فقه الصادق علیه السلام جلد 24

ghaemiyeh.com

اشارة

سرشناسه:روحانی، سیدمحمدصادق، 1303 -

عنوان قراردادی:تبصره‌المتعلمین .شرح

عنوان و نام پديدآور:فقه الصادق [کتاب]/ تالیف محمدصادق الحسینی‌الروحانی؛ باشراف قاسم‌محمد مصری‌العاملی.

مشخصات نشر:قم : آیین دانش، 1392.

مشخصات ظاهری:41ج.

شابک:4200000ریال: دوره: 978-600-6384-26-9 ؛ 100000ریال: ج.1: 978-600-6384-28-3 ؛ 100000ریال: ج.2: 978-600-6384-30-6 ؛ 100000ریال: ج.3: 978-600-6384-31-3 ؛ 100000ریال: ج.4:978-600-6384-30-6 ؛ 100000ریال: ج.5: 978-600-6384-33-7 ؛ 100000ریال: ج.6: 978-600-6384-34-4 ؛ 100000ریال: ج.7: 978-600-6384-35-1 ؛ 100000 ریال: ج.8: 978-600-6384-36-8 ؛ 100000ریال: ج.9: 978-600-6384-37-5 ؛ 100000 ریال: ج.10: 978-600-6384-38-2 ؛ ج.11: 978-600-6384-37-5 ؛ ج.12: 978-600-6384-38-2 ؛ ج.13: 978-600-6384-39-9 ؛ ج.14: 978-600-6384-40-5 ؛ ج.15: 978-600-6384-41-2 ؛ ج.16: 978-600-6384-42-9 ؛ 100000 ریال: ج.17: 978-600-6384-50-4 ؛ 100000 ریال: ج.18: 978-600-6384-51-1 ؛ 100000 ریال: ج.19: 978-600-6384-52-8 ؛ ج.20: 978-600-6384-46-7 ؛ 100000ریال: ج.21:978-600-6384-54-2 ؛ 100000ریال: ج.22: 978-600-6384-55-9 ؛ 100000ریال: ج.23: 978-600-6384-56-6 ؛ 100000ریال: ج.24: 978-600-6384-57-3 ؛ 100000ریال: ج.25: 978-600-6384-58-0 ؛ 100000ریال: ج.26: 978-600-6384-59-7 ؛ 100000 ریال: ج.27: 978-600-6384-60-3 ؛ 100000 ریال: ج.28: 978-600-6384-61-0 ؛ 100000 ریال: ج.29: 978-600-6384-62-7 ؛ 100000 ریال: ج.30: 978-600-6384-63-4 ؛ 100000 ریال: ج.31: 978-600-6384-64-1 ؛ 100000 ریال: ج.32:978-600-6384-65-8 ؛ 100000 ریال: ج.33:978-600-6384-66-5 ؛ 100000 ریال: ج.34: 978-600-6384-67-2 ؛ 100000 ریال: ج.35: 978-600-6384-41-2 ؛ 100000 ریال: ج.36: 978-600-6384-42-9 ؛ 100000 ریال: ج.37: 978-600-6384-43-6 ؛ 100000ریال: ج.38: 978-600-6384-44-3 ؛ 100000 ریال: ج.39: 978-600-6384-45-0 ؛ 100000 ریال: ج.40: 978-600-6384-29-0 ؛ 100000 ریال: ج.41: 978-600-6384-26-9

وضعیت فهرست نویسی:فیپا

يادداشت:عربی.

يادداشت:چاپ قبلی: قم: اجتهاد، 1386 -

يادداشت:جلد 4 تا 41 این کتاب در سال 1393 تجدید چاپ شده است.

يادداشت:کتاب حاضر شرح و تعلیقی بر کتاب " تبصره‌المتعلمین" اثر علامه حلی است.

یادداشت:کتابنامه .

یادداشت:نمایه.

مندرجات:ج.17- 18و 19.الحج.-ج.22 و 23 المکاسب.-ج.28. الاجاره.-ج.32،31و33.النکاح.-ج.34.الفراق.-ج.35. الفراق.-ج.41. الفهارس.

موضوع:علامه حلی، حسن‌بن یوسف، 648 - 726ق. . تبصره‌المتعلمین -- نقد و تفسیر

موضوع:فقه جعفری -- قرن 8ق.

شناسه افزوده:عاملی، قاسم محمد مصری، گردآورنده

شناسه افزوده:علامه حلی، حسن‌بن یوسف، 648 - 726ق. . تبصره‌المتعلمین . شرح

رده بندی کنگره:BP182/3/ع8ت20214 1392

رده بندی دیویی:297/342

شماره کتابشناسی ملی:3334286

اشارة

فقه الصادق

تأليف سماحة آية الله العظمى السيّد محمدصادق الحسينى الروحانى

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمدُ للّه على ما أولانا من التفقّه في الدِّين، والهداية إلى الحقّ‌، والصراط المستقيم، والصّلاة والسّلام على أشرف النفوس القدسيّة، وأزكى الذّوات المطهرة الملكيّة، محمّد المصطفى وعترته المرضيّة، هُداة الخلق وأعلام الحقّ‌.

وبعدُ: فهذا هو الجزء الرابع والعشرون من كتابنا (فقه الصادق)، وقد وفّقنا إلى طبعه، وأرجو من اللّه تعالى التوفيق لنشر بقيّة المجلّدات، إنّه وليّ التوفيق.

ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:

(يَا مَعشَرَ التُّجَّارِ الفِقهَ ثُمَّ المَتجَرَ، الفِقهَ ثُمَّ المَتجَرَ، الفِقهَ ثُمَّ المَتجَرَ، وَاللَّه لَلرِّبا في هَذه الاُمَّة أَخفَى مِن دَبيب النَّملَ عَلَى الصَّفَا، شُوبُوا أيمَانَكُم بالصَّدقِ‌، اَلتَّاجِرُ فَاجِرٌ، وَالفَاجِرُ فِي النَّارِ، إلَّامَن أخَذَ الحَقَّ وَأعطَى الحَق).

تتمة المقصد الثالث: كتاب المتاجر

ولاية النبيّ صلى الله عليه و آله والإمام عليه السلام

مسألة: من جملة أولياء التصرّف في مال مَنْ لا يستقلّ بالتصرّف في ماله، هو الحاكم.

وهذه المسألة إنّما سيقت لبيان صلاحيّات ولاية الفقيه الجامع للشرائط، وإنّما يذكر قبله مقدار ولاية النبيّ صلى الله عليه و آله والإمام عليه السلام، من جهة أنّ بعضهم ذهب إلى أنّ مقتضى عموم أدلّة نيابة الفقيه، ثبوت الولاية له بالمقدار الثابت للمعصوم عليه السلام، فلابدَّ أولا من تعيين مقدار تلك الولاية.

ثبوت الولاية التكوينيّة للمعصومين عليهم السلام

فأقول: للولاية معان عديدة:

1 -الولاية التكوينيّة.

2 -وجوب الإطاعة وقبول قول الوليّ في الأحكام الشرعيّة.

3 -الحكومة والرئاسة الدنيويّة بإدارة شؤون الأُمّة.

4 -الولاية الشرعيّة، أي ولاية التصرّف في الأموال والأنفس.

5 - وجوب الإطاعة في الأوامر الشخصيّة العرفيّة.

والظاهر ثبوت الولاية بجميع معانيها للنبيّ والأئمّة صلوات اللّه عليهم أجمعين، وعليه فتنقيح القول عنها يتحقّق بالبحث في موارد:

المورد الأوّل: في الولاية التكوينيّة - أي ولاء التصرّف التكويني -، والمراد بها كون زمام أمر العالم بأيديهم، ولهم السلطنة التامّة على جميع الأُمور ومقدّرات العالم بالتصرّف فيها كيف ما شاءوا اعداماً وإيجاداً، وكون عالم الطبيعة منقاداً لهم لا بنحو الإستقلال، بل في طول قدرة اللّه تعالى وسلطنته واختياره، بمعنى أنّ اللّه تعالى أقدرهم، وملّكهم بمثل ما أقدرنا على أفعالنا الإختياريّة، ومتى ما سُلبت عنهم هذه القدرة بل لم يفضها اللّه تعالى عليهم، انعدمت وزالت قدرتهم وسلطنتهم على القيام بتلك التصرّفات، ومن هذا الباب معجزات الأنبياء والأولياء، وقد دلَّ الكتاب الكريم على ثبوت ذلك لأشخاص:

قال اللّه تعالى‌: (قالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ‌) (1).

وقال عزَّ مِنْ قائل: (فَسَخَّرْنا لَهُ اَلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ وَ اَلشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَ غَوّاصٍ وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي اَلْأَصْفادِ) (2).

وقال سبحانه: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اَللّهِ وَ أُبْرِئُ اَلْأَكْمَهَ وَ اَلْأَبْرَصَ وَ أُحْيِ اَلْمَوْتى بِإِذْنِ اَللّهِ وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ‌) (3).

إلى غير ذلك من الآيات المتضمّنة لثبوت ولاء التصرّف لأشخاص.

وإذا ثبت ذلك لهؤلاء، فثبوته للرسول الأعظم وخليفته الذي عنده علم9.


1) سورة النمل: الآية 40.

2) سورة ص: الآية 36-38.

3) سورة آل عمران: الآية 49.

الكتاب بنصّ القرآن(1)لا يحتاج إلى مزيد بيان وإقامة برهان، وعليه فالروايات المتواترة المتضمّنة للمعجزات والكرامات الصادرة عن المعصومين عليهم السلام - كالتصرّف الولائي في النقش، وصيرورته أسداً مفترساً وما شاكل - إنّما نلتزم بها، ونعتقد بصحّتها من غير التزام بالتأويل، كيف ونرى أنّهم عليهم السلام بعد موتهم تصدر عنهم كرامات من إبراء المريض الذي عجزت الأطبّاء عن إبرائه، وحَلّ معضلات الأُمور وما شاكل، وليس ذلك إلّالما ذكرناه.

ويمكن أنْ تكون الآية الكريمة: (اَلنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‌) (2)ناظرة إلى ثبوت هذا المعنى من الولاية أيضاً للنبيّ صلى الله عليه و آله.

بالجملة: ثبوت الولاية بهذا المعنى للنبيّ والأئمّة المعصومين - الذين يثبت لهم جميع مايثبت للنبيّ صلى الله عليه و آله للروايات الكثيرة المتواترة - ممّا لا ينبغي التوقّف فيه.

وأمّا شُبهة استلزام ذلك للشرك، فهي تندفع بأنّ من يثبتها لهم لا يدّعي ثبوتها لهم بالإستقلال، بل يرى أنّ اللّه تبارك وتعالى ملّكهم وأقدرهم كما ملّكنا وأقدرنا على أفعالنا الإختياريّة، وبه يظهر أنْ لا ينافيه قوله تعالى‌: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لا ضَرًّا) (3)فإنّ المراد به هو عدم الملكيّة بالإستقلال. ولتفصيل الكلام في المقام محلٌّ آخر.

المورد الثاني: في وجوب إطاعتهم، وقبول قولهم في الأحكام الشرعيّة، والوظائف الإلهيّة المجعولة، وإنّ قولهم وكذا فعلهم حجّة.8.


1) سورة الرعد: الآية 43.

2) سورة الأحزاب: الآية 6.

3) سورة الأعراف: الآية 188.

أقول: لا شُبهة في ثبوت الولاية بهذا المعنى لهم:

قال اللّه تعالى: (وَ ما آتاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (1).

وقال سبحانه: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اَللّهَ وَ اَلْيَوْمَ اَلْآخِرَ وَ ذَكَرَ اَللّهَ كَثِيراً) (2).

وقال عزّ وجلّ‌: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اَللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اَللّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ‌) (3).

إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على أنّ قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله وكذا عمله حُجّة.

وقد دلَّ الحديث الشريف الذي هو متواترٌ بين الفريقين، ولا شكّ في صدوره عنه صلى الله عليه و آله: «إنّي تاركٌ فيكم الثقلين كتابُ اللّه وعترتي أهلُ بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتّى يَردا عَليَّ الحوض، فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم»(4)على ثبوت هذا المقام للأئمّة المعصومين عليهم السلام، أضف إلى ذلك ما دلَّ على ثبوت ما للنبيّ صلى الله عليه و آله من المناصب للأئمّة الهُداة عليهم السلام.

ثبوت منصب الحكومة والرئاسة للحُجّة عليهم السلام

المورد الثالث: في ثبوت منصب الحكومة والرئاسة الدنيويّة بإدارة شؤون الاُمَّة للنبيّ صلى الله عليه و آله والأئمّة صلوات اللّه عليهم.


1) سورة الحشر: الآية 7.

2) سورة الأحزاب: الآية 21.

3) سورة آل عمران: الآية 31.

4) الكافي: ج 2/414-415 ح 1، صحيح مسلم: ج 5/25 ح 2408، سنن الترمذي: ج 5/662 ح 3786، مسندأحمد: ج 3/17، مستدرك الحاكم: ج 3/109، أسد الغابة: ج 2/12، كنز العمّال: ج 1/188 ح 957-958، المعجم الصغير للطبراني: ج 1/135، ينابيع المودّة: ج 1/113، وغيرها.

أقول: لا ينبغي الشكّ والكلام في ثبوت هذا المنصب لهم، وأنّه فوّض إليهم من قبل اللّه تعالى‌، فهو منصبٌ إلهي لا من قبل النّاس، والشاهد لثبوته لهم اُمور.

الأمر الأوّل: الآيات الكريمة منها ما قال اللّه تعالى‌: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اَللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‌) (1)، فإنّ هذه الآية الكريمة تدلّ على ثبوت منصب الزعامّة والرئاسة بعد رسول اللّه صلى الله عليه و آله لطائفةٍ خاصّة من المؤمنين، فإذا انضمّ إلى ذلك ما اتّفق عليه المفسّرون من نزول هذه الآية في شأن أمير المؤمنين عليه السلام، وما دلَّ على ثبوت منصب كلّ إمامٍ لإمامٍ بعده - كخبر المُعلّى الآتي - يثبت هذا المنصب للأئمّة الهداة عليهم السلام.

وأيضاً قال سبحانه: (أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ‌) (2)، فإنّ هذه الآية الشريفة تدلّ على لزوم العمل بكلّ حكمٍ وأمر صادر من اللّه تعالى ورسوله ومن اُولي الأمر، ومقتضى إطلاقها ذلك، حتّى في ما يرجع إلى شؤون الاُمَّة وإدارة الدولة الإسلاميّة، وليس معنى الحكومة من قبل اللّه تعالى إلّاذلك.

بل صريح كلام الإمام عليه السلام في بعض النصوص أنّ الإطاعة المأمور بها في الآية اُريد بها الإطاعة في الأوامر الصادرة عن المعصومين عليهم السلام فيما يرجع إلى إدارة شؤون الأُمّة، لاحظ خبر عيسى بن السِّري، قال:

«قلتُ لأبي عبداللّه عليه السلام: حدّثني عمّا بُنيت عليه دعائم الإسلام، إذا أنا أخذتُ بها زكّى عملي، ولم يضرّني جَهلُ ما جهلته بعده‌؟9.


1) سورة المائدة: الآية 55.

2) سورة النساء: الآية 59.

فقال عليه السلام: شهادة أن لا إله إلّااللّه وأنّ محمّداً رسول اللّه، والإقرار بما جاء به من عند اللّه، وحقّ في الأموال من الزكاة، والولاية التي أمر اللّه بها، وولاية آل محمّد - إلى أن قال - قال اللّه عزَّ وجلّ‌: (أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ‌) (1)، فكان عليٌّ‌، ثمّ صار من بعده حسن، ثمّ من بعده حسين، ثمّ من بعده عليّ بن الحسين، ثمّ من بعده محمّد بن عليّ‌، ثمّ هكذا يكون الأمر، إنّ الأرض لا تصلح إلّا بإمام»(2).

وصحيح بُريد العِجْلي، عن أبي جعفر عليه السلام: «في قول اللّه عزَّ وجلّ‌: (فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ اَلْكِتابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) (3): جعل منهم الرُّسل والأنبياء والأئمّة، فكيف يقرّون في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمّد صلى الله عليه و آله‌؟!

قال: قلتُ‌: (وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) ؟ قال: المُلك العظيم أنْ جعل فيهم أئمّة، من أطاعهم أطاع اللّه، ومن عصاهم عصى اللّه، فهو الملك العظيم»(4).

و (المُلك) بالضَّم هو المملكة، فَجَعل الأئمّة من جهة الأمر بإطاعتهم قرناء لإطاعة اللّه سبحانه وتعالى صاحب الملك العظيم، وهذا عبارةٌ أُخرى عن الحكومة المطلقة كما هو واضح.

وأمّا اُولوا الأمر فقد اتّفقت النصوص - منها ما تقدّم - على أنّ المراد بهم الأئمّة الإثني عشر عليهم السلام.

الأمر الثاني: الروايات:4.


1) سورة النساء: الآية 59.

2) الكافي: ج 2/21 ح 9، الوافي: ج 4/93 أبواب تفسير الإيمان والإسلام باب 6 ح 9.

3) سورة النساء: الآية 54.

4) الكافي: ج 1/206 ح 5، الوافي: ج 3/520 أبواب خصائص الحجّ ب 62 ح 4.

منها: الدالّة على أنّ الأئمّة عليهم السلام ولاة أمر اللّه، واُولوا الأمر، لاحظ خبر عبد الرحمن، قال: «سمعتُ أبا عبد اللّه عليه السلام يقول: نحن ولاة أمر اللّه»(1).

وخبر الحسين ابن أبي العلاء الآتي، وغيرهما.

أقول: والظاهر من هذا العنوان عرفاً من يجب الرجوع إليه في الأُمور العامّة.

ومنها: ما عن سيّد الشهداء صلوات اللّه عليه أنّه قال: «فلعمري ما الإمام إلّا الحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ‌، الحابس نفسه على ذات اللّه»(2).

ومنها: خبر المُعلّى بن خُنَيس، عن الإمام الصادق عليه السلام: «في قول اللّه عزَّ وجلّ‌:

(إِنَّ اَللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسانِ‌) (3)عدل الإمام أن يدفع ما عنده إلى الإمام الذي بعده، واُمرت الأئمّة أن يحكموا بالعدل، واُمر النّاس أن يتبعوهم»(4).

وخبر سليمان بن خالد، عنه عليه السلام: «اتّقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، كنبيّ أو وصيّ نبيّ‌»(5).

وقريبٌ منهما غيرهما.

ومنها: النصوص المتقدّمة في ذيل الآية الثانية.

ومنها: بعض الأخبار الواردة صفات الأئمّة: كخبر عبد العزيز بن مسلم، عن الإمام الرضا عليه السلام، في حديثٍ طويل:

«إنّ الإمامة زمام الدِّين، ونظام المسلمين، وصلاح الدُّنيا، وعزّ المؤمنين، أنّ‌).


1) الكافي: ج 1/192 ح 1، الوافي: ج 3/504 أبواب خصائص الحجّ وفضائلهم عليهم السلام باب 58 ح 1.

2) الإرشاد: ج 2/39، البحار: ج 44/334.

3) سورة النحل: الآية 90.

4) وسائل الشيعة: ج 27/14 أبواب صفات القاضي ب 1 ح 6 (33084).

5) الكافي: ج 7/406 ح 1، وسائل الشيعة: ج 27/17 أبواب صفات القاضي ب 3 ح 3 (33092).

الإمامة اُسّ الإسلام النامي، وفرعه السّامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات، وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف»(1).

ونحوه غيره.

وظهور ذلك في أنّ الحكومة للإمام عليه السلام واضحٌ‌، بل هو كالصريح في ذلك.

ونظير ذلك ما عن «العلل» بسنده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا عليه السلام، في علّة حاجة النّاس إلى الإمام حيث قال بعد ذكر جملة من العلل: «ومنها إنّا لا نجدُ فرقةً من الفرق، ولا ملّة من الملل بقوا وعاشوا إلّابقيّم ورئيس، لما لابدَّ لهم في أمر الدِّين والدُّنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق بما يعلم أنّه لابدَّ لهم منه ولا قوام لهم إلّابه»(2).

إلى غير ذلك من النصوص المتواترة الدالّة على ذلك بألسنة مختلفة.

الأمر الثالث: الإرتكاز الثابت ببناء العقلاء، حيث جرى بناؤهم في كلّ أمرٍ راجع إلى المعاد والمعاش على رجوع الجاهل إلى العالم من جهة كونه أهل الخبرة والإطّلاع، ولم يردع الشارع الأقدس عن ذلك، وحيث إنّ‌الإمام عليه السلام أعلم النّاس وأفضلهم وأبصرهم بالأُمور - سواءٌ أكان الأمرمربوطاً بالمعاش أو المعاد - فيتعيّن جعله المرجع والحاكم، ومتابعته حتّى في الأُمور الراجعة إلى إدارة شؤون الاُمّة.

الأمر الرابع: حكم العقل، إذ لم نجد فرقةً من الفرق، ولا ملّةً من الملل بقوا وعاشوا إلّابقيّم ورئيس، لما لابدَّ لهم منه في أمر الدِّين والدُّنيا، ومن الممتنع في0.


1) الكافي: ج 1/198-200 ح 1، الوافي: ج 3/480-482 أبواب خصائص الحجّ وفضائلهم عليهم السلام ب 54 ح 1.

2) علل الشرائع: ج 1/251-253 باب 182 ح 9، بحار الأنوار: ج 6/60.

حكمة الحكيم أن يترك الخلق بما يعلم أنّه لابدَّ لهم منه، ولا قوام لهم به، وعليه فإمّا أن يعيّن الأبصر بالأُمور السياسيّة، وتنظيم البلاد أو غيره، والثاني باطلٌ قطعاً، لإستلزامه ترجيح المرجوح، وهو قبيحٌ‌، ومن الحكيم محال، فيتعيّن الأوّل.

وبهذا البيان يظهر قطعيّاً أنّ اللّه تعالى عيَّن الإمام عليه السلام لذلك.

الأمر الخامس: إنّ جملةً من الأحكام الشرعيّة جزائيّة، وقضائيّة، وسياسيّة، واجتماعية، كالقصاص، والحدود، والقضاء، وقبول الجزية، والجهاد و...، ولا يمكن إجراء تلك الأحكام إلّاعلى يد الحاكم على الاُمّة، وقد صرّح في جملةٍ من الأخبار أنّها لإمام المسلمين(1).

ولذلك نرى أنّ‌النبيّ صلى الله عليه و آله حينما ساعدته الظروف أسّس حكومة إسلاميّة عادلة، وكذلك الإمام عليّبن أبي طالب عليه السلام أسّس حكومته وحارب من حاربه في ذلك.

ولاية التصرّف في الأموال والأنفس

المورد الرابع: في ولايتهم صلوات اللّه عليهم بالولاية التشريعيّة، بمعنى نفوذ كلّ تصرّفٍ منهم في أموال النّاس وأنفسهم.

وبعبارة أُخرى‌: في الولاية الظاهريّة التي هي من المجعولات الشرعيّة المترتّب عليها جواز التصرّف.

فقد استدلّ لثبوتها لهم بوجوه:


1) لاحظ وسائل الشيعة: ج 27/16 أبواب صفات القاضي ب 3، المستدرك: ج 17/241 أبواب صفات القاضي باب 3.

منها: الآية الشريفة: (اَلنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‌) (1)، وما كان مساقه مساقها.

أقول: وأورد على الإستدلال بها:

تارةً‌: بأنّها مختصّة بصورة التزاحم؛ للإنصراف، ولأنّ الولاية لا تَقبل الشدّة والضعف، فلابدَّ وأن يكون التفضيل مجازيّاً، والمراد ثبوت الولاية عند التزاحم للنبيّ صلى الله عليه و آله وانتفائها عن غيره.

وأُخرى‌: بأنّ الآية في مقام بيان عدم اختصاص رئاسته صلى الله عليه و آله بالرئاسة الروحانيّة، بل تعم الرئاسات الدنيويّة والحكوميّة، فلا تدلّ أولويّته بكلّ شخص من نفسه.

ولكن يرد الأوّل: أنّ الإنصراف ممنوعٌ‌، والولاية قابلة للشدّة والضعف كما هو ظاهرها.

ويرد الثاني: - مضافاً إلى كونه خلاف الظاهر - أنّه ينافيه النبويّ‌: «أنا أولى بكلّ مؤمنٍ من نفسه»(2).

فالحقّ أن يقال: إنّها تدلّ على ثبوت ولايةٍ وسلطنةٍ على النّاس أقوى وأشدّ من ولاية الشخص على نفسه، ومن الضروري أنّ ولاية الشخص على نفسه إنّما هي في التصرّف السببي، من الطرق والأسباب الشرعيّة، كبيع ماله وتزويج المرأة وتطليق زوجته، وأمّا التصرّف بلا سبب، أو بسببٍ غير شرعي، فليس له الولاية).


1) سورة الأحزاب: الآية 6.

2) الكافي: ج 1/406 ح 6، وسائل الشيعة: ج 26/251 أبواب ولاء ضمان الجريرة والإمامه ب 3 ح 14 (32943).

عليه حتّيتثبت تلك بنحوٍ أشدّ للنبيّ صلى الله عليه و آله، مثلاًليس له أن يهب الاستمتاع بزوجته لغيره، فلايكون ذلك ثابتاً له صلى الله عليه و آله، وكذلك الأحكام المحضة كالإرث وأضرابه.

وبالجملة: الآية الشريفة ليست في مقام التشريع للأحكام، بل هي في مقام بيان تشريع الولاية، وتدلّ على أنّها ثابتة له فيما للشخص على نفسه من الولاية لا في أوسع من ذلك.

أقول: ويؤيّد ما ذكرناه من عدم ثبوت الولاية لهم بأوسع ممّا للشخص على نفسه - بل يشهد له -: ما ورد في ذيل حديثٍ طويلٍ مرويّ عن كتاب «نزهة الكرام وبستان العوام» لمحمّد بن الحسين بن الحسن الرازي، فقد ورد فيه أنّه قال الكاظم عليه السلام:

«قد بقي مسألة تخبرني بها، ولا تضجر! فقال له: سَل.

فقال: خَبرونِي أنّكم تقولون إنّ جميع المسلمين عبيدنا وجوارينا، وأنّكم تقولون من يكون لنا عليه حقّ ولا يوصله إلينا فليس بمسلم‌؟

فقال له موسى عليه السلام: كَذب الذين زعموا أنّنا نقول ذلك، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يصحّ البيع والشراء عليهم، ونحن نشتري عبيداً أو جواري ونعتقهم، ونقعد معهم ونأكل معهم، ونشتري المملوك، ونقول: يا بُنيّ‌، وللجارية: يا بنتي، ونقعدهم يأكلون معنا تقرّباً إلى اللّه سبحانه، فلو أنّهم عبيدنا وجوارينا ما صَحّ البيع والشراء، وقدقال النبيّ صلى الله عليه و آله لمّاحضرته الوفاة: اللّه اللّه في الصلاة، وما مَلَك أيمانكم، يعني صِلوا وأكرموا مماليككم وجواريكم، ونحن نعتقهم، وهذا الذي سمعته غلطٌ من قائله، ودعوى باطلة، ولكن نحن ندَّعي أنّ ولاء جميع الخلائق لنا، يعني ولاء الدِّين، وهؤلاءالجهّال يظنّونه ولاءالمِلْك، حَمَلوا دعواهم على ذلك، ونحن ندَّعي

ذلك لقول النبيّ صلى الله عليه و آله يوم غدير خُمّ‌: مَنْ كنتُ مولاه...»(1)، فإنّه يدلّ على ما ذكرناه.

أقول: قال بعض الأكابر(2)بعد استظهار ذلك من الأدلّة:

(لكن الظاهر أنّ سيرة النبيّ صلى الله عليه و آله والأئمّة صلوات اللّه عليهم لم تكن كذلك، بل كانوا يعاملون مع النّاس معاملة بعض النّاس مع بعض، وهو الظاهر من ملاحظة التواريخ والأخبار، فلاحظ كلام أمير المؤمنين في «نهج البلاغة» في جواب أخيه عقيل، ومراجعته إلى الأمير صلوات اللّه عليه)، انتهى‌.

ومنها: النصوص الدالّة على أنّ الدُّنيا وما فيها لهم عليهم السلام، وأنّ لهم التصرّف فيها كيف شاءوا، لاحظ:

1 - مكاتبة ابن الريّان مع العسكري عليه السلام، قال:

«كتبتُ إليه: رُوي لنا أنْ ليس لرسول اللّه صلى الله عليه و آله من الدُّنيا إلّاالخُمس‌؟

فجاء الجواب إنّ الدّنيا وما عليها لرسول اللّه صلى الله عليه و آله»(3).

2 - ومرسل أحمد بن محمّد بن عبد اللّه: «الدُّنيا وما فيها للّه تبارك وتعالى ولرسوله ولنا، فمن غَلَب على شيء منها فليتّق اللّه»(4)، الحديث.

3 - وخبر أبي بصير، عن مولانا الصادق عليه السلام قال:

«قلت له: أما على الإمام زكاة‌؟

فقال: أحلّت يا أبامحمّد، أما علمت إنّ‌الدُّنيا والآخرة للإمام عليه السلام يضعها حيث7.


1) ذكره ابن طاوس في كتاب النجوم كما حكي عنه، وفي بحار الأنوار: ج 48/146-147.

2) السيّد الخونساري في جامع المدارك: ج 3/99.

3) الكافي: ج 1/409 ح 6، الوافي: ج 10/289 أبواب الخمس وسائر ما يصرف إلى الإمام عليه السلام باب 33 ح 6.

4) الكافي: ج 1/408 ح 2، الوافي: ج 10/289 أبواب الخمس وسائر ما يصرف إلى الإمام عليه السلام باب 33 ح 7.

يشاء، ويدفعها إلى ما يشاء»(1).

ونحوها غيرها.

فإنّ الظاهر من هذه الأخبار ثبوت السلطنة الثابتة للّه تعالى على النّاس وأموالهم من غير جَعْل جاعل للرسول صلى الله عليه و آله والإمام عليه السلام بالجعل غير المنافي مع ملكيّة النّاس، وهذه عبارة أُخرى عن الأولويّة بالتصرّف فيها منهم.

ومنها: الإجماع، والظاهر ثبوته، لكن مستند المُجمِعين معلوم.

ومنها: غير ذلك، ولظهور عدم دلالة ما ذكروه، أغمضنا عن التعرّض له، وفيما ذكرناه كفاية.

وجوب إطاعة المعصوم عليه السلام

المورد الخامس: في وجوب الإطاعة.

أقول: ويمكن أنْ يستدلّ على لزوم إطاعتهم في أوامرهم الشخصيّة العرفيّة الراجعة مصلحتها إليهم، بوجهين:

الوجه الأوّل: الآيات والنصوص المتواترة، الدالّة على افتراض طاعتهم، وأنّ معصيتهم كمعصية اللّه تعالى‌:

1 - قوله سبحانه: (أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ‌) (2).

2 - وقوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ اَلَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‌) (3).


1) الكافي: ج 1/408 ح 4، الوافي: ج 10/289 أبواب الخمس وسائر ما يصرف إلى الإمام عليه السلام ب 33 ح 8.

2) سورة النساء: الآية 59.

3) سورة النور: الآية 63.

3 - وقوله عزّ وجلّ‌: (مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اَللّهَ وَ مَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) (1).

4 - وصحيح زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: «ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء، ورضا الرحمن تبارك وتعالى‌، الطاعة للإمامة بعد معرفته»(2).

5 - وخبر الحسين بن أبي العلاء، قال: «ذكرتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام قولنا في الأوصياء أنّ طاعتهم مفترضة‌؟

فقال: نعم، هم الذين قال اللّه تعالى: (أَطِيعُوا اَللّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ‌) (3)، وهم الذين قال اللّه عزَّ وجلّ‌: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اَللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‌(4)) »(5).

إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة.

إذ اختصاص هذه بأجمعها بالأوامر الشرعيّة خلاف ظواهرها، من جهة أنّ الإطاعة فيها إطاعة بالذّات لأمره تعالى‌، وإطاعةٌ بالعَرَض للوسائط، والإطاعة التي تكون بالذّات إطاعة لهم هي إطاعتهم في الأوامر الشخصيّة، ومعلوم أنّ ظاهر الآيات والروايات إرادة الثانية.

الوجه الثاني: إنّهم صلوات اللّه عليهم مجارى الفيوضات، وأولياء النعم بأجمعها من المال والوَلَد والجوارح والأنفس وغيرها، فهم المنعمون بالواسطة، وقد استقل العقل بوجوب شُكر المنعم، ومعلوم أنّ صرف النعمة في سبيل إطاعة المنعم7.


1) سورة النساء: الآية 80.

2) الكافي: ج 1/185 ح 1، وسائل الشيعة: ج 1/119 أبواب مقدّمة العبادات ب 29 ح 2 (298).

3) سورة النساء: الآية 59.

4) سورة المائدة: الآية 55.

5) الكافي: ج 1/187 ح 7، الوافي: ج 2/92 أبواب وجوب الحجّة ومعرفته وحقوقه باب 7 ح 7.

شكرٌ، وتركه كفرانٌ‌، فيَحسُن الأوّل عقلاً، ويقبح الثاني كذلك، وبالملازمة يُستكشف الوجوب.

اشتراط تصرّف الغير بإذنهم

أقول: بقي البحث عمّا أنّه هل يستقلّ غيرهم عليهم السلام في التصرّف، أم يكون تصرّف الغير منوطاً بإذنهم‌؟، وجهان:

والتحقيق: أنّه لا كلام ولا خلاف في ثبوت الولاية بهذا المعنى، أي اشتراط تصرّف الغير بإذنهم في جملةٍ من الموارد الخاصّة، التي دلَّ الدليل على ذلك، كالحدود، والتعزيرات، والحكومات، والجهاد، وغيرها.

كما لا كلام في ثبوتها لهم في الأُمور التي ثبت أنّها وظيفة الرئيس، لما دلَّ من النصوص على أنّ لهم الرئاسة العامّة كخبر الفضل وغيره، وأنّهم ولاة الأمر واُولي الأمر.

كما لا ينبغي التوقّف في عدم ثبوتها لهم بالإضافة إلى الوظائف الشخصيّة لكلّ فردٍ من أفراد الرعيّة، من العبادات والمعاملات.

إنّما الكلام فيما إذا جهل الأمر، ولم يُحرز أنّ التصرّف من أي من الأقسام، فإنْ احتمل كونه من وظيفة الإمام خاصّة:

فتارةً‌: لا يُحرز كون الفعل مطلوباً للشارع على كلّ تقدير.

وأُخرى‌: يُحرز ذلك.

فعلى الأوّل: تجري أصالة البراءة عنه بالإضافة إلى الرعيّة.

وعلى الثاني: حيث أنّ توجّه التكليف إلى المكلّفين بنحو الواجب الكفائي بالتفصيل الذي سيمرّ عليك معلومٌ‌، فلا مورد للأصل.

وإنْ اُحرز أنّ التكليف ليس مختصّاً بالمعصوم، وأنّه متوجّه إلى المكلّفين بنحو الواجب الكفائي أو العيني، ولكن احتمل دخل إذنه عليه السلام فيه، كان المرجع إطلاق دليل المنع، أو دليل الجواز لوكان، وإلّا فمع التمكّن من الرجوع إليه عليه السلام لابدَّ من ذلك، ولا مجال للرجوع إلى الأصل، لأنّه لايرجع إليه مع التمكّن من الفحص.

وإنْ لم يتمكّن من ذلك:

فإنْ احتمل كون إذنه من قبيل شرط الوجوب، جرى أصالة البراءة مع عدم تحقّق الإذن.

وإنْ احتمل كونه من قبيل شرط الواجب، دخل في مسألة الأقلّ والأكثر الارتباطيين.


ولاية الحاكم الشرعي

إذا عرفت ما ذكرناه فلابدَّ من التعرّض لمقدار ولاية الفقيه.

وملخّص القول في المقام: إنّه لا شُبهة ولا ريب في أنّ منصب القضاء - من فصل الخصومة والاُمور التي يرجع فيها إلى القاضي عرفاً كأخذ الحقّ من المماطل، وحبسه، وبيع ماله، والتصرّف في مال القصّر، ونصب القيّم وما شاكل - ثابتٌ للفقيه الجامع للشرائط، وتشهد به مشهورة أبي خديجة المرويّة في «الكافي» و «التهذيب» و «الفقيه» وغيرها بأسانيد مختلفة، ومتون متفاوتة في غير الجملة التي هي مورد للإستشهاد، وهي قال: «بعثني أبو عبد اللّه عليه السلام إلى أصحابنا، فقال: قُل لهم: إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة - إلى أن قال - اجعلوا بينكم رجلاً قد عرف حلالنا وحرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً»(1)الحديث.

وظاهر الخبر جعل الفقيه قاضياً كسائر القضاة المنصوبين من قبل أئمّة الجور، ومن المعلوم أنّ من يُجعل له منصب القضاء لم تكن وظيفته مختصّة بفصل الخصومة، بل كان يرجع إليه في سائر ما أشرنا إليه، بل في زماننا أيضاً يتصدّى القاضي لما ذكر، فيثبت هذا المقام للفقيه.

وبه يظهر اندفاع ما قيل من اختصاصها بفصل الخصومة، وأنّه لا يستفاد منها أبعد من ذلك، مع أنّه لو كان الخبر مسوقاً لبيان ذلك، لكان قوله: «اجعلوا بينكم... الخ» كافياً، ولم تكن هناك حاجة إلى ضمّ هذه الجملة.


1) الفقيه: ج 3/2 ح 3216، التهذيب: ج 6/303 ح 53، وسائل الشيعة: ج 27/139 أبواب صفات القاضي ب 11 ح 6 (33421).

وعليه، فالظاهر أنّ هذه الجملة من قبيل الكبرى الكليّة التي من مصاديقها المورد.

أقول: وأُورد عليها بضعف السند لوجهين:

أحدهما: أنّ في طريقها المُعلّى بن محمّد.

الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني(1)، من أنّ لأبي خديجة حالة اعوجاج عن طريق الحقّ‌، وهي زمان متابعته للخطابيّة، وحالتي استقامة، وما قبل الإعوجاج وبعده، ولم يعلم أنّه رواها في أي الحالات.

ولكن يمكن دفع الأوّل: بأنّ الخبر مرويٌّ بطرق مختلفة، منها ما في «الفقيه»(2)عن أحمد بن عائد، عن أبي خديجة، وطريقه إليه هو أبوه، عن سعد بن عبد اللّه، عن أحمد بن محمّد بن عيسى‌، عن الحسن بن علي الوشّاء(3)، وهؤلاء كلّهم ثقات. كما أنّ أحد طريقي الشيخ في «التهذيب»(4)إليه قوي.

مع أنّ المُعلّى من مشايخ الإجازة على ما أفاده المحقّق المجلسي رحمه الله(5)، وهو يكفي في قبول رواياته.

ويدفع الثاني: ما حُقّق في محلّه(6)، من أنّ سالم بن مكرّم أبا خديجة ثقة.ة.


1) منية الطالب: ج 1/326.

2) الفقيه: ج 3/2 ح 3216.

3) كما في مشيخة الفقيه: ج 4/125.

4) التهذيب: ج 1/290 ح 12، وطريق الشيخ إلى أحمد بن عائذ هو الشيخ المفيد عن الكليني محمّد بن يعقوب عن عليّ بن محمّد عن صالح بن أبي حمّاد والحسين بن محمّد عن مُعلّى بن محمّد جميعاً عن الوشّاء عن أحمد ابن عائذ.

5) مرآة العقول: ج 10/28.

6) نقل العلّامة في رجاله ص 227 (سالم بن مكرّم)، عن الشيخ الطوسي في أحد قوليه أنّه ثقة، والكشي في رجاله ص 352 رقم 661 لم يوثّقه، ولكن نقل القول عنه أنّه صالح، وفي رجال النجاشي ص 188 رقم 501 عبَّر عنه بثقة ثقة.

وبالجملة: فلا كلام أيضاً في ثبوت منصب الفتوى له، وأنّ للعوام أن يقلّدوه، وتدلّ عليه الآيات والروايات وبناء العقلاء على رجوع الجاهل إلى العالم، على ما فصَّلنا القول في ذلك في كتاب الإجتهاد والتقليد(1).

من وظائف المجتهد إقامة الدولة

يدور البحث في المقام عن أنّه هل يكون المجتهد هو الحاكم المطلق ومنفذ الحكم، وواجبه تشكيل الحكومة إمّا بنفسه أو بنصب شخص مِنْ قِبله، أم لا؟.

المعروف بين الأصحاب هو الأوّل، بل في عوائد النراقي(2)دعوى الإجماع عليه، قال: (حيث نص به كثيرٌ من الأصحاب، بحيث يظهر منهم كونه من المسلّمات)، وهو الحقّ الذي لا ريب فيه، لأنّ من جملة أحكام الإسلام، بل والمهمّ منها الأحكام الجزائيّة، والقضائيّة، والسياسيّة، والإجتماعيّة كالقصاص، والديات، والحدود، والجهاد، والصلح، والقضاء، وقبول الجزية و...، ولا يمكن إجراء تلك الأحكام وتطبيقها وتنفيذها إلّابيد الحاكم على الأُمّة.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ‌الأحكام التي أتى بها نبيّ‌الإسلام صلى الله عليه و آله، إنّما هي قوانين كليّة، وبديهي أنّ القانون إنْ لم يكن من يقوم بإجراءه وتطبيقه وتنفيذه، عُدَّ جعله لغواً، فيعلم من ذلك أنّ‌النبيّ صلى الله عليه و آله الذي جاء بتلك القوانين، وحينما ساعدته الظروف شكَّل


1) راجع كتاب الاجتهاد والتقليد للمؤلّف (مطبوع).

2) عوائد الأيّام: ص 136.

الحكومة بنفسه، وكذلك وصيّه أمير المؤمنين عليه السلام عيَّن شخصاً لإجراء تلك الأحكام، وفي هذا الزمان ليس هناك من يقوم بإجراء هذه الأحكام وتطبيقها سوى المجتهد الذي قال صلى الله عليه و آله في حقّه: «إنّه خليفتي ووارثي»(1)، ووصفه الإمام عليه السلام بأنّه: «الحجّة عليكم»(2)، إلى غير ذلك من التعابير التي ستمرّ عليك.

مع أنّه لا يكون ثمّة أحد أعرف بمباني وقواعد الإسلام منه، فهو المتعيّن لأن يكون قائماً بالحكومة وعلى رأسها.

وإنْ شئتَ قلت: إنّه لا ريب في أنّ وظيفة المجتهد في هذا العصر إجراء أحكام الإسلام، وحفظ أمن البلاد الإسلاميّة، والتحرّز من مكائد الإستعمار، وحفظ استقلال البلاد الإسلاميّة، والدفاع عن حريم الإسلام والقرآن، وقطع يد من تسوّل له نفسه العَبَث في بلاد المسلمين، وحفظ المسلمين من يد الأجانب، ومن عَبَثهم في عقول المسلمين، وعقد الذّمة والعهود، وإجراء الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهل يمكن تطبيق شيء من ذلك إلّامن قِبل الدولة والحكومة القويّة العادلة‌؟! قال اللّه تعالى: (وَ أَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ‌) (3)، وهل يمكن ذلك إلّامن قبل0.


1) اثبات الهداة، ج 3، ص 132؛ بشارة المصطفى، ج 2، ص 109 و هكذا مضمون مرسلة الفقيه عن أميرالمؤمنين عليه السلام، قال: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: اللَّهُمَّ ارحم خلفائي، قيل: يا رسول اللّه ومَن خلفاؤك‌؟، قال: الذين يأتون من بعدي ويروون حديثي وسُنّتي» الفقيه: ج 4/420، وسائل الشيعة: ج 27/139 أبواب صفات القاضي باب 10 ح 7 (33422)، وما رواه أبو البختري، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «إنّ العلماء وَرَثة الأنبياء...» الكافي: ج 1/32 ح 2، وسائل الشيعة: ج 27 ص 78 أبواب صفات القاضي باب 8 ح 2 (33742).

2) مضمون التوقيع الشريف عن الإمام عليه السلام الوارد في الإكمال؛ ص 484 باب 45 ح 4، الاحتجاج: ج 2/470، وسائل الشيعة: ج 27 ص 140 أبواب صفات القاضي باب 11 ح 9 (33424).

3) سورة الأنفال: الآية 60.

الحاكم‌؟! وقد تقدّم(1)ما رواه الفضل عن الإمام الرضا عليه السلام المتضمّن قوله: «إنَّا لا نجد فرقةً من الفرق، ولا ملّةً من الملل بقوا وعاشوا إلّابقيّم ورئيس، لما لابدَّ لهم منه في أمر الدِّين والدُّنيا، فلم يجز في حِكمة الحكيم أن يترك الخلق بما يعلم أنّه لابدَّ لهم منه ولا قوام لهم إلّابه»، فإنّ هذا البرهان العقلي جارٍ في زمان الغيبة أيضاً.

أقول: فضلاً عمّا ذكرنا تشهد بثبوت هذا المقام للمجتهد جملة من الأخبار:

منها: مقبولة عمر بن حنظلة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «ينظران من كان منكم ممّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حَكَماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حَكَم بحكمنا، فلم يُقبل منه فإنّما استخفَّ بحكم اللّه وعلينا رَدّ، والرّاد علينا رادٌّ على اللّه، وهو على حَدّ الشرك باللّه»(2).

حيث إنّه يستفاد منها جعل المجتهد حاكماً كسائر الحكّام المنصوبين في زمان النبيّ صلى الله عليه و آله والصحابة، ومن المعلوم أنّ الحاكم المنصوب في تلك الأزمنة، كان يرجع إلى النبيّ صلى الله عليه و آله في جميع الأُمور العامّة التي يرجع فيها كلّ قوم إلى رئيسهم، فالمجتهد قد جُعل حاكماً مطلقاً بهذا المعنى.

وبعبارة أُخرى‌: الحاكم هو المنفّذ للحكم القائم على تطبيقه.

أقول: وأُورد عليها:

تارةً‌: بضعف السند، لأنّه لم ينصّ على ابن حنظلة بتوثيق.

وأُخرى‌: بأنّ الظاهر من الحاكم هو القاضي، لأنّ مورد السؤال والتحاكم هو الترافع إلى القاضي، وقوله: «فإذا حَكَم بحُكمنا» أي قضى، فهي تدلّ على جعل6.


1) تقدّم قبل عدّة صفحات، وراجع علل الشرائع: ج 1/251-253 باب 182 ح 9، بحار الأنوار: ج 6/60.

2) الكافي: ج 1/67 ح 10، و ج 7/412 ح 5، وسائل الشيعة: ج 27/136 ح 33416.

منصب القضاء له دون الحكومة والرئاسة.

ولكن يرد الأوّل:

1 - أنّ الأظهر وثاقة الرجل، لتوثيق الشهيد الثاني إيّاه، قال رحمه الله: (إنّا حقّقنا توثيقه من محلّ آخر)(1).

2 - ولورود روايتين دالّتين عليها(2)

والأُخرى عن عمر بن حنظلة نفسه، قال: «قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: القنوت يوم الجمعة‌؟ فقال: أنت رسولي إليهم في هذا، إذا صلّيتم في جماعة ففي الركعة الأُولى‌، وإذا صلّيتم وحداناً ففي الركعة الثانية» الكافي: ج 3/472 ح 3، وسائل الشيعة: ج 6/271 أبواب القنوت باب 5 ح 5 (7937).

، ولغير ذلك من الشواهد.

3 - مع أنّ الأصحاب تلقّوها بالقبول، ولذلك سُمّيت بالمقبولة.

ويُردّ الثاني: أنّ الثابت عند الأصحاب أنّ خصوص المورد لا يُخصّص عموم الوارد، مع أنّه لو كان المراد ما ذُكر، لكان يكفي قوله: «ينظران من كان... الخ» ولم يكن حاجة إلى هذه الجملة، سيّما مع تصدّرها بحرف التعليل، الذي يكون صالحاً لكون الجملة بياناً لكبرى كليّة من مصاديقها المورد.

ومنها: ما رواه الصدوق بأربعة طرق عن عليّ عليه السلام أنّه قال:

«قال رسول صلى الله عليه و آله: اللَّهُمَّ ارحم خلفائي ثلاثاً.

قيل: يا رسول اللّه ومن خلفائك‌؟ قال: الذين يأتون بعدي، يروون حديثي وسنّتي»(3).).


1) الدراية: ص 44.

2) إحدى الروايتين ما عن يزيد بن خليفة، قال: قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: «إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت، فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: إذاً لا يكذب علينا» الكافي: ج 3/257 ح 1، وج 3/179 ح 6، وسائل الشيعة: ج 4/156 أبواب المواقيت باب 10 ح 1 (4790).

3) الفقيه: ج 4/420 ح 5919، وسائل الشيعة: ج 27/139 أبواب صفات القاضي باب 10 ح 7 (33422).

وزاد في بعض الروايات: «فيعلّمونها النّاس من بعدي»(1).

وحيثُ أنّه عند دوران الأمر بين الزيادة والنقيصة، الأصل البناء على وجود ما نقص، فالظاهر أنّ متن الحديث مع هذه الزيادة، وظهوره حينئذٍ في إرادة الفقهاء من الرواة في غاية الوضوح.

وبعبارة أُخرى‌: المراد من راوي الحديث والسُنّة هو من يعلّم النّاس أحكام الإسلام، لا مجرّد لقلقة اللّسان، وهذا يلازم الفقاهة.

فيدلّ الخبر على أنّ الفقيه خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله، والخليفة بقول مطلق هو من يقوم مقام من استخلفه في كلّ ما هو له.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ كون الرئاسة والحكومة حقّ خليفة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ومنصبه المفوّض إليه، يعدّ من الأُمور الواضحة المسلّمة عند الجميع، ولذلك كان كلّ من ملوك بني اُميَّة وسلاطين بني العبّاس، بل ومن قبلهم ممّن استولوا على مقاليد الاُمور كانوا يدّعون خلافتهم لرسول اللّه صلى الله عليه و آله، وعلى ذلك فتعيين رسول اللّه صلى الله عليه و آله العلماء خلفائه، يكون دالّاً بالملازمة البيّنة على جعلهم حكّاماً نافذي الحكم، ورؤساء للحكومة الإسلاميّة.

وممّا يؤيّد ما ذكرناه من ظهور جعل شخصٍ خليفةً‌، في جعله نافذ الحكم ورئيساً مدلول قوله تعالى: (يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي اَلْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ اَلنّاسِ بِالْحَقِّ‌) (2)، فإنّ كون الحكومة مترتّبة على جعله خليفة مفروغ عنه في الآية، وإنّما أمر فيها بالحكم وعدم اتّباع الهوى‌.6.


1) عيون الأخبار: ج 2/37 ح 33298، معانى الأخبار: ص 374.

2) سورة ص: الآية 26.

ومنها: التوقيع الشريف المرويّ فى كتاب «إكمال الدِّين وإتمام النعمة» للصدوق(1)، وكتاب «الغيبة» للشيخ الطوسي(2)، و «الإحتجاج» للطبرسي(3)في جواب مسائل إسحاق بن يعقوب، فقد ورد فيه جوابه عليه السلام:

«وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم، وأنا حجّة اللّه»(4).

بتقريب: أنّ المراد ب‍ (الحوادث) - من جهة كونها جمعاً محلّى باللّام - هو كلّ حادثة يرجع فيها الرعيّة إلى رئيسهم، من غير فرقٍ بين كونها من السياسيّات أو الشرعيّات، ومن غير فرقٍ بين أنْ تكون مرتبطة بشخص خاص أو بالمجتمع، فتشمل ما كان من قبيل عقد اتّفاقيّة استخراج الأجانب النفط وسائر المعادن، وعقد الذّمة مع الدول الأُخرى‌، والتوقيع على الاتّفاقيّات الدفاعيّة فيما لو توجّه الخطر من جانب الأجانب إلى الدولة الإسلاميّة، وما شاكل، فيدلّ على أنّ راوي الحديث المنصوب حجّة على الأمة - وهو الفقيه الجامع للشرائط - مرجع في جميع هذه الاُمور، وليس معنى الحكومة وكون الشخص حاكماً ونافذ الحكم إلّاذلك.

واحتمال إرادة حوادث خاصّة - نظراً إلى أنّ‌اللّام للعهد، وإشارة إلى الحوادث المسؤول عنها التي ليست بأيدينا - يندفع، بأنّ توصيف الحوادث ب‍ (الواقعة) يدفع هذا الاحتمال.).


1) الإكمال: ص 483، ب 45 ح 4.

2) الغيبة ص 290.

3) الاحتجاج: ج 2/469.

4) وسائل الشيعة: ج 27/140 أبواب صفات القاضي باب 11 ح 9 (33424).

وقد يقال: إنّه برغم تضمّنه لزوم الرجوع في الحوادث إلى الفقيه، لكنّه لا يدلّ على وكول نفس الحادثة إليه ليباشره بنفسه أو بمن ينصبه، كما ادّعاه الشيخ رحمه الله(1)، والظاهر من ذلك الرجوع في حكمها إليه لا إيكالها إليه.

ولكن يندفع ذلك: بأنّ الرجوع في كلّ حادثةٍ إلى الفقيه، وكسب الوظيفة منه، ولزوم العمل بكلّ ما يعينه - ولو كان هو الدفاع عن البلدان الإسلاميّة وحفظ حدودها وما شاكل - عبارة أُخرى عن كونه حاكماً مطلقاً، ويناسب هذا المعنى التعليل بأنّه حجّة مِنْ قِبل من هو حجّةٌ من قبل اللّه، المسلّط على العالم وما فيه.

ومنها: ما روي عن الحسين بن عليّ عليهما السلام أنّه قال:

«مجاري الأُمور والأحكام على أيدي العلماء باللّه، والأُمناء على حلاله، فأنتم المسلوبون تلك المنزلة، وما سُلبتم ذلك إلّابتفرّقكم عن الحقّ‌، واختلافكم في السُنّة بعد البيّنة الواضحة، ولو صبرتم على الأذى‌، وتحمّلتم المؤونة في ذات اللّه، كانت اُمور اللّه عليكم ترد، وعنكم تصدر، وإليكم ترجع، ولكنّكم مكّنتم الظَلَمة من منزلتكم، واستسلمتم اُمور اللّه في أيديهم... الخ»(2).

وتقريب الإستدلال به: إنّ المراد ب‍ (العلماء) في الخبر غير الأئمّة، بقرينة سائر الجملات المتضمّنة لتفرّقهم عن الحقّ‌، واختلافهم في السُنّة، وأنّ المخاطب فيه هم العلماء الساكتون، غير الآمرين بالمعروف وغير العاملين بالوظيفة، وغير ذلك من القرائن.).


1) أي: إدّعى أنّ المراد من «الحوادث» مطلق الأُمور، لا خصوص المسائل الشرعيّة؛ لأنّ «الظاهر وكول نفس الحادثة إليه ليباشر أمرها بنفسه»، فلاحظ المكاسب: ج 3/555.

2) تحف العقول ص 238، المستدرك: ج 17/315 أبواب صفات القاضي باب 11 ح 16 (21454).

ويدلّ الحديث على أنّ مجاري الأُمور على أيديهم، ولا معنى لمجاري الأُمور - في مقابل مجارى الأحكام - سوى الأُمور المربوطة بالدولة الإسلاميّة، ويؤكّد ذلك ما في ذيله من قوله: «واستسلمتم اُمور اللّه في أيديهم»، فإنّ ما استسلموه لهم هي الحكومة وما يرتبط بها، وأيضاً تضمّن الخبر أنّ العلماء قد غُصب حقّهم، ومن المعلوم أنّ المغصوب ليس سوى الحكم والحكومة.

وعلى الجملة: من تدبّر في الخبر صدراً وذيلاً يظهر له أنّ مراد الإمام الشهيد صلوات اللّه عليه هو أنّ العلماء هم الحكّام، وأنّ إقامة الدولة وإدارة الحكومة من وظائفهم، وقد غصب الظَلَمة هذه المنزلة منهم من جهة ترك العلماء العمل بوظائفهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعدم المصانعة عند الظلمة، وما شاكل، واللّه العالم.

ومنها: خبر عليّ بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام، قال: «إذا مات المؤمن بكت عليه الملائكة، وبقاع الأرض التي كان يعبد اللّه عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد فيها بأعماله، وثَلُم في الإسلام ثلمة لا يَسدّها شيء، لأنّ المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها»(1).

وتقريب الإستدلال به: إنّه يدلّ على أنّ حصن الإسلام وحافظه هو الفقيه، وحيث أنّ أحكام الإسلام لا تنحصر بالعبادات، بل منها أحكام اجتماعيّة وسياسيّة وقضائيّة وجزائيّة، ولا يمكن حفظ تلك الأحكام، وكون الفقيه حصناً يدافع عنها، إلّامن قبل حكومة قويّة صالحة، ولذلك نرى أنّ المستعمر الأوروبي).


1) الكافي: ج 1/38 ح 3، وسائل الشيعة: ج 3/283 أبواب الدفن وما يناسبه باب 88 ح 1 (3660).

علم من أوّل وهلة أنّ استعماره لا يتحقّق ما دام القرآن بينهم، وهو الكتاب السماوي الذي يتّبعه المسلمون، وينفّذون أحكامه وقوانينه ويتّبعون إرشاداته وتعاليمه، وبهذا صرّح (جلادستون) رئيس وزراء بريطانيا في تلك الفترة، ومن ذلك الوقت اتّجه المستعمرون وجهة أُخرى‌، فأخذوا يسعون بشتّى الطرق والوسائل لتضعيف الإسلام، وكان من جملة مصائدهم وحبائلهم مقولة التفكيك بين الدِّين والسياسة، وصارت تلك من أخطر الوسائل في أيديهم، وسبباً لما نرى الآن من حال الإسلام والمسلمين والبلاد الإسلاميّة.

وبالجملة: أحكام الإسلام من الجهاد والمهادنة وعقد الذّمة، والعهود، وإجراء الحدود والقصاص، وقبول الجزية، وما شاكل، لا يمكن تنفيذها إلّاعندما تكون الحكومة بيد الفقيه أو من ينصبه الفقيه لذلك، فجعل الفقيه حصناً للإسلام لا يكون إلّا بجعله حاكماً مطلقاً منفذ الحكم.

ومنها: خبر السكوني، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الفقهاء اُمناء الرُّسل ما لم يدخلوا في الدُّنيا.

قيل: يا رسول اللّه، وما دخولهم في الدُّنيا؟

قال صلى الله عليه و آله: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم»(1).

وتقريب الإستدلال به: إنّ الأمين هو من حفظ الأمانة التي استؤمن عليها وفوّض إليه حفظها، وقد فوّض إلى الفقهاء الأحكام الشرعيّة، وقد مرَّ في الخبر السابق أنّ حفظ الأحكام الشرعيّة لا يمكن إلّامن قِبل دولة إسلاميّة قويّة،).


1) الكافي: ج 1/46 ح 5، مستدرك الوسائل: ج 17/312 أبواب صفات القاضي باب 11 ح 5 (21443).

وقوله عليه السلام: «ما لم يدخلوا... الخ» يمكن أن تكون إشارة إلى أنّ الإهمال في تشكيل الحكومة، وصيرورة المتبوع تابعاً والمخدوم خادماً، يعدّ خيانة يخرج بذلك عن كونه أميناً.

ومنها: ما رواه الشيخ الكليني في «الكافي»(1)، والصدوق في أماليه(2)، كما ورد في أوّل «المعالم»(3)بأسانيد عديدة، متّصلة إلى أبي عبد اللّه عليه السلام أنّه قال:

«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: من سَلَك طريقاً يطلب فيه عِلماً، سلك اللّه به طريقاً إلى الجنّة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به، وأنّه يستغفر لطالب العلم من في السماء...

إلى أن قال: وأنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظٍّ وافر».

وتقريب الإستدلال به: إنّه يدلّ على أنّ العالم وارثُ الأنبياء في العلم، والمراد به الأحكام والحقائق والقوانين التي جاءوا بها، فكما أنّهم ملزمون وموظّفون بنشرها وإجرائها كي ينتفع بها النّاس، فكذلك العالم موظّف وملزم بذلك، وقد مرّ أنّ إجراء الأحكام الشرعيّة وتنفيذها بأجمعها لا يتحقّق إلّابيد الحاكم المطلق.

ودعوى: أنّ المراد ب‍ (العلماء) هم الأئمّة، غريبة، يدفعها صدر الخبر الوارد في ثواب طلب العلم، مع أنّه بهذا المضمون روايات صريحة في إرادة غير الأئمّة الهداة صلوات اللّه عليهم، مثل ما رواه المجلسي في «البحار»(4)أنّه قال أمير المؤمنين6.


1) الكافي: ج 1/34 ح 1.

2) أمالي الصدوق: ص 58.

3) معالم الدِّين: ص 68.

4) بحار الأنوار: ج 1/216.

صلوات اللّه عليه لولده محمّد: «تفقّه في الدِّين، فإنّ الفقهاء ورثة الأنبياء».

وفي المقام روايات أُخرى قريبة المضمون مع ما تقدّم، تظهر كيفيّة الإستدلال بها ممّا تقدّم، فلا وجه لتطويل الكلام بذكر كلّ واحدٍ منها.

العالم المختلف إلى أبواب الحكّام آفة الدِّين

أقول: وردت أخبار عديدة، تتضمّن ذَمّ العلماء الذين يختلفون إلى أبواب الحكّام ولا يحترزون عن مخالطتهم، لاحظ:

1 - خبر السكوني، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الفقهاء اُمناء الرُّسل، ما لم يدخلوا في الدُّنيا.

قيل: يا رسول اللّه وما دخولهم في الدُّنيا؟، قال صلى الله عليه و آله: اتّباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم»(1).

2 - والنبويّ‌: «العلماء(2)اُمناء الرُّسل على عباد اللّه عزَّ وجلّ‌، ما لم يخالطوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرُّسل، فاحذروهم واعتزلوهم»(3).

3 - والنبويّ‌: «شِرار العلماء الذين يأتون الأُمراء، وخيار الأُمراء الذين يأتون العلماء»(4).

4 - والخبر الوارد فيه قوله عليه السلام: «العلماءأحبّاءاللّه ماأمروابالمعروف ونهوا عن


1) الكافي: ج 1/46 ح 5، مستدرك الوسائل: ج 17/312 أبواب صفات القاضي باب 11 ح 5 (21443).

2) في بعض نسخ الكافي: «الفقهاء».

3) الكافي: ج 1/46 ح 5، المستدرك: ج 17/312 أبواب صفات القاضي باب 11 ح 5 (21443).

4) لم يرد هذا الحديث في مصادرنا المشهورة، ولكنّه ورد في بعض كتب المخالفين منها ما في تذكرة الموضوعات للفتني - المتوفّي سنة 986 ه‍. ق - ص 24، وكشف الخفاء للعجلوني: ج 2/5 ح 1535.

المنكر، ولم يميلوا في الدُّنيا، ولم يختلفوا أبواب السلاطين، فإذا رأيتهم مالوا إلى الدُّنيا، واختلفوا أبواب السلاطين، فلا تحملوا عنهم العلم، ولا تُصلّوا خلفهم، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشيّعوا جنائزهم، فإنّهم آفة الدِّين، وفساد الإسلام، يفسدون الدِّين كما يفسد الخَلّ العسل»(1).

إلى غير ذلك من الأخبار.

أقول: والظاهر أنّ منشأ هذه التشديدات العظيمة، والسرّ فيها وجهان:

أحدهما: إنّ العالم أراده اللّه تعالى أن يكون متبوعاً وحاكماً ومخدوماً، فإذا أصبح تابعاً وخادماً ومحكوماً، كان ذلك انقلاباً على اُمّ الرأس، ومَثَله مثل الذي يكون يوم العرض الأكبر مع المجرمين ناكسي رؤوسهم عند ربّهم.

الثاني: إنّ السلطان والمَلك قد غَصَب حقّ المجتهد، وتصدّى للحكومة.

فاختلاف بابه تقريرٌ لظلمه وتعدّيه، فلا يجوز. وبذلك يظهر الوجه ما هو مذكورٌ في روايات كثيرة من ذَمّ السلاطين، والنهي عن اختلاف أبوابهم، والأمر بالهرب منهم.

وفي المقام مطالب هامّة، يعجبني التعرّض لها، وللأخبار الواردة عن أئمّة الدِّين فيها، ولكن الظروف لا تساعد على ذلك، وإلى اللّه المشتكى‌.

فالمتحصّل ممّا ذكرناه: أنّه لا ينبغي التوقّف في أنّ إقامة الدولة والحكومة وظيفة المجتهد الجامع للشرائط.

***2.


1) نقله الفاضل القطيفي - المتوفّي سنة 950 - في كتابه «السراج الوهّاج»: ص 22.

في حكم تزاحم المجتهدين

أقول: يدور البحث في المقام عن أنّه هل يجوز لآحاد المجتهدين مزاحمة الآخرين أم لا؟، وتنقيح القول في ذلك، أنّه:

تارةً‌: يتصدّى أحدهم للرئاسة والحكومة.

وأُخرى‌: لم يستقرّ له الأمر بعدُ، ولكنّه يحاول ويريد التصدّي لها.

أمّا في الصورة الأُولى: فلا إشكال في عدم جواز المزاحمة إنْ كان المتصدّي أهلاً لذلك، إذ مضافاً إلى أنّ المزاحمة موجبة لتضعيف الحكومة الإسلاميّة - وهو بديهي الحرمة - يشهد لعدم جوازها، قوله عليه السلام في مقبولة ابن حنظلة المتقدّمة(1):

«فإذا حَكم بحُكمنا، فلم يقبل منه، فإنّما استخفّ بحكم اللّه، وعلينا رَدّ، والرّاد علينا الرّاد على اللّه، وهو على حَدّ الشرك باللّه».

فإنّ تصدّي المجتهد حينئذٍ كتصدّي الإمام عليه السلام، فمزاحمة الثاني إيّاه كمزاحمته للإمام، وهي مستلزمة للرّد عليه، وهو في حكم رَدّ الإمام فلا يجوز.

أضف إلى ذلك أنّه يلزم اختلال نظام مصالح المسلمين العامّة، وهو غير جائز قطعاً، مع أنّ الأدلّة إنّما تدلّ على جعل هذا المنصب للمجتهد مع عدم المتصدّي له، ففي فرض التصدّي لا دليل على ثبوته لأحد.

أقول: وإلى هذا نظر المحقّق النائيني رحمه الله، حيث قال: (إنّ الفقيه وليُّ من لا وليّ له، فإذا تحقّق الوليّ فلا ولاية لآخر، كما هو مفاد المشهورة «السلطان وليّ من لا وليّ له»)(2).


1) الكافي: ج 1/67 ح 10، و ج 7/412 ح 5، وسائل الشيعة: ج 27/136 أبواب صفات القاضي باب 11 ح 1.

2) منية الطالب: ج 1/330.

كما أنّ الظاهر إلى هذا نظر من قال: (إنّ دليل الولاية إنْ لم يكن لفظيّاً، فالمتيقّن منه إنّما هو ثبوت الولاية مع عدم تصدّي أحدٍ، وإلّا فيرجع إلى الأصل، وهو يقتضي عدم الولاية.

وإنْ كان لفظيّاً، فإطلاقه غير مسوقٍ للبيان من هذه الجهة، فعند الشكّ لابدَّ من الرجوع إلى الأصل المتقدّم).

وأمّا في الصورة الثانية: فإنْ قلنا باعتبار الأعلميّة - كما يشهد به ما رواه في «البحار» عن «الإختصاص»، قال: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله من تعلّم علماً ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو يصرف به النّاس إلى نفسه يقول أنا رئيسكم، فليتبوّء مقعده من النار، إنّ الرئاسة لا تصلح إلّالأهلها، فمن دَعى النّاس إلى نفسه، وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر اللّه إليه يوم القيامة»(1)- فلا إشكال في عدم جواز المزاحمة، وإلّا فالأظهر جواز المزاحمة، بمعنى ترتيب المقدّمات، والتوسّل بكلّ أمرٍ جائز في نفسه للوصول إلى ذلك المقام السامي، بل لو كان يرى نفسه أحقّ وأبصر بالأُمور، وأنّه لو تصدّى لذلك كان يخدم الإسلام والمسلمين أحسن ممّا لو تصدّى الآخر، وجب عليه ذلك، واللّه العالم.

عدم أولويّة الفقيه بالتصرّف في الأموال والأنفس

فالمتحصّل ممّا أسلفناه: ثبوت منصب الفتوى والقضاء وما يتبع هذين المنصبين، والحكومة المطلقة للفقيه، وعليه فكلّ أمرٍ يرجع فيه كلّ قوم إلي رئيسهم، يرجع المسلمون فيه إلى الفقيه، كما مَرّ، وأمّا غير تلك من ما ثبت للإمام عليه السلام من


1) دعائم الاسلام، ج 1، ص 98؛ مع اختلاف في بعض الفاظه عمّا يوجد في المتن، مستدرك وسائل الشيعة: ج 382/11 ح 13315، الإختصاص ص 251.

أولويّته بالتصرّف في الأموال والأنفس، ولزوم إطاعته في أوامره الشخصيّة العرفيّة، وولايته التكوينيّة، فالظاهر عدم ثبوت شيءٍ منها للفقيه بما هو فقيهٌ‌، لإختصاص أدلّتها بالإمام عليه السلام.

قال الشيخ قدس سره: (فلو طلب الفقيه الزكاة والخمس من الكلف فلا دليل على وجوب الدفع... الخ)(1)، لكن الطريف أنّ الشيخ بنفسه قد التزم في كتاب الزكاة(2)بوجوب الدفع إليه إنْ طالب، واستدلّ له:

1 - بأنّ منعه ردٌّ عليه، والرّاد عليه رادٌّ على اللّه تعالى‌، كما في مقبولة ابن حنظلة(3).

2 - وبقوله عليه السلام في التوقيع الشريف: «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة اللّه»(4).

ولكن قد مرّ أنّ الخبرين إنّما يدلّان على أنّ الحكومة والقضاء للفقيه، ولا يدلّان على ثبوت شيءٍ آخر كوجوب الإطاعة، وحيث أنّ ذلك ليس شأناً من شؤون أحد المنصبين، وبعبارة أُخرى ليس ممّا يرجع فيه العرف إلى الرئيس أو القاضي، فلا وجه لوجوب الرّد إليه، وما في المقبولة إنّما هو كون عدم قبول ما حكم به بحكمهم ردّاً على الإمام، لا أنّ مطلق الرّد رَدٌّ عليه.

نعم، إذا فرضنا صيرورة المجتهد حاكماً وسلطاناً، فطلب من المسلمين دفع..


1) المكاسب: ج 3/553.

2) كتاب الزكاة: ص 356.

3) الكافي: ج 1/67 ح 10، و: ج 7/412 ح 5، وسائل الشيعة: ج 27/136 أبواب صفات القاضي باب 11 ح 1، (33416).

4) وسائل الشيعة: ج 27/140 أبواب صفات القاضي باب 11 ح 9 (33424)..

الزكاة أو الخمس لصرفها في المصالح العامّة والفقراء، وجب الدفع إليه، لأنّ ذلك من حيثيّات الحكومة وشؤونها، ولذا كان دأب النبيّ صلى الله عليه و آله والوصي عليه السلام أيّام حكومتهما مطالبة الزكاة، والأخذ من المانعين جبراً.

وبما حقّقناه يظهر الضابط فيما للفقيه تصدّيه، وما ليس له ذلك، فتدبّر حتّى لا يشتبه عليك الأمر.

ضابط التصرّفات المتوقّف جوازها على إذن الفقيه

أقول: بقي الكلام في توقّف تصرّف الغير على إذنه.

وملخّص القول في المقام: إنّ ما ثبت كونه معروفاً إذا عُلم كونه وظيفة شخص خاص، كنظر الأب في مال ولده الصغير، أو صنفٍ خاص كالقضاء، أو عُلم عدم اشتراطه بنظر شخص آخر كالأمر بالمعروف، فلا كلام.

وإنْ احتمل أن يكون وجوده أو وجوبه منوطاً بنظر شخص خاص، فإنْ كان لدليل ذلك المعروف عمومٌ أو إطلاق من هذه الجهة تنفى الإناطة به، حتّى وإن ثبت كونه منوطاً بنظر شخص الإمام عليه السلام في زمان حضوره، إذ المتيقّن من دليل القيد هو دَخل نظر الإمام في زمان الحضور، فمع عدم التمكّن من الإستئذان منه يكون الإطلاق هو المحكم، ولا وجه للتمسّك بعموم أدلّة النيابة؛ لعدم الدليل على نيابة الفقيه فيما ثبت للإمام عليه السلام بما هو إمام.

نعم، ما ثبت له بعنوان أنّه قاضٍ أو حاكم ورئيس، يثبت للفقيه، لما مرّ من ثبوت هذين المنصبين للفقية، وعليه فكلّ أمرٍ مطلوب يرجع فيه كلّ قوم إلى

رئيسهم يرجع فيه إلى الفقيه، ولعلّه يكون من هذا الباب الجهاد مع الكفّار، وقد مرّ الكلام فيه في كتاب الجهاد(1).

وإنْ لم يكن لدليل معروفيّته إطلاقٌ أو عموم:

فإنْ لم يحرز أصل المطلوبيّة في زمان الغيبة، من جهة احتمال دخل نظر الإمام عليه السلام فيها، فإنْ ثبت كون دخل نظره عليه السلام بما أنّه رئيسٌ وحاكم، يحكم بأنّه مطلوبٌ مع إذن الفقيه، وأنّه لابدَّ فيه من الرجوع إليه، لما مرّ من عموم دليل ولايته بهذا المعنى‌.

وإنْ احتمل دخل نظر شخص الإمام عليه السلام فيه، سقطت مطلوبيّته - سواءٌ كان ذلك من قبيل المعاملات أو العبادات - للأصل.

وإنْ اُحرز إرادة وجوده فى الخارج، وعلم وجوبه كفايةً مع تعذّر الإستئذان، بأن يكون اعتبار إذنه ساقطاً عند التعذّر، فإنّه لا كلام في أنّ للفقيه التصدّي له، لأنّه:

إمّا يعتبر إذنه، أو يكون هو كغيره ممّن يجب عليه كفاية.

وإمّا غير الفقيه فإنْ كان التصرّف الصادر منه تصرّفاً معامليّاً، فالأصل عدم نفوذه إلّابإذن الفقيه، وإنْ كان غير معاملي، فإنْ استلزم ذلك التصرّف في مال الغير أو نفسه لم يجز؛ لعموم ما دلَّ على حرمة التصرّف في مال الغير أو نفسه، وإلّا كما في الصلاة على الميّت جاز التصدّي له بدون إذنه، بناءً على جريان البراءة عند الدوران بين الأقلّ والأكثر، كما لا يخفى‌.

وبذلك يظهر عدم تماميّة ما أفاده الشيخ رحمه الله من إطلاق عدم المشروعيّة، كما6.


1) فقه الصادق: ج 19/36.

أنّه ظهر ما في إطلاق المحقّق الخراساني من الجواز في غير المعاملات(1).

فإنْ قيل: بناءً على ما ذُكر - من أنّه لو كان عمومٌ أو إطلاق لدليل ذلك المعروف، لم يكن إذن الفقيه معتبراً - لابدَّ من البناء على عدم اعتبار إذن الفقيه في شيء من الموارد؛ لعموم النصوص الدالّة على أنّ‌: «كلّ معروفٍ صدقة»(2).

اُجيب عنه: إنّ تلك النصوص من جهة أخذ مشروعيّة الفعل في موضوعها - لأنّ (المعروف) هو ما عرّفه الشارع، ورَغب إليه، وحَثّ عليه - لا سبيل إلى التمسّك بها، لأنّه مع احتمال اعتبار إذنه، لم يحرز كونه معروفاً بدون إذن الفقيه، فلا يتمسّك به.

وعليه، فالأظهر اعتبار إذن الفقيه في التصرّفات المعامليّة، وما استلزم التصرّف في مال الغير أو نفسه.

أقول: هناك أمرٌ قد اشتهر في الألسن، وتداول في بعض الكتب(3)ألا وهو ما قيل إنّه ورد أنّ‌: «السلطان وليّ من لا وليّ له»(4)، واختلفت كلمات القوم في المراد من (السلطان):

فعن جماعةٍ‌(5): أنّ المراد به الإمام عليه السلام، وهو الظاهر من صدر عبارة الشيخ رحمه الله في المقام(6).8.


1) حاشية المكاسب: ص 95.

2) الكافي: ج 4/26-27 ح 1 و 2 و 4، وسائل الشيعة: ج 9/459 أبواب الصدقة ب 41 ح 1 (12495).

3) منها التذكرة (ط. ق): ج 2/277، والمسالك: ج 7/147، وكشف اللّثام: ج 7/61، والعوائد ص 563، والجواهر: ج 29/188.

4) مسند أحمد: ج 1/250، وسنن أبي داوود: ج 1/643 ح 2083، والترمذي: ج 2/280 ح 1108، وابن ماجة: ج 1/605 ح 1879-1880، وكنز العمّال: ج 16/309 ح 44643 و 44644.

5) منهم جمال المحقّقين في حاشية الروضة ص 320، من قوله: (ثمّ غاية ما يدلّ عليه الروايتان...)، والمحقّق الثاني في رسالته (قاطعة اللّجاج) من رسائله: ج 1/257.

6) المكاسب: ج 3/558.

وعن آخرين كالعلّامة في «التذكرة»(1)وغيره(2): أنّ المراد به ما يعمّ الفقيه المامون القائم بشرائط الإقتداء والحكم، وهو الظاهر من عبارة الشيخ رحمه الله الأخيرة(3).

والأظهر هو الثاني، فإنّ السلطان هو عنوانٌ لمن له السلطنة على غيره، والإمام عليه السلام وإنْ كان مصداقه الكامل، إلّاأنّ للفقيه أيضاً السلطنة على غيره، وهو الحاكم النافذ الحكم كما مَرّ، فمقتضى إطلاق الخبر هو جعل الولاية له أيضاً.

وتقريب الإستدلال به: إنّه يدلّ على ثبوت الولاية على من لا ولي له، ومن شأنه أن يكون له وليٌّ لمن له السلطنة، ولازم جعل الولاية هو جواز كلّ تصرّفٍ متعلّق به أو بماله كان جائزاً له لو كان مالكاً لأمره، فيجوز للحاكم الشرعي أن يزوّج المجنون الذي لا وليّ له، وكذلك يزوّج المجنونة.

فإنْ قيل: إنّه ضعيف السند للإرسال.

قلنا: إنّ صاحب «الجواهر» رحمه الله قال في كتاب النكاح: (إنّ هذه القاعدة استغنت عن الجابر في خصوص الموارد، نحو غيرها من القواعد)(4).

أقول: والظاهر أنّه كذلك، لأنّ الفقهاء صرّحوا في باب النكاح بأنّ أحد الأولياء هو السلطان، والظاهر أنّ هذا التعبير منهم من باب تبعيّتهم لهذا النص، وعليه فلا إشكال في الخبر سنداً ودلالةً‌.

***8.


1) تذكرة الفقهاء (ط. ق): ج 2/592، قوله: (ويدخل فيه الفقيه المأمون...).

2) كالشهيد الثاني في المسالك: ج 7/147، وصاحب الجواهر في الجواهر: ج 29/188، والنراقي في المستند: ج 16/143.

3) المكاسب: ج 3/560.

4) الجواهر: ج 29/188.

ولاية عدول المؤمنين

مسألة: في ولاية عدول المؤمنين.

وملخّص القول في المقام: إنّ المعروف الذي ثَبَت كونه من وظائف الفقيه - وقد مرّ ضابطه - لا محالة يكون التكليف به ساقطاً عند عدم التمكّن منه، إلّاإذا علمنا من الخارج بقاء التكليف به، فيجوز حينئذٍ تصدّي غيره.

وأمّا ما لم يثبت فيه ذلك:

فإنْكان لدليله عمومٌ أو إطلاق يقتضيان جواز تصدّي كلّ أحدٍ، فلا كلام، وإلّا:

فإنْ كان احتمال دخل نظر الفقيه وإذنه من قبيل شرط الوجوب، يكون التكليف به ساقطاً مع تعذّر الإستئذان منه لأصالة البراءة.

وإنْ كان من قبيل شرط الواجب:

فإنْ كان ذلك تصرّفاً معامليّاً، أو كان مستلزماً للتصرّف في مال الغير أو نفسه، لم يجز لما تقدّم، وإلّا جاز ولم يسقط التكليف به، لجريان الأصل عند الشكّ في الأقلّ والأكثر.

أقول: ثمّ إنّ ثبوت مطلوبيّة الفعل بعد تعذّر الإستئذان إنّما يكون بأحد الطرق التالية:

الطريق الأوّل: استفادة ذلك من النصوص، ولو مع ملاحظة المناطات ومناسبة الحكم والموضوع، كما في دفن الميّت.

الطريق الثاني: أن يكون لدليل ذلك المعروف إطلاق، ولا يكون الدليل المقيّد له بنظر الفقيه مطلقاً، فإنّه حينئذٍ يقتصر في تقييده على المقدار المتيقّن، وهو التمكّن من الإستيذان.

الطريق الثالث: استقلال العقل بذلك، كما في حفظ مال اليتيم من التلف.

الطريق الرابع: أن يدلّدليلٌبالخصوص على ذلك، كما سيأتي في بيع مال اليتيم.

الطريق الخامس: جريان السيرة العقلائيّة، بضميمة عدم ردع الشارع عنها، كما إذا مرض اليتيم وتوقفت نجاته من الهلكة والموت على التصرّف في ماله.

وقد ذكر له طرقٌ أُخر:

منها: ما نُسب إلى الشهيد رحمه الله(1)، من التمسّك بدليل «كلّ معروفٍ صدقة»(2)

(3و4) المكاسب: ج 3/563 و 556.

وشبهه، وقد مرّ أنّه لعدم إحراز الموضوع - وهو كون الفعل معروفاً من كلّ أحد - لا موقع للتمسّك به.

ومنها: ما أفاده الشيخ رحمه الله(3)، من أنّه إذا كان الفعل مقدّمة لما هو حَسَنٌ عقلاً، كما لو توقفت نجاة اليتيم من الموت والهلكة على التصرّف في ماله، بدعوى أنّه يعلم رجحان حفظ اليتيم من الموت على التصرّف في مال الغير بغير إذنه.

وفيه: إنّ الكبرى الكليّة تامّة، إلّاأنّه غير تامّ في المثال، من جهة إمكان الصرف من مال نفسه أو من بيت المال دون مال اليتيم، والكبرى داخلة تحت الطريق الثالث الذي ذكرناه.

أقول: ثمّ إنّ الشيخ رحمه الله ذكر(4) أنّ من جملة الأدلّة المطلقة لمعروفيّة الفعل، هو:

1 - قوله عليه السلام: «عون الضعيف من أفضل الصدقة»(3).».


1) القواعد: ج 1/406 / قاعدة 148، ونقله عنه الشيخ رحمه الله في المكاسب: ج 3/562.

2) الكافي: ج 4/26-27 ح 1 و 2 و 4، وسائل الشيعة: ج 9/459 أبواب الصدقة باب 41 ح 1 (12495).

3) الكافي: ج 5/55 ح 2، وسائل الشيعة: ج 15/141 أبواب جهاد العدو ب 59 ح 2 (20170)، وفيهما «عونك الضعيف».

2 - وقوله تعالى: (وَ لا تَقْرَبُوا مالَ اَلْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‌) (1).

أمّا الأوّل: فقد عرفت أنّه لا إطلاق له من هذه الجهة.

وحاصله: أنّه من الواضح أنّ كلّ ما يكون عوناً لا يكون صدقة بالضرورة، ليشمل حتّى ما كان عوناً بفعل محرّم، بل المراد هو العون بما يكون جائزاً شرعاً، فلابدَّ من إحراز جوازه أوّلاً - عند فقد الفقيه - بدليلٍ آخر.

وأمّا الآية الشريفة: فإنّه لا يخلو حال الخطاب فيها:

1 - إمّا أن يكون الخطاب متوجّهاً إلى الأولياء - كما أنّ قوله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) (2)خطابٌ إليهم - فهي حينئذٍ تكون أجنبيّة عن المقام.

2 - وإنْ كان متوجّهاً إلى عامّة المكلّفين، فالإستدلال بها في نفسها لا مانع منه، لأنّها حينئذٍ بمفهوم الإستثناء تدلّ على جواز التصرّف المقرون بمصلحة الصغير مطلقاً، إلّاأنّ من التزم بدلالة التوقيع وغيره على عموم ولاية الفقيه، وأنّها تدلّ على اعتبار إذن الفقيه في أمثال ذلك، ليس له التمسّك بعمومها، فإنّه بعد تقيّد إطلاقها بإطلاق تلك الأدلّة، لا يبقى محلّ للتمسّك بها عند تعذّر الإستئذان من الفقيه، كما لا يخفى‌.

اشتراط العدالة

قال الشيخ رحمه الله: (بقي الكلام في اشتراط العدالة في المؤمن، وهو مقتضى الأصل... الخ)(3).


1) سورة الأنعام: الآية 152، سورة الإسراء: الآية 34.

2) سورة النساء: الآية 6.

3) المكاسب: ج 3/564.

أقول: لا يخفى أنّه قدس سره التزم في ولاية الأب والجَدّ(1)بأنّ مقتضى الأصل عدم اعتبار العدالة فيهما، لكنّه يلتزم في المقام بأنّ الأصل يقتضي اعتبارها، ويمكن أنْ يؤيّد ما ذكرناه هناك(2)من إرادته من الأصل بذلك، وإلّا فالبابان من وادٍ واحدٍ كما هو واضح.

وكيف كان، فمحصّل القول في المقام هو أنّ الكلام في اعتبار العدالة:

1 - ربما يقع في جواز مباشرة الفاسق، وتكليفه بالنسبة إلى نفسه.

2 - وربما يقع بالنسبة إلى ما يتعلّق من فعله بفعل الغير، بأن يكون فعله منضمّاً إلى فعل غيره، كالإيجاب المنضمّ إلى القبول من الغير موضوعاً للأثر.

أمّا المقام الأوّل: فالكلام فيه يقع في موردين:

الأوّل: فيما تقتضيه القواعد.

الثاني: فيما تقتضيه النصوص الخاصّة الواردة في بيع مال اليتيم.

أمّا المورد الأوّل: فإنْ كان ثبوت معروفيّة ذلك الفعل بإطلاق دليلٍ أو عمومٍ‌، فمقتضى ذلك عدم اعتبار العدالة، كما أنّه كذلك إذا كان باستقلال العقل بحُسنه مع استقلاله بعدم الفرق بين العادل والفاسق.

وأمّا إنْ كان ذلك باستقلال العقل بحُسنه، مع عدم استقلاله بعدم اعتبار العدالة، أو كان باستكشافه من المناطات ونحوها، مع احتمال الاختصاص بالعدول، لزم البناء على اعتبارها، لأنّ ثبوت مطلوبيّته للعدول معلوم، ولغيرهم مشكوك فيه، والأصل عدمه، مع أنّ مقتضى الأصل عدم النفوذ إذا كان التصرّف تصرّفاً معامليّاً،9.


1) المكاسب: ج 3/535-536.

2) راجع: فقه الصادق: ج 23/359.

وعدم الجواز إذا كان تصرّفاً في مال الغير أو نفسه بالإضافة إلى غير العدول.

أمّا المورد الثاني: فمن النصوص صحيح ابن بزيع، وقد جاء فيه:

«مات رجلٌ من أصحابنا ولم يوصِ‌، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصيّر عند الحميد القيّم بماله، وكان الرجل خَلّف ورثةً صغاراً ومتاعاً وجواري، فباع عبدالحميد المتاع، فلمّا أراد بيع الجواري ضَعُف قلبه عن بيعهنّ‌، إذ لم يكن الميّت صيّر إليه وصيّته، وكان قيامه فيها بأمر القاضي؛ لأنّهنّ فروج، قال: فذكرتُ ذلك لأبي جعفر عليه السلام، وقلت لهُ‌:...

إلى أن قال: فقال عليه السلام: إذا كان القيّم به مِثلك ومثل عبد الحميد فلا بأس»(1).

أقول: والكلام في هذا الخبر يقع في جهات:

الأُولى‌: في أنّه هل يدلّ على ثبوت الولاية على الصغار الذين لا وليّلهم أم لا؟

الثانية: في أنّه هل يدلّ على اعتبار العدالة أم لا؟

الثالثة: في أنّه هل يوجب تقييد إطلاق غيره من الأدلّة لو كان أم لا؟

أمّا الجهة الأُولى‌: فقديقال - كما عن المحقّق الإيرواني رحمه الله(2)احتماله - إنّه متضمّنٌ للإذن الشخصى من الإمام عليه السلام لا لإعطاء الحكم العام، وحيث أنّ مفاده ليس إعطاءالمنصب بل مجرّد التوكيل، فلاينفع بالنسبة إلى أعصار سائر الأئمّة عليهم السلام.

وفيه: إنّ هذا مخالفٌ للظاهر من وجوه:

منها: أنّ ظاهر السؤال هو السؤال عن الحكم الشرعي، والقاعدة تقتضي مطابقة الجواب له، وأن يكون ظاهراً في بيان ذلك.8.


1) الكافي: ج 5/209 ح 2، وسائل الشيعة: ج 17/363 أبواب عقد البيع وشروطه ب 16 ح 2 (22756).

2) حاشية المكاسب: ج 1/158.

ومنها: أنّ ظاهره نفي البأس التي أتى بها عبد الحميد قبل الرجوع إلى الإمام.

ومنها: التعبير ب‍ «مثلك ومثل عبد الحميد»، إذ لو كان في مقام بيان الإذن الشخصي لم يكن عليه السلام يُعبّر هكذا.

وبالجملة: ظهور الخبر سؤالاً وجواباً في بيان إعطاء الحكم لا ينبغي إنكاره.

وأمّا الجهة الثانية: فالوجوه المحتملة للمماثلة أربعة:

الأوّل: المماثلة في التشيّع.

الثاني: المماثلة في الوثاقة، وملاحظة مصلحة اليتيم.

الثالث: المماثلة في العدالة.

الرابع: المماثلة في الفقاهة.

وقد أفاد الشيخ رحمه الله(1)- وتبعه المحقّق النائيني رحمه الله(2)- أنّ الإحتمال الرابع منافٍ لإطلاق المفهوم الدالّ على ثبوت البأس مع عدم الفقيه، ولو مع تعذّره.

وفيه: أنّه لم يفرض في الخبر لابديّة البيع، فلا مانع من الإلتزام بعدم الجواز مع تعذّر الفقيه، مع أنّ هذا بعينه يردّ على إرادة المماثلة في العدالة، فإنّه بإطلاقه حينئذٍ يدلّ على ثبوت البأس مع تعذّر العادل.

مضافاً إلى أنّ مورده - منطوقاً ومفهوماً - صورة التمكّن من أمثال محمّد بن إسماعيل وعبد الحميد.

فالحقّ أنْ يقال: إنّ احتمال إرادة المماثلة فى الفقاهة، يدفعه أنّ الظاهر كون المراد بعبد0.


1) المكاسب: ج 3/565.

2) منية الطالب: ج 1/329-330.

الحميد هو ابن سالم العطّار، لأنّ الكليني رحمه الله وإنْ روى الرواية وأطلق عبدالحميد(1)، ولكن الشيخ رحمه الله في محكي «التهذيب»(2)رواها وقيّده بابن سالم، واحتمال اشتباه الشيخ أو أنّه إنّما يكون التقييد من جهة اجتهاده، بعيدٌ غايته.

وما أفاده المحقّق البهبهاني رحمه الله(3): من أنّ ابن سالم لم يكن معاصراً للإمام الجواد عليه السلام، والخبر مرويٌّ عنه.

يرد عليه: أنّ ابن بزيع ينقل القضيّة الواقعة لعبد الحميد، ثمّ يسأل حكم المسألة كليّة، ولا يلازم ذلك كون عبدالحميد في زمانه عليه السلام، وحيث إنّه ليس صاحب أصلٍ أو كتاب، فلا يستفاد فقاهته، بل هو غير فقيه.

وأيضاً: يدفع احتمال إرادة المماثلة في العدالة، فرض تصرّف عبد الحميد في البيع بمجرّد نصب القاضي له؛ كما يظهر من توقفه في بيع الجواري لأنهنّ فروج، مع أنّ الرجاليين وثّقوه، والوثاقة أعمّ من العدالة.

وأيضاً: يدفع احتمال إرادة المماثلة في التشيّع، أنّه لو كان المراد تلك، كان المناسب له عليه السلام أنْ يقول: (إذا كان من أصحابنا)، أو (من أصحابك)، أو (من يعرف أمرنا فلا بأس).

وعليه، فالمتعيّن إرادة المماثلة في الوثاقة والأمانة، فيستفاد من ذلك ثبوت الولاية للأمين، وإنْ لم يكن عادلاً.

وأمّا الجهة الثالثة: فبناءً على ما أفاده الشيخ رحمه الله يكون الخبر مجملاً، وأنّ البناء0.


1) الكافي: ج 5/209 ح 2.

2) التهذيب: ج 9/240 ح 25.

3) تعليقة الوحيد البهبهاني: ص 190.

على اعتبار العدالة إنّما يكون من جهة الأخذ بالمتيقّن، وعليه فلا وجه للأخذ به في مقابل إطلاق دليل أو عموم، بل هو يكون مبيّناً لإجمال هذا، كما هو الشأن في كلّ موردٍ كان أحد الدليلين مجملاً والآخر مبيّناً.

ومنها: صحيح عليّ بن رئاب، عن الإمام الكاظم عليه السلام:

«عن رجلٍ بيني وبينه قرابة، ماتَ وترك أولاداً صغاراً وترك مماليك وغلماناً وجواري، ولم يوص، فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية، فيتّخذها اُمّ ولد، وما ترى في بيعهم‌؟

قال: فقال: إنْ كان لهم وليٌّ يقوم بأمرهم، باع عليهم ونظر لهم، وكان مأجوراً فيهم.

قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية، فيتّخذها اُمّ ولد؟

فقال: لا بأس بذلك، إذا باع عليهم القيّم لهم، الناظر فيما يُصلحهم، فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع القيّم لهم الناظر فيما يصلحهم»(1).

أقول: ولكن هذا الصحيح أجنبيٌ عن المقام، لأنّ الظاهر من (القيّم) هو القيّم الشرعي، إمّا بنصب الميّت ليكون المراد من قوله: (لم يوصِ‌) عدم الوصيّة بالثُّلث، أو بنصب مَنْ بيده الأمر.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ الخبر واردٌ في مقام بيان جواز الإشتراء من القيّم في مقابل الإشتراء من الصغار، وليس في مقام بيان مَنْ به تقوم القيمومة.).


1) الكافي: ج 5/208 ح 1، و: ج 7/67 ح 2، وسائل الشيعة: ج 17/361 أبواب عقد البيع وشروطه ب 15 ح 1 (22754).

ومنها: موثّق زَرعة، عن سماعة: «عن رجلٍماتَوله بنونٌ وبنات صغار وكبار، من غير وصيّة، وله خَدَمٌ ومماليك وعقد، كيف يصنع الورثة بقسمة ذلك الميراث‌؟

قال: إنْ قام رجلٌ ثقة قاسمهم ذلك كلّه، فلا بأس»(1).

وهذا وإنْ كان يدلّ على الإكتفاء بالوثاقة، إلّاأنّه مختصٌّ بالقسمة.

ومنها: صحيح إسماعيل بن سعد، عن الإمام الرضا عليه السلام: «عن الرجل يموت بغير وصيّة، وله ولد صغار وكبار، أيحلّ شراء شيءٍ من خدمه ومتاعه، من غير أن يتولّى القاضي بيع ذلك، فإنْ تولّاه قاضٍ قد تراضوا به ولم يستعمله الخليفة، أيطيب الشراء منه أم لا؟

فقال: إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع فلا بأس، إذا رضى الورثة بالبيع، وقام عدل في ذلك»(2).

وقد استظهر منه الشيخ رحمه الله(3)اعتبار العدالة.

وأُورد عليه(4):

1 - بأنّ الظاهر من القاضي الذي تراضوا به هو قاض الشرع الذي له الولاية على مال الصغير مطلقاً، وإنْ لم ينضمّ إليه العدل إجماعاً.

2 - وبأنّ غاية مفاده ثبوت الولاية للعادل، وهذا لا ينافي ثبوتها لمطلق الثقة الأمين، فلا مقيّد لإطلاق صحيح ابن بزيع.4.


1) الكافي: ج 7/67 ح 3، وسائل الشيعة: ج 19/422 أبواب أحكام الوصايا ب 88 ح 2 (24879).

2) الكافي: ج 7/66 ح 1، وسائل الشيعة: ج 17/362 أبواب عقد البيع ب 16 ح 1 (22755).

3) المكاسب: ج 3/567.

4) السيّد الحكيم قدس سره في نهج الفقاهة: ص 304.

3 - وبأنّه إنّما يدلّ على اعتبار العدالة بالنسبة إلى المشتري، والكلام إنّما هو في وظيفة المتصدّي للبيع نفسه.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ السؤال إنّما هو عن البيع من دون تصدّي القاضي، ومع تصدّيه فالجواب يكون عامّاً للموردين.

وأمّا الثاني: فلأنّ الظاهر عطف قوله: (عدل... الخ) عطفٌ على قوله (رضا الورثة)، وعليه فهو بمفهوم الشرط يدلّ على عدم الولاية لغير العادل، ويوجبُ تقييد إطلاق صحيح ابن بزيع.

وأمّا الثالث: فلأنّه بناءً على ما ستعرف من كون العدالة معتبرة بنفسها، لا بما أنّها طريقٌ إليملاحظة صلاح اليتيم، يكون جعلها شرطاً للشراء مستلزماً لجعلها شرطاً للبيع، وإلّا فجعل جواز البيع للفاسق من غير أن يجوز لأحدٍ الشراء منه لغو.

وبالتالي فالأظهر أنّ الجمع بين النصوص يقتضي البناء على ثبوت ولاية التصرّف على مال اليتيم لعدول المؤمنين، والظاهر منها اعتبار العدالة لا من باب الأماريّة على كون التصرّف تصرّفاً بالأحسن - كما ذهب إليه الشيخ رحمه الله - بل من باب دخلها بنفسها، إذ الظاهر من أخذ كلّ عنوانٍ في الموضوع، دخله في الحكم بنفسه، لا من باب الأماريّة والطريق إلى شيءٍ آخر.

وبما ذكرناه ظهر الحال في المقام الثاني فلا نعيد.

وبالجملة: مقتضى إطلاق النصوص ثبوت الولاية للعدول مع التمكّن من الفقيه، وعليه فما أفاده المحقّق الأردبيلي رحمه الله(1)من أنّ ولاية العدول على مال اليتيم في عرض2.


1) مجمع الفائدة والبرهان: ج 9/232.

ولاية الفقيه متينٌ‌.

اللّهُمَّ إلّاأنْ يُقال: إنّ مقتضى إطلاق هذه النصوص وإنْ كان ذلك، إلّاأنّه من جهة كونها من مناصب القضاة، وقدجَعل الشارع الفقيه قاضياً وحاكماً، فمع وجوده لابدَّ من تصديقه لذلك، فتدبّر فإنّ المسألة تحتاج إلى تأمّل زائد.

فروع:

بقي في المقام فروع:

الفرع الأوّل: إنّه بناءً على جواز تصرّف الفاسق، لو أخبر بالفعل الحَسَن المطلوب، هل يقبل إخباره أم لا؟ وجهان.

والحقّ أنْ يقال: إنّه بناءً على كون جواز تصرّفه من باب الولاية، يقبل إخباره لقاعدة (مَنْ مَلك شيئاً مَلك الإقرار به).

ودعوى‌: معارضته مع عموم ما دلَّ على عدم حجيّة خبر الفاسق.

مندفعة: بأنّه لا تعارض بينهما، إذ لا تنافي بين عدم قبول إخباره من حيث إنّه خبر الفاسق، وقبوله من حيث إنّه مالكٌ للتصرّف، ولذا ترى أنّه يقبل إخبار ذي اليد.

وإنْ التزمنا إنّه من باب التكليف الصرف لا يقبل إخباره بذلك؛ لعدم جريان القاعدة فيه، وعليه فالمرجع عموم ما دلَّ على عدم حجيّة خبر الفاسق.

الفرع الثاني: إنّه بناءً على جواز البيع للفاسق، إذا تصدّى الفاسق للبيع وأوجب، ثمّ شكّ من يريد القبول في أنّه هل يكون الإيجاب تصرّفاً على وجه أحسن أم لا، فهل تجري أصالة الصحّة في الإيجاب، ويُحرز بها صحّة الإيجاب

والقبول، أم لا؟ وجهان.

قد استدلّ الشيخ رحمه الله(1)للثاني بوجهين:

أحدهما: إنّ‌الحكم لم يُحمل على التصرّف الصحيح، وإنّما حُمل عليموضوعٍ وهو إصلاح المال ومراعاة الحال، وهذا عنوان لموضوع الأثر، وحيث إنّه قد ثبت فى محلّه أنّه يعتبر فى جريان أصالة الصحّة فى موضوع الأثر إحراز تحقّق الموضوع وعنوانه، وكون الشكّ متمحّضاً في الوصف، وإلّا فمع الشكّ في الموصوف لا تجري أصالة الصحّة، ففي المقام لا تجري أصالة الصحّة في الإيجاب.

الثاني: إنّ أصالة الصحّة في الإيجاب لا تُثبت إلّاصحّة الإيجاب التأهليّة، ولا يُحرز بها تحقّق المصلحة، وحيث أنّ القابل أيضاً متصرّفٌ في مال الصغير، ولابدّ وأن يكون تصرّفه على وجه أحسن، ولا مجال لإحرازه بأصالة الصحّة في الإيجاب، فأصالة الصحّة الجارية في الإيجاب لا تفيد في الحكم بترتّب النقل.

ولكنّه يرد على الوجه الأوّل: أنّ هذا الشرط كسائر الشرائط إنّما يكون شرط صحّة التصرّف، وعنوان التصرّف الذي هو موضوع الأثر عنوان المعاملة من البيع وغيره، ومن شرائط صحّته وإمضاء الشارع له كونه صلاحاً لليتيم.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ الموصوف بالصحّة والفساد، نفس التصرّف المعاملي، غاية الأمر أنّ هذا التصرّف يمتاز عن سائر التصرّفات بكونه مشروطاً بشرطٍ زائد، وهو كونه صلاحاً لحال اليتيم، وما كان واجداً لهذا الشرط يعدّ صحيحاً، وما كان فاسداً لا يصحّ‌، ومجرّد جعله عنواناً وكيفيّة للتصرّف لا يجعله من العناوين التي9.


1) المكاسب: ج 3/569.

باختلافها يختلف الموضوع بنظر العرف، ويكون من قبيل الأعمال الخارجيّة التي قصد بها البيع أو شيء آخر، وعليه فمع إحراز أصل التصرّف، والشكّ في صحّته وفساده، تجري أصالة الصحّة، وبها يمكن إحراز الصحّة.

ويرد على الوجه الثاني: إنّ الذي لابدَّ وأن يكون صلاحاً لليتيم هو الإيجاب والبيع، فإنّه متضمّن لإعطاء ماله بعوض، وأمّا القبول فهو عبارة عن أخذ المال الذي هو عوض عن ماله، وهذه حيثيّة راجعة إلى المشتري دون اليتيم، فلا يعتبر فيه إحراز كون المعاملة صلاحاً لليتيم، ولعلّ هذا هو السرّ فيما ادّعاه بعضٌ من أنّ أهل العرف يفهمون من جعل شخص وليّاً في البيع، جواز الشراء منه، مع عدم الفحص عن كونه صلاحاً أم لا.

مع أنّه يمكن أنْ يقال: إنّ الدليل إنّما دلَّ على اعتبار كون التصرّف على وجه أحسن، وهو إنّما يكون بالبيع، وأمّا الشراء فهو مطاوعة وقبول للبيع لا أنّه بنفسه تصرّفٌ‌، فلا يعتبر فيه هذا الشرط.

وبالتالي فالأظهر جريان أصالة الصحّة في الإيجاب، وترتّب الأثر عليه، مع ضمّ القبول إليه.

الفرع الثالث: ما ذكره بقوله رحمه الله: (نعم لو وجد في يد الفاسق ثمنٌ من مال الصغير، لم يلزم الفسخ مع المشتري وأخذ الثمن... الخ)(1).

أقول: ما أفاده رحمه الله وإنْ كان متيناً - أي تجري أصالة الصحّة في فعل البائع والمشتري، ويترتّب عليها الأثر - إلّاأنّ الوجه الأوّل الذي ذكره في الفرع المتقدّم9.


1) المكاسب: ج 3/569.

يجري في هذا الفرع أيضاً، ولازمه عدم جريانها، ولازم ذلك جريان استصحاب بقاء المثمن على ملك الصغير، ويُحرز به كون مال اليتيم يجب إصلاحه وحفظه من التلف هو المثمن لا الثمن.

مزاحمة الوليّ‌

وحيثُ ثبت جواز تصرّف المؤمنين، يصل الدور إلى البحث عن أنّ هذا الجواز هل هو على وجه التكليف الوجوبي أو الندبي‌؟

والمقصود من سوق هذا الكلام، بيان حكم مزاحمة غير المتصدّي للمتصدّي، وقد حَكم الشيخ رحمه الله(1)بجوازها، واستند في ذلك إلى أنّ ما ثبت له إنّما يكون على وجه التكليف، لا على وجه النصب من الإمام عليه السلام.

ولكنّه يرد عليه أمران:

الأمر الأوّل: أنّ الظاهر كونه من قبيل النصب؛ حيث قال عليه السلام: «إنْ كان وليٌّ يقوم بأمرهم، باع عليهم، ونظر لهم... الخ»، مع أنّ ثبوت نفوذ التصرّفات المعامليّة لغير المالك، مع عدم كونها بعنوان الوكالة، يستلزم كونه وليّاً ومالكاً للتصرّف، وإلّا لما كانت جائزة، ولا معنى لمجرّد جعل التكليف في هذا المقام.

الأمر الثاني: إنّه على فرض كون ذلك من قبيل النصب من الإمام - كما هو كذلك - تجوز مزاحمته إذا كان النصب بعنوانٍ يعمّ كليهما، ولا يختصّ بخصوص المتصدّي؛ فإنّ‌التصدّي لايوجبُ تعيّن المتصدّي وانحصارالمنصوب به، إلّاإذا دلَّ دليلٌ آخر


1) المكاسب: ج 3/569-570.

على ذلك، وهو مفقود.

توضيح حول آية اليتامى‌

أقول: المشهور بين الأصحاب أنّ تصرّف غير الأب والجَدّ في مال الصغير مشروطٌ بوجود المصلحة، وعن «مفتاح الكرامة»(1)أنّه إجماعي، والظاهر من «التذكرة»(2)

(3و4) سورة الأنعام: الآية 152، سورة الإسراء: الآية 34.

في باب الحَجر كونه اتّفاقيّاً بين المسلمين، واستدلّ له بقوله تعالى: (وَ لا تَقْرَبُوا مالَ اَلْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‌) (3)، وحيث يترتّب على توضيح الآية الشريفة فوائد مهمّة، فلابدَّ من الفحص عن دلالتها، فنقول:

الكلام فيه يقع في جهات:

الجهة الأُولى: إنّ حرمة القُرب إلى مال اليتيم إلّابالّتي هي أحسن، محدودة في الآية الشريفة بقوله تعالى: (حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ‌) * (4)كما في سورتي الأنعام والإسراء، فحينئذٍ قديقال إنّ‌الغاية إنْكانت قيداً للموضوع أو المتعلّق - وإنْ كان لا يترتّب محذورٌ، من جهة أنّه لا مفهوم للآية الشريفة - إلّاأنّه خلاف الظاهر، لأنّ الظاهر كونها قيداً وغايةً للحكم، وعليه فتدلّ الآية بمفهوم الغاية على أنّ القُرب المحرّم إنّما هو إلى زمان البلوغ، وبعده لا يكون محرّماً، مع أنّه محرّمٌ قطعاً.

واُجيب عنه بجوابين:

الجواب الأوّل: إنّها غاية للمستثنى فقط، ومعناها أنّ جواز التصرّف على‌


1) مفتاح الكرامة 1: ج 2/682.

2) تذكرة الفقهاء: ج 2/80.

وجه أحسن محدودٌ بالبلوغ، وبه ينقطع الجواز، ويدور أمر التصرّف مدار إذن صاحب المال.

الجواب الثاني: أنّها غاية للمستثنى منه، أو هو مع المستثنى، إلّاأنّ المستثنى منه حرمة التصرّف مطلقاً ولو مع رضا اليتيم، وهذا الحكم محدودٌ بالبلوغ، حيث يجوز التصرّف بعد البلوغ لكن مع رضاه.

أقول: وكلاهما خلاف الظاهر:

أمّا الأوّل: فلأنّ الظاهر كونه غايةً للحكم الذي تضمّنه الآية الشريفة.

وأمّا الثاني: فلأنّ المذكور إنّما هو الحكم المطلق لا إطلاق الحكم.

فالحقّ أنْ يقال: إنّه لا مفهوم لها، من جهة كون القيد مسوقاً لبيان تحقّق الموضوع، فإنّ الموضوع هو اليتيم، وهو يتبدّل بالبلوغ.

الجهة الثانية: في بيان المراد من (القُرب) المنهيّ عنه.

أقول: الظاهر من (القُرب) في نفسه هو ما يقابل البُعد، ولكن الظاهر منه في الآية الشريفة التصرّف في مال اليتيم، وحيث أنّ التصرّف في مال اليتيم ربما يكون خارجيّاً مثل أكله وشربه ونحوهما، وربمايكون اعتباريّاً كبيعه وشرائه ونحوهما، فقد وقع الخلاف في المراد من الآية، ومحتملاته التي ذكرها الشيخ رحمه الله(1)أربعة:

الاحتمال الأوّل: إرادة أقرب ما يكون إلى مصداق القُرب، أي أوّل تصرّفٍ فيه كمسّه ووضع اليد عليه. هذا هو الاحتمال الثاني في «المكاسب».

الاحتمال الثاني: أن يُراد ما يعمّه وسائر التصرّفات الخارجيّة.5.


1) المكاسب: ج 3/574-575.

وبعبارة أُخري‌: مطلق التقليب والتحرّك، وهو الاحتمال الأوّل في «المكاسب».

الاحتمال الثالث: أن يُراد به ما يعمّ ذلك والترك.

وبعبارة أُخرى‌: مطلق الأمر الاختياري المتعلّق بمال اليتيم، أعمّ من الفعل والترك، وهو الاحتمال الرابع في «المكاسب».

الاحتمال الرابع: أن يُراد به التصرّف الاعتباري، وهذا هو الاحتمال الثالث في «المكاسب».

أقول: وهناك احتمالٌ خامس أظهر من الجميع، وهو أراده ما يعمّ التصرّفات الخارجيّة والاعتباريّة، إذ سائر الاحتمالات ما بين ما يستلزم التخصيص بلا وجه، والتعميم الذي لا يساعده عرفٌ ولا لغة.

ومجرّد كون المتعلّق هو مال اليتيم، وقُرب المال بما هو مالٌ عبارة عن التصرّف الاعتباري المتعلّق به، لا يصلح معيّناً للاحتمال الرابع الذي اختاره الشيخ رحمه الله(1).

وأمّا ما أفاده المحقّق الايرواني رحمه الله(2): من أنّ الظاهر أنّ (القُرب) كناية عن أكلّ مال اليتيم، والاستقلال بالتصرّف فيه، لا التصرّف لأجل اليتيم، فتكون الآية أجنبيّة عن المقام.

فبعيدٌ جدّاً: لا يلائم مع استثناء (إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‌) .

الجهة الثالثة: في بيان المراد من النهي المتعلّق بالقُرب.

أقول: إن كان المراد من (القرب) هو التصرّف الاعتبارى المتعلّق بمال اليتيم، كان0.


1) المكاسب: ج 3/575.

2) حاشية المكاسب: ج 1/160.

النهي ظاهراً في الإرشاد إلى الفساد، وإنْ كان المراد هوالتصرّف الخارجي المتعلّق به، من وضع اليد عليه، وإمساكه وأكله وشربه، كان ظاهراً في الحرمة المولويّة.

وحيث عرفت أنّ المراد هو الجامع بينهما:

فإنْ حملناه على المولويّة لما دلّت الآية على فساد المعاملة، لأنّ النهي عن المعاملة لا يدلّ على الفساد، مع أنّ بناء الأصحاب رحمهم الله من التمسّك بالآية الشريفة هو على فساد المعاملة على مال اليتيم، ما لم يكن على وجه أحسن.

وإنْ حملناه على الإرشاد، لزم تخصّص المتعلّق بخصوص التصرّفات الاعتباريّة، وهو ممّا لا وجه له.

وحلّ هذه العويصة إنّما يكون بأحد نحوين:

النحو الأوّل: حمل النهي على ما يعمّ المولوي والإرشادي، ولا مانع من ذلك، لأنّ الاختلاف بينهما إنّما يكون في الدّواعي والأغراض، ولا اختلاف بينهما ذاتاً، نظير الوجوب والاستحباب، ولذا بنينا على جواز الأمر الواحد بشيئين، مع كون أحدهما واجباً والآخر مستحبّاً.

وبالجملة: قد حُقّق في محلّه أنّه لا مانع من حمل النهي عن العام على إرادة المولويّة في بعض أفراده والإرشاديّة في بعضها الآخر.

النحو الثاني: حمل النهي على خصوص المولوي، والنهي عن المعاملة نفسيّاً، وإنْ لم يدلّ على الفساد، إلّاأنّه يوجبُ فسق من أتى بمتعلّقه، وبصيرورته فاسقاً يخرج عن الولاية، لما تقدّم من اعتبار العدالة في المتصدّي لأمر اليتيم، ومع خروجه عنها لا يكون تصرّفه نافذاً، كما هو واضح.

الجهة الرابعة: في بيان وجه تأنيث الموصول، مع أنّه لو قُدّر ما هو من جنس المستثنى، لزم تذكيرها، فإنّ (القُرب) مذكّر.

أقول: والذي ينبغي أنْ يقال إنّه من جهة جعل المستثنى مجروراً بحرف جرّ لابدَّ من جعل المستثنى منه مقدّراً ومجروراً بحرف جرّ، مثل: بحيثيّة أو كيفيّة، وعليه فيلائم تأنيث الموصول.

الجهة الخامسة: في بيان محتملات الأحسن.

وقدذكر الشيخ رحمه الله(1)أنّمحتملاته أربعة، فإنّ‌المراد به إمّاالتفضيل، أو الحَسَن.

وعلى الأوّل: فإمّا أن يراد التصرّف الأحسن من الترك، أو الأحسن مطلقاً من الترك ومن التصرّفات الاُخر.

وعلى الثاني: فإمّا أن يراد به ما فيه المصلحة، أو ما لا مفسدة فيه.

وهناك احتمالٌ خامس وهو: إرادة التفضيل منه، وأن يراد به من التصرّفات الأُخر.

أقول: ولا يخفى الفرق في الآثار المترتّبة على هذه الاحتمالات:

لازم الأوّل: جواز البيع إذا كان أحسن من تركه، وإنْ كان الإيجار أحسن منه.

ولازم الثاني: عدم جوازه ما لم يكن أحسن من تركه، ومن التصرّفات الأُخر.

ولازم الثالث: جواز كلّ تصرّفٍ فيه مصلحة، وإنْ كان تركه أصلح أو سائر التصرّفات كذلك.

ولازم الرابع: جواز التصرّف إذا لم يكن فيه مفسدة، وإنْ كان في غيره من التصرّفات مصلحة أكيدة.5.


1) المكاسب: ج 3/575.

ولازم الخامس: جواز البيع إذا كان أصلح من الإيجار، وإنْ كان تركه أصلح.

وقد استظهر الشيخ رحمه الله(1)الاحتمال الثاني، والوجه فيه أنّ الظاهر من الأحسن إرادة التفضيل، وأنّ حذف المتعلّق وترك المفضّل عليه يفيد العموم.

وأُورد عليه بإيرادات:

الإيراد الأوّل: إنّ استعماله في غير التفضيل كثيرٌ، ويؤيّد عدم إرادة التفضيل منه في الآية عدم ذكر كلمة (من) وعدم إضافته.

وفيه: إنّ استعماله في غير التفضيل كثيراً مع القرينة لا ينافي ظهوره فيه إذا ذكر بلا قرينة، وعدم ذكر كلمة (من) أو الإضافة إنّما يوجب ظهوره في العموم، ولا ينافي ذلك.

الإيراد الثاني: ما أفاده المحقّق الايرواني رحمه الله(2)، من أنّه:

إنْ اُريد منه الأحسن من جميع ما عداه، لزم عدم الإقدام على شيء من التصرّفات عند مساواتها أو مساواة عدّة منها في مقدار المصلحة، فإنّ كلّ واحدٍ من تلك الأفراد المساوية، ليس أحسن من جميع ما عداه.

وإنْ اُريد منه الأحسن في الجملة، ولو من بعض ما عداه، لزم جواز تصرّفٍ يكون هو أحسن من ما دونه، وإنْ كان هناك تصرّفٌ آخر أحسن منه.

وفيه: أنّ المراد به هو الأحسن مطلقاً، إلّاأنّه في الفرض نقول بأنّ الجامع بين الأفراد المتساوية في مقدارٍ من المصلحة يكون أحسن من غيره، فيجوز، ولازمه التخيير بين الأفراد.0.


1) المكاسب: ج 3/575.

2) حاشية المكاسب: ج 1/160.

الإيراد الثالث: أنّه لو فرضنا أنّ الترك وسائر التصرّفات لا حُسن فيها أصلاً، وهذا الفعل كالبيع فيه مصلحة أكيدة، لزم عدم جوازه، لأنّه لا يصدق الأحسن لعدم المبدأ في غيره، لتكون الزيادة صادقة في البيع، مع أنّه جائز قطعاً.

وفيه أوّلاً: أنّه لا محذور فى الالتزام بعدم شمول المستثنى له، وإنّما يلتزم بالجواز بالأولويّة، إذ لو جاز البيع مع وجود المصلحة فى غيره، فجوازه مع عدمها يكون أولي‌.

وثانياً: إنّه يُحمل (الأحسن) على التفضيل المجازي، أي ما يترجّح على غيره في نظر العقلاء، سواءٌ أكان لأجل أنّ مصلحته آكد من مصلحة غيره، أو من جهة أنّ فيه المصلحة وفي غيره المفسدة.

أقول: وقد ظهر ممّا ذكرناه أمران:

الأوّل: تماميّة ما أفاده الشيخ رحمه الله من إرادة الأحسن مطلقاً.

الثاني: عدم تماميّة ما أفاده من أنّه لو فرضنا بيع مال اليتيم بعشرة دراهم، وفرضنا أنّه لا يتفاوت الحال في إبقاء الدّراهم أو جعلها ديناراً لا يجوز ذلك، فإنّ هذا التصرّف ليس أصلح من تركه(1).

وجه عدم تماميّته: أنّ الجامع بينه وبين الإبقاء يكون أصلح من غيره، فيجوز ويتخيّر بين الفردين، وعليه فالأظهر جواز التبديل.

هذا بحسب مايستفاد من الآية، فقدعرفت أنّه يستفاد منها اعتبار المصلحة.

وأمّا بحسب الروايات: فقد ذكر الشيخ رحمه الله روايتين، وادّعى دلالتهما على كفاية عدم المفسدة، وعدم اعتبار المصلحة في التصرّف في مال اليتيم:5.


1) المكاسب: ج 3/575.

الرواية الاُولى‌: حسنة الكاهلي، قال: «قيل لأبي عبداللّه عليه السلام: إنّا ندخلُ على أخٍ لنا في بيت أيتام، ومعهم خادمٌلهم، فنقعدعليبساطهم، ونشرب من مائهم، ويخدمنا خادمهم، وربما طعمنا فيه الطعام من عند صاحبنا، وفيه من طعامهم، فما تري فى ذلك‌؟

فقال: إنْكان في دخولكم عليهم منفعة لهم فلابأس، وإنْكان فيه ضررٌ فلا»(1).

تقريب الاستدلال: إنّ المراد بالمنفعة ما يوازي عوض ما يتصرّفون فيه من مال اليتيم عند دخولهم، من جهة أنّ ما لوحظت المنفعة بالإضافة إليه، هو الدخول في بيت الأيتام، والجلوس على بساطهم، فما يتعقّبه من العوض زيادة بالإضافة إلى ذلك فتصدق عليها المنفعة، فيكون المراد بالضرر في الذيل أنْ لا يصل إلى الأيتام ما يوازي ذلك، فلا تنافي بين صدر الخبر والذيل، ويكون المستفاد منه الجواز مع عدم المفسدة، وإنْ لم تكن مصلحة.

وفيه: إنّ المراد بالنفع إنْ كان مطلق الزيادة - بالإضافة إلى ما ذكر وإنْ كانت أقلّممّايوازيه - لزم جوازالدخول مع إعطاءأقلّ ممّايوازيه، وهذالايجوزقطعاً، وإنْ كان المراد الزيادة - بالإضافة إلى ماليّة أموالهم - خرجت صورة مساواة النفع والضرر عن منطوق الخبر، وتعارضت فيها الشرطيّتان، كما عن بعض معاصري الشيخ قدس سره(2).

والحقّ أنْ يقال: إنّ في مورد الخبر خصوصيّة ليس فيها حَدّ الوسط بين النفع والضرر، فإنّه بالتصرّف في الدار والبساط والخادم والطعام المخلوط بطعام صاحبه، لا يلزم خسارة ماليّة على الأيتام، فكلّ ما أعطى بإزاء ذلك إنْ كان يوازي ذلك يعدّ نفعاً لهم، وان أعطى أقلّ من ذلك كان ضرراً، فتدبّر.1.


1) الكافي: ج 5/129 ح 4، وسائل الشيعة: ج 17/248 أبواب ما يكتسب به باب 71 ح 1 (22446).

2) نسبه الشيخ لبعض معاصريه، وهو صاحب الجواهر كما في حاشية السيّد الأشكوري، بغية الطالب: ج 130/1.

ولو أُغمض عن ذلك، وسُلّم التعارض بين مفهوم الشرطيّتين، يحكم بالتساقط، والرجوع إلى الآية الشريفة الدالّة على عدم الجواز، إذا لم يكن في التصرّف مصلحة ونفعٌ عائدٌ إلى الأيتام.

الرواية الثانية: رواية عليّ بن المغيرة، قال: «قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: إنّ لي ابنة أخٍ يتيمة فربما أهدي لها الشيء، فآكل منه، ثمّ أطعمها بعد ذلك الشيء من مالي، فأقول: يا ربّ هذا بذا؟ فقال عليه السلام: لا بأس»(1).

بتقريب: أنّ ترك الاستفصال من مساواة العوض وزيادته يدلّ على عدم اعتبار الزيادة، ولا ريب في أنّ منصرف الرواية صورة عدم النقص، فلا يرد عليه الإيراد بأنّ مقتضى ترك الاستفصال جواز إعطاء الأنقص.

أقول: ولكن ترد عليه اُمور:

الأمر الأوّل: إنّمن يأكلّ من طعام الغير، ويريد إعطاء عوضه، وبنائه على عدم إعطاء الأقلّ لامحالة يعطى مقداراً أزيد، وفرض التساوى نادرٌ جدّاً ملحق بالمعدوم.

الإيراد الثاني: أنّ الظاهر كون اليتيمة تحت اختياره، وأمرها بيده، وحينئذٍ يكون عدم التصرّف في طعامها إبقاءً لمالها وتصرّفاً وجوديّاً، فالجامع بينه وبين التصرّف بإزاء ما يبذل ما يساويه ذو مصلحة، فيكون جائزاً، ويتخيّر بين الفردين.

الإيراد الثالث: أنّ الظاهر كون الطعام مطبوخاً، فلا محالة أكل مقدارٍ منه وإعطاء عوضه المساوي معه في القيمة، يكون أصلح بحال اليتيمة.

فتحصّل: أنّ الأظهر اعتبار المصلحة في التصرّف في مال اليتيم، من غير فرقٍ‌).


1) الكافي: ج 5/129 ح 5، وسائل الشيعة: ج 17/249 أبواب ما يكتسب به باب 71 ح 2 (22447).

بين التصرّفات الخارجيّة والمعامليّة.

استدلال الشهيد قدس سره: استدلّ رحمه الله على اعتبار المصلحة بوجوهٍ أُخر(1):

الوجه الأوّل: إنّه منصوبٌ لها.

وفيه: إنّ هذا أوّل الكلام، ولعلّه منصوبٌ وليّاً لحفظ ماله، فيتخيّر بين تبديل ماله بما يماثله، وإبقائه على حاله.

الوجه الثاني: أصالة بقاء المِلْك على حاله.

وفيه: إنّه لا يرجع إليها مع عموم دليل الولاية.

الوجه الثالث: إنّ العدميّات لا تكاد تقع غاية.

وفيه: إنّ العدميّات وإنْ لم تقع غايةً‌، بل الغاية لابدَّ وأنْ تكون أمراً وجوديّاً، إلّا أنّ اعتبار كونه أمراً وجوديّاً راجعا إلى المولّى عليه ممّا لم يدلّ عليه دليل، مع الإغماض عمّا ذكرناه، فلو فرضنا أنّه لا مفسدة في بيع مال اليتيم، وكانت هناك مصلحة راجعة إلى نفس المتصدّي للبيع، جاز بمقتضى عموم أدلّة الولاية، لولا الآية الشريفة.

وبالجملة: الكلام في المقام إنّما هو في أنّ البيع الذي لا مفسدة فيه إذا كان بداعٍ عقلائي، هل يكون نافذاً أم لا؟، وهل عليه أن يتحرّى الأصلح، أم يكتفي بمطلق المصلحة فيه‌؟ وجهان:

ظاهر الآية الشريفة اعتبار تحرّي الأصلح، غاية الأمر بالنسبة إلى التصرّفات المتعارفة، وأمّا لو خرج الأصلح عن ذلك، وأوجب تحرّيه الأصلح الحرج، أو كان3.


1) القواعد والفوائد: ج 1/352 قاعدة 133.

خلاف المتعارف، فلا يجب.

وبهذا يندفع ما ذكره الشهيد رحمه الله في وجه عدم لزوم تحرّي الأصلح، باعتبار أنّ ذلك لا يتناهى.

أقول: بقي في المقام شيءٌ لم أرَ مَنْ تعرّض له، وهو أنّ نظر الوليّ في الحُسن هل له الموضوعيّة أم هو طريق إلى تحقّق الحُسن الواقعي‌؟.

وثمرة ذلك تظهر فيما لو باع الوليّ وكان في ذلك مصلحةً بنظره، ثمّ تبيّن عدم المصلحة، فعلى الأوّل يصحّ البيع، وعلى الثاني لا يصحّ‌.

والأظهر هو الأوّل، وذلك لوجوه:

الوجه الأوّل: السيرة القطعيّة.

الوجه الثاني: لزوم اختلال النظام من عدم الصحّة في الفرض، مثلاً لو باع مال اليتيم، وبعد ثلاث سنوات ظهر عدم المصلحة، فإنّ من الواضح أنّ الحكم بالفساد في هذا المورد وشبهه يستلزم الحرج واختلال النظام.

الوجه الثالث: أنّ دلالة الآية الشريفة - التي هي المقيّدة لإطلاق أدلّة الولاية على أنّ التصرّف غير الأحسن إذا كان معامليّاً باطل - إنّما تكون من جهة دلالة النهي على الحرمة، وأنّ ارتكابه حينئذٍ موجبٌ للفسق، ومخرجٌ له عن الولاية، ومن الواضح أنّه إذا كان البيع بنظر الوليّ صلاحاً، لا يكون ذلك موجباً للفسق، وإنْ لم يكن في الواقع كذلك.


المقصد الرابع بيان حقيقة المال والمِلْك

اشارة

المقصد الرابع: في شرائط العوضين.

وقدذكرنا بعضها في الباب الأوّل، وكيف كان فيشترط في كلّ منهما اُمور أُخر:

الشرط الأوّل والثاني: كونه مالاً، ومِلْكاً.

أقول: وتنقيح القول في المقام يتحقّق بالبحث في مقامين:

الأوّل: في بيان حقيقة المال، والمِلْك.

الثاني: في وجه اعتبارهما.

أمّا المقام الأوّل: فالمال يكون على قسمين:

القسم الأوّل: ما كانت ماليّته ذاتيّة، وهو كلّ ما فيه منفعة عائدة إلى الإنسان، ويحتاج إليه بحسب فطرته من المأكول والمشروب والملبوس وما شاكل، الموجبة لحدوث رغبة النّاس فيه، وادّخاره للانتفاع به وقت الحاجة، ويبذلون بإزائه شيئاً ممّا يرغبون فيه من النقود وغيرها، من جهة توقّف الوصول إليه إلى إعمال عمل، وبعبارة أدقّ يعتبر في صدق المال على شيء أمران:

أحدهما: كونه موضوعاً لغرضٍ‌، سواءٌ أكان ذلك دفع الضرورات الأوّليّة كالأقوات، أو العرضيّة كالأدوية، أو لتحصيل اللّذة كالفواكه وبعض الأشربة.

ثانيهما: توقّف الوصول إليه إلى أعمال عمل، ولأجل ذلك تختلف ماليّة الأموال من جهة اختلاف مقدار الحاجة والعمل الذي يحتاج إليه في الوصول إلى

ذلك الشيء، مثلاً الغرض المترتّب على الماء أزيد بمراتب من ما يترتّب على بعض الأدوية النادرة الوجود، ولكن المال على الشاطيء لا ماليّة له، وذلك الدواء له ماليّة معتدّ بها، والسِّر في ذلك: فقد الأمر الثاني في الأوّل، ولذا كلّما ازداد بُعداً عن الشط ازدادت ماليّته.

القسم الثاني: ما كانت ماليّته اعتباريّة وجعليّة كالنقود، وهو على قسمين:

الأوّل: ما كان الاعتبار فيه عامّاً يشترك فيه جميع أفراد البشر بدافعٍ من الشعور بالحاجة الاجتماعيّة، وهي توقّف حفظ نظام النوع على التبادل بين الأموال، وعدم إمكان التبادل بين الأموال التي ماليّتها ذاتيّة، كالأحجار الكريمة من الذهب والفضّة وغيرهما.

وبالجملة: القسم الأوّل ما بنى العقلاء على اعتبار الماليّة له.

الثاني: ما كان الاعتبار فيه خاصّاً، وهو أيضاً على قسمين:

إذ قد يكون شيءٌ خاص تعتبر له الماليّة من جانب دولة مّا بالنظر إلى ما بنت عليه تلك الدولة من ترتيب أثرٍ خاص عليه كطوابع البريد، فإنّ كلّ طابع له ماليّة في دولة معيّنة دون الدول الاُخرى، وماليّته إنّما تكون بلحاظ ما بنت عليه تلك الدولة من ترتيب أثر خاص عليه، وهو إيصال البريد إلى مسافة معيّنة مقابل إلصاق المرسل الطابع المعيّن به.

وقد يكون الاعتبار فيه ليقوم مقام القسم الأوّل كالدينار العراقي والاسكناس، وهذا القسم الأخير لايعتبره العقلاء مالاً بمجرّد اعتبارالمعتبر أيّاً من كان، بل لابدَّ وأن يكون له مايغطّيه، ويعبّر عنه بغطاء العملة، والتغطية على وجوه،

ثمّ إنّ حرمة المنافع كعدمها مسقطة للمال عن الماليّة.

وأمّا الملكيّة: فلها أربعة مراتب:

المرتبة الأُولى: الملكيّة الحقيقيّة، وهي عبارة عن السلطنة التامّة، بنحوٍ يكون زمام أمر المملوك بيد المالك حدوثاً وبقاءً‌، وهي مخصوصة باللّه تعالى‌.

المرتبة الثانية: الملكيّة الذاتيّة، والمراد بالذاتي ما لا يحتاج تحقّقه إلى أمر خارجي، لا الذّاتي في باب البرهان، ولا الذّاتي في باب الكليّات الخمس، وهي عبارة عن الإضافة الحاصلة بين الشخص ونفسه، وعمله وذمّته، إذ الإنسان مالكٌ لعمله ولنفسه ولذمته بالملكيّة الذاتيّة، والشاهد به الضرورة والوجدان، والسيرة العقلائيّة، وهذه المرتبة دون مرتبة الواجديّة الحقيقيّة المختصّة باللّه تعالى‌.

المرتبة الثالثة: الملكيّة المقوليّة، وهي عبارة عن الهيئة الحاصلة من إحاطة جسمٍ بجسمٍ آخر، كالهيئة الحاصلة من التعمّم والتقمّص وما شاكل.

المرتبة الرابعة: الملكيّة الاعتباريّة، وهي التي يعتبرها العقلاء أو الشارع لشخصٍ خاص من جهة المصلحة الداعية إلى ذلك.

وهذه المرتبة من الملكيّة: قد تكون أوّليّة، وقد تكون إضافة ثانويّة.

والمرتبة الأوّليّة:

1 - قد تكون أصليّة، كالإضافة الحاصلة بالعمل أو بالحيازة أو بهما معاً.

2 - وقد تكون تبعيّة، وهي ما تكون بين المالك ونتاج أمواله.

والإضافة الثانويّة: والمراد بها ما قابل الأوّليّة، وإنْ طرأت على الأموال مراراً عديدة، وهي:

1 - قد تكون قهريّة، كالإضافة الحاصلة بسبب الإرث.

2 - وقد تكون اختياريّة، كالإضافة الحاصلة من المعاملات.

ولتفصيل الكلام محلٌّ آخر، ومحلّ الكلام في المقام هو اعتبار الملكيّة الذاتيّة، أو الاعتباريّة.

وأمّا النسبة بين المال والمِلك، فهي العموم من وجه، إذ الحَبّة من الحنطة ملكٌ وليست بمال، والمباحات الأصليّة قبل حيازتها أموال وليست بملك لأحد، وقد يجتمعان وهو كثير.

بيان الدليل على اعتبار الماليّة والملكيّة في العوضين

وأمّا المقام الثاني: فالكلام فيه في موردين:

الأوّل: في الدليل على اعتبار الماليّة.

الثاني: في الدليل على اعتبار المِلْكيّة.

أمّا المورد الأوّل: فقد أفاد الشيخ رحمه الله(1):

أنّ ما تحقّق فيه عدم الماليّة عرفاً، يشهد لعدم جواز وقوعه أحد العوضين، هو ما دلَّ على أنّه (لا بيع إلّافي ملك).

وما لم يتحقّق فيه ذلك: فإنْ كان أكل المال في مقابله أكلاً للمال بالباطل فلا يجوز.

وما لم يتحقّق فيه ذلك، فإنْ دلَّ دليلٌ خاص على عدم جواز بيعه فهو، وإلّا


1) المكاسب: ج 4/10.

فمقتضى العمومات جواز جعله أحد العوضين.

أقول: في كلامه قدس سره مواقع للنظر:

الموقع الأوّل: في استدلاله على فساد البيع فيما تحقّق فيه عدم الماليّة، بما دلَّ على أنّه (لا بيع إلّافي مِلْك)، إذ عرفت أنّ النسبة بين المال والملك عمومٌ من وجه، فعدم الماليّة ليس مستلزماً لعدم الملكيّة بالضرورة كي يستدلّ بما تضمّن اعتبار الملك على اعتبار المال.

الموقع الثاني: استدلاله للفساد فيما إذا لم يتحقّق الماليّة ولا عدمها، بما دلَّ على عدم جواز أكل المال بالباطل، فان صِدق أكل المال بالباطل:

1 - إنْ كان لأجل عدم الماليّة، فهو طريقٌ إليه لا شيء في مقابله، مع أنّ المفروض الشكّ في صدق الماليّة، فلا محالة يشكّ في صدق أكل المال بالباطل.

2 - وإنْ كان لا لأجل ذلك، فلا وجه لعدّه من شؤون ما لم يعلم أنّه مالٌ‌.

الموقع الثالث: في استدلاله بالعمومات، بعد فرض عدم تحقّق أنّه ليس بمالٍ‌، وعدم إحراز صدق أكل المال بالباطل، وعدم دليلٍ خاص على عدم جواز البيع على الصحّة، فإنّه إذا توقّف صدق البيع الذي هو عنده مبادلة مالٍ بمال على إحراز كون العوضين من الأموال، فمع الشكّ في ذلك، يشكّ في صدق الموضوع، ومعه لا يبقى موردٌ للتمسّك بالعموم.

فالحقّ أنْ يقال: إنّ اعتبار الماليّة في العوضين إنّما يكون من جهة عدم صدق عناوين المعاملات بدونها، حيث أنّ البيع مثلاً عبارة عن الإعطاء لا مجّاناً، فإذا كان العوض ممّا لا ماليّة له، فإعطاء المعوّض إعطاءٌ مجّاناً، وهكذا عنوان (التجارة)

و (العقد)، وهذا هو الميزان.

أقول: إنّ ها هنا فروعاً ينبغي التعرّض لها:

منها: أنّه إذا كان للشيء منفعة نادرة، هل يجوز بيعه أم لا؟.

ومنها: أنّه إذا كان للشيء منفعة محلّلة نادرة، ومنفعته الظاهرة محرّمة، هل يجوز بيعه أم لا؟

لكن قد تقدّم الكلام حول حكم هذه الفروع فى الجزء العشرين من هذا الشرح(1).

وأمّا المورد الثاني: فقد استدلّ لاعتبار الملكيّة بوجوه:

الوجه الأوّل: النصوص الدالّة على عدم جواز بيع ما ليس عنده(2)، وقد مرّ في مبحث بيع الفضولي(3)أنّ تلك النصوص معارضة بما تضمّن الجواز، وبلحاظ التعارض تُحمل على إرادة بيع ما لا يكون له السلطنة عليه، مضافاً إلى إمكان حملها على إرادة بيع ما لا يقدر على تسليمه، فراجع.

الوجه الثاني: النصوص الواضحة الدلالة، ذكر هذا الوجه في «الجواهر»(4).

وفيه: إنّه إنْ اُريد بها نصوص بيع ما ليس عنده، فيرد عليه ما تقدّم، وإنْ اُريد بها غيرها، فعليه التوضيح والبيان.

الوجه الثالث: إنّبذل المال بإزاءما لايكون مملوكاً سفهي، وأكلٌللمال بالباطل.

وفيه: أنّه إذا فرضنا تسلّطه على التصرّف فيه، مع عدم كونه مملوكاً - كالكلّي3.


1) فقه الصادق: ج 20/248، بحث (حكم بيع ما لا منفعة له).

2) لاحظ وسائل الشيعة: 1: ج 2/374-375، أبواب أحكام العقود باب 7 و باب 8.

3) فقه الصادق: ج 23/157 وما بعدها.

4) جواهر الكلام: ج 22/343.

في الذّمة - لا يكون البيع سفهيّاً ولا أكلاً للمال بالباطل.

الوجه الرابع: الإجماع.

وفيه: إنّه لعدم كونه تعبّديّاً لا يُعتمد عليه.

وقد يقال: بعدم اعتبار الملكيّة، نظراً إلى أنّه يجوز بيع الكلّي في الذّمة، مع أنّه ليس مملوكاً للبائع.

وفيه: ما مرّ من أنّه مملوكٌ له بالملكيّة الذاتيّة.

أقول: والحقّ أنْ يقال إنّه لا يجوز بيع المباحات، ولا مال الغير:

1 - لعدم سلطانه على المبيع.

2 - وعدم كون البائع مالكاً لأمرهما.

أمّا في الثاني: فواضحٌ‌، وأمّا في المباحات فلأنّ المباحات الأصليّة متساوية النسبة إلى البائع والمشتري، وليست هي كالكلّي ليتعهّد به في ذمّته، ولا كالعين الشخصيّة المضافة إليه بالإضافة الملكيّة، لتكون له السلطنة عليه، فعدم جواز البيع فيهما إنّما هو لأجل عدم تسلّطه على المبيع، وعدم كونه مالكاً لأمره، لا لعدم ملكيّة الرقبة.

قال الشيخ رحمه الله: (واحترزوا به أيضاً عن الأرض المفتوحة عنوة... الخ)(1)، ولا يخفى أنّ الكلام عن الأرض المفتوحة عنوة، وأنّها هل هي ملكٌ للمسلمين، أم ليست كذلك، قد مرّ في كتاب الجهاد(2)، ولكن بناءً على كونها مِلْكاً لهم، لا يكفي مجرّد التقييد بالملك في خروجها، بل لابدَّ من إضافة خصوصيّة إلى الملكيّة، كي9.


1) المكاسب: ج 4/11.

2) فقه الصادق: ج 19/209.

يصحّ الاحتراز بواسطة تلك الخصوصيّة.

وعلى القول بأنّها مِلْكٌ‌، يقع الكلام في تطبيق ملكيّتها على سائر أنحاءالملكيّة.

أقول: لا إشكال في أنّها ليست مِلْكاً طلقاً لجميع المسلمين، وإلّا لزم الانتقال بالإرث، مع أنّ القوم غير ملتزمين بذلك، أمّا لزوم عدم تسلّط غير الملّاك على التصرّف فيها - كما هو مقتضى قوله عليه السلام: «النّاس مسلّطون على أموالهم»(1)، مع أنّ أمرها بيد ولي الأمر لا لنوع المسلمين، فإنّه وإنْ لم يرد عليه المحذوران المتقدّمان - إذ لا تعيّن للميّت حتّى يرثه وارثه، كما ولا تعيّن للمالك، فلا محالة تكون الولاية لولي الأمر القابض على هذه الأرض - إلّاأنّه يرد عليه أنّ لازمه جواز إعطاء ولي الأمر عين هذه الأرض لأحدٍ من المسلمين من دون مصلحة، ودون أن يوقفها عليهم، وإلّا لزم عدم جواز بيعها إلّافي موارد مخصوصة منصوصة، لا لما يراه وليّ الأمر من المصلحة، بل هي ملك لنوع المسلمين، وجعل أمرها عيناً ومنفعةً إلى وليّ الأمر مع رعاية مصلحة النوع.

***2.


1) عوالي اللآلي: ج 2/138 ح 383، بحار الأنوار: ج 2/272.

اعتبار كون ملك كلّ من العوضين طِلْقاً

الشرط الثالث: ذكر المصنّف رحمه الله والمحقّق(1)وجمعٌ ممّن تأخّر عنهما(2)في شروط العوضين بعد الملكيّة: كونه طِلْقاً، وأبدله في محكي «القواعد»(3)بكونه تامّاً.

وفرّعوا على ذلك عدم جواز بيع الوقف إلّافيما استثنى، ولا الرهن إلّابإذن المرتهن أو إجازته.

أقول: وتنقيح القول يتحقّق بالبحث في المراد من الطلقيّة، ثم في مسألة بيع الوقف وأخيراً في بيع الرهن.

أمّا الأوّل: فالمراد من الطلقيّة هو أن لا يكون في المبيع مانعٌ عن التصرّف، لأنّها من الإطلاق.

توضيح ذلك: إنّ عدم السلطنة على التصرّف في الشيء:

1 - ربما يكون لخلل في المتصرّف، إمّا لعدم المقتضي، كما إذا لم يكن مِلْكاً له، أو لمانعٍ كما إذا كان المالك محجوراً عن التصرّف لفلسٍ ونحوه.

2 - وربما يكون لخللٍ في ما يتصرّف فيه، وذلك أيضاً:

1 - قد يكون لعدم المقتضي كما إذا لم يكن مالاً.

2 - وقد يكون للمانع، كما إذا كان وقفاً أو رهناً.


1) الشرائع: ج 2/17.

2) منهم الشهيد الثاني (تبعاً للشهيد الأوّل) في الروضة: ج 3/253، والسبزواري في الكفاية: ص 89، والمحدِّث البحراني في الحدائق: ج 18/438.

3) القواعد: ج 1/126.

أمّا عدم ملك التصرّف من الناحية الأُولى‌، فلرجوعه إلى المتصرِف، وقد ذكر في شروط المتعاقدين، كما أنّ عدم المِلك من الناحية الثانية، إنّما هو لرجوعه إلى المتصرّف فيه، وقد ذكر في شروط العوضين، فملكيّة الشيء ربما تكون محفوفة بالوقفيّة أو الرهنيّة أو غيرهما من الموانع، وربما تكون مطلقة. وقد انعقد هذا البحث لاعتبار كونها مطلقة وغير محفوفة بشيء من الموانع، ومن الواضح إنّ هذا المعنى غير كون البائع مستقلّاً بنقله، وأنّ نقله ماضياً فيه، وعليه فلا يرد عليهم ما أورده الشيخ رحمه الله عليهم: بأنّ مرجع هذا الشرط (إلى أنّ مِنْ شرط البيع أن يكون متعلّقه ممّا يصحّ للمالك بيعه مستقلّاً)(1).

أقول: ويدور البحث عن أنّه هل يكون هذا شرطاً خاصّاً واحداً معتبراً في البيع، ويترتّب عليه عدم جواز بيع الوقف والرهن ونحوهما؟

أم هو عنوانٌ انتزاعي ممّا هو مانعٌ‌، لا أنّه بنفسه مانعٌ‌، فيتفرّع هذا العنوان على مانعيّة تلك الخصوصيّات تفرّع الأمر الانتزاعي على منشأ انتزاعه‌؟ وجهان.

مختار الشيخ رحمه الله(2) هو الثاني، واختار المحقّق الخراساني رحمه الله(1)الأوّل، واستدلّ له:

بأنّ المبرهن في محلّه أنّ (الواحدُ لا يصدر إلّاعن الواحد)، فإذا كان الأثر واحداً، كشف ذلك عن وحدة المؤثّر، فإنْ كان المؤثّر بحسب الصورة متعدّداً، لابدَّ من البناء على أنّ المؤثّر هو الجامع بينها، ففي المقام لابدَّ من البناء على أنّ المؤثّر هو الجامع بين الاعدام الخاصّة، وأنّ المانع هو الجامع بين تلك الموانع.

وفيه: إنّ هذا البرهان لو تمّ‌، وكان جارياً في الأحكام الشرعيّة - من جهة أنّه7.


1) حاشية المكاسب: ص 106-107.

وإنْ لم يكن فيها تأثير وتأثّر، وأنّ مقتضى الجعل إرادة الجاعل، إلّاأنّه بلحاظ المصالح والملاكات يجري فيها هذا البرهان، فإنّ المولى الحكيم إذا لم يكن له شيءٌ دخيلاً في الملاك، لما كان آخذاً إيّاه في الموضوع - فإنّما هو في خصوص المقتضى، الذي يترشّح منه المقتضي، ولا يتمّ في الشرائط الدخيلة في فعليّة الأثر من المؤثّر والموانع، ولذا لم يتوهّم أحدٌ رجوع شرائط الصلاة إلى شرطٍ واحد، فلابدَّ من تعيين أحد الوجهين من الرجوع إلى الأدلّة اللّفظيّة، وهي تتضمّن مانعيّة كلّ عنوان خاص واشتراط عدمه، وليس في الأدلّة ما يتضمّن اعتبار كون الملك طلقاً، وعليه فالأظهر هو الثاني.

أقول: ولا يخفى أنّ أكثر من تعرّض لذلك، لم يذكروا من الحقوق المانعة سوى الوقفيّة والرهنيّة واُمّ الولديّة، مع أنّها أكثر من هذه الثلاثة، وقد أنهاها بعض الأساطين(1)إلى أزيد من عشرين، ولكنّا في المقام نقتصر على ما اقتصر عليه الأصحاب، مع إلغاء بحث اُمّ الولد لانتفاء موضوعه في العصر الحاضر، وعليه فالكلام يدور في مسألتين:

***1.


1) المحقق التستري في مقابس الأنوار: ص 139-221.

بيع الوقف

المسألة الأُولى: لا يجوز بيع الوقف إجماعاً محقّقاً في الجملة ومحكيّاً.

أقول: حقّ القول في المقام يقتضي البحث في موردين:

الأوّل: في اقتضاء حقيقة الوقف بذاتها أو بلازمها لعدم جواز البيع.

الثاني: في الأدلّة الخاصّة.

أمّا المورد الأوّل: فالوقف لغةً هو إيقاف الشيء وحبسه، المساوق للسكون في قبال الجريان في التقلّبيات(1)، وليس له في الأصطلاح معنى آخر، بل ذكروا في حقيقته أنّه تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة(2)، وهي حقيقة مأخوذة من النبويّ‌:

«حَبس العين وسَبّل المنفعة»(3).

والمراد من التحبيس:

إمّاالممنوعيّة عن التصرّفات، كما عن كاشف الغطاء(4)وصاحب «الجواهر»(5).

أو قصر المِلْك على شخص أو جهة مثلاً، بحيث لا يتعدّاهما.

وعلى التقديرين يثبت المطلوب:

أمّا على الأوّل: فلتضادّ جواز المعاوضات مع الممنوعيّة من التصرّف، ومقتضاه بطلان الوقف بنفس جواز التصرّف.


1) كما عن المحقّق الاصفهاني في حاشيته: ج 3/73.

2) كما في مجمع البحرين للطريحي: ج 4/535 وغيره.

3) غوالي اللآلي: ج 2/260 ح 14، وعنه المستدرك: ج 14/47 أبواب الوقف ب 2 ح 1 (16074).

4) شرح القواعد (مخطوط): ص 85.

5) جواهر الكلام: ج 25/281.

وبه يظهر وجه ما أفاده صاحب «الجواهر» رحمه الله من (أنّ الوقف ما دام وقفاً لا يجوز بيعه، بل لعلّ جواز بيعه مع كونه وقفاً من المتضادّ، نعم إذا بطل الوقف اتّجه جواز بيعه)(1)انتهى‌.

وأمّا على الثاني: فلأنّ حقيقة الملك لا تختلف في الوقف وغيره، فحيثيّة عدم التعدّي عن موضوعه راجعة إلي عدم نفوذ التصرّف فيه شرعاً بالانتقال من موضوعه.

وأمّا المورد الثاني: فقد استدلّ لعدم جواز بيع الوقف بوجوه:

الوجه الأوّل: عموم قوله عليه السلام: «الوقوف حسب ما يوقفها أهلها»(2).

وأيضاً في مكاتبة الصفّار إلى أبي محمّد الحسن بن علي عليهما السلام في الوقف وما روي فيه عن آبائه عليهم السلام، فوقّع عليه السلام:

«الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها إنْ شاء اللّه تعالى‌»(3).

وفي أُخرى‌: «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها إنْ شاء اللّه»(4)، وقد استدلّ به الشيخ رحمه الله(5).

وفيه: الظاهر منه إرادة لزوم العمل بالوقف على الكيفيّة التي قرّرها الواقف، من القيود والشروط، من الموقوف عليه، والعين الموقوفة، وصرف المنافع، وليس المراد به أنّ الوقوف يجب إبقائها، وعليه فإنْ كان عدم البيع مأخوذاً في حقيقة3.


1) الجواهر: ج 22/358.

2) من لا يحضره الفقيه: ج 4/237 ح 5567، وسائل الشيعة: ج 19/175 ح 24386، التهذيب: ج 9/129-130.

3) الفقيه: ج 4/237 ح 5567، وسائل الشيعة: ج 19/175 أبواب أحكام الوقوف باب 2 ح 1 (24386).

4) الكافي: ج 7/37 ح 34، وسائل الشيعة: ج 19/175 أبواب أحكام الوقوف باب 2 ح 1 (24386).

5) المكاسب: ج 4/33.

الوقف، فلا وجه للاقتصار على هذا الخبر، بل كان الأُولى أن يتمسّك أوّلاً بالعمومات الأوّليّة من قبيل (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)وغيره، وإنْ لم يكن مأخوذاً كما هو مسلك الشيخ رحمه الله على ما صرّح به في الصورة الأُولى من صور جواز بيع الوقف(2).

وعليه فهذا الخبر لا يدلّ على ترتّبه على الوقف.

الوجه الثاني: خبر أبي عليّ بن راشد، قال: «سألتُ أبا الحسن عليه السلام، قلت:

جُعِلْتُ فداك اشتريتُ أرضاً إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلمّا وفيت المال خُبرت أنّ الأرض وقف‌؟

فقال عليه السلام: لا يجوزُ شراء الوقف، ولا تدخل الغِلّة في مِلكك، ادفعها إلى من أوقفت عليه.

قلت: لا أعرف لها ربّاً، قال عليه السلام: تصدّق بغلّتها»(3).

أمّا من حيث السند: فإنّ هذا الخبر مرويّ في «الكافي»(4)و «الفقيه»(5)، وهو في الأوّل مجهولٌ‌، وفي الثاني صحيح، وعليه فلا خدشة فيه سنداً.

وأمّا من حيث الدلالة: فقديقال إنّه يدلّ - بقرينة ذيله - على‌عدم جواز الشراء من غيرالموقوف عليه، وهذا ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في الشراء من الموقوف عليه.

ولكن يرد عليه: أنّ الظاهر من الصدر كون وجه المنع كونه وقفاً، لاصدور البيع من غيرأهله، مع أنّترك الاستفصال في الصدر في مقام الجواب كافٍ في إطلاق المنع،6.


1) سورة المائدة: الآية 1.

2) المكاسب: ج 4/61.

3) الكافي: ج 7/37/35، وسائل الشيعة: ج 19/185 أبواب الوقوف والصدقات ب 6 ح 1 (24405).

4) تقدّم تخريجه، وسنده: محمّد بن جعفر الرزاز عن محمّد بن عيسى عن أبي عليّ بن راشد.

5) الفقيه: ج 4/242 ح 5576.

إذ السؤال لم يكن مقيّداً في الصدر، وإنّما قيّده بعد جوابه عليه السلام، فجوابه مطلقٌ‌.

فهذا الخبر من أدلّة عدم جواز بيع الوقف.

الوجه الثالث: ما روي في صدقات أمير المؤمنين عليه السلام من قوله:

«هذا ما تصدّق به عليّ بن أبي طالب وهو حَيٌّ سَويّ‌، تصدّق بداره التي في بني زُريق صَدَقةً لا تُباع ولا تُوهب حتّى يرثها اللّه تعالى الذي يرث السماوات والأرض»(1).

بدعوى أنّ الظاهر من الوصف كونه صفةٌ لنوع الصدقة لا لشخصها.

أقول: الذي يظهر من كلمات الشيخ رحمه الله(2)وغيره(3)ابتناء الاستدلال به على ذلك، وأنّ الأمر يدور بين كون الوصف صفة لنوع الصدقة أو لشخصها.

وحقّ القول في المقام أنْ يقال: إنّها ليست صفةٌ لنوع الصدقة، لأنّها عبارة عن التمليك المتقرّب به إلى اللّه تعالى‌، ولها نوعان:

أحدهما: ما هو قسيمٌ للوقف، وهو يمتاز عن الوقف بفصلٍ عدمي، وهو عدم كونه بحيثُ لا يُباع ولا يُوهب.

ثانيهما: الوقف، وهو ما يكون متفصّلاً بكونه بحيث لا يُباع ولا يُوهب.

وعليه فالصدقة بمنزلة الجنس، وبأحد الفصلين تصبح وقفاً، وبالآخر صدقة خاصّة.

فقوله عليه السلام: «لا تُباع ولا تُوهب»، ليس وصفاً لنوع الصدقة قطعاً.1.


1) الكافي: ج 7/39 ح 40، وسائل الشيعة: ج 19/186 أبواب الوقوف والصدقات باب 6 ح 4 (24408).

2) المكاسب: ج 4/34.

3) كالأيرواني في حاشيته: ج 1/171.

اللّهُمَّ إلّاأنْ يُقال: إنّ مرادهم من صفة نوع الصدقة، كونه وصفاً لنوعٍ من الصدقة، فلا يرد عليهم هذا الإيراد.

أقول: ثمّ إنّ مرادهم من كونه وصفاً للنوع أعمٌّ من كونه فصلاً مقوّماً للنوع، وكونه لازماً للوقف، فلا يرد على الشيخ رحمه الله التهافت في كلماته، حيث استظهر في المقام كونه صفة لنوع الصدقة، ويصرّح فيما بعد من عدم كون المنع من الانتقال مأخوذاً في حقيقة الوقف كما لا يخفى‌.

ثمّ إنّ المراد من كونه وصفاً للشخص، كونه وصفاً له بنحو الاشتراط؛ إذ لو لم يكن ذلك فصلاً أو لازماً للنوع، يمتنع كونه مقوّماً للشخص بما أنّه فردٌ لهذا النوع، وليست هذه الحيثيّة من مشخّصات الفرد، فيتعيّن جعله مشخّصاً بنحو الاشتراط والالتزام، وعليه فالأمر يدور بين كونه وصفاً للنوع، وكونه وصفاً للشخص بنحو الاشتراط، والأظهر هو الأوّل؛ وذلك لوجوه:

الوجه الأوّل: أنّ الظاهر من قوله عليه السلام: «لا تُباع» كونه بنفسه وصفاً للصّدقة، لا التزاماً وجعلاً.

الوجه الثاني: أنّه لو كان شرطاً والتزاماً في ضمن التزام، كان المتعيّن عدم ذكره إلّا بعد تحقّق الالتزام الأوّل بما له من الأركان، الّتي منها الموقوف عليه، وأنّ الالتزام يكون على الموقوف عليه، فلا معنى لذكره قبل ذكره.

الوجه الثالث: أنّ الظاهر من صورة الوقف أنّه في مقام إنشاء الوقف كتبيّاً مطابقاً للإنشاء اللّفظي الذي أنشأه في الخارج، وإذا لم يكن عدم جواز البيع من لوازم الوقف، وكان شرطاً خارجيّاً، لما صحّ الإنشاء؛ لما عرفت من أنّ الصدقة

بمنزلة الجنس للوقف.

الوجه الرابع: أنّه لو كان شرطاً، كان يصدر الوصف بكلمة (على) أو نحو تلك، فيكون وصفاً للنوع، ولكن لا يدلّ على انحصار حقيقة الوقف في هذا النوع الخاص، فلعلّ له نوعين:

أحدهما: المتقوّم بهذه الحيثيّة.

ثانيهما: غير المتقوّم بها.

فمع فرض كونه وصفاً للنوع، لا يدلّ على المطلوب، اللَّهُمَّ إلّاأن يضمّ عدم الفصل بين أقسام الوقف، ولا بأس به.

أقول: ذكر الشيخ(1)من مرجّحات كونه وصفاً للنوع ما حاصله:

أنّه لو كان شرطاً، كان إطلاقه مخالفاً للمشروع، للجواز في بعض الأحيان، فكان فاسداً بل مفسداً.

والظاهر أنّ‌الفرق بين الجواز الثابت في موارد الاستثناء، والجواز الذي يكون في مطلق الوقف على القول به - حيث إنّه لم يستشكل في الشرط من الناحية الثانية، واستشكل فيه من الناحية الأُولى - أنّ الجواز في موارد الاستثناء يكون عن اقتضاء للجواز، بخلاف الجواز في مطلق الوقف، فإنّه يكون عن عدم ما يقتضي للمنع، فشرط خلاف الأوّل مخالفٌ للمشروع، دون شرط خلاف الثاني، فتأمّل.

ويرد عليه: أنّ‌الشرط إنْكان عدم جوازالبيع كان مخالفاً للمشروع على جميع التقادير، وإنْ كان عدم الفعل، لم يكن مخالفاً له، فإنّ شرط عدم فعل ما هو جائز،5.


1) المكاسب: ج 4/34-35.

لا يعدّ مخالفا للكتاب والسُنّة.

وأيضاً: ربما يُذكر من مرجّحات كونه شرطاً خارجيّاً ما محصّله:

إنّه لو كان شرطاً أمكن حفظ إطلاقه، من جهة علمه عليه السلام بعدم طروء المسوّغات المنافية للاشتراط، ولو كان صفة للنوع لم تجد هذه الجهة، إذ علمه عليه السلام بأنّ شخص هذه الصدقة لا يطرأ عليه المسوّغ، لا يجوز توصيف الطبيعي بوصف يختصّ بهذا الشخص.

موانع بيع الوقف

أقول: ذكر الشيخ رحمه الله(1)تبعاً لبعض الأساطين(2): أنّ المانع عن بيع الوقف اُمورٌ ثلاثة:

1 - حقّ الواقف.

2 - حقّ البطون المتأخّرة عن بطن البائع السابق.

3 - والتعبّد الشرعي الكاشف عنه بالروايات.

وعليه، فلابدَّ لنا من تحقيق حال الموانع الثلاثة، فتقول:

أمّا الأوّل: وهو كونه متعلّقاً لحقّ الواقف، فتقريبه:

أنّ الواقف من خلال جعله العين وقفاً يجعلها صدقة جارية، ينتفع بها انتفاعاً أُخرويّاً بانتفاع الموقوف عليهم، والبيع يوجبُ انقطاع تلك المثوبات لانقطاع الانتفاعات.


1) المكاسب: ج 4/35-36.

2) التستري في مقابس الأنوار: ص 155.

وفيه: إنّ مجرّد انتفاع الواقف أُخرويّاً بعد خروج الملك عن ملكه، لا يصلح مانعاً عن البيع، لأنّ هذا لا يوجبُ حدوث حقّ اعتباري في العين مانع عن بيعها، وتفويت الغرض ليس كتفويت الحقّ مانعاً عن البيع، مع أنّ متعلّق البيع نفس العين، والمثوبات إنّما تكون بإزاء الانتفاعات، فلا مانع من بيع العين وبقاء حقّ الموقوف عليهم من استيفاء المنافع الموجب لانتفاع الواقف متعلّقاً بها، فتأمّل.

لا يقال: إنّ المراد أنّ هذا غرضٌ معاملي للواقف، حيث أنّه أنشأ الوقف بإبقاء العين وتسبيل المنفعة، وقد أمضى الشارع هذا المعنى بقوله: «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها».

فإنّه يقال: إنّ المانع عن البيع على هذا هو حقيقة الوقف لمنافاتها مع جواز البيع، لا حقّ الواقف.

وأمّا كون العين مورداً لحقّ اللّه سبحانه، فتقريبه:

إنّ الوقف صدقة في سبيله تعالى‌، وهي له، وبهذا الاعتبار متعلّقة لحقّه بالخصوص كالخُمس.

وفيه: إنّ غاية ما هناك تقرب الواقف بالعمل، واعطائه تعالى الثواب جزاءً للصدقة الجارية، وهما متحقّقان في جميع العبادات، ولا يوجبان صيرورة العين متعلّقة لحقّ مقابل للحكم.

وأمّا الثاني: وهو كون العين مورداً لحقّ البطون اللّاحقة، فتقريبه:

إنّ الواقف جعل الوقف مِلْكاً لهم بعد وجودهم، فلهم قبل ذلك حقّ متعلّق بالعين، وهو يمنع عن البيع.

وفيه: إنّ ما يثبت للبطون اللّاحقة لا محالة يكون بإنشاء الواقف، ومن الواضح أنّه إنّما أنشأ الملكيّة خاصّة، فليس هناك أمرٌ آخر اعتباري يعبّر عنه بالحقّ يمنع عن البيع.

وأمّا الملكيّة: فحيث أنّها تثبت لهم بعد وجودهم، فقبله لا تكون العين مورداً للملكيّة لهم، فلا مانع من البيع من هذه الجهة.

أقول: نعم، يمكن أنْ يذكر وجه آخر للمنع، وهو:

إنّ البطن الموجود إنّما يملك العين بالملكيّة المحدودة لا المرسلة، فإنّ تلك كانت للواقف، وقد قسّمها على البطون، فكلّ بطنٍ تملك العين في مدّة محدودة، والبيع هو التمليك مرسلاً مطلقاً، فالمالك بالملكيّة المحدودة ليس له البيع.

وقد وقع النزاع بين صاحب «الجواهر» رحمه الله(1)وشيخه(2)، وبين الشيخ رحمه الله(3)، حيث ذهب الأولان إلى أنّ الوقف يبطل بنفس جواز البيع، وخالفهما الشيخ رحمه الله وذهب إلى بقائه ما لم يتحقّق البيع، وبه يبطل.

وقد يقال: إنّه لا ثمرة لهذا النزاع، فإنّه قبل طروّ المسوّغ لا يجوز البيع، وبعده يصحّ‌، ولكن إذا طرأ المسوّغ ولم يبع، ثمّ ارتفع السبب المجوّز على القول بارتفاع صفة الوقفيّة، لا مورد لتوهّم ارتفاع الجواز، فإنّ الوقف لا يعود بارتفاعه، وأمّا على القول ببقائها يمكن القول بارتفاع الجواز؛ لدورانه مدار السبب المسوّغ.

اللّهُمَّ إلّاأنْ يُقال: إنّ دليل عدم جواز بيع الوقف حيثُ لا عموم أزماني له،6.


1) الجواهر: ج 22/358.

2) الشيخ الكبير في شرح القواعد: ص 85.

3) المكاسب: ج 4/36.

فبعد خروج قطعةٍ من الزمان عنه، يكون المحكّم بعد تلك استصحاب الجواز، لا إطلاق دليل المنع، فلا تكون هذه ثمرة.

أقول: فيه تأمّل، لأنّ هذا لا يتمّ على ما سَلكناه(1)من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام.

وكيف كان، فقد عرفت أنّ ما اختاره صاحب «الجواهر» هو الأقوى‌.

الوقف قد يكون تمليكاً وقد يكون فكّاً

بعدما ثبت أنّ مقتضى العمومات الواردة في الوقف هو عدم جواز البيع فلأصحابنا في الخروج عن عموم المنع في الجملة أقوالاً.

ولا يخفى أنّ استفادة الاتّفاق من الأصحاب، ولو في موردٍ خاص مشكل؛ لاختلاف كلماتهم في أصل الخروج عن المنع وفي موارده، وكلماتهم لا تخلو من الإشكال والتشويش، وقد بذل جمعٌ - منهم الشيخ رحمه الله(2)- جهدهم في استقصائها، شكر اللّه مساعيهم، ولا يهمّنا نقلها وتحقيق ما يظهر منها، إنّما المهمّ هو بيان ما يستفاد من الأدلّة، فيقع الكلام:

تارةً‌: في الوقف المؤبّد.

وأُخرى‌: في المنقطع.

أمّا الأوّل: ففي «المكاسب»(3): (إنّ الوقف على قسمين: أحدهما: ما يكون ملكاً


1) راجع زبدة الأُصول من الطبعة الجديدة: ج 5/373 (جريان الاستصحاب من الحكم الشرعى المستنبط من الحكم العقلي.. الإيراد الخامس)، وأيضاً يأتي في نفس المصدر تحت عنوان (التفصيل بين الشكّ في الرافع والمقتضي).

2) المكاسب: ج 4/38-53.

3) المكاسب: ج 4/53-54.

للموقوف عليهم، والثاني: ما لا يكون ملكاً لأحدٍ، بل يكون فكّ ملكٍ نظير التحرير... الخ).

أقول: تنقيح القول في المقام هو أنّ الكلام يقع:

أوّلاً: في أنّه هل يخرج المِلك عن ملك الواقف أم لا؟.

وثانياً: في أنّه على فرض الخروج، هل يدخل في ملك الموقوف عليه خاصّاً أو عامّاً أو لا؟ أم يفصّل بين العام والخاص‌؟.

أمّا الموضع الأوّل: فقد استدلّ لعدم الخروج - الذي ذهب إليه أبو الصلاح الحلبي(1)- بقوله صلى الله عليه و آله: «حبِّس العين وسبِّل المنفعة»(2)، وبقول الفقهاء: إنّه تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة.

بتقريب: أنّ الظاهر من الحبس إبقائه على حاله وملك مالكه.

وفيه: أنّ الظاهر من الحبس - بقرينة تسبيل المنفعة - الحبس على الموقوف عليه، كما أنّ التسبيل له، دون الحبس على الواقف.

أقول: وقد استدلّ للخروج عن ملكه بوجوه بيّنة الفساد، والصحيح أن يستدلّ له:

بأنّ الملكيّة من الاعتبارات، والاعتبار لابدَّ وأن يكون بلحاظ الآثار، فالاعتبار الذي لا يترتّب عليه أثر، لغو لا يصدر من العقلاء والشارع، وحيث أنّ اعتبار كون المال مِلْكاً للواقف مع كونه ممنوعاً من التصرّفات، ورجوع منافعه إلى).


1) الكافي في الفقه: ص 325.

2) غوالي اللآلي: ج 2/260 ح 14، وعنه المستدرك: ج 14/47 أبواب الوقف باب 2 ح 1 (16074).

الموقوف عليه لغوٌ وبلا أثر، فلا يصدر من العقلاء والشارع، فلا محالة بالوقف يخرج عن ملكه.

وأيضاً: يمكن أنْ يستدلّ له بما اشتمل من النصوص على كيفيّة الوقوف وصدقات المعصومين عليهم السلام من قولهم «بتاً بتلاً»(1)أي منقطعاً عن الواقف، ومباناً عنه، لأنّ البَّت والبتل بمعنى القطع.

وأمّا الموضع الثاني: فعن الأكثر(2)- بل المشهور - انتقاله إلى الموقوف عليه، ونَقَل الحِلّي(3)عن بعضهم اختيار انتقاله إلى اللّه تعالى‌، وعن «المبسوط»(4)نسبته إلى قومٍ‌، وعن الشهيد الثاني في «المسالك»(5)، والعلّامة في «القواعد»(6)التفصيل بين العام والخاص.

أقول: قد استدلّ لصيرورته مِلْكاً للموقوف عليه بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّ المتلف للعين الموقوفة يعدّ ضامناً للموقوف عليه، فلو لم يكن مِلْكاً له لما كان وجه للضمان.

وفيه: إنّه يكفي في الحكم بالضمان إضافتها إليه، ولو بكونها محبوسة عليه لينتفع بها، فيكون البدل كالمبدل مورداً ومصرفاً لانتفاعه به.

الوجه الثاني: إنّ فائدة الملك - وهي استحقاق النماءات والمنافع - تكون له،9.


1) الفقيه: ج 4/249 ح 5593، وسائل الشيعة: ج 19/186 أبواب الوقوف والصدقات ب 6 ح 2 (24406).

2) نسبه إلى الأكثر الشهيد الثاني في المسالك: ج 5/376.

3) السرائر: ج 3/153.

4) المبسوط: ج 3/287.

5) مسالك الأفهام: ج 5/377.

6) قواعد الأحكام: ج 2/349.

فيكشف ذلك عن ملك العين.

وفيه: إنّ ملكيّة المنافع والنماءات إنْ لم يتعلّق بها إنشاءٌ مستقلّ كانت تابعة لملكيّة العين، وأمّا إذا تعلّق الإنشاء بها مستقلّاً - كما في باب الإجارة - فلاتكشف عن ملكيّة العين، والمقام من هذا القبيل، فإنّ الوقف عبارة تسبيل المنافع بالاستقلال.

الوجه الثالث: إنّ الوقف من أركانه الموقوف عليه، إمّا خاصّاً أو عامّاً، ولو كان مجرّد فكّ الملك لما احتاج إليه.

وفيه: إنّ الاحتياج إليه إنّما هو من جهة كونه مالكاً للمنافع أو الانتفاع، لا من حيث كونه فكّاً للملك.

الوجه الرابع: إنّ الوقف لو كان فكّاً لا تمليكاً، لما احتاج إلى القبول كالعتق، مع أنّه يتوقّف عليه.

وفيه: إنّ الاحتياج إلى القبول إنّما هو من جهة كون الموقوف مورداً ومصرفاً للنماءات والانتفاعات.

واستدلّ للقول بانتقاله إلى اللّه تعالى: بأنّ الوقف إزالة الملك عن المالك على وجه القربة، فيكون منتقلاً إلى اللّه تعالى، وهو كما ترى‌.

واستدلّ للقول الثالث: في الخاص بما تقدّم، وفي العام والجهات بتساوي نسبة كلّ واحدٍ من المستحقّين، واستحالة ملك كلّ واحدٍ أو واحدٍ معيّن أو غير معيّن للإجماع، واستحالة الترجيح، ولا المجموع من حيث هو مجموع، لاختصاص الحاضر به، فيتعيّن أن يكون للّه سبحانه وتعالى‌.

وفيه أوّلاً: إنّه لا مانع من الالتزام بأنّه مالٌ لا مالك له.

وثانياً: إنّه يمكن الالتزام بكون المالك هو الكلّي، كما في الخمس والزكاة.

والحقّ أنْ يقال: إنّ الوقف على أقسام:

أحدها: ما يملك الموقوف عليه منفعة العين الموقوفة، فيجوز له نقلها بإجارتها ونحوها، كالأوقاف الخاصّة أو ما يشبهها من الأوقاف العامّة كالبستان الموقوف على الطلاب.

ثانيها: ما يملك الموقوف عليه الانتفاع بها، ولا يملك المنفعة، كان ملك الانتفاع بإنشاء الواقف كالمدارس والخانات، أو بحكمٍ من الشارع كالمسجد، فإنّه لم يقصد به إلّاجعله مسجداً، وقد حكم الشارع بجواز الصلاة فيه من دون ان يجعله الواقف وقفاً على المصلّين.

ثالثها: ما لا يترتّب عليه ملك المنفعة ولا الانتفاع، كما في المعلّقات الموقوفة على العتبات والمشاهد المقدّسة.

أمّا في الأخيرين: فالأظهر عدم الملك، فإنّه من عدم ملكيّة المنفعة، يستكشف عدم ملكيّة العين، إذ لو كانت العين مِلْكاً كانت المنفعة أيضاً مِلْكاً.

وأمّا في الأوّل: فيمكن القول بكون العين للموقوف عليه، للتعبير عن ذلك في النصوص بالصدقة التي هي الإعطاء مجّاناً بقصد القربة، سيّما وفي بعضها مثل ما تضمّن صدقة الإمام الكاظم عليه السلام(1)نسبتها إلى جميع حقّه من الأرض الموقوفة، فإنّه لا ينبغي التوقّف في استفادة الملك من ذلك، كما لا يخفى‌.

بيع الوقف مع عدم كونه مِلْكاً

أقول: بعدما ثبت أنّ للوقف قسمين:


1) الكافي: ج 7/53 ح 8، وسائل الشيعة: ج 19/202 أبواب الوقوف والصدقات باب 10 ح 4 (24427).

أحدهما: ما يكون ملكاً للموقوف عليهم.

وثانيهما: ما لايكون ملكاً لهم، بل هو فكّ وتحرير، فإنّه يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: في بيع ما لا يكون ملكاً في الموارد التي لو كانت ملكاً كان يجوز بيعها، والتي سيأتي ذكرها في المقام الثاني.

الثاني: في ما يكون ملكاً لهم.

أمّا المقام الأوّل: فقد قال الشيخ رحمه الله: (وأمّا الثاني: فالظاهر عدم الخلاف في عدم جواز بيعه لعدم الملك... الخ)(1).

أقول: الكلام في هذا المقام يقع في موارد:

أحدها: فى حكم الأوقاف العامّة غير المسجد، كالخانات والمدارس ونحوهما.

ثانيها: في حكم المسجد.

ثالثها: في حكم أجزاء المسجد.

رابعها: في ثوب الكعبة.

أمّا المورد الأوّل: فإنْ قلنا بأنّه يعتبر في البيع كون العوضين مملوكاً للمتعاقدين قبل البيع، لم يصحّ بيعها بوجهٍ‌، لعدم الملك، ولا إجارتها لعدم ملك المنفعة على الفرض.

فما عن بعضهم(2)من جواز الإجارة، حتّى في مثل المسجد إذا خرب، لا ينطبق على هذا المبنى‌.

وأمّا على المختار من عدم اعتبار ذلك، وأنّه يكفي كونه مالكاً للبيع، ومسلّطاً5.


1) المكاسب: ج 4/54.

2) كاشف الغطاء في شرح القواعد (مخطوط): ص 84-85.

على التمليك - كما في بيع الكلّي في الذّمة، وإجارة الحُرّ نفسه - فلا إشكال في جوازالبيع، إذ كما يقال في الوقف الخاص: إنّ‌العين بشخصها محبوسة ما دام إلى ذلك سبيلٌ‌، وإلّا فهي محبوسة بماليّتها دون شخصها، فتتبدّل بعين أُخرى تُجعل مكانها، كذلك يقال في الوقف العام أنّ‌العين محبوسة بشخصهاما دام يمكن الانتفاع بها، وإلّا فهي محبوسة بماليّتها ومطلقة من جهة شخصيّتها بلا تفاوت بينهما أصلاً.

حكم إجارة المسجد: بما ذكرناه يظهر حال الإجارة، وأنّها تصحّ‌، بل هي أولى بذلك لاحتفاظ العين بشخصيّتها برغم وقوع الإجارة على منافعها من البيع.

حكم فراش المسجد: كما أنّه ظهر حكم حصير المسجد وما يفرش به، فإنّه كسائر الأوقاف العامّة، ولا يتوقّف جواز بيعه على كونه مِلْكاً للمسلمين كما أفاده الشيخ رحمه الله(1).

حكم الأوقاف العامّة: كما أنّه ظهر حكم الأوقاف العامّة التي ليست لأجل انتفاع المسلمين، بل لغرضٍ آخر كالتزيين، فإنّها وإنْ لم تكن مملوكةً لأحدٍ - لعدم الدليل - إلّاأنّه يجوز بيعها في موارد جواز البيع لو كانت مملوكة.

وأمّا المورد الثاني: فملخّص القول فيه:

إنّ للمسجد - مع قطع النظر عن كونه من الأوقاف العامّة، ويجوز انتفاع المسلمين به في الصلاة وغيرها - حيثيّة أُخري‌، وهى الحيثيّة المسجديّة، وأحكام خاصّة من حرمة تنجيسه ووجوب إزالة النجاسة عنه ونحوهما، وهذه الحيثيّة - أي حيثيّة كون الأرض بيت اللّه - قائمة بشخص هذه الأرض لا بما لها من الماليّة، وهذه7.


1) المكاسب: ج 4/56-57.

الحيثيّة تمنع عن بيعه.

وأمّا إجارته فبما أنّها لا تنافي هذه الحيثيّة، ومن حيث أنّه وقف عام أيضاً لا مانع لفرض كون المورد من موارد الجواز، فلا محذور فيها.

وبذلك ظهر تماميّة ما أفاده كاشف الغطاء رحمه الله.

وأمّا المورد الثالث: فالظاهرأنّحالها حال المسجد، فإنّها من أجزائه، وتجمعها والعرصة صيغة واحدة، وبناء الأصحاب على ترتّب أحكام المسجد عليها من حرمة التنجيس، ووجوب إزالة النجاسة وغيرهما ما لم يصرّح بعدم دخولها في المسجد، وعليه فلايجوز بيعهابوجه، فإنْ أمكن الانتفاع بهافي ذلك المسجد، وإلّا ينتفع بها في مسجدٍ آخر، وإنْ لم يمكن ذلك صُرفت في سائر مصالح المسلمين.

ودعوى‌: الشيخ كاشف الغطاء رحمه الله(1)من أنّ لكلّ أحدٍ حيازتها وتملّكها، من جهة أنّ للموقوف عليهم الانتفاع بها ومنها التملّك بالحيازة.

ضعيفة: لما عرفت من عدم قابليّة المسجد لذلك.

كما أنّ ما عن جماعةٍ من الفرق بين عرصة المسجد وبنيانه، في غير محلّه.

وأمّا المورد الرابع: فقد دلّت النصوص على جواز بيع ثوب الكعبة وستارتها على النحوالمرسوم من البيع بعد سنة(2)، ولا يهمّناالبحث في تطبيقها على القواعد.

وما أفاده المحقّق الايرواني رحمه الله: من (أنّ عنوانه ليس عنوان الوقف، بل هو).


1) شرح القواعد (مخطوط): ص 84-85.

2) لم نقف على ما دلَّ على جواز بيعه بعد سنة، وممّا دلَّ على الجواز رواية مروان بن عبد الملك عن أبي الحسن عليه السلام، راجع الكافي: ج 3/148 ح 5، وسائل الشيعة: ج 13/258 أبواب مقدّمات الطواف باب 26 ح 3 (17688).

مبذول كسوة الكعبة على النهج المتعارف الذي يُباع بعد مدّة معيّنة، ثمّ يُصرف ثمنه في الخدمة، فالعين باقية على ملك مالكها، وقد أذن في التصرّف كذلك)(1).

غير تامّ‌: لأنّ لازمه عدم جواز البيع لو رجع صاحبه عن إذنه أو مات، وانتقل إلى ورّاثه، ولم يرضوا به، أو كان فيهم صغير.

أقول: ما أفاده المحقّق الاصفهاني رحمه الله(2)

(3و4) المكاسب: ج 4/60.

من أنّه (ليس حبساً مؤبّداً مع وضوح أنّ المرسوم في ثوب الكعبة تجديده في كلّ عام، بلا قصد لمعطيه إلّاتزيين الكعبة مدّة، ثمّ يكون لقيّم البيت وسَدنته أو لعامّة المسلمين)، أقربُ إلى الصواب.

ولو أُتلف شيئاً من هذه الموقوفات، أو أجزائها متلفٌ‌، ففي الضمان وجهان، وقد استدلّ لعدم شمول قاعدة «على اليد» له بوجوه:

الوجه الأوّل: ما في «المكاسب»، من (أنّ ما يطلب بقيمته يطلب بمنافعه، والمفروض عدم المطالبة باُجرة منافع هذه لو استوفاها ظالمٌ‌)(3).

وفيه: إنّ هذه الملازمة لم يدلّ عليها دليلٌ‌، بل لا ملازمة، لأنّ المنافع الفائتة تحت اليد على القول المشهور غيرمضمونة، مع أنّ العين التالفة تحت اليد مضمونة.

الوجه الثاني: ما في «المكاسب» أيضاً، من (أنّ الظاهر من التأدية الإيصال إلى المالك، فيختصّ بأملاك النّاس)(4).

وفيه: الظاهر منها التأدية إلى أهله، سواء كان هو مالكاً أو مورداً للانتفاع به.

الوجه الثالث: أنّ الضمان إنّما هو بمعنى اشتغال الذّمة بالبدل، فلابدَّ وأن يفرض شخص مالكاً، ليكون هو من له الذّمة، ومع عدمه لا معنى لاشتغال الذّمة.0.


1) حاشية المكاسب: ج 1/172-173.

2) حاشية المكاسب: ج 3/107.

وفيه أوّلاً: معنى الضمان كون العين في العهدة، وأثرها وجوب رَدّ العين عند وجودها، ورَدّ بدلها عند تلفها، أو القائم مقامها ملكاً أو مورداً للانتفاع.

وثانياً: إنّه لا مانع من اعتبار كون الكلّي في الذّمة الذي هو مورد لملك الانتفاع، فمعنى ضمانه للموقوف عليه، اشتغال ذمّته بكلّي البدل الذي هو مورد لسلطنتهم على الانتفاع، والتقوّم بمن له الذّمة يكفي فيه هذا المقدار.

وبالجملة: الأظهر هو الضمان بالإتلاف أو التلف.


صور بيع الوقف

أقول: اتّفقت كلمات الفقهاء على جواز بيع الوقف في موارد، فلابدَّ من البحث فيها، وتنقيح القول فيه بالبحث في صور المسألة، فإنّ لبيع الوقف صوراً:

الصورة الأُولى: أن يخرب الوقف بحيث لا يمكن الانتفاع به.

وقد استدلّ الشيخ رحمه الله(1)لجواز البيع في هذه الصورة بطريقين:

الأوّل: أنّ المقتضى موجودٌ والمانع مفقود.

الثاني: الاستدلال وإقامة الدليل على الجواز.

أمّا الوجه الأوّل: فبتقريب أنّ المقتضي للجواز وهو الملك موجودٌ، فيعمّه المقتضي في مقام الإثبات، وهو أدلّة نفوذ البيع، والمانع أيضاً مفقودٌ - بالتفصيل الذي سيمرّ عليك - فلابدَّ من البناء على الجواز.

وأُورد عليه: بأنّ الوقف بذاته منافٍ لجواز البيع، فلا يعقل ارتفاع المانع إلّا ببطلان الوقفيّة، وهو خلاف الفرض، إذ المفروض جواز بيع الوقف وتبديله وسراية الوقفيّة إلى بدله.

ولكن يدفعه: أنّ الشيخ رحمه الله لا يُسلّم المبنى، مع أنّه على هذا المبنى أيضاً يمكن أنْ يقال بعدم المنافاة كما سيمرّ عليك.

أقول: قد ذُكر في وجه عدم جريان أدلّة المنع بأنّ أدلّة المنع ثلاثة:

1 - الإجماع.


1) المكاسب: ج 4/61.

2 - قوله عليه السلام: «لا يجوز شراء الوقف»(1).

3 - قوله عليه السلام: «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها إنْ شاء اللّه»(2).

وشيءٌ منها لا يجري في المقام:

أمّا الإجماع: فواضحٌ‌.

وأمّا الثاني: فلانصرافه إلى غير هذه الحالة.

وأمّا الثالث: فلأنّه مسوقٌ لبيان وجوب مراعاة الكيفيّة المرسومة في إنشاء الوقف. وعدم البيع ليس منها.

مع أنّه لو سُلّم أخذ إبقاء العين في الوقف، فحيث أنّ الوقف تحبيس العين وتسبيل الثمرة، فهو يختصّ بصورة إمكان الانتفاع، فكما أنّه في أوّل الأمر مع عدم وجود الثمرة لا يتحقّق الوقف، كذلك يتوقّف بقائه على استدامة ذلك، فبنفاد الثمرة يبطل الوقف.

أقول: ولكن يرد على ما ذكره من الانصراف:

أنّ الانصراف الناشيء عن قلّة وجود الفرد، لا يصلح لتقييد الإطلاق، مع أنّ كلّ عينٍ موقوفة مآلها إلى الخراب بحسب العادة، فليست حالة الخراب قليلة ونادرة بالإضافة إلى حالة العمارة.

وأمّا الإيراد عليه: بأنّ مورده الأرض الخَربة، فكيف يُدّعى الانصراف‌؟

فيمكن الجواب عنه: بأنّ المدار على عدم إمكان الانتفاع، لا على صدق الخراب، والأراضي المعدّة للزرع إنّما لا يمكن الانتفاع بها بانقطاع الماء عنها ونحوه،).


1) الكافي: ج 7/37/35، وسائل الشيعة: ج 19/185 أبواب الوقوف والصدقات ب 6 ح 1 (24405).

2) الفقيه: ج 4/237 ح 5567، وسائل الشيعة: ج 19/175 أبواب أحكام الوقوف ب 2 ح 1 (24386).

لا بعدم كونها مشغولة بالزراعة.

ويرد على الوجه الأوّل: من استدلاله بقوله عليه السلام: «الوقوف على حَسَب... الخ»، هو أنّ هذا ينافي استدلاله بهذا الخبر على عدم جواز البيع، مضافاً إلى فساد ذلك؛ لما عرفت من أنّ عدم جواز البيع ليس حكماً شرعيّاً محضاً مترتّباً على الوقف، بل عدم البيع مأخوذٌ في حقيقته.

ويرد على الوجه الثاني: أنّ الوقف عبارة عن تحبيس العين دائماً، وتسبيل ما لها من المنفعة كائنةً ما كانت لا تسبيلها دائماً.

وقد يقال: فى وجه عدم مانعيّة الوقف عن البيع - كما عن المحقّق النائيني رحمه الله(1)- بأنّ قوام الوقف بأمرين: بقاء العين الموقوفة، وكونها ذات منفعة، لأنّه عبارة عن حَبس العين وتسبيل المنفعة، وإذا خرب الوقف بنحوٍ لا يُنتفع به، فلا محالة تتبدّل الصورة النوعيّة للعين الموقوفة إلي صورة نوعية أُخري عرفاً. مثلاً النخلة الموقوفة إذا قُلعت، تعدّ المقلوعة عرفاً خشبة لا نخلة، وبالتبدّل - أي تبدّل الصورة النوعيّة التي تعلّق الوقف بها - يبطل الوقف، ويبقى ذات الجسم فيجوز بيعها.

وبعبارة أُخرى‌: الوقف متعلّق بعناوين خاصّة كعنوان الشجر والحمّام والبستان وأمثال ذلك، ومع الخراب لا تبقى هذه العناوين، ولا تصدق على الموجود أساميها، والوقف يدور مدار صدق الاسم.

وفيه: إنّ الوقف كسائر المعاملات من البيع والهبة، فكما أنّه يتعلّق بالعناوين الخاصّة، كذلك يتعلّق به المعاملات، فكما أنّ تبدّل الصورة النوعيّة لا يوجب زوال0.


1) منية الطالب: ج 1/350.

الملكيّة، كذلك لا يوجب زوال الوقف الذي هو تمليك خاص.

وبالجملة: تبدّل الصورة النوعيّة لا يؤثّر في الملكيّة، فلا وجه لبطلان الوقف من هذه الجهة.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ الوقف يتعلّق بالموجود الخارجي بما له من الحالات، ولذا لو تبدّلت صورته النوعيّة إلى صورة نوعية أُخرى ينتفع بها، فإنّه لا إشكال في عدم جواز بيع الوقف، مع أنّ لازم هذا الوجه والوجه الثاني الذي أفاده الشيخ رحمه الله هو بطلان الوقف وعود العين الموقوفة إلى الواقف أو ورثته، أو إبقائها مِلْكاً طِلقاً للموقوف عليه الموجود، أو كونها من المباحات الأصليّة التي تُملك بالحيازة، لا جواز بيع الوقف وسراية الوقفيّة إلى بدلها وعوضها.

أقول: فالصحيح في وجه عدم المنع أنْ يقال:

إنّ حقيقة الوقف لمّا كانت تحبيس العين وتسبيل المنفعة، كان الواقف بحسب ارتكازه حينما يوقف ما لا ينتفع به بشخصه إلى الأبد، قاصداً لأن تكون العين الموقوفة محبوسة بشخصها ما دام إلى الانتفاع بها سبيل، وبما لها من الماليّة إذا لم يمكن الانتفاع بها مع بقائها بشخصها، وعليه فإذا سقطت العين الموقوفة عن قابليّة الانتفاع، كان لازم تطبيق قوله: «الوقوف على حَسَب مايوقفها» تبديلها بمايماثلها في الماليّة، لأنّ ذلك في نظر العقلاء من أنحاء حفظ المال بما هو مال.

وبالجملة: تسليطالموقوف عليهم على الانتفاع إلى الأبد، يوجب التوسعة في الموقوف، وحبسه إنّما يكون بما ذكرناه، فالتبديل ليس إزالة للحبس، بل هو حفظ للمال بما هو مالٌ عند العقلاء الذي هو غرض الواقف المعاملي. فتدبّر فيما ذكرناه فإنّه دقيق.

وبهذا البيان يظهر الوجه في دعوى انصراف ما قيل من إنّه «لا يجوز شراء الوقف» عن مثل الفرض.

وعليه، فالأظهر جواز البيع في هذه الصورة.

وأمّا الطريق الثاني: فقد استدلّ للجواز بأنّ الأمر دائرٌ بين:

1 - تعطيله حتّى يتلف بنفسه.

2 - وبين انتفاع البطن الموجود به بالإتلاف.

3 - وبين تبديله بما يبقى وينتفع به الجميع.

والأوّل: تضيّيعٌ مناف لحقّ اللّه، وحقّ الواقف، وحقّ الموقوف عليهم.

والثاني: منافٍ لحقّ سائر البطون، مع أنّه يستلزم جواز بيع البطن الأوّل، إذ لا فرق بين إتلافه ونقله.

والثالث: هو المطلوب.

أقول: ولكن يرد على ما أفاده في الشقّ الأوّل - وهو أنّ تعطيله حتّى يتلف منافٍ لحقوق اللّه تعالى والواقف والموقوف عليه - أمران:

الأمر الأوّل: ما تقدّم من أنّه لا أصل لهذه الحقوق، وهي غير ثابتة، وليس هناك إلّاالتعبّد بعدم البيع أو أخذه في مفهومه.

الأمر الثاني: أنّه لو سُلّم هذه الحقوق، فهي متعلّقة بالعين الموقوفة، وتتوقّف على ثبوت المنفعة فيها، وإلّا فلا حقّ للموقوف عليه باعتبار الانتفاع دنيويّاً، ولا للواقف أخرويّاً مترتّباً على الدنيوي، ولا للّه تعالى لعدم المصرف للملك، فلا حقّ كي يجب تبديل العين رعايةً لذلك الحقّ‌.

اللَّهُمَّ إلّاأنْ تكون الحقوق قائمة بالأعمّ من العين والماليّة، لكن ذلك أوّل البحث.

وأمّا مسألة كون الإبقاء تضيّيعاً، فيرده: أنّ كون مثل هذا التضييع حراماً غير مسلّم، مع أنّه لو سُلّم فلا إشكال في أنّ حرمة التضييع مقيّدة بما إذا لم يكن ذلك بتجويز من الشارع، فمع فرض عموم دليل المنع عن بيع الوقف، يكون هذا التضييع بحكم الشارع، نظير إتلاف آلات اللّهو، فلا وجه لحرمته.

ويرد على ما أفاده في الشقّ الثاني: - مضافاً إلى ما مرّ - أنّ جواز الإتلاف لا يستلزم جواز البيع، فإنّ جواز الإتلاف يكفي فيه الملكيّة الفعليّة، وجواز البيع لا يكفي فيه ذلك، بل يتوقّف على كونها ملكيّة مرسلة غير محدودة، وسيأتي أنّ ملكيّة البطن الموجود ليست كذلك.

وأمّا استصحاب المنع: فردّه الشيخ رحمه الله بقوله: إنّ (المنع السابق في ضمن وجوب العمل بمقتضى الوقف، وقد ارتفع يقيناً، فلا يبقى ما كان في ضمنه)(1).

وفيه: أنّه إنْ أراد بذلك أنّه من قبيل القسم الثالث من أقسام الاستصحاب الكلّي.

فيرد عليه: أنّ انتفاع البطون بالعين، مع لزوم إبقائها، والمنع عن نقلها، من قبيل اللّازم والملزوم، أو المتلازمين، لا من قبيل الكلّي والفرد، وارتفاع الملزوم أو الملازم لا يقتضي ارتفاع اللّازم أو الملازم الآخر، لإمكان قيامه بملزوم آخر.

وإنْ أراد به ارتفاع الموضوع.

فيرد عليه: أنّ العين المنتفع بها متّحدة بنظر العرف مع العين التي لا ينتفع بها،2.


1) المكاسب: ج 4/62.

والانتفاع من الحيثيّات التعليليّة لا التقييديّة.

وبالجملة: فالصحيح في وجه المنع من الاستصحاب الوجه الأوّل، بضميمة ما ذكرناه في محلّه(1)من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام.

حكم الثمن على تقدير بيع الوقف

أقول: وتمام الكلام حول حكم بيع الوقف يتحقّق ببيان اُمور:

الأمر الأوّل: في حكم الثمن على تقدير البيع.

أقول: والظاهر أنّه لا خلاف في أنّه لا يخصّ به البطن الموجود، لأنّه:

إنْ كان جواز البيع من جهة ما ذكرناه، من أنّه إبقاء الوقف وحفظ الموقوف بما هو مال، أو من جهة ما ذكره الشيخ رحمه الله أخيراً وهي رعاية الحقوق، فلا إشكال في عدم الاختصاص، كما لا يخفى‌.

وإنْ كان من جهة ما ذكره أوّلاً من ثبوت المقتضي وعدم المانع، فللكلام في الاختصاص وعدمه وجه.

وقد استدلّ الشيخ رحمه الله(2)لعدم الاختصاص بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ البدليّة تقتضي ذلك، لأنّ المبيع ملك للموجودين بالفعل، وملك بالقوّة للمعدومين، وشأناً بمقتضى تمليك الواقف، فكذلك الثمن.


1) راجع: زبدة الأُصول: ج 5/335، مبحث: (جريان الاستصحاب في الحكم الشرعي المستنبط من الحكم العقلي.. الإيراد الخامس)، وأيضاً يأتي في نفس المصدر صفحة 337 تحت عنوان (التفصيل بين الشكّ في الرافع والمقتضي).

2) المكاسب: ج 4/63.

ودعوى: أنّه لا تحقّق للملك الشأني، يكذّبها إنشاء الواقف له كإنشائه لملك الموجود.

وعليه، فحيث أنّ المعوّض يخرجُ عن ملك جميع الطبقات، فلابدَّ وأن يدخل العوض في ملك الجميع أيضاً.

وفيه: إنّ الملكيّة أمرٌ اعتباري، وهي إمّا متحقّقة أو غير متحقّقة، وليست الملكيّة الشأنيّة سنخاً من الملكيّة الاعتباريّة، بل ليس معنى ذلك سوى القابليّة لأن يصير ملكاً، وإنشاء الواقف إنّما يكون سبباً لحصول الملكيّة للطبقة اللّاحقة حين وجودها، بلا حالة منتظرة كما في الوجوب المعلّق على أمر متأخّر، فكون الإنشاء موجوداً لا يلازم كون المنشأ كذلك.

وبالجملة: المتحقّق بالنسبة إلى البطن اللّاحق، ليس إلّاالقابليّة، لا الملكيّة الاعتباريّة، وعليه فحقيقة المعاوضة لا تقتضي الاشتراك، ومجرّد القابليّة لا يكون من الحقوق التي تكون متعلّقة بالمبيع، ليسري إلى بدله بالبيع.

الوجه الثاني: إنّ ملكيّة كلّ بطن للعين الموقوفة، ليست ملكيّة مرسلة غير محدودة بزمان أو زماني، بل هي بحسب إنشاء الواقف محدودة ببقاء ذلك البطن وحياته.

وبعبارة أُخرى‌: الواقف إنّما أنشأ ملكيّة كلّ طبقةٍ بانبساط ماله من الملكيّة المرسلة على جميع الطبقات، فلكلّ طبقةٍ ملكيّة محدودة بحياتها، وعليه فإذا أعطى البطن الموجود ماله من الملكيّة، لم يكن ذلك بيعاً، مع أنّ لازمه رجوع المبيع بعد انعدام البطن السابق إلى البطن اللّاحق، فلا يملكه المشتري مِلكاً مستمرّاً، وإنْ‌

أعطى الملكيّة المرسلة المنبسطة، فبالنسبة إلى مقدار ملكيّة البطون اللّاحقة إمّا بالولاية، أو بإذن المتولّي، أو إذن الحاكم الشرعي، فلا محالة يدخل الثمن في ملك الجميع على النحو الذي كان المثمن ملكاً لهم.

حكم بدل العين الموقوفة

الأمر الثاني: إنّه قد ظهر ممّا ذكرناه أنّه لا حاجة إلى صيغة الوقف في البدل.

وقد يقال: إنّ الوقف إذا كان عين تمليك الطبقات على التدريج، وكان عدم جواز البيع من آثار هذا التمليك الخاص، فتتحقّق الوقفيّة بمجرّد المبادلة، من دون الحاجة إلى إجراء صيغة الوقف.

وأمّا إذا كان الوقف هو حبس العين، فما يحصل بالبيع هو تمليك الطبقات تدريجاً من دون حصول عنوان الحبس، فلابدَّ من إنشائه بالصيغة.

أقول: ولكن هذا لو تمّ فإنّما هو بناءً على كون دليل الجواز هو وجود المقتضى وعدم المانع، وأمّا بناءً على ما اخترناه في وجه الجواز من كونه إبقاءً للوقف، وحفظاً للموقوف بما هو مال، فعدم الاحتياج إلى إجراء الصيغة واضح.

الأمر الثالث: الظاهر أنّ البدل ليس مثل الأصل ممنوعاً عن بيعه؛ والوجه في ذلك ما تقدّم من أنّ الخصوصيّة الشخصيّة للعين الموقوفة سقطت عن الوقفيّة بواسطة تعذّر الانتفاع، وحدوث الخراب، فما بقى على الوقفيّة هو الماليّة، وخصوصيّة الثمن لا تكون وقفاً كما هو الحال بالنسبة إلى المثمن حسب إنشاء الواقف، فيجوز تبديله وبيعه ما لم يضرّ بالماليّة.

الأمر الرابع: قد ظهر أيضاً ممّا ذكرناه عدم وجوب شراء المماثل للوقف، ولكن قد استدلّ لوجوب شرائه بوجوه:

الوجه الأوّل: إنّ المثل أقرب إلى مقصود الواقف.

وفيه أوّلاً: إنّ غرض الواقف لا ضابط له.

وثانياً: إنّه لا دليل على لزوم مراعاة غرض الواقف، ما لم يكن ذلك غرضاً عقديّاً ومصبّاً للعقد.

الوجه الثاني: إنّه لا إطلاق للأدلّة المجوّزة، والمتيقّن منها هو البيع بالمماثل أو الشراء بالمماثل.

وفيه: إنّ مدرك الجواز لم يكن دليل خاص كي يجري فيه ذلك، بل هو عدم شمول دليل المنع، فلا وجه لهذه الدعوى‌.

الوجه الثالث: وهو الصحيح، ومحصّله:

إنّ الواقف حين ما وقف وقف العين التي لها ماليّة، وخصوصيّات نوعيّة، وخصوصيّات شخصيّة، فحبس الجميع ما دام إلى الانتفاع بها سبيل، وإلّا فالجهتان الأوليتان محبوستان، وعليه فلابدَّ من رعاية الخصوصيّات النوعيّة.

اللّهُمَّ إلّاأنْ يُقال: إنّ المعلوم من حال الواقف لحاظ ماليّة العين والخصوصيّات الشخصيّة، أمّا لحاظ الخصوصيّات النوعيّة، وتعلّق إنشاء الوقف بها فغير معلوم، والأصل عدمه.

أقول: والأحوط الأوّل، وعلى أيّ تقدير، فإنّه يجوز بيعه بالنقود وشراء المماثل أو غيره بها، وقد فرضه الشيخ رحمه الله في المقام(1)والوجه فيه تعارف البيع بالنقود وتعسّر بيعه بالمماثل.7.


1) المكاسب: ج 4/66-67.

من له ولاية البيع

الأمر الخامس: صرّح غير واحدٍ(1)أنّ المتولّي للبيع هو البطن الموجود بضميمة الحاكم القيّم.

أقول: وفي المقام قولان آخران:

أحدهما: أن يكون ذلك إلى الناظر إنْ كان(2).

ثانيهما: عدم الاحتياج إلى الضميمة(3).

واستدلّ للأخير: بأنّ الموقوف عليهم الموجودين هم المالكون، فلا يحتاج بيعهم إلى ضَمّ شخصٍ آخر.

وفيه: إنّ ملكيّتهم محدودة، وأمّا الملكيّة المرسلة فهي قد أعطيت لغيرهم.

واستدلّ للقول الأوّل:

1 - بأنّ الحاكم ولي المعدومين: إمّا من باب كون الحاكم وليّ القاصر، أو لكونه ولي الممتنع، الشامل للممتنع عن اختيار أو اضطرار.

2 - وبأنّ ذلك أحد الأُمور الحسبيّة.

أقول: وفيهما نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ‌المعدوم في المقام لايكون من القاصر ولاالممتنع، لأنّ السالبة


1) منهم الشيخ في المكاسب: ج 4/69 / والتستري في المقابس: ص 159، وغيرهما.

2) قاله الشهيد في غاية المراد: ج 2/442، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد: ج 4/97 و: ج 9/79، والشهيد الثاني في مسالك الأفهام: ج 3/170، على اختلاف بينهم.

3) ظاهر الفاضل الصيمري في كتابه (الجواهر) على ما نسبه اليه المحقّق التستري في مقابس الأنوار: ص 159.

هنا بانتفاء الموضوع.

وأمّا الثاني: فلتوقّفه على لزوم البيع، وعدم ثبوت هذا الحقّ للناظر، والأوّل غير ثابت، والثاني فاسدٌ كما ستعرف.

وعليه، فالأظهر هو القول الثاني؛ إذ لا وجه لتوهم عدم ثبوت هذا الحقّ له سوى ما أفاده الشيخ رحمه الله(1)، وحاصله: أنّ الناظر له التصرّف في نفس العين، ولا دليل على نظارته على البدل.

ولكن يدفعه: إنّ بيع الوقف حفظاً للوقف بعنوان أنّه مالٌ‌، فيكون ذلك من أهم الأُمور الملحوظة للواقف.

وبالجملة: فالأظهر كون ذلك إلى الناظر لو كان. نعم، مع عدمه تصل النوبة إلى الحاكم الشرعي.

الأمر السادس: إذا بيعت العين الموقوفة بما لا ينتفع به - كالنقدين - ولم يمكن شراء ما ينتفع به، فهل يدفع الثمن إلى البطن الموجود لا بأن يكون له خاصّة - لأنّه لا يجوز قطعاً بعد اشتراك جميع الطبقات فيه - بل ليكون تحت يده حتّى يوجد ما ينتفع به، أم يوضع عند أمين، أم عند الناظر لو كان‌؟، وجوه:

أقول: قد استدلّ لعدم جواز الدفع إلى الموجود: بأنّه مالٌ مشتركٌ بينه وبين سائر البطون، فلا يجوز جعله تحت سلطنته، وإنّما كان يُدفع العين إليه لسلطنته على الانتفاع بها فعلاً بلا مزاحم، وكذلك بدلها الذي ينتفع به.

وأمّا البدل الذي لا ينتفع به، فلا سلطنة له على الانتفاع به كي تكون له9.


1) المكاسب: ج 4/69.

السلطنة على البدل فيدفع إليه لذلك.

وفيه: إنّ الثمن وإنْ كان لا ينتفع به، إلّاأنّه ملكٌ للبطن الموجود وليس كالملك المشترك عَرَضاً، بل الاشتراك طولي، فهو في هذه الحال ملك للبطن الموجود خاصّة، ولازم ذلك سلطنته على إمساكه.

ولو تنزّلنا عن ذلك، فالمتعيّن دفعه إلى الناظر، لأنّه المنصوب لذلك، وإلّا فيوضع عند أمين.

فرع: إذا لم يمكن شراء شيءٍ بالثمن يُنتفع به بدون الخيار، وأمكن شراء ما ينتفع به مع الخيار، هل يجوز ذلك أم لا؟.

ربما يقال: بالثاني نظراً إلى أنّ البدل وقفٌ‌، والوقف عبارة عن تحبيس العين، وهذا ينافي مع الخيار، إذ الحبس إلى أن يفسخ حبس موقتٌ لا دائمي.

ولكن يدفعه: أنّ وقف البدل - كما تقدّم - غير وقف الأصل، فإنّ وقف البدل إنّما هو حبسه بما أنّه مالٌ‌، ولا دخل لخصوصيّاته الشخصيّة في الوقف، ولذا بنينا على جواز التبديل اختياراً، والخيار لا ينافي حبسه بما هو مال، إذ غايته الفسخ والتبديل بعين أُخرى‌، وعليه فيجوز ذلك، ولو طلب البطن الموجود ذلك، وجب ذلك حفظاً لحقّ الانتفاع به.

ثمّ‌إنّه إذا رضى البطن الموجود في الإتّجار، وكان ذلك صلاحاًلجميع البطون، جاز الإتّجار به، ويكون الربح مشتركاً بين البطون؛ لأنّ مجموع ما اشترى بالثمن وبيع بالثمن وقع بإزاء ما هو بدل الوقف، بل هو زيادةٌ يشترك فيه الجميع، وليس الربح من المنافع كي يختصّ به البطن الموجود، بل هو زيادة حصلت بالتجارة،

ووقعت بإزاء الماليّة التي كانت وقفاً، فإلى أيّ مرتبة وصلت الماليّة تكون باقية على الوقفيّة.

الأمر السابع: الظاهر عدم الفرق في جواز البيع بين خراب الجميع، أو البعض، كما لا ينبغي الإشكال في جواز صرف الثمن في الباقي، أو وقفٍ آخر عليهم.

إنّما الكلام فيما إذا كان انتفاع البطون اللّاحقة بالباقي محتاجاً إلى ذلك، ولم يرض البطن الموجود به، هل يجوز الصرف أم لا؟.

قد يقال: بالجواز؛ نظراً إلى تعارض الضررين.

أقول: ولكن الحقّ عدم الجواز، لأنّ الضرر في نفسه متوجّه إلى البطون اللّاحقة، ولا يجب على البطن الموجود تحمّل الضرر لدفعه عنهم.

وعليه، فالأظهر عدم الجواز، نعم لو قامت القرينة على شرط الواقف ذلك تعيّن.


الصورة الثانية من صور بيع الوقف

أن يخرب عين الوقف بحيث يسقط عن الانتفاع المعتدّ به، إلى حَدٍّ يصدق عرفاً أنّه لا منفعة فيه، كدار انهدمت وصارت عرصة تؤجّر باُجرة غير معتدّ بها.

أقول: الكلام فيها يقع في موارد:

الأوّل: ما إذا خرب الوقف بحيث سقط عن الانتفاع عرفاً، وكان ما له من المنفعة قليلة جدّاً، بحيث تلحق بالمعدوم.

الثاني: ما إذا خرب بحيث سقط عن المنفعة المعتدّ بها، ولم تكن المنفعة بالغة هذه المرتبة من القلّة.

الثالث: في وقف العنوان.

أمّا المورد الأوّل: فالظاهر جواز البيع؛ لجريان ما ذكر في الصورة الأُولى، من انصراف أدلّة المنع وغيره من الوجوه في هذا المورد، لا سيّما ما ذكرناه من أنّ البيع إبقاء الوقف وحفظ الموقوف بما هو مال.

وأمّا المورد الثاني: فقد يستظهر من القائلين بالجواز في الصورة الأُولى، الجواز في هذا المورد، بحمل قولهم «لا يجدي نفعاً» على إرادة عدم النفع المعتدّ به، كما أنّه قد يستظهر المنع بحمله على إرادة عدم النفع بالمرّة.

وكيف كان، فالمتّبع هو الدليل، وغاية ما قيل في وجه الجواز ما أفاده المحقّق الاصفهاني رحمه الله(1)، وحاصله: أنّ غرض الواقف من الوقف أمران:


1) حاشية المكاسب: ج 3/135.

1 - حفظ خصوصيّة العين الموقوفة.

2 - حفظ خصوصيّة الانتفاع.

وحيث أنّ الغاية المقصودة هو الانتفاع الخاص، وحبس العين بما هي مقصودٌ بالتبع، ولا يكاد يزاحم المقصود بالتبع ما هو المقصود بالأصالة، فلا محالة يقدّم الأوّل، فيجوز البيع واشتراء ما ينتفع به بمثل تلك المنفعة الخاصّة.

وفيه: إنّ غرض الواقف العقدي إنّما هو تسبيل المنفعة لا مرتبة خاصّة من الانتفاع، فمع بقاء المنفعة، وإمكان الانتفاع، لا وجه لجواز التبديل، كما لا يخفى‌.

وعليه، فالأظهر عدم الجواز في هذا المورد.

وأمّا المورد الثالث: فقد اختار صاحب «الجواهر» رحمه الله(1)صحّته وبطلان الوقف بانعدام العنوان، وخالفه الشيخ رحمه الله(2).

أقول: لا إشكال في عدم صحّة وقف العنوان من حيث هو، لعدم وجود الثمرة المسبلة له، ولا أظنّ ذهاب أحدٍ إلى جوازه، والظاهر أنّنظرصاحب «الجواهر» رحمه الله إلى أنّه يمكن وقف العين الخاصّة ما دامت معنونة بعنوان البستانيّة مثلاً.

أقول: الكلام في ذلك:

تارةً‌: في مقام الثبوت.

وأُخرى‌: في مقام الإثبات.

أمّا في مقام الثبوت: فلا أري فيه محذوراً، لأنّ الملكيّة قابلة للتحديد من حيث الزمان أو الزماني، بأن تعتبر ملكيّة الشيء ما دام معنوناً بعنوان البستانيّة، ويمكن5.


1) الجواهر: ج 22/358-359.

2) المكاسب: ج 4/75.

تأييده بملكيّة الخَلّ ما دام خَلّاً، وإذا انقلب خمراً خرجت عن الملكيّة، وبملكيّة الأرض المحياة على القول بدوران الملكيّة مدار الحياة، وكذلك الأمر في الحبس مِلْكاً، ومقتضى عمومات الوقف والمعاملات صحّة مثل هذا الوقف، فيكون كالوقف المنقطع الآخر.

ودعوى: أنّه يدلّ على بطلانه ما دلَّ على اعتبار التأبيد في الوقف.

مندفعة: بأنّه لا دليل عليه سوى الإجماع، وهو مختصٌّ بالتأبيد من حيث الزمان، وتمام الكلام في محلّه.

وأمّا مقام الإثبات: فلا يبعد ظهور جعل الوقف متعلّقاً بالعنوان في كونه للإشارة إلى المعنون، وأنّ تمام الموضوع هو المعنون، فلو قصد وقف العنوان بالنحو المعقول، لابدَّ من ذكره والتصريح به.


الصورة الثالثة من صور بيع الوقف

ويدور البحث فيها عمّا لو خرب الوقف بحيث قلّت منفعته، لكن لا إلى حَدٍّ يلحق بالمعدوم. وهي تنحلّ إلى صورتين:

إحداهما: أن تقلّ المنفعة التي لاحظها الواقف، مع بقاء مقدارٍ معتدّ به منها، سواءٌ أكان الملحوظ جميع المنافع أو نوع خاص منها.

ثانيتهما: أن تزول المنفعة التي لاحظها الواقف بالمرّة، مع وجود غيرها.

أمّا في الصورة الأُولى‌: فلا ينبغي التوقّف في عدم الجواز؛ لأدلّة المنع عن بيع الوقف.

وأمّا في الصورة الثانية: فالأظهر أنّه بناءً على خروج العين عن الحبسيّة بانتفاء منفعته بالمرّة، تخرج العين عنها في هذه الصورة، إذ المنفعة المقصودة تكون منتفية بالمرّة، وحيث أنّ المنفعة الأُخرى ليست متعلّقة للوقف وغرض الواقف، فتخرج العين عن الوقفيّة بقول مطلق، ويكون حكم هذا الوقف حينئذٍ حكم الوقف المنقطع الآخر.

وعلى ذلك، فيمكن بناء نزاع الشيخ رحمه الله(1)والحِلّي قدس سره(2)في مسألة النخلة المنقلعة على ذلك، ويكون نظر الشيخ رحمه الله في افتائه بالجواز إلى الصورة الثانية، ونظر الحِلّي رحمه الله إلى الصورة الأُولى، ويكون النزاع بينهما لفظيّاً.



1) الشيخ الطوسي قدس سره في الخلاف: ج 3/551-552، كتاب الوقف، مسألة 23.

2) السرائر: ج 3/167.

الصورة الرابعة من صور بيع الوقف

في ما لو كان بيع الوقف أنفع وأعود للموقوف عليه.

أقول: لم ينقل القول بجواز البيع في هذه الصورة عن أحدٍ، سوى المفيد رحمه الله(1)، ولم يرض المصنّف رحمه الله(2)بإسناده إليه، وعليه فلا قائل به.

وكيف كان، فالعمدة في المقام خبران:

أحدهما: خبر جعفر بن حنّان، عن الإمام الصادق عليه السلام:

«عن رجلٍ وقف غِلّة له على قرابته من أبيه وقرابته من اُمِّه - إلى أن قال - قلت: فللورثة من قرابة الميّت أن يبيعوا الأرض إن احتاجوا ولم يكفهم من الغلّة‌؟

قال عليه السلام: نعم إذا رضوا كلّهم، وكان البيع خيراً لهم باعوا»(3).

ثانيها: التوقيع الشريف الصادر جواباً لكتاب الحميري إلى صاحب الزمان عليه السلام، أنّه كتب إليه: «روي عن الصادق عليه السلام خبرٌ مأثور: إذا كان الوقف على قوم بأعيانهم وأعقابهم، فاجتمع أهل الوقف على بيعه، وكان ذلك أصلح لهم أن يبيعوه، فهل يجوز أن يشتري من بعضهم إنْ لم يجتمعوا كلّهم على البيع أم لا يجوز إلّا أن يجتمعوا كلّهم على ذلك، وعن الوقف الذي لا يجوز بيعه‌؟

فأجاب عليه السلام: إذا كان الوقف على إمام المسلمين، فلا يجوز بيعه، وإذا كان على قومٍ من المسلمين فليبع كلّ قومٍ ما يقدرون على بيعه مجتمعين ومتفرّقين»(4).


1) المقنعة: ص 652-653.

2) المكاسب: ج 4/78.

3) الكافي: ج 7/35 ح 29، وسائل الشيعة: ج 19/190 أبواب الوقوف والصدقات ب 6 ح 8 (24412).

4) الإحتجاج: ج 2/490، وسائل الشيعة: ج 19/191 أبواب الوقوف والصدقات باب 6 ح 9 (24413).

أمّا الخبر الأوّل: فأُورد عليه بوجوه:

الوجه الأوّل: ضعف السند لجهالة جعفر.

وفيه: إنّمن رجال السند الحسن بن محبوب، الذي يعدّمن أصحاب الإجماع.

الوجه الثاني: إنّه جَمَع فيه بين الوقف والوصيّة، فإنّ الوقف إنْ كان مقدّماً بطلت الوصيّة، وإنْ كانت الوصيّة مقدّمة، كان الوقف فسخاً لها، وإنْ كانا متقارنين بإنشاء واحد، فمضافاً إلى عدم معقوليّته، لزم بطلان الوصيّة لتوقّف نفوذها على الموت دون الوقف، فيتمّ سبب الوقف، فلا يبقى موقعٌ لنفوذ الوصيّة.

وفيه: إنّه يمكن فرض صدور الوصيّة بعنوان الشرط على الموقوف عليهم في ضمن عقد الوقف، على أن يعطوا المقدار المعيّن للموصى له، فإذا مات الموصى له عادت جميع المنافع إلى الموقوف عليهم، كما هو المفروض في الخبر.

الوجه الثالث: ما في «المكاسب»، من أنّه يدلّ (على الجواز مع حاجة الموقوف عليهم، لا لمجرّد كون البيع أنفع، فالجواز مشروط بالأمرين)(1).

وفيه: أنّ هذا الجواب يكفي إلزاماً للخصم، وإلّا فيمكن الالتزام باعتبار الحاجة، أي الحاجة إلى نفعٍ زائد ليفي بمؤونته، وهذه غير الحاجة الشديدة المعدودة من المسوغات بنفسها.

الوجه الرابع: ما ذكره الشيخ رحمه الله(2)أيضاً، من أنّ المراد بالخير يحتمل أن يكون هو الخير الذي بلحاظه يكون الفعل اختياريّاً، وهو طلب الفعل لما فيه من الدّاعي الموافق لغرضه، والجواز في هذا الفرض ممّا لم يقل به أحدٌ.

وفيه: إنّ السائل سأل عن البيع الاختياري الموافق لغرضه، وليس هذا أمراً1.


1) المكاسب: ج 4/81.

2) المكاسب: ج 4/81.

مُبهماً كي يحتاج إلى تكراره في الجواب.

الوجه الخامس: ما ذكره الشيخ رحمه الله(1) أيضاً، من أنّه يُحتمل إرادة الخيريّة بلحاظ ما فرضه السائل من رفع الحاجة، وقد تقدّم الكلام في ذلك.

الوجه السادس: ما عن «المختلف»(1)وجماعةٍ‌(2)من ظهوره في الوقف المنقطع، ومحلّ الكلام الوقف المؤبّد.

وفيه: إنّ مقتضى إطلاقه على هذا، هو جواز البيع في الطبقات المتوسّطة قبل الانقراض، ومن الواضح عدم الفرق بينه وبين المؤبّد حينئذٍ، إذ الفرق إنّما يصلح في الطبقة الأخيرة أو بعد انقراضهم، كما لا يخفى‌.

الوجه السابع: ماذكره الشيخ رحمه الله(4) أيضاً، من أنّ ظاهره بيع الوقف وصرف ثمنه كيف شاء، وهذا أيضاً ممّا لايمكن الالتزام به، إذ لا يعقل كون المبدل مشتركاً والبدل مختصّاً.

وفيه: إنّ الظاهر منه - كما تقدّم - بيع الوقف إذا كان الثمن أكثر نفعاً، فراجع(3).

وبالجملة: فالحقّ فى الجواب عنه هو إعراض الأصحاب، وعدم إفتائهم بمضمونه.

وأمّا الخبر الثاني: فالكلام يقع فيه:

تارةً‌: في ما أرسله عن الإمام الصادق عليه السلام.

وأُخرى‌: فيما أجاب عليه السلام به أخيراً.

أمّا الأوّل: فهو يدلّ على جواز البيع إذا كان أصلح، وهو المدّعى.د.


1) مختلف الشيعة: ج 6/289.

2) منهم الفاضل المقداد في التنقيح الرائع: ج 2/329، وابن فهد في المهذّب البارع: ج 3/67، والمحقّق التستري في مقابس الأنوار: ص 145.

3) صفحة 119 من هذا المجلّد.

وأُورد عليه بجملةٍ من الإيرادات الواردة على الخبر الأوّل، وقد تقدّم ما فيها.

وقد يقال: إنّه يقيد إطلاقه بمفهوم الخبر الأوّل، من حيث التقييد بالحاجة، فيكون أخصّ من المدّعى.

وفيه - مضافاً إلى ما تقدّم - أنّه لا مفهوم لكلام الإمام عليه السلام كي يقيّد به إطلاق هذا الخبر، إذ الشرط إنّما ذكر في السؤال دون الجواب.

وبالجملة: فالحقّ في الجواب عنه أنّه معرضٌ عنه عند الأصحاب.

وأمّا الثاني: فيرد عليه - مضافاًإليذلك - أنّه في مقام البيان من حيث الاجتماع والتفرّق، لا في مقام بيان جواز بيع الوقف من حيث هو كي يتمسّك بإطلاقه.

قال المحقّق النائيني:(1)في معرض الجواب عنه بوجه آخر، وهو:

إنّه يدلّ على جواز بيع الوقف مطلقاً، فالنسبة بينه وبين أدلّة المنع هي التباين، وإذا خصّصت أدلّة المنع بصورة الخراب، انقلبت النسبة بينهما إلى عموم مطلق، فيخصّص إطلاقه بها.

وفيه: إنّا لا نقول بانقلاب النسبة في شيء من الموارد، فإذا كانت النسبة هي التباين، تعيّن طرحه لوجوه لا تخفى‌.

***1.


1) منية الطالب: ج 1/351.

الصورة الخامسة من صور بيع الوقف

فى ما لو كان بقاء العين الموقوفة موجباً لتضرّر الموقوف عليهم ضرراً شديداً.

أقول: ذهب جماعة(1)إلى جواز البيع في هذه الصورة، وعن «الانتصار»(2)و «الغنية»(3)دعوى الإجماع عليه.

واستدلّ له:

1 - بالإجماع.

2 - وبأنّ الضرورات تبيح المحظورات.

3 - وبخبر جعفر المتقدّم الدالّ على جواز البيع مع الحاجة، بعد تقييد الحاجة بالشديدة، للإجماع على عدم كفاية ما دونها من المرتبة.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ مصطلحهم فى الإجماع غير مصطلح المتأخّرين، فلا يركن إليه.

وأمّا الثاني: فلأنّ الضرورة ترفع الحرمة لا الحكم الوضعي.

وأمّا الثالث: فلما مرّ من أنّ الظاهر منه الحاجة إلى البيع للتبديل بما هو أنفع من حيث وفاء النفع بمؤونته، لا الحاجة إلى البيع لصرف الثمن في رفع الحاجة التي هي محلّ الكلام.


1) منهم الشيخ المفيد في المقنعة: ص 652-653، والسيّد المرتضى في الانتصار كما سيأتي، والشيخ في المبسوط: ج 3/287، وسلّار في المراسم: ص 197، وابن حمزة في الوسيلة: ص 370، والراوندي في فقه القرآن: ج 2/293، وغيرهم، فلاحظ المكاسب: ج 4/43-52.

2) الإنتصار: ص 226-227.

3) الغنية: ص 298.

وأجاب الشيخ رحمه الله عنه(1): بأنّ ظاهر الخبر كفاية عدم كفاية غِلّة الأرض لمؤونة سنة الموقوف عليهم في جواز البيع، وهذا أقلّ مراتب الفقر الشرعي، والنسبة بينه وبين الحاجة الشديدة هي العموم من وجه؛ إذ قد يكون فقيراً لا مؤونة له، ولا حاجة شديدة إلى البيع لتتميم مؤونته من مال الفقراء، وقد تكون له حاجة شديدة وله مؤونة سنة، وقد يتفقان.

ويمكن دفعه: بأنّ الحاجة إلى تتميم المؤونة بالبيع إنْ كانت مسوّغة للبيع كانت الحاجة الشديدة أولى بذلك. فتأمّل.

وبالجملة: كيف كان، فالأظهر المنع لعموم الأدلّة.

***3.


1) المكاسب: ج 4/83.

الصورة السادسة من صور بيع الوقف

أن يشترط الواقف بيعه عند الحاجة.

ففي المسألة أقوال:

القول الأوّل: نفوذ الشرط وجواز البيع، ذهب إليه المصنّف في محكي «الإرشاد»(1)، وتوقّف فيه في محكي «القواعد»(2).

القول الثاني: عدم نفوذ الشرط مع افساده للوقف وعدمه، ذهب إليه جماعة.

القول الثالث: التفصيل بين شرط البيع عند عروض المسوّغ له فيجوز، وبين غيره فلا، ذهب إليه في محكي «جامع المقاصد»(3).

أقول: الكلام في المقام يقع في موضعين:

الأوّل: فيما تقتضيه القواعد.

الثاني: فيما يقتضيه النص الخاص.

أمّا الموضع الأوّل: فقد يقال بفساد الشرط لوجهين:

الوجه الأوّل: أنّه مخالفٌ لمقتضى العقد، إمّا من جهة أنّ الوقف بمعنى الحبس والممنوعيّة من التصرّفات فينافيه شرط البيع، أو من جهة أنّ الوقف للتأبيد، والوقف إلى مدّة باطلٌ‌، والتأبيد منافٍ لجواز البيع.

الوجه الثاني: أنّه مخالف للسُنّة، لما دلَّ من النصوص على عدم جواز


1) إرشاد الأذهان: ج 1/455.

2) قواعد الأحكام: ج 1/269-270.

3) جامع المقاصد: ج 9/73.

بيع الوقف(1).

أقول: والحقّ أنّه إنْ كان الشرط بيعه عند تحقّق شيء من المسوّغات، فلا إشكال فيه أصلاً، إذ الجواز حاصل والشرط مؤكّدٌ له.

وإنْ كان بيعه لا عند تحقّق شيء من المسوّغات:

1 - فإمّا أن يكون الشرط مطلقاً.

2 - وإمّا أن يكون معلّقاً على تقدير خاص.

وعلى التقديرين:

1 - إمّا أن يكون الشرط البيع مع كون الثمن وقفاً.

2 - وإمّا أن يكون البيع مع عدم كون الثمن وقفاً.

الأوّل: فإنْ كان الشرط مطلقاً، مع عدم كون الثمن وقفاً، فإنّه لا ينبغي التوقّف في فساد الشرط؛ لكونه منافياً لمقتضى العقد - بناءً على ما عرفت من أخذ عدم البيع في مفهومه - ومخالفاً للسنّة، لما دلَّ على عدم جواز بيع الوقف من السنّة.

الثاني: وإنْ كان مطلقاً، مع كون العوض وقفاً، فالأظهر صحّته لأَوْلِ ذلك إلى وقف الشيء بما أنّه مال، أي يكون الوقف الجامع بين المال وبدله، فيكون الشرط منافياً لمقتضى إطلاق الوقف لا أصله.

الثالث: وإنْ كان معلّقاً:

فإنْ كان الشرط بيعه، وجعل ثمنه وقفاً، صَحّ‌، لأنّه يؤول إلى وقف العين بما أنّها مالٌ مع خصوصيّة إلى زمان حصول ذلك التقدير، وبعده تكون وقفاً بما أنّهاً.


1) تقدّم طرف منها آنفاً.

مال، فهذا أيضاً منافٍ لمقتضى إطلاق العقد لا أصله، وأدلّة المنع عن بيع الوقف لا تشمل البيع بعد الشرط كي يكون الشرط منافياً للسُنّة.

وإنْ كان معلّقاً، وكان الشرط بيعه، وصرف ثمنه، أي عدم كونه وقفاً:

فإنْ قلنا: بأنّ عدم البيع مأخوذٌ في حقيقة الوقف، صَحّ ذلك، لأنّه يرجع إلى أنّه وقف ما لم يتحقّق التقدير الخاص الذي علّق عليه جواز البيع، وإذا تحقّق فلا وقف، ومقتضى إطلاق أدلّة الوقف ونفوذ المعاملات صحّة مثل هذا الوقف.

ودعوى: أنّه منافٍ للتأبيد المعتبر في الوقف.

مندفعة: بعدم الدليل على اعتباره، وأنّه يصحّ الوقف مع عدمه، لا سيّما إذا كان مردّداً بين الانقطاع وعدمه.

وإنْ قلنا: بأنّه من أحكامه لا من مقوّماته، فالأظهر عدم الصحّة، إلّامع إنشاء الوقف إلى زمان حصول ذلك التقدير، فإنّ عدم جواز بيع الوقف ولزومه ليس من الحقوق، بل من الأحكام، فالشرط منافٍ للسُنّة.

أقول: وبما ذكرناه يظهر ما في كلمات الشيخ رحمه الله(1).

وأمّا الموضع الثاني: أي ما يقتضيه النص الخاص، وهو الصحيح الحاكي لوقف أمير المؤمنين عليه السلام ماله بينبع حيث جاء فيه قوله عليه السلام:

«فإنْ أراد - يعني الحسن عليه السلام - أن يبيع نصيباً من المال، فيقضي به الدَّين، فليفعل إنْ شاء لا حرج عليه فيه، وإنْ شاء جعله شروى(2)المِلك. وإنّ ولد عليّ وأموالهم إلى الحسن بن علي. وإنْ كان دار الحسن بن علي غير دار الصدقة فبدا له).


1) المكاسب: ج 4/86.

2) شروى: أي مثل، اُنظر (الصحاح - شرار 6:2392).

أن يبيعها فليبعها إنْ شاء، لا حرج عليه فيه، وإنْ باع فإنّه يقسمها...»(1)الحديث.

وهذا أيضاً يدلّ على الجواز، ومورد الاستدلال به قوله عليه السلام: «فإنْ أراد أن يبيع نصيباً من المال... الخ».

أقول: وأُورد عليه بإيرادات:

الإيراد الأوّل: أنّه يدلّ على جواز بيع الوقف عند الحاجة، فيخرج عن محلّ الكلام.

وفيه: إنّه ظاهر في كونه في مقام إعطاء السلطنة للموقوف عليه في ضمن الوقف على البيع، وهذا هو الاشتراط.

الإيراد الثاني: أنّه محمولٌ على الوصيّة، نظراً إلى ما ورد في صدره من قوله عليه السلام:

«هذا ما أوصى به وقضى في ماله عبد اللّه عليّ‌»، وقوله عليه السلام في آخره: «ولا يحلّ - إلى قوله - أن يغيّر شيئاً ممّا أوصيتُ به».

وفيه: إنّه ينافيه قوله عليه السلام: «الذي كتبتُ من أموالي هذه صدقة واجبة بتلة حيّاً أنا أو ميّتاً»، ولا تكون الوصيّة بتلة واجبة حين الحياة، بل الوقف كذلك، وإطلاق الوصيّة على جميع ما يدبّره الإنسان من شؤون ماله بنحو الإيصاء به لمن يقوم بعده بالأمر الشائع، واختصاص الوصيّة بالمعهودة إنّما هو في لسان الفقهاء خاصّة.

الإيراد الثالث: أنّه قابلٌ للحمل على إرادة قضاء الدَّين من حاصل الوقف.

وفيه: إنّه منافٍ لقوله: «أن يبيع»، ولقوله: «جعله شروي المِلْك»، أي مِلْكاً نفيساً لنفسه.).


1) الكافي ج 7 ص 49 ح 7، وسائل الشيعة: ج 19/199 أبواب الوقوف والصدقات ب 10 ح 3 (24426).

الإيراد الرابع: أنّ مورده الوقف العام، ولا إشكال في عدم جواز البيع فيه.

وفيه: قد تقدّم الجواب عنه، وأنّه لا فرق بين الوقف العام والخاص.

وبالجملة: الإنصاف أنّ الخبر لا إشكال فيه دلالةً‌، كما لا إشكال فيه سنداً، فيدلّ على جواز البيع مع الشرط، وقد عرفت أنّه مقتضى القاعدة.

أقول: وربما يستدلّ للجواز بجملة أُخرى من الرواية، وهي قوله عليه السلام: «فبدا له أن يبيعها فليبعها إنْ شاء، لا حَرَج عليه».

ولكن يمكن الإيراد عليه: بعدم ثبوت كون مورده وقفاً، وذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: قوله عليه السلام: «وإنْ كان دار الحسن بن عليّ غير دار الصدقة»، أي غير الصدقات العامّة، وهذا كما يمكن حمله على ما إذا كانت من الأوقاف الخاصّة على الذريّة، يمكن حمله على دار الصدقة التي فوّض أمرها إليه، وجَعل له سُكناها ما دامت الحاجة، وبعده بعنوان الوصيّة يفعل ما أمره به.

اللّهُمَّ إلّاأنْ يُقال: إنّ المراد بهذه الجملة هو أنّه إذا كانت دار الحسن التي هي مسكنه غير دار الصدقة، ولم يكن له حاجة إلى دار الصدقة، ورأى المصلحة في بيعها، فليبعها إنْ شاء، ويصرف ثمنها في المصارف المذكورة.

الوجه الثاني: أنّ تلك الدار لم تكن داخلة فيما وقفه في أوّل هذا الخبر؛ فإنّ الموقوف هو ماله بينبع وما حولها وبوادي القرى وبديمة وباُذنية، وجميعها قُرى ومزارع، وليست الدار داخلة فيها، ولكن في الجملة الأُولى كفاية.


الصورة السابعة من صور بيع الوقف

أن يؤدّي بقاء العين الموقوفة إلى علماً أو ظنّاً.

ذهب جماعة(1)منهم المانعون عن بيع الوقف مطلقاً، والمفيد(2)والديلمي(3)والفاضلان(4)في أكثر كتبهما، والشهيدان(5)في غير «الدروس»، والمحقّق الكركي(6)وغيرهم إلى المنع.

وعن الشيخ في «النهاية»(7)، وابن سعيد في كتابيه(8)، والطوسي(9)والعلويّ والمصنّف في بيع «التحرير»(10)، والشهيد في «الدروس»(11)وغيرهم اختيار الجواز، واختاره الشيخ رحمه الله(12).

وقد استدلّ للجواز بوجوه:


1) من المانعين عن بيع الوقف المؤبّد مطلقاً، كالقاضي في المهذّب البارع: ج 2/92، فقد ذهب إلى جوازه في المنقطع خاصّة، ونسب المنع لكلّ من منع عن بيع الوقف مطلقاً المحقّق التستري في المقابس: ص 154.

2) المقنعة: ص 652.

3) المراسم: ص 197.

4) المحقّق في الشرائع: ج 2/17 و 220، والعلّامة القواعد: ج 1/126، والإرشاد: ج 1/361، والتذكرة: ج 2/444.

5) الشهيد الأوّل في اللّمعة: ص 112، والشهيد الثاني في الروضة: ج 3/255.

6) جامع المقاصد: ج 4/97-98.

7) النهاية: ص 599-600.

8) الجامع للشرائع: ص 372، ونزهة الناظر: ص 74.

9) الوسيلة: ص 370.

10) والتحرير: ج 1/290.

11) الدروس: ج 2/279.

12) المكاسب: ج 4/88.

الوجه الأوّل: ما عن «التنقيح»(1)، من أنّ بقاء الوقف على حاله، والحال هذه إضاعة وإتلافٌ للمال وهو منهيّ عنه شرعاً، فيكون البيع جائزاً.

وفيه: ما تقدّم من أنّ التضييع المحرّم هو ما لم يكن بأمرٍ من الشارع، وحيث أنّ إبقاء الوقف يكون بأمرٍ منه، فلا يشمله دليل حرمة التضييع.

الوجه الثاني: ما عن «المختلف»(2)، و «التذكرة»(3)، و «المهذّب»(4)وغيرها(5)، من أنّ (الغرض من الوقف استيفاءمنافعه، وقدتعذّرت، فيجوز إخراجه عن حَدّه تحصيلاً للغرض منه، والجمود على العين مع تعطيلها تضييع للغرض).

وفيه: إنّ هذا لو تمّ‌، فإنّما هو في آخر أزمنة بقائه الذي خرجت العين فيه عن حيّز الانتفاع، وأمّا قبله فالغرض من الوقف الاستيفاء من شخص العين، وهو ممكن فلا يجوز.

الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله، من أنّه (إذا احتمل احتمالاً عقلائيّاً تأديته إلى الخراب، على نحوٍ لو كان فعلاً خراباً لجاز بيعه، جاز بيعه، لأنّ حكم الاحتمال حكم الخراب، ولكن من حيث كونه طريقاً، لأنّ بعد اعتبار هذا الاحتمال عند العقلاء، فكأنّه صار خراباً فعلاً»(6).

وفيه: إنّ هذا لو تمّ فإنّما هو في احتمال الخراب الفعلي، لا في احتمال تأديته إلى2.


1) التنقيح الرائع: ج 2/330.

2) مختلف الشيعة: ج 6/288.

3) تذكرة الفقهاء (ط. ق): ج 2/444.

4) المهذّب البارع: ج 3/66.

5) كالصيمري في غاية المرام: ج 3/384.

6) منية الطالب: ج 1/352.

الخراب؛ لأنّ هذا الاحتمال ليس طريقاً إلى الخراب بالفعل، كما هو واضح.

الوجه الرابع: ما أفاده الشيخ رحمه الله(1)، ومقصوده دفع الموانع عن التمسّك بعمومات نفوذ البيع، وحاصله: أنّ المانع عن التمسّك بها في الوقف اُمور:

أحدها: حقّ الوقف.

ثانيها: حقّ الموقوف عليه.

ثالثها: الأدلّة المانعة عن بيع الوقف.

أقول: وشيءٌ منها لا يصلح للمنع في المقام:

أمّا الأوّل: فلأنّ غرض الواقف المتعلّق بالانتفاع بشخص العين فائتٌ لا محالة؛ لأَوْلِه إلى الخراب، وغرضه المتعلّق بالانتفاع به بما أنّه مال يتوقّف على البيع، فالبيع ليس منافياً لغرضه.

وأمّا الثاني: فلأنّ المفروض أنّ انتفاع الموقوف عليهم لا يفوّت المحال لانتفاعهم بالبدل، وإلّانتفاع بشخص العين غير ممكن، وأمّا حقّهم في تصدّي البيع، فالمفروض أنّه يباع بإذن البطن الموجود وأولياء البطون اللّاحقة.

وأمّا الثالث: فلانصراف الأدلّة عن صورة أوْلِ العين إلى الخراب المُخرِج لها عن حَدّ الانتفاع.

وفيه: إنّ هذا يتمّ في صورة الخراب، وأمّا قبله فغرض الواقف المتعلّق بالانتفاع بشخص العين ممكنٌ‌، وحقّ الموقوف عليهم في الانتفاع به كذلك، والأدلّة غير منصرفة.0.


1) المكاسب: ج 4/89-90.

وبالجملة: فالأظهر عدم ارتفاع الموانع عن التمسّك بالعمومات.

الوجه الخامس: ما كتبه عليه السلام في جواب ابن مهزيار بقوله: «إنْ كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف أنّ بيع الوقف أمثل فليبع، فإنّه ربما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس»(1).

بتقريب: أنّ قوله عليه السلام: «فإنّه ربما جاء... الخ»، تعليلٌ لجواز البيع في صورة الاختلاف، وأنّ المراد من (الأموال) المذكورة هو الوقف، فإنّ ضمّ (النفوس) إليها إنّما هو لبيان الضرر الآخر المترتّب على الإختلاف، إذ على ذلك يصير المتحصّل من الرواية أنّه كلّما كان الوقف في معرض الخراب جاز بيعه.

وفيه: إنّ كون المراد من كلمة (الأموال) هي العين الموقوفة ممّا لم يشهد به شاهد، بل بقرينة ضمّ (النفوس) إلى (الأموال) يصير ظاهراً في المال الآخر، إذ الاختلاف يوجب صرف المال في الغلبة على الخصم، وأدائه إلى المقاتلة الموجبة لإتلاف النفوس، وهذا بخلاف تلف الوقف الذي هو أجنبي عن تلف النفس.

وبالجملة: فالأظهر عدم جواز بيع الوقف إنْ خيف أوْله إلى الخراب، لا سيّما إذا كان الخراب المترقب بعد مدّة طويلة.

نعم، يجوز البيع في آخر أزمنة بقائه، إذ لا منفعة حينئذٍ، واللّه العالم.

***).


1) الكافي: ج 7/36 ح 30، وسائل الشيعة: ج 19/188 أبواب الوقوف والصدقات ب 6 ح 6 (24410).

الصورة الثامنة من صور بيع الوقف

ويدور البحث فيها عمّا لو وقع بين الموقوف عليهم اختلافٌ لم يؤمَن معه تلف المال.

أقول: كلمات القوم في هذه الصورة متشتّتةٌ‌، فلا يصغى إلى نقل الشهرة في الباب، فالمهمّ صرف عنان الكلام إلى الحُجج والأدلّة:

وقد استدلّ للمنع في «المكاسب»(1):

1 - بعموم أدلّة المنع عن بيع الوقف.

2 - وبالاستصحاب.

أقول: ما ذكره من عموم الأدلّة متينٌ في نفسه، وأمّا الاستصحاب فغاية ما يمكن أنْ يقال في تقريبه، هي أنّ عموم دليل نفوذ البيع خُصّص بما دلَّ على عدم جواز بيع الوقف، وهو وإنْ اختصّ بما قبل وقوع الاختلاف المزبور، ولم يكن له عمومٌ شامل له، إلّاأنّه من جهة كون دليل نفوذ البيع والوفاء بالعقد ممّا لا عموم أزماني له، بل هو متضمّنٌ لبيان حكمٍ واحدٍ مستمرّ لكلّ فردٍ من أفراد البيع والعقد، ومع الشكّ في أنّ الخارج هو في زمان أو دائماً، يجري الاستصحاب، ولا يكون مورد التمسّك بالعموم.

وفيه: - مضافاً إلي عدم تماميّة المبنى كما حقّقناه في الأُصول(2)- أنّه لا يكون منطبقاً على المقام، من جهة أنّه ليس هناك فردٌ واحدٌ يكون خارجاً عن تحت


1) المكاسب: ج 4/92-93.

2) قد يظهر ذلك من زبدة الأُصول: ج 5/422 وما بعدها، مبحث: (جريان الاستصحاب في الزمانيّات).

عموم دليل نفوذ البيع في زمانٍ ويُشكّ بعده في خروجه، بل البيع قبل عروض العارض المشكوك الحال فردٌ مقدّر الوجود، والبيع بعد العروض فردٌ مقدّر آخر، وعليه فمع عدم شمول دليل المخصّص، يتعيّن الرجوع إلى عموم دليل النفوذ؛ للشكّ في التخصيص الزائد، بل لو لم يكن هناك عمومٌ‌، لما كان موردٌ لإجراء الاستصحاب، فتدبّر فإنّه دقيق.

واستدلّ للجواز: بمكاتبة ابن مهزيار المتقدّمة في الصورة السابقة.

وأُورد عليه الشيخ رحمه الله: بأنّ قوله عليه السلام: «فإنّه ربما جاء في الاختلاف... الخ» إمّا أن يكون تعليلاً لجواز البيع عند الاختلاف، أو يكون حِكمةً له.

وعلى الأوّل: يتعيّن البناء على جواز بيع الوقف إذا لزم تلف المال والنفس، ولولا لدخل فيه، لأنّ العلّة كما تُخصّص تُعمّم.

وعلى الثاني: يتعيّن البناء على جواز البيع مع الاختلاف مطلقاً، وشيءٌ منهما لا يمكن الالتزام به لعدم إفتاء المشهور به.

وفيه: أنّه يحمل على التعليل كما هو ظاهره، ولكن العلّة هي لزوم تلف المال والنفس من ترك البيع، وإبقاء الوقف على حاله، فإنّ الظاهر منها أنّ عليّة ما ذُكر من جهة أنّ الوقف صدقة جارية يتقرّب بها إلى اللّه تعالى‌، وهذا لا يلائم مع تلف المال والنفس، ولا مانع من الالتزام بالتعميم على هذا، أي الالتزام بجواز البيع في كلّ موردٍ لزم من بقائه تلف المال والنفس.

ودعوى: أنّها مُعرضٌ عنها، ولم يعمل بها الأصحاب، قد تقدّم ما فيها.

وعليه فالمكاتبة تدلّ على الجواز في هذه الصورة، هذا مع قطع النظر عن

الإشكالات المشتركة بين جميع الصور التي سيتعرّض لها الشيخ رحمه الله، وستعرف عدم ورود شيء منها.

وبالجملة: فالأظهر هو جواز البيع فيها.

أقول: وربما يستدلّ له بحديث «لا ضرر»(1)الحاكم على الأدلّة الواقعيّة.

وفيه: إنّ الموقوف عليهم باختيارهم يتلفون المال والنفس، وفي مثل ذلك لا يوجبُ الحديث رفع التكليف الواقعي.

وبه يظهر ما في الاستدلال له بدليل وجوب حفظ النفس، فيما إذا لزم من ترك البيع تلف النفس.

***).


1) الكافي: ج 5/292، باب الضرار، وسائل الشيعة: ج 25/428 أبواب إحياء الموات ب 12 (عدم جواز الإضرار بالمسلم).

الصورة التاسعة من صور بيع الوقف

ويدور البحث فيها عمّا إذا كان يؤدّي الاختلاف بينهم إلى ضرر عظيم.

أقول: قد استدلّ للمنع عن البيع في هذه الصورة:

1 - بعموم الأدلّة.

2 - والاستصحاب.

وقد تقدّم أنّ الاستدلال بالعموم متينٌ‌، ولكن الاستدلال بالاستصحاب في غير محلّه.

وقد استدلّ للجواز بوجهين:

الوجه الأوّل: دليل «لا ضرر»، وقد تقدّم ما فيه.

الوجه الثاني: مكاتبة ابن مهزيار المتقدّمة، بدعوى أنّه يستفاد منها أنّ ذكر تلف النفس والمال إنّما يكون من باب المثال لمطلق الضرر العظيم، والإحتياط سبيل النجاة.


الصورة العاشرة من صور بيع الوقف

أن يلزم من بقاء العين الموقوفة على حالها فسادٌ تستباح منه الأنفس.

أقول: قد استدلّ للمنع بما تقدّم، وللجواز بما ذكرناه آنفاً.

وتقريب الاستدلال بالمكاتبة: أنّ ذكر تلف الأموال وضمّه إلى تلف النفوس، إنّما هو من جهة التلازم الغالبي، إذ خوف تلف الأنفس يتبعه خوف تلف الأموال، لا لخصوصيّةٍ فيه، بل المدار على خوف تلف النفوس خاصّة.

وأورد عليه الشيخ رحمه الله:(1)بما تقدّم من أنّ مقتضى عموم العلّة جواز البيع لدفع كلّ فتنةٍ مؤدّية إلى ذلك، وقد عرفت الجواب عنه(2).

فالحقّ في الإيراد عليه: - مضافاً إلى منع التلازم الغالبي - أنّ حمل القيد على ذلك خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر كون كلّ قيدٍ مأخوذٍ في لسان الدليل للاحتراز، مع أنّ لازم التمسّك بالمكاتبة البناء على كفاية خوف الأداء إلى استباحة الأنفس، لا اعتبار الاستباحة الواقعيّة.

أقول: وربما أُورد على الاستدلال بالمكاتبة في هذه الصور بإيرادات:

الإيراد الأوّل: إعراض الأصحاب عنها، وقد عرفت أنّ الأصحاب عملوا بها، وإنّما الخلاف بينهم في موضوع الجواز، من جهة اختلافهم في فهم المراد منها.

الإيراد الثاني: أنّ الظاهر من عدم ذكر الأعقاب فيه، كون الوقف منقطعاً لا مؤبّداً الذي هو محلّ البحث.


1) المكاسب: ج 4/95.

2) في الصورة الثامنة المتقدّمة.

وفيه: إنّ عدم ذكر الاعقاب إنّما هو من جهة عدم الاحتياج إليه، فلو لم ندّع أنّ إطلاق الوقف ظاهرٌ في المؤبّد، لا كلام في أنّ مقتضى ترك الاستفصال البناء على عدم الفرق في ذلك بين المؤبّد والمنقطع.

الإيراد الثالث: ما عن «الإيضاح»(1)، من دعوى ظهورها في عدم إقباض الموقوف عليهم، وعدم تمام الوقف.

وعن المحدِّث المجلسي(2)والبحراني(3)الجزم به، واحتمله صاحب «العروة»(4).

وعليه، فهي تدلّ على جواز البيع ما لم يتحقّق الوقف، ومحلّ الكلام هو بيع الوقف.

وفيه أوّلاً: أنّ الظاهر من الوقف والموقوف عليهم وغيرهما من التعبيرات فيها، تحقّق الوقف الصحيح.

وثانياً: إنّه لو تنزّلنا عن ظهورها في ذلك، يكفي في الحكم عدم الاستفصال بين تحقّق الوقف والقبض وعدمه.

الإيراد الرابع: أنّ الظاهر من الخبر كون الثمن للموجودين، مع أنّه منافٍ لحقّ البطون ولقول المجوّزين؛ لأنّهم يقولون بجواز البيع وشراء عوض الوقف بثمنه.

وفيه أوّلاً: إنّ عدم عمل الأصحاب بهذه الجملة، لا يوجبُ سقوط سائر الجملات عن الحجيّة.6.


1) إيضاح الفوائد: ج 2/392.

2) ملاذ الأخيار: ج 14/400، الحديث الرابع من باب الوقوف والصدقات.

3) الحدائق الناضرة: ج 18/442-443.

4) تكملة العروة الوثقى: ج 1/256.

وثانياً: أنّ الالتزام بذلك في خصوص مورد الوقف الذي لا يرتفع الاختلاف إلّا بتقسيم الثمن - من جهة أنّه جاء من جهة الاشتراك في الوقف - لا أرى فيه محذوراً.

وثالثاً: أنّ المحكيّ عن الأكثر العمل بها.

الإيراد الخامس: أنّه لو جاز بيع الوقف، فإنّما يجوز للموقوف عليهم لا للأجنبي، والمكاتبة تدلّ على جوازه للأجنبي كما لا يخفى‌.

وفيه: إنّه يمكن أن يكون ذلك من جهة كونه ناظراً، أو أنّه استأذن من الإمام عليه السلام في ذلك لكونه من الأُمور الحسبيّة.

هذا كلّه في الوقف الدائم.


الوقف المنقطع

الوقف المنقطع، هو ما إذا وقف الواقف عيناً على من ينقرض. فالكلام فيه يقع في جهات:

الجهة الأُولى: في صحّة الوقف المنقطع.

أقول: الوقف المنقطع على قسمين:

القسم الأوّل: ما يجعل وقفاً موقّتاً، كما لو قال: (وقفتُ هذا عَشر سنين)، وهذا لا خلاف بينهم في بطلانه، كما عن ظاهر «جامع المقاصد»(1)و «المسالك»(2)، بل عن «الغنية»(3)و «المختلف»(4)و «السرائر»(5)، و «الجواهر»(6)دعوى الإجماع عليه، وكفى به مدركاً.

القسم الثاني: ما يجعل على من ينقرض غالباً، والأظهر صحّته وقفاً، كما هو المشهور بين الأصحاب، لأنّ «الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها».

ودعوى: أخذالتأبيد في مفهوم الوقف، كما ترى‌، لأنّحقيقة الوقف حبس العين وتسبيل الثمرة - كان ذلك دائميّاً أم موقّتاً -، والإجماع على اعتبار التأبيد في الوقف وإنْ كان لا يُنكر، إلّاأنّ مراد المُجمِعين عدم توقيته مدّة، لا كونه دائميّاً.


1) جامع المقاصد: ج 9/22.

2) مسالك الأفهام: ج 5/427-429.

3) غنية النزوع: ص 298.

4) مختلف الشيعة: ج 6/302-303.

5) السرائر: ج 3/156.

6) جواهر الكلام: ج 28/53.

وبعبارة أُخرى‌: المراد به عدم الاقتران بمدّة، وأمّا ارتفاع الوقف بانتفاء الموقوف عليه كارتفاعه بانتفاء العين الموقوفة، فلا ينافي الدوام.

أقول: ويشهد لصحّته صحيح الصفّار، قال:

«كتبتُ إلى أبي محمّد عليه السلام أسأله عن الوقف الذي يصحّ كيف هو؟، فقد روي أنّ الوقف إذا كان غير مؤقّتٍ فهو باطل مردودٌ على الورثة، وإذا كان مؤقّتاً فهو صحيحٌ ممضيّ‌.

قال قوم: إنّ المؤقّت هو الذي يذكر فيه أنّه وقفٌ على فلان وعقبه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين إلى أن يرث اللّهُ الأرضَ ومن عليها.

وقال آخرون: هذا مؤقّتٌ إذا ذكر أنّه لفلان وعقبه ما بقوا، ولم يذكر في آخره للفقراء والمساكين إلى أن يرث اللّه تعالى الأرض ومن عليها، والذي هو غير مؤقّت أن يقول هذا ولم يذكر أحداً، فما الذي يصحّ من ذلك، وما الذي يبطل‌؟

فوقّع عليه السلام: الوقوفُ بحسب ما يوقفها أهلها إنْ شاء اللّه»(1).

فإنّه يدلّ على صحّة الوقف المؤقّت بكلا تفسيريه.

الجهة الثانية: في أنّه بعد الانقراض، هل يرجع الوقف إلى الواقف وورثته، أو إلى ورثة الموقوف عليه، أو يُصرف في وجوه البرّ؟

وجوه، أقواها الأوّل، لأنّ خروج الوقف عن مِلْكه - لو قلنا به - إنّما يكون خروجاً ماداميّاً، أي ما دامت حياة الموقوف عليه، فلا محالة يرجع إلى مالكه بموته، فإنّه لم يخرج عن مِلْكه إلّاإلى أجل.).


1) التهذيب: ج 9/132 ح 9، وسائل الشيعة: ج 19/193 أبواب أحكام الوقوف ب 7 ح 2 (24415).

ودعوى: أنّ مقتضى إطلاق أدلّة الإرث انتقاله إلى ورثة الموقوف عليه.

مندفعة: بأنّها إنّما تدلّ على الإرث فيما هو للميّت، لا ما ليس له بعد موته، ومقيّدٌ ملكيّته بحياته، فإنّه ليس ممّا تركه الميّت. وتمام الكلام في محلّه.

أقول: هذا بناءً‌على القول بخروجه عن ملك الواقف، وإلّا فهومِلكٌله من الأوّل، وبموته ينتقل إلى ورثته، ولعلّ الأظهر ذلك، لأنّ ما ذكرناه في وجه خروجه عن ملك الواقف في المؤبّد - من أنّ اعتبار الملكيّة له لغو، ومن إطلاق الصدقة عليه، لا سيّما ما في بعض النصوص من التقييد ب‍ (بتلة)(1)- لايجري في المقام.

أمّا الأوّل: فواضح.

وأمّا الثاني: فلعدم إطلاقها مع هذا القيد على الوقف المنقطع.

الجهة الثالثة: في جواز بيعه وعدمه.

الظاهر إنْ قلنا بانتقال الوقف إلى الموقوف عليه، فإنّه لا ينبغي التوقّف في عدم جواز بيعه، لعموم ما دلَّ على عدم جوز بيع الوقف، الشامل للمؤبّد والمنقطع.

ومن الغريب عدم ذكر الشيخ رحمه الله(2)هذه الجهة مع هذا البسط والاطناب.

نعم، لو قلنا ببقائه على ملك الواقف، فإنّه لا يبعد دعوى عدم شمول الأدلّة المانعة عن البيع له:

أمّا دليل الوقوف: فلظهوره في أنّ المنع عن البيع الذي أنشأه الواقف، إنّما هو من خصوصيّات إنشائه ملكيّة الموقوف عليهم - أي يملكهم بالملكيّة الراكدة غير المتعدّية عنهم -، فلو لم يقع أصل الملك، كيف تقع خصوصيّاته.6.


1) الفقيه: ج 4/249 ح 5593، وسائل الشيعة: ج 19/186 أبواب الوقوف والصدقات باب 6 ح 2 (24406).

2) لاحظ المكاسب: ج 4/101-106.

وأمّا غيره: فللإنصراف إلى ما لو كان البيع منافياً للوقف.

ثمّ إنّه على القول بعدم شمول الأدلّة المانعة له، يقع الكلام فيما تقتضيه القواعد، فنقول:

إنّ بيع الواقف حينئذٍ يتصوّر على وجوه:

الوجه الأوّل: أن يبيع العين الموقوفة من الأجنبي، مع عدم انتقال منافعه إليه، وحيث أنّ المقتضي للصحّة وهو الملك موجود، فلابدّ من التكلّم في المانع، وهو ليس الجهل بمقدار المنفعة التي يستحقّها الموقوف عليه، للجهل بأمد إنقضائها - لأنّ الجهل بنفسه وإنْ يعدّ من الموانع لصحّة البيع، إلّاأنّ الجهل بالمبيع والمنافع ليست داخلة فيه، وإنْ أوجبت زيادة الماليّة - بل المانع هو الغَرر، وقد وجّهه الشيخ رحمه الله(1)بقوله: (بجهالة وقت استحقاق التسليم التامّ على وجهٍ ينتفع به).

وأورد عليه المحقّق الاصفهاني رحمه الله(2): بأنّه إذا كان المبيع معلوماً ذاتاً ووصفاً وتسليماً، وكان المجهول وقت التسليم، لا يكون ذلك غرريّاً. وعلى فرض التنزّل وتسليم صدقه عليه، لا دليل على مبطليّته؛ لأنّ العمدة في مانعيّته هي الإجماع، وهو غير ثابت في المقام.

وفيه: إنّ‌الجهل بوقت التسليم، والجهل بمقدار المنفعة، موجبان لصدق الغَرر.

أمّا الثاني: فلأنّ الثمن إنّما يدفع بإزاء العين بلحاظ المنافع، فالجهل بمقدارها موجبٌ للغَرر.6.


1) المكاسب: ج 4/102.

2) حاشية المكاسب: ج 3/296.

وأمّا الأوّل: فلأنّه كما يصدق الغَرر مع الجهل بأصل التسليم، كذلك يصدق مع الجهل بوقته.

ودعوى: أنّ عمدة دليل مانعيّة الغَرر، هي الإجماع غير الشامل للمقام.

مندفعة: بأنّ عمدة دليله النبويّ‌(1)المنجبر بالعمل الشامل للمقام.

وعليه، فالأظهر بحسب القاعدة هو البطلان.

وأمّا مصحّح الحَسن بن نعيم(2)، الدالّ على جواز بيع المالك داره التي جَعل سُكناها لرجلٍ ولعُقبه من بعده، فهو يُخصّص دليل الغَرر، وعليه فإنْ أمكن إلقاء الخصوصيّة، جاز التعدّى من مورده إلى الوقف المنقطع، ويحكم بجواز بيعه وإلّا فلا.

في تأثير إجازة الموقوف عليه

بقي البحث عن إجازة الموقوف عليه، وأنّ رضاه ببيع الواقف هل يوجب صحّته أم لا؟

والمقصود من ذلك أنْ تكون عينه وجميع منافعه منتقلة إلى المشتري، فلا يلزم الغَرر.

أقول: الأظهر عدم كفايته؛ لأنّ المنفعة لا تنتقل إلى المشتري، لا بلا عوضٍ ولا معه إلّا بالصلح.

أمّا عدم انتقالها بلا عوض فلأنّ الناقل:

إمّا هو الهبة أو الإسقاط أو الإبراء، ولا مورد لشيء منها في المقام.

أمّا الهبة: فلاعتبار تعلّقها بالعين.


1) عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 2/45، وسائل الشيعة: ج 17/448 أبواب آداب التجارة ب 40 ح 3 (22965).

2) الكافي: ج 7/38 ح 38، وسائل الشيعة: ج 19/135 أبواب أحكام التجارة ب 24 ح 3 (24308).

وأمّا الإسقاط: فلأنّه يتعلّق بالحقّ‌، والمنفعة ملكٌ‌.

وأمّا الإبراء: فلأنّه يتعلّق بالملك الذّمي كالدين، والمنفعة ملكٌ خارجي.

وأمّا عدم انتقالها بالعوض: فلأنّ ناقلها إمّا الإجارة أو البيع على قول، ويعتبر في كلّ منهما عدم الغَرر، وفي المقام كلّ من المعاملتين - أي المعاملة التي يوقعها الواقف - أصالةً‌، والّتي يوقعها عن الموقوف عليه غرريّة، وإنْ كان لا غرر بعد تماميّة العقدين، فيتعيّن أن يكون ذلك بعنوان الصلح، ولا بأس به، إلّاأنّه يصحّ صلح الواقف ماله من العين المجرّدة عن مقدارٍ من المنفعة من دون حاجةٍ إلى إجازة الموقوف عليه.

الوجه الثاني: أن يبيع العين الموقوفة من الموقوف عليهم.

قال المحقّق الاصفهاني رحمه الله: إنّه (لا ينبغي النزاع في صحّتها بيعاً، حيث لا غَرر ولا جهالة)(1).

وفيه: إنّ المشتري بعد البيع وإنْ كان يعلم بماله من العين والمنافع، إلّاأنّ الميزان في الصحّة والفساد كون البيع بنفسه غَرريّاً وعدمه، وهذا البيع بنفسه غَرري، والعلم بعد تحقّقه بماله لا يوجبُ عدم صدق الغَرر، ألا ترى أنّه لو صالح أحد الشريكين الذي له مقدارٌ من العين غير المعيّن شخصاً فباعه بعد ذلك الشريك الآخر حصّته، فإنّه لا إشكال في صدق الغَرر وبطلان البيع، مع أنّ المشتري بعد البيع يعلم بما انتقل إليه وأنّ العين بتمامها له.

الوجه الثالث: ما إذا انتقلت منفعة العين الموقوفة إلى غير الموقوف عليهم، ثمّ‌7.


1) حاشية المكاسب: ج 3/167.

بيعت العين منه، فان حكم هذه الصورة حكم الصورة المتقدّمة.

الوجه الرابع: ما إذا انتقلت المنفعة إلى الواقف فباع العين، فإنّه لا إشكال في الصحّة لوجود المقتضي وعدم المانع.

أقول: هذا كلّه بناءً على بقائه على ملك الواقف، وأمّا لو قلنا بانتقاله إلى الموقوف عليه، فلا يجوز البيع لا للواقف ولا للموقوف عليه؛ وذلك لوجهين:

الأوّل: الأدلّة المانعه عن بيع الوقف.

الثاني: إنّ الواقف لا يجوز له البيع لعدم الملك، والموقوف عليه لا يجوز له ذلك من جهة أنّ ملكيّته محدودة ليست مرسلة، فإنْ باع ونقل الملكيّة المرسلة، فهو قد نقل ما ليس له، كما أنّه يبطل لو نقل الملكيّة المحدودة؛ من جهة أنّ البيع هو نقل الملكيّة المرسلة.

ولا فرق فيما ذكرناه بين عود الملك إلى الواقف، أو انتقاله إلى ورثة الموقوف عليه، أو صيرورته في سبيل اللّه تعالى‌، كما علّله الشيخ بقوله قدس سره: (لأنّه حقيقةً وقفٌ مؤبّد... الخ)(1).

وفيه: إنّ صيرورة الوقف في سبيل اللّه إنْ كانت بإنشاء الواقف، كان مقتضاه حبس العين وصرف منافعها في سبيل اللّه تعالى‌، وإنْ كانت من جهة إنقضاء أمد ملك الموقوف عليه، فإنّه لا مانع من صرفها بنفسها في سبيل اللّه تعالى‌.

***5.


1) المكاسب: ج 4/105.

بيع العين المرهونة

المسألة الثانية: في بيع العين المرهونة، وفيه أقوال:

1 - الصحّة وعدم الوقوف على الإجازة، اختاره بعض المحقّقين من المتأخّرين.

2 - الصحّة مع الوقوف على الإجازة، أو سقوط حقّه بإسقاطه، أو بالفكّ‌، ذهب إليه الشيخ(1)، وابن حمزة(2)، وجمهور المتأخّرين(3)عدا شاذٍ منهم(4).

3 - البطلان، وهو الظاهر من عبائر جماعةٍ من القدماء(5)وغيرهم، وصرّح به صاحب «المقابيس» رحمه الله(6).

أقول: والكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في أنّه هل يصحّ بيع الراهن مستقلّاً، أم لا؟.

الثاني: في أنّه على فرض عدم الصحّة كذلك، هل يبطل رأساً، أم يمكن تصحيحه بالإجازة، أو يسقط حقّ المرتهن بالإسقاط أو الفكّ؟.

أمّا المقام الأوّل: فقد استدلّ لعدم الصحّة:


1) النهاية: ص 443.

2) الوسيلة: ص 266.

3) المحقّق في الشرائع: ج 2/82، وابن سعيد الحِلّي في الجامع للشرائع: ص 288، والعلّامة في القواعد: ج 1/16، والتحرير: ج 1/70، والشهيد في اللّمعة: ص 140، والمسالك: ج 4/47.

4) كالحِلّي في السرائر: ج 2/425.

5) الشيخ في الخلاف: ج 3/239 مسألة 33، وابن إدريس في السرائر: ج 2/425، وابن زُهرة وأبي الصلاح في الكافي في الفقه: ص 334، والمفيد في المقنعة: ص 622، وسلّار الديلمي في المراسم: ص 192.

6) مقابس الأنوار: ص 190.

1 - بالإجماع على عدم استقلال المالك في بيع ملكه المرهون.

2 - وبالمرسل عن النبيّ صلى الله عليه و آله أنّه قال: «الراهن والمرتهن ممنوعان عن التصرّف في الرهن»(1)المنجبر ضعفه بالعمل.

3 - وبقاعدة السلطنة؛ إذ البيع ينافي سلطنة المرتهن على حقّه.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ هذا الإجماع ليس إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم عليه السلام، بل منشأه البيع لحقّ المرتهن.

وبعبارة أُخرى‌: معقد الإجماع هو عدم استقلال المالك في التصرّفات المنافية لحقّ المرتهن، ومن صرّح بالبيع فإنّما هو من جهة أنّه رأى منافاته لحقّ المرتهن، وعليه فحيث أنّ البيع ليس منافياً لحقيقة الرهن ولحقّ المرتهن - إذ لا يعتبر في العين المرهونة أنْ تكون مِلْكاً للراهن، وقد اتّفقوا على جواز استعارة عين للرهن - فإذا جاز ذلك ابتداءً جاز بالأولى بيع العين المرهونة، فتنتقل العين المرهونة إلى المشتري، ويكون حقّ الرهانة باقياً متعلّقاً بها.

نعم، مع جهل المشتري بالحال يثبت له الخيار.

وأمّا الثاني: فلأنّ التصرّف فيه لا يعمّ التصرّف الاعتباري كالبيع، كما حُقّق في مبحث الفضولي(2)، مع أنّه على فرض الشمول، إنّ النهي عنه متعلّقٌ بعنوانٍ جامع بين التصرّف الاعتباري والخارجي، ولا يكون ظاهراً فى الإرشاد، بل هو ظاهرٌ فيا.


1) رواه العلّامة في المختلف: ج 5/421، وابن أبي جمهور في درر اللآلي: ج 1/368، والنوري في المستدرك: ج 13/426 أبواب كتاب الرهن ب 17 ح 6 (15804)، وفي الأخيرين: «الراهن والمرهون...».

2) فقه الصادق: ج 23/251 وما بعدها.

المبغوضيّة والحرمة النفسيّة، وقد مرَّ في أوّل الجزء الرابع عشر(1)عدم دلالة النهي عن المعاملة على الفساد.

وأمّا الثالث: فلما عرفت آنفاً، من أنّ البيع ليس منافياً لسلطنة المرتهن علي حقّه.

وبالجملة: فالأظهر هي الصحّة والنفوذ، وعدم الوقوف على الإجازة، أو سقوط حقّ المرتهن.

وأمّا المقام الثاني: فقد استدلّ الشيخ رحمه الله(2)للصحّة مع الإجازة بوجوه:

الوجه الأوّل: العمومات السليمة عن المخصّص، فإنّ معقد الإجماع والأخبار الظاهرة في المنع عن التصرّف، هو الاستقلال.

وأورد عليه المحقّق الايرواني: «بأنّ بيع الراهن خارجٌ عن العمومات بالقطع، والمتيقّن وإنْ كان خروج ما قبل الإجازة من المرتهن، إلّاأنّه لا مجال للتمسّك بها بعدها؛ لعدم عموم أزماني فيها، بل عمومها أفرادي فقط؛ بإزاء كلّ عقدٍ إيجابٌ واحد للوفاء لا إيجابات متعددة، حتّى إذا خرج الفرد في زمان صَحّ التمسّك بها في زمانٍ آخر»(3).

وفيه: إنّ خروج فردٍ من زمان إنْ كان لأجل مانع، وكان ذلك المانع مقروناً بالعقد، ومن حين تحقّقه، فارتفع ذلك المانع، فإنّه لا مانع من شمول الدليل له بعد ارتفاع المانع، والكبرى التي أشار إليها - لو تمّت - إنّما هي فيما إذا كان خروج الفرد في الأثناء، كما حُقّق في محلّه(4).).


1) فقه الصادق: ج 20/31.

2) المكاسب: ج 4/154.

3) حاشية المكاسب: ج 1/191.

4) تعرّض المصنّف لذلك في زبدة الأُصول: ج 3/106، في بحث (النهي عن المعاملات).

وبالجملة: فالإنصاف أنّه بناءً على كون حقّ الرهانة من الحقوق القابلة للارتفاع بإذن مَنْ له الحقّ كما هو الحقّ - ولذا يجوز بيع الرهن بإذن المرتهن إذا أجاز المرتهن، وارتفع المانع عن تأثير العقد وصحّته - صَحّ بمقتضى العمومات.

الوجه الثاني: إنّ المستفاد من تعليل صحّة نكاح العبد بالإجازة بقوله عليه السلام: «إنّه لم يعص اللّه وإنّما عصى سيّده»(1)، أنّ كلّ عقدٍ كان النهي عنه مراعاةً لحقّ الآدمي، يرتفع المنع، ويحصل التأثير بارتفاع المنع وحصول الرضا.

وأُورد عليه: بأنّ الحقوق مختلفة، فبعضها قابلٌ للارتفاع بإذن من له الحقّ‌، وبعضها لا يقبل ذلك كحقّ الاستيلاد والوقف ونحوهما. وكون الرهن من قبيل الأوّل غير ثابت، ومع عدم إحرازه لا سبيل إلى الاستدلال بعموم العلّة.

وفيه: إنّ المستفاد من ما دلَّ على كفاية إذن المرتهن، وأنّ به يجوز البيع كونه من قبيل الأوّل.

الوجه الثالث: فحوى أدلّة صحّة الفضولي.

وأورد عليه المحقّق الايرواني رحمه الله(2): بأنّ من المحتمل كون هذا الحقّ من قبيل حقّ أُمّ الولد موجباً لفساد البيع، فلا أولويّة، بل ولا مساواة بينهما.

وفيه: إنّه قد عرفت عدم كونه من قبيل حقّ أُمّ الولد، وكونه من الحقوق القابلة للارتفاع، وعليه فالأولويّة واضحة، فإنّ في بيع مال الغير جهتين مانعتين عن الصحّة واللّزوم:1.


1) تهذيب الأحكام: ج 7/351 ح 63 (1432)، وسائل الشيعة: ج 21/114 أبواب نكاح العبيد ب 24 ح 1 (26666).

2) حاشية المكاسب: ج 1/191.

إحداهما: فقدان رضا المالك.

وثانيتهما: عدم استناد البيع إلى المالك.

وفي المقام ينحصر المنع بالجهة الأُولى‌، فلا محالة يكون أولى‌.

أقول: استدلّ صاحب «المقابيس» رحمه الله(1)لما ذهب إليه من البطلان بما يرجع محصّله إلى وجوه:

منها: إنّ المستفاد من ظاهر الإجماعات والأخبار المحكية، تعلّق النهي بالمعاملة لأمرٍ داخل راجع إلى أحد العوضين، لاستحقاق المرتهن إيّاه، لا لأمرٍ خارج كما في البيع وقت النداء، والنهي في المعاملات إذا كان كذلك يقتضي الفساد.

ثمّ أورد على نفسه: بأنّه على هذا يلزم البناء على بطلان بيع الفضولي.

وأجاب عنه: بأنّ الفضولي إنْ باع على وجه الاستقلال بَطَل لذلك، وإنْ باع على وجه النيابة عن المالك - حيث أنّه لا يعدّ تصرّفاً عرفاً - فلا يكون منهيّاً عنه، فلا يكون باطلاً، ولا يُعقل في المقام النيابة، والبيع الاستقلالي تصرّفٌ عرفاً.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من عدم دلالة الأدلّة المشار إليها على حرمة البيع.

وثانياً: أنّ النهي عن المعاملة لا يدلّ على الفساد.

وثالثاً: أنّ ما ذكره من القسمين يتصوّر في بيع الراهن، فإنّه يمكن أنْ يبيع رجاءً لإجازة المرتهن ولا ينوي الاستقلال.

ورابعاً: إنّه قد عرفت صحّة بيع الفضولي، وإنْ كان على وجه الاستقلال لو تعقبه الإجازة.0.


1) مقابس الأنوار: ص 190.

ومنها: أنّ البيع إنّ صدر عن غير المالك، فيمكن وقوعه موقوفاً على الإجازة، فإنّ له بقاء، وبالإجازة يستند إلى المالك، فتشمله العمومات.

وإنْ صدر عن المالك، فلا مورد لتوقّفه على إجازة شخصٍ آخر، بل إمّا أن يصحّ أو يبطل، ولا ثالث، وحيث أنّه لا يمكن الالتزام بالصحّة؛ لكونه منافياً لحقّ الرهانة، فلابدَّ من البناء على البطلان.

وفيه: إنّه حيث يكون للعقد بقاء، فإذا صدر عن المالك ولم يؤثّر لاقترانه بالمانع، فإنْ ارتفع المانع يؤثّر أثره.

ومنها: أنّ التعليل الوارد في نكاح العبد بغير إذن سيّده من قوله عليه السلام: «إنّه لم يعص اللّه وإنّما عَصى سيّده»(1)، يدلّ على الفساد في المقام؛ لأنّه يدلّ على أنّ عصيان اللّه تعالى موجبٌ للفساد، وعصيان غيره لا يوجب البطلان، لإمكان ارتفاعه، كما في نكاح العبد وبيع غير المالك، وفي المقام من جهة كونه محجوراً عليه، يكون عاصياً للّه تعالى بتصرّفه، ولا يقال إنّه عصى المرتهن، لعدم كونه مالكاً وإنّما منع اللّه من تفويت حقّه بالتصرّف، فيكون بيعه فاسداً.

وفيه: إنّ المراد من العصيان فيه ليس هو العصيان التكليفي، وإلّا فإنّ عصيان السيّد يعدّ عصياناً للّه تعالى؛ لأنّه أمر بإطاعته ونهى عن مخالفته، بل المراد به العصيان الوضعي، فيكون مفاد التعليل أنّه كلّما كان عدم الصحّة لرعاية حقّ الغير القابل للإسقاط، يمكن تصحيح المعاملة بإسقاطه.).


1) تهذيب الأحكام: ج 7/351 ح 63 (1432)، وسائل الشيعة: ج 21/114 أبواب نكاح العبيد ب 24 ح 1 (26666).

وفي المقام، حيث أنّ عدم الصحّة إنّما يكون لرعاية حقّ المرتهن، فيمكن تصحيحه بإجازته أو سقوط حقّه، وعليه فالأظهر هي الصحّة في هذا المقام أيضاً.

أقول: ثمّ إنّ ها هنا إشكالين آخرين على القول بالصحّة موقوفاً على الإجازة، تُوهِمُ اختصاصهما بالمقام دون سائر أقسام الفضولي:

الإشكال الأوّل: ما ذكره الشيخ رحمه الله بقوله: (وقد يتخيّل وجهٌ آخر لبطلان البيع هنا)(1).

وحاصله: أنّه بناءً على الكشف يلزم أن يكون مال غير الراهن وثيقةً للدين من غير رضا صاحبه؛ إذ الإجازة تكشف عن ملك المشتري للعين من حين البيع، فلابدّ إمّا من البناء على بطلان البيع، أو بطلان الرهانة.

وفيه: إنّ القائل بالكشف يلتزم ببطلان الرهانة من حين صدور البيع، دون أن يلزم محذور، مع أنّ هذا الإيراد مشتركُ الورود، فإنّه في المقام إنْ لزم اجتماع ملك الغير مع الرهن، لزم اجتماع مالكين على شيء واحد في سائر أقسام الفضولي.

الإشكال الثاني: ما ذكره الشيخ رحمه الله بقوله: (وهذا نظير ما تقدّم في مسألة من باع شيئاً)(2).

وحاصله: أنّ المقام يدخل في مسألة من باع شيئاً ثمّ ملكه، غاية الفرق أنّه في تلك المسألة يصبح البائع الفضولي مالكاً للمبيع، وفي المقام يصبح مالكاً للبيع.

وفيه: إنّه على الكشف نلتزم بكشف الإجازة عن حصول الملكيّة من حين العقد.0.


1) المكاسب: ج 4/160.

2) المكاسب: ج 4/160.

بيان فائدة إجازة المرتهن

أقول: وتمام الكلام في هذا المقام يقتضي البحث في جهات:

الجهة الأُولى‌: قد يقال إنّ إجازة المرتهن لا شأن لها في المقام إلّامن جهة دلالتها على سقوط حقّ المرتهن، إذ الإجازة في عقد الفضولي إنّما تؤثّر في استناد العقد إلى المالك، وبها يصير مخاطباً ب‍ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (1)، والمرتهن لا يمكن توجّه هذا الخطاب إليه، فلا أثر لإجازته.

ولكنّه يمكن دفعه: بأنّ المرتهن وإنْ لم يكن مالكاً للعين، إلّاأنّ له حقّاً متعلّقاً بها، وهي السلطنة الثابتة على حقّه، وعليه فله إعمال هذه السلطنة في موضوع حقّه، بأن يُجيز العقد ويُمضيه أو يردّه ويحلّه، وعدم توجّه خطاب (أَوْفُوا) إليه لا يصلح مانعاً عن كون إجازته مؤثّرة في العقد، وموجبة لتماميّة أركانه، ومشمولاً لأدلّة الصحّة والنفوذ.

هذا بناءً على القول بأنّ الصحّة موقوفة على الإجازة، وأمّا على المختار من الصحّة بدونها فإجازته لا شأن لها.

الجهة الثانية: في أنّ إجازة المرتهن كاشفة أو ناقلة‌؟

فعلى المختار من صحّة عقد الراهن، وعدم منافاة البيع لحقّ الرهانة، لا يبقى مجالٌ لهذا النزاع، ولا يترتّب على إجازته شيءٌ سوى أنّها بالملازمة تكشف عن إسقاط حقّه، ولا معنى لكشف الإجازة عن الإسقاط من حين العقد.


1) سورة المائدة: الآية 1.

وأمّا بناءً على توقّف الصحّة على الإجازة:

فعلى القول بالكشف على القاعدة، نلتزم به في المقام بعين ذلك المناط، لا بالأولويّة؛ إذ كما يقال في إجازة المالك أنّها إمضاءٌللعقد من حين حصوله، وتكون رضاً بمضمونه، وهو النقل من حينه، كذلك يقال فى إجازة المرتهن، فإنّه من جهة تعلّق حقّه بالعين وثبوت هذه السلطنة له، له الرضا بالعقد، وإمضائه من حين حدوثه.

وأمّا إن التزمنا في الفضولي بالكشف على خلاف القاعدة، فلا يمكن البناء على الكشف في المقام؛ إذ لا وجه للتعدّي سوى ما ذكره الشيخ رحمه الله(1)من الأولويّة، بتقريب أنّ إجازة المالك أشبه بجزء المقتضي، وهي هنا من قبييل رفع المانع، فإذا كانت إجازة المالك كاشفة، كانت إجازة المرتهن أولى بذلك.

أقول: وهو غير تامّ‌؛ لما ذكرناه مراراً من أنّ باب العقود غير باب الأسباب الحقيقيّة والتأثير والتأثّر، وأنّه لا يصحّ تطبيق اجزاء العلّة من المقتضي والشرط وعدم المانع، على أجزاء العقد وتسميتها بأسمائها، فكما أنّ إجازة المالك دخيلة في الصحّة، من جهة كونه مالكاً للمبيع، كذلك إجازة المرتهن دخيلة فيها من جهة كونه متعلّقاً لحقّه، مع أنّه لو سُلّم كون إجازة المالك جزء المقتضى، وإجازة المرتهن من قبيل رفع المانع، لا وجه لإسراء الحكم الثابت للمقتضى لعدم المانع، لأنّ مناطات الأحكام غير معلومة، فلعلّ المناط مختصٌّ به.

وأمّا ما ذكره الشيخ رحمه الله:(2)مؤيّداً لما ذكره من تجويز الفقهاء عتق الراهن هنا، مع تعقّب إجازة المرتهن، مع أنّ الإيقاعات عندهم لا تقع مراعاة.1.


1) المكاسب: ج 4/160-161.

2) المكاسب: ج 4/161.

فيرد عليه: أنّ عدم وقوع الإيقاعات مراعاةً إنّما قلنا به للإجماع، وحيث أنّه ليس في إيقاع المالك، فلا وجه للبناء على عدم الوقوع، فهذا ليس تأييداً لما ذكره.

الجهة الثالثة: في أنّه هل تنفع الإجازة بعد الرّد أم لا؟.

أقول: الظاهر بناءً على عدم توقّف الصحّة على الإجازة؛ حيث أنّه لا معنى لرده سوى عدم إسقاط حقّه، فله الإجازة بعد ذلك وإسقاط حقّه.

وأمّا بناءً على توقّفها على الإجازة:

فإنْ قلنا بأنّ الرّد يكون حلّاً للعقد، لم تنفع الإجازة، وإلّا تكون كافية في المقام، وإنْ لم تكن كافية في الفضولي، فإنّ مدرك عدم كفايتها حينئذٍ هو الإجماع، وحيث أنّه ليس في المقام إجماعٌ‌، فالأظهر كفايتها.

وأمّا ما ذكره المحقّق النائيني رحمه الله: من أنّ (الرّد إنّما يؤثّر في المقام في مورد فعليّة حقّ المرتهن، وهو ما إذا حَلّ أجل الدَّين، وأمّا لو لم يَحلّ فلا يؤثّر)(1)، فله الإجازة بعد ذلك.

فيرد عليه: أنّ حقّ الرهانة إنّما يكون ثابتاً من الأوّل، ولا ربط له بحلول الدين، وهو موجبٌ لتأثير رَدّه.

حكم عقد الراهن لو سقط حَقّ المرتهن

الجهة الرابعة: ويدور البحث فيها عن حكم ما إذا عقد الراهن على المرهون، ثمّ سَقط حقّ المرتهن إمّا بالإسقاط، أو بإبراء الدَّين، أو بأدائه.


1) منية الطالب: ج 1/375.

فعلى القول بأنّ حقّ المرتهن متعلّقٌ بالعين لا بالعقد، ولا يتنافى مع البيع، فمن حيث الصحّة لا كلام، ولكن بما أنّه قد عرفت أنّه لو كان المشتري جاهلاً، يثبت له الخيار لو سقط حقّ الرهانة قبل إعمال خياره، يقع الكلام في أنّه هل يسقط خياره أم لا؟، وسيأتي الكلام في ذلك في خيار العيب في مسألة ما لو زال العيب قبل إعمال الخيار.

وأمّا على القول بالمنافاة، وأنّه لا يصحّ العقد بدون إجازة المرتهن، فهل يصحّ البيع لسقوط حقّه أم لا؟، فيه وجهان.

قد استدلّ للبطلان وعدم الصحّة بوجوه:

الوجه الأوّل: إنّ المرتهن كان شريكاً في سلطان الراهن، ولم يكن الراهن مالكاً للبيع مستقلّاً، فإذا سقط حقّه، وصار الراهن مالكاً للبيع، دخل في مسألة (مَنْ باع شيئاً ثمّ ملكه)، فعلى القول بالبطلان في تلك المسألة يتعيّن البناء على البطلان في المقام.

أقول: أجاب عن ذلك الشيخ رحمه الله(1)وتبعه المحقّق النائيني رحمه الله(2)بما حاصله: أنّه في مسألة (مَنْ باع شيئاً ثمّ ملكه) يكون البيع صادراً من غير المالك، فلا مقتضى للصحّة، وبعد صيرورته مالكاً لم يصدر عنه عقدٌ، فيُحكم بالفساد، وهذا بخلاف المقام، فليس عدم الأثر لقصورٍ في المقتضي، وإنّما هو من جهة المانع، فإذا ارتفع المانع أثّر المقتضي.6.


1) المكاسب: ج 4/163.

2) منية الطالب: ج 1/376.

وفيه: ما تقدّم من أنّ تطبيق أجزاء العلّة من المقتضي والشرط وعدم المانع على اجزاء العقد وما يعتبر فيه، لا مورد له؛ لعدم كون باب العقود باب المؤثّرات والآثار، فلا يصحّ أنْ يقال إنّ الملكيّة مقتضية، وحقّ الرهانة مانع، بل كلّ ما أُخذ في العقد يكون اعتباره على حَدٍّ سواء، والشاهد على ذلك تصريحه قدس سره فيما سبق(1)بأنّ الملكيّة شرط.

وبالجملة: الحقّ تماميّة هذا الوجه، فيكون المقام على هذا المسلك نظير مسألة (مَنْ باع شيئاً ثمّ ملكه).

الوجه الثاني: أنّ العقد قبل سقوط حقّ المرتهن لم يكن مشمولاً لأدلّة الصحّة واللّزوم، وبعده يشكّ في بقاء حكم الخاص، فيجري الاستصحاب، ولا مورد للتمسّك بعموم العام؛ لعدم عموم زماني له.

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(2): بأنّه من جهة العلم بمناط المستصحب، وأنّ الخارج إنّما يكون من جهة حقّ الرهانة، فبعد سقوطه لا وجه لإجراء الاستصحاب، ويكون المقام من باب وجوب العمل بالعام.

وفيه: إنّه قدس سره صَرّح في مباحث الأُصول(3)بأنّ العام المخصّص في زمانٍ‌، إذا لم يكن له عمومٌ أزماني، لا مجال للتمسّك به بعد مضيّ الزمان المتيقّن، وإنْ لم يجر الاستصحاب.

فالحقّ في الجواب أنْ يقال: إنّ المقام حيث يكون التخصيص من الأوّل، يتعيّن4.


1) تحت الشرط الأوّل من شرائط العوضين، المتقدّم في الصفحات السابقة (بيان حقيقة المال والملك).

2) المكاسب: ج 4/163.

3) كما في مطارح الأنظار: ص 193-194.

فيه الرجوع في غير مورد التخصيص إلى عموم العام، وإنْ لم يكن له عموم زماني.

الوجه الثالث: ظاهر بعض النصوص(1)عدم صحّة نكاح العبد بدون إذن سيّده وإن أعتق، ويكون المقام نظير ذلك.

وفيه: إنّ عدم نفوذ تصرّف العبد ليس لأجل كونه تصرّفاً في مملوك المولى خاصّة، بل المتصرّف أيضاً مملوكٌ‌، ولذا لو كان موضوع التصرّف غير مال المولى، توقّف على إجازته أيضاً، وعليه فالصحيح الاستدلال له بالوجه الأوّل.

الجهة الخامسة: في أنّ سقوط حقّ الرهانة، هل يجري فيه نزاع الكشف والنقل أم لا؟.

أقول: الظاهر أنّه لابدَّ من البناء على النقل في المقام، وإنْ قلنا بالكشف في الإجازة؛ لأنّ الإجازة إمضاءٌ وإنفاذٌ للعقد الذي هو النقل من حينه، وأمّا سقوط الحقّ فهو رفعٌللمانع، فالعقد من حيث السقوط يكون مشمولاً لدليل الصحّة، فلا وجه للقول بحصول الملكيّة من الأوّل.

وما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله(2)في وجه إمكان البناء على الكشف على القول بالكشف في الإجازة، من أنّ السقوط يكشف عن كون العقد سبباً تامّاً فيؤثّر من الأوّل، غير سديد، فإنّ هذا المعنى من الكشف لا دليل عليه، وإنّما التزمنا بالكشف في الإجازة لما أشرنا إليه غير الشامل للمقام.

الجهة السادسة: بناءً على توقّف صحّة عقد الراهن على الإجازة، أو سقوط حقّ الرهانة، لو أوجد العقدَ الراهنُ‌، هل يجب عليه فكّ الرهن من مالٍ آخر - إذ لا6.


1) لاحظ وسائل الشيعة: ج 12/117 أبواب نكاح العبيد ب 26.

2) منية الطالب: ج 1/375-376.

يتمّ الوفاء بالعقد الثاني إلّابذلك - أم لا يجب، لأنّه إنّما يلزم الوفاء بالبيع بمعنى عدم جواز نقضه، وأمّا رفع حقوق الغير وسلطنته فلا يجب‌؟ وجهان:

اختار الشيخ الأعظم رحمه الله(1)الثاني، وقاس المقام بمن باع شيئاً ليس له، فإنّه لم يلزم أحدٌ بوجوب شرائه من مالكه، ودفعه إلى المشتري.

أقول: لكن الأظهر لزوم الفكّ‌، وذلك لأنّه يجب عليه أداء الدَّين، وهو إنّما يتحقّق ببيع العين المرهونة، وأداء الدين منها، أو أدائه من مالٍ آخر وفك الرهن بذلك، فحيث أنّه باعها ويجب عليه الوفاء به، فليس له بيعها لشخص آخر، فيتعيّن الأداء من مال آخر وفاءً بالعقد، وبهذا يظهر الفرق بين المقام وبيع الفضولي.

نعم، لو باع الراهن قبل حلول أجَل الدَّين، لايجب عليه الفكّقبله لما ذكره رحمه الله.

وبالجملة: الأظهر هو التفصيل، فتدبّر حتّى لا تُبادر بالإشكال.

***6.


1) المكاسب: ج 4/166.

ويُشترط في المَكيل والموزون والمعدود، معرفة المقدار بأحدها

عدم صحّة بيع ما يُكال أو يوزن جزافاً

الشرط الرابع:

(و) الرابع ممّا (يشترط في) المبيع: أن يكون معلوماً، فلا يجوز بيع (المكيل والموزون والمعدود) إلّا (معرفة المقدار بأحدها)، فلا يباع المكيل والموزون والمعدود جزافاً، حتّى ولو كان مشاهداً كالصُّبرة، ولا بمكيالٍ مجهول كقصعة حاضرة، ولا العدد المجهول كملأ اليد ونحوها، بلا خلافٍ‌، وعن غير واحدٍ(1)دعوى الإجماع عليه.

ويشهد له: حديث نهي النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرر(2)، وجملة من النصوص:

منها: صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «في رجل اشترى من رجلٍ طعاماً عدلاً بكيل معلوم، وأنّ صاحبه قال للمشتري: ابتع منّي هذا العدل الآخر بغير كيل، فإنّ فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعت‌؟

قال عليه السلام: لا يصلح إلّابكيل.

قال: وما كان من طعامٍ سمّيت فيه كيلاً، فإنّه لا يصلح مجازفة، هذا ممّا يكره من بيع الطعام»(3).


1) منهم العلّامة في التذكرة: ج 1/467، وابن زُهرة في الغنية ص 221، والشيخ في الخلاف: ج 3/162، مسألة 258، وابن إدريس في السرائر: ج 2/321.

2) عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 2/45، وسائل الشيعة 17 ص 448 أبواب آداب التجارة ب 40 ح 3 (22965).

3) الكافي: ج 5/179 ح 4، وسائل الشيعة: ج 17/342 أبواب عقد البيع وشروطه ب 4 ح 2 (22707).

وأُورد عليه بإيرادات:

الإيراد الأوّل: إنّ قوله عليه السلام: «وما كان من طعامٍ سمّيت فيه كيلاً... الخ» مجملٌ‌، إذ لو كان المراد به ما بيع بكيل، فما معنى «لا يصحّ مجازفة»؟، وإنْ كان المراد به ما من شأنه أن يُباع بكيل - أي يقال إنّه مكيلٌ ويكون الخطاب إلى الرّاوي بما هو من أهل العرف والعادة - فلازمه تنويع الطعام، مع أنّه ليس من الطعام ما لا يُكال ولا يُوزن.

وفيه: إنّه يمكن اختيار الشقّ الثاني، وأخذ القيد توضيحيّاً، أو بأن يقال إنّ من الطعام ما هو مكيلٌ ومنه ما هو موزون، ولو في بعض البلدان، فيكون مفاد قوله عليه السلام ذلك:

أنّ ما يكون من الطعام مكيلاً إنّما اعتبر فيه الكيل من جهة أنّه لا يصلح بيعه مجازفةً‌، ولازم ذلك جواز بيعه بالوزن.

الإيراد الثاني: ما ذكره جماعة منهم المحقّق الايرواني رحمه الله(1)، من أنّ المراد من قوله: «وما كان من الطعام سمّيت... الخ»، إنّ البيع إذا انعقد بعنوان الكيل، كما إذا بيع منّاً من الحنطة - يعتبر الكيل في مقام التسليم صوناً عن التعقب بالنزاع والمشاجرة - فهو أجنبي عن المقام.

وفيه: إنّ هذا خلاف الظاهر؛ فإنّه يتوقّف على تقدير كلمة (قبضه) أو (تسليمه) بعد قوله: «فإنّه لا يصلح»، كما لا يخفى‌، وهو خلاف الظاهر.

الإيراد الثالث: إنّ الخبر مخالفٌ لفتوى المشهور، فإنّهم أفتوا بتصديق البائع في اخباره بأنّ كيل المبيع كذا، وهذا الصحيح يدلّ على أنّه لا يعتمد عليه.8.


1) حاشية المكاسب: ج 1/198.

وفيه: إنّه في تلك المسألة إنّما يلتزمون بالصحّة إذا وقع البيع على ما أخبر به بعنوان أنّ كيله ما أخبر به، وأنّه لو نقص يأخذ الزائد، ولو زاد يرده، لا بيعه بما أخبر به سواءٌ زاد أو نقص، كما هو ظاهر الخبر، مع أنّه في تلك المسألة يعتبرون كون البائع مؤتمناً.

الإيراد الرابع: إنّقوله عليه السلام: «هذا ممّا يكره من بيع الطعام» ظاهرٌ في عدم الفساد.

وفيه: إنّ الكراهة فى النصوص غير ظاهرة فى الكراهة المصطلحة، بل ظاهرها المنع والفساد، مع أنّه لو سُلّم الإجمال وعدم ظهورها في ذلك، يكون المرجع قوله عليه السلام: «لايصلح مجازفةً‌»، بل المحكيّ عن «الفقيه»: «فلايصحّ مجازفة»(1).

وبالجملة: الأظهر دلالة الصحيح على اعتبار الكيل في المكيل.

ومنها: موثّق سماعة قال: «سألته عن شراء الطعام، وما يُكال ويُوزن، هل يصلح شرائه بغير كيلٍ ولا وزن‌؟

فقال عليه السلام: أمّا إن تأتي رجلاً في طعامٍ قد كيل ووزن تشتري منه مرابحةً‌، فلا بأس إن اشتريته منه، ولم تكله ولم تزنه، إذا كان المشتري الأوّل قد أخذه بكيل أو وزن، وقلت له عند البيع: إنّي اُربحك كذا وكذا، وقد رضيتُ بكيلك ووزنك، فلا بأس»(2).

وأورد عليه المحقّق الاصفهاني رحمه الله(3): بأنّ مورد الاستدلال:

إنْ كان هي الشرطيّة الأُولى‌، وهي قوله: «فلا بأس إنْ اشتريته... الخ»، فمن الواضح أنّ نفي البأس عن اشترائه بلا كيلٍ ولا وزن لا مفهوم له، إلّابلحاظ5.


1) الفقيه: ج 3/223 ح 3829، لكنّه قدس سره رواها قبل ذلك بلفظ: «لا يصلح»، أنظر الفقيه: ج 3/209 ح 3781.

2) التهذيب: ج 7/37 ح 46، وسائل الشيعة: ج 17/345-346 أبواب عقد البيع وشروطه ب 5 ح 7 (22716).

3) حاشية المكاسب: ج 3/315.

موضوع الشرطيّة، وهو طعامٌ قد كيل أو وزن، وهو من مفهوم الوصف.

وإنْ كان هي الشرطيّة الثانية، وهي قوله عليه السلام: «إذا أخذه المشتري الأوّل... الخ»، فمن البيّن أنّه تقريرٌ لصدر الخبر، حيث قال: «تأتي رجلاً في طعام قد كِيل أو وزن»، والشرطيّة لا مفهوم لها، إذا كانت لتحقيق الموضوع أو لتقريره، وعليه فلا مفهوم في القضيّة الا مفهوم الوصف.

وفيه: إنّه يدلّ على المفهوم من جهة وروده في مقام التحديد، كما يظهر من ملاحظة السؤال والجواب.

ومنها: غير ذلك من النصوص.

أقول: ولا يخفى أنّ ظاهر هذه النصوص اعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون، سواءٌ لزِمَ من تركهما الغَرر أم لا، كما أنّ مقتضى حديث نفي الغَرر مانعيّة الغَرر الشخصي، سواءٌ أكان العوض ممّا يكال أو يوزن أم لا، فالنسبة بينهما عمومٌ من وجه، وحيث أنّهما مثبتان لاتنافي بينهما، فيتعيّن العمل بالدليلين، والبناء على اعتبار الكيل والوزن في المكيل والموزون، مع عدم كون البيع غرريّاً.

وبالجملة: على ما ذكرناه، فإنْ لم يكن المبيع مكيلاً أو موزوناً - لقلّته كالحبّتين والثلاثة من الحنطة، أو لكثرته كزبرة الحديد -، أو كان مكيلاً وموزوناً، ولكن كان للمتبايعين حدس قويٌ بالمقدار، نادرالتخلّف عن الواقع، أو كان الشيء في أصله كذلك، ولكن كان ماليّته بالعَرَض تابعة لاعتبار من بيده زمام الأمر، بلا دخلٍ للمقدار فيها كالمسكوكات - غير ما هو من الذهب والفضّة والأوراق النقديّة - صَحَّ البيع بلا كيلٍ ولا وزنٍ إنْ لم يلزم الغَرر الشخصي، كما هو المفروض.

أمّا في الأوّل: فلعدم شمول أدلّة الكيل والوزن له، وانصرافها عنه.

وأمّا في الثاني: فلأنّ اعتبار الكيل والوزن إنّما هو من جهة الطريقيّة إلى معرفة المقادير والحدود، لا لخصوصيّةٍ فيهما بالخصوص، كما يشهد له - مضافاً إلى مناسبة الحكم والموضوع - مادلَّ على الاعتماد على إخبار البائع بالكيل أو بالوزن، وقوله عليه السلام - في ذيل الصحيح المتقدّم -: «فإنّه لا يصلح مجازفة»، الدالّ على أنّ المانع هو البيع جزافاً، فإذا كان الحدس موجباً للاطمئنان كفى.

وأمّا في الثالث: فلعدم كونه مكيلاً ولا موزوناً.

هذا كلّه في المكيل والموزون.

وأمّا المعدود: فالمشهور بين الأصحاب لزوم معرفة العدد كما مَرّ، وعن «مجمع البرهان»(1)أنّه لا دليل على عدم جواز بيع المعدود إلّاعدّاً، وأنّ الأصل والعمومات وحصول التراضي - الذي هو العمدة في الدليل - دليلٌ قويّ‌، فإثبات خلافه مشكلٌ‌.

أقول: ولكن الذي يظهر من الخبر الصحيح الذي رواه الحلبي عن مولانا الصادق عليه السلام: «عن الجوز لا تستطيع أن نعدّه فيكال بميكال ثمّ يُعَدّ ما فيه ثم يكال ما بقي على حساب ذلك العدد، قال عليه السلام: لا بأس به»(2).

من جهة ظهوره في اعتقاد السائل، لزوم العَدّ، وتقريره عليه السلام ذلك - هو لزوم العَدّ، وبه تقيّد إطلاقات الأدلّة.

***ا.


1) مجمع الفائدة والبرهان: ج 8/178-179.

2) الفقيه: ج 3/223 ح 3828، وسائل الشيعة: ج 17/348 أبواب عقد البيع وشروطه ب 7 ح 1 (22721)، وفي الأخير هي عن ابن مسكان كما في النسخة الموجودة لدينا.

بيع المكيل بالوزن والعكس

واستقصاء الكلام في المقام إنّما يكون ببيان اُمور:

الأمر الأوّل: في تقدير كلّ من المقدّرات بغير ما يتعارف تقديره به إذا انتفى الغَرر بذلك، والكلام فيه في موردين:

المورد الأوّل: في بيع المكيل وزناً وبالعكس، وقد اختلفوا فيه على أقوال:

القول الثالث: التفصيل بين بيع المكيل بالوزن فيصحّ‌، وبين بيع الموزون بالكيل فلا يصحّ‌(1).

القول الرابع: التفصيل بين جعل كلّ من التقديرين طريقاً إلى التقدير المعتبر في المبيع في نفسه فيصحّ‌، وبين ملاحظته مستقلّاً فلا يصحّ‌.

وعليه، فالكلام يقع في مقامين:

الأوّل: في تقدير كلّ منهما بغير ما تعارف تقديره به، من حيث جعله طريقاً إليه ما تعارف فيه.

الثاني: في تقديره به مستقلّاً.

أمّا المقام الأوّل: فقسّمه الشيخ رحمه الله(2)إلى قسمين، إذ:

1 - ربما يكون التفاوت المحتمل ممّا يتسامح فيه عادةً‌.

2 - وربما يكون ممّا لا يتسامح فيه.

الأوّل: إذا كان التفاوت المحتمل ممّا يستامح فيه عادة، فالأظهر هى الصحّة؛ لما


1) قاله الحِلّي في السرائر: ج 2/260 و 321.

2) المكاسب: ج 4/221.

عرفت من أنّ اعتبار التقدير الخاص إنّما هو لمعرفة حَدّ المبيع ومقداره، والتقدير بما هو طريقٌ إلى ذلك - مع كون التفاوت المحتمل ممّا يتسامح فيه ينتج ذلك، ويُخرج البيع عن كونه جزافيّاً - فيصحّ‌.

ويشهد له: - مضافاً إلى ذلك - صحيح الحلبي المتقدّم(1)بالتقريب الذي قدّمناه، وخبر عبد الملك بن عمرو، قال:

«قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: أشتري مائة راوية من زيت، فأعترض راوية أو اثنتين فأتزنهما، ثمّ آخذ سائره على قدر ذلك‌؟ قال عليه السلام: لا بأس»(2).

وما عن «التذكرة»(3)من حمل الخبر على صورة التعذّر، ليس من جهة هذا الخبر نفسه، فإنّ اتزان مائة راوية زيت ليس بمتعذّر، بل من جهة صحيح الحلبي الوارد في الجوز، المختصّ بصورة عدم الاستطاعة.

ولكن يرد عليه: أنّه لا مفهوم له كي يقيّد إطلاق هذا الخبر به.

الثاني: إذا كان التفاوت المحتمل ممّا لا يتسامح فيه عادة، فحكمه يظهر ممّا سنذكره في المقام الثاني، وتصحيحه بالبناء على ذلك التقدير مخدوشٌ‌، إذ البناء عليه الراجع إلى شرط الخيار لو نقص، لا يُصحّح العقد، لأنّ ذلك لا يُخرجه عن الجزافية، ولذا لا يصحّ البيع بالمشاهدة مبنيّاً على مقدارٍ معيّن ممّا تعارف فيه.

ودعوى: إطلاق الخبر.

ممنوعة: فإنّ‌الظاهر - ولا أقلّ من المحتمل - كون ما بقي من مائة راوية متّحد9.


1) تقدّم في الصفحة السابقة.

2) الكافي: ج 5/194 ح 7، وسائل الشيعة: ج 17/343 أبواب عقد البيع وشروطه ب 5 ح 1 (22710).

3) التذكرة: ج 1/469.

الوزن مع ما وزن، كما يظهر لمن تدبّر فيه.

وأمّا المقام الثاني: فالمشهور بين الأصحاب - على ما نسب إليهم في محكيّ «الرياض»(1)- جواز بيع المكيل وزناً، وعدم جواز بيع الموزون كيلاً، واستدلّ له الشيخ رحمه الله: (بأنّ الوزن أصلٌ للكيل، وأنّ العدول إلى الكيل من باب الرخصة)(2)، وعليه فبيع المكيل بالوزن ليس بيعاً جزافيّاً بخلاف العكس.

وفيه: لا إشكال في أنّ الأصل للكيل هو الوزن، إذ الأغراض المعامليّة العقلائيّة تختلف باختلاف مقادير الأشياء من حيث الخفّة والثقل، ولهذه الحيثيّة مراتب معيّنة يعبّر عنها بالمثاقيل، وما دونها، وما فوقها، وليس الكيل طريقاً إلى معرفة ذلك في نفسه، فلا محالة يقدّر الكيل من حيث إنّه يسع مقداراً من الوزن، إلّا أنّه بعد تعارف الكيل في شيء وعدم معرفة وزنه غالباً، لا محالة لا يُعرف مقدار تموّله بالوزن، بل يكون ذلك أيضاً بيعاً جزافيّاً.

وأيضاً: ربما يستدلّ للجواز في الموردين بخبر وهب عن مولانا الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال:

«لا بأس بالسلف ما يوزن فيما يكال، وما يكال فيما يوزن»(3).

وفيه أوّلاً: إنّ الخبر ضعيفُ السند لوهب.

وثانياً: إنّه يدلّ على أنّه يجوز أن يكون ثمن المكيل موزوناً وبالعكس، ولا يدلّ على جواز كلّ من الكيل والوزن في مورد الآخر.).


1) الرياض: ج 8/237.

2) المكاسب: ج 4/223.

3) التهذيب: ج 7/44 ح 80، وسائل الشيعة: ج 18/296 أبواب السلف ب 7 ح 1 (23705).

وبالجملة: الأظهر عدم الجواز مطلقاً.

أقول: ولو وقعت المعاملة بعنوانٍ معلومٍ عند أحد المتبايعين يمكن الاستدلال لصحّتها: - مضافاً إلى سيرة المتديّنين من المسافرين على الشراء بوزن البلد الذي يحضرونه أو بكيله، مع جهلهم بالمقدار - بعدم لزوم تحقّق الغَرر - بعد فرض علم المشتري بأنّ الكيل أو الوزن المُشترى به متعارفٌ في البلد -، ونصوص اعتبار الكيل والوزن تدلّ على لزوم أن يكون البيع بأحدهما.

وأمّا معلوميّة مقدار ما يوزن تفصيلاً فلا تدلّ عليه، بل أغلب النّاس لا يعلمون مقدار الكيل والوزن المتعارفين في بلدهم.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ تلك النصوص تدلّ على المنع عن البيع جُزافاً وبالتخمين بلا وزن ولا كيل، ولا تدلّ على أزيد من ذلك.

ولكن ثبوت السيرة المتصلة إلى زمان المعصوم عليه السلام محلّ تأمّل، والظاهر صدق الغَررمع الجهل بالمقدار من حيث ذلك، وإنْلم يصدق من حيث الماليّة، والنصوص إنّما هى فى صدد بيان اعتبار العلم بمقدار المبيع، لا مجرّد الكيل والوزن من حيث هما.

وبالتالي، فالأظهر بطلان مثل هذه المعاملة.

أقول: وأمّا صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «لا يصلح للرجل أن يبيع بصاعٍ غير صاع المَصر»(1)، فالظاهر منه المنع عن البيع بغير صاع المصر، بتدليس أنّه صاع المصر، فلا يدلّ على جواز البيع بصاع المصر وإنْ لم يعلم مقداره.

المورد الثاني: في بيع المعدود بالكيل أو الوزن.).


1) الكافي: ج 5/184 ح 1، وسائل الشيعة: ج 17/377 أبواب عقد البيع وشروطه ب 26 ح 1 (22786).

لا كلام في أنّه إذا كان الكيل أو الوزن طريقاً إلى العَدّ، جاز ذلك كما تقدّم، وصحيح الحلبي المتقدّم(1)المختصّ بصورة تعذّر العَدّ، لا مفهوم له كي يدلّ على عدم جوازه مع الإمكان، وتقريره عليه السلام لما في ذهن السائل من عدم الجواز مع الإمكان غير ظاهر.

وأمّا إذا لم يكن ذلك بعنوان الطريقيّة، فقد اختار الشيخ رحمه الله كفاية الوزن فيه، والظاهر أنّ وجهها أصالة الوزن في التقدير مطلقاً حتّى في المعدود.

وفيه: أنّ أصالة الوزن لو سُلّمت لا تفيد، بعد فرض كون مناط الماليّة في شيءٍ العدد، فإنّه يلزم من بيعه بالوزن الغَرر.

وعليه، فالأظهر عدم الكفاية.

***).


1) الكافي: ج 5/184 ح 1، وسائل الشيعة: ج 17/377 أبواب عقد البيع وشروطه باب 26 ح 1 (22786).

المناط في المكيل والموزون

الأمر الثاني: في تعيين المناط في كون الشيء مكيلاً أو موزوناً.

وقبل الشروع في بيان المختار ودليله، ينبغي ذكر مقدّمات:

المقدّمة الاُولى: إنّ مورد البحث هو أنّه هل المدار على ما كان مكيلاً أو موزوناً في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله، لا على كيل عصره ووزنه، فإنّه لم يقل بذلك أحدٌ، ولا يكون ذلك رافعاً للغَرر.

وبعبارة أُخرى‌: مورد الكلام تعيين ما هو مكيلٌ أو موزون، لا تعيين الكيل والوزن، إذ لا كلام في أنّ المكيل عادةً يكال بالمكيل المتعارف في كلّ عصر، والموزون كذلك عادةً يوزن بالميزان المتعارف في كلّ زمان.

وعليه، فما في عبارة «المبسوط»(1)والمنقولة في «المكاسب»(2)من أنّ (المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكّة)، لابدَّ من تأويله، لا سيّما بعد نفيه الخلاف عنه!

المقدّمة الثانية: إنّ النزاع في المقام ليس في مفهوم المكيل والموزون، لأنّ مفهومهما اللّغوي واضح، ولا حقيقة شرعيّة لهما قطعاً، ولا تكون مكيليّة شيء أو موزونيّته من الأُمور الواقعيّة، ويكون نظر العرف والشرع طريقاً إليها حتّى يكون الشارع مصوّباً للعرف تارةً ومُخطّئاً لهم أُخرى‌، بل هما أمران جعليّان، رتّب الشارع على هذا الأمر الجعلي البنائي الذي بنى العرف عليه حكماً، وحيث أنّ‌


1) المبسوط: ج 2/90.

2) المكاسب: ج 4/227.

الجعل والبناء يختلف باختلاف الأعصار والأمصار، فلذا وقع النزاع في أنّه هل المعيار عصر خاص ومَصرٍ مخصوص، أم الميزان صدق عنوان كون الشيء مكيلاً أو موزوناً؟

المقدّمة الثالثة: المحكيّ‌(1)عن ظاهر «مجمع البرهان»(2)وصريح «الحدائق»(3)أنّ الأصحاب أفتوا بأنّ المراد بالمكيل والموزون ما ثبت فيهما الكيل والوزن في زمانه صلى الله عليه و آله، وحُكم الباقي في البلدان ما هو المتعارف فيها.

وأورد عليهما صاحب «الجواهر» رحمه الله: بقوله: (لم أجد ذلك في كلام أحدٍ من الأساطين، فضلاً عن أن يكون إجماعاً. نعم، قد ذكروا ذلك بالنسبة إلى الرّبا)(4).

أقول: ذكر الشيخ رحمه الله طرقاً ثلاثة لاستفادة أنّ الفقهاء أفتوا بذلك(5):

الطريق الأوّل: إنّ التتبّع في كلمات الأصحاب يشهد بذلك، وذكر منها عبارة «المبسوط».

وفيه: أنّ ما أفاده الشيخ الطوسي رحمه الله في «المبسوط» الصريح فى ذلك، هو خيرة «التذكرة»(6)و «نهاية الإحكام»(7)و «المختلف»(8)وحواشي الشهيد(9)وغيرها،6.


1) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة (ط. ق): ج 4/228.

2) مجمع الفائدة: ج 8/177.

3) الحدائق الناضرة: ج 18/471.

4) الجواهر: ج 22/427-428.

5) المكاسب: ج 4/226-228.

6) التذكرة: ج 10/118.

7) نهاية الإحكام: ج 2/546.

8) المختلف: ج 5/97-98.

9) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4/516.

وهو المنقول عن القاضي كما عن «مفتاح الكرامة»(1)، ولكن القدماء من الأصحاب لم يصرّحوا بذلك.

الطريق الثاني: إنّ المقطوع به - بعد التتبّع - هو أنّ الموضوع في هذه المسألة وفي مسألة الرّبا واحد، وهو المكيل والموزون، وقد حمل عليه حكمان:

أحدهما: عدم جواز بيعه متفاضلاً.

ثانيهما: عدم جواز بيعه مجازفة.

فإذا ذكروا ضابطة لتحديد الموضوع، فهي مرعيّة في كلتا المسألتين.

وفيه: أنّ ما ذكروه إنْ كان ضابطة لتعيين المفهوم، أو كان ضابطة لتعيين المصداق، مع كونه ظاهراً في ضبط ما هو مصداق الموضوع في المقامين، كما إذا ذكروا المسألتين بنحو الاتّصال وفي ذيلهما ذكروا ذلك، تمّ ما أفاده، ولكن بما أنّ ما ذكروه إنّما يكون في مقام ضبط ما هو المصداق في ذيل مسألة الرّبا خاصّة، ولاإطلاق له ليشمل هذه المسألة، فلا يُجدي ذلك في المقام، بعد كون ظاهر الدليل أنّ الموضوع فيها كلّ ما صدق عليه هذا المفهوم، لا خصوص مصداقٍ خاص منه.

الطريق الثالث: ما هو مركّبٌ من أمرين:

أحدهما: أنّه يشترط عند الأصحاب في الرّبا أن يكون الكيل والوزن شرطاً في صحّة بيعه.

ثانيهما: اتّفاقهم على أنّ العبره في المكيل والموزون الجاري فيه الرّبا على هو كذلك في عهد الشارع الأقدس.6.


1) مفتاح الكرامة: ج 4/516.

فإنّه يستنتج منهما اعتبار الكيل والوزن في ما كان مكيلاً وموزوناً في عَهده.

وإنْ شئتَ قلت: بهيئة الشكل الأوّل، ما كان وكيلاً أو موزوناً في عهده يجري فيه الرّبا، وما يجري فيه الرّبا يشترط أن يُباع بالكيل أو الوزن، ونتيجتهما أنّ كلّ ما كان مكيلاً أو موزوناً في عهده، يشترط أن يباع بالكيل أو الوزن.

وفيه: إنّ الأمر الأوّل، وهو الكبرى في القياس:

1 - إنْ اُريد به أنّ من شرط جريان الرّبا كون الكيل أو الوزن شرطاً في صحّة بيعه، ولو في زمانه صلى الله عليه و آله خاصّة، فهو حقٌّ‌، إلّاأنّه لا يفيد للمستدلّ‌.

2 - وإنْ اُريد به أنّه من شرطه كون ذلك شرطاً في صحّته إلى الأبد، وما دام يجري فيه الرّبا، فهو أوّل الكلام، وغير ثابت.

وبالجملة: الإنصاف أنّ دعوى الإجماع، بل الشهرة في المقام في غير محلّها.

أقول: إذا عرفت هذه الأُمور، فاعلم أنّ الكلام يقع في موردين:

الأوّل: في بيان ما يستفاد من الأدلّة.

الثاني: في ما استدلّ به على ما هو المنسوب إلى المشهور.

أمّا المورد الأوّل: فالمستفاد منها أنّ المدار في اعتبار الكيل والوزن على ما هو مكيلٌ أو موزون في زمان البيع وبلده، فما كان مكيلاً أو موزوناً في زمان البيع والبلد المتحقّق فيه البيع اعتبر في صحّة بيعه ذلك، وما لم يكن كذلك وإنْ كان في زمان الشارع مكيلاً أو موزوناً لا يعتبر في صحّته ذلك، لأنّ دليل اعتبار هذا الأمر حديث نهي النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرر، والنصوص الخاصّة المتقدّمة:

أمّا الحديث: فدلالته على ما ذكرناه واضحة، فإنّ من المعلوم عدم دخل

المدخليّة لزمانه صلى الله عليه و آله في رفع الغَرر وإثباته.

وأمّا النصوص: فالمأخوذ فيها عنوان المكيل والموزون من دون التقييدبزمانٍ خاص وبلدٍ مخصوص، ومقتضى إطلاقه دوران الحكم مدار فعليّة هذا الموضوع عند إيقاع المعاملة من حيث زمانها ومكانها.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ قوله عليه السلام: «ما كان من طعامٍ سمّيت فيه كيلاً لا يصلح مجازفة»، يعدّ من القضايا الحقيقيّة، المتضمّنة لإنشاء الحكم فيها على الموضوعات المقدّر وجودها، فكلّ ما صدق عليه هذا العنوان يشمله هذا الحكم، من غير فرقٍ بين الأزمنة والأمكنة.

وأمّا المورد الثاني: فالمنسوب إلى المشهور دعويان:

الأُولى: أنّ العبرة في التقدير بزمان النبيّ صلى الله عليه و آله.

الثانية: أنّ ما لم يثبت كونه مكيلاً أو موزوناً في عهده صلى الله عليه و آله، العبرة فيه بما اتّفق عليه البلدان.

وقد استدلّ للأولى‌:

1 - بالإجماع.

2 - وبأنّ المراد من المكيل والموزون، المصداق الفعلي المعنون بهما في زمان المتكلّم.

3 - وبوجوب حمل اللّفظ على المتعارف عند الشارع.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلما تقدّم، وما عن «المبسوط»(1)من نفي الخلاف عنه، لايدلّ علىت.


1) المبسوط: ج 2/90، وتقدّم آنفاً قبل عدّة صفحات.

الإجماع؛ إذ عدم الخلاف في اصطلاح القدماء محمولٌ على أمرٍ آخر غير الاتّفاق الكاشف عن رأي المعصوم، مع أنّه لو ثبت لا يعدّ إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم.

وأمّا الثاني: فلأنّ الظاهر من هذه القضيّة - كسائر القضايا الشرعيّة - كونها قضيّة حقيقيّة لا خارجيّة، ألا ترى أنّه لم يتوهّم أحدٌ اختصاص ما دلَّ على حرمة تنجيس المسجد بالمساجد الموجودة في عهد الشارع.

وبالجملة: ما ذكرناه واضح.

وأمّا الثالث: فلما عرفت من أنّ النزاع في المقام ليس في المفهوم، فإنّه مبيّنٌ معلومٌ ولا حقيقة شرعيّة له، وإنّما الكلام في أنّه هل العبرة بمصداقٍ خاصّ من هذا المفهوم، أم الميزان كلّما صدق عليه ذلك، مع أنّ النصوص إنّما وصلت إلينا من الأئمّة عليهم السلام لا منه صلى الله عليه و آله، فلو كان الميزان عرف المتكلّم، كان اللّازم اعتبار كيل زمانهم عليهم السلام ووزنه كما لا يخفى‌.

واستدلّ للثانية:

1 - بالإجماع.

2 - وبأنّ الحقيقة العرفيّة هي المرجع عند انتفاء الشرعيّة.

3 - وبمقطوع ابن هاشم الآتي الوارد فيه قوله عليه السلام: «ولا ينظرفيمايُكال أو يُوزن إلّا إلى العامّة، ولا يؤخذ فيه الخاصّة، فإنْ كان قومٌ يكيلون اللّحم ويكيلون الجوز، فلا يعتبر بهم؛ لأنّ أصل اللّحم أن يوزن، وأصل الجوز أن يُعدّ»(1).).


1) الكافي: ج 5/192-193 ح 1، وسائل الشيعة: ج 18/134 أبواب الرّبا ب 5 ح 6 (23318).

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلما تقدّم.

وأمّا الثاني: فلما عرفت من أنّ النزاع في المقام ليس في مفهوم المكيل والموزون كي يتمّ فيه ذلك، بل في أنّه هل لمصداق خاص منه فيه خصوصيّة أم لا.

وأمّا الثالث: فلعدم حجيّته؛ لعدم اتّصال الخبر إلى المعصوم، وعدم حجيّة قول التابعي من حيث هو.

مع أنّ المراد بالعامّة ليس جميع النّاس، وإلّا لما كان يوجد - سيّما في عصر الخبر - شيءٌ يُحرز به اتّفاق النّاس عليه، بل المراد منه أنّ بناء المتعاقدين لا يكفي، بل يعتبر بناء قوم كأهل بلد عليه، فهو ينطبق على ما ذكرناه.

مضافاً إلى أنّه لو أُغمض عن ذلك - وسُلّم كونه دالّاً على ما ذهب إليه المشهور - يقع التعارض بينه وبين صحيح الحلبي(1)الدالّ على أنّ الميزان هو ما يُسمّي كيلاً عند المتعاقدين بما هما من أفراد البلد والمحلّ‌، والترجيح معه كما لا يخفي‌.

أقول: ثمّ إنّه بناءً على ما اخترناه تسقط جملةٌ من الفروع التي ذكرها الشيخ رحمه الله، وهو واضح، نعم يبقى منها فرعان:

الفرع الأوّل: لو فرضنا كون المبيع في بلدٍ، وتحقّق العقد عليه في بلدٍ آخر، والمتعاقدين أهل بلدٍ ثالث، وكان ذلك الشيء في أحد البلاد مقدّراً بغير ما يُقدّر به في البلد الآخر، وحينئذٍ:

1 - هل العبرة ببلد المبيع كما اختاره الشيخ رحمه الله(2)؟8.


1) الكافي: ج 5/184 ح 1، وسائل الشيعة: ج 17/377 أبواب عقد البيع وشروطه ب 26 ح 1 (22786).

2) المكاسب: ج 4/238.

2 - أم ببلد العقد؟

3 - أم ببلد المتعاقدين‌؟

وجوهٌ‌، أظهرها الثالث، فإنّه الظاهر من صحيح الحلبي الوارد فيه قوله عليه السلام:

«ما سمّيت فيه كيلاً»(1)، فإنّه موجّه إلى البايع.

الفرع الثاني: إنّه لو وقعت المعاملة في الصحراء، وكان البلاد مختلفة في التقدير، ولم تكن الصحراء ملحقة بأحدها، فإنْ كان المتعاقدان أهل بلد لحقهما حكمه كما تقدّم، وإلّا فلا يعتبر في بيعهما الكيل والوزن؛ لعمومات الصحّة، بعد عدم شمول دليل الكيل والوزن لهذا المورد كما هو واضح. نعم يعتبر رعاية عدم الغَرر.

***).


1) الكافي: ج 5/193 ح 1، وسائل الشيعة: ج 17/342 ح 2 (22707).

إخبار البائع بقدر المبيع

الأمر الثالث: لو أخبر البائع بمقدار المبيع، جاز الاعتماد عليه على المشهور، وظاهر «التذكرة»(1)الاتّفاق عليه.

أقول: الظاهر أنّ الغَرر وإنْ كان يرتفع بإيقاع المعاملة مبنيّة على المقدار المُخبَر به، إلّاأنّه قد عرفت أنّه يعتبر الكيل والوزن وإنْ لم يلزم الغَرر من عدمهما، ومعلوم أنّ بذلك لا يتحقّق هذا القيد، فعلى هذا يتعيّن الرجوع إلى النصوص الخاصّة، وهي على طوائف:

الطائفة الأُولى: ما دلَّ على الاعتماد عليه مطلقاً، كخبر محمّد بن حمران، قال:

«قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: اشترينا طعاماً فزعم صاحبه أنّه كاله فصدّقناه وأخذناه بكيله‌؟ فقال: لا بأس»(2)، ونحوه غيره.

الطائفة الثانية: ما دلَّ على عدم الاعتماد عليه، كصحيح الحلبي المتقدّم(3).

الطائفة الثالثة: ما دلَّ على الاعتماد عليه في صورة الائتمان خاصّة، كخبر أبي العطارد، عن مولانا الصادق عليه السلام: «إذا ائتمنك فلا بأس»(4)، ونحوه غيره.

أقول: والجمع بينها - لو سُلّم كون المقام مشمولاً لصحيح الحلبي، ولم نقل باختصاصه بما إذا كان الإخبار عن حَدس لا حِسّ كما هو ظاهره - يقتضي تقييد


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/470.

2) التهذيب: ج 7/37 ح 45، وسائل الشيعة: ج 17/345 ح 4 (22713).

3) الكافي: ج 5/184 ح 1، وسائل الشيعة: ج 17/377 أبواب عقد البيع وشروطه باب 26 ح 1 (22786).

4) الكافي: ج 5/179 ح 6، وسائل الشيعة: ج 17/345 أبواب عقد البيع وشروطه باب 5 ح 6 (22715).

إطلاق الطائفة الأُولى بمفهوم الثالثة، وتقييد إطلاق الثانية بمنطوقها، وبذلك يرتفع التعارض.

وبما ذكرناه يظهر ما في كلام المحقّق النائيني(1)من حمل صحيح الحلبي على الكراهة، كما أنّه يظهر اعتبار كون المُخبِر مؤتَمناً، والظاهر أنّ هذا هو مراد الشيخ رحمه الله حيث قال: (ثمّ الظاهر اعتبار كون الخبر طريقاً عرفيّاً للمقدار)(2).

وبالجملة: وعلى القول بالصحّة، فلو عامل وتبيّن الخلاف:

فتارةً‌: يكون بالنقيصة.

وأُخرى‌: يكون بالزيادة.

فالكلام يقع في مقامين:

أمّا المقام الأوّل: فالأقوال والوجوه فيه خمسة:

القول الأوّل: البطلان.

القول الثاني: الصحّة لزوماً.

القول الثالث: الصحّة مع ثبوت خيار الغبن.

القول الرابع: الصحّة مع ثبوت خيار الشرط.

القول الخامس: الصحّة مع ثبوت خيار تبعّض الصفقة.

أقول: وتنقيح القول بالبحث في موارد:

الأوّل: في أنّه هل يصحّ‌، أم يكون باطلاً؟.0.


1) منية الطالب: ج 1/394.

2) المكاسب: ج 4/240.

الثاني: في أنّه على فرض الصحّة، هل يكون على وجه اللّزوم، أو الجواز؟.

الثالث: في أنّه على فرض الجواز، هل الثابت خيار تخلّف الشرط، أو خيار تبعّض الصفقة، أو خيار الغبن‌؟.

أمّا المورد الأوّل: فقد استدلّ للبطلان بمغايرة الموجود الخارجي لما هو عنوان العقد حقيقةً مغايرة حقيقيّة، فما وقع عليه العقد لا وجود له. فلو فُرض خمسة أمنان، ثمّ تبيّن أنّ الموجود أربعة أمنان، وما له وجود لم يقع عليه العقد، فلابدَّ من البناء على البطلان.

وفيه: إنّ العناوين على قسمين:

القسم الأوّل: ما هو مناط ماليّة الأشياء، وهي الصورة النوعيّة، من غير فرق بين العقليّة والعرفيّة، كعنوان الذهب، والعبد، وما شابههما.

القسم الثاني: ما ليس مناط الماليّة، وإنّما يُبذل الثمن بإزاء المعنون، كالكمّ الخاص، والحَدّ المخصوص، فإنّ الثمن لا يُبذل بإزاء هذا العنوان بما هو كعنوان المَنّ‌، بل يُبذل بإزاء المعنون، أي الاجزاء الخارجيّة المعنونة بهذا العنوان، وما ذكر يتمّ في القسم الأوّل، وهو أجنبي عن المقام ولا يتمّ في القسم الثاني؛ فإنّه ينحلّ العقد إلى القعد على كلّ جزءٍ جزء، فالمقدّر الموجود لا مانع من تأثير العقد فيه، والمقصود ليس شيئاً كي يؤثّر العقد في تمليكه.

وهذا بخلاف القسم الأوّل، فإنّه لا ينحلّ العقد فيه إلى العقد عليذات الموجود، والعقد على عنوانه؛ فإنّ المادّة المشتركة لا ماليّة لها، ولا يُبذل المال بإزائها، وعليه فالأظهر هي الصحّة.

وأمّا المورد الثاني: فالأظهر هو الجواز؛ لأنّ التراضى لم يقع على المبيع علي كلّ تقدير، وإلّا بطل البيع للغَرر والجهالة، وسيجيء فى المورد الثالث زيادة توضيح لذلك.

وأمّا المورد الثالث: فقد ظهر ممّا ذكرناه في المورد الأوّل، وجه ثبوت خيار تبعّض الصفقة، وأمّا ثبوت خيار الغبن فلا وجه له؛ لأنّ ذلك إنّما يثبت فيما إذا بيع بأزيد من القيمة السوقيّة، وفي المقام ربما يكون بأنقص منها، كما لا يخفى‌، لا في موارد تخلّف المبيع جزءاً ووصفاً.

وعليه، فما في «القواعد»(1)على المحكيّ‌(2)من ثبوت خيار الغَبن، إنْ كان تسامحاً في العبارة فلا كلام، وإلّا فهو غير تامّ‌.

وأمّا ثبوت خيار تخلّف الشرط: فإنّما هو فيما إذا وقع البيع مثلاً على شيء، واشترط صريحاً أو ضمناً في ضمنه شيء آخر، بحيث لم يقع شيءٌ من الثمن بإزاء الشرط، وإنْ كان موجباً لازدياد قيمة المبيع، والمقام ليس من هذا القبيل، فإنّ كلّ جزءٍ من المبيع وقع بإزائه جزءٌ من الثمن، وعليه فيستردّ مقدار من الثمن وقع بإزاء الجزء المفقود، وله الخيار بين الإمضاء والفسخ بعد ذلك.

أقول: ثمّ إنّ الفرق بين هذه الأقسام من الخيار، هو أنّه:

لو كان الثابت خيار تبعّض الصفقة، يردّ جزءٌ من الثمن، ثمّ يتخيّر بين الفسخ والإمضاء.

وأمّا لو كان هو خيار الشرط، لا يردّ شيءٌ‌.2.


1) القواعد: ج 1/143.

2) حكاه عنه الشيخ الأنصاري في المكاسب: ج 4/242.

وأمّا لو كان خيار الغبن فيتخيّر بينهما ما لم يبذل البائع التفاوت، وإلّا فلا خيار له، فتدبّر.

وأمّا المقام الثاني: فمن التزم بالبطلان في المقام الأوّل لابدّ له من الالتزام به في المقام، ولكن عرفت فساده، فما عن «المبسوط»(1)من البطلان ضعيفٌ‌، ولا وجه لخيار الغبن كما تقدّم، ولا لخيار التبعض لعدمه، ولا لخيار الشرط لما تقدّم.

ودعوى: أنّ العقد يؤثّر في ملكيّة ذات المبيع، وشرط وصف خاصّ مباين للموجود، لا يوجب إلّاالخيار بين الفسخ والإمضاء بتمام الثمن، ونتيجة ذلك هي الصحّة، وكون الزيادة للمشتري وثبوت الخيار للبائع بين الإمضاء بتمام الثمن، والفسخ كما التزم به الشيخ رحمه الله(2)في باب الشروط.

مندفعة: بأنّ شرط المقدار غير سائر الشروط كما تقدّم، وعليه فالعقد لا يؤثّر إلّا في المتقدر، والزائد باقٍ على ملك البائع، ولذلك يثبت خيار تخلّف الشرط للمشتري من جهة حصول الشركة بينه وبين البائع في ما اشتراه، والشركة نقصٌ وبناء المتعاملين على عدمه.

***8.


1) المبسوط: ج 2/122.

2) المكاسب: ج 6/88.

بيع الثوب والأرض مع المشاهدة

الأمر الرابع: قال صاحب «الشرائع» رحمه الله: (يجوزُ بيع الثوب والأرض مع المشاهدة، وإنْ لم يمسحا)(1)، كما وقد صرّح غير واحدٍ(2)بصحّة بيع مختلفة الأجزاء كالثوب والدار والغنم مع المشاهدة، وادّعوا أنّ عليها الإجماع.

وأُورد عليهم جمعٌ‌: منهم الشيخ رحمه الله: بأنّه (يُشكل الحكم بالجواز في كثيرٍ من تلك الموارد لثبوت الغَرر)(3)، وظاهر بعض المعترضين وصريح آخرين، هو الحكم بالجواز مع عدم لزوم الغَرر.

أقول: ولكن الأظهر عدم الصحّة في جملةٍ من تلك الموارد، ولو لم يلزم الغَرر، وهي الموارد التي يباع الشيء بالعَدّ والذرع:

أمّا في الأوّل: فلما تقدّم من دلالة الدليل على اعتبار العَدّ في المعدود.

وأمّا في الثاني: فلأنّ العَدّ بالذرع أيضاً داخلٌ في حقيقة العد، ولا فرق بين أنْ يقال جوزة وجوزتان، أو أنْ يقال ذرعٌ وذرعان، ومجرّد كون الأوّل من قبيل الكمّ المنفصل، والثاني من قبيل الكمّ المتّصل لا يصلح فارقاً.

نعم، ما ذكروه يتمّ فيما يُباع لا بالعَدّ ولا بالذرع، فإنّه يصحّ البيع إنْ لم يلزم الغَرر، كما في العباء، فإنّ كلّ طاقةٍ منها لها قيمة، وهي مناط ماليّتها كانت أربعة أذرع أو أزيد أو أنقص.



1) شرائع الإسلام: ج 2/12.

2) كالشيخ في المبسوط: ج 2/76، والحِلّي في السرائر: ج 2/241، والعلّامة في التذكرة: ج 1/470.

3) المكاسب: ج 4/245.

ويجوز ابتياع بعض الجملة مشاعاً إذا علمت نسبته

بيع بعضٍ من جملة متساوية الأجزاء

الأمر الخامس: (و) البحث فيه عن أنّه (يجوز ابتياع بعض الجملة) المعلومة لا المجهولة، وإلّا تجهل المبيع (مشاعاً إذا علمت نسبته) كالثلث والربع، فإنّه لا جهالة ولا غَرر حينئذٍ، سواءٌ أكانت أجزائه متساوية أو متفاوته، بلا خلافٍ‌، وفي «الجواهر»(1): (بل الإجماع بقسميه عليه).

كما لا يجوز ابتياع شيء مقدّر منه لا بقصد الإشاعة، إذا لم تكن متساوية الأجزاء.

أقول: إنّما الكلام في بيع بعضٍ من جملة متساوية، كصّاع من صبرة مجتمعة الصيعان أو متفرّقها، والوجوه المتصوّرة ثلاثة:

الوجه الأوّل: أن يكون المراد بالصاع الكسر الواقعي المشاع من الجملة مقدّراً بالصاع، فلو كانت الصُّبرة عشرة أصوع، كان المبيع عشرها، فيكون الصّاع ملحوظاً مرآة إلى الكسر المشاع المساوي للصاع، وقد أوضحنا حقيقة الإشاعة في أوّل مسألة بيع نصف الدار(2).

أقول: لا إشكال في صحّة البيع المذكور، من غير فرقٍ بين المثال، وبين بيع عبدٍ من عبدين، ومن غير فرقٍ بين اختلاف العبدين والأصوع في القيمة وعدمه، ومن


1) الجواهر: ج 22/417.

2) تقدمت في ج 23/352، مبحث (بيع نصف الدار).

غير فرقٍ بين العلم بعدد صيعان الصبرة وعدمه لتقدّر الكسر بالصاع، والعلم بنسبته إلى المجموع لا يكون معتبراً.

وعن العلّامة رحمه الله(1): الإشكال في صحّة بيع عبدٍ من عبدين، أو شاة من شاتين لو قصد الإشاعة، وغاية ما قيل في توجيهه أمران:

الأوّل: منع ظهور الكسر المشاع من لفظ العبد والشاة، والحال أنّه كما يعتبر في الإنشائيّات كون الإنشاء بما هو ظاهر أو صريح في ما قصد من المعاملة، يعتبر ذكر متعلّق القصد بلفظٍ ظاهر فيه.

وبهذا يظهر أنّ ما ذكره المحقّق النائيني رحمه الله(2)من الجواب عن هذا الوجه - بأنّه ليس الكلام في مقام الإثبات كي يُدّعى عدم الظهور، وانصراف المطلق إلى بعض أفراده بل في مقام الثبوت - غير تامّ‌.

أقول: وكيف كان، فيرد عليه أنّه لا دليل على اعتبار ذكر متعلّق القصد، فضلاً عن اعتبار ذكره بلفظٍ ظاهر فيه.

وعليه، فمع العلم بإرادة الكسر المشاع، لا يضرّ عدم ظهور اللّفظ فيه.

الثاني: إنّ العبدين أو الشاتين بما أنّه لا وحدة لهما حقيقة، فوحدتهما تصحيحاً لبيع جزءٍ مشاع منهما إنّما تكون بالاعتبار، وحيث أنّه لا إنشاء له غير إنشاء البيع، فيلزم تكفل إنشاءٍ واحد لأمرين، تنزيل الشيئين منزلة الشيء الواحد، وبيع الكسر المشاع في المجموع.9.


1) تذكرة الفقهاء: ج 1/470.

2) منية الطالب: ج 1/399.

وفيه: أنّ اعتبار الوحدة لا يحتاج إلى الإنشاء كي يلزم ذلك.

وعليه، فالأظهر هي الصحّة في هذا المثال أيضاً.

الوجه الثاني: من الوجوه المتصوّرة هي أنْ يُراد به بعضٌ مردّدٌ بين ما يمكن صدقه عليه من الأفراد المتصوّرة في المجموع، وهو على قسمين:

أحدهما: ما يكون له واقعٌ معيّن ويكون مردّداً عند المتبايعين.

ثانيهما: ما لا يكون معيّناً ولو في الواقع.

أمّا في القسم الأوّل: فإنْ كانت المصاديق مختلفة في القيمة، بطل البيع للغَرر، وإنْ كانت متّفقة فيها صَحّ البيع.

وقد استدلّ للبطلان بالجهالة التي يبطل معها البيع إجماعاً.

وفيه: إنّ الجهالة غير الموجبة للغَرر لا دليل على مبطليّتها، والإجماع عليها إنْ كان ليس إجماعاً تعبّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم.

وأمّا في القسم الثاني: فالأظهر هو البطلان، لكن لا للغَرر لما تقدّم، ولا للجهالة لما تقدّم، ولا لأنّ المردّد لا تعيّن له في الواقع حتّى يجهل، ولا لأنّ الملك صفة وجوديّة محتاجة إلى محلّ تقوم به، كسائر الصفات الموجودة في الخارج، وأحدهما على سبيل البدل غير قابلٍ لقيامها به، لأنّه يرد عليه ما ذكره الشيخ رحمه الله(1)من أنّ الملكيّة أمر اعتباري وليست صفة وجوديّة متأصّلة كالسواد.

بل لأنّ‌المردّدمن حيث هو لاماهيّة له ولا تحقّق، وهوصرف مفهوم لا مطابق له، والملكيّة وإنْ كانت أمراً اعتباريّاً، إلّاأنّها هويّة تعلّقيّة ومتقوّمة بطرفها،1.


1) المكاسب: ج 4/251.

ويستحيل أن تتحقّق في اُفق الاعتبار، مع عدم الطرف المقوّم لها، فهي لا يعقل تعلّقها بالمردّد.

وبعبارة أُخرى‌: إنّه لا مطابق له في الخارج، فلا ينطبق على ما في الخارج، فلايصحّ اعتبار كونه مملوكاًلعدم الأثر، وعليه فيصبح بيع المردّد بهذاالمعنى باطلاً.

الوجه الثالث: من الوجوه المتصوّرة هو أن يكون المبيع الكلّي في المعيّن.

أقول: والكلام فيه يقع في جهتين:

الأُولى‌: في تصويره.

الثانية: في حكمه.

أمّا الجهة الأُولى‌: فليس المراد به الكلّي الذّمي المقيّد بالوفاء من الصبرة المعينة، بحيث ينحلّ العقد عليه إلى العقد على الكلّي الذّمي، واشتراط وفائه وأدائه من الصبرة الخاصّة، فإنّ لازم ذلك اُمورٌ لا يلتزم بها أحد:

1 - أنّه لو تلفت الصبرة يكون البيع باقياً مع ثبوت الخيار، لتعذّر الشرط، مع أنّ الحكم في الكلّي في المعيّن إنّه لو تلفت الصبرة يكون ذلك في حكم تلف المبيع، وموجباً لانفساخ العقد، مع أنّ لازمه جواز نقل الصبرة بأجمعها إلى الغير، ولا يلتزمون به في الكلّي في المعيّن.

2 - وأيضاً لازمه جواز أداء المبيع من غير الصبرة، غاية الأمر يثبت خيار تخلّف الشرط للمشتري، ولا يلتزمون به في المقام.

كما أنّه ليس المراد به الكلّي الموجود خارجاً في الصُّبرة، لأنّ وجود الكلّي بوجود أفراده، فمع تعدّد الأفراد إمّا أن يقع العقد على أحدها المعيّن، أو على غير

المعيّن، او على جميع الوجودات، ولا رابع ليكون هو الكلّي في المعيّن. وصرف الوجود بمعنى ما لا يشذّ عنه وجودٌ، لا يعقل انطباقه على الوجودات المحدودة، وبمعنى الناقص للعدم ليس له مصداق حقيقة، فإنّ كلّ وجودٍ بديلُ عدم نفسه، بل المراد به هو الكلّي المقيّد بالصبرة الخارجيّة.

توضيح ذلك: إنّ الكلّي كما يمكن تقييده بكلّي آخر، ويكون القيد والمقيّد كليّاً ثالثاً أضيق من الأولين، كالحنطة المقيّدة بأن تكون من حقل مخصوص وبلد خاص، كذلك يمكن أنْ يقيّد بالموجود الخارجي المشتمل على أفرادٍ، كالصُّبرة الموجودة فى الخارج، فيكون المجموع كليّاً ينحصر أفراده فى الموجود الخارجي.

وأمّا الجهة الثانية: فقد استدلّ لفساد البيع في هذه الصورة:

1 - بلزوم الغَرر.

2 - وبالجهالة.

3 - وبأنّه لم يعهد مِلْك الكلّي في غير الذّمة.

4 - وباتّفاقهم على تنزيل الأرطال المستثناة من بيع الثمرة على الإشاعة.

أقول: ولكن يمكن دفع الجميع:

أمّا الأوّل: فلعدم لزومه مع تساوي الأفراد من حيث القيمة.

وأمّا الثاني: فلما تقدّم من عدم مانعيّة الجهل من حيث هو، مع أنّه لا جهالة هناك، فإنّ المبيع كلّي ومعلوم.

وأمّا الثالث: فلأنّ عدم المعهوديّة ممنوعٌ‌، كيف وهو معهودٌ في الوصيّة والإصداق، مع أنّ عدم المعهوديّة لا يصلح دليلاً للمنع.

وأمّا الرابع: فلأنّ حمل الكلام على معنى لظهوره فيه أو للتعبّد لا يستدعي بطلان غيره لو صرّح بإرادته.

وبعبارة أُخرى‌: إنّه يدلّ على الحمل على الإشاعة إذا لم يُحرز المراد، ومحلّ الكلام ما لو أُحرز أنّ المراد هو الكلّي في المعيّن.

وعليه، فالأظهر صحّته.


إذا باع صاعاً من صُبَّرة

الأمر السادس: لو باع صاعاً من صبرةٍ‌، فهل ينزّل على الوجه الأوّل من الوجوه الثلاثة، أعني الكسر المشاع، أو الوجه الثالث - أي الكلّي في المعيّن - بناءً على صحّته‌؟.

أقول: ولا يخفى أنّه لا فرق في هذه المسألة بين ما لو كان هناك قصد معيّن واُريد تعيينه بظاهر اللّفظ، وبين ما لم يكن قاصدا إلّالمفهوم هذا اللّفظ.

وأيضاً: أنّه وإنْ كانت الوجوه المتصوّرة من بيع بعض من متساوية الأجزاء أربعة، إلّاأنّه حيث تكون النكرة والفرد المنتشر مأخوذاً فيها خصوصيّة من الخصوصيّات زيادة على وجود الطبيعي، فتحتاج إرادة أحدهما إلى قرينة ودالّ آخر، ومع فقد ذلك لا محالة يدور الأمر بين إرادة الكسر المشاع، أو الكلّى فى المعيّن.

اللّهُمَّ إلّاأنْ يُقال: إنّ الشيخ رحمه الله يدّعي أنّ مقتضى الوضع هو الفرد المنتشر، لكن ستعرف عدم تماميّته.

وأمّا بناء على مسلك الشيخ رحمه الله، فلعلّ وجه حصره الوجوه في الوجهين ما ذكره من أنّ احتمال إرادة المنتشر يُدفع بأصالة الصحّة.

أقول: وكيف كان، فالكلام يقع:

أوّلاً: فيما يستفاد من اللّفظ بحسب الظهور.

وثانياً: فيما يقتضيه النص الخاص.

أمّا الأوّل: فالمشهور بين الأصحاب الحمل على الكلّي في المعيّن.

توضيح المقام: إنّ الصاع كسائر ألفاظ أسماء الأجناس موضوعٌ لطبيعي المعنى، وهو المقدار الخاص مع قطع النظر عن جميع الخصوصيّات، وتنوينه إمّا أن يكون تنويناً للتمكّن، ومجرّد انحفاظ المادّة في ضمن حركة إعرابيّة، أو يكون للتنكير.

أمّا على الأوّل: فلا يزيد على الطبيعي شيءٌ‌.

وأمّا على الثاني: وإنْكان يتوهّم ظهوره في الفردالمنتشر كما في «المكاسب»(1)حيث ادّعى الشيخ رحمه الله ظهوره في إرادة الفرد المنتشر، إذ لا وجه له سوى ذلك - إلّاأنّه يمكن أنْيقال إنّ‌المراد به مجرّد عدم التعيين، لا النكرة المصطلحة.

وأمّا أداة (من) فهي للتبعيض.

وعليه، فمفاد هذه الجملة هي إرادة صاعٍ من الحنطة غير المتعيّن من جهةٍ إلّا من جهة كونه بعضاً من الصبرة الموجودة في الخارج، فظاهرها هو الكلّي المتقيّد بالموجود الخارجي المشتمل على أفراد خارجيّة، وقد عرفت أنّ هذا هو الكلّي في المعيّن.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ ظاهرها إرادة صاعٍ من الحنطة الذي هو بعض من مجموع هذه الصبرة الموجودة في الخارج، وهذا هو الكلّي في المعيّن، إذ الكسر المشاع بعضٌ من الجميع، لا المجموع، مضافاً إلى أنّ إرادة الكسر المشاع تخالف الظاهر من وجهٍ آخر، وهو أخذ الصاع مرآةً وطريقاً ومعرّفاً للعشر أو الثمن أو نحو ذلك، وهذا بخلاف حمله على الكلّي في المعيّن، فإنّه يكون الصاع بنفسه وعنوانه مبيعاً.

هذا كلّه بناءً على مسلك المشهور في الكسر المشاع.5.


1) المكاسب: ج 4/255.

وأمّا بناءً على أنّ الكسر المشاع عبارة عن ملكيّة تمام المال بالملكيّة الناقصة - كما عرفت(1)في مسألة بيع نصف الدار - فحَمل العبارة المذكورة على الكلّي في المعيّن في غاية الوضوح، كما لا يخفى‌.

وأمّا الثاني: أي فيما يقتضيه النصّ الخاصّ‌، وهو صحيح بريد، عن الإمام الصادق عليه السلام: «في رجلٍ اشترى من رجل عشرة الآف طن قصب في أنبار، بعضه علي بعض، من أجمة واحدة، والأنبار فيه ثلاثون طن، وقد وقعت النّار فى القصب فاحترق منه عشرون ألف طن‌؟ قال عليه السلام: العشرة الآف طن التى بقيت هى للمشتري»(2).

فهو أيضاً يشهد بالحمل على الكلّي في المعيّن، فإنّه لو كان المبيع كسراً مشاعاً، كان الباقي مشتركاً بين البائع والمشتري، غاية الأمر أنّه ينفسخ البيع بالنسبة إلى المقدار التالف، فالحكم بكون الباقي للمشتري خاصّة، آية الحمل على الكلّي في المعيّن.

لا يقال: إنّه يلائم مع الفرد المنتشر أيضاً.

فإنّه يقال: إنّه بعد ما عرفت من بطلان بيع الفرد المنتشر، وعدم إمكان تصحيحه ولو بالتعبّد، يتعيّن حمل الخبر على الكلّي في المعيّن.

ثمرات كون المبيع كليّاً في المعيّن أو مشاعاً

أقول: ويتفرّع على المختار من كون المبيع كليّاً أُمور:

منها: كون التخيير في تعيينه بيد البائع، كما هو المشهور بين الأصحاب، لكن


1) تقدّمت فقه الصادق: ج 23/352، مبحث (بيع نصف الدار).

2) التهذيب: ج 7/126 ح 20، وسائل الشيعة: ج 17/366 أبواب عقد البيع وشروطه باب 19 ح 1 (22759).

خالف القوم المحقّق القمّي رحمه الله(1)، وذهب إلى أنّ التخيير في تعيينه بيد المشتري، والظاهر أنّ منشأ مخالفته للقوم قياسه تمليك الكلّي في المعيّن بالأمر بالطبيعة، والمشتري بالمأمور، فكما أنّ هناك يكون التخيير في تعيين الفرد بيد المأمور، كذلك التخيير فيه في المقام إنّما يكون بيد المشتري.

وفيه: إنّ الأمر بأمره يصير مالكاً لفرد من الطبيعي على المأمور، وفي المقام يصبح المشتري مالكاً على البائع، فكان الحريّ قياس المشتري في المقام بالأمر هناك، فكما أنّه ليس اختيار الفرد هناك بيد الآمر، كذلك هنا ليس بيد المشتري.

وبالجملة: إذا كان البائع مملّكاً للكلّي في المعيّن، يصبح المشتري مالكاً للطبيعي دون الخصوصيّات، فليس له حقّ في الخصوصيّات ليعيّن بعضاً منها لنفسه، فلا محالة يكون الخيار بيد البائع، وهذا بخلافه على الإشاعة، فإنّ المال يكون مشتركاً بينهما، فليس لأحدهما التعيين إلّامع رضا الآخر.

ومنها: أنّه لو تلف بعض الجملة، وبقى مصداق الطبيعة، انحصر حقّ المشترى فيه.

والوجه في ذلك: أنّه مع بقاء مصداقٍ واحدٍ للكلّي، لا يعدّ الكلّي تالفاً، بل هو موجودٌ، وحيث أنّه لا تعدّد لمصداقه، فلا محالة يكون حقّ المشتري منحصراً فيه، ويكون نظير ما لو أمر بطبيعةٍ وانحصر مصداقها في فردٍ واحد، فإنّه يتعيّن كونه مأموراً به، وهذا بخلافه على الإشاعة، فإنّ كلّ ما تلف يكون مشتركاً بينهما، وكذلك الباقي.

ومنها: أنّه لو فرضنا أنّ البائع بعدما باع صاعاً من الجملة، باع من شخصٍ‌2.


1) جامع الشتات: ج 2/95، مسألة 72.

آخر صاعاً كليّاً، حيث قالوا إنّه إذا بقي صاع واحد كان للأوّل.

أقول: ذكروا في وجه تعيّن الصاع الباقي للمشتري الأوّل، وأنّه يكون المبيع بالنسبة إلى الثاني من قبيل ما تلف قبل قبضه أمرين:

الأوّل: ما أفاده الشيخ رحمه الله(1)، وحاصله: أنّ البائع بعد ما باع صاعاً من الصُّبرة - التي هي عشرة أصوع - يكون مالكاً لتسعة أصوع، فالمبيع الثاني يكون سارياً فيما يملكه البائع، فإذا تلف ماعدا الصاع، فقد تلف جميع ما كان الكلّي سارياً فيه، فقد تلف المبيع الثاني قبل القبض.

وفيه: إنّ تسعة أصوع للمالك بعد البيع الأوّل لا تميّز لها واقعاً كي يكون سريان الصاع المبيع ثانياً فيها.

وبعبارة أُخرى‌: كلّ من المبيعين يكون كليّاً قابلاً للانطباق على كلّ فردٍ من أفراد الصبرة، وما دام لم يتلف ما عدا الصاع الواحد، يكون كلّ منهما على حَدٍّ سواء في التطبيق على كلّ فردٍ منها، ولا امتياز لأحدهما على الآخر، فبعد التلف أيضاً تكون هذه النسبة باقية.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ الأوّليّة إنّما تكون في المبيع وهو الكلّي، لا في التطبيق على الفرد.

الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله، من أنّه (إذا لم يبق إلّامقدار حقّ أحد المشتريين، فحيثُ أنّ المشترى الأوّل سابقٌ على الثاني فى المعاملة، فهو سابقٌ في صرف الطبيعى إلي نفسه وجَرّه إلي مِلْكه وجعله منطبقاً على الصّاع الباقي، ويزاحم0.


1) المكاسب: ج 4/260.

الآخر في صرف الوجود من الطبيعي»(1).

وفيه: إنّه إذا كان هناك تزاحمٌ في بادئ الأمر، كان ما ذكر متيناً - كما لو فرضنا أنّه لو لم يكن له إلّاصاع من الصبرة - وأمّا إذا لم يكن التزاحم إلّابقاءً‌، فمن حيث حدوث التزاحم لا أولويّة لأحدهما على الآخر، إذ التقدّم يكون في الحدوث، وفي ذلك الحين لم يكن تزاحم.

وبالجملة: فالأظهر أنّه لا ترجيح لأحدهما على الآخر، فالباقي بما أنّ نسبته إليهما علي حَدٍّ سواء، يحكم بأنّ لكلّ منهما نصفاً منه، وبالنسبة إلى النصف الآخر يكون من قبيل تلف المبيع قبل القبض.

أقول: ثمّ إنّ المبيع إنّما يبقي كليّاً ما لم يقبض، وأمّا إنْ قبض فلإقباضه صور أربع:

الأُولى: أن يعيّن الكلّي في فردٍ ويقبضه المشتري.

الثانية: أن يقبضه المجموع بعد تعيين الكلّي المبيع في الكسر المشاع.

الثالثة: أن يقبضه المجموع، بأن يكون كلّ واحدٍ منها وفاءً‌، والكليّات الاُخر أمانة.

الرابعة: أن يقبضه المجموع بعنوان الأمانة حتّى يعيّن حصّة الكلّي فيما بعد.

أقول: لا إشكال ولا كلام في الصورة الأُولى‌، لأنّه لو تلف المقبوض يحسب على المشتري، كما لا ينبغي التوقّف في حكم الصورة الثانية، وأنّه يُحسب التالف عليهما بالنسبة، لأنّ التعيين بيد البائع، من غير فرقٍ بين أن يكون بنحو الإفراز أو الإشاعة.3.


1) منية الطالب: ج 1/403.

وأمّا الصورة الثالثة: فإنّ تلف المجموع يكون من التلف بعد القبض.

وأمّا إنْ تلف البعض: فلا وجه لحساب التالف عليهما؛ فإنّ المبيع بعد القبض باقٍ على كليّته من دون أن يكون متعيّناً في فردٍ بنحو الإفراز والإشاعة، فإذا كان الباقي بمقدار المبيع، فلا يكون المبيع الكلّي تالفاً لقابليّة تطبيقه على هذا الفرد.

وأمّا الصورة الرابعة: فبالنسبة إلى التعيين حكمها حكم الصورة السابقة، وأمّا بالنسبة إلى الإقباض الذي أثره أنّه لو تلف المجموع يكون من التلف بعد القبض، فالظاهر أيضاً اتّحاد حكمها مع الصورة السابقة؛ إذ لا يُعقل أن يكون مال الشخص أمانةً عنده، فلا محالة يعدّ إقباضاً.

الفرق بين الاستثناء والبيع

قال الشيخ قدس سره: (وإنّما الإشكال في أنّهم ذكروا فيما لو باع ثمرة شجرات واستثنى منها أرطالاً معلومة... الخ)(1).

محصّل الإشكال: أنّ الأصحاب أفتوا في مسألة استثناء الأرطال بأنّه لو تلفت الثمرة سقط من المستثنى بحسابه، ولازم ذلك الحمل على الإشاعة، وحينئذٍ يقع الإشكال في الفرق بين المسألتين، حيث أنّ ظاهرهم في مسألة الأرطال الحمل على الإشاعة، وفي المقام الحمل على الكلّي في المعيّن.

وأيضاً: فإنّ لهم في مسألة الأرطال فتويين لا تلائمان مع الإشاعة:

إحداهما: أنّه لو تلف البعض بتفريط المشتري، كان حصّة البائع في الباقي.


1) المكاسب: ج 4/361-362.

ثانيتهما: استقلال المشتري في التصرّف.

وقد ذكروا في مقام الفرق وجوهاً، وذكر الشيخ رحمه الله(1)جملة منها، مع ما يرد عليها فلا حاجة إلى الإعادة.

ومنها: ما أفاده الشيخ رحمه الله في آخر كلامه(2)، وحاصله أنّ المستثنى كما يكون كليّاً، كذلك يكون عنوان المستثنى منه الذي انتقل إلى المشتري كليّاً، بمعنى أنّه ملحوظ بعنوان كلّي يقع عليه البيع، فكلّ منهما مالكٌ للكلّي، ونسبة الموجود إلى كلّ منهما على حَدٍّ سواء، فتخصيص أحدهما به ترجيحٌ بلا مرجّح، فتكون نسبة التالف إليهما على حَدٍّ سواء فيحسب عليهما.

وأمّا في البيع، فإنّ‌المبيع وإنْ كان كليّاً، إلّاأنّمال البائع لم يلاحظ بعنوان كلّي.

وفيه أوّلاً: إنّ الخصوصيّات:

1 - إمّا أن تكون باقية على مِلْك البائع في مسألة الاستثناء.

2 - أو تكون داخلة في ملك المشتري.

فعلى الأوّل: حكم المشتري في المقام حكمه في تلك المسألة، فلا وجه لحساب التالف عليه.

وعلى الثاني: كان حكم المشتري هناك، حكم البائع في المقام، فلا وجه لحساب التالف على البائع.

وثانياً: إنّ ظاهر بيع المجموع إلّا مقداراً منها، بيع الموجود الخارجي لا الكلّي.

وثالثاً: إنّه لايرتفع بذلك إشكال استقلال المشتري فى التصرّف، كما لايرتفع به5.


1) لاحظ المكاسب: ج 4/262.

2) المكاسب: ج 4/265.

إشكال أنّه لو تلف بتفريط المشتري كان حصّة البائع في الباقي، كما لا يخفى‌.

ومنها: ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله(1)، من أنّ المبيع في بيع الصاع كلّي ولا يملك المشتري من الخصوصيّات شيئاً، فما دام يكون صاع من الصبرة موجوداً، لا وجه لحساب التالف عليه، والمبيع في مسألة الإستثناء أيضاً وإنْ كان كليّاً إلّاأنّ البائع يملك الكلّي مع الخصوصيّة، فاحتساب التالف على المشتري لا وجه له، بل يُحسب عليهما، ومقتضى استحقاقه الكلّي أن يستحقّ الباقي لو أتلف المشتري مقداراً من الثمرة، لأنّ حقّه لم يكن مشاعاً في مال المشتري حتّى يستحقّ القيمة، وعلى هذا يرتفع إشكال جواز تصرّف المشتري في الثمرة بلا رضاً من البائع، لأنّه لم يكن شريكاً معه بعنوان الإشاعة.

وفيه: إنّ البائع إنْ كان مالكاً لجميع الخصوصيّات، كان المشتري كالمشتري في مسألة شراء الصّاع، الذي لا وجه لحساب التالف عليه، وإنْ ملك بعض الخصوصيّات بنحو الإشاعة، عاد سؤال الفرق، وإنْ ملك بعضها بنحو الفرد المنتشر بَطل البيع كما تقدّم.

ومنها: ما أفاده المحقّق الاصفهاني رحمه الله(2)، وحاصله أنّ ظهور الصّاع في بيع الصاع من الصبرة في الكلّي في المعيّن لا مزاحم له، وظهوره فيه في مسألة الاستثناء مزاحمٌ مع ظهور الاستثناء في كونه متّصلاً لا منقطعاً، وهو أقوى‌، فلا محالة يكون المستثنى جزئيّاً أُخرى من الجزئيّات، وحيث أنّ الجزئي المفروز إمّا مجهولٌ أو مردّد، والأوّل باطلٌ والثاني محالٌ‌، فلابدَّ من حمله على الجزئي بجزئيّة منشأ انتزاعه، وهو الكسر المشاع.4.


1) منية الطالب: ج 1/405.

2) حاشية المكاسب: ج 3/342-344.

وفيه: - مضافاً إلى أنّه بهذا لا يرتفع إشكال استقلال المشتري في التصرّف، وأنّه لو تلف المجموع بتفريطٍ من المشتري، كان حصّة البائع فى الباقي - إنّ استثناء الكلّى من المجموع ليس استنثاءً منقطعاً، بل هو متّصلٌ‌؛ لأنّ الاستثناء المتّصل هو ما لو أُخرج شيءٌ لو لم يكن استثناءً كان داخلاً في المستثنى منه، وفي المقام كذلك.

فالحقّ أنْ يقال: إنّ المستثنى فى مسألة الأرطال أيضاً كلّيٌ‌، ولذا يكون المشتري مستقلّاً فى التصرّف، ولكن حيث أنّه لا إشكال عند العرف فى أنّه لو تلف المجموع إلّا مقدار المستثنى، ليس ذلك للبائع خاصّة، يستكشف من ذلك أنّ المستثنى هو الكلّي ذو مراتب، ويكون الاستثناء في قوّة استثنائات عديدة متنازلة شيئاً فشيئاً، فمجموع الأرطال تكون مستثناة مع بقاء مجموع الثمرة، وشيءٌ منها نسبته إلى الباقي نسبة المجموع إلى المجموع، مع تلف شيء منه، وعدم الاستثناء مع تلف الجميع.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ المستثنى هو الكلّي المتقدّر بالكسر المشاع كعنوان العُشر مثلاً، فكلّما تلف يُحسب عليهما لا محالة، ومع ذلك يستقلّ المشتري بالتصرّف، ولا يلزم من ذلك غَرر، فإنّ المستثنى متعيّنٌ وهو عُشر المجموع مثلاً.

وأمّا وجه أنّه لو تلف البعض بتفريط المشتري، كان حصّة البائع في الباقي، فالظاهر أنّه يكون هو الشرط الضمني لبناء المتعاملين على ذلك كما لا يخفى.

أقسام بيع الصُّبرة

قال في محكي «الروضة»(1)تبعاً للمحكيّ عن «حواشي الشهيد»(2): (إنّ أقسام بيع الصُّبرة عشرة).


1) الروضه البهيّة: ج 3/268.

2) حكاه عن حواشي الشهيد السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4/275.

أقول: لايخفى أنّه إذا كانت الصبرة معلومة المقدار، صحّ بيعها فى أربعة أقسام:

أحدها: بيع جميع الصبرة.

ثانيها: بيع جزءٍ معلوم منها كالعُشر.

ثالثها: بيع صاعٍ أو صيعان منها، مع العلم باشتمالها على هذا المقدار.

رابعها: بيع الصبرة جميعها، كلُّ صاعٍ منها بكذا.

إذ المثمن في هذه الأقسام كالثمن معلومٌ‌، لكن يبطل البيع في القسم الخامس، وهو بيع كلّ صاع منها بكذا، لأنّ المبيع حينئذٍ غير معلوم فيكون البيع غرريّاً لصلاحيّة انطباق كلّ صاعٍ بكذا على الواحد والزيادة.

قال المحقّق النائيني رحمه الله(1): يظهر ممّا أفاده الشيخ رحمه الله(2)في بعض كتبه من صحّة الإجارة لو قال المؤجّر: (آجرتُك الدّار كلّ شهر بكذا في الشهر الأوّل)، لتضمّن هذا القول إجارة هذا الشهر يقيناً، صحّة البيع في المقام بالنسبة إلى صاعٍ واحد.

وفيه: - مضافاً إلى فساد المبنى كما نبّه هو عليه(3)، من جهة أنّ تردّد متعلّق العقد بين الأقلّ والأكثر يقتضي الجهل به - أنّه لو تمّ لما أمكن البناء على الصحّة في المقام، إذ في الأصل يدّعى أنّ إجارة الشهر الأوّل متيقّنة، وذلك الشهر ممتازٌ عمّا عداه.

وأمّا في الفرع، فلا يمكن أنْ يقال إنّ بيع الصاع الواحد متيقّنٌ‌، لأنّه:6.


1) منية الطالب: ج 1/405-406.

2) في المُنية حكى هذا القول عن العلّامة بقوله: (ممّا أفاده العلّامة في بعض كتبه من صحّة الإجارة لو قال المؤجّر... الخ).

3) منية الطالب: ج 1/406.

إنْ اُريد به الواحد الشخصي، فهو لتردّده بين الأفراد لا يصحّ كما تقدّم.

وإنْ‌اُريد به الكلّي في المعيّن، فهو غيرمتيقّن؛ إذ لو أخذالمشتري تمام الصبرة، لم يقع العوض في مقابل الكلّي في المعيّن، بل وقع بإزاء الأشخاص الخارجيّة.

وعليه، فالأظهر هو البطلان في هذا القسم.

وأمّا أقسام بيع الصبرة المجهولة المقدار: فلا كلام في بطلان بيع ثلاثة أقسام منها، وهي:

1 - بيع جميع الصُّبرة.

2 - وبيع جزءٍ معيّن منها كالعُشر.

3 - وبيع كلّ صاعٍ منها بكذا.

كما لا إشكال في صحّة بيع مقدارٍ معيّن منها - كالصّاع - مع العلم باشتمالها عليه، إنّما الكلام وقع في موردين:

الأوّل: في حكم القسم الأخير، مع عدم العلم باشتمال الصُّبرة عليه.

الثاني: في حكم بيع جميعها، كلّ صاعٍ منها بكذا، الذي حكمنا فيه بالصحّة في المعلومة.

أمّا المورد الأوّل: ففيه قولان:

1 - عن «القواعد»(1)و «التذكرة»(2)وحواشي الشهيد(3)و «الروضة»(4)7.


1) القواعد: ج 1/127.

2) التذكرة: ج 1/469.

3) حكاه عن حواشي الشهيد السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4/274.

4) الروضة البهيّة: ج 3/267.

وغيرها(1)البطلان.

2 - وعن ظاهر «الدروس»(2)و «اللّمعة»(3)الصحّة.

أقول: والأظهر هو الأوّل؛ للغَرر. وغاية ما قيل في وجه الصحّة ومنع الغَرر، هو أنّ بناء العقد على توزيع الثمن على مجموع المبيع، فكلّ جزءٍ من ذلك يقابل بجزءٍ من الثمن، فما كان من المبيع موجوداً يصحّ البيع بالإضافة إليه، وما لم يكن موجوداً بطل بالقياس إليه، وثبت للمشتري خيار تبعّض الصفقة.

وفيه: إنّه لو سُلّم ارتفاع الغَرر بذلك، لما كان مُجدياً بعد اعتبار معلوميّة كيل المبيع أو وزنه إنْ كان مكيلاً أو موزوناً، مع أنّ ارتفاع الغَرر غير ثابتٍ‌، فإنّه وإنْ ارتفع من حيث الماليّة، إلّاأنّه لا يرتفع من حيث الغرض المعاملي.

وبعبارة أُخرى‌: الجهل بوجود المبيع غررٌ عرفاً، كما لا يخفى‌.

وعليه، ثبت ممّا ذكرنا أنّ الأظهر هو الفساد.

وأمّا المورد الثاني: فالمشهور عليما نُسب(4)إليهم البطلان، وعن الشيخ رحمه الله في «الخلاف»(5)أنّه لا مانع منه، والأصل جوازه، وعن «الكفاية»(6)إنّه غير بعيد.

واستدلّ للصحّة: بأنّ المبيع معلومٌ بالمشاهدة، والثمن ممّا يمكن أنْ يعرف بأن تكال الصبرة ويوزع الثمن على نسبة قفيزاتها.0.


1) كالشيخ الطوسي قدس سره في الخلاف: ج 3/164، مسألة 260.

2) الدروس: ج 3/201.

3) اللّمعة الدمشقيّة: ص 113.

4) نسبه إلى المشهور المحقّق السبزواري في كفاية الأحكام: ص 90.

5) الخلاف: ج 3/162، مسألة 259.

6) كفاية الأحكام: ص 90.

وفيه: إنّ المعلوميّة بالمشاهدة لا تكفي فيما يعتبر في صحّة بيعه الكيل أو الوزن، مع أنّه يلزم الغَرر، وعليه، فالأظهر هو البطلان.


ويجوزُ الإندار للظروف بما يقاربها.

جواز أن يندر للظروف ما يحتمل الزيادة والنقيصة

الأمر السابع: (ويجوزُ) للمشتري أو للمتولّي عليهما (الإندار للظروف) وإسقاط ما يحتمل الزيادة على الظروف والنقيصة بلا خلافٍ‌.

وعن فخر الإسلام(1): دعوى الإجماع عليه.

وقيّد فى بعض الكلمات - منها المتن - بأنّ الإنذار يجب أن يكون (بما يقاربها).

أقول: والكلام في المقام يقع في مقامين:

الأوّل: فيما تقتضيه القواعد.

الثاني: فيما يستفاد من النصوص.

أمّا المقام الأوّل: فملخّص القول فيه هو: أنّ بيع المظروف يتصوّر على وجوه:

الصورة الاُولى: أن يوزن مظروفٌ مع ظرفه، فيباع المظروف جملةً بكذا.

وفي هذه الصورة لا حاجة إلى الإندار، وقد حَكم الشيخ رحمه الله(2)بصحّة بيعه، بناءً على كفاية العلم بوزن المجموع، وعدم اعتبار العلم بوزن المبيع منفرداً.

ولكن بناءً على هذا - وإنْ كان يتمّ ما أفاده - إلّاأنّ الكلام في المبنى، إذ الدليل دلَّ على اعتبار العلم بوزن المبيع، وفي المقام وزنه غير معلوم، ومعلوميّة وزنه منضمّاً إلى شيء آخر لا تكفي. وعليه فالأظهر هو البطلان.


1) مفتاح الكرامة: ج 4/294.

2) المكاسب: ج 4/323.

الصورة الثانية: أن يوزن المظروف مع ظرفه، ثمّ يباع على وجه التسعير، بأن يقول: (بعتكه كلّ رطلٍ بدرهم).

أقول: والكلام في هذه الصورة يقع في جهتين:

الأُولى: في أنّه هل يصحّ البيع أم لا؟.

الثانية: في الإندار للحاجة إلى تعيين ما يستحقّه البائع من الدّراهم.

أمّا الجهة الأُولى: فقد تقدّم الكلام فيها في مسألة بيع صاعٍ من صُبرة، وعرفت أنّ الأظهر هو البطلان إذا كان وزنه بتمامه غير معلوم.

وأمّا الجهة الثانية: فالأظهر هو الاكتفاء بما تراضيا عليه، لو بنينا على صحّة البيع، وأنّ‌الإندار في هذا المقام لا يضر، فلو عيّن مقداراًللظرف، وتراضيا عليه، مع احتمال الزيادة والنقيصة لاإشكال فيه، إذالبيع على الفرض تامّ الأجزاء والشرائط، والتراضي إنّما يكون في مرحلة تسليم حقّ البائع، وفي هذا المقام كما له أن يُبرء المشتري عن الثمن بتمامه أو بعضه، كذلك له التراضي على مقدارٍ معيّن، وإبرائه عن الزيادة لو كان، وللمشتري أيضاً أن يرضى بأن يأخذ البائع أكثر ممّا يستحقّه.

الصورة الثالثة: أن يوزن الظرف والمظروف، ثمّ يندر مقداراً للظرف فيبيع المظروف بعد ذلك، كما لو وزن المجموع وكان عشرة أرطال، ثمّ أندر رطلين للظرف، فباع المظروف الذي هو ثمانية أرطال تخميناً بعد الإندار بمبلغ معيّن.

وفي هذه الصورة إذا كان وزن الظرف - بحسب ما هو متعارف - معلوماً، واطمأن بأنّ وزنه بالمقدار الذي أندر، صَحّ البيع للاطمئنان بوزن المبيع، فلا جهالة ولا غَرر، وإلّا بطل البيع للجهالة والغَرر، وأمّا التراضي فلا قدرة له على تصحيح

البيع الغَرري، كما أنّ معلوميّة وزن المجموع لا تكفي كما تقدّم.

الصورة الرابعة: أن يبيع مقداراً من المظروف الذي يعلم باشتماله عليه، ثمّ في مقام التسليم يوزن المظروف مع ظرفه، ثمّ يندر مقداراً للظرف ويُسلّمه إلى المشتري.

أقول: يصحّ البيع في هذه الصورة، إذ لا غَرر ولا جهالة، وأمّا في مرحلة الوفاء، فحكمها حكم الصورة الأُولى - فراجع(1)-، هذا ما تقتضيه القواعد.

فالمتحصّل منها: أنّ للإندار صورتين:

إحداهما: الإندار بعد البيع وفي مقام الوفاء.

ثانيهما: الإندار في ضمن المعاملة.

وفي الصورة الأُولى: الإندار لا يضرّ بصحّة المعاملة، إنْ كانت صحيحة في نفسها، ثمّ هو إنْ كان بما هو المعتاد الذي عليه بناء العرف والعقلاء لا يعتبر فيه التراضي، وإلّا اعتبر فيه ذلك.

وفي الصورة الثانية: إنْ كان بالمتعارف صَحّ البيع، وإلّا بطل حتّى مع التراضي.

وأمّا بحسب الأخبار: فما ورد من النصوص في المقام ثلاثة.

الخبر الأوّل: موثّق حنان، قال: «كنت جالساً عند أبي عبداللّه عليه السلام فقال له معمّر الزيّات: إنّا نشتري الزيت في زقاقة، ويحسب لنا فيه نقصان لمكان الزقاق‌؟

فقال عليه السلام: إنْكان يزيد وينقص فلابأس، وإنْكان يزيد ولاينقص فلاتقربه»(2).

الخبر الثاني: خبر عليّ بن أبي حمزة، قال: «سمعتُ معمّر الزيّات يسأل أبا عبداللّه عليه السلام فقال: جُعِلْتُفداك إنّي رجلٌ‌أبيع الزيت - إلى أن قال - قلت: فإنّه يطرح).


1) صفحة 206 من هذا المجلّد.

2) الكافي: ج 5/183 ح 4، وسائل الشيعة: ج 17/367 أبواب عقد البيع وشروطه ب 20 ح 4 (22763).

لظروف السَّمن والزيت لكلّ ظرفٍ كذا وكذا رطلاً، فربما زاد وربما نقص‌؟

فقال عليه السلام: إذا كان ذلك عن تراضٍ منكم فلا بأس»(1).

الخبر الثالث: خبر عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: «سألته عن الرجل يشتري المتاع وزناً في الناسية والجوالق، فيقول: ادفع للناسية رطلاً أو أقلّ أو أكثر من ذلك، أيحلّ ذلك البيع‌؟

قال عليه السلام: إذا لم يعلم وزن الناسية والجوالق فلا بأس إذا تراضيا»(2).

أقول: الكلام في هذه الروايات يقع في جهات:

الجهة الأُولى: في سندها، فالأولان موثّقان، وأمّا الثالث فليس في طريقه من لم يوثّق به إلّاعبد اللّه بن الحسن.

ثمّ إنّ الغالب على الظنّ أنّ الخبران الأوّلان يحكيان عن قضيّة واحدة؛ إذ من المستبعد سؤال الزيّات عن أبي عبد اللّه عليه السلام مسألة واحدة مرّتين، واللّه العالم.

الجهة الثانية: البحث عن أنّ موردها هل هو الإندار بعد البيع، أو الإندار في ضمن المعاملة‌؟

ظاهر قوله في موثّق حنّان: (فيحسب لنا النقصان)، ترتّب حساب النقصان على الاشتراء، فهو من الإندار بعد المعاملة؛ لتسليم حقّ المشتري إليه.

وإنْ‌أبيت عن ذلك، فلا أقلّ من احتماله في مقابل احتمال كون الفاء تفسيريّة، وبياناً لكيفيّة الاشتراء، فلا يمكن استفادة حكم مخالفٍ للقاعدة منه.).


1) التهذيب: ج 7/128 ح 29، وسائل الشيعة: ج 17/366 أبواب عقد البيع وشروطه ب 20 ح 1 (22760).

2) قرب الإسناد: ص 261 ح 1035، وسائل الشيعة: ج 17/367 أبواب عقد البيع وشروطه ب 20 ح 3 (22762).

وأمّا خبر عليّ بن أبي حمزة، فإنْ كان متّحداً مع خبر حنّان، فلا كلام، وإلّا فيمكن أنْ يقال إنّه مهملٌ من هذه الجهة.

وأمّا خبر عليّ بن جعفر، فظاهر صدره من جهة ترتّب (فيقول... الخ) على اشتراء المتاع، كون الإندار بعد البيع، وما ورد في ذيله: «أيحلّ ذلك البيع»، قابلٌ للحمل على إرادة حليّة البيع بلازمه، من حيث أنّ الإندار من توابع البيع المتعلّق بما له ظرف، فهذا الخبر أيضاً ظاهر في الإندار بعد البيع، وقد مرّ أنّ جواز الإندار بعد البيع ممّا تقتضيه القواعد.

فإذاً ما تقتضيه القواعد، وتدلّ عليه النصوص، هو جواز الإندار بعد البيع الذي هو المتعارف من الإندار، والظاهر أنّ ما هو المشهور بين الأصحاب أيضاً ذلك.

الجهة الثالثة: في القيود المعتبرة فيه.

أقول: ظاهر موثّق حنّان - في باديء النظر - اعتبار احتمال الزيادة والنقصان، وظاهر الأخيرين اعتبار التراضي.

وقد يقال: فى الجمع بين النصوص كما عن صاحب «الجواهر» رحمه الله(1)بأنّه يُحمل الموثّق على صورة العادة المقتضية للإندار بذلك المقدار، ولذا لم يعتبر فيه التراضي، ويُحمل الخبرين الأخيرين علي ما إذا لم تكن هناك عادة، ولذا اعتبر فيهما التراضي.

وفيه: إنّه جمعٌ تبرّعي لا شاهد له.

وقد يقال: - كما في «المكاسب»(2)إنّ المعول خصوص الموثّق، والظاهر أنّه لضعف سند الأخيرين، أو ضعف سند الأخير واتّحاد الأوّل منهما مع الموثّق، وهو0.


1) جواهر الكلام 2: ج 2/448.

2) المكاسب: ج 4/330.

ظاهر في اعتبار الاعتياد من حيث ظهوره في كون حساب المقدار الخاص متعارفاً، واعتبار عدم العلم بزيادة المحسوب عن الظروف بما لا يتسامح به في بيع كلّمظروفٍ بحسب حاله.

أقول: ما أفاده رحمه الله من أنّ المعوّل خصوص الموثّق متين.

وأمّا ما أفاده من أنّ ظاهره كون حساب المقدار الخاص متعارفاً.

فيرد عليه: أنّ ظاهره - كصريح خبر عليّ ابن أبي حمزة - احتمال الزيادة والنقصان، وهذا لو لم يختصّ بصورة عدم التعارف، لا يكون مختصّاً بصورة التعارف كما لا يخفى‌.

والحقّ أنْ يقال: إنّ الزيات حيث لم يكن سائلاً عن معاملة شخصيّة، بل كان سؤاله عن حكم ما هو مهنته وشغله، فلا محالة يكون المراد من قوله عليه السلام: «إنْ كان يزيد أو ينقص»، الزيادة والنقيصة في نوع المقدار المندر في نوع هذه المعاملة، بحيث قد يتّفق في بعض المعاملات الزيادة، وفي بعضها الآخر النقيصة، الذي هو الاحتمال الثالث في المتاجر، فلا محالة يصير ذلك سبباً لاحتمال الزيادة والنقيصة في كلّ معاملة شخصيّة، فمراده عليه السلام أنّه إنْ كان يحتمل الزيادة والنقيصة لا محالة يتراضيان.

وأمّا إنْكان يحتمل خصوص الزيادة، فقد لا يرضى المشتري، ففيه بأس، فالمتحصّل منه هو اعتبار التراضي لا غير، فيتّحد مفاده مع الأخيرين.

فتحصّل: أنّه لا يستفاد من النصوص غير ما يستفاد من القواعد.


ويشترط في كلّ مبيعٍ أن يكون مشاهداً أو موصوفاً بما يرفع الجهالة

في كفاية المشاهدة وعدمها

(و) الشرط الخامس: ممّا (يشترط في كلّ مبيعٍ‌: أن يكون مشاهداً أو موصوفاً بما يرفع الجهالة)، وإلّا كان باطلاً؛ للغَرر والجهالة.

أقول: وهذا لا إشكال فيه، كما لا إشكال في الصحّة في ما لو وصفه بما يرفع الجهالة، إنّما الكلام في كفاية المشاهدة، وقد صرّح غير واحدٍ(1)بصحّة بيع مختلفة الأجزاء كالثوب والدار والغنم مع المشاهدة، وادّعوا أنّ عليها الإجماع.

وأورد عليهم: جمعٌ منهم الشيخ رحمه الله بأنّه (يُشكل الحكم بالجواز في كثيرٍ من تلك الموارد؛ لثبوت الغَرر)(2)، وظاهر بعض الموردين وصريح آخرين(3)الحكم بالجواز مع عدم لزوم الغَرر.

أقول: لكن الأظهر عدم الصحّة في جملةٍ من تلك الموارد، ولو لم يلزم الغَرر، وهي الموارد التي يباع الشيء بالعَدّ والذرع.

أمّا في الأوّل: فلما تقدّم من دلالة الدليل على اعتبار العَدّ في المعدود.

وأمّا في الثاني: فلأنّ العَدّ بالذرع أيضاً داخلٌ في حقيقة العَدّ، ولا فرق بين أنْ يقال جوزة وجوزتان، أو أنْ يقال ذرعٌ وذرعان، ومجرّد كون الأوّل من قبيل الكمّ‌


1) كالشيخ في المبسوط: ج 2/76، والحِلّي في السرائر: ج 2/241، والعلّامة في التذكرة: ج 1/470.

2) المكاسب: ج 4/245.

3) أنظر مفتاح الكرامة: ج 4/230.

المنفصل، والثاني من قبيل الكم المتّصل، لا يصلح فارقاً.

نعم، ما ذكروه يتمّ فيما يباع لا بالعَدّ ولا بالذرع؛ فإنّه يصحّ البيع إنْ لم يلزم الغَرر، كما في بيع العباءة، فإنّ كلّ طاقة منها لها قيمة، وهي مناط ماليّته، سواءٌ أكانت أربعة أذرع أو أزيد أو أنقص.

كفاية مشاهدة العين سابقاً

أقول: أمّا بالنسبة إلى ما يكفي فيه المشاهدة لصحّة العقد، فإنّه لو شاهد عيناً في زمانٍ سابق على العقد، فلا إشكال في صحّة العقد مع قضاء العادة ببقائها على ما هي عليه، كما لا إشكال في الفساد مع قضاء العادة تغيّرها عن صفاتها السابقة إلى غيرها المجهول عند المتبايعين، للزوم الغَرر.

إنّما الكلام في موردين:

الأوّل: في أنّه لو اقتضت العادة التغيّر، هل يمكن تصحيح العقد باخبار البائع أو الاشتراط في ضمن العقد أم لا؟.

الثاني: في حكم ما لو احتمل الأمران.

أمّا المورد الأوّل: فالظاهر صحّة البيع:

1 - مع إخبار البائع، إذا كان مؤتمناً.

2 - أو اشتراط تلك الصفات في ضمن العقد.

أمّا مع إخبار البائع: فللنصوص الواردة في إخبار البائع بالكيل أو الوزن المتقدّمة(1)، بناءً على إلغاء خصوصيّة موردها، والتعدّي إلى سائر الخصوصيّات


1) تقدّمت في هذا الجزء تحت عنوان (إخبار البائع بقدر المبيع).

التي يكون الجهل بها موجباً للغَرر.

وأمّا مع الاشتراط: فلارتفاع الغَرر به.

وأمّا المورد الثاني: فقد أفاد الشيخ رحمه الله: أنّه (جاز الاعتماد على أصالة عدم التغيّر والبناء عليها في العقد، فيكون نظير إخبار البائع بالكيل أو الوزن؛ لأنّ الأصل من الطرق التي يتعارف التعويل عليها)(1).

وفيه: أنّ الغَرر لا يرتفع بالأصل.

وإنْ شئتَ قلت: أنّه إنّما يجري الاستصحاب فيما كان الأثر مترتّباً على المتيقّن، وأمّا بالنسبة إلى أثر العلم، فلا يكون الاستصحاب مفيداً بالإضافة إليه، فإنّ الاستصحاب إنْ جرى وحكم ببقاء الحالة السابقة مع تحقّق الشرائط، من اليقين السابق، والشكّ اللّاحق، وثبوت الأثر للمتيقّن، تترتّب عليه آثار العلم التي تكون مترتّبة عليه من حيث إنّه موجب للجري العملي على طبق الحالة السابقة دون غيرها.

وأمّا إذا لم يكن هناك أثرٌ للمتيقّن، فلا يجري كي يقوم مقام القطع في تلك الآثار.

وفي المقام إنّ ارتفاع الغَرر بما أنّه من آثار العلم، فلا يترتّب على الاستصحاب، مضافاً إلى أنّه من آثار العلم بما هو طريقٌ لا بما أنّه مقتضٍ للجري العملي، وعليه فلا يفيد الاستصحاب في المقام.

أقول: لكن برغم ذلك فإنّه يمكن تصحيح العقد بأن يُقال إنّ إيقاع المعاملة على1.


1) المكاسب: ج 4/271.

فإنْ وجد على الوصف، وإلّا كان له الخيار.

العين المرئيّة سابقاً يكون له ظهورٌ عرفي في اشتراط وجود تلك الصفات، وليست هي من قبيل الأوصاف التي لا دخل لها في العقد، كي لايكفي مجرّد البناء، بل هي من قبيل الأوصاف التي تقع المعاملة مبنيّة عليها، التي هي بمنزلة الأوصاف المذكورة، ولا إشكال في ارتفاع الغَرر بذلك.

اللّهُمَّ إلّاأنْ يُقال: إنّ ارتفاع الغَرر من حيث الماليّة بذلك، وإنْ كان لا إشكال فيه، كما في سائر موارد الاشتراط، إلّاأنّ الغَرر من حيث الغرض المعاملي لا يرتفع به. فتأمّل.

وكيف كان، (فإنْ وَجد على الوصف وإلّا كان له الخيار) بلا خلافٍ معتدّ به.

وتفصيل القول: إنّ صور البيع بالرؤية القديمة ثلاث:

الأُولى: العلم العادي ببقاء تلك الصفات.

الثانية: إخبار البائع بها.

الثالثة: إيقاع المعاملة مبنيّاً عليها.

أمّا الصورة الأُولى والثانية: فالأظهر صحّة العقد ولزومه. أمّا الصحّة فلما تقدّم، وأمّا لزومه فلأنّه لا موجب للخيار، لا خيار الغبن؛ لأنّ ذلك الخيار مورده زيادة القيمة السوقيّة أو نقصها، ولا خيار الرؤية؛ لما سيأتي من اختصاصه بما إذا اشترط الوصف، ولا خيار الشرط لعدمه، ولا غير ذلك، وهو واضح.

وأمّا الصورة الثالثة: فالأظهر ثبوت خيار الشرط لما تقدّم.

أقول: أمّا ما ذكره المصنّف في «نهاية الإحكام»(1)من احتمال البطلان، فإنّه يمكن أن يكون مدركه أحد اُمور:

الأمر الأوّل: ما أفاده الشيخ رحمه الله من أنّ (العقد إذا وقع على الشيء الموصوف، انتفى متعلّقه بانتفاء صفته، وإلّا فلا وجه للخيار)(2).

الأمر الثاني: إنّ المعتبر في صحّة العقد، عدم كونه بنفسه غرريّاً، والاشتراط لا يرفع غرريّة البيع.

الأمر الثالث: إنّ الشرط الذي لم يذكر في العقد لا عبرة به.

أقول: والجميع كما ترى‌.

أمّا الأوّل: فللنقض بجميع الشروط، وللحَلّ‌، باعتبار أنّ الشرط التزامٌ في ضمن التزام. وسيأتي توضيح ذلك في محلّه.

وأمّا الثاني: فلأنّ الشرط يوجبُ رفع الغَرر عن البيع، وعدم كونه غرريّاً.

وأمّا الثالث: فلأنّ الشرط غير المذكور في العقد على قسمين:

القسم الأوّل: ما يقع العقد مبنيّاً عليه، ويكون له ظهورٌ عرفي فيه.

القسم الثاني: ما لا يكون كذلك.

وما ذُكر يتمّ في الثاني، من جهة أنّه في باب العقود والإيقاعات لا عبرة بالبنائات القلبيّة ما لم تبرز، ولا يتمّ في الأوّل، إذ لا يعتبر فيها غير الإبراز شيءٌ آخر من كون الإبراز بالدلالة المطابقيّة لا الالتزاميّة.

وبالجملة: فالأظهر هي الصحّة والخيار.3.


1) نهاية الإحكام: ج 2/501.

2) المكاسب: ج 4/273.

حكم ما لو اختلفا في التغيّر

أقول: هنا فرعان ينبغي التعرّض لهما:

الفرع الأوّل: لو اختلفا في التغيّر، فادّعاه المشتري، فعن «المبسوط»(1)، و «التذكرة»(2)، و «الإيضاح»(3)، و «جامع المقاصد»(4)، و «المسالك»(5)، وغيرها(6)تقديم قول المشتري، واستدلّوا له بأُصولٍ سوف نتعرّض لها.

أقول: وقبل بيانها، لابدّ وأن يُعلم أنّ مورد الكلام في هذا الفرع، هو ما لو اتّفقا على الصفات الموجودة حال العقد، وكان الاختلاف في أنّها هل هي الصفات المرئيّة، أو أنّ الصفات المرئيّة غيرها، لا ما لو اتّفقا على الصفات المرئيّة، وكان الاختلاف في أنّها كانت باقية إلى حين العقد أم لا، فإنّه في هذه الصورة يجري استصحاب بقائها على ما كانت عليه، وهو حاكمٌ على جميع الأُصول المفروضة.

وأيضاً: الغرض من الأُصول التي تمسّكوا بها، هو تشخيص المدّعي عن المنكر، وأمّا إنّه على فرض كون المشتري منكراً يثبت له الخيار، فهو إنّما يكون بموازين باب القضاء من اليمين والبيّنة.

وعليه، فإيراد المحقّق الخراساني رحمه الله(7)على القوم، ومنهم الشيخ بأنّ الخيار


1) البمسوط: ج 2/77.

2) التذكرة: ج 1/468.

3) إيضاح الفوائد: ج 1/432.

4) جامع المقاصد: ج 4/109.

5) مسالك الأفهام: ج 3/178.

6) كالسرائر: ج 2/243، والدروس: ج 3/199.

7) حاشية المكاسب: ص 131.

لا يثبتُ بالأصل، لترتّبه على عنوان الضرر غير الثابت به، في غير محلّه.

أقول: إذا عرفت هذين الأمرين، فاعلم أنّ الأساطين القائلين بتقديم قول المشتري استندوا إلى وجوه:

الوجه الأوّل: أنّ المشتري هو الذي يُنتزع منه الثمن، ولا ينتزع منه إلّابإقراره أو ببيّنةٍ تقوم عليه، وليس المراد بذلك استصحاب بقاء علقة المشتري بالثمن، بناءً على أنّ الخيار من مراتب العُلقة الملكيّة التي كانت قبل البيع، إذ المبنى فاسد؛ لأنّ الملكيّة من سنخ الوجود، وليست ذي مراتب، بل المراد به ظهور اليد في كون المشتري مسلّطاً على الثمن بالتصرّف فيه، ولو بالفسخ، فحينئذٍ إنْ كان الثمن بيده فلا كلام، وإلّا فيستصحب بقاء سلطنته المطلقة على الثمن.

وفيه: إنّ يد المشتري على الثمن بعد المعاملة يد أمانيّة، وليست أمارة تسلّطه عليه، وادّعاء المشتري تسلّطه على الفسخ لا يفيد كما لا يخفى‌.

قال الشيخ رحمه الله بعد هذا الجواب: (إلّا أنْ يقال: إنّ وجود الناقل لا يكفي في سلطنة البائع... الخ)(1).

وحاصله: أنّه بناءً على ما ذكره المصنّف رحمه الله في «التذكرة»(2)من أنّ البائع لا يكون مسلّطاً علي تسلّم الثمن فى زمان الخيار، كما أنّ المشترى لا يكون مسلّطاً على تسلم المثمن في ذلك الزمان، يصبح البائع مدّعياً والمشتري منكراً؛ لموافقة قوله للأصل من وجهٍ‌آخر، وهو أنّه مع الشكّ في ثبوت الخيار، يشكّ في حدوث سلطنة7.


1) المكاسب: ج 4/275.

2) التذكرة: ج 1/537.

كلٍّ من البائع والمشتري، والأصل عدمها، فمقتضى الأصل عدم تسلّط البائع على تسلّم الثمن من المشتري، فإذا صار المشتري منكراً، ثبت له الخيار بمقتضى قوانين باب القضاء.

ثمّ قال أخيراً: (لا مدفع لهذا الأصل إلّاأصالة عدم سبب الخيار).

أقول: والحقّ فى الجواب عن هذا الوجه، ما أفاده الشيخ رحمه الله فى مبحث الخيارات بقوله: (إنّي لاأجد لهذاالحكم وجهاًمعتمداً، ولم أجد من عنونه وتعرّض لوجهه)(1).

وهذا لا ينافي ما أفاده في مبحث خيار المجلس(2)بما حاصله: إنّه لو قلنا بوجوب التقابض في عقد الصّرف والسَّلم، فثمرة الخيار واضحة، وهي عدم وجوب التقابض - كما توهّمه المحقّق النائيني رحمه الله(3)- فإنّ الظاهر أنّ مراده أنّه لو ثبت الخيار حيث أنّ له الفسخ لو فسخ، لما وجب التقابض، وهذه ثمرة الخيار، لا أنّه لا يجب التقابض مع عدم الفسخ.

وأمّا التفصيل: الذي التزم به المحقّق المذكور بين الخيارات الزمانيّة وغيرها، وأنّه يتمّ ما أفاده العلّامة رحمه الله في القسم الأوّل دون الثاني؛ من جهة أنّ حقيقة الخيار في القسم الأوّل عبارة عن كون أمرالعقد بيد ذي الخيار، فجميع آثاره تحت تصرّفه، ومنها التسليم والتسلّم، وأمّا في القسم الثاني فحقيقته عبارة عن ثبوت حقّ الاسترداد ما لم يصل إلى ذي الخيار عوضه، فالخيار ابتداءً لا يرجع إلى العقد بل ثانياً، فقبل الفسخ لم يرد تخصيص على أدلّة سلطنة النّاس على أموالهم، فيجب على8.


1) المكاسب: ج 6/188.

2) المكاسب: ج 5/49.

3) منية الطالب: ج 1/408.

المشتري تسليم الثمن وإنْ جاز له استرداده بعده.

فغير تامّ‌: لأنّ حقيقة الخيار في القسمين واحدة، وهي ملك فسخ العقد وإقراره، ولا يؤثّر هذا إلّامن حين وقوعه، فيرفع أثر البيع، لا أنّه يكشف عن عدم صحّة البيع من الأوّل، ولذا يجب التسليم في القسمين ما لم يتحقّق الفسخ.

الوجه الثاني: إنّ البائع يدّعي علم المشتري بهذا الوصف الموجود والرضا به، والمشتري ينكره، والأصل مع المشتري، ذكره المصنّف في محكي «التذكرة»(1).

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(2): بجوابين:

أحدهما: إنّ المشتري يدّعي علمه بالوصف الآخر الذي يدّعيه [البائع]، والذي يدّعيه المشتري منشأ ثبوت الخيار لتخلّف الوصف، والأصل عدمه، فالبائع يكون منكِراً والمشتري مدّعياً.

ثانيهما: إنّ الشكّ في علم المشتري بهذا الوصف، وعلمه بغيره مسبّبٌ عن الشكّ في وجود غير هذا الوصف سابقاً، فإذا انتفى غيره بالأصل الذي يرجع إليه أصالة عدم تغيّر المبيع، لم تجر أصالة عدم علمه بهذا الوصف.

أقول: وفي كلٍّ من الاستدلال وجوابي الشيخ رحمه الله نظرٌ:

أمّا الأوّل: فلأنّ أصالة عدم علم المشتري بالوصف الموجود لا تثبت وقوع البيع على الموصوف بالوصف الآخر، إلّاعلى القول بالأصل المثبت.

وبه يظهر ما في الجواب الأوّل الذي ذكره الشيخ رحمه الله، إذ لا يثبت بالأصل المزبور وقوع البيع على الموصوف بهذا لوصف الموجود.ف.


1) التذكرة: ج 1/467-468.

2) المكاسب: ج 4/275-276، بتصرّف.

وأمّا الثاني: فلأنّ حكومة الأصل السببي على المسبّبي إنّما تكون فيما إذا كانت السببيّة شرعيّة، لا في مثل المقام ممّا تكون السببيّة عقليّة.

الوجه الثالث: إنّ الأصل عدم وصول حقّ المشترى إليه، كما عن «جامع المقاصد»(1).

وفيه: إنّ حقّه الثابت له في العين واصلٌ إليه قطعاً، ومن الوصف المفقود غير ثابت، واستصحاب بقاء كلّي الحقّ من قبيل الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي، ولا نقول به.

وبالجملة: ثبت ممّا ذكرناه عدم تماميّة هذه الوجوه، ولذلك قال الشيخ رحمه الله:

(ويمكن بناء المسألة على أنّ بناء المتبايعين حين العقد على الأوصاف... الخ)(2)، ومراده أنّه:

1 - إنْ كان الوصف من قيود المبيع، وكان الالتزام التزاماً وحدانيّاً متعلّقاً بعنوان المتّصف بالصفات، برغم ذلك فإنّ الأصل مع المشترى؛ لرجوع النزاع إلى وقوع العقد على الشيء المطلق، بحيث يشمل الموصوف بهذا الوصف الموجود، وعدمه، فإنّ الأصل في هذه الصورة مع المشتري.

2 - وإنْ كان في قوّة اشتراطها، على أن يكون هناك التزامان، كان الأصل من البائع؛ لرجوع النزاع في التغيّر وعدمه إلى النزاع في اشتراط خلاف هذا الوصف الموجود على البائع وعدمه، والأصل في هذه الحالة مع البائع.

أقول: إنّ ما هو محلّ البحث من قبيل القسم الثاني، وذلك لوجهين:6.


1) جامع المقاصد: ج 4/109.

2) المكاسب: ج 4/276.

الوجه الأوّل: أنّ تقييد المبيع وتضييقه يختصّ بالكلّي، لأنّه قابل لذلك، ولا يكون الشخصي كذلك، وتعليق البيع على الوصف موجبٌ للبطلان، فلا محالة يكون من قبيل الالتزام به في ضمن العقد.

الوجه الثاني: إنّ البيع بالرؤية القديمة إنّما صحّحناه بالاشتراط، فراجع ما ذكرناه(1)، وعليه فالأصل مع البائع.

أقول: وربما يقال في تقريب أنّ الأصل مع البائع وجوهٌ أُخر:

منها: أصالة عدم وقوع العقد على العين المقيّدة بالوصف المفقود ليثبت الجواز.

وفيه: إنّه إنْ اُريد بها ما هو مفاد ليس التامّة، فهي لا تفيد، لأنّ عدم وقوع العقد المتّصف بالوصف المفقود لا أثر له، إلّاأنْ يثبت به وقوعه على المتّصف بالوصف الموجود أو المطلق غير المقيّد بشيء من الوصفين، وإنْ اُريد به ما هو مفاد ليس الناقصة، فلا حالة سابقة له.

قال الشيخ رحمه الله: عند مناقشة ذلك بأنّ المقام نظير الشك في كون الماء المخلوق دفعة كُرّاً من أصله، بدعوى أنّ أصالة عدم كريته نافعة غير جارية، وأصالة عدم وجود الكر جارية غير نافعة في ترتّب آثار القلّة عن الماء المذكور(2).

وفيه: إنّه فى الماءالمخلوق دفعةً‌، من جهة أنّ آثار القلّة آثار للماء غير المتّصف بعنوان الكرية، يمكن إجراء عدم الكرية الأزلي كما ذكرناه في الجزء الأوّل من هذا الشرح مفصّلاً، وأمّا في المقام فلا يمكن ذلك من جهة أنّ موضوع اللّزوم هو العقد الواقع على المتّصف بالوصف الموجود أو المطلق، لا على العقد غير الواقع على9.


1) راجع صفحة 213، مبحث (كفاية مشاهدة العين سابقاً) في هذا المجلّد.

2) المكاسب: ج 4/279.

المتّصف بالوصف المفقود، فلا تنفع أصالة العدم الأزلي فى المقام بخلافه فى المثال.

ومنها: أصالة اللّزوم.

وفيه: إنّ الشكّ في الجواز واللّزوم مسبّبٌ عن الشكّ في وقوع العقد على المتّصف بالوصف الموجود وعدمه، فإذا جرى الأصل في السبب، لا يبقى شكٌّ في اللّزوم كي نعود إلى أصالته.

ومنها: العمومات المقتضية للزوم العقد، الحاكمة على الأُصول العمليّة المتقدّمة، مثل ما دلَّ على حرمة أكل المال (إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ‌) (1)، وعموم قوله عليه السلام: «لا يَحِلّ مال امرء مسلمٍ إلّابطيبة نفسه»(2)، وعموم قوله عليه السلام: «النّاس مسلّطون على أموالهم»(3).

وفيه: إنّ هذه العمومات قد خُصّصت بأدلّة الخيارات، فمع الشكّ في الخيار تكون الشهبة مصداقيّة، ولا مجال للرجوع فيها إلى العمومات.

ومنها: أنّ موضوع الخيار المعاوضة الواقعة على مالٍ لا ينطبق على المدفوع، فإذا شُكّ في تلك، فالأصل عدم وقوع المعاوضة المذكورة.

وفيه: إنّ موضوع الخيار هو عدم كون العين الخارجيّة منطبقة على ما وقع العقد عليه.

وبعبارة أُخرى‌: عدم دفع البائع العنوان الذي وقع العقد عليه إلى المشتري،7.


1) سورة النساء: الآية 29.

2) عوالي اللآلي: ج 2/113 ح 309، الكافي: ج 7/273 ح 12، وسائل الشيعة: ج 5/120 أبواب مكان المصلّي ب 3 ح 1 (6089).

3) عوالي اللآلي: ج 1/222 ح 99، بحار الأنوار: ج 2/272 ح 7.

والأصل موافقٌ له.

مع أنّه لو سُلّم ما ذكر، لما كان يثبت به اللّزوم.

ومنها: أنّ أصالة عدم تغيّر المبيع، وإرادة على الأُصول المذكورة، لأنّ الشكّ فيها مسبّبٌ عن الشكّ في تغيّر المبيع وعدمه.

وفيه: أنّه إنْ اُريد بذلك استصحاب عدم التغيّر من حيث إنّه بنفسه حادث من الحوادث، فهو لا يفيد، لعدم كونه موضوع الأثر.

وإنْ اُريد به استصحاب المعنون:

فيرد عليه أوّلاً: أنّه من الاستصحاب القهقهرى، لأنّه يراد إثبات كون الصفة الموجودة كذلك حين العقد.

وثانياً: إنّ استصحاب كون هذه الصفة موجودة لا يكفي، فان موضوع الأثر وقوع العقد على المتّصف بهذا الوصف الموجود لا وجود الصفة حين العقد.

فتحصّل ممّا ذكرناه: أنّه إنْ كانت الأوصاف من قبيل الشرط، والالتزام في الالتزام، كان الأصل في جانب البائع، وإلّا فمع المشتري.

أمّا دعوى الزيادة: فلو ادّعى البائع الزيادة الموجبة لخيار البائع:

فبناءً على ما اخترناه من أنّ أوصاف المبيع في البيع بالرؤية القديمة مع الشكّ فيها، إنّما تكون كالشروط الخارجيّة من قبيل الالتزام في الالتزام، وعليه بنينا في المسألة المتقدّمة أنّ الأصل مع البائع، فلابدّ من البناء في المقام على أنّ الأصل مع المشترى؛ لأنّ البائع يدّعي أنّ الشرط غير هذا الوصف الموجود، والمشتري ينكره، والأصل عدمه.

وأمّا بناءً على كونها من قيود المبيع، يكون الأصل مع البائع بعكس المسألة السابقة، لأنّ المشتري يدّعي وقوع البيع على هذا المتّصف بالوصف الموجود، والبائع ينكره، والأصل معه.

وبذلك ظهر أنّ ما بنى عليه الشهيد رحمه الله(1)من أنّ الأصل مع المشتري في المسألتين لا ينطبق على القواعد.

أقول: وأمّا ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله(2)في توجيه ما أفاده الشهيد رحمه الله بأنّ الغالب يُقدّم البائع على البيع كائناً ما كان، ولا ينظر إلى الوصف الزائد على ما رآه المشتري سابقاً.

فغير تامّ‌: إذ كما تختلف رغبات المشتري في مقام الاشتراء، كذلك تختلف رغبات البائع، سيّما في الأوصاف الموجبة لاختلاف القيمة وجوداً وعدماً كما هو واضح.

لو اختلفا في تقدّم البيع على التغيّر وتأخّره عنه

الفرع الثاني: ما لو اتّفقا على التغيّر بعد المشاهدة، ووقع العقد على الوصف المشاهَد، واختلفا في تقدّم التغيّر وتأخّره.

أقول: الكلام في هذا الفرع يقع في موضعين:

الأوّل: فيماإذا صارت قيمته بعد التغيّرأقلّ‌، وكان المدّعي للخيار هو المشتري.

الثاني: فيما إذا صارت قيمته أزيد، وكان المدّعي للخيار هو البائع.


1) اللّمعة الدمشقيّة ص 113.

2) منية الطالب: ج 1/410-411.

أمّا الموضع الأوّل: فالكلام فيه يقع في موردين:

أحدهما: بناءً على أنّ تلف الوصف بعد البيع وقبل القبض يوجب الخيار.

ثانيهما: بناءً على عدم كونه موجباً للخيار.

أقول: وقبل الشروع في بيان الحَقّ‌، لابدّ من تقديم مقدّمة، وهي:

إنّه ربما يكون متعلّق الحكم هو الفعل المتعلّق بالموصوف المتّصف بوصفٍ حال وجود الوصف، وربما يكون متعلّقه هو الفعل المتعلّق بالوصف.

مثال الأوّل: ما لو وجب إكرام زيد العالم.

ومثال الثاني: موارد ضمان الأوصاف، فإنّه مترتّبٌ على الاستيلاء على الوصف نفسه.

وفي القسم الأوّل: إذا كان الوصف متيقّناً سابقاً، ومشكوكاً فيه لاحقاً، جرى فيه الاستصحاب، ويترتّب عليه حكمه بضمّ الوجدان إلى الأصل، فلو كان زيدٌ عالماً، وشكّ في بقاء علمه، يستصحب ذلك ويكون إكرامه متعلّقاً للوجوب.

وفي القسم الثاني: لا يكفي استصحاب بقاء الصفة؛ لأنّه لا يثبت به كون الفعل متعلّقاً به، فلو كان الغنم سميناً سابقاً، وشكّ في سمنه حال الغصب، لا يكفي استصحاب بقاء السَّمن في الحكم بضمان هذا الوصف المترتّب على غصب الوصف أيضاً، وتمام الكلام في ذلك موكولٌ إلى محلّ آخر.

أقول: إذا عرفت هذه المقدّمة، فاعلم:

في المورد الأوّل: يكون الأصل مع المشتري؛ لأصالة عدم وصول حقّه إليه، وأصالة عدم التغيّر، وبقاء الوصف إلى زمان القبض لا يُثبت قبض الصفة - الذي

هو موضوع اللّزوم - فلا تجري، وكذا لا تجري أصالة عدم القبض إلى ما بعد التغيّر؛ فإنّها أيضاً لا تثبت وقوع القبض على فاقد الوصف الذي هو موضوع الخيار، فهذان الأصلان لا يجريان.

وأمّا أصالة اللّزوم، فهي محكومة لاستصحاب عدم وصول حقّ‌المشتري إليه.

وفي المورد الثاني: يكون الأصل - وهو أصالة اللّزوم، وأصالة عدم التغيّر، وبقاء الوصف إلى حين البيع، الجارية والمفيدة في المقام من جهة أنّ الأثر وهو اللّزوم، إنّما يترتّب على وقوع البيع على الموصوف في حال وجود تلك الصفة - مع البائع.

ودعوى المحقّق النائيني(1): من أنّ الأصل الثاني معارضٌ مع أصالة عدم وقوع البيع إلى زمان التغيّر.

يرده: أنّه لا أثر لهذا الأصل، لأنّ الخيار إنّما يترتّب على وقوع البيع على الفاقد لذلك الوصف.

كما أنّ ماأفاده الشيخ رحمه الله(2)من أنّ‌الأصل مع المشتري، وهو أصالة عدم وصول حقّه إليه، أيضاً غير تامّ‌؛ لأنّه على الفرض بعدم وصول حقّه إليه لا يكون موجباً للخيار، لعدم كون تلف الوصف قبل القبض موجباً للخيار، فكيف باستصحابه.

وأمّا الموضع الثاني: وهو ما لو ادّعى البائع الخيار، بأن كانت العين في حال المشاهدة فاقدة الوصف، والبيع وقع عليها مع عدم الوصف، وصارت بعد ذلك واجدة له، وادّعى البائع تقدّم وجود الصفة على البيع والقبض، وادّعى المشتري التأخّر،3.


1) منية الطالب: ج 1/411.

2) المكاسب: ج 4/283.

فظاهر كلام الشيخ(1)أنّ الأصل مع البايع، وهو صريح كلام المحقّق النائيني رحمه الله(2).

أقول: لكن الحقّ أنّ الأصل مع المشتري، إذ مضافاً إلى أصالة اللّزوم، تجري أصالة عدم التغيّر، وعدم وجود الوصف إلى حين البيع، ولا تعارضها أصالة عدم البيع إلى زمان التغيّر؛ إذ لا يثبت بها وقوع البيع في حال وجود الوصف.

***1.


1) المكاسب: ج 4/284.

2) منية الطالب: ج 1/411.

ولو افتقرت معرفته إلى الإختبار، جاز بيعه بالوصف أيضاً.

لزوم الاختبار

مسائل:

المسألة الأُولى: ويدور البحث فيها عن أنّه لا نقاش في أنّه لابدَّ من اختبار الطعم واللّون والرائحة فيما يختلف باختلاف ذلك، كما في كلّ وصفٍ يكون كذلك، بلا خلافٍ‌، لدفع الغَرر.

إنّما الكلام في كفاية الوصف عن الاختبار وعدمها، وإلى الحكمين أشار المصنّف في المتن بقوله: (ولو افتقرت معرفته) أي معرفة ما يراد شرائه (إلى الاختبار) أي اختبار الطعم أو الذوق أو الشمّ (جاز بيعه) بالاختبار، و (بالوصف أيضاً) القائم مقام الاختبار، كما يقوم مقام الرؤية، بلا خلافٍ ولا إشكال في شيء من ذلك.

أقول: وتفصيل القول في هذه المسألة أنّه:

تارةً‌: تختلف قيمة الشيء باختلاف أوصافه الثلاثة.

وأُخرى‌: لا تختلف.

وعلى الأوّل: قد يكون واجد الوصف صحيحاً، وفاقده فاسداً، وقد يكونان معاً من مراتب الصحيح.

أمّا في القسم الأوّل: فلا ينبغي التوقّف في بطلان البيع مع الجهل بالوصف من

دون توصيفٍ واشتراطٍ ولو ضمني؛ للغَرر، من غير فرق بين كون الفاقد فاسداً أو ممّا لا ماليّة له المترقّبة من ذلك الشيء، وبين كونه معيباً.

أقول: وهناك قولٌ آخر(1)، وهو القول بصحّة البيع اعتماداً على أصالة السلامة.

وفيه: إنّه لا دليل عليها لا من بناء العقلاء ولا من الشرع:

أمّا الأوّل: فلأنّهم في اُموراتهم لا يبنون على السلامة، ما لم يطمئنوا بها، وما اعترف به الشيخ رحمه الله(2)من بنائهم عليها في ما إذا كان الشكّ في طروّ المفسد، لأنّهم في ذلك المورد أيضاً لا يبنون عليها مع عدم الاطمئنان، وما يرى من إيقاع المعاملة على الشيء من دون اطمئنان بسلامته، إنّما يكون من جهة الشرط الضمني، وسيأتي الكلام فيه.

وأمّا الثاني: فلأنّ ما يتوهّم كونه دليلاً عليها ليس إلّاالاستصحاب، وهو لا يجري في المقام؛ لأنّ الأثر مترتّبٌ على الإحراز دون المتيقّن.

وأيضاً: لا ينبغي التوقّف في صحّة البيع مع العلم بالوصف بالاختبار أو غيره، أو إخبار البائع به إنْ كان مؤتمناً، أو اشتراط وجوده ولو بالشرط الضمني؛ لارتفاع الغَرر بجميع ذلك.

أمّا بالأوّل: فواضح.

وأمّا بالثاني: فلما دلَّ‌عليحجيّة خبرالواحد في الموضوعات(3)، وما دلَّ‌على6.


1) إختاره العلّامة في القواعد: ج 2/22، وفخر المحقّقين في الايضاح: ج 1/425-426، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد: ج 4/94، والسيّد العميدي في كنز الفوائد: ج 1/393، وانظر مفتاح الكرامة: ج 4/232.

2) المكاسب: ج 4/293.

3) مثل آية النبأ، سورة الحجرات: 6.

كفاية إخبار البائع بالكيل أو الوزن إنْ كان مؤتمناً(1)، بعد إلغاء خصوصيّة المورد.

وأمّا بالثالث: فإنْ كان الشرط صريحاً واضحاً، وإنْ كان ضمنيّاً - أي كان القيد من القيود التي بناء المتعاملين عليها - فلما تقدّم إجمالاً، وسيأتي تفصيله من أنّه بحكم ذكر الشرط، وليس من قبيل البناء القلبي المجرّد، كي يقال إنّه لا عبرة به في باب العقود والإيقاعات.

أقول: وأمّا الخبر الذي رواه محمّد بن العيص، عن أبي عبد اللّه عليه السلام:

«عن رجل اشترى ما يذاق، يذوقه قبل أن يشتري‌؟ قال: نعم فليذقه، ولا يذوقن ما لا يشتري»(2)لا يدلّ على لزوم الاختبار؛ فإنّه سؤالاً وجواباً في مقام بيان جواز الذوق، لا وجوبه.

وأمّا في القسم الثاني: فما ذكرناه في هذا القسم يجري فيه طابق النعل بالنعل، والفرق بينهما أنّه لا مجال في هذا القسم لاحتمال الاستناد إلى أصالة السلامة.

وأمّا في القسم الثالث: فالأظهر صحّة البيع مع الجهل بالوصف، وإنْ لم يشترط وجوده؛ لعدم لزوم الغَرر.

أقول: ثمّ إنّه لو تبيّن في القسم الأوّل فقد الوصف:

1 - فإنْ كان الفاقد ممّا لا ماليّة له بطل البيع؛ لأنّه حينئذٍ بنظر العرف الفاقد غير الواجد حقيقة، فما وقع عليه العقد لا واقع له، وماله واقعٌ لم يقع عليه العقد.

وبعبارة أُخرى‌: مع عدم الماليّة للمبيع، لا يصدق عليه عنوان البيع.).


1) مثل خبر أبي العطارد عن مولانا الصادق عليه السلام المتقدّم والمروي في الكافي: ج 5/179 ح 6، وسائل الشيعة: ج 17/345 أبواب عقد البيع وشروطه ب 5 ح 6 (22715).

2) التهذيب: ج 7/230 ح 24، وسائل الشيعة: ج 17/375 أبواب عقد البيع وشروطه ب 25 ح 1 (22783).

ويتخيّر مع خلافه.

2 - وإنْ كان الفاقد معيباً، وله ماليّة، أيضاً صحّ البيع، وثبت خيار العيب.

وأمّا في القسم الثاني فإنْ كان البيع مع اشتراط وجود الوصف ولو ضمناً، ثبت خيار تخلّف الشرط، وإنْ كان مع الاختبار أو إخبار البائع، لم يثبت الخيار:

لا خيار تخلّف الشرط؛ لعدمه.

ولا خيار الغبن؛ لأنّ مورده زيادة القيمة السوقيّة أو نقصها.

ولا خيار العيب؛ لعدم كونه معيباً.

أقول: وبما ذكرناه ظهر ما في إطلاق كلام المصنّف (ويتخيّر مع خلافه)، وقد نُسب الخلاف في هذه المسألة إلى المفيد(1)والقاضي(2)وسلّار(3)وأبي الصلاح(4)وابن حمزة(5)، وظاهر كلماتهم - كصريح الحِلّي(6)- تعيّن الاختبار وعدم كفاية التوصيف. وبما ذكرناه يظهر ما في كلماتهم.

***1.


1) المقنعة: ص 609.

2) حكاه عنه العلّامة في المختلف: ج 5/260.

3) المراسم: ص 180.

4) الكافي في الفقه: ص 354.

5) الوسيلة: ص 246.

6) السرائر: ج 2/331.

ولو أدّى اختباره إلى الإفساد جاز شراؤه.

حكم شراء ما يفسده الاختبار

(ولو أدّى اختباره إلى الإفساد جاز شراؤه) من دون اختبار إجماعاً.

محصّل الكلام في المقام: إنّ الأوصاف التي تختلف الماليّة باختلافها على قسمين:

الأوّل: ما يوجبُ فقده كون الفاقد غير صحيح.

الثاني: ما لا يوجبُ فقده ذلك، بل يكون الواجد والفاقد من مراتب الصحيح.

أمّا في القسم الأوّل: فيجوز البيع مع التوصيف أو الاشتراط، ولو بنحو الشرط الضمني، كما تقدّم فيما لا يُفسده الاختبار، ولا يصحّ البيع بدون ذلك للزوم الغَرر.

وأمّا الاعتماد على أصالة السلامة، فقد عرفت في المسألة المتقدّمة ما فيه.

أقول: وأمّا ما عن جماعةٍ‌(1)من الاكتفاء بالبراءة من العيوب:

فإنْ كان المراد بها ما تقدّم - وهو براءة المبيع من العيوب - فهو متين، إلّاأنّه يرجع إلى اشتراط الصحّة.

وإنْ كان المراد بها براءة البائع عن عُهدة العيوب.

فيرد عليه: أنّذلك يوجبُ الغَرر المبطل للبيع، ولا وجه للقول بصحّة البيع معه.

وأمّا في القسم الثاني: فإنْ كان الوصف ممّا يمكن ضبطه وتوصيفه اعتبر ذلك


1) منهم الشيخ في النهاية: ص 404، وأبو الصلاح في الكافي في الفقه: ص 354.

فإنْ خرج معيباً أخذ أرشه، وإنْ لم يكن له قيمة بعد الكسر أخذ الثمن.

دفعاً للغَرر، وإلّا جاز بيعه، وإنْ لم يكن الوصف محرزاً بلا اختبار، للإجماع على عدم لزومه، والوجه في ذلك:

1 - إمّا أنّه لا يلزم الغَرر، من جهة أنّ لهذه الأُمور عند العرف ماليّة معيّنة، وإنْ كان لو انكشف كونها واجدة للوصف، تصبح ماليّتها أزيد، إلّاأنّه ما لم ينكشف ذلك يكون لها مقدار معيّن من الماليّة.

2 - أو لأنّه على فرض لزوم الغَرر، السيرة القطعيّة المستمرّة توجب تخصيص دليل الغَرر.

أقول: والظاهر أنّ نظر صاحب «الجواهر» رحمه الله(1)- المُدَّعِي للسيرة على بيع ما يفسده الاختبار، بمجرّد المشاهدة - إلى هذا القسم، وأمّا في القسم الأوّل، فقد عرفت أنّه يمكن أنْ تكون السيرة من جهة البناء على السلامة بنحو الشرط الضمني.

قال المصنّف رحمه الله: (فإنْ خرج معيباً أخذ أرشه، وإنْ لم يكن له قيمة بعد الكسر أخذ الثمن).

أقول: ومحصّل الكلام في المقام:

1 - أنّه إنْ كان تبيّن الفساد قبل التصرّف بالكسر ونحوه، فربما يكون للفاسد مقدار من الماليّة، ولكنّه أقلّ من مقدار الصحيح.

وربما لا تكون له الماليّة، فإنْ كان له مقدارٍ من الماليّة، فإنْ كان الفاسد بنظر العرف غير الصحيح كالجوز الأجوف الذي لا يصلح إلّاللإحراق، فإنّه لا إشكال8.


1) جواهر الكلام 2: ج 2/438.

في فساد البيع، لأنّ ما وقع عليه العقد غير موجود، والموجود لم يقع عليه العقد.

وبعبارة أُخرى‌: ما قُصد لا واقع له، وماله واقعٌ لم يُقصد.

وإنْ كان ذلك معيبٌ الصحيح صحّ البيع، وثبت خيار العيب، وإنْ لم تكن له ماليّة بطل البيع؛ لتقوّمه بتبديل المال.

2 - وأمّا إنْ كان التبيّن بعد التصرّف بالكسر ونحوه:

ألف: فإنْ كان للفاسد ماليّة، وكان مع الصحيح بنظر العرف واحداً، لا وجه لبطلان البيع، ويسقط خياره للتصرّف، فيتعيّن عليه أخذ الأرش.

ولو كان التصرّف الكسري بالمقدار اللّازم في الإختبار، فهل يكون ذلك مانعاً عن الرّد أوّلاً؟ وجهان:

لا يبعد أظهريّة الثاني، فإنّ البيع بشرط الصحّة يتضمّن شرط تقبل الرّد بظهور العيب بالمقدار من الكسر المتوقّف عليه الاختبار، وليس المقام كسائر موارد خيار العيب الساقط فيها الخيار بالتصرّف.

ب: وإنْ كان بنظر العرف مبايناً للصحيح بطل البيع، وإنْ لم تكن للفاسد ماليّة، فالكلام فيه في مواضع:

الموضع الأوّل: إنّ المبيع الفاسد الذي لا ماليّة لمكسوره - كالبيض - هل له ماليّة قبل الكسر - من جهة أنّ العقلاء يبذلون بإزائه المال رجاءً للسلامة، وليس المال إلّا ما يبذل بإزائه المال -، أم ليس له ماليّة - نظراً إلى أنّ الماليّة تنتزع من كون الشيء موضوعاً لأثر يميل العقلاء إليه، ويكون مورداً لرغبتهم‌؟، وجهان:

أقواهما الثاني، وعليه فيكون البيع في الفرض باطلاً من أصله، من جهة انكشاف عدم الماليّة.

الموضع الثاني: إنّه على تقدير الماليّة قبل الكسر:

هل ينفسخ البيع من حين الكسر وتبيّن الفساد كما عن الشهيد رحمه الله(1)نظراً إلى أنّ الخروج عن الماليّة بالكسر، حيث إنّه لأمرٍ سابق على العقد، فيكون مضموناً على البايع‌؟

أم لا ينفسخ؛ من جهة أنّ الخروج عن الماليّة ليس لأمرٍ سابق وهو فساده، فإنّه أوجب نقصاً في الماليّة، ثم بالكسر ذهب المقدار الباقي فعلاً؟

وجهان، أقواهما الثاني.

فإنْ قلت: إنّه يمكن تصحيح كلام الشهيد رحمه الله بأنْ يقال إنّه بالكسر يظهر العيب، فحين الكسر يكون خيار العيب ثابتاً قطعاً، وفي ذلك الحين يتلف المبيع، فيكون تالفاً في زمان الخيار، فتشمله قاعدة (التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له).

قلت أوّلاً: إنّ الكسر إتلافٌ لا تلف، والقاعدة مختصّة بالتلف.

وثانياً: إنّها مختصّة بالخيارات الزمانيّة بأنفسها، وخيار العيب ليس زمانيّاً بذاته.

الموضع الثالث: إنّه على تقدير الماليّة قبل الكسر، وعدم انفساخ البيع، هل يسترجع ما يوازي تمام الثمن، أم يسترجع تفاوت ما بين الصحيح والمعيب‌؟

وجهان أقواهما الثاني، فإنّ الموجب للأرش هو العيب الموجود حال البيع دون الحادث بعده.

ودعوى: أنّ الحادث في زمان الخيار أيضاً موجبٌ له.

مندفعة: بأنّ الحادث بالإتلاف ليس موجباً له، كما هو واضح.

***8.


1) الدروس: ج 3/198.

ولا يجوز بيع السَّمك في الأجمة، ولا اللّبن في الضَّرع، ولا ما في بطون الأنعام، ويجوز لو ضَمّ معها غيرها.

المسألة الثانية: (ولا يجوز بيع السَّمك في الأجمة) ولو كان مملوكاً مقدوراً على تسليمه؛ لجهالته، (ولا اللَّبن في الضَّرع، ولا ما في بطون الأنعام)، وهذا كلّه لا كلام فيه.

(و) إنّما الكلام فيما ذكره بقوله: (ويجوزُ لو ضَمّ معها غيرها).

بيع المجهول منضمّاً إلى المعلوم

أقول: والأقوال في هذه المسألة - أي في بيع المجهول مع الضميمة - ثلاثة:

أحدها: الجواز مطلقاً ذهب إليه السيّد في محكي «الانتصار»(1).

الثاني: ما هو المشهور بين الأصحاب من عدم الجواز كذلك.

الثالث: ما عن «المختلف»(2)، و «شرح الإرشاد»(3)وغيرهما(4)، من التفصيل بين ما إذا كان المجهول تابعاً للمعلوم فيصحّ‌البيع، وبين ما إذا لم يكن كذلك فيبطل.

والتحيق: يقتضي المقام البحث في موضعين:

الأوّل: فيما تقتضيه القواعد.


1) الإنتصار: ص 436، قوله: (فكيف يجوز أن يدّعى أنّ بيع معدوم و موجود لا يجوز؟).

2) مختلف الشيعة: ج 5/248.

3) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4/282.

4) كالمقتصر: ص 167، وجامع المقاصد: ج 4/110، والروضة: ج 3/282.

الثاني: في مقتضى النصوص الخاصّة.

أمّا الموضع الأوّل: فإنْ لم يكن المجهول تابعاً، لا كلام في البطلان للغَرر، وأمّا التابع فله معان:

المعنى الأوّل: ما عن العلّامة في «القواعد»(1)و «التذكرة»(2)، من أنّ التابع ما أُخذ شرطاً في المبيع، في مقابل ما جُعل جزءً منه، وعليه فعلى القول بالتفصيل لا فرق في الصحّة في صورة الاشتراط بين أن يكون الشرط أصلاً في الغرض أو تابعاً، كما لا فرق في البطلان على الجزئية بين الصورتين.

وأورد على ذلك المحقّق الثاني(3): بأنّ هذا الفرق ليس بشيء، لأنّ العبارة لا أثر لها.

ورَدّه المحقّق النائيني رحمه الله: بأنّ (الجزء يقسط عليه الثمن، فإذا كان مجهولاً يفسد البيع، وهذا بخلاف الشرط، فإنّ الثمن يقع بإزاء المشروط، وهو معلوم)(4).

أقول: إنّ الأمر في المقام ينقسم إلى أنّه:

تارةً‌: يكون الالتزام البيعي أجنبيّاً عن الالتزام الشرطي، وإنّما يؤخذ الأوّل ظرفا للثاني خاصّة من جهة أنّه لا عبرة بالالتزام الابتدائي، كما لو كان الالتزام البيعي لزيد، والشرطي لعمرو.

وأُخرى‌: يكونان مرتبطين.3.


1) قواعد الاحكام: ج 1/150 و 153.

2) التذكرة: ج 1/493، وانظر المكاسب: ج 4/313-315.

3) جامع المقاصد: ج 4/385.

4) منية الطالب: ج 1/413.

أمّا في الصورة الأُولى: فيتمّ ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله، ولا يتمّ في الثانية، فإنّ المبيع وإنْ كان معلوماً، إلّاأنّه من جهة تفاوت ماليّة المبيع بالعرض بوجود الشرط وعدمه، فلا محالة يلزم الغَرر، فيبطل لذلك.

المعنى الثاني: ما يظهر من الشهيدين(1)والمحقّق الثاني(2)، من أنّ التابع هو ما يعدّ في العرف من التوابع، كمفتاح الدار، وحمل الاُمّ‌، والبيض في جوف الدجاجة، ونحو ذلك، وعلى هذا أيضاً لا نظر إلى الغرض الشخصي أو النوعي.

والأظهر في التابع بهذا المعنى هو التفصيل بين ما لو جُعل التابع جزءً للمبيع، وبين ما لو أُخذ شرطاً، فإنّ الجهالة فى الأوّل موجبة للغَرر، وفى الثانى لا توجب ذلك.

والشاهد على هذا التفصيل هو أهل العرف، فإنّهم يفرّقون في صدق الغَرر بين الموردين.

أقول: ثمّ إنّ التابع بهذا المعنى قسمان:

القسم الأوّل: ما لا يدخل في مِلْك المشتري، لو لم يصرّح في العقد.

القسم الثاني: ما يكون بناء العرف والعقلاء على تبعيّته في الملكيّة للمبيع، ما لم يصرّح بخلافه.

فتدبّر حتّى لا يختلط الموردان.

المعنى الثالث: ما يظهر من العلّامة في «المختلف»(3)، من أنّ المراد بالتابع ما يكون تابعاً بالنسبة إلى الغرض من المعاملة، سواءٌ أكان غرضاً نوعيّاً أو شخصيّاً،8.


1) اللّمعة الدمشقيّة: ص 111، الروضة البهيّة: ج 3/313.

2) جامع المقاصد: ج 4/427.

3) مختلف الشيعة: ج 5/218.

مثل ما لو أراد شراء السَّرج، وكان مالكه لا يبيعه بدون الفرس فاشتراهما معاً، فإنّ الفرس تابعٌ بهذا المعنى، والظاهر أنّ جهالة التابع بهذا المعنى مضرّة وموجبة للغَرر.

المعنى الرابع: ما يظهر من المحقّق القمّي(1)وصاحب «الجواهر»(2)، من أنّ التابع ما هو كذلك في الجعل والتباني، وإنْ كان هو المقصود بالأصالة، وإنّما يُجعل تبعاً تخلّصاً عن الغَرر، نظير ما يستعمله بعض النّاس في التخلّص من المخاصمة بعد ذلك في الذي يراد بيعه لعارض، بإيقاع العقد على شيءٍ معيّن معلوم لا نزاع فيه، ويجعل ذلك من اللّواحق.

أقول: والظاهر عدم كفاية ذلك، وإلّا لزم تجويز بيع كلّ مجهول.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ الجهالة توجب غرريّة المعاملة، ومجرّد البناء على كونه تابعاً لا يوجب رفع الغَرر.

وأمّا الموضع الثاني: فملخّص القول فيه هو أنّ النصوص مختلفة:

1 - بعض النصوص يدلّ على أنّه يصحّ بيع مجهول الوجود مع الضميمة، كصحيح ابن محبوب، عن الكرخي، قال: «قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: ماتقولُ في رجلٍ اشترى من رجلٍ أصواف مائة نعجة وما في بطونها من حمل بكذا وكذا درهماً؟

فقال عليه السلام: لا بأس، إنْلم يكن في بطونها حملٌ‌، كان رأس ماله في الصوف»(3).

حيث إنّ المفروض فيه الجهل بوجود ما في البطون.

2 - وبعضها يدلّ علي صحّة بيع مجهول الحصول مع الضميمة، كموثّق سماعة:).


1) جامع الشتات: ج 2/97-104.

2) جواهر الكلام 2: ج 2/445.

3) الكافي: ج 5/194 ح 8، وسائل الشيعة: ج 17/351 أبواب عقد البيع وشروطه ب 10 ح 1 (22730).

«عن اللّبن يُشترى وهو في الضرع‌؟ فقال عليه السلام: لا، إلّاأن يحلب لك منه سكرجة، فيقول: اشتر منّي هذا اللّبن الذي في السكرجة، وما في ضروعها بثمن مسمّى‌، فإنْ لم يكن في الضّرع شيءٌ كان ما في السكرجة»(1).

فتأمّل، فإنّه قابلٌ للحمل على الجهل بالوجود.

3 - وبعضها يدلّ على صحّة بيع مجهول الصفة مع الضميمة:

منها: مرسل البزنطي، عن مولانا الصادق عليه السلام: «إذا كانت أجمةٌ ليس فيها قصب، أخرج شيءٌ من سمك فيباع وما في الأجمة»(2).

ومنها: خبر أبي بصير، عنه عليه السلام: «في شراء الأجمة، ليس فيها قصب إنّما هي ماء؟ قال عليه السلام: تصيد كفّاً من سمك تقول: أشتري منك هذا السمك وما في هذه الأجمة بكذا وكذا»(3).

فإنّهما ظاهران في صحّة بيع المجهول من حيث المقدار، بضمّه إلى المعلوم بنحو الجزئيّة.

وأورد عليها الشيخ رحمه الله(4): بأنّها متضمّنة لجواز بيع المجهول مع ضمّه إلي مجهولٍ آخر، إذ الأصواف علي ظهر مائة نعجة فى رواية الكرخي مجهولة بنفسها، ولا يصحّ بيعها منفردة، والمستَخرج والمتصيّد من السمك اللّذان تضمّنهما مرسل البزنطي وخبر أبي بصير غير معينين، وما في السكرجة من اللّبن غير معلوم الوزن، وعلى2.


1) الكافي: ج 5/194 ح 6، وسائل الشيعة: ج 17/349 أبواب عقد البيع وشروطه ب 8 ح 2 (22723).

2) الكافي: ج 5/194 ح 11، وسائل الشيعة: ج 17/354 أبواب عقد البيع وشروطه ب 12 ح 2 (22736).

3) التهذيب: ج 7/126 ح 22، وسائل الشيعة: ج 17/355 أبواب عقد البيع وشروطه ب 12 ح 6 (22740).

4) المكاسب: ج 4/311-312.

ولا ما يلقّح الفحل،

هذا فلم يفتِ أحدٌ بمضمونها، فلابدَّ من رَدّ علمها إلى أهلها.

وفيه: إنّ إطلاقات النصوص واردة في مقام بيان شيءٍ آخر، وهو تصحيح بيع المجهول، لا تصحيح بيع الضميمة، فلا مورد للتمسّك بإطلاقها من هذه الجهة.

وبعبارة أُخرى‌: إنّ النصوص إنّما سيقت لبيان أنّه يمكن تصحيح بيع المجهول بالضميمة، وليست في مقام بيان ما يعتبر في الضميمة، فلا يصحّ التمسّك بإطلاقها من تلك الجهة، وعليه فالحقّ أنّ هذه الأخبار تدلّ على صحّة بيع المجهول بالضميمة، ولكن لا تختصّ تلك بصورة كون المجهول تابعاً، وتكون مختصّة بموارد خاصّة، وليست لها إطلاق أو عمومٌ يتمسّك به للتعدّي عنها.

(و) قد مرّ الكلام في المكاسب المحرّمة في مبحث بيع المنيّ‌(1)أنّه (لا) يجوز بيع (ما يُلقّح الفَحل) فلا نعيد ما ذكرناه.

***6.


1) فقه الصادق: ج 20/96.

ويجوزُ بيع المِسْك في فأره وإنْ لم يفتق.

بيع المِسْك في الفأر

(و) المسألة الثالثة: المشهور بين الأصحاب أنّه (يجوزُ بيع المِسْك في فأره وإنْ لم يفتق)، ولو بإدخال خيطٍ فيه وشمّه، وهو مقتضى العمومات والسيرة.

أقول: استدلّ لعدم الجواز بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّه دمٌ ولا يجوز بيع النجس.

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(1): بأنّه ليس بنجس للنّص(2)والإجماع.

أقول: ويمكن أنْ يُجاب عنه - مضافاً إلى ذلك بوجهين -:

أحدهما: عدم كونه نجساً؛ إمّا للاستحالة - فتدبّر -، أو لأنّ المادّة من أصلها ليست مادّة دمٍ‌، بل هي جرمٌ خاص.

ثانيهما: إنّه لا دليل على بطلان بيع دم الذي ينتفع به منفعة محلّلة معتدٌّ بها، كما تقدّم تفصيل القول في ذلك في الجزء الرابع عشر من هذا الشرح.

الوجه الثاني: إنّه مجهولٌ ولا يجوز بيع المجهول كما تقدّم.

وفيه: إنّه تارةً يحتمل الفساد، وأُخرى لا يحتمل ذلك، ويكون الفاقد لوصفٍ محتمل من مراتب الصحيح.


1) المكاسب: ج 4/305.

2) لاحظ وسائل الشيعة: ج 4/433 أبواب لباس المُصلّي ب 41 ح 1 (5631) وح 2 (5632)، ووسائل الشيعة: ج 25/217 أبواب الأطعمة المباحة ب 129 (جواز جعل المِسك والعنبر وسائر الطيب في الطعام).

وبيع الصوف على ظهر الغنم.

أمّا في الصورة الأُولى: فقد أفاد الشيخ رحمه الله أنّ بناء العرف على أصالة الصحّة(1)في نفي الفساد. وقد تقدّم في المسألة السابقة(2).

أقول: الحقّ أنّه مع إخبار البائع بالسّلامة إنْ كان مؤتمناً، أو اشتراط الصحّة - ولو بالشرط الضمني - يصحّ البيع لارتفاع الغَرر.

أمّا بالأوّل: فلما دلَّ على حجيّة خبر الواحد في الموضوعات(3)، وما دلَّ على كفاية إخبار البائع بالكيل أو الوزن إنْ كان مؤتمناً(4)، بعد إلغاء خصوصيّة المورد.

وأمّا بالثاني: فلما تقدّم فى المسألة السابقة، وبدون ذلك لا يكون البيع صحيحاً للغَرر.

وأمّا في الصورة الثانية: فإنْ لم تختلف القيمة باختلاف الأوصاف، صحّ البيع بلا كلامٍ لعدم الغَرر.

وإنْ كان يختلف به القيمة، فيصحّ مع اخبار البايع، أو الاشتراط ولو ضمناً، وبدونه يحتمل الوجهان: وجه البطلان للزوم الغَرر، ووجه الصحّة لسيرة المتشرّعة من التّجار وغيرهم على البيع بدون الاختبار.

والأحوط أن يختبر بفتقهما بإدخال خيطٍ فيها بابرة ثمّ إخراجه وشمّه.

(و) أمّا (بيع الصوف على ظهر الغنم)، فقد ظهر حكمه ممّا مرّ.).


1) الظاهر أنّ المقصود هو أصالة السلامة.

2) تقدّم تحت عنوان (لزوم الإختبار).

3) مثل الآية النبأ في سورة الحجرات: 6.

4) الكافي: ج 5/179 ح 6، وسائل الشيعة: ج 17/345 أبواب عقد البيع وشروطه ب 5 ح 6 (22715).

ولابدّ أن يكون الثمن معلوماً قَدْراً ووصفاً بالمشاهدة أو الصفة.

اعتبار العلم بقدر الثمن

المسألة الرابعة: (و) يدور البحث فيها عن أنّ من شروط صحّة المعاملة لزوم أن يكون المبيع معلوماً كذلك، أي (لابدَّ وأنْ يكون الثمن معلوماً قَدْراً ووصفاً بالمشاهدة أو الصفة) بلا خلافٍ‌. وقد تكرّر فى كلماتهم دعوى الإجماع والاتّفاق عليه(1).

لكن خالف صاحب «الحدائق»(2)الأصحاب في خصوص ما إذا باع بحكم المشتري للنّص، كما أنّ الإسكافي(3)خالفهم أيضاً في ما إذا باع بسعر ما باع، مستنداً في حكمه إلى حديث نفي الغَرر المتقدّم(4).

ويؤيّده التعليل المذكور في رواية حمّاد بن ميسر، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام:

«أنّه كره أن يشتري الثوب بدينار غير درهم، لأنّه لا يدري كم الدينار من الدرهم»(5).

استدلال صاحب «الحدائق» رحمه الله(6): فقد استدلّ لما التزم به بصحيح رفاعة


1) ادّعى الإجماع العلّامة في المختلف: ج 5/243-244، والتذكرة: ج 1/472، والشهيد الثاني في الروضة: ج 3/264، الاتّفاق عليه.

2) الحدائق الناضرة: ج 18/461-463.

3) حكاه عنه العلّامة في المختلف: ج 5/244.

4) تقدّمت الإشارة إليه في مبحث (عدم صحّة بيع ما يكال أو يوزن جزافاً)، وأنظر عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 2/45، وسائل الشيعة: ج 17/448 أبواب آداب التجارة باب 40 ح 3 (22975).

5) الكافي: ج 5/196-197 ح 7، وسائل الشيعة: ج 18/81 أبواب أحكام العقود باب 22 ح 4 (23199).

6) الحدائق: ج 18/460.

النخّاس، قال: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: ساومتُ رجلاًبجارية له، فباعنيها بحكمي، فقبضتها منه على ذلك، ثمّ بعثتُ إليه بألف درهمٍ‌، فقلت: هذه ألف درهم حُكمي عليك أن تقبلها، فأبى أن يقبلها منّي، وقد كنتُ مسستها قبل أن أبعث إليه بالثمن‌؟

فقال: أرى أن تقوّم الجارية قيمةً عادلة، فإنْ كان قيمتها أكثر ممّا بعثتَ إليه، كان عليك أن تردّ إليه ما نقص من القيمة، وإنْ كان ثمنها أقلّ ممّا بعثت إليه فهو له.

قال: قلت: جُعِلْتُ فداك إنْ وجدتُ بها عيباً بعدما مسستها؟

قال: ليس لك أن تردّها، ولك أن تأخذ قيمة ما بين الصحّة والعيب منه»(1).

وأورد عليه الشيخ رحمه الله(2): بأنّ التأويل فيه متعيّن، لمنافاة ظاهره لصحّة البيع وفساده؛ إذ لو كان البيع صحيحاً، لزم تعيّن المُسمّى دون القيمة الواقعيّة، فلماذا أمر عليه السلام بتقويم الجارية بقيمة عادلة‌؟

وإنْ كان فاسداً، فلماذا حكم بتعيّن ما بعث إليه إنْ كانت القيمة الواقعيّة أقلّ؟

ولهذا التزم بأنّه يُحمل على إرادة التوكيل في التقويم والبيع بعده بمايتعيّن في نظره، لا بالقيمة الواقعيّة، والأمر بردّ ما نقص إنّما هو من جهة خيارالغبن، فكما أنّه إذا عيّن الموكّل القيمة فظهر الغبن له الخيار، كذلك إذا عيّنها الوكيل، وإنّما عيّن ذلك من جهة أنّه حيث لاحاجة للموكّل في الجارية، والوكيل محتاجٌ إليها، فيسقط خياره ببذل التفاوت، أو يُحمل على حصول الحبل بعد المَسّ فصارت أُمّ ولد.

أقول: واُجيب عن ذلك بجوابين:

الجواب الأوّل: ما أفاده المحقّق الايرواني رحمه الله، من أنّ ما ذكره يتمّ لو كان (المراد8.


1) الكافي: ج 5/209 ح 4، وسائل الشيعة: ج 17/364 أبواب عقد البيع وشروطه ب 18 ح 1 (22758).

2) المكاسب: ج 4/208.

ولا يجوزُ أن يبيع بدينارٍ غير درهم نسيئة ولا نقداً، مع جهل نسبته إليه،

من البيع بحكم المشتري في الرواية البيع بتعيينه المطلق، أمّا إذا كان المراد تعيينه لقيمة المثل، ويكون تعيينه طريقيّاً محضاً لا موضوعيّاً، فيكون المراد من البيع بحكمه هو البيع بقيمة المثل، من غير دخلٍ لحكمه على وجه الموضوعيّة، فلا حاجة إلى التأويل، بل تنطبق الرواية على القاعدة)(1).

وفيه: - مضافاً إلى أنّها لا تنطبق على القاعدة، إذ مقتضى القاعدة هو الفساد مع عدم العلم بقيمة المِثْل للغَرر - أنّ ما أفاده يستلزم استرجاع الزائد إنْ كانت قيمتها أقلّ ممّا بعثه إليه، فهذا لا يُلائم مع حكمه بعدم الرجوع إلى الزائد.

الجواب الثاني: أنّه يُحمل على إرادة تعيينه بحكمه، وأنّ تعيينه يكون موضوعاً، ولكن يشترط أن لا يكون أقلّ من قيمة المِثْل، وعليه فلو كانت القيمة السوقيّة أقلّ‌، كان ما بعثه إليه له، ولو كانت أكثر لابدّ من رَدّ الزائد لاشتراطه.

وفيه: إنّه خلاف الظاهر جدّاً، وإنْ تَمّ ما أفاده الشيخ رحمه الله ولم نورد عليه بأنّ متعلّق الوكالة إنْ كان هو البيع بقيمة المِثْل خاصّة، كان البيع بغيره فضوليّاً، وإنْ كان عامّاً لغيره، لم يكن وجه لثبوت خيار الغبن.

وأيضاً: لا وجه لسقوطالخيار بمجرّدبذل التفاوت، وإلّافيرد الصحيح إلى أهله.

وعلى أيّ تقدير لا يمكن الاستدلال به على الصحّة.

(و) الظاهر من خبر حمّاد المتقدّم أنّه (لا يجوز أن يبيع) شيئاً (بدينارٍ غير درهمٍ نسيئة ولا نقداً، مع جهل نسبته إليه).

***8.


1) حاشية المكاسب: ج 1/198.

ويشترط أن يكون مقدوراً على تسليمه.

اعتبار القدرة على التسليم

الشرط السادس: (و) ممّا (يُشترط) في كلٍّ من العوضين هو (أن يكون مقدوراً على تسليمه) إجماعاً.

أقول: وقبل الشروع في إقامة الدليل على اعتبار هذا الشرط، ينبغي تقديم اُمور:

الأمر الأوّل: إنّ ذكر هذا الشرط من شروط العوضين - مع أنّ القدرة قائمة بالمتعاقدين، وهذا يناسبُ جعلها من شروط المتعاقدين - لعلّه من جهة أنّ عدم القدرة على التسليم بحسب الغالب، يكون من جهة قصورٍ في العين، كالطير الطائر، والعبد الآبق ونحوهما.

بل ربما يقال: إنّه إذا كان عدم القدرة على التسليم من ناحية قصور العاقد - كما لو تعارضا على عين معيّنة، وهما في السجن، ولا يُرجى خلاصهما منه - لا يكون ذلك مانعاً عن صحّة البيع.

وأمّا ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله(1): في وجه ذلك من أنّ القدرة مناط ماليّة المال، فمع عدمها لا يكون مالاً عند العقلاء.

فيرد عليه: ما ستعرف من أنّ العجز لا يوجبُ سلب الماليّة.

الأمر الثاني: أنّ محلّ الكلام هو العجز عن التسليم من حين العقد، فلو كان


1) منية الطالب: ج 1/378.

حين حدوثه قادراً على التسليم، وطرأ العجز عليه، يدخل ذلك في طروء العيب الموجب لثبوت الخيار.

أقول: وبهذا يظهر الفرق بين تعذّر التسليم الذي هو مانعٌ عن صحّة البيع، وبين تعذّره الموجب للخيار.

ولعلّ هناك فرقاً آخر، وهو أنّه إذا كان البائعُ غير قادرٍ، ولكن كان المشتري قادراً على التسلّم، يثبت الخيار، وإنْ كان هو أيضاً قادراً بطل العقد. وسيأتي الكلام في ذلك فانتظر.

الأمر الثالث: وممّا ذكرنا آنفاً يظهر محتوى الأمر الثالث، وهو أنّ محلّ الكلام عجز البائع والمشتري عن ذلك، وأمّا إذا كان المشتري قادراً على التسلّم، فهو خارج عن المقام، وسيأتي حكمه.

أقول: إذا عرفت هذه الأُمور، فاعلم أنّه قد تكرّر من الفقهاء دعوى الإجماع على اعتبار هذا الشرط، بل يظهر من «الانتصار»(1)أنّ عليه إجماع العامّة، ولم يذكر الخلاف عن أحدٍ سوى الفاضل القطيفي(2)، وقد استدلّ لاعتباره بوجوه:

الدليل الأوّل: النبويّ المشهور بين الفريقين - بل قيل إنّه أجمع عليه المخالف والمؤالف -: «نَهى النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرر»(3).

أقول: وتنقيح القول في هذا الحديث الشريف، يقتضي البحث في جهات:

الجهة الأُولى: في سنده.).


1) الإنتصار: ص 209.

2) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4/224.

3) عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 2/45، وسائل الشيعة: ج 17/448 أبواب آداب التجارة ب 40 ح 3 (22965).

والظاهر أنّه من أقضية النبيّ صلى الله عليه و آله المرويّة من طرق أهل السُنّة، برواية عبادة ابن صامت مجتمعة(1)، وهي بعينها مرويّة من طرقنا برواية عُقبة متفرّقةً‌، على حسب تفرّق الأبواب(2)، وعلى أيّ تقديرٍ مع اعتماد الأصحاب عليه، وتلقّيهم إيّاه بالقبول، وإفتائهم مستنداً إليه، لا يبقى مجال الإشكال في سنده.

الجهة الثانية: في معنى الغَرر، وتطبيقه على بيع ما لا يقدر على تسليمه.

أقول: ذكروا في تفسير الغَرر اُموراً، وهي: الغفلة، والخديعة، والخطر، وعمل ما لا يؤمَن معه من الضرر، وما كان على غير عُهدة وثقة، وما له ظاهرٌ محبوب وباطنٌ مكروه.

وقد أفاد بعض المحقّقين(3)أنّ هذه التفاسير ليست كلّها بياناً للمعنى الحقيقي، بل بعضها بيان مفهومه، وبعضها الآخر بيان لازمه الدائمي، وبعضها بيان لازمه الغالبي، وبعضها بيان لمورده، ومعناه الحقيقي ما يساوق الخديعة، ولازمه الدائمي هو الغفلة، ولازمه الغالبي هو الخطر والوقوع في الضرر، والمنخدع لا يكون على عهدة وثقة، ومورده ما كان له ظاهرٌ محبوب وباطن مكروه.

والحقّ أنْ يقال: إنّ لمادّة (الغَرر) معانٍ ثلاثة، لا جامع بينها أصلاً على ما يظهر من كتب اللّغة؛ لأنّ‌:

1 - ما يكون بمعنى الغفلة إنّما هو المعنى المشتقّى اللّازم وهو: غَرَّ - يَغِر؛ (بكسر7.


1) مسند أحمد: ج 2/144، سنن البيهقي: ج 5/338، سنن الترمذي: ج 3/532، وأخرجه مسلم في صحيحه: ج 5/3، بتفاوت.

2) كما عن شيخ الشريعة قدس سره في رسالة لا ضرر ولا ضرار: ص 28، والمحقّق النائيني في رسالة لا ضرر: ص 194، والمحقّق الاصفهاني في نهاية الدراية: ج 2/322.

3) المحقّق الاصفهاني في حاشية المكاسب: ج 3/277.

الغين)، ومصدره الغِرَّة بالكسر، واسم فاعله الغَار بمعنى الغافل، ولا يكون له اسمٌ مفعولٌ لكونه لازماً.

2 - وما يكون بمعنى الخدعة، إنّما يكون متعدّياً، وهو غَرَّ - يغ؛ ر (بضم الغين) واسم مفعوله المغرور، وغرير صفة مشبّهة، واسم مفعول هذا الباب يلازم مع اسم فاعل ذلك الباب، فالمغرور يلازم مع كونه غافلاً، ومصدره غرور، والمستعمل في القرآن الكريم إنّما هو المعنى الثاني، ولا جامع بين البابين.

وأمّا لفظ (الغَرَرَ) فلم يُستعمل في شيء منهما، وإنّما هو بمعنى الخطر، ولا يكون معناه حدثيّاً اشتقاقيّاً، بل هو جامدٌ كما صرّح بذلك في «الأساس»(1)و «المصباح»(2)و «المغرِب»(3)و «الجمل»(4)و «المجمع»(5)و «القاموس»(6)، وقد فهم العلماء رحمهم الله منه ذلك، ولذا أفاد المحقّق المشار إليه أنّه إنّما يُحمل الغَرر في الخبر على الخطر، لفهم العامّة والخاصّة، لاتّفاقهم ظاهراً على ذلك، كما يتّضح بالمراجعة إلى استدلالات الفريقين في أبواب المعاملات.

وبالجملة: الغَرر بحسب تصريح اللّغويين، وفهم أهل العُرف والعلماء إنّما هو بمعنى الخطر.

لا يقال: إنّه إذا كان جامداً، فكيف يقال: غَرر يَغررُ تَغريرا؟1.


1) أساس البلاغة: ص 322، مادّة (غرر).

2) المصباح المنير: ص 445.

3) المغرب: ص 338.

4) المجمل: ص 532.

5) مجمع البحرين: ج 3/423.

6) القاموس المحيط: ج 2/100-101.

فإنّه يقال: إنّ بعض الجوامد بواسطة بعض أبواب المزيد فيها، يصير مشتقّاً كالماء، والمشمس، والتحجير وغيرهما، والمقام من هذا القبيل، فمعنى غرّر بنفسه:

أوقعه في الخطر.

وما عن «القاموس»(1)من تفسير غَرّر بنفسه عَرّضها للهلاكة، إنّما هو من جهة أنّ خطر النفس هو الهلاكة، وما فيه من أنّ الاسم الغَرر مراده منه أنّ اللّفظ الأصلي هو معنى اسمي غير قابل للاشتقاق وهو الغَرر.

وما عن عليّ عليه السلام من تفسير الغَرر بعملٍ لا يؤمَن معه من الضرر(2).

غير ثابتٍ‌، ولم يُحرز صدوره عنه، ولو سُلّم الصدور لابدَّ من تأويله لعدم كون الغَرر بمعنى العمل على أيّ تقدير.

وقد يقال: إنّ بيع ما لا يقدر على تسليمه، لا يكون غرريّاً، بعد كون المبيع معلوماً ذاتاً ووصفاً، وإنّما يكون الغَرر والخطر من ناحية الآثار الخارجيّة، أي التسليم والتسلّم.

وفيه: إنّ الملكيّة المجرّدة لا يترتّب عليها شيء، ولا يبذلون العقلاء بإزائها شيئاً، فالبيع عليها غرري.

أقول: وما أبعد ما بين هذه الدعوى‌، وما ادّعاه الشهيد رحمه الله(3)من اختصاص الغَرر بمجهول الحصول، وإنْ كان هو أيضاً لا يخلو عن محذور.

ويؤيّد ما ذكرناه تمثيل أهل الفن للغَرر ببيع السمك في الماء، والطير في الهواء،9.


1) القاموس المحيط: ج 2/100-101.

2) حكاه صاحب الجواهر عن أبي المكارم في الجواهر: ج 22/387.

3) القواعد: ج 2/137-138، القاعدة 199.

وعن ابن مسعود، عن النبيّ صلى الله عليه و آله: «لا تشتر السَّمك في الماء فإنّه غَرر»(1).

وبالجملة: فلا ينبغي التوقّف في صدق الغَرر والخَطر على بيع ما لا يقدر على تسليمه.

الجهة الثالثة: في بيان مفاد النهي.

الظاهر أنّ النهي عن المعاملة - كما عرفت في أوّل الجزء العشرون من هذا الشرح، وفي مبحث (بيع المني)(2)- ظاهرٌ في أنّه إرشاد إلى الفساد، فإذاً ظاهر ذلك هو فساد البيع الغَرري.

الجهة الرابعة: أنّه قد يقال بأنّ المانع عن الصحّة إنْ كان هو الغَرر، فهو يمكن دعوى ارتفاعه بوجوه:

الوجه الأوّل: إنّه لو اشترط الخيار بردّ العوض، مع عدم وصول المعوّض إليه، لا يكون هناك غَرر.

وفيه: إنّ نفوذ الشرط مشروطٌ بكونه في ضمن العقد الصحيح، فلا يعقل تصحيح العقد به.

الوجه الثاني: إنّه مع تعذّر تسليم المبيع له خيار التعذّر، فله الفسخ واسترجاع الثمن.

وفيه: إنّ الخيار إنّما يثبت في العقد الصحيح، فكيف يُصحّح العقد به‌؟!

الوجه الثالث: إنّه بالفحص إمّا أن يحصل في يده، أو يصير ميؤساً من ذلك، فيكون بمنزلة التلف الموجب لانفساخ العقد، الموجب لرجوع الثمن إلى صاحبه، فهو مأمون العاقبة من الخطر؛ لأنّه إمّا أن يصل إليه المبيع أو بدله.6.


1) مسند أحمد: ج 1/388، مجمع الزوائد للهيثمي: ج 4/80، السنن الكبرى: ج 5/340.

2) فقه الصادق: ج 20/96.

أقول: وقد ظهر الجواب عن ذلك ممّا تقدّم، إذ الحكم بالانفساخ فرع صحّة العقد.

الوجه الرابع: إنّه مع امتناع تسليم المبيع للمشتري يمتنع المشتري عن تسليم الثمن، وعليه فلا غرر.

وفيه: إنّ الامتناع من تسليم الثمن، بعد فرض كونه مِلْكاً للبائع، لا يوجب تدارك ما ذهب من ملكه.

هذا كلّه مع أنّ الغَرر باعتبار الغرض المعاملي لا ينجبر بالفسخ، ولا بالانفساخ.

وبالجملة: فالحقّ دلالة النبويّ على الفساد، إلّاأنّه مختصٌّ بصورة عدم إحراز امتناع التسليم، لأنّ (الخطر) إنّما يُطلق فيما إذا احتمل الحصول ولو ضعيفاً، ولكن في هذا الفرد يثبت الحكم بالأولويّة القطعيّة.

الدليل الثاني: إنّ بذل المال بإزاء ما لا يمكن تسليمه سفهيٌ‌، فلا تشمله أدلّة نفوذ المعاملات، فإنّها مسوقة لبيان إنفاذ المعاملات العقلائيّة.

وفيه أوّلاً: إنّ بذل المال القليل بإزاء مالٍ كثير يُرجى حصوله لا يعدّ سفهيّاً، بل ربما يعدّ عدم البذل سفهيّاً.

وثانياً: إنّ أدلّة نفوذ المعاملات تدلّ على نفوذ كلّ معاملة، والدليل إنّما دلَّ على عدم نفوذ معاملة السفيه، ولم يدلّ دليلٌ على عدم نفوذ المعاملة السفهائيّة.

الدليل الثالث: إنّ‌المعاملة على ما لايقدر عليتسليمه يعدّ أكلاًللمال بالباطل.

وفيه: إنّ المراد من الأكل بالباطل - بقرينة المقابلة بتجارة عن تراض - هو التملّك بالأسباب الباطلة كالقمار ونحوه، وإلّا فغاية ما هناك كون إعطاء المال مجّانيّاً وبلا عوض، وليس هذا من قبيل أكل المال بالباطل.

الدليل الرابع: إنّ ما لا يقدر على تسليمه لا يعدّ مالاً عرفاً، فلا يصحّ بيعه.

وفيه أوّلاً: إنّ المال إنّما هو من العناوين المنطبقة على الأشياء بأنفسها، مع قطع النظر عن الأشخاص، وهو ينتزع من كون ذلك الشيء موضوعاًلغرضٍموجبٍ لحدوث رغبة النّاس فيه، وهي صفة تعتبر من نفس المال، وإنْ لم يكن هناك مالك.

وثانياً: إنّه لو سُلّم ذلك، فإنّما هو فيما لا يحتمل التمكّن من التسليم كما لايخفي‌.

أقول: استشهد الشيخ رحمه الله(1)لسلب صفة التموّل عنه، بأنّه يجبُ على غاصبه قبلاً أن يدفع تمام القيمة، لصيرورته كذلك من باب بدل الحيلولة.

وفيه: إنّ لزوم أداء تمام القيمة إنّما يكون من جهة الحيلولة بين المالك وتمام الماليّة بالحيلولة بينه وبين العين، لا من جهة التلف، وسيأتي تفصيل القول في ذلك في مبحث بدل الحيلولة في هذا المجلّد(2).

الدليل الخامس: ما ذكره الشيخ رحمه الله بقوله: (منها ما اشتهر عن النبيّ صلى الله عليه و آله من قوله:

«لا تَبع ما ليس عندك»(3)... الخ)(4).

أقول: لا يخفى أنّ أقضية النبيّ صلى الله عليه و آله المذكورة في كتب العامّة مرويّة جميعها عن عبادة بن الصامت، وهي بعينها مرويّة من طرق الخاصّة برواية عقبة بن خالد متفرّقة على حسب تفرّق الأبواب(5)، وعليه فهذا النبويّ مرويٌّ من طرقنا ومن2.


1) المكاسب: ج 4/183.

2) صفحة 387 من هذا المجلّد.

3) سنن البيهقي: ج 5/267، سنن بن ماجة: ج 2/737 ح 2187، سنن أبي داود: ج 3/283 ح 3503، سنن الترمذي: ج 3/534 ح 1232، سنن النسائي: ج 7/289، مسند أحمد: ج 4/403 ح 14887، وبنفس مضمونه حديث المناهي الوارد في الفقيه: ج 4/8: ح 4968، ووسائل الشيعة: ج 17/357 أبواب عقد البيع وشروطه ب 12 ح 12 (22746).

4) المكاسب: ج 4/183.

5) كما عن شيخ الشريعة قدس سره في رسالة لا ضرر ولا ضرار: ص 28، والمحقّق النائيني في رسالة لا ضرر: ص 194، والمحقّق الاصفهاني في نهاية الدراية: ج 2/322.

طرق العامّة، فلا وجه للمناقشة في سنده.

وأمّا من حيث الدلالة، فمحصّل ما أفاده الشيخ رحمه الله(1)حولها، هو أنّ محتملات قوله عليه السلام: «عندك» أربعة:

أحدها: الحضور الذي هو معناه الحقيقي.

ثانيها: المِلْك.

ثالثها: السلطنة عليه، والقدرة على تسليمه.

رابعها: السلطنة التامّة الفعليّة التي تتوقّف على الملك، مع كونه تحت اليد.

أقول: من البَيِّن أنّ الأوّل ليس بمرادٍ قطعاً؛ لجواز بيع الغائب إجماعاً.

والثاني خلاف الظاهر، فإنّ بيع المملوك بيعُ ماله لا بيع ما عنده، فبيع غير المملوك بيعُ ما ليس له، لا بيعُ ما ليس عنده.

والثالث يدفعه استدلال الفقهاء بهذا النبويّ على عدم جواز بيع العين الشخصيّة المملوكة للغير.

فيتعيّن الرابع، فيدلّ على فساد بيع ما لا يكون مالكاً له، وما لا يقدر على تسليمه، فلابدّ من إخراج بيع الفضولي عنه بأدلّته، أو بحمله على النهي المقتضي لفساده، بمعنى عدم وقوعه لبائعه لو أراد ذلك.

وفيه: إنّ إرادة القدرة على التسليم خاصّة من التصرّفات الخارجيّة المماسّة للعين، إمّا وحدها أو مع الملكيّة خلاف الظاهر، بل إمّا أن يراد مطلق التصرّفات الخارجيّة، أو لا يكون ذلك بالخصوص بمراد، وحيث أنّه لا يعتبر السلطنة4.


1) المكاسب: ج 4/183-184.

الخارجيّة المماسّة للعين قطعاً، فلا يكون ذلك بمرادٍ لا مستقلّاً ولا ضمناً، بل الظاهر منه إرادة السلطنة الاعتباريّة على التصرّفات التسبيبية المعامليّة، فيكون أجنبيّاً عن المقام.

الدليل السادس: ما ذكره الشيخ رحمه الله(1)، وحاصله: إنّ لازم العقد وجوب التسليم، وهو مشروطٌ بالقدرة، فمع عدمها لا لزوم للتسليم، فيلزم عدم نفوذ العقد، وإلّا لزم انفكاك اللّازم عن الملزوم.

أقول: ينبغي تحديد مراده رحمه الله، وعليه:

1 - إنْ‌اُريد بذلك أنّ لزوم التسليم من مقتضيات الملك الذي هو مدلول العقد، فهو مسلّمٌ‌؛ لوجوب رَدّ المال إلى صاحبه، إلّا أنّ هذا اللّازم لا يعدّ لازماً غير منفكّ‌، بل هو فرع التمكّن منه، ومع عدم التمكّن يكون ملكاً له لا يجب تسليمه لعدم القدرة.

2 - وإنْ اُريد به أنّه من مقتضيات إطلاق العقد نفسه.

فيرد عليه: إنّ العقد عبارة عن تمليك العين مثلاً، لا هو مع اعتبار أمرٍ آخر أو تكليفٍ آخر.

3 - وإنْ اُريد به أنّ الملكيّة تكون مقيّدة بما يتمكّن من تسليمه.

فيرد عليه: أنّ التعليق في العقد موجبٌ للبطلان.

4 - وإنْ اُريد به أنّ لزوم التسليم من أحكام العقد، من جهة أنّ التسليم مصداق للوفاء بالعقد الذي وجوبه من أحكام العقد.

فيرد عليه أوّلاً: أنّ (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) - علي ما حقّقناه فى محلّه(2)- يكون إرشاداً5.


1) المكاسب: ج 4/185.

2) فقه الصادق: ج 22/335.

إلى لزوم العقد، وعلى فرض كونه تكليفيّاً، يكون مفاده لزوم العمل بمفاد العقد بعدم فسخه، فعلى كلّ تقديرٍ لا ربط له بالتسليم.

وثانياً: إنّ التكليف بالوفاء قد تعلّق بالعقد الصحيح، فعدم لزوم الوفاء لعدم القدرة لا يكشف عن عدم الصحّة.

وأجاب الشيخ رحمه الله عنه: بأنّه (يضعف بأنّه إنْ اُريد أنّ لازم العقد وجوب التسليم وجوباً مطلقاً... الخ)(1).

مراده: أنّه إنْ اُريد أنّ لازم العقد وجوب التسليم وجوباً فعليّاً، بحيث أنّه إنْ لم يكن قادراً عليه، ينكشف عدم وجود الملزوم، نمنع الملازمة، أي لا دليل على أنّ ذلك من لوازم العقد، وإنْ كان المراد أنّ لازمه مطلق الوجوب الملائم مع الوجوب المشروط، فاللّازم متحقّقٌ في الفرض، وكذلك الملزوم.

قال الشيخ رحمه الله: (وقد يُعترض بأصالة عدم تقيّد الوجوب، ثمّ يُدفع بمعارضته بأصالة... الخ)(2).

أقول: المعترض ودافعه هو صاحب «الجواهر» رحمه الله(1).

وحاصل الاعتراض: - بما ذكره الشيخ من الجواب - هو أنّ مقتضى أصالة عدم تقيّد الوجوب، كون اللّازم الوجوب المطلق، فمع عدمه ينكشف عدم تحقّق الملزوم.

ومحصّل الدفع: أنّه معارضٌ بأصالة عدم تقيّد البيع بهذا الشرط، فإنّ إطلاق أدلّة نفوذ البيع يكشف عن عدم اعتبار القدرة في النفوذ، فالحجّة على الاشتراط تعارض الحجّة على عدمه.1.


1) جواهر الكلام 2: ج 2/390-391.

أقول: وأمّا ما ذكره الشيخ رحمه الله من النظر الواضح في الاعتراض والمعارضة، فلعلّ وجه النظر في الاعتراض أنّه إنْ اُريد بأصالة عدم تقيّد الوجوب الأصل العملي - أي أصالة عدم وجوب المقيّد.

فيرد عليه: أنّه معارضٌ بأصالة عدم وجوب المطلق.

وإنْ‌اُريد به الأصل اللّفظي - أي إطلاق دليل الوجوب - فهو مقيّد بالقدرة عقلاً.

ووجه النظر في الدفع، هو أنّ إطلاق دليل المقيّد لو سُلّم، لا ريب في حكومته على أصالة عدم تقيّد البيع كما لا يخفى‌.

الدليل السابع: ما ذكره الشيخ رحمه الله بقوله: (ومنها أنّ الغرض من البيع انتفاع كلّ منهما بما يصير إليه، ولا يتمّ إلّابالتسليم... الخ)(1).

وفيه أوّلاً: إنّ تخلّف الأغراض والدّواعي لا يوجبُ فساد المعاملة وبطلانها.

وثانياً: إنّ الغرض من المعاملة ليس هو الانتفاع المطلق، بل الانتفاع على فرض التسليم.

وثالثاً: نمنع توقّف مطلق الانتفاعات - حتّى التصرّفات الاعتباريّة - على التسليم.

فتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ دليل اعتبار هذا القيد هو النبويّ المشهور: «نهى النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرر».

***5.


1) المكاسب: ج 4/185.

هل القدرة شرط أو العجز مانعٌ‌

أقول: بقى في المقام اُمورٌ ينبغي التنبيه عليها:

التنبيه الأوّل: هل القدرة على التسليم شرطٌ كما في التكاليف، أم يكون العجز عنه مانعاً؟، وجهان.

وملخّص القول: إنّ الكلام في هذا التنبيه يقع في مواضع:

أحدها: فيما هو مقتضى كلمات الأصحاب.

ثانيها: في معقوليّة مانعي العجز وعدمها.

ثالثها: فيما يقتضيه الدليل.

رابعها: في ترتّب الثمرة على هذا النزاع.

أمّا الموضع الأوّل: فظاهر كلمات القوم حيث قالوا: (ومن شرائط العوضين القدرة على التسليم) كون القدرة شرطاً.

ومورد نزاع الشيخ رحمه الله(1) وصاحب «الجواهر»(1)، هو ما ورد في «الغُنية»(2)، وذيله - الذي نقله الشيخ رحمه الله(4) - من التصريح بشرطيّة القدرة، اللَّهُمَّ إلّاأن يكون ذلك من كلام الشيخ رحمه الله.

وأمّا الثاني: فقد ذهب الشيخ رحمه الله إلى عدم معقوليّة مانعيّة العجز، من جهة أنّ العجز أمرٌ عدمي، لأنّه عدم القدرة عمّا من شأنه أن يقدر، والمانع هو الأمر


1) جواهر الكلام 2: ج 2/385.

2) غنية النزوع: ص 211.

الوجودي الذي يلزم من وجوده العدم.

وفيه: إنّ المانع في باب العلّة والمعلول، غير المانع في باب العقود والإيقاعات كما تقدّم(1)، فإنّ المراد به في هذا الباب ما قيّد صحّة العقد بعدمه، أو حُكم بفساد العقد معه، وحيث أنّ هذا ممكنٌ‌؛ فمانعيّة العجز معقولة.

وأمّا الموضع الثالث: فالأظهر أنّ المستفاد من الأدلّة مانعيّة العجز؛ وذلك لأنّ ضمّ أدلّة نفوذ البيع، بقوله صلوات اللّه عليه: «نهى النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرر»، يقتضي أن يكون موضوع النفوذ، البيع الذي ليس بغَرري - أي لا يكون متّصفاً به -، لا أنّ الموضوع هو البيع المتّصف بما يضادّ الغَرر كما هو واضح.

وأمّا الموضع الرابع: فقد يقال بظهور الثمرة فيما إذا شكّ في القدرة:

فإنّه على القول بشرطيّة القدرة، لابدّ من إحرازها في الحكم بصحّة البيع.

وأمّا على القول بمانعيّة العجز، فيحكم بالصحّة، وإنْ لم يُحرز ذلك، لوجهين:

الأوّل: أصالة عدم المانع.

الثاني: قاعدة المقتضي والمانع.

من جهة أنّ العقد مقتضٍ والعجز مانع، فإذا شكّ في المانع مع إحراز المُقتضي، يُبنى على تحقّق المُقتضَى (بالفتح).

أقول: وفيهما نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ الشبهة إمّا موضوعيّة، أو حكميّة:

فإنْ كانت موضوعيّة: وكانت الحالة السابقة القدرة يُبنى عليها، وإنْ كانتد.


1) تقدّم في الصفحة 155، مبحث (بيان فائدة إجازة المرتهن) من هذا المجلّد.

هي العجز يُبنى عليه، ومع عدم إحراز الحالة السابقة، أو توارد الحالتين، لا يجري الأصل الموضوعي، وإنّما المرجع إلى أصالة الفساد، من غير من فرق بين المسلكين.

وإنْ كانت حُكميّة - كما لو شكّ في أنّ الخارج هو العجز المستمرّ، أو العجز في الجملة، أو شكّ في أنّ المراد بالعجز ما يشمل التعسّر - فالمرجع إلى عمومات الصحّة، اقتصاراً في المخصّص على المتيقّن منه.

وبالجملة: بعد كون العجز والقدرة من قبيل العدم والملكة، لا من قبيل السلب والإيجاب، لا يبقى فرقٌ بين مانعيّة الأوّل وشرطيّة الثانية، كما لا يخفى‌.

وأمّا الثاني: فلعدم حجيّتها أوّلاً، وعدم جريانها في الأحكام الشرعيّة ثانياً؛ لعدم تمييز المقتضي عن المانع والشرط.

هذا كله مضافاً إلى أنّ المدرك لاعتبار هذا القيد، بما أنّه النبويّ‌، فلا يتصوّر الشكّ الموضوعي؛ لتقوّم الغَرر بالجهل.

المانع هو العجز في زمان الاستحقاق

التنبيه الثاني: هل العبرة في القدرة على التسليم، هي القدرة في زمان استحقاق التسليم، أم في زمان البيع‌؟، وجهان.

أقول: الظاهر أنّه لا إشكال كما لا خلاف في أنّ العبرة في الشرط المذكور إنّما هو في زمان الاستحقاق، من غير فرقٍ بين كون المستند وجوب التسليم، أو نهي النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرر، أو لزوم السفاهة مع عدمه، أو عدم الانتفاع، أو «لا تبع ما ليس عندك»، إذ لا وجوب للتسليم قبل الاستحقاق، والمعاملة التي يستطيع

البائع فيها على تسليم المبيع حال استحقاق المشتري لذلك، ليست بغرريّة بالفعل، والإقدام على بيع ما يتمكّن من تحصيله في حال الاستحقاق ليس إقداماً سفهيّاً، ولا يترقّب الانتفاع من المبيع إلّابعد استحقاقه.

والمراد من عدم بيع ما ليس عنده - على فرض دلالته على هذا الشرط، بقرينة مناسبة الحكم والموضوع، وبحسب المتفاهم العرفي - عدم الالتزام بما لا يقدر عليه، ومن كان قادراً حين الاستحقاق وغير قادرٍ حين البيع، لا يكون ملزماً على نفسه بما لا يقدر عليه.

وعليه، فما أفاده المحقّق الاصفهاني رحمه الله(1)من أنّه لو كان المدرك النهي عن بيع ما ليس عنده، لابدّ من تحقّق القدرة حال ورود البيع عليه، غير تامٍّ‌.

أقول: ثبت ممّا ذكرنا أنّ هذه الكليّة لا كلام فيها، إنّما الكلام في الفروع التي فرّعها الشيخ رحمه الله(2)على تلك:

الفرع الأوّل: عدم اعتبارها أصلاً إذا كانت العين في يد المشتري.

وفيه: إنّ عدم اعتبارها في هذا المورد، ليس من متفرّعات عدم اعتبار القدرة حال البيع، بل لو كانت العبرة بالقدرة حال البيع، لم تكن معتبرة في الفرض، لأنّ التسليم طريقٌ لوصول المال إلى يد المشتري، فمع تحقّق الوصول لا يعقل استحقاق التسليم.

الفرع الثاني: ما إذا اشترى من ينعتق عليه.4.


1) حاشية المكاسب: ج 3/288.

2) المكاسب: ج 4/187-194.

وفيه: إنّ عدم اعتبارها في المورد، إنّما يكون من جهة عدم دخوله في ملكه، أو خروجه عنه بعد دخوله آناً مّا، لا من جهة عدم اعتبار القدرة حين البيع.

الفرع الثالث: ما إذااشترى فضولاً، فإنّه لايستحقّ‌التسليم إلّا بعد إجازة المالك.

وفيه: أنّ المعتبر هو قدرة من له العقد لا مجرى الصيغة، وحيث أنّ العقد إنّما يستند إلى من له العقد - وهو المالك من حين الإجازة لا قبلها - فلو كانت العبرة بالقدرة حال البيع، لما كانت معتبرةً في بيع الفضولي حال البيع؛ لعدم تحقّق بيع المالك قبل الإجازة.

أقول: وربما يُشكَل على الكشف، من حيث أنّه لازمٌ من طرف الأصيل، والظاهر أنّ منشأ الإشكال هو إنّه على القول بالكشف، إذا كان أحد الطرفين اصيلا، بما أنّتمام الموضوع لوجوب الوفاء، والمؤثّر في الملكيّة هو العقد، فهو من حين البيع إلى ما قبل الإجازة محرومٌ عن التصرّف في ما انتقل عنه، وما انتقل إليه:

أمّا في الأوّل: فلخروجه عن ملكه.

وأمّا في الثاني: فلأنّه لا يجبُ على مالكه التسليم، فلا يقدر هو على تحصيله، فيلزم من ذلك الغَرر.

وفيه: إنّ منشأ الإشكال إنْ كان حرمانه عن التصرّف فيما انتقل إليه، فهو يتحقّق في الفضولي من الجانبين، وإنْ كان حرمانه عن التصرّف فيما انتقل عنه، فهو لا دخل له بالقدرة على التسليم والتسلّم، كما لا دخل له بالغَرر.

الفرع الرابع: بيع الرهن قبل إجازة المرتهن أو فكّه.

أقول: هذا التفريع حَسَنٌ من جهة أنّ المشتري لا يستحقّ التسليم قبل إجازة

المرتهن، على القول بتوقّف نفوذه عليها، فلا تعتبر قدرته قبل الإجازة، وإنّما العبرة بالقدرة بعدها، وإنْ كان العقد منتسباً إلى المالك من حين حدوثه.

الفرع الخامس: ما إذا عجز عن تسليم ثمن السَّلم.

محصّل ما أفاده في هذا الفرع: إنّه في بيع السَّلم بما أنّ القبض جزء السبب الناقل، فقبل تسليم المشتري الثمن لا يكون السبب متحقّقاً، فالعجز عن التسليم لا يقدح في الصحّة، فلو اتّفق حصوله صَحّ البيع.

وبعبارة أُخرى‌: قبل أن يقبض الثمن، لا يستحقّ البائعُ التسليم، لأنّه جزء المملّك، وبعده التسليم متحقّق.

وأَورَدَ عليه: بأنّه قبل القبض البيع العرفي موجودٌ، والبائع بنظرهم يستحقّ التسليم، فالعجز عنه موجبٌ لكون البيع غرريّاً عندهم، فيشمله نهي النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرر، فإنّ الموضوع فيه البيع الغَرري العرفي.

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله: بأنّ أهل العرف بعد اطلاعهم على عدم ترتّب الأثر شرعاً قبل القبض، لا يرونه غرريّاً في الفرض.

أقول: ويمكن الجواب عنه بوجه آخر، وهو:

إنّ دليل اعتبار القبض يكون حاكماً على دليل مانعيّة الغَرر، ويدلّ على أنّه لا غَرر في الفرض.

وأمّا جواب المحقّق الايرواني:(1)بأنّ ظاهر النبويّ أنّ البيع الذي لولا الغَرر كان صحيحاً مؤثّراً، هو الذي نهى النبيّ صلى الله عليه و آله عنه إذا كان غرريّاً، والبيع في الفرض9.


1) المكاسب: ج 4/189.

قبل القبض لا يكون صحيحاً، فالغَرر فيه لا يكون مانعاً.

فيرد عليه: أنّ دليل كلّ مانعٍ إنّما يكون متكفّلاً لبيان مانعيّة ذلك الشيء خاصّة، ولا نظر له إلى سائر الموانع والشرائط، ولذا لو فرض اقتران العمل بمانعين، لا سبيل إلى دعوى عدم مانعيّة شيء منهما، مع أنّ مقتضى البرهان المزبور ذلك، فإنّ دليل كلّ منهما مقيّدٌ على الفرض بعدم اقتران العمل بمانعٍ آخر، والمفروض اقترانه به.

وعليه، فالحقّ ما ذكرناه.

التنبيه الثالث: قيل إنّ أوّل من أثار هذا الخلاف في أصل المسألة هو الفاضل القطيفي(1)

(2و3) المكاسب: ج 4/175 و 190.

، ولكن الظاهر من كلامه أنّه لا يُنكر اعتبار القدرة على التسليم في الجملة، غاية الأمر أنّه يلتزم باعتبار أمرٍ في خصوص مورد الجهل، وعدم الرضا، وعليه فلا تنافي بين كلمات الشيخ رحمه الله، حيث نفى الخلاف في أوّل المسألة(2)، وهنا نقل الخلاف عن الفاضل القطيفي(3).

والظاهر أنّ الشيخ رحمه الله فهم من كلامه أنّه يلتزم باشتراط الصحّة بأمرٍ لا يجامع العلم والرضا كعنوان الخدعة، ولذا أورد عليه بأنّ (الغَرر) إنّما هو في النبويّ بمعنى الخطر لا الخدعة، ويحتمل أن يكون مراده أنّ القدرة إنّما تعتبر من ناحية حقّ تسلّم المبيع للمشتري، فإذا علم بعدم القدرة، وأقدم على المعاملة راضياً بها، فقد أسقط حقّه.

والجواب عنه: أنّ الشارع اعتبر القدرة، وأمّا كون ذلك من قبيل الحقّ القابل0.


1) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4/224.

للإسقاط، فغير ثابتٍ‌، والأصل يقتضي عدمه.

التنبيه الرابع: الظاهر أنّ القدرة على التسليم ليست مقصودة بالاشتراط إلّا بالتبع، وإنّما المقصد الأصلي هو التسلّم كما صرّح به المصنّف(1)وغيره(2)، وذلك لأنّ المستند لاعتبار هذا القيد:

إن كان نهي النبيّ صلى الله عليه و آله عن الغَرر، أو لزوم السفاهة مع عدمه، او كونه أكلاً للمال بالباطل فواضح؛ إذ لا غرر ولا سفاهة ولا أكل للمال بالباطل، مع تمكّن المشتري من التسلّم.

وإنْ كان قوله عليه السلام: «لا تَبع ما ليس عندك»، فالوجه فيه أنّ الظاهر بقرينة المناسبة بين الحكم والموضوع، كون القدرة على التسليم إنّما تعتبر من جهة الطريقيّة إلى وصول المال إلى صاحبه، ولا موضوعيّة لها.

نعم، إذا كان التسلّم متوقّفاً على بذل المال، للمشتري الرجوع إلى البائع فيه؛ لأنّ ذلك وظيفته.

التنبيه الخامس: ولو لم يقدر على التحصيل، وتعذّر عليهما إلّابعد مضيّ فترة:

1 - فإنْ كان التعذّر أبديّاً، بطل البيع لما تقدّم.

2 - وإنْ كان في مدّةٍ يُتسامح فيها صَحّ‌.

3 - وإنْ كان في مدّةٍ لا يُتسامح فيها كسَنَةٍ أو أزيد:

فإنْ كان مدرك اعتبار هذا الشرط النبويّ المعروف من أنّه: «نهى النبيّ صلى الله عليه و آله5.


1) المكاسب: ج 4/190.

2) منهم العلّامة في المختلف: ج 5/216، والفاضل الآبي في كشف الرموز: ج 1/453، والشهيد الأوّل في اللّمعة: ص 111، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد: ج 4/100، وكاشف الغطاء في شرحه على القواعد: ص 75.

عن بيع الغَرر»(1)، فالأظهر هي الصحّة لما تقدّم من أنّه في صورة العلم بالعجز لا يصدق الغَرر، وإنّما التزمنا بالبطلان في صورة العلم بالعجز إلى الأبد للأولويّة غير الجارية في الفرض، كما أنّه لا تكون هذه المعاملة سفهيّة ولا أكلاً للمال بالباطل.

وإنْ كان المدرك النبويّ المرويّ أنّه صلى الله عليه و آله قال: «لا تَبع ما ليس عندك»(2)تعيّن البناء على البطلان، من جهة عدم القدرة إلّامع شرط تأخير التسليم إلى ذلك الزمان، فإنّه حينئذٍ يكون قادراً حين الاستحقاق، وقد مرّ كفاية ذلك.

وبالجملة: ظهر بما ذكرناه أنّه يتعيّن على الشيخ رحمه الله البناء على البطلان، لأنّه قدس سره سَلّم دلالة هذا النبويّ على اعتبار هذا الأمر. كما أنّه ظهر أنّ الأظهر هي الصحّة على المختار.

4 - وإنْ كان زمان التعذّر غير معلومٍ‌، بطل البيع للغَرر.

التنبيه السادس: هل الشرط هي القدرة المعلومة للمتبايعين، أو القدرة الواقعيّة‌؟

ملخّص القول في المقام: إنّه لا إشكال في البطلان إذا لم يكن قادراً واقعاً، وكانا عالمين بذلك، كما لا إشكال في الصحّة إذا كانا عالمين بالقدرة وكان قادراً واقعاً، إنّما الكلام فيما إذا كانا عالمين بالقدرة، ولم يكن كذلك، أو كانا جاهلين بها وكانت متحقّقة، وحينئذٍ:

1 - إذا كان الدليل لاعتبار هذا الشرط نهي النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرر، تعيّن).


1) تقدّم مراراً هنا، راجع عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 2/45، وسائل الشيعة: ج 17/448 أبواب آداب التجارة ب 40 ح 3 (22965).

2) سنن البيهقي: ج 5/267، سنن بن ماجة: ج 2/737 ح 2187، سنن بن داود: ج 3/283 ح 3503، سنن الترمذي: ج 3/534 ح 1232، سنن النسائي: ج 7/289، مسند أحمد: ج 4/403 ح 14887، وبنفس مضمونه حديث المناهي الوارد في الفقيه: ج 4/8، ح 4968، ووسائل الشيعة: ج 17/357 أبواب عقد البيع وشروطه ب 12 ح 12 (22746).

البناء على الصحّة في الصورة الأُولى، والبطلان في الثانية، من جهة أنّ الغَرر قوامه بالجهل؛ ففي الأُولى لم يُقْدِم البائع على المعاملة الخطريّة بخلاف الثانية.

2 - وإنْكان المدرك قوله عليه السلام: «لاتَبع ماليس عندك» انعكس الأمر، كمالايخفى‌.

وحيث أنّهما معاً عند الشيخ رحمه الله مدرك ذلك، تعيّن عليه البناء على البطلان في الصورتين.

وعليه، فما أفاده(1) من البطلان في الصورة الثانية لو تبيّن العجز، تامّ ولا يرد عليه ما أفاده المحقّق الاصفهاني رحمه الله(1).

نعم، ما ذكره من الصحّة في تلك الصورة لو تجدّدت القدرة لا يتمّ‌، إذ المعاملة بعد وقوعها باطلة لا تصحّ بالتجدّد.

ودعوى: إنّ مدرك البطلان في تلك الصورة قوله عليه السلام: «لا تبع ما ليس عندك» وهو إنّما يدلّ على عدم الصحّة، ما دام ليس عنده، فلو تجدّدت وصار ممّا عنده لا وجه للبطلان.

مندفعة: بأنّ الشيخ رحمه الله وإنْ احتمل ذلك، لكنّه لم يبن عليه، كما يظهر من الفروع التي رتّبها على أنّ القدرة المعتبرة هي القدرة حال الاستحقاق.

حكم ما لو كان الوكيل عاجزاً والموكّل قادراً

التنبيه السابع: قال الشيخ رحمه الله: (ثمّ لا إشكال في اعتبار قدرة العاقد إذا كان مالكاً، لا ما إذا كان وكيلاً... الخ)(3).

أقول: لو كان المالك هو العاقدبالمباشرة، فإنّه لا إشكال في اعتبار قدرة نفسه،


1) حاشية المكاسب: ج 3/297.

ولو كان العاقد غيره:

فإنْ كان وكيلاً في إجراء الصيغة خاصّة، فلا إشكال في أنّ العبرة بقدرة الموكل، ولا اعتبار بقدرته؛ لأنّه ليس ملزماً بالتسليم، ويكون كالأجنبي.

نعم، لو علم بقدرته وإعمال قدرته يكتفي بها، لا من حيث أنّها قدرة من يعتبر قدرته، بل من حيث الوثوق بحصول المال في يد المشتري الذي عرفت كفايته.

وأمّا لو كان وكيلاً مفوّضاً في البيع ولوازمه، فلا إشكال في الاكتفاء بقدرة الوكيل، من جهة أنّه ملزمٌ بالتسليم، ومأمورٌ بالوفاء بالعقد، والمناط في رفع الغَرر قدرة من هو ملزمٌ بالتسليم، ومأمورٌ بالوفاء بالعقد.

أقول: إنّما الكلام في ما لو كان عاجزاً، وكان الموكّل قادراً، ففيه أقوال:

القول الأوّل: ما عن الشيخ رحمه الله(1)وتبعه غيره(2)، من الاكتفاء بذلك.

القول الثاني: ما أفاده المحقّق الاصفهاني رحمه الله(3)، من عدم كفاية قدرته من حيث أنّها قدرة من ينسب إليه العقد.

القول الثالث: ما اختاره العلّامة الطباطبائي صاحب «المصابيح»(4)، من الكفاية مع رضا المشترى بالرجوع إلى الموكّل، ورضا الموكّل برجوع المشتري إليه.

أقول: الأظهر هو الأوّل؛ لأنّ المناط هو ما يرتفع به الغَرر، وهو يرتفع بقدرة من3.


1) المكاسب: ج 4/193.

2) كالمحقّق الخراساني في حاشية المكاسب: ص 124، والمحقّق الأيرواني في حاشية المكاسب: ج 1/195، والمحقّق النائيني في منية الطالب: ج 1/386، والسيّد الخوئي في مصباح الفقاهة: ج 5/297.

3) حاشية المكاسب: ج 3/297-298.

4) المصابيح (مخطوط): ونقلها عنه صاحب الجواهر - دون نسبة القول إلى أحد - راجع الجواهر: ج 392/22-393.

هو ملزمٌ بالتسليم، وفي الفرض كلٍّ مِن المالك والوكيل ملزمٌ به، فيكفي قدرة كلّ منهما في رفع الغَرر.

واستدلّ للثاني: بأنّ الوكيل الذي يستند إليه العقد ليس بقادر، والموكّل إنّما يجب عليه الوفاء بالعقد الصحيح المنسوب إليه، فلابدّ من استجماع البيع الصادر من الوكيل، وحيث فرضنا أنّه غير قادرٍ كان البيعُ باطلاً.

وفيه: إنّ كلّاً منهما مكلّف بالوفاء بالعقد الصحيح، وهذا ممّا لا كلام فيه، والعقد الصادر من الوكيل إذا كان الموكّل قادراً على التسليم صحيح؛ لعدم الغَرر وارتفاعه بقدرته.

وبعبارة أُخرى‌: مع قطع النظر عن نهي النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرر، فإنّ هذه المعاملة تعدّ معاملة صحيحة ومستندة إلى كلّ منهما، فكلٌّ منهما موظّف بالوفاء بها، ولا يلزم منه الغَرر، لقدرة الموكّل على التسليم.

واستدلّ للثالث: بأنّ الموكّل وإنْ كان أجنبيّاً عن البيع - ولذا لا يكفي قدرته فقط - لكنّه مع التراضي والتزام الموكّل لا غرر في البيع وإنْ كان الوكيل عاجزاً.

ثمّ فرع رحمه الله على ذلك بطلان بيع الفضولي، باعتبار أنّ قدرة العاقد لا تكفي، إذ لا وكالة، ولا تراضي، ولا التزام بين المشتري والمالك كي تكفي قدرته.

ثمّ أورد على هذا التفريع: بأنّه ربما يحصل للفضولي الوثوق بإرضاء المالك، فتتحقّق له بذلك القدرة على التسليم حال العقد، للقدرة على الإجازة المحقّقة، لقدرته على التسليم، والقدرة على السبب قدرة على المسبب.

وأجاب عنه بوجهين:

الوجه الأوّل: أنّه تخرج المعاملة بذلك عن الفضوليّة، لمصاحبة الإذن للبيع، غاية الأمر حصوله بالفحوى وشاهد الحال.

الوجه الثاني: إنّ صحّة بيع الفضولي في هذه الصورة خاصّة لم يلتزم بها أحدٌ.

قال الشيخ رحمه الله: بعد نقله ذلك: (وفيما ذكره من مبنى مسألة الفضولي، ثمّ في تفريع الفضولي، ثمّ في الاعتراض الذي ذكره، ثمّ في الجواب عنه أوّلاً وثانياً، تأمّلٌ‌، بل نظرٌ)(1).

أمّا وجه النظر في المبنى: فهو ما عرفت من أنّ الموكّل ليس أجنبيّاً عن العقد وملزمٌ بالتسليم، والعلم بقدرته يكفي في ارتفاع الغَرر، وإلّا فمجرّد التراضي لا يوجبُ رفع الغَرر.

وأمّا وجه النظر في تفريع الفضولي: فهو أنّ الفضولي أجنبيٌ عن العقد، ولا يكون العقد تامّاً ومنتسباً إلى مالكه إلّابعد الإجازة، ولذا بنينا على كفاية القدرة حال الإجازة، وعدم اعتبار القدرة حال البيع.

وأمّا وجه النظر في الاعتراض: فهو أنّ قدرة العاقد لا اعتبار بها؛ لعدم كونه مخاطباً بلزوم التسليم.

وأمّا وجه النظر في الجواب الأوّل: فهو عدم خروج المعاملة عن الفضوليّة بالوثوق بإرضاء المالك، مع عدم كونه راضياً بالفعل.

وأمّا وجه النظر في الجواب الثاني: فلم يظهر لي؛ لأنّ القائلين بصحّة بيع الفضولي لم يقتصروا على هذه الصورة.4.


1) المكاسب: ج 4/194.

فلا يصحّ بيع الآبق منفرداً، ولو ضُمّ إليه غيره صَحّ‌، ولا الطير في الهواء.

عدم إلحاق الصلح بالبيع

التنبيه الثامن: وحيث عرفت اشتراط القدرة على التسليم في صحّة البيع (ف‍) اعلم: أنّه (لا يصحّ بيع الآبق منفرداً، و) نعم (لو ضُمّ إليه غيره صَحّ‌) بلا خلافٍ فيهما، كما (ولا) خلاف في عدم صحّة بيع (الطير في الهواء).

أقول: لا يهمّنا البحث عن حكم بيع العبد الآبق منفرداً أو مع الضميمة، لعدم الموضوع، وإنّما نتعرّض لخصوص هذه المسألة، لما في ذيل هذه من المسائل التي تعرّض لها المصنّف رحمه الله، والشيخ الأعظم رحمه الله(1)وسائر الأساطين، وإنْ لم تكن مربوطة ببيع الآبق، بل هي من تذييلات وفروع المسألة المتقدّمة، وهي مسائل:

المسألة الأُولى: لايختصّ اعتبار القدرة على التسليم بالمثمن، بل هو يعتبر في الثمن أيضاً؛ لاشتراك الأدلّة بينهما، فكما أنّه من عدم إحراز القدرة على تسليم المثمن يلزم الغَرر، كذلك يلزم الغَرر من عدم إحراز القدرة على تسليم الثمن.

المسألة الثانية: في إلحاق سائر المعاملات بالبيع، والكلام يقع:

تارةً‌: في غير الصلح.

وأُخرى‌: في الصلح.

أمّا في غير الصلح: فالأظهر اعتبارها لوجهين:


1) المكاسب: ج 4/175.

أحدهما: إنّ المستفاد من نهي النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرر - بمناسبة الحكم والموضوع - أنّ‌الموجب للبطلان هو الغَرر من حيث أنّه غَرر، بلاخصوصيّة للبيع.

ثانيهما: ما أُرسل عن النبيّ صلى الله عليه و آله من أنّه نهى عن بيع الغَرر(1)، المنجبر ضعفه بعمل الأصحاب، لاستدلالهم به في جميع المعاوضات كالإجارة والمزارعة والمساقاة والجعالة وغيرها، بل في غير المعاوضات كالوكالة أيضاً.

وأمّا في الصلح: فالأظهر عدم اعتبارها؛ وذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ دليل الغَرر إنّما يكون حاكماً على خصوص أدلّة المعاملات التي لها صنفان غرري وغير غرري، وأمّا الصلح الذي ليس له صنفان - بل هو بطبعه مبنيٌّ على المسامحة والتسالم والتجاوز من جهة أنّ الغرض فيه ليس متقوّماً بالمبادلة والمقابلة - فلا يكون دليل الغَرر حاكماً عليه، بل هو حاكمٌ على دليل الغَرر.

الوجه الثاني: صحيح محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام:

«أنّه قال: في رجلين كان لكلّ واحدٍ منهما طعامٌ عند صاحبه، ولا يدري كلّ واحدٍ منهما كم له عند صاحبه، فقال كلّ واحدٍ منهما لصاحبه: لك ما عندك ولي ما عندي‌؟

فقال عليه السلام: لا بأس بذلك إذا تراضيا وطابت أنفسهما»(2).

فإنّه يدلّ‌على عدم مانعيّة الجهالة المحقّقة للغَرر، وهو وإنْلم يصرّح فيه بإرادة الصلح من تلك المعاهدة، إلّاأنّه محمولٌ عليه بقرينة فهم الأصحاب.).


1) تقدّم مراراً، راجع عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 2/45، وسائل الشيعة: 17/448 أبواب آداب التجارة ب 40 ح 3 (22965).

2) الكافي: ج 5/258 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/445 أبواب الصلح ب 5 ح 1 (24013).

بيع الضال والمجحود والمغصوب

المسألة الثالثة: إنّ مقتضى نهي النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغَرر، عدم جواز بيع الضّال والمجحود والمغصوب كما أفتى به جماعة(1).

وبعبارة أُخرى‌: مقتضاه عدم الفرق بين المتعذّر بنفسه، وما تعذّربواسطة الغير.

وعن جماعةٍ‌(2): الجواز، واستدلّ له بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّه بالفحص عنه إمّا ان يحصل في يده أو ييأس منه، فإنْ حصل فهو، وإلّا كان في حكم التلف الموجب لانفساخ العقد من أصله، الموجب لرجوع الثمن إلى صاحبه، فهذا البيع مأمون العاقبة من الخطر.

وأمّا فوات المنفعة مدّة رجاء الظفر به، فهو ضررٌ قد أقدم عليه، وجهالته غير مضرّة، خصوصاً مع العلم بمدّة الرجاء التي يفوت الانتفاع بالمبيع فيها.

وفيه أوّلاً: إنّه مع عدم الحصول لا يحرز اليأس دائماً، بل ربما يُرجى حصوله.

وثانياً: إنّ كون ذلك بمنزلة التلف الموجب لانفساخ العقد غير ثابت.

وثالثاً: إنّ الحكم بالانفساخ مرتّبٌ على العقد الصحيح، فلا يمكن تصحيح العقد به.

ورابعاً: إنّ الخطر من حيث الغرض المعاملي لا يرتفع بالانفساخ.

الوجه الثاني: إنّه مع تعذّر تسليمه له خيار التعذّر، فالصحّة تكون مراعاة


1) كالشهيد الأوّل في الدروس: ج 3/200، والشهيد الثاني في المسالك: ج 3/172، والكاشاني في المفاتيح: ج 57/3، والنراقي في المستند: ج 2/375.

2) منهم الشهيد في اللّمعة: ص 111، واحتمله العلّامة في التذكرة: ج 1/466.

بالتسليم، فإن تسلّم قبل مدّةٍ لا يفوت الانتفاع المعتدّ به فيها، وإلّا تخيّر بين الفسخ والإمضاء فلا غَرر.

وفيه أوّلاً: إنّ الخيار مرتّبٌ على العقد الصحيح، فلا يعقل تصحيح العقد به.

وثانياً: إنّ الغَرر من ناحية الغرض المعاملي لا يرتفع بذلك.

الوجه الثالث: إنّ له شرط الخيار بردّ الثمن أو مثله إذا لم يحصل المبيع في يده إلى ثلاثة أيّام.

وفيه أوّلاً: إنّ نفوذالشرط منوطٌ بوقوعه في العقدالصحيح، فلايصحّح العقد به.

وثانياً: إنّ الغَرر الناشيء من حيث الغرض المعاملي لا يرتفع بذلك.

الوجه الرابع: إنّ له الامتناع من تسليم الثمن مع امتناع البائع من تسليم المبيع، فلا خطر.

وفيه: - مضافاً إلى ما تقدّم - أنّ الامتناع من تسليم الثمن مع عدم كونه مالكاً له، لا يوجبُ تدارك ما ذهب من ملكه.

وعليه، فالأظهر هو فساد بيعه.

المسألة الرابعة: المشهور بين الأصحاب أنّه كما لا يجوز بيع غير المقدور منفرداً، كذلك لا يجوز بيعه منضمّاً بغيره. وعن ظاهر «الانتصار»(1)جوازه.

ويشهد للأوّل: أنّ بيع المجموع من مقدور التسليم وغيره فى صفقةٍ واحدة غَرري.

وما عن «الانتصار» من ارتفاع الغَرر بذلك، ضعيفٌ‌. وأضعفُ منه الاستدلال6.


1) الإنتصار: ص 435-436.

بالنص الوارد في بيع العبد الآبق(1)الدالّ على جوازه مع الضميمة، إذ المناط غير محرز، والتعدّي يحتاج إلى دليل.

***).


1) مثل صحيحة النخّاس الواردة في الكافي: ج 5/194 ح 9، و وسائل الشيعة: ج 17/353 أبواب عقد البيع وشروطه باب 11 ح 1 (22733)، وموثّقة سماعة الواردة في الكافي: ج 5/209 ح 3، و وسائل الشيعة: ج 17/353 أبواب عقد البيع وشروطه باب 11 ح 2 (22734).

وكلّ بيعٍ فاسدٍ فإنّه مضمونٌ على قابضه.

ضمان المقبوض بالعقد الفاسد

المقصد الخامس: في بيان حكم المقبوض بالعقد الفاسد.

أقول: (و) قد طفحت عبارات القوم(1)بأنّ (كلّ بيعٍ فاسدٍ) لو قبض المشتري به، (فإنّه) لم يُملك بلا خلافٍ‌، وعن غير واحدٍ(2)

(3و4) المبسوط: ج 2/204 و 150.

دعوى الإجماع عليه، والوجه فيه واضحٌ‌، لأنّ ذلك مقتضى فرض الفساد، وتترتّب عليه اُمورٌ، منها أنّه لا يجوزُ له التصرّف فيه، وأنّه (مضمونٌ على قابضه) كما هو المعروف، وعن شيخ الطائفة في باب الرهن(3) وفي موضع من البيع(4)، والحِلّي في موضعين من «السرائر»(3)، والمصنّف في «التذكرة»(4)و «المختلف»(5)، وغيرهم في غيرها(6)دعوى الإجماع عليه.

أقول: إنّ محلّ البحث فى المقام إنّما هو فى فرض التلف، وأمّا فى فرض الإتلاف فلا أظنّ توهم الخلاف في الضمان، من جهة قاعدة من أتلف.


1) كالحِلّي في السرائر: ج 2/488، والمحقّق في الشرائع: ج 2/13، والعلّامة في القواعد: ج 2/17، والتحرير: ج 2/142، والفاضل المقداد في التنقيح: ج 4/74، والسيّد الطباطبائي في الرياض: ج 14/43، وغيرهم.

2) منهم الشيخ في الخلاف: ج 3/158، والعلّامة في التذكرة (ط. ج): ج 10/290، وفي نهج الحقّ‌: ص 485، والكركي في جامع المقاصد: ج 4/61، وصاحب الجواهر في الجواهر: ج 22/256.

3) السرائر: ج 2/285، 326.

4) التذكرة: ج 2/381 (ط. ق) قوله: (عند علمائنا أجمع).

5) كما هو الظاهر من المختلف: ج 5/320.

6) كالشيخ كاشف الغطاء في شرحه على القواعد: ص 52.

وكيف كان، فالكلام في موردين:

1 - في الحكم التكليفي، وهو جواز التصرّف وعدمه.

2 - في الحكم الوضعي.

أمّا المورد الأوّل: المالك المسلِّط للمشتري على ماله:

1 - إذا كان راضياً بالفعل في التصرّف في ماله، حتّى مع فساد العقد - كما لو علم بالفساد وبرغم ذلك سلّطه عليه كذلك - فلا إشكال في جواز التصرّف.

2 - وإنْ لم يكن راضياً بالرضا الفعلي، ولكن كان راضياً بالرضا التقديري، بمعنى أنّه لو كان عالماً بالفساد وأنّ المال ماله، كان راضياً بالتصرّف فيه، جاز التصرّف، بناءً على كفاية الرضا التقديري في حليّة التصرّف.

وإلّا فلايجوز؛ لما دلَّ على أنّه: «لايحلّ مال امرىء مسلمٍ‌إلّا بطيبة نفسه»(1).

ودعوى: أنّ فساد المعاملة لا يوجبُ زوال الإذن والرضا بالتصرّف الذي كان في ضمن العقد؛ لأنّ الجنس لا يتقوّم بفصل خاص.

فاسدة: لأنّ الرّضا من قبيل ما يكون ما به اشتراكه عين ما به امتيازه، فإذا لم يترتّب على الرّضا الموجود في ضمن المعاملة أثرٌ - والمفروض أنّه ليس هناك رضا آخر - فلا مورد للقول بالجواز.

وأمّا المورد الثاني: فقد مرّ في التنبيه الثامن من تنبيهات المعاطاة(2)، ما عن بعضهم من حصول الملك بالقبض الواقع بعد المعاملة الفاسدة، وما يرد عليه،5.


1) عوالي اللآلي: ج 2/113 ح 309، الكافي: ج 7/273 ح 12، وسائل الشيعة: ج 5/120 أبواب مكان المصلّي ب 3 ح 1 (6089).

2) فقه الصادق: ج 22/405.

وإنّما الكلام فى المقام فى أنّه مع عدم حصول الملك هل يكون ضامناً لو تلف أم لا؟.

المشهور بين الأصحاب هو الأوّل، وعن غير واحدٍ(1)دعوى الإجماع عليه.

أقول: استدلّ له الشيخ رحمه الله في «المكاسب»(2)بوجهين:

الوجه الأوّل: النبويّ المشهور: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي»(3).

وهو وإنْكان ضعيف السند، إلّاأنّه لاعتمادالأصحاب عليه، واستدلالهم به، لامجال للمناقشة فى سنده، وإنّما المهم دفع ما أُورد على الاستدلال به، وهما إيرادان:

الإيراد الأوّل: إنّ كلمة (على‌) ظاهرة في الحكم التكليفي؛ من جهة أنّ ظاهر كلمة (على) هو الاستعلاء، والاستعلاء المعقول الحاصل في التكليف أقرب إلى المعنى الحقيقي ممّا يتصوّر بالنسبة إلى الوضع.

أقول: ويمكن الجواب عنه بوجوه:

منها: أنّ حمله على إرادة التكليف منه مستلزمٌ لجعل الظرف لغواً، ويقدّر (يجب) نحوه، بخلاف ما لو حُمل الحديث على الوضع، كما لا يخفى‌، وهو خلاف الظاهر.

ومنها: أنّه يستدعي تقدير فعلٍ من الأفعال من قبيل (رَدّه) أو (حفظه)، وهذا التقدير أيضاً خلاف الظاهر.

ومنها: أنّ تقدير الرّد - ليدلّ الحديث على وجوب رَدّ المال إلى صاحبه - لا8.


1) تقدّم نقل الإجماع عن الشيخ والحِلّي وكاشف الغطاء وغيرهم ومصادره آنفاً.

2) المكاسب: ج 4/181.

3) عوالي اللآلي: ج 1/244 ح 106، سنن بن ماجة: ج 2/802 ح 2400، والترمذي: ج 3/566 ح 1266، ورواه الشيخ عن سمرة عن النبيّ صلى الله عليه و آله في المبسوط: ج 3/59، والخلاف: ج 3/228.

يناسب الغاية؛ إذ يكون مفاده حينئذٍ أنّه يجبُ الرّد إلى أن يتحقّق الرّد، فتكون الغاية تحديداً للموضوع، وهو بعيدٌ في الغاية، ولا يناسب أيضاً إرادة دفع البدل، إذ مع إمكان الغاية لا يجبُ دفع البدل، ومع عدم إمكانها لا غاية كي يفي بها.

وعليه، فالمتعيّن حمل الحديث على الوضع.

أقول: ثمّ الوضع المراد من الحديث، هل هو بمعنى الضمان بالقوّة - وهو كون دركه عليه مع تلفه، كما هو صريح المتاجر المنسوب(1)إلى المشهور -؟

أم هو بمعنى دخول المأخوذ في العُهدة، وللعهدة آثار تكليفيّة ووضعيّة من حفظه وأدائه مع التمكّن، وأداء بدله لو تلف، كما اختاره بعض مشايخنا العظام(2)؟

وجهان أقواهما الثاني؛ لأنّ ما قبل الغاية - من جهة كونه مغيّى بالأداء - لابدَّ وأن يكون أمراً ثابتاً فعليّاً مستمرّاً إلى أن يتحقّق الأداء، وهذا ينطبق على الوجه الثاني، وأمّا على الوجه الأوّل فلا أمر مستمرٌّ إلى حال الأداء ما لم يتلف.

الإيراد الثاني: ما عن المحقّق النائيني رحمه الله(3)، من أنّ (الأخذ) هو الاستعلاء على الشيء بالقهر والغلبة، كما تشهد به موارد استعماله:

1 - قوله تعالى‌: (وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ اَلْقُرى‌) (4).

وقوله: (لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ اَلْوَتِينَ‌) (5).6.


1) نسبه إلى المشهور - بهذا المعنى - المحقّق الاصفهاني في حاشية المكاسب: ج 1/302.

2) المحقّق الاصفهاني في حاشية المكاسب: ج 1/302.

3) منية الطالب: ج 1/23 و 117.

4) سورة هود: الآية 102.

5) سورة الحاقة: الآية 45 و 46.

3 - وقوله تعالى‌: (فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) (1)وغير ذلك من موارد استعماله.

وعليه، فيختصّ الحديث بصورة الغصب، ولا يشمل غير ذلك المورد من موارد إذن المالك الحقيقي، وتسليط المالك ماله للمشتري.

وفيه: إنّ (الأخذ) بحسب اللّغة، معناه تناول الشيء، سواءٌ أكان ذلك عن قهرٍ وغلبةٍ أم لم يكن، واستعماله في غير موارد الأخذ بالغلبة والقهر كثير، لاحظ قوله تعالى‌: (خُذِ اَلْعَفْوَ) (2)، وقوله عزّ اسمه: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً‌) (3)، وقوله عليه السلام: «خُذها فإنّي إليك معتذرٌ»(4)، وغير ذلك من الموارد.

فتحصّل: أنّ الحديث يدلّ على الضمان في مطلق الموارد.

قال الشيخ رحمه الله: (ومن هنا كان المتّجه صحّة الاستدلال به على ضمان الصغير بل المجنون إذا لم تكن يدهما ضعيفة؛ لعدم التمييز والشعور)(5).

ويرد عليه: إنّه يتمّ على القول باستقلال الأحكام الوضعيّة في الجعل، وأمّا بناءً على مسلكه قدس سره من أنّها منتزعة من الأحكام التكليفيّة في مواردها فلا يتمّ‌، كما لا يخفى‌.

وما ذكره بعض مشايخنا العظام(6): بقوله (ويمكن دفعه بأنّ ذلك إنّما يتوجّه لو2.


1) سورة القمر: الآية 42.

2) سورة الأعراف: الآية 199.

3) سورة التوبة: الآية 103.

4) المناقب لابن شهرآشوب: ج 4/66، فصل في مكارم أخلاقه عليه السلام، المستدرك: ج 7/237 أبواب الصدقة ب 36 ح 2 (8127).

5) المكاسب: ج 3/181.

6) المحقّق الاصفهاني في حاشية المكاسب: ج 1/302.

اُريد من الجملة الإنشاء والجعل، وأمّا لو اُريد منه الإخبار بالتعهّد، وأنّ الآخذ متعهدٌ بما أخذه، وأنّه يثبت عليه ويتوجّه إليه تمام ما في المأخوذ من التكلّفات والخسارات المتوجّهة طبعاً إلى مالكه، فلا يلزم شيءٌ‌، ويكشف عن ثبوت منشأ انتزاع هذا الوضع من التكليف).

يرد عليه: - مضافاً إلى كونه خلاف الظاهر، إذ الظاهر من الجملة كونها في مقام الإنشاء لا الإخبار - أنّ الأمر الانتزاعي يتبع منشأ انتزاعه فعلاً وتقديراً، فإذا لم يكن بالنسبة إلى الصغير تكليف، لا يكون وضع على مسلكه.

أقول: أمّا ما أفاده رحمه الله في «رسالة الاستصحاب»(1)بما حاصله:

إنّ ضمان الصغير حكمٌ وضعي، ينتزع من الخطاب المتوجّه إليه بعد صيرورته بالغاً، بأنْ يغرم ما أتلفه في حال صغره.

فيرد عليه: أنّ فعليّة الأمر الانتزاعي مع كون منشأ انتزاعه أمراً استقباليّاً لا تعقل.

الوجه الثاني: الرواية الشريفة الواردة في الأمَة المُبتاعة إذا وُجدت مسروقة، بعد أن أولدها المشتري(2)، الدالّة على أنّه يأخذ الرجل ولده بالقيمة، بدعوى أنّها تدلّ على ضمان المنفعة التي لم يستوفها المشتري، فتدلّ بالأولويّة على ضمان العين في صورة التلف.

وجه الأولويّة: أنّ اليد على المنافع إنّما تكون بتبع اليد على الأعيان، فإذا كانت اليد التابعة موجبة للضمان، فالمتأصّلة أولى بذلك.).


1) فرائد الأُصول: ج 2/601، مؤسّسة النشر الإسلامي، قوله: (فإذا خاطب الشارع البالغ العاقل... الخ).

2) الكافي: ج 5/215 ح 10، وسائل الشيعة: ج 21/204 أبواب نكاح العبيد والإماء ب 88 ح 3 (26902).

وفيه: إنّه لو قيل بتكوّن الولد من نطفة المرأة، وكون اللّقاح من الرجل، أو قيل بأنّ الولد ينعقد رقّاً ويصبح حُرّاً بالولادة، يكون ذلك إتلافاً حقيقةً‌، وثبوت الضمان في صورة الإتلاف ممّا لا كلام فيه.

وأمّا لو قيل بتكوّنه من نطفة الرجل، وأنّه ينعقد رقّاً، فمن حيث أُخذ الولد منها حُرّاً، فإنّه وإنْ كان لا إتلاف ولا استيفاء للمنفعة، إلّاأنّه من حيث إشغال الرّحم بتربية ما وضعه فيها، يعدّ استيفاءً لمنفعة الرّحم، ولا أقلّ من كونه إتلافاً؛ لأنّها كانت مستعدّة لإنماء نطفة الرِّق، فسُلب منها ذلك بإشغالها بنطفته.

وعليه، فإذا كان مفاد الحديث ثبوت ضمان الولد بالقيمة، كان ذلك تعبّداً محضاً، وتمّ استدلال الشيخ رحمه الله به، وأمّا لو كان مفاده ثبوت ضمان قيمة ولدٍ مملوكٍ فلا يتمّ‌، ولا يبعد دعوى ظهوره في الثاني، ولا أقلّ من الإجمال.

فتحصّل: أنّه لا يصحّ الاستدلال به من جهتين.

ثمّ إنّه في مورد الخبر لابدّ من البناء على اشتغال ذمّة المشتري بالوطء أيضاً، لأنّه منفعة استوفاها عن ملك الغير.


قاعدة ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده

أقول: نسب العاملي في «مفتاح الكرامة»(1)إلى الأصحاب أنّهم استدلّوا له - مضافاً إلى ما تقدّم - بالقاعدة المشهورة، وهي: (كلّ عقدٍ يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده، وما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده).

وفي «الجواهر» - بالنسبة إلى الجملة الأُولى -: أنّه (يظهر من بعضهم الإجماع عليها)(2).

وفي «المكاسب»: (ثمّ إنّ هذه المسألة من جزئيّات القاعدة المعروفة (كلّ عقدٍ يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده، وما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده)، وهذه القاعدة - أصلاً وعكساً - وإنْ لم أجدها بهذه العبارة في كلام من تقدّم على العلّامة، إلّا أنّها تظهر من كلمات الشيخ رحمه الله في المبسوط)(3)، انتهى‌.

وكيف كان، فالمهمّ بيان معنى القاعدة أصلاً وعكساً، ثمّ بيان المدرك فيها، فلابدَّ من البحث في مقامين:

المقام الأوّل: في الأصل، والكلام فيه من جهات:

الجهة الاُولى‌: في معنى الضمان:

1 - فعن بعض الأساطين(4)تفسيره بكون تلفه عليه، وأنّه يتلف مملوكاً له.


1) مفتاح الكرامة (ط. ج): ج 12/541.

2) الجواهر: ج 22/258.

3) المكاسب: ج 3/182.

4) نسبه المامقاني إلى الشيخ علي في حواشي الروضه، أنظر غاية الآمال: ص 277.

وفيه: إنّه لا دليل ولا وجه لتقدير التالف مِلْكاً لمن تلف في يده، إلّابناءً على القول بكون أداء البدل من قبيل المعاوضة القهريّة الشرعيّة، وستعرف ما في المبنى، مع أنّ الإنسان لا يكون ضامناً لأمواله التالفة، ولا يكون ذلك خسارةً عليه وإنْ كان خسارةً منه.

2 - وفي «المكاسب»(1)تفسيره بكون المال متداركاً بالعوض، بمعنى كون خسارته ودَرَكه في ماله الأصلي، فإذا تلف وقع نقصانٌ فيه؛ لوجوب تداركه منه.

ويرد عليه أوّلاً: إنّ هذا لا يناسب معنى الضمان، الذي هو من مادّة (ضَمِن يضمن) بحسب اللّغة والمتفاهم العرفي.

وثانياً: إنّ لازم هذا المعنى عدم فعليّة الضمان قبل التلف في العقود الفاسدة.

وثالثاً: أنّ الثابت في العقود الصحيحة التمليك للمال بالعوض، لا التدارك بالعوض، فليس عنوان الدرك والتدارك في الصحيح.

ورابعاً: إنّ التلف لا دخل له في الضمان في الصحيح، وإنّما تمام الموضوع فيه هو العقد.

أقول: الحقّ في معنى الضمان أنْ يقال: إنّ المراد به في الجملتين هو المراد به من سائر موارد استعماله، بل سائر موارد استعمال مشتقّاته، وهو التعهّد المالي.

ففي العقود الصحيحة يكون هذا المعنى‌، أي تعهّد كلٍّ منهما مال صاحبه بتسبيبٍ من المتعاقدين، مع إمضاء الشارع. وفي العقود الفاسدة يكون ذلك بجعلٍ من الشارع، فالضمان في الجملتين اُريد به التعهّد المالي.3.


1) المكاسب: ج 3/183.

الجهة الثانية: في أنّ عموم العقود هل هو أنواعي، أو أصنافي، أم أفرادي‌؟.

أقول: ظاهر العموم وإنْ كان هو الأخير - كما هو الشأن في كلّ طبيعةٍ واقعة في متلوّ أداة العموم، كقوله عليه السلام: «كلّ شيءٍ نظيف»(1)، أو «كلّ مسكرٍ حرام»(2)، وما شابههما -، إلّاأنّ ظاهر قولنا: (يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده)، وجود الفردين في ما هو الموضوع لهذا الحكم، ولو حُمل العام على الإفرادي تعيّن حمل الصحيح على الفرض والتقدير، فيقال: إنّ هذا البيع الفاسد لو كان صحيحاً كان يُضمن به، فكذلك في هذا الفرض، وهو خلاف الظاهر، فما احتمله صاحب «الجواهر»(3)من كون العموم إفراديّاً ضعيفٌ‌.

وعليه، فيدور الأمر بين كونه أنواعيّاً أو أصنافيّاً، والأظهر هو الثاني؛ إذ لو كان أنواعيّاً - حيث إنّه قد يتّفق في نوعٍ واحدٍ ما يُضمن بصحيحه وما لا يُضمن به، كالعارية، فإنّ في عارية الذهب والفضّة ضمانٌ دون عارية غيرهما، وكالصلح فإنّه ربما يكون معاوضيّاً وربما لا يكون كذلك، فلا يفيد سوى الإبراء والتمليك المجّاني، فالجامع بين القسمين لا محالة لا يكون موجباً للضمان - فلابدَّ من البناء على‌عدم الضمان في الأفراد الفاسدة منه مطلقاً، وهو ممّا لا يمكن الالتزام به.

وإنْ شئتَ قلت: إنّه مع وجود القسمين في نوعٍ‌، فهل يتّبع الفاسد ما يُضمن بصحيحه، أو ما لا يضمن به‌؟.7.


1) التهذيب: ج 1/284 ح 119، وسائل الشيعة: ج 3/467 أبواب النجاسات ب 37 ح 4 (4195).

2) الكافي: ج 6/407 ح 1 وما بعده، وسائل الشيعة: ج 25/325 أبواب الأشربة المحرّمة ب 15 ح 1 (32025) وما بعده.

3) الجواهر: ج 22/247.

وبعبارة ثالثة: إنّ ظاهر الجملة اتّحاد القسمين في جميع ما يُعتبر في الضمان وعدمه، إلّافي الجهة الموجبة للفساد، فيتعيّن كون العموم أصنافيّاً.

قال الشيخ رحمه الله: (ثمّ المتبادر من اقتضاء الصحيح للضمان اقتضائه له بنفسه، فلو اقتضاه الشرط المتحقّق في ضمن العقد الصحيح، ففي الضمان بالفاسد من هذا الفرد المشروط فيه الضمان، تمسّكاً بهذه القاعدة إشكالٌ‌)(1)، انتهى‌.

وأورد عليه السيّد رحمه الله(2): بأنّ العقد مع الشرط ومجرّداً عنه صنفان متغايران، وبعد إرادة الصنف من مدخول (كلّ‌) لا يبقى إشكالٌ في أنّ المراد أعمٌّ من أن يكون اقتضاء الصحيح بنفسه أو بضميمة الشرط.

وفيه: إنّ الشرط على قسمين:

تارةً‌: يكون مؤثّراً فى اقتضاء العقد للضمان، وبعبارة أُخري يوجبُ ضمان متعلّق العقد، كما فى العارية المضمونة، حيث يوجب الشرط صيرورة يد المستعير يد ضمان.

وأُخرى‌: لا يكون كذلك، بل يوجبُ الضمان في غير متعلّق العقد، كما لو استأجر إجارة فاسدة، واشترط فيها ضمان العين، وقلنا بصحّة هذا الشرط، فإنّ متعلّق العقد هو المنفعة دون العين.

ففي الأوّل يتمّ ما ذكره المحشّي، ولا يتمّ في الثاني كما لا يخفى‌.

الجهة الثالثة: في بيان معنى حرف الباء في (بصحيحه) و (بفاسده).

أقول: محتملات الباء فى المقام ثلاثة، وهي: السببيّة التامّة، السببيّة الناقصة، الظرفيّة.

أمّا الأوّل: لا سبيل إلى الالتزام به، لأنّه ربما لايوجبُ العقد الصحيح الضمان4.


1) المكاسب: ج 3/185-186.

2) حاشية المكاسب: ج 1/94.

إلّا بعد القبض كما في باب الصَّرف والسَّلم، فيكون القبض جزء العلّة.

وأمّا الثاني: فالالتزام به في (بصحيحه) وإنْ كان لا بأس به، إلّاأنّه لا يتمّ في (بفاسده)، إذ الموجب للضمان في العقد الفاسد هو القبض دون العقد.

أقول: ذكر الشيخ رحمه الله(1)وجهين لسببيّة العقد الفاسد للضمان:

الوجه الأوّل: إنّ العقد منشأ وسببٌ للقبض على وجه الضمان الذي هو سببٌ للضمان، فهو سببٌ للسبب.

وفيه: إنّ سبب السبب وإنْ يعدّ سبباً، إلّاأنّ ذلك فيما إذا كانت السببيّة في الموردين من سنخٍ واحد تكوينيّة أو تشريعيّة، وأمّا إذا كانت في أحدهما تكوينيّة وفي الآخر تشريعيّة، فلا يصحّ هذا الإطلاق كما لا يخفى‌، والمقام كذلك، فإنّ سببيّة العقد الفاسد للقبض ليست تشريعيّة، بخلاف سببيّة القبض للضمان.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ الظاهر من هذه الجملة أنّ السببيّة المترقّبة من هذه القاعدة هي الشرعيّة لا الخارجيّة.

الوجه الثاني: إنّ العقد الفاسد سببٌ الحكم بالضمان بشرط القبض.

وفيه: إنّ الموجب للضمان هو القبض، والسببيّة المشار إليها من قبيل الوصف بحال المتعلّق، فعلى هذا بما أنّ الظاهر بقرينة وحدة السياق إرادة شيء واحد من كلمة الباء، فيتعيّن حملها على إرادة الظرفيّة، كما في قوله تعالى‌: (وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اَللّهُ بِبَدْرٍ) (2)، وقوله تعالى‌: (نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ) (3)وغير ذلك من الاستعمالات.4.


1) المكاسب: ج 3/187.

2) سورة آل عمران: الآية 123.

3) سورة القمر: الآية 34.

مدرك قاعدة ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده

الجهة الرابعة: في مدرك هذه القاعدة. وقد ذكر له وجوه:

الوجه الأوّل: الإجماع.

وفيه: إنّه حتّى ولو تمّ الإجماع، لكن حيث أنّه غير تعبّدي لمعلوميّة مدرك المُجمِعين، فلا يعتنى به.

الوجه الثاني: إقدام الآخذ على الضمان، وهو وإنْ دَخَل على أن يكون المال مضموناً عليه بالمسمّى‌، لكنّه إذا لم يُسلّم له المُسمّى‌، رجع إلى المثل أو القيمة.

أقول: أورد عليه الشيخ رحمه الله(1)بإيرادات:

منها: أنّه ربما يكون الإقدام موجوداً ولا ضمان، كما قبل القبض.

وفيه: إنّ الضمان في الصحيح ضمانٌ بالمسمّى‌، وهو متحقّقٌ قبل القبض، وإنّما يكون التلف من مال بائعه، لما دلَّ على ذلك من جهة انفساخ العقد بالتلف، أو من جهة الشرط الارتكازي الضمني، وهو ضمان البائع لو تلف المال قبل قبضه، وعلى أيّ تقديرٍ الضمان المقدّم عليه قبل القبض موجود.

ومنها: أنّه ربما لا يكون الإقدام في العقد الفاسد مع تحقّق الضمان، كما إذا قال:

(بعتُك بلا ثمن)، وكما إذا شَرط في عقد البيع ضمان المبيع على البائع إذا تلف في يد المشتري.

ولكن يرد على النقض الأوّل: أنّ المُنشئ لهذا البيع لا يتمكّن من قصد حقيقة


1) المكاسب: ج 3/188.

البيع، إلّابأن يقصد ذلك بقوله: (بعتك)، وقوله: (بلا ثمن) يعدّ إسقاطاً للعوض وإبراءاً لذّمة المشترى؛ لأنّ قوام البيع وحقيقته إنّما يكون بجعل المال بإزاء الثمن، فيكون هذا الكلام من الأغلاط وذكر المتناقضين، وإنْ قصد البيع بقوله: (بعتك) خاصّة، فقد أقدم على الضمان، وإنْ قصد به التمليك فهو هبة، إذ التمليك بلا عوض هو الهبة.

وعليه، فإنْ صَحّ إنشاء عقدٍ بالألفاظ الموضوعة لعقدٍ آخر، كانت هذه هبة صحيحة، وإلّا ففاسدة. فعلى جميع التقادير لا يصحّ هذا النقض.

ويرد على الثاني: أنّ الإقدام على الضمان المعاوضي موجود، وكذلك الضمان، غاية الأمر هناك شرطٌ لضمان البائع المبيع.

ومنها: أنّهما إنّما أقدما على ضمان خاص، لا الضمان أو القيمة، والمفروض عدم إمضاء الشارع لذلك الضمان الخاص، وبعد انتفاء الخصوصيّة لا يبقى مطلق الضمان حتّى يتقوّم بخصوصيّةٍ أُخرى‌.

وأورد عليه المحقّق الخراساني رحمه الله: - على ما نُسب إليه(1)- (بأنّهما إنّما أقدما على أصل الضمان في ضمن الإقدام على ضمان خاص، والشارع إنّما لم يمض الضمان الخاص، لا أصله)(2).

وفيه: إنّ‌الإقدام الموضوع للأثر، هو الإقدام القصدي لا القهري، ومعلوم أنّ ما تراضياعليه وقصداه هو الضمان بشيء خاص، وهذا لا ينحلّ إلى التراضي بمطلق1.


1) نسبه ونقله عنه المحقّق الاصفهاني في حاشية المكاسب: ج 1/312.

2) حاشية المكاسب: ص 31.

الضمان، وكونه بشيء خاص، فلا يكون الإقدام على الضمان بالمسمّى إقداماً على مطلق الضمان.

أقول: فالأولى أنْيورد على الشيخ رحمه الله بأنّ ما ذكره أخصّ من المدّعي؛ إذ ربما يكون المُسمّى مقداراً كليّاً منطبقاً على القيمة الواقعيّة، وربما يكون المسمّى هو القيمة الواقعيّة، وفي هذين الموردين يكون المُقْدِم عليه هو الذي يحكم بثبوته.

ومنها: أنّه لا دليل على سببيّة الإقدام للضمان، وهذا هو الحقّ في الجواب عن هذا الدليل.

الوجه الثالث: خبر «على اليد ما أخذت...» المتقدّم.

وقد تقدّم أنّ ضعف سنده منجبرٌ بالشهرة، ودلالته على الضمان ظاهرة.

وأُورد عليه: بأنّ مورده مختصٌّ بالأعيان، ولا يشمل المنافع والأعمال المضمونة في الإجارة الفاسدة.

أقول: وجه الاختصاص بها أمران:

أحدهما: ما أفاده الشيخ في الأمر الثالث(1)، وهو عدم صدق (الأخذ) بالإضافة إلى المنافع.

وفيه: إنّه ليس المراد ب‍ (الأخذ) بالجارحة الخاصّة، وإلّا لزم عدم شمول الخبر لجملةٍ من الأعيان كالدار والعقار، فلا محالة يكون (الأخذ) كناية عن الاستيلاء على الشيء، والتعبير عنه بالأخذ باليد من جهة كونه لازماً غالبيّاً له، والأخذ بهذا المعنى يصدق بالإضافة إلى المنافع؛ إذ الاستيلاء على المنفعة إنّما يتحقّق بالاستيلاءث.


1) المكاسب: ج 3/204، الأمر الثالث.

على العين، وإنْ لم يستوف المنفعة، ولم تكن العين مضمونة، فإنّ المنفعة هي قابليّة العين للركوب وللسكنى مثلاً، وهذه القابليّة من مراتب وجودالعين، والاستيلاء على العين استيلاءٌ عليها بجميع شؤونها ومراتب وجودها، ومنها القابليّة للانتفاع.

ثانيهما: ما أفاده المحقّق الاصفهاني رحمه الله(1)، من عدم صدق التأدية في المنافع، لأنّ ظاهر قوله عليه السلام: «حتّى تؤدّي» كون عهدة المأخوذ بأداء نفس المأخوذ، والمنافع لتدرّجها في الوجود لا أداءَ لها بعد أخذها في حَدّ ذاتها.

أقول: ولا يمكن دفعه بأنّ المنفعة وإنْ كانت تدريجيّة الوجود، إلّاأنّها واحدة وجوداً، فيصدق الأخذ بالاستيلاء على طرف هذا الواحد، والأداء بأداء طرفه الآخر؛ لأنّ المقصود إثبات ضمان المنافع، وهذا التقريب يوجبُ عدم الضمان بعد رَدّ العين، كما لا يخفى‌.

كما أنّه لا يفيد جعل الغاية محدّدة للموضوع، ليدلّ الخبر على ضمان المأخوذ غير المؤدّى‌؛ إذ الظاهر منه ما كان من شأنه أن يؤدّى بعد أخذه.

وفيه: إنّ الغاية في الخبر ليست أداء شخص ما أخذ، وإلّا بقي الضمان في صورة التلف وأداء العوض؛ لعدم تحقّق أداء الشخص، بل المراد منها أعمّ من أداء الشخص وأداء العوض، غاية الأمر يكون بنحو الطوليّة، فإذا كانت العين موجودة، لا يرتفع الضمان إلّابأداء شخصها، وفي صورة التلف يرتفع بأداء عوضها، والمنافع وإنْ لم يمكن رَدّها إلّاأنّه يمكن رَدّ عوضها.

هذا كلّه مضافاً إلى أنّه يمكن أنْيقال: إنّه وإنْ اختصّ مورد الخبر بالأعيان،7.


1) حاشية المكاسب: ج 1/317.

ولا يشمل المنافع، إلّاأنّ أخذ العين له أحكام منها ضمان منافعها.

فتحصّل: أنّ الأظهر دلالة الخبر على ضمان المنافع.

الوجه الرابع: قاعدة احترام مال المسلم، الثابتة بقوله عليه السلام: «لا يَحِلّ مال امريء مسلم إلّابطيبة نفسه»، وقوله صلى الله عليه و آله: «حرمة ماله كحرمة دمه»(1)، وقوله: «لا يصلح ذهاب حقّ أحدٍ»(2).

تقريب دلالة الحديث الأوّل: إنّ الحلال هو ما لا تبعة له، فإذا نُسب إلى الفعل كان معناه أنّه لا يعاقب عليه، فيستفاد منه الحليّة التكليفيّة، وإذا نُسب إلى المال - كما في المقام - كان معناه ما لا خسارة من قبله.

وعليه، فمعنى «لا يَحِلّ‌» في المقام، هو أنّه مع عدم رضا المالك، يكون المال ممّا له تبعة وخسارة وعوض.

وفيه أوّلاً: إنّ ظاهر هذا التركيب في نفسه إرادة الحليّة التكليفيّة، ويقدّر التصرّف كما في نظائر المقام، مثل قوله تعالى‌: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ‌) (3)، وكذلك قوله عزَّ وجلّ‌: (أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّباتُ‌) (4)، وغيرهما.

وثانياً: إنّ حمل الحليّة على الوضعيّة، لا يُلائم مع حرف المجاوزة في قوله «إلّا بطيبة نفسه»، فإنّ ظاهره صدور شيء عن الطيب، فيكون ظاهره حليّة التصرّف عن الرضا.5.


1) الكافي: ج 2/359-360 ح 2، وسائل الشيعة: ج 12/281-282 أبواب أحكام العشرة ب 152 ح 12 (16311).

2) الكافي: ج 7/4 ح 2، وسائل الشيعة: ج 19/310 أبواب الوصايا باب 20 ح 3 (24671)، وغيره في نفس الباب.

3) سورة النساء: الآية 23.

4) سورة المائدة: الآية 4، 5.

وثالثاً: إنّ الحديث لو دلَّ على الضمان، فإنّما هو بالنسبة إلى المنفعة التي استوفيت، ولا يدلّ على الضمان في المنافع غير المستوفاة، والعمل الصادر من الأجير بالإجارة الفاسدة من دون تسبيبٍ من المستأجر، فإنّها غير مربوطة بالمستأجر حتّى يشملها الحديث الشريف.

ورابعاً: إنّه لا يشمل عمل الحُرّ، بناءً على ما تقدّم منه في أوّل كتاب البيع(1)من التأمّل في صدق المال عليه.

تقريب دلالة الحديث الثاني: وهو قوله: «حرمة ماله كحرمة دمه»، أنّ الحرمة إنّما نُسبت إلى المال، وظاهر ذلك إرادة المال من حيث أنّه مال، واحترامه كذلك إنّما يكون بالمعاملة معه معاملة ماله، بتدارك ماليّته، فعدم تدارك ماليّته معناه أنّه يتعامل معه معاملة المهدور التالف، فرعاية ماليّته تتحقّق بردّه، أو برَدّ عوضه لو تلف.

وفيه أوّلاً: إنّ ظاهر الخبر - ولو بقرينة السياق - إرادة الحرمة التكليفيّة منه؛ لأنّ المقاطع السابقة عليه هو: «وسباب المؤمن فسوقٌ‌، وقتاله كفرٌ، وأكل لحمه من معصية اللّه»، فيكون المراد من حرمة ماله - بواسطة تنظيره بحرمة دمه - شدة العقوبة المعبّر عنها بالكفر.

وثانياً: إنّه أيضاً لا يشمل المنافع غير المستوفاة، والعمل الصادر من الأجير غير العائد نفعه إلى المستأجر.

وثالثاً: إنّ‌الظاهر منه - من جهة إضافة المال إلى المؤمن - إرادة رعاية مالكيّته،8.


1) المكاسب: ج 3/8.

وهي لا تقتضي أزيد من عدم التصرّف فيه بلا رضاه، لا تداركه لو تلف.

ورابعاً: انه لا يشمل عمل الحُرّ، بناءً على عدم كونه مالاً.

تقريب دلالة الحديث الثالث: وهو ما ورد من قوله عليه السلام: «لا يصلح ذهاب حقّ أحدٍ» فهو لا يدلّ على الضمان؛ لأنّ الكلام إنّما هو في ثبوت الحقّ في المقام، والحكم لا يصلح لإثبات موضوعه.

الوجه الخامس: الاستدلال بحديث نفي الضرر، بدعوى أنّ حكم الشارع بعدم ضمان من تَلِف المال تحت يده ضرريٌ على المالك، فينتفي لحديث نفي الضرر(1)، فيُحكم بالضمان.

أقول: ولكن بعد تسليم المبنيّين اللّذين بنى عليهما الشيخ رحمه الله في محلّه، وعليهما يبتني الاستدلال في المقام، هما:

الأوّل: إنّ المنفيّ بحديث «لا ضرر» ليس خصوص الأحكام الوجوديّة المجعولة، بل كلّ ما هو صادرٌ من شرع الإسلام، وجوديّاً كان أو عدميّاً.

الثاني: إنّ مدلول حديث «لا ضرر» نفي الحكم الناشئ من قبله الضرر، سواءٌ أكان الضرر ناشئاً من متعلّقه، أم كان ناشئاً من نفسه، كلزوم البيع الغبني، ولا يدلّ على تدارك الضرر المتحقّق من غير جهة الحكم الشرعي، فلو تضرّر أحدٌ في تجارته مثلاً، لا يجب على المسلمين تدارك ضرره، وهذا من الوضوح بمكان.

وفي المقام إذا حكم الشارع بالضمان، فهو إنّما يكون من جهة لزوم تدارك الضرر المفروض وجوده بالتلف، لا من جهة نفي الضرر، فالحديث لا يُثبت ذلك، مع أنّ الحديث لو كان مثبتاً للزوم التدارك، لما كان وجهٌ للالتزام بلزوم التدارك).


1) الكافي: ج 5/292 باب الضرار، وسائل الشيعة: ج 25/428 أبواب إحياء الموات باب 12 (عدم جوازالإضرار بالمسلم).

على من هو طرف العقد مع عدم انتفاعه به ولا إتلافه، فليكن سَدّ ضرره من بيت مال المسلمين.

وعليه، فالأظهر أنّ قاعدة نفي الضرر أيضاً لا تفي بإثبات المطلب.

أقول: العمدة حديث اليد، وهو إنّما يختصّ بالأعيان والمنافع، ولا يشمل مثل عمل الحُرّ كما لا يخفى‌.

وهل هناك فرقٌ بين العلم بالفساد والجهل به أم لا؟

أقول: الصور المتصوّرة أربعة، وهي:

علمهما بالفساد، وجهلهما به، وعلم الدافع مع جهل القابض، والعكس.

والإشكال إنّما هو في صورتين منها، وهما علم الدافع وجهل القابض، وعلمهما به، وفي الصورة الأُولى منهما إشكالٌ آخر مختصٌّ بها.

أمّا الإشكال المشترك: فهو أنّ الدافع ماله العالم بفساد العقد، لا محالة دفعه يعدّ تسليطاً مجّانيّاً وأمانة مالكيّة.

وفيه: إنّه يمكن أن يكون الدفع بعنوان استحقاقه الذي بنى عليه تشريعاً.

وبعبارة أُخرى‌: بعد تصوير ذلك، يكون هذا هو محلّ البحث في المقام، وأمّا إذا سلطه مجّاناً، فلا كلام في عدم الضمان.

وأمّا الإشكال المختصّ‌: فهو أنّ الدافع إذا كان عالماً بالفساد والقابض جاهلاً به، لا محالة يكون الدافع غاراً والقابض مغروراً، فلا يكون ضامناً لقاعدة الغرور.

وفيه: أنّ القابض إنّما قبضه لا مجّاناً، بل مع العوض، وأقدم على ذلك، فلا يكون مغروراً.


قاعدة ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده

المقام الثاني: في عكس القاعدة، وهو أنّما لايُضمن بصحيحه لايُضمن بفاسده.

أقول: والكلام فيه يقع في مواضع:

الموضع الأوّل: أنّ الكلام في مواد القضيّة، هو ما تقدّم في أصل القضيّة، إلّاأنّه يشهد لعدم إرادة السببيّة من لفظة (الباء) في هذه القاعدة، أنّها لو كانت للسببيّة لم تجد هذه القضيّة للحكم بعدم الضمان في شيء من الموارد سبيلاً، إذ هي إنّما تدلّ على عدم اقتضاء الفاسد من العقود للضمان، ولا ينافي ذلك اقتضاء اليد أو غيرها للضمان، فالمتعيّن حملها على إرادة الظرفيّة.

الموضع الثاني: في مدرك هذه القاعدة:

1 - استدلال الشيخ رحمه الله في «المبسوط»(1)لها بأنّ الضمان لابدّ وأن يكون لإقدام الآخذ، أو لحكم الشارع به، والعقد الصحيح الذي ليس فيه إقدامٌ على الضمان، ولا حكم الشارع به فيه، فالفاسد منه أيضاً كذلك، لأنّه ليس فيه إقدامٌ‌، ولا حكم للشارع فيه:

أمّا الأوّل: فواضحٌ‌.

وأمّا الثاني: فلأنّ حكمه به مع عدم التعبّد الشرعي الخاص به، لابدّ وأن يكون من جهة إمضاء ما يقتضى الضمان المفقود فى المقام، بنحو السالبة بانتفاء الموضوع.

أقول: ولكن هذا الاستدلال مبنيٌّ على مسلكه فى الضمان فى فاسد العقود التي


1) المبسوط: ج 2/204.

يُضمن بصحيحها، من التمسّك بقاعدة الإقدام، وأمّا بناءً على كون المدرك حديث «على اليد» يصبح الاستدلال أجنبيّاً عن المقام.

وظاهر كلام شيخ الطائفة هو الاستدلال باشتراك العلّة الموجبة لعدم الضمان بين الصحيح والفاسد - وقوله: (فكيف بفاسده) أُريد به التعجّب، إذ مع وحدة العلّة، كيف يختلف المعلول - لا بالأولويّة كما فهمه الشيخ الأعظم رحمه الله(1).

ثمّ إنّه على فرض إرادته الأولويّة، فإنّ مراده أولويّة الفاسد بعدم الضمان من صحيحه، لا أولويّة فاسد ما لا يُضمن بصحيحه من فاسد ما يُضمن بصحيحه، كما هو ظاهر توجيه الشيخ رحمه الله(2)

(3و5) المكاسب: ج 3/198.

.

2 - استدلّ الشيخ الأعظم رحمه الله(3) على عدم الضمان في غير التمليك بلا عوض - أعني الهبة - في مقابل اليد المقتضية له، بعموم ما دلَّ على أنّ من استأمنه المالك على ماله غير ضامن، بل ليس له أن يتّهمه(3).

وحاصله: إنّ حقيقة الاستئمان المالكي، هي التسليط عن الرضا مجّاناً، الموجود في فاسد العقود التي لا يضمن بصحيحها.

واستدلّ له في الهبة(5) بفحوى ما دلّ على خروج صورة الاستئمان(4)فإنّ استئمان المالك لغيره عليمِلْكه إذااقتضى عدم ضمانه له، اقتضى التسليط المطلق).


1) المكاسب: ج 3/196.

2) المكاسب: ج 3/196-197.

3) كرواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه عليه السلام، الكافي: ج 5/298 ح 1، وسائل الشيعة: ج 19/87 أبواب أحكام الوديعة ب 9 ح 1 (24215)، ومثله أيضاً في وسائل الشيعة: ج 19/81 أبواب أحكام الوديعة ب 4 ح 10 (24205)، وغيره.

4) أنظر وسائل الشيعة: ج 19/79 أبواب أحكام الوديعة ب 4، وج 19/139-140 أبواب أحكام الإجارة ب 28 ح 1 (24314).

عليه مجّاناً عدم ضمانه بطريق أولى‌.

أقول: ولمن تأخّر عنه في كلٍّ من الموردين كلامٌ‌:

أمّا المورد الأوّل: فأورد عليه المحقّق الايرواني بأنّ (تسليط المالك إنْ وقع بزعم صحّة المعاملة ومقيّداً بها، ثمّ ظهر عدم الصحّة، لم يكن هناك واقعاً تسليطٌ منه، فكانت اليد باقية تحت عموم «على اليد» القاضية بالضمان)(1).

وفيه: إنّ حقيقة الاستئمان - كما عرفت(2)- هي التسليط عن الرضا، وحيث أنّ دفع ما وقع عليه العقد في هذه الموارد، ليس عن اللّابدية، فلا محالة يكون دفعه المال تسليطاً عن الرضا، وإنْ وقع باعتقاد صحّة المعاملة.

وأمّا المورد الثاني: فقد أورد عليه المحقّق الخراساني(3)بأنّ الأولويّة إنّما تكون فيما إذا لم يكن هناك إتلافٌ‌، وإلّا فالضمان ثابت في الأصل، مع أنّه في المقبوض بالهبة الفاسدة لا ضمان مطلقاً.

أقول: الظاهر أنّ مراد الشيخ رحمه الله أنّه فى الأصل إنّما يُحكم بعدم الضمان؛ من جهة أنّ اليد ماذونة والمالك سلّطها عن الرضا، غاية الأمر بما أنّه في تلك الموارد لا إذن ولا رضا في التصرّف المتلف، فيلحق ذلك التصرّف حكمه، وهذا بخلاف الهبة، فإنّه في ذلك المورد يكون المأذون فيه مطلق التصرّف حتّى المتلف منه.

ووجه الأولويّة: أنّه في تلك الموارد إنّما يكون هو التسليط عن الرضا، وفي الهبة يكون ذلك بزيادة قطع إضافة الملكيّة عن نفسه ووصلها بالموهوب له.3.


1) حاشية المكاسب: ج 1/95.

2) في الصفحة السابقة.

3) حاشية المكاسب: ص 33.

فتحصّل: أنّ ما أفاده الشيخ رحمه الله حقٌّ لا ريب فيه.

أقول: ويمكن أنْ يُستدلّ على عدم الضمان في العقد الفاسد الذي لا يُضمن بصحيحه، بوجهين آخرين:

أحدهما: السيرة العقلائيّة القائمة على عدم الضمان في العقود المتضمّنة للتسليط المجّاني، وهي تُخصّص قاعدة اليد، ولا تصلح هي أنْ تكون رادعة عنها بعمومها، كما حُقّق في الأُصول(1).

الثاني: انصراف الحديث عن اليد المستندة إلى التسليط المجّاني.

ولعلّ وجهه أنّ قاعدة اليد إنّما تكون عقلائيّة ممضاة شرعاً لا تعبّديّة صرفة، وهي إنّما تكون لأجل احترام المال، ولا ريب في سقوط احترام المال بتسليط المالك غيره عليه مجّاناً. فإذاً لا ينبغي التوقّف في عموم هذه القاعدة.

نعم، يختصّ ذلك بما إذا كان التسليط المشار إليه باقياً إلى حين التلف أو الإتلاف، فلو وهب ماله لذي رحمه بهبةٍ فاسدة، واعتقد صحّتها، ولم يكن راضياً ببقاء الموهوب تحت يده، لكنّه لا يستردّه لاعتقاد لزومها، فإنّه لا إشكال في الضمان فى صورة التلف والإتلاف؛ لعموم قاعدتى اليد والإتلاف، وعدم المخصّص.

الموارد التي تُوهم عدم اطّراد القاعدة فيها

الموضع الثالث: في الموارد التي توهم عدم اطراد القاعدة أصلاً وعكساً فيها.

منها: ضمان العين المستأجرة؛ فإنّ الإجارة الصحيحة لا توجب ضمانها، مع أنّ‌


1) راجع: زبدة الأُصول: ج 6/198، المباحث المتعلّقة ب‍ (قاعدة اليد)، حيث يظهر لك موارد تقديم السيرة على القاعدة.

فاسدها يوجب الضمان.

أقول: الكلام فيه يقع في موردين:

الأوّل: في أنّه على فرض ثبوت الضمان، هل يكون ذلك نقضاً لعكس القاعدة أم لا؟.

الثاني: في أنّه هل الضمان ثابتٌ أم لا؟.

أمّا المورد الأوّل: فقد أفاد الشيخ رحمه الله في وجه عدم كونه نقضاً بأنّ (المراد بالمضمون مورد العقد، ومورده في الإجارة المنفعة، والعين في حكمها يرجع إلى القواعد)(1)، فإذا اقتضت ضمانها لا يكون ذلك نقضاً لها.

وأورد عليه المحقّق الخراساني رحمه الله(2): بأنّ حقيقة الإجارة جعل العين في الكراء، ومِلْك المنفعة لازمها الغالبي، وإلّا فربما تقتضي ملك العين، كاجارة الشاة، فإنّها تقتضي مِلْك لبنها، فمورد عقد الإجارة هو العين لا المنفعة.

ولكن يمكن دفعه: بأنّ كون مورد العقد هو العين أو المنفعة أجنبيٌ عمّا هو الميزان والملاك للقاعدة؛ لأنّ الضابط هو أنّ العقد الصحيح إذا أوجب الضمان المعاوضي، ففي الفاسد منه ضمان الغرامة، وإذا لم يكن في صحيحه الضمان من ناحية العقد، ففي فاسده أيضاً لا ضمان، والإجارة إنّما توجبُ الضمان بالإضافة إلى المنفعة، وإنْ كان مورد العقد العين، ولا نظر لها إلى العين، ولا تكون مقتضية بالقياس إليها إثباتاً ونفياً. وعليه فما أفاده الشيخ رحمه الله متينٌ‌.

وأمّا المورد الثاني: وهو البحث عن ثبوت الضمان وعدمه، حيث اختلفت2.


1) المكاسب: ج 3/194.

2) حاشية المكاسب: ص 32.

كلماتهم فيه.

وملخّص القول فيه: إنّه في الموارد التي لا يتوقّف استيفاء المنفعة على تسليط المستأجر على العين، كالدابّة حيث إنّه لا يتوقّف استيفاء المنفعة منها - وهي الركوب - على استيلائه، لإمكان كون المالك هو السائق، لا يكون ضمانٌ‌؛ إذ بعدما لا ملزم بالتسليط، يكون التسليط عن الرضا، فتكون العين أمانة مالكيّة، لماتقدّم(1)من أنّ حقيقة الاستئمان المالكي التسليط عن الرضا.

وأمّا في الموارد التي يكون استيفاء المنفعة متوقّفاً على التسليط:

فإنْ كان رضا المالك بذلك الحادث قبل العقد باقياً إلى حين التسليم، كما هو الغالب، فلا إشكال في عدم الضمان أيضاً من جهة الأمانة المالكيّة.

وإنْ لم يكن باقياً، فيمكن أن يوجّه عدم الضمان بأنّ المتعاملين حين العقد متبانيان على عدم ضمان العين، لكون الإجارة مبنيّة على عدم الضمان، ومع هذا التباني وإسقاط المالك احترام ماله، لا تكون العين مشمولة لحديث اليد، لما عرفت من انصرافه عن هذه الموارد.

وبالجملة: فلا دليل على الضمان، والأصل عدمه، بل يمكن الاستدلال عليه ببناء العقلاء على ذلك. وعليه فالأظهر عدم الضمان على جميع التقادير.

أقول: وقد استدلّ للضمان بوجهين، ذكرهما الشيخ رحمه الله في «المكاسب»(2):

الوجه الأوّل: إنّ دفع المؤجر للعين إنّما هو للبناء على استحقاق المستأجر لها لحقّ الانتفاع منه، والمفروض عدم الاستحقاق، فيده عدوانٌ موجبة للضمان.4.


1) تقدّم قبل عدّة صفحات في مبحث (قاعدة ما لا يضمن بصحيحه..).

2) المكاسب: ج 3/194.

وفيه: ما عرفت من أنّه في بعض الموارد تكون يده يد أمانيّة لا عدوانيّة، وفي بعضها الآخر لا تقتضي الضمان؛ لانصراف حديث اليد وبناء العقلاء.

وبذلك كلّه يظهر الجواب عن الوجه الثاني، وهو معارضة القاعدة هنا بقاعدة اليد.

ومنها: الصيد الذي استعاره المُحْرِم من المُحِلّ‌، بناءً على فساد العارية، فإنّ المنسوب إليهم(1)ضمان المُحْرِم بالقيمة، مع أنّ صحيح العارية لا يُضمن به.

أقول: لابدَّ أوّلاً من الإشارة الإجماليّة إلى حكم المسألة، ثمّ ملاحظة أنّه هل يكون نقضاً على القاعدة أم لا، فنقول:

أمّا الجهة الأُولى: فمجمل القول فيها هو أنّه:

1 - إنْ قلنا بعدم حرمة إمساك الصيد للمُحْرّم، وأنّ المُحرّم هو حدوث ذلك لا إبقائه، فلا إشكال فى صحّة العارية، وعدم الضمان إلّا مع الإتلاف، وإلّا فبناءً علي وجوب رَدّه إلي مالكه، تقديماً لحقّ المخلوق علي حقّ الخالق، أو مع الفداء جمعاً بين الحقّين، فلاوجه للضمان؛ لأنّ العارية بنفسها لاتقتضيه، من جهة الاستئمان المالكي، والمفروض عدم وجوب الإرسال، فلا يتوهّم الضمان من ناحيته.

2 - وأمّا إنْ قلنا بوجوب الإرسال، فلا كلام في الضمان، وكذا بعد الإرسال إذا عُدّ تلفاً عرفاً.

وأمّا قبله، فقد نُسب إلى المشهور(2)الضمان من حين وجوب الإرسال، واستدلّ له بوجهين:4.


1) كما عن المحقّق الكركي في جامع المقاصد: ج 6/60.

2) نسبه إلى المشهور المحقّق النائيني في منية الطالب: ج 1/124.

الوجه الأوّل: إنّ وجوب إرسال الصيد كاشفٌ عن خروجه عن ملك مالكه بالعارية، وإلّا لزم التصرّف في مال الغير من غير إذنه، فيشمله ما دلَّ على أنّ (من أتلف مال الغير فهو له ضامن)(1)، إذ لا فرق في هذه الكبرى الكليّة بين إتلاف العين، وإتلاف ملكيّتها مع بقائها، فتكون القيمة ثابتة من حين العارية.

ولعلّه إلى هذا نظر الشيخ رحمه الله حيث قال: (إنّ المستقرّ عليه قهراً بعد العارية، هي القيمة لا العين، فوجوب دفع القيمة ثابتٌ قبل التلف بسبب وجوب الإتلاف الذي هو سببٌ لضمان ملك الغير في كلّ عقدٍ لا بسبب التلف)(2).

أقول: وفي كلٍّ من الصغرى والكبرى نظرٌ:

أمّا بطلان الصغرى‌: فلأنّ التمسّك بأصالة العموم إنّما هو فيما إذا أُحرز الفرديّة للعام، وشكّ في شمول حكمه له، كما لو علم عالميّة زيد وشكّ في وجوب إكرامه، فيتمسك بعموم (أكرم العلماء) لوجوبه.

وأمّا لو أُحرز الحكم، وشكّ في فرديّته للعام، كما لو عُلم عدم وجوب إكرام زيدٍ، وشُكّفي أنّه عالم، فيكون عموم (أكرم العلماء) مخصّصاً، أو غير عالمٍ‌، فليس هناك تخصيصٌ‌، فلامجال للتمسّك بأصالة العموم، والحكم بعدم الفرديّة كما حُقّق في محلّه، والتمسّك بعموم ما دلَّ عليحرمة التصرّف في مال الغير من دون رضاه(3)في المقام، إنّما يكون من قبيل الثاني كما لا يخفى‌، فلا مورد للتمسّك به.ا.


1) أنظر وسائل الشيعة: ج 18/390 أبواب الرهن ب 7، و ج 19/15 أبواب المضاربة ب 1.

2) المكاسب: ج 3/195.

3) مثل ما دلَّ على حرمة أكل المال (إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ‌)، وعموم «لا يحلّ مال إمرءٍ مسلم إلّاعن طيب نفسه»، وتقدّم تخريجها.

مع أنّه لو صَحّ التمسّك به لعارضه عمومٌ آخر، وهو ما دلَّ على أنّ اختيار المال بيد مالكه، وأنّه مسلّط عليه(1)، وهذا ينافي مع خروجه عن ملكه قهراً، مضافاً إلى أنّ لازم هذا أنّه لو عصى ورَدّه المُحرِم إلى مالكه يكون الضمان باقياً، مع أنّ الأصحاب أفتوا ببراءة ذمّته في هذا الفرض.

أضف إلى ذلك كلّه أنّ المعير في صورة العلم دخيلٌ في التلف، لأنّ التلف بهذا المعنى أثرٌ فعلهما معاً، ومعه لا وجه للحكم بضمان المستعير كما هو واضح.

وأمّا بطلان الكبرى‌: فلأنّ الدليل إنّما دلَّ على أنّ إتلاف مال الغير موجبٌ للضمان، وأمّاإتلاف الملكيّة وإزالة العلقة، فلم يدلّ دليلٌ‌على أنّه موجب للضمان.

الوجه الثاني: أنّ من أسباب الضمان الحيلولة بين المال ومالكه، وهي كما تتحقّق بعدم تمكّنه عقلاً من التصرّف فيه، كذلك تتحقّق بعدم تمكّنه شرعاً.

وفي المقام - على تقدير وجوب الإرسال - لا يتمكّن المستعير من رَدّه إليه شرعاً، ومعه يكون مقتضى قاعدة الحيلولة الضمان.

وفيه: إنّ المالك متمكّنٌ عقلاً وشرعاً من الاسترداد، وإنّما لا يتمكّن المستعير من الرّد، وهذا ليس مورداً للقاعدة.

مع أنّ دفع بدل الحيلولة إنّما هو من أحكام العين المضمونة، ولا يكون عدم التمكّن من الأداء بنفسه من المضمّنات، ومعلوم أنّ يد المستعير يدٌ مأذونة غير موجبة للضمان، مضافاً إلى أنّ المالك مع علمه بنفسه دخيلٌ فى ذلك، فلا وجه لضمان المستعير.

أقول: وهناك وجوهٌ أُخر بيّنة الفساد، فالأظهر عدم الضمان قبل الإرسال كما7.


1) كحديث السلطنة، عوالي اللآلي: ج 1/222 ح 99، بحار الأنوار: ج 2/272 ح 7.

عن المصنّف رحمه الله وغيره.

وأمّا الجهة الثانية: فإنْ بنينا على عدم الضمان فلا كلام، وإنْ بنينا على الضمان، فحيث أنّ مدركه صدق الإتلاف، فعدم ورود النقض واضحٌ‌؛ فإنّه إنّما يصحّ النقض إذا حكم به مع صدق التلف دون الإتلاف، إذ في صورة الإتلاف في صحيح العارية أيضاً يكون الضمان ثابتاً.

ومنها: ضمان المنافع غير المستوفاة في البيع الفاسد، مع أنّها غير مضمونة في البيع الصحيح. هكذا ذكر الشيخ رحمه الله(1) هذا النقض.

ولكن يرد عليه أوّلاً: ما سيأتي من الشيخ رحمه الله من نقل الأقوال الخمسة في ضمان المنافع التي لم يستوفها المشتري في الأمر الثالث(2)، وعليه فليس الحكم بالضمان مسلّماً.

وثانياً: إنّ التخصيص بغير المستوفاة لا وجه له، لأنّ المستوفاة أيضاً مضمونٌ بها في الفاسد دون الصحيح.

لا يقال: إنّ وجه الضمان فيها إنّما هو الإتلاف، ومورد القاعدة هو التلف.

فإنّه يقال: إنّه لا فرق بينهما، لأنّ الإتلاف يصدق بالنسبة إلى غير المستوفاة أيضاً بإمساك العين.

وكيف كان، فالكلام في المقام إنّما هو في أنّه على فرض الحكم بالضمان، هل يكون ذلك نقضاً على عكس القاعدة أم لا؟.

أمّا الشيخ رحمه الله(1)فقد سلّم ورود النقض؛ باعتبار أنّ المنفعة غير مضمونة في العقد الصحيح، لأنّ الثمن إنّما هو بإزاء العين دون المنفعة.5.


1) المكاسب: ج 3/195.

وأورد عليه السيّد قدس سره: بأنّ (المنافع وإنْ لم تكن مقابَلة بالمال، إلّاأنّها ملحوظة في القيمة وزيادة الثمن، وهذا المقدار يكفي في صدق كونها مضمونة)(1).

وفيه: إنّ الميزان إنْ كان على عالم اللُّب، لزم عدم ضمان العين، وإنْ كان على عالم الصورة لم يندفع الإشكال بذلك.

وإنْ شئتَ قلت: إنّه لا ريب في أنّ المال في البيع ليس بإزاء المنفعة، وإنْ كانت هي الداعية لجعل المال في مقابل العين، ولذا لو فسخ البيع، وكان المشتري مستوفياً لمقدارٍ من المنفعة مع بقاء العين بحالها، وجب رَدّ جميع الثمن، ولا يلاحظ شيءٌ منه في قبال المنفعة، وعليه فلا يتمّ هذا الجواب.

أقول: والصحيح في وجه عدم ورود النقض، هو أنْ يقال:

إنّ حكم المنفعة في البيع حكم العين في الإجارة، وهي لكونها خارجة عن مورد العقد لو حكم فيها بالضمان للقواعد، لا تكون نقضاً على القاعدة، مع أنّه ستعرف أنّه يمكن أنْ يقال إنّ القاعدة إنّما هي في مورد التلف، والمنافع التي يحكم بضمانها إنّما هي في صورة الإتلاف من جهة إمساك العين.

ومنها: حمل المبيع فاسداً، فإنّه غير مضمونٍ في الصحيح، مع أنّه مضمونٌ في البيع الفاسد.

أجاب الشيخ رحمه الله(2)عنه: بأنّه يمكن أن يكون القول بالضمان في صورة الاشتراط - أي جعل الحمل جزءً من المبيع - وحينئذٍ لا نقض على القاعدة، لأنّ في صحيحه أيضاً الضمان(3).8.


1) حاشية المكاسب (ط. ق): ج 1/95.

2) المكاسب: ج 3/196.

3) هذا الجواب هو للشهيد في توجيه كلام العلّامة، أنظر الدروس: ج 3/108.

وفيه: إنّه لا نقض على القاعدة، وإنْ قيل بالضمان في صورة عدم الاشتراط؛ من جهة خروج الحمل عن مورد القاعدة، ممّا يوجب أن يصبح العقد بالنسبة إليه لا اقتضاء.

أقول: الأظهر هو عدم الضمان؛ من جهة أنّ إقدامه على البيع الملازم للتسليط على الحمل، بناءٌ من المتعاقدين على عدم الضمان بالقياس إلى الحمل، وكونه أمانة مالكيّة، وعليه فلا يشمله حديث «على اليد» كما تقدّم. وتمام الكلام في محلّه.

ومنها: الشركة الفاسدة، بناءً على أنّه لا يجوز التصرّف بها، فإنّهم حكموا بضمان ما أخذه أحد الشريكين عدواناً.

وفيه: إنّ عقد الشركة بنفسه لا يوجبُ جواز التصرّف كي يقال إنّه في صورة الفساد لا يجوز، فيكون المتصرّف ضامناً، بل هو إنّما يكون في صورة الإذن في التصرّف، وعليه فلا فرق بين الصحيح والفاسد في عدم الضمان، إذ لو اقتضى الإذن عدم الضمان في الصحيح، اقتضاه في الفاسد أيضاً.


وجوب رَدّ المقبوض بالعقد الفاسد إلى مالكه فوراً

الأمر الثاني: من الأُمور المتفرعة على عدم تملّك المقبوض بالبيع الفاسد، هو وجوب رَدّه فوراً، والكلام في هذا الأمر يقع في جهات:

الجهة الأُولى: في مدرك وجوب الرّد، وقد استدلّ له بوجوه:

الوجه الأوّل: الإجماع.

وفيه: إنّه لمعلوميّة مدرك المُجمِعين لا يُعتمد عليه.

الوجه الثاني: التوقيع المرويّ عن «الاحتجاج»: «لا يجوزُ لأحدٍ أن يتصرّف في مال غيره إلّابإذنه»(1).

بتقريب: أنّ الإمساك ولو آناً مّا تصرّفٌ في مال الغير بلا رضاً منه، فلا يجوز، فيجبُ الرّد.

وأُورد عليه: بأنّ التصرّف من مادّة الصرف، والمراد به التقليب والتقلّب، ولا يصدق ذلك على مجرّد الإمساك، والظاهر من «المكاسب»(2)تردّد الشيخ رحمه الله في تماميّة هذا الإيراد.

ولكن عدم تماميّة الاستدلال به واضحٌ‌؛ إذ لو كان الإمساك تصرّفاً لما دلَّ هذا التوقيع الشريف على وجوب الرّد، إلّابناءً على مقدّميّة ترك الضدّ لوجود ضده، والمراد بالضدّين في المقام ما يعمّ المتماثلين، أي ما لا يجتمعان، ووجوب نقيض الحرام، فإنّه حينئذٍ يكون الرّد ضدّاً للإمساك، فإذا حَرُم الإمساك حرم ترك الرّد،


1) الاحتجاج: ج 2/480، وسائل الشيعة: ج 25/386 أبواب الغصب ب 1 ح 4 (32190).

2) المكاسب: ج 3/200.

لحرمة ذي المقدّمة وهو الإمساك، وإذا حَرُم الترك وجب الفعل، وفي كلتا المقدّمتين نظر بل منع، وعليه فلا يدلّ هذا الخبر على وجوب الرّد.

الوجه الثالث: موثّق سماعة، عن مولاناالصادق عليه السلام في حديثٍ عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله:

«من كانت عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يَحلّ دم امريء مسلم ولا ماله إلّابطيبة نفسٍ منه»(1).

أقول: لا يرد على هذا الحديث الإيراد الأوّل على الخبر المتقدّم؛ حيث أنّ حذف المتعلّق يفيدُ العموم، فيدلّ على حرمة كلّ فعلٍ له مساسٌ بمال الغير بلا إذنه، إلّا أنّ الإشكال الثاني يرد عليه.

لا يقال: إنّ ذلك لا يُلائم مع صدر الحديث الظاهر في وجوب الرّد.

فإنّه يقال: إنّ ظهور التعليل مقدّمٌ على ظهور المعلّل.

فالحقّ أن يستدلّ له: بأنّه المستفاد من النصوص المتفرّقة، ففي صحيح البزنطي الوارد في اللُّقطة: «وإنْ جاءك طالبٌ لا تتّهمه رَدّه عليه»(2).

وفي صدره في الطير الذي يُعرف صاحبه، قال عليه السلام: «إذا عرف صاحبه رَدّه إليه». وغير ذلك من النصوص.

فإنّ المستفاد منها - لا سيّما بعد ملاحظة الآية الشريفة الواردة في الأمانات، وهي قوله تعالى‌: (إِنَّ اَللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا اَلْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) (3)وتسالم الأصحاب على هذا الحكم - وجوب رَدّ مال الغير إلى صاحبه.8.


1) وسائل الشيعة: ج 14/572 ح 2 (19843).

2) التهذيب: ج 6/394 ح 6، وسائل الشيعة: ج 25/461 أبواب اللّقطة باب 15 ح 1 (32355).

3) سورة النساء: الآية 58.

الجهة الثانية: في معنى الرَّد والأداء، وأنّه:

1 - هل يكون مجرّد إعلام المالك بذلك، والتخلية بينه وبين ماله‌؟

2 - أم هو حمله إليه وإقباضه منه‌؟

3 - أم كلّ من الأمرين مصداقٌ للأداء والرّد؟

4 - أم يكون ذلك في الأمانة بالتخلية، وفي غيرها بالإقباض من المالك كما لعلّه المشهور؟.

أقوال الأظهر هو الأخير، لأنّ حقيقة الرَّد والأداء هي إيصال الشيء إلى محلّه، وحينئذٍ إذا كان المال أمانة عند شخصٍ فردّه ليس إلّابالتخلية بينه وبين مالكه، لأنّ بها يخلع الأمين نفسه عن السلطنة عليه، ويدخله تحت سلطنة المالك، ويوصل الشيء إلى محلّه.

وأمّا محلّ المال خارجاً: فهو كلّ مكان رضي به المالك أو الشارع الأقدس، وحيث أنّ وجود المال خارجاً عن الأمين إنّما يكون برضا المال أو بإذنٍ من وليّ أمره - أي الشارع الأقدس - فلا يكون في غير محلّه كى يكون مكلّفاً بالرّد الخارجي.

وأمّا إذا كان المال مغصوباً، فأدائه ورَدّه إنّما يكون بالإقباض منه؛ إذ كما أنّ كونه تحت سلطنة الغاصب في غير محلّه - فلابدَّ من إيصاله إلى محلّه - كذلك كونه عنده خارجاً يكون في غير محلّه، فلابدَّ من إيصاله إليه بالإقباض منه.

أقول: وبما ذكرناه ظهر أنّه لو نقل الأمين الوديعة من بلدالإيداع إلى بلدٍ آخر بغير داعي الحفظ، وبدون إذنٍ من مالكه ومن الشارع، يجب ردّها إلى بلد الإيداع.

الجهة الثالثة: في أنّه هل يكون المقبوض بالعقد الفاسد من قبيل الأمانة ليكفي في

رَدّه التخلية‌؟ أم يكون من قبيل المغصوب ليجب الإقباض‌؟.

الأظهر هو الأوّل، وذلك في العقود الجائزة واضحٌ‌؛ لأنّه مع عدم كون المالك ملزماً بالدفع، لا محالة يكون دفعه للمال عن الرضا، وقد مرّ(1)أنّ الاستئمان المالكي هو التسليط عن الرضا، وأمّا في العقود اللّازمة، فلأنّه حين إقدامه على العقد المقتضي للدفع، لا محالة كان راضياً بالدفع والتسليط، والظاهر بقائه على حاله نوعاً مّا بعد العقد، وهذا هو الوجه في كون يده أمانيّة، فلا يرد عليه ما ذكره الشيخ رحمه الله بقوله: (إنّه إنّما ملّكه إيّاه عوضاً، فإذا انتفت صفة العوضيّة... الخ)(2)، إذ الوجه في كونه استئماناً هو الإذن الخارجي، لا الإذن العقدي.

أقول: وبما ذكرناه ظهر أنّه يمكن أنْ يقال إنّ النزاع في المقام صغروي، إذ من يقول بجواز التصرّف، يقول بذلك فيما إذا أُحرز رضا المالك بالتصرّف في ماله، ولو كان رضاً تقديريّاً، ومن يقول بالعدم، فإنّما هو في غير هذه الصورة.

الجهة الرابعة: في أنّه إذا توقّف الرَّد على المؤونة:

1 - فهل يجب بذلها على المشتري من جهة أنّه لا يتمّ الرّد إلّابه‌؟

2 - أم لا يجب البذل لقوله عليه السلام: «لا ضرر»(3)؟

3 - أم هناك تفصيلٌ بين المؤونة القليلة والكثيرة، فيجبُ البذل في الأُولى ولا يجب في الثانية؛ من جهة عدم صدق الضرر على بذل القليلة، بخلاف بذل).


1) مر في الصفحة 298، مبحث (قاعدة ما لا يضمن بصحيحه...) من هذا المجلّد.

2) المكاسب: ج 3/200.

3) الكافي: ج 5/292، باب الضرار، وسائل الشيعة: ج 25/428 أبواب إحياء الموات ب 12 (عدم جواز الإضرار بالمسلم).

المؤونة الكثيرة، كما هو الظاهر من «المكاسب» في بادئ النظر؟

4 - أم يفصّل بين ما إذا كانت المؤونة بمقدار ما يقتضيه طبعاً رَدّ مال الغير فهو على القابض، وإنْ كانت زائدة عليه فلا يجب بذلها، كما هو محتمل المتن وصريح المحقّق النائيني رحمه الله(1)؟

وجوهٌ أقواها الأخير؛ وذلك لأنّه إذا كانت المؤونة بمقدار ما يقتضيه طبيعة رَدّالمال، فلامحالة يكون دليل وجوب الرّد أخصّمن حديث «لا ضرر» فيخصّص به، وإنْ كانت زائدة عليه، كان مقتضى حديث «لا ضرر» عدم وجوب البذل.

***2.


1) منية الطالب: ج 1/132.

ضمان المنافع المستوفاة

الأمر الثالث: فيما لو كان للعين المبتاعة منفعة استوفاها المشتري قبل الرّد.

أقول: الكلام في هذا الأمر يقع في مقامين:

الأوّل: في المنافع المستوفاة.

الثاني: في المنافع غير المستوفاة.

أمّا المقام الأوّل: فالكلام فيه يقع في موردين:

أحدهما: في الدليل على الضمان.

ثانيهما: فيما استدلّ به على عدم الضمان.

أمّا المورد الأوّل: فيمكن أن يستدلّ له بوجوه:

الوجه الأوّل: عموم «على اليد»، بناءً على ما تقدّم من أنّ اليد على المنافع إنّما تكون بتبع اليد على الأعيان، وأنّ الحديث يدلّ على الضمان.

الوجه الثاني: الرواية الواردة في الأمَة المُبتاعة إذا وجُدَت مسروقة، بعد أن أولدها المشتري، الدالّة على أنّه يأخذ الجارية صاحبها، ويأخذ الرجل ولده بالقيمة، بالتقريب المتقدّم في أوّل هذا المبحث.

الوجه الثالث: صحيح أبي ولّاد الآتي(1)الدالّ على ضمان منفعة المغصوب المستوفاة.

أقول: ينبغي أن لا نغفل عن أنّ هذان الوجهان لا يصلحان للمعارضة مع دليل عدم الضمان كما ستعرف.


1) راجع الكافي: ج 5/290 ح 6، التهذيب: ج 7/215 ح 943، وسائل الشيعة: ج 19/119 أبواب الإجارة ب 17 ح 1.

الوجه الرابع: قاعدة من أتلف، المستفادة من النصوص الواردة فى موارد خاصّة، وجملة منها موارد العقود الاستئمانيّة، كالمضاربة والرهن وغيرها، حيث حُكم فيها بالضمان مع التعدّي والتفريط، وجملة منها في غيرها، مثل ما ورد في القصّار يخرق الثوب من قوله رحمه الله: «فهو ضامن»، أو «غرمه بما جَنت به يده»(1)، وغيره.

ودعوى عدم صدق المال على المنفعة، قد مرّ جوابها في أوّل الكتاب.

أقول: ثمّ إنّه قد استدلّ للضمان بوجوهٍ أُخر:

منها: قاعدة احترام مال المسلم.

ومنها: قاعدة نفي الضرر.

وقد تقدّم أنّه لا يمكن إثبات الضمان بهذه الوجوه.

وأمّا المورد الثاني: فقد استدلّ على عدم الضمان، بالنبويّ المُرسل:

«الخراج بالضمان»(2).

بتقريب: إنّه يدلّ على أنّ من ضَمن شيئاً وتقبّله لنفسه، فخراجه - أي منافعه - له مجّاناً.

أقول: وتنقيح القول في النبويّ المرسل - بعد تسليم قوّة سنده لعمل قدماء أصحابنا به، مع أنّه محلّ نظر - هو أنّه وإن استدلّ شيخ الطائفة به في جملةٍ من الموارد في محكي «المبسوط»(3)، والعلّامة رحمه الله في باب الغصب من كتاب6.


1) الفقيه: ج 3/253 ح 3918، وسائل الشيعة: ج 19/143-144 أبواب الإجارة ب 29 ح 8 (24324).

2) المبسوط: ج 2/126، عوالي اللآلي: ج 2/113 ح 309، المستدرك: ج 13/302 أبواب الخيار ب 7 ح 3 (15428).

3) المبسوط: ج 2/125-126.

«التذكرة»(1)، إلّاأنّ هذا المقدار لا يكفي في جبر ضعف السند.

وبعد تسليم أنّ ما ذكره العلّامة رحمه الله(2)من اختصاص النبويّ بالبيع، إنّما هو اجتهادٌ منه في تطبيقه على البيع - أنّ فيه احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أنّ المراد بالضمان المعني الاسم المصدري، وكونه بمعنى التعهّد المالي، فيكون مفاد الخبر: أنّ المنافع لمن هو ضامنٌ للعين، وإنْ كان ضمانه قهراً عليه كما فهمه أبو حنيفة(3).

الاحتمال الثاني: أنّ المراد به المعنى المصدري، أي احداث الضمان سواءٌ أمضاء الشارع أم لا، فيكون مفاده أنّ المنافع لمن أقدم على الضمان، فيشمل العقود المعاوضيّة، صحيحةً كانت أم فاسدة، ولا يشمل موارد عدم إقدام الشخص على الضمان، وهو الذي فهمه ابن حمزة رحمه الله وجعله مدركاً لعدم ضمان المنافع في المقبوض بالعقد الفاسد.

الاحتمال الثالث: أنّ المراد بالضمان المعنى المصدري، مع إمضاء الشارع له، فيختصّ الخبر بالعقود المعاوضيّة الصحيحة، والظاهر أنّه الذي فهمه المشهور منه.

الاحتمال الرابع: أنّ المراد به كون تلف العين مملوكة للشخص، يعني أنّ المنافع تكون لمن كانت العين مِلْكه، بحيث لو تلفت تلفت من مِلْكه، وهو الذي فهمه شيخ الطائفة رحمه الله من الخبر، فيكون مفاده تبعيّة ملكيّة المنافع لملكيّة العين، فيكون أجنبيّاً عن المقام.2.


1) التذكرة في كتاب الضمان: ج 10/113، وفي الخيار: ج 11/141، وفي السلم: ج 11/364، وفي التفليس: ج 14/124، وفي الضمان (ط. ق): ج 2/381.

2) التذكرة (ط. ق): ج 2/381.

3) نسبه إليه العلّامة في التذكرة (ط. ق): ج 2/382.

الاحتمال الخامس: أنّ المراد بالضمان أحد المعاني الثلاثة الأُولى‌، ولكن مع كون المراد به ضمان نفس المنفعة لا العين، فيكون مفاده: أنّ المنافع تُملك بلا ملك للعين، ويدلّ على صحّة الإجارة.

الاحتمال السادس: أنّ المراد به ضمان الأرض، والمراد بالخراج الضريبة المعيّنة الموضوعة على الأراضي الخراجيّة، فيكون مفاده: أنّ الخراج يثبت في عهدة ضامن الأرض ومتقبّلها.

الاحتمال السابع: أنّ المراد به ضمان التكفل، فيكون مفاده أنّ فائدة العين إنّما تكون بإزاء دخول العين في كفالة مالكها، بحيث لو كان حيواناً لكان عليه نفقته وحفظه وإصلاحه.

أمّا الاحتمال الأخير: فيدفعه أنّ ملكيّة المنفعة إنّما تكون تابعة لملك العين لا لكونها في كفالته، مع أنّه يختصّ الخبر حينئذٍ بمثل الحيوان، ولا يشمل غيره.

وأمّا الاحتمال السادس: فهو خلاف إطلاقه، فإنّ حذف المتعلّق يفيد العموم.

وأمّا الاحتمال الرابع: فقد مرّ ما فيه عند بيان المراد من قاعدة ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده.

وأمّا الاحتمال الأوّل: فيدفعه صحيح أبي ولّاد الآتي(1)، الدالّ على ضمان المنافع زيادةً على ضمان العين.

وأمّا الاحتمال الثاني: فيدفعه أنّه مع عدم إمضاء الشارع لا تحقّق حقيقة لإحداث الضمان، مع أنّه يلزم منه حينئذٍ ضمان المالك للمنافع بعد العقد الفاسد1.


1) الكافي: ج 5/290 ح 6، التهذيب: ج 7/215 ح 943، وسائل الشيعة: ج 19/119 أبواب الإجارة ب 17 ح 1.

قبل التسليم، مع أنّه يلزم منه أنّه لو ضمن بشيء في ضمن عقدٍ صحيح كونه مالكاً لمنافعه.

وعليه، فيدور الأمر بين الثالث والخامس.

أقول: والأظهر هو الأوّل، لأنّ ظاهر القضيّة أنّ المنفعة إنّما تترتّب على الضمان ترتّب العلّة الغائيّة لشيء عليه الّتي هي الداعية إليه، ومعلومٌ أنّ الدّاعي للإقدام على الضمان في العقود المعاوضيّة هي المنافع، ومع الإغماض عن ما ذكرناه لإجمال الخبر لا يستند إليه في الحكم بعدم ضمان المنافع المستوفاة.


حكم المنافع غير المستوفاة

المقام الثاني: في المنافع الفائتة بغير استيفاء.

أقول: المشهور فيها أيضاً الضمان، والكلام فيه في موردين:

الأوّل: في دليل الضمان.

الثاني: فيما استدلّ به على عدم الضمان.

أمّا المورد الأوّل: فيدلّ على الضمان حديث «على اليد»(1)، بناءً‌عليماتقدّم في بيان مدرك قاعدة ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده من شمول الحديث للمنافع.

وتشهد له أيضاً قاعدة الإتلاف، فإنّ حبس العين ومنع مالكها عن الانتفاع بها إتلافٌ لمنافعها عرفاً.

استدلال المحقّق الخراساني رحمه الله: فقد استدلّ له بأنّ من آثار ضمان العين ضمان منافعها، فالدليل على ضمان العين دليلٌ لضمان منافعها.

وفيه: إنْ اُريد بذلك أنّه يصدق الاستيلاء واليد على المنافع بالاستيلاء واليد على العين، فهو يرجع إلى التمسّك بحديث اليد، وإنْ اُريد به ما ذكره المحقّق الايرواني رحمه الله من أنّ أداء العين المجعول غاية للضمان، لا يكون إلّابأدائها بمنافعها وفروعها.

فيرد عليه: أنّه إنْ لم تصدق اليد على المنافع باليد على العين، لما كان يُجدي شمول الحديث للعين في ضمانها، فإنّ الغاية أداء نفس ما يكون تحت اليد لا شيء آخر، وإن اُريد به غير ذلك فعليه البيان.


1) عوالي اللئالي: ج 1/224 ح 106، و ص 389 ح 22، و: ج 2/345 ح 10.

وأمّا المورد الثاني: فقد استدلّ لعدم الضمان بوجوه:

الوجه الأوّل: إنّ مقتضى قاعدة (ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده) ذلك، لأنّ المنافع لا تُضمن في العقد الصحيح فكذلك في فاسده.

وفيه أوّلاً: ما تقدّم من أنّ القاعدة إنّما تختصّ بصورة التلف، ولا تشمل صوره الإتلاف، وقد عرفت صدق الإتلاف على تلف المنافع.

وثانياً: إنّمقتضى قاعدة (مايُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده) ضمان المنافع في الإجارة الفاسدة، وبضميمة عدم الفصل بين البيع والإجارة يثبت الضمان فى المقام.

وثالثاً: ما تقدّم من أنّ المنافع خارجة عن مورد العقد ومصبّه، والقاعدة أصلاً وعكساً مختصّة بما هو مصبّ العقد.

الوجه الثاني: إنّ البائع في صورة علمه بالفساد مُقْدِمٌ على تمكين المشتري من الاستيلاء على المنافع مجّاناً.

وفيه: إنّ البائع لا نظر له إلى المنافع، وإنّمايسلّط المشتري على العين، إذ ليس متعلّق العقد المنفعة، وإنّما هو العين، مع أنّ هذا لا يختصّ بغير المستوفاة كما لايخفي‌.

الوجه الثالث: قوله عليه السلام في الأمة المُبتاعة إذا وجدت مسروقةً بعد أن أولدها المشتري: «يأخذ الجارية صاحبها، ويأخذ الرّجل وَلده بقيمته».

بتقريب: أنّه يدلّ على ضمان المنفعة المستوفاة، وساكتٌ عن ضمان غيرها في مقام البيان.

وفيه: إنّ الخبر واردٌ في مقام بيان منفعة واحدة، وإنّه يكون الولد حُرّاً، وعليه قيمته، ولذا لم يتعرّض لبيان المنافع المستوفاة الآخر، من الطبخ والتنظيف وغيرهما،

والغريب أنّ الشيخ رحمه الله في أوّل هذا المبحث(1)عند ذكر الدليل على الضمان في المقبوض بالعقد الفاسد ذكر الرواية، وجَعل هذه المنفعة من المنافع غير المستوفاة، وفي المقام جَعلها من المستوفاة، وقد تقدّم آنفاً ما هو الحقّ عندنا.

الوجه الرابع: صحيح محمّد بن قيس، الوارد فيمن باع وليدة أبيه بغير إذنه، حيث قال عليه السلام: «خُذ وليدتك وابنها»(2).

بتقريب: أنّه ساكتٌ عن المنافع الفائتة، وهو وإنْ ورد فيما إذا كانت العين لغير البائع، إلّاأنّه يدلّ على حكم المقام بالأولويّة.

ويرد عليه: ما أوردناه على سابقه.

الوجه الخامس: صحيح أبي ولّاد الآتي(3)، الدالّ على ضمان منفعة البغل المستوفاة دون غيرها. وإذا ثبت عدم الضمان فى المغصوب ثبت فى المقام بالأولويّة.

وفيه: أنّه لا يتصوّر منفعةً للبغل تَجتمع مع المنفعة المستوفاة، لأنّه وإنْ كان يتصوّر له منفعة أُخرى‌، إلّاأنّها تضادّ مع ما استوفاه.

وبعبارة أُخرى‌: كان للبغل منافع مختلفة على سبيل البدل، وحيث إنّه استوفى واحدة منها، ولم تكن هناك فائدة أُخرى يمكن استيفائها فائتة، كان عليه ضمان تلك المنفعة خاصّة. مع أنّه عليه السلام في هذا الصحيح في مقام الرَّد على أبي حنيفة، وبيان أنّ عليه كري البغل، وليس في مقام بيان أحكام أُخر.

وبالجملة: تحصّل ممّا ذكرناه أنّ الأظهر هو الضمان.

***1.


1) المكاسب: ج 3/181.

2) التهذيب: ج 7/488 ح 168، وسائل الشيعة: ج 21/203 ح 26900.

3) الكافي: ج 5/290 ح 6، التهذيب: ج 7/215 ح 943، وسائل الشيعة: ج 19/119 أبواب الإجارة ب 17 ح 1.

المِثْلي والقيمي

الأمر الرابع: إذا تلف المبيع، فإنْ كان مثليّاً، وجب مثله بلا خلاف.

أقول: الكلام في هذا الأمر يقع في مواضع:

الأوّل: في تعريف المثلي والقيمي.

الثاني: في أنّه لو شكّ في موردٍ في أنّه يجب رَدّ المثل أو القيمة، مقتضى الأُصول العمليّة رَدّ أيّهما.

الثالث: فيما تقتضيه الأدلّة الاجتهاديّة.

أقول: وقبل الشروع في البحث في هذه المواضع، لابدّ من التنبيه على أمرٍ، وهو إنّه لم يقع لفظاً المثلي والقيمي في شيء من الروايات، نعم المشهور بين الأصحاب أنّه لو تلف شيءٌ تحت يد غير المالك - الذي لا يكون مأذوناً فيه - وجب رَدّ مثله إنْ كان من المثليّات، ورَدّ قيمته إنْ كان من القيميّات، بل ادّعي(1)عليه الإجماع.

وحيث أنّ المثلي والقيمي ليسا من المفاهيم الواضحة المصاديق، واختلفت كلماتهم فيهما فى جملة من الموارد، فقد وقع الخلاف فى أنّه هل يرجع إلى العرف في تفسيرهما ولا يتّبع تفسير العلماء وإنْ اتّفقوا على أمرٍ مخالف لما هو المتفاهم عند العرف، أم لابدّ من البناء على المثليّة في خصوص ما إذا اتّفقت كلماتهم على كون شيء كذلك، ولايرجع في ذلك إلى العرف، أم لا اعتبار بالعرف، ولاباتّفاق العلماء، بل يجب الرجوع في كلّ مورد إلى ما يفهم من إطلاقات أدلّة الضمان‌؟.


1) الكركي في جامع المقاصد: ج 6/245، والسيّد الطباطبائي في الرياض: ج 14/23، والسيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 6/241، وصاحب الجواهر: ج 37/85.

أقول: ومنشأ هذا الخلاف، هو أنّ الإجماع على ضمان المثلي بالمثل والقيمي بالقيمة:

1 - هل هو من قبيل الإجماع على القاعدة، ويكون الإجماع كاشفاً عن صدور الحكم عن المعصوم عليه السلام متعلّقاً بهذين العنوانين‌؟

2 - أم هو من قبيل الإجماع على الحكم في الموارد الخاصّة، يجمعها تفسير المُجمِعين لها بذينك العنوانين‌؟

3 - أم هو من قبيل الإجماع على تفسير الإطلاقات الواردة في الضمان، وليس من قبيل الإجماع على القاعدة، ولا من قبيل الإجماع على الحكم‌؟.

على الأوّل: لابدَّ من الرجوع في تفسيرهما إلى العرف، كما هو الشأن في العناوين المأخوذة في متون النصوص، ولا عبرة بتفسير الفقهاء.

وعلى الثاني: لابدَّ من الأخذ بما اتّفق عليه المجمعون، ولا عبرة بنظر العرف وفهمهم كما هو واضح.

وعلى الثالث: لا عبرة بشيءٍ منهما.

وحيث أنّه لم يثبت كون الإجماع في المقام من أيّ قسمٍ من هذه الأقسام، فلا دليل لكون العبرة بنظر العرف ولا بتفسير الفقهاء، وعليه فيتعيّن الرجوع إلى الأدلّة - وستعرف مقتضاها - فلا أثر للنزاع في أنّ المثلي ما هو.

وكيف كان، فقد عرفت أنّه يقع الكلام في مواضع:

الموضع الأوّل: في تعريف المثلي والقيمي.

فعن المشهور تفسير المثلي بأنّه ما يتساوى أجزاؤه من حيث القيمة(1)،).


1) حكى الشهرة عليه الشيخ الأعظم في المكاسب المحرّمة: ج 3/209 (ط. ج).

والمراد من الأجزاء، الجزئيّات والأفراد، والمراد من التساوي التساوي من غير جهة الكمّ‌.

فمحصّل المراد: أنّ المثلي ما له مماثلٌ في الصورة والصفات التي تختلف بها الرغبات وتتفاوت بها القيم.

أقول: وأظنّ أنّ ما عن «التحرير»(1)من تفسيره (بما تماثلت أجزاؤه وتقاربت صفاته)، وما عن «الدروس»(2)و «الروضة»(3)من أنّه: (المتساوي الأجزاء والمنفعة المتقارب الصفات)، وما عن بعضهم(4)من أنّه: (ما يجوز بيعه سَلَماً)، وما عن آخر(5): (ما يجوز بيع بعضه ببعض)، أيضاً ترجع إلى هذا المعنى، ولا اختلاف بينهم بحسب المراد.

وقد أُورد على هذا التعريف بإيرادات:

الإيراد الأوّل: أنّه إنْ اُريد التساوي بالكليّة، فالظاهر عدم صدقه على شيء من الموارد؛ إذ ما مِنْ مثلي إلّاوأجزاؤه مختلفة في القيمة كالحنطة، فإنّ قفيزاً من حنطة تساوي عشرة، ومن أُخرى تساوي عشرين.

وإنْ اُريد التساوي في الجملة، فهو في القيمي موجودٌ، كالثوب والأرض.

وفيه: إنّ الميزان وجود المماثل له، كان الجامع بينهما هو الصنف أو النوع أو الجنس، ففي الحنطة يكون كلّ صنفٍ منها مثليّاً، وهذا هو مراد من جعلها مثليّة.1.


1) التحرير: ج 2/139.

2) الدروس: ج 3/113.

3) الروضة البهيَّة: ج 7/36.

4) الخطيب الشربيني في مغني المحتاج في شرح منهاج الطالبين: ج 2/281.

5) نسبه العلّامة إلى القفّال الشافعي، أنظر التذكرة (ط. ق): ج 2/381.

الإيراد الثاني: أنّه إنْ اُريد تساوي الاجزاء من صنفٍ واحد، من حيث القيمة تساوياً حقيقيّاً، فقلّما يتّفق ذلك في الصنف الواحد من النوع.

وإنْ اُريد تقارب أجزاء ذلك الصنف من حيث القيمة، تحقّق ذلك في أكثر القيميّات.

وفيه: إنّ المراد هو الأوّل، وعرفت أنّ المراد هو التساوي في الصفات الموجبة لاختلاف القيم، وعليه فدعوى اختلاف أفراد الصنف الواحد في الصفات، الموجب لاختلافها في الماليّة مجازفة، واختلاف الرغبات بملاحظة بعض الخصوصيّات غير الدخيلة في الماليّة بالنسبة إلى الأفراد من صنفٍ واحد، وإنْ كان لا يُنكر، إلّاأنّه لا يضرّ بالمثليّة.

الإيراد الثالث: أنّه ربما يوجد لبعض ما هو من القيميّات مماثلٌ بهذا المعنى‌، كما لو فرضنا حيوانين مثليّين في جميع الخصوصيّات، مع أنّه لا ريب في كون الحيوان قيميّاً.

وفيه: إنّ الميزان هو وجود المماثل نوعاً وبحسب الغالب، ولا عبرة بوجود المثل في النادر، إذ أهل العرف يحكمون بضمان القيمة في هذه الموارد.

أقول: وأمّا القيدان الآخران اللّذين ذكرهما المحقّق النائيني رحمه الله(1):

أحدهما: أن يكون التساوي في الصفات بحسب الخلقة الإلهيّة كالحبوبات، لا ما كان كذلك بحسب الصناعة البشريّة، فالمسكوكات من القيميّات لا المثليّات.

ثانيهما: أنْ لا يتغيّر بالبقاء أو بتأثير من الهواء كالفواكه.6.


1) منية الطالب: ج 1/136.

فلا يكونان معتبرين؛ إذ لا وجه لتوهّم اعتبارهما سوي عَدّ جمع من العلماء(1)هذه الأشياء - أي ما تساوت جزئيّاته بحسب الصناعة البشريّة، وما يتغيّر بالبقاء وبتأثير الهواء - من القيميّات، مع أنّه يكون الاختلاف في ذلك بحسب الأزمنة والأمكنة والكيفيّات، ومن الواضح أنّه لو كان شيءٌ مثليّاً في زماننا - كالثوب والكتاب وغيرهما - يعامل معه معاملة المثلي، وإنْ كان فى سالف الزمان من القيميّات.

بيان ما هو المرجع عند الشكّ في المثليّة والقيميّة

الموضع الثاني: في بيان المرجع عند الشكّ في المثليّة والقيميّة، وفيه وجوهٌ وأقوال:

1 - إنّ الأصل الذي يرجع إليه هو تخيير الضامن بين المثل والقيمة.

2 - إنّه تخيير المالك بينهما.

3 - الضمان بالمثل.

4 - الضمان بالقيمة.

5 - القرعة.

6 - الرجوع إلى الصلح القهري.

وقد استدلّ للقول للأوّل: بأصالة براءة ذمّة الضامن عمّا زاد على ما يختاره.

وفيه: قد أُورد عليه بإيرادات:

الإيراد الأوّل: أنّ الإجماع قائمٌ على عدم التخيير بين المثل والقيمة، فإنّه إمّا


1) كالشيخ - بالنسبة للرطب والفواكه - في المبسوط: ج 3/99، والشهيد الثاني - بالنسبة للمصوغ من النقدين - في المسالك: ج 12/191.

يتعيّن المثل أو القيمة.

وفيه أوّلاً: أنّه في الشبهة الحكميّة لم يثبت إجماعٌ تعبّدي على عدم التخيير بينهما واقعاً، بل هو أيضاً محتمل.

ثانياً: إنّ المجمع عليه إنّما هو عدم التخيّير واقعاً، لا عدمه ولو في الظاهر.

الإيراد الثاني: ما عن جماعةٍ من المحقّقين، منهم المحقّق النائيني(1)والمحقّق الاصفهاني(2)، من أنّ‌المقام من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، فإنّ المراد بالقيمة ليس هي الماليّة السارية في كلّ مالٍ بالحمل الشائع - حتّى يقال إنّ وجوب أداء الماليّة متيقّن، والشكّفي وجوب رعاية أمرٍ زائد وهي خصوصيّة الطبيعة المماثلة للتالف، فيجرى عنها البراءة - بل المراد بها الماليّة المحضة التى لا مطابق لها إلّا الماليّة القائمة بالدرهم والدينار وأشباههما، ولذا ليس للضامن أن يؤدّي بدل القيمي التالف شيئاً آخر، فتعيّن النقود فى القيميّات شاهدٌ كون القيمة هى الماليّة المحضة، لا الماليّة السارية، فالتفاوت بين المثل والقيمة كالتفاوت بين الماهيّة بشرط لا، والماهيّة بشرط شيء، وهما متباينان، فلابدّ من الاحتياط، ولا مورد للبراءه.

وفيه: إنّ القيمة التي ضمن بها في القيميّات هي صرف الماليّة لا الماليّة بشرط لا، وحيث أنّمطابقها هي النقود، وأمّا غيرها فيكون له - مع قطع النظر عن الماليّة - خصوصيّات أُخر، فللمالك طلب النقد خاصّة، والامتناع عن قبول الخصوصيّة التي يبذلها الباذل، ولذا لو رضي المالك بشيءٍ آخر غير النقدين، كان أداؤه وفاءً لما في ذمّته، ولا يحتاج إلى معاملة جديدة.7.


1) منية الطالب: ج 1/138.

2) حاشية المكاسب: ج 1/357.

وعليه، ففي مورد الشكّ في المثليّة والقيميّة يصحّ أنْ يقال: إنّ اشتغال الذّمة بصرف الماليّة معلوم، والشكّ إنّما هو في الاشتغال بالخصوصيّة الزائدة، والأصل عدمه، وحيث أنّ الشكّ المزبور سببٌ للشكّ في لزوم إعطاء صرف الماليّة المعرّاة عن الخصوصيّة تحصيلاً لرضا المالك، وثبوت حقّه فيها، على وجهٍ يكون له الامتناع عن الخصوصيّة لو أراد الضامن دفعها، فتجري البراءة عن ذلك أيضاً.

وعليه، فتكون نتيجة الأصلين تخيير الضامن في دفع أيّهما شاء.

الإيراد الثالث: الدوران بينهما إنْ لم يكن من قبيل دوران الأمر بين المتباينين، فهو من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير، والأصل فيه التعيين، فيجب رَدّالمثل.

وفيه: ما حقّقناه في محلّه(1)من أنّ الأصل في الدوران بينهما هو التخيير لا التعيين.

الإيراد الرابع: أنّ الحكم الظاهري يعتبر فيه عدم العلم بمخالفة الواقع، وإلّا فلا يكون مجعولاً، وفي المقام إذا علمنا بأنّ الواقع إمّا المثل معيّناً أو القيمة كذلك، فيعلم بأنّ التخيير غير مطابق للواقع، فلا وجه للبناء عليه.

وفيه: إنّ التخيير الذي بنينا عليه ليس بنفسه مفاد أصلٍ من الأُصول، بل هو نتيجة جريان البراءتين اللّتين لا علم بمخالفة كلّ واحدةٍ منهما للواقع، والعلم بمخالفتهما معاً للواقع لا تضرّ بجريانهما معاً.

فتحصّل: أنّ الأظهر هو تخيير الضامن.

وقد استدلّ للقول لثاني: - وهو تخيير المالك - بأنّه إذا لم تجر أصالة البراءة7.


1) راجع: زبدة الأصول: ج 5/87.

بالقياس إلى الضامن - لما تقدّم - وتعيّن عليه دفعهما، واختار المالك أحدهما، فإنّه لا ريب في كونه مسقطاً للذّمة؛ لأنّ ما يختاره إمّا هو البدل الواقعي، أو يكون بدل البدل، من جهة رضاء المالك بغير الجنس في مقام الوفاء.

وعلى أيّ تقدير، يكون مسقطاً، فما يختاره المالك يكون مسقطاً قطعاً، وغيره مشكوك فيه، والأصل عدم السقوط إلّابما يختاره المالك.

وفيه: إنّ محلّ الكلام إنّما هو فيما إذا لم يرض المالك إلّابما هو حقّه، ولم يرض الضامن إلّابدفع ما يجب عليه دفعه واقعاً.

وأمّا صورة تراضيهما على أمرٍ، فهي خارجة عن محلّ الكلام، لأنّه في هذه الصورة لا كلام في جواز رَدّ القيمة، وإن تعيّن دفع المثل، وكذلك العكس، ومن المعلوم أنّ اختيار المالك ليس معيّناً لما يجب دفعه، ولا هو بنفسه موضوعٌ للحكم، كما لا يخفى‌.

واستدلّ للقول الثالث: وهو تعيّن المثل بوجهين:

الوجه الأوّل: إنّ المثل والقيمة من قبيل الأقلّ والأكثر، والدوران بينهما من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير، والأصل في هذا المورد هو التعيين.

وفيه: ما حقّقناه في محلّه(1)، من أنّ الأصل فيه هو التخيير.

الوجه الثاني: أنّ مقتضى عموم قاعدة «على اليد» هو تعيّن دفع المثل مطلقاً، خرج عنه بالإجماع القيميّات، ومن الواضح أنّ الإجماع إنّما يكون فيما ثبت قيميّته، فالمرجع في صورة الشكّ هو عموم العام.).


1) راجع: زبدة الأصول: ج 5/87، بحث (دوران الأمر بين التعيين و التخيير).

وفيه: لو سُلّم كون مقتضى عموم قاعدة «على اليد» هو تعيّن المثل مطلقاً، فإنّ الخارج عنه بالإجماع ليس هي الموارد الخاصّة، بل عنوان القيمي، فلو شكّ في شيء أنّه قيميٌ أو مثلي، يكون من الشكّ في المصداق، وليس المرجع فيه عموم العام؛ لعدم جواز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة.

واستدلّ للقول الرابع: بأنّ مقتضى النبويّ‌، هو لزوم دفع القيمة مطلقاً، خرج منه المثلي، فمع الشكّ فيه المرجع هو عموم العام.

وفيه: - مضافاً إلى ما ستعرف من عدم دلالة النبويّ في نفسه على ذلك - أنّه عند الشكّ في كون شيء مثليّاً بالشبهة الموضوعيّة لا مجال للرجوع إلى عموم العام، كما تقدّم آنفاً.

واستدلّ للقول الخامس: بعموم أدلّة القرعة(1).

وفيه أوّلاً: إنّما يرجع إليها في صورة عدم تعيّن الوظيفة بالأمارة أو الأصل، وقد عرفت أنّ مقتضى الأصل هو تخيير الضامن.

وثانياً: إنّ أدلّتها تختصّ بالشبهة الموضوعيّة، ولا تشمل الشبهة الحكميّة.

واستدلّ للقول السادس: بأنّه من جهة أنّ الأمر دائرٌ بين المتباينين، وكما يجب على الضامن دفعهما معاً قضاءً للعلم الإجمالي، لا يجوز على المالك أخذهما للعلم الإجمالي بحرمة أخذ أحدهما، فلا مناص إلّاعن الصلح.

وفيه: ما عرفت من أنّ الأصل يقتضي تخيير الضامن.ة.


1) لاحظ وسائل الشيعة: ج 27/257 أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى‌، ب 13، الحكم بالقرعة في القضايا المشكلة.

ما تقتضيه الأدلّة الاجتهاديّة عند الشكّ في المثليّة والقيميّة

الموضع الثالث: فيما تقتضيه الأدلّة الاجتهاديّة في هذا المقام.

أقول: الأدلّة التي ركنوا إليها في المقام ثلاثة:

الدليل الأوّل: النبويّ المتقدّم: «على اليد ما أخذت حتّى تُؤدّي».

وقد استظهر الشيخ رحمه الله(1)منه تخيير المالك، باعتبار أنّه يدلّ من جهة جعل الغاية أداء العين خاصّة على بقاء عهدة العين، وأنّه لا رافع لها سوى أدائها، وقد قام الإجماع على سقوطها بدفع ما رضي به المالك وبقي الباقي.

وفيه: أنّ الوجوه المحتملة في الحديث أربعة:

الاحتمال الأوّل: أن يكون الحديث مختصّاً بما قبل التلف؛ من جهة ظهور كلمة (حتّى‌) في كون مدخولها رافعاً لما قبلها وغايةً لها، وظهور ذلك في كونه ممكن الحصول، إذ عليه تكون الغاية قرينة على اختصاص الحكم الثابت في المغيّى بحال وجود العين.

الاحتمال الثاني: أن يكون الحديث دالّاً على كون العين في العهدة ما دامت موجودة، وبتلفها تنقلب العهدة إلى ضمان ذمّته بالمثل أو القيمة كما عليه المشهور، من جهة أنّ مفاد الحديث كون المأخوذ تلفه على الآخذ.

الاحتمال الثالث: أن يكون المراد به بقاء العين في العهدة ولو بعد التلف، ويكون دفع المثل او القيمة مسقطاً لها، وقد اختاره جمعٌ من المحقّقين(2)لكونه من مراتب رَدّ العين.


1) المكاسب: ج 3/216.

2) منهم السيّد اليزدي في حاشية المكاسب: ج 1/104، والمحقّق الاصفهاني في حاشية المكاسب: ج 1/306.

الاحتمال الرابع: أن يكون مفاده بقاء العين في العهدة حتّى بعد التلف، ودفع المثل أو القيمة إنّما يكون من باب الجمع بين الحقّين، وهما حقّ المالك بمطالبة العين، وحقّ الضامن كي لا يكلّف بغير المقدور.

أقول: ما ذكره؛ لا يتمّ على شيء من هذه الوجوه:

أمّا على الأوّل: فواضح.

وأمّا على الثاني: فلأنّ سقوط العهدة بالتلف معلومٌ‌، والشكّ إنّما هو فيما ثبت في الذّمة، فلا وجه للتمسّك بالعموم في هذا المقام.

وأمّا على الثالث: فلأنّ التخصيص الذي قام الإجماع عليه، ليس بعنوان ما يختاره المالك، بل هو إنّما يكون بالمثل أو القيمة، فعلى القول بأنّهما من قبيل المتباينين لا سبيل إلى التمسّك بالعموم، وعلى القول بأنّهما من قبيل الأقلّ والأكثر، وإنْ كان للتمسّك بالعموم في الشبهة المفهوميّة مجالٌ‌، ولكن لازمه تعيّن المثل، مع أنّه لا يرجع إليه في الشبهة الموضوعيّة.

وأمّا على الرابع: فلا شكّ في بقاء العهدة حتّى يتمسّك بالعموم، بل وجوب دفع البدل إنّما يكون ثابتاً بدليل آخر.

أقول: ويدفع الاحتمال الأوّل لزوم ركاكة هذا الكلام؛ إذ كون أداء العين رافعاً ومسقطاً لعهدتها واضحٌ لا يحتاج إلى بيان، مع أنّ ما ذُكر من ظهور الجملة في كون الغاية ممكن الحصول، إنّما يتمّ بالقياس إلى ما لا يمكن حصوله، لا ما إذا أمكن في زمانٍ دون زمان كما لا يخفى‌، كما ويدفع الاحتمال الأخير الضرورة والإجماع، وبالتالي فيدور الأمر بين الاحتمال الثاني والثالث.

والأظهر هو الثالث، إذ كون العين بنفسها في العهدة أمرٌ معقول ثبوتاً حتّى بعد تلفها، وعدمها في عالم العين لا ينافي وجودها في عالم الاعتبار، وحيث أنّ الظاهر من الحديث كون المأخوذ بنفسه فى العهدة، فلا وجه لصرف ذلك عن ظاهره.

الدليل الثاني: إنّ مقتضى إطلاقات أدلّة الضمان الواردة في المغصوبات(1)والأمانات المفرّط فيها(2)وغير ذلك، هو الضمان بالمثل، إذ هي على كثرتها لا تكون متعرّضة لبيان المضمون به، إلّاما شذّ وندر، فيعلم من ذلك اتّكاله على ما هو المتعارف عند النّاس، ومن المعلوم أنّ المتعيّن عندهم، تعيّن رَدّ ما هو الأقرب إلى العين، بعد عدم إمكان رَدّ العين نفسها، والأقرب هو المثل لكونه تداركاً للماليّة، والخصوصيّات الفائتة التي تختلف بها الرغبات، فيتعيّن ذلك.

ثمّ إنّه في صورة عدم التمكّن من رَدّه أيضاً، يراعى ما هو الأقرب إلى التالف بعد المثل، وهو القيمة من النقدين أو شبههما؛ لأنّ غيرهما مشتملٌ على خصوصيّات غير متموّلة، مغايرة لخصوصيّات التالف، ومعلومٌ أنّ غير المشتمل على الخصوصيّات المغايرة أقربُ من المشتمل عليها.

وبعبارة أُخري‌: إنّ غير النقدين إنّما يلاحظ مساواته للتالف بعد إرجاعه إليهما.

وفيه أوّلاً: إنّه لو تمّ لاختص لزوم أداء المثل بما إذا كان موجوداً نوعاً، إذ المعلوم من حال العقلاء - رعايةً للحكمة - عدم التضمين بالأقرب مطلقاً، فلاعبرة بوجودها.


1) كالنبوي المتقدّم: «على اليد»، ومرسلة حمّاد بن عيسى عن العبد الصالح عليه السلام - في حديث طويل -: «لأنّ‌الغصب كلّه مردود»، الكافي: ج 1/542 ح 4، وسائل الشيعة: ج 25/386 أبواب الغصب ب 1 ح 3 (32189)، وغيره من نفس الباب.

2) لاحظ رواية زرارة وأبي بصيرعن أبي عبد اللّه عليه السلام، ورواية وهب عنه عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام في الكافي: ج 5/302 ح 1 و 2، وسائل الشيعة: ج 19/114 أبواب الإجارة ب 11 ح 2 (24264)، وغيرها.

أحياناً.

وثانياً: إنّ الأقربيّة ليست مناط الحكم، بل العبرة - على التقريب المتقدّم - بما هو المتعارف عند النّاس، ومن المعلوم من حالهم أنّه لا نظر لهم في هذا المقام إلّاإلى الماليّة، ولذا تراهم لا يطالبون المثل لو سقط عن الماليّة، ولا يلتفتون إليه ولا يلزمون بدفعه إذا زادت قيمته.

وبالجملة: المعيار عندهم هو القيمة، وعليه فهذا الوجه يقتضي تعيّن القيمة.

الدليل الثالث: قوله تعالى‌: (فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ‌) (1).

قيل(2): إنّه يدلّ على تعيّن المثل في المثلي، والقيمة في غيره، باعتبار أنّ مماثل ما اعتدى هو المثل في المثلي والقيمة في القيمي.

وأُورد عليه بوجوه:

الوجه الأوّل: إنّه مختصٌّ بالمتلف عدواناً.

الوجه الثاني: إنّ مدلوله اعتبار المماثلة في مقدار الاعتداء، لا المعتدى به.

الوجه الثالث: إنّ النسبة بين مقتضاه ومذهب المشهور العموم من وجه:

فقد يُضمّن بالمثل بمقتضى الآية الشريفة، ولا يُضمّن به عند المشهور، كما لو أتلف عليه عبداً، وله في ذمّة المالك بسبب القرض عبدٌ موصوفٌ بصفات التالف، فإنّ مقتضى الآية الشريفة التهاتر القهري، والمشهور غير ملتزمين بذلك.

وقد ينعكس الأمر، كما لو فرض نقصان المِثل عن التالف من حيث القيمة8.


1) سورة البقرة: الآية 194.

2) قاله الشيخ في المبسوط: ج 3/60، والخلاف: ج 3/402 و 406، مسألة 11 و 18.

نقصاناً فاحشاً، فإنّ مقتضى الآية عدم جواز إلزام المالك بالمثل؛ لاقتضائها اعتبار المماثلة في الحقيقة والماليّة، والمشهور ملتزمون بتعيّن المثل.

وقد يجتمعان في المضمون به.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأوّل: فلعدم القول بالفصل.

وأمّا الثاني: فلأنّ الظاهر من الآية المماثلة في المعتدى به، لأنّ حملها على إرادة المماثل في الاعتداء، يستلزم كون الباء زائدة، وكون المثل صفة لمفعول مطلق محذوف - وهو الاعتداء - وهذا خلاف الظاهر.

وأمّا الثالث: فلعدم كونه إشكالاً على الاستدلال بالآية الشريفة، مع أنّه ستعرف ما فيه.

والتحقيق: الإنصاف أنّ مقتضى إطلاق الآية الشريفة - لا سيّما بعد ملاحظة موردها، وهو مقاتلة المشركين في الشهرالحرام، وما رواه الشيخ رحمه الله في «التهذيب» عن الإمام الصادق عليه السلام: «في رجلٍ قَتل رجلاًفي الحرم، أو سرق في الحرم‌؟ قال عليه السلام:

يُقام عليه الحَدّ وصاغراً؛ لأنّه لم يرَ للحرم حُرمة وقد قال اللّه تعالى‌: (فَمَنِ اِعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ‌) (1)، فقال: هذا هو في الحرم، وقال: (فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى اَلظّالِمِينَ‌(2)) »(3)- هو إرادة الأعمّ من المماثلة في الاعتداء والمعتدى به وكيفيّاته، إلّاأنّها لا تدلّ على الضمان واشتغال الذّمة، بل تدلّ على‌).


1) سورة البقرة: الآية 194.

2) سورة البقرة: الآية 193.

3) الكافي: ج 4/227-228 ح 4، وسائل الشيعة: ج 13/225 أبواب مقدّمات الطواف وما يتبعها ب 14 ح 1 (17607).

جواز الاعتداء بالمثل، فلو تصرّف في حنطته جاز له التصرّف في حنطته أيضاً، ولا تدلّ على أزيد من ذلك.

أقول: ثمّ إنّه يقع الكلام في أنّه على فرض دلالة الآية على الضمان:

هل تدلّ على أنّ ضمان المثلى إنّما يكون بالمثل والقيمى كما عن شيخ الطائفة(1)؟

أو تدلّ على وجوب المماثلة في الحقيقة والماليّة في جميع الموارد، كما اختاره الشيخ رحمه الله(2)؟

أم تدلّ على غير ذلك‌؟.

فإنّ محتملاتها أربعة:

الاحتمال الأوّل: أنْيُراد بالمماثلة، المماثلة المطلقة - أي المماثلة في الحقيقة والماليّة -؛ من جهة أنّ‌المماثلة المطلقة هي المماثلة بلا عناية، ولازم ذلك ما أفاده الشيخ رحمه الله من أنّه لو نقص قيمة المثل عن التالف، لا يُجتزي به في مقام الأداء.

الاحتمال الثاني: أنْيُراد بهاالمماثلة في الحقيقة خاصّة؛ من جهة أنّهاالمماثلة العرفيّة، ولازمه ماأفاده المشهور من تعيّن المثل مطلقاً وإن نقص قيمته عن التالف.

الاحتمال الثالث: أنْ يُراد بها المماثلة في الماليّة؛ من جهة أنّ الأغراض العقلائيّة في باب الأموال متعلّقة بحيثيّة الماليّة، ولازمه تعيّن القيمة مطلقاً.

الاحتمال الرابع: أنْ يُراد بها مطلق المماثلة - أي المماثلة من أيّ وجهٍ كان - ولازمه التخيير في أداء أيّهما شاء.

والأظهر منها هو الثاني كما لا يخفى وجهه.8.


1) المبسوط: ج 3/60، والخلاف: ج 3/406، من كتاب الغصب.

2) المكاسب: ج 3/218.

أقول: ظهر ممّا ذكرناه اُمور:

الأوّل: أنّ ما نُسب إلى شيخ الطائفة من دلالة الآية على أنّ المثلي يُضمن بالمثل، والقيمي بالقيمة لا يمكن تصحيحه وتطبيق الآية عليه.

الثاني: أنّ ما اختاره الشيخ الأعظم رحمه الله خلاف الظاهر.

الثالث: أنّ ما اختاره المشهور هو الذي تدلّ عليه الآية، على فرض دلالتها على الضمان.


إذا لم يوجد المثل إلّابأكثر من ثمن المثل

الأمر الخامس: ذكر العلّامة رحمه الله في «القواعد»: (أنّه لو لم يوجد المِثل إلّابأكثر من ثمن المثل، ففي وجوب الشراء تردّد)(1).

أقول: قبل الشروع في البحث، لابدَّ من تقديم مقدّمات:

المقدّمة الأُولى: إذا كانت العين موجودة بنفسها، وجب ردّها وإن زادت قيمتها من جهة الزيادة العينيّة، أو لترقّي القيمة السوقيّة.

وإنْ نقصت قيمتها:

فإنْ كان ذلك من جهة تلف وصفٍ من أوصافها، أو جزءٍ منها، وجب رَدّ تفاوت القيمة لعموم «على اليد».

وإنْ كان ذلك من جهة تنزّل القيمة السوقيّة، يكتفي بردّها، لعدم اشتغال ذمّته إلّا بها.

بل لو سقطت عن الماليّة بالكليّة لا يجب عليه رَدّ شيء آخر.

المقدّمة الثانية: ما تقدّم من أنّ الحقّ شُغل الذّمة بنفس العين إلى حين الأداء، بمعنى كون العين في العهدة، وأنّ الانتقال إلى المِثْل أو القيمة إنّما هو حين الأداء.

المقدّمة الثالثة: إنّ محلّ الكلام فى المقام، ليس هو ما إذا ازدادت القيمة السوقيّة للمثل، بأن صار قيمته أضعاف قيمة التالف يوم تلفه، فإنّه لاإشكال في هذا المورد في وجوب الشراء، فإنّه إنْ اُريد أداء القيمة لابدّ من أداء قيمة يوم الأداء.


1) القواعد: ج 1/228، بتفاوت.

فعلى أيّ تقدير، يتعيّن صرف هذا المقدار من المال، فلا وجه لتوهّم عدم وجوب الشراء ل‍ «لا ضرر» وغيره، بل محلّ البحث ما إذا لم يوجد المثل إلّاعند من لا يبيعه إلّابثمن غال، والأقوال فيه ثلاثة:

القول الأوّل: وجوب الشراء، كما عن جمعٍ‌، منهم العلّامة(1)والشيخ رحمه الله(2).

القول الثاني: عدم وجوب الشراء، وأنّ حكمه حكم تعذّر المثل - وسيأتي(3)- اختاره جمعٌ آخرون(4).

القول الثالث: ما أفاده السيّد رحمه الله(5)وغيره، من التفصيل بين ما لو علم الآخذ بعدم الاستحقاق، وما لو لم يعلم بذلك، فيجب الشراء في الأوّل دون الثاني.

واستدلّ للأوّل: بإطلاق النَّص والفتوى‌.

وفيه: إنّ إطلاق النص تُرفع اليد عنه بحديث «لا ضرر»(6)، الحاكم على جميع أدلّة الأحكام الواقعيّة.

أقول: وأُورد على التمسّك بحديث «لا ضرر» في المقام بإيرادت:

الإيراد الأوّل: أنّ هذا الحكم بنفسه ضرريٌ في جميع الموارد، فلا محالة يكون دليله مخصّصاً للحديث.).


1) كالعلّامة في تحرير الأحكام: ج 2/139.

2) المكاسب: ج 3/222، ومنهم الشيخ في الخلاف: ج 3/415، مسألة 29، وغيرهم.

3) في الصفحة 349، مبحث (لو تعذّر المثل في المثلي) من هذا المجلّد.

4) ممّن اختاره المحقّق الأيرواني في حاشيته: ج 1/98.

5) حاشية المكاسب: ج 1/98.

6) الكافي: ج 5/292 باب الضرار، وسائل الشيعة: ج 25/428 أبواب إحياء الموات ب 12 (عدم جوازالإضرار بالمسلم).

وفيه: إنّه يتمّ بالنسبة إلى المقدار الزائد، كما لا يخفى‌.

الإيراد الثاني: إنّ جريان دليل الضرر في إلزام الضامن بالشراء، يتعارض مع منع المالك من مطالبة المثل بحقّه.

وفيه: إنّ كون حقّه المثل في هذا الفرض أوّل الكلام.

الإيراد الثالث: أنّه لا ضرر في متعلّق التكليف، وهو دفع المثل، وإنّما الضرر في مقدّماته، وهو شراء المثل بأزيد من ثمن المثل، فلا وجه للتمسّك بحديث نفي الضرر لعدم وجوبه.

وفيه أوّلاً: إنّ المقصود دفع وجوب الشراء بحديث «لا ضرر»(1).

وثانياً: إنّ حديث «لا ضرر» لا يختصّ بما إذا كان متعلّق الحكم ضرريّاً، بل يدلّ على نفي الحكم الناشئ من قِبله الضرر، وفي المقام الضَّرر إنّما ينشأ من وجوب دفع المثل.

الإيراد الرابع: إنّه أقدم الضامن بنفسه عليه بقبضه مال الغير بلا استحقاق.

وفيه أوّلاً: إنّه لو تمّ فإنّما هو في صورة العلم بعدم الاستحقاق، وأمّا في صورة الجهل فلا يتمّ‌، وبذلك ظهر مدرك القول الثالث.

وثانياً: إنّ أخذ العين إنّما يكون إقداماً على ضمان المثل، وإنْ كان لم يوجد إلّا بأكثر من ثمن المثل، إذا كان حكمه في الشريعة هو ذلك، فلا يصحّ تعليل الحكم بذلك لاستلزامه الدور.).


1) الكافي: ج 5/292 باب الضرار، وسائل الشيعة: ج 25/428 أبواب إحياء الموات ب 12 (عدم جواز الإضرار بالمسلم).

وبعبارة أُخرى‌: الإقدام على الضرر إنّما يكون متوقّفاً على ثبوت هذا الحكم، ولو توقّف ذلك عليه لزم الدور.

وثالثاً: إنّ الإقدام على الضرر ليس من موانع جريان حديث «لا ضرر»، إلّا في الموارد التي يكون رفع الحكم خلاف الامتنان أو غير موافق له.

والغريب أنّ السيّد قدس سره بنى على ذلك في «العروة»(1)، ولذا أفتى ببطلان وضوء من تحمّل الضرر وتوضّأ، ومع ذلك في المقام استند إلى قاعدة الإقدام.

ورابعاً: إنّ الإقدام المانع عن جريان الحديث، والتمسّك به، هو الإقدام على الضرر، كما لو توضّأ بالماء مع كون الوضوء ضرريّاً، أو اشترى شيئاً مع علمه بعدم مساواة قيمته مع الثمن.

وأمّا لو فعل فعلاً، الذي لو حكم الشارع بحكم يكون ذلك الحكم ضرريّاً - كما لو أكل في اللّيل شيئاً يكون أكله سبباً لصيرورة الصوم ضرريّاً عليه، أو أجنب نفسه مع كون الغسل ضرريّاً عليه - فلا يكون ذلك الإقدام سبباً لعدم شمول الحديث. فتدبّر فإنّه دقيق.

والمقام من قبيل الثاني، فإنّ أخذ العين هو المُقْدِم عليه، وهو ليس ضرريّاً، والضرر إنّما ينشأ من حكم الشارع بوجوب رَدّ المثل، فيشمله حديث نفي الضرر.

فتحصّل: أنّ مقتضى حديث نفي الضرر، عدم وجوب الشراء.

ويشهد له: - مضافاً إلي ذلك - ما تقدّم من أنّ وجوب رَدّ المثل إنّما هو فيما لو كان المثل كثيراً مبذولاً، وإلّا فهو قيمي، ولا فرق فى ذلك بين كون عِزّة الوجود بدويّة أوم.


1) العروة الوثقى: ج 2/171، مسألة 18 من مسوّغات التيمّم.

طارئة، فكون الشيء مثليّاً في زمانٍ لا يوجب كونه كذلك إلى الأبد.

وعليه، فالأظهر عدم وجوب الشراء، وممّا ذكرناه ظهر مدرك القول الثالث وجوابه.

إذا سقط المِثْل عن الماليّة

قال الشيخ قدس سره: (بل ربما احتمل بعضهم ذلك مع سقوط المِثْل في زمان الدفع عن الماليّة... الخ)(1).

أقول: قد تقدّم أنّه لا إشكال في أنّه إذا سقطت العين المأخوذة عن الماليّة، من دون أن ينقص منها شيء، ولا من صفاتها ومنافعها، لما وجب عليه شيءٌ سوي رَدّها.

إنّما الكلام فيما إذا تلفت وكانت مثليّة، وسقط المثل عن الماليّة، فإنّ الأظهر عدم الانتقال إلى القيمة، وكفاية رَدّ المثل، وذلك لأنّ مقتضى الأدلّة وجوب المثل، وأمّا الماليّة المنتزعة من ميل النّاس ورغبتهم، أو اعتبار من بيده الاعتبار - كالتومان المتداول في هذا الزمان - فهي لا تكون مضمونة.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ العين بما لها من الخصوصيّات تكون في العهدة إلى حين الأداء، وهي في الفرض حين الأداء لا قيمة لها، فلا وجه للانتقال إلى القيمة، وأداء قيمة يوم الأخذ أو يوم التلف، والفائت إنّما هو رغبات النّاس أو اعتبار المعتبر، لا شيء من المأخوذ.

أقول: ويشهد لما اخترناه - مضافاً إلى أنّه مقتضى القاعدة - صحيح معاوية بن سعيد، قال: «سأله معاوية بن سعيد عن رجلٍ‌استقرض دراهم من رجلٍوسقطت


1) المكاسب: ج 3/223.

تلك الدّراهم أو تغيّرت، ولا يباع بها شيء، ألصاحب الدّراهم الدّراهم الأُولى، أو الجائزة التي تجوز بين النّاس‌؟

فقال عليه السلام: لصاحب الدّراهم الدّراهم الأُولى‌»(1).

وقد استدلّ لضمان الماليّة في هذه الصورة بوجوه:

الوجه الأوّل: إنّ الزمان والمكان من خصوصيّات العين الدخيلة في ماليّتها، فإنّ الماء في مفازة الحجاز غير الماء على الشاطيء، وكذلك الثلج في الشتاء غير الثلج في الصيف، فإذا أخذ الماء في المفازة، والثلج في الصيف، تكون خصوصيّة الزمان والمكان في عهدة الضامن، ولا يكون ردّهما على الشاطيء وفي الشتاء أداءً للمأخوذ، فلا مناص عن رَدّ القيمة أداءً للخصوصيّتين.

وفيه: - مضافاً إلى أنّ لازم ذلك لزوم تدارك الماليّة إذا سقطت العين عن الماليّة، وتدارك النقصان إذا نقص المثل عن التالف من حيث القيمة، مع أنّهم غير ملتزمين بذلك - ان الزمان والمكان ليسا دخيلين في الماليّة، بل أصل القيمة وترقّيها ينشئان من كثرة الراغب وقلّة الوجود، كما أنّ عدمها وتنزّلها ينشئان من كثرة الوجود وقلّة الطالب، بلا دخلٍ للزمان والمكان في ذلك، فإنّ الثلج في الصيف إذا كَثُر لو قَلّ طالبه تنقص ماليّته، أو يسقط عنها، وهو في الشتاء إذا قَلّ وكثر راغبه ارتفع سعره، وعليه فالمعيار ما ذكرناه.

وبالجملة: سقوط الماليّة:

تارةً‌: يكون من جهة نقصٍ في ذلك الشيء، كما إذا صار الثلج ماءً‌.).


1) التهذيب: ج 7/117 ح 114، وسائل الشيعة: ج 18/207 أبواب الصرف ب 20 ح 4 (23506).

وأُخرى‌: يكون من جهة عدم احتياج النّاس لأجل كثرة وجوده أو غير ذلك، مع بقائه على ما هو عليه من الخصوصيّات.

ففي الأوّل يُحكم بالضمان لعموم أدلّته، ولا يحكم به في الثاني.

الوجه الثاني: الاستدلال بحديث «لا ضرر»(1). بتقريب أنّ المأخوذ حين أخذه كان له ماليّة، فإذا رَدّ مثله مع عدم الماليّة له من دون تداركها، يكون ذلك ضرراً على المالك، والحديث ينفيه.

وفيه: إنّه لو كان مفاد الحديث ما اختاره بعض معاصري الشيخ الأعظم رحمه الله(2)- من نفي الضرر غير المتدارك - تَمّ ما ذكر، لأنّ لازمه ثبوت التدارك في موارد الضرر بالأمر به في الشريعة المقدّسة، وإنْ كان ثبوت ضمان الأخذ على هذا الوجه أيضاً لا يخلو من إشكال، لأنّ غاية ما يقتضيه هذا المسلك، لزوم التدارك، أمّا كون المتدارك هو الأخذ، فلا يدلّ عليه، فليكن التدارك من بيت المال.

أقول: ولكن قد حقّقنا في محلّه(3)ضعف المبنى، وأنّ الحديث إنّما ينفي الأحكام الضرريّة، ولا يثبت به حكمٌ‌، فلا يثبت به الضمان في المقام.

الوجه الثالث: ما أفاده المحقّق الاصفهاني رحمه الله(4)، من أنّ دليل وجوب رَدّ المثل إنّما يكون دليلاً على التضمين والتغريم، فلابدَّ من رعاية حيثيّة الماليّة، إذ المال التالف لا يُتدارك إلّابالمال.8.


1) الكافي: ج 5/292 باب الضرار، وسائل الشيعة: ج 25/428 أبواب إحياء الموات باب 12 (عدم جوازالإضرار بالمسلم).

2) هو الفاضل التوني في الوافية: ص 194، وحكاه عنه الشيخ في الفرائد: ج 2/455.

3) زبدة الأُصول: ج 5/183.

4) حاشية المكاسب: ج 1/368.

ثمّ قال: (ومنه تبيّن الفرق بين سقوط العين عن الماليّة، وسقوط المثل عن الماليّة، فإنّ رَدّ المِلك(1)بلحاظ ملكيّتها لا بلحاظ ماليّتها، لكن التضمين والتغريم بلحاظ ماليّتها، فيجبُ حفظ الماليّة في الثاني دون الأوّل).

أقول: ولكن يرد عليه قدس سره أمران:

الأوّل: أنّه لا فرق بين العين والمثل، ووجوب رَدّ كليهما إنّما ثبت بعموم قاعدة «على اليد»، وهو بالنسبة إليهما على حَدٍّ سواء، فلو قلنا بلزوم غرامة الماليّة في المِثْل، فإنّه لا مناص عن القول به في العين أيضاً.

الثاني: إنّ أدلّة الضمان إنّما تدلّ على وجوب رَدّ العين مع وجودها، والمثل بعد تلفها إنْ كان مثليّاً، وقد تقدّم أنّ المماثلة المعتبرة هي المماثلة من حيث الحقيقة، وحيث أنّ الماليّة ليست صفة في العين أو المثل، فلا وجه لضمانها.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ العين بعد تلفها إنّما تكون في العهدة إلى حين الأداء، وهي على الفرض لا ماليّة لها حينه، فلا وجه لأدائها.

فتحصّل: أنّ الأظهر بحسب القواعد ما اختاره صاحب «الجواهر» رحمه الله(2)، واحتمله في «القواعد»، من أنّه إذا سقط المثل عن الماليّة، لا ينتقل الفرض إلى القيمة، بل يكفي رَدّ المثل.

قال الشيخ رحمه الله: (ثمّ‌إنّه لا فرق في جواز مطالبة المالك بالمثل، بين كونه في مكان التلف أو غيره، ولا بين كون قيمته في مكان المطالبة أزيد من قيمته في مكان التلف أم9.


1) في المصدر: رَدّ العين.

2) جواهر الكلام: 37/99.

لا، وفاقاً لظاهر المحكيّ عن «التحرير» و «التذكرة» و «الإيضاح» و «الدروس» و «جامع المقاصد»)(1)انتهى‌.

أقول: لا ينبغي التوقّف في جواز مطالبة المالك لماله من العين أو المثل في أيّ مكانٍ كان؛ لعموم «النّاس مسلّطون على أموالهم»(2)، وكذا لا إشكال في وجوب رَدّ العين إذا كانت موجودة، والمثل إذا كانت قيمته في مكان المطالبة مساوية لقيمته في مكان التلف.

إنّما الكلام فيما إذا كانت قيمته في مكان المطالبة أزيد من قيمته في مكان التلف، وفيه وجوه وأقوال:

القول الأوّل: وجوب رَدّه على الضامن.

القول الثاني: عدم وجوب ردّه على الضامن.

القول الثالث: التفصيل بين البلدان التي نقل الضامن العين إليها وبين غيرها، فإنْ طالبه في أحد تلك البلدان وجب الرّد، وإنْ طالبه في غيرها لا يجب.

واستدلّ السيّد قدس سره(3)للأخير: بانصراف أدلّة الضمان، نظير ما يقال في القرض من الانصراف إلى بلد وقوعه، فإنّ المستفاد منها وجوب الرّد والدفع في مكان ذلك المال، ولا يفهم جواز الإلزام بذلك في كلّ مكان أراد المالك.

وفيه: إنّه في باب القرض يتمّ ما ذكر لكون الانصراف هناك عقديّاً، وهذا بخلاف باب الضمان.9.


1) المكاسب: ج 3/224.

2) عوالي اللآلي: ج 2/138 ح 383، بحار الأنوار: ج 2/272.

3) حاشية المكاسب: ج 1/99.

أقول: والأظهر هو الأوّل؛ لأنّ العين لا تخرج عن العهدة بعد تلفها كما تقدّم، فمال المالك في عهدة الضامن، ومقتضى عموم قاعدة «على اليد ما أخذت» وغيره من الأدلّة، لزوم الخروج عن عهدته في أيّ مكان كانت المطالبة.


لو تعذّر المِثْل في المثلي

الأمر السادس: ويدور البحث فيه عمّا لو تعذّر المِثْل في المثلي.

أقول: والكلام في هذا الأمر يقع في مقامات:

المقام الأوّل: فى أنّه إذا تعذّر المثل فى المثلي، هل يكون مضموناً بالقيمة أم لا؟.

والكلام في هذا المقام يقع في موردين:

الأوّل: في ما إذا طالب المالك.

الثاني: في فرض عدم مطالبته.

أمّا المورد الأوّل: فقد استدلّ على الانتقال إلى القيمة بوجوه:

الوجه الأوّل: ما ذكره الشيخ رحمه الله بقوله: (لأنّ منع المالك ظلمٌ‌، وإلزام الضامن بالمثل منفيٌّ بالتعذّر، فوجب القيمة؛ جمعاً بين الحقّين)(1).

وفيه: إنّ الامتناع عن أداء القيمة إنّما يكون ظلماً إذا كان حقّه هو القيمة في فرض تعذّر المثل، وإلّا فلو كان حقّه هو المثل، فهو بنفسه متعذّرٌ، لا أنّه ممنوعٌ عن حقّه، فثبوت الاستحقاق به دوري.

الوجه الثاني: ما أفاده السيّد في «الحاشية»(2)والمحقّق النائيني رحمه الله(3)من أنّه للعين جهات ثلاث:

الخصوصيّة الشخصيّة، والخصوصيّة النوعيّة، والحيثيّة الماليّة.


1) المكاسب: ج 3/226.

2) حاشية المحقّق الاصفهاني: ج 1/369-370.

3) منية الطالب: ج 1/141، وانظر كتاب الصلاة (للنائيني): ج 1/380.

فبمقتضى الأدلّة وجب رَدّ جميعها على الآخذ، فكما أنّه إذا امتنع رَدّ الخصوصيّة الشخصيّة لم يسقط وجوب رَدّ الجهتين الأخيرتين، كذلك إذا امتنع رَدّ الخصوصيّة النوعيّة لم يكن وجهٌ لسقوط الجهة الثالثة، فيجب رَدّ القيمة من هذه الجهة.

وفيه: إنّ الماليّة الواجب رَدّها في المثلي إنّما هي الماليّة الخاصّة الموجودة في المثل، فوجوب رَدّ ماليّة أُخرى مجرّدة عن الخصوصيّة النوعيّة مع كون التالف مثليّاً يحتاج إلى دليل آخر.

الوجه الثالث: ما استند إليه السيّد رحمه الله(1)أيضاً، وهو حديث «لا ضرر»(2)، فإنّه يدلّ على نفي كلّ حكمٍ وجودي أو عدمي ينشأ منه الضرر في الشريعة، ومن تلك الأحكام هذا الحكم.

وفيه: إنّ لزوم الصبر على المالك، وجواز تأخير الضامن بالقياس إلى المثل وإنْ كانا ضررين، إلّاأنّهما عقليّان، ومن باب تعذّر أدائه، وأمّا عدم لزوم أداء القيمة، فهو لا يكون ضرراً عليه؛ فإنّ الامتناع عمّا لا يستحقّه لا يكون ضرراً عليه، وإثبات حقّه به دورٌ واضح.

الوجه الرابع: ما أفاده الشيخ رحمه الله(3)أيضاً، وهو قوله تعالى‌: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اِعْتَدى عَلَيْكُمْ‌) (4).4.


1) حاشية المكاسب: ج 1/99.

2) الكافي: ج 5/292، باب الضرار، وسائل الشيعة: ج 25/428 أبواب إحياء الموات ب 12 (عدم جواز الإضرار بالمسلم).

3) المكاسب: ج 3/226.

4) سورة البقرة: الآية 194.

بتقريب: أنّ الضامن إذا أُلزم بالقيمة مع تعذّر المثل، لم يكن ذلك اعتداءً عليه أزيد ممّا اعتدى.

وفيه: إنّ الآية على فرض دلالتها على الضمان، إنّما تدلّ على لزوم الاعتداء بالمثل، ولا تدلّ على أنّ الاعتداء المأمور به هو ما لا يزيد على ما اعتدى عليه، وإلّا لزم جواز المطالبة بالقيمة حتّى مع عدم تعذّر المثل.

أقول: والصحيح أنّ يستدلّ له بما تقدّم من أنّ الشيء إذا لم يكن مثله كثيراً مبذولاً فهو قيميٌ‌، من غير فرقٍ بين التعذّر في جميع الأعصار أو في عصرٍ واحد ومن باب الاتّفاق، فالمثلي المتعذّر مثله قيمي، فللمالك مطالبة القيمة لأنّها حقّه.

والغريب أنّ المحقّق النائيني رحمه الله مع تصريحه بهذا في الأمر السابق، لم يلتزم به في المقام، بل صرّح بخلافه، فراجع(1).

المورد الثاني: في أنّه إذا لم يطالب المالك، فهل للضامن إلزام المالك بقبول القيمة أم لا؟

أقول: فيه وجهان بل قولان، أظهرهما الأوّل، لأنّه بناءً على ما عرفت في وجه لزوم أداء القيمة لو طالب المالك، يكون حقّ المالك ثابتاً في القيمة قبل المطالبة، فللضامن إلزامه بقبول حقّه.

نعم، بناءً على ما أفاده الشيخ رحمه الله في وجه ذلك أوّلاً، ليس للضامن إلزامه بذلك، لأنّ الانتقال إلى القيمة إنّما يكون من جهة الجمع بين الحقّين، فإذا لم يطالب المالك لما كان وجه للانتقال.0.


1) لاحظ منية الطالب: ج 1/139-140.

وبالجملة: بهذا التقريب يظهر أنّه لا يرد عليه ما ذكره المحقّق الايرواني رحمه الله من أنّه (إذا جاز للمالك مع تعذّر المثل مطالبة القيمة، كَشف ذلك عن أنّ حقّه هو القيمة، فجاز إلزامه بأخذ القيمة وتفريغ ذمّة الضامن عن حقّه)(1).

الزمان المعتبر فيه قيمة المثل المتعذّر

المقام الثاني: ويدور البحث فيه عن أنّ العبرة في قيمة المثل المتعذّر بقيمة أي يوم، والوجوه المحتملة التي بعضها أقوال خمسة عشر(2)، إلّاأنّ ما يمكن أنْ يُذكر له ليس إلّاعشرة وجوه كما ستعرف، ومنشأالاختلاف، هو الخلاف في أمرين:

أحدهما: أنّ المدار في القيمي:

1 - على قيمة يوم الدفع‌؟

2 - أو قيمة يوم الغصب.

3 - أو قيمة يوم التلف.

4 - أو أعلى القيم من يوم الأخذ إلى يوم الدفع.

5 - أو الأعلى من يوم الأخذ إلى يوم التلف.

وسيأتي قريباً في الأمر الثامن تنقيح القول في ذلك.

ثانيهما: إنّه بناءً على الانتقال إلى القيمة، هل العين تصبح قيمية، أو القدر المشترك بينهما يكون قيميّاً؟.

أقول: وحقّ القول في المقام يقتضي البحث في موردين:


1) حاشية المكاسب: ج 1/99.

2) ذكرها السيّد اليزدي في حاشية المكاسب: ج 1/99.

الأوّل: في بيان المختار.

الثاني: في بيان الوجوه التي ذكرت أو يمكن أنْ تذكر لسائر الأقوال.

أمّا المورد الأوّل: فحيث عرفت أنّ العين تكون في العهدة إلى زمان الأداء، وعرفت في ضابط القيمي والمثلي ان العين المتعذّر مثلها تصبح قيمية، وستعرف أنّ العبرة في القيميّات بقيمة يوم الأداء، فلا محالة تعرف أنّ المدار في المثل المتعذّر مثله على قيمة يوم الدفع.

وأمّا المورد الثاني: فالبحث فيه من جهات:

فإنْ قيل: إنّ المأخوذ بنفسه يصبح قيميّاً، تأتي فيه احتمالاتٍ خمسة، وهي:

1 - قيمة يوم الأخذ.

2 - قيمة يوم التلف.

3 - قيمة يوم الأداء.

4 - أعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم التلف.

5 - أعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم الدفع.

وإنْ قيل: إنّ المثل يصير قيميّاً، جاء فيه أيضاً احتمالات خمسة:

1 - قيمة يوم الغصب، وهو يوم تلف العين، فإنّه يوم غصب المثل، وكونه في الذّمة إلى يوم إعواز المثل.

2 - قيمة يوم الأداء.

3 - قيمة يوم الإعواز باعتبار كونه يوم تلف المثل.

4 - أعلى القيم من يوم تلف العين، الذي هو يوم غصب المثل إلى يوم إعواز

المثل الذي هو يوم تلفه.

5 - أعلى القيم من يوم تلف العين إلى يوم الأداء.

وإنْ قيل: إنّ‌الجامع بينهما يصير قيميّاً، جاءفيه أيضاً احتمالات خمسة، وهي:

1 - قيمة يوم الأداء.

2 - وقيمة يوم الغصب، وهو يوم غصب العين؛ إذ غصب القدر المشترك يكون بغصب العين.

3 - وقيمة يوم التلف، وهو يوم إعواز المثل، فإنّ تلف القدر المشترك يكون بتعذّر المثل وعدم التمكّن من أدائه.

4 - وأعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم الدفع.

5 - وأعلى القيم من يوم الغصب إلى يوم التلف.

أقول: وحيث أنّ احتمالين من احتمالات كون المثل قيميّاً - وهما الأولان - ينطبقان مع احتمالين من القول بكون المأخوذ قيميّاً - وهما الثاني والثالث - كما لا يخفى‌، واحتمالات أربعة من القول بكون الجامع يصير قيميّاً، وهي غير الأخير، ينطبق مع احتمالات القولين الأولين، وإنّما لا ينطبق خصوص الأخير؛ من جهة أنّه على هذا المسلك يكون هو الأعلى من يوم غصب العين إلى يوم الإعواز.

فالمتحصّل من هذه المسالك: أنّ الاحتمالات التي لها وجهٌ هي تسعة، وهناك احتمالٌ آخر، وهو كون المدار على قيمة يوم المطالبة، بناءً على أنّ انقلاب المثل إليها إنّما هو حينها.

هذه هى المحتملات التى لها وجهٌ‌، وأمّا غير ذلك من الاحتمالات فإمّا لا أساس لها،

أو لا تتفاوت بها القيمة مع المحتملات المذكورة.

فتحصّل: أنّ المحتملات التي لها وجهٌ هي عشرة:

الأوّل: قيمة يوم قبض العين.

الثاني: قيمة يوم تلفها.

الثالث: قيمة يوم إعواز المثل.

الرابع: قيمة يوم الدفع.

الخامس: أعلى القيم من يوم قبض العين إلى يوم الدفع.

السادس: أعلى القيم من يوم تلف العين إلى يوم الأداء.

السابع: أعلى القيم من يوم قبض العين إلى يوم تلفها.

الثامن: أعلى القيم من يوم قبض المثل - أي تلف العين - إلى يوم الإعواز.

التاسع: أعلى القيم من يوم قبض العين إلى يوم الإعواز.

العاشر: قيمة يوم المطالبة.

وبذلك يظهر عدم تماميّة ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله(1)، من أنّ المحتملات ثمانية، فضلاً عن أنّ المحتمل الثالث في كلامه قدس سره متّحدٌ مع الخامس. فراجع وتدبّر.

عدم الفرق بين التعذّر البدوي والطاري

المقام الثالث: ظاهر كلام المصنّف رحمه الله(2)اختصاص هذه الاحتمالات بصورة طروّ التعذّر، لا ما تعذّر فيه المثل ابتداءً‌.


1) منية الطالب: ج 1/143.

2) القواعد: ج 1/203.

وعن «جامع المقاصد»(1)

(2و3) المكاسب: ج 3/234 و 235.

: إنّه حينئذٍ يتعيّن كون التالف قيميّاً.

أقول: قد ذُكر في وجه التفصيل اُمورٌ:

الأمر الأوّل: إنّه في صورة التعذّر ابتداءً‌، لا يكون التكليف بأداء المثل منجزاً في وقتٍ من الأوقات، وهذا بخلاف صورة التعذّر الطاريء.

وأورد عليه الشيخ رحمه الله(2): بأنّ التمكّن من الأداء ليس شرطاً في الحكم الوضعي، أي اشتغال الذّمة بالمثل، كما لا يشترط في استقراره استدامته.

ولكن يرد على الشيخ رحمه الله: إنّ مبنى التوجيه المزبور على أنّ الضمان ليس بنفسه أمراً اعتباريّاً استقلاليّاً، بل هو منتزعٌ من التكليف الفعلي بأداء البدل.

أقول: أساس الإيراد إنّما هو كونه أمراً اعتباريّاً مستقلّاً في الجعل، فهما لا يردان على مبنى فارد.

فالحقّ أنْ يورد عليه: بأنّه بناءً على كونه أمراً اعتباريّاً، إنْ صَحّ اعتباره في فرض التعذّر الطارئ، صَحّ في الابتدائي أيضاً، لأنّه إذا لم يكن مانعٌ من اشتغال الذّمة بالشيء، مع عدم التمكّن من أدائه، صَحّ ذلك في التعذّر البدوي، وإلّا لما صَحّ بقاءً أيضاً.

الأمر الثاني: ما ذكره الشيخ رحمه الله(3)، من أنّ الأدلّة في مقام الإثبات قاصرة عن الشمول لصورة التعذّر البدوي، وأمّا إذا طرأ العجز، فلا دليل على سقوط المثل أو انقلابه قيميّاً.

وفيه: إنّه إذا كانت الأدلّة في مقام الإثبات قاصرة عن شمول صورة التعذّر الابتدائي، لزم أنْ لا تكون الذّمة مشغولة بالقيمة في القيمي مع تعذّر أدائها ابتداءً‌.5.


1) جامع المقاصد: ج 6/252.

الأمر الثالث: ما ذكره بعض أكابر المحقّقين(1)، من أنّ الفرق بين العجز البدوي والطارئ، هو عدم صدق ضابط المثليّة في الأوّل، وصدقه في الثاني.

توضيحه: إنّ ضابط كون الشيء مثليّاً، كون الشيء ذا مماثل موجود، لا كونه ذا مماثل نوعاً.

وعليه، فمع العجز البدوي لا يكون التالف مثليّاً بخلاف صورة طروّ العجز.

وفيه: إنّه إذا كان ضابط المثليّة، كون الشيء ذا مماثلٍ موجود، فعند طروّ التعذّر لا يكون بقاءً كذلك، فلا مناص عن القول بالانقلاب.

فتحصّل: أنّه لا فرق بين الصورتين.

ثمّ إنّ هذا كلّه على مسلك المشهور من اشتغال الذّمة بالمثل أو القيمة، وأمّا على المختار من كون العين في العهدة، فعدم الفرق أوضح.

المراد من إعواز المثل

المقام الرابع: في بيان المراد من الإعواز.

فعن المصنّف رحمه الله(2): أنّ المراد به عدم وجوده في البلد وما حوله.

وعن «المسالك»(3)زيادة قوله: (ممّا ينقل إليه عادةً‌).

وعن المحقّق الثاني(4): الرجوع فيه إلى العرف.


1) المحقّق الاصفهاني في حاشية المكاسب: ج 1/373.

2) تذكرة الفقهاء (ط. ق): ج 2/383.

3) المسالك: ج 12/183.

4) جامع المقاصد: ج 6/245.

والشيخ رحمه الله(1)ذهب إلى الأخير؛ بناءً على قيام الإجماع على ثبوت القيمة عند الإعواز، وأمّا إذا كان المجمعون بين معبّر بالإعواز ومعبّر بالتعذّر، كان المتيقّن الرجوع إلى الأخصّ وهو المتعذّر.

ثمّ مال قدس سره إلى ما عن العلّامة(2)من جهة النَّص الوارد في السَّلم، أنّه إذا لم يقدر المُسلّم إليه على إيفاء المسلم فيه تخيّر المشتري(3).

بتقريب: إنّه من المعلوم أنّ المراد بعدم القدرة بحسب المتفاهم العرفي ذلك، ثمّ قال: (وهذا يُستأنس به للحكم فيما نحن فيه)(4).

أقول: إنّ الإعواز والتعذّر لم يردا في رواية، ولا هما معقد إجماعٍ تعبّدي حتّى يُنازع في صدقهما، بل الفقهاء بعد استخراجهم الحكم من القواعد عَبّروا بهما، وعليه فيتعيّن ملاحظة القواعد.

ومحصّل الكلام: - أنّه بعد مفروغيّة أنّه إذا كان المثل موجوداً ليس للمالك مطالبة القيمة، وإلزام الضامن بأدائها، وله الإلزام بأداء المثل - أنّ هنا مسألتين:

الأُولى: أنّه متى ليس للمالك إلزام الضامن بالمثل.

الثانية: أنّه متى للمالك إلزامه بأداء القيمة.

أمّا المسألة الأُولى‌: فليس للمالك إلزامه بأدائه إذا لم يتمكّن عقلاً أو شرعاً، بأن كان الأداء ضرريّاً عليه أو حَرَجيّاً.6.


1) المكاسب: ج 3/236.

2) في التذكرة (ط. ق): ج 2/383.

3) الكافي: ج 5/186 ح 10، وسائل الشيعة: ج 18/305 أبواب السلف ب 11 ح 7 (23727) وغيره.

4) المكاسب: ج 3/236.

وبعبارة أُخرى‌: متى انتفى أحد الشروط للتكليف، من غير فرقٍ في ذلك بين وجود المثل في البلد أو غيره، كما أنّ له إلزامه به إذا كانت شروط التكليف موجودة، ولو كان المثل في بلد بعيد.

وأمّا المسألة الثانية: فليس له إلزامه بأدائها إلّاإذا تعذّر المثل عقلاً، وإلّا فلو لم يكن متعذّراً عقلاً، ولكن كان أدائه حَرَجيّاً أو ضرريّاً، له أن يتحمّل الضرر والحرج، ويؤدّي المثل. وهذا أيضاً لا فرق فيه بين البلد وغيره.

في معرفة قيمة المثل

المقام الخامس: في معرفة قيمة المثل.

أقول: منشأ اختلاف القيمة:

إنْ كان اختلاف الأيّام والفصول، فقد تقدّم الكلام في تعيينها.

وإنْ كان اختلاف الأمكنة، فسيأتي الكلام فيه.

وإنْ كان اختلاف الأيّام في عِزّة الوجود وكثرته، فالميزان هو قيمة اليوم الذي عيّن لذلك، سواءٌ أكان هو يوم الغصب، أو يوم التلف، أو يوم الأداء، أو غير ذلك.

وبالجملة: حيث عرفت أنّ العين إنّما تكون في العهدة إلى حين الأداء - ولذلك بنينا على أنّ المدار على قيمة يوم الأداء - فيفرض العين موجودة يوم الأداء، وتقوّم وتُؤدّى تلك القيمة الفرضيّة.

وعليه، فلا إشكال في المسألة.

الاعتبار ببلد المطالبة أو بلد التلف

المقام السادس: إذا كانت قيمة المثل فى بلد المطالبة مخالفة لقيمته فى بلد التلف، فهل الاعتبار ببلد المطالبة، أو ببلد التلف، أو يتخيّر المالك في التعيين، أو يتخيّر الضامن

فيه‌؟، وجوه.

أقول: المسألة مبنيّة على مسألة مطالبة المثل، مع عدم تعذّره، وقد عرفت أنّ الأظهر جواز المطالبة فى كلّ مكانٍ شاء المالك، وعليه فالعبرة فى المقام ببلد المطالبة.

وفصّل الشيخ الطوسي في «المبسوط»(1)، بما محصّله:

إنّ للمالك مطالبة القيمة في كلّ مكانٍ كان له مطالبة المثل، فإنْ كان المثل ممّا لا مؤونة في نقله كان له المطالبة بالقيمة مطلقاً، وإنْ كان في نقله مؤونة، فإنْ كانت القيمتان متساويتين، فله المطالبة بها أيضاً مطلقاً، وإنْ كان في نقله مؤونة وكانت القيمتان مختلفتين، فليس له إلّامطالبة قيمة بلد التلف.

ولكن يرد عليه: أنّ الضرر الذي لأجله حكم في الصورة الأخيرة بعدم لزوم أداء المثل أو قيمته في بلد المطالبة:

إنْ كان من جهة الاحتياج إلى مؤونة النقل، فهو موجودٌ في الصورة الثانية.

وإنْ كان من جهة زيادة القيمة، فهو موجودٌ في الصورة الأُولى‌.

وإنْ كان من جهة مجموع الأمرين، فيرد عليه أنّ الانضمام يوجبُ زيادة الضرر لا أصله.

وبالجملة: فالالتزام بالتفصيل، وأنّ له المطالبة في أيّ مكانٍ شاء في الصورتين الأوليتين، وأنّ العبرة ببلد التلف في الأخيرة ممّا لا وجه له.

التمكّن من المِثل بعد دفع القيمة

المقام السابع: لو دفع القيمة في المِثل المتعذّر مثله، ثمّ تمكّن من المثل:

بناءً على المختار من أنّ التالف إذا تعذّر مثله يصبح قيميّاً فإنّ القول بأنّ‌


1) المبسوط: ج 3/76.

الأقوى عدم عود المثل إلى ذمّته يعدّ واضحاً؛ لأنّه مع صيرورته قيميّاً وأدّى الضامن القيمة، فقد برئت ذمّته، فلا موجب لاشتغال الذّمة بالمثل.

وإنْ شئتَ قلت: إنّ القيمة بدلٌ للعين لا للمثل، فلا موهم لكون القيمة بدل الحيلولة للمثل.

وأمّا بناءً على أنّ المثل يصبح قيميّاً:

فإنْ قلنا ببقائه في الذّمة إلى حين الأداء، وأنّ المالك يُسقط خصوصيّة المماثلة للطبيعة ويطالب الماليّة، ولذلك له أن يصبر إلى أن يتيسّر المثل، فلا يعود المثل في ذمّته أيضاً، وكذلك لو قلنا بانقلاب شُغل الذّمة من المثل إلى قيمته.

نعم، بناءً على القول ببقاء المثل في الذّمة، يعقل اعتبار بدل الحيلولة؛ من جهة أنّه بالتعذّر لا يسقط المثل عن الذّمة، وإنّما يؤدّي القيمة لأن ينتفع بها إلى أن يتيسّر المثل.

ضمان القيمي بالقيمة

المقام الثامن: لو كان التالف - المبيع فاسداً - قيميّاً، فقد حُكي(1)الاتّفاق على كونه مضموناً بالقيمة.

أقول: والكلام في هذا الأمر يقع في موارد:

المورد الأوّل: في أنّه هل تشتغل الذّمة حين التلف بالقيمة في القيميّات، أم تبقى العين في العهدة إلى حين الأداء؟.


1) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 6/243-244.

المشهور بين الأصحاب هو الأوّل، والحقّ هو الثاني؛ لما تقدّم في الأمر السابق من ظهور قاعدة «على اليد» في ذلك، ولا ينافيه شيء من الأخبار:

أمّا ما دلَّ على الضمان فواضح.

وأمّا النصوص المعيّنة للقيمة، فلأنّ جملةٍ منها، مثل:

1 - خبرالسكوني، عن الإمام الصادق عليه السلام الوارد في السفرة المطروحة الكثيرة لحمها وخبزها وجُبنّها وبيضها وفيها سكّين، حيث قال أميرالمؤمنين عليه السلام: «يقوّم ما فيها، ثمّ يؤكل؛ لأنّه يفسد وليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرموا له الثمن»(1).

2 - وخبر عليّ بن جعفر، عن الإمام الكاظم عليهما السلام في رجلٍ أصاب شاة في الصحراء، الدالّ على أنّه يأكلها وإنْ جاء صاحبها يطلب ثمنها رَدّه عليه(2).

3 - ومرسل الصدوق، عن مولانا الصادق عليه السلام المتضمّن حكم الطعام الذي وُجِد في مفازةٍ‌، وأنّ على واجدها أنّه يقوم على نفسه لصاحبه فيردّ على صاحبه القيمة إنْ جاء(3).

وغير ذلك من النصوص الواردة بهذا المضمون، فإنّ جميعها في مقام بيان أنّ للواجد ولاية على أن يبيع ما وجده عن صاحبه لنفسه، ويُبقي الثمن في ذمّته إلى أن يجيء صاحب المال، وأجنبيّة عن المقام بالمرّة.

نعم، هناك جملة أُخرى منها لا يستفاد منها أزيد من وجوب دفع القيمة حين).


1) الكافي: ج 6/297 ح 2، وسائل الشيعة: ج 25/468 أبواب اللّقطة ب 23 ح 1 (32372).

2) قرب الإسناد: ص 116، مسائل عليّ بن جعفر: ص 104، وسائل الشيعة: ج 25/459 أبواب اللّقطة ب 13 ح 7 (32353).

3) الفقيه: ج 3/279/4064، وسائل الشيعة: ج 25/443-444 أبواب اللّقطة ب 2 ح 9 (32314).

الأداء، وهذا يلائم مع كون العين في العهدة.

أقول: وأمّا ما ذكره الشيخ رحمه الله في عداد النصوص التي ادّعى منافاتها لهذا القول، بقوله: (ومنها ما دلَّ على أنّه إذا تلف الرهن بتفريط المرتهن، سقط من دينه بحساب ذلك، فلولا ضمان التالف بالقيمة، لم يكن وجهٌ لسقوط الدين بمجرّد ضمان التالف)(1).

فيرد عليه: - مضافاً إلى أنّه ليس في نصوص الرهن عنوان السقوط، بل فيها أنّهما «يترادّان الفَضل» إذا كان لأحد الأمرين من الرهن والدين عند تلفه فضلٌ‌، وأمّا إذا كان الرهن يساوي ما رهنه، فليس عليه شيء(2)- انه أيضاً لا ينافي كون العين في العهدة، بعد فرض أنّ أداءها بعدالتلف إنّما يكون بدفع القيمة بدلاً أو وفاءً‌، وأنّ ذلك إنّما يكون باستيلاء المالك على ذلك المقدار من المال للضامن كما لا يخفي‌.

المورد الثاني: أنّه لا ريب ولا كلام في أنّه عند تعذّر المثل في القيميّات يكفي رَدّ القيمة، وإنّما الخلاف المتوهّم، هو في صورة وجود المثل من جميع الجهات، أو ما يصدق عليه المثل:

فالمشهور بين الأصحاب أنّه يكفي فيها رَدّ القيمة.

وعن الإسكافي(3)والمحقّق(4): أنّه يجب رَدّ المثل.

أقول: وظنّى أنّهما غير مخالفين للمشهور، فإنّ مورد كلامهما القرض، ولا يبعدء.


1) المكاسب: ج 3/242.

2) أنظر وسائل الشيعة: ج 18/390 أبواب الرهن ب 7.

3) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 6/241.

4) الشرائع: ج 2/324، ط. مؤسّسة الوفاء.

فيه دعوى أنّ المتعارف الشرط الضمني بردّ المثل، ولو في بعض الصفات.

ويؤيّد ما ذكرناه تصريح المحقّق رحمه الله في باب الغصب والمقبوض بالعقد الفاسد(1)بضمان القيمة، فمدّعي عدم الخلاف في كفاية رَدّ القيمة مع تيسّر المثل غير مجازفٍ‌.

وكيف كان، فالأولى بيان ما هو المستفاد من الأدلّة، وقد تقدّم في الأمر السابق(2)أنّ حديث «على اليد» لا نظر له إلى هذه الجهة، وآية الاعتداء(3)لا تدلّ على الضمان، وان الإطلاق المقامي والإجماع يقتضيان تعيّن القيمة، فراجع.

***4.


1) الشرائع: ج 4/764.

2) صفحة 327، مبحث: (الشكّ في المثليّة والقيميّة) من هذا المجلّد.

3) سورة البقرة: الآية 194.

تعيين القيمة

أقول: اختلف الفقهاء في تعيين القيمة في المقبوض بالبيع الفاسد، والأقوال والوجوه المحتملة في المسألة خمسة:

1 - كون المدار على يوم القبض، نُسب إلى الأكثر.

2 - المدار على يوم التلف، نُسب(1)إلى الشيخين(2)وأتباعهما(3)، وعن «الدروس»(4)و «الروضة»(5)نسبته إلى الأكثر.

3 - المدار على قيمة يوم الدفع.

4 - المدار على دفع أعلى القيم من يوم القبض إلى يوم التلف.

5 - المدار على دفع أعلى القيم من يوم القبض إلى يوم الدفع.

وأمّا ما عن المفيد(6)والقاضي(7)والحلبي رحمهم الله(8)من الاعتبار بيوم البيع، فالظاهر إرادة يوم القبض، فهو يرجع إلى القول الأوّل.

أقول: تنقيح القول في المقام يتحقّق بالبحث في مواضع:


1) نسبه إلى الشيخ وأكثر الأصحاب الشهيد الأوّل في غاية المراد: ج 2/36.

2) المفيد في المقنعة ص 607، والشيخ في المبسوط: ج 2/363.

3) منهم القاضي في المهذّب: ج 1/436-437، والفاضل الآبي في كشف الرموز: ج 2/382.

4) الدروس: ج 3/113.

5) الروضة: ج 7/41.

6) المقنعة: ص 593.

7) حكاه عنه - وعن المذكورين في المتن كذلك - العلّامة في المختلف: ج 5/244.

8) الكافي في الفقه: ص 353.

الأوّل: فيما تقتضيه الأُصول العمليّة.

الثاني: فيما تقتضيه القواعد.

الثالث: فيما يقتضيه صحيح أبي ولّاد وغيره من النصوص الخاصّة.

أمّا الموضع الأوّل: فعن المصنّف(1)وغيره(2)أنّها تقتضي القول الخامس، إذ اشتغال ذمّته بحقّ المالك معلومٌ‌، ولا تحصل البراءة إلّابدفع أعلى القيم.

وأُورد عليه: بأنّ الأصل فى المقام البراءة؛ لكون الشكّ شكٌّ فى التكليف بالزائد.

وأجاب عنه الشيخ رحمه الله(3): بأنّ الأصل بالنسبة إلى لزوم دفع القيمة وإنْ كان هو البراءة، إلّا أنّ الأصل فى الضمان المستفاد من قاعدة «على اليد» هو الاستصحاب.

أقول: وحقّ القول في المقام:

إنْ قلنا: بأنّ الأحكام الوضعيّة منتزعة من الأحكام التكليفيّة في مواردها - كما اختاره الشيخ رحمه الله(4)- فالمرجع أصالة البراءة، إذ لا شيء مجعولٌ سوى لزوم دفع القيمة، والمفروض دورانها بين الأقلّ والأكثر، فتجري البراءة عن الزائد.

وإنْ قلنا: بأنّ الحكم الوضعي كالتكليفي متأصّلٌ في الجعل:

فإنْ قلنا: في المقام بالانقلاب - بمعنى اشتغال الذّمة حين التلف بالقيمة كما هو المنسوب إلى المشهور - فالمرجع هو البراءة أيضاً، لأنّ شُغل الذّمة مشكوكٌ فيه فتجري البراءة.5.


1) التحرير: ج 2/139، من كتاب الغصب.

2) كالحلّى فى السرائر: ج 481/2، والسيّد الطباطبائى فى الرياض: ج 304/2، والسيّد المجاهد فى المناهل ص 299.

3) المكاسب: ج 3/255.

4) فرائد الأصول: ج 3/125.

وإنْ قلنا: بكون العين في العهدة إلى حال أداء العوض، فالمرجع هو استصحاب بقاء العين، وعدم السقوط إلّابدفع الأكثر.

وبالجملة: بما ذكرناه ظهر أنّ ما أفاده المصنّف حقٌّ على المسلك المختار من بقاء العين في العهدة بعد تلفها، كما ظهر أنّ جواب الشيخ رحمه الله لا يتمّ على مسلكه.

وأمّا الموضع الثاني: فقد استدلّ المصنّف للقول الأوّل - على ما نسب إليه(1)- بأنّه زمان إزالة يد المالك(2).

توضيحه: إنّ القابض إنّما وضع يده على ماله، مع قطع النظر عن الخصوصيّة الشخصيّة، والصفات النوعيّة. وهي ماليّة خاصّة متقدّرة بقدر مخصوص، فوجب عليه رَدّه بماله من الحيثيّات إذا أمكن الرّد.

وإنْ لم يمكن رَدّ الخصوصيّة والصفات النوعيّة للتلف، وجب رَدّ تلك الماليّة المخصوصة الواقعة تحت اليد، ولا وجه لوجوب رَدّ المراتب الأُخر من الماليّات، لأنّها ماليّات واردة على ما هو تحت العهدة، لا أنّ العهدة واردة عليها.

وفيه أوّلاً: إنّ الماليّة المنتزعة من رغبة النّاس وميلهم لا تقع تحت اليد، ولا تكون مضمونة كما تقدّم.

وثانياً: إنّ لازم ذلك انه لو كانت العين باقية، ولكن نقصت قيمتها لزوم دفع ما نقص.

وثالثاً: إنّ هذا الوجه - لو تمّ - لاقتضى كون المدار على دفع أعلى القيم من يوم9.


1) حكاه عنه قولاً الشيخ في المكاسب: ج 3/254.

2) التحرير: ج 2/139.

الأخذ إلى يوم التلف؛ لأنّ قاعدة «على اليد» لا تختصّ بحدوث اليد، بل تشمل بقائها، فكلّ زمانٍ من أزمنة كون العين تحت اليد قد اُزيلت فيه يد المالك، فوجب أن يغرم أكثرها.

أقول: واستدلّ الشيخ رحمه الله للقول الثاني في «المكاسب»(1): بأنّ معنى ضمان العين عند قبضها، كونها في عهدته، ومعنى ذلك وجوب تداركها ببدلها عند التلف، حتّى تكون عند التلف كأنّها لم تتلف، وتداركها على هذا النحو بالتزام مال معادل لها قائمٌ مقامها.

وفيه: إنّه بناءً على المسلك الحقّ - من بقاء العين في العهدة إلى حين الأداء - لا وجه لرعاية قيمة يوم التلف، كما لا يخفى‌.

وبالجملة: ظهر ممّا ذكرناه أنّ الحقّ هو القول الثالث، وهو أنّ العبرة بقيمة يوم الدفع.

واستدلّ للقول الرابع بوجوه:

الوجه الأوّل: قاعدة نفي الضرر.

وفيه أوّلاً: إنّ قاعدة نفي الضرر حاكمة على الأدلّة المُثبتة للحكم، وتدلّ على نفسه، ولا تدلّ على ثبوت حكمٍ يرتفع به الضرر.

وثانياً: إنّها لو دلّت على ذلك، لزم البناء على لزوم دفع ما نقص من القيمة مع بقاء العين.

الوجه الثاني: أنّه إذا تلفت العين في يوم ارتفاع قيمتها، ضمن الأعلى بناءً على4.


1) المكاسب: ج 3/244.

أنّ العبرة بيوم التلف، فكذلك إذا حيل بينها وبين المالك حتّى تلفت، فيضمن الأعلى‌، ولو تنزّلت يوم التلف، لأنّ الغاصب منع المالك عن التصرّف في اليوم الذي ارتفعت قيمتها.

وفيه: - مضافاً إلى أنّه لو تمّ لاقتضى لزوم دفع ما نقص من القيمة مع رَدّ العين، وأنّه لا عبرة بيوم التلف - أنّه لا دليل على كون الحيلولة سبباً للضمان.

الوجه الثالث: ما أساسه يبتني على أمرين:

أحدهما: شمول قاعدة «على اليد» للماليّة، وكونها مضمونة.

ثانيهما: الانقلاب، بمعنى اشتغال الذّمة حين التلف بالقيمة.

أقول: قد ثبت ممّا مضى ما في كلا الأمرين.

واستدلّ للقول الخامس: بالوجهين الأولين المذكورين في سابقه اللّذين تقدّم ما فيهما. وبما يبتني على أمرين:

الأوّل: بقاء العين في العهدة إلى حين الأداء.

الثاني: كون تفاوت الرغبات كالصفات داخلاً تحت الضمان.

وقد مرّ ما في الثاني.

فتحصّل: أنّ القواعد تقتضي كون العبرة بيوم الدفع.

وأمّا الموضع الثالث: فالكلام فيه يقع في موردين:

الأوّل: في صحيح أبي ولّاد.

الثاني: في غيره من النصوص.

أمّا المورد الأوّل: فقبل البحث فيه لابدّ من تقديم مقدّمة، وهي إنّ الصحيح

مختصّ بالمغصوب، واستدلّ للتعدّي منه إلى المقبوض بالبيع الفاسد على فرض دلالة الصحيح على حكمٍ مخالفٍ للقاعدة بوجهين:

أحدهما: ما عن الحِلّي رحمه الله(1)من دعوى الاتّفاق على كون البيع فاسداً بمنزلة المغصوب إلّافي ارتفاع الإثم.

وفيه: إنّه عليفرض ثبوت الاتّفاق، لم يثبت كونه تعبّديّاً، مع أنّ ثبوته ممنوع.

ثانيهما: ما أفاده الشيخ رحمه الله(2)، وحاصله: أنّه لو فرض دلالة الصحيحة على وجوب أعلى القيم، أمكن تخصيصها بالغاصب وعدم التعدّي عنه، وأمّا لو كان ظاهرها أنّ الاعتبار بيوم الغصب، وجب التعدّي عنه؛ وذلك لأنّه إذا كان قيمة المغصوب يوم التلف أو الدفع أكثر من قيمة يوم الغصب، لزم من البناء على أنّ قاعدة الضمان والتدارك تقتضي كون العبرة بقيمة يوم التلف أو يوم الدفع، الإرفاق بالغاصب، والتخفيف عليه، وكون غيره أسوء حالاً منه، وهذا ممّا يقطع بخلافه، فلا محالة يُستكشف أنّ المجعول هو قيمة يوم الأخذ مطلقاً.

وبالجملة: التحفّظ على ظهور الرواية في كون العبرة بقيمة يوم المخالفة، يستلزم البناء على أنّه المعيار مطلقاً، وإلّا لزم كون غير الغاصب أسوءُ حالاً منه.

أقول: ثمّ إنّ السيّد قدس سره(3)أفاد في وجه مراد الشيخ رحمه الله:

أنّه لو قلنا بأنّ معنى التدارك إقامة البدل مقام الشيء يوم التلف، فإذا دلَّ‌4.


1) السرائر: ج 2/326.

2) المكاسب: ج 3/244-245.

3) حاشية المكاسب (ط. ق): ج 1/104.

الصحيح على أنّ العبرة في باب الغصب بيوم الغصب، لزم أنْ لا يكون المغصوب واجب التدارك، وهذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ معنى التدارك إقامة البدل مقام الشيء في زمان انقطاع يده عنه.

وعليه، فظهور الصحيح في كون المدار على يوم الأخذ، كاشف عن كون معنى التدارك ذلك، وأنّ الذي فهمناه خطأ.

وأُورد عليه: بأنّه يمكن أنْ يقال إنّ التدارك له معنى جامعٍ شامل للتدارك بحسب يوم قبضه، وبحسب يوم التلف، إلّاأنّ إطلاقه يقتضي كون المناط على قيمة يوم التلف، وهذا لا ينافي تقييده بيومٍ آخر بالنسبة إلى مورد خاص، فلا يكشف الخبر عن خطأ ما بنى عليه.

ولكن الظاهر أنّ مراده ما ذكرناه.

أقول: إذا وقفت على هذه المقدّمة، فاعلم:

استدلّ في المقام بصحيح أبي ولّاد الذي رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن أبي ولّاد الحنّاط، ورواه الكليني رحمه الله عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد مثله، وحيث إنّه مشتملٌ على أحكام كثيرة، فالأولى نقل الخبر بتمامه، قال أبي ولّاد:

«اكتريتُ بغلاً إلى قصر بني هبيرة ذاهباً وجائياً بكذا وكذا، وخرجتُ في طلب غريم لي، فلمّا صرتُ قرب قنطرة الكوفة، خُبّرت أنّ صاحبي توجّه إلى النيل، فتوجّهتُ نحو النيل، فلمّا أتيتُ النيل خُبّرت أنّه توجّه إلى بغداد، فأتبعته وظفرت به، وفرغتُ ممّا بيني وبينه، ورجعتُ إلى الكوفة، وكان ذهابي ومجيئي

خمسة عشر يوماً، فأخبرتُ صاحب البغل بعذري، وأردت أن أتحلّل منه ممّا صنعتُ وأرضيه، فبذلتُ له خمسة عشر درهماً فأبى أن يقبل، فتراضينا بأبي حنيفة، فأخبرته بالقصّة وأخبره الرجل.

فقال لي: ما صنعتَ بالبغل‌؟ قلت: قد دفعته إليه سليماً.

قال: نعم بعد خمسة عشر يوماً.

قال: فما تُريد من الرَّجل‌؟

قال: اُريد كِراء بغلي، فقد حَبَسه عَليَّ خمسة عشر يوماً.

فقال: ما أرى لك حقّاً، لأنّه اكتراه إلى قصر بني هبيرة، فخالف فركبه إلى النيل وإلى بغداد، فضمن قيمة البغل وسقط الكراء، فلمّا رَدّ البغل سليماً وقبضته لم يلزمه الكراء!

قال: فخرجنا من عنده وجَعل صاحب البغل يسترجع، فرحمته ممّا أفتى به أبو حنيفة، وأعطيته شيئاً وتحلّلت منه، وحَجَجتُ تلك السنة فأخبرتُ أبا عبد اللّه عليه السلام بما أفتى به أبو حنيفة.

فقال عليه السلام: فى مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السَّماء ماءها، وتَحبس الأرض بركاتها.

فقلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: فما ترى أنتَ جُعِلْتُ فداك‌؟.

قال عليه السلام: أرى له عليك مثل كِراء بغلٍ ذاهباً من الكوفة إلى النيل، وذاهباً من النيل إلى بغداد، ومثل كِراء بغلٍ من بغداد إلى الكوفة توفيه إيّاه.

قال: فقلتُ‌: جُعِلْتُ فداك فقد علفته بدراهم، فلي عليه علفه‌؟

فقال عليه السلام: لا؛ لأنّك غاصب.

قلت: أرأيت لو عَطَب البغل ونفق أليس كان يلزمني‌؟

قال: نعم، قيمة بغلٍ يوم خالفته.

قلت: فإنْ أصاب البغل عقر أو كسرٌ أو دبر؟

قال: عليك قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه عليه.

قلت: فمن يعرف ذلك‌؟

قال: أنتَ وهو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فيلزمك، وإنْ رَدّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتُري كذا وكذا فيلزمك.

فقلت: إنّي كنتُ أعطيته دراهم، ورَضي بها، وحلّلني‌؟

فقال عليه السلام: إنّما رضى بها وحلّلك حين قضي عليه أبوحنيفة بالجور والظلم»(1)الخبر.

أقول: ومحلّ الاستشهاد فيه جمل ثلاث:

الجملة الأُولى: قوله عليه السلام: «نعم، قيمة بغلٍ يوم خالفته»، والاحتمالات في (يوم) ثلاثة:

الاحتمال الأوّل: أن يكون قيداً للقيمة، فتكون الصحيحة حينئذٍ ظاهرة في أنّ العبرة بقيمة يوم الغصب.

وذكر الشيخ رحمه الله(2)في تقريب كونه قيداً لها وجهين:

الوجه الأوّل: إضافة القيمة المضافة إلى البغل إليه ثانياً، فيكون المعنى قيمة يوم7.


1) الكافي: ج 5/290 ح 6، التهذيب: ج 7/215 ح 943، وسائل الشيعة: ج 19/119 ب 17 ح 1 (24272).

2) المكاسب: ج 3/247.

المخالفة للبغل.

وفيه: أنّه إنْ اُريد بذلك إضافة المضاف نفسه إليه ثانياً:

فمضافاً إلى أنّه لا معنى حينئذٍ لقوله عليه السلام: (فيكون إسقاط حرف التعريف من البغل للإضافة)، يرد عليه أنّ الشيء الواحد لا يُضاف إلى شيئين مرّتين.

وبعبارة أُخرى‌: المضاف إلى شيءٍ لا يُضاف ثانياً.

وإنْ أراد به إضافة مجموع المضاف والمضاف إليه:

فمضافاً إلى أنّه لا يصحّ قوله رحمه الله: (فيكون إسقاط... الخ)؛ إذ لا دليل على أنّه لابدّ وأنْ لا يصدر جزء المضاف بحرف التعريف، يرد عليه أنّ المجموع لتضمّنه النسبة الإضافيّة التي هي من الحروف لا يضاف، إذ المعنى الحرفي لا يقع ظرفاً.

وبعبارة أُخرى‌: الإضافة تعدّ من خواصّ الأسماء والحرف فلا تضاف.

الاحتمال الثاني: جعل (اليوم) قيداً للاختصاص الحاصل من إضافة القيمة إلى البغل.

أقول: والظاهر أنّ مراده ليس جعل متعلّق الظرف والعامل فيه الاختصاص الحاصل من الإضافة؛ لأنّه معنى حرفي، والعامل لابدّ وأن يكون فعلاً أو شبه فعل، بل مراده قيديّة (اليوم) للقيمة المضافة إلى البغل، وهي مضافاً إلى كونها معنى حدثيّاً في نفسها، فإنّها ما يقوم بالشيء من الماليّة، أنّه لو سُلّم كونها معنى جامداً بسبب الإضافة تتضمّن معنى اشتقاقيّاً.

وفيه: إنّ هذا وإنْ كان لا محذور فيه، إلّاأنّ قيديّة (اليوم) ل‍ (نعم)، لو لم تكن أظهر، لا ريب في كونها محتملة، والاحتمال مسقط للاستدلال.

الاحتمال الثالث: كون (اليوم) قيداً للبغل بإضافة البغل إليه، فيكون المقام من قبيل تتابع الإضافات.

فقد يقال: - كما عن المحقّق النائيني رحمه الله(1)- بأنّ الخبر على هذا أيضاً يدلّ على أنّ العبرة بقيمة يوم المخالفة، إذ حيث لا تختلف الأعيان باختلاف الأيّام، فبدلالة الاقتضاء لابدّ وأن يكون إضافة (البغل) إلى (اليوم) باعتبار قيمته في ذلك اليوم.

وفيه: إنّه حيث لاريب في أنّللبغل بحسب الصفات والخصوصيّات المتفاوتة بحسب الأيّام قيما مختلفة، ولا كلام أيضاً في أنّ هذا الاختلاف مضمونٌ في باب الضمان، والخلاف إنّما هو فى اختلاف القيم المستندة إلى اختلاف السوق والرغبات، فيمكن أن يكون (يوم المخالفة) في الخبر إشارة إلى قيمة يوم البغل حال كونه قويّاً؛ فإنّ التعب والهزال إنّما عرض له بعد هذا السفر الطويل، لا لخصوصيّة فى ذلك اليوم، وهذا يجتمع مع كون المدار على قيمة يوم التلف أو يوم الدفع، بأن يلاحظ البغل علي ما هو عليه يوم المخالفة في وقت التلف أو يوم الدفع، فيقوّم ذلك البغل في يوم الأداء أو حين التلف، فعلي هذا الاحتمال يكون الصحيح أجنبيّاً عن ما هو المقصود.

الاحتمال الرابع: كون (اليوم) قيداً لقوله عليه السلام: «نعم»، الذي هو في قوّة قوله:

(يلزمك)، أو يكون لفظ يلزمك مقدّراً بعده، فيكون (اليوم) حينئذٍ وعاء توجّه التكليف، فيوم القيمة على هذا مسكوتٌ عنه في الصحيحة.

أقول: وأورد على هذا الاحتمال بوجهين:

الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق الايرواني رحمه الله، بقوله: (إنّ العين ما دامت قائمة، لا9.


1) منية الطالب: ج 1/149.

يتوجّه التكليف إلى أداء القيمة، فيوم انتقال التكليف إلى أداء القيمة هو يوم تلف العين لا يوم الغصب)(1).

وفيه: إنّ «نعم» جوابٌ عن السؤال، وهو لزوم أداء القيمة على تقدير التلف، فيكون ظاهراً في لزوم أداء القيمة على تقدير التلف، ومعلوم أنّ هذا التكليف التعليقي إنّما يتوجّه من حين الغصب.

الوجه الثاني: ما أفاده الشيخ رحمه الله(2)، من أنّ السائل إنّما سأل عمّا يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة، بعد العلم بكون زمان المخالفة زمان حدوث الضمان، فقوله «نعم» يعني: يلزمك بعد التلف بسبب المخالفة قيمة بغل يوم خالفته.

وفيه أوّلاً: إنّ السائل لم يقل: (ماذا يلزمني)، كي يكون ظاهراً فيما ذكر، بل قال:

(أليس كان يلزمني)، فالواقع عقيب أداة الاستفهام الذي هو المسؤول عنه أصل اللّزوم، فكيف يجعل السؤال عمّا يلزمه‌؟!

وثانياً: إنّه لو سُلّم كون أصل الضمان مفروغاً عنه، يمكن أنْ يُحمل السؤال على أنّ المضمون به هل هو القيمة أو غيرها، فجوابه عليه السلام ناظرٌ إلى ذلك.

فتحصّل: أنّه لا مانع من تعلّق الظرف ب‍ (نعم).

وربما يقال: - كما عن المحقّق النائيني رحمه الله(3)- بأنّه على هذا التقدير أيضاً يدلّ الخبر على أنّ العبرة بيوم المخالفة، غاية الأمر بالملازمة لا بالمطابقة؛ إذ لو لم يكن يوم9.


1) حاشية المكاسب: ج 1/101.

2) المكاسب: ج 2/248.

3) منية الطالب: ج 1/149.

المخالفة إلّا يوم دخول العين فى العهدة، لكان ذكر القيمة بلا موجبٍ‌، إذ ماليّة المال إذا قدّرت بالقيمة يوم المخالفة، فلا محالة تكون القيمة قيمة ذلك اليوم، لأنّه لا يعقل أن يكون الضمان بقيمة يوم المخالفة فعليّاً، ويقدّر قيمة يوم ما بعد المخالفة.

وفيه: إنّ التكليف المتوجّه بأداء القيمة في يوم المخالفة، ليس تكليفاً فعليّاً تنجيزيّاً، بل هو تكليفٌ تعليقي، وهو لزوم أداء القيمة على فرض التلف، فزمان فعليّة الإلزام وتنجّزه زمان التلف لا يوم المخالفة.

فتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ محتملات هذه الجملة ثلاثة، وعلى الأوّل منها تدلّ على أنّ العبرة بقيمة يوم المخالفة، ولا تدلّ على ذلك على الأخيرين، وحيث أنّه إذا لم ندّع ظهورها في الاحتمال الثالث، فلا ريب في كون احتماله مساوياً لغيره، فلا يبقى موردٌ للاستدلال بهذه الجملة.

الجملة الثانية: قوله عليه السلام: «ويأتي صاحبُ البغل بشهودٍ يشهدون أنّ قيمة البغل حين اكتُري كذا وكذا».

أقول: تقريب الاستدلال بها على إنّ الميزان قيمة يوم المخالفة، هو ما أفاده الشيخ رحمه الله في «المكاسب»(1)بقوله:

إنّ إثبات قيمة يوم الاكتراء من حيث هو يوم الاكتراء لا جدوى فيه؛ لعدم الاعتبار به، فلا محالة يكون الغرض منه إثبات قيمة يوم المخالفة؛ بناءً على أنّه يوم المخالفة، لأنّ الظاهر من الخبر مخالفته للمالك بمجرّد الخروج عن الكوفة، ومن المعلوم أنّ اكتراء البغل لمثل تلك المسافة القليلة، إنّما يكون يوم الخروج، ومعلوم0.


1) المكاسب: ج 3/248 و 250.

أيضاً عدم اختلاف القيمة في هذه المدّة القليلة.

وفيه: إنّ نكتة التعبير ب‍ (يوم الاكتراء) - بعد فرض عدم كونه من حيث هو ميزاناً في هذا الباب - إنّما هو وجود المكارين حينه دون سائر الأوقات، وهذا كما يلائم مع كون العبرة بقيمة يوم المخالفة، يلائم مع كون الميزان قيمة يوم التلف أو يوم الأداء؛ من جهة عدم الاختلاف في مدّة خمسة عشر يوماً أيضاً كما سيصرّح هو قدس سره به(1)، ويؤكّد ذلك أنّ الظاهر من الجملة الواردة لبيان معرفة تفاوت قيمة الصحيح والمعيب، أنّ المقصود تعيين أصل قيمة البغل، من جهة الجهل بها، بحيث لو علم قيمته في يومٍ ارتفع الاشتباه، مع أنّه لو سُلّم الاختلاف - بما أنّ هذه الجملة غير واردة لبيان حكم شرعي، بل في مقام بيان موضوع عرفي، كما يشهد له قول السائل: (من يعرف ذلك)، الكاشف عن علم السائل بما هو وظيفته الشرعيّة - فيمكن أنْ يقال إنّه لو كان الميزان قيمة يوم الأداء إذا عُيِّنت قيمة البغل في يوم المخالفة، فمعرفة قيمته في يوم الأداء سهلة كما لا يخفى‌.

فتحصّل: أنّ هذه الجملة أيضاً لا تدلّ على خلاف ما تقتضيه القواعد.

الجملة الثالثة: قوله عليه السلام في جواب السؤال عن إصابة العيب: «عليكَ قيمة ما بين الصحّة والعيب يوم تردّه».

وملخّص القول فيها: إنّه بناءً على وجود (اليوم) في الرواية، فإنّ المحتملات فيها أربعة:

الاحتمال الأوّل: رجوع قوله عليه السلام: (يوم تردّه) إلى العيب، فيكون مفادها ضمان0.


1) المكاسب: ج 3/248 و 250.

العيب الفعلي، فلا عبرة بحدوث العيب مع زواله عند رَدّه، فيكون المعتبر زيادته حال رَدّ العين، وعلى هذا فهي أجنبيّة عن المقام، وغير متعرّضة لهذا الحكم.

أقول: وأُورد عليه بإيرادين:

الإيراد الأوّل: ما أفاده الشيخ رحمه الله(1)، من أنّ العيب قد يرتفع أو ينقص يوم الرّد، ولازم هذا الوجه أنْ لا يوجب ضماناً في الصورة الأُولى‌، وأنْ لا يوجب الضمان بالنسبة إلى ما حدث منه وارتفع في الثانية، مع أنّ مقتضى الفتوى خلاف ذلك.

وفيه: إنّ المسألة خلافيّة وفيها أقوال، ثالثها التفصيل بين الوصف القابل للزيادة كالسمن، وما لم يكن كذلك كوصف الصحّة.

الإيراد الثاني: ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله، بقوله: (المراد منه هنا الحاصل من المصدر، وهو معنى اسمي، ليس فيه معنى الفعل، ولا يمكن إشراب معناه فيه)(2).

وفيه: إنّ الجوامد على قسمين: قسم لا يتقدّر بالزمان، وقسمٌ يتقدّر به، والأوّل لا يتعلّق به الظرف، والثاني لا مانع من تعلّق الظرف به، والمقام من قبيل الثاني.

الاحتمال الثاني: رجوع كلمة (اليوم) إلى قوله عليه السلام: «عليك»، فلا تعرض فيها ليوم هذه القيمة.

وأُورد على هذا الاحتمال: إنّ التكليف بأداء الأرش والضمان إنّما يكون في يوم حدوث العيب، لا يوم الرَّد، وإنْ اُريد به يوم رَدّ البغلة.0.


1) المكاسب: ج 3/249.

2) منية المريد: ج 1/150.

وفيه: إنّه بناءً على المختار من أنّ العبرة في القيميّات بقيمة يوم الدفع، هذه الجملة على هذا الوجه تدلّ على ذلك، فإنّه بما أنّ التالف مع وجود العين وصفٌ من أوصافها، فلا يلاحظ بنفسه في العهدة، بل إنّما تكون عهدته بتبع عهدة العين، فإذا خرجت العين عن العهدة بأدائها، لا عين في العهدة ليقال إنّ صحيحها كذا ومعيبها كذا، وليس على الضامن إلّاعهدة ما به يتفاوف صحيحها حال كونها في العهدة، فلا محالة يكون المعيار في مثل هذا التالف قيمة يوم رَدّ العين، فتدبّر فإنّه دقيق.

الاحتمال الثالث: رجوع كلمة (اليوم) إلى القيمة، وإرادة رَدّ الأرش من قوله:

«يوم تردّه».

ويدفع هذا الاحتمال: إنّ مرجع الضمير حينئذٍ إنْ كان «قيمة ما بين... الخ» لزم تأنيثه، وإنْ كان غيره لزمه عنايةً‌؛ لعدم صدق الرّد إلّاعلى المأخوذ دون بدله.

أقول: وأمّا ما ذكره الشيخ رحمه الله من أنّه (لا عبرة في أرش العيب بيوم الرّد إجماعاً)(1).

فيرد عليه: إنّ المسألة خلافيّة، وقد عرفت أنّ مقتضى القواعد أنّ العبرة بيوم الرّد، وقد أفتى بذلك جمعٌ‌(2)، مع أنّه لو سُلّم قيام الإجماع عليه، فليس هو إجماعاً تعبّديّاً، مضافاً إلى احتمال الفرق بين العين والنقص.2.


1) المكاسب: ج 3/249 و 251.

2) نسبه إليهم المامقاني في غاية الآمال: ج 2/302، ووصفه المحقّق النائيني في المنية بأنّه قولٌ شاذ، كتاب المكاسب والبيع: ج 1/358، ولم نقف عليه في أيّ من الفتاوى، إلّاعلى مختار بعض من تأخّر عن الشيخ قدس سره، كالمحقّق الخراساني في الحاشية: ص 40، والسيّد في الحاشية: ج 1/104 والعروة: ج 5/65 مسألة 2.

الاحتمال الرابع: رجوعه إلى القيمة وإرادة رَدّ البغلة.

وتقريب دلالتها على المختار من أنّ العبرة بيوم الرّد ما ذكرناه في المحتمل الثاني.

فتحصّل: أنّ هذه الجملة مضافاً إلى أنّها لا دلالة فيها على أنّ العبرة بيوم المخالفة، يمكن دعوى دلالتها على أنّ الميزان قيمة يوم الأداء.

أقول: بقي الكلام في الصحيح في جهاتٍ ثلاث:

الأُولى‌: في الجواب عن الإشكال الذي أوردوه على قوله عليه السلام في جواب قول السائل: ومن يعرف ذلك‌؟ حيث قال عليه السلام: «أنتَ وهو، إمّا أن يحلف هو على القيمة فليزمك، فإنْ رَدّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه، أو يأتي صاحب البغل بشهودٍ يشهدون على أنّ قيمة البغل يوم اكتُري كذا وكذا فيلزمك».

الثانية: فيما أفاده الشيخ رحمه الله(1)من أنّ هذه الجملة تؤيّد القول بأنّ العبرة بيوم التلف.

الثالثة: في أنّ الصحيح هل يمكن أنْ يستدلّ به على أعلى القيم أم لا؟

أمّا الجهة الأُولى‌: فمحصّل الإشكال، هو:

إنّ المالك دائماً يدّعي الزيادة، فقوله مخالفٌ للأصل، فيكون هو مدّعياً ووظيفته إقامة البيّنة، والغاصب منكراً ووظيفته الحلف، أو رَدّ الحلف، فكيف حكم عليه السلام بأنّه يحلف المالك وأنّ له رَدّ الحلف على الغاصب‌؟

ثمّ على فرض كونه منكراً، فما معنى جعله عليه السلام أنّ وظيفته إقامة البيّنة‌؟1.


1) المكاسب: ج 3/249 و 251.

واُجيب عن الإشكال بوجوه:

الوجه الأوّل: أنّه عليه السلام في مقام بيان طريق معرفة القيمة من دون فرض مخاصمة، ومجرى قاعدة (البيّنة على المدّعي واليمين على مَن أنكر) إنّما هي في المخاصمات، وذلك من جهة ظهور السؤال والجواب في ذلك حيث أنّ السؤال إنّما يكون عن العارف، وأجاب عليه السلام: بأنّه إمّا أن يحلف المالك؛ لمعرفته بقيمة بغله، أو أن تحلف أنتَ‌؛ من جهة أنّها كانت عندك فترة السفر، أو يقيم المالك البيّنة لو لم تعرف أنتَ ولم يعرف هو، فتكون الصحيحة غير مربوطة بموازين القضاء.

أقول: الذي يوهن هذا الجواب - وإنْ ذهب إليه جمعٌ منهم السيّد الفقيه(1)والمحقّقان الاصفهاني(2)والإيرواني(3)- قوله عليه السلام: «فيلزمك»، وقوله: «لزمه»، إذ الملزم إنّما هو حلف من وظيفته بحسب الجعل الإلهي ذلك، لا حلف كلّ أحدٍ وإنْ توافق الطرفان عليه.

اللّهُمَّ إلّاأنْ يُقال: إنّ الإنسان بحسب الغالب يطمئن بحلف غيره.

الوجه الثاني: حمل الصحيح على التعبّد، وجعله مخصّصاً للقاعدة العامّة، وهو غير بعيدٍ في نفسه؛ إذ من شؤون أخذ الغاصب بأشقّ الأحوال عدم قبول قوله ما لم يرد الحلف عليه، وأنْ لا يطالب منه بشيء من موازين القضاء، بل يوجّه الخطاب إلى المالك، وقد اعتمد على هذا الجواب الشيخ في محكي «النهاية»(4)، والمفيد في6.


1) حاشية المكاسب: ج 1/150.

2) حاشية المكاسب: ج 1/416.

3) حاشية المكاسب: ج 1/102.

4) النهاية: ص 446.

محكي «المقنعة»(1)، ونسبه المصنّف(2)إلى الأكثر.

أقول: وبذلك ظهر ما في تضعيف الشيخ رحمه الله هذا الوجه.

الوجه الثالث: أنْ تكون هذه الجملة فى مقام بيان حكم صورتين من صور النزاع، ويكون الحلف وظيفة المالك في صورة، وهي ما لو كان قوله موافقاً للأصل، والبيّنة وظيفته في صورة أُخرى‌، وهي ما لو كان قوله مخالفاً للأصل.

اختاره الشيخ(3).

وفيه: إنّ هذا منافٍ لظاهر الصحيح، بل صريحه، فإنّه صريحٌ في ورود حلف المالك والغاصب وسماع البيّنة من المالك، كلّها على موردٍ واحد.

فتحصّل: أنّ الأوجه في دفع الإشكال الوجه الثاني ثمّ الأوّل.

وأمّا الجهة الثانية: فقد أفاد الشيخ رحمه الله(4)في وجه كون هذه الجملة مؤيّدة للقول بأنّ العبرة بيوم التلف بعد حملها على الموردين:

أنّه إذا كان المعيار يوم التلف، يمكن توجيه الإشكال المتقدّم بوجه قريب، وهو حمل الخبر على موردين متعارفين، وهما:

1 - ما إذا اتّفقا في السابق على قيمة البغل، وادّعى الغاصب نقصانها في يوم التلف عن قيمته في السابق.

2 - وما إذا اتّفقا على أنّه لم تتفاوت قيمة البغل، وإنّما اختلفا في السابقة من2.


1) المقنعة: ص 607.

2) التحرير: ج 4/550.

3) المكاسب: ج 3/251.

4) المكاسب: ج 3/251-252.

حيث الزيادة والنقصان.

فإنّه في المورد الأوّل تكون وظيفة المالك اليمين؛ لموافقة قوله للأصل، وفي المورد الثاني وظيفته البيّنة؛ لمخالفة قوله للأصل، وهذا بخلاف ما لو قلنا إنّ المدار على يوم المخالفة؛ فإنّ فرض صورة يكون قول المالك موافقاً للأصل، ووظيفته الحلف على هذا، إنّما يكون فرضاً نادراً، وهو ما إذا اتّفقا على قيمة اليوم السابق على يوم المخالفة أو اللّاحق له، وادّعى الغاصب نقصانه عن تلك يوم المخالفة، ومعلومٌ أنّه لا يصحّ حمل الصحيح على هذا الفرض النادر.

أقول: ولكن يرد عليه اُمور:

الأمر الأوّل: ما تقدّم من منافاة حمل الخبر عليموردين، لظاهره، بل صريحه.

الأمر الثاني: إنّ غاية ما يدلّ عليه الوجه المزبور، أنّه لا عبرة بقيمة يوم المخالفة، وأمّا أنّ المدار قيمة يوم التلف أو يوم الدفع فالخبر أجنبيٌ عنه حينئذٍ.

الأمر الثالث: إنّه يمكن فرض صورةٍ يمكن أن يكون فيها قول المالك موافقاً للأصل، وتكون تلك الصورة متعارفة، وإنْ قلنا بأنّ المدار قيمة يوم المخالفة، وهي ما إذا اتّفقا على قيمة البغل، وادّعى الغاصب أنّه كان معيوباً حين المخالفة، فإنّ قول المالك بكونه صحيحاً موافقٌ للأصل حينئذٍ، ويثبت في حقّه الحلف.

وأمّا الجهة الثالثة: ففي «المكاسب»: (لم يُعلم لذلك وجهٌ صحيح، ولم أظفر بمن وجّه دلالتها على ذلك)(1).

أقول: ووجّهها المحقّق النائيني رحمه الله بقوله: (إنّ قوله عليه السلام: «يوم خالفته» بيانٌ‌، لأنّ‌3.


1) المكاسب: ج 3/253.

المخالفة موجبة للضمان، والمفروض أنّ كلّما كان الشيء تحت سلطنة الغاصب خالف المالك فيه، ولا موجب لأن تكون القيمة ملحوظة في أوّل حدوث المخالفة، بل إذا فرض قيمة العين أعلى في يومٍ من سائر الأيّام يضمن الغاصب وإنْ تنزّلت بعد ذلك، ولا متناع اجتماع الضمانات لعين واحدة يدخل الأدنى تحت الأعلى‌، وينحصر في الأعلى‌)(1).

ويرد عليه: - مضافاً إلى ما تقدّم من تطرق احتمالات في «يوم خالفته» الموجب لعدم صحّة الاستدلال به، ومضافاً إلى ماعرفت من أنّ الماليّة ليست مضمونة وداخلة تحت قاعدة «على اليد» - أنّ الظاهر من (يوم خالفته) هو أوّل يوم حدوث المخالفة.

وأمّا المورد الثاني: استدلّ الأصحاب على أنّ العبرة بيوم التلف بطائفتين من النصوص:

الطائفة الأُولى: ما ورد في باب الرهن، وقد تقدّم في أوّل هذا التنبيه، وعرفت أنّه لا ينافي مع القاعدة، فراجع(2).

الطائفة الثانية: ما ورد في عبد اعتق بعضه، ففي خبر عبد الرحمن بن أبي عبداللّه، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «عن قومٍ ورثوا عبداً جميعاً، فأعتق بعضهم نصيبه منه، كيف يصنع بالذي أعتق نصيبه منه، هل يؤخذ بما بقى‌؟

فقال عليه السلام: نعم يؤخذ بما بقي منه بقيمته يوم أُعتق»(3).).


1) منية الطالب: ج 1/152.

2) صفحة 363 من هذا المجلّد.

3) الكافي: ج 6/183 ح 6، وسائل الشيعة: ج 23/38 أبواب العتق ب 18 ح 6 (29053).

ولو علّمه صنعةً أو صبغة فزادت قيمته رجع بالزيادة ولو نقصَ ضَمِن النقصان كالأصل.

وفيه: إنّه من المحتمل كون قوله عليه السلام: «يوم اعتق» قيداً ليؤخذ لا للقيمة، وعليه فيدلّ على أنّ زمان توجّه التكليف إنّما هو من حين التعلّق، وساكتٌ عن أنّ ما به الضمان هل هو قيمة يوم التلف أو يوم الأداء.

فتحصّل: أنّ الأظهر بحسب الأدلّة، كون الميزان قيمة يوم الأداء والدفع.

وبالجملة: ظهر ممّا قدّمناه أنّه لا خلاف (و) لا إشكال في أنّه (لو علّمه صنعةً أو صبغة، فزادت قيمته، رجع بالزيادة، ولو نقصَ ضَمِن النقصان كالأصل)، والوجه فيهما ظاهرٌ من ما قدّمناه.

ارتفاع القيمة بسبب الأمكنة

قال الشيخ قدس سره: (وأمّا إذا كان بسبب الأمكنة، كما إذا كان في محلّ الضمان بعشرة، وفي مكان التلف بعشرين، وفي مكان المطالبة بثلاثين، فالظاهر [عدم](1)اعتبار محلّ التلف... الخ)(2).

أقول: يحتمل في العبارة وجهان:

أحدهما: مع لفظ (عدم).


1) هذه الكلمة واردة في بعض نسخ المكاسب.

2) المكاسب: ج 3/256.

الثاني: بدونه.

ومراده على الأوّل: أنّ خصوصيّة المكان من الخصوصيّات والأوصاف التي تكون دخيلة في الماليّة، وتختلف الماليّة باختلافها، وأنّ اختلاف الماليّة فيها ليس مستنداً إلى مجرّد تفاوت الرغبات، لتكون نازلةً منزلة الجزء، وعليه فالمضمون به هو أعلى القيم من قيم البلاد التي مرّت بها العين، لا قيمة يوم التلف.

ومراده على الثاني: إنّ معنى الضمان وجوب تداركه ببدله عند التلف، حتّى يكون عند التلف كأنّه لم يتلف، وتداركه على هذا النحو بالتزام مالٍ معادل في مكان التلف قائمٌ مقامه.

ولكن يرد على الوجه الأوّل: إنّ خصوصيّة المكان كخصوصيّة الزمان ليست دخيلة في الماليّة، بل أصل القيمة وترقيها ينشئان من كثرة الراغب وقلّة الوجود، كما أنّ عدمها وتنزّلها ينشئان من كثرة الوجود وقلّة الطالب، بلا دخل للزمان والمكان في ذلك.

ويرد على الوجه الثاني: ما تقدّم من بقاء العين في العهدة، إلى حين الأداء.

أقول: والصحيح أنّه بناءً على المختار من بقاء العين في العهدة، يكون الاعتبار بقيمة العين في محلّ الخروج.

نعم، في المقام مسألة أُخرى‌، وهي: أنّه إذا كانت القيمة في مكان أزيد من القيمة في مكان التلف والأخذ، هل للمالك ان يطالبها أم لا؟ وقد تقدّم الكلام في ذلك.


بدل الحيلولة

أقول: لا بأس بالتعرّض في المقام لحكم ما لو لم تتلف العين، ولكن تعذّر الوصول إليها، حيث صرّح غير واحدٍ(1)بأنّه في حكم تلف العين في جميع ما ذكر من ضمان المثل أو القيمة.

وتنقيح القول فيه بالبحث في جهات:

الجهة الأُولى: إنّه لا كلام في الضمان في صورة تعذّر الوصول إلى ماله، إذا صدق عليه التلف عرفاً؛ للأدلّة المتقدّمة، وللنصوص الكثيرة الدالّة عليه منطوقاً ومفهوماً الواردة في السرقة والضياع(2)، ولا حاجة إلى نقلها.

إنّما الكلام فيما إذا لم يصدق عليه التلف عرفاً، وقد استدلّ على الضمان - بمعنى لزوم دفع البدل، والمسمّى عندهم ببدل الحيلولة - بوجوه:

الوجه الأوّل: قاعدة نفي الضرر، بدعوى أنّ صبر المالك إلى حين الوصول إليه ضررٌ عليه، فجاز له إلزام الغاصب بالبدل.

وفيه: إنّ قاعدة نفي الضرر إنّما تنفي الحكم الضرري، وحكم الموضوع الضرري، ولا تدلّ على ثبوت حكم، ولا على لزوم تدارك الضرر المتحقّق، كما حُقّق في محلّه(3).


1) منهم الشيخ في المبسوط: ج 3/95، والمحقّق في شرائع الإسلام: ج 4/768 (ط. إستقلال)، والعلّامة في القواعد: ج 2/230.

2) أنظر وسائل الشيعة: ج 19/91 أبواب العارية ب 1، وج 19/114 أبواب الإجارة ب 11، وغيرها.

3) راجع: زبدة الأُصول: ج 5/183.

الوجه الثاني: قاعدة اليد، بدعوى أنّ أداء العين كما يكون بأداء بدلها عند تلفها، كذلك يكون بأداء بدل الحيلولة.

وفيه: إنّ مفاد حديث «على اليد» إنْ كان هو اشتغال الذّمة بالقيمة عند التلف، فعدم دلالته على الضمان ببدل الحيلولة واضح.

وإنْ كان بقاء العين في العهدة إلى حين الخروج عنها، فهو إنّما يدلّ على لزوم أداء العين ما دامت موجودة، وتدارك ماليّتها بأداء حصّة ممّاثلة لها بعد التلف.

وبعبارة أُخرى‌: ما دامت العين موجودة، لا يكون أداء بدل الحيلولة أداءً لها، ولذا لا تخرج عن ملك مالكها، ولو كان ذلك أداءً لها كان اللّازم خروجها عن ملكه.

الوجه الثالث: إنّ في أدائه جمعاً بين الحقّين، بعد فرض رجوع البدل إلى الضامن لو ارتفع التعذّر.

وفيه: إنّ الحقّ الثابت للمالك إنّما هو بالإضافة إلى العين نفسها، لا بدلها مع بقائها، مع أنّه على فرض التنزّل، يمكن الجمع بين الحقّين بوجهٍ آخر، وهو إلزام الضامن بالشراء، بل هذا الجمع أولى كما لا يخفى‌.

الوجه الرابع: قاعدة السلطنة:

1 - إمّا بدعوى السلطنة علي مطالبة العين للتوسّل بها إلي مطالبة البدل وأخذه.

2 - أو بدعوى ان من شؤون السلطنة على العين السلطنة على ماليّتها.

وبعبارة أُخرى‌: للعين شؤون ثلاثة: من حيث الشخصيّة، ومن حيث الطبيعة النوعيّة، ومن حيث الماليّة، وتعذّر مطالبة الأُولى لا يمنع عن مطالبة غيرها.

3 - أو بدعوى السلطنة على مطالبة السلطنة على الانتفاعات بماله.

أقول: وفي الجميع نظر:

أمّا الأُولى: فلأنّ السلطنة على مطالبة العين مع إمكان ردّها ثابتة، ولازمها السعي في ذلك بالسعي في مقدّماته، لا رَدّ البدل، ومع عدم إمكانه لا تكون ثابتة لعدم القدرة، والامتناع بالاختيار وإنْ كان لا ينافي الاختيار، إلّاأنّه عقاباً لا خطاباً.

وأمّا الثانية: فلأنّ ماليّة العين القائمة بها - أي تلك الحصّة الخاصّة من الماليّة - يتعذّر مطالبتها بتعذّر مطالبة العين، والماليّة القائمة ببدلها حصّة أُخرى من الماليّة، ولم تثبت قيام السلطنة له على مطالبتها.

وأمّا الثالثة: فلأنّ السلطنة على الانتفاعات بما له ساقطة للتعذّر.

الوجه الخامس: إنّه فوّت سلطنة المالك وأتلفها، فيجب عليه تدارك ذلك.

وفيه: إنّ ما للمالك إنّما هو المِلْك لا السلطنة، بل هي من الأحكام المترتبة عليه، فلا يتعلّق بها الضمان.

الوجه السادس: إطلاق النصوص المتقدّمة.

وفيه: إنّها ظاهرة أو منصرفة إلى صورة صدق التلف عرفاً.

الوجه السابع: الإجماع، وهو كما ترى.

فتحصّل: أنّه لا دليل على بدل الحيلولة، كما اعترف به جمعٌمن المحقّقين(1).

نعم، بما أنّ الغاصب فوّت منافع العين على المالك، يكون ضامناً للمنافع، وقد تقدّم تفصيل القول في ذلك.9.


1) منهم السيّد اليزدي في الحاشية: ج 1/106-107، والمحقّق الاصفهاني في الحاشية: ج 1/426-429.

مورد بدل الحيلولة

الجهة الثانية: في بيان مورد بدل الحيلولة.

التحقيق: إذا تمكّن الغاصب من رَدّ العين، ولكنّه لم يردّ، بل حال بين العين ومالكها، ليس هناك بدل الحيلولة، بل يكون الغاصب مكلّفاً بردّ العين، كما أنّه إذا تلفت العين أو تلف جميع الانتفاعات في جميع الأزمنة، خرجت بذلك عن الملكيّة، كصيرورة الخَلّ خمراً، أم لا، كما إذا انكسرت المرآة، أو تلف بعض الانتفاعات في جميع الأزمنة، كما لو صار الحيوان موطوءً فإنّه لم يتلف منه إلّاالانتفاع به دائماً في بلد الوطء لا في سائر البلاد، فليس في هذه الحالات بدل الحيلولة، بل مورده ما إذا تلفت جميع الانتفاعات في بعض الأزمنة لعدم تمكّن الضامن من الرّد.

ثمّ إنّ مورده ما إذا كان التعذّر لعارضٍ خارجي، وأمّا إذا كان ذلك من جهة أنّ رَدّ العين مستلزمٌ لخروجها عن الماليّة، كالخيط المغصوب الذي خيط به الثوب - إذ قد يكون إخراجه من الثوب موجباً لتلفه - أو لخلطه بمالٍ آخر، فلا يكون مورداً لبدل الحيلولة، ولا يعتبر فيه سوى ما ذكر.

وعليه، فصوره أربع سوى الصورة الملحق فيها المال بالتلف؛ إذ:

ربما يُرجى التمكّن من العين قريباً، وربما يُرجى بعد مضيّ مدّةٍ طويلة.

وعلى التقديرين: إمّا أن يتعذّر على المالك إعادة العين، وإنّما يرجى أن تعود بنفسها كطائرٍ اعتاد العود، وإمّا أنْ لا يتعذّر.

وعلى القول بثبوت بدل الحيلولة، يثبت في جميع هذه الصور، ولا وجه

لتخصيصه بما إذا كان يُرجى التمكّن بعد مدّة طويلة.

نعم، إذا كان زمان التعذّر يسيراً جدّاً، لا يكون مشمولاً لما تقدّم من الأدلّة.

الجهة الثالثة: في بيان أنّ التعذّر الموضوع لهذا الحكم، هل هو التعذّر المُسقِط للتكليف بردّ العين، أو الأعمّ منه ومن التعذّر العرفي‌؟.

قد استدلّ للأوّل:

1 - بأصالة عدم تسلّط المالك على أزيد من إلزامه بردّ العين الذي كان قبل التعذّر، خرج عن ذلك ما إذا تعذّر بالتعذّر المسقِط للتكليف.

2 - وبأنّه مع عدم التعذّر المسقِط يكون مكلّفاً بردّ العين، ولا يجتمع التكليف بردّ العين والبدل.

أقول: وفيهما نظر:

أمّا الأوّل: فلأنّ الأدلّة التي أقاموها على ثبوت بدل الحيلولة، مقتضى إطلاقها ثبوته في مورد التعذّر العرفي أيضاً، ومعه لا مورد للرجوع إلى الأصل.

وأمّا الثاني: فلاّنّ مورد التكليف بالبدل زمان الاشتغال بالمقدّمات، ومورد التكليف بردّ العين هو زمان ما بعد المقدّمات.

وبالجملة: الحقّ في المقام هو التفصيل بين كون زمان الاشتغال بالمقدّمات قصيراً جدّاً، فلا يكون ثابتاً، وبين غيره فيكون ثابتاً، ولا يخفى وجهه.

أقول: أورد السيّد الفقيه على الشيخ رحمه الله بعد قوله: (ثمّ الظاهر عدم اعتبار التعذّر المسقط للتكليف)(1)، بقوله: (لا يخفى أنّ هذا ليس مطلباً آخر، بل هو نفس الوجه الأخير الذي أيّده، بأنّ فيه جمعاً بين الحقّين، كما أنّ تعبير البعض8.


1) المكاسب: ج 3/258.

بالتعذّر هو نفس الوجه الأوّل، وهو اليأس من الوصول، فلا وجه للتكرار)(1).

وفيه: إنّ في المقام بحثين:

أحدهما: هل يعتبر في ثبوته اليأس عن الوصول إلى الأبد، أم لا؟.

الثاني: في أنّه هل يعتبر التعذّر المسقِط للتكليف، أم لا؟.

وبين الجهتين عموم من وجه؛ إذ اليأس من الحصول ربما لا يوجب سقوط التكليف؛ لعدم كونه متعذّراً عقلاً، كما أنّ العلم بوجدانه أو رجائه قد يوجبُ سقوط التكليف فعلاً؛ للتعذّر العقلي، وعلى هذا فلا مورد لإيراده.7.


1) حاشية المكاسب: ج 1/107.

إلزام المالك بأخذ البدل

الجهة الرابعة: ويدور البحث فيها عن الأحكام المتفرّعة عليه بعد ثبوته، وتنقيح القول فيها في ضمن مسائل:

المسألة الأُولى: هل يكون دفع البدل حقّاً للضامن، فله إلزام المالك بأخذه، أم ليس له ذلك‌؟.

استدلّ الشيخ رحمه الله(1)على الثاني بقاعدة تسلّط النّاس على أموالهم.

وفيه: إنّ المراد بذلك إنْ كان هو السلطنة على الامتناع من قبول بدل الحيلولة.

فيرد عليه: أنّ بدل الحيلولة إن صار ملكاً له، مع عدم مطالبته، فإمتناعه عن قبوله كامتناعه عن قبول نفس العين، لا يؤثّر في عدم الخروج عن العهدة بدفعه، وإنْ لم يصبح ملكاً له، فلا إضافة إليه كي يشمله دليل السلطنة.

وإنْ كان المراد به السلطنة على الامتناع من أخذ بدل الحيلولة، من جهة كونه بدلاً عن ماله، وبعبارة أُخرى السلطنة على الامتناع من أخذ بدل ماله.

فيرد عليه: أنّ بدل الحيلولة إنْ قلنا إنّها غرامة يدفعها الضامن وليس بإزاء العين، فلا يزاحم ذلك السلطنة الثابتة للمالك على ماله.

وإنْ قلنا إنّه عوضٌ قهراً، فدليل السلطنة لا يمنع عنه؛ لأخصيّة دليله حينئذٍ من دليلها.


1) المكاسب: ج 3/258-259.

نعم، بناءً على أنّ للمالك المعاوضة الاختياريّة، يتمّ ذلك، لكنّه بمراحل عن الواقع.

أقول: والحقّ في المقام اختلاف حكم المسألة باختلاف مداركه:

فلو كان مدركه قاعدة اليد، أو إطلاق النصوص، كان ذلك حقّاً للضامن، ويصبح حاله حينئذٍ كحال سائر أمواله.

وأمّا إنْ كان المدرك قاعدة نفي الضرر، أو كون ذلك من باب الجمع بين الحقّين أو الإجماع، فللمالك الامتناع من أخذه؛ لأنّ الضرر ينتفي بثبوت حقّ للمالك في مطالبة البدل، كما أنّ الجمع بين الحقّين يكون بذلك، وقاعدة السلطنة على فرض دلالتها على ذلك تدلّ على أنّ للمالك السلطنة على مطالبة ماله للتوسّل به إلى أخذ بدله، فله أن لا يطالب، والمتيقّن من الإجماع هو صورة المطالبة.

في أنّ بدل الحيلولة ملك للمضمون له أو مباح

المسألة الثانية: في أنّ بدل الحيلولة هل هو ملكٌ للمضمون له، أو مباح‌؟.

أقول: قد استدلّ للثاني بوجهين:

الوجه الأوّل: ما ذكره الشيخ رحمه الله(1)، ومحصّله: أنّ الفائت بسبب التعذّر هي السلطنة المطلقة على العين، فيلزم تداركها بسلطنة توازيها، وذلك بأداء مماثل العين؛ لأنّ معنى الضمان ذهاب العين من مال الضامن، ولازم ذلك فيما إذا كان الضمان بمعنى انقطاع سلطنته عنه، وفوات الانتفاع به في الوجوه التي بها قوام الملكيّة، قيام مقابله مقامه في السلطنة لا في الملكيّة، ليكون مقابلاً وتداركاً للسطنة الفائتة، فالتدارك لا يقتضي ملكيّة المتدارَك في هذه الصورة، وحيث أنّ السلطنة على الانتفاعات لا تقتضي المِلْك من أوّل الأمر عنده قدس سره، فلذا اختار الإباحة لولا الإجماع.

أقول: أمّا أنّ الإباحة المطلقة هل تقتضي الملك من أوّل الأمر أم لا، فقد أشبعنا الكلام فيه في بحث المعاطاة(2).

وأمّا أنّ أدلّة بدل الحيلولة هل تدلّ على الملك أو الإباحة‌؟.

والتحقيق: أنّ الحقّ هو التفصيل؛ إذ لو كان المدرك هو الجمع بين الحقّين، لما اقتضى ذلك أزيد من الإباحة، ولو كان المدرك غيره، كان مقتضاه هو الملك؛ إذ قاعدة اليد تدلّ على كون المبذول بدلاً عن ماليّة العين، كما أنّ قاعدة السلطنة


1) المكاسب: ج 3/259.

2) فقه الصادق: ج 22/293 وما بعدها.

• الدالّة على السلطنة على مطالبة ماليّة ماله - تقتضي ذلك؛ إذ مع عدم الملك لا يكون اعتبارها اعتبار ماليّةٍ غير ماله، وقاعدة نفي الضرر أيضاً تقتضي ذلك؛ فإنّ ضمان القيمة هناك كضمانها في صورة التلف، وقاعدة نفي الضرر تدلّ على ضمان البدل؛ لأنّ عدمه ضرري.

الوجه الثاني: أنّه حيث تكون العين باقية على ملكه، فلو مَلك البدل، لزم منه الجمع بين العوض والمعوّض.

وفيه أوّلاً: سيأتي الكلام في أنّ العين تنتقل عنه أم لا.

وثانياً: إنّه يمكن أنْ يقال إنّ ثبوت البدل من باب الغرامة لا المعاوضة، فتأمّل.

أقول: إنّ هذا كله في غير صورة التلف العرفي، وأمّا في تلك الصورة، فلا ينبغي التوقّف في الملكيّة؛ للأدلّة المتقدّمة الدالّة على ثبوت البدل فيها.

في انتقال العين إلى الضامن وعدمه

المسألة الثالثة: والبحث فيها عن أنّ العين هل تنتقل إلى الضامن أم لا؟.

أقول: لا إشكال في عدم الانتقال، بناءً على عدم صيرورة البدل ملكاً للمالك، وأمّا بناءً على الملكيّة، ففي موارد التلف الحقيقي أو العرفي لا كلام أيضاً في خروجه عن ملكه.

أمّا في الأوّل: فواضح.

وأمّا في الثاني: فلأنّ الملكيّة من الاعتباريّات، والاعتبار إنّما يكون بلحاظ الأثر، وبدونه لغو، فلا يكون هناك اعتبار الملكيّة.

وأمّا في غير ذينك الموردين، فقد اضطربت فيه كلمات الأعلام غاية الاضطراب.

ومحصّل القول: إنّ في المسألة وجوهاً وأقوالاً:

أحدها: أنّ الضامن يملك العين التي أدّى عوضها مطلقاً.

الثاني: أنّه لا يملكها كذلك.

الثالث: ما مال إليه الشيخ رحمه الله(1)، وهو عدم الملكيّة فيما إذا كان الفائت معظم الانتفاعات، والملكيّة فيما إذا لم يكن الفائت إلّابعض ما ليس به قوام الملكيّة.

أقول: والأظهر هو الأوّل؛ وذلك لوجهين:

الوجه الأوّل: أنّ أهل العرف يفهمون من الأمر بدفع البدل، حصول المعاوضة


1) المكاسب: ج 3/261-262.

والمبادلة بين العينين، وصيرورة كلّ منهما ملكاً للآخر، وبدلاً عنه.

الوجه الثاني: أنّ مقتضى عنوان التدارك والغرامة ذلك، إذ مع فرض عدم التلف، وبقاء مقدارٍ من الماليّة للمتعذّر، لو حكم الشارع بتدارك ماليّته بتمامه بعنوان تدارك ما في العهدة، وبعنوان أنّه أداء للمتعذّر، لا مناص عن الالتزام بخروجه عن ملكه، وحيث أنّه لم يلتزم أحدٌ بأنّ كون المتعذّر من المباحات الأصليّة، فلابدّ من البناء على صيرورته مِلْكاً للضامن.

واستدلّ للثاني: بمنع تلك الاستفادة والفهم العرفي من أدلّة الضمان، وبأنّ التكليف بأداء البدل يمكن أن يكون بعنوان الغرامة لا بعنوان البدليّة، والغرامة لا تقتضي كون العين مِلْكاً للضامن، فإنّ العين التالفة يضمن الضامن قيمتها ولا تكون ملكاً له.

وبالجملة: الغرامة أمرٌ يُسدّ به الثلمة التي وردت على مِلك المالك، فلا يقتضي لزومها على الغارم دخول العين في ملكه؛ لأنّهاليست بدلاً عن نفس العين.

وفيه: إنّه مع بقاء العين على مقدار من الماليّة، فإنّ سدّ الثلمة لا يكون بإعطاء كمال القيمة؛ فإعطاء تمامها مع فرض كون الغرامة لا بعنوان العقوبة والمجازاة، بل بعنوان تدارك ما في العهدة، يستلزم خروج العين عن ملكه، ودخولها في ملك الضامن.

واستدلّ للثالث: بأنّه مع فوات معظم الانتفاعات، لا محالة يكون أداء القيمة غرامة، وهي لا تقتضي انتقال العين إلى الغارم، وأمّا مع فوات بعضها، فعنوان الغرامة لايقتضي أداء تمام القيمة، فالأمر بأداء تمامها يكشف عن المعاوضة الشرعيّة.

وفيه: إنّ ما ذكره في الشقّ الأوّل يتمّ في صورة التلف العرفي، وأمّا في غيره فليس التالف مساوياً لتمام القيمة كما عرفت.

فتحصّل: أنّ الأظهر صيرورته مِلْكاً للضامن.

قال المحقّق في «شرح القواعد»: - فيما لو خاط ثوبه بخيوطٍ مغصوبة - (ولو طلب المالك نزعها، وإنْ أفضى إلى التلف وجب، ثمّ يضمن الغاصب النقص، ولو لم يبق لها قيمة غرم جميع القيمة)(1)انتهى‌.

أقول: احتمل في هذا المورد وأمثاله اُمور:

منها: أن يجب بدل الحيلولة؛ لتعذّر وصول المالك إلى ماله.

ومنها: اشتراك مالك الثوب ومالك الخيوط في قيمة الثوب بعد الخياطة.

ومنها: كونها من موارد التلف.

التحقيق: الأظهر هو الأخير؛ إذ قيمة الثوب وإنْ زادت بالخياطة، إلّاأنّ زيادتها ولو مقداراً منها ليست بإزاء الخيوط، وإنْ صارت هي سبباً لازدياد قيمة العين، وقد مرّ عدم كون المورد من موارد بدل الحيلولة، بل تعدّ هذه الموارد عند العرف من موارد التلف، فيكون الغاصب ضامناً لقيمة الخيوط، وقد مرّ أنّ ذلك يوجب صيرورتها ملك الضامن، وعليه فلا يجبُ نزعها وإنْ طلبه المالك، وتجوز الصلاة في هذا الثوب المخيط، كما أفتى به في محكي «مجمع البرهان»(2)واستجوده صاحب «الجواهر» رحمه الله(3).0.


1) جامع المقاصد: ج 6/305.

2) مجمع الفائدة والبرهان: ج 10/521.

3) جواهر الكلام: ج 37/80.

حقّ الأولويّة

قال الشيخ رحمه الله: (ثمّ إنّ هنا قسماً رابعاً، وهو ما لو خرج المضمون عن الملكيّة مع بقاء حقّ الأولويّة... الخ)(1).

أقول: الكلام في هذا الفرع يقع في جهات:

الجهة الأُولى: في بقاء حقّ الأولويّة بعد زوال الملكيّة، وقد استدلّ له بأُمور:

الأمر الأوّل: ما أفاده المحقّق النائيني رحمه الله(2)وغيره(3)، من أنّ الحقّ ليس أمراً مغايراً للملك، بل هو من شؤونه ومراتبه الضعيفة المندكّة تحت القوي؛ لأنّه عبارة عن إضافة خاصّة بين المستَحقّ والمستَحقّ عليه، وهي حاصلة للمالك، ومحفوظة في جميع الحالات المتواردة على الملك.

وفيه: إنّ الملكيّة والحقّ من الاعتباريّات الشرعيّة والعرفيّة، لا من المقولات، والاعتبار لا اشتداد فيه ولا حركة، وكلّ من الملك والحقّ اعتباري غير الآخر.

الأمر الثاني: إنّ حقّ الأولويّة من آثار الملك، وغاية ما يتحقّق مع زواله الشكّ في ارتفاعه، فيستصحب بقائه.

وفيه: أنّ ما هو أثر الملك إنّما هو الحكم التكليفي من قبيل جواز التصرّف فيه ونحوه، وهو غير حقّ الأولويّة، مع أنّ لازم كونه أثراً له ارتفاعه بارتفاعه.

وبالجملة: حقّ الأولويّة الذي هو اعتبار خاص، ليس من آثار الملك.


1) المكاسب: ج 3/263.

2) منية الطالب: ج 1/159.

3) كالمحقّق الأيرواني: ج 1/73، والسيّد بحر العلوم في بلغة الفقيه: ج 1/35-36.

الأمر الثالث: إنّه قد دلَّ الدليل على أنّ المالك أحقّ بماله، فيستفاد من ذلك كون حقّ الأولويّة من مقارنات الملك، ولو شكّ في زواله بارتفاع الملك يستصحب ذلك.

وفيه: ما دلَّ عليه الدليل المزبور إنّما هو أولويّة المالك بالتصرّف في ماله من غيره، وهذا غير ثبوت حقّ الأولويّة.

الأمر الرابع: الإجماع.

وفيه: إنّه ليس تعبّديّاً، ولعلّ مستند المُجمِعين ما تقدّم.

أقول: الصحيح أن يستدلّ لثبوته بالسيرة العقلائيّة، وبناء العقلاء على ذلك، وأظنّ أنّه لا ريب في بنائهم عليه، وحيث لم يردع عنه الشارع، فيستكشف إمضائه لذلك.

الجهة الثانية: في وجوب رَدّه على القول بعدم انتقاله إلى الضامن.

أقول: بناءً على ثبوت حقّ الأولويّة، لا شكّ في وجوبه، فإنّه كما يجبُ رَدّ الملك يجب رَدّ ما هو متعلّق الحقّ‌، ولو شكّ في وجوب متعلّق الحقّ‌، فهل يجري استصحابه؛ نظراً إلى كون الملكيّة من الجهات التعليليّة لوجوب الرّد لا التقييديّة، فالموضوع عند العرف يكون باقياً، أم لا يجري لكونه من الجهات التقييديّة‌؟.

وجهان، أظهرهما الأوّل.

وأمّا بناءً على عدم ثبوته، فجريان الاستصحاب وعدمه مبنيّان على ما تقدّم.

الجهة الثالثة: في أنّه مع فرض ثبوت حقّ الأولويّة، هل يكون ذلك للمالك أو الضامن‌؟.

أقول: الأظهر هو الثاني؛ لاقتضاء الغرامة ذلك، ولبناء العقلاء عليه، وبالتالي فالضامن أحقّ من غيره.

حكم الزيادة العينيّة وارتفاع القيمة السوقيّة

المسألة الرابعة: في حكم الزيادة العينيّة وارتفاع القيمة.

فعن العلّامة رحمه الله(1)وبعض آخر(2)ضمان المنافع، ورجّحه في موضعٍ من «جامع المقاصد»(3)، والظاهر أنّ المشهور بين الأصحاب العدم، وهو الأظهر.

أقول: أمّا على ما اخترناه من صيرورة العين المتعذّرة مِلْكاً للضامن فواضح، وأمّا على المسلك الآخر؛ فلأنّه قد خرج الضامن عن عهدة العين وأدّى ماليّتها، فليس له بعد أدائها عهدة العين الثابتة بقاعدة «على اليد» وغيرها من أدلّة الضمان، فلا شيء يقتضي الضمان.

نعم، إذا وضع يده عليها ثانياً أو على نمائها حصل الضمان.

وبالجملة: بعد خروج الضامن عن عهدة العين، يكون حاله بالإضافة إلى ذلك الملك حال غيره من الأجانب، وعليه فكون النماء حادثاً في مِلْك المالك لا يقتضي ضمانه، كما أنّ اليد السابقة التي خرج عن عهدتها لا تقتضي ذلك، وبالتالي فالأظهر عدم الضمان.

واستدلّ للقول الآخر: بأنّ المال حيث يكون باقياً على ملك مالكه، وارتفعت ماليّته وقيمته، فالضامن كما يكون سبباً للحيلولة بين المال وصاحبه، يكون سبباً


1) تذكرة الفقهاء: ج 2/382.

2) منهم الشهيد الثاني في المسالك: ج 12/201، والسيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 6/249، وصاحب الجواهر في الجواهر: ج 37/139.

3) جامع المقاصد: ج 6/273.

للحيلولة بين تلك الزيادة والمالك، والغرامة المدفوعة تدارك للماليّة قبلا لا الماليّة فعلاً، فيجب تداركها.

وفيه: إنّ هذه الحيلولة ليست حيلولة أُخرى‌، بل بقاء لتلك الحيلولة، والمفروض أنّه خرج عن عهدتها.

وجوب ردّ العين بعد رفع التعذّر

المسألة الخامسة: إذا ارتفع تعذّر رَدّ العين، وصار ممكناً، فهل يجب ردّها أم لا؟، وجهان:

أقول: وقد استدلّ على ذلك بوجوه:

الوجه الأوّل: ما في «المكاسب»(1)، من أنّ مقتضى عموم ما ورد من أنّ «على اليد ما أخذت»، المغيّى بالأداء، هو ذلك.

وفيه: أنّه إنْ قلنا بالملكيّة - أي أنّ العين بدفع الغرامة تصير ملكاً للضامن - فلا موضوع ل‍ «على اليد».

وإنْ قلنا ببقائها على ملك المالك.

فيرد عليه: أنّه على الفرض - حيث خرج عن عهدة العين بدفع البدل وأداء الماليّة -، فلا وجه لعود مقتضى اليد، مع عدم وضع اليد عليه ثانياً.

ودعوى: أنّ العموم المزبور يدلّ على تعهّد الآخذ بالعين تداركاً وردّاً، ودفع الغرامه إنّما يكون تداركاً للماليّة، وإنّما يسقط وجوب الرّد حين التعذّر للعذر العقلي، وإذا ارتفع التعذّر وجب عليه الرّد؛ لكونه من آثار تعهّده به حين الأخذ، كما أفاده بعض مشايخنا المحقّقين(2)، ولعلّه إلى هذا يشير قوله قدس سره: (ودفع البدل لأجل الحيلولة... الخ)(3).

مندفعة: بأنّ «على اليد» إنّما يدلّ على كون المال المأخوذ في العهدة ما لم يؤدّ،


1) المكاسب: ج 3/267.

2) وهو ظاهر المحقّق النائيني في منية الطالب: ج 1/162، ووقفنا عليه في كلمات السيّد اللّاري في تعليقته على المكاسب: ج 1/534.

3) المكاسب: ج 3/267.

فإذا فرضنا كون دفع البدل أداءً‌، فلا وجه لوجوب الأداء ثانياً.

وبعبارة أُخري‌: إنّما يجبُ دفع البدل من جهة كونه أداءً‌، ومعه لا وجه لوجوبه ثانياً.

وإنْ شئتَ قلت: إنّه لايدلّ على وجوب الرّد تكليفاً، وإنّما يدلّ على الضمان خاصّة.

الوجه الثاني: ما في «المكاسب»(1)أيضاً، من استصحاب وجوب الرَّد.

وفيه: إنّه إنْ اُريد به استصحاب الوجوب التنجيزي.

فيرد عليه: أنّه ارتفع بالتعذّر، فلا وجه لاستصحابه.

وإنْ اُريد استصحاب الوجوب التعليقي.

فيرد عليه: أنّ التمكّن ليس من قيود الطلب شرعاً، بل هو شرط عقلي في كلّ واجبٍ‌، فلا يكون الوجوب بسببه تعليقيّاً.

اللّهُمَّ إلّاأنْ يُقال: إنّه إمّا أن نقول باشتراط كلّ تكليفٍ بالتمكن شرعاً، فلا محالة يصير الوجوب تعليقيّاً، ولا مانع من استصحابه في المقام على القول بجريان الاستصحاب التعليقي.

وإنْ قلنا بأنّه شرطٌ عقلي - بمعنى أنّه مع عدم التمكّن لا يحكم العقل بلزوم متابعة المولى، وإنْ كان التكليف باقياً شرعاً فيستصحب الوجوب التنجيزي في المقام.

وبالجملة: فالحقّ أنْ يورد على هذا الأصل بأنّه مع الخروج عن عهده العين، لا يجب ردّها تكليفاً؛ لاختصاص الأدلّة بصورة بقاء العهدة.

الوجه الثالث: ما أفاده السيّد قدس سره(2)والمحقّق النائيني رحمه الله(3)، وحاصله: أنّ البدليّة2.


1) المكاسب: ج 3/268.

2) حاشية المكاسب: ج 1/110.

3) منية الطالب: ج 1/161-162.

المفهومة من الأدلّة، إنّما هي بدليّة ما دام التعذّر وموقتة، فإذا ارتفع التعذّر يعود كما كان.

وفيه: إنّه في موارد صدق التلف عرفاً، تكون الغرامة بدلاً دائميّاً بمقتضى إطلاق النصوص، وفي موارد بدل الحيلولة - على القول به - فإنّ مقتضى الأدلّة من «على اليد» وغيره كون دفع البدل في حال التعذّر أداءً للعين، وخروجاً عن عهدتها، لا ما دام متعذّراً.

وبعبارة أُخرى‌: التعذّر علّة للحدوث، لا أنّ البدليّة تدور مداره وجوداً وعدماً، ولو شكّ في ذلك لكفى الاستصحاب في بقاء البدليّة.

الوجه الرابع: الإجماع، وهو كما ترى‌.

أقول: الصحيح أن يستدلّ له ببناء العقلاء؛ بدعوى أنّ بناءهم على العود في أمثال المقام ممّا يكون البدل، لا من باب الإبراء عن الخصوصيّة أو المعاوضة الشرعيّة، بل تنازلاً عن الخصوصيّة الشخصيّة، سواءٌ أكان المتنازل هو المالك أو الشارع ولايةً عليه، فتدبّر فإنّه دقيق.

وبالجملة: وبما ذكرناه يظهر وجه عود الغرامة إلى الضامن بعد ارتفاع التعذّر.

نعم، يمكن أنْ يقال إنّ بناء العقلاء فيها إنّما يكون مع مطالبة مالك العين، وأمّا بدونها ورضاء المالك بعدم رَدّ العين، لا بناء منهم على عود الغرامة، ففي الحقيقة يكون العود بالنسبة إلى المالك باختياره، وبالنسبة إلى الضامن لا باختياره، بل باختيار المالك.

وإذا اختلف المتبايعان في قَدر الثمن، فالقول قولُ البائع إنْ كان باقياً، وقيل إنْ كان في يده، وقول المشتري إنْ كان تالفاً، وقيل إنْ كان في يده.

اختلاف المتبايعين في قدر الثمن

مسألة: (وإذا اختلف المتبايعان في قَدر الثمن) سواءٌ كان في الذّمة أو معيّناً في وجه، (ف‍) ادّعى البائع زيادته، والمشتري عدمها، كان (القول قول البائع) مع يمينه (إنْ كان) المبيع (باقياً) مطلقاً على المشهور.

(وقيل) والقائل الإسكافي(1)(إنْ كان) المبيع (في يده) أي في يد البائع، (وقول المشتري إنْ كان تالفاً، وقيل إنْ كان في يده)، وهو مذهب الأكثركماعن «التذكرة»(2)و «جامع المقاصد»(3)، والأشهر كما عن «الدروس»(4).

وفي «الجواهر»(5): (على المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة، بل عن ظاهر «الغنية»(6)و «كشف الرموز»(7)دعوى الإجماع عليه، بل هوصريح «الخلاف»)(8).

أقول: في المسألة أقوالٌ أُخر:


1) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر: ج 2/282-283، والعلّامة في المختلف: ج 1/395.

2) تذكرة الفقهاء (ط. ج): ج 12/83، مسألة 600.

3) جامع المقاصد: ج 4/440.

4) الدروس: ج 3/241-242.

5) جواهر الكلام: ج 23/184.

6) الغنية: ص 231.

7) كشف الرموز: ج 1/452.

8) الخلاف: ج 2/65.

1 - أنّ القول قول المشتري لو كان مصبّ الدعوى الزيادة والنقصان، والتحالف إذا كان مصبّ الدعوى أنّ العقد وقع على الأقلّ أو الأكثر.

2 - التحالف مطلقاً، ثمّ الرجوع إلى ثمن المثل.

3 - أنّه لابدَّ من الرجوع إلى القرعة.

وتنقيح القول في المقام: إنّ مقتضى قواعد باب القضاء أنّ القول قول المشتري؛ لأنّ وقوع العقد على الأقلّ معلوم، إمّا في ضمن الأكثر أو مستقلّاً، ووقوعه على الزائد مشكوكٌ فيه، يجري فيه الأصل، ولا تعارضه أصالة عدم وقوع العقد على الأقلّ بخصوصه، لعدم ترتّب الأثر عليها، فلا تجري، وتمام الكلام في كتاب القضاء(1).

أقول: إلّاأنّ في خصوص المسألة رواية تدلّ على ما ذهب إليه المشهور، وهي مرسلة البزنطي التي رواها المشايخ الثلاثة عن أبي عبد اللّه عليه السلام:

«في الرجل يبيع الشيء، فيقول المشتري: هو بكذا وكذا، بأقلّ ممّا قاله البائع‌؟ فقال: القول قول البائع مع يمينه، إذا كان الشيء قائماً بعينه»(2)، المنجبرة بما ذكرناه.

بل عن «إيضاح النافع»(3): أنّ الرواية مقبولة عند أهل الحديث.

وعن «الكفاية»(4): إنّها مشهورة ومتكرّرة فى الكتب، معمولٌ بها بين الأصحاب.1.


1) فقه الصادق: ج 38/200 وما بعدها.

2) الكافي: ج 5/174 ح 1، الفقيه: ج 3/269 ح 3975، التهذيب: ج 7/26 ح 26، وج 7/229 ح 21، وسائل الشيعة: ج 18/59 أبواب أحكام العقود ب 11 ح 1 (23140).

3) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 4/755.

4) كفاية الأحكام: ج 1/491.

أضف إليه أنّ البزنطي من الذين أجمعوا على تصحيح ما يصحّ عنهم، حيث قال عنه الشيخ الطوسي في «عدّة الاُصول»(1): (إنّ البزنطي لا يروي إلّاعن ثقة).

وهي تدلّ على ما نقلناه عن المشهور منطوقاً ومفهوماً، خلافاً لما تقتضيه قواعد باب القضاء.

ويعضدها - في الجملة - صحيح عمر بن يزيد، عن أبيه، عن الإمام الصادق عليه السلام، في حديثٍ‌: «فإنْ اختلفا فالقول قول ربّ السّلعة أو يتتاركا»(2)، الظاهر في بقاء العين، ومع ذلك كلّه لا وجه للتعرّض لما استدلّ به على سائر الأقوال ونقده، والحمد للّه أوّلاً وآخراً.


الحمد للّه على ما أنعم علينا بالنِّعم الجِسام، التي من أعظمها تحرير الكتب الفقهيّة ونشرها، ومنها هذا الكتاب، وكان ختامه ليلة الأربعاء 10 ذي القعدة الحرام، سنة 1380 هجريّة، بيد مؤلّفه محمّد صادق الحسيني الروحاني القُمّي عفي عنه.

***).


1) عدّة الأُصول (بذيل الحاشية الخليليّة): ج 1/386.

2) الكافي: ج 5/174 ح 2، وسائل الشيعة: ج 18/59 أبواب أحكام العقود ب 11 ح 2 (23141).

فهرس الموضوعات

ثبوت الولاية التكوينيّة للمعصومين عليهم السلام... 9

ثبوت منصب الحكومة والرئاسة للحُجّة عليه السلام... 12

ولاية التصرّف في الأموال والأنفس... 17

وجوب إطاعة المعصوم... 21

اشتراط تصرّف الغير بإذنهم... 23

ولاية الحاكم الشرعي... 25

من وظائف المجتهد إقامة الدولة... 27

العالم المختلف إلى أبواب الحكّام آفة الدِّين... 37

في حكم تزاحم المجتهدين... 39

عدم أولويّة الفقيه بالتصرّف في الأموال والأنفس... 40

ضابط التصرّفات المتوقّف جوازها على إذن الفقيه... 42

ولاية عدول المؤمنين... 46

اشتراط العدالة... 48

مزاحمة الوليّ‌... 59

توضيح الآية الشريفة... 60

المقصد الرابع / بيان حقيقة المال والمِلْك... 71

بيان الدليل على اعتبار الماليّة والملكيّة في العوضين... 74

اعتبار كون ملك كلّ من العوضين طِلْقاً... 79

بيع الوقف... 82

موانع بيع الوقف... 88

الوقف قد يكون تمليكاً وقد يكون فكّاً... 91

بيع الوقف مع عدم كونه مِلْكاً... 95

صور بيع الوقف... 101

حكم الثمن على تقدير بيع الوقف... 107

حكم بدل العين الموقوفة... 109

من له ولاية البيع... 111

الصورة الثانية... 115

الصورة الثالثة... 118

الصورة الرابعة... 119

الصورة الخامسة... 123

الصورة السادسة... 125

الصورة السابعة... 130

الصورة الثامنة... 134

الصورة التاسعة... 137

الصورة العاشرة... 138

الوقف المنقطع... 141

في تأثير إجازة الموقوف عليه... 145

بيع العين المرهونة... 148

بيان فائدة إجازة المرتهن... 155

حكم عقد الراهن لو سقط حَقّ المرتهن... 157

عدم صحّة بيع ما يُكال أو يوزن جزافاً... 162

بيع المكيل بالوزن والعكس... 167

المناط في المكيل والموزون... 172

إخبار البائع بقدر المبيع... 180

بيع الثوب والأرض مع المشاهدة... 185

بيع بعضٍ من جملة متساوية الأجزاء... 186

إذا باع صاعاً من صُبَّرة... 192

ثمرات كون المبيع كليّاً في المعيّن أو مشاعاً... 194

الفرق بين الاستثناء والبيع... 198

أقسام بيع الصُّبرة... 201

جواز أن يندر للظروف ما يحتمل الزيادة والنقيصة... 206

في كفاية المشاهدة وعدمها... 212

كفاية مشاهدة العين سابقاً... 213

حكم ما لو اختلفا في التغيّر... 217

لو اختلفا في تقدّم البيع على التغيّر وتأخّره عنه... 225

لزوم الاختبار... 229

حكم شراء ما يفسده الاختبار... 233

بيع المجهول منضمّاً إلى المعلوم... 237

بيع المِسْك في الفأر... 243

اعتبار العلم بقدر الثمن... 245

اعتبار القدرة على التسليم... 248

هل القدرة شرط أو العجز مانعٌ‌... 260

المانع هو العجز في زمان الاستحقاق... 262

حكم ما لو كان الوكيل عاجزاً والموكّل قادراً... 269

عدم إلحاق الصلح بالبيع... 273

بيع الضال والمجحود والمغصوب... 275

ضمان المقبوض بالعقد الفاسد... 278

قاعدة ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده... 285

مدرك قاعدة ما يُضمن بصحيحه يُضمن بفاسده... 290

قاعدة ما لا يُضمن بصحيحه لا يُضمن بفاسده... 298

الموارد التي تُوهم عدم اطراد القاعدة فيها... 301

وجوب رَدّ المقبوض بالعقد الفاسد إلى مالكه فوراً... 310

ضمان المنافع المستوفاة... 315

حكم المنافع غير المستوفاة... 320

المِثْلي والقيمي... 323

بيان ما هو المرجع عند الشكّ في المثليّة والقيميّة... 327

ما تقتضيه الأدلّة الاجتهاديّة عند الشكّ في المثليّة والقيميّة... 332

إذا لم يوجد المثل إلّابأكثر من ثمن المثل... 339

إذا سقط المِثْل عن الماليّة... 343

لو تعذّر المِثْل في المثلي... 349

الزمان المعتبر فيه قيمة المثل المتعذّر... 352

عدم الفرق بين التعذّر البدوي والطاري... 355

المراد من إعواز المثل... 357

في معرفة قيمة المثل... 359

الاعتبار ببلد المطالبة أو بلد التلف... 359

التمكّن من المِثل بعد دفع القيمة... 360

ضمان القيمي بالقيمة... 361

تعيين القيمة... 365

ارتفاع القيمة بسبب الأمكنة... 386

بدل الحيلولة... 388

مورد بدل الحيلولة... 391

إلزام المالك بأخذ البدل... 394

في أنّ بدل الحيلولة ملك للمضمون له أو مباح... 396

في انتقال العين إلى الضامن وعدمه... 398

حقّ الأولويّة... 401

حكم الزيادة العينيّة وارتفاع القيمة السوقيّة... 403

وجوب ردّ العين بعد رفع التعذّر... 404

اختلاف المتبايعين في قدر الثمن... 408

فهرس الموضوعات... 411