ghaemiyeh.com
سرشناسه:روحانی، سیدمحمدصادق، 1303 -
عنوان قراردادی:تبصرهالمتعلمین .شرح
عنوان و نام پديدآور:فقه الصادق [کتاب]/ تالیف محمدصادق الحسینیالروحانی؛ باشراف قاسممحمد مصریالعاملی.
مشخصات نشر:قم : آیین دانش، 1392.
مشخصات ظاهری:41ج.
شابک:4200000ریال: دوره: 978-600-6384-26-9 ؛ 100000ریال: ج.1: 978-600-6384-28-3 ؛ 100000ریال: ج.2: 978-600-6384-30-6 ؛ 100000ریال: ج.3: 978-600-6384-31-3 ؛ 100000ریال: ج.4:978-600-6384-30-6 ؛ 100000ریال: ج.5: 978-600-6384-33-7 ؛ 100000ریال: ج.6: 978-600-6384-34-4 ؛ 100000ریال: ج.7: 978-600-6384-35-1 ؛ 100000 ریال: ج.8: 978-600-6384-36-8 ؛ 100000ریال: ج.9: 978-600-6384-37-5 ؛ 100000 ریال: ج.10: 978-600-6384-38-2 ؛ ج.11: 978-600-6384-37-5 ؛ ج.12: 978-600-6384-38-2 ؛ ج.13: 978-600-6384-39-9 ؛ ج.14: 978-600-6384-40-5 ؛ ج.15: 978-600-6384-41-2 ؛ ج.16: 978-600-6384-42-9 ؛ 100000 ریال: ج.17: 978-600-6384-50-4 ؛ 100000 ریال: ج.18: 978-600-6384-51-1 ؛ 100000 ریال: ج.19: 978-600-6384-52-8 ؛ ج.20: 978-600-6384-46-7 ؛ 100000ریال: ج.21:978-600-6384-54-2 ؛ 100000ریال: ج.22: 978-600-6384-55-9 ؛ 100000ریال: ج.23: 978-600-6384-56-6 ؛ 100000ریال: ج.24: 978-600-6384-57-3 ؛ 100000ریال: ج.25: 978-600-6384-58-0 ؛ 100000ریال: ج.26: 978-600-6384-59-7 ؛ 100000 ریال: ج.27: 978-600-6384-60-3 ؛ 100000 ریال: ج.28: 978-600-6384-61-0 ؛ 100000 ریال: ج.29: 978-600-6384-62-7 ؛ 100000 ریال: ج.30: 978-600-6384-63-4 ؛ 100000 ریال: ج.31: 978-600-6384-64-1 ؛ 100000 ریال: ج.32:978-600-6384-65-8 ؛ 100000 ریال: ج.33:978-600-6384-66-5 ؛ 100000 ریال: ج.34: 978-600-6384-67-2 ؛ 100000 ریال: ج.35: 978-600-6384-41-2 ؛ 100000 ریال: ج.36: 978-600-6384-42-9 ؛ 100000 ریال: ج.37: 978-600-6384-43-6 ؛ 100000ریال: ج.38: 978-600-6384-44-3 ؛ 100000 ریال: ج.39: 978-600-6384-45-0 ؛ 100000 ریال: ج.40: 978-600-6384-29-0 ؛ 100000 ریال: ج.41: 978-600-6384-26-9
وضعیت فهرست نویسی:فیپا
يادداشت:عربی.
يادداشت:چاپ قبلی: قم: اجتهاد، 1386 -
يادداشت:جلد 4 تا 41 این کتاب در سال 1393 تجدید چاپ شده است.
يادداشت:کتاب حاضر شرح و تعلیقی بر کتاب " تبصرهالمتعلمین" اثر علامه حلی است.
یادداشت:کتابنامه .
یادداشت:نمایه.
مندرجات:ج.17- 18و 19.الحج.-ج.22 و 23 المکاسب.-ج.28. الاجاره.-ج.32،31و33.النکاح.-ج.34.الفراق.-ج.35. الفراق.-ج.41. الفهارس.
موضوع:علامه حلی، حسنبن یوسف، 648 - 726ق. . تبصرهالمتعلمین -- نقد و تفسیر
موضوع:فقه جعفری -- قرن 8ق.
شناسه افزوده:عاملی، قاسم محمد مصری، گردآورنده
شناسه افزوده:علامه حلی، حسنبن یوسف، 648 - 726ق. . تبصرهالمتعلمین . شرح
رده بندی کنگره:BP182/3/ع8ت20214 1392
رده بندی دیویی:297/342
شماره کتابشناسی ملی:3334286
فقه الصادق
تأليف سماحة آية الله العظمى السيّد محمدصادق الحسينى الروحانى
بسم الله الرحمن الرحیم
(الفصل الثالث: في صلاة) الآيات، وقد تُضاف إلى (الكسوف) وهي فريضة على كلّ مكلّفٍ إجماعاً(1).
وتدلّ عليه: مضافاً إلى ذلك، روايات كثيرة إنْ لم تكن متواترة:
منها: ما رواه الصدوق بإسناده عن جميل بن درّاج، عن أبي عبداللّه عليه السلام، قال:
«صلاة العيدين فريضة، وصلاة الكسوف فريضة»(2).
ومنها: ما رواه الشيخ بإسناده عنه أيضاً، عن أبي عبداللّه عليه السلام، قال:
«صلاة الكسوف فريضة».
إلى غير ذلك من الروايات الدالّة عليه.
ولا فرق في هذا الحكم بين الرِّجال والنساء، لأنّه مضافاً إليقاعدة الاشتراك، يدلّ عليه خصوص خبر عليّبن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال:
«سألته عن النساء هل على من عَرف منهنّ صلاة النافلة، وصلاة اللّيل، والزوال وصلاة الكسوف، ما على الرِّجال؟
قال عليه السلام: نعم»(3).
وتَجبُ عند كُسُوف الشّمس، وخُسوف القمر، والزِّلزلة،
(و) كيف كان، فيقعُ الكلام في سببها وكيفيّتها ووقتها وحكمها.
أمّا الأوّل: ف (تَجبُ عند كسوف الشّمس، وخُسوف القمر) والمراد انطماس نورهما كلّاً أو بعضها بأيّ سببٍ كان.
وتدلّ عليه: مضافاً إلى عدم الخلاف فيه، رواياتٌ مثل خبر علي بن عبد اللّه المرويّ في «الكافي»، قال: «سمعتُ أبا الحسن موسى عليه السلام، يقول: إنّه لمّا قُبض إبراهيم ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله، جرت فيه ثلاث سُنن؛ أمّا واحدة فإنّه لمّامات انكسفت الشّمس، فقال النّاس: انكسفت الشّمس لفقد ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله، فصعَدَ رسول اللّه صلى الله عليه و آله المنبر، فحَمِد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: أيُّها النّاس إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات اللّه، يجريان بأمره، مطيعان له، لا ينكسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا انكسفتا أو واحدة منهما فصلّوا، ثمّ نزل(1)فَصلّى بالنّاس صلاة الكسوف»(2).
وغير ذلك من الروايات.
ومقتضى إطلاقها شمول الحكم لانكساف الشّمس بباقي الكواكب غير القمر، ولو كان بنحو لا يظهر إلّالبعض النّاس، فإنّه يجبُ عليه الصَّلاة وعلى غيره إن اطمئنّوا به.
(و) وكذا تجبُ عند (الزّلزلة) بلا نقلِ خلافٍ عن أحدٍ، بل عن جماعة(3)دعوى الإجماع عليه.
والرِّياح المخوفة، وغيرها من أخاويف السّماء.
ويدلّ عليه: خبر الديلمي، المرويّ في «العلل»(1)، قال:
««سألتُ أبا عبد اللّه عليه السلام عن الزّلزلة ما هي؟ قال: آية - إلى أنْ قال - فيحرّك ذلك المَلَك عروق تلك الأرض التي أمره اللّه فتحرّك بأهلها.
قال: قلت: فإذا كان ذلك فما أصنع؟ قال: صَلِّ صلاة الكسوف»(2).
وعن «الفقيه»(3)نحوه.
وضعف سنده منجبرُ بعمل الأصحاب.
(و) كذا تجبُ عند (الرِّياح المخوفة، وغيرها من أخاويف السّماء) كما هو المشهور بين الأصحاب(4)، بل عن «الخلاف»(5)دعوى الإجماع عليه.
وتشهد له: صحيحة محمّد بن مسلم، وزرارة، قالا:
قلنا لأبي جعفر عليه السلام: هذه الرِّياح والظُّلَم التي تكون، هل يُصلّي لها؟
فقال عليه السلام: كل أخاويف السّماء من ظلمةٍ أو ريح أو فزع فصلِّ له صلاة الكسوف حتّى يسكن»(6).4.
1) علل الشرائع: ج 2/556 ح 7.
2) وسائل الشيعة: ج 7/486 ح 9926 و ص 505 ح 9977.
3) من لا يحضره الفقيه: ج 1/543 ح 1514.
4) كفاية الأحكام ص 21، قوله: (على الأشهر الأقرب)، جواهر الكلام: ج 11/406، قوله: (بل هو المشهور نقلاً وتحصيلاً)، جامع المدارك: ج 1/551، قوله: (فهو المشهور).
5) الخلاف: ج 1/682.
6) الكافي: ج 3/464 ح 3، وسائل الشيعة: ج 7/486 ح 9924.
وهي ركعتان، تشتمل كلّ ركعةٍ على خَمس ركوعات وسَجدتين.
ودعوى:(1)أنّه يُحتمل أنْ يكون السؤال سؤالاً عن المشروعيّة لا الوجوب، فلا يدلّ الجواب على الوجوب.
مندفعة: بأنّ ظاهر السؤال لكونه بالجملة الخبريّة هو السؤال عن الوجوب.
ثمّ إنّ الظاهر من أخاويف السّماء، المخوّفات الحادثة فوق الأرض، لا المنسوبة إلى خالق السّماء، فما يظهر منها في الأرض، كخروج النّار من الأرض لا يستفاد حكمه منها، إلّاأنّه يمكن الاستدلال لوجوب الصَّلاة عنده بمفهوم العلّة الواردة في خبر(2)الفضل بن شاذان، عن الإمام الرضا عليه السلام قال: «إنّما جُعلت للكسوف صلاةٌ لأنّه من آيات اللّه، لا يُدرى ألرحمةٍ ظهرت أم لعذاب».
وخبر «الدعائم»، عن جعفر بن محمّد عليه السلام، قال: «يُصلّى في الرجفة والزّلزلة والرِّيح العظيمة والظُّلمة والآية تَحدث، وما كان مثل ذلك كما يُصلّى في صلاة كسوف الشّمس والقمر سواء»(3).
ودعوى: تقييدهما بمخوف سمائي.
مندفعة: بأنّه لا تنافي بينهما وبين الصحيح المتقدّم، كي يقيّدان به، فليتأمل.
أمّا المقام الثاني: ففي بيان كيفيّتها، وهي إجمالا: ً (ركعتان تشتمل كلّ ركعةٍ على خمس ركوعات وسجدتين) بلا خلافٍ في ذلك بيننا(4).
وكيفيّتها: أن ينوي ويُكبِّر ويقرأ الحَمد وسورةً أو بعضها، ثمّ يركع ثمّ ينتَصِب، فإنْ كان أتمّ السّورة، قرأ الحَمد ثانياً وسورةً أو بعضها، وهكذا إلى أنْ يركع خمساً، وإنْ لم يكن أتمّها، اكتفى بتمامها عن الفاتحة، فإذا رَكع خمساً، كبّر وسجد سجدتين، ثمّ قام وصنع ثانياً كما صنع أوّلاً، وتشهّد وسلّم.
وتدلّ على اعتبار عشر ركوعات، روايات سيمرُّ بعضها عليك، نعم ورد في بعض الأخبار جواز الاكتفاء بأربع ركوعات(1)، وفي آخر بثمان(2)، لكنّهما لإعراض الأصحاب عنهما ساقطان عن الحجيّة، فلا يصلحان لمعارضة ما يدلّ على اعتبار العشر.
أقول: ثمّ إنّه بملاحظة دخول السّجدة في ماهيّة الرّكعة المصطلحة، يقال إنّها ركعتان، كما اشتهر ذلك في كلمات المتأخّرين(3)، وورد أيضاً كذلك في بعض النصوص، فلو شُكّ في عدد ركوعاتها، كان المرجع إلى الأصل، ولا تشملها أدلّة الشكوك، بل مقتضى الأصل هو البناء على الأقلّ، حتّى بناءً على كونها عشر ركعات، لاختصاص أدلّة البناء على الأكثر، وأدلّة البطلان بالشكّ في الأوليين بالركعة المشتملة على السّجدة كما يستفاد من الأدلّة.
(و) تفصيل (كيفيّتها):
(أن يَنوي ويُكبِّر ويقرأ الحمد وسورةً أو بعضها ثمّ يركع ثمّ ينتصب، فإنْ كان أتمَّ السّورة قرأ الحمد ثانياً، وسورةً أو بعضها، وهكذا إلى أنْ يركع خمساً، وإنْ لم يكن أتمّها اكتفى بتمامها عن الفاتحة، فإذا ركع خمساً كبّر وسجد سجدتين، ثمّ قام وصنع ثانياً كما صنع أوّلاً، وتشهّد وسلّم).).
وهاتان الكيفيّتان لا خلاف ظاهراً في كونهما مُجزيتان، ويشهد لذلك جملة من النصوص:
منها: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن عمر بن اُذينة، عن رهطٍ، عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، ومنهم من رواه عن أحدهما:
«إنّ صلاة كسوف الشّمس والقمر والرجفة والزّلزلة، عشر ركعات وأربعُ سجدات، صلّاها رسول اللّه صلى الله عليه و آله والنّاس خلفه في كسوف الشّمس...
إلى أنْ قال: تبدأ فتكبّر بافتتاح الصَّلاة، ثمّ تقرأ اُمّ الكتاب وسورة، ثمّ تركع ثمّ ترفع رأسك من الرّكوع، فتقرأ اُمّ الكتاب وسورة، ثمّ تركع الثانية، ثمّ ترفع رأسكَ من الرّكوع فتقرأ اُمّ الكتاب وسورة، ثمّ تركع الثالثة، ثمّ ترفع رأسكَ من الرّكوع فتقرأ اُمّ الكتاب وسورة، ثمّ تركع الرابعة، ثمّ ترفع رأسكَ من الرّكوع فتقرأ اُمّ الكتاب وسورة، ثمّ تركع الخامسة، فإذا رفعتَ رأسك، قلت: سَمعَ اللّه لمَن حَمِده، ثمّ تخرّ ساجداً فتسجد سجدتين، ثمّ تقوم فتصنع مثل ما صنعت في الاُولى.
قال: قلت: وإنْ قرأ سورةً واحدة في الخمس ركعات، ففرّقها بينها؟
قال: أجزأه اُمّ القرآن في أوّل مرّة: فإن قرأخمس سورة مع كلّسورة اُم الكتاب»(1).
ومنها: صحيح الحلبي: «وإنْ شئتَ قرأتَ سورةً في كلّ ركعة، وإنْ شئت قرأتَ نصف سورة في كلّ ركعة، فإذا قرأتَ سورةً في كلّ ركعة، فاقرأ فاتحة الكتاب، وإنْ قرأتَ نصف سورة أجزأك أنْ لا تقرأ فاتحة الكتاب إلّافي أوّل ركعة حتّى تستأنف اُخرى»(2).
ونحوهما غيرهما.
***7.
الفرع الأوّل: لو ركع عن إكمال سورة، وجبت الفاتحة في القيام بعده، كما هو المشهور(1).
وتشهد له جملةٌ من النصوص:
منها: صحيح البزنطي، عن الإمام الرضا عليه السلام، قال: «وسألته عن القراءة في صلاة الكسوف، هل يقرأ في كلّ ركعة بفاتحة الكتاب؟
قال لي: إذا اختتمتَ سورةً وبدأت بأُخرى فاقرأ بفاتحة الكتاب، وإنْ قرأت سورةً في ركعتين أو ثلاث، فلا تقرأ بفاتحة الكتاب حتّى تختم السّورة، ولا تقل.... الخ»(2).
ونحوه صحيح ابن جعفر، وقريبٌ منهما غيرهما.
وعن الحِلّي(3): عدم وجوبها، واستدلّ له:
1 - بخبر عبد اللّه بن سنان، عن الإمام الصادق عليه السلام: «انكسفت الشّمس في عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله فصَلّى ركعتين، فقرأ سورة ثمّ ركع فأطال الرّكوع، ثمّ رفع رأسه فقرأ سورةً ثمّ ركع، فعل ذلك خمس مرّات»(4).
2 - وبما دلّ على أنّ الفاتحة تجبُ في كلّ ركعة مرّة.
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلأنّه لو تمّت دلالته لدلّ على عدم لزوم الفاتحة حتّى في القيام الأوّل، وحيثُ لا ريب في لزومها فيه، فلابدّ إمّا من طرحه أو حمله على أنّ ترك ذكر الفاتحة إنّما هو لمعهوديّة اعتبارها، ولذلك لا حاجة إلى ذكرها.
ومنه يظهر عدم صحّة الاستدلال لهذا القول بخبر أبي بصير، المتضمّن: «أنّه يقرأ في كلّ ركعة مثل سورة يس والنور، وإنْ لم يحسن يقرأ ستّين آية»(1).
وأمّا الثاني: فلأنّ تلك النصوص لا تدلّ على عدم لزوم الزائد على فاتحة واحدة، كي تعارض ما سبق، مع أنّه لو تمّت دلالتها يقيّد إطلاقها بما سبق.
هذا كلّه فيما إذا ركع عن إكمال سورة، وأمّا إنْ ركع عن بعضها، فلا إشكال ولا خلاف في عدم وجوب الفاتحة في القيام بعده، وتشهد له النصوص المتقدّمة، إنّما الكلام في أنّ ترك الحمد هل هو عزيمة أم رخصة؟
أقول: الأقوى تبعاً للمشهور(2)إنّه عزيمة، للنهي عنه في طائفة من الأخبار، واستدلّ شيخنا المرتضى رحمه الله(3)لكونه رخصة: بأنّ النهي عنه لكونه في مقابل الأمر به، مع إكمال السّورة، لا يستفاد منه أزيد من عدم الوجوب.
وفيه: إنّ المقابلة بنفسها لا توجبُ حمل النهي على الرّخصة، والتعبير بالأجزاء في صحيحي الحلبي والرهط لا يكون قرينةً عليه.
الفرع الثاني: لا بدَّ من الإتيان بفاتحة الكتاب في كلٍّ من الخمس ركعات5.
الواقعتين قبل السَّجدتين، بلا خلافٍ فيه.
ويشهد له: ما دلَّ على اعتبار الفاتحة في ابتداء القراءة في كلّ ركعة، إذ المستفاد من النصوص أنّ صلاة الآيات ركعتان، في كلّ ركعةٍ خمس ركوعات، لاحظ خبر ابن سنان المتقدّم، وخبر ابن ميمون(1)، وخبر أبي البختري(2)، وصحيح الحلبي المتقدّم: «وإنْ قرأتَ نصف سورةٍ أجزأك أنْ لا تقرأ فاتحة الكتاب، إلّافي أوّل ركعة حتّى تستأنف اُخرى».
فما عن «التذكرة»(3): (من أنّه يُحتمل أن يقرأ من الموضع الذي انتهى إليه أوّلاً من غير أن يقرأ الحمد)، ضعيفٌ.
الفرع الثالث: الظاهر أنّه لو لم يتمّ السّورة في القيام الأوّل، جاز له أن يُتمّها في القيام الثاني، فيكون قد قرأ سورةً في قيامين، ويشهد له صحيح البزنطي المتقدّم، ونحوه غيره.
فما عن «الذكرى»(4)و «النهاية»(5)من احتمال حصر التبعيض في توزيع سورةٍ على الخمس، لم أعرف وجهه.
الفرع الرابع: المشهور بين الأصحاب على ما نُسب إليهم(6)وجوب إتمام سورة في كلّ ركعةٍ، وعن «كشف اللّثام»(7)عدم وجوبه.).
واستدلّ للأوّل:
1 - بما دلَّ على وجوب سورة كاملة في كلّ ركعة.
2 - وبما في صحيح الرهط من تعيّن تكرار الفاتحة والسّورة في كلّ قيام والاجتزاء عنه بسورة مفرّقة على القيامات الخمسة مع الإتيان بالحمد في الأوّل(1).
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلما عرفت من عدم وجوب سورةٍ كاملة في كلّ ركعة. راجع بحث القراءة.
وأمّا الثاني: فلأنّ صدر الصحيح الظاهر في تعيّن تكرار الفاتحة والسّورة في كلّ قيامٍ، محمولٌ على الفضيلة، بقرينة ذيله وسائر النصوص. وذيله إنّما يكون مسوقاً لبيان عدم جواز تكرار الفاتحة، مع عدم إكمال السّورة، فلا يدلّ على تعيّن قراءة السّورة التامّة في كلّ ركعة، وإلّا لدلّ على حصر التبعيض في توزيع سورة على الخمس.
وعليه، فالأقوى ما ذهب إليه في «كشف اللّثام»(2).
ويشهد له: - مضافاً إلى أنّه ممّا يقتضيه الأصل - إطلاقات النصوص:
منها: صحيح الحلبي: «وإنْ شئتَ قرأت نصف سورة»(3).
وعليه، فلا تجب القراءة عليه في صورة التبعيض من حيث قطع.
فما عن الشهيدين(4)من جواز القراءة من أيّ موضعٍ شاء فيها، وجواز رفضها3.
وقراءة غيرها من السّور هو الأقوى.
وعن جماعةٍ(1): وجوبها من حيثُ قَطَع، واستدلّ له بما في صحيح زرارة ومحمّد:
«فإنْ نقصتَ من السّورة شيئاً فاقرأ من حيثُ نقصتَ، ولا تقرأ فاتحة الكتاب»(2).
وفيه: إنّ الأمر به فيه لوروده مورد توهّم الحَظر، لإحتمال عدم الاجتزاء بالبعض، لا يستفاد منه أزيد من الجواز.
الفرع الخامس: يعتبر في هذه الصَّلاة ما يعتبر في اليوميّة، سواءٌ أكان اعتباره فيها بما أنّها صلاة أو لم يثبت وجه ثبوته.
أمّا الأوّل: فواضحٌ، إذ صلاة الآيات صلاة أيضاً.
وأمّا الثاني: فلأنّ مقتضى عدم البيان، الاعتماد على ما ذكره في اليوميّة، نعم ما ثبت فيها بعنوان أنّها خاصّة، لا يعتبر في صلاة الآيات، إذ التعدّي حينئذٍ يحتاج إلى دليل، وهو مفقود.
***4.
ويُستحبّ أن يقرأ السّور الطّوال، ومساواة الرّكوع للقيام،
(ويستحبّ) فيها اُمور:
الأمر الأوّل: (أن يقرأ) فيها (السُّور الطوال) لقول أبي جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم: «ويستحبّ أن يقرأ فيها الكهف والحِجْر إلّاأنْ يكون إماماً يشقّ على من خلفه.. الخ»(1).
وقوله عليه السلام في خبر أبي بصير: «تقرأ في كلّ ركعةٍ مثل سورة يس والنور، ويكون ركوعك مثل قراءتك... الخ»(2)
(3و4) دعائم الإسلام: ج 1/200، مستدرك وسائل الشيعة: ج 6/169 ح 6697-2.
.وقول جعفر بن محمّد عليهما السلام في خبر «الدعائم»: «ويقرأ بفاتحة الكتاب، وسورة طويلة»(3).
والأمر فيهما بقراءة السّور الطوال، يُحمل على الاستحباب، بقرينة سائر الروايات كما يظهر لمن راجعها.
(و) الأمر الثاني: (مساواة الرّكوع للقيام)، والمراد أنْ يكون ركوعه بمقدار زمان قراءته.
ويدلّ عليه خبر أبي بصير المتقدّم، وقوله عليه السلام في المرسل المرويّعن «الدعائم»:
«ثمّ يركع فيلبثُ راكعاً مثل ما قرأ»(4).
والجماعة.
(و) الأمر الثالث: (الجماعة).
ويدلّ عليه: - مضافاً إلى عدم الخلاف فيه، بل عن «التذكرة»(1)دعوى الإجماع عليه - النصوص الحاكية لفعل المعصومين عليهم السلام.
وفي خبر روح بن عبد الرحيم، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «عن صلاة الكسوف تُصلّى جماعة؟ فقال عليه السلام: جماعة وغير جماعة»(2).
ونحوه خبر محمّد بن يحيى، عن الإمام الرضا عليه السلام(3).
ومقتضى إطلاق النصوص، عدم الفرق بين احتراق القرص وعدمه، فما عن الصدوقين من عدم الجواز مع عدمه ضعيفٌ، كما أنّ مقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الأداء والقضاء.
وعن ظاهر الصدوقين(4)وجوب الجماعة في صورة الاحتراق، واستدلّ له بخبر ابن أبي يعفور: «إذا انكسفت الشّمس والقمر فانكسف كلّها فإنّه ينبغي للناس أن يفزعوا إلى إمامٍ يُصلّي بهم، وأيّهما كسف بعضه فإنّه يجزي الرّجل أن يُصلّي وحده»(5).3.
1) تذكرة الفقهاء: ج 1/164 (ط. ق).
2) تهذيب الأحكام: ج 3/292 ح 9، وسائل الشيعة: ج 7/503 ح 9972.
3) تهذيب الأحكام: ج 3/294 ح 17، وسائل الشيعة: ج 7/503 ح 9974.
4) المقنع: ص 143، وقد حكاه العلّامة في مختلف الشيعة: ج 2/290 بقوله: (وقال ابن بابوية إذا احترق القرص كلّه فصلّها في جماعة، وإن احترق بعضه فصلّها فرادى)، والذكرى: ص 246 بقوله: (وقال الصدوقان.. الخ).
5) تهذيب الأحكام: ج 3/292 ح 8، وسائل الشيعة: ج 7/503 ح 9973.
والإعادة مع بقاء الوقت.
وفيه: إنّه لاشتماله على لفظ (ينبغي) لا يكون ظاهراً في الوجوب، بل لا يستفاد منه أزيد من تأكّد الاستحباب.
ثمّ إنّ مقتضى عدم البيان والسكوت عن كيفيّتها، الاتّكال عليبيانها في اليوميّة.
وعليه، فكما يتحمّل الإمام في اليوميّة القراءة عن المأمومين، كذلك في المقام.
(و) الأمر الرابع: (الإعادة مع بقاء الوقت) كما هو المشهور(1).
ويشهد له: صحيح معاوية بن عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إذا فرغت قبل أنْ ينجلي فأعِد»(2).
وهذا وإنْكان ظاهره الوجوب، كماهو المنسوب إلى أبي الصلاح(3)والديلمي(4)، إلّا أنّه لابدَّ من حمله على الاستحباب:
1 - لموثّقة عمّار:
«وإنْأحببتَ أن تُصلّي، فتفرغ من صلاتك قبل أنْ يذهب الكسوف، فهوجائز»(5).
2 - وقوله عليه السلام في صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم المتقدّمة:
«فإنْ فرغت قبل أنْ ينجلي فاقعد واُدعُ اللّه حتّى ينجلي».
وعليه، فما عن الحِلّي(6)من نفي الاستحباب ضعيفٌ غايته.4.
1) تذكرة الفقهاء: ج 4/187، الحدائق الناضرة: ج 10/307، قوله: (كما هو المشهور)، كشف اللّثام: ج 4/359.
2) تهذيب الأحكام: ج 3/156 ح 6، وسائل الشيعة: ج 7/498 ح 9955.
3) الكافي للحلبي: ص 156.
4) المراسم العلويّة: ص 69، قوله: (فإذا فرغ قبل الإنجلاء فعليه الإعادة).
5) تهذيب الأحكام: ج 3/291 ح 3، وسائل الشيعة: ج 7/498 ح 9956.
6) السرائر: ص 324.
والتكبير عند الإنتصاب من الرّكوع، إلّافي الخامس والعاشر، فإنّه يقول: سَمِع اللّهُ لمن حَمده. والقنوت خَمس مرّات.
(و) الأمر الخامس: (التكبير) عند الهوي لكلّ ركوع، و (عند الإنتصاب من الرّكوع، إلّافي الخامس والعاشر، فإنّه يقول: سَمع اللّهُ لمن حمده) وهو المشهور بين الأصحاب(1).
ويشهد له: ما في صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم:
«تفتتح الصَّلاة بتكبيرة، وتركع بتكبيرة، وترفع رأسك بتكبيرة، إلّافي الخامسة التي تسجد فيها، تقول: سمع اللّه لمن حمده فيها»(2).
وقوله عليه السلام في صحيح الحلبي: «ولا تقل سَمع اللّهُ لمن حمده في رفع رأسك من الرّكوع إلّافي الرّكعة التي تريد أن تسجد فيها»(3).
(و) الأمر السادس: (القنوت خمس مرّات) كلّ قنوت منها عند كلّ ركوع ثانٍ بعد الفراغ من القراءة، بلا خلافٍ(4).
ويدلّ عليه قوله عليه السلام في صحيحة زرارة ومحمّد ابن مسلم: «وتقنت في كلّ ركعتين قبل الرّكوع»(5).
وقوله عليه السلام في صحيح الرهط: «والقنوت في الرّكعة مثل ذلك، ثمّ في السادسة، ثمّ6.
1) المعتبر: ج 2/338، كشف اللّثام: ج 4/361، رياض المسائل: ج 1/201 (ط. ق).
2) الكافي: ج 3/463 ح 2، التهذيب: ج 3/156 ح 7، وسائل الشيعة: ج 7/494 ح 9946.
3) من لا يحضره الفقيه: ج 1/549 ح 153، وسائل الشيعة: ج 7/495 ح 9947.
4) الحدائق الناضرة: ج 10/338.
5) التهذيب: ج 3/156 ح 7، وسائل الشيعة: ج 7/494 ح 9946.
في الثامنة، ثمّ في العاشرة»(1).
أقول: ويجوز الاقتصار على قنوتين: أحدهما قبل الرّكوع الخامس، والثاني قبل الرّكوع العاشر، كما عن كثيرٍ من الأصحاب التصريح به(2)، ويشهد له مرسل الصدوق، قال: «وإنْلم يقنت إلّافي الخامسة و العاشرة، فهو جائز لورود الخبر به»(3).
وأيضاً: يجوز الاقتصار على الثاني منهما، كما عن الشيخ(4)وابني حمزة(5)وسعيد(6)والشهيد(7)وغيرهم(8)، ولم يرد به نصٌّ، إلّاأنّه يمكن استفادته من نفس هذه الأخبار، إذ بما أنّ هذه القنوتات مستحبّة، والظاهر عدم توقّف مطلوبيّة كلّ واحدٍ منها على الإتيان بالآخر، فيجوز الاقتصار على بعضها، ويستفاد أيضاً من ما دلّ على اتّحاد القنوت في الركعتين، لأنّه كما عرفت أنّها ركعتان.
***8.
1) تهذيب الأحكام: ج 3/155، وسائل الشيعة: ج 7/492 ح 9941.
2) تحرير الأحكام: ج 1/47، رسائل فقهيّة (مخطوط) ص 125.
3) من لا يحضره الفقيه: ج 1/549 ح 1531، وسائل الشيعة: ج 7/495 ح 9949.
4) النهاية: ص 138، المبسوط: ج 1/173.
5) الوسيلة: ص 113.
6) الجامع للشرائع ص 109.
7) الدروس: ج 1/195.
8) الحدائق الناضرة: ج 10/338.
ووقتُ الكُسُوف والخسوف من حين ابتدائه،
المقام الثالث: في وقتها.
أقول: (ووقت) صلاة الآيات في (الكسوف والخسوف، من حين ابتدائه) بلا خلافٍ بيننا(1)، بل في «الجواهر»(2): (بلا خلافٍ بين العامّة فضلاً عن الخاصّة).
وتشهد له: مضافاً إلى ذلك، عدّة من الروايات:
منها: صحيحة جميل، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «وقت صلاة الكسوف في السّاعة التي تنكسف»(3). ونحوها غيرها.
ثمّ لا ريب في أنّها موقتة، ويدلّ على ذلك - مضافاً إلى عدم الخلاف فيه - أغلب روايات الباب، كما يظهر لمن راجعها.
إنّما الخلاف في أنّ وقتها:
هل يمتدّ إلى حين انتهاء انجلائه، كما اختاره المحقّق(4)وغيره(5)، بل نُسِب إلى
1) منتهى المطلب: ج 1/352 (ط. ق).
2) جواهر الكلام: ج 11/409.
3) الكافي: ج 3/464 ح 4، وسائل الشيعة: ج 7/488 ح 9930.
4) شرائع الإسلام: ج 1/79.
5) كمدارك الأحكام: ج 4/129، كشف اللّثام: ج 4/366 (ط. ج)، وحكاه في مفتاح الكرامة: ج 9/53 عن المعتبر والمنتهى، وقال: (ووافقهما على ذلك الشهيد في الدروس والمحقّق الثاني في جامع المقاصد والجعفريّة وتعليق النافع وفوائد الشرائع وجملة من متأخّري المتأخّرين كصاحب المدارك والكفاية والذخيرة والشافية والمصابيح والحدائق وهو ظاهر المنقول من قول التقي: إنّ الوقت ممتدٌّ بمقدار الكسوف والخسوف).
إلى ابتداء الإنجلاء.
أكثر المتأخّرين ومتأخّريهم(1).
أو أنْ وقتها يمتدّ (إلى ابتداء الإنجلاء) كما هو المنسوب إلى جُلّ السّلف.
أقول: الأظهر هو الأوّل، وتشهد له صحيحة الرهط:
«إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله صلّاها في كسوفِ الشّمس والنّاس خلفه، ففرغ حين فرغ وقد انجلى كسوفها»(2).
وموثّقة عمّار، عن الإمام عليه السلام، قال: «إنْ صلّيت الكسوف إلى أنْ يذهب الكسوف عن الشّمس والقمر، وتطول في صلاتك، فإنّ ذلك أفضل»(3).
إذ ذهاب الكسوف عنهما إنّما يكون بتمام الإنجلاء.
وبذلك يظهر صحّة الاستدلال له بصحيحة معاوية بن عمّار، قال:
قال أبو عبد اللّه عليه السلام: «صلاة الكسوف إذا فرغت قبل الإنجلاء فأعِد»(4)، إذ المتبادر منه تمام الإنجلاء.
والمستفاد من هذه النصوص استمرار وقتها إلى تمام الإنجلاء، فتترتّب عليه آثاره من جواز التأخير إلى ما بعد الشروع في الإنجلاء وغيره.
واستدلّ للقول الآخر بوجوه: أحسنها صحيحة حمّاد، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال:
«ذكرنا انكساف القمر، وما يلقى النّاس من شدّته؟ قال: فقال أبو عبد اللّه عليه السلام: إذا انجلى منه شيءٌ فقد انجلى»(5).1.
1) جواهر الكلام: ج 11/409 قوله: (وفاقاً لأكثر المتأخّرين ومتأخّريهم.. الخ).
2) تهذيب الأحكام: ج 3/155 ح 5، وسائل الشيعة: ج 7/489 ح 9932.
3) تهذيب الأحكام: ج 3/291 ح 3، وسائل الشيعة: ج 7/498 ح 9956.
4) تهذيب الأحكام: ج 3/156 ح 6، وسائل الشيعة: ج 7/498 ح 9955.
5) تهذيب الأحكام: ج 3/291 ح 4، وسائل الشيعة: ج 7/488 ح 9931.
بدعوى أنّ المنساق من تنزيل الشارع إنجلاء البعض منزلة إنجلاء الكلّ، إرادته من حيث الأثر، وأثره الشرعي إنّما هو كونه غايةً لوقت الصَّلاة.
وفيه: إنّ ما ذكر من أنّ الظاهر من التنزيل إرادته من حيث الأثر الشرعي، وإنْ كان تامّاً، إلّاأنّه فيما لم يكن في الكلام قرينة صارفة إلى إرادة غيره كما في المقام، فإنّ قوله: (وما يَلْقى النّاس من شدّته)، يوجب ظهور جوابه عليه السلام في إرادة التساوي في إزالة الشدّة الحاصلة بسببه، لا المساواة من حيث الحكم الشرعي.
أقول: ثمّ إنّ الوقت المفروض:
هل هو وقتٌ لمجموع العمل، أو للتلبّس به؟ وجهان:
أقواهماالأوّل؛ لأنّ ظاهر بعض الأخبار الدالة على التوقيت هو ذلك كما لايخفى.
وأمّا قوله عليه السلام في صحيح زرارة وابن مسلم: «فإنْ انجلى قبل أنْ تفرغ من صلاتك فأتمَّ ما بقي»(1)، فحيثُ إنّه واردٌ مورد حكم آخر، وهو أنّه لو شَرَع فيها باعتقاد بقاء الوقت، ثمّ اتّفق الإنجلاء، فلا يجب عليه رفع اليد عن صلاته، فلا يدلّ على جواز تأخيرها عمداً.
وعليه، فلو قصر الوقت عن فعل الصَّلاة سقطت، لاستحالة التكليف بما لا يطاق، وقاعدة من أدرك تختصّ بما إذا كان الوقت مساوياً أو أزيد، ولا تشمل المورد، فما عن المجلسي(2)من القول بالوجوب في الفرض، وعن «الذخيرة»(3)الميل إليه، ضعيف.
هذا في الكسوفين.5.
1) الكافي: ج 3/463 ح 2، وسائل الشيعة: ج 7/494 ح 9946.
2) بحار الأنوار: ج 88/158، فبعد استعراضه الأقوال قال: (وتردّد الفاضلان في وجوب الصَّلاة لو قصر الوقت عن أخفّ الصَّلاة، مع حكمهما بعد الوجوب في صورة عدم إدراك الرّكعة نظراً إلى أنّ إدراك الرّكعة بمنزلة إدراك الصَّلاة - إلى أنْ قال -: ولا يبعد القول بالوجوب مطلقاً).
3) ذخيرة المعاد: ج 2/325.
وفي غيرهما مدّته.
(و) أمّا (في غيرهما) فقد اختار المصنّف رحمه الله أنّ وقتها (مدّته) أي مدّة السبب كما هو الأشهر(1).
بل المشهور بين القائلين(2)بالوجوب، والمحكيّعن «الوسيلة»(3)، و «المنتهى»(4)و «الدروس»(5)، وكثير من المتأخّرين(6)بقاء وقتها ما دام العمر.
وفي «التذكرة»(7): كلّ آية يضيق وقتها عن العبادة، يكون وقتها دائماً، وأمّا ما نقص عن فعلها وقتها دون آخر، فإنّ وقتها مدّة الفعل.
أقول: تحقيق القول في المقام:
إنّه ما يضيق وقته عن العبادة دائماً أو غالباً، كالصّيحة والرَّعدة ونحوهما، فإنّه لا محيص عن الالتزام بأوسعيّة وقتها من وقت الآية، وإلّا لزم منه التكليف بما لا يُطاق.
وأمّا في ما لا يكون كذلك كالرِّيح والظُّلمة ونظائرهما، فالأقوى إنّه لا وقت لها، لإطلاق حسن الفضل المتقدّم، وصحيح بُريد بن معاوية، عن الإمامين الباقر).
والصادق عليهما السلام، قالا:
«إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها، ما لم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة»(1).
واستدلّ للتوقيت: بصحيح زرارة ومحمّد المتقدّم، فإنّ قوله عليه السلام في ذيله: (حتّى يسكن) يدلّ على التوقيت، سواءٌ أكان قيداً للهيئة أو المادّة، ام علّةً غائيّة للوجوب، كما لا يخفى.
وفيه: إنّ الظاهر كون هذه العلّة من قبيل بيان الحكم المقتضية للتشريع، التي لا يجب فيها الاطّراد، إذ لا يصحّ جعله علّة غائيّة للوجوب، لأنّه لا شبهة في مشروعيّة الصَّلاة حتّى مع العلم بأنّه لا يسكن ولو لم يُصلّ، وكذلك لا يصحّ جعله علّة للصَّلاة، لعدم وجوب أن يستمرّ في الصَّلاة إلى أنْ يسكن، كما أنّ جعله قيداً للهيئة أيضاً لا يصحّ، لأنّه يسقط بالامتثال قبل السكون، وحمله على أنّه قيدٌ للوقت خلاف الظاهر، وعلى ذلك فالأمر الوارد في هذا الصحيح أيضاً يدلّ على عدم التوقيت.
فتحصّل: أنّ الأقوى عدم اختصاص وجوبها بوقت وجود الآية.
أقول: وقد استدلّ جماعةٌ من الأساطين للقول المختار بالاستصحاب، وهو استصحاب بقاء الوجوب المعلوم تعلّقه بالصلاة المشكوك بقائه بعد مُضيّ وقت الآية.
وفيه: إنّ الشكّ في وجوبها بعد مُضيّ مدّة الآية، مسبّبٌ عن الشكّ في الجعل،7.
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1/548 ح 1527، وسائل الشيعة: ج 7/491 ح 9937.
بنحوٍ يكون باقياً بعد وقتها، وحيثُ أنّ وجوبها بعد الوقت لم يكن في أوّل الشريعة قطعاً مجعولاً، فيشكّ في جعله، فيستصحب عدم الجعل، ويثبت به عدم الوجوب، بناءً على ماحقّقناه في محلّه من أنّ استصحاب عدم الجعل يجري ويثبت به عدم المجعول.
ودعوى: إنّ جعل الوجوب للصَّلاة معلوم، إمّا إلى الأبد، أو ما دام وجود الآية، وعليه فاستصحاب عدم جعله إلى الابدّ، يعارضُ استصحاب عدم جعله في خصوص وقت الآية، فيساقطان، ويكون المرجع إلى الأصل المحكوم، وهو استصحاب بقاء الوجوب.
مندفعة: بعدم جريان استصحاب عدم جعله في خصوص وقت الآية، إذ وجوبها في ذلك الوقت معلومٌ على كلّ حال.
أقول: ولكن مع ذلك كلّه يمكن أن يقال:
إنّ أصالة عدم وجوبها عيناً وقت الآية تجري، وذلك لأنّ وجوبها كذلك غير معلوم، حيث أنّ عدم الوجوب بنفسه من الآثار الشرعيّة، فلا يحتاج في جريان استصحابه إلى شيء سوى الأثر العقلي، ليخرج بذلك عن اللغوية، وفي المقام الأثر العقلي موجودٌ وهو عدم العقاب لترك الصَّلاة في ذلك الوقت، فيجري هذا الاستصحاب، ويعارض مع استصحاب عدم جعله ما دام العمر، فيتساقطان، ويكون المرجع استصحاب بقاء الوجوب المتعلّق بها في وقت وجود الآية. فتدبّر في أطراف ماذكرناه فإنّه دقيق.
فظهر ممّا ذكرناه: إنّ القول ببقاء وقتها مادام العمر هو الأظهر.
وفي الزَّلزلة مُدّة العمر.
(و) أمّا (في الزَّلزلة) فلا ينبغي التأمّل في أنّ وقتها (مدّة العمر)، لأنّه مضافاً إلى أنّ ذلك ممّا يقتضيه الاستصحاب، يدلّ عليه إطلاق أدلّته، وانتفاء ما يقتضي تقييده بوقتٍ خاص، والظاهر أنّ ذلك ممّا لا خلاف فيه.
ولا يخفى أنّه في الموارد التي اخترنا عدم التوقيت، تجب المبادرة إلى الإتيان بالصلاة، ويشهد له في الزّلزلة الخبر الذي رواه سليمان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال:
«قلت: فإذا كان ذلك فما أصنع؟ قال عليه السلام: صَلِّ صلاة الكسوف»(1).
إذ الظاهر منه وجوب المبادرة إليها في تلك الساعة، وأمّا في غيرها فلأنّه منصرفُ أدلّتها، بل هو الظاهر من حسن الفضل المُعلّل للصَّلاة بصرف شَرّ الآية.
***6.
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1/543 ح 1514، وسائل الشيعة: ج 7/486 ح 9926.
ولو فاتته عمداً أو
المقام الرابع: في بعض أحكام صلاة الآيات (و) نذكر ذلك في طيّ مسائل:
المسألة الاُولى: (لو فاتته) الصَّلاة:
1 - فإنْ كان (عمداً) قضاها بلا خلافٍ ظاهر، من غير فرق بين احتراق القرص كلّه (أو) بعضه، ويشهد له:
موثّق عمّار، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «إنْ لم تعلم حتّى يذهب الكسوف، ثمّ علمت بعد ذلك، فليس عليك صلاة الكسوف، وإنْ أعلمك أحدٌ وأنت نائم، فعلمت ثمّ غلبت عينك فلم تُصلِّ فعليك قضائها»(1).
لأنّه إمّا أنْ يكون شاملاً لذي العُذر وغيره، أو يكون بقرينة قوله: (ثمّ غلبتْ... إلخ) مختصّاً بالأوّل، فيدلّ على لزوم القضاء للعامد بالفحوى، ونحوه مرسل حريز الآتي.
وبهما يقيّد إطلاق ما دلّ على عدم وجوب القضاء مطلقاً، كخبر الحلبي، عن أبي عبد عليه السلام، قال:
«سألته عن صلاة الكسوف تُقضى إذا فاتتنا؟
قال عليه السلام: ليس فيها قضاء وقد كان في أيدينا أنّها تُقضى»(2)ونحوه غيره.
ويشهد لدى احتراق تمام القرص، فحوى النصوص الدالّة على وجوب القضاء على الجاهل، ولدى احتراق بعضه ما دلّ على وجوب القضاء على الناسي.
نسياناً قضاها. ولو كان جاهلاً، فإن كان قد احترق القرص كلّه قضى وإلّا فلا.
2 - وإنْ فاتته (نسياناًقضاها) حتّى لو احترق بعض القرص، كما هو المشهور(1).
ويشهد له: مضافاً الى موثّق عمّار المتقدّم، مرسل «الكافي»:
«إذا علم بالكسوف، ونَسي أن يُصلّي، فعليه القضاء... هذا إذا لم يحترق كلّه»(2).
ومنه يظهر ضعف ما عن بعض، من عدم وجوب القضاء مع عدم احتراق تمام القرص.
وإيراد صاحب «المدارك»:(3)على الموثّق، باشتمال سنده على الفطحيّة، وعلى المرسل بالإرسال.
ضعيف: لما حقّقناه في محلّه من حجيّة الخبر الموثّق والمنجبر بعمل الأصحاب.
(ولو) فاتت الصَّلاة و (كان جاهلاً؛ فإنْ كان قد احترق كلّه قَضى، وإلّا فلا) كما هو المشهور(4).
وعن «التذكرة»(5): إنّه مذهب الأصحاب عدا المفيد.
وتشهد له: جملةٌ من النصوص:
منها: صحيح زرارة ومحمّد بن مسلم، عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا انكسفت الشّمس كلّها واحترقت، ولم تعلم، ثمّ علمت بعد ذلك، فعليك القضاء، وإنْ لم يحترق).
1) حكى الشيخ الطوسي الإجماع على ذلك في الخلاف: ج 1/678-679، ونقل الشهرة على ذلك المحقّق السبزواري في ذخيرة المعاد: ج 1/325 ق 2.
2) الكافي: ج 3/465 ح 6، وسائل الشيعة: ج 7/500 ح 9962.
3) مدارك الأحكام: ج 4/136، قوله: (وأمّا رواية عمّار فباشتمال سندها على جماعة من الفطحيّة).
4) الحدائق الناضرة: ج 10/318.
5) تذكرة الفقهاء: ج 1/164 (ط. ق)، قوله: (عند علمائنا إلّاالمفيد).
كلّها فليس عليك قضاء»(1).
ومنها: صحيح محمّد بن مسلم، والفضيل بن يسار، قالا: «قلنا لأبي جعفر عليه السلام:
أتُقضى صلاة الكسوف ومَنْ إذا أصبح فعلم وإذا أمسى فعلم؟
قال عليه السلام: إنْ كان القرصان احترقا كلّهما قضيتَ، وإنْ كان قد احترق بعضهما فليس عليك قضاء»(2). ونحوهما غيرهما.
وبها يقيّد ما هو نافٍ للقضاء مطلقاً، كخبر الحلبي المتقدّم، كما أنّه يقيّد بها ما يدلّ على عدم وجوب القضاء على الجاهل مطلقاً، كموثّق عمّار المتقدّم، وما دلَّ على وجوبه كذلك كمرسل حريز:
«إذا انكسف القمر، فاستيقظ الرّجل فكسل أن يُصلّي، فليغتسل من غدوّ وليقضِ الصَّلاة. وإنْ لم يستيقظ ولم يعلم بانكساف القمر، فليس عليه إلّاالقضاء بغير غسل»(3).
هذا كلّه في الكسوفين.
وأمّا في سائر الآيات، فبناءً على المختار من عدم كون وجوب صلاة الآيات غير الكسوفين موقّتاً، لا إشكال في وجوب الإتيان بها مع التأخير في جميع الصورالمذكورة.
كما أنّه بناءً على القول بالتوقيت، لا إشكال في عدم وجوب الإتيان بها بعد مُضيّ الوقت، لعدم الدليل على الوجوب.
وأمّا مع الشكّ في ذلك، فالمرجع إلى استصحاب الوجوب الثابت في الزمان المتّصل بالآية. وقد تقدّم الكلام فيه فراجع.(4)
***د.
ولو اتّفقتِ وقت فريضةٍ حاضرة تخيّر.
(و) المسألة الثانية: (لو اتفقت) الآية في (وقت فريضةٍ حاضرة تخيّر) في تقديم أيّتهما شاء، كما هو المشهور، على ما نُسب إليهم(1).
وعن السيّد(2)، والعمّاني(3)، والآبي(4)، والحِلّي(5): وجوب تقديم صلاة الكسوف.
وعن الصدوقين(6)والشيخ(7)وابني حمزة(8)والبرّاج(9): وجوب تقديم الفريضة.
والأقوى هو الأوّل، إذ كلٌّ منهما بما أنّها من الواجبات الموسّعة، فيجوز تأخيرها والاشتغال بغيرها.
ويشهد لجواز الإتيان بصلاة الكسوف في الفرض، مضافاً إلى ذلك صحيح بُريد عن محمّد بن مسلم، الإمامين الباقر عليه السلام والصادق عليه السلام قالا:
«إذا وقع الكسوف أو بعض هذه الآيات فصلّها، ما لم تتخوّف أن يذهب وقت
1) المهذّب البارع: ج 1/426.
2) رسائل المرتضى: ج 3/45.
3) حكاه عنه العلّامة في المختلف: ج 2/287 (ط. ج).
4) كشف الرموز: ج 1/191.
5) السرائر: ص 323.
6) قال في من لا يحضره الفقيه: ج 1/550: (ولا يجوز أن يصلّيهما في وقت فريضة حتّى يُصلّي الفريضة)، وحكاه عنهما العلّامة في المختلف: ج 2/287 (ط. ج)، وأيضاً في مصباح الفقيه: ج 2/489 ق 2 (ط. ق).
7) النهاية: ص 137.
8) الوسيلة: ص 112.
9) المهذّب البارع: ج 1/70.
الفريضة، فإنْ تخوّفت فابدأ بالفريضة، واقطع ما كنتَ فيه صلاة الكسوف، فإذا فرغت من الفريضة، فارجع إلى حيث كنتَ قطعت، واحتسب بما مضى»(1).
إذ هو كالنصّ في اختصاص المنع عن إيقاع صلاة الكسوف بصورة خوف فوت الفريضة، فإنّه يجوز الإتيان بها في وقتها الموسّع.
واستشهد للقول الأخير:
1 - بصحيح محمّد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام: «سألته عن صلاة الكسوف في وقت الفريضة؟ فقال عليه السلام: ابدأ بالفريضة»(2). ونحوه خبر «الدعائم»(3).
وفيه: - مضافاً إلى أنّ الأمر فيه لوروده مورد توهم الحَظر، لا يُستفاد منه أزيد من الجواز - أنّه لو سُلّم ظهوره في الوجوب، يتعيّن حمله على الفضيلة، أو حمل وقت الفريضة فيه على الوقت الذي يخاف فوت الفريضة لو أتى بصلاة الآيات فيه، لأجل الصحيح المتقدّم، الصريح في جواز تقديم صلاة الكسوف.
2 - وبصحيح أبي أيّوب، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «عن صلاة الكسوف قبل أنْ تغيب الشّمس، وتخشى فوت الفريضة؟ فقال عليه السلام: اقطعوها وصلّوا الفريضة، وعودا إلى صلاتكم»(4).
بدعوى أنّه ظاهرٌ في وجوب قطع صلاة الكسوف في أوّل وقت العشاء الآخرة، وهو يستلزم عدم جواز الشروع فيها في أوّل الوقت.6.
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1/548 ح 1527، وسائل الشيعة: ج 7/491 ح 9937.
2) الكافي: ج 3/464 ح 5، وسائل الشيعة: ج 7/490 ح 9934.
3) دعائم الإسلام: ج 1/201، قوله عليه السلام: (إذا انكسفت الشّمس أو انكسف القمر في وقت صلاة فريضة بدأ بصلاة الفريضة قبل صلاة الكسوف).
4) تهذيب الأحكام: ج 3/293 ح 15، وسائل الشيعة: ج 7/490 ح 9936.
ودعوى:(1)إنّه يحتمل أنْ يكون المراد بالفريضة فيه، صلاة العصر، فيدلّ على لزوم القطع، فيما إذا تضيّق وقت الفريضة، وهو ممّا لا كلام فيه.
مندفعة: بأنّ هذا الاحتمال خلاف الظاهر، إذ لو كان هذا المعنى هو المراد، كان المناسب أن يقول: (قبل العصر)، بدل: (قبل أنْ تغيب الشّمس)، فلاحظ.
وفيه: إنّ المتبادر إلى الذّهن، بقرينة كون الفريضة في أوّل وقتها مستحبّاً، استحباب القطع، لأجل تدارك الفضيلة، لا عدم جواز إتمامها.
3 - وبصحيح محمّد بن مسلم، عن الإمام الصادق عليه السلام، قلت له:
«جُعِلْتُ فداك، ربما ابتلينا بالكسوف بعد الغروب، قبل العشاء الآخرة، فإنْ صلَّينا الكسوف خشينا أن تفوتنا الفريضة؟
فقال عليه السلام: إذا خشيتَ ذلك فاقطع صلاتك، واقض فريضتك ثمّ عُد فيها»(2).
وفيه: إنّ خوف فوت الفريضة إنّما يكون آخر وقتها، وعليه:
فإنْ اُريد بوقتها الوقت الفُضلى، فيرد عليه ما أوردناه على سابقه.
وإنْ اُريد به وقت الإجزاء، فيدلّ بالمفهوم على جواز الإتيان بصلاة الآيات، ما لم يخش فوت الفريضة.
واستدلّ للقول الثاني: بقوله عليه السلام في صحيح ابن مسلم، وبريد المتقدّم: «فصلّها ما لم تتخوّف أن يذهب وقت الفريضة».
وفيه: إنّ الأمر بالصلاة بقرينة مقابلته بالأمر بقطعها، في صورة خوفِ فوت الفريضة، لا يستفاد منه إلّاالجواز.5.
ما لم تتضيّق إحداهما، ولو تضيّقتا قدّم الحاضرة.
فتحصّل: أنّ الأقوى هو التخيير بين تقديم أيّتهما شاء (ما لم تتضيّق إحداهما)، وإلّا فتكون المضيّقة أولى من الموسّعة، سواءٌ أكانت هي الحاضرة أو الكسوف، بلا خلافٍ ظاهر، وعن غير واحدٍ(1)دعوى الإجماع عليه، لأنّ الموسّع لا يصلح لأنْ يُزاحم المضيّق.
ويشهد له: فيما إذا كانت المضيّقة هي الحاضرة، مضافاً إلى ذلك النصوص المتقدّمة، فلاحظ.
(ولو تَضيّقتا قدَّم الحاضرة) كما هو المشهور(2)، بل عن «التنقيح»(3): دعوى الإجماع عليه.
ولعلّه لأهميّتها المستفادة من نصوص الباب، بل يمكن الاستدلال له بما يدلّ بإطلاقه على تقديم الحاضرة، لو خاف فوتها، حيث إنّه لم يقيّد بما إذا لم يخف فوت صلاة الآيات.
ثمّ إنّه قد ورد في جملةٍ من نصوص(4)الباب الأمر بقطع صلاة الكسوف، والإتيان بالحاضرة، ثمّ العود إليها، والبناء على ما مضى، وقد نُسب إلى المشهور(5)التزامهم بذلك.2.
وما عن الشهيد رحمه الله(1)من الإشكال في ذلك، بأنّ البناء بعد تخلّل الصَّلاة الأجنبيّة، لم يعهد من الشارع تجويزه في غير هذا الموضع، ينبغي أن يُعدّ من الغرائب، إذ القواعد العامّة لا تعارض النصّ الخاص.
وعليه، فالأقوى صحّة البناء على ما مضى.
أقول: وهل يجوز لدى العلم بضيق الوقت عن مجموع الصلاتين، التلبّس بصلاة الكسوف وقطعها، ثمّ العود اليها بعد الحاضرة، أم لا يجوز ذلك، بل يختصّ بما إذا دخل فيها بزعم السِّعة ثمّ انكشف خلافه ولو ظنّاً؟
وجهان، لا يبعد دعوى أظهريّة الأوّل، لأنّه - مضافاً إلى مقتضى إطلاق الروايات على عدم اعتبار هذا الشرط - يمكن دعوى اختصاص صحيحة ابن مسلم المتقدّمة بصورة علم السائل بعروض الضيق في الأثناء، لأنّ قول السائل:
(ربما ابتلينا بالكسوف... إلى آخره)، ظاهرٌ في أنّ خشية السائل إنّما كانت قبل التلبّس بصلاة الآيات، فعلى هذا يكون دلالة قوله عليه السلام: (إذا خشيت ذلك فاقطع الصَّلاة)، على جواز التلبّس بها، مع العلم بضيق الوقت عن مجموع الصلاتين، أو مع خوف ذلك ظاهرة.
المسألة الثالثة: لو زاحمت الفريضة فعل الكسوف في ضيق وقتهما:
فإمّا أنْ يكون القرص محترقاً كلّه، أو لم يحترق إلّابعضه؟
أمّا في الأوّل: فلا إشكال في وجوب قضاء الكسوف مطلقاً، ولا يخفى وجهه على من راجع ما ذكرناه.
1) الذكرى: ص 247.
ولا قضاء مع عدم التفريط.
وأمّا في الثاني: فإنْ كان تأخيرهما إلى الوقت الضيّق باختياره، قضاها أيضاً، لما دلّ على أنّ من تركها عمداً وجب عليه القضاء.
وأمّا إنْ لم يكن تأخيرهما باختياره:
فهل يجبُ عليه القضاء أم لا يجب؟
أم يجب أن يفصّل بين ما إذا لم يكن التكليف بها ثابتاً قبل الوقت الضيّق، كما إذا كان مجنوناً، فلا يجب، وبين ما إذا كان أصل التكليف ثابتاً، ولكن معذوراً في تركها لجهل أو غيره فيجب؟
وجوهٌ، أقواها الأوّل، ويشهد له: إطلاق موثّق عمّار المتقدّم، الدالّ على أنّ من ترك صلاة الكسوف، ولم يكن جاهلاً، وجب عليه القضاء، ولو كان معذوراً في تركها.
(و) وبما ذكرناه ظهر ضعف ما ذكره المصنّف رحمه الله من أنّه (لا قضاء مع عدم التفريط).
صلاة الاستئجار
يجوزُ الإستئجار للصَّلاة عن الاموات إذا فاتت منهم، كما هو المشهور(1).
وعن غير واحدٍ كالشهيد(2)والمحقّق(3)وغيرهما(4)دعوى الإجماع عليه.
وعن «المفاتيح»(5)و «الكفاية»(6): التردّد فيه.
وعن «الذخيرة»(7): لم أجد به تصريحاً في كلام القدماء.
أقول: والأقوى ما هو المشهور، إذ الصَّلاة عن الميّت عملٌ مشروع يرجع نفعها إلى الغير، فتكون الإجارة فيها نافذة.
أمّا الأوّل فيشهد له: النصوص الدالّة على انتفاع الميّت بما يفعله الأحياء، وهي كثيرة:
منها: ما رواه الشيخ بإسناده إلى محمّد بن عمر بن يزيد، قال: «قلت لأبي عبداللّه عليه السلام: يُصلّى عن الميّت؟ فقال: نعم حتّى إنّه يكون في ضيق فيوسّع عليه ذلك الضيق، ثمّ يؤتى فيُقال له: خَفَّف عنك هذا الضيق بصلاة فلان أخيك»(8).
1) مستند الشيعة: ج 7/340 قوله: (المشهور بين أصحابنا الإماميّة جواز الاستيجار للصَّلاة).
2) الذكرى: ص 75 (ط. ق): (وهذه إجماعيّة).
3) جامع المقاصد: ج 7/152.
4) الحدائق الناضرة: ج 11/44، قوله: (الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) في ما أعلم في جواز الاستئجار للصَّلاة والصوم عن الميّت، إلّاأنّ بعض...).
5) حكاه عن المفاتيح الشيخ الأنصاري في رسائل فقهيّة: ص 244، وأيضاً في كتاب الطهارة: ج 2/422 (ط. ق).
6) حكاه عن الكفاية الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: ج 2/422 (ط. ق).
7) ذخيرة المعاد: ج 2/387.
8) من لا يحضره الفقيه: ج 1/183 ح 554، وسائل الشيعة: ج 8/277 ح 10650.
ومنها: خبر الحسن بن محبوب، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«يدخل على الميّت في قبره الصَّلاة والصوم والحَجّ والصدقة والبِرّ والدُّعاء، ويُكتب أجره للذي فعله وللميّت»(1).
ومنها: ما عن الشيخ بإسناده إلى عمّار بن موسى، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«في الرّجل يكون عليه صلاة أو صوم، هل يجوز له أن يقضيه غير عارف؟ قال: لا يقضيه إلّامسلمٌ عارف»(2).
ومنها: عن علي بن يقطين، عن الإمام الكاظم عليه السلام: «في الرّجل يتصدّق عن الميّت، أو يصوم ويُصلّي ويعتق؟ قال: كلّ ذلك حسنٌ، يدخل مننفعته على الميّت»(3). ونحوها غيرها.
ومقتضى إطلاق هذه النصوص انتفاع الميّت من عمل كلّ من صدر عنه بعنوان الميّت. وعليه، فتوقّف بعض المحقّقين(4)في شمول الأدلّة للعمل الصادر عن الأجير، لم أعرف وجهه.
وبالجملة: المستفاد من هذه النصوص، أنّ ما يكون ثابتاً في ذمّة الميّت لايعتبر فيه المباشرة، بل يكفي إيجاد العمل في الخارج متقرّباً إلى اللّه تعالى.
وأمّا الثاني: فلعموم دليل صحّة العقود، وإطلاق دليل صحّة الإجارة، وغيرهما ممّا يدلّ على جواز أخذ المال في مقابل الأفعال الاُخر التي يرجع نفعها إلى الغير.7.
واستدلّ لعدم جواز الإستئجار بوجوه:
الوجه الأوّل: إنّ شمول عمومات صحّة العقود، متوقّفٌ على إحراز قابليّة المحلّ، ولو شكّ فيها كما في المقام، لا يصحّ التمسّك بها.
وفيه: إنّ احتمال عدم قابليّة المحلّ لا يعتنى به، مع إطلاقها المقامي المقتضي للرجوع الى العرف في إحرازها، إذ يكون بناء العرف على أنّ كلّ فعلٍ يرجع نفعه إلى الغير لذلك، فراجع.
الوجه الثاني: إنّ الصَّلاة وسائر العبادات تتوقّف فائدتها للغير على وقوعها طاعةً للّه، فينافي مع إيقاعها للغير عوضاً عمّا يأخذه من الأجر.
وفيه: إنّه لا يعتبر في صحّة العبادة ووقوع الفعل عبادةً أنْ يكون قصد القربة غاية الغايات، بل يكفي كون المُدّعي ذلك، ولو كان داعي الداعي غيره، وعليه فلو كان أخذ الاُجرة في طول قصد الأمر لم يكن منافياً مع عباديّة العبادة.
الوجه الثالث: ما ذكره بعض مشايخنا(1)من عدم إمكان تعلّق الأمر الإجاري بما يعتبر فيه الخلوص، إذ تعلّقه يقتضي إمكان جعله داعياً، ولا يمكن ذلك مع التحفّظ على الإخلاص المعتبر في متعلّقه، ومع عدم إمكان تعلّق الأمر المعاملي، لا معنى لصحّة المعاملة، فاعتبار قصد الخلوص في متعلّق الإجارة بنفسه مانعٌ من صحّتها، لصيرورة متعلّقها ممتنعاً.
وعليه، فلا ينبغي الترديد في عدم جواز أخذ الاُجرة على الصَّلاة لاعتبار القربة فيها.
وفيه: إنّ المنافي للخلوص، هو أن تكون الاُجرة داعياً للعمل، وهو لا يكون2.
1) مستند الشيعة: ج 7/342.
معتبراً في صحّة الإجارة، إذ المعتبر في تعلّق الأمر الإجاري - كسائر الأوامر - إمكان جعله داعياً، وهو لا ينافي الخلوص.
ودعوى:(1)أنّ الأمر بالإجارة توصّلي، فلا يكون قصده موجباً لإتّصاف العمل بالعبادة.
مندفعة: بأنّ الأمر التوصّلي لا يتوقّف سقوطه على إتيان العمل بقصد الامتثال، ولكن لو أتى به بقصد الامتثال، فإنّه لا شبهة في وقوعه عبادة، مع أنّ كون الأمر بالوفاء بالإجارة توصّليّاً مطلقاً ممنوعٌ، بل الظاهر أنّه تابع لمتعلّقة.
الوجه الرابع: ما ذكره بعض الأعاظم(2)وهو أنّه كما لا يمكن اجتماع المِلْكين واجتماع الطلبين، كذلك يمتنع اجتماع طلب مع الملكيّة، فلو فرضنا تعلّق الطلب الشرعي بشيءٍ كالصّلاة عن الميّت، فلا يجوز صيرورته مِلْكاً للغير.
وفيه: إنّ ذلك تامٌّ في ما إذا كانا في عرض واحدة، وأمّا إذا كانا طوليين، فلا محذور في الاجتماع حتّى في الطلبين، كأن يأمر الوالدة بشيء ويأمر الوالد بإطاعة أمرها، فتأمّل. وفي المقام بما أنّ ملكيّة المستأجر إنّما تكون في طول الطلب الشرعي، فلا محذور فيه.
الوجه الخامس: حسن عمران الوارد في فساد الدُّنيا، واضمحلال الدِّين، وفيه:
«قال عليه السلام: ورأيتَ الأذان بالاُجرة، والصَّلاة بالأجر».
ظهوره في الحرمة لا يُنكر، وحرمة العبادة توجب فسادها.
وفيه: إنّ قوله عليه السلام (والصَّلاة بالأجر)(3)مجملٌ يحتمل أنْ يكون المراد أخذ إمام4.
الجماعة الاُجرة على صلاته بالنّاس، فيكون مفاده مفاد الصحيح المرويّ عن كتاب الشهادات، وفيه، قال عليه السلام:
«لاتُصلِّخلف مَن يبتغي على الأذان والصَّلاة بالنّاس أجراً، ولاتُقبل شهادته»(1).
وعليه فيكون الحسن أجنبيّاً عمّا نحن فيه.
وبالجملة: ظهر ممّا ذكرناه ضعف ما عن «المفاتيح»(2)من التردّد فيه، معلّلاً بعدم النص، وعدم حجيّة القياس على الحَجّ أو على التبرّع.
أقول: ثمّ إنّه لو صَلّى الأجير عن الميّت، تفرغ ذمّته، كما هو المشهور(3)، إذ ظاهر نصوص النيابة أنّ ما يصدر من النائب، يكون بمنزلة عمل المنوب عنه.
وعن «الإنتصار»(4)و «الغُنية»(5)و «المختلف»(6): منع صحّة النيابة، وأنّ المراد من قولنا: (يقضي وليّ الميّت عنه) أنّه يقضي عن نفسه، ونسبته إلى الميّت باعتبار أنّه السبب في وجوب القضاء.
واستدلّ له:
1 - بالأصل، إذ لاريب في أنّ ما في ذمّة الميّت، إنّما هو الصَّلاة التي كانت واجبة عليه تعييناً، والشكّ في صحّة النيابة مرجعه إلى الشكّ في سقوط ما في ذمّته بفعل الغير، والأصل يقتضي عدمه.0.
1) من لا يحضره الفقيه: ج 3/43 ح 329، وسائل الشيعة: ج 27/378 ح 33998.
2) وقد مرَّ آنفاً حكاية الشيخ الأنصاري في كتاب الطهارة: ج 2/422 (ط. ق) نقلاً عن المفاتيح.
3) رسائل فقهيّة للشيخ الأنصاري ص 241، قوله: (فلا كلام فيه من حيث براءة ذمّة الميّت بفعل الأجير)، واعتبرالمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان: ج 10/29، براءة ذمّة الميّت أمرٌ ضروري.
4) رسائل المرتضى: ص 359.
5) غنية النزوع: ص 196.
6) مختلف الشيعة: ج 3/530.
2 - وبقوله تعالى: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى» (1).
3 - وبما دلّ على أنّه: «إذا ماتَ المؤمن انقطع عمله إلّامن ثلاث... الخ»(2).
وفيه: إنّ شيئاً من هذه الاُمور لا يقاوم ما سبق، بل يجبُ الخروج عنها به.
نعم، هنا إشكالٌ عقلي، وهو إنّ متعلّق الخطاب:
1 - إمّا أنْ يكون فعل النائب.
2 - أو يكون فعل المنوب عنه.
فعلى الأوّل: لا يكون مفرّغاً لذمّة المنوب عنه، بل يكون مفرّغاً لذمّة نفسه.
وعلى الثاني: لا يتأتّى التقرّب بفعله، فلا يكون أيضاً مفرّغاً لذمّة المنوب عنه.
والجواب عنه: يتوقّف على بيان حقيقة النيابة، وبيان نحو تعلّق التكليف بما ثبت جواز الإستنابة فيه، وأنّه من أيّ قسمٍ من الأقسام المتصوّرة في التكاليف.
فأقول: إنّ التكليف بفعل النائب الذي هو الموجب لفراغ الذمّة، لا الإستنابة، ليس عبارةٌ عن إيجاب الصَّلاة على المنوب عنه على نحو التخيير بين أن يفعله هو أو نائبه، ليكون فعل النائب من أطراف الواجب التخييري، إذ لامعنى لكون الشخص مكلّفاً بفعل الغير، ولو على وجه التخيير بين فعله وفعل غيره، لكونه خارجاً عن تحت قدرته، مع أنّ التكليف بفعل الغير إنّما يكون في طول التكليف المتوجّه الى المنوب عنه، إذ بعد توجّهه إليه يصحّ لغيره النيابة عنه، فما في طول الشيء كيف يمكن أن يكون في عرضه!
كما أنّه ليس عبارة عن إيجابها عليه نحو الواجب الكفائي، إذ الوجوب فيه5.
متوجّهٌ إلى جميع المكلّفين، فكلّ من أتى بالمأمور به، فقد أتى بما هو الواجب على نفسه، وهذا بخلاف النائب، فإنّه يأتي بما هو واجبٌ على المنوب عنه، ويقصد تفريغ ذمّته، ولو لم يقصد ذلك لكانت ذمّة الميّت باقية على ما اشتغلت به.
كما أنّ تشريعها على النائب والمتبرّع، ليس عبارة عن أنّ إيجاب الصَّلاة على المنوب عنه، أعمّ من أنْ يكون بفعل نفسه أو غيره المنزّل بدنه منزلة بدن المنوب عنه، إذ مضافاً إلى أنّ التنزيل ممّا لا يخطر ببال النائب والمنوب عنه، إنّه تنزيلٌ ادّعائي لا حقيقي، فلابدّ وأن يكون ذلك صادراً ممّن بيده جعل الآثار، وإلّا فلا يكاد يترتّب عليه الأثر. ألا ترى أنّه لو نَزّل زيدٌ نفسه منزلة عمرو، لا يترتّب عليه وجوب الإنفاق على زوجته، وغيره من الآثار والأحكام الثابتة لعمرو، بل حقيقة النيابة تنزيل فعل النائب منزلة فعل المنوب عنه.
أمّا العمل الواجب على الميّت ففيه جهتان:
الاُولى: إنّه ممّا يريد المولى تحقّقه في الخارج، مع قطع النظر عن مصدرها.
الثاني: إنّه ممّا يريد الشارع أن يضيف إلى الميّت، ولو بأن يأتي به متبرّعٌ، فالنائب مهما تصوّر الفعل المأتي به عن الميّت، وجده ذا ملاكٍ موجب للأمر، فيجوز له الإتيان به قاصداً التقرّب بذلك الملاك، فيقع عبادة ويوجب سقوط ما في ذمّة الميّت.
وبما أنّ ما فيه الملاك، وهو الفعل الصادر من المنوب عنه، فهو المستحقّ للثواب بإتيان النائب لا النائب، ومنه تظهر اُمور:
1 - إنّ الفعل الصادر عن النائب موجبٌ لقرب المنوب عنه، وفراغ ذمّته، وأنّه لا يكون مقرّباً للنائب، وإنّ ما تُوهّم من انحصار موجب القرب بالفعل
الصادر ممّن يتقرّب بذلك الفعل ضعيفٌ.
2 - إنّه يعتبر في فراغ ذمّة الميّت أنْ يكون حين وقوعه للمنوب عنه، من غير فرق بين أنْ يكون الميّت مالكاً له قبل الإتيان به بعقد إجارةٍ أو غيره أم لا.
3 - إنّه لا يكفي في تفريغ ذمّة الميّت إتيان العمل وإهداء ثوابه إليه، بل لابدّ وأن يقصد إتيان ما على الميّت.
مسائل:
المسألة الاُولى: إذا آجر نفسه فمات قبل الإتيان بها:
1 - فإنْ كان قد اشترط معه المباشرة، فهل تبطل الإجارة بالنسبة إلى ما بقي عليه أم لا؟
وجهان أقواهما الأوّل، إذ الظاهر من اشتراط المباشرة أنّ موردها عقد الإجارة ومنافع من آجر نفسه، فبموته ينعدم الموضوع، كما لو ماتت الدابّة المستأجرة، وعليه فإنْ كان قد قبض مال الإجارة، فتكون ذمّته مشغولة به، ويكون كسائر ديونه.
2 - وإنْ لم يشترط المباشرة، فما بقي من تلك الصَّلوات يكون باقياً في ذمّة الميّت، فإنْ كان له تركة وجب استئجاره من تركته، لأنّه من قبيل دَين النّاس، وإنْ لم يكن له تركة، فلا يجب على الورثة الاستئجار، لأنّه لا يلزم لهم أداء ديون الميّت من أموالهم.
نعم، يجوز تفريغ ذمّته من باب الزكاة بلا خلافٍ، بل عن غير واحدٍ(1)دعوى الإجماع عليه، وتشهد له جملة من النصوص:
منها: صحيح عبد الرحمن بن الحجّاج، قال:
«سألتُ أبا الحسن عليه السلام عن رجلٍ عالم فاضل توفّي، وترك عليه دَيْنَاً، لم يكن بمفسدٍ ولا مسرفٍ ولا معروف بالمسألة، هل يُقضى عنه من الزكاة ألفٌ وألفان؟ قال: نعم»(2).
ونحوه غيره، كما أنّه يجوز بالتبرّع، ولا يخفى وجهه.
المسألة الثانية: يجبُ على من عليه صلاة أن يُوصي بها، إذ يجب بحكم العقل التسبيب إلى تحقّق الفعل، وتحصيل ملاكه الملزم.
ودعوى: أنّ التكليف ينقطع بالموت.
مندفعة: بأنّ ذمّة من عليه الصَّلاة لا تفرغ بالموت، إلّاأنْ يُصلّي عنه متبرّع أو أجير، وعليه فيجبُ عليه قبل الموت التسبيب إلى ذلك.
أقول: وهل الواجب على الوصيّ إخراجها من الأصل أم لا؟ وجهان، بل قولان.
استدلّ للأوّل: بأنّها دَين اللّه، لتصريح جملة من النصوص به:
منها: خبر حريز، عن زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام: «قلت له: رجلٌ عليه دَين
صلاة قام يقضيه، فخاف أن يُدركه الصبح، ولم يُصلِّ صلاة ليلته تلك؟ قال عليه السلام:
يؤخّر القضاء ويُصلّي صلاة ليلته تلك»(1).
ومنها: خبر حمّاد، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «إذا جاء وقت الصَّلاة، فلا تؤخّر بشيء، صلّها واسترح منها فإنّها دَين اللّه»(2).
فيشملها ما دلَّ على أنّ دَين الميّت يُخرج من الأصل. بل بعض النصوص يدلّ على أنّ دين اللّه أحقّ أن يُقضى، كالخبر(3)الوارد في قصّة الخثعميّة، حيث أنّها سألت رسول اللّه صلى الله عليه و آله قالت له:
«إنّ أبي أدركته فريضة الحجّ شيخاً زمناً لا يستطيع أن يحجّ، إنْ حَججتُ عنه ينفعه ذلك؟ فقال صلى الله عليه و آله لها: أريتِ لو كان على أبيك دَينٌ فقضيته ينفعه ذلك؟ قالت:
نعم، قال صلى الله عليه و آله: فدَين اللّه أحقُّ بالقضاء».
وفيه: إنّ الأدلّة الدالّة على إخراج الدَّين من الأصل، مختصّة بالدَّين المالي ولا تشمل الدِّيون البدنيّة.
فإنْ قلت: إنّ مقتضى عموم التنزيل، ثبوت جميع أحكام المنزّل عليه للمنزّل، فتلك النصوص وإنْ اختصّت بالدَّين المالي، إلّاأنّ مقتضى تنزيل الصَّلاة منزلته ثبوت جميع أحكامه لها، ومنها لزوم إخراجه من الأصل.
قلت: إنّ المراد من الأدلّة ليس تنزيل الصَّلاة منزلة الدين، بل المراد أنّها دَينٌ حقيقةً، وتكون الذمّة مشغولة بها، وحيثُ لا دليل على لزوم إخراج كلّ دينٍ من8.
الأصل، فلا وجه للحكم بإخراجها منه، مع أنّ ظهور التنزيل في كونه بلحاظ جميع الآثار وإنْ كان لا يُنكر، إلّاأنّه فيما لم يكن قرينة على كونه بلحاظ أثر خاص، وفي المقام الظاهر من النصوص كون التنزيل بلحاظ لزوم الأداء، فلاحظ.
أقول: وبما ذكرناه ظهر ضعف الإستشهاد له بما دلّ على أنّ (دَين اللّه أحقُّ بالقضاء)، بل الأولى الاستشهاد له بما ورد في أداء دين المقتول عمداً من ديته، من التعليل (بأنّه أحقّ بديته من غيره)(1)، إذ مقتضى أحقيّته لزوم تفريغ ذمّته بصرفها.
ودعوى:(2)أنّه إنّما يقتضي الأحقيّة فيما لو كان في ذمّة الميّت مال، والصَّلاة ليست من الأموال، لأنّها لم تجب على المكلّف باعتبار أنّها من الأموال، بل بما أنّها عبادة مخصوصة، غير ملحوظ فيها الحيثيّة الماليّة.
مندفعة: بأنّه إنّما يقتضي الأحقيّة في كلّ ما اشتغلت ذمّته به، المتوقّف تفريغ ذمّته منه على صرف المال، من غير فرق بين كونه من الأموال أو من الواجباب البدنيّة، إذ لا وجه للتقيّد، فلاحظ.
فتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ الأقوى لزوم إخراجها من الأصل، وعلى ما اخترناه لو كان عليه الصَّلاة الاستئجاري، وفوائت من نفسه، فإنْ وَفَت التركة بها فلا إشكال، وإلّا ففي تقديم الاستئجاري وعدمه وجهان:
استدلّ للأوّل: بأنّه من قبيل دين النّاس، وبأنّ الواجبات البدنيّة لا تُخرج من الأصل، فلا تزاحم الواجب الاستئجاري.7.
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فهو من الاُمور المشهورة التي لا أصل لها، بل المشهور بين الفقهاء(1)في المزاحمة بين الحَجّ والزّكاة، عدم تقديم الزكاة.
وأمّا الثاني: فلما عرفت آنفاً من أنّ الصَّلاة تُخرج من الأصل.
فالأقوى هو التوزيع بالحِصص.
المسألة الثالثة: الأقوى جواز استئجار غير البالغ بإذن وليّه، لإطلاق أدلّة النيابة، لكن استدلّ على عدم جوازه:
1 - بأنّ عبادات الصبي ليست شرعيّة، بل تكون تمرينيّة.
2 - وبأنّ أدلّة النيابة قاصرة عن شموله.
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلما عرفت في هذا الكتاب غير مرّة من أنّ عباداته شرعيّة.
وأمّا الثاني: فلأنّ مقتضى إطلاق أدلّتها، جواز نيابة غير البالغ أيضاً.
المسألة الرابعة: يدور البحث فيها عن أنّه:
هل يجوز استئجار ذوي الأعذار مطلقاً، أم لا يجوز كذلك؟
أم يُفصّل بين ما إذا كان ما فات من الميّت أيضاً كذلك فيجوز، وإلّا فلا يجوز؟
وتحقيق القول في هذه المسألة: إنّ الفائت من الميّت:
1 - إنْ كان صلاة المختار، فالأقوى عدم جوازه، إلّامع تعذّر استئجار المختار،
1) عبّر الأصفهاني عن تقديم الحجّ بالأقوى في تعليقته على العروة الوثقى: ج 4/457 وغيره كذلك، واستدلّ لذلك بروايات، وفي المدارك (إنّه واضح بيننا) كما حكاه السيّد الحكيم في مستمسك العروة الوثقى: ج 10/247.
وذلك لأنّ أدلّة الابدّال الاضطرارية تختصّ بصورة تعذّر الفعل الاختياري، راجع ما ذكرناه في بدليّة الجلوس عن القيام، وقد عرفت أنّ مورد البدل الاضطراري هو ما إذا لم يعلم بزوال العُذر، وإلّا فلا يجوز البدار.
2 - وأمّا إنْ كان الفائت من الميّت الناقص لا التامّ، فبناءً على أنّ الواجب في القضاء هو التامّ لو تمكّن منه، كما هو الأقوى على ما ستعرف، فحكمه حكم سابقه، وإلّا فيجوز استئجار ذي العذر.
المسألة الخامسة: هل يعتبر في صلاة النائب جميع ما كان معتبراً في فعل الميّت، أم لا؟
وجهان، أقواهما الثاني، إذ ما يكون معتبراً في فعله على قسمين:
القسم الأوّل: ما يعتبر فيه مع قطع النظر عن حال المباشر، كالقصر والإتمام ونحوهما.
القسم الثاني: ما يعتبر فيه بلحاظ حال المؤدّي، كالإخفات للمرأة في غير الصَّلوات الإخفاتيّة، فإنّ اعتبار الإخفات في المرأة إنّما يكون بلحاظ أنّ المباشر امرأة كستر جميع بدنها.
واللّازم في القسم الأوّل مراعاة حال الميّت، لأنّ تدارك الفائتة لا يحصل إلّا بمراعاة تلك الاُمور، وفي القسم الثاني مراعاة حال المباشر، فلو كان النائب رجلاً والميّت امرأة، وجب عليه الجهر في الجهريّة، لإطلاق ما دلّ على لزوم الجهر في الجهريّة الشامل لحال النيابة.
المسألة السادسة: لو أطلق صيغة الإجارة، وجب على الأجير الإتيان بالصلاة على مقتضى تكليف نفسه، سواءٌ أكانت الإجارة على الصَّلاة عن عمروٍ مثلاً أم كانت على تفريغ ذمّته، إذ بما أنّ مقتضى الإطلاق هو الإتيان بالصلاة صحيحة، والصحيح بنظر الأجير هو ما يقتضيه تكليف نفسه، فمقتضى الإطلاق هو الرجوع إلى رأي الأجير.
أقول: ومنه يظهر ضعف ما توهّم من أنّ الإجارة إذا كانت على تفريغ ذمّة عمرو وجب العمل بمقتضى تكليف عمرو، إذ لا يُعلم الفراغ إلّابذلك، لأنّ الأجير إذا عمل بوظيفته، فيعلم بفراغ ذمّة عمرو، لأنّه بمقتضى الاجتهاد أو التقليد يرى أنّ الصَّلاة المأمور بها الواجبة على عامّة المكلّفين، هي ما يقتضيه تكليف نفسه، مثلاً لو كان الواجب على الميّت التسبيحات الأربع ثلاثاً، والأجير يرى عدم وجوبها، ففي نظر الأجير الصَّلاة التي تكون في ذمّة عمرو هي الصَّلاة المشتملة على التسبيحات الأربع مرّة واحدة.
نعم، يصحّ الإجارة على العمل بمقتضى تكليف الميّت أو غيره، لأنّ العمل حينئذٍ ممّا يترتّب عليه منفعة مقصودة، يصحّ بذل المال بإزائه، إلّاإذا كان الأجير يعلم عِلْماً وجدانيّاً ببطلانه، فإنّه حينئذٍ لايتأتّى منه قصد القُربة.
المسألة السابعة: لا شبهة في أنّه يلزم على الأجير مراعاة الشروط المعتبرة في الأداء إذ لا يحصل تدارك الصَّلاة الفائته إلّابذلك، وأمّا الشروط المعتبرة في القضاء غير المعتبرة في الأداء، كالترتيب بين الفوائت على القول به، فهل يجب مراعاتها للأجير أم لا؟ وجهان:
قد استدلّ للثاني: بأنّ الأجير إنّما يكون نائباً عن الميّت في الأداء، ولا يفعل
القضاء الذي كان واجباً على الميّت، وأدلّة تلك الشروط مختصّة بالقضاء عن النفس.
وفيه أوّلاً: إنّ مقتضى إطلاق الأدلّة اعتبارها في القضاء مطلقاً.
وثانياً: إنّ النائب يفعل ما يكون في ذمّة الميّت وهو القضاء.
وعليه، فالأقوى اعتبارها في القضاء عن الغير.
قضاء الوليّ
والكلام فيه يقع في مقامات:
1 - في المقضيّ.
2 - في المقضيّ عنه.
3 - في القاضي.
4 - في أحكام القضاء.
أمّا المقام الأوّل: فالمشهور بين الأصحاب(1)لزوم قضاء جميع ما فات عن الميّت.
وعن «الغُنية»(2): دعوى الإجماع عليه.
وعن المحقّق(3)، والشهيدين(4)، وعميد الدين(5): يقضي ما فاته لعذرٍ.
وعن الحِلّي(6)، وابن سعيد(7): لا يقضي إلّاما فاته في مرض الموت.
أقول: والأقوى ما هو المشهور، لإطلاق النصوص:
1) كما في رسائل الكركي: ج 3/342.
2) غنية النزوع حيث تحدّث عن القضاء في باب الصَّلاة والصوم وغيرهما، وفي الحجّ ص 196 قال: (والاستئجار على الحجّ عن الميّت والمعضوب جائز بدليل الإجماع المُشار إليه).
3) الرسائل التسع ص 258.
4) الذكرى: ص 138 (ط. ق)، شرح اللّمعة: ج 2/124.
5) حكاه المحقّق النراقي في مستند الشيعة: ج 7/330.
6) السرائر: ج 1/409.
7) الجامع للشرائع: ص 89.
منها: صحيح حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «في الرّجل يموت وعليه صلاة أو صيام؟
قال عليه السلام: يقضي عنه أولى النّاس بميراثه، قلت: فإن كان أولى النّاس به امرأة؟ قال عليه السلام: لا، إلّاالرِّجال»(1).
ومنها: خبر محمّد بن أبي عمير، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«في الرّجل يموت وعليه صلاة أو صوم؟ فقال عليه السلام: يقضيه أولى النّاس به»(2).
ونحوهما غيرهما.
واستدلّ للقول الثاني:
1 - بانصراف النصوص إليه، لنُدرة الترك العمدي من المسلم.
وفيه: - مضافاً إلى عدم تسليم ندرته - إنّه ممنوعٌ، إذ ندرة الوجود لا توجبُ الانصراف.
2 - وبأنّ المتعمِّد مؤأخذٌ بذنبه، فلا يناسب مؤأخذة الوليّ به لقوله تعالى:
«أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» (3).
وفيه: إنّه يتعيّن الخروج عن الآية لو سُلّم دلالتها على ذلك بالنصوص المتقدّمة، مع أنّ للمنع عن دلالتها مجالاً واسعاً.
3 - وبخبر ابن سنان، عن الإمام الصادق عليه السلام: «الصَّلاة التي دَخَل وقتها قبل أنْ يموت الميّت، يقضي عنه أولى النّاس به»(4).4.
وفيه: إنّه لا مفهوم له، فلا يوجب تقييد المطلقات، والظاهر أنّه لا منشأ للقول الأخير سوى بعض ما تقدّم الذي عرفت ما فيه.
ثمّ إنّ المشهور بين الأصحاب(1): وجوب قضاء الصَّلاة تعييناً، وعن السيّدين(2)، والعُمّاني(3): التخيير بينه وبين الصدقة، ولم نظفر له بمستند، والذي ورد في الصدقة إنّما هو بالنسبة الى النوافل كما في «الحدائق»(4).
ثمّ إنّه يجبُ على الوليّ قضاء ما فات عن الميّت من صلاة نفسه، ولا ما وجب عليه بالاستئجار أو الولاية أو نحوهما، لانصراف النصوص إليها، فتأمّل.
وأمّا الثاني: فالمشهور بين الأصحاب على ما نُسِب إليهم(5)أنّه الرّجل.
وعن جماعةٍكالحِلّي(6)والمحقّق(7)والشهيد(8)الثانيين وغيرهم(9): إلحاق المرأة به.
1) مختلف الشيعة: ج 3/530، قوله: (مسألة: المشهور أنّ الواجب القضاء على الوليّ، فإن لم يكن له وليّ تصدّق عنه من صلب المال)، الحدائق الناضرة: ج 321/13، قوله: (المشهور بين الأصحاب وجوب القضاء مطلقاً.. الخ).
2) الانتصار: ص 197.
3) حكاه عنه في استحباب قضاء النوافل الشهيد الأوّل في الدروس: ج 1/146.
4) الحدائق الناضرة: ج 11/57.
5) مستند الشيعة: ج 7/337.
6) نقل الحِلّي في السرائر: ج 1/398-399 قول الشيخ الطوسي في الإلحاق ولم يتبنّه، وقال: (والصحيح من المذهب والأقوال، أنّ إلحاق المرأة في هذا الحكم بالرِّجال يحتاج إلى دليل، وإنّما إجماعنا منعقد على الوالد يتحمّل ولده الأكبر).
7) جامع المقاصد: ج 3/80.
8) مسالك الأفهام: ج 2/65، شرح اللّمعة: ج 2/124.
9) كالشيخ الطوسي في النهاية: ص 158، المبسوط: ج 1/286 قوله: (كتاب الصوم، فصل في حكم قضاء ما فات من الصوم) ص 286 س 14 قال: (وحكم المرأة في هذا الباب حكم الرّجل سواء، إلى أن قال: وجب على وليّها القضاء عنها).
ويشهد للثاني:
1 - خبر ابن سنان المتقدّم، لأنّ إطلاق الميّت يشمل المرأة أيضاً.
2 - وما دلّ على وجوب قضاء الوليّ الصوم عنها، كمصحّح أبي حمزة: «عن امرأةٍ مرِضَتْ في شهر رمضان أو طمثت أو سافرت، فماتت قبل خروج شهر رمضان، هل يُقضى عنها؟
قال عليه السلام: أمّا الطمث والمرض فلا، وأمّا السّفر فنعم»(1). ونحوه غيره.
أقول: وأورد عليهما:
أمّا على الأوّل: فبأنّه مسوقٌ لبيان حكمٍ آخر، وهو تعيين محلّ القضاء عن الميّت، فلا يصحّ التمسّك بإطلاق لفظ (الميّت)، لعدم كونه في في مقام البيان من هذه الجهة.
وفيه: إنّ الظاهر منه كونه وارداً في مقام بيان الوظيفة الفعليّة، وعليه فلا يكون مهملاً من هذه الجهة أيضاً.
وأمّا على الثاني: فبعدم كونه في الصَّلاة.
وفيه: إنّه يثبت فيها بضميمة عدم فرق بين الصَّلاة والصوم.
واستدلّ للأوّل:
1 - بانصراف الخبر المذكور إلى الرّجل.
2 - وباختصاص أكثر النصوص به.9.
1) الكافي: ج 4/137 ح 9، وسائل الشيعة: ج 10/330 ح 13529.
وفيه: أمّا الانصراف فغير تامٍّ، وأمّا كون مورد أكثر النصوص هو الرّجل لا يوجب تقييد ما يكون مطلقاً.
فتحصّل: أنّ الأقوى إلحاق المرأة بالرجل.
بحث: هل يشترط في المقضيّ عنه الحريّة أم لا؟ وجهان بل قولان:
اختار أوّلهما الفخر(1)، واستدلّ له:
1 - بانصراف النصوص عن العبد.
2 - وبأنّ الأولى بالعبد هو سيّده، ولا خلاف في عدم وجوبه عليه.
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلأنّه ممنوع.
وأمّا الثاني: فلأنّ الظاهر من النصوص إرادة أولى النّاس به من الأقارب، ومن هو أشدّ علاقةً به من غيره، الموجبة أشدّيتها لأولويّته بالإرث، لو اجتمع سائر شروط الإرث.
3 - وبأنّه مقتضى قولهم عليه السلام: «فعلى وليّه أن يتصدّق عنه من تركته»، إذ الضمير بما أنّه يرجع إلى غير العبد، فهو يقتضي التخصيص.
وفيه: إنّ الخبر المشتمل على هذا، لو سُلّم اختصاصه بغير العبد، إلّاأنّه لا يوجب تقييد النصوص المطلقة غير المشتملة عليه.
فتحصّل: أنّ الأقوى عدم اعتبار الحريّة.
***1.
1) إيضاح الفوائد: ج 1/241.
وأمّا المقام الثالث: وهو القاضي:
فعن الشيخ(1)وأكثر المتأخّرين عنه(2): إنّه الولد الأكبر.
وعن المفيد(3): (إنّه إنْ لم يكن له ولدٌ من الرِّجال قضى عنه أكبر أوليائه من أهله، وإنْ لم يكن فمن النساء).
أقول: المستفاد من النصوص عدم وجوبه على النساء، وعدم اختصاص التكليف بالولد الأكبر.
أمّا الأوّل: فلصحيح حفص، وفيه: «قلت: فإنْ كان أولى النّاس به امرأة؟ قال عليه السلام: لا، إلّاالرّجل». ونحوه غيره.
وأمّا الثاني: فلا طلاق قوله عليه السلام في الصحيح المتقدّم: «يقضي عنه أولى النّاس بميراثه»، فإنّ إطلاقه يشمل جميع الطبقة الاُولى، ومع عدمها جميع الطبقة الثانية، وهكذا بالنسبة إلى غيرها من الطبقات.
ودعوى: أنّ المراد منه الولد، لأنّ المراد ب (أولى النّاس) الأولى من كلّ من وجد ويفرض وجوده، والمراد هو سنخ الميراث، ولو بلحاظ بعض المراتب، ولا شبهة في أنّ أولى النّاس بالميراث على هذا، هو الولد الذَّكر، إذ أولويّة غيره من الطبقات إنّما تكون إضافيّة بلحاظ الموجودين حين الموت، وأولويّة الأب في بعض الموارد،
لكونه أكثر سهماً من الولد، كما لو اجتمع له أبٌ مع عشرة أولاد، إنّما تكون بلحاظ أصل التوارث.
ومقتضى إطلاقه وإنْ كان عدم اختصاص التكليف بالأكبر، إلّاأنّه يتعيّن تقييده بمكاتبة الصفّار إلى العسكري عليه السلام:
«رجلٌ ماتَ وعيله قضاء من شهر رمضان عشرة أيّام، وله وليّان، هل يجوز لهما أن يقضيا عنه خمسة أيّام أحد الوليّين، وخمسة أيّام الآخر؟
فوقع عليه السلام: يقضي عنه أكبر وليّيه عشرة أيّام ولاءً إنْ شاء اللّه»(1). بناءً على عدم الفرق بين الصَّلاة والصوم.
مندفعة: بان الظاهر من قوله: (أولى النّاس بميراثه) الأولويّة الفعليّة بلحاظ أصل التوارث.
ويشهد له: - مضافاً إلى أنّه الظاهر منه - أمران:
الأوّل: إنّه لو كان المراد منه الولد، لما كان وجهٌ للتعبير عنه بذلك.
الثاني: إنّه لو كان المراد منه الولد الأكبر، لما كان حينئذٍ مورد للسؤال والجواب المذكورين في ذيل الصحيح وهما:
«قلت: فإنْ كان أولى النّاس به امرأة؟ قال عليه السلام: لا، إلّاالرّجل».
فإنْ قلت: إنّه لابدّ من تقييد إطلاق الصحيح بقوله عليه السلام في موثّق أبي بصير:
(يقضي عنه أفضل أهلُ بيته) لأنّ الأفضل ميراثاً بلحاظ الحِباء، هو الولد الأكبر.
قلت: إنّ المراد من قوله عليه السلام: (أفضلُ أهلُ بيته) لو كان الأفضل ميراثاً، كان ما ذكر تامّاً، ولكنّه خلاف الظاهر.
وأمّا قوله عليه السلام في خبر ابن سنان: «يقضي عنه أولى النّاس به»(2)فالمراد منه4.
الأكثر نصيباً، لا خصوص الولد الأكبر، كما هو الظاهر منه.
ويشهد له: مضافاً إلى ذلك، صحيح الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام:
«ابنك أولى بك من ابن ابنك، وابنُ ابنكَ أولى من أخيك، قال: وأخوك لأبيك واُمّك أولى بك من أخيك لأبيك، وأخوك لأبيك أولى بك من أخيك لاُمّك... الخ»(1).
فتحصّل ممّا ذكرناه: أنّه لا اختصاص لهذا الحكم بالولد الأكبر، نعم بما أنّ الولد يكون سهمه غالباً أزيد من غيره من الورّاث، والولد الأكبر يكون نصيبه أزيد من غيره لاختصاص الحَبوة به، فيجبُ عليه عند وجوده القضاء عن أبيه، وأمّا مع فقده، فيجبُ على غيره من الورّاث على ترتيب الطبقات.
وعليه، فما ذكره المفيد رحمه الله(2)من أنّه مع فقد الولد يقضي عنه أكبر أوليائه من أهله، هو القويّ، وأمّا ما ذكره رحمه الله من أنّه إنْ لم يكن فمن النساء، فقد عرفت ضعفه.
ودعوى: أنّه لإعراض الأصحاب عن هذه النصوص، الكاشف عن قرينة على خلاف ظاهرها، الموجب لإجمالها، لا يصحّ الاعتماد عليها، فيرجع إلى الأصل النافي للوجوب على غير الولد الأكبر.
مندفعة: بعدم ثبوت الإعراض الكاشف عن وجود القرينة، لإفتاء جماعة من القدماء والمتأخّرين كابن الجُنيد(3)وابن بابويه(4)وصاحب «المدارك»(5)وصاحب3.
1) الكافي: ج 7/76 ح 1، وسائل الشيعة: ج 26/63 ح 32495.
2) المقنعة: ص 353.
3) حكاه عنه العلّامة في المختلف: ج 3/532، قوله: (وقال ابن الجُنيد: وأولى النّاس بالقضاء عن الميّت أكبر ولده الذكور، وأقرب أوليائه إليه إن لم يكن له ولد).
4) فقه الرضا: ص 211، قوله: (وإذا مات الرّجل وعليه من صوم شهر رمضان، فعلى وليّه أن يقضي عنه، وكذلك إذا فاته في السفر).
5) مدارك الأحكام: ج 6/223.
«الحدائق»(1)وغيرهم(2)بما تضمّنته النصوص.
مع أنّ عدم إفتاء غيرهم به يمكن أن يكون لما ذكرناه أو بعضه الذي عرفت ما فيه.
وبالجملة: فلا وجه لرفع اليد عن ظاهر النصوص.
***).
1) الحدائق الناضرة: ج 13/322.
2) المقنع للصدوق: ص 201، قوله: (فعلى وليّه أن يقضي عنه.. وإنْ كان للميّت وليّان فعلى أكبرهما من الرِّجال.. الخ)، مجمع الفائدة والبرهان: ج 5/271، فإنّه بعد حكاية الشهرة على أنّه الولد الأكبر عند المتأخّرين قال: (وما رأيت ما يدلّ عليه أصلاً، وهم أعلم.. إلى أنْ قال: والظاهر أنّه الوارث أو الذي له التصرّف وأولى النّاس بميراثه.. الخ).
وأمّا المقام الرابع: ففي أحكام القضاء، وهي اُمور:
الأمر الأوّل: لو تساوى الولدان في السِّن:
فهل يسقط القضاء عنهما، كما عن الحِلّي رحمه الله(1)؟
أم يجبُ عليهما بالتقسيط كما عن الأكثر(2)؟
أو بنحو الواجب الكفائي، كما عن القاضي(3)؟ وجوه:
قد استدلّ للأوّل: بأنّ الموضوع هو الولد الأكبر، ومع عدم وجوده - كما هو المفروض - يسقط الحكم لا محالة.
وفيه: - مضافاً إلى أنّ الأكبر لم يؤخذ في لسان الدليل موضوعاً، وإنّما قلنا بوجوبه عليه لكونه نصيباً من غيره، ومكاتبة الصفّار المتقدّمة بما أنّها واردة في الصوم، وتدلّ على عدم جواز فعله من غير الأكبر، وهو ممّا لم يلتزم به أحد، لا يعتمد عليها - إنّه لو سُلّم كونه موضوعاً، فإنّما هو في مورد اجتماع الأكبر والأصغر لا مطلقاً، إذ لا مقيّد لإطلاق الأدلّة في غير هذا الفرض.
واستدلّ للأخير: بأنّ الوليّ الذي هو الموضوع إنّما أُخذ بنحو صرف الوجود، الصادق على القليل والكثير، ولازمه وإنْ كان وجوب القضاء على كلّ واحدٍ عيناً، إلّا أنّه حيث يكون تفريغ ذمّة الميّت ممّا لا يقبل التعدّد فينقلب الوجوب كفائيّاً.
وفيه: إنّ الوليّ إذا كان متعدّداً، يكون ظاهر تكليفهم بقضاء عدّة صلوات من
الميّت، وجوب قضائها عليهم بالتوزيع، وإنْ شئتَ فاختبر ذلك من حال الموالي والعبيد العُرفيّة، فإنّه لو أمر المولى عبيده جميعاً بكنس المسجد، لا يتوقّف أحدٌ في أنّ ذلك إنّما يجب عليهم بالتقسيط.
لو تنزّلنا عن ذلك، وسَلّمنا عدم ظهوره في ذلك، فما ذكره الشيخ الأعظم الأنصاري رحمه الله(1)بقوله: (لأنّ الوجوب على الجنس أعمٌّ من التوزيع، ومن الوجوب الكفائي، فالأصل عدم تكليف كلّ منهمابأزيد من حصّته، ولو عليطريق الكفاية) تامّ.
فتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ القول بالتقسيط هو الأقوى.
الأمر الثاني: يسقط القضاء عن الوليّ بفعل الغير، وعن الحِلّي وجماعة عدم السقوط.
واستدلّ له:
1 - بأنّ الظاهر من التكليف صدور المكلّف به عن المكلّف بالمباشرة.
ودعوى: أنّ الظاهر منه إيجاب العمل على المكلّف، أعمٌّ من المباشرة والتسبيب.
مندفعة: بأنّ الاستنابة لا توجبُ صيرورة عمل النائب الذي لا يكون في نفسه عملاً للمستنيب، لوساطة إرادته عملاً له، فمقتضى القاعدة عدم سقوط الواجب بفعل الغير مع الاستنابة أو بدونها.
2 - بأنّ النيابة عن الحَيّ لا تكون مشروعة.
3 - وبمكاتبة الصفّار المتقدّمة، فإنّها تدلّ على عدم جواز غير الأكبر.
أقول: وفي الجميع نظر:
أمّا الأوّل: فلأنّ دليل وجوب القضاء على الوليّ، كسائر الأدلّة المتكفّلة لبيان الأحكام، لا يقضي حفظ موضوع الوجوب، وعليه فلا ينافي أدلّة استحباب تبرّع).
1) كتاب الصَّلاة - الشيخ الأنصاري: ج 2/418 (ط. ق).
غير الوليّ بالقضاء، فإنّ إتيان غير الوليّ بالقضاء، يوجبُ فراغ ذمّة الميّت، ومع انتفاء الموضوع - وهو اشتغال ذمّة الميّت - يمتنع بقاء الوجوب على الوليّ، فيكون وجوب القضاء على الوليّ مشروطاً بعدم فعل الغير.
وأمّا الثاني: فلأنّ المتبرّع يكون نائباً عن الميّت لا الحَيّ، وسقوط الوجوب عن الوليّ ليس لتحقّق متعلّقه، بل لإنعدام موضعه.
وأمّا المكاتبة: فمضافاً إلى ورودها في الصوم، أنّها معارضة مع الخبر المرسل الذي رواه صاحب «الفقيه» عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إذا مات الرّجل وعليه شهر رمضان فليقض عنه مَن شاء مِن أهلُ بيته».
والجمع بينهما يقتضي حمل المكاتبة على أنّه يجبُ على الأكبر القضاء دون غيره، وحمل المرسل على إرادة مشروعيّة القضاء لغيره، فلاحظ.
فتحصّل: أنّ الأقوى جواز أن يتبرّع المتبرّع بالقضاء عن الميّت، ويوجبُ ذلك السقوط عن الوليّ، وعليه فيجوز أن يستأجر الوليّ مَنْ في ذمّته من القضاء عن الميّت، لعموم أدلّة صحّة العقود والإجارة.
كما أنّه يجوزُ أن يوصي الميّت بالاستئجار عنه، أو يُوصي بأن يُصلّي عنه الوصيّ، لعمومات نفوذ الوصيّة.
والسؤال المطروح حينئذٍ أنّ الوصيّة النافذة الموجبة لوجوب ما أوصى به على الوصيّ، هل توجب سقوط الوجوب عن الوليّ كما عن الشهيدين(1)،
1) البيان: ص 54، الدروس: ج 1/147، شرح اللّمعة: ج 2/125.
وصاحب «الموجز» وشارحه(1)، وصاحب «الذخيرة»(2)، أم لا؟ وجهان:
قد استدلّ للأوّل: الشيخ الأعظم رحمه الله(3)بقوله: (بعد فرض وجوب العمل بوصيّته، لا يجب الفعل الواحد عيناً على المكلّفين، وإرجاعه إلى الوجوب الكفائي مخالفة لظاهر التكليفين، والحكم بالوجوب على الوليّ منافٍ لفرض نفوذ الوصيّة، فإنّ التحقيق أنّ دليل وجوب العمل بالوصيّة، حاكمٌ على أدلّة مثل هذا الحكم، أعني الوجوب على الوليّ، وإلّا فكلّ واقعة قبل تعلّق الوصيّة بها، لها حكمٌ غير ما تقتضيه الوصيّة)، انتهى كلامه الشريف.
وفيه أوّلاً: إنّ الحكم بالوجوب على الوليّ، ليس منافياً لنفوذ الوصيّة، كما لا ينافي دليل مشروعيّة التبرّع كما عرفت، وإنّما يكون منافياً لكون وجوب العمل على الوصيّ وجوباً عينيّاً، فبما أنّ الواجب الواحد لا يجبُ عيناً على مكلّفين، فالجمعُ بين التكليفين يقتضي الحكم بالوجوب الكفائي، لا طرح أحدهما والعمل بالآخر؟ لاحظ نظائره في العرفيّات.
وثانياً: إنّ ما ذكره رحمه الله من حكومة دليل وجوب الوصيّة على دليل الوجوب على الوليّ، لم أعرف وجهه، إذ كلّ واحدٍ من الدليلين يثبتُ وجوب تفريغ ذمّة الميّت، ولا يكون أحدهما متعرّضاً لبيان حال الآخر من التصرّف في الحكم، المستفاد منه أو موضوعه، أو متعلّقه كما لايخفى، ومع عدمه كيف يكون حاكماً عليه؟
وعدم بقاء المورد للوصيّة، مع عدم تقديم أدلّتها، لا يوجب الحكومة، مع أنّ).
حكم الواقعة قبل تعلّق الوصيّة إنْ لم يكن إلزاميّاً لم يكن مانعاً عن الوجوب على الوصيّ عيناً، بل مع الوجوب على الوصيّ يكون حكمها باقياً كما كان باقياً بالنسبة إلى من كان متوجّهاً اليه، وهذا بخلاف ما إذا كان حكمها الوجوب على غيره، فإنّ ظاهر التكليفين هو الوجوب الكفائي.
ودعوى:(1)قصور أدلّة الوجوب على الوليّ، عن صورة الوصيّة، لعدم عموم أو إطلاق لها بالإضافة إلى العناوين الثانويّة.
مندفعة: بأنّ العناوين الثانويّة على قسمين:
منها: ما يكون عنواناً للحُكم، ككونه معلوماً أو مجهولاً.
ومنها: ما يكون عنواناً للموضوع، كتعلّق الوصيّة به أو عدمه.
وما يمتنع أنْ يكون الدليل المتكفّل لبيان الحكم مطلقاً بالنسبة إليه هو الأوّل دون الثاني.
فتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ الأقوى هو القول بالوجوب الكفائي.
الأمر الثالث: لا يعتبر في الوليّ أنْ يكون واجداً لشرائط التكليف عند الموت، فلو كان الوليّ غير بالغٍ عنده وجب عليه القضاء، وذلك لما حقّقناه في محلّه من أنّ التخصيص إذا كان من أوّل الأمر، يرجع إلى العام بعد مُضيّ زمان التخصيص، وليس مورداً للاستصحاب، من غير فرق بين ما إذا أُخذ في دليل الدالّ على الحكم عموم الأزمان أفراديّاً، أو أُخذ لبيان الاستمرار.
وعليه، ففي المقام وإنْ لم يشمل الدليل الوليّ حين الموت، لكونه صبيّاً، إلّاأنّه يشمله بعدما يصبح بالغاً، ومنه يظهر أنّه لو كان أحد الأولاد أكبر بالسّن والآخر).
1) كتاب الطهارة للشيخ الأنصاري: ج 2/421 (ط. ق).
بالبلوغ، فمن يجب عليه القضاء هو الأوّل، لأنّ الحبوة تكون له، فهو أولى النّاس به.
وعن «كشف الغطاء»(1)و «حاشية الإرشاد»(2)و «الإيضاح»(3)وغيرها(4):
أنّ الوليّ هو الأكبر بالبلوغ، واستدلّ له:
1 - بأنّ المراد من الأولى هو الأولى بحسب النوع، والأولويّة النوعيّة حاصلة للبالغ، فيلزم تعلّق التكليف به.
2 - وبأنّه أكبر عرفاً.
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلأنّ فرض الكلام هو اختصاص الحكم بالأكبر، إمّا للإجماع أو لكونه أولى النّاس به، أو لمكاتبة الصفّار.
وأمّا الثاني: فلعدم تسليم كونه أكبر، فلو تساووا في السِّن، وكان أحدهم أكبر بالبلوغ، فبناءً على ما هو الحقّ، من أنّه في صورة تعدّد الأولياء، يقسّط القضاء عليهم، لا يجبُ على البالغ أزيد من حصّته، ولا يخفى وجهه على من تدبّر فيما ذكرناه.
الأمر الرابع: لو تبرّع بالقضاء عن الميّت متبرّعٌ، أو صلّى عنه الأجير أو الوصيّ:
فإنْ كانت الصَّلاة على مقتضى تكليف الوليّ، سقط الوجوب عن الوليّ لما عرفت، وإلّا فالإجتزاء بها لا يخلو عن إشكال، إذ في نظر الوليّ لا تكون الصَّلاة المأتيّ بها صحيحة، فلا وجه للإجتزاء بها.).
1) كشف الغطاء: ج 2/328، قوله: (أو لكونه أكبر الأولياء مع بلوغه وعقله).
2) حكاه عن الحاشية السيّد الحكيم قدس سره في مستمسك العروة الوثقى: ج 7/145.
3) إيضاح الفوائد: ج 1/237، حيث اعتبر أنّ الأكبر هو الذي كان مكلّفاً أو اتّصف بذلك، وهذا تعبير عن تقديم البلوغ لأنّه المدار في التكليف.
4) مسالك الافهام: ج 2/63، قوله: (لو اختصّ أحدهما بكبر السّن والآخر بالبلوغ بالإنبات أو الاحتلام ففي تقديم أيّهما نظر، أقربه تقديم البالغ).
البابُ الرّابع: في الصَّلوات المندوبة:
فمنها: صَلاةُ الإستسقاء: وهي مؤكّدة عند قِلّة المياه، وكيفيّتها مثل صلاة العيد.
(الباب الرابع: في الصَّلوات المندوبة). وهي على قسمين:
الأوّل: النوافل اليوميّة، وقد تقدّم الكلام فيها.
الثاني: غيرها، وهي صلوات، وإنّما نذكر في المقام جملة منها تبعاً للمصنّف رحمه الله.
(فمنها: صلاةُ الإستسقاء، وهي) مستحبّة (مؤكّدة عند قِلّة المياه) بلا خلافٍ، بل عن جماعةٍ كثيرة(1)
(2و3) جواهر الكلام: ج 12/137.
دعوى الإجماع عليه.وتشهد له: - مضافاً إلى ذلك - النصوص الكثيرة الورادة في بيان كيفيّتها، وما يعتبر فيها، وأصل مشروعيّتها، والمتكفّلة لبيان خطبهم عليهم السلام فيها، وقد ادّعى صاحب «الجواهر» رحمه الله(2) تواتر الروايات الدالّة على مشروعيّتها.
(و) أمّا (كيفيّتها):
فهي (مثل) كيفيّة (صلاة العيد) كما في «الجواهر»(3)، إجماعاً محكيّاً عن «الخلاف»(2)، و «التذكرة»(3)، و «المنتهى»(4)، ويشهد له حسن هشام بن الحكم، عن الإمام الصادق عليه السلام:
إلّا أنّه يقنتُ بسؤال توفير المياه، والاستعطاف به، ويستحبّ بالمأثور، وأنْ يَصُوم النّاس ثلاثاً،
«سألته عن صلاة الإستسقاء فقال عليه السلام: مثل صلاة العيدين، يقرأ فيهما ويكبّر كما يقرأ ويكبّر فيها، يخرجُ الإمام فيبرز إلى مكانٍ نظيف في سكينة ووقار وخشوع ومسألة، ويَبرز معه النّاس، فيحمد اللّه، ويُثني عليه، ويجتهد في الدُّعاء، ويكثُر من التسبيح والتهليل والتكبير، ويُصلّي مثل صلاة العيدين رَكعتين في دعاء ومسألة واجتهاد، فإذا سلَّم الإمام قَلَب ثوبه، وجعل الجانب الذي على المنكب الأيمن على المنكب الأيسر، والذي على الأيسر على الأيمن، فإنّ النبيّ صلى الله عليه و آله كذلك صنع»(1).
ونحوه غيره.
ومقتضي إطلاق المماثلة لصلاة العيدين هو المماثلة من جميع الجهات (إلّا أنّه يقنت بسؤال توفير المياه والاستعطاف به) لأنّه هو المحرّك نحو هذه الصَّلاة، وحيثُ إنّه لم يرد في القنوت دعاءٌ مخصوص فيتخيّر الإمام في الإتيان من الأدعية بما شاء.
(ويستحبّ) في هذه الصَّلاة اُمور:
الأمر الأوّل: أن يدعو (بالمأثور) أي ما نُقل عنهم في الموارد المناسبة للمقام، إذ لم يرد فيه دعاءٌ بالخصوص كما سبق ذكره.
الأمر الثاني: (وأن يصوم النّاس ثلاثاً).
ويشهد له: خبر السرّاج، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «قُل له - أي لمحمّد بن خالد - ليس الإستسقاء هكذا، فقل له: يخرج فيخطب بالنّاس، ويأمرهم بالصيام اليوم وغداً، ويخرج بهم يوم الثالث وهم صيام... الخ»(2).6.
والخروج يوم الإثنين أو الجمعة، والتفريق بين الأطفال واُمّهاتهم، وتحويل الرِّداء،
(و) الأمر الثالث: الخروج يوم الثالث، لخبر حمّاد المتقدّم آنفاً.
الأمر الرابع: (الخروج يوم الجمعة أو الاثنين).
أمّا استحباب أنْ يكون الخروج يوم الاثنين: فيشهد له أمر أبي عبد اللّه عليه السلام محمّد بن خالد به، فإنّه - على ما في خبر مُرّة - بعد أنْ سأل الإمام عليه السلام: (متى يخرج؟ قال عليه السلام: يوم الاثنين)(1).
أمّا الخروج يوم الجمعة ففي «الجواهر»(2): (لم نقف على ما يدلّ على استحبابه، ولكنّه لا بأس بالقول به لشرفه وكونه محلّاً لإجابة الدُّعاء).
(و) الأمر الخامس: (التفريق بين الأطفال واُمّهاتهم) لأنّه يستوجب الرّحمة والرأفة.
(و) الأمر السادس: (تحويل الإمام الرِّداء) إذا صعد المنبر بعد الصَّلاة، فيجعل ما على يمينه على يساره وبالعكس.
ويشهد له: خبر مُرّة مولى محمّد بن خالد، المرويّ في «الكافي» عن أبي عبداللّه عليه السلام: «يخرج المنبر ثمّ يخرج يمشي... إلى أنْ قال: يُصلّي بالناس ركعتين بغير أذان ولا إقامة، ثمّ يصعد المنبر فيقلّب رداءه، فيجعل الذي على يمينه علييساره، والذي على يساره على يمينه، ثمّ يستقبل القبله فيُكبِّر اللّه مائة تكبيرة رافعاً صوته،0.
وأن يكبّر الإمام بعدها مائة مرّة مستقبل القبلة، والتسبيح كذلك يميناً، والتهليل كذلك يساراً، والتحميد تِلْقاء النّاس، ومتابعتهم له، والمعاودة مع تأخير الإجابة.
ثمّ يلتفت إلى النّاس عن يمينه فيُسبّح اللّه مائة تسبيحة رافعاً صوته، ثمّ يلتفت إلى النّاس عن يساره فيُهلِّل اللّه مائة تهليلة رافعاً صوته، ثمّ يستقبل النّاس فيحمد اللّه مائة تحميدة... الخ»(1).
(و) منه يعرف أنّه يستحبّ (أن يكبّر الإمام بعدها مائة، مستقبل القبلة، والتسبيح كذلك يميناً، والتهليل كذلك يساراً والتحميد) أيضاً مائة مرّة (تِلْقاء النّاس، و) الأولى (متابعتهم له) أي متابعة المأمومين للإمام في الذّكر، كما صرّح به غير واحدٍ(2)، لأنّ ذكر اللّه حَسَنٌ في كلّ حال، ولأنّ المتابعة أبلغ في الخشوع، وأرجى لتحصيل المقصود.
(و) الأمر الثامن: (المعاودة مع تأخير الإجابة) في «الجواهر»(3)إجماعاًمحكيّاً عن «المعتبر»(4)و «التذكرة»(5)، وهو الحجّة في المقام.
كما يمكن استفادته من الأدلّة، باعتبار عدم حصول المقصود والمراد من تلك الأفعال، ولأنّ المتعارف من السائلين تكرار السؤال إذا لم ينالوا الجزاء سابقاً.
***).
ومنها: نافلة رمضان. وهي ألف ركعة.
(ومنها: نافلة) شَهرُ (رمضان) زيادة على النّوافل المرتبة.
أقول: المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة(1)استحباب هذه الصَّلوات، بل عن «التذكرة»(2)دعوى الإجماع عليه.
وتشهد له: نصوص كثيرة، منها ما رواه أبو بصير:
«أنّه سأل أبا عبد اللّه عليه السلام: أيزيد الرّجل الصَّلاة في رمضان؟ قال عليه السلام: نعم إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قد زاد في رمضان في الصَّلاة»(3). ونحوه غيره.
فما يدلّ على نفي الزيادة على النوافل المرتّبة في رمضان، لابدَّ من تأويله أو طرحه.
(وهي ألف ركعةٍ) على المشهور(4)، وتشهد له جملةٌ من النصوص:
منها: خبر المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، أنّه قال:
«تُصلّي في شهر رمضان زيادة ألف ركعة؟
قلت: ومَن يقدر على ذلك؟ قال: ليس حيثُ تذهب، أليس تُصلّي في شهر رمضان زيادة ألف ركعة في تسع عشرة منه، في كلّ ليلة عشرين ركعة، وفي ليلة
في كلّ ليلةٍ عشرين رَكعة.
تسع عشرة مائة ركعة، وفي ليلة إحدى وعشرين مائة ركعة، وفي ليلة ثلاث وعشرين مائة ركعة، وتُصلّي في ثمان ليال منه في العشر الأواخر من كلّ ليلة ثلاثين ركعة، فهذه تسع مائة وعشرون ركعة؟
قال: قلت: جَعَلني اللّه فداك، فَرّجتَ عنّي...
إلى أنْ قال: فكيف تمام الألف ركعة؟ فقال: تُصلّي في كلّ يوم جمعةٍ في شهر رمضان أربع ركعات لأمير المؤمنين، وتُصلّي ركعتين لابنةِ محمّد صلى الله عليه و آله، وتُصلّي بعد الركعتين أربع ركعات لجعفر الطيّار، وتُصلّي في كلّ ليلة الجمعة في العشر الأواخر لأمير المؤمنين عليه السلام عشرين ركعة، وتُصلّي في عشية الجمعة ليلة السبت عشرين ركعة لابنة محمّدٍ صلى الله عليه و آله.. الخ»(1)ونحوه غيره.
كيفيّة توزيع الألف على الشهر: فهو أن يُصلّي (في كلّ ليلةٍ) من العشرتين الأولتين (عشرين ركعة) بلا خلافٍ(2)، وعن غير واحدٍ(3)دعوى الإجماع عليه، وتشهد له نصوصٌ مستفيضة:
ثمان ركعات بعد المغرب، واثنتى عشرة ركعة بعد العشاء، كما هو الأشهر.
وعن الشيخ في «النهاية»(4)، والمحقّق في «المعتبر»(5)وغيرهما(6): أنّه مخيّرٌ بينا.
1) تهذيب الأحكام: ج 3/66 ح 21، وسائل الشيعة: ج 8/28 ح 10035.
2) منتهى المطلب: ج 1/358 (ط. ق).
3) الانتصار: ص 168-169، الخلاف: ج 1/531، كشف اللّثام: ص 271 (ط. ق)، جواهر الكلام: ج 12/186.
4) النهاية: ص 140، قوله: (إن أراد أن يصلّي بعد المغرب اثنتي عشرة ركعة، وبعد العشاء الآخرة ثمان عشرة ركعة، كان أيضاً جائزاً).
5) المعتبر: ج 2/369-370، فإنّه بعد ذكر اختلاف الروايات بذلك قال: (وطرق هذه الروايات كلّها ضعيفة، لكن عمل الأصحاب أسقط اعتبار طرقها، ولا رجحان فيها، فينبغي القول فيها بالتخيير).
6) ذكر ذلك مفصّلاً المحدّث البحراني في «الحدائق» في كيفيّة نافلة شهر رمضان: ج 10/516 وما بعدها.
وفي ليالي الإفراد زيادة مائة،
ذلك، وبين جعل اثنتي عشرة ركعة بعد المغرب، وثمانٍ بعد العشاء.
أقول: وهو الأقوى، لأنّه ممّا يقتضيه الجمع:
بين مكاتبة الحسن بن علي، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام:
«صلِّ في أوّل شهر رمضان في عشرين ليلة عشرين ركعة، صلِّ منها ما بين المغرب والعتمة ثماني ركعات، وبعد العشاء اثنتي عشرة ركعة»(1).
ونحوها خبر ابن مطهّر(2)، وخبر أبي بصير(3)، ورواية مسعدة(4)وغيرها.
وبين موثّق سماعة: «سألته عن رمضان كم يُصلّى فيه؟
فقال: كما يُصلّى في غيره، إلّاأنّ لرمضان على سائر الشهور من الفضل، ما ينبغي للعبد أن يزيد في تطوّعه، فإنْ أحبّ وقَوي على ذلك، أن يزيد في أوّل الشهر عشرين ليلة، كلّ ليلة عشرين ركعة، سوى ما كان يُصلّي قبل ذلك، يصلّي من هذه العشرين اثنتي عشرة ركعة بين المغرب والعُتمَة، وثمان ركعات بعد العتمة. الحديث»(5).
(و) يُصلّي (في ليالي الإفراد) الثلاث، أي تسعة عشر، وإحدى وعشرين، وثلاثه وعشرين في كلّ ليلةٍ (زيادة) على ذلك (مائة) ركعة كما صرّح به غير واحدٍ(6).2.
1) تهذيب الأحكام: ج 3/67 ح 23، وسائل الشيعة: ج 8/33 ح 10041.
2) تهذيب الأحكام: ج 3/68 ح 25، وسائل الشيعة: ج 8/35 ح 10044.
3) تهذيب الأحكام: ج 3/64 ح 19، وسائل الشيعة: ج 8/31 ح 10039.
4) تهذيب الأحكام: ج 3/62 ح 16، وسائل الشيعة: ج 8/29 ح 10036.
5) تهذيب الأحكام: ج 3/63 ح 17، وسائل الشيعة: ج 8/30 ح 10037.
6) منتهى المطلب: ج 1/358 (ط. ق)، إيضاح الفوائد: ج 1/137، جامع المقاصد: ج 3/485، الحدائق الناضرة: ج 10/512.
وفي العشر الأواخر زيادة عشر.
أقول: ولكن الأقوى تبعاً لجماعة(1)إنّه مخيّرٌ بين ذلك، وبين أن يقتصر في ليالي الأفراد على المائة فحسب، ويُصلّي في كلّ جمعةٍ عشر ركعات بصلاة عليّ وفاطمة وجعفر عليهم السلام، وفي آخر جمعةٍ عشرين بصلاة علي عليه السلام، وفي عشيّة تلك الجمعة عشرين بصلاة فاطمة عليها السلام، لأنّه ممّا يقتضيه الجمع بين خبر المفضّل المتقدّم، وما دلَّ على الأمر بالمائة في كلّ ليلة من ليالي الإفراد(2)، وما دلَّ على الأمر بالإتيان فيها بما يؤتي في سائر اللّيالي(3)، فتدبّر.
(و) يُصلّي (في العَشر الأواخر زيادةً) على عشرين ركعة، (عشر) ركعات.
وبعبارة اُخرى: يُصلّي في كلّ ليلةٍ منها ثلاثين ركعة، بلا خلافٍ فيه(4)، ويتخيّر بين أن يُصلّي ثمان ركعات بعد المغرب والباقي بعد العشاء، وبين أنْ يصلّي اثنتين وعشرين ركعة بعد المغرب، وثمان ركعات بعد العُتمَة، لأنّه ممّا يقتضيه الجمع:
بين مكاتبة الحسن المتقدّمة عن أبي جعفر عليه السلام: «وفي العشر الأواخر ثمان ركعاتٍ بين المغرب والعُتمة، واثنتين وعشرين ركعة بعد العتمة». ونحوها غيرها.
وبين خبر مسعدة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، في حديثٍ: ويُصلّي في العشر الأواخر في كلّ ليلةٍ ثلاثين ركعة، اثنتي عشرة منها بعد المغرب، وثماني عشرة منها بعد العشاء الآخرة»(5)، ونحوه غيره.6.
1) المعتبر: ج 2/370، شرائع الإسلام: ج 1/85، تحرير الأحكام: ج 1/294.
2) تهذيب الأحكام: ج 3/66 ح 21، وسائل الشيعة: ج 8/28 ح 10035.
3) تهذيب الأحكام: ج 3/64 ح 20، وسائل الشيعة: ج 8/32 ح 10040.
4) الخلاف: ج 1/532، منتهى المطلب: ج 1/358 (ط. ق).
5) تهذيب الأحكام: ج 3/62 ح 16، وسائل الشيعة: ج 8/29 ح 10036.
ومنها: صلاة ليلة الفطر، ويوم الغَدير،
وبين موثّق سماعة: «فإذا بقي من رمضان عَشر ليالٍ، فليُصلِّ ثلاثين ركعة، في كلّ ليلةٍ سوى هذه الثلاث عشرة ركعة، يُصلّي بين المغرب والعشاء اثنتين وعشرين ركعة، وثمان ركعات بعد العُتمَة»(1).
(ومنها: صلاة ليلة الفطر):
ويدلّ عليه: ما رواه السياري مرفوعاً إلى أمير المؤمنين عليه السلام، قال: «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: مَن صَلّى ليلة الفطر ركعتين، يقرأ في أوّل ركعةٍ منهما الحمد مرّة، و «قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ» (2)ألف مرّة، وفي الرّكعة الثانية الحَمد مرّة، و «قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ» مرّة واحدة، لم يسأل اللّه تعالى شيئاً إلّاأعطاه إيّاه»(3). ومنه تُعرف كيفيّتها.
(و) منها: صلاة (يوم الغدير):
يدلّ عليه: خبر العبدي، عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنّ مَن صَلّى فيه ركعتين، يغتسل عند زوال الشّمس من قبل أنْ تزول مقدار نصف ساعة، سأل اللّه عزّ وجلّ، يقرأ في كلّ ركعة سورة الحمد مرّة، وعشر مرّات «قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ» ، وعَشرُ مرّاتٍ آية الكرسي، وعَشرُ مرّاتٍ «إِنّا أَنْزَلْناهُ» ،(4)عَدَلت عند اللّه عزّ وجلّ مائة ألف حجّة، ومائة ألف عُمرة، وما سأل اللّه عزّ وجلّ حاجةً من حوائج الدُّنيا وحوائج الآخرة، إلّاقُضِيَتْ كائناً ما كانت الحاجة. الحديث»(5)، ونحوه غيره.4.
وليلة النصف من شعبان، وليلة المبعث ويومه.
(و) منها: صلاة (ليلة نصف شعبان):
عن «المصباح»(1)إنّه رواها ثلاثون رجلاً من الثقات، وقد وردت في هذه اللّيلة صلواتٌ عديدة، ومن أراد الاطّلاع عليها فليطلبها من مظانها.
(و) منها: صلاة (ليلة المبعث ويومه):
بلا خلافٍ فيه، وتشهد له جملةٌ من النصوص:
1 - خبر صالح بن عقبة، عن أبي الحسن عليه السلام، أنّه قال:
«صَلِّ ليلة سبع وعشرين من رجب أيّ وقتٍ شئت من اللّيل اثنتي عشرة ركعة، تقرأ في كلّ ركعةٍ الحمد والمعوّذتين، و «قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ» أربع مرّات، فإذا فرغتَ قلتَ وأنتَ في مكانك أربع مرّات: (لا إله إلّااللّه واللّه أكبر، والحمدُ للّه، وسُبحان اللّه، ولا حول ولا قوّة إلّاباللّه)، ثمّ اُدع بما أحببت»(2).
2 - خبر عليّ بن محمّد، رفعه في حديثٍ، قال:
«قال أبو عبد اللّه عليه السلام: يوم سبعة وعشرين من رجب نُبئ فيه رسول اللّه صلى الله عليه و آله، مَنْ صَلّى فيه أيّ وقتٍ شاء عشرة ركعة، يقرأ في كلّ ركعة بأُمّ القرآن وسورة ما تيسّر، فإذا فرغ وسَلّم، جلس مكانه ثُمّ قرأ اُمّ القرآن أربع مرّات، والمعوّذات الثلاث كلّ واحدةٍ أربع مرّات، فإذا فرغ وهو في مكانه قال: (لا إله إلّااللّه واللّه أكبر، والحمد للّه، سبحان اللّه، ولا حول ولا قوّة إلّاباللّه) أربع مرّات. ثم تقول: (اللّه اللّه ربّي لا أُشرك به شيئاً) أربع مرّات، ثمّ يدعو، فلا يدعو بشيءٍ إلّااُستجيبَ له في كلّ4.
وصلاة علي، وفاطمة، وجعفر عليهم الصّلاة والسّلام.
حاجةٍ، إلّاأنْ يدعو في جائحةٍ، أو قطيعة رحمٍ»(1).
(و) منها: (صلاة علي عليه السلام):
وهي أربعُ ركعاتٍ بتشهّدين وتسليمتين، يقرأ في كلّ ركعةٍ الحمد وخمسين مرّة «قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ» ؛ لخبر المفضّل، عن أبي عبد اللّه عليه السلام:
«فأمّا صلاة أمير المؤمنين عليه السلام: فإنّه يُقرأ فيها بالحمد في كلّ ركعةٍ، وخمسين مرّة «قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ» (2).
أقول: وفي هذا الخبر وإنْ لم يصرّح بالتشهّدين والتسليمتين، إلّاأنّ ذلك إنّما يكون لأجل أنّ ما دلّ على الصَّلوات الخاصّة، مسوقٌ لبيان ما به يمتاز عن غيرها، وحيثُ أنّ تثنية النوافل واضحة، فاعتبار التشهّدين والتسليمتين فيها لايحتاج إلى بيان.
(و) منها: صلاة (فاطمة عليها السلام):
وهي ما في خبر المفضّل المتقدّم: «ركعتان تُقرأ في أوّل ركعةٍ الحَمد و «إِنّا أَنْزَلْناهُ» مائة مرّة، وفي الرّكعة الثانية الحَمد و «قُلْ هُوَ اَللّهُ أَحَدٌ» مائة مرّة، فإذا سلّمت تُسبِّح تسبيحها».
(و) منها: صلاة (جعفر عليه السلام):5.
التي تظافرت الأخبار الدالّة على استحبابها، وعن «المنتهى»(1)دعوى الإجماع عليه.
وهي أربع ركعاتٍ بلا خلافٍ بتسليمتين، كما هو المشهور.
وعن «المقنع»(2): بتسليمة واحدة.
والدليل على ما اختاره المشهور: ما ذكرناه في صلاة عليّ عليه السلام، لكونها بتسليمتين.
واستدلّ للثاني: بصحيح ابن الريّان، قال: «كتبتُ إلى الماضي الأخير عليه السلام أسأله عن رجلٍ صَلّى صلاة جعفر ركعتين، ثمّ تعجّله عن الركعتين الأخيرتين حاجة، أو يقطع ذلك لحادثٍ يحدث، أيجوز له أن يتمّها إذا فرغ من حاجته وإنْ قام عن مجلسه؟ أم لا يحتسب بذلك إلّاأن يستأنف الصَّلاة، ويُصلّي الأربع الركعات كلّها في مقامٍ واحد؟
فكتب عليه السلام: بل إنْ قطعه عن ذلك أمرٌ لابدّ له منه، فليقطع، ثمّ ليرجع فليبنِ على ما بقي منها»(3).
وفيه: إنّه لا يدلّ على أزيد من أنّه لا ينبغي الفصل بين أداء الأربع بزمانٍ أو نحوه اختياراً، كما أفتى به الشهيدان(4).
وكيفيّتها: أن يقرأ في كلّ ركعة الحمد وسورة، ثمّ يقول: (سُبحان اللّه والحمدُ للّه ولا إله إلّااللّه واللّه أكبر) خمس عشر مرّة، ثمّ يركع ويقوله عشر مرّات، هكذا يقوله عشرا بعد رفع الرأس من الرّكوع، وفي السّجود، وبعد رفع الرأس منه، وفي سجوده0.
ثانياً، وبعد الرفع منه، كما نصّ على ذلك كلّه في خبر أبي بصير(1)وغيره.
ولأجله يُحمل خبر المفضّل(2)، وخبر إبراهيم(3)، المتضمّنان للأمر بقراءة «إِذا زُلْزِلَتِ» في الرّكعة الاُولى، وبالعاديات في الثانية، وب «إِذا جاءَ نَصْرُ اَللّهِ» في الثالثة، وبالإخلاص في الرابعة على الفضل.
وتمام البحث في هذه الصَّلاة غيرها من الصَّلوات المندوبة، وما يُقال فيها وبعدها، موكولٌ إلى محلّه.
***7.
أقول: يُطلق السَّهو على معانٍ، والأنسب بالمقام إرادة التضيّيع والتواني، وعدم الاعتدال منه، فيشمل الترك عن عمدٍ أو نسيان، وهو واضح، كما يشمل الشكّ لأنّ الشكّ في جزءٍ من أجزاء الصَّلاة أو في شرطٍ منها مثلاً، يوجب خروج الصَّلاة عن حَدّ الاعتدال.
ثمّ إنّه تارةً: يقطع بوجود السَّهو والخَلل في الصَّلاة.
واُخرى: يشكّ في ذلك.
فالكلام يقع في مقامين:
وهو قد يكون:
1 - عن عمدٍ وعلمٍ بالحكم والموضوع.
2 - وقد يكون عن عمدٍ مع الجهل بالحكم أو الموضوع أو بهما.
3 - وقد يكون عن نسيان.
ثمّ إنّ الخلل:
تارةً: يكون بالزيادة.
واُخرى: يكون بالنقيصة.
والزيادة: قد تتحقّق إمّا بصلاةٍ مستقلّة، أو بركعةٍ، أو بجزءٍ ركني أو غير ركني.
والنقيصة: أيضاً قد تتحقّق بشرطٍ ركني أو غير ركني، أو جزءٍ كذلك أو بكيفيّة، أو بركعة.
أقول: وتنقيح القول في المقام إنّما يكون برسم مسائل، والتكلّم في كلّ منها بما يقتضيه وضع الكتاب.
مَنْ ترك شيئاً من واجبات الصَّلاة عمداً، بطلت صلاته وإنْ كان جاهلاً،
المسألة الاُولى: (من تركَ شيئاً من واجبات الصَّلاة عمداً، بطلت صلاته)، من غير فرقٍ بين كون ما أخلَّ به شرطاً أو جزءً أو كيفيّة، بلا خلافٍ ولا كلام، لو كان عالماً بالحكم أو الموضوع، بل هو من البديهيّات، إذ المراد بالبطلان:
إنْ كان ما يقابل الصحّة، بمعنى مطابقة المأتي به لما هو طرف اعتبار الشارع أو حكمه، يكون هو من القضايا التي قياساتها معها.
وإنْ كان ما يقابل الصحّة، بمعنى سقوط الإعادة والقضاء، فهو يكون على القاعدة، إذ سقوط الطلب المتعلّق بشيءٍ بالإتيان بشيء آخر يحتاج إلى دليلٍ آخر.
أقول: لا يخفى إنّ الحكم بالبطلان في الفرض إنّما هو فيما لا يمكن تدارك ما أخلّ به، وإلّا فلا وجه للبطلان من هذه الجهة، إذ مجرّد العزم على الإخلال لا يوجب البطلان، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في مبحث النيّة(1)من كتابنا هذا.
وكذلك يحكم بالبطلان في صورة الإخلال بشيء من واجبات الصَّلاة، مع مُضيّ محلّ التدارك (إنْ كان جاهلاً) بالحكم عن تقصير، إذ الأدلّة المتضمّنة لاعتبار ذلك في المأمور به، وإنْ كان لا يمكن التمسّك بإطلاقها، لاعتباره في حال الجهل، لأنّه إذا امتنع التقييد بصورة العلم، لما أمكن التمسّك بإطلاقه، كما حُقّق في محلّه، إلّا أنّه قد ثبت بمقتضى الأدلّة اشتراك العالمين مع الجاهلين في الأحكام، ولازم الاشتراك المزبور، مبطليّة الإخلال بما اعتبر في المأمور به، هذا فضلاً عن أنّه ليس هناك ما يدلّ على الصحّة، لما ستعرف من عدم شمول حديث (لا تُعاد الصَّلاة)(2)لصورة الجهل عن تقصير.
عدا الجَهر والإخفات، فقد عُذر لو جَهلهما. وكذلك لو فعل ما يَجبُ تركه عمداً.
نعم، يختصّ ذلك بما (عدا الجهر والإخفات) فإنّه قد ورد الدليل على أنّه (فقد عذر لو جهلهما)، وقد تقدّم الكلام في هذه المسألة في مبحث القراءة.
وأمّا إنْ كان جاهلاً به عن قصورٍ، كالمجتهد الُمخطئ ومقلّديه، أو كان جاهلاً بالموضوع:
فإنْ كان ما أخلَّ به الذي مضى محلّ تداركه من الخمسة المستثناة في حديث (لاتُعاد الصَّلاة) بطلت صلاته، وإلّا صحّت، لما ستعرف من شمول الحديث للجاهل، إنْ لم يكن مقصّراً فانتظر، وما ذكرناه إنّما هو فيما لو ترك ما يجبُ فعله.
(وكذلك لو فعل ما يجبُ تركه عمداً) كالتكلّم والقهقهة ونحوهما، فإنْ فعل شيئاً من ذلك عن علمٍ بالحكم والموضوع، بطلت الصَّلاة، وكذلك إنْ فعله عن جهلٍ بالحكم إنْ كان عن تقصير، وإلّا تكون صلاته صحيحة.
المسألة الثانية: لو أتى بما لم يؤخذ عدمه في الصَّلاة، ولم يكن وجوده دخيلاً فيها، فهل يوجب ذلك بطلان الصَّلاة أم لا؟
أقول: الكلام فيها يقع في مقامين:
الأوّل: فيما تقتضيه القاعدة الأوّليّة.
الثاني: فيما تقتضيه القاعدة الثانويّة في خصوص الصَّلاة.
وقبل التكلّم في المقامين، لابدَّ من تحقيق مفهوم الزيادة، والكلام فيه يقع في جهتين:
الاُولى: في أنّه هل يمكن تحقّق الزيادة في المركّبات الاعتباريّة أم لا؟
الثانية: في اعتبار قصد الزيادة في تحقّق الزيادة وعدمه.
أمّا الجهة الاُولى: فقد يقال باستحالة تحقّق الزيادة حقيقةً، وإنْ كانت متحقّقة بالمسامحة العرفيّة، لأنّ الزائد:
إنْ لم يكن من سنخٍ اعتبر جزءً أو شرطاً للمركّب الاعتباري، لما صدق عليه الزيادة، كما هو الشأن في غير المركّب الاعتباري، ألا ترى أنّ الدُّهن الذي اُضيف اليه مقدار من الدبس لا يصحّ أن يقال إنّه زاد فيه، وإنْ كان يصدق عنوان الزيادة على ما في الظرف.
وإنْ كان من سنخه:
فإنْ كان ذلك الجزء الذي من سنخ الزائد، مأخوذاً على نحو اللّا بشرط، من غير تقييدٍ بالوجود الواحد، فحيثُ أنّ كلّ من أتى بفردٍ من طبيعي ذلك الجزء، كان
مصداقاً للمأمور به، كان المأتي به واحداً أم متعدّداً، فلا زيادة هناك.
وإنْ كان مأخوذاً بشرط لا عن الوجودات المتأخّرة، فالإتيان به مرّة اُخرى موجبٌ لفقد قيد الجزء، المستلزم لنقصه، مثلاً إذا اعتبر الرّكوع غير الملحوق بمثله جزءً من الصَّلاة، فلو لحقه مثله، لم يتحقّق ما هو جزء للصَّلاة.
والجواب عن ذلك: إنّ اعتبار لا بشرطيّة الجزء إنّما يكون على وجهين:
الأوّل: أخذ طبيعة الجزء في المتعلّق بنحوٍ تصدق على الواحد والمتعدّد.
الثاني: أخذه بنحو اللّا بشرط القسمي، أي لا مقترناً بلحوق مثله، ولا مقترناً بعدمه.
وفي الأوّل: لا يتصوّر الزيادة، فإنّ كلّ ما فُرض وجوده، يكون دخيلاً في الجزء، ويكون من موارد التخيير بين الأقلّ والأكثر.
وأمّا في الثاني: فحيثُ أنّ الجزء حينئذٍ صِرْف وجود الطبيعة المنطبق على أوّل الوجودات، فالوجود الثاني غَير دخيلٍ فيه، ولا مانع عن تحقّقه، وحينئذٍ فتتحقّق الزيادة به.
وبذلك يظهر أنّه تصدق الزيادة إذا كان الزائد غير مسانخ بما اعتُبر في المأمور به، مع أنّ عدم الزيادة بالدقّة الفلسفيّة لا يترتّب عليه أثرٌ بعد صدقها عرفاً، والأحكام تابعة للصدق العرفي.
وأمّا الجهة الثانية: فالظاهر اعتبار قصد كون المأتي به من أجزاء المأمور به في الزيادة، إذ المركّب الاعتباري كالصّلاة مركّبٌ من وجودات متباينة، ووحدته إنّما تكون بالاعتبار، ولا يكاد تتحقّق الا بالقصد، ولذا لا تحرم تلك الأفعال والأذكار الخاصّة المجرّدة عن قصد الصَّلاتيّة على الحائض، فما لم يأتِ بشيءٍ بقصد الصَّلاتيّة،
لا يصبح جزءً ولا زيادةً فيها، وعلى فرض الإتيان به كذلك، تصدق الزيادة:
1 - من غير فرقٍ بين أنْ يكون ذلك عن جهلٍ بالحكم أو التشريع.
2 - ومن غير فرقٍ أيضاً بين أن يقصد الامتثال بمجموع الزائد والمزيد فيه وعدمه، كما لا يخفى.
3 - ومن غير فرقٍ بين كون المأتي به من جنس أحد أجزاء المأمور به وبين كونه من غير سنخ تلك الأجزاء.
فما عن المحقّق النائيني رحمه الله(1)من أنّه لا يعتبر في صدق الزيادة على ماكان من جنسِ أحد أجزاء العمل، قصد كونه منه، ضعيفٌ.
4 - ومن غير فرقٍ أيضاً بين أن يعتدّ بالزائد، بأن يعدّه من أجزاء صلاته أيضاً - كالأصل - وبين ما لو أتى بجزءٍ، ثمّ رفع اليد عنه وأتى بفردٍ آخر، إذا وقع الأوّل صحيحاً.
ودعوى:(2)أنّ رفع اليد عن الجزء، كهدم البناء والإسقاط في الخارجيّات.
مندفعة: بأنّه لا أثر لرفع اليد، ولا يوجب عود الأمر بحاله، فلا يكون بمنزلة الهدم.
نعم، إذا وقع الأوّل فاسداً، لا يصدق الزيادة بالإتيان به ثانياً.
ثمّ إنّ في خصوص الرّكوع والسّجود كلاماً سيأتي في المسألة الآتية.
أقول: إذا عرفت هذا، فاعلم أنّ الزيادة العمديّة:
إنْ أوجبت الإخلال بقصد الأمر، كما إذا قصد المكلّف امتثال خصوص الأمر المتعلّق بالمشتمل على الزائد، فإنّه لا إشكال في بطلان الصَّلاة، من جهة أنّ ما قصدة2.
من الأمر لا واقع له، وما له واقعٌ لم يقصده.
وكذلك لا إشكال في البطلان إنْ أوجبت الإخلال بالهيئة الاتّصاليّة.
وأمّا لو قصد المكلّف امتثال الأمر الفعلي وإنّما أتى بالزائد خطأً لاعتقاد كونه المأمور به، أو تشريعاً في التطبيق غير المنافي للتقرّب بامتثال الأمر الموجود، من دون أن يكون الزائد المذكور مخلّاً بالهيئة الاتّصاليّة، لم تبطل الصَّلاة، لا من جهة عدم قصد الأمر وهو واضح، ولا من جهة اعتبار عدمها في الصَّلاة، إذ مقتضى حديث الرفع عدم الاعتبار ما لم يقم عليه دليلٌ بالخصوص.
وإنْ شئتَ قلت: إنّه إذا لم يكن المكلّف المقدم على العمل مع الزيادة مشرّعاً في الأمر بالمشتمل على الزائد، وبانياً على صدور الأمر من الشارع وتعلّقه بما يعمّ الزائد، وعاملاً بناءً على تعلّق الأمر به إعمالاً لبنائه، بل كان بانياً على أنّ المأمور به بالأمر الواقعي، منطبقٌ على المأتي به، وإنّما أقدم على إحضار العمل المشتمل على الزائد، بداعي الأمر الواقعي، أو كان بانياً على أنّ المأتي به مطابقٌ للمأمور به، من دون تصرّف في الأمر لا أصلاً ولا تطبيقاً، أو كان بانياً على انبعاث وجوب غيري عن الأمر الواقعي بالإضافة الى الزائد، أو كان بانياً على الاقتضاء من قبل الأمر الواقعي بالإضافة إليه، فإنّه في جميع هذه الصور لم تبطل الصَّلاة من ناحية قصد الأمر، والمفروض عدم بطلانها من ناحية اُخرى.
وعليه، فمقتضى القاعدة الأوّليّة، عدم مبطليّة الزيادة العمديّة، ما لم توجب الإخلال بقصد الأمر ولا بالهيئة الاتّصاليّة المعتبرة في الصَّلاة.
وأمّا القاعدة الثانويّة: فقد دلّت النصوص على مبطليّة الزيادة العمديّة للصَّلاة مطلقاً، كما هو المشهور بين الأصحاب(1)، فقد جاء في صحيح أبي بصير نقلاً عن2.
1) مصباح الفقيه: ج 2/535 ق 2.
الإمام الصادق عليه السلام قوله: «مَن زاد في صلاته فعليه الإعادة»(1).
وأُورد على الاستدلال به بوجهين:
الوجه الأوّل: ما أفاده بعض المعاصرين(2)وهو أنّه منصرفٌ إلى زيادة الرّكعة، أو محول على ذلك بقرينة ما دلّ على عدم قدح زيادة الجزء سهواً، الموجب لرفع اليد عن إطلاقه على كلّ حال.
والظاهر أنّ مراده بذلك ما أفاده المحقّق الهمداني رحمه الله(3)في الإيراد على الصحيح، من أنّ الزيادات السَّهويّة خارجة عن هذا الحكم، وعليه فيدور الأمر بين إرادة الزيادة العمديّة منه، وبين إرادة زيادة الأركان، أو الزيادة في الركعات، وحيث إنّ حصول الزيادة عمداً نادرٌ، وكون زيادة الرّكعة هو الفرد الواضح ممّا يُطلق عليه (إن زاد في صلاته)، فلو لم يكن الحديث منصرفاً إلى الثاني لا ريب في إجماله، والمتيقّن هو ذلك.
وفيه: إنّ مقتضى الصحيح مبطليّة كلّ زيادةٍ، كانت هي الرّكعة أو الرّكن أو غيرهما، من غير فرقٍ بين العمد والسَّهو، ومن غير فرقٍ بين العلم والجهل - خرج عن هذا العموم زيادة غير الأركان إنْ كانت سهويّة - وقد حُقّق في محلّه أنّ العام حجّة في غير أفراد المخصّص، فالباقي تحته زيادة الأركان والرّكعة مطلقاً، وزيادة غيرهما إنْ كانت عمديّة، ولا يدور الأمر بعد التخصيص بين إرادة العمد، وبين إرادة زيادة الأركان أو الرّكعة كي يتمّ ما ذكره.2.
الوجه الثاني: ما أفاده المحقّق اليزدي رحمه الله(1)وهو أنّ الزيادة في الصَّلاة:
1 - إمّا أن تكون من قبيل الزيادة في العمر، فيكون المقدّر الذي جُعلت الصَّلاة ظرفاً له هو الصَّلاة، فينحصر المورد بما إذا كان الزائد مقداراً يطلق عليه الصَّلاة مستقلّاً كالركعة.
2 - وإمّا أنْ يكون المقدّر شيئاً من الصَّلاة، سواءٌ أكان ركعةً أم غيرها.
3 - وإمّا أنْ يكون مطلق الشيء.
لا يبعد ظهور اللّفظ في الأوّل، ولا أقلّ من الاحتمال، فالقدر المتيقّن من الحديث بطلان الصَّلاة بزيادة الرّكعة.
وفيه: إنّ مقتضى الإطلاق هو الثالث، وإنْ شئتَ قلت إنّ حذف المتعلّق يفيد العموم، فعدم التصريح بالزائد، يوجب إطلاق الخبر وإرادة كلّ زيادة.
ودعوى:(2)أنّ الأخذ بإطلاقه خلاف الإجماع - فلا يمكن.
مندفعة: بأنّه بواسطة الإجماع والروايات، يقيّد إطلاقه بالزيادة السَّهويّة في غير الأركان، ولا مانع من الأخذ بإطلاقه في غير هذا المورد.
ويمكن أن يستدلّ له: بمصحّح زرارة، عن أحدهما عليه السلام:
«لا تقرأ في المكتوبة بشيءٍ من العزائم، فإنّ السّجود زيادة في المكتوبة»(3).
إذ لو لم تكن الزيادة مطلقاً مبطلة، لما صحّ هذا التعليل، ألا ترى أنّه لو قال:
(الفقّاع خمرة استصغرها النّاس) في مقام بيان الحرمة، لما صحّ ذلك إذا لم يكن الخمر بنفسها حراماً.0.
والإيراد عليه: - كما عن المحقّق الهمداني(1)وتبعه غيره - بأنّ هذا التعليل لا يخلو من إجمال، لأنّ سجدة العزيمة ليست زيادة في الصَّلاة، لعدم قصد الجزئيّة بها.
مندفعٌ: بأنّ لسان هذا الحديث لسان الحكومة، ويدلّ على أنّ مطلق وجود السّجود زيادة، وإنْ لم يقصد به الجزئيّة.
وبذلك ظهر صحّة الاستدلال بالتعليل في الخبر الذي رواه الأعمش، عن جعفر بن محمّد عليه السلام، في حديث شرائع الدِّين: «ومن لم يقصّر في السّفر لم تجز صلاته، لأنّه زاد في فرض اللّه عزّ وجلّ»(2).
ودعوى:(3)حمله على إرادة الزيادة على ما افترضه اللّه سبحانه من الركعتين لا مطلق الزيادة.
مندفعة: بأنّ ذلك خلاف الإطلاق لا يُصار إليه.
فإنْ قلت: إنّه لو حُمل الخبر على مطلق الزيادة، لزم حمله على غير صورة السَّهو، كي يناسبه التعليل، وهو غير ممكن، وغير السّاهي إمّا عالمٌ أو جاهل، والجاهل معذورٌ في هذه المسألة، والعالم لا يزيد في صلاته إلّانادراً، فلابدَّ من حمل الخبر على الناسي الذي ستعرف أنّ مطلق الزيادة غير مبطلة بالنسبة إليه.
قلت: إنّ ما ذُكر إنّما هو في الحكم المُعلّل، والكلام انما هو في العلّة، وهي بالدلالة الالتزاميّة بالتقريب المتقدّم تدلّ على مبطليّة كلّ زيادة، ولا اختصاص لها بهذه المسألة، كي يقال إنّ الجاهل فيها معذور، بل هي بإطلاقها تدلّ على مبطليّة كلّ زيادة، خرج ما خرج، وبقي الباقي تحت العام، دون أن يتوجّه إليه محذور.2.
ودعوى: ضعف سنده مندفعة بانجباره بشهرة الحكم بين المتأخّرين.
واستدلّ له أيضاً: بقوله عليه السلام في خبر عبد اللّه بن محمّد:
«الطواف المفروض إذا زدت عليه مثل الصَّلاة المفروضة إذا زدت عليها، فعليك الإعادة»(1).
وتقريب الاستدلال به: إنّ ظهور هذا الخبر في إرادة إلحاقهما بشيءٍ من جنسهما، بما يزيد على الحَدّ الذي جَعله الشارع الأقدس لهما، وإنْ كان لا يُنكر، إلّاأنّه يشمل زيادة خطوة على الطواف، وقيامٍ بلا ركوع على الصَّلاة، ولا يختصّ بزيادة شوط وركعة، فيتمّ فيما عدا ذلك - أي الزيادة في الأثناء - بعدم القول بالفصل.
أقول: وهناك رواياتٌ اُخر استدلّ بها لهذا القول، ولكن تركنا التعرّض لذكرها لعدم تماميّة دلالتها.
فتحصّل: أنّ الأظهر مبطليّة كلّ زيادةٍ عمديّة للصَّلاة، وما يظهر من جماعةٍ منهم المصنّف رحمه الله(2)حيث اقتصر على بيان قدح زيادة الرّكوع، ولم يتعرّضوا لقدح كلّ زيادة، لعدم مبطليّة مطلق الزيادة العمديّة بحسب دعواهم، ضعيف.
***).
أمّا النّاسي: فإنْ تركَ ركناً، أتى به إنْ كان في محلّه، وإلّا أعاد.
المسألة الثالثة: ما ذكرناه في المسألة الاُولى من بطلان الصَّلاة بترك شيءٍ من أجزائها إنّما هو في حقّ العامد.
و (أمّا الناسي:
1 - فإنْ ترك ركناً، أتى به إنْ كان في محلّه) السَّهوي بلا كلام.
أمّا إذا لم يأتِ بشيء من الأجزاء فواضح.
وأمّا إذا أتى به لكنّه وقع على خلاف المأمور به، فإنّه يقع زائداً، فلابدّ من إتيان المنسيّ وما بعده، والزيادة التي هذه حالها لا تبطل كما ستعرف.
2 - (وإلّا) أي وإنْ تجاوز محلّه (أعاد)، وهذا من القضايا التي قياساتها معها، إذ المراد بالرّكن بطلان الفعل فيما ثبت نقصه ولو سهواً.
وعليه، فالمهمّ إنّما هو التكلّم في ذلك، وتعيين ما هو ركنٌ من أجزاء الصَّلاة.
فأقول: لا كلام فيما ورد فيه دليل خاص دالّ على ركنيّته بهذا المعنى، كتكبيرة الإحرام، والقيام المتّصل بالرّكوع، والرّكوع، والسَّجدتين، أمّا الأوّلان فلما تقدّم في بحث تكبيرة الإحرام والقيام من كتابنا هذا.
وأمّا الأخيران: فيشهد لبطلان الصَّلاة بالإخلال بهما سهواً:
1 - حديث (لا تُعاد الصَّلاة) الآتي.
2 - وجملة من النصوص الآتية، المتضمّنة أنّه إذا أخلَّ بالركوع حتّى سجد، أو أخلَّ بالسجدتين حتّى دخل في الرّكوع، بطلت صلاته. وسيأتي التعرّض للمسألتين مفصّلاً.
وأمّا النصوص التي يظهر منها شدّة الاهتمام بهما، وأنّهما معتبران في قوام ماهيّة الصَّلاة، كخبر الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«الصَّلاة ثلاثة أثلاث: ثلثٌ طهور، وثلثٌ ركوع، وثلثٌ سجود»(1).
ونحوه غيره، التي استدلّ بها المحقّق الهمداني رحمه الله(2)لذلك، فلا تدلّ عليه، لأنّها تدلّ على أخذ صِرْف وجود الرّكوع والسّجود في ماهيّة الصَّلاة، لا جميع الركوعات والسجدات، كي يتمّ الاستدلال بها، مع أنّه لا يستفاد منها أزيد من الجزئيّة، وهذا ممّا لا كلام فيه.
أقول: وبإزاء هذه الأدلّة جملةٌ من النصوص، وهي تدلّ على عدم بطلان الصَّلاة بالإخلال بهما:
منها: صحيح العيص بن القاسم، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«عن رجلٍ نسي ركعةً من صلاته حتّى فرغ منها، ثمّ ذكر أنّه لم يركع؟
قال عليه السلام: يقوم فيركع ويسجد سجدتي السَّهو»(3).
ومنها: خبر عمّار، عنه عليه السلام: «عن رجلٍ ينسى الرّكوع أو سجدة، هل عليه1.
سجدتا السَّهو؟ قال عليه السلام: لا، قد أتمَّ الصَّلاة»(1).
ونحوهما خبر حكم بن حكيم(2)، ورواية عبد اللّه بن سنان(3).
ولكن لإعراض الأصحاب عنها، لابدَّ من طرحها، وردّ علمها إلى أهله.
هذا كلّه فيما إذا تذكّر بعد الصَّلاة.
وأمّا إنْ تذكّر في الأثناء: فالكلام فيه يقع أوّلاً في الرّكوع، ثمّ في السَّجدتين.
أمّا الرّكوع: فالمشهور بين الأصحاب(4)بطلان الصَّلاة فيما إذا كان التذكّر بعد الدخول في السّجدة، واستدلّ له:
1 - بصحيح رفاعة، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجلٍ ينسى أن يركع حتّى يسجد ويقوم؟ قال عليه السلام: يستقبل»(5).
والظاهر من الاستقبال استقبال الصَّلاة من أوّلها لا من حيث أخلَّ بها، أي الرّكعة التي ترك ركوعها، كما أنّ الظاهر من القيام هو القيام من السّجدة، فيشمل القيام عن السّجدة الاُولى.
2 - وبموثّق إسحاق بن عمّار، عن الكاظم عليه السلام: «عن الرّجل ينسي أن يركع؟ قال عليه السلام: يستقبل حتّى يضع كلّ شيء من ذلك موضعه»(6).
3 - وبخبر أبي بصير، عن الإمام الباقر عليه السلام: «عن الرّجل ينسى أن يركع؟7.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/353 ح 54، وسائل الشيعة: ج 8/245 ح 10547.
2) تهذيب الأحكام: ج 2/150 ح 46، وسائل الشيعة: ج 8/200 ح 10419.
3) تهذيب الأحكام: ج 2/350 ح 38، وسائل الشيعة: ج 8/244 ح 10545.
4) مجمع الفائدة: ج 3/84، جامع الخلاف والوفاق ص 122، قوله: (دليل كلّ ذلك إجماع الإماميّة وطريقة الاحتياط)، جواهر الكلام: ج 12/243.
5) الكافي: ج 3/348 ح 2، وسائل الشيعة: ج 6/312 ح 8056.
6) تهذيب الأحكام: ج 2/149 ح 41، وسائل الشيعة: ج 6/313 ح 8057.
قال عليه السلام: عليه الإعادة»(1).
أقول: وفي المقام أقوالٌ اُخر:
أحدها: عدم بطلان الصَّلاة بتركه، بل يأتي به أينما تذكّر، ولو بعد السَّجدتين، من غير فرقٍ بين ما إذا كان ذلك في الرّكعة الاُولى أو الثانية، أو إحدى الأخيرتين، أسند هذا القول الشيخ رحمه الله إلى بعض أصحابنا(2)، وعن «المنتهى»(3)إسناده إلى الشيخ قدس سره.
ثانيها: عدم بطلانها إذا كان في غير الرّكعة الاُولى، وهو المنسوب لابن الجُنيد(4)وعلي بن بابويه(5).
ثالثها: عدم البطلان إذا كان في الأخيرتين من الرباعيّة، وهو المنسوب إلى الشيخ قدس سره(6).
واستدلّ للأوّل: بما عن الشيخ في «التهذيب» بإسناده عن محمّد بن مسلم، عن الباقر عليه السلام: «في رجلٍ شكَّ بعدما سجد أنّه لم يركع؟
قال: فإنْ استيقن فليلق السَّجدتين اللّتين لا ركعة لهما، فيبني على صلاته على التمام، فإنْ كان لم يستيقن إلّابعدما فرغ وانصرف، فليتمّ الصَّلاة بركعة وسجدتين ولا شيء عليه»(7).
ورواه الصدوق بطريق صحيح عنه عليه السلام، قال - بعد قول السائل إنّه لم يركع -:2.
«يمضي في صلاته حتّى يستيقن إنّه لم يركع، فإنْ استيقن إنّه لم يركع، فليلق السَّجدتين اللّتين لا ركوع لهما، ويبني على صلاته على التمام، فإنْ كان لم يستيقن إلّا بعدما فرغ وانصرف، فليقم وليصلِّ ركعةً وسجدتين ولا شيء عليه»(1).
وأُورد عليه تارةً: بمعارضته مع النصوص الآمرة بالإعادة، وعليه فيطرح، أو يُحمل على النافلة.
واُخرى: بما عن السيّد صاحب «الرياض»(2)بأنّه متضمّنٌ لأمرٍ لا يمكن للفقيه الالتزام به وهو أنّه لو استيقن بعد الصَّلاة ترك الرّكوع، عليه أن يُصلّي ركعةً مع سجدتين بعد الانصراف، وهذا ممّا لم يقل به أحد.
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلأنّ الجمع بين الطائفتين، يقتضي حمل الأمر بالاستئناف على الاستحباب.
اللّهُمَّ إلّاأنْ يُقال: إنّ قوله عليه السلام: (عليه الإعادة) في خبر أبي بصير، مع قوله عليه السلام في الصحيح: (ويبني على صلاته على التمام) بنظر العرف متنافيان لا يمكن الجمع بينهما.
وأمّا الثاني: فلأنّ القائل بالتلفيق مطلقاً يقول بذلك.
فالحقّ في الجواب أن يقال: إنّه لإعراض الأصحاب عنه، لا يُعتمد عليه، مضافاً إلى أنّ النصوص المتقدّمة المعارضة له لأشهريّتها تقدّم عليه كما قيل.
وأمّا الشيخ قدس سره(3)فقد استدلّ لما اختاره: بأنّه مقتضى الجمع بين صحيح ابنن.
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1/345 ح 1006.
2) رياض المسائل: ج 1/212 (ط. ق).
3) تهذيب الأحكام: ج 2/149، قوله: (هذه الأخبار كلّها محمولة على أنّه ينسى الرّكوع في الركعتين الأولتين، فإنّه يجب عليه استئناف الصَّلاة على كلّ حال إذا ذكر، فأمّا إذا كان النسيان في الركعتين الأخيرتين، وذكر وهو بعد في الصَّلاة فليلق السَّجدتين من الرّكعة التي نسي ركوعها ويتمّ الصَّلاة). ثمّ استدلّ بالروايتين.
مسلم وصحيح العيص المتقدّم، وبين النصوص الآمرة بالإعادة، فإنّه تُحمل تلك النصوص على الركعتين الأولتين، وهذان على الأخيرتين.
ووجه هذا الجمع بحسب الظاهر، هو ما دلَّ من الأخبار على أنّ السَّهو في الأخيرتين دون الأولتين.
أقول يرد عليه: إنّ هذا الجمع تبرّعيٌ لا شاهد له، فضلاً عمّا دلّ على أنّه لا سهو إلّافي الأخيرتين، مضافاً إلى أنّ المراد بالسهو فيه هو الشكّ، لا يصلح شاهداً للجمع، إلّاعلى القول بانقلاب النسبة الذي لا نقول به كما لا يخفى، مع أنّ الصحيحين غير معمول بهما، فلابدَّ من طرحهما.
وأمّا القول الوسط: فيشهد له ما في «الفقه الرضوي»(1):
«وإنْ نسيتَ الرّكوع بعدما سجدت من الرّكعة الاُولى، فأعد صلاتك، لأنّه إذا لم تصحّ لك الاُولى تصحّ صلاتك، وإنْ كان الرّكوع من الرّكعة الثانية أو الثالثة فاحذف السَّجدتين، واجعلها أعني الثالثة ثانيةً والرابعة ثالثة»(2).
ولكن يرد عليه: ما تقدّم منّا مراراً من عدم حجيّة الوارد في «الفقه الرضوي».
فتحصّل: أنّ ما هو المشهور بين الأصحاب هو الأظهر.
أقول: ثمّ إنّ في المقام نزاعاً آخر وهو أنّ تجاوز الرّكوع هل هو بالدخول في السّجدة الثانية، كما عن سيّد «المدارك»(3)، أم بالدخول في السّجدة الاُولى كما هو المشهور؟8.
مقتضى القاعدة وإنْ كان ما أفاده السيّد رحمه الله من أنّه إذ لم يدخل في السّجدة الثانية، لو رجع وأتى بالركوع، لا يلزم منه شيءٌ، إذ زيادة السّجدة الواحدة كزيادة القراءة لا تضرّ، إنْ لم تكن عن عمد كما ستعرف، إلّاأنّ مقتضى إطلاق النصوص المتقدمه المقيّد بما إذا لم يكن التذكّر قبل الدخول في السّجدة، هو القول الثاني، وبها يخرج عن القاعدة.
وقد استدلّ للأوّل: - مضافاً إلى من ما مرّ - بموثّق أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا ايقن الرّجل أنّه ترك ركعة من الصَّلاة، وقد سجد سجدتين، أو ترك الرّكوع، استانف الصَّلاة»(1).
بتقريب: إنّ الخبر بمفهومه يدلّ على أنّه إذا لم يتيقّن ترك الرّكوع بعد السَّجدتين، لا يجب الاستئناف، وإنْ تيقّن قبل السَّجدتين، وبه يقيّد إطلاق النصوص المتقدّمة.
أقول: وأجاب عنه صاحب «الجواهر» رحمه الله(2)بوجهين:
الوجه الأوّل: إنّ مطلقات الباب لا تقبل التقييد، وآبية عنه.
الوجه الثاني: إنّ الخبر لا مفهوم له، لأنّ توهّم المفهوم إمّا ناشٍ عن القيد - أعني قوله: (وقد سجد سجدتين) - أو من كلمة الشرط - أعني (إذا أيقن) - وشيءٌ منهما لا يصلح منشئاً له:
أمّا الأوّل: فلعدم حجيّة مفهموم القيد.
وأمّا الثاني: فلأنّ ما هو ذو حكم وهو المتيقّن، لم يدخل عليه أداة الشرط، وما2.
دخل عليه الأداة أعني اليقين لا حكم له.
ويرد على الوجه الأوّل: - مضافاً إلى عدم ظهور الوجه لهذه الدعوى - أنّ إطلاق الخبرين الأخيرين، قد قُيّد بما إذا نَسى الرّكوع وتذكّر قبل الدخول في السّجدة الاُولى قطعاً، وأيّ فرقٍ بين هذا التقييد بما إذ تذكّر قبل الدخول في الثانية.
وأمّا الثاني: فلأنّ اليقين مأخوذٌ على وجه الطريقيّة، وعليه فكأنّما المدخول هو المتيقّن نفسه.
فالحقّ في الجواب أن يُقال: إنّه لا مجال للاعتماد عليه لعدم إفتاء المشهور بما يقتضيه إطلاق مفهومه، لكن يبقى للتأمّل مجالٌ لاحتمال أن يكون عدم إفتائهم بما يقتضيه الإطلاق، من جهة ما ذكره صاحب «الجواهر» رحمه الله أو غير ذلك، فالإعراض غير ثابت، والاحتياط سبيل النجاة.
وأمّا السجدتان: فإنْ تذكّر في الأثناء أنّه لم يأتِ بهما، فالمشهور(1)أنّه إن دَخل في الرّكوع، وتذكّر، أعاد صلاته، والظاهر وجود الأقوال الثلاثة المتقدّمة في المسألة السابقة في هذه المسألة. وكيف كان، فقد استدلّ للمشهور بوجوه:
الوجه الأوّل: خبر البزنطي: «سألتُ أبا الحسن عليه السلام عن رجلٍ يُصلّي ركعتين، ثمّ ذكر في الثانية وهو راكع أنّه ترك سجدةً في الاُولى؟
قال: كان أبو الحسن عليه السلام يقول: إذا ترك السّجدة في الرّكعة الاُولى، فلم يدر أواحدة أو اثنتين، استقبلتَ حتّى يصحّ لك ثنتان، وإذا كان في الثالثة والرابعة تركتَ سجدة بعد أنْ تكون قد حفظت الرّكوع، أعدت السّجود»(2).
بتقريب: أنّه يدلّ على بطلان الصَّلاة مع الشكّ في كون المتروك سجدة أو سجدتين، فمع العلم بكون المنسيّ اثنتين، فإنّ البطلان أولى.
وفيه: مع اختصاصه بالركعة الاُولى، أنّه مع الشكّ المزبور يُحتمل كون الرّكوع صحيحاً، إذ لو كان المنسيّ سجدة واحدة، كان الرّكوع صحيحاً، فلا يمكن إحراز صحّة الصَّلاة بالعود وإتيان السَّجدة، لإحتمال زيادة الرّكوع، وهذا بخلاف ما لو علم بأنّ المنسيّ اثنتان، فإنّ الرّكوع ليس بصحيحٍ قطعاً، أضف إليه أنّه مع العود في صورة الشكّ، إنْ أتى بواحدة، يُحتمل النقص، وإنْ أتى بثنتين يحتمل الزيادة، فلا أولويّة.
الوجه الثاني: النصوص(1)المستفيضة الدالّة على أنّ: (ناسي السَّجدة الواحدة إذا تذكّر في الرّكوع يقضيها)، وفي التعليل بذلك، فإذا كان محلّ تدارك السّجدة ماضياً بالدخول في الرّكوع، فمع كون المنسيّ ثنتين، لا مناص عن البناء على البطلان، لنقص الصَّلاة من السَّجدتين.
وفيه: إنّ مضيّ محلّ التدارك لو كانت واحدة، لعلّه من جهة كون الرّكوع صحيحاً، وأمّا في المقام فالركوع زائدٌ وباطلٌ قطعاً.
الوجه الثالث: ما دلَّ من الإجماع والنصّ - ومنه حديث (لا تُعاد)(2)- على بطلان الصَّلاة بزيادة الرّكوع، وعليه فإنْ مضى ناسي السَّجدتين في صلاته، بطلت لنقص صلاته من السَّجدتين، وإنْ عاد وأتى بهما ولم يأت بالركوع، نقصت صلاته من الرّكوع، ولزم خلاف الترتيب، وإنْ أتى به أيضاً فقد زاد ركوعاً.
وفيه: ما سيأتي من أنّ تلك النصوص لا تشمل مثل هذه الزيادة الناشئة من رفع اليد عن الجزء المأتي به فاسداً.
الوجه الرابع: خبر مُعلّى بن خُنَيس، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام:
«في الرّجل يَنسى السّجدة من صلاته؟
قال عليه السلام: إذا ذَكرها قبل ركوعه سَجَدها، وبنى على صلاته، ثمّ سَجَد سجدتي السَّهو بعد انصرافه، وإنْ ذكرها بعد ركوعه أعاد الصَّلاة، ونسيان السّجدة في الأولتين والأخيرتين سواء»(3).7.
ومقتضى إطلاق الخبر وإنْ كان بطلان الصَّلاة بترك سجدةٍ واحدة، إلّاأنّه من جهة المستفيضة الدالّة على أنّه: (لا تُعاد الصَّلاة من سجدة واحدة) يُحمل الخبر على إرادة الجنس من السّجدة، فيقيّد إطلاقه بها، أو على أنّه اُطلقت على السَّجدتين باعتبار أنّهما معاً جزء واحد.
وأورد عليه تارةً: بضعف مُعلّى(1).
واُخرى: بمعارضته بخبر عبد اللّه بن سنان(2): «إنْ نسيتَ شيئاً من الصَّلاة، ركوعاً أو سجوداً أو تكبيراً، ثمّ ذكرت، فاصنع الذي فاتك سواء»(3).
وقد استدلّ به كلٌّ من القائلين بعدم البطلان مطلقاً، والقائلين باختصاصه بالأوليين، وقد مرَّ تقريب استدلالهما به وبما شاكله.
أقول: الأظهر أنّ المُعلّى ثقة، ويُعتمد على روايته، لتصريح جمعٍ من أئمّة الرِّجال بذلك، ولورود رواياتٍ في مدحه، والنسبة بين الخبرين عموم مطلق، فيقيّد إطلاق خبر ابن سنان بخبر مُعلّى.
ولكن يرد عليه: إنّه مرسل، لأنّ علي بن إسماعيل يرويه عن رجلٍ عن مُعلّى.
فالصحيح أنْ يستدلّ له بما سيأتي من مبطليّة زيادة الرّكوع مطلقاً، ونقص السَّجدتين، وفي هذه الصَّلاة الأمر يدور بينهما، فيُعلم تفصيلاً بالبطلان. هذا كلّه فيما ثبتت ركنيّته.
أقول: وأمّا ما لم تثبت ركنيّته ولا عدمها بالدليل، وإنّما ثبتت جزئيّته أو5.
شرطيّته للصَّلاة، وشكّ في أنّه هل تبطل الصَّلاة بفقدانه في حال النسيان أم لا؟
فتنقيح القول فيه يقتضي التكلّم في مقامات:
1 - فيما يقتضيه الأصل اللّفظي.
2 - فيما يقتضيه الأصل العملي.
3 - فيما تقتضيه القاعدة الثانويّة في خصوص الصَّلاة.
وقبل الشروع بالبحث فيها، لابدَّ من تقديم مقدّمة، وهي: هل يصحّ تكليف الناسي بغير ما نسيه من الأجزاء والشرائط أم لا؟
ذهب جماعةٌ منهم الشيخ الأعظم رحمه الله(1)إلى عدم إمكانه واستحالته، من جهة عدم إمكان فعليّة ذلك الحكم، فإنّه:
إنْ لم يلتفت إلى نسيانه، لا يمكن انبعاثه عنه، وإذا لم يمكن ذلك، لما أمكن بعثه نحوه.
وإنْ التفت إليه انقلب إلى الذّاكر، فلا يصبح الحكم الثابت للناسي فعليّاً في حقّه على كلّ تقدير، وإذا امتنع ذلك امتنع الجعل.
واُجيب عنه: بوجوه أمتنها ما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله(2)، وهو: إنّه يمكن ذلك بأن يوجّه التكليف بعدّة من الأجزاء إلى عامّة المكلّفين، وبالنسبة إلى بقيّة الأجزاء والشرائط يوجّه الأمر بكلّ واحدٍ منها إلى خصوص الذاكرين، فتختصّ
جزئيّته أو شرطيّته بحال الذّكر، ولا يعمّ حال النسيان.
وأورد عليه تارةً: بأنّه لا تعيّن للمنسيّ حتّى يؤمر بما عداه مطلقاً، وبه مقيّداً بالالتفات، فلابدّ من الالتزام بتعدّد البعث بعدد ما يتصوّر من أنحاء نسيان الجزء، إطلاقاً وتقييداً.
واُخرى: بأنّ الناسي لعدم توجّهه إلى كونه ناسياً، يقصد الأمر المتوجّه إلى الذاكرين، فما قصده لا واقع له، وما له واقعٌ لم يقصده.
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلأنّه لا محذور في أن يكون التكليف بغير ما يتقوّم به العمل مقيّداً بالالتفات.
وأمّا الثاني: فلأنّ الناسي وإنْ كان يعتقد ممّاثلة أمره لأمر الذاكرين، ولكنّه لأجل قصده امتثال الأمر الفعلي المتوجّه إليه، ووجود أمر فعلي كذلك، لا يضرّ ذلك بصحّة عمله، بل يكون من قبيل الخطأ في التطبيق.
وأمّا الأجوبة الاُخر، فبيانها موكولٌ إلى محلّها في الاُصول.(1)
إذا عرفت هذه المقدّمة فيقع الكلام في المقامات الثلاثة:
أمّا المقام الأوّل: فملخّص القول فيه إنّه إنْ كان لدليل الجزئيّة أو الشرطيّة إطلاق يشمل حال النسيان، فيؤخذ به، ويُحكم بالجزئيّة أو الشرطيّة المطلقة، سواءٌ كان لدليل الواجب إطلاقٌ أم لا:
أمّا على الثاني: فواضحٌ.
1) زبدة الاصول: ج 5/97.
وأمّا على الأوّل: فلتقدّم إطلاق المقيّد على إطلاق دليل المطلق، ومعه لا شكّ في الاعتبار كي يرجع إلى البراءة، ولازم الإطلاق المزبور ليس ثبوت الأمر بما هو مركّبٌ من المنسيّ في حال النسيان، كي يقال إنّه مستحيلٌ عقلاً، بل حيث إنّ لازم معنى ثبوت الجزئيّة أو الشرطيّة في جميع الأزمنة والآنات التي أمر فيها بالمركّب، هو سقوط الأمر عند نسيان الجزء أو الشرط، يصبح الفاقد فاسداً.
أقول: ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرناه بين أنْ يكون الدليل المُثبِت للجزئيّة أو الشرطيّة بلسان الأمر به، أو بغير ذلك، إذ الأوامر المتعلّقة بالأجزاء والشرائط ليست أوامر بعثيّة، حتّى يُقال إنّها مقيّدة بحال الذّكر عقلاً لاشتراط التكليف بها، بل تكون إرشاداً إلى الجزئيّة أو الشرطيّة.
فإنْ قلت: إنّ ما ذكر يتمّ لولا حديث رفع النسيان(1)، وإلّا فهو من جهة كون الرفع بالإضافة الى غير ما لا يعلمون رفعاً واقعيّاً، يكون حاكماً على إطلاقات الأدلّة المثبته للأحكام في ظرف النسيان، وموجباً لإلغاء الجزئيّة والشرطيّة، وبه يثبت صحّة المأتي به ومطابقته للمأمور به.
قلت: إنّ حديث رفع النسيان، لا يصلح إلّالرفع الأمر من المنسيّ، وحيث إنّه ضمنيّ فلا يمكن رفعه إلّابرفع الأمر بالمركّب منه ومن غيره، ولا يصلح لإثبات الأمر بغير المنسيّ، مضافاً إلى أنّ نسيان جزءٍ أو شرط في فردٍ من الواجب، ليس مورداً لحديث الرفع، إذ ما تعلّق به النسيان حينئذٍ غير ما هو متعلّق الأمر، فإنّ متعلّق الأمر هو الجامع والطبيعي، والمفروض إنّه لم يطرأ عليه النسيان، وما طرأ عليه ذلك وهو الفرد، ليس متعلّقاً للأمر، ومعلوم أنّ الحديث إنّما يرفع الحكم إذا9.
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1/59 ح 132، وسائل الشيعة: ج 8/249 ح 10559.
كان متعلّق النسيان والحكم شيئاً واحداً.
فتحصّل: إنّه لا يمكن من خلال حديث الرفع إثبات وجوب بقيّة الأجزاء غير المنسيّ. نعم في خصوص الصَّلاة إذا كان النسيان مستوعباً للوقت، يثبت ذلك بعدما نرفع بالحديث الأمر بالمركّب من المنسيّ وغيره بما دلَّ على أنّ الصَّلاة لا تسقط بحال.
وإنْ لم يكن لدليل الجزيئة أو الشرطيّة إطلاقٌ، وكان لدليل الواجب إطلاقٌ فيؤخذ به، ويُحكم بعدم كون المنسيّ جزءً أو شرطاً في حال النسيان، اقتصاراً في تقييد إطلاق دليل الواجب بخصوص حال الذّكر.
وإنْ لم يكن لدليل الواجب أيضاً إطلاق، فلابدَّ من الرجوع إلى ما يقتضيه الأصل العملي، وهو المقام الثاني من البحث.
التزم المحقّق الخراساني رحمه الله(1)بجريان البراءة عن جزيئة المنسيّ أو شرطيّته، وإثبات صحّة المأتي به.
أقول: الحقّ هو التفصيل بين موارد التكاليف الانحلاليّة، وبين موارد التكاليف المتعلّقة بصِرْف وجود الطبيعة.
أمّا في المورد الأوّل: فمقتضى حديث الرفع عدم الأمر بشيء، وذلك لأنّه إذا أمر المولى عبده بالوقوف في محلّ خاص من أوّل طلوع الشّمس الى الزّوال، ونسى
1) كفاية الاُصول: ص 368، الثاني: (إنّه لا يخفى أنّ الأصل فيما إذا شكّ في جزئيّة شيء أو شرطيّته في حال نسيانه عقلاً ونقلاً ما ذكر في الشكّ في أصل الجزئيّة.. الخ).
العبد الوقوف في ساعةٍ منه، وشكّ في أنّ جزئيّة الوقوف في هذه الساعة، هل هي مطلقة، ليسقط الأمر بالوقوف في الساعات المتأخّرة، أم مختصّة بحال الذُكر، ليكون الأمر به باقياً؟
فالشكّ فيه يرجع إلى الشكّ في التكليف بالإتيان بغير المنسيّ، فتجري فيه البراءة، ممّا يقتضي عدم وجوب الإتيان بغير المنسيّ عليه.
وأمّا في المورد الثاني: كما لو نسى الإتيان بجزءٍ من الصَّلاة المأمور بها في فردٍ منها، فحيث أنّ التكليف بأصل طبيعي الصَّلاة الواقعة في جزءٍ من الوقت المقرّر لها معلومٌ، والشكّ في إطلاق الجزئيّة يرجع إلى جواز الاكتفاء بالمأتيّ به وعدمه، وحينئذٍ:
فبناءً على استحالة توجّه الخطاب إلى الناسي، فالمأتي به غير مأمورٍ به قطعاً، فالشكّ في جواز الإجتزاء وعدمه ناشٍ عن الشكّ في وفائه بالغرض، فلا مناص عن الرجوع الى قاعدة الاشتغال، والنتيجة هي لزوم الإعادة.
وأمّا بناءً على إمكانه كما عرفت، فيكون المقام من موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، للعلم بتعلّق التكليف بالصلاة مثلاً، والعلم بجزئيّة السّورة مثلاً في حال الذكر، والشكّ في جزئيّتها في حال النسيان، فيصبح الواجبُ مردّداً بين أنْ يكون خصوص الصَّلاة المشتملة على السّورة أو الجامع بينها، وبين الفاقدة لها في حال النسيان، فالأمر يؤول إلى العلم بالقدر الجامع، والشكّ في اعتبار السّورة على الإطلاق، والمرجع إلى البراءة بناءً على جريانها في موارد دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، كما هو الحقّ، وهي تقتضي الحكم بعدم جزئيّة المنسيّ، ومطابقة المأتي به للمأمور به.
وأمّا المقام الثالث: فقد وردت نصوص في باب الصَّلاة تدلّ على صحّة الصَّلاة إذا أخلَّ بجملةٍ من الأجزاء والشرائط نسياناً، وعمدة تلك النصوص، صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام، وحيث إنّ هذا الحديث الشريف هو الأصل في هذا الباب، ومتضمّنٌ لحكم جملةٍ من الفروع، فلابدّ لنا من نقله، ثمّ التكلّم عن دلالته كي يتّضح سعة ما يستفاد منه.
أقول: روى المشائخ الثلاثة بأسانيدهم إلى زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام، أنّه قال: «لا تُعاد الصَّلاة إلّامن خمس: الطهور، والوقت، والقبلة، والرّكوع، والسّجود، ثم قال: القراءة سُنّة، والتشهّد سُنّة، ولا تنقضُ السُنّةُ الفريضة»(1).
أمّا من حيث السند: فإنّ الخبر صحيحٌ معتمدٌ عليه عند الأصحاب، فلا إشكال فيه.
وأمّا من حيث الدلالة: فالكلام فيه يقع في جهات:
الجهة الاُولى: قد يتوهّم كون الحديث وارداً في مقام بيان ماهيّة الصَّلاة وما يعتبر فيها، ويدلّ على أنّه لا يعتبر فيها سوى الخمسة المذكورة، فكلّما ثبت اعتباره بدليلٍ آخر، يكون خارجاً عنه بالتخصيص، ولو شكّ في اعتبار شيء فيه، فإنّ مقتضى إطلاق الحديث هو العدم، وعليه:
فيكون معناه المطابقي أنّ الصَّلاة لا تُعاد من ناحية الإخلال بما يتوهّم اعتباره فيها، إلّامن هذه الاُمور الخمسة.
ومدلوله الالتزامي أنّ ما توهّم اعتباره فيها، ولاجله يتوهّم لزوم الإعادة عند الإخلال به، لا يكون معتبراً سوى الخمسة المذكورة.
وأجاب عنه بعض الأكابر: بأنّ الصحيح آبٍ عن التخصيص، لوروده مورد التحديد، والحمل على المعنى المزبور، موجبٌ لورود التخصيص عليه، مع أنّ لازمه تخصيص الأكثر، إذ ما ثبت من الأجزاء والشرائط للصَّلاة أكثر بمراتب ممّا ورد ذكره في الحديث.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/152 ح 55، وسائل الشيعة: ج 7/234 ح 9204.
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلأنّه مع ورود الحديث مورد بيان أجزاء المأمور به وشرائطه، لايكون آبياً عن التخصيص.
وأمّا الثاني: فلأنّ الحديث متضمّنٌ لجملتين:
الاُولى: عدم لزوم الإعادة من ناحية غير الخمسة.
الثانية: لزومها من ناحيتها.
وما دلَّ على اعتبار شيء آخر فيها غير الخمسة المذكورة، إنّما يكون مخصّصاً للأُولى دون الثانية، فلا يلزم تخصيص الأكثر.
فالصحيح أن يورد عليه: بأنّ الحديث إنّما يدلّ على عدم لزوم الإعادة، فالمفروض في موضوعه الإتيان بالمأمور به، المتوقّف على ثبوت أصل ماهيّة الصَّلاة بحسب الجعل من ناحية الشارع، فهو في مقام بيان ما يكون متأخّراً عن ماهيّة الصَّلاة بحسب الجعل بمرتبتين، فكيف يمكن الالتزام بكونه وارداً في مقام بيانها.
فإذاً لا محيص عن حمل الحديث على ما فهمه الأصحاب، ويكون ظاهراً فيه، وهو إرادة بيان حكم الإخلال بما ثبت اعتباره فيها.
الجهة الثانية: نُسب إلى المشهور(1)اختصاص الخبر بما عدا العامد، وأنّه لا يشمل العامد مطلقاً.
1) خصّص الخبر بما عدا العامد (أو النقيصة السَّهويّة) كما عبّر غير واحدٍ من الأعلام؛ منهم المحقّق النائيني في فوائد الاُصول: ج 4/239.
وعن جماعة منهم سيّد «المدارك»(1)، والمحقّق الميرزا محمّد تقي الشيرازي(2):
شموله للعامد سواءً أكان عالماً أم جاهلاً، غاية الأمر أنّ العالم خارج بالإجماع.
وعن الشيخ الأعظم(3)
(4و5) راجع المصدر السابق.
: عدم شموله للعالم بالحكم، والجاهل به عن تقصير، وشموله للجاهل به عن قصور.أقول: الأقوىعدم شموله للعالم والجاهل المحتمل، لعدم انطباق المأمور به علىالمأتيّ به، وشموله لما عداهما من الناسي والجاهل بالحكم عن قصورٍ، والجاهل بالموضوع.
والكلام في هذه الجهة يقع في موارد:
المورد الأوّل: في شموله للعامد وعدمه:
استدلّ الشيخ الأعظم رحمه الله(4) لعدم الشمول: بأنّه منافٍ مع ما يحكم به العقل من لزوم الامتثال، بل تصوّر كون الشيء معتبراً في الواجب، يوجب القطع بأنّ الإخلال به عمداً موجبٌ للبطلان، بلا احتياج إلى الاستدلال وترتيب القياس.
ثمّ قال: ومنه يظهر ما في كلمات جماعةٍ منهم السيّد في «المدارك»(5) من الاستدلال بالإجماع، لأنّ المسألة غير متعلّقة بالشارع، فلا تكون محلّاً للإجماع الذي هو كاشفٌ عن الحجّة الشرعيّة.
أقول: ذكر بعض المحقّقين رحمه الله(4)هذا الوجه ببيان آخر، وحاصله:
إنّه يلزم من شموله للعالم الخُلف، لأنّ عدم لزوم الإعادة مع الإخلال مطلقاً
حتّى في حال العمد خُلفٌ، ومنافٍ مع فرض اعتباره في الصَّلاة الذي هو مفروغٌ عنه، لأنّ لازمه لزوم الامتثال، المستلزم للزوم الإعادة عند الإخلال به في الجملة، ولو عند الإخلال العمدي به.
وأورد عليه المحقّق الشيرازي رحمه الله(1)أوّلاً: بالنقض ببعض أفعال الحجّ، حيث إنّهم يفتون بصحّته مع ترك بعض أجزائه الواجبة غير الركنيّة عمداً.
وثانياً: بالحَلّ وهو أنّه يمكن تصوير ذلك بالالتزام بأمرين:
أحدهما: متعلّقٌ بالخمسة المذكورة في الحديث وغيرها ممّا ثبت ركنيّته، كالتكبير ونحوه.
ثانيهما: متعلّقٌ بتلك الأجزاء أيضاً، والأجزاء الاُخر المفروض وجوبها.
وعليه، فهناك أمران: أمرٌ بالبعض، وأمرٌ آخر بالكلّ المشتمل على تلك الأجزاء وغيرها، نظير ما لو نذر الإتيان بالصلاة المشتملة على الأجزاء المستحبّة، فإنّ الأمر الصلاتي الوجوبي متعلّقٌ بأصل الصَّلاة، والأمر النذري متعلّقٌ بها وبغيرها من الأجزاء المستحبّة، فلو أتى بالصلاة مع الإخلال ببعض ما يعتبر في الأمر الثاني عمداً، سقط كلا الأمرين:
أمّا الأمر الأوّل: فلإتيان متعلّقة.
وأمّا الأمر الثاني: فلعدم القدرة على امتثاله، لعدم بقاء مورد له بعد سقوط الأمر الأوّل، لفرض أنّ مورده عين مورد الأوّل مع زيادات من الأجزاء والشرائط عليه، فبعد سقوطالأمر الأوّل لا يبقى موردٌ للأمرالثاني، لانتفاء الكلّ بانتفاء الجزء.
ومع ذلك يكون عاصياً بالنسبة إلى الأمر الثاني، ومطيعاً بالنسبة إلى الأوّل،2.
1) نقل كلامه البجنوردي في القواعد الفقهيّة: ج 1/80-82.
نظير ما إذا ترك بعض الأجزاء المستحبّة في الفرض، فإنّه يسقط كلا الأمرين، وهما الأمر بالصلاة والأمر النذري المتعلّق بها، المشتملة على الأجزاء الندبيّة، ويكون عاصياً بالنسبة إلى الأمر النذري، مطيعاً بالنسبة إلى الأمر الصلاتي.
فتحصّل: أنّه لا منافاة بين وجوب اُمورٍ في الصَّلاة غير الخمسة المستثناة، وعدم وجوب الإعادة بتركها في الصَّلاة عمداً.
وفيه: إنّ ما ذكره قدس سره وإنْ كان دقيقاً، ولكن يرد عليه ما أشار إليه هو قدس سره، من أنّ ما ذكر لا يرفع المنافاة بما للحديث من الظهور، وهو تماميّة الصَّلاة وحصول الغرض كما لا يخفى، مع أنّه منافٍ لظهور جميع أدلّة الاُمور المعتبرة في الصَّلاة، كقوله عليه السلام: «لا صلاة إلّابفاتحة الكتاب» وغيره، فإنّ الظاهر منها كون المأمور به شيئاً واحداً، وهذه الاُمور معتبرة فيه، ولازم ذلك عدم الصحّة، ولزوم الإعادة مع الإخلال بشيء منها عمداً، فتدبّر.
أقول: ويشهد لعدم شموله للعالم - مضافاً إلى ذلك - أنّ ظاهر الصحيح هو نفي الإعادة على من كانت الإعادة لازمة عليه، مع عدم الدليل من جهة انكشاف الخلاف المتأخّر، بحيث لولاه لما كان يُعيد صلاته، ولا شبهة في أنّه على هذا لا يشمل العالم، كما لا يخفى.
وأمّا ما استدلّ به بعض المحقّقين رحمه الله(1): من أنّ نفي الإعادة إنّما يصحّ في موردٍ أمكن فيه الأمر بالإعادة، وهو إنّما يصحّ فيما إذا لم يكن الأمر الأوّل باقياً، وإلّا فلكونه كافياً في المحرّكيّة والباعثيّة لا يحتاج إلى الأمر بالإعادة بل لا يصحّ الأمر بها، للزوم اجتماع المثلين.7.
1) حكاه المحقّق الخوئي قدس سره عن المحقّق النائيني في كتاب الصَّلاة ج 12 من موسوعة الإمام الخوئي (ط. ج) ص 207.
وعليه، فيختصّ الحديث بصورة النسيان والاضطرار، ولا يشمل صورة العلم، لأنّ الأمر بالإعادة لا يصحّ فيها.
فغير سديد: لأنّ مورد نفي الإعادة، وإنْ كان فيما إذا أمكن الأمر بالإعادة، ولكن لا ينحصر بما إذا أمكن الأمر بها مولويّاً نفسيّاً، بل يصحّ فيما إذا أمكن الأمر بها ولو إرشاداً إلى بقاء الأمر الأوّل، كما هو الشأن في أغلب موارد الأمر بالإعادة.
بل الظاهر من الحديث - من جهة وروده في مقام بيان سقوط الأمر - اختصاصه بما إذا صحّ الأمر بها إرشاديّاً، كما لايخفى، وعليه فيشمل الحديث صورة العلم، لولا ما ذكرناه.
المورد الثاني: البحث عن شمول الحديث للجاهل المقصّر وعدمه:
فعن الشيخ الأعظم رحمه الله الاستدلال للعدم: بأنّ الصحيح مسوقٌ لبيان حكم من له أمرٌ واقعاً، فيدلّ على أنّه مكلّفٌ في زمان المعذوريّة بالناقص، وحيث أنّ المقصّر يرتفع عنه الخطاب واقعاً بمعصيته، وإلّا لما استحقّ العقاب ولما كان مقصّراً، فلا يشمله الصحيح.
ولا يقاس المقام بالجاهل المقصّر في مسألة الجهر والإخفات، فإنّه في تلك المسألة يكون ما دلَّ على معذوريّة الجاهل، كاشفاً عن حدوث خطابٍ جديد بعد ارتفاع الخطاب الأوّل، وهذا بخلاف المقام، حيث لا كاشف عن حدوث خطابٍ آخر.
وفيه أوّلاً: إنّ الحديث يدلّ على الاجتزاء بالناقص، لا على أنّه مأمورٌ به،
كما ستعرف.
وثانياً: إنّه لو سُلّم دلالته على الأمر به، فحيثُ أنّ إطلاقه يشمل الجاهل المقصّر كما هو المفروض، فيدلّ على أنّ الأمر بالناقص متوجّهٌ إليه كغيره.
وبالجملة: ثبت بما ذكر أنّ استحقاق الجاهل المقصّر للعقاب، وسقوط التكليف بالتامّ عنه بالعصيان، غير مربوطين بما هو مفاد الحديث من صحّة الفاقد ولا منافيين لها.
أقول: من ما ذكرناه في المورد الأوّل، ظهر أنّ مااستدلّ به بعض المحقّقين لعدم شموله، من أنّ مورد نفي الإعادة هو ما إذا صحّ الأمر بها، المختصّ بما إذا لم يكن الأمر الأوّل باقياً، فلا يشمل الجاهل، غير تامّ.
فالصحيح أنْ يستدلّ له: بأنّ الظاهر من الحديث وروده في مقام بيان نفي الإعادة، فيما إذا ترك الأجزاء غير الركنيّة عن عُذر، لا فيما إذا ترك ما كان التكليف المتعلّق به منجّزاً غير معذورٍ في مخالفته، وعليه فلا يشمل المقصّر مطلقاً.
ويشهد لعدم شموله للمقصّر المحتمل، لعدم انطباق المأتي به على المأمور به: ما ذكرناه في وجه عدم شموله للعامد، من أنّ ظاهر الصحيح عدم لزوم الإعادة على من كانت الإعادة لازمة عليه، لولا الدليل، من جهة انكشاف الخلاف، بحيث لولاه لما كان يُعيد الصَّلاة.
ثمّ إنّه عليفرض الشمول، لابدّ من تقييده بالإجماع، على أنّ حكمه حكم العالم.
فتحصّل: أنّ الأقوى اختصاص الحديث بغير الجاهل المقصّر.
المورد الثالث: في شمول الحديث للجاهل القاصر وعدمه:
فقد استدلّ للثاني بوجهين:
الوجه الأوّل: ما تقدّم من بعض المحقّقين(1)من أنّ مورد الحديث ما إذا صَحّ الأمر بالصلاة الواجدة للمتروك، وهو إنّما يكون فيما إذا لم يكن الأمر الأوّل باقياً، فلايشمل الجاهل.
وفيه: ما عرفت في الموردين الأولين، فلا نُعيد.
الوجه الثاني: ما ذكره بعض المحقّقين رحمه الله(2)في كتاب صلاته وحاصله: إنّ ظاهر الصحيحة، الحكم بالصحّة الواقعيّة، ومقتضاها عدم كون المتروك جزءً أو شرطاً، ولا يعقل أن يقيّد الجزئيّة والشرطيّة بالعلم بهما، بحيث لو صار عالماً بعدمهما بالجهل المركّب، لمّا كان الجزء جزءً والشرط شرطاً إلّاعلى نحو التصويب الُمجمَع على بطلانه.
وفيه: إنّ الظاهر من الحديث - على ما عرفت - ليس عدم كون التامّ هو المأمور به الواقعي، بل غاية ما يدلّ عليه الحديث، هو أنّ ترك غير الخمسة المذكورة فيها، لا يكون موجباً للإعادة، وإنْ كان حين العمل مأموراً بإتيان التامّ، مع أنّه لا ريب في أنّ الجاهل معذورٌ في مسألتي الجهر والإخفات والقصر والإتمام، وهو قدس سره ملتزمٌ بذلك، فكما أنّه في تلك المسألتين لا يلزم التصويب الُمجمَع على بطلانه، فكذلك في المقام.
فتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ الأظهر شمول الحديث للجاهل القاصر، سواءٌ أكان الجهل جهلاً بالحكم أو الموضوع.
الجهة الثالثة: يدور البحث فيها عن شمول الحديث للزيادة وعدمه:
ربما يقال: - كما عن بعض أجلّة عصرنا(1)- إنّ الظاهر من الحديث بقرينة استثناء الخمسة المذكورة فيه، أنّه لا تُعاد الصَّلاة من قِبل نقصِ كلّ جزءٍ وجودي من أجزائها إلّاالخمسة، فلا يدلّ على أنّ نقص الجزء العَدَمي، سواءٌ أكان عدم زيادة الجزء أو غيره موجباً للإعادة.
وفيه: إنّ كون المستثنى من الوجوديّات، لا يوجبُ أنْ يكون المستثنى منه أيضاً كذلك، مع كونه في نفسه ظاهراً في الأعمّ منها، من جهة أنّ الصَّلاة مركّبةٌ من الأجزاء الوجوديّة والعَدَميّة، وهي المأخوذة في لسان الدليل، وهي التي استند (لا تُعاد) إليها مع حذف المتعلّق الذي هو دليل العموم، ألا ترى أنّه لو قال المولى:
(أكرم العلماء إلّازيداً)، وكان زيدٌ من الاُصوليين، لا يتوهّم أحدٌ اختصاص الخطاب في المستثنى منه أيضاً بالاُصوليين.
أقول: وفي مقابل هذا القول اُدّعي أنّ الظاهر من الحديث يدلّ على أنّه لا تُعاد الصَّلاة بسبب نقص جزءٍ أو شرطٍ أو زيادة شيء منهما إلّاالخمسة.
ويرد عليه: ما ذكره بعض مشايخنا قدس سره(2)من أنّه دليلٌ أوّلاً على تقدير الزيادة
والنقص بعنوانهما، فلا يصحّ تعلّقهما ثانياً بالخمسة، إذ لا يتصوّر الزيادة في غير الرّكوع والسّجود منها، وجعل الزيادة باعتبار المجموع لا يصحّ، لأنّ المستثنى كلّ واحدٍ من الخمسة، فلم يبق من محتملات الحديث إلّاإثنان:
أحدهما: أنّه لا تُعاد الصَّلاة من قِبل نقص كلّ جزءٍ من أجزائها، أعمٌّ من الوجودي والعدمي، كعدم الزيادة المأخوذ شرطاً في الصَّلاة.
ثانيهما: أنّه لا تُعاد الصَّلاة بسبب الخَلل من ناحية الأجزاء إلّابالخلل مِن قِبل الخمسة.
والفرق بين الاحتمالين: أنّه على الأوّل يدلّ على أنّ نقص الجزء العدمي، سواءٌ أكان عدم زيادة الرّكن أو غيره، لا يوجب الإعادة، لأنّ المستثنى نقصُ الخمسة، والزيادة حينئذٍ نقصٌ في الصَّلاة، لمكان اعتبار عدمها فيها، لأنّها نقص في الرّكوع.
وعلى الثاني: يدلّ على أنّ الخَلل من ناحية الرّكوع والسّجود وغيرهما من الخمسة، يوجب الإعادة دون غيرها، سواءٌ أكان من جهة زيادتهما إذا أُخذ عدمها شرطاً في الصَّلاة، أو كان من جهة نقصهما، فزيادة الرّكوع أو السّجود موجبة للإعادة أيضاً.
أقول: ولا يبعد دعوى أرجحيّة الأوّل كما ادّعاها بعض مشايخنا قدس سره، لزيادة عنايةٍ في الثاني، باعتبار الخَلل الصادق على الزيادة والنقيصة، بخلاف اعتبار النقص، فإنّ المركّب المطلوب إيجاده يُعاد من قبل تركه، لا من قبل وجوده، فهو لا يحتاج إلى عنايةٍ زائدة على ترك ما يجبُ تحصيله.
وإنْ أبيتَ عمّا ذكرناه، فلا أقلّ من الإجمال، ممّا يقتضي أن لا يدلّ الحديث على صحّة الصَّلاة مع زيادة الرّكوع أو السّجود، ولا على فسادها، وعلى كلٍّ يدلّ على أنّ زيادة غيرهما لا توجب فساد الصَّلاة.
الجهة الرابعة: هل الحكم بعدم الإعادة، يختصّ بالأجزاء، أم يعمّها والشرائط، ولا يشمل الموانع، أم يعمّها أيضاً؟ وجوهٌ وأقوال:
أقواها الأخير، لاستناد (لا تُعاد) إلى الصَّلاة المركّبة من الاُمور الوجوديّة والعَدَميّة، ولم يقيّد بنقصِ شيءٍ خاص منها، بل حُذف المتعلّق، وهو دليل العموم، وعرفت أنّ استثناء الوجوديّات لا يوجب الاختصاص.
ودعوى: أنّ أوّل ما يلحظ من المركّب المقيّد بالاُمور الوجوديّة والعَدَميّة، هو نفس الاُمور التي يلتئم منها الكُلّ، وهي التي يُعبِّر عنها عند أهل المعقول ب (الأجزاء بالأسر)، ثمّ يلاحظ تقيّدها بالقيود الوجوديّة، ثمّ بالاُمور العَدَميّة، فمرتبة الأجزاء متقدّمة على الشرائط والموانع في الاعتبار، كما أنّ مرتبة الشرائط متقدّمة على الموانع.
وعليه، فبما أنّ المستثنى منه، لا يكون ظاهراً في العموم، مع قطع النظر عن الاستثناء، فالمتيقّن إرادة الأجزاء، ولكن بقرينة استثناء الشرائط يُعلم إرادتها أيضاً في المستثنى منه، وأمّا الموانع فليس على إرادتها دليلٌ، فالصحيح دليلٌ على القول الوسط.
مندفعة: بما عرفت من أنّ حذف المتعلّق دليلُ العموم، وتقدّم رتبة الأجزاء على الشرائط، ورتبة الشرط على المانع، لا يوجب التقييد والاختصاص، إذ هذا الترتيب إنّما يكون في مرتبة الجعل والاعتبار، وأمّا في الحكم الذي تضمّنه الحديث، وهو عدم البطلان من ناحية نقص بعض ما يعتبر في الصَّلاة، فلاتفاوت بينها.
الجهة الخامسة: لا خلاف في أنّ المراد من الإعادة في الجملتين، ما يعمّ القضاء، ولعلّ وجهه أنّ معنى الإعادة عرفاً وعند الشارع إنّما هو إتيان الفعل ثانياً، من غير فرقٍ بين إتيانه في الوقت أو في خارجه، كما يظهر لمن راجع العرف والنصوص المتضمّنة للإعادة، ونفيها الواردة في الأبواب المتفرّقة.
مع أنّه لو سُلّم كون المراد بها في الحديث معناها المعروف عند الفقهاء، وهو إتيان الفعل ثانياً في وقته في مقابل القضاء، فحيثُ إنّ الحديث يدلّ على أنّ ما أتى به المكلّف وإنْ كان ناقصاً، لكنّه هو المكلّف به، فلا فوتَ حتّى يجب القضاء فتأمّل، مضافاً إلى إمكان دعوى الأولويّة.
الجهة السادسة: الظاهر من الصحيح - من جهة كثرة استعمال الإعادة في الاستئناف، لو لم ندّعِ ظهورها في نفسها فيه، وتعليل الحكم بعدم الإعادة بأنّ القراءة سُنَّة - أنّ الإخلال بما عدا الخمسة المستثناة لا يوجب فساد الصَّلاة حين الإخلال، لا أنّه لا يوجب ذلك إذا انكشف بعد تماميّة الصَّلاة.
وبعبارة اُخرى: كون الانكشاف قبل تماميّة الصَّلاة أو بعدها، لا يكون دخيلاً في هذا الحكم.
الجهة السابعة: لا شبهة ولا خلاف في شمول (الطهور) في الحديث للطهارة الحَدَثيّة، وإنّما الخلاف والكلام في شموله للطهارة الخَبَثيّة.
أقول: نُسِب إلى المشهور(1)عدم شموله لها، وهو الأقوى، إذ الظاهر كون (الطهور) اسم الآلة، فالمراد منه ما يتطهّر به، كالسّحور والفطور، وحيث أنّ استعمال (الطهور) في الطهارة الحَدَثيّة في نفسه لازمٌ بخلافه في الطهارة الخَبَثيّة، إذ ما لم يتنجّس يجوز الصَّلاة فيه، ولو لم يستعمل المطهر.
والظاهر منه كون استعمال (الطهور) من الاُمور المعتبرة في الصَّلاة مطلقاً، فلا محالة يختصّ الحديث بالطهارة الحَدَثيّة.
وبذلك يظهر اختصاصه بها، بناءً على ما عن بعضٍ من أنّ المراد به المطهّر، وما عن آخرَ أنّه الطاهر المُطهّر، كما أنّه يكون الصحيح ظاهراً في الاختصاص بناءً على أنْ يكون (الطهور) اسمُ مصدر ل (طَهُرَ) من غير فرق بين أن يُقرأ بالضمّ كالوضوء، أو أن يُقرأ بالفتح، لأنّ الظاهر من التطهّر رفع الحَدَث، كما لا يخفى.
هذا تمام الكلام في المباحث المهمّة، المتعلّقة بهذا الخبر الشريف، الذي هو الأصل في استنباط الأصل الثانوي في هذا الباب، وبقي فيه مباحث تعرّضنا لها في هذا الجزء، وسائر الأجزاء.
وخلاصة الكلام: ظهر ممّا ذكرناه أنّ الإخلال سهواً بغير الخمسة المذكورة في حديث (لا تُعاد الصَّلاة) لا يضرّ بصحّة الصَّلاة، وكذلك لو كان عن جهلٍ غير تقصيري.
***9.
1) كما حكاه السيّد الخوئي قدس سره في كتاب الطهارة: ج 2/349.
المسألة الرابعة: في بيان حكم الزيادة السَّهويّة.
وقد تقدّم أنّ مقتضى القاعدة الأوّليّة، عدم بطلان الصَّلاة بالزيادة، وأمّا بحسب النصوص الواردة في المقام بالنسبة إلى غير الأركان، فإنّ صحيح (لا تُعاد) يدلّ على عدم البطلان.
وأمّا بالإضافة إلى الأركان، فقد تقدّم أنّه يدلّ على عدم البطلان، ولا أقلّ من إجماله وعدم دلالته على البطلان ولا على عدمه.
أقول: وهناك طائفتان من النصوص، تدلّان على عدم البطلان في غيرالأركان:
الطائفة الاُولى: ما وردت في الزيادة السَّهويّة: كقوله عليه السلام في خبر سفيان بن السَّمط: «تسجد سَجدتي السَّهو لكلّ زيادةٍ تدخل عليك أو نقصان»(1).
وهذه الطائفة وإنْ لم تكن متكفّلة لبيان حكمين:
أحدهما: نفي وجوب الإعادة للزيادة.
والثاني: وجوب السّجدة لكلّ زيادة.
بل هي متضمّنة لحكم الزيادة السَّهويّة، من حيث وجوب سجدتي السَّهو في فرض إحراز صحّة الصَّلاة، إلّاأنّها تدلّ بالالتزام على أنّ كلّ زيادة سهويّة لا تُوجب البطلان، وهذا بضميمة عدم الفرق بين الأجزاء، يوجب ثبوت عدم مبطليّة الزيادة في غير الأركان مطلقاً.
الطائفة الثانية: ما تدلّ على عدم إعادة الصَّلاة من سجدةٍ واحدة: كقول الإمام الصادق عليه السلام في صحيح منصور: «لا يُعيد صلاةً من سجدة ويُعيدها من ركعة»(2)
الوارد فيمن زاد سجدةً نسياناً، فإنّه بضميمة القطع بعدم الفرق في الأجزاء غير الركنيّة بين السَّجدة الواحدة وغيرها، يدلّ على ذلك.
أقول: وقد استدلّ لمبطليّة الزيادة السَّهويه مطلقاً بطائفتين من النصوص:
الطائفة الاُولى: ما تدلّ على بطلان الصَّلاة بالزّيادة مطلقاً: كقوله عليه السلام في صحيح أبي بصير المتقدّم: «من زاد في صلاته فعليه الإعادة»(1). ونحوه غيره ممّا تقدّم.
الطائفة الثانية: ما تكون مختصّة بالزيادة السَّهويّة: كخبر زرارة وبُكير، عن أبي جعفر عليه السلام: «إذا استيقن أنّه قد زاد في صلاته المكتوبة، لم يَعتدّ بها، واستقبل صلاته استقبالاً»(2).
أقول: أمّا الطائفة الاُولى فلابدّ من تخصيصها بالعامد، لأخصيّة بعض النصوص المتقدّمة، الدالّة على عدم مبطليّة الزيادة السَّهويّة عنها.
وأمّا حديث (لا تُعاد) فالنسبة بينه وبين هذه النصوص، وإنْ هي العموم من وجه، لاختصاصه بغير العامد، واختصاص هذه بالزيادة، إلّاأنّه لحكومة حديث (لاتُعادالصَّلاة) على أدلّة الأجزاء والشرائط والموانع، التي منها أدلّة مبطليّة الزيادة، يُقدّم الحديث، إذ القاعدة تقتضي عدم ملاحظة النسبة بين الحاكم والمحكوم.
فعلى القول بدلالة حديث (لا تُعاد) على عدم مبطليّة الزيادة السَّهويّة، حتّى في الأركان، تكون النتيجة عدم مبطليّة زيادة الرّكن أيضاً، وإنْ كانت سهويّة.
وأمّا على القول بعدم دلالته على ذلك في الأركان، فتبقى زيادة الرّكن داخلة تحت تلك النصوص. كما أنّ الحكم كذلك على فرض الإجمال، لأنّ إجمال المخصّص والحاكم لا يسري إلى العام والمحكوم في فرض الانفصال، كما في المقام.8.
وأمّا الطائفة الثانية: فهي على المختار من شمول حديث زرارة وبُكير لزيادة الأركان، ودلالته على عدم مبطليّتها، تكون أخصّ من الحديث، وتقدّم عليه، غاية الأمر أنّها تُخصّص في غير الأركان بالطائفتين الأخيرتين الدالّتين على عدم مبطليّة زيادة غير الرّكن سهواً، وبه يندفع ما قيل من إنّه للإجماع على عدم الفصل بين الزيادة السَّهويّة والنقيصة السَّهويّة، لو قُدّمت الطائفة الدالّة على مبطليّة الزيادة السَّهويّة، لا يبقى لحديث (لا تُعاد) مورد.
وأمّا على القول بدلالته على مبطليّة زيادة الرّكن، فحيثُ أنّ النسبة بين عقد المستثنى منه، الدالّ على عدم مبطليّة زيادة غير الرّكن، وبين هذه النصوص الدالّة على مبطليّة الزيادة السَّهويّة مطلقاً عمومٌ من وجه، لاختصاص الحديث بغير الأركان، وعمومه للزيادة والنقيصة، وحديث (لا تُعاد الصَّلاة) حاكمٌ على أدلّة الأجزاء والشرائط والموانع، يقدّم الحديث، وتكون النتيجة أيضاً مبطليّة الزيادة السَّهويّة في الأركان، وعدمها في غيرها.
وهكذا على القول بإجمال حديث (لا تُعاد) من هذه الجهة، فإنّ لازم الإجمال دلالته على مبطليّة الزيادة في الأركان، ففيها يرجع إلى ما دلَّ على مبطليّة الزيادة السَّهويّة مطلقاً، كما لا يخفى، فالجمع بين نصوص الباب يقتضي القول بمبطلية الزيادة السَّهويّة في الأركان وعدمها في غيرها.
أقول: ثمّ إنّه ربما يُورد على خبر زرارة وبكير بأمرين:
الأمر الأوّل: إنّه ضعيف السند.
الأمر الثاني: ما أفاده المحقّق الهمداني رحمه الله(1)من أنّ ضبط الخبر في نسخة «الكافي»: (إذا استيقن أنّه زاد في المكتوبة ركعةً لم يعتدّ بها)، وصاحب «الكافي»2.
1) مصباح الفقيه: ج 2/538 ق 2.
أضبط من صاحب «التهذيب»، ولا أقلّ من الإجمال، والمتيقّن منه زيادة الرّكعة، وعليه فلا معارض لحديث (لا تُعاد) ولا مخصّص له.
ولكن يمكن دفع الأوّل: بأنّ الخبر حَسنٌ كالصحيح بإبراهيم بن هاشم.
ويمكن دفع الثاني: بأنّ في «الكافي» روايتين:
إحداهما: في باب السَّهو في الرّكوع، حيث رواه بإسناده عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن عُمير بن اُذينة، عن زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام:
«إذا استيقن أنّه قد زاد في الصَّلاة المكتوبة ركعةً، لم يعتدّ بها، واستقبل الصَّلاة استقبالاً»(1).
ثانيتهما: في باب السَّهو في الأربع والخمس، بنفس هذا الإسناد، مع زيادة بكير منضمّاً إلى زرارة - وهي التي استدللنا بها وذكرناها - المختلفة مع هذه في الجملة، وصاحب «التهذيب» إنّما روى الثانية دون الاُولى، ولكن مع ذلك كلّه من المستبعد جدّاً كونهما روايتين، وعليه فمبطليّة زيادة الرّكن سهواً محلّ إشكال وتأمّل، إلّا أنّ الاحتياط سبيل النجاة.
***5.
1) الكافي: ج 3/348 ح 3، وسائل الشيعة: ج 6/319 ح 8075.
المسألة الخامسة: إذا تردّد المنسيّ بين الرّكن، فتكون الصَّلاة باطلة وبين غيره فتكون صحيحة، كما لو علم بنقصان مردّدٍ بين كون الناقص هو الرّكوع، أو سجدة واحدة، أو دار أمر المنسيّ بين كونه هو الرّكوع أو القراءة.
ومحلّ الكلام إنّما هو ما لو كان لكلّ واحدٍ من أطراف العلم الإجمالي أثرٌ، وإلاّ فإنْ لم يكن لفوت غير الرّكن الذي هو طرف العلم أثرٌ، يكون الأصل - أي قاعدة التجاوز - جارياً في الرّكن بلا معارض(1)
(2و3) العروة الوثقى: ج 3/338-340 (ختام: فيه مسائل متفرِّقة).
، ففي الفرض:تارةً: يكون محلّ التدارك بالإضافة إلى كلٍّ من طرفي العلم ماضياً، كما إذا علم بعد الدخول في ركوع الثانية أنّه إمّا ترك ركوع الرّكعة الثانية أو سجدة واحدةٍ منها.
واُخرى: لا يكون كذلك.
وعليه، فالكلام يقع في موضعين:
الموضع الأوّل: فيما إذا كان محلّ التدارك بالإضافة إليهما ماضياً، ففي المسألة عدّة أقوال:
1 - ما اختاره صاحب «العروة» رحمه الله(2)، وهو بطلان الصَّلاة.
2 - ما اختاره جمعٌ من أصحاب التعليق على «العروة» (3) وهو لزوم الجمع بين الإعادة، وترتيب أثر فوت غير الرّكن.
1) نهاية الاحكام: ج 4/61.
3 - ما اختاره المحقّق العراقي رحمه الله(1)، وهو التفصيل بين ما لو تذكّر بعد الصَّلاة، فيجب الإعادة، وبين ما لو تذكّر في أثنائها، فصلاته صحيحة، ويجب ترتيب أثر فوت غير الرّكن.
4 - ما اختاره جمعٌ من المحقّقين(2)، وهو الصحّة، ولزوم ترتيب أثر ترك غير الرّكن مطلقاً. وستعرف أنّه الأقوى.
وقد استدلّ للأوّل: بأنّ قاعدة التجاوز في نفسها تجري في كلّ من طرفي العلم، فتسقط بالمعارضة، والمرجع إلى استصحاب عدم الإتيان بالرّكن، المقتضي لبطلان الصَّلاة.
أقول: الأظهر أنّ قاعدة التجاوز الجارية في الرّكن غير معارضة بالجارية في غيره عند الدوران، بعدما كان أثر فوت الرّكن بطلان الصَّلاة، وأثر ترك غيره عدم تماميّتها، ولزوم ضمّ شيءٍ آخر إليها من قضاء ذلك الجزء ونحوه، وذلك لأنّ جريان القاعدة المتمّمة، متوقّفٌ على إحراز أنّ الصَّلاة صحيحة من سائر الجهات، إذا فوت الجزء من الصَّلاة الباطلة لا أثر له، فما لم تجر القاعدة المصحّحة لا مجال للقاعدة المتمّمة، وبعد جريانها لا تجري هي أيضاً للتعارض.
وبعبارة واضحة: إنّ القاعدة المتمّمة غير جارية على كلّ تقدير، لأنّها لا تجري مع جريان القاعدة المصححة للتعارض، ومع عدم جريانها لا تجري لعدم إحراز الصحّة، وعلى ذلك فتجري قاعدة التجاوز في الرّكن ويُحكم بصحّة الصَّلاة، وفي الطرف الآخر المرجع إلى أصالة عدم الإتيان به، فلابدّ من ترتيب أثر تركه بعد الصَّلاة.).
وبهذا ظهر مدرك القول الرابع.
وقد استدلّ للقول الثاني: بأنّه بعد تعارض قاعدة التجاوز الجارية في الرّكن، مع قاعدة التجاوز الجارية في غيره وتساقطهما، وتعارض استصحاب عدم إتيان الرّكن، مع استصحاب عدم إتيان غيره وتساقطهما، لا بدَّ من الرجوع إلى ما يقتضيه العلم الإجمالي بلزوم إعادة الصَّلاة، أو لزوم ترتيب أثر فوت غير الرّكن وهو الجمع بينهما.
أقول: يرد عليه - مضافاً إلى ما عرفت من عدم تعارض قاعدتي التجاوز - أنّه لو سُلّم تعارضهما، يتعيّن الرجوع الى استصحاب عدم الإتيان بالرّكن الموجب للبطلان، ولا يعارضه الأصل في غيره، لأنّ الاستصحاب الجاري في الرّكن، الموجب لبطلان الصَّلاة، يوجب انعدام موضوع الأصل الجاري في غيره، فإنّ موضوعه الصَّلاة الصحيحة، إذ لا أثر للفوت في الصَّلاة الباطلة، فيكون من قبيل الأصل السببي، فيجري هو بالخصوص، مع أنّ عدم إتيان غير الرّكن على طبق أمره معلومٌ وجداناً، إمّا لتركه أو لبطلان الصَّلاة بعدم إتيان الرّكن، ومعه لا مورد للاستصحاب.
وقد استدلّ للقول الثالث: بأنّه إذا كان التذكّر بعد الصَّلاة، فمقتضى الاستصحاب - بعد تساقط قاعدة التجاوز في الأطراف - لزوم إعادة الصَّلاة، وإنْ كان في الأثناء تجري قاعدة التجاوز في الرّكن بلا معارضٍ، لعدم جريانها في غير الرّكن، للعلم بعدم سقوط أمره، إمّا لبطلان الصَّلاة أو لعدم الإتيان به، فلابدَّ من إتمام الصَّلاة وترتيب أثر فوت غير الرّكن.
وفيه: إنّه لم يظهر لنا وجهُ الفرق بين الصورتين، فإنّ ما ذُكر في الثانية بعينه جارٍ الاُولى، مع أنّه قد عرفت أنّ قاعدة التجاوز في الرّكن لامعارض لها.
فتحصّل: أنّ الأظهر صحّة الصَّلاة، ولزوم ترتيب أثر فوت غير الرّكن.
الموضع الثاني: فيما لو تذكّر ولم يمض المحلّ على التقديرين: وفيه صور:
الصورة الاُولى: أنْ يكون المحلّ الشكّي بالإضافة إليهما باقياً، فمقتضى قاعدة الشكّ في المحلّ الإتيان بهما.
ودعوى: إنّه بإقدامه بإتيانهما يوجب حصول العلم الإجمالي بتحقّق الزيادة أمّا في الرّكن فتوجب بطلان الصلاة، وأمّا في غيره فتستلزم سجدة السهو، ومقتضى العلم الإجمالي لزوم ترتيب الأثرين.
مندفعة: بأنّه لو سُلّم مبطليّة الزيادة في الرّكن عن غير عمدٍ، ولزوم سجدة السَّهو لكلّ زيادة - مع أنّه ستعرف ما في الثاني وعرفت ما في الأوّل - ولا تعارض بين أصالة عدم زيادة الرّكن، وأصالة عدم زيادة غيره، إذ الاُولى مصحّحة للصَّلاة، والثانية متمّمة، وقد مرّ آنفاً عدم تعارض مثل هذين الأصلين فتجري، الاُولى بلا معارض، وأمّا الثانية فلا مجال لجريانها.
الصورة الثانية: ما إذا كان المحلّ الشكي باقياً بالإضافة إلى أحدهما دون الآخر، فتجري قاعدة التجاوز فيما مضى محلّه بلا معارض، وبمقتضى مفهوم دليل القاعدة، لابدّ من الإتيان بما يكون محلّه باقياً.
الصورة الثالثة: ما إذا كان المحلّ الشّكي بالإضافة إليهما ماضياً، مع بقاء المحلّ الذُكري بالإضافة إليهما، كما إذا كان في القيام، فعلم بفوت السَّجدتين أو التشهّد من الرّكعة الّتي قام عنها، فحيثُ إنّه يعلم بعدم كون قيامه هذا مأموراً به، لوقوعه قبل التشهّد، أو لبطلان الصَّلاة، فحكم هذه الصورة حكم الصورة الاُولى.
الصورة الرابعة: ما إذا كان المحلّ الشّكي بالإضافة إليهما ماضياً، مع بقاء المحلّ
الذُكري بالإضافة إلى أحدهما:
1 - فإنْ كان الباقي محلّه الذُكري هو الرّكن، تعارض قاعدة التجاوز بالإضافة إليهما، إذ ليس أثر عدم الإتيان بالرّكن حينئذٍ هو البطلان، كي يُقال إنّ قاعدة التجاوز الجارية في غيره، لا تعارض قاعدة التجاوز فيه، فيرجع إلى أصالة عدم الإتيان بهما، فلابدَّ من العود والإتيان بالرّكن في محلّه، وترتيب أثر ترك غير الرّكن.
2 - وإنْ كان الماضي محلّه الذُكري هو الرّكن، فتجري قاعدة التجاوز فيه بلا معارضٍ، لما تقدّم، وفي غير الرّكن يرجع إلى أصالة عدم الإتيان، فلابدَّ من الرجوع والإتيان به.
أقول: ينبغي الإشارة إلى أنّنا فصّلنا في هذه المسألة وما يتعلّق بها من الفروع والمسائل في أبحاثنا السابقة، وهي مدوّنة في الرسالة المسمّاة ب «رسالة في فروع العلم الإجمالي» والتي ألّفها العالم الفاضل التقيّ، ركن الإسلام، ومفخرة هذه الأيّام، الحاج الشيخ غلام حسين الطسوجي حفظه اللّه تعالى.
ولو زاد ركوعاً عمداً أو سهواً أعاد.
المسألة السادسة: (ولو زاد ركوعا) أو سجدتين (عمداً أو سهواً أعاد) الصَّلاة على المشهور بين الأصحاب في جميع ذلك(1).
بل عن «مجمع البرهان»(2): دعوى الإجماع عليه.
وعن «المدارك»(3): إنّه لا يعلم فيه مخالفاً.
وعن «الرياض»(4): نفي الخلاف فيه.
أقول: أمّا زيادتهما عمداً فلا إشكال في مبطليّتها بحسب الأدلّة، إنّما الكلام في موردين:
المورد الأوّل: إنّه هل يعتبر في صدق الزّيادة، فيهما ما يعتبر في غيرهما من قصد كون الزائد من الصَّلاة، أم لا يعتبر ذلك، بل تصدق الزيادة وإنْ لم يقصد ذلك؟
فيه وجهان، أظهرهما الثاني، وذلك لحسن زرارة، عن أحدهما عليهما السلام: «لا تقرأ في المكتوبة بشيءٍ من العزائم، فإنّ السّجود زيادة في المكتوبة»(5).
فإنّه يدلّ على أنّ السّجدة التي لم يؤت بها بعنوان الصَّلاة، بل أتى بها بعنوان التلاوة، تكون زيادة في المكتوبة، وإنْ لم تكن حقيقةً كذلك، لما عرفت من اعتبار القصد في صدقها، إلّاأنّه للتعبّد الشرعي نلتزم به في هذا المورد، فإذا ثبت ذلك في السّجدة، تثبت في الرّكوع بالأولويّة القطعيّة. ويترتّب على ذلك عدم جواز إقحام الصَّلاة في الصَّلاة في غير الموارد المنصوصة، إذ الرّكوع والسّجود، وإنْ لم يؤتِ بهما بقصد الصَّلاة الاُولى لكن برغم ذلك تصدق عليهما الزيادة، فتوجبان البطلان.
وسيأتي إنْ شاء اللّه تعالى تمام الكلام في ذلك.
المورد الثاني: في بطلان الصَّلاة بزيادة الرّكوع أو السَّجدتين سهواً.
وقد استدلّ له:
1 - بعموم ما دلّ على قدح الزيادة.
2 - وبما دلّ على قدح الزيادة السَّهويّة.
3 - وبصحيح منصور، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجلٍ صَلّى فذكر أنّه زاد سجدة؟ قال عليه السلام: لا يعيدُ صلاةً من سجدةٍ، ويعيدها من ركعة»(1).
ونحوه خبر عبيد بن زرارة(2).
بتقريب: أنّ (الرّكعة) إنّما تُطلق في الأخبار على كلٍّ من الرّكعة التامّة والرّكوع، وعليه ففي الخبرين بقرينه المقابلة مع السجود تكون ظاهرة في الرّكوع.
4 - وبالإجماع على ركنيّتهما، بناءً على تفسير الرّكن بأنّه الذي تبطل الصَّلاة بالإخلال به زيادةً أو نقيصة، عمداً أو سهواً.5.
أقول: أمّا الأوّلان: فقد مرَّ في المسألة الرابعة ما فيهما، وعرفت مقتضى الجمع بينهما وبين سائر النصوص، وأنّ مبطليّة زيادة الرّكن سهواً أحوط.
وأمّا الخبران: فظهورهما في إرادة الرّكوع غير ثابت، لأنّه لو اُريد بهما ما يشمل السَّجدتين، لما كان منافياً للمقابلة بالسجدة، كما لا يخفى، فالمتيقّن إرادة مايشمل السَّجدتين.
وأمّا الأخير فيرد عليه: أنّ المحكيّ عن جماعةٍ(1)تفسير الرّكن بخصوص ما تبطل الصَّلاة بنقصه عمداً أو سهواً.
فتحصّل: أنّه لا دليل على بطلان الصَّلاة بزيادتهما سهواً، نعم هو أحوط، وقد عرفت أنّ الاحتياط لزومي.
***2.
1) كما في الرسائل العشر لابن فهد الحِلّي: ص 313، المبسوط: ج 1/100، قوله: (والأركان ما إذا تركه عامداً أوناسياً بطلت صلاته إذا ذكرها)، تذكرة الفقهاء: ج 3/99-100، قوله: مسألة 199: (النيّة ركن بمعنى أنّ الصَّلاة تبطل مع الإخلال بها عمداً وسهواً بإجماع العلماء)، واختاره الشيخ الأعظم الأنصاري في فرائد الاُصول: ج 2/361-362.
المسألة السابعة: المشهور بين الأصحاب(1)أنّه تبطل الصَّلاة بزيادة الرّكعة سهواً، وأنّها كزيادتها عمداً.
وعن جماعةٍ من الأصحاب، منهم ابن الجُنيد(2)، والشيخ في «التهذيب»(3)، والمحقّق في «المعتبر»(4)، والمصنّف في بعض كتبه(5)، والشهيد في «الألفيّة»(6)، وغيرهم(7)في غيرها: إنّه إنْ جلس عقيب الرابعة بمقدار التشهّد لم تبطل صلاته - تشهّدَ أم لا - كما عن جمع منهم، أو إذا تشهّد كما عن آخرين.
أقول: وتنقيح القول في المقام يتحقّق بالبحث في موردين:
الأوّل: فيما تقتضيه القاعدة.
الثاني: في مقتضى النصوص الخاصّة.
أمّا المورد الأوّل: فالحقّ انها تقتضي الصحّة، وعدم البطلان مطلقاً، حتّى بناءً على مبطليّة زيادة الرّكن سهواً، وذلك لأنّ وجه البطلان في المقام إنّما هو وقوع الرّكن في أثناء الصَّلاة، ومنعه عن اتّصال الأجزاء الباقية من التشهّد والسَّلام
1) مسالك الأفهام: ج 1/286، مصباح الفقيه: ج 2/535 ق 2.
2) حكاه عن ابن الجُنيد العلّامة في مختلف الشيعة: ج 2/393، وأيضاً صاحب مدارك الأحكام: ج 4/221 قوله: (هو مذهب ابن الجُنيد).
3) تهذيب الأحكام: ج 2/194.
4) المعتبر: ج 2/380، وفي ص 391 قال: (والبناء على الأقل يحتمل زيادة الرّكعة، وهي مُبطلة عمداً وسهواً، كما بيّنا).
5) نهاية الاحكام: ج 1/529.
6) الألفية والنفليّة: ص 66.
7) رسائل الكركي: ج 2/129.
بالأجزاء السابقة، وهذا لا يتمّ، لأنّ مقتضى حديث (لا تُعاد الصَّلاة)(1)أنّ نقصان الصَّلاة من ناحية التشهّد والسَّلام لا يوجب البطلان إنْ لم يكن عمديّاً، بل الصَّلاة محكومة بالصحّة.
فإنْ قلت: إنّ لازم المستثنى في الحديث، وهو لزوم الإعادة من ناحية الإخلال بالخمسة، التي منها الرّكوع، بطلان الصَّلاة في المقام، لوقوع الرّكوع في أثناء الصَّلاة.
وبعباره اُخرى: شمول المستثنى منه للتشهّد والسَّلام، متوقّفٌ على عدم إمكان اتّصالهما بالصّلاة، وخروج المُصلّي عنها، وهما متوقّفان على وقوع المبطل كما هو واضح، فوقوع المبطل متقدّمٌ رتبةً على شمول المستثنى منه لهما بمرتبتين، ففي المرتبة السابقة على الحكم بعدم الإعادة من ناحية التشهّد والتسليم، الّتي هي مرتبة موضوع هذا الحكم، يحكم ببطلان الصَّلاة من جهة وقوع الرّكوع في وسط الصَّلاة.
وبالجملة: رتبة وقوع المبطل متقدّمة على الخروج من الصَّلاة، ففي تلك المرتبة يكون الرّكوع واقعاً في وسط الصَّلاة، فتكون محكومة بالبطلان.
قلت: مع الإغماض عمّا ذكرناه من عدم دلالة الحديث على مبطليّة زيادة الرّكوع والسّجود، إذا كانت سهويّة، أنّه لو سُلّم ذلك، لا يوجب الرّكوع والسّجود في المقام البطلان، إذ موضوع البطلان وقوعهما في أثناء الصَّلاة، فلابدّ من تحقّق الموضوع خارجاً ليترتّب عليه الحكم، وفي المقام الخروج عن الصَّلاة، الذي هو موضوع عدم الإعادة والمبطل، يتحقّقان في الخارج في زمان واحد، ففي زمان وجود الرّكوع يتحقّق الخروج عن الصَّلاة، وفي نفس ذلك الزمان يُحكم بعدم الإعادة، وسقوط جزئيّة التشهّد والتسليم بنحو الاتّصال، فلا وجه للحكم7.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/152 ح 55، وسائل الشيعة: ج 6/91 ح 7427.
بالبطلان، وكون الحكم بالإعادة متأخّراً رتبةً لا يكفي في الحكم بالبطلان، بل لابدّ من التأخّر الزماني.
وأمّا المورد الثاني: فقد استدلّ للقول بالبطلان بطوائفَ من النصوص:
الطائفة الاُولى: ما تدلّ على مبطليّة مطلق الزيادة، أو الزيادة السَّهويّة، وقد تقدّمت أخبارها.
وفيه: إنّه ببركة حديث (لاتُعادالصَّلاة) يُحكم بسقوطجزئيّة التشهّد والسَّلام في حال النسيان، ووقوع الرّكعة بعد الفراغ من الصَّلاة، ومثل هذه الزيادة لايُبطل قطعاً.
الطائفة الثانية: ماتدلّ على أنّه (لا تُعاد الصَّلاة) من سجدةٍ وإنّما تعاد من ركعة.
وفيه: أنّ المراد بالركعة بقرينة المقابلة هو الرّكوع، فتدلّ على مبطليّة الرّكوع، وإنْ وقع في الصَّلاة سهواً، وفي المقام وإنْ وقع الرّكوع إلّاأنّه بعد تماميّة الصَّلاة لا في أثنائها، وقد مرّ أنّه لا يُبطل.
الطائفة الثالثة: خبر الأعمش المتقدّم: «ومن لم يقصر في السّفر لم تَجُز صلاته، لأنّه قد زاد في فرض اللّه عزّ وجلّ».
وفيه أوّلاً: إنّه مختصٌّ بالثنائيّة، وعدم الفصل غير ثابت.
وثانياً: إنّه من جهة مافيه من التعليل، يختصّ بغير حال السَّهو، إذ في تلك الحال تسقط جزئيّة التشهّد والسَّلام، فتكون الزيادة بعد الصَّلاة، إذ العلّة تخصّص كما تعمّم.
الطائفة الرابعة: خبر زيد الشّحام: «سألته عن الرّجل يُصلّي العصر ستّ
ركعات أو خمس ركعات؟
قال عليه السلام: إن استيقن أنّه صلّى خَمساً أو ستّاً فليعد»(1).
وفيه: مضافاً إلى إضماره، أنّه ضعيف السند، لأنّ في سنده أبي جميلة وهو مجهول.
الطائفة الخامسة: مصحّح زرارة وبُكير، عن أبي جعفر عليه السلام:
«إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعةً لم يعتدّ بها، واستقبل صلاته استقبالاً، إذا كان قد استيقن يقيناً»(2).
أقول: برغم أنّه لا بأس بهذا الخبر، لكن بإزاءه طائفتان من الأخبار:
الطائفة الاُولى: ما تدلّ على الصحّة مطلقاً، كخبر عمرو بن خالد، عن زيد بن علي، عن آبائه، عن علي عليهم السلام، قال:
«صلّى بنا رسول اللّه صلى الله عليه و آله الظهر خَمس ركعات، ثمّانفتل، فقال له القوم: يارسول اللّه هل زِيدَ في الصَّلاة شيءٌ؟
قال: وما ذاك؟ قالوا: صلّيت بنا خمس ركعات.
قال: فاستقبل القبلة، وكبّر وهو جالس، ثمّ سجد سجدتين، ليس فيهما قراءة ولا ركوع، ثمّ سَلَّم، وكان يقول هما المُرغِمتان»(3).
وفيه أوّلاً: إنّه ضعيف السند؛ لأنّ في طريقه الحسين بن عُلوان، وهو عامّي لم يوثّق.
وثانياً: إنّه مشتملٌ على سهو النبيّ صلى الله عليه و آله ولا نقول به.6.
وثالثاً: إنّه يمكن أن يكون الحاصل له صلى الله عليه و آله بعد إعلامهم الشكّ لا اليقين، فيكون أجنبيّاً عن المقام.
الطائفة الثانية: ما تدلّ على التفصيل:
1 - صحيح زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام:
«عن رجلٍ صَلّى خمساً؟ قال: إنْ كان قد جلس في الرابعة قَدَر التشهّد، فقد تمّت صلاته»(1).
ومثله صحيح جميل بن درّاج(2).
2 - وخبر محمّد بن مسلم، عنه عليه السلام: «عن رجلٍ استيقن بعدما صَلّى الظهر أنّه صَلّى خمساً؟ قال: وكيف استيقن؟ قلت: علم. قال: إنْ كان علم أنّه كان جلس في الرابعة، فصلاة الظهر تامّة، فليقم فليَضِف إلى الرّكعة الخامسة ركعةً وسجدتين، فتكونان ركعتين نافلةً ولا شيء عليه»(3). ونحوها غيرها.
أقول: وقد قيل في الجمع بينها وبين ما دلَّ على البطلان وجوه:
منها: ما ذهب إليه جمعٌ من المحقّقين(4)من تقديم ما دلّ على البطلان، من جهة موافقة ما دلّ على التفصيل مع العامّة.
وفيه: إنّ مجرّد الموافقة لهم لا يوجب طرح الخبر، فإنّ ذلك موجبٌ لترجيح إحدى الحجّتين على الاُخرى، بعد فقد جملةٍ من المرجّحات، لأنّ الموافقة معهم لا تُعدّ من مميّزات الحجّة عن اللّاحجّة.6.
ومنها: العمل بهما من دون أن يُقيّد ما دلّ على البطلان بما دلّ على التفصيل، ولا يترتّب عليه محذورٌ، وذلك يبتني على بيان أمرين:
الأمر الأوّل: أنّ المراد بالجلوس بقدر التشهّد في النصوص، هو فعل التشهّد لا الجلوس محضاً، وذلك لوجوه:
1 - شيوع الكناية في الأخبار عن التشهّد بالجلوس، ففي صحيح الفضيل: «في الرّجل يُصلّي ركعتين من المكتوبة، فيقوم قبل أنْ يجلس بينهما؟ قال: فليجلس ما لم يركع». ونحوه غيره ممّا هو كثير.
2 - دعواه أنّ من المستبعد جدّاً إحراز أنّه جلس بعد الرّكعة بمقدار التشهّد، من دون أن يتشهّد، بل فِعْلُ التشهّد من لوازم ذلك الجلوس عادةً.
3 - أنّ المأخوذ في جملةٍ من النصوص - كخبر ابن مسلم المتقدّم - هو الجلوس، وحيث إنّه لا يمكن الأخذ بإطلاق الجلوس ولو آنا مّا، فيدور الأمر بين تقييده وحمله على المعهود الذهني، أي الجلوس المعهود في الصَّلاة، وهو المشتمل على التشهّد، والثاني أولى.
الأمر الثاني: إنّ السَّلام وإنْ كان واجباً، إلّاأنّه جزءٌ للمركّب المأمور به لا للصَّلاة كما تقدّم تفصيله في مبحث التسليم، وعلى هذا فالطائفة الثانية تدلّ على أنّه لا تضرّ الزيادة إذا كانت بعد التشهّد، والوجه فيه أنّها حينئذٍ زيادة في المركّب لا في الصَّلاة، والطائفة الاُولى على مبطليّة الزيادة في الصَّلاة فلا تنافي بين الطائفتين.
أقول: إنّ ما ذُكر أوّلاً وإنْ كان تامّاً، إلّاأنّ الثاني لا يتمّ كما تقدّم في بداية مبحث الصّلاة.(1)
ومنها: أنّه بعد حمل (الجلوس) على إرادة الجلوس لفعل التشهّد، يُحمل على3.
1) فقه الصادق: ج 7/313.
إرادة ما يشمل السَّلام أيضاً، لما شاع في الأخبار من إطلاق التشهّد على ما يعمّه، وعليه فحيثُ لا ريب في أنّ زيادة الرّكعة بعد السَّلام لا تبطل الصَّلاة، بل لا تكون زيادة في الصَّلاة، فلا منافاة بين الطائفتين.
وفيه: إنّه حيث من المستبعد جدّاً زيادة الرّكعة بعد السَّلام، إذ الزيادة سهواً إنّما يكون منشأها بحسب الغالب تخيّل عدم تماميّة الصَّلاة، وعليه فحمل الجلوس على ما يعمّ التسليم لا يصحّ.
أقول: فالحقّ أنّ مقتضى قاعدة حمل المطلق على المقيّد، تقييد إطلاق الطائفة الاُولى بالثانية.
ودعوى: إعراض الأصحاب(1)عنها.
مندفعة: باختيار جماعةٍ(2)من القدماء والمتأخّرين القول بمضمونها، ولكن من جهة عدم إفتاء الأكثر بل المشهور بمضمون الطائفة الثانية، مع أنّها صحاح وكثيرة، وبمرأى منهم ومنظر، وقانون حمل المطلق على المقيّد من الواضحات، لا يُترك الاحتياط، فإنّه سبيل النجاة.
فرع: يدور البحث فيه عن أنّه - بناءً على صحّة الصّلاة فيما لو علم أنّه جلس بمقدار التشهّد - لو شكّ في جلوسه بمقدار التشهّد وعدمه، فإنّ مقتضى القاعدة هو البناء على عدم التشهّد، لأنّه وإنْ كان شاكّاً فيه وقد مضى محلّه بالدخول في المبطل، إلّا أنّه من جهة كونه محرزاً لغفلته عن ذلك، لا تجري قاعدة التجاوز، فلابدّ من الإتيان به، ومع ذلك شاك في زيادة الرّكعة المبطلة، والأصل عدمها، فيتشهّد ويُتمّ6.
صلاته.
اللّهُمَّ إلّاأنْ يُقال: إنّه عالم بعدم الأمر بالتشهّد، إمّا للإتيان به، أو لبطلان الصَّلاة بزيادة الرّكعة.
أقول: وعلى أيّ تقدير، يدلّ على صحّة الصَّلاة في الفرض، ولزوم الإتيان بالتشهّد، صحيح محمّد بن مسلم، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجل صَلّى الظهر خمساً؟
قال: إنْ كان لا يدري جَلَس في الرابعة أم لم يجلس فليجعل أربع ركعات منها الظهر، ويجلس ويتشهّد، ثمّ يُصلّي وهو جالس ركعتين وأربع سجدات، ويضيفها إلى الخامسة، فتكون نافلة»(1).
وأورد عليه صاحب «الحدائق»(2): بأنّه حيث يكون التشهّد مشكوكاً فيه، فمقتضى قاعدة التجاوز، البناء على الإتيان به، فلا محالة يكون المراد من التشهّد المأمور به تشهد النافلة، حيث ذكره بعد الركعتين من جلوس، وقد عرفت ما فيه.
وأمّا ما تضمّنه الحديث من الأمر بركعتين من جلوس، وضمّهما إلى الخامسة، فالظاهر أنّه استحبابي.
***5.
ولو نَقَص من الصَّلاة ركعةً أو ركعتين سهواً
المسألة الثامنة: (ولو نَقَص من الصَّلاة ركعةً أو ركعتين سهواً):
الفرع الأوّل: فإنْ ذكرها بعد التسليم، قبل ما يُبطل الصَّلاة عمداً، قام وأتمّ الصّلاة، إذ لا وجه لبطلان صلاته سوى توهّم أنّ السَّلام مخرجٌ ومانعٌ عن اتّصال ما بعده بما قبله، وهو توهّمٌ فاسد، فإنّ السَّلام المُخْرِج هو الواقع في محلّه، وأمّا الواقع في غير موضعه، فلا يكون مُخرِجاً.
والشاهد عليه: حديثُ (لا تُعاد الصَّلاة)(1)، مضافاً إلى دلالة جملة من النصوص عليه:
منها: صحيح العيص، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن الرّجل نسي ركعةً من صلاته حتّى فرغ منها، ثمّ ذكر أنّه لم يركع؟
قال عليه السلام: يقوم فيركع ويسجد سجدتين»(2).
ومنها: خبر الحضرمي، قال: «صلّيتُ بأصحابي المغرب، فلمّا أن صلّيت ركعتين سَلّمت، إلى أنْقال: ثمّقال - أي مولاناالصادق عليه السلام - إنّما يُجزيك أن تقوم وتركع ركعة(3). ونحوهما غيرهما.
وعليه، فما عن ظاهر الحلبي(4)من القول بوجوب الإعادة، ضعيفٌ.
ولم يذكر حتّى تكلّم، أو
الفرع الثاني (و) إنْ (لم يذكر حتّى تكلّم أو) أتى بشيءٍ مثله، يَبطل الصَّلاة عمداً لا سهواً.
أقول: اختلفت كلمات فقهاءنا فيه:
فعن «النهاية»(1)، و «الجمل والعقود»(2)، و «الوسيلة»(3)، و «المهذّب»(4)، و «الغُنية»(5)، وفي المتن(6)وغيرها: وجوب الإعادة.
وعن «الغُنية»(7): دعوى الإجماع عليه.
والمشهور بين الأصحاب(8)هو القول بالصحّة، وأنّه لا تبطل الصَّلاة بذلك.
وحُكي عن بعض الأصحاب(9): القول بوجوب الإعادة في غير الرباعيّة.
وقد استدلّ للأوّل:
1 - بالإجماع المحكيّ عن «الغُنية»(10).).
1) النهاية: ص 90، (باب السَّهو في الصَّلاة وأحكامه وما يجب منه إعادة الصَّلاة).
2) جمل العلم والعمل (الينابيع الفقهيّة: ج 3/356)، فصل: في السَّهو وأحكامه.
3) الوسيلة: ص 101.
4) المهذّب: ج 1/155.
5) غنية النزوع: ص 111.
6) أي تبصرة المتعلّمين للعلّامة.
7) غنية النزوع: ص 111.
8) البيان: ص 146، غنائم الأيّام: ج 3/264.
9) المبسوط: ج 1/121، كشف اللّثام: ج 1/274 (ط. ق).
10) غنية النزوع: ص 82 (ما يوجب بطلان الصَّلاة).
2 - وبمرسل «المبسوط»(1)، حيث قال: «متى اعتقد أنّه فرغ من الصَّلاة لشبهة، ثمّ تكلّم عامداً، فإنّه لاتفسد صلاته...
إلى أنْ قال: وقد روي أنّه إذا كان عامداً قطع الصَّلاة».
3 - وبأنّه ليس ساهياً في الكلام، بل كلامه عمدي، ولذا يصحّ لو كان عقداً أو إيقاعاً.
أقول: وفي الكلّ نظر:
أمّا الأوّل: فلوهنه بذهاب الأكثر إلى الصحّة.
وأمّا الثاني: فلأنّه مرسلٌ يعمل به رواية.
وأمّا الثالث: فلأنّ كلامه في الصَّلاة سهوي، من جهة غفلته عن وقوعه فيها، ومثل هذا لا يوجب البطلان، لصحيح ابن الحجّاج، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «عن الرّجل يتكلّم ناسياً في الصَّلاة، يقول: أقيموا صفوفكم؟ قال عليه السلام: يتمّ صلاته»(2).
مع أنّه لو سُلّم عدم صدق الكلام السَّهوي عليه، حيث إنّه معتقدٌ لخروجه عن الصَّلاة، فيكون جاهلاً بكون كلامه هذا واقعاً في أثناء الصَّلاة، فمقتضى حديث (لا تُعاد الصَّلاة) صحّة صلاته وعدم بطلانها، بناءً على ما تقدّم من شمول الحديث للجاهل بالموضوع أيضاً.
وبالجملة: فظهر أنّ مقتضى القاعدة هي الصحّة.
ويشهد لها: - مضافاً إلى ذلك - جملة من النصوص:
منها: صحيح محمّد بن مسلم، عن الإمام الباقر عليه السلام: «في رجل صَلّى ركعتين من المكتوبة فسلَّم، وهو يرى أنّه قد أتمَّ الصَّلاة، وقد تكلّم، ثمّ ذكر أنّه لم يُصلِّ غير ركعتين؟5.
استدبر القبلة أعاد.
فقال عليه السلام: يتمّ ما بقي من صلاته، ولا شيء عليه»(1).
ومنها: صحيح زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: «في الرّجل يسهو في الركعتين ويتكلّم؟ قال عليه السلام: يتمّ ما بقي من صلاته، تكلّم أو لم يتكلّم، ولا شيء عليه»(2).
إذ الظاهر منه السَّهو في عدد الركعات، وأنّه يزعم في الركعتين أنّه أخّر صلاته، فيخرج منها ويتكلّم، ونحوهما غيرهما.
واشتمال جملة من نصوص الباب على قصّة ذي الشمالين، وسهو النبيّ صلى الله عليه و آله الذي لا نقول به، ومخالفٌ لمذهبنا، لا يمنع عن الاستدلال بما ليس فيه ذلك.
وأمّا القول الأخير: فالظاهر أنّ مستنده هو ما دلَّ على وجوب حفظ الأوليين والثنائيّة والثلاثيّة من السَّهو، ولكن ستعرف أنّ المراد به الشكّ في عدد الركعات.
فتحصّل: أنّ الأظهر هي الصحّة.
الفرع الثالث: وإنْ لم يذكر النقص حتّى (استدبر القبلة)، أو أتى بغيره ممّا يُبطل الصَّلاة ولو سهواً (أعاد) كما هو المشهور شهرة عظيمة(3)كادت أن تكون إجماعاً، بل هو إجماع(4)، إذ لم ينقل خلافٌ فيه إلّاعن الصدوق في كتاب «المقنع»(5)، وهو غير ثابت.
ويشهد له: - مضافاً إلى أنّ ذلك مقتضى القاعدة، لفرض وقوع المبطل في أثناء الصَّلاة - جملة من النصوص:ش.
منها: صحيح جميل، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجل صَلّى ركعتين، ثمّ قام؟ قال: يستقبل.
قلت: فما يروي النّاس - فذكرت له حديث ذي الشمالين - فقال: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لم يبرح من مكانه، ولو برح استقبل»(1).
ونحوه موثّقا سماعة وأبي بصير(2).
ومقتضى إطلاقها وإنْ كان البطلان بمجرّد الانتقال من الموضع، إلّاأنّها تُحمل على ما إذا فعل المبطل السَّهوي من الاستدبار والفصل الماحي للصورة، بقرينة النصوص المتقدّمة في الصورة السابقة، بضميمة عدم الفصل بين التكلّم وغيره ممّا ينافي الصَّلاة عمداً لا سهواً.
أقول: وبإزاء هذه النصوص طائفتان من الأخبار:
الطائفة الاُولى: ما تدلّ على الصحّة إذا انتقل من موضعه ثمّ تذكّر، وإطلاقها يشمل صورة فعل المبطل:
منها: صحيح عبيد بن زرارة، عن مولانا الصادق عليه السلام: «عن رجلٍ صَلّى ركعة من الغداة، ثمّ انصرف، وخرج في حوائجه، ثمّ ذكر أنّه صَلّى ركعة؟ قال: يتمّ ما بقي»(3). ونحوه موثّقه(4).
ومنها: صحيح محمّد بن مسلم، عن الإمام الباقر عليه السلام: «سأل عن رجلٍ دخل مع الإمام في صلاته، وقد سبقه بركعة، فلمّا فرغ خرج مع النّاس، ثمّ ذكر بعد ذلك أنّه فاتته ركعة، قال عليه السلام: يعيدها ركعة واحدة»(5).5.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/345 ح 22، وسائل الشيعة: ج 8/200 ح 10420.
2) تهذيب الأحكام: ج 2/345 ح 23، وسائل الشيعة: ج 8/201 ح 10423.
3) تهذيب الأحكام: ج 2/347 ح 27، وسائل الشيعة: ج 8/210 ح 10446.
4) تهذيب الأحكام: ج 2/346 ح 25، وسائل الشيعة: ج 8/210 ح 10447.
5) تهذيب الأحكام: ج 2/346 ح 24، وسائل الشيعة: ج 8/202 ح 10425.
الطائفة الثانية: ما تدلّ على الصحّة في صورة فعل المبطل السَّهوي:
منها: صحيح زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام: «عن رجلٍ صَلّى بالكوفه ركعتين، ثّم ذكر وهو بمكّة أو بالمدينة أو بالبصرة أو ببلدةٍ من البلدان، أنّه صَلّى ركعتين؟ قال:
يُصلّي ركعتين»(1).
ومنها: موثّق عمّار، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «في الرّجل يذكر بعدما قام وتكلّم ومضى في حوائجه أنّه إنّما صَلّى ركعتين من الظهر والعصر والعتمة والمغرب؟ قال:
يبني على صلاته ويتمّها ولو بلغ الصين»(2).
أمّا الطائفة الاُولى: فقد قيل في وجه الجمع بينها وبين نصوص البطلان أنّها تُحمل على صورة عدم صدور المبطل السَّهوي منه.
وفيه: إنّه لو ثبت ما ورد في صحيح محمّد بن مسلم - كما عن الشيخ رحمه الله - بقوله عليه السلام: (يجوز له ذلك إذا لم يحوّل وجهه عن القبلة، فإذا حَوّل وجهه عن القبلة فعليه أن يستقبل الصَّلاة استقبالاً)، كان ذلك شاهداً على هذا الجمع، وإلّا فهما متعارضان، فيصبح الجمع المذكور جمعاً لا شاهد له.
وأمّا الطائفة الثانية: فقد قيل في الجمع بينها وبين نصوص البطلان وجوه:
1 - ما عن «المدارك»(3): بحمل هذه على الجواز، وما تضمّن الاستئناف على الاستحباب.
وفيه: إنّ الجمع بين الروايات لا يجوز بأيّ نحوٍ أمكن، بل لابدَّ وأن يكون الجمع عرفيّاً، وملاكه على ما تكرّر منّا في هذا الشرح، أنّه لو سمع العرف كلا المتنافيين من متكلّمٍ واحدٍ في مجلسٍ واحد لا يراهما متنافيين، بل يرى أحدهما قرينةً على الآخر بحسب المتفاهم العرفي، وأخبار الباب ليست كذلك، كما لا يخفى8.
على الناظر المنصف.
2 - ما عن الشيخ رحمه الله في «التهذيب»(1)بحمل نصوص الصحّة على النافلة.
وفيه: إنّه حملٌ لا شاهد عليه.
3 - ماعنه أيضاً(2)من حمل هذه النصوص عليما إذا لم يتيقّن الترك، بل ظنَّبذلك.
وفيه: إنّه منافٍ لظهورها، لو لم يكن منافياً لصريح بعضها.
أقول: وأمّا ما عن المجلسي رحمه الله(3)وجملةٍ من المتأخّرين(4)من حمل هذه النصوص على التقيَّة، فهو مبنيٌّ على جواز حمل النصوص على التقيّة، ولو لم يوجد القائل بما تضمّنته من المخالفين، وهذا غير صحيح، فإنّ الحمل على التقيّة إنّما يكون عند التعارض، وفَقْد جملةٍ من المرجّحات، مع كون أحد المتعارضين موافقاً للعامّة دون الآخر، وإلّا فلا وجه للحمل عليها.
وبالجملة: فالصحيح أنّ النصوص الواردة في الباب من الأخبار المتعارضة، لايمكن الجمع بينها بوجه، ولابدّ من الرجوع إلى المرجّحات، وأوّلها الشهرة وهي توجب تقديم نصوص الاستئناف.
وعليه، فما عن المشهور من لزوم الاستئناف هو الأظهر.
***0.
ولو صَلّى في مكانٍ مغصوب، أو ثوبٍ مغصوبٍ، أو نجسٍ، أو سَجَد عليه مع العلم أعاد. وَلو صَلّى بغير طهارةٍ أعاد مطلقاً.
المسألة التاسعة: في الخَلل في المقدّمات كالسَّتر والقبلة والطهارة ونحوها.
وقد أشبعنا الكلام في ذلك في البحوث السابقة، وإنّما نشير إلى مختارنا هناك من جهة تعرّض المصنّف رحمه الله لجملةٍ منها.
قال رحمه الله: (وَلو صَلّى في مكانٍ مغصوب، أو ثوبٍ مغصوب أو نجسٍ، أو سَجَد عليه مع العلم، أعاد) بلا كلامٍ، لما ذكرناه في مبحث مكان المُصلّي ولباسه،(1)وكذلك لو كان عن جهلٍ بالحكم عن تقصير.
ولو صَلّى على مكانٍ مغصوب، جهلاً بالغصبيّة أو نسياناً أو جهلاً بالحكم عن قصور، أو في ثوبٍ مغصوبٍ كذلك، صحّت صلاته، لحديث (لا تُعاد الصَّلاة).
ولو صَلّى في الثوب النّجس جهلاً بالحكم، وكان الجهلُ عن قصورٍ صحّت أيضاً للحديث، وكذلك إنْ كان عن جهل بالموضوع، صحّت أيضاً لما تقدّم في محلّه، كما أنّه ظهر هناك أنّه لو صَلّى فيه نسياناً، فإنْ انكشف الخلاف في الوقت أعاد وإلّا فلا.
(ولو صلّى بغير طهارة أعاد مطلقاً):
أمّا وجوب الإعادة فيما إذا صلّى كذلك عالماً عامداً، فواضح.
وأمّا إنْ صَلّى نسياناً أو عن جهل، فلقول أبي جعفر عليه السلام في صحيح زاررة:
1) فقه الصادق: ج 6/277 و 324.
أو قبل الوقت، أو مستدبر القبلة أعاد.
«لاتُعاد الصَّلاة إلّامن خمسة: الوقت والطهور... الخ»(1).
(أو) صَلّى (قبل الوقت):
فإنْ كان ذلك عن عمدٍ أعاد.
وإنْ كان نسياناً، أو معتقداً دخول الوقت:
فإنْ وقعت بتمامها قبل الوقت أعاد الصّلاة لحديث (لا تُعاد)، وكذلك إن وقع بعضها في الوقت، وكان ذلك عن غفلة أو نسيان.
وأمّا إن وقع بعضها فيه، وكان دخوله فيها لاعتقاد دخول الوقت، صحّت صلاته، لخبر إسماعيل بن رياح المتقدّم في محلّه.
(أو) صَلّى (مستدبر القبلة أعاد)، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في مبحث القبلة والقواطع، فراجع(2).
***0.
وإنْ كان غير ركنٍ فثلاثة أقسام:
الأوّل: ما لا حكم له، وهو مَنْ نسي القراءة حتّى ركع.
المسألة العاشرة: في بيان حكم نسيان غير الرّكن.
(وإنْ كان) ما أخلّ به (غَير ركنٍ) لم تَبطُل صلاته إجماعاً، كما عن «الجواهر»(1)وغيره(2).
ويشهد له: حديث (لا تُعاد الصَّلاة) المتقدّم، والنصوص الآتية الدالّة على أنّه إذا حفظ الرّكوع والسّجود فقد تمّت صلاته.
وأمّا بلحاظ وجوب شيءٍ آخر عليه، فقد قسّمه المصنّف كغيره، وقال:
(فثلاثة أقسام: الأوّل):
(ما لا حُكم له) أي لا يجبُ عليه شيء بنسيانه من قضاءٍ أو سجدتي السَّهو، (وهو مَنْ نَسي القراءة حتّى ركع)، وتشهد له جملةٌ من النصوص:
منها: صحيح زرارة، عن أحدهما عليه السلام: «إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض الرّكوع والسّجود، وجعل القراءة سُنّة، فمن ترك القراءة متعمّداً أعاد الصَّلاة، ومن نسى فلا شيء عليه»(3). ونحوه غيره.
ثمّ إنّه وقع الكلام في المقام موضعين:
الموضع الأوّل: أنّه إذا قلنا بوجوب سجدتي السَّهو لكلّ زيادةٍ ونقيصة، هل
تجب السّجدة لنقصان القراءة أم لا؟
أقول: الظاهر وجوبهما على هذا المسلك، فإنّ النسبة بين قوله عليه السلام: «ومن نسي القراءة فقد تمّت صلاته ولا شيء عليه»، وبين قوله عليه السلام في المرسل: «تسجُد سَجدتي السَّهو في كلّ زيادةٍ تدخل عليك أو نقصان»(1)، عمومٌ من وجه، لأعميّة الأوّل من حيث نفي كلّ شيء، وأخصيّته من حيث الاختصاص بالقراءة، وأعميّة الثاني من حيث شموله لغير القراءة، وأخصيّته من حيث الاختصاص بسجدة السَّهو، ولكن بما أنّ دلالة الثاني تكون بالعموم، ودلالة الأوّل تكون بالإطلاق، يُقدَّم الثاني، لما حقّقناه في محلّه من أنّه في موارد المخالفة بالعموم من وجه، إذا كان أحدهما عاما والآخر مطلقاً، يقدّم الأوّل.
وسيأتي الكلام في تحقيق المبنى، وأنّه هل تجب السّجدة لكلّ زيادةٍ ونقيصه أم لا.
وأمّا ما نُسب إلى المحقّق النائيني رحمه الله:(2)من دعوى أخصيّة أخبار الباب عن أخبار سجدتي السَّهو فتكون مخصّصة لها، بتقريب أنّ نصوص الباب متضمّنة لحكمه بأنّه لا شي غء عليه بعد الحكم بتماميّة الصَّلاة، فلا يكون المراد به نفي الإعادة، فيبقى له موردان:
أحدهما: نفي وجوب قضاء القراءة.
ثانيهما: نفي وجوب سجدتي السَّهو.
وحيث أنّ حملها على إرادة نفي القضاء بعيدٌ، لدلالة أخبار قضاء التشهّد والسّجدة الواحدة على أنّ ما يجب قضائه منحصرٌ بهما، مع قيام الإجماع على ذلك أيضاً، فينحصر المنفيّ في هذه الأخبار بسجدتي السَّهو، فتكون أخصّ من ما دلَّ1.
أو الجهر، أو الإخفات، أو تسبيح الرّكوع، أو طمأنينته حتّى ينتصب،
على وجوب سجدة السَّهو لكلّ زيادةٍ ونقيصة، فيخصّص بها.
فغير تامّ: وذلك لأنّ دلالتها على عدم وجوب قضاء القراءة، لا تنافي دلالة غيرها على ذلك أيضاً، ليكون ذلك قرينة على عدم دلالتها عليه، فالصحيح ما ذكرناه.
الموضع الثاني: في أنّ من نَسي القراءة حتّى ركع، هل يجب عليه اختيار القراءة في الرَّكعات اللّاحقة، فإن نسيها في الثانية قرأها في الثالثة، أم لا يجب ذلك؟ فيه خلاف، وقد حقّقنا المسألة في مبحث ما يجب في الرَّكعات الأخيرة، فراجع.(1)
(أو الجهر أو الإخفات) في موضعهما كما عرفته في هذا الشرح في مبحث الجهر والإخفات من القراءة.
(أو تسبيح الرّكوع)، ويشهد له:
1 - خبر عليّ بن يقطين، قال: «سألتُ أبا الحسن الأوّل عن رجلٍ نسي تسبيحة في ركوعه وسجوده؟ قال: لا بأس بذلك»(2).
2 - وخبر القداح، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام: «أنّ عليّاً عليه السلام سُئل عن رجلٍ ركع ولم يُسبّح ناسياً؟ قال عليه السلام تمّت صلاته»(3).
(أو طمأنينته حتّى ينتصب)، لما تقدّم في محلّه من أنّ ما يدلّ على اشتراطها في الرّكوع، قاصرٌ عن الدلالة على في غير حال التذكّر.8.
أو رَفْع الرأس منه، أو طمأنينته، أو تسبيح السّجود، أو طمأنينته، أو إحدى الأعضاء السّبعة.
(أو رَفع الرأس منه أو طمأنينته) بلاخلافٍفيهما، ويشهدله حديث (لاتُعادالصَّلاة).
(أو تسبيح السّجود) كما يشهد له خبر علي بن يقطين المتقدّم.
(أو طمأنينته) لقصور ما دلَّ على اعتبارها فيه، عن شموله لغير حال التذكّر.
(أو) بوضع (إحدى الأعضاء السّبعة) على الأرض، من غير فرقٍ بين الجَبهة وغيرها، على ما يظهر من المتن وغيره.
ولكن صرّح غير واحدٍ بأنّ هذا في غير الجبهة، وأمّا فيها فنسيان السّجود عليها، إنّما يوجب الإخلال بالسجود، فإنْ أخلَّ بها في السَّجدتين بطلت الصَّلاة، وإلّا فيلحقه حكم نسيان سجدةٍ واحدة.
أقول: هذا مبنيٌّ على كون وضع الجبهة من مقوّمات مفهوم السّجود، فلابدَّ من تنقيح المبنى، كي يتّضح الحكم في هذا المقام.
فنقول: إنّ ما أخلّ به ممّا هو معتبرٌ في السّجود على أقسام:
منها: ما يكون داخلاً في مفهومه، ولا يصدق بدونه، والظاهر أنّ الإنحناء الخاصّ من هذا القبيل، إذ الظاهر من دليله أنّ ما تضمّنه من التحديد راجعٌ إلى تعيين المفهوم، وتخطئه العرف في التطبيق على ما هو خارج عن الحَدّ.
ومنها: ما اعتبر في السّجود شرعاً، ولعلّ كون وضع الجبهة منه.
ومنها: ما هو من قيود الصَّلاة حال السّجدة، وتكون هي محلّاً له كالذِّكر.
وعليه، فلو شُكّ في ذلك، ولم يُحرز أنّه من قيود الصَّلاة في حال السّجدة أو
أو رفع الرأس منه، أو طمأنينته في الرّفع منها، أو طمأنينة الجلوس في التشهّد.
من قيود السّجدة، فيجب التعامل معه معاملة قيد الصَّلاة، وذلك لأنّ قيديّته للصّلاة معلومة، والشكّ في تقيّيد السّجود به، والأصل يقتضي العدم، وحينئذٍ:
فإنْ كان ما أخلّ به من قبيل الأوّل، لزم ترتيب أثر فوت السّجدة وهو واضح.
كذلك إنْ كان من قبيل الثاني، فإنْ تضمّن الدليل على أنّ السّجدة الواحدة المنسيّة يجب قضاءها، وما دلّ على إعادة الصَّلاة بنسيان السّجدتين كحديث (لا تُعاد الصَّلاة) ظاهران في إرادة السّجدة الشرعيّة دون المسمّى العرفي.
وإنْ كان من قبيل الثالث، صَحّت الصَّلاة لحديث (لا تُعاد).
(أو رفع الرأس منه) أي إكماله - كما صرّح به في «القواعد»(1)- لا نسيان الرفع بالمرّة، وإلّا فلا يتحقّق نسيان الرفع مع تحقّق السّجدتين.
وما عن «المسالك»(2)من حصول التعدّد بالنيّة، واضح الدفع، لأنّه بالنيّة لايصدق أنّه سجد مرّتين.
(أو طمأنينته في الرّفع منهما، أو طمأنينة الجلوس في التشهّد) كلّ ذلك لحديث (لا تُعاد الصَّلاة).
***0.
الثاني: ما يوجب التلافي، فمن ذَكَر أنّه لم يقرأ الحمد وهو في السّورة، قرأ الحمد، وأعاد السّورة.
(الثاني: مايوجب التلافي) من دون سجود السَّهو:
(فمَن ذَكَر أنّه لم يَقرأ الحمد وهو في السّورة) أو بعدها، قبل أن يركع، (قرأ الحمَد وأعاد السّورة) بلا خلافٍ(1)، لأنّه مقتضى القاعدة، فإنّ السّورة واقعة في غير محلّها، فتكون زائدة، فيجب أن يَقرأ الحمد لبقاء محلّه، ثمّ الإتيان بالسّورة بناءً على وجوب السّورة في الصَّلاة.
فإنْ قلت: إنّ الترتيب بين الأجزاء من شرائط الصَّلاة لا من شرائطها، فإذا أتى بالسّورة قبل الحمد، فلم يكن مخلّاً بالسّورة، بل هي وقعت بحيث لا يمكن تداركه إلّا بإعادة الصَّلاة، فمقتضى حديث (لا تُعاد الصَّلاة)(2)صحّتها، وسقوط شرطيّة الترتيب، فلابدَّ من الإتيان بالفاتحة بعدها ويجتزي بذلك، نعم إذا بقي من السّورة شيء أتمّها بعدها.
قلت: إنّ السّورة المأمور بها، هي السّورة الخاصّة لا طبيعتها، أي الواقعة بعد الحمد، فالترتيب شرطٌ فيها، وعليه فحيث أنّ محلّها باقٍ، فلابدَّ من الإتيان بها بعد الفاتحة.
وأمّا في وجوب الإتيان بما أتى به نسياناً وعدمه، كلامٌ سيأتي.
ويشهد لوجوب قراءة الحمد: خبر أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«عن رجلٍ نسي اُمّ القرآن؟ قال: إنْ كان لم يركع فليُعِد أُمّ القرآن»(1).
ونحوه موثّق سماعة(2).
وقد يتوهّم: دلالة خبر علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام -: «عن الرّجل افتتح الصَّلاة، فقرأ سورةً قبل فاتحة الكتاب، ثمّ ذكر بعدما فرغ من السّورة؟ قال: يمضي في صلاته، ويَقرأ فاتحة الكتاب فيما يَستقبل»(3)- على عدم وجوب الإتيان بالفاتحة في هذه الرّكعة، وأنّه يكتفي بإتيانها في الرّكعة اللّاحقة.
لكنّه توهمٌ فاسد: لأنّ الظاهر كونه مسوقاً لبيان كيفيّة المُضيّ، دفعاً لتوهّم مُضيّ محلّ فاتحة الكتاب لأنّه قبل السّورة، فكأنّه قال: (يمضي في صلاته بالابتداء من الفاتحة).
وبهذا يظهر دفع توهّمٍ آخر، وهو دلالته على عدم لزوم استئناف الحمد، ثمّ الإتيان بالسّورة بعده.
أقول: وحينئذٍ هل تجب عليه سجدة السَّهو أم لا؟
وجهان: مبنيّان على لزومها لكلّ زيادةٍ ونقيصة وعدمه.
ثمّ إنّ المشهور بين الأصحاب(4): أنّ له أن يقرأ بعد الحمد غير السّورة التي أتى بها نسياناً قبله، كما أنّ له الإتيان بها.0.
وعن «المبسوط»(1)و «الإرشاد»(2): تعيّن الإتيان بما أتى به قبله.
واستدلّ له: في مقابل إطلاق أدلّة وجوب السّورة على القول به، المقتضي للتخيير:
1 - بما عن «الفقه الرضوي»: «وإنْ نسيتَ الحمد حتّى قرأت السّورة، ثمّ ذكرت قبل أن تركع، فاقرأ الحمد وأعِد السّورة»(3).
وبتقريب أنّ اللّام للعهد الذكري، وتكون إشارة إلى لزوم إعادة ما قَرأ أوّلاً.
2 - وبأنّ السّورة إنّما تتعيّن بإرادتها لا بالشروع فيها، وعليه فالسّورة التي أتى بها بما أنّها مرادة تتعيّن.
3 - وبما عن المحقّق النائيني رحمه الله(4)من العثور على روايةٍ تدلّ على التعيّن بالتعيين قبل الشروع.
أقول: وفي الكلّ نظر:
أمّا الأوّل: فلعدم حجيّته، مضافاً إلى أنّ الظاهر من اللّام كونها للجنس، ولا صارف عن هذا الظهور في الخبر، بل الظاهر أنّ اللّام في قوله: (أعِد السّورة) كاللّام في قوله: (قرأتَ السّورة)، فكما أنّها ليست للعهد فكذلك هذه.
وأمّا الثاني: فلأنّه دعوى بلا شاهد.
وأمّا الثالث: فلعدم حجيّته للإرسال.
فالأظهر: أنّ له الإتيان بسورة غير السورة التي كان قد قرأها أوّلاً.5.
ومَنْ ذَكَر ترك الرّكوع قبل السّجود رَكَع.
(وَمَنْ ذَكر ترك الرّكوع قبل) الدّخول في (السّجود)، وقام (رَكع) إجماعاً(1)كما عن غير واحدٍ.
ويشهد له: أنّ الأمر بالركوع لم يُمتثل، ومحلّ امتثاله باقٍ، فلابدَّ من ذلك.
وأمّا زيادة الهُوي، فعلى فرض كونه من أجزاء الصَّلاة لا من مقدّماتها - وإنْ كان ذلك خلاف التحقيق - بما أنّها زيادة سهويّة، لا توجب البطلان، لعموم حديث (لا تُعاد الصَّلاة)(2).
وأمّا صحيح ابن سنان: «إذا نسيتَ شيئاً من الصَّلاة ركوعاً أو سجوداً أو تكبيراً فاقض الذي فاتك سهواً»(3)، الذي استُدلّ به لهذا القول، بحمله على ما قبل فوات المحلّ، للإجماع(4)على عدم مشروعيّة قضائها بعد الصَّلاة.
فردُّ علمه إلى أهله أولى من هذا التأويل، كما أفاده بعض المحقّقين رحمه الله(5).
وقد استدلّ لبطلان الصَّلاة في الفرض: بما دلَّ على مبطليّة نسيان الرّكوع من النصّ والإجماع.
1) حكاه المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه: ج 2/547 ق 2، قوله: (إجماعاً كما عن جماعة)، مدارك الأحكام: ج 4/234، قوله: (مجمع عليه بين الأصحاب).
2) تهذيب الأحكام: ج 2/152 ح 55، وسائل الشيعة: ج 6/91 ح 7427.
3) من لا يحضره الفقيه: ج 1/346 ح 1007، وسائل الشيعة: ج 8/238 ح 10530.
4) رياض المسائل: ج 1/214 (ط. ق).
5) وهو اختيار المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه: ج 2/547 ق 2، بقوله: (وفيه: إنّ ردّ علمه إلى أهله أولى من ارتكاب مثل هذا التوجيه).
وفيه أوّلاً: إنّ الهُويّ إلى السّجود ليس من الأجزاء، فما لم يدخل في السّجود، يكون محلّ الرّكوع غير متجاوزٍ، فلا يصدق نسيان الرّكوع.
وثانياً: أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ نقصان الصَّلاة من الرّكوع، ولو كان تركه عن نسيانٍ، فإنّه يوجب البطلان في مقابل نقصانها من غير الأركان، لا أنّ نسيانه من حيث هو يعدّ من المبطلات، وفي المقام بما أنّه يمكن تدارك الرّكوع، فلا وجه لبطلان الصَّلاة.
أقول: يقتضي المقام البحث عن موضعين:
الموضع الأوّل: فيما لو نَسي الرّكوع، وتذكّر بعد تحقّق مُسمّى السّجود:
فالمنسوب إلى المشهور(1)بطلان الصَّلاة، بل صاحب «الجواهر» رحمه الله(2)لم يقف على مَن فصّل بين السّجدة الواحدة والسّجدتين، سوى ما يظهر من صاحب «المدارك»(3)، وتبعه صاحب «الحدائق»(4)من المناقشة في البطلان.
أقول: مقتضى القاعدة هي الصحّة، فان السّجدة الواحدة لوقوعها قبل الرّكوع زائدة، وحيثُ أنّ زيادتها غير عمديّة، فلا توجب البطلان.
وقد استدلّ للبطلان:
1 - بإطلاق ما دلَّ على فساد الصَّلاة بنسيان الرّكوع إذا تذكّر بعدما يسجد:
منها: صحيح رفاعة: «سألته عن رجل نسي أن يركع حتّى يسجد ويقوم؟6.
قال عليه السلام: يستقبل»(1).
ومنها: موثّق إسحاق بن عمّار: «سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرّجل يَنسى أن يركع؟ قال عليه السلام: يستقبل حتّى يضع كلّ شيء من ذلك موضعه»(2).
ومنها: خبر أبي بصير: «إذا أيقن الرّجل أنّه ترك ركعةً من الصَّلاة، وقد سجد سجدتين، وترك الرّكوع، استأنف الصَّلاة»(3).
2 - وبإطلاق ما دلّ على بطلان الصَّلاة بنسيان الرّكوع، كخبر أبي بصير عن الإمام الباقر عليه السلام: «عن رجل ينسى أن يركع؟ قال عليه السلام: عليه الإعادة»(4).
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلأنّ تلك النصوص ظاهرٌ في إرادة التذكّر بعد السّجدتين:
أمّا الأخير: فواضح.
وأمّا الأوّل: فبقرينة قوله: (ويقوم).
وأمّا الثاني: فلدلالته بمقتضى التعليل على أنّ البطلان إنّما هو فيما لا يمكن وضع كلّ جزءٍ في محلّه، وفي المقام يمكن ذلك.
وأمّا الثاني: فلظهوره في نسيان الرّكوع في تمام المحلّ، مع أنّه لو سُلّم دلالته على ذلك، لابدَّ من تقييده بالتعليل في موثّق إسحاق.
وعليه، فالأظهر عدم بطلان الصَّلاة في الفرض.
الموضع الثاني: إنّه لو انحنى بقصد الرّكوع، فنسي في الأثناء، فهَوى إلى السجود.9.
وملخّص القول فيه:
تارةً: يكون نسيانه قبل الوصول إلى حَدّ الرّكوع.
واُخرى: يكون بعد وصوله إلى حَدّه.
وعلى التقديرين:
تارةً: يتذكّر قبل التجاوز عن أقصى الحَدّ.
واُخرى: يتذكّره بعده.
فالصور هنا أربعة يقتضي ملاحظتها:
الصورة الأُولى: ما إذا طرأ النسيان قبل الوصول إلى الحَدّ، وتذكّر بعد التجاوز عن أقصاه، فإنّه لا كلام في وجوب العود لإتيان الرّكوع، وفي جواز انتصابه قائماً بقصد الرّكوع، إنّما الكلام في أنّه:
1 - هل يجب العود إلى القيام؟
2 - أم يجوز أن يعود إلى محلّ النسيان منحنياً، ثمّ الانحناء بقصد الرّكوع إلى حَدّه؟
3 - أم يجوز أن يعود إلى حَدّ الرّكوع؟
وجه الأوّل: أمران:
أحدهما: أنّ الرّكوع الواجب هو المعنى الفعلي المصدري، فالواجبُ هو من بداية الانحناء من القيام إلى بلوغ حَدّ الرّكوع، وأنّ الملفّق من السابق واللّاحق ليس ركوعاً واحداً عن الاعتدال القيامي، فعلى ذلك لا يكفي العود إلى الرّكوع ولا إلى محلّ النسيان.
ثانيهما: أنّ القيام المتّصل بالركوع الذي هو من الأركان، هو الذي لم يفصّل بينه وبين الرّكوع، وفي المقام بما أنّه وقع بينهما فصلٌ، فلابدّ من القيام كي يتحقّق
القيام المتّصل بالركوع.
ووجه الثاني: أنّ الرّكوع الواجب، وإنْ كان هو المعنى الفعلي المصدري، إلّاأنّه يكفي الملفّق من السابق واللّاحق، وأنّ القيام المتّصل بالركوع هو القيام المتّصل بمطلق الانحناء، وإنْ لم يصل إلى حَدّ الرّكوع.
ووجه الثالث: أنّ الواجب من الرّكوع هو المعنى الهيئي الاسم المصدري، وأنّ الهويّ مقدّمة له، وعلى هذا فلا يعتبر اتّصال القيام بالركوع، لتحقّق الفصل بينهما بالضرورة.
وعليه، فالأظهر هو الأخير.
الصورة الثانية: وهي ما لو طرأ النسيان قبل الوصول إلى حَدّ الرّكوع، وتذكّر قبل التجاوز عن أقصى الحَدّ. ويظهر حكمه ممّا ذكرناه في الصورة الاُولى.
الصورة الثالثة: ما لو طرأ النسيان بعد الوصول إلى حَدّ الرّكوع، وتذكّر بعد التجاوز عن أقصى الحَدّ، وحينئذٍ:
1 - فهل يجب عليه القيام والرّكوع عنه؟
2 - أم يجب عليه العود إلى حَدّ الرّكوع متقوّساً، ويأتي بالذِّكر، ويراعي فيه سائر الشرائط، كما عن بعضٍ(1)؟
3 - أم يجب عليه أن يهوي إلى السّجود، ولا يعود إلى الرّكوع، كما لعلّه الظاهر من «الجواهر»(2)؟ وجوهٌ:
وجه الأوّل: أنّ الرّكوع ليس عبارة عن الوصول إلى ذلك الحَدّ، بل يعتبر في صدقه انتهاء الانحناء، والهويّ إلى حَدّه الشرعي، وعليه ففي الفرض لم يتحقّق3.
فيجب عليه العود إليه، وحيثُ أنّ القيام السابق لم يكن متّصلاً بالركوع لو عاد إلى حَدّ الرّكوع متقوّساً، وجب عليه حينئذٍ القيام والرّكوع منه، مع أنّ الرّكوع اسمٌ للانحناء الحاصل عن اعتدال قيامي، فلو نهض منحنياً لا يُقال إنّه ركع.
ووجه الثاني: أنّ الرّكوع اسمٌ للمعنى الهيئي الاسم المصدري، فيكفي النهوض إليه منحنياً.
ووجه الثالث: أنّ الرّكوع لا يعتبر في صدقه انتهاء الانحناء، والهويّ إلى الحَدّ الشرعي، بل يكفي في صدقه الوصول إلى ذلك الحَدّ، وعليه فحيثُ إنّه تحقّق، وليس المنسيّ إلّاواجبات الرّكوع، من الذِّكر والطمأنينة وغيرهما، التي يخرج محلّها بالخروج عن الرّكوع، فلا يضرّ السَّهو عنه، لعموم حديث (لا تُعاد الصَّلاة)(1)بعد كونها من قيود حال الصَّلاة لا من قيوده.
أقول: الأظهر هو الأخير، لأنّ اعتبار الانتهاء إلى الحَدّ في صدق الرّكوع، ممّا لم يدلّ عليه دليلٌ، ومقتضى الأصل عدمه، بناءً على ما هو الحقّ من جريان البراءة في الأقلّ والأكثر.
والاستشهاد لإعتباره فيه، بأنّه لا يقال للهاوي للسجود إنّه ركع، وليس ذلك إلّالعدم الانتهاء.
فاسدٌ، فإنّ عدم صدقه عليه إنّما هو لاعتبار القصد في مفهومه.
وأضعف الأقوال هو القول الثاني، إذ مع فرض عدم صدق الرّكوع على المأتي به، لو عاد إلى حَدّ الرّكوع متقوّساً، فإنّه وإنْ سُلّم صدق الرّكوع على تقوّسه من جهة أنّه اسمٌ للمعنى الهيئي الاسم المصدري، إلّاأنّه لعدم تحقّق القيام المتّصل بالركوع، لابدَّ من العود إلى القيام، فتدبّر.7.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/152، وسائل الشيعة: ج 6/91 ح 7427.
ومَنْ ذَكر بعد القيام تَرك سجدةٍ، قَعَد وسَجَد
(ومَنْ ذَكَر بعد القيام تَرْك سَجدةٍ، قَعَد وسَجَد) بلا خلافٍ(1)في لزوم العود إلى السّجود، وصحّة صلاته، لأنّه لا يلزم من العود إليه زيادة مبطلة، فتكون الأحكام المذكورة بمقتضى القاعدة.
وتشهد له: مضافاً إلى ذلك، جملة من النصوص:
منها: صحيح إسماعيل بن جابر، عن الإمام الصادق عليه السلام: «في رجل نَسي أن يسجد سجدة من الثانية، حتّى قام، فَذَكَر وهو قائم أنّه لم يسجد؟
قال: فليسجد ما لم يركع، فإذا ركع وذَكَر بعدُ أنّه لم يسجد، فليمض على صلاته، حتّى يُسلِّم ثمّ يسجدها فإنّها قضاء»(2).
ونحوه صحيح أبي بصير(3).
أقول: وقع الكلام في المقام في مواضع:
الموضع الأوّل: إنّه إذا كان المنسيّ سجدتين:
فعن ظاهر غير واحدٍ من القدماء كالمفيد في «المقنعة»(4)، وأبي الصّلاح(5)، وابن إدريس(6): القول ببطلان الصَّلاة، ولو تذكّر قبل الرّكوع.
والمشهور بين الأصحاب(1)هي الصحّة، وهي الأظهر لما تقدّم من بقاء المحلّ، وعدم لزوم الزيادة المبطلة من العود، والإتيان بهما، مضافاً إلى إطلاق خبر المعلى الآتي.
واستدلّ للبطلان: بالنصوص(2)الدالّة على بطلان الصَّلاة بنسيان السّجود، خرج منها نسيان سجدةٍ واحدة نصّاً وإجماعاً وبقي الباقي.
وفيه: ما تقدّم في نسيان الرّكوع من أنّها لا تدلّ على مبطليّة النسيان من حيث هو، بل المبطل نقصان الصَّلاة عن السّجدتين، فراجع.(3)
الموضع الثاني: إنّه إن علم نسيان سجدةٍ واحدة:
فهل يجب عليه أن يَقعُد ويسجد، كما هو ظاهر المتن؟
أم لا يجب الجلوس مطلقاً، بل يجوز أن يهوي إلى السّجود دون الحاجة إلى الجلوس؟
أم يفصّل بين ما إذا علم بالجلوس بعد السّجدة الأُولى فلا يجب عليه الجلوس، وبين ما إذا علم بعدمه أو شكّ فيه فيجب عليه الجلوس؟ وجوه:
حقّ القول في المقام أن يُقال: إنّه إنْ علم بعدم الجلوس بعد الأُولى وجب عليه أن يقعد، لأنّه من أجزاء الصَّلاة، ومحلّه باقٍ، فيجب الإتيان به.
وقد استدلّ لعدم وجوبه:
1 - بإطلاق صحيح إسماعيل المتقدّم، فإنّه حكم فيه بوجوب الإتيان بالسّجدة، من دون تعرّض للزوم الجلوس، بلا استفصال عن كون ترك السّجدة الثانية مع ترك الجلوس بين السّجدتين أو مع الإتيان به، ولو كان الجلوس مع تركه واجباً، لزم التعرّض له.2.
2 - وبتعذّر الجلوس الواجب، فإنّ الجلوس المقيّد بكون طرفيه السجدتان من غير تخلّل شيءٍ بينه وبينهما هو الواجب.
وعليه، ففي الفرض بما أنّ القيام قد تخلّل، فيتعذّر الجلوس الواجب، فلا محالة يكون ساقطاً.
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلعدم كون المقام مورداً للتمسّك بترك الاستفصال، فإنّ الجلوس غير السّجود، والمسؤول عنه هو الثاني دون الأوّل، وليس ترك الجلوس لازماً غالبيّاً لترك السّجدة، وعليه فعدم التعرّض له لايدلّ على عدم وجوبه لو علم بتركه.
وأمّا الثاني: فلأنّ الواجب من الجلوس لم يثبت بالقيد المزبور، والأصل عدمه، مع أنّ الظاهر عدم اعتباره، لجواز الخروج عن الجلوس بالحركة يمنةً ويسرة، بما لا يعدّ من أفعال الصَّلاة بين السّجدتين قطعاً.
وإنْ علم بالجلوس بعد الأُولى، لا يجب الجلوس وإنْ كان جلوسه بعدها لاعتقاد كونها الثانية، وأنّها جلسة الاستراحة، إذ الجلوس بين السّجدتين وبعدهما ليسا حقيقتين متغايرتين، كي يكون المعتبر في كلّ منهما عنواناً قصديّاً كالظهريّة والعصريّة.
وعليه، فإنْ أتى به ولو باعتقاد أنّه بعد الثانية، فقد أتى بالمأمور به، ويكون الخطأ في التطبيق، فلا يجب إعادته.
وإنْ شكّ في الجلوس بعدها، فحيثُ أنّه في حال القيام تذكّر ترك السّجدة الثانية، فيكون قيامه زائداً ولا يعدّ من أجزاء الصَّلاة، فبالنسبة إلى الجلوس يكون الشكّ شكّاً في المحلّ، فيجب الإتيان به.
فتحصّل: أنّ الأظهر هو القول الثالث.
وَيَسجُد سَجدتي السَّهو.
(و) الموضع الثالث: هل يجب عليه أن (يَسجُد سَجدتي السَّهو) كما في المتن؟ أم لا كما هو خيرة جمعٍ من الأساطين(1)؟ وجهان:
أقول: أقواهما الثاني:
1 - لما دلّ على عدم وجوبهما لنسيان السّجدة، وإن ذَكر بعد مضيّ محلّ التدراك كصحيح أبي بصير، وخبر محمّد بن منصور، وموثّق مصدق الآتية في القسم الثالث، لكن ستعرف أنّها حجّة في موردها، والتعدّي عنه واضح.
2 - ولما دلَّ على أنّه لا يجب سجدة السَّهو على مَنْ حفظ سهوه وأتمّه، كموثّق سماعة(2).
وقد استدلّ لوجوبهما: بخبر مُعَلّى بن خُنَيس، عن أبي الحسن عليه السلام:
«في الرّجل ينسى السّجدة من صلاته؟
قال: إذا ذكرها قبل ركوعه سَجَدها، وبنى على صلاته، ثمّ سجد سجدتي السَّهو بعد انصرافه، وإنْ ذكرها بعد ركوعه أعاد الصَّلاة»(3).
وفيه: إنّه ضعيف السَّند للإرسال، فتأمّل.
نعم، لا بأس بالقول باستحبابهما لقاعدة التسامح.7.
وكذا لو ذَكَر ترك التشهّد.
(وكذا) أي يجب التدارك فيما لو (ذكر تَرك التشهّد) قبل أن يركع، بلا خلافٍفيه(1).
ويشهد له: - مضافاً إلى أنّ ذلك مقتضى القاعدة، لبقاء محلّه، وما أتى به من القيام وغيره زيادة غير عمديّة لا تُبطل الصَّلاة - جملة من النصوص:
منها: صحيح الحلبي - أو حسنه - عن الإمام الصادق عليه السلام، قال:
«إذا قمتَ في الرّكعتين من الظهر ومن غيرها، ولم تتشهّد فيهما، فذكرت ذلك في الرّكعة الثالثة، قبل أن تركع، فاجلس وتشهّد وقُم فأتمّ صلاتك»(2).
ونحوه صحيحا ابن أبي يعفور(3)وسليمان بن خالد(4).
أقول: ولا يجبُ سجدة السَّهو:
1 - للأصل.
2 - عموم بعض الأخبار الدالّ على أنّه لا سهو على من حفظ سهوه وأتمّه.
3 - وخصوص خبر الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن الرّجل يسهو في الصَّلاة فينسى التشهّد؟
قال: يرجع فيتشهّد.
قلت: ليسجد سجدتي السَّهو؟ قال: ليس في هذا سجدتا السَّهو»(5).
ولو ذَكر بعد التسليم تَرك التشهّد، أو الصَّلاة على النبيّ صلى الله عليه و آله، قضاه.
(ولو ذَكَر بعد التسليم ترك التشهّد، أو الصَّلاة على النبيّ صلى الله عليه و آله قضاه) أي أتى بما تركه.
أقول: ويشهد له في التشهّد، صحيح محمّد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام: «في الرّجل يفرغ من صلاته، وقد نسي التشهّد حتّى ينصرف؟
فقال: إنْكان قريباً رجع إليمكانه فتشهّد، وإلّا طلب مكاناً نظيفاًفتشهّد فيه»(1).
ولكن لا يستفاد من هذا الخبر أنّ ما يأتي به يكون تلافياً أم قضاءً، ولذلك لابدَّ من الرجوع إلى القواعد، وعليه فإذا لم يكن آتياً، يبطل مطلق وجوده، ويكون سلامه واقعاً في غير محلّه، لكن بما أنّ محلّ التشهّد باقٍ فعليه أن يأتي به كذلك ويُتمّ صلاته، وإنْ كان آتياً به قضاه.
وبالجملة: وبما ذكرناه ظهر أنّه لو ترك الصَّلاة على النبيّ صلى الله عليه و آله قضاها، أي أتى بها وبما بعدها لو تذكّر قبل أن يأتي بما يبطل مطلق وجوده.
وإنْ كان بعده لا شيء عليه، وتكون صلاته صحيحة، لحديث (لاتُعاد الصَّلاة).
وأيضاً: قد استدلّ لوجوب قضائها في الفرض الأخير:
1 - بأنّه مأمور بالإتيان بها، ولم يأت بها، فيبقى التكليف في عهدته إلى أن يخرج منه بفعلها.
2 - وبأنّ التشهّد يُقضي بالنصّ فكذا أبعاضه.
3 - وبأنّ مقتضى الأصل فساد الصَّلاة بتركها، لأنّها من أجزائها، ولكن ثبت5.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/157 ح 75، وسائل الشيعة: ج 6/401 ح 8285.
بالإجماع(1)صحّة الصَّلاة مع القضاء، وبدونه لم يُحرز كون المأتي به مبرءٌ، فمقتضى الأصل وجوب القضاء.
أقول: وفي الكلّ نظر:
أمّا الأوّل: فلأنّ الصَّلاة على النبيّ صلى الله عليه و آله واجبة في التشهّد، وقد فات محلّها، والقضاء يحتاج إلى أمرٍ جديد وهو منتفٍ.
وأمّا الثاني: فلمنع الملازمة.
وأمّا الثالث: فلأنّ مقتضى حديث (لا تُعاد الصَّلاة) صحّة الصَّلاة بتركها إنْ كان عن غير عمدٍ.
وعليه، فالأظهر عدم وجوب قضائها.
***1.
1) الخلاف: ج 1/371.
الثالث:
(الثالث) ما يُتدارك مع سَجدتي السَّهو عند المشهور، فقد ذكروا لذلك موردين:
الأوّل: ما إذا تذكّر السَّجدة الواحدة بعد دخوله في الرّكوع.
الثاني: ما لو ذكر التشهّد بعد الدخول في الرّكن.
أمّا المورد الأوّل: فالكلام فيه يقع في جهات:
الجهة الأُولى: هل يوجب نسيان السّجدة الواحدة بطلان الصَّلاة مطلقاً كما عن العُمّاني(1)والكليني(2).
أم يوجب البطلان إذا كانت من الأوليين، كما عن المفيد(3)والشيخ(4).
أم لا يوجب ذلك، بل الصَّلاة محكومة بالصحّة، وإنّما يجب قضاؤها بعد الصَّلاة، كما هو المشهور بين الأصحاب؟(5)
وجوه، أقواها الثالث، وتشهد له جملة من النصوص:
1) حكاه عنه الشهيد الأوّل في كتاب البيان: ص 87 (ط. ق) (باب السّجود)، حياة ابن أبي عقيل العُماني ص 199 (إعداد مركز المعجم الفقهي).
2) الكافي: ج 3/361، قوله: (وإن ركع فاستيقن أنّه لم يكن سجد إلّاسجدة أو لم يسجد شيئاً فعليه إعادة الصَّلاة).
3) المقنعة: ص 138.
4) تهذيب الأحكام: ج 2/176، وأيضاً ابن حمزة الطوسي في الوسيلة: ص 100، في أحكام السَّهو.
5) ممّن قال بذلك الشيخ في الخلاف: ج 1/455-456، وفي الرسائل العشر ص 188، جامع الخلاف والوفاق 124، تذكرة الفقهاء: ج 3/334 (ط. ج) وج 1/138 من (ط. ق)، مختلف الشيعة: ج 2/367، ذكرى الشيعة: ج 3/387 (ط. ج)، كفاية الأحكام: ج 1/127 وغيرهم.
منها: صحيح أبي بصير، عن مولانا الصادق عليه السلام: «من نَسي أن يسجد سجدة واحدة، فذكرها وهو قائم؟
قال عليه السلام: سجدها إذا ذكرها مالم يركع، فإنْ كان قد رَكَع فليمض على صلاته، فإذا انصرف قضاها وليس عليه سهو»(1).
ومنها: صحيح إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «في رجل نَسي أن يسجد السّجدة الثانية، قام فذكر وهو قائمٌ أنّه لم يسجد؟
قال عليه السلام: فليسجد ما لم يركع، فإذا رَكَع فذَكَر بعد ركوعه إنّه لم يسجد، فليمضِ على صلاته حتّى يُسلِّم، ثمّ يسجدها فإنّها قضاء»(2).
ونحوهما - موثّق الساباطي(3)، وخبر علي بن جعفر(4).
واستدلّ للقول الأوّل: بخبر مُعَلّى بن خُنَيس المتقدّم، عن أبي الحسن الماضي عليه السلام في حديثٍ: «وإنْ ذكرها بعد ركوعه، أعاد الصَّلاة، ونسيان السّجدة في الأوليين والأخيرتين سواء».
وأورد عليه(5):
1 - بأنّ المُعلّى ضعيف في نفسه.
2 - مع أنّه قُتل في حياة الإمام الصادق عليه السلام، فكيف له أن يروي عن الإمام الكاظم عليه السلام؟0.
3 - وبأنّه مرسل.
ولكن يمكن دفع الأوّل: بأنّ الروايات في مدحه كثيرة(1)، وهي تدلّ على عدالته، وما تضمّن ذمّه من النصوص، يدلّ على عدالته قبل إذاعته السِرّ الموجبة لقتله. فالأخبار متّفقة على سبق عدالته ووثاقته وجلالة قدره، فضلاً عن تعديل الشيخ إيّاه(2).
وعليه فلا يعتنى بتضعيف ابن الغضائري(3)والنجاشي(4)والمصنّف رحمه الله(5)إيّاه.
ويمكن دفع الثاني: بأنّه لا مانع من روايته عنه في زمان حياة أبيه، وإنْ كان طفلاً صغيراً.
ويمكن دفع الثالث: بأنّه معمولٌ به عند الأصحاب(6).
أقول: والحقّ في الجواب عنه:
أنّه إمّا أنْ يكون ظاهراً في نسيان السّجدة المأمور بها، وهي اثنتان.
أو يكون مطلقاً شاملاً لنسيانهما، ونسيان واحدة منهما، فيقيّد إطلاقه بالنصوص المتقدّمة.ة.
1) روى الكشّي في رجاله عِدّة روايات بحقّ المُعلّى بن خُنيس، راجع رجال الكشّي: ص 376-382 وفي بعضهاقوله عليه السلام: (أما واللّه لقد دخل الجنّة)، وأيضاً الشيخ في اختيار معرفة الرِّجال: ج 2/673 وما بعدها.
2) قال الشيخ في كتاب الغيبة: 387: (ومنهم المُعلّى بن خنيس، وكان من قوّام أبي عبد اللّه (عليه السَّلام) وإنّما قتله داود بن عليّ بسببه، وكان محموداً عنده، ومضى على منهاجه، وأمره مشهور) انتهى. وقال العلّامة في خلاصة الأقوال: ص 409 باب مُعلّى، بعد نقله كلام الشيخ: (وهذا يقتضي وصفه بالعدالة)، وفي كتابه رجال العلّامة الحِلّي ص 279 من الفائدة الثامنة، قوله: (وعن المُعلّى بن خُنيس مولى الصادق عليه السلام صحيح) [أي طريق الشيخ].
3) رجال ابن الغضائري: ص 87 رقم: 116 قال في ترجمته: (ولا أرى الاعتماد على شيء من حديثه).
4) رجال النجاشي: ص 417 رقم 1114، (ومن هذا الباب مُعلّى) قوله: (ضعيفٌ جدّاً، لا يعوّل عليه).
5) لم يظهر من خلاصة الأقوال للعلّامة: ص 408 باب مُعلّى، القول بالتضعيف، فإنّه نقل أقوال الطرفين وقال: (وروى فيه أحاديث تقتضي الذمّ وأُخرى تقتضي المدح وقد ذكرناها في الكتاب الكبير).
6) فقد عمل على طبق روايته العماني والكليني كما سبق القول بذلك في المباحث السابقة.
واستدلّ للقول الثاني:
1 - بصحيح البزنطي، عن الإمام الرضا عليه السلام:
«عن رجل يُصلّي ركعتين، ثمّ ذكر في الثانية وهو راكع أنّه ترك السّجدة في الأُولى؟
قال: كان أبو الحسن عليه السلام يقول: إذا تَرك السّجدة في الرّكعة الأُولى، فلم يَدر واحدة أو ثنتين، استقبلتَ الصَّلاة حتّى يصحّ لك ثنتان، وإذا كان في الثالثة أو الرابعة، فتركتَ سجدةً بعد أن تكون قد حفظت الرّكوع، أعدتَ السّجود»(1).
وهو وإنّ اختصّ بالركعة الأُولى، إلّاأنّه يثبت في الثانية لعدم الفصل.
2 - وبالأخبار الدالّة على أنّه لا سهو في الأوليين:
منها: خبر أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا سهوتَ في الرّكعتين الأولتين فأعدهما»(2).
ومنها: حسن الحسن بن علي، عن الإمام الرضا عليه السلام:
«الإعادة في الرّكعتين الأوليين، والسَّهو في الرّكعتين الأخيرتين»(3).
ونحوهما غيرهما.
وجماعةٌ من الأصحاب عملوا بعمومها، وأوجبوا الإعادة بوقوع السَّهو في شيء من الأوليين، سجوداً كان أو غيره، وقد تقدّم بعض مواردها.
ولكن يرد على الأوّل: أنّه مجملٌ ومضطرب، فإنّ في «الكافي» روايته مع زيادة4.
لفظ (الصَّلاة) بعد استقبلت، وإبدال (الفاء) في (فلم يدر) بالواو، والاقتصار على ما قبل (وإذا كان في الثالثة... الخ).
أقول: وقد ذكروا في بيان المراد من الجملة الأُولى وجوهاً، لعلّ أمتنها أن يكون المراد من: (ولم يدر واحدة أو ثنتين) الشكّ في الرّكعة الواحدة والاثنتين لا في السّجدة، وعليه فالحكم بالإعادة إنّما هو لأجل الشكّ في الأوليين، ولا ربط له بالمقام.
وهذا، وإنْ لم يكن ملائماً مع سؤال السائل، إلّاأنّ هذا لازم على جميع الوجوه، إذ فرض الشكّ في الواحدة والأثنتين اُريد به الشكّ في الرّكعة أو السّجدة غير ما هو فرض السائل، فلاحظ وتدبّر.
مع أنّه لو تمّت دلالته، لابدَّ من صرفه عن ظاهره، بما هو صريحٌ في الصحّة حتّى إذا كان المنسيّ من الرّكعتين الأولتين:
منها: الخبر الذي رواه محمّد بن منصور، قال:
«عن الذي يَنسى السّجدة الثانية من الرّكعة الثانية، أو شكّ فيها؟
فقال عليه السلام: إذا خِفتَ ألّا تكون وضعت وجهك إلّامرَّة واحدة، فإذا سلّمت سجدت واحدة، وتضع وجهك مرّةً، وليس عليك سهو»(1).
ومنها: خبر جعفر بن بشير: «عن رجلٍ ذكر أنّه لم يسجد في الرّكعتين الأولتين إلّا سجدة، وهو في التشهّد الأوّل؟
قال عليه السلام: فليسجدها ثمّ ينهض، وإذا ذكره وهو في التشهّد الثاني قبل أن يُسلِّم،8.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/155 ح 65، وسائل الشيعة: ج 6/366 ح 8198.
فليسجدها ثمّ يُسلِّم ثمّ يَسجد سَجدتي السَّهو»(1).
ومنها: خبر مُعَلّى المتضمّن لإستواء نسيان السّجدة في الأوليين الأخيرتين(2)، فتأمّل.
أقول: إنّ الخبرين الأولين لا يخلوان عن الإشكال، إلّاأنّ في الأخيرة كفاية.
وبذلك يظهر الجواب عن الوجه الثاني، فإنّ تلك النصوص لو تمّت دلالتها، وجب تقييدها بخبر مُعَلّى، مع أنّها مسوقة لبيان حكم الشكّ في الرَّكعات، وليست في مقام بيان حكم السَّهو في الأجزاء.
فتحصّل: أنّ ما ذهب إليه المشهور أظهر.
الجهة الثانية: في محلّ قضاء السَّجدة:
والمشهور(3)أنّه بعد الصَّلاة.
وعن المفيد في «الرسالة العِزيّة»(4)أنّه قال: (إذا ذكر بعد الرّكوع، فليسجد في الثانية ثلاث سجدات، واحدة منها قضاء).
وعن أبي الحسن علي بن بابويه(5): أنّ السّجدة المنسيّة من الرّكعة الأُولى،
1) المحاسن: ج 2/327، وسائل الشيعة: ج 6/367 ح 8199.
2) تهذيب الأحكام: ج 2/154 ح 64، وسائل الشيعة: ج 6/366 ح 8197.
3) جواهر الكلام: ج 12/296، قوله: (المشهور بل لم ينقل الخلاف فيه إلّاعن المفيد في الرسالة العِزيّة وأبي الحسن علي بن بابويه في رسالته إلى ولده.. الخ).
4) حكاه عنه غير واحد منهم السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 9/357، قوله: (إذ لم نعرف الخلاف إلّاما حكي عن المفيد في «الرسالة العِزيّة»، وأبي الحسن علي بن بابويه في رسالته إلى ولده).
5) كما حكاه عنه العلّامة في مختلف الشيعة: ج 2/372، والسيّد العاملي في مدارك الأحكام: ج 4/243.
تُقضى في الرّكعة الثالثة، وسجود الثانية إذا ذُكِرت بعد الرّكوع الثالثة، يُقضى في الرّكعة الرابعة، وسجود الثالثة يُقضى بعد التسليم).
وعن الإسكافي(1): أنّه إنْ أيقن بترك السّجدة بعد ركوعه في الثالثة، سجدها قبل سلامه.
أقول: وما اختاره المشهور أظهر، وتشهد له النصوص المتقدّمة.
وأمّا ما حكي عن المفيد: فقد اعترف غير واحدٍ(2)بعدم الوقوف على مستنده، وقد استدلّ بعضهم له بإطلاق صحيح ابن أبي يعفور عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إذا نسى الرّجل سجدةً، وأيقن أنّه قد تركها، فليسجدها بعدما يقعد قبل أن يُسلِّم»(3).
بدعوى أنّ إطلاقه يشمل القعود في الثانية.
وفيه: إنّه كالصريح في إرادة القعود في الرّكعة الأخيرة، بل وفي كون السّجدة بعد التشهّد قبل السَّلام، ولذلك حَمَله في محكي «المدارك»(4)على ما ذهب إليه من استحباب التسليم، وعلى ذلك فهو أجنبيٌ عن ذلك، وحيثٌ إنّه غير معمول به فيُطرح.
وأمّا ما عن ابن بابويه: فمستنده ما هو مذكور في(5)«الفقه الرضوي»:
(فإنْ نسيتَ السّجدة من الرّكعة الأُولى، ثمّ ذكرت في الثانية، من قبل أن تركع، فارسل نفسك واسجدها ثمّ قُم إلى الثالثة، وأعِد القراءة، فإنْ ذكرتها بعدما ركعت2.
فاقضها في الرّكعة الثالثة... الخ).
وفيه: ما تكرّر منَّا من عدم حجيّة ما في «الفقه الرضوي».
وأمّا ما عن الإسكافي: فقد استدلّ له بخبر ابن أبي يعفور المتقدّم، وخبر جعفر بن بشير الآتي، وحيث أنّهما غير معمول بهما فلا يُعتمد عليهما.
فتحصّل: أنّ الأظهر ما التزم به المشهور.
الجهة الثالثة: هل تجب سجدة السَّهو لنسيان السّجدة، كما هو المشهور(1)، بل في «الجواهر»(2): (شهرةً كادت تكون إجماعاً)، بل في «المنتهى»(3): (عليه الإجماع)؟
أم لاتجب، كماعن الصدوقين(4)والعُمّاني(5)والمفيد(6)وأكثرالمتأخّرين(7)؟ وجهان:
واستدلّ للأوّل:
1 - بما دلَّ على وجوبها لكلّ زيادةٍ ونقيصه(8).
2 - وبما دلَّ على وجوبها لمطلق السَّهو(9).
3 - وبخبر جعفر بن بشير، عن أحدهم عليهم السلام: «أنّه سُئل عن رجلٍ ذكر أنّه لم يسجد في الرّكعتين الأولتين إلّاسجدة، وهو في التشهّد الأوّل؟6.
1) مستند الشيعة: ج 7/118.
2) جواهر الكلام: ج 12/293.
3) منتهى المطلب: ج 1/417.
4) عندما يعبّر بالصدوقين يقصد بهما كما هو المتعارف عند العلماء: علي بن بابويه القمّي، وابنه محمّد بن علي صاحب «من لا يحضره الفقيه» رحمهما الله، وقد حكاه العلّامة في مختلف الشيعة: ج 2/372.
5) كما حكاه الشهيد في البيان ص 87 (ط. ق)، حياة ابن أبي عقيل العُمّاني ص 199.
6) المقنعة: ص 138.
7) مستند الشيعة: ج 7/118.
8) تهذيب الأحكام: ج 2/155 ح 66، وسائل الشيعة: ج 8/251 ح 10563.
9) وسائل الشيعة: ج 8/250 باب 32 من أبواب الخَلل الواقع في الصَّلاة، ابتداءً من ح 10561، التهذيب: ج 2/155 ح 66.
قال: فليسجدها ثمّ لينهض، وإذا ذَكَره وهو في التشهّد الثاني، قبل أن يُسلِّم، فليسجدها ثمّ يُسلِّم، ثمّ يسجد سجدتي السَّهو»(1).
أقول: وفي الكلّ نظر:
أمّا الأوّلان: فلأنّهما لو تمّ دلالتهما، لزم تقييد إطلاقهما بالنصوص الدالّة على عدم وجوبهما:
منها: صحيح أبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عمّن نَسي أن يسجد سجدةً واحدة؟ قال: فإنْ كان قد رَكَع فليمضِ على صلاته، فإذا انصرف قضاها، وليس عليه سهو»(2).
ونحوه خبر محمّد بن منصور(3).
ومنها: موثّق عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن الرّجل يَنسى الرّكوع أو يَنسى سجدة، هل عليه سجدتا السَّهو؟ قال عليه السلام: لا، قد أتمَّ الصَّلاة»(4).
وعدم العمل بجزءٍ منه لمعارضٍ أقوى، لا يُسقطه عن الحجيّة فيما عداه.
وأمّا خبر جعفر، فلأنّه مع قطع النظر عن سنده، لو تمّت دلالته، لابدَّ من صرفه عن ظاهره، وحمله على الاستحباب بقرينة ما مرّ.
وعليه، فالأظهر عدم وجوبها.
***7.
المورد الثاني: ويدور البحث فيه عن قضاء التشهّد:
المشهور بين الأصحاب(1)صحّة الصَّلاة ولزوم قضائه بعدها.
وعن الصدوقين(2)، والمفيد في «العِزيّة»(3)، وصاحب «الحدائق»(4)القول بأنّه يُجزي التشهّد الذي في سجدتي السَّهو عن القضاء.
وعن المصنّف رحمه الله: القول ببطلان الصَّلاة.
ويشهد للمشهور:
1 - صحيح محمّد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام: «في الرّجل يفرغ من صلاته، وقد نَسي التشهّد حتّى ينصرف؟
فقال عليه السلام: إنْ كان قريباً رجع إلى مكانه فتشهّد، وإلّا طلب مكاناً نظيفاً فتشهّد فيه»(5).
وإطلاقه يشمل نسيان التشهّد الأوّل، وأمّا إطلاقه بالنسبة إلى ما بعد صدور المنافي، فسيأتي الكلام فيه.
2 - وخبر عليّ بن حمزة، قال: «قال أبو عبد اللّه عليه السلام: إذا قُمتَ في الرّكعتين
1) مستند الشيعة: ج 7/120.
2) من لا يحضره الفقيه: ج 1/356 ذيل الحديث 1030، وحكاه العلّامة في مختلف الشيعة: ج 2/407.
3) قاله المفيد أيضاً في المقنعة: ص 148، قوله: (وإن ذكره [أي التشهّد] بعد ركوعه في الثالثة مضى في صلاته، فإذا سلّم قضاه وتشهّد، ثمّ سجد سجدتي السَّهو).
4) الحدائق الناضرة: ج 9/153.
5) تهذيب الأحكام: ج 2/157 ح 75، وسائل الشيعة: ج 6/401 ح 8285.
الأولتين، ولم تتشهّد، فذكرت قبل أن تركع، فاقعد فتشهّد، وإنْ لم تَذكُر حتّى تركع، فامض في صلاتك كما أنتَ، فإذا انصرفتَ سجدتَ سجدتين لا ركوع فيهما، ثمّ تتشهّد التشهّد الذي فاتك»(1).
ودلالته على ما هو المشهور واضحة، وأمّا تقديم سَجدتي السَّهو عليه فسيأتي الكلام فيه.
3 - وبعموم ما دلَّ على وجوب قضاء ما يفوت من الصَّلاة، كصحيح ابن سنان، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إذا نسيتَ شيئاً من الصَّلاة، ركوعاً أو سجوداً أو تكبيراً، ثمّ ذكرتَ فاصنع الذي فاتك سواء»(2).
ونحوه صحيح حكم(3)، وخبر الحلبي(4).
وفيه: هذه النصوص لم يعمل بعمومها الأصحاب، بل وبما فيها من التكبيرة والرّكوع وحملها على السّجدة والتشهّد كما ترى، فلابدّ من طرحها أو ردّ علمها إلى أهلها.
4 - الاستدلال بالإجماع(5).
وفيه: وهو ممنوعٌ لاستنادالأصحاب إلى ما مرّ من الأدلّة، فلايعدّ إجماعاًتعبّديّاً.
وعليه، فالعمدة الأخبار الخاصّة.4.
وأورد على الاستدلال بها:
1 - أمّا صحيح محمّد فظاهرٌ في وجوب قضاء التشهّد الأخير، ولا أقلّ من قابلية حمله عليه، فيُحمل بقرينة ما هو ظاهر في عدم وجوب قضاء الأوّل عليه.
2 - وخبر عليّ وإنْ كان ظاهراً فيه، إلّاأنّه بقرينة تقديم السّجدتين، وما دلَّ على عدم وجوب القضاء، يُحمل التشهّد فيه على تشهّد سجدة السَّهو.
3 - وأمّا النصوص المستفاد منها عدم الوجوب، فهي:
ما بين ما بإطلاقه يدلّ عليه كصحيح سليمان بن خالد، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«عن الرّجل نَسي أن يجلس في الرّكعتين الأولتين؟
فقال: إنْ ذكر قبل أن يركع فليجلس، وإنْ لم يذكر حتّى يركع فليتمّ صلاته، حتّى إذا فرغ فليُسلّم ويَسجد سَجدتي السَّهو»(1).
ونحوه صحاح ابن أبي يعفور(2)، والفُضيل بن يسار(3)، وابن سنان(4)، والحلبي(5)، وحسن الحسين بن أبي العلاء(6).
وبين ما فيه إشعارٌ بذلك كموثّق أبي بصير: «عن الرّجل يَنسى أن يتشهّد؟ قال عليه السلام: يسجد سجدتين، يتشهّد فيهما»(7).
فإنّ فيه إيماءً بأنّ تشهّد سجدة السَّهو بدلٌ عن تشهّد الصَّلاة.9.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/158 ح 76، وسائل الشيعة: ج 6/402 ح 8286.
2) تهذيب الأحكام: ج 2/158 ح 78، وسائل الشيعة: ج 6/402 ح 8287.
3) تهذيب الأحكام: ج 2/345 ح 19، وسائل الشيعة: ج 6/405 ح 8293.
4) وسائل الشيعة: ج 6/411 ح 8306.
5) تهذيب الأحكام: ج 2/344 ح 17، وسائل الشيعة: ج 6/406 ح 8795.
6) تهذيب الأحكام: ج 2/159 ح 81، وسائل الشيعة: ج 6/403 ح 8288.
7) تهذيب الأحكام: ج 2/158 ح 79، وسائل الشيعة: ج 6/403 ح 8289.
وبين ما هو ظاهرٌ في ذلك كالفقه الرضوي(1).
أقول: أمّا النصوص المطلقة فهي تقيّد بما دلّ على وجوب القضاء، كما هو الشأن في جميع موارد المطلق والمقيّد.
وأمّا ما فيه إشعارٌ بالبدليّة، فهو غير كونه دالّاً عليها، فلا يعتمد عليه.
وأمّا «الفقه الرضوي» فقد مرَّ غير مرّة أنّه ليس بحجّة.
وبالجملة: فلا وجه لرفع اليد عن إطلاق صحيح محمّد، وعن خبر عليّ بن حمزة، مضافاً إلى عدم إمكان حمل خبر عليّ بن حمزة على تشهّد السّجدة لقوله عليه السلام:
(ثمّ تتشهّد الذي فاتك).
أقول: وبما ذكرناه ظهر أنّ القول الثاني ضعيفٌ لا دليل عليه.
وقد استدلّ للثالث: بموثّق عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إنْ نَسي رجلٌ التشهّد في الصَّلاة، فذكر أنّه قال بسم اللّه وباللّه فقط، جازت صلاته، وإنْ لم يذكر شيئاً من التشهّد أعاد الصَّلاة»(2).
ونحوه خبر عليّ بن جعفر(3).
ولكن لصراحة النصوص المتقدّمة في الصحّة، تُرفع اليد عن ظهورهما، ويُحملان على الاستحباب، وإنْ لم يكن هذا الجمع عرفيّاً يتعيّن طرحهما وردّ علمهما إلى أهلهما.
أقول: المشهور بين الأصحاب(4)لزوم سجدة السَّهو لنسيان التشهّد.1.
وعن «الخلاف»(1)و «الغُنية»(2)دعوى الإجماع عليه.
وعن ظاهر ابن أبي عقيل(3)والشيخ في «الجُمل»(4)و «الاقتصاد»(5)، وأبي الصّلاح(6)العدم، حيث لم يذكروه يتعرّضوا له في عِداد ما يوجب سجدة السَّهو.
وعن «الذخيرة»(7): التردّد فيه.
والأوّل أقوى للنصوص، وظاهر خبر عليّ بن حمزة، وإنْ كان لزوم تقديم السّجدة على قضاء التشهّد، إلّاأنّ المشهور خلافه، وسيأتي الكلام فيه.
ومدرك القول الثاني: عدم ظهور الأمر الوارد في الأخبار في الوجوب، ولأجله تردّد في «الذخيرة»، وهو كما ترى.
ثمّ إنّه ربما يقال: بأنّه لو نَسي بعض التشهّد، وجب قضائه، واستدلّ له:
1 - بعموم مادلَّعلى قضاءأجزاء الصَّلاة، كصحيحي ابن سنان و حَكَم المتقدّمين.
2 - وبأنّه إذا وجب قضاء الجميع، وجب قضاء البعض.).
1) الخلاف: ج 1/454.
2) غنية النزوع: ص 113.
3) حكاه عنه العلّامة في مختلف الشيعة: ج 2/419-420، حياة ابن أبي عقيل العُمّاني ص 215 (إعداد مركزالمعجم الفقهي).
4) الرسائل العشر: ص 188.
5) الاقتصاد: ص 267.
6) الكافي للحلبي: ص 149.
7) ذخيرة المعاد: ج 1/373 ق 2، قال: (الثالثة من نسي التشهّد ولم يذكر حتّى ركع، قضاه وسجد سجدتي السَّهو عند المصنّف، أمّا وجوب السّجود فنقل بعض الشارحين للشرائع أنّه لا خلاف فيه بين الأصحاب، ونقل في المختلف والذكرى الخلاف فيه عن ابن أبي عقيل، والشيخ في الجمل والاقتصاد، ولم يذكره أبو الصّلاح فيما يوجب سجدة السَّهو، والصحيح الوجوب، ويدلّ عليه صحيحة سليمان بن خالد، وصحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور وحسنة الحلبي.. الخ).
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلما تقدّم من أنّه لم يَعمل الأصحاب بعموم تلك الأخبار، لأنّ البناء على عمومها يستلزم القول بتخصيص الأكثر.
وأمّا الثاني: فبمنع الملازمة.
وعليه، فالأظهر عدم وجوب قضائه.
الشكّ في الصَّلاة
وفيه فصول:
1 - في الشكّ في أصل الصَّلاة.
2 - في الشكّ في الرَّكعات الموجب للبطلان.
3 - في الشكّ في أجزاء الصَّلاة وشروطها.
4 - في الظنّ بعدد الرَّكعات وأجزاء الصَّلاة.
5 - في الشكّ في الرَّكعات الموجب لصلاة الاحتياط أو شيء آخر.
6 - في الشكّ الذي لااعتبار به.
أمّا الفصل الأوّل: ففيه مسائل:
المسألة الأُولى: إذا شكّ في أنّه صلّى أم لا:
فإنْ كان الوقت باقياً أتى بها، وإنْ انقضى الوقت، لم يلتفت، وبنى على أنّه صَلّى بلا خلافٍ في ذلك، بل ظاهر جماعة(1)كونهما من المسلّمات.
أقول: ويشهد لكلا الحكمين، مصحّح زرارة والفُضيل، عن أبي جعفر عليه السلام: «متى استيقنتَ أو شككت في وقت فريضةٍ أنّك لم تُصلّها، أو في وقت فوتها أنّك لم تُصلّها صلّيتها، وإنْ شككتَ بعدما خرج وقت الفوت، وقد دخل حائلٌ، فلا إعادة عليك من شيءٍ حتّى تستيقن، فإنْ استيقنتها فعليكَ أن تُصلّيها في أيّحالٍكنت»(2).
المسألة الثانية: لو علم أنّه صلّى العصر، ولم يدر أنّه صَلّى الظهر؟
ففي «العروة»(1): (الأحوط الإتيان بها)، بل لا يخلو عن قوّة، وتبعه أكثر المحشّين، وقد استدلّ المحقّق اليزدي رحمه الله(2)على عدم لزوم الإتيان بها بقوله.
ويحتمل عدم الاعتناء، بناءً على كون المحلّ الملحوظ في الدليل، أعمٌّ من المحلّ العادي، وحيثُ أنّ مختاره هذا المبنى فيعلم من ذلك بناءه على عدم لزوم الإتيان بها.
وبعض المعاصرين(3)جعل جريان قاعدة التجاوز مفروغاً عنه، وإنّما جعل مورد النقض والإبرام، في أنّ القاعدة هل تُثبت وجود المشكوك فيه بلحاظ صحّة الفعل المتجاوز، أو أنّها تُثبت آثار وجوده من غير هذه الجهة؟ ثمّيختارأخيراً الثاني.
أقول: ستعرف في الفصل الثالث أنّ قاعدة التجاوز لا تجري إلّافي صورة التجاوز عن المحلّ الشرعي، في موارد الشكّ في الوجود، ولا يكفي التجاوز عن المحلّ العادي، وعليه، فلا تجري في المقام، إذ محلّ الظهر الشرعي إنّما هو قبل العصر في صورة التذكّر لا مع عدمه.
وأمّا لو فرضنا جريانها، فلا أظنّ الترديد من أحدٍ في أنّها تُثبت آثار وجود المشكوك فيه من جميع الجهات.
وبالجملة: فمقتضى القاعدة لزوم الإتيان بها، إلّاأنّه يدلّ على عدم لزوم الإتيان بها، ما عن «مستطرفات السرائر»(4)عن كتاب حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام:9.
فإذا جاء يقينٌ بعد حائل، قضاه ومضى على اليقين، ويقضي الحائل والشكّ جميعاً، فإنْ شكّ في الظهر فيما بينه وبين أن يُصلّي العصر قضاها، وإنْ دَخَله الشكّ بعد أن يُصلّي العصر، فقد مضت، إلّاأن يستيقن، لأنّ العصر حائلٌ فيما بينه وبين الظهر، فلا يدع الحائل لما كان من الشكّ إلّابيقين».
ودعوى: أنّه معارضٌ مع صحيح زرارة والفضيل المتقدّم، الدالّ على لزوم الإتيان مع الشكّ في الوقت، والنسبة عموم من وجه فيتساقطان، والمرجع إلى قاعدة الاشتغال.
مندفعة: بأنّ النسبة وإنْ كانت عموماً من وجه - لأنّ خبر «السرائر» أعمٌّ من الشكّ في الوقت وخارجه، وصحيح زرارة والفضيل أعمٌّ من الشكّ في الأُولى من المترتبتين وغيره - إلّاأنّه لأظهريّة الأوّل يقدّم، وذلك فإنّه لو قدّم الصحيح، لزم عدم المورد، لقوله في الخبر: (لأنّ العصر حائلٌ) وعدم مدخليّته في الحكم، وهذا بخلاف ما لو قُدّم الخبر.
وعليه، فالجمع العرفي يقتضي تقديم الخبر.
وبالجملة: فالأظهر عدم لزوم الإتيان بها بمقتضى هذا الخبر، وهو وإنْ كان مختصّاً بالظهرين، إلّاأنّه يثبت الحكم في العشائين، لعدم القول بالفصل.
المسألة الثالثة: إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات، وشكّ في إتيان الظهر.
فإنْ علم بإتيان العصر، لم يلتفت لهذا الشكّ، لما تقدّم في المسألة السابقة.
وإنْ علم بعدم الإتيان بها، أو شكّ في الإتيان المحكوم بالعدم:
فبناءً على القول باختصاص آخر الوقت بالعصر، كما هو المشهور(1)، بني علىر.
1) كتاب الصَّلاة للشيخ الأنصاري: ج 1/41 حيث ادّعى الإجماع المركّب على اختصاص أوّل الوقت بالظهروآخره بالعصر.
الإتيان بها، لكونه من الشكّ بعد مُضيّ الوقت.
وأمّا بناءً على القول بعدم الاختصاص - كما هو المختار - فليس من الشكّ بعد الوقت، فلابدَّ من الإتيان بها بعد العصر.
اللّهُمَّ إلّاأن يقال: قوله عليه السلام في صحيح زرارة والفضيل: (وإنْ شككتَ بعدما خَرَج وقت الفوت، وقد دَخَل حائلٌ) ليس مختصّاً بخروج الوقت رأساً، بل يشمل ما لو خَرَج الوقت الذي يكون مأموراً بالإتيان بالصّلاة المشكوك فيها، وعليه ففي المقام خَرَج وقت الظهر بهذا المعنى، فتجري فيها قاعدة الحيلولة. هذا فضلاً عن أنّه يمكن أن يقال بجريان قاعدة التجاوز، والحكم بصدور الصلاة منه.
المسألة الرابعة: فيما إذا بقي من الوقت مقدار ركعةٍ، وشكّ في إتيان الصَّلاة:
فهل يجبُ عليه الاعتناء بهذا الشكّ بواسطة دليل تنزيل الوقت؟
أم لا ينبغي له الاعتناء به، من جهة أنّ التنزيل ليس ناظراً إلى تنزيل الشكّ منزلة الشكّ في الوقت، مع أنّ التنزيل إنّما وقع لمن لم يُدرك الصَّلاة في الوقت الاختياري، وهو مشكوكٌ فيه، بل مقتضى الأخذ بالقاعدة - لتحقّق موضوعها، مع قطع النظر عن هذا التنزيل - إدراك المكلّف المذكور مجموع الصَّلاة في الوقت المجعول للمختار، فيخرج به عن موضوع دليل تنزيل الوقت.
أقول: أمّا ما ذكر في وجه عدم الاعتناء أوّلاً:
فيرد عليه: أنّ مقتضى إطلاق دليل التنزيل، ترتيب جميع آثار بقاء الوقت منها هذا الأثر.
وأمّا ما ذكر في وجهه ثانياً:
فيرد عليه: أنّ عدم إدراك الصَّلاة في الوقت الاختياري، وإنْ كان مشكوكاً فيه،
إلّا أنّه يجري استصحاب عدم الإتيان ويثبت به ذلك.
وأمّا ما ذكر في وجهه ثالثاً:
فيرد عليه: أنّ دليل تنزيل الوقت الجاري، مع قطع النظر عن القاعدة، يوجبُ رفع موضوع القاعدة، فكلٍّ من الدليلين يصلحُ لرفع موضوع الآخر، فلا محالة يتساقطان للتعارض.
لا يُقال: إنّ دليل التنزيل إنّما يصلحُ لذلك، بضميمة الاستصحاب - أي استصحاب عدم الإتيان بالصّلاة - ولا ريب في أنّ القاعدة حاكمة على الأصل.
فإنّه يُقال: إنّه لو جرى بما أنّه ينقّح الموضوع، ويوجبُ بضميمة دليل التنزيل ارتفاع موضوع القاعدة، فلا وجه للقول بتقدّمه عليه، فعلى هذا لا مناص عن التساقط، والرجوع إلى الاُصول العمليّة، وهي تقتضي لزوم الإتيان بها إنْ كان موضوع القضاء عدم الإتيان، وإنْ كان الموضوع هو الفوت، غير الثابت بأصالة عدم الإتيان، فالأصل - وهو أصل البراءة - يقتضي عدم لزوم الإتيان بها. فتدبّر فيما ذكرناه فإنّه دقيق.
المسألة الخامسة: لو شكّ في أثناء صلاة العصر، أنّه هل صَلّى الظهر أم لا؟
فإنْ كان ذلك في الوقت المختصّ بالعصر، بنى على الإتيان بها لكونه شكّاً في الشيء بعد تجاوز محلّه الشرعي.
وإنْ كان في الوقت المشترك، فقاعدة التجاوز لا تجري، لما تقدّم في المسألة الثانية، بل مقتضى أصالة عدم الإتيان بالظهر، ومفهوم قاعدة التجاوز، بضميمة أخبار العدول عليه أن يعدل بنيّته إلى الظهر.
إلّا أنّه يمكن القول بعدم الاعتناء بشكّه أيضاً، لأنّه مقتضى إطلاق مفهوم
قوله عليه السلام في الخبر المرويّ عن «مستطرفات السرائر»(1)المتقدّم في المسألة الثانية:
«فإنْ شكّ في الظهر فيما بينه وبين أن يُصلّي العصر قضاها».
بل هو مقتضى إطلاق منطوق قوله عليه السلام فيه بعد ذلك: «وإنْ دخله الشكّ بعد أن يُصلّي العصر فقد مَضَت»:
إمّا لأنّ قوله: (بعد أن يُصلّي العصر) بنفسه يشمل ما لو شَرَع فيها.
أو أنّه محمولٌ على ذلك من جهة كونه تصريحاً بمفهوم الجملة الأُولى، فتأمّل.
***9.
1) مستطرفات السرائر: ص 588، وسائل الشيعة: ج 4/283 ح 5169.
الشكّ إنْ كانَ في عَدَد الثنائيّة.
الفصل الثاني: عن الشّكوك في الرّكعات الباطلة، وفيه مسائل:
المسألة الأُولى: (الشكّ إنْ كان في عَدَد الثنائيّة) فيه قولان:
القول الأوّل: وهو للمشهور بوجوب إعادة الصَّلاة إذا كانت فريضةً كالصبح وصلاة المسافر، إجماعاً كما عن «التذكّرة»(1).
وتشهد له: جملةٌ من النصوص:
منها: صحيح(2)العلاء، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «عن الرّجل يشكّ في الفجر؟ قال عليه السلام: يعيد.
قلت: المغرب؟ قال عليه السلام: نعم، والوتر والجمعة، من غير أن أسأله».
ومنها: موثّق سماعة: «عن السَّهو في صلاة الغداة؟
فقال عليه السلام: إذا لم تدر واحدةً صلّيت أم ثنتين، فأعِد الصَّلاة من أوّلها، والجمعة أيضاً إذا سهى فيها الإمام، فعليه أن يُعيد الصَّلاة، لأنّها ركعتان»(3).
ومنها: خبر عبد اللّه بن الفضل الهاشمي، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«عن رجلٍ لم يَدرِ أواحدةً صلّى أو ثنتين؟ فقال عليه السلام له: يُعيد الصَّلاة»(1).
ومنها: خبر الجُعفي وابن أبي يعفور، عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام:
«إذا لم تدر أواحدةً صلّيت أو ثنتين فاستقبل»(2).
ونحوها غيرها.
أقول: ثمّ إنّ مقتضى إطلاق جملةٍ من هذه النصوص كالثلاثة الأخيرة، سيّما الموثّق منها، لما فيه من التعليل، عموم الحكم لكلّ ثنائيّة.
ثمّ إنّ جملة منها وإنْ اختصّت بالنقيصة - لاحظ خبري الهاشمي والجعفي والموثّق - إلّاأنّ جملةً اُخرى منها كصحيح العلاء وغيره بإطلاقها تعمّ الزيادة، وهي وإنْ كانت في الغداة والجمعة، ولكن لعدم الفصل بينهما وبين غيرهما يثبت ذلك في الجميع.
وبالجملة: فالمتحصّل من النصوص، بعد ضمّ بعضها إلى بعض، بضميمة عدم الفصل، ثبوت هذا الحكم لكلٍّ من الزيادة والنقيصة في كلّ ثنائيّة، نعم خرجت عنها النافلة، وسيأتي تنقيح القول فيها.
القول الثاني: عن الصدوق(3)من القول بالتخيير بين الإعادة والبناء على الأقلّ.).
1) معاني الأخبار: ص 159، وسائل الشيعة: ج 8/188 ح 10379.
2) تهذيب الأحكام: ج 2/176 ح 3، وسائل الشيعة: ج 8/191 ح 10390.
3) هذا ما حكاه عنه العلّامة في منتهى المطلب: ج 1/410 (ط. ق) بقوله: (مسألة: ولو شكّ في عدد الثنائيّة كالصبح وصلاة السفر والجمعة والكسوف وفي الثلاثيّة كالمغرب أو في الأولتين من الرباعيّات أعاد، ذهب إليه علماؤنا أجمع، إلّاابن بابويه، فإنّه جوّز له البناء على الأقلّ والإعادة)، انتهى. ولكن لم نعثر على ما يدلّ على ذلك بل الظاهر من الفقيه خلافه كما في: ج 1/340 ذيل ح 991 حيث قال: (والأصل في السَّهو أنّ من سها في الرّكعتين الأولتين من كل صلاة فعليه الإعادة، ومن شكّ في المغرب فعليه الإعادة، ومن شكّ في الغداة فعليه الإعادة ومن شكّ في الجمعة فعليه الإعادة)، وقال في كتاب المقنع: ص 100-101: (وإذا شككت في الفجر فأعد وإذا شككت في المغرب فأعد)، وقال المُحدِّث البحراني في مقام تعجّبه من نقل الخلاف عن ابن بابوية: ج 9/162: أقول: (قد اشتهر في كلام الأصحاب من العلّامة فمن دونه نقل الخلاف عن ابن بابويه في مواضع من الشكوك.. مع أنّه لا أصل له، وهذا من أعجب العجاب عند ذوي الألباب، والسبب في ذلك هو تقليد المتأخّر للمتقدّم من غير مراجعةٍ لكلام ابن بابويه، والنظر فيه بعين التأمّل والتحقيق، راجع وتأمّل بما أفدناك به).
لكن أنكر صاحب «الحدائق»(1)هذا القول، وادّعى رحمه الله أنّه موافقٌ للمشهور.
وعن الوحيد(2): الجزم بفساد نقل ذلك عن الصدوق.
أقول: وكيف كان، فقد استدلّ لهذا القول:
بأنّه مقتضى الجمع بين النصوص المتقدّمة، والنصوص الآمرة بالبناء على الأقلّ، كموثّق عبد اللّه ابن أبي يعفور، عن مولانا الصادق عليه السلام:
«عن الرّجل لا يدري أركعتين صَلّى أم واحدة؟ قال عليه السلام: يُتمّ ركعة»(3).
ونحوه خبرا الحسين بن أبي العلاء(4)، وعبد الرحمن بن الحجّاج(5).
وفيه: إنّ الأمر بإعادة الصَّلاة واستقبالها، ليس أمراً نفسيّاً، بل إنّما هو إرشادٌ إلى بطلان الصَّلاة، وعليه فلا معنى للتخيير بينه وبين البناء على الأقلّ.
نعم، يمكن الجمع بوجهٍ آخر، وهو الالتزام بتعيّن البناء على الأقلّ، واستحباب إعادة الصَّلاة.
لكن يمكن الخدشة فيه: من جهة أنّ العرف إذا عَرَض عليهم قوله عليه السلام في موثّق ابن أبي يعفور: (يُتمّ ركعة)، مع قوله عليه السلام في موثّق سماعة: (عليه أن يعيد لأنّه7.
ركعتان)، وما ورد من أنّ: (عَشَر ركعات التي مِنْ فرض اللّه لا يَدخُل فيهنّ سهو) يحكمون بالتهافت بينهما بنحوٍ يستحيل الجمع بينها.
وعليه، فالطائفتان متعارضتان، والترجيح مع الطائفة الأُولى للشهرة ومخالفة العامّة.
أقول: وإنْ أبيت عن ذلك، فهذه النصوص لا يُعتمد عليها، لإعراض الأصحاب عنه.
وأمّا ما تضمّن من البناء على الأكثر، والإتيان بصلاة الاحتياط، كموثّقة عمّار:
«عن رجلٍ لم يدر صَلّى الفجر ركعتين أو ركعة؟
قال عليه السلام: يتشهّد وينصرف ثم يقوم فيُصلّي ركعة... الخ»(1).
فلم يعمل أحدٌ به فيطرح، مضافاً إلى معارضته مع ما هو أرجح.
وعليه، فلا مجال لإنكار مبطليّة الشكّ في عدد الثنائيّة.
ثمّ إنّه ينبغي التنبيه على اُمور:
الأمر الأوّل: أنّ المراد باليقين والحفظ والتثبّت الواردة في نصوص الباب:
كقوله عليه السلام في صحيح ابن مسلم: «يستقبل حتّى يستيقن أنّه قد أتمّ»(2).
وقوله عليه السلام في خبر زرارة: «أعاد حتّى يحفظ ويكون على يقين»(3).
وقوله عليه السلام في خبر أبي بصير: «فأعِدْهما حتّى تثبتهما»(1).
يحتمل أن يكون أحد اُمورٍ، وتوضيحها يتوقّف على بيان مقدّمة:
تارةً: تكون صورة الشيء حاضرة لدى الذهن، والذهن ملتفتٌ إلى ذلك، وهذا يُسمّى بالإدراك المركّب.
واُخرى: تكون الصورة حاضرة، ولكن الذهن غير ملتفت إليها، إلّاأنّه لو التفت لوجودها كانت حاضرة، وهذا يُسمّى بالإدراك البسيط.
وثالثة: تكون حاضرة والذهن غير ملتفتٌ إليها، ولو التفت وتفحّص عنها في خزانة نفسه لوجدها، وإلّا بقيت مختفية فيها، وهذا يُسمّى بالسّهو.
ورابعة: تكون زائلة عن الذهن، ولا يلتفت إليها بالتفحّص في الخزانة، بل يحتاج إلى إدراكٍ جديد، وهذا يُسمّى بالنسيان.
وخامسة: يكون الذهن مردّداً بين الطرفين، وهو المسمّى بالشكّ.
أقول: إذا عرفت هذه المقدّمة، فاعلم:
أنّ المراد بالحفظ واليقين والتثبّت، ليس هو خصوص الإدراك المركّب، لتعسّره بل تعذّره غالباً، بل ولا الإدراك البسيط، بل المراد منها ما يعمّ حضور صورة الشيء لدى النفس، وإنْ كان التفات الذهن إليها محتاجاً إلى التفحّص في خزانة النفس.
الأمر الثاني: هل الشكّ بنفسه من المبطلات كالحدث أم ليس منها بل لو تروّى وزال قبل فعل المنافي، صحّت الصَّلاة؟ وجهان بل قولان:
1) تهذيب الأحكام: ج 2/177 ح 7، وسائل الشيعة: ج 8/191 ح 10389.
المشهور بين الأصحاب(1)هو الثاني، وعن بعضٍ اختيار الأوّل، واستدلّ له بإطلاق الأمر بالإعادة عند الشكّ.
ويرد عليه أوّلاً: ما عرفت من أنّه إذا كانت الصورة حاضرة في خزانة النفس، لوجودها الذي هو حقيقة التروّي، كان ذلك هو اليقين والحفظ والتثبّت، ولا يصدق عليه الشكّ.
وثانياً: إنّه حتّى ولو سُلّم صدق الشكّ على هذه الحالة، لكن الظاهر من الروايات شرطيّة الحفظ واليقين لا قاطعيّة الشكّ.
وثالثاً: إنّ الشكّ لو كان أعمّ من ما ذكرناه لغةً، فإنّه لا ريب في انصرافه إلى الشكّ المستقرّ، وعليه فلو دلّت النصوص على قاطعيّته لما بطلت الصَّلاة في الفرض، كما هو واضح.
الأمر الثالث: إذا عرض الشكّ هل يجب التروّي - وهو كما عرفت عبارةٌ عن التأمّل في خزانة النفس - أم لا؟ وجهان:
قال صاحب «الجواهر» رحمه الله(2)إنّ في وجوبه وعدمه قولان، يقضي بثانيهما الأصل وإطلاق الأدلّة.
أقول: بناءً على ماعرفت من ظهور الأدلّة في إرادة الشكّ المستقرّ بعد التروّي لا مطلقه، لا إشكال في وجوبه حينئذٍ، وأمّا بناءً على ظهوره في إرادة مطلقه، فحيثُ إنّه إنْ تروّى وزال الشكّ، تكون الصَّلاة صحيحة لحصول الشرط وهو اليقين، لو تروّى لكن بقي الشكّ على حاله بطلت الصَّلاة، وهذا مشكوكٌ فيه، فمقتضى أصالة البراءة عدم حرمة رفع اليد عمّا بيده.
وبعبارة اُخرى: وجوب التروّي على هذا المسلك لا وجه له سوى مقدميّته لتحصيل اليقين، الذي هو شرطٌ لصحّة الصَّلاة، وحيث أنّ تمكّنه من ذلك مشكوكٌ فيه، فلا محالة يشكّ، وفي وجوبه بتبعه يشكّ في وجوب التروّي، والأصل عدمه.
اللّهُمَّ إلّاأن يُقال: إنّه لا تجري أصالة البراءة في موارد الشكّ في القدرة، وعليه فيجب التروّي على كلّ تقديرٍ، فتدبّر فإنّه دقيق.
فتحصّل: أنّ الأظهر وجوبه.
وأيضاً: إن تروى ولم يحصل له اليقين، فهل يجب عليه البقاء في حال الصَّلاة إلى أن يحصل الفصل الطويل مطلقاً؟
أم يجوز الإستئناف كذلك؟
أم يفصّل بين ما لو علم بزوال الشكّ لو صبر، أو شَكّ فيه فيجب الصبر، وبين ما لو علم بعدم زواله فيجوز الإستئناف؟
وجوهٌ، أقواها الأخير.
أمّا فيما علم بعدم زوال الشكّ لو صبر، فلأنّه على فرض كونه عالماً بفساد الصَّلاة، لعدم التمكّن من تحصيل شرطه، فيجوز له الاستئناف.
وأمّا لو علم بزواله، فلأنّه على الفرض متمكّنٌ من إتمام الصَّلاة صحيحة، فلا وجه لجواز إبطالها.
وأمّا لو شكّ في ذلك، فحيثُ أنّه من موارد الشكّ في القدرة على إتمام الصَّلاة، والمختار عدم جريان البراءة في موارد الشكّ في القدرة، فلايجوزالاستئناف، بل مقتضى الدليل لزوم الصبر.
فتحصّل: أنّه يجب التروىِّ إلى أن تنمحي صورة الصَّلاة، أو يحصل اليأس من
العلم بعدد الرَّكعات.
الأمر الرابع: إذا قامت أمارةً دالّة على عدد الرَّكعات، أو الظنّ بها، فهل يقوم ذلك مقام القطع فتصحّ صلاته، أم يلحقه حكم الشكّ؟
وجهان، مبنيّان على أنّ اليقين بالعدد، المأخوذ شرطاً لصحّة الصَّلاة، هل هو مأخوذٌ في الموضوع على وجه الطريقيّة، أو أنّه مأخوذٌ على وجه الصفتيّة؟
وعلى الأوّل تكون الأمارات قائمة مقامه، وليس كذلك على الثاني، كما حقّقنا ذلك في الاُصول في «حاشيتنا على الكفاية»(1).
أقول: الظاهر هو الأوّل، إذا اليقين والإحراز حقيقة نوريّة محضة، بل حقيقته حقيقة الطريقة المرآتيّة، لا أنّه شيءٌ لازمه الطريقيّة والانكشاف، ولهذا إذا رتّب حكمٌ على يقين، كان ظاهره ثبوته له بما أنّه طريقٌ وكاشفٌ، لا بما هو صفة خاصّة، إذ لو اُريد إثبات حكمٍ له بما هو صفة خاصّة، لزم قطع النظر عن طريقيّته، وصرفه عمّا هو عليه، وهذا يحتاج إلى عناية زائدة.
وأمّا التعبير ب (الحفظ) في بعض النصوص، فلو لم يكن بنفسه ظاهراً في ذلك، لا ريب في عدم كونه ظاهراً في الخلاف، كي يكون معارضاً لهذا الظاهر.
وعليه، فالأظهر قيام الأمارات في هذا الباب مقام اليقين.
ودعوى: أنّ لازم ذلك قيام الاستصحاب مقام اليقين في المقام.
مندفعة: بأنّ أخذ اليقين في الموضع، إنْ كان من حيث اقتضائه الجَري العملي على وفق ما تعلّق به القطع، لا من حيث أنّه انكشاف للواقع، كان الاستصحاب وغيره من الاُصول المحرزة قائمة مقامه، وليس المُدَّعى ذلك، بل دعوانا ظهوره في
1) الحاشية على الكفاية للمصنّف (حفظه المولى) لم تُطبع لحدّ الآن.
أنّه مأخوذٌ في الموضوع بما أنّه انكشافٌ للواقع، وقد حُقّق في محلّه عدم قيام الاُصول المحرزة مقام القطع المأخوذ في الموضوع على هذا النحو، مضافاً إلى ما ستعرف من عدم حجيّة الاستصحاب في الشكّ في الرّكعات.
الأمر الخامس: لازم اعتبار إحراز العدد في الثنائيّة في صحّة الصَّلاة، عدم جواز المُضيّ في الصَّلاة في حال الشكّ والترديد، مضافاً إلى التصريح به في خبر ابن أبي يعفور، ويترتّب على هذا أمران:
الأوّل: أنّه لو مضى في صلاته والحال هذه، بطلت صلاته، لكونه زيادةً عمديّة في المكتوبة.
الثاني: عدم تماميّة ما أفاده صاحب «العروة»(1)من أنّه لو شكّ بين الواحدة والاثنتين ونحوه من الشكوك الباطلة، وكان في السَّجدة مثلاً، وعَلم أنّه لو رفع رأسه لا تفوت عنه الأمارات الدالّة على الطرفين، جازَ له التأخير إلى رفع الرأس.
الأمر السادس: في حكم الشكّ في الصَّلاة المقصورة في مواضع التخيّير، وفيه صور:
الصورة الأُولى: إذا كان ناوياً التمام، فإنّه لا كلام في صحّة الصَّلاة إذا كان الشكّ من الشكوك الصحيحة في الرباعيّة.
الصورة الثانية: ما إذا كان ناوياً القصر ثمّ شكّ في الرَّكعات بشكٍّ من الشكوك الصحيحة في الرباعيّة، كما إذا شكّ بين الاثنتين والثَّلاث مثلاً:
1) العروة الوثقى: ج 2/267.
ففي «العروة»(1): بطلت، وليس له العدول إلى التمام، والبناء على الأكثر، وقد تبع في ذلك صاحب «الجواهر» رحمه الله(2)وجمعاً من الأصحاب.
أقول: يتمّ هذا الحكم بناءً على كون الشكّ في عدد الثنائيّة بنفسه مبطلاً كالحدث، كما أنّه يتمّ على القول بعدم جواز العدول من القصر إلى التمام، وأمّا بناءً على عدم كونه مبطلاً - كما هو المختار - وجواز العدول، كما سيأتي تحقيق القول فيه، فالأظهر أنّ له العدول والبناء على الأكثر، إذ بذلك يخرج الشكّ عن الشكوك الباطلة، ويدخل في الشكوك الصحيحة.
ودعوى: أنّ جواز العدول إنّما يكون فيما إذا كانت الصَّلاة المعدول عنها صحيحة، وفي المقام ليست كذلك، فإنّ المعدول عنها لم تُحرز صحّتها.
مندفعة: بأنّ المعدول عنها وَقَعتْ صحيحةً إلى حين حدوث الشكّ، والمفروض أنّ الشكّ لم يُبطلها، وإنّما لا يجوز المُضيّ مع الشكّ فيها، وهذا بخلاف ما لو عَدَل عنها إلى التمام، فله الإتمام بالعدول إلى التمام.
فإنْ قلت: إنّه لو كان العدول من القصر إلى التمام جائزاً في الفرض، لزم صحّة الصَّلاة الثنائيّة الأدائيّة الواقع فيها الشكّ، إذا تمكّن من العدول إلى القضائيّة الفائتة.
قلت: لا أرى محذوراً في الالتزام بذلك، وإنْ ادّعى المحقّق النائيني رحمه الله(3)أنّه باطلٌ قطعاً.
ثمّ إنّه هل يجب العدول على هذا، كما عن العلّامة الطباطبائي(4)أم لا؟ وجهان:4.
استدلّ للأوّل:
1 - بأنّه إنْ لم يعدل، بطلت الصَّلاة، فيكون البطلان بفعله واختياره، فيشمله ما دلَّ على حرمة إبطال الصَّلاة.
2 - وبامتناع التخيّير بين الصحيح والفاسد.
أقول: لكن الأظهر هو الثاني، لقصور أدلّة حرمه قطع الصَّلاة عن الشمول للمقام، لعدم الإطلاق لدليلها، وليس لازم القول بجواز الإبطال، وعدم وجوب العدول، هو التخيّير بين الصحيح والفاسد، بل لازمه التخيّير:
بين رفع اليد عمّا بيده واستئناف صلاةٍ اُخرى.
وبين العدول عنه إلى التمام وإتمامه، ولا محذور في ذلك.
وعليه، فالأظهر عدم وجوب العدول.
الصورة الثالثة: أن لا يكون ناوياً لشيء من القصر والتمام، بل دَخَل في الصَّلاة بانياًعلى أن ينوي ويقصد بعد التشهّد، بناءً على صحّة الصَّلاة من دون قصد أحدهما.
والأظهر في هذه الصورة جواز الإتمام، كما يظهر ممّا ذكرناه في الصورة الثانية، بل الظاهر وجوبه، لأنّه مشغول بصلاةٍ لا يتمكّن من إتمامها على تقديرٍ، ويتمكّن على تقديرٍ آخر، بلا احتياج في ذلك إلى العدول، فتشملها أدلّة حرمة قطع الصَّلاة، كما لا يخفى.
أو الثلاثيّة.
المسألة الثانية: ما أشار إليه المصنّف بقوله: (أو الثلاثيّة).
أقول: نخبة القول في المقام إنّ الشكّ في الثلاثيّة من الشكوك الباطلة على المشهور شهرةً عظيمة(1)، بل عن جماعةٍ(2)دعوى الإجماع عليه، ونُسب إلى والد الصدوق رحمه الله(3)القول بجواز البناء على الأقلّ، وأنكر صاحب «الحدائق»(4)ذلك، وادّعى أنّه موافق للقوم. ويؤيّده جعل الصدوق ما هو المشهور في محكي «الأمالي»(5)من دين الإماميّة الذي يجب الإقرار به.
وكيف كان، فيشهد للمشهور جملةٌ من النصوص:
منها: صحيح العلاء وموثّق سماعة المتقدّمين في المسألة الأُولى، ونحوهما في الدلالة على المشهور مضمر سماعة(6)، وخبر ابن مسلم(7).
وأمّا موثّق عمّار عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجلٍ شكّ في المغرب فلم يدر
1) كفاية الأحكام: ص 25، مدارك الأحكام: ج 4/244.
2) الخلاف: ج 1/447، المعتبر: ج 2/386، منتهى المطلب: ج 1/410 (ط. ق)، مستند الشيعة: ج 7/127.
3) فقه الرضا عليه السلام: ص 111، قوله: (وإن سهوت فيما بين اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس، تبني على الأقلّ، وتسجدبعد ذلك سجدتي السَّهو).
4) الحدائق الناضرة: ج 9/162.
5) أمالي الصدوق: ص 742، قوله: (... ومن شكّ في الثانية والثالثة، أو في الثالثة والرابعة، فليبنِ على الأكثر).
6) تهذيب الأحكام: ج 2/179 ح 21، وسائل الشيعة: ج 8/195 ح 10406.
7) تهذيب الأحكام: ج 2/179 ح 18، وسائل الشيعة: ج 8/194 ح 10402.
ركعتين صَلّى أم ثلاثة؟ قال عليه السلام: يُسلِّم ثمّ يقوم فيُضيف إليها ركعةً، ثمّ قال: هذا واللّه ممّا لا يُقضى أبداً»(1). ونحوه خبره الآخر(2).
فلعدم عمل الأصحاب بهما يُطرحان، مضافاً إلى أنّهما معارضان لما هو ظاهرٌ في البطلان، وأنّ المغرب لا يدخلها الشكّ، بنحوٍ لا يمكن الجمع العرفي بين الطائفتين، كما يظهر لمن تدبّر فيهما وجمعهما في كلامٍ واحد، وحيثُ أنّ الطائفة الدالّة على البطلان أرجح، فلا محالة تُقدَّم وتُطرح هذه النصوص.
***0.
أو في الأوليّين من الرباعيّة، أعاد.
المسألة الثالثة: ما ذكره بقوله (أو في الأوليّين من الرباعيّة، أعاد) إجماعاً، كما عن غير واحدٍ نقله(1).
وتشهد له: جملةٌ من النصوص:
منها: صحيح رفاعة عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجل لا يدري صَلّى ركعة أم ثنتين؟ قال عليه السلام: يُعيد»(2).
منها: خبر عبد الملك، قال: «إذا لم تحفظ الرّكعتين الأولتين فأعِد صلاتك»(3).
ومنها: خبر أبي بصير، عن مولانا الصادق عليه السلام: «إذا سَهوت في الرّكعتين الأوليين فأعِدهما حتّى تُثبتهما»(4). ونحوها غيرها.
ومنها: النصوص(5)المتضمّنة: «أنّ عَشر ركعات الّتي مِنْ فرض اللّه لا يدخل فيهنّ سهوٌ».
ومنها: ما(6)ورد في الشكّ بين الواحدة والاثنتين المتقدّم بعضها.
1) غنية النزوع: ص 112، المعتبر: ج 2/386، منتهى المطلب: ج 1/410 (ط. ق)، كشف اللّثام: ج 4/430.
2) تهذيب الأحكام: ج 2/177 ح 6، وسائل الشيعة: ج 8/190 ح 10386.
3) تهذيب الأحكام: ج 2/177 ح 8، وسائل الشيعة: ج 8/190 ح 10387.
4) تهذيب الأحكام: ج 2/177 ح 7، وسائل الشيعة: ج 8/191 ح 10389.
5) الكافي: ج 3/272 ح 2، وسائل الشيعة: ج 8/187 ح 10375.
6) من لا يحضره الفقيه: ج 1/201 ح 605، وسائل الشيعة: ج 8/187 ح 10375.
وعن الصدوق: القول بالتخيّير بين البناء على الأقلّ و الاستئناف، واستدلّ له:
بأنّه مقتضى الجمع بين هذه النصوص، وبين النصوص الدالّة على البناء على الأقلّ، كخبر الحسين بن أبي العلاء(1)، وموثّق ابن أبي يعفور(2)، وخبر عبد الرحمن ابن الحجّاج(3).
أقول: ولكن قد عرفت في المسألة الأُولى ما يرد على هذا الجمع، وأنّه لابدَّ من طرح هذه النصوص.
وعن والده(4)موافقة المشهور في المرّة الأُولى من الشكّ والحكم بالإعادة، وفي المرّة الثانية الحكم بالبناء على الأقلّ، ولا مدرك له سوى ما عن «الفقه الرضوي»، وقد عرفت غيره مرّةٍ عدم حُجيّته، لا سيّما مع معارضته بما هو أصحّ منه، وعدم عمل الأصحاب به.
***7.
ثمّ إنّه وقع الخلاف فيما به يُحرز الرَّكعتان، كي تبطل الصَّلاة مع الشكّ، إذا كان قبل إحرازهما:
فعن المحقّق في «المسائل البغداديّة»(1)، وابن طاووس في «البشرى»(2): أنّ إكمال الرّكعة يتحقّق بالرّكوع.
واحتمله الشهيد في «الذكرى»(3)، واستدلّ له:
1 - بأنّ الرّكعة واحدة الرّكوع.
2 - وبما ورد في صلاة الآيات من أنّها عَشَر ركعات(4).
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلأنّ كون الرّكعة واحدة الرّكوع، لا ينافي ثبوت حقيقة شرعيّة أو متشرّعيّة لها فيما يشمل السّجدتين.
وأمّا الثاني: فلأنّ إطلاقها على الرّكوع، لا يوجب صرف هذا الظهور - أي ظهورها عند المتشرّعة - فيما يشمل السّجدة.
وعن بعض: أنّه إنّما يكون بالدخول في السّجدة الأُولى، واستدلّ له:
بأنّ نسيان باقي الأجزاء إلى رفع الرأس من الثانية، لا يوجبُ البطلان،
ولا تكون هي من فرض اللّه الذي لا يقع فيه الشكّ، بل من فرض النبيّ صلى الله عليه و آله، فإذا دخلَ في السَّجدة الأُولى فقد تمّ فرض اللّه، والدليل إنّما دلَّ على لزوم إحراز مافرضه اللّه، وأنّ بدونه تبطل الصَّلاة، ولم يدلّ دليلٌ على لزوم إحراز ما فَرَضه النبيّ صلى الله عليه و آله.
وفيه: إنّ خروج الأجزاء الباقية عن فرض اللّه أعمٌّ من خروجها من الرّكعة، والدليل إنّما دلَّ على لزوم إحراز الرّكعتين، وأنّ الشكّ قبله مبطلٌ، لا على لزوم إحراز ما فرضه اللّه تعالى.
وعن الشهيد في «الذكرى»(1): أنّ إكمال الرّكعة إنّما يتحقّق بوضع الجبهة في السّجدة الثانية، واستدلّ له:
1 - بأنّ ترك الذِّكر نسياناً يغتفر.
2 - وبأنّ الذِّكر ليس من مقوّمات السَّجدة.
أقول: وفيهما نظر؛ لأنّ اغتفار الذِّكر يختصّ بحال النسيان، وعدم كونه من مقوّمات السّجدة أعمٌّ من عدم كونه في حال الذِّكر الذي هو واجبٌ قطعاً، ومن مقوّمات الرّكعة.
وعن الشهيد الأوّل في بعض كتبه(2)، والشهيد الثاني في جملةٍ من كتبه(3): أنّه يتحقّق بإتمام الذِّكر الواجب من السّجدة الثانية، ولو لم يحصل رفع الرأس منها،3.
1) ذكرى الشيعة: ج 4/80-81 (ط. ج)، روض الجنان ص 351، قوله: (ويتحقّق إكمالها بتمام السّجدة الثانية وإن لم يرفع رأسه منها على الظاهر، لأنّ الرفع ليس جزءً من السّجود وإنّما هو واجب آخر).
2) ذكرى الشيعة: ج 4/81 (ط. ج)، قوله: (نعم، لو كان ساجداً في الثانية، ولما يرفع رأسه، وتعلّق الشكّ، لم أستبعدصحّته، لحصول مسمّى الرّكعة).
3) روض الجنان: ص 351، مسالك الأفهام: ج 1/143.
ومالَ إليه المحقّق الثاني(1)، واختاره صاحب «العروة»(2)، والمحقّق النائيني(3)وجمعٌ من أصحاب التعليق على «العروة»(4).
واستدلّ له: بأنّ ماهو الواجب من الرّكعة إنّما هو مقدار السّجود الذي يؤتى فيه بالذِّكر الواجب في السّجدة الثانية، مع الإتيان بالذِّكر، وأمّا الرفع فهو ليس منها، ولا من محقِّقاتها، بل لو بقي في السّجود إلى الأبد لصدق عليه أنّه أتى بما كان عليه من الرّكعة، فيكون الرفع لأجل إحراز ما بقي من الصَّلاة، لا لأجل إحراز ما قد أتى به منها. وإطالة الذِّكر وإنْ كانت موجبة لصدق السّجود الطويل على سجوده، الموجب لصدق بقائه على الرّكعة، إلّاأنّها لا تنافي صدق إحراز الرّكعة.
وفيه: إنّه لو ثبت كون رفع الرأس غير واجب شرعاً، وإنّما يجبُ عقلاً مقدّمةً للإتيان بسائر الأجزاء، أو كونه غير داخلٍ في الرّكعة التي سَجَد لها تمَّ ما ذَكر، وأمّا بناءً على كونه واجباً كما تقدّم في محلّه من هذا الشرح، وكونه من أجزاء الرّكعة فلا يتمّ.
أقول: وبهذا يظهر مدرك ما اختاره المشهور(5)، وهو أنّ إكمال الرّكعة إنّما يكون برفع الرأس من الثانية، حيث استدلّ له مضافاً إلى ما عرفت بوجهين(6):
الوجه الأوّل: أنّه لا ريب في أنّه لو بقي في السّجدة الثانية بأزيد من مقدار7.
الواجب، لكان المقدار الزائد من الرّكعة، فما دام لم يخرج من السّجدة برفع الرأس منها، لا يكون مُحرزاً للأوليين، ولما تَمّت الرَّكعتان، وقد دلَّ الدليل على لزوم الإحراز في جميع حالات الأوليين.
وفيه: إنّ الخروج عن الرّكعتين غير إحرازهما، والذي يعتبر فيه الرفع هو الأوّل دون الثاني.
الوجه الثاني: الاستصحاب، ولهم فيه تقريبان:
التقريب الأوّل: استصحاب مُبطليّة الشكّ، لأنّه قبل السّجدة الثانية كان مبطلاً، ويشكّ فيه بعد الدخول فيها والإتيان بالذِّكر الواجب، فيستصحب بقائها.
وفيه أوّلاً: إنّه لأجل الشكّ في الموضوع لا مورد للاستصحاب.
وثانياً: المختار عدم وجوب جريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة الشرعيّة، كما أشرنا إلى وجهه في هذا الشرح مراراً.
التقريب الثاني: استصحاب بقاء الرّكعة، ولا بأس به لو شكّ في أنّ الرفع الواجب هل هو من أجزاء الرّكعة أم لا.
فتحصّل: أنّ ما ذهب إليه المشهور هو الأظهر، ويؤيّده بل يدلّ عليه الخبر المرويّ عن أحدهما عليهما السلام: «في رجلٍ لا يدري إثنتين صَلّى أم ثلاثاً؟
قال عليه السلام: إنْ دخله الشكّ بعد دخوله في الثالثة، مضى في الثالثة ثمّ صَلّى الاُخرى ولا شيء عليه»(1).
والإيراد عليه: كما عن المحقّق النائيني رحمه الله(2)بأنّ ظاهره غير معمولٍ به، من حيث2.
اعتباره الدخول في الثالثة، لصحّة الصَّلاة بعد رفع الرأس من السّجدة الثانية قطعاً، وإنْ لم يدخل في الثالثة.
في غير محلّه: فإنّ مقتضى إطلاق مفهومه، وإنْ كان مبطليّة الشكّ قبل الدخول في الثالثة، إلّاأنّه يقيّد بما ثبت قطعاً صحّة الصَّلاة بعد رفع الرأس من الثانية، قبل الدخول في الثالثة.
وكذا لو لم يعلم كم صلّى.
المسألة الرابعة: (وكذا) تجب الإعادة (إذا لم يعلم) المصلّي (كم صَلّى) على المشهور(1)، بل عن غير واحد(2)دعوى الإجماع عليه.
ويشهد له:
1 - ما دلَّ على مبطليّة الشكّ في الأوليّين، فتأمّل.
2 - وخبر صفوان، عن أبي الحسن عليه السلام: «إنْ كنتَ لا تدري كم صلّيت، ولم يَقَع وهمك على شيءٍ فأعِد الصَّلاة»(3). ونحوه غيره.
وعن ابن بابويه(4): (إذا شككتَ فَلَمْ تَدر واحدةً صلّيت أم اثنين أو ثلاثاً أم أربعاً، صلّيت ركعةً من قيام، وركعتين من جلوس).
واستدلّ له:
1 - بعموم ما دلّ على البناء على الأكثر(5).
2 - وبصحيح ابن يقطين، عن أبي الحسن عليه السلام: «عن الرّجل لا يدري كَم صَلّى؟
1) ذخيرة المعاد: ج 2/362، كفاية الأحكام ص 25 (ط. ق)، وفي الجديدة: ج 1/122، قوله: (ومنها: ما إذا شكّ ولم يعلم كم صلّى على المشهور بين الأصحاب).
2) منتهى المطلب: ج 1/410 (ط. ق)، مجمع الفائدة: ج 3/199، مستمسك العروة الوثقى: ج 7/455.
3) تهذيب الأحكام: ج 2/187 ح 45، وسائل الشيعة: ج 8/225 ح 10489.
4) فقه الرضا عليه السلام: ص 115.
5) من لا يحضره الفقيه: ج 1/340 ح 99، وسائل الشيعة: ج 8/212 ح 10451.
واحدة أم اثنين أو ثلاثاً؟ قال عليه السلام: يبني على الجزم، ويسجد سجدتي السَّهو»(1).
ونحوه خبر سهل، وابن مصعب.
ولكن يرد على الأوّل: - مضافاً إلى عدم جواز التمسّك بعمومه كما سيمرّ عليك - أنّه لو ثبت عمومه بنحوٍ يشمل المقام، لابدَّ من تخصيصه بالنصوص المشار إليها.
ويرد على الثاني: أنّه غير منطبقٍ على ما اختاره ابن بابويه، لأنّ ركعتين من جلوس بمنزلة ركعة، فلا يكون ما ذُكر تداركاً للنقص، مضافاً إلى معارضته بما هو أرجح منه، كما لا يخفى.
ثمّ إنّه لا يهمّنا ما طرح من الإشكال على القوم، بأنّه لا فرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدّمة، فكيف عنونوا الفقهاء هذه المسألة في قبالها، والجواب عنه، بعد وضوح الحكم، فلا وجه لإطالة الكلام في ذلك.
والتحقيق: إنّه لابدَّ من بيان الأصل في الشكوك غير المنصوصة، كي يتّضح حكم جملةٍ من صور الشكّ، كما لو شكّ بين الثَّلاث والسِّت أو الأزيد، وغير ذلك من الصور المذكورة في «العروة»(2)وغيرها.
أقول: الأظهر أنّ الأصل هو البطلان، لقاعدة الاشتغال، بعد عدم جريان استصحاب عدم الزيادة على العدد المتيقّن.
أمّا وجه عدم جريان الأصل المزبور فلأجل ما دلَّ على لزوم إعادة الصَّلاة إذا
لم يَدْرِ كَم صلّى، فإنّه بإطلاقه يدلّ على لزوم الإعادة في كلّ شكٍّ في عدد الرَّكعات، وعدم جريان الاستصحاب المزبور.
ودعوى:(1)اختصاصه بصورة تكثّر الاحتمالات، أو بما إذا لم يَحرز الأوليان.
مندفعة: بأنّ ذلك تقييّد بلا وجه، وعليه فهده النصوص تدلّ على سقوط الاستصحاب في عدد الرَّكعات، وأنّ الأصل هو البطلان.
أقول: وربما يتوهّم أنّ بإزاء هذه الأخبار طائفتين من النصوص:
الطائفة الأُولى: ما دلّ على البناء على الأقلّ كمصحّح إسحاق بن عمّار، قال:
«قال لي أبو الحسن الأوّل عليه السلام: إذا شككتَ فابنِ على اليقين.
قلت: هذا أصلٌ؟ قال عليه السلام: نعم»(2).
وفيه: إنّه ليس في المصحّح ما يوجب تقييّد متعلّق الشكّ بخصوص الصَّلاة، فغاية ما هناك كون هذه الموثّقة، كبقيّة الروايات الدالّة على حجيّة الاستصحاب، فتقيّد بما تضمّن الأمر بالإعادة لمن لا يدري كَمْ صَلّى.
وأمّا الإيراد(3)عليه: بأنّه ينافي ما دلَّ على أنّ الأصل هو البناء على الأكثر، وإتمام ما ظَنَّ نقصه بعد السَّلام.
فمندفعٌ: بعدم التنافي بينهما، فإنّ المصحّح يدلّ على لزوم البناء على عدم إتيان الأكثر، الذي هو مقتضى الاستصحاب، وأمّا أنّ تكليفه الفعلي هل هو الإتيان بالزائد متّصلاً أو منفصلاً، فهو أجنبيٌ عنه، ومرجع تحديده إلى النصوص الآمرة0.
بالبناء على الأكثر، فليس مفاد المصحّح منافياً لأدلّة وجوب البناء على الأكثر.
نعم، لو فقدنا الأدلّة المذكورة، كان مقتضى الجعل الأوّلي الإتيان بالزائد متّصلاً، إلّاأنّ تلك الأدلّة تخصّصها، وعليه فالصحيح ما ذكرناه.
الطائفة الثانية: ما تدلّ على البناء على الأكثر، كموثّق عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام، أنّه قال: «يا عمّار أجمعُ لك السَّهو كلّه في كلمتين:
متى شككتَ فخُذ بالأكثر، فإذا سَلّمت فأتمّ ما ظننتَ أنّك قد نقصت»(1).
وفيه: إنّه مختصّ بما إذا كان الأكثر صحيحاً، وكان الشكّ في الصحّة ناشئاً عن الشكّ في النقيصة، ولذا أمر عليه السلام بإتمام ما ظَنّ نقصه بعد السَّلام.
فتحصّل: أنّ مقتضى الروايات مبطليّة الشكّ في عدد الرَّكعات، إذا لم يكن منصوصاً، وعدم جريان الاستصحاب فيها.
أقول: ثمّ إنّه قد استدلّ لعدم جريانه بوجوهٍ اُخر:
الوجه الأوّل: ما عن بعض المحقّقين(2): وهو أنّ أصالة عدم الزيادة لا تُثبت كون ما بيده هي الرّكعة التي شَكّ في الزيادة عليها، مثلاً إذا شكّ بين الإثنتين والخمس، لا يُثبت الأصل المزبور كون الرّكعة التي جلس فيها هي الثانية إلّاعلى القول بالأصل المثبت، وإذا لم يحرز ذلك لم يحرز كون التشهّد الأوّل في الثانية، والتشهّد الثاني والسَّلام في الرابعة، مع أنّه لابدَّ من إحراز ذلك، إذ الواجب من التشهّد ما كان في الثانية والرابعة.
وفيه: إنّ محلّ التشهّد وإنْ كان بعد إكمال السّجدتين من الثانية والرابعة، إلّاأنّه6.
ليس لأجل أخذ الرابعة مثلاً بعنوانها دخليّة في الموضوع، بل غاية ما يستفاد من النصوص، أنّ للتشهّد محلّاً معيّناً، وهو بعد الرابعة مثلاً، بمعنى أنّه يجب الإتيان به كسائر أجزاء الصَّلاة مرتّباً على ما اعتبر الإتيان به قبله، ومتّصلاً به، وعليه فلو شكّ في إتيان الخامسة مثلاً يستصحب عدمها، ويَحرز بضمّ التعبّد إلى الوجدان أنّ هذا هو محلّ التشهّد، ولولا ذلك لزم عدم جريان استصحاب عدم تحقّق المبطل لو شكّ فيه، كما لا يخفى.
الوجه الثاني: إنّ عدم الزيادة المتيقّن سابقاً، هو عدم وجود الرّكعة المشكوك وجودها على نحو مفاد ليس التامّة، وما يُراد إثباته عدم الزيادة على حسب مفاد ليس الناقصة، مثلاً لو شكّ بين الأربع والسَّبع، فإنّ استصحاب عدم الزيادة بنحو مفاد ليس التامّة، غير مفيد في هذه الصورة، بل لابدَّ وأن يثبت إتيان أربع ركعات دون زيادة ركعة، وهذا لا يثبت بالأصل المزبور إلّاعلى القول بالأصل المُثبت.
وفيه: إنّ العدم الوصفي، أي العدم بحسب مفاد ليس الناقصة متيقّنٌ، ضرورة أنّه بعد تمام الرّكعة الرابعة، أي بعد رفعه رأسه من السّجدة الثانية يقطع بالأربع، وأنّها ليست مزيدة فيها بركعة، فيستصحب ذلك، هذا فضلاً عن أنّه لم يدلّ دليلٌ على إحراز العدم النعتي في الصَّلاة، بل غاية ما يدلّ عليه الدليل الإتيان بالأربع، وعدم الزيادة عليها بركعة.
الوجه الثالث: أنّ أصالة عدم الزيادة لا تُثبت انطباق الصَّلاة المأمور بها على المأتي بها، لأنّه ليس أثراً شرعيّاً، وهذا ممّا يلزم إحرازه.
وفيه: اللّازم على المُصلّي إحراز الإتيان باجزاء الصَّلاة وشرائطها بأجمعها، ولا يعتبر زائداً على ذلك شيء، فإذا شكّ بين الثَّلاث والسِّت، له أن يُجري الأصل
ويترتّب عليه لزوم الإتيان بركعة اُخرى تتميماً للأربع، وبضمّ الوجدان إلى الأصل، يحرز إتيان الصَّلاة بأجزائها وشرائطها، والإجزاء حينئذٍ مترتّب عليه قهراً.
الوجه الرابع: ما دلَّ على البناء على الأكثر، وقد تقدّم أنّه مختصٌّ بما إذا كان الأكثر صحيحاً.
وبالجملة: الصحيح في وجه سقوط هذا الأصل، هو ما ذكرناه، فراجع.(1)
***د.
1) صفحة 214 من هذا المجلّد.
وإنْ كان في فعلٍ قد انتقل عنه، لم يلتفت.
الفصل الثالث: في الشكّ في أجزاء الصَّلاة وشرائطها.
(وإنْ كان) الشكّ (في فعلٍ قد انتقل عنه، لم يلتفت) إليه، بلا خلافٍ في ذلك في الجملة(1)، بل عليه الإجماع كما عن جماعةٍ(2).
وتشهد له: جملةٌ من النصوص:
منها: صحيح زرارة: «قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: رجلٌ شكّ في الأذان وقد دخل في الإقامة؟ قال عليه السلام: يمضي.
قلت: رجلٌ شكّ في الأذان والإقامة وقد كَبَّر؟
قال عليه السلام: يمضي.
قلت: رجلٌ شكّ في التكبير، وقد قرأ؟
قال عليه السلام: يمضي.
قلت: رجلٌ شكّ في القراءة وقد ركع؟ قال عليه السلام: يمضي.
قلت: شكَّ في الرّكوع وقد سجد؟ قال عليه السلام: يمضي.
ثمّ قال عليه السلام: يا زرارة إذا خَرَجتَ من شيءٍ ثمّ دخلتَ في غيره فشكّك ليس بشيء»(3).
ومنها: صحيح إسماعيل بن جابر، عن مولانا الصادق عليه السلام:
«إنْ شكّ في الرّكوع بعدما سجد فليمضِ، وإنْ شكّ في السّجود بعدما قام فليمضِ، كلّ شيءٍ شُكّ فيه ممّا قد جاوزه ودخل في غيره فليَمضِ عليه»(1).
ومنها: موثّق محمّد بن مسلم، عن الإمام الباقر عليه السلام: «كلّ ما شَككتَ فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو»(2).
ومنها: صحيح عبد الرحمن، عن الإمام الصادق عليه السلام: «في رجلٍ أهوى إلى السّجود، فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال عليه السلام: قد ركع»(3).
ومنها: موثّق ابن أبي يعفور، عن سيّدنا الصادق عليه السلام: «إنّما الشكّ إذا كنت في شيءٍ لم تجزه»(4). ونحوها غيرها.
وعليه، فأصل الحكم ممّا لا ينبغي التوقّف فيه.
يقتضي تنقيح القول في قاعدة التجاوز، المستفادة من هذه النصوص، التكلّم في مواضع.
أقول: وليعلم قبل الشروع في البحث عن هذه المواضع، أنّ جملة من المباحث الراجعة إليها، مثل:
أنّ هذه القاعدة هل هي من المسائل الاُصوليّة أو الفقهيّة؟
وأنّها هل تكون من الأمارات المثبتة لوقوع المشكوك فيه، أم من الاُصول التعبّديّة؟
وأنّها هل تكون حجّة في مثبتاتها أم لا؟ ووجه تقدّمها على الاُصول.
وهل أنّها متّحدة مع قاعدة الفراغ أم مختلفة، وأنّ المجعول في كلّ منهما شيءٌ غير ما هو المجعول في الاُخرى أم لا؟
وأنّها هل تكون عامّة لجميع الأبواب، أم مختصّة بباب الصَّلاة؟
لعدم دخلها في المقام أغمضنا عن ذكر جميع هذه المباحث في كتابنا هذا، لكن أشبعنا الكلام فيها في رسالة (القواعد الثّلاث) المطبوعة، ولذلك اقتصرنا في البحث عنها عن المواضع المرتبطة بكتاب الصّلاة.
الموضع الأوّل: المشهور بين الأصحاب(1)عدم اختصاص القاعدة بالركعتين الأخيرتين، وجريانها في الأوليّين، من غير فرقٍ بين كون المشكوك فيه من الأركان أم غيرها.
وعن الشيخين(2)وجماعة: اختصاصها بالأخيرتين.
وعن المصنّف رحمه الله في «التذكّرة»(3): أنّها لا تجري في الأركان من الأولييّن.
أقول: والأظهر هو الأوّل لإطلاق جملةٍ من ما تقدّم من النصوص، وصراحة
بعضها - كصحيح زرارة - في اعتبار القاعدة في الأوليّين، وفي الأركان منها.
واستدلّ لما ذهب إليه الشيخان: بما دلّ من النصوص على أنّ الشكّ في الأوليّين موجبٌ للبطلان، وأنّه لابدَّ من سلامتهما عن السَّهو، كالخبر الذي رواه أبوبصير عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا سهوتَ في الأولتين فَأعِدهُما حتّيتُثبتهما»(1). ونحوه غيره.
ومقتضى إطلاقها اعتبار سلامة الأوليّين حتّى من الشكّ في الأفعال.
وأجاب عنه: المحقّقان النائيني(2)والهمداني(3): بأنّ تلك النصوص منصرفة إلى الشكّ في الرَّكعات، ولا تشمل الشكّ في الأفعال.
وفيه: إنّها تدلّ على اعتبار حفظ الرّكعتين، والرّكعة اسمٌ لمجموع أجزاء معيّنة، فالشكّ في تحقّق واحدٍ منها شكٌّ في تحقّق الرّكعة، وموجب لعدم إحرازهما.
ولكن يرد على هذا الدليل: أنّ صحيح زرارة أخصّ من هذه النصوص، فيقدّم عليها، مع أنّ النسبة بين هذه النصوص وبين دليل قاعدة التجاوز وإنْ كانت عموماً من وجه، إلّاأنّه من جهة أنّ دلالة ذلك إنّما تكون بالعموم، ودلالة هذه بالإطلاق، فلابدّ من تقديمه.
أقول: وبما ذكرناه ظهر ضعف ما نُسب إلى المصنّف رحمه الله، لصراحة صحيح زرارة في الرّكن من الرّكعة الأُولى.
واستدلّ له: بأنّ الشكّ في الرّكن شكٌّ في الرّكعة، بخلاف ما إذا كان المشكوك فيه غير ركن.2.
وفيه: - مضافاً إلى ما عرفت - أنّه لا وجه للتفصيل بين الرّكن وغيره، فإنّ الشكّ في غيره أيضاً شكٌّ في الرّكعة.
الموضع الثاني: هل يعتبر الدخول في الغير في جريان القاعدة أم لا؟
وعلى الأوّل: فهل يعتبر الدخول في الغير الخاص، أم يكفي الدخول في مطلق الغير؟
أقول: يعتبر في موارد الشكّ في الوجود - كما لو شكّ في وجود الرّكوع - الدخول في الغير المترتّب الشرعي، لا لورود التصريح به ذلك في دليلها، بل لانّ التجاوز المعتبر في جريانها - حتّى بناءً على المختار من وحدة قاعدة التجاوز والفراغ - لا يتحقّق في تلك الموارد إلّابالدخول في الغير، وإلّا فلا يصدق التجاوز عنه، بعد كون الشكّ في أصل الوجود، ففي موارد الشكّ في الوجود، يعتبر الدخول في الغير المترتّب الشرعي، ولازم ذلك اعتبار التجاوز عن المحلّ الذي جُعل محلّاً للشيء شرعاً، وعدم كفاية التجاوز عن ما صار محلّاً للشيء بمقتضى العادة النوعيّة أو الشخصيّة.
قال الشيخ الأعظم رحمه الله في «الرسائل»:(1)في الموضع الثاني:
(إنّ المراد بمحلّ الفعل المشكوك في وجوده، هي المرتبة المقرّرة له بحكم العقل، أو بوضع الشارع، أو غيره ولو كان نفس المكلّف من جهة اعتياده بإتيان ذلك المشكوك في ذلك المحلّ.
1) فرائد الاُصول: ج 3/330.
ثمّ قال: هذا كلّه ممّا لا إشكال فيه، إلّاالأخير، فإنّه ربما يتخيّل انصراف إطلاق الأخبار إلى غيره).
مع أنّ فتح هذا الباب بالنسبة إلى العادة، يوجب مخالفة إطلاقات كثيرة، فمن اعتاد الصَّلاة في أوّل وقتها أو مع الجماعة، فشكّ في فعلها بعد ذلك، فلا يجب عليه الفعل، وكذا من اعتاد فعل شيء بعد الفراغ من الصَّلاة، فرأى نفسه فيه، وشكّ في فعل الصَّلاة، وكذا من اعتاد الوضوء بعد الحَدَث بلا فصل يعتدّ به، أو قبل دخول الوقت للتهيّؤ فشكّ بعد ذلك في الوضوء، إلى غير ذلك من الفروع التي يبعد التزام الفقيه بها.
وأشكل عليه المحقّق اليزدي:(1)بأنّ الأمثلة المذكورة جُلّها من قبيل العادة الشخصيّة، والمراد من محلّ الشيء ما صار محلّاً له شرعاً أو بمقتضى العادة النوعيّة، وأمّا ما صار محلّاً له بمقتضى العادة الشخصيّة فلا يشمله لفظ (محلّ الشيء) إذ إضافة المحلّ إلى الشيء بقولٍ مطلق، لا تصحّ بمجرّد تحقّق العادة لشخصٍ خاص، بخلاف ما لو كانت العادة بحسب النوع.
أقول: وأمّا ما أفاده من المخالفة للإطلاقات.
فيرد عليه: أنّها لا تدلّ إلّاعلى وجوب الإتيان بالفعل، وأمّا لو شكّ في أنّه وجد أم لا؟ فلا تدلّ على عدم الإيجاد.
نعم، قاعدة الاشتغال تقتضي وجوب الإتيان ما لم يقطع بالإمتثال، وكذلك استصحاب عدم الإتيان، وعلى فرض تماميّة نصوص الباب تكون قاعدة التجاوز مقدّمة عليهما.).
1) درر الفوائد للحائري اليزدي: ج 2/226 (في قاعدة التجاوز والفراغ).
أقول: يرد على الشيخ الأعظم رحمه الله أنّ الأخبار لا تشمل في أنفسها موارد التجاوز عن المحلّ العادي، حتّى نلتجأ لإخراجها إلى ما أفاده من مخالفة الإطلاقات، إذ ليس الموضوع في شيءٍ من الأخبار التجاوز عن محلّ الشيء حتّى يقال بشموله لذلك، بل الموضوع فيها هو التجاوز عن الشيء ومضيّه والخروج عنه، ولكن حيث أنّه في موارد الشكّ في أصل الوجود لا معنى لذلك، فنلتزم بأنّ المراد التجاوز عن محلّه.
وبعبارة اُخرى: يعتبر أن يكون بحيث لو اُريد الإتيان به لوقع على غير الوجه المأمور به، ولا ريب أنّ ذلك يتوقّف على التجاوز عن المحلّ الشرعي فقط.
وبهذا يظهر أنّ ما استدلّ به المحقّق اليزدي لمختاره من كفاية التجاوز عن المحلّ العادي بحسب النوع، من أنّه ليس في الأدلّة ما يدلّ على التقييد بخصوص المحلّ الشرعي، وأنّ إضافة المحلّ إلى الشيء بقول مطلق تصحّ مع تحقّق العادة النوعيّة، ينبغي أن يُعدّ من غرائب الكلام.
وأمّا ما أورده على الشيخ الأعظم - القائل أنّ إجراء القاعدة في الموارد المذكورة، يستلزم مخالفة إطلاقات كثيرة - بأنّ إجرائها يستلزم مخالفة قاعدة الاشتغال والاستصحاب دون للإطلاقات.
فيرد عليه: الظاهر أنّ مراد الشيخ قدس سره من هذه الجملة أنّ الالتزام بكفاية التجاوز عن المحلّ العادي في جريانها يستلزم تأسيس فقه جديد، ويوجب الالتزام بمسائل خلاف الإجماع والضرورة، فلا وجه لدعوى أنّه لا محذور في جريانها.
فتحصّل: أنّ الأظهر اعتبار التجاوز عن المحلّ الشرعي في موارد الشكّ في أصل الوجود.
وأمّا في موارد الشكّ في الصحّة، فحيثُ أنّ التجاوز عن المشكوك فيه ملازمٌ للدخول في أمرٍ مغاير له، فلا محالة يعتبر الدخول في الغير من دون اعتبار قيد فيه عقلي أو شرعي، فلو قيل باعتبار قيدٍ فيه لابدَّ وأن يُذكر له دليل، وإلّا فمقتضى إطلاق موثّق ابن مسلم وغيره عدم الاعتبار.
أقول: وفي المقام قولان آخران:
أحدهما: اعتبار الدخول في الغير الوجودي، وعدم كفاية السكوت المجرّد، وهو مختار المحقّق النائيني رحمه الله(1).
ثانيهما: اعتبار الدخول في الغير الشرعي المعنون بعنوان مستقلّ.
واستدلّ للأوّل: بوجهين:
الوجه الأوّل: إنّ المطلقات لا إطلاق لها، والقدر المتيقّن منها ذلك، وذكروا في توجيه ذلك اُموراً:
منها: أنّ صدق الطبيعة المأخوذة في الدليل على أفرادها، إذا كان بنحو التشكيك الذي يكون بالقياس إلى بعضها بالظهور وبالقياس إلى الآخر بالخفاء، فإنّ الحكم لا يثبت إلّاللأفراد الظاهرة، والشاهد على ذلك خفاء صدق الحيوان على الإنسان بحسب المتفاهم العرفي، ولذلك التزمنا بانصراف ما دلَّ على عدم جواز الصَّلاة في شيءٍ من أجزاء الحيوان الذي لا يؤكل لحمه، عن أجزاء الإنسان، وحيثُ أنّ صدق (التجاوز) و (المُضيّ) و (الفراغ) بعد الدخول في الغير الوجودي ظاهرٌ بالقياس إلى مالم يدخل فيه، فلا محالة ينصرف الدليل إليه.
وفيه: إنّ ما ذكر من الضابط إنّما يتمّ بالنسبة إلى الأفراد التي يكون صدق7.
1) كتاب الصَّلاة تقريرات الكاظمي للنائيني: ج 2/226-227.
الماهيّة عليها بالخفاء، بحيث لا يراها العرف من مصاديقها، ومن المعلوم أنّ الأمر في المقام ليس كذلك بالضرورة، غاية الأمر صدق التجاوز مع الدخول في الغير الوجودي أظهر، ولكن الأظهريّة ليست ملاك الانصراف.
ومنها: أنّ القدر المتيقّن في مقام التخاطب في الأدلّة، هو خصوص ما إذا تحقّق هناك دخولٌ في الغير الوجودي، فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق مع وجوده.
وفيه أوّلاً: إنّ القدر المتيقّن لو سُلّم مانعيّته عن التمسّك بالإطلاق، فإنّما هو فيما إذا كان القدر المتيقّن في مقام التخاطب لا مطلقه، وفي المقام ليس كذلك، غاية الأمر وجود القدر المتيقّن من الخارج.
وثانياً: ما حقّقناه في محلّه من أنّ القدر المتيقّن في مقام التخاطب أيضاً لا يكون مانعا عن التمسّك بالإطلاق.
وثالثاً: إنّ الأدلّة لا تنحصر بالمطلقات، بل فيها العمومات، وقد حُقّق في محلّه أنّ أداة العموم ما كان منها من قبيل (كُلّ) و (أي) بأنفسها متكلّفة لتسرية الحكم إلى جميع أفراد ما يصلح أن ينطبق عليه مدخولها، من دون حاجةٍ إلى إجراء مقدّمات الحكمة في مدخولها.
ومنها: أنّ غلبة وجود الشكّ في الصحّة في خصوص ما إذا كان داخلاً في الغير الوجودي، تمنع عن التمسّك بالإطلاق في غيره.
وفيه أوّلاً: إنّ الغلبة لا توجب الانصراف.
وثانياً: لا ينحصر الدليل بالمطلقات.
فتحصّل: أنّ مقتضى المطلقات والعمومات، عدم اعتبار هذا القيد فيه.
الوجه الثاني: ما اعتمد عليه المحقّق النائيني رحمه الله:(1)وهو أنّ مقتضى الإطلاقات وإنْ كان عدم اعتبار الدخول في الغير، إلّاأنّ ظاهر جملة من النصوص، كموثّق ابن يعفور(2)وغيره هو اعتبار الدخول في الغير، إذ الظاهر من قوله عليه السلام: (وقد صِرْتَ في حالةٍ اُخرى) وقوله عليه السلام: (دَخَلت في غيره) ونحو ذلك ممّا ورد في الأخبار، هو الاشتغال بأمرٍ وجودي مغايرٍ لحال الاشتغال بالمركّب، فلابدَّ من حمل المطلق على المقيّد.
ويرد عليه: أنّ غاية ما يستفاد من المقيّدات، اعتبار الدخول في مطلق الغير الذي عرفت أنّه ملازمٌ لصدق عنوان التجاوز والمُضيّ والفراغ، وظهورها في اعتبار الدخول في أمرٍ وجودي ممنوعٌ، فإذا لا تنافي بين المطلقات والمقيّدات، ومفاد الجميع واحد، وهو كفاية الدخول في مطلق الغير.
وبذلك ظهر أنّه لا تنافي بين صدر موثّق ابن أبي يعفور، الدالّ على اعتبار الدخول في الغير، وذيله المقتصر على مجرّد التجاوز، لتلازم العنوانين.
واستدلّللقول الآخر: وهو اعتبار الدخول في الغير الذي له عنوانٌ مستقلٌّبوجوه:
الوجه الأوّل: قوله عليه السلام في صحيح زرارة: «فإذا قُمتَ من الوضوء، وفرغت منه، وقد صِرتَ في حالٍ اُخرى في الصَّلاة أو في غيرها...»(3).
فإنّه يدلّ على اعتبار الدخول في عبادةٍ مترتّبة على الوضوء، مثل الصَّلاة وغيرها.3.
وفيه أوّلاً: إنّ الصحيح مختصٌّ بالوضوء، والتعدّي يحتاج إلى دليل، وعدم الفصل غير ثابتٍ، لا سيّما بعد ملاحظة عدم جريان القاعدة في أثنائه وجريانها في أثناء غيره.
وثانياً: إنّ هذه الشرطيّة معارضة مع الشرطيّة الأُولى المذكورة في صدره، وهي قوله عليه السلام: «إذا كنتَ قاعداً على وضوئك، فلم تَدر أغسلتَ ذراعيك أم لا، فأعد عليهما.... ما دُمتَ في حال الوضوء».
والظاهر ولا أقلّ من المحتمل كون الثانية تصريحاً بمفهوم الأُولى.
وبعبارة اُخرى: عُلّق الإعتناء في صدر الصحيح بالشكّ على الاشتغال بالوضوء، وعليه:
فإمّا يجب أن يؤخَذ بمفهوم الصدر إذ التصرّف في الذّيل أولى من التصرّف في الصدر.
أو يتعارضان فيحكم بالإجمال والرجوع إلى العمومات والمطلقات.
وثالثاً: إنّ قوله عليه السلام: (في حال اُخرى) اُريد به بحسب الظاهر مطلق غير حال الوضوء، ويؤيّده قوله عليه السلام: (من الصَّلاة أو من غيرها) إذا لو كان المراد هي الحال المخصوصة، كان الأولى أن يقال (نحوها) بدل (أو غيرها).
الوجه الثاني: وقوع التعليق على الدخول في الغير، في صحيحي إسماعيل وزرارة، والمنساق إلى الذهن من الغير في أمثال المقام إرادة فعلٍ آخر من أفعال الصَّلاة، ممّا له استقلالٌ بالملاحظة لا مطلق الغير. ويؤيّد ذلك وقوع التمثيل في صدر الصحيح بالشكّ في الرّكوع بعدما سجد، وفي السّجود بعدما قام، فلو كان الهويّ إلى السّجود والنهوض إلى القيام كافيين، لكانا أولى بالتمثيل، فيستكشف من ذلك أنّ
المراد بالغير المذكور في الذيل، ليس مطلقة، بل ما كان من هذا القبيل.
وفيه: إنّه لا وجه لدعوى الانسباق المزبور إلّاأحد أمرين:
أحدهما: انصراف الشيء في قوله عليه السلام: (كلّ شيء شُكّ) في بادي النظر إلى ما يكون له عنوانٌ مستقلّ، فينسبق ذلك إلى الذهن من لفظ (الغير) بقرينة ما يماثله.
ثانيهما: التمثيل بالسّجود والقيام.
أقول: وشيء منهما لا يصلح لذلك:
أمّا الأوّل: فلأنّه انصرافٌ بدوي يزول بعد الالتفات إلى عدم قصور لفظ (الشيء) عن الشمول لأبعاض الأجزاء.
وبالجملة: مقتضى عموم لفظ (الغير) شموله لمطلق ما يُغاير المشكوك فيه، ودعوى الانصراف غير مسموعة.
وأمّا الثاني: فلأنّ التمثيل بهما لا بالهُويّ والنهوض:
إمّا يكون لأجل عدم كونهما من أجزاء الصَّلاة، وقد مرّ أنّه يعتبر الدخول في الغير المترتّب الشرعي في موارد الشكّ في أصل الوجود.
أو لأجل أنّ الغالب حصول الشكّ في هذه الحال، وهذا لا يوجب تقييد إطلاق ما في ذيلهما من الكبرى الكليّة.
الوجه الثالث: وقوع العطف ب (ثمّ) الظاهرة في التراخي في صحيح زرارة: (إذا خَرَجت من شيءٍ ثمّ دخلت في غيره) إذ لو كان الدخول في مطلق الغير كافياً، لكان ذلك من لوازم الخروج، دون الحاجة إلى الاستعانة ب (ثمّ).
وفيه: إنّه إن أُريد بذلك أنّ العطف ب (ثمّ) ظاهرٌ في إرادة قسمٍ خاص من الغير، وهو ما يكون منفصلاً عن المشكوك فيه.
فيرد عليه: أنّه لا فاصل بين التكبيرة والقراءة اللّتين وقع التصريح بهما في صدر الصحيح.
وإنْ اُريد به اعتبار المباينة الذاتيّة، وهذه كما تشمل الغير الذي له عنوانٌ مستقلّ، كذلك تشمل غيره كما لايخفى.
والظاهر كونه عطفُ تفسيرٍ، ولعلّه المتبادر إلى الذهن بعد الالتفات إلى أنّ الدخول في الغير من مقوّمات صدق مُضيّ المشكوك فيه.
فتحصّل: أنّه ليس شيءٌ يدلّ على اعتبار أمرٍ زائد على صدق عنوان التجاوز، وهو في موارد الشكّ في الوجود لايصدق إلّابعد الدخول في الغير المترتّب الشرعي، وفي موارد الشكّ في الصحّة يصدق بالدخول في مطلق الغير، وهذا الاختلاف إنّما نشأ من اختلاف المصاديق، وإلّا فالمفهوم المعلّق عليه الحكم واحدٌ.
وأخيراً: من ذلك يظهر جريان قاعدة الفراغ في موارد الشكّ في صحّة الجزء أيضاً، ولا يختصّ بمورد الشكّ في صحّة المركّب على ماهو صريح المحقّق النائيني رحمه الله، فلو شكّ في صحّة التكبيرة بعد الفراغ منها وقبل الدخول في القراءة، جرت القاعدة فيها، ولا يتوقّف جريانها على الدخول في القراءة.
الموضع الثالث: البحث عن أنّه هل يختصّ جريان قاعدة التجاوز بالأجزاء المستقلّة بالتبويب، أم تجري في أجزاء الأجزاء أيضاً؟
قولان، اختار أوّلهما المحقّق النائيني رحمه الله(1)تبعاً للشهيد الثاني رحمه الله(2)، لكن الأظهر هو الثاني؛ لأنّ مقتضى إطلاق أدلّتها وعمومها، جريان القاعدة في كلّ مشكوكٍ فيه، سواءٌ اعتبرنا قاعدة الفراغ والتجاوز قاعدة واحدة أم متعدّدة، فلو شكّ في آيةٍ بعد الدخول في آيةٍ اُخرى، لا يعتني به ويمضي في صلاته.
وقد استدلّ المحقّق النائيني رحمه الله(3)لما اختاره: بأنّ قاعدة التجاوز مختصّة بباب الصَّلاة، إذ إطلاق الأدلّة وعمومها بعدما لم يمكن شمولهما للأجزاء وللمركّبات في عرض واحد، وإلّا لزم الجمع بين لحاظ المتأخّر والمتقدّم في لحاظٍ واحد، وهو ممتنعٌ، واختصاصهما بالمركّبات، فدخول الأجزاء في عموم الشيء في عرض دخول الكلُّ لا يمكن إلّابعناية التعبّد والتنزيل، وحينئذٍ فلابدَّ من الاقتصار على مورد التنزيل، والمقدار الذي قام الدليل عليه، هي الأجزاء المستقلّة بالتبويب، إذ الدليل عليه هو صحيحا زرارة وإسماعيل المختصّ صدرهما بالأجزاء المستقلّة، حيث يوجب ذلك تضييق مصبّ عموم الشيء وإطلاق الغير المذكورين في الذيل.
1) أجود التقريرات: ج 2/475 (ط. ق)، وفي تعليقته على العروة الوثقى: ج 3/235، قوله: (والأحوط الاقتصارعلى الأجزاء المستقلّة دون أجزاء الأجزاء فضلاً عن مقدّماتها).
2) روض الجنان: 349-350، قوله: (إنّ محلّ كلّ فعل يزول بالدخول في فعل آخر حقيقي ذاتي، وهو الفعل المعهود شرعاً، المعدود عند الفقهاء فعلاً لها... الخ).
3) فوائد الاُصول للنائيني: ج 4/626.
يرد عليه أوّلاً: أنّه لا مانع من شمول الأدلّة للمركّبات وأجزائها في عرض واحد، إذ المانع المتوهّم ليس إلّالزوم ذلك الجمع:
بين لحاظ المركّب شيئاً، المستلزم ذلك للحاظ الأجزاء تبعيّاً، لاندكاك شيئيّة الجزء في شيئيّة الكلّ.
وبين لحاظ الجزء شيئاً مستقلّاً، وهو مُحال.
وبعبارة اُخرى: دعوى لحاظ الجزء في نفسه سابقٌ في الرّتبة على لحاظ المركّب منه ومن غيره من الأجزاء، وحينئذٍ فكيف يمكن الجمع بين الشيئين اللّذين هما في مرتبتين في عرضٍ واحد، والحكم عليهما في دليل واحد، توهّم فاسد، إذ لا مانع من الجمع بين المتقدّم والمتأخّر في دليل واحد، ولحاظهما في عرض واحد، بجامع ينطبق عليهما، وكون أحدهما سابقاً في الرتبة على الآخر، وكون لحاظه مندكّاً في لحاظه، لا ينافي الجمع بيهما في لحاظ آخر.
وإنْ شئت قلت: إنّ اللحاظ الآخر هو لحاظ الطبيعة الجامعة بينهما، المعرّاة عن جميع الخصوصيّات، واندكاك لحاظ الجزء في لحاظ الكُلّ إنّما هو فيما إذا لوحظت الخصوصيّة، كما هو واضحٌ لمن راجع نظائر المقام، ألا ترى أنّ قولنا: (كلّ عملٍ اختياري فهو مسبوقٌ بالإرادة)، يشمل المركّبات والأجزاء في عرض واحد، وكذلك: (كلّ ممكنٍ يحتاج في وجوده إلى العلّة) إلى غير ذلك من الموارد.
مع أنّه يمكن أن يُقال: إنّ الملحوظ في موارد الشكّ في المركّبات، إنّما هو الأجزاء والشرائط وعدم الموانع المعتبرة في المأمور به دون المركّبات، إذ الشكّ في صحّة المركّب، لا يتصوّر إلّابالشكّ في وجود جزءٍ أو شرطٍ أو عدم مانع. وعليه، فالمتعبّد به هو وجود الجزء أو الشرط أو عدم المانع، وتمام الكلام في محلّه من
مباحث الاُصول.(1)
وثانياً: إنّه لو سلّمنا والتزمنا بعدم شمول دليلٍ واحد للمركّبات والأجزاء، فإنّه لا وجه لدعوى اختصاص الصحيحين بالأجزاء المستقلّة، إذ الأمثلة المذكورة في صدرهما، وإنْ كانت من هذا القبيل، إلّاأنّ العبرة بإطلاق الدليل وعمومه، وقد تقدّم أنّه لا قصور في شمول ذيلهما لأجزاء الأجزاء أيضاً، ولذا ترى أنّه لم يتوقّف أحد في إجراء القاعدة لو شكّ في الحمد وهو في السورة، مع أنّ المذكور في الصحيح هي القراءة.
بل أقول: إنّ مقتضى إطلاق الدليل وعمومه، جريان القاعدة في الشكّ في صدر الآية، بعد الدخول في ذيلها المخالف له مفهوماً، كما قد يتّفق ذلك في الآيات الطوال.
نعم، شمولها لأجزاء الكلمة الواحدة، أو الكلام الواحد العرفي، كالمبتدأ والخبر مشكلٌ، إذ لا يبعد دعوى أنّ أهل العرف يرون ذلك من الشكّ قبل التجاوز لا بعده، فتدبّر.
الموضع الرابع: هل يكفي الدخول في الهويّ إلى السّجود، في عدم الاعتناء بالشكّ في الرّكوع، والدخول في النهوض إلى القيام، في جريان القاعدة في الشكّ في السّجود أم لا؟
أم يجب التفصيل بين الفرعين، فيكفي الأوّل دون الثاني؟ وجوه وأقوال:
أقول: يقع الكلام:
تارةً: فيما يقتضيه القواعد.
واُخرى: في ما يقتضيه النصّ الخاص.
1) زبدة الاصول: ج 5/65.
أمّا من حيث القواعد: فكفاية الدخول فيهما وعدمها، مبتنيان على كون الهويّ والنهوض من أجزاء الصَّلاة أم أنّهما من مقدّماتها.
فعلى الأوّل تجري القاعدة بعد الدخول فيهما، لما تقدّم من عدم اعتبار شيءٍ في جريان القاعدة، سوى الدخول في الغير المترتّب الشرعي، في موارد الشكّ في الوجود.
وأمّا على الثاني فلا مجال لجريان القاعدة.
نعم، إذا شكّ في صحّة الرّكوع أو السّجود - وهو في الهويّ أو في حال النهوض - تجري القاعدة، لما تقدّم من عدم اعتبار الدخول في الغير الخاص في جريان القاعدة، في موارد الشكّ في الصحّة، لكن ذلك خارجٌ عن فرض المسألة، لأنّ محلّ الكلام الشكّ في الوجود، وحيث أنّ المختار عدم كونهما من أجزاء الصَّلاة - لعدم الدليل عليه، بل ربما يقال إنّ لابديّة الإتيان بهما، لتوقّف السّجود والقيام عليهما، تمنع من تعلّق الأمر الشرعي بهما - فإنّه يعدّ من الطلب اللّغوي غير المحتاج إليه.
فالأظهر عدم كفاية الدخول فيهما، في عدم الاعتناء بالشكّ في الرّكوع والسّجود.
وأمّا من حيث النصّ الخاصّ: فقد يقال - كما عن سيّد «المدارك» رحمه الله(1)- إنّ مقتضى مصحّح عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه:
«قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: رجلٌ أهوى إلى السّجود فلم يدر أركع أم لم يركع؟ قال عليه السلام: قد ركع(2)، قلت: فرجلٌ نهض من سجوده، فشكّ قبل أن يستوي قائماً، فلم3.
يدر أسَجد أم لم يسجد؟ قال عليه السلام: يسجد»(1).
هو التفصيل بين الفرعين، وأنّه يكفي الدخول في الهُويّ في عدم الاعتناء بالشكّ في الرّكوع، ولا يكفي الدخول في النهوض في عدم الاعتناء بالشكّ في السّجود.
وأورد عليه أمران:
الأمر الأوّل: ما عن صاحب «الحدائق» رحمه الله(2)من أنّ القول بالتفصيل جمعٌ بين المتناقضين، لأنّهما إنْ كانا من الأجزاء، فتجري القاعدة في الفرعين، وإلّا فلا تجري فيهما.
وفيه: إنّه لا دليل على الملازمة بين الفرعين، وما ذكره رحمه الله وإنْ كان بحسب القاعدة ممّا لا ريب فيه، إلّاأنّه مع ورود النّص بالتفصيل، وعدم الدليل على الملازمة بين الفرعين، لا مناص عن الالتزام به.
الأمر الثاني: ما عن المحقّق النائيني رحمه الله(3)من أنّ دلالة المصحّح على كفاية الدخول في الهُويّ غير المنتهي إلى السّجود، إنّما تكون بالإطلاق، وهو يُقيَّد بصحيح إسماعيل الوارد فيه قوله عليه السلام:
«فإنْ شكّ في الرّكوع بعدما سَجَد فليمض، وإنْ شكّ في السّجود بعدما قام فليمض، كلّ شيء شُكّ فيه وقد جاوزه فليمض عليه»(4).1.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/153 ح 61، وسائل الشيعة: ج 6/369 ح 8207.
2) الحدائق الناضرة: ج 9/177 قوله: (بالجملة: فإنّ الروايتين المذكورتين قد تعارضتا في هذا الحكم فالقول بهما قول بالمتناقضين).
3) أجود التقريرات: ج 2/474 (ط. ق)، وفي الجديدة: ج 4/277-278.
4) الاستبصار: ج 1/358 ح 9، وسائل الشيعة: ج 6/317 ح 8071.
الذي هو كالصريح في عدم كفاية الدخول في الهويّ، غير المنتهي إلى السّجود، إذ تحديد جريان القاعدة بما إذا تحقّق الدخول في السّجود، مع كونه متأخّراً عن الهويّ، يدلّ على عدم الاعتبار بالدخول في الهُويّ.
وفيه: ما عرفت من أنّ العبرة إنّما هي بعموم الجواب وإطلاقه، لا بخصوص الأمثلة الواردة في الخبر قبل إعطاء الضابطة، لا سيّما في مثل هذه الأمثلة الواقعة في سؤال الراوي لا في جواب الإمام عليه السلام، وعليه فجوابه عليه السلام وإنْ كان لا يشمل الهويّ - كما تقدّم - إلّاأنّه غير منافٍ لثبوت عدم الاعتناء فيه أيضاً بدليل آخر.
وبالجملة: خبر إسماعيل لا يدلّ على عدم كفاية الدخول في الهُويّ كي يوجب تقييد المصحّح.
أقول: والصحيح في الجواب عن «المدارك»، هو أنّ الظاهر من المصحّح فرض السؤال في الشكّ في الرّكوع بعد الدخول في السّجود، وذلك للتعبير بالفعل الماضي، الظاهر في التحقّق والمُضيّ، وتعديته ب (إلى السّجود) لا ب (من القيام)، أنّ ذلك يوجب ظهور الكلام في تحقّق الهويّ المنتهي إلى السّجود ومضيِّه، الملازم ذلك للدخول في السّجود.
نعم، لو كان المذكور في المصحّح (يهوي) بصيغة المضارع، أو كان بصورة (أهوى من قيامه)، كان الخبر ظاهراً فيما ذكره، لكنّه ليس كذلك.
ولو تنزّلنا عن ذلك فلا أقلّ من إجمال الخبر، وعدم ظهوره في خلاف ما تقتضيه القاعدة الأوّليّة من وجوب الاعتناء ما لم يدخل في السّجود.
فتحصّل: أنّ الأظهر عدم كفاية الدخول في الهويّ والنهوض في عدم الاعتناء بالشكّ في الرّكوع والسّجود.
أقول: بقي في المقام فرع مناسبٌ لهذه المسألة، وهو أنّه لو شكّ المُصلّي في الرّكوع بعد انتصابه من الانحناء، بأنْ شَكّ في أنّه بلغ إلى حَدّ الرّكوع فقام، أو لم يصل إليه، فهل تجري القاعدة فيه أم لا؟
وجهان، أقواههما الأوّل، وذلك لأنّ الانتصاب من الأجزاء الواجبة للصلاة بعد الرّكوع، فيكون الشكّ المزبور شكّاً في الرّكوع بعد الدخول في الغير المترتّب الشرعي، فتجري القاعدة فيه، مضافاً إلى أنّه يدلّ عليه الخبر الصحيح الذي رواه فضيل، قال:
«قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: استقم قائماً فلا أدري أركعتُ أم لا؟
قال عليه السلام: بلى قد ركعت، فامض في صلاتك، فإنّما ذلك من الشيطان»(1).
وعليه، فما عن «الحدائق»(2)من وجوب الاعتناء بهذا الشكّ، ولزوم الإتيان بالركوع في الفرض نصّاً وفتوى، يعدّ خطأً منه قدس سره، وخلطاً بين هذا الفرع وفرعٍ آخر، وهو ما إذا شكّ في الرّكوع وهو قائمٌ، مع عدم إحراز الانحناء أصلاً، فإنّ المُفتى به في هذا الفرع وجوب الرّكوع، وهو مطابقٌ للنّص والقاعدة، لكنّه أجنبيٌ عن محلّ الكلام.
الموضع الخامس: إذا كان المشكوك فيه هو الجزء الأخير، فقد يقال بعدم جريان القاعدة في العمل المركّب منه ومن غيره، للشكّ في تحقّق الفراغ منه.
أقول: وتحقيق القول في المقام أنّ الشكّ فيه:
تارةً: يكون قبل الإتيان بالمنافي العمدي والسَّهوي.
واُخرى: يكون بعد الإتيان بالمنافي العمدي والسَّهوي.
وثالثة: يكون بعد الإتيان بالمنافي العمدي.
وعلى الأوّل:
1 - فقد يكون ذلك بعد الدخول في أمرٍ مترتّب على المشكوك فيه شرعاً، كما لو شكّ في التسليم، وهو مشغولٌ بالتعقيب ونحوه.
2 - وقد يكون قبله.
أمّا في الصورة الأُولى: وهي ما لو شكّ فيه بعد الدخول في أمرٍ مترتّب شرعي، فلا ينبغي التأمّل في جريان قاعدة التجاوز في خصوص الجزء الأخير، إذ الشكّ إنّما يكون فيما تجاوز ومضى، باعتبار مُضيّ محلّه وتجاوزه.
هذا بناءً على المختار من وحدة القاعدتين أو تعدّدهما، مع كون قاعدة التجاوز عامّة شاملة لجميع الأبواب.
وأمّا على القول بالتعدّد، واختصاص قاعدة التجاوز بباب الصَّلاة، فقد يُتوهّم عدم جريان القاعدة فيه إذا كان المشكوك فيه غير الصَّلاة، كما لو شكّ في الجزء الأخير من الوضوء:
أمّا عدم جريان قاعدة التجاوز فيه، فواضحٌ.
وأمّا عدم جريان قاعدة الفراغ، وإنْ اعتقد الفراغ آناً مّا، فلأنّ إثبات الفراغ باليقين الزائل، غير ظاهر الوجه، ونفس اليقين الزائل لا يكون حجّة.
وبالجملة: الفراغ مشكوكٌ فيه فلا تجري.
أقول: لكنّه توهّمٌ فاسد، فإنّ المراد بالفراغ هو الفراغ البنائي، إذ إرادة الفراغ الحقيقي تستلزم عدم حجيّة القاعدة رأساً، لأنّه مع عدم إحرازه لا مورد لجريانها، ومع إحرازه لا شكّ فيه، هذا فيما إذا اعتقد الفراغ ولو آناً مّا.
وأمّا إذا لم يحرز ذلك، فحيث أنّ المأخوذ في أدلّتها هو الانصراف والمُضيّ، وهما يصدقان في الفرض، فتجري القاعدة فيه.
وأمّا في الصورة الثانية: هي ما لو شكّ فيه، ولم يدخل في الغير المترتّب، ولم يأتِ بالمنافي حتّى السكوت الطويل:
فإنْ اعتقد الفراغ ولو آناً مّا تجري القاعدة فيه، كما اختاره صاحب «الجواهر» رحمه الله(1)، إذ المراد من الفراغ هو الفراغ البنائي دون الحقيقي كما تقدّم آنفاً، وعليه فإنكار الشيخ الأعظم رحمه الله(2)ذلك في غير محلّه.
وإنْ لم يعتقد الفراغ، ولو آناً مّا لا تجري القاعدة، لعدم صدق التجاوز والمُضيّ.
وأمّا في الصورة الثالثة: وهي ما لو شكّ فيه بعد الإتيان بما يوجب مطلق وجوده البطلان، كما لو شكّ في التسليم بعد الإستدبار:
فقد يُقال: إنّه لا تجري القاعدة حينئذٍ، لاختصاصها بما إذا دخل في الأمر5.
المترتّب الشرعي، ولا يكون المنافي مترتّباً على الجزء الأخير شرعاً.
لكنّه غير تامّ: إذ لم يرد دليلٌ دالّ على اعتبار الدخول في الأمر المترتّب، وإنّما التزمنا به من جهة أنّه لا يصدق التجاوز بدونه، وحيثُ إنّه مع الإتيان بالمنافي المزبور يصدق التجاوز، إذ لو اُريد به الإتيان لوقع على خلاف الوجه المأمور به شرعاً، فتجري القاعدة فيه.
وأمّا في الصورة الرابعة: وهي ما لو شكّ فيه بعد الإتيان بالمنافي العمدي دون السَّهوي، كما لو شكّ في التسليم بعد التكلّم.
فالأظهر عدم جريان القاعدة، لعدم صدق التجاوز والمُضيّ، إذ لو أتى به لوقع على الوجه المأمور به الشرعي.
ودعوى: أنّ محلّ التسليم يكون قبل فعل المنافي العمدي أيضاً، فبعد الإتيان به يصدق التجاوز.
مندفعة: بعدم كونه كذلك، إذ لو تكلّم قبله سهواً لم تبطل الصَّلاة، وعليه فما عن المحقّق النائيني رحمه الله(1)من جريان القاعدة في هذه الصورة في غير محلّه.
***3.
1) كتاب الصَّلاة تقريرات الكاظمي للنائيني: ج 2/193.
الموضع السادس: إذا شكّ في الصحّة بعد الفراغ من العمل:
فتارةً: قد يكون مُحرِزاً للغفلة حال العمل عن رعاية المشكوك فيه.
واُخرى: قد يكون مُحرِزاً للغفلة قبل ترقب الإتيان بالمشكوك فيه، مع احتمال التذكّر حينه.
وثالثة: قد يكون غير محرزٍ لذلك أيضاً.
أمّا في الفرض الأوّل: فالأظهر خلافاً لجمع من الأساطين - كالمحقّقين النائيني رحمه الله(1)وصاحب «الدرر»(2)وغيرهما - وتبعاً لجمعٍ من المحقّقين(3)عدم جريان القاعدة فيه، وذلك لأنّ القاعدة كما حُقّق في محلّه(4)ليست من الاُصول التعبّديّة، بل هي من الأمارات النوعيّة، لوقوع المشكوك فيه، كما هو المستفاد من التعليل بالأذكريّة والأقربيّة إلى الحقّ، وعليه، فحيثُ لا أماريّة في الفرض، ولا يُحتمل الأذكريّة، فلا مجال لجريان القاعدة.
فإنْ قلت: إنّ مقتضى عموم قوله عليه السلام: «كُلّ شيءٍ شُكّ فيه وقد جاوزه... الخ»، وغيره من النصوص جريانها في الفرض.
قلت: إنّه يُخصَّص بالعلّة المنصوصة، مع أنّ مقام الإثبات تابعٌ لمقام الثبوت، فإذا لم يكن هناك ملاك الطريقيّة، لا يعقل الحكم بالمُضيّ بعنوان تتميم الكشف وإمضاء الطريق.
أقول: وليت شعري إنّ من التزم بكونها من الأمارات، كالمحقّق النائيني رحمه الله(1)كيف بني على جريانها في الفرض، وحَمَل التعليل بالأذكريّة على الحكمة دون العلّة؟
استدلّ المحقّق اليزدي رحمه الله:(2)تبعاً لصاحب «الجواهر» رحمه الله(3)، على أنّ قوله عليه السلام:
«إنّه حين يتوضّأ إذكر... الخ»، ليس من قبيل العلّة، بل من قبيل حكمة التشريع، فلا مقيّد لإطلاق الأدلّة، لأمرين:
الأوّل: خلوّ سائر المطلقات مع كونها في مقام البيان عن ذكر تلك العلّة.
الثاني: ما رواه ثقة الإسلام عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن علي ابن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء، قال:
«سألتُ أبا عبد اللّه عليه السلام عن الخاتم إذا اغتَسلتُ؟ قال عليه السلام: حوّله من مكانه.
وقال في الوضوء: تديره، فإنْ نسيتَ حتّى تقوم في الصَّلاة، فلا آمرك أن تُعيد الصَّلاة»(4).
وتبعهما في الوجه الثاني بعض المعاصرين.
أقول: - مضافاً إلى ما تقدّم آنفاً من كونها من الأمارات، ومعه لا يُعقل شمول الأدلّة للفرض - إنّه يرد على الوجه الأوّل:
أنّ ذُكر ما يوجب تقييد إطلاق الأدلّة في دليلٍ منفصل غَير عزيز في الفقه، بل غالب المقيّدات مذكورة في دليل منفصل، مع كون المطلقات في مقام البيان، وإلّا لما انعقد الإطلاق.1.
أمّا الوجه الثاني فيرد عليه أمران:
أحدهما: أنّ الظاهر كون السؤال والجواب واردين على الخاتم الوسيع الذي يصل الماء تحته قطعاً، ويكون الجواب دالّاً على استحباب التحويل والإدارة في الفرض، كما هو المشهور بين الأصحاب(1)، بل عن «المعتبر»(2)إنّه مذهب فقهائنا رضوان اللّه عليهم.
ولو أبيتَ عن ظهور الرواية في ذلك، فلا أقلّ من الإجمال.
الثاني: أنّه لو سُلّم ورودهما في مورد الشكّ في وصول الماء تحت الخاتم، إلّاأنّ الخبر لا يدلّ على صحّة الوضوء والغُسل، وإنّما يدلّ على صحّة الصَّلاة، وعدم وجوب إعادتها، فتكون الرواية دالّة على أنّ الإخلال في الصَّلاة بالطهارة نسياناً، كالإخلال بالقراءة ونحوها لا يوجب البطلان، فتكون معارضة لحديث (لا تُعاد الصَّلاة)(3)المقدّم عليها لوجوهٍ لا تخفى، والعلم بأنّ الصَّلاة تُعاد من ناحية الطهارة، لا يوجبُ ظهور الرواية في إرادة صحّة الوضوء، كما لا يخفى.
وأمّا الفرض الثاني: فالأقوى هو الجريان، لأنّ ملاك الطريقيّة موجود فيه، إذ المريد لمركب يكون غالباً غافلاً عن كثيرٍ من الأجزاء والشرائط تفصيلاً قبل العمل، ولكن الالتفات الإجمالي الارتكازي يوجب الإتيان بكلّ جزءٍ في محلّه، فالغالب عند تعلّق الإرادة بإتيان المركّب، هو الإتيان بالأجزاء في محالّها، وإنْ لم يلتفت إليها تفصيلاً قبل العمل، ولذلك تشمله العمومات والمطلقات، فضلاً عن7.
أنّ التعليل بالأذكريّة يشمله أيضاً، إذ لا وجه لتخصيصه بالذكر التفصيلي في أوّل العمل، بل يشمل الذُّكر الإجمالي الارتكازي الموجب لإتيان الجزء في محلّه، فملاك الطريقيّة موجودٌ، والأدلّة في مقام الإثبات تشمله، فتجري القاعدة فيه دون مانعٍ وراعدع.
وأمّا الفرض الثالث: ففيه صورتان:
الصورة الأُولى: ما إذا لم تكن صورة العمل محفوظة، ولأجله شكّ في انطباق المأمور به على المأتي به.
وهذه الصورة هي القدر المتيقّن من موارد القاعدة، من غير فرقٍ:
بين كون الشُّبهة موضوعيّة، كما لو شكّ بعد الصَّلاة في أنّه ركع فيها أم لا.
وبين كونها حُكميّة، كما إذا علم بأنّه صَلّى دون أن يقرأ السورة، واحتمل أن يكون ذلك لأجل تقليده من يفتي بعدم وجوب السّورة، فإنّه تجري القاعدة، ويحكم بصحّة الصَّلاة، لاحتمال استنادها إلى حكمٍ ظاهري يوجب الحكم بصحّتها، لعدم وجوب الإعادة والقضاء، وإن انكشف الخلاف.
ومن هذا القبيل ما إذا صَلّى بلا تقليد واجتهاد، ثمَّ شكّ في صحّة ما أتى به من الصَّلوات، من جهة احتمال رعاية الاحتياط، والإتيان بكلّ ما يحتمل وجوبه من الأجزاء والشرائط، فإنّه تجري القاعدة فيها، إذ لا يعتبر في جريانها معلوميّة الحكم الواقعي أو الظاهري بعينه، بل الميزان هو احتمال الإتيان بما هو وظيفته، وهو متحقّق في الفرض لاحتمال رعاية الاحتياط.
وأمّا الصورة الثانية: وهي ما إذا كانت صورة العمل محفوظة، كما لو علم أنّه صَلّى إلى جهةٍ معيّنة احتمل كونها هي القبلة، أو علم أنّه توضّأ بمائعٍ خاص، لكن شكّ في كونه ماءً أو غيره، فالأظهر عدم جريان القاعدة فيها، إذ لا أماريّة في هذه الصورة.
وبعبارة اُخرى: إنّه مع معلوميّة المأتي به، والشكّ في موضوعٍ واقعي، وهو أنّه يكون منطبقاً على المأتي به أم لا؟ فإنّه لا طريقيّة للمطابقة ولكونه على وفق المأتي به، ولذلك لا تشمله الأدلّة، إذ مضافاً إلى أنّ التعليل بالأذكريّة موجبٌ لتقييّد إطلاقها الشامل في نفسه للمقام، أنّه لأجل عدم الكاشفيّة الناقصة، لا يُعقل الحكم بالمُضيّ بعنوان الكاشفيّة، وإمضاء الطريق، لتبعيّة مقام الإثبات لمقام الثبوت.
ونظير ذلك في الشبهات الحكميّة، ما إذا توضّأ بماء الورد، ثمَّ شكّ في صحّة الوضوء به.
ونظير ذلك في الشبهات الحكميّة، ما إذا توضّأ بماء الورد، ثمَّ شكّ في صحّة الوضوء به، فاللّازم حينئذٍ إمّا إعادة الوضوء، أو الفحص عن حكم المسألة، ثمّ العمل بما يقتضيه تكليفه.
وبالجملة: الميزان في جريان القاعدة عن كون الشكّ في الانطباق، ناشئاً عن الجهل بكيفيّة المأتي به، وأمّا مع انحفاظ صورة العمل، وكون الشكّ في سراية الأمر إلى هذا المأتيّ به الخارجي، فلا تجري القاعدة، من غير فرقٍ بين الشبهات الموضوعيّة والحكميّة.
الموضع السابع: إذا شكّ في صحّة العمل السابق وفساده، من جهة احتمال الخَلل العمدي، فهل تجري فيه قاعدة الفراغ أم لا؟
أقول: إنّ مقتضى إطلاق الأدلّة جريانها فيه، إلّاأنّ التعليل بالأذكريّة يوجبُ اختصاص الأدلّة بصورة احتمال الترك عن غفلة.
ودعوى:(1)أنّ في قوله عليه السلام: «هو حين يتوضّأ أذكر»(2)، كبرى كليّة مطويّة، تدلّ على أنّ الأذكر لا يَترك، ويكون القياس بصغراه وكبراه تعبّداً بعدم الترك العمدي السَّهوي جميعاً.
مندفعة: بأنّه يمكن أن يكون عدم الترك العمدي مفروغاً عنه، فأراد عليه السلام بذلك سَدّ احتمال الترك السَّهوي.
والغريب أنّ المحقّق النائيني رحمه الله(3)مع التزامه بأنّ الأذكريّة المذكورة علّة للحكم من قبل حكمة التشريع لا العلّة، التزم في المقام بعدم جريان القاعدة، مستنداً إلى التعليل المذكور.
فإنْ قلت: إنّ المستفاد من مجموع الأدلّة، بعد ضمّ بعضها إلى بعض، هو التعبّد بما يقتضيه طبع كلّ مكلّف قَصَد الإتيان بفعل مركّب، وكان في مقام الامتثال، وهو كما يقتضي عدم الترك السَّهوي، كذلك يقتضي عدم الترك العمدي، فتجري القاعدة عند احتمال الترك العمدي، بمثل ما تجري عند احتمال الترك السَّهوي.
قلت: إنّ هذا إنْ كان استدلالاً بالنصوص، فيرد عليه ما تقدّم آنفاً.
وإنْكان استدلالاً ببناءالعُقلاء، فيرد عليه أنّه لم يثبت بنائهم على ذلك، فتأمّل.
وإنْ كان استدلالاً بظهور حال المُسلم، فيرد عليه أنّه لا دليل على حجيّته في المقام.
وبالجملة: فالأظهر عدم جريان القاعدة في المقام، إلّاأنّه بناءً على ما حقّقناه في محلّه في أبحاثنا الاُصوليّة، من جريان أصالة الصحّة في عمل الشخص نفسه، تجري القاعدة في المقام، ويُحكم بالصحّة.
الموضع الثامن: لا ريب ولا كلام في جريان القاعدة لو شكّ في صحّة العمل وفساده، لأجل احتمال الإخلال بشرطٍ من الشروط بعد الفراغ من العمل، كما لو شكّ بعد الصَّلاة في أنّه كان متطهّراً أم لا، إنّما الكلام فيما إذا حَدَث الشكّ في الأثناء.
وملخّص القول فيه: إنّ للشروط أقساماً:
القسم الأوّل: ما يكون بوجوده المتقدّم على العمل شرطاً لصحّته، كالإقامة بالقياس إلى الصَّلاة، على القول باشتراط صحّة الصَّلاة بها، وفي مثل ذلك تجري قاعدة التجاوز في نفس الشرط، للتجاوز عنه بمُضيّ محلّه، ويُحكم بتحقّقه، فلو كان شرطاً لصحّة عملٍ آخر، له الإتيان به من دون إعادة الشرط.
ودعوى: أنّ المتَعبَّد به وجود الشرط بيده، لا مطلق وجوده فيها.
مدفوعة: لأنّ المتعبّد به لو كان وجدان المشروط لشرطه تمّ ما ذُكر، ولكن إذا كان نفس وجود الشرط، فلا يتمّ كما لا يخفى.
فإنْ قلت: إنّه بناءً على ما بنيتم عليه من أنّ الشرط في الصَّلاة وغيرها من العبادات المشروطة بالطهارة، هو نفس الوضوء، لا الأمر الحاصل منه، فإنّ لازم ما ذُكر في المقام جريان القاعدة فيما لو شَكّ وهو في الصَّلاة في الوضوء قبلها، وحينئذٍ فله إتمام الصَّلاة والإتيان سائر ما يُشترط فيه الطهارة من دون أن يُعيد وضوءه، وحيث إنّه لم يفتِ أحدٌ بذلك، فيستكشف فساد أحد المبنيين.
قلت: إنّا لم نلتزم بأنّ الشرط هي الغَسَلات والمَسَحات بوجودها الآني الحقيقي
المتصرّم، بل التزمنا بأنّ الشارع الأقدس اعتبر بقاء تلك الأفعال، وإنْ كانت منعدمة حقيقةً، ما دام لم يتحقّق الناقص، لمصلحةٍ تدعو إلى اعتباره، وعليه فشرط كلّ عبادةٍ مشروطة بالطهارة، هو حصّة خاصّة من ذلك الأمر الاعتباري المستمرّ، الملازمة لها والتوأمة معها، فيخرج الشكّ في الطهارة في أثناء الصَّلاة، عن الشكّ في وجود الشرط المتقدّم، ويدخل في الصورة الثانية، وسيأتي حكمها إنْ شاء اللّه تعالى.
فإنْ قلت: إنّ من هذا القبيل ما لو شكّ في الإتيان بصلاة الظهر، وهو في أثناء العصر، فمقتضى قاعدة التجاوز لزوم البناء على تحقّقها، وعدم لزوم شيء عليه سوى إتمام ما بيده.
قلت: إنّ تقدّم صلاة الظهر على صلاة العصر إنّما يعدّ شرطاً ذُكريّاً لا واقعيّاً، وعليه فلا يُحرز التجاوز عنها بالدخول في العصر لبقاء محلّها الشرعي، فمقتضى القاعدة لزوم الإبطال، وإتيان الظهر، ثمّ العصر بعدها، لولا أخبار العدول.
نعم، بناءً على كفاية التجاوز عن المحلّ العادي في إجراء القاعدة جرت في المقام، لكن قد عرفت أنّها بمراحل عن الواقع.
القسم الثاني: ما إذا كان الشيء بوجوده المستمرّ المقارن للعمل، شرطاً له، مع كون المشروط هو نفس المركّب بما له من الأجزاء والآنات المتخلّلة بينها، كالطهارة والاستقبال وما شابههما بالقياس إلى الصَّلاة، وفي هذا القسم لا مجال لجريان القاعدة، لا بالقياس إلى نفس الشرط، ولا بالقياس إلى المشروط:
أمّا بالقياس إلى نفس الشرط: فلأنّ ما هو شرطٌ بالنسبة إلى الآن الذي هو فيه وما بعده، ليس هو وجوده المتقدّم، بل وجوده المقارن، فهو لم يتجاوز محلّه.
وأمّابالقياس إلى المشروط: فلعدم تجاوزه، لفرض كونه مشغولاً به وفي الأثناء.
ولا يتوهّم في المقام: أنّه تجري القاعدة بالنسبة إلى الأجزاء السابقة، فإذا أُحرز الشرط للأجزاء اللّاحقة، وضمّ الوجدان إلى القاعدة، فقد أحرز تحقّق المأمور به.
لأنّ المفروض شرطيّته في جميع الآنات وفي حال الشكّ، وفي تلك الحال لم يُحرز الشرط لا وجداناً ولا تعبّداً.
فإنْ قلت: إنّ ذلك يتمّ بالقياس إلى الاستقبال ونحوه، ولا يتمّ في الطهارة وشبهها ممّا لها سببٌ شرعي هو الوضوء مثلاً الذي لابدّ وأن يكون مقدّماً على الصَّلاة، فإنّه إذا شكّ في تحقّقه قبلها وهو في الأثناء، تجري القاعدة في الوضوء، لفرض التجاوز عن محلّه، فإذا جرت وأحرز تحقّق السبب في ظرفه المقرّر له شرعاً، يرتفع الشكّ في بقاء الطهارة.
قلت: إنّ ذلك يتمّ لو شكّ في صحّة الوضوء وفساده، مع إحراز أصل وجوده، لما تقدّم من أنّه لا يعتبر في جريان القاعدة في موارد الشكّ في أصل الوجود شيءٌ سوى الفراغ منه والدخول في حالة مغايرة للمشكوك فيه، ولا يتمّ في مورد الشكّ في أصل الوجود، الذي هو المفروض في هذا الأمر، لما تقدّم من اعتبار التجاوز عن المحلّ الشرعي، إذ محلّ الوضوء شرعاً ليس قبل الصَّلاة، بل هو محلّه العقلي، من جهة اعتبار مقارنة الصَّلاة للطهارة، إذ حينئذٍ لا مناص عقلاً إلّاتقديم الوضوء، وإلّا ففي كلّ مورد وقع الوضوء يستلزم وقوعه في محلّه.
نعم، بناءً على كفاية التجاوز عن المحلّ العادي في جريانها، تجري القاعدة في
الوضوء، ويحكم بتحقّقه، لكن عرفت أنّها بمراحل عن الواقع.
القسم الثالث: ماذا كان الشيء شرطاً مقارناً للأجزاء، من دون دخله في الآنات المتخلّلة، كاعتبار اقتران القراءة بالاستقرار، وفي مثل ذلك تجري القاعدة في المشروط المأتيّ به، لفرض الشكّ في صحّته وفساده، وقد مرّ أنّه في هذا المورد لا يعتبر في جريان القاعدة الدخول في الغير المترتّب الشرعي، فيحكم بصحّته، فبالنسبة إلى الأجزاء اللّاحقة يتمّ عمله إذا أحرز تحقّق الشرط.
نعم، إذا كان مشغولاً بجزءٍ فشكّ، لا تجري القاعدة فيه، لكونه من الشكّ في المحلّ، فلابدّ من إعادته.
أقول: بقي في المقام البحث عن حكم شكّين:
الأوّل: حكم ما إذا شكّ في تحقّق النيّة:
1 - فإنْ اُريد بها قصد القُربة، فلا يعتني بهذا الشكّ، سواءٌ أكان في الأثناء أو بعد الفراغ، وتجري القاعدة في المشروط بها، لكون الشكّ فيه شكٌّ في الصحّة بعد إحراز أصل الوجود، الذي لا يعتبر في جريان القاعدة فيه سوى كون الشاكّ في حالة مغايرةٍ لحال المشكوك فيه.
2 - وإنْ اُريد بها القصد الذي يدور عليه تحقّق ذات المأمور به في الخارج، كما إذا شكّ في أنّه صلّى بقصد الصَّلاة أم بقصد التعليم:
فإنْ كان الشكّ بعد الفراغ، لا تجري فيه القاعدة، لكون الشكّ في أصل تحقّق المأمور به لا في صحّته وفساده، وحيث أنّه لم يدخل في الغير المترتّب فلا تجري القاعدة.
وإنْ كان في الأثناء، فإنْ كان رأى نفسه في حال الشكّ قاصداً الصّلاة، جرت القاعدة في الأجزاء السابقة، لفرض كون الشكّ في الوجود بعد الدخول في الغير المترتّب الشرعي، وإلّا فلا تجري، لأنّه بالنسبة إلى ما بيده شكٌّ في المحلّ، وبالنسبة إلى الأجزاء السابقة لم يحرز الدخول في الغير المترتّب.
وبما ذكرناه ظهر حكم ما إذا اُريد بها الاختيار.
الثاني: الشكّ في الموالاة: فهي على قسمين:
القسم الأوّل: ما يكون معتبراً في أجزاء الصَّلاة المستقلّة، كالتكبيرة والقراءة والرّكوع ونحوها:
وفي هذا القسم تجري القاعدة في المشروط بها، إذا كان الشكّ بعد الفراغ منه، سواءٌ أكان ذلك تمام العمل أم بعضه.
نعم، إذا شكّ في تحقّقها بين ما تقدّم وبين ما هو مشغول به، لا تجري القاعدة، لكون الشكّ حينئذٍ في المحلّ، إلّاأنّه يمكن إحراز الصحّة باستصحاب بقاء الموالاة، وعدم تحقّق الفصل الموجب للبطلان.
القسم الثاني: ما يكون معتبراً بين أجزاء الكلمة الواحدة:
واعتبار هذا القسم عقلي، ومن جهة عدم تحقّق ذات المأمور به، بخلاف القسم الأوّل الذي يكون اعتباره شرعيّاً.
وفي هذا القسم لا تجري القاعدة، إلّافيما إذا دخل في الغير المترتّب الشرعي، لرجوع الشكّ فيه إلى الشكّ في أصل الوجود، فلو كان هذا الشكّ في الجرءالأخير، يلحقه ماتقدّم، فيماإذا شكّ في الجزء الأخير من الأحكام باختلاف الصور، فراجع.(1)د.
1) صفحة 238 من هذا المجلّد.
وإلّا أتى به.
هذا كلّه فيما إذا كان الشكّ في فعلٍ قد انتقل عنه، وقد عرفت أنّه لم يلتفت، (وإلّا) أي وإنْ كان ذلك في موضعه (أتى به) بلا خلافٍ(1).
وتشهد له: - مضافاً إلى قاعدة الاشتغال والاستصحاب - جملةٌ من النصوص:
منها: موثّق ابن أبي يعفور المتقدّم: «إنّما الشكّ إذا كنتَ في شيءٍ لم تجزه).
ومنها: صحيح عبد الرحمن: «قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: رجلٌ رفع رأسه من السّجود، فشكّ قبل أن يستوي جالساً، فلم يدر أسجد أم لم يسجد؟
قال عليه السلام: يسجد»(2).
ومنها: صحيح عمران الحلبي: «الرّجل يشكّ وهو قائم، فلا يدري أركع أم لا؟
قال عليه السلام: فليركع»(3).
ونحوه صحيح أبي بصير(4).
وبها يقيّد إطلاق صحيح أبي بصير: «في الرّجل لا يدري أركع أم لم يركع؟ قال عليه السلام: يركع»(5).
وصحيح الحلبي: «عن رجلٍ سهى فلم يدر سَجَد سجدة أم ثنتين؟ قال عليه السلام:
ويسجد اُخرى»(6).2.
1) رسائل الكركي: ج 2/133، قوله: (إجماعاً)، رياض المسائل: ج 4/225، قوله: (بلا خلاف).
2) تهذيب الأحكام: ج 2/153 ح 61، وسائل الشيعة: ج 6/369 ح 8207.
3) تهذيب الأحكام: ج 2/150 ح 47، وسائل الشيعة: ج 6/315 ح 8064.
4) تهذيب الأحكام: ج 2/150 ح 48، وسائل الشيعة: ج 6/316 ح 8065.
5) تهذيب الأحكام: ج 2/150 ح 49، وسائل الشيعة: ج 6/316 ح 8067.
6) الكافي: ج 3/349 ح 1، وسائل الشيعة: ج 6/368 ح 8202.
فإذا ذَكَر أنّه كان قد فَعَله، استأنف إنْ كان ركناً، وإلّا فلا.
فرع: إذا شكّ في فعل قبل الدخول في غيره فأتى به:
(فإذا ذَكَر أنّه كان قد فَعَله، استأنف) الصَّلاة (إنْ كان) المأتي به (رُكناً).
(وإلّا فلا)، وذلك لما تقدّم من مبطليّة زيادة الرّكن.
وإنْ كان عن غير عمدٍ على إشكال تقدّم.
ومجرّد الأمر الظاهري به لا يوجبُ تخصيص تلك الأدلّة على وجوب إعادة الصَّلاة لزيادة الرّكن، وعرفت أيضاً أنّ زيادة غير الرّكن لا توجبُ البطلان، إنْ لم تكن عمديّة.
الفصل الرابع: في الظنّ بعدد الرَّكعات وأجزاء الصَّلاة.
أقول: الكلام فيه يقع في مقامين:
المقام الأوّل: في الظنّ بعدد الرَّكعات، والكلام فيه:
تارةً: يقع في الأخيرتين.
واُخرى: في الأولتين وما بحكمهما.
أمّا بالنسبة إلى الأخيرتين: الظاهر أنّه لا خلاف ولا إشكال في حجيّته واعتباره مطلقاً، سواءٌ أكان ابتدائيّاً أم بعد التروّي، وحكى في «الرياض»(1)الإجماع عليه من جماعة.
وتشهد له: جملةٌ من الروايات:
منها: صحيح الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنْ كنت لا تدري ثلاثاً صلّيت أم أربعاً، ولم يذهب وهمك إلى شيءٍ فسلِّم.
إلى أنْ قال: وإنْ ذهب وهمك إلى الثَّلاث، فقُم فصلِّ الرّكعة الرابعة، ولا تسجد سجدتي السَّهو، وإنْذهب وهمك إلى الأربع، فتشهّد وسَلّم ثمّاسجد سَجدتي السَّهو»(2).
ومنها: صحيح عبد الرحمن بن سيّابة وأبي العبّاس: «إذا لم تدرِ ثلاثاً صلّيت أو أربعاً، ووقع رأيك على الثّلاث، فابن على الثَّلاث، وإنْ وقعَ رأيُك على الأربع فسلِّم وانصرف»(3). ونحوهما غيرهما.
وهي وإنْ وردت في موارد خاصّة، إلّاأنّه يتمّ دلالتها على عموم الدعوى بعدم القول بالفصل.
أقول: وبإزاء هذه الروايات نصوصٌ كصحيح ابن مسلم:
«... في مَن سها فلم يدر ثلاثاً صلّى أم أربعاً، واعتدل شكّه، قال:... فإنْ كان أكثر وهمه إلى الأربع، تشهّد وسَلَّم، ثمّ قرأ فاتحة الكتاب ورَكع وَسَجَد، ثمّ قرأ فَسَجَد سجدتين وتشهّد وسَلّم»(1). ونحوه غيره.
فإنْ كان الجمع بحمل هذه على الاستحباب عرفيّاً فهو، وإلّا فيتعيّن ذلك، أو طرحها لإعراض الأصحاب عنها على هذا، وعملهم بالطائفة الأُولى.
وأمّا بالنسبة إلى الأولتين: فالمشهور بين الأصحاب(2)اعتباره.
وعن ابن إدريس(3): عدم الحجيّة، ووافقه صاحب «الحدائق» رحمه الله(4).
ويشهد للمشهور: مفهوم صحيح صفوان، عن أبي الحسن عليه السلام:
«إنْ كنتَ لا تدري كم صلّيت، ولم يقع وَهْمُك على شيءٍ فأعِد الصَّلاة»(5).
وهو يدلّ إمّا على حجيّة الظنّ فيهما مطلقاً، أو يدلّ عليها عند تكثّرالمحتملات، ويثبت في غير هذا المورد بالأولويّة القطعيّة.
وأورد على الاستدلال به أمران:
الأمر الأوّل: ما ذكره صاحب «الحدائق» رحمه الله(6)من أنّ هذا الخبر شاملٌ7.
للركعتين الأخيرتين، فيكون أعمّ ممّا دلَّ على لزوم حفظ الأولتين وسلامتهما عن السَّهو.
واُجيب عنه: بأنّ الخبر لتضمّنه الأمر بالإعادة، يكون منطوقه مختصّاً بالأولتين، فلا يمكن صرف مفهومه إلى ما يشمل الأخيرتين.
وفيه: ما تقدّم من أنّ الخبر عامٌ شاملٌ للأخيرتين، والأزيد أيضاً، وعليه بنينا على أنّ الأصل في الشكوك البطلان، خرج ما خرج، غاية الأمر يُخصّص المنطوق بواسطة أدلّة الشكوك الصحيحة بالنسبة إليها، وأمّا غيرها فباقٍ تحته، فلا وجه لتخصيص المفهوم بالأولتين.
أقول: والحقّ في الجواب عن هذا الإيراد، يتوقّف على بيان اُمور:
1 - إنّ الحكم بثبوت ما تعلّق الظنّ به، أو الأمر بالعمل بالظنّ بحسب المتفاهم العرفي، يكون إرشاداً إلى حجيّته، واحتمال كون الأخذ بالطرف الراجح تعبّداً صرفاً خلاف الظاهر، ولذا لم يتوقّف أحدٌ في أنّ الأمر بالعمل بالخبر الواحد الذي اشتمل عليه عدّة من أدلّة حجيّته، إنّما يكون إرشاداً إلى حجيّته.
2 - إنّ الحجيّة عبارة عن تتميم الكشف، وجعل ماليس بعلمٍ عِلْماً، كما حُقّق في محلّه.
3 - ما تقدّم من أنّ الإحراز والحفظ المأخوذين في الموضوع بالنسبة إلى الأولتين، إنّما يكونان على وجه الطريقيّة لا الموضوعيّة.
4 - إنّ الأمارات بأدلّة اعتبارها تقوم مقام العلم المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقيّة.
إذا عرفت هذه الاُمور، تظهر لك حكومة صحيح صفوان على تلك النصوص
فيقدّم عليها، ولا يلزم من تقديمه عدم بقاء المورد لها، ليلزم لغويّتها كما هو واضح.
فتدبّر حتّى لا تبادر بالإشكال.
أقول: وبما ذكرناه اندفع الإيراد الثاني الذي أورده بعض المحقّقين(1)، وهو أنّه يحتمل أن يكون المراد من الصحيح، التردّد بين احتمالات كثيرة أعمّ من أن يكون قدر متيقّنٍ في البين أو لا، فتكون النسبة بينه وبين الأدلّة الدالّة على اعتبار العلم في الأولتين عموماً من وجه، ولا يستفاد من الصحيح اعتبار الظنّ من باب الطريقيّة، لاحتمال أن يكون اعتباره من حيث أنّه صفة قائمة بالنفس في مقابل الشكّ، فلا وجه لتقديمه عليها، فتدبّر.
فتحصّل: أنّ الأظهر اعتبار الظنّ، سواءٌ أكان في الرّكعتين الأولتين أو في الأخيرتين.
المقام الثاني: في حكم الظنّ بالأفعال:
المشهور بين الأصحاب - على ما نَسب إليهم الشيخ الأعظم رحمه الله(2)- اعتبار الظنّ بالأفعال.
واستدلّ له:
1 - بالنبويّين المرويّين عن «الذكرى»(3): «إذا شكّ أحدكم في الصَّلاة، فلينظر
أحرى ذلك إلى الصّواب، فليبن عليه».
وهما وإنْ كانا ضعيفين سنداً، إلّاأنّه لإعتماد الأصحاب عليهما، يكونان حجّة في المقام، بناءً على حجيّة الخبر الضعيف المنجبر بعمل الأصحاب.
ودعوى: أنّه يحتمل أن يكون في الصَّلاة متعلّقاً بالشكّ، بمعنى تعلّق الشكّ بالصّلاة.
مندفعة: بكونه خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر منه كونه ظرفاً للشكّ، بمعنى وقوع الشكّ في حال الصَّلاة، وحيثُ لم يقيَّد من حيث المتعلّق بالركعات، فمقتضى إطلاقهما ثبوت الحجيّة للظنّ بالأفعال أيضاً.
2 - وبفحوى ما دلَّ على حجيّته في الرَّكعات لا سيّما الأولتين.
أقول: وتقريب الاستدلال بالفحوى من وجوه:
أحدهما: أنّه لو كان الظنّ معتبراً في الرّكعة التي ليست إلّامجموع الأفعال، كان بالحجيّة في أبعاضها أولى.
ثانيها: أنّه إذا اعتبر الظنّ في الأوليين اللّذين هما فرض اللّه، كما هوالمفروض، فاعتباره في مثل القراءة التي هي سُنّة أولى، ولا فرق بين القراءة والأركان قطعاً.
ثالثها: أنّه إذا اعتبر الظنّ في الرّكعة الّتي لا تسقط بحال، فاعتباره في مثل السّورة التي تسقط بمجرّد الإستعجال أولى.
3 - وباخبار(1)رجوع المأموم إلى الإمام وبالعكس، وأخبار(2)حفظ الصَّلاة بالحَصى والخاتم، إذ لا ريب في عدم حصول العلم في هذه الصور.
4 - وبأنّه المناسب لتشريع الصَّلاة التي هي كثيرة الأفعال، فإنّه لو فرضنا8.
المُصلّي شاكّاً بين الثنتين والثَّلاث وكان شاكّاً في أنّه فَعَل السّجدة من الرّكعة التى هو متلبّسٌ بها أو لا، وظنّ أنّه لو فعل السّجدة كانت الرّكعة المتلبّس بها ثالثة، وظَنَّ أنّه فعل الثالثة، فهل يا تُرى أنّه يأخذ بظنّه بأنّ الرّكعة ثالثة لأدلّة اعتبار الظنّ في الرَّكعات، ولا يأخذ بظنّه بتحقّق السَّجدة؟!
5 - وبرواية إسحاق: «إذا ذَهَب وهمُكَ إلى التمام أبدأ في كلّ صلاةٍ، فاسجد سجدتين بغير ركوع»(1).
أقول: وفي الجميع نظر:
أمّا النبويّان: فلا ينجبران بمجرّد موافقتهما لفتوى الأصحاب رحمهم الله، بل لابدَّ من الاستناد إليهما في الفتوى، وهو غير ثابت.
وأمّا الفحوى فغير ظاهرة.
وأمّا أخبار رجوع الإمام والمأموم، فإنّه لو سُلّم شمولها لرجوع أحدهما إلى الآخر في الأفعال، مع أنّ فيه تأمّلاً، لا تدلّ على حجيّة مطلق الظنّ، كما أنّ حجيّة خبر الواحد لا تدلّ عليها.
وبذلك ظهر الإشكال في أخبار الحفظ بالحَصى والخاتم على فرض شمولها للظنّ، وشمولها للأفعال، مع أنّهما غير ثابتتين، ومجرّد المناسبة لا تصلح لإثبات الأحكام الشرعيّة، ولا أرى ما يمنع عن الالتزام في الصورة المفروضة بحجيّة الظنّ بأنّ الرّكعة ثالثة، وعدم حجيّة الظنّ بتحقّق السَّجدة، ومجرّد الاستبعاد لا يكون مدركاً للحكم الشرعي.
وأمّا رواية إسحاق فظاهرة في الظنّ بعد الفراغ، كما لا يخفى، مضافاً إلى اشتمالها9.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/183 ح 31، وسائل الشيعة: ج 8/211 ح 10449.
على وجوب سجدتي السَّهو، الذي لا قائل به، فضلاً عمّا فيها من مناقشات اُخر تظهر لمن تدبّر فيها.
فتحصّل: أنّ شيئاً ممّا استدلّ به على حجيّة الظنّ المتعلّق بالأفعال، لا يدلّ عليها، فالأقوى أنّ حكمه حكم الشكّ، ولكن الإنصاف أنّ منع الفحوى مشكلٌ، والإحتياط سبيل النجاة.
ولو شكّ فيما زاد على الأوليّين في الرباعيّة ولا ظَنّ، بنى على الزائد واحتاط.
الفصل الخامس: في الشكّ في الرَّكعات، الموجب لصَّلاة الإحتياط.
أقول: إنّ الشكّ في الرباعيّة بعد إحراز الأوليين:
تارةً: يكون طرفه اثنان، كالشكّ بين الثَّلاث والأربع.
واُخرى: يكون أزيد، كالشكّ في أعداد الرباعيّة.
وثالثة: وقد يكون بينها وبين الزيادة عنها، كالشكّ بين الأربع والخمس.
ورابعة: قد يكون في طرف الزيادة، كالشكّ بين الخمس والسِّت.
وعليه، فالكلام يقع في مقامات:
المقام الأوّل: في الشكّ في أعداد الرباعيّة، وصوره أربع:
الشكّ بين الإثنتين والثَّلاث، الشكّ بين الاثنتين والأربع، الشكّ بين الثَّلاث والأربع، الشكّ بين الاثنتين والثَّلاث والأربع:
والحكمُ في جميع هذه الصور ما ذكره المصنّف رحمه الله، بقوله: (ولو شَكّ فيما زاد على الأوليّين في الرباعيّة ولا ظَنّ، بَنى على الزائد واحتاط)، وتشهد له جملةٌ من الروايات:
منها: موثّق عمّار، عن مولانا الصادق عليه السلام: «يا عمّار أجمعُ لك السَّهو كلّه في كلمتين: مَتى شككتَ فخُذ بالأكثر، فإذا سَلّمت فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت»(1).
1) وسائل الشيعة: ج 8/212 ح 10451.
والمراد من (السَّهو) هو الشكّ، ومن (أجمع لك في كلمتين) هو جمع حكمه، أي البناء على الأكثر.
ومنها: موثّقه الآخر، عنه عليه السلام: «كلّما دَخَل عليك من الشكّ في صلاتك فاعمل على الأكثر.
قال: فإذا انصرفتَ فأتمَّ ما ظننتَ أنّك نقصت»(1).
ومنها: موثّقه الثالث، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن شيء من السَّهو في الصَّلوات؟ فقال: ألّا اُعلّمك شيئاً إذا فعلته ذكرتَ أنّك أتممتَ أو نقصتَ لم يكُن عليك شيء؟ قلت: بلى.
قال عليه السلام: إذا سهوتَ فابنِ على الأكثر، فإذا فرغتَ وسَلّمت فقُم فصلِّ ما ظننتَ أنّك نقصتَ، فإنْ كنتَ قد أتممت لم يكن عليك في هذه شيءٌ، وإنْ ذكرتَ أنّك نقصتَ كان ما صلّيت تمام ما نقصت»(2).
أقول: وتنقيحُ البحث فيما يستفاد من هذه الموثّقات يتحقّق من خلال اُمور:
الأمر الأوّل: إنّ هذه الأخبار مختصّة بالشكّ في أعداد الرباعيّة، ولا يشمل ما إذا كان بينها وبين الزيادة عنها، ولا ما يكون في طرف الزيادة محضاً، للأمر بالبناء على الأكثر، وهذا لا يصحّ في المقامين الأخيرين، لأنّ البناء على الأكثر فيهما موجبٌ للبطلان، مع أنّ عدم التعرّض فيها لاحتمال الزيادة، يوجب اختصاصها بهذا المقام.
الأمر الثاني: إنّ هذه النصوص إنّما تقتصي لزوم مطابقة المأتي به من صلاة3.
الاحتياط، مع مايحتمل نقصه في الرّكعة وفي الأجزاء والشرائط، إلّاأنّه يدلّ على خلاف هذه النصوص الخاصّة التي ستمرّ عليك.
الأمر الثالث: لا إشكال في أنّ هذا الحكم - أي لزوم البناء على الأكثر والإتيان بصلاة الاحتياط - ليس حُكماً ظاهريّاً، كما أنّه ليس بأمارةٍ ولا أصلٍ، إذ لازم ذلك عدم الأجزاء لو انكشف نقص الصَّلاة، وقد صرّح في هذه النصوص بأنّه لو تذكّر النقص، لم يكن عليه شيء، فيُستكشَف من ذلك أنّه حكمٌ واقعي مجعولٌ للشاكّ، وأنّ تكليف الشاكّ واقعاً على تقدير النقص هو الإتيان بالركعة المفصولة.
وقد نُسِب إلى المحقّق النائيني رحمه الله(1): أنّ هذا الحكم منحلٌّ إلى حكمين، وهما:
وجوب البناء على الأكثر، والإتيان بصلاة الاحتياط:
أمّا الحكم الثاني فلا ريب في أنّه حكمٌ واقعي مجعول رعايةً لإحتمال النقص، بمعنى أنّه لو كانت الصَّلاة ناقصة، كانت هذه جابرة للنقص، ولو كانت تامّة كانت زائدة.
وأمّا الحكم الأوّل، فلا إشكال في كونه حكماً ظاهريّاً، لكونه في ظرف الشكّ، وحيث أنّه أُخذ في موضوعه الشكّ، فلا ينبغي التوقّف في كونه حكماً ظاهريّاً أصليّاً لا أماريّاً.
أقول: نفس البرهان الذي ذكرناه وأثبتنا من خلاله أنّ الحكم الثاني حكمٌ).
1) تعرّض لما حكي عنه في غير مورد من الاُصول والفقه راجع: فوائد الاُصول للنائيني: ج 4/359، عقيب الرواية «إذا شككت فابنِ على اليقين» قوله: (فإنّ المراد من البناء على اليقين هو البناء على الأكثر، والإتيان بركعات الاحتياط مفصولة.. الخ)، كتاب الصَّلاة للكاظمي تقرير بحث النائيني: ج 2/243 قوله: (والاحتياط بما يحتمل نقصه وعليه إجماع الإماميّة) [أي البناء على الأكثر والاحتياط] وفي ص 245 قال: (إنّ مفاد البناء الأكثر هو الحكم الظاهري المجعول في باب الاُصول العمليّة).
واقعي، يقتضي كون هذا الحكم - أي البناء على الأكثر، وترتيب آثار الأكثر - حكماً واقعيّاً، فإنّه لم يتوقّف فقيهٌ في أنّه لو تذكّر المُصلّي النقص، لا يجب عليه قضاء التشهّد لو شكّ بين الاثنتين والثَّلاث، ولا غير ذلك من آثار النقص، فيُستكشف من ذلك كونه حكماً واقعيّاً أيضاً، بمعنى أنّ الشارع الأقدس إنّما جَعل وظيفة ثانويّة للشاكّ في عدد الرَّكعات، وراعى فيها كُلّاً من النقص والزيادة، ورعايةً للأوّل جعل الاحتياط، ورعايةً للثاني حكم بالبناء على الأكثر، بمعنى ترتيب آثاره.
أقول: ثمّ إنّه بعدما عرفت من أنّ الحكم بالبناء على الأكثر، ليس حكماً أماريّاً، وإنّما هو حكمٌ بترتيب آثار الأكثر، فاعلم أنّ ما كان من الآثار مترتّباً شرعاً على الأكثر - كعدم وجوب التشهّد فيما بيده من الرّكعة، لو كان شاكّاً بين الاثنتين والثَّلاث - يكون ثابتاً، كما أنّ الآثار الشرعيّة المترتّبة على عدم الأقلّ تكون مترتّبة، مثلاً لو شكّ بين الثَّلاث والأربع في حال القيام، وعلم بأنّه ترك السّجدة من الرّكعة الثانية، فإنّه لو كان ما بيده هو الرّكعة الثالثة، وجب عليه المُضيّ وقضائها بعد الصَّلاة، فإنّ المُضيّ وفوات محلّ التدارك، ليس من الآثار الشرعيّة على الأكثر، بل من آثار عدم كونها الأقلّ، ولكن يترتّب ذلك أيضاً، إذ معنى البناء على الأكثر - كالبناء على الأربع في الفرض - هو البناء على عدم كونها ثالثة، فتثبت آثار الثالثة، ومنها فوات محلّ السّجدة، وهذا كلّه ممّا لا ينبغي التوقّف فيه.
إنّما الكلام في الآثار واللّوازم الاتّفاقيّة غير الشرعيّة، كما لو علم بأنّه على تقدير الأكثر ترك ركناً في الرّكعة الأُولى من صلاته مثلاً، فحينئذٍ تترتّب هذه الآثار، ولازمه بطلان صلاته في الفرض؟
أم لا تترتّب؟
أم يفصّل بين ما إذا كان لازم ترتيب تلك الآثار هو بطلان الصَّلاة، كما في الفرض فلا، وبين ما إذا كان لازمه الصحّة، كما لو علم بأنّه على تقدير الثَّلاث يكون قد ترك ركناً في الرّكعة الأُولى فتترتّب؟ وجوه:
الأظهر عدم ترتيبها مطلقاً، فإنّه بعدما عرفت من أنّ هذا الحكم ليس حكماً أماريّاً، وإنّما هو حكمٌ ثانوي، مدلوله ترتيب آثار البناء على الأكثر، فيما هو من الآثار الشرعيّة، لذلك يترتّب وإلّا فلا، ففي المثالين لا يترتّب ترك الرّكوع في الأوّل وعدمه في الثاني، بل المرجع في الموردين إلى قاعدة التجاوز، إلّاأنّه في المثالين خصوصيّة اُخرى، توجب الحكم ببطلان الصَّلاة:
أمّا في الثاني: فلأنّه يعتبر في جريان أصالة الأكثر، أن تكون صلاة الاحتياط جابرة للنقص على تقديره، وفى المقام ليس كذلك، إذ على تقدير النقص تكون الصَّلاة لنقص الرّكوع، ولا تكون صلاة الاحتياط جابرة.
وإنْ شئت قلت: إنّه يعلم بعدم الأمر بصلاة الاحتياط، إمّا لتماميّة الصَّلاة، أو لبطلانها بترك الرّكوع.
وأمّا في الأوّل: فلأنّه يعتبر في هذا الأصل - مضافاً إلى ما عرفت - صحّة الصَّلاة وتماميّتها من سائر الجهات على تقدير الأكثر، فإذا فُرض بطلان الصَّلاة على هذا التقدير - كما هو المفروض - فلا تكون مشمولة له.
هذا ما يستفاد من الموثّقات.
وأمّا ما يستفاد من الأدلّة الخاصّة في الصور الأربع المتقدّمة، فيحتاج إلى التكلّم في كلّ واحدة منها.
فمن شَكّ بين الإثنتين والثَّلاث.
الصورة الأُولى: ما ذكره رحمه الله بقوله (فَمَن شكَّ بين الإثنتين والثَّلاث)، والمشهور بين الأصحاب(1)أنّه إنْ كان بعد إكمال السّجدتين، يَبني على الثَّلاث، ويأتي بالرابعة، ثمّ يأتي بصلاة الاحتياط مخيّراً بين ركعة من قيام وركعتين من جلوس.
فها هنا دعويان:
أحدهما: البناءُ على الأكثر.
ثانيتهما: التخيّير في صلاة الاحتياط بين ركعةٍ من قيام، وركعتين من جلوس.
أمّا الدعوى الأُولى: فتشهد لها:
1 - الموثّقات المتقدّمة.
2 - خبر العلاء المرويّ عن «قُرب الاسناد»، عن الصادق عليه السلام:
«في رجلٍ صَلّى ركعتين وشكّ في الثالثة؟ قال عليه السلام: يَبني على اليقين، فإذا فرغ تشهّد وقام قائماً فصلّى ركعة بفاتحة القرآن»(2).
إذ المراد بالبناء على اليقين، البناءُ على كون المشكوك فيه متيقّناً، بشهادة الأمر بصلاة الاحتياط.
وبعبارة اُخرى: قاعدة البناء على اليقين، أي الأكثر المعبّر به عنه في الأخبار.
3 - وصحيح محمّد بن مسلم: «ومن سها فلم يدرَ ثلاثاً صَلّى أم أربعاً واعتدل شكّه؟ قال: يقومُ فيتمّ ثمّ يجلس ويتشهّد ويُسلّم ويُصلّي ركعتين وأربع سجدات وهو جالس»(1).
أقول: وأورد عليه:
تارةً: بأنّه مقطوعٌ.
واُخرى: بأنّه واردٌ في الشكّ بين الثَّلاث والأربع، فيكون أجنبيّاً عن المقام.
ولكن يرد الأوّل: من الضروري أنّ محمّد بن مسلم لا يسأل عن غير الإمام، لاسيّما مع نقله.
ويرد الثاني: ظاهر السؤال وإنْ كان ذلك، إلّاأنّه بقرينة الجواب لابدّ من الحمل على إرادة الشكّ بين الثَّلاث والأربع قبل التلبّس بالركعة، بأنْ يشكّ حال الجلوس في أنّ الرّكعة التي يريدُ الدخول فيها، هل هي ثالثة أم رابعة، وذلك لأنّه إنْ شكّ بين الثَّلاث والأربع حقيقةً فلا يخلو:
إمّا أن يكون ذلك في حال الجلوس، وجب عليه حينئذٍ إتمام صلاته، لا القيام وإضافة ركعة إليها.
وإنْ كان في حال القيام وجب عليه أن يتمّ صلاته.
وعلى كلا التقديرين، لا يلائم ذلك مع أمره عليه السلام بالقيام وإتمام الصَّلاة، فلا مناص عن الحمل على ما ذكرناه.
أقول: وفي المقام أقوالٌ اُخر، وهي:
القول الأوّل: ما عن «المقنع»(2)من الحكم مبطليّة هذا الشكّ.2.
واستدلّ له بصحيح عبيد، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجل لم يَدر أركعتين صَلّى أم ثلاثاً؟ قال: عليه السلام: يعيد. قلت: أليس يقال لا يعيدُ الصَّلاة فقيهٌ؟ قال: إنّما ذلك في الثَّلاث والأربع»(1).
وفيه: إنّه مطلقٌ شامل لما قبل إكمال السّجدتين، فيُحمل بقرينة ما تقدّم على هذا المورد، ويكون المراد من الثَّلاث والأربع على هذه الثالثة والرابعة.
وإنْ أبيت إلّاعن ذلك، واصررت على أنّه يعارض ما تقدّم، فلابدَّ من طرحه لعدم عمل الأصحاب به في مقابل ما تقدّم.
القول الثاني: ما عن «الفقيه»(2): من تجويز البناء على الأقلّ.
واستدلّ له بأنّ هذا ممّا يقتضيه الجمع بين ما تقدّم، وبين ما دلَّ بظاهره على البناء على الأقلّ، كموثّق عمّار، عن أبي الحسن الأوّل:
«إذا شككتَ فابنِ على اليقين. قال: قلت: هذا أصلٌ؟ قال عليه السلام: نعم»(3).
وفيه: ما تقدّم في بيان الأصل في الشكوك، من أنّ هذا الموثّق غير منافٍ لأدلّة وجوب البناء على الأكثر، فراجع.(4)
القول الثالث: ما عن بعضهم(5)وهو التخيّير بين البناء على الأقلّ مع التشهّد في كلّ ركعة، وبين البناء على الأكثر، والمستند في هذا ما عن «الفقه الرضوي» غير الحجّة عندنا.
وأمّا الدعوى الثانية: وهي التخيّير في صلاة الإحتياط بين ركعةٍ من قيام،0.
وركعتين من جلوس، فقد استدلّ لها بوجوه:
منها: ما دلّ على التخيّير في الشكّ بين الثَّلاث والأربع(1)، فإنّه شاملٌ بنفسه للمقام، فإنّ مَن شكّ بين الإثنتين والثَّلاث، لا محالة يشكّ في أنّ الرّكعة التي بعدها هل هي ثالثة أم رابعة.
وفيه: الظاهر أنّ موضوع تلك الأخبار، هو الشكّ المتعلّق بالثلاث والأربع ابتداءً، لا بتوسط تعلّقه بالإثنتين والثَّلاث.
ومنها: ذلك الدليل بضميمة تنقيح المناط، أو عدم القول بالفصل:
أمّا الأوّل: فلأنّ المناط في الشكّ بين الثَّلاث والأربع، هو احتمال نقص الرّكعة، وهذا بعينه موجودٌ في الشكّ بين الاثنتين والثَّلاث.
وأمّا الثاني: فواضحٌ.
وفيه: إنّ المناط غَير مُحرَزٍ، وإفتاء الأصحاب في المقام لعلّه مستندٌ إلى وجوهٍ اُخر.
ومنها: أنّ الجمع بين الموثّقات وخبر العلاء، المقتضية لتعيّن الرّكعة من قيام، وبين صحيح ابن مسلم الدالّ على تعيّن الرّكعتين جالساً، يقتضي الحكم بالتخيّير.
أقول: هذا الوجه باطلٌ لأنّه:
1 - إنْ أُريد بذلك أنّ هذا هو مقتضى الجمع العرفي بينهما.
فيرد عليه: أنّهمابحسب المتفاهم العرفي متنافيان، ولا يمكن الجمع العرفي بينهما.
2 - وإنْ اُريد به أنّه بعد التعارض والرّجوع إلى أخبار الترجيح والتخيّير، حيثُ لا مرجّح لأحدهما يُحكم بالتخيّير.1.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/184 ح 35، وسائل الشيعة: ج 8/216 ح 10461.
فيرد عليه: أنّ التخيّير بين الخبرين إنّما يكون في المسألة الاُصوليّة، ويكون ذلك بدويّاً لا استمراريّاً، فبعد الأخذ بأحدهما يتعيّن ذلك.
ومنها: بعد البناء على الثَّلاث، إذا قام وأضاف ركعةً، يحدث له الشكّ بين الثَّلاث والأربع وجداناً، والعبرة في تتالي الشكوك على الشكّ الأخير، فيلحقه حكم الشكّ بين الثّلاث والأربع وهو التخيّير، وهذا هو المنسوب إلى المحقّق النائيني رحمه الله(1).
وفيه: إنّ لازم هذا الوجه لغويّة جعل الحكم للشكّ بين الإثنتين والثَّلاث، إذ لو لم يضف ركعةً بطلت صلاته، وإنْ أضاف لحقه حكم الشكّ بين الثّلاث والأربع.
وبالجملة: بعد ملاحظة انقلاب الشكّ من بين الإثنتين والثَّلاث إلى الثَّلاث والأربع دائماً، إذا ورد دليلٌ متضمّنٌ لبيان حكم للأوّل، فإنّه لا مناص عن الالتزام بأنّ العبرة به لا بالشكّ الأخير، وإلّا لزم لغويّته.
أقول: والغريب أنّه قدس سره أورد على نفسه بأنّه على هذا تقع المعارضة بين حكم الشكّ بين الاثنتين والثَّلاث، وبين حكم الشكّ بين الثَّلاث والأربع، لأنّه قبل القيام كان محكوماً بالحكم الأوّل، وبعده يصبح محكوماً بحكم الثاني.
وأجاب عنه: بأنّه لا معارضة بينهما، لأنّه بعد طروء الشكّ الثاني يزول حكم الأوّل، لانقلاب الموضوع.
أقول: لا يخفى أنّ جعل مثل هذا الحكم الذي يزول قبل العمل به دائماً لانقلاب موضوعه يعدّ لغواً.
فتحصّل: أنّه لا دليل على القول بالتخيّير، فإذاً الأحوط اختيار ما دلّ على الرّكعة قائماً، والعمل به دائماً، وأحوط منه الجمع بينهما بتقديم الرّكعة من قيام.8.
1) كتاب الصَّلاة تقريرات الكاظمي للنائيني: ج 2/258.
أو بين الثَّلاث والأربع، بَني على الأكثر، فإذا سَلّم صَلّى ركعةً من قيامٍ، أو ركعتين مِنْ جلوس.
الصورة الثانية: ما ذكره المصنّف بقوله: (أو بين الثَّلاث والأربع):
فإذا كان الشكّ بينهما في حال القيام أو بعده من الحالات إلى ما بعده إكمال السّجدتين، (بني على الأكثر، فإذا سَلَّم صَلّى ركعةً من قيام أو ركعتين من جلوس) كما هو المشهور(1)، وعن غير واحدٍ(2)دعوى الإجماع عليه.
أقول: هاهنا أيضاً دعويان:
الدعوى الأُولى: أنّه يبني على الأكثر:
وتشهد له: مضافاً إلى ماتقدّم من الموثّقات، جملةٌ من النصوص:
منها: حسن ابن أبي العلاء، عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا استوى في الثَّلاث والأربع، سَلّم وصَلّى ركعتين وأربع سجدات بفاتحة الكتاب وهو جالس... الخ»(3).
ومقتضى إطلاقه شمول الحكم لجميع الحالات، وعليه فما أفاده صاحب «الجواهر» رحمه الله(4)من اختصاص نصوص الباب بما بعد إكمال السّجدتين، وإنّما يعمّ
الحكم بضميمة الإجماع وعدم الفصل، في غير محلّه، فإنّ جملة منها وإنْ كانت كما أفاده، إلّاأنّ جملةً اُخرى منها منها هذا الحسن - مطلقة.
ومنها: صحيح الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنْ كنت لا تدري ثلاثاً صلّيت أم أربعاً، ولم يذهب وَهمُك إلى شيءٍ، فسلِّم ثمّ صَلِّ ركعتين وأنتَ جالس تقرأ فيهما باُمّ الكتاب»(1). ونحوهما غيرهما.
قد يُقال: إنّ هذه النصوص يعارضها صحيح زرارة المرويّ عن أحدهما عليه السلام:
«إذا لم يدر في ثلاثٍ هو أو أربع، وقد أحرز الثَّلاث، قام فأضاف إليها اُخرى، ولا شيء عليه، ولا ينقض اليقين بالشكّ، ولا يُدخل الشكّ في اليقين، ولا يخلط أحدهما بالآخر، ولكن ينقض الشكّ باليقين، ويُتمّ على اليقين، فيبني عليه، ولا يعتدّ بالشكّ في حالٍ من الحالات»(2).
فإنّه يدلّ على لزوم البناء على الأقلّ، وإجراء الاستصحاب في عدم الإتيان بالرابعة، والإتيان بها متّصلةً.
فإنّه يقال: بأنّ الأصحاب قد أجابوا عنه بأجوبة:
الجواب الأوّل: ما عن الشيخ الأعظم رحمه الله(3)من أنّ الظاهر منه ولا أقلّ من المحتمل، إرادة وجوب تحصيل اليقين بعدد الرَّكعات، بأنْ يكون المراد باليقين اليقين بالفراغ، وكذلك المراد من الشكّ الشكّ فيه، فيكون المرادُ وجوب تحصيل اليقين بالبراءة بالبناء على الأكثر، وفعل صلاة مستقلّةٍ قابلة لتدارك ما يحتمل نقصه، ولا7.
ينبغي الاقتصار على الشكّ بالفراغ.
وفيه أوّلاً: إنّ اليقين بالفراغ لم يذكر قبلُ كي تكون هذه إشارة إليه.
وثانياً: إنّ معنى (لا يَنقض) إبقاء اليقين الموجود لا إيجاده، وما ذكره رحمه الله يرجع إلى الأمر بتحصيل اليقين.
الجواب الثاني: ما أفاده المحقّق الخراساني رحمه الله(1)من أنّ المراد باليقين، اليقين بعدم الإتيان بالرّكعة الرابعة، فهذا يقتضي الإتيان بها، ومقتضى إطلاقها لزوم الإتيان بها متّصلة، وقد قام الدليل على التقيّيد، وأنّه لابدَّ وأن يؤتى بها مفصولة.
وفيه: إنّ صلاة الاحتياط لا تخلو: إنْ كانت صلاةً مستقلّةً أمر بها لأن تكون جابرةً لمصحلة الصَّلاة على تقدير نقصها، فلا يعقل ترتّب لزومها على استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، فإنّه من قبيل استصحاب شيءٍ، والتعبّد بشيءٍ آخر، كاستصحاب عدالة زيد، والتعبّد بما يترتّب على عدالة عمرو.
وإنْ كانت جزءً على تقدير النقص، فحيثُ أنّ الصَّلاة المأمور بها عند عدم الشكّ، هي الصَّلاة مع تكبيرة واحدة وتسليمة كذلك، فاستصحاب عدم الإتيان بالرابعة، وبقاء الأمر بمثل هذه الصَّلاة لإثبات الأمر بما يكون مشتملاً على تسليمتين وتكبرتين، يكون من قبيل استصحاب شيءٍ، والتعبّد بشيء آخر، إذ صيرورة شيءٍ جزءً للمركّب الاعتباري، لا تعقل إلّابتغيّر أمره وتبدّله.
وإنْ شئت قلت: إنّ الاستصحاب إنّما يجري لترتيب آثار المتيقّن في ظرف الشكّ، وأمّا ترتيب آثار نفس الشكّ فغير مربوط بالاستصحاب، وعليه ففي المقام:6.
1) كفاية الاُصول: ص 395-396.
إنْ أُريد بالاستصحاب استصحاب عدم الإتيان بالرابعة، وترتيب آثار اليقين بذلك، فيلزم إتيانها متّصلة، وهو منافٍ للروايات المتقدّمة.
وإنْ اُريد ترتيب آثار الشكّ، وهو البناء على الأكثر، وإتيان صلاة الإحتياط، فهو غير مربوط بالاستصحاب.
الجواب الثالث: ماعن المحقّق النائيني رحمه الله(1)من أنّ الاستصحاب إنّما يقتضي الإتيان بالرابعة، لأنّ مجراه عدم الإتيان بها، وأمّا أن تكليفه الإتيان بها موصولةً أو منفصلة، فالاستصحاب أجنبيٌ عن ذلك.
نعم، الإتيان بالركعة منفصلةً ينافي الأدلّة الأوّليّة الدالّة على لزوم الإتيان بالركعات متّصلة، فأدلّة البناء على الأكثر، غير منافيةٍ حتّى لإطلاق دليل الاستصحاب من الصحيح وغيره.
وفيه: ماتقدّم من أنّ الاستصحاب يقتضي الإتيان بها متّصلة، فراجع ما ذكرناه.(2)
ودعوى:(3)لزوم الإتيان بالركعة المنفصلة مترتّبة على شيئين:
أحدهما: الشكّ بين الثَّلاث والأربع.
وثانيهما: عدم الإتيان بالرابعة.
فالاستصحاب إنّما يجري لتنقيح جزء الموضوع.
مندفعة: بأنّ هذا الحكم تمام موضوعه الشكّ، وليس لعدم الإتيان بالرابعة دخلٌ فيه، بل لا يمكن عدّه جزءً للموضوع، إذ عليه يتوقّف تنجّزه على إحراز فعليّة3.
موضوعه، وجزءً للموضوع المُشار إليهما لا يعقل إحراز فعليتهما، إذ لو أُحرز عدم الإتيان بالرابعة، لما بقى بعده شكّ، كما لا يخفى.
الجواب الرابع: ماذكره المحقّق الإصفهاني رحمه الله(1)ويمكن استظهاره من «الفصول»(2)أيضاً، وهو أنّ اليقين المحقّق هنا، هو اليقين بالثّلاث لا بشرط، في قبال الثَّلاث بشرط لا، الذي هو أحد طرفي الشكّ، والثَّلاث بشرط شيءٍ الذي هو الطرف الآخر، والأخذ بكلٍّ من طرفي الشكّ فيه محذورُ النقص بلا جابر، أو الزيادة بلا تدارك، بخلاف رعاية اليقين بالثّلاث لا بشرط، فإنّها لا تمكن إلّابالوجه الذي قرّره الإمام عليه السلام من الإتمام على ما أُحرز، وإضافة ركعة منفصلة، وأمّا إضافة ركعة متّصلة، فإنّها من مقتضيات اليقين بشرط لا، والمفروض أنّه لا بشرط.
وفيه: إنّه يعتبر في جريان الاستصحاب وحدة المشكوك فيه والمتيقّن، وبهذا التقريب المتيقّن هو ثلاث ركعات، والمشكوك فيه الرّكعة الرابعة.
أقول: الصحيح في الجواب عن الصحيح، هو الالتزام بأنّه واردٌ في مقام بيان قاعدة كليّة، وهي الّتي استشهد بها الإمام عليه السلام واهتمَّ بها، وأمّا تطبيقها على المورد، فهو يكون تقيّة، وتمام الكلام في ذلك موكولٌ إلى محلّه في الاُصول.(3)
وبالجملة: ثبت ممّا ذكرنا ضعف مختار الصدوق(4)من التخيّير بين البناء على الأقلّ والبناء على الأكثر.
الدعوى الثانية: أنّه مخيّرٌ في صلاة الاحتياط بين ركعتين جالساً، وركعة قائماً.1.
وعن العُمّاني(1)والجُعفي(2)تعيّن الجلوس.
وعن بعض القدماء(3)تعيّن القيام.
أقول: الأظهر هو الأوّل، فإنّ أكثر نصوص الباب الواردة في خصوص هذه الصورة، وإنْ تضمّنت للركعتين جالساً، إلّاأنّ خبر جميل عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إذا اعتدل الوهم في الثَّلاث والأربع، فهو بالخيار إنْ شاء صَلّى ركعة وهو قائم، وإنْ شاء صَلّيركعتين وأربع سجدات وهو جالس»(4)، صريحٌ في التخيّير، فيُحمل الأمر بالركعتين في هذه النصوص على الفضيلة، وأمّا ضعف سنده فمنجبر بعمل الأصحاب.
***1.
1) حياة بن أبي عقيل العماني: ص 219 نقلا عن مجمع الفائدة والبرهان: ج 3/179-180، وحكاه أيضاً عنه في جواهر الكلام: ج 12/345.
2) حكاه عنه في جواهر الكلام: ج 12/345 بقوله: (فما عن بعض القدماء من تعيين القيام لا يلتفت إليه... كما أنّه لا يلتفت إلى ما عن العُماني والجُعفي من تعيين الجلوس).
3) حكاه المقدّس الأردبيلي رحمه الله في مجمع الفائدة والبرهان: ج 3/180 عن علي بن بابويه.
4) الكافي: ج 3/353 ح 9، وسائل الشيعة: ج 8/216 ح 10461.
مَنْ شَكّ بين الإثنتين والأربع، بنى على الأربع، وصَلّى ركعتين من قيام.
(و) الصورة الثالثة: (مَنْ شَكّ بين الإثنتين والأربع) بعد إحراز الإثنتين (بَنى على الأربع)، وتَشهّد وسَلَّم (وصلّى ركعتين من قيام) كما هو المشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة(1).
وتشهد له: مضافاً إلى الموثّقات، جملةٌ من النصوص:
منها: صحيح محمّد بن مسلم، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجلٍ صَلّى ركعتين، فلا يدري ركعتين هي أم أربع؟
قال عليه السلام: يُسلِّم ثمّ يقوم فيُصلّي ركعتين بفاتحة الكتاب، ويتشهّد وينصرف، وليس عليه شيء»(2).
ومنها: صحيح الحلبي، عنه عليه السلام: «إذا لم تدر أثنتين صلّيت أم أربعاً، ولم يذهب وهمُكَ إلى شيءٍ، فسلِّم ثمّ صَلِّ ركعتين وأربع سجدات، تقرأ فيهما باُمّ القرآن ثمّ تتشهّد وتُسلِّم، فإنْ كنتَ إنّما صلّيت ركعتين، كانتا هاتان تمام الأربع، وإنْ كنت صلّيت أربعاً كانتا هاتان نافلة»(3). ونحوهما غيرهما.
أقول: وبإزاء هذه النصوص طائفتان من الأخبار:
الطائفة الأُولى: ما ظاهرها البناء على الأقلّ:
منها: خبرأبي بصير، عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا لم تدر أربعاًصلّيت أم ركعتين، فقُم واركع ركعتين، ثمّ سَلِّم واسجد سجدتين وأنتَ جالس، ثمّ سَلِّم بعدهما»(1).
ونحوه صحيح بُكير المرويّ عن «المحاسن»(2).
ولكن الجمع بين هذه الطائفة، وبين ما تقدّم، يقتضي القول بتعيّن إتيان الرّكعتين مفصولةً لا متّصلة.
وأمّا ما فيهما من الأمر بسجدتي السَّهو، فمحمولٌ على الاستحباب، لصراحة ما تقدّم في عدم وجوب شيء عليه.
الطائفة الثانية: ما ظاهرها مبطليّة هذا الشكّ:
منها: صحيح العلاء، عن محمّد بن مسلم: «عن الرَّجل لا يدري صَلّى ركعتين أم أربعاً؟
قال عليه السلام: يُعيد الصَّلاة»(3).
ولكن لابدَّ من طرحه، أو حمله على صورة عدم إكمال السّجدتين حال الشكّ، أو حمله على الاستحباب لعدم عمل الأصحاب به، ولمعارضته مع ما تقدّم، فما ذكره المشهور هو المنصور.
ثمّ إنّه في هذه الصورة النصوص والفتاوي متّفقة على الرّكعتين قائماً.
***5.
ومَنْ شكّ بين الإثنتين والثَّلاث والأربع، بنى على الأربع، فإذا سلَّم صَلّى رَكعتين مِنْ قيام، وركعتين مِنْ جلوس.
الصورة الرابعة: هي ما ذكره بقوله: (ومَنْ شَكّ بين الإثنتين والثَّلاث والأربع):
أقول: المشهور(1)في حكمها إنّه ي (بَنى على الأربع، فإذا سَلّم صَلّى ركعتين مِن قيام، وركعتين من جلوس) وعن غير واحدٍ(2)دعوى الإجماع عليه.
وعن ابن الجُنيد(3): إنّه مجوّز البناء على الأقلّ، وقد تقدّم الكلام فيه وعرفت ضعف هذا القول.
وعن الصدوق(4)وأبي علي(5): أنّه يبني على الأربع، فإذا سَلّم يُصلّي ركعة من قيام، وركعتين من جلوس، وقوّاه في محكي «الذكرى»(6)، وغيرها من حيث الاعتبار، وفي محكي «اللّمعة»(7): إنّه قريبٌ.
وعن ظاهر المفيد في «العِزيّة»(8)والديلمي في «المراسم»(9)، وأبي العبّاس في
1) مختلف الشيعة: ج 2/384.
2) الانتصار: ص 156، غنية النزوع: ص 112.
3) الذكرى: ص 226.
4) من لا يحضره الفقيه: ج 1/350.
5) حكاه عنه في مدارك الأحكام: ج 4/261 بقوله: (وقال ابن بابويه، وابن الجُنيد: من شكّ بين الاثنتين والثَّلاث والأربع بنى على الأربع ويُصلّي ركعة من قيام وركعتين من جلوس).
6) الذكرى: ص 226.
7) شرح اللّمعة: ج 1/708.
8) مختلف الشيعة: ج 2/386 قوله: (والمفيد في الرسالة العِزيّة.. الخ).
9) المراسم العلويّة: ص 87.
«الموجز»(1): تعين الرّكعة قائماً بدل الرّكعتين جالساً.
وعن «التذكّرة»(2)، و «المختلف»(3)، والعلّامة الطباطبائي(4): التخيّير بين الرّكعتين جالساً وركعة قائماً.
أقول: والأظهر هو الأوّل، لشهادة بعض النصوص به، كمرسل ابن أبي عُمير، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«في رجلٍ صَلّى فلم يدر أثنتين صَلّى أم ثلاثاً أم أربعاً؟
قال عليه السلام: يقوم فيُصلّي ركعتين من قيام ويُسلِّم، ثمّ يُصلّي ركعتين من جلوس ويُسلِّم، فإنْ كان صَلّى أربعاً كانت الرَّكعتان نافلة، وإلّا تمّت الأربع»(5).
ودلالته على المشهور واضحة، ومن حيث السَّند أيضاً لا كلام فيه، لأنّ مرسلِه لا يُرسِل إلّاعن ثقة، مضافاً إلى عمل المشهور به.
واستدلّ لما ذهب اليه الصدوقان وابن الجُنيد:
1 - بصحيح عبد الرحمن بن الحجّاج، عن الإمام الكاظم عليه السلام، قال: «قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: رجلٌ لا يدري أثنتين صَلّى أم ثلاثاً أم أربعاً؟ فقال: يُصلّي ركعةً من قيام ثمّ يُسلِّم، ثُمّ يُصلّي ركعتين وهو جالس»(6).
ونحوه ما عن «الفقه الرضوي»(7).6.
1) حكاه في الجواهر: ج 12/350.
2) تذكرة الفقهاء: ج 1/140 (ط. ق).
3) مختلف الشيعة: ج 2/386.
4) رياض المسائل: ج 4/242.
5) الكافي: ج 3/353 ح 6، وسائل الشيعة: ج 8/223 ح 10482.
6) من لا يحضره الفقيه: ج 1/350 ح 1021، وسائل الشيعة: ج 8/222 ح 10479.
7) فقه الرضا عليه السلام: ص 118، مستدرك وسائل الشيعة: ج 6/412 ح 7106.
2 - وبأنّه موافقٌ للاعتبار، فإنّه إنْ كانت صلاته تامّة فهي، وإنْ كانت ثلاث ركعات، كانت الرّكعة قائماً أو ركعتين جالساً جابرة للنقص، ولو كانت ركعتين، كانت الرّكعة قائمة منضمّةً إلى الرّكعتين جالساً جابرة للنقص.
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الصحيح: فلأنّه مرويٌّ في نسخةٍ اُخرى: (يُصلّي ركعتين من قيام) بدل (يُصلّي ركعةً من قيام)، بل قيل إنّها هي المشهورة ضبطاً، فلا يصحّ الاستدلال به لهذا القول.
ودعوى: إنّه لابدّ من الحكم بالتخيّير عند الاختلاف في نقل الحديث، كما في الحديثين المتعارضين.
مندفعة: بأنّ الترجيح والتخيّير من آثار الخبرين المتعارضين، لا الخبر الواحد المرويّ بطريقين، على أنّه لو سُلّم ذلك في هذا المورد أيضاً، لما كان مربوطاً بالمقام، ممّا يكون الاختلاف من النسّاخ لا من الراوي. وتمام الكلام في محلّه.
أقول: بل لا يبعد دعوى أصحيّة النقل الثاني:
1 - لموافقته لفتوى المشهور وللمرسل.
2 - ولأن الشهيد(1)قوّى هذا القول معلّلاً بموافقته للاعتبار، ولو كان الخبر كما ذكر، كان أولى بالذِّكر.
3 - ولأن الصدوق رحمه الله(2)نفسه بعد ذكره الصحيح وخبري علي بن حمزة وسهل بن اليَسَع من قوله: «فمَن لا يدري أواحدةٌ صَلّى أم ثنتين أم ثلاثاً أم أربعاً؟»1.
قال:
(وقد روي: إنّه يُصلّي ركعةً من قيام، وركعتين من جلوس، وعليه، فليست هذه الأخبار مختلفة، وصاحبُ السَّهو بالخيار بأيّ خبرٍ أخذ منها فهو مصيب).
فإنّ ظاهره أنّ ما رواه مرسلاً يُغاير مضمونه مع كلّ واحدة من الروايات التي رواها مسنداً، فيكشف ذلك عن صحّة النسخة التي فيها لفظ (الرّكعتين)، وعليه فهذا الصحيح يدلّ على المشهور لا على هذا القول.
وأمّا نفس هذه المرسلة التي رواها الصدوق، فلإرسالها، وإعراض الأصحاب عنها لا يعتمد عليها.
وأمّا ما عن «الفقه الرضوي» فقد مرَّ غير مرّة أنّه لا يُعتمد عليه.
وأمّا الوجه الاعتباري المزبور، فالإعتماد عليه اجتهادٌ في قابل النص.
أقول: قد استدلّ لتعيّن الرّكعة قائماً بدل الرّكعتين جالساً:
بالموثّقات المتقدّمة المتضمّنة أنّه يبني على الأكثر ويُتمّ ما ظَنّ نقصه، فإنّه إذا أتى بركعتين قائماً وركعة قائماً يحصل الجبر على كلّ تقدير، إذ لو كانت صلاته اثنتين تكون جابرة لنقصها، ولو كانت ثلاثاً تكون الرّكعة قائمة مقام الرابعة.
وفيه: إنّ مرسل ابن أبي عمير باعتبار أنّه (لا يُرسِل إلّاعن ثقة)، مضافاً إلى عمل الأصحاب به، يقدّم على الموثّقات، لأنّه أخصّ مطلق منها، فيقدّم بقاعدة تقدّم المقيّد على المطلق، ومعه لا وجه للاعتماد عليها.
وأيضاً: قد استدلّ للتخيّير بين الرّكعة قائماً والرّكعتين جالساً بوجهين:
الوجه الأوّل: إنّه مقتضى الجمع بين الموثّقات الظاهرة في تعيّن الرّكعة قائماً، والمرسل الظاهر في تعيّن الرّكعتين من جلوس.
وفيه: ما تقدّم من تقدّم المرسل.
الوجه الثاني: إنّ هذا الشكّ مركّبٌ من البسائط، وهي الشكّ بين الاثنتين والثَّلاث، والشكّ بين الثَّلاث والأربع، والشكّ بين الاثنتين والأربع، فلا يزيد على ما وجب لكلّ واحدٍ لو كان مستقلّاً، فيتعيّن عليه العمل بوظائف الشكوك المذكورة، وهي الاحتياط بركعتين قائماً للشكّ بين الاثنتين والأربع، وركعتين جالساً، أو ركعة قائماً للشكين الآخرين.
وفيه: إنّ هذا الوجه وإنْ تَمّ لو لم يكن دليلٌ في البين، ولكن بما أنّه عليه السلام بيّن حكم هذا الشكّ، وظاهر ما بيّن هو تعيّن الرّكعتين جالساً، فلا مورد لهذا الاستدلال.
فتحصّل: أنّ ما ذهب إليه المشهور من تعيّن الرّكعتين قائماً وركعتين جالساً هو الأظهر. ثمّ إنّ ظاهر النص تعيّن تقديم الرّكعتين قائماً كما هو المشهور(1)، فما عن السيّد(2)من التخيّير في تقديم أيّهما شاء لا وجه له.
***6.
المقام الثاني: لو كان الشكّ بين أعداد الرباعيّة وبين ما زاد عنها، والصور المتصوّرة هنا كثيرة:
فتارةً: يكون الشكّ بسيطاً.
واُخرى: يكون مركّباً.
وعلى التقديرين:
1 - قد يكون طرفي الشكّ التمام والزيادة.
2 - وقد يكونا النقيصة والزيادة.
3 - وقد يكونا النقيصة والتمام والزيادة.
وعلى جميع التقادير:
تارةً: يكون الشكّ في حال القيام.
واُخرى: في حال الرّكوع إلى ما بعد السّجدتين.
وعن الشهيد قدس سره(1)إنهاءُ الصّور في هذا المقام إلى مأتين وخمس وعشرين.
أقول: لا يهمّنا التعرّض لهذه الصور بعدما عرفت من أنّ الأصل في الشكوك هو المبطليّة، بل المهمّ إنّما هو بيان الصور التي يكون الشكّ فيها من الشكوك الصحيحة، أو قيل بكونه منها، وهي خمسة:
1) قد يظهر ذلك في ذكرى الشيعة: ج 4/80 (ط. ج) قال: (فلو اُريد تركيب مسائل الشكّ الخمسة تركيباً ثنائيّاً وثلاثيّاً ورباعيّاً حصل منه إحدى عشرة مسألة - إلى أن قال - فإذا ضربت في الصور التسع كانت تسعاً وتسعين مسألة تظهر بأدنى تأمّل).
الصورة الاُولى: الشكّ بين الأربع والخمس، ولها فروض:
الفرض الأوّل: بعد إكمال السّجدتين، المشهور بين الأصحاب(1)أنّه يبني على الأربع، ويُتمّ صلاته، ثمّ يأتي بسجدتي السَّهو.
وعن «الخلاف»(2): بطلان الصَّلاة.
وعن الصدوق(3): وجوب ركعتين جالساً بعد السَّلام.
أقول: والأوّل أظهر، لدلالة جملةٍ من النصوص عليه:
منها: خبر عبد اللّه بن سنان، عن الإمام الصادق عليه السلام: «إذا كنتَ لا تدري أربعاً صلّيت أو خمساً، فاسجد سجدتي السَّهو بعد تسليمك ثمّ سَلِّم بعدهما»(4).
ونحوه صحيح الحلبي(5)، وخبر أبي بصير عنه عليه السلام(6).
واختصاص هذه النصوص بما بعد إكمال السّجدتين، إنّما هو للتعبير بكلمة (صلّيت) الظاهرة في تحقّق الرّكعة.
وأمّا ما عن «الخلاف»، فلم أظفر بمستنده.
وأمّا ما عن الصدوق، فقد استدلّ له بمضمر الشّحام:
1) غنية النزوع: ص 113، الحدائق الناضرة: ج 9/245، غنائم الأيّام: ج 3/286، مستند الشيعة: ج 7/157.
2) الخلاف: ج 1/451، قوله: مسألة 196: (إذا قام في صلاة رباعيّة إلى الخامسة سهواً، فإن ذكر قبل الرّكوع عاد فجلس، وتمّم تشهّده وسلّم، وإن لم يذكر إلّابعد الرّكوع بطلت صلاته).
3) المقنع: ص 102.
4) الكافي: ج 3/355 ح 3، وسائل الشيعة: ج 8/224 ح 10483.
5) تهذيب الأحكام: ج 2/196 ح 73، وسائل الشيعة: ج 8/224 ح 10486.
6) الكافي: ج 3/355 ح 6، وسائل الشيعة: ج 8/224 ح 10485.
«سألته عن رجلٍ صَلّى العصر ستّ ركعات أو خمس ركعات؟
قال عليه السلام: إنْ استيقن أنّه صَلّى خمساً أو ستّاً فليعد، وإنْ كان لا يدري أزاد أم نقص فليُكبِّر، وهو جالس، ثمّ ليركع ركعتين، يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب»(1).
ولكن لاضماره وضعفه في نفسه، وإعراض الأصحاب عنه لا يُعتمد عليه.
أقول: ثمّ إنّ ظاهر النصوص والفتاوى، وجوب سجدتي السَّهو في هذاالموضع.
وعن جماعةٍ(2)القول بالعدم، والروايات المتقدّمة حجّة عليهم.
الفرض الثاني: الشكّ بين الأربع والخمس في حال القيام.
المشهور بين الأصحاب(3)أنّه يجبُ عليه هدم القيام والجلوس، والعمل بعمل الشكّ بين الثَّلاث والأربع وسجدة السَّهو لمكان القيام.
وعن «الحدائق»(4): نفي الخلاف عنه.
ويشهد له: إطلاق ما دلَّ على حكم الشكّ بين الثَّلاث والأربع، لصدق الشاكّ بين الثَّلاث والأربع عليه فعلاً بالنسبة إلى الرّكعة التي قام عنها، ومقتضى تلك الأخبار زيادة القيام، لأنّ ما بيده تكون خامسة بنائيّة.
وبعبارة اُخرى: تلك الأدلّة تدلّ على لزوم فعل التشهّد والتسيلم، فالقيام زائدٌ، فيجب هدمه، وبما أنّ زيادته غير عمديّة، فلا توجب بطلان الصَّلاة، فإذا سَلّم يعمل بوظيفة الشاكّ بين الثَّلاث والأربع، ثمّ يسجد سَجدة السَّهو على القول بوجوبها لزيادة القيام.7.
وقد استدلّ بعضهم له: بأنّه من جهة عدم التمكّن من إحراز صحّة الصَّلاة لو أتمّها، وجب عليه هدم القيام، فإذا هَدَم رجع شكّه إلى ما بين الثَّلاث والأربع، فلابدَّ من الإتيان بوظيفته.
وفيه: إنّه لو لم يُحكم بزيادة القيام، لما أفاد الهدم شيئاً، وزيادته فرع شمول أدلّة البناء على الأربع له.
واستدلّ الشيخ الأعظم رحمه الله(1)له: بإطلاق أدلّة البناء على الأكثر كالموثّقات، فإنّ مقتضاه البناء على أنّ ما بيده خامسة، وحيث لم يدخل في ركوعها، فيرفع اليد عنها، ويتمّ صلاته على الأربع، ويأتي بعد السَّلام بما يحتمل النقص.
وفيه: أنّ الظاهر منها إنّما هو البناء على الأكثر فيما كان الأكثر جزءً للصلاة، لا زائداً يجب رفع اليد عنه، فالصحيح ما ذكرناه.
الفرض الثالث: الشكّ بين الأربع والخمس، بعد الدخول في الرّكوع إلى قبل إكمال السّجدتين.
المشهور بين الأصحاب(2)بطلان الصَّلاة، وفيها أقوالٌ اُخر:
منها: أنّه يتمّ الصَّلاة، ويعمل بوظيفة الشكّ بين الأربع والخمس.
ومنها: أنّه يتمّها ولا شيء عليه.
ومنها: غير ذلك ممّا لا يهمّنا التعرّض له.
أقول: والأظهر هو الأوّل، لما عرفت من أنّ الأصل في الشكوك البطلان، إلّا ما خرج، وهذا الشكّ ليس ما ورد في حقّه النّص، ولا يمكن إرجاعه إلى أحد الشكوك المنصوصة.).
وقد استدلّ للبطلان بوجه آخر: وهو أنّ أدلّة البناء على الأكثر عند الشكّ بين الثَّلاث والأربع، تشمل المقام، من جهة الشكّ في أنّ الرّكعة السابقة على ما بيده هل هي الثالثة أو الرابعة، ولازمها البناء على أنّها الرابعة، ومقتضى ذلك زيادة ما بيده، فتكون هذه خامسة بنائيّة تبطل الصَّلاة بها للركوع.
وفيه: إنّ أدلّة البناء على الأربع، لورودها في مقام تصحيح العمل، تختصّ بما إذا كان البناء على الأربع موجباً لصحّة الصَّلاة، ولا تشمل المقام الذي يكون لازم البناء عليها بطلان الصَّلاة.
واستدلّ للقول الثاني: بإطلاق ما دلّ على أنّ مَنْ شكّ بين الأربع والخمس، يبني على الأربع، ويتمّ صلاته، ويسجد سجدتي السَّهو.
وفيه: ما تقدّم من اختصاص تلك النصوص بما بعد إكمال السّجدتين.
واستدلّ للقول الثالث: باستصحاب عدم الخامسة، بناءً على جريانه في ركعات الصَّلاة مطلقاً، أو في غير الأوليين والأخيرتين، كما نُسب إلى المحقّق النائيني رحمه الله(1).
وأورد عليه المحقّق النائيني: على ما نُسب إليه(2)بأنّه لا يثبتُ أنّ ما بقي من الصَّلاة يكون من الرابعة، وهو عند شكّه في كونه من الرابعة أو الخامسة شاكٌّ في أنّ ما بقي من أجزاء هذه الرّكعة هل هو من الرابعة أم لا.
وفيه: إنّ أثر هذا الاستصحاب، إنّما هو عدم بطلان الصَّلاة بزيادة الرّكعة، وأمّا بالنسبة إلى ما بقي من أجزاء الصَّلاة - أي السّجدتين - حيثُ إنّه شاكّ في الإتيان بسجدتي الرّكعة الرابعة، فيجري فيه استصحابٌ آخر وهو عدم الإتيان بهما، فيأتي5.
بهما ويُتمّ صلاته، ولا يتوقّف ذلك على إثبات بقاء محلّهما، كي يقال إنّ الاستصحاب بالنسبة إليه مثبتٌ، ولا ينافي هذا مع أدلّة البناء على الأكثر، من جهة أنّ البناء على عدم الإتيان بهما، مع كون الشكّ فيهما من حيث الشكّ في الرابعة لا فيهما أنفسهما، مع إحراز كونه في الرابعة، عبارةٌ عن البناء على عدم الإتيان بالرابعة عند الشكّ في الإتيان بها، مع أنّه كان مأموراً بالبناء على الإتيان بها عند الشكّ في الإتيان بها جزءً أو كلّاً.
وجه عدم المنافاة: أنّ أدلّة البناء على الأكثر، قد مرّ أنّها لا تشمل المقام باعتبار أنّ البناء على الأكثر في المقام يقتضي البطلان، والبناء على الأربع إنّما هو عند الشكّ في الثَّلاث والأربع، لا عند الشكّ في الأربع والخمس، فإذاً لابدَّ من البناء على الصحّة.
أقول: فالحقّ في الجواب عن هذا الوجه، ما تقدّم من عدم جريان الاستصحاب في أعداد ركعات الصَّلاة مطلقاً.(1)
فتحصّل: أنّ الأظهر هو البطلان، لعدم المصحّح عند الشكّ في الصحّة والفساد.
***د.
1) صفحة 213 من هذا المجلّد.
الصورة الثانية: الشكّ بين الأربع والسِّت بعد إكمال السّجدتين.
وعن المحقّق النائيني رحمه الله(1)إنّه يبني على الأربع، ويُتمّ صلاته، ولا شيء عليه، واستدلّ له بمفهوم خبر زيد الشّحام:
«سألته عن رجلٍ صَلّى العصر ستّ ركعات أو خمس ركعات؟
قال عليه السلام: إذا استيقن أنّه صَلّى خمساً أو ستّاً فليعد»(2).
فإنّ مفهومه أنّه لا يجب الإعادة إذا لم يستيقن ذلك.
وفيه أوّلاً: إنّ الخبر ضعيفُ السَّند، لأنّ الراوي عن زيد الشحّام هو أبو جميلة، وهو إمّا مجهولٌ أو ضعيف.
وثانياً: ان ذيل الخبر متضمّنٌ لبيان المفهوم، وهو: (وإنْ كان لا يدري أزاد أم نقص، فليُكبِّر وهو جالس، ثمّ ليركع ركعتين، يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب). وقد عرفت أنّه لعدم عمل الأصحاب به، لابدَّ من طرحه، هذا فضلاً عن أنّ فيه مناقشات اُخر لا يهمّنا التعرّض لها، فالأظهر هو البناء على عدم الصحّة.
وأمّا الشكّ بين الأربع والسِّت والخَمس، فراجع.
وأمّا الشكّ بين الأربع والسِّت في حال القيام، فالحكم بوجوب هدم القيام والصحّة، يبتني على القول بصحّة الصَّلاة إذا شكّ بين الثَّلاث والخمس، بعد إكمال السّجدتين، كما عن المحقّق السيّد الشيرازي القول بها.
ومحصّل ما ذكر في وجه ذلك: إنّ لهذا العلم الإجمالي بالنقيصة أو الزيادة م طرفين:
أحدهما: كون الرّكعة ثالثة.
ثانيهما: كونها خامسة.
أمّا احتمال كونها خامسة، فمدفوعٌ باستصحاب العدم.
وأمّا احتمال كونها ثالثة، فلابدَّ من الإتيان بالركعة مفصولة لا متّصلة، فلو أتمّ صلاته وأتى بركعة مفصولة، يقطع بالامتثال، لأنّ احتمال الزيادة منفيٌّ بالأصل، واحتمال النقص مجبور بالرّكعة المفصولة.
وفيه: إنّ صحّة الصَّلاة بجبر النقص بالركعة المفصولة متوقّفة على ثبوت الدليل، وهو إنّما يدلّ على أنّ الوظيفة ذلك بعد البناء على الأربع، ومع القطع بعدم كون ما بيده رابعة، لا معنى للبناء عليها ولو عملاً، مع أنّه قد عرفت عدم جريان الاستصحاب في أعداد ركعات الصَّلاة.
وعليه، فالأظهر هو البطلان في الأصل والفرع.
الصورة الثالثة: الشكّ بين الأربع والخمس والسِّت؛ ولها أيضاً صور لأنّه:
تارةً: يكون الشكّ بعد إكمال السّجدتين.
واُخرى: في حال القيام.
وثالثة: بعد الدخول في الرّكوع إلى قبل الإكمال.
أقول: قد حكم المحقّق النائيني رحمه الله(1)بالصحّة في الصورتين الأوليين:
أمّا في الأُولى: فقد استدلّ له بالاستصحاب، وبمفهوم خبر زيد الشّحام المتقدّم، وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلما تقدّم من عدم جريانه في ركعات الصَّلاة.
وأمّا الثاني: فلما تقدّم من أنّه لا يُعتمد عليه لوجوه.
وأمّا في الصورة الثانية: فقد أفاد أنّه يجب عليه هدم القيام، وإتمام الصَّلاة، ثمّ الإتيان بوظيفة الشكّ بين الثَّلاث والأربع، والإتيان بسجدتي السَّهو لكونه شاكّاً في الرّكعة السابقة على هذه الرّكعة، لتردّدها بين الثَّلاث والأربع والخمس، وحكم الشكّ المزبور هو ذلك.
أقول: ما أفاده من تفرّع حكم هذا الشكّ على الشكّ بين الثَّلاث والأربع والخمس وإنْ كان متيناً، إلّاأنّ ما ذكره من أنّ حكم الشكّ المذكور ذلك لا يتمّ كما سيمرّ عليك فانتظر.
فالأظهر أنّ حكم هذا الشكّ في جميع فروضه هو البطلان.
1) كتاب الصّلاة تقريرات الكاظمي لبحث النائيني: ج 2/272.
الصورة الرابعة: الشكّ بين الثَّلاث والخمس، ولها فرضان:
1 - فإنْ كان ذلك في حال القيام، وجب هدم القيام، لكونه شكّاً في أنّ الرّكعة التي قام عنها المُصلّي هي الثانية أو الرابعة، فتكون وظيفته البناء على الأربع، ولازم ذلك زيادة القيام، فيجب أن يهدمه ويعمل بوظيفة الشاكّ بين الاثنتين والأربع، وقد تقدّم.
2 - وإنْ كان بعد الدخول في الرّكوع إلى آخر الصَّلاة، فالحكم هو البطلان، لعدم كونه بنفسه من الشكوك المنصوصة، ولا يكون راجعاً إلى أحدها، فلابدّ من البناء على البطلان.
الصورة الخامسة: الشكّ بين الثَّلاث والأربع والخمس. ولها أيضاً فروض:
الفرض الأوّل: كون الشكّ في حال القيام، وحكمه حينئذٍ الصحّة، ووجوب هدم القيام، لكونه شاكاً في أنّ الرّكعة السابقة على ما بيده هل هي الثانية أو الثالثة أو الرابعة، وقد مرَّ وظيفة هذا الشاكّ، ولذلك عليه أن يهدم القيام ويأتي بوظيفته، وتصحّ صلاته ولا شيء عليه.
الفرض الثاني: كون ذلك بعد إكمال السّجدتين:
فعن المشهور(1)البناء على الصحّة، وتعيّن البناء على الأربع، والإتيان بوظيفة
1) مصباح الفقيه: ج 2/570 ق 2.
الشاكّ بين الثَّلاث والأربع، والأربع والخمس.
واستدلّ له(1): بالقطع بعدم تأثير الهيئة الاجتماعيّة في الشكوك، فالشكّ في المركّب تابعٌ لبسائطه.
وفيه أوّلاً: إنّ دعوى انصراف أدلّة الشكوك إلى صور انفراد كلّ شكٍّ عن غيره غير بعيدة.
وثانياً: إنّ من الشكوك التي تركّب منها هذا الشكّ، هو الشكّ بين الثَّلاث والخمس، وقد مرَّ أنّ حكمه البطلان.
ودعوى:(2)أنّ استصحاب عدم الخامسة يوجبُ الصحّة من هذه الجهة أيضاً.
مندفعة: بعدم جريانه كما مرّ.
وبالجملة: فالأظهر هو البطلان، وبه يظهر حكم الفرض الثالث.
أقول: وقد ظهر ممّا ذكرناه حكم سائر الصور المفروضة في هذا المقام.
***8.
المقام الثالث: في حكم الشكّ في طرف الزيادة عن أعداد الرباعيّة.
أقول: إنّ صوره أيضاً كثيرة، إلّاأنّ صورة واحدة منها ترجع إلى المنصوص، والبقيّة محكومة بالبطلان، وهي ما لو شكّ بين الخَمس والسِّت في حال القيام، ففيها عليه هدم قيامه وإتمام صلاته، وأن يأتي بوظيفة الشاكّ بين الأربع والخمس، كما مرَّ توضيح ذلك.
نعم، بناءً على ما اختاره المحقّق النائيني رحمه الله(1)من أنّ حكم الشكّ بين الأربع والخمس والسِّت، وحكم الشكّ بين الأربع والسِّت، هو البناء على الأربع، فإنّ صورتان متفرّعتان عليهما محكومتان بالصحّة، وهما:
أحدهما: الشكّ بين الخَمس والسِّت والسبع في حال القيام، فإنّه يهدم القيام، ويكون من جهة الشكّ بين الأربع والخمس والسِّت مأموراً بالبناء على الأربع.
ثانيتهما: الشكّ بين الخمس والسبع في حال القيام.
أقول: ولكن قد مرّ أنّ حكم الأصلين هو البطلان فكذلك الفرعان.
1) كتاب الصَّلاة تقرير بحث النائيني للكاظمي: ج 2/270-271.
أقول: إنّ هنا فروعاً لابدَّ من التعرّض لها:
الفرع الأوّل: في فرض الشكّ بين الثَّلاث والأربع:
1 - إذا علم في حال القيام أنّه ترك سجدةً من الرّكعة السابقة، بطلت الصَّلاة، لا لما ذكره سيّد «العروة»(1)من أنّه يجب عليه هدم القيام، لتدارك السّجدة المنسيّة، ليرجع شكّه إلى ما قبل الإكمال، بل لأنّ القيام بما أنّه واقعٌ قبل السّجدة، وتذكّر ذلك قبل الدخول في الرّكن، يكون زائداً وفي غير محلّه، وحيث إنّه لم يسجد سجدة الرّكعة التي قام عنها، فلا محالة يكون شكّه هذا شكّاً قبل إحراز الأوليين، وقد تقدّم أنّ مثل هذا الشكّ مبطلٌ للصلاة.
2 - ولو تذكّر ذلك بعد الدخول في الرّكوع صحّت صلاته، لأنّ جزئيّة السّجدة الثانية للركعة الثانية ساقطة في هذا الفرض، فيكون الشكّ بعد إحراز الأوليين.
الفرع الثاني: في الشكوك التي يعتبر فيها إكمال السّجدتين، كالشكّ بين الاثنتين والثَّلاث، والشكّ بين الإثنتين والأربع، والشكّ بين الإثنتين والثَّلاث والأربع، إذا شكّ في إتيان السّجدتين أو إحداهما وعدمه:
1 - فإنْ كان ذلك قبل الدخول في القيام أو التشهّد، بطلت صلاته، لأنّه محكومٌ بعدم الإتيان بالمشكوك فيه، فيكون شكّه في الرَّكعات قبل الإكمال.
2 - وإنْ كان الشكّ في حال التشهّد، فقد حكم صاحب «العروة»(2)بأنّه لم تبطل لأنّه محكوم بالإتيان شرعاً فيكون بعد الإكمال.
أقول: الأظهر هي الصحّة في الشكّ بين الاثنتين والأربع، والبطلان في غيره.
أمّا البطلان في غيره: فلأنّ التشهّد لم يُحرز وقوعه في محلّه، إذ لعلّ ما بيده هي الثالثة، فالتشهّد في غير محلّه، فلم يُحرز الدخول في الغير المترتّب الشرعي، فلا تجري قاعدة التجاوز في السّجدة، بل مقتضى أصالة عدم الإتيان بها، كون الشكّ قبل الإكمال. وعلى أيّ تقدير لم يُحرز كون الشكّ بعد الإكمال، وبعد إحراز الأوليّين فلا محالة يكون محكوماً بالبطلان، مع أنّه في صورة الشكّ بين الإثنتين والثَّلاث لا يُعقل شمول دليل البناء على الثَّلاث، لأنّه يلزم منه عدم الشمول، وما يلزم من وجوده عدمه محالٌ، فإنّه لو شمله الدليل يكون التشهّد محكوماً بالزيادة، فإذا حكم بزيادة التشهّد، يكون الشكّ في السّجدة قبل الدخول في الغير، وذلك الدليل لا يشمل ما قبل إكمال السّجدتين كما تقدّم.
وأمّا الصحّة في ذلك الفرض: فلأنّ التشهّد على أيّ تقدير مأمورٌ به وواقع في محلّه، فالسّجدة بمقتضى - قاعدة التجاوز - محكومة بالإتيان فيكون الشكّ بعد الإكمال، فتشمله أدلّة البناء على الأكثر، فتدبّر، فاني لم أرَ مَن فَصّل بين هذه الفروض.
أقول: وبما ذكرناه تظهر المناقشة فيما ذكره الأعاظم في المقام، فلا نطيل بذكره وما يرد عليه.
3 - وإنْ كان الشكّ في حال القيام، فحيث أنّ القيام واقعٌ في محلّه، فالشكّ في إتيان السّجدة لا يعتنى به، بل هي محكومة بالإتيان، فتشمله أدلّة البناء على الأكثر.
ثمّ إنّه في الموارد التي حكمنا فيها بالصحّة، لا فرق بين مقارنة حدوث الشكّين أو تقدّم أحدهما على الآخر.
وربما يقال: في فرض تقدّم الشكّ في الرَّكعات؛ بما أنّه لاتكون السّجدة بحكم الشارع محكومة بالإتيان بها حين الشكّ، ويحتمل واقعاً ولو بعد عروض الشكّ عدم الإتيان بها، فيكون الشكُّ شكّاً قبل إحراز الأوليين.
وفيه: إنّ موضوع أدلّة البناء على الأكثر الشكّ بعد إحراز الأوليين، وهذا متحقّقٌ إمّا قبل الشكّ في إتيانها فللعلم، وإمّا بعده فلقاعدة التجاوز، ولا يكون الموضوع الشكّ بعد تحقّق السّجدتين واقعاً.
الفرع الثالث: لو شكّ في حالته:
فإنْ شكّ في أنّ الحالة الفعليّة هل هو ظنٌ أو شكّ، كما ربما يتّفق لبعض الناس لخفاء ما به الامتياز بين الحالين، أو لانكماش النفس عن التوجّه لبعض العوارض، أو لغير ذلك، ففي «العروة»(1): (كان ذلك شكّاً).
وأورد عليه بعض المعاصرين(2): بأنّ كلّاً من الشكّ والظنّ على خلاف الأصل، فلايمكن إثبات أحدهمابعينه بالأصل، بل الواجب الرجوع إلى قواعد العلم الإجمالي.
أقول: وحقّ القول في المقام أن يُقال:
1 - لو كان ذلك في الشكوك الموجبة للبطلان، كما لو شكّ في أنّه شاكّ بين الواحدة والإثنتين، أو ظانّ بإحداهما، فإنّه لابدَّ من ترتيب أثر الشكّ، وهو البطلان، لعدم إحراز كونه ظانّاً.
لا يُقال: إنّه لابدَّ عليه من إتمام ما بيده، بأن يُعامل معاملة الظانّ، ثمّ يستأنف، للعلم بتحقّق أحدهما، ولكلّ منهما حكمٌ يخصّه من الإتمام أو الاستئناف، فيجب الجمع بينهما قضاءً للعلم الإجمالي.
فإنّه يُقال: لا مانع في أمثال المقام من قطع الصَّلاة، ولا يجب الإتمام، لما تقدّم في هذا الشرح(1)من أنّ عمدة مدرك حرمة قطع الصَّلاة، هي الإجماع، والقدر المتيقّن منه حرمته في الصَّلاة التي يجوز للمكلّف الإقتصار عليها في مقام الامتثال، فقطعها على أيّ تقديرٍ جائز.
2 - ولو كان ذلك في الشكوك الصحيحة:
فإن اتّحدا في تتميم الصَّلاة، كما لو شكّ في أنّه شاكٌّ بين الثَّلاث والأربع، أو ظانّ بالأربع، يُتمّها ثمّ يأتي بوظيفة الشاكّ، ولا شيء عليه.
وإنْ لم يتّحدا، كما لو شكّ في أنّه شاكّ بينهما أو ظانّ بالثلاث، فلا محالة يحصل له العلم الإجمالي بوجوب ركعة متّصلة أو منفصلة، فحيثُ لا يمكن له الامتثال القطعي، فله أن يرفع اليد عن ما بيده، ويستأنف الصَّلاة، ولا يجبُ عليه الأخذ بأحد طرفي الشكّ، أعني معاملة الشكّ أو الظنّ ثمّ استئناف الصَّلاة كما عن بعض المحقّقين، لما عرفت من عدم حرمة قطع الصَّلاة في أمثال المورد.
3 - وإنْ حصل له حالةٌ في أثناء الصَّلاة، وجرى على مقتضاها، ثمّ بعد ذلك قبل الفراغ لم يدر أنّه كان شكّاً أو ظنّاً:
فإنْ كان فعلاً ظانّاً أو شاكّاً، بنى عليه، لأنّ العبرة بالحالة الموجودة بالفعل،).
1) راجع بحث (وجوب قطع الصَّلاة للإزالة).
ولا أثر لما كانت.
وربما يُقال: إنّه إن حدثت الحالة قبل السّجدتين، ثمّ بعد الإكمال شكّ في أنّها شكٌّ، لتبطل صلاته من جهة المُضيّ على الشكّ المؤدّي إلى زيادة الرّكن، أو أنّها ظنّ لكي تصحّ صلاته، أشكل الحكم المذكور إذا كانت حالته الفعليّة الشكّ، وكان الشكّ ممّا يعتبر في عدم مبطليّته إكمال السّجدتين.
لا يقال: إنّه يمكن دفع هذا الاحتمال بإجراء قاعدة التجاوز في السّجدتين، لأنّه لا يثبت بها كون الشكّ حادثاً بعد الإكمال، إلّاعلى القول بالأصل المُثبت.
وإذا لم يثبت ذلك، واحتمل كون الشكّ الحادث قبل الإكمال باطلاً، إذ لم ينصّ عليه بحكم، وكونه شاكّاً بعد إكمال السّجدتين لا يُجدي في دخوله في الشكوك الصحيحة، إذ العبرة في الدخول فيها حال الحدوث لا البقاء.
وفيه: إنّ الموضوع في أدلّة الشكوك الصحيحة، هو الشكّ بعد الإكمال غير المتحقّق قبله، فإذا كان فعلاً شاكّاً، وجرى استصحاب عدم وجود الشكّ قبل الإكمال، تحقّق الموضوع، فتشمله أدلّة البناء على الأكثر.
وإنْعلم بعد الفراغ من الصَّلاة أنّه طرأت له حالة تردّد بين الإثنتين والثَّلاث، وأنّه بني على الثَّلاث، وشكّ في أنّه حصل له الظنّ به، أو كان من باب البناء في الشكّ، فقد يقال بوجوب صلاة الاحتياط عليه، لأنّ صلاة الاحتياط إنّما تكون جابرة للنقص على تقدير النقص.
وعليه، فمقتضى قاعدة الاشتغال الإتيان بها، ولا مورد لتوهّم أنّ هذا شكٌّ بعد الفراغ فلا يعتني به، لأنّه يندفع بأنّه لم يحرز من حيث أنّه شكّ في عدد الرَّكعات
كونه حادثاً بعد الصَّلاة، ولعلّه كان في الأثناء.
وفيه: إنّه يجري فيه ما ذكرناه في سابقه، مع أنّ صلاة الاحتياط أمر بها بأمرٍ آخر غير الأمر المتعلّق بالركعة الأخيرة المتّصلة.
وعليه، فدعوى أنّ ذلك الأمر سقط قطعاً، والشكّ إنّما هو في حدوث أمرٍ آخر، فيكون المورد من موارد أصالة البراءة قريبةٌ، فالأظهر عدم وجوبها.
الفرع الرابع: إذا انقلب شكّه:
1 - فإنْ كان ذلك في الأثناء، كما لو شكّ بين الثَّلاث والأربع مثلاً، فبنى على الأربع، ثمّ بعد ذلك انقلب شكّه إلى الظنّ بالثلاث أو بالأربع، أو انقلب إلى الشكّ بين الاثنتين والأربع، بنى على ما انقلب اليه، والظاهر أنّه لا خلاف فيه، والوجه فيه أنّ الظاهر من النصوص أنّ حكم كلّ شكٍّ أو ظنٍّ دورانه مداره وجوداً وعدماً، حدوثاً وبقاءً، فلو انقلب الشكّ إلى شكٍّ آخر انقلب الحكم بتبعه أيضاً.
2 - وأمّا إذا انقلب الشكّ إلى شكٍّ آخر بعد الفراغ من الصَّلاة:
فإنْ لم يكن الانقلاب موجباً للعلم بالزيادة أو النقيصة أو إحداهما، ففي «العروة»(1): الأقوى عدم وجوب شيء عليه، لأنّ الشكّ الأوّل قد زال، والشكّ الثاني متحقّق بعد الصَّلاة فلا يلتفت إليه.
وأورد عليه المحقّق اليزدي رحمه الله(2): بأنّ دليل الشكّ بعد الفراغ لا يشمل المقام، لإنصرافه إلى الفراغ بعنوانٍ آخر الرَّكعات واقعاً.
وبعبارة اُخرى: إنّه ينصرف إلى الإتيان بالجزء الأخير، بتخيّل أنّه الجزء الأخير، وما أتى به المُصلّي من السَّلام في الفرض، ليس بعنوان أنّه الجزء الأخير.
ثمّ قال: إنّه ليس داخلاً في الشكّ قبل الفراغ، لأنّ الشكّ قبل الفراغ عبارة عن الشكّ الذي حصل للمُصلّي قبل السَّلام المحتمل كونه تحليلاً للصلاة، وجزءً أخيراً
منها، وإنْ كان من المحتمل وقوعه سهواً أيضاً.
وعليه، فلو أتى بالنقيصة المحتملة موصولةً، برأت ذمّته يقيناً، فإنّه لو كانت صلاته تامّة لم تضرّ الزيادة بواسطة الفصل بالسّلام الواقع في محلّه، وإنْ كانت ناقصة، يكون ما أتى به متمّماً لها، وبعد انحصار العلاج بذلك يجب، لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة.
وفيه: إنّ الشكّ قبل الفراغ بعنوانه ليس موضوعاً للحكم، بل موضوع أدلّة الشكوك الصحيحة هو الشكّ، وقد خرج عن ذلك الشكّ بعد الفراغ، فالموضوع هو الشكّ الذي لا يكون شكّاً بعد الفراغ، وحيثُ أنّ المفروض إنّه ليس شكّاً بعد الفراغ لما أفاده.
وبعبارة اُخرى: إنّ السَّلام لم يقع بعنوان الفراغ من الصَّلاة، بل بعنوانٍ مجامع.
ومع احتمال عدم الفراغ، فلا مجال للحكم، كما لا مانع من شمول دليل الشكّ للشكّ بعد السَّلام في الفرض.
وبالجملة: فما أفاده من عدم شمول دليل الشكّ بعد الفراغ للمقام، وإنْ كان متيناً في بعض الصور كما ستعرف، لكن لا يتمّ ما أفاده من عدم شمول دليل الشكّ له قبل الفراغ.
أقول: والحقّ هو التفصيل:
بين ما إذا كان التسليم بعنوان أنّه آخر أجزاء الصَّلاة، كما لو شكّ بين الأربع والخمس، وبنى على الأربع، وأتمّ صلاته، ثمَّ شكّ بين الثَّلاث والأربع، وفي مثل ذلك تجري قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الشكّ الثاني، أمّا الشكّ الأوّل فقد زال فلا يجب عليه شيء، وهكذا إذا كان التسليم لا بهذا العنوان، ولكن بعد الفراغ أحرز
ذلك، كما لو شكّ بين الثَّلاث والأربع، فبنى على الأربع، وأتمّ صلاته ثمّ انقلب شكّه إلى الشكّ بين الأربع والخمس، فإنّ الشكّ الأوّل يكون قد زال والثاني حادثٌ بعد الفراغ.
وبين ما إذا كان لا بهذا العنوان، ولم يَحرز ذلك، كما لو شكّ بين الثَّلاث والأربع، ثمّ انقلب شكّه إلى الشكّ بين الاثنتين والأربع، فإنّ الشكّ الأوّل وإنْ زال إلّاأنّ الشكّ الثاني بما أنّه ليس بعد الفراغ كما تقدّم، فيشمله دليل ذلك، فيجبُ عليه أن يعمل بوظيفة الشاكّ بين الإثنتين والأربع.
هذا كلّه فيما إذا لم يوجب الانقلاب العلم بالزيادة أو النقيصة.
وأمّا إذا أوجب ذلك العلم بالزيادة، كما لو شكّ بين الإثنتين وبنى على الثَّلاث، وأتى بركعةٍ اُخرى موصولة ثمّ انقلب شكّه إلى الشكّ بين الخمس والسِّت، ففي هذه الصورة لا ريب في بطلان الصَّلاة، لما تقدّم من مبطليّتها مطلقاً.
وأمّا إذا أوجب شكّه العلم بالنقيصة، كما لو انقلب الشكّ بين الثَّلاث والأربع إلى الشكّ بين الإثنتين والثَّلاث، فحكمه حكم من تبدّل شكّه في أثناء الصَّلاة إلى شكٍّ آخر، للعلم بوقوع السَّلام في غير محلّه، وأنّه في الصَّلاة فعلاً.
وبالجملة: يظهر ممّا ذكرناه في هذه الصور أنّه لو انقلب الشكّ البسيط إلى الشكّ المركّب ممّا وقع في الصَّلاة وغيره، كما لو انقلب الشكّ بين الاثنتين والأربع إلى الشكّ بين الإثنتين والثَّلاث والأربع:
فإنْ كان الشكّ المنقلب اليه من الشكوك المنصوص على صحّتها، كما في المثال فيشمله دليله.
وإنْ كان من الشكوك الباطلة، فيحكم بالبطلان، إلّاإذا أتى بالسلام بعنوان
أنّه آخر أجزاء الصَّلاة، أو أحرز ذلك بعد، فإنّه في هاتين الصورتين لا يجبُ عليه شيءٌ.
أقول: الظاهر أنّه ممّا ذكرناه ظهر حكم جميع الصور المتصوّرة في المقام، فلا وجه لإطالة الكلام فيها.
الفرع الخامس: إذا عرض أحد الشكوك الصحيحة للمضطرّ الذي يُصلّي جالساً من جهة العجز عن القيام، فالظاهر أنّ حكمه حكم من يُصلّي قائماً، إذ أدلّة العلاج جملةٌ منها وإنْ اختصّت بالمختار، لتضمّنها للأمر بالقيام، وإتمام الصَّلاة، أو التخيّير في العلاج بين الجلوس والقيام، إلّاأنّ أدلّة بدليّة الجلوس عن القيام تدلّ على أنّ الصَّلاة جالساً في حقّ العاجز، بمنزلة الصَّلاة قائماً في حقّ المختار بما لها من الأحكام.
وعلى هذا، فلو كان شكّه موجباً للتخيّير بين الرّكعة قائماً، أو ركعتين جالساً في صلاة المختار، فهل:
1 - يتعيّن على المضطرّ الرَّكعتان جالساً من جهة عدم شمول أدلّة بدليّة الجلوس للمقام، واختصاصها بصورة تعيّن القيام من جهة أنّ أحد فردي التخيّير ممتنعٌ في حقّه، فيتعيّن عليه الآخر.
2 - أم يتعيّن عليه الرّكعة جالساً، لإطلاق أدلّة بدليّة الجلوس، وعدم إطلاق أدلّة التخيّير بين الرّكعة والرّكعتين، فإنّها مختصّة بمن تكون الرَّكعتان جالساً ركعةً له، ولا تشمل من يعدّ الرَّكعتان له ركعتين.
أم يتخيّر بينهما، لإطلاق أدلّة البدليّة وأدلّة التخيّير؟ وجوهٌ وأقوال:
أقول: أقواها الأوّل لإنصراف أدلّة بدليّة الجلوس عن القيام المجعول على التخيّير، لأنّ الجلوس بدلٌ اضطراري، ومع إمكان الإتيان بالبدل الاختياري، لا وجه للانتقال إلى البدل الاضطراري.
نعم، لو صَلّى جالساً ثمّ تمكّن من القيام في صلاة الاحتياط، لزمه العمل كما يعمل في الصَّلاة قائماً، لعدم شمول أدلّة بدليّة الجلوس له قطعاً.
الفرع السادس: لا يجوز في الشكوك الصحيحة قطع الصَّلاة ثمّ استئنافها، لحرمة قطع الصَّلاة المحكومة بالصحّة، لكن لو صدرَ منه المنافي في أثنائها، فقطعها ثمّ استأنف تكون صلاته صحيحة.
أمّا لو استأنف قبل الإتيان بالمنافي:
فبناءً على عدم جواز تبديل الامتثال، كما هو الأقوى، لا تصحّ الصلاتان:
أمّا الأُولى: فللإتيان بالمنافي في أثنائها.
وأمّا الثانية: فلعدم وجود أمر بإجزاء المأتي بها ليدل على وقوعها صحيحة.
وهكذا الحال في ما لو استأنف بعد الإتيان بالصّلاة، قبل الإتيان بالمنافي، وقبل أن يأتي بصلاة الاحتياط.
وأمّا إن صدرَ منه المنافي أيضاً، فالصحّة في الثانية تبتني على أن يكون الإتيان بالمنافي بين الصَّلاة الأصليّة وصلاة الاحتياط موجباً لبطلانها.
مسائل: الأُولى: لا سَهو على مَنْ كَثُر سهوه وتواتر.
حكم شكّ كثير الشكّ
المسألة (الأُولى): لا اعتبار بالشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه، وبعد الفراع عن العمل، وقد تقدّم الكلام فيه.
المسألة الثانية: لا يعتنى بالشكّ في الصَّلاة بعد الوقت، وقد مرّ.
المسألة الثالثة: لا شكّ لكثير الشكّ، وهو المعبّر عنه في جملةٍ من كلمات الفقهاء(1)رحمهم الله بأنّه: (لا سهو على مَنْ كَثُر سهوه وتواتر).
أقول: لا خلاف ولا كلام في أصل الحكم في الجملة(2)، وتشهد له جملة من النصوص:
منها: صحيح محمّد بن مسلم، عن الإمام الباقر عليه السلام: «إذا كثُرَ عليك السَّهو، فامضِ في صلاتك، فإنّه يوشكّ أن يدعك، إنّما هو من الشيطان»(3).
ونحوه مرسلا ابن سنان والصدوق في «الفقيه» عن الإمام الرضا عليه السلام(4).
ومنها: حسن زرارة وأبي بصير أو صحيحهما، قالا:
«قلنا له: الرّجل يشكّ كثيراً في صلاته، حتّى لا يدري كم صَلّى، ولا ما بقي
عليه؟ قال عليه السلام: يُعيد.
قلنا: يكثر عليه ذلك، كلّما عاد شكّ؟ قال عليه السلام: يمضي في شكّه.
ثمّ قال عليه السلام: لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم بنقض الصَّلاة فتطمعوه، فإنّ الشيطان خبيثٌ معتادٌ لما عُوّد به، فليمضِ أحدكم في الوهم، ولا يكثرن نقض الصَّلاة، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشكّ.
قال زرارة: ثمّقال: إنّما يريدُ الخَبيث أن يُطاع، فإذا عُصي لم يعد إلى أحدكم»(1).
ومنها: موثّق عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«في الرّجل يكثُر عليه الوهم في الصَّلاة، فيشك في الرّكوع، فلا يدري أركع أم لا، ويشكّ في السّجود فلا يدري أسجد أم لا؟
فقال عليه السلام: لا يسجد ولا يركع، يمضي في صلاته حتّى يستيقن يقيناً»(2).
والكلام في هذه المسألة وما يستفاد من هذه الأخبار يقع في اُمور:
الأمر الأوّل: الظاهر أنّ المراد من (المُضيّ) في الصَّلاة، هو البناء على وقوع المشكوك فيه، وعدم ترتيب آثار الشكّ، سواءٌ أكان أثره البطلان كالشكّ في الأوليّين، أو الاحتياط أو سجدتي السَّهو كالشكّ في الأخيرتين، والشكّ بين الأربع والخمس، أو لزوم الإتيان بالمشكوك فيه، كالشكّ في فعلٍ قبل التجاوز عنه.
وبعبارة اُخرى: الظاهر من (المُضيّ) هو البناء على الصحّة، ووقوع المشكوك فيه، مع عدم الإتيان بموجب الشكّ من الاحتياط وغيره، وذلك لظهور الأمر بالمُضيّ في الصَّلاة، وعدم الاعتناء بالشكّ في ذلك، مضافاً إلى دلالة الموثّق عليه،
وذلك لوجهين:
الأوّل: صراحته في أنّه لا يركع ولا يسجد، وهو وإنْ اختصّ بالشكّ في الأفعال، إلّاأنّه لا ريب في أنّ ذكرها من باب المثال، ولا خصوصيّة لها.
الثاني: أنّه عليه السلام بعد حكمه بعدم الرّكوع والسّجود، قال: (يمضي في صلاته) فيُعلم من ذلك أنّ المراد من (يمضي في صلاته) ما ذكرناه.
أقول: وبهذا ظهر اندفاع ما قيل من إنّ هذه النصوص مجملة، وغاية ما يستفاد منها إنْ شكّ كثير الشكّ لا يبطل الصَّلاة، ولا تكون متعرّضة لما هو التكليف بالنسبة إلى المشكوك فيه من أنّه يبني على وقوعه، أو أنّه يجب صلاة الاحتياط أو سجدتا السَّهو بعد الصَّلاة أم لا.
كما ظهر من خلال التقريب المتقدّم أنّه لو كان طرفى الشكّ التمام والزيادة، وجب البناء على التمام.
أقول: ويمكن تقريب دلالة النصوص على ذلك بوجهٍ آخر:
وهو إنّ الشكّ مركّبٌ من احتمالين:
1 - فإنْ كان كلٌّ منهما اقتضائيّاً، كما لو علم إجمالاً أنّه أمّا زاد أم نقص، فهو خارجٌ عن مورد النصوص.
2 - وإنْ كان أحدهما اقتضائيّاً دون الآخر، كان معنى عدم الاعتناء بالشكّ، والمُضيّ في الصَّلاة، عدم ترتيب أثر الاحتمال الذي له اقتضاء، فلو شكّ بين الثَّلاث والأربع يبني على الأربع، لأنّ الاحتمال الاقتضائي هو احتمال الثَّلاث، ولو شكّ بين الإثنتين والثَّلاث في الثنائيّة، يبني على الإثنتين، لأنّ الاحتمال الاقتضائي هو احتمال الثَّلاث.
الأمر الثاني: الظاهر من النصوص والفتاوى أنّ هذا الحكم - أي المُضيّ في الصَّلاة، وعدم الاعتناء بالشكّ - حكمٌ تعيّيني إلزامي، فلو شكّ بين الثَّلاث والأربع، وجب البناء على الأربع، كما لو شكّ في الرّكوع وجب البناء على وقوعه، فلو أتى به والحال هذه بطلت الصَّلاة لزيادة الرّكن، ولو كان الشكّ في الأوليّين، لا يجوز له رفع اليد عمّا بيده واستئناف الصَّلاة، والوجه فيه موثّق عمّار بالتقريبين المتقدّمين، حيث ورد فيه الأمر بالمُضيّ وعدم الاعتناء بالشكّ.
وعن الشهيد قدس سره(1)، والمحقّق الأردبيلي رحمه الله(2): التخيّير بين ذلك وبين الأخذ بمقتضى الشكّ من الاستئناف أو صلاة الاحتياط أو غيرهما.
واستدلّ له: بأنّ ذلك مقتضى الجمع بين صدر حَسَن أبي بصير وزرارة المتضمّن للأمر بالإعادة، بعد السؤال عمّن كَثُر شكّه، وبين ذيله المتضمّن للأمر بالمُضيّ وعدم الاعتناء بالشكّ، فإنّ كلّاً منهما وإنْ كان ظاهراً في نفسه في تعيّن ما تضمّنه، إلّاأنّ الجمع بينهما إنّما يكون بالبناء على التخيّير.
وفيه: إنّ الكثرة المفروضة في الصدر ليست كثرة أفراد الشكّ، بل كثرة أطرافه، كما يشهد له قوله: (حتّى لا يَدري كم صَلّى) وأمّا الكثرة المفروضة في الذيل، فهي كثرة الأفراد الّتي هي محلّ الكلام في المقام.
وعن المحقّق الثاني في «الرسالة السَّهوية»(3): التخيّير بين البناء على الأقلّ،
1) الذكرى: ص 223.
2) مجمع الفائدة: ج 3/142-147.
3) رسائل الكركي: ج 2/142 (في اللّواحق وفيه مسائل)، قوله: (الأولى: لا سهو على من كثر سهوه، فله البناءعلى وقوع ما شكّ به تخفيفاً عنه، ولما في تداركه من حرج المنفيّ، ولقول الباقر عليه السلام: «إذا كثُرَ عليك السَّهو فامضي في صلاتك، فإنّه يوشكّ أن يدعك، إنّما هو من الشيطان»، وله أن يغلب على الطرف الآخر ويبني عليه ويتمّ صلاته، ما لم يحصل له هناك مرجّح من علم أو ما يقوم مقامه).
وبين البناء على وقوع المشكوك فيه.
واستدلّ له: بأنّ غاية ما يستفاد من النصوص، عدم ترتيب آثار الشكّ عليه، وأنّه لابدّ وأن يمضي في صلاته، وهذا كما يلائم مع البناء على وقوع المشكوك فيه، كذلك يلائم مع البناء على الأقلّ.
وفيه: ما تقدّم في الأمر الأوّل من ظهور الأدلّة في الأوّل، فراجع.(1)
الأمر الثالث: وقع الخلاف بين الأعلام بعد اتّفاقهم على عدم اعتناء كثير الشكّ بشكّه، أنّه هل يكون كثير السَّهو والنسيان أيضاً كذلك، فلا يعتني بنسيانه أم لا؟
المنسوب إلى الأكثر هو الثاني(2)، وعن الشهيد الثاني الأوّل(3).
واستدلّ للشهيد: بالأخبار المذكورة فيها السَّهو، إذ هو إمّا بمعنى النسيان أو بمعنى يشمله.
واستدلّ للقول الآخر: بوجهين:
الأوّل: أنّه لم يُرد من السّهو في النصوص معناه الحقيقي وهو النسيان قطعاً، لأنّ كثير الشكّ لا يعتني بشكّه بلا كلام، فيدور الأمر بين حمله على خصوص الشكّ، أو الأعمّ منه ومن السَّهو، وبالرغم من أنّ اللّفظ لا يكون ظاهراً في أحد المجازين، إلّا أنّ الشكّ متيقّنٌ على كلّ حال.
وفيه: إنّ روايات الباب قسمان: منها ما تضمّن ذكر السَّهو، ومنها ما تضمّن ذكر الشكّ، فلا موجب لرفع اليد عن ظهور القسم الأوّل.
الثاني: إنّ القول بالشمول مستلزمٌ لتأسيس فقه جديد، إذ لا يمكن الالتزام بجواز اكتفاء كثير السَّهو في الرّكعة مثلاً بالصّلاة الناقصة مع قطعه بنقصان صلاته، وهذا بخلاف كثير الشكّ فإنّه لا مانع من اكتفاء الشارع بالإطاعة الاحتماليّة.
وفيه: إنّ بطلان الصَّلاة في مثل الفرض ليس أثر السَّهو، كي يُقال إنّ أخبار الباب تدلّ على عدم ترتّبه، بل هو من جهة عدم مطابقة المأتي به للمأمور به، وبقاء الأمر بالصّلاة، فأثر النسيان إنّما هو مجرّد إتيان سجدة السَّهو ونحوها، والالتزام بعدم وجوبها لا يستلزم تأسيس فقه جديد.
أقول: الصحيح أن يستدلّ له بوجوه، فإنْ لم يتمّ دلالة كلّ واحدٍ منها مستقلّاً، لا ريب في دلالتها بأجمعها على ذلك:
1 - إنّ (السَّهو) في نصوص الخَلل استعمل في (الشكّ) كثيراً، بحيث لم يبق له ظهور في معناه الحقيقي وهو النسيان، وعليه فلا حاكم للأدلّة الدالّة على وجوب التدارك أو سجدة السَّهو.
2 - ما ورد في توجيه (المُضيّ) في الصَّلاة عند كثرة السَّهو في صحيح ابن مسلم، بأنّه (إنّما هو من الشيطان)، إذ ما ينشأ من وسوسة الشيطان، ويزول بعدم الاعتناء به، ويزداد بالاعتناء إنّما هو الشكّ دون النسيان.
3 - إنّ التعبير بالمُضيّ يلائم مع الشكّ الموجب للوقوف.
وبعبارة اُخرى: الظاهر من النص بيان حكم تلك الحالة، فإنّه متضمّن للمُضيّ لا لعدم الإعادة، ومن الواضح أنّ الناسي لا يصحّ تكليفه كما حُقّق في محلّه.
وعليه، فالأظهر عدم إلحاق كثير النسيان بكثير الشكّ في هذا الحكم.
الأمر الرابع: في الشكوك التي لا حكم لها بأنفسها، كالشكّ بين الأربع والخمس
في حال القيام - حيث يجب فيه هدم القيام لأجل الشكّ في أنّ الرّكعة السابقة عمّا بيده هل هي رابعة أم ثالثة، وحكمه وجوب البناء على الأربع - هل:
يجب عليه البناء على أحد طرفي الشكّ - وهو الأربع في المثال - وإتمام الصَّلاة، بلا إتيان شيء بعد الصَّلاة؟
أم يجب هدم القيام والبناء على أحد طرفي الشكّ؟ وجهان:
المنسوب إلى الشيخ الأعظم رحمه الله(1)الثاني، وذكر في وجهه أنّ دليل شكِّ كثير الشكّ حاكمٌ على أدلّة الشكوك، وإذا لم يكن الحاكم في مورد ورود المحكوم لزم لغويّته، وحيث أنّ الشكّ بين الأربع والخمس لا حكم له بنفسه، والحكم إنّما هو للركعة السابقة على ما بيده، فلا مناص عن هدم القيام.
وفيه: إنّ أدلّة هذا الشكّ إنّما تدلّ على تعيّن البناء على الانصراف مطلقاً، وعدم الاعتناء بالشكّ، سواءٌ أكان له حكمٌ بالخصوص أم كان مندرجاً تحت الأدلّة العامّة، ومقتضى ذلك أن يمضي الشاكّ في صلاته دون أن يعمل شيئاً ممّا يقتضيه الشكّ، فإذا جلس كان ذلك اعتناءً من جهته فليس له ذلك.
وبعبارة اُخرى: أخبار الباب على طائفتين:
الأُولى: ما لسانه نفي الشكّ عنه.
الثانيه: ما تضمن الأمر بالمُضيّ.
ومقتضى الثانية ما ذكرناه، وما التزم به رحمه الله مطابق للطائفة الاُولى.
الأمر الخامس: إذا كان المكلّف كثير الشكّ في فعلٍ أو عدّة أفعال، فهل يُعامل
1) أحكام الخَلل في الصَّلاة الشيخ الأنصاري: ص 118.
معه معاملة كثير الشكّ ولو في فعل آخر لم يكثر شكّه فيه، كما عن «المدارك»(1)؟
أم يختصّ الحكم بما كَثُر الشكّ فيه؟
أم يجب التفصيل:
بين ما إذا كان المصلّي كثير الشكّ في أفعالٍ من الصَّلاة التي لا يكون لها جامعٌ سوى أصل الصلاة لما فيه من الكثرة بحيث يُقال بأنّه كثير الشكّ في الصَّلاة، فحكمه حكم كثير الشكّ في جميع الصَّلاة.
وبين ما إذا كان كثير الشكّ في بعض أفعالها أو ركعاتها، فحكمه حكم كثير الشكّ في خصوص ما كَثُر شكّه فيه كما عن المحقّق النائيني(2)؟
وجوهٌ، أظهرها الثاني؛ لأنّه المتبادر من النصوص، ولو بمناسبة الحكم والموضوع، لا سيّما بملاحظة ما فيها من العلّة.
الأمر السادس: إذا كان كثير الشكّ كثيراً فيما لا حكم له لعارضٍ، وهو وجود أمارة موجبة لإلغاء الشكّ، كما إذا كان الإمام كثير الشكّ في عدد ركعات الصَّلاة في صلاة الجماعة خاصّة، مع حفظ المأموم، أو كان الكثير لا حكم له في نفسه، كالشكّ في فعل الرّكوع بعد تجاوز المحلّ، وشكّ فيه مع عدم ذلك العارض، كما لو شكّ الإمام مع عدم حفظ المأموم، أو شكّ في الرّكوع قبل التجاوز عنه، ففي هذه الفروض، هل:
يجب الاعتناء بشكّه مطلقاً؟ أم لا يجب كذلك، أم يفصّل بين الأوّل فالثاني فالأوّل؟ وجوه:
أقواها الثاني، لأنّه لا فرق في صدق موضوع كثير الشكّ بين ثبوت الحكم
للشكّ وعدمه، وعليه فبما أنّ العنوان المذكور صادق على الموردين فيترتّب عليه حكمه، عدم ثبوت الحكم للشكوك السابقة عليه، لا يوجب عدم ترتّب حكم كثير الشكّ عليه.
ودعوى: أنّ الشكّ في المحلّ، مع الشكّ بعد التجاوز عنه نوعان مغايران، فلو كان كثيرُ الشكّ في الثاني لا يسري حكمه إلى الأوّل.
مندفعة: بأنّ الموضوع هو الشكّ في الرّكوع أو السّجود مثلاً، وهذا قد يكون في المحلّ، وقد يكون بعد التجاوز عنه.
وبعبارة اُخرى: هذان يعدّان من حالات الشكّ الواحد لا أنّهما نوعان.
الأمر السابع: لا إشكال في شمول هذا الحكم بالنسبة إلى ركعات الصَّلاة وأجزائها، وشرائطها الداخليّة، وشرائطها الخارجيّة إذا كان ذلك في أثناء الصَّلاة، إنّما الإشكال موردين:
الأوّل: ما لو كان كثير الشكّ في أصل الصَّلاة، ولم يصل ذلك إلى حَدّ الوسواس.
الثاني: ما إذا شكّ في الشرائط الخارجيّة، كالطهارة قبل الصَّلاة، فإنّ النصوص بظاهرها لا تشملها كما هو ظاهر، وعموم العلّة يوجب ثبوته، وأمّا الإجماع ونفي العُسر والحَرَج، فلا يمكن الاستدلال بهما كما لا يخفى.
الأمر الثامن: الظاهر أنّه لا يجب على كثير الشكّ حفظ الصَّلاة عنه وضبطها بنصب قيّمٍ أو بضبطها من خلال الاستعانة بالحَصى أو الخاتم ونحو ذلك، كما لا يجب التخفيف، لا لما نُسب إلى المحقّق النائيني رحمه الله(1)- من أنّ ذلك اعتناءٌ بالشكّ، ومقتضى النصوص عدم الاعتناء به، فإنّ الاعتناء بالشكّ يعني ترتيب أثر الشكّ، وأمّا المنع
1) كتاب الصَّلاة تقريرات الكاظمي لبحث النائيني: ج 2/319.
عن تحقّقه، فليس هو اعتناءً به - بل لإطلاق الأدلّة مع عدم دليل على الوجوب، فإنّ قوله عليه السلام في خبر الخثعمي: «اِحصِ صَلاتك بالحَصى، أو قال: احفظها بالحصى»(1)، ظاهرٌ في الإرشاد إلى بيان علاج السَّهو بقرينة السؤال، قال:
«شكوتُ إلى أبي عبد اللّه عليه السلام كَثرة السَّهو في الصَّلاة...».
وقوله عليه السلام في موثّق الحلبي الوارد في كثير السَّهو: «اِدرج صلاتك إداراجاً»(2).
محمولٌ على الاستحباب، بقرينة:
1 - قول الإمام الصادق عليه السلام في خبر عمران الحلبي: «ينبغي تخفيف الصَّلاة من أجل السَّهو»(3).
2 - وجوابه عليه السلام في خبر حبيب بن المعلى الذي قال له عليه السلام: «إنّي رجلٌ كثير السَّهو، فما أحفظ صلاتي إلّابخاتمٍ اُحوّله من مكانٍ إلى مكان؟ فقال: لا بأس به»(4).
الأمر التاسع: في الحَدّ الذي تتحقّق به الكثرة.
فعن المشهور:(5)أنّ المرجع فيه العرف.
وعن ابن حمزة:(6)أنّ حَدّه أن يسهو ثلاث مرّات متواليات.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/348 ح 32، وسائل الشيعة: ج 8/247 ح 10553.
2) الكافي: ج 3/359 ح 9، وسائل الشيعة: ج 8/236 ح 10523.
3) من لا يحضره الفقيه: ج 1/567 ح 1566، وسائل الشيعة: ج 8/236 ح 10522.
4) من لا يحضره الفقيه: ج 1/255 ح 781، وسائل الشيعة: ج 8/247 ح 10554.
5) ذخيرة المعاد: ج 2/371.
6) الوسيلة في أحكام السَّهو: ص 102.
وعن الحِلّي:(1)حَدُّه أن يسهو في شيءٍ واحد أو فريضةٍ واحدة ثلاث مرّات أو في أكثر الخمس، أي الشكّ فيه، فيسقط في الفريضة الرابعة.
وعن غيرهم غير ذلك من الأقوال، ولا يهمّنا التعرّض لها، إنّما المهمّ البحث عمّا يستفاد من الأدلّة، والكلام في ذلك يقع في مقامين:
الأوّل: فيما يستفاد من النّص الخاص.
الثاني: فيما يستفاد من الأدلّة العامّة.
أمّا المقام الأوّل: فقد ورد في المقام خبر واحد، وهو صحيح محمّد بن أبي عمير، عن محمّد بن أبي حمزة، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إذا كان الرّجل ممّن يسهو في كلّ ثلاثٍ فهو ممّن كَثُر عليه السَّهو»(2).
والأكثر(3)ذهبوا إلى أنّه مجملٌ، ولذلك التجأوا إلى تعيين مفهومه بحسب نظر العرف.
أقول: ينبغي التكلّم في موردين:
الأوّل: في أنّ الخبر هل له مفهوم أم لا.
الثاني: في بيان المراد من الشرطيّة، وأنّها هل تكون مجملة أم مبيّنة؟
فإنْ لم يكن له مفهوم، أو كانت الشرطيّة مجملة، يتمّ ما ذهب اليه الأكثر.
أمّا المورد الأوّل: فقد يقال - كما أفاده بعض المعاصرين -(4)إنّ قوله عليه السلام في الجزاء: (فهو ممّن... الخ) كالصريح في وجود فردٍ آخر له، فيتعيّن لاجله البناء على8.
كون القضيّة مسوقة للمنطوق لا غير، فيكون مفادها جعل فرد لكثير السَّهو.
وفيه: لو كان المذكور في الجملة الشرطيّة قوله: (إذا كان الرّجل يسهو... الخ) كان ما ذُكر تامّاً، ولكن المذكور في هذا الخبر قوله: (إذا كان الرّجل ممّن يسهو... الخ) فلا يتمّ هذا الاستظهار، كما لا يخفى.
فالحقّ أنّ القضيّة كسائر القضايا الواردة في مقام التحديد لها مفهوم.
وأمّا المورد الثاني: فالإحتمالات وإنْ كثُرت فيها، إلّاأنّ الظاهر منها كون المُصلّي على حالةٍ لا يُمضي عليه ثلاث صلوات إلّاويشكّ في واحدةٍ منها، ولا أقصد بهذا الكلام: أنّه ظاهرٌ في أنّه يعتبر حصول السَّهو في كلّ ثلاث صلوات إلى آخر العمر، كي يورَد عليه بأنّه لا يحصل العلم بذلك إلّافي خاتمة الفترة المذكورة لا في أوّلها أو وسطها، كما لا أقصد بظهوره في اعتبار فعليّة السَّهو في كلّ ثلاث صلوات، بل المراد أنّه نتيجةً لما ورد في الخبر من الفعل المضارع بقوله (يسهو) وتصديره خبره بلفظ (كان) ظاهران في إرادة أن يكون المُصلّي بحالٍ توجب تلك الحال الشكّ في كلّ ثلاث صلوات مرّة، فلو لم يشكّ في صلواتٍ ثلاث متواليات لعارضٍ - كحفظ الرَّكعات بالحَصى والخاتم - لما زال عنه حكم كثير الشكّ، فأوّل شكٍّ يحصل له يلحقه حكم كثير الشكّ إنْ كانت تلك الحال موجودة.
وأمّا المقام الثاني: فالظاهر أنّ مفهوم هذا العنوان عند العرف ليس بأوسع ممّا يستفاد من النص الخاص، فلا وجه لإطالة الكلام في ذلك.
وبما ذكرناه ظهر ما في كلمات القوم في المقام، فلا نطيل بذكرها.
ثمّ إنّه لو أُحرز ذلك فلا كلام، ولو شكّ في حصول هذه الحالة له وعدمه، يبنى على عدمه للاستصحاب، كما أنّه لو شكّ في زوالها بعد الحصول، يبني على بقائها
كما هو واضح.
ثمّ إنّه إذا كان حصول هذه الحالة لا من ناحية إلقاء الشيطان، بل لضعفٍ في قوّة الحافظة، أو لطروّ عارضٍ نفسيٍّ له من هَمٍّ أو غَضَبٍ أو نحو ذلك، فالظاهر عدم لحوق حكم كثير الشكّ له، لما في النصوص من التعليلات، فإنّ الشكّ حينئذٍ لا يكون من الشيطان، ولا يكون عدم الاعتناء به موجباً لزواله.
ولا على الإمام أو المأموم إذا حفظ عليه الآخر.
المسألة الرابعة: (ولا) سَهو (على الإمام أو المأموم إذا حفظ عليه الآخر) بلا خلافٍ فيه في الجملة(1)، وعن «المدارك»(2)أنّه ممّا قطع به الأصحاب.
وتشهد له: جملةٌ من النصوص:
منها: صحيح عليّ بن جعفر عن أخيه عليه السلام: «عن الرّجل يُصلّي خلف الإمام لا يدري كم صَلّى، هل عليه سهو؟ قال عليه السلام: لا»(3).
ومنها: صحيح حفص، عن الإمام الصادق عليه السلام: «ليس على الإمام سهوٌ ولا على من خلف الإمام سهو»(4).
ومنها: مرسل يونس المرويّ في «الكافي» و «التهذيب» عن الصادق عليه السلام:
«ليس على الإمام سهوٌ إذا حفظ عليه مَنْ خلفه سهوه باتّفاقٍ منهم، وليس على من خلف الإمام سَهوٌ إذا لم يَسهُ الإمام»(5).
وعليه، فأصل الحكم ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام يقع في اُمور:
الأمر الأوّل: مقتضى إطلاق النصوص، عدم الفرق في رجوع الإمام إلى المأموم،
بين كونه رجلاً أو امرأة، متّحداً أم متعدّداً، بالغاً أو صبيّاً - بناءً على شرعيّة عباداته - عادلاً أو فاسقاً، كما هو المشهور بين الأصحاب(1).
ولا يخفى أنّ الشرط الموجب لعدم الاعتناء، إنّما هو حفظ المأموم لا إخباره بالحفظ، فلابدَّ من إحراز ذلك من فعله أو قوله، فلو كان فاسقاً واحتمل كذبه في أخباره بالحفظ، ولم يحرز ذلك، لا يصحّ الاعتماد على قوله، لما عرفت من أنّ المأخوذ في الأدلّة حفظ المأموم لا إخباره به.
وعليه، فما عن المحقّق النائيني رحمه الله(2)من أنّ مقتضى إطلاق الأخبار حجيّة أخباره بالحفظ مطلقاً وإنْ كان فاسقاً غير صحيح، إذ ليس في شيء من النصوص التصريح أو الإشارة بحجيّة خصوص إخباره.
وأضعف منه استدلاله له بأنّ العبرة في الرجوع ملاك الحفظ، وهو عناية وحدة صلاة الإمام والمأموم في الجماعة، فكأنّ صلاتهما معاً صلاة واحدة، فإذا كان أحدهما حافظاً تكون عناية الوحدة موجبة لتحقّق الحفظ المعتبر في صلاة غير الحافظ أيضاً.
فإنّه يرد عليه: - مضافاً إلى أنّ ذلك وجه اعتباري استحساني لا شاهد له من الأخبار - أنّه لو تمّ فإنّما هو فيما إذا أحرز الحفظ لا ما إذا أخبر به.
ودعوى: إنّ النصوص منصرفة إلى الرّجل البالغ من جهة الغلبة.
مندفعة: بمنعهاأوّلاً، وعدم كونها منشأًللانصراف، الموجب لتقييد الإطلاقات ثانياً.
وأيضاً دعوى: أنّ الظاهر من المرسل اختصاص جواز الرجوع بما إذا كان0.
المأموم متعدّداً، فيقيّد به إطلاق الصحيحين.
مندفعة: بأنّ ذلك إنّما يكون من جهة وروده جواباً عن فرض التعدّد في مورده. فتدبّر.
الأمر الثاني: لا إشكال ولا كلام في أنّ الشاكّ منهما يرجع إلى المتيقّن، والمتيقّن منهما لا يرجع إلى الآخر، إنّما الكلام والخلاف وقع في صورتين:
الصورة الأُولى: في أنّ الظانّ منهما هل يرجع إلى المتيقّن، كما عن «الميسيّة»، و «المقاصد العليّة»(1)، و «الروض»(2)، و «الروضة»(3)، وفي «العروة»(4)وغيرها(5).
أم لا يرجع اليه كما عن جماعةٍ(6)؟
أقول: الأظهر هو الثاني، إذ الدليل إنّما يدلّ على أنّ الشاكّ يرجع إلى الحافظ، والظانّ بواسطة دليل حجيّة الظنّ في هذا المقام ليس بشاكٍ، بل حافظٌ.
وقد استدلّ للأوّل بوجوه:
1 - أنّ النسبة بين أدلّة حجيّة الظنّ، وأدلّة الرجوع إلى الحافظ عمومٌ من وجه، والجمع العرفي يقتضي تقديم الثانية لظهورها في أنّ المورد لها خصوصيّة.
وفيه: إنّ أدلّة حجيّة الظنّ تكون حاكمة عليها، وتدلّ على أنّ الظانّ ليس بساهٍ ولا شاكٍ بل حافظٌ، ومعها كيف تقدّم عليها؟!).
2 - دعوى انصراف الحفظ إلى الحفظ القطعي، وأنّ الظانّ لا يكون حفظه كذلك، فيجبُ عليه الرجوع إلى القاطع.
وفيه أوّلاً: إنّ فرديّة الظنّ للحفظ إنّما تكون بجعلٍ من الشارع، وتعبّدٍ منه، وجعله إيّاه من أفراد الحفظ، ومعه لا يمكن دعوى انصراف الحفظ عنه المتوقّف على عدم صدق الموضوع على الفرد الخفيّ منه عند العرف. فتدبّر فإنّه دقيق.
وثانياً: إنّ لازم هذا الوجه عدم قيام الأمارات مقام القطع المأخوذ في الموضوع على وجه الطريقة لعين هذا الوجه، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في «حاشيتنا على الكفاية».
وثالثاً: إنّ مجرّد انصراف الحفظ إلى الحفظ القطعي لا يفيد، فإنّ من يجبُ عليه الرجوع ليس هو غير الحافظ، كي يُقال إنّه صادقٌ على الظانّ، بل هو الساهي وغير العالم بحسب ما ورد في الأدلّة.
وعليه، فحيث أنّ أدلّة حجيّة الظنّ توجبُ خروج الظانّ عن تحت هذين العنوانين، فلا مورد لرجوعه إلى القاطع.
3 - إنّ ملاك رجوع كلٍّ من الإمام والمأموم إلى الآخر، هو وحدة صلاتهما كما مرّ، وحيث أنّ القطع والظنّ إذا اجتمعا في موردٍ واحد، يجب اتّباع القطع لكونه أقوى، فيجبُ على الظانّ في المقام العمل بحفظ الآخر.
وفيه: مضافاً إلى ماتقدّم من فساد المبنى، أنّ اجتماع الظنّ والقطع في موردٍ واحد محالٌ، فكيف يؤخذ لزوم العمل بالقطع مفروغاً عنه.
4 - إنّه في مرسل يونس المتقدّم، مع فرض الراوي ميل الإمام إلى بعض المأمومين في السؤال، حكم عليه السلام برجوعه إلى المأمومين في فرض الاتّفاق، ممّا يدلّ
على رجوع الإمام إذا كان ظانّاً إلى المأمومين، فيثبت في العكس بعدم الفصل.
وفيه: إنّ جوابه عليه السلام ليس عن فرض السؤال، فإنّه فرضُ اختلاف المأمومين وهو عليه السلام أجاب ببيان حكم صورة الاتّفاق، مع أنّه يحتمل أن يكون المراد به ترجيح إحدى الطائفتين للرجوع إليهم، لا حدوث رجحانٍ ظنّي عنده موافقاً مع إحداهما.
فتحصّل: أنّ الأظهر عدم رجوع الظانّ إلى المتيقّن.
الصورة الثانية: في أنّ الشاكّ هل يرجع إلى الظانّ أم لا؟
وقد استدلّ للثاني:
1 - بالوجه الثاني المتقدّم في الصورة الأُولى.
2 - وبأنّ دليل حجيّة الظنّ إنّما يدلّ على حجيّته بلحاظ عمل الظانّ، ولا يدلّ على تنزيله منزلة العلم بلحاظ عمل الظانّ.
3 - وبأنّ «الكافي» و «التهذيب» ضبطا مرسلة يونس بأنّه قال عليه السلام: (ليس على الإمام سهوٌ إذا حفظ عليه من خلفه بإيقانٍ منهم).
أقول: وفي الكلّ نظر:
أمّا الأوّل: فلما تقدّم.
وأمّا الثاني: فلأنّ دليل رجوع الشاكّ إلى الحافظ، يوجب التوسعة في دليل حجيّة الظنّ، ويدلّ على حجيّة حفظه الذي هو حجّة في عمل نفسه، لغيره.
وأمّا الثالث: فلأنّ اليقين كالحفظ يوجبُ دليل حجيّة الظنّ كون الظنّ فرداً تعبّديّاً منه، مضافاً إلى اتّفاق الجميع على أولويّة رواية «الفقيه»(1)وتقدّمها على8.
1) من لا يحضره الفقيه: ج 1/352 ح 1028.
رواية الشيخ في كتابيه لمناسبتها مع ما هو واردٌ في ذيل الخبر.
وعليه، فالأظهر رجوع الشاكّ إلى الظانّ.
الأمر الثالث: لا إشكال في رجوع الشاكّ من الإمام والمأموم إلى الحافظ منهما عند الشكّ في الأخيرتين، وإنّما الكلام وقع في موردين:
المورد الأوّل: في الشكّ في الأوليّين:
واستدلّ لعدم الرجوع فيه بما دلّ على لزوم الحفظ في الأوليّين، وأنّ الشكّ فيهما مبطلٌ.
وفيه: إنّ النسبة بين نصوص الباب، وبين تلك الأخبار، وإنْ هي العموم من وجه، إلّاأنّها تكون حاكمة على ما دلّ على مبطليّة الشكّ في الأولتين، لأنّها بلسان نفي السَّهو والشكّ، مع حفظ الآخر، فراجع.(1)
المورد الثاني: في الشكّ في الأفعال:
فعن «المدارك»(2): نسبة الرجوع فيه إلى الأصحاب، وقد توقّف فيه جماعة منهم صاحب «الجواهر» رحمه الله(3)، وأفتى جماعة منهم سيّد «العروة»(4)وجمعٌ من المعلّقين عليها(5)بالعدم.
وقد استدلّ للأوّل بأمور:
الأوّل: إطلاق قوله عليه السلام في صحيح حَفص: «ليسَ على الإمام سهوٌ ولا على من خلف الإمام سهوٌ».3.
وفيه: إنّه محمولٌ على إرادة الشكّ في عدد الرَّكعات لوجوه:
1 - من جهة سائر الفقرات، فتأمّل.
2 - إنّ السَّهو لم يستعمل في معناه الحقيقي، بل اُريد به المعنى المجازي، وهو الشكّ فحينئذٍ يدور الأمر بين إرادة مطلق الشكّ أو الشكّ في الرَّكعات، والمتيقّن الثاني.
3 - إنّ السَّهو في هذه النصوص الّتي هي بلسان واحد، مثل: (لا سهو في المغرب والصبح) ونحوه، هو خصوص الشكّ في الرَّكعات.
الثاني: ما نفي عن دعواه البُعد المحقّق الهمداني رحمه الله(1)واستجوده المحقّق النائيني رحمه الله(2)، وهو أنّه يستفاد من تعليق نفي السَّهو على الإمام بأنّ من خلفه يحفظ عليه السَّهو، أنّ مناط هذا الحكم قيام حفظ المأمومين مقام حفظ الإمام، وكذا حفظ الإمام مقام حفظ المأمومين، والعبرة بعموم العلّة.
فيه: إنّه لم يُعلّل الحكم بعدم الاعتناء مع حفظ الآخر، فهو جزء الموضوع لا العلّة للحكم.
الثالث: أنّ حكم الإجزاء يستفاد بالأولويّة.
ويرد عليه: بمنع الفحوى.
فتحصّل: أنّ الأظهر عدم الرجوع فيه.
الأمر الرابع: لا كلام في رجوع الإمام إلى المأموم، سواءٌ أكان المأموم واحداً أم متعدّداً، بشرط كونهم متّفقين في الحفظ.
أمّا في صورة اختلاف المأمومين:0.
1 - اختلاف المأمومين في الحفظ: لو اختلف المأمومون في الحفظ، بأن ادّعى بعضهم كون الرّكعة ثالثة، وبعضٌ آخر منهم كونها رابعة، فالمشهور بين الأصحاب(1)أنّه لا يرجع إليهم حينئذٍ، والوجه فيه:
1 - قوله عليه السلام في خبر يونس المتقدّم: «ليس على الإمام سهو إذا حفظ عليه من خلفه باتّفاق منهم».
2 - وقوله عليه السلام في ذيله: «فإذا اختلف على الإمام مَنْ خلفه فعليه، وعليهم في الاحتياط والإعادة الأخذ بالجزم» على ما عن أكثر نسخ «الفقيه»(2)، وعن نسخ «الكافي»(3)و «التهذيب»(4)بعد قوله من الاحتياط: (الإعادة والأخذ بالجزم) بإضافة حرف العطف (الواو) على الأخذ دون الإعادة.
فعلى الأوّل: يكون المراد أنّ على الإمام والمأموم الأخذ بالجزم في صلاة الاحتياط وإعادة الصَّلاة، بمعنى أنّه يجب على كلّ منهما العمل بوظيفته، وأنّ المورد ليس من مورد الرجوع.
وعلى الثاني: يكون المراد أنّه في مقام الاحتياط على كلٍّ منهما إعادة الصَّلاة والأخذ بالجزم، أي الإتيان بصلاة الاحتياط فيما يوجب الإعادة وصلاة الاحتياط.
وعلى كلّ تقديرٍ، يدلّ على المطلوب، وأنّه ليس للإمام التخيّير في الرجوع إلى أيّهما شاء في صورة الاختلاف.
أقول: وعلى ما قدّمناه من احتمال أن يكون المراد بقول السائل: (والإمام مائلٌ9.
مع أحدهما) أنّه يرى وجود مرجّح مع إحدى الطائفتين للأخذ بقول أحدهما، يدلّ هذا على عدم جواز الرجوع إلى بعضهم، وإنْ كان لحفظه مرجّحٌ.
2 - وأمّا لو كان المأمومون مختلفين: في كون بعضهم - ولو واحداً منهم - على يقين، والباقون على الشكّ فإنّ على الإمام أن يرجع إلى المتيقّن منهم، كما هو الأشهر لإطلاق الأدلّة.
واستدلّ للقول بعدم جواز الرجوع: بمرسل يونس المتقدّم، وتقريب الاستدلال به من وجهين:
الوجه الأوّل: أنّه يدلّ على عدم جواز الرجوع في صورة الاختلاف، والمفروض اختلاف المأمومين.
الوجه الثاني: أنّه اعتبر فيه في الرجوع الاتّفاق والمفروض عدمه، وبأنّه مع اختلافهم في الحفظ والشكّ، كما يصدق عليهم كونهم حافظين، يصدق عليهم أنّهم شاكّون أيضاً.
أقول: وفي الكلّ نظر:
أمّا الأوّل: فلأنّ الظاهر منه في نفسه وبقرينة السؤال، هو الاختلاف في الحفظ، إذ في صورة كون بعضهم متيقّناً والآخرين شاكّين، لا يصدق عرفاً أنّهم مختلفون، لعدم الخلاف بينهم.
وأمّا الثاني: فلأنّ المراد به - بقرينة الذيل والصّدر - عدم الاختلاف، مع أنّه لو اُريد به اتّفاقهم في الحفظ لامتنع غالباً الرجوع، لعدم حفظ جميعهم لما صدق ما هو الموضوع في الفرض، وإلّا لما صدق نقيضه. فتدبّر.
وعليه، فالأظهر ما هو الأشهر.
ثمّ إنّه بعد رجوع الإمام إلى المتيقّن من المأمومين، هل يرجع الشاكّ منهم إلى الإمام أم لا؟ وجهان:
استدلّ للثاني:
ألف: بأنّ حفظ من يرجع الإمام اليه لا يكون طريقاً للشاكّ، بل هو جزءٌ للموضوع المترتّب عليه الحكم التعبّدي الشرعي.
ب: وبأنّ ظاهر ما دلّ على رجوع كلٍّ من الإمام والمأموم إلى الآخر مع حفظه، هو اعتبار كونه حافظاً من قبل نفسه، وبالحفظ الداخلي لا الخارجي.
ويمكن دفع الأوّل: بأنّ ظاهر الأمر بالعمل بالحفظ والظنّ ونحوهما ممّا له طريقة ناقصة بقرينة الارتكاز العقلائي، هو جعل الحجيّة له، وتتميم كشفه، وجعل طريقيّته من قبيل الطريق التامّ، ألا ترى أنّه يستفاد من الأمر بالعمل بخبر الثقة حجيّته، وهكذا غيره ممّا له طريقيّة ناقصة، وفيما نحن فيه فإنّ حفظ المأموم بالنسبة إلى الإمام من هذا القبيل، ويكون كإخباره وقوله، فالأمر بالعمل به لا سيّما بلسان نفي الشكّ، ظاهرٌ في جعل الحجيّة والطريقيّة له، وعليه فهو محرزٌ تعبّداً، فيرجع المأموم الشاكّ إليه.
وأمّا الثاني: فيمكن دفعه بأنّ ظاهر الدليل وإنْ كان ذلك، إلّاأنّ الحفظ والإحراز التعبّدي بدليل تعبّده يصبح من أفراد الموضوع بالحكومة، فالأظهر هو الرجوع إليه.
وأيضاً: هل يجوز رجوع المأموم الشاكّ إلى المأموم المتيقّن أم لا؟ وجهان:
استدلّ للأوّل: بأنّ صلاة الجماعة القائمة بين الإمام والمأمومين بمنزلة صلاة واحدة، فمن حيث وحدتهما يكفي فيها حفظ واحد، ولو من بعض المأمومين.
وفيه: ماتقدّم من أنّ هذاوجهٌاستحساني لايُعتمدعليه في الأحكام الشرعيّة التعبّديّة.
3 - وإذا كان الإمام والمأمومون كلّهم شاكّين:
ألف: فإمّا أن يكون شكّهم متّحداً، كما إذا شكّ الجميع بين الثَّلاث والأربع.
ب: وإمّا أن يكونوا مختلفين في الشكّ، مع عدم وجود قدر مشترك بين الشكّين، وعدم رابط بينهما، كما إذا شكّ الإمام بين الإثنتين والثَّلاث، والمأموم شكّ بين الأربع والخمس.
ج: وإمّا أن يكونوا مختلفين في الشكّ، مع وجود رابط بين الشكّين، كما إذا شكّ الإمام بين الإثنتين والثَّلاث، والمأموم بين الثَّلاث والأربع.
أمّا الصورة الأُولى: فحكمها واضح، فإنّه يعمل الجميع عمل ذلك الشكّ مع بقاء القدوة، وفي القدوة في صلاة الاحتياط كلامٌ محرّرٌ في مبحث الجماعة.(1)
وأمّا الصورة الثانية: فحكمها عمل كلّ منهما بما هو وظيفة شكّه، ووجوب قصد الانفراد من دون رجوع أحدهما إلى الآخر للعلم بخطائه، فإنّ من شكّ بين الإثنتين والثَّلاث، عالمٌ بعدم كون الرّكعة رابعة، كما أنّ من شكّ بين الأربع والخمس عالم بعدم كونها ثالثة، ومع هذا الاختلاف لا مجال لفرض بقاء القدوة.
وأمّا الصورة الثالثة: فعن المحقّق المجلسي رحمه الله(2)أنّ المشهور بين الأصحاب رجوعهما إلى القدر المشترك، وعن جماعةٍ منهم المحقّق النائيني رحمه الله(3)العدم، ووجوب الإنفراد عليهما.
واستدلّ للأوّل: بأنّ الشاكّ بين الإثنتين والثَّلاث حافظٌ لعدم الأربع، فالشاكّ9.
بين الثَّلاث والأربع يرجع إليه في ذلك، ويبني على الثَّلاث، وأمّا الشاكّ بين الثَّلاث والأربع فحافظٌ لعدم كون الرّكعة ثانية وتحقّق الثَّلاث، فالشاكّ بين الإثنتين والثَّلاث يرجع إليه، فيبنيان على الرّكعة الثالثة ويُتّمان صلاتهما.
وأورد عليه: بأنّ الحفظ المعتبر في من يرجع إليه، وإنْ كان يصدق بحسب التحليل العقلي مع الاختلاط بالشكّ، إلّاأنّه بحسب المتفاهم العرفي لا يصدق إلّا على الحفظ العاري عن الشكّ، فلا يقال عرفاً لمن شكّ بين الثَّلاث والأربع أنّه حافظٌ للركعة باعتبار قطعه بتحقّق الثَّلاث، وحيثُ أنّ الخطابات الشرعيّة منزّلة على المتفاهم العرفي، فلا يجوز الرجوع في المقام.
وفيه: إنّه وإنْ لم يصدق عليه الحافظ للرّكعة، إلّاأنّه يصدق عليه الحافظ لتحقّق الثَّلاث لعلمه به، ومجرّد تقارن ذلك مع الشكّ في شيء آخر، وهو تحقّق الأربع، لا يمنع عن صدقه عليه، ألا ترى أنّه لو كان حافظاً لعدد الرَّكعات، شاكّاً في أفعالها، فإنّه وإنْ لم يصدق عليه الحافظ لصلاته، إلّاأنّه يصدق عليه الحافظ لركعاتها، ولذا يجوز الرجوع إليه.
وبالجملة: عدم صدق الحفظ بالنسبة إلى المجموع من المتيقّن والمشكوك فيه، لا ينافي صدق الحفظ بالإضافة إلى المتيقّن.
وعليه، بما أنّ ظاهر الأدلّة رجوع الشاكّ من كلٍّ من الإمام والمأموم إلى الآخر إذا كان حافظاً لما هو مورد شكّه، وإنْ كان هو شاكّاً في شيء آخر، لا محالة يجوز رجوع كلٍّ منهما في هذه الصورة إلى الآخر، لكون كلٍّ منهما حافظاً لما هو مورد الشكّ الآخر.
ولا سَهو في سَهو.
المسألة الخامسة: (و) المشهور بين الأصحاب(1)أنّه (لا سهو في سهو)، بل نفس هذه العبارة مجمعٌ عليها في الجملة، والأصل فيها تضمّن بعض النصوص لها:
منها: الوارد في صحيح حفص المتقدّم، عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: «ولا على السَّهو سهوٌ»(2).
ومنها: في مرسل يونس المتقدّم قوله عليه السلام: «ليس على الإمام سهوٌ إذا حفظ عليه مَنْ خلفه سهوه باتّفاق منهم، وليس على من خلف الإمام سهوٌ إذا لم يَسُه الإمام، ولا سهو في سهوٍ، وليس في المغرب والفجر سَهو»(3).
أقول: اختلفت كلمات الفقهاء في بيان المراد منها، ومنشأ الاختلاف تطرّق احتمالات كثيرة في معناها، فإنّ المراد من السَّهو في الموضعين يحتمل أن يكون هو النسيان، ويحتمل أن يكون الشكّ، ويحتمل أن يكون هو الجامع بينهما، ويحتمل أن يكون المراد من الأوّل بعض هذه المعاني، ومن الآخر بعضٌ آخر.
وبالجملة: يحصل من المجموع تسع صور، حاصلة من ضرب الثَّلاث في الثَّلاث.
وعلى كلّ تقدير، فإمّا:
1 - أن يقدّر مضافٌ في الموضعين.
2 - أو لا يقدّر فيهما.
3 - أو يقدّر في أحدهما دون الآخر.
ثمّ المضاف المقدّر: يحتمل اُموراً، وعلى هذا فترتقي الاحتمالات إلى مراتب كثيرة.
أقول: والمدّعى:
1 - أنّ المراد من السَّهو الأوّل، موجبُ الشكَ (بالفتح) لا مطلقاً، بل خصوص صلاة الاحتياط إمّا بتقدير المضاف، أو بإرادة ذلك من السَّهو، كما في قوله عليه السلام:
«أجمعُ لك السَّهو كلّه في كلمتين».
والمراد من السَّهو الثاني أيضاً ذلك.
فيكون المتحصّل أنّه لا صلاة احتياط في الشكّ في ركعات صلاة الاحتياط.
والوجه في ذلك: أنّ المراد من السَّهو ليس هو النسيان، ولا الجامع بينه وبين الشكّ، بل المراد خصوص الشكّ:
1 - بقرينة السياق في النصوص، فإنّ المراد منه في سائر الفقرات المذكورة فيها ذلك.
2 - ولكثرة استعمال السَّهو في الشكّ، كما يظهر لمن راجع النصوص الواردة في الشكوك المبطلة، والشكوك الصحيحة، وما ورد في كثرة الشكّ، وما رود في ضبط عدد الرَّكعات بالحَصى وغير ذلك من الموارد، حتّى قيل إنّ إرادة معناه اللّغوي منه تحتاج إلى القرينة، بل الظاهر ولا أقلّ من المحتمل إرادة خصوص الشكّ في الرَّكعات منه، وعلى ذلك فأكثر الاحتمالات تكون ملغاة.
أقول: ثمّ إنّ المراد من السَّهو الثاني: هو موجب الشكّ (بالفتح) إمّا بتقدير ذلك، أو بإرادة عمل الشكّ منه، لا الشكّ نفسه، لعدم إمكان إرادته منه في خبر حفص:
(ولا على السَّهو سهوٌ)، إذ الظرف إمّا أنْ يكون (لغواً) متعلّقاً بالسَّهو، أو يكون (مستقرّاً) خبر ليس، وعلى كلّ حال لا تصحّ إرادة الشكّ منه كما لا يخفى، فيكون المراد موجب السَّهو وهي صلاة الاحتياط.
لا يُقال: إنّ موجب الشكّ اُمور: منها صلاة الاحتياط، ومنها سجدة السَّهو، ومنهاالإتيان بالمشكوك فيه إذا لم يتجاوز محلّه، فلاوجه للتخصيص بصلاة الاحتياط.
فإنّه يُقال: إنّ الإتيان بالمشكوك فيه ليس موجب الشكّ، بل إنّما يقتضيه الأمر بالصّلاة مع ذلك الجزء، حيث يقتضي ذلك لزوم الإتيان به ما لم يحصل العلم بالفراغ.
وأمّا سجدة السَّهو: فهي وإنْ كانت موجبة الشكّ، كما في مورد الشكّ بين الأربع والخمس، إلّاأنّه من جهة دوران الأمر بين إرادة موجب الشكّ منه بتقدير الموجب، وبين إرادة العمل السَّهوي منه، الذي هو صلاة الاحتياط، وعدم المرجّح لأحدهما، يكون المتيقّن هي صلاة الاحتياط.
وأمّا السَّهو الأوّل: فلا كلام في أنّ المنفيّ ليس هو الشكّ نفسه، بل عمله، وما يترتّب عليه، ولذلك:
1 - فيُحتمل أن يكون نفيه من جهة كونه كالشكّ في المغرب، بمعنى بطلانها بطروّ الشكّ في ركعاتها، فيكون من قبيل: (ليس في المغرب سهو).
2 - ويُحتمل أن يكون نفيه من جهة كونها كالنافلة، بمعنى ثبوت التخيّير فيه بين البناء على الأقلّ أو الأكثر، إلّاأن يكون البناء على الأكثر مبطلاً ممّا يوجب
النباء على الأقلّ.
3 - ويحتمل أن يكون نفيه من جهة كون الشكّ فيها من قبيل شكّ كثيرالشكّ، فلا يعتنى به، وعليه البناء على الأكثر.
أقول: والأظهر هو الأخير.
إمّا كونه مبطلاً، فيدفعه أنّ صلاة الاحتياط بدلٌ عن الرّكعتين الأخيرتين اللّتين لا يعتبر فيهما الحفظ، ولا يكون الشكّ فيهما مبطلاً، فهي أولى بعدم مبطليّة الشكّ فيها.
لا أقول: إنّ هذه الأولويّة بنفسها دليلٌ للحكم، ليقال بعدم ثبوتها على وجه القطع.
بل أقول: إنّ هذه الأولويّة تصبح سبباً لاستفادة عدم الاعتناء بالشكّ في صلاة الاحتياط، من قوله عليه السلام: «لا سَهو في سهو، ولا على السَّهو سهو» مضافاً إلى أنّ كلمة (على) ظاهرة في إرادة نفي تحمّل الكفلة بسبب السَّهو.
وأمّا تعيّن البناء على الأكثر لا التخيّير بينه وبين الأقلّ، فلأنّ الظاهر من الخبر هو نفي ما يكون جابراً في الأخيرتين عن صلاة الاحتياط، ولازم هذا اشتراكها معها في البناء على الأكثر.
أقول: ثمّ إنّ المنفيّ خصوص صلاة الاحتياط، كما يظهر لمن راجع ما ذكرناه من إرادتها بالخصوص من السَّهو الثاني.
وأخيراً: بقي الكلام في أنّ الشكّ في صلاة الاحتياط:
تارةً: يكون في وجودها.
واُخرى: في ركعاتها.
وثالثة: في أجزائها وشرائطها.
والأظهر - ولا أقلّ من المتيقّن - هو إرادة خصوص الشكّ في الرَّكعات بقرينة السياق.
فتحصّل من مجموع ما ذكرناه: أنّ المراد من الجملة المذكورة في النصوص الآنفة، هو أنّه لا صلاة احتياط في الشكّ في ركعات صلاة الاحتياط، وأنّه يجب البناء على انصراف الشكّ عن مثل هذه الركعات.
مَنْ سهى في النافلة بنى على الأقلّ، وإنْ بنى على الأكثر جاز.
المسألة السادسة: وهي (الثانية) في المتن (مَنْ سهى في النّافلة بنى على الأقلّ، وإنْ بنى على الأكثر جاز).
وبعبارة اُخرى: يتخيّر بين البناء على الأقلّ والبناء على الأكثر، كما هو المشهور بين الأصحاب(1)، بل عن جماعةٍ(2)دعوى الإجماع عليه.
هذا من حيث الفتوى.
وأمّا من حيث الدليل: فقد أفاد المحقّق اليزدي رحمه الله(3)أنْ لا دليل عليه، وأمّا صاحبا «الحدائق»(4)و «المدارك»(5)قالا إنّه لا دليل على البناء على الأكثر.
أقول: النصوص الواردة في المقام ثلاثة:
النّص الأوّل: حسن ابن البُختري المتقدّم الوارد فيه قوله عليه السلام: «ولا سهو في نافلة»(6).
1) الحدائق الناضرة: ج 9/346.
2) تذكرة الفقهاء: ج 1/138 (ط. ق)، جواهر الكلام: ج 12/423.
3) كتاب الصَّلاة للشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي: ص 420، قوله: (ومن جملة الشكوك التي لا اعتبار بها الشكّفي النافلة، والمعروف التخيّير بين البناء على الأقلّ والأكثر، ولم أجد ما يدلّ على ذلك، نعم البناء على الأقلّ مقتضى الأصل).
4) الحدائق الناضرة: ج 9/346.
5) مدارك الأحكام: ج 4/274.
6) الكافي: ج 3/358 ح 5، وسائل الشيعة: ج 8/241 ح 10540.
وقد يُقال: إنّ المنفيّ فيه هو عمل السَّهو، أي صلاة الاحتياط، من غير دلالة على كون الوظيفة هو البناء على الأقلّ أو الأكثر أو البطلان.
ولكن يرد عليه:
1 - اقتضاء تناسب الحكم والموضوع ذلك، من جهة كونها نافلة يتسامح فيها.
2 - والإجماع وغيره ممّا دلَّ على عدم بطلان النافلة بالشكّ فيها، كخبر الخصال الآتي حيث دلَّ بحصره السّهو غير المبطل في خمس صلوات.
أنّ المنفيّ ليس خصوصيّة صلاة الاحتياط، بل كلّ أحكام الشكّ ومنها مبطليّة الشكّ في عدد الثنائيّة.
وبهما يكون الخبر الحَسَن المذكور ظاهراً في عدم مبطليّته، وأنّه لا يعتني به، وله الأخذ بالاحتمال الذي تصحّ معه الصَّلاة، سواءٌ أكان هو الأقلّ أو الأكثر، فالمستفاد من الحسن هو التخيّير المزبور.
النّص الثاني: صحيح محمّد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام، قال:
«سألته عن السَّهو في النافلة؟ فقال عليه السلام: ليس عليك شيء»(1)كما في نسخةٍ، أو: «ليس عليك سهوٌ» في نسخة اُخرى.
وهذا يدلّ على عدم ثبوت شيءٍ من أحكام الشكّ عليه، فتكون النتيجة هو التخيّير بين البناء على الأقلّ والأكثر.
النّص الثالث: مرسل الكليني قال: «وروي أنّه إذا سهى في النافلة، بنى على الأقلّ»(2).5.
برغم ظهور الخبر في تعيّنه، ولكن لأجل عدم صحّة سنده لا يصلح لإثبات حكم لزومي.
نعم بضميمة (أخبار مَنْ بلغ) يكون صالحاً لإثبات استحبابه وأفضليّة البناء على الأقلّ.
فتحصّل: أنّ المستفاد من النصوص هو ما أفتى به الشمهور من التخيّير وأفضليّة البناء على الأقلّ.
أقول: ثمّ إنّه ينبغي التنبيه على اُمور:
الأمر الأوّل: أنّ مقتضى إطلاق النصوص والفتاوى، عدم الفرق في النافلة بين كونها ثنائيّة - كما هو الغالب - أو ثلاثيّة، أو رباعيّة كصلاة الأعرابي، أو وحدانيّة كمفردة الوتر، ففي الجميع يتخيّر المكلّف بين البناء على الأقلّ أو الأكثر.
نعم، في خصوص صلاة الوتر لو لم يكن البطلان أقوى، لا ريب في أنّه أحوط، لصحيح العلاء، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن الرّجل يشكّ في الفجر؟ قال عليه السلام: يعيد، قلت المغرب؟ قال: نعم الوتر والجمعة - من غير أن أسأله»(1).
وفي حديث الأربعمائة المرويّ عن «الخصال»: «لا يكون السَّهو في خمسٍ: في الوتر، والجمعة، والرّكعتين الأولتين من كلّ صلاة مكتوبة، وفي الصبح، والمغرب»(2).
وقد حملهاصاحب «الوسائل» رحمه الله(3)على الاستحباب، وأمّاالمحقّق الهمداني رحمه الله(4)2.
فقد حملهما على الغالب من الشكّ في أصل الوجود، وكلاهما كما ترى، إذ الأوّل لا شاهد له، والثاني ينافيه قوله عليه السلام: (يعيدُ)، ولكن من جهة ما قيل من ذهاب المشهور إلى عدم البطلان، يصبح التوقّف في الإفتاء حسناً.
الأمر الثاني: اختلفت كلمات القوم في النفل العارض عليه الفرض، والفرض الطارئ عليه النفل على أقوال:
منها: أنّ المدار على الفرض والنفل الفعليّين، فالفرض الطارئ عليه النفل بحكم النفل، والنفل الطارئ عليه الفرض بحكم الفرض.
ومنها: أنّ المدار على الاصليين، فالأوّل بحكم الفرض، والثاني بحكم النفل.
ومنها: أنّ المدار على اجتماع النفل الأصلي والفعلي معاً، فهما معاً بحكم الفرض.
أقول: الظاهر من النصوص هي النافلة الفعليّة، كما هو الشأن في جميع العناوين المأخوذة في موضوع الحكم، وعليه فيندفع ما ذكره صاحب «الجواهر» من أنّه يكفى حدوث مبدأ الاشتقاق في بقاء الحكم، ولو بعد ارتفاع نفليّته بطروّ الفرض، بما حقّقناه في «حاشيتنا على الكفاية» من أنّ المشتقّ حقيقة في خصوص المتلبّس لا الأعمّ منه وممّن انقضى عنه المبدأ، كما أنّ الظاهر منها الصَّلاة المتّصفة بالنفل بعنوان أنّها صلاة، ولذلك تكون ما عرضها الفرض لا بهذا العنوان تكون باقية تحت هذه الأدلّة.
وعلى ذلك، فالنافلة المنذورة، وما وجبت بأمر الوالد وشبهه، تكون مشمولة لهذا الحكم، إذ الصَّلاة في هذه الموارد بعنوانها ليست بواجبة، بل الوجوب عارضٌ لها بما أنّها متعلّق النذر، والعنوان المعروض عليها الوجوب أجنبيٌ عن عنوان الصَّلاة، وإنْ اتّحدا وجوداً في الخارج، وكذلك صلاة العيد المستحبّة في زمان الغيبة،
وشبهها من الصَّلوات التي تكون مستحبّة بعنوان أنّها صلاة مشمولة لهذا الحكم.
فتحصّل: أنّ المدار على النفل الفعلي، سواءٌ أكان أصليّاً أمّا طارئاً، ولكن بشرط كون النفل طارئاً على الصَّلاة بعنوانها، لا على عنوانٍ متّحد معها وجوداً.
الأمر الثالث: الظاهر اختصاص الحكم المذكور بالشكّ في عدد الرَّكعات، وأمّا لو شكّ في أفعالها، فحكمه حكم الشكّ في أفعال الفريضة، لما تقدّم في المسألة الرابعة، فراجع.(1)
الأمر الرابع: تُغتفر زيادة الرّكن في النافلة، إذا لم تكن عمديّة - مضافاً إلى اختصاص مدرك مبطليّتها بالفريضة - للخبر الذي رواه الصيقل، عن الصادق عليه السلام:
«في الرّجل يُصلّي الرّكعتين من الوتر، ثمّ يقوم فينسى التشهّد حتّى يركع، فيذكر وهو راكع؟
قال عليه السلام: يجلس من ركوعه يتشهّد، ثمّ يقوم فيتمّ.
قال: قلت: أليس قلتَ في الفريضة إذا ذَكره بعدما ركع، مضى في صلاته، ثمّ سجد سجدتي السَّهو بعدما ينصرف يتشهّد فيهما؟
قال عليه السلام: ليس النافلة مثل الفريضة»(2).
وأُورد عليه: بأنّه يجب الفصل بين الشَّفع والوِتر بالسَّلام، فتكون الثالثة من صلاة اُخرى، فلا تكون زيادة في الأُولى، كي تدلّ على عدم قدح الزيادة الركنيّة.
واُجيب: بأنّ قوله عليه السلام: (ليس النافلة كالفريضة) يأبى عن ذلك، إذ لو حُمل على كون الرّكعة الثالثة صلاة اُخرى، لم يكن فرقٌ حينئذٍ بين النافلة والفريضة في ذلك.
وفيه: إنّ زيادة الرّكوع ولو أتى به لا بقصد هذه الصَّلاة، تكون مبطلة للفريضة،2.
فلو حُمل الخبر على ذلك، وأنّه لا تبطل النافلة ثبت الفرق بينهما، فغاية ما يستفاد من الخبر أنّ زيادة الرّكوع الذي لم يؤتِ به بقصد كونه من أجزاء المزيد فيه، لا تُبطل النافلة، إذا لم تكن عمديّة، فلا يثبت به عدم المبطليّة مطلقاً.
اللّهُمَّ إلّاأن يُقال: إنّ الخبر مشتملٌ على بيان حكمين:
الأوّل: جواز الإتيان بالشَّفع والوتر متّصلتين.
الثاني: عدم مبطليّة الزيادة الركنيّة.
ومن حيثُ اشتماله على بيان الأوّل، يكون كسائر الروايات الدالّة على ذلك معارضاً بشيء، فلا وجه لطرح الخبر بقولٍ مطلق، كما لا وجه للإقتصار على مورده، لعدم القول بالفصل.
أقول: ويدلّ على ذلك في الجملة حَسَن الحلبي:
«عن الرَّجل سَهى في ركعتين من النافلة، فلم يجلس بينهما حتّى قام فركع في الثالثة؟
قال عليه السلام: يدع ركعةً ويجلس ويتشهّد ويُسلِّم، ثمّ يستأنف الصَّلاة»(1).
فإنّه يدلّ على أنّ الرّكوع المأتي به بقصد الصَّلاة الثانية، لا يُبطل الصَّلاة، ولا يمنع عن لحوق التشهّد بما قبله من الأجزاء، ولعلّه بضميمة عدم القول بالفصل يثبت ذلك في سائر الموارد، وأمّا في النقيصة فحيثُ لا دليل على عدم المبطليّة، فإنّ مقتضى حديث (لا تُعاد) ذلك.
وعليه، فالأظهر أنّ حكمها في ذلك حكم الفريضة.
الأمر الخامس: الظاهر أنّ حكم الظنّ في ركعات النافلة، حكمه في الفريضة،7.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/189 ح 51، وسائل الشيعة: ج 8/231 ح 10507.
لإطلاق ما دلَّ على حجيّته في الرَّكعات، وعدم شمول نصوص الباب له، إذ المراد بالسّهو إما الشكّ أو عمله، وعلى كلّ تقديرٍ لا يشمل الظنّ المعتبر.
خاتمة: وهي مشتملة على فوائد:
الفائدة الأُولى: في صلاة الإحتياط
وتنقيح القول فيها في ضمن مسائل:
المسألة الأُولى: يعتبر في هذه الصَّلاة جميع ما يُعتبر في الصَّلاة في الجملة، ولو كان بعضاً من الصَّلاة كالسَّتر، والإستقبال، والطهارة بالضرورة، لأنّها صلاةٌ في كلّ الأحوال. ومن هذه الأبعاض النيّة، فتعتبر فيها ما تعتبر في سائر الصَّلوات.
أمّا التكبيرة: فقد نوقش في اعتبارها.
والمشهور شهرة عظيمة اعتبارها(1)، بل عن «الدرّة»(2)دعوى الإجماع عليه.
أمّا الراوندي(3)، فالظاهر التزامه بعدم اعتبارها.
قد استدلّ للأوّل: بأنّها تكون معرّضة لكونها نافلة، فلابدّ وأن يؤتي بها على وجهٍ يصحّ أن تقع نافلة، ولا يصحّ ذلك إذا لم يُكبّر، إذ لا صلاة بغير افتتاح.
واستدلّ للثاني:
1 - بأنّها تكون معرّضة لوقوعها جزءً من الصَّلاة، فلابدّ وأن يؤتى بها على وجهٍ يصحّ أن تقع كذلك، ولا يصحّ ذلك إذا كبّر، فإنّه على تقدير النقص تكون
1) الحدائق: ج 9/302، جواهر الكلام: ج 12/370، قوله: (بل لا أجد فيه خلاف).
2) حكاه عن الدرة السيد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 9/286، قال: (وفي «الدرّة» أيضاً إجماع الأُمّة من دون استثناء)، وفي الجواهر أيضاً: ج 12/249 ولكنّه قال: (وإن لم أجده فيهما [أي في الدرّة والذكرى]).
3) حكاه صاحب الحدائق عن بعض الأصحاب: ج 9/302 بقوله: (إلّا أنّ بعض متأخّري أصحابنا نقل عن القطب الرواندي في شرح النهاية الطوسيّة... فإذا سلّم قام ليضيف ما شكّ فيه إلى ما يتحقّق، قام بلا تكبيرة الإحرام).
التكبيرة زيادة مبطلة في الصَّلاة.
2 - وبخلوّ النصوص الآمرة بها عنها، مع اشتمالها على بيان الفاتحة والتشهّد والتسليم، والمقام مقام البيان، وهذا دليلُ عدم الوجوب.
أقول: ستعرف أنّها صلاة مبتدأة، وجبت لأجل احتمال نقص الصَّلاة المشكوك فيها، وعليه فيكون الأمر بها، كما في سائر الموارد التي ورد فيها الأمر بركعتين جالساً أو قائماً، من غير تعرّض للتكبير اعتماداً على وجوبه في كلّ صلاة، لما دلّ على أنّه (لا صلاة بغير افتتاح)، فخلوّ المطلقات عنها لا يدلّ على عدم وجوبها.
هذا مضافاً إلى الإجماع المحكيّ(1)، مع أنّه يدلّعليه خبر(2)زيد الشّحام المتقدّم:
«وإنْ كان لا يدري أزاد أم نقص، فليُكبِّر وهو جالس، ثمّ يركع.. الخ».
وضعف سنده منجبرٌ بعمل الأصحاب، مع أنّ الأمر بالسّلام بضميمة ما دلَّ على أنّ تحليلها التسليم، وتحريمها التكبير، يكفي في الحكم بوجوبها. وعليه، فالأظهر وجوبها.
أمّا فاتحة الكتاب: فهي المتعيّنة كما هو المشهور بين الأصحاب شهرةً عظيمة(3)لأنّه (لا صلاة إلّابفاتحة الكتاب)، وللأمر بها في النصوص الخاصّة.
ودعوى: الشيخ المفيد(4)والحلّي(5)من التخيّير بينها وبين التسبيح، لأنّها قائمة مقام ثالثة أو رابعة، فيثبت فيها التخيّير.).
ممنوعة: لأنّه اجتهادٌ في مقابل النصّ.
أمّا السّورة: وليس فيها سورة اجماعاً، كما عن «النهاية»(1)، لخلوّ النصوص عنها مع تعرّضها للفاتحة، كما لا قنوت لخلوِّ الأخبار عنه أيضاً.
والأحوط الإخفات في القراءة فيها، لذهاب جماعةٍ إلى تعيّنه، برغم أنّ مقتضى القاعدة التخيّير فيها بين الجهر والإخفات، لإطلاق الأدلّة، وعدم الدليل على تعيّن الإخفات.
هذافي غيرالبسملة، وأمّافيها فيستحبّالجهر، لإطلاق مادلَّ على استحبابه فيها.
المسألة الثانية: أنّ هذه الصَّلاة هل هي صلاة مستقلّة، كما اختاره ابن إدريس(2)وجماعة(3)، ومعنى استقلالها:
1 - أنّ حكمة تشريع هذه الصَّلاة، جبرها النقص الواقع في الصَّلاة الأصليّة بملاكها، كما أنّ حكمة تشريع الرواتب ذلك.
2 - أو أنّ وظيفة المكلّف انقلبت إلى صلاتين مستقلّتين، وهما الصَّلاة البنائيّة، والصلاة الاحتياطيّة، ولا ترتبط إحداهما بالاُخرى إلّامن جهة وحدة التكليف، نظير صلاة جعفر عليه السلام فيكون الجابر نفسها لا ملاكها.
3 - أم تكون جزءً للصلاة الأصليّة، بمعنى انقلاب الصَّلاة الرباعيّة من كيفيّةٍإلى كيفيّة اُخرى من جهة زيادة التكبيرة، وتعيّن الفاتحة وغير ذلك، كما نُسب إلى ظاهر9.
الأكثر أو المشهور(1).
4 - أم تكون متوسطة بين الجزئيّة والاستقلال، بمعنى أنّ التكليف على حسب جعله الأوّلي يكون باقياً في الذمّة، إلّاأنّ الإتيان بصلاة الاحتياط على تقدير النقص تُجزي عن الرّكعة المتّصلة الباقية في الذمّة - وهو المنسوب إلى المصنّف رحمه الله، وولده(2)، والمحقّق النائينى رحمه الله(3)؟ وجوه:
أقول: الأظهر هو الأوّل لأنّه:
يرد على الوجه الأخير: أنّ بقاء التكليف الواقعي بإتيان الرّكعة الرابعة متّصلة على تقدير النقص، مع عدم جواز الإتيان بها كذلك، ممّا لا يمكن الالتزام به، فلا محالة يكون التكليف منقلباً، فيدور الأمر بين الأولين.
ويرد على الوجه الثاني: أنّ الظاهر من الأخبار الآمرة بالبناء على الأكثر، والخروج عن الصَّلاة بالتسليم، ثمّ الأمر بالقيام والصَّلاة ركعة أو ركعتين كونها صلاة مبتدأة، لا كونها جزءاً للصلاة الأصليّة.
وعمدة الثمرة المترتّبة على هذا النزاع، إنّما هو إخلال المنافي وعدمه، وفيه أقوال:
1 - عدم حرمته لا وضعاً ولا تكليفاً.
2 - حرمته كذلك.
3 - حرمته تكليفاً لا وضعاً.0.
أقول: والأظهر هو الأوّل، لأنّه بعد كونها صلاة مستقلّة، لا وجه لحرمة المنافي بينها وبين الصَّلاة الأصليّة، كما لا وجه لوجوب المبادرة إليها.
نعم، يصبح حراماً بناءً على كونها جزءً، إلّاأنّه عرفت ضعف المبنى.
وقد استدلّ للقول الثاني:
1 - بالإجماع كما ادّعاه الشهيد الثاني(1)وغيره.
2 - وبخبر ابن أبي يعفور(2)الدالّ على أن التكلّم بين الصَّلاة الأصليّة وصلاة الاحتياط موجبٌ لسجود السَّهو.
أقول: وفيهما نظر:
أمّا الأوّل: فلعدم حجيّة الإجماع المنقول، لا سيّما مع معلوميّة مدرك المجمعين، فإنّ من أفتى بالإخلال إنّما استند إلى كون صلاة الاحتياط جزءً للصلاة البنائيّة، ولا أقلّ من احتمال استنادهم إلى ذلك، وقد عرفت ضعف المبنى.
وأمّا الثاني: فلإحتمال أن يكون المراد به التكلّم في أثناء صلاة الاحتياط، لا فيهما بينها وبين الصَّلاة البنائيّة، فراجعه.
وقد استدلّ للقول الثالث: بأنّ النصوص إنّما تضمّنت ترتّب صلاة الاحتياط بالفاء، ففي خبر أبي بصير: «إذا لم تدر أربعاً صلّيت أم ركعتين، فقُم واركع» فهي تدلّ على لزوم تعقّبها بلا تخلّلٍ بينهما، وإنْ كان الآن الواقع بينهما خارجاً عن الصلاتين.
وفيه أوّلاً: إنّه أخصّ من المدّعى، لأنّه لا ينافي مع التكلّم في ضمن القيام إليها.4.
1) راجع روض الجنان: ص 353، قوله: (والتحقيق أنّ الاحتياط صلاة مستقلّة رُوعي فيها البدليّة عمّا يحتمل نقصه من الصَّلاة... ولا نزاع فيها بل هي واجبة إجماعاً كما ادّعاه في الذكرى، وإنّما النزاع في أنّه لمخالفتها هل يأثم خاصّة أو تبطل الصَّلاة.. الخ).
2) وسائل الشيعة: ج 8/219 ح 10470، الكافي: ج 3/352 باب السَّهو بين الثَّلاث والأربع ح 4.
وثانياً: أنّ الفاء إنّما تكون فاء الجزاء لا العطف، وهي تقتضي ترتّب الطلب على الشرط رتبةً.
وعليه، فالأقوى بحسب الأدلّة، ما قوّاه الشيخ الأعظم رحمه الله(1)من عدم بطلانها بإيقاع المنافي بين الصّلاتين، إلّاأنّ الاحتياط بالإعادة بعد الإتيان بصلاة الاحتياط في هذا المورد لا يُترك.
وعلى ما قوّيناه، لو زاد فيها ما يوجبُ بطلانها، كزيادة الرّكعة أو الرّكن فبرغم اطّراد أدلّة البطلان لكنّها لا تقتضي إعادة الصَّلاة، بل لابدَّ من إعادتها فقط، بخلاف القول الآخر.
المسألة الثالثة: لو شكّ في إتيان صلاة الاحتياط بعد العلم بوجوبها:
فإنْ كان الشكّ بعد الوقت المضروب لها، وهو وقت الفريضة المشكوك فيها، لا يعتني به، لعموم ما دلَّ على أنّ الوقت حائل.
وإنْ كان في الوقت:
فإنْ كان قبل الدخول في الغير المترتّب الشرعي، وقبل الإتيان بالمنافي أتى بها، وقد تقدّم أنّ قوله عليه السلام: (لا سهو في سهو)(2)، لا يدلّ على عدم الاعتناء بالشكّ في أصل وجود صلاة الاحتياط.
وكذلك لو كان بعد الإتيان بالمنافي، بناءً على ما اخترناه في المقام من عدم مبطليّة المنافي الواقع بينها وبين الصَّلاة الأصليّة، وما حقّقناه في مبحث قاعدة التجاوز(3)، من عدم جريانها عند الشكّ في الوجود، ما لم يتجاوز عن المحلّ9.
الشرعي، وأنّ التجاوز عن المحلّ العادي لا يفيد، فراجع.
نعم، لو دخل في الغير المترتّب الشرعي، لم يلتفت اليه، لقاعدة التجاوز.
وهل يعدّ الدخول في صلاة العصر، إذا كان المشكوك فيها صلاة الاحتياط الواجبة للشكّ في صلاة الظهر دخولاً في المترتّب الشرعي أم لا؟
كلامٌ تقدّم تحقيقه في الفصل الأوّل من فصول الشكّ، فراجع.(1)
ولو شكّ المصلّي في عدد ركعاتها، بني على انصراف الأدلّة عن مثله، لما تقدّم عند شرح قوله عليه السلام: (لا سهو في سهو).
المسألة الرابعة: لو شرع في صلاة اُخرى قبل الإتيان بصلاة الاحتياط:
فإمّا أن يكون عن عمدٍ أو عن سهو:
1 - فإنْ كان عن عمدٍ، فان كانت تلك الصَّلاة مترتّبة على الصَّلاة الأصليّة، بطلت ما شرع فيها، لأنّ صلاة الاحتياط برغم أنّها صلاة مستقلّة - كما عرفت - إلّا أنّها لكونها تابعة للصلاة الأصليّة، تكون بحكمها في الترتيب، فتأمّل.
وعليه، فعلى القول بعدم إخلال المنافي، الواقع بين الصَّلاة الأصليّة وصلاة الاحتياط، عليه القيام بصلاة الاحتياط، وتتمّ صلاته الأُولى، وعلى القول بالإخلال تبطل ولابدّ من إعادة الأصليّة.
هذا إذا كان ذلك في سعة الوقت، وأمّا لو كان في المضيّق، صحّت صلاته الاُخرى التي شرع فيها، ولا يخفى وجهه.
وإنْ كانت غير مترتّبة عليها، صحّت الصّلاة التي قام بها إلّاعلى القول بحرمة المنافي.
2 - وإنْ كان عن سهو:1.
1) زبدة الاصول: ج 6/131.
فتارةً: يكون ما شرع فيها مترتّبة على الصَّلاة الأصليّة.
واُخرى: تكون غير مترتّبة عليها.
أمّا الصورة الأُولى، فإنْ تذكّر قبل الدخول في الرّكن قطعها وأتى بصلاة الاحتياط، وإن تذكّر بعد الدخول فيه ففيها وجوه:
1 - العدول منها إلى صلاة الإحتياط، إنْ كان محلّ العدول باقياً، وإلّا فيتمّ ما بيده وتصحّ، ثمّ يأتي بصلاة الاحتياط أو الصَّلاة الأصليّة.
2 - صحّة الصَّلاة التي بيده مطلقاً.
3 - بطلانها كذلك.
4 - صحّتها إذا كان في المضيّق، وبطلانها إذا كان في السِّعة.
وهناك وجوهٌ اُخر.
وقد استدلّ للأوّل: بأنّه إنْ كان محلّ العدول باقياً، فمقتضى أدلّته هو ذلك، وإلّا فمقتضى حديث (لا تُعاد الصَّلاة)(1)الدالّ على أنّ الترتيب شرطٌ ذُكري - صحّت ما بيده، وبعد إتمامها فإنْ بنينا على أنّ المنافي بين صلاة الاحتياط والصَّلاة الأصليّة يخلّ بها، وبنينا على عدم جواز إقحام الصَّلاة في الصَّلاة، لزم إعادة الأصليّة، وإلّا فيأتي بصلاة الاحتياط، ويُتمّ صلاته.
ويرد عليه أوّلاً: أنّ العدول من صلاة إلى اُخرى إنّما يكون على خلاف القاعدة، كما عرفته في المباحث السابقة من هذا الشرح، والأدلّة الواردة فيه لا تشمل المقام، فلا وجه للعدول.5.
1) وسائل الشيعة: ج 91/6 باب 29 عدم وجوب الإعادة على من نسي.. ح 7427، الفقيه: ج 1/339 باب أحكام السَّهو في الصَّلاة ح 991، التهذيب: ج 2/152 باب تفصيل ما تقدّم ذكره في الصَّلاة ح 55.
وثانياً: إنّ حديث (لا تُعاد الصَّلاة) إنّما يدلّ على سقوط شرطيّة المنسيّ في خصوص الأجزاء السابقة التي أتي بها في حال النسيان، وأمّا بالنسبة إلى ما يؤتى به بعد الالتفات، فلا يدلّ الحديث عليه.
وبعبارة اُخرى: إنّ دليل الترتيب إنّما يدلّ على اعتباره بين جميع أجزاء الصلاتين، بمعنى أنّه يعتبر وقوع الثانية بما لها من الأجزاء بأجمعها بعد الأُولى، وعليه فالأجزاء الباقية التي يؤتى بها قبل صلاة الاحتياط عمداً لا دليل على صحّتها، فضلاً عن أنّ حديث (لا تُعاد) لا يشملها.
واستدلّ للثاني: بما ذُكر وجهاً للأوّل في صورة مُضيّ محلّ العدول. فيرد عليه ما أوردناه ثانياً عليه.
وبالجملة: فالأظهر هو القول الرابع:
فلو كان في السِّعة بطلت الصَّلاة التي بيده، لفقد الترتيب، فتأمّل.
وإنْ كان في المضيّق، صحّت صلاته لسقوط شرطيّته في هذه الحال، وبعد تماميّتها يأتي بصلاة الاحتياط، بناءً على عدم إخلال المنافي، وأمّا بناءً على إخلاله فيأتي بالأصليّة.
ودعوى: أنّ الصَّلاة الثانية حيث لم يؤت بها بقصد أنّها من الصَّلاة الأُولى، فلا تصدق الزيادة عليها، فلا وجه لبطلان الأُولى.
مندفعة: بأنّه في خصوص الرّكوع والسّجود لا يعتبر في مبطليّتهما إتيانهما بقصد أنّهما من أجزاء الصَّلاة، كما عرفته مفصّلاً، سواءٌ أتى بهما مستقلّاً أم في ضمن صلاة اُخرى، وعلى ذلك بنينا على عدم جواز إقحام الصَّلاة في الصَّلاة ولو نسياناً.
وأمّا الصورة الثانية: فيما لو تذكّر ذلك بعد الدخول في الرّكن:
فإنْ قلنا بحرمة المنافي بين الصَّلاة الأصليّة، وصلاة الاحتياط تكليفاً وعدمها وضعاً، وكان من جملة الأجزاء الباقية ما هو من الأركان، بطلت الصَّلاة التي بيده، لحرمة المنافي - وهو الرّكن في المقام - تكليفاً، والنهي عن العبادة يوجبُ فسادها، فيقطعها ويتمّ صلاته السابقة بإتيان صلاة الاحتياط.
وإنْ قلنا بعدم حرمته صحَّت.
وإنْ قلنا بإخلال المنافي: فعلى القول بجواز إقحام الصَّلاة في الصَّلاة، يتخيّر في المقام بين إتمام ما بيده، ثمّ الإتيان بصلاة الاحتياط، وبين الإتيان بصلاة الاحتياط في أثنائها ثمّ إتمامها.
وأمّا على القول بعدم جوازه:
فإنْ كان التذكّر قبل الدخول في الرّكن قطعها، وأتى بصلاة الاحتياط.
وإنْ كان بعده، فحيثُ أنّ الأُولى بطلت بذلك، عليه أن يتمّ ما بيده ثمّ يستأنف الأُولى.
المسألة الخامسة: لو تبيّن تماميّة الصَّلاة:
1 - فإنْ كان ذلك بعد صلاة الاحتياط، يحسب صلاة الاحتياط نافلةً، كما هو صريح النصوص.
2 - وإنْ كان قبلها لا يجبُ عليه الإتيان بها، لأنّ وجوب الإتيان حكمٌللشاكّ، ووظيفة ظاهريّة مجعولة في ظرف الشكّ.
3 - وإنْ كان ذلك في الأثناء، جاز قطعها لكونها نافلة وإتمامها.
ولو اختار الإتمام:
1 - فهل يتعيّن ضَمّ ركعة اُخرى إليها إن كانت ركعة واحدة كما ذهب إليه
سيّد «العروة»(1).
2 - أم يجوز إتمامها ركعةً كما نُسب إلى المحقّق النائيني رحمه الله(2)؟ وجهان.
استدلّ للأوّل: بما دلّ على أن لا تشرع النافلة ركعةً إلّاالوتر.
وفيه: إنّ نفس دليل الاحتياط المتضمّن لوقوعها نافلةً على تقدير تماميّة الصَّلاة، يدلّ على مشروعيّتها في المقام، وعليه فالأظهر هو الثاني.
المسألة السادسة: لو تذكّر نقص الصَّلاة:
فتارةً: يظهر النقص المحتمل، كما لو شكّ بين الثَّلاث والأربع فظهر أنّها ثلاث.
واُخرى: يظهر النقص أزيد ممّا كان محتملاً، كما لو شكّ بين الثَّلاث والأربع، فتبيّن كونها ركعتين.
وثالثة: يظهر النقص أقلّ من المحتمل، كما لو شكّ بين الإثنتين والأربع فبنى على الأربع، ثمّ تبيّن كون صلاته ثلاث ركعات.
أمّا الصورة الأُولى: فإنْ كان ظهور الحال بعد إتيان صلاة الاحتياط، فلا إشكال في الصحّة، سواءٌ أكانت صلاة الاحتياط مخالفة مع الصَّلاة الأصليّة في الكمّوالكيف معاً، أو في الكيف وحده، أم لم تكن كذلك، ومن غير فرقٍ بين تخلّل صلاة الاحتياط غير المحتاج إليها بين الأصليّة وصلاة الاحتياط، كما إذا شكّ بين الاثنتين والثَّلاث والأربع، فبنى على الأربع، وأتى بركعتين قائماً وركعتين جالساً مع تقديمه القيامي، ثمّ تبيّن كونها ثلاث ركعات، والوجه في ذلك التصريح به في النصوص، ومقتضى إطلاقها عدم الفرق بين الصور.0.
وإنْ كان ذلك قبل الإتيان بصلاة الاحتياط ففيه أقوالٌ ووجوه:
1 - بطلان الصَّلاة.
2 - صحّتها ووجوب الإتيان بصلاة الاحتياط، كما لو لم يظهر النقص.
3 - صحّتهاولزوم الإتيان بالنقص متّصلاً، وعدم جواز الإتيان بصلاة الاحتياط.
وقد استدلّ للأوّل: بأنّ مقتضى القاعدة الأوّليّة، بطلان الصَّلاة بوقوع السَّلام في غير محلّه سهواً، لمن سلّم في غير الأخيرة، إذ السَّهو ابتداءً يقع عن الرّكعة الأخيرة لا السَّلام في الثالثة مثلاً، وحيث أنّ السَّهو عن الرّكعة غير مغتفر، لكونها من عقد المستثنى من (لا تُعاد) تجب الإعادة.
والنَّص الدالّ على تدارك الرّكعة المنسيّة إذا سَلّم في غير الأخيرة لا يشمل المقام، لأنّ مورده ما إذا سَلّم في غير الأخيرة عن سهو، وفي المقام السَّلام يقع عمداً وبحكم الشارع.
وفيه أوّلاً: إنّ مقتضى القاعدة هي الصحّة، لأنّ ما دلَّ على بطلان الصَّلاة بالسهو عن الرّكعة، لا يدلّ على مبطليّة السَّهو من حيث هو، بل إنّما يدلّ على أنّ نقص الصَّلاة عنها يوجبُ البطلان، وبما أنّ مقتضى حديث (لا تُعاد الصَّلاة) عدم مانعيّة السَّلام عن لحوق الرّكعة الأخيرة بالركعات السابقة، فلو أتى بها متّصلة لما كان وجه لبطلانها.
وثانياً: إنّه يمكن أن يقال إنّ النّص المُشار إليه، يدلّ على عدم البطلان في المقام بطريق أولى، إذ السَّلام الواقع خطأً واشتباها بتخيّل تماميّة الصَّلاة، إذا لم يوجب البطلان، فما يقع بأمرٍ من الشارع أولى منه بذلك، فالأظهر أنّه لا تبطل الصَّلاة.
واستدلّ للثاني:
1 - بأنّ موضوع وجوب البناء على الأكثر، والإتيان بصلاة الاحتياط، ليس هو الشكّ المستمرّ، وإلّا لزم القول بأنّ من لم يعلم أنّ شكّه يستمرّ أو يزول، ليس له البناء على الأكثر، والمُضيّ في صلاته، وهو بديهي الفساد، وعليه فالموضوع متحقّقٌ ولابدَّ من ترتيب أثره.
2 - وبأنّ مقتضى استصحاب بقاء وجوب صلاة الاحتياط ذلك.
ولكن يرد على الأوّل: إنّه لا ريب في ظهور كلّ دليلٍ في دوران الحكم الذي تضمّنه وجوداً وعدماً مدار وجود ما اُخذ موضوعاً له في ذلك الدليل وجوداً وعدماً، حدوثاً وبقاءً، وليس لازم ذلك ما ذكر، فإنّه في الفرض يجري استصحاب بقاء الشكّ، بناءً على ما هو الحقّ من جريان الاستصحاب في الاُمور الاستقباليّة إذا كان يترتّب عليه الأثر فعلاً.
ويرد على الثاني: مضافاً إلى أنّ المختار عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكليّة، أنّه لا يجري في المقام، لتبدّل الموضوع وهو الشكّ.
وبالجملة: ظهر ممّا ذكرناه أنّ الأقوى هو القول الثالث، هذا إذا لم يكن آتياً بما يبطل الصَّلاة مطلق وجوده، وإلّا فالأظهر هو البطلان كما هو واضح.
وإنْ كان ذلك في الأثناء، فليس له إتمام صلاة الاحتياط بهذا العنوان، لما عرفت من أنّ هذا الحكم موضوعه الشكّ، ومع تبدّله لا معنى لبقائه.
وعليه، فبناءً على ما اخترناه من أنّ صلاة الاحتياط صلاة مستقلّة، لا يمكن جعلها تمام الصَّلاة الأصليّة، وإن كانت موافقة للنقص في الكمّ والكيف، إذ أجزاء ما أتى به بعنوان صلاة عن صلاة اُخرى يحتاج إلى دليل مفقود، إذ الدليل إنّما دلَّ على الإجزاء لو ظهر بعد تماميّة صلاة الاحتياط.
ودعوى: أنّها وإن كانت صلاة مبتدأة، إلّاأنّها لمّا شُرّعت لجبر نقص الصَّلاة، كان المأتي به مُجزئاً عن الصَّلاة لا محالة.
مندفعة: بأنّه إنّما التزمنا بالجبر من جهة تبدّل الحكم الواقعي في ظرف الشكّ، فإذا فرضنا انقلابه إلى الحكم الأوّل، فالإجزاء يحتاج إلى دليل، فيتعيّن رفع اليد عنها، فحينئذٍ إن أتى بالركن بطلت صلاته الأصليّة، وإلّا فإن أتى بالمنافي العمدي والسَّهوي بين صلاة الاحتياط والأصليّة فكذلك، وإلّا فيأتي بالأجزاء الباقية من صلاته الأصليّة وتصحّ صلاته، وما أتى به من الزيادات من التسليم والتكبير والقراءة بما أنّها ليست عمديّة، لا تكون مبطلة للصلاة بمقتضى حديث (لا تُعاد الصَّلاة)(1).
وأمّا الصورة الثانية: وهي ما لو تذكّر النقص أزيد ممّا كان محتملاً:
1 - فإنْ كان التذكّر قبل صلاة الاحتياط، أو في أثنائها، فالحكم ما ذُكر في الصورة الأُولى.
2 - وإنْ كان بعد صلاة الاحتياط، فالأظهر بطلان صلاته، إذ تدارك النقص غير ممكن، للفصل بصلاة الاحتياط المتضمّنة لما يوجب مطلق وجوده البطلان.
نعم، على القول بجواز إقحام الصَّلاة في الصَّلاة، لا مانع من ذلك، لكن عرفت ضعف المبنى.
أمّا جعل صلاة الاحتياط جُزءاً من الصَّلاة، وإتمامها بوصل ركعةً اُخرى إليها، فلايمكن قبوله على المختار من أنّها صلاة مستقلّة، إذ وقوع ما أتى به بعنوان صلاةٍ جزءاً لصلاة اُخرى يحتاج إلى دليلٍ مفقود، فلا مناص عن الحكم ببطلان الصَّلاة.5.
1) وسائل الشيعة: ج 6/91 باب 29 عدم وجوب الإعادة على من نسي.. ح 7427، الفقيه: ج 1/339 باب أحكام السَّهو في الصَّلاة ح 991، التهذيب: ج 2/152 باب تفصيل ما تقدّم ذكره في الصَّلاة ح 55.
وممّا ذكرناه ظهر حكم الصورة الثالثة، فلا وجه للإعادة.
المسألة السابعة: قد تقدّم حكم الشكّ في عدد ركعاتها، وأمّا لو شكّ في أفعالها فحكمه حكم الشكّ في أفعال الصَّلاة في سائر الموارد، لما تقدّم من أنّقوله عليه السلام: (لا سهو في سهو) إنّما يختصّ بالشكّ في ركعاتها، وكذلك في السَّهو الموجب لسّجدة السَّهو.
الفائدة الثانية: في قضاء الأجزاء المنسيّة الّتي يجب قضاؤها، وهي التشهّد والسَّجدة الواحدة، وقد تقدّم في أحكام السَّهو جملة من أحكامهما، وبقي جملةٌ اُخرى:
منها: أنّه يعتبر فيهما جميع ما يعتبر في سجود الصَّلاة وتشهّدها، من الطهارة، والاستقبال، وسَتر العورة ونحوها، بلا خلافٍ، إذ الظاهر من أدلّة قضائهما لزوم موافقة القضاء مع الأداء في الكيفيّة والأجزاء والشرائط.
وبذلك يظهر اعتبار الذِّكر في السّجدة، والشهادتين، والصَّلاة على محمّد وآله في التشهّد.
ومنها: البحث عن أنّه لو تخلّل المنافي بين الصَّلاة وبينهما:
1 - فهل يُخلّ وجوده مطلقاً؟
2 - أم لا يُخلّ كذلك؟
3 - أم يفصّل بين وقوعه قبل التذكّر فلا يضرّ، وبين ما إذا وقع بعده فيضر؟
وجوه وأقوال أظهرها الثاني، وذلك لوجوه:
1 - أنّ غاية ما يدلّ عليه الدليل، وجوب الإتيان بالمنسيّ، وهو كما يُلائم مع الجزئيّة، يلائم مع كون قضاء الجزء أمراً خارجاً عن الصَّلاة، موجباً لحصول ملاك المنسيّ، وعليه فلا دليل على إخلال المنافي، والأصل عدمه.
2 - أنّه لو سُلّم جزئيّتهما، ولكن حيثُ أنّ الشارع الأقدس جعل محلّهما بعد الفراغ من الصَّلاة، فمقتضى إطلاق أدلّة مُخرجيّة السَّلام ومُحلّليّته عدم إخلال المنافي.
3 - موثّق عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام في نسيان السّجدة؟ «قال: قلت: فإنْ لم يذكر بعد ذلك؟ قال عليه السلام: يقضي ما فاته إذا ذكر»(1).
وصحيح محمّد بن مسلم، الوارد في نسيان التشهّد:
«إنْكان قريباً رَجَع إلى مكانه فتشهّد، وإلّا طلب مكاناً نظيفاً فتشهّد فيه»(2).
فإنّ ظاهرهما - ولو بواسطة عدم الاستفصال - وجوب قضائهما ولو مع الفصل الطويل أو الفعل الكثير الماحي لصورة الصَّلاة، بل لا يبعد دلالته بما هو أعلى من الظهور، إذ من البعيد جدّاً عدم صدور المنافي في المورد ين كما لايخفى.
وقد استدلّ للقول الأوّل: بأنّ الأجزاء المنسيّة لم تخرج عن الجزئيّة بسبب النسيان، بل تتأخّر موضعها، فالمنافي الواقع بينها وبين الصَّلاة، واقعٌ في أثناء الصَّلاة فيوجب البطلان.
والجواب عنه: ما تقدّم في الوجهين الأولين للمختار، بل الثالث.
وأمّا القول الثالث: المنسوب إلى الفخر(3)وجماعة، فقد استدلّ له بأنّه مقتضى الجمع بين صدر الموثّق المتقدّم في رجلٍ يَنسى سجدةً فيذكرها بعدما ركع، حيث حكم الإمام عليه السلام: (يمضي في صلاته ولا يسجد، فإذا سَلّم سجد)، وذيله المتقدّم، بدعوى أنّ ظاهر الصدر كون ما يأتي به بعد السَّلام جزءً للصّلاة، لظهور الأمر المتعلّق بالجزء أو الشرط في المركّب الاعتباري في الوجوب الوضعي، ولازم ذلك إخلال المنافي، إلّاأنّ ذيله يدلّ على عدم البأس فيما إذا كان التذكّر بعد تخلّل المنافي،7.
فالجمع بينهما يقتضي الالتزام بذلك.
وفيه: ما تقدّم في الوجه الثاني للمختار، فراجع.(1)
وعليه، فالأظهر عدم إخلال المنافي مطلقاً.
ومنها: أنّه لو كان عليه صلاة الاحتياط، وقضاء الأجزاء المنسيّة، فهل يتعيّن تقديم الاحتياط، أم يتخيّر في تقديم أيّهما شاء؟ وجهان.
قد استدلّ للأوّل: بأنّ أدلّة القضاء إنّما تدلّ على القضاء بعد الفراغ من الصَّلاة، وهو إنّما يكون بعد صلاة الاحتياط، فإنّه لو أتى بها قبل صلاة الاحتياط، لم يَحرز وقوعها في محلّها.
وفيه: أنّ غاية ما يستفاد من النصوص، أنّ محلّ قضائها بعد السَّلام المخرج من الصَّلاة.
وعليه، فبناءً على المختار من أنّ صلاة الاحتياط صلاة مبتدأة، لا مانع من الإتيان بها بعد السَّلام من الصَّلاة البنائيّة، من غير فرقٍ بين القول بإخلال المنافي الواقع بين الصَّلاة البنائيّة والاحتياطيّة وعدمه:
أمّا على الثاني: فواضح.
وأمّا على الأوّل: فلأنّ الأجزاء المأتي بها في محالّها بأمر من الشارع، لا يوجب البطلان، فتأمّل.
فالأظهر هو التخيّير بينهما.
ومنها: أنّه لو نسي قضاء الجزء المنسيّ حتّى دخل في صلاة العصر:
فإنْ قلنا: بأنّه من أجزاء الصَّلاة لكن تأخّر موضعه:
فإنْ كان المنسيّ هو التشهّد، أتى به في أثناء صلاة العصر، ولا يوجب ذلكد.
1) صفحة 352 من هذا المجلّد.
بطلانها، لعدم صدق الزيادة عليه، لعدم الإتيان به بقصد صلاة العصر.
وإنْ كان هي السّجدة، فحيثُ أنّها مطلق وجودها زيادة في المكتوبة، فلو أتى بها بطلت صلاة العصر، وحيث أنّ مقتضى أدلّة الترتيب، لزوم إيقاع العصر بعد صلاة الظهر بجميع أجزائها، منها هذه السّجدة، فما مضى من أجزاء العصر وإن وقعت صحيحةً لحديث (لا تُعاد الصَّلاة)(1)، إلّاأنّ الأجزاء الباقية، حيثُ تقع قبل جزءٍ من أجزاء الظهر عمداً، فلا محالة تكون فاسدة، فيتعيّن رفع اليد عنها وقضاؤها، ثمّ إعادة العصر.
وأمّا إنْ قلنا: بأنّه ليس بجزءٍ:
فإنْ كان المنسيّ هو التشهّد، تخيّر بين الإتيان به في الأثناء، والإتيان به بعد تماميّة العصر، إلّاإذا قلنا بوجوب المبادرة إلى قضائه تكليفاً، فإنّه يتعيّن عليه حينئذٍ الإتيان به في الأثناء، ولو عصى وأتمّ صلاته تمّت، إذ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، بل هو أيضاً مأمور به بالترتيب.
وإنْ كان هي السّجدة، فعلى القول بوجوب المبادرة، يتخيّر بين قطع الصَّلاة والإتيان بها، وبين أن يأتي بها بعد الصَّلاة، للتزاحم بين الواجبتين مع عدم المرجّح.
وأمّا على القول بعدم وجوب المبادرة، فيتعيّن إتمام العصر ثمّ قضاؤها.
ومنها: أنّه لو تعدّد المنسيّ من السّجدة أو التشهّد، ووجب الإتيان به مرّتين، لا يجب ملاحظة الترتيب، بأنْ يقضي أوّلاً ما فات أوّلاً، إذ ترتّب الأجزاء الفائته في المحلّ، لا يلازم ترتّبها خارج المحلّ، لا سيّما بناءً على عدم الجزئيّة. وسبق الوجوب5.
1) وسائل الشيعة: ج 6/91 باب 29 عدم وجوب الإعادة على من نسي.. ح 7427، الفقيه: ج 339/1 باب أحكام السَّهو في الصَّلاة ح 991، التهذيب: ج 2/152 باب تفصيل ما تقدّم ذكره في الصَّلاة ح 55.
على القول به، لا يوجب السّبق في الامتثال بعد اشتراكهما في زمان الامتثال.
وأمّا التعيّين: فقد يقال بعدم لزومه أيضاً، لأنّ لزوم التعيّين فرع التعيّن واقعاً، والمفروض في المقام عدمه.
وبالجملة: في الواجبات المتعدّدة المتّحدة حقيقتها، التي يكون تعدّدها بلحاظ تعدّد الوجود فقط، كما فيما نحن فيه، حيث أنّه لا امتياز بين أفرادهما، فلا يعتبر التعيين في مقام الامتثال.
ولكن يمكن أن يقال: إنّه بعد فرض تعدّد الأمر وتعدّد المأمور به، فلو أتى بسجدة واحدة، فحيث أنّها صالحة لوقوعها امتثالاً لكلٍّ من الأمرين، فإنّ سقوط كليهما بذلك غير ممكن، كما أنّ سقوط أحدهما المعيّن دون الآخر ترجيحٌ بلا مرجّح، وأحدهما لا بعينه لا ماهيّة له ولا وجود، فلا محالة لا تقع امتثالاً لشيءٍ منهما.
وعلى هذا، فيعتبر التعيين كي يمكن الامتثال.
ودعوى: عدم امكانه لعدم التعيّن.
فاسدة: إذ التعيّن الخارجي غير الدخيل في متعلّق الأمر موجودٌ، فإنّه يمكن أن يعيّن المبدّل منه.
فالأظهر لزوم التعيين دون الترتيب.
الثالثة:
في موجبات سجود السّهو
الفائدة (الثالثة): في سجود السَّهو:
أقول: وتنقيح القول فيها يتحقّق بالبحث في مسائل:
المسألة الأُولى: في موجباته، وهي اُمور:
الموجب الأوّل: الكلام غير العمدي:
المشهور بين الأصحاب(1)كونه منها، وعن غير واحدٍ دعوى الإجماع عليه(2).
واستدلّ له:
1 - بالنصوص المتضمّنة لما ادّعي من أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله سهى يوماً وسَلّم في الرّكعة الخامسة، وسألوه عن ذلك، وتكلّم معهم، ثمّ سجد السّجدتين بعد إتمام الصَّلاة لمكان الكلام(3).
وفيه: إنّها مخالفة لاُصول المذهب.
2 - ولمادلّعلى أنّه صلى الله عليه و آله لم يَسجُدسجدتي السَّهو، ولم يَسجدهما فقيه أي الإمام(4).
3 - وأيضاً استدلّ له بموثّق عمّار الآتي في الموجب الثاني حيث ورد فيه
1) كفاية الأحكام للسبزواري: ص 27.
2) الخلاف: ج 403/1 قوله: (دليلنا إجماع الفرقة المحقّة)، الشيخ الأعظم رحمه الله في كتاب الصَّلاة ص 219، قوله: (فالظاهر عدم الخلاف في عدم إبطاله وادّعي عليه جماعة الإجماع).
3) وسائل الشيعة: ج 8/233 باب 19 ح 10516، التهذيب: ج 2/349 ح 37.
4) وسائل الشيعة: ج 202/8 باب 3 ح 10426، التهذيب ج 350/2 باب 16 ح 42.
قوله عليه السلام: «ليس عليه سجدتا السَّهو حتّى يتكلّم بشيء»(1).
وفيه: إنّ المراد بالتكلم فيه بقرينة ما ورد في صدره، هو الإتيان بشيء من أجزاء الصَّلاة لا الكلام الآدمي، ولا أقلّ من احتمال ذلك، فيتعيّن حمله على الاستحباب كما سيأتي.
أقول: ولكن يشهد بالوجوب صحيح ابن الحجّاج، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«عن الرّجل يتكلّم ناسياً في الصَّلاة، يقول: أقيموا صفوفكم؟ فقال عليه السلام: يُتمّ صلاته ثمّ يسجد سجدتين» الحديث(2).
ومعلوم أنّه لا خصوصيّة للقول المزبور.
وصحيح ابن أبي يعفور، عنه عليه السلام في الشكّ بين الإثنين والثَّلاث: «وإنْ تكلّم فليسجد سجدتي السَّهو»(3). ونحوهما وغيرهما.
وبإزاء هذه النصوص أخبارٌ اُخرى تدلّ على عدم الوجوب، واستند إليها الصدوقان(4)وغيرهما(5)كصحيح زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام:
«في الرّجل يسهو في الرّكعتين فيتكلّم؟ فقال عليه السلام: يُتمّ ما بقي من صلاته، تكلّم أم لم يتكلّم، ولا شيء عليه»(6).
وصحيح محمّد بن مسلم عنه عليه السلام: «في رجلٍ صَلّى من المكتوبة، فسلَّم وهو».
1) وسائل الشيعة: ج 8/250 باب 32 ح 10562، التهذيب ج 353/2 باب 16 ح 54.
2) وسائل الشيعة: ج 8/206 باب 4 ح 10435، الكافي ج 3/356 ح 4.
3) وسائل الشيعة: ج 8/219 باب 11 ح 10470، الكافي: ج 3/352 ح 4.
4) نسب القول بعدم الوجوب إليهم المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه: ج 2/590 ق 2.
5) أيضاً حكاه المحقّق الهمداني (المصدر السابق).
6) وسائل الشيعة: ج 8/200 ح 10418، التهذيب: ج 2/191 ح 57 وفيه «ويتكلّم» بدل «فيتكلّم».
يرى أنّه قد أتمّ الصَّلاة وتكلّم، ثمّ ذكر أنّه لم يُصلِّ غير ركعتين؟ فقال عليه السلام: أتمّ ما بقي من صلاته ولا شيء عليه»(1).
وقيل في الجمع بين الطائفتين وجوه:
1 - منها حمل الثانية على نفي الإثم خاصّة.
وفيه: مضافاً إلى أنّه لا مجال لتوهّم الإثم مع السَّهو، أنّ الحمل عليه يحتاج إلى قرينة مفقودة.
2 - ومنها حملها على نفي الإعادة.
وفيه: مضافاً إلى أنّه يلزم الإلتزام بكونه تأكيداً للجملة السابقة، وهي قوله عليه السلام: «أتمّ... الخ»، أنّ حمل المطلق على فرد خاص يحتاج إلى دليل.
3 - ومنها ما ذكره المحقّق الهمداني رحمه الله(2)وهو حمل الأُولى على التكلّم في الأثناء ساهياً كما هو موردها، وحمل الثانية على التكلّم خطأً بزعم الفراغ، كما هو صريح مورد صحيح محمّد.
وفيه: - مضافاً إلى أنّ أحداً من الأصحاب لم يلتزم بهذا التفصيل - إنّ مورد صحيح زرارة أيضاً التكلّم في الأثناء ساهياً.
4 - ومنها حمل الأُولى على الاستحباب بقرينة الثانية.
وفيه: إنّها أخصّ من الثانية، فإنّها تدلّ على عدم وجوب شيء عليه أعمّ من الإعادة والسّجدة وغيرهما، والأُولى تدلّ على وجوب السّجدة خاصّة.2.
مَنْ تكلَّم ساهياً أو
وبالجملة: فأحسن وجوه الجمع ما في «الجواهر»(1)من تقييد إطلاق الثانية بالاُولى.
ودعوى:(2)أنّ الفرد الواضح الذي يتوهّم ثبوته في مثل المقام، إنّما هو سجود السَّهو، فصَرْف عموم الشيء إلى ما عداه، ليس بأهون من حمل الأمر المتعلّق به على الاستحباب.
مندفعة: بأنّ صيرورة ذلك فرداً واضحاً، إنّما هي في أمثال زماننا لا في عصر صدور هذه الأخبار.
فالمتحصّل: أنّ (من تكلّم ساهياً) يجبُ عليه سجود السَّهو.
ولو تكلّم جاهلاً بكونه كلاماً، بل يتخيّل أنّه قرآنٌ (أو) ذِكرٌ أو دعاء، فقد يتوهّم أنّه لا يجب عليه سجود السَّهو، لاختصاص الأدلّة بالسهو والخطأ.
ولكن يمكن أن يقال: - مضافاً إلى أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ الكلام غير العمدي موجبٌ للسجود - إنّ صحيح ابن أبي يعفور مطلقٌ شاملٌ لصورة الجهل، فلاحظه.
***2.
قام في حال القعود، أو قَعَد في حال القيام،
الموجب الثاني: سهو القيام في موضع القعود أو العكس.
التزم أكثر المحقّقين(1)بأنّ من (قام في حال القعود، أو قَعَد في حال القيام) وجب عليه سَجدتا السَّهو.
واستدلّ له:
1 - بصحيح معاوية بن عمّار: «عن الرّجل يسهو، فيقوم في حال قعودٍ أو يقعد في حال قيام؟ قال عليه السلام: يسجدسجدتين بعدالتسليم، وهما المُرغمتان، تُرغمان الشيطان»(2).
2 - وبموثّق عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن السَّهو ما تجب فيه سجدتا السَّهو؟ قال عليه السلام: إذا أردت أن تقعد فقُمت، أو أردت أن تقوم فقعدت، أو أردت أن تقرأ فسبّحت، أو أردت أن تُسبِّح فقرأت، فعليك سجدتا السَّهو، وليس في شيء ممّا يتمّ به الصَّلاة سهو»(3).
أقول: ويرد على الاستدلال بهما اُمور:
الأمر الأوّل: إنّ في ذيل الموثّق جملتين تعارضاهما:
الأُولى: قوله عليه السلام: «وعن الرّجل إذا أراد أن يقعد فقام، ثمّ ذكر من قبل أن يُقدم شيئاً أو يحدث شيئاً؟ فقال عليه السلام: ليس عليه سجدتا السَّهو حتّى يتكلّم بشيء».
الثانية: قوله عليه السلام: «وليس في شيءٍ ممّا تتمّ به الصَّلاة سهوٌ»، فإنّ ظاهره أنّه مع
تدارك المنسيّ في الصَّلاة لا تجب السّجدة.
الأمر الثاني: إنّ القيام في موضع القعود بحسب الطبع والغالب إمّا أنْ يكون بين السّجدتين أو بعدهما قبل الإتيان بالتشهّد، وفي هذين الموردين يلازم ذلك نسيان السّجدة الأخيرة أو التشهّد، وقد دلّت النصوص على أنّه لو نسي أحدهما فتذكّر قبل أن يركع ورجع، وتدارك المنسيّ لا تجب السّجدة، كما مرّ تقريب دلالتها عليه في محلّه.
وعليه، فهذه النصوص تعارض الخبرين، وتُقدّم عليهما لوجوه لا تُخفى، منها الشّهرة.
الأمر الثالث: ما أفاده المحقّق في «المعتبر»(1)، فإنّه قدس سره بعدما استشكل في الاستدلال بخبر عمّار، نظر إلى أنّه نادرٌ متفرّدٌ به، وهو فطحي، قال:
(ويعارضه ما رواه سماعة، عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «من حفظ سهوه فأتمّه فليس عليه سجدتا السَّهو»)(2).
فتحصّل: أنّه لا تجب السّجدة في هذا المورد أيضاً، كما هو المحكيّ عن الشيخين(3)، والكليني(4)، وعلي بن بابويه(5)، وابن أبي عقيل(6)، وابن الجُنيد(7)،2.
1) المعتبر: ج 2/399.
2) وسائل الشيعة: ج 8/201 باب 3 ح 10424، الكافي: ج 3/355 ح 4.
3) المبسوط: ج 1/123، المقنعة: ص 147.
4) الكافي: ج 3/355.
5) حكى العلّامة في مختلف الشيعة: ج 2/422، عن والد الصدوق الوجوب بقوله: (وأوجب أبوه - أي الصدوق - سجدتي السَّهو... الخ).
6) مختلف الشيعة: ج 2/419 حكاه عن أبي عقيل العمّاني، فقه ابن أبي عقيل العُمّاني، إعداد مركز المعجم الفقهي ص 215.
7) حكاه عنه المُحدِّث البحراني في الحدائق الناضرة: ج 9/322.
والمحقّق(1)، وابن عمّه(2)، وهو اختيار المصنّف رحمه الله في محكي «المنتهى»(3)، خلافاً لجماعةٍ آخرين كالصدوق(4)، والمرتضى(5)، وسلّار(6)، وأبي الصّلاح(7)، وابن البرّاج(8)، وابن حمزة(9)، وابن إدريس(10)، والمصنّف رحمه الله.
***3.
1) الرسائل التسع للمحقّق الحِلّي: ص 344، قوله: (ولو ذكر السّجود أو التشهّد ولما يركع بعده أتى بما قد فاته).
2) وهو الشيخ نجيب الدين في الجامع كما عن الحدائق: ج 9/322.
3) منتهى المطلب (ط. ق): ج 1/417.
4) من لا يحضره الفقيه: ج 1/341.
5) رسائل المرتضى: ج 3/37.
6) المراسم العلويّة: ص 88.
7) الكافي في الفقه: ص 149 حيث عدَّ موردي القيام في موضع الجلوس ممّا يتلافى.
8) المهذّب: ج 1/156.
9) الوسيلة: ص 102.
10) السرائر: ج 1/243.
أو سَلَّم قبل الإكمال، وجب عليه سجدتا السَّهو.
الموجب الثالث: السَّلام في غير محلّه:
والمشهور شهرة عظيمة(1)أنّه من الموجبات، قال المصنّف قدس سره: (أو سَلَّم قبل الإكمال، وَجَب عليه سجدتا السَّهو).
واستدلّ له بوجوه:
الوجه الأوّل: ماعن المصنّف رحمه الله في «المختلف»(2)بأنّه يعدّ كلاماً غير مشروع صدر نسياناً من المُصلّي، فيدخل في مطلق الكلام، واحتجَّ على ذلك في بعض كتبه، بصحيح سعيد الأعرج، المتضمّن لسهو النبيّ صلى الله عليه و آله(3).
وفيه: إنّ المتبادر إلى الذهن ممّا دلّ على أنّ الكلام غير العمدي موجبٌ لسجدتي السَّهو، سيّما بضميمة ما فيه من القرائن - لاحظ صحيح ابن الحجّاج(4)، وخبر ابن أبي يعفور(5)المتقدّمين - هو التكلّم بغير ما هو من سنخ أجزاء الصَّلاة، وأمّا صحيح سعيد فهو مخالفٌ لاُصول المذهب، ومعارَضٌ بصحيح زرارة الدالّ على أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله لم يسجد سجدتي السَّهو قَط.
الوجه الثاني: ما عن المحقّق رحمه الله في «المعتبر»(1)من الاستدلال بموثّق عمّار المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجلٍ صَلّى ثلاث ركعات، وهو يظنّ أنّها أربع، فلمّا سَلَّم ذكر أنّها ثلاث؟
قال عليه السلام: يبني على صلاته متى ما ذكر، ويُصلّي ركعة، ويتشهّد ويُسلِّم ويسجد سجدتي السَّهود»(2).
وفيه: إنّه غير ظاهر في كون السّجدة للسّلام في غير موضعه، ولعلّها إنّما تكون للقعود في موضع القيام، أو للتشهّد، أو لغير ذلك.
ودعوى: إنّ عدم وجوبها في تلك الموارد يصلح قرينةً لكونها للسّلام، لظهور الأمر في الوجوب.
مندفعة: بأنّه كما يصلح لذلك، يصلح قرينة لكون الأمر للاستحباب.
وإنْ شئت قلت: إنّ الأمر فيه يدور بين حمل الأمر على الاستحباب، وبين حمل الموثّق على إرادة ثبوتها لخصوص السَّلام، ولو لم يكن الأوّل أظهر لا يكون الثاني كذلك، فلا يصحّ الاستدلال به للوجوب.
الوجه الثالث: صحيح العيص، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجلٍ نَسي ركعة من صلاته حتّى فرغ منها، ثمّ ذكر أنّه لم يركع؟
قال عليه السلام: يقوم فيركع ويسجد سجدتين»(3).
وفيه: إنّه غير ظاهرٍ في إرادة سجدتي السَّهو، بل لايبعد دعوى ظهوره في إرادة سجود الصَّلاة.9.
الوجه الرابع: إنّه زيادة في الصَّلاة، وقد دلّ الدليل على أنّ كلّ زيادةٍ سهويّة في المكتوبة موجبة لسَّجدتي السَّهو.
وفيه: ما سيأتي في محلّه من منع الكبرى.
الوجه الخامس: ما عن «الفقه الرضوي»(1)من الأمر بها في هذا المورد.
وفيه: إنّه غير حجّة، كما مرَّ مراراً.
فالمتحصّل: أنّه لا دليل على وجوبها في هذا المورد، بل ومقتضى الأصل، وإطلاق صحيح محمّد بن مسلم:
«في رجلٍ صَلّى ركعتين من المكتوبة، فسلَّم وهو يرى أنّه قد أتمّ الصَّلاة وتكلّم، ثمّ ذكرَ أنّه لم يُصلِّ غير ركعتين؟
فقال عليه السلام: يُتمّ ما بقي من صلاته ولا شيء عليه»(2).
ونحوه خبر علي بن النعمان الرازي(3)، وخبر زيد الشّحام(4)، هو ما ذهب إليه الكليني(5)والصدوقان(6)، وظاهر غيرهم كالعُمّاني(7)والسيّد(8)والديلمي(9)وابني حمزة وزُهرة(10)وغيرهم، وهو عدم الوجوب.0.
1) الفقه الرضوي: ص 120.
2) التهذيب: ج 2/191-192 باب 10 من أبواب أحكام السَّهو في الصَّلاة ح 58، وسائل الشيعة: ج 8/200 باب 3-201 ح 10422.
3) تهذيب الأحكام: ج 2/181 ح 27، وسائل الشيعة: ج 8/199 ح 10416.
4) تهذيب الأحكام: ج 2/352 ح 49، وسائل الشيعة: ج 8/203-204 ح 10430.
5) كما حكاه عنه الحُرّ العاملي في وسائل الشيعة: (المصدر السابق).
6) راجع من لا يحضره الفقيه ج 1 باب أحكام السَّهو في الصَّلاة: ص 347 ح 1011 وما بعده.
7) فقه ابن أبي عقيل العُمّاني: ص 215.
8) رسائل المرتضى: ج 3/37.
9) المراسم العلويّة: ص 88.
10) غنية النزوع: ص 113، الوسيلة: ص 100.
وكذا تجبان عليمَن شكّ بين الأربع و الخمس، فإنّه يبني على الأربع ويسجدهما.
الموجب الرابع: الشكّ بين الأربع والخمس.
وقد مرّ البحث عن حكمه، وعرفت أنّ ما ذكره المصنّف رحمه الله بقوله: (وكذا تجبان على من شكّ بين الأربع والخمس فإنّه يبني على الأربع ويسجدهما) تامّ.
الموجب الخامس: نسيان السّجدة الواحدة، وقد مرَّ عدم وجوبهما فيه(1).
أقول: وردت الأخبار بوجوب أداء سجدتي السَّهو في موارد، وعمل بها الأصحاب في الجملة:
منها: ما لو تيقّن الزيادة أو النقيصة غير المبطلة، فقد التزم المصنّف رحمه الله(1)وكثيرٌ من المتأخّرين وجوبهما فيه(2).
ولكن الظاهر أنّ من تقدّم عليه إمّا لم يفتِ به، أو على فرض الإفتاء به القائلُ به شاذٌّ، إذ الشيخ قدس سره نسبه إلى بعض أصحابنا(3).
وعن «الدروس»(4)بعد نقل ذلك عنه قال: (لم نظفر بقائله).
وكيف كان، فقد استدلّ له بوجوه:
الوجه الأوّل: ما رواه ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن سفيان بن السَّمط، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «تسجد سجدتي السَّهو لكلّ زيادةٍ تدخلُ عليك أو نقصان»(5).
وبما أنّ ابن أبي عمير من أصحاب الإجماع، ومراسيله في حكم المسانيد، وكتابه كان يعتمد عليه في عصر الإمام الرضا عليه السلام، فهو من حيث السَّند لا إشكال فيه، وكذا من حيث الدلالة، فإنّ قوله: (سجدتي السَّهو) قرينة على أنّ المراد من
الزيادة والنقيصة غير العمديّتين.
وفيه أوّلاً: إنّ الأصحاب برغم أنّ هذه الرواية كانت بمرئى منهم ومنظر، لم يعملوا بها، وهو موهن لها، ومسقط إيّاها عن الحجيّة.
وثانياً: دلّت النصوص في كثيرٍ من الموارد على عدم الوجوب:
منها: نسيان السّجدة والتذكّر قبل الرّكوع.
ومنها: نسيان التشهّد والتذكّر قبل أن يركع.
ومنها: نسيان القراءة في الصَّلاة.
ومنها: الجهر في موضع الإخفات والعكس.
ومنها: نسيان ذكر الرّكوع.
ومنها: غير ذلك، وقد تقدّمت أكثرها.
والالتزام بالتخصيص مستلزمٌ لتخصيص الأكثر المستهجن، فعلى فرض صحّة السَّند يُحمل الخبر على الاستحباب.
الوجه الثاني: صحيح الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إذا لم تَدر أربعاً صلّيت أم خمساً، أم نقصت أم زدت، فتشهّد وسَلّم واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة، يتشهّد فيهما تشهّداً خفيفاً»(1).
بتقريب: أنّ المعطوف عليه إمّا فعل الشرط أو معموله:
فعلى الأوّل: دلالته على المقام واضحة.
وعلى الثاني: فإنْ حملناه على العلم الإجمالي فكذلك، إذ العلم الإجمالي إذا لم يكن طرفاه ذوي أثر، لما ترتّب عليه الأثر، وإنْ حملناه على الشكّ، فيثبت في صورة3.
1) وسائل الشيعة: ج 8/224 باب 14 ح 10486، التهذيب: ج 2/196 باب 10 ح 73.
العلم بأحدهما بالأولويّة القطعيّة.
وفيه أوّلاً: إنّه لا يكون عطفاً على فعل الشرط، إذ كلمة (أم):
1 - إنْ كانت متّصلة يشترط فيها وقوعها بعد همزة التسوية، كقوله تعالى:
«سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ» (1)أو بعد همزة مُغنيةٍ عن (أي) مثل: أجاء زيدٌ أم عمرو، وعدم ثبوت هذا الشرط في المقام واضحٌ.
2 - وإن كانت (أم) المنقطعة، بمعنى الإضراب، فإنّه لا سبيل لها في الفرض، فتكون عطفاً على المعمول أي أربعاً.
وعليه، فإنْ كانت متّصلة كان معنى الخبر أنّه: (إن شككتَ أنّك صلّيت أربعاً أو خمساً أو أقلّ من الأربع أو أزيد من الخَمس، يجبُ عليك سجدتا السَّهو) ومعلومٌ أنّ أحداً من الأصحاب لم يفتِ بذلك.
3 - وإنْ كانت منقطعة، كان معناه ثبوت سجدتي السَّهو في كلّ موردٍ شُكّ فيه في الزيادة والنقيصة، وهو بإطلاقه غير معمولٌ به، والالتزام بالتخصيص مستلزمٌ للالتزام بتخصيص الأكثر.
وثانياً: الظاهر منه بقرينة السياق، أنّ المراد بالنقص والزيادة، نقصان الصّلاة وزيادتها بركعة، فيوافق الخبر مع مذهب العامّة، وأصحابنا غير ملتزمين به.
وثالثاً: الأولويّة ممنوعة، لظهوره في أنّ الموضوع هو الشكّ لا الوصفين، فيكون نظير ما دلّ على وجوبها عند الشكّ بين الأربع والخمس.
الوجه الثالث: صحيح زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام، عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله:
«إذا شكّ أحدكم في صلاته، فلم يدر زاد في صلاته أم نقص، فليسجد0.
1) سورة البقرة: الآية 6، ومثله في سورة يس: الآية 10.
سجدتين، وهو جالسٌ، وسمّاهما رسول اللّه صلى الله عليه و آله المُرغمتين»(1).
وتقريب الاستدلال: أنّ المراد أمّا الشكّ في التعيين مع العلم الإجمالي، وإمّا الشكّ في تحقّق الزيادة أو النقيصة، وعلى كلّ تقدير يدلّ على المطلوب، كما تقدّم في سابقه.
وفيه أوّلاً: منع الأولويّة كما تقدّم.
وثانياً: إنّه لا يعمل به في مورده، كما سيأتي في المورد القادم.
وثالثاً: أنّ الظاهر من الخبر إرادة زيادة الرّكعة أو نقصها، وعليه:
فإنْ اُريد به العلم الإجمالي، فالحكم فيه بطلان الصَّلاة.
وإنْ اُريد به الشكّ، فإطلاقه غير معمولٍ به عندنا، كما هو واضح.
الوجه الرابع: صحيح الفضيل، عن الإمام الصادق عليه السلام: «وإنّما السَّهو على مَن لم يدر أزاد في صلاته أم نقص منها»(2).
وتقريب الاستدلال به بمثل ما في سابقيه، كما ويرد عليه الإيرادان الأوّلان اللّذان أوردناهما على صحيح زرارة دون الأخير، كما لا يخفى.
الوجه الخامس: صحيح صفوان، عنه عليه السلام: «سألته عن سجدتي السَّهو؟ فقال عليه السلام: إذا نقصتَ فقبل التسليم، وإذا زدت فبعده»(3).
ونحوه صحيح سعد(4).0.
1) وسائل الشيعة: ج 8/224 باب 14 ح 10484، الكافي: ج 3/354، وفيه (زاد أم نقص) بدل (زاد في صلاته أم نقص).
2) وسائل الشيعة: ج 8/225 باب 14 ح 10488، من لا يحضره الفقيه: ج 1/350 ح 1018، وقد وردت: (أزاد في صلاته)، وفي بعض من تناقلها كمختلف الشيعة: ج 2/426 (لم يذكر في صلاته).
3) وسائل الشيعة: ج 8/208 ح 10443، من لا يحضره الفقيه: ج 1/341 ح 995.
4) وسائل الشيعة: ج 8/208 ح 10441، التهذيب: ج 2/195 ح 70.
وفيه: إنّهما واردان في مقام بيان محلّ السّجدة، ولا يدلّان على أنّها واجبة أم مستحبّة.
فالمتحصّل: أنّ الأظهر عدم الوجوب، وإنْ كان الأحوط ذلك.
ومنها: الشكّ في كلّ زيادةٍ ونقيصة.
فعن «المختلف»(1)وجوب سجدتي السّهو في هذا المورد، وعن الشهيد في «الروض»(2)الميل إليه.
واستدلّ له: بصحيح الحلبي وزرارة والفضيل، وموثّق سماعة المتقدّمة.
وفيه: إنّ هذه النصوص الشاملة للشكّ في عدد الرَّكعات والأفعال، في المحلّ وبعد مضيّه، لم يَعمل الأصحاب بما لها من العموم، بل الخارج عنها أكثر من الباقي قطعاً، إذ في كثيرٍ من موارد الشكّ لا يجبُ سجدة السَّهو، كالشكّ بعد التجاوز، والشكّ في عدد الرَّكعات، سواءٌ أكان من الشكوك الصحيحة أو الباطلة. وعليه فحمل الأمر بها على الاستحباب أولى من إبقائه على ما هو ظاهرٌ فيه من الوجوب، وتخصيص هذه الموارد.
وبالجملة: فالأظهر عدم وجوبها في هذا المورد.
ومنها: ما عن الصدوقين(3)من وجوبها لكلّ شكٍّ ظنّ بالأكثر وبنى عليه.
واستدلّ له: بخبر إسحاق بن عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إذا ذهبَ وَهمُك إلى التمام أبداً في كلّ صلاةٍ، فاسجد سجدتين بغير ركوع أفهمت؟ قلت: نعم»(1).
ولكن لإعراض الأصحاب عنه لا يُعتمد عليه.
***1.
1) وسائل الشيعة: ج 8/211 باب 7 ح 10449، التهذيب: ج 2/183 باب 10 ح 31.
المسألة الثانية: في بيان جملةٍ من أحكام سجود السَّهو.
أقول: وتنقيح القول في طيّ مباحث:
المبحث الأوّل: في حكم تكرّر موجب سجدة السَّهو وأنّه:
1 - هل يجبُ تكرار السّجود بتكرّر الموجب مطلقاً؟
2 - أم لا يجب كذلك، بل يكفي سجدتا السَّهو، وإنْ تكرّر الموجب؟
3 - أم يفصّل بين ما إذا تكرّر الموجب من أنواع مختلفة فالأوّل، وبين ما إذا تكرّر من نوعٍ واحد فالثاني؟
وجوه مبنيّةٌ على الوجوه والأقوال في مسالة التداخل في الأسباب.
والأظهر عندنا هو التداخل مطلقاً، غاية الأمر التداخل المصطلح فيما إذا اختلفت الأسباب بحسب الأفراد، والتداخل بالالتزام بالوجوب الأكيد، فيما إذا اختلف بحسب الأنواع.
أمّا في الأوّل: فلأنّه مع تعدّد السبب من جنس واحد، لم يوجد إلّاالسبب الواحد.
ودعوى المحقّق الخراساني رحمه الله:(1)بأنّ مقتضى إطلاق الشرط هو حدوث الوجوب عند كلّ مرّة تحقّق لو وجد مرّات.
ممنوعة: بأنّ غاية مايقتضيه الإطلاق، هو عدم خصوصيّة لفرد دون آخر،
1) الكفاية: ص 206.
وأمّا أنّ المأخوذ سبباً وشرطاً هل هي الطبيعة السّارية أم هو صرف الوجود؟ فهو لا يدلّ عليه.
بل يمكن أن يُقال: إنّ الإطلاق الذي هو رفض القيود، إنّما يقتضي كون الشرط والسبب هو صرف وجود الطبيعة، إذ ملاحظتها بنحو الطبيعة السارية تحتاج إلى عناية زائدة.
وبالجملة: كما أنّ مقتضى الإطلاق في متعلّقات التكاليف، كون المطلوب صرف وجود الطبيعة، كذلك يكون مقتضاه كون السبب والشرط هو صرف الوجود في الأسباب الشرعيّة.
أقول: وبهذا يندفع ما ذكره المحقّق النائيني رحمه الله(1)من أنّ القضيّة الشرطيّة ترجع إلى القضيّة الحقيقيّة، فينحلّ الحكم فيها إلى أحكام عديدة حسب تعدّد الشرط.
وجه الإندفاع: أنّ ذلك يتوقّف على إثبات كون السبب مأخوذاً بنحو الطبيعة السارية، وإلّا فلا يتمّ، وقد عرفت ما في المبنى.
وأمّا في الثاني: فلأنّه إذا تعدّد الشرط واتّحد الجزاء - الالتزام بحدوث الأثر عند وجود كلّ شرط، إلّاأنّه هو الحكم عند الشرط الأوّل، وتأكّده عند الشرط الثاني، مثلاً إذا ورد: (إذا بلت فتوضّأ)، وورد: (إذا نمت فتوضّأ) فبال المكلّف ثمّ نام، يكون المتحقّق عند البول وجوب الوضوء، وعند النوم تأكّد ذلك الوجوب - لا يلزم منه التصرّف في شيءٍ من الظهورات، وهذا بخلاف الالتزام بتقييد إطلاق المادّة في كلٍّ من القضيّتين بفردٍ غير الفرد الذي اُريد من المادّة الواقعة في حيّز الخطاب الآخر الذي يكون لازمه عدم التداخل، فإنّه يتوقّف على تقييد إطلاق6.
1) أجود التقريرات: ج 1/428، وفي الطبعة الجديدة: ج 2/266.
المادّة في كلّ من القضيّتين.
ودعوى: أنّه يلزم منه التصرّف في ظهور الحكم في كونه تأسيسيّاً.
مندفعة: بأنّ ذلك لا يستلزم كون شيءٍ من القضيّتين في غير مقام إنشاء الطلب وجعل الحكم.
بل نقول: إنّ الحكم المجعول في كلٍّ منهما، إنْ حدث في محلٍّ فارغ عن مثله، يكون تأسيسيّاً، وإنْ حدث في محلٍّ مشغول بمثله، فهو تأكيد، وتمام الكلام في ذلك موكولٌ إلى محلّه في الاُصول.(1)
وبالجملة: وعلى ذلك فالأقوى في المقام عدم تكرّر السّجود بتكرّر الموجب مطلقاً، ويؤيّده بل يشهد به - على بعض الأقوال - موثّق عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجلٍ صَلّى ثلاث ركعات، وهو يظنّ أنّها أربع، فلمّا سَلَّم ذكر أنّها ثلاث؟ قال: يبني على صلاته متى ما ذكر، ويُصلّي ركعة ويتشهّد ويُسلِّم ويسجد سجدتي السَّهو...»(2).
فإنّه على قول كثيرٍ من الفقهاء في مفروض السؤال، يكون قد تحقّق له موجبات سجود السَّهو، لأنّه جلس في موضع القيام، وتشهّد وسَلَّم في غير موضعه، فهذه موجبات ثلاثة له، مع أنّه عليه السلام لم يأمره إلّابسجودٍ واحد.
ولكن قد عرفت الاختلاف، والكلام في كلّ واحدٍ من المواضع الثلاثة، فالعمدة ما ذكرناه من أنّه مقتضى القاعدة.
وبه يظهر أنّ ما أسّسه السيّد في «ملحقات العروة»(3)في المسائل المتعلّقة7.
بالعِدّة من أصالة التداخل في الأسباب، ينافي ما ذكره في هذه المسألة.
وأمّا النبوى المرويّ عن «الذكرى»: «لكلّ سهوٍ سجدتان»(1)، فلإرساله وعدم نقله من طرقنا لا يُعتمد عليه.
المبحث الثاني: اختلفت كلمات القوم في وجوب الترتيب بينه، وبين صلاة الاحتياط وقضاء الأجزاء المنسيّة، على أقوال، وحيثُ عرفت أنّ صلاة الاحتياط صلاةٌ مبتدأة، والأجزاء المنسيّة واجبة، لتدارك الأجزاء المنسيّة، لا أنّها أجزاءٌ أخّر مواضعها، ولهذا بنينا على التخيّير في تقديم صلاة الاحتياط على الأجزاء المنسيّة والعكس.
وعليه، فالأظهر في المقام هو التخيّير بين تقديم سجود السَّهو عليهما وتقديمهما عليه، وتقديم إحداهما عليه، وتأخير الاُخرى عنه، كما لا يخفى.
واستدلّ المحقّق النائيني رحمه الله: - على ما نُسب إليه - لوجوب تقديم الأجزاء المنسيّة على سجدتي السَّهو، بوجهين:
الوجه الأوّل: الأخبار الوارد في قضاء الأجزاء المنسيّة والسّجود للسهو عنها، تدلّ على الترتيب بينها وبين السّجود لها، فيثبت ذلك في السّجود لغيرها بالقطع، بعدم التفاوت بينه وبين السّجود الواجب بسبب نسيان تلك الأجزاء.
الوجه الثاني: إنّ قضاء الأجزاء المنسيّة إنّما تكون واجبة بسبب فوات الأجزاء
1) الذكرى: ص 229، سنن أبي داود: ج 1/234.
في محالّها، والسّجود إنّما يصبح واجباً بسبب السَّهو الواقع في الصَّلاة، فسبب الأوّل الجزء الداخل في الصَّلاة، وسبب الثاني أمرٌ أجنبيّ عنها، فالأوّل بحسب الاعتبار مقدّمٌ على الثاني، فيقدّم القضاء على السّجود.
ولكن يرد على الأوّل: أنّ ظاهر خبر علي بن حمزة المتقدّم في نسيان التشهّد، كون سجود السَّهو للتشهّد المنسيّ قبله لا بعده، والجمع يقتضي التخيّير بينهما.
ويرد على الثاني: أنّه وجه اعتباري، وجعله مدركاً للحكم الشرعي من مثل هذا الفقيه المتضلّع يعدّ من الغرائب.
فالأظهر هو التخيّير في الابتداء بأيّ واحدٍ منها شاء.
هذا بناءً على عدم وجوب المبادرة إلى واحد منها، أو وجوبها إلى جميعها، وإلّا فيجب تقديم ما يجبُ المبادرة إليه.
المبحث الثالث: المشهور بين الأصحاب أنّه يجبُ الإتيان بسجدة السَّهو فوراً(1)، وعن غير واحدٍ دعوى الإجماع عليه(2).
أقول: ويمكن أن يُستدلّ له بالنصوص المتضمّنة للأمر بها وهو جالسٌ، كصحيح الفضيل، أو (قبل أن يقوم)، أو (قبل أن يتكلّم)(3)كما في صحيحي ابن أبي
1) مصباح الفقيه: ج 2/597 ق 2، المعتبر: ج 2/399، قوله: (سجدتا السَّهو «بعد التسليم» وهو اختيار أكثر الأصحاب).
2) جواهر الكلام: ج 12/455: (بل قد يشعر ما في شرح مولى الأكبر بالإجماع عليه كما أنّه في الذخيرة والكفاية نسب وجوب المبادرة إليهما قبل فعل المنافي للأصحاب مشعرين بدعوى الإجماع).
3) وسائل الشيعة: ج 6/405 باب 9 ح 8293، الكافي: ج 3/356 ح 2.
يعفور(1)، والحلبي(2)- وخبر القدّاح(3)فإنّ الظاهر منها بحسب المتفاهم العرفي، ورودها في مقام بيان ضيق وقت هذه السّجدة، المستلزم للزوم الإتيان بها فوراً، وأنّ التحديد بذلك إنّما يكون للجري مجرى الغالب - ولعلّ هذا بضميمة الإجماع المحكيّ، يكفي في الحكم بوجوب المبادرة.
وأمّا موثّق عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن الرّجل يسهو في صلاته فلا يذكر ذلك حتّى يُصلّي الفجر، كيف يصنع؟ قال: لا يسجد سجدتي السَّهو حتّى تطلع الشمس»(4).
فهو دالٌّ على عدم لزوم الفوريّة، فإعراض الأصحاب عنه، وعدم القائل به كما عن «الحدائق» لا يعتمد عليه(5).
وبالجملة: فالقول بوجوب المبادرة، لو لم يكن أقوى، لا ريب في أنّه أحوط.
المبحث الرابع: في ما لو ترك المُصلّي سجدتي السّهو عمداً:
فهل تبطل الصَّلاة، كما عن الشيخ في «الخلاف»(6)، والمحقّق في «المعتبر»(7)، والوحيد في «شرح المفاتيح»(8)، وشرح «المدارك»(9)، بل عن «الشرح» نسبته إلى
1) وسائل الشيعة: ج 6/402 باب 7 ح 8287، من لا يحضره الفقيه: ج 1/351 ح 1026، التهذيب: ج 2/158 باب 9 ح 78 و ص 159 ح 82.
2) وسائل الشيعة: ج 6/406 باب 9 ح 8295، الكافي: ج 3/357 ح 8.
3) وسائل الشيعة: ج 8/208 باب 5 ح 10440، التهذيب ح 2 ص 195 باب 10 ح 69.
4) وسائل الشيعة: ج 8/250 باب 32 ح 10562، التهذيب: ج 2/353 باب 16 ح 54.
5) الحدائق الناضرة: ج 9/339.
6) الخلاف: ج 1/462: (سجود السّهو واجب وشرط في صحّة الصلاة).
7) المعتبر: ج 2/402.
8) حكاه عنه في مصباح الفقيه: ج 2/597 ق 2، وصاحب الجواهر: ج 12/458 (خاتمة في سجدتي السَّهو).
9) حكاه عنه المحقّق الهمداني في مصباح الفقيه: ج 2/597 ق 2.
ظاهر غيره من الأصحاب(1)؟
أم لا تبطل الصَّلاة، كما هو المشهور بين الأصحاب(2)؟ وجهان:
استدلّ للأوّل:
1 - بأنّ ظاهر الأمر الوارد في مورد بيان الجزئيّة والشرطيّة هو ذلك لا النفسيّة.
2 - وبقاعدة الاشتغال.
3 - وبأنّ المتبادر من إيجاب شيء عند وقوع خلل، كونه تداركاً وعلاجاً، فإذا لم يأتِ بهما لم يكن آتياً بالمأمور به على وجهه.
أقول: وفي الكلّ نظر.
أمّا الأوّل: فلأنّه فرقٌ بين الأمر بشيء قبل المركّب أو في أثنائه، وبين الأمر به بعد الفراغ منه، لأنّ الأمر في المورد الأوّل ظاهرٌ في الجزئيّة أو الشرطيّة، ولا يكون ظاهراً فيها في المورد الثاني، فإنْ شئت فاختبر ذلك من الأمر بدعاءٍ مخصوص في السّجدة الأخيرة، والأمر به بعد الصَّلاة.
وأمّا الثاني: فلأنّه إذا دار أمر الواجب بين كونه نفسيّاً، وكونه كذلك وشرطاً لصحّة واجبٍ آخر أيضاً، تجري البراءة عن الشرطيّة، ولا مجال لجريان قاعدة الاشتغال.
وأمّا الثالث: فلأنّ الأمر بشيء عند وقوع خَلل، لا يكون ظاهراً في دخله في ذلك الشيء، كي يوجب الإخلال به عدم إتيان المأمور به على وجهه.7.
وبالجملة: فالأظهر عدم بطلان الصَّلاة بتركهما، ويؤيّده بعض(1)النصوص المصرّح فيها أنّ الأمر بهما لمحض إرغام الشيطان، وأنّه مجازاةٌ له على إيقاعه المُصلّي في السَّهو.
المبحث الخامس: لو لم يأتي بهما فوراً، لم يسقط الأمر بهما بالعصيان، بل يجب القيام بهما بعد ذلك، سواءٌ أكان عدم الإتيان عمديّاً أم سهويّاً.
أمّا في صورة السَّهو: فلموثّق عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«عن الرّجل إذا سهى في الصَّلاة، فينسى أن يسجد سجدتي السَّهو؟
قال عليه السلام: يسجدهما متى ذكر»(2).
وأمّا صورة العمد: فلأنّ المستفاد من الموثّق الوارد في صورة السَّهو، أنّ وجوب المبادرة إلى فعلهما إنّما يكون تكليفيّاً لا شرطيّاً، لبيان توقيتهما كما لا يخفى، مع أنّ دليل الفوريّة لا ظهور له في التوقيت في نفسه.
المبحث السادس: هل يقدح فعل المنافي بينهما وبين الصَّلاة، كما عن ظاهر جماعة، أم لا كما لعلّه المشهور؟ وجهان(3):
استدلّ للأوّل: بالأمر بإيقاعهما قبل الكلام في بعض النصوص، بدعوى أنّ ذكر الكلام من جهة أنّه أحد الأفراد الغالبة للمنافي.
وفيه: ما تقدّم من أنّ هذه النصوص واردة في مقام بيان وجوب المبادرة إليهما، لا في مقام بيان قدح المنافي.
وإنْ شئت قلت: برغم أنّ النهي عن الكلام قبل فعلهما، ظاهرٌ في قدحه في صحّتهما، إلّاأنّ الأمر بفعلهما قبل وجوده، لا يكون ظاهراً في ذلك، بل يكون ظاهراً في وجوب المبادرة والتوقيت بالمعنى المتقدّم، وعليه فالأظهر هو عدم القدح.
المبحث السابع: لو سجد للكلام فبانَ أنّ الموجب غيره:
قال صاحب «العروة»: (فإنْ كان على وجه التقيّيد، وجبت الإعادة، وإنْ كان من باب الإشتباه في التطبيق أجزأ).
واستدلّ له بعض المعاصرين(1): بأنّه إنْ كان على وجه التقيّيد بطل التعبّد به، لانتفاء المقيّد بانتفاء قيده، وإنْ كان من باب الاشتباه في التطبيق، تحقّق الامتثال بالأمر الواقعي، وإنْ أخطأ في وصفه.
أقول: الأظهر الإجزاء في الموردين: إذ الميزان في صحّة العبادة الإتيان بذات المأمور به بجميع قيوده، متقرّباً به إلى اللّه تعالى، ولا يعتبر فيها شيءآخر، ولو نقص من ذلك شيءٌ لم تصحّ:
فلو صَلّى في أوّل الوقت بتخيّل أنّه آخر الوقت، صحّت صلاته، وإنْ كان ذلك على وجه التقييد، لأنّ قصده ذلك ليس من المبطلات، والمفروض إتيان الصَّلاة تامّة متقرِّباً إلى اللّه تعالى.
ولو صَلّى صلاة العصر بتخيّل أنّه صَلّى الظهر، لم تصحّ بحسب القاعدة، وإنْ كان قصد الأمر بالعصر من باب الاشتباه، لاختلاف حقيقة الصلاتين، وعلى ذلك
1) مستمسك العروة الوثقى: ج 7/551.
ففي المقام بما أنّ سجود السَّهو حقيقة واحدة، ولا اختلاف فيه من حيث الموجب والسبب، فَمَن قَصَد سجود السَّهو للكلام، فبان أنّ الموجب غيره، فقد أتى بالمأمور به بجميع ما يعتبر فيه متقرّباً إلى اللّه تعالى، فيصحّ وإنْ كان على وجه التقييد.
ودعوى: أنّه إذا قيّد سجوده بما هو موجبُ الكلام، فسجوده المذكور لا يكون مقصوداً إذا لم يكن هو الموجب.
مندفعة: بأنّه إذا لم يكن هذا العنوان دخيلاً في المأمور به كما عرفت، فمن قَصَد هذا العنوان، وتعلّقت إرادته بإيجاده، فقد انبعثت عنها إرادة اُخرى إلى معنونه، ويكون المعنون مقصوداً.
فإنْ قلت: إنّه إذا قصد شخص الأمر بالسجود الذي أوجبه الكلام، وكان في الواقع فردٌ آخر من الأمر، فما قُصِد لم يكن له واقعٌ، وما له واقعٌ لم يكن قد قُصِد.
قلت: لا يعتبر في صحّة العبادة أزيد من الإضافة إلى المولى على غير وجه التشريع، ولم يدلّ دليلٌ على اعتبار أزيد من ذلك، وهذا متحقّقٌ في المقام، فتدبّر.
فتحصّل: أنّ الأظهر هو الإجزاء مطلقاً.
المبحث الثامن: إذا شكّ في أنّه هل سَجَد سجدتين أو سجدَ سجدة واحدة، بنى على الأقلّ إنْ كان في المحلّ، وعليه أن لا يعتني به فيما إذا كان بعد مُضيّ محلّها، كما إذا شكّ في ذلك وهو في التشهّد، وذلك لجريان قاعدة التجاوز، وقاعدة الشكّ في المحلّ المتقدّم تحقيق القول فيهما.
وقد يقال: إنّه يبني على الأكثر في المورد الأوّل، لقوله عليه السلام: (لا سهو في سهو)(1)، ولكن عرفت اختصاصه بصلاة الاحتياط.
1) وسائل الشيعة: ج 8/243 باب 25 من أبواب الخَلل ح 10543، الكافي: ج 3/358 ح 5.
المبحث التاسع: إذا شكّ في الإتيان بهما بعد العلم بوجوبهما، من جهة احتمال عروض النسيان، وجب عليه الإتيان بهما وإنْطالت المدّة، للاستصحاب وقاعدة الاشتغال.
وقد يُقال: إنّه إذا كان ذلك بعد مُضيّ الوقت لم يلتفت، إلحاقاً لهما بالصّلاة، وهو كما ترى.
وعليه، فالأظهر لزوم الإتيان بهما مطلقاً.
المسألة الثالثة: في شرائط سجدة السّهو وموانعها.
ومحصّل القول في المقام: إنّ في اعتبار ما يعتبر من الشرائط والموانع في سجود الصَّلاة كالسَّتر والطهارة، وعدم لبس الحرير، ونحو ذلك في هذا السّجود أقوال، ثالثها التفصيل بين ما كان لدليل اعتباره في سجود الصَّلاة إطلاقٌ يشمل كلّ سجودٍ، مثل ما دلَّ على لزوم وضع الجبهة على الأرض، لا سيّما ما اشتمل منه على التعليل بأنّ (الناس عبيد ما يأكلون ويلبسون)، فإنّه ظاهرٌ في اعتباره في السّجود مطلقاً، وكذا ما دلَّ على أنّ السّجود على سبعة أعظُم، وكذا ما دلَّ على اعتبار عدم علوّ الجَبهة عن الموضع بأزيد من لَبِنة، فيعتبر فيه، وما ليس لدليله هذا الإطلاق فلا يعتبر.
وقد استدلّ للأوّل:
1 - بانسباق اعتبارها من جهة أنّه مكمّلٌ للصّلاة وجابرٌ لها.
2 - وبأنّه يعتبر فيه الفوريّة، وهذا يناسب مع بقاء شرائط الصَّلاة.
3 - وبقاعدة الاشتغال.
ولكن يرد على الأوّل: أنّه ليس جابراً للصّلاة ومكمّلاً لها، وإنّما وَجب لإرغام الشيطان، مع أنّ مكمّليّته لها لا توجب اعتبار ما يعتبر في الصَّلاة فيه، وبه يظهر ما في الثاني.
وأمّا الثالث: فقد حُقّق في محلّه أنّ المرجع عند الشكّ في اعتبار شيء في واجب
هو أصل البراءة لا قاعدة الاشتغال.
وبالجملة: ظهر أنّ الأظهر هو القول الأخير، وقد تقدّم وجهه، ولكن بما أنّ ظاهر بعض الفقهاء فرض جميع ما يعتبر في الصَّلاة فيه من المسلّمات بينهم، فالأحوط رعايتها.
الرابعة: سَجدتا السَّهو بعد الصَّلاة.
المسألة (الرابعة) في محلّ السّجود، وأجزائه، وكيفيّته.
أمّا الأوّل: فالمشهور بين الأصحاب شهرة عظيمة(1)ما ذكره المصنّف بقوله قدس سره:
(سَجدتا السَّهو بعد الصَّلاة).
أقول: ويشهد له عددٌ من النصوص، كصحيح ابن الحجّاج، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «فقلت: سجدتا السَّهو قبل التسليم هما أم بعد؟ قال عليه السلام: بعد»(2).
ونحوه غيره من النصوص الكثيرة.
وأمّا خبر أبي الجارود، عن الإمام الباقر عليه السلام، قال:
«قلت له: متى أسجد سجدتي السَّهو؟ قال عليه السلام: قبل التسليم، فإنّك إذا سلّمت فقد ذهبت حرمة صلاتك»(3).
فلايصلح للاعتمادعليه، لضعفه في نفسه لأبي الجارود، وإعراض الأصحاب عنه.
وعن قومٍ من أصحابنا التفصيل(4)، بين ما إذا كانتا للزيادة فقبل التسليم، وبين ما إذا كانتا للنقصان فبعده، ويشهد له:
صحيح سعد بن سعد الأشعري، عن الإمام الرضا عليه السلام:
1) التذكّرة (ط. ق): ج 1/141 (أكثر علمائنا)، الخلاف: ج 1/449 (الإجماع).
2) وسائل الشيعة: ج 8/207 باب 5 من أبواب الخَلل الواقع في الصَّلاة ح 10438، الكافي: ج 3/356 ح 4.
3) وسائل الشيعة: ج 8/208 باب 5 من أبواب الخَلل الواقع في الصَّلاة ح 10442، التهذيب: ج 2/195 باب 10 ح 71.
4) إيضاح الفوائد: ج 1/145 نسبه إلى ابن الجُنيد.
«في سجدتي السَّهو، وإذا نقصتَ قبل التسليم، وإذا زدتَ فبعده»(1).
ونحوه صحيح صفوان الجمّال(2).
ولكن يرد عليهما: أنّهما معارضان مع ما ورد في ناسي التشهّد الذي هو في مورد النقص، المصرحّ بأنّهما بعد التسليم، والترجيح مع هذه النصوص لوجوهٍ غير خفيّة، والجمع بينهما بالقول بالتخيّير ليس جمعاً عرفيّاً، مع أنّه لا قائل به.
أمّا سجدة السَّهو فهي اُمور:
الأمر الأوّل: التكبيرة، والمشهور بين الأصحاب استحبابها مطلقاً(3)، لكن ظاهر «المبسوط» الوجوب(4)، لخبر عمرو بن خالد، عن زيد، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام المتضمّن لسهو النبيّ صلى الله عليه و آله، قال:
«فاستقبل القبلة وكبَّر وهو جالس ثمّ سجد سجدتين... الخ»(5).
وفيه: مضافاً إلى اشتماله على سهو النبيّ صلى الله عليه و آله الذي لا نقول به، إنّه حكاية فعل لا تدلّ على الوجوب.
مع أنّ موثّق عمَّار المرويّ عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال:
«سألته عن سجدتي السَّهو، هل فيهما تسبيحٌ أو تكبير؟ فقال عليه السلام: لا إنّما هما
1) وسائل الشيعة: ج 8/208 باب 5 من أبواب الخَلل الواقع في الصَّلاة ح 10441، التهذيب: ج 2/195 ح 70.
2) وسائل الشيعة: ج 8/208 باب 5 من أبواب الخَلل الواقع في الصَّلاة ح 10443.
3) كتاب الصَّلاة، تقرير بحث النائيني للكاظمي: ج 2 / ص 353، قوله: (والمشهور استحبابها)، الحدائق الناضرة: ج 331/9 قوله: (المشهور في كلام الأصحاب).
4) المبسوط: ج 1/125 قوله: (فإذا أراد أن يسجد سجدتي السَّهو استفتح بالتكبير).
5) وسائل الشيعة: ج 8/233 باب 19 من أبواب الخَلل الواقع في الصَّلاة ح 10516، التهذيب: ج 2/349 باب 16 ح 37.
سجدتان فقط، فإنْ كان الذي سها هو الإمام كبّر إذا سجد، وإذا رفع رأسه ليعلم من خلفه أنّه قد سها، وليس عليه أن يُسبِّح فيهما، ولا فيهما تشهّدٌ بعد السّجدتين»(1).
يدلّ على عدم مطلوبيّتها حتّى للإمام، لظهوره في أنّ الأمر بالتكبير إنّما هو لإعلام المأمومين، لا أنّه من وظائف الساجد في سجدته.
وعلى أيّ تقدير، يدلّ على عدم مطلوبيّتها لغير الإمام.
وعلى هذا فالقول بالاستحباب أيضاً لا شاهد له، فالمتعيّن الإتيان بها برجاء المطلوبيّة أو تركها.
الأمر الثاني: النيّة، ولا شبهة في اعتبارها فيه، لأنّه عبادة، ولا ريب في أنّه يعتبر فيها النيّة.
الأمر الثالث: ويدور البحث فيه عن كيفيّة أداء السجدتين، وأنّه:
هل يجب فيهما الذّكر كما هو المشهور بين الأصحاب(2).
أم لا يجب، كما هو المحكيّ عن «المعتبر»(3)والنافع(4)و «المنتهى»(5)و «المختلف»(6)؟
وجهان أقواهما الثاني، لموثّق عمّار(7)المتقدّم، الصريح في عدم الوجوب.
ودعوى: أنّه لإعراض المشهورعنه، من جهة إفتائهم بوجوب الذّكر لا يعتمدعليه.
مندفعة: بأنّ إفتاءهم به لعلّه لأجل ترجيح ما أمر به فيهما عليه، لاإعراضاًعنه.
واستدلّ للوجوب: بما رواه المشائخ الثلاثة - في الحسن - عن الحلبي عن الإمام الصادق عليه السلام:
ففي «الكافي»: «قال: تقول في سجدتى السَّهو: بسم اللّه وباللّه، اللّهُمَّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد».
قال الحلبي: (وسمعته مرّة اُخرى يقول: بسم اللّه وباللّه، السَّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته»(1).
وفي «التهذيب»: «سمعتُ أبا عبد اللّه عليه السلام يقول في سجدتي السَّهو:
بسم اللّه وباللّه، وصلّ اللّه على محمّدٍ وآل محمّد.
قال: (وسمعته مرّة اُخرى يقول فيهما: بسم اللّه وباللّه، والسَّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته»(2).
وفي «الفقيه»: أنّه عليه السلام قال: «يقول في سجدتي السَّهو: بسم اللّه وباللّه وصلّ اللّه على محمّدٍ وآل محمّد.
قال: (وسمعته مرّة اُخرى يقول: بسم اللّه وباللّه، السَّلام عليك أيّها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته)(3).
وقد نُقل عن بعض النسخ(4)تبديل الظاهر في قوله: (وآل محمّد) بالضمير.
وفيه - مضافاً إلى أنّ المرويّ في «التهذيب» قوله: (سمعتُ أبا عبد اللّه عليه السلام يقوله.
في سجدتي السَّهو: بسم اللّه... الخ)، وهو أنسب بقول الحلبي: (وسمعته مرّةً اُخرى يقول...) كما لا يخفى.
وعليه، فهو في نفسه لا يدلّ على الوجوب، لكونه حكاية فعل، فتأمّل - أنّه لو سُلّم ظهوره في الوجوب، لابدَّ من حمله على الاستحباب، جمعاً بينه وبين الموثّق المتقدّم.
ودعوى: أنّ الجمع المزبور ليس عرفيّاً، لوضوح التعارض بين قوله: (تقول في سجدتي... الخ)، وقوله عليه السلام: (وليس عليه أن يُسبّح فيهما).
مندفعة: بأنّ الموثّق لوروده في مقام بيان ما يجب فيهما، لا يكون ظاهراً في أزيد من نفي الوجوب.
وعليه، فالجمع بينه وبين الحسن يكون بما أشرنا إليه.
ودعوى: أنّ المنفيّ في الموثّق إنّما هو التسبيح، فلا يشمل الذّكرالمخصوص.
مندفعة: بأنّ فيه: (إنّما هي سجدتان فقط).
أقول: لكن الإنصاف أنّ دعوى التعارض بينهما، بنحوٍ لا يمكن الجمع العرفي بينهما غير بعيدة، والترجيح مع الحسن، فالأحوط عدم ترك الذّكر فيهما.
وعلى تقدير القول بالوجوب، هل يتعيّن الذّكر المخصوص، كما عن جماعة(1)، أم يكفي مطلق الذّكر، كما عن «المبسوط» وغيره(2)؟
وجهان أقواهما الأوّل، إذ دليل اعتبار الذّكر، مختصٌّ بما اشتمل على الذِّكر المخصوص.).
ويقول فيهما: بِسم اللّه وباللّه، اللّهُمَّ صَلِّ على محمّدٍ وآل محمّد.
أو: السَّلامُ عليك أيها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته.
(و) الأظهر هو التخيّير بين الصيغتين، بمعنى أنّ له أن (يقول فيهما: بسم اللّه وباللّه، اللّهُمَّ صَلِّ على محمّدٍ وآل محمّد) (أو) يقول: بسم اللّه وباللّه (السَّلام عليك أيها النبيّ ورحمة اللّه وبركاته).
وذلك لأن خبر الحلبي المتضمّن للكيفيّتين يدلّ على التخيّير، وكان ما رواه في الموردين نُقل فعله عليه السلام - فتأمّل - أو أمره بالكيفيّتين، أو كان أحدهما نقل فعلٍ والآخر نقلُ قولٍ، كما لا يخفى.
وأمّا ما في بعض الكلمات من الجمع بين الكيفيّتين، فلم يظهر وجهه.
ولو اختار الصيغة الأُولى، لابدَّ له من الجمع بين المحتملات الستّة المتقدّمة، فإنّ كلّ واحدٍ من المشايخ نقلها بكيفيّة خاصّة، ولو اُضيف إليها ما عن بعض النسخ من تبديل الظاهر بالضمير، تصبح المحتملات ستّة، وحيث أنّ اختلاف النسخ ليس بمنزلة الروايات المتعدّدة في الحكم بالترجيح أو التخيّير، بل من قبيل اشتباه الحُجّة باللّا حجّة، فيتعيّن الجمع بين المحتملات.
اللّهُمَّ إلّاأن يُقال: إنّ ما عن بعض النسخ من التبديل بالضمير لا يعتمد عليه، في مقابل النسخ المتعدّدة المشهورة، كما أنّ تصدير (آل محمّد) بكلمة (على) لا يضرّ حتّى مع عدم وجودها في الأصل، سيّما مع أصالة عدم الزيادة المعوّل بها عند التعارض بينها وبين النقيصة، وعليه فيكفي الجمع بين ما نقلناه عن «الكافي» وعن «التهذيب».
ودعوى: أنّ الجمع مخالفٌ للاحتياط من جهة الزيادة.
مندفعة: بما تقدّم من عدم قدحها، فلا محذور في الجمع من هذه الجهة.
ولو اختار الصيغة الثانية، فقد يُقال إنّ الأظهر جواز الإتيان بها بدون كلمة (واو)، لأنّ الكليني أضبط من الشيخ، ولكن يعارض ذلك ما اُسّس في محلّه من تقدّم أصاله عدم الزيادة، وعليه فالمتعيّن هو الجمع.
لا يُقال: إنّ ما ذكر في الصيغة الأُولى من عدم إضرار الزيادة، يلزم منه البناء على كفاية الإتيان بها مع كلمة (واو).
فإنّه يُقال: إنّه في تلك الصيغة من إضافة كلمة (على) لا يلزم حذف شيءٍ آخر، بخلاف هذه الصيغة، حيث يلزم من إضافتها، إلغاء كلمة (الف) وعدم قراءتها.
الأمر الرابع: في التشهّد، فإنّه لا كلام ولا خلاف في جزئيّته واعتباره، إنّما الكلام فيه في أنّه هل هو واجبٌ كما هو المشهور شهرة عظيمة(1)، بل عن «المعتبر»(2)و «المنتهى»(3)الإجماع عليه، أم أنّه مستحبٌّ؟
ظاهر جملة من النصوص هو الأوّل، لاحظ:
1 - موثّق أبي بصير الوارد فيه قوله عليه السلام: «يسجد سجدتين يتشهّد فيهما»(4).
2 - وخبر الحسن الصيقل، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «قال قلت: أليس قلتَ في
الفريضة إذا ذكره بعدما رَكَع مضى في صلاته، ثمّ سجد سجدتي السَّهو بعدما ينصرف يتشهّد فيهما؟ قال: ليس النافلة مثل الفريضة»(1).
3 - وصحيح الحلبي، عنه عليه السلام: «واسجد سجدتين بغير ركوع ولا قراءة، يتشهّد فيهما تشهّداً خفيفاً»(2).
ولكن قد يُقال: إنّه يتعيّن صرفها عن ظاهرها، وحملها على الاستحباب:
1 - لخبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «إذا لم تدر خَمْساً صلّيت أم أربعاً، فاسجد سَجدتي السَّهو بعد تسليمك وأنتَ جالس، ثمّ سَلّم بعدهما»(3).
فإنّ عدم ذكر التشهّد، مع التعرّض للسّلام، دليلُ عدم وجوبه.
2 - ولخبر علي بن حمزة، عنه عليه السلام: «في ناسي التشهّد، فإذا انصرفتَ سَجدت سَجدتين لا ركوع فيهما، ثمّ تتشهّد التشهّد الذي فاتك»(4).
حيث أمره فيه بالتشهّد فيهما التشهّد الذي فاته.
3 - ولموثّق عمّار المتقدّم(5).
أقول: أمّا خبر أبي بصير، وإنْ كان مُشعِراً بعدم الوجوب، لكنّه لا يصلح معارضاً لما هو ظاهر فيه.
أمّا خبر علي بن حمزة فلم يُعمل بظاهره، كما أنّ موثّق عمّار قد مرّ حاله.
فإذاً الأحوط البناء عملاً على الوجوب.2.
1) وسائل الشيعة: ج 6/404 باب 8 من أبواب التشهّد ح 8292، الكافي: ج 3/448 ح 22.
2) وسائل الشيعة: ج 8/224 باب 14 من أبواب الخَلل الواقع في الصَّلاة ح 10486، التهذيب: ج 2/196 باب 10 ح 73.
3) وسائل الشيعة: ج 8/224 باب 14 ح 10485، الكافي: ج 3/355 ح 6.
4) وسائل الشيعة: ج 8/244 باب 26 ح 10546، الكافي: ج 3/357 ح 7.
5) راجع وسائل الشيعة: ج 8/235 ح 10519، من لايحضره الفقيه: ج 1/341 ح 996، التهذيب: ج 196/2 ح 72.
ثُمّ يتشهّد خفيفاً.
(ثمّ) إنّه لا كلام في أنّ عليه أن (يتشهّد) تشهّداً (خفيفاً)، لأنّ نصوص الباب جملة منها مقيّدة بالخفيف، ومقتضى حمل المطلق على المقيّد البناء على ذلك.
المراد من الخفيف: الكلام في بيان المراد من التشهّد الخفيف، وأنّه هل يكون عبارة عن التشهّد المعهود في الصَّلاة، وإطلاق الخفيف عليه إنّما هو في قِبال التشهّدات المفصّلة؟
أم أنّ المراد منه قراءة الشهادة: أشهدُ أنْ لا إله إلّااللّه، وأشهدُ أنّ محمّداً رسول اللّه، اللّهُمَّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد؟
أقول: الأظهر هو الأوّل، إذ لا كلام في أنّه ليس للشارع الأقدس اصطلاحٌ خاص في الخفيف في المقام، وحيثُ أنّ الظاهر من النصوص إنّما هو الإلزام بالمشروع، لا تشريع كيفيّة خاصّة فيه، وما هو مشروعٌ في الصَّلاة من التشهّد الخفيف، هو: (أشهدُ أنْ لا إله إلّااللّه وحده لا شريك له، وأشهدُ أنّ محمّداً عبده ورسوله، اللّهُمَّ صلِّ على محمّدٍ وآل محمّد)، ولا يكون أخفّ من ذلك مشروعاً كما تقدّم، فيتعيّن البناء على وجوب المعهود في الصَّلاة في المقام، مع أنّه أحوط، لأنّ المراد من النصوص وإنْ كان هو الخفيف بالمعنى الآخر، إلّاأنّها إنّما تدلّ على عدم مشروعيّة الزيادة على الخفيف، لا على مانعيّة الزيادة، وعليه فالإتيان بالمعهود بقصد أنّه المأمور به أو مشتملٌ عليه يكون مجزئاً قطعاً، بعد فرض عدم مبطليّة الزيادة فيهما، كما تقدّم.
فتحصّل: أنّ البناء على لزوم التشهّد المتعارف في الصَّلاة، لو لم يكن أظهر،
لا شبهة في أنّه أحوط.
الأمر الخامس: لا خلاف ولا كلام في أنّ عليه أن (يُسلِّم)، وعن غير واحدٍ دعوى الإجماع عليه(1).
ويشهد به صحيح ابن سنان، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«إذا كنتَ لا تدري أربعاً صلّيت أم خمساً، فاسجد سَجدتي السَّهو بعد تسليمك، ثمّ سَلّم بعدهما»(2).
ونحوه موثّق أبي بصير(3).
والكلام في معارضتهما مع موثّق عمّار على ما تقدّم في التشهّد.
فإذاً الأحوط الوجوب، وهما وإنْ وردا في مورد خاص، إلّاأنّه يثبت في سائر الموارد بعدم القول بالفصل.
أمّا كيفيّة السَّلام فقد تقدّم في سلام الصَّلاة، لأنّ الظاهر من الأمر به، مع عدم بيان كيفيّة خاصّة فيه، هو السَّلام المعهود في الصَّلاة.
***6.
يدور البحث في هذا المقام في أنّه هل القضاء بالأمر الأوّل أو بأمرٍ جديد؟
أقول: لا إشكال ولا خلاف في وجوب قضاء الفائتة اليوميّة، بل هو من الضروريّات في الجملة، وتنقيح الكلام في المقام، يقتضي البحث في مسائل:
المسألة الأُولى: في أنّه هل يكون القضاء بالأمر الأوّل أو بأمرٍ جديد؟
والكلام في هذه المسألة يقع في موردين:
أحدهما: في مقام الثبوت.
ثانيهما: في مقام الإثبات.
أمّا المورد الأوّل: فالصور المعقولة فيه أربع:
1 - أن يكون هناك مصلحتان: أحدهما مترتّبة على الفعل، والثانية مترتّبة على إيقاعه في الوقت، وبتبع ذلك يكون هناك أمران: أحدهما متعلّق بالفعل، والآخر بإيقاعه في الوقت.
2 - أن تكون المصلحة المترتّبة على الفعل في الوقت واحدة، والأمر المتعلّق به واحداً، ولكن بعد مُضيّ الوقت توجد مصلحة اُخرى في الفعل موجبة للأمر به في خارج الوقت.
3 - عين هذه الصورة مع كون المصلحة المترتّبة عليه في خارج الوقت مرتبةً ضعيفة من المترتّبة على الفعل في الوقت.
4 - كون المصلحة واحدة مع عدم المصلحة في الفعل في خارج الوقت أصلاً.
وفي الصورة الأُولى يكون القضاء واجباً بالأمر الأوّل، وفي الصورة الثانية والثالثة يكون واجباً بأمرٍ جديد، وفي الصورة الرابعة لا يجب أصلاً.
وأمّا المورد الثاني: فالكلام فيه يقع:
تارةً: فيما تقتضيه الاُصول العلميّة.
واُخرى: في مقتضى الأدلّة الاجتهاديّة.
أمّا الاُصول: فإنْ علم أنّ الواجب يكون بنحو وحدة المطلوب لا تعدّده، ولكن شكّ في أنّه هل يجب القضاء لأجل حدوث مصلحة اُخرى، أم لا؟ فإنّه لا سبيل إلى جريان الاستصحاب، لأنّه:
إنْ اُريد به استصحاب شخص الوجوب، الثابت له في الوقت، فهو متيقّن الارتفاع بتبع ارتفاع المصلحة.
وإنْ اُريد به استصحاب بقاء الكلّي، فهو من قبيل القسم الثالث من أقسام الكلّي، والمختار عدم جريان الاستصحاب فيه كما حُقّق في محلّه.
وأمّا إذا شكّ في أنّه بنحو تعدّد المطلوب أو وحدته، فقد يُقال إنّه يجري الاستصحاب فيه، لأنّه من قبيل القسم الثاني من أقسام الاستصحاب الكلّي، إذ لو كان بنحو تعدّد المطلوب، يكون الوجوب المتعلّق بالفعل باقياً بعد الوقت، ولو كان بنحو وحدة المطلوب كان أمده آخر الوقت، فيكون الحادث مردّداً بين الطويل والقصير، وعليه فيجري الاستصحاب فيه بناءً على جريانه في القسم الثاني من أقسام الكلّي.
ولكن يرد عليه أوّلاً: أنّ الحقّ عدم جريان الاستصحاب في الأحكام مطلقاً، لكونه محكوماً لاستصحاب عدم الجعل، فلا يجري هذا الأصل.
وثانياً: الثابت في محلّه جريان استصحاب عدم حدوث الفرد الطويل، غير المعارض بأصالة عدم الفرد القصير في الأحكام والمجعولات الشرعيّة، ويترتّب عليه ارتفاع الكلّي وعدم بقائه، وليس باب المجعولات الشرعيّة من قبيل الموجودات الخارجيّة، حتّى يكون الأصل المزبور بالنسبة إلى ارتفاع الكلّي مثبتاً، وتمام الكلام في محلّه، فيتعيّن الرجوع في جميع الموارد إلى أصالة البراءة.
وأمّا الدليل الاجتهادي: فإنْ ورد أمرٌ بالمقيّد دون أن يكون ظهور له ولا إطلاق في ثبوت الوجوب بعد الوقت، بل كان ظاهره دالّاً على عدم بقائه، وإنْ كان التوقيت بدليلٍ منفصل:
1 - فإنْ كان لدليل التوقيت إطلاقٌ، فلا محالة يقيّد إطلاق الدليل الأوّل، وتكون النتيجة ثبوت الوجوب للمؤقّت مطلقاً، ولازم ذلك ارتفاعه بمضيّ الوقت.
2 - وإنْ لم يكن له إطلاق، فحيث أنّ المتيقّن من دليل التوقيت، هو تقيّيد الإطلاق في صورة التمكّن من إتيان العمل في الوقت، أمّا العاجز فإطلاق الدليل بالنسبة إليه يكون بلا مقيّدٍ، فيؤخذ به، ويثبت وجوب القضاء في حقّه بالإطلاق، ثمّ يلحق به المتمكّن العاصي بضميمة عدم الفصل.
المسألة الثانية: بعدما ثبت أنّ وجوب قضاء الفوائت اليوميّة في الجملة يعدّ من الضروريّات، يقع الكلام في أنّه:
هل يكون دليلٌ ثانوي يدلّ على وجوب قضاء الفائت مطلقاً إلّاما خرج بالدليل أم لا؟
أقول: يمكن الاستدلال للوجوب بوجوه:
1 - الإجماع،(1)فإنّ الظاهر أنّ هذا من المسلّمات عندهم.
2 - استفادة ذلك من النصوص الخاصّة الواردة في موارد خاصّة، من الحائض الّتي طَهُرت قبل خروج الوقت، والناسي والنائم وغيرهما، التي ستمرّ عليك جملةٌ منها.
3 - بعض النصوص، كصحيح زرارة والفضيل أو حسنهما عن الإمام الباقر عليه السلام: في حديثٍ: «متى استيقنتَ أو شككتَ في وقتها أنّك لم تُصلّها أو في وقت فوتها أنّك لم تُصلّها صَلّيتها، وإنْ شككت بعدما خَرَج وقت الفوت، وقد دخل حائلٌ، فلا إعادة عليك من شكّ حتّى تستيقن، فإن استيقنت فعليك أن تُصلّيها في أيّ حالةٍ كُنت»(2).
والظاهر أنّ المراد من (وقتها) وقت الفضيلة، ومن (وقت فوتها) وقت الإجزاء.
فالمتحصّل: من هذا الخبر الحسن أنّ من تيقّن ترك الصَّلاة في وقت الفضيلة أو الإجزاء أو شكّ فيه، أتى به، ومَن شَكّ فيه بعد الوقت لا شيء عليه، ومن تيقّن ذلك وجب عليه القضاء، فيدلّ هذا الخبر الحسن على وجوب قضاء الفائت من اليوميّة مطلقاً، خرج ما خرج.
ودعوى:(3)أنّ الخبر الحسن واردٌ في مقام بيان عدم الاعتناء بالشكّ بعدالوقت، وأنّ المعيار اليقين بالترك، وليس في مقام تشريع القضاء، كي يتمسّك بإطلاقه.3.
مندفعة: بأنّه عليه السلام بعد بيان هذا الحكم، قال: (فإن استيقنت فعليك... الخ)، وظهور هذه الجملة في الإطلاق لا ينبغي إنكاره. فتدبّر.
أقول: أمّا الموضوع فيدور البحث فيه عن أنّه:
هل هو الفريضة الواجبة في وقتها؟
أم ما كان فيها ملاك الوجوب، وإنْ لم يكن هناك طلبٌ في الوقت، لفقد ما يتوقّف فعليَّة الطلب عليه عقلاً كالقدرة؟
أم الصَّلاة وإنْ لم يكن فيها ملاك الوجوب أصلاً من جهة فقد القيود المعتبرة فيه شرعاً؟
ظاهر الخبر الحسن هو الأخير، فإنّ متعلّق اليقين في قوله عليه السلام: (وإنْاستيقنت) بقرينة ما تقدّم كونه ترك الصَّلاة، وعدم الإتيان بها، سواءٌ أكان ذلك لعذرٍ شرعي أم عقلي، أو لا عن عذرٍ، فمقتضى إطلاق الخبر الحسن وجوب قضاء الصَّلاة اليوميّة إذا تُركت مطلقاً، غاية الأمر خرج عن ذلك موارد ستمرّعليك، وستعرف الجامع بينها.
وقد استدلّ لذلك بجملة من النصوص الاُخر، وهي ما بين ضعيف السَّند وقاصر الدلالة.
المسألة الثالثة: لا فرق في وجوب القضاء بين ترك الصَّلاة رأساً أو الإخلال بشيءٍ من أجزائها أو شرائطها الموجب لبطلان الصَّلاة، إذ المعيار ترك الصَّلاة المأمور بها، وهو كما يكون بتركها رأساً كذلك يكون بالإخلال بما يُعتبر فيها.
أقول: فصّل بعضهم في الإخلال بالاُمور المعتبرة في الصَّلاة:
بين ما ثبت اعتباره بدليل اجتهادي.
وبين ما ثبت اعتباره بقاعدة الشّغل.
فأوجب القضاء في الأوّل لما مرّ، دون الثاني، من جهة أنّ القضاء إنّما يكون بأمرٍ جديد، فلا يتنجّز التكليف به إلّابعد إحراز الفوت الذي اُنيط به التكليف، وهو في هذا المورد مشكوك فيه، لأنّ الإخلال بما يؤتى به من باب الاحتياط، لا يوجبُ الجزم بحصول الفوت، واستصحاب عدم الإتيان بالمأمور به في الوقت، لا يثبت عنوان الفوت، مع أنّه من قبيل الاستصحاب في المفهوم المردّد.
وفيه: إنّ الموضوع ليس عنواناً وجوديّاً، بل ترك المأمور به كما تقدّم، فاستصحابه لا يكون مثبتاً، وقد عرفت في هذا الشرح مراراً أنّ الأظهر جريان الاستصحاب في الشبهات المفهوميّة.
الخامسة: المكلَّف إذا أخلَّ بالصّلاة عمداً أو سهواً، أو فاتته بنومٍ، أو سكرٍ وكان مُسلماً قضى، وإنْ كان مُغمىً عليه جميع الوقت، أو كان كافراً فلا قضاءَ، والمرتدّ يقضي، ولو لم يجد ما يتطهّر به من الماء والتّراب سقطت، أداءً وقضاءً.
المسألة (الخامسة): في بيان موارد ثبوت وجوب القضاء، وموارد ثبوت عدمه.
قال المصنّف قدس سره: (المكلّف إذا أخلَّ بالصّلاة عمداً أو سهواً، أو فاتته بنومٍ أو سكرٍ، وكان مُسلِماً قضى، وإنْ كان مغمىً عليه جميع الوقت، أو كان كافراً فلا قضاء، والمرتدّ يقضي، ولو لم يجد ما يتطهّر به من الماء والتّراب سقطت، أداءً وقضاءً).
أقول: ينبغي التكلّم في موضعين:
الأوّل: في موارد ثبوت وجوب القضاء بدليل خاص.
الثاني: في موارد ثبوت عدمه.
أمّا الموضع الأوّل، فقد دل الدليل على ذلك في موارد:
منها: ما لو تركها عمداً:
والدليل على وجوبه في هذا المورد - مضافاً إلى الإجماع(1)، بل الضرورة - ما ورد في الحائض الّتي طَهُرت في آخر الوقت، الدالّ على وجوب القضاء عليها لو أخّرت الصَّلاة مسامحةً(2)، فإنّ المستفاد منه أنّ تضيّيع الصَّلاة موجبٌ لوجوب
القضاء من غير فرقٍ بين الرّجل والمرأة، وصلاة الظهر وغيرها.
ومنها: ما لو تركها سهواً:
ويشهد لوجوبه الخبر الحسن المتقدّم الذي رواه زرارة.
وحسنه الآخر، عن الإمام الباقر عليه السلام: «عن رجلٍ صَلّى بغير طهور، أو نَسي صلواتٍ لم يُصلّها، أو نام عنها؟ قال عليه السلام: يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعةٍ ذكرها من ليلٍ أو نهار»(1).
ونحوهما غيرهما من النصوص الكثيرة.
ومنها: ما لو نام عن الصَّلاة حتّى انقضى الوقت:
ويشهد لوجوبه الخبرين الحسنين المتقدّمين وغيرهما من النصوص.
وعن «المبسوط»(2)، و «الذكرى»(3)، و «الميسيّة»(4)، و «المسالك»(5): لو كان النوم على خلاف العادة، فالظاهر التحاقه بالإغماء.
واستدلّ له: بانصراف النصوص إلى النوم العادي، وعدم ثبوت إطلاق القضاء.
وفيه: - مضافاً إلى ما تقدّم من وجود الإطلاق - إنّ العادة لا توجب انصرافاً يؤدّي إلى تقييد الإطلاق.
نعم، يمكن أن يُستدلّ على عدم وجوب القضاء للنوم الغالب، بما ورد في جملةٍ من نصوص المُغمى عليه الآتية، مثل قوله عليه السلام: (كلّما غَلَب اللّه تعالى عليه.. الخ)،0.
لأنّه سيأتي تعيّن الأخذ بعموم العلّة.
أقول: ولكن في خصوص المقام، لا يمكن التمسّك بالعموم للأسباب التالية:
1 - عدم القائل بذلك.
2 - وأنّ النوم من الأعذار العاديّة الجارية على مقتضى الطبع، وظاهرُ التعليل إرادة الأعذار الطارئة كما قيل.
3 - أخبار نوم النبيّ صلى الله عليه و آله المختصّة بتنويمه من قِبل اللّه تعالى، كما وقع التصريح به في بعض النصوص.
وعليه، فالقول بوجوب القضاء مطلقاً هو الحكم الأظهر.
وقد نُسب إلى جماعة تبعاً للشيخ قدس سره أنّه يجب أن يصوم(1)- من نام في العُتَمة فلم يقم إلى بعد انتصاف اللّيل - في نهار تلك اللّيلة.
ويشهد له خبر عبد اللّه بن المغيرة، عمّن حدّثه عن الإمام الصادق عليه السلام: «في رجلٍ نام عن العُتَمة فلم يقم إلى انتصاف اللّيل؟ قال عليه السلام: يُصلّيها ويصبح صائماً»(2).
ولكن لجهالة عبد اللّه وإرسال الخبر لا يُعتمد عليه.
نعم، لا بأس من القول باستحبابه، كما هو المشهور لأخبار من بلغ.
وبذلك يظهر اندفاع ما يتوهّم من أنّ الأصحاب أفتوا بمطلوبيّة الصوم، فضعف الخبر ينجبر بعمل الأصحاب.
وجه الاندفاع: أنّهم أفتوا بالاستحباب لقاعدة التسامح، لا للاعتماد على الخبر،).
1) الكافي في الفقه: ص 188 نسبه إلى العلّامة، كشف اللّثام (ط. ق): ج 2/242، قوله: (ومن نام عن صلاة العشاءحتّى خرج نصف اللّيل أصبح صائماً ندباً على رأي، وفاقاً لابن إدريس الحِلّي والمحقّق، وأطلق الشيخان وجماعة إنّه يصبح صائماً، وصرّح السيّد في الانتصار بالوجوب عليه وادّعى الإجماع عليه).
2) وسائل الشيعة: ج 4/216 باب 29 ح 4957، الكافي: ج 3/295 ح 11 (إلّا بعد انتصاف).
وإلّا لأفتوا بالوجوب.
ومنها: ما لو صَلّى بغير طهور.
ويشهد لوجوب القضاء في هذا المورد جملةٌ من النصوص المتقدّم بعضها.
أمّا السكران والمرتدّ: فقد صرّح الفقهاء بوجوب القضاء على من فاتته الصَّلاة بسُكرٍ ولارتدادٍ، ولكن لا خصوصيّة فيهما، وإنّما يجب القضاء للعموم المتقدّم، وستعرف القول بعدم وجوبه على من شرب المسكر مُكرَهاً أو مضطرّاً أو نحو ذلك من الأعذار، فانتظر.
وأمّا الموضع الثاني: البحث عن الموارد التي ثبت عدم وجوب القضاء فيها:
فمنها: الصَّلاة التي تُركت في حال الصغر.
ومنها: الصَّلاة التي تُركت في حال الجنون.
أقول: عدم وجوبه في الموردين مُجمعٌ عليه بين الأصحاب(1)، بل لعلّه من الضروريّات، وهذا ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في ما إذا كان الجنون بفعله:
فعن الشهيدين(2)، وجماعة وجوب القضاء عليه(3)، وادّعى الشهيد قدس سره الإجماع عليه(4)، واستدلّ له بمفهوم قوله عليه السلام: (كلّما غَلَب اللّه عليه... إلى آخره)(5).
وفيه: ما سيأتي في محلّه من أنّه لا مفهوم له، فالأولى الاستدلال له بالعموم المتقدّم، خرج عنه ما إذا كان الجنون بآفةٍ سماويّة، وبقي الباقي.
ودعوى: أنّ إطلاق معاقد الإجماعات المُدّعاة على عدم وجوبه على المجنون يشمل هذا الجنون أيضاً.
مندفعة: بأنّه لا سبيل إلى هذه الدعوى، بعد تصريح جماعةٍ منهم بالوجوب.
مع أنّه يمكن أن يُقال: إنّ مستند القول بعدم وجوب القضاء على المجنون، إنّما هو عموم قوله عليه السلام: (كلّما غَلَب اللّه عليه... إلى آخره)، وهذا مختصّ بما إذا كان الجنون بآفةٍ سماويّة.
ودعوى: أنّ مقتضى حديث رفع القلم عن المجنون(1)، عدم وجوب الأداء عليه، وبتبعه لا يجبُ القضاء.
مندفعة: بأنّ وجوب القضاء ليس تابعاً لوجوب الأداء بالفعل، ولذا يجب على النائم القضاء، ولا يجب عليه الأداء.
وعليه، فالأظهر هو وجوب القضاء عليه إذا كان الجنون بفعله.
ومنها: الصَّلاة التي تُركت للإغماء المستوعب للوقت، كما هو المشهور(2)، وعن «الغُنية» دعوى الإجماع عليه(3).
ويشهد له: نصوصٌ كثيرة:
1 - صحيح أيّوب بن نوح، قال: «كتبتُ إلى أبي الحسن عليه السلام عن المُغمى عليه8.
يوماً أو أكثر، هل يقضي ما فاته من الصَّلاة أم لا؟ فكتب عليه السلام: لا يقضي الصوم ولا يقضي الصَّلاة»(1).
2 - وصحيح الفضل بن شاذان، عن الإمام الرضا عليه السلام في حديثٍ، قال:
«وكذلك كلّما غَلَب اللّه عليه مثل المُغمى عليه يُغمى عليه في يومٍ وليلة، فلا يجب عليه قضاء الصَّلوات كما قال الإمام الصادق عليه السلام: كلّما غَلَب اللّه على العبد فهو أعذرُ له»(2).
3 - وخبر موسى بن بكر الذي رواه الصدوق في «الخصال» بسنده عنه، قال:
«قلتُ لأبي عبد اللّه عليه السلام: الرّجل يُغمى عليه اليوم أو اليومين أو الثلاثة أو الأربعة أو أكثر من ذلك، كم يقضي من صلاته؟
فقال: ألا اُخبرك بما يجمع لك هذا وأشباهه، كلّما غَلَب اللّه عزّ وجلّ من أمر فاللّه أعذر لعبده».
قال: (وزاد فيه غيره: أنّ أبا عبد اللّه عليه السلام قال: وهذا من الأبواب التي يفتح من كلّ بابٍ منها ألف باب)(3).
وعن ابن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام: «كلّما غَلَب اللّه عليه، فليس على صاحبه شيء»(4)، ونحوها غيرها من النصوص.
أقول: وبإزاء هذه النصوص طوائف من الأخبار.
منها: ما ظاهره وجوب القضاء عليه مطلقاً، كحسن محمّد بن مسلم، عن3.
الإمام الباقر عليه السلام: «عن الرّجل يُغمى عليه، ثمّ يفيق؟ قال عليه السلام: يقضي ما فاته»(1).
ونحوه صحاح ابن حازم ورفاعة وابن سنان وغيرها(2).
ومنها: ما ظاهره وجوب القضاء، إذا كان الإغماء ثلاثة أيّام، كموثّق سماعة:
«عن المريض يُغمى عليه؟ قال: إذا جاز عليه ثلاثة أيّام، فليس عليه قضاءٌ، وإذا اُغمي عليه ثلاثة أيّام، فعليه قضاء الصَّلاة فيهنّ»(3).
ومنها: ما ظاهره وجوب قضاء ثلاثة أيّام فيما لو جازها، كخبر أبي بصير، قال:
«قلتُ لأبي جعفر عليه السلام: رجلٌ اُغمي عليه شهراً، أيقضي شيئاً من صلاته؟ قال عليه السلام:
يقضي منها ثلاثة أيّام»(4).
ومنها: ما دلَّ على أنّه يقضي صلاة يوم واحدٍ، كصحيح حفص، عن الإمام الصادق عليه السلام: «يقضي صلاة يومٍ»(5).
أقول: ولكنّها لا تمنع من العمل بتلك النصوص، لصراحتها في عدم الوجوب في جميع الموارد الّتي تكون هذه النصوص ظاهرة في الوجوب فيها.
مع أنّ الطائفة الثانية صريحة في عدم وجوب القضاء، إذا جاز ثلاثة أيّام، وقد دلَّت الطائفة الثالثة على وجوبه.
وعليه، فالجمع العرفي بينها يقتضي حمل هذه النصوص بأجمعها على8.
1) وسائل الشيعة: ج 8/64 باب 4 ح 10606، التهذيب: ج 3/304 باب 30 ح 14.
2) وسائل الشيعة: ج 8/265 باب 4 ح 10607 و 10608 وص 264 ح 10605.
3) وسائل الشيعة: ج 8/265 باب 4 ح 10609، التهذيب: ج 3/303 باب 30 ح 7.
4) وسائل الشيعة: ج 8/266 باب 4 ح 10615، التهذيب: ج 4/244 باب 59 ح 13.
5) وسائل الشيعة: ج 8/266 باب 4 من أبواب قضاء الصَّلوات ح 10613 وح 10618، التهذيب: ج 3/303 باب 30 ح 8.
الاستحباب، ويُحمل ما فيها من الإختلال على اختلاف مراتب الفضيلة.
ويشير إليه خبر أبي كهمس، عن الإمام الصادق عليه السلام: «وسأل عن المُغمى عليه أيقضي ما تركه من الصَّلاة؟ فقال عليه السلام: أمّا أنا وولدي وأهلي فنفعل ذلك»(1). ونحوه خبر منصور(2).
ومقتضى إطلاق بعض النصوص والفتاوى، كصريح بعضٍ، عدم الفرق في المُغمى عليه بين كون الإغماء باختياره أو بآفةٍ سماويّة.
وعن الشهيد رحمه الله في «الذكرى»(3)وجوب القضاء عليه فيما كان الإغماء باختياره، ونَسَبه إلى الأصحاب، ووافقه بعض المتأخّرين(4).
واستدلّ له:
1 - بانصراف النصوص إلى الغالب المتعارف، وهو ما إذا كان الإغماء بآفةٍ سماويّة.
2 - وبالتعليل في النصوص بأنّه: (كلّما غَلَب اللّه عليه فهو أولى بالعُذر).
بتقريب: أنّه يدلّ على اختصاص الحكم بمورد ثبوت العلّة، وهو كون العذر الموجب لفوات الصَّلاة مِن قِبل اللّه تعالى دون المكلّف.
ولكن يرد على الأوّل: أنّ الإنصراف الناشيء عن قلّة وجود فردٍ لا يصلح لتقييد الإطلاق.
ويرد على الثاني: أنّ العلّة وإنْ كانت تُعمّم وتخصّص، إلّاأنّ الجملة المُشار إليها1.
ليست علّة مصرّحة، بل هي كبرى كليّة شاملة للمورد، يستفاد منها العلّية، نظير ما إذا ورد: (كلّ مسكرٍ حرام) في الجواب عن السؤال عن حكم الخمر، أو بعد بيان حكمها، فإنّه وإنْ كان يستفاد منه حكم كلّ مسكرٍ، إلّاأنّه لا يدلّ على عدم حرمة غير المسكر، وإنْ كان خمراً، ففي المقام وإنْ يستفاد من تلك الفقرة أنّ كلّ عُذرٍ إذا كان من قِبل اللّه تعالى لا يجبُ فيه القضاء، إلّاأنّه لا يستفاد منها وجوب القضاء إذا كان العُذر بفعله، كي توجبُ تقيّيد إطلاق النصوص الدالّة على عدم الوجوب عليه.
ومقتضى عموم هذه الجملة، أنّ كلّ عذرٍ مانعٌ عن أداء الصَّلاة في وقتها إذا لم يكن من قِبَله وباختياره، كما إذا شرب المُسكر بغير اختياره، فأصبح سكراناً ففات منه الصَّلاة، فإنّه لا يجب معه القضاء.
وما ذكره بعض المعاصرين:(1)من أنّه لا إطلاق لذلك بنحو يكون قاعدة كليّة في مقابل عموم القضاء، إذ ليس ما يقتضي العموم من قرينة لفظيّة أو حاليّة أو عقليّة، لعدم ورود الكلام لبيان ذلك، بل هو في مقام الإشارة إليها في الجملة.
غريبٌ: فإنّه مضافاً إلى صلاحيّة أداة (كلّ) في نفسها لذلك، أنّ بعض نصوص الباب مسوقٌ لبيان هذه الكليّة، لتكون قانوناً كليّاً، وينفتح منه ألف باب، راجع خبر موسى بن بكر(2)، وصحيح الفضل(3).
ودعوى: أنّ ذلك يتمّ في مواردَ لم يدلّ دليلٌ بإطلاقه على وجوب القضاء، ولا4.
يتمّ في ما ثبت فيه ذلك، فإنّ النسبة حينئذٍ عمومٌ من وجه، فلا وجه لتقديم هذه.
ممنوعة: لأنّ المحقّق في محلّه أنّه عند تعارض العامين من وجه إذا كانت دلالة أحدهما على حكم المجمع بالعموم ودلالة الآخر بالإطلاق، يكون الأوّل مقدّماً، وعليه فهذه تقدّم على إطلاق دليل وجوب القضاء.
ومنها: الحَائض والنُّفساء، وقد تقدّم الكلام فيهما، وفي الفروع المتعلّقة بهما في هذا الشرح(1)في مبحث الحيض مفصّلاً.
إنّما الكلام في المقام في أنّه إذا كان حصول الحيض باختياره وبفعله، فهل يجب عليها القضاء، كما عن بعض المحقّقين رحمه الله(2)أم لا يجب ذلك عليها؟
استدلّ للأوّل: بمفهوم قوله عليه السلام: «كلّما غَلَب اللّه عليه... الخ»(3).
وفيه أوّلاً: ما تقدّم من أنّه لا مفهوم له، لعدم كونه من قبيل العلّة كي يُدّعى ظهوره في الانحصار، فراجع.
وثانياً: إنّه لو سُلّم كونه علّة منحصرة، لا وجه لتقيّيد إطلاق نصوص الباب به، وذلك لأنّ التعدّي عن عموم العلّة إنّما يصحّ بالإضافة إلى منطوقها دون المفهوم، فلو قيل: (لا تأكل الرمّان لأنّه حامض) يتعدّى عن مورد العلّة في المنطوق، ويُقال إنّه لا يجوز أكل كلّ حامض، ولكنّه لا يتعدّى عن مفهومها، ولا يحكم بجواز أكل فاكهة اُخرى إذا لم تكن حامضة، فلا يصحّ في المقام التعدّي عن مورد مفهوم العلّة المزبورة، والحكم بوجوب القضاء على الحائض.5.
ومنها: الصَّلاة التي تُركت في حال الكفر الأصلي، فلا يجب على مثل هذا الكافر القضاء لو أسلم إجماعاً، حكاه جماعة(1)، بل قيل إنّه من الضروريّات.
واستدلّ له: بالنبوي المشهور(2): «الإسلام يجبُّ ما قبله»، فقد رواه أبو الفرج الأصبهاني، وابن هشام في سيرته في حكاية إسلام مغيرة بن شُعبة، كما رواه ابن سعد في كتابة «الطبقات الكبير»، في قصة إسلام المُغيرة وغدره برفقائه، ورواه أيضاً عليّ بن ابراهيم في تفسيره(3)ذيل قوله تعالى: (وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ اَلْأَرْضِ يَنْبُوعاً) (4)في قصّة إسلام عبد اللّه أخي اُمّ سلمة، وروي في «السيرة الحلبيّة»(5)في قصّة إسلام أخي عثمان، وفيها أيضاً عن إسلام هبّار(6)، كما أنّه مرويٌّ في «الخصائص الكبرى»(7)، ورواه الطبراني مع زيادة: (والهجرة تجبُّقبلها).
وفي «مجمع البحرين» مع زيادة قوله صلى الله عليه و آله: «والتوبة تجبُّ ما قبلها من الكفر والمعاصي والذنوب».
وفيه: أنّ الظاهر منه، لا سيّما بعد ملاحظة ذيله، أنّ الإسلام يَجُبُّ الكفر ويقطعه،
1) الخلاف: ج 1/443، غنية النزوع: ص 100، وغيرهما.
2) ورد هذا الحديث في العشرات من الكتب التفسيريّة وبعض المراجع الروائيّة وغيرهما، لا سيّما في كتب أهل العامّة.
3) تفسير القمّي: ج 2/26.
4) سورة الإسراء: الآية 90.
5) السيرة الحلبيّة، المجلّد الثالث ص 105، قصّة إسلام أخي عثمان.
6) السيرة الحلبيّة، المجلّد الثالث ص 106 قصّة إسلام هبّار.
7) الخصائص الكبرى: ج 1/249.
لا أنّه يَجبُّ ماثبت في حال الكفر.
فالأولى الاستدلال له بما في المرتضوي المرويّ في «البحار»(1)في باب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام، من قوله عليه السلام في مَن طلّق امرأته في الشرك تطليقة وفي الإسلام تطليقتين: «هَدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة».
وما عن «مناقب ابن شهر آشوب»: «في من طلّق زوجته في الشرك تطليقة، وفي الإسلام تطليقة؟ قال علي عليه السلام: هَدَم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة»(2).
والإيراد عليه: بالارسال في غير محلّه، بعد كونه مشهوراً بين الأصحاب، فلا إشكال في الحكم فتوى.
إنّما الإشكال في تصوير تكليف الكافر بالقضاء، وسقوطه عنه بالإسلام، وذلك لأنّه في حال الكفر لا تصحّ الصَّلاة منه، بل لو أراد أن يأتي بالصّلاة لابدَّ له من الإسلام، ولو أسلم سقط عنه التكليف، فالأمر بالقضاء بالنسبة إليه لا يصلح للداعوية، ولذا اختار سيّد «المدارك» رحمه الله(3)أنّه غير مخاطبٍ بالقضاء، وإنْ كان مخاطبا بغيره من التكاليف.
أقول: الأظهر أنّه يعدّ معاقباً على ترك قضاء الصَّلاة إلّاإذا أسلم، ولكن لا يكون مكلّفاً بتكليف فعليّ متوجّه إليه حال الكفر.
توضيح ذلك: أنّ في الصَّلاة الأدائيّة بالنسبة إليه مصلحة ملزمة داعية إلى9.
إيجابها، وفي القضاء أيضاً مصلحة ملزمة على تقدير عدم الأداء كالمسلم، وهو يتمكّن في الوقت من أن يَسلم ويأتي بالأداء، أو على فرض تركها في الوقت، يأتي بها في خارج الوقت قضاءً.
وعليه، فإذا لم يُسْلم في الوقت ومضى، فبعده وإنْ كان لا يتمكّن من القضاء، إلّا أنّ ذلك إنّما يكون بسوء اختياره، وقد ثبت في محلّه أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً، وإنْ نافاه خطاباً، فيُعاقب على عدم القضاء، وإنْ أسلم فلا يُعاقب على ذلك، لأنّ الإسلام يهدم ما قبله.
ولعلّ ما ذكرناه هو مراد السيّد في «المدارك»، حيث التزم بأنّ الكافر غير مكلّف بالقضاء فلا إيراد عليه.
وربما أُورد عليه: بأنّه إنْ اُريد أنّه لا فائدة في تكليف الكافر بالقضاء، ففيه أنّ فائدته العقاب على تركه.
وإنْ اُريد امتناعه في نفسه، ففيه أنّه يتمّ لو كُلّف بالقضاء بشرط بقائه على الكفر، لكنّه ليس كذلك.
وفيه: إنّ العقاب ليس أثر التكليف والغرض الدّاعي إليه، بل الغرض من التكليف هو صيرورته داعياً إلى الفعل أو زاجراً عنه، فمع عدم التمكّن من الفعل لا معنى لجعله.
الأمر الأوّل: أنّه هل يجب على المرتدّ قضاء ما فات منه حال رِدّته بعد عوده إلى الإسلام، أم لا، أم يجب التفصيل بين المرتدّ المِلّي فيجب، والفطري فلا يجب؟ وجوهٌ، بل أقوال.
يشهد للأوّل: عموم دليل القضاء.
واستدلّ للثاني: بأنّه كافرٌ فيشمله ما دلَّ على عدم الوجوب على الكافر.
وفيه: إنّ المدرك لنفي القضاء على الكافر: إمّا الإجماع، أو قوله عليه السلام: «هَدَم الإسلام ما كان قبله».
أمّا الأوّل: فعدم شموله للمرتدّ واضحٌ، لذهاب جمع(1)إلى الوجوب.
أمّا الثاني: فلأنّ ظاهره أنّ الهادم إسلام من كان كافراً قبله بقول مطلق، ولا يشمل من كان مسلماً ثمّ كفر.
واستدلّ للثالث: بأنّ المرتدّ الفطري لا يقبل إسلامه، كما دلّت النصوص عليه، فهو لا يتمكّن من القضاء، لأنّ شرط صحّته الإسلام، فلا يكون مأموراً به.
وفيه: ما ذكرناه في الجزء الأوّل من هذا الشرح في مطهريّة الإسلام من إمكان قبول إسلام المرتدّ الفطري، فراجع.(2)
فتحصّل: أنّ الأظهر أنّ المرتدّ بعد إسلامه يقضي ما فات منه زمان ردّته، وتصحّ الصَّلاة منه.
الأمر الثاني: هل يجب على المخالف قضاء الصَّلاة بعد استبصاره أم لا؟
أقول: إنّ حالاته:
تارةً: لا يأتي بالصّلاة أصلاً.
واُخرى: يأتي بها على وجهٍ يوافق مذهبه ومذهبنا من غير جهة الولاية.
وثالثة: يأتي بها على وجهٍ يخالف مذهبه ومذهبنا.
ورابعة: يأتي بها على وجهٍ يخالف مذهبنا ويوافق مذهبه.
وخامسة: يأتي بها على العكس.
والمشهور بين الأصحاب(1)- على ما نُسِب إليهم - عدم وجوب قضاء ما أتى به على وفق مذهبه، ووجوب قضاء ما سوى ذلك، وهناك أقوالٌ اُخر(2).
والأظهر أنّه لا يقضي لو صَلّى على وجهٍ يوافق مذهبه أو مذهبنا، ويجبُ القضاء عليه، لو لم يُصلِّ أو صَلّى على وجهٍ يخالف مذهبه أو مذهبنا.
ويشهد له:
1 - صحيح الفضلاء، عن الصادقين عليهما السلام أنّهما قالا:
«في الرّجل يكون في بعض هذه الأهواء؛ الحروريّة والمُرجئة والعثمانيّة والقَدَريّة ثمّ يتوب ويعرف هذا الأمر، ويَحسُن رأيه، أيُعيد كلّ صلاةٍ صلّاها أو زكاةٍ أو حَجٍّ، أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟
قال عليه السلام: ليس عليه إعادة شي من ذلك غير الزكاة، فإنّه لابدّ وأن يؤدّيها، لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها، وإنّما موضعها أهل الولاية»(3).
2 - وصحيح العِجلي، عن الإمام الصادق عليه السلام في حديثٍ قال:
«كلّ عملٍ عَمِله وهو في حال نَصبه وضلالته، ثمّ مَنَّ اللّه تعالى عليه وعرَّفه الولاية، فإنّه يؤجَر عليه إلّاالزكاة، فإنّه يُعيدها، لأنّه وضعها في غير مواضعها،1.
لأنّها لأهل الولاية، وأمّا الصَّلاة والحجّ والصيام فليس عليه قضاء»(1).
ونحوهما غيرهما.
فإنّ هذه النصوص لأجل غلبة مخالفة صلاة المخالف للمذهب، تشمل ما لو كان صلاته على وفق مذهبه، ومن جهة ترك الاستفصال تشمل ما لو كان على وفق المذهب، ولكنّها لاتشمل ما لو كان عليخلاف مذهبنا ومذهبه، لانصرافهاعن ذلك، فيكون المرجع عموم ما دلَّ على وجوب القضاء، وكذلك الأمر لو تركها رأساً.
3 - وأمّا خبر عمّار الساباطي: «قال سليمان بن خالد لأبي عبد اللّه عليه السلام وأنا جالس: إنّي منذ عرفتُ هذا الأمر أُصلّي في كلّ يوم صلاتين، أقضي ما فاتني قبل معرفتي. قال عليه السلام: لا تفعل، فإنّ الحال التي كنتَ عليها أعظم من ترك ما تركت من الصَّلاة»(2).
فلا يدلّ على عدم وجوب القضاء عليه مطلقاً، كما توهم، لأنّ من الجائز أن يكون المراد من قول الراوي: (ما فاتني)، ومن قوله عليه السلام: (من ترك ما تركت) ترك الصَّلاة الصحيحة الواقعيّة، إذ من المستبعد جدّاً ترك الصَّلاة رأساً من سليمان مع جلالة قدره، حتّى قبل الاستبصار، فينطبق مفاده على سائر الروايات، مع أنّه ضعيف السَّند.
وأمّا القول بسقوط القضاء مطلقاً فشاذٌّ.
ومقتضى إطلاق صحيح الفضلاء وغيره، أنّه لو صلّى واستبصر في الوقت،».
لا يجب الإعادة، ولا ينافيها قوله عليه السلام في صحيح العجلي: (فليس عليه قضاء)، لعدم دلالته على اختصاص نصوص الإجزاء بالقضاء، فالقول بوجوب الإعادة ضعيف.
ومنها: صلاة فاقد الطهورين، وقد تقدّم الكلام فيه في مبحث التيمّم، فراجع.(1)
فرع: ولو طرأت إحدى الأعذار الموجبة لعدم وجوب الصَّلاة أداءً وقضاءً، كالحيض والجنون وغيرهما، وقد مضى من الوقت مقدار أداء الصَّلاة، ولم يُصلِّ فهل يجب القضاء أم لا؟
أقول: تنقيح القول في ذلك، وفيما إذا زال وقد بقي من الوقت مقدار الصَّلاة مذكورٌ في مبحث أحكام الحيض(2)من كتابنا هذا، وقد أشبعنا الكلام في الموردين، فلا وجه للإعادة.
***9.
السّادسة: إذا دَخَل وقت الفريضة وعليه فائتة، تخيّر بينهما.
(السادسة: إذا دَخَل وقت الفريضة وعليه فائتة، تخيّر بينهما)، فلا يجب تقديم الفائته على الحاضرة، سواءٌ أكانت ليومٍ حاضر أم فائت، كما لعلّه المشهور بين الفقهاء.
ثمّ إنّه لا بأس بالتعرّض لمسألة اُخرى قبل هذه المسألة التي توهم ابتناء هذه المسألة عليها، وهي أنّه:
هل تجبُ المبادرة إلى فعل القضاء، أي الإتيان به فوراً أم لا؟
وبعبارة اُخرى: هل الأمر بالقضاء مبنيٌّ على المضايقة أو المواسعة؟
فالمحكي عن جماعة من الفقهاء الأساطين(1)، كالسيّد(2)، والحِلّي(3)، والحلبي(4)، وظاهر المفيد(5)، والديلمي(6)وغيرهم، القول بوجوب قضاء الفائتة فوراً، وعدم جواز التأخير، حتّى حُكي عن بعضهم(7)المنع من الأكل والشرب إلّابمقدار
1) الدروس: ج 1/145 قوله: (وأكثر الأصحاب على وجوب الفوريّة وتأخير الحاضرة وهو أحوط)، مصباح الفقيه: ج 2/604.
2) رسائل المرتضى: ج 3/38.
3) السرائر: ج 1/272.
4) الكافي في الفقه: ص 150.
5) المقنعة: ص 211.
6) المراسم العلويّة: ص 88.
7) مصباح الفقيه: ج 2/604، السرائر: ج 1/274، مختلف الشيعة: ج 3/5 حكاه عن ابن إدريس والسيّد في الرسائل: ج 3/38.
الضرورة، وعن المفيد(1)، والحِلّي(2) دعوى الإجماع عليه.
والمشهور بين الأصحاب(1)في كلّ طبقةٍ من طبقات فقهائنا من المتقدّمين والمتأخّرين، عدم وجوب فعل القضاء فوراً وجواز التأخير، وفيهم مَنْ كَثُر أتباعه، ومَنْ هو من أجلّاء أصحاب الأئمّة عليهم السلام، ولا يصدرون إلّابأمرهم، وبينهم مَن أدرك الغيبتين كما يظهر لمن راجع الكتب المصنّفة في هذه المسألة.
وهناك أقوالٌ اُخر(2)، ومع ذلك فدعوى شهرة القول بالمضايقة، بل دعوى الإجماع عليها من العجائب.
أقول: وكيف كان، فقد استدلّ للقول بالمضايقة بوجوه:
الوجه الأوّل: الأصل، والمراد به أصالة الاحتياط، إذ مع المبادرة يكون مأموناً من المؤأخذة والعقاب، ولو أخّر لا يأمن ذلك، خصوصاً مع احتمال طروّ العُذر.
وفيه: إنّ المحقَّق في محلّه، المتّفق عليه بين المجتهدين والأخباريّين، عدم وجوب الاحتياط في الشُّبهة الوجوبيّة، بل المرجع فيها أصالة البراءة.
الوجه الثاني: إطلاق أوامر القضاء بناءً على أنّها للفور:
1) الحدائق الناضرة: ج 6/336، ولكن تظهر مخالفته لبعض شقوق هذه الدعوى بقوله: (فالمتقدّمون منهم على قولين: القول بالفوريّة وهو مذهب الأكثر، إلّاأنّهم بين مصرّحٍ ببطلان الحاضرة لو قدّمها مع سِعة الوقت، والقول بالمواسعة وهو مذهب الصدوقيين، وظاهر النقل عنهما استحباب تقديم الحاضرة في السِّعة، والمتأخّرون على ثلاثة: فالمشهور بينهم هو ما ذهب إليه الصدوقان من المواسعة، إلّاأنّهم يستحبّون تقديم الفائتة).
2) مستند الشيعة: ج 7/290 حكى الشهرة عن القدماء بأنّها مستفيضة، بل حكى الإجماع عليه.
3) الخلاف: ج 2/258.
4) حكاه عن جماعة الشيخ الأعظم رحمه الله في كتاب الصَّلاة (ط. ق): ج 2/441.
أو شرعاً: كما عن السيّد(1).
وإمّا عرفاً: كما عن بعض(2).
وفيه: إنّ المحقَّق في محلّه في الاُصول،(3)عدم دلالة الأمر على الفور.
الوجه الثالث: قوله تعالى: (أَقِمِ اَلصَّلاةَ لِذِكْرِي) (4)فعن بعض الفقهاء(5)، والزمخشري(6)أنّ المراد بقوله: (لِذِكْرِي) أي لذكر الصَّلاة بعد نسيانها، لقوله صلى الله عليه و آله: «مَنْ نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها»(7).
قيل: وإنّما قال: (لِذِكْرِي) ولم يقل لذكرها:
إمّا لأنّه إذا ذَكر الصَّلاة ذكر اللّه.
أو لحذف المضاف، أي لذكر صلاتي.
أو لأنّ خلق الذِّكر والنسيان منه تعالى.
والطبرسي رحمه الله(8)بعد نقل جملةٍ من معاني الآية، نقل هذا المعنى، ونسبه إلى أكثر المفسّرين، وقال: (هو المرويّ عن أبي جعفر عليه السلام).
وفي «الذكرى»(9): (قال كثيرٌ من المفسّرين أنّها في الفائتة).2.
1) رسائل فقهيّة للشيخ الأعظم رحمه الله ص 331 (أمّا شرعاً كما عن السيّد مدّعياً إجماع الصحابة والتابعين عليه).
2) كتاب الصَّلاة للشيخ الأعظم رحمه الله (ط. ق): ج 2/441 حكاه عنهم.
3) زبدة الاصول: ج 2/14.
4) سورة طه: الآية 14.
5) مستند الشيعة: ج 7/267، جواهر الكلام: ج 13/90.
6) الكشّاف: ج 4/131 الباب 11.
7) مستدرك وسائل الشيعة: ج 6/430 باب 1 ح 7156 (فليقضها إذا ذكرها) بدل (فليصلّها)، عوالي اللآلي: ج 1/201 الفصل التاسع.
8) مجمع البيان: ج 7/13.
9) الذكرى: ص 132.
أقول: إنّه إنْ اُريد الاستدلال بالآية نفسها.
فيرد عليه: عدم ظهورها في ذلك، سيّما بعد ملاحظة كون الخطاب متوجّهاً إلى موسى على نبيّنا وآله وعليه السَّلام، في أوّل نيله إلى مقام النبوّة، بعد قوله تعالى:
(إِنَّنِي أَنَا اَللّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي..) (1) .
مع أنّ الأصل عدم التقدير، وكونه إذا ذكر الصَّلاة وإنْ كان يذكر اللّه تعالى، إلّا أنّ الكلام في العكس.
ولعلّ الأقرب، سيّما بعد ملاحظة عطف الأمر بها على الأمر بعبادته، كون اللّام للتعليل، ومتعلّقاً بأحد الفعلين، أي: فاعبدني وأقم الصَّلاة، على طريق التنازع، أي تجب العبادة والصَّلاة لوجوب ذكري، لاستلزامهما إيّاه.
ويحتمل قريباً أن يكون المراد: لذكري خاصّة لا يشوبه ذكر غيري، أو أمر بإقامة الصَّلاة لتكون ذاكراً لي غير ناسٍ، واللّه سبحانه أعلم.
وإنْ اُريد الاستدلال بالنصوص المفسّرة فسيأتي الكلام فيها.
الوجه الرابع: النصوص الواردة في تفسير الآية الشريفة:
منها: صحيح زرارة الوارد في نوم النبيّ صلى الله عليه و آله عن صلاة الصبح، وفيه قوله عليه السلام:
«مَنْ نسي شيئاً من الصَّلوات فليصلّها إذا ذكرها، إنّ اللّه تعالى يقول: (وَ أَقِمِ اَلصَّلاةَ لِذِكْرِي) (2)»(1).
وقريبٌ منه ما عن «دعائم الإسلام»(2).1.
2 - رواية اُخرى لزرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام: «إذا فاتتكَ صلاة فذكرتها في وقتٍ اُخرى، فإنْ كنت تعلم أنّك إذا صلّيت الّتي فاتتك كنتَ من الاُخرى في وقتٍ، فابدأ بالّتي فاتتكَ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (وَ أَقِمِ اَلصَّلاةَ لِذِكْرِي) »(1).
أقول: إنّ قوله عليه السلام في الصحيح: (فليصلّها إذا ذكرها) يحتمل وجوهاً:
1 - أن يكون في مقام توقيت القضاء بحدوث الذِّكر.
2 - كون التذكّر شرطاً لوجوبه.
3 - كونه في مقام بيان أنّه لا يشترط في القضاء شيءٌ سوى رفع العذر، وأنّه إنّما يصير التكليف به منجّزاً عند ارتفاعه.
4 - كونه في مقام بيان وجوب المبادرة.
ولو لم يكن في نفسه ظاهراً في المعنى الثالث، ولا بضميمة صدره المتضمّن لتقديمه صلى الله عليه و آله النافلة على قضاء صلاة الفجر، وارتحاله عن مقامه، وغير ذلك ممّا ينافي الفوريّة، لا ريب في عدم ظهوره في الرابع، فلا يصحّ الاستدلال به، مضافاً إلى اشتماله على نوم النبيّ صلى الله عليه و آله عن الصَّلاة الواجبة المنافي لمرتبة النبوّة.
وبما ذكرناه ظهر ما في النبويّ، مضافاً إلى ضعف سنده.
وأمّا خبر زرارة: فهو لو تمّت دلالته، لدلّ على لزوم الترتيب بين الفائتة والحاضرة، لا المضايقة ووجوب المبادرة.
الوجه الخامس: الأخبار الدالّة على الأمر بالقضاء عند ذكره:
1 - منها: ما في «السرائر» من الخبر المُجمع عليه بين جميع الاُمَّة: «مَنْ نام4.
1) وسائل الشيعة: ج 4/287 باب 62 ح 5180، الكافي: ج 3/293 ح 4.
عن صلاةٍ أو نسيها فوقتها حين يذكرها»(1).
2 - وخبر النعمان، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجلٍ فاته شيءٌ من الصَّلاة، فذكر عند طلوع الشمس وعند غروبها؟ قال عليه السلام: فليصلِّ حين ذكره»(2).
وقريب منهما صحيحا زرارة(3)، ومعاوية بن عمّار(4)، وموثّقة سماعة(5).
3 - وخبر يعقوب بن شُعيب، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن الرّجل ينام عن الغداة حتّى تبزغ الشمس، أيُصلّي حين يستيقظ، أو ينتظر حتّى تنبسط الشمس؟ فقال عليه السلام: حين يستيقظ»(6).
أقول: يرد على غير الأخير منها ما تقدّم في صحيح زرارة، وحاصله:
أنّ الظاهر منها - ولا أقلّ من المحتمل - ورودها في مقام بيان وجوب الإتيان بالقضاء بعد زوال العُذر، ولا وجه لحملها على الفوريّة بالمعنى الذي يقول به أهل المضايقة، لكونه خلاف الظاهر.
وأمّا الأخير: فظاهره أنّه لا مانع من القضاء في الأوقات المذكورة.
الوجه السادس: ما دلَّ على عدم جواز الاشتغال بغير القضاء:
1 - صحيح أبي ولّاد، الوارد فيمَن رجع عن قصد السّفر بعدما صَلّى قصراً، قال عليه السلام:3.
1) نيل الأوطار للشوكاني: ج 3/112، المستصفى للغزالي ص 168 (... أو نسيها فليصلّها إذا ذكرها)، السرائر ج 321/1.
2) وسائل الشيعة: ج 4/244 باب 39 من أبواب المواقيت ح 5045.
3) وسائل الشيعة: ج 4/240 باب 39 من أبواب المواقيت ح 5030.
4) وسائل الشيعة: ج 4/241 باب 39 من أبواب المواقيت ح 5033.
5) وسائل الشيعة: ج 8/254 باب 1 من أبواب المواقيت ح 10569.
6) وسائل الشيعة: ج 4/284 باب 61 ح 5173، التهذيب: ج 2/265 ح 93.
«وإنْ كنتَ لم تَسِر في يومك الذي خرجت فيه بريداً، فإنّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل تَؤم من مكانك ذلك»(1).
2 - وصحيح زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام: «عن رجلٍ صَلّى بغير طهور، أو نسي صلوات لم يُصلّها، أو نام عنها؟
فقال: يقضيها إذا ذكرها في أيّ ساعةٍ ذكرها من ليل أو نهار، فإذا دخل وقت صلاةٍ ولم يتمّ ما قد فاته، فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصَّلاة التي قد حضرت، وهذه أحقّ بوقتها فليصلّها، فإذا قضاها فليصلِّ ما قد فاته ممّا قد مضى، ولا يتطوّع بركعةٍ حتّى يقضي الفريضة كلّها»(2).
أقول: يرد على صحيح أبي ولّاد، أنّه لابدَّ من حمله على الاستحباب أو طرحه، إذ لم ينقل القول بوجوب القضاء في الفرض عن أحدٍ، بل ورد النص على عدم الوجوب، والاجتزاء بالصّلاة قصراً التي أتى بها.
وأمّا صحيح زرارة: فمواضع الإستدلال به فقراتٌ منه:
إحداها: قوله عليه السلام: (يقضيها إذا ذكرها).
وقد عرفت الجواب عمّا تضمّن ذلك، فراجع.(3)
ثانيتها: قوله عليه السلام: (في أيّ ساعةٍ ذكرها).
وفيه: إنّ هذه الفقرة مسوقة لبيان عدم توقيت القضاء بوقتٍ معيّن، وأنّه يجوز قضاء الفرائض في كلّ وقتٍ من ليل أو نهار أو سفر أو حضر، ولا يدلّ على وجوب المبادرة.د.
ثالثتها: قوله عليه السلام: (فإذا دخل وقت صلاةٍ ولم يتمّ ما فاته، فليقض ما لم يتخوّف... إلى آخره).
وفيه: إنّ هذه الفقرة في مقام بيان الترتيب بين الفائتة والحاضرة - وسيأتي الكلام فيه - وأجنبيّة عن المقام.
رابعتها: قوله عليه السلام: (ولا يتطوّع بركعةٍ حتّى يقضي الفريضة كلّها).
وفيه: إنّه يدلّ على عدم جواز التطوّع لمن عليه فائتة، وقد تقدّم الكلام في هذه المسألة في البحث عن حكم (التطوّع لمن عليه فائتة).
وبما ذكرناه في هذه النصوص، ظهر ما في بعض نصوص اُخر الذي استدلّ به لهذا القول.
أمّا المواسعة: فقد استدلّ لها بوجوه:
الوجه الأوّل: الأصل، وقرّره صاحب «الجواهر» رحمه الله(1)بوجهين:
أحدهما: استصحاب عدم وجوب العدول عليه، لو كان الذّكر في الأثناء، وجواز فعلها قبل التذكّر، ويتمّ بعدم القول بالفصل.
ثانيهما: أصالة البراءة عن التعجيل، لأنّه تكليفٌ زائدٌ على أصل الوجوب والصحّة، المتيقّن ثبوتهما على القولين، لأنّ القائل بالتضيّيق لا ينكرهما في ثاني الأوقات، مع الترك في أوّلهما وإن أثِم.
ثمّ أورد: بأنّه قد يُقال بأنّه لا يثبت بهذا الأصل التوسعة المقوّمة للوجوب، مقابل الفوريّة.
وأجاب عنه: بأنّ المقصود نفي التكليف بالفوريّة، لا إثبات التوسعة.3.
1) جواهر الكلام: ج 13/43.
وأورد عليه بعض الأساطين:(1)بأنّ توجّه التكليف بالقضاء عند فوت الفريضة في وقتها معلومٌ، واللّازم على المكلّف الخروج عن عهدة ذلك، وحيث يحتمل أن لا يبقى على القدرة من الإتيان به لو أخّره عن أوّل أوقات الإمكان، فلا يجري هذا الأصل.
وتوهّم: استصحاب بقاء المكلّف، وعدم زوال تمكّنه بعروض موتٍ ونحوه.
مندفع: بعدم كون المستصحب حكماً شرعيّاً، ولا مترتّباً عليه شيءٌ من الآثار الشرعيّة.
وفيه أوّلاً: النقض بالواجبات الموسّعة كصلاة الظهر، فإنّ مقتضى هذا البرهان عدم جواز تأخيرها عن أوّل الوقت.
وثانياً: بالحَلّ، وهو أنّ بقاء المكلّف تمكّنه فيما بعد من الأزمنة المتأخّرة جزء للموضوع، ودخيل في الحكم بجواز التأخير.
وبالجملة: فالحقّ تماميّة هذا الوجه، لكنّها تتوقّف على عدم دليل على المضايقة.
الوجه الثاني: لزوم العُسر والحَرَج المنفيّين في الشريعة، بل التكليف بما لا يطاق عادةً في بعض الأحيان.
وفيه أوّلاً: إنّه لو سُلّم ففيما إذا كان الفوائت كثيرة لا مطلقاً.
وثانياً: أنّ لازمه لزوم المبادرة ما لم يطرأ هذا العنوان، إذ المنفيّ هو العُسر والحرج الشخصيّين لا النوعيّين.
الوجه الثالث: سيرة المسلمين من الخَلَف إلى السَّلَف، إذ قلَّ من يتّفق فراغ).
1) هذا الإيراد كما يظهر للمحقّق حسين الطباطبائي البروجردي في نهاية التقرير: ج 3/135، (الترتيب بين الفائتة والحاضرة..).
ذمّته من الفائتة، ولو لأجل ترك التقليد، أو الإخلال بقيدٍ من القيود، ومع ذلك ينامون ويجلسون ويُصلّون في أوّل الأوقات، مع أنّ المشهور(1)بينهم أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه.
وفيه: إنّ سيرة العوام الناشئة عن قلّة المبالاة بالدِّين لا تفيد، وسيرة العلماء سيّما الملتزمين بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه غَير ثابتة.
الوجه الرابع: النصوص وهي كثيرة، وقد سَرَد صاحب «الجواهر» رحمه الله(2)أكثرها، وهي على طوائف من ناحية اختلاف مضامينها.
منها: ما تضمّن الأمر بالقضاء مع كلّ صلاةٍ صلاة، كخبر جابر بن عبد اللّه، قال: «قال رجلٌ: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله كيف أقضي؟
قال: صلِّ مع كلّ صلاةٍ مثلها، قال: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله قبلُ أم بعدُ؟ قال: قبل»(3).
ونحوه خبر إسماعيل بن جابر(4)، وخبر عمّار(5).
ومنها: ما تضمّن أنّه يقضيها أيّ ساعةٍ شاء المكلّف:
1 - صحيح الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجل فاتته صلاة النهار متى يقضيها؟ قال عليه السلام: متى شاء، إنْ شاء بعد المغرب، وإنْ شاء بعد العشاء»(6).
2 - وصحيح الحسين بن أبي العلاء، عنه عليه السلام: «اقضِ صلاة النهار أيّ ساعةٍ6.
شئت من ليلٍ أو نهار، وكلّ ذلك سواء»(1).
ونحوهما صحيح محمّد بن مسلم(2)، وصحيح ابن أبي يعفور(3)
(4و5) وسائل الشيعة: ج 4/275 باب 57 ح 5147 و 5149.
، وخبر عنبسة العابد(4)، والمرسل(5).ومنها: أخبار التعريس كصحيح زرارة المتقدّم، وصحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله رقد فَغَلَبتهُ عيناه فلم يستيقظ حتّى آذاه حَرُّ الشمس، ثمّ استيقظ، فعاد ناديه ساعةً وركع ركعتين، ثمّ صَلّى الصبح...»(4)، ونحوهما غيرهما. وقد تقدّم الكلام فيما أُورد على هذه النصوص من منافاتها للمذهب، والجواب عنها فراجع.(5)
ومنها: ما دلَّ على جواز تقديم الحاضرة على الفائتة في السِّعة، كخبر أبي بصير:
«فيمن نام ولم يُصلِّ المغرب والعشاء؟ قال عليه السلام: وإنْ استيقظ بعد الفجر فليبدأ فليصلِّ الفجر، ثمّ المغرب ثم العشاء الآخرة قبل طلوع الشمس»(6)
(9و10) وسائل الشيعة: ج 4/288 باب 62 ح 5182.
.ونحوه صحيحا ابني مسكان(9) وسنان(10) وما عن رسالة السيّد ابن طاووس عن كتاب الحسين بن سعيد(7)، وما عن أصل الحلبي(8).9.
1) وسائل الشيعة: ج 4/277 باب 57 ح 5157، التهذيب: ج 3/168 باب 10 ح 30.
2) وسائل الشيعة: ج 4/241 باب 39 ح 5035.
3) وسائل الشيعة: ج 4/243 باب 39 ح 5041.
4) وسائل الشيعة: ج 4/283 باب 61 ح 5170، التهذيب: ج 2/265 باب 13 ح 95.
5) صفحة 432 من هذا المجلّد.
6) وسائل الشيعة: ج 4/288 باب 62 ح 5181، التهذيب: ج 2/270 باب 13 ح 114.
7) المستدرك: ج 3/163 باب 48 ح 3272.
8) المستدرك: ج 6/428 باب 1 ح 7149.
ودلالتها على المطلوب واضحة، إذ الأمر بتقديم الفجر في السِّعة، يدلّ على جواز تأخير القضاء عن الحاضرة في الوقت الموسّع لها.
ومنها: ما دلَّ على جواز التطوّع لمن عليه فائتة في الموارد المخصوصة.
ومنها: خبر عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّه عليه السلام:
«عن الرّجل ينام عن الفجر حتّى تطلع الشمس، وهو في سفرٍ، كيف يصنع، أيجوز له أن يقضي بالنهار؟
قال عليه السلام: لا يقضي صلاة نافلة ولا فريضة بالنهار، ولا تجوز له ولا تثبت له، ولكن يؤخّرها فيقضيها باللّيل»(1).
والظاهر أنّ النهي عن قضائها بالنهار إنّما هو لأجل كون المسافر في النهار على الرّاحلة دون اللّيل، ولو كان القضاء مضيّقاً لم يجز التأخير إلى اللّيل، ولأمرَ عليه السلام بالقضاء بأن يستقرّ ويقضي.
ومنها: قوله عليه السلام في ذيل صحيح زرارة الطويل الآتي في المسألة الآتية - بعد الحكم بتأخير العشاءين لو خاف فوت الغداة إن قدّمهما، وسؤال الراوي عن علّة ذلك -: «لأنّك لست تخاف فوتهما»(2).
إلى غير ذلك من النصوص.
فالمتحصّل: أنّه لا ينبغي التوقّف في الحكم بالمواسعة.
***1.
أقول: إذا عرفت حكم هذه المسألة يصل الدور إلى البحث عن أنّه هل يجوز لمَن عليه فائتة تقديم الحاضرة، أم يجب عليه تقديم الفائتة ما لم يتضيّق وقت الحاضرة؟
فعن كثيرٍ من القدماء والمتأخّرين(1)
(2و4) حكاه عنهم الشيخ الأعظم في الرسائل الفقهيّة: ص 261.
عدم الوجوب، بل هو المنسوب إلى المشهور، وهؤلاء بعد اتّفاقهم على ذلك بين من ظاهره وجوب تقديم الحاضرة، كما عن ظاهر جماعة من القدماء(2)، وبين ما يظهر منه استحبابه(2)، كما عن أبي عليّ الصوري(4)، وبين من نصّ على استحباب تقديم الفائتة(3)، وبين من يظهر منه التخيّير المحض(4).وعن الشيخ(5)، والإسكافي(6)، والسيّدين(7)، والحلبي(8)، والحِلّي(9)وجوب
1) الحدائق الناضرة: ج 6/336، وقد نقلنا كلامه ص 314 حيث تعرّض لأقوال المتقدّمين والمتأخّرين، مختلف الشيعة: ج 3/6 قوله: (ولكن الأولى الاشتغال بالفائتة إلى أن تتضيّق الحاضرة وهو مذهب والدي رحمه الله وأكثر من عاصرناه من المشائخ).
2) الحدائق الناضرة: ج 6/336 حكاه عن الصدوقين بقوله: (... والقول بالمواسعة وهو مذهب الصدوقيين وظاهر النقل عنهما استحباب تقديم الحاضرة في السِّعة).
3) الحدائق الناضرة: ج 6/336 (المتأخّرون على ثلاثة: فالمشهور بينهم هو ما ذهب إليه الصدوقان من المواسعة إلّاأنّهم يستحبّون تقديم الفائتة).
4) ملاذ الأخيار للمحقّق المجلسي: ج 93/4 قوله: (وأمّامطلق الفوائت فالظاهرعدم وجوب تقديمها، بل ولا أفضليّته).
5) النهاية: ص 126، المبسوط: ج 1/126.
6) حكاه عنه العلّامة في مختلف الشيعة: ج 3/4، بقوله: (وقال ابن الجُنيد: وقت الذِّكر لما فات من الفروض وقت القضاء...).
7) رسائل المرتضى: ج 3/38، غنية النزوع: ص 98 (الفصل السابع عشر: في صلاة القضاء).
8) الكافي في الفقه: ص 150.
9) السرائر: ج 1/272.
تقديم الفائتة على الحاضرة مطلقاً، ما لم يتضيّق وقت الحاضرة.
وقد نُسب هذا القول إلى المشهور(1)، بل عن «الخلاف» و «الغُنية» وغيرهما ودعوى الإجماع عليه(2).
وعن المحقّق في «المعتبر»(3)وغيره(4)التفصيل بين فائتة واحدة وفوائت متعدّدة، فاعتبر الترتيب في الأوّل دون الثاني.
وعن المصنّف رحمه الله في «المختلف»(5)التفصيل بين ما إذا ذَكر الفائتة في يوم الفوات، وبين ما لو لم يذكرها حتّى يمضي ذلك اليوم، فأوجب تقديم الفائتة في الأوّل، وجوّز تأخيرها في الثاني.
وفي المسألة أقوالٌ اُخر لا يهمُّنا ذكرها، بل المهمّ بيان ما يستفاد من الأدلّة.
أقول: والأظهر بحسبها هو التخيّير، وعدم وجوب تقديم الفائتة:
ويشهد له: - مضافاً إلى الأصل، وإطلاق دليل الحاضرة النافي لاعتبار ما شكّ في اعتباره - جملةٌ من النصوص الخاصّة:
منها: ما تقدّم من أخبار أبي بصير وابني مسكان وسنان، وما عن رسالة السيّد ابن طاووس، وما عن أصل الحلبي المتضمّنة للأمر بتقديم الفجر على المغرب والعشاء في سعة الوقت، المحمول على غير اللّزوم للنصوص المتقدّمة.).
1) الدروس: ج 1/145 (وأكثر الأصحاب على وجوب الفوريّة وتأخير الحاضرة وهو أحوط)، مصباح الفقيه: ج 2/604.
2) حكى الإجماع عليه النراقي في مستند الشيعة: ج 7/290 عن الخلاف: ج 1/385، والغنية ص 99 والسرائر، ورسالتي المفيد، والحِلّي،.
3) المعتبر: ج 2/407.
4) مدارك الأحكام: ج 4/295.
5) مختلف الشيعة: ج 3/6، قوله: (والأقرب عندي التفصيل).
ومنها: ما تقدّم من النصوص الثلاثة المتضمّنة أنّه يقضي مع كلّ صلاةٍ صلاة.
ومنها: خبر عمّار المتقدّم.
ومنها: ما ذكره الجُعفي في «الفاخر»(1)- الذي ذكر في خُطبته أنّه لا يروي فيه إلّا ما أجمع عليه، وصحّ عنده من قول الأئمّة عليهم السلام والصَّلوات الفائتات تُقضى ما لم يدخل عليه وقت صلاة، فإذا دخل عليه وقت صلاةٍ، بدأ بِالَّتِي دخل وقتها، وقضى الفائتة متى أحبّ.
ومنها: خبر جميل عن الإمام الصادق عليه السلام فيمن فاته الأُولى والعصر والمغرب، وذكرها عند العشاء الآخرة: «يبدأ بالوقت الذي هو فيه، فإنّه لا يأمن الموت، فيكون قد ترك صلاة فريضة في وقتٍ قد دخلت، ثمّ يقضي ما فاته الأولى فالأولى»(2).
ومنها: خبر عيص بن القاسم، عنه عليه السلام: «فيمن نسي أو نام عن الصَّلاة حتّى دخل وقت صلاةٍ اُخرى؟ قال: إنْ كانت صلاة الأُولى فليبدأ بها، وإنْ كانت صلاة العصر، فليصلِّ العشاء ثمّ يُصلّي العصر»(3).
ومنها: غير ذلك من الأخبار.
أقول: استدلّ للقول باعتبار الترتيب بين القوائت مطلقاً بعدّة أدلّة وهي:
الإجماع، والأصل(4)، وما دلَّ على المضايقة، بناءً على اقتضاء الأمر بالشيء
1) حكاه عنه في جواهر الكلام: ج 13/36، رسائل فقهيّة ص 311.
2) وسائل الشيعة: ج 8/257 باب 2 ح 10578، التهذيب: ج 2/352 باب 16 ح 50.
3) المستدرك: ج 6/428 باب 1 ح 7150، التهذيب: ج 2/353 باب 16 ح 50.
4) المعتبر: ج 2/406 (أمّا الفوائت فقد اتّفق الأصحاب على ترتيبها)، مستند الشيعة: ج 7/313 (من فاتته صلاة يوميّة واجبة وعلم الترتيب تجب مراعاته في قضائها... إجماعاً محقّقاً ومحكيّاً في الخلاف والمعتبر والمنتهى والتنقيح...)، رسائل فقهيّة الشيخ الأعظم رحمه الله ص 234 (فالعمدة.. الإجماع المنقول وبعض الأخبار...).
النهي عن ضدّه(1)، ودلالة النهي على الفساد، مضافاً إلى الإجماع المركّب، وعدم القول بالفصل بينها بين القول بوجوب تقديم الفائتة، وبالنبويّ: «لا صلاة لمن عليه صلاة»(2)، وبالأخبار الخاصّة الآتية.
أقول: أمّا الإجماع - فمضافاً إلى عدم حجيّة المنقول منه، لا سيّما مع مخالفة من تقدّم ذكره - أنّه لمعلوميّة مدرك المجمعين لا يُعتمد عليه.
وأمّا الأصل: - فمضافاً إلى أنّه لا يرجع اليه مع الدليل، وقد عرفت وجوده - أنّ الأصل عند الشكّ في اعتبار شيء في العبادة، هوالبراءة لا الاحتياط.
وأمّا أخبار المضايقة: فقد عرفت أنّها محمولة على الاستحباب، مع أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، بل ولا عدم الأمر به حتّى بنحو الترتّب، كما حُقّق في محلّه.
والإجماع المركّب: غير ثابت.
وأمّا النبويّ: فمضافاً إلى ضعف سنده، أنّ الظاهر أنّ الصَّلاة المنفيّة هي النافلة لا الفريضة، وإلّا فكما أنّه يصدق لمن يجب عليه الفائتة أنّ عليه صلاة، يصدق لمن تجب عليه الحاضرة أنّ عليه صلاة أيضاً.
وأمّا الأخبار الخاصّة:
فمنها: حسن زرارة الذي هو كالصحيح، عن أبي جعفر عليه السلام:
«إذا نسيتَ صلاةً أو صلّيتها بغير وضوء، وكان عليك قضاء صلوات، فابدأ1.
بأوّلهنّ، فأذِّن لها وأقِمْ ثمّ صلّها، ثمّ صَلِّ ما بعدها بإقامة، إقامة لكلّ صلاة.
وقال، قال أبو جعفر عليه السلام: وإنْ كنتَ قد صلّيت الظهر، وقد فاتتك الغداة، فذكرتها، فصَلِّ الغداة أيّ ساعةٍ ذكرتها ولو بعد العصر، ومتى ما ذكرتَ صلاة فاتتك صلّيتها.
وقال: إذا نسيتَ الظهر حتّى صلّيت العصر، فذكرتها وأنتَ في الصَّلاة أو بعد فراغك فانوها الأُولى، ثمّ صَلِّ العصر، فإنّما هي أربعٌ مكان أربع، وإنْ ذكرتَ أنّك لم تُصلِّ الأُولى وأنتَ في صلاة العصر، وقد صلّيت منها ركعتين فأنوها الأُولى، ثمّ صَلِّ الرّكعتين الباقيتين، وقُمْ فصلِّ العصر، وإنْ كنتَ قد ذكرتَ أنّك لم تُصلِّ العصر حتّى دخل وقت المغرب، ولم تخف فوتها، فصَلِّ العصر، ثمّ صَلِّ المغرب، فإنْ كنتَ قد صَلّيت المغرب، فقم فصَلِّ العصر، وإنْ كنتَ قد صلّيت من المغرب ركعتين ثمّ ذكرتَ العصر، فانوها العصر ثمّ قُمْ فأتمّها ركعتين، ثمّ تُسلِّم ثمّ تُصلّي المغرب، فإنْ كنتَ قد صلّيت العشاء الآخرة ونسيت المغرب، فقم فصَلِّ المغرب فإنْ كنتَ ذكرتها وقد صلّيت من العشاء الآخرة ركعتين، أو قمتَ في الثالثة فانوها المغرب ثمّ سَلِّم، ثمّ قُمْ فصَلِّ العشاء الآخرة، فإنْ كنتَ قد نسيت العشاء الآخرة حتّى صلّيت الفجر، فصلِّ العشاء الآخرة، وإنْ كنتَ ذكرتها وأنتَ في الرّكعة الأُولى أو في الثانية من الغداة، فانوها العشاء ثمّ قُمْ فصَلِّ الغداة وأذِّن وأقِم، وإنْ كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعاً، فابدأ بهما قبل أن تُصلِّي الغداة، ابدأ بالمغرب ثُمّ العشاء، فإن خشيتَ أن تفوتك الغداة إن بدأت بهما، فابدأ بالمغرب ثمّ الغداة ثمّ صَلِّ العشاء، فإن خشيتَأن تفوتك الغداة إنْ بدأت بهمافابدأ بالمغرب فصَلِّ الغداة ثمّ صَلِّ المغرب و العشاء، ابدأ بأوّلاهما لأنّهما جميعاًقضاء، أيّهما ذكرتَ فلا تصلّهما إلّابعد شعاع الشمس.
قال، قلت: ولِمَ ذلك؟ قال: لأنّك لست تخاف فوتها»(1).
أقول: - مضافاً إلى أنّ الظاهر منه كما قيل(2)إنّ ما ذُكر فيه من الترتيب، ذُكر متفرّعاً على الأمر بالمبادرة إلى فعل الفائتة متى ذكرها، فليس محطٍّ النظر فيها وجوب الترتيب بين الفائتة والحاضرة من حيث هو تعبّداً، وحيثُ عرفت أنّ الأمر بالمضايقة إنّما يكون على سبيل الاستحباب لا الوجوب، فكذا ما يتفرّع عليه من الترتيب، فتدبّر.
ومضافاً إلى أنّه لو تمّت دلالته، لكان شاهداً لما ذهب إليه المصنّف رحمه الله في محكي «المختلف»(3)-:
إنّ مواضع توهم الدلالة فيه فقرات:
إحداها: قوله عليه السلام: (وإنْ كنتَ قد ذكرت أنّك لم تُصلِّ العصر حتّى دخل وقت المغرب، ولم تخف فوتها، فَصَلِّ العصر، ثمّ صَلِّ المغرب).
وفيه: إنّ الظاهر منه كون التذكّر أوّل وقت المغرب، وبديهي أنّ وقت الإجزاء لا يفوت بإتيان العصر، فلا محالة اُريد بوقت المغرب وقت الفضيلة لا الإجزاء، فهو يدلّ على جواز الإتيان بالمغرب قبل قضاء العصر إذا تضيّق وقت الفضيلة لها، وإنْ كان في سعة من وقت الإجزاء، فهو دليلٌ على عدم اعتبار الترتيب.
ثانيتها: قوله عليه السلام: وإنْ كنتَ قد صلّيت من المغرب ركعتين، ثمّ ذكرت العصر، فانوها العصر.ل.
وفيه: إنّ الأمر بالعدول إلى العصر، لوروده مورد توهم الحظر، من جهة أنّ العدول مخالفٌ للقواعد العامّة، لا يستفاد منه الوجوب، ويؤيّد عدم الوجوب ما ذكرناه في الجملة السابقة، إذ لا يمكن القول بعدم وجوب تقديم الفائتة في وقت الإجزاء للحاضرة، لو تذكّر قبل الشروع فيها، ووجوب العدول لو تذكّر في الأثناء.
ثالثتها: قوله عليه السلام: (وإنْ كنتَ قد ذكرتها - يعني العشاء الآخرة - وأنتَ في الرّكعة الأُولى أو الثانية من الغداة، فأنوها العشاء).
وفيه: إنّه لابدَّ من حمل هذا الأمر على الجواز أو الاستحباب، لما ذُكر في الفقرة السابقة، ولعدم القول بالفصل بين العدول من الغداة إلى العشاء، وبين العدول من المغرب إلى العصر.
رابعتها: قوله عليه السلام: (وإنْ كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعاً، فابدأ بهما قبل أن تُصلّي الغداة.... وإنْ خشيتَ أن تفوتك الغداة إنْ بدأت بالمغرب، فصلِّ الغداة، ثمّ صَلِّ المغرب والعشاء).
وفيه: - مضافاً إلى أنّه بعد حمل الأمر بإتيان العصر قبل المغرب على الرجحان، أو الجواز، لا يبقى وجهٌ لدعوى إرادة الوجوب من هذا الأمر - أنّ الظاهر من خوف فوت الغداة الذي قُيّد به تقديم المغرب والعشاء، فوات وقت فضيلتها، سيّما بعد حمل وقت المغرب على الفضيلة.
مضافاً إلى أنّ الجمع بين هذا الصحيح، وبين الصحيح الآخر، الآمر بتقديم الغداة عليهما قبل طلوع الشمس، المتقدّم في المسألة السابقة، يقتضي حمل خوف الفوت عليذلك، فيدلّ الصحيح على رجحان البداة بالغداة لو خاف فوت وقت الفضيلة، وإنْكان في سعة من وقت الإجزاء، فهذه الفقرة أيضاً أدلّ على خلاف هذا القول.
ومنها: خبره الآخر عن الإمام الباقر عليه السلام: «إذا فاتتك صلاةٌ فذكَرتها في وقت اُخرى، فإنْ كنتَ تعلم أنّكَ إذا صلّيت التي فاتتكَ كنتَ من الاُخرى في وقتٍ، فابدأ بالّتي فاتتكَ، فان اللّه عزّ وجلّ يقول: (أَقِمِ اَلصَّلاةَ لِذِكْرِي) ، وإنْ كنت تعلم أنّكَ إذا صلّيت التي فاتتكَ، فاتتكَ التي بعدها، فابدأ بالّتي أنتَ في وقتها، فصلِّها ثمّ أقم الاُخرى»(1).
قال في محكي «الحبل المتين»:(2)(وقد دلَّ هذا الحديث على ترتّب مطلق الفائتة على الحاضرة، كما يقول أصحاب المضايقة). انتهى.
أقول يرد عليه أوّلاً: إنّه مجهولٌ، لأنّ في طريقه القاسم بن عروة(3).
وثانياً: أنّ الظاهر من الأمر بالبدأة بالفائتة، بملاحظة التعليل كونه بلحاظ حال الفائتة، فلا يدلّ على شرطيّة تأخّر الحاضرة عنها في صحّة الحاضرة، كما لا يخفى.
وثالثاً: إنّه يمكن أن يُقال إنّ الأمر بها لوروده مورد توهم الحظر، لامتناع الإتيان بغير صاحبة الوقت، وارتكاز الأولويّة فعل الحاضرة في وقتها لا يدلّ على الوجوب.
ومنها: الخبر الحسن الثالث المروي عنه عليه السلام: «في رجلٍ صَلّى بغير طهور، أو نسي صلاةً لم يُصلّها، يقضيها إذا ذكرها.... فإذا دَخَل وقت صلاة ولم يتمّ ما فاته، فليقض ما لم يتخوّف أن يذهب وقت هذه الصَّلاة التي قد حضرت، وهذه أحقّ بوقتها فليصلّها، فإذا قضاها فليصلِّ ما قد فاته ممّا قد مضى»(4).3.
وفيه أوّلاً: إنّه لو تمّت دلالته لدلّ على ما ذهب إليه المحقّق.
وثانياً: إنّها لا تتمّ من جهة أنّ المفروض فيه وحدة الفائتة، وقد اشتغل بقضائها، فدخل وقت صلاةٍ اُخرى وهو فيها، ومن البديهي أنّ إتمام صلاة واحدة لا يوجب فوات وقت الإجزاء للصلاة التي دخل وقتها في الأثناء، فلا محالة يكون المراد وقت الفضيلة، فيكون المستفاد منه أنّ الإتيان بالحاضرة في وقت فضيلتها إذا تضيّق، أرجح من المبادرة إلى فعل الفائتة، وإنْ كان في سعةٍ من وقت الأجزاء.
وعليه، فلابدَّ من حمل الأمر بالفائتة عند عدم خوف فوت وقت الفضيلة، على الاستحباب، كما لا يخفى.
ومنها: خبر البصري عن الإمام الصادق عليه السلام:
«عن رجلٍ نَسي صلاة حتّى دخل وقت صلاةٍ اُخرى؟
فقال عليه السلام: إذا نسي الصَّلاة أو نام عنها، صَلّى حين يذكرها، فإذا ذكرها وهو في الصَّلاة بدأ بالّتي نَسي، وإنْ ذكرها مع إمام في صلاة المغرب أتمّها بركعةٍ، ثمّ صَلّى المغرب، ثمّ صَلّى العُتمة بعدها. الحديث»(1).
وفيه أوّلاً: إنّه ضعيفٌ على المشهور، كما في «مرآة العقول»(2)، والظاهر أنّ الضعف لعدم توثيق معلّى بن محمّد.
وثانياً: إنّه مختصّ بالفائتة الواحدة.
وثالثاً: أنّ الأمر فيه لوروده مورد توهم الحظر، لا يستفاد منه الوجوب.
ورابعاً: أنّ الظاهر منه تفرّع الأمر بالبدأة - على ما في صدرها - من المضايقة التي التزمنا فيها بالاستحباب، فلا يدلّ على الشرطيّة التعبّديّة، فتأمّل.).
ومنها: خبر معمر بن يحيى، عنه عليه السلام: «عن رجلٍ صَلّى على غير القبلة، ثمّ تبيّن له القبلة، وقد دخل وقت صلاة اُخرى؟
قال عليه السلام: يعيدها قبل أن يُصلّي هذه الّتي دخل وقتها، إلّاأن يخاف فوت التي دخل وقتها»(1).
وفيه أوّلاً: إنّه ضعيف السَّند، كما أفاده بعض المحقّقين رحمه الله(2).
وثانياً: إنّه معارض بالمستفيضة الدالّة على عدم وجوب إعادة الصَّلاة الواقعة على غير القبلة، لو تبيّن خطأه بعد خروج الوقت، فيدور الأمر بين حمله على إرادة الوقت المختصّ بالظهر والمغرب، أو حمله على الاستحباب، وعلى التقديرين لا يدلّ على وجوب الترتيب.
أمّا على الثاني: فواضحٌ.
وأمّا على الأوّل: فهو إنّما يدلّ على الترتيب بين المترتّبتين في وقتهما، وهذا ممّا لا إشكال فيه.
وثالثاً: إنّه إنّما يكون في الفائتة الواحدة.
ورابعاً: ما أوردناه ثانياً على خبر زرارة الثالث.
ومنها: خبر أبي بصير: «عن رجلٍ نَسي الظهر حتّى دخل وقت العصر؟ قال عليه السلام: يبدأ بالظهر، وكذلك الصَّلوات تبدأ بالّتي نسيتَ، إلّاأن تخاف أن يخرج وقت الصَّلاة، فتبدأ بالّتي أنتَ في وقتها، ثمّ تُصلّي التي نسيت»(3).2.
وفيه أوّلاً: إنّه ضعيف السَّند لسهل بن زياد(1).
وثانياً: أنّ الظاهر منه تعدّد وقت الظهرين والعشاءين.
وعليه، فقوله عليه السلام: (تبدأ بالّتي نَسيتَ إلّاأن تخاف أن يخرج وقت الصَّلاة) اُريد به خروج الوقت المختصّ بالمغرب مثلاً، المغاير لوقت العشاء، وحيثُ أنّ المختار أنّه وقتٌ للفضيلة لا الإجزاء، فيدلّ الخبر على جواز البدأة بالمغرب مثلاً عند خوف وقت الفضيلة له، مع سعة وقت الإجزاء، ولذلك فهو على عدم اعتبار الترتيب أدلّ.
ومنها: خبر صفوان الذي هو كالصحيح، عن أبي الحسن عليه السلام:
«عن رجلٍ نسي الظهر حتّى غربت الشمس، وقد كان صَلّى العصر؟
فقال: كان أبو جعفر عليه السلام أو كان أبي عليه السلام يقول: إنْ أمكنه أن يصلّيها قبل أن تفوته المغرب بدأ بها، وإلّا صَلّى المغرب، ثمّ صلّاها»(2).
وفيه: إنّ ظهوره في كون المراد من فوت المغرب، فوت وقت الفضيلة لا ينكر، وحيث أنّه يدلّ على جواز تقديم المغرب في صورة فوت وقت الفضيلة مع سعة وقت الإجزاء، فيدلّ على عدم اعتبار الترتيب، مع أنّه مختصٌّ بفائتة واحدة.
وفي المقام بعض رواياتٌ اُخر ضعيفة السَّند وقاصرة الدلالة.
فتحصّل: أن شيئاً ممّا استدلّ به على هذا القول لا يدلّ عليه.
كما أنّه ظهر مدرك القولين الآخرين، الذين اختار أحدهما المصنّف رحمه الله في «المختلف»(3)، والثاني المحقّق في بعض كتبه، وضعّفه(4)، كما أنّه ظهر مدرك سائر5.
الأقوال، وأنّ الأظهر عدم اعتبار الترتيب مطلقاً.
لو أغمضنا النظر عمّا ذكرناه، وسلّمنا دلالة ما تقدّم على القول باعتبار الترتيب، فحيثُ أنّ هذه النصوص معارضة بالنصوص المتقدّمة الصريح بعضها، والظاهر بعضها الآخر في عدم الاعتبار حتّى بالنسبة إلى فائتة واحدة وفوائت يوم واحد، فلابدَّ من حملها على الاستحباب، أو الجواز، أو غير ذلك ممّا يكون مقتضى الجمع العرفي بين النصوص.
ولو أبيتَ عن كون ذلك جمعاً عرفيّاً، فالترجيح لنصوص عدم الاعتبار، لكونها اشهر فتوى، ولموافقتها لإطلاقات الكتاب، كقوله تعالى (أَقِمِ اَلصَّلاةَ لِدُلُوكِ) ، المقتضية لعدم الاعتبار ولمخالفتها للعامّة، بل قيل إنّها أصحّ سنداً.
وعلى فرض التكافؤ، فإنْ التزمنا بالتخيّير في تعارض الخبرين في صورة عدم المرجّح كما هو الحقّ، جاز اختيار ما يدلّ على عدم الاعتبار فيكون هو الحجّة، وإنْ التزمنا بالتساقط فيتساقطان والمرجع إلى إطلاقات أدلّة القضاء المقتضية لعدم الاعتبار.
فتحصّل: أنّ الأظهر عدم اعتبار الترتيب، كما أنّه ظهر عدم وجوب تقديم الحاضرة لكثيرٍ من النصوص المتقدّمة.
أقول: بقي الكلام في أنّه هل يستحبّ تقديم الفائتة أو الحاضرة، أو يتخيّر بينهما؟
الجواب: الظاهر من مجموع النصوص أنّه يستحبّ تقديم الفائتة، لا من جهة إعتبار الترتيب، بل من جهة استحباب التعجيل إلى فعلها، ما لم يزاحم مع مستحبٍّ آخر أهمّ منه، وهو إيقاع الصَّلاة في وقت الفضيلة، فتدبّر.
هذا كلّه ما لم يتضيّق وقت الحاضرة.
وإنْ تضيَّقت الحاضرة تعيّنتْ.
(و) أمّا (إنْ تضيّقت الحاضرة) و (تعيّنت)، فلابدَّ من الإتيان بها، كما هو الشأن في الواجبين المتزاحمين إذا تضيّق وقت أحدهما دون الآخر، مضافاً إلى دلالة بعض النصوص المتقدّمة عليه.
ثمّ إنّ ها هنا فروعاً اُخر متفرّعة على القول بالترتيب والمضايقة، وحيث تبيّن ضعف المبنى، فلا وجه لتطويل الكلام في تلك الفروع.
السابعة: الفوائت تترتّب كالحَواضر.
(السابعة: الفوائت) التي يعتبر الترتيب في أدائها، كالظهرين والعشاءين (تترتّب كالحَواضر) بلا خلافٍ، بل عليه الإجماع(1).
ويشهد له: ما يدلّ على إعتبار جميع ما يعتبر في الحاضرة في الفائتة، فإنّ الترتيب من جملتها.
أقول: إنّما الكلام في إعتبار الترتيب في الفوائت في غير هذا المورد، بمعنى قضاء السابق في الفوات على اللّاحق، وهكذا.
فالمنسوب إلى المشهور شهرة عظيمة، إعتبار ذلك(2)، بل عن «الخلاف»(3)، و «المعتبر»(4)و «التذكّرة»(5)وغيرها دعوى الإجماع عليه.
واستدلّ له بوجوه:
منها: الإجماع(6).
1) منتهى المطلب (ط. ق): ج 1/421 قوله: (ذهب اليه علماؤنا).
2) مستند الشيعة: ج 7/313، قوله: (من فاتته صلاة يوميّة واجبة وعلم الترتيب تجب مراعاته في قضائها... إجماعاً محقّقاً ومحكيّاً في الخلاف والمعتبر والمنتهى والتنقيح..)، رسائل فقهيّة الشيخ الأعظم رحمه الله ص 234 (فالعمدة.. الإجماع المنقول وبعض الأخبار...).
3) الخلاف: ج 1/385.
4) المعتبر: ج 2/406 قوله: (أمّا الفوائت فقد اتّفق الأصحاب على ترتيبها).
5) تذكرة الفقهاء: ج 352/2، قوله: (عند علمائنا أجمع).
6) رسائل فقهيّة الشيخ الأعظم: ص 234، قوله: (فالعمدة.. الإجماع المنقول وبعض الأخبار..، كما مرّ).
وفيه: إنّه لمعلوميّة مدرك المُجمعين لا يُعتمد عليه.
ومنها: التأسّي بالمحكيّ عن «التذكّرة»(1)و «المنتهى»(2)من فعل النبيّ صلى الله عليه و آله يوم الخندق.
وفيه: إنّه لم يثبت عنه صلى الله عليه و آله بطريق معتبر كي يُتأسّى به، مع أنّه لو ثبت غير ظاهر الوجه، ولا كلام في كونه شرطاً للتأسّي.
ومنها: النبويّ المشهور: «مَنْ فاتته فريضةٌ فليقضها كما فاتَته»(3)بدعوى أنّه يدلّ على لزوم قضاء الفائت كما فات، وحيثُ أنّ الثانية فاتت بعد الأُولى، وهكذا كلّما فاتت فاتت مترتّبة، فلابدَّ من رعاية هذه الجهة أيضاً في القضاء.
وفيه أوّلاً: إنّه ضعيف السَّند.
وثانياً: إنّه يدلّ على لزوم رعاية القيود المعتبرة في الأداء حين القضاء، لا على لزوم رعاية كلّ ما قارن الأداء، ولو كان من الاُمور الاتّفاقيّة، مثلاً إذا كان صائماً في ذلك اليوم، لا يعتبر ذلك في القضاء، وهذا واضح، والمقام من هذا القبيل كما لا يخفى.
ومنها: حسن زرارة المتقدّم، عن الإمام الباقر عليه السلام:
«إذا نسيتَ صلاةً أو صلّيتها بغير وضوء، وكان عليك قضاء صلواتٍ، فابدأ بأوّلهنّ، فأذِّن لها وأقم، ثمّ صلّها ثمّ صَلِّ ما بعدها بإقامةٍ، إقامة لكلّ صلاة...
إلى أنْ قال: وإنْ كانت المغرب والعشاء قد فاتتاك جميعاً، فابدأ بهما قبل أنر.
تُصلّي الغداة، ابدأ بالمغرب ثمّ العشاء»(1).
أقول: ويرد على مدلول هذا الخبر:
1 - تارةً: يرتكز الاستدلال بصدر الرواية.
فيرد عليه: أنّ المراد من قوله عليه السلام: (أولاهنّ) هو أولاهن قضاءً لا فواتاً، والشاهد عليه اُمور:
الأوّل: عدم التعرّض للترتيب بين ما عدا الأُولى من الصَّلوات، وبعبارة اُخرى لا يدلّ على لزوم البدأة بالأوّل فالأوّل، كما هو المطلوب.
الثاني: أنّه لو كان المراد أولاهنّ فواتاً، كان المناسب التصدير بكلمة (أذّن) بالوأو لا بالفاء الظاهرة في التفسير، كما لا يخفى.
الثالث: خبر ابن مسلم، عن الإمام الصادق عليه السلام: «عن رجلٍ صَلّى الصَّلوات وهو جُنُبٌ اليوم واليومين والثلاثة، ثمّ ذكر بعد ذلك؟ قال عليه السلام: يتطهّر ويؤذّن ويُقيم في أولاهنَّ ثمّ يُصلّي ويُقيم بعد ذلك في كلّ صلاة»(2).
حيث أنّ هذه الصحيحة متّحدة مع الحسن موضوعاً، وجوابه عليه السلام ظاهرٌ بل صريحٌ في كون المراد الأذان لأولاهنّ شروعاً لا غير، فمفاد هذه الفقرة: إنّ من يقضي صلواته عليه أن يؤذّن ويُقيم للأولى ويقيم لما بعدها.
2 - واُخرى: يتركّز الاستدلال بذيلها: (وإنْ كانت المغرب.. إلى آخره).
فيرد عليه: أنّ مورده الفوائت المترتّبة في الأداء، الّتي لا شبهة في إعتبار الترتيب بينها قضاءً، فلا وجه للتعدي إلى غير هذا المورد مع احتمال الفصل.3.
وبذلك ظهر الجواب عن الاستدلال لهذا القول بصحيحي ابني مسكان وسنان(1)وموثّق أبي بصير(2).
ومنها: خبر جميل، عن مولانا الصادق عليه السلام، قال:
«قلتُ: تفوت الرّجل الأُولى والعصر والمغرب، ويذكر بعد العشاء؟
قال عليه السلام: يبدأ بصلاة الوقت الذي هو فيه، فإنّه لا يأمن الموت، فيكون قد ترك الفريضة في وقتٍ قد دخل، ثمّ يقضي ما فاته الأوّل فالأوّل»(3).
وفيه أوّلاً: إنّه ضعيف السَّند، لأنّ الوشاء رواه عن رجلٍ عن جميل، واحتمال كون الراوي عن الرّجل هو الوشاء، والراوي عنه ابن عيسى، لا يكفي في الجبر، كما أنّ ورود هذا الخبر في «نوادر ابن عيسى» لا يكفي، وإنْ كان كتابه هذا معتبر، والأصحاب اعتمدوا عليه.
أمّا المحقّق رحمه الله في «المعتبر»(4)وإنْ رواه عن جميل، ويحتمل أن يكون ذلك من جهة وجود أصله عنده، لكنّه لا يُجدي مجرّد الاحتمال في الاعتماد على الخبر.
وثانياً: إنّ الظاهر منه كون الوقت الذي تذكّر فيه، غير مختصّ بالعشاء، لتعليله لزوم الإتيان بها بأنّه (لا يأمن من الموت) لا بإختصاص الوقت بالعشاء.
وعليه، فحيثُ إنّه يتعيّن حينئذٍ الإتيان أوّلاً بالمغرب، فلابدَّ وأن يكون المراد من قوله: (يبدأ بالوقت الذي هو فيه) البدأة بالمغرب، بل هذا هو صريح ما في بعض النسخ، بدل قوله: (عند العشاء) بعد العشاء، وحينئذٍ فيكون المراد ممّا فاته في7.
قوله عليه السلام: (يقضي ما فاته) هو الظهر والعصر، وقد عرفت أن اعتبار الترتيب في قضائهما ممّا لا كلام فيه.
نعم، يشكل ذلك بأنّه لا يناسب قوله بعد ذلك: (الأوّل فألأول)، إذ مقتضى ذلك كون الفائت أكثر من اثنين.
فالمتحصّل: أنّه لا دليل على إعتبار الترتيب، ومقتضى الإطلاق والأصل عدم اعتباره، وإنْ كان الاحتياط سبيل النجاة.
ثمّ إنّه لو قلنا باعتبار الترتيب، فهل يختصّ ذلك بصورة العلم بالترتيب، أم يعمّ ما إذا جهله(1)؟ قولان ذهب الأكثر إلى الأوّل(2).
وإستدل للإعتبار بوجهين:
أحدهما: إطلاق دليل الإعتبار.
وأُورد عليه: باختصاصه بصورة العلم، أمّا اختصاص غير صدر رواية زرارة فواضحٌ، وأمّا اختصاص صدره، فلأنّ الظاهر من الخطاب بالابتداء بالأولى، توجّهه إلى من يتمكّن من ذلك، ولا يكون ذلك إلّامع العلم بالترتيب، لاحظ نظائره، مثلاً لو قال: (أكرم أوّلاً أوّل من دخل بيتي)، فإنّه لا إشكال في أنّه يصحّ ذلك إذا علم المكلّف بأوّل من دخل، وهكذا.
وفيه: إنّه يتمّ ذلك إذا كان المورد ممّا لا يمكن الابتداء به، إلّامع العلم، كما في
المثال، وأمّا إذا أمكن ذلك بالاحتياط والتكرار كما في المقام فلا يتمّ.
وأمّا دعوى:(1)إعتبار العلم في كلّ حكمٍ وضعي استُفيد من الأمر، وإلّا يلزم التكليف بالمحال، فواضح الدفع.
وربما يقال: إنّ مقتضى الإطلاق وإنْ كان ذلك، إلّاأنّ مقتضى قاعدة نفي الحرج، سقوط التكليف به في حال الإطلاق الجهل.
وفيه: إنّ لازمها سقوط التكليف إذا لزم الحرج لا مطلقاً، لأنّ المنفيّ هو الحرج الشخصي.
وأمّا ما في «الجواهر»(2)من أنّ المراد نفيه في الدين أي في الأحكام الشرعيّة، لا فيما يوجبه العقل لدى الاشتباه مقدّمةً للقطع بالامتثال،
فيرد عليه: ما ذكرناه في محلّه من أنّ المنفيّ كلّ حكمٍ نشأ منه الحرج، ومن تلك الأحكام اعتبار الترتيب في بعض الصور.
ثانيهما: استصحاب وجوب الترتيب في ما لو عرض النسيان بعد العلم بالترتيب، فيتمّ في غيره بعدم القول بالفصل.
وفيه أوّلاً: المختار عدم جريان الاستصحاب في الأحكام.
وثانياً: يمكن أن يقال بأنّ الأصل عدم الاعتبار فيما لم يكن مسبوقاً بالعلم، فيتمّ فيه بعدم القول بالفصل، والاستصحاب وإنْ كان حاكماً على أصل البراءة، إلّاأنّه فيما إذا كانا في مورد واحد لا في مثل المقام، فتدبّر.5.
وأمّا ما في تقرير بعض الأساطين(1)من الاستدلال لعدم الوجوب بحديث رفع النسيان(2)، و «أنّ الناس في سعةٍ ما لا يعلمون»(3)، فمن سهو القلم، فإنّ التكليف في محلّ البحث معلومٌ، والمكلّف به مردّدٌ بين اُمور، فلا مجرى لهما.
فالمتحصّل: أنّ إطلاق الدليل يدلّ على اعتباره في حال الجهل أيضاً.
بناءً على ما اخترناه من عدم إعتبار الترتيب، فإنّه لا إشكال فيما لو تولّاه عنه غيره، فيجوز استنابة أشخاصٍ متعدّدين عن ميّتٍ واحد في زمانٍ واحد.
وأمّا على القول الآخر، فهل تجب مراعاة الترتيب إذا كان المتولّي غيره، كما في «الجواهر»(4)وعن غيرها؟(5)، أم لا كما في «الحدائق»؟(6). وجهان:
قد إستدل للأوّل: بأنّ الغير إنّما يؤدّي التكليف المتوجّه إلى المنوب عنه، والفرض أنّه كان عليه ذلك مرتّباً، فمن أدّاه غير مرتّبٍ لم يكن مجزئاً.
أقول: استدلّ المحقّق الهمداني(7)للثاني بما حاصله:
1) شرح اللّمعة الدمشقيّة: ج 1/734، روض الجنان ص 360.
2) وسائل الشيعة: ج 15/369 باب 56 ح 20769، الكافي: ج 2/463 ح 2.
3) لفظ هذا الحديث غير موجود إلّافي الكتب الفقهيّة الاستدلاليّة مثل مجمع الفائدة: ج 2/110، مصباح الفقيه: ج 2/128 ق 1... ولكن الموجود في الكتب الروائيّة أحاديث كثيرة بهذا المفهوم منها (... هم في سعةٍ حتّى يعلموا..) كما في وسائل الشيعة: ج 3/493 ح 4270، و ج 24 و 25 ب 38 و ب 23 ح 30077 و 32372، الكافي: ج 6/297 ح 2.
4) جواهر الكلام: ج 13/29.
5) مصباح الفقيه: ج 611/2 ق 2.
6) الحدائق الناضرة: ج 11/44.
7) مصباح الفقيه: ج 2/611 ق 2.
أنّ المنوب عنه إنّما توجّه إليه تكليفان: أدائي وقضائي، والترتيب إنّما هو معتبرٌ في الثاني دون الأوّل، والواجب على النائب تدارك ما فات من الصَّلوات الأدائيّة، فهو تدارك لأصل الفائت، دون تداركه، والمفروض عدم إعتبار الترتيب في أصل الفائت، ودليل الترتيب إنّما يدلّ على اعتباره في تدارك المنوب عنه، فليس في البين ما يدلّ على اعتباره في تدارك النائب.
ثمّ قال: اللّهُمَّ إلّاأنْ يُدَّعى أنّ المنساق منه كونه مسوقاً لبيان كيفيّة قضاء الفوائت من حيث هو، من دون مدخليّةٍ لأشخاص الفاعلين، كما ليس ببعيد، وعلى هذا فيجب مراعاة الترتيب في تدارك النائب أيضاً.
الثامنة: مَنْ فاتته فريضة ولم يعلم ما هي صَلّى ثلاثاً وأربعاً واثنتين.
(الثامنة: مَنْ فاتته فريضة ولم يعلم ما هي، صَلّى ثلاثاً وأربعاً واثنتين) كما هو المشهور(1).
وعن غير واحدٍ دعوى الإجماع عليه(2).
ويشهد له: مرفوع الحسين بن سعيد، عن أبي عبد اللّه عليه السلام:
«عن رجلٍ نسي صلاة من الصَّلوات الخمس، لا يدري أيّتها هي؟
قال عليه السلام: يُصلّي ثلاثة واربعة وركعتين، فإنْ كانت الظهر أو العصر أو العشاء، كان قد صَلّى، وإنْ كان المغرب والغداة فقد صَلّى»(3).
وقريبٌ منه مرسل ابن سباط(4).
أقول: برغم أنّهما ضعيفان إلّاأنّ ضعفهما منجبرٌ بعمل الأصحاب، ومقتضاهما التخيّير في الرباعيّة بين الجهر والإخفات.
التّاسعة: الحاضر يقضي ما فاته في السَّفر قصراً، والمسافر يقضي ما فاته في الحضر تماماً.
(التاسعة: الحاضر يقضي ما فاته في السَّفر قصراً، والمسافر يقضي ما فاته في الحَضَر تماماً) بلا خلافٍ معتدّ به.
وعن «المدارك»(1)أنّه مذهب العلماء كافّة إلّامَن شذَّ.
ويشهد له: حسن زرارة أو صحيحه، قال: «قلت له: رجلٌ فاتته من صلاة السَّفر فذكرها في الحَضَر؟
فقال عليه السلام: يقضي ما فاته كما فاته، وإنْ كانت صلاة السَّفر أدّاها في الحَضَر مثلها، وإنْ كانت صلاة الحضر فليقض في السَّفر صلاة الحضر كما فاتته»(2).
ونحوه غيره.
أقول: لو حصل الفوت في أماكن التخيّير:
فهل يثبت التخيّير في القضاء مطلقاً كما عن جماعة منهم المحقّق الثاني(3)وصاحب «الجواهر»(4)؟
أو بشرط إيقاعه في تلك الأماكن؟
أم يتعيّن القصر، كما لعلّه المشهور؟ وجوهٌ واحتمالات.
استدلّ للتخيّير مطلقاً: بأمرين:
الأمر الأوّل: إنّ دليل القضاء إنّما يدلّ على أنّ القضاء تابعٌ للأداء في الأحكام والاُمور المعتبرة فيه، فإذا كان التخيّير ثابتاً في الأداء ثبت في القضاء.
وأورد عليه(1): بأنّ الفائتة إنّما هي صلاة السفر الّتي شُرّعت بالذات قصراً، والتمام إنّما يكون بدلاً عن القصر لمصلحةٍ اقتضت ذلك، نظير الأبدال الاضطراريّة التي اقتضاها الاضطرار، فلا مدخليّة له بأوصاف الفعل كمّاً وكيفاً حتّى تجب رعايته في القضاء.
وبعبارة اُخرى: موضوع وجوب القضاء فوات الواجب الأصلي لا البدلي.
وفيه: إنّه إنْ اُريد بذلك أنّ الواجب هي صلاة القصر، ولو أتى بالتمام كان مجزياً ويجتزئ به بدلاً عن الواجب، فهذا ممّا لا يمكن تصوّر معنى معقول له، إذ لو كان يجتزئ به أصبح أحد طرفي التخيّير لا محالة، وهذا واضحٌ بعد فرض أنّ الأمر لا يدعو إلّاإلى ما تعلّق به، ولا يسقط إلّابإتيان متعلّقه لكونه بعثاً نحوه.
وإنْ اُريد أنّ الواجب هو إحداهما، ولكن المقصود الأصلي هي مصلحة القصر، ومصلحة التمام بدلٌ عنها، فهذا لا يقتضي عدم رعاية هذا القيد، إذ المكلّف به في القضاء، هو رعاية أحكام الأداء لا المصلحة.
الأمر الثاني: استصحاب الاجتزاء بالتمام.2.
1) مصباح الفقيه: ج 2/618 ق 2.
وفيه: إنّ هذا ثابتٌ في الأداء الذي له أمرٌ مختصّ به، فإسراؤه إلى القضاء الذي له أمرٌ آخر ليس من الاستصحاب.
ولو سُلّم وحدة الموضوع بنظر العرف، فهذا إنّما يقتضي الوجه الثاني، وهو التخيّير لو أوقعه في تلك الأماكن لا مطلقاً، كما لا يخفى.
واستدلّ لتعيّن القصر باُمور:
منها: ما تقدّم.
ومنها: أصالة التعيّين، لدوران الأمر بين التعيّين والتخيّير.
وفيه: - مضافاً إلى أنّه لا يرجع إلى الأصل مع الدليل - أنّ الأصل عند الدوران المزبور التخيّير دون التعيين.
ومنها: ما أفاده بعض المعاصرين(1)وهو أنّ نصوص التخيّير في تلك الأماكن وإنْ كانت ظاهرة في الوجوب التخيّيري، إلّاأنّ ظاهرها مشروعيّة التمام في ظرف الإتيان به، لا مشروعيّته بقول مطلق كالقصر، فمع عدم الإتيان به لا تشريع ولا فوت إلّاللقصر.
وفيه: إنّ معنى الوجوب التخيّيري مشروعيّة التمام قبل الإتيان به، وإنْ اُريد إنّه قبل الإتيان يجبُ القصر تعيّيناً، ولكن من خلال الإتيان بالتمام يتبدّل التكيلف فهو كما ترى.
وعليه، فالأظهر بحسب الأدلّة جواز التمام.
أقول: ولكن الإنصاف أنّ القول بتعيّن القصر، لو لم يكن أقوى، لا شبهة في7.
1) مستمسك العروة: ج 7/67.
كونه أحوط، من جهة أنّ الظاهر من النصوص أنّ صيرورة التمام عِدْلاً للقصر في الأداء إنّما هي لخصوصيّة في المكان، وعليه فصلاة التمام في غير تلك الأماكن ليست قضاءً للتمام في تلك الأماكن، لفقدها خصوصيّة اُخرى غير الوقت، فلا تكون قضاءً، إذ القضاء عبارة عن إتيان الفائت بما له من الخصوصيّات سوى الوقت، وعليه فيتعيّن القصر.
لا يُقال: إنّ لازم ما ذكر هو تعيّن القصر إذا أتى به في غير تلك الأماكن، لا ما إذا أتى به فيها.
فإنّه يُقال: إنّ الخصوصيّة بحسب ما يُستفاد من النصوص مختصّة بالأداء، ولذا لم يفتِ أحدٌ بالتخيير في القضاء فيها، إنْ كان الفوت في غيرها من الأماكن، فتلك الخصوصيّة لا يمكن رعايتها.
أقول: بقي في المقام فرعٌ لابدَّ من التنبيه عليه، وهو:
أنّه لو كان المكلّف أوّل الوقت مثلاً حاضراً وآخره مسافراً أو بالعكس ففاتته الصَّلاة:
1 - فإنْ قلنا في المسألة الآتية في صلاة المسافر بأنّ المدار في التقصير والإتمام في الأداء، على كون المكلّف في أوّل الوقت مسافراً أو حاضراً، فعلى الأوّل يقصّر، وإنْ كان حين الأداء حاضراً، وعلى الثاني يُتمّ وإنْ صار مسافراً، لا يبقى مجالٌ لهذا البحث، كما هو واضح.
2 - وأمّا إنْ بنينا على أنّهما تابعان لعنواني المسافر والحاضر، وما دام حاضراً يجب عليه التمام، وإذا سافر يتبدّل تكليفه إلى القصر.
وعليه، فهل العبرة في القضاء بحال الفوات، وهو آخر الوقت، كما اختاره المحقّق في «الشرائع»(1)، وصاحب «الجواهر»(2)، ونُسِب إلى المشهور، خصوصاً بين المتأخّرين(3)؟
أم بحال الوجوب، أي أوّل الوقت، كما عن الشيخ المفيد، وابن بابويه(4)، والشيخ في «المبسوط»(5)، والسيّد في «المصباح» والحِلّي في «السرائر» والإسكافي(6)، بل عن «المبسوط»(7): إنّه الموافق لإجماع أصحابنا.
أم يجب التمام إذا تعيّن في وقتٍ من الأوقات، كما عن الشهيد رحمه الله(8)؟
أم يتخيّر في القضاء مطلقاً، كما اختاره صاحب «العروة» وتبعه بعض المحشّين(9)؟ وجوه.
وقد استدلّ للثاني:
1 - بالإجماع.5.
1) شرائع الإسلام: ج 1/104.
2) جواهر الكلام: ج 13/114.
3) رياض المسائل: ج 4/287 قوله: (وعليه الأكثر)، الحدائق الناضرة: ج 11/31 (الأشهر، ويدلّ على المشهور.. أي حال الفوات)، مستند الشيعة: ج 8/336 قال: (فالمشهور)، جواهر الكلام: ج 14/382، قوله: (المشهور.. خصوصاً بين المتأخّرين).
4) حكاه عنهما في السرائر: ج 1/335.
5) حكاه عن المبسوط صاحب الجواهر: ج 14/382.
6) السرائر: ج 1/334 و ص 335، والمعتبر: ج 2/480، حكياه عن السيّد والإسكافي.
7) لم نعثر عليه في المبسوط، ولكن حكاه عنه في الجواهر الكلام: ج 14/382 كما تقدّم بقوله: (والشيخ في مبسوطه... إنّه الموافق للأدلّة وإجماع أصحابنا).
8) اللّمعة الدمشقيّة: ص 39.
9) العروة الوثقى: ج 3/515.
2 - وبأنّ الفائت هو ما خوطب به في الحال الأُولى، لأنّه لو صلّاها حينئذٍ، كان يصلّيها كذلك، فيجبُ أن يقضيها كما فاتته.
3 - وبخبر موسى بن بكير، عن زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام:
«عن رجلٍ دخل وقت الصَّلاة وهو في السفر، فأخّر الصَّلاة حتّى قَدِم وهو يريد أن يُصلّيها إذا قدم إلى أهله، فنسي حين قدم إلى أهله أن يُصلّيها حتّى ذهب وقتها؟
قال عليه السلام: يُصلّيها ركعتين صلاة المسافر، لأنّ الوقت دخل وهو مسافر، كان ينبغي أن يُصلّي عند ذلك»(1).
أقول: وفي الجميع نظر:
أمّا الإجماع: فلعدم ثبوته، وعدم كونه تعبّديّاً على فرض الثبوت.
وأمّا الثاني: فلأنّ اقتضاء تأديتها كذلك لو فعل في أوّل الوقت ذلك، بعد سقوطه عنه، والانتقال إلى بدله، ممنوعٌ.
وأمّا الثالث: فقد أُورد عليه باُمور:
منها: أنّه ضعيف السَّند لموسى بن بكير(2).
وفيه: إنّه وإنْ كان واقفيّاً إلّاأنّ له كتاباً يرويه عنه جماعة من الفضلاء، منهم من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم، كابن أبي عُمير وصفوان، فلا وجه لرفع اليد عن روايته.5.
ومنها: أنّه أشبه بالروايات الدالّة على أنّ العبرة في الأداء بحال الوجوب، فيشكل لذلك العمل به، لمعارضته بغيره ممّا يجب تقديمه عليه.
وفيه: إنّ أشبهيّته بها غير ظاهر الوجه.
ومنها: أنّ التعليل فيه مشعرٌ بإرادة الأفضليّة، فيكون مؤيّداً للقول بالتخيير.
وفيه: إنّه لا وجه لرفع اليد عن ظهور قوله عليه السلام: (يصلّيها ركعتين)، لهذا الإشعار، بل الصحيح الإيراد عليه بإعراض المشهور عنه، وعدم استناد من أفتى بمضمونه إليه.
وقد استدلّ للقول بالتخيّير في «العروة»: بأنّ المكلّف به في الوقت لم يكن هو التمام ولا القصر، بل الجامع بينهما، فإنّه في قطعةٍ من الزمان كان مكلّفاً بالتمام، وفي قطعةٍ من الوقت كان مكلّفاً بالقصر، فعند القضاء يجبُ عليه الإتيان بأحد الأمرين من القصر أو التمام.
وأيّده بعضهم:(1)بأنّه فاتت إحدى الصلاتين، فلا وجه لانتساب الفوت إلى ما تعيّن عليه في آخر الوقت، ولا ما تعيّن عليه في أوّله، لأنّ الواجب الموسّع الذي له أفراد تدريجيّة، نسبته إلى كلّ واحد منها عين نسبته إلى الآخر، فتطبيقه بلحاظ الفوت على أحدهما بعينه ترجيحٌ بلا مرجّح، فلابدَّ وأن يكون فوته بلحاظ جميع أفراده، وحيث أنّ بعضها تمام وبعضها قصر، فيكون فوته بفوت جميعها لا بفوت أحدهما.
وفيه: إنّ لازم هذا البيان هو لزوم الجمع بين القصر والتمام، لصدق الفائت علىر.
1) الظاهر أنّه إيراد من السيّد الحكيم قدس سره في المستمسك: ج 7/69 على صاحب الجواهر.
كلّ منهما، ولا وجه للتخيّير إلّابدعوى ثبوت الوجوب التخيّيري لهما في الأداء، وهي كما ترى، إذ ما دام كان مسافراً كان يجب عليه القصر معيّناً، وما دام كان حاضراً كان يجبُ عليه التمام كذلك.
أقول: والأظهر هو الأوّل، لأنّ القضاء إنّما يدور مدار الفوت، وهو إنّما يتحقّق بترك الصَّلاة في آخر وقتها، إذ لو أتى بها فيه لما صدق عليها هذا العنوان.
فإنْ قلت: إنّه لو كان آتياً بها في أوّل الوقت، لما صدق على تركها في آخره الفوت أيضاً، فكيف يُنسب الفوت إلى ترك ما وَجَبَ عليه آخر الوقت!؟
قلت: إنّ ما ذُكر بحسب الدقّة العقليّة وإنْ كان تامّاً، فإنّ أجزاء الوقت ليست موضوعات متعدّدة لوجوبات عديدة، بل وجوب واحد متعلّق بالصّلاة في وقت موسع، فالملحوظ في صدق الفوت ترك الفعل في مجموع الوقت المضروب له، لا خصوص جزئه الأخير، إلّاأنّه بحسب المتفاهم العرفي لا يلاحظ في هذا المقام إلّا الجزء الأخير دون ما قبله من أجزاء الوقت الذي للمكلّف ترك الصَّلاة فيها بإذنٍ من الشارع الأقدس.
ولكن الأحوط الجمع، بعد ملاحظة خبر موسى المتقدّم، بضميمة ما ذكرناه في وجه المختار، احتياطاً لا يُترك، كما لا يخفى وجهه.
العاشرة: يُستحبّ قضاء النوافل المُرتبة، ولو فاتته بمرضٍ، استحبّ أن يتصدّق عن كلّ ركعتين بمُدٍ، وإنْ لم يتمكّن فعن كلّ يوم.
(العاشرة: يستحبُّ قَضاءُ النّوافل المرتبة) إجماعاً، كما عن غير واحد(1)، ويشهد له جملةٌ من النصوص.
(ولو فاتته بمرضٍ) أو غيره، وعجز عن قضائها (استحبّ أن يتصدّق عن كلّ ركعتين بمُدٍ، وإنْ لم يتمكّن فعن كلّ يوم) كذا ذكره الأصحاب(2)، وليس فيما بأيدينا من النصوص ما يدلّ على هذا الترتيب، إلّاأنّه من المستبعد جدّاً أن لا يكون بذلك رواية.
ويدلّ على استحباب الصدقة بترتيبٍ آخر، خبر ابن سنان(3)والعمل بالكلّ حسن.
البابُ السّادس: في صلاة الجماعة: وهي واجبة في الجمعة والعيدين بالشرائط.
(وهي واجبة في الجمعة والعيدين بالشَّرائط) المقرّرة في محلّها.
ويشهد له: - مضافاً إلى عدم الخلاف فيه(1)- جملةٌ من النصوص:
1 - صحيح زرارة، عن الإمام الباقر عليه السلام: «فرض اللّه على النّاس من الجمعة إلى الجمعة خمساً وثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها اللّه عزّ وجلّ في جماعة، وهي الجمعة»(2).
2 - وصحيحه الآخر، عنه عليه السلام: «من لم يُصلِّ مع الإمام في جماعةٍ يوم العيد، فلا صلاة له ولا قضاء عليه»(3). ونحوهما غيرهما.
وقد تقدّم الكلام في ذلك مفصّلاً في مبحث صلاة الجمعة(4)من هذا الشرح.
ولا تجبُ الجماعة بالأصل، لا شرعاً ولا شرطاً في غيرهما إجماعاً(5)، ويشهد له صحيح زرارة المتقدّم آنفاً، وغيره من النصوص الواردة في الجمعة.
1) منتهى المطلب (ط. ق): ج 1/318.
2) وسائل الشيعة: ج 7/295 باب 1 ح 9382، الكافي: ج 3/419 ح 6.
3) وسائل الشيعة: ج 7/421 باب 2 ح 9745، التهذيب: ج 3/128 باب 6 ح 5.
4) فقه الصادق: ج 7/442.
5) ادّعى الإجماع على ذلك المحقّق النراقي في غنائم الأيّام: ج 3/107 بقوله: (ولا تجب الجماعة بالأصالة إلّا في الجمعة والعيدين، وقد تقدّمتا، وهذا الحكم إجماعيّ بين الأصحاب)، وكذلك النائيني في كتاب الصَّلاة: ج 2/359.
ومستحبّة في الفرائض الباقية.
(ومستحبّة في الفرائض الباقية) كما هو المشهور(1)، وعن المصنّف رحمه الله في «المنتهى»(2)، والشهيد في «الذكرى» عليه ظاهر الإجماع(3).
أقول: لا إشكال في استحبابها في الفرائض الحاضرة اليوميّة، بل لعلّه من ضروريّات الدِّين، ويشهد به النصوص الكثيرة الواردة في مشروعيّتها وفضيلتها، مضافاً إلى النصوص الخاصّة الواردة في خصوص كلّ واحدة منها.
وبالجملة: استحباب الجماعة في اليوميّة الحاضرة ممّا لا شُبهة فيه.
وكذلك لا ينبغي التوقّف في مشروعيّتها في الفوائت.
ويشهد له:
1 - مضافاً إلى استفادته من أدلّة القضاء، الدالّة على أنّ الصَّلاة إذا مضى وقتها ولم يؤت بها، يجبُ الإتيان بها بما لها من الأجزاء والشرائط، والأحكام الواجبة والمستحبّة خارج الوقت، وأنّ الفرق بين الأداء والقضاء إنّما هو في خصوص الإتيان في الوقت وفي خارجه.
2 - إجماع المسلمين، كما عن «الذكرى»(4).
3 - والمستفيضة الواردة في قضاء النبيّ صلى الله عليه و آله وأصحابه صلاة الصبح جماعةً(5).5.
4 - وبعض النصوص الواردة في العدول من الحاضرة إلى الفائتة، الدالّ على مشروعيّة الجماعة في الفائتة، فيما إذا كان المأموم هو القاضي دون الإمام، كخبر عبد الرحمن:
«وإنْ ذكرها مع إمامٍ في صلاة المغرب، أتمّها بركعة، ثمّ صَلّى المغرب»(1).
وخبر إسحاق بن عمّار، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: «قلت له: تُقام الصَّلاة وقد صلّيت؟ فقال: صَلِّ واجعلها لما فات»(2).
وكذلك لا كلام في استحبابها في صلاة الآيات والأموات، للنصوص الخاصّة الواردة فيهما المتقدّمة في مبحث صلاة الآيات والأموات.(3)
يدور البحث في المقام عن مشروعيّة الجماعة في مطلق الفرائض كصلاة الطواف ونحوها، وقد استدلّ لها بوجوه:
الوجه الأوّل: النصوص الواردة في باب الجماعة، غير المختصّة باليوميّة:
1 - صحيح ابن سنان: «الصَّلاة جماعة تفضل على صلاة الفرد بأربع وعشرين درجة»(4).
2 - وخبر ابن أبي يعفور: «لا صلاة لمن لا يُصلّي في المسجد مع المسلمين إلّا من علّةٍ»(5). ونحوهما غيرهما.
وفيه: إنّ هذه النصوص واردة في مقام بيان شيءٍ آخر من الثواب المترتّب على الجماعة المشروعة، والذمّ على تاركها، ونحو ذلك فلا إطلاق لها من هذه الجهة.
الوجه الثاني: أنّه لإفتاء المشهور بالاستحباب، يدخل ذلك في موضوع (أخبار من بلغ) ويثبُتُ الاستحباب ببركة تلك النصوص(1).
وفيه: إنّ تلك الأخبار مختصّة بما إذا كان الخبر ضعيفاً ويتضمّن استحباب الشيء، ولا تشمل إفتاء الفقهاء به.
وأمّا ما أجاب به المحقّق اليزدي رحمه الله:(2)بأن الجماعة في الواجبات على تقدير مشروعيّتها، ليست من الاُمور المستحبّة، بل هي مصداق للواجب، وأفضل الفردين منه، فلا يمكن إثبات مشروعيّتها بالاحتمال، والدليل الضعيف.
فيرد عليه: أنّ الجماعة بنفسها يعدّ عملاً وعنواناً يباين عمل الصّلاة وعنوانها، نعم يترتّب على الجماعة في الصَّلاة أحكام وآثار ملحقة بالصّلاة، فإذا دلَّ الدليل الضعيف على استحبابها، وثبت ذلك ب (أخبار مَنْ بلغ) الدالّة على الاستحباب، بالنحو الذي تكفّله الدليل الضعيف، ترتّب عليه أحكام الجماعة فالصحيح ماذكرناه.
الوجه الثالث: مضمون صحيح زرارة والفضيل، قالا:
«قلنا له: الصَّلاة في جماعة فريضة هي؟ فقال عليه السلام: الصَّلاة فريضة، وليس الاجتماع بمفروض في الصَّلوات كلّها، ولكنّها سُنّة، من تركه رغبةً عنها وعن جماعة المؤمنين من غير علّة فلا صلاة له»(3).2.
وأورد عليه بإيرادات:
الإيراد الأوّل: إنّ السؤال فيه ظاهرٌ في أنّ المشروعيّة كانت مفروغاً عنها عند السائل، وإنّما السؤال عن كونها فريضةً أم لا، فلا يكون الجواب وارداً لبيان المشروعيّة، كي يُتمسّك بإطلاقه(1).
وفيه: إنّ السؤال ليس ظاهراً في ذلك، إذ ليس إلّامتضمّناً للسؤال عن كونها فريضة وعدمها، ولعلّه لم تكن المشروعيّة مفروغاً عنها عندهما، فتأمّل.
وعلى أيّ تقدير، لو كان الجواب وارداً لبيان نفي كونها فريضة، لما كان وجهٌ لقوله عليه السلام بعد نفي الوجوب: (ولكنّها سُنّة) فهذه الجملة إمّا أن تكون قرينة على أنّ السؤال كان عن المشروعيّة أيضاً، أو تكون تفضّلاً محضاً، وعلى كلّ حالٍ فإنّها واردة لبيان الاستحباب، فلا مانع من التمسّك بإطلاقه.
اللّهُمَّ إلّاأن يُقال: إنّه عليه السلام لما بيَّن عدم كونها فريضة، أراد بيان أنّها من المستحبات الأكيدة، كي لا يتركها السائل.
الإيراد الثاني: ما نُسب إلى المحقّق النائيني رحمه الله(2)، وهو أنّ ظاهر قوله عليه السلام:
(وليس الاجتماع بمفروض في الصَّلوات كلّها) يكون على نحو سلب العموم على النحو العام المجموعي، بمعنى أن يكون سلب الفرض عن الجماعة بالنسبة إلى مجموع الفرائض، بحيث لا ينافيه ثبوت الفرض في الجمعة والعيدين، وهكذا الكلام في قوله عليه السلام: (ولكنّها سُنّة)، لأنّ الظاهر إثبات السُنّة فيما نُفي عنه الفرض، فإذا لم يكن الفرض منفيّاً عن جميع الفرائض، لم تكن السُنّة ثابتة في جميعها.9.
وفيه أوّلاً: إنّه لا وجه لدعوى ظهور الجملة الأُولى في كونها على نحو سلب العموم، إذ ذلك يتمّ فيما إذا كان النفي وارداً على العموم، وكان العموم منفيّاً كما في قول القائل: (ما كلُّ ما يَتَمنّى المرءُ يُدركه).
وأمّا إذا كان المنفيّ شيئاً آخر، كما في المقام، فإنّ المنفيّ هو كونها فريضة، فلا فرق بينه وبين إثبات ذلك الشيء في تلك الموارد، فكما أنّه في مورد الإثبات يُحمل على كونه على النحو العام الاستغراقي، ما لم يثبت خلافه، فكذلك في مورد النفي.
وبالجملة: لم يظهر لي الفرق بين إثبات شيءٍ على العام، وبين نفيه عنه، كي يُحمل الأوّل على العام الاستغراقي، والثاني على المجموعي.
وثانياً: إنّه لو تمّ ذلك في الجملة الأُولى، لم يتمّ في الثانية، إذ لازم كونها على النحو العام المجموعي، كون استحباب الجماعة في جميع الصَّلوات التي شُرِّعت الجماعة فيها حُكماً واحداً، له امتثال واحد، ومخالفة واحدة، وهذا ممّا يُقطع بخلافه، فلا مناص عن حمله على العام الاستغراقي.
الإيراد الثالث: إنّ قوله عليه السلام: (الصَّلاة فريضة) لم يرد منه مطلق الصَّلوات، وإلّا لزم تخصيص الأكثر، مضافاً إلى أنّ ذلك خلاف ظاهره، بل المراد الصَّلوات اليوميّة للإنصراف، ولا أقلّ من إجماله، ممّا يجعل اليوميّة هي المتيقّن منه.
وعليه، فقوله عليه السلام: (ولكنّها سُنّة) إنّما يدلّ على استحباب الجماعة في الصَّلوات اليوميّة، لا في كلّ صلاةٍ واجبة، وهو متين.
فتحصّل: أنّه لا دليل على مشروعيّة الجماعة في غير الفرائض اليوميّة، عدا صلاتي الآيات والأموات.
وأمّا في مثل صلاة الطواف التي لم يرد نصٌّ خاصٌّ عن مشروعيّة الجماعة فيها،
فلابدَّ فيها من الرجوع إلى الأصل، وهو أصالة عدم مشروعيّة الجماعة.
وبه يظهر حال النافلة المذكورة، مع أنّ مقتضى النصوص المتضمّنة عدم مشروعيّة الجماعة في النافلة، الظاهرة في إرادة النافلة بالأصل - وإنْ عرضها وصف الوجوب، لانطباق عنوان آخر عليها - عدم مشروعيّتها فيها.
وأمّا ركعات الاحتياط:
1 - فعلى القول بأنّها من الواجبات المستقلّة، وجبت لأجل احتمال نقص الصَّلاة التي وقع الشكّ فيها، وجابرة لنقصها، أو متوسّطة بين الجزئيّة والاستقلال، لا تكون الجماعة فيها مشروعة، لما تقدّم من عدم الدليل على مشروعيّتها في غير الخمس اليوميّة.
2 - وأمّا على القول بأنّها بأنفسها أجزاء من الصَّلاة، على تقدير النقص:
فإنْ لم يكن مقتدياً في أصل صلاته، لا إشكال في عدم ثبوت مشروعيّة الجماعة فيها حينئذٍ، فإنّه لو اقتدى بها، وكانت في الواقع جزءً، لزم تحقّق الائتمام في أثناء الصَّلاة وهو لا يجوز.
وإنْ كان مقتدياً في أصل صلاته:
فإمّا أن يختلف الإمام والمأموم في الشكّ أو يتّفقان فيه:
فإنْ اختلفا فيه: فإنْ لم يمكن إبقاء القدوة إلى آخر الصَّلاة، كما إذا شكّ المأموم بين الاثنين والثَّلاث، والإمام شكّ بين الأربع والخمس، فحكمه حكم سابقه لزوال القدوة.
وان أمكن ذلك، كما إذا شكّ الإمام بين الاثنين والأربع، والمأموم شكّ بين الثَّلاث والأربع، فإنّهما يبنيان على الأربع، ثمّ يأتي كلّ منهما بما هو وظيفته.
وعليه، فالأظهر عدم جواز الائتمام، لقطع المأموم بأنّ الوظيفة الواقعيّة ليست ركعتين من قيام.
وبعبارة اُخرى: المأموم قاطع بعدم النقص ركعتين، ومعه لا مجال له الاقتداء به.
وأمّا إنْ اتّفقا في الشكّ: كما إذا شكّا بين الثَّلاث والأربع، فيمكن أن يقال بجواز الاقتداء على هذا المبنى، فإنّه لو كانت صلاتهما ناقصة، كان المأموم مقتدياً فيما هو جزءٌ من صلاته بما هو من أجزاء صلاة الإمام، وتكون هذه القدوة من أوّل الصَّلاة، وإلّا فتقعان معاً زائدتين.
وفيه: لكن مضافاً إلى ضعف المبنى، يلزم من ذلك فسادها على تقديرالزيادة، لعدم مشروعيّة الجماعة في النافلة، مع أنّ ظاهر النصوص أنّ الوظيفة هو الإتيان بما يقع جزءً على تقدير النقص، ونافلةً على تقدير الكمال لا زائداً.
فتحصّل: أنّ الأظهر عدم مشروعيّة الجماعة فيها.
تنبيهٌ: قيل إنّه تجب الجماعة بالعَرَض في موارد(1)، وهي:
المورد الأوّل: ما لو لم يحسن القراءة.
وفي «العروة»(2): (إنّه إنْ ضاق الوقت عن تعلّم القراءة، مع قدرته عليه، يجب الائتمام، وأمّا إذا كان عاجزاً فلا يجب عليه حضور الجماعة).
وعن «الجواهر»(3)التفصيل بين ما إذا كان ترك التعلّم عن تقصير فيجب الائتمام، وبين ما إذا كان للعجز عنه، أو لعدم من يتعلّم منه إلى آخر الوقت، فلا يجب.
وقيل: لا تجبُ مطلقاً.
أقول: لعلّ ما ذهب اليه صاحب «الجواهر» رحمه الله هو الأقوى؛ لأنّه في موارد ترك التعلّم لا عن تقصيرٍ يسقط وجوب القراءة التامّة للعجز عنها، وتكون القراءة الملحونة إذا تمكّن منها، والناقصة إذا لم يقدر إلّاعلى بعضها، وقراءة شيء من القرآن إذا لم يقدر إلّاعليه، والذِّكر مع عدم القدرة عليه أيضاً - على تفصيلٍ تقدّم في مبحث القراءة(4)- أبدالاً عن القراءة الكاملة، بمقتضى الروايات المتقدّمة في تلك المسألة، ومقتضى إطلاقها ذلك حتّى مع التمكّن من الائتمام.
فإنْ قلت: إنّ الائتمام أحد فردي الواجب الأوّلي، فيجبُ تعيّيناً عند عدم التمكّن من الفرد الآخر، الذي هو طرف التخيّير، ولا ينتهي الأمر مع التمكّن إلى المراتب الناقصة.
قلت: إنْ قلنا بأنّ الائتمام مسقطٌ لوجوب القراءة المعتبرة في الصَّلاة - كما لعلّه الظاهر من الأدلّة - لا وجه لتعيّنه بعد فرض سقوط الأمر بالقراءة التامّة، وبدليّة شيءٍ آخر منها، كما هو واضح.
وإنْ قلنا بأنّه بدلٌ، فمقتضى إطلاق أدلّة البدليّة، الشامل لصورة التمكّن من الائتمام، أنّ كلّ مرتبةٍ من مراتب القراءة، طرفٌ للتخيّير بينها وبين الائتمام، فالقادر مخيّر بين القراءة التامّة والائتمام، والعاجز مخيّرٌ بين الناقصة والائتمام، وهكذا.
وبهذا البيان يظهر عدم تماميّة ما قيل على القول بالبدليّة، من إنّ الائتمام بدلٌ اختياري، والمراتب الناقصة أبدالٌ اضطراريّة، لا يصحّ الانتقال إلى الاضطراري مع التمكّن من الاختياري.
فإنّه يرد عليه: أنّ مقتضى إطلاق الأدلّة، بدليّتها عنها حتّى مع التمكّن من الائتمام، ولازم ذلك كون تلك المراتب بالنسبة إلى العاجزين بمنزلة التامّة في حقّ القادر، فكما أنّه مخيّرٌ بين القراءة والائتمام، كذلك هؤلاء.
وأمّا في موارد ترك التعلّم عن تقصير: فإنْ قلنا بانصراف تلك النصوص إلى صورة عدم التقصير، فلا كلام، وأمّا إنْ التزمنا بإطلاقها، فحيثُ لا كلام في وجوب التعلّم واستحقاق العقاب بتركه، وإنْ امتنعتْ في ظرفها، لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقاباً، وإنْ كان ينافيه خطاباً، ومن البديهي أنّه لو ائتمّ لما استحقّ العقاب، فإنّ ترك القراءة بترك التعلّم، يوجب العقاب على تقدير ترك الائتمام، وإلّا فلم يترك واجباً فعليّاً، كي يستحقّ العقاب، فتدبّر. وعليه فيجب الائتمام عقلاً فرار من استحقاق العقاب.
المورد الثاني: ما إذا نذر الإتيان بالصّلاة جماعة، فإنّها تجبُ، ويقع البحث حينئذٍ عن أنّه لو خالف وصَلّى فرادى، هل تصحّ صلاته أم لا؟ وجهان:
واستدلّ للثاني:
1 - بأن الأمر بالجماعة يقتضي النهي عن الفرادى، ولا أقلّ من عدم الأمر بهما، لأنّهما ضدّان، والنهي عن العبادة موجبٌ لفسادها.
2 - وبأنّ مفاد قول الناذر: (للّه علىَّ أن أفعل كذا)، جَعْلُ حقٍّ وضعي له تعالى، ومقتضى أدلّة نفوذ النذر ثبوت ذلك، فيكون الفعل منذوراً للّه تعالى، ومقتضى ما دلَّ على سلطنة كلّ أحد على أمواله وحقوقه، قصور سلطنة الناذر عن كلّ ما ينافي المنذور، فإذا لم يكن للناذر سلطنةٌ على الصَّلاة فرادى، لمنافاتها للصلاة جماعة، كانت هي محرّمة وباطلة.
3 - وبأنّ نذر الصَّلاة جماعة مرجعه إلى تعيّين ما في الذمّة في صلاة الجماعة، وعدم الإتيان بفردٍ منه إلّاالصَّلاة جماعة، وعليه فيحرم الصَّلاة فرادى، لكونها تفويتاً للمنذور الذي هو متعلّق حقّ اللّه سبحانه، فيشملها ما دلَّ على حرمة التصرّف في مال الغير وحقّه بلا إذنٍ من صاحبه.
أقول: وفي الكلّ نظر:
أمّا الأوّل: فلما حُقّق في محلّه من أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه، وأنّه يمكن تصوير تعلّق الأمر به أيضاً بنحو الترتّب.
وأمّا الأخيران: فلأنّه ليس مفاد صيغة النذر تمليك شيء للّه، ولا إثبات حقٍّ وضعي له، بل ليس مفادها سوى الالتزام بالمنذور، وعلى ذلك فلا مورد لهذين الوجهين أصلاً.
مضافاً إلى عدم تماميّة الأوّل منهما، حتّى على ذلك المسلك، فإنّ ما دلَّ على سلطنة الناس على أموالهم وحقوقهم، إنّما يدلّ على عدم سلطنة الغير عليها، لا على عدم سلطنته على كلّ ما ينافيها.
فتحصّل: أنّ الأظهر أنّه لو خالف وصَلّى فرادى صَحّت صلاته، ووجبت حينئذٍ الكفّارة إنْ كان متعمّداً.
المورد الثالث: ما إذا كان ترك الوسواس موقوفاً عليها، ذكره في «العروة»(1).
أقول: إنْ كان الوسواس موجباً لبطلان الصَّلاة تمّ ما ذكره، وإلّا فيرد عليه: أنّه لا دليل على ذلك، ولا على حرمة الوسواس، كي تجب الجماعة فراراً عن ذلك.
المورد الرابع: ما إذا ضاق الوقت عن إدراك الرّكعة إلّابالجماعة.
والوجه في وجوبها ما دلَّ على وجوب إيقاع الصَّلاة في الوقت، بضميمة قاعده (مَنْ أدرك).
المورد الخامس: ما إذا أمر أحد الوالدين بها.
أقول: إنّه في الموارد التي يكون ترك الإطاعة إيذاءً لهما، وعقوقاً لحقوقهما، تجب الإطاعة:
1 - بمقتضى مدلول الآية الشريفة «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ» (2)الدالّة على حرمة3.
إيذائهما بالمفهوم، فتأمّل.
2 - وللنصوص الكثيرة المتضمّنة أنّ العقوق من الكبائر(1)، وفي غير ذلك لا دليل على وجوب الإطاعة.
والاستدلال له: بقوله تعالى: (وَ قَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً») (2)، بدعوى أنّ إطاعتهما إحسانٌ.
غير تامّ، إذ لا يجبُ كلّ ما يعدّ إحساناً قطعاً، سيّما وقد فُسّرت الآية الشريفة في حَسَن أبي ولّاد بأن يحسُن صحبتهما، وأنْ لا يكلّفهما أن يسألاه شيئاً ممّا يحتاجون إليه، وإنْ كانا مستغنيين(3)، ولا يمكن الالتزام بوجوب ذلك.
وأيضاً: الاستدلال له بخبر محمّد بن مروان، عن الإمام الصادق عليه السلام في الوالدين: «وإنْ أمراك أن تخرج من أهلك ومالك فافعل، فإنّ ذلك من الإيمان»(4).
في غير محلّه، إذ لا تجبُ الإطاعة في مورد الخبر يقيناً، فلابدَّ من حمله على الاستحباب، ويؤيّده بل يشهد له التعليل المذكور فيه.
وقد استدلّ له بوجوه اُخر ضعيفة جدّاً، وعليه فالأظهر عدم وجوبها في غير ذينك الموردين.
ثمّ إنّ الجماعة الواجبة في هذه الموارد، إنّما يكون وجوبها شرعيّاً لا شرطيّاً، فتصحّ الصَّلاة فرادى بناءً على عدم اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه.2.
أقول: لا تشرع الجماعة في شيءٍ من النوافل، إلّا ما استثني، ممّاسيأتي التعرّض له.
وعن «المنتهى»(1)، و «الذكرى»(2)، و «كنز العرفان»(3)دعوى الإجماع عليه.
ويشهد له: - مضافاً إلى أصالة عدم المشروعيّة، لما تقدّم من عدم الدليل على مشروعيّة الجماعة في الصَّلوات مطلقاً، وأنّ الأصل هو العدم - أنّه يستفاد العموم من بعض ما ورد في المنع عن الجماعة في نافلة شهر رمضان، كقول أمير المؤمنين عليه السلام في خبر سُليم بن قيس: «أعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة»(4).
فإنّ دعوى كون اللّام للعهد، والإشارة إلى ما في صدر الخبر، المختصّ بنوافل شهر رمضان، وإنْ كانت ليست بعيدة، إلّاأنّه من جهة ظهور اللّام في نفسها في كونها للجنس - وتقدُّم فردٍ من أفراد الطبيعة، لا يتنافى مع إرادة الجنس منها، كي يكون قرينة للتصرّف في ظهورها - يُحمل على إرادة الجنس منها.
وأمّا ما عن «التنقيح»(5)مرسلاً عن علي عليه السلام أنّه قال: «لا جماعة في نافلة»، الذي استدلّ به لهذا القول، فمن المحتمل قويّاً كونه هو الخبر المتقدّم الذي استفدنا العموم منه، وليس خبراً آخر، ليكون هو مؤيّداً لتماميّة الاستفادة المزبورة.
1) منتهى المطلب (ط. ق): ج 1/264.
2) ذكرى الشيعة: ص 266 (ط. ق) و: ج 4/369 (ط. ج) قوله: (من مشاهير الفتاوى أنّه لا يجوز الاقتداء في النافلة.. إلخ)، ولم أجد إجماعاً صريحاً.
3) كنز العرفان في فقه القرآن: ج 1/194، قوله: (وأمّا الجماعة في النوافل فأجمع علماء أهل البيت عليهم السلام على تحريمها إلّافي نفل أصله فرض، كالإعادة والعيدين والاستسقاء لما فيها من غرض الاجتماع لإجابة الدعاء).
4) وسائل الشيعة: ج 8/46 باب 10 ح 10065، الكافي: ج 8/63 خطبة لأمير المؤمنين.
5) التنقيح الرائع: ج 1/269-270.
وخبر محمّد بن سليمان، عن الإمام الرضا عليه السلام، عن النبيّ صلى الله عليه و آله، أنّه قال:
«إنّ هذه الصَّلاة - أي نافلة شهر رمضان - نافلة ولن نجتمع للنافلة...
إلى أنْ قال: واعلموا أنّه لا جماعة في نافلة»(1).
أقول: ومورد الاستدلال به جملتان:
الأُولى: قوله: (ولن تجتمع... الخ)، فإنّ الظاهر منه كونه من قبيل كبرى كليّة لقوله: (هذه الصَّلاة نافلة).
الثانية: قوله: (لا جماعه في نافلة).
ويشهد له أيضاً: الخبر المعتبر المحكيّ عن الفضل بن شاذان، عن الإمام الرضا عليه السلام، في كتابه إلى المأمون: «لا يجوزُ أن يُصلّى تطوّعٌ في جماعة، لأنّ ذلك بدعةٍ، وكلّ بدعةٍ ضلالة، وكلّ ضلالةٍ في النار»(2).
ونحوه خبر الأعمش(3).
وعن «المدارك»(4)، و «الذخيرة»(5)الميل إلى الجواز، واستدلّ له:
1 - بصحيح هشام، عن الصادق عليه السلام: «عن المرأة تؤمّ النساء؟ قال: تؤمهنّ في النافلة، وأمّا المكتوبة فلا»(6).
2 - ونحوه صحيحا الحلبي وسليمان بن خالد(7).6.
1) تهذيب الأحكام: ج 3/65 ح 20، وسائل الشيعة: ج 8/32 ح 10040.
2) وسائل الشيعة: ج 8/336 ح 10830، عيون أخبار الرضا عليه السلام: ج 2/124 باب 35 ح 4.
3) وسائل الشيعة: ج 8/335 باب 20 ح 10829.
4) مدارك الأحكام: ج 4/316.
5) ذخيرة المعاد: ج 2/389.
6) وسائل الشيعة: ج 8/336 ح 10833، الفقيه: ج 1/396 ح 1177.
7) وسائل الشيعة: ج 8/336 ح 10825 و 10836.
3 - وصحيح عبد الرحمن، عن أبي عبد اللّه عليه السلام: «صَلِّ بأهلك في رمضان الفريضة والنافلة فإنّي أفعله»(1).
ولكن يرد عليها: أنّها معارضة بالنصوص المتقدّمة، لا سيّما النصوص(2)الواردة في نافلة شهر رمضان الّتي هي متعدّدة، وفيها الصحاح، ويكون التعارض على وجه لا يمكن الجمع بينهما كما لا يخفى، فلابدَّ من الرجوع إلى المرجّحات، وهي مع نصوص المنع، لكونها أشهر ومخالفة للعامّة.
وبالجملة: فالأظهر عدم مشروعيّة الجماعة في النافلة بالأصل.
هذا في النافلة بالأصل.
وأمّا النافلة بالعَرَض: كالصلاة المعادة جماعةً، والمتبرّع بها عن الغير، والمأتيّ بها من جهة الاحتياط الاستحبابي، فلا بأس بالجماعة فيها.
أمّا الأُولى: فللنصوص الخاصّة الواردة فيها.
وأمّا الثانية: فلأنّ دليل التبرّع إنّما يدلّ على استحباب الإتيان بما في ذمّة الميّت، بما لها من الأجزاء والشرائط والموانع والأحكام، ألا ترى إنّه لا يتوقّف أحدٌ في اعتبار جميع ما هو معتبرٌ فيها في المتبرّع بها، مع أنّه لا إطلاق لدليل كلّ واحدٍ من تلك الاُمور، وليس ذلك إلّامن جهة ما ذكرناه، وعليه فكما تكون الجماعة مشروعة في صلاة الميّت نفسها، كذلك تكون مشروعة في المتبرّع بها.
وأمّا الثالث: فلأنّها ليست صلاة اُخرى غير الصَّلاة اليوميّة، بل المحرّك إنّما هو الأمر الوجوبي المحتمل تعلّقه بها، بما لها من الكيفيّة ولو جماعة.ن.
والعيدين مع اختلال الشرائط، والإستسقاء.
أقول: (و) قد استثني من الكليّة المزبورة موارد:
منها: صلاة (العيدين مع اختلال الشرائط) وقد تقدّم الكلام فيها عند البحث عن حكم صلاة العيد سابقاً، وعرفتَ أنّ الأظهر عدم مشروعيّة الجماعة فيها.
(و) منها: صلاة (الإستسقاء)، وقد مرّ الكلام فيها عند البحث عنها سابقاً.
ومنها: صلاة الغدير:
فعن المشهور(1)
(2و3) الكافي في الفقه: ص 160.
جواز الاقتداء فيها، بل عن أبي الصّلاح: (أنّ ذلك من وكيد السُنن)(2).واستدلّ له:
1 - بمرسل أبي الصّلاح(3).
2 - وما عن «المقنعة»(2)من حكاية أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله صلّى ركعتين بالجماعة قبل نصبه عليّاً عليه السلام للخلافة.
واحتمال كونها صلاة الظهر، مندفعٌ بأنّ النصب كان قبل الزّوال على ما في بعض النصوص.
أقول: وهذان الخبران وإنْ كان لا يثبت بهما المشروعيّة في أنفسهما، إلّاأنّه وقع الكلام في إثباتها بهما بضميمة دليل التسامح.
فعن «الجواهر»(1)، والمحقّق النائيني رحمه الله(2)وبتبعهما بعض المعاصرين العدم(3).
وذهب المحقّق الهمداني رحمه الله(4)إلى إثباتها بهما لمدلول دليل التسامح.
وقد استدلّ على الأوّل بوجوه:
الوجه الأوّل: إنّ أخبار (مَن بلغ) إنّما تدلّ على ترتّب الثواب على مجرّد الانقياد، فلا طريق لإثبات المشروعيّة.
وفيه: ما حقّقناه في «حاشيتنا على الكفاية» من دلالتها على استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب.
الوجه الثاني: إنّ أخبار (من بلغ) إنّما تجرى حيثُ لا دليل على نفي المشروعيّة، وفي المقام دلّت النصوص والأصل على عدمها.
وفيه: إنّه بعد ثبوت استحبابها بأخبار (من بلغ) تخرج عن موضوع تلك الأدلّة، وينتفي موضوع عدم المشروعيّة.
وبعبارة اُخرى: إنّ الفعل المشرّع به لا يكون حراماً ذاتاً وإنّما المحرّم هو التشريع المرتفع ببركة أخبار (من بلغ)، ولولا ذلك لما أمكن إثبات استحباب شيءٍ ممّا ورد الدليل على استحبابه التعبّدي بها.2.
الوجه الثالث: ما نُسب إلى المحقّق النائيني رحمه الله(1)، من أنّ الأدلّة إنّما تدلّ على أنّ الجماعة في النافلة بدعة، والبدعة عبارة عن فعل ما أراد الشارع عدمه، وهي من المحرّمات الذاتيّة كشُرب الخمر، ومعلومٌ أنّ أخبار (من بلغ) لا تصلح لإثبات مشروعيّة ما دلَّ الدليل - ولو بعمومه أو إطلاقه - على حرمته ذاتاً.
وفيه: إنّ ما ذُكر من عدم دلالة الأخبار على استحباب ما ثبت حرمته بالدليل، وإنْ كان لا يبعد، لظهور أخبار من بلغ فيما إذا كان المورد ممّا بلغ عليه الثواب فقط، ولا تشمل ما إذا ثبت العقاب عليه بدليل معتبر، إلّاأنّ ما ذكره من أنّ الفعل البدعي حرامٌ ذاتاً محلّ إشكال ومنع، فإنّ البدعة كالتشريع.
ولعلّ الفرق بينهما استعمال البدعة فيما جُعل في الدين في زمرة الأحكام، مع عدم كونه منها، وهذا بخلاف التشريع فإنّه عبارة عن عقد القلب، والبناء على كون شيءٍ من الدين، والجري على وفقه عملاً مع عدم كونه كذلك.
وبالجملة: لا دليل على حرمة البدعة، أي الفعل الذي يبدع به ذاتاً، كي تصبح الجماعة في النافلة محرمة ذاتاً، فلا تكون مورداً لأخبار من بلغ.
الوجه الرابع: إنّ أحكام الجماعة إنّما تكون مترتّبة على الجماعة المستحبّة ذاتاً، ولاتكون مترتّبة على ماثبت استحبابها عَرَضاًلعنوان البلوغ الذي هو عنوانٌثانوي.
وفيه: إنّ الأخبار إنّما تدلّ على ثبوت الاستحباب، بالنحو الذي يدلّ عليه الخبر الضعيف، مثلاً لو دلَّ الخبر الضعيف على استحباب الاستعاذة قبل القراءة، فببركة أخبار من بلغ يثبت جزئيّتها الاستحبابيّة لا الاستحباب الاستقلالي، وفي4.
1) كتاب الصَّلاة ج 2 تقرير الكاظمي لبحث النائيني: 264.
المقام بما أنّ المرسل يدلّ على ثبوت مشروعيّة الجماعة بالنحو الذي تكون مشروعة في سائر الموارد، تثبت ذلك ببركة أخبار (من بلغ) لا شيء آخر.
فتحصّل ممّا ذكرناه: أنّ الأظهر مشروعيّة الجماعة في صلاة الغدير، فتدبّر في أطراف ما ذكرناه.
تنبيه: في بيان ضابط ما يصحّ الائتمام فيه من الصَّلوات وما لا يصحّ:
أقول: المشهور بين الأصحاب(1)صحّته في كلٍّ من الصَّلوات اليوميّة بمن يُصلّي الاُخرى أيّة منها كانت، وإنْ اختلف الفرضان عدداً كالقصر والإتمام، ونوعاً كالظهر والعصر، وصنفاً كالأداء والقضاء، وكيفيّةً كالجهر والإخفات، بل لم يُنقل الخلاف في شيءٍ من ذلك، إلّاما حُكي:
1 - عن والد الصدوق رحمه الله(2)من منع اقتداء المسافر بالحاضر وعكسه.
2 - وعن الصدوق رحمه الله من منع الاقتداءفي العصربظهر الإمام، إلّاأن يتوهّمها العصر.
ولم يثبت ما نُسب إليهما.
وعن «المنتهى»(3)، و «التذكّرة»(4)، وغيرهما(5)، دعوى الإجماع على ذلك.
ويشهد له: إطلاق قوله عليه السلام في حسن زرارة والفضيل أو صحيحهما المتقدّم(6):
«وليس الاجتماع بمفروضٍ في الصَّلوات كلّها، ولكنّه سُنّة».
ودعوى: أنّ عمومه إنّما هو بالنسبة إلى أنواع الفرائض دون أحوالها، إذ ليس له
1) مدارك الأحكام: ج 4/335، قوله: (هذا هو المعروف من مذهب الأصحاب).
2) حكاه عنه وعن ابنه في المقنع العلّامة في مختلف الشيعة: ج 3/62، وأيضاً جواهر الكلام: ج 13/240، قوله: (المعمول بها بين معظم الأصحاب بل لم أجد خلافاً... سوى عن والد الصدوق من منع اقتداء المسافر بالحاضر وبالعكس).
3) منتهى المطلب: ج 1/367 (ط. ق)، (ذهب إليه علماؤنا أجمع).
4) تذكرة الفقهاء: ج 4/235 (ط. ج).
5) الخلاف: ج 1/561 يكره.. غير مفسد.. دليلنا الإجماع.
6) راجع وسائل الشيعة: ج 8/258 باب 1 ح 10676، التهذيب: ج 3/24 باب 2 ح 2.
إطلاق أحوالي، فلا ينافيه اشتراط صحّة الجماعة في كلّ فريضةٍ بوقوع الائتمام بمثله لا بما يخالفه.
مندفعة: بأنّه بعد فرض تسليم كونه في مقام البيان، وعدم كونه في مقام بيان حكمٍ آخر، ولذا يَسلْم المُدّعي عمومه بالنسبة إلى أنواع الفرائض، لا وجه لدعوى عدم ثبوت الإطلاق الأحوالي له.
ويشهد له أيضاً: خبر عبد الرحمن البصري، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«فيمن نسي صلاة حتّى دخل وقت صلاةٍ اُخرى؟ قال عليه السلام: وإنْ ذكرها مع إمام في صلاة المغرب، أتمّها بركعةٍ ثمّ صَلّى المغرب، الخبر»(1).
فإنّه يدلّ على جواز الاقتداء بعد الذُكر، مع أنّ صلاة المأموم حينئذٍ تباين صلاة الإمام نوعاً وصنفاً وكيفيّة، بل وربما عدداً كما لا يخفى.
وأيضاً: يشهد له فيما إذا اختلفا في القصر والإتمام وفي النوع، صحيح ابن مسلم، في المسافر، قال عليه السلام: «وإنْ صَلّى معهم الظهر، فليجعل الأولتين الظهر والأخيرتين العصر»(2).
فإنّه يدلّ على جواز اقتداء المسافر صلاة عصره بصلاة ظهر الإمام الحاضر.
ونحوه موثّق الفضل(3)، وهو متضمّنٌ لجواز اقتداء الحاضر بالمسافر أيضاً كما سيمرّ عليك.
ويشهد له أيضاً: فيما إذا اختلفا صنفاً، خبر إسحاق، قال:5.
«قلت لأبي عبد اللّه عليه السلام: تُقام الصَّلاة وقد صلّيت؟ فقال عليه السلام: صَلِّ واجعلها لما فات»(1).
أقول: وفي بعض فروض الاختلاف، وإنْ لم يرد نصٌّ خاص، إلّاأنّه في المطلقات وفي النصوص الخاصّة الواردة في المواردالمخصّصة بضميمة إلغاء الخصوصيّة، لا سيّما مع السيرة القطعيّة، وذهاب المشهور إلى صحّة الجماعة في جميع الفروض، كفاية، فالحكم في جميع فروض الاختلاف في اليوميّة خالٍ عن الإشكال.
وأمّا ما حُكي عن والد الصدوق من المنع عن اقتداء المسافر بالحاضر وعكسه، فقد استدلّ له:
1 - بموثّق الفضل بن عبد الملك، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«لا يؤمّ الحضري المسافر، ولا المسافر الحَضَري، فإنْ ابتلى بشيء من ذلك فأمَّ قوماً حضريّين، فإذا أتمّ الرّكعتين سَلَّم، ثمّ أخذ بيد بعضهم فقدّمهم وأمَّهم، وإذا صَلّى المسافر خلف قومٍ حضور، فليتمّ صلاته ركعتين ويُسلِّم، وإنْ صَلّى معهم الظهر، فليجعل الأولتين الظهر والأخيرتين العصر»(2).
2 - و خبر أبي بصير: «لا يُصلّي المسافر مع المقيم، فإنْ صَلّى فلينصرف في الرّكعتين»(3).
أقول ويرد عليهما: إنّ النهي فيهما محمولٌ على الكراهة بقرينة ما في ذيلهما من التصريح بالجواز، وبيان الوظيفة في صورة الاقتداء.9.
مضافاً إلى أنّ بعض الصّحاح المتقدّمة واردٌ في هذا المورد، ويدلّ على الجواز كصحيح ابن مسلم.
وأمّا ما عن الصدوق(1)من المنع عن الاقتداء في العصر بظهر الإمام، إلّاأن يتوهّمها العصر، ثمّ يعلم أنّها كانت الظهر، فقد استدلّ له في محكي «الذكرى»(2)بأنّ العصر لا تصحّ إلّابعد الظهر، فإذا صلّاها خلف من يُصلّي الظهر، فكأنّه قد صَلّى العصر مع الظهر، مع أنّها بعدها، ثمّ قال:
(إنّه خيالٌ ضعيف، لأنّ عصر المُصلّي مترتّبة على ظهر نفسه، لا على ظهر إمامه).
أقول ويرد عليه: - مضافاً إلى ذلك - أنّه لا يعتنى بمثل هذه الوجوه الاعتباريّة في إثبات الحكم الشرعي، لا سيّما وقد ورد النصّ على جواز الاقتداء في هذا المورد، كصحيحي ابن مسلم وحمّاد المتقدّمين، وليس نظر الصدوق على فرض الإفتاء بذلك إلى هذا الوجه قطعاً.
وربما يستدلّ له:
1 - بصحيح علي بن جعفر، عن أخيه عليه السلام:
«عن إمامٍ كان في الظهر، فقامت إمرأة بحياله تُصلّي معه، وهي تحسب أنّها العصر، هل يفسد ذلك على القوم، وما حال المرأة في صلاتها معهم، وقد كانت صَلّت الظهر؟8.
قال عليه السلام: لا يفسد ذلك على القوم، وتُعيد المرأة صلاتها»(1).
2 - وبخبر سُليم، قال: «سألته عن الرّجل يكون مؤذّن قومٍ وإمامهم، يكون في طريق مكّة أو غير ذلك، فيُصلّي بهم العصر في وقتها، فيدخل الرّجل الذي لا يعرف فيَرى أنّها الأُولى، أفتُجزيه أنّها العصر؟ قال: لا»(2).
3 - وبمرسل الكليني في حديثٍ: «فإنْ علم أنّهم في صلاة العصر ولم يكن صَلّى الأُولى، فلا يدخل معهم»(3).
أقول: وفي الجميع نظر:
أمّا الأوّلان: فلأنّهما مخالفان لما نُقل عن الصدوق من الحكم بالصحّة لو توهّم أنّها العصر، ولذلك يصحّ أن يُقال إنّه لم يفتِ أحد من الفقهاء بمضمونهما.
مع أنّهما معارضان للنصوص الخاصّة المتقدّمة، الدالّة على الجواز، المعمول بها بين الأصحاب، والمعتبرة في أنفسها، وموافقان لمذهب العامّة.
وعليه، فإمّا أن يُطرحان، أو يُحملان على خلاف ظاهرهما، فيُحمل الأوّل على ما حمله عليه صاحب «الوسائل»(4)بقوله:
(يمكن أن يكون المانع هنا محاذاتها للرِّجال، أو تقدّمها عليهم، أو غير ذلك، ويُحمل الثاني على إرادة أنّها لا تُجزيه عن العصر بمجرّد نيَّة الإمام، مع أنّ الحكم بالإعادة في الأوّل يحتمل في نفسه أن يكون من جهة عدم تأخّرها عن الإمام فلا ظهور له في المقام).6.
وأمّا الثالث: فهو ضعيفُ السَّند، غير معمولٍ به، معارضٌ بما هو أصحّ منه وأشهر، فيُحمل على إرادة عدم الدخول معهم بنيّة العصر.
هذا كلّه فيما إذا كانت الصلاتان فريضتين، وكذلك يجوز الاقتداء إذا كانت صلاة الإمام فريضة فعليّة، وصلاة المأموم نافلة بالعَرَض، كإعادة الفريضة ندباً احتياطاً، أداءً أو قضاءً، أو لإدراك فضيلة الجماعة، أو تبرّعاً عن الميّت، كما تقدّم تفصيل ذلك كلّه.
أقول: وبما ذكرناه هناك يظهر حكم عكس هذه الصورة، وحكم اقتداء المتنفَّل بالمتنفِّل.
نعم، في خصوص إعادة الصَّلاة احتياطاً، لا يجوز الاقتداء في الصورتين الأخيرتين، لعدم إحراز كون الإمام مُصلّياً، إلّاإذا كان احتياطهما من جهة واحدة، كما لا يخفى.
وإنْ كانت الصلاتان مختلفي النوع والنظم: كاليوميّة والآيات، فلا يجوز الاقتداء في شيءٍ منهما بالاُخرى، لعدم الدليل على مشروعيّة الجماعة في هذا المورد، فإنّ الدليل إنّما دلَّ على جواز الاقتداء في صورة الاتّحاد نظماً، كاليوميّة باليوميّة، والآيات بالآيات، وأمّا في غير ذلك فلا دليل عليه، والأصل يقتضي العدم.
وأمّا إذا كانتا مختلفي النوع، متّحدي النظم، كاليوميّة والطّواف، فحيثُ عرفت عدم مشروعيّة الجماعة في الطّواف، مضافاً إلى عدم الإطلاق لدليل شرعيّة الجماعة، بحيثُ يشمل موارد الاختلاف بهذا النحو، فالأظهر عدم الجواز.
وتنعقدُ باثنين فصاعداً.
(وتنعقدُ) الجماعة في غير الجمعة والعيدين (بإثنين فصاعداً) أحدهما الإمام والآخر المأموم، بلا خلافٍ فيه، بل عن جماعةٍ دعوى الإجماع عليه(1).
ويشهد له: نصوصٌ كثيرة:
منها: صحيح زرارة أو حسنه، عن أبي عبد اللّه عليه السلام، قال:
«قلت: الرجلان يكونان جماعة؟ فقال: نعم، ويقوم الرّجل عن يمين الإمام»(2).
ومنها: صحيح محمّد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام: «الرّجلان يؤمّ أحدهما صاحبه»(3)ونحوهما غيرهما.
ولا فرق في الاثنين الّذين ينعقد بهما الجماعة، بين كونهما رجلين، أو امرأتين، أو كون الإمام رجلاً والمأموم امرأة، بلا خلافٍ ولا إشكال في الرجلين والرّجل والمرأة، لورود النص في الموردين.
أمّا في المورد الأوّل: فلما تقدّم.
وأمّا في المورد الثاني: فخبر الصيقل، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال:
1) منتهى المطلب (ط. ق): ج 1/364: (وهو قول فقهاء الأمصار)، جواهر الكلام: ج 13/150، قوله: (لا خلاف أجده فيه كما اعترف فيه في المنتهى والرياض والمفاتيح بل في التذكّرة وعن كشف الالتباس الإجماع عليه).
2) وسائل الشيعة: ج 8/296 باب 4 ح 10709، الكافي: ج 3/371 ح 1.
3) الوسائل: ج 8/341 باب 23 ح 10848، التهذيب: ج 3/26 باب 3 ح 1.
«سألته كم أقلّ ما تكون الجماعة؟ قال: رجلٌ وامرأة»(1).
إنّما الإشكال في المورد الثالث، فإنّه قد يتوهّم أنّ مقتضى خبر الصيقل عدم الانعقاد بامرأتين.
ولكنّه يمكن دفعه بأنّه يدلّ على مشروعيّتها في هذا المورد إطلاقات الجماعة، والنصوص المتقدّمة، بعد إلغاء الخصوصيّة، لو ثبت جواز كونها إماماً، وسيأتي تنقيح المسألة فيما سيأتي.
وأمّا خبر الصيقل: - فمضافاً إلى احتمال كونه كسائر النصوص التي استدلّ بها على عدم جواز امامة المرأة، المحمولة على غير ظاهرها كما سيأتي - إنّه يمكن أن يكون العدول عن ذكر الإمراتين في أقلّ ما تنعقد به الجماعة، هو قلّة وجود هذا الفرد، فتدبّر، فلا إشكال في الحكم من هذه الجهة.
وأيضاً: ولا فرق بين أن يكونا بالِغَين، أو يكون المأموم صبيّاً مميّزاً.
ويشهد للثاني: النصوص الواردة في أنّ أوّل جماعة انعقدت كانت من النبيّ صلى الله عليه و آله وأمير المؤمنين عليه السلام، وكان حينذاك صبيّاً(2).
وخبر أبي البختري، عن جعفر قال: «إنّ عليّاً قال: الصَّبي عن يمين الرّجل في الصَّلاة إذا ضبط الصفّ جماعة»(3).
وأمّا إمامة الصبيّ: لمثله، أو للبالغ، فسيأتي تنقيح القول فيها في شرائط إمام الجماعة.5.
وأمّا في الجمعة والعيدين: فيعتبر أكثر من اثنين بلا كلام ولا إشكال، وإنْ وقع الخلاف في اعتبار الخمسة أو السّبعة، كما فصَّلنا الكلام فيه في مبحث صلاة الجمعة(1)و العيدين من هذا الشرح.
فصلٌ: فيما يشترط في الجماعة.
أقول: وقبل الشروع في بيان الشرائط، لابدَّمن تأسيس الأصل في القيود المشكوك اعتبارها في الجماعة، كي يُرجع إليه عند عدم الدليل على أحد الطرفين، فنقول:
إنّ المشكوك اعتباره:
تارةً: يكون ممّا يُحتمل دخله فيها شرعاً، مع عدم الدليل عليه.
واُخرى: يكون ممّا يُحتمل دخله فيها عرفاً.
وثالثة: يُشكّ في اندراجه تحت العنوان المذكور في الدليل، ثمّ إنّه:
تارةً: يشكّ في انعقاد الجماعة مع فقده حدوثاً.
واُخرى: يشكّ فيه بقاءً.
فإنْ كان ما يُحتمل اعتباره غير معتبرٍ فيها عرفاً، وشكّ في اعتباره شرعاً مع عدم الدليل عليه، فيمكن القول بعدم اعتباره، لوجوه:
1 - قوله عليه السلام في صحيح زرارة والفضيل المتقدّم، في صدر المبحث: (ولكنّها سُنّة) بناءً على ما تقدّم من وروده في مقام البيان، لا أصل التشريع، فإنّ مقتضى إطلاقه اللّفظي عدم الاعتبار.
2 - الإطلاق المقامي، إذ القيد ممّا يغفل عنه العامّة والجماعة، ويبتلي بها
1) فقه الصادق: ج 7/438.
عامّة الناس، فعدم التعرّض له في الأخبار، يوجب القطع بعدم دخله، وإلّا لزم الإخلال بالغَرَض.
3 - أصالة البراءة عن دخل القيد فيها، بناءً على جريانها في الأقلّ والأكثر.
أقول: وأورد على الأخير بوجوه:
الوجه الأوّل: ما أفاده المحقّق اليزدي رحمه الله من أنّ أصالة البراءة إنّما تجري حيث لا دليل على عدم صحّة العمل مع فقد المشكوك فيه، وفي المقام الدليل موجودٌ، وهو عموم: (لا صلاة إلّابفاتحة الكتاب)(1)، فإنّه يقتضي بطلان كلّ صلاةٍ فاقدة للفاتحة، خرج عنه الجماعة الواقعيّة، فإذا شكّ في اعتبار قيد فيها، فالعموم المذكور يقتضي بطلان تلك الصَّلاة لو ترك القراءة فيها، وبهذا العموم يُستكشف عدم كونها من أفراد الجماعة الواقعيّة، فإنّها لو كانت منها كانت القراءة ساقطة.
وفيه: إنّ الخارج عن العموم المذكور الجماعة المشروعة، فإذا جرت أصالة البراءة عن اعتبار القيد المشكوك فيه، وثبتت مشروعيّة الجماعة الفاقدة له، دخلت تلك الصَّلاة في المخصّص، ومعه لا مورد للرجوع إلى العموم.
وبعبارة اُخرى: إنّ الأصل إنّما يبين حال الفاقد ويُدخله في عنوان المخصّص، فلا يعقل مانعيّة العموم الذي هو حجّة في غير مورد صدق عنوان المخصّص عن جريانه.
وإنْ شئت قلتَ: إنّ موضوع العموم المذكور، الصَّلاة التي لا تكون جماعة، والأصل إنّما يجري وينقّح به الموضوع، مع أنّ العموم المذكور لو كان جارياً في نفسه، لما دلَّ على عدم كون هذه الجماعة مشروعة، لعدم حجيّته في هذا المدلول6.
1) مستدرك وسائل الشيعة: ج 4/158 ح 4356.
الالتزامي، فلا وجه لمنعه عن جريانه.
الوجه الثاني: اختصاص حديث الرفع بالأحكام التكليفيّة، وعدم جريانه في الأحكام الوضعيّة.
وفيه: - مضافاً إلى عمومه لها كما حقّقناه في محلّه - أنّ دليل البراءة لا يختصّ به، وفي غيره كالاستصحاب ونحوه غنىً وكفاية.
الوجه الثالث: ما استند إليه بعض المعاصرين(1)، وحاصله:
إنّ البراءة وإنْ كانت تجري عند دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر، إلّاأنّ ذلك في غير باب الأسباب والمحصّلات، وفي ذلك الباب لا تجري البراءة لو شُكّ في جزئيّة شيء أو شرطيّته، للسبب والمحصّل، ولذلك أوجبوا الاحتياط عند الشكّ في جزئيّة شيءاو شرطيّته للوضوء أو الغسل أو التيمّم، إذا كان الموضوع هو الطهارة الحاصلة من أحدها، ولم يكتفوا في البناء على حصولها بالرجوع إلى البراءة في نفي الجزئيّة أو الشرطيّة المشكوك فيها.
والمقام من هذا القبيل، فان انعقاد الجماعة إنّما يكون بجعل الإمامة للإمام من المأموم، في ظرف اجتماع الشرائط، فإذا شكّ في جزئيّة شيءٍ أو شرطيّته للإمام أو المأموم أو الائتمام، فإنّ شكّه يعود إلى الشكّ في الانعقاد الملازم للشكّ في حصول الإمامة والمأموميّة، والأصل العدم في جميع ذلك.
وبعبارة اُخرى: الشكّ في المقام في ترتيب الأثر على الجعل المذكور، ومقتضى الأصل عدمه.
ويرد عليه أوّلاً: إنّ عنوان الجماعة والإمام والمأموم إنّما تكون بجعل المأموم7.
1) مستمسك العروة: ج 7/217.
ذلك، وبنيّة الاقتداء بالإمام في الصَّلاة المعيّنة، وجميع هذه العناوين توجد بوجود هذا القصد والاعتبار، وليست لها وجودات منحازة عن ذلك مسبّبة عنه، كي يجري في المقام ما ذكروه في باب الأسباب والمحصّلات.
وإنْ شئت قلت: إنّ الموجود الخارجي وما هو مستحبٌّ، إنّما هو نيَّة المأموم الائتمام في الصَّلاة بإمامٍ خاصٍ، فإذا تحقّق ذلك، أصبح المأموم مأموماً لكونه ناوياً الاقتداء، والإمام إماماً باعتبار كونه مقتدي، والصَّلاة جماعة باعتبار نيّة الائتمام فيها، فإذا رتّب الحكم في الدليل على المأموم، يكون المراد به من نوى الاقتداء، لا أنّ لهذه العناوين وجودات مستقلّة منحازة خارجاً، ألا ترى أنّه إذا فرضنا ترتّب الأثر على كون الإنسان مُصلّياً كجواز الائتمام به، لا يشكّ أحدٌ في أنّه إذا شكّ في جزئيّة شيء للصلاة، جرت البراءة عنه، ويترتّب على الآتي بالفاقد له آثارالمصلّي، مع أنّ هذا البرهان تجري فيه.
والمقام كذلك، فإنّ كونه مُصلّياً كصيرورة الإمام إماماً، والمأموم مأموماً، وفي أمثال هذا المورد لا شكّ في جريان البراءة.
وثانياً: إنّه قد حقّقنا في محلّه أنّ الشكّ في المحصّل فيما إذا كان بيانه وظيفة الشارع المقدّس، إنّما يكون موضوعاً لجريان البراءة، فالأظهر جريان البراءة.
وبالجملة: بما ذكرناه ظهر:
1 - أنّه لو شكّ في اعتبار شيء فيها، من جهة الشكّ في اندراجه تحت العنوان المذكور في الدليل، فإنّه لا مانع من الحكم بعدم اعتباره لأجل البراءة، كما هو الشأن في جميع موارد الشكّ في دخول شيءٍ تحت العنوان المذكور في الدليل في الواجبات، كالشكّ في كون شيءٍ ممّا لا يؤكل لحمه بشبهة مصداقيّة أو مفهوميّة، فلو شكّ في مانعيّة الساتر بين المأمومين الواقفين على جناحي الباب مع اتّصالهم بمَن كان واقفاً
بحِيال الباب، فإنّه لا مانع من الرجوع إلى البراءة.
2 - ولو شكّ في اعتبار شيء في الجماعة، من جهة الشكّ في دخله فيهاعرفاً، فلا مورد للرجوع إلى إطلاق أدلّة الجماعة، لعدم إحراز صدق الموضوع معه، نعم لا مانع من الرجوع إلى البراءة بالتقريب المتقدّم.
3 - ولو شكّ في انعقاد الجماعة بقاءً، فإنْ شكّ فيه من جهة الشكّ في قاطعيّة الموجود، فبناءً على ثبوت الهيئة الاتّصاليّة للجماعة كالصلاة، أو للصلاة جماعة، جرى استصحاب بقاء الجماعة.
وأمّا إشكال عدم معقوليّة ثبوت الهيئة الاتّصاليّة، فقد ذكرناه في هذا الشرح خلال البحث عن قاطعيّة الماحي لصورة الصَّلاة مع جوابه مفصّلاً فراجع(1).
4 - وإنْ شكّ من جهة فقد ما يحتمل شرطيّته، أو وجود ما يحتمل مانعيّته:
فإنْ علم بذلك من أوّل الصَّلاة، ليس له الدخول فيها، ما لم يُحرز صحّة الجماعة بدليلٍ أو أصل، والا كما إذا فرضنا حصول البُعد القهري في أثناء الصَّلاة بينه وبين الإمام، ولم يكن يتخيّل ذلك من الأوّل، بمقدارٍ يشكّ في بقاء عنوان الاقتداء، فبناءً على ثبوت الهيئة الاتّصاليّة يجري الاستصحاب.
ودعوى: أنّ المتّصف بالجماعة إنّما هو الأجزاء السابقة، والمشكّك فيه إنّما هو الأجزاء اللّاحقة، فهذا ليس من الاستصحاب بشيء.
مندفعة: بأنّ الموجود بما أنّه واحدٌ بنظر العرف من جهة تلك الهيئة الاتّصاليّة التي تكون متحقّقة بتحقّق بعض الاُمور التدريجيّة، وتقوم بمجموعها، يكتفى به في جريان الاستصحاب.
***8.
1) فقه الصادق: ج 7/378.
أقول: ذكر الفقهاء للجماعة شروطاً، وهي:
الشرط الأوّل: نيّة الإقتداء، والكلام في هذا الشرط يقع في مقامين:
الأوّل: في نيّة الإمام الإمامة.
الثاني: في نيّة المأموم الإقتداء.
أمّا المقام الأوّل: فالمشهور بين الأصحاب(1)هو التفصيل:
بين الجماعة الواجبة، كما في صلاة الجمعة، وما بحكمها كالجماعة في المعادة استحباباً، المتوقّفة صحّتها عليها، فيحتاج إلى نيَّة الإمامة.
وبين ما إذا كانت مستحبّة، لا يتوقّف صحّتها عليه، فلا يحتاج إلى ذلك.
نعم، لو أراد درك الثواب، لابدَّ له من هذه النيّة، وعليه فلابدَّ لنا من التكلّم في كلٍّ من الموردين.
أقول: أمّا في الجماعة المستحبّة، فلا شبهة في أنّها تنعقد مع عدم نيّة الإمام الإمامة، لأنّ نيّة الإئتمام كما توجب صيرورة المأموم مأموماً، كذلك تصير سبباً لصيرورة الإمام إماماً، لأنّ الإمام من يأتمّ به غيره، وإنْ لم يُعرّض نفسه لذلك، وهذا هو المشهور بين الأصحاب، وعن ظاهر «المنتهى»(2)دعوى الاتّفاق عليه.
وهل يتوقّف استحقاق الإمام الثواب عليها، كما عن ظاهر الأكثر(3)، أو لا، كما
عن المحقّق الأردبيلي رحمه الله(1)؟ وجهان، أقواهما الثاني، إذ بعد فرض دلالة النصوص على ترتّب الثواب على صلاة الإمام، وكون الإمامة ممّا يحصل بفعل الغير، والمفروض تحقّقها، لا أرى وجهاً لاعتبار قصدها في ترتّب الثواب، إلّا:
1 - ما أفاده بعضٌ(2)من أنّ الثواب مترتّبٌ على الفعل الصادر عن الاختيار.
2 - وما أفاده الشيخ الأعظم رحمه الله(3)من أنّ الثوابٌ مترتّب على امتثال أوامر الجماعة، والصَّلاة بالناس، والمفروض عدم حصول امتثالها.
ولكن يرد على الأوّل: أنّ الثواب لا سيّما هذه المراتب منه مندرجٌ في باب الفضل والرحمة الواسعة، فلا محذور في ترتّبه على العمل غير الاختياري، مع أنّ أصل الصَّلاة بما أنّها صادرة عن اختيار، فصيرورة ثواب إحدى الصلاتين أزيد من الاُخرى بواسطة العمل غير الاختياري الصادر من الغير - وهو الاقتداء بالغير - لا محذور فيها أصلاً، كيف وهذا لازمٌ على كلّ حال، إذ كلّ ما ازداد المأمومون ازداد ثواب الإمام، مع أنّه ربما لا يلتفت إلى ذلك فضلاً عن قصده.
ويرد على الثاني: أنّ الثواب إنّما رُتّب على الصَّلاة بالناس لا على امتثال أمرها، مع أنّ ذلك يتحقّق بأنْ يُصلّي ويمكن نفسه من اقتداء الغير به، وستعرف أنّ غير ذلك ليس شيءٍ تحت اختياره، كي يتمكّن من قصده.
وعليه، فالأظهر عدم توقّفه على نيَّة الإمامة.8.
وأمّا في الجماعة الواجبة: فالمنسوب إلى المشهور(1)لزوم قصد الإمامة، بل الشيخ الأعظم رحمه الله(2)تبعاً للشهيد(3)، والمحقّق الثاني(4)- خلافاً للمحقّق الأردبيلي(5)، وصاحبي «المدارك»(6)و «الذخيرة»(7)- اختار عدم كفاية نيّة الجماعة إجمالاً في ضمن نيّة أصل نوع الصَّلاة التي أُخذ فيها الجماعة، ولزوم نيتها تفصيلاً.
واستدلّ له: بأنّ الجماعة مقوّمة لها، فيلزم من انتفائها انتفاء الصَّلاة، واستحسنه الشيخ الأعظم رحمه الله(8)واستدلّ هو قدس سره على اعتبار قصدها تفصيلاً، بأنّ الجماعة ليست كسائر الشروط غير المتوقّف تحقّقها على القصد، كي يكتفي في حصولها بقصد أصل الصَّلاة المأخوذة فيها الجماعة، بل لابدَّ في تحقّقها من قصدها.
أقول يرد عليه: إنّ الجماعة وإمامة الإمام، ومأموميّة المأموم، كلّها وإنْ كانت قصديّة، إلّاأنّها بأجمعها تحقّق نيَّة اقتداء المأموم، فكما أنّ مأموميّته تتحقّق بذلك، كذلك إمامة الإمام، فهي خارجة عن تحت قدرة الإمام، لأنّه فعل الغير، والإمامة تحصل به، فلا يعقل قصدها منه فضلاً عن اعتباره.9.
1) ذهب إلى هذا الوجوب العديد من الأعلام منهم: الشهيد الثاني في المسالك: ج 1/239، و روض الجنان: ص 285، والسيّد الطباطبائي في الرياض: ج 4/54، والمحقّق النراقي في المستند: ج 6/91، و حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة: ج 3/429 عن شرح الجعفريّة وحاشية الإرشاد والمصابيح.
2) كتاب الصَّلاة للشيخ الأنصاري: ج 2/519.
3) الذكرى: ص 234، والدروس: ج 1/187، و البيان: ص 191.
4) جامع المقاصد: ج 2/406.
5) مجمع الفائدة والبرهان: ج 3/318.
6) مدارك الأحكام: ج 4/332.
7) الذخيرة: ص 399.
8) كتاب الصَّلاة للشيخ الأنصاري: ج 2/519.
والغريب أنّ الشيخ الأعظم(1)يصرّح قبل هذا بأسطر أنّ الجماعة والإمامة تتحقّقان بنيّة المأموم الاقتداء، ومع ذلك استحسن هذا الوجه، إذ بعد كونها ممّا يتحقّق بفعل المأموم، فأيّ ربط لها بالإمام كي يجب قصدها؟!
فإن قلت: فعلى هذا لايجبُ عليه الإمامة في صلاة الجمعة، لعدم كونها باختياره.
قلت: يجبُ عليه أنْ يُصلّي الجمعة إذا أحرز وجود العدد الذي تنعقد به الجمعة، ويكون حاله في هذه الصَّلاة حال بعض المأمومين مع بعض.
فتحصّل: أنّ الأظهر عدم اعتبار نيّة الإمام الإمامة مطلقاً.
وأمّا المقام الثاني: فالظاهر أنّه لا خلاف في اعتبار نيّة المأموم الاقتداء في انعقاد الجماعة وتحقّقها، وفي «الجواهر»(2): (بل هو مجمعٌ عليه).
وفي «المنتهى»: (إنّه قولُ كلّ مَن يُحفظ عنه العلم»(3)، وهو الأظهر، لأنّ الاقتداء والجماعة من العناوين القصديّة، ولا تتحقّقان إلّابالنيّة، كما هو الظاهر من النبويّ المشهور: (إنّما جُعِل الإمام إماماً ليؤتمّ به)، فإنّ ظاهر ذلك إنّه يعتبر نيّة الإئتمام، وجعل المأموم الإمامة للإمام، ونيّة متابعته بعنوإن كونه إماماً، لا مجرّد نيّة المتابعة له في الأفعال، وهذا واضح جدّاً.
فلو أخلَّ المأموم بذلك، فإنْ أتى في صلاته بما هو وظيفة المنفرد، صحّت صلاته، وإنْ ألزم نفسه بمتابعة الإمام في الأفعال، فإن هذا الالتزام وهذه المتابعة ليسا من موانع الصَّلاة، فلا وجه لبطلان الصَّلاة مع الإتيان بما هو وظيفة المنفرد.1.
وأمّا ما ذكره العلّامة في «القواعد»(1): (لو تابع بغير نيّةٍ بطلت صلاته)، لابدَّ من حمله على إرادة البطلان، لو مضى في صلاته على أحكام الجماعة.
ودعوى:(2)أنّ الجماعة مقوِّمة للصّلاة، ومنوِّعة لها، فلو صَلّى جماعةً مع عدم نيّة الاقتداء بطلت الجماعة، ولزم من بطلانها بطلان الصَّلاة.
مندفعة: بأنّه لا دليل على ذلك، بل يمكن دعوى الاتّفاق على خلافه، وسيأتي تمام الكلام عن ذلك قريباً.
***).
أقول: بقي في المقام فروع لابدَّ من التعرّض لها.
الفرع الأوّل: يجبُ وحدة الإمام إجماعاً(1)، فلو كان بين يديه اثنان مثلاً، فنوى الائتمام بهما أو بأحدهما دون أن يعيّن، بنيّته المذكورة الجماعة.
ويشهد له في الأوّل: - مضافاً إلى الإجماع، وانصراف أدلّة الجماعة عنه - ظهور أدلّة أحكام الجماعة في ترتّبها عند وحدة الإمام.
ويشهد له في الثاني: - مضافاً إلى ذلك كلّه - أنّ أحدهما المبهم لا وجود له ولا ماهيّة، فكيف يُعقل تعلّق علاقة الجماعة به؟!
وهل تنعقد لونوى الإقتداء بأحدهما المعيّن المردّد عنده أم لا، أم يفصل بين الموارد؟
وجوهٌ أقواها الأخير، وهو أنّه لو نوى الإقتداء بمن جَعل معرّفه عنواناً منطبقاً عليه، خاصّة حين النيّة، كما لو انعقدت جماعتان، ويعلم أنّ إحداهما لزيد ولكن لا يميّزها، إلّاأنّه يعلم أنّه لدى افتراق أحدهما عن الآخر يميّز مقتداه بصوت مؤذّنه مثلاً، ويتمكّن من متابعته في أفعاله تكون الجماعة في مثل هذه الحالة منعقدة، لكونه مقتدياً بإمامٍ معيّن، وتردّده بين شخصين في نفسه لا يقدح في ذلك، لعدم الدليل على اعتبار تميّيز الإمام تفصيلاً، والأصحاب لم يحكموا بلزومه، والأصل يقتضي عدمه، بل كثيراً ما لدى كثرة الجماعة، يشتبه شخص الإمام على من بَعُد عنه، ويتردّد بين المتعدّد.
1) كتاب الصَّلاة: ج 2/520، قوله: (بلا خلاف ظاهر).
وعليه، فلا وجه لما استشكله صاحب «الجواهر» رحمه الله(1)معلّلاً بالشكّ في شمول الأدلّة له.
ولو نوى الاقتداء بمَن جَعل معرّفه عنواناً منطبقاً عليه في المستقبل، كمَن يُسلّم قبل صاحبه مثلاً، لم تنعقد، لدخوله في معقد الإجماعات المحكيّة.
وأولى منه بعدم الانعقاد، ما لو نوى الإقتداء بأحدهما، وكان من قصده تعيّينه لاحقاً، بل هذا في الحقيقة اقتداءٌ بأحدهما المردّد.
ولو نوى الائتمام في هذه الموارد، وصَلّى:
فتارةً: يأتي بما هو وظيفة المنفرد.
واُخرى: يخلّ بمثل هذه الوظيفة.
فإن أتى بجميع ما هو وظيفة المنفرد، فهل تصحّ صلاته فرادى، أو تبطل الصَّلاة أيضاً؟ وجهان.
أقول: وقبل بيان ما هو الحقّ عندنا، لابدَّ من بيان أمرين:
الأمر الأوّل: إنّ الجماعة من الكيفيّات الطارئة على الصَّلاة، كإيقاعها في المسجد، لا من القيود المنوّعة لها كالظهريّة والعصريّة، والقصريّة والتماميّة، فإنّ معنى كون شيءٍ مقوّماً، هو عدم خروجه عن حقيقته، وداخلاً في مهيّته، مثلاً صلاة الظهر والعصر صلاتان مختلفتان، فإنّ كلّاً منهما مقيّدة بأمرٍ قصدي غير الاُخرى، وكذلك صلاة القصر والتمام، فإنّ الأُولى متخصّصة بخصوصيّة كونها بشرط لا عن
1) جواهر الكلام: ج 13/233.
الزيادة، والثانية متخصّصة بخصوصيّة كونها بشرطها، ومعلوم أنّ صلاة الفرادى ليست كذلك، أي لم يعتبر الشارع فيها أمراً قصديّاً، لأنّها تتحقّق ولو لم يقصد الفرادى، ولم يؤخذ فيها خصوصيّة خارجيّة، فان الافرادي ليست هي الصَّلاة بشرط لا عن الجماعة، بل هي عبارة عن عدم الجماعة.
ولو تنزّلنا عن ذلك، فلا أقلّ من الشكّ، والأصل يقتضي العدم، كما هو واضح.
وأمّا الجماعة فهي خصوصيّة موجبة لأفضليّة الصَّلاة الواجبة، تكون مستحبّة ومطلوبة للشارع، نظير إيقاع الصَّلاة في المسجد، فالأمر بصلاة الجماعة والفُرادى إنّما هما من قبيل تعلّق أمرٍ وجوبي بطبيعةٍ على الإطلاق وأمر ندبي بايجادها على كيفيّة مخصوصة، فلو أراد امتثال الأمر الثاني، لابدَّ من القصد إلى تلك الخصوصيّة، إن كانت قصديّة كالجماعة، وإلّا فيقع امتثالاً للأمر بالطبيعة.
الأمر الثاني: إنّه قد وقع الخلاف في أنّ شرائط الجماعة هل هي شرائط لها، أم للصّلاة حالها، أم يفصّل بين شرائط انعقاد الجماعة عرفاً، والشرائط التعبّديّة، والقول بكون الأُولى شرائطها، والثانية شرائط الصَّلاة حالها؟
أقول: الأظهر هو الأوّل، فإنّ مقتضى ظهور الأدلّة، المتضمّنة لبيانها ذلك، مضافاً إلى أنّه ممّا يقتضيه الأصل، إذ بعدما لا ريب في اعتبارها في الجماعة - بمعنى بطلانها مع فقدها - يُشكّ في تقييد الصَّلاة بها، والأصل يقتضي العدم.
وأمّا ما في صحيح زرارة من نفي الصَّلاة مع وجود الحائل، الذي هو منشأ القول بالتفصيل، نظراً إلى نفي الصَّلاة عن المأمومين عند فقد شرط الجماعة، فمحمولٌ على الغالب من الإخلال بالقراءة وشبهه، أو على إرادة الصَّلاة التي قصدوها، أي الصَّلاة جماعة.
أقول: بعد ثبوت الأمرين المذكورين، يقتضي الإشارة إلى أنّه في كلّ موردٍ بطلت الجماعة لفقد شرط من شروطها، إذا لم يخلّ المُصلّي بما هو وظيفة المنفرد، صحّت صلاته، لأنّ بطلان الجماعة - بعد عدم كونها منوِّعة، وعدم لزوم قصد الفرادى، وعدم كون شرائطهاشرائط الصَّلاة - لايوجب نقصاً في الصَّلاة من حيث هي صلاة، فلا وجه لبطلانها إلّادعوى مبطليّة قصد الائتمام وهي غير ثابتة، والأصل العدم، فتكون صلاته واجدة لجميع الأجزاء والشرائط، وفاقدة للموانع، فتصحّ.
نعم، إذا قصد التشريع في أمر الصَّلاة - بأنْ لا يقصد إلّاأمراً يشرّعه هو، وهو الأمر المتعلّق بالصّلاة التي يَشرع فيها الائتمام باثنين - بطلت صلاته، بناءً على ما هو الحقّ من سراية حرمة التشريع إلى العمل الخارجي.
وأمّا إذا شرع في مقدّمات الائتمام بأنْ قصد امتثال الأمر بالائتمام باثنين، فالظاهر عدم بطلان الصَّلاة، إذ موضوع التشريع حينئذٍ نفس الاقتداء لا الصَّلاة المقتدى بها، فتدبّر.
وإذا أخلَّ بما هو وظيفة المنفرد:
فإنْ كان ذلك عن علمٍ وعمدٍ أو عن جهلٍ تقصيري، بطلت صلاته.
وإلّا فإن كان الإخلالُ بخصوص القراءة، صحّت صلاته، لحديث: (لاتُعاد)(1)، بناءً على عدم اختصاصه بالنّاسي، كما تقدّم.
وإنْ كان بزيادة الرّكوع، فالأحوط الإعادة، لما تقدّم من أنّ زيادة الرّكوع عن
1) وسائل الشيعة: ج 6/91 باب 29 من أبواب القراءة ح 7427.
غير علمٍ وعمدٍ، وإنْ كان مقتضى الحديث عدم مبطليّتها إلّاأنّ الاحتياط بالإعادة لا يترك، فراجع.(1)
نعم، في خصوص مورد التداعي في الائتمام، كلامٌ سيأتي إن شاء اللّه تعالى.
قال الشيخ الأعظم قدس سره: لو نوى الائتمام بشخصٍ فبان غير إمام كالمأموم، أو غير مصلٍّ، فإنّه لو حصل منه ما يوجب بطلان صلاة المنفرد، وعَدَّ منه ترك القراءة، بطلت صلاته(2).
وقد استدلّ رحمه الله لحكمه المذكور:
1 - بعموم قوله: «لا صلاة إلّابفاتحة الكتاب»(3).
2 - وبخبر السكوني الوارد في الرجلين المتداعيين للمأموميّة، الدالّ على بطلان صلاتهما(4)، فإنّ كلّاً منهما قد نوى الائتمام بمن تبيَّن أنّه غير إمام.
ثمّ أضاف رحمه الله: معارضته مع صحيح زرارة المرويّ في الكتب الثلاثة:
«في مَن يُصلّي مع قومٍ مصلّين، غير ناوٍ للصّلاة، ثمّ أحدث الإمام، فاخذ بيد الرّجل فقدّمه عليهم؟ قال: تجزئ القوم صلاتهم»(5).
المعتضد بما ورد في إمام تبيّن كونه يهوديّاً(6)، فإنّاليهودي غير مصلّفي الحقيقة.1.
1) صفحة 132 من هذا المجلّد.
2) كتاب الصَّلاة للشيخ الأنصاري: ج 2/521.
3) عوالي اللئالي: ج 1/196، ح 2، و: ج 2/218، ح 13، و: ج 3/82، ح 65، مستدرك وسائل الشيعة: 158، الباب الأوّل من أبواب القراءة، ح 5.
4) الكافي: ج 3/375 باب من تكره الصَّلاة خلفه ح 3، وسائل الشيعة: ج 8/352 باب 29 من أبواب صلاة الجماعة ح 10879.
5) الكافي: ج 3/382 ح 8، الفقيه: ج 1/403، ح 1196، التهذيب: ج 3/41، ح 143، وسائل الشيعة: ج 377/8 باب 39 من أبواب صلاة الجماعة ح 10946.
6) وسائل الشيعة: ج 8/374 باب 37 من أبواب صلاة الجماعة ح 10941.
وأجاب عن المعارضة: بتخصيص الصحيحة وما في معناها، بما إذا تحقّقت صورة الإمامة والمأموميّة، وحكم ببطلان الصَّلاة فيما لو انكشف عدم الإمامة والمأموميّة، ولو بحسب الصورة، كما إذا اقتدى بمن تبيّن أنّه مأمومٌ أو غائب أو مشغول بغير الصَّلاة.
أقول يرد عليه أوّلاً: إنّه لا وجه للتمسّك بعموم (لا صلاة) فإنّه كسائر أدلّة الأجزاء والشرائط محكومٌ لحديث (لا تُعاد الصَّلاة)(1).
وثانياً: إنّ حمل الصحيحة التي تكون على مقتضى القاعدة، على صورة تحقّق صورة الإمامة والمأموميّة، مع عدم احتمال دخل ذلك في الصحّة، ليس بأولى من حمل خبر السكوني على مورده، بل المتعيّن ذلك.
استدلّ المحقّق اليزدي رحمه الله:(2)انتصاراً للشيخ قدس سره في حكمه البطلان في ما لو تخيّل المصلّي تحقّق الجماعة وانكشف عدمها:
بأنّه لا يعيدُ مِن قِبل من ترك القراءة سهواً، كي يشمله حديث «لا تُعاد»، لأنّ عموم قوله عليه السلام: (لا صلاة إلّابفاتحة الكتاب) لم يُخصّص بالنسبة إلى الجماعة، بل هي أيضاً محتاجة إلى القراءة، غاية الأمر قيام قراءة الإمام مقام قراءته.
وعلى ذلك، فالتارك للقراءة:
1 - إنْ كان تركه لزعم أنّها ليست في عهدته، كمَن زعم الفراغ منها، فانكشف الخلاف، صحّت صلاته لعموم حديث (لا تُعاد) الدالّ على سقوط القراءة.).
2 - وإنْ كان تركه لزعم كون قراءة من زعمه إماماً مسقطة لقراءته، كما في الفرض، بطلت صلاته، لأنّ ما يدلّ على العفو عن القراءة موردها الأوّل، فمقتضى عموم (لا صلاة إلّابفاتحة الكتاب) البطلان.
وبالجملة: فمحصّل دعواه يرجع إلى اختصاص حديث (لا تُعاد) بما إذا ترك القراءة غير ملتفتٍ إلى أنّ عليه القراءة، وأمّا من يعلم بأنّ عليه القراءة، ويتركها، بزعم كفاية قراءة الغير، فهو داخلٌ فيمن تركها عمداً.
ثمّ قال: إنّه خرج عن ذلك صورة تحقّق صورة الإماميّة والمأموميّة بمقتضى صحيح زرارة، وخبر الإقتداء باليهودي.
وفيه: ما تقدّم في بحث الخَلل من أنّ حديث (لا تُعاد) ليس مختصّاً بصورة السَّهو، بل مقتضى إطلاقه سقوط اعتبار غير الخمسة المذكورة فيه في الصَّلاة، إنْ لم يكن تركه مع الالتفات إلى عدم جواز تركه، ولزوم اتيانه به.
ففي المقام بما أنّ التارك للقراءة يتركها بزعم جوازه له، لكفاية قراءة الغير عن قراءته، فمقتضى الحديث صحّة صلاته، وسقوط جزئيّة القراءة.
فالمتحصّل: صحّة صلاة من ترك القراءة بزعم تحقّق الجماعة، إلّافي مورد التداعي في الائتمام.
الفرع الثاني: يدور البحث عن حكم مَن شكّ في أنّه نوى الائتمام أم لا؟
فإن كان ذلك بعد الفراغ من الصَّلاة، فإنّه لا كلام في الصحّة، وإنّما الكلام فيما لو كان الشكّ في أثناء الصَّلاة.
أقول: هنا عدّة صور:
تارةً: يعلم أنّه كان من نيّته الجماعة، وقام لها، ثمّ شكّ في الائتمام لاحتمال الغفلة.
واُخرى: يعلم أنّه دخل في الصَّلاة بهذه النيّة، لكنّه شكّ في نيّته الانفراد في الأثناء.
وثالثة: لا يعلم شيئاً منهما.
أمّا في الصورة الأُولى: فقد يقال بأنّ عليه أن لا يلتفت إلى الشكّ، وعليه ترتيب آثار الجماعة، لا سيّما إذا لم يكن مشغولاً بوظيفة المنفرد.
واستدلّ له المحقّق الهمداني رحمه الله: بأنّه يكفي في النيّة - الموجبة لصحّة العبادة - الدّاعي الباقي في النفس، المُسمّى في عرف الفقهاء بالإستدامة الحكميّة، الذي هو من أثر الإرادة السابقة، وعليه فإنْ لم يحتمل انفساخ عزمه، فلا كلام، وإلّا فيجري أصالة بقائه، ويحكم بانعقاد الجماعة.
ولا يعارض هذا الأصل في ما إذا كان مشغولاً بوظيفة المنفرد، أصالة عدم صدور وظيفة المنفرد خطأ، لأنّه لا يثبت به انفساخ العزم السابق.
ولعلّه إلى هذا نظر الشهيد رحمه الله في «الذكرى»، حيث قال: (يُمكن بناؤه على ما قام إليه)(1).
وعليه، فما أفاده بعض المعاصرين(2)في توجيه كلام الشهيد رحمه الله من دلالة النصوص الدالّة على البناء على ما قام إليه، ثمّ أورد عليه بأنّ ظاهر تلك النصوص وجوب البناء على ما افتتح الصَّلاة عليه، وهو في المقام مشكوكٌ فيه غير تامّ، كما2.
أنّه يمكن أن يكون إلى هذا الوجه نظر الشيخ الأعظم رحمه الله(1)حيث قال: (ويحتمل قويّاً البناء على ما قام عليه، فيبني على الجماعة).
ولكن يرد على هذا الوجه: أنّ الائتمام يعدّ من العناوين القصديّة، ويتوقّف تحقّقه على القصد، ومن المعلوم أنّ قصد الائتمام حين قيام المُصلّي إنّما هو قصدٌ على أن يوجِد هذا العنوان بالقصد اليه حين الصَّلاة، لا أنّه قاصدٌ قبل الشروع هذا العنوان، وعليه فاستصحاب بقاء هذا القصد لا يُثبت قصد الائتمام حين الصَّلاة، إلّا على القول بالأصل المثبت.
مع أنّه لو سُلّم وحدة القصدين، ولكن حيث أنّ اعتبار هذا القصد إنّما هو لأجل أن يتحقّق عنوان الجماعة، الذي هو من العناوين الثانويّة، المسبّب عن القصد المنطبق على الصَّلاة، ولا يمكن إثبات تحقّق العنوان بهذا القصد إلّاعلى القول بالأصل المثبت، فحكم هذه الصورة حكم الصورة الثالثة التي سيأتي الكلام فيها.
وأمّا الصورة الثانية فمقتضى استصحاب بقاء الجماعة، تعيّن البناء على وجودها، فيجري على ذلك، ولا يبعد دعوى شمول ما دلَّ على أنّ (الصَّلاة على ما افتُتِحت) لهذا المورد أيضاً.
وأمّا في الصورة الثالثة: فعن جماعةٍ من الأساطين كالشيخ الأعظم رحمه الله(2)والسيّد في «العروة»(3)وغيرهما، أنّه لا يُلتفت إلى الشكّ ويُبنى على تحقّق الجماعة لو كان، بحيث يظهر عليه آثار الائتمام كالإنصات في الجهريّة، والتسبيح في).
الإخفاتيّة، ونحوهما.
وفيه: إنّ هذا يبتني على حجيّة ظهور الحال في الحكم بتحقّق الجماعة فعلاً، وهي غير ثابتة.
نعم، إذا رأى نفسه مقتدياً فعلاً، وشكّ في أنّه نوى الائتمام من الأوّل أم لا، يبني على تحقّق الجماعة من الأوّل، ويلحقها حكمها، لجريان قاعدة التجاوز بالنسبة إلى الجماعة في الأجزاء السابقة، لمُضيّ محلّها بالدخول في الغير المترتّب، وهي الجماعة في ما بيده فعلاً من الأجزاء.
والإيراد على ذلك: - كما أفاده المحقّق صاحب «الدرر» رحمه الله(1)- بأنّ القاعدة إنّما تجري وتكون حاكمة على استصحاب العدم، في موردٍ يكون مقتضى الاستصحاب لزوم الإتيان بالمشكوك فيه في محلّه إذا كان باقياً، أو بعد العمل، أو لزم منه الإتيان بشيءٍ آخر كسجدة السَّهو، واستصحاب عدم نيّة الإقتداء لا يقتضي لزوم العود إلى نيّة الاقتداء وقطع الصَّلاة، ممّن دخل فيها على النحو الصحيح، فدعوى أنّ استصحاب عدم نيّة الاقتداء ليس له حاكمٌ غير صحيحة، لأنّه غير معتبر في جريان قاعدة التجاوز بعد تحقّق موضعها، وهو التجاوز الذي لا يصدق في موارد الشكّ في الوجود إلّابعد الدخول في الغير المترتّب، ولذا بنينا على عدم جريانها فيما إذا لم يكن فعلاً ناوياً للاقتداء، سوى ترتّب أثرٍ عليها، وهذا في المقام موجود، فإنّها لو جرت وبنينا على تحقّق الجماعة، فإنّ بإمكانه ترتيب آثارها إلى آخر الصَّلاة.
فتحصّل ممّا ذكرنا: أنّه لو شكّ في الإئتمام، فإن كان ناوياً الجماعة من أوّل الصَّلاة وأحرز ذلك، أو رأى نفسه مقتدياً فعلاً، وشكّ في أنّه هل نوى الائتمام من9.
1) كتاب الصَّلاة للحائري اليزدي: ص 449.
الأوّل أم لا، بنى على تحقّقها، وإلّا فمقتضى أصالة عدم نيّة الائتمام، البناء على العدم، وعليه إتمام صلاته افراداً.
الفرع الثالث: إذا اقتدى بشخص باعتقاد أنّه زيدٌ فبانَ أنّه عمرو:
فتارةً: يقتدي بهذا الحاضر، ويعتقد أنّه زيدٌ فيتبيّن أنّه عمرو.
واُخرى: يقتدي بزيدٍ معتقداً أنّ هذا الحاضر زيدٌ.
وعلى التقديرين:
تارةً: يكون عمرو عادلاً.
واُخرى: لا يكون كذلك.
والكلام يقع في مقامين:
الأوّل: في صورتي كونه عادلاً.
الثاني: فيما إذا كان غير عادل.
أمّا المقام الأوّل: فالمنسوب إلى المشهور(1)صحّة الجماعة في الصورة الأُولى، وفسادها في الثانية.
واستدلّوا له: بأنّه في الصورة الأُولى تصحّ الجماعة من جهة موافقة من قصد الاقتداء به للواقع، وإنّما الخطأ يكون في أمرٍ مقارن مع المقصود، وفي الصورة الثانية لا تصحّ لأنّ من قَصَد الإقتداء به لا واقع له، ومن له واقع لم يُقصد الائتمام به.
أقول: وأورد على كلّ ممّا ذكروه في الفرعين:
1) حكى الصحّة غير واحد كما في كتاب الصَّلاة للحائري اليزدي: ص 453، وغيره.
أمّا ما ذكروه في الفرع الثاني: فأورد عليه الشيخ الأعظم والمحقّق الهمداني بإيرادين:
الإيراد الأوّل(1): ان الائتمام علاقة خارجيّة لا يعقل تعلّقه بمفهوم (زيد)، بل بالشخص الخارجي الذي اعتقده زيداً، وهو هذا الحاضر، فاعتقاد صدق عنوان (زيد) على هذا الحاضر، سببٌ لقصد الائتمام بهذا الشخص الحاضر بعينه لا غير.
وتوضيح ما أفاداه: أنّه إذا تعلّق الإنشاء بكلّي يمكن تقيّيده، كما إذا باع مَنّاً من الحنطة المقيّدة بقيدٍ خاص، وإن تعلّق بشخص خارجي، فلا يمكن تقييده، نعم هو قابلٌ للتعليق، كما إذا باع الحنطة الخارجيّة إنْ كانت متّصفةً بوصف خاص، وأمّا الأفعال الخارجيّة، فهي غير قابلة للتعلّق بالكلّي، بل لابدَّ وأن تتعلّق بالموجود الخارجي، ومع التعلّق به لا تقبل التعليق أيضاً، مثلاً الضرب لا يتعلّق إلّا بالشخص الخارجي، ومع تعلّقه به لا يقبل التعليق، بحيث يقع الضرب عليه على تقديرٍ خاص دون جميع التقادير.
وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن الإئتمام الذي هو عبارة عن ربط الصَّلاة بصلاة هذا الشخص الخارجي، يكون كالضرب إذا تحقّق لا يُعقل تحقّقه على تقدير دون تقدير، ولا يتصوّر أن يكون اقتداءً بهذا الشخص الخارجي على تقدير كونه زيداً، بل كونه زيداً لا محالة يكون من قبيل الدّاعي للاقتداء بهذا الحاضر، وتخلّف الدّاعي لا يوجب عدم تحقّق الفعل الناشيء عنه بعد فرض تحقّقه.
ولكن يرد عليه: إنّ الفعل الخارجي على قسمين:8.
1) ذكر هذا الوجه كاشف الغطاء في حاشيته على العروة الوثقى: ج 3/124، وقد تعرّض الشيخ الأعظم لهذه المسألة في كتاب الصَّلاة: ج 2/398.
الأوّل: ما لا يعتبر في تحقّقه القصد كالضرب.
الثاني: ما يعتبر فيه ذلك كالبيع.
أمّا القسم الأوّل: فهو إن تعلّق بالشخص الخارجي، لا يعقل فيه التعليق.
وأمّا القسم الثاني: فيتصوّر فيه ذلك، فلو باع الموجود الخارجي معلّقاً على كونه ثوباً حريراً فبان أنّه غيره بطل البيع، لعدم تحقّقه، والائتمام من هذا القبيل، لما تقدّم من أنّه يعتبر في تحقّقه القصد، ولا يتحقّق بدونه.
الإيراد الثاني: أنّه إذا قصد الإقتداء بزيد، واعتقد أنّ زيداً هو المشار إليه بعينه، فقد قصد الاقتداء بزيد من حيث هو أوّلاً وبالذّات، وقصد الاقتداء بهذا الشخص الحاضر ثانياً وبالعَرَض، من حيث أنّه زيد، فإنّ قصد إيقاع فعلٍ على عنوانٍ، يستتبع قصد إيقاعه على عنوان آخر متّحدٌ معه في اعتقاد القاصد، فإنّ من قصد إهانة زيد من حيث هو، مع علمه بأنّه ابن عمرو، فأهان ابن عمرو، فإنّه يصدق أنّه قصد إهانة ابن عمرو ولو من حيث أنّه زيد، لا من حيث هو، فإذا تبيّن أنّ ابن عمرو لم يكن زيداً صدق أنّه أهانه بالقصد، ومثل هذا القصد التبعي يكفي في صحّة الاقتداء، إذ لا دليل على اعتبار أزيد من ذلك.
وفيه أوّلاً: النقض بما إذا باع شيئاً خارجيّاً يعتقد أنّه عبدٌ فبانَ أنّه حمار، فإن مقتضى هذا البرهان صحّة البيع، إذ قصد البيع قد تعلّق بهذا الموجود الخارجي.
ثانياً: وبالعرض بعين التقريب المتقدّم، مع أنّه لا شبهة في البطلان حتّى عنده قدس سره إذ هو ملتزمٌ بانتفاء القصد بانتفاء القيد.
وثانياً بالحلّ: وهو أنّ القصد إلى الائتمام بهذا الشخص الحاضر، كان معلّقاً على كونه زيداً، فلو تبيّن كونه غير زيد، يكون قصد الائتمام به منتفياً، بناءً على ما عرفت
من تصوير التعليق فيه.
فتحصّل: صحّة ما ذكره المشهور في هذا الفرع من بطلان الجماعة حقّ.
أقول: ولا يخفى أنّ الجماعة وإن بطلت، لكنّه لا وجه لبطلان الصَّلاة، كما عرفت سابقاً، فما هو المنسوب إلى المشهور من بطلان الصَّلاة ممّا لا وجه له.
وأمّا ما ذكروه في الفرع الأوّل من صحّة الجماعة فأُورد عليه بابتناء ذلك على ترجيح الإشارة على الاسم في مقام المعارضة وهو غيرُ ثابتٍ، ولذا تردّد فيه بعض(1)ولم يرجح أحدهما.
وحُكي عن المصنّف رحمه الله وجماعة من المتأخّرين عنه، الحكم بالبطلان فيه(2).
وفيه: إنّ ما ذكروه من ابتناء المسألة على تقديم الإشارة على الاسم أو عكسه محلّ نظر، بل منع، فإن تلك القاعدة إنّما يرجع إليها لتشخيص ما قصد اللّافظ أوّلاً وبالذات لموضوع حكمه، وهذا لا ربط له بما نحن فيه ممّا يكون القصد معلوماً، وهو الاقتداء بهذا الحاضر المعتقد أنّه زيد، حيث يكون اعتقاده المذكور إمّا من قبيل الدّاعي إلى الصَّلاة خلفه، أو من قبيل المقارنات الاتّفاقيّة، وعلى أيّ تقدير تصحّ الجماعة لتحقّق القصد إلى الإمام المعيّن.
وبالجملة: ظهر أنّ ما ذكره المشهور من التفصيل بين الفرعين في صحّة الجماعة في أحدهما دون الآخر هو الحقّ، وإنْ كان ما ذكروه من بطلان الصَّلاة فيما إذا بطلت الجماعة، غير صحيح.5.
وأمّا المقام الثاني: وهو ما إذا لم يكن عمروٌ عادلاً، ففي الصورة التي حكمنا فيها ببطلان الجماعة لا كلام في بطلانها في المقام، وأمّا في الصورة التي حكمنا فيها بصحّتها، وهي ما لو نوى الاقتداء بهذا الحاضر معتقداً أنّه زيد فبان عمرو، فهل تصحّ في المقام، أم لا؟
أقول: تبتني هذه المسألة على ما سيأتي عند بيان أحكام الجماعة من أنّه لو اقتدى بشخصٍ، ثمّ تبيّن أنّه فاسق أو كافر:
فإنْ قلنا بصحّة الجماعة فيها نقول بها في المقام، وإن قلنا بالبطلان فيها نقول به في المقام أيضاً بلا فرق بين المسألتين.
ودعوى: أنّه في المقام إذا اقتدى بالحاضر باعتقاد أنّه زيد، وإنْ كان اقتداءً به على كلّ تقدير، إلّاأنّ إحراز عدالة المقتدي الذي اعتبر في صحّة الاقتداء لم يكن في المثال، لأنّ المقتدي هو الشخص القائم في المحراب، مع تجريده عن كونه زيداً، والذي اعتقد عدالته هو زيدٌ بعنوان أنّه زيد، لا الشخص المجرد عن كونه زيداً، كما عن المحقّق اليزدي رحمه الله(1).
مندفعة: بأنّه لما أحرز عدالة زيد، واعتقد أنّه هذا القائم في المحراب، فلا محالة يكون مُحرِزاً لعدالة هذا القائم إذ الإحراز لا يقبل التقييد ولا التعليق كما لا يخفى.
وعليه، فالأظهر عدم الفرق في الحكم المذكور بين كون عمروٌ عادلاً أو غير عادل.
***3.
1) كتاب الصَّلاة للحائري اليزدي: ص 453.
الفرع الرابع: لو صَلّى اثنان، فقال كلٌّ منهما: (كنتُ الإمام) صحّت صلاتهما معاً فرادى إجماعاً كما عن «المنتهى»(1).
ولو قال كلٌّ منهما: (كنتُ المأموم) بطلت صلاتهما.
ويشهد للحكمين: خبر السكوني، عن الإمام الصادق عليه السلام، عن أميرالمؤمنين عليه السلام:
في رجلين اختلفا، فقال أحدهما: كنتُ إمامك، وقال الآخر: كنتُ إمامك؟
فقال عليه السلام: صلاتهما تامّة.
قلت: فإن قال كلّ واحدٍمنهما: كنتُ أأتمُّ بك؟ قال: صلاتهما فاسدة و ليستأنفا»(2).
والمناقشة فيه: بضعف السَّند كما عن سيّد «المدارك»(3)، في غير محلّها لوجهين:
الوجه الأوّل: أنّه لا وجه لتوهّم ذلك سوى وجود النوفلي والسَّكوني في الطريق، وذلك لا يوجب قدحاً في السَّند، لاعتبار رواياتهما.
أمّا الأوّل: وهو الحسين بن يزيد، فقد وردت فيه مدائح تدلّ على اعتبار رواياته، كرواية جماعةٍ من القميّين عنه، وإكثارهم من الرواية عنه، وقولهم فيه: (إنّه سديد الرواية، مقبول الرواية، وكثير الرواية) فضلاً عن أنّ له كتاباً.
وعن السيّد الداماد(4)إنّه لم يقدح فيه أحدٌ من أئمّة الرجال، وقد اعتمد على
رواياته المحقّق في «المعتبر»(1)وغيره، والشيخ(2)وغيرهما من عظماء الأصحاب(3).
وأمّا الثاني: وهو إسماعيل بن أبي زياد، فعن الشيخ في «العُدّة»(4)وغيره في غيرها دعوى إجماع الإماميّة على العمل برواياته، وقد وثَّقه صريحاً جماعةٌ كالمحقّق في كتابه «المسائل الغرية»(5).
الوجه الثاني: عمل الأصحاب بهذا الخبر، فلو كان ضعيفاً فهو منجبر بعمل الأصحاب، فلا إشكال في الخبر من حيث السَّند، وأمّا من حيث الدلالة فمقتضى إطلاقه البطلان في الفرض الثاني، وإنْ أتي كلٌّ منهما بما هو وظيفة المنفرد.
وإنْ شئتَ قلت: إنّ الخبر في مقام بيان قدح قصد المأموميّة وعدم قدح قصد الإمامة، ولازم ذلك هو البطلان في الصورة الأُولى، أي قصد المأموميّة مطلقاً، والصحّة فيما إذا قصد الإمامة، مع إتيان كلّ منهما بما هو وظيفة المنفرد، وأمّا مع إخلال كلٍّ منهما أو أحدهما بذلك، فالأظهر البطلان، لعدم تعرّض الرواية لحكم غير جهة قصد الإمامة، كما لا يخفى.
أقول: ولو شكّا فيما أضمراه، ففيه صور:
الأُولى: أنْ يُشكّ في نيّة صاحبه مع إحراز نيّة نفسه.
الثانية: عكس ذلك.ر.
1) المعتبر: ج 2/424، فإنّه استشهد في الرواية في مقام الاستدلال.
2) الخلاف: ج 1/147 و 164 وغيرها.
3) قال في جامع المدارك: ج 1/483: (وضعف الخبر مجبور باشتهاره بين الأصحاب فتوىً ورواية)، وفي الجواهر: ج 13/237، (المنجبر ضعفه بعمل الأصحاب). ومثله في الحدائق: ج 11/121.
4) العدة: ج 1/149 (ط. ج)، قوله: (ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه.. والسكوني).
5) حكاه عنه الحُرّ العاملي في وسائل الشيعة: ج 30/318 في الفائدة الثانية عشر.
الثالثة: أنْ يُشكّ في نيّة كلّ منهما.
أمّا في الصورة الأُولى: فإن كان قصده الإمامة، فلا كلام في صحّة صلاته، سواءٌ قصد صاحبه الإمامة أو قصد المأموميّة، وإنْ كان قصده المأموميّة، فحيث أنّ الشكّ في صحّة صلاته وجماعته، يكون ناشئاً عن الشكّ في نيّة صاحبه المأموميّة أو الإمامة، إذ على الأوّل تبطلان بخلافه على الثاني، فلا مورد لجريان قاعدة الفراغ في المأتي به، لما تقدّم في مبحث الشكوك من أنّ قاعدة الفراغ من الأمارات النوعيّة، لوقوع المشكوك فيه في ظرفه، فيختصّ جريانها بما إذا كان الشكّ في النقص أو الزيادة من جهة احتمال الغفلة، فلا تكون القاعدة شاملة للمقام، ممّا يكون منشأ الشكّ فعل الغير الخارج عن تحت قدرة هذا الشخص والتفاته.
نعم، لا بأس بالاستدلال للصحّة بأصالة عدم قصد صاحبه المأموميّة، ولا تُعارَض بأصالة عدم قصده الإمامة لعدم الأثر لها، فيثبت بها صحّة الصَّلاة ما لم يأت بما يبطل الصَّلاة مطلق وجوده.
وأمّا في الصورة الثانية: فإن علم أنّ صاحبه نوى الإمامة، صحّت صلاته، سواءٌ قصد الإمامة أو الائتمام.
وهل تصحّ الجماعة أم لا؟ وجهان، وقد تقدّم الكلام في هذا مفصّلاً.(1)
وإنْ علم أنّه قصد الائتمام، وشكّ في قصد نفسه، وبالتبع يشكّ في صحّة الصَّلاة والجماعة معاً، فالمرجع حينئذٍ لإثبات صحّة الصَّلاة، أصالة عدم الائتمام بالتقريب المتقدّم، بل يثبت بهذا الأصل صحّة الجماعة أيضاً.
اللّهُمَّ إلّاأن يُقال: إنّ ترتّب انعقاد الجماعة على نيّة ائتمام أحدهما دون الآخر، ليس ترتّباً شرعيّاً، وعليه فلا تثبت الجماعة بالأصل، فما أفاده بعضٌ من إثبات0.
1) فقه الصادق: ج 8/500.
صحّتها أيضاً به ضعيف.
وبما ذكرناه ظهر حكم الصورة الثالثة، وحكم ما إذا كان الشكّ في الأثناء.
الفرع الخامس: المشهور بين الأصحاب عدم جواز نقل نيّته من إمامٍ إلى إمام آخر اختياراً.
وعن «التذكّرة»(1)و «النهاية»(2)الجواز.
وعن «الذكرى»(3)احتماله إذا كان المنتقل إليه أفضل.
أقول: يمكن الاستدلال للجواز بطريقين:
الأوّل: أنّه قد وردت نصوص كثيرة دالّة على جواز العدول، لو عرض للإمام ما يمنعه إتمام صلاته(4)، وسيأتي التعرّض لتلك المسألة، فيمكن الاستدلال بتلك النصوص للمقام بإلغاء الخصوصيّة.
الثاني: إنّه ستعرف في الفرع القادم أنّ مقتضى القاعدة جواز العدول من الانفراد إلى الائتمام، كما ستعرف جواز عكس ذلك، أي العدول من الائتمام إلى الانفراد، وعلى ذلك فلا وجه للقول بعدم الجواز في المقام، إذ في المقام عدولٌ من الائتمام إلى الانفراد ومنه إلى الائتمام.
أقول: ولكن إلغاء خصوصيّة المورد في نصوص العدول، إذا عرض للإمام مانعٌ غير ظاهر، وجواز العدول من الانفراد إلى الائتمام سيأتي التأمّل فيه، ومثل
هذه الجماعة بعيدة عن الطريقة المالوفة، فشمول الإطلاق لها غير ظاهر، والشكّ إنّما هو في مشروعيّة الجماعة الثانية، فلا مورد لإجراء الأصل الذي أسّسناه، فعدم العدول أحوط.
وأمّا استصحاب جواز الائتمام بالثاني فغيرُ جارٍ، إذ المتيقّن إنّما هو جواز الاقتداء به من ابتداء الصَّلاة، والمشكوك فيه الائتمام به في الأثناء.
الفرع السادس: هل يجوز للمنفرد العدول إلى الائتمام في الأثناء أم لا؟
أقول: فيه قولان: يمكن الاستدلال للأوّل بوجهين:
الوجه الأوّل: أنّمن جملة النصوص الواردة في المقام هوأنّ الإمام إذا طرأ عليه عذر من الإتمام، جاز للمأمومين تقديم إمامٍ آخر ممّا يدلّ على جواز استخلاف الأجنبي:
منها: صحيح جميل، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«في رجلٍ أمَّ قوماً على غير وضوء، فانصرف فقدم رجلاً ولم يدرِ المُقدّم ما صَلّى الإمام قبله؟ قال: يذكره من خَلفه»(1).
ومنها: صحيح زرارة، عن أحدهما عليه السلام: «عن إمامٍ أَمَّ قوماً فذكر أنّه لم يكن على وضوء، فانصرف وأخذ بيد رجلٍ وأدخله وقدّمه، ولم يعلم الذي قدمه ما صَلّى القوم؟
1) من لا يحضره الفقيه: ج 3/403 ح 1195، وسائل الشيعة: ج 8/377 ح 10948.
قال: يُصلّي بهم، فإن أخطأ سبّح القوم به، وبنى على صلاة الذي كان قبله»(1).
وظهورهما في استخلاف الأجنبي لا يُنكر، وسيأتي في تلك المسألة تمام الكلام في هذه الجهة.
وعليه، فهما يدلّان على جواز العدول من الانفراد إلى الائتمام، إذ استخلاف الأجنبي ليس كاستخلاف أحد المأمومين، كي يمكن أن يقال بأنّ المأموم الذي صار إماماً بما أنّه كان مع القوم من أوّل صلاتهم، كانت الجماعة معه، كأنّه من الابتداء، بل الجماعة معه جماعة مستقلّة، والمفروض مشروعيّتها من بعد انتفاء الجماعة الأُولى، وصيرورة الصَّلاة فرادى، فيستفاد منهما جوازالعدول من الانفراد إلى الائتمام.
الوجه الثاني: أنّ المستفاد من النصوص - كما ستعرف في الفرع القادم - مشروعيّة الجماعة في أبعاض الصَّلاة وأجزائها، بمعنى تحقّق الجماعة بين أبعاض صلاتي المأموم والإمام، وعليه:
فإمّا نفس هذه النصوص، فيستفاد منها المشروعيّة، من غير فرق بين كون الجماعة في الابتداء أو في الأثناء.
أو أنّ ذلك يوجب أن يكون المراد من الصَّلاة المذكورة في صحيح زرارة والفضيل المتقدّم في أوّل الجماعة، الذي بنينا على ثبوت الإطلاق له ما يعمّ أجزاءها، فمقتضى إطلاقه حينئذٍ مشروعيّة هذه الجماعة.
ولكن يمكن أن يرد الوجه الأوّل: بأنّ الخبرين لا يمكن الاعتماد عليهما لاشتمالهما على إقامة الأجنبي مقام الإمام في الإتيان بما بقي من صلاته، من غير زيادة ونقيصة، كما هو الظاهر منهما، لا سيّما الخبر الثاني - وسيأتي لذلك مزيد توضيح - وهذا ممّا لم0.
1) تهذيب الأحكام: ج 3/272 ح 104، وسائل الشيعة: ج 8/378 ح 10950.
يلتزم به أحدٌ من الأصحاب.
مع أنّه يمكن أن يقال: لعلّه لموارد عروض المانع للإمام خصوصيّة في هذا الحكم.
وعلى هذا، فلا يصحّ الاستدلال بهما، ولا بإطلاق سائر النصوص المقتضي لجواز استخلاف الأجنبي.
أقول: وأمّا الوجه الثاني، فيمكن أن يورد عليه بأنّ ما دلَّ على مشروعيّة الجماعة في أبعاض الصَّلاة مختصٌّ بالابتداء، ولا يوجبُ ذلك التوسعة في الصَّلاة المجعولة موضوعةً في صحيح الفضيل وزرارة، كي يتمسّك بإطلاقه.
فإذاً الأحوط هو عدم العدول من الانفراد إلى الائتمام.
الفرع السابع: هل يجوز قصد الانفراد في الأثناء كما هو المشهور بين الأصحاب، بل عن غير واحدٍ دعوى نفي الخلاف فيه والإجماع عليه(1)، أم لا يجوز؟
أقول: يقع الكلام أوّلاً في أنّ نيَّة الانفراد هل تضرّ بصحّة الجماعة أم لا؟ ثمّ في أنّها هل توجب بطلان الصَّلاة أم لا؟.
أمّا المقام الأوّل: فيقع الكلام فيه في موضعين:
الأوّل: فيما إذا بدا له العدول إلى الانفراد، بعدما كان عازماً على الائتمام إلى آخر صلاة الإمام.
1) أرسل الحكم بالجواز العديد من الأعلام إرسال المسلّمات، وعدم دعوى الإجماع منهم قد يكون لوضوحه عند الأغلب.
الثاني: ما إذا كان عازماً على الائتمام في بعض الصَّلاة.
أمّا الموضع الأوّل: فقد استدلّ لصحّة الجماعة فيه:
1 - بالأصل، فإنّ مقتضى الأصل في المستحبّ، جواز رفع اليد عنه، وعدم وجوبه بالشروع فيه.
2 - وباستصحاب جواز الانفراد.
3 - وباستصحاب الصحّة وعدم بطلانها بنيّة الانفراد.
4 - وبظهور أدلّة مشروعيّة الجماعة في استحبابها ابتداءً واستدامةً.
5 - وبما ورد في الموارد المتفرّقة من جواز المفارقة.
أقول: وقد نوقش في الجميع:
أمّا الأصل: فلأنّ عدم وجوبها بالشروع فيها أعمٌّ من انعقادها وصحّتها، ألا ترى أنّ صلاة النافلة لا يجبُ إتمامها، لكن لو قطعها لما صحّ المقدار المأتي به منها.
أمّا استصحاب جواز الانفراد: فإنّه لا يجري، إذ المتيقّن هو الانفراد من الأوّل، والمشكوك فيه هو الانفراد في الأثناء، مع أنّ الجواز التكليفي غير الجوازالوضعي، ومحلّ الكلام هو الثاني والمتيقّن هو الأوّل.
أمّا استصحاب الصحّة: فإنّه لا يجري أيضاً، إذ الصحّة التأهّليّة المتيقّنة لا شكّ فيها، والصحّة الفعليّة لا يقين بها.
أمّا أدلّة مشروعيّة الجماعة: وإنْ كانت دالّة على عدم وجوبها بعد الشروع فيها، إلّاأنّها لا تدلّ على صحّتها ومشروعيّتها في بعض الصَّلاة.
وأمّا ما ورد في الموارد المتفرّقة: فلاختصاصه بصورة عروض مانع من إتمام
الإمام صلاته، لا يشمل المقام.
أقول: ولكن يمكن الاستدلال لمشروعيّتها في الفرض، وجواز الانفراد - مضافاً إلى ما ستعرف من صحّة الجماعة فيما إذا كان من نيّته الانفراد من أوّل الصَّلاة - بصحيح الحلبي، عن الإمام الصادق عليه السلام:
«في الرّجل يكون خلف الإمام، فيطيل الإمام التشهّد؟ فقال: يُسلّم مَنْ خلفه ويمضي في حاجبته إنْ أحَبّ»(1).
فإنّه يدلّ على جواز الانفراد في حال تشهّد الإمام.
ودعوى: أنّه يدلّ على جواز تقديم السَّلام، بمعنى عدم لزوم المتابعة فيه، فيكون الاقتداء به باقياً إلى آخر السَّلام، فيخرج بالسلام عن الجماعة لا بنيّة الانفراد.
مندفعة: بأنّه لا معنى لقصد الانفراد إلّاقصد التقدّم على الإمام بالتسليم.
وبعبارة اُخرى: من يعلم أنّ بالتسليم يخرجُ من الصَّلاة والجماعة، ويعتمد الإتيان به قبل الإمام، يكون ذلك قصداً منه للانفراد به، فتدبّر.
وأمّا الموضع الثاني: فيشهد لجواز الدخول في الجماعة، مع العزم على أن ينفرد في الأثناء اختياراً ومشروعيّة مثل هذه الجماعة:
النصوص الكثيرة الآتي طرف منها، والواردة في المسبوق، وفي إئتمام المُتِمّ بالمُقصّر، والاقتداء في الرباعيّة بالثلاثيّة والثنائيّة، وشرعيّة صلاة ذات الرقاع ونحو ذلك، فإنّ مقتضاها أنّ الجماعة كما تُستحبّ في تمام الصَّلاة، تُستحبّ في أبعاضها، وأنّ مطلوبيّتها إنّما تكون من قبيل تعدّد المطلوب، بمعنى أنّه لا تكون8.
1) تهذيب الأحكام: ج 2/317-318 ح 155، وسائل الشيعة: ج 416/6 ح 8315، و: ج 413/8-414 ح 11048.
مشروعيّتها في كلّ ركعةٍ مشروطة ببقائه مأموماً إلى آخر الصَّلاة، ولازم ذلك - بضميمة ما تقدّم من أنّ الجماعة والفرادى ليستا حقيقتين متغايرتين كالظهر والعصر، بل الجماعة كيفيّة طارئة على الصَّلاة كالمسجديّة - جواز الانفراد، وإنْ كان عازماً عليه من الأوّل.
ودعوى: أنّ تلك النصوص إنّما وردت في مقام الضرورة، أو انتهاء صلاة الإمام، الموجب لحصول الانفراد قهراً، فلا يستفاد منها كون الجماعة بنحو تعدّد المطلوب بالمعنى الذي ذكرت.
مندفعة: بأنّ الضرورة والمفارقة القهريّة، إنّما تصحّ عُذراً للانفراد في الأثناء، لا لجواز الجماعة في ركعةٍ أو ركعتين مثلاً، ما لم يكن للجماعة فيها مرتبة من المطلوبيّة.
ويؤيّده: ما ورد من أنّ تكبيرةً مع الإمام تعدل كذا وكذا، وركعةً معه تعدل كذا وكذا، وسجدة معه تعدل كذا وكذا(1).
فإنّ ظاهر ذلك مطلوبيّة الجماعة في كلّ جزءٍ مستقلّاً لا بشرط الانضمام.
وأمّا ما أفاده المحقّق اليزدي رحمه الله(2): من أنّه في القسم الأوّل - أي ما لو بدا له الانفراد - تشمله أدلّة الائتمام، فيصير الدخول بذلك مشروعاً، فيلحقه أحكام الائتمام، وأمّا في القسم الثاني - أي ما لو كان بانياً عليه من الأوّل - ففي شمول أدلّة الجماعة له محلُّ تأمّلٍ.
فممنوع: غير ظاهر الوجه، إذ لو شملت أدلّة الجماعة للجماعة في بعض الصَّلاة فهو في القسمين، وإلّا فكذلك.).
أمّا المقام الثاني:
فعلى القول بصحّة الجماعة: لا كلام في صحّة الصَّلاة.
وأمّا على القول بعدم صحّتها: فإنْ أتى بما هو وظيفة المنفرد، صحّت صلاته، سواءٌ أكان ناوياً للإنفراد من الأوّل، أم بدا له ذلك.
أمّا في الثاني: فلأنّه لا وجه للحكم ببطلان الصَّلاة إلّامبطليّة قصد الائتمام في بعضها، أو كون الجماعة منوّعة، وشيءٌ منهما لا يصلح لذلك.
أمّا الأوّل: فلأنّ الأصل عدم المبطليّة.
وأمّا الثاني: فلما تقدّم من أنّ الجماعة كيفيّة طارئة كالمسجديّة.
وأمّا في المورد الأوّل: فلأنّه لا وجه لتوهّم بطلان الصَّلاة مضافاً إلى ما عرفت، سوى أنّه إذا قصد بالجماعة الأمر يكون تشريعاً محرّماً.
وفيه: إنّه لو سُلّم سراية حرمة التشريع إلى الفعل الخارجي، نقول إنّ الجماعة هي الكيفيّة الطارئة، ولها وجودٌ آخر غير الصَّلاة، تتحقّق بقصد الائتمام، فلا وجه لسراية الحرمة إلى الصَّلاة.
وإنْ أخلَّ بوظيفة المنفرد، فإنْ فعل ما يوجب مطلق وجوده البطلان، بطلت الصَّلاة، وإلّا كما لو ترك القراءة، فإنْ كان ناوياً للإنفراد من الأوّل، بطلت صلاته أيضاً، لصيرورة ترك القراءة حينئذٍ تركاً عمديّاً أو عن جهل تقصيري، فلا مورد لجريان حديث (لا تُعاد الصَّلاة).
وإنْ بدا له ذلك بعدُ، فقد يُقال إنّ مقتضى حديث (لا تُعاد)، صحّة الصَّلاة، إلّا أنّ في شموله للمقام تأمّلاً، فإنْ نقص صلاته حينئذٍ من حيث القراءة إنّما يكون
مستنداً إليه باختياره، وعمده قصد الانفراد، إذ لو لم يقصد ذلك لما نقصت الصَّلاة من هذه الجهة، والحديث مختصٌّ بما إذا انحصر الإتيان بالصّلاة تامّة بالإعادة، وفي المقام لا ينحصر بذلك، واللّه العالم.
تمَّ الجزء الثامن من موسوعة «فقه الصادق» بقلم مؤلّفه الأحقر،
محمّد صادق الحسيني الروحاني عفى اللّه عنه،
ويتلوه الجزء التاسع إنْ شاء اللّه تعالى.
وما توفيقي إلّاباللّه، والحمدُ للّه أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
صلاة الآيات 5
كيفيّة صلاة الآيات 8
فروع 11
مستحبّات هذه الصَّلاة 16
وقت صلاة الآيات 21
موارد وجوب قضاء صلاة الآيات 28
حدوث الآية في وقت الفريضة 31
في صلاة الاستئجار 37
لو آجر نفسه فمات 44
مسائل 44
إخراج الصَّلاة من أصل التركة 45
الأجير يعمل على طبق تكليف نفسه 49
في قضاء الوليّ 52
في المقضيّ عنه 54
في القاضي 57
أحكام القضاء 61
الإيصاء بالإستئجار عنه 63
صلاة الاستسقاء 67
نافلة رمضان 71
البابُ الخامس: في السَّهو 80
في حكم ترك شيءٍ من الواجبات عمداً 81
حكم الزيادة العمَديّة 83
حكم النقيصة سهواً 91
حكم الإخلال بالرّكوع 91
حكم الإخلال بالسجدتين 99
إمكان تكليف النّاسي بغير ما نسيه 102
ثبوت الجزئيّة في حال النسيان وعدمه 103
مقتضى الأصل العملي عند الشكّ في الجزئيّة 105
مقتضى القاعدة الثانويّة عند الشكّ في الجزئيّة 107
البحث عن حديث (لا تُعاد) 108
الصحيح لا يشمل العامد 109
الحديث لا يشمل الجاهل المقصر 113
الحديث يشمل الجاهل القاصر 115
شمول الحديث للزيادة 116
في شمول حديث لا تُعاد للشروط والموانع 118
المراد من الإعادة 119
المراد بالطهور 119
حكم الزيادة السَّهويّة 121
تردّد المنسيّ بين الرّكن وغيره 125
حُكم زيادة الرّكوع أو السَّجدتين 130
حكم زيادة الرّكعة 133
ما تقتضيه النصوص الخاصّة 135
حكم نسيان الرّكعة فما زاد 141
الخَلل في المقدّمات 148
حكم نسيان غير الرّكن 150
ما يتدارك من غير سَجدة السَّهو 155
لو تذكر ترك الرّكوع قبل السّجود 158
تذكّر ترك السّجدة بعد القيام 164
حكم التذكّر قبل الدخول في الرّكن 168
ما يتدارك مع سَجدتي السَّهو 171
محلّ قضاء السّجدة 176
قضاء التشهّد 180
الشكّ في الصَّلاة 186
حكم الشكّ في عدد الثنائيّة 192
تنبيهات 195
حكم الشكّ في الصَّلاة المقصورة في مواطن التخيّير 200
حكم الشكّ في عدد الثلاثيّة 203
حكم الشكّ في الأوليين من الرباعيّة 205
ما يحرز به الرَّكعتان 207
جهل المصلّي بالعدد 212
عدم جريان الاستصحاب عند الشكّ في الرَّكعات 213
حكم الشكّ في الأفعال 218
البحث عن قاعدة التجاوز 219
جريان القاعدة في الرّكعتين الأوليين 220
اشتراط جريانها بالدخول في الجزء اللّاحق 222
جريان القاعدة في الأجزاء غير المستقلّة 231
عدم كفاية الدخول في الهويّ والنهوض في جريان القاعدة 233
الشكّ في الرّكوع بعد الانتصاب 237
حكم الشكّ في الجزء الأخير 238
حكم الشكّ في الشيء مع إحراز الغفلة 241
إذا كانت صورة العمل محفوظة 244
حكم الشكّ في الإخلال العَمدي 246
حكم الشكّ في الشرائط 248
حكم الظنّ في عدد الرَّكعات 255
حكم الظنّ بالأفعال 258
الشكّ الموجب لصلاة الاحتياط 262
حكم الشكّ بين الإثنتين والثَّلاث 267
حكم الشكّ بين الثَّلاث والأربع 272
حكم الشكّ بين الإثنتين والأربع 278
حكم الشكّ بين الإثنتين والثَّلاث والأربع 280
حكم الشكّ بين أعداد الرباعيّة وما زاد 285
حكم الشكّ بين الأربع والخمس 286
حكم الشكّ بين الأربع والسِّت 291
حكم الشكّ بين الأربع والخَمس والسِّت 293
حكم الشكّ بين الثَّلاث والخَمس 294
حكم الشكّ بين الثَّلاث والأربع والخَمس 294
حكم الشكّ فيما زاد على أعداد الرباعيّة 296
بعض فروع الشكوك الصحيحة 297
الشكّ في أنّ حالته ظنٌ أو شكّ 299
حكم انقلاب الشكّ 303
لو شكّ المُصلّي جالساً أحد الشكوك الصحيحة 307
حكم شكّ كثير الشكّ 309
حَدّ الكثرة 318
لا اعتبار بشكّ كلٍّ من الإمام والمأموم مع حفظ الآخر 322
عدم الالتفات إلى السَّهو في السَّهو 334
حكم الشكّ في النّافلة 339
خاتمة 346
في قضاء الأجزاء المنسيّة 361
في موجبات سجود السّهو 366
القعود في حال القيام والعكس 370
السَّلام في غير محلّه 373
الزيادة أو النقيصة غير المبطلة 377
الشكّ في الزّيادة والنقيصة 381
بعض أحكام سجود السَّهو 383
تداخل الأسباب 383
الترتيب بين هذا السّجود وبين صلاة الاحتياط وقضاء الأجزاء 386
يجب الإتيان به فوراً، ومع تركه لا تبطل الصَّلاة 387
لو سجد للكلام فبان أنّ الموجب غيره 391
شرائط سّجدة السّهو وموانعها 394
محلّ هذا السّجود 396
أجزاء سجدة السَّهو 397
كيفيّة السَّجدتين 398
حكم التشهّد وكيفيّته 402
فصل / في صلاة القضاء 406
وجوب قضاء الفائت مطلقاً 408
الإخلال بما يعتبر في الصَّلاة 410
موارد ثبوت وجوب القضاء بدليل خاص 412
الصَّلاة التي تُركت في حال الجنون 415
عدم وجوب القضاء على الكافر 422
قضاء الصَّلاة على المخالف 425
المواسعة والمضايقة 429
عدم وجوب تقديم الفائتة على الحاضرة 441
أدلّة اعتبار الترتيب 443
الترتيب في قضاء الفوائت 454
عدم اعتبار الترتيب في الفوائت إذا جهل الترتيب 458
فروع 460
حكم عدم العلم بعدد ركعات الفريضة الفائتة 462
كيفيّة قضاء الفوائت في الحضر والسّفر 463
الباب السادس في صلاة الجماعة 472
لا دليل على مشروعيّتها في مطلق الفرائض 474
الجماعة الواجبة بالعَرَض 480
الجماعة المنذورة 482
عدم مشروعيّة الجماعة في النافلة 485
الجماعة في صلاة الغدير 488
ضابط ما يصحّ الإئتمام فيه من الصَّلوات وما لا يصحّ 492
فيما تنعقد به الجماعة 498
حكم الشكّ في شرائط الجماعة 500
اعتبار نيّة الجماعة 505
فروع 510
الجماعة من الكيفيّات الطارئة لا من القيود المنوِّعة 511
بطلان الجماعة لا يوجب بطلان الصَّلاة 513
الشكّ في نيّة الإتمام 516
إذا نوى الإقتداء بشخصٍ فبانَ غيره 520
حكم التداعي في الإمامة والمأموميّة 525
نقل النيّة من إمام إلى إمام آخر 528
الدخول في الجماعة في الأثناء 529
العدول من الائتمام إلى الانفراد 531
فهرس الموضوعات 537