل صداقها عتقها (5)

فأي ذلك كله نصدق يا ترى؟

2-متى و كيف تزوجها النبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ فهل تزوجها بعد قضائه عنها مال كتابتها، كما ذكرت رواية عائشة؟

أم أن أباها هو الذي افتداها من ثابت بن قيس، ثم خطبها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليه، فزوجها إياه؟ (6)


1) الثقات ج 1 ص 263 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 64 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 50 و المغازي للواقدي ج 1 ص 412 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 303 و البداية و النهاية ج 4 ص 159.

2) أنساب الأشراف ج 1 ص 341 و 342.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 474 و السيرة الحلبية ج 2 ص 282 و 283 و المواهب اللدنية ج 1 ص 207 و ستأتي بقية المصادر لذلك.

4) الجامع للقيرواني ص 284 و راجع: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 266.

5) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53.

6) المغازي للواقدي ج 1 ص 412.

أم أنه افتداها من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» مباشرة؟ حيث إنه كما يروي لنا ابن هشام و غيره: لما انصرف «صلى اللّه عليه و آله» من غزوة بني المصطلق، و معه جويرية بنت الحارث، و كان بذات الجيش، دفع جويرية إلى رجل من الأنصار، و أمره بالاحتفاظ بها. و قدم «صلى اللّه عليه و آله» المدينة.

فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق. ثم أتى إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا محمد، أصبتم ابنتي، و هذا فداؤها.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا و كذا؟

فأسلم الحارث حينئذ، و أسلم معه ابنان له، و ناس من قومه، و أرسل إلى البعيرين فجاء بهما، و دفع الإبل إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» . و دفعت إليه ابنته جويرية فأسلمت، و حسن إسلامها.

فخطبها إلى أبيها، فزوجه إياها، و أصدقها أربع مئة درهم. و كانت قبله تحت ابن عم لها يقال له: عبد اللّه (1).

و نص رابع يذكر: أن النبي أمر الحارث أن يخبر ابنته بإسلامه، فأخبرها، ثم طلب منها أن لا تفضح قومها بالرق. فاختارت اللّه و رسوله، فرضي أبوها


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 474 و 475 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 308 و السيرة الحلبية ج 2 ص 282 و 283 و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 303 و البداية و النهاية ج 4 ص 159 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 51 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 267.

بذلك (1). فأعتقها «صلى اللّه عليه و آله» ، و جعلها في جملة أزواجه (2).

3-و عن فداء جويرية نقول: هل اشترى النبي «صلى اللّه عليه و آله» جويرية من ثابت بن قيس؟ (3).

أم أنه «صلى اللّه عليه و آله» أدى عنها كتابتها ثم تزوجها كما تقول رواية عائشة؟

أم أن ثابت بن قيس وهبها للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ؟ ! (4).

أم أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» أخذها من السبي، فلما بلغ ذات الجيش دفعها إلى رجل من الأنصار ليحتفظ بها، كما تقدم عن ابن هشام و غيره؟ !

أم أن أباها هو الذي افتداها من ثابت بن قيس (5).

أو من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (6).

4-ثم هل تزوجها النبي بعد رجوعه إلى المدينة كما تشير إليه الروايات المتقدمة؟

أم أنه «صلى اللّه عليه و آله» تزوجها-كما تقول عائشة-حين كان لا


1) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 267 و راجع: كشف اليقين ص 136 المناقب لابن شهرآشوب (ط دار الأضواء) ج 1 ص 253.

2) راجع المصادر المتقدمة باستثناء دحلان.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 274 و السيرة الحلبية ج 2 ص 280.

4) حبيب السير ج 1 ص 358.

5) المغازي للواقدي ج 1 ص 412.

6) تقدمت مصادر ذلك حين ذكرنا للتناقضات و الاختلافات تحت رقم 2.

يزال على ماء المريسيع؟ ! كما صرح به البعض (1).

أو تزوجها في الطريق (2).

و حسبنا ما ذكرناه من تناقضات و اختلافات، و من أراد استقصاء ذلك فيمكنه المراجعة للروايات و المقارنة بينها.

ثالثا: تغيير اسم برة إلى جويرية:

ذكرت الروايات المتقدمة: أنه «صلى اللّه عليه و آله» غيّر اسمها من برة إلى: جويرية (3)و ذلك لأنه كره أن يقال: خرج من عند برة.

و نقول:

إننا لا ندري ما وجه كراهته «صلى اللّه عليه و آله» ذلك، فإنه اسم حسن الإيقاع، و مقبول الإيحاء و الدلالة.

كما أننا لا ندري لماذا اقتصر «صلى اللّه عليه و آله» على تغيير اسم ميمونة، و زينب بنت جحش، و بنت أم سلمة، بالإضافة إلى جويرية؟ و لم يأمر بتغيير اسم باقي من سمين ببرة، فلم يغيّر اسم برة بنت أبي نجراة و برة بنت سفيان السلمية، أخت أبي الأعور، و برة بنت عامر بن الحارث. و غيرهن.

بل إنه «صلى اللّه عليه و آله» لم يغير اسم إحدى جواريه، التي كان


1) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 280 و 281 و 282 و في 285 عن جويرية نفسها ما يدل على ذلك.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 474.

3) و قد تقدمت مصادر ذلك، في أوائل الحديث عن جويرية، فراجع.

اسمها برة أيضا (1).

و لا ندري أخيرا، لماذا لم يكره الناس هذا الاسم، فلم يبادروا إلى تغييره من عند أنفسهم، حين علموا بإصرار نبيهم الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» على تغييره بالنسبة لهذه و تلك و سواها؟

ثم لماذا لم يمتنعوا عن التسمية به بعد ذلك؟

رابعا: أبو جويرية:

قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن الحارث بن أبي ضرار هو الذي افتدى ابنته جويرية، ثم خطبها النبي «صلى اللّه عليه و آله» إليه، فزوجه إياها.

مع أن المؤرخ الثبت الأقدم ابن واضح اليعقوبي يقول عن جويرية:

«فكان ممن سبي جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار. و قتل أبوها، و عمها، و زوجها، فوقعت في سهم ثابت بن قيس الخ. .» (2).

خامسا: تخيير جويرية:

جاء في مرسل أبي قلابة بسند صحيح-كما يزعمون-أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» سبا جويرية و تزوجها، فجاءها أبوها، فقال: إن بنتي لا يسبى مثلها فخل سبيلها.

فقال: أرأيت إن خيرتها أليس قد أحسنت؟ !


1) راجع: الإصابة ج 4 ص 250 و 251 و 254 و 411 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 4 ص 251 و 252 و 405 و غير ذلك كثير.

2) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53.

قال: بلى.

فأتاها أبوها، فذكر لها ذلك، فقالت: اخترت اللّه و رسوله (1).

و في نص آخر: أنه قال لها حين خيرها: يا بنية لا تفضحي قومك.

قالت: اخترت اللّه و رسوله.

و نقول:

1-قد شكك البعض في هذه الرواية على أساس: أنه لا يعقل أن يأمره النبي «صلى اللّه عليه و آله» بتخييرها، بعد أن تزوجها (2). إلا إذا كان «صلى اللّه عليه و آله» يريد من وراء ذلك أن يثبت لأبيها: أنها لا توافق على العيش في أجواء الشرك و الانحراف.

و لكن يرد هذا قولهم: إن الحارث قد أسلم مع ابنين له.

2-قد تقدم: أن أباها و عمها و زوجها قتلوا في غزوة المريسيع (3).

3-إننا لا يمكن أن نصدق أن يأتي أبوها، الذي كان قد حشد تلك الحشود، و يكلّم النبي «صلى اللّه عليه و آله» بهذا الأسلوب الجاف، الممتلئ بالعنجهية.

4-إنه إذا كانت الروايات المتقدمة في أول هذا الفصل قد صرحت بأن جميع بني المصطلق قد أسروا، و لم يفلت منهم أحد، فلا معنى لقولهم:

إن أباها قدم على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بعد ذلك، و فدى ابنته. ثم


1) الإصابة ج 4 ص 265.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 282.

3) تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53.

تزوجها النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

أو أنه وجد ابنته قد تزوجت النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فطلب منه أن يطلق سراحها. و انجر الأمر إلى تخييرها، فاختارت اللّه و رسوله.

إلا أن يكون قد أطلق فيمن أطلق فذهب، ثم عاد: أو أنه لم يكن في جملة الأسرى و لا القتلى، بل كان قد تمكن من النجاة بنفسه.

5-إنه إذا كان قد وجد ابنته معتقة و متزوجة من رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فلا معنى لأن يقول له: ابنتي لا يسبى مثلها. بعد أن زالت عنها آثار السبي بالعتق، و بالزواج من أعظم رجل شرفا، و سؤددا و شأنا في الجزيرة العربية، بل و في العالم بأسره.

6-قد ذكرت الروايات المتقدمة: أن الحارث بن أبي ضرار قد أسلم مع ابنين له.

فما معنى أن يخير بعد هذا ابنته جويرية بين الإسلام و الشرك، لا سيما و أنها كانت قد تزوجته «صلى اللّه عليه و آله» و آمنت به و آمن به أبوها و أخواها؟

فلا يعقل: بعد هذا أن يطرح أبوها مع النبي و معها موضوع الانفصال عنه «صلى اللّه عليه و آله» ، و الالتحاق بأبيها.

كلمات أخيرة حول جويرية:

يقول الديار بكري: كانت جويرية عند النبي «صلى اللّه عليه و آله» خمس سنين، و عاشت بعده خمسا و أربعين سنة، و توفيت بالمدينة سنة خمسين، و في رواية سنة ست و خمسين، و هي بنت خمس و ستين سنة، و صلى عليها مروان بن

الحكم، و كان حاكما على المدينة من قبل معاوية (1).

ملاحظات لا بد من تسجيلها:

و نذكر القارئ أخيرا بما يلي: 1-إن جويرية كانت من بيت عز و شرف، و قد عاشت حياتها بطريقة لا تنسجم، لا من قريب و لا من بعيد، مع حياة الرق و العبودية، و الإسلام هو الذي يقول: ارحموا عزيز قوم ذل.

2-إنه «صلى اللّه عليه و آله» لا يريد لهذه المرأة أن تعيش بالمهانة في ظل الإسلام، بل يريد أن تلمس: أن الإسلام يحترم إنسانيتها، و يحفظ لها كرامتها.

3-إن إكرام قومها و أبيها بها إن كان أبوها لم يقتل في المريسيع قبل سبيها لسوف يهيئهم نفسيا للتفاعل مع تعاليم الإسلام، و الانسجام مع قيمه و مثله، لأنهم عاشوها واقعا حيا، تجسد موقفا و سلوكا. و كان له تأثير على حياتهم، و وجودهم، و مصيرهم.

4-إن علينا: أن لا ننسى أنه لم يكن من المصلحة القسوة على قوم هم من قبائل خزاعة التي كانت عيبة نصح لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بل كان لا بد من درء الخطر أولا، ثم تهيئة الأجواء لإعادة الاعتبار لهؤلاء الناس، الذين كان لهم موقف أكثر عقلانية و واقعية من غيرهم.

فماذا لو أنهم لمسوا: أن هذه الواقعة منهم قد أثمرت ثمرات خيرة، و صالحة و عزيزة، و استطاعت أن تغير من مسار و مصير هذه القبيلة التي


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 475.

تنتمي إليهم، و لهم فيها أدنى ارتباط؟

5-أما اللفتة المثيرة للإعجاب، فهي: أن تكون جويرية قد رأت في شخص رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، الرجل القادر على أن يدرك مشكلتها، و أن يتعامل معها بواقعية و بإنسانية، و من خلال القيم المثلى، و بالطريقة الفضلى.

مع أن هذا الرجل هو نفسه الذي قاد الجيش الذي أسرها، و أنزل في قومها الضربة المؤثرة و المثيرة. .

6-و لا شك أنها قد لمست في الرسول الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» بعض ما حباه اللّه به من مزايا، و أكرمه به من خصال.

و ربما تكون أيضا قد استجابت لعامل الشعور بالعزة و الأنفة من أن تطلب المساعدة من أي كان من الناس، فكان طموحها متناسبا تماما مع واقعيات حياتها في بيت العزة و السؤدد، حين كان أبوها السيد المطاع في قومه.

الفصل الثالث: ليخرجن الأعز منها الأذل

اشارة

لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ :

يقول المؤرخون: إنه بعد أن هزم بنو المصطلق ازدحم على الماء-و كان قليلا-جهجاه بن سعد الغفاري-و كان أجيرا لعمر بن الخطاب، يقود له فرسه (1)-و سنان بن وبرة (أو فروة) (أو أنس بن سيار كما في تفسير القمي) .

و قال قتادة: (الجهني) حليف عمرو بن عوف من الخزرج-و في المدارك: كان حليفا لابن أبي-فاقتتلا؛ فأعان جهجاها رجل من فقراء المهاجرين، يقال له: جعال، و لطم وجه سنان؛ فاستغاث سنان: يا للأنصار، يا للخزرج!

و استغاث جهجاه: يا لكنانة، يا لقريش!

أو قال: يا معشر المهاجرين.

و في نص آخر: أن جهجاها ضرب سنانا، فسال الدم.

و قيل: كسعه، أي دفعه. فتسارع إليهما القوم، و عمدوا إلى السلاح. فمشى


1) ادّعى البعض: أن جهجاها كان يريد أن يملأ قربا للنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و أبي بكر و عمر فوجد الناس يزدحمون على الماء، فأمرهم بالإمساك ليملأ القرب المذكورة، فنازعه أنصاري كان أجيرا لابن أبي: السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 270.

جماعة من المهاجرين إلى سنان فقالوا: اعف عن جهجاه. ففعل فسكنت الفتنة و انطفأت نائرة الحرب.

زاد الحلبي و غيره قوله: فخرج رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: ما بال دعوى الجاهلية، فأخبر بالحال، فقال: دعوها، فإنها منتنة.

أو قال: من دعا دعوى الجاهلية كان من محشي جهنم.

قيل له: و إن صام و صلى، و زعم أنه مسلم؟

قال: و إن صام و صلى، و زعم أنه مسلم.

و قال «صلى اللّه عليه و آله» : لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه، فإنه ناصر، و إن كان مظلوما فلينصره (1).

فسمع عبد اللّه بن أبي بالأمر فغضب و عنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم، ذو الأذن الواعية، و هو غلام حديث السن.

فقال ابن أبي: أفعلوها؟ قد نافرونا، و كاثرونا في بلادنا؟ !

و قال: ما صحبنا محمدا إلا لنلطم؟ و اللّه، ما مثلنا و مثلهم إلا كما قال: سمن كلبك يأكلك.

أما و اللّه، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. يقصد بالأعز نفسه، و بالأذل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

ثم أقبل على من حضر من قومه، فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، و قاسمتموهم أموالكم! أما و اللّه، لو أمسكتم عن جعال و ذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، و لتحولوا إلى غير بلادكم. فلا تنفقوا


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 286.

عليهم حتى ينفضوا من حول محمد.

قال دحلان: «و إلى ذلك أشار سبحانه و تعالى حكاية عنهم: . . لاٰ تُنْفِقُوا عَلىٰ مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اَللّٰهِ حَتّٰى يَنْفَضُّوا. . (1).

فقال له زيد بن أرقم: أنت و اللّه الذليل القليل، المبغّض في قومك، و محمد في عز من الرحمن، و قوة من المسلمين.

فقال له ابن أبي: اسكت، فإنما كنت ألعب. فمشى زيد بن أرقم، (و قيل: سفيان بن تيم) إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره الخبر، و عنده عمر بن الخطاب، فقال عمر: دعني أضرب عنقه يا رسول اللّه! .

فقال: إذن ترعد آنف كثيرة بيثرب.

فقال: إن كرهت أن يقتله مهاجري، فأمر أنصاريا.

أو قال له: فمر عباد بن بشر بقتله.

و عند البعض: مر معاذا أن يضرب عنقه.

قال العسقلاني: «و إنما قال ذلك لأن معاذا لم يكن من قومه» .

و ثمة نص آخر يقول: أو مر محمد بن مسلمة بقتله.

فقال: كيف يا عمر إذا تحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه؟ !

و لكن آذن بالرحيل، و ذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها. فارتحل الناس.

قال دحلان: «ثم سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» سيرا حثيثا، بحيث صار يضرب راحلته بالسوط في مراقها» .

و ذكروا أيضا: أنه «صلى اللّه عليه و آله» سار بالناس حتى أمسى، و ليلتهم


1) الآية 7 من سورة المنافقون.

حتى أصبح، و يوم ذاك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض، فوقعوا نياما. و ذلك ليشغلهم عن حديث الأمس.

و قالوا أيضا: إن الخزرج لاموا ابن أبي، فأنكر أن يكون قال شيئا، فلما سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بهم ذلك السير جاءه ابن أبي، فحلف أنه لم يقل شيئا.

لكن نصا آخر يذكر: أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» هو الذي أرسل إلى ابن أبي، فأتاه، فقال: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ ! .

فقال عبد اللّه: و الذي أنزل عليك الكتاب، ما قلت شيئا من ذلك. و إن زيدا لكاذب.

أو قال له «صلى اللّه عليه و آله» : إن كانت سبقت منك مقالة، فتب. فحلف باللّه ما قال شيئا من ذلك.

و عند البخاري و الترمذي و غيرهما: أنه لما حلف ابن أبي و أصحابه للنبي «صلى اللّه عليه و آله» صدقهم و كذب زيدا.

قال زيد: فأصابني هم لم يصبني مثله، فجلست في البيت (1).

قال دحلان: و أنزل اللّه في حق عمر (رض) : قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاٰ يَرْجُونَ أَيّٰامَ اَللّٰهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ، مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسٰاءَ فَعَلَيْهٰا ثُمَّ إِلىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (2).

قالوا: و كان عبد اللّه شريفا في قومه عظيما، فقال من حضر من الأنصار


1) صحيح البخاري ج 3 ص 130 و 131 و الجامع الصحيح ج 5 ص 415.

2) الآيتان 14 و 15 من سورة الجاثية.

من أصحابه:

يا رسول اللّه، شيخنا و كبيرنا، لا تصدق عليه كلام غلام، عسى أن يكون الغلام و هم في حديثه، و لم يحفظ ما قاله.

فعذره النبي «صلى اللّه عليه و آله» .

و في الكشاف (و قريب منه ما ذكره القمي) : روي أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قال لزيد: لعلك غضبت عليه.

قال: لا.

قال: فلعله أخطأ سمعك؟

قال: لا.

قال: فلعله شبه عليك؟

قال: لا.

و فشت الملامة لزيد في الأنصار و كذبوه، و كان زيد يساير النبي «صلى اللّه عليه و آله» و لم يقرب منه بعد ذلك استحياء.

فلما سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» لقيه أسيد بن حضير أو سعد بن معاذ كما في حبيب السير، أو سعد بن عبادة كما ذكره القمي، فحياه بتحية النبوة، و سلم عليه.

ثم قال: يا رسول اللّه، رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح فيها؟ ! .

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : أما بلغك ما قال صاحبكم (صاحبك)، عبد اللّه بن أبي؟ ! .

قال: و ما قال؟ ! .

قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل.

فقال أسيد: (أو سعد) فأنت و اللّه يا رسول اللّه تخرجه إن شئت. هو و اللّه الذليل، و أنت العزيز.

ثم قال: يا رسول اللّه، أرفق به، فو اللّه، لقد جاء اللّه بك، و إن قوله لينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا.

و بلغ عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي ما كان من أبيه. فأتى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فقال: يا رسول اللّه، بلغني أنك تريد قتل عبد اللّه بن أبي، لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو اللّه لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبرّ بوالديه مني، و أني أخشى أن تأمر به غيري، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد اللّه بن أبي يمشي في الناس؛ فأقتله؛ فأقتل مؤمنا بكافر، و أدخل النار.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : نرفق به، و نحسن صحبته ما بقي معنا.

قال العسقلاني: «فكان بعد ذلك إذا حدث الحدث كان قومه هم الذين ينكرون عليه، فقال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لعمر: كيف ترى الخ. .» (1).


1) راجع ما تقدم، باختصار أو بتفصيل في المصادر التالية: تاريخ الخميس ج 1 ص 471 و 472 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 299-301 و البداية و النهاية ج 4 ص 157 و 158 و سيرة مغلطاي ص 55 و العبر و ديوان المبتدأ و الخبر ج 2 ق 2 ص 33 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 303-305 و السيرة الحلبية ج 2 ص 286-288 و تاريخ الإسلام (المغازي) ص 218-221 و الكامل في التاريخ ج 2 ص 192 و 193 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 260-262 و فتح الباري ج 8 ص 498 و زاد المعاد ج 2 ص 116 و تاريخ ابن الوردي ج 1 ص 164 و 165 و حبيب السير ج 1 ص 359 و طبقات ابن سعد ج 2 ص 65 و المواهب اللدنية ج 1 ص 110 و دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 52-58 و صحيح البخاري ج 3 ص 130 و 131 و الجامع الصحيح ج 5 ص 515-518 و السيرة النبوية لدحلان ج 2 ص 270 و 271 و بهجة المحافل و شرحه ج 1 ص 242-244 و تفسير البرهان ج 4 ص 337 و 338 و الدر المنثور ج 6 ص 222-226 عن مصادر كثيرة جدا. و راجع أيضا ج 2 ص 258 عن ابن جرير و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم عن قتادة.

و في رواية أخرى: «لما بلغ النبي «صلى اللّه عليه و آله» بغض قوم ابن أبي له قال «صلى اللّه عليه و آله» لعمر: كيف ترى يا عمر؟ إني-و اللّه-لو قتلته يوم قلت، لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته.

فقال عمر (رض) : قد-و اللّه-علمت، لأمر رسول اللّه أعظم بركة من أمري» (1).

قالوا: و لما دنوا من المدينة-و في الوفاء: لما كان بينهم و بين المدينة يوم- تعجل عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي حتى أناخ على مجامع طرق المدينة. فلما جاء عبد اللّه بن أبي قال له ابنه: وراءك!

قال: ما لك، ويلك؟ !

قال: لا و اللّه، لا تدخلها حتى يأذن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يعلم اليوم: من الأعز، و من الأذل!

فقال له: أنت من بين الناس؟ ! .

فقال: نعم، أنا من بين الناس.


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 294 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 263 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 305 و البداية و النهاية ج 4 ص 158 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 301.

فانصرف عبد اللّه حتى لقي رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فشكى إليه ما صنع ابنه، فأرسل «صلى اللّه عليه و آله» إلى ابنه: أن خلّ عنه. فدخل المدينة (1).

و في المنتقى: أنه قال لأبيه: لا أفارقك حتى تقر أنك الذليل، و أن محمدا العزيز. فمر به رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: دعه فلعمري لنحسنن صحبته ما دام بين أظهرنا (2).

و في نص آخر: أنه صار يقول: لأنا أذل من الصبيان. لأنا أذل من النساء، حتى جاء رسول اللّه فقال له: خل عن أبيك (3).

و روي أنه قال له: لئن لم تقر للّه و رسوله بالعزة لأضربن عنقك.

فقال: ويحك، أفاعل أنت؟ ! .

قال: نعم.

فلما رأى منه الجد قال: أشهد أن العزة للّه و لرسوله و للمؤمنين.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» لابنه: جزاك اللّه عن رسوله، و عن المؤمنين خيرا (4).


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 472 عن المنتقي و الكشاف، و السيرة الحلبية ج 2 ص 290 و 291. و راجع: السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 301 و البداية و النهاية ج 4 ص 58 و راجع: الدر المنثور ج 6 ص 226 عن عبد بن حميد عن محمد بن سيرين.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 472 و راجع: الدر المنثور ج 6 ص 225 عن الترمذي.

3) السيرة الحلبية ج 2 ص 290 و راجع: الدر المنثور ج 6 ص 225 عن الترمذي.

4) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 472 و السيرة الحلبية ج 1 ص 291 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 272 و الدر المنثور ج 6 ص 225 عن الطبراني عن أسامة بن زيد، و راجع ما عن الحميدي عن أبي هارون المدني، أو ما عن ابن المنذر عن ابن جريج.

نزول سورة المنافقين:

قالوا: و أنزل اللّه تعالى سورة المنافقين في قضية ابن أبي المذكورة (1). أي في تكذيبه و تصديق زيد، فلما نزلت-و ذلك بعد أن وافى «صلى اللّه عليه و آله» المدينة-أخذ «صلى اللّه عليه و آله» بأذن زيد و قال: إن اللّه صدقك، و أوفى بأذنك.

و في الإكتفاء قال: هذا الذي أوفى اللّه بأذنه.

و في الكشاف: لما نزلت، لحق «صلى اللّه عليه و آله» زيدا من خلفه، فعرك أذنه، و قال: وفت أذنك يا غلام إن اللّه صدقك، و كذب المنافقين (2)و نزل قوله تعالى: . . وَ تَعِيَهٰا أُذُنٌ وٰاعِيَةٌ (3)، و صار يقال لزيد: ذو الأذن الواعية (4).

نزول آية أخرى في ابن أبي:

و قالوا: لما نزلت آية الأذن الواعية، و بان كذب ابن أبي قيل له: يا أبا حباب، إنه قد نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 291 و سيرة مغلطاي ص 55 و تاريخ الأمم و الملوك ج 2 ص 262 و حبيب السير ج 1 ص 359 و السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 305.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 472 و السيرة الحلبية ج 2 ص 291 و راجع: السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 305 و راجع: تاريخ الإسلام (المغازي) ص 220 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 300 و 301 و البداية و النهاية ج 4 ص 158 و بهجة المحافل ج 1 ص 243.

3) الآية 12 من سورة الحاقة.

4) السيرة الحلبية ج 2 ص 291 و سيرة مغلطاي ص 56.

و آله» ، يستغفر لك.

فلوى رأسه، ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فآمنت، و أمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت؛ فما بقي إلا أن أسجد لمحمد!

فأنزل اللّه: وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمْ تَعٰالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اَللّٰهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ. . الآية (1).

و في رواية أخرى: إنه بعد أن أنزل اللّه تعالى تكذيبا لابن أبي، و تصديقا لزيد بن أرقم إِذٰا جٰاءَكَ اَلْمُنٰافِقُونَ قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللّٰهِ. . (2)الآيات، قال النبي «صلى اللّه عليه و آله» لزيد: يا ذا الأذن الواعية، إن اللّه قد صدق مقالتك، و تلا «صلى اللّه عليه و آله» الآيات (3).

و لم يلبث عبد اللّه بن أبي إلا أياما قلائل، حتى اشتكى و مات (4).

موقفنا مما تقدم:

و نقول:

إن لنا مع جميع النصوص المتقدمة لهذه القصة و ملابساتها، و نزول الآيات


1) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 عن معالم التنزيل. و راجع: بهجة المحافل ج 1 ص 244 و السيرة النبوية لابن كثير ج 3 ص 301 و البداية و النهاية ج 4 ص 158 و الدر المنثور ج 6 ص 222-226.

2) الآية 1 من سورة المنافقون.

3) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 271.

4) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 عن معالم التنزيل و المدارك. و بهجة المحافل ج 1 ص 244.

فيها مواقع للنظر، و فيها الكثير مما يبعث الشك و الريب، و نحن نجمل ذلك في ما يلي:

تناقض النصوص، و اختلافها:

إن من يراجع نصوص القصة المذكورة آنفا: يجد فيها الكثير من الاختلافات، التي تصل إلى درجة التناقض، الأمر الذي يشير إلى عدم إمكان الاعتماد على أكثر تلك النصوص، لليقين بحدوث الكذب و التزوير، و التحريف فيها.

و نذكر من ذلك النماذج الآتية:

1-من الذي كسعه جهجاه؟ هل هو سنان بن وبرة (فروة) أو أنس بن سيار، كما في رواية القمي؟ ! .

2-هل الذي أخبر رسول اللّه بما كان من ابن أبي هو زيد بن أرقم، أم سفيان بن تيم؟ أم أوس بن أقرم، أم عمر بن الخطاب؟ !

3-هل قال عمر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» : مر معاذا بقتله، أم قال له: مر عباد بن بشر بذلك؟ أم محمد بن مسلمة؟ !

4-هل الذي شكا له النبي «صلى اللّه عليه و آله» ما كان من ابن أبي هو أسيد بن حضير، أم سعد بن معاذ، أم سعد بن عبادة.

5-هل أرسل النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى ابن أبي فجاءه. أم أن ابن أبي هو الذي بادر بالمجيء إليه «صلى اللّه عليه و آله» ؟

6-هل الذي أخبر زيدا بنزول براءته هو النبي «صلى اللّه عليه و آله»

بعد أن عرك أذنه (1)(أو أخذ أذنه فرفعه من الرجل كما عند القمي) ، أم أن أبا بكر و عمر قد تبادرا إلى زيد ليبشراه، فسبق أبو بكر، فأقسم عمر: أن لا يبادره بعدها إلى شيء، كما ذكر ابن عبد البر (2).

7-هل نزلت براءة زيد في الطريق إلى المدينة، أم نزلت في المدينة نفسها، بعد اعتزال زيد في بيته؟ (3).

8-هل كسع المهاجري الأنصاري بسيفه، أم كسعه برجله، و ذلك عند أهل اليمن شديد (4)؟

آيات نزلت في عمر:

قد ذكر دحلان: أن ثمة آيات نزلت في حق عمر في هذه المناسبة، و هي قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لاٰ يَرْجُونَ أَيّٰامَ اَللّٰهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ، مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسٰاءَ فَعَلَيْهٰا ثُمَّ إِلىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (5).


1) راجع: بالإضافة إلى المصادر المتقدمة: الدر المنثور ج 6 ص 222 و 223 عن ابن سعد، و عبد بن حميد، و الطبراني، و ابن المنذر، و الحاكم و الترمذي و صححاه، و ابن مردويه، و ابن عساكر، و البيهقي في الدلائل.

2) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 1 ص 557.

3) راجع: بالإضافة إلى المصادر التي تقدمت للرواية: الدر المنثور ج 6 ص 223 عن ابن المنذر، و الطبراني، و ابن مردويه.

4) فتح الباري ج 8 ص 497.

5) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 271.

و نقول:

1-هل أذنب ابن أبي مع شخص عمر بن الخطاب، ليأمره اللّه سبحانه بالعفو عنه؟ ! .

2-إن الآيات قد وردت في سورة الجاثية، و هي مكية قد نزلت قبل المريسيع و تبوك بسنوات عديدة.

3-إنهم يقولون: إن هذه الآيات منسوخة بآيات القتال، كما عن مجاهد (1).

و عن قتادة: إنها منسوخة بقوله تعالى في سورة الأنفال الآية 57: فَإِمّٰا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي اَلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ. . (2).

4-قد صرحت رواية أخرى عن قتادة بأنها نسخت بالآية 5 من سورة التوبة: فَإِذَا اِنْسَلَخَ اَلْأَشْهُرُ اَلْحُرُمُ فَاقْتُلُوا اَلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (3).

و عن ابن عباس: نسخت بالآية التي تأمر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بأن يقاتل المشركين كافة (4)و هي الآية 36 من سورة التوبة.

و الآيات إنما تتعرض للمشركين، فذلك يعني: أن آيات الجاثية إنما تتحدث عن المشركين أيضا، و لم يكن ثمة تشريع لقتال المنافقين لا قبل ذلك و لا بعده، مع أن نسخها بآيات التوبة، مع وجود آيات تأمر بقتال المشركين في سورة الأنفال، غير واضح، إلا إذا أريد أن آيات التوبة تنص على تعميم


1) الدر المنثور ج 6 ص 34 و 35 عن أبي داود في تاريخه و ابن جرير، و ابن المنذر.

2) الدر المنثور ج 6 ص 34 عن عبد بن حميد.

3) الدر المنثور ج 6 ص 35 عن ابن جرير، و ابن الأنباري في المصاحف.

4) الدر المنثور ج 6 ص 34 عن ابن جرير، و ابن مردويه.

القتال لكل مشرك بخلاف آيات سورة الأنفال.

لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ :

ذكرت بعض الروايات: أنه لما بلغ عمر بن الخطاب قول ابن أبي: لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ، أخذ سيفه، ثم خرج عامدا ليضربه، فذكر هذه الآية: يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ. . (1)فرجع إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأخبره الخ. . (2).

و نقول:

أولا: إنه إذا كانت قضية ابن أبي هذه قد حصلت في غزوة المريسيع، فإن ثمة ما يدل على أن آية: لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ قد نزلت بعد ذلك.

فقد روي عن الحسن: أنها نزلت في ناس ذبحوا قبل رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوم النحر، فأمرهم أن يعيدوا ذبحا، فأنزل اللّه هذه الآية (3).

و عن الحسن أيضا قال: ذبح رجل قبل الصلاة، فنزلت (4).

إلا أن يقال: إن المراد ليس الذبح في الحج بل الذبح يوم النحر في المدينة. و لكنه احتمال بعيد.

ثانيا: إننا لم نعهد من عمر بن الخطاب شجاعة إلى هذا الحد، لا سيما


1) الآية 1 من سورة الحجرات.

2) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 226 عن محمد بن سيرين.

3) الدر المنثور ج 6 ص 84 عن عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر.

4) الدر المنثور ج 6 ص 84 عن ابن أبي الدنيا في الأضاحي.

بالنسبة لابن أبي الذي لا يجهل أحد موقعه في قومه.

إلا أن يقال: إن عمر بن الخطاب حين يشعر أنه محمي من قبل النبي «صلى اللّه عليه و آله» و المسلمين، فإنه يقدم على أمر كهذا، لا سيما إذا كان لا يواجه عددا مسلحا، و إنما هو يتولى قتل رجل أعزل يقتله و هو مطمئن إلى أنه غير قادر على أن يحرك ساكنا ضده.

يا أبا حباب:

قد ذكرت الروايات المتقدمة: أنهم قالوا لابن أبي: يا أبا حباب، إنه قد نزل فيك آيات شداد (1).

و نقول: إن هذا موضع شك و ريب:

1-إنهم يقولون: كان اسم عبد اللّه بن أبي حبابا، فغير النبي «صلى اللّه عليه و آله» اسمه، و قال: إن حبابا اسم شيطان (2)؟ فما معنى قولهم له: يا أبا حباب؟ و إذا كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد غير اسمه فلماذا لم يغير اسم ولده بل أبقاه؟ !

2-و لماذا لم يغير النبي «صلى اللّه عليه و آله» اسم الحباب بن المنذر و ابن قيظي، و ابن عمرو، و ابن عبد، و ابن زيد، و ابن جزء، و ابن جبير و غيرهم؟ أو لماذا لم يغيروا هم أسماءهم حين عرفوا أن حبابا اسم شيطان؟


1) و راجع أيضا: الدر المنثور ج 6 ص 224 عن عبد بن حميد، و ابن المنذر.

2) تاريخ الخميس ج 1 ص 472 و إرشاد الساري ج 8 ص 251 و فتح الباري ج 8 ص 251 و الدر المنثور ج 3 ص 264.

و تذكر الروايات المتقدمة: أن قوله تعالى: . . وَ تَعِيَهٰا أُذُنٌ وٰاعِيَةٌ (1)، نزل في زيد بن أرقم في هذه المناسبة.

و نقول:

أولا: المفروض: أن قصة ابن أبي قد كانت بعد الهجرة بخمس أو ست سنوات و هذه الآية قد وردت في سورة الحاقة، التي نزلت في مكة قبل الهجرة (2).

و في كلام عمر بن الخطاب: أنها نزلت قبل أن يسلم (3). و هم يدعون: أن عمر قد أسلم بعد البعثة بخمس أو ست سنين، و إن كنا قد ناقشنا في صحة ذلك، و أثبتنا: أنه أسلم قبل الهجرة بقليل. و لكن حتى هذا لا ينفع المستدل شيئا هنا لأن سورة الحاقة قد نزلت على جميع التقادير قبل الهجرة، و هذه الحادثة قد كانت بعد الهجرة بسنوات كما قلنا.

ثانيا: إن سياق الآيات يأبى عن أن تكون هذه الآية قد نزلت في زيد بن أرقم، فإنها تتحدث عما جرى لقوم عاد و ثمود و فرعون، و المؤتفكات إلى أن تقول: إِنّٰا لَمّٰا طَغَى اَلْمٰاءُ حَمَلْنٰاكُمْ فِي اَلْجٰارِيَةِ، لِنَجْعَلَهٰا لَكُمْ تَذْكِرَةً


1) الآية 12 من سورة الحاقة.

2) الدر المنثور ج 6 ص 258 عن البيهقي، و ابن الضريس، و النحاس، و ابن مردويه عن ابن الزبير، و عن أحمد عن عمر.

3) الدر المنثور ج 6 ص 258 و 260 عن ابن الضريس، و النحاس، و ابن مردويه و البيهقي، عن ابن عباس. و في الدر المنثور أيضا: عن ابن مردويه، عن ابن الزبير و فيه أيضا عن أحمد، عن عمرو: أنها نزلت قبل أن يسلم عمر.

وَ تَعِيَهٰا أُذُنٌ وٰاعِيَةٌ (1)أي تعيها أذن تحصي هذه العبر و العظات، و هذه الأحداث العظام و تحفظها، و تعيها.

فلا ربط للآية بما حدث بين زيد و ابن أبي، لو صح أن شيئا من ذلك قد حدث فعلا.

ثالثا: سيأتي إن شاء اللّه: أن أصل تصدّي زيد لابن أبي مشكوك فيه، فلا معنى بعد هذا لدعوى نزول هذه الآية في هذه المناسبة، إلا بعد إثبات ذلك، إذ: العرش ثم النقش.

رابعا: قد روي عن علي «عليه السّلام» ، و عن بريدة، و مكحول، و أبي عمرو بن الأشج، و هو: عثمان بن عبد اللّه بن عوام البلوي، و عن ابن عباس، و أنس، و الأصبغ بن نباتة، و جابر، و عمر بن علي، و أبي مرة الأسلمي: أن هذه الآية نزلت في علي «عليه السّلام» ، و قد روى ذلك أهل السنة و الشيعة على حد سواء، فراجع (2).


1) الآيتان 11 و 12 من سورة الحاقة.

2) راجع هذه الروايات أو بعضها في المصادر التالية: مناقب الإمام علي لابن المغازلي ص 318 و 319 و 365 و جامع البيان ج 29 ص 35 و 36 مناقب الإمام أمير المؤمنين لمحمد بن سليمان ج 1 ص 196 و 142 و 158 و تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 413 عن ابن أبي حاتم، و الطبري. و فرائد السمطين ج 1 ص 198 و 199 و 200 و شواهد التنزيل ج 2 ص 360 و 380 و في هامشه مصادر كثيرة جدا، و ترجمة علي بن أبي طالب من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ج 2 ص 422 و حلية الأولياء ج 1 ص 67 و كنز العمال (ط الهند) ج 15 ص 119 و 157 عن ابن عساكر و أبي نعيم في المعرفة و عن الضياء المقدسي في المختارة، و ابن مردويه و أسباب النزول ص 339

(2) و الكشاف ج 4 ص 600 و العمدة لابن البطريق ص 289 و 290 و راجع: مجمع الزوائد ج 1 ص 131، و إن كان قد حذف ذلك الحديث و التفسير الكبير ج 30 ص 107 و كفاية الطالب ص 108 و 109 و 110 و لباب التأويل (مطبوع مع جامع البيان) ج 29 ص 31 و الجامع لأحكام القرآن ج 18 ص 264 و منتخب كنز العمال (مطبوع مع مسند أحمد) ج ص 48 و البحر المحيط ج 8 ص 317 و الفصول المهمة لابن الصباغ ص 107 و لباب النقول ص 225 و روح المعاني ج 29 ص 43 و نور الأبصار ج 78 و ينابيع المودة ص 120. و فتح الملك العلي ص 22 و 23 و شرح المقاصد ج 5 ص 297 و المناقب للخوارزمي ص 282 و 283 و محاضرات الأدباء ج 1 ص 39 و ج 4 ص 447 و نظم درر السمطين ص 92 و أهل البيت لتوفيق أبي علم ص 225 و 226 و خصائص الوحي المبين ص 154-157 و كشف الغمة ج 1 ص 322 و مجمع البيان ج 10 ص 345 و 346 و البحار ج 35 ص 326-331 و غاية المرام ص 336 و أنساب الأشراف ج 2 ص 121(بتحقيق المحمودي) و تفسير فرات ص 500 و 501 و تفسير البرهان ج 4 ص 375 و 376 و فضائل الخمسة ج 1 ص 272-274 و الدر المنثور ج 6 ص 260 عن ابن عساكر، و ابن النجار، و ابن جرير، و ابن مردويه و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و سعيد بن منصور، و الواحدي، و أبي نعيم، و إحقاق الحق (قسم الملحقات) ج 3 ص 147-154 ج 14 ص 220 و 241 و ج 20 ص 92 و 97 عن أكثر من تقدم و عن المصادر التالية: شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج 4 ص 319 و ج 2 ص 263، و إعراب ثلاثين سورة ص 103 و مناقب مرتضوي ص 36 و الكواكب الدرية للمناوي ص 39 و الذريعة (للراغب) ص 92 و توضيح الدلائل (مخطوط) ص 169 و 210 و تاريخ دمشق ج 2 ص 423 و ج 36 ص 77 و عن لسان الميزان ج 6 ص 376 و سعد السعود ص 108 و ما نزل من القرآن في علي (لأبي نعيم) ص 266 و 286 و منال الطالب ص 85 و غاية المرام في رجال البخاري إلى سيد الأنام ص 72 و نهاية البيان في تفسير البرهان ج 8 ص 40 و الإمام

و قال في شرح المواقف: أكثر المفسرين على أنه علي (1).

الشانئون و الحاقدون:

قال الحلبي الشافعي: «و ذكر بعض الرافضة: أن قوله تعالى: . . وَ تَعِيَهٰا أُذُنٌ وٰاعِيَةٌ جاء في الحديث: أنها نزلت في علي كرم اللّه وجهه.

قال الإمام ابن تيمية: و هذا حديث موضوع باتفاق أهل العلم. أي و على تقدير صحته لا مانع من التعدد» (2).

و نقول: تقدم آنفا:

1-أن حديث نزول هذه الآية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب «عليه السلام» مروي عند أهل السنة، و بطرقهم، أكثر مما هو مروي عند الشيعة.

(2) المهاجر ص 158 و مطالب السؤل ص 20 و الكشف و البيان (مخطوط) و مفتاح النجا (مخطوط) ص 40 و 41 و أرجح المطالب ص 161 و 160 و 63 و الإربعين للسيد عطاء اللّه (مخطوط) ص 27 و طبقات المالكية ج 2 ص 72 و شرح ديوان أمير المؤمنين للميبدي (مخطوط) ص 180 و المختار في مناقب الأخيار ص 3 مخطوط. و الروض الأزهر ص 108 و الكاف الشاف ص 177 و معترك الأقران في إعجاز القرآن ج 2 ص 36 و وسيلة النجاة ص 136 و 156 و التعريف و الإعلام ص 67 (مخطوط) . و مناقب علي للعيني ص 55 و سمط النجوم ج 2 ص 504 و زين الفتى (مخطوط) ص 605 و جمع الجوامع ج 2 ص 308 و تفسير الثعلبي (مخطوط) ص 201.


1) شرح المواقف ج 8 ص 370.

2) السيرة الحلبية ج 2 ص 291.

و المصادر المتقدمة، و شخصيات الرواة توضح ذلك. بل إن بعض الرواة لم يكونوا في خط علي «عليه السّلام» ، و لا من أنصاره.

2-قد عرفنا: أن أصل تصدي زيد لابن أبي مشكوك فيه.

3-إن سياق الآيات لا ينسجم مع قضية زيد.

4-إن سورة الحاقة قد نزلت قبل الهجرة.

إلا أن يدّعى: أن هذه الآية مما تكرر نزوله.

و لكنها دعوى: تحتاج إلى شاهد، بل الشواهد المذكورة آنفا على خلافها.

5-أضف إلى ذلك: أن هذه الدعوى لا تتنافى مع حديث نزولها في علي «عليه السّلام» .

6-لم يذكر لنا التاريخ أيا من أهل العلم قال: إن هذا الحديث موضوع، فضلا عن أن يكون أهل العلم قد اتفقوا على ذلك. و هذه هي الكتب و الموسوعات متداولة بين أيدي جميع الناس فليراجعها من أراد.

و السبب الحقيقي لما حدث:

تقدم أن سبب قول ابن أبي: لَئِنْ رَجَعْنٰا إِلَى اَلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ هو ما جرى بين جهجاه و سنان.

مع أن زيد بن أرقم يروي: أن السبب هو: أن رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» قدم في ناس من أصحابه على ابن أبي، فقال ابن أبي ذلك، فسمعه زيد، فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بذلك (1).


1) الدر المنثور ج 6 ص 223 عن الطبراني.

و ثمة حديث عن ابن عباس يقول: إن سبب ذلك هو خلاف على الماء وقع بين أصحاب عبد اللّه بن أبي و بين الفقراء المؤمنين. حيث سبقهم أصحاب ابن أبي إلى الماء، و أبوا أن يخلوا عن المؤمنين، فحصرهم المؤمنون، فلما جاء ابن أبي نظر إلى أصحابه، فقال: «و اللّه لَئِنْ رَجَعْنٰا إِلَى اَلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ (1)فلما عرف النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر دعا ابن أبي الخ. .

و في نص آخر: إن ذلك قد كان في الحديبية (2).

متى كانت هذه القضية؟ !

قد ذكرت رواية ابن سيرين: أنه بعد أن رجع ابن أبي إلى المدينة لم يلبث إلا أياما قلائل ثم توفي، و أنه طلب: أن يأتيه الرسول في مرضه الذي توفي فيه، فلما دخل عليه بكى، فقال له «صلى اللّه عليه و آله» : أجزعا يا عدو اللّه الآن؟ !

فقال: يا رسول اللّه، إني لم أدعك لتؤنبني، و لكن دعوتك لترحمني. فاغرورقت عينا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، ثم طلب منه ابن أبي أن يشهد غسله، و أن يكفنه في ثلاثة أثواب من ثيابه «صلى اللّه عليه و آله» ، و يمشي في جنازته، و يصلي عليه (3).


1) الدر المنثور ج 6 ص 223 عن ابن المنذر.

2) الدر المنثور ج 6 ص 225 عن عبد بن حميد.

3) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 226 عن عبد بن حميد، و عن محمد بن سيرين.

و نقول:

أولا: إننا لا نستطيع أن نصدق بأنه «صلى اللّه عليه و آله» قد قال لابن أبي، و هو على فراش الموت، و من دون أي موجب: أجزعا يا عدو اللّه الآن. فإن أخلاق النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و سياسته لا تنسجم مع هذه القسوة البالغة، حتى مع المنافقين، لا سيما، و أن ابن أبي هو الذي طلب من النبي «صلى اللّه عليه و آله» الحضور.

ثانيا: إن هذه القضية تؤيد كون قصة ابن أبي، و قوله: لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ ، إنما كان في غزوة تبوك كما قيل (1)، و هي في السنة التاسعة، سنة موت ابن أبي (2).

و قد تقدم قولهم بعد ذكرهم لتلك الحادثة مع زيد: و لم يلبث ابن أبي إلا أياما قلائل، حتى اشتكى و مات (3).

فإذا كان قد مات في التاسعة، فلا بد أن تكون الحادثة أيضا في السنة التاسعة، و ذلك يدل على أن الحادثة قد كانت في غزوة تبوك.

لكن الحلبي بعد أن ذكر القول: بأن هذه الحادثة قد كانت في غزوة


1) راجع: الجامع الصحيح ج 5 ص 417 و السيرة الحلبية ج 2 ص 286 و 287 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 1 ص 557 و فتح الباري ج 8 ص 494 عن النسائي، عن زيد بن أرقم. و عن عبد بن حميد بسند صحيح عن سعيد بن جبير، و الدر المنثور ج 6 ص 224 عن عبد بن حميد، و ابن أبي حاتم.

2) راجع: تاريخ الخميس ج 1 ص 473.

3) تاريخ الخميس ج 1 ص 473 عن المدارك و معالم التنزيل، و بهجة المحافل ج 1 ص 244.

تبوك قال: «فيه نظر ظاهر» (1). و إذا كان مستند الحلبي في هذا النظر هو الروايات التي ذكرت: أنها كانت في غزوة المريسيع، فلا مجال لقبول ذلك منه، بعد أن تواردت على تلك الروايات العلل و الأسقام، كما رأينا و سنرى إن شاء اللّه تعالى.

و الخلاصة: أن وقوع هذه الحادثة في غزوة المريسيع أمر مشكوك فيه.

ابن أرقم؟ أم ابن أقرم؟ أم غيرهما؟ !

إننا في حين نجد بعض الروايات تقول: إن زيد بن أرقم هو الذي تصدى لابن أبي، نجد في النصوص الأخرى، ما يخالف ذلك، فقد ذكر ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة، و ذكر موسى بن عقبة في مغازيهما هذه القصة، و زعما: أن أوس بن أقرم-و هو رجل من بني الحارث بن الخزرج- هو الذي سمع قول عبد اللّه بن أبي، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب. و ذكر ذلك عمر لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .

و بعث رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» إلى ابن أبي، فسأله عما تكلم به، فحلف باللّه ما قال من ذلك شيئا.

فقال له رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إن كان سبق منك قول فتب. فجحد، و حلف.

فوقع رجال بأوس بن أقرم، و قالوا: أسأت بابن عمك، و ظلمته، و لم يصدقك رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» .


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 286 و 287.

فبينما هم يسيرون إذ رأوا رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» يوحى إليه، فلما قضى اللّه قضاءه في موطنه ذلك، و سري عنه نظر رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» فإذا هو بأوس بن أقرم، فأخذ بأذنه فعصرها، حتى استشرف القوم.

فقام رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: أبشر، فقد صدق اللّه حديثك، ثم قرأ عليهم سورة المنافقين الخ. .» (1).

و قد ادّعى البعض: تعدد هذه القضية لزيد بن أرقم، و لأوس بن أقرم كليهما (2).

و نقول:

لا مجال لقبول هذه الدعوى الأخيرة، إذ من البعيد حصول هذا التوافق في الخصوصيات و التفاصيل لكل من الرجلين، كما يتضح بالمراجعة و المقارنة.

و دعوى: أن قصة أوس خطأ من أصحاب المغازي، و أن قائل ذلك هو زيد (3)، ليس بأولى من العكس.

لا سيما إذا علمنا: أن قصة زيد تتوارد عليها العلل و الأسقام من كل جانب.

هذا كله بالإضافة: إلى ما تقدم من أن الذي أخبر النبي «صلى اللّه عليه


1) دلائل النبوة للبيهقي ج 4 ص 56 و في هامشه قال: (نقله ابن عبد البر مختصرا في الدرر 189) . و راجع: فتح الباري ج 8 ص 495 و الإصابة ج 1 ص 79 عن الحاكم في الإكليل.

2) الإصابة ج 1 ص 79.

3) الإصابة ج 1 ص 79 عن الحاكم في الإكليل.

و آله» بقول ابن أبي، هو سفيان بن تيم (1)و ليس عمر بن الخطاب كما ذكرت هذه الرواية.

جرأة زيد بن أرقم:

و لا ندري مدى صحة ما ينسب لزيد بن أرقم من جرأة نادرة على ابن أبي، و من كلام قوي و رصين، و عالي المضمون، حيث قال له:

«أنت-و اللّه-الذليل، المنقص في قومك. و محمد في عزّ من الرحمن، و قوة من المسلمين.

فقال له ابن أبي: اسكت فإنما كنت ألعب» .

و لم نعهد من زيد هذا المستوى من الجرأة، و التحدي، و هذا القدر من الوعي، و المعرفة بفنون الكلام، لا سيما و هو غلام يافع صغير السن، قد لا يزيد عمره على الخمس عشرة سنة.

مع أننا نستغرب أن يكون جواب ابن أبي له: هو كلمة: «اسكت، إنما كنت ألعب» فإنه جواب ضعيف، لا ينسجم مع قوة كلامه في مقام التحدي السافر للنبي «صلى اللّه عليه و آله» و لمن معه، و كيف سكت على إهانة زيد له، و ادّعائه: أنه منقص في قومه، و ذليل؟ و لماذا جاء الجواب بكنت ألعب، بدل أمزح؟

إن أجواء الحوار تدعونا إلى رفض أن يكون الحوار قد سار على هذا النهج، و بهذا الطريقة، لو كان ثمة حوار! !


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 287.

ذكرت ذلك لعمي، أو لعمر! !

و نجد في الكلام المنسوب لزيد ترديدا يثير الشبهة و الريب، إلى درجة الاعتقاد بأن هذه القضية قد كانت عرضة للتلاعب لدوافع مختلفة، فهو يقول: «فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر» (1).

فهل يعقل أن يكون زيد قد نسي ذلك الشخص الذي تحدث معه عن هذا الأمر الذي نشأ عنه نزول آية قرآنية، فيها التكريم و التعظيم، و الشرف، الذي لا يضاهى، و الفضل الذي لا يناله إلا ذو حظ عظيم؟ !

و هل يمكن أن يكون هذا الترديد قد جاء من الرواة، لا من زيد؟ لا سيما و نحن نرى نصا آخر يؤكد على أنه كان رديفا لعمه، و أن عمه هو الذي انطلق فأخبر عمر بذلك، ثم رجع إليه فأنّبه، بعد أن حلف ابن أبي لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، فصدقه (2).

و ذلك يبعد أن يكون الترديد من الراوي، لا من زيد.

و إن كانت سائر الروايات التي تقدمت قد ذكرت أن زيدا قد أخبر عمر بذلك. فأي ذلك نصدق، و بماذا نوجه هذا التناقض و الاختلاف؟ !

إلا أن نقول كما يقوله الآخرون: «لا حافظة لكذوب» .

مع أننا نتردد كثيرا في نسبة الكذب إلى زيد، بل نكاد نطمئن إلى أن


1) صحيح البخاري ج 3 ص 130.

2) الدر المنثور ج 6 ص 223 عن ابن سعد، و عبد بن حميد، و الترمذي و صححه، و ابن المنذر، و الطبراني، و الحاكم و صححه، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل، و ابن عساكر.

محبيه هم الذين أوقعوه في هذه الورطة. و لعل ذلك قد كان بعد موت زيد بعشرات السنين.

من هو عم زيد بن أرقم؟ !

قد ذكرت بعض الروايات: أن عم زيد الذي أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بما كان من ابن أبي هو سعد بن عبادة، كما ذكره الطبراني، و ابن مردويه (1).

مع أن سعدا ليس عمه الحقيقي، و إنما هو سيد قومه الخزرج، و عمه الحقيقي هو ثابت بن قيس. و عمه زوج أمه هو عبد اللّه بن رواحة (2)«رضوان اللّه تعالى عليه» .

فلماذا جعل ابن عبادة عما له في هذه القضية بالذات يا ترى؟ !

على أننا نشك: في أن يكون ابن عبادة أيضا هو الذي أخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» بالأمر، حتى لو قبلنا صحة تسميته بالعم، و ذلك لما تقدم في رواية هذه القصة من أن ابن عبادة قد لحق النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، حينما سار بالناس، و سأله عن سبب ذلك، فقال له: أما بلغك ما قال صاحبكم عبد اللّه بن أبي؟ ! .

قال: و ما قال.

قال: زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل الخ. .

فإن ظاهر هذه الرواية: أن ابن عبادة إلى هذا الوقت لم يكن يعلم بما


1) راجع: الدر المنثور ج 6 ص 223 و فتح الباري ج 8 ص 494.

2) فتح الباري ج 8 ص 494.

كان من ابن أبي، و أنه علم بذلك من النبي «صلى اللّه عليه و آله» . فكيف يكون هو الذي أخبره بما قاله زيد عن ابن أبي؟ !

قربى ابن أرقم لابن أبي:

على أن بعض النصوص قد ذكرت: أن الذي نقل إلى النبي ما جرى هو غلام من قرابة ابن أبي (1).

و زيد بن أرقم ليس من أقرباء ابن أبي إذ هو: ابن أرقم، بن زيد، بن قيس، بن النعمان، بن مالك، بن الأغر، بن ثعلبة، بن كعب بن الخزرج (2).

و عبد اللّه هو: ابن أبي، بن مالك بن الحرث، بن مالك، بن سالم، بن غنم، بن عوف، بن الخزرج (3).

فأين هي القرابة بين الرجلين؟ ! إلا أن يكون مجرد كونهما يلتقيان في الخزرج نفسه يكفي لوصفه بكونه من قرابته.

النبي صلى اللّه عليه و آله يضرب راحلته:

و قد عرفنا أن البعض يقول: «ثم سار رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» بالناس سيرا حثيثا، بحيث صار يضرب راحلته في مراقها» (4).

و لا ندري، ما هو ذنب الناقة التي لم تكن تدري بشيء، أو فقل لم يكن


1) الدر المنثور ج 6 ص 224 عن عبد بن حميد، و ابن جرير، و ابن المنذر.

2) الإصابة ج 1 ص 560.

3) الإصابة ج 2 ص 335.

4) السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 270 و 271.

لها دور فيما حصل و يحصل من حولها؟

كما أننا لا نصدق: أنه «صلى اللّه عليه و آله» يضرب ناقته من الأساس، فقد:

1-روي عن عائشة: أنها ركبت بعيرا، و فيه صعوبة؛ فجعلت تردده، فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : عليك بالرفق (1).

2-و عن الزهري و كذا عن عائشة قالت: ما ضرب «صلى اللّه عليه و آله» شيئا قط بيده، لا امرأة، و لا خادما، إلا أن يجاهد في سبيل اللّه. .

و عند الزهري: ما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يضرب في سبيل اللّه (2).

3-عن إبراهيم بن علي، عن أبيه، قال: حججت مع علي بن الحسين «عليه السّلام» ، فالتاثت (3)الناقة عليه في سيرها، فأشار إليها بالقضيب ثم قال: آه لولا القصاص. و ردّ يده عنها (4).

4-و عن الصادق «عليه السّلام» قال: حج علي بن الحسين «عليه


1) الشفاء للقاضي عياض ج 1 ص 126.

2) المواهب اللدنية ج 1 ص 292 و 293 و الشفاء ج 1 ص 108 و صحيح مسلم ج 8 ص 23 و البداية و النهاية ج 6 ص 36 عن أحمد، و مسلم، و مسند أحمد ج 6 ص 171.

3) التاثت: أبطأت.

4) الإرشاد للمفيد ص 288 و مناقب ابن شهرآشوب ج 4 ص 155 و إعلام الورى ص 261 و الفصول المهمة ص 203 و بحار الأنوار ج 46 ص 71 و 76 و 91 و ج 61 ص 215 و 216 و المحاسن ص 361 و المحجة البيضاء ج 4 ص 235 و الوسائل ج 8 ص 354 و 355 و 396.

السلام» على ناقة عشر سنين فما قرعها بسوط. و لقد بركت به سنة من السنين فما قرعها بسوط (1).

و في نص آخر: أربعين حجة (2)أو عشرا (3). فهل يعقل أن يكون السجاد «عليه السّلام» أتقى للّه أو أعرف بالأحكام من نبي الإسلام الأكرم «صلى اللّه عليه و آله» ؟ !

يَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ مٰا قٰالُوا:

تقدم أن بعض الروايات عن قتادة تقول: «إن آية: يَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ مٰا قٰالُوا وَ لَقَدْ قٰالُوا كَلِمَةَ اَلْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاٰمِهِمْ. . الآية (4). . قد نزلت في ابن أبي في هذه المناسبة» (5).

و نقول:

أولا: إننا نجد في مقابل ذلك الأقوال التالية:

1-ما روي عن كعب بن مالك، و ابن سيرين، و عروة بن الزبير، و ابن


1) الوسائل (ط المكتبة الإسلامية) ج 8 ص 354 و 396 و المحاسن للبرقي ج 2 ص 109 و البحار ج 61 ص 204.

2) الوسائل ج 8 ص 353 و من لا يحضره الفقيه ج 2 ص 393 و البحار ج 61 ص 212.

3) الوسائل ج 8 ص 395 و 396 و المحاسن ج 2 ص 109 و الخصال ج 2 ص 518 و البحار ج 46 ص 70 و 91 و ج 61 من 206 و عن ثواب الأعمال ص 46.

4) الآية 74 من سورة التوبة.

5) الدر المنثور ج 3 ص 258 عن ابن جرير، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم.

عباس: أن هذه الآية قد نزلت في الجلاس بن سويد، حيث قال: لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير. فسمعه عمير بن سعد (الذي كان ربيبا له) (1)، فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، فأتى الجلاس، و حلف باللّه: أنه ما قال ذلك، فأنزل اللّه: يَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ مٰا قٰالُوا. . (2).

و كان نزول هذه الآية في وقعة تبوك التي كان الجلاس قد تخلف عنها كما عن ابن عباس (3)و عروة (4).

و في نص آخر: إنها نزلت في منافق سمعه زيد بن أرقم يقول-و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يخطب-: إن كان هذا صادقا لنحن شر من الحمير، فأخبر النبي «صلى اللّه عليه و آله» إلى آخر القصة السابقة، كما روي عن أنس، و ابن سيرين (5).


1) راجع: الإصابة ج 3 ص 32 و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 487 و الدر المنثور ج 3 ص 258 عن عبد الرزاق، و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ.

2) الدر المنثور ج 3 ص 258 و 259 عن ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، و عن ابن إسحاق، و ابن أبي حاتم عن كعب بن مالك. و عن عبد الرزاق و ابن المنذر، و ابن أبي حاتم و أبي الشيخ عن عروة. و عن عبد الرزاق، عن ابن سيرين و الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 487 عن ابن إسحاق، و عبد الرزاق، و غيره.

3) الدر المنثور ج 3 ص 258 عن ابن أبي حاتم.

4) الإستيعاب (مطبوع مع الإصابة) ج 2 ص 487.

5) الدر المنثور ج 3 ص 258 و 259 عن ابن أبي حاتم، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل عن أنس. و عن ابن المنذر، و أبي الشيخ عن ابن سيرين.

2-عن ابن عباس: كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» جالسا في ظل شجرة، فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاء فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق، فدعاه «صلى اللّه عليه و آله» ، فقال: علام تشتمني أنت و أصحابك؟

فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا باللّه ما قالوا حتى تجاوز عنهم، و أنزل اللّه: يَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ مٰا قٰالُوا. . (1).

ملاحظة: و نسجل هنا ملاحظة حول عمير بن سعد، فإنه قد شهد فتوح الشام، و استعمله عمر على حمص إلى أن مات.

و كان عمر يقول: وددت أن لي رجالا مثل عمير بن سعد أستعين بهم على أعمال المسلمين (2).

و ثانيا: إن آية يَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ مٰا قٰالُوا. . ، هي في سورة التوبة. و هي قد نزلت بعد فتح مكة (3). بل هي من آخر القرآن نزولا (4). و هي آخر سورة


1) الدر المنثور ج 3 ص 258 عن ابن جرير، و الطبراني، و ابن مردويه، و أبي الشيخ.

2) الإصابة ج 3 ص 32 و راجع الإستيعاب (بهامش الإصابة) ج 2 ص 488.

3) الدر المنثور ج 3 ص 207 عن أبي الشيخ، عن ابن عباس.

4) الدر المنثور ج 3 ص 207 و 208 عن ابن أبي شيبة، و أحمد، و أبي داود، و الترمذي و حسنه، و النسائي، و ابن أبي داود في المصاحف، و ابن المنذر، و النحاس في ناسخه و ابن حبان، و أبي الشيخ، و الحاكم و صححه، و ابن مردويه و البيهقي في الدلائل عن ابن عباس و مستدرك الحاكم ج 2 ص 330 و 331 و تلخيصه للذهبي (مطبوع بهامشه) و البرهان للزركشي ج 1 ص 235 و راجع ص 61 و فتح الباري ج 9 ص 37 و 39 و كنز العمال (ط الهند) ج 2 ص 367 عمن ذكرهم في الدر

نزلت تامة (1). و المريسيع قد كانت قبل ذلك بعدة سنوات.

كثرة المسلمين بعد قضية زيد و ابن أبي:

أما العسقلاني، فاعتبر أن قول البخاري: «ثم إن المهاجرين كثروا بعد هذا مما يؤيد تقدم القصة.

و يوضح و هم من قال: إنها كانت بتبوك، لأن المهاجرين حينئذ كانوا كثيرا جدا، و قد انضافت إليهم مسلمة الفتح في غزوة تبوك، فكانوا حينئذ أكثر من الأنصار» (2).

و نقول:

إن كلام العسقلاني أيضا غير صحيح: و ما قاله لا يثبت: أن من قال: إن القضية كانت بتبوك كان وهما منه. و ذلك لما يلي:

1-إن البخاري ذكر أن المهاجرين كثروا.

(4) المنثور آنفا و عن أبي عبيد في فضائله و ابن الأنباري في المصاحف، و أبي نعيم في المعرفة، و سعيد بن منصور و فواتح الرحموت (بهامش المستصفى) ج 2 ص 12 و عن أحمد، و أبي داود و الترمذي، و النسائي، و ابن حبان و الحاكم و مشكل الآثار ج 2 ص 152 و مسند أحمد ج 1 ص 57 و 69 و السنن الكبرى ج 2 ص 42 و جواهر الاخبار و الآثار (مطبوع مع البحر الزخار) ج 2 ص 245 و مناهل العرفان ج 1 ص 347 و مباحث في علوم القرآن للقطان ص 142 و المرشد الوجيز لأبي شامة ص 61 و عن أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 10.


1) الدر المنثور ج 3 ص 208 عن ابن أبي شيبة، و البخاري، و النسائي، و ابن الضريس، و ابن المنذر و النحاس في ناسخه، و أبي الشيخ، و ابن مردويه، عن البراء.

2) فتح الباري ج 8 ص 498.

و الصحيح هو: أن جميع المسلمين قد كثروا. أما المهاجرون فإن كانوا قد كثروا فإنما أضيف لهم أفراد قليلون، و الكثرة إنما حصلت في السنة التاسعة فما بعدها، و هي سنة وفود القبائل كما هو معلوم.

2-قد رووا عن النبي «صلى اللّه عليه و آله» ، أنه قال: لا هجرة بعد الفتح (1)، فلا معنى لقول العسقلاني: إن المهاجرين بعد الفتح قد كثروا حتى كانوا أكثر من الأنصار.

إلا أن يكون المقصود: أن القريشيين كثروا، و زاد عددهم بعد الفتح. لكن كثرتهم هذه ليست بهذا القدر الذي يصوره لنا العسقلاني أي إلى حد زاد عددهم على عدد الأنصار.

يا لقريش! !

قد ذكرت النصوص المتقدمة: أن جهجاها استغاث، فقال: يا لقريش.

بل إن ثمة نصا آخر يقول: إن الحادثة قد جرت بين رجل من قريش، و رجل من الأنصار (2).

و نقول:

إن من الواضح: أن جهجاها رجل غفاري، و ليس من قريش، فلا يمكن الاعتماد على ما ذكر، و لا الأخذ به مع مخالفته لهذه الحقيقة الثابتة.


1) مسند أحمد ج 1 ص 226.

2) الدر المنثور ج 6 ص 226 عن عبد بن حميد، عن محمد بن سيرين.

جهجاه المكروه سياسيا.

قد أظهرت النصوص المتقدمة: أن جهجاها الغفاري هو صاحب المشكلة و مثيرها، و وصفته بأنه كان أجيرا لعمر بن الخطاب، يقود له فرسه.

ثم إن بعض النصوص: قد أظهرت حقدها على هذا الرجل بالذات، حيث تقول: «فكسع رجل من المنافقين رجلا من الأنصار» (1).

و من المعلوم: أن المقصود بالمنافق هو خصوص جهجاه، لأنه هو الذي كسع الأنصاري، الذي هو سنان كما تقدم.

و الذي نريد أن نلفت النظر إليه هنا هو:

أولا: إن جهجاها لم يكن رجلا عاديا، يمكن أن يكون أجيرا لعمر بن الخطاب ليقود له فرسه، و لا كان عمر في موقع يجعلنا نقبل بأنه قد أصبح ميسور الحال، و في موقع إجتماعي يؤهله لأن يستأجر رجلا، لا لأجل الخدمة، و قضاء الحاجات، بل ليقود له فرسه! !

و لا نرى أن جهجاها في موقع من يثير مشكلة في زحام الناس على الماء، فقد نجد له من الاحترام و التقدير، ما يجلعنا نربأ به عن أمر كهذا.

ثانيا: إننا نشك في صحة بعض ما ينسب إلى هذا الرجل، و نرى أن ثمة يدا تحاول أن تسيء إلى هذا الرجل، و تصغر من شأنه، و تثير الشبهات حوله، إلى درجة أنها تصفه بالنفاق، و ذلك بسبب مواقفه السياسية، التي لا تنسجم مع أهوائها، و طموحاتها، و توجهاتها.


1) الدر المنثور ج 6 ص 225 عن سعيد بن منصور، و البخاري، و مسلم، و الترمذي، و ابن المنذر، و ابن مردويه، و البيهقي في الدلائل عن جابر.

فهو من المبايعين لعلي «عليه السّلام» في خلافته (1).

و روي عن أبي حبيبة قال: خطب عثمان الناس، فقام إليه جهجاه الغفاري، فصاح: يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها، عليها عباءة و جامعة، فانزل، فلندرعك العباءة، و لنطرحك في الجامعة، و لنحملك على الشارف، ثم نطرحك في جبل الدخان.

قال عثمان: قبحك اللّه، و قبح ما جئت به.

قال أبو حبيبة: و لم يكن ذلك منه إلا عن ملأ من الناس، و قام إلى عثمان خيرته و شيعته من بني أمية، فحملوه، و أدخلوه الدار (2).

و روى البارودي، من طريق الوليد بن مسلم، عن مالك و غيره، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قام جهجاه الغفاري إلى عثمان، و هو على المنبر، فأخذ عصاه، فكسره، فما حال على جهجاه الحول حتى أرسل اللّه في يده الأكلة، فمات منها (3).

دعني أضرب عنقه:

و نلاحظ: أن عمر بن الخطاب يقول لرسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» عن ابن أبي: دعني أضرب عنقه يا رسول اللّه.

فقال رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» : إذن، ترعد آنف كثيرة بيثرب.


1) الجمل للشيخ المفيد ص 103

2) تاريخ الأمم و الملوك ج 3 ص 400 و عنه في قاموس الرجال ج 2 ص 471 و 472.

3) الإصابة ج 1 ص 253 و الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) ج 1 ص 253.

و لكنه لم يقنع بذلك، بل عاد فطلب منه أن يتولى قتله عباد بن بشر، أو معاذ أو محمد بن مسلمة.

فقال «صلى اللّه عليه و آله» : كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ ! (1).

و نقول: قد تقدم ذلك كله.

لكن ثمة نصا آخر يقول فيه عمر: لما كان من أمر ابن أبي ما كان جئت رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» و هو في فيء شجرة، عنده غلام أسود يغمز ظهره، فقلت: يا رسول اللّه، كأنك تشتكي ظهرك؟ !

فقال: تقحمت بي الناقة الليلة.

فقلت: يا رسول اللّه، إئذن لي أن أضرب عنق ابن أبي، أو مر محمد بن مسلمة بقتله الخ. .» (2).

و نقول:

1-إن محمد بن مسلمة، و عباد بن بشر، و معاذا هم من حواريي الحكام بعد رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» ، و من مؤيدي سياساتهم، فلا غرو أن يكون ثمة اهتمام بشأنهم، و تأكيد على موقعهم و دورهم. و موقف محمد بن مسلمة و معاذ في تأييد ما جرى على أمير المؤمنين و الزهراء «عليهما


1) السيرة الحلبية ج 2 ص 287 و أشار إلى ذلك في تاريخ الإسلام للذهبي (المغازى) ص 219 و السيرة النبوية لدحلان ج 1 ص 271 و راجع المغازي للواقدي ج 2 ص 418 و سبل الهدي و إرشاد ج 4 ص 292.

2) راجع: السيرة الحلبية ج 2 ص 287.

السلام» و مشاركتهما في الهجوم على بيت الزهراء معروف و مشهور.

2-إننا نشك في زعمهم: أن الناقة قد تقحمت بالنبي «صلى اللّه عليه و آله» ، و ذلك لما يلي:

ألف: تذكر لناقته العضباء أمور هامة، من كلامها له «صلى اللّه عليه و آله» ، «و تعريفها له بنفسها، و مبادرة العشب إليها في الرعي، و تجنب الوحوش عنها، و ندائهم لها: إنك لمحمد. و إنها لم تأكل و لم تشرب بعد موته حتى ماتت (ذكره الإسفرائيني)» (1).

ب: و عن عبد اللّه بن قرط: قرب إلى النبي «صلى اللّه عليه و آله» بدنات خمس، أو ست، أو سبع لينحرها يوم عيد، فازدلفن إليه بأيهن يبدأ (2).

ج: كما أن حماره يعفورا لما مات رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» تردى في بئر جزعا و حزنا، فمات (3).

د: و قال «صلى اللّه عليه و آله» لفرسه و قد قام إلى الصلاة في بعض


1) الشفاء لعياض ج 1 ص 313 و شرح الشفاء للقاري ج 1 ص 365.

2) البداية و النهاية ج 6 ص 140. و الشفاء ج 1 ص 313 و 314 و سبل الهدى و الرشاد ج 9 ص 525 عن أبي داود ج 2 ص 369 و عن النسائي في الكبير، كما في التحفة ج 6 ص 405 و شرح الشفاء للقاري ج 1 ص 366 عن الحاكم و الطبراني و أبي نعيم.

3) الشفاء ج 1 ص 315 و المواهب اللدنية ج 1 ص 368 و سبل الهدى و الرشاد ج 7 ص 406 عن السهيلي و شرح الشفاء للقاري ج 1 ص 367 عن أبي حيان و عن الروض الأنف، و أبي نعيم، و ابن عساكر، و غيرهم و السيرة النبوية لابن كثير ج 4 ص 716، و البداية و النهاية ج 6 ص 151 و 10.

أسفاره: لا تبرح، بارك اللّه فيك حتى نفرغ من صلاتنا، و جعله قبلته. فما حرك عضوا حتى صلى رسول اللّه «صلى اللّه عليه و آله» (1).

ه: و هناك نصوص كثيرة تتحدث عن طاعة الحيوانات له «صلى اللّه عليه و آله» فلتراجع في مظانها (2).

لا يتحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه:

و بعد أن ظهر من ابن أبي ما ظهر، فقد كان يمكن للنبي «صلى اللّه عليه و آله» أن يعتبر ذلك مسوغا لقتله. و ينفذ فيه حكم اللّه سبحانه. و لكنه «صلى اللّه عليه و آله» آثر أن لا يعطي ذريعة لأعداء الدين لينفثوا سمومهم، حين يتخذون ذلك ذريعة لتخويف الناس من الدخول في الإسلام، بحجة: أنهم لن يجدوا فيه الضمانات الكافية على حياتهم. خصوصا إذا صوروا لهم قتل ابن أبي من زاوية انحرافية و مظلمة، حين يزعمون لهم أن قتله إنما كان على سبيل الانتقام الشخصي منه «صلى اللّه عليه و آله» ، بسبب تعرض ابن أبي للمساس بشخص النبي «صلى اللّه عليه و آله» و ليست القضية قضية كفر و إيمان، و إقامة لحدود اللّه سبحانه في حق من يكفر باللّه بعد إيمانه، و يجترئ على المقدسات.

و يفسح بعمله ذاك المجال أمام الآخرين لجرأة مماثلة أو أشد ثم عرقلة دخول الناس في الإسلام، و فسح المجال أمام المغرضين للتلاعب و إثارة الإشاعات الباطلة، و تشكيك الآخرين الذين لا يملكون قدرا كافيا من


1) الشفاء ج 1 ص 315.

2) راجع: الشفاء لعياض ج 1 ص 309-315 و المواهب اللدنية ج 1 ص 366-369.

المعرفة و الوعي و اليقين.

و من جهة ثانية: فإن قتل ابن أبي قد يتسبب في حدوث مشاكل كبيرة، و تشنجات خطيرة، كما أشار إليه «صلى اللّه عليه و آله» في ما أجاب به عمر بن الخطاب، الذي حرضه على قتله، و عين له حتى من يتولى ذلك من المسلمين! ! حيث قال له:

«إني و اللّه لو قتلته يوم قلت، لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته» .

بل لقد نصت الروايات المتقدمة على أن قوم ابن أبي أنفسهم قد بدأوا يضيقون ذرعا بابن أبي و تصرفاته، و صاروا يلومونه و يعنفونه على ما بدر منه.

فقضية ابن أبي إذن لم تعد قضية شخص صدر منه ما يوجب الحد، بل هي قد تطورت لتلحق آثارها بالإسلام و بالمسلمين، و حتى على المدى البعيد أيضا. و النبي «صلى اللّه عليه و آله» يعرف متى يحق له أن يصرف النظر عن إقامة حد على من يستحقه، إذا رأى ما يقتضي ذلك.

و الأمر الغريب هنا: أننا نجد عمر بن الخطاب يصر على النبي «صلى اللّه عليه و آله» بقتل هذا الرجل، رغم أنه «صلى اللّه عليه و آله» قد أخبره بأن قتله يوجب خللا في الواقع القائم، و يعتبر خطأ فاحشا حينما قال له: إذن ترعد آنف كثيرة بيثرب.

فيتجاهل عمر هذا التوضيح و التصريح، و يقول له: إن كرهت أن يقتله مهاجري، فأمر أنصاريا.

مع أن النبي «صلى اللّه عليه و آله» قد أوضح له أن نفس القتل هو الذي سوف يفسد الأمور، و لم تكن المشكلة تكمن في من يقتله، و لو كانت

المشكلة هي هذه، فقد كان النبي يدرك أن إيكال أمر قتله إلى أنصاري يحل المشكلة، أو لا يحلها.

النفاق، و المنافقون:

و بعد كل ما تقدم نقول: إنه حين تكون الصفة الطاغية على حركة أو دعوة ما هي الضعف و الوهن، و كانت بعيدة عن الالتزام بمعاني الأخلاق و الإنسانية فإن خصوم هذه الدعوة أو تلك الحركة سيواجهونها بالعنف، و الاضطهاد، بقسوة و شراسة.

فإذا ما تشبثت تلك الدعوة بأسباب القوة، فإن خصومها يتجهون نحو أساليب المكر و الخديعة، و يوظفون ذلك إلى جانب ما يملكونه من أسباب القوة، ليسد ذلك المكر مواضع الضعف و الخلل في تلك الأسباب، و تصبح من ثم قادرة على التأثير في تدمير قدرات تلك الدعوة، أو عرقلة حركتها بصورة أو بأخرى.

فإذا ازدادت تلك الدعوة و الحركة قوة، و ازداد خصومها تقهقرا و ضعفا، فإن أساليب أولئك الخصوم في مواجهتها سوف تتطور وفقا للمستجدات، حتى تنتهي بهم الأمور إلى استخدام أساليب يأباها الشرف و ينبو عنها الشعور الإنساني النبيل. ذلك هو تاريخ المنافقين فليقرأه القارئون، ليجدوا فيه كل عجيب و غريب في هذا المجال.

و هكذا كان حال المنافقين في عهد الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» ، الذين ما فتئوا يكيدون للإسلام، و لنبي الإسلام، و للمسلمين، و يتربصون بهم الدوائر فكانوا يتآمرون مع الأعداء، و يحرضونهم، و يعدونهم النصر حينا، ثم

كانوا يشاركون في الافتراء، و حياكة الأباطيل حينا آخر، إلى جانب تخذيلهم المسلمين، و بث الإشاعات الباطلة، و حبهم إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا.

هذا كله: عدا عن كونهم عيونا للأعداء، يطلعونهم على عورات المسلمين، و يعلمونهم بأي تحرك منهم، حتى كان النبي «صلى اللّه عليه و آله» كلما أراد غزوة ورى بغيرها، و كان يستخدم أساليب كثيرة و متنوعة ليعمي عليهم الأمور، و يضللهم عن مقاصده الحقيقية.

عداك عما كان أولئك المنافقون يمارسونه من أساليب اللمز و الهمز. إلى جانب الكثير من الإفك و الافتراء، و الهزء و الازدراء.

و لكنهم حين قويت شوكة المسلمين لم يجدوا مناصا من العض على الجراح، خصوصا بعد أن ظهر لهم: أن التحركات العسكرية للمسلمين في المناطق المختلفة كانت تسقط مواقع العدوان و التآمر الواحد تلو الآخر، و تقضي عليها، أو تحولها إلى مواقع قوة و صمود للمسلمين.

فكان أن رأينا المنافقين يشاركون في غزوة بني المصطلق و لعلهم كانوا قد وثقوا بانتصار المسلمين، فأرادوا الحصول على مكاسب مادية لهم.

و لكن نفاقهم الذي كانوا يصرون على التبرؤ منه لم يزل يظهر على صفحات وجوههم، و في فلتات ألسنتهم، الأمر الذي أثار حالة من الإرباك، الذي لو لم يتداركه الرسول الأعظم «صلى اللّه عليه و آله» لبلغ إلى حد حدوث فتنة داخلية، يخوض فيها ضعاف البصر و البصيرة حتى آذانهم، و يوقعون الإسلام و المسلمين في مآزق خطيرة، هم في غنى عنها.

و قضية عبد اللّه بن أبي كانت من هذا القبيل كما اتضح من النصوص التي سلفت.

الفهارس

اشارة

1-الفهرس الإجمالي

2-الفهرس التفصيلي

1-الفهرس الإجمالي

الفصل الثاني: حصار و إنهيار 5-40

الفصل الثالث: فشل المفاوضات و خيانة أبي لبابة 41-76

الفصل الرابع: حكم اللّه من فوق سبعة أرقعة 77-114

الفصل الخامس: القتلى و الشهداء 115-154

الفصل السادس: الغنائم و الأسرى 155-176

ملحق: بلوغ المرأة 177-200

الفصل السابع: بعد العاصفة 201-228

الباب الرابع: غزوة المريسيع. . أحداث، و قضايا. .

الفصل الأول: أحداث غزوة المريسيع 231-258

الفصل الثاني: جويرية بنت الحارث 259-276

الفصل الثالث: ليخرجن الأعز منها الأذل 277-320

الفهارس 321-333

2-الفهرس التفصيلي

الفصل الثاني: حصار و انهيار

نزول النبي صلى اللّه عليه و آله على بئر (أنا) :7

كرامة إلهية للنبي الأعظم صلى اللّه عليه و آله:8

عدة و عدد المسلمين:9

الراية و اللواء مع علي عليه السّلام:10

علي عليه السّلام في بني قريظة:12

النبي صلى اللّه عليه و آله في بني قريظة:14

مفارقة ما كنت جهولا! !18

موقف مصطنع لابن حضير:20

القتال ثم الحصار:21

مدة الحصار:25

الفتح على يد علي عليه السّلام:27

وسام الفتح:29

مبارزة الزبير لقريظي:38

الحرب خدعة:39

الفصل الثالث: فشل المفاوضات و خيانة أبي لبابة

إسلام إبنا سعية:43

عمرو بن سعدى و محمد بن مسلمة:45

لا يقرون للعرب بأي امتياز:49

مفاوضة نباش بن قيس مع النبي صلى اللّه عليه و آله:50

وقفات مع ما تقدم:53

خيانة أبي لبابة:55

ما نثق به من قصة أبي لبابة:71

من سب فاطمة فقد كفر:71

الفصل الرابع: حكم اللّه من فوق سبعة أرقعة

نتائج الحرب، و الأسرى:79

اليهود و التوراة:82

معاملة أسرى قريظة:82

حكم ابن معاذ في بني قريظة في النصوص التاريخية:83

بماذا حكم سعد؟ !88

لم يكن الحكم في المسجد:88

من المقترح لتحكيم ابن معاذ؟ !90

قوموا إلى سيدكم:92

محاولة تملص و تخلص فاشلة:94

القيام للإعانة:95

فأنزلوه:97

التزوير الخفي:97

هل هو تعليم أم اعتراض أم حسد؟ !98

الخوارج و مشروعية التحكيم:99

قضية التحكيم في الشعر:100

الأحكام المستخرجة:101

مبررات الأوس لطلب العفو:102

تكريس المنطق القبلي مرفوض:103

حراجة الموقف و الحكمة النبوية:105

هل كذبوا؟ أم فهموا خطأ؟ !105

قومهم و عشيرتهم:106

لو كان الكلام أكثر دقة:106

عدالة الحكم على بني قريظة:107

عهد قريظة مع الأوس و عهدهم مع النبي صلى اللّه عليه و آله:111

تحكيم ابن معاذ لطف إلهي:112

قبول النبي صلى اللّه عليه و آله بتحكيم سعد بن معاذ:113

الفصل الخامس: القتلى و الشهداء

حكم سعد بن معاذ في طريقه إلى التنفيذ:117

بداية النهاية:118

مشاركة الأوس في قتل حلفائهم:123

تصحيح خطأ:123

قتل كل من أنبت:124

وصايا الرسول صلى اللّه عليه و آله بالأسرى:127

قتل كعب بن أسد:129

حيي بن أخطب يواجه الموت:129

قتل نباتة النضيرية:133

1-شجاعة نباتة:135

2-شكوك حول قصة نباتة:136

3-حكم الارتداد لا يجري على نباتة:137

قتل أرفة بنت عارضة:138

الزبير بن باطا و نساء بني قريظة:138

قتل الزبير بن باطا:139

الهدف الحقيقي:142

إسلام رفاعة بن سموأل:143

عدد القتلى من بني قريظة:144

أمور ثلاثة هامة:147

شهداء المسلمين:149

الشهداء أشخاص آخرون:152

الفصل السادس: الغنائم و الأسرى

الغنائم:157

تخميس الغنائم و قسمتها:157

ألف: جرار الخمر في بني قريظة:161

ب: أول فيء جرت فيه السهمان:161

ج: سهام الخيل:162

سبي بني قريظة:163

الصفي من السبي:163

ريحانة جارية رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله:165

عدد السبايا:170

بيع السبي:170

تفاوت الاهتمامات:171

بيع السبايا و شراء السلاح:172

لا يفرق بين الأم و ولدها:174

ملحق: بلوغ المرأة. .

بلوغ الجارية بالسن، أم بالحيض:179

حتى إذا بلغوا النكاح:180

الطائفة الأولى:185

الطائفة الثانية:188

روايات تحديد البلوغ بالتسع:192

حصيلة ما تقدم:195

روايات البلوغ بالحيض:196

لفت نظر:198

البلوغ عند اليهود:199

الفصل السابع: بعد العاصفة

هاجهم و جبريل معك:203

لن تغزوكم قريش:206

ابن معاذ الشهيد:207

اهتز العرش لموت ابن معاذ:209

سبب كراهة مالك لرواية هذا الحديث:213

الخلاف في المراد من اهتزاز العرش:215

مراسم تجهيز و تشييع و دفن سعد:216

ضغطة القبر:219

سبب ضمة القبر لسعد:220

النظرة الأخيرة:222

الحزن على سعد:223

أم سعد تبكي ولدها و ترثيه:224

و نتوقف هنا أمام أمرين:225

حسان يرثي سعدا و جماعة معه:226

تآمر اليهود من جديد:227

الباب الرابع: غزوة المريسيع. . أحداث، و قضايا. . الفصل الأول: أحداث غزوة المريسيع

تاريخ غزوة المريسيع:233

المريسيع:236

سبب غزوة المريسيع:237

المعركة و نتائجها:239

السبي و الغنائم:241

مدة غيبته صلى اللّه عليه و آله و تاريخ عودته:243

1-المريسيع ضربة موفقة لقريش:243

2-المستخلف على المدينة:245

3-سعد بن معاذ فارسا:246

4-عمر على مقدمة الجيش:247

5-راية المهاجرين كانت مع من؟ !248

6-المقتولون من بني المصطلق:248

7-عدد الأسرى و السبايا:249

8-قتال الملائكة في المريسيع:250

9-من قتل من المسلمين؟ !250

10-للفارس ثلاثة أسهم! !254

11-هل أغار النبي صلى اللّه عليه و آله عليهم و هم غارون؟ !254

12-استرقاق العرب:255

13-فداء الأسرى موضع شك:256

الفصل الثاني: جويرية بنت الحارث

أسر جويرية بنت الحارث:261

زواج النبي صلى اللّه عليه و آله من جويرية برواية عائشة:263

أولا: هل تزوج صلى اللّه عليه و آله جويرية لجمالها؟ !265

ثانيا: التناقض و الاختلاف في أمر جويرية:266

ثالثا: تغيير اسم برة إلى جويرية:270

رابعا: أبو جويرية:271

خامسا: تخيير جويرية:271

كلمات أخيرة حول جويرية:273

ملاحظات لا بد من تسجيلها:274

الفصل الثالث: ليخرجن الأعز منها الأذل

ليخرجن الأعز منها الأذل:279

نزول سورة المنافقين:287

نزول آية أخرى في ابن أبي:287

موقفنا مما تقدم:288

تناقض النصوص، و اختلافها:289

آيات نزلت في عمر:290

لا تقدموا بين يدي اللّه و رسوله:292

يا أبا حباب:293

الشانئون و الحاقدون:297

و السبب الحقيقي لما حدث:298

متى كانت هذه القضية؟ !299

ابن أرقم؟ أم ابن أقرم؟ أم غيرهما؟ !301

جرأة زيد بن أرقم:303

ذكرت ذلك لعمي، أو لعمر! !304

من هو عم زيد بن أرقم؟ !305

قربى ابن أرقم لابن أبي:306

النبي صلى اللّه عليه و آله يضرب راحلته:306

يحلفون باللّه ما قالوا:308

كثرة المسلمين بعد قضية زيد و ابن أبي:311

جهجاه المكروه سياسيا.

313

دعني أضرب عنقه

314

لا يتحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه

317

النفاق، و المنافقون

319

الفهارس

321

1-الفهرس الإجمالي

323

2-الفهرس التفصيلي

325

الجزء الثانى عشر

5

(ادامة القسم السابع: من الخندق إلى الحديبية)

5

(تتمة الباب الثالث: غزوة بنى قريظه)

5

الفصل الثانى:

حصار و انهيار

5

نزول النبي صلّى اللّه عليه و آله على بئر (أنا)

7

كرامة إلهية للنبي الأعظم صلّى اللّه عليه و آله

8

عدة و عدد المسلمين

9

الراية و اللواء مع علي عليه السّلام

10

علي عليه السّلام في بني قريظة

12

النبي صلّى اللّه عليه و آله في بني قريظة

14

مفارقة ما كنت جهولا! !

18

موقف مصطنع لابن حضير

20

القتال ثم الحصار

21

إننا نذكر القارئ الكريم بالأمور التالية

23

و لكن ما يلفت نظرنا

24

مدة الحصار

25

الفتح على يد علي عليه السّلام

27

ليلاحظ القارئ: حشر اسم الزبير في هذا المقام! !

29

و سام الفتح

29

و لنا مع هذا الحديث وقفات، نقتصر منها على ما يلي

32

مع أن صاحب اللقب الحقيقي هو علي «عليه السّلام» كما أسلفنا.

36

مبارزة الزبير لقريظي

38

الحرب خدعة

39

الفصل الثالث:

فشل المفاوضات و خيانة أبي لبابة

41

إسلام أبناء سعية

43

عمرو بن سعدى و محمد بن مسلمة

45

لا يقرون للعرب بأي امتياز

49

مفاوضة نباش بن قيس مع النبي صلّى اللّه عليه و آله

50

وقفات مع ما تقدم

53

خيانة أبي لبابة

55

و نقول:

إن لنا مع هذه القضية وقفات

59

ما نثق به من قصة أبي لبابة

71

من سب فاطمة فقد كفر

71

الفصل الرابع:

حكم اللّه من فوق سبعة أرقعة

77

نتائج الحرب، و الأسرى

79

اليهود و التوراة

82

معاملة أسرى قريظة

82

حكم ابن معاذ في بني قريظة في النصوص التاريخية

83

بماذا حكم سعد؟ !

88

لم يكن الحكم في المسجد

88

إننا نسجل على هذا النص

89

من المقترح لتحكيم ابن معاذ؟ !

90

قوموا إلى سيدكم

92

محاولة تملص و تخلص فاشلة

94

القيام للإعانة

95

فأنزلوه

97

التزوير الخفي

97

هل هو تعليم أم اعتراض أم حسد؟ !

98

الخوارج و مشروعية التحكيم

99

قضية التحكيم في الشعر

100

الأحكام المستخرجة

101

مبررات الأوس لطلب العفو

102

تكريس المنطق القبلى مرفوض

103

حراجة الموقف و الحكمة النبوية

105

هل كذبوا؟ أم فهموا خطأ؟ !

105

قومهم و عشيرتهم

106

لو كان الكلام أكثر دقة

106

عدالة الحكم على بني قريظة

107

عهد قريظة مع الأوس و عهدهم مع النبي صلّى اللّه عليه و آله

111

تحكيم ابن معاذ لطف إلهي

112

قبول النبي صلّى اللّه عليه و آله بتحكيم سعد بن معاذ

113

الفصل الخامس:

القتلى و الشهداء

115

حكم سعد بن معاذ في طريقه إلى التنفيذ

117

بداية النهاية

118

نقول: إنه موضع شك و ريب، و ذلك لما يلي

120

مشاركة الأوس في قتل حلفائهم

123

تصحيح خطأ

123

قتل كل من أنبت

124

و نقول:

ههنا مواقع للنظر، و هي التالية

125

وصايا الرسول صلى اللّه عليه و آله بالأسرى

127

و نسجل هنا ما يلي

128

قتل كعب بن أسد

129

حيي بن أخطب يواجه الموت

129

قتل نباتة النضيرية

133

1-شجاعة نباتة

135

2-شكوك حول قصة نباتة

136

3-حكم الارتداد لا يجري على نباتة

137

قتل أرفة بنت عارضة

138

الزبير بن باطا و نساء بني قريظة

138

قتل الزبير بن باطا

139

الهدف الحقيقي

142

إسلام رفاعة بن سموأل

143

عدد القتلى من بني قريظة

144

و الأقوال هي التالية

145

أمور ثلاثة هامة

147

شهداء المسلمين

149

و نقول:

إن ذلك كله مشكوك فيه. و ذلك لما يلي

151

الشهداء أشخاص آخرون

152

الفصل السادس:

الغنائم و الأسرى

155

الغنائم

157

تخميس الغنائم و قسمتها

157

ألف: جرار الخمر في بني قريظة

161

ب: أول فيء جرت فيه السهمان

161

ج: سهام الخيل

162

سبي بني قريظة

163

الصفي من السبي

163

ريحانة جارية رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله

165

و نقول:

إن لنا في هذا المقام نقاشا نلخصه فيما يلي

167

عدد السبايا

170

بيع السبي

170

تفاوت الاهتمامات

171

بيع السبايا و شراء السلاح

172

لا يفرق بين الأم و ولدها

174

ملحق:

بلوغ المرأة

177

بلوغ الجارية بالسن أم بالحيض

179

(طائفتين من الروايات)

185

الطائفة الأولى:

ذلك القسم الذي تحدث عن عدم جواز وطء الجارية قبل بلوغ تسع

سنين.

185

الطائفة الثانية:

هناك قسم آخر من الروايات تحدث عن وجوب استبراء الجارية إذا

كانت بنت تسع سنين و وجوب العدة عليها كذلك،

188

روايات تحديد البلوغ بالتسع

192

حصيلة ما تقدم

195

روايات البلوغ بالحيض

196

لفت نظر

198

البلوغ عند اليهود

199

الفصل السابع:

بعد العاصفة

201

هاجهم و جبريل معك

203

و نقول:

إننا نشك في ذلك.

203

لن تغزوكم قريش

206

ابن معاذ الشهيد

207

اهتز العرش لموت ابن معاذ

209

سبب كراهة مالك لرواية هذا الحديث

213

الخلاف في المراد من اهتزاز العرش

215

مراسم تجهيز و تشييع و دفن سعد

216

ضغطة القبر

219

سبب ضمة القبر لسعد

220

الحزن على سعد

223

أم سعد تبكي ولدها و ترثيه

224

و نتوقف هنا أمام أمرين

225

حسان يرثي سعدا و جماعة معه

226

تآمر اليهود من جديد

227

الباب الرابع

غزوة المريسيع. . أحداث و قضايا

229

الفصل الأول:

أحداث غزوة المريسيع

231

تاريخ غزوة المريسيع

233

المريسيع

236

سبب غزوة المريسيع

237

المعركة و نتائجها

239

السبي و الغنائم

241

مدة غيبته صلّى اللّه عليه و آله و تاريخ عودته

243

1-المريسيع ضربة موفقة لقريش

243

2-المستخلف على المدينة

245

و يمكن المناقشة في ذلك بما يلي

245

3-سعد بن معاذ فارسا

246

4-عمر على مقدمة الجيش

247

5-راية المهاجرين كانت مع من؟ !

248

6-المقتولون من بني المصطلق

248

7-عدد الأسرى و السبايا

249

8-قتال الملائكة في المريسيع

250

9-من قتل من المسلمين؟ !

250

10-للفارس ثلاثة أسهم! !

254

11-هل أغار النبي صلى اللّه عليه و آله عليهم و هم غارون (1)؟ !

254

12-استرقاق العرب

255

13-فداء الأسرى موضع شك

256

الفصل الثاني:

جويرية بنت الحارث

259

أسر جويرية بنت الحارث

261

زواج النبي صلى اللّه عليه و آله من جويرية برواية عائشة

263

أولا: هل تزوج صلى اللّه عليه و آله جويرية لجمالها؟ !

265

ثانيا: التناقض و الاختلاف في أمر جويرية

266

ثالثا: تغيير اسم برة إلى جويرية

270

رابعا: أبو جويرية

271

خامسا: تخيير جويرية

271

كلمات أخيرة حول جويرية

273

ملاحظات لا بد من تسجيلها

274

الفصل الثالث:

ليخرجن الأعز منها الأذل

277

نزول سورة المنافقين

287

نزول آية أخرى في ابن أبي

287

موقفنا مما تقدم

288

تناقض النصوص، و اختلافها

289

آيات نزلت في عمر

290

الشانئون و الحاقدون

297

و السبب الحقيقي لما حدث

298

متى كانت هذه القضية؟ !

299

ابن أرقم؟ أم ابن أقرم؟ أم غيرهما؟ !

301

جرأة زيد بن أرقم

303

ذكرت ذلك لعمي، أو لعمر! !

304

من هو عم زيد بن أرقم؟ !

305

قربى ابن أرقم لابن أبي

306

النبي صلى اللّه عليه و آله يضرب راحلته

306

كثرة المسلمين بعد قضية زيد و ابن أبي

311

جهجاه المكروه سياسيا.

313

دعني أضرب عنقه

314

لا يتحدث الناس: أن محمدا يقتل أصحابه

317

النفاق، و المنافقون

319

الفهارس

321

1-الفهرس الإجمالي

323

2-الفهرس التفصيلي

325