بحوث فی الملل و النحل جلد 2

ghaemiyeh.com

هویة الکتاب

سرشناسه : سبحانی تبریزی، جعفر، - 1308

عنوان و نام پديدآور : بحوث فی الملل و النحل: دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

مشخصات نشر : قم: موسسه الامام الصادق علیه‌السلام 1427ق

مشخصات ظاهری:9ج

يادداشت : چاپ اول: 1408ق. = 1366

یادداشت : کتابنامه: ج. 1. ص. [340] - 348

مندرجات : ج. 1. و یتناول تاریخ و عقائد اهل الحدیث و الحنابله و السلفیه .--

موضوع : اسلام -- فرقه‌ها

رده بندی کنگره : BP236/س‌2ب‌3 1368

رده بندی دیویی : 297/5

شماره کتابشناسی ملی : م‌68-3742

محرر الرقمي: میثم حیدری دولت آبادی

اشارة

بحوث فی الملل و النحل

دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

بحوث فی الملل و النحل

دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه

موسسه الامام الصادق علیه‌السلام

1427ق

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلف: التعارف و التآخي في ظل البحث الموضوعي

بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

الحمد للّٰه ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على نبيّه، والخيرة من أهل بيته، وصحبه الطيّبين.

أمّا بعد، فهذا هو الجزء الثاني من كتابنا «بحوث في الملل والنحل» نقدّمه إلى القرّاء الكرام، راجين منهم غض الطرف عمّا فيه من خلل أو زلل، وإيقاف المؤلّف على ملاحظاتهم القيّمة.

ويختص هذا الجزء ببيان حياة الإمام الأشعري، وحياة أنصار مذهبه، واستعراض الأُصول المهمة في منهجه، وقد اعتمدنا في بيانها على المصادر المعتبرة الموثوق بها عند الأشاعرة.

وطبيعة البحث كانت تقتضي تقديم التحقيق عن المعتزلة، وتبيين

أُصولها، وترجمة شخصياتها اللامعة، على الأشاعرة؛ ذلك أنّ منهج الاعتزال أقدم منهج فكري ظهر على الصعيد الإسلامي حين لم يكن عن الإمام الأشعري ومنهجه وأنصاره أثر ولا خبر.

ولكن لمّا كان مذهب الأشعري مشتقاً من مذهب أهل الحديث وفرعاً منه، وقد خصصنا الجزء الأوّل لبيان عقائد أهل الحديث والسلفيّين، صار ذلك سبباً لتقديم ما حقّه التأخير، وسنقوم ببيان أُصول المعتزلة وترجمة رجالها البارزين بعد تبيين عقائد «الماتريدية» (التي هي والمذهب الأشعري صنوان نابتان من أصل واحد). في الجزء الثالث؛ كلّ ذلك بفضله وكرمه.

وأمّا المناهج الرجعية التي نبتت في العصور الأُولى، كالجهمية والكرامية والظاهرية، والتي أكل عليها الدهر وشرب، وذهبت أدراج الرياح، فنشير إليها على وجه الايجاز في ذاك الجزء أيضاً بإذنه سبحانه.

إنّ البحث عن الملل والنحل - إذا كان قائماً على أساس علمي رصين - يكون وسيلة للتآخي والتآلف، فإنّ الباحث يقف على أنّ كثيراًمن الأُصول في المذاهب مشتركة وموحّدة، وإنّما فرّقت بينها عوامل أُخرى لا تمتّ إلى المذاهب بصلة.

نعم لو اعتمد الباحث على مالا يصحّ الاعتمادعليه فربما شوّه سمعة المذهب، وصوّره على غير ما هو

عليه، فيكون أداة للتباغض والتنافر.

ونحن نرجو أن يوفقنا اللّٰه سبحانه لدراسة المذاهب، كلّ على ما هو عليه من دون بخس لحق، كما نرجو أن يوفقنا في سعينا لإصابة الحقيقة، وبيان الواقع، إنّه قريب مجيب الدعاء.

جعفر السبحاني

قم المشرّفة - الحوزة العلمية

20 جمادى الآخرة، 1408 ه

الفصل الأوّل الإمام الأشعري

اشارة

نسبه، حياته، ومنهجه في العقائد

تمهيد

افترق المسلمون (أهل البحث والجدل منهم) في النصف الأوّل من القرن الثاني إلى فرقتين:

فرقة أهل الحديث: وهم الذين تعبّدوا بظواهر الآيات والروايات من دون غور في مفاهيمها، أو دقة في أسنادها، وكانوا يشكّلون الأكثرية الساحقة بين المسلمين، وكثرت فيهم المشبّهة والمجسّمة، والمثبتون للّٰه سبحانه علوّاً وتنقّلاً وحركة وأعضاءً، كاليد والرجل والوجه، إلى غير ذلك من البدع الّتي ظهرت بين المسلمين عن طريق الأحبار والرهبان المتسترين بالإسلام.

وفرقة الاعتزال: وهم الذين كانوا يتمسكون بالعقل أكثر من النقل، ويؤوّلون النقل إذا وجدوه مخالفاً لفكرتهم وعقليتهم. وبقي التشاجر

قائماً على قدم وساق بين الفرقتين طوال قرون.

فتارة يتغلّب أهل الحديث على أهل الاعتزال ويزوونهم، وأُخرى يتغلّب جناح التفكر والاعتزال على أهل الظواهر والحديث، وكانت غلبة كلّ فرقة على الأُخرى في كثير من الأحيان تنشأ من ميول الحكومات آنذاك لأحد الجناحين المتصارعين، فنرى عصر الأمويين وأوائل عصر العباسيين، عصر ازدهار منهج أهل الحديث والمتمسكين بظواهر النصوص؛ كما نرى الأمر على العكس في زمن المأمون وأخيه المعتصم والواثق باللّٰه إلى عصر المتوكل، فكان الازدهار لمنهج الاعتزال حتى صار مذهباً رسمياً للحكومات السائدة، واعتقل بعض مشايخ أهل الحديث مثل أحمد بن حنبل، حتّى جُلِدَ ثلاثين سوطاً لأجل اعتقاده بقدم القرآن الذي يُعدّ من مبادئ أهل الحديث.

وكان الأمر على هذا المنوال إلى أن تسلّم المتوكل مقاليد الحكم؛ فأمر بنشر منهج أهل الحديث بقوة وحماس، وتبعه غيره من العباسيين في دعم مقالتهم، وتضييق الأمر على أهل الاعتزال، وقد كان الأمر على هذا المنوال إلى عصر أبي الحسن الأشعري (260-324 ه) الذي كان معتزلياً ثمّ صار - بحسب الظاهر - من زمرة أهل الحديث، فكانت السلطة تسايرهم وتوافقهم. وسيوافيك القول في علل رجوعه عن مذهب الاعتزال إلى تيار أهل الحديث وفي مقدّمتهم مذهب إمام الحنابلة أحمد بن حنبل.

وقد كوّن الأشعري برجوعه عن الاعتزال إلى مذهب أهل الحديث منهجاً كلامياً، له أثره الخاص إلى يومنا هذا بين أهل السنّة، فمذهبه الكلامي

هو المذهب السائد بينهم في أكثر الأقطار. ولأجل ذلك يجب علينا أن نتعرّف عليه وعلى آرائه، فنقول:

نسب الإمام الأشعري

هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد اللّٰه بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.

يقول ابن عساكر في ترجمته: إنّ أباه إسماعيل بن إسحاق كان سنّياً جماعياً حديثياً، أوصى عند وفاته إلى زكريا بن يحيى الساجي، وهو إمام في الفقه والحديث، وقد روى عنه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب التفسير أحاديث كثيرة، وقد يكنّى أبوه ب «أبي بشر» و ربما يقال إنّها كنية جدّه.(1)وهذا يعرب عن أنّ البيت الذي تربّى فيه أبو الحسن كان بيت الحديث والرواية، مقابلاً للمنهج العقلي الرائج بين المعتزلة، ومن شأن الأبناء أن يرثوا ما للآباء من الأفكار؛ وعلى ذلك فعود الشيخ إلى منهج أهل الحديث، والإنابة عن الاعتزال كان رجوعاً موافقاً للأصل لا مخالفاً له؛ فهو رجع إلى الفكرة التي ورثها في خزانة ذهنه من بيته.


1) . «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري» تأليف ابن عساكر الدمشقي (المتوفّى عام 571 ه). وهو كتاب أفرد للبحث عن حياته وسائر ما يتعلّق به، ونعبر عنه بالتبيين اختصاراً.

جدّه الأعلى: أبو موسى الأشعري

اشارة

اشتهر أبو الحسن بالأشعري، نسبة إلى جدّه الأعلى المشتهر بهذا العنوان أيضاً، وقد ورث جدّه أيضاً هذا اللقب عن أجداده الأعلين، وترجم في كتب الرجال.

قال ابن سعد في طبقاته: قد أسلم بمكة قديماً ثمّ رجع إلى بلاد قومه، فلم يزل بها حتى قدم هو وناس من الأشعريين على رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فوافق قدومهم قدوم أهل السفينتين: جعفر وأصحابه من أرض الحبشة، فوافوا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بخيبر، فقالوا: قدم أبو موسى مع أهل السفينتين؛ وكان الأمر على ما ذكرنا أنّه وافق قدومه قدومهم.(1)وقال ابن الأثير: كان عامل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم على زبيد و عدن، واستعمله عمر على البصرة، وشهد وفاة أبي عبيدة الجراح بالشام، وكان أبو موسى على البصرة لمّا قتل عمر، فأقرّه عثمان عليها ثمّ عزله، واستعمل بعده ابن عامر، فسار من البصرة إلى الكوفة، فلم يزل بها حتى أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص، وطلبوا من عثمان، أن يستعمله عليهم، فلم يزل على الكوفة حتى قتل عثمان، فعزله عليّ عليه السلام عنها.(2)لم يكن عزل عليّ عليه السلام إيّاه عنها اعتباطاً، بل لأجل أنّه كان يخذِّل الناس


1) . طبقات ابن سعد: 105/4.

2) . أُسد الغابة: 246/3.

عن الإمام عليه السلام عند اشتباكه مع الناكثين في أطراف البصرة، فقد ذكر الطبري أنّ الإمام عليّاً كتب إلى أبي موسى:

«إنّي وجّهت هاشم بن عتبة لينهض من قبلك من المسلمين إلي، فأشخص الناس، فإنّي لم أولِّك الذي أنت به إلّالتكون من أعواني على الحقّ».

فدعا أبو موسى، السائب بن مالك الأشعري، فقال له: ما ترى؟ قال: أرى أن تتبع ما كتب به إليك، قال: لكنّي لا أرى ذلك، فكتب هاشم إلى عليّ عليه السلام أنّه قد قدمت على رجل غالٍ مشاقٍ ظاهر الغل والشنآن.

وبعث بالكتاب مع المحل بن خليفة الطائي، وعند ذاك بعث عليّ عليه السلام الحسن بن عليّ وعمار بن ياسر وهما يستنفران له الناس، وبعث قرظة بن كعب الأنصاري أميراً على الكوفة، وكتب معه إلى أبي موسى:

«أمّا بعد: فقد كنت أرى أن تعزب عن هذا الأمر الذي لم يجعل اللّٰه عزّوجلّ لك منه نصيباً، سيمنعك من ردّ أمري؛ وقد بعثت الحسن بن عليّ وعمار بن ياسر يستنفران الناس، وبعثت قرظة بن كعب والياً على المصر، فاعتزل عملنا مذموماً مدحوراً».(1)هذا هو حال الجد الأعلى في أوائل خلافة الإمام عليّ عليه السلام، حيث خذَّل الناس عن نصرة علي عليه السلام عندما قرب الاشتباك بينه و بين الناكثين، وأمّا أمره في أواسط خلافته فحدّث عنه ولا حرج. فقد عُيّن من جانب علي عليه السلام


1) . تاريخ الطبري: 512/3.

وشيعته بالعراق ممثلاً قاضياً وحاكماً، كما عيّن عمرو بن العاص من جانب معاوية حاكماً، ليقضيا في أمر الفرقتين بما وجدا في كتاب اللّٰه، وإن لم يجدا في كتاب اللّٰه فليرجعا إلى السنّة.(1)فكانت نتيجة ذلك - و يا للأسف - أنّه خلع عليّاً عن الخلافة، وأثبت عمرو بن العاص معاوية في الخلافة، وكأنّه وجد دليلاً في الكتاب والسنّة على عدم صلاحية الإمام للخلافة، وذاك وجد دليلاً حاسماً على صلاحية معاوية لها!!. وماعشت أراك الدهر عجباً!!. فقد عزل الإمام الذي اتّفق المهاجرون والأنصار على إمامته اتفاقاً لم يُرَ مثله لا قبله ولا بعده؛ ونصب الآخر معاوية ابن آكلة الأكباد إماماً للناس وحافظاً لدينهم ودنياهم!!

وما أحسن قول شاعر المعرة:

فيا موت زر، إنّ الحياة ذميمة *** و يا نفس جودي إنّ دهرك هازل

هذه سيرة الرجل على وجه الإجمال، ولم ير بعد مسألة التحكيم للرجل نشاط، وقد مات بمكة عام 42 ه، و قيل 44 ه وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل غير ذلك.(2)

أبو موسى ونزول الآية في قومه

إنّ أصحاب الحديث رووا عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في تفسير قوله سبحانه:


1) . وقعة صفين: 505.

2) . أُسد الغابة: 246/3.

«يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ يُجٰاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ وَ لاٰ يَخٰافُونَ لَوْمَةَ لاٰئِمٍ ذٰلِكَ فَضْلُ اَللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ»(1)رووا نزولها في حقّ أبي موسى و قومه.

روى السيوطي عن ابن جرير الطبري في الدر المنثور: لما أنزل اللّٰه «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ» قال عمر: أنا وقومي هم يا رسول اللّٰه؟ قال: بل هذا وقومه، يعني أبا موسى الأشعري.(2)ولكن حياة الرجل، وخصوصاً ما ارتكبه في أُخريات عمره بعزل الإمام الطاهر - الذي بايعه المهاجرون والأنصار - عن الخلافة، لا ينطبق مع مضمون الرواية، أعني قوله: «هذا وقومه»، و لذلك نرى أنّ السيوطي ينقل الحديث بصورة ثانية ويقول:

قوم هذا.(3)من دون أن يعد أبا موسى من تلك الزمرة، و مع ذلك فتصديق نزولها حتى في قوم «أبي موسى» لا يخلو من غموض.

أمّا أوّلاً: فلأنّ الروايات تضافرت على نزولها في حقّعليّ عليه السلام وأصحابه، حيث حاربوا الناكثين والقاسطين والمارقين. ورواه من أعلام السنّة: الثعلبي في تفسيره، ونقلهاعنه ابن بطريق في عمدته(4)، و الإمام


1) . المائدة: 54.

2) . الدر المنثور: 292/2؛ وطبقات ابن سعد: 107/4.

3) . المصدر نفسه.

4) . العمدة: 288، الطبعة الحديثة.

الرازي في مفاتيح الغيب(1)، والعلاّمة النيسابوري في تفسيره(2)، وأبوحيان الأندلسي في البحر المحيط.(3)وأمّا ثانياً: فلأنّ النقل تضافر أيضاً على أنّ المراد هم الفرس، لأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم لمّا سئل عن هذه الآية، فضرب بيده على عاتق سلمان وقال: «هذا وذووه»، ثمّ قال: «لو كان الدين معلّقاً بالثريا لناله رجال من أبناء فارس».(4)وأمّا ثالثاً: فلأنّه روي في نزول الآية وجه آخر، وهو الجهاد مع أهل الردّة، بعد موت النبي صلى الله عليه و آله و سلم(5)، ولم يكن الجهاد معهم مختصاً بقوم أبي موسى، بل اشترك اليمنيون وغيرهم من أصحاب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في ذلك أيضاً.

كلّ ذلك يعطي أنّ الآية تحمل مفهوماً كلياً ينطبق على الشخصيات البارزة في العصور المختلفة، الذين بذلوا أنفسهم ونفيسهم في سبيل اللّٰه.

فعلي أمير المؤمنين - بمواقفه الحاسمة - من أوضح مصاديق الآية، خصوصاً إذا لاحظنا الصفة المذكورة في الآية، فإنّها تنطبق على علي عليه السلام حيث قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم في حقّه يوم خيبر عندما دفع الراية إليه: «لأدفعنّ الراية


1) . مفاتيح الغيب: 427/3، ط مصر - 1308 ه.

2) . تفسير النيسابوري بهامش الطبري: 165/6.

3) . البحر المحيط: 511/3.

4) . تفسير الرازي: 427/3، و تفسير النيسابوري بهامش الطبري: 165/6.

5) . المصدر نفسه.

غداً إلى رجل يحب اللّٰه ورسوله ويحبه اللّٰه ورسوله» وقد جاء في الآية قوله سبحانه: «يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ».

نعم، الظاهر من الجهاد في الآية هو الجهاد بالنفس والنفيس، وبالسيف والسنان، ومن العجيب أنّ ابن عساكر يريد تطبيق الآية على نفس أبي الحسن الأشعري حفيد أبي موسى ويقول: إنّ اللّٰه عزّوجلّ أخرج من نسل أبي موسى إماماً قام بنصرة دين اللّٰه، و جاهد بلسانه وبيانه مَن صد عن سبيل اللّٰه....(1)هذا كلّه حول حياة الجد، وإليك الكلام عن حياة الحفيد.


1) . التبيين: 104.

حياة الإمام أبي الحسن الأشعري ميلاده ووفاته

اشارة

اختلف المترجمون له في عام ميلاده ووفاته، فقيل: وُلِد سنة سبعين ومائتين، وقيل: ستين ومائتين بالبصرة؛ وتوفّي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، وقيل: سنة ثلاثين(1)، والظاهر من ابن عساكر في تبيينه عدم الخلاف في مولده، وأنّ مولده هو عام ستين بعد المائتين قال: ولد ابن أبي بشر سنة ستين ومائتين، ومات سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة، لا أعلم لقائل هذا القول في تاريخ مولده مخالفاً، ولكن أراه في تاريخ وفاته رحمه الله مجازفاً، ولعلّه أراد سنة نيف وعشرين، فإنّ ذلك في وفاته على قول الأكثرين.(2)ولكن اتّفقت كلمتهم على أنّه تخرج في كلام المعتزلة على أبي علي الجبائي، وهو محمد بن عبد الوهاب بن سلام من معتزلة البصرة، ويعرف بأنّه الذي ذلّل الكلام وسهّله، ويسّر ما صعب منه، وإليه انتهت رئاسة البصريين في زمانه لا يدافع في ذلك، وقد ولد عام 235، وتوفي سنة


1) . وفيات الأعيان: 284/3 نقلاً عن ابن الهمداني في ذيل تاريخ الطبري.

2) . التبيين: 146.

303 ه.(1)وقام مقامه ابنه أبو هاشم في التدريس والتقرير.

مناظرات الأشعري مع الجبّائي قبل رجوعه عنه

اشارة

إنّ الأشعري هو خريج منهج المعتزلة وتلميذ شيخها أبي علي الجبّائي، ومع ذلك ينقل ابن عساكر عن أحمد بن الحسين المتكلم أنّه قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: إنّ الشيخ أبا الحسن رحمه الله لما تبحّر في كلام الاعتزال وبلغ غايته، كان يورد الأسئلة على أُستاذه في الدرس ولا يجد جواباً شافياً، فيتحيّر في ذلك(2)، وقد حفظ التاريخ بعض مناظراته مع أُستاذه أبي علي الجبائي، فنكتفي ببعضها:

المناظرة الأُولى

الأشعري: أتوجب على اللّٰه رعاية الصلاح أو الأصلح في عباده؟

أبو علي: نعم.

الأشعري: ماتقول في ثلاثة إخوة: أحدهم كان مؤمناً برّاً تقياً، والثاني كان كافراً فاسقاً، والثالث كان صغيراً فماتوا؛ كيف حالهم؟

الجبائي: أمّا الزاهد ففي الدرجات، وأمّا الكافر ففي الدركات، وأمّا الصغير ففي أهل السلامة.


1) . فهرست ابن النديم: 256.

2) . التبيين: 38.

الأشعري: إن أراد الصغير أن يذهب إلى درجات الزاهد هل يؤذن له؟

الجبائي: لا، لأنّه يقال له: إنّ أخاك إنّما وصل إلى هذه الدرجات بسبب طاعاته الكثيرة، وليس لك تلك الطاعات.

الأشعري: فإن قال ذلك الصغير: التقصير ليس منّي، فإنّك ما أبقيتني ولا أقدرتني على الطاعة.

الجبائي: يقول الباري جلّ وعلا: كنت أعلم أنّك لو بقيت لعصيت، وصرت مستحقاً للعذاب الأليم، فراعيت مصلحتك.

الأشعري: لو قال الأخ الكافر: يا إله العالمين، كما علمت حاله فقد علمت حالي، فلم راعيت مصلحته دوني؟

الجبائي: إنّك مجنون.

الأشعري: لا بل وقف حمار الشيخ في العقبة!! فانقطع الجبائي.

ثمّ إنّ ابن خلّكان لمّا كان أشعرياً في الكلام، استغل هذه المناظرة لمذهبه وقال: هذه المناظرة دالّة على أنّ اللّٰه تعالى خصّ من شاء برحمته، وخصّ آخر بعذابه، وأنّ أفعاله غير معللة بشيء من الأغراض.(1)أقول: إنّ تنزيه أفعاله سبحانه عن اللغو والعبث ممّا دلّ عليه العقل


1) . وفيات الأعيان: 267/4-268 رقم الترجمة 607، ونقله السبكي في طبقات الشافعية: 250/2-251 مع اختلاف يسير، كما نقله في الروضات: 209/5 عن صلاح الدين الصفدي في كتابه: الوافي بالوفيات.

والنقل. ولو اعتزل الأشعري عن إدراك ما يحكم به العقل السليم فليس له مناص عن سماع كلام ربّالعزّة، قال سبحانه: «اَلَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلَقَهُ وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسٰانِ مِنْ طِينٍ»(1). وقال عزّ من قائل: «أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّمٰا خَلَقْنٰاكُمْ عَبَثاً وَ أَنَّكُمْ إِلَيْنٰا لاٰ تُرْجَعُونَ»(2)، إلى غير ذلك من الآيات النافية للعبث واللغو عن ساحته.

ومعنى القاعدة: أنّ أفعاله - على الإطلاق - غير منفكّة عن الأغراض والمصالح التي ترجع إلى نفس العباد دون خالقهم. ثمّ إنّ قسماً كبيراً من الحكم والمصالح المرعيّة ظاهر غير خفي، يقف عليه الإنسان بالتأمّل والتروّي، وقسماً منها خفيّ غير بارز لا يكاد يقف عليه الإنسان لقلّة علمه وضآلة دركه، قال سبحانه: «وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاّٰ قَلِيلاً»(3)، وقال عزّ من قائل: «يَعْلَمُونَ ظٰاهِراً مِنَ اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ هُمْ عَنِ اَلْآخِرَةِ هُمْ غٰافِلُونَ»(4)، ومع ذلك نعلم أنّه تعالى لا يفعل إلّاالخير، ولا يعجز عن إيجاد الوجه الأصلح، ومن الخطأ أن يطلب الإنسان تحليل ما في الكون من دقائق الأُمور وجلائلها، بعقله الصغير ودركه البسيط، ويحكم بأنّه كانت المصلحة في إبقاء هذا وإفناء ذاك، وكأنّ هذا هو المزلقة الكبرى للمعتزلة، حيث أرادوا إخضاع كلّ ما في الكون من الحوادث والأفعال لعقولهم.


1) . السجدة: 7.

2) . المؤمنون: 115.

3) . الإسراء: 85.

4) . الروم: 7.

المناظرة الثانية

دخل رجل على الجبائي فقال: هل تجوز تسمية اللّٰه عاقلاً؟

فقال الجبائي: لا، لأنّ العقل مشتق من العقال، وهو المانع، والمنع في حقّه سبحانه محال، فامتنع الإطلاق.

فقال له الشيخ أبو الحسن: على قياسك لا تجوز تسميته حكيماً، لأنّ هذا الاسم مشتق من «حكمة اللجام» وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت:

فنحكم بالقوافي من هجانا *** ونضرب حين تختلط الدماء

وقول الآخر:

أبَني حنيفة حكِّموا سفهاءكم *** إنّي أخاف عليكم أن أغضبا

أي نمنع بالقوافي من هجانا، وامنعوا سفهاءكم؛ فإذا كان اللفظ مشتقاًمن المنع، والمنع على اللّٰه محال، لزمك أن تمنع إطلاق «حكيم» عليه سبحانه.

فقال الجبائي: فلم منعت هذاوأجزت ذاك؟

فقال الأشعري: إنّ طريقي في مأخذ أسماء اللّٰه، الإذن الشرعي دون القياس اللغوي، فأطلقت «حكيماً» لأنّ الشرع أطلقه، ومنعت «عاقلاً» لأنّ الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته.(1)


1) . طبقات الشافعية: 251/2-252 بتلخيص منّا.

ويلاحظ على هذه الرواية:

أوّلاً: أنّ النقول السابقة دلّت على أنّ صلة الأشعري بالجبائي قد انقطعت بعد انسلاكه في مسلك المحدّثين، والظاهر من هذه الرواية خلافها، وأنّ الأشعري كان يناظر أُستاذه حتى بعد الإنابة عن الاعتزال، بشهادة قول الأُستاذ: فلم منعت هذا وأجزت ذاك....

وثانياً: أنّه من البعيد أن لا يقف الجبائي على عقيدة أهل الحديث، بل عقيدة المسلمين جميعاً في أسمائه سبحانه، وأنّها توقيفية، وأنّه لا تصح تسميته إلّابما سمّى به سبحانه نفسه. وذلك لصيانة ساحة الرب عمّا لا يليق بها، إذ لو لم تكن التسمية توقيفية، ربّما يعرف سبحانه بأسماء وصفات غير لائقة بساحته، فإنّ السواد الأعظم من الناس غير واقفين على الحد الذي يجب تنزيهه سبحانه عنه.

وثالثاً: لقائل أن ينصر الأُستاذ (الجبائي) ويقول: إنّ «الحكم» مشترك بين معنيين، أحدهما المنع، والآخر معنى يلازم العلم والفقه والقضاء والإتقان؛ قال سبحانه: «وَ آتَيْنٰاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا»(1)وإرجاع المعنى الثاني إلى الأول تكلّف. وإطلاق الحكيم على اللّٰه بالملاك الثاني دون الأوّل.(2)


1) . مريم: 12.

2) . لسان العرب: 140/12، ط بيروت، مادة «حكم».

المغالاة في الفضائل

الغلو هو: تجاوز الحدّ والخروج عن الوسط، مائلاً إلى جانب الإفراط، قال سبحانه: «يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ لاٰ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ»(1)كما أنّ البخس بالحقوق وإنكار الفضائل الثابتة بالدلائل الصحيحة، تفريط وتقصير؛ فكلا العملين مذمومان، ودين اللّٰه كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام هو ما بين المقصر والغالي: «فعليكم بالنمرقة، فيها يلحق المقصر، ويرجع إليها الغالي».(2)

عليك بأوساط الأُمور فإنّها *** نجاة ولا تركب ذلولاً ولا صعباً

وقد نقل المترجمون في حقّ الأشعري أُموراً تعدّ من المغالاة في الفضائل، واتّخذوها تاريخاً صحيحاً من دون أي غمز وإنكار في السند، ونأتي بنموذجين من ذلك:

1. روى ابن عساكر عن أبي الحسين السروي، الفاضل في الكلام يقول: كان الشيخ أبو الحسن - يعني الأشعري - قريباً من عشرين سنة يصلّي صلاة الصبح بوضوء العتمة، وكان لا يحكي عن اجتهاده شيئاً إلى أحد!!(3)

1) . النساء: 171.

2) . الغدير: 70/7، نقلاً عن ربيع الأبرار للزمخشري؛ وفي نهج البلاغة قسم الحكم، الرقم 109، ما يماثله: «نحن النمرقة الوسطى (بضم النون وسكون الميم وضم الراء) بها يلحق التالي وإليها يرجع الغالي».

3) . التبيين: 141؛ تاريخ بغداد: 347/11.

ونحن لا نعلّق على هذا الفضيلة المزعومة بشيء غير أنّها تعد من خوارق العادات، إذ قلّما يتفق لإنسان أن لا يكون مريضاً ولا مسافراً ولا معذوراً طيلة عشرين سنة، حتى يصلي فيها صلاة الصبح بوضوء العتمة، أضف إلى ذلك أن سهر الليالي في هذه المدة الطويلة لا يوافق عليه العقل، ولا يندب إليه الشرع، وما كان النبي ولا الخلفاء على هذا السلوك، وقد قال سبحانه:

«هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ اَلنَّهٰارَ مُبْصِراً»(1)، ولازم القيام في الليل على النحو الذي جاء في تلك الرواية، هو كون النهار سكناً والليل مبصراً. ولأجل عدم انطباق ظاهر الرواية على مقتضى العرف والشرع، عمد بعض المترجمين إلى تحريف الرواية وقال: ويحكي أبو الحسين السروي(2)عن عبادته في الليل واشتغاله ما يدل على حرصه وقوته في العبادة.(3)2. روى ابن عساكر عن أبي عبد اللّٰه بن دانيال يقول: سمعت بندار بن الحسين، وكان خادم أبي الحسن علي بن إسماعيل بالبصرة، قال: كان أبو الحسن يأكل من غلة ضيعة، وقفها جده بلال بن أبي بردة بن موسى الأشعري على عقبه، قال: وكانت نفقته في كلّ سنة سبعة عشر درهماً.(4)وهذا من غرائب الأُمور، إذ مع أنّه لا يكفي لنفقة إنسان طول السنة


1) . يونس: 67.

2) . في المصدر: «الشروي» وهو لحن.

3) . مقدمة الإبانة: 16، بقلم أبي الحسن الندوي.

4) . التبيين: 142.

مهما بلغت قيمة العملة الفضية، كما هو معلوم لمن تتبع قيمة الدرهم والدينار في العصور الإسلامية، إنّ الشيخ قام بتأليف كتب يناهز عددها المائة، وبعضها يقع في مجلدات ضخمة، وقد ذكر المقريزي أنّ تفسيره يقع في سبعين مجلداً.(1)وهذا المبلغ لا يفي بقرطاس كتبه وحبرها ويراعها، والعجب أنّ الكاتب المعاصر عبد الرحمن بدوي حسب الرواية حقيقة راهنة، وأخذ بالمحاسبة الدقيقة، وخرج بهذه النتيجة: أنّ الأشعري كان ينفق في السنة 17 درهماً، والدرهم (2/95) غراماً من الفضة فكان مقدار ما ينفقه في العام هو ما يساوي (50/15) غراماً من الفضة، ثمّ قال: فما كان أرخص الحياة في تلك الأيام.(2)ولأجل ما في هذا النقل من الغرابة، نقله ابن خلّكان بصورة أُخرى، وهي أنّ نفقته كلّ يوم كانت (17) درهماً.(3)ولكن الحقّ ما ذكره ابن كثير في البداية والنهاية، من أن مُغَلَّه كان في كلّ سنة (17) ألف درهم(4). فسقط الألف من نسخ القوم، وبذلك تجلّى الأشعري بصورة أنّه كان زاهداً متجافياً عن الدنيا.


1) . الخطط المقريزية: 359/2.

2) . مذاهب الإسلاميين: 503-504.

3) . وفيات الأعيان: 382/3.

4) . البداية والنهاية: 187/11، حوادث عام 224 ه.

رجوعه عن الاعتزال

اتّفق المترجمون له على أنّه أعلن البراءة من الاعتزال في جامع البصرة، وأقدم مصدر يذكر ذلك هو ابن النديم في (فهرسته) حيث يقول: أبو الحسن الأشعري من أهل البصرة، كان معتزلياً ثمّ تاب من القول بالعدل وخلق القرآن، في المسجد الجامع بالبصرة، في يوم الجمعة رقي كرسياً، ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أعرّفه نفسي، أنا فلان بن فلان، كنت قلت بخلق القرآن، وإنّ اللّٰه لا يرى بالأبصار، وإنّ أفعال الشر أنا أفعلها. وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة، وخرج بفضائحهم ومعايبهم. وكان فيه دعابة ومزح كبير.(1)وقد أوعز إلى إنابة الأشعري عن منهج الاعتزال كثيرمن علماء التراجم، غير أنّهم لم يشيروا إلى الحوافز التي دعت الشيخ إلى هذا الانسلاخ، ولم يخطر ببالهم سبب له سوى انكشاف الخلاف عليه في المذهب الذي كان يتمذهب به من شبابه إلى أوائل كهولته، ولأجل ذلك يجب التوقف هنا إجمالاً، حتى نقف على بعض الحوافز الداعية له إلى الإنابة عن الاعتزال.


1) . فهرست ابن النديم: 271؛ وفيات الأعيان: 285/3.

سبب رجوعه عن الاعتزال

إنّ رجوع الأشعري عن منهج الاعتزال كان ظاهرة روحية تطلب لنفسها علة وسبباً، ولا يقف عليها مؤرخ العقائد إلّا بالغور في حياته، وما كان يحيط به من عوامل اجتماعية أو سياسية أو خلقية.

إلّا أنّ قلم الخيال والوهم، أو قلم العاطفة، أعطى للموضوع مسرحية خاصة أقرب إلى الجعل والوضع منها إلى الحقيقة، فنقلوا منامات كثيرة أمر فيها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أبا الحسن أن ينصر سنّته، ويرجع عمّا كان فيه. غير أنّي أضن بوقت القارئ أن أنقل كلّ ما جاء به ابن عساكر في «تبيينه» في ذلك المجال، وإنّما أكتفي بنموذجين منه:

1. نقل بسنده عن أحمد بن الحسين المتكلّم قال: سمعت بعض أصحابنا يقول: إنّ الشيخ أبا الحسن لما تبحّر في كلام الاعتزال فبلغ غايته، كان يورد الأسئلة على أُستاذيه في الدرس ولا يجد لها جواباً شافياً، فيتحير في ذلك، فحكي أنّه قال:

وقع في صدري في بعض الليالي شيء ممّا كنت فيه من العقائد، فقمت وصليت ركعتين، وسألت اللّٰه تعالى أن يهديني الطريق المستقيم، ونمت فرأيت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بالمنام فشكوت إليه بعض ما بي من الأمر، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: عليك بسنّتي، فانتبهت وعارضت مسائل الكلام بما وجدت في القرآن والأخبار فأثبته، ونبذت ما سواه ورائي ظهرياً.

2. نقل أيضاً عن الأشعري أنّه قال: بينا أنا نائم في العشر الأُول من شهر رمضان، رأيت المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم فقال: يا علي أنصر المذاهب المروية عني فإنّها الحقّ، فلمّا استيقظت دخل عليّ أمر عظيم، ولم أزل مفكراً مهموماً لرؤياي، ولما أنا عليه من إيضاح الأدلّة في خلاف ذلك، حتى كان العشر الأوسط فرأيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم في المنام فقال لي: ما فعلت فيما أمرتك به؟ فقلت: يا رسول اللّٰه، وما عسى أن أفعل وقد خرّجت للمذاهب المروية عنك وجوهاً يحتملها الكلام، واتّبعت الأدلة الصحيحة التي يجوز إطلاقها على الباري عزّوجلّ؟! فقال لي: أُنصر المذاهب المروية عني فإنّها الحقّ، فاستيقظت وأنا شديد الأسف والحزن، فأجمعت على ترك الكلام واتبعت الحديث وتلاوة القرآن؛ إلى آخر ما ذكره من الرؤيا.(1)وكان الأولى للمحقّق ترك نقل هذه المنامات، لأنّ العوام والسذج من الناس إذا أعوزتهم الحجة في اليقظة، يلجأون إلى النوم فيجدون ما يتطلبونه من الحجج في المنام، فيملأون كتبهم بالمنامات والرؤىٰ.

أضف إلى ذلك وجود التهافت بين المنامين، فإنّ الأوّل يعرب عن ظهور الشكّ في صحّة معتقداته قبل المنام و تزايده إلى أن أدى إلى التحول والبراءة بسبب الرؤيا، ولكن الثاني يعرب عن أنّ التحول كان فجائياً غير مسبوق بشيء من الشك والتردد في صحّة المنهج الذي عاش عليه فترة من عمره.


1) . التبيين: 38-41.

وكما لا يمكن الاعتماد على هذه المنامات، لا يمكن الركون إلى النقل التالي أيضاً.

3. إنّ الأشعري أقام على مذهب المعتزلة أربعين سنة وكان لها إماماً. ثمّ غاب عن الناس في بيته خمسة عشر يوماً، ثمّ خرج إلى الجامع وصعد المنبر وقال: معاشر الناس إنّما تغيبت عنكم في هذه المدة، لأنّي نظرت فتكافأت عندي الأدلّة ولم يترجح عندي حقّ على باطل ولا باطل على حق؛ فاستهديت اللّٰه تبارك و تعالى فهداني إلى اعتقاد ما أودعته في كتبي هذه، وانخلعت من جميع ما كنت أعتقده كما انخلعت من ثوبي هذا؛ وانخلع من ثوب كان عليه، و رمى به. ودفع الكتب إلى الناس، فمنها كتاب «اللمع» وكتاب أظهر فيه عوار المعتزلة وسمّاه ب «كشف الأسرار وهتك الأستار» وغيرهما، فلمّا قرأ تلك الكتب أهل الحديث و الفقه من أهل السنّة والجماعة أخذوا بما فيها، واعتقدوا تقدّمه، واتّخذوه إماماً حتى نسب إليه مذهبهم.(1)ولا يصحّ هذا النقل من وجوه:

أمّا أوّلاً: فلأنّ ظاهر كلامه ذاك أنّه قام بتأليف هذه الكتب في أيام قلائل، وهو في غاية البعد.

وأمّا ثانياً: فلأن الناظر في كتابيه: - الإبانة واللمع - يجد الفرق الجوهري بينهما في عرض العقائد، فالأوّل منهما هو الذي ألّفه بعد انخراطه


1) . التبيين: 39-40.

في مسلك أهل الحديث. ولأجل ذلك أتى في مقدمة الكتاب بلب عقائد إمام الحنابلة، بتغيير يسير. وأمّا كتاب اللمع فهو كتاب كلامي لا يشبه كتب أهل الحديث، ولا يستحسنه طلابه وأتباعه. وسيوافيك الكلام في ذلك عند عرض مذهب الأشعري من خلال كتبه.

وأمّا ثالثاً: فكيف يمكن أن يقال إنّه أقام على مذهب أُستاذه أربعين سنة؟ فلو دخل منهج الأُستاذ في أوان التكليف للزم أن يكون عام الخروج موافقاً لكونه ابن خمس وخمسين سنة، وبما أنّه من مواليد عام (260 ه)، فيجب أن يكون عام الإنابة موافقاً لسنة (315 ه).

هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنّه تبرأ من منهج الأُستاذ وهو حي، وقد توفي أُستاذه الجبائي عام (303 ه)، وعندئذٍ كيف يمكن تصديق ذلك النقل؟!

الحوافز الدافعة إلى ترك الاعتزال

اشارة

إنّ الأشعري قد مارس علم الكلام على مذهب الاعتزال مدّة مديدة وبرع فيه إلى أوائل العقد الخامس من عمره، وعند ذاك تكون عقيدة الاعتزال صورة راسخة وملكة متأصّلة في نفسه، فمن المشكل جداً أن ينخلع الرجل دفعة واحدة عن كلّ ما تعلم وعلّم، وناظر وغَلب أو غُلب، وينخرط في مسلك يضاد ذلك ويغايره بالكلية. نعم، نتيجة بروز الشك والتردُّد هو عدوله عن بعض المسائل و بقاؤه على مسائل أُخر، وأمّا العدول دفعة واحدة عن جميع ما مارسه وبرع فيه، والبراءة من كلّ ما يمت إلى

منهج الاعتزال بصلة، فلا يمكن أن يكون أمراً حقيقياً جدّياً من جميع الجهات.

ولأجل ذلك لابدّ لمؤرّخ العقائد من السعي في تصحيح وتفسير هذه البراءة الكاملة من منهج الاعتزال من مثله.

فنقول: أمّا السبب الحقيقي فاللّٰه سبحانه هو العالم. ولكن يمكن أن يقال إنّ الضغط الذي مورس على بيئة الاعتزال من جانب السلطة العباسية أوجد أرضية لفكرة العدول في ذهن الشيخ ونفسه، وإليك بيانه:

1. الضغط العباسي على المعتزلة

إنّ الخلفاء العباسيين - من عصر المأمون إلى المعتصم، إلى الواثق باللّٰه - كانوا يروّجون لأهل التعقّل والتفكّر، فكان للاعتزال في تلك العصور رقيّ وازدهار. فلمّا توفّي الواثق باللّٰه عام 232 ه وأخذ المتوكل بزمام السلطة بيده، انقلب الأمر وصارت القوة لأصحاب الحديث، ولم تزل السيرة على ذلك حتى هلك المتوكل وقام المنتصر باللّٰه مقامه، فالمستعين باللّٰه، فالمعتز باللّٰه، فالمهتدي، فالمعتمد، فالمعتضد، فالمكتفي، فالمقتدر، وقد أخذ المقتدر زمام الحكم من عام 295 ه إلى 320 ه وفي تلك الفترة أظهر أبو الحسن الأشعري التوبة والإنابة عن الاعتزال، والانخراط في سلك أهل الحديث. وقد ضيق أصحاب السلطة - في عصر المتوكل إلى عهد المقتدر - الأمر على منهج التعقّل، فالضغط والضيق كانا يتزايدان ولا يتناقصان أبداً، وفي تلك الفترة، لا عتب على الشيخ ولا عجب منه أن يخرج من الضغط والضيق

بإعلان الرجوع عن الاعتزال، والانخراط في سلك أهل الحديث، الذين كانت السلطة تؤيدهم كما كانوا يؤيدونها.

لا أقول: إنّ فكرة الخروج عن الضغط كانت العامل الوحيد لعدوله عن منهج الاعتزال، بل أقول: قد أوجدت تلك الفكرة، أرضية صالحة للانسلاك في مسلك أهل الحديث، والثورة على المعتزلة، فإنّ تأثير البيئة وحماية السلطة ممّا لا يمكن إنكاره.

2. فكرة الإصلاح في عقيدة أهل الحديث

وهناك عامل آخر يمكن أن يكون مؤثراً في تحول الشيخ وانقلابه إلى منهج الحنابلة، وهو فكرة القيام بإصلاح عقيدة أهل الحديث التي كانت سائدة في أكثر البلاد. وما كان الإصلاح ممكناً إلّابالانحلال عن الاعتزال كلياً.

توضيحه: إنّ الغالب على فكرة أهل الحديث كان يوم ذاك هو القول بالتجسيم والجهة والجبر، وغير ذلك من العقائد الموروثة عن اليهود والنصارى، الواردة على أوساط المسلمين عن طريق الأحبار والرهبان، فعندما رجع الأشعري عن عقيدة الاعتزال وأعلن انخراطه في أصحاب الحديث، وأنّه يعتقد بما يعتقد به أصحابه، وفي مقدّمتهم أحمد بن حنبل، مكّنه ذلك من إصلاح عقيدة أهل الحديث وتنزيهها عمّا لا يناسب ساحة الرب، من التجسيم وغيره. فكان الرجوع عن مذهب الاعتزال، شبه واجهة

لأن يتقبّله أهل الحديث بعنوان أنّه من أنصارهم وأعوانهم، حتّى يمكنه أن يقوم بإصلاح عقائدهم.

وفي هذا المورد يقول بعض المحقّقين: إنّ الخرافات السائدة بين أهل الحديث أوجبت سقوط عقائدهم عن مقامها في نفوس الناس، بعد ما كانت قد طبقت العالم الإسلامي، وانتشرت في أرجاء البلاد، ولما قام الإمام الأشعري بالإصلاح، بإحلال التنزيه، مكان التجسيم، حلت محلها عقيدة الأشعرية بعد هدوء الجو، وبسرعة تتناسب مع تغيير العقائد في العادة.

والعقيدة الأشعرية هي عقيدة حنبلية معدلة، وقد تصرفت في جميع ما كان غير معقول في العقيدة الأُم، وهي الحنبلية.(1)وقد توفّق الرجل في عملية الإصلاح في بعض المجالات، غير أنّه أبقى مسائل أُخرى على حالها، فممّا توفق فيه مثلاً هو: القول بكون القرآن قديماً، أو الاعتقاد بالجبر والقدر، بحيث يكون الإنسان مسيّراً لا مخيّراً، أو إثبات الصفات الخبرية لمعانيها الحقيقية على اللّٰه تعالى، كاليد والرجل والعين وسائر الأعضاء التي كانت الحنابلة وأهل الحديث يثبتونها بوضوح، وكان سبباً لسقوط هذه العقائد في نفوس العقلاء والمفكّرين، فجاء الإمام الأشعري بإصلاح وتغيير في هذه الأفكار المشوهة، فجعل القديم من القرآن، هو الكلام النفسي القائم باللّٰه تبارك و تعالى، لا القرآن الملفوظ والمكتوب والمسموع، كما أنّه فسّر مسألة الجبر والقدر بأنّ اللّٰه سبحانه هو


1) . بحوث مع أهل السنّة: 157.

الخالق للأفعال خيرها وشرها، ولكن العبد كاسب لها، فللعبد دور في أفعاله باسم الكسب كما يأتي، ومع ذلك فقد أبقى رؤية اللّٰه تعالى في الآخرة بهذه الأبصار الظاهرة على حالها، ولم يفسرها بشيء.

يقول الشيخ الكوثري في تقديمه على كتاب التبيين، عن عصر المتوكل: ففي ذلك الزمان ارتفع شأن الحشوية والنواصب، وقمع أهل النظر والمعتزلة، والحشوية يجرون على طيشهم وعمايتهم واستتباعهم الرعاع والغوغاء، ويتقولون في اللّٰه مالا يجوّزه الشرع ولا العقل، من إثبات الحركة له، والنقلة، والحد، والجهة، والقعود والاقعاء والاستلقاء والاستقرار، إلى نحوها ممّا تلقّوه بالقبول من دجاجلة الملبسين من الثنوية وأهل الكتاب، ومما ورثوه من أُمم قد خلت ويؤلّفون في ذلك كتباً يملأونها بالوقيعة بالآخرين، متذرعين بالسنّة ومعزين إلى السلف، يستغلون ما ينقل عن بعض السلف من الأقوال المجملة التي لا حجّة فيها، وكانت المعتزلة تتغلب على عقول المفكّرين من العلماء، و يسعون في استعادة سلطانهم على الأُمّة، وأصناف الملاحدة والقرامطة الذين توغلوا في الفساد، واحتلوا البلاد، ففي مثل هذه الظروف قام الإمام أبو الحسن الأشعري لنصرة السنّة وقمع البدعة، فسعى أوّلاً للإصلاح بين الفريقين من الأُمّة بإرجاعهما عن تطرّفهما إلى العدل، قائلاً للأوّلين: أنتم على الحقّ إذا كنتم تريدون بخلق القرآن، اللفظ والتلاوة والرسم، وللآخرين: أنتم مصيبون إذا كان مقصودكم بالقديم، الصفة القائمة بذات الباري غير البائنة منه، وأسماه بالكلام النفسي.

وقام بمثل هذا الجمع في مسألة الرؤية فقال للأوّلين: نفي المحاذاة

والصورة صواب، غير أنّه يجب عليكم الاعتراف بالتجلّي من غير كيف. وقال لأصحاب الحديث: إيّاكم من إثبات الصورة والمحاذاة، وكلّ ما يفيد الحدوث، وأنتم على صواب إن اقتصرتم على إثبات الرؤية للمؤمنين في الآخرة من غير كيف.(1)أقول: إنّ هذا الإصلاح لو صحّ فإنّما هو بفضل ما تمرن عليه بين أصحاب التفكير والتعقّل، وعرف منهم التنزيه والتشبيه. ولولاه لما كان له هذا التوفيق البارز، وسيوافيك أنّه وإن نجح في هذا الأمر، لكنّه نجح نسبيّاً لا كلّياً. فإنّ المذهب الأشعري عند التحليل يتفق مع أحد المنهجين، وإن كان يتظاهر بأنّه على مذهب المحدثين، ولكنّه تارة يوافقهم، وأُخرى يخالفهم ويوافق المعتزلة في اللب والمعنى، وإن كان يخالفهم في القشر واللفظ كما سيظهر.


1) . مقدّمة التبيين: 14-15.

كلام لأبي زهرة

إنّه تصدى للرد على المعتزلة ومهاجمتهم، فلابدّ أن يلحن بمثل حجتهم، وأن يتّبع طريقتهم في الاستدلال، ليفلح عليهم، ويقطع سباتهم، ويفحمهم بما بين أيديهم، ويرد حججهم عليهم.

إنّه تصدى للرد على الفلاسفة، والقرامطة، والباطنية، والحشوية والروافض وغيرهم من أهل الأهواء الفاسدة والنحل الباطلة، وكثير من هؤلاء لا يقنعه إلّاأقيسة البرهان، ومنهم فلاسفة علماء لا يقطعهم إلّادليل العقل، ولا يرد كيدهم في نحورهم أثر أو نقل.

ولقد نال الأشعري منزلة عظيمة، وصار له أنصار كثيرون، ولقي من الحكام تأييداً ونصراً، فتعقّب خصومه من المعتزلة والكفّار، وأهل الأهواء في كلّ مكان، وبث أنصاره في الأقاليم والجهات، يحاربون خصوم الجماعة ومخالفيها، ولقّبه أكثر العلماء بإمام أهل السنّة أو الجماعة.

ولكن مع ذلك بقي له من علماء الدين مخالفون منابذون، فابن حزم يعدّه من الجبرية، لرأيه في أفعال الإنسان(1)، ويعده من المرجئة لرأيه في مرتكب الكبيرة(2)، وقد تعقّبه في غير هاتين المسألتين، ولكن مع ذلك ذاب مخالفوه في لجة التاريخ الإسلامي، واشتد ساعد أنصاره


1) . الفصل في الملل والنحل: 22/3.

2) . الفصل في الملل والنحل: 204/4.

جيلاً بعد جيل، وقويت كلمتهم وقد حذوا حذوه، وسلكوا مسلكه، وقاموا بما كان يقوم به هو والماتريدي من محاربة المعتزلة والملحدين، ومنازلة لهم في كلّ ميدان من ميادين القول، و كلّ باب من أبواب الإيمان، ومذاهب اليقين.

ومن أبرزهم وأقواهم شخصية وأبينهم أثراً أبو بكر الباقلاني(1)، فقد كان عالماً كبيراً، هذّب بحوث الأشعري، وتكلّم في مقدمات البراهين العقلية للتوحيد، فتكلم في الجوهر والعرض، وأنّ العرض لايقوم بالعرض، وأنّ العرض لا يبقى زمانين، إلى آخر ما هنالك، ولم يقتصر في الدعوة لمذهب الأشعري على ما وصل إليه من نتائج، بل ذكر أنّه لا يجوز الأخذ بغير ما أشار إليه من مقدمات لإثبات تلك النتائج؛ فكان ذلك مغالاة وشططاً في التأييد والنصرة، فإنّ المقدمات العقلية لم تذكر في كتاب أو سنّة، وميادين العقل متسعة، وأبوابه مفتحة، وطرائقه مسلوكة، وعسى أن يصل الناس إلى دلائل وبينّات من قضايا العقول ونتائج الإفهام لم يصل إليها الأشعري، وليس من شر في الأخذ بها ما دامت لم تخالف ما وصل إليه من نتائج، وما اهتدى إليه من ثمرات فكرية.(2)وما أُطري به الشيخ الأشعري، على طرف النقيض ممّا جاء به نفسه في كتابه «الإبانة»، فإنّه أيّد فيه مقالة الحشوية بأحاديث مدسوسة من جانب الأحبار والرهبان.


1) . مات الباقلاني سنة 403 ه.

2) . ابن تيمية عصره وحياته: 192-193.

والحقّ أنّ الشيخ الأشعري خدم الحشوية خدمة جليلة، فصار سبباً لديمومية أمد أنفاسها، في الوقت الذي كانت قد شارفت فيه على الزوال والفناء؛ فالناظر في كتاب «الإبانة» يقف على أنّه بصدد إثبات عقائد الحشوية بالنصوص والروايات، مع الإصرار على عدم الحيادة عنها قيد أنملة.

واللّٰه سبحانه هو الواقف على سرائره، وإنّه لماذا تاب عن الاعتزال وانضوى تحت لواء عقائد الحشوية، وما يذكرون له من المبررات والأعذار لا محصل وراءها.

وأمّا كتابه «اللمع» وهو وإن كان لم ينسجه على غرار كتاب «الإبانة»، بل أفرغه في قالب من البرهنة والاستدلال، ولكنّه استعمل البرهان على إحياء عقائد أهل الحديث والحشوية، ونسف الاتجاه العقلي؛ غفر اللّٰه له ولنا.

مع ذلك، لم يقبل منه أهل الحديث ما أراد من التعديل، كالحسن بن علي بن خلف البربهاري، الذي كان أكبر أصحاب أبي بكر المروزي، وخليفته في القول بأنّ المقام المحمود هو أن يُقعِد اللّٰه رسوله معه على العرش.

روى القاضي ابن أبي يعلى بسنده: أنّه ما كان يجلس مجلساً إلّاويذكر فيه أنّ اللّٰه عزّوجلّ - يُقعِد محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم معه على العرش، وليس هذا بغريب عن مثل البربهاري، إنّما الغريب أن يتبعه من ينسب إلى العلم مثل ابن قيم وأُستاذه ابن تيمية محيي البدع في القرن الثامن.

قال الأوّل: المراد من المقام المحمود إقعاد الرسول على العرش.(1)وقال الثاني فيما ردّ به على «أساس التقديس» للرازي عند الكلام في الاستواء: ولو شاء اللّٰه لاستقرّ على ظهر بعوضة، فاستقلت بقدرته، فكيف على عرش عظيم(2)؟!!

وقد حكى ابن أبي يعلى في طبقاته بطريق الأهوازي حيث قال: قرأت على علي القومسي عن الحسن الأهوازي قال:

سمعت أبا عبد اللّٰه الحمراني يقول: لمّا دخل الأشعري بغداد جاء إلى البربهاري فجعل يقول: رددت على الجبائي وعلى أبي هاشم، ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس، وقلت وقالوا، وأكثر الكلام، فلمّا سكت قال البربهاري: وما أدري ممّا قلت لا قليلاً ولا كثيراً، ولا نعرف إلّاما قاله أبو عبد اللّٰه أحمد بن حنبل. قال: فخرج من عنده وصنف كتاب «الإبانة» فلم يقبله منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها.(3)والحقّ أنّ كتاب «الإبانة» لا يفترق عمّا كتبه أبناء الحنابلة في عقائدهم قدر شعرة، ففيه الجبر والتجسيم والتشبيه، إلى غير ذلك ممّا يعتقده المتطرّفون من أهل الحديث، ولأجل ذلك شكّ بعض المحقّقين كالشيخ محمّد زاهد الكوثري في صحّة نسبة ما طبع من «الإبانة» إلى الشيخ


1) . بدائع الفوائد: 39/4.

2) . لاحظ تعليقة تبيين كذب المفتري: 393.

3) . تبيين كذب المفتري، قسم التعليقة: 391.

الأشعري صيانة لمقامه عن بعض الأُمور الشنيعة الواردة فيه ممّا لا يفترق عن التجسيم والجهة.

ملامح المذهب الأشعري

اشارة

إنّ الاطّلاع التفصيلي على ملامح وسمات مذهب الإمام الأشعري يتطلب سبر أغوار كتبه على الوجه التفصيلي، وعرض آرائه وأنظاره، غير أنّا هنا نركز على أمرين رئيسيّين يميّزان ذلك المذهب عمّا تقدّمه من مذهب المحدّثين، وإليك بيانهما:

1. عدم عزل «العقل» في مجال العقائد

كانت المعتزلة تعتمد على العقل في المسائل الكلامية، ويؤوّلون النصوص القرآنية عندما يجدونها مخالفة لآرائهم - بزعمهم - و لا يكادون يعتمدون على السنّة، ولأجل ذلك نرى أنّهم أوّلوا الآيات الكثيرة الواردة حول الشفاعة - الدالّة على غفران الذنوب بشفاعة الشافعين - بأنّ المراد رفع درجات الصالحين بشفاعة الشفعاء، لا غفران ذنوب الفاسقين.

وكان المحدّثون يرون الكتاب والسنّة مصدراً للعقائد، وينكرون العقل ورسالته في مجالها، ولم يعدّوه من أدوات المعرفة في الأُصول، فكيف في الفروع، ولا شكّ أنّ هذا خسارة كبيرة لا تجبر.

وقد جاء الإمام الأشعري بمنهج معتدل بين المنهجين، وقد أعلن أنّ المصدر الرئيسي للعقائد هو الكتاب والسنّة، وفي الوقت نفسه خالف أهل

الحديث بذكاء خاص عن طريق استغلال البراهين العقلية والكلامية على ما جاء في الكتاب والسنّة.

كان أهل الحديث يحرّمون الخوض في الكلام، وإقامة الدلائل العقلية على العقائد الإسلامية، ويكتفون بظواهر النصوص والأحاديث، ولكن الأشعري بعد براءته من الاعتزال وجنوحه إلى منهج أهل الحديث، كتب رسالة خاصة في استحسان الخوض في الكلام(1). و بذلك جعل نفسه هدفاً لعتاب الحنابلة المتزمّتين الذين كانوا يرون الخوض في هذه المباحث نوعاً من الزيغ والضلال.

ولأجل ذلك تفترق كتب الشيخ الأشعري وتلاميذ منهجه - ممن أتوا بعده كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وعبد القاهر البغدادي، وإمام الحرمين أبي المعالي الجويني - عن كتب الحنابلة المتعبّدين بظواهر النصوص. وقد عزلوا العقل عن الرسالة المودعة له، حتى في الكتاب والسنّة. ولوجود هذا التفاوت ظل المذهب الأشعري غير مقبول عند الحنابلة في فترات من الزمن.

ولأجل ذلك ترى أنّ الأشعري بحث عن كثير من العقليات والحسيات التي لا صلة لها بالعقيدة والديانة، لمّا وجد أنّ المعتزلة والفلاسفة بحثوا عنها بلسان ذلق وذكاء بارز، وترى أنّ الجزء الثاني من كتاب «مقالات الإسلاميين» يبحث عن الجسم والجواهر، والجوهر الفرد،


1) . طبعت الرسالة لأوّل مرّة مع اللمع في بيروت عام 1953 م، ومستقلة في حيدر آباد الدكن في الهند عام 1344 ه، وسيوافيك نصها.

والطفرة والحركة والسكون، إلى غير ذلك من المباحث التي يبحث عنها في الفلسفة في الأُمور العامة، وفي قسم الطبيعيات.

ومع أنّ الإمام الأشعري أعطى للعقل مجالاً خاصاً في باب العقائد أخذ ينكر التحسين والتقبيح العقليّين ولا يعترف بهما.

وبذلك افترق عن منهج الاعتزال والعدلية بكثير، واقترب من منهج أهل الحديث، وقد ذكرنا أنّه رقى كرسياً في جامع البصرة ونادى بأعلى صوته أنّه كان يقول بالعدل وقد انخلع منه.

والخسارة التي توجهت إلى المذهب الكلامي الأشعري من تلك الناحية لا تجبر أبداً، كما سيوافيك بيانه عند عرض آرائه.

2. العقيدة الوسطى بين العقيدتين

ربما يتخيل القارئ من إنابة الأشعري إلى مذهب أهل الحديث أنّه لجأ إلى عقيدة المحدّثين (وفيهم أهل التنزيه والتقديس، وفيهم أهل التشبيه والتجسيم) وقبل ذلك المنهج بلا تغيير ولا تصرف، ويقوى ذلك التخيّل إذا اطّلع على ما ذكره في مقدمة كتاب «الإبانة»، حيث إنّه يصرح فيها بأنّه على مذهب أئمّة الحديث، وفي مقدمتهم إمام الحنابلة، ويقول: قولنا الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب ربّنا عزّ وجلّ وبسنّة نبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمّة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد اللّٰه أحمد بن محمد بن حنبل - نضر اللّٰه وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنّه الإمام

الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان اللّٰه به الحقّ، ودفع به الضلال، وأفصح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشكّ الشاكّين، فرحمة اللّٰه عليه من إمام مقدّم، وجليل معظم، وكبير مفخم، وعلى جميع أئمّة المسلمين.(1)ويقرب من ذلك ما ذكره في مقالات الإسلاميين، حيث إنّه بعد ما سرد عقائد أهل الحديث قال: وبكلّ ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب.(2)إلّا أنّ السابر في كتبه يقف على أنّ هذه التصاريح ليست على إطلاقها، وإنّما اتّخذها واجهة لإيجاد المنهج الوسط بين المنهجين.

فإذا كان بعض أهل الحديث يصرون على إثبات الصفات الخبرية للّٰه تعالى، كالوجه واليد والرجل والاستواء على العرش، حتى اشتهروا بالصفاتية، كما اشتهرت المعتزلة بنفاة الصفات ومؤوّليها. فجاء إمام الأشاعرة بمنهج وسط، وزعم أنّه قد أقنع به كلا الطرفين، فاعترف بهذه الصفات كما ورد في الكتاب والسنّة بلا تأويل وتصرف، ولما كان إثباتها على اللّٰه سبحانه بظواهرها يلازم التشبيه والتجسيم - وهما يخالفان العقل، ولا يرضى بهما أهل التنزيه من العدلية - أضاف كلمة خاصة أخرجته عن مغبّة التشبيه ومزلقة التجسيم، وهي أنّ للّٰه سبحانه هذه الصفات لكن بلا تشبيه وتكييف.


1) . الإبانة: 17.

2) . مقالات الإسلاميين: 315.

وهذا هو المميز الثاني لمنهج الأشعري، فقد تصرف في الجمع بين المنهجين في كلّ مورد بوجه خاص، وسيجيء الكل عند عرض آرائه ونظراته.

وقد تفطّن إلى ما ذكرناه بعض من جاء بعده، منهم:

ابن عساكر في ترجمته عن الأشعري فقال: إنّه نظر في كتب المعتزلة، والجهمية والرافضة، فسلك طريقة بينها. قال جهم بن صفوان: العبد لا يقدر على إحداث شيء ولا على كسب شيء، وقالت المعتزلة: هو قادر على الإحداث والكسب معاً.

فسلك طريقة بينهما، فقال: العبد لا يقدر على الإحداث، ويقدر على الكسب. فنفى قدرة الإحداث وأثبت قدرة الكسب، وكذلك قالت الحشوية المشبهة: إنّ اللّٰه سبحانه يُرى مكيّفاً محدوداً كسائر المرئيات، وقالت المعتزلة والجهمية والنجارية: إنّه سبحانه لا يرى بحال من الأحوال، فسلك طريقة بينهما فقال: يرى من غير حلول، ولا حدود، ولا تكييف، فكما يرانا هو سبحانه وتعالى وهو غير محدود ولا مكيّف، كذلك نراه وهو غير محدود ولا مكيّف.

وكذلك قالت النجارية: إنّ الباري سبحانه بكلّ مكان من غير حلول ولا جهة، وقالت الحشوية والمجسّمة: إنّه سبحانه حال في العرش وإنّ العرش مكان له، وهو جالس عليه. فسلك طريقة بينهما فقال: كان ولا مكان فخلق العرش والكرسي ولم يحتج إلى مكان، وهو بعد خلق المكان كما كان قبل خلقه، وقالت المعتزلة: يده يد قدرة ونعمة، وجهه وجه وجود؛ وقالت الحشوية: يده يد جارحة، ووجهه وجه صورة. فسلك طريقة بينهما فقال:

يده يد صفة، ووجهه وجه صفة، كالسمع والبصر.

وكذلك قالت المعتزلة: النزول: نزول بعض آياته و ملائكته، والاستواء بمعنى الاستيلاء. وقالت المشبهة والحشوية:

النزول: نزول ذاته بحركة، وانتقال من مكان، إلى مكان، والاستواء: جلوس على العرش وحلول فيه. فسلك طريقة بينهما فقال:

النزول صفة من صفاته، والاستواء صفة من صفاته وفعل من أفعاله في العرش يسمّى الاستواء.(1)إلى غير ذلك من الموارد التي تصرّف فيها في المذاهب والمناهج وكوّن منها مذهباً.

وقال «زهدي حسن جار اللّٰه» المصري:

«لقد كان المستقبل، بعد الحركة الرجعية، يلوح سيّئاً قاتماً، وكان يبدو أنّ العناصر الرجعية، ستدوس كلّ ماعداها، وأنّ كلّ حركة ترمي إلى التقدم العلمي، والتحرر الفكري، ستخمد أنفاسها... لولا أن قام «أبو الحسن الأشعري» (المتوفّى 330 ه)، فأنقذ ما أمكن إنقاذه من الموقف... كان الأشعري معتزلياً صميماً، ولكنّه أدرك ببصره النافذ وعقله الراجح، حقيقة الوضع. رأى الهوة بين أهل السنّة و بين أهل الاعتزال في اتّساع وازدياد، ووجد الحركة الرجعية تقوى وتشتد، فعلم أنّ الاعتزال صائر لا محالة إلى زوال.

فأزعجته هذه الحقيقة المروعة وأقضّت مضجعه، ولذلك تقدم إلى


1) . التبيين: 149-150.

العمل... فتنكّر للمعتزلة، وأعلن انفصاله عنهم ورجوعه إلى حظيرة السنّة.(1)غير أنّه لم يرجع إليها فعلاً كما أعلن للملأ، بل اتخذ طريقاً وسطاً بينها وبين مذهب المعتزلة(2)، وقد صادف هذا العمل قبولاً لدى الناس، ما عدا الحنابلة، ولاقى استحساناً، ولا عجب فإنّ الجمود على التقليد، ما كان ليروق للكثيرين بسبب تقدم الأُمّة في الحضارة واقتباسها العلوم العقلية، واطّلاعها على فلسفة الأقدمين، وفي الوقت نفسه أصبح الناس لا يرتاحون إلى المعتزلة بعد أن تطرّفوا في عقائدهم، وأساءوا التصرف مع غيرهم. فكانت الحاجة تدعو إلى من يؤلّف بين وجهتي نظر السنّة والاعتزال، وهذا هو ما بدأه الأشعري، وأكمله من بعده أتباعه الكثيرون الذين اعتنقوا مذهبه، وساروا على طريقه، وهم صفوة علماء الإسلام في وقتهم، وخيرة رجاله، كالقاضي أبي بكر الباقلاني(3)(المتوفّى 403 ه)، وابن فورك (المتوفّى 406 ه)(4)، وأبي إسحاق الإسفرائيني (المتوفّى 418 ه)(5)، و عبد القاهر البغدادي (المتوفّى 429 ه)(6)والقاضي أبي الطيب الطبري (المتوفّى 450 ه)(7)، وأبي بكر البيهقي (المتوفّى 458 ه)(8)، وأبي القاسم القشيري


1) . الإبانة، 8؛ الوفيات: 464/1.

2) . مقدّمة ابن خلدون: 406؛ الخطط: 184/4.

3) . الوفيات: 686/1.

4) . طبقات الشافعية: 52/3-54.

5) . طبقات الشافعية: 111/3-114.

6) . طبقات الشافعية: 238/3.

7) . طبقات الشافعية: 176/3.

8) . طبقات الشافعية: 4/3.

(المتوفّى 465 ه)(1)، وأبي إسحاق الشيرازي (المتوفّى 476 ه) رئيس المدرسة النظامية ببغداد (2)، وإمام الحرمين أبي المعالي الجويني (المتوفّى 478 ه).(2) والإمام الغزالي (المتوفّى 505 ه)(3)، الذي أصبحت الأشعرية بجهوده كلاماً مقبولاً في الإسلام، وابن تومرت (المتوفّى 524 ه) المغربي، تلميذ الغزالي الذي نشر الأشعرية في بلاد المغرب(4)، والشهرستاني (المتوفّى 548 ه)(5)، وغيرهم كثير، شرحوا عقائد الأشعري ونظموها وزادوا عليها ودافعوا عنها بالأدلّة والبراهين العقليّة، فكان لهم أكبر الفضل وأعظم الأثر في نجاح المذهب الأشعري وانتشاره.

وممّا يدلّ دلالة واضحة على أنّ هذه الحركة التي قام بها الأشعري كانت ضرورية، ويظهر لنا بجلاء أنّ الناس كانوا يشعرون بوجوب وضع حدّ لذلك النزاع المستحكم بين أهل السنّة وبين المعتزلة باتّباع طريق وسط بين قوليهما، أنّ اثنين من كبار علماء المسلمين المعاصرين للأشعري قاما - على بعدهما عنه - بنفس المحاولة التي قام الأشعري بها في البصرة، وهما أبوجعفر الطحاوي (المتوفّى 331 ه)(6)، الحنفي في مصر، وأبو منصور


1) . الوفيات: 2.425/1. طبقات الشافعية: 89/3-99.

2) . طبقات الشافعية: 250/3.

3) . الوفيات: 661/1؛ طبقات الشافعية: 103/4.

4) . طبقات الشافعية: 71/4-74.

5) . الوفيات: 688/1؛ طبقات الشافعية: 79/4.

6) . بل توفّي عام 321 ه.

الماتريدي (المتوفّى 333 ه) الحنفي في سمرقند.

يلاحظ عليه: بالرغم ممّا ذكره هذا الكاتب المصري، فإنّ الأشعري لم يتخذ موقفاً محايداً، بل استعمل سلاح العقل ضد المعتزلة، فهو بدل أن يستعمله في نصرة الدين، استعمله في هدم الاعتزال، ولأجل ذلك خدم الرجعية خدمة عظيمة وأنقذها من الهلاك و الدمار؛ ترى أنّه دعا إلى رؤية اللّٰه سبحانه يوم القيامة الذي لا ينفك عن القول بالتجسيم والتشبيه، وإن أضاف إليه بأنّ الرؤية بلا إثبات جهة وكيف؛ وإلى القول بالخلق والقدر الذي يجعل الإنسان كالريشة في مهب الريح، وإن أضاف إليه بأنّ العبد كاسب واللّٰه خالق - ولم يُفهم معنى الكسب إلى يومنا هذا، بل صار شيئاً معقّداً فسره كلّ حسب ذوقه - و إلى إنكار التحسين والتقبيح العقليّين اللّذين يبتنى عليهما لزوم تصديق الأنبياء عند التحدي بالمعاجز، إلى غير ذلك من الأُصول التي كانت عليها عقيدة أهل الحديث.

واللّٰه سبحانه هو العالم بالضمائر والمقاصد، وإنّ الشيخ الأشعري لماذا استخدم سلاح المنطق ضدّ دعاة الحرية والاختيار، وهل كان هذا مجاراة للرأي العام وطمعاً في كسب عواطف الحنابلة، أو كان هناك غاية أُخرى لا نعرفها، ولكن اللّٰه من وراء القصد.

وقد وقف الكاتب على سوء قضائه، فاستدركه في موضع آخر من كلامه، وقال:

استمرت الحركة الرجعية في الدولة الإسلامية بعد ظهور الأشعرية

قوية، وقد قلت: إنّ الأشعرية نفسها بالنسبة إلى الاعتزال، السابق لها، كانت حركة رجعية، وكانت رجعية أيضاً بمعنى آخر، وذلك أنّها استخدمت سلاح العقل والمنطق الذي أخذته عن المعتزلة، لا في نصرة الدين فحسب، بل في مقاومة الاعتزال وهدمه، وقد يكون الأشاعرة فعلوا ذلك مجاراة للرأي العام، وطمعاً في كسب عطفه وتأييده، ومهما يكن فجدير بنا أن نلاحظ أنّ الأشاعرة خضعوا للقوى الرجعية إلى حدّ كبير، فإنّهم وصلوا في تقدمهم الفكري إلى درجة لم يقدروا أن يتجاوزوها كما تجاوزها المعتزلة، ولذلك فقد استولى عليهم الجمود، وصاروا إلى ركود، ومن أدلة سيطرة الرجعية على الموقف ما يذكره «مسكويه»: أنّ عضد الدولة البويهي أفرد في داره موضعاً خاصاً للحكماء والفلاسفة يجتمعون فيه للمفاوضة، آمنين من السفهاء ورعاع العامة.(1)ولهذا فإنّ الحركات الفكرية التي ظهرت بعد نكبة المعتزلة، كإخوان الصفا، لم تجسر أن تعلن عن نفسها خشية طغيان العامة عليها، فاضطرت إلى أن تعمل في الخفاء، فكان من أسوأ النتائج التي ترتّبت على ذلك، شيوع عادة تأليف الفرق والجمعيات السرية كالقرامطة والحشّاشين الذين كان لهم أثر كبير في إضعاف الإسلام وتأخيره، أمّا الذين وجدوا في أنفسهم الجرأة ليتابعوا دروسهم وأبحاثهم على رؤوس الأشهاد، وهم جماعة الفلاسفة كالفارابي، وابن سينا، وابن رشد، فقد كانوا مكروهين، وظلوا طوال الوقت يحيون في جوٍّ ناءٍ منفصل عن الجو الذي تعيش فيه سائر الأُمّة. (2)


1) . تجارب الأُمم: 2.408/6. المعتزلة: 264.

3. انتشار المذهب الأشعري في البلاد

ثمّ إنّ الظاهر ممن ترجموه هو أنّ المذهب الأشعري انتشر من فوره، يقول الكوثري: وفّقه اللّٰه لجمع كلمة المسلمين وتوحيد صفوفهم، وقمع المعاندين وكسر تطرّفهم، وتواردت عليه المسائل من أقطار العالم فأجاب عنها، فطبق ذكره الآفاق، و ملأ العالم بكتبه وكتب أصحابه في السنّة، والرد على أصناف المبتدعة والملاحدة وأهل الكتاب.

وتفرق أصحابه في بلاد العراق وخراسان والشام وبلاد المغرب، ومضى لسبيله، وبعد وفاته بيسير استعاد المعتزلة بعض قوتهم في عهد بني بويه، لكن الإمام ناصر السنّة أبا بكر بن الباقلاني قام في وجههم، وقمعهم بحججه، ودان للسنّة على الطريقة الأشعرية أهل البسيطة إلى أقصى بلاد أفريقية.(1)وقد جعله ابن عساكر أحد من يقيّضه اللّٰه سبحانه في رأس كلّ مائة سنة، يعلّم الناس دينهم، فيعدّ في المائة الأُولى عمر بن عبد العزيز، وفي المائة الثانية الشافعي، وفي المائة الثالثة أبا الحسن الأشعري، وعلى رأس المائة الرابعة ابن الباقلاني.(2)أقول: مضافاً إلى أنّ أصل الحديث غير ثابت، وأنّ جعل هؤلاء من


1) . مقدّمة التبيين: 15.

2) . التبيين: 52.

مجدّدي المذهب - خصوصاً عمر بن عبد العزيز، مع كونه معاصراً للإمام الباقر عليه السلام الذي لا يشكّ في إمامته في العلوم من له إلمام بالتاريخ - من الغرائب، إنّ ما ذكره ابن عساكر هنا يضادُّ ما ذكره في موضع آخر من أنّ عامة المسلمين وجمهورهم كانوا لا يأتمون بمذهبه في عصر ابن عساكر، حيث قال:

إن قيل: إنّ الجم الغفير في سائر الأزمان، وأكثر العامة في جميع البلدان، لا يقتدون بالأشعري ولا يقلّدونه ولا يرون مذهبه ولا يعتقدونه، وهم السواد الأعظم، وسبيلهم السبيل الأقوم.

قيل: لا عبرة بكثرة العوام ولا الالتفات إلى الجهّال، وإنّما الاعتبار بأرباب العلم، والاقتداء بأصحاب البصيرة والفهم، وأُولئك في أصحابه أكثر ممّن سواهم، ولهم الفضل والتقدّم على من عداهم، على أنّ اللّٰه عزّوجلّ قال: «وَ مٰا آمَنَ مَعَهُ إِلاّٰ قَلِيلٌ».(1)على أنّ ابن النديم لا يذكر من أصحابه إلّاشخصين: الدمياني و حمويه من أهل سيراف قال: وكان الأشعري يستعين بهما على المهاترة والمشاغبة، وقد كان فيهما علم بمذهبه، ولا كتاب لهما يعرف.(2)ولأجل عدم انتشار مذهبه في عصره بل بعد مدّة من وفاته، نجد الحنابلة لا يترجمونه في طبقاتهم، ولا يعدونه منهم، وتمقته الحشوية منهم


1) . التبيين: 331.

2) . فهرست ابن النديم: 271.

فوق مقت المعتزلة، مع أنّه صرح في بعض كلماته بأنّه على مذهب أحمد.(1)نعم، لا شكّ في انتشار مذهبه بعد القرن السادس إلى أن صار مذهباً رسمياً للسنّة في جميع الأقطار، وقلّ من يتخلّف عنه، وهو مستمر إلى العصر الحاضر.

يقول تقي الدين أبو العباس المقريزي (المتوفّى عام 845 ه) بعد سرد عقائده إجمالاً: فهذه جملة في أُصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أُريق دمه.(2)ولأجل هذه الشهرة نرى أصحاب المذاهب يتجاذبونه إلى مذاهبهم. فالشافعية تقول: إنّه كان شافعياً، والمالكية تقول:

إنّه كان مالكياً. وبما أنّه نشأ في العراق فالظاهر أنّه نشأ على مذهب أبي حنيفة، وإنّما هو رجع عن الاعتزال الذي هو مذهب كلامي، ولم يرجع عن مذهب فقهي. ولكن الظاهر من مقدمة كتابه - الإبانة - أنّه كان على مذهب إمام الحنابلة. وقال الكوثري: إنّ الغاية من هذه المظاهرة هو النفوذ في الحشوية ليتدرج بهم إلى معتقد أهل السنّة.

وعلى كلّ تقدير فلم يعلم مذهبه الفقهي على وجه التحقيق.

هذا والخدمة التي قام بها الأشعري في مقابلة المجسّمة والمشبّهة


1) . مقدّمة التبيين بقلم الكوثري: 16.

2) . الخطط المقريزية: 360/2، ط مصر.

وأصحاب البدع واليهودية والمسيحيّة خدمة نسبية لا تنكر، غير أنّ الذي يؤسف المسلم الغيور هو: أن نرى متزمتة الوهابية وبعض رجال الإصلاح في هذا العصر داعين إلى مذهب الحشوية باسم السلفية مقلّدين في كلّ ما يذكره شيخهم ابن تيمية الذي يقول عند الكلام في الاستواء: ولو شاء اللّٰه لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته فكيف على عرش عظيم(1).

وتلميذه المعروف بابن القيم الذي يفسر المقام المحمود في قوله تعالى: «عَسىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقٰاماً مَحْمُوداً»(2)بإقعاد الرسول على العرش.(3)

4. مؤلّفاته

وقد فهرس الشيخ كتبه في كتاب سمّاه «العمدة» كما فهرس غيره. فقد أخرج ابن عساكر أسماء كتبه التي صنّفها إلى سنّة (320 ه)، وبلغت إلى ثمانية وتسعين كتاباً، غير أنّ أكثر هذه الكتب عصفت بها عواصف الدهر فأهلكتها، فلم يصل إلينا منها إلّا القليل. ولعلّ في مكتبات العالم المعمورة بالمخطوطات الشرقية، بعضاً منها. وإليك دراسة الكتب الموجودة المطبوعة:


1) . لاحظ تعليقة التبيين: 393.

2) . الإسراء: 79.

3) . بدائع الفوائد: 39/4.

1. «الإبانة عن أُصول الديانة»: طبع كراراً، والطبعة الأخيرة طبعة مكتبة دار البيان بدمشق عام 1401 ه، وعبر عنه ابن النديم في فهرسته ب «التبيين عن أُصول الدين».(1)يقول ابن عساكر: إنّ الحنابلة لم يقبلوا منه ما أظهره في كتاب «الإبانة» وهجروه، ويضيف أيضاً: إنّ الشيخ إسماعيل الصابوني النيسابوري ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلّاوبِيَده كتاب الإبانة.(2)وقد نقل ابن عساكر الفصلين الأوّلين من الكتاب في «التبيين». وما جاء في مقدّمتها فقد أورده في «مقالات الإسلاميين» عند البحث عن عقائد أهل الحديث باختلاف يسير، وما جاء به الأشعري في ذينك الكتابين يوافق ما ذكره إمام الحنابلة في عقائد أهل الحديث في كتابه «السنّة» غير أنّ تعبيرات الأشعري إلى التنزيه أقرب من كتاب «السنّة»، وكلمات «الإمام» إلى التجسيم أميل.

مثلاً: يقول إمام الحنابلة: واللّٰه تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، يقظان لا يسهو، قريب لا يغفل، يتكلّم ويسمع وينظر ويبصر، ويضحك ويفرح، ويحب ويكره ويبغض، ويرضى ويغضب، ويسخط ويرحم، ويعطي ويمنع، وينزل تبارك و تعالى كلّ ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ» و قلوب العباد


1) . فهرست ابن النديم: 271.

2) . التبيين: 589.

بين أصبعين من أصابع الرب عزّوجلّ، يقلّبها كيف يشاء ويوعيها ما أراد. وخلق اللّٰه عزّ وجلّ آدم بيده، السماوات والأرض يوم القيامة في كفه، ويخرج قوماً من النار بيده، وينظر أهل الجنّة إلى وجهه، ويرونه فيكرمهم، ويتجلّى لهم فيعطيهم، ويعرض عليه العباد يوم الفصل والدين، ويتولّى حسابهم بنفسه لا يولي ذلك غيره عزّ وجلّ.

والقرآن كلام اللّٰه ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق، فهو جهمي كافر؛ ومن زعم أنّ القرآن كلام اللّٰه عزّوجلّ ووقف، فلم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل؛ ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام اللّٰه فهو جهمي، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم.(1)2. «مقالات الإسلاميين»: والكتاب يتناول البحث عن الفرق الإسلامية، وطبع في جزءين في مجلد واحد عام 1369 ه بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.

3. «اللمع في الرد على أهل الزيغ و البدع»: طبع غير مرة، وهذا خاصة أنضج كتبه، تجد مستواه فوق كتاب «الإبانة»، وهو خير مصور لعرض آرائه ونظرياته الكلامية، ولأجل ذلك نعرض آراءه ونظرياته على ضوء هذا الكتاب.

1) . كتاب السنة لإمام الحنابلة: 49.

المقارنة بين الكتابين: «الإبانة» و «اللمع»

اشارة

إنّ الناظر في أحوال الشيخ أبي الحسن الأشعري يظن بادئ ذي بدء، أنّه ألّف كلّاً من الكتابين لنصرة السنّة، والدفاع عن عقيدة أهل الحديث التي كانت تتمثل يوم ذاك - يوم أعلن انفصاله عن المعتزلة وانخراطه في سلك أهل السنّة والحديث - في الآراء والعقائد الموروثة عن إمام الحنابلة، ولكنّه إذا قام بعمل المقايسة والمقارنة بين الكتابين سرعان ما يعدل عن تلك العقيدة، ويخرج من البحث بنتيجة تتباعد عنها بكثير، ويقضي بأنّ «الإبانة» أُلِّفت لنصرة عقيدة أهل الحديث وكسر صولة المعتزلة دون «اللمع»، لأنّه في الثاني أعمق تفكيراً، وأشد عناية بالأدلّة العقلية، ولا يظهر منه أية عناية بابن حنبل ومنهجه العقائدي، بل يظهر له جلياً أنّ الشيخ في الكتاب الأخير بصدد طرح أُصول يعتقد بها هو، سواء أكانت موافقة لعقائد الحنابلة أم لا، وسواء أكان لهم فيها نفي أم لا، وسواء أوصلت إليها فكرتهم أم لا.

وهذه النتيجة تنعكس على ذهنية القارئ عن طريق طرح الأُصول الموجودة في الكتابين وإليك بيانها إجمالاً:

1. إنّ الشيخ في «الإبانة»: بعد ما طرح في الباب الأوّل عقيدة أهل الزيغ - و هم حسب عقيدته عبارة عن المعتزلة والقدرية والجهمية والمرجئة والحرورية والرافضة - طرح في الباب الثاني قول أهل الحقّ والسنّة بادئاً كلامه بقوله:

قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسّك بكتاب ربّنا عزّ وجلّ، وبسنّة نبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد اللّٰه أحمد بن محمد بن حنبل - نضّر اللّٰه وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون. لأنّه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل الذي أبان اللّٰه به الحق، ودفع به الضلال، وأفصح به المنهاج، فقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشكّ الشاكّين، فرحمة اللّٰه عليه من إمام مقدّم، وجليل معظّم، وكبير مفخّم، وعلى جميع أئمّة المسلمين.

ترى أنّه يجعل عقيدة إمام الحنابلة عدلاً لما روي عن الصحابة والتابعين، ويعرفه كإمام متمسّك بالحق ومعتصم به، على وجه يبلغ به مقام العصمة في القول والرأي، ولكنّه في «اللمع» لا يتحدث عنه أبداً، ولا يذكر عنه شيئاً، بل يتفرد بطرح المسائل على ما يتبنّاه هو، وإقامة الدلائل العقلية عليها.

2. إنّ الأشعري لا يتحدّث في كتاب «الإبانة» عن تنزيه الحقّ جلّ وعلا عن الجسم والجسمانية بحماس وأسلوب صريح، بل يحاول إثبات الصفات الخبرية، كالوجه واليدين له سبحانه، كما يحاول إثبات استوائه على عرشه تعالى و يقول:

«وإنّ اللّٰه استوى على عرشه» كما قال: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ»(1)، وإنّ له وجهاً بلا كيف كما قال: «وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاٰلِ وَ اَلْإِكْرٰامِ»(2)، و إنّ له يدين بلا كيف كما قال: «خَلَقْتُ


1) . طه: 5.

2) . الرحمن: 27.

بِيَدَيَّ»(1)، و كما قال: «بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ»(2)وإنّ له عيناً بلا كيف كما قال: «تَجْرِي بِأَعْيُنِنٰا»(3).(4)ترى أنّه اكتفى في التنزيه بلفظ مجمل و هو قوله: «بلا كيف» مع أنّ اللفظ المجمل لا يفيد الناظر شيئاً ولا يصونه من أن يقع في ورطة التشبيه والتجسيم. ولكنّه في «اللمع» لم يتعرض للوجه واليدين والاستواء على العرش، بل أهمل ذلك إهمالاً تاماً، وزاد على ذلك التصريح القاطع بتنزيه اللّٰه عن الجسمية، وعلوِّه أن يكون مشابهاً للحوادث.

3. ترى بوادر التجسيم في «الإبانة» بوضوح، ونأتي بنماذج من ذلك:

أ. ما ذكره تأييداً لقوله: إنّ اللّٰه عزّوجلّ مستوٍ على عرشه، أنّه روى نافع بن جبير عن أبيه: ينزل اللّٰه عزّوجلّ كلّ ليلة إلى سماء الدنيا فيقول: هل من سائل فأعطيه، هل من مستغفر فأغفر له، حتى يطلع الفجر.(5)ب. إنّه يصر على البينونة التامة بين الخالق والمخلوق، ويقول: إنّه ليس في خلقه، ولا خلقُهُ فيه، وإنّه مستوٍ على عرشه بلا كيف ولا استقرار.(6)ومع ذلك لم يتفطن لظاهر قوله سبحانه: «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ»(7)


1) . ص: 75.

2) . المائدة: 64.

3) . القمر: 14.

4) . الإبانة: 18 الأُصول برقم 6، 7، 8، 9.

5) . الإبانة: 88؛ أخرجه أحمد في المسند: 81/4 من حديث جبير.

6) . الإبانة: 92.

7) . الحديد: 4.

وقوله: «مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلاٰثَةٍ إِلاّٰ هُوَ رٰابِعُهُمْ»(1)، والآيتان تنافيان البينونة الكاملة التي يدّعيها الأشعري.

ج. ويستدلّ على أنّ اللّٰه في السماء بما روي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه سأل جارية فقال لها: أين اللّٰه؟ قالت: في السماء. فقال:

فمن أنا؟ قالت: أنت رسول اللّٰه. فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم للرجل الذي كان بصدد عتقها: أعتقها فإنّها مؤمنة.(2)د. ويقول: إنّه سبحانه يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، كما جاءت الرواية عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم من غير تكييف(3)ويكتفي في نفي التجسيم بكلمة مجملة، أعني قوله: «من غير تكييف».

4. إنّ الشيخ في «الإبانة» يصرّح بأنّه لا خالق إلّااللّٰه، وأنّ أعمال العبيد مخلوقة للّٰه مقدورة، كما قال: «وَ اَللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ»(4)، وأنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يُخْلَقُون.(5)ومن المعلوم أنّ القول بأنّ فعل العبد مخلوق للّٰه لا ينفك عن الجبر وسلب الاختيار عن الفاعل، لأنّ الفعل إذا كان مخلوقاً له سبحانه، وكان هو الموجد والمحقّق، فما معنى كون العبد مسؤولاً عن فعله - خيره و شره -؟

ولمّا كان أهل الحديث معتقدين بهذا (مع كونه نفس الجبر) أبقاه بحاله، ولم يشر في كتاب «الإبانة» إلى شيء يعالج تلك المسألة العويصة.


1) . المجادلة: 7.

2) . الإبانة: 93. والحديث أخرجه مسلم باب تحريم الكلام في الصلاة: 71/2، ط مصر.

3) . الإبانة: 22. أخرجه البخاري: 123/9 في تفسير قوله: «لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ».

4) . الصافات: 96.

5) . الإبانة: 20، الأصل 17.

وهذا بخلاف ما في «اللمع» فإنّه أضاف فيه إلى خالقيّة الرب، كاسبيّة العبد وقال: «إن اللّٰه هو الخالق، و العبد هو الكاسب» و بذلك عالج مشكلة الجبر وخرج من مغبته، وصحّح مسؤولية العبد لأجل الكسب.

هذه مميزات كتاب «الإبانة» و خصوصياته، و ماجاء فيه من الأُصول، وجميعها يؤيد أنّه قد أُلّف لغاية نصرة مذهب أحمد بن حنبل، والذي كان يمثّل نظرية أهل الحديث والمحدّثين جميعاً.

وأمّا «اللمع» فقد طرح فيه مسائل، أهملها في «الإبانة» نشير إلى بعضها:

1. مسألة التعديل والتجوير

إنّ لتلك المسألة دوراً عظيماً في تمييز المنهج الأشعري عن المعتزلي، ولبّ المسألة يرجع إلى إثبات التحسين والتقبيح العقليين وإنكارهما، فالمعتزلة على الأوّل والأشعري وأشياعه على الثاني، و - لأجل ذلك - أنكروا توصيفه سبحانه بالعدل بالمفهوم المحدد عند العقل، بل قالوا إنّ كلّ ما يفعله فهو عدل، سواء أكان عند العقل عدلاً أم جوراً، وقد ركّز على ذلك الأشعري في «اللمع» حتى قال: يصحّ للّٰه سبحانه أن يؤلم الأطفال في الآخرة. وهو عادل إن فعله. وكذلك كلّ ما يفعله حتى تعذيب المؤمنين وإدخال الكافرين الجنان، وإنّما نقول لا يفعل ذلك، لأنّه أخبرنا أنّه يعاقب الكافرين. وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره.(1)


1) . اللمع: 116.

ولكنّه لم يُعلَم إلى الآن أنّ الشيخ من أين علم أنّه لا يجوز عليه تعالى الكذب؟ فإن علم ذلك من إخباره سبحانه بأنّه لا يكذب، فننقل الكلام إلى إخباره هذا، فمن أين نعلم أنّه سبحانه لا يكذب في إخباره هذا (إنّه لا يكذب) فإنّه كما يحتمل الكذب في سائر إخباره، يحتمل حتى في نفس هذا الإخبار؛ وإن علم من حكم العقل بأنّ الكذب قبيح، والقبيح لا يجوز عليه، فهو عين الاعتراف بالتقبيح العقلي، ولو في مورد واحد.

ولأجل ذلك قلنا في الأبحاث الكلامية إنّ إثبات الحسن والتقبيح الشرعيّين يتوقف على قبول حكم العقل بقبح الكذب على الشارع، حتى يثبت بقبوله سائر إخباره بالحسن والقبح. وقبوله في مورد، يوجب انهدام القاعدة وبطلانها، أعني كون التحسين والتقبيح شرعيين لا عقليين.

2. مسألة الاستطاعة والقدرة

لقد فصَّل الإمام الأشعري الكلام في الاستطاعة والقدرة وركَّز على أنّها غير متقدمة على الفعل، بل معه دائماً - و مع ذلك - اعترف بأنّ قدرة اللّٰه قديمة متقدمة على فعله، ولم يعلم وجه التفريق بينهما.

هذا مع أنّ كون إحدى القدرتين واجبة والأُخرى ممكنة، لا يكون فارقاً في وجوب تقدّم إحداهما على الفعل، وتقارن الأُخرى معه. و مع أنّ رأيه هذا يخالف الفطرة الإنسانية، فإنّ كلّ إنسان يرى بالوجدان قدرته على القيام حال القعود، وعلى المشي حال القيام.

3. ما هو حدّ الإيمان؟

بحث عن حدّ الإيمان فقال: الإيمان بمعنى التصديق، وإنّ مرتكب الكبيرة من أهل القبلة مؤمن بإيمانه، فاسق بفسقه وكبيرته، لا كافر كما عليه الخوارج، ولا هو برزخ بين الإيمان والكفر، كما عليه المعتزلة.

4. الآيات الواردة حول الوعد والوعيد

اشارة

طرح الآيات الواردة حول الوعد والوعيد، وعالج التعارض المتوهَّم بينهما، حيث إنّ ظاهر بعض آيات الوعيد، هو تعذيب كلّ فاجر وإن كان موحداً مسلماً، مثل قوله: «وَ إِنَّ اَلْفُجّٰارَ لَفِي جَحِيمٍ»(1)، وظاهر بعض الآيات أنّ المسلم الجائي بالحسنة في الجنة، مثل قوله: «مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهٰا وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ»(2)، فعالج ذلك التعارض الابتدائي بوجه خاص.

والسير في الكتابين والمقارنة بين فصولهما والأُصول المطروحة فيهما، وكيفية البرهنة عليها، يعرب للباحث أنّ هناك هوة سحيقة بين مذهب الأشعري في «الإبانة»، و مذهبه في «اللمع»، وأنّ تلامذة مدرسته استثمروا ما جاء به الشيخ في «اللمع»، دون ما في «الإبانة»، وجعلوه هو الأصل، وأشادوا


1) . الانفطار: 14.

2) . النمل: 89.

بنيانه، وأكبّوا على دراسته، ولأجل ذلك أصرُّوا على التنزيه، وركّزوا على الكسب، وأسّسوا منهجاً كلامياً، بين مذهب الحشوية من أهل الحديث والمعتزلة من المتكلّمين.

ما هو الداعي إلى التصويرين المختلفين؟

إنّ هنا سؤالاً يطرح نفسه: إذا كان ما يعتقده الأشعري من الأُصول هو ما جاء به في «الإبانة»، فما هو الداعي للتصويرين المختلفين في مذهب الحقّ؟

والإجابة عن هذا السؤال مشكلة جداً، وعلى ضوء ما ذكرناه حول الدوافع التي دعت الشيخ الأشعري إلى الانخراط في سلك أهل الحديث، يمكن أن يقال: إنّ الهدف الأسمى للشيخ كان هو تعديل عقائد الحشوية، من أهل الحديث الذين كانوا يتعبّدون بكلّ حديث من دون معالجة أسناده، أو مضمونه، وتقييمه في سوق الاعتبار، وكان تحقّق ذلك الهدف رهن الانخراط في سلكهم، والرجوع عن أعدائهم ومخالفيهم، ولذلك أعلن الشيخ التوبة عن الاعتزال ونصرة مذهب إمام الحديث ومقدامه.

ولكن لمّا لم يكن ذلك كافياً في الأخذ بمجامع قلوبهم، وصرف نفوسهم وأهوائهم إلى نفسه، عمل كتاب «الإبانة» حتى يرضي قلوبهم ويملأ عيونهم مع إقحام بعض الكلمات التي تناسب التنزيه وتخالف التجسيم فيها.

ولمّا تربّع على سدَّة الحكم وآمنت أصناف من الحشوية به، أخذ

بالتعديل والإصلاح، وبيّن ما يعتقد به من المذهب الحقّ، الذي هو منهج وسط بين العقيدة الحنبلية والمعتزلة؛ فألّف كتاب «اللمع»، وبذلك يمكن أن يقال إنّ «الإبانة» أسبق تأليفاًمن «اللمع».

إنّ ما بين الباحثين عن منهج الإمام الأشعري من يوافقنا في النتيجة، وقد وصل إليها من طريق غير ما سلكناه، وإليك نصّه: «إنّ الصورة العقلية التي يصوّرها في «الإبانة» قد صوّرت أوّلاً، والصورة العقلية التي يصوّرها في «اللمع» قد صوّرت أخيراً، وإنّها كانت تجديداً لمذهب الأشعري في وضعه النهائي الذي مات صاحبه وهو يعتنقه، ويعتقد صحّته، ويدافع عنه، ويرضاه لأتباعه، وأسباب هذا الترجيح - كون اللمع أُلِّف بعد الإبانة - كثيرة، فمنها ما هو نفسي، ومنها ما هو علمي.

وممّا يعود إلى الأسباب النفسية أنّنا نرى الأشعري في كتاب «الإبانة» أشرق أسلوباً، وأكثر تحمّساً، وأعظم تحاملاً على المعتزلة، وأكثر بعداً عن آرائهم، وهذه مظاهر نفسية يجدها المرء في نفسه تجاه رأيه الذي يتركه إبّان تركه أو بُعَيْدَ التنازل عنه، أمّا من الناحية العلمية فحسب القارئ أن يراجع باباً مشتركاً في الكتابين ليرى أنّ كتاب «اللمع» في ذلك الباب أحاط بمسائل، وأجاد في عرض أدلّتها، وأفاض في بيان اعتراضات خصومه، وأحسن في الرد عليها، وذاك ممّا يدلّ على أنّ كتاب «اللمع» لم يكتب إلّافي الوقت الذي نضج فيه المذهب في نفس صاحبه، وأنّه لم يصوّره في هذا الكتاب إلّابعد أن أصبح واضحاً عنده.(1)


1) . مقدّمة اللمع للدكتور «حمودة غرابة»: 7 نقله عن الباحث الغربي «فنسنك» وغيره.

والفرق بين التحليلين واضح، فعلى ما ذكرناه نحن لم يكن للإمام الأشعري بعد الرجوع عن الاعتزال إلّامذهب واحد وفكرة خاصة، وقد عرضها بعد ما اصطنع الصورة الأُولى ليكسب بها رضى الحنابلة أو يتجنب شرهم.

وعلى ما ذكره ذلك الباحث تكون الصورتان لمرحلتين مختلفتين في تطوّره الفكري بعد تحوله عن مذهب المعتزلة، فالصورة الأُولى صورة غير ناضجة، وربما أعان عليها حنقه على الاعتزال وخصومته معهم، والصورة الثانية صورة ناضجة أبدتها فاكرته بعد ملاءمة الظروف ورجوع الهدوء إلى ذهنه وفكره.

ثمّ إنّ بين الباحثين الغربيين من يرجّح العكس، وأنّ الصورة العقلية عنده بعد الرجوع عن الاعتزال، يعطيها كتاب «اللمع»، لكنّه لما رحل من البصرة إلى بغداد في أُخريات حياته ووقع تحت نفوذ الحنابلة ألّف كتاب «الإبانة»، وأثبت الوجه واليدين للّٰه سبحانه. واللّٰه أعلم.

5. رسالة في استحسان الخوض في علم الكلام

قد أثبت في ذلك الكتاب استحسان الخوض في المسائل الكلامية واستدلّ بالآيات، وبذلك قضى على فكرة أهل الحديث الذين يحرّمون الخوض في المباحث العقلية، ويستندون في عقائدهم بظواهر الكتاب والسنّة، وقد طبع للمرة الثالثة في حيدر آباد الدكن - الهند -، عام 1400 ه - 1979 م، وطبع أيضاً في ذيل كتاب «اللمع» الآنف ذكره، وهو بكتابه هذا

خالف السنّة المتبعة بين أهل الحديث، كما أثارهم على نفسه، وبما أنّ تلك الرسالة - على اختصارها - لا تخلو من نكات وتعرب عن مبلغ وروده بالكتاب وكيفية استنباطه منه، نأتي بنصّ الرسالة بتمامها. قال بعد التسمية والحمد والتسليم:

أمّا بعد فإنّ طائفة من الناس جعلوا الجهل رأس مالهم، وثقل عليهم النظر والبحث عن الدين، ومالوا إلى التخفيف والتقليد، وطعنوا على من فتش عن أُصول الدين ونسبوه إلى الضلال، وزعموا أنّ الكلام في الحركة والسكون والجسم والعرض والألوان والأكوان والجزء والطفرة وصفات الباري عزّوجلّ بدعة وضلالة، وقالوا: لو كان هدى ورشاداً لتكلّم فيه النبي صلى الله عليه و آله و سلم وخلفاؤه وأصحابه! قالوا: ولأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم لم يمت حتى تكلم في كلّ ما يحتاج إليه من أُمور الدين، و بيّنه بياناً شافياً، ولم يترك بعده لأحد مقالاً فيما للمسلمين إليه حاجة من أُمور دينهم، وما يقربهم إلى اللّٰه عزّوجلّ ويباعدهم عن سخطه؛ فلمّا لم يرووا عنه الكلام في شيء ممّا ذكرناه، علمنا أنّ الكلام فيه بدعة،

والبحث عنه ضلالة، لأنّه لو كان خيراً لما فات النبي صلى الله عليه و آله و سلم ولتكلَّموا فيه، قالوا: ولأنّه ليس يخلو ذلك من وجهين: إمّا أن يكونوا علموه فسكتوا عنه، أو لم يعلموه بل جهلوه؛ فإن كانوا علموه ولم يتكلّموا فيه وسعنا أيضاً نحن السكوت عنه، كما وسعهم السكوت عنه، ووسعنا ترك الخوض كما وسعهم ترك الخوض فيه، ولأنّه لو كان من الدِّين ما وسعهم السكوت عنه، وإن كانوا لم يعلموه وسعنا جهله كما وسع أُولئك جهله، لأنّه لو كان من الدين لم يجهلوه، فعلى كلا الوجهين الكلام فيه بدعة، والخوض فيه ضلالة؛ فهذه جملة ما احتجّوا به في ترك النظر في الأُصول.

قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّٰه عنه: الجواب عنه من ثلاثة أوجه:

أحدها: قلب السؤال عليهم بأن يقال: النبي صلى الله عليه و آله و سلم لم يقل أيضاً إنّه من بحث عن ذلك وتكلّم فيه فاجعلوه مبتدعاً ضالاً، فقد لزمكم أن تكونوا مبتدعة ضُلّالاً إذ قد تكلّمتم في شيء لم يتكلم فيه النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وضلّلتم من لم يضلّله النبي صلى الله عليه و آله و سلم.

الجواب الثاني أن يقال لهم: إنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم لم يجهل شيئاً ممّا ذكرتموه من الكلام في الجسم والعرض، والحركة والسكون، والجزء والطفرة، وإن لم يتكلم في كلّ واحد من ذلك معيناً، وكذلك الفقهاء والعلماء من الصحابة، غير أنّ هذه الأشياء التي ذكرتموها معينة، أُصولها موجودة في القرآن والسنة جملة غير منفصلة.

فأمّا الحركة والسكون والكلام فيهما فأصلهما موجود في القرآن، و هما يدلّان على التوحيد، وكذلك الاجتماع والافتراق، قال اللّٰه تعالى مخبراً عن خليله إبراهيم صلوات اللّٰه عليه وسلامه في قصة أُفول الكوكب والشمس والقمر(1)وتحريكها من مكان إلى مكان، ما دلّ على أنّ ربّه عزّوجلّ لا يجوز عليه شيء من ذلك، وأنّ من جاز عليه الأُفول والانتقال من مكان إلى مكان فليس بإله.

وأمّا الكلام في أُصول التوحيد فمأخوذ أيضاً من الكتاب، قال اللّٰه


1) . الأنعام: 75-79.

تعالى: «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا»(1)، وهذا الكلام موجز منبه على الحجة بأنّه واحد لا شريك له، وكلام المتكلّمين في الحجاج في التوحيد بالتمانع والتغالب فإنّما مرجعه إلى هذه الآية، وقوله عزّوجلّ: «مَا اِتَّخَذَ اَللّٰهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مٰا كٰانَ مَعَهُ مِنْ إِلٰهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلٰهٍ بِمٰا خَلَقَ وَ لَعَلاٰ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ»(2)إلى قوله عزّوجلّ: «أَمْ جَعَلُوا لِلّٰهِ شُرَكٰاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشٰابَهَ اَلْخَلْقُ».(3)وكلام المتكلّمين في الحجاج في توحيد اللّٰه إنّما مرجعه إلى هذه الآيات التي ذكرناها، وكذلك سائر الكلام في تفصيل فروع التوحيد والعدل إنّما هو مأخوذ من القرآن، فكذلك الكلام في جواز البعث واستحالته الذي قد اختلف عقلاء العرب و من قبلهم من غيرهم فيه حتى تعجبوا من جواز ذلك فقالوا: «أَ إِذٰا مِتْنٰا وَ كُنّٰا تُرٰاباً ذٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ»(4)وقولهم: «هَيْهٰاتَ هَيْهٰاتَ لِمٰا تُوعَدُونَ»(5)، وقولهم: «مَنْ يُحْيِ اَلْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ»(6)وقوله تعالى:

«أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذٰا مِتُّمْ وَ كُنْتُمْ تُرٰاباً وَ عِظٰاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ»(7)، وفي نحو هذا الكلام منهم إنّما ورد بالحجاج في جواز البعث بعد الموت في القرآن تأكيداً لجواز ذلك في العقول، وعلّم نبيه صلى الله عليه و آله و سلم، ولقّنه الحجاج عليهم في إنكارهم البعث من وجهين على طائفتين: منه طائفة أقرّت بالخلق الأوّل


1) . الأنبياء: 22.

2) . المؤمنون: 91.

3) . الرعد: 16.

4) . ق: 3.

5) . المؤمنون: 36.

6) . يس: 78.

7) . المؤمنون: 35.

وأنكرت الثاني، وطائفة جحدت ذلك بقدم العالم فاحتج على المقِر منها بالخلق الأوّل بقوله: «قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ»(1)، وبقوله: «وَ هُوَ اَلَّذِي يَبْدَؤُا اَلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ»(2)وبقوله: «كَمٰا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ»(3)، فنبّههم بهذه الآيات على أنّ من قدر أن يفعل فعلاً على غير مثال سابق فهو أقدر أن يفعل فعلاً محدثاً، فهو أهون عليه فيما بينكم وتعارفكم، وأمّا الباري جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه فليس خلقُ شيء بأهون عليه من الآخر، وقد قيل:

إنّ الهاء في «عليه» إنّما هي كناية للخلق بقدرته، إنّ البعث والإعادة أهون على أحدكم وأخف عليه من ابتداء خلقه، لأنّ ابتداء خلقه إنّما يكون بالولادة والتريبة وقطع السرة والقماط وخروج الأسنان، وغير ذلك من الآيات الموجعة المؤلمة، وإعادته إنّما تكون دفعة واحدة ليس فيها من ذلك شيء، فهي أهون عليه من ابتدائه، فهذا ما احتج به على الطائفة المقرّة بالخلق.

وأمّا الطائفة التي أنكرت الخلق الأوّل والثاني، وقالت بقدم العالم فإنّما دخلت عليهم شبهة بأن قالوا: وجدنا الحياة رطبة حارة، والموت بارداً يابساً، وهو من طبع التراب، فكيف يجوز أن يجمع بين الحياة والتراب والعظام النخرة فيصير خلقاً سوياً، والضدان لا يجتمعان، فأنكروا البعث من هذه الجهة.


1) . يس: 79.

2) . الروم: 27.

3) . الأعراف: 29.

ولعمري إنّ الضدّين لا يجتمعان في محلّ واحد، ولا في جهة واحدة، ولا في الموجود في المحل، ولكنّه يصحّ وجودهما في محلين على سبيل المجاورة، فاحتج اللّٰه تعالى عليهم بأن قال: «اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نٰاراً فَإِذٰا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ»(1)، فردّهم اللّٰه عزّ وجلّ في ذلك إلى ما يعرفونه و يشاهدونه من خروج النار على حرها ويبسها من الشجر الأخضر على برده ورطوبته، فجعل جواز النشأة الأُولى دليلاً على جواز النشأة الآخرة، لأنّها دليل على جواز مجاورة الحياة التراب والعظام النخرة، فجعلها خلقاً سوياً وقال: «كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ».(2)وأمّا ما يتكلّم به المتكلّمون من أنّ الحوادث أوّلاً(3)وردّهم على الدهرية أنّه لا حركة إلّاوقبلها حركة، ولا يوم إلّا وقبلها يوم، والكلام على من قال: ما من جزء إلّاوله نصف لا إلى غاية، فقد وجدنا أصل ذلك في سنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم حين قال:

«لا عدوى ولا طيرة» فقال أعرابي: فما بال الإبل كأنّها الظباء تدخل في الإبل الجَربى فتجرب؟ فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «فمن أعدى الأوّل؟» فسكت الأعرابي لمّا أفحمه بالحجة المعقولة.

وكذلك نقول لمن زعم أنّه لا حركة إلّاوقبلها حركة: لو كان الأمر هكذا لم تحدث منها واحدة، لأنّ ما لا نهاية له لا حدث له، وكذلك لما قال الرجل: يا نبي اللّٰه! إنّ امرأتي ولدت غلاماً أسود وعرض بنفيه، فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: هل لك من إبل؟ فقال: نعم! قال: «فما ألوانها؟» قال: حمر، فقال


1) . يس: 80.

2) . الأنبياء: 104.

3) . بياض في الأصل.

رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «هل فيها من أورق؟» قال: نعم! إنّ فيها أورق، قال: «فأنّى ذلك؟» قال: لعلّعرقاً نزعه، فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «ولعل ولدك نزعه عرق». فهذا ما علّم اللّٰه نبيه من ردّ الشيء إلى شكله ونظيره، وهو أصل لنا في سائر ما نحكم به من الشبيه والنظير.

وبذلك نحتج على من قال: إنّ اللّٰه تعالى و تقدّس يشبه المخلوقات، وهو جسم، بأن نقول له: لو كان يشبه شيئاً من الأشياء لكان لا يخلو من أن يكون يشبهه من كلّ جهاته، أو يشبهه من بعض جهاته؛ فإن كان يشبهه من كلّ جهاته وجب أن يكون محدثاً من كلّ جهاته، وإن كان يشبهه من بعض جهاته وجب أن يكون محدثاً مثله من حيث أشبهه، لأنّ كلّ مشتبهين حكمهما واحد فيما اشتبها له، ويستحيل أن يكون المحدث قديماً والقديم محدثاً، وقد قال تعالى وتقّدس: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ»(1)و قال تعالى وتقدّس: «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ». (2)

وأمّا الأصل بأنّ للجسم نهاية وأنّ الجزء لا ينقسم فقوله عزّوجلّ اسمه: «وَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ أَحْصَيْنٰاهُ فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ»(2) و محال إحصاء ما لا نهاية له، ومحال أن يكون الشيء الواحد ينقسم(3)، لأنّ هذا يوجب أن يكونا شيئين، وقد أخبر أنّ العدد وقع عليهما.

وأمّا الأصل في أنّ المحدث للعالم يجب أن يتأتى له الفعل نحو قصده


1) . الشورى: 2.11. الإخلاص: 4.

2) . يس: 12.

3) . بياض في الأصل.

واختياره وتنتفي عنه كراهيته، فقوله تعالى: «أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تُمْنُونَ * أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلْخٰالِقُونَ»(1)، فلم يستطيعوا أن يقولوا بحجة أنّهم يخلقون مع تمنّيهم الولد، فلا يكون مع كراهيته له، فنبّههم أنّ الخالق هو من يتأتى منه المخلوقات على قصده.

وأمّا أصلنا في المناقضة على الخصم في النظر فمأخوذ من سنّة سيّدنا محمد صلى الله عليه و آله و سلم، وذلك تعليم اللّٰه عزّوجلّ إيّاه حين لقي الحبر السمين، فقال له: نشدتك باللّٰه هل تجد فيما أنزل اللّٰه تعالى من التوراة أنّ اللّٰه تعالى يبغض الحبر السمين؟ فغضب الحبر حين عيّره بذلك، فقال: «ما أنزل اللّٰه على بشر من شيء»، فقال اللّٰه تعالى: «قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتٰابَ اَلَّذِي جٰاءَ بِهِ مُوسىٰ نُوراً»(2). فناقضه عن قرب، لأنّ التوراة شيء، وموسى بشر، وقد كان الحبر مقرّاً بأنّ اللّٰه تعالى أنزل التوراة على موسى.

وكذلك ناقض الذين زعموا أنّ اللّٰه تعالى عهد إليهم أن لا يؤمنوا لرسول حتى يأتيهم بقربان تأكله النار، فقال تعالى:

«قُلْ قَدْ جٰاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنٰاتِ وَ بِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ» (3)فناقضهم بذلك وحاجهم.

وأمّا أصلنا في استدراكنا مغالطة الخصوم فمأخوذ من قوله تعالى «إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهٰا وٰارِدُونَ - إلى قوله -


1) . الواقعة: 58-59.

2) . الأنعام: 91.

3) . آل عمران: 183.

لاٰ يَسْمَعُونَ»(1)فإنّها لمّا نزلت هذه الآية بلغ ذلك عبد اللّٰه بن الزبعرى - وكان جدلاً خصماً - فقال: خصمت محمداً وربّالكعبة، فجاء إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فقال: يا محمد! ألست تزعم أنّ عيسى وعزيراً والملائكة عبدوا؟ فسكت النبي صلى الله عليه و آله و سلم لا سكوت عي ولا منقطع، تعجباً من جهله، لأنّه ليس في الآية ما يوجب دخول عيسى وعزير والملائكة فيها، لأنّه قال:

«مٰا تَعْبُدُونَ» ولم يقل وكلّ ما تعبدون من دون اللّٰه، وإنّما أراد ابن الزبعرى مغالطة النبي صلى الله عليه و آله و سلم ليوهم قومه أنّه قد حاجّه، فأنزل اللّٰه عزّوجلّ: «إِنَّ اَلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا اَلْحُسْنىٰ» يعنى من المعبودين «أُولٰئِكَ عَنْهٰا مُبْعَدُونَ»(2)، فقرأ النبي صلى الله عليه و آله و سلم ذلك، فضجّوا عند ذلك لئلا يتبين انقطاعهم وغلطهم، فقالوا: «آلِهَتُنٰا خَيْرٌ أَمْ هُوَ» يعنون عيسى، فأنزل اللّٰه تعالى: «وَ لَمّٰا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذٰا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ» إلى قوله «خَصِمُونَ»(3)، وكلّ ما ذكرناه من الآي أو لم نذكره أصل، وحجة لنا في الكلام فيما نذكره من تفصيل، وإن لم تكن مسألة معينة في الكتاب والسنّة، لأنّ ما حدث تعيينها من المسائل العقليات في أيّام النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم والصحابة قد تكلّموا فيه على نحو ما ذكرناه.

والجواب الثالث: إنّ هذه المسائل التي سألوا عنها قد علمها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ولم يجهل منها شيئاً مفصلاً، غير أنّها لم تحدث في أيام معينة فيتكلم فيها، أو لا يتكلّم فيها، وإن كانت أُصولها موجودة في القرآن والسنّة، وما حدث من شيء فيما له تعلّق بالدين من جهة الشريعة فقد تكلّموا فيه


1) . الأنبياء: 98-100.

2) . الأنبياء: 101.

3) . الزخرف: 57-58.

وبحثوا عنه وناظروا فيه وجادلوا وحاجّوا، كمسائل العول والجدات من مسائل الفرائض، وغير ذلك من الأحكام، وكالحرام والبائن والبتة وحبلك على غاربك. وكالمسائل في الحدود والطلاق ممّا يكثر ذكرها، ممّا قد حدثت في أيامهم، ولم يجئ في كلّ واحدة منها نصّ عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم، لأنّه لو نصّ على جميع ذلك ما اختلفوا فيها، و ما بقي الخلاف إلى الآن.

وهذه المسائل - و إن لم يكن في كلّ واحدة منها نصّ عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فإنّهم ردّوها وقاسوها على ما فيه نصّ من كتاب اللّٰه تعالى والسنّة واجتهادهم، فهذه أحكام حوادث الفروع، ردّوها إلى أحكام الشريعة التي هي فروع لا تستدرك أحكامها إلّا من جهة السمع والرسل، فأمّا حوادث تحدث في الأُصول في تعيين مسائل فينبغي لكلّ عاقل مسلم أن يرد حكمها إلى جملة الأُصول المتفق عليها بالعقل والحس والبديهة وغير ذلك، لأنّ حكم مسائل الشرع التي طريقها السمع أن تكون مردودة إلى أُصول الشرع الذي طريقه السمع، وحكم مسائل العقليات والمحسوسات أن يرد كلّ شيء من ذلك إلى بابه، ولا يخلط العقليات بالسمعيات ولا السمعيات بالعقليات، فلو حدث في أيّام النبي صلى الله عليه و آله و سلم الكلام في خلق القرآن وفي الجزء والطفرة بهذه الألفاظ لتكلّم فيه وبيّنه، كما بيّن سائر ما حدث في أيامه من تعيين المسائل، وتكلّم فيها.

ثمّ يقال: النبي صلى الله عليه و آله و سلم لم يصح عنه حديث في أنّ القرآن غير مخلوق أو هو مخلوق، فلم قلتم: إنّه غير مخلوق؟

فإن قالوا: قد قاله بعض الصحابة وبعض التابعين.

قيل لهم: يلزم الصحابي والتابعي مثل ما يلزمكم من أن يكون مبتدعاً ضالاً إذ قال ما لم يقله الرسول صلى الله عليه و آله و سلم.

فإن قال قائل: فأنا أتوقّف في ذلك فلا أقول: مخلوق ولا غير مخلوق.

قيل له: فأنت في توقّفك في ذلك مبتدع ضال، لأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم لم يقل: إن حدثت هذه الحادثة بعدي توقّفوا فيها ولا تقولوا فيها شيئاً، ولا قال: ضلّلوا وكفّروا من قال بخلقه أو من قال بنفي خلقه.

وخبرونا، لو قال قائل: إنّ علم اللّٰه مخلوق، أكنتم تتوقّفون فيه أم لا؟

فإن قالوا: لا.

قيل لهم: لم يقل النبي صلى الله عليه و آله و سلم ولا أصحابه في ذلك شيئاً؛ وكذلك لو قال قائل: هذا ربّكم شبعان أو ريان، أو مكتس أو عريان، أو مقرور أو صفراوي أو مرطوب، أو جسم أو عرض، أو يشم الريح أو لا يشمّها، أو هل له أنف وقلب وكبد وطحال، وهل يحج في كلّ سنة، وهل يركب الخيل أو لا يركبها، وهل يغتمّ أم لا؟ ونحو ذلك من المسائل، لكان ينبغي أن تسكت عنه، لأنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لم يتكلّم في شيء من ذلك ولا أصحابه، أو كنت لا تسكت، فكنت تبيّن بكلامك أنّ شيئاًمن ذلك لا يجوز على اللّٰه عزّوجلّ، وتقدس كذا وكذا بحجّة كذا وكذا.

فإن قال قائل: أسكت عنه ولا أُجيبه بشيء، أو أهجره، أو أقوم عنه، أو لا أسلم عليه، أو لا أعوده إذا مرض، أو لا أشهد جنازته إذا مات.

قيل له: فيلزمك أن تكون في جميع هذه الصيغ التي ذكرتها مبتدعاً

ضالاً، لأنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لم يقل: من سأل عن شيء من ذلك فاسكتوا عنه، ولا قال: لا تسلّموا عليه، ولا: قوموا عنه، ولا قال شيئاً من ذلك، فأنتم مبتدعة إذا فعلتم ذلك، ولم لم تسكتوا عمّن قال بخلق القرآن، و لِمَ كفرتموه؟ ولم يرد عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم حديث صحيح في نفي خلقه، وتكفير من قال بخلقه.

فإن قالوا: إنّ أحمد بن حنبل رضي اللّٰه عنه، قال بنفي خلقه، وتكفير من قال بخلقه.

قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أحمد عن ذلك بل تكلّم فيه؟

فإن قالوا: لأنّ العباس العنبري ووكيعاً وعبد الرحمن بن مهدي وفلاناً وفلاناً قالوا إنّه غير مخلوق، ومن قال بأنّه مخلوق فهو كافر.

قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أُولئك عمّا سكت عنه صلى الله عليه و آله و سلم؟

فإن قالوا: لأنّ عمرو بن دينار وسفيان بن عيينة وجعفر بن محمد رضي اللّٰه عنهم و فلاناً وفلاناً قالوا: ليس بخالق ولا مخلوق.

قيل لهم: ولِمَ لم يسكت أُولئك عن هذه المقالة، ولم يقلها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم؟

فإن أحالوا ذلك على الصحابة أو جماعة منهم كان ذلك مكابرة. فإنّه يقال لهم: فلم لم يسكتوا عن ذلك، ولم يتكلّم فيه النبي صلى الله عليه و آله و سلم. ولا قال: كفروا قائله.

وإن قالوا: لابدّللعلماء من الكلام في الحادثة ليعلم الجاهل حكمها.

قيل لهم: هذا الذي أردناه منكم، فلم منعتم الكلام، فأنتم إن شئتم

تكلّمتم، حتى إذا انقطعتم قلتم: نهينا عن الكلام؛ وإن شئتم قلّدتم من كان قبلكم بلا حجة ولا بيان، وهذه شهوة وتحكّم.

ثمّ يقال لهم: فالنبي صلى الله عليه و آله و سلم لم يتكلّم في النذور والوصايا، ولا في العتق، ولا في حساب المناسخات، ولا صنّف فيها كتاباً كما صنعه مالك والثوري والشافعي وأبو حنيفة، فيلزمكم أن يكونوا مبتدعة ضلّالاً إذ فعلوا ما لم يفعله النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وقالوا ما لم يقله نصاً بعينه، وصنّفوا ما لم يصنّفه النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وقالوا بتكفير القائلين بخلق القرآن ولم يقله النبي صلى الله عليه و آله و سلم. وفيما ذكرنا كفاية لكلّ عاقل غير معاند.

أُنجز والحمد للّٰه، وصلّى اللّٰه على سيّدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

وجه تسمية علم الكلام، بالكلام

قال في المواقف: إنّما سمّي كلاماً إمّا لأنّه بازاء المنطق للفلاسفة، أو لأنّ أبوابه عنونت أوّلاً بالكلام في كذا، أو لأنّ مسألة الكلام أشهر أجزائه حتى كثر فيه التناحر والسفك فغلب عليه، أو لأنّه يورث قدرة على الكلام في الشرعيات ومع الخصم.(1)قد ذكر التفتازاني في «شرح العقائد النسفية» في وجه تسمية علم العقائد بعلم الكلام وجوهاً ستة، وكلّها مرجوحة، وإليك نصّه:

1. إنّ عنوان مباحث ذلك العلم كان قولهم: الكلام في كذا.

1) . المواقف: 8-9.

2.

لأنّه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات وإلزام الخصوم، كالمنطق للفلسفة.

3.

لأنّه أوّل ما يجب من العلوم التي تُتعلّم بالكلام.

4.

لأنّه إنّما يتحقّق بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين.

5.

لأنّه أكثر العلوم خلافاً ونزاعاً، فيشتد افتقاره إلى الكلام.

6.

لأنّه لقوّة أدلّته صار كأنّه هو الكلام دون ما عداه.(1)إنّ واحداً من هذه الوجوه لا يقبله الذوق، لأنّ جميعها أو أكثرها مشترك بين علم العقائد وغيره من العلوم، فلماذا اختص ذاك العلم به ولم يطلق على سائر العلوم؟

والظاهر أنّ تسميته به لأحد وجهين تاليين:

1. إنّ أوّل خلاف وقع في الدين كان في كلام اللّٰه عزّوجلّ، وأنّه أمخلوق هو أو غير مخلوق؟ فتكلم الناس فيه، فسمّي هذا النوع من العلم كلاماً واختص به.(2)يلاحظ عليه: أنّ حدوث القرآن و قدمه لم يكن أوّل خلاف وقع في الدين، بل سبقته عدة خلافات.

منها: كون صيغة الخلافة هي التنصيص أو اختيار الأُمّة، وبعبارة أُخرى: هل الخليفة بعد رسول اللّٰه أبو بكر أو عليّ؟


1) . شرح العقائد النسفية: 15، طبع بغداد سنة 1326 ه.

2) . الوفيات: 677/1.

ومنها: أنّ مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن فاسق، أو لا مؤمن ولا كافر بل منزلة بين المنزلتين، أو كافر؟ فقد أثار أمر التحكيم في (صفّين) هذه المسألة.

طرحت هذه المسألة في الأوساط الإسلامية قبل أن يطرح قدم القرآن أو حدوثه.

ومنها: أنّ الإيمان إذعان وقول وعمل، أو إذعان فقط، أو إذعان بشرط الإظهار، إلى غير ذلك من الوجوه.

ومنها: مسألة الجبر والاختيار، وسيادة القدر على حرية الإنسان بل على قدرة الرب فلا يغير ولا يبدل المقدر، أو غير ذلك.

فهذه المسائل متقدّمة على البحث عن قدم القرآن وحدوثه.

وإنّما طرحت هذه المسألة في أوائل الخلافة العباسية بين الأوساط.

نعم، ينسب القول بالحدوث إلى آخر الخلفاء من المروانيّين، وأنّه أخذ حدوث القرآن عن الجعد بن درهم، ولم يوجد القول بالقدم والحدوث في أواخر المروانيّين دوياً بين الناس.

2. إنّ تسمية علم العقائد بالكلام لأجل أنّ ذاك العلم بالصورة العقلية كان مهنة للمعتزلة وحرفة لهم، وبما أنّ هؤلاء كانوا أرباب الفصاحة والبلاغة وكانوا يدافعون عن عقيدتهم بأفصح العبارات وأبلغها وأوكدها، فلذلك اشتهروا بأصحاب الكلام، وسمِّي من لصق بذلك وتمهّر فيه متكلّماً، واللّٰه العالم.

الفصل الثاني الإمام الأشعري آراؤه ونظرياته

اشارة

استعرض الشيخ الأشعري آراءه ونظرياته حول المبدأ والمعاد، وأسمائه سبحانه، وصفاته وأفعاله، وما يمت إلى ذلك بصلة في كتاب «اللمع» واستمد في إثباتها من الأدلّة العقلية بوفرة، وعززها بالأدلّة النقلية، ونحن ندرس أُصول ما استعرضه واحداً بعد واحد، ونعتمد على كتبه الثلاثة، وعلى «اللمع» بالأخص، لما عرفت من تميّزه على الآخرين، وإليك عناوين بحوثه:

1.

استدلاله على وجوده سبحانه.

2.

البارئ لا يشبه المخلوقات.

3.

استدلاله على وحدانية الصانع.

4.

إعادة الخلق المعدوم جائز.

5.

اللّٰه سبحانه ليس بجسم.

6.

صفاته الذاتية.

7.

صفاته قديمة لا حادثة.

8.

صفاته زائدة على ذاته.

9.

رأيه في الصفات الخبرية.

10.

أفعال العباد مخلوقة للّٰه سبحانه.

11.

الاستطاعة مع الفعل لا قبله.

12.

رؤية اللّٰه بالأبصار في الآخرة.

13.

كلام اللّٰه سبحانه هو الكلام النفسي.

14.

كلامه سبحانه غير مخلوق أو قديم.

15.

عمومية إرادته لكلّ شيء.

16.

إنكار التحسين والتقبيح العقليّين (التعديل والتجوير).

(1) استدلاله على وجود الصانع سبحانه

قال: الدليل على ذلك أنّ الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام، كان نطفة، ثمّ علقة، ثم مضغة، ثم لحماً، ودماً، وعظماً، وقد علمنا أنّه لم ينقل نفسه من حال إلى حال، لأنّا نراه - في حال كمال قوته وتمام عقله - لا يقدر أن يحدث لنفسه سمعاً ولا بصراً، ولا أن يخلق لنفسه جارحة، يدل ذلك على أنّه في حال ضعفه ونقصانه عن فعل ذلك أعجز، ورأيناه طفلاً ثمّ شاباً ثم كهلاً ثمّ شيخاً، وقد علمنا أنّه لم ينقل نفسه من حال الشباب إلى حال الكبر والهرم، لأنّ الإنسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم ويردّها إلى حال الشباب لم يمكنه ذلك، فدلّ ما وصفناه على أنّه ليس هو الذي ينقل نفسه في هذه الأحوال، وأنّ له ناقلاً نقله من حال إلى حال ودبره على ما هو عليه، لأنّه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبّر.

ثمّ مثل لذلك بتحوّل القُطن إلى الغزل، إلى الفتل، إلى الثوب، فكما هو يحتاج إلى ناسج فكذلك الإنسان، فلو دلّ ذلك على وجوده، كان تحوّل النطفة علقة ثمّ مضغة ثمّ لحماً ودماً وعظماً أعظم في الأعجوبة، وكان أولى أن يدلّ على صانع صنع النطفة ونقلها من حال إلى حال، وقد قال اللّٰه تعالى:

«أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تُمْنُونَ * أَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ اَلْخٰالِقُونَ»(1). وقال سبحانه: «وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاٰ تُبْصِرُونَ»(2)فبيّن لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم ومدبر دبرهم.(3)يلاحظ على هذا الدليل:

أوّلاً: أنّ الاستدلال المذكور استدلال عقلي بحت، ومعتمد على أصل فلسفي وهو حاجة الممكن إلى العلّة، أو حاجة الحادث إلى السبب.

وبعبارة أُخرى: معتمد على قبول قانون العلية. وهذا النوع من التفكير يختص بالمتكلّمين. ولا نرى مثله بين أهل الحديث. وهذا دليل على أنّ الشيخ يسير على ضوء العقل، والاستدلال به ما أمكن.

ثانياً: أنّ صلب البرهان في البيان الأوّل يرجع إلى أنّ فاقد الكمال لا يعطيه، فالإنسان إذا عجز عن إحداث السمع والبصر في حال القدرة، فهو في حال العجز أولى.

وقد أفرغ أمير المؤمنين هذا البرهان في بعض خطبه، في جمل في غاية الفصاحة فقال: «أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام، وشغف الأستار، نطفة دهاقاً، وعلقة محاقاً، وجنيناً وراضعاً، ووليداً ويافعاً، ثمّ منحه قلباً حافظاً، ولساناً لافظاً، وبصراً لاحظاً، ليفهم معتبراً ويقصر مزدجراً».(4)


1) . الواقعة: 58-59.

2) . الذاريات: 21.

3) . اللمع: 18.

4) . نهج البلاغة: 140/1، الخطبة 80، ط مصر.

ثالثاً: أنّ ما استعرض الشيخ من الآيتين إنّما هو من الشواهد الواضحة على أنّ القرآن يعتمد في بيان الأُصول والمعارف على الأدلة العقليّة والبراهين الواضحة، من أجل إقناع عامة البشر، مؤمناً كان أم كافراً، ولا يكتفي بالتعبّد، فإنّ للتكلّم مع البرهان مكاناً، وللتعبّد مكاناً آخر، فما لم تستقر شجرة الإيمان في قلب الإنسان، لا تصح مشافهته إلّابما يوحيه إليه عقله وتقضي به فطرته، فإذا صار مؤمناً معتقداً بربه وبرسوله ورسالته ووحيه، يبلغ إلى مرحلة يصحّ معها التكلّم معه بصورة التعبّد وإلقاء الأُصول والوظائف مجردة عن البرهنة.

ثمّ إنّ الشيخ في أثناء تقرير البرهان جاء بأمر غير تام، فاستدلّ على أنّ هناك ناقلاً ومدبراً غير الإنسان بقوله: «إن الإنسان لوجهد أن يزيل عن نفسه الكبر لم يمكنه ذلك» وجعل هذا دليلاً على أنّه لم ينقل نفسه من حال الشباب إلى حال الكبر، ولكن الملازمة غير ثابتة، إذ لمشكّك أن يقول: إنّه قادر على نقل نفسه من الشباب إلى الهرم، ولكنّه غير قادر على العكس، ولا ملازمة بين القدرة على القضية الأُولى والقدرة على القضية الثانية، فالإنسان الضعيف قادر على قذف الجسم الثقيل من السطح إلى الأرض، وليس بقادر على رفعه منها إليه، وقس على ذلك الأمثلة الأُخرى.

(2) البارئ لا يشبه المخلوقات

استدلّ على تنزيهه سبحانه عن مشابهة المخلوقات بأنّه لو أشبهها لكان حكمه في الحدوث حكمها، ولو أشبهها لم يخل من أن يشبهها في جميع الجهات أو في بعضها؛ فلو أشبهها في جميع الجهات، كان محدثاً مثلها من جميع الجهات، وإن أشبهها في بعضها كان محدثاً من حيث أشبهها، ويستحيل أن يكون المحدث لم يزل قديماً و قد قال اللّٰه تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ».(1)وقال تعالى: «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»(2).(3)

ويلاحظ على هذا الدليل: أنّ صلب البرهان عبارة عن كون المشابهة من جميع الجهات أو بعضها يلازم كونه محدثاً، وهذه الملازمة في مجال المشابهة في جميع الجهات أمر صحيح لا غبار عليه.

ولكن المشابهة في بعض الجهات مع التحفّظ على قدمه سبحانه لا تستلزم حدوثه.

فلو قالت المشبهة: بأنّ اللّٰه قديم ولكن له يد وجارحة مثل يد الإنسان وجوارحه، فالمشابهة من بعض الجهات مع حفظ القدم لا ينتج كونه محدثاً.

والحاصل أنّ المشابهة من بعض الجهات - مع القول بكونه قديماً - لا يستلزم الحدوث.

نعم لو اعتمد الشيخ على أنّ المشابهة للمخلوق في أيّة جهة من الجهات، لا تنفك عن الحاجة، والحاجة آية الإمكان صحّ الاستدلال، لأنّ الممكن لا يكون واجب الوجود، وما ليس بواجب فهو حادث ذاتاً أو زماناً، و الكلّ محتاج إلى علة واجبة.

وفي مورد المثال: لو كان لذاته مكان كسائر الأجسام لكان لها حيز، فتكون محتاجة إلى الحيز، الحاجة لا تجتمع مع وجوب الوجود وتتناسب مع الإمكان، والموصوف به إمّا حادث ذاتي أو حادث زماني، فالأشياء الممكنة المجردة، لها الحدوث الذاتي، والأشياء الممكنة الواقعة في إطار الزمان، لها الحدوث الزماني.


1) . الشورى: 11.

2) . الأخلاص: 4.

3) . اللمع: 20.

وباختصار: إنّ الاكتفاء بكون المشابهة مستلزمة للحدوث، لا يوجب كون البرهان منتجاً، وإنّما ينتج البرهان إذا كانت المشابهة منجرة إلى الحاجة المضادة لوجوب الوجود حتى ينتهي الأمر إلى إمكانه وحدوثه.

(3) استدلاله على وحدانية الصانع

اشارة

استدلّ الشيخ الأشعري على وحدانية الصانع ببرهان التمانع، وقال: إنّ الصانعَيْن المفترضين لا يجري تدبيرهما على نظام، ولا يتّسق على أحكام، ولابدّ أن يلحقهما العجز أو واحداً منهما، لأنّ أحدهما إذا أراد أن يحيي إنساناً، وأراد الآخر أن يميته، لم يخل أن يتم مرادهما جميعاً، أو لا يتم مرادهما، أو يتم مراد أحدهما دون الآخر، ويستحيل أن يتم مرادهما جميعاً، لأنّه يستحيل أن يكون الجسم حياً وميتاً في حال واحدة.

وإن لم يتم مرادهما جميعاً وجب عجزهما، والعاجز لا يكون إلهاً ولا قديماً.

وإن تم مراد أحدهما دون الآخر وجب عجز من لم يتم مراده منهما، والعاجز لا يكون إلهاً وقديماً، فدلّما قلناه على أنّ صانع الأشياء واحد، وقد قال اللّٰه تعالى: «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا»(1).(2)


1) . الأنبياء: 22.

2) . اللمع: 20-21.

يلاحظ على ما أفاده:

أوّلا: أنّ ما ذكره هو برهان التمانع الوارد في الكتب الكلامية، ولكنّه لم يستقص جميع شقوقه، إذ لقائل أن يقول: إنّ الإلهين بما أنّهما عالمان - بما لا نهاية لعلمهما - واقفان على المصالح والمفاسد، وما يصحّ فعله ممّا لا يصحّ، فيتّفقان على ما فيه المصلحة والحكمة.

ومن المعلوم أنّه ليس إلّاأمراً واحداً، فحينئذٍ تتحد إرادتهما على إيجاد ما اتّفقا عليه، فإنّ الاختلاف في الإرادة إمّا ناشئ من حبّ الذات، فيقدّم ما فيه المنفعة الشخصية على غيره، أو ناشئ من الجهل بالمصالح والمفاسد، وكلا العاملين منفيان عن ساحة الإلهين المفروضين.

ولأجل استيعاب جميع الشقوق تجب الإجابة عن هذا الشق أيضاً.

وموجز الإجابة (والتفصيل يطلب من الأسفار الكلامية) أنّ تعدد الصانع في الخارج يدلّ على وجود تباين واختلاف بينهما في أمر من الأُمور، فهما إمّا متباينان في جميع الذات، (كما هو الحال في الأجناس العالية، فإنّ الجوهر يباين العرض بتمام الذات) أو في بعضها كتباين نوع من نوع آخر (مثل الإنسان بالنسبة إلى الفرس) أو في الشخصيات والتعينات.

وعلى كلّ تقدير يجب أن يكون هناك نوع من التباين والاختلاف ولو من جهة واحدة، وفي مرحلة من مراحل الوجود؛ وإلّا فلو تساويا من جميع الجهات، لارتفع التعدد وصار المفروضان إلهاً واحداً وهو خلف.

وعلى فرض وجود اختلاف بين الإلهين، يجب أن يختلف شعورهما

وإدراكهما ولو في مورد أو موردين، إذ لا معنى لأن يتحد تشخيصهما وإدراكهما وعلمهما مع الاختلاف في الذات أو التعيّنات.

وعندئذٍ، لا يمكن أن نقول إنّهما يتفقان في جميع الموارد على شيء واحد وهو مقتضى الحكمة والمصلحة، لأنّ المفروض أنّ كلّ واحد يرى فعله موافقاً للحكمة والمصلحة، ولا دليل على انحصار المصلحة والحكمة في جهة واحدة، بل من الممكن أن يكون كلا الفعلين مقرونين بالصلاح ولكلّ منهما فلاح.

هذا هو التقرير الصحيح للبرهان.

وثانياً: أنّ قوله سبحانه: «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ» ليس ناظراً إلى وحدة الصانع والخالق، بل الآية تركّز على وحدة التدبير في العالم، وأنّ مدبّر العالم إله واحد لا غير. والبرهان القرآني على وحدة التدبير جاء ضمن آيتين تتكفّل كلّ واحدة منهما ببيان بعض شقوق البرهان. وإليك الآيتان مع توضيح البرهان:

1. «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا فَسُبْحٰانَ اَللّٰهِ رَبِّ اَلْعَرْشِ عَمّٰا يَصِفُونَ».(1)2. «وَ مٰا كٰانَ مَعَهُ مِنْ إِلٰهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلٰهٍ بِمٰا خَلَقَ وَ لَعَلاٰ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ عَمّٰا يَصِفُونَ»(2).

1) . الأنبياء: 22.

2) . الأنبياء: 91.

توضيح البرهان بجميع شقوقه

إنّ تصوير تعدّد المدبّر للعالم يفترض على صور:

1.

أن يتفرّد كلّ واحد من الآلهة المفترضة بتدبير مجموع الكون باستقلاله، بمعنى أن يعمل كلّ واحد ما يريده في الكون دون منازع، ففي هذه الصورة يلزم تعدّد التدبير لأنّ المدبّر متعدد ومختلف في الذات، ونتيجة تعدّد التدبير طروء الفساد على العالم وذهاب الانسجام المشهود، وإليه يشير قوله سبحانه: «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا...».

2.

أن يدبّر كلّ واحد قسماً من الكون الذي خلقه، وعندئذٍ يجب أن يكون لكلّ جانب من الجانبين نظام مستقل خاص مغاير لنظام الجانب الآخر وغير مرتبط به؛ وهذا الفرض يستلزم انقطاع الارتباط وذهاب الانسجام من الكون، والحال أنّا نرى في الكون نوعاً واحداً من النظام شاملاً لكلّ جوانب الكون من الذرة إلى المجرة، وإلى هذا القسم من البرهان يشير قوله سبحانه في الآية الأُخرى «إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلٰهٍ بِمٰا خَلَقَ».

3.

أن يتفوّق أحد الآلهة المفترضة على البقية فيوحّد جهودهم وأعمالهم، ويصبغها بصبغة الانسجام والاتحاد، وعندئذٍ يكون ذلك الإله المتفوّق، هو الإله الحقيقي دون البقية، وإلى هذا الشق يشير قوله سبحانه: «وَ لَعَلاٰ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ».

وباختصار، أنّ ما ذكره الأشعري من البرهان على وحدانية الصانع،

غير مستوعب لجميع الشقوق، وإنّ الآية التي استشهد بها ليست راجعة إلى وحدانية الصانع، بل راجعة إلى وحدانية المدبّر.

والفرق بين التوحيد في الخالقية والتوحيد في المدبّرية غير خفي على العارف بالمسائل الكلامية.

(4) إعادة الخلق المعدوم جائز

استدلّ الشيخ الأشعري على جواز إعادة الخلق المعدوم بالبيان التالي:

إنّ اللّٰه سبحانه خلقه أوّلاً، لا على مثال سبقه، فإذا خلقه أوّلاً لم يعيه أن يخلقه خلقاً آخر.

ثمّ استشهد بالآيات الواردة حول إمكان المعاد، التي منها قوله سبحانه: «وَ ضَرَبَ لَنٰا مَثَلاً وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قٰالَ مَنْ يُحْيِ اَلْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ».(1)يلاحظ على ما ذكره: أنّ هنا مسألتين يجب فصل كلّ منهما عن الأُخرى:

الأُولى: إعادة الخلق الأوّل بعد فنائه بتلاشيه وتفرّق أجزائه، وهذا ما أخبرت عنه الشرائع السماوية، واستدلّ القرآن على إمكانه بطرق متعددة نشير إليها عن قريب، ومثل هذا ليس إعادة للخلق الأوّل بعد انعدامه من


1) . يس: 78-79.

جميع الجهات، بل هو إحياء للمواد المبعثرة من الإنسان بإعادة الروح إليها. والحاكم بأنّ الإنسان المعاد هو الإنسان المبتدأ، هو وحدة الروح المجردة المتعلّقة في كلّ زمن ببدن خاص، والروح لا تفنى بفناء المادة، ولا تنفك أجزاؤها.

وقد استدلّ القرآن على إمكان هذا النوع من الإعادة بطرق مختلفة نأتي بأُصولها:

1. الاستدلال بعموم القدرة، مثل قوله سبحانه: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللّٰهَ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ لَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقٰادِرٍ عَلىٰ أَنْ يُحْيِيَ اَلْمَوْتىٰ بَلىٰ إِنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدِيرٌ».(1)2. قياس الإعادة على الابتداء، كما في قوله سبحانه: «كَمٰا بَدَأْنٰا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ».(2)3. الاستدلال على إمكان إحياء الموتى بإحياء الأرض بالمطر والنبات، كما في قوله سبحانه: «وَ يُحْيِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا وَ كَذٰلِكَ تُخْرَجُونَ».(3)4. الاستدلال بالوقوع على الإمكان، فإنّ أدلّدليل على إمكان الشيء وقوعه، ولأجل ذلك نقل سبحانه قصة بقرة بني إسرائيل (البقرة: 67-73) وحديث عزير (البقرة: 25(9).

1) . الأحقاف: 33.

2) . الأنبياء: 104.

3) . الروم: 19.

5.

الاستدلال ببعض المنامات الطويلة التي امتدت ثلاثمائة سنة وزيدت عليها تسع، فإنّ النوم أخو الموت، ولا سيّما الطويل منه. والقيام من هذا النوم يشبه تجدّد الحياة وتطوّرها.

6.

قياس قدرة الإعادة على قدرة إخراج النار من الشجر الأخضر، كما في قوله سبحانه: «قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلشَّجَرِ اَلْأَخْضَرِ نٰاراً فَإِذٰا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ».(1)هذه هي البراهين المشرقة التي اعتمد عليها القرآن فيما يتبنّاه من إمكان المعاد ووقوعه، وهذه المسألة لا تمتّ إلى المسألة التالية بصلة.

الثانية: إعادة المعدوم من جميع الجهات، بعينه لا بمثله، وهذا هو الذي ادّعى الشيخ الرئيس ابن سينا الضرورة على امتناعه، وأقام البراهين عليه، ونذكر منها ما يناسب وضع كتابنا.

إنّ إعادة الشيء المعدوم من جميع الجهات نوع إيجاد له، والمفروض أنّ هذا الإيجاد يغاير الإبداع الذي تعلّق بإيجاده قبل أن يكون معدوماً. ومع تعدّد الإيجاد وتعدّد أعمال القدرة كيف يكون المعاد نفس المبتدأ من جميع الجهات. نعم، يكون المعاد مثل المبتدأ لا عينه، ولأجل الإيضاح نأتي بمثال:

إذا قام الإنسان بخلق صورة الفرس بالشمعة اللينة، ثمّ محا الصورة التي أوجدها وأعادها ثانياً، فلا يصحّ لأحد أن يقول:

إنّ الصورة الثانية عين


1) . يس: 79-80.

الأُولى، لأنّ الأُولى تعلّقت بها قدرة وأُوجدت بإيجاد خاص، والثانية تعلّقت بها قدرة أُخرى في زمان آخر، وأُوجدت بإيجاد ثان، والقدرتان مختلفتان، والإيجادان متعدّدان، فكيف يكون الموجدان واحداً بل لا مناص على القول باختلافهما. فإذا لم يصحّ إعادة المعدوم في المثال المذكور (الذي كانت المادة فيه محفوظة والصورة فقط منعدمة) فكيف يصحّ فيما كانت الصورة والمادة معدومتين غير باقيتين؟

هذا هو الفرق البارز بين المسألتين، ولم يشر الشيخ الأشعري إلى الفرق بينهما.

(5) اللّٰه سبحانه ليس بجسم

لقد أكّد الشيخ الأشعري على تنزيه اللّٰه سبحانه عن الجسم والجسمانيات في كتاب «اللمع» بشكل واضح، وبذلك امتاز منهجه عن منهج كثير من أهل الحديث الذين لا يتورّعون عن إسناد أُمور إليه سبحانه تلازم تجسيمه وكونه ذا جهة. وقد أوضحنا حال هذه الطائفة عند البحث عن عقائد أهل الحديث والحنابلة في الجزء الأوّل.

وأمّا البرهان الذي اعتمد عليه الشيخ فيرسمه في العبارة التالية:

فإن قال قائل: لم أنكرتم أن يكون اللّٰه تعالى جسماً؟

قيل له: أنكرنا ذلك لأنّه لا يخلو أن يكون القائل بذلك أراد أن يكون طويلاً عريضاً مجتمعاً، أو يكون أراد تسميته جسماً وإن لم يكن طويلاً عريضاً مجتمعاً عميقاً، فإن أراد الأوّل فهذا لا يجوز، لأنّ المجتمع لا يكون شيئاً واحداً، لأنّ أقلّ قليل الاجتماع لا يكون إلّامن شيئين، لأنّ الشيء الواحد لا يكون لنفسه مجامعاً. وقد بيّنا آنفاً أنّ اللّٰه عزّوجلّ شيء واحد، فبطل أن يكون مجتمعاً. وإن أردتم الثاني فالأسماء ليست إلينا، ولا يجوز أن

يسمى اللّٰه تعالى باسم لم يسمِّ به نفسه، ولا سمّاه به رسوله، ولا أجمع المسلمون عليه ولا على معناه.(1)يلاحظ عليه: أنّ توحيده سبحانه على مراتب نذكر منها ماله صلة بالمقام:

1.

توحيده سبحانه بمعنى أنّه واحد لا نظير له ولا مثيل. وهذا ما يعنى من قوله سبحانه: «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ»(2)، وقوله سبحانه: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ»(3)، وهذا القسم من التوحيد يهدف إلى أنّ واجب الوجوب بالذات واحد لا يتثنى ولا يتكرر، ليس له نظير ولا مثيل.

2.

توحيده سبحانه بمعنى بساطة ذاته وتنزهه عن أنواع التركيب والكثرة في مقام الذات. ولعل «الأحدية» التي يخبر عنها القرآن في الآيات الكريمة، عبارة عن هذا النوع من التوحيد، وهو بساطة الذات والتنزّه عن التركيب والكثرة. قال سبحانه:

«قُلْ هُوَ اَللّٰهُ أَحَدٌ».(4)وفي ضوء هذين التوحيدين نخرج بالنتيجتين التاليتين:

أ. اللّٰه سبحانه واحد لا نظير له ولا مثيل.

ب. اللّٰه سبحانه أحد، بسيط، لا جزء لذاته ولا تركيب.

وهناك قسم ثالث من التوحيد، وهو التوحيد في الخالقية، وأنّه ليس


1) . اللمع: 24.

2) . الاخلاص: 4.

3) . الشورى: 11.

4) . الاخلاص: 1.

في صفحة الوجود خالق إلّاهو، وخالقية الفواعل الأُخر بالاعتماد عليه والاستمداد من خالقيته سبحانه.

إذا عرفت ذلك، تعرف الخلط في كلام الشيخ الأشعري بوضوح، لأنّ ما تقدّم منه في البحث السابق هو وحدة صانع العالم، ولكن ما هو مقدمة برهانه هنا بساطة ذاته وعدم تركبه من شيء، ولم يسبق ذلك في البحث السابق حتى يعتمد عليه في إثبات ما يتبنّاه من: «أنّه سبحانه ليس جسماً، لأنّ الجسمانية تستلزم كون الشيء عريضاً طويلاً مجتمعاً عميقاً. وهو يلازم الكثرة، والكثرة لا تجتمع مع الوحدة».

وعلى ذلك فلا يتم برهان الشيخ إلّاإذا برهن على بساطة الذات ووحدتها وعدم تكثّرها عقلاً ولا خارجاً، وإلّا لا يكون برهانه موضوعياً معتمداً على شيء أثبته من قبل.

نعم، في وسع الشيخ أن يبرهن على البساطة بأنّ الكثرة الخارجية أو الذهنية تستلزم احتياج الواجب إلى أجزائه، والمحتاج لا يكون واجباً، بل ممكناً.

(6) صفاته الذاتية

اشارة

اتّفق الإلهيون على أنّه سبحانه: عالم، قادر، حي، سميع، بصير، وهذه هي الصفات الذاتية حسب مصطلح المتكلّمين، والصفات الثبوتية الكمالية حسب مصطلح متكلّمي الإمامية. وهي في مقابل صفات الفعل، أعني: ما ينتزع لا من مقام الذات بل من مقام الفعل ككونه رازقاً، محيياً، مميتاً وغيرها. وإليك نصوص استدلاله في تلك المجالات:

أ. اللّٰه سبحانه عالم

استدلّ الأشعري على كونه سبحانه عالماً: بأنّ الأفعال المحكمة لا تتسق في الحكمة إلّامن عالم. وذلك أنّه لا يجوز أن يحوك الديباج بالتصاوير ويصنع دقائق الصنعة من لا يحسن ذلك ولا يعلمه.(1)ما ذكره من البرهان قد ذكره قبله غيره ببيان رائق وتعبير بديع، فإنّ إتقان الفعل واستحكامه آية علم الفاعل بشؤون الفعل و ما يقوّمه وما يفنيه.


1) . اللمع: 24.

ب. اللّٰه سبحانه حيّ قادر

استدلّ على هذا بأنّه لا تجوز الصنائع إلّامن حيّ قادر، لأنّه لو جاز حدوثها ممّن ليس بقادر حي، لم ندر لعل سائر ما يظهر من الناس يظهر منهم وهم عجزة موتى، فلمّا استحال ذلك، دلّت الصنائع على أنّ اللّٰه حي.(1)كان الأليق التفكيك بين الحياة والقدرة، وتقديم البحث في القدرة على البحث في الحياة، لأنّه إذا ثبت كونه قادراً - و قد أثبت فعله كونه عالماً - ثبت كونه حياً بلا حاجة إلى الاستدلال الجديد، لأنّ الحيّ عبارة عن العالم القادر، أو الدرّاك الفعال. فمن كان عالماً قادراً فهو حيّ قطعاً.

ج. اللّٰه سبحانه سميع بصير

قال الأشعري: إنّ الحي إذا لم يكن موصوفاً بآفة تمنعه من إدراك المسموعات والمبصرات إذا وجدت، فهو سميع بصير، واللّٰه تعالى منزّه عن الآفة من الصمم والعمى، إذ كانت الآفة تدلّ على حدوث من جارت عليه.(2)يلاحظ عليه: أنّ الأبصار تتعلّق بالأضواء والألوان. والسمع يتعلّق


1) . اللمع: 25.

2) . اللمع: 25.

بالأصوات والكلمات، فلو كان إبصاره سبحانه للمبصرات، وسماعه للمسموعات بالإدراك الحسي المادي، نظير الإنسان والحيوان، لاحتاج في تحقّقهما إلى الآلة. وعند ذاك يأتي ما ورد في كلام الشيخ من مسألة الصحّة والتنزّه عن الآفة، نظير الصمم والعمى، وأنّ الآفة آية الحدوث.

وأمّا لو كان توصيفه بهذين الوصفين بالمعنى اللائق بساحته، فحقيقة كونه سميعاً بصيراً ترجع إلى حضور المسموعات والمبصرات لديه، وعدم غيابهماعنه سبحانه ولا يختص الحضور بهما، بل الموجودات على الإطلاق بهوياتها الخارجية حاضرة لديه، لأنّها قائمة به سبحانه، قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، فهي حاضرة لديه، غير غائبة عنه، من غير فرق بين المبصر والمسموع وغيرهما، وتخصيصهما بالذكر لكون الحس المتعلّق بهما في الإنسان أشرف من غيره، فاقتصر عليهما، وإلّا فاللّٰه سبحانه أجل من أن يسمع ويرى بالآلة، ويباشر بذاته الأضواء والأصوات.

وباختصار: إنّ واقع الإبصار والسماع ليس إلّاحضور المبصرات والمسموعات لدى البصير والسميع.

وأمّا الآلة وأعمالها والتأثر من الخارج فمقدّمات إعدادية.

فلو تحقّق في مورده الحضور، بلا حاجة إلى تلك المقدمات لكان أحقّ بكونه سميعاً وبصيراً.

ونضيف في الختام أنّه لم يعلم كنه قوله: «الآفة تدلّ على حدوث من جارت عليه» فإنّ كون المدرك (بالكسر) مادياً آية الحدوث لكونه

ممكناً، والممكن حاجته إلى الواجب أزلية، وأمّا الصحّة والآفة، فالكلّ بالنسبة إلى القدم والحدوث سواسية فلا الصحة آية القدم، ولا الآفة آية الحدوث.

بل كون الشيء (الإدراك) مادياً آية الحدوث للتلازم بين المادية والحدوث.

(7) صفاته قديمة لا حادثة

إنّ الحي إذا لم يكن عالماً كان موصوفاً بضدّالعلم، أي الجهل. ولو كان موصوفاً به لاستحال أن يعلم، لأنّ ضدّ العلم لو كان قديماً لاستحال أن يبطل، وإذا استحال أن يبطل لم يجز أن يصنع المصانع الحكيمة، فلما صنعها دلّت على أنّه عالم، وصحّ أنّه لم يزل عالماً.(1)يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ الحدوث والقدم من أوصاف الأُمور الوجودية، وضد العلم ليس إلّاأمراً عدمياً ومثله لا يوصف لا بالحدوث ولا بالقدم، فلا يصحّ قوله: «لأنّ ضد العلم لو كان قديماً لاستحال أن يبطل».

وثانياً: أنّ كلّ موجود إمكاني مسبوق بعدم قديم، فلو كان قدم العدم مانعاً عن الانقلاب إلى الوجود، تلزم استحالة أن يبطل كلّ عدم وينقلب إلى الوجود.

وكان له الاستدلال بشكل آخر: إنّ اتصافه بالعلم بعد ما كان جاهلاً، أو بالقدرة بعد ما كان عاجزاً، يستلزم كون ذاته محلاً للحوادث، وهو يلازم


1) . اللمع: 25-26.

التغيير والانفعال في ذاته، وهو آية الحدوث، والواجب منزّه عن ذلك كلّه.

كما كان له الاستدلال بشكل ثان وهو: لو كانت الذات الإلهية فاقدة لهذه الصفات منذ الأزل، لاستلزم ذلك كون صفاته «ممكنة» و «حادثة» وحيث إنّ كلّ ممكن مرتبط بعلّة، ومحتاج إلى محدث، لزم أن نقف على محدثها، فهل وردت من قبل نفسها، أو من قبل اللّٰه سبحانه، أو من جانب علة أُخرى؟ وكلّها باطلة.

أمّا الأوّل: فلا يحتاج إلى مزيد بيان، إذ لا يعقل أن يكون الشيء علة لنفسه.

وأمّا الثاني: فكسابقه، فإنّ فاقد الكمال «العلم والقدرة» لا يعطيه.

أضف إليه - أنّه يلزم الخلف أي قدم الصفات. لأنّ المفروض أنّ العلة هي الذات وهي قديمة فيلزم قدم معلولها.

وأمّا الثالث فكسابقيه أيضاً إذ ليس هنا عامل خارجي يكون مؤثراً في عروض صفاته على ذاته سبحانه - مضافاً إلى أنّه يستلزم افتقار الواجب إليه.

إلى غير ذلك من البراهين المشرقة التي جاءت في الكتب الكلامية والفلسفية؛ وكأنّ الشيخ أبا الحسن - إبّان الانفصال عن المعتزلة وخلع الاعتزال عن نفسه كخلع القميص - شقّ عليه الأخذ من علومهم وأفكارهم، وأراد الاعتماد على ما توحيه إليه نفسه، فجاء بالبرهان الذي ترى وزنه وقيمته.

(8) صفاته زائدة على ذاته

اشارة

إنّ كيفية إجراء صفاته سبحانه على ذاته، أوجد هوة سحيقة بين كلامي المعتزلة والأشاعرة، فمشايخ الاعتزال - لأجل حفظ التوحيد، و رفض تعدّد القديم، والتنزّه عن التشبيه - ذهبوا إلى أنّ ملاك إجراء هذه الصفات هو الذات، وليست هنا أيّة واقعية للصفات سوى ذاته.

وقد استعرض القاضي عبد الجبار المعتزلي آراء مشايخه في شرح الأُصول الخمسة(1)و قال:

قال شيخنا أبو علي: إنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات الأربع: (القدرة، العلم، الحياة، الوجود) لذاته.

وقال شيخنا أبو هاشم: يستحقّ هذه الصفات لما هو عليه في ذاته.

ومفاد كلام الشيخين: أنّ اللّٰه سبحانه عالم، قادر حي، بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة.

وهؤلاء هم المعروفون بنفاة الصفات، لحفظ التوحيد ورفض تعدّد


1) . شرح الأُصول الخمسة: 182.

القدماء، وهم يعنون بقولهم: (لذاته) أنّ ذاته سبحانه - ببساطتها ووحدتها نائبة عن الصفات، وتعبير أبي هاشم في إفادة ما يرومانه أدق من عبارة أبي علي، وقد اشتهر هذا القول عند المتأخرين من المتكلّمين بالقول بالنيابة، ونسبه أبو الحسن الأشعري في «مقالات الإسلاميين» إلى كثير من المعتزلة والخوارج، وكثير من المرجئة وبعض الزيدية وقال: هؤلاء يقولون: إنّ اللّٰه عالم، قادر، حي، بنفسه لا بعلم وقدرة وحياة.(1)وعندئذٍ تكون الذات نائبة عن الصفات والآثار المترقبة من الصفات، مترتبة على الذات، وإن لم تكن الصفات موجودة فيها مثلاً: خاصية العلم اتقان الفعل، وهي تترتب على نفس ذاته، بلا وجود وصف العلم فيه، و قد اشتهر عندهم «خذ بالغايات واترك المبادئ» و إنّما ذهبوا إلى هذا القول لأجل أمرين تاليين:

من جانب اتفقت الشرائع السماوية على أنّه سبحانه عالم حي قادر، ويدلّ على ذلك إتقان أفعاله. و من جانب آخر:

واقعية الوصف لا تنفك عن القيام بالغير، فلو لم تكن قائمة به لم تصدق عليه الصفة. فعند ذلك يدور الأمر بين أحد الأُمور الأربعة:

1. نفي العلم مثلاً عن ساحته سبحانه على الإطلاق. وهذا تكذّبه آثار فعله سبحانه، مضافاً إلى اتّفاق الشرائع السماوية على عدّه من صفاته الذاتية.

1) . مقالات الإسلاميين: 224/1.

2.

القول بأنّ علمه زائد، ومثله سائر صفاته، وهذا يستلزم تعدّد القدماء.

3.

كون صفاته عين ذاته وهي متحدة معها، وهذا لا يجتمع مع واقعية الوصف، لأنّ واقعيته هو القيام بالغير، ولولاه لما صدق عليه الوصف. فعندئذٍ يتبيّن القول التالي:

4.

نيابة الذات مناب الصفات وإن لم تكن الذات موصوفة بنفس الصفات.

وهذا القول هو المشهور بين المعتزلة، وإليه يشير الحكيم السبزواري في منظومته:

والأشعرية بازديادٍ قائلة *** وقال بالنيابة المعتزلة

وممّن اختار هذا القول من المعتزلة وذبَّ عنه بصراحة، هو عبّاد بن سليمان المعتزلي(1)قال:

هو عالم، قادر، حي، ولا أثبت له علماً ولا قدرة، ولا حياة، ولا أثبت سمعاً ولا أثبت بصراً. وأقول: هو عالم لا بعلم، وقادر لا بقدرة، وحي لا بحياة، وسميع لا بسمع، وكذلك سائرما يسمّى به من الأسماء التي يسمّى بها.(2)


1) . من أئمة الاعتزال في القرن الثالث، ودارت بينه و بين أبي كلاب (المتوفّى بعد عام 340 ه) مناظرات، لاحظ الانتصار لأبي الحسين الخياط: 61.

2) . مقالات الإسلاميين: 225/1.

رأي أبي الهذيل العلاّف المعتزلي

رأي أبي الهذيل العلاّف المعتزلي(1)

يعترف أبو الهذيل - على خلاف ما يروى عن أبي علي وأبي هاشم الجبائيين - بأنّ للّٰه سبحانه علماً وقدرة وحياة حقيقة، ولكنّها نفس ذاته؛ وإليك نصّ عبارته: هو عالم بعلم هوهو، هو قادر بقدرة هي هو، هوحي بحياة هي هو - إلى أن قال -: إذا قلت:

إن اللّٰه عالم أثبتَّ له علماً هو اللّٰه، ونفيت عن اللّٰه جهلاً، ودللت على معلوم، كان أو يكون، وإذا قلت: قادر، نفيت عن اللّٰه عجزاً، وأثبتّ له قدرة هي اللّٰه سبحانه ودللت على مقدور. وإذا قلت: اللّٰه حي، أثبتّ له حياة وهي اللّٰه، ونفيت عن اللّٰه موتاً.(2)والفرق بين الرأيين جوهري جداً، فالرأي الأوّل يركز على أنّ اللّٰه عالم، قادر حي، بنفسه، لا بعلم ولا قدرة ولا حياة.

وعلى حد تعبير أبي هاشم أنّ اللّٰه يستحقها لما هو عليه في ذاته.

فهؤلاء يستحقون أن يسموا بنفاة الصفات ونيابة الذات عنها، وهذا بخلاف رأي أبي الهذيل فهو يركز على كونه سبحانه موصوفاً بهذه الصفات وعالماً بعلم وقادراً بقدرة، ولكنّها تتحد مع الذات في مقام الوجود والعينية.

ولأجل التفاوت البارز بين الرأيين أراد القاضي عبد الجبار المعتزلي


1) محمد بن هذيل المعروف بالعلاّف، كان شيخ البصريين في الاعتزال، ولد عام 130 ه وتوفّي في سامراء 235 ه. لاحظ وفيات الأعيان: 265/4 برقم 606.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 183؛ مقالات الإسلاميين: 225/1.

إرجاع مقالة العلاف إلى ما يفهم من عبارة أبي علي و ابنه أبي هاشم وقال: قال أبو هذيل: إنّه تعالى عالم بعلم هوهو، وأراد به ما ذكره الشيخ أبو علي، إلّاأنّه لم تتلخص له العبارة، ألا ترى أنّ من يقول: إنّ اللّٰه عالم بعلم، لا يقول إنّ ذلك العلم هو ذاته تعالى.

ولكن الحقّ في باب الصفات هو ما ذهب إليه أبو الهذيل، وعليه مشايخنا الإمامية، أخذاً بالبراهين المشرقة في هذا المجال، واقتداءً بما ورد عن أئمّة أهل البيت سلام اللّٰه عليهم أجمعين، وسيوافيك عند استعراض عقائد المعتزلة أنّ أُصولهم مأخوذة من خطب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، وهو إمام علم التوحيد، تُعرف آراؤه العالية من خطبه وكلماته في نهج البلاغة، ونأتي منها بما يمس المقام:

1.

«وكمال توحيده الإخلاص له...»(1)أي تخليصه من كلّ جزء وتركيب.

2.

وقال عليه السلام: «لا تناله التجزئة والتبعيض».(2)3. وقال عليه السلام: «ولا يجري عليه السكون والحركة، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود فيه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه، إذاً لتفاوتت ذاته، ولتجزأ كنهه».(3)4. وقال عليه السلام: «ولا يوصف بشيء من الأجزاء، ولا بالجوارح


1) . الخطبة الأُولى، ص 8، ط مصر.

2) . الخطبة 81، ط مصر، ج 1، ص 146.

3) . الخطبة 181 ط مصر ج 2 ص 144.

والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض، ولا بالغيرية والإبعاض»(1)إلى غير ذلك من الكلمات التي لا مناص معها عن القول باتحاد الصفات مع الذات.

يرى الغزالي والشهرستاني أنّ المعتزلة تبعوا الفلسفة اليونانية في وحدة صفاته مع ذاته فقالوا: إنّ اللّٰه عالم بذاته، قادر بذاته، حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة ومعان قائمة به، لأنّه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخصّ الوصف لشاركته في الإلهية.(2)يلاحظ عليه: أنّ المعتزلة تبعوا في ذلك إمام علم الكلام ومؤسسه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فهو رائد الموحدين وسيدهم، فقد استدلّ في خطبته على وحدة صفاته مع الذات بشكل رائع.(3)

وهن نظرية النيابة

إنّ الشيخين (أبا علي وأبا هاشم الجبائيين) لو تأمّلا في واقعية الصفات الكمالية وأنّها من شؤون الوجود لما أكّدا ولا أصرّا على أنّ واقعية الصفة مطلقاً هي القيام بالغير، لأنّه لا يمكن أن تكون الصفة عين الذات، وذلك لأنّ كلّ الكمالات من شؤون الوجود و ترجع حقائقها إليه، والوجود أمر مقول بالتشكيك، فله العرض العريض، فكما أنّ من الوجود ممكناً وواجباً وجوهراً وعرضاً، فهكذا إنّ مرتبة من العلم كيف نفساني قائم بالغير،


1) . الخطبة 181.

2) . الملل والنحل للشهرستاني: 51/1.

3) . لاحظ نهج البلاغة: الخطبة الأُولى، وقد عرفت بعض كلامه في المقام.

ومرتبة أُخرى منه واجب قائم بنفسه، ومثله القدرة والحياة، والتفصيل يطلب من محلّه.

تحليل نظرية الزيادة

قد تعرّفت على نظرية الشيخين من أئمّة الاعتزال، كما تعرّفت على نظرية أبي الهذيل، وقد حان الآن وقت دراسة نظرية شيخ الأشاعرة، وهو يخالف كلتا النظريتين - النيابة والوحدة - و يقول بوجود صفات كمالية زائدة على ذاته مفهوماً ومصداقاً، فلا تعدو صفاته صفات المخلوق إلّافي القدم والحدوث. ولأجل ذلك يهاجم النظريتين في «الإبانة» و «اللمع» فيقول في رد النظرية الأُولى (النيابة):

إنّ الزنادقة قالوا: إنّ اللّٰه ليس بعالم، ولا قادر، ولا حي، ولا سميع، ولا بصير. وقول من قال من المعتزلة: إنّ لا علم للّٰه ولا قدرة له، معناه: إنّه ليس بعالم ولا قادر. والتفاوت في الصراحة والكناية، فنفي المبادئ حقيقة، يلازم نفي صفاته الثبوتية التي أجمع المسلمون على توصيفه سبحانه بها.

وأمّا الثانية، فردّ عليها بقوله: كيف يمكن أن يقال: إنّ علم اللّٰه هو اللّٰه. وإلّا يلزم أن يصحّ أن نقول: يا علم اللّٰه اغفر لي وارحمني.(1)يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ القول بزيادة الصفات ليس من مبتكرات الأشعري، بل تبع هو في ذلك «الكلابية» والتفاوت بينهما بالكناية والتصريح، قال القاضي عبد الجبار:


1) . الإبانة: 108.

عند الكلابية أنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان أزلية، وأراد بالأزلي: القديم، إلّاأنّه لما رأى المسلمين متفقين على أنّه لا قديم مع اللّٰه تعالى، لم يتجاسر على إطلاق القول بذلك. ثمّ نبغ الأشعري، وأطلق القول بأنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان قديمة.(1)ثانياً: ما ناقش به النظرية الأُولى غير كاف فيما ادّعاه - أعني: رجوع قولهم إلى نفي كونه سبحانه عالماً - لأنّ نفي المبادئ - أعني: العلم والقدرة - إنّما يستلزم نفي كونه عالماً وقادراً إذا لم تقم الذات مقام الصفات في الأثر والغاية. فلقائل أن يقول: إنّ ما يطلب من العلم والقدرة من إتقان الفعل والقدرة عليه، فالذات بنفسها كافية في تأمين الغاية المطلوبة منها. فإنّ ذاته سبحانه من الكمال على حد، تقوم بنفسها لتأمين كلّ ما يطلب من الصفات، فلا حاجة إليها.

وأضعف منه ما ناقش به النظرية الثانية من أنّ القول بتوحيد صفاته مع ذاته يستلزم جواز أن نقول: يا علم اللّٰه اغفر لي، وذلك لأنّ القائل بالوحدة إنّما يقول بها وجوداً لا مفهوماً، إذ لا شكّ أنّ المفهوم من «اللّٰه» غير المفهوم من «العلم» و «القدرة» ومشتقاتهما.

وعلى ذلك فبما أنّ العلم غيره سبحانه مفهوماً، ولكن عينه مصداقاً، لا يصحّ التعبير عن مقام العينية ب «يا علم اللّٰه» بل يجب أن يقول: يا اللّٰه، فالتعبير بصورة الإضافة «إضافة العلم إلى اللّٰه» دليل على أنّ الداعي يسير في عالم المفاهيم، لا في عالم العين والخارج، وإلّا كان عليه أن يقول: يا اللّٰه.


1) . الأُصول الخمسة: 183.

استدلاله على المغايرة

وممّا يدلّ على أنّ اللّٰه عالم بعلم، أنّه سبحانه لا يخلو عن أحد صورتين:

1.

أن يكون عالماً بنفسه.

2.

أو بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه.

3.

فإن كان عالماً بنفسه كانت نفسه علماً، ويستحيل أن يكون العلم عالماً أو العالم علماً، ومن المعلوم أنّ اللّٰه عالم؛ ومن قال: إنّ علمه نفس ذاته لا يصحّ له أن يقول: إنّه عالم؛ فإذا بطل هذا الشقّ تعين الشقّ الثاني، وهو أنّه يعلم بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه.(1)لبّ البرهان هو: أنّ واقعية الصفة هي البينونة فيجب أن يكون هناك ذات وعرض، ينتزع من اتّصاف الأُولى بالثاني عنوان العالم والقادر، فالعالم: من له العلم، والقادر من له القدرة، لا من ذاته نفسهما، فيجب أن يفترض ذات غير الوصف.

يلاحظ عليه: أنّ القائل بالوحدة لا يقول بالوحدة المفهومية، أي أنّ ما يفهم من لفظ «الجلالة» فهو نفس ما يفهم من لفظ «العالم» فإنّ ذلك باطل بالبداهة، بل يقصد منه اتحاد واقعية العلم مع واقعية ذاته، وأنّ وجوداً واحداً ببساطته ووحدته مصداق لكلا المفهومين، وليس مصداق لفظ الجلالة في


1) . اللمع: 30.

الخارج مغايراً لمصداق العلم، وأنّ ساحة الحقّ منزهة عن فقد أية صفة كمالية في مرتبة الذات، بل لوجود البحث البسيط نعوت وأوصاف، كلّها موجودة بوجود واحد، فتلك الصفات الإلهية متكثّرة بالمعنى والمفهوم، واحدة بالهوية والوجود.

ولا يعني أصحاب نظرية الوحدة تعطيل الذات عن الصفات وخلوّها عن واقعيتها، كما عليه القائل بالنيابة، بل يعنون أنّ وجوداً واحداً بوحدته وبساطته، من دون تكثّر فيه، هو نفس العلم والقدرة وسائر الكمالات، وربّ وجود يكون من الكمال على حدّ يكون نفس الكشف والعلم، ونفس القدرة والاستطاعة، وهو في الكمال آكد من الوجود الذي يكون العلم والقدرة زائدين عليه.

أضف إلى ذلك: أنّ الشيخ الأشعري لم يتأمّل في مقالة القائل بالوحدة، ولأجله رمى القائل بها بأنّه لا يصحّ له إجراء الصفات على اللّٰه، وليس له أن يقول: إنّه عالم. فإنّ الفرق بين القول بالعينية والزيادة، كالفرق بين قولنا: زيد عدل وزيد عادل، فالأُولى من القضيتين آكد في إثبات المبدأ من الأُخرى، والقول بالعينية آكد من القول بالزيادة، فلو استحقّ الإنسان الواقف على ذاته وماوراءها بعلم زائد، أن يوصف بكونه عالماً، كان الموجود الواقف على الذات والأشياء بعلم هو نفسه وذاته، أولى بالاستحقاق بالتوصيف.

وقد اغترّ الشيخ بظاهر لفظ «عالم» و «قادر» حيث إنّ المتبادر منه هو كون الذات شيئاً والوصف شيئاً آخر. فحكم بإجرائه عليه سبحانه بهذا النمط بلا تغيير ولا تحوير. ومعنى هذا هو أنّ المعارف العليا تقتنص من ظواهر

الألفاظ وإن كانت الأدلّة العقلية الواضحة تخالفها وتردّها، فإنّ الألفاظ العامة عاجزة عن تفسير ما هناك من المعارف والمعاني.

مضاعفات القول بالزيادة

إذا كان في القول بعينية الصفات مع الذات نوع مخالفة لظاهر صيغة الفاعل - أعني: العالم والقادر الظاهرة في الزيادة، كان في القول بالزيادة مضاعفات كبيرة لا يقبلها العقل السليم، ونشير إلى بعضها:

1. تعدّد القدماء بعدد الأوصاف الذاتية. وربما يتمحّل في رفعه بأنّ المراد من الزيادة هو أنّها ليست ذاته ولا غير ذاته، ولكنّه كلام صوري ينتهي عند الدقة إلى ارتفاع النقيضين.

والعجب أنّ الأشعري في موضع من كتابه «اللمع» ينفي غيرية الصفات للذات حتى لا يلزمه القول بتعدّد القدماء. لكنّه يفسر الغيرية بالصفات المفارقة، ويقول: إنّ معنى الغيرية جواز مفارقة أحد الشيئين للآخر على وجه من الوجوه، فلمّا دلّت الدلالة على قدم الباري تعالى وعلمه وقدرته، استحال أن يكونا غيرين.

وغير خفي على القارئ النبيه أنّ الزيادة المستلزمة لتعدّد القدماء كما تتحقّق في مفارقة الصفات كذلك تتحقّق في ملازمتها، فالقول بعدم الوحدة يستلزم تعدّد القدماء، وإن كانت الصفات لازمة.

إنّ القول بأنّ له سبحانه صفات زائدة على الذات قديمة مثله ممّا لا

يجترئ عليه مسلم واعٍ، ولم يكن أحد متفوّهاً بهذا الشرك من المسلمين غير الكلابية، وعنهم أخذ الأشعري. قال القاضي عبد الجبار:

وعند الكلابية أنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان أزلية، وأراد بالأزلي: القديم؛ إلّاأنّه لمّا رأى المسلمين متّفقين على أنّه لا قديم مع اللّٰه تعالى لم يتجاسر على إطلاق القول بذلك، ثمّ نبغ الأشعري وأطلق القول بأنّه تعالى يستحقّ هذه الصفات لمعان قديمة، لوقاحته وقلّة مبالاته بالإسلام والمسلمين.(1)2. إنّ القول باتّحاد صفاته مع ذاته، يستلزم غناه في العلم بما وراء ذاته، عن غيره، فيعلم بذاته كلّ الأشياء من دون حاجة إلى الغير. وهذا بخلاف القول بالزيادة، إذ عليه: يعلم سبحانه بعلم سوى ذاته ويخلق بقدرة خارجة عن ذاته. وكون هذه الصفات أزلية لا يدفع الفقر والحاجة عن ساحته، مع أنّ وجوب الوجود يقتضي الاستغناء عن كلّ شيء.

وأمّا الاستدلال على الزيادة بظواهر بعض الآيات، كقوله سبحانه:

«أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ»(2)، وقوله سبحانه: «وَ مٰا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثىٰ وَ لاٰ تَضَعُ إِلاّٰ بِعِلْمِهِ»(3)فضعيف جدّاً، إذ لا دلالة لهما على الزيادة ولا على العينية، وإنّما تدلّ على أنّ له سبحانه علماً.

وأمّا الكيفية فتطلب من مجال آخر.


1) . الأُصول الخمسة: 183. وقد تقدّم ملخّصاً فلاحظ.

2) . النساء: 166.

3) . فاطر: 11.

وفي الختام نقول: إنّ «الصفاتية» في علم الكلام وتاريخ العقائد هم الأشاعرة ومن لفّ لفّهم في القول بالأوصاف الزائدة.

كما أنّ المعطّلة هم نفاتها، حيث عطّلوا الذات عن التوصيف بالأوصاف الكمالية، وقالوا بالنيابة.

وقد عرفت الحقّ، وليس في القول بالوحدة (لا القول بالنيابة) أيّ تعطيل لتوصيف الذات بالصفات الكمالية.

وعلى أيّ تقدير، فقد صارت زيادة الصفات مذهباً لأهل السنّة قاطبة، وصدر في بغداد كتاب سمي «الاعتقاد القادري» و ذلك في 17 محرم سنة 409 ه و قرئ في الدواوين وكتب الفقهاء فيه: «إنّ هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفهم فقد فسق وكفر» جاء في الكتاب: «وهو القادر بقدرة، والعالم بعلم أزلي غير مستفاد، وهو السميع بسمع، والمبصر ببصر، متكلم بكلام، لا يوصف إلّا بما وصفه به نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم وكلّ صفة وصف بها نفسه، أووصفه بها رسوله فهي صفة حقيقية لا مجازية، وإنّ كلام اللّٰه غير مخلوق، تكلّم به تكليماً فهو غير مخلوق بكلّ حال متلوّاً ومحفوظاً ومكتوباً ومسموعاً، ومن قال: إنّه مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه».(1)وربما تطلق «الصفاتية» على من يصفه سبحانه بالأوصاف الخبرية (مع التشبيه أو مع التنزيه) في مقابل التفويض أو التأويل، وهذا هو الذي نبحث عنه في البحث التالي.


1) . المنتظم: 195-196؛ البداية والنهاية: 6/12-7.

(9) رأيه في الصفات الخبرية

اشارة

قسّم الباحثون صفاته سبحانه إلى صفات ذاتية وصفات خبرية.

فالعلم والقدرة والحياة والسمع والبصر، وكلّ ما يطلق عليه الصفات الكمالية «صفات ذاتية»، و ما دلّت عليه ظواهر الآيات والأحاديث، كالعلو والوجه واليدين والرجل إلى غير ذلك ممّا ورد في المصدرين «صفات خبرية». وقد اختلفت كلمات المتكلّمين في توصيفه سبحانه بالأخير على أقوال هي:

أ. الإثبات مع التشبيه والتكليف

وهو إجراؤها على اللّٰه سبحانه بنفس المعاني المرتكزة في أذهان الناس من دون أي تصرّف فيها، وهو قول المشبهة، فقد زعموا أنّ للّٰه سبحانه عينين ويدين ورجلين مثل الإنسان.

قال الشهرستاني: أمّا مشبهة الحشوية فقد أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة، وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا

في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإخلاص والاتحاد المحض.

وحكى الكعبي عن بعضهم أنّه كان يجوّز الرؤية في دار الدنيا، وأنّهم يزورونه ويزورهم.

وحكى عن داود الجواربي أنّه قال: اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عمّا وراء ذلك. و قال: إنّ معبوده جسم ولحم ودم، وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس ولسان وعينين وأُذنين، ومع ذلك جسم لا كالأجسام ولحم لا كاللحوم ودم لا كالدماء، وكذلك سائر الصفات، وهو لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء، وحكى عنه أنّه قال: هو أجوف من أعلاه إلى صدره، مصمت ما سوى ذلك، وأنّ له فروة سوداء، وله شعر قطط!!

وأمّا ما ورد في التنزيل من الاستواء، والوجه واليدين والجنب، والمجيء والإتيان والفوقية وغير ذلك، فأجروها على ظاهرها، أعني: ما يفهم عند إطلاق هذه الألفاظ على الأجسام، وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله عليه الصلاة والسلام: «خلق آدم على صورة الرحمن» وقوله: «حتى يضع الجبار قدمه في النار» وقوله: «قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن» وقوله: «خمّر طينة آدم بيده أربعين صباحاً» وقوله: «وضع يده أوكفّه على كتفي»، وقوله: «حتى وجدت برد أنامله على كتفي» إلى غير ذلك، أجروها على ما يتعارف في صفات الأجسام، وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وأكثرها مقتبسة من اليهود، فإنّ التشبيه فيهم طباع، حتى قالوا: اشتكت

عيناه (اللّٰه) فعادته الملائكة، وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه، وإنّ العرش لتئط من تحته كأطيط الرحل الحديد، وأنّه ليفضل من كلّ جانب أربع أصابع، وروى المشبّهة عن النبي عليه الصلاة والسلام «لقيني ربي فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله».(1)هذه عقيدة المشبّهة والمجسّمة في الصفات الخبرية، وإليك دراسة سائر المذاهب.

ب: الإثبات بلا تشبيه ولا تكليف

اشارة

إنّ الشيخ الأشعري يجريها على اللّٰه سبحانه بالمعنى المتبادر منها في العرف، لكن مع التنزيه عن التشبيه والتجنّب عن التكييف، قال في الإبانة:

وانّ اللّٰه استوى على عرشه، كما قال: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ».(2)وأنّ له وجهاً بلا كيف، كما قال: «وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاٰلِ وَ اَلْإِكْرٰامِ».(3)

وأنّ له يدين بلا كيف، كما قال: «خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»(4)، وكما قال: «بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ».(5)


1) . الملل والنحل: 105/1-106.

2) . طه: 5.

3) . الرحمن: 27.

4) . ص: 75.

5) . المائدة: 64.

وأنّ له عيناً بلا كيف، كما قال: «تَجْرِي بِأَعْيُنِنٰا»(1).(2)وقال في الباب السابع من هذا الكتاب: إن قال: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إنّ اللّٰه عزّوجلّ يستوي على عرشه كما قال: يليق به من غير طول الاستقرار، كما قال: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ».

ثمّ قال بعد عرض عدّة من الآيات: كلّ ذلك يدلّ على أنّه ليس في خلقه، ولا خلقه فيه، وأنّه مستو على عرشه بلا كيف ولا استواء.(3)وقال في الباب الثامن: قال اللّٰه تبارك و تعالى: «كُلُّ شَيْ‌ءٍ هٰالِكٌ إِلاّٰ وَجْهَهُ»(4)، وقال عزّوجلّ: «وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاٰلِ وَ اَلْإِكْرٰامِ»(5)، فأخبر أنّ له وجهاً لا يفنى ولا يلحقه الهلاك، وقال عزّوجلّ: «تَجْرِي بِأَعْيُنِنٰا». وقال: «وَ اِصْنَعِ اَلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنٰا وَ وَحْيِنٰا»، فأخبر عزّ وجلّ أنّ له وجهاً وعيناً ولا يكيف ولا يحد.(6)وعلى ذلك فالأشعري من أهل الإثبات كالمشبّهة والمجسّمة، لا من أهل التفويض ولا من أهل التأويل، وسيوافيك بيانهما. والفرق بين المشبّهة وما ذهب إليه الأشعري، هو أنّ الطائفة الأُولى تجريها على اللّٰه سبحانه بحرفيّتها من دون أي تصرف فيها، ولكن الأشعري ومن لفّ لفّه يثبتونها على اللّٰه بنفس معانيها لكن متقيدة باللّا كيفية واللّا تشبيه، حتى


1) . القمر: 14.

2) . الإبانة: 18.

3) . الإبانة: 92.

4) . القصص: 88.

5) . الرحمن: 27.

6) . الإبانة: 95.

يخرجوا من التجسيم والتشبيه وينسلكوا في أهل التنزيه. وليس هذا المعنى مختصاً به، بل هناك من يوافقه من المتقدمين والمتأخرين، يطلق عليهم أهل الإثبات أو المثبتة، في مقابل المفوِّضة والمؤوِّلة والنفاة بتاتاً، وإليك نقل ما أُثر عن غيره في هذا المجال ممّا يوافقه:

قال أبو حنيفة: وما ذكر اللّٰه تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس، فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: إنّ يده قدرته ونعمته، لأنّ فيه إبطال الصفة، وهذا قول أهل القدر والاعتزال، ولكن يده صفته بلا كيف، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف.

وقال الشافعي: للّٰه أسماء وصفات لا يسع أحداً ردّها، ومن خالف بعد ثبوت الحجّة عليه كفر، وأمّا قبل قيام الحجّة، فإنّه يعذر بالجهل؛ ونثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه، فقال ب «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ»(1).

وقال ابن كثير: وأمّا قوله تعالى: «ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ» فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جداً، وإنّما نسلك مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبّهين منفي عن اللّٰه، فإنّ اللّٰه لا يشبهه شيء من خلقه، وليس كمثله شيء.(2)


1) . الشورى: 11.

2) . راجع فيما نقلناه عن أبي حنيفة والشافعي وابن كثير «علاقة الإثبات والتفويض»: 46-49.

إثبات الأشعري بين التشبيه والتعقيد

يجب على كلّ مؤمن الإيمان بما وصف اللّٰه به نفسه، وليس أحد أعرف به منه «أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اَللّٰهُ»(1)كما أنّه ليس لأحد أن يصرف كلامه سبحانه، عمّا هو المتبادر من ظاهره، إذ التأويل بلا اعتماد على نصّ قطعي يفقد النصوص هيبتها، وإنّ المؤوّلة الذين يؤوّلون ظواهر الكتاب والسنّة - بحجّة أنّ ظواهرهما لا توافق العقل - مردودون في منطق الشرع، إذ لا يوجد في الكتاب والسنّة الصحيحة ما ظاهره خلاف العقل، وإنّما يتصوّرونه ظاهراً ثمّ يحملونه على خلافه، ليس مفاد الآية والمتبادر منها عند التدبّر.

هذا كلّه ممّا لا خلاف بين جمهور المسلمين فيه، ولكن الذي يجب إلفات النظر إليه، هو أنّ العقيدة الإسلامية المستقاة من الكتاب والسنّة تتّسم بالدقة والرصانة والسلامة من التعقيد و الألغاز، وهي تبدو جليَّة مطابقة للفطرة والعقل السليم للجماهير على كافة المستويات، وتتصف بالصفاء والنقاء. فهذه سمة العقيدة الإسلامية، وعلى ذلك فإبرازها بصورة التشبيه والتجسيم المأثورين من اليهودية والنصرانية، أو بصورة التعقيد والألغاز، لا يجتمع مع موقف الإسلام والقرآن في عرض العقائد على المجتمع الإسلامي، فلا محيص لمن يعرض العقائد الإسلامية عن رعاية أمرين:

1. التحرّز عن سمة التشبيه والتجسيم.

1) . البقرة: 140.

2. الاجتناب عن الجمود على اللفظ وجعل صفاته سبحانه ألفاظاً جوفاء، أو معاني معقّدة لا يفهم منها شيء، بحجّة أنّ البحث عن الكيف ممنوع.

إنّ إثبات الصفات له سبحانه لو انتهى إلى التكييف والتشبيه فهو كفر و زندقة، لقوله سبحانه: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ» ولا ينفع الفرار عنه بكلمة مبهمة، أعني «الإمرار بلا كيف» كما هو المشاهد في كلمات أغلب المثبتين للصفات، إذ هو أشبه بالإنكار بعد الإقرار، ولا إنكار بعده.

فالإصرار على الإثبات تبعاً للنصوص، والتهجّم على النفاة، والذهاب في هذا السبيل إلى حدّ التجسيم، غواية وضلالة؛ والاعتماد في ذلك على كلمات السلف اعتمادعلى قول من ليس بمعصوم ولا حجّة، والعقائد تعرض على القرآن والسنّة الصحيحة والعقل السليم الذي به عرف اللّٰه وثبت وجوده، لا على قول السلف الذين لم يخلوا من طالح، فحشد عبارات بعض السلف في مجال العقائد لا ينفع شيئاً.

كما أنّ إثبات صفاته سبحانه، على نحو ينتهي إلى اللغز والتعقيد ويتّسم بعدم المفهومية، مردود بنص القرآن الكريم حيث ندب إلى التدبّر فيما أنزل إلى نبيّه، قال عزّ من قائل: «أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ»(1). وقال سبحانه: «كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ إِلَيْكَ مُبٰارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيٰاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا اَلْأَلْبٰابِ».(2)


1) . النساء: 82.

2) . ص: 29.

ولكن مع الأسف إنّ إثبات الصفات الخبرية للّٰه سبحانه وإمرارها عليه بين الأشاعرة وغيرهم لا يخرج عن أحد هذين الإطارين، فالكلّ إمّا يتكلّمون عنها في إطار التشبيه والتكييف، ويسترسلون في هذا المضمار، أو يفسرونها في إطار من التعقيد والغموض إذا احترزوا عن البحث والتفصيل، والكلّ مردود، مرفوض.

وهانحن نأتي ببعض نصوص القوم في هذا المجال، حتى نرى كيف أنّ العناية بالإثبات في مقابل «نفاة الصفات» أفضى بالقوم إمّا إلى حدّ التشبيه، أو إلى حدّ التعقيد. فمن كلمات الطائفة الأُولى:

1. قيل لعبد اللّٰه بن مبارك: كيف يعرف ربنا؟ قال: بأنّه فوق السماء السابعة على العرش بائن من خلقه.(1)2. وقال الأوزاعي: إنّ اللّٰه على عرشه، ونؤمن بماوردت به السنّة من صفاته.(2)3. وقال الدارمي في مقدّمة كتابه «الرد على الجهمية»: استوى على عرشه، فبان من خلقه، لا تخفى عليه منهم خافية، علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ.(3)4. وقال المقدسي في كتابه «أقاويل الثقات في الصفات»: ولم ينقل

1) . راجع في الوقوف على مصادر هذه النصوص كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: 41، 68.

2) . راجع في الوقوف على مصادر هذه النصوص كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: 48، 41، 68.

3) . راجع في الوقوف على مصادر هذه النصوص كتاب «علاقة الإثبات والتفويض»: 48، 41، 68.

عن النبي أنّه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر في كلامه في صفة ربّه من الفوقية واليدين ونحو ذلك، ولا نقل لهذه الصفات معاني أُخر، باطنها غير ما يظهر من مدلولها، وكان يحضر في مجلسه العالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي الجافي، ثمّ لا تجد شيئاً يعقب تلك النصوص بما يصرفها عن حقائقها، لا نصاً ولا ظاهراً، ولما قال للجارية: أين اللّٰه؟ فقالت: في السماء، لم ينكر عليها بحضرة أصحابه كي لا يتوهموا أنّ الأمر على خلاف ما هي عليه، بل أقرّها و قال: أعتقها فإنّها مؤمنة.(1)5. وقال القرطبي في تفسيره عند تفسير آية الأعراف «ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ»:

وقد كان السلف الأوّل - رضي اللّٰه عنهم - لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها للّٰه تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنّه استوى على عرشه حقيقة، وخص العرش بذلك لأنّه أعظم مخلوقاته، وإنّما جهلوا كيفية الاستواء فإنّها لا تعلم حقيقته.(2)إلى غير ذلك من الكلمات التي يتبادر منها أنّ القائل بها يريد إجلاسه سبحانه على العرش إجلاساً حقيقياً حسّياً، وأنّ تلك هي العقيدة الإسلامية التي يشترك فيها العالم والأعرابي الجافي.

وتصحيح ذلك بالجهل بالكيفية لا يفيد شيئاً، فإنّ تلك اللفظة المجملة


1) . علاقة الإثبات والتفويض: 115.

2) . علاقة الإثبات والتفويض: 115.

شيء يلتجئ إليه كلّ من المشبّهة والمجسمة، ويقولون إنّ للّٰه سبحانه جسماً لا كسائر الأجسام، ولحماً لا كاللحوم، ودماً لا كالدماء، وكذلك سائر الصفات؛ وإنّما استحيوا عن إثبات الفرج واللحية، وإذ قال قائلهم: اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عمّا وراء ذلك.(1)ليت شعري إذا كانت تلك اللفظة المبهمة مفيدة في مجال التوحيد والتنزيه والتجنب عن التشبيه فليقولوا: إنّ اللّٰه جسم لا كالأجسام، عرض لا كسائر الأعراض، آكل وشارب لا كالإنسان والحيوان، فلماذا يستحيون عن حشد هذه الأوصاف مع أنّها تفيدهم في التنزيه، «البلكفة» وتكرار بلا كيف ولا تشبيه بعد كلّ صفة خبرية.

وبعد هذا لا تتعجب ممّا ذكره الزمخشري في كشّافه عن هؤلاء القوم حيث يقول: ثمّ تعجب من المتسمّين بالإسلام، المتسمّين بأهل السنّة والجماعة، كيف اتّخذوا هذه العظيمة مذهباً، ولا يغرّنك تسترهم بالبلكفة (أي قولهم بلا كيف) فإنّه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية فيهم:

قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا *** شنع الورى فتستّروا بالبلكفة(2)

ثمّ إنّنا نرى أنّ هؤلاء مع تحرّزهم عن تأويل الآيات يؤوّلون الآيات التي لا تناسب التجسيم بل تضاده، فما هو الهدف من هذا التأويل مع كونه


1) . الملل والنحل: 15/1.

2) . الكشاف: 576/1

على خلاف منهجهم، وإليك الآيات التي يصر القوم على تأويلها وحملها على خلاف ظاهرها، وما ذلك إلّابأنّ الأخذ بظاهرها لا يجتمع مع جلوسه سبحانه على العرش، وكونه في تلك الجهة، و كونه جسماً متحيزاً في مكان خاص.

1. قوله سبحانه: «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ وَ اَللّٰهُ بِمٰا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ».(1)2. قوله سبحانه: «مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلاٰثَةٍ إِلاّٰ هُوَ رٰابِعُهُمْ وَ لاٰ خَمْسَةٍ إِلاّٰ هُوَ سٰادِسُهُمْ وَ لاٰ أَدْنىٰ مِنْ ذٰلِكَ وَ لاٰ أَكْثَرَ إِلاّٰ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مٰا كٰانُوا».(2)3. قوله سبحانه: «وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي اَلْأَرْضِ إِلٰهٌ».(3)فلو لم يكن هدف القوم من الجمود على الظواهر هو التجسيم والجهة فما هو الداعي إلى تأويل هذه الآيات بأنّ المراد منها هو إحاطة علمه سبحانه بالناس، لا إحاطة ذاته ووجوده، أليس ذلك يدلّ على أنّ القوم يبطنون العقيدة بجلوسه سبحانه في السماء على عرشه حقيقة، ولما شاهدوا أنّ ذلك لا يجتمع مع إحاطة وجوده لجميع العوالم الإمكانية، خرجوا عن منهجهم بتأويل هذه الآيات بحمل الإحاطة على الإحاطة العلمية لا الوجودية، والعجب أنّهم من يقول بوجوده سبحانه في كلّ مكان بالقول بالطول والنفوذ في الأجسام، وهم لا يفرّقون بين الإحاطة الجسمية

1) . الحديد: 4.

2) . المجادلة: 7.

3) . الزخرف: 84.

المادية ولا الإحاطة القيّومية، والآية ناظرة إلى الثانية لا الأُولى.

هذا حال الطائفة الأُولى، وأمّا الطائفة الأُخرى التي أفضى بهم القول بالإثبات إلى مهزلة الغموض والتعقيد، وكأنّ الصفات الواردة في الذكر الحكيم لم ترد للتدبر فيها، فإليك نزراً من كلماتهم:

1. قال سفيان بن عيينة: كلّ شيء وصف اللّٰه به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثيل.(1)2. قال ابن خزيمة: إنّما نثبت للّٰه ما أثبته لنفسه، نقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك في قلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد من المخلوقين.(2)3. قال الخطيب: إنّما وجب إثباتها، لأنّ التوقيف وَرَدَ بها، ووجب نفي التشبيه عنها بقوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ».(3)4. قال ابن قدامة المقدسي: وعلى هذا درج السلف والخلف - رضي اللّٰه عنهم - متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات لما ورد من الصفات في كتاب اللّٰه وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله.(4)(5). يقول ابن تيمية - مثير هذه النظرية بعد متروكيتها - «إنّ للّٰه يدين

1) . علاقة الإثبات والتفويض: 44.

2) . نفس المصدر: 58.

3) . علاقة الإثبات والتفويض: 59.

4) . نفس المصدر: 59.

مختصتين به ذاتيتين له كما يليق بجلاله، وإنّه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وإنّه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السماوات بيده اليمنى.(1)6. يقول الخطابي: وليس اليد عندنا الجارحة، وإنّما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقهاعلى ما جاء ولا نكيّفها.(2)7. يقول الإلكائي: إنّ وكيعاً قال: إذا سُئلتم عن ضحك ربّنا فقولوا سمعنا بها.(3)هذه العبارة ونظائرها تصبغ صفات اللّٰه بصبغة التعقيد والإبهام، ولا تهدي الإنسان إلى معرفة. فإنّ اليد والوجه والرجل موضوعة للأعضاء الخاصة في الإنسان، ولا يتبادر منها إلّاما يتبادر عند أهل اللغة، وحينئذٍ فإن أُريد منها المعنى الحقيقي يلزم التشبيه، وإن أُريد غيره فذلك الغير إمّا معنى مجازي أُريد منه بحسب القرينة فيلزم التأويل، وهم يفرون منه فرار المزكوم من المسك. وإمّا شيء لا هذا ولا ذاك، فما هو ذلك الغير؟ بيّنوه لناحتى تتّسم العقيدة بالوضوح والسهولة، ونبتعد عن التعقيد والإبهام. وإلّا فالقول بأنّ له وجهاً لا كالوجوه، ويداً لا كالأيدي ألفاظ جوفاء وشعارات خداعة لا يستفاد منها شيء سوى تخديش الأفكار وتضليلها عن جادة الصواب.


1) . مجموعة الفتاوى: 362/6.

2) . فتح الباري: 417/13.

3) . علاقة الإثبات والتفويض: 97.

وباختصار: إنّ المعنى الصحيح لا يخرج عن المعنى الحقيقي والمجازي، وإرادة أمر ثالث خارج عن إطار هذين المعنيين يعد غلطاً وباطلاً، وعلى هذا الأساس لو أُريد المعنى الحقيقي لزم التشبيه بلا إشكال، ولو أُريد المعنى المجازي لزم التأويل، والكلّ ممنوع عندهم، فما هو المراد من هذه الصفات الواردة في الكتاب والسنّة؟

إنّ ما يلهجون به ويكرّرونه من أنّ هذه الصفات تجري على اللّٰه سبحانه بنفس معانيها الحقيقية ولكن الكيفية مجهولة، أشبه بالمهزلة، إذ لو كان إمرارها على اللّٰه بنفس معانيها الحقيقية لوجب أن تكون الكيفية محفوظة حتى يكون الاستعمال حقيقياً، لأنّ الواضع إنّما وضع هذه الألفاظ على تلك المعاني التي يكون قوامهابنفس كيفيتها، ويكون عمادها وسنادها بنفس هويتها الخارجية. فاستعمالها في المعاني، حقيقة بلا كيفية أشبه بالأسد بلا ذنب ولا مخلب ولا ولا... فقولهم: «المراد هو أنّ للّٰه يداً حقيقة لكن لا كالأيدي» أشبه بالكلام الذي يناقض ذيله صدره.

أضف إلى ذلك أنّه ليس في النصوص من الكتاب والسنّة من هذه «البلكفة» أثر ولا عين، وإنّما هو شيء اخترعته الفاكرة، للتذرّع به في مقام الردّ على الخصم والنقض عليهم، بأنّ لازم إمرارها على اللّٰه بنفس معانيها، هو التجسيم والتشبيه.

وقد ذكرنا ما يفيد في المقام عند تحليل عقائد الحنابلة حول الصفات، فراجع.

ج: التفويض

اشارة

إنّ هناك نظرية ثالثة حول الصفات الخبرية اختارها جمع من الأشاعرة وهي نظرية التفويض، وحاصلها الإيمان بكلّ ما جاء في القرآن والسنّة من الصفات التي وصف اللّٰه سبحانه نفسه بها إجمالاً، وتفويض ما يراد منها إليه:

1. يقول الغزالي: وأقلّ ما يجب اعتقاده على المكلّف هو ما يترجمه قوله - لا إله إلّااللّٰه، محمّد رسول اللّٰه - ثمّ إذا صدق الرسول فينبغي أن يصدقه في صفات اللّٰه بأنّه حي قادر، عالم متكلم مريد، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم. وعلى هذا الاعتقاد المجمل استمرت الأعراب وعوام الخلق، إلّامن وقع في بلدة يقرع سمعه فيها هذه المسائل كقدم القرآن وحدوثه، ونفي الاستواء والنزول وغيره.(1)2. قال الشهرستاني: اعلَم أنّ جماعة كثيرة من السلف كانوا يثبتون للّٰه تعالى صفات أزلية من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام... وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه، ولا يؤوّلون ذلك، إلّاأنّهم يقولون هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسمّيها صفات خبرية، ولمّا كانت المعتزلة ينفون الصفات، والسلف يثبتون، سمّي السلف صفاتية، والمعتزلة معطّلة (لتعطيل ذاته سبحانه عن التوصيف بمحامد الصفات) - إلى أن حكى عن بعض السلف -: عرفنا بمقتضى العقل أنّ اللّٰه

1) . علاقة الإثبات: 162 نقلاً عن الرسالة الواعظية.

ليس كمثله شيء. فلا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها وقطعنا بذلك، إلّاأنّا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله سبحانه: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ»، ومثل قوله: «لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»، ومثل قوله: «وَ جٰاءَ رَبُّكَ»، إلى غير ذلك، ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات، بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنّه لا شريك له وليس كمثله شيء، وذلك قد أثبتناه.(1)3. قال ابن الجوزي في «تلبيس إبليس»: واعلم أنّ عموم المحدثين حملوا ظاهر ما تعلق من صفات الباري سبحانه على مقتضى الحس فشبهوا، لأنّهم لا يخالطون الفقهاء فيعرفوا حمل المتشابه على مقتضى المحكم.(2)4. ويظهر ذلك من الرازي في أساس التقديس قال: إنّ هذه المتشابهات يجب القطع بأنّ مراد اللّٰه منها شيء غير ظواهرها، كما يجب تفويض معناها إلى اللّٰه تعالى، ولا يجوز الخوض في تفسيرها.(3)وهنا كلمات للقائلين بالتفويض يشبه بعضها بعضاً.

إنّ التفويض هو شعار من لا يتعرض للأبحاث الخطيرة، ولا يقتحم المعارك المدلهمة، ويرى أنّه يكفيه في النجاة قول رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لاإله إلّااللّٰه وأنّ محمّداً رسول اللّٰه، وإقام


1) . الملل والنحل: 92/1-93.

2) . تلبيس إبليس: 113، ط دار العلم.

3) . أساس التقديم: 223 كما في علاقة الإثبات: 102.

الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم رمضان»(1)، وعند ذاك يرى أنّ التفويض أسلم من الإثبات الذي ربما ينتهي - عند الإفراط - إلى التشبيه والتجسيم المبغوض، أو إلى التعقيد واللغز الذي لا يجتمع مع سمة سهولة العقيدة.

هذه حقيقة التفويض، غير أنّ ابن تيمية شنّ على هذه الطائفة بما ليس في شأنهم وقال: إنّ هؤلاء المبتدعة هم الذين فضلوا طريقة الخلف على طريقة السلف؛ من حيث ظنّوا أنّ طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه ولا فهم لمراد اللّٰه ورسوله منها، واعتقدوا أنّهم بمنزلة الأُميين الذين قال اللّٰه فيهم: «وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاٰ يَعْلَمُونَ اَلْكِتٰابَ إِلاّٰ أَمٰانِيَّ»(2).(3)وكأنّه تأثّر بما ذكره محيي الدين ابن العربي حيث رد على أهل التفويض وقال: «قالوا نؤمن بهذا اللفظ كما جاء من غير أن نعقل له معنى، حتى نكون في هذا الإيمان به في حكم من لم يسمع به، ونبقى على ما أعطانا دليل العقل من إحالة مفهوم هذا الظاهر. وهذا القول بهذا القسم متحكم أيضاً، فإنّه ردّ على اللّٰه بأنّهم جعلوا نفوسهم في حكم نفوس لم تسمع ذلك الخطاب.

وقسم آخر قالوا: نؤمن بهذا اللفظ على حدّ علم اللّٰه فيه وعلم رسوله، فهؤلاء قد قالوا: إنّ اللّٰه خاطبنا عبثاً لأنّه خاطبنا بما لا نفهم،


1) . صحيح البخاري: 7/1، كتاب الإيمان.

2) . البقرة: 78.

3) . علاقة الإثبات والتفويض: 60.

واللّٰه يقول: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلاّٰ بِلِسٰانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ»(1).(2)غير أنّا نلفت نظر القارئ إلى أنّ ما عاب به ابن تيمية أهل التفويض مشترك بينهم و بين أهل الإثبات، فقد عرفت أنّ إثبات الصفات الخبرية مع حفظ التنزيه تجعل الصفات ألفاظاً بلا معان واضحة، لما سبق من أنّ الكيفية المادية هي المقوّمة لليد والوجه والرجل، فإثبات مفاهيمها مع سلب كيفياتها أشبه شيء بإثبات شيء في عين سلبه، فعندئذٍ تنقلب الآيات البينات الدالّة على أشرف المعاني وأجلّها، لدى القوم، إلى آيات غير مفهومة ولا معقولة.

والعجب أنّ أحد المصرّين على الإثبات بصورة النمط الأشعري يحسبه عقيدة سلفية، ويقول في كتابه: إنّ صفات اللّٰه يجب أن تكون لدى المسلم بديهيات ذهنية تتغلغل في قلبه، فيتحرر من أي ضغط خارجي، لما لها من انعكاسات تربوية هامة على النفس البشرية - إلى أن قال -: إنّ الجهل باللّٰه أمر خطير، وضرره على المسلمين كبير، لأنّ ذلك يؤدي إلى أن يكون عرضة للزلّات، وأن يكون قلبه مورداً للشبهات ومستقراً للأوهام.(3)إنّ السمة التي يثبتها الكاتب لصفات اللّٰه، هل هي موجودة في قولهم: إنّ للّٰه يداً لا كالأيدي، أو وجهاً لا كالوجوه، أو أنّ هذا لا يزيد في صفاته تعالى إلّاغموضاً وتعقيداً، وتصبح العقيدة الإسلامية عند الواصف كالعقائد


1) . إبراهيم: 4.

2) . الفتوحات المكية: 928/4.

3) . علاقة الإثبات والتفويض: 15.

المتخذة من الكنائس التي يدّعي أصحابها أنّ الإيمان بها واجب، وإن لم يعلم كنهها، كما هو قولهم في التثليث ونظائره.

قال حنبل بن إسحاق: سألت أحمد بن حنبل: ألم ترو عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّ اللّٰه ينزل إلى سماء الدنيا؟ قال أحمد: نؤمن بها و نصدق ولا نرد شيئاً عنها إذا كانت الأسانيد صحاحاً - إلى أن قال -: قلت: أنزوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا، مالك ولهذا، امض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد.(1)إنّ سؤال ابن إسحاق أوضح دليل على أنّ الإثبات على النمط الذي يتبنّاه أهل الحديث لا يجعل العقيدة الإسلامية واضحة مفهومة، بل يجعلها مجهولة معقّدة. ولكن يجب الإيمان بها مهما كانت غير مفهومة ولا معقولة، و لا تَنْسَ ما رمى به ابن تيمية أهل التفويض بأنّهم اعتقدوا أنّهم بمنزلة الأُميين الذين قال اللّٰه فيهم... إلخ. ولا تنس أيضاً ما شن به ابن العربي على تلك الطائفة بقوله: إنّهم جعلوا نفوسهم في حكم نفوس لم تسمع ذلك الخطاب، إنّهم قالوا: إنّ اللّٰه خاطبنا عبثاً بما لا نفهم.

إنّ المنهجين يرتضعان من ثدي واحد، لا فرق بينهما في المعنى واللب، وإنّما يختلفان في التعبير، فأهل التفويض يعترفون بجهلهم بمعاني هذه الصفات، وللتوقي عن التورط في مغبة التشبيه أو التقوّل بغير العلم، يفوضون معانيها إلى اللّٰه.


1) . شرح أُصول السنّة للألكائي كما في علاقة الإثبات والتفويض: 98.

وأمّا أهل الإثبات، فلو أنّهم صدقوا في قولهم بلا تشبيه ولا تكييف، فهم يعترفون بذلك مآلاً، وإن كانوا يجحدون بها ابتداءً.

وإذا أردت أن تقف على أنّ نظرية الإثبات على النمط الثاني تجعل المعاني السامية والمعارف العليا الواردة في الذكر الحكيم في عداد الألغاز والمبهمات و...، فانظر إلى ما يذكره عبدالقادر الجيلاني في «الغنية».

يقول الجيلاني: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل وأنّه استواء الذات على العرش، لا على معنى القعود والمماسّة، كما قالت المجسّمة والكرامية، ولا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشاعرة، ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة؛ لأنّ الشرع لم يرد بذلك، ولا نقل عن أحد من الصحابة، ولا نقل من السلف الصالح من أصحاب الحديث، بل المنقول عنهم حمله على الإطلاق، وقد روي عن أُمّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه و آله و سلم في قوله سبحانه: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ»(1)قالت: الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول، والإقرار به واجب والجحود كفر.(2)فعندئذٍ نسأل الجيلاني: إذا لم يكن هذا ولا ذاك ولا ذلك مراداً، فما هو المراد من تلك الآية، والتي تكررت في الذكر الحكيم سبع مرات؟ وهل فهم الشيخ منها أمراً معقولاً أو أوكل الجميع إلى اللّٰه سبحانه؟

وكم للقوم من هذه الكلمات المفروغة في قوالب، ومآلها إلى الجهل بمفاهيم الآيات ومضامين الذكر الحكيم، وكأنّه سبحانه لم يخاطبهم بقوله:


1) . طه: 5.

2) . الغنية: 56.

«أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ».(1)

التفويض أو تعطيل العقول عن التفكير

إنّ أهل الإثبات بعامّة فروعه يرمون المعتزلة بالتعطيل، ويصفونهم ب «المعطّلة» لتعطيلهم ذاته سبحانه عن التوصيف بمحامد الأوصاف وجلائل النعوت، غير أنّه يجب إلفات نظرهم إلى أنّ أهل التفويض من أهل الإثبات من المعطلة أيضاً، لكن بملاك آخر، وهو تعطيل العقول عن التفكّر في المعارف والأُصول، كما عطّلوها عن التدبّر في الآيات والأحاديث، فكأنّ القرآن ألغاز نزلت إلى البشر، وليس كتابه هداية وتعليم وإرشاد، قال تعالى: «وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ اَلْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ».(2)فإذا كان القرآن مبيناً لكلّ شيء، فكيف لا يكون مبيّناً لنفسه، وكيف يكون المطلوب نفس الاعتقاد من دون فهم معناه.

إنّ المنع عن التفكّر والتدبّر فيما نزل من الذكر الحكيم، وما يحكم به العقل السليم محجوج بنص القرآن لا يقبل من أي إنسان، والاستدلال عليه بقول الشاعر أخذ بنغمة الشاعر، وترك لنص الباري:

نهاية إقدام العقول محال *** وأكثر سعي العالمين ضلال


1) . النساء: 82.

2) . النحل: 89.

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا(1)

والعجب أنّ تعطيل العقول عن البحث والمعرفة أخذ في هذه الأعصار صبغة علمية مادية بحتة، بحجة أنّ مبادئها ومقدّماتها ليست في متناول الباحثين، لأنّها موضوعات وراء الحس والطبيعة، ولا تعمل فيها حواس الإنسان، فهذا هو السيد الندوي يتمسّك بهذا الوجه، ويعد ترك البحث فضيلة، والبحث عن المعارف القرآنية كفراناً للنعمة.

يقول: «وقد كان الأنبياء عليهم السلام أخبروا الناس عن ذات اللّٰه وصفاته وأفعاله، وعن بداية هذا العالم ومصيره، وما يهجم عليه الإنسان بعد موته، وآتوهم علم ذلك كلّه بواسطتهم عفواً بدون تعب، وكفوهم مؤونة البحث والفحص في علوم ليس عندهم مبادئها ولا مقدّماتها التي يبنون عليها بحثهم ليتوصلوا إلى مجهول، لأنّ هذه العلوم وراء الحس والطبيعة، لا تعمل فيها حواسّهم ولا يؤدي إليها نظرهم، وليست عندهم معلوماتها الأوّلية.

لكن الناس لم يشكروا هذه النعمة وأعادوا الأمر جذعاً، وأبدوا البحث آنفاً وبدأوا رحلتهم في مناطق مجهولة لا يجدون فيها مرشداً ولا خرّيتاً.(2)إنّ الكاتب حسب ما توحي عبارته متأثر بالفلسفة المادية التي تحصر أدوات المعرفة بالحس، ولا يقيم وزناً للعقل الذي هو إحدى أدواتها، وهذا من الكاتب أمر عجيب جداً، فإنّ اللّٰه سبحانه كما دعا إلى الانتفاع بالحس


1) . منسوب إلى الرازي كما في شرح العقائد الطحاوية: 227

2) . ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: 97.

ومطالعة الطبيعة، وكشف قوانينها وأنظمتها، دعا إلى التعّقل والتفكّر في كلّ ما ورد في القرآن الكريم حيث قال: «أَ فَلاٰ يَتَدَبَّرُونَ اَلْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا».(1)وليست الآية ناظرة إلى التدبّر في خصوص الأنظمة السائدة على النبات والحيوان والإنسان، بل التدبّر في مجموع ما جاء في القرآن، فقد جاء في القرآن الكريم معارف دعا إلى التدبّر فيها نظير:

«لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ»(2)، «وَ لِلّٰهِ اَلْمَثَلُ اَلْأَعْلىٰ»(3)، «لَهُ اَلْأَسْمٰاءُ اَلْحُسْنىٰ»(4)، «اَلْمَلِكُ اَلْقُدُّوسُ اَلسَّلاٰمُ اَلْمُؤْمِنُ اَلْمُهَيْمِنُ اَلْعَزِيزُ اَلْجَبّٰارُ اَلْمُتَكَبِّرُ»(5)، «فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللّٰهِ»(6)، «هُوَ اَلْأَوَّلُ وَ اَلْآخِرُ وَ اَلظّٰاهِرُ وَ اَلْبٰاطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيمٌ»(7)، «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلاّٰ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ»(8)، «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ»(9)، «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتٰابِ».(10)إلى غير ذلك من المعارف العليا الواردة في القرآن الكريم، ولا يصل إليها الإنسان إلّابالتدبّر والتعقّل، ولا تكفي في التعرف عليها العلوم الحسية وإن بلغ القمة.


1) . محمد: 24.

2) . الشورى: 11.

3) . النحل: 60.

4) . طه: 8.

5) . الحشر: 23.

6) . البقرة: 115.

7) . الحديد: 3.

8) . الحجر: 21.

9) . الحديد: 4.

10) الرعد: 39.

د. التأويل

إنّ تأويل نصوص الآيات وظواهرها على الإطلاق في مورد الصفات الخبرية وغيرها بلا دليل وحجّة شرعية ليس بأقل خطراً من الجمود، لو لم يكن أكثر، إذ ينتهي ذلك القسم من التأويل إلى الإلحاد وإنكار الشريعة.(1)غير أنّا نخص البحث بتأويل الصفات الخبرية حيث يفسر اليد بالنعمة والقدرة، والاستواء على العرش بالاستيلاء وإظهار القدرة.

فنقول: إن كان التأويل لأجل أنّ ظاهر القرآن يخالف العقل الصريح ولذا يجب ترك النقل لأجل صريح العقل، فلا شكّ أنّه مردود، إذ الكتاب العزيز والسنّة الصحيحة منزّهان عمّا يخالف صريح العقل. ولا أظن أنّ مسلماً واعياً يتفوّه بذلك. وما ربما ينسب إلى بعض المؤولة من أنّ الأخذ بظواهر الكتاب والسنّة من أُصول الكفر(2)، أو أنّ التمسّك في أُصول العقائد بظواهر الكتاب والسنّة من غير بصيرة هو أصل الضلالة، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة عملاً بظاهر قوله تعالى: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ»(3)، فهو من هفوات القلم و زلّات الفكر، بل الأخذ بظواهر الكتاب نفس الهداية والإعراض عنه واللجوء إلى غيره سبب الضلالة.


1) . قد أشبعنا الكلام في أقسام التأويل في مقدّمة الجزء الخامس من موسوعتنا القرآنية - مفاهيم القرآن -: ص 12-16.

2) . الصاوي على تفسير الجلالين: 10/3، كما في علاقة الإثبات والتفويض: 67.

3) . شرح أُمّ البراهين: 82 كما في المصدر السابق.

غير أنّ الذي يجب التركيز عليه هو أنّ الكبرى الكلية (لزوم الأخذ بالكتاب والسنّة الصحيحة) لا نقاش لمسلم فيها؛ فيجب على الكلّ اتّباع الذكر الحكيم من دون أي تحوير وتحريف، ومن دون أي تصرف وتأويل.

إنّما الكلام في الصغرى - أي تشخيص الظاهر عن غيره، وتعيين مرمى الآية - مثلاً: هل اليد في قوله سبحانه: «وَ لاٰ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلىٰ عُنُقِكَ وَ لاٰ تَبْسُطْهٰا كُلَّ اَلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً»(1)ظاهرة في الجارحة المخصوصة، أو كناية عن الجود والبذل (بسط اليد) أو البخل والتقتير (غلّ اليد). وهذا هو الذي يجب بذل الجهد في سبيل معرفته، بدل السب والشتم، أو التفسيق والتكفير.

ولو أنّ قادة الطوائف الإسلامية وأصحاب الفكر منهم، نبذوا الآراء المسبقة والأفكار الموروثة وركّزوا البحث على تشخيص الظاهر عن غيره، حسب المقاييس الصحيحة؛ لارتفع جدال الناس ونقاشهم حول الصفات، الذي دام طوال مئات السنين.

إنّ رؤساء الطوائف الإسلامية في هذه الأعصار، لو ابتعدوا عن العصبية والحزبية والآراء التي ورثوها من أناس غيرمعصومين، وأحسّوا بضرورة توحيد الكلمة - إثر كلمة التوحيد - و رصّ الصفوف وتكاتف الجهود، لارتفع كثير من الخلافات النابعة من تقديم الهوى على الحقّ.

وبما أنّ المعتزلة هم المعنيون بالمؤولة تارة، وبالمعطلة أُخرى، نبحث


1) . الإسراء: 29.

عن هذا الموضوع (تعيين ما هو الظاهر المتبادر عند الذكي والأعرابي الجافي من الصفات الخبرية، الواردة في الذكر الحكيم) في الفصل الذي نخصّصه لبيان عقائد هذه الطائفة، عسى أن نتوفق لذلك بإذنه سبحانه.

«وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مٰا يُوعَظُونَ بِهِ لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ».(1)


1) . النساء: 66.

(10) أفعال العباد مخلوقة للّٰه سبحانه

اشارة

قد وقفت عند ترجمة الشيخ الأشعري على أنّه رقي كرسياً في جامع البصرة ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني - إلى أن قال -: كنت أقول بخلق القرآن، وأنّ اللّٰه لا تراه الأبصار، وأنّ أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة.(1)وقد ذكر في «الإبانة» في الباب الثاني: أنّه لا خالق إلّااللّٰه وأنّ أعمال العبد مخلوقة للّٰه ومقدورة، كما قال: «وَ اَللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ»(2)وأنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يُخْلَقُون كما قال سبحانه: «هَلْ مِنْ خٰالِقٍ غَيْرُ اَللّٰهِ»(3).(4)وقال في «مقالات الإسلاميين» في حكاية جملة قول أهل الحديث وأهل السنّة: وأقروا أنّه لا خالق إلّااللّٰه، وأنّ سيئات العباد يخلقها اللّٰه، وأنّ


1) . وفيات الأعيان: 285/3؛ فهرست ابن النديم: 257.

2) . الصافات: 96.

3) . فاطر: 3.

4) . الإبانة: 20.

أعمال العباد يخلقها اللّٰه عزّوجلّ، وأنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا منها شيئاً.(1)وقد استدلّ الشيخ بالأدلّة العقلية والنقلية فاكتفى من الأوّل بوجهين:

الدليل الأوّل

ما ذكره في «اللمع» وحاصله:

1.

الإيمان متصف بالحسن والكمال ولكنّه متعب؛ والكفر متصف بالقبح، ولكنّه ملائم للقوى الحيوانية.

2.

إذا أراد المؤمن أن لا يكون إيمانه متعباً مؤلماً لم يقدر على ذلك، ولو أراد الكافر أن يكون كفره على خلاف ما هو عليه، أي أن يكون مخالفاً للشهوات لم يقدر عليه.

3.

كلّ فعل كما يحتاج في أصل الوجود إلى موجد، فكذلك يحتاج إليه في الصفات والخصوصيات.

4.

لا يصحّ أن يكون المؤمن موجداً للإيمان، والكافر موجداً للكفر بما لهما من الخصوصيات، لأنّ كلّاً منهما يقصدهما على غير حقيقتهما، فالكافر يقصد الكفر بما أنّه أمر حسن، ولكنّه في الحقيقة قبيح. كما أنّ المؤمن يقصد الإيمان بما أنّه غير متعب، وهو ليس كذلك، فينتج: إذا لم يكن المحدث للكفر على ما له من الوصف شخص الكافر، ولا المحدث للإيمان


1) . مقالات الإسلاميين: 321/1.

على حقيقته شخص المؤمن، فوجب أن يكون المحدث هو اللّٰه تعالى سبحانه.(1)وباختصار: إنّ الإيمان في الحقيقة متعب لكونه مخالفاً للقوى النفسانية والشهوانية؛ والكفر قبيح باطل؛ ولو قصد المؤمن أن يقع الإيمان على خلاف ما وقع من كونه مؤلماً و متعباً، لم يكن له إلى ذلك من سبيل. ولو أراد الكافر أن يتحقّق الكفر في الخارج حسناً صواباً لم يقدر عليه، هذا من جانب.

ومن جانب آخر: إنَّ المؤمن يجنح إلى الإيمان بما أنّه غير مؤلم ولا متعب، والكافر يجنح إلى الكفر بما أنّه حسن حق.

ولما كان واقع الإيمان والكفر على غير الحقيقة التي يتصورها المؤمن والكافر، يستكشف أنّ الفاعل الحقيقي للإيمان والكفر، هو اللّٰه سبحانه. إذ لو كان الفاعل هو شخص المؤمن والكافر، وجب أن يتحقّق الإيمان والكفر على النحو الذي يريدانه، لا على الحقيقة التي هما عليها من الأوصاف والخصوصيات.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ توصيف الإيمان بالإتعاب والإيلام، والكفر على خلافه، إنّما يصحّ إذا قيسا إلى الإنسان الذي تتحكم به القوى الحيوانية، فلا شكّ أنّ الإيمان يجعل الإنسان محدوداً مكبوحاً جماحه أمام الشهوات واللذات؛ والكفر يجعل الإنسان حرّاً غير محدود في حياته، فيكون الأوّل مؤلماً متعباً، والثاني ملذاً وموافقاً للطبع.


1) . عبارة اللمع غير خالية عن التعقيد والبسط الممل، وما ذكرناه في المتن ملخص مراده. راجع اللمع: 71-72.

ولكن إذا قيسا إلى الفطرة الإنسانية العلوية التي خمرت بالإيمان والتوحيد، فالأمر على العكس. فالإيمان نور و ضياء للروح، والكفر سواد وظلمة لها. ويشهد على ذلك ما ورد في الكتاب العزيز حول الإيمان والكفر والفطرة الإنسانية، ولا نطيل الكلام بذكرها، ويكفي في ذلك قوله سبحانه: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ عَلَيْهٰا لاٰ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ».(1)ثانياً: لو صحّ هذا الدليل لوجب القول بأنّ شارب الماء بتخيل أنّه خمر لم يشرب شيئاً ولم يصدر منه عمل ولا فعل، لأنّه قصد شربه بعنوان أنّه خمر وكان الواقع في الحقيقة شرب الماء، فما وقع لم يقصد، وما قصد لم يقع.

ثالثاً: أنّ ما ذكره خلط بين الصفات الواقعية الحقيقية والصفات الانتزاعية، فالأُولى: كالبياض والسواد، والحرارة والبرودة، تحتاج إلى محدث كما يحتاج الموصوف بها إليه كذلك، والثانية: كالصغر والكبر المنتزعين من مقايسة شيء إلى شيء، لا تحتاج إليه، لأن ّ هذه الأوصاف من مصنوعات الذهن ومخترعاته. فالموجد يوجد نفس الجسم الكبير لا وصفه، كما أنّه يوجد ذات الصغير لا وصفه، وإنّما الذهن يقوم بعمل الانتزاع عند المقايسة.

فالجسم الذي هو بقدر ذراع، أكبر من الجسم الذي على نصفه،


1) . الروم: 30.

والثاني أصغر منه. فالذي أوجده الفاعل إنّما هو ذات الجسمين لا وصفهما، فالموجد للجسم الكبير لا يقوم بعملين:

إيجاد الجسم وإيجاد وصف الكبر فيه، وهكذا في الجسم الصغير، وإنّما ينتقل الإنسان إلى ذينك الوصفين عند المقارنة، ولولاها لم يتبادر إلى الذهن أي من الوصفين.

وعلى ذلك فالموجد للإيمان إنّما يوجد ذات الإيمان، وهكذا الموجد للكفر يوجد ذات الكفر. وأمّا كون الأوّل مؤلماً متعباً، والثاني قبيحاً مخالفاً للواقع الحقّ الذي يضاد الكفر، فلا يحتاج إلى فاعل وعلّة أبداً.

وإن شئت قلت: إنّ الذي يوجد الإيمان لا يوجد إلّاشيئاً واحداً، وهو ذاته لا شيئين: أحدهما ذاته والآخر وصفه. وهكذا الكفر لا يقوم الموجد له بعملين. وهذا أمر واضح لمن له إلمام بالقضايا الاعتبارية والانتزاعية. وعندئذٍلا يصح قوله: «إنّ الإيمان في نظر المؤمن حلو مع أنّه في الواقع مر؛ والكفر في نظر الكافر صواب حسن، مع أنّه في الواقع باطل قبيح، فلا يصحّ عد المؤمن والكافر خالقين لهما، لكونهما في نظريهما على غير الوجه الذي هما عليه حسب الواقع».

والعجب أنّ الأشعري المنكر للحسن والقبح اعترف هنا بقبح الكفر وحسن الإيمان، مع أنّه ليس في منهجه أثر من الحسن والقبح العقليّين، بالكل عنده شرعيّان.

الدليل الثاني

إنّ الدليل على خلق اللّٰه تعالى حركة الاضطرار، قائم في خلق حركة الاكتساب، وذلك أنّ حركة الاضطرار إن كان الذي يدلّ على أنّ اللّٰه خلقها، حدوثها، فكذلك القصة في حركة الاكتساب، وإن كان الذي يدلّ على خلقها، حاجتها إلى مكان وزمان، فكذلك قصة حركة الاكتساب، فلمّا كان كلّ دليل يستدل به على حركة الاضطرار مخلوقة للّٰه تعالى، يجب به القضاء على أنّ حركة الاكتساب مخلوقة للّٰه تعالى، وجب خلق حركة الاكتساب بمثل ما وجب به خلق حركة الاضطرار.(1)وحاصله: إذا كانت الحركة الاضطرارية مخلوقة للّٰه تعالى سبحانه لأجل حدوثها واحتياجها إلى الزمان والمكان، فذلك لملاك موجود في الحركة الاختيارية للإنسان فيجب أن تكونا مخلوقتين له تعالى.

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكر من القياس والمشابهة بين الحركتين لا ينتج إلّاأنّ للحركة الاكتسابية أيضاً محدثاً وموجداً.

وأمّا كون محدثه هو اللّٰه سبحانه فلا يثبته القياس، لأنّ مشاركة الحركتين في الحدوث والحاجة إلى الزمان والمكان، تقضي بأنّ الثانية مثل الأُولى في الحاجة إلى المحدث. وأمّا كون محدثهما شخصاً واحداً فهذا ممّا لا يعلم من القياس.

وأمّا نسبة الحركة الاضطرارية إلى اللّٰه سبحانه على وجه القطع


1) . اللمع: 74-75.

واليقين، فلأجل أنّها ليست مستندة إلى الإنسان، وليست واقعة في إطار اختياره وإرادته، فيحكم باستنادها إلى اللّٰه، إذ الأمر دائر بين أن يكون الفاعل أحدهما. وأمّا الحركة الاكتسابية فلا وجه لنفي استنادها إلى الإنسان، وتأكيد انتسابها إلى اللّٰه.

نعم لو قال أحد بمقالة الأشعري من أنّ القدرة الحادثة في العبد غير مؤثرة في وجود الفعل، لكان له أن يسند الحركتين معاً إلى اللّٰه سبحانه. ولكنّه أوّل الكلام، والاستناد إلى ذلك الأصل أشبه بكون المدّعى نفس الدليل.

إنّ المتأخّرين من الأشاعرة كالرازي في محصله، والإيجي في مواقفه، والتفتازاني في شرح مقاصده، والقوشجي في شرحه لتجريد الطوسي... حرّروا المسألة بصورة واضحة، واعتمدوا في إقامة البرهان عليه على غير ما اعتمد عليه الشيخ الأشعري.

أوّلاً: بحثوا عن المسألة تحت عنوان «أنّ اللّٰه قادر على كلّ المقدورات» أو «عموم قدرته لكلّ شيء» و أرادوا من «عموم القدرة»(1)أنّ كلّ موجود، واقع بقدرته ابتداء، وإن توقف تأثيره في البعض على شرط، كتوقف إيجاده للعرض على إيجاده لمحله، لامتناع قيامه بنفسه.(2)وعلى ذلك فالمراد من عموم قدرته هو المؤثر بالفعل من القدرة، لا


1) . وقد يراد من «عموم قدرته تعالى»، قدرته على القبيح خلافاً للنظام حيث قال: بعدم قدرته عليه، ولكن المراد منه في المقام هو الأوّل.

2) . هامش شرح المواقف لعبد الحكيم السيالكوتي.

القدرة الشأنية، وإن لم يستعملها؛ فلو قيل: إنّ قدرته سبحانه عامة، يراد أنّه هو الفاعل الخالق لكلّ شيء موجود في الخارج بلا واسطة.

ثانياً: اعتمدوا في إثبات المطلوب على الإمكان دون الحدوث، و بين الملاكين فرق واضح لا يخفى على من له أدنى إلمام بالمسائل الكلامية.

يقول الرازي: إنّ ما لأجله صحّ في البعض أن يكون مقدوراً للّٰه تعالى هو الإمكان، لأنّ ما عداه إمّا الوجوب أو الامتناع، وهما بخلاف المقدورية، ولكن الإمكان وصف مشترك بين الممكنات، فيكون الكلّ مشتركاً في صحّة مقدوريته للّٰه تعالى، ولو اختصت قادريته بالبعض دون البعض، افتقر إلى المخصص.(1)يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح، ولكنّه عاجز عن إثبات ما رامه، إذ لا شكّ أنّ جميع الموجودات الممكنة تنتهي إلى الواجب، ولا غنى لأي ممكن في ذاته وفعله عنه سبحانه، لكن فقر الممكنات وحاجتها إلى الواجب، لا يستلزم أن يكون الواجب هو السبب المباشر لكلّ ما دقّ وجلّ، ولكلّ حركة وسكون يعرضان على المادة. بل يكفي في رفع الحاجة إيجاد العوالم الإمكانية وفق نظام الأسباب والمسببات، فكلّ وجود، مسبب لما فوقه، وسبب لما دونه. وبذلك يجري الفيض منه سبحانه على نمط الأسباب العالية إلى الأسباب المتوسطة، إلى السافلة، حتى ينتهي إلى عالم الهيولي والطبيعة، فلكلّ حادث سبب، ولسببه سبب حتى ينتهي إلى الواجب عزّ اسمه؛ وسببية كلّ سبب وتأثير كلّ علّة متوسطة، بإذنه سبحانه وإرادته


1) . المحصل: 298؛ شرح المواقف: 60/8؛ شرح المقاصد: 137/2.

ومشيئته، و هذا هو المراد من التوحيد في الخالقية؛ فالخالق المستقل في خلقه، واحد. وخالقية غيره بإذنه وإقداره.

وهذا المقدار من الاستناد يكفي في رفع حاجة الممكن من دون حاجة إلى أن يكون هناك استناد مباشر.

وباختصار: إنّ اللّٰه سبحانه خلق الإنسان وأفاض عليه القدرة والاختيار، وهو بالقدرة المكتسبة يوجد فعله، وعليه يكون الفعل فعلاً للّٰه سبحانه وفعلاً للعبد. أمّا الأوّل فلأنّ ذاته وقدرته مخلوقتان للّٰه سبحانه. وأمّا الثاني فلأنّه باختياره وحريته النابعة من ذاته صرف القدرة المفاضة في مورد خاص، ولأجل ذلك يقول أهل الحقّ: إنّ لفعل العبد نسبة إلى اللّٰه ونسبة إلى العبد «والفعل فعل اللّٰه وهو فعل العبد».

الحجج الأُخرى للأشاعرة

احتجّ المتأخّرون من الأشاعرة على كون أفعال العباد مخلوقة للّٰه سبحانه بوجوه أُخرى نأتي ببعضها:

الأوّل: لو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بتفصيل أفعاله، وهذا معنى قوله سبحانه: «أَ لاٰ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ»(1)، وبما أنّه غير عالم بتفاصيل أفعاله، بشهادة أنّنا حال الحركة نفعل حركات جزئية لا نعقلها، وأنّنا نقصد الحركة من المبدأ إلى المنتهى، ولا نقصد جزئيات تلك الحركة، وجب القطع بأنّ العبد غير موجد لها.(2)


1) . الملك: 14.

2) . الأربعون للرازي: 231-232؛ شرح التجريد للقوشجي: 447.

يلاحظ عليه: أنّ الإيجاد لا يستلزم العلم، فإنّ الفاعل قد يصدر عنه الفعل بمجرد الطبع، كالإحراق الصادر من النار من غير علم، فلا يلزم من نفي العلم نفي الإيجاد، والمثبتون لعلمه سبحانه لا يستدلّون عليه بالإيجاد، بل بإتقان الفعل وإحكامه.

نعم الإيجاد بالاختيار لكونه مقارناً للقصد، والقصد إلى الشيء لا يكون إلّابعد العلم به يستلزم العلم. ثمّ إنّ الفاعل لو كان قاصداً للفعل بالتفصيل، يوجده بالعلم التفصيلي، ولو كان قاصداً بالإجمال يوجده كذلك. فالفاعل للأكل والتكلّم يقصد أصل الفعل على وجه التفصيل، فيستلزم علم الفاعل به كذلك - و في الوقت نفسه - لا يقصد مضغ كلّ حبة، أو التكلّم بكلّ حرف وكلمة إلّا إجمالاً، فيلزمه العلم بهما على وجه الإجمال.

كما أنّ صانع شربة كيمياوية من عدة عناصر مختلفة، يقصد إدخال كلّ عنصر فيها على وجه التفصيل، فيلزمه العلم به تفصيلاً، وعلى ذلك يكون أصل العلم وكيفيته من الإجمال والتفصيل، تابعين لأصل القصد وكيفيته.

الثاني: لو كانت قدرة العبد صالحة للإيجاد فلو اختلفت القدرتان في المتعلّق مثل ما إذا أراد اللّٰه تعالى تسكين جسم و أراد العبد تحريكه، فإمّا أن يقع المرادان وهو محال، أو لا يقع واحد منهما، وهو أيضاً محال، لأنّه يلزم منه ارتفاع النقيضين، لأنّ الجسم لا يخلو من الحركة والسكون، أو يقع أحدهما دون الآخر، وهو أيضاً محال، لأنّ وقوع أحدهما ليس أولى من وقوع الآخر. لأنّ اللّٰه تعالى وإن كان قادراً على ما لا نهاية له، والعبد

ليس كذلك، إلّاأنّ ذلك لا يوجب التفاوت بين قدرة اللّٰه تعالى و قدرة العبد.(1)يلاحظ عليه: أنّ هذا الدليل إنّما يجري فيما إذا كانت القدرتان متساويتين كما في البحث عن الإلهين المفروضين، فأراد أحدهما تحريك الجسم والآخر إيقافه وسكونه، لا في المقام؛ أعني: إذا كان أحدهما أقوى والآخر أضعف كما في المقام، ففي مثله يقع مراد اللّٰه لكون قدرته أقوى، إذ المفروض استواؤهما في الاستقلال بالتأثير، وهو لا ينافي التفاوت بالقوة والشدة.(2)والأولى أن يقال: إنّ قدرة اللّٰه تعالى في الصورة المفروضة قدرة فعلية تامة في التأثير، وقدرة العبد قدرة شأنية غير تامة، وليست صالحة للتأثير، لأنّ من شرائط القدرة الفعلية أن لا تكون ممنوعة من قبل قدرة بالغة كاملة، فتعلّق قدرته وإرادته بتحريك الجسم تكون مانعة عن وصول قدرة العبد إلى درجة التأثير والإيجاد، فإحدى القدرتين مطلقة، والأُخرى مشروطة.

الثالث: إنّ نسبة ذاته سبحانه إلى جميع الممكنات على السوية، فيلزم أن يكون اللّٰه تعالى قادراً على جميع الممكنات، وأن يكون تعالى قادراً على جميع المقدورات، وعلى جميع مقدورات العباد - و على هذا - ففعل العبد: إمّا أن يقع بمجموع القدرتين - أعني: قدرة اللّٰه وقدرة العبد - وإمّا أن لا يقع


1) . الأربعون للرازي: 232.

2) . كشف المراد: 160؛ شرح التجريد للقوشجي: 447.

بواحدة منهما، وإمّا أن يقع بإحدى القدرتين دون الأُخرى، وهذه الأقسام الثلاثة باطلة. فوجب أن لا يكون العبد قادراً على الإيجاد والتكوين.(1)يلاحظ عليه: أنّ الفعل يقع بمجموع القدرتين، ولا يلزم منه محال، لأنّ قدرة العبد في طول قدرة اللّٰه سبحانه، ومفاضة منه، ونسبة قدرته إلى قدرة الواجب، نسبة المعنى الحرفي إلى المعنى الاسمي، والشيء المتدلّي إلى القائم بالذات.

وصلب البرهان هو تفسير عموم قدرته لكلّ المقدورات، ومنها أفعال العباد، بتعلّق قدرته الفعلية التامة بكلّ مقدور مباشرة وبلا واسطة، ومع هذا الفرض لا يبقى مجال لإعمال قدرة العبد، غير أنّ لعموم القدرة معنيين صحيحين:

1.

إنّه تعالى قادر على القبيح خلافاً للنظام، فإنّه قال: لا يقدر على القبيح.

2.

إنّ كلّ ما في صفحة الوجود من الأكوان والأفعال، محقّقة بقدرة اللّٰه تعالى، وموجودة بحوله وقوته، لأنّ كلّ ما سواه ممكن، ولا غنى للممكن عن الواجب، لا في الذات ولا في الفعل، لكن تحقّق الشيء بقدرته يتصور على وجهين:

أ: أن يتحقّق بقدرته سبحانه مباشرة وبلا واسطة، كما هو الحال في الصادر الأوّل من العقول والنفوس والأنوار الملكوتية.


1) . الأربعون للرازي: 232.

ب: أن يتحقّق بقدرة مفاضة منه سبحانه إلى العبد، قائمة بقدرته، وموجدة بحوله وقوته، فالفعل مقدور للعبد بلا واسطة، ومقدور للّٰه سبحانه عن طريق القدرة التي أعطاها له، و أقدر عبده بهاعلى الفعل، فيكون الفعل فعل اللّٰه من جهة، وفعل العبد من جهة أُخرى.

وباختصار: إنّ العوالم الممكنة من عاليها إلى سافلها متساوية النسبة إلى قدرته سبحانه، فالجليل والحقير، والثقيل والخفيف عنده سواسية، لكن ليس معنى الاستواء هو قيامه تعالى بكلّ شيء مباشرة وخلع التأثير عن الأسباب والعلل، بل يعني أنّ اللّٰه سبحانه يظهر قدرته وسلطانه عن طريق خلق الأسباب، وبعث العلل نحو المسببات والمعاليل، والكلّ مخلوق له، ومظاهر قدرته وحوله، ولا حول ولا قوّة إلّاباللّٰه.

فالأشعري، خلع الأسباب والعلل وهي جنود اللّٰه سبحانه عن مقام التأثير والإيجاد، كما أنّ المعتزلي عزل سلطانه عن ملكه وجعل بعضاً منه في سلطان غيره، أعني: فعل العبد في سلطانه.

والحقّ الذي عليه البرهان ويصدّقه الكتاب هو كون الفعل موجوداً بقدرتين، لكن لا بقدرتين متساويتين، ولا بمعنى علّتين تامّتين، بل بمعنى كون الثانية من مظاهر القدرة الأُولى وشؤونها وجنودها: «وَ مٰا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّٰ هُوَ»(1)، وقد جرت سنّة اللّٰه تعالى على خلق الأشياء بأسبابها، فجعل لكلّ شيء سبباً، وللسبب سبباً، إلى أن ينتهي إليه سبحانه، والمجموع من الأسباب الطولية علّة واحدة تامة كافية لإيجاد الفعل، والتفصيل يطلب


1) . المدثر: 31.

من محله، ونكتفي في المقام بكلمة عن الإمام الصادق عليه السلام: «أبى اللّٰه أن يجري الأشياء إلّابأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً، وجعل لكلّ سبب شرحاً».(1)ثمّ إنّ للأشاعرة في مسألة «خلق الأفعال» حججاً وأدلّة، أو شبهات وتشكيكات يقف عليها وعلى أجوبتها من سبر الكتب الكلامية للمحقّق الطوسي و شرّاح التجريد، فراجع.

نظرية الكسب ومشكلة الجبر

اشارة

ولما كان القول بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّٰه سبحانه مستلزماً للجبر، حاول الأشعري أن يعالجه بإضافة «الكسب» إلى «الخلق» قائلاً بأنّ اللّٰه هو الخالق، والعبد هو الكاسب، وملاك الطاعة والعصيان، والثواب والعقاب هو «الكسب» دون الخلق، فكلّ فعل صادر عن كلّ إنسان مريد، يشتمل على جهتين «جهة الخلق» و «جهة الكسب» فالخلق والإيجاد منه سبحانه، والكسب والاكتساب من الإنسان.

والظاهر أنّ بعض المتكلّمين سبق الأشعري في القول بالكسب.

قال القاضي عبد الجبار: إنّ جهم بن صفوان ذهب إلى أنّ أفعال العباد لا تتعلق بنا. وقال: إنّما نحن كالظروف لها حتى أنّ ماخلق فينا، كان، وإن لم يخلق لم يكن.


1) . الكافي: 183/1، باب معرفة الإمام، الحديث 7.

وقال ضرار بن عمرو(1): إنّها متعلّقة بنا ومحتاجة إلينا، ولكن جهة الحاجة إنّما هي الكسب، فقد شارك جهماً في المذهب، وزاد عليه الإحالة.(2)أقول: إنّ نظرية الكسب التي انتشرت عن جانب الإمام الأشعري مأخوذة عن ذلك المتكلّم المجبر، ونقلها العلاّمة الحلي في «كشف المراد» عن النجار وحفص الفرد أيضاً.(3)وأخذ عنهم الأشعري على الرغم من ادّعائه أنّه يخالف المجبّرة ولا يوافقهم. غير أنّ الذي يجب التركيز عليه أمران:

الأوّل: ما هو الداعي لإضافة الكسب إلى أفعال العباد؟

الثاني: ما هو المقصود من كون الإنسان كاسباً واللّٰه سبحانه خالقاً؟

أمّا الأوّل: فلأنّ الأشعري من أهل التنزيه، وهو يناضل أهل التشبيه والتجسيم كما يخالف المجبرة. ولمّا كان القول بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّٰه سبحانه لا غير، مستلزماً لوقوع الشيخ الأشعري و من لفّ لفّه في مشكلة عويصة إذ لقائل أن يقول:

إذا كان الخالق هو اللّٰه سبحانه فلابدّ أن يكون هو


1) . ضرار: من رجال منتصف القرن الثالث وهو ضرار بن عمرو العيني قال القاضي في طبقاته: ص 13: كان يختلف إلى واصل، ثمّصار مجبراً وعنه نشأ هذا المذهب.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 363، وقد نقل الشيخ مقالة ضرار في كتابه مقالات الإسلاميين: 313 وقال: والذي فارق (ضرار بن عمرو) المعتزلة قوله: إنّ أعمال العباد مخلوقة وإن فعلاً واحداً لفاعلين، أحدهما خلقه وهو اللّٰه، والآخر اكتسبه وهو العبد، وإنّ اللّٰه عزّوجلّ فاعل لأفعال العباد في الحقيقة، وهم فاعلون لها في الحقيقة....

3) . كشف المراد: 189، الفصل الثالث من الإلهيات، ط لبنان.

المسؤول لا غير، وحينئذٍ يبطل الأمر والنهي والوعد والوعيد، وكلّ ما جاءت به الشرائع السماوية - لجأ الأشعري وأضرابه لأجل الخروج من ذلك المضيق إلى نظرية «ضرار» معتقدين بأنّهم يقدرون بها على حل العقدة، وقالوا: إنّ اللّٰه سبحانه هو الخالق، والإنسان هو الكاسب، فلو كان هناك مسؤولية متوجّهة إلى الإنسان فهي لأجل كسبه وقيامه بهذا العمل.

هذا هو الحافز والداعي لتبنّي نظرية الكسب لا غير.

وأمّا الثاني: - أعني: ما هي حقيقة تلك النظرية - فقد اختلفت كلمات الأشاعرة في توضيح تلك النظرية اختلافاً عجيباً، فنحن ننقل ما ذكروه باختصار:

1. نظرية الكسب والشيخ الأشعري

قبل أن نقوم بنقل ما ذكره تلاميذه نأتي بنص عبارة الشيخ في «اللمع»، يقول عند إبداء الفرق بين الحركة الاضطرارية والحركة الاكتسابية: لمّا كانت القدرة موجودة في الحركة الثانية وجب أن يكون كسباً، لأنّ حقيقة الكسب هي أنّ الشيء وقع من المكتسب له بقوة محدثة.(1)وحاصله أنّ صدور الفعل من الإنسان في ظل قوة محدثة هو الكسب.

يلاحظ عليه: أنّ ظاهر العبارة هو صدور الفعل بسبب قوة محدثة من اللّٰه في العبد، وعليه يكون الفعل مقدوراً للعبد ومخلوقاً له، ومعه: كيف


1) . اللمع: 76.

يمكن أن يكون في عرضه مقدوراً للّٰه ومخلوقاً له؟!

وبعبارة ثانية: إمّا أن يكون للقوة المحدثة في العبد تأثير في تحقّق الفعل أو لا؟ فعلى الأوّل يكون الفعل مخلوقاً للعبد، لا للّٰه سبحانه، وهو ينافي الأصل المسلّم عند الأشعري ومن قبله من الحنابلة، من أنّ الخلق بتمام معنى الكلمة راجع إليه سبحانه، ولا تصحّ نسبته إلى غيره، وعلى الثاني: يكون الفعل مقدوراً مخلوقاً للّٰه سبحانه، من دون أن يكون لقدرة العبد دور في الفعل والإيجاد. وعندئذٍ يعود الإشكال وهو: إذا كان الفعل مخلوقاً للّٰه كيف يكون المسؤول هو العبد؟!

وباختصار: إنّ العبارة المذكورة عبارة مجملة، وهي على فرض القول بتأثير قوة العبد في عرض قدرة اللّٰه سبحانه أو طولها، يستلزم إمّا اجتماع القدرتين على مقدور واحد - إذا كانت القدرتان في عرض واحد - أو كون الفعل مقدوراً للقدرة الثانية، أعني: قدرة العبد - إذا كانت القدرتان طوليتين - و على فرض عدم تأثير قدرة العبد، و كون الفعل متحقّقاً بقدرته سبحانه عند حدوث القدرة في العبد، يعود الإشكال بعينه، ولا تكون للكسب واقعية أبداً.

والظاهر من المحقّق التفتازاني ترجيح الشق الأوّل في تفسير كلام الأشعري، حيث قال في شرح العقائد النسفية: فإن قيل: لا معنى لكون العبد فاعلاً بالاختيار إلّاكونه موجداً لأفعاله بالقصد والإرادة، وقد سبق أنّ اللّٰه تعالى مستقل بخلق الأفعال وإيجادها، ومعلوم أنّ المقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين مستقلتين، قلنا: لا كلام في قوّة هذا الكلام ومتانته، إلّاأنّه لما

ثبت بالبرهان أنّ الخالق هو اللّٰه تعالى (هذا من جانب) و (من جانب آخر) ثبت بالضرورة أنّ لقدرة العبد وإرادته مدخلاً في بعض الأفعال، كحركة اليد، دون البعض كحركة الارتعاش، احتجنا في التفصّي عن هذا المضيق إلى القول بأنّ اللّٰه تعالى خالق، والعبد كاسب.(1)ولا يخفى أنّ القول بتأثير قدرة العبد لا يجتمع مع ما ثبت بالبرهان عندهم من أنّ الخالق هو اللّٰه تعالى، فعلى مذهبه يقع التعارض بين ما ثبت بالبرهان وما اختاره من الأصل.

ثمّ الظاهر من الفاضل القوشجي هو اختيار الشق الثالث. أي عدم تأثير قدرة العبد في الفعل حيث قال: والمراد بكسبه إيّاه مقارنته لقدرته و إرادته، من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلاً له.(2)وعلى ما ذكره ذلك الفاضل لا يكون هنا للعبد دور إلّاكون الفعل صادراً من اللّٰه وموجداً بإيجاده، غاية الأمر كون الإصدار منه تقارن مع صفة من صفات العبد، وهما صيرورته ذا قدرة غير مؤثرة بل معطلة، عن إيجاد اللّٰه تعالى الفعل في الخارج.

أنشدك بوجدانك الحر، هل يصحّ تعذيب العبد، بحديث المقارنة، ألا يعدّ ذلك من أظهر ألوان الظلم، المنزّه سبحانه عنه؟!


1) . شرح العقائد النسفية: 115.

2) . شرح التجريد للفاضل القوشجي: 445.

قال القاضي عبد الجبار: إنّ أوّل من قال بالجبر وأظهره معاوية، وإنّه أظهر أنّما يأتيه بقضاء اللّٰه ومن خلقه ليجعله عذراً فيما يأتيه، و يوهم أنّه مصيب فيه، وأنّ اللّٰه جعله إماماً وولّاه الأمر، ومشى ذلك في ملوك بني أُمية.

وعلى هذا القول قتل هشام بن عبد الملك غيلان رحمه الله، ثمّ نشأ بعدهم يوسف السمني فوضع لهم القول بتكليف ما لايطاق.(1)وقال الدكتور «مدكور» في تصديره للجزء الثامن لكتاب المغني للقاضي عبد الجبار: إنّ هناك صلة وثيقة بين الحياة السياسية ونشأة الفرق والآراء الكلامية، ولكن الوشاية والدس هما اللّذان قضيا على غيلان - فيما يظهر - أكثر من قوله بالاختيار، بدليل أنّ عمر بن عبد العزيز سبق له أن جادله ولم يوقع عليه عقاباً، ولعلّ من هذا أيضاً ما قيل عن معبد الجهني، وجهم بن صفوان، وأغلب الظن أنّهما قتلا لأسباب سياسية لا صلة لها بالدين.(2)قال الراغب في محاضراته: خطب معاوية يوماً فقال: إنّ اللّٰه تعالى يقول: «وَ إِنْ مِنْ شَيْ‌ءٍ إِلاّٰ عِنْدَنٰا خَزٰائِنُهُ وَ مٰا نُنَزِّلُهُ إِلاّٰ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ» فلِمَ نلام نحن؟ فقام إليه الأحنف فقال: إنّا لا نلومك على ما في خزائن اللّٰه، ولكن نلومك على ما أنزل اللّٰه علينامن خزائنه، فأغلقت بابك دونه يا معاوية.(3)


1) . المغني: 4/8.

2) . المغني: 8 / ه، المقدّمة.

3) . الكشكول لبهاء الدين العاملي: 122/3، مؤسسة الأعلمي، بيروت.

2. نظرية الباقلاني في تفسير الكسب

«تأثير قدرة الإنسان في ترتّب العناوين على أفعاله».

قد قام القاضي الباقلاني(1)من أئمّة الأشاعرة بتفسير نظرية صاحب المنهج بشكل آخر، وقال ما هذا حاصله: الدليل قد قام على أنّ القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد، لكن ليست الأفعال أو وجوهها واعتباراتها تقتصر على وجهة الحدوث فقط، بل هاهنا وجوه أُخر هي وراء الحدوث.

ثمّ ذكر عدّة من الجهات والاعتبارات وقال: إنّ الإنسان يفرّق فرقاً ضرورياً بين قولنا: أوجد، وبين قولنا: صلّى و صام وقعد و قام. وكما لا يجوز أن تضاف إلى الباري تعالى جهة ما يضاف إلى العبد، فكذلك لا يجوز أن تضاف إلى العبد، جهة ما يضاف إلى الباري تعالى.

فأثبت القاضي تأثيراً للقدرة الحادثة، وأثرها هو الحالة الخاصة، وهو جهة من جهات الفعل، حصلت نتيجة تعلّق القدرة الحادثة بالفعل، وتلك الجهة هي المتعيّنة لأن تكون مقابلة بالثواب والعقاب، فإنّ الوجود من حيث هو وجود لا يُستحق عليه ثواب وعقاب، خصوصاً على أصل المعتزلة، فإنّ جهة الحسن والقبح هي التي تقابل بالجزاء، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان وراء الوجود، فالوجود من حيث هو وجود ليس بحسن ولا قبيح.

قال: فإذا جاز لكم إثبات صفتين هما حالتان، جاز لي إثبات حالة هي


1) . القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفّى عام 403 ه) من مشاهير أئمّة الأشاعرة في بغداد، وله تأليفات، وقد طبع منها: 1. التمهيد، 2. الإنصاف في أسباب الخلاف، 3. إعجاز القرآن.

متعلّق القدرة الحادثة، ومن قال هي حالة مجهولة، فبيّنا بقدر الإمكان جهتها، وعرّفنا أيّ شيء هي، ومثّلناها كيف هي.(1)وحاصل كلامه الذي قمنا بتلخيصه: هو أنّ للقدرة الحادثة تأثيراً في حدوث العناوين والخصوصيات التي هي ملاك الثواب والعقاب، وهذه العناوين وليدة قدرة العبد، حادثة بها، وإن كان وجود الفعل حادثاً بقدرته سبحانه.

فوجود الفعل مخلوق للّٰه سبحانه، لكن تعنونه بعنوان الصوم والصلاة والأكل والشرب راجع إلى العبد والقدرة الحادثة فيه.

يلاحظ عليه: أنّ هذه العناوين والجهات التي صارت ملاكاً للطاعة والعصيان لا تخلو من صورتين: إمّا أن تكون من الأُمور الوجودية، وعندئذٍ تكون مخلوقة للّٰه سبحانه حسب الأصل المسلم.

وإمّا أن تكون من الأُمور العدمية، فعندئذٍ لا تكون للكسب واقعية خارجية، بل يكون أمراً ذهنياً غنياً عن الإيجاد والقدرة. ومثل ذلك كيف يكون ملاكاً للثواب والعقاب.

وباختصار: إنّ واقعية الكسب إمّا واقعية خارجية موصوفة بالوجود، فحينئذيكون مخلوقاً للّٰه سبحانه، ولا يكون للعبد نصيب في الفعل؛ أو لا تكون له تلك الواقعية، بل يكون أمراً وهمياً ذهنياً، فحينئذٍ لا يكون العبد مصدراً لشيء حتى يثاب عليه أو يعاقب.


1) . الملل والنحل: 97/1-98.

3. نظرية الغزالي في تفسير الكسب

«صدور الفعل من اللّٰه عند حدوث القدرة في العبد».

إنّ الغزالي من مشاهير الأشاعرة في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس، وقد اختار في تفسير الكسب نظرية صاحب المنهج، وقام بتوضيحه بكلام مبسوط نذكره باختصار، قال: ذهبت المجبرة إلى إنكار قدرة العبد فلزمها إنكار ضرورة التفرقة بين حركة الرعدة، والحركة الاختيارية، ولزمها أيضاً استحالة تكاليف الشرع. وذهبت المعتزلة إلى إنكار تعلّق قدرة اللّٰه تعالى بأفعال العباد والحيوانات والملائكة والجن والشياطين، و زعمت أنّ جميع ما يصدر منها، من خلق العباد واختراعهم، لا بقدرة اللّٰه تعالى عليها بنفي ولا إيجاد، فلزمتها شناعتان عظيمتان:

إحداهما: إنكار ما أطبق عليه السلف من أنّه لا خالق إلّااللّٰه، ولا مخترع سواه.

والثانية: نسبة الاختراع والخلق إلى قدرة من لا يعلم ما خلقه، كأعمال النحل والعنكبوت وغيرهما من الحيوانات التي تقوم بأعاجيب الأعمال وغرائبها، ثمّ قال: وإنّما الحقّ إثبات القدرتين على فعل واحد، والقول بمقدور منسوب إلى قادرين، فلا يبقى إلّااستبعاد توارد القدرتين على فعل واحد. وهذا إنّما يبعد إذا كان تعلّق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلّقهما فتوارد المتعلّقتين على شيء واحد غير محال، كما نبينّه.

ثمّ إنّه حاول بيان تغاير الجهتين، وحاصل ما أفاده: إنّ الجهة الموجودة في تعلّق قدرته سبحانه على الفعل غير الجهة الموجودة في تعلّق قدرة العبد. والجهة في الأُولى جهة إيجادية تكون نتيجتها وقوع الفعل في الخارج، وحصوله في العين.

والجهة في القدرة الثانية جهة أُخرى، وهي صدور الفعل من اللّٰه سبحانه عند حدوث القدرة في العبد.(1)فلأجل ذلك يُسمّى الأوّل خالقاً ومخترعاً، دون الثاني، فاستعير لها النمط من النسبة اسم الكسب تيمّناً بكتاب اللّٰه تعالى.(2)ثمّ اعترض على نفسه بما هذا حاصله: كيف تصحّ تسمية القدرة المخلوقة في العبد قدرة، إذا لم يكن لها تعلّق بالمقدور، فإنّ تعلّق القدرة بالمقدور ليس إلّامن جهة التأثير والإيجاد و حصول المقدور بها؟

وأجاب عنه: بأنّ التعلّق ليس مقصوراً على الوقوع بها، بل هناك تعلّق آخر غير الوقوع، نظير تعلّق الإرادة بالمراد، والعلم بالمعلوم، فإنّهما يتعلّقان بمتعلّقهما بتعلّق غير الوقوع ضرورة أنّ العلم ليس علّة للمعلوم، فإذاً لابدّ من إثبات أمر آخر من التعلّق سوى الوقوع.(3)


1) . وأوضح التفتازاني تلكما الجهتين في مقاصده وقال: لما بطل الجبر المحض بالضرورة، وكون العبد خالقاً لأفعاله بالدليل، وجب الاقتصاد في الاعتقاد. وهو أنّها مقدورة بقدرة اللّٰه تعالى اختراعاً وبقدرة العبد على وجه آخر من التعلّق يعبر عنه عندنا بالاكتساب. وليس من ضرورة تعلّق القدرة بالمقدور أن يكون على وجه الاختراع... شرح المقاصد: 127.

2) . وإليك نصّ عبارة الغزالي: لما كانت القدرة (قدرة العبد) والمقدور جميعاً بقدرة اللّٰه تعالى: سُمّي خالقاً ومخترعاً، ولما لم يكن المقدور بقدرة العبد وإن كان معه، فلم يسم خالقاً ولا مخترعاً. الاقتصاد في الاعتقاد: 92.

3) . الاقتصاد: 92-93.

يلاحظ عليه: أنّ الغزالي لم يأت في تفسير نظرية الكسب بأمر جديد وحاصله يتلخّص في كلمتين:

1.

إنّ دور قدرة العبد ليس إلّادور المقارنة، فعند حدوث القدرة في العبد يقوم سبحانه بخلق الفعل.

2.

إنّ للتعلّق أنواعاً ولا تنحصر في الإيجاد والوجود، والإيقاع والوقوع، بل هناك جهة أُخرى نعبر عنها بالكسب - فالعبد مصدر لهذه الجهة، وبذلك يسمّى كاسباً -.

ومع هذا التطويل فالإشكال باق بحاله، فإنّ وقوع الفعل مقارناً لقدرة العبد، لا يصحح نسبة الفعل إلى العبد، ومعه لا يتحمّل مسؤولية، فإنّ نسبة المقارن إلى المقارن كنسبة تكلّم الإنسان إلى نزول المطر إلى الصحراء، فإذا لم يكن لقدرة العبد تأثير في وقوع الفعل، كيف يصحّ في منطق العقل التفكيك بين الحركة الاختيارية، والحركة الاضطرارية؟ والغزالي بكلامه هذا نقض ما ذكره في صدر البحث حيث رد على المجبرة بوجدان الفرق بين الحركتين، وهذا الفرق لا يتعقّل إلّافي ظل تأثير قدرة العبد على الوقوع والوجود.

وأضعف من ذلك تنزيل تعلّق قدرة العبد بتعلّق العلم على المعلوم، مع أنّ واقعية العلم وماهيته هي الكشف التابع للمكشوف، فلا يصحّ أن يكون مؤثراً في المعلوم وموجداً له، ولكن واقعية القدرة والسلطة واقعية الإفاضة والإيجاد، فلا يتصور خلعها عن التأثير مع فرضها قدرة كاملة وبصورة علة تامة.

والمنشأ لهذه الاشتباهات والتناقضات هو العجز عن تفسير الأصل المسلّم من أنّه لا خالق إلّااللّٰه تعالى، حيث إنّ الأشاعرة فسّروه بحصر الخلق والإيجاد والتأثير في ذاته سبحانه، ونفي أيّ تأثير ظلي أو إيجاد حرفي لغيره. فصوّروه سبحانه وتعالى، الفاعل المباشر لكلّ ماجلّ ودقّ في عالم المجرّدات والماديات، فصارت ذاته قائمة مقام العلل الطبيعية والأسباب المادية، فعند ذلك وقعوا في ورطة الجبر ومشكلة اضطرار العبد.

ولكن الحقّ في تفسير الأصل المذكور هو غير ذلك، وحاصله: إنّ قصر الخالقية المستقلة باللّٰه سبحانه، لا ينافي قيام غيره بأمر الخلق والإيجاد بإذنه سبحانه وإقداره، وقد شهدت الدلائل العقلية بصحّة هذا التفسير، كما نطقت الآيات في الذكر الحكيم بتأثير جملة من العلل الطبيعية في معاليلها، لكن بإذن منه سبحانه وإقدار له، فليس للتوحيد في الخالقية معنى غير ذلك، وسيوافيك تفسيره.

4. نظرية التفتازاني في تفسير الكسب

«توجه قدرة العبد على الفعل عند صدوره من اللّٰه».

إنّ المحقّق التفتازاني جنح في تفسيره إلى ما نقلناه عن الغزالي، ولخّص كلامه على ما عرفت في التعليقة.

ولكنّه في «العقائد النسفية» قام بتفسير الكسب بوجه واضح. وهو أنّ صرف العبد قدرته وإرادته إلى الفعل كسب، وإيجاد اللّٰه تعالى الفعل عقيب ذلك خلق. والمقدور الواحد داخل تحت قدرتين، لكن بجهتين مختلفتين.

فالفعل مقدور اللّٰه تعالى بجهة الإيجاد، ومقدور العبد بجهة الكسب، وهذا القدر من المعنى ضروري وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة عن تحقيق كون فعل العبد بخلق اللّٰه تعالى وإيجاده، مع ما فيه للعبد من القدرة والاختيار.(1)ومراده من الصرف هو توجه القدرة إلى الفعل وإن لم تكن مؤثرة في المقدور، فمجرّد التوجيه من غير دخل في وجود الفعل، كسب.

ويرد عليه ما أوردناه على الغزالي من أنّ القدرة غير المؤثرة لا تورث المسؤولية ولا تصحح العقاب والثواب، إلّاأن يكون الجزاء على نفس العزم والإرادة، لا على الفعل وهو كما ترى.

ثمّ إنّ نظرية الكسب بلغت من الإبهام إلى حدّ أنّ القمة من مشايخ الأشاعرة كالتفتازاني يعترف بعجزه عن تفسيره حيث قال: «وإن لم نقدر على أزيد من ذلك في تلخيص العبارة المفصحة...».

5. نظرية تخصيص ما دلّ على حصر الخلق باللّٰه

إنّ هناك نظرية خامسة في حلّ مشكلة الجبر نقلها شارح العقيدة الطحاوية عن صاحب كتاب «المسايرة».(2)وحاصلها: إنّ ما دلّ على حصر الخلق باللّٰه يخصص بما سوى العزم،


1) . شرح العقائد النسفية: 117.

2) . تأليف الشيخ كمال الدين محمد بن همام الدين الشهير بابن الهمام (المتوفّى 861 ه) ولكتابه هذا شروح.

فكلّ شيء مخلوق للّٰه سبحانه، وهو خالقه، إلّاالعزم على الطاعة والعصيان، فالخالق له هو العبد.

وقال في ذلك المجال ما هذا نصّه: فإن قيل: لا شكّ أنّه تعالى خلق للعبد قدرة على الأفعال، ولذا يدرك تفرقة ضرورية بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية، والقدرة ليست خاصيتها إلّاالتأثير، فوجب تخصيص عمومات النصوص بما سوى أفعال العباد الاختيارية، فيكونون مستقلين بإيجاد أفعالهم بقدرتهم الحادثة بخلق اللّٰه تعالى إيّاها كما هو رأي المعتزلة والفلاسفة. وإلّا كان جبراً محضاً فيبطل الأمر والنهي.

قلنا: إنّ براهين وجوب استناد كلّ الحوادث إلى القدرة القديمة بالإيجاد، إنّما تلجئ إلى القول بتعلّق القدرة بالفعل بلا تأثير، لو لم تكن عمومات تحتمل التخصيص. فأمّا إذا وجد ما يوجب التخصيص فلا. لكن الأمر كذلك. وذلك المخصص أمر عقلي، هو أنّ إرادة العموم فيها يستلزم الجبر المحض المستلزم لضياع التكليف وبطلان الأمر والنهي. ثمّ أوضح ذلك بقوله: لو عرف اللّٰه تعالى العبد العاقل أفعال الخير والشر، ثمّ خلق له قدرة أمكنه بها من الفعل والترك، ثمّ كلّفه بالإتيان بالخير ووعده عليه.

وترك الشر وأوعده عليه، بناء على ذلك الإقدار لم يوجب ذلك نقصاً في الإلوهية. إذ غاية ما فيه أنّه أقدره على بعض مقدوراته لحكمة صحة التكليف واتجاه الأمر والنهي. غير أنّ السمع ورد بما يقتضي نسبة الكل إليه تعالى بالإيجاد وقطعها عن العباد.

فلنفي الجبر المحض وصحة التكليف وجب التخصيص، وهو لا يتوقف على نسبة جميع أفعال العباد إليهم بالإيجاد، بل

يكفي لنفيه أن يقال: جميع ما يتوقف عليه أفعال الجوارح من الحركات وكذا التروك التي هي أفعال النفس من الميل والداعية التي تدعو والاختيار، بخلق اللّٰه تعالى، لا تأثير لقدرة العبد فيه. وإنّما محل قدرته، عزمه عقيب خلق اللّٰه تعالى هذه الأُمور في باطنه عزماً مصمماً بلا تردد، فإذا أوجد العبد ذلك العزم خلق اللّٰه تعالى له الفعل. فيكون منسوباً إليه تعالى من حيث هو حرّكه، وإلى العبد من حيث هو زنى و نحوه. فعن ذلك العزم الكائن بقدرة العبد المخلوقة للّٰه تعالى، صحّ تكليفه وثوابه وعقابه. وكفى في التخصيص تصحيح التكليف هذا الأمر الواحد. أعني: العزم المصمّم، وما سواه ممّا لا يحصى من الأفعال الجزئية والتروك كلّها مخلوقة للّٰه تعالى و متأثرة عن قدرته ابتداءً بلا واسطة القدرة الحادثة.(1)يلاحظ عليه: أنّ المجيب تصوّر أنّ القول بانحصار الخلق باللّٰه سبحانه يستند إلى دليل سمعي قابل للتخصيص كسائر عمومات الكتاب والسنّة. ولكن القول به يستند إلى برهان عقلي غير قابل للتخصيص، وهو أنّ الممكن في ذاته وفعله قائم باللّٰه سبحانه، متدلٍّ به، وليس يملك لنفسه ذاتاً ولا فعلاً. ولا فرق في ذلك بين الأفعال الخارجية و الأفعال القلبية، أعني:

العزم والجزم، فالكل ممكن، والممكن يحتاج إلى واجب في وجوده وتحقّقه، فينتج أنّ العزم والجزم في وجوده وتحقّقه محتاج إلى الواجب ومعلول لوجوده.

نعم، لو كان صاحب المسايرة وأساتذته وتلامذته ممّن يفرّقون بين


1) . شرح العقيدة الطحاوية: 122-126 نقلاً عن «المسايرة» لاحظ شرحها 98.

الخالق على وجه الاستقلال والخالق على الوجه التبعي لما صعب عليهم المقام.

6. نظرية ابن الخطيب في تفسير الكسب
اشارة

«قدرة اللّٰه مانعة عن قدرة العبد».

وإليك نصّعبارته: إنّ الطاعة والمعصية للعبد من حيث الكسب، ولا طاعة ولا معصية من حيث الخلق، والخلق لا يصحّ أن يضاف إلى العبد، لأنّه إيجاد من عدم، والفعل موجود بالقدرة القديمة لعموم تعلّق القدرة الحادثة بها.(1)فالقدرة الحادثة تتعلّق ولا تؤثر، وهي - أي القدرة الحادثة - تصلح للتأثير لولا المانع، وهو وجود القدرة القديمة، لأنّهما إذا تواردتا لم يكن للقدرة الحادثة تأثير.(2)

ولا يخفى أنّه لو كان الكسب أيضاً فعلاً مخلوقاً للّٰه سبحانه، تكون المحاولة المذكورة فاشلة، إذ عندئذٍ يكون الخلق والكسب كلاهما من جانبه سبحانه، فلاحظ.

وحاصل هذه النظرية أنّ لقدرة العبد شأناً في التأثير لولا المانع، ولكن وجود القدرة القديمة مانع عن تأثير قدرة العبد الحادثة. ولولا سبق القدرة

1) . العبارة لا تخلو من حزازة، والصحيح أن يقال: لعموم تعلّق القدرة القديمة به، أي بالفعل.

2) . القضاء والقدر لعبد الكريم الخطيب: 187 نقلاً عن «الفلسفة والأخلاق» للسان الدين بن الخطيب قال: يرى لسان الدين بن الخطيب أنّ الكسب فعل يخلقه اللّٰه تعالى في العبد كما يخلق القدرة والإرادة والعلم، فيضاف الفعل إلى اللّٰه خلقاً لأنّه خالقه، وإلى العبد كسباً لأنّه محلّه الذي قام به، ثمّنقل العبارة التي نقلناها في المتن.

القديمة لكان المجال للقدرة الحادثة مفتوحاً.

يلاحظ عليه: أوّلاً: إذا كان دور الإنسان في مجال أفعاله دور الظرف والمحل، فلا معنى لإلقاء المسؤولية في الشرائع السماوية والأنظمة البشرية على عاتقه، لأنّ مكان الفعل لا يكون مسؤولاً عن الفعل المحقّق فيه، وقد صرح صاحب النظرية بكون الإنسان محلاً لإعمال قدرته سبحانه.

ثانياً: أنّ ما جاء في هذا البيان يغاير ما عليه الأشعري وأتباعه، فإنّهم لا يقيمون لقدرة الإنسان وزناً ولا قيمة، ولكن ابن الخطيب يعتقد بكونها قابلة للتأثير لولا سبق المانع وهو القدرة القديمة، ومع ذلك ليس بتام.

وذلك لأنّ فرض المانعية لإحدى القدرتين بالنسبة إلى الأُخرى إنّما يتم لو صحّ فرض كونه سبحانه هو الفاعل المباشر لكلّ ما ظهر على صفحة الوجود الإمكاني، فعند ذاك يصحّ جميع ما يتصوّر من أنّ القدرة في الإنسان مغلوبة لقدرة الخالق، وأنّها عاطلة وباطلة خلقت عبثاً وسدى، ولكنّه لم يثبت، بل الثابت خلافه، وأنّ النظام الإمكاني نظام مؤلّف من أسباب ومسببات، وكلّ مسبب يستمد - بإذنه سبحانه - عمّا تقدّمه من السبب تقدّماً زمانياً أو تقدّماً رتبياً وكمالياً.

وعلى ذاك الأصل يسقط حديث مانعية إحدى القدرتين، بل تصبح قدرة العبد بالنسبة إلى قدرته تعالى، مجلى لإرادته ومظهراً لمشيئته، كيف وقد تعلّقت مشيئته بصدور فعل كلّ فاعل عن مبادئه التي أفاضها عليه، حتى تكون النار مبدأً للحرارة عن إجبار واضطرار، والإنسان مصدراً لأفعاله عن

قدرة واختيار، فلو قام كلّ بفعله فقد قام في الجهة الموافقة لإرادة اللّٰه لا المضادّة والمخالفة، فقيام هؤلاء أشبه بقيام الجنود بأمر آمرهم: «وَ لِلّٰهِ جُنُودُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ كٰانَ اَللّٰهُ عَلِيماً حَكِيماً»(1)، «وَ مٰا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّٰ هُوَ».(2)ثالثاً: أنّ هذه المحاولات والتمحّلات ناشئة عن تصوير القدرتين في عرض واحد، فلأجل ذلك يتصور تارة كون قدرته سبحانه مانعاً عن تأثير قدرة العبد، وأُخرى بأنّه لو تعلّقت قدرة العبد على ما تعلّقت به قدرته، يلزم توارد القدرتين على مقدور واحد.

ولكن الحقّ كون فعل العبد مقدوراً ومتعلّقاً بهما، ولا يلزم من ذلك أيّ واحد من المحذورين، لا محذور التزاحم والتمانع، ولا محذور اجتماع القدرتين التامّتين على مقدور واحد، وذلك لأنّ قدرة العبد في طول قدرة اللّٰه سبحانه، فاللّٰه سبحانه بقدرته الواسعة أوجد العبد وأودع في كيانه القدرة، وأعطاه الإرادة والحرية والاختيار، فلو اختار أحد الجانبين فقد أوجده بقدرة مكتسبة من اللّٰه سبحانه، واختيار نابع عن ذاته، وحرية هي نفس واقعيته وشخصيته، فالفعل منتسب إلى اللّٰه لكون العبد مع قدرته وإرادته، وما يحف به من الخصوصيات قائمة بذاته سبحانه، متدلّية بها، كما أنّه منتسب إلى الإنسان لكونه باختياره الذاتي وحريته النابعة منها، اختار أحد الجانبين وصرف قدرته المكتسبة في تحقّقه، كما قال سبحانه: «وَ مٰا رَمَيْتَ


1) . الفتح: 4.

2) . المدثر: 31.

إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ رَمىٰ»(1)، «وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ».(2)

فنفى عنه الرمي بعد إثباته له، وأثبت له المشيئة في ظل المشيئة الإلهية.

وما جاء في هذه الآيات من المعارف الإلهية لا يصل إليها إلّاالمتأمّل في آي الذكر الحكيم، وما نشر عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام حولها، وعليه «فالفعل فعل اللّٰه وهو فعلنا».(3)

حصيلة البحث

هذه هي النظريات المطروحة حول قدرة العبد على الكسب، وقدعرفت أنّ في الجميع إبهاماً وإجمالاً، ولا تسمن ولا تغني من جوع، ولا تحل بها عقدة الجبر. وقد بلغت نظرية الكسب من الإبهام إلى حدّ عدّت من إحدى المبهمات الثلاثة التي لم يقف أحد على حقيقتها. وفي ذلك يقول الشاعر:

ممّا يقال ولا حقيقة عنده *** معقولة تدنو إلى الأفهام

الكسب عند الأشعري والحال *** عند البهشمي وطفرة النظام(4)


1) . الأنفال: 17.

2) . الإنسان: 30.

3) . شرح المنظومة للسبزواري: ص 175 اقتباس من قوله فيها: لكن كما الوجود منسوب لنا والفعل فعل اللّٰه وهو فعلنا

4) . القضاء والقدر لعبد الكريم الخطيب: 185

فعد الشاعر نظرية الكسب في إحاطة الإبهام بها في عداد نظرية «الحال» عند المعتزلة و «الطفرة» عند النظام. وهذا دليل على قصور النظرية وعدم كفايتها لحلّ العقدة، وهناك كلام متين للقاضي عبد الجبار نأتي بنصه:

قال: إنّ فساد المذهب يعلم بأحد طرفين:

أحدهما: بأن يتبيّن فساده بالدلالة.

والثاني: بأن يتبيّن أنّه غير معقول في نفسه، وإذا تبيّن أنّه غير معقول في نفسه كفيت نفسك مؤونة الكلام عليه، لأنّ الكلام على ما لا يعقل لا يمكن... والذي يبيّن لك صحّة ما نقوله أنّه لو كان معقولاً لكان يجب أن يعقله مخالف المجبرة في ذلك، من الزيدية والمعتزلة والخوارج والإمامية. فإنّ دواعيهم متوفرة، وحرصهم شديد في البحث عن هذا المعنى، فلمّا لم يوجد في واحد من هذه الطوائف، على اختلاف مذاهبهم، وتنائي ديارهم، وتباعد أوطانهم، وطول مجادلتهم في هذه المسألة، من ادّعى أنّه عقل هذا المعنى أو ظنه أو توهّمه، دلّ على أنّ ذلك ممّا لا يمكن اعتقاده والإخبار عنه ألبتة.

وممّا يدلّ على أنّ الكسب غير معقول، هو أنّه لو كان معقولاً لوجب - كما عقله أهل اللغة وعبروا عنه - أن يعقله غيرهم من أهل اللغات، وأن يضعوا له عبارة تنبئ عن معناه. فلمّا لم يوجد شيء من اللغات ما يفيده هذه الفائدة، دلّ على أنّه غير معقول.(1)قال الشيخ المفيد:


1) . شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 364-366.

ثلاثة أشياء لا تعقل، وقد اجتهد المتكلّمون في تحصيل معانيها من معتقديها بكلّحيلة فلم يظفروا منهم إلّابعبارات يتناقض المعنى فيها على مفهوم الكلام:

1.

اتحاد النصرانية.

2.

كسب النجارية.

3.

أحوال البهشمية.

وقال الشيخ: ومن ارتاب فيما ذكرناه في هذا الباب فليتوصل إلى إيراد معنى - في واحد منها - معقول، والفرق [كذا] بينها في التناقض والفساد، ليعلم أنّ خلاف ما حكما به هو الصواب وهيهات.(1)

7. مالبرانس الفرنسي (1631-1715 م) ونظرية الكسب
اشارة

ثمّ إنّ المنقول عن الفيلسوف الفرنسي «مالبرانس» يتحد مع نظرية الأشعري حرفاً بحرف، ومن المظنون أنّه وقف على بعض الكتب الكلامية للأشاعرة، فأفرغ نظرية الكسب حسب ما تلقّاه من تلك الكتب، وحاصل ما قال:

إنّ كلّ فعل إنّما هو في الحقيقة للّٰه، ولكن يظهر على نحو ما يظهر، إذا تحقّقت ظروف خاصة إنسانية أو غير إنسانية حتى لكأنّها يخيل للإنسان أنّ الظروف هي التي أوجدته.


1) . حكايات الشيخ المفيد برواية الشريف المرتضى. لاحظ مجلة «تراثنا» العدد 3، من السنة الرابعة، ص 118.

فهذه النظرية أولى بأن تسمّى بنظرية الاتفاقية، أو نظرية الظروف والمناسبات، وهي نفس نظرية الأشعري حيث يرى أنّه لا تأثير للقدرة الحادثة في الأحداث، وإنّما جرت سنّة اللّٰه بأن يلازم بين الفعل المحدث وبين القدرة المحدثة (بالكسر) له إذا أراد العبد وتجرد له، ويسمّى هذا الفعل كسباً. فيكون خلقاً من اللّٰه، وكسباً من العبد، عندما يقع في متناول قدرته واستطاعته، من غير تعلّقه عليه».(1)وقد نقل ذكاء الملك نظرية ذلك الفيلسوف الفرنسي في موسوعته الفلسفية. وهي تبتني على إنكار قانون العلية والمعلولية بين الأشياء، وأنّ كلّ ما يعدّ علّة لشيء فهو من باب المقارنة. فلو رأينا أنّ جسماً يحرك جسماً آخر، فذلك إدراك سطحي، والمحدث هو اللّٰه سبحانه، وتلاقي الجسمين ظرف لقيامه بالتحريك، ومثله تحريك النفس عضواً من أعضاء البدن، فالمحرك هو اللّٰه سبحانه و إرادة النفس ظرف ومحلّ لظهور فعله سبحانه.(2)ولا نعلّق على هذه النظرية سوى القول بأنّها مخالفة للبراهين الفلسفية القائمة على وحدة حقيقة الوجود في جميع المراتب، واختلافها بالشدة والضعف، فعندئذٍ لا معنى لأن يختص التأثير ببعض المراتب دون آخر مع الوحدة في الحقيقة.

إنّ إنكار التأثير على وجه الإطلاق بين الظواهر الطبيعية وما فوقها


1) . القضاء والقدر للكاتب المصري عبد الكريم الخطيب: 182.

2) . سير الحكمة في أُوروبا: 24/2-25.

يخالف البرهان العقلي الفلسفي أوّلاً، وصريح الذكر الحكيم ثانياً، والفطرة السليمة الإنسانية ثالثاً، والتفصيل في الجهات الثلاث موكول إلى محله.

نظريات لمشاهير العلماء حول نظرية الكسب

إنّ الأشاعرة، وإن أصرّوا على نظريتهم في أفعال العباد طوال قرون، ولم يتجاوزوا ما رسمه لهم شيخهم في هذه المسألة إلّا شيئاً يسيراً، كما عرفته عند البحث عن نظرية الباقلاني، غير أنّه وجد فيهم من أدرك خطورة الموقف، وجفاف النظرية، ومضاعفاتها السيئة، وتخبّط القوم تخبّطاً واضحاً في المسألة، فنقض كلّ ما أبرموه وأجهر بالحقيقة، ونخص بالذكر هنا شخصيات جليلة يعدّون من مشاهير العلم ورجال الفكر:

8. نظرية إمام الحرمين

«الاعتراف بتأثير قدرة العبد في طول قدرة اللّٰه».

أ. إمام الحرمين أبو المعالي الجويني، وهو من أعلام القرن الخامس. فقد صرح - كما يظهر من العبارة التالية - بتأثير قدرة العباد في أفعالهم، وأنّ قدرتهم ستنتهي إلى قدرة اللّٰه سبحانه و إقداره، وأنّ عالم الكون مجموعة من الأسباب والمسببات، وكلّ مسبب يستمد من سببه المقدم عليه، وفي الوقت نفسه، ذاك السبب يستمد من آخر، إلى أن يصل إلى اللّٰه سبحانه، وإليك نصّ عبارته:

إنّ نفي هذه القدرة والاستطاعة ممّا يأباه العقل والحس، وأمّا إثبات

قدرة لا أثر لها بوجه، فهو كنفي القدرة أصلاً. وأمّا إثبات تأثير في حالة لا يفعل، فهو كنفي التأثير، فلابدّ إذاً من نسبة فعل العبد إلى قدرته حقيقة لا على وجه الإحداث والخلق، فإنّ الخلق يشعر باستقلال إيجاده من العدم، والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار، يحس من نفسه أيضاً عدم الاستقلال فالفعل يستند وجوده إلى القدرة، والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر تكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب، كنسبة الفعل إلى القدرة، وكذلك يستند سبب إلى سبب آخر حتى ينتهي إلى مسبب الأسباب، وهو الخالق للأسباب، ومسبباتها - المستغني على الإطلاق - فإنّ كلّ سبب مهما استغنى من وجه، محتاج من وجه، والباري تعالى هو الغني المطلق الذي لا حاجة له ولا فقر.(1)قال الشهرستاني بعد ما نقل كلامه هذا: وهذا الرأي إنّما أخذه من الحكماء الإلهيين، وأبرزه في معرض الكلام. وليس تختص نسبة السبب إلى المسبب - على أصله - بالفعل والقدرة (قدرة الإنسان) بل كلّ ما يوجد من الحوادث فذلك حكمة، وحينئذٍ يلزم القول بالطبع وتأثير الأجسام في الأجسام إيجاداً، وتأثير الطبائع في الطبائع إحداثاً، وليس ذلك مذهب الإسلاميين، كيف، ورأي المحقّقين من العلماء أنّ الجسم لا يؤثر في الجسم.(2)هذا هو ما علّق به الشهرستاني على كلام إمام الحرمين وآخذه عليه،


1) . الملل والنحل: 98/1-99.

2) . المصدر نفسه.

وهو غير صحيح. فإنّ المراد من العلية الطبيعية بين الأجسام والمظاهر المادية، ليس هو الإيجاد والإحداث من كتم العدل، بل المراد هو تفاعل الأجسام والطبائع، بعضها مع بعض بإذنه سبحانه، كانقلاب الماء إلى البخار، والمواد الأرضية إلى الأزهار والأشجار، وغير ذلك ممّا كشف عنه الحس والعلم.

وأمّا الصور الطارئة على الطبائع عند التفاعل والانقلاب كصور الزهر والشجر، فليست مستندة إلى نفس الطبائع، بل الطبائع معدّات وممهّدات لنزول هذه الصور من علل عليا، كشف عنها الذكر الحكيم عندما صرح بأنّ لعالم الكون مدبّرات يدبّرونه بإذنه سبحانه، قال: «فَالْمُدَبِّرٰاتِ أَمْراً».(1)إنّ كون العبد فاعلاً لفعله، وعالم الطبائع مؤثراً في آثاره فإنّما هو بمعنى كونهما «ما به الوجود» لا «ما منه الوجود»، وكم من فرق بين التعبيرين. فمن اعترف بالتأثير فقد اعترف بالمعنى الأوّل والسببية الناقصة، لا بالمعنى الثاني، أعني: إفاضة الوجود والخلق بالمعنى القائم باللّٰه سبحانه، فإنّ الخلق فيض يبتدئ منه سبحانه، ويجري في القوابل والقوالب فيتجلّى في كلّ مورد بصورة وشكل، والإنسان بما أنّه مجبول على الاختيار، يصرف باختياره ما أُفيض عليه في مكان دون مكان وفي صورة دون صورة. نعم ليس لغيره من الطبائع إلّاطريق واحد وتجلٍّ فارد.

وأظن أنّ الشهرستاني لو وقف على الفرق بين الفاعلين، لما اعترض على كلام إمام الحرمين - بأنّه ليس من مذهب الإسلاميين - نعم هو ليس من


1) . النازعات: 5.

مذاهب الحنابلة والأشاعرة، وأمّا العدلية بعامة طوائفها فهم قائلون بذلك، وقد عرفت قضاء القرآن والعقل في ذاك المجال.

9. نظرية الشعراني

ب: إنّ الشيخ الشعراني - و هو من أقطاب الحديث والكلام في القرن العاشر - أحد من وقف على أنّ العقيدة بالكسب لا تفارق الجبر قدر شعرة، فلأجل ذلك يقول: «اعلم يا أخي أنّ هذه المسألة من أدق مسائل الأُصول وأغمضها، ولا يزيل أشكالها إلّا الكشف الصوفي، أمّا أرباب العقول من الفرق فهم تائهون في إدراكها، وآراؤهم فيها مضطربة. إذ كان أبو الحسن الأشعري يقول:

ليس للقدرة الحادثة (قدرة العبد) أثر، وإنّما تعلّقها بالمقدور مثل تعلّق العلم بالمعلوم في عدم التأثير.

وقد اعترض عليه بأنّ القدرة الحادثة إذا لم يكن لها أثر فوجودها وعدمها سواء، فإنّ القدرة الّتي لا يقع بها المقدور بمثابة العجز. ولقوة هذا الاعتراض لجأ أصحاب الأشعري إلى القول بالجبر. وقال آخرون: إنّ لها تأثيراً ما، وهو اختيار الباقلاني، لكنّه لما سئل عن كيفية هذا التأثير في حين التزامه باستقلال القدرة القديمة في خلق الأفعال، لم يجد جواباً. وقال: إنّا نلتزم بالكشف لأنّه ثابت بالدليل، غير أنّي لا يمكنني الإفصاح عنه بعبارة. وتمثّل الشيخ أبو طاهر بقول الشاعر:

إذا لم يكن إلّاالأسنّة مركباً *** فلا رأي للمضطر إلّاركوبها

ثمّ قال: ملخّص الأمر: أنّ من زعم أنّه لا عمل للعبد، فقد عاند، ومن

زعم أنّه مستبد بالعمل، فقد أشرك؛ فلابدّ أنّه مضطر على الاختيار.(1)هذا، وقد أحسن الشيخ في نقد الكسب. ولكن الإحالة إلى الكشف الصوفي إحالة إلى المجهول. أو إحالة إلى إدراك شخصي لا يكون حجّة للغير.

10. نظرية مفتي الديار المصرية

«الإنسان يقدر فعله ويصدرها بقدرته المكتسبة».

ج. الشيخ محمد عبده (1266-1323 ه) قد خالف الرأي العام عند الأشاعرة، وصرح بتأثير قدرة العبد في فعله، ولم يبال في ذلك بأحد من معاصريه، ولا بأحد من رجال الأزهر الذين كانوا يرددون في ألسنتهم قول القائل:

ومن يقل بالطبع أو بالعلّة *** فذاك كفر عند أهل الملة

أقول: إنّ الشيخ الأزهري «عبده» كان يعيش في عصر رفعت فيه المادية الغربية عقيرتها ضد الإلهيين عامة والإسلاميين خاصة، وشنّت حملة شعواء على عقائدهم. وكانت أرض مصر أوّل نقطة من الأراضي الإسلامية عانت من بث سموم المادية القادمة من الغرب مع احتلال الفرنسيين لها بقيادة نابليون.

كانت العقيدة الإسلامية في مصر تتجلّى في المذهب الأشعري، وكان


1) . اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر: للشعراني: 139-141.

إنكار العلية والمعلولية والرابطة الطبيعية بين الطبائع وآثارها من أبرز سمات ذاك المذهب، وكان التفوّه بخلافه آية الإلحاد والكفر، وقد شن الماديون على هذه العقيدة أُمور ملأوا بها صحفهم وكتبهم، منها:

1.

أنّ الإلهيين لا يعترفون بناموس العلّيّة والمعلولية، وينكرون الروابط الطبيعية بين الأشياء وآثارها، مع أنّ العلم - بأساليبه التجريبية المختلفة - يثبت ذلك بوضوح.

2.

أنّ الإلهيين يعترفون بعلّة واحدة وهي اللّٰه تعالى، وهم يقيمونه مقام جميع العلل، وينسبون كلّ ظاهرة مادية إليه سبحانه، وأحياناً إلى العوالم العلوية التي يعبر عنها بالملك والجن والروح.

3.

أنّ الإلهيين - بسبب قولهم بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّٰه سبحانه - لا يعتقدون بدور للإنسان في حياته وعيشه، فهو مجبور في السير على الخط الذي يرسمه له خالقه، وهو مكتوف الأيدي أمام تلاطم أمواج الحوادث، فلأجل ذلك لا يؤثر في الإنسان شيء من الأساليب التربوية ولا يغيّره إلى حال.

إلى غير ذلك من الإشكالات والمضاعفات والتوالي الفاسدة، التي لا تقف عند حد.

وقد وقف الشيخ على خطورة الموقف، وأنّه ممّا يستحقّ أن يشتري بنفسه اللوم والذم، بل الأمر الأشد من ذلك، في سبيل إظهاره الحقيقة، حتى يدفع الهجمات الشعواء عن وجه الإسلام والمسلمين بقوة ورصانة.

نعم، قد أثر في تفكير الشيخ عبده وأوجد فيه هذا الحافز والاندفاع عاملان كبيران، كان لهما الأثر البالغ في بناء شخصيته الفكرية والفلسفية والاجتماعية والسياسية، وهما:

1.

اطّلاعه على نهج البلاغة للإمام أمير المؤمنين عليه السلام.

2.

اتّصاله بالسيد المجاهد جمال الدين الأسد آبادي (1254-1316 ه).

فعلى ضوء هذين العاملين، خالف الرأي العام في كثير من الموارد، ومنها أفعال العباد، فقال في رسالة التوحيد التي كتبها عام 1303 ه للتدريس في المدارس الإسلامية في بيروت سنة إقصائه من مصر إلى بيروت -:

«يشهد سليم العقل والحواس من نفسه أنّه موجود ولا يحتاج في ذلك إلى دليل يهديه، ولا معلم يرشده، كذلك يشهد أنّه مدرك لأعماله الاختيارية، يزن نتائجها بعقله ويقدرها بإرادته، ثمّ يصدرها بقدرة ما فيه، ويعدّ إنكار شيء من ذلك مساوياً لإنكار وجوده في مجافاته لبداهة العقل.

كما يشهد ذلك في نفسه يشهده أيضاً في بني نوعه كافة، متى كانوا مثله في سلامة العقل والحواس... وعلى ذلك قامت الشرائع، وبه استقامت التكاليف، ومن أنكر شيئاً منه فقد أنكر مكان الإيمان من نفسه، وهو عقله الذي شرّفه اللّٰه بالخطاب في أوامره ونواهيه.

أمّا البحث في ما وراء ذلك من التوفيق بين ما قام عليه الدليل من إحاطة علم اللّٰه وإرادته، و بين ما تشهد به البداهة من عمل المختار في ما

وقع عليه الاختيار، فهو من طلب سر القدر الذي نهينا عن الخوض فيه، والاشتغال بما لا تكاد تصل العقول إليه. وقد خاض فيه الغالون من كلّ ملة، خصوصاً من المسيحيين والمسلمين، ثمّ لم يزالوا بعد طول الجدال وقوفاً حيث ابتدأوا، وغاية ما فعلوه أن فرّقوا وشتّتوا، فمنهم القائل بسلطة العبد على جميع أفعاله واستقلاله المطلق، وهو غرور ظاهر(1)، ومنهم من قال بالجبر وصرح به. ومنهم من قال به و تبرّأ من اسمه.(2)وهو هدم للشريعة، ومحو للتكاليف، وإبطال لحكم العقل البديهي، وهو عماد الإيمان.

ودعوى أنّ الاعتقاد بكسب العبد لأفعاله يؤدّي إلى الإشراك باللّٰه - وهو الظلم العظيم - دعوى من لم يلتفت إلى معنى الإشراك على ما جاء به الكتاب والسنّة، فالإشراك اعتقاد أنّ لغير اللّٰه أثراً فوق ما وهبه اللّٰه من الأسباب الظاهرة، وأنّ لشيء من الأشياء سلطاناً على ما خرج عن قدرة المخلوقين، وهو اعتقاد من يعظم سوى اللّٰه مستعيناً به في مالا يقدر العبد عليه...

جاءت الشريعة لتقرير أمرين عظيمين، هما ركنا السعادة وقوام الأعمال البشرية:

الأوّل: أنّ العبد يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته.

والثاني: أنّ قدرة اللّٰه هي مرجع لجميع الكائنات، وأنّ من آثارها ما


1) . يريد المعتزلة.

2) . يريد الأشاعرة.

يحول بين العبد وإنفاذ ما يريده، وأن لا شيء سوى اللّٰه يمكنه أن يمد العبد بالمعونة فيما لم يبلغه كسبه.

وقد كلّفه سبحانه أن يرفع همّته إلى استمداد العون منه وحده، بعد أن يكون قد أفرغ ما عنده من الجهد في تصحيح الفكر وإجادة العمل. وهذا الذي قررناه قد اهتدى إليه سلف الأُمّة، فقاموا من الأعمال بما عجبت له الأُمم، وعوّل عليه من متأخّري أهل النظر إمام الحرمين الجويني رحمه الله، وإن أنكر عليه بعض من لم يفهمه.(1)ثمّ إنّ الركب بعد لم يقف، وإنّ هناك لفيفاً من المفكّرين أدركوا مرارة القول بالجبر، وأنّ القول بالكسب لا يسمن ولا يغني من جوع، فرجعوا إلى القول بالأمر بين الأمرين، وإن لم يصرحوا باسمه، ونأتي في المقام بنصّ عالمين كبيرين من شيوخ الأزهر وعلمائه:

11. الزرقاني وأفعال العباد

د. وممّن اعترف بالحق، الشيخ عبد العظيم الزرقاني قال:

ولنقف برهة بجانب هذا المثال، مثال خلق الأفعال، ليتضح الحال، ولنقيس عليه النظائر والأشباه عند الاختلاف والاشتباه، ولنعلم أنّ المتخالفين في ذلك ما زالوا مع خلافهم، إخواناً مسلمين، تظلّهم راية القرآن، ويضمّهم لواء الإسلام.


1) . رسالة التوحيد: 59-62 بتلخيص.

في القرآن الكريم والسنّة النبوية نصوص كثيرة على أنّ اللّٰه تعالى خالق كلّ شيء، وأنّ مرجع كلّ شيء إليه وحده، وأنّ هداية الخلق وضلالهم بيده سبحانه، مثل قوله عزّوجلّ:

«اَللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ * هَلْ مِنْ خٰالِقٍ غَيْرُ اَللّٰهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ * وَ اَللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ * وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ اَلْأَمْرُ كُلُّهُ * مَنْ يَشَأِ اَللّٰهُ يُضْلِلْهُ وَ مَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ مٰا فَعَلُوهُ * وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ اَلنّٰاسَ أُمَّةً وٰاحِدَةً * وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً * وَ لَوْ أَنَّنٰا نَزَّلْنٰا إِلَيْهِمُ اَلْمَلاٰئِكَةَ وَ كَلَّمَهُمُ اَلْمَوْتىٰ وَ حَشَرْنٰا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‌ءٍ قُبُلاً مٰا كٰانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ * إِنّٰا جَعَلْنٰا عَلىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذٰانِهِمْ وَقْراً * وَ جَعَلْنٰا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَ مِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنٰاهُمْ فَهُمْ لاٰ يُبْصِرُونَ * سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاٰ يُؤْمِنُونَ * كَذٰلِكَ زَيَّنّٰا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ * فَمَنْ يُرِدِ اَللّٰهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاٰمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمٰا يَصَّعَّدُ فِي اَلسَّمٰاءِ * لَيْسَ لَكَ مِنَ اَلْأَمْرِ شَيْ‌ءٌ * وَ مٰا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لٰكِنَّ اَللّٰهَ رَمىٰ».

وكذلك يقول النبي:

«إن أصابك شيء فلا تقل لو أنّي فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر اللّٰه وما شاء فعل».

ويقول: «الإيمان أن تؤمن باللّٰه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».

و يقول: «يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك» إلى غير ذلك.

هذه النصوص وأمثالها، إذا نظر العبد إليها لا يسعه إلّاأن يرد الأُمور كلّها إلى اللّٰه معتقداً أنّه الواحد الأحد، لا شريك له في ملكه ولا في ناحية من ملكه، وهي أفعال التكليف من عباده، وكأنّ نسبة الأفعال إلى العباد هي الأُخرى محض فضل من اللّٰه، على حدّ ما قال ابن عطاء اللّٰه: من فضله وكرمه عليك، أن خلق العمل ونسبه إليك.

ويظاهر هذه الأدلّة النقلية أدلّة أُخرى عقلية، ناطقة بوحدانية اللّٰه في كلّ شيء وبأنّ العبد لا يعقل أن يكون خالقاً لما اختاره من أفعاله، لأنّه لو كان خالقاً لها لكان عالماً بتفاصيلها، ولكنّه يشعر من نفسه بأنّه تصدر عنه أشياء كثيرة جداً من عمله الاختياري دون أن يعرف تفاصيلها، كخطوات المشي وحركات المضغ في الأكل ونحوها. وإذاً فليس العبد هو الخالق لها «أَ لاٰ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ»؟

بجانب هذا توجد نصوص كثيرة أيضاً من الكتاب والسنّة، تنسب أعمال العباد إليهم، وتعلن رضوان اللّٰه وحبه للمحسنين فيها، كما تعلن غضبه وبغضه للمسيئين منهم من ذلك قوله سبحانه:

«مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسٰاءَ فَعَلَيْهٰا * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ

لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهٰا * أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسَّيِّئٰاتِ أَنْ يَسْبِقُونٰا * أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ اِجْتَرَحُوا اَلسَّيِّئٰاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ سَوٰاءً مَحْيٰاهُمْ وَ مَمٰاتُهُمْ سٰاءَ مٰا يَحْكُمُونَ * إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اَللّٰهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَ لاٰ يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ اَلْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ * وَ إِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَ لَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّٰا أَعْمَلُ وَ أَنَا بَرِيءٌ مِمّٰا تَعْمَلُونَ * قُلْ لاٰ تُسْئَلُونَ عَمّٰا أَجْرَمْنٰا وَ لاٰ نُسْئَلُ عَمّٰا تَعْمَلُونَ * قُلْ يٰا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلىٰ مَكٰانَتِكُمْ إِنِّي عٰامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عٰاقِبَةُ اَلدّٰارِ إِنَّهُ لاٰ يُفْلِحُ اَلظّٰالِمُونَ * وَ مٰا كٰانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ اَلْقُرىٰ بِظُلْمٍ وَ أَهْلُهٰا مُصْلِحُونَ * وَ قُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اَللّٰهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ وَ سَتُرَدُّونَ إِلىٰ عٰالِمِ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهٰادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَ تِلْكَ اَلْجَنَّةُ اَلَّتِي أُورِثْتُمُوهٰا بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ».

وكذلك نقرأ في السنة النبوية: «اعملوا فكلُّ مُيَسَّر لما خلق له. بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، يا عباس بن عبد المطلب اعمل لا أُغني عنك من اللّٰه شيئاً، يا فاطمة بنت محمد اعملي لا أغني عنك من اللّٰه شيئاً، إلى غير ذلك.

وهذه نصوص إذا نظر العبد إليها لا يسعه إلّاأن يرد أعمال العباد الاختيارية إليهم، معتقداً أنّهم لا يستحقّون ثوابها إن أحسنوا، وعقابها إن

أساءوا. ويظاهر هذه الأدلّة النقليّة أدلّة عقليّة أيضاً شاهدة بعدالة اللّٰه وحكمته، لأنّ العبد لو لم يكن موجداً لما اختار من أعماله، لما كان ثمة وجه لاستحقاقه المثوبة أو العقوبة. وكيف يثاب أو يعاقب على ما ليس له ولم يصدر منه.

غيري جنى وأنا المعذّب فيكم *** فكأنّني سبابة المتندم

أهل السنّة بهرتهم النصوص الأُولى والأدلّة العقلية التي بجانبها، فرجّحوها وقالوا:

إنّ العبد لا يخلق أفعال نفسه الاختيارية، إنّما هي خلق اللّٰه وحده. وإذا قيل لهم: كيف يثاب المرء أو يعاقب على عمل لم يوجده هو؟ وكيف يتفق هذا و ما هو مقرر من عدالة اللّٰه وحكمته في تكليف خلقه؟ قالوا: إنّ العباد - و إن لم يكونوا خالقين لأعمالهم - كاسبون لها. وهذا الكسب هو مناط التكليف ومدار الثواب والعقاب. وبه يتحقق عدل اللّٰه وحكمته فيما شرع للمكلّفين.

وهكذا حملوا النصوص الأُولى على الخلق، وحملوا الثانية على الكسب، جمعاً بين الأدلّة. ثمّ إذا قيل لهم: ما هذا الكسب؟ اختلف الأشعري والماتريدي في تحديده، أهو مقارنة القدرة القديمة للحادثة أم هو العزم المصمّم؟ ولكلّ وجهة نظر، يطول شرحها وتوجيهها.

أمّا المعتزلة فقد بهرتهم النصوص الثانية وما يظاهرها من برهان العقل، فرجّحوها وقالوا:

إنّ العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية. وإذا قيل لهم: أليس اللّٰه خالق كلّ شيء ومنها أعمال العبد؟

قالوا: بلى إنّه خالق كلّ شيء حتى أعمال عباده الاختيارية، بيد أنّه خلق بعض الأشياء بلا واسطة وخلق بعضها الآخر بواسطة، وأعمال المكلّفين من القبيل الثاني، خلقها اللّٰه بوساطة خلق آلاتها فيه، وآلاتها هي القدرة الكلية والإرادة الكلية الصالحتان للتعلّق بكلّ من الطرفين. وليس لنا من حول ولا قوة سوى أنّنا استعملناها على أحد وجهيها، إمّا بحسن الاختيار وإمّا بسوء الاختيار. ثمّ لا مانع عندنا من القول بأنّه سبحانه خالق لأفعال عباده، ولكن على سبيل المجاز، باعتبار أنّه خالق أسبابها ووسائلها.

وإذا قيل لهم: إنّ مذهبكم يستلزم أن يكون للّٰه شركاء كثيرون في فعله، وهم عباده المكلّفون، وهذا يناقض عقيدة التوحيد وبرهان الوحدانية.

قالوا: لا نسلّم هذا ولا نقول به، فإنّ الوحدانية ليس معناها نفي وجود ذوات أو صفات أو أفعال لغيره، إنّما معناها نفي أن يكون لغيره شبه به في ذاته أو صفاته أو أفعاله. وأنتم يا أهل السنّة لا تمنعون وجود ذوات لا تشبه ذاته، ولا تمنعون وجود صفات لا تشبه صفاته، فلم تمنعون وجود أفعال من العباد لا تشبه أفعاله؟ وهو ما نقول به في خلق العباد لأعمالهم، فإنّها لا تشبه أفعال اللّٰه بحال.

هكذا تجد لكلتا الطائفتين وجهة نظر قوية وتأويلاً سائغاً فيما تؤوِّله

من النصوص المقابلة للنصوص التي بهرتها فرجّحتها، ونجد أيضاً أنّ كلتا الطائفتين لا تلتزم المحظور التي تحاول الأُخرى أن تلزمها إيّاه في مقام الحجاج والجدال، بل توجه رأيها توجيهاً ينأى بها عن الوقوع في المحظور. ثمّ نجد كلتا الطائفتين يتلاقيان أخيراً بعد طول المطاف عند نقطة الاعتقاد السديد بوحدانية اللّٰه وحكمة اللّٰه، ولكن على الوجه الذي استبان لها وراج عندها.

فكيف يرضى منصف إذاً بتجريح إحداهما ورميها بأشنع التهم من كفر أو شرك أو هوى؟ وماذا علينا أن نرجّح ما نرجح من غير تسفيه للجانب الآخر؟ بل ماذا علينا أن نلوذ بالصمت ونعتصم بالسكوت فلا نخوض في أمثال هذه الدقائق العويصة، والمسالك الملتوية البعيدة؟ لا سيما أنّ الرحمن الرّحيم لم يكلّفنا بها ولم يفرضها علينا.

وقد كان سلفنا الصالح يؤمنون بوحدانية اللّٰه وعدله. ويؤمنون بقدره وأمره. ويؤمنون بهذه النصوص وتلك النصوص، ويؤمنون بأنّ العبد يعمل ما يعمل وأنّ اللّٰه خالق كلّ شيء، ويؤمنون بأنّه تعالى تنزّه في قدره عن أن يكون مغلوباً أو عاجزاً، وتنزّه في أمره وتكليفه عن أن يكون ظالماً أو عابثاً. ثمّ بعد ذلك يصمتون فلا يخوضون في تحديد نصيب عمل الإنسان الاختياري من قدرة اللّٰه، ونصيبه من قدرة العبد. ولا يتعرضون لبيان مدى ما يبلغ فعل اللّٰه في قدره، ولا لبيان مدى ما يبلغ فعل العبد في أمثال أمره، ذلك ما لم يعلموه ولم يحاولوه، لأنّهم لم يكلّفوه، وكان سبحانه أرحم بعباده من أن يكلّفهم إياه، لأنّه من أسرار القدر أو يكاد، والعقل البشري محدود التفكير

ضعيف الاستعداد. ومن شره العقول طلب ما لا سبيل لها إليه «وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ إِلاّٰ قَلِيلاً».

لم يمتحنّا بما تعيا العقول به *** حرصاً علينا فلم نرتب ولم نهم(1)

12. الشيخ شلتوت وأفعال العباد

ه. إنّ الشيخ شلتوت أحد المجتهدين الأحرار في القرن الماضي، لا تأخذه في اللّٰه لومة لائم، فإذا شاهد الحقّ أجهر به، ولا يطلب رضى أحد، ولا يخاف غضب آخر، فهو ممّن اعترف بحرية الإنسان في مجال العمل، قال:

وقد تناول علماء الكلام في القديم والحديث هذه المسألة، وعرفت عندهم بمسألة الهدى والضلال، أو بمسألة الجبر والاختيار، أو بمسألة خلق الأفعال، وكان لهم فيها آراء فرقوا بها كلمة المسلمين، وزلزلوا بها عقائد الموحّدين العاملين، وصرفوا الناس بنقاشهم في المذاهب والآراء عن العمل الذي طلبه اللّٰه من عباده، وأخذوا يتقاذفون فيما بينهم بالإلحاد والزندقة، والتكفير والتفسيق، وما كان اللّٰه - وآياته بيّنات واضحات - ليقيم لهم وزناً فيما وقفوا عنده، وداروا حوله، ودفعوا الناس إليه.

وهذا فريق منهم يرى: أنّ العبد لا اختيار له في فعل ما، وهو مجبور ظاهراً وباطناً، فالهداية تلحقه بخلق اللّٰه، والضلال يلحقه بخلق اللّٰه، دون أن يكون له دخل ما في هدايته أو ضلاله، لا ابتداءً ولا جزاءً. وهذا رأي يناقض


1) . مناهل العرفان في علوم القرآن، للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني: 506/1-511، والشعر من قصيدة البوصيري في مدح النبي صلى الله عليه و آله و سلم

صريح ما جاء في القرآن من نسبة الأعمال إلى العباد، ومن التصريح بأنّ الجزاء ثواباً أو عقاباً إنّما يكون بالأعمال الصادرة من العباد، وهي أكثر من أن تحصى، وهو بعد ذلك يصادم الشعور والوجدان الذي يجده كلّ إنسان من نفسه حينما يفكّر وحينما يتجه ويعزم، وحينما يفعل، وهو مع كلّ هذا، ينقض قاعدة التكليف، وهي اختبار المكلّف؛ وقاعدة العدالة، وهي السّيئة بالسّيئة، والحسنة بالحسنة.

وهذا فريق آخر يرى: أنّ اللّٰه يخلق الضلال في العبد ابتداءً واستمراراً، وليس للعبد قدرة على فعل ما، أو ليس لقدرته تأثير في فعل ما، وحينما رأوا نتائج الرأي السابق تلزمهم، انتحلوا للتخلص منها شيئاً سمّوه كسباً، وصحّحوا به في نظرهم قاعدة التكليف، وقاعدة العدالة، ونسبة الأفعال، وحاصل معنى هذا الكسب هو الاقتران العادي بين الفعل والقدرة الحادثة، أي إنّ اللّٰه يخلق الفعل عند قدرة العبد لا بها، كما يقولون، وبهذه المقارنة نسب الفعل إلى العبد، وكلّف بالفعل، وسئل عنه، وجوزي عليه.

ولا ريب أنّ تفسير الكسب بهذا لا يتفق واللغة، ولا يتفق واستعمال القرآن لكلمة «كسب» على أنّه بهذا المعنى الذي يريدون، لا يصحح قاعدة التكليف، ولا قاعدة العدالة والمسؤولية، لأنّ هذه المقارنة الحاصلة بخلق اللّٰه للفعل عند قدرة العبد، ليست من مقدور العبد ولا من فعله حتى ينسب الفعل بها إليه، ويجازى عليه، والفعل كما يقارن القدرة، يقارن السمع والبصر والعلم، فأيّمزية للقدرة بهذه المقارنة في نسبة الأفعال إلى العبد؟

وبذلك يكون العبد في واقع أمره مجبوراً لا اختيار له، وقد قال بعض

العلماء: إنّ كسب الأشعري وطفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، ثلاثتها من محاولات الكلام.

وهذا فريق ثالث يرى: أنّ العبد يفعل بإرادته وقدرته اللّتين منحهما اللّٰه ابتداءً واستمراراً في دائرة ابتلائه وتكليفه، ويفصل آخرون بين الضلال ابتداء فينسبه إلى العبد، والضلال استمراراً فينسبه إلى اللّٰه إضلالاً منه للعبد، جزاءً على ضلاله، فهناك في رأيهم زيغ من العبد باختياره، ثمّ إزاغة من اللّٰه عقوبةً له على ذلك الزيغ، هناك انصراف من العبد عن الحقّ، ثمّ صرف من اللّٰه للعبد جزاء هذا الانصراف.

والذي نراه كما قلنا أنّ للعبد قدرة وإرادة ولم يخلقهما اللّٰه فيه عبثاً، بل خلقهما ليكونا مناط التكليف ومناط الجزاء وأساس نسبة الأفعال إلى العبد نسبة حقيقية، واللّٰه يترك عبده وما يختار لنفسه، فإن اختار الخير تركه فيه يدعوه سابقه إلى لاحقه، ولا يمنعه بقدرته الإلهية عن استمراره فيه؛ وإن اختار الشر، تركه فيه يدعوه سابقه إلى لاحقه، ولا يمنعه بقدرته الإلهية عن استمراره فيه، والعبد وقدرته واختياره كلّ ذلك بمشيئة اللّٰه وقدرته وتحت قهره، ولو شاء لسلب قوة الخير فكان العبد شراً بطبعه لا خير فيه، ولو شاء لسلبه قوة الشر فكان خيراً بطبعه لا شر فيه، ولكن حكمته الإلهية في التكليف والابتلاء، قضت بما رسم، وكان فضل اللّٰه على الناس عظيماً.

ومن هنا يتبيّن أنّ العبد ليس مجبوراً، لا ظاهراً ولا باطناً، ولا مجزياً على ضلاله بإضلال اللّٰه إيّاه، فإنّ هذا أمر تأباه حكمة الحكيم وعدل العادل، وتمنع تصوّره.

القضاء والقدر لا يلازمان الجبر

وبهذا يكون المؤمنون عمليّين، لا يعتذر الواحد منهم عن تقصير في واجب بالقضاء والقدر، فليس في القضاء والقدر إلّا العدل المطلق، والحكمة الشاملة العامة، ليس فيهما إلّاالحكم والترتيب، وربط الأسباب بالمسبّبات على سنّة دائمة مطّردة، هي أصل الخلق كلّه، وهي أساس الشرائع كلّها، وهي أساس الحساب والجزاء عند اللّٰه، وليس فيهما شيء من معاني الإكراه والإلزام. وإنّما معناهما الحكم والترتيب، فقضى: حكم وأمر، وقدر: رتب ونظم، وعلم اللّٰه بما سيكون من العبد باختياره وطوعه - شأن المحيط علمه بكلّ شيء - ليس فيه معنى إلزام العبد بما علم اللّٰه أنّه سيكون منه، وإنّما هو العلم الكامل الذي لا يقصر عن شيء في الأرض ولا في السماء، ولا فيما كان و ما يكون.(1)ثمّ إنّ القول بالقدر السالب للاختيار من الإنسان والسائد على قدرته ومشيئته سبحانه ممّا جعل ذريعة للطعن على الشريعة، وقد جاء الطعن لبعض المعتزلة في ما أنشأه و قال:

أيا علماءَ الدين ذِمِّيُّ دينكم *** تحيّر، دلّوه بأوضح حجة

إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم *** ولم يرض منّي فما وجه حيلتي؟


1) . تفسير القرآن الكريم، للأُستاذ الشيخ شلتوت: 240-242.

دعاني وسدّ الباب عني فهل إلى *** دخولي سبيل بيّنوا لي قضيتي

قضى بضلالي ثمّ قال أرض بالقضا *** فها أنا راض بالذي فيه شقوتي!

فإن كنت بالمقضيّ يا قوم راضياً *** فربي لا يرضى لشؤم بليتي

وهل لي رضى ما ليس يرضاه سيدي؟ *** وقد جرت دلّوني على كشف حيرتي

إذا شاء ربّي الكفر مني مشيئة *** فها أنا راض باتّباع المشيئة

وهل لي اختيار أن أخالف حكمه *** فباللّٰه فاشفعوا بالبراهين حجّتي(1)

وقد مال يميناً و شمالاً كلّ من فسر القضاء والقدر بسلب الاختيار حتى يجيبوا عن شبهة هذا المتظاهر بالذمية، وقد أجاب عنه علاء الدين الباجي بنظمه و قال:

فكن راضياً نفس القضاء ولا تكن *** بمقضي كفر راضياً ذا خطيئة


1) . طبقات الشافعية: 352/10، والقائل أنشأ الشعر من جانب الذمّي لئلّا يؤخذ به، ويقتل بسيف القضاء

وحاصل هذا الجواب: أنّ الواجب الرضا بالتقدير لا بالمقدر، وكلّ تقدير يرضى به لكونه من قبيل الحقّ، ثمّ المقدور وينقسم إلى ما يجب الرضى به كالإيمان، وإلى ما يحرم الرضى به كالكفر، إلى غير ذلك.

وأنت خبير بأنّ هذا الجواب لا يسمن ولا يغني من جوع، إذ أي معنى للتفريق بين القدر و المقدر؟! فإنّ التقدير لو كان سالباً للاختيار فالرضى بالتقدير رضى بالمقدر أيضاً.

وقد كان الشيخ محمد عبده يعاني من القشريّين المتعبّدين بظواهر الكلم والجمل، الذين عطّلوا عقولهم وفتحوا عيونهم على ظواهر الكتاب والسنّة فهؤلاء كانوا ألدّ الأعداء لرجال الإصلاح والنهضة العلمية في مصر، وفيهم يقول الشيخ محمد عبده في أُخريات عمره:

ولست أُبالي أن يقال محمّد *** أبل أم التظت عليه المآتم

ولكنّ ديناً قد أردت صلاحه *** أحاذر أن يقضي عليه العمائم

فيا رب إن قدرت رجعي سريعةً *** إلى عالم الأرواح وانفض خاتم

فبارك على الإسلام وارزقه مرشداً *** رشيداً يضيء النهج والليل قاتم

خاتمة المطاف

إنّ شيخ الشيعة الحسن بن المطهر المعروف بالعلاّمة الحلّي (648-726 ه) ردّ على القول بأنّ العبد لا تأثير له في أفعاله، بأنّه يستلزم أشياء شنيعة، ولما وقف ابن تيمية على كتابه، ورأى إتقان الاستدلال، رد عليه بأنّ جمهور أهل السنّة المثبتين للقدر، لا يقولون بما ذكره، بل جمهورهم يقولون بأنّ العبد فاعل حقيقة، وأنّ له قدرة حقيقية واستطاعة حقيقية، وهم لا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرون بما دلّ عليه العقل من أنّ اللّٰه تعالى يخلق السحاب بالرياح، وينزل الماء بالسحاب وينبت النبات بالماء، ولا يقولون بأنّ قوى الطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها، بل يقرّون أنّ لها تأثيراً لفظاً ومعنى.

ولكن هذا القول الذي حكاه هو (العلاّمة الحلّي) قول بعض المثبتة للقدر كالأشعري ومن وافقه من الفقهاء من أصحاب مالك والشافعي وأحمد، حيث لا يثبتون في المخلوقات قوى الطبائع ويقولون: إنّ اللّٰه فعل عندها لا بها، ويقولون: إنّ قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل، وأبلغ من ذلك قول الأشعري بأنّ اللّٰه فاعل فعل العبد، وأنّ عمل العبد ليس فعلاً للعبد، بل كسب له، وإنّما هو فعل اللّٰه، وجمهور الناس من أهل السنّة من جميع الطوائف على خلاف ذلك، وأنّ العبد فاعل لفعله حقيقة.(1)


1) . منهاج السنّة: 266/1.

أقول: إنّ الإمام في العقائد لدى أهل السنّة، وهو الإمام أحمد، وبعده الإمام الأشعري، والمفروض أنّهم لا يقولون بعدم تأثير قدرة العبد في فعله، ومعه: كيف يمكن أن ينسب إلى أهل السنّة غيره؟!

والحقّ أنّ ابن تيمية من رماة القول على عواهنه فيقضي ويبرم وينقض بلا مصدر صحيح، وسيوافيك نبذ من جزافاته في الجزء الرابع من هذه الموسوعة، عند البحث عن عقائد الوهابية.

نظرية الكسب بين مراحل التفسير والتطور والإنكار

لقد وقفت على نصوص أعلام الأشاعرة حول نظرية الكسب، وحتى نصّ الأشعري فيها. والتدبر فيما نقلناه يعرب عن أنّ هذه النظرية - لأجل إحاطة الإبهام بها ووجود الغموض فيها - مضت عليها مراحل ثلاث:

1.

مرحلة التبيين والتفسير.

2.

مرحلة التطور والتكامل.

3.

مرحلة الإنكار والإبطال.

وهذه المراحل وإن لم تتكون حسب الترتيب الزمني، ولكنّها تكونت طيلة قرون تنوف على عشرة.

أمّا المرحلة الأُولى فقد تكونت بفكرة الغزالي أوّلاً، والتفتازاني ثانياً. فقام الأوّل بتفسيرها ب «صدور الفعل من اللّٰه عند إيجاد القدرة في العبد»، كما أنّ الثاني فسرها ب «توجه قدرة العبد صوب الفعل عند صدوره من اللّٰه».

فهذان التفسيران لم يزيدا في بناء النظرية شيئاً إلّاإلقاء الضوء عليها، وتصويرها بشكل قابل للتصوّر.

أمّا المرحلة الثانية - أعني: مرحلة التطوّر - فقد حصلت باعتراف القاضي الباقلاني بتأثير قدرة العبد في ترتب العناوين على الفعل، من الطاعة والعصيان وغيرهما، بعد ما لم يكن الأشعري ومن قبله أو بعده معترفين بأي تأثير لها في فعله.

ولم يكن التطوير خاصاً به، بل يشاركه فيه بنحو آخر ابن الهمام صاحب المسايرة، حيث قام بتخصيص القاعدة بخروج العزم عنها، وأنّه مخلوق لقدرة العبد وليس مخلوقاً للّٰه سبحانه.

ولا يقصر عنه في التطوير، نظرية ابن الخطيب، حيث اعترف بشأنية قدرة العبد وقابليته للتأثير لولا قدرة اللّٰه سبحانه العليا، فلأجل ذلك صارت مغلوبة لقدرته.

أمّا المرحلة الثالثة - أعني: مرحلة الإنكار والإبطال - فقد عرفتها من الفحل المقدام إمام الحرمين في القرن الخامس، والمصلح المصري الشيخ محمد عبده، والزرقاني، والشيخ شلتوت، ولعلّ هنا من جهر بالحقّ وأصحر به ولم نقف عليه.

القرآن وخلق الأفعال

استدلّ الشيخ الأشعري على ما يتبنّاه من كون أفعال العباد مخلوقة للّٰه سبحانه بالأدلّة العقلية تارة، والنقلية أُخرى.

أمّا الأُولى فقد مضت مع ما علّقنا عليها من الملاحظات، وأمّا الثانية فقد استدلّ عليها في كتاب «الإبانة» بآيتين:

الأُولى: قوله سبحانه: «أَ تَعْبُدُونَ مٰا تَنْحِتُونَ * وَ اَللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ».(1)الثانية: قوله سبحانه: «هَلْ مِنْ خٰالِقٍ غَيْرُ اَللّٰهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ فَأَنّٰى تُؤْفَكُونَ».(2)يلاحظ على الاستدلال بالآية الأُولى بأُمور:

أوّلا: أنّ الاستدلال مبني على كون «ما» في قوله سبحانه «وَ مٰا تَعْمَلُونَ» مصدرية، وأنّ معنى الآية: واللّٰه خلقكم وعملكم، وليست بموصولة حتى يكون معنى الآية واللّٰه خلقكم وخلق الذي تعملونه من الأصنام، كقوله سبحانه: «بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ اَلَّذِي فَطَرَهُنَّ».(3)ولكن الظاهر من الآية هو الثاني لا الأوّل، بقرينة قوله: «أَ تَعْبُدُونَ مٰا تَنْحِتُونَ» وهي فيها موصولة بلا إشكال، فتكون قرينة على المراد في الآية الثانية، إذ ليس «مٰا تَعْمَلُونَ» إلّاترجمة لقوله «مٰا تَنْحِتُونَ» ولا يصار إلى التفكيك إلّا بدليل قاطع.

وإنّما ذهب من ذهب إلى أنّ «مٰا» مصدرية، وأنّ المراد «عملكم» لأجل رأي مسبق ومحاولة يطلب الدليل عليها، ولولاها لما قال به.


1) . الصافات: 95-96.

2) . فاطر: 3.

3) . الأنبياء: 56.

فعلى المختار يكون معنى الآية: أتعبدون الأصنام التي تنحتونها واللّٰه خلقكم أيّها العبدة والأصنام التي تعملونها، وبذلك يكون الربط بين الآيتين محفوظاً، بخلافه على القول الآخر.

إذ عليه تفقد الآية الثانية صلتها بالأُولى، ويكون مفاد الآيتين: أتعبدون الأصنام التي تنحتون، واللّٰه خلقكم وأعمالكم وأفعالكم، وإن لم يكن للعمل صلة بعبادة ما ينحتوته.

ثانياً: إنّ الخليل عليه السلام عندما أدلى بمفاد الآيتين كان في مقام الاحتجاج على عبدة الأصنام، ولا يصحّ الاحتجاج إلّا باتّخاذ «ما» موصولة كناية عن الأصنام المنحوتة، فكأنّه قال: «إنّ العابد والمعبود مخلوقان للّٰه، فكيف يعبد المخلوق مخلوقاً مثله؟» على أنّ العابد هو الذي عمل صورته وشكله، ولولاه لما قدر أن يصوّر نفسه ويشكلها. ولكن لو كان مفاد الآية: «واللّٰه خلقكم وخلق عملكم» لم يصحّ الاحتجاج به على العبدة ولم ينطبق على المقام.

ثالثاً: لو كانت مصدرية لتمّت الحجة على الخليل عليه السلام ولانتهت إلى غير صالحه، ولانقلبت عليه. إذ عندئذٍ ينفتح لهم باب العذر، بحجّة أنّه لو كان هو الخالق لأعمالنا فلا جهة للتوبيخ والتنديد.

كلّ هذه الوجوه توضح أنّ المراد: أنّ اللّٰه خلق الإنسان وخلق الأصنام التي يعملها الإنسان، أي يصوّرها ويشكلها.

وعندئذٍ لا صلة له بما يدّعيه الأشعري.

أمّا الآية الثانية فلا شكّ أنّها صريحة في حصر الخالقية باللّٰه سبحانه وكم لها من نظير في القرآن. قال سبحانه: «قُلِ اَللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ اَلْوٰاحِدُ اَلْقَهّٰارُ»(1)، وقال عزّ من قائل: «اَللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَكِيلٌ»(2)، وقال تعالى: «ذٰلِكُمُ اَللّٰهُ رَبُّكُمْ خٰالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ»(3). إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في قصر الخالقية على اللّٰه.(4)غير أنّ الذي يهم القارئ الكريم هو الوقوف على ما تهدف إليه الآيات، فإنّ لهذا القسم من الآيات احتمالين لا يتعيّن أي منهما إلّاباعتضاده بالآيات الأُخرى، ودونك الاحتمالين:

الأوّل: حصر الخلق والإيجاد على الإطلاق باللّٰه سبحانه، وأنّه ليس في صفحة الوجود مؤثر وموجد وخالق إلّااللّٰه سبحانه، وأمّا غيره فليس بمؤثر ولا خالق، لا على وجه الاستقلال ولا على وجه التبعية، وعلى ذلك فما ترى من الآثار للظواهر الطبيعية فكلّها مفاضة منه سبحانه مباشرة، من دون أن يكون هناك رابطة بين الظاهرة المادية وآثارها، فالنار بمعنى أنّه جرت سنّة اللّٰه سبحانه على أن يوجد الحرارة عند وجود النار مباشرة، من دون أن يكون هناك رابطة سببية ومسببية بينها و بين أثرها، وكذلك الشمس مضيئة والقمر منير، بمعنى أنّه جرت عادة اللّٰه سبحانه على إيجاد الضوء والنور مباشرة، عقيب وجود الشمس والقمر، من دون أن يكون هناك نظام وقانون


1) . الرعد: 16.

2) . الزمر: 62.

3) . غافر: 62.

4) . لاحظ: الأنعام: 101-102؛ الحشر: 24؛ الأعراف: 54.

تكويني باسم العلية والمعلولية، ويكون صلتهما بالشمس والقمر كصلتهما بغيرهما. وعلى ذلك فليس في صفحة الكون إلّاعلّة واحدة ومؤثر فارد يؤثر بقدرته وسلطانه في كلّ الأشياء، من دون أن يجري قدرته ويظهر سلطانه عن طريق الأسباب والمسببات. فهو سبحانه بنفسه، قائم مقام جميع العلل والأسباب التي كشف عنها العلم طيلة قرون.

هذا ما يتبنّاه الأشعري وأتباعه ناسبين إيّاه إلى أهل السنّة والجماعة عامّة، وكانت الأكثرية الساحقة من المسلمين لا يقيمون للعلل الطبيعية والأبحاث العلمية وزناً. فعامل الحمى في المريض هو اللّٰه سبحانه، وليس للجراثيم دور في ظهورها فيه.

ومثله سائر الظواهر الطبيعية من نمو الأشجار، وتفتح الأزهار، وغناء الطيور، وجريان السيول، وحركة الرياح، وهطول الأمطار، وغير ذلك. فالكلّ مخلوق له سبحانه بلا واسطة وبلا تسبيب من الأسباب.

ولكن هذا المعنى محجوج بنفس القرآن الكريم، مضافاً إلى أنّ الأدلة العقلية والعلمية لا توافقه أبداً، ونكتفي بالقليل من الكثير من الآيات الكافية لإبطال هذه النظرية.

إنّ الآيات القرآنية تعترف بوضوح بقانون العلية والمعلولية بين الظواهر الطبيعية، وتسند الآثار إلى موضوعاتها - و في الوقت نفسه تسندها إلى اللّٰه سبحانه - حتى لا يغتر القارئ بأنّ آثار الموضوعات متحقّقة من تلقاء نفسها.

قال سبحانه: «وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرٰاتِ رِزْقاً لَكُمْ».(1)وقال عزّ من قائل: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنّٰا نَسُوقُ اَلْمٰاءَ إِلَى اَلْأَرْضِ اَلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعٰامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلاٰ يُبْصِرُونَ».(2)فالكتاب العزيز يصرّح في هاتين الآيتين بجلاء بتأثير الماء في الزرع، إذ إنّ الباء في «بِهِ» في الموردين بمعنى السببية.

وأوضح منهما قوله سبحانه: «وَ فِي اَلْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجٰاوِرٰاتٌ وَ جَنّٰاتٌ مِنْ أَعْنٰابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوٰانٌ وَ غَيْرُ صِنْوٰانٍ يُسْقىٰ بِمٰاءٍ وٰاحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَهٰا عَلىٰ بَعْضٍ فِي اَلْأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»(3). فإنّ جملة «يُسْقىٰ بِمٰاءٍ وٰاحِدٍ» كاشفة عن دور الماء وتأثيره في إنبات النباتات ونمو الأشجار، ومع ذلك يتفضّل بعض الثمار على بعض.

ومن أمعن النظر في القرآن الكريم يقف على أنّه كيف يبيّن المقدّمات الطبيعية لنزول الثلج والمطر من السماء، من قبل أن يعرفها العلم الحديث، ويطّلع عليها بالوسائل التي يستخدمها لدراسة الظواهر الطبيعية واكتشاف عللها ومقدّماتها، يتضح ذلك بدراسة الآيتين التاليتين:

1. «اَللّٰهُ اَلَّذِي يُرْسِلُ اَلرِّيٰاحَ فَتُثِيرُ سَحٰاباً فَيَبْسُطُهُ فِي اَلسَّمٰاءِ كَيْفَ يَشٰاءُ وَ يَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاٰلِهِ فَإِذٰا أَصٰابَ بِهِ مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ إِذٰا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ».(4)

1) . البقرة: 22.

2) . السجدة: 27.

3) . الرعد: 4.

4) . الروم: 48.

فقوله سبحانه: «فَتُثِيرُ سَحٰاباً» صريح في أنّ الرياح تحرّك السحاب وتسوقه من جانب إلى جانب آخر، والإمعان في مجموع جمل الآية يهدينا إلى نظرية القرآن في تأثير العلل الطبيعية بإذن اللّٰه تعالى. فقد جاء في هذه الآية الأُمور التالية ناسباً بعض الأُمور إلى الظواهر الطبيعية، وبعضها الآخر إلى اللّٰه سبحانه:

1.

تأثير الرياح في نزول المطر.

2.

تأثير الرياح في تحريك السحب.

3.

اللّٰه سبحانه يبسط السحاب في السماء.

4.

تجمع السحب بعد هذه الأُمور على شكل قطع متراكمة مقدمة لنزول المطر من خلالها.

فالناظر في هذه الآية، والآية الثانية يذعن بأنّ نزول المطر من السماء إلى الأرض رهن بأسباب وعلل ومؤثرات بإذن اللّٰه سبحانه، فلهذه العلل دور في حدوث الظاهرة (المطر) كما أنّه له سبحانه و تعالى دوراً وراء هذه الأسباب وهي جنوده والأسباب التي خلقها وأعطى لها السببية، مظاهر قدرته ومجالي إرادته.

2. «أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اَللّٰهَ يُزْجِي سَحٰاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكٰاماً فَتَرَى اَلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاٰلِهِ وَ يُنَزِّلُ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مِنْ جِبٰالٍ فِيهٰا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشٰاءُ يَكٰادُ سَنٰا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصٰارِ».(1)

1) . النور: 43.

فالآية الأُولى تسند حركة السحاب إلى الرياح وتقول: «فَتُثِيرُ سَحٰاباً»، وهذه الآية تسندها إلى اللّٰه سبحانه وتقول:

«أَنَّ اَللّٰهَ يُزْجِي سَحٰاباً»، وما هذا إلّالأنّ الرياح جند من جنوده، وسبب من أسبابه التي تعلقّت مشيئته على إنزال الفيض عن طريقها، وفعلها فعله، والكلّ قائم به قيام الممكن بالواجب، كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي.

وليست الآيات الدالة على توسيط الأسباب والعلل في تكون الأشياء وتحقّقها منحصرة بما ذكرناه. بل هناك آيات كثيرة نأتي بالنزر اليسير من الكثير المتوفر.

3. «وَ تَرَى اَلْأَرْضَ هٰامِدَةً فَإِذٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْهَا اَلْمٰاءَ اِهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ».(1)فالآية تصرح بتأثير الماء في اهتزاز الأرض وربوتها، ثمّ تصرح بأنّ الأرض تنبت من كلّ زوج بهيج.

وبعبارة أُخرى: الآية تصرح بوجود الرابطة الطبيعية بين نزول الماء على الأرض واهتزازها وربوتها وانتفاخها، ولولا تلك الرابطة لما صحّ جعل الاهتزاز والربوة جزاءً لنزول الماء. وحمل قوله تعالى «وَ أَنْبَتَتْ» على المجاز، وجعل الأرض ظرفاً للإنبات فقط قائلاً بأنّ اللّٰه هو المنبت بلا توسيط الأسباب، تأويل بلا وجه ولا يساعده ظاهر اللفظ، بل هو ظاهر في أنّ الإنبات فعل للأرض بضميمة عوامل وأسباب شتى، والكل يعمل لا استقلالاً بل بإذنه ومشيئته سبحانه.


1) . الحج: 5.

4. «مَثَلُ اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوٰالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنٰابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَ اَللّٰهُ يُضٰاعِفُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ اَللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ».(1)فالآية تسند إلى الحب، إنبات سبع سنابل، و حمله على المجاز - بتصور أنّ الحبّ ظرف، ومحل لفعله سبحانه - تأويل لأجل رأي مسبق من غير دليل.

فاللّٰه سبحانه يسند الإنبات في هذه الآيات إلى الأرض والحبة، ولكنّه - في الوقت نفسه - يسند نفس ذلك الفعل إلى ذاته و يقول:

«وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً فَأَنْبَتْنٰا بِهِ حَدٰائِقَ ذٰاتَ بَهْجَةٍ مٰا كٰانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهٰا أَ إِلٰهٌ مَعَ اَللّٰهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ». (2)ويقول سبحانه: «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً فَأَنْبَتْنٰا فِيهٰا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ».(3)ولا تعارض ولا اختلاف بين الآيات في جميع هذه المجالات، إذ الفعل فعل اللّٰه سبحانه بما أنّه منشئ الكون وموجده ومسبب الأسباب ومكوّنها، كما هو فعل السبب لصلة بينه و بين آثاره. والأسباب والعلل على مراتبها مخلوقات للّٰه مؤثرات بإذنه.


1) . البقرة: 261.

2) . النمل: 60.

3) . لقمان: 10.

5. «خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهٰا وَ أَلْقىٰ فِي اَلْأَرْضِ رَوٰاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ»(1). أي جعل على ظهر الأرض ثوابت الجبال لئلا تضطرب بكم. فقد نسب صيانة الإنسان عن الاضطراب إلى نفسه، حيث قال:

«وَ أَلْقىٰ»، وإلى سببه حيث قال: «رَوٰاسِيَ أَنْ تَمِيدَ»، والكلّ يهدف إلى أمر واحد، وهو الذي ورد في الآية التالية ويقول:

«هٰذٰا خَلْقُ اَللّٰهِ فَأَرُونِي مٰا ذٰا خَلَقَ اَلَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ اَلظّٰالِمُونَ فِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ» (2)، أي هذا الذي تشاهدونه في السماء والأرض وما بينهما من الأسباب والمسببات جميعه مخلوق للّٰه، والأسباب جنوده، والآثار آثار للسبب والمسبب (بالكسر)، كلّ على جهة خاصة.

فمن وقف على مجموعة كبيرة من الآيات في هذا المجال لم يشك في أنّ القرآن يعترف بقانون السببية بين الأشياء وآثارها، وإنهاء كلّ الكون إلى ذاته تبارك و تعالى. فلا يصحّ عندئذٍ حصرُ الخالقية والعلّية المطلقة، الأعم من الأصلي والتبعي في اللّٰه سبحانه، وتصوير غيره من الأسباب أُموراً عاطلة غير مفيدة لشيء يتوقّع منها.

إلى هنا تبيّن عدم صحّة ما عليه الأشاعرة وأهل الحديث من حصر الخالقية في اللّٰه بالمعنى الذي يتبنّونه.

نعم هناك معنى آخر لحصر الخالقية في اللّٰه سبحانه و نفيه عن غيره بالمعنى الذي يناسب شأنه، وهذا هو الذي يثبته العقل، ويصرح به القرآن،


1) . لقمان: 2.10. لقمان: 11.

وتؤيّده الأبحاث العلمية في جميع الحضارات، وهذا هو الذي نبيّنه في المعنى الثاني لحصر الخالقية.

الثاني(1): إنّ الخالقية المستقلة النابعة من الذات، غير المعتمدة على شيء منحصرة باللّٰه سبحانه، ولكن غيره يقوم بأمر الخلق والإيجاد بتقديره وقضائه، وتسبيبه ومشيئته، ويعدّ الكلّ جنوداً للّٰه سبحانه يعملون بأمره، وإليك توضيح ذلك:

لا يشكّ المتأمل في الذكر الحكيم في أنّه كثيراً ما يسند آثاراً إلى الموضوعات الخارجية والأشياء الواقعة في دار الوجود، كالسماء وكواكبها ونجومها، والأرض وجبالها، وبحرها وبرها، وعناصرها ومعادنها، والسحب والرعد والبرق والصواعق، والماء والنجم والشجر، والحيوان والإنسان، إلى غير ذلك من الأشياء الواردة في القرآن الكريم. فمن أنكر إسناد القرآن آثار هذه الأشياء إلى نفسها، فإنّما ينكره باللسان وقلبه معتقد بخلافه، وقد ذكرنا نزراً يسيراً من هذه الآيات، خصوصاً ما يرجع منها إلى نزول المطر من السماء إلى الأرض، فلا يصحّ لأحد أن ينكر دور تفاعلات المادة وانفعالاتها في الجو في نزوله.

هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إنّ القرآن يسند إلى الإنسان أفعالاً لا تقوم إلّابه، ولا يصحّ إسناده إلى اللّٰه سبحانه بلا واسطة، وبلا مباشرة الإنسان، كأكله وشربه ومشيه وقعوده ونموه وفهمه، وشعوره وسروره. فهذه أفعال قائمة بالإنسان مستندة إليه، فهو الذي يأكل ويشرب، وينمو ويفهم.


1) . تقدّم المعنى الأوّل في ص 213.

ومن جانب ثالث: إنّ اللّٰه سبحانه يأمره أمر إلزام، وينهاه نهي تحريم، فيجزيه بالطاعة، ويعاقبه بالمعصية، فلولا أنّ للإنسان دوراً في ذلك المجال وتأثيراً في الطاعة والعصيان، فما هي الغاية من الأمر والنهي، وما معنى الجزاء والعقوبة؟!

فهذه الآيات إذا قورنت بقوله سبحانه: «قُلِ اَللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ اَلْوٰاحِدُ اَلْقَهّٰارُ»(1)الذي يدلّ على بسط فاعليته وعلّيته على كلّ شيء، يستنتج منه أنّ النظام الإمكاني على اختلاف هوياته وأنواعه، فعّال بأفعاله، مؤثر في آثاره بتنفيذ من اللّٰه سبحانه، وتقدير منه، وهو القائل سبحانه: «اَلَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْ‌ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ»(2)وقال تعالى : «وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدىٰ»(3)وفي الوقت نفسه تنتهي وجودات هذه الأشياء وأعمالها وآثارها وحركاتها وسكناتها إلى قضائه وتقديره وهدايته.

فعلى هذا، فالأشياء في جواهرها وذواتها، وحدود وجودها وخصوصياتها تنتهي إلى الخلقة الإلهية، كما أنّ أفعالها التي تصدر عنها في ظل الخصوصيات، تنتهي إليه أيضاً، وليس العالم ومجموع الكون إلّامجموعة متوحّدة يتصل بعضها ببعض، ويتلاءم بعضها مع بعض، ويؤثر بعضها في بعض، واللّٰه سبحانه وراء هذا النظام ومعه وبعده، لا خالق ولا مدبر حقيقة وبالأصالة إلّا هو، كما لا حول ولا قوّة إلّاباللّٰه.


1) . الرعد: 16.

2) . طه: 50.

3) . الأعلى: 3.

اختلاف الأشياء في قبول الوجود

يقول صدر المتألّهين: «إنّ الأشياء في قبول الوجود من المبدأ متفاوتة، فبعضها لا يقبل الوجود إلّابعد وجود الآخر، كالعرض الذي لا يمكن وجوده إلّابعد وجود الجوهر، فقدرته على غاية الكمال، يفيض الوجود على الممكنات على ترتيب ونظام، بعضها صادرة عنه بلا سبب، وبعضها بسبب واحد أو أسباب كثيرة، فلا يدخل مثل ذلك في الوجود إلّابعد سبق أُمور هي أسباب وجوده، وهو مسبب الأسباب من غير سبب، وليس ذلك لنقصان في القدرة، بل لنقصان في القابلية، وعدم قبوله الوجود إلّا في طريق الأسباب، وإذا أردت التمثيل وتبيين نسبة أفعالنا إلى اللّٰه سبحانه فعليك بالكتاب النفسي، والتأمّل في الأفعال الصادرة عن قواها، فقد خلقها اللّٰه تعالى مثالاً ذاتاً وصفة وفعلاً، لذاته وصفاته وأفعاله، واتل قوله تعالى: «وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاٰ تُبْصِرُونَ»(1)وقول رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم في «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» فإنّ فعل كلّ حاسة وقوة من حيث هو فعل تلك القوة، هو فعل النفس أيضاً، إذ الإبصار مثلاً فعل الباصرة. لأنّه إحضار الصورة المبصرة أو انفعال البصر بها، وكذلك السماع مثل السمع لأنّه إحضار الهيئة المسموعة، أو انفعال السمع بها، فلا يمكن شيء منهما إلّابانفعال جسماني، وفي الوقت نفسه هما فعل النفس بلا شكّ لأنّها السميعة البصيرة بالحقيقة، وذلك لا


1) . الذاريات: 21.

بمعنى أنّ النفس تستخدم القوى كما يستخدم كاتب أو نقاش، فإنّ مستخدم البناء لا يلزم أن يكون بناءً، ومستخدم الكاتب لا يلزم كونه كاتباً، مع أنّا إذا راجعنا وجداننا نجد نفوسنا، هي بعينها المدركة والبصيرة والسميعة وهكذا الأمر في سائر القوى».(1)وإلى ذلك يشير الحديث القدسي: «يابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك، وبقوتي أدّيت إليّ فرائضي، وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعاً بصيراً قوياً».(2)


1) . الأسفار: 377/6-378.

2) . البحار: 57/5.

(11) الاستطاعة مع الفعل لا قبله

اشارة

الاستطاعة غير الإنسان أوّلاً، ويستحيل تقدّمها على الفعل ثانياً، فله هاهنا دعويان يصرح بهما في العبارة التالية:

إن قال قائل: لم قلتم إنّ الإنسان يستطيع باستطاعة هي غيره؟

قيل له: لأنّه يكون تارة مستطيعاً، وتارة عاجزاً، كما يكون تارة عالماً، وتارة غير عالم، وتارة متحركاً وتارة غير متحرك، فوجب أن يكون مستطيعاً بمعنى هو غيره، كما وجب أن يكون عالماً بمعنى هو غيره، وكما وجب أن يكون متحركاً بمعنى هو غيره، لأنّه لو كان مستطيعاً بنفسه، أو بمعنى يستحيل مفارقته له، لم يوجد إلّاوهو مستطيع، فلما وجد مرة مستطيعاً، ومرة غير مستطيع، صحّ وثبت أنّ استطاعته غيره.

فإن قال قائل: فإذا أثبتّم له استطاعة هي غيره، فلم زعمتم أنّه يستحيل تقدّمه للفعل؟

قيل له: زعمنا ذلك من قبل أنّ الفعل لا يخلو أن يكون حادثاً مع الاستطاعة في حال حدوثها أو بعدها، فإن كان حادثاً معها في حال حدوثها،

فقد صحّ أنّها مع الفعل للفعل، وإن كان حادثاً بعدها و قد دلّت الدلالة على أنّها لا تبقى - وجب حدوث الفعل بقدرة معدومة، ولو جاز ذلك فجاز أن يحدث العجز بعدها، فيكون الفعل واقعاً بقدرة معدومة، ولو جاز أن يفعل في حال هو فيها عاجز بقدرة معدومة، فجاز أن يفعل مائة سنة، من حال حدوث القدرة، وإن كان عاجزاً في المائة سنة كلّها، بقدرة عدمت من مائة سنة، وهذا فاسد؛ وأيضاً لو جاز حدوث الفعل مع عدم القدرة، ووقع الفعل بقدرة معدومة، لجاز وقوع الإحراق بحرارة نار معدومة، وقد قلب اللّٰه النار برداً، والقطع بحدّ سيف معدوم، وقد قلب اللّٰه السيف قصباً، والقطع(1)بجارحة معدومة وذلك معدوم، فإذا استحال ذلك وجب أنّ الفعل يحدث مع الاستطاعة في حال حدوثها.

فإن قالوا: ولم زعمتم أنّ القدرة لا تبقى؟

قيل لهم: لأنّها لو بقيت لكانت لا تخلو أن تبقى لنفسها أو لبقاء تقوم به، فإن كانت تبقى لنفسها وجب أن تكون نفسها بقاءً لها وأن لا توجد إلّاباقية، وفي هذا ما يوجب أن تكون باقية في حال حدوثها، وإن كانت تبقى ببقاء يقوم بها والبقاء صفة، فقد قامت الصفة بالصفة، وذلك فاسد. ولو جاز أن تقوم الصفة بالصفة لجاز أن تقوم بالقدرة قدرة، وبالحياة حياة، وبالعلم علم، وذلك فاسد.(2)أقول: إنّ الشيخ الأشعري قد تبنّى في العبارة المذكورة أُموراً ثلاثة:


1) . قال المعلّق على الكتاب: ولعلّ الأولى أن يقول: البطش.

2) . اللمع: 93-94.

الأوّل والثاني منها ضروريان، والثالث أمر نظري، لم يأت عليه بدليل مقنع، بل أجمل الكلام فيه إلى حد التعقيد.

أمّا الأوّل: فلأنّ كون الاستطاعة مثل العلم غير الإنسان نفسه أمر بديهي لا يحتاج إلى البرهنة، لأنّ كلّ إنسان يحس من بداية حياته أنّه تتجدد له القدرة والاستطاعة كسائر الكمالات النفسانية، وأنّه ليس من أوّل يوم قادراً مستطيعاً على التكلم والمشي، والكتابة والقراءة، فلا يحتاج مثل هذا الأمر إلى التطويل.

وأمّا الثاني: فإنّ الإنسان لا يقدر على الفعل بقدرة واستطاعة معدومة، وهذا أيضاً أمر بديهي مرجعه إلى أنّ الممكن «ذاتاً كان أو فعلاً» لا يتحقق إلّابعلة موجدة له، من غير فرق بين القول بأنّ حاجة الممكن إلى العلّة أمر بديهي فطري، كما هو الحقّ، أو هو أمر تجريبي، كما عليه بعض المناهج الفلسفية.

وإنّما المهم في كلامه هو الأمر الثالث، وهو لزوم مقارنة الاستطاعة مع الفعل واستحالة تقدّمها عليه، وإليك توضيح برهانه.

إنّ القدرة المتقدّمة على الفعل لا تخلو عن حالات ثلاث:

1.

أن تكون القدرة المتقدمة عليه منعدمة عند حدوث الفعل، فيلزم عندئذٍ حدوث الفعل بلا قدرة، وهو محال.

2.

أن تكون القدرة المتقدمة باقية، وكان البقاء نفسها، فيلزم عندئذٍ محذوران:

أ. بما أنّ البقاء نفس القدرة وذاتها، يلزم امتناع تطرق العدم إليها وهو خلف، وإليه يشير بقوله: «وأن لا توجد إلّاباقية».

ب. بما أنّ البقاء نفسها وذاتها، وقد افترضنا أيضاً حدوثها يلزم أن تتصف بالبقاء في الوقت الذي تتصف بالحدوث، وهو نظير اجتماع الضدين.

3. أن لا يكون البقاء نفسها، بل تبقى ببقاء يعرض لها، وبما أنّ البقاء صفة يلزم قيام الصفة بالصفة، ولو جاز لجاز أن تقوم القدرة بالقدرة والعلم بالعلم.

أقول: إنّ القائل بالتقدّم يقول بالشقّ الثالث، بتوضيح أنّ البقاء ليس نفس القدرة ولا ذاتها(1). بل هو أمر منتزع من استمرار وجود الشيء في الآنين والآنات وليس البقاء أمراً مغايراً لوجود القدرة بحيث يكون في القدرة - إذا بقيت بعد الحدوث - أمران:

أحدهما: أصل القدرة، والآخر: بقاؤها، وإنّما الموجود في الخارج شيء واحد وهو القدرة، وينتزع منه باعتبارين أمران: الحدوث والبقاء.

وإن شئت قلت: أصل القدرة ومفهومها الحدوث والبقاء وإن كانت مفاهيم مختلفة لكن ليس في الخارج بإزائها أُمور ثلاثة، بل الموجود في الخارج شيء واحد وهو الاستطاعة، لكن باعتبار أنّها تعطي للإنسان مقدرة


1) . المراد من الذاتي هنا ذاتي باب الإيساغوجي، أي أن يكون البقاء جنساً أو فصلاً للقدرة، لوضوح أنّ ما يفهم من القدرة والاستطاعة غير ما يفهم من البقاء والدوام.

تسمى قدرة واستطاعة، وباعتبار سبق العدم عليها ينتزع منها الحدوث، وباعتبار استمرار وجودها ينتزع منها البقاء، فلا يلزم - لو قلنا ببقاء القدرة بعد حدوثها - أن يكون للقدرة عرض ووصف باسم البقاء يغايرها في العين والتحقّق.

وبعبارة ثالثة: إنّ الأعراض على قسمين: قسم يعتبر في صحّة حمله على الموضوع، اتصافه بصفة خارجية مصححة لحمل العرض على الموضوع، كحمل الأبيض على الجسم، حيث يعتبر فيها اتصاف الجسم بشيء كالبياض، وهذا ما يسمّى ب «المحمول بالضميمة».

وقسم لا يعتبر في صحّة حمله على الشيء وجود حيثية خارجية في جانب الموضوع، لكن الموضوع يكون على نحو يصحّ معه انتزاع ذلك لمفهوم العرضي منه، كانتزاع الإمكان من الإنسان، فلا يعتبر في حمله عليه تحقّق وصف وجودي، بل يكفي واقعية وجوده لحمله عليه. وهذا ما يسمّى ب «الخارج المحمول» وانتزاع البقاء من القدرة الحادثة من هذا القبيل فلها طوران من الوجود:

أ. وجود حادث غير مستمر ومنقطع.

ب. وجودحادث مستمر.

فينتزع من الأوّل، الزوال والانقضاء، ومن الثاني البقاء والاستمرار، فليس لهما وراء نحو وجود القدرة والاستطاعة، مطابق خارجي.

والنتيجة هي: أنّ بقاء القدرة في الآن الثاني ليس متوقفاً على انضمام

وصف إليه باسم البقاء عارض للقدرة حتى يلزم منه بقاء الوصف بالوصف والعرض بالعرض.

وما ذكره من أنّ دليل امتناع قيام الوصف يستلزم جواز قيام القدرة بالقدرة موهون جداً، فإنّ عدم الصحّة في تلك الموارد إنّما هو لأجل أنّ قيام القدرة بالقدرة يستلزم اجتماع المثلين، وهو محال، سواء أقلنا بجواز قيام العرض بالعرض أم لا، فإنّ القدرتين وصفان متماثلان، والمتماثلان لا يجتمعان.

إلى هنا تمّ ما يرومه الشيخ الأشعري في كتاب «اللمع».

فهلمّ معنا ندرس ما ذكره تلاميذ مدرسته تأييداً لمؤسسها، لقد ذهب المحقّق التفتازاني في «شرح المقاصد»، ونظام الدين القوشجي في «شرح التجريد»، إلى ما ذهب إليه مؤسس المنهج، واستدلّا على لزوم مقارنة القدرة مع الفعل بوجوه نشير إليها:

1. إنّ القدرة عرض، والعرض لا يبقى في زمانين، فلو كانت قبل الفعل لانعدمت حال الفعل، فيلزم وجود المقدور بدون القدرة، والمعلول بدون العلة، وهو محال(1).(2)

1) . شرح المقاصد: 240/1، وقد عبر بنفس تلك العبارة الفاضل القوشجي. لاحظ شرح التجريد المطبوع قديماً: 362.

2) . المسألة مبنية على كون القدرة عرضاً، وامتناع بقاء الأعراض، وكلاهما أمران نظريان يحتاجان إلى البرهنة، وقد افترضهما المستدل أمرين ثابتين. لاحظ نقد المحصل للمحقّق الطوسي: 165.

ولا يخفى أنّ هذا البرهان إن صحّ فهو غير ما ذكره الشيخ الأشعري في «اللمع»، والعجب أنّ الدكتور عبد الرحمن بدوي قد فسر عبارة «اللمع» بما جاء في «شرح المقاصد»(1)، وهو غير صحيح.

أقول: الظاهر أنّ المستدل لم يصل إلى كنه القول بعدم بقاء الأعراض، فزعم أنّ المقصود من تجدّد الأمثال في الأعراض وتصرمها وعدم بقائها في آنين، هو أنّ العرض في الآن الثاني، غيره في الآن الأوّل ماهية ووجوداً وتشخيصاً، بحيث يرد على الثلج والقطن بياضات مفصولة وألوان متجزئة، حسب تصرّم الآنات وتقضّيها، ولكنّه فاسد، فإنّ المراد أنّ البياض الموجود في الآن الأوّل، ليس أمراً ثابتاً وجامداً لا يتطرق إليه التغيّر والتبدّل، بل هو مع حفظ وحدته وتشخصه واقع في إطار التغيّر والتبدّل، ومثل ذلك يعني أنّ الشيء الواحد مع حفظ وحدته الشخصية، له وجود سيال في عمود الزمان، فالعرض باق في عين تغيّره، ومحفوظ في عين تبدّله، فلا يضرّالتغيّر بوحدته ولا الحركة بتشخّصه.

وبعبارة أُخرى: إنّ هناك منهجين: منهج الكون والفساد، ومنهج الحركة والتكامل.

فالأوّل يهدف إلى انقطاع صلة الموجود في الآن الثاني عن الموجود في الآن الأوّل، ويتخيّل أنّ تبدّل النار إلى الرماد والماء إلى البخار، من هذا القبيل، فيبطل كون ويحصل كون آخر، أو يفسد وجود ويصلح وجود ثان.


1) . مذاهب الإسلاميين: 563.

والثاني يهدف إلى حفظ الصلة والرابطة بين الموجودين في جميع الآنات من غير فرق بين تبدّل الأكوان وتجدّد الأعراض، ويعني من تجدد الأمثال في الأعراض - بل سريان الحركة في جميع عوالم الموجود المادي - أنّ الأشياء بجوهرها وأعراضها مع حفظ وحدتها وتشخّصها تنحو نحو التغيّر والتبدّل مرّة، وإلى الكمال مرّة ثانية، وليس الموجود في الآن الثاني منقطع الرابطة والصلة عن الموجود في الآن الأوّل.

وإن شئت قلت: إنّ للسواد باشتداده، والبياض عند اكتماله فرداً شخصياً زمانياً مستمراً متصلاً بين المبدأ والمنتهى، محتفظاً بوحدته الشخصية، ومثله سائر الحركات في الأعراض، وعلى ذلك فمع القول بتبادل الأعراض وتجدّد أمثالها، يظهر أنّ للمتجدّدات والمتصرّمات المتلاحقة، نحو وحدة ونحو بقاء، فلا يعدّ اللاحق مغايراً للسابق، بل صورة بقاء له، وكيفية وجود لما حدث أوّلاً.

وعلى ذلك فالقدرة وإن كانت كيفية نفسانية قائمة بالنفس، لكن تغيّرها وتبدّلها وحركتها وتكاملها، لا يوجب أن يكون الموجود منها في الآن الثاني مغايراً من جميع الجهات للموجود في الآن الأوّل. بل التغيّر والتبدّل والحركة والتكامل تتحقّق مع حفظ الوحدة الشخصية بين ما دثر وما بقي.

وإن شئت فلاحظ وجود الحركة في المقولات العرضية، فإنّ في حركة التفاحة في كيفها وكمّها لوناً سيّالاً بعرضها العريض، وكمّاًسيّالاً كذلك، فمجموع ما يتوارد عليها من الألوان والكمّيات شيء واحد سيّال

متفاوت الدرجات، باق في عين التغيّر ومحفوظ في عين التبدّل.

2. إنّ الفعل حال عدمه ممتنع لاستحالة اجتماع الوجود والعدم، ولا شيء من الممتنع بمقدور.(1)والجواب عنه واضح؛ فإن أُريد من كون الفعل ممتنعاً حال العدم امتناعاً بالذات فهو باطل، إذ الممكنات في حال العدم ممكنات بالذات، كما أنّ الممتنعات بالذات كذلك. ولا يلزم من كون الشيء معدوماً كونه ممتنعاً بالذات، وإلّا يلزم أن لا يصحّ الإيجاد والتكوين؛ وإن أُريد أنّه ممتنع بالغير فنمنع عدم كونه مقدوراً بل الممتنعات بالغير مقدورات أيضاً، بحجّة أنّه كلما تعلقت بها إرادة الفاعل ومشيئته تتحقّق في الخارج.

وقد استدلّ أصحاب منهج الشيخ الأشعري ببرهان ثالث وهو من الوهن بمكان لا يصحّ أن يذكر أو يسطر.(2)

حصيلة البحث ضمن أُمور

1. البحث عن تقدّم القدرة على الفعل أو مقارنتها معه، لا يرجع إلى محصل، وهو بحث قليل الفائدة أو عديمها، ويشبه أن يكون البحث لفظياً، فهو يريد من القدرة أحد الأمرين:

الأوّل: صحّة الفعل والترك، وإن شئت قلت: كون الفاعل في ذاته


1) . المقاصد: 259/1؛ شرح التجريد للقوشجي: 362.

2) . لاحظ المواقف: 88/6. قول الماتن: القدرة مع الفعل ولا توجد قبله إذ قبل الفعل لا يمكن الفعل، وإلّا فلنفرض وجوده فيه - الخ.

بحيث إن شاء فعل و إن لم يشأ لم يفعل، فلا شكّ أنّ القدرة بهذا المعنى مقدمة على الفعل فطرةً ووجداناً، فإنّ القاعد قادر على القيام حال القعود بهذا المعنى، والساكت قادر على التكلّم في زمن سكوته لكن بالمعنى المزبور.

الثاني: ما يكون الفعل معه ضروري الوجود (أي اجتماع جميع ما يتوقّف وجود الفعل عليه) فالقدرة بهذا المعنى (لو صحّ إطلاق القدرة عليه، ولن يصحّ) مقارنة مع الفعل غير منفكة عنه، وهذا مفاد القاعدة التالية: «الشيء ما لم يجب لم يوجد» وعلى ذلك(1)فلو أُريد المعنى الأوّل فهذا متقدّم، ولو أُريد المعنى الثاني فهو مقارن زماناً متقدّم رتبة. وسيوافيك ما يفيدك عن الإمام الرازي، في هذا المجال.

2. إنّ الشيخ الأشعري مع تركيزه على مقارنة القدرة مع الفعل يعترف بتقدّمها في واجب الوجود على الفعل، وإلّا فلو قلنا هناك بالمقارنة يلزم إمّاحدوث قدرته سبحانه مقارناً لحدوث الأفعال، أو قدم فعله سبحانه، وكلاهما باطلان. وعندئذٍ يسأل صاحب المنهج: كيف فرّق بين القدرتين مع أنّ الملاك واحد؟ وكيف اعترف بالتقدّم في الخالق ونفى إمكانه في المخلوق، مع أنّ ما أقام من البرهان، أو أقامه أشياعه من البراهين على الامتناع، جار في الواجب سبحانه حرفاً بحرف.

1) . وقد صرّح الأشعري بأنّ مراده من القدرة المعنى الثاني في «اللمع» عند الاستدلال ببعض الآيات القرآنية على مذهبه حيث قال: وهذا بيان أنّ ما لم تكن استطاعة لم يكن الفعل وأنّها إذا كانت كان لامحالة، فهذا صريح في أنّ القدرة إذا تحقّقت تحقّق الفعل لا محالة. اللمع: 155.

ثمّ إنّ أتباع الشيخ تصدّوا للدفاع عن هذا النقد الصارم بوجوه موهونة جدّاً وقالوا:

أ. نمنع الملازمة وإنّما تتم هذه الملازمة لو كانت القدرة القديمة والحادثة متماثلتين، فلا يلزم من كون الثانية مع الفعل لا قبله، كون الأُولى كذلك أيضاً.

ب. إنّ قدرة اللّٰه تعالى قديمة، ولها تعلّقات حادثة، مقارنة للأفعال الصادرة، والكلام في تعلّق القدرة، والأزلي إنّما هو نفس القدرة، وكونها سابقة قديمة لا ينافي كون تعلّقها مقارناً حادثاً، فلا يلزم من كون تعلّق القدرة القديمة مع الفعل، قدم الحادث أو حدوث القديم.(1)ولا يخفى أنّ كلاً من هذين الجوابين غير مجدٍ.

أمّا الأوّل: فلأنّ كون قدرة الواجب قديمة وغير حادثة لا يكون فارقاً في المسألة، فإنّ البراهين التي أُقيمت من جانب الأشاعرة على امتناع تقدّم القدرة على الفعل، مشتركة بين كلتا القدرتين.

وإن شئت فلاحظ البرهان الثاني الذي نقلناه عن المقاصد وشرح التجريد. وقالوا: «إنّ الفعل حال عدمه ممتنع، لاستحالة اجتماع الوجود والعدم، ولا شيء من الممتنع بمقدور» فلو كان الشيء في حال العدم ممتنعاً فهو موصوف بالامتناع، تجاه القدرة الواجبة أو القدرة الممكنة معاً، من غير فرق بينهما.


1) . المقاصد: 241/2؛ شرح التجريد للقوشجي: 362.

نعم، ما نقلناه عن «لمع» الأشعري من البرهان على الامتناع ربما لا يجري فيه سبحانه، لأنّ صلب البرهان هنا كون القدرة عرضاً قائماً بالنفس وقدرته سبحانه ليست عرضاً ولا جوهراً، اللّهمّ إلّاأن تكون القدرة الواجبة عنده عرضاً قائماً بذاته، كما هو غير بعيد من قوله بالصفات القديمة الزائدة على الذات.

أمّا الثاني: فمحصله أنّ نفس القدرة القديمة، والحادث أعمالها، ولكن لو صحّ ذلك لصحّ في الإنسان وغيره، بأن يقال أصل القدرة متقدمة والأعمال متأخّرة.

3. إنّ من الأُصول المسلّمة عند الأشعري؛ حصر الخالقية على الإطلاق في اللّٰه سبحانه وأنّه لا خالق ولا مؤثر لا بالذات ولا بالطبع إلّاهو، والأسباب والعلل كلّها علامات وإشارات إلى تعلّق إرادته سبحانه، بإيجاد الشيء بعدها، وعلى هذا الأصل أنكر مسألة العلية والمعلولية، والسببية والمسببية في عوالم الوجود، وحصرها في ذاته تعالى، و قد تواتر عن الأشاعرة قولهم:

«جرت عادة اللّٰه على خلق هذا بعد ذلك» و على هذا الأصل قام سبحانه مكان جميع العلل المجردة والمادية.

وقال شاعرهم نافياً لأصل العلية بأي معنى فسرت في غيره سبحانه:

ومن يقل بالطبع أو بالعلّة *** فذاك كفر عند أهل الملّة

أقول: لو صحّ هذا الأصل (ولن يصحّ أبداً لمخالفته لصريح الآيات، وصرورة العقل والفطرة) لكان البحث عن تقدّم القدرة على الفعل أو مقارنته

معها، فضولاً في الكلام وإضاعة للوقت، فإنّه يسلم أنّ القدرة فيه سبحانه متقدّمة على الفعل، وأمّا في غيره فليس هناك تأثير وسببية، ولا اقتدار، بل الفواعل كلّها تكون كآلات النجار والحدّاد، بل أنزل من ذلك، لأنّها مؤثرات غير اختيارية عندنا، وليس العباد عندهم حتى بمنزلتها.

ولما كان القول بهذا الأصل ساقطاً عند العقل والعقلاء، ومضاداً للفطرة السليمة، حاول الأشعري تصحيحه بإضافة نظرية الكسب على خالقية الرب، قائلاً بأنّ اللّٰه هو الخالق، والعبد هو الكاسب، وأنّ الأفعال واقعة بقدرة اللّٰه وكسب العبد، بمعنى أنّ اللّٰه أجرى عادته بأنّ العبد إذاعقد العزم على الطاعة مثلاً، يخلق سبحانه فعل الطاعة، وربّما يمثلون لتفهيمه بمن يحمل شيئاً ثقيلاً على كاهله ويذهب به ويجعل شخص آخر يده تحت ذلك الحمل من غير أن يكون شيء من وزره وثقله على يده.

ولا يخفى أنّ إضافة الكسب لا تحلّ المشكل، إذ على هذا الأصل أيضاً يكون الخالق والقادر هو اللّٰه سبحانه، وليس لعبد شأن في الفعل، وإنّما شأن العبد ينحصر في عقد العزم على الطاعة أو المعصية، وعندئذٍ يبحث هل القدرة على العزم مقترنة به أو متقدّمة عليه؟ ومثل هذا لا يليق بهذا البحث المبسوط، ولا يشكّ أحد في تقدّم القدرة على العزم على نفسه.

ونعم ما قال علاّمة الشيعة في «نهج الحق»: إنّ القدرة حسب مذهب الأشاعرة غير مؤثرة ألبتة، لأنّ المؤثر في الموجودات هو اللّٰه تعالى، فبحثهم

عن القدرة حينئذٍ يكون من باب الفضول لأنّه خلاف مذهبهم.(1)والعجب من الفضل بن روزبهان الأشعري، حيث إنّه مع تصريحه بأنّ قدرة العبد غير مؤثرة في الفعل، أجاب عن الإشكال بأنّه لا يلزم من عدم كون القدرة مؤثرة فيه، الاستغناء عنها في جميع الوجوه كاتصاف الفعل باختيار، ولا يلزم أن يكون البحث عنها فضولاً.

يلاحظ عليه: أنّه لو كانت القدرة غير مؤثرة في فعل الإنسان يكون البحث عن تقدّم القدرة أو تقارنها لغواً، وإن كانت لقدرة العبد عند خلق الأفعال من جانبه سبحانه فوائد وثمرات أُخرى فهي لا تمت إلى المقام بصلة.

4. الحقّ أن يقال: إنّ المسألة بديهية للغاية، وما أُثير حولها من الشبهات - خصوصاً ما ذكره في «اللمع» - أشبه بالشبهات السوفسطائية، إذ كلّ إنسان يحس من فطرته أنّه قادر على القيام قبل أن يقوم، فالخلط حصل بين القدرة بمعنى الاستعداد لصدور الفعل، والقدرة بمعنى ما لا ينفكّ عنه الفعل ويقترن به، وكفى في ثبوت المسألة، الفطرة الإنسانية أوّلاً، وتقدّم قدرته سبحانه على فعله ثانياً.

وبذلك يظهر أنّ ما أقامه المعتزلة من البراهين على تقدّمها على الفعل تنبيهات على المسألة، ولنعم ما قال المحقّق اللاهيجي: إنّ الدعوى ضرورية، وهذه الوجوه تنبيهات عليها، كيف والقطع حاصل بقدرة القاعد في وقت


1) . دلائل الصدق: 324/1.

قعوده على القيام، والقائم في حال قيامه على القعود بالوجدان.(1)5. ثمّ إنّه ينبغي البحث عن الحافز أو الحوافز التي دعت الشيخ الأشعري إلى اختيار ذلك المذهب، فإنّ القول بتقدّم القدرة على الفعل أو مقارنتها له، لا يمس كرامة الدين والشريعة ولا النصوص الواردة فيها، فما هو الداعي إلى اختيار القول بالتقارن، بل التركيز عليه؟

ويحتمل أن يكون الداعي هو قوله: «إنّ أفعال العبد مخلوقة للّٰه سبحانه لا للعباد، لا أصالة ولا تبعاً». والمناسب لتلك العقيدة حينئذٍ رفض القدرة المتقدمة للعبد على الفعل، والاكتفاء بالمقارن لأجل تحقّق عنوان الطاعة والعصيان بالعزم عليهما.

وإلى ما ذكرنا أشار القاضي عبد الجبار فقال: ولعلّهم بنوا ذلك على أنّ أحدنا لا يجوز أن يكون محدثاً لتصرّفه، وأنّهم لما أثبتوا أنّ اللّٰه تعالى محدث على الحقيقة، قالوا: إنّ قدرته متقدمة لمقدورها غير مقارنة له.(2)وكأنّ الشيخ يتصوّر أنّ القدرة المتقدّمة للفعل تزاحم قدرة اللّٰه عليه، فلأجل ذلك وجد في نفسه حافزاً نفسياً إلى البرهنة على بطلان التقدّم وإثبات التقارن.

وما ذكرنا من الوجه يلائم عقيدة الشيخ في خلق الأعمال، ولكن القول ببطلان التقدّم و لزوم التقارن لا يختص بالشيخ، بل اختاره عدّة من


1) . الشوارق: 441.

2) . شرح الأُصول الخمسة: 396.

المعتزلة، والمتقدّمين على الشيخ عصراً، يقول شارح المواقف: قد وافق الشيخ - في أنّ القدرة حادثة مع الفعل - كثير من المعتزلة كالنجار ومحمد بن عيسى وابن الراوندي وابن عيسى الورّاق وغيرهم.(1)

القدرة صالحة للضدين

ثمّ إنّ هناك مسألة تتفرّع على المسألة الأُولى، وهي أنّ القدرة صالحة للضدين، وهذا ما يعطيه مفهوم القدرة، فالقادر هو الذي إذا شاء أن يفعل فعل، وإذا شاء أن يترك ترك، فلو فرضنا صلاحية القدرة لأحد الضدين فقط، لم يكن الآخر مقدوراً، فلا يصدق على الفاعل كونه قادراً ولا على عمله إعمال القدرة، وقد خالف في ذلك الأشاعرة فالقدرة الواحدة عندهم لا تتعلّق بالضدّين، بل لا يتعلّق إلّابمقدور واحد، سواء أكان المقدور الآخر ضداً أم لا.

و بما ذكرنا من التحقيق في المسألة الأُولى، وأنّ النزاع هناك في أمر واضح يتضح حال هذه المسألة، فإنّه لو أُريد من القدرة قابلية الفاعل واستعداده لأن يفعل فلا شكّ أنّها تتعلّق بالضدّين، كما تتعلّق بالمتماثلين والمتخالفين، وإن أُريد القوة الموجبة للفعل بحيث تجعل الفعل واجب التحقّق، والفاعل واجب الفاعلية فلا شكّ أنّها لا تتعلّق إلّابمقدور واحد.

وإن شئت قلت: القدرة بمعنى العلّة الناقصة لصدور الفعل متقدمة على الفعل صالحة للتعلّق بالضدين، وأمّا إذا كانت بمعنى العلّة التامّة غير


1) . شرح المواقف: 92/6.

المنفكة عن الفعل فهي متقارنة مع الفعل، غير متعلّقة إلّابمقدور واحد. والأشاعرة لما اختارت تبعاً لمؤسس المنهج كون القدرة مع الفعل، نفت صلاحية تعلّقها بمقدورين، فضلاً عن الضدّين، وبما أنّك عرفت أنّ النزاع في المسألة السابقة أشبه باللفظي، يكون النزاع هنا أيضاً مثله.

قال الإمام الرازي: قد تطلق القدرة على القوة العضلية، التي هي مبدأ الآثار المختلفة في الحيوان، بحيث لو انضم إليها إرادة كلّ واحد من الضدّين حصل دون الآخر، ولا شكّ أنّ نسبتها إلى الضدّين على السواء. وقد تطلق على القوة المستجمعة لشرائط التأثير، ولا شكّ في امتناع تعلّقها بالضدّين، وإلّا اجتمعا في الوجود، بل هي بالنسبة إلى كلّ مقدور، غيرها بالنسبة إلى مقدور آخر، لاختلاف الظروف بحسب كلّ مقدور. فلعلّ الأشعري أراد بالقدرة، المعنى الثاني، فحكم بأنّها لا تتعلّق بالضدّين، ولا هي قبل الفعل، والمعتزلة أرادت بها المعنى الأوّل، فذهبوا إلى أنّها تتعلّق بالضدّين وأنّها قبل الفعل.(1)ثمّ إنّ أبا الحسن الأشعري لمّا اختار لزوم مقارنة القدرة مع الفعل وامتناع تقدّمها عليه، وقع في حيرة تكليف الكفّار بالإيمان في زمان كفرهم، كما قام بتأويل كثير من الآيات الصريحة في تقدّم القدرة على الفعل، وإليك نماذج منها:

1. إنّ الكفّار مكلّفون بالإيمان كما هو صريح الكتاب، فلو كانت القدرة موجودة مع الفعل لكان تكليفهم بالإيمان في حال الكفر تكليفاً

1) . شرح المواقف: 154/6.

بالمحال، وهذا من النقوض الواضحة التي سعى الشيخ الأشعري وتلاميذ منهجه في حلّها ولم يأتوا بشيء مقنع.

2. قال سبحانه: «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ وَ عَلَى اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ».(1)اتّفق مشاهير المفسرين على أنّ الضمير في «يُطِيقُونَهُ» يرجع إلى الصيام، والمراد أنّ الذين يقدرون على الصيام لكن بعسر وشدة يجوز لهم الإفطار، والفدية لكلّ يوم بطعام مسكين. فالآية نصّ في تقدّم الاستطاعة على العمل. قال في المنار:

إنّ الذين لا يستطيعون الصوم إلّابمشقة شديدة، عليهم فدية طعام مسكين في كلّ يوم يفطرون فيه.(2)والشيخ الأشعري تكلّف بإرجاع الضمير إلى الإطعام، والمعنى: وعلى الذين يطيقون الإطعام ويعجزون عن الصيام، عليهم الفدية.

يلاحظ عليه: أنّ مرجع الضمير غير مذكور على تفسيره أوّلاً، والعجز عن الصيام الذي هو المهم لم يذكر في الآية لا تصريحاً ولا تلويحاً، والإطعام واجب مطلقاً للعاجز وغيره ثانياً.

3. قال سبحانه: «وَ لِلّٰهِ عَلَى اَلنّٰاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً»(3)، فالآية صريحة في أنّ المستطيع بالفعل يجب عليه الحجّ في المستقبل.

1) . البقرة: 184.

2) . المنار: 156/2.

3) . آل عمران: 98.

وقد تكلّف الشيخ في تفسير الاستطاعة بالمال، ويعني الزاد والراحلة وقال: ولم يرد استطاعة البدن التي في كونها كون مقدورها.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تفسير الاستطاعة بخصوص ما ذكره لا دليل عليه، مع أنّ استطاعة البدن ركن مثل المال.

وثانياً: أنّه لو انضم إليه البدن لما كان في كونه، كون مقدوره، أعني: نفس عمل الحجّ، لأنّ للزمان وشهور الحجّ دخلاً في تحقّق المقدور.

4. قوله تعالى: «وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللّٰهِ لَوِ اِسْتَطَعْنٰا لَخَرَجْنٰا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ».(1)ترى أنّ المنافقين يحلفون بعدم الاستطاعة على الخروج إلى الجهاد واللّٰه يكذبهم ويقول: إنّهم مستطيعون ولا يريدون الخروج، قال سبحانه: «وَ لَوْ أَرٰادُوا اَلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً».(2)وقد فسر الشيخ الاستطاعة بالمال، وقال: إنّهم كانوا يجدون المال، وكانت المحاورة بينهم و بين النبي صلى الله عليه و آله و سلم في الجدة، وإذا كان كذلك فنحن لا ننكر تقدّم المال للفعل، وإنّما أنكرنا تقدّم استطاعة السلوك للفعل.(3)يلاحظ عليه: أنّ هؤلاء الواجدين للمال لم يكونوا خارجين عن حالتين: الصحّة والسلامة، المرض والضعف.

1) . التوبة: 42.

2) . التوبة: 46.

3) . اللمع: 106.

فعلى الأوّل كانت الاستطاعة بعامة أجزائها موجودة قبل الفعل، أعني: الخروج إلى الجهاد، وعلى الثاني لم يكونوا مخاطبين بالخروج إلى الجهاد لقوله سبحانه: «وَ لاٰ عَلَى اَلْمَرِيضِ حَرَجٌ».(1)إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي هي ظاهرة في تقدّم الاستطاعة على الفعل، وقد أتعب الشيخ نفسه في تأويل هذه الآيات بما لا يرضى به من له إلمام بتفسير الآيات وتوضيحها.

والعجب أنّ الشيخ يتهجّم على المعتزلة تبعاً لأهل الحديث، لتأويلهم الآيات والروايات الظاهرة في أنّ للّٰه يداً ووجهاً ورجلاً، مع أنّه يتكلّف التأويل في هذا الباب عند تفسير كثير من الآيات الظاهرة في خلاف ما تبنّاه.

وإن كنت في شكّ ممّا ذكرنا فلاحظ تأويله قوله سبحانه، في قصة سليمان حكاية عن عفريت من الجن: «قٰالَ يٰا أَيُّهَا اَلْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهٰا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قٰالَ عِفْرِيتٌ مِنَ اَلْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقٰامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ».(2)فانظر صراحة الآية في أنّ العفريت يصف نفسه بالقوة والاستطاعة قبل أن يفعل.

وبعد ذلك فانظر إلى تكلّف الشيخ في تفسير الآية حيث يقول: عنى العفريت بقوله: «وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ» إن استطعت ذلك وتكلفته وأردته،


1) . النور: 61.

2) . النمل: 38-39.

أو عنى منه: إن شاء اللّٰه، أو عنى منه: إن قوّاني اللّٰه تعالى عليه.

والعجب أنّه يتنبّأ ويقول: «ولو لم يعلم سليمان أنّ العفريت أضمر شيئاً من ذلك لكذّبه وردّ عليه قوله» أو ليس هذا تخرصاً على الغير؟!

ونحن لا نعلّق على التأويل الذي أتى به الشيخ، ولا على التنبّؤ الذي نسبه إلى سليمان شيئاً، بل نرجع القضاء في ذلك إلى وجدان القارئ الحر، ونقول: هكذا يتلاعب الإنسان بالآيات القرآنية بسبب أفكاره المسبقة.(1)

التكليف بما لا يطاق

إنّ الوجدان السليم والعقل الفطري يحكم بامتناع تكليف ما لا يطاق، أمّا إذاكان الآمر إنساناً فلأنّه بعد وقوفه على أنّ المأمور غير مستطيع لإيجاد الفعل، وغير قادر عليه، فلا تنقدح الإرادة في لوح نفسه وضمير روحه، ولا يبلغ تصوّر الفعل والتصديق بفائدته إلى مرحلة العزم والجزم بطلبه من المأمور، وبعثه من صميم القلب نحو الشيء المطلوب، إذ كيف يمكن أن يطلب شيئاً بطلب جدي ممّن يعلم أنّه عاجز، وهل يمكن لإنسان أن يطلب الثمرة من الشجرة اليابسة، أو المطر من الأحجار والأتربة الجامدة، ولأجل ذلك يقول المحقّقون: إنّ مرجع التكليف بما لا يطاق إلى كون نفس التكليف محالاً، وإنّ الإرادة الجدية لا تنقدح في ضمير الأمر هذا كلّه إذا كان الآمر إنساناً، وأمّا إذا كان الآمر هو اللّٰه سبحانه، فالأمر فيه واضح من جهتين:

1. إنّ التكليف بمالا يطاق أمر قبيح عقلاً، فيستحيل عليه سبحانه من

1) . راجع في ما نقلناه عن الشيخ الأشعري حول الآيات، اللمع: 99-109.

حيث الحكمة أن يكلّف العبد مالا قدرة له عليه ولا طاقة له به، ويطلب منه فعل ما يعجز عنه ويمتنع منه، فلا يجوز له أن يكلّف الزمن، الطيران إلى السماء، ولا الجمع بين الضدين، ولا إدخال الجمل في خرم الإبرة، إلى غير ذلك من المحالات الممتنعة.

2. الآيات الصريحة في أنّه سبحانه لا يكلّف الإنسان إلّابمقدار قدرته وطاقته، قال سبحانه: «لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا».(1)وقال تعالى: «وَ مٰا رَبُّكَ بِظَلاّٰمٍ لِلْعَبِيدِ».(2)وقال عزّ من قائل: «وَ لاٰ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً».(3)والظلم هو الإضرار بغير المستحق، وأيّ إضرار أعظم من هذا، تعالى اللّٰه عن ذلك علوّاً كبيراً.

ومع هذه البراهين المشرقة سلك الأشعري غير هذا الصراط السوي، وجوز التكليف بمالا يطاق، واستدلّ عليه بالآيات التالية:

1. «أُولٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ وَ مٰا كٰانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مِنْ أَوْلِيٰاءَ يُضٰاعَفُ لَهُمُ اَلْعَذٰابُ مٰا كٰانُوا يَسْتَطِيعُونَ اَلسَّمْعَ وَ مٰا كٰانُوا يُبْصِرُونَ»(4)، وقد أُمروا أن يسمعوا الحقّ وكلّفوه، فدلّ ذلك على جواز

1) . البقرة: 286.

2) . فصلت: 46.

3) . الكهف: 49.

4) . هود: 20.

تكليف مالا يطاق، وأنّ من لم يقبل الحقّ ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن مستطيعاً.

2.

«وَ عَلَّمَ آدَمَ اَلْأَسْمٰاءَ كُلَّهٰا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى اَلْمَلاٰئِكَةِ فَقٰالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلاٰءِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ».(1)قال: الآية تدل على جواز تكليف ما لا يطاق، فقد أُمروا بإعلام وهم لا يعلمون ذلك ولا يقدرون عليه.

3.

«يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سٰاقٍ وَ يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ فَلاٰ يَسْتَطِيعُونَ * خٰاشِعَةً أَبْصٰارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَ قَدْ كٰانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَ هُمْ سٰالِمُونَ»(2). قال: فإذا جاز تكليفه إيّاهم في الآخرة مالا يطيقون، جاز ذلك في الدنيا.

4.

«وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّسٰاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلاٰ تَمِيلُوا كُلَّ اَلْمَيْلِ فَتَذَرُوهٰا كَالْمُعَلَّقَةِ وَ إِنْ تُصْلِحُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ غَفُوراً رَحِيماً».(3)قال: وقد أمر اللّٰه تعالى بالعدل، ومع ذلك أخبر عن عدم الاستطاعة على أن يعدل.(4)يلاحظ عليه:

أمّا الآية الأُولى: فيظهر ضعف الاستدلال بها بتفسير مجموع جملها:


1) . البقرة: 31.

2) . القلم: 42-43.

3) . النساء: 129.

4) . لاحظ اللمع: 99، 113، 114.

«أُولٰئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي اَلْأَرْضِ»: إنّهم لم يكونوا معجزين للّٰه سبحانه في حياتهم الأرضية وإن خرجوا عن زي العبودية وافتروا على اللّٰه الكذب، ولكن ماغلبت قدرتهم قدرة اللّٰه.

«وَ مٰا كٰانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ مِنْ أَوْلِيٰاءَ»: إنّهم وإن اتّخذوا أصنامهم أولياء ولكنّها ليست أولياء حقيقة، وليس لهم من دون اللّٰه تعالى.

«يُضٰاعَفُ لَهُمُ اَلْعَذٰابُ»: يجازون بما أتوا به من الغي والظلم والأعمال السيّئة.

«مٰا كٰانُوا يَسْتَطِيعُونَ اَلسَّمْعَ وَ مٰا كٰانُوا يُبْصِرُونَ» هذه الجملة في مقام التعليل يريد أنّهم لم يكفروا ولم يعصوا أمر اللّٰه، لأجل غلبة إرادتهم على إرادة اللّٰه، ولا لأنّ لهم أولياء من دون اللّٰه، بل لأنّهم ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا ما يأتيهم من إنذار وتبشير، أو يذكر لهم من البعث والزجر من قبله سبحانه، وما كانوا يبصرون آياته، حتى يؤمنوا بها، ولكن كلّ ذلك لا لأجل أنّهم كانوا غير مستطيعين أن يسمعوا ويبصروا من بداية الأمر، بل لأنّهم أنفسهم سلبوا هذه النعم بالذنوب، فصارت وسيلة لكونهم ذوي قلوب لا يفقهون بها، وذوي أعين لا يبصرون بها، وذوي آذان لا يسمعون بها، فصاروا كالأنعام بل أضلّ منها.(1)إنّ الآيات الكريمة صريحة في أنّ عمل الإنسان وتماديه في الغي


1) . اقتباس من قوله سبحانه: «لهم قلوب لا يفقهون بها...» الأعراف: 179.

ينتهي إلى صيرورة الإنسان أعمى وأصم وأبكم، قال سبحانه: «فَلَمّٰا زٰاغُوا أَزٰاغَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ».(1)وقال سبحانه: «وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفٰاسِقِينَ».(2)وعلى ذلك فالآية التي استدلّ بها الشيخ، نظير قوله سبحانه: «خَتَمَ اَللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ وَ عَلىٰ سَمْعِهِمْ وَ عَلىٰ أَبْصٰارِهِمْ غِشٰاوَةٌ»(3)، وقوله سبحانه: «وَ نُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَ أَبْصٰارَهُمْ كَمٰا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ».(4)ولكن كل ذلك في نهاية حياتهم بعد تماديهم في الغي. وأمّا في ابتداء حياتهم فقد أعطى للجميع قدرة الإبصار والاستماع والتفكّر والتعقّل. قال سبحانه: «وَ اَللّٰهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ لاٰ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ اَلسَّمْعَ وَ اَلْأَبْصٰارَ وَ اَلْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»(5)ولكن الإنسان ربما يبلغ به الغي إلى درجة ينادي فيها ويقول: «لَوْ كُنّٰا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مٰا كُنّٰا فِي أَصْحٰابِ اَلسَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحٰابِ اَلسَّعِيرِ».(6)وباختصار، الآية تحكي عن عدم استطاعتهم السمع، ولكن السبب في حصول هذه الحالة لهم، هو أنفسهم باختيارهم، وهذا لا ينافي وجود الاستطاعة قبل التمادي في الغي، وما يتوقّف عليه التكليف هو القدرة الموجودة قبل سلبها عن أنفسهم.


1) . الصف: 5.

2) . البقرة: 26.

3) . البقرة: 7.

4) . الأنعام: 110.

5) . النحل: 78.

6) . الملك: 10-11.

ومن القواعد المسلّمة في علم الكلام قولهم: «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار».

إلى هنا تعرفت على مفاد الآية، ووقفت على أنّها لا تمت إلى ما يدّعيه الشيخ بصلة، وهلم معي ندرس الآيات الباقية:

وأمّا الآية الثانية، أعني قوله سبحانه: «أَنْبِئُونِي بِأَسْمٰاءِ هٰؤُلاٰءِ» فليس الأمر فيها للتكليف والبعث نحو المأمور به، بل للتعجيز، مثل قوله سبحانه: «وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمّٰا نَزَّلْنٰا عَلىٰ عَبْدِنٰا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَ اُدْعُوا شُهَدٰاءَكُمْ مِنْ دُونِ اَللّٰهِ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ».(1)إنّ لصيغة الأمر معنى واحداً وهو إنشاء الطلب، لكن الغايات من الإنشاء تختلف حسب اختلاف المقامات، فتارة تكون الغاية من الإنشاء، هي بعث المكلف نحو الفعل جداً، وهذا هو الأمر الحقيقي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه، ويشترط فيه القدرة والاستطاعة، وأُخرى تكون الغاية أُموراً غيره، وعند ذلك لا ينتزع منه التكليف الجدي، وذلك كالتعجيز في الآية السابقة، وكالتسخير في قوله سبحانه: «كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ»(2)والإهانة، مثل قوله: «ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَزِيزُ اَلْكَرِيمُ» (3)، أو التمنّي، مثل قول امرئ القيس في معلّقته:

ألا أيّها الليل الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل


1) . البقرة: 23.

2) . البقرة: 65.

3) . الدخان: 49.

إلى غير ذلك من الغايات والحوافز التي تدعو المتكلّم إلى التعبير عن مقاصده بصيغة الأمر، وذلك واضح لمن ألقى السمع وهو شهيد.

وأمّا الآية الثالثة فليست الدعوة إلى السجود فيها عن جد وإرادة حقيقية، بل الغاية من الدعوة إيجاده الحسرة في المشركين التاركين للسجود حال استطاعتهم في الدنيا. والآية تريد أن تبين أنّهم في أوقات السلامة رفضوا الإطاعة والامتثال، وعند العجز - بعد ما كشف الغطاء عن أعينهم ورأوا العذاب - همّوا بالسجود، ولكن أنّى لهم ذلك، وإليك تفسير جمل الآية.

«يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سٰاقٍ»: الجملة كناية عن اشتداد الأمر وتفاقمه، وإن لم يكن هناك كشف ولا ساق، وذلك لأنّ الإنسان عند الشدة يكشف عن ساقيه، ويخوض غمار الحوادث. وهذا كما يقال للأقطع الشحيح: يده مغلولة، وإن لم يكن هناك يد ولا غل.

«وَ يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ»: لا طلباً ولا تكليفاً جدّياً، كما زعمه الشيخ أبو الحسن، بل لازدياد الحسرة على تركهم السجود في الدنيا مع سلامتهم.

«فَلاٰ يَسْتَطِيعُونَ»: لسلب السلامة منهم(1)، أو لاستقرار ملكة الاستكبار في سرائرهم، واليوم تبلى السرائر.(2)


1) . الكشاف: 261/3.

2) . الميزان: 46/20، والمعنى الأوّل الذي قال به صاحب الكشاف أظهر لما في الآية التالية من قوله: «وهم سالمون».

«خٰاشِعَةً أَبْصٰارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ»: تكون أبصارهم خاشعة ويغشاهم في ذلك اليوم ذلّة.

«وَ قَدْ كٰانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى اَلسُّجُودِ وَ هُمْ سٰالِمُونَ»: إنّهم لمّا دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا عنه مع صحتهم وصحّة أبدانهم، يدعون إلى السجود في الآخرة ولكن لا يستطيعون، وذلك لتزداد حسرتهم وندامتهم على ما فرطوا حين دعوا إليه في الدنيا وهم سالمون أصحاء.

ومجموع جمل الآية تعرب بوضوح عن أنّ الدعوة فيها لا تكون عن تكليف جدي، بل لغايات أُخرى لا يشترط فيها القدرة.

وأمّا الآية الرابعة، فلا شكّ أنّ اللّٰه سبحانه أمر بالعدالة من يتزوج أكثر من واحدة قال سبحانه: «فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّٰ تَعْدِلُوا فَوٰاحِدَةً»(1)، وفي الوقت نفسه أخبر في آية أُخرى عن عدم استطاعة المتزوّجين أكثر من واحدة على أن يعدلوا.

ولكن نهى عن التعلّق التام بالمحبوبة منهن، والإعراض عن الأُخرى رأساً، حتى تصير كالمعلّقة لا متزوّجة ولا مطلّقة، قال سبحانه: «وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ اَلنِّسٰاءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلاٰ تَمِيلُوا كُلَّ اَلْمَيْلِ فَتَذَرُوهٰا كَالْمُعَلَّقَةِ وَ إِنْ تُصْلِحُوا وَ تَتَّقُوا فَإِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ غَفُوراً رَحِيماً».(2)وبالتأمّل في جمل الآية، يظهر أنّ العدالة التي أمر بها، غير العدالة التي أخبر عن عدم استطاعة المتزوج القيام بها.

فالمستطاع منها هو الذي يقدر


1) . النساء: 3.

2) . النساء: 129.

عليه كلّ متزوج بأكثر من واحدة، وهو العدالة في الملبس و المأكل والمسكن، وغيرها من الحقوق الزوجية التي يقوم بها الزوج بجوارحه، ولا صلة لها بباطنه.

وأمّا غير المستطاع منها فهو المساواة في إقبال النفس والبشاشة والأنس، لأنّ الباعث عليها الوجدان النفسي والميل القلبي، وهو ممّا لا يملكه المرء ولا يحيط به اختياره.

والآية بصدد التنبيه على أنّ العدل الكامل بين النساء غير مستطاع، ولا يتعلّق به التكليف، ومهما حرص الإنسان على أن يجعل المرأتين كالغرارتين المتساويتين في الوزن لا يستطيعه، وهذا هو العدل الحقيقي التام.(1)وباختصار: إنّ المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي من غير تطرّف أصلاً، وهو ليس محلاً للتكليف، والمثبت المشروع الذي أمر به هو العدل التقريبي الذي هو في وسع كلّ متزوج بأكثر من واحدة.(2)


1) . المنار: 448/5.

2) . الميزان: 106/5.

(12) رؤية اللّٰه بالأبصار

اشارة

إنّ رؤية اللّٰه تعالى في الآخرة ممّا اهتم الأشعري بإثباته اهتماماً بالغاً في كتابيه: «الإبانة» و «اللمع» وركز عليها في الأوّل من ناحية السمع، وفي الثاني من ناحية العقل.

قال في «الإبانة»: و ندين بأنّ اللّٰه تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، كما جاءت الروايات عن رسول اللّٰه.(1)وقال في «اللمع»: إن قال قائل: لم قلتم إنّ رؤية اللّٰه بالأبصار جائزة من باب القياس؟

قيل له: قلنا ذلك لأنّ ما لا يجوز أن يوصف به اللّٰه تعالى ويستحيل عليه، لا يلزم في القول بجوازالرؤية.(2)ولإيقاف القارئ على حقيقة الحال نبحث عن الأُمور التالية:

1. سرد الأقوال وتعيين محلّ النزاع.

1) . الإبانة: 21.

2) . اللمع: 61 بلتخيص.

2.

دليل القائلين بجواز الرؤية من العقل.

3.

دليل القائلين بالجواز من القرآن.

4.

دليل القائلين بالجواز من السنّة.

5.

استدلال المنكرين بالعقل.

6.

استدلال المنكرين بالسمع.

الأمر الأوّل: في نقل الآراء حول الرؤية

اشارة

المشهور بين أهل الحديث، وصرح به إمامهم أحمد بن حنبل، هو القول بجواز الرؤية في الآخرة، قال: والأحاديث في أيدي أهل العلم عن النبي: أنّ أهل الجنّة يرون ربّهم، لا يختلف فيها أهل العلم فينظرون إلى اللّٰه.(1)وقال الأشعري في بيان عقائد أهل الحديث والسنّة: يقولون إنّ اللّٰه سبحانه يرى بالأبصار يوم القيامة كما يُرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون، لا يراه الكافرون لأنّهم عن اللّٰه محجوبون، قال اللّٰه تعالى: «كَلاّٰ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» وإنّ موسى سأل اللّٰه سبحانه الرؤية في الدنيا، وإنّ اللّٰه سبحانه تجلّى للجبل فجعله دكّاً، فأعلمه بذلك أنّه لا يراه في الدنيا، بل يراه في الآخرة.(2)ولكن الظاهر من الآمدي أنّ القائلين بالجواز لا يخصونه بالآخرة بل


1) . الرد على الزنادقة: 29.

2) . مقالات الإسلاميين: 322.

يقولون بجوازها في الدنيا أيضاً، وإنّما اختلفوا في أنّه هل ورد دليل سمعي على جوازها في الدنيا أو لاً، بعد ما اتّفقوا على وروده في الآخرة، قال: «اجتمعت الأئمة من أصحابنا على رؤية اللّٰه تعالى في الدنيا والآخرة جائزة عقلاً، واختلفوا في جوازها سمعاً، فأثبته بعضهم ونفاه آخرون».(1)وعلى كلّ تقدير فقد نقل الأشعري في مقالات الإسلاميين أقوالاً كثيرة حول الرؤية لا يستحقّ أكثرها أن تذكر، ونشير إلى بعضها إجمالاً:

إنّ جماعة يقولون: يجوز أن نرى اللّٰه بالأبصار في الدنيا، ولسنا ننكر أن يكون بعض من نلقاه في الطرقات.

وأجاز عليه بعضهم في الأجسام، وأصحاب الحلول إذا رأوا إنساناً يستحسنونه لم يدروا لعلّ آلهتهم فيه.

وأجاز كثير ممّن جوّز رؤيته في الدنيا، مصافحته وملامسته ومزاورته إيّاه، وقالوا إنّ المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا أرادوا ذلك، حكي ذلك عن بعض أصحاب «مظهر» و «كهمس».

وقال «ضرار» و «حفص الفرد»: إنّ اللّٰه لا يُرى بالأبصار، ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسة سادسة، غير حواسنا فندركه بها.(2)يقول ابن حزم: إنّ الرؤية السعيدة ليست بالقوة الموضوعة في العين، بل بقوة أُخرى موهوبة من اللّٰه.(3)


1) . شرح المواقف: 115/8.

2) . مقالات الإسلاميين: 261-265 و 314.

3) . الفصل: 2/3.

هذه هي بعض الأقوال المطروحة في المسألة من جانب بعض أهل الحديث، وليس ذلك بعجيب من أهل التجسيم، وإنّما العجب ممّن يتجنب التجسيم ويعد نفسه من أهل التنزيه والبراءة من التشبيه، ويقول - مع ذلك - بالرؤية، كالأشاعرة عامة.

ولأجل ذلك ذهبت المعتزلة والإمامية والزيدية إلى امتناع رؤيته سبحانه في الدنيا والآخرة، وقالوا بأنّ القول لا يفارق التجسيم والتشبيه، كما ستقف عليه عند سرد براهينهم إن شاء اللّٰه.

أهل الكتاب ومسألة الرؤية

وقد يدين بالرؤية أهل الكتاب قبل أهل الحديث والأشاعرة، ووردت رؤيته في العهد القديم، وإليك مقتطفات منها:

1. «رأيت السيد جالساً على كرسي عال. فقلت: ويل لي لأنّ عينيّ قد رأتا الملك رب الجنود» (أشعيا ج 6 ص 1-6).

والمقصود من السيد هو اللّٰه جلّ ذكره.

2.

«كنت أرى أنّه وضعت عروش وجلس القديم الأيام، لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي وعرشه لهيب نار» (دانيال 9:7).

3.

«أما أنا فبالبر أنظر وجهك» (مزامير داود: 15:17).

4.

«فقال منوح لامرأته: نموت موتاً لأنّنا قد رأينا اللّٰه» (القضاة 23:13).

5.

«فغضب الرب على سليمان، لأنّ قلبه مال عن الرب، إله إسرائيل

الذي تراءى له مرتين» (الملوك الأوّل 9:11).

6.

«وقد رأيت الرب جالساً على كرسيه وكلّ جند البحار وقوف لديه» (الملوك الأوّل 19:22).

7.

«كان في سنة الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر وأنا بين المسبيين عند نهر خابور، أنّ السماوات انفتحت فرأيت رؤى اللّٰه - إلى أن قال: - هذا منظر شبه مجد الرب، ولما رأيته خررت على وجهي وسمعت صوت متكلم» (حزقيال 1:1 و 28).

والقائلون بالرؤية من المسلمين، وإن استندوا إلى الكتاب والسنّة ودليل العقل، لكن غالب الظن أنّ القول بالرؤية، تسرب إلى المسلمين من المتظاهرين بالإسلام كالأحبار والرهبان، وربما صاروا مصدراً لبعض الأحاديث في المقام، وصار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جوازها، واستدعاء الأدلّة عليها من النقل والعقل.

ما هو محلّ النزاع؟

إنّ محلّ النزاع هو رؤية اللّٰه سبحانه بالأبصار رؤية حقيقية، ولكن المجسمة يقولون بها بلا تنزيه، والأشاعرة يقولون بها مع التنزيه، أي بدون استلزام ما يمتنع عليه سبحانه، من المكان والجهة.

وأمّا الرؤية القلبية، ومشاهدة الواجب من غير الطرق الحسية فخارج عن مصب البحث، إذ لم يقل أحد بامتناعها.

والقائلون بالرؤية مع التنزيه على فرقتين: فرقة تعتمد على الأدلّة العقلية دون السمعية، وفرقة أُخرى على العكس.

فمن الأُولى: سيف الدين الآمدي، أحد مشايخ الأشاعرة في القرن السابع (551-631 ه)، يقول: لسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي الذي أوضحناه، إذ ما سواه لا يخرج عن الظواهر السمعية، وهي ممّا يتقاصر عن إفادة القطع واليقين، فلا يذكر إلّاعلى سبيل التقريب.(1)ومن الثانية: الرازي في عديد من كتبه(2)، فقال: إنّ العمدة في جوازالرؤية ووقوعها هو السمع. وعليه الشهرستاني في «نهاية الأقدام».(3)هذه هي الأقوال الدارجة حول الرؤية، وقد عرفت ما هو محلّ النزاع.

الأمر الثاني: الأدلّة العقلية على جواز الرؤية

اشارة

قد عرفت أنّ طرف النزاع في المقام هو الأشاعرة، وفي مقدّمهم الشيخ الأشعري، وهم من أهل التنزيه، فلأجل ذلك يطرحون المسألة بشكل يناسب مذهبهم.

يقول التفتازاني: ذهب أهل السنّة إلى أنّ اللّٰه تعالى يجوز أن يرى وأنّ المؤمنين في الجنّة يرونه منزّهاً عن المقابلة والجهة والمكان.(4)


1) . غاية المرام في علم الكلام: 174.

2) . معالم الدين: 67؛ الأربعين: 198؛ المحصّل: 138.

3) . نهاية الأقدام: 369.

4) . شرح المقاصد: 111/2.

وهذه القيود التي ذكرها التفتازاني، وإن كانت غير واردة في كلام صاحب المنهج، ولكن الفكرة بهذه الصورة قد نضجت في طوال قرون متمادية، إنّما الكلام في إمكان وقوع هذه الرؤية، أي أن تتحقّق الرؤية بالأبصار، ولكن مجرّدة عن المقابلة والجهة والمكان، وهذا ما يصعب تصوّره للإنسان. فتحقّق الرؤية - سواء قلنا بأنّها تتحقّق بانطباع صورة المرئي في العين كما عليه العلم الحديث، أو بخروج الشعاع كما عليه بعض القدماء - في غير هذه الظروف أشبه بترسيم أسد بلا رأس ولا ذنب على جسم بطل؛ ولأجل ذلك يحاول التفتازاني أن يصحّح هذا النوع من الرؤية ويقول:

إنّا إذا عرفنا الشمس مثلاً بحدّ أو رسم، كان نوعاً من المعرفة، ثمّ إذا أبصرناها وغمضنا العين، كان نوعاً آخر فوق الأوّل، ثمّ إذا فتحنا العين حصل نوع آخر من الإدراك فوق الأوّلين نسمّيه الرؤية، ولا تتعلّق في الدنيا إلّابما هو في جهة ومكان، فمثل هذه الحالة الإدراكية، هل تصحّ أن تقع بدون المقابلة والجهة، وأن تتعلّق بذات اللّٰه تعالى منزهاً عن الجهة والمكان، أو لا؟(1)يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ الرؤية الأُولى أيضاً قبل الغمض، تصدق عليها الرؤية، وليس الاختلاف بين الرؤيتين إلّافي الوضوح والخفاء والقصر والطول، ولكنّه إنّما


1) . شرح المقاصد: 111/2.

خصّ النزاع بالرؤية الثانية لأجل ما ورد في الروايات، من أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة كفلق البدر.

ثانياً: أنّ الرؤية قائمة بأُمور ثمانية: 1. سلامة الحاسة 2. المقابلة أو حكمها كما في رؤية الصور المنطبعة في المرآة 3.

عدم القرب المفرط 4. عدم البعد كذلك 5. عدم الحجاب بين الرائي والمرئي 6. عدم الشفافية، فإنّ ما لا لون له كالهواء لا يرى 7.

قصد الرؤية 8. وقوع الضوء على المرئي وانعكاسه منه إلى العين.

فلو قلنا بأنّ هذه الشرائط ليست إلزامية بل هي تابعة لظروف خاصة، ولكن قسماً منها يعد مقوماً للرؤية بالأبصار، وهو كون المرئي في حيز خاص، وتحقّق نوع مقابلة بين الرائي والمرئي وعند ذلك كيف يمكن أن تتحقّق الرؤية بلا بعض هذه الشرائط.

ثمّ إنّ بعض المثقفين من الأشاعرة لما وقعوا في مخمصة إزاء هذه الإشكالات، التجأوا إلى أمر آخر، وهو القول بأنّ كلّ شيء في الآخرة غيره في الدنيا. وهذا الكلام وإن كانت عليه مسحة من الحقّ، لكن لا يعنى به أنّ حقيقة الأشياء في الآخرة تباين حقيقتها في الدنيا، وهذا مثل أن يقال: إنّ حقيقة المربع والمثلث في الآخرة غيرهما في الدنيا، أو إنّ نتيجة «2 * 2» تصير في الآخرة خمسة، بحجّة أنّ كلّ شيء في الآخرة غيره في الدنيا، وإنّما المراد من القاعدة هو أنّ كلّ ما يوجد من الأشياء في الآخرة يكون بأكمل الوجود وأمثله، لا أنّه يباينه على وجه الإطلاق. يقول سبحانه: «كُلَّمٰا رُزِقُوا

مِنْهٰا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قٰالُوا هٰذَا اَلَّذِي رُزِقْنٰا مِنْ قَبْلُ وَ أُتُوا بِهِ مُتَشٰابِهاً». (1)ثمّ إنّ الأشعري وبعده تلاميذ منهجه استدلّوا على الجواز بوجهين: أحدهما يرجع إلى الجانب السلبي، وأنّه لا يترتب على القول بالرؤية شيء محال، والآخر إلى الجانب الإيجابي، وأنّ مصحح الرؤية في الأشياء هو الوجود، وهو مشترك بين الخالق والمخلوق.

ثمّ أكّدوا الأدلّة العقلية بالأدلة السمعية، وعلى ذلك فيقع الكلام في تحرير أدلّتهم في مقامين: الأدلّة العقلية، والأدلة السمعية. ونقدّم العقلية:

الدليل العقلي الأوّل لجواز الرؤية

إنّ تجويز الرؤية لا يستلزم شيئاً ممّا يستحيل عليه سبحانه، فلا يلزم كونه حادثاً أو إثبات حدوث معنى فيه، أو تشبيهه أو تجنيسه، أو قلبه عن حقيقته، أو تجويره أو تظليمه، أو تكذيبه. ثمّ أخذ الأشعري في شرح نفي هذه اللوازم على وجه مبسوط، ونحن نقتطف منه جملتين:

1.

«ليس في جواز الرؤية إثبات حدث، لأنّ المرئي لم يكن مرئياً لأنّه محدث، ولو كان مرئياً لذلك للزم أن يرى كلّ محدث، وذلك باطل».

2.

«ليس في إثبات الرؤية للّٰه تعالى تشبيه».(2)يلاحظ على الفقرة الأُولى: أنّ الملازمة ممنوعة، إذ لقائل أن يقول: إنّ الحدوث ليس شرطاً كافياً في الرؤية حتى يلزم رؤية كلّ محدث، بل هو


1) . البقرة: 25.

2) . اللمع: 61-62.

شرط لازم يتوقف على انضمام سائر الشروط، وبما أنّ بعضها غير متوفّر في المجردات المحدثات، لا تقع عليه الرؤية.

ويلاحظ على الفقرة الثانية: أنّه اكتفى بمجرّد ذكر الدعوى، ولم يعززها بالدليل، مع أنّ مشكلة البحث هي التشبيه الذي أشار إليه، فإنّ حقيقة الرؤية قائمة بالمقابلة ولو بالمعنى الوسيع، ولولاها لا تتحقّق، والمقابلة لا تنفك عن كون المرئي في جهة ومكان، وهذا يستلزم كونه سبحانه ذا جهة ومكان، وهو نفس التشبيه والتجسيم. وكيف يقول إنّ تجويز الرؤية لا يستلزم التشبيه؟! «ما هكذا تورد يا سعد الإبل»!

وهناك إشكال آخر التفت إليه الشيخ، فعرضه وأجاب عنه، ونحن نعرض الإشكال والجواب بنصّهما، قال:

فإن عارضونا بأنّ اللمس والذوق والشم، ليس فيه إثبات الحدث، ولا حدوث معنى في الباري تعالى، قيل لهم: قد قال بعض أصحابنا إنّ اللمس ضرب من ضروب المماسات، وكذلك الذوق وهو اتصال اللسان واللهوات بالجسم الذي له الطعم، وإنّ الشمّ هو اتصال الخيشوم بالمشموم الذي يكون عنده الإدراك له، وإنّ المتماسين إنّما يتماسان بحدوث مماسين فيهما، وإنّ في إثبات ذلك إثبات حدوث معنى في الباري.

يلاحظ عليه: أنّ التفريق بين الأبصار وسائر الإدراكات الحسية تفريق بلا جهة، وما ذكره من أنّ المتماسّين إنّما يتماسّان بحدوث مماسّين فيهما... مجمل جداً، وذلك لأنّه إن أراد أنّ اللمس يوجب حدوث نفس المماسين وذاتهما فهو ممنوع، لأنّ ذاتهما كانتا موجودتين قبل تحقّق اللمس، وإن أراد

حدوث وصف مادي ورابطة جسمانية، وهي التي عبر عنها بقوله: «إنّ اللمس ضرب من ضروب المماسات» فتلك الحالة أيضاً حادثة عند الإبصار، غاية الأمر أنّ اللمس ضرب من ضروب المماسات، والإبصار ضرب من ضروب المقابلات، وبإعمال كلّ واحد من الحواس تتحقّق إضافة بين الحاسة والمحسوس، وفي ظلها يتحقّق الإبصار واللمس والشمّ والذوق.

وأضف إلى ذلك ما نقله عن بعض أصحابه في نقد السؤال الماضي وحاصله:

إنّ لمسنا أو ذوقنا أو شمّنا إيّاه سبحانه، يتصور على صورتين:

1.

أن يحدث اللّٰه تعالى للذائق أو الشام أو اللامس إدراكاً من غير أن يحدث في الباري تعالى معنى.

2.

تلك الصورة لكن يحدث فيه سبحانه معنى. فالثاني غير جائز، والأوّل جائز، ولكن الأمر في التسمية إلى اللّٰه، إن أمرنا أن نسمّيه لمساً وذوقاً وشماً سمّيناه، وإن منعنا امتنعنا.(1)يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ معنى ذلك أن يكون سبحانه مشموماً ملموساً، مذوقاً، إذا لم يحدث فيه معنى بشمّنا، وذوقنا، ولمسنا، وهذا في نهاية الضعف لا تجترئ عليه المجسّمة، فكيف بالمنزّهة؟!


1) . اللمع: 62.

وثانياً: أنّ إيجاده سبحانه في جوارحنا إدراكاً، حتى يتحقّق في ظله لمسه وذوقه، وشمّه، بلا حدوث معنى فيه، أشبه بترسيم الأسد على عضد البطل، من غير رأس ولا ذنب، لأنّ واقعية أعمال هذه الحواس لا تنفك عن تحقّق إضافة ورابطة بينها و بين المحسوس من غير فرق بين الإبصار وغيره، وهذه الإضافة إضافة مقولية قائمة بالطرفين. وقد التزم المجيب بامتناع هذا القسم، وإنّما سوغ قسماً آخر، غير معقول ولا متصوّر.

وباختصار: إنّ الدليل السلبي الذي اعتمد عليه الشيخ الأشعري غير كاف، لأنّ الرؤية تستلزم التشبيه، أي ما يستحيل عليه سبحانه من كونه طرف الإضافة المقولية الحاصلة بينه و بين الحواس.

الدليل العقلي الثاني لجواز الرؤية

إنّ الوجود هو المصحح للرؤية، وهو مشترك بين الواجب وغيره وقد نسبه في المواقف إلى الشيخ الأشعري والقاضي وأكثر أئمّة الأشاعرة.(1)وحاصله: أنّ الرؤية مشتركة بين الجوهر والعرض، ولابدّ للرؤية المشتركة من علّة واحدة وهي إمّا الوجود أو الحدوث، والحدوث لا يصلح للعلية، لأنّه أمر عدمي، فتعيّن الوجود، والوجود مشترك بين الواجب والممكن، فينتج أنّ صحّة الرؤية مشتركة بين الواجب والممكن.

وقد اعترض على ذلك البرهان في الكتب الكلامية، حتى من جانب


1) . شرح المواقف: 115/8.

نفس الأشاعرة(1)، بكثير ولكنّا نعتمد في نقض هذا البرهان على ما يبطله من أساسه، فنقول:

إنّ الحصر في كلامه غير حاصر، فمن أين علم أنّ مصحّح الرؤية هو الوجود؟ إذ من المحتمل أن يكون الوجود شرطاً لازماً، لا شرطاً كافياً، ويكون الملاك هو الوجود الممكن، وليس المراد من الممكن في قولنا: «الوجود الممكن» الإمكان الذاتي، الذي يقع وصفاً للماهية، حتى يقال بأنّ الماهية ووصفها «الإمكان» من الأُمور العدمية والاعتبارية لا تصلح أن تكون جزء العلّة، بل المراد هو الإمكان الذي يقع وصفاً للوجود، ومعناه كون الوجود متعلقاً بالغير قائماً به، كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، وليس الإمكان بهذا المعنى شيئاً غير حقيقة الوجود الإمكاني، كما أنّ الوجوب ليس وراء نفس حقيقة الوجود في الواجب شيئاً طارئاً عليه، ومع قيام هذا الاحتمال لا يصحّ للمستدلّ أن يجعل مصحّح الرؤية نفس الوجود، ثمّ يدّعي اشتراكه بين الواجب وغيره.

بل هناك احتمال ثالث، هو أن يكون الملاك ومصحّح الرؤية هو الوجود الإمكاني المادي، الذي يقع في إطار شرائط خاصة لتحقّقها، وهي عبارة عن المقابلة وكونه طرف الإضافة المقولية بين البصر والمبصر، بضميمة وجود الضوء بينهما، فادّعاء كون الملاك أمراً وسيعاً (الوجود)، يحتاج إلى دليل.

ولو أردنا أن نقف على ما هو الملاك - من زاوية العلوم الطبيعية - فإنّ


1) . تلخيص المحصل: 317؛ غاية المرام: 160؛ شرح التجريد للقوشجي: 431 وغيره.

الإبصار حسب هذه العلوم رهن ظروف خاصة، ولا تعدو عن كون المبصر موجوداً ممكناً مادياً، يقع في أُفق الحس حيث يوجد هناك ضوء، وادّعاء إمكان الإبصار في غير هذه الظروف يحتاج إلى دليل، وليس الاحتمال كافياً في مقام البرهان.

والعجب أنّه يدّعي أنّ مصحّح الرؤية هو الوجود، وعليه أن يعترف بصحّة رؤية الأفكار والعقائد، والروحيات والنفسانيات من القدرة والإرادة، إلى غير ذلك من الموجودات التي لا يشكّ أحد في امتناع رؤيتها.

ولكن الشيخ حسب نقل شارح المواقف أجاب عن هذا النقض بقوله: إنّنا لا نرى هذه الأشياء التي ذكرتموها لجريان العادة من اللّٰه بعدم الرؤية، فإنّه أجرى عادته بعدم خلق رؤيتها فينا، ولكن لا يمتنع أن يخلق فينا رؤيتها كما خلق رؤية غيرها.(1)ولا يخفى أنّ كلامه يتضمن المصادرة على المطلوب، إذ من أين وقف على إمكان رؤيتها حتى يصحّ تعليل عدم وقوعها بقوله: «أجرى عادته بعدم خلق رؤيتها فينا مع إمكانها» فإنّ الكلام في نفس الإمكان، والخصم يدّعي الامتناع وهو يدّعي خلافه.

أضف إلى ذلك أنّ اللجوء إلى عادة اللّٰه في كلمات الشيخ الأشعري وأتباعه، يرجع لبه إلى إنكار السببية والمسببية بين عوالم الوجود ودرجات العالم، وأنّ كلّ حادثة طارئة تستند إليه سبحانه مباشرة، وأنّه هو المحرق


1) . شرح المواقف: 123/8.

والمبرد، وما يتبادر إلى الأذهان والحواس من كون النار محرقة ليس إلّاجريان عادة اللّٰه على إيجاد الحرارة بعد وجود النار، ولا صلة بين النار والحرارة.

وهذا الأصل الذي يعتمد عليه الأشاعرة في كثير من المواضع يضاد الكتاب العزيز والبرهان القويم. كيف وقد صرّح سبحانه في الذكر الحكيم بتأثير العلل الطبيعية في معلولاتها بإذن منه سبحانه، ونكتفي من الآيات الكثيرة بآية واحدة: «اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ فِرٰاشاً وَ اَلسَّمٰاءَ بِنٰاءً وَ أَنْزَلَ مِنَ اَلسَّمٰاءِ مٰاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ اَلثَّمَرٰاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاٰ تَجْعَلُوا لِلّٰهِ أَنْدٰاداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ»(1). أنظر إلى قوله سبحانه «فَأَخْرَجَ بِهِ» أي بسبب الماء، فللماء سببية وتأثير في خروج الثمرات.(2)

الأمر الثالث: دليل القائلين بالجواز من القرآن الكريم

اشارة

استدلّ القائلون بجواز الرؤية بآيات كثيرة نذكر المهم منها:

الأُية الأُولى
اشارة

قوله سبحانه: «كَلاّٰ بَلْ تُحِبُّونَ اَلْعٰاجِلَةَ * وَ تَذَرُونَ اَلْآخِرَةَ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ * وَ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بٰاسِرَةٌ * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهٰا فٰاقِرَةٌ».(3)


1) . البقرة: 22.

2) . تقدّم الكلام فيه. لاحظ: ص 215.

3) . القيامة: 20-25.

تمسّكت الأشاعرة لجواز رؤية اللّٰه بهذا الدليل السمعي، قائلين بأنّ النظر إذا كان بمعنى الانتظار، يستعمل بغير صلة، ويقال انتظرته، وإذا كان بمعنى التفكر يستعمل بلفظة «في»، وإذا كان بمعنى الرأفة يستعمل باللام، وإذا كان بمعنى الرؤية يستعمل ب «إلى» و النظر في الآية استعمل بلفظ «إلى»، فيحمل على الرؤية.(1)قال الشيخ أبو الحسن: والدليل على أنّ اللّٰه تعالى يُرى بالأبصار قوله تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ»(2)، ولا يجوز أن يكون معنى قوله «إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ» معتبرة، كقوله تعالى: «أَ فَلاٰ يَنْظُرُونَ إِلَى اَلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ»(3). لأنّ الآخرة ليست بدار اعتبار، ولا يجوز أن يعني متعطفة راحمة كما قال: «وَ لاٰ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ» أي لا يرحمهم ولا يتعطف عليهم، لأنّ الباري لا يجوز أن يتعطف عليه(4). ولا يجوز أن يعني منتظرة، لأنّ النظر إذا قرن النظر بذكر الوجوه لم يكن معناه نظر القلب الّذي هو انتظار، كماإذا قرن النظر بذكر القلب لم يكن معناه نظر العين، لأنّ القائل إذا قال: أُنظر بقلبك في هذا الأمر، كان معناه نظر القلب، وكذلك إذا قرن النظر بالوجه لم يكن معناه إلّانظر الوجه.

والنظر بالوجه هو نظر الرؤية الذي يكون بالعين التي في الوجه، فصحّ


1) . شرح التجريد للقوشجي: 334.

2) . القيامة: 22-23.

3) . الغاشية: 17.

4) . هذا سهو من قلمه، لأنّ الآية تتضمن نفي نظره سبحانه إليهم بالرحمة والعطف، لا نظرهم إليه بالعطف والحنان حتى يصح قوله: «لأنّ الباري لا يجوز أن يتعطف عليه» فلاحظ.

أنّ معنى قوله تعالى: «إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ» رائية. إذا لم يجز أن يعني شيئاً من وجوه النظر الأُخرى.(1)قال أيضاً حول دلالة الآية على الرؤية:

إنّ النظر في هذه الآية لا يمكن أن يكون نظر الانتظار، لأنّ الانتظار معه تنقيص وتكدير، وذلك لا يكون يوم القيامة، لأنّ الجنّة دار نعيم وليست دار ثواب أو عقاب، ولا يمكن أن يكون نظر الاعتبار، لأنّ الآخرة ليست دار الاعتبار بل دار ثواب أو عقاب، ولا يمكن أن يكون نظر القلب، لأنّ اللّٰه تعالى ذكر النظر مع الوجه، فاتضح أنّه نظر العينين، وإذا بطلت هذه المعاني للنظر لم يبق إلّاحالة واحدة وهي نظر الرؤية.

يلاحظ عليه: من أين وقف الشيخ الأشعري على أنّ الآيات تحكي عن أحوال المؤمنين بعد دخول الجنّة والكافرين بعد الاقتحام في النار؟

والظاهر بقرينة قوله: «تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهٰا فٰاقِرَةٌ» أنّ الآيات تحكي عن أحوالهم قبل دخولهم في مستقرهم ومأواهم، فلا مانع من أن يكون انتظار من دون أن يكون هناك تكدير وتنقيص.

قد شغلت هذه الآية بال الأشاعرة والمعتزلة، فالفرقة الأُولى تصرُّ على أنّ النظر هنا بمعنى الرؤية، والثانية تصر على أنّها بمعنى الانتظار لا الرؤية، ويقولون: إنّ النظر إذا استعمل مع «إلى» يجيء بمعنى الانتظار أيضاً، يقول الشاعر:


1) . اللمع: 64.

وجوه ناظرات يوم بدر *** إلى الرحمن يأتي بالفلاح(1)

أي منتظرة إتيانه تعالى بالنصر والفلاح.

إلى غير ذلك من الآيات والروايات والأشعار العربية، الواردة فيها تلك اللفظة بمعنى الانتظار، حتى فيما إذا كانت مقرونة ب «إلى».

غير أنّ الحقّ أنّ الآية لا تدلّ على نظرية الأشاعرة، حتى ولو قلنا إنّ النظر في الآية بمعنى الرؤية، فإنّ الآية على كلا المعنيين تهدف إلى أمر آخر، لا صلة له بمسألة الرؤية، ويعرف مفاد الآيات بمقارنة بعضها ببعض، وإليك بيانه:

إنّ الآية الثالثة تقابل الآية الأُولى، كما أنّ الرابعة تقابل الثانية، وعند المقابلة يرفع إبهام الثانية بالآية الرابعة، وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة:

أ. «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ» - يقابلها قوله: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بٰاسِرَةٌ».

ب. «إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ» - يقابلها قوله: «تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهٰا فٰاقِرَةٌ».

وبما أنّ المقابل للآية الثانية واضح المعنى، فيكون قرينة على المراد منها، فإذا كان المقصود من المقابل أنّ الطائفة العاصية تظن وتتوقع أن ينزل بها عذاب يكسر فقارها، ويقصم ظهرها، يكون المراد من عدله وقرينه عكسه وضدّه، وليس هو إلّا أنّ الطائفة المطيعة تكون مستبشرة برحمته، ومتوقعة لفضله وكرمه، لا النظر إلى جماله وذاته وهويته، وإلّا لخرج المقابلان عن التقابل وهو خلف.


1) . وفي رواية: تنتظر الخلاصا

وبعبارة أُخرى: يجب أن يكون المقابلان - بحكم التقابل - متحدي المعنى والمفهوم، ولا يكونا مختلفين في شيء سوى النفي والإثبات، فلو كان المراد من المقابل الأوّل، أعني: «إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ»، هو رؤية جماله سبحانه وذاته، فيجب أن يكون الجزاء في قرينه، أعني: «تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهٰا فٰاقِرَةٌ» هو حرمان هؤلاء عن الرؤية، أخذاً بحكم التقابل. وبما أنّ تلك الجملة - أعني: القرين الثاني - لا تحتمل ذلك المعنى، أعني: الحرمان من الرؤية، بل صريحة في انتظار العذاب الفاقر، يكون ذلك قرينة على المراد من القرين الأوّل، هو رجاء رحمته وانتظار فرجه وكرمه.

بيان آخر

إنّ المراد من «نٰاظِرَةٌ» سواء أفسرت بمعنى الانتظار أم النظر المرادف مع الرؤية، هو توقّع المطيعين المتقين الرحمة الإلهية، في مقابل توقع العصاة عذابه الفاقر، فإذا كان هو المراد من الآية حسب التقابل، فلو قلنا بأنّ لفظة «نٰاظِرَةٌ» بمعنى الانتظار تسقط دلالة الآية على الرؤية - ولو كانت بمعنى النظر المرادف مع الرؤية - فهي كناية عن انتظار الرحمة، مثلاً يقال: فلان ينظر إلى يد فلان، يراد أنّه رجل معدم محتاج ليس عنده شيء، وإنّما يتوقع أن يعطيه ذلك الشخص، فما أعطاه ملكه، وما منعه حرم منه، وهذا ممّا درج عليه الناس في محاوراتهم العرفية، إذ يقول إنسان في حقّ آخر «فلان ينظر إلى اللّٰه ثمّ إليك» فالنظر، وإن كان هنا بمعنى الرؤية بلا شك، لكنّه كناية عن انتظار فضله سبحانه وكرمه، كانتظاره بعد اللّٰه فضل سيده، ويفسره في

«أقرب الموارد» بقوله «يتوقع فضل اللّٰه ثمّ كرمك» و الآية نظير قول القائل:

إنّي إليك لما وعدت لناظر *** نظر الفقير إلى الغنيّ الموسر

فمحور البحث والمراد، في أمثال المورد، هو توقّع الرحمة وحصولها، أو عدم توقّعها وشمولها، فالطغاة يظنون شمول عذاب يفقرهم ويكسر ظهورهم، والصالحون يظنّون عكسه وضدّه. وأمّا رؤية اللّٰه سبحانه ووقوع النظر إلى ذاته فخارج عن مدار البحث في هذه المواقع، والأشعري وكلّ من استدلّ بهذه الآية على الرؤية خلط المعنى المكنّى به بالمعنى المكنّى عنه.

فقد كنّى بالنظر إلى اللّٰه عن الانتظار لرحمته وشمول فضله وكرمه.

ولذلك نظائر في الكتاب العزيز، يقول سبحانه: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولٰئِكَ لاٰ خَلاٰقَ لَهُمْ فِي اَلْآخِرَةِ وَ لاٰ يُكَلِّمُهُمُ اَللّٰهُ وَ لاٰ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَ لاٰ يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ أَلِيمٌ»(1). والمراد من قوله: «لاٰ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ» هو المعنى المكنّى عنه، وهو طردهم عن ساحته، وعدم شمول رحمته لهم، وعدم تعطّفه عليهم، وتدلّ على ذلك الآية المتقدّمة عليها، حيث قال عزّ من قائل: «بَلىٰ مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ وَ اِتَّقىٰ فَإِنَّ اَللّٰهَ يُحِبُّ اَلْمُتَّقِينَ».(2)فلو قمنا بالمقابلة يكون سياق الآيات بالشكل التالي:


1) . آل عمران: 77.

2) . آل عمران: 76.

«مَنْ أَوْفىٰ بِعَهْدِهِ وَ اِتَّقىٰ» يكون جزاؤه قوله: «يحبّه اللّٰه فإنّ اللّٰه يحبّ المتقين».

و «إِنَّ اَلَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اَللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً» يكون جزاؤهم قوله: «لاٰ يُكَلِّمُهُمُ اَللّٰهُ وَ لاٰ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ».

فالإبهام الموجود في الجزاء الثاني يرتفع بالمعنى المتبادر من الجزاء الأوّل، فبما أنّ المراد منه هو عموم رحمته وشمول فضله يكون المراد من الجزاء الثاني هو قبض رحمته وعدم شموله لهم.

وإن شئت قلت: إنّ المراد من «لاٰ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ» ليس هو عدم رؤية اللّٰه وعدم مشاهدته إيّاهم، لأنّ رؤيتهم أو عدم رؤيته ليس أمراً مطلوباً لهم حتى يُهَدَّدوا بعدم النظر إليهم وإنّما النافع بحالهم هو وصول رحمته إليهم، والمضر بحالهم عدم شمول لطفه لهم، فيكون المراد عدم تعطّفه إليهم.

هذا هو مفتاح حل المشكل المتوهم في الآية، فتفسير الآية برؤية اللّٰه أخذاً بالمعنى المكنّى به غفلة عن محور البحث فيها.

ويدلّ على أنّ المراد من النظر - حتى ولو كان بمعنى الرؤية - ليس هو الرؤية البصرية، بل المقصود انتظار الرحمة، تقديم المفعول، أعني: «إِلىٰ رَبِّهٰا» على الفعل والفاعل أعني: «نٰاظِرَةٌ»، فإنّ تقديمه يدلّ على معنى الاختصاص، والاختصاص صحيح لو قلنا بأنّ المراد هو انتظار رؤيته، لأنّ الإنسان في هذا الظرف الهائل لا يتوقع إلّارحمة اللّٰه وعنايته ولطفه فقط، ولا يتوقع شيئاً سواها حتى يتخلص من أهوال القيامة، وأمّا رؤية اللّٰه سبحانه

فليست بهذه المنزلة في تلك الأحوال، فليس الناس بحالة لا يطلبون فيها إلّاالنظر إليه وعدم النظر إلى غيره. وإن عمّهم العذاب بعد الرؤية ليصحّ وجه الحصر. لأنّ ما ينجيهم من الأهوال هو رحمته، لا رؤية وجهه.

يقول صاحب الكشاف: إنّ المؤمنين ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل تحت العدد. فاختصاصه سبحانه بنظرهم إليه لو كان منظوراً إليه، محال أو غير واقع، فوجب حمله على معنى يصحّ معه الاختصاص. والذي يصحّ معه أن يكون من قبيل قول الناس: «أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي» يريد معنى التوقّع والرجاء ومن هذا القبيل قوله:

وإذا نظرت إليك من ملك *** والبحر دونك زدتني نعماً(1)

إنّ هنا كلمة أُخرى للزمخشري في كشافه، يقول:

«وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون إلى مقائلهم، تقول: «عيينتي نويظرة إلى اللّٰه وإليكم». تقصد راجية ومتوقعة لإحسانهم إليها، كما هو معنى قولهم: «أنا أنظر إلى اللّٰه ثمّ إليك»: «أتوقع فضل اللّٰه ثمّ فضلك».(2)فلو أنّ القوم تجرّدوا عن انتحال مسلك مسبق، ونظروا إلى القرآن بعين التفهّم والاستفادة، لما شكّ أحد في أنّ المراد من النظر إلى اللّٰه سبحانه في ذلك المشهد الرهيب هو رجاء رحمته وفضله وكرمه.

وممّا ذكرنا تعرف أنّ ما أتعب به الشيخ نفسه لا يفيد شيئاً. فإنّ غاية ما


1) . الكشاف: 662/4

2) . الكشاف: 294/3، في تفسير قوله سبحانه: «إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ».

أثبته هو أنّ النظر هنا بقرينة «وُجُوهٌ» بمعنى الرؤية، ولكنّه لم يستدلّ على أنّ الرؤية هل هي المقصود بالذات، أو هي كناية عن معنى آخر وهو انتظار رحمته، واليقين بفضله وكرمه؟ مع أنّ هنا فرقاً واضحاً بين قولنا: «عيون يومئذٍ ناظرة» و «وجوه يومئذ ناظرة» فلو كان الأوّل ظاهراً في الرؤية فليس الثاني كذلك. فهو في الانتظار أوضح وأبين. وليس الفاعل في قوله سبحانه: «إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ» هو العيون، بل الوجوه المذكورة في الآية المتقدمة، أعني قوله: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ» فالنظر منسوب إلى الوجوه لا إلى العيون، فافهم.

وباختصار، إنّا لا نقول بأنّ النظر هنا نظر القلب، حتى يستدلّ الشيخ على عدم صحّته بأنّ النظر إذا قرن بالوجوه لم يكن معناه نظر القلب، الذي هو انتظاره، وإنّما نقول بأنّ المراد منه هو النظر بالعين، ولكن هذا المعنى المطابقي كناية عن معنى التزامي. والمقصود في الكنايات هو المعنى الثاني لا المعنى الأوّل. فإذا قلت «فلان كثير الرماد» فصدقه يتوقّف على كثرة ضيوفه ووفرة من ينزل في بيته، لا على وجود رماد في بيته.

وعلى ذلك فالذي يجب التركيز عليه هو الوقوف على ما هو مقصود المتكلّم من قوله: «إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ» فهل هو يريد أنّ جزاء المطيعين ذوي الوجوه الناظرة هو النظر إلى ذات اللّٰه ورؤيته؟ أو أنّه كناية عن جزاء آخر، هو انتظار رحمته وفضله وكرمه، في مقابل الطغاة ذوي الوجوه الباسرة الظانين بنزول العذاب الفاقر.

وهذه هي النكتة المهمة في فهم الآية وقد غفل عنها الأشعري وروّاد منهجه.

الآية الثانية
اشارة

قوله سبحانه: «وَ لَمّٰا جٰاءَ مُوسىٰ لِمِيقٰاتِنٰا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قٰالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قٰالَ لَنْ تَرٰانِي وَ لٰكِنِ اُنْظُرْ إِلَى اَلْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكٰانَهُ فَسَوْفَ تَرٰانِي فَلَمّٰا تَجَلّٰى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسىٰ صَعِقاً فَلَمّٰا أَفٰاقَ قٰالَ سُبْحٰانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ» (1).(2)

احتجت الأشاعرة بهذه الآية بوجهين: الوجه الأوّل

أنّ موسى سأل الرؤية ولو كانت ممتنعة لما سألها، لأنّه إمّا يعلم امتناع الرؤية أو يجهله، فإن علم فالعاقل لا يطلب المحال، وإن جهله فهو لا يجوز في حقّ موسى، فإنّ مثل هذا الشخص لا يستحقّ أن يكون نبيّاً.

يلاحظ عليه: أنّ المستدلّ أخذ بآية واحدة، وترك التدبّر في سائر الآيات الواردة حول الموضوع، وتصور أنّ الكليم ابتدأ بالسؤال وأُجيب بالنفي، وعلى ذلك بنى استدلاله بأنّه لو كان ممتنعاً لما سأله الكليم، ولكن


1) . الأعراف: 143.

2) . وقد استدلّت بها الأشاعرة ولم يستدلّ به الشيخ أبو الحسن في لمعه وإنّما ذكرناه تتميماً للبحث.

الحقيقة غير ذلك، وإليك بيانه: إنّ الكليم لما أخبر قومه بأنّ اللّٰه كلّمه وقرّبه وناجاه، قالوا لن نؤمن بك حتى نسمع كلامه كما سمعت، فاختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سيناء وسأله سبحانه أن يكلّمه، فلمّا كلّمه اللّٰه، وسمعوا كلامه، قالوا لن نؤمن لك حتى نرى اللّٰه جهرة، فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظلمهم وعتوهم واستكبارهم.

وإلى هذه الواقعة تشير الآيات الثلاث التالية:

1. «وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى نَرَى اَللّٰهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصّٰاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ».(1)2. «يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتٰابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتٰاباً مِنَ اَلسَّمٰاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَقٰالُوا أَرِنَا اَللّٰهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ اَلصّٰاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ».(2)3. «وَ اِخْتٰارَ مُوسىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقٰاتِنٰا فَلَمّٰا أَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ قٰالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيّٰايَ أَ تُهْلِكُنٰا بِمٰا فَعَلَ اَلسُّفَهٰاءُ مِنّٰا إِنْ هِيَ إِلاّٰ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهٰا مَنْ تَشٰاءُ وَ تَهْدِي مَنْ تَشٰاءُ أَنْتَ وَلِيُّنٰا فَاغْفِرْ لَنٰا وَ اِرْحَمْنٰا وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْغٰافِرِينَ».(3)إلى هذه اللحظة الحسّاسة لم يَحُمْ الكليم حول الرؤية، ولم ينبس فيها

1) . البقرة: 55.

2) . النساء: 153.

3) . الأعراف: 155.

ببنت شفة، ولم يطلب شيئاً، بل طلب منه سبحانه أن يحييهم، حتى يدفع اعتراض قومه عن نفسه إذا رجع إليهم، فلربما قالوا إنّك لما لم تكن صادقاً في قولك: إنّ اللّٰه يناجيك، ذهبت بهم فقتلتهم، فعند ذلك أحياهم اللّٰه وبعثهم معه. وهذا هو مقاله.

يقول سبحانه عنه: «قٰالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَ إِيّٰايَ أَ تُهْلِكُنٰا بِمٰا فَعَلَ اَلسُّفَهٰاءُ مِنّٰا إِنْ هِيَ إِلاّٰ فِتْنَتُكَ».

فلو كان هناك سؤال من موسى فإنّما كان بعد هذه المرحلة، وبعد إصابة الصاعقة للسائلين وعودهم إلى الحياة بدعاء موسى.

وعند ذلك يطرح السؤال الآتي:

هل يصحّ أن ينسب إلى الكليم - بعد ما رأى بأُمّ عينه ما أصاب القوم من الصاعقة والدمار، إثر سؤالهم الرؤية - أنّه قام بالسؤال لنفسه بلا داع وسبب مبرر أو بلا ضرورة؟ أو أنّه ما قام بالسؤال ثانياً إلّابعد إصرار قومه وإلحاحهم عليه أن يسأل الرؤية لا لهم بل لنفسه، حتى تحصل رؤيته للّٰه مكان رؤيتهم، فيؤمنوا به بعد إخباره بالرؤية؟

لا شكّ أنّ الأوّل بعيد جداً لا تصحّ نسبته إلى من يملك شيئاً من العقل والفكر، فضلاً عن نبي عظيم مثل الكليم. كيف وقد رأى جزاء من سأل الرؤية، فالثاني هو المتعين، وفي نفس الآية قرائن تدلّ على أنّ السؤال في المرة الثانية كان بإصرار القوم وإلحاحهم، وكفى في القرينة قوله: «أَ تُهْلِكُنٰا بِمٰا فَعَلَ اَلسُّفَهٰاءُ» حيث يعد السؤال من فعل السفهاء، ومعه كيف يصحّ له الإقدام بلا ملزم و مبرر أو بلا ضرورة وإلجاء، وبما أنّ اللّٰه سبحانه يعلم بأنّه

لم يقدم إلى السؤال إلّابإصرار قومه حتى يفحم هؤلاء ويسكتهم، لم يوجّه إلى الكليم أي مؤاخذة، بل خاطبه بقوله:

«لَنْ تَرٰانِي وَ لٰكِنِ اُنْظُرْ إِلَى اَلْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكٰانَهُ فَسَوْفَ تَرٰانِي».

وهناك كلام للإمام الطاهر علي بن موسى الرضا عليه السلام يعرب عن صحّة ما ذكرناه، وأنّ سؤال الكليم لم يكن من جانب نفسه، بل من جانب قومه. قال الإمام عليه السلام: «إنّ كليم اللّٰه موسى بن عمران عليه السلام علم أنّ اللّٰه، تعالى عن أن يرى بالأبصار، ولكنّه لما كلّمه اللّٰه عزّوجلّ وقرّبه نجياً، رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ اللّٰه عزّوجلّ كلّمه وقرّبه وناجاه، فقالوا: لن نؤمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت.

وكان القوم سبعمائة ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفاً، ثمّ اختار منهم سبعة آلاف، ثمّ اختار منهم سبعمائة، ثمّ اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سيناء، فأقامهم في سفح الجبل، وصعد موسى عليه السلام إلى الطور وسأل اللّٰه تبارك وتعالى أن يكلّمه، ويسمعهم كلامه، فكلّمه اللّٰه، تعالى ذكره، وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام.

لأنّ اللّٰه عزّ وجلّ أحدثه في الشجرة، ثمّ جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه فقالوا: لن نؤمن لك بأنّ هذا الذي سمعناه كلام اللّٰه حتى نرى اللّٰه جهرة، فلمّا قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتَوا، بعث اللّٰه عزّوجلّ عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا.

فقال موسى: يا ربّ ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنّك ذهبت به فقتلتهم، لأنّك لم تكن صادقاً فيما ادّعيت من مناجاة اللّٰه إيّاك،

فأحياهم اللّٰه وبعثهم معه. فقالوا: إنّك لو سألت اللّٰه أن يريك أن تنظر إليه لأجابك، وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حقّ معرفته، فقال موسى عليه السلام: يا قوم إنّ اللّٰه لا يُرى بالأبصار ولا كيفية له، وإنّما يُعرف بآياته ويُعلم بأعلامه.

فقالوا لن نؤمن لك حتى تسأله، فقال موسى عليه السلام: يا ربّ قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى اللّٰه جلّ جلاله إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن أُؤاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى عليه السلام: ربّ أرني أنظر إليك. قال: لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه (وهو يهوي) فسوف تراني، فلما تجلّى ربّه للجبل (بآية من آياته) جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً، فلمّا أفاق قال: سبحانك تبت إليك (يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي) وأنا أوّل المؤمنين (منهم بأنّك لا تُرى)، فقال المأمون: للّٰه درك يا أبا الحسن.(1)ثمّ إنّ للعّلامة الزمخشري كلاماً حول تفسير الآية هو فصل الخطاب، يقرب كلامه ممّا نقلناه عن الإمام الطاهر أبي الحسن الرضا عليه السلام، فإلى القارئ نصه:

فإن قلت: كيف طلب موسى عليه السلام ذلك وهو من أعلم الناس باللّٰه وصفاته و مايجوز عليه ومالا يجوز، وبتعاليه عن الرؤية التي هي إدراك ببعض الحواس، وذلك إنّما يصحّ فيما كان في جهة، وما ليس بجسم ولا عرض فمحال أن يكون في جهة.


1) . توحيد الصدوق: 121-122.

قلت: ما كان طلب الرؤية إلّاليبكِّت هؤلاء الذين دعاهم سفهاء وضُلّالاً، وتبرأ من فعلهم، وليلقمهم الحجر؛ وذلك أنّهم حين طلبوا الرؤية أنكر عليهم، وأعلمهم الخطأ ونبّههم على الحقّ، فلجّوا وتمادوا في لجاجهم، وقالوا: لابدّ، ولن نؤمن حتى نرى اللّٰه جهرة. فأراد أن يسمعوا النصّ من عند اللّٰه باستحالة ذلك، وهو قوله: «لن تراني» ليتيقّنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة، فلذلك قال: «رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ».

فإن قلت: فهلّا قال: أرهم ينظروا إليك؟ قلت: لأنّ اللّٰه سبحانه إنّما كلّم موسى عليه السلام وهم يسمعون، فلمّا سمعوا كلام ربّ العزّة أرادوا أن يري موسى ذاته فيبصروه معه، كما أسمعه كلامه فسمعوه معه، إرادة مبنية على قياس فاسد، فلذلك قال موسى: «أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» ولأنّه إذا زجر عمّا طلب وأنكر عليه في نبوته واختصاصه وزلفته عند اللّٰه، وقيل له: لن يكون ذلك، كان غيره أولى بالإنكار، ولأنّ الرسول إمام أُمّته فكان ما يخاطب به أو ما يخاطب، راجعاً إليهم، وقوله: «أَنْظُرْ إِلَيْكَ» وما فيه من معنى المقابلة التي هي محض التشبيه والتجسيم، دليل على أنّه ترجمة عن مقترحهم، وحكاية لقولهم، وجلّ صاحب الجمل أن يجعل اللّٰه منظوراً إليه، مقابلاً بحاسة النظر، فكيف بمن هو أعرف في معرفة اللّٰه تعالى من واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد والنظام وأبي الهذيل والشيخين وجميع المتكلّمين.

فإن قلت: ما معنى «لن»؟

قلت: تأكيد النفي الذي تعطيه «لا» و ذلك أنّ «لا» تنفي المستقبل، تقول: لا أفعل غداً، فإذا أكدت نفيها قلت: لن أفعل غداً.

والمعنى أنّ فعله

ينافي حالي، كقوله: «لَنْ يَخْلُقُوا ذُبٰاباً وَ لَوِ اِجْتَمَعُوا لَهُ»، فقوله: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ» نفي للرؤية فيما يستقبل و «لَنْ تَرٰانِي» تأكيد و بيان، لأنّ النفي مناف لصفاته.(1)ذلك كلام الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا عليه السلام، أحد قرناء الكتاب وأعداله حسب تنصيص النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم.(2)وهذا تحليل علاّمة المعتزلة، ولو تأمل الإنسان المحايد فيما ذكر، لعرف دلالة الآية على امتناع الرؤية.

وبذلك يعلم أنّ الميقات الوارد في قوله تعالى: «وَ لَمّٰا جٰاءَ مُوسىٰ لِمِيقٰاتِنٰا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قٰالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» نفس الميقات الوارد في الآية الأُخرى، أعني قوله: «وَ اِخْتٰارَ مُوسىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقٰاتِنٰا فَلَمّٰا أَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ» ولم يكن لموسى مع قومه أي ميقات غير هذا. غير أنّ الرجوع في سورة الأعراف إلى مسألة الميقات ثانياً بعد ذكره في بدء القصة، لأجل العناية بهذه القطعة من القصة، والقرآن ليس كتاب قصة، وإنّما هو كتاب هداية يكرر من القصة ما يهمّه.

وبعبارة أُخرى: إنّ موضوع طلب الرؤية ذكر في ثنايا القصة مرّة (الأعراف: 143) لأجل حفظ تسلسل فصول القصة، وذكر في نهايتها ثانياً (الأعراف: 155) لأجل إبراز العناية، وأنّه كان مسألة مهمة في حياة بني إسرائيل.


1) . الكشاف: 573/1-574، ط مصر. كذا في المطبوع، والصحيح: أنّ الرؤية منافية، كما في جوامع الجامع.

2) . في حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين، قال صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّٰه وعترتي».

لقاء أو لقاءان؟

قد استظهرنا أنّه لم يكن لموسى حول مسألة الرؤية إلّاميقات واحد، ولم يكن هنا إلّاطلب واحد لأجل إصرار قومه.

وربما يحتمل تعدّد اللقاءات، وأنّ الأوّل منها كان عند اصطفائه سبحانه لكلامه، وتشريفه بإعطاء التوراة، وإرساله إلى قومه؛ وكان الثاني بعد رجوعه من الميقات ومشاهدة اتخاذ قومه العجل إلهاً، فعند ذاك اختار من قومه سبعين رجلاً وذهب بهم إلى الميقات، فأصروا على أنّهم لا يؤمنون به إلّابعد رؤية اللّٰه جهرة. فالآية الأُولى «وَ لَمّٰا جٰاءَ مُوسىٰ لِمِيقٰاتِنٰا» ناظرة إلى اللقاء الأوّل، والآية الثانية «وَ اِخْتٰارَ مُوسىٰ قَوْمَهُ» إلى اللقاء الثاني. وكان في كلّ، طلب وسؤال خاص.

هذا هو المفترض، ولكنّه بعيد جداً، وعلى فرض ثبوته لا يدلّ على المطلوب المدّعى ثانياً.

أمّا الأوّل: فلأنّه لو كان للكليم لقاءان، وقد سأل في الأوّل منهما الرؤية لنفسه وحده وأُجيب بالنفي، ولمّا شاهد اندكاك الجبل عند تجلي الرب صعق ووقع على الأرض، كان عليه تذكير قومه بما وقع وتخويفهم من الطلب، مع أنّه لم يذكر منه شيء في الآية الثانية. ولو نبّههم بذلك - و مع ذلك ألّحوا على الرؤية - لأشار إليه الذكر الحكيم إيعازاً إلى لجاجهم وعنادهم.

وكلّ ذلك يعرب عن وحدة اللقاء، وأنّ مجيئه لميقات ربّه لإخذ

الألواح كان مع من اختارهم من قومه، ولم يكن إلّاطلب واحد في حضرة القوم.

تفسير الآية بوجه آخر

وعلى فرض التعدّد فالرؤية التي طلبها موسى لنفسه وقال: «أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ» غير الرؤية التي طلبها قومه، فالمراد من الثانية هو الرؤية البصرية المستحيلة، وقد أعقب السؤال نزول الصاعقة وإهلاك القوم، ولكن المراد من الأُولى هو حصول العلم الضروري، وإنّما سمي بالرؤية للمبالغة في الظهور. وله نظائر في القرآن كقوله سبحانه: «وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ اَلْمُوقِنِينَ»(1)وقوله عزّ من قائل: «كَلاّٰ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اَلْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ اَلْجَحِيمَ».(2)فالكليم أجلّ من أن يجهل امتناع الرؤية الحسية بالأبصار، خصوصاً في الدنيا التي يسلّم الخصم امتناعه فيها. فهذا قرينة على أنّ مقصوده منها هو العلم الضروري من دون استعمال آلة حسية أو فكرية. فاللّٰه سبحانه لما اصطفاه برسالته وتكليمه وهو العلم باللّٰه من جهة السمع، رجا أن يزيده بالعلم من جهة الرؤية، وهو كمال العلم الضروري، فأُجيب بالنفي، وأنّ الإنسان ما دام شاغلاً بتدبير بدنه، لا ينال ذاك العلم.

هذا، والأصح هو الجواب الأوّل، وأنّه لم يكن هنا إلّاطلب واحد بإصرار من قومه.


1) . الأنعام: 75.

2) . التكاثر: 5-6.

إكمال

بقي الكلام في ارتباط قوله سبحانه: «وَ لٰكِنِ اُنْظُرْ إِلَى اَلْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكٰانَهُ فَسَوْفَ تَرٰانِي» بما قبله «لَنْ تَرٰانِي» وقد قيل في وجه ارتباطه وجهان، والثاني هو المتعيّن، وإليك بيانه:

الأوّل: ما ذكره صاحب الكشاف، وحاصله، أنّ اندكاك الجبل كان ردّ فعل لطلب الرؤية حتى يقف موسى على استعظام ما أقدم عليه من السؤال، وإن كان بإلحاح قومه وإصرارهم، وكأنّه عزّ وجلّ حقّق عند طلب الرؤية ما ذكره في مورد آخر، أعني: نسبة الولد إليه، أعني قوله: «وَ تَخِرُّ اَلْجِبٰالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمٰنِ وَلَداً».(1)

يلاحظ عليه: أنّ سياق الآية، سياق الهداية والبرهنة على أنّه لا يُرى، وعلى ما ذكره يكون الكلام وارداً موضع العتاب الخفيف على موسى، لأجل طلب الرؤية من جانب قومه، ليقف على استعظام عمله وعظم أثره، وهو اندكاك الجبل وانخراره وصيرورته تراباً، وهذا لا ينطبق على ظاهر الآية وإن استحسنه الزمخشري وقال:

«وهذا كلام وارد في أُسلوب عجيب ونمط بديع، فقد تخلص من النظر إليه إلى النظر إلى الجبل بكلمة الاستدراك».

الثاني: أنّ الاستدراك بمنزلة التعليل لقوله: «لَنْ تَرٰانِي» والمقصود


1) . الكشاف: 575/1.

بيان ضعف الإنسان وعدم طاقته لرؤيته سبحانه، وقد بين ذلك بتجلّيه على الجبل فصار دكاً، وهوأقوى من الإنسان وأرسخ منه، فإذا كان هذا حال الجبل فكيف حال الإنسان الذي يشاركه في كونه موجوداً مادياً خاضعاً للسنن الكونية، وقد «خُلِقَ اَلْإِنْسٰانُ ضَعِيفاً»؟!

وبذلك يحفظ سياق الآية وارتباط أجزائها بعضها ببعض.

وأمّا ما هو المقصود من تجلّيه سبحانه، فالتجلّي هو الانكشاف والظهور بعد الخفاء، قال سبحانه: «وَ اَللَّيْلِ إِذٰا يَغْشىٰ * وَ اَلنَّهٰارِ إِذٰا تَجَلّٰى»(1)فالليل يغشى النهار ويستره، ثمّ يتجلّى النهار ويظهر بالتدريج. والمقصود من تجلّيه سبحانه هو تجلّيه بآثاره وأفعاله. وبما أنّ نتيجة التجلّي كانت اندكاك الجبل وصيرورته تراباً، كان التجلّي بنزول الصاعقة على الجبل التي تقلع الأشجار، وتهدم البيوت وتذيب الحديد، وتحدث الحرائق، وتقتل من تصيبه من الناس، وليست هي إلّاشرارة كهربائية تنتج من اتحاد كهربائية سحابة في الجو مع الكهربائية الأرضية، فتكون نتيجة الاتحاد هي الصاعقة وبروز الشرارة، وما يرى من نورها هو البرق، وما يسمع هو الرعد، وهو صوت الشرارة الكهربائية التي تخرق طبقات الهواء.

فإذا كان الإنسان عاجزاً وفاقداً للطاقة في مقابل تجلّيه بفعله وأثره، فأولى أن يكون عاجزاً في مقابل تجلّيه بذاته ونفسه.

وبذلك تتبيّن دلالة الآية على عدم إمكان رؤيته، فضلاً عن دلالته على إمكانها.


1) . الليل: 1-2.

قد عرفت أنّ الأشاعرة استدلّت بهذه الآية بوجهين، وقد ظهر مدى صحّة الوجه الأوّل، وإليك بيان الوجه الثاني:

الوجه الثاني

قالوا: إنّه تعالى علّق الرؤية على استقرار الجبل، وهو أمر ممكن في نفسه، والمعلّق على الممكن ممكن، لأنّ معنى التعليق أنّ المعلّق يقع على تقدير وقوع المعلّق عليه. والمحال في نفسه لا يقع على شيء من التقادير.

يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على أن يكون المراد من قوله سبحانه «فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكٰانَهُ» هو إمكان الاستقرار. ولا شكّ أنّه أمر ممكن، ولكن الظاهر أنّ المراد هو استقراره بعد تجلّيه، وهو بعد لم يستقر عليه، بدليل قوله سبحانه: «جَعَلَهُ دَكًّا» وهذا نظير قولك: «أنا أعطيك هذا الكتاب إن صليت» والمراد قيام المخاطب بها بالفعل لا إمكان قيامه.

وبذلك يظهر أنّ ما حكاه صاحب الانتصاف عن أحمد بن حنبل لا يفيد القائلين بالرؤية، فقد نقل عنه أنّ من حيل القدرية في إحالة الرؤية ما يقولون إنّه سبحانه علّق الرؤية على شرط محال وهو استقرار الجبل حال دكّه. والمعلّق على المحال محال. وهذه حيلة باطلة، فإنّ المعلّق عليه استقرار الجبل من حيث هو استقرار، وذلك ممكن جائز، وحينئذٍ نقول: استقرار الجبل ممكن وقد علّق عليه وقوع الرؤية، والمعلّق على الممكن ممكن.(1)


1) . الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال للإمام ناصر الدين أحمد بن محمد الاسكندري المالكي بهامش الكشاف: 575/1.

وغير خفي على النبيه أنّ المعلّق عليه ليس ما حكي عن المعتزلة، وهو استقرار الجبل حال دكّه، ولا ما ذهب إليه أحمد من إمكان الاستقرار، بل المعلّق عليه وجود الاستقرار وبقاؤه بعد تجلّي الرب سبحانه، ولم يكن هذا واقعاً.

وباختصار، إنّ إمكان الرؤية، علّق على وجود الاستقرار وتحقّقه بعد التجلّي، وهو حسب الفرض لم يقع. وينتج أنّ الرؤية ليست أمراً ممكناً.

الآية الثالثة

قوله سبحانه: «إِذٰا تُتْلىٰ عَلَيْهِ آيٰاتُنٰا قٰالَ أَسٰاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ * كَلاّٰ بَلْ رٰانَ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ مٰا كٰانُوا يَكْسِبُونَ * كَلاّٰ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصٰالُوا اَلْجَحِيمِ».(1)قال الرازي: «احتج أصحابنا بقوله سبحانه: «كَلاّٰ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ» على أنّ المؤمنين يرونه سبحانه وتعالى. قال: ولولا ذلك لم يكن للتخصيص فائدة، ثمّ قال: وفيه تقرير آخر، وهو أنّه تعالى ذكر هذا الحجاب في معرض التهديد والوعيد للكفّار، وما يكون وعيداً وتهديداً للكفّار لا يجوز حصوله في حقّ المؤمن».(2)والاستدلال مبني على أنّ المراد هو كون الكفّار محجوبين عن رؤيته


1) . المطففين: 13-16.

2) . مفاتيح الغيب: 354/8، ط مصر.

سبحانه مع أنّ المناسب لظاهر الآية كونهم محجوبين عن رحمة ربّهم بسبب الذنوب التي اقترفوها، وبأي دليل حملها الرازي على الحرمان من الرؤية؟

على أنّ المعرفة التامة به تعالى، التي هي فوق الرؤية الحسية بالأبصار الظاهرة، تكون حاصلة لكلّ الناس يوم القيامة، إذ عندئذٍ ترتفع الحجب المتوسطة بينه تعالى و بين خلقه، قال سبحانه: «وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ».(1)وقال سبحانه: «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هٰذٰا فَكَشَفْنٰا عَنْكَ غِطٰاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ».(2)

الآية الرابعة

قوله سبحانه: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا اَلْحُسْنىٰ وَ زِيٰادَةٌ وَ لاٰ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لاٰ ذِلَّةٌ أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلْجَنَّةِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ».(3)قالوا: إنّ المراد من «الحسنى» هو الجنة و من «زيادة» هو رؤية اللّٰه. قال الرازي: إنّ الحسنى لفظ مفرد دخل عليه حرف التعريف، فانصرف إلى المعهود السابق وهو دار السلام المذكور في الآية المتقدمة: «وَ اَللّٰهُ يَدْعُوا إِلىٰ دٰارِ اَلسَّلاٰمِ» وَإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من «زيادة» أمراً مغايراً لكلّ


1) . النور: 25.

2) . ق: 22.

3) . يونس: 26.

ما في الجنة من المنافع والتعظيم، وإلّا لزم التكرار، وكلّ من قال بذلك قال: إنّما هي رؤية اللّٰه.(1)يلاحظ عليه: أنّه لا دليل على حمل اللام على العهد، بل المراد الجنس، والمراد أنّ الذين أحسنوا لهم المثوبة الحسنى مع زيادة على ما يستحقونه. قال سبحانه: «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» ويؤيده ذيل الآية التي تليها «وَ اَلَّذِينَ كَسَبُوا اَلسَّيِّئٰاتِ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهٰا وَ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مٰا لَهُمْ مِنَ اَللّٰهِ مِنْ عٰاصِمٍ كَأَنَّمٰا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اَللَّيْلِ مُظْلِماً أُولٰئِكَ أَصْحٰابُ اَلنّٰارِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ».(2)وأنت إذا قارنت بين الآيتين تقضي بأنّ المراد: إنّ للذين أحسنوا في الدنيا، المثوبة الحسنى مع زيادة عمّا يستحقونه، والّذين كسبوا السّيئات لا يجزون إلّابمثلها، وليس في الآية إشعار برؤية اللّٰه، فضلاً عن الدلالة.

وبذلك يتبين مفاد آية أُخرى، أعني قوله سبحانه: «اُدْخُلُوهٰا بِسَلاٰمٍ ذٰلِكَ يَوْمُ اَلْخُلُودِ * لَهُمْ مٰا يَشٰاؤُنَ فِيهٰا وَ لَدَيْنٰا مَزِيدٌ»(3)، فالآيتان تشيران إلى ما يفيده قوله: «فَأَمَّا اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَ أَمَّا اَلَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَ اِسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذٰاباً أَلِيماً».(4)


1) . مفاتيح الغيب: 354/8.

2) . يونس: 27.

3) . ق: 34-35.

4) . النساء: 173.

ولقد جرى الحقّ على قلم الرازي إذ قال: ويحتمل أن يكون المعنى: عندنا ما نزيده على ما يرجون وعلى ما يشتهون.

الآية الخامسة

قوله سبحانه: «وَ اِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ اَلصَّلاٰةِ وَ إِنَّهٰا لَكَبِيرَةٌ إِلاّٰ عَلَى اَلْخٰاشِعِينَ * اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاٰقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ».(1)قالوا: «إنّ الملاقاة تستلزم الرؤية بحكم العقل».(2)!

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ لقاء الربّ لو كان مستلزماً لرؤيته، فهو عام للمؤمن والكافر، قال سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلْإِنْسٰانُ إِنَّكَ كٰادِحٌ إِلىٰ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاٰقِيهِ * فَأَمّٰا مَنْ أُوتِيَ كِتٰابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحٰاسَبُ حِسٰاباً يَسِيراً».(3)مع أنّ الأشاعرة يخصّون الرؤية بالمؤمن.

وثانياً: أنّ المراد بلقاء اللّٰه وقوف العبد موقفاً لا حجاب بينه و بين ربّه، كما هو الشأن يوم القيامة الذي هو ظرف ظهور الحقائق. قال اللّٰه تعالى: «وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللّٰهَ هُوَ اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ».(4)وقال سبحانه: «لِمَنِ اَلْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلّٰهِ اَلْوٰاحِدِ اَلْقَهّٰارِ».(5)


1) . البقرة: 45-46.

2) . مفاتيح الغيب: 346/2، ط مصر.

3) . الإنشقاق: 6-8.

4) . النور: 25.

5) . غافر: 16.

وقال سبحانه: «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هٰذٰا فَكَشَفْنٰا عَنْكَ غِطٰاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ».(1)والمراد من كشف الحجب هو وصول الإنسان في الإذعان والإيمان إلى حدٍ لا يبقى معه أيّ شك وتردد.

إنّ الإنسان في المشهد الأخروي يبلغ مبلغاً من الكمال، يدرك حضوره عند خالقه وبارئه، وذلك نفس حقيقة وجود الممكن وواقعيته، إذ لا حقيقة للوجود الإمكاني إلّاقوامه بعلّته، و تعلّقه بموجده، تعلّق المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، والإنسان في ذلك المشهد يجد نفسه حاضرة عند بارئها حضوراً حقيقياً كما يجد ذاته حاضرة لدى ذاته، والعلم الحضوري لا يختصّ بالعلم بالذات، بل يعم العلم بالموجد الذي هو قائم به.

وباختصار: فرقٌ بين أن يتصوّر الإنسان تعلّقه ببارئه، وبين أن يجد تلك الواقعة التعلقية بوجودها الخارجي. فذلك الحضور والشهود، شهود بين القلب، وحضور بتمام الوجود، لا يصل الأوحدي في الدنيا، كما يصل إليه الإنسان في المشهد الأُخروي.

وإلى ذلك يشير ما روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام حين جاءه حبر وقال له: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربّك حين عبدته؟ فقال: «ويلك، ما كنت أعبد ربّاً لم أره». قال: وكيف رأيته؟ قال: «ويلك، لا تدركه العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان».(2)ونظيره ما روي عن أبي جعفر عليه السلام حيث سئل عن أيّ شيء يعبد؟ قال:


1) . ق: 22.

2) . الكافي: 1، كتاب التوحيد، باب في إبطال الرؤية، الحديث 6.

«اللّٰه تعالى». فقيل له: رأيته؟ قال: «لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان، لا يعرف بالقياس، ولا يدرك بالحواس، ولا يشبه بالناس، موصوف بالآيات، معروف بالعلامات، لا يجور في حكمه، ذلك اللّٰه لا إله إلّا هو». فخرج السائل وهو يقول: اللّٰه أعلم حيث يجعل رسالته.(1)ويحتمل أن يكون المراد من لقاء اللّٰه هو يوم البعث، ويؤيده قوله سبحانه: «قَدْ خَسِرَ اَلَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقٰاءِ اَللّٰهِ»(2)، فكنّى بلقاء اللّٰه عن يوم البعث، لأنّ الكافرين ما كانوا يكذبون إلّابيوم البعث، قال سبحانه: «فَذُوقُوا بِمٰا نَسِيتُمْ لِقٰاءَ يَوْمِكُمْ هٰذٰا».(3)وقال تعالى: «يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيٰاتِ رَبِّكُمْ وَ يُنْذِرُونَكُمْ لِقٰاءَ يَوْمِكُمْ هٰذٰا».(4)وقال عزّاسمه: «وَ قِيلَ اَلْيَوْمَ نَنْسٰاكُمْ كَمٰا نَسِيتُمْ لِقٰاءَ يَوْمِكُمْ هٰذٰا».(5)وإنّما كنّي عن لقاء يوم البعث بلقاء اللّٰه، لأنّه سبحانه يتجلّى للإنسان بقدرته وسلطانه، ووعده ووعيده، ولطفه وكرمه، وعزّه وجلاله، وجنوده وملائكته، إلى غير ذلك من شؤونه. فيصح أن يقال: إنّ هذا اليوم يوم لقاء الرب، فإنّ لقاء الآثار والآيات الدالة على عظمة صاحبها، نوع لقاء له.

ويرشدك إلى ما ذكرنا قوله سبحانه: «إِنَّ اَلَّذِينَ لاٰ يَرْجُونَ لِقٰاءَنٰا وَ رَضُوا بِالْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ اِطْمَأَنُّوا بِهٰا...»(6)، فجعل عدم رجاء لقاء الرب في


1) . المصدر السابق، الحديث 5.

2) . الأنعام: 31.

3) . السجدة: 14.

4) . الزمر: 71.

5) . الجاثية: 24.

6) . يونس: 7.

مقابل الرضى بالحياة الدنيا، يدل على أنّ المراد من لقاء الرب هو الحياة الأُخروية، الملازمة لشهود آياته وآثاره العظيمة.

وما أوردناه من الآيات هي من أهمّ ما استدلّ به الأشاعرة، وبقيت هناك آيات ربما تمسّكوا بها ولكنّها لا تمت إلى مقصودهم بصلة. ولأجل ذلك تركنا التعرض لها.

الاستدلال على الرؤية بالسنَّة

استدلّ القائلون بالرؤية بالأدلّة السمعية، منها الكتاب، وقد عرفت المهم منها، ومنها السنّة، ونكتفي بالمهم منها أيضاً:

روى البخاري في باب «الصراط جسر جهنم» بسنده عن أبي هريرة قال: قال أُناس: يا رسول اللّٰه هل نرى ربّنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارّون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللّٰه، قال: هل تضارّون في القمر ليلة البدر ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول اللّٰه، قال: فإنّكم ترونه يوم القيامة، كذلك يجمع اللّٰه الناس فيقول: من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت، وتبقى هذه الأُمّة فيها منافقوها، فيأتيهم اللّٰه في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ باللّٰه منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربّنا، فإذا أتانا ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّٰه في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: أنت ربّنا فيتبعونه ويضرب جسر جهنم... إلى أن يقول: و يبقى رجل مقبل بوجهه على النار فيقول: يا ربّ قد قشبني ريحها، وأحرقني

ذكاؤها، فاصرف وجهي عن النار، فلا يزال يدعو اللّٰه فيقول: لعلّك إن أعطيتك أن تسألني غيره.

فيقول: لا وعزّتك لا أسألك غيره، فيصرف وجهه عن النار، ثمّ يقول بعد ذلك: يا رب قرّبني إلى باب الجنة، فيقول:

أليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟ ويلك ابن آدم ما أغدرك، فلا يزال يدعو فيقول: لعلّك إن أعطيتك ذلك تسألني غيره، فيقول:

لا وعزّتك لا أسألك غيره، فيعطي اللّٰه من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنّة فإذا رأى ما فيها، سكت ما شاء اللّٰه أن يسكت، ثمّ يقول: ربّي أدخلني الجنة، ثمّ يقول: أو ليس قد زعمت أن لا تسألني غيره، ويلك يابن آدم ما أغدرك، فيقول: يا ربّ لا تجعلني أشقى خلقك، فلا يزال يدعو حتى يضحك (اللّٰه)، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول فيها... الحديث.(1)ورواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة مع اختلاف يسير.(2)ورواه أيضاً عن أبي سعيد الخدري باختلاف غير يسير في المتن وفيه: حتى إذا لم يبق إلّامن كان يعبد اللّٰه تعالى من بر وفاجر أتاهم رب العالمين سبحانه وتعالى في أدنى صورة من التي رأوه فيها، قال: فما تنتظرون تتبع كلّ أُمّة ما كانت تعبد، قالوا:

يا ربّنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم ولم نصاحبهم، فيقول: أنا ربّكم، فيقولون: نعوذ باللّٰه منك، لا نشرك باللّٰه شيئاً، مرتين أو ثلاثاً حتى أنّ بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينَه آية


1) . البخاري: 117/8، باب الصراط جسر جهنم.

2) . صحيح مسلم: 113/1، باب معرفة طريق الرؤية.

فتعرفونه بها، فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد للّٰه من تلقاء نفسه، إلّاأذن اللّٰه له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد اتّقاءً ورياءً إلّاجعل اللّٰه ظهره طبقة واحدة، كلّما أراد أن يسجد خرّ على قفاه... الحديث.(1)وقد نقل الحديث في مواضع من الصحيحين بتلخيص. ورواه أحمد في مسنده.(2)

تحليل الحديث

إنّ هذا الحديث مهما كثرت رواته، وتعددت نَقَلَتُه لا يصحّ الركون إليه في منطق الشرع والعقل بوجوه:

1.

إنّه خبر واحد لا يفيد شيئاً في باب الأُصول والعقائد، وإن كان مفيداً في باب الفروع والأحكام، إذ المطلوب في الفروع هو الفعل والعمل، وهو أمر ميسور سواء أذعن العامل بكونه مطابقاً للواقع أم لا، بل يكفي قيام الحجّة على لزوم الإتيان به، ولكن المطلوب في العقائد هو الإذعان وعقد القلب ونفي الريب والشكّ عن وجه الشيء، وهو لا يحصل من خبر الواحد ولا من خبر الاثنين، إلّاإذا بلغ إلى حدٍّ يورث العلم والإذعان، و هو غير حاصل بنقل شخص أو شخصين.

2.

إنّ الحديث مخالف للقرآن الكريم، حيث يثبت للّٰه صفات الجسم


1) . صحيح مسلم: 115/1، باب معرفة طريق الرؤية.

2) . مسند أحمد بن حنبل: 368/2.

ولوازم الجسمانية كما سيوافيك بيانه عن السيد الجليل شرف الدين رحمه الله.

3.

ماذا يريد الراوي في قوله: «فيأتي اللّٰه في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم»؟ فكأنّ للّٰه سبحانه صوراً متعدّدة يعرفون بعضها، وينكرون البعض الآخر، وما ندري متى عرفوا التي عرفوها، فهل كان ذلك منهم في الدنيا، أو كان في البرزخ أم في الآخرة؟

4.

ماذا يريد الراوي من قوله: «فيقولون: نعم، فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد للّٰه من تلقاء نفسه...»؟ فإنّ معناه أنّ المؤمنين والمنافقين يعرفونه سبحانه بساقه، فكانت هي الآية الدالة عليه.

5.

كفى في ضعف الحديث ما علّق عليه العلاّمة السيد شرف الدين رحمه الله حيث قال: إنّ الحديث ظاهر في أنّ للّٰه تعالى جسماً ذا صورة مركبة تعرض عليها الحوادث من التحول والتغير، وأنّه سبحانه ذو حركة وانتقال، يأتي هذه الأُمّة يوم حشرها، وفيها مؤمنوها ومنافقوها، فيرونه بأجمعهم ماثلاً لهم في صورة غير الصورة التي كانوا يعرفونها من ذي قبل. فيقول لهم: أنا ربّكم، فينكرونه متعوذين باللّٰه منه، ثمّ يأتيهم مرّة ثانية في الصورة التي يعرفون. فيقول لهم: أنا ربّكم، فيقول المؤمنون والمنافقون جميعاً: نعم، أنت ربّنا وإنّما عرفوه بالساق، إذ كشف لهم عنها، فكانت هي آيته الدالة عليه، فيتسنّى حينئذٍ السجود للمؤمنين منهم، دون المنافقين، وحين يرفعون رؤوسهم يرون اللّٰه ماثلاً فوقهم بصورته التي يعرفون لا يمارون فيه، كما كانوا في الدنيا لا يمارون في الشمس والقمر، ماثلَيْن فوقهم بجرميهما النيرين ليس دونهما سحاب، وإذ به، بعد هذا يضحك ويعجب من غير معجب، كما هو

يأتي ويذهب، إلى آخر ما اشتمل عليه الحديثان ممّا لا يجوز على اللّٰه تعالى، ولا على رسوله، بإجماع أهل التنزيه من أشاعرة وغيرهم، فلا حول ولا قوّة إلّاباللّٰه العليّ العظيم.(1)إنّ أحمد بن حنبل احتج في مجلس المعتصم بحديث جرير، فقال المعتصم للقاضي أحمد بن أبي داود: «ما تقول في هذا؟» فقال القاضي: إنّه يحتجّ بحديث جرير، وإنّما رواه عنه قيس بن حازم، وهو أعرابي بوّال على عقبيه.(2)

استدلال المنكرين بالعقل

استدلّ المنكرون بوجوه عقلية:

الأوّل: إنّ الرؤية البصرية لا تقع إلّاأن يكون المرئي في جهة ومكان، ومسافة خاصة بينه و بين رآيه، أن يكون المرئي مقابلاً لعين الرائي، وكلّ ذلك ممتنع على اللّٰه سبحانه، والقول بحصول الرؤية بلا هذه الشرائط أشبه بتمنّي المحال.

الثاني: إنّ الرؤية إمّا أن تقع على اللّٰه كلّه فيكون مركباً محدوداً متناهياً محصوراً، وإمّا أن تقع على بعضه فيكون مبعّضاً مركباً، وكلّ ذلك ممّا لا يلتزم به أهل التنزيه.


1) . كلمة حول الرؤية: 65، وهي رسالة قيمة في تلك المسألة، وقد مشينا على ضوئها - رحم اللّٰه مؤلفها رحمة واسعة -.

2) . مناقب أحمد: 391/1.

الثالث: إنّ كلّ مرئي بجارحة العين يشار إليه بحدقتها، وأهل التنزيه كالأشاعرة وغيرهم ينزّهونه سبحانه عن الإشارة إليه بإصبع أو غيره.

الرابع: إنّ الرؤية بالعين الباصرة لا تتحقّق إلّابوقوع النور على المرئي وانعكاسه منه إلى العين، واللّٰه سبحانه منزّه عن كلّ ذلك.

وإلى هذا الدليل يشير الإمام الهادي أبو الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلام فيما رواه الكليني عن أحمد بن إدريس، عن أحمد بن إسحاق قال: كتبت إلى أبي الحسن الثالث عليه السلام أسأله عن الرؤية وما اختلف فيه الناس؟ فكتب: «لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فإذا انقطع الهواء عن الرائي والمرئي لم تصح الرؤية».(1)ومراده من الهواء هو الأثير الحامل للنور ونحوه.

الاستدلال بالكتاب

استُدِلَّ على امتناع رؤيته سبحانه بآيات:

الآية الأُولى: قوله سبحانه: «ذٰلِكُمُ اَللّٰهُ رَبُّكُمْ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ خٰالِقُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ فَاعْبُدُوهُ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَكِيلٌ * لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ».(2)الإدراك مفهوم عام لا يتعين في البصري أو السمعي أو العقلي، إلّا


1) . الكافي: 97/1، كتاب التوحيد، باب في إبطال الرؤية، الحديث 4.

2) . الأنعام: 102-103.

بإضافته إلى الحاسّة التي يراد الإدراك بها، فالإدراك بالبصر يراد منه الرؤية بالعين، والإدراك بالسمع يراد منه السماع، ولأجل ذلك لو قال قائل: أدركته ببصري وما رأيته، أو قال: رأيته وما أدركته ببصري يعدّ متناقضاً، والآية بصدد بيان علوّه، وأنّه تعالى تفرّد بهذا الوصف، وهو أنّه يرى ولا يُرى، كما تفرَّد سبحانه بأنّه يطعم ويجير، ولا يطعم ولا يجار عليه، قال سبحانه:

«قُلْ أَ غَيْرَ اَللّٰهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فٰاطِرِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ يُطْعِمُ وَ لاٰ يُطْعَمُ»(1)، وقال سبحانه: «قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَ هُوَ يُجِيرُ وَ لاٰ يُجٰارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ».(2)وإن شئت قلت: إنّ الأشياء في مقام التصوّر على أصناف:

1.

ما يرى و يُرى (بالضم) كالإنسان.

2.

مالا يرى ولا يُرى كالأعراض النسبية، أي: الكيف والكم.

3.

ما يُرى ولا يرى كالجمادات.

4.

ما يرى ولا يُرى، وهذا القسم تفرّد به سبحانه، وأنّه تعالى لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

وبعبارة أُخرى: إنّه سبحانه لمّا قال: «وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْ‌ءٍ وَكِيلٌ» ربما يتبادر إلى بعض الأذهان أنّه إذا صار وكيلاً على كلّ شيء، يكون جسماً قائماً بتدبير الأُمور الجسمانية، فدفعه بأنّه سبحانه مع كونه وكيلاً لكلّ شيء «لاٰ


1) . الأنعام: 14.

2) . المؤمنون: 88.

تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ» ولمّا يتبادر من ذلك الوصف، إلى بعض الأذهان أنّه إذا تعالى عن تعلّق الأبصار فقد خرج عن حيطة الحس، وبطل الاتصال الوجودي الذي هو مناط الإدراك والعلم بينه و بين مخلوقاته، دفعه بقوله: «وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ» ثمّ علّل بقوله: «وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ»، واللّطيف وهو الرقيق النافذ في الشيء و الخبير من له الخبرة الكاملة، فإذا كان تعالى محيطاً بكلّ شيء لرقّته ونفوذه في الأشياء، كان شاهداً على كلّ شيء، لا يفقده ظاهر كلّ شيء وباطنه، ومع ذلك فهو عالم بظواهر الأشياء وبواطنها، من غير أن يشغله شيء عن شيء، أو يحتجب عنه شيء بشيء.(1)ومن عجيب التأويل: قول الأشعري: إنّ قوله سبحانه: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ»: تأويله الصحيح: إمّا أنّ الأبصار لا تدركه تعالى في الدنيا ولكن تدركه في الآخرة.

وإمّا أنّ أبصار الكافرين لا تدركه.(2)ولا يخفى أنّه تأويل لا شاهد له، وهو يهاجم المعتزلة بنظير هذه التأويلات، وقد ارتكبه هو في الذب عن مذهبه.

وحسبك في توضيح الآية ما ذكره الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا عليه السلام في تفسير الآية، روى العياشي في تفسيره عن الأشعث بن حاتم قال: قال ذو الرئاستين: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: جعلت فداك، أخبرني عمّا اختلف فيه الناس من الرؤية، فقال بعضهم: لا يُرى. فقال: يا أبا العباس


1) . الميزان: 308/7 بتلخيص.

2) . الإبانة: 17.

من وصف اللّٰه بخلاف ما وصف به نفسه، فقد أعظم الفرية على اللّٰه، قال اللّٰه: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ».(1)وهناك حديث آخر عن الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا عليه السلام: قال أبو قرة للإمام الرضا عليه السلام: إنّا رُوينا أنّ اللّٰه عزّ وجلَّ قسم الرؤية والكلام بين اثنين، فقسم لموسى عليه السلام الكلام، ولمحمّد صلى الله عليه و آله و سلم الرؤية؟ فقال أبو الحسن عليه السلام: «فمن المبلّغ عن اللّٰه عزّوجلّ إلى الثقلين: الجن والإنس: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ»، و «وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً»، و «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ» أليس محمداً صلى الله عليه و آله و سلم؟» قال: بلى. قال: «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّٰه، وأنّه يدعوهم إلى اللّٰه بأمر اللّٰه ويقول: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ»، «وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً»، و «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ» ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علماً، وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يكون يأتي عن اللّٰه بشيء، ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر».(2)

كلام الرازي حول الآية

وإنّ تعجب فعجب قول الرازي: «إنّ أصحابنا (الأشاعرة) احتجّوا بهذه الآية على أنّه يجوز رؤيته، والمؤمنون يرونه في الآخرة» فإنّ الآية لو لم تدلّ


1) . تفسير العياشي: 373/1، الحديث 79.

2) . التوحيد للصدوق: 110-111، الحديث 9، وقد استدلّ الإمام عليه السلام بعدة آيات على امتناع رؤيته، وسيوافيك بيان دلالتها.

على مقالة المنكِر، لا تدلّ على مقالة المثبت، ولمّا كان موقف الرازي في المقام موقف المفسر الذي اتخذ لنفسه عقيدة وفكرة، حاول أن يثبت دلالة الآية على ما يرتئيه بوجوه عليلة، وإليك تلك الوجوه:

(الأوّل): أنّ الآية في مقام المدح، فلو لم يكن جائز الرؤية لما حصل التمدّح بقوله: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ»، ألا ترى أنّ المعدوم لا تصحّ رؤيته، والعلوم والقدرة والإرادة والروائح والطعوم، لا تصحّ رؤية شيء منها، ولا مُدح شيء منها في كونها لا تدركها الأبصار، فثبت أنّ قوله: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ» يفيد المدح، ولا يصحّ إلّاإذا صحّت الرؤية.

يلاحظ عليه: أوّلاً: لو كان المدح دليلاً على إمكان الرؤية فليكن المدح في الآية التالية دليلاً على إمكان ما ذكر فيها، قال سبحانه: «وَ قُلِ اَلْحَمْدُ لِلّٰهِ اَلَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي اَلْمُلْكِ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ اَلذُّلِّ وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً».(1)فلو دلّ سلب شيء عن شيء على إمكان ثبوته له، لدلّت الآية على جواز اتخاذه الولد والشريك، ممّا يعد مستحيلاً في نفسه عليه تعالى.

وثانياً: أنّ المدح ليس بالجزء الأوّل وهو «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ» بل بمجموع الجزءين المذكورين في الآية، واللّٰه - سبحانه جلّت عظمته - يدرك، ولكن لعلوّ شأنه، ومقامه لا يُدرك.

(الثاني): أنّ لفظ الأبصار، صيغة جمع دخل عليها الألف واللام فهي


1) . الإسراء: 111.

تفيد الاستغراق بمعنى أنّه لا تدركه جميع الأبصار، وهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب.

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر في المقام هو الثاني لا الأوّل، وأيّ عبارة أصرح من الآية في الدلالة على أنّه لا يدركه أحد من جميع ذوي الأبصار من مخلوقاته، وأنّه تعالى يدركهم، وهذا هو المفهوم من نظائره.

قال سبحانه: «إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْمُعْتَدِينَ»(1)، و قال سبحانه: «فَإِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يُحِبُّ اَلْكٰافِرِينَ»(2)، «وَ اَللّٰهُ لاٰ يُحِبُّ اَلظّٰالِمِينَ».(3)قال الإمام عليّ عليه السلام: «الحمد للّٰه الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادّون، ولا يؤدّي حقّه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفِطَن».(4)فهل يحتمل الرازي أنّ المراد من هذه الجمل سلب العموم، وأنّ بعض القائلين والعادّين والمجتهدين يبلغ مدحته، ويحصي نعماءه، ويؤدّي حقّه؟!

(الثالث): أنّ اللّٰه تعالى لا يُرى بالعين وإنّما يرى بحاسّة سادسة، يخلقها اللّٰه تعالى يوم القيامة لما دلّت عليه الآية «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ»، لتخصيص نفي إدراك اللّٰه، بالبصر، وتخصيص الحكم بالشيء يدلّ على أنّ الحال في غيره بخلافه، فوجب أن يكون إدراك اللّٰه بغير البصر جائزاً، ولما


1) . البقرة: 190.

2) . آل عمران: 32.

3) . آل عمران: 57.

4) . نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.

ثبت أنّ سائر الحواس الموجودة الآن لا تصلح لذلك، ثبت أنّ اللّٰه تعالى يخلق حاسّة سادسة فينا تحصل رؤية اللّٰه بها.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ محور البحث رؤية اللّٰه بالعيون والأبصار لا بحاسة سادسة، فما ذكره خروج من محل البحث، والأشاعرة تبعاً لإمامهم، يقولون برؤية اللّٰه سبحانه في الآخرة بهذه العيون كفلق القمر، وتفسير الرؤية بخلق حاسّة سادسة، رجم بالغيب.

ثانياً: كيف رضي الإمام بأنّ مفهوم قوله: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ» أنّه يدرك بغير الأبصار، فحاول التفتيش عن الحاسّة التي يدرك بها يوم القيامة، فهداه التدبر إلى القول بأنّه يدرك بحاسة سادسة، فهل يقول به في نظائره؟ إذا قال قائل: «ما رأيت بعيني» و «ما سمعت بأذني»، فهل معناهما أنّه رآه بغير عينه، أو سمعه بغير أذنه؟!

هذا ولو سمح لي أدب البحث والنقد، لقلت بأنّ ما ذكره الرازي أشبه بالمهزلة، وليست محاولته هذه إلّاأنّه بصدد إصلاح ما اتخذه من موقف مسبق في هذا المجال. وإلّا فالرازي ينبغي أن يترفع عن مثل هذا الكلام.

ولأجل ذلك ضربنا عن الوجه الرابع صفحاً، لكونه في الوهن مثل الثالث(1)، بل أوهن منه.

الآية الثانية: قوله سبحانه: «يَوْمَئِذٍ لاٰ تَنْفَعُ اَلشَّفٰاعَةُ إِلاّٰ مَنْ أَذِنَ لَهُ


1) . راجع للوقوف على هذه الوجوه تفسير الرازي: 118/4-119.

اَلرَّحْمٰنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً * يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً».(1)إنّ الرؤية سواء أوقعت على الكل أم على الجزء، نوع إحاطة به سبحانه عنها. والآية في كيفية البيان نظير الآية السابقة، وتختلفان في تقدّم الإيجاب وتأخّر السلب هنا، عكس الآية السابقة.

فقوله: «يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ» نظير قوله: «وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ».

وقوله: «وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» نظير قوله: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ».

والضمير في «وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِهِ» يرجع إلى اللّٰه. واحتمل الرازي لأجل الفرار من دلالة الآية على امتناع رؤيته سبحانه رجوع الضمير إلى «مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ» أي لا يحيط العباد بما فيهما. وهو تأويل لأجل تثبيت موقف مسبق، لأنّ عدم علم العباد بما فيهما، أمر واضح لا حاجة لذكره هنا بلا موجب، وإنّما المناسب هو ذكر إحاطته سبحانه بعباده، وعدم إحاطتهم به، فالآية تصف علمه تعالى بهم في موقف الآخرة، وهو «مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ»، و قبل أن يحضروا الموقف في الدنيا وهو «وَ مٰا خَلْفَهُمْ»، فهم محاطون بعلمه، ولا يحيطون به علماً فيجزيهم بما فعلوا، وقد عرفت أنّ الرؤية نوع إحاطة.

الآية الثالثة: «وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ يٰا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ


1) . طه: 109-110.

بِاتِّخٰاذِكُمُ اَلْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلىٰ بٰارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بٰارِئِكُمْ فَتٰابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوّٰابُ اَلرَّحِيمُ * وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى نَرَى اَللّٰهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصّٰاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ». (1)إذا كان جزاء اتخاذ العجل معبوداً هو قتل الأنفس، كان جزاء الطالبين رؤية اللّٰه تعالى جهرة هو الأخذ بالصاعقة. وهذا يدلّ على أنّ الجرمين من باب واحد. فكما أنّ عبدة العجل جسّدوا الإله في العجل، فطلبة الرؤية والمصرّون عليها، صوّروه جسماً أو عرضاً قابلاً للرؤية، فكلتا الطائفتين ظلموا ربّهم ونزّلوا الإله المتعالي عن الكيف والتشبيه والتجسيم والتجسيد - حسب زعمهم - إلى حضيض الأجسام والماديات والصور والأعراض، فاستحقوا جزاءً واحداً، وهو أخذهم من أديم الأرض بقتل أنفسهم، أو حرقهم بالصاعقة.

وإن شئت قلت: إنّ التماس الرؤية لو كان التماس أمر ممكن، لم يكن في سؤالهم بأس أبداً، فإمّا أن تجاب دعوتهم أو ترد، ولا يصحّ إحراقهم بالصاعقة كما في سؤالهم الآخر. «وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلىٰ طَعٰامٍ وٰاحِدٍ فَادْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنٰا مِمّٰا تُنْبِتُ اَلْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهٰا وَ قِثّٰائِهٰا وَ فُومِهٰا وَ عَدَسِهٰا وَ بَصَلِهٰا قٰالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ اَلَّذِي هُوَ أَدْنىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مٰا سَأَلْتُمْ».(2)


1) . البقرة: 54-55.

2) . البقرة: 61.

الآية الرابعة: إنّه سبحانه ما ذكر سؤال الرؤية إلّااستعظمه، وما نوّه به إلّااستفظعه، ولو كانت الرؤية أمراً جائزاً وشيئاً ممكناً، لما كان لهذا الاستعظام وجه، وكان سؤالهم لها مثل سؤال الأُمم أنبياءهم بأنّهم لا يؤمنون إلّاأن يحيي الموتى، أو غير ذلك، من دون الاستعظام والاستفظاع.

وإليك هذه الآيات:

1.

«يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتٰابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتٰاباً مِنَ اَلسَّمٰاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَقٰالُوا أَرِنَا اَللّٰهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ اَلصّٰاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اِتَّخَذُوا اَلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنٰاتُ فَعَفَوْنٰا عَنْ ذٰلِكَ وَ آتَيْنٰا مُوسىٰ سُلْطٰاناً مُبِيناً».(1)فسمّى سبحانه نفس السؤال ظلماً وعدواناً، ويكفي في الاستعظام قوله: «فَقَدْ سَأَلُوا مُوسىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذٰلِكَ»، وقوله: «ثُمَّ اِتَّخَذُوا اَلْعِجْلَ»، فكان السؤال واتخاذ العجل من باب واحد.

2.

«وَ قٰالَ اَلَّذِينَ لاٰ يَرْجُونَ لِقٰاءَنٰا لَوْ لاٰ أُنْزِلَ عَلَيْنَا اَلْمَلاٰئِكَةُ أَوْ نَرىٰ رَبَّنٰا لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً».(2)3. «وَ إِذْ قُلْتُمْ يٰا مُوسىٰ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّٰى نَرَى اَللّٰهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصّٰاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ»(3).(4)


1) . النساء: 153.

2) . الفرقان: 21.

3) . البقرة: 55.

4) . وقد مرّت الآية في الحجة الثالثة، ولكن كيفية الاستدلال في المقام تختلف عن ما تقدّم.

فلو كانت الرؤية جائزة وهي عند مجوزيها من أعظم الجزاء، لم يكن التماسها عتواً، لأنّ من سأل تعالى نعمة في الدنيا لم يكن عاتياً، وجرى مجرى ما يقال: لن نؤمن لك حتى يحيي اللّٰه بدعائك هذا الميت.

وباختصار: إنّ هذا الاستعظام والاستفظاع لا يناسب كونه أمراً ممكناً ونعمة من نعمه سبحانه يكرم عباده بها في الآخرة.

الرازي والاستدلال بهذه الآيات

قد اتخذ الرازي في تفسير الآيات موقف المجادل الذي لا يهمه سوى الدفاع عن فكرته، أو موقف الغريق الذي يتشبث بكلّ حشيش وإن كان يعلم أنّه لا يجديه. وإن كنت في ريب ممّا ذكرنا فاستمع لما نتلوه عليك منه وهو بصدد ردّ الاستدلال بهذه الآيات من عدّ السؤال أمراً منكراً:

1. إنّ رؤية اللّٰه لا تحصل إلّافي الآخرة، فكان طلبها في الدنيا أمراً منكراً.

يلاحظ عليه: أنّه سبحانه يصف طلب الرؤية في الآيات السابقة بالظلم تارة والاستكبار ثانية، والعتو الكبير ثالثة، وإيجابه العذاب ونزول الصاعقة رابعة.

فهل هذا أنسب مع طلب الأمر المحال، أو أنسب مع طلب الأمر الممكن غير الواقع لمصلحة؟

فهل الظلم (التعدّي عن الحدود) والاستكبار والعتو، يناسب تطّلعهم إلى أمر عظيم رفيع، وهؤلاء أقصر منه، أو أنّه يناسب سؤالهم شيئاً ليس خارجاً عن مستواهم، غير أنّ المصلحة أوجبت حرمانهم، لا شكّ أنّ الأُمور الأربعة التي تحكي عن تكون جرم كثير وعصيان فظيع، إنّما هي تناسب الأمر الأوّل لا الثاني.

والذي يكشف عن ذلك أنّه سبحانه عدّ طلب الرؤية من موسى أكبر من سؤال أهل الكتاب من النبي الأكرم تنزيل كتاب عليهم من السماء وقال: «يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتٰابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتٰاباً مِنَ اَلسَّمٰاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسىٰ أَكْبَرَ مِنْ ذٰلِكَ فَقٰالُوا أَرِنَا اَللّٰهَ جَهْرَةً»(1). وليس وجه كون الثاني أكبر من الأوّل سوى كونه أمراً محالاً دون الآخر، وإن كان غير واقع.

2. إنّ حكم اللّٰه تعالى أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى اللّٰه، فكان طلب الرؤية طلباً لإزالة التكليف، والرؤية تتضمن العلم الضروري وهو ينافي التكليف.

يلاحظ عليه: أنّه من أين وقف الرازي على أنّ رؤية اللّٰه سبحانه في الدنيا لحظة أو لحظات توجب إزالة التكليف؟ فهل ورد ذلك في الكتاب أو السنّة، أو أنّه من نتاج ذهنه وفكرته؟

ثمّ إنّ مزيل التكليف هو حصول غايات التكليف وأهدافه. وليست الغاية من التكليف إلّاالتكامل الروحي، والانسلاخ من المادة والماديات،


1) . النساء: 153.

والانسلاك في عداد الروحانيين وليس هذا ممّا يحصل بوقوع البصر على ذاته لحظة أو لحظات، إلّاأن تحولهم الرؤية إلى إنسان مثالي قد أتم كمالاته، وهل هذا يحصل بصرف الرؤية؟ لا أدري، ولا المنجم يدري، ولا الرازي يدري!!

وأقصى ما يعطيه النظر بالأبصار، هو الإذعان وحصول العلم الضروري بوجوده سبحانه عن طريق الحس، وأين هذا من إنسان مثالي صار بالعبادة والطاعة مثلاً لأسمائه، ومجالي لصفاته، وترفع عن حضيض المادية، متوجهاً إلى عالم التجرد.

3. إنّه لما تمت الدلائل على صدق المدّعى، كان طلب الدلائل الأُخرى تعنتاً، والتعنت يستوجب التعنيف.

يلاحظ عليه: أنّ بني إسرائيل أُمّة معروفة بالجدل والعناد، وكانت حياتهم مملوءة بالتعنت. فلماذا لم تأخذهم الصاعقة إلّافي هذا المورد؟

وهذا يكشف عن كون التعنت في المورد ذا خصوصية، وليست هي إلّالأجل إصرارهم على الرؤية عن طريق التكبر والعتو، على تحقّق أمر محال.

4. لا يمنع أن يعلم اللّٰه أنّ في منع الخلق عن رؤيته في الدنيا ضرباً من المصلحة المهمة، فلذلك استنكر طلب الرؤية في الدنيا.(1)يلاحظ عليه: إذا كانت الرؤية أمراً ممكناً وجزاءً للمؤمنين في الآخرة،

1) . راجع تفسير الرازي: 369/1، ط مصر.

وقد اقتضت المصلحة منعها عن الخلق في الدنيا، فما معنى هذا التفزيع والاستنكار والاستفظاع؟ فهل طلب شيء خال عن المصلحة، يوجب نزول الصاعقة والإحراق بالنار؟

لم تكن هذه المحاولات الفاشلة صادرة عن الرازي لتبنّي الحقّ والبخوع للحقيقة، وإنّما هو نوع تعنت في مقابل أدلّة المحقّين في باب الرؤية. ونعم الحكم اللّٰه.

الآية الخامسة: قوله سبحانه: «وَ لَمّٰا جٰاءَ مُوسىٰ لِمِيقٰاتِنٰا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قٰالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قٰالَ لَنْ تَرٰانِي وَ لٰكِنِ اُنْظُرْ إِلَى اَلْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكٰانَهُ فَسَوْفَ تَرٰانِي فَلَمّٰا تَجَلّٰى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسىٰ صَعِقاً فَلَمّٰا أَفٰاقَ قٰالَ سُبْحٰانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ».(1)وقد تعرفت على كيفية الاستدلال بالآية عند سرد أدلّة المثبتين ونقدها، فلا حاجة للتكرار. ولكن نشير إلى بعض الأهواء الساقطة للرازي في الاستدلال بها:

1. لو كانت الرؤية ممتنعة فلماذا طلبها موسى؟

وقد تعرفت على الإجابة عنه فلا نعيد.

2. لو كانت رؤيته مستحيلة لقال لا أرى (بصيغة المجهول). ألا ترى أنّه لو كان في يد رجل حجر. فقال له إنسان: ناولني هذا لآكله، فإنّه يقول له: هذا لا يؤكل، ولا يقول له لا تأكل، ولو كان في يده بدل الحجر تفاحة، لقال

1) . الأعراف: 143.

له: «لا تأكله» أي هذا ممّا يؤكل ولكن لا تأكله. فلما قال تعالى «لَنْ تَرٰانِي» ولم يقل: لا أُرى، علمنا أنّ هذا يدلّ على أنّه تعالى في ذاته جائز الرؤية.

يلاحظ عليه: أنّ الإجابة ب «لَنْ تَرٰانِي» مكان «لا أُرى» لأجل حفظ المطابقة بين السؤال والجواب، فلمّا كان السؤال ب «أرني» وافاه الجواب ب «لَنْ تَرٰانِي» وحين سمع القوم إنكاره سبحانه عليه مع نبوّته، علموا أنّهم أولى به. وأنّ رؤيته تعالى شيء غير ممكن، ولو جازت لنبيه.

فأي قصور في دلالة الآية على الامتناع حتى يبدل الجواب ب «لا أُرى».

3. إنّه سبحانه علّق رؤيته على أمر ممكن جائز، والمعلّق على الجائز، جائز فينتج أنّ الرؤية في نفسها جائزة.

وقد تعرفت على الإجابة عنه.

4. إنّ تجلّيه سبحانه للجبل هو رؤية الجبل للّٰه، وهو لما رآه سبحانه اندكّت أجزاؤه، فإذا كان الأمر كذلك، ثبت أنّه تعالى جائز الرؤية. أقصى ما في الباب أن يقال: الجبل جماد، والجماد يمتنع أن يرى شيئاً، إلّاأنّا نقول: لا يمتنع أن يقال: إنّه تعالى خلق في ذلك الجبل الحياة والعقل والفهم ثمّ خلق فيه الرؤية متعلّقة بذات اللّٰه.(1)يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من رؤية الجبل إياه سبحانه، مع الحياة والعقل والفهم، شيء نسجته فكرته، وليس في نفس الآية أي دليل عليه،

1) . تفسير الرازي: 292/4-295، ط مصر، وقد جعل كلّ واحد من هذه الأُمور حجّة على جواز الرؤية، وقد نقلناه ملخصاً.

والحافز إلى هذه الحياكة، هو الدفاع عن الموقف المسبق والعقيدة التي ورثها، فإنّ ظاهر الآية أنّ الجبل لم يتحمل تجلّيه سبحانه فدُك وذاب، وبطلت هويته، لا أنّه رآه وشاهده، وقد عرفت أنّ التجلّي كما يكون بالذات، يكون بالفعل أيضاً، ولو كان الجبل لائقاً بهذه الفضيلة الرابية، فنبيّه أولى بها، وفي قدرته سبحانه أن يريه ذاته، مع حفظه عمّا ترتّب على الجبل من الاندكاك، فالنتيجة أنّ العالم بأسره لا يتحمل تجلّيه سبحانه، بفعل أو بوصف من أوصافه، أو باسم من أسمائه.

استدلال المنكرين بالسنّة

لقد عرفت هدي القرآن وقضاءه في الرؤية. وهناك روايات متضافرة عن طريق أهل البيت والعترة الطاهرة وهم أعدال الكتاب وقرناؤه، كما قال الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّي تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، كتاب اللّٰه عزّوجلّ حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».(1)ومن يرجع إلى خطب الإمام عليه السلام في التوحيد، وما أثر من أئمّة العترة الطاهرة، يقف على أنّ مذهبهم في ذلك هو امتناع الرؤية، وأنّه لا تدركه أوهام القلوب، فكيف أبصار العيون. وإليك النزر اليسير في ذلك الباب:

1. قال الإمام في خطبة الأشباح: «الأوّل الذي لم يكن له قبل فيكون

1) . مسند أحمد: 26/3، وقريب منه ما رواه غيره.

شيء قبله، والآخر الذي ليس له بعد، فيكون شيء بعده، والرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه».(1)2. وقد سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربّك يا أمير المؤمنين؟ فقال عليه السلام: «أفأعبد مالا أرى؟!» فقال: وكيف تراه؟ فقال: «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملابس، بعيد عنها غير مباين».(2)3. وقال عليه السلام: «الحمد للّٰه الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر».(3)إلى غير ذلك من خطبه عليه السلام الطافحة بتقديسه وتنزيهه عن إحاطة الأبصار والقلوب به.(4)وأمّا المروي عن سائر أئمّة أهل البيت فقد عقد ثقة الإسلام الكليني في كتاب «الكافي»، باباً خاصاً للموضوع روى فيه ثماني روايات.(5)كما عقد الصدوق في كتاب التوحيد باباً لذلك روى فيه إحدى وعشرين رواية، فيها نور القلوب وشفاء الصدور.(6)ومن أراد الوقوف فليرجع إلى تلك الجوامع الحديثية.


1) . نهج البلاغة: (الخطبة: 87) ط مصر للإمام عبده. «أناسي»: جمع إنسان: البصر: هو ما يرى وسط الحدقة ممتازاً عنها في لونها.

2) . نهج البلاغة: الخطبة: 174.

3) . نهج البلاغة: الخطبة: 180.

4) . لاحظ الخطب: 48 و 81 و....

5) . الكافي: 95/1، باب إبطال الرؤية.

6) . التوحيد: 107-122، الباب 8.

فتوى شاذة عن الكتاب والسنّة

في الختام نود الإشارة إلى فتوى عبد العزيز بن عبد اللّٰه بن باز المؤرخة 1407/3/8 الرقم 2/717 جواباً على سؤال عبداللّٰه عبد الرحمن يتعلّق بالاقتداء والائتمام بمن لا يعتقد بمسألة الرؤية يوم القيامة، فأفتى ابن باز بأنّ من ينكر رؤية اللّٰه سبحانه وتعالى في الآخرة لا يصلّى خلفه، وهو كافر عند أهل السنّة والجماعة، وأضاف أنّه قد بحث هذا الموضوع مع مفتي الأباضية في عمان: الشيخ أحمد الخليلي فاعترف بأنّه لا يؤمن برؤية اللّٰه في الآخرة، ويعتقد أنّ القرآن مخلوق، واستدلّ لذلك بما ذكره ابن القيم في كتابه «حادي الأرواح»: ذكر الطبري وغيره أنّه قيل لمالك: إنّ قوماً يزعمون أنّ اللّٰه لا يُرى يوم القيامة، فقال مالك: السيف السيف.

وقال أبو حاتم الرازي: قال أبو صالح كاتب الليث: أملي على عبد العزيز بن سلمة الماجشون رسالة عما جحدت الجهمية فقال: لم يزل يملي لهم الشيطان حتى جحدوا قول اللّٰه تعالى: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ».

وذكر ابن أبي حاتم عن الأوزاعي أنّه قال: إني لأرجو أن يحجب اللّٰه عزّوجلّ جهماً وأصحابه عن أفضل ثوابه، الذي وعده أولياءه حين يقول: «وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نٰاضِرَةٌ * إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ».

إلى أن نقل عن أحمد بن حنبل و قيل له في رجل يحدّث بحديث عن رجل عن أبي العواطف أنّ اللّٰه لا يُرى في الآخرة فقال: لعن اللّٰه من يحدث بهذا الحديث اليوم، ثمّ قال: أخزى اللّٰه هذا.

و قال أبو بكر المروزي: من زعم أنّ اللّٰه لا يرى في الآخرة فقد كفر، وقال: من لم يؤمن بالرؤية فهو جهمي، والجهمي كافر.

وقال إبراهيم بن زياد الصائغ: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الرؤية من كذّب بها فهو زنديق.

وقال: من زعم أنّ اللّٰه لا يُرى فقد كفر باللّٰه، وكذّب بالقرآن، وردّ على اللّٰه أمره، يستتاب فإن تاب وإلّا قتل....

تحليل لهذه الفتيا
1. إنّ هذه الفتوى لا تصدر عمّن يجمع بين الرواية والدراية، وإنّما هي من متفرعات القول بأنّ اللّٰه مستقر على عرشه فوق السماوات، وأنّه ينزل في آخر كلّ ليلة نزول الخطيب عن درجات منبره(1)، وأنّ العرش تحته سبحانه يئط أطيط الرحل تحت الراكب.(2)ويفتخر بتلك العقيدة ابن زفيل في قصيدته النونية ويقول:

بل عطلوا منه السماوات العلى *** والعرش أخلوه من الرحمان(3)


1) . نقله وسمعه السياح الطائر الصيت ابن بطوطة عن ابن تيمية.

2) . السنّة: 80.

3) . من قصيدة ابن زفيل النونية، والمراد منه هو ابن القيم. لاحظ السيف الصيقل للسبكي

ومثل تلك العقيدة تنتج أنّ اللّٰه تعالى يرى كالبدر يوم القيامة، والرؤية لا تنفك عن الجهة والمكان، تعالى عن ذلك كلّه.

2.

إنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم كان يقبل إسلام من شهد بوحدانيته سبحانه ورسالة النبي صلى الله عليه و آله و سلم، ولم ير أنّ النبي الأكرم يأخذ الإقرار بما وراء ذلك، مثل رؤية اللّٰه وما شابهه، وهذا هو البخاري يروي في صحيحه: أنّ الإسلام بني على خمس وليس فيه شيء من الإقرار بالرؤية، وهل النبي ترك ما هو مقوم الإيمان والإسلام؟!.

3.

إنّ الرؤية مسألة اجتهادية تضاربت فيها أقوال الباحثين من المتكلّمين والمفسرين، وكلّ طائفة تمسّكت بلفيف من الآيات، فتمسّك المثبت بقوله سبحانه: «إِلىٰ رَبِّهٰا نٰاظِرَةٌ» وتمسّك النافي بقوله سبحانه: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ».

فكيف يكون إنكار النافي رداً للقرآن، ولا يكون إثبات المثبت رداً له؟!

فإذا جاز التأويل لطائفة لما يكون مخالفاً لعقيدته، فكيف لا يسوغ لطائفة أُخرى؟!

وليست رؤية اللّٰه يوم القيامة من الأُمور الضرورية التي يلازم إنكارها إنكار الرسالة ولا إنكار القرآن، بل كل طائفة تقبل برحابه صدر المصدرين الرئيسيين، أعني: الكتاب والسنّة، ولكن يناقش في دلالتهما على ما تدّعيه الطائفة الأُخرى، أو تناقش سند الرواية وتقول: إنّ القول بالرؤية عقيدة موروثة من اليهودوالنصارى، أعداء الدين، وقد دسّوا هذه الروايات بين

أحاديث المسلمين، فلم تزل مسلمة اليهود والنصارى يتحينون الفرص لتفريق كلمة المسلمين، وتشويه تعاليم هذا الدين، حتى تذرعوا بعد وفاة النبي بشتى الوسائل إلى بذر بذور الفساد، فأدخلوا في الدين الحنيف ما نسجته أوهام الأحبار والرهبان.

4. إنّ الاعتقاد بشيء من الأُمور من الظواهر الروحية لا تنشأ جذوره في النفس إلّابعد تحقّق مبادئ ومقدّمات توجد العقيدة، فما معنى قول من يقول في مقابل المنكر للرؤية: السيف السيف، بدل أن يقول: الدراسة الدراسة، الحوار الحوار؟!!

أليس شعار «السيف السيف» ينم عن طبيعة قاسية، ونفسية خالية من الرحمة والسماحة؟!

وأنا أجلّ إمام دار الهجرة عن هذه الكلمة.

5. إنّ مفتي الديار النجدية لم يعتمد إلّاعلى نقول وفتاوى ذكرها ابن القيم في كتابه دون أن يرجع إلى تفسير الآيات واحدة واحدة، أو يناقش المسألة في ضوء السنّة.

فما أرخص مهمة الإفتاء ومؤهّلات المفتي في هذه الديار.

وفي الختام، إنّ ما نقله عن ابن القيم يعرب عن جهله المطبق في مسألة الرؤية، فإنّ نفي الرؤية شعار أئمّة أهل البيت، وشعار الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبه، وكلمه قبل أن يتولد الجهم وأذنابه، ولأجل ذلك اشتهر: «العدل والتنزيه علويان، والجبر والتشبيه أمويان».

(13) كلام اللّٰه سبحانه هو الكلام النفسي

اشارة

أجمع المسلمون تبعاً للكتاب والسنّة على كونه سبحانه متكلّماً، ويبدو أنّ البحث في كلامه سبحانه أوّل مسألة طرحت على بساط المناقشات في تاريخ علم الكلام، وإن لم يكن ذلك أمراً قطعياً بل ثبت خلافه، وقد شغلت تلك المسألة بال العلماء والمفكّرين الإسلاميين في عصر الخلفاء، وحدثت بسببه مشاجرات، بل مصادمات دامية ذكرها التاريخ وسجل تفاصيلها، وخاصة في قضية ما يسمّى ب «محنة خلق القرآن» وكان الخلفاء هم الذين يروّجون البحث عن هذه المسألة ونظائرها حتّى ينصرف المفكّرون عن نقد أفعالهم وانحرافاتهم، هذا من جانب.

ومن جانب آخر، إنّ الفتوحات الإسلامية أوجبت الاختلاط بين المسلمين وغيرهم، وصار ذلك مبدأً لاحتكاك الثقافتين - الإسلامية والأجنبية - و في هذا الجو المشحون بتضارب الأفكار، طرحت مسألة تكلُّمِه سبحانه في الأوساط الإسلامية، وأوجدت ضجة كبيرة في المجامع العلمية، خصوصاً في عصر المأمون و من بعده، وأُريقت في هذا

السبيل دماء الأبرياء، ولما لم تكن هذه المسألة مطروحة في العصور السابقة بين المسلمين تضاربت الأقوال فيها إلى حدّ صارت بعض الأقوال والنظريات موهونة جدّاً كما سيوافيك.

ثمّ إنّ الاختلاف في كلامه سبحانه واقع في موضعين:

الأوّل: ما هو حقيقة كلامه سبحانه؟ وهل هو من صفات ذاته كالعلم والقدرة والحياة، أو من صفات فعله كالإحياء والإماتة والخلق والرزق إلى غير ذلك من الصفات الفعلية؟

الثاني: هل هو قديم أوحادث، أو هل هو غير مخلوق أو مخلوق؟ والاختلاف في هذا المقام من نتائج الاختلاف في الموضع الأوّل. ونحن نطرح رأي الأشاعرة في كلا المقامين.

ما هو حقيقة كلامه؟

اشارة

إنّ في حقيقة كلامه آراء مختلفة نذكرها إجمالاً أوّلاً، ونركز على البحث عن رأي الأشاعرة ثانياً.

1. نظرية المعتزلة

قالت المعتزلة في تعريف كلامه تعالى:

إنّ كلامه سبحانه أصوات وحروف ليست قائمة بذاته تعالى، بل يخلقها سبحانه في غيره، كاللوح المحفوظ، أو جبرائيل، أو النبي، فمعنى

كونه متكلّماً كونه موجداً للكلام، وليس من شرط الفاعل أن يحل عليه الفعل.(1)

2. نظرية الحكماء

إنّ كلامه سبحانه لا ينحصر فيما ذكره، بل مجموع العالم الإمكاني كلام اللّٰه سبحانه، يتكلّم به، بإيجاده وإنشائه، فيظهر المكنون من كمال أسمائه وصفاته.(2)فعلى تينك النظريتين، يكون تكلّمه سبحانه من أوصاف فعله، لا من صفات ذاته، خلافاً للنظريتين الآتيتين.

3. نظرية الحنابلة

كلامه حرف وصوت يقومان بذاته، وأنّه قديم، وقد بالغوا فيه حتى قال بعضهم جهلاً: إنّ الجلد والغلاف قديمان.(3)

4. نظرية الأشاعرة
اشارة

إنّ مسلك الأشاعرة هو مسلك الحنابلة، لكن بصورة معدّلة نزيهة عمّا لا يقبله العقل السليم. فذهب أبو الحسن الأشعري إلى كونه من صفات


1) . شرح الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، المتوفّى عام 415 ه.

2) . شرح المنظومة: 179، وللحكماء نظرية أُخرى في كلامه سبحانه تطلب من محلها.

3) . المواقف: 293.

الذات، لا بالمعنى السخيف الذي تتبنّاه الحنابلة، بل بمعنى آخر، وهو القول بالكلام النفسي القائم بذات المتكلّم.

وهذه النظرية مع اشتهارها من الشيخ أبي الحسن الأشعري، لم نجدها في «الإبانة» و «اللمع» وإنّما ركّز فيهما على البحث عن المسألة الثانية، وهي أنّ كلامه سبحانه غير مخلوق، ولم يبحث عن حقيقة كلامه، ومع ذلك فقد نقلها عنه الشهرستاني وقال: وصار أبو الحسن الأشعري إلى أنّ الكلام معنى قائم بالنفس الإنسانية، وبذات المتكلّم، وليس بحروف ولا أصوات، وإنّما هو القول الذي يجده القائل في نفسه ويجيله في خلده، وفي تسمية الحروف التي في اللسان كلاماً حقيقياً تردد، أهو على سبيل الحقيقة أم على طريق المجاز؟ و إن كان على طريق الحقيقة فإطلا ق اسم الكلام عليه وعلى النطق النفسي بالاشتراك.(1)وقال الآمدي: ذهب أهل الحقّ من الإسلاميين إلى كون الباري تعالى متكلّماً بكلام قديم أزلي نفساني، أحدي الذات، ليس بحروف ولا أصوات وهو - مع ذلك - ينقسم بانقسام المتعلقات، مغاير للعلم والإرادة وغير ذلك من الصفات.(2)وقال العضدي: - بعد نقل نظرية المعتزلة - و هذا لا ننكره، لكنّا نثبت أمراً وراء ذلك، وهو المعنى القائم بالنفس، ونزعم أنّه غير العبارات، إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام، بل قد يدلّ عليه بالإشارة


1) . نهاية الإقدام: 320.

2) . غاية المرام: 88.

والكتابة كما يدلّ عليه بالعبارة - إلى أن قال -: وإنّه غير العلم، إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه بل هو يعلم خلافه أو يشكّ فيه، وغير الإرادة، لأنّه قد يأمر بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أم لا، فإذا هو صفة ثالثة غير العلم والإرادة، قائمة بالنفس، ثمّ نزعم أنّه قديم لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى - إلى أن قال -: الأدلّة الدالّة على حدوث الألفاظ إنّما تفيدهم بالنسبة إلى الحنابلة، وأمّا بالنسبة إلينا فيكون نصّاً للدّليل في غير محلّ النزاع. وأمّا ما دلّ على حدوث القرآن مطلقاً، فحيث يمكن حمله على حدوث الألفاظ، لا يكون لهم فيه حجّة علينا، ولا يجدي عليهم إلّاأن يبرهنوا على عدم المعنى الزائد على العلم والإرادة.(1)فقد أحسن العضدي وأنصف. وستوافيك البرهنة على أنّ ما يسمونه كلاماً نفسياً أمر صحيح، لكنّه ليس خارجاً عن إطار العلم والإرادة، وليس وصفاً ثالثاً وراءهما.

ثمّ إنّ الشهرستاني قد قام بتبيين المقصود من الكلام النفساني في كلام مبسوط. وبما أنّ الكلام النفسي قد أحاط به الإجمال والإبهام، فنأتي بنصّ كلامه، وإن كان لايخلو عن تعقيد في الإنشاء، حتّى يتبيّن المقصود منه قال:

العاقل إذا راجع نفسه وطالع ذهنه وجد من نفسه كلاماً وقولاً يجول في قلبه، تارةً إخباراً عن أُمور رآها على هيئة وجودها أو سمعها من مبتداها


1) . المواقف: 294.

إلى منتهاها على وفق ثبوتها، وتارةً حديثاً مع نفسه بأمر ونهي ووعد ووعيد لأشخاص على تقدير وجودهم ومشاهدتهم، ثمّ يعبّر عن تلك الأحاديث وقت المشاهدة، وتارةً نطقاً عقلياً إمّا بجزم القول أنّ الحقّ والصدق كذا، وإمّا بترديد الفكر أنّه هل يجوز أن يكون الشيء كذا أو يستحيل أو يجب، إلى غير ذلك من الأفكار حتّى أنّ كلّ صانع يحدث نفسه أوّلاً بالغرض الذي توجهت إليه صنعته، ثمّ تنطق نفسه في حال الفعل محادثة مع الآلات والأدوات والمواد والعناصر، ومن أنكر أمثال هذه المعاني فقد جحد الضرورة، وباهَتَ العقل، وأنكر الأوائل التي في ذهن الإنسان، وسبيله سبيل السوفسطائية، كيف وإنكاره ذلك ممّا لم يدر في قلبه ولا جال في ذهنه، ثمّ لم يعبّر عنه بالإنكار ولا أشار إليه بالإقرار، فوجد أنّ المعنى معلوم بالضرورة وإنّما الشكّ في أنّه هو العلم بنفسه أو الإرادة والتقدير والتفكير والتصوير والتدبير، والتمييز بينه و بين العلم هين، إذ العلم تبين محض تابع للمعلوم على ما هو به، وليس فيه إخبار ولا اقتضاء وطلب، ولا استفهام ولا دعاء ولا نداء، وهي أقسام معلومة وقضايا معقولة وراء التبيين، والتمييز بينه و بين الإرادة أسهل وأهون، فإنّ الإرادة قصد إلى تخصيص الفعل ببعض الجائزات (الممكنات) ولا قصد في هذه القضايا ولا تخصيص، وأمّا التقدير والتفكير والتدبير فكلّ ذلك عبارات عن حديث النفس، وهو الذي يعنى به من النطق النفساني، ومن العجب أنّ الإنسان يجوز أن يخلو ذهنه عن كلّ معنى ولا يجد نفسه قط خالياًعن حديث النفس حتى في النوم فإنّه في الحقيقة يرى في منامه أشياء وتحدّث نفسه بالأشياء ولربما يطاوعه لسانه

وهو في منامه حتّى يتكلّم وينطق متابعة لنفسه فيما يحدث وينطق.(1)نرى أنّ ما ذكره الآمدي الذي نقلناه آنفاً في تفسير الكلام النفسي وارد في كلمات المتأخّرين عنه، كالفاضل القوشجي والفضل بن روزبهان، وإليك نصوصهما:

1. قال الفاضل القوشجي في «شرح التجريد»: إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك، يجد في نفسه معاني يعبر عنها، نسمّيها بالكلام الحسي، والمعنى الذي يجده ويدور في خلده ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلّم حصوله في نفس السامع على موجبه، هو الذي نسمّيه الكلام.(2)2. وقال الفضل في «نهج الحق»: إنّ الكلام عندهم لفظ مشترك يطلقونه على المؤلف من الحروف المسموعة، وتارة يطلقونه على المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بالألفاظ، ويقولون هو الكلام حقيقة، وهو قديم قائم بذاته، ولابدّ من إثبات هذا الكلام، فإنّ العرف لا يفهمون من الكلام إلّاالمؤلّف من الحروف والأصوات فنقول:

ليرجع الشخص إلى نفسه أنّه إذا أراد التكلّم بالكلام فهل يفهم من ذاته أنّه يزور ويرتب معاني فيعزم على التكلّم بها، كما أنّ من أراد الدخول على السلطان أو العالم فإنّه يرتب في نفسه معاني وأشياء ويقول في نفسه سأتكلم بهذا. فالمنصف يجد من نفسه هذا ألبتة. فهذا هو الكلام النفسي. ثمّ


1) . نهاية الإقدام: 321-322.

2) . شرح التجريد للقوشجي: 420.

نقول - على طريقة الدليل - إنّ الألفاظ التي نتكلّم بها مدلولات قائمة بالنفس، فنقول لهذه المدلولات: هي الكلام النفسي.(1)

حصيلة البحث

دلّت النصوص المذكورة عن أقطاب الأشاعرة على أنّ في مورد كل كلام صادر من أيّ متكلم - خالقاً كان أو مخلوقاً - وراء العلم في الجمل الخبرية، ووراء الإرادة والكراهة في الجمل الإنشائية، معاني قائمة بنفس المتكلّم، وهو الكلام النفسي، يتبع حدوثه وقدمه، حدوث المتكلّم وقدمه.

وما ذكروا في توضيحه حقّ لا ينكره أحد، إنّما الكلام في إثبات مغايرته للعلم في الجمل الخبرية، وللإرادة في الجمل الإنشائية، وهو غير ثابت، بل الثابت خلافه، وإنّ المعاني التي تدور في خلد المتكلّم ليست إلّاتصور المعاني المفردة أو المركبة أو الإذعان بالنسبة، فيرجع الكلام النفسي في الجمل الخبرية إلى التصورات والتصديقات، فأي شيء هنا وراء العلم حتى نسمّيه بالكلام النفسي، كما أنّه عندما يرتب المتكلّم المعاني الإنشائية، فلا يرتب إلّاإرادته وكراهته أو ما يكون مقدمة لهما، كتصور الشيء والتصديق بالفائدة، فيرجع الكلام النفسي في الإنشاء إلى الإرادة والكراهة، فأيّ شيء هنا غيرهما حتّى نسمّيه بالكلام النفسي، وعند ذلك لا يكون التكلّم وصفاً وراء العلم في الإخبار، ووراءه مع الإرادة في الإنشاء، مع أنَّ الأشاعرة يصرون على إثبات وصف ذاتي باسم التكلّم وراء العلم والإرادة،


1) . نهج الحق المطبوع ضمن دلائل الصدق: 146/1، ط النجف.

ولأجل ذلك يقولون: كونه متكلّماً بالذات، غير كونه عالماً ومريداً بالذات.

والأولى أن نستعرض ما استدلّوا به على أنّ الكلام النفسي وراء العلم، فإليك بيانه:

الأوّل: أنّ الكلام النفسي غير العلم، لأنّ الرجل قد يخبر عمّا لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشكّ فيه، فالإخبار عن الشيء غير العلم به. قال السيد الشريف في «شرح المواقف»: والكلام النفسي في الإخبار معنى قائم بالنفس لا يتغير بتغير العبارات، وهو غير العلم، إذ قد يخبر الرجل عمّا لا يعلمه، بل يعلم خلافه، أو يشكّ فيه.(1)يلاحظ عليه: أنّ المراد من رجوع كلّ ما في الذهن في ظرف الإخبار إلى العلم، هو الرجوع إلى العلم الجامع بين التصور والتصديق. فالمخبر الشاك أو العالم بالخلاف يتصور الموضوع والمحمول والنسبة الحكمية ثمّ يخبر، فما في ذهنه من هذه التصوّرات الثلاثة لا يخرج عن إطار العلم، وهو التصوّر.

نعم، ليس في ذهنه الشق الآخر من العلم وهو التصديق. ومنشأ الاشتباه هو تفسير العلم بالتصديق فقط، فزعموا أنّه غير موجود عند الإخبار في ذهن المخبر الشاك أو العالم بالخلاف، والغفلة عن أنّ عدم وجود العلم بمعنى التصديق لا يدلّعلى عدم وجود القسم الآخر من العلم وهو التصوّر.

الثاني: ما استدلوا به في مجال الإنشاء قائلين بأنّه يوجد في ظرف


1) . شرح المواقف: 94/2.

الإنشاء شيء غير الإرادة والكراهة، وهو الكلام النفسي، لأنّه قد يأمر الرجل بما لا يريده كالمختبر لعبده هل يطيعه أو لا، فالمقصود هو الاختبار دون الإتيان.(1)يلاحظ عليه أوّلاً: إنّ الأوامر الاختبارية على قسمين:

قسم تتعلّق الإرادة فيه بنفس المقدّمة ولا تتعلّق بنفس الفعل، كما في أمره سبحانه الخليل بذبح إسماعيل. ولأجل ذلك لما أتى الخليل بالمقدّمات نودي «أن قَدْ صَدَّقْتَ اَلرُّؤْيٰا».

وقسم تتعلّق الإرادة فيه بالمقدّمة وذيلها، غاية الأمر، أنّ الداعي إلى الأمر مصلحة مترتبة على نفس القيام بالفعل، لا على ذات الفعل، كما إذا أمر الأمير أحد وزرائه في الملأ العام بإحضار الماء لتفهيم الحاضرين بأنّه مطيع غير متمرد. وفي هذه الحالة - كالحالة السابقة - لا يخلو المقام عن إرادة، غاية الأمر، أنّ القسم الأوّل تتعلّق الإرادة فيه بالمقدّمة فقط، وهنا بالمقدّمة مع ذيلها.

فلا يصحّ قولهم إنّه لا توجد الإرادة في الأوامر الاختبارية.

وثانياً: الظاهر أنّ المستدل تصور أنّ إرادة الآمر تتعلّق بفعل الغير، أي المأمور، فلأجل ذلك حكم بأنّه لا إرادة متعلّقة بفعل الغير في الأوامر الامتحانية، ويستنتج أنّ فيها شيئاً غير الإرادة، ربما يسمّى بالطلب (في مقابل الإرادة) عندهم أو بالكلام النفسي، ولكن الحقّ غير ذلك، فإنّ إرادة الآمر لا تتعلّق بفعل الغير مطلقاً، لأنّ فعله خارج عن إطار اختيار الأمر، وما هو كذلك لا يقع متعلّقاً للإرادة، فلأجل ذلك ما اشتهر من «تعلّق إرادة الآمر


1) . شرح المواقف: 94/2.

والناهي بفعل المأمور به» كلام صوري، إذ هي لا تتعلّق إلّابالفعل الاختياري، وليس فعل الغير من أفعال الأمر الاختيارية، فلا محيص من القول بأنّ إرادة الآمر متعلّقة بفعل نفسه وهو الأمر والنهي.

وإن شئت قلت: إنشاء البعث إلى الفعل أو الزجر عنه، والكلّ واقع في إطار اختيار الآمر ويعدّان من أفعاله الاختيارية.

نعم، الغاية من البعث والزجر هي انبعاث المأمور إلى ما بعث إليه، أو انتهاؤه عمّا زجر عنه، لعلم المكلّف المأمور بأنّ في التخلّف مضاعفات دنيوية أو أُخروية.

وعلى ذلك يكون تعلّق إرادة الآمر في الأوامر الجدية والاختيارية على وزان واحد، وهو تعلّق إرادته ببعث المأمور وزجره، لا فعل المأمور ولا انزجاره، فإنّه غاية للآمر لا مراد له، فالقائل خلط بين متعلّق الإرادة، وما هو غاية الأمر والنهي.

وباختصار: إنّ فعل الغير لمّا كان خارجاً عن اختيار الآمر لا تتعلّق به الإرادة.

وربما يبدو في الذهن أن يعترض على ما ذكرنا بأنّ الآمر إذا كان إنساناً لا تتعلّق إرادته بفعل الغير لخروجه عن اختياره، وأمّا الواجب سبحانه فهو آمر قاهر، وإرادته نافذة في كلّ شيء: «إِنْ كُلُّ مَنْ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ إِلاّٰ آتِي اَلرَّحْمٰنِ عَبْداً».(1)


1) . مريم: 93.

ولكن الإجابة عن هذا الاعتراض واضحة، فإنّ المقصود من الإرادة هنا هو الإرادة التشريعية، وأمّا الإرادة التكوينية القاهرة على العباد المخرجة لهم عن وصف الاختيار، الجاعلة لهم كآلة بلا إرادة، فهي خارجة عن مورد البحث، قال سبحانه:

«وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً»(1)، فهذه الآية تعرب عن عدم تعلّق مشيئته سبحانه بإيمان من في الأرض، ولكن من جانب آخر تعلّقت مشيئته بإيمان كلّ مكلّف واع، قال سبحانه: «وَ اَللّٰهُ يَقُولُ اَلْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي اَلسَّبِيلَ»(2)، فقوله «الحق» عام، كما أنّ هدايته السبيل عامة مثله لكلّ الناس.

وقال سبحانه: «يُرِيدُ اَللّٰهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ»(3)، إلى غير ذلك من الآيات الناصّة على عموم هدايته التشريعية.

الثالث: إنّ العصاة والكفّار مكلّفون بما كلّف به أهل الطاعة والإيمان بنصّ القرآن الكريم، والتكليف عليهم لا يكون ناشئاً من إرادة اللّٰه سبحانه وإلّا لزم تفكيك إرادته عن مراده، ولابدّ أن يكون هناك منشأ آخر للتكليف وهو الذي نسمّيه بالكلام النفسي تارة، وبالطلب أُخرى. فيستنتج من ذلك أنّه يوجد في الإنشاء شيء غير الإرادة.

وقد أجابت عنه المعتزلة بأنّ إرادته سبحانه لو تعلّقت بفعل نفسه فلا تنفك عن المراد، وأمّا إذا تعلّقت بفعل الغير فبما أنّها تعلّقت بالفعل


1) . يونس: 99.

2) . الأحزاب: 4.

3) . النساء: 26.

الاختياري الصادر من العبد عن حرية واختيار، فلا محالة يكون الفعل مسبوقاً باختيار العبد، فإن أراد واختار العبد يتحقّق الفعل، وإن لم يرد فلا يتحقّق.

والأولى في الجواب أن يقول: إنّ المستدل خلط بين الإرادة التكوينية المتعلّقة بالإيجاد مباشرة أو تسبيباً، فإنّ إرادته في ذلك المجال لا تنفك عن المراد، قال سبحانه «إِنَّمٰا أَمْرُهُ إِذٰا أَرٰادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»(1)، وبين الإرادة التشريعية المتجلّية بصورة التقنين في القرآن والحديث فإنّها تتعلّق بنفس إنشائه وبعثه، وجعله الداعي للانبعاث والانزجار، والمراد فيها (الإنشاء والبعث) غير متخلّف عن الإرادة، وأمّا فعل الغير، أي انبعاث العبد وانتهاؤه فهو من غايات الإرادة التقنينية لا من متعلّقاتها، فتخلّفهما عن الإرادة التقنينية لا يكون نقضاً للقاعدة، أي امتناع تخلف مراده سبحانه عن إرادته، لما عرفت من أنّ فعل الغير ليس متعلّقاً لإرادته في ذلك المجال.

الرابع: ما ذكره «الفضل بن روزبهان» من أنّ كلّ عاقل يعلم أنّ المتكلّم من قامت به صفة التكلّم، ولو كان معنى كونه سبحانه متكلّماً هو خلقه الكلام فلا يقال لخالق الكلام متكلّم، كما لا يقال لخالق الذوق إنّه ذائق.(2)يلاحظ عليه: أنّ قيام المبدأ بالفاعل ليس قسماً واحداً وهو القسم


1) . يس: 82.

2) . دلائل الصدق: 147/1، طبعة النجف الأشرف.

الحلولي، بل له أقسام، فإنّ القيام منه ما هو صدوري كالقتل والضرب في القاتل والضارب، ومنه حلولي كالعلم والقدرة في العالم والقادر، والتكلّم كالضرب ليس من المبادئ الحلولية في الفاعل، بل من المبادئ الصدورية، فلأجل أنّه سبحانه موجد الكلام يطلق عليه أنّه متكلّم وِزانَ إطلاق الرزّاق عليه سبحانه. بل ربما يصحّ الإطلاق وإن لم يكن المبدأ قائماً بالفاعل أبداً لا صدورياً ولا حلولياً، بل يكفي نوع ملابسة بالمبدأ، كالتمّار واللبان لبائع التمر واللبن، وأمّا عدم إطلاق الذائق على خالق الذوق فلأجل أنّ صدق المشتقات بإحدى أنواع القيام ليس قياسياً حتى يطلق عليه سبحانه الذائق والشام بسبب إيجاده الذوق والشم، وربما احترز الإلهيون عن توصيفه بهما لأجل الابتعاد عمّا يوهم التجسيم ولوازمه.

الخامس: أنّ لفظ الكلام كما يطلق على الكلام اللفظي، يطلق على الموجود في النفس. قال سبحانه: «وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذٰاتِ اَلصُّدُورِ».(1)

يلاحظ عليه: أنّ إطلاق «القول» على الموجود في الضمير من باب العناية والمشاكلة، فإنّ «القول» من التقوّل باللسان، فلا يطلق على الموجود في الذهن الذي لا واقعية له، إلّاالصورة العلمية، إلّامن باب العناية.


1) . الملك: 13.

حصيلة البحث

إنّ الأشاعرة زعموا أنّ في ذهن المتكلّم في الجملة الخبرية والإنشائية وراء التصورات والتصديقات في الأُولى، ووراء الإرادة والكراهة في الثانية، شيئاً يسمّونه بالكلام النفسي، وربما خصّوا لفظ «الطلب» بالكلام النفسي في القسم الإنشائي؛ وبذلك صحّحوا كونه سبحانه متكلماً، ككونه عالماً وقادراً، وأنّ الكلّ من الصفات الذاتية.

ولكن البحث والتحليل - كما مرّ عليك - أوقفنا على خلاف ما ذهبوا إليه، لما عرفت من أنّه ليس وراء العلم في الجمل الخبرية، ولا وراء الإرادة والكراهة في الجمل الإنشائية، شيء نسمّيه كلاماً نفسياً، كما عرفت أنّ الطلب أيضاً هو نفس الإرادة.

وبذلك نقف على أنّ ما يقوله المحقّق الطوسي من أنّ «النفسانية غير معقولة»(1)أمر متين لا غبار عليه.

إلى هنا تمّ بيان النظريات الثلاث للمعتزلة والحكماء والأشاعرة.

وبه تمّ الكلام في المقام الأوّل. وحان أوان البحث في المقام الثاني وهوحدوث كلامه أو قدمه.


1) . كشف المراد: 178، ط صيدا.

(14) كلام اللّٰه غير مخلوق أو قديم

اشارة

لقد شاع في أواخر القرن الثاني، كون كلام اللّٰه غير مخلوق وقد اعتنقه أهل الحديث وفي مقدمهم إمام الحنابلة، وتحمل في طريق عقيدته هذه ألوان التعذيب، وقد اعتنقوا هذه الفكرة مع الاعتراف بأنّه لم يرد فيها نصّ من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، ولا جاء من الصحابة فيها كلام.

وقد تسربت تلك العقيدة مثل القول بالتشبيه والتجسيم إلى المسلمين من اليهودية والنصرانية، حيث قال اليهود بقدم التوراة(1)والنصرانية بقدم الكلمة (المسيح).

يقول أبو زهرة: كثر القول حول القرآن الكريم في كونه مخلوقاً أو غير مخلوق، وقد عمل على إثارة هذه المسألة، النصارى الذين كانوا في حاشية البيت الأموي وعلى رأسهم يوحنا الدمشقي، الذ ي كان يبث بين علماء النصارى في البلاد الإسلامية طرق المناظرات التي تشكّك المسلمين في دينهم، وينشر بين المسلمين الأكاذيب عن نبيّهم، مثل زعمه عشق


1) . اليهودية: ص 222 تأليف أحمد شلبي كما في بحوث مع السلفيين: 153.

النبي صلى الله عليه و آله و سلم لزينب بنت جحش، فقد جاء في القرآن أنّ عيسى بن مريم كلمته ألقاها إلى مريم، فكان يبث بين المسلمين أنّ كلمة اللّٰه قديمة، فيسألهم أكلمته قديمة أم لا؟ فإن قالوا: لا... فقد قالوا: إنّ كلامه مخلوق(1)، وإن قالوا: قديمة... ادّعى أنّ عيسى قديم.(2)وعلى ذلك وجد من قال إنّ القرآن مخلوق، ليرد كيد هؤلاء، فقال ذلك الجعد بن درهم، وقاله الجهم بن صفوان، وقالته المعتزلة واعتنق ذلك الرأي المأمون.

وقد أعلن في سنة 212، أنّ المذهب الحقّ هو أنّ القرآن مخلوق، وأخذ يدعو لذلك في مجلس مناظراته، وأدلى في ذلك بما يراه حججاً قاطعة في هذا الموضوع، وقد ترك المناقشة حرة، والناس أحراراً فيما يقولون.

ولكن في سنة 218 وهي السنة التي توفّي فيها، بدا له أن يدعو الناس بقوة السلطان إلى اعتناق هذه الفكرة، ومن الغريب أنّه ابتدأ بهذا وهو خارج بغداد، وقد خرج مجاهداً فكتب هذه الكتب وهو بمدينة الرقة، وأخذ يرسل الكتب لحمل الناس على اعتناق عقيدة أنّ القرآن مخلوق، إلى نائبه ببغداد


1) . يراد أنّه مختلق و مزور.

2) . «ولا شكّ أنّ ذلك تلبيس، لأنّ معنى كلمة اللّٰه، أنّ اللّٰه خلقه بكلمة منه، كما نصّعلى ذلك في آيات أُخرى، لا أنّه هو ذات كلمة اللّٰه». هذا ما أفاده أبو زهرة في تعليقته على كتابه. والحقّأنّ المسيح كلمة اللّٰه نفسها، وليس المسيح وحده كذلك، بل الموجودات الإمكانية كلّها كلامه تعالى. قال سبحانه: «وَ لَوْ أَنَّ مٰا فِي اَلْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاٰمٌ وَ اَلْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مٰا نَفِدَتْ كَلِمٰاتُ اَللّٰهِ» (لقمان: 27).

إسحاق بن إبراهيم، وقد جاء في بعض كتبه: وأعلمهم أنّ أمير المؤمنين غير مستعين في عمله، ولا واثق فيمن قلده واستحفظه من أُمور رعيته بمن لا يوثق بدينه، وخلوص توحيده ويقينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه وكانوا على سبيل الهدى والنجاة، فمرهم بنصّ من يحضرهم من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر بأنّه مخلوق محدث.(1)وقد سارع نائبه ببغداد إلى تنفيذ ما أمر به، لكنّه تجاوز الحدّ السلبي إلى الحدّ الإيجابي فأحضر المحدثين والفقهاء فسألهم عن عقيدتهم حول القرآن، وأعلن الكلّ عن اعتناق ما كتبه المأمون سوى أربعة، فأصرّوا على عدم كون القرآن مخلوقاً وهم: «أحمد بن حنبل»، و «محمد بن نوح»، و «القواريري»، و «سجادة» فشدوا بالوثاق. لكن الكلّ رجعوا عن عقيدتهم إلّااثنان وهما: ابن نوح وأحمد بن حنبل، فسيقا إلى طرطوس ليلتقيا بالمأمون، ومات الأوّل في الطريق، وبقي أحمد، وبينا هم في الطريق مات المأمون وترك وصية بها من بعده أن يؤخذ بسيرته في خلق القرآن، وقد تولى الحكم المعتصم ثمّ الواثق فكانا على سيرة المأمون في مسألة خلق القرآن.(2)ولمّا تولّى المتوكّل الحكم انقلب الأمر وصارت الظروف مناسبة لصالح المحدثين، وفي هذا الجو أعلن إمام الحنابلة عقيدته في القرآن بالقول بعدم كونه مخلوقاً.


1) . تاريخ الطبري: 196/7، والرسالة مبسوطة.

2) . تاريخ المذاهب الإسلامية: 294-296 بتلخيص.

وقال محقّق كتاب «الأُصول الخمسة» للقاضي عبد الجبار: الحديث في القرآن وكلام اللّٰه من أهمّ المشاكل التي عرضت لمفكري الإسلام. وقد أثارت ضجة كبيرة في صفوف العلماء والعامة، وارتبطت بها محنة كبيرة تعرف بمحنة الإمام أحمد بن حنبل، وكان شعار النظريتين المتنازعتين «هل القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟». فتزعم المعتزلة جهة المنادين بخلق القرآن واستجلبوا لصفهم خليفة من أعظم الخلفاء وهو المأمون، ووزيراً من أعظم وزراء بني العباس هو أحمد بن أبي دؤاد، وذهب ضحية الخلاف كثيرون، وثبت القائلون بأنّه غير مخلوق على رأيهم وليس لهم من أُمور الحكم بشيء. وتراجع القائلون بخلق القرآن تحت ضغط الناس، وخرج أحمد بن حنبل من المحنة ظافراً يضرب به المثل في الثبات على العقيدة، كما سجل المعتزلة بموقفهم ومحاولتهم أخذ الناس بالعنف على القول برأيهم أسوأ مثال على التدخل في الحرية الفكرية، مع أنّهم روّادها الأوائل.(1)أقول: وليس هذا أوّل قارورة كسرت في الإسلام، وكم في تاريخ خلفاء الإسلام من ضغط وعنف وتدخل في الحرية الفكرية!!

هؤلاء هم شيعة أهل البيت عاشوا قروناً بين إخوانهم المسلمين تحت ستار التقية خوفاً على نفوسهم ودمائهم وأموالهم.

وعلى أي تقدير فقد قال المحقّق المزبور: إنّ أوّل من تفوّه بقدم القرآن هو عبد اللّٰه بن كلاب، لأنّ السلف كانوا يتحرجون من وصف القرآن


1) . الأُصول الخمسة للقاضي عبد الجبار: 527.

بأنّه قديم و قالوا فقط غير مخلوق، لكن المعتزلة زادوا بأنّ كلام اللّٰه مخلوق محدث، وميز الأشعري متابعاً لابن كلاب بين الكلام النفسي الأزلي القديم، والكلام المتعلّق بالأمر والنهي والخبر وهو حادث.(1)وأمّا ابن تيمية ففرّق بين كونه غير مخلوق وكونه قديماً وقال: وكما لم يقل أحد من السلف إنّه (أي كلام اللّٰه) مخلوق، لم يقل أحد منهم إنّه قديم، ولم يقل واحداً من القولين أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا من بعدهم من الأئمّة الأربعة ولا غيرهم... وأوّل من عرف أنّه قال هو قديم عبد اللّٰه بن سعيد بن كلاب.(2)والظاهر الواضح أنّ القول بأنّ السلف القائلين بعدم خلق القرآن، لا يقولون بقدم القرآن، والتفريق بين عدم الخلق والقدم لا يعدو عن أن يكون كذباً وغير صحيح.

فأوّلاً: إنّ ابن الجوزي يصرّح بأنّ الأئمّة المعتمد عليهم قالوا إنّ القرآن كلام اللّٰه قديم.(3)وثانياً: إنّ معنى كون شيء غير مخلوق هو أنّه قديم، إذ لو فرض كونه غير قديم مع كونه غير مخلوق، فلابدّ و أن يكون قد حدث ووجد من العدم بنفسه، وهو واضح البطلان، قال سبحانه: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْ‌ءٍ»(4).(5)


1) . الأُصول الخمسة: 528.

2) . مجموعة الرسائل: 20/3.

3) . المنتظم في ترجمة الأشعري: 332/6.

4) . الطور: 35.

5) . بحوث مع أهل السنّة والسلفية: 158.

ولأجل إيضاح الحال نأتي بما جاء به أحمد بن حنبل وأبو الحسن الأشعري في ذلك المجال.

قال أحمد بن حنبل: والقرآن كلام اللّٰه ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام اللّٰه عزّوجلّ ووقف، ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل. ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام اللّٰه، فهو جهمي، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم.

وكلّم اللّٰه موسى تكليماً، من اللّٰه، سمع موسى يقيناً، وناوله التوراة من يده، ولم يزل اللّٰه متكلماً عالماً، تبارك اللّٰه أحسن الخالقين.(1)وقال أبو الحسن الأشعري: ونقول إنّ القرآن كلام اللّٰه غير مخلوق، وإنّ من قال بخلق القرآن فهو كافر.(2)وقد نقل عن إمام الحنابلة أنّه قيل له: هاهنا قوم يقولون: القرآن لا مخلوق ولا غير مخلوق. فقال: هؤلاء أضر من الجهمية على الناس، ويلكم فإن لم تقولوا: ليس بمخلوق فقولوا مخلوق. فقال أحمد: هؤلاء قوم سوء، فقيل له: ما تقول؟ قال: الذي اعتقد وأذهب إليه ولا أشك فيه أنّ القرآن غير مخلوق. ثمّ قال: سبحان اللّٰه، ومن شكّ في هذا؟(3)هذا ما لدى المحدثين والحنابلة والأشاعرة. وأمّا المعتزلة: فيقول


1) . كتاب السنة: 49.

2) . الإبانة: 21. ولاحظ مقالات الإسلاميين: 321.

3) . الإبانة: 69، وقد ذكر في: ص 76 أسماء المحدثين القائلين بأنّ القرآن غير مخلوق.

القاضي عبد الجبار: أمّا مذهبنا في ذلك: أنّ القرآن كلام اللّٰه تعالى ووحيه وهو مخلوق حدث، أنزله اللّٰه على نبيّه ليكون علماً ودالاً على نبوته، وجعله دلالة لنا على الأحكام، لنرجع إليه في الحلال والحرام واستوجب منّا بذلك الحمد والشكر، وإذاً هو الذي نسمعه اليوم و نتلوه، وإن لم يكن محدثاً من جهة اللّٰه تعالى فهو مضاف إليه على الحقيقة، كما يضاف ما ننشده اليوم من قصيدة امرئ القيس على الحقيقة، وإن لم يكن امرؤ القيس محدثاً لها الآن.(1)وقبل الخوض في تحليل المسألة نقدّم أُموراً:

1. إذا كانت مسألة خلق القرآن أو قدمه بمثابة أوجدت طائفتين يكفّر كلّ منهما عقيدة الآخر، فإمام الحنابلة يقول: إنّ من زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر. وقالت المعتزلة: إنّ القول بكون القرآن غير مخلوق أو قديم، شرك باللّٰه سبحانه، فيجب تحليلها على ضوء العقل والكتاب والسنة بعيداً عن كلّ هياج ولغط. وممّا لا شكّ فيه أنّ المسألة قد طرحت في أجواء خاصة، عزّ فيها التفاهم وساد عليها التناكر، وإلّا فلا معنى لمسلم يؤمن باللّٰه ورسوله، وكتابه وسنته، التنازع في أمر تزعم إحدى الطائفتين أنّه ملاك الكفر وأنّ التوحيد في خلافه، وتزعم الطائفة الأُخرى عكس ذلك.

ولو كانت مسألة خلق القرآن بهذه المثابة لكان على الوحي، التصريح بأحد القولين، ورفع الستار عن وجه الحقيقة، مع أنّا نرى أنّه ليس في


1) . شرح الأُصول الخمسة: 258.

الشريعة الإسلامية نصّ في المسألة، وإنّما طرحت في أوائل القرن الثاني. نعم، استدلت الأشاعرة ببعض الآيات، غير أنّ دلالتها خفية، لا يقف عليها - على فرض الدلالة - إلّاالأوحدي. وما يعد ملاك التوحيد والشرك يجب أن يرد فيه نصّ لا يقبل التأويل، ويقف عليه كلّ حاضر وباد...

2. قد عرفت أنّ بعض السلف كانوا يتحرّجون من وصف القرآن بأنّه قديم، وقالوا فقط إنّه غير مخلوق. ثمّ إنّ القائلين بهذا القول تدرّجوا فيه ووصفوا كلام اللّٰه بأنه قديم، ومن المعلوم أنّ توصيف شيء بأنّه غير مخلوق أو قديم ممّا لا يتجرّأ عليه العارف، لأنّ هذين الوصفين من خصائص ذاته سبحانه، فلو كان كلامه سبحانه غير ذاته فكيف يمكن أن يتصف بكونه غير مخلوق، أو كونه قديماً. ولو فرضنا صحّة تلك العقيدة التي لا ينالها إلّاالأوحدي في علم الكلام، فكيف يمكن أن تكون هذه المسألة الغامضة ممّا يجب الاعتقاد به على كلّ مسلم، مع أنّ الإنسان البسيط بل الفاضل لا يقدر أن يحلل ويدرك كون شيء غير اللّٰه سبحانه، وفي الوقت نفسه غير مخلوق.

إنّ سهولة العقيدة ويسر التكليف من سمات الشريعة الإسلامية وبهما تفارق سائر المذاهب السائدة على العالم، مع أنّ تصديق كون كلامه تعالى - و هو غير ذاته - غير مخلوق أو قديم، شيء يعسر فهمه على الخاصة، فكيف على العامة.

3. إنّ الظاهر من أهل الحديث هو قدم القرآن المقروء، الأمر الذي تنكره البداهة والعقل ونفس القرآن. وقد صارت تلك العقيدة بمنزلة من البطلان حتى تحامل عليها الشيخ محمد عبده إذ قال: «والقائل بقدم القرآن

المقروء أشنع حالاً وأضلّ اعتقاداً عن كلّ ملّة جاء القرآن نفسه بتضليلها والدعوة إلى مخالفتها».(1)ولمّا رأى ابن تيمية الذي يظن نفسه مروّجاً لعقيدة أهل الحديث، أنّها عقيدة تافهة، صرح بحدوث القرآن المقروء وحدوث قوله تعالى: «يٰا أَيُّهَا اَلْمُزَّمِّلُ» و «يٰا أَيُّهَا اَلْمُدَّثِّرُ» وقوله: «قَدْ سَمِعَ اَللّٰهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجٰادِلُكَ فِي زَوْجِهٰا»... إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على حدوث النداء والسمع من حينه لا من الأزل.(2)والعجب أنّه استدلّ بدليل المعتزلة على حدوث القرآن المقروء، وقال: إنّ ترتيب حروف الكلمات والجمل يستلزم الحدوث آنَ تحقُّقِ كلمة «بسم اللّٰه»، يتوقف على حدوث الباء وانعدامها، ثمّ حدوث السين كذلك إلى آخر الكلمة، فالحدوث والانعدام ذاتي لمفردات الحروف لا ينفك عنها، وذلك حتى يمكن أن توجد كلمة، فإذاً كيف يمكن أن يكون مثل هذا قديماً أزلياً مع اللّٰه تعالى؟!

4. لمّا كانت فكرة عدم خلق القرآن أو القول بقدمه شعار أهل الحديث وسمتهم، ومن جانب آخر كان القول بقدم القرآن المقروء والملفوظ شيئاً لا يقبله العقل السليم، جاءت الأشاعرة بنظرية جديدة أصلحوا بها القول بعدم خلق القرآن وقدمه، والتجأوا إلى أنّ المراد من كلام

1) . رسالة التوحيد، الطبعة الأُولى وقد حذف نحو صفحة من الرسالة في الطبعات اللاحقة لاحظ: ص 49 من طبعة مكتبة الثقافة العربية.

2) . مجموعة الرسائل الكبرى: 97/3.

اللّٰه ليس هو القرآن المقروء بل الكلام النفسي، وقد عرفت مدى صحّة القول بالكلام النفسي. وليس هذا أوّل مورد تقوم الأشاعرة فيه بإصلاح عقيدة أهل الحديث بشكل يقبله العقل، وعلى كلّ تقدير فالقول بقدم الكلام النفسي ليس بمنزلة القول بقدم القرآن المقروء.

5. كيف يكون القول بخلق القرآن وحدوثه ملاكاً للكفر مع أنّه سبحانه يصفه بأنّه محدث أي أمر جديد. قال سبحانه:

«اِقْتَرَبَ لِلنّٰاسِ حِسٰابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مٰا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَ هُمْ يَلْعَبُونَ»(1). والمراد من الذكر هو القرآن الكريم لقوله سبحانه: «إِنّٰا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنّٰا لَهُ لَحٰافِظُونَ»(2). وقال سبحانه: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ».(3)والمراد من «محدث» هو الجديد، وهو وصف للذكر، ومعنى كونه جديداً أنّه أتاهم بعد الإنجيل. كما أنّ الإنجيل جديد لأنّه أتاهم بعد التوراة. وكذلك بعض سور القرآن وآياته «ذكرجديد» أتاهم بعد بعض. وليس المراد كونه محدثاً من حيث نزوله، بل المراد كونه محدثاً بذاته بشهادة أنّه وصف ل «ذكر» فالذكر - بذاته وشؤونه - محدث، فلا معنى لإرجاع الوصف إلى النزول، بعد كونه محدثاً بالذات.

وكيف يمكن القول بقدم القرآن مع أنّه سبحانه يقول في حقّه: «وَ لَئِنْ


1) . الأنبياء: 1-2.

2) . الحجر: 9.

3) . الزخرف: 44.

شِئْنٰا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنٰا إِلَيْكَ ثُمَّ لاٰ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنٰا وَكِيلاً»(1). فهل يصحّ توصيف القديم بالإذهاب والإعدام؟

6. العجب أنّ محط النزاع لم يحدد بشكل واضح يقدر الإنسان معه على القضاء فيه، فهاهنا احتمالات نطرحها على بساط البحث ونطلب حكمها من العقل والقرآن:

أ. الألفاظ والجمل الفصيحة البليغة التي عجز الإنسان في جميع القرون عن الإتيان بمثلها، وقد جاء بها أمين الوحي إلى النبي الأكرم وقرأها الرسول فتلقتها الأسماع وحرّرتها الأقلام على الصحف المطهرة.

ب. المعاني السامية والمفاهيم الرفيعة في مجالات التكوين والتشريع والحوادث والأخلاق والأدب أو غيرها.

ج. ذاته سبحانه وصفاته من العلم والقدرة والحياة التي بحث عنها القرآن وأشار إليها بألفاظه وجمله.

د. علمه سبحانه بكلّ ما ورد في القرآن الكريم.

ه. الكلام النفسي القائم بذاته.

و. كون القرآن ليس مخلوقاً للبشر «و ما هو قول البشر».

وهذه المحتملات لا تختص بالقرآن الكريم بل تطَّرد في جميع الصحف السماوية النازلة إلى أنبيائه ورسله، وإليك بيان حكمها من حيث الحدوث والقدم:


1) . الإسراء: 86.

أمّا الأوّل: فلا أظن إنساناً يملك شيئاً من الدرك والعقل يعتقد بكونه غير مخلوق أو كونه قديماً، كيف وهو شيء من الأشياء، وموجود من الموجودات، ممكن غير واجب. فإذا كان غير مخلوق وجب أن يكون واجباً بالذات، وهو نفس الشرك باللّٰه سبحانه. حتى لو فرض أنّه سبحانه تكلم بهذه الألفاظ والجمل، فلا يخرج تكلمه عن كونه فعله، فهل يمكن أن يقال إنّ فعله غير مخلوق أو قديم؟

وأمّا الثاني: فهو قريب من الأوّل في البداهة، فإنّ القرآن يشتمل - و كذا سائر الصحف - على الحوادث المحقّقة في زمن النبي من محاجّة أهل الكتاب والمشركين وما جرى في غزواته وحروبه من الحوادث المؤلمة أوالمسرّة، فهل يمكن أن نقول بأنّ الحادثة التي يحكيها قوله سبحانه: «قَدْ سَمِعَ اَللّٰهُ قَوْلَ اَلَّتِي تُجٰادِلُكَ فِي زَوْجِهٰا وَ تَشْتَكِي إِلَى اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ يَسْمَعُ تَحٰاوُرَكُمٰا إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ»(1)، قديمة؟

وقد أخبر اللّٰه تبارك و تعالى في القرآن والصحف السماوية عمّا جرى على أنبيائه من الحوادث، وما جرى على سائر الأُمم من ألوان العذاب، كما أخبر عمّا جرى في التكوين من الخلق والتدبير، فهذه الحقائق واردة في القرآن الكريم، حادثة بلا شك لا قديمة.

وأمّا الثالث: فلا شكّ أنّ ذاته وصفاته من العلم والقدرة والحياة وكلّ ما يرجع إليها كشهادته أنّه لاإله إلّاهو، قديم بلا إشكال، وليس بمخلوق


1) . المجادلة: 1.

بالبداهة، ولكنّه لا يختصّ بالقرآن، بل كلّما يتكلّم به البشر ويشير به إلى هذه الحقائق. فحقائقه المشار إليها بالألفاظ والأصوات قديمة، وفي الوقت نفسه ما يشير به من الكلام والجمل، حادث.

وأمّا الرابع: أي علمه سبحانه بما جاء في هذه الكتب وما ليس فيها - فلا شكّ أنّه قديم بنفس ذاته، ولم يقل أحد من المتكلّمين الإلهيين - إلّامن شذّ من الكرامية - بحدوث علمه.

وأمّا الخامس: أعني كونه سبحانه متكلماً بكلام قديم أزلي نفساني ليس بحروف ولا أصوات، مغاير للعلم والإرادة - فقد عرفت أنّ ما أسماه الشيخ الأشعري بكلام نفسي لا يخرج عن إطار العلم والإرادة، ولا شكّ أنّ علمه وإرادته البسيطة قديمان.

وأمّا السّادس: أعني كون الهدف من نفي كونه غير مخلوق القرآن غير مخلوق للبشر، وفي الوقت نفسه هو مخلوق للّٰه سبحانه، فهذا أمر لا ينكره مسلم، فإنّ القرآن مخلوق للّٰه سبحانه، والناس بأجمعهم لا يقدرون على مثله قال سبحانه:

«قُلْ لَئِنِ اِجْتَمَعَتِ اَلْإِنْسُ وَ اَلْجِنُّ عَلىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هٰذَا اَلْقُرْآنِ لاٰ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كٰانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً».(1)وقد نقل سبحانه عن بعض المشركين الألداء أنّ القرآن قول البشر وقال: «فَقٰالَ إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ قَوْلُ اَلْبَشَرِ» - ثمّ أوعده بقوله: - «سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا سَقَرُ * لاٰ تُبْقِي وَ لاٰ تَذَرُ».(2)


1) . الإسراء: 88.

2) . المدثّر: 24-28.

وهذا التحليل يعرب عن أنّ المسألة كانت مطروحة في أجواء مشوّشة اختلط فيها الحابل بالنابل، ولم يكن محط البحث محرراً على وجه الوضوح حتى يعرف المثبت عن المنفي، ويمخّض الحقّ من الباطل، ومع هذا التشويش في تحرير محل النزاع، نرى أهل الحديث والأشاعرة يستدلّون بآيات وغيرها على قدم كلامه، وكونه غير مخلوق، وإليك هذه الأدلة واحداً بعد واحد:

أدلّة الأشاعرة على كون القرآن غير مخلوق

استدلّ الأشعري على قدم القرآن بوجوه:

الأول: قوله سبحانه: «إِنَّمٰا قَوْلُنٰا لِشَيْ‌ءٍ إِذٰا أَرَدْنٰاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».(1)قال الأشعري: وممّا يدلّمن كتاب اللّٰه على أنّ كلامه غير مخلوق قوله عزّوجلّ: «إِنَّمٰا قَوْلُنٰا لِشَيْ‌ءٍ إِذٰا أَرَدْنٰاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ». فلوكان القرآن مخلوقاً لوجب أن يكن مقولاً له: «كُنْ فَيَكُونُ». ولو كان اللّٰه عزّوجلّ قائلاً للقول «كُنْ» لكان القول قولاً، وهذا يوجب أحد أمرين:

إمّا أن يؤول الأمر إلى أنّ قول اللّٰه غير مخلوق.

أو يكون كلّ قول واقعاً بقول لا إلى غاية، وذلك محال، وإذا استحال ذلك، صحّ وثبت أنّ للّٰه عزّ وجلّ قولاً غير مخلوق.(2)


1) . النحل: 40.

2) . الإبانة: 52-53.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاستدلال مبني على كون الأمر بالكون في الآية ونظائرها أمراً لفظياً مؤلّفاً من الحروف والأصوات، وأنّه سبحانه كالسلطان الآمر، فكما أنّه يتوسل عند أمر وزرائه وأعوانه باللفظ فهكذا سبحانه يتوسل عند خلق السماوات والأرض باللفظ والقول، فيخاطب المعدوم المطلق بلفظة «كُنْ».

ولا شكّ أنّ هذا الاحتمال باطل جدّاً، إذ لا معنى لخطاب المعدوم. وما يقال في تصحيحه بأنّ المعدوم معلوم للّٰه تعالى - فهو يعلم الشيء قبل وجوده، وأنّه سيوجد في وقت كذا - غير مفيد، لأنّ العلم بالشيء لا يصحح الخطاب الجدي، وإنّما المراد من الأمر في الآية كما فهمه جمهور المسلمين، هو الأمر التكويني المعبر به عن تعلّق الإرادة القطعية بإيجاد الشيء، والمقصود من الآية: إنّ تعلّق إرادته سبحانه بشيء يستعقب وجوده، ولا يأبى عنه الشيء، وأنّ ما قضاه من الأُمور وأراد كونه، فإنّه يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كالمأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل، لا يتوقف ولا يمتنع ولا يكون منه الإباء.

وبذلك تقف على الفرق بين الأمر التكليفي التشريعي الوارد في الكتاب والسنّة، والأمر التكويني، فالأوّل يخاطب به الإنسان العاقل القابل للتكليف ولا يخاطب به غيره فضلاً عن المعدوم، وهذا بخلاف الأمر التكويني فإنّه رمز إلى تعلّق الإرادة القطعية بإيجاد المعدوم.

وهذا أمير المؤمنين عليّبن أبي طالب عليه السلام يفسر الأمر التكويني بقوله: «يقول لمن أراد كونه، كن، فيكون لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنّما

كلامه سبحانه فعل منه، أنشأه ومثله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً».(1)وثانياً: نحن نختار الشق الثاني، ولا يلزم التسلسل، ونلتزم بأنّ هنا قولاً سابقاً على القرآن هو غير مخلوق، أوجد به سبحانه مجموع القرآن وأحدثه، حتّى كلمة «كن» الواردة في تلك الآية ونظائرها، فتكون النتيجة حدوث القرآن وجميع الكتب السماوية وجميع كلمه وكلامه إلّاقولاً واحداً سابقاً على الجميع، فينقطع التسلسل بالالتزام بعدم مخلوقية لفظ واحد، فتدبر.

وثالثاً: كيف يمكن أن تكون كلمة «كن» الواردة في الآية وأمثالها قديمة، مع أنّها إخبار عن المستقبل فتكون حادثة.

يقول سبحانه مخبراً عن المستقبل: «إِنَّمٰا قَوْلُنٰا لِشَيْ‌ءٍ إِذٰا أَرَدْنٰاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» و لأجل ذلك التجأ المتأخرون من الأشاعرة إلى أنّ لفظ «كن» حادث، والقديم هو المعنى الأزلي النفساني.(2)


الثاني: قوله سبحانه: «إِنَّ رَبَّكُمُ اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّٰامٍ ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ يُغْشِي اَللَّيْلَ اَلنَّهٰارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ وَ اَلنُّجُومَ مُسَخَّرٰاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاٰ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ تَبٰارَكَ اَللّٰهُ رَبُّ اَلْعٰالَمِينَ».(3)


1) . نهج البلاغة: الخطبة 186.

2) . دلائل الصدق حاكياً عن ابن روزبهان الأشعري: 153/1.

3) . الأعراف: 54.

قال الأشعري: «فالخلق» جميع ما خلق داخل فيه، ولما قال «الأمر» ذكر أمراً غير جميع الخلق. فدلّ ما وصفناه على أنّ اللّٰه غير مخلوق. وأمّا أمر اللّٰه فهو كلامه.

وباختصار: انّه سبحانه أبان الأمر من الخلق، وأمر اللّٰه كلامه، وهذا يوجب أن يكون كلام اللّٰه غير مخلوق.(1)يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على أنّ «الأمر» في الآية بمعنى كلام اللّٰه، وهو غير ثابت، بل القرينة تدلّ على أنّ المراد منه غير ذلك، كيف وقد قال سبحانه في نفس الآية: «وَ اَلنُّجُومَ مُسَخَّرٰاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاٰ لَهُ اَلْخَلْقُ وَ اَلْأَمْرُ» والمراد من اللفظين واحد، والأوّل قرينة على الثاني. وهدف الآية هو أنّ الخلق بمعنى الإيجاد وتدبير الموجد كلاهما من اللّٰه سبحانه، وليس شأنه سبحانه خلق العالم والأشياء ثمّ الانصراف عنها وتفويض تدبيره إلى غيره، حتّى يكون الخلق منه، والتدبير على وجه الاستقلال من غيره، بل الكلّ من جانبه سبحانه.

وباختصار: المراد من الخلق هو إيجاد ذوات الأشياء، والمراد من الأمر، النظام السائد عليها: فكأنّ الخلق يتعلّق بذواتها، والأمر بالأوضاع الحاصلة فيها والنظام الجاري بينها. وتدلّ على ذلك بعض الآيات التي يذكر فيها «تدبير الأمر» بعد الخلق.

يقول سبحانه: «إِنَّ رَبَّكُمُ اَللّٰهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ


1) . الإبانة: 51-52.

أَيّٰامٍ ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ مٰا مِنْ شَفِيعٍ إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ». (1)وقال تعالى: «اَللّٰهُ اَلَّذِي رَفَعَ اَلسَّمٰاوٰاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهٰا ثُمَّ اِسْتَوىٰ عَلَى اَلْعَرْشِ وَ سَخَّرَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ اَلْأَمْرَ يُفَصِّلُ اَلْآيٰاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقٰاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ».(2)فليس المراد من الأمر ما يقابل النهي، بل المراد الشؤون الراجعة إلى التكوين، فيكون المقصود إنّ الإيجاد أوّلاً، والتصرف والتدبير ثانياً، منه سبحانه، فهو الخالق المالك لا شريك له في الخلق والإيجاد، ولا في الإرادة والتدبير.

وفي الختام نضيف أنّه سبحانه يصف الروح بكونه من مقولة الأمر ويقول: «وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلرُّوحِ قُلِ اَلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي»(3)فهل الأشعري يسمح لمسلم أن يعتقد بكون الروح (بأيّ وجه فسر) المسؤول عنه في الآية غير مخلوق؟!


الثالث: قوله سبحانه: «إِنْ هٰذٰا إِلاّٰ قَوْلُ اَلْبَشَرِ».(4)قال الأشعري: فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فقد جعله قولاً للبشر، وهذا ما أنكره اللّٰه على المشركين.(5)


1) . يونس: 3.

2) . الرعد: 2.

3) . الإسراء: 85.

4) . المدثر: 25.

5) . الإبانة: 56.

يلاحظ عليه: أنّ من يقول بأنّ القرآن مخلوق لا يريد إلّاكونه مخلوقاً للّٰه سبحانه. فاللّٰه سبحانه خلقه وأوحى به إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم، ونزّله عليه نجوماً في مدة ثلاث وعشرين سنة، وجعله فوق قدرة البشر، فلن يأتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.

نعم، كون القرآن مخلوقاً للّٰه سبحانه لا ينافي أن يكون ما يقرأه الإنسان مخلوقاً له، لبداهة أنّ الحروف والأصوات التي ينطق بها الناس مخلوقة لهم، وهذا كمعلّقة امرئ القيس وغيرها، فأصلها مخلوق لنفس الشاعر، لكن المقروء مثال له، ومخلوق للقارئ.

والعجب أنّ الأشعري ومن قبله ومن بعده لم ينقّحوا موضع النزاع، فزعموا أنّه إذا قيل «القرآن مخلوق» فإنّما يراد منه كون القرآن مصنوعاً للبشر، مع أنّ الضرورة قاضية بخلافه، فكيف يمكن لمسلم يعتنق القرآن ويقرأ هتاف الباري سبحانه فيه: «نَزَّلَ عَلَيْكَ اَلْكِتٰابَ بِالْحَقِّ»(1)أن يتفوّه بأنّ القرآن مخلوق للبشر. بل المسلمون جميعاً يقولون في القرآن نفس ما قاله سبحانه في حقّه، غير أنّ المقروء على ألسنتهم مخلوق لأنفسهم، فيكون مثال ما نزّله سبحانه مخلوقاً للإنسان. وكون المثال مخلوقاً ليس دليلاً على أنّ الممثَّل مخلوق لهم. والناس بأجمعهم عاجزون عن إيجاد مثل القرآن، ولكنّهم قادرون على إيجاد مثاله، فلاحظ وتدبّر.

وبذلك تقف على أنّ أكثر ما استدلّ به الأشعري في كتاب «الإبانة» غير


1) . آل عمران: 3.

تام من جهة الدلالة، ولا نطيل المقام بإيراده ونقده، وفيما ذكرنا كفاية.

بقيت هنا نكتة ننبه عليها وهي: أنّ المعروف من إمام الحنابلة أنّه ما كان يرى الخوض في المسائل التي لم يخض فيها السلف الصالح، لأنّه ما كان يرى علماً إلّاعلم السلف. فما يخوضون فيه يخوض فيه، وما لا يخوضون فيه من أُمور الدين يراه ابتداعاً يجب الإعراض عنه. وهذه مسألة لم يتكلم فيها السلف فلا يتكلّم فيها. والمبتدعون هم الذين يتكلمون، وعلى هذا، كان عليه أن يسير وراءهم، وكان من واجبه حسب أُصوله، التوقّف وعدم النبس في هذا الموضوع ببنت شفة. نعم، نقل عنه ما يوافق التوقف - رغم ما نقلناه عنه من خلافه - وأنّه قال: من زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي، ومن زعم أنّه غير مخلوق فهو مبتدع.

ويرى المحقّقون أنّ إمام الحنابلة كان في أوليات حياته يرى البحث حول القرآن - بأنّه مخلوق أو غير مخلوق - بدعة، ولكنّه بعد ما زالت المحنة وطلب منه الخليفة العباسي المتوكل، المؤيد له، الإدلاء برأيه، اختار كون القرآن ليس بمخلوق. ومع ذلك لم يؤثر عنه أنّه قال إنّه قديم.(1)

موقف أهل البيت عليهم السلام

إنّ تاريخ البحث وما جرى على الفريقين من المحن، يشهد بأنّ التشدد فيه لم يكن بهدف إحقاق الحقّ وإزاحة الشكوك. بل استغلت كلّ طائفة تلك المسألة للتنكيل بخصومها. فلأجل ذلك نرى أنّ أئمّة أهل


1) . تاريخ المذاهب الإسلامية: 300.

البيت عليهم السلام منعوا أصحابهم عن الخوض في تلك المسألة، فقد سأل الريان بن الصلت، الإمام الرضا عليه السلام وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: «كلام اللّٰه لا تتجاوزوه ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلّوا».

وروى علي بن سالم، عن أبيه قال: سألت الصادق جعفر بن محمد فقلت له: يابن رسول اللّٰه ما تقول في القرآن؟ فقال:

«هو كلام اللّٰه، وقول اللّٰه، وكتاب اللّٰه، ووحي اللّٰه، وتنزيله، وهو الكتاب العزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل حكيم حميد».

وحدّث سليمان بن جعفر الجعفري قال: «قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليهم السلام: يابن رسول اللّٰه، ما تقول في القرآن؟ فقد اختلف فيه من قبلنا، فقال قوم: إنّه مخلوق، وقال قوم: إنّه غير مخلوق؟ فقال عليه السلام: «أمّا إنّي لا أقول في ذلك ما يقولون، ولكنّي أقول إنّه كلام اللّٰه».

فإنّا نرى أنّ الإمام عليه السلام يبتعد عن الخوض في تلك المسألة لمّا رأى أنّ الخوض فيها ليس لصالح الإسلام، وأنّ الاكتفاء بأنّه كلام اللّٰه أحسم لمادة الخلاف. ولكنّهم عليهم السلام عندما أحسّوا بسلامة الموقف، وهدوء الأجواء أدلوا برأيهم في الموضوع، وصرّحوا بأنّ الخالق هو اللّٰه، وغيره مخلوق، والقرآن ليس نفسه سبحانه، وإلّا يلزم اتحاد المنزل (بالكسر) والمنزل، فهو غيره، فيكون لا محالة مخلوقاً.

فقد روى محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني قال: كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا عليهم السلام إلى بعض شيعته ببغداد: «بسم اللّٰه

الرّحمن الرّحيم، عصمنا اللّٰه وإيّاك من الفتنة، فإن يفعل فقد أعظم بها نعمة، وإن لا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، ويتكلّف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلّا اللّٰه عزّوجلّ، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام اللّٰه، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالّين، جعلنا اللّٰه وإيّاك من الّذين يخشون ربّهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون».(1)في الروايات المروية إشارة إلى المحنة التي نقلها المؤرّخون، فقد كان أحمد بن أبي دؤاد في عصر المأمون كتب إلى الولاة في العواصم الإسلامية أن يختبروا الفقهاء والمحدّثين في مسألة خلق القرآن، وفرض عليهم أن يعاقبوا كلّ من لا يرى رأي المعتزلة في هذه المسألة. وجاء المعتصم والواثق فطبقا سيرته وسياسته مع خصوم المعتزلة، وبلغت المحنة أشدّها على المحدثين، وبقي أحمد بن حنبل ثمانية عشر شهراً تحت العذاب فلم يتراجع عن رأيه. ولماجاء المتوكل العباسي نصر مذهب الحنابلة وأقصى خصومهم، فعند ذلك أحس المحدّثون بالفرج، وأحاطت المحنة بأُولئك الذين كانوا بالأمس القريب يفرضون آراءهم بقوة السلطان.

فهل يمكن عدّ مثل هذا الجدال جدالاً إسلامياً، وقرآنياً، لمعرفة الحقيقة وتبيينها، أو أنّه كان وراءه شيء آخر؟! واللّٰه العالم بالحقائق وضمائر القلوب.


1) . توحيد الصدوق، باب القرآن ما هو، الأحاديث: 2 و 3 و 4 و 5.

(15) عموم إرادته لكلّ شيء

اشارة

إنّ من آرائه هو عموم إرادة اللّٰه سبحانه لكلّ شيء، ويعدّ ذلك من المسائل الرئيسية في مذهبه، وحاصله: أنّ كلّ ما في الكون من جواهر وأعراض حتى الإنسان وفعله، مراد للّٰه سبحانه، تعلّقت إرادته بوجوده، وليس شيء في صفحة الوجود خارجاً عن سلطان إرادته، ولا يقع شيء من صغير وكبير إلّابإرادة منه سبحانه. ويقابل ذلك مذهب المعتزلة حيث جعلوا أفعال العباد خارجة عن حريم إرادته، فإيمان العبد وكفره وعصيانه وإطاعته لم تتعلّق بها إرادته سبحانه، وإنّما خلقه وفوض إليه إرادته.

وإنّما اختلف المذهبان في عموم الإرادة وعدمه، لأجل التحفّظ على عدله سبحانه والتخلّص عن الجبر وعدمهما، فالأشعري ومن حذا حذوه لا يتحاشون عن الاعتقاد بالأصل أو الأُصول التي تساند الجبر وتستلزمه، بناءً على ما أسّسه من كون الحسن ما حسّنه الشرع، والقبح ما قبّحه الشارع، وليس للعقل دور في تشخيص الحسن والقبح. وهذا بخلاف المعتزلة فإنّ للتحسين والتقبيح دوراً عظيماً في تكييف مذهبهم، وعلى هذا الأساس ذهب الأشعري إلى

عموم إرادته سبحانه لكلّ شيء من وجوده وفعله، من غير فرق بين الإنسان وفعله، سواء أوافق العدل أم خالفه، استلزم الجبر أم لا.

وزعمت المعتزلة أنّ القول بعموم الإرادة يستلزم الجبر في أفعال البشر، وهو ينافي عدله سبحانه. ولا معنى لأن يريد سبحانه كفر العبد وهو يأمر بالإيمان به، ويعذبه على ما أراده منه، وسيوافيك الكلام في استلزام عموم إرادته الجبر وعدمه.

وعلى كلّ تقدير فقد استدل الأشعري على مقالته بوجوه عقلية ونقلية، نشير إلى أُمهاتها:

الأدلّة العقلية على عموم إرادته

1. إنّ الإرادة إذا كانت من صفات الذات بالدلالة التي ذكرناها وجب أن تكون عامة لكلّ ما يجوز أن يراد على حقيقته.(1)يلاحظ عليه: أنّه لم يبيّن وجه الملازمة بين كون الإرادة من صفات الذات وعموميتها لجميع المحدثات، فكون الإرادة من صفات الذات لا يستلزم تعلّقها بكلّ ما يجوز أن يراد.

اللّهمّ إلّاأن يرجع إلى وجه آخر، وهو كون الإرادة من صفاته الذاتية، والذات علّة تامّة بلا واسطة لكلّ شيء، فيستنتج عموم إرادته لكلّ شيء من عموم علّيّة ذاته لكلّ شيء كما سيذكره.

2. دلّت الدلالة على أنّ اللّٰه تعالى خالق كلّ شيء حادث، ولا يجوز أن يخلق ما لا يريده.(2)

1) . اللمع: 47.

2) . نفس المصدر.

3.

قد دلّت الدلالة على أنّ كلّ المحدثات مخلوقات للّٰه تعالى، فلمّا استحال أن يفعل الباري تعالى مالا يريده، استحال أن يقع من غيره ما لا يريده، إذ كان ذلك أجمع أفعالاً للّٰه تعالى.(1)ويلاحظ على الوجهين: أنّهما مبنيان على أصل غير مسلَّم عند المعتزلة وهو أنّ أفعال العباد مخلوقة للّٰه سبحانه، وأنّه سبحانه علّة تامة لها، وفاعل مباشري لكلّ شيء، وقائم مقام جميع العلل والأسباب.

4.

إنّه لا يجوز أن يكون في سلطان اللّٰه تعالى مالا يريده، لأنّه لو كان في سلطان اللّٰه تعالى مالا يريده لوجب أحد أمرين:

إمّا إثبات سهو وغفلة، أو إثبات ضعف وعجز ووهن وتقصير عن بلوغ ما يريده، فلمّا لم يجز ذلك على اللّٰه تعالى استحال أن يكون في سلطانه مالا يريده.(2)5. لو كان في العالم مالا يريده اللّٰه تعالى لكان ما يكره كونه، ولو كان ما يكره كونه، لكان يأبى كونه. وهذا يوجب أنّ المعاصي كانت، شاء اللّٰه أم أبى. وهذه صفة الضعيف المقهور. وتعالى ربّنا عن ذلك علوّاً كبيراً.(3)يلاحظ على الوجهين: أنّ عدم تعلّق إرادته ليس بمعنى تعلّق إرادته بعدمه، فلا يكون صدور الفعل عن الغير دليلاً على سهوه أو عجزه كما زعم، كما لا يكون دليلاً على كونه مقهوراً، إذ عدم كراهية وجود المعاصي لا يلازم كراهية عدمه، حتى يستدلّ بوقوعها على المقهورية.

وفي الختام، إنّ القول بعموم إرادته سبحانه لكلّ ما يجوز أن يراد عند


1) . نفس المصدر.

2) . اللمع: 49.

3) . اللمع: 57-58.

الأشاعرة، يتفرع على أصل آخر، وهو أنّه سبحانه خالق لكلّ شيء مباشرة، وأنّه لا سبب ولا علّة في دار الوجود إلّاهو، وليس لغيره أي سببية وتأثير استقلالاً وتبعاً. فلازم ذلك القول إنكار النظام السببي والمسببي، والاعتراف بعلّة واحدة قائمة مقام جميع العلل الطبيعية والمجردة، وهذا القول لا ينفك عن عموم إرادته لكلّ شيء، فكان الأصل هو مسألة خلق الأعمال عندهم، ويترتب عليها القول بعموم إرادته. ويشهد لذلك بعض ما مرّ من أدلّة الشيخ الأشعري كالدليل الثاني.

قال الرازي في المحصل: «إنّه تعالى مريد لجميع الكائنات خلافاً للمعتزلة. [وسبق] لنا أن بيّنا أنّه تعالى خالقها، وقد تقدّم أنّ خالق الشيء مريد لوجوده».(1)وقال القاضي عضد الدين الإيجي في المواقف: إنّه تعالى مريد لجميع الكائنات، غير مريد لما لا يكون لنا، أمّا أنّه مريد للكائنات فلأنّه خالق الأشياء كلّها لما مرّ من استناد جميع الحوادث إلى قدرته تعالى ابتداء، وخالق الشيء بلا إكراه مريد له بالضرورة.(2)ثمّ إنّ الأشاعرة زعمت أنّ في ذلك القول تعظيماً لقدرة اللّٰه تعالى وتقديساً لها عن شوائب النقصان والقصور في التأثير، ولكن غفلوا عن أنّ تفسير إرادته عن طريق خلق الأعمال مباشرة وبلا واسطة، وإنكار سلسلة


1) . تلخيص المحصل: 334.

2) . شرح المواقف: 174/8.

العلل والمعاليل في دار الوجود، يستلزم نسبة كلّ عيب وشين إلى اللّٰه سبحانه، فكفر الكافر مراد للّٰه سبحانه لأنّه خالقه، وإن كان المسؤول هو الكافر المجبور المكتوف الأيدي.

نعم، تفسير عموم إرادته بهذا الوجه في جانب الإفراط، كما أنّ قول المعتزلة بإخراج أفعال العباد عن حريم إرادته في جانب التفريط، حيث زعموا أنّه سبحانه أوجد العباد وأقدرهم على تلك الأفعال، ففوض إليهم الأمر، فهم مستقلون بإيجاد أفعالهم على طبق مشيئتهم وقدرتهم متمسكين بالقول المعروف: «سبحان من تنزّه عن الفحشاء» ناسين القول الآخر: سبحان من لا يجري في ملكه إلّاما يشاء» وقد ندّد أئمّة الإمامية بكلا الرأيين فقد سأل محمد بن عجلان الصادق عليه السلام فقال له: فوض اللّٰه الأمر إلى العباد؟ فقال: «اللّٰه أكرم من أن يفوّض إليهم». قلت: فأجبر اللّٰه العباد على أفعالهم؟ فقال: «اللّٰه أعدل من أن يجبر عبداً على فعل ثمّ يعذّبه عليه».(1)وقال الإمام موسى الكاظم عليه السلام في ذم المفوضة:

«مساكين القدرية أرادوا أن يصفوا اللّٰه عزّوجلّ بعدله، فأخرجوه من قدرته وسلطانه».(2)وعلى ضوء ذلك فيجب تفسير عموم إرادته على وجه يليق بساحته، مع التحفّظ على الأُصول المسلّمة العقلية فنقول:


1) . التوحيد للصدوق: 361، الحديث 6.

2) . بحار الأنوار: 54/5، الحديث 93.

التفسير الصحيح لعموم إرادته

لا شكّ أنّ مقتضى التوحيد في الخالقية بالمعنى الذي عرّفناك به عند البحث عن «خلق الأعمال» هو كون ما في الوجود مخلوقاً للّٰه سبحانه، لكن لا بمعنى إنكار العلل والأسباب، بل بمعنى انتهاء كلّ الأسباب والمسببات إليه سبحانه، كانتهاء المعنى الحرفي إلى المعنى الاسمي، وقيام الممكن بالذات، بالواجب بالذات.

هذا من جانب، ومن جانب آخر إنّ إرادته سبحانه من صفات ذاته، وإن لم نحقّق كنهها، لأنّ الفاعل المريد أكمل من الفاعل غير المريد، غير أنّ الإرادة في الإنسان طارئة حادثة، وفيه سبحانه ليست كذلك.

فإذا كانت إرادته نفس ذاته، والذات هي العلّة العليا للكون فلا يكون هناك شيء خارج عن حريم إرادته، فكما تعلّقت قدرته بكلّ شيء، تعلّقت إرادته به، ولا يكون في صفحة الوجود شيء خارج عن سلطان إرادته.

ولكن وزان عمومية إرادته لكلّ شيء، وزان عمومية قدرته لكلّ شيء، فكما أنّ عمومية الثانية لا تسلتزم الجبر، فهكذا عمومية الإرادة، وذلك لأنّ إرادته لم تتعلّق بصدور فعل كلّ شيء عن فاعله على وجه الإلجاء والاضطرار، بل تعلّقها به على قسمين: قسم تعلّقت إرادته بصدور الفعل عن فاعله على نحو الاضطرار، ولكن لا عن شعور، كالحرارة بالنسبة إلى النار؛ أو

عن شعور، ولكن لا عن إرادة واختيار، كحركة المرتعش. وقسم تعلّقت إرادته بصدور الفعل عن فاعله عن اختيار.

فمعنى تعلّق إرادته بفعل الإنسان هو تعلّق إرادته بكونه فاعلاً مختاراً يفعل ما يشاء في ظل مشيئته سبحانه، فقد شاء أن يكون مختاراً، وفي وسعه سبحانه سلب اختياره وإلجاؤه إلى أحد الطرفين من الفعل والترك.

وباختصار: إنّه كما تعلقت إرادته بصدور فعل كلّ فاعل عنه، كذلك تعلّقت إرادته بصدور فعله عن المبادئ الموجودة فيها.

فالفواعل الطبيعية غير المختارة تعلّقت إرادته بصدور آثارها عنها بلا علم أو بلا اختيار، وأمّا غيرها فقد تعلّقت بصدور أفعاله (الإنسان) عن المبادئ الموجودة فيه، ومن المبادىء كونه مختاراً في تعيين الفعل وترجيحه على الترك.

وعموم الإرادة بهذا المعنى لا يستلزم الجبر بعد التأمل والإمعان. وأمّا النقل فيشهد على عمومية إرادته بعض الآيات، وإليك قسماً منها:

1.

قال سبحانه: «وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ رَبُّ اَلْعٰالَمِينَ».(1)وهو صريح في أن تعلّق مشيئة الإنسان بعد تعلّق مشيئة اللّٰه، لا قبله ولا معه.

2.

«وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّٰ بِإِذْنِ اَللّٰهِ».(2)


1) . التكوير: 29.

2) . يونس: 100.

وهذا أصل عام في عالم الوجود وإنّما ذكر الإيمان من باب المثال.

3. «مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا قٰائِمَةً عَلىٰ أُصُولِهٰا فَبِإِذْنِ اَللّٰهِ وَ لِيُخْزِيَ اَلْفٰاسِقِينَ».(1)فقطع الأشجار أو إبقاؤها على أُصولها من أفعال الإنسان كان مشمولاً لإذنه سبحانه ومتعلّقاً به.

هذا إجمال ما أوضحناه في الأبحاث الكلامية، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مظانّها.


1) . الحشر: 5.

(16) التحسين والتقبيح العقليان

اشارة

قد عنون الشيخ الأشعري هذه المسألة باسم «التعديل والتجوير» وهذه المسألة، تعد الحجر الأساس لكلام الأشعري وعقيدة أهل الحديث والحنابلة. فالشيخ تبعاً لأبناء الحنابلة صوّر العقل أقلّ من أن يدرك ما هو الحسن وما هو القبيح، وما هو الأصلح وما هو غيره، قائلاً بأنّ تحكيم العقل في باب التحسين والتقبيح يستلزم نفي حرية المشيئة الإلهية، وتقيدها بقيد وشرط، إذ على القول بهما يجب أن يفعل سبحانه ما هو الحسن عند العقل، كما عليه الاجتناب عمّا هو القبيح عنده. فلأجل التحفّظ على إطلاق المشيئة الإلهية قالوا: لا حسن إلّاما حسّنه الشارع، ولا قبيح إلّاما قبّحه، فله سبحانه أن يؤلم الأطفال في الآخرة ويعدّ ذلك منه حسناً.

أقول: الإنسان المتحرر عن كلّ عقيدة مسبقة - وعن كلّ عامل روحي يمنعه عن الاعتناق بحكم العقل في ذلك المجال - يصعب عليه الإذعان بصحّة عقوبة الطفل المعصوم، وتصويره حسناً وعدلاً. ولا تجد إنساناً على أديم الأرض ينكر قبح الإساءة إلى المحسن. فعند ذلك يتوارد السؤال عن

العلة التي دفعت الأشعري إلى هذه العقيدة، ولم يكن ذلك إلّالمواجهة المعتزلة في تحكيمهم العقل على الشرع، وإخضاعهم الدين له، حتى صاروا يؤوّلون بعض ما لا ينطبق من الشرع على أُصولهم العقلية. فصار ذلك الإفراط دافعاً للشيخ إلى التفريط والتورط في مغبة إعدام العقل ورفضه عن ساحة الإدراك على الإطلاق.

ولأجل إيقاف القارئ على نماذج من تفكير الأشعري في هذا الباب ننقل بعض عباراته من كتابه «اللمع»:

يقول: فإن قال قائل: هل للّٰه تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة؟

قيل له: للّٰه تعالى ذلك، وهو عادل إن فعله - إلى أن قال -: ولا يقبح منه أن يعذب المؤمنين ويدخل الكافرين الجنان. وإنّما نقول إنّه لا يفعل ذلك، لأنّه أخبرنا أنّه يعاقب الكافرين، وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره.(1)

دليل الأشعري على نفي التحسين والتقبيح العقليين 1. هو المالك القاهر

استدلّ الأشعري على مقالته، بقوله: والدليل على أنّ كلّ ما فعله، فله فعله، أنّه المالك، القاهر، الذي ليس بمملوك، ولا فوقه مبيح، ولا آمر ولا زاجر، ولا حاظر ولا من رسم له الرسوم، وحد له الحدود.

فإذا كان هذا هكذا، لم يقبح منه شيء، إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا، لأنّا


1) . اللمع: 116-117.

تجاوزنا ما حُدَّ ورسم لنا وأتينا ما لم نملك إتيانه. فلمّا لم يكن البارئ [مملوكاً] ولا تحت أمر، لم يقبح منه شيء. فإن قال: فإنّما يقبح الكذب لأنّه قبّحه، قيل له: أجل، ولوحسّنه لكان حسناً، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض. فإن قالوا: فجوّزوا عليه أن يكذب، كما جوّزتم أن يأمر بالكذب. قيل لهم: ليس كلّ ما جاز أن يأمر به، جاز أن يوصف به.(1)يلاحظ عليه: أمّا أوّلاً: فإنّنا نسأل الشيخ الأشعري إنّه سبحانه إذا آلم طفله في الآخرة وعذّبه بألوان التعذيب، ورأى ذلك بأُمّ عينه في الآخرة، هل يرى ذلك عين العدل، ونفس الحسن، أو أنّه يجد ذلك الفعل، من وجدانه، أمراً منكراً؟ ومثله ما لو فعل بالأشعري نفس ما فعل بطفله، مع كونه مؤمناً، فهل يرضى بذلك في أعماق روحه، ويراه نفس العدل، غير متجاوز عنه، بحجّة أنّ اللّٰه سبحانه مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء، أو أنّه يقضي بخلاف ذلك؟

وأمّا ثانياً: فلا شكّ أنّه سبحانه مالك الملك والملكوت، يقدر على كلّ أمر ممكن كما عرفت من غير فرق بين الحسن والقبيح، فعموم قدرته لكلّ ممكن ممّا لا شبهة فيه، ولكن حكم العقل بأنّ الفعل الفلاني قبيح لا يصدر عن الحكيم، ليس تحديداً لملكه وقدرته. وهذا هو المهم في حلّ عقدة الأشاعرة الذين يزعمون أنّ قضاء العقل وحكمه في أفعاله سبحانه، نوع تدخل في شؤون ربّ العالمين، ولكن الحقّ غير ذلك.

توضيحه: إنّ العقل بفضل التجربة، أو بفضل البراهين العقلية يكشف


1) . نفس المصدر.

عن القوانين السائدة على الطبيعة، كما يكشف عن القوانين الرياضية، فلو قال العقل: إنّ كلّ زوج ينقسم إلى متساويين، فهل يحتمل أنّ العقل فرض حكمه على الطبيعة، أو يقال: إنّ الطبيعة كانت تحمل ذلك القانون والعقل كشفه وبيّنه؟ فإذا كان هذا هو الفرق بين فرض الحكم وكشفه في عالم الطبيعة، فليكن هو الفارق بين إدراكه حسن الفعل وقبحه، وإنّ أيّ فعل يصدر منه تعالى وأيّ منه لا يصدر، وبين فرضه الحكم على اللّٰه سبحانه فرضاً يحدد سعة قدرته وإرادته وفعله. فليس العقل هنا حاكماً وفارضاً على اللّٰه سبحانه بل هو - بالنظر إلى اللّٰه وصفاته التي منها الحكمة والغنى - يكشف عن أنّ الموصوف بمثل هذه الصفات وخاصة الحكمة، لا يصدر منه القبيح، ولا الإخلال بما هو حسن.

وبعبارة أُخرى: إنّ العقل يكشف عن أنّ المتصف بكلّ الكمال، والغني عن كلّ شيء، يمتنع أن يصدر منه الفعل القبيح، لتحقق الصارف عنه وعدم الداعي إليه، وهذا الامتناع ليس امتناعاً ذاتياً حتّى لا يقدر على الخلاف، ولا ينافي كونه تعالى قادراً عليه بالذات، ولا ينافي اختياره في فعل الحسن وترك القبيح، فإنّ الفعل بالاختيار كما أنّ الترك به أيضاً. وهذا معنى ما ذهبت إليه العدلية من أنّه يمتنع عليه القبائح، ولا تهدف به إلى تحديد فعله من جانب العقل، بل اللّٰه، بحكم أنّه حكيم، التزم وكتب على نفسه أن لا يخلّ بالحسن ولا يفعل القبيح، وليس دور العقل هنا إلّادور الكشف والتبيين بالنظر إلى صفاته وحكمته.

وباختصار: إنّ فعله سبحانه - مع كون قدرته عامة - ليس فوضوياً،

ومتحرّراً عن كلّ سلب وإيجاب، وليس التحديد مفروضاً عليه سبحانه من ناحية العقل، وإنّما هو واقعية وحقيقة يكشف عنها العقل، كما يكشف عن القوانين السائدة على الطبيعة والكون. فتصور أنّ فعله سبحانه متحرر من كلّ قيد وحدّ، بحجّة حفظ شأن اللّٰه سبحانه وسعة قدرته، أشبه بالمغالطة، فإنّ حفظ شأنه سبحانه غير فرض انحلال فعله عن كلّ قيد وشرط.

وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر ضعف ما استدلّ به القائلون بنفي التحسين والتقبيح العقليّين، ولا بأس بالإشارة إلى بعض أدلّتهم التي أقامها المتأخّرون عن أبي الحسن الأشعري.

2. لو كان التحسين والتقبيح ضرورياً لما وقع الاختلاف

قالوا: «لو كان العلم بحسن الإحسان وقبح العدوان ضرورياً لما وقع التفاوت بينه و بين العلم بأنّ الواحد نصف الاثنين، لكن التالي باطل بالوجدان».

وأجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله: «ويجوز التفاوت في العلم لتفاوت التصور».(1)توضيحه: أنّه قد تتفاوت العلوم الضرورية بسبب التفاوت في تصور أطرافها. وقد قرر في صناعة المنطق أنّ للبديهيات مراتب، فالأوّليات أبدَهُ من المشاهدات بمراتب، والثانية أبده من التجريبيات، والثالثة أبده من


1) . كشف المراد: 186-187، ط صيدا.

الحدسيات، والرابعة أبده من المتواترات، والخامسة أبده من الفطريات.

والضابط في ذلك أنّ مالا يتوقف التصديق به على واسطة سوى تصور الطرفين فهو أبده من غيره، وذلك مثل الأوّليات، وهكذا.

فلو صحّ ما ذكره الأشاعرة من الملازمة، لزم أن لا تكون الحدسيات من اليقينيات.

وباختصار: إنّ العلوم اليقينية، مع كثرتها، ليست على نمط واحد، بل لها مراتب ودرجات، وهذا شيء يلمسه الإنسان إذا مارس علومه ويقينياته.

3. لو كان الحسن والقبح عقليّين لما تغيّرا

إنّ الحسن والقبح لو كانا عقليين لمّا اختلفا، أي لما حسن القبيح ولما قبح الحسن. والتالي باطل، فإنّ الكذب قد يحسن والصدق قد يقبح. وذلك فيما إذا تضمّن الكذب إنقاذ نبي من الهلاك، والصدق إهلاكه.

وباختصار: لو كان الكذب قبيحاً لذاته لما كان واجباً ولا حسناً عندما توقفت عليه عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله.

وأجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله: «وارتكاب أقلّ القبيحين مع إمكان التخلّص».(1)توضيحه: أنّ الكذب في الصورة الأُولى على قبحه، وكذا الصدق على حسنه، إلّاأنّ ترك إنقاذ النبي أقبح منه، فيحكم العقل بارتكاب أقل القبيحين


1) . كشف المراد: 187.

تخلّصاً من ارتكاب الأقبح. على أنّه يمكن التخلص عن الكذب بالتعريض (أي التورية).

وباختصار: إنّ تخليص النبي أرجح من حسن الصدق، فيكون تركه أقبح من الكذب، فيرجح ارتكاب أدنى القبيحين وهو الكذب لاشتماله على المصلحة العظيمة، على الصدق.

أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال مبني على كون قبح الكذب وحسن الصدق، كقبح الظلم وحسن العدل، ذاتيين لا يتغيران، لا على القول بأنّ الأفعال بالنسبة إلى الحسن والقبح على أقسام. منها ما يكون الفعل علّة تامة لأحدهما، فلا يتغير حسنه ولا قبحه بعروض العوارض لحسن الإحسان وقبح الإساءة، ومنها ما يكون مقتضياً لأحدهما، فهو موجب للحسن لو لم يعرض عليه عنوان آخر، وهكذا في جانب القبح. وحسن الصدق وقبح الكذب من هذا القبيل. ومنها ما لا يكون علّة ولا مقتضياً لأحدهما كالضرب، جزاءً أو إيذاءً.

ثمّ إنّ لنفاة الحسن والقبح العقليين دلائل واهية لا تليق أن تطرح على بساط البحث، فلنضرب صفحاً عنها.

إلى هنا تم استعراض أدلّة المنكرين للحسن والقبح العقليين، فيناسب - تكميلاً للبحث - استعراض أدلّة المثبتين وهو يتوقف على تبيين ما هو الملاك عند العقل للحكم بأنّ الفعل الكذائي حسن أو قبيح، ولنقدم البحث في ذلك، ثمّ نتبعه بذكر براهين المثبتين.

ما هو الملاك لدرك العقل في هذا المجال؟

إنّ الملاك لقضاء العقل هو أنّه يجد بعض الأفعال موافقاً للجانب الأعلى من الإنسان والوجه المثالي في الوجود البشري، كما يجد بعضها الآخر غير موافق معه، وإن شئت قلت: إنّه يدرك أنّ بعض الأفعال كمال للموجود الحي المختار، وبعضها الآخر نقص له، فيحكم بحسن الأوّل ولزوم الاتصاف به، وقبح الثاني ولزوم تركه.

توضيح ذلك: أنّ الحكماء قسّموا العقل إلى عقل نظري وعقل عملي، فقد قال المعلم الثاني: «إنّ النظرية هي التي بها يجوز الإنسان علم ما ليس من شأنه يعمله إنسان والعملية هي التي يعرف بها ما من شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته».

قال الحكيم السبزواري في توضيحه: إنّ العقل النظري والعقل العملي من شأنهما التعقّل، لكن النظري، شأنه العلوم الصرفة غير المتعلّقة بالعمل، مثل: «اللّٰه موجود واحد»، و «أنّ صفاته عين ذاته» ونحو ذلك، والعملي شأنه العلوم المتعلّقة بالعمل مثل: «التوكّل حسن» و «الرضى والتسليم والصبر محمودة». وهذا العقل هو المستعمل في علم الأخلاق، فليس العقلان كقوتين متباينتين أوكضميمتين، بل هما كجهتين لشيء واحد وهو الناطقة.(1)ثمّ، كما أنّ في الحكمة النظرية قضايا نظرية تنتهي إلى قضايا بديهية،


1) . تعليقات الحكيم السبزواري على شرح المنظومة: 310.

ولولا ذلك لعقمت القياسات وصارت غير منتجة، فهكذا في الحكمة العملية، قضايا غير معلومة لا تعرف إلّابالانتهاء إلى قضايا ضرورية، وإلّا لما عرف الإنسان شيئاً من قضايا الحكمة العملية، فكما أنّ العقل يدرك القضايا البديهية في الحكمة النظرية من صميم ذاتها، فهكذا يدرك بديهيات القضايا في الحكمة العملية من صميم ذاتها بلا حاجة إلى تصور شيء آخر.

مثلاً: إنّ كلّ القضايا النظرية يجب أن تنتهي إلى قضية امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما، بحيث لو ارتفع التصديق بها لما أمكن التصديق بشيء من القضايا، ولذا تسمى ب «أُمّ القضايا»؛ مثلاً: لا يحصل اليقين بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين، قائمتين، إلّاإذاحصل قبله امتناع صدق نقيض تلك القضية، أي عدم مساواتها لهما، وإلّا فلو احتمل صدق النقيض لما حصل اليقين بالنسبة. ولأجل ذلك اتّفقت كلمة الحكماء على أنّ إقامة البرهان على المسائل النظرية إنّما تتم إذا انتهى البرهان إلى أُمّ القضايا التي قد عرفت، وعلى ضوء هذا البيان نقول: كما أنّ للقضايا النظرية في العقل النظري قضايا بديهية أو قضايا أوّلية تنتهي إليها، فهكذا القضايا غير الواضحة في العقل العملي يجب أن تنتهي إلى قضايا أوّلية وواضحة عند ذلك العقل، بحيث لو ارتفع التصديق بهذه القضايا في الحكمة العملية لما صحّ التصديق بقضية من القضايا فيها.

فمن تلك القضايا البديهية في العقل العملي مسألة التحسين والتقبيح العقليين الثابتين لجملة من القضايا، مثل قولنا: «العدل حسن» و «الظلم قبيح» و «جزاء الإحسان بالإحسان حسن وبالإساءة قبيح». فهذه القضايا قضايا

أوّلية في الحكمة العملية، والعقل يدركها من ملاحظة القضية بنفسها، وفي ضوئها يحكم بما ورد في مجال العقل العملي من الأحكام المربوطة بالأخلاق أوّلاً، وتدبير المنزل ثانياً، وسياسة المدن ثالثاً، التي يبحث عنها في العقل العملي. وليس استقلال العقل في تلك القضايا الأوّلية الراجعة إلى العقل العملي إلّالأجل أنّه يجدها إمّا ملائمة للجانب العالي من الإنسانية، المشترك بين جميع أفراد الإنسان، أو منافرة له. وبذلك تصبح قضية التحسين والتقبيح في قسم من الأفعال، قضية كلية لا تختص بزمان دون زمان، ولا جيل دون جيل. بل لا تختص - في كونها كمالاً أو نقصاً - بالإنسان، بل تعم الموجود الحي المدرك المختار، لأنّ العقل يدركها بصورة قضية عامة شاملة لكلّ من يمكن أن يتصف بهذه الأفعال، كالعدل والظلم فهو يدرك أنّ الأوّل حسن عن الجميع ومن الجميع، والثاني قبيح كذلك، وليس للإنسان خصوصية في ذلك القضاء.

وبذلك يصبح المدعي للتحسين والتقبيح العقليين الذاتيين في غنى عن البرهنة لما يتبنّاه، كما أنّ المدعي لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما كذلك.

والعجب أنّ الحكماء والمتكلّمين اتّفقوا على أنّه يجب انتهاء القضايا النظرية في العقل النظري إلى قضايا بديهية، وإلّا عقمت الأقيسة ولزم التسلسل في مقام الاستنتاج، ولكنّهم غفلوا عن إجراء ذلك الأصل في جانب العقل العملي، ولم يقسموا القضايا العملية إلى فكرية وبديهية، أو نظرية وضرورية، كيف والاستنتاج والجزم بالقضايا الواردة في مجال العقل

العملي لا يتم إذا انتهى العقل إلى قضايا واضحة في ذلك المجال.

فالمسائل المطروحة في الأخلاق، التي يجب الاتصاف بها والتنزّه عنها، أو المطروحة في القضايا البيتية والعائلية التي يعبر عنها بتدبير المنزل، أو القضايا المبحوث عنها في علم السياسة وتدبير المدن، ليست في الوضوح على نمط واحد، بل لها درجات ومراتب.

فلا ينال العقل الجزم بكلّ القضايا العملية إلّاإذا كانت هناك قضايا بديهية واضحة تبتني عليها القضايا المجهولة العملية، حتى يحصل الجزم بها، ويرتفع الإبهام عن وجهها. ولأجل ذلك فالقائل بالتحسين والتقبيح العقليين في غنى عن التوسع في طرح أدلّة القائلين بالتحسين والتقبيح، ولا نذكر إلّاالنزر اليسير، وإليك بعض أدلّتهم:

أدلّة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليَّين

الأوّل: ما أشار إليه المحقّق الطوسي بقوله: «ولانتفائهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً»(1)مفاده: إنّه لو قلنا بأنّ الحسن والقبح يثبتان شرعاً يلزم من ذلك عدم ثبوتهما بالشرع أيضاً.

توضيحه: انّ الحسن والقبح لو كانا بحكم العقل، بحيث كان العقل مستقلاً في إدراك حسن الصدق وقبح الكذب، فلا إشكال في أنّ ما أمر به الشارع يكون حسناً، وما نهى عنه يكون قبيحاً، لحكم العقل بأنّ الكذب قبيح، والشارع لا يرتكب القبيح، ولا يتصور في حقّه ارتكابه.


1) . كشف المراد: 186.

وأمّا لو لم يستقل العقل بذلك، فلو أمر بشيء أو نهى عنه أو أخبر بحسن الصدق وقبح الكذب فلا يحسن لنا الجزم بكونه صادقاً في كلامه، حتى نعتقد بمضمونه، لاحتمال عدم صدق الشارع في أمره أو إخباره، فإنّ الكذب حسب الفرض لم يثبت قبحه بعد، حتى لو قال الشارع بأنّه لا يكذب، لم يحصل لنا اليقين بصدقه حتى في هذا الإخبار، فيلزم على قول الأشعري أن لا يتمكن الإنسان من الحكم بحسن شيء لا عقلاً ولا شرعاً.

وإن شئت قلت: لو لم يستقل العقل بحسن بعض الأفعال وقبح بعضها الآخر، كالصدق والكذب، فلا يستقل بقبح صدور الكذب من اللّٰه سبحانه. فإذا أخبرنا عن طريق أنبيائه بأنّ الفعل الفلاني حسن أو قبيح لم نجزم بصدق كلامه لتجويز الكذب عليه.

ثمّ إنّ الفاضل القوشجي الأشعري أجاب عن هذا الاستدلال بقوله:

إنّا لا نجعل الأمر والنهي دليلي الحسن والقبح ليرد ما ذكر، بل نجعل الحسن عبارة عن كون الفعل متعلّق الأمر والمدح، والقبح عبارة عن كونه متعلّق النهي والذم.(1)يلاحظ عليه: أنّ البحث تارة يقع في التسمية والمصطلح، فيصحّ أن يقال: إنّ ما وقع متعلّق الأمر والمدح حسن، وما وقع متعلّق النهي والذم قبيح. والعلم بذلك لا يتوقّف إلّاعلى سماعهما من الشرع. وأُخرى يقع في الوقوف على الحسن أو القبح الواقعيين عند الشرع، فهذا ممّا لا يمكن استكشافه من مجرّد سماع تعلّق الأمر والنهي بشيء،


1) . شرح التجريد للفاضل القوشجي: 442.

إذ من المحتمل أن يكون الشارع عابثاً في أمره ونهيه.

ولو قال إنّه ليس بعابث، لا يثبت به نفي احتمال العابثية عن فعله وكلامه، لاحتمال كونه هازلاً أو كاذباً في كلامه، فلأجل ذلك يجب أن يكون بين الإدراكات العقلية شيء لا يتوقف درك حسنه وقبحه على شيء، وأن يكون العقل مستقلاً في دركه، وهو حسن الصدق وقبح الكذب حتى يستقل العقل بذلك، على أنّ كلّ ما حكم به الشرع فهو صادق في قوله، فيثبت عندئذٍ أنّ ما تعلّق به الأمر حسن شرعاً، وما تعلّق به النهي قبيح شرعاً. وهذا ما يهدف إليه المحقّق الطوسي من أنّه لولا استقلال العقل في بعض الأفعال ما ثبت حسن ولا قبح بتاتاً.

الثاني: ما أشار إليه المحقّق الطوسي أيضاً بقوله: «ولجاز التعاكس في الحسن والقبح».(1)توضيحه: أنّ الشارع على القول بشرعية الحسن والقبح يجوز له أن يحسّن ما قبّحه العقل أو يقبّح ما حسّنه.

وعلى هذا يلزم جواز تقبيح الإحسان وتحسين الإساءة وهو باطل بالضرورة. فإنّ وجدان كلّ إنسان يقضي بأنّه لا يصحّ أن يذم المحسن أو يمدح المسيء. قال أمير المؤمنين عليه السلام: «ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء» (2). والإمام يهدف بكلمته هذه إلى إيقاظ وجدان عامله، ولا يطرحه بما أنّه كلام جديد غفل عنه عامله.


1) . كشف المراد: 2.186. نهج البلاغة قسم الرسائل برقم: 53.

الثالث: لو كان الحسن والقبح شرعيين لما حكم بهما البراهمة والملاحدة الذين ينكرون الشرائع، ولكن يحكمون بذلك مستندين إلى العقل. وهؤلاء الماديون والملحدون في الشرق والغرب يرفضون الشرائع والدين من أساسه، ومع ذلك يعترفون بحسن أفعال وقبح بعضها الآخر.

ولأجل ذلك يغرون شعوب العالم بطرح مفاهيم خداعة، بدعاياتهم الخبيثة، من قبيل دعم الصلح والسلام العالمي، وحفظ حقوق البشر والعناية بالأسرى والسجناء ونبذ التمييز العنصري، إلى غير ذلك ممّا يستحسنه الذوق الإنساني والعقل البشري في جميع الأوساط، يطرحون ذلك ليصلوا من خلال هذه الدعايات الفارغة إلى أهدافهم ومصالحهم الشخصية. ولولا كون هذه المفاهيم مقبولة عند عامة البشر لما استخدمها دعاة المادية والإلحاد في العالم.

والحاصل: انّ هناك أفعالاً لا يشك أحد في حسنها سواء أورد حسنها من الشرع أم لم يرد، كما أنّ هناك أفعالاً قبيحة عند الكلّ، سواء أورد قبحها من الشرع أم لا. ولأجل ذلك لو خُيِّر العاقل الذي لم يسمع بالشرائع، ولا علم شيئاً من الأحكام، بل نشأ في البوادي خالي الذهن من العقائد كلّها، بين أن يصدق و يعطى ديناراً، أو يكذب ويعطى ديناراً، ولا ضرر عليه فيهما فإنّه يرجح الصدق على الكذب، ولولا قضاء الفطرة بحسن الصدق وقبح الكذب لما فرق بينهما، ولما اختار الصدق دائماً.

وهذا يعرب عن أنّ العقل له القدرة على الحكم والقضاء في أُمور

ترجع إلى الفرد والمجتمع، فيحكم بحسن إطاعة وليه المنعم، وقبح مخالفته، وأنّ المحسن والمسيء ليسا بمنزلة سواء، ونحو ذلك.

الرابع: لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع، لما قبح من اللّٰه تعالى شيء ولو كان كذلك لما قبح منه إظهار المعجزات على أيدي الكاذبين، وتجويز ذلك سدّ لباب معرفة الأنبياء، فإنّ أي نبي أتى بالمعجزات عقيب الإدّعاء، لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعواه.

وباختصار: لو جاز منه سبحانه فعل القبيح أو الإخلال بالواجب - الذي يسمّيه العقل قبيحاً أو إخلالاً بالواجب - لارتفع الوثوق بنبوة مدّعيها وإن أظهر الإعجاز، لتسويغ إظهار الإعجاز على يد الكاذب على اللّٰه سبحانه، ولارتفع الوثوق بوعده ووعيده، لإمكان تطرّق الكذب عليه، وذلك يفضي إلى الشكّ في صدق الأنبياء، والاستدلال بالإعجاز على صدق مدّعي النبوة.

وهذه النتيجة الباطلة من أهمّ وأبرز مايترتب على إنكار القاعدة وبذلك سدّوا باب معرفة النبوة.

والعجب أنّ الفضل بن روزبهان حاول الإجابة عن هذا الدليل بقوله: عدم إظهار المعجزة على يد الكذابين ليس لكونه أمراً قبيحاً عقلاً، بل لعدم جريان عادة اللّٰه، الجاري مجرى المحال العادي بذلك، فعند ذلك لا ينسد باب معرفة الأنبياء، لأنّ العلم العادي حكم باستحالة هذا الإظهار.(1)


1) . دلائل الصدق: 369/1.

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه من أين وقف على تلك العادة، وأنّ اللّٰه لا يجري الإعجاز على يد الكاذب؟

وثانياً: أنّه لو كان التصديق متوقفاً على إحراز تلك العادة، لزم أن يكون المكذّبون لنبوة نوح أو من قبله و من بعده، معذورين في إنكارهم لنبوة الأنبياء، إذ لم يثبت عندهم تلك العادة، لأنّ العلم بتلك العادة يحصل من تكرر رؤية المعجزة على يد الصادقين دون الكاذبين.

وباختصار: انّ تحصيل جريان عادة اللّٰه على أن لا يظهر المعجزة على يد الكاذب يجب أن يستند إلى مصدر، فإن كان المصدر هو العقل فهو معزول عند الأشاعرة، وإن كان هو السمع فالمفروض أنّه يحتمل أن يكون الشرع كاذباً في هذا الادّعاء.

وبعبارة أُخرى: لا سمع قبل ثبوت نبوة النبي.

وحصيلة البحث: إنّ منكر الحسن والقبح، منكر لما هو من البديهيات، ولا يصحّ الكلام معه، لأنّ النزاع ينقطع إذا بلغ إلى مقدّمات ضرورية، وهؤلاء ينازعون في نفس المقدّمات الضرورية، وليت شعري، إذا لم يحكم العقل بامتناع التكليف بما لا يطاق وجوّز أن ينهى اللّٰه سبحانه العبد عن الفعل ويخلق فيه اضطراراً ويعاقبه عليه، فقل: لو لم يدركه العقل فأي شيء يدركه؟

قيل: اجتمع النظّام والنجار للمناظرة، فقال النجار: لم تدفع أن يكلّف اللّٰه عبادَهُ ما لا يطيقون؟ فسكت النظام، فقيل له: لم سكت؟ قال: كنت أريد

بمناظرته أن ألزمه القول بتكليف مالا يطاق، فإذا التزمه ولم يستح، فبم ألزمه؟

التحسين والتقبيح في الكتاب العزيز

إنّ التدبر في آيات الذكر الحكيم يعطي أنّه يسلم وجود التحسين والتقبيح العقليين خارج إطار الوحي، ثمّ يأمر بالحسن وينهى عن القبيح:

1. قال سبحانه: «إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي اَلْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ اَلْفَحْشٰاءِ وَ اَلْمُنْكَرِ وَ اَلْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ».(1)2. «قُلْ إِنَّمٰا حَرَّمَ رَبِّيَ اَلْفَوٰاحِشَ».(2)3. «يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهٰاهُمْ عَنِ اَلْمُنْكَرِ».(3)4. «وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً قٰالُوا وَجَدْنٰا عَلَيْهٰا آبٰاءَنٰا وَ اَللّٰهُ أَمَرَنٰا بِهٰا قُلْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ».(4)فهذه الآيات تعرب بوضوح عن أنّ هناك أُموراً توصف بالإحسان والفحشاء والمنكر والبغي والمعروف، قبل تعلّق الأمر أو النهي بها، وأنّ الإنسان يجد اتصاف الأفعال بأحدها ناشئاًمن صميم ذاته، كما يعرف سائر الموضوعات من الماء والتراب، وليس عرفان الإنسان لها موقوفاً على تعلّق حكم الشرع، وإنّما دور الشرع هو تأكيد إدراك العقل بالأمر بالحسن والنهي عن القبيح.

1) . النحل: 90.

2) . الأعراف: 33.

3) . الأعراف: 157.

4) . الأعراف: 28.

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يتخذ وجدان الإنسان سنداً لقضائه فيما تستقل به عقليته.

يقول سبحانه: «أَمْ نَجْعَلُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي اَلْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ اَلْمُتَّقِينَ كَالْفُجّٰارِ».(1)6. يقول سبحانه: «أَ فَنَجْعَلُ اَلْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ».(2)7. يقول سبحانه: «هَلْ جَزٰاءُ اَلْإِحْسٰانِ إِلاَّ اَلْإِحْسٰانُ».(3)فالتدبّر في هذه الآيات لا يدع مجالاً لتشكيك المشكّكين في كون التحسين والتقبيح من الأُمور العقلية التي يدركها الإنسان بالحجة الباطنية، من دون حاجة إلى حجّة ظاهرية.

دور التحسين والتقبيح العقليّين

اشارة

إنّ مسألة التحسين والتقبيح العقليين تحتل مكانة مرموقة في الأبحاث الكلامية إذ بها ينحل كثير من المشاكل في الكلام وغيره، وإليك بيان بعضها:

1. وجوب المعرفة

اتّفق المتكلّمون - ما عدا الأشاعرة - على لزوم معرفة اللّٰه سبحانه لزوماً عقلياً، بمعنى أنّ العقل يحكم بحسن المعرفة وقبح تركها، لما في المعرفة من أداء شكر المنعم، وهو حسن. وفي تركها الوقوع في الضرر المحتمل.


1) . ص: 28.

2) . القلم: 35-36.

3) . الرحمن: 60.

هذا إذا قلنا باستقلال العقل في ذلك المجال، ولولاه لما ثبت وجوب المعرفة لا عقلاً - لأنّه حسب الفرض معزول عن الحكم - ولا شرعاً، لأنّه لم يثبت الشرع بعد.

2. لزوم النظر في برهان النبوة

لا شكّ أنّ الأنبياء الحقيقيين بعثوا بمعاجز وبيّنات، فإذا ادّعى أحدهم السفارة من اللّٰه إلى الناس، فهل يجب على الناس النظر في دعواه وبرهانه؟ فعلى استقلال العقل في مجال التحسين والتقبيح يجب النظر والإصغاء دفعاً للضرر المحتمل. وأمّا على القول بعدمه فلا يجب ذلك لا عقلاً ولا شرعاً، كما عرفت في سابقه. ونتيجة ذلك إنّ التارك للنظر معذور، لأنّه لم يطّلع على حقيقة الأمر.

3. العلم بصدق دعوى النبوة

إذا اقترنت دعوة المتنبي بالمعاجز والبيّنات الواضحة، فلو قلنا باستقلال العقل في مجال الحسن والقبح، حكمنا بصدقه، لقبح إعطاء البيّنات للمدّعي الكذّاب، لما فيه من إضلال الناس. وأمّا إذا عزلنا العقل عن الحكم في المقام، فلا دليل على كونه نبيّاً صادقاً، والشرع بعد لم يثبت حتى يحكم بصدقه.

4. قبح العقاب بلا بيان

اتّفق الأُصوليون على قبح العقاب بلا بيان، وعليه بنوا أصالة البراءة في الشبهات غير المقترنة بالعلم الإجمالي. وهذا يتم بالقول بالتحسين والتقبيح العقليين. نعم هذا إنّما يفيد إذا لم تثبت البراءة من الشرع، بواسطة الكتاب والسنّة، والمفروض أنّ البحث فيها بعد ثبوت الشرع.

5. الخاتمية

إنّ استقلال العقل بالتحسين والتقبيح، بالمعنى الذي عرفت من الملاءمة للفطرة العلوية أو المنافرة لها، أساس الخاتمية، وبقاء أحكام الإسلام وخلودها إلى يوم القيامة. فإنّ الحكم بالحسن والقبح - على ما عرفت - ليس إلّاكون الشيء موافقاً للفطرة العلوية أو منافراً لها. وبما أنّ الفطرة مشتركة بين جميع الأفراد، فيصبح ما تستحسنه الفطرة أو تستقبحه خالداً إلى يوم القيامة. ولأجل ذلك لا يتطرق التبدل والتغيّر إلى أحكامه وإن تبدّلت الحضارات وتطورت المدنيات، فإنّ تبدلها لا يمس فطرة الإنسان ولا يغير جبلّته.

6. لزوم بعث الأنبياء

إنّ مسألة لزوم إرسال الرسل تبتني على تلك المسألة، فالعقل يدرك بأنّ الإنسان لم يخلق سدى، بل خلق لغاية، ولا يصل إليها إلّابالهداية التشريعية الإلهية. فيستقل بلزوم بعث الدعاة من اللّٰه لهداية البشر دفعاً للّغو.

7. ثبات الأخلاق أو تطورها

إنّ مسألة ثبات الأخلاق في جميع العصور والحضارات أو تبدّلها تبعاً لاختلافها، ممّا طرحت مؤخراً عند الغربيين، ودارت حولها مناقشات وأبديت فيها الآراء. فمن قائل بثبات أُصولها، ومن قائل بتبدّلها وتغيّرها حسب الأنظمة والحضارات.

ولكن المسألة لا تنحل إلّافي ضوء التحسين والتقبيح العقليين، الناشئين من قضاء الجبلة الإنسانية العالية، فعند ذلك تتسم أُصول الأخلاق بسمة الثبات والخلود، في ضوء ثبات الفطرة، وأمّا ما يتغير بتغير الحضارات، فإنّما هو العادات والتقاليد العرفية.

خذ على ذلك مثلاً «إكرام المحسن» فإنّه أمر يستحسنه العقل ويضفي عليه سمة الخلود، وليس هذا الحكم متغيراً أبداً، وإنّما المتغير وسائل الإكرام وكيفياته، فإذاً الأُصول ثابتة، والعادات والتقاليد متغيّرة، وليست الأخيرة إلّاثوباً للأُصول.

8. عادل لا يجور

إنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليين - على ما عرفت - هو أنّ العقل - بما هوهو - يدرك أنّ هذا الشيء - بما هوهو - حسن أو قبيح، وأنّ أحد هذين الوصفين ثابت للشيء - بما هوهو - من دون دخالة ظرفٍ من الظروف أو قيد من القيود، ومن دون دخالة درك مدرك خاص، بل الشيء يتمتع بأحد الوصفين بما هوهو.

وعلى ذلك فالعقل في تحسينه وتقبيحه يدرك واقعية عامة، متساوية بالنسبة إلى جميع المدركين والفاعلين، من غير فرق بين الممكن والواجب. فالعدل حسن ويمدح فاعله عند الجميع، والظلم قبيح ويذم فاعله عند الجميع، وعلى هذا الأساس فاللّٰه سبحانه، المدرك للفعل ووصفه - أعني: استحقاق الفاعل للمدح أو الذم من غير خصوصية للفاعل - كيف يقوم بفعل يحكم هو نفسه بأنّ فاعله مستحق للذم، أو يقوم بفعل يحكم هو بأنّه يجب التنزّه عنه؟

وعلى ذلك فهو سبحانه عادل، لأنّ الظلم قبيح والعدل حسن، ولا يصدر القبيح من الحكيم. فالاتّصاف بالعدل من شؤون كونه حكيماً منزّهاً عمّا لا ينبغي له.

وإن شئت قلت: إنّ الإنسان يدرك أنّ القيام بالعدل كمال مطلق لكلّ أحد، وارتكاب الظلم نقص لكلّ أحد. وهو كذلك - حسب إدراك العقل - عنده سبحانه. ومعه: كيف يمكن أن يرتكب الواجب تعالى خلاف الكمال ويقوم بما يجرّ النقص إليه؟

دفع إشكال

ربما يقال إنّ كون الشيء حسناً عند الإنسان أو قبيحاً عنده، لا يدل على كونه كذلك عند اللّٰه سبحانه. فكيف يمكن استكشاف أنّه لا يترك الواجب ولا يرتكب القبيح؟

والإجابة عنه واضحة، لأنّ مغزى القاعدة السالفة هو أنّ الإنسان يدرك

حسن العدل وقبح الظلم من كلّ مدرك شاعر، ولكلّ عاقل حكيم، من غير فرق بين الظروف و الفواعل. وهذا نظير درك الزوجية للأربعة، فالعقل يدرك كونها زوجاً عند الجميع، لا عند خصوص الممكن. فليس المقام من باب إسراء حكم الإنسان الممكن إلى الواجب تعالى. بل المقام من قبيل استكشاف قاعدة عامة ضرورية بديهية عند جميع المدركين، من غير فرق بين خالقهم ومخلوقهم. ولا يختص هذا الأمر بهذه القاعدة، بل جميع القواعد العامة في الحكمة النظرية كذلك.

وعلى هذا يثبت تنزّهه سبحانه عن كلّ قبيح، واتّصافه بكلّ كمال في مقام الفعل، فيثبت كونه تعالى حكيماً عادلاً لا يرتكب اللغو وما يجب التنزّه عنه، كما لا يرتكب الجور والعدوان.

مكانة العدل في العقائد الإسلامية

إنّ هذا البحث الضافي حول التحسين والتقبيح العقليين، وما يترتب عليهما من الآثار، التي عرفت بعضها، يوقفنا على مكانة العدل في العقائد الإسلامية، إذ الاعتقاد بالعدل من شعب الاعتقاد بالتحسين والتقبيح العقليين، وقد عرفت أنّه لولا القول به لارتفع الوثوق بوعده ووعيده، وامتنع حصول الوثوق بمعاجز مدّعي النبوة، وعزل العقل في درك التحسين والتقبيح في الأفعال يستلزم انخرام كثير من العقائد الإسلامية، ولأجل هذه الأهمية والمنزلة تضافرت الآيات والروايات مركزة على قيامه سبحانه بالقسط.

العدل في الذكر الحكيم

قال سبحانه: «شَهِدَ اَللّٰهُ أَنَّهُ لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ وَ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ أُولُوا اَلْعِلْمِ قٰائِماً بِالْقِسْطِ».(1)وكما شهد على ذاته بالقيام بالقسط، عرّف الغاية من بعثة الأنبياء بإقامة القسط بين الناس.

قال سبحانه: «لَقَدْ أَرْسَلْنٰا رُسُلَنٰا بِالْبَيِّنٰاتِ وَ أَنْزَلْنٰا مَعَهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْمِيزٰانَ لِيَقُومَ اَلنّٰاسُ بِالْقِسْطِ».(2)كما صرح بأنّ القسط هو الحجر الأساس في محاسبة العباد يوم القيامة، إذ يقول سبحانه: «وَ نَضَعُ اَلْمَوٰازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيٰامَةِ فَلاٰ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً»(3). إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول العدل والقسط.

وهذه الآيات إرشادات إلى ما يدركه العقل من صميم ذاته، بأنّ العدل كمال لكلّ موجود حي، مدرك مختار، وأنّه يجب أن يوصف اللّٰه به في أفعاله في الدنيا والآخرة، وأنّه يجب أن يقوم سفراؤه به.

العدل في التشريع الإسلامي

وهذه المكانة التي يحتلها العدل هي التي جعلته سبحانه يعرف


1) . آل عمران: 18.

2) . الحديد: 25.

3) . الأنبياء: 47.

أحكامه ويصف تشريعاته بالعدل. وأنّه لا يشرع إلّاما كان مطابقاً له.

يقول سبحانه: «وَ لاٰ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا وَ لَدَيْنٰا كِتٰابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لاٰ يُظْلَمُونَ».(1)فالجزء الأوّل من الآية ناظر إلى عدله سبحانه بين العباد في تشريع الأحكام، كما أنّ الجزء الثاني ناظر إلى عدالته يوم الجزاء في مكافأته، وعلى كلّ تقدير فإنّ شعار الذكر الحكيم هو: «وَ مٰا ظَلَمَهُمُ اَللّٰهُ وَ لٰكِنْ كٰانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ» . (2)

1.

إذا كان عادلاً فما معنى المصائب والبلايا التي تحل بالإنسان في حياته؟

2.

ما هذا الاختلاف في المواهب والقابليات لدى الأفراد؟

3.

ما هي الحكمة في خلق العاهات الجسمية أو العقلية؟

4.

ما هي الحكمة في الفقر والشقاء والجوع التي تعاني منها مجموعات كبيرة من البشر؟

إلى غير ذلك ممّا يشابه هذه الأسئلة. وقد أجيب عنها في كتاب «اللّٰه خالق الكون» فلاحظ: ص 97-99 و ص 269، 281.

وهذا يكشف عن عدالته في التشريع والجزاء، كما يكشف عن تعلّق إرادته بإقامة العدل ورعاية القسط.(2) ويتفرع على هذا الأصل مسألة نفي الجبر عن أفعال البشر، وبما أنّ تحقيق هذه المسألة يحتاج إلى إسهاب في أدلّة الطرفين نرجئ البحث عنها إلى وقت تبيين عقائد المعتزلة.


1) . المؤمنون: 2.62. النحل: 33.

2) . إنّ توصيفه سبحانه بالعدل ربما يثير أسئلة حول عدله، وقد أخذتها الملاحدة ذريعة للتشكيك:

الفصل الثالث خاتمة المطاف

اشارة

نذكر فيها أمرين هامّين:

الأوّل: الإيعاز إلى المنافسة المستمرة بين الحنابلة والأشاعرة.

الثاني: ترجمة عدة من شخصيات الأشاعرة البارزة، الذين نضج بهم المذهب وكملت بهم أركانه، وإليك البيان:

المنافسة والمنافرة بين الحنابلة والأشاعرة

اشارة

إنّ المنافرة بين الطائفتين كانت قائمة على قدم وساق منذ ظهور مذهب الإمام الأشعري بين أهل السنّة واستقطب مجموعة كبيرة من العلماء، واشتهر مذهباً خاصاً بين أهل السنّة، ولكن الحنابلة منذ أن تاب الأشعري عن الاعتزال وادّعى أنّه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، لم يقبلوا منه [ذلك].

وقد عرفت كلمة البربهاري عندما ذكر له الشيخ، ما نقلناه عنه سابقاً.(1)


1) . لاحظ ص 39 من هذا الكتاب.

وقد تجلّت تلك المنافسة عبر الزمان بصور مختلفة من مرحلة ضعيفة إلى مرحلة قوية أدت إلى الضرب و الشتم وحبس مشايخ الأشاعرة ونفيهم من أوطانهم، ولأجل إيقاف القارئ على هذه المنافرة نأتي ببعض ما يدلّ على ذلك:

1. ترجمة الشيخ في كتب الذهبي

إنّ الشيخ الذهبي لم يقم بترجمة الشيخ على وجه يتلقّاه الأشاعرة بالقبول، بل اشتمل كلامه على لذع ولدغ، وفي هذا يقول السبكي:

وأنت إذا نظرت في ترجمة هذا الشيخ الذي هو شيخ السنّة وإمام الطائفة في تاريخ شيخنا الذهبي، ورأيت كيف مزّقها وحار كيف يضع من قدره، ولم يمكنه البوح بالغض منه خوفاً من سيف أهل الحق، ولا الصبر عن السكون لما جبلت عليه طويته من بغضه، بحيث اختصر ما شاء اللّٰه أن يختصر في مدحه، ثمّ قال في آخر الترجمة: «من أراد أن يتبحّر في معرفة الأشعري فعليه بكتاب «تبيين كذب المفتري» لأبي القاسم ابن عساكر. اللّهم توفنا على السنّة، وأدخلنا الجنة، واجعل أنفسنا مطمئنة، نحب فيها أولياءك، ونبغض فيها أعداءك، ونستغفر للعصاة من عبادك، ونعمل بمحكم كتابك، ونؤمن بمتشابهه ونصفك بما وصفت به نفسك».

فعند ذلك تقضي العجب من هذا الذهبي، وتعلم إلى ماذا يشير المسكين؟! فويحه، ثم ويحه! إنّ الذهبي أُستاذي، وبه تخرّجت في علم الحديث، إلّاأنّ الحقّ أحقّ أن يتبع ويجب عليَّ تبيين الحقّ فأقول:

أمّا حوالتك على «تبيين كذب المفتري» وتقصيرك في مدح الشيخ، فكيف يسعك ذلك مع كونك لم تترجم مجسماً يشبّه اللّٰه بخلقه إلّاواستوفيت ترجمته؟! حتى إنّ كتابك مشتمل على ذكر جماعة من أصاغر المتأخرين من الحنابلة، الذين لا يؤبه إليهم، وقد ترجمت كلّ واحد منهم بأوراق عديدة، فهل عجزت أن تؤتي ترجمة هذا الشيخ حقّها وتترجمه كما ترجمت من هو دونه بألف ألف طبقة. فأي غرض وهوى نفس أبلغ من هذا؟! وأقسم باللّٰه يميناً برّة ما بك إلّاأنّك لا تحب شياع اسمه بالخير، ولا تقدر في بلاد المسلمين على أن تفصح فيه بما عندك من أمره، وما تضمره من الغض منه، فإنّك لو أظهرت ذلك لتناولتك سيوف اللّٰه.

وأمّا دعاؤك بما دعوت به، فهل هذا مكانه يا مسكين؟!

وأمّا إشارتك بقولك: «نبغض أعداءك» إلى أنّ الشيخ من أعداء اللّٰه وأنّك تتبغضه فسوف تقف معه بين يدي اللّٰه يوم يأتي وبين يديه طوائف العلماء من المذاهب الأربعة، والصالحين من الصوفية والجهابذة الحفّاظ من المحدّثين، وتأتي أنت تتسكع في ظُلم(1)التجسيم الذي تدّعي أنّك بريء منه وأنت من أعظم الدعاة إليه، وتزعم أنّك تعرف هذا الفن وأنت لا تفهم فيه نقيراً ولا قطميراً، وليت شعري من الذي يصف اللّٰه بما وصف به نفسه؟! من شبهه بخلقه؟! أمن قال: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‌ءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ»؟


1) . جمع الظلمة.

والأولى بي على الخصوص إمساك عنان الكلام في هذا المقام، فقد أبلغت، ثمّ احفظ لشيخنا حقّه وأمسك.(1)

2. استفتاء يتعلّق بحال الشيخ

وقد كتب استفتاء يتعلّق بحال الشيخ في زمان شيخ الأشاعرة أبي القاسم القشيري بخراسان عند وقوع الفتنة بين الحنابلة والأشاعرة عام ست و ثلاثين وأربعمائة، وإليك جواب القشيري وغيره عنه:

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم. اتّفق أصحاب الحديث إنّ أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري كان إماماً من أئمّة أصحاب الحديث، ومذهبه مذهب أصحاب الحديث، تكلّم في أُصول الديانات على طريقة أهل السنّة، رد على المخالفين من أهل الزيغ والبدعة، وكان على المعتزلة والروافض والمبتدعين من أهل القبلة والخارجين من الملة، سيفاً مسلولاً، ومن طعن فيه أو قدح أو لعنه أو سبّه فقد بسط لسان السوء في جميع أهل السنّة.

بذلنا خطوطنا طائعين بذلك في هذا الدرج(2)في ذي القعدة سنة ست وثلاثين وأربعمائة والأمر على هذه الجملة المذكورة في هذا الذكر وكتبه عبد الكريم بن هوازن القشيري.

وكتب تحته الخبازي: كذلك يعرفه محمد بن علي الخبازي وهذا خطه.


1) . طبقات الشافعية: 347/3-354.

2) . الدرج: الذي يكتب فيه.

والشيخ أبو محمد الجويني: الأمر على هذه الجملة المذكورة فيه، وكتبه عبد اللّٰه بن يوسف، وكتب نظير تلك الجملة المشايخ: أبو الفتح الشاشي، وعلي بن أحمد الجويني، وناصر العمري، وأحمد بن محمد الأيوبي، وأخوه علي، وأبو علي الصابوني، و أبو عثمان الصابوني، وابنه أبو نصر بن أبو عثمان، والشريف البكري، ومحمد بن الحسن الملقاباذي.(1)يظهر من كتاب «تبيين كذب المفتري وطبقات الشافعية» أنّ بعض هؤلاء كتبوا تحت الورقة بعبارات فارسية، مثلاً كتب عبد الجبار الإسفرايني بالفارسية: «اين أبو الحسن الأشعري آن امام است كه خداوند عزوجل اين آيت در شأن وى فرستاد:

«فَسَوْفَ يَأْتِي اَللّٰهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ...» (المائدة: 54)(2)و مصطفى عليه السلام در آن روايت، به جد وى اشارت كرد فقال: هم قوم هذا».(3)

3. الفتنة التي وقعت بمدينة نيسابور

يظهر من كلام تاج الدين السبكي أنّ هذا الاستفتاء كان مقروناً بالفتنة التي وقعت بمدينة نيسابور قاعدة بلاد خراسان آنذاك، وقد آلت الفتنة إلى خروج إمام الحرمين، والحافظ البيهقي، وأبي القاسم القشيري من نيسابور، وكانت تلعب في ذلك يد الحنابلة تحت الستار، وإليك شرحه:


1) . ولعلّه تعريب ملك آباد.

2) . وقد عرفت حقّ المقال في ادّعاء نزول هذه الآية في حقّ أبي موسى الأشعري جدّ الشيخ الأعلى، فراجع.

3) . طبقات الشافعية: 374/3-375.

قال السبكي: كان طغرل بك السلجوقي - وهو أوّل ملوك السلاجقة - رجلاً حنفياً سنّياً، وكان له وزير يسمّى ب: أبي نصر منصور بن محمد الكندري المعروف بعميد الملك، والسبكي يتّهمه بأنّه كان معتزلياً، رافضياً، ومشبهاً للّٰه سبحانه بخلقه ممّا هو شائع بين الكرامية والمجسمة(1). فحسّن عميد الملك على السلطان لعن المبتدعة على المنابر، فصدر الأمر بذلك، واتخذ عميد الدين ذلك ذريعة إلى ذكر الأشعرية، وصار يقصدهم بالإهانة والأذى والمنع عن الوعظ والتدريس، وعزلهم عن خطابة الجامع، واستعان بطائفة من المعتزلة الذين زعموا أنّهم يقلدون مذهب أبي حنيفة، فحببوا إلى السلطان الإزراء بمذهب الشافعي عموماً، وبالأشعرية خصوصاً، وهذه هي الفتنة التي طار شررها فملأ الآفاق، وطال ضررها فشمل خراسان والشام والحجاز والعراق، وعظم خطبها وبلاؤها، وقام في سب أهل السّنة (الأشاعرة) خطيبها وسفهاؤها، إذ أدّى هذا الأمر إلى التصريح بلعن أهل السنّة في الجُمَع، وتوظيف سبهم على المنابر، وصار لأبي الحسن الأشعري بها أُسوة لعلي بن أبي طالب كرم اللّٰه وجهه في زمن بعض بني أُمية، حيث استولت النواصب على المناصب، واستعلى أُولئك السفهاء في المجامع والمراتب.

وكان في بلدة نيسابور رجلاً جواداً ذا أموال جزيلة وصدقات دارّة وهبات هائلة يسمى أبا سهل الموفق، فشمّر عن ساعد الجد، و تردد إلى


1) . نحن نشك في وجود هذه الصفات الثلاث في رجل مثقف مثل عميد الملك، كيف يمكن أن يكون معتزلي المبدأ، ورافضي العقيدة، وفي الوقت نفسه قائلاً بالتشبيه والتجسيم، وهل هذا إلّاكالاعتقاد بالنقيضين؟!

العسكر في دفع ذلك، وما أفاد شيء من التدبير، إذ كان الخصم الحاكم، والسلطان محجباً إلّابواسطة ذلك الوزير، ثمّ جاء الأمر من قبل السلطان طغرل بك بالقبض على الرئيس الفراتي، والأُستاذ أبي القاسم القشيري، وإمام الحرمين، وأبي سهل بن الموفق، ونفيهم ومنعهم عن المحافل، وكان أبو سهل غائباً إلى بعض النواحي ولما قرئ الكتاب بنفيهم، أُغري بهم الغاغة والأوباش، فأخذوا بالأُستاذ أبي القاسم القشيري، والفراتي يجرونهما ويستخفون بهما، وحبسا بالقهندر.

وأمّا إمام الحرمين، فإنّه كان أحس بالأمر واختفى، وخرج على طريق كرمان إلى الحجاز، ومن ثمّ جاور و سُمّي إمام الحرمين، وبقي القشيري والفراتي مسجونين أكثر من شهر، فتهيأ أبو سهل بن الموفق من ناحية باخرز وجمع من أعوانهم رجالاً عارفين بالحرب، وأتى باب البلد وطلب إخراج الفراتي والقشيري فما أُجيب، بل هدد بالقبض عليه بمقتضى ما تقدّم من مرسوم السلطان، فلم يلتفت وعزم على دخول البلد ليلاً وإخراجهما مجاهرة، وكان متولّي البلد قد تهيأ للحرب، وبعد مفاوضات واشتباكات عنيفة توفق أبو سهل إلى إخراجهما من السجن، فلمّا تم له الانتصار، تشاور هو وأصحابه فيما بينهم وعلموا أنّ مخالفة السلطان لها تبعة، وأنّ الخصوم لا ينامون، فاتّفقوا على مهاجرة البلد إلى ناحية استواء.(1)ثمّ يذهبون إلى الملك. وبقي بعض الأصحاب بالنواحي مفرقين، وذهب أبو نصر إلى المعسكر وكان على مدينة الري، وخرج خصمه من الجانب الآخر فتوافيا


1) . كورة من نواحي نيسابور تشتمل على قرى كثيرة.

بالري، وانتهى إلى السلطان ما جرى، وسعى بأصحاب الشافعي وبأبي سهل خصوصاً، فقبض على أبي سهل وأُخذت أمواله وبيعت ضياعه، ثمّ فرج عنه وخرج وحج.

وقد غادر كثير من علماء أهل السنة نيسابور ونواحيها، ومرو وما والاها، فمنهم أُخرجوا ومنهم من جاء إلى العراق، ومنهم من جاء الحجاز.

فممّن حجّ: الحافظ أبو بكر البيهقي، وأبو القاسم القشيري، وإمام الحرمين أبو المعالي الجويني وخلائق. يقال: جمعت تلك السنة أربعمائة قاض من قضاة المسلمين من الشافعية والحنفية هجروا بلادهم بسبب هذه الواقعة، وتشتت فكرهم يوم رجوع الحاج، فمن عازم على المجاورة، ومن محيّر في أمره لا يدري أين يذهب؟

4. كتاب البيهقي إلى عميد الملك

كتب البيهقي - و هو محدث زمانه و شيخ السنّة في وقته - كتاباً إلى عميد الملك يصفه ويطريه فيه، ويذكر في تلك الرسالة فضائل الشيخ أبي الحسن ومناقبه، واندفع في آخر الرسالة إلى السؤال عن عميد الملك في إطفاء النائرة وترك السب وتأديب من يفعله. يقول السبكي: وقد ساق الحافظ (ابن عساكر) الكتاب بمجموعه، فإن أردت الوقوف عليه كلّه فعليك بكتاب التبيين.(1)


1) . طبقات الشافعية: 389/3-399. ولكن الكتاب غير موجود فيما طبع من تبيين كذب المفتري، وقد تفحصناه وما وجدناه فيه.

5. رسالة القشيري إلى البلاد

وكتب الأُستاذ أبو القاسم القشيري رسالة مفتوحة إلى العلماء الأعلام بجميع بلاد الإسلام عام ست وأربعين وأربعمائة، يشكو فيها عمّا حلّ بأبي الحسن الأشعري والأشاعرة من المحنة. ابتدأ رسالته بقوله:

الحمد للّٰه المجمل في بلائه، المجزل في عطائه، العدل في قضائه، والمكرم لأوليائه، المنتقم من أعدائه - إلى أن قال -:

هذه قصة سميناها «شكاية أهل السنّة بحكاية ما نالهم من المحنة» تخبر عن بثّة مكروب ونفثة مغلوب... إلى أن قال:

وممّا ظهر ببلاد نيسابور من قضايا التقدير في مفتتح سنة خمس وأربعين وأربعمائة من الهجرة ما دعا أهل الدين إلى شق صدور صبرهم، وكشف قناع ضيرهم، بل ظلت الملة الحنيفية تشكو غليلها، وتبدي عويلها، وتنصب عزالى رحمة اللّٰه على من يستمع شكوها، وتصغي ملائكة السماء حتى تندب شجوها. ذلك ممّا أحدث من لعن إمام الدين، وسراج ذوي اليقين، محيي السنّة، وقامع البدعة، وناصر الحقّ، وناصح الخلق، الزكي الرضي، أبي الحسن الأشعري، قدس اللّٰه روحه وسقى بالرحمة ضريحه، وهو الذي ذب عن الدين بأوضح حجج، وسلك في قمع المعتزلة، وسائر أنواع المبتدعة أبين منهج. واستنفد عمره في النضح عن الحق، فأورث المسلمين وفاته كتبه الشاهدة بالصدق.(1)


1) . طبقات الشافعية: 1/3-4، والرسالة طويلة أخذنا منها موضع الحاجة.

ومن لطيف ما جاء في تلك الرسالة قوله: وما نقموا من الأشعري إلّاأنّه قال بإثبات القدر للّٰه، خيره وشره، ونفعه وضره، وإثبات صفات الجلال للّٰه، من قدرته، وعلمه، وإرادته، وحياته، وبقائه، وسمعه، وبصره، وكلامه، ووجهه، ويده، وأنّ القرآن كلام اللّٰه غير مخلوق، وأنّه تعالى موجود تجوز رؤيته، وأنّ إرادته نافذة في مراداته، وما لا يخفى من مسائل الأُصول التي تخالف (طريقه) طريق المعتزلة والمجسمة فيها، وإذا لم يكن في مسألة لأهل القبلة غير قول المعتزلة، وقول الأشعري قول زائد، فإذا بطل قول الأشعري، فهل يتعين بالصحة أقوال المعتزلة؟ وإذا بطل القولان فهل هذا إلّاتصريح بأنّ الحقّ مع غير أهل القبلة؟ وإذا لعن المعتزلة والأشعري في مسألة لا يخرج قول الأُمّة عن قوليهما، فهل هذا إلّالعن جميع أهل القبلة؟

معاشر المسلمين الغياث الغياث! سعوا في إبطال الدين، ورأوا هدم قواعد المسلمين، وهيهات هيهات! «يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ يَأْبَى اَللّٰهُ إِلاّٰ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ»(1)وقد وعد اللّٰه للحق نصره وظهوره وللباطل محقه وثبوره، ألا إنّ كتب الأشعري في الآفاق مبثوثة، ومذاهبه عند أهل السنّة من الفريقين معروفة مشهورة، فمن وصفه بالبدعة علم أنّه غير محق في دعواه، وجميع أهل السنّة خصمه فيما افتراه.

وقال في مختتم الرسالة: ولما ظهر ابتداء هذه الفتنة بنيسابور، وانتشر في الآفاق خبره، وعظم على قلوب كافة المسلمين، من أهل السنة والجماعة


1) . التوبة: 32.

أثره، ولم يبعد أن يخامر قلوب بعض أهل السلامة [والوداعة] توهم في بعض هذه المسائل أنّ لعلّ أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رحمه الله، قال ببعض المقالات، في بعض كتبه، ولقد قيل من يسمع يخل، أثبتنا هذه الفصول في شرح هذه الحالة، وأوضحنا صورة الأمر، بذكر هذه الجملة، ليضرب كل [من] أهل السنّة، إذا وقف عليها، بسهمه، في الانتصار لدين اللّٰه عزّ وجلّ، من دعاء يخلصه، واهتمام يصدقه، وكل عن قلوبنا بالاستماع إلى [شرح] هذه القصّة يحمله، بل ثواب من اللّٰه سبحانه على التوجع بذلك يستوجبه، واللّٰه غالب على أمره، وله الحمد على ما يمضيه من أحكامه، ويبرمه ويقضيه في أفعاله، فيما يؤخره و يقدمه، وصلواته على سيدنا محمد المصطفى و على آله و سلم تسليماً.

تمت الشكاية.(1)

6. استمرار الفتنة إلى زمان وزارة نظام الملك

اشارة

يظهر من السبكي أنّ فتيل الفتنة كان هو الوزير الكندري المعروف عميد الملك، ويظهر فيما ذكر من استفتاءات أُخر بقاء الفتنة حتى بعد وفاة طغرل بك وقيام ولده ارسلان مقامه و قتل عميد الملك وتصدّى نظام الملك للوزارة.(2)إنّ وجود استفتاءات أُخر حول أبي الحسن الأشعري يدلّ على دوام


1) . طبقات الشافعية: 399/3-423.

2) . طبقات الشافعية: 393/3.

المنافرة بين الأشاعرة وغيرهم من الحنابلة والمعتزلة، وإليك استفتاءين آخرين، يتعلّق ثانيهما بعصر أبي نصر القشيري ولد أبي القاسم القشيري، وقد توفّي الوالد عام 465 ه كما توفّي الولد عام 514 ه.

استفتاء آخر ببغداد

ما قول السادة الأئمة الأجلّة في قوم اجتمعوا على لعن فرقة الأشعري وتكفيرهم؟ ما الذي يجب عليهم؟!

فأجاب قاضي القضاة أبو عبد اللّٰه الدامغاني الحنفي:

قد ابتدع وارتكب ما لا يجوز، وعلى الناظر في الأُمور - أعز اللّٰه أنصاره - الإنكار عليه وتأديبه بما يرتدع به هو وأمثاله عن ارتكاب مثله، وكتب محمد بن علي الدامغاني.

وبعده كتب الشيخ أبو إسحاق الشيرازي رحمه الله: الأشعرية أعيان أهل السنّة، ونصّار الشريعة. انتصبوا للرد على المبتدعة من القدرية والرافضة وغيرهم، فمن طعن فيهم فقد طعن على أهل السنّة، وإذا رفع أمر من يفعل ذلك إلى الناظر في أمر المسلمين، وجب عليه تأديبه بما يرتدع به كلّ أحد. وكتب إبراهيم بن علي الفيروز آبادي.

وقد كتب مثله محمد بن أحمد الشاشي تلميذ الشيخ أبي إسحاق.

استفتاء ثالث في واقعة أبي نصر القشيري ببغداد

وهذا الاستفتاء أوعز إليه السبكي في طبقات الشافعية، في ترجمة الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقال: «سنحكي إن شاء اللّٰه هذا الاستفتاء والأجوبة عند انتهائنا إلى ترجمة الأُستاذ أبي نصر ابن الأُستاذ أبي القاسم في الطبقة الخامسة»، ولكنّه لم يف بوعده.

وحكى في المقام خط الشيخ أبي إسحاق الشيرازي في جواب الاستفتاء أنّه كتب: وأبو الحسن الأشعري إمام أهل السنّة، وعامة أصحاب الشافعي على مذهبه، و مذهبه مذهب أهل الحقّ، وكتب نظير تلك الجملة عدّة من أعلام العصر من حنابلة وأحناف لا حاجة لذكر أسمائهم، ويظهر من السبكي أنّ هذا الاستفتاء بقي زماناً بين يدي العلماء كلّما جاءت أُمّة منهم كتبت بالموافقة.(1)

7. شكوى تاريخية للأشاعرة ضدّ الحنابلة

اشارة

لقد بلغت المنافرة بين الأشاعرة والحنابلة إلى القمة في عصر الشيخ أبي نصر عبد الرحيم ابن الشيخ أبي القاسم القشيري، وبلغ السيل الزبي فقام أعاظم الأشاعرة لمساندة شيخهم أبي نصر برفع الشكوى إلى الوزير نظام الملك، وتمت الشكوائية بتوقيع كثير من علمائهم، وكان ذلك سنة 469 ه.


1) . طبقات الشافعية: 375/3-376.

وقد نقلنا تلك الشكوائية في الجزء الأوّل من هذه الموسوعة فراجع.(1)

الأشاعرة وعقيدة أبي جعفر الطحاوي

إنّ الرسالة المعروفة بعقيدة الطحاوي يتبنّاها أهل السنّة حتى الحنابلة في هذه الأيام، وهي من الكتب الدراسية في جامعة المدينة المنورة حتّى يومنا هذا، والمؤلف ينسب كلّ ما جاء فيه إلى أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني، وقد ادّعى تاج الدين السبكي أنّ الأشاعرة لا يخالفون عمّا ذكر في هذه الرسالة إلّافي ثلاث عشرة مسألة، والاختلاف في بعضها معنوي، وبعضها الآخر لفظي، ثمّ قال: ولي قصيدة نونية جمعتُ فيها هذه المسائل، وضممت إليها مسائل اختلفت الأشاعرة فيها مع ما جاء في كتاب العقيدة للطحاوي، وإليك مستهلها:

الورد خطك، صيغ من إنسان *** أم في الخدود شقائق النعمان؟!

والسيف لحظك سُلَّ من أجفانه *** فسطا كمثل مهند وسنان!

إلى أن قال:

كذب ابن فاعلة يقول لجهله *** اللّٰه جسم ليس كالجسمان

لو كان جسماً كان كالأجسام يا *** مجنونُ فاصْغ وعد عن البهتان


1) . لاحظ بحوث في الملل والنحل: 483/1-484، شكوى تاريخية للأشاعرة ضد الحنابلة.

واتْبَع صراط المصطفى في كل ما *** يأتي وخلّ وساوس الشيطان(1)

والقصيدة طويلة والغرض إيراد نماذج منها.

وأمّا الفرق بين الأشاعرة والماتريدية فهو يتوقف على تبيين عقيدة الشيخ الماتريدي مؤسس المنهج، وسيوافيك [الحديث عن] حياته ومنهجه في الجزء الثالث من هذه الموسوعة بإذن اللّٰه سبحانه.

«إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ». (2)


1) . طبقات الشافعية: 379/3

2) . الحجرات: 10.

الفصل الرابع حياة

اشارة

أبطال الأشاعرة وعباقرتهم

إنّ ما أتى به الشيخ الأشعري من المنهج الكلامي وأفرغه في قالب التأليف والتصنيف، أو طرحه على بساط البحث عن طريق التدريس والتعليم، لم يكن منهجاً فكرياً متكاملاً في جميع موضوعاته، فإنّ بعض أفكاره لم يكن مقترناً بالبراهين والأدلّة الناضجة، كما أنّه لم يكن مستوعباً لجميع الأبواب، ولكن ساعده الحظ بأن اقتفى أثره على مدى الأعصار عدة من المفكرين الذين نسبوا أنفسهم إليه، فأضفوا على هذا المنهج ثوباًجديداً حتى جعلوه متكاملاً، ناضجاً قابلاً للبقاء، وبعيداً عن النقاش، وأساس عملهم يرجع إلى شيئين:

الأوّل: تحليل الفكرة الأشعرية ببراهين جديدة أوحتها إليهم أنفسهم.

الثاني: الذب عن الإشكالات التي أوردها خصماء الأشعري على منهجه.

ولأجل إكمال البحث عن ذلك المنهج نأتي بترجمة بعض أئمّة

الأشاعرة في العصور المختلفة، الذين كان لهم ذلك الدور في إكمال المنهج وتجديده، وهم المشايخ، التالية أسماؤهم:

1.

أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403 ه. ق).

2.

أبو منصور عبد القاهر البغدادي (المتوفى 429 ه. ق).

3.

إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (419-478 ه. ق).

4.

حجة الإسلام الإمام الغزالي (450-505 ه. ق).

5.

أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني (479-548 ه. ق).

6.

أبو عبد اللّٰه محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي فخر الدين الرازي (544-606 ه. ق).

7.

أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم المعروف بسيف الدين الآمدي (551-631 ه. ق).

8.

عبد الرحمن بن أحمد عضد الدين الإيجي مؤلف «المواقف» (708-756 ه. ق).

9.

مسعود بن عمر بن عبد اللّٰه المعروف بسعد الدين التفتازاني (712-791 ه. ق).

10.

السيد علي بن محمد بن علي الحسيني المعروف بالسيد الشريف شارح «المواقف» (المتوفى عام 816 ه. ق).

11. علاء الدين علي بن محمد السمرقندي المعروف بالقوشجي شارح «التجريد» (المتوفى بالآستانة عام 879 ه. ق).

هؤلاء أبرز أئمّة الأشاعرة الذين بهم نضج وتكامل المذهب، وتمخّضت الفكرة الأشعرية، ولولا هؤلاء لأفل نجمها بعد طلوعها بسرعة، وهلّم معي أيّها القارئ لدراسة أحوالهم، وعرض بعض أفكارهم، والتعرف على تراثهم من الرسائل والكتب.

نعم عقد ابن عساكر في كتابه: «تبيين كذب المفتري» باباً أسماه «باب ذكر جماعة من أعيان مشاهير أصحابه إذاكان فضل المقتدي يدل على فضل المقتدي به» و قد قسّم المقتفين أثره على خمس طبقات يقرب عدد من جاء فيها من ثمانين شخصاً.

غير أنّ من يعبأ به في تكييف المنهج أقل منهم بكثير.

(1) القاضي أبو بكر الباقلاني (المتوفّى 403 ه)

اشارة

هو أبو بكر محمد الطيب بن محمد القاضي المعروف بابن الباقلاني، وليد البصرة وساكن بغداد، يعرّفه الخطيب البغدادي بقوله: محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر القاضي المعروف بابن الباقلاني المتكلّم على مذهب الأشعري، من أهل البصرة، سكن بغداد، وسمع بها الحديث وكان ثقة. فأمّا الكلام فكان أعرف الناس به، وأحسنهم خاطراً، وأجودهم لساناً، وأوضحهم بياناً، وأصحّهم عبارة، وله التصانيف الكثيرة المنتشرة في الرد على المخالفين من الرافضة والمعتزلة والجهمية والخوارج وغيرهم.(1)وقال ابن خلكان: كان على مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، ومؤيداً اعتقاده وناصراً طريقته، وسكن بغداد وصنف التصانيف الكثيرة المشهورة في علم الكلام وغيره، وكان في علمه أوحد زمانه، وانتهت إليه الرئاسة في مذهبه، وكان موصوفاً بجودة الاستنباط وسرعة الجواب. وسمع الحديث وكان كثير التطويل في المناظرة، مشهوراً بذلك عند الجماعة،


1) . تاريخ بغداد: 379/5-383.

وتوفّي آخر يوم السبت ودفن يوم الأحد لسبع بقين من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعمائة ببغداد رحمه الله تعالى، و صلّى عليه ابنه الحسن، ودفن في داره بدرب المجوس، ثمّ نقل بعد ذلك فدفن في مقبرة باب حرب.

والباقلاني نسبة إلى الباقلاء وبيعه!!(1)ويظهر من فهرس تآليفه أنّه كان غزير الإنتاج وكثير التأليف، فقد ذكر له 52 كتاباً، غير أنّه لم يصل إلينا من هذه إلّاما طبع، وهي ثلاثة:

1.

«إعجاز القرآن» طبع في القاهرة كراراً، وقد حقّقه أخيراً السيد أحمد صقر، طبع بمطابع دار المعارف بمصر عام 1972 م.

2.

«التمهيد في الرد على الملاحدة» وهو كتاب كلامي يعرف منه آراؤه الكلامية في مختلف الأبواب.

3.

«الإنصاف في أسباب الخلاف» وقد نشره محمد زاهد الكوثري في القاهرة عن مخطوطة دار الكتب المصرية عام 1369 ه.

عثرة لا تقال

ذكر الخطيب في ترجمة الباقلاني كلاماً وقال: «وحدث أنّ ابن المعلم شيخ الرافضة ومتكلمها (يريد الشيخ المفيد) حضر بعض مجالس النظر مع أصحاب له، إذ أقبل القاضي، فالتفت ابن المعلم إلى أصحابه و قال لهم: قد جاءكم الشيطان، فسمع القاضي كلامه - و كان بعيداً من القوم - فلمّا جلس


1) . وفيات الأعيان: 269/4 برقم 608.

أقبل على ابن المعلم وأصحابه وقال لهم: قال اللّٰه تعالى: «أَنّٰا أَرْسَلْنَا اَلشَّيٰاطِينَ عَلَى اَلْكٰافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا»(1)أي إن كنتُ شيطاناً فأنتم كفّار، وقد أرسلت عليكم.(2)أقول: وأظن - و ظن الألمعي صواب - أنّه لو وقف الخطيب على مكانة ابن المعلم وشيخ الأُمّة الشيخ المفيد، لتوقف في نقل هذه الأُسطورة، وهذا اليافعي يعرّفه في تاريخه ويقول: «كان عالم الشيعة وإمام الرافضة، صاحب التصانيف الكثيرة شيخهم المعروف بالمفيد، وبابن المعلم، البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة بالدولة البويهية».

وقال ابن أبي طي: «كان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس».(3)وقال ابن كثير في حوادث سنة 413: «ابن النعمان شيخ الإمامية الروافض، والمصنف لهم، والمحامي عن حوزتهم.

كانت له وجاهة عند ملوك الأطراف لميل كثير من أهل ذاك الزمان إلى التشيع، وكان مجلسه يحضره خلق كثير من العلماء من سائر الطوائف، وكان من جملة تلاميذه الشريف الرضي و المرتضى».(4)


1) . مريم: 83.

2) . تاريخ بغداد: 379/5، ونقله ابن عساكر في تبيينه: 217.

3) . مرآة الجنان: 28/3.

4) . البداية والنهاية: 15/12.

وعلى ذلك فالرجل الذي يصف اليافعي في تاريخه بأنّه يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة، أو يصفه ابن كثير بأنّه يحضر مجلسه كثير من العلماء من سائر الطوائف، أجلّ من أن يتوسل في إفحام خصمه وإخضاعه للحق، بالإهانة والتكلّم بما هو خارج عن أدب المناظرة.

نعم، نقل بعض المترجمين للشيخ المفيد أنّه جرت مناظرة بينه و بين أبي بكر الباقلاني، فلمّا ظهر تفوّق المفيد على مناظره، قال له أبو بكر: أيّها الشيخ إنّ لك من كلّ قدر مغرفة، فأجابه الشيخ ممازحاً: نعم ما تمثلت به أيّها القاضي من أدوات (مهنة) أبيك.(1)إنّ الخطيب لم يخف حقده على شيخ الأُمّة في غير هذا المقام أيضاً، فقد قال في ترجمته: «و كان أحد أئمّة الضلال، هلك به خلق من الناس، إلى أن أراح اللّٰه المسلمين منه. ومات في يوم الخميس ثاني شهر رمضان سنة ثلاث عشرة وأربعمائة».(2)أهكذا أدب العلم وأدب الدين؟!!

إنّ هذه شنشنة أعرفها من كلّ من يضمر الحقد على أمثال الشيخ. لاحظ الكامل لابن الأثير الجزء السابع ص 313 ترَ أنّ ما ذكره الخطيب أخف وطأً ممّا ذكره المعلق على «الكامل» من السباب المقذع الخارج عن أدب الدين والتقى.


1) . روضات الجنات: 159/6 مستمداً من تلقبه بالباقلاني، المنسوب إلى بائع الباقلاء.

2) . تاريخ بغداد: 231/3 برقم 1299.

فكلّ من أراد أن يقف على أدب الشيخ المفيد في المناظرة واحتجاجه على الخصم، فليلاحظ مناظراته في الكلام والتفسير التي جمعها تلميذه الشريف المرتضى في كتاب «الفصول المختارة» اختارها من كتابين لشيخه المفيد، أحدهما:

«المجالس المحفوظة في فنون الكلام» والثاني «العيون والمحاسن». ولأجل إعطاء نموذج من مناظرات الشيخ المفيد وقوة عارضته، نأتي بإحداها التي وقعت مع علي بن عيسى الرماني (المتوفّى عام 385 ه). فقد دخل الشيخ عليه والمجلس غاص بأهله، فقعد حيث انتهى به المجلس، فلمّا خف الناس قرب من الرماني، فدخل عليه داخل و قال: إنّ بالباب إنساناً يؤثر الحضور، وهو من أهل البصرة، فأذن له فدخل فأكرمه، وطال الحديث بينهما. فقال الرجل لعلي بن عيسى: ما تقول في يوم الغدير والغار؟ فقال: أمّا خبر الغار فدراية، وأمّا خبر الغدير فرواية، والرواية لا توجب ما توجبه الدراية، وانصرف البصري ولم يحر جواباً. فقال الشيخ للرماني: أيّها الشيخ مسألة؟ فقال: هات مسألتك؟ فقال: ما تقول فيمن قاتل الإمام العادل؟ فقال: كافر، ثمّ استدرك فقال: فاسق، وعندئذٍ قال المفيد: ما تقول في أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام؟ قال: إمام.

فقال: ما تقول في يوم الجمل وطلحة والزبير؟ فقال: تابا. فقال المفيد: أمّا خبر الجمل فدراية، وأمّا خبر التوبة، فرواية.

فقال الرماني: هل كنت حاضراً وقد سألني البصري؟ فقال: نعم، رواية برواية ودراية بدراية.(1)


1) . مجموعة ورام: 611.

فمن كان هذه مقدرته العلمية وقوة إفحامه للخصم، فلا يتوسل بما يتوسل به العاجز عن المناظرة، فما ذكره الخطيب أشبه بالمهزلة منه بالجد. كما أنّ ما نقله ابن عساكر من المنامات بعد موت القاضي أبي بكر أُمور لا يلتجئ إليها إلّامن يفتقد الحقيقة في عالم الحس فيتطلّبها بالمنامات.

(2) أبو منصور عبد القاهر البغدادي

(المتوفّى 429 ه)

أبومنصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي، أحد العلماء البارزين في معرفة الملل والنحل، وكتابه «الفرق بين الفرق» من الكتب المعروفة في هذا المجال، ويعد سنداً وثيقاً لمعرفة المذاهب الإسلامية بعد كتاب «مقالات الإسلاميين» للشيخ أبي الحسن الأشعري وكأنّه حذا حذوه في النقل والتقرير، ويمتاز بحسن الضبط واستيعاب البحث.

يعرّفه ابن خلكان بقوله: كان ماهراً في فنون عديدة خصوصاً علم الحساب، فإنّه كان متقناً له، وكان له فيه تآليف نافعة منها كتاب «التكملة». وكان عارفاً بالفرائض والنحو، وله أشعار. ونقل عن الحافظ عبد الغافر بن إسماعيل الفارسي في «سياق تاريخ نيسابور» أنّه ورد مع أبيه نيسابور و كان ذا مال وثروة، تفقّه على أهل العلم والحديث، ولم يكتسب بعلمه مالاً، وصنف في العلوم وأربى على أقرانه في الفنون، ودرس في سبعة عشر فناً، وكان قد تفقّه على أبي إسحاق الإسفرائيني وجلس بعده للإملاء في مكانه

بمسجد عقيل فأملى سنين، واختلف إليه الأئمّة فقرأوا عليه... وتوفّي سنة تسع وعشرين وأربعمائة بمدينة «اسفرائن» و دفن إلى جانب شيخه أبي إسحاق.(1)وترجمه الزركلي في «الأعلام» وقال: عالم متقن من أئمّة الأُصول، ولد ونشأ في بغداد، ورحل إلى خراسان فاستقر بنيسابور، وفارقها على أثر فتنة التركمان، ومات في اسفرائين. ثمّ ذكر تصانيفه المطبوعة والمخطوطة.(2)وترجمه «عبد الرحمن بدوي» فذكر له تسعة عشر كتاباً، غير أنّ الواصل إلينا ما هو المطبوع وهو اثنان:

1.

«الفرق بين الفرق» نشر لأوّل مرّة في دار المعارف عام 1910 م، مليئاً بالأخطاء، ثمّ نشر بتحقيق وإشراف الشيخ محمد زاهد الكوثري، وأخيراً بتحقيق محمد محيي الدين.

2.

«أُصول الدين» و قد طبع لأوّل مرّة في استانبول عام 1346 و طبع بالأُفست أخيراً في بيروت عام 1401 ه. والكتاب يشتمل على خمسة عشر أصلاً من أُصول الدين، وشرح كلّ أصل بخمس عشرة مسألة، وعليه يكون الكتاب مشتملاً على مائتين وخمس وعشرين مسألة.

وإليك فهرس الأُصول الخمسة عشر التي جعلها أساساً للدين.


1) . وفيات الأعيان: 203/3 برقم 392؛ تبيين كذب المفتري: 254.

2) . الأعلام للزركلي: 173/4.

ذكر الأُصول الخمسة عشر

الأصل الأوّل: في بيان الحقائق والعلوم على الخصوص والعموم.

الأصل الثاني: في حدوث العالم على أقسامه من أعراضه وأجسامه.

الأصل الثالث: في معرفة صانع العالم ونعوته في ذاته.

الأصل الرابع: في معرفة صفاته القائمة بذاته.

الأصل الخامس: في معرفة أسمائه وأوصافه.

الأصل السادس: في معرفة عدله وحكمه.

الأصل السابع: في معرفة رسله وأنبيائه.

الأصل الثامن: في معرفة معجزات أنبيائه وكرامات أوليائه.

الأصل التاسع: في معرفة أركان شريعة الإسلام.

الأصل العاشر: في معرفة أحكام التكليف في الأمر والنهي والخبر.

الأصل الحادي عشر: في معرفة أحكام العباد في المعاد.

الأصل الثاني عشر: في بيان أُصول الإيمان.

الأصل الثالث عشر: في بيان أحكام الإمامة وشروط الزعامة.

الأصل الرابع عشر: في معرفة أحكام العلماء والأئمّة.

الأصل الخامس عشر: في بيان أحكام الكفر وأهل الأهواء الفجرة.

وقد ذكر ما هو الوجه لأخذ الرقم (15)، أساساً للتقسيم فقال:

وقد جاءت في الشريعة أحكام مرتبة على خمسة عشر من العدد، وأجمعت الأُمّة على بعضها واختلفوا في بعضها، فمنها على اختلاف سن البلوغ لأنّها عند الشافعي في الذكور والإناث خمس عشرة سنة بسني العرب دون سني الروم والعجم.

ومنها مدة أكثر الحيض عند الشافعي وفقهاء المدينة خمسة عشر يوماً بلياليها. ومنها أقل الطهر الفاصل بين الحيضتين، فإنّه عند أكثر الأئمّة خمسة عشر يوماً، وهذا كلّه على أصل الشافعي وموافقيه. فأمّا على أصل أبي حنيفة وأتباعه فإنّ كلمات الأذان عندهم خمس عشرة. ومقدار مدة الإقامة التي توجب عنده إتمام الصلاة خمسة عشر يوماً، وعند الشافعي أربعة أيام.(1)إلى غير ذلك من الأحكام الفقهية التي أكثرها محل خلاف بين فقهاء السنّة، فضلاً عن الشيعة، كأقل الطهر الفاصل بين الحيضتين، فإنّه عند أكثر الأئمّة، خمسة عشر يوماً؛ أو أنّ كلمات الأذان عندهم خمس عشرة إلى غير ذلك...، و على فرض صحة الأحكام الفرعية التي ذكرها لا صلة بين صحتها وكون أُصول الدين الأساسية خمسة عشر أصلاً، وكلّ أصل مشتملاً على خمس عشرة مسألة، فإنّ ذلك كلّه أُمور ذوقية استحسنها طبعه، وإلّا ففي وسع القارئ أن يجعل الأُصول أكثر أو أقل، والمسائل كذلك.

ثمّ إنّ هذه الأُصول التي اجتمع عليها أهل السنّة - حسب زعمه -


1) . أُصول الدين: 1-2.

جاءت في كتابه «الفرق بين الفرق» مع اختلاف يسير في التعبير والكلمات.(1)

الفرق بين الكتابين في العرض

إنّ السابر في كتاب «الفرق بين الفرق» يجد أنّ في قلمه حدة خاصة في عرض المذاهب، فلا يعرض المذاهب الإسلامية - عدا مذهب أهل السنّة - بصورة موضوعية هادئة، بل يعرضها بعنف وهجوم، وهذا بخلاف سيرته في كتاب «أُصول الدين».

ويكفي في هذا ما يقوله: ولم يكن بحمد اللّٰه ومنّه في الخوارج ولا في الروافض، ولا في الجهمية، ولا في القدرية، ولا في المجسمة ولا في سائر أهل الأهواء الضالّة إمام في الفقه، ولا إمام في رواية الحديث، ولا إمام في اللغة والنحو، ولا موثوق به في نقل المغازي والسير والتواريخ، ولا إمام في الوعظ والتذكير، ولا إمام في التأويل والتفسير، وإنّما كان أئمّة هذه العلوم على الخصوص والعموم من أهل السنّة والجماعة، وأهل الأهواء الضالة إذا ردّوا الروايات الواردة عن الصحابة في أحكامهم وسيرهم، لم يصحّ اقتداؤهم بهم متى لم يشاهدوهم ولم يقبلوا رواية أهل الرواية عنهم.(2)أقول: ما ذكره في حقّ الروافض - إن أراد منه الشيعة ما عدا الغلاة - فقد ظلم العلم وجفا أهله، ولو قاله عن جد فقد قاله عن قصور باعه، (وإن


1) . لاحظ الفصل الثالث من فصول الباب الخامس: ص 323-324.

2) . الفرق بين الفرق: 232.

كان مؤلفاً في الملل والنحل) في التعرف على جهودهم المتواصلة وآثارهم القيمة في العلوم الإسلامية، فقد شاركوا الطوائف الإسلامية في تدوين المعقول والمنقول، وجمع شذرات الحديث، وتأليف شوارد السير، ونظم جواهر الأدب، ونضد قواعد الفقه، وترصيف مباحث الكلام، وتنسيق طبقات الرجال، وضم حلقات التفسير، وترتيب دروس الأخلاق، كما فيهم الفلاسفة والعلماء والساسة والحكام والكتاب والمؤلّفون، تشهد بذلك آثارهم وحياتهم.

وعلى أيّ تقدير، فمن لطيف شعره ما نقله ابن عساكر عنه:

يا من عدا، ثمّ اعتدى ثم اقترف *** ثمّ انتهى ثمّ ارعوى ثم اعترف

أبشر بقول اللّٰه في آياته *** «إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف»(1)


1) . تبين كذب المفتري: 254

(3) إمام الحرمين عبد الملك بن عبداللّٰه

اشارة

الجويني (419-478 ه)

هو عبدالملك بن الشيخ أبي محمد عبد اللّٰه بن أبي يعقوب الجويني.

أثنى عليه كلّ من ذكره، يقول ابن خلّكان: أعلم المتأخّرين من أصحاب الإمام الشافعي على الإطلاق، المجمع على إمامته، المتفق على غزارة مادته وتفننه في العلوم من الأُصول والفروع والأدب، ورزق من التوسع في العبارة ما لم يعهد من غيره، وكان يذكر دروساً يقع كلّ واحد منها في عدة أوراق ولا يتلعثم في كلمة منها، وقد أقام بمكة أربع سنين، وبالمدينة يدرس ويفتي ويجمع طرق المذهب، ولقب بإمام الحرمين.(1)وقد ذكر ابن الأثير في حوادث سنة 456 ه الحوافز التي ألجأت أبا المعالي إلى مغادرة موطنه والخروج إلى الحجاز، وما هي إلّامحنة الأشاعرة في عصر الوزير العميد الكندري وزير طغرل بك السلجوقي قال: كان شديد التعصب على الشافعية كثير الوقيعة في الشافعي بلغ من تعصبه أنّه خاطب


1) . وفيات الأعيان: 167/3-168 برقم 378.

السلطان، في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأذن ذلك، فأمر بلعنهم وأضاف إليهم الأشعرية، فأنف من ذلك أئمّة خراسان، منهم الإمام أبو القاسم القشيري والإمام أبو المعالي الجويني وغيرهما، ففارقوا خراسان، وأقام إمام الحرمين بمكة أربع سنين إلى أن انقضت دولته، يدرّس ويفتي، فلهذا لقب إمام الحرمين، فلما جاءت الدولة النظامية (نظام الملك) أحضر من انتزح منهم وأكرمهم وأحسن إليهم.(1)

أساتذته

تخرّج على والده الشيخ عبد اللّٰه بن يوسف وكان عالماً فقيهاً شافعياً غزير الإنتاج توفي سنة 438 وله من الآثار «الفروق» و «السلسلة» و «التبصرة» و «التذكرة» و غيرها، توفي والابن في سن التاسعة عشرة، فأتم دراسته بالاختلاف إلى مدرسة البيهقي، فتخرج على الشيخ أبي القاسم الإسفرائيني وغيره من الأساتذة الذين أخذ عنهم علمه.(2)

آثاره

ترك من الآثار العلمية ما يربو على عشرين كتاباً بين مطبوع منتشر،

ومخطوط موجود في خزائن الكتب في مصر وباريس وبرلين، وإليك أسماء المطبوعة منها:


1) . الكامل في التاريخ: 31/10-33. وقد مرّ بيان الحادثة في الأمر الأوّل من الخاتمة.

2) . تاريخ المذاهب الإسلامية: 281/1-282.

1.

«الإرشاد في أُصول الدين» و قد طبع في باريس وبرلين والقاهرة.

2.

«الرسالة النظامية في الأحكام الإسلامية» وقد طبعت في القاهرة باسم «العقيدة النظامية» سنة 1367 وقد ترجمت إلى الألمانية عام 1958 م.

3.

«الشامل في أُصول الدين» و قد طبع الكتاب الأوّل (العلل) من الجزء الأوّل منه في القاهرة 1961 م.

4.

«غياث الأُمم في الإمامة» ويعدّه الباحثون أحسن منهجاً من كتاب «الأحكام السلطانية» للماوردي، نشرته دار الدعوة بالاسكندرية.

5.

«مغيث الخلق في اختيار الأحق» و للشيخ محمد زاهد الكوثري رسالة أسماها «إحقاق الحقّ بإبطال الباطل» في «مغيث الخلق» نشرت في القاهرة 1941 م.

6.

«الورقات في أُصول الفقه والأدلّة».(1)ويظهر ممّا نشر في كتبه الكلامية أنّه يستمد في آرائه عن المشايخ الثلاثة:

7.

أبو الحسن الأشعري المتوفّى عام 324 ويعبر عنه ب «شيخنا».

8.

أبو بكر الباقلاني المتوفّى سنة 403 ويعبّر عنه ب «القاضي».

9.

أبو إسحاق الاسفرائيني المتوفّى عام 413 ويعبر عنه ب «الأُستاذ».


1) . الأعلام للزركلي: 160/4؛ سير أعلام النبلاء: 475/18-476.

آراؤه ونظرياته

يبدو أنّ أبا المعالي كان حراً في إبداء النظر ورفض الأفكار وقبولها، وإليك بعض آرائه:

1. أنكر مسألة خلق الأفعال، وأنّ الإنسان مسلوب الاختيار، وقد عرفت أنّ القول بكون أفعال العباد مخلوقة يعدّ إحدى دعائم العقيدة الأشعرية، وقد قال أبو المعالي بدور الإنسان في أعماله. ولو كان هذا مذهبه كما نسبه إليه الشهرستاني فما معنى المناظرة التي دارت بينه و بين «أبي القاسم بن برهان» في مسألة أفعال العباد؟

قال القاسم: هل للعباد أعمال؟ فقال أبو المعالي: إن وجدت آية تقتضي ذا فالحجة لك، فتلا «وَ لَهُمْ أَعْمٰالٌ مِنْ دُونِ ذٰلِكَ هُمْ لَهٰا عٰامِلُونَ»(1)ومدّ بها صوته وكرر «هم لها عاملون» و قوله: «لَوِ اِسْتَطَعْنٰا لَخَرَجْنٰا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اَللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ»(2)أي كانوا مستطيعين. فأخذ أبو المعالي يستروح إلى التأويل.

فقال: واللّٰه إنّك بارد وتتأوّل صريح كلام اللّٰه لتصحح بتأويلك كلام الأشعري وأكلّه ابن برهان بالحجة فبهت.(3)


1) . المؤمنون: 63.

2) . التوبة: 42.

3) . سير أعلام النبلاء: 469/18. و «أكلّه»: أعياه.

ولعل هذه المناظرة ونظائرها دعته إلى العدول عن نظرية الأشعري في أفعال العباد، والانسلاك في خط القائلين بالاختيار للإنسان.

ولأجل عدم قوله بالقدر الجبري ورفضه هذه الأحاديث ربما اتّهموه بأنّه من فرط ذكائه وإمامته في الورع، وأُصول المذهب، وقوة مناظرته، لا يدري الحديث كما يليق به لا متناً ولا إسناداً.(1)2. ما نقل عنه في كتاب البرهان قال: «إنّ اللّٰه يعلم الكليات لا الجزئيات» وهذه نظرية المعتزلة في علمه سبحانه لا الأشاعرة، وهي وإن كانت باطلة جداً لكن الإصحار بها في تلك الظروف المليئة بالحقد والتحامل على المعتزلة، يكشف عن أنّ الرجل كان يملك حرية خاصة في طرح المسائل.

3. قد سلك في الصفات الخبرية مسلك الحزم والاحتياط، فأجرى الظواهر على مواردها وفوض معانيها إلى الرب.

قال في «الرسالة النظامية»: (نشرها محمد زاهد الكوثري عام 1367 ه) اختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسنّة، وامتنع على أهل الحقّ فحواها، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلك في القرآن، وما يصحّ من السنن، وذهب أئمّة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الرب تعالى، والذي نرتضيه رأياً، وندين اللّٰه به عقداً، أنّ اتّباع سلف الأُمّة حجّة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة، وقد درج صحب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم على ترك


1) . نفس المصدر: 471/18.

التعرض لمعانيها، ودرك ما فيها وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهداً في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغاً أو محتوماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة، فإذا تصرم عصرهم وعصر التابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعاً بأنّه الوجه المتبع، فحقّ على ذي الدين أن يعتقد تنزّه الباري عن صفات المحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب، فليجر آية الاستواء والمجيء وقوله: «لِمٰا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»(1)و «وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ»(2)و «تَجْرِي بِأَعْيُنِنٰا»(3)وما صحّ من أخبار الرسول، كخبر النزول وغيره على ما ذكرناه.(4)

قصص الخرافة

إنّ من يصفه ابن عساكر(5)وغيره بأنّه إمام الأئمّة على الإطلاق حبر الشريعة المجمع على إمامته شرقاً وغرباً، المقر بفضله السراة والحراة، وعجماً وعرباً، من لم تر العيون مثله قبله ولا يرى بعده الخ، إلى غير ذلك من كلمات التبجيل وعظائم التكريم لا يصدر عنه ما يذكره الذهبي في ترجمته:


1) . ص: 75.

2) . الرحمن: 27.

3) . القمر: 14.

4) . سير أعلام النبلاء: 473/18-474.

5) . التبيين: 278.

1. قرأت بخط أبي جعفر أيضاً: سمعت أبا المعالي يقول: قرأت خمسين ألفاً في خمسين ألفاً، ثمّ خليت أهل الإسلام الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم الظاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام، كلّ ذلك في طلب الحق، وكنت أهرب في سالف الدهر من التقليد، والآن فقد رجعت إلى كلمة الحق «عليكم بدين العجائز» فإن لم يدركني الحق بلطيف بره، فأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على كلمة الإخلاص، لاإله إلّااللّٰه، فالويل لابن الجويني.(1)2. قال الحافظ محمد بن طاهر: سمعت أبا الحسن القيرواني الأديب - و كان يختلف إلى درس الأُستاذ أبي المعالي في الكلام - فقال: سمعت أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت يبلغ بي ما بلغ، ما اشتغلت به.(2)ولو صحّ ذلك، لما كان ينفعه مجرّد الندم، بل لكان عليه - وراء إبراز الندامة - أن يأمر بإحراق مسفوراته، إلّاما كان منها مطابقاً للسنّة، وكان عليه البراءة ممّا كان يقول، كما تبرأ شيخه الأشعري على صهوات المنابر، ولعلّ هذه النقول كلّها من موضوعات بعض الحنابلة الذين يروق لهم ترويج مذهبهم بعزوالشخصيات البارزة إلى الانسلاك في سلكهم يوم هلاكهم وموتهم، يوم لا ينفعهم الندم والانسلاك.

وكما لا يصحّ ذلك، لا يصحّ ما نقل أيضاً:


1) . سير أعلام النبلاء: 471/18.

2) . نفس المصدر: 474/18.

1. قال محمد بن طاهر: حضر المحدث أبو جعفر الهمداني مجلس وعظ أبي المعالي، فقال: كان اللّٰه ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أُستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها، ما قال عارف قط يا اللّٰه إلّاوجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا، أو قال: فهل عندك دواء لدفع هذه الضرورة التي نجدها؟ فقال: يا حبيبي ما ثم إلّاالحَيْرة، ولطم على رأسه ونزل، وبقي وقت عجيب. وقال فيمابعد: حيرني الهمداني.(1)2. قال أبو جعفر الحافظ؛ سمعت أبا المعالي وسئل عن قوله: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ»(2)فقال: كان اللّٰه ولا عرش. وجعل يتخبّط، فقلت: هل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما معنى هذه الإشارة؟ قلت: ما قال عارف قط يا رباه إلّا قبل أن يتحرك لسانه قام من باطنه قصد لا يلتفت يمنة ولا يسرة - يقصد الفوق - فهل لهذا القصد الضروري عندك من حيلة فتنبئنا نتخلص من الفوق والتحت؟ وبكيت وبكى الخلق، فضرب بكمه على السرير وصاح بالحيرة، ومزق ما كان عليه، وصارت قيامة في المسجد، ونزل يقول يا حبيبي الحيرة والحيرة والدهشة الدهشة.(3)يعز على الأشاعرة أن يجهل إمام الحرمين - الذي يصفه ابن عساكر بأنّه «لم تر العيون مثله قبله ولا ترى بعده»(4)- بجواب هذا السؤال، حتى

1) . نفس المصدر: 474/18-475.

2) . طه: 5.

3) . سير أعلام النبلاء: 476/18-477.

4) . التبيين: 278.

يتخذه السائل سنداً لحلوله سبحانه في العرش وكينونته فيه.

وقد سئل الإمام الصادق عليه السلام عنه و قيل له: ما الفرق بين أن ترفعوا أيديكم إلى السماء وبين أن تخفضوها نحو الأرض؟

قال أبو عبد اللّٰه عليه السلام: «ذلك في علمه وإحاطته وقدرته سواء، ولكنّه عزّوجلّ أمر أولياءه وعباده برفع أيديهم إلى السماء نحو العرش، لأنّه جعله معدن الرزق فثبتنا ما ثبته القرآن والأخبار عن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم حين قال: ارفعوا أيديكم إلى اللّٰه عزّوجلّ».(1)وفي الختام إنّ أبا المعالي أجاب دعوة ربّه في الخامس والعشرين من ربيع الآخر سنة 478 ودفن في داره، ثمّ نقل بعد سنين إلى مقبرة الحسين فدفن بجنب والده، وغلقت الأسواق، ورثي بقصائد، وكان له نحو من أربعمائة تلميذ كسروا محابرهم وأقلامهم وأقاموا حولاً، ووضعت المناديل عن الرؤوس عاماً بحيث ما اجترأ أحد على ستر رأسه، وكان الطلبة يطوفون بالبلد نائحين عليه مبالغين في الصياح والجزع.(2)وممّا قيل في وفاته:

قلوب العالمين على المقالي *** وأيام الورى شبه الليالي

أيثمر غصن أهل الفضل يوماً *** وقد مات الإمام أبو المعالي(3)


1) . التوحيد للصدوق: 248.

2) . سير أعلام النبلاء: 476/18.

3) . تبيين كذب المفتري: 285

(4) حجة الإسلام الإمام الغزالي (450-505 ه)

اشارة

الإمام زين الدين حجّة الإسلام أبو حامد محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الشافعي، تلمذ لإمام الحرمين ثمّ ولّاه نظام الملك التدريس في مدرسته ببغداد، وخرج له أصحاب وصنف التصانيف مع التصوف والذكاء المفرط، وتوفي في الرابع عشر من جمادى الآخرة بالطابران، قصبة بلاد طوس، وله خمس وخمسون سنة.

وقع للغزالي أُمور تقتضي علو شأنه من ملاقاة الأئمة، ومجاراة الخصوم، ومناظرة الفحول، فأقبل عليه نظام الملك وحل منه محلاً عظيماً، وطار اسمه في الآفاق وندب للتدريس بنظامية بغداد سنة أربع وثمانين وأربعمائة فقدمها في تجمر [تجمهر] كبير وتلقّاه الناس، ونفذت كلمته وعظمت حشمته، حتى غلبت على حشمة الأُمراء والوزراء، وضرب به المثل، وشدت إليه الرحال.

وأقبل على العبادة والسياحة، فخرج إلى الحجاز في سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، فحج ورجع إلى دمشق واستوطنها عشر سنين بمنارة

الجامع، وصنّف فيها كتباً، ثمّ صار إلى القدس والاسكندرية، ثمّ عاد إلى وطنه بطوس مقبلاً على التصنيف والعبادة وملازمة التلاوة ونشر العلم وعدم مخالطة الناس، ثمّ إنّ الوزير فخر الدين نظام الملك حضر إليه وخطبه إلى نظامية نيسابور، وألحّ كلّ الإلحاح فأجاب إلى ذلك وأقام عليه مدة، ثمّ تركه وعاد إلى وطنه على ما كان عليه، وابتنى إلى جواره خانقاه للصوفية ومدرسة للمشتغلين.

تصانيفه

يذكر ابن قاضي شهبة تصانيفه، وإليك بعضها:

1.

الوسيط، وهو كالمختصر للنهاية، والوسيط ملخص منه.

2.

الوجيز والخلاصة.

3.

كتاب الفتاوى مشتمل على مائة وتسعين مسألة.

4.

كتاب الإحياء وهو من أشهر تآليفه.

5.

المستصفى في أُصول الفقه.

6.

بداية الهداية في التصوف.

7.

إلجام العوام عن علم الكلام.

8.

الرد على الباطنية.

9.

مقاصد الفلاسفة.

10.

تهافت الفلاسفة.

11.

جواهر القرآن.

12.

شرح الأسماء الحسنى.

13.

مشكاة الأنوار.

14.

المنقذ من الضلال.

15.

الخلاصة.

16.

قواعد العقائد.

إلى غير ذلك من التآليف.(1)

نماذج من آرائه

اشارة

والغزالي مع ما أُوتي من مواهب كبيرة في الفلسفة والكلام والتصوف وغير ذلك، غير أنّه يقتفي أثر إمامه الأشعري ويلتقي معه في كثير من الآراء والمباني، وإليك قسماً من آرائه في كتاب «قواعد العقائد»:

1. إنكار الحسن والقبح العقليين

يقول في توصيف أفعاله سبحانه:

عادل في أقضيته، لا يقاس عدله بعدل العباد إذ العبد يتصور منه الظلم بتصرفه في ملك غيره، ولا يتصور الظلم من اللّٰه تعالى، فإنّه لا يصادف لغيره


1) . اقرأ ترجمته في المصادر التالية: طبقات السبكي: 101/4، تبيين كذب المفتري: 291-306، والمنتظم: 168/9، مهرجان الغزالي في دمشق عام 1961، مؤلّفات الغزالي لعبد الرحمن البدوي ط 1990 م.

ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً، فكلّ ما سواه، من إنس وجن... اخترعه بقدرته بعد العدم اختراعاً.(1)ويقول أيضاً: إنّ للّٰه عزّوجلّ إيلام الخلق وتعذيبهم من غير جرم سابق... لأنّه متصرف في ملكه، والظلم هو عبارة عن التصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو محال على اللّٰه تعالى، فإنّه لا يصادف لغيره ملكاً حتى يكون تصرفه فيه ظلماً.(2)يلاحظ عليه:

أوّلاً: أنّ الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه، والتصرف في ملك الغير فرع منه ولا ينحصر الظلم فيه.

وثانياً: أنّ حكم العقل بالقبح لا يترتب على لفظ الظلم حتى يفسر بأنّه تصرف في ملك الغير، والعالم كلّه ملكه سبحانه، بل العقل يستقل بقبح إيذاء الغير وتعذيبه من دون جرم ولا تعدّ من أي فاعل صدر، سواءً أكان خالقاً أم غيره، ولا يجوز التخصيص في الأحكام العقلية.

ثمّ إنّ الغزالي يستدل على صدور القبيح منه بقوله:

«فإن أُريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه فهو محال، إذ لا غرض له، فلا يتصوّر منه قبيح كما لا يتصوّر منه ظلم».

فإن أُريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الغير فلم قلتم: إنّ ذلك عليه


1) . قواعد العقائد: 60.

2) . نفس المصدر: 204.

محال؟ وهل هذا إلّامجرّد تشهٍّ يشهد بخلافه ما قد فرضناه من مخاصمة أهل النار.(1)يلاحظ عليه: أنّ تفسير القبيح بما لا يوافق الغرض ساقط جداً، وهو من التفسيرات الخاطئة التي وردت في كتب المتكلّمين من الأشاعرة، وقليل من المعتزلة، بل المراد من القبيح ما يستقل العقل بداهة بقبحه إذا لاحظه من دون أن يلاحظ الغرض، فقد قلنا إنّه كما يوجد في الحكمة النظرية قضايا بديهية ونظرية فهكذا يوجد في الحكمة العملية قضايا يستقل العقل بحسنها وقبحها بالبداهة، وقضايا يتوقف فيها العقل في بدء الأمر حتى يرجع إلى القضايا الواضحة في الحكمة العملية، فلا الحسن يدور على موافقة الغرض ولا القبح على مخالفته، بل كلاهما يدوران على أحكام عقلية واضحة لدى العقل من دون تخصيصها بزمان دون زمان، أو مكان دون مكان، أو فاعل دون فاعل.

2. معرفة اللّٰه واجبة شرعاً لا عقلاً

وقد اقتفى الغزالي في هذه المسألة أثر شيخه أبي الحسن الأشعري وقال:

إنّ معرفة اللّٰه سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب اللّٰه تعالى وشرعه لا بالعقل، لأنّ العقل وإن أوجب الطاعة فلا يخلو إمّا أن يوجبها لغير فائدة وهو


1) . قواعد العقائد: 208، ويشير بقوله «من مخاصمة أهل النار» إلى المناظرة التي وقعت بين الأشعري وشيخه أبي علي الجبائي، وقدأوعزنا إليها في صدر الكتاب.

محال، فإنّ العقل لا يوجب العبث، وإمّا أن يوجبها لفائدة وغرض، وذلك لا يخلو إمّا أن يرجع إلى المعبود، وذلك محال في حقّه تعالى، فإنّه يتقدّس عن الأغراض والفوائد؛ وإمّا أن يرجع ذلك إلى غرض العبد، وهو أيضاً محال، لأنّه لا غرض له في الحال، بل يتعب به وينصرف عن الشهوات بسببه.

وليس في المآل إلّاالثواب والعقاب ومن أين يعلم أنّ اللّٰه تعالى يثيب على المعصية والطاعة ولا يعاقب عليهما؟(1)يلاحظ عليه: أنّا نختار الشق الثاني، وهو أنّ الغرض عائد إلى العبد، وهو أنّه يعلم من صميم ذاته بأنّ له منعماً، وأنّ النعمات التي أحاطت به معطاة من غيره، وعندئذٍ يحتمل أن يكون لمنعمه أوامر وزواجر وتكاليف وإلزامات ربما يعاقب على تركها، فعندئذٍ يحكم العقل عليه بأنّه يجب التعرف على المنعم دفعاً للضرر المحتمل.

والغرض العائد للعبد في المقام ليس غرضاً دنيوياً حتى يقال: كيف يكون هناك غرض وهو يتعب بالمعرفة وينصرف عن الشهوات، بل غرض عقلي وهو دفع العقاب المحتمل في المآل.

وما قال من أنّه من أين علم أنّ اللّٰه تعالى يعاقب على المعصية ويثيب على الطاعة ولا يعاقب عليهما؟ فهو ناشئ عن إنكار الحسن والقبح العقليين، أي إنكار أوضح القضايا العقلية وأبدهها؛ يقول سبحانه دعماً لما


1) . قواعد العقائد: 209، ولعلّ قوله: «يثيب على المعصية والطاعة» تصحيف «يعاقب على المعصية ويثيب على الطاعة».

تقضي به الفطرة الإنسانية: «أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ اِجْتَرَحُوا اَلسَّيِّئٰاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ سَوٰاءً مَحْيٰاهُمْ وَ مَمٰاتُهُمْ سٰاءَ مٰا يَحْكُمُونَ».(1)

3. جواز التكليف بمالا يطاق

وقد بنى على إنكار الحسن والقبح العقليين أنّه يجوز على اللّٰه سبحانه أن يكلف الخلق مالا يطيقونه، خلافاً للمعتزلة، ولو لم يجز ذلك، لاستحال سؤال دفعه وقد سألوا ذلك فقالوا: «رَبَّنٰا وَ لاٰ تُحَمِّلْنٰا مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ».(2)ولأنّه تعالى أخبر نبيّه بأنّ أبا جهل لا يصدقه، ثمّ أمره بأن يأمره بأن يصدقه في جميع أقواله، وكان من جملة أقواله أنّه لا يصدقه، فكيف في أنّه لا يصدقه.(3)يلاحظ عليه: أنّ في كلا الاستدلالين وهناً واضحاً:

أمّا الأوّل: فهو عجيب جداً كيف يستدل بجزء من الآية ويترك صدرها، يقول سبحانه:

«لاٰ يُكَلِّفُ اَللّٰهُ نَفْساً إِلاّٰ وُسْعَهٰا لَهٰا مٰا كَسَبَتْ وَ عَلَيْهٰا مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنٰا لاٰ تُؤٰاخِذْنٰا إِنْ نَسِينٰا أَوْ أَخْطَأْنٰا رَبَّنٰا وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً كَمٰا حَمَلْتَهُ عَلَى


1) . الجاثية: 21.

2) . البقرة: 286.

3) . قواعد العقائد: 203-204.

اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِنٰا رَبَّنٰا وَ لاٰ تُحَمِّلْنٰا مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ وَ اُعْفُ عَنّٰا وَ اِغْفِرْ لَنٰا وَ اِرْحَمْنٰا أَنْتَ مَوْلاٰنٰا فَانْصُرْنٰا عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْكٰافِرِينَ». (1)فصدر الآية يبين شأنه سبحانه وأنّ حكمته مانعة عن أن يكلف نفساً شيئاً خارجاً عن وسعها، وإنّما يكلفها ما في وسعها، فلها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.

إنّ التكليف عبارة عن الإرادة الجدية المتعلّقة بطلب شيء من الغير، ولا تتمشّى تلك الإرادة إلّامع العلم بكون الفعل في وسع الغير، فلو وقف على كونه خارجاً عن وسعه، لما تعلّقت به الإرادة الجدية، فكيف يمكن تكليف الغير بشيء خارج عن وسعه، فإنّ مآل ذلك إلى التكليف المحال؟

وأمّا قوله سبحانه: «وَ لاٰ تُحَمِّلْنٰا مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ» فالمراد هو التكاليف الشاقة التي لا تُتحمل عادة، وإن كانت تُتحمل عقلاً.

ويمكن أن يقال: إنّ المراد من الموصول في «مٰا لاٰ طٰاقَةَ لَنٰا بِهِ» هو العذاب النازل أو الرجس، كالمسخ وغيره، الذي عمّ الأُمم السابقة.

وأمّا الثاني: فالظاهر أنّ في كلامه تصحيفاً، وكان الأولى أن يقول أبا لهب مكان أبي جهل.

نعم تصح العبارة لو ورد في الروايات بأنّ النبي أخبر أبا جهل بأنّه لا يؤمن. وعلى كلّ تقدير فالاستدلال في مورد أبي لهب أوضح بأن يقال إنّ اللّٰه كلّف أبا لهب الإيمان بالقرآن، ومن جملة ما أنزل في القرآن أنّه لا يؤمن


1) . البقرة: 286.

فقال: «سَيَصْلىٰ نٰاراً ذٰاتَ لَهَبٍ» فكأنّه كلّفه الإيمان بأنّه لا يؤمن.

يلاحظ على الاستدلال: أنّ الآية إخبار عن عدم إيمانه، وأنّه لا يؤمن إلى يوم هلاكه نظير قول نوح: «رَبِّ لاٰ تَذَرْ عَلَى اَلْأَرْضِ مِنَ اَلْكٰافِرِينَ دَيّٰاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبٰادَكَ وَ لاٰ يَلِدُوا إِلاّٰ فٰاجِراً كَفّٰاراً».(1)ولم يؤمر أبو لهب أن يؤمن بأنّه لا يؤمن باللّٰه ورسوله وكتابه، وأمّا ما نزل في حقّه فإنّما هو إخبار عن علم جازم بأنّه لا يؤمن فقط.

وإن شئت قلت: سقط التكليف عنه بعصيانه القطعي المستمر في علم اللّٰه إلى يوم وفاته بعد نزول هذه السورة الكاشف عن ذلك العصيان، وكلّ من اتحد معه في هذا الوصف فهو كذلك.

4. رأيه في كون فعل العباد مخلوقاً للّٰه

قد رأى الغزالي فعل العباد مخلوقاً للّٰه سبحانه ومكسوباً لهم يقول - بعد التفريق بين الحركة المقدورة والرعدة الضرورية -: إنّها مقدورة بقدرة اللّٰه تعالى اختراعاً، وبقدرة العبد على وجه آخر، يعبر عنه بالاكتساب، وليس من ضرورة تعلّق القدرة بالمقدور يكون بالاختراع فقط إذ قدرة اللّٰه تعالى في الأزل قد كانت متعلّقة بالعالم، ولم يكن الاختراع حاصلاً بها، وهي عند الاختراع متعلّقة به نوعاً آخر من التعلّق، فبه يظهر أنّ تعلّق القدرة ليس مخصوصاً بحصول المقدور بها.(2)


1) . نوح: 26-27.

2) . قواعد العقائد: 196.

إنّ الغزالي: يريد أن يثبت تعلّق قدرة العبد على الفعل ببيان أنّه ليس معنى تعلق القدرة هو الاختراع، بل للتعلّق أقسام بشهادة أنّ قدرته سبحانه تعلّقت بالعالم أزلاً ولم يكن الاختراع حاصلاً عنده فتعلّق القدرة أعم من الاختراع، فعند ذلك فالاختراع أثر قدرته الأخيرة، والكسب أثر قدرة العبد.

وأنت خبير بأنّ ما ذكره لا محصل له، وإنّما هو مجرّد لفظ خال عن معنى، وذلك أنّه إن أُريد بالقدرة العلة التامة التي يتحقّق بعدها الفعل فتمنع تعلق قدرته سبحانه بكلّ أجزاء العالم أزلاً وأبداً في الأزل وإنّما تعلقت مشيئته على إيجاد كلّ جزء في ظرفه ومكانه، والقدرة بهذا المعنى خارجة عن إطار البحث، وإنّما الكلام في القدرة المستدعية للفعل، فليس لها أثر إلّاالإيجاد، وعندئذٍ فالفعل في وجوده لو استند إليه سبحانه لا يبقى شيء لأن يستند إلى قدرة العبد حتى نقول: اللّٰه سبحانه خالق، والعبد كاسب، وقد عرفت أنّ الكسب من المفاهيم التي لم يظهر لأحد واقع المراد منها.

5. رأيه في استوائه سبحانه على العرش

إنّ الظاهر من كلامه في استوائه سبحانه على العرش هو التفويض، أي تفويض معناه إلى اللّٰه سبحانه، لكنّه عندما يشرح معنى الاستواء ومفاد الآية يفترق عن شيخه أبي الحسن ويلتحق بالمعتزلة الذين يذهبون إلى التأويل في هذه المواضع، وإليك عبارته:

وأنّه مستو على الوجه الذي قال، وبالمعنى الذي أراد، استواء منزهاً عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش بل

العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش والسماء، فوق كلّ شيء إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قرباً إلى العرش والسماء كما لا تزيده بعداً عن الأرض والثرى، بل هو رفيع الدرجات عن العرش والسماء، كما أنّه رفيع الدرجات عن الأرض والثرى، وهو مع ذلك قريب من كلّ موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد وهو على كلّ شيء شهيد.(1)ويقول في موضع آخر:

العلم بأنّه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراد اللّٰه تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء، ولا يتطرق إليه سمات الحدوث والفناء، وهو الذي أُريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن: «ثُمَّ اِسْتَوىٰ إِلَى اَلسَّمٰاءِ وَ هِيَ دُخٰانٌ»(2). وليس ذلك إلّابطريق القهر والاستيلاء، كما قال الشاعر:

قد استوى بِشْرٌ على العراق *** من غير سيف ودم مهراق

واضطر أهل الحق إلى هذا التأويل كما اضطر أهل الباطل إلى تأويل قوله تعالى: «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ»، إذ حمل ذلك بالاتفاق على الإحاطة والعلم.(3)


1) . قواعد العقائد: 52.

2) . فصلت: 11.

3) . قواعد العقائد: 165.

6. رأيه في تكلّمه سبحانه

قد ذهب الغزالي في تفسير تكلّمه سبحانه إلى ما اختاره شيخه فقال: إنّه تعالى متكلّم، آمر، ناهٍ، واعد، متوعد، بكلام أزلي، قديم، قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، فليس بصوت يحدث من انسلال هواء أو اصطكاك أجرام، ولا بحرف ينقطع بإطباق شفة أو تحريك لسان.(1)وقال في موضع آخر:

إنّه سبحانه و تعالى متكلّم بكلام وهو وصف قائم بذاته - إلى أن قال -: والكلام بالحقيقة كلام النفس، وإنّما الأصوات قطعت حروفاً للدلالات كما يدل عليها تارة بالحركات والإشارات، وكيف التبس هذا على طائفة من الأغبياء ولم يلتبس على جهلة الشعراء حيث قال قائلهم:

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنّما *** جُعل اللسان على الفؤاد دليلا(2)

وقد أوضحنا حال الكلام النفسي، وأنّ نفي التكلّم عنه سبحانه لرجوعه إلى العلم.

7. رأيه في رؤية اللّٰه سبحانه

إنّ الغزالي مع أنّه من المصرّين على التنزيه فوق ما يوجد في كلام


1) . قواعد العقائد: 165.

2) . قواعد العقائد: 58 و 182. والشعر للأخطل وقبله: لا يعجبنك من أمير خطبة حتى يكون مع الكلام أصيلا

الأشاعرة، ولكنّه لم يستطع تأويل ما دلّ على أنّه سبحانه يُرى يوم القيامة فقال: العلم بأنّه تعالى مع كونه منزّهاً عن الصورة والمقدار، مقدساً عن الجهات والأقطار، مرئي بالأعين والأبصار في الدار الآخرة.

ثمّ قال: وأمّا وجه إجراء آية الرؤية على الظاهر فهو غير مؤد إلى المحال، فإنّ الرؤية نوع كشف وعلم، إلّاأنّه أتم وأوضح من العلم، وإذا جاز تعلّق العلم به وليس في جهة، جاز تعلّق الرؤية به وليس بجهة.(1)يلاحظ عليه: إنّه بأيّ دليل يقول: إذا جاز تعلّق العلم به سبحانه، جاز تعلّق الرؤية به؟ فهل هذا قضية كلية؟ مع أنّ الإرادة والحسد والبخل وسائر الصفات النفسانية يتعلّق بها العلم، فهل تتعلّق بها الرؤية؟ وهو يعترف بأنّه سبحانه ليس جسماً ولا جسمانياً ولا صورة، والمغالطة في كلامه واضحة، فإنّ العلم بالشيء نوع تصور له، والتصور لا يستلزم الإشارة إلى الشيء ولا كونه في جهة أو كونه متحيزاً، بخلاف الرؤية بالأبصار فإنّها لا تنفك عن ذلك، ومن أنكر فإنّما ينكر بلسانه، وهو يؤمن بقلبه وجنانه.

ثمّ إنّ له استدلالاً آخر في المقام يقول: وكما يجوز أن يرى اللّٰه تعالى الخلق وليس في مقابلتهم، جاز أن يراه الخلق من غير مقابل؛ وكما جاز أن يُعلم من غير كيفية وصورة، جاز أن يرى كذلك.

يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ الاستدلال لو كانت الرؤية من الجانبين على نسق واحد: فالعباد ينظرون إليه بعيونهم واللّٰه سبحانه ينظر إلى عباده


1) . قواعد العقائد: 169-171.

ويراهم بعيونه، وأمّا إذا قلنا بأنّ رؤيته سبحانه إحاطة وجوده بجميع الأشياء وقيامها به قياماً قيومياً فلا يصحّ القياس، فرؤيته سبحانه لا تتوقف على المقابلة، لأنّ الرؤية إنّما تتوقّف على المقابلة إذا لم يكن الرائي محيطاً بالمرئي فيحتاج إلى المقابلة، دونما لم يكن محتاجاً لها.

وأظن أنّ عقلية الغزالي الشامخة كانت تصده عن تجويز الرؤية، وإنّما صدرت منه هذه الهفوة لاتّفاق الأشاعرة وأهل الحديث على الرؤية.

8. نظره في رعاية الأصلح لعباده

يقول: إنّه تعالى يفعل بعباده ما يشاء فلا يجب عليه رعاية الأصلح لعباده، لما ذكرناه من أنّه لا يجب عليه سبحانه شيء، بل لا يعقل في حقّه الوجوب، فإنّه لا يُسأل عمّا يفعل وهم يسألون.

وعلّق عليه محقّق الكتاب وقال: فلو أدخل جميعهم الجنة من غير طاعة سابقة، كان له ذلك، ولو أورد الكل منهم النار من غير زلة منهم كان له ذلك، لأنّه تصرف مالك الأعيان في ملكه، وليس عليه استحقاق، إن أناب فبفضله يثيب، وإن عذب فلحق ملكه يعذب.(1)يلاحظ عليه: أنّ القائل بالأصلح للعباد يريد بذلك إخراج فعله سبحانه عن العبث لأنّه حكيم ولا سبيل للعبث إليه، قال سبحانه:

«وَ مٰا خَلَقْنَا اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لاٰعِبِينَ».(2)


1) . قواعد العقائد: 205.

2) . الدخان: 38.

وقال سبحانه: «وَ مٰا خَلَقْنَا اَلسَّمٰاءَ وَ اَلْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا بٰاطِلاً ذٰلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنّٰارِ».(1)إلى غير ذلك من الآيات التي تنفي العبث عن فعله، وتصرح باقترانها بالحكمة والغرض، فمن قال بوجوب رعاية الأصلح فإنّما قال بإخراج فعله عن العبث.

وأمّا كون العمل الأصلح واجباً عليه، لا يراد منه تكليفه من جانب العبد بالقيام بالأصلح وإنّما المراد استكشاف العقل الحكمَ الضروري من صفاته الكمالية، أعني كونه حكيماً، وأنّ حكمته تقتضي - إيجاباً - أنّه لا يفعل العبث والعمل الخالي عن الهدف، كما أنّك تحكم بأنّ زوايا المثلث تساوي كذا وكذا حتماً وليس معناه حكمك على الخارج، بل معناه استكشاف العقل حكماً ضرورياً من ملاحظة نفس المثلث وزواياه.

وأمّا تعذيبه سبحانه البريء فلا شكّ أنّه يقدر على ذلك، ولكن لا يفعل لأنّه قبيح، والعقل يدرك قبح ذلك العمل من أي مقام صدر وفي أي موضع وقع، وليس حكم العقل بإيجابه إلّاالاستكشاف على ما مرّ.

وأمّا القول بأنّ الحكم بلزوم اقتران فعله بالغرض، يستلزم استكماله به، فهو خلط بين كون الغرض للفاعل وكون الغرض للفعل، فالغاية غاية للفعل لا للفاعل.


1) . ص: 27.

وقد حققنا ذلك في الجزء الثالث عند البحث عن عقائد المعتزلة، فتربص حتى حين.

9. مناوأة معاوية لعلي عليه السلام كانت عن اجتهاد

الغزالي يرى مناوئي علي عليه السلام في الجمل وصفين مجتهدين يقول:

وما جرى بين معاوية و علي عليه السلام كان مبنياً على الاجتهاد لا منازعة من معاوية في الإمامة، إذ ظن علي رضي اللّٰه عنه أنّ تسليم قتلة عثمان مع كثرة عشائرهم واختلاطهم بالعسكر يؤدي إلى اضطراب أمر الإمامة في بدايتها، فرأى التأخير أصوب، وظن معاوية أنّ تأخير أمرهم مع عظم جنايتهم يوجب الإغراء بالأئمّة، ويعرض الدماء للسفك، وقد قال أفاضل العلماء: «كلّ مجتهد مصيب» و قال قائلون: «المصيب واحد» ولم يذهب إلى تخطئة علي ذو تحصيل أصلاً.

يلاحظ عليه: أنّ للاجتهاد مقومات، وللمجتهد مؤهلات مقررة في محله، أوضحها هو الوقوف على الكتاب والسنّة واستخراج الحكم الشرعي من مداركه، وأمّا الاجتهاد تجاه النص فهو اجتهاد خاطئ، بل تشريع في مقابل الحجة.

وعلى ضوء ذلك فهل يمكن لنا توصيف عمل معاوية وزميله عمرو بن العاص ومن لفّلفهما في الجمل والنهروان بالاجتهاد؟ فما معنى هذا الاجتهاد الذي سفكت الدماء من أجله، وأُبيحت وغصبت الفروج، وانتهكت المحارم؟ وما معنى الاجتهاد تجاه قول رسول اللّٰه مخاطباً لعمار:

«تقتلك الفئة الباغية»؟ فبهذا الاجتهاد عُذِرَ ابن ملجم المرادي أشقى الآخرين بنص الرسول الأمين على قتل خليفة الحق والإمام المبين في محراب عبادة اللّٰه، حتى قيل إنّ ابن ملجم قتل علياً متأولاً مجتهداً على أنّه صواب، وفي ذلك يقول عمران بن حطان:

يا ضربة من تقىٍّ ما أراد بها *** إلّا ليبلغ من ذي العرش رضواناً

عجباً لهذا الاجتهاد يبيح سبّ علي أمير المؤمنين عليه السلام، ويبيح سبّ كلّ صحابي احتذى مثاله، ويجوّز لعنهم والوقيعة فيهم والنيل منهم في خطب الصلوات والجمعات والجماعات وعلى رؤوس المنابر، ولا يلحق فاعل هذه الموبقات ذم ولا تبعة، بل له أجر واحد لاجتهاده خطأ، وإن كان المجتهد من بقايا الأحزاب.

هذا عرض خاطف لنظريات «الإمام الغزالي» و قد عرفت موقفها من الحقّ، ولنختم ترجمته بنقل أمرين من كتابه:

1. إنّ صفاته سبحانه تشتمل على عشرة أُصول وهي:

العلم بكونه حياً، عالماً، قادراً، مريداً، سميعاً، بصيراً، متكلماً، منزهاً عن حلول الحوادث، وأنّه قديم الكلام والعلم والإرادة.(1)وهذه العبارة تتضمن أحد عشر وصفاً له سبحانه، ولأجل ذلك قال المعلق: قوله منزهاً عن حلول الحوادث غير معدود في هؤلاء. ولم يعلم وجه استثناء خصوصه كما لا يعلم أنّه وصف العلم بالقدم، مع أنّ القدرة مثله فليس قدرته حادثة.


1) . قواعد العقائد: 145.

2. ومن لطائف كلامه في رد المجسّمة ما قاله: فأمّا رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنّها قبلة الدعاء، وفيه أيضاً إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء، وتنبيهاً بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنّه تعالى فوق كلّ موجود بالقهر والاستيلاء.(1)وفي خاتمة المطاف: نأتي بكلام لأبي زهرة في حقّ الغزالي ثمّ نعقبه بما يليق به:

إنّ الغزالي نظر في كلام أبي منصور الماتريدي، وأبي الحسن الأشعري نظرة حرة بصيرة فاحصة، لا نظرة تابع مقلد، فوافقهما في أكثر ما وصل إليه وخالفهما في بعض ما ارتآه ديناًواجب الاتّباع.(2)ماذا يريد أبو زهرة من قوله: «نظر في كلام الشيخين نظرة حرة»؟

فلو كان محور حكمه هو كتاب «قواعد العقائد» الذي نقلنا منه مجموعة من آرائه فهو لم يخالفهما إلّافي أقل القليل، كيف وقد أنكر الحسن والقبح العقليين، كما أثبت الرؤية في الآخرة، وقال بقدم كلامه، وبذلك ترك عاراً على جبين أهل التوحيد، وإنّما خالف الأشعري في الصفات الخبرية حيث ذهب فيها إلى التفويض دون الحمل على معانيها اللغوية، ونظرية التفويض وإن كانت أقل شناعة من الحمل على معانيها اللغوية، لكنّها نظرية باطلة توجب أن يكون القرآن من المعمّيات غير نازل للفهم والتدبّر.


1) . قواعد العقائد: 165.

2) . ابن تيمية عصره وحياته: 193.

(5) أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

(479 أو 467-548 ه)

الشهرستاني، أحد المهتمين بدراسة المذاهب والشرائع، ويعدّ شخصية ثالثة بين الأشاعرة في معرفة الملل والنحل، بعد الشيخين: أبي الحسن الأشعري، وعبد القاهر البغدادي، وكتابه المعروف ب «الملل والنحل» يعد من المصادر لهذا العلم، ويمتاز عن غيره من الكتب المتقدمة عليه ك «مقالات الإسلاميين» للأشعري و «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي بذكر كثير من الآراء الفلسفية المتعلّقة بما وراء الطبيعة، التي كانت سائدة في عصر المؤلف، ولأجل ذلك حاز الكتاب إعجاب الناس وتقديرهم، ومع ذلك كلّه قد خلط بين الحقّ والباطل، خصوصاً في نقل آراء بعض الطوائف الإسلامية.

ويعرّفه ابن خلكان بقوله: كان مبرزاً فقيهاً متكلماً، تفقّه على أحمد الخوافي وعلى أبي نصر القشيري وغيرهما، وبرع في الفقه وقرأ الكلام على أبي القاسم الأنصاري وتفرد فيه، وصنف كتباً منها: «نهاية الإقدام في علم

الكلام» وكتاب «الملل النحل» و «المناهج والبيّنات» وكتاب «المضارعة» و «تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام» و كان كثير المحفوظ(1)، حسن المحاورة، يعظ الناس، ودخل بغداد سنة 510 وأقام بها ثلاث سنين، وظهر له، قبول كثير عند العوام، وسمع الحديث من علي بن أحمد المديني ب «نيسابور» وغيره، وكتب عنه الحافظ أبو سعد عبد الكريم السمعاني، وذكره في كتاب «الذيل»، و كانت ولادته سنة 479 أو 467، وتوفّي في أواخر شعبان سنة 548 ه.(2)ويصفه الذهبي بقوله: شيخ أهل الكلام والحكمة، وصاحب التصانيف، ونقل عن السمعاني أنّه كان يميل إلى أهل القلاع (القرامطة) والدعوة إليهم والنصرة لطاماتهم، كما ينقل عن صاحب «التحبير» بأنّه كان إماماً أُصولياً عارفاً بالأدب وبالعلوم المهجورة. وقال ابن أرسلان في تاريخ خوارزم: عالم كيّس متعفّف.

ولولا ميله إلى الإلحاد وتخبطه في الاعتقاد، لكان هو الإمام، وكثيراً ما نتعجب من وفور فضله كيف مال إلى شيء لا أصل له، نعوذ باللّٰه من الخذلان، وليس ذلك إلّالإعراضه عن علم الشرع، واشتغاله بظلمات الفلسفة. وقد كانت بيننا محاورات فكان يبالغ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم. حضرت وعظه مرات فلم يكن في ذلك قال اللّٰه و قال رسوله. فسأله سائل يوماً فقال: سائر العلماء يذكرون في مجالسهم المسائل الشرعية


1) . كذا في المصدر والأصحّ: «كثير الحفظ».

2) . وفيات الأعيان: 273/4 برقم 611.

ويجيبون عنها بقول أبي حنيفة والشافعي، وأنت لا تفعل ذلك؟ فقال: مثلي ومثلكم كمثل بني إسرائيل يأتيهم المن والسلوى، فسألوا الثوم والبصل. ثمّ نقل عن ابن أرسلان أنّه حجّ في سنة 510 ه.(1)

المطبوع من كتبه

1.

«الملل والنحل» قد طبع كراراً، وأخيراً في القاهرة في جزءين بتحقيق محمد سيد كيلاني، طبع في 1381 ه.

2.

«نهاية الإقدام» وهو مطبوع حرّره وصحّحه «الفرد جيوم» المستشرق ولم يذكر عام الطبع. ومجموع الكتاب يحتوي على عشرين قاعدة كلامية. قال في مقدمة الكتاب: وقد أوردت المسائل على تشعث خاطري وتشعب فكري، ممتثلاً أمره في معرض المباحثات ترتيباً وتمهيداً، سؤالاً وجواباً، وسمّيت الكتاب «نهاية الإقدام (بالكسر) في علم الكلام».(2)وإليك فهرس القواعد:

3.

القاعدة الأُولى: في حدوث العالم وبيان استحالة حوادث لا أوّل لها، واستحالة وجود أجسام لا تتناهى مكاناً.

4.

القاعدة الثانية: في حدوث الكائنات بأمرها بإحداث اللّٰه سبحانه.

5.

القاعدة الثالثة: في التوحيد.

6.

القاعدة الرابعة: في إبطال التشبيه.


1) . سير أعلام النبلاء: 287/20-288. ولاحظ الروضات: 26/8 برقم 675.

2) . نهاية الإقدام: 4.

5.

القاعدة الخامسة: في إبطال مذهب التعطيل وبيان وجوه التعطيل.

6.

القاعدة السادسة: في الأحوال.

7.

القاعدة السابعة: في المعدوم هل هو شيء أم لا، وفي الهيولى وفي الرد على من أثبت الهيولى بغير صورة الوجود.

8.

القاعدة الثامنة: في إثبات العلم بأحكام الصفات العلى.

9.

القاعدة التاسعة: في إثبات العلم بالصفات الأزلية.

10.

القاعدة العاشرة: في العلم الأزلي خاصة، وأنّه أزلي واحد.

11.

القاعدة الحادية عشرة: في الإرادة.

12.

القاعدة الثانية عشرة: في كون البارئ متكلّماً بكلام أزلي.

13.

القاعدة الثالثة عشرة: في أنّ كلام البارئ واحد.

14.

القاعدة الرابعة عشرة: في حقيقة الكلام الإنساني والنطق النفساني.

15.

القاعدة الخامسة عشرة: في العلم بكون البارئ تعالى سميعاً بصيراً.

16.

القاعدة السادسة عشرة: في جواز رؤية البارئ تعالى عقلاً ووجوبها سمعاً.

17.

القاعدة السابعة عشرة: في التحسين والتقبيح، وبيان أنّه لا يجب على اللّٰه تعالى شيء من قبل العقل، ولا يجب على العباد شيء قبل ورود الشرع.

18.

القاعدة الثامنة عشرة: في إبطال الغرض والعلة في أفعال اللّٰه تعالى، وإبطال القول بالصلاح والأصلح واللطف، ومعنى التوفيق والخذلان والشرح والختم والطبع، ومعنى النعمة والشكر، ومعنى الأجل والرزق.

19.

القاعدة التاسعة عشرة: في إثبات النبوات.

20.

القاعدة العشرون: في إثبات نبوة نبيّنا محمّد صلى الله عليه و آله و سلم.

وقد نسب إليه غير واحد هذين البيتين وجاءا في أوّل كتاب «نهاية الإقدام» و هما:

لقد طفت في تلك المعاهد كلّها *** وسيرت طرفي بين تلك المعالم

فلم أُر إّلا واضعاً كف حائرٍ *** على ذقن أو قارعاً سن نادم

نكات

1. إنّ القول بميل الرجل إلى القرامطة، لا يصدقه كلامه في «الملل والنحل»، فإنّه قد طرح في هذا الكتاب عقائد الإسماعيلية واستوفى الكلام فيها وختم كلامه بقوله:

وكم ناظرت القوم على المقدمات المذكورة فلم يتخطوا عن قولهم - إلى أن قال -: وقد سددتم (الطائفة الإسماعيلية) باب العلم وفتحتم باب التسليم والتقليد، وليس يرضى عاقل بأن يعتقد مذهباً على غير بصيرة، وأن يسلك طريقاً من غير بينة.(1)


1) . الملل والنحل: 197/1-198، ط دار المعرفة، بيروت.

2. يروي الشهرستاني أنّ عقيدة السلف في إجراء الصفات الخبرية على اللّٰه سبحانه هو التفويض بقوله:

بالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حدّ التشبيه بصفات المحدثات، واقتصر بعضهم على صفات دلّت الأفعال عليها و ما ورد به الخبر، فافترقوا فرقتين:

فمنهم من أوّله على وجه يحتمل اللفظ ذلك.

ومنهم من توقّف في التأويل وقالوا: لسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها.(1)3. إنّ الرجل يتخبط حقاً في عرض عقائد الشيعة، وكأنّه لم يرجع إلى مصدر شيعي معتبر، يقول في حقّ هذه الطائفة: إنّ الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير. أمّا الغلو فتشبيه بعض أئمتهم بالإله تعالى وتقدس، وأمّا التقصير فتشبيه الإله بواحد من الخلق، ولما ظهرت المعتزلة والمتكلّمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو والتقصير».(2)يلاحظ عليه: أنّ الشيعة هم الذين يمثلون أتباع الإمام علي والسبطين وعلي والسجاد والباقرين والكاظمين... عليهم السلام وهؤلاء عن بكرة أبيهم مبرأون عن هذه التهم الساقطة. كيف وهم مقتفون أثر عترة النبي الذين جعلهم الرسول الأعظم قرناء الكتاب في العصمة والهداية، وقد تواترت عنه صلى الله عليه و آله و سلم


1) . الملل والنحل: 93/1، وقد عرفت ما في التفويض من الإشكال.

2) . الملل والنحل: 93/1، وقد عرفت ما في التفويض من الإشكال.

رواية الثقلين، وأنّه قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّٰه وعترتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض».(1)

وقد نشرت جماعة دار التقريب بالقاهرة رسالة مستقلة في هذا المجال أنهى فيها صور الحديث وأسناده.

أفهل يتصور أن يعتقد مقتفو آثارهم تأليه الأئمة، أو تشبيه إله العالم بواحد من الخلق؟!
4. يقول أيضاً في حقّ الإمامية: صارت الإمامية متمسكين بالعدلية في الأُصول وبالمشبهة في الصفات، متحيرين تائهين.(2)تمسك الإمامية بالعدل معروف لا شكّ فيه، وكفى ذلك الكتاب والعقل والسنّة المروية عن طريق أهل البيت، وأمّا كونهم مشبهين في الصفات ففرية لا يجد الرجل دليلاً عليها في كتبهم، فهم من أشدّ المنزّهين للّٰه سبحانه عن الصفات الخبرية مثل اليدين والوجه بالمعاني الحقيقية، وكفى في ذلك خطب علي عليه السلام في النهج، فقد نزّه الباري سبحانه لا عن الصفات الخبرية وحدها، بل نزّهه عن كونه متصفاً بصفات ذاتية زائدة على ذاته، بل صفاته سبحانه عندهم نفس ذاته، لا بمعنى النيابة، بل بلوغ الذات في الكمال إلى حدّ صارت نفس العلم والقدرة، قال عليه السلام: «لشهادة كلّ صفة أنّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف أنّه غير الصفة، فمن وصف اللّٰه

1) . راجع في الوقوف على مصادره ونصوصه، كنز العمال: 172/1 باب الاعتصام بالكتاب والسنّة.

2) . الملل والنحل: 172/1.

سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حدّه، و من حدّه فقد عدّه، و من قال فيم فقد ضمنه، ومن قال علام فقد أخلى منه».(1)ففي الكتاب نقول ضعيفة، وساقطة عن هذه الطائفة تحتاج إلى نظارة وتنقيب وتصحيح، فلنكتف بهذا المقدار.


1) . نهج البلاغة: الخطبة الأُولى.

(6) الفخر الرازي (543-606 ه)

اشارة

محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري أصله من طبرستان، ومولده في الري وإليها نسبه، ولد فيها عام ثلاث وأربعين وخمسمائة أو سنة أربع وأربعين، وتوفّي في «هراة» عام ست و ستمائة.(1)قال ابن خلّكان: فريد عصره، ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام والمعقولات وعلم الأوائل، وله التصانيف المفيدة في حقول عديدة، منها تفسير القرآن الكريم، جمع فيه كلّ غريب وغريبة، وهو كبير لكنّه لم يكمله، ثمّ ذكر تصانيفه و قال: وكل كتبه ممتعة، وانتشرت تصانيفه في البلاد ورزق فيها سعادة عظيمة، فإنّ الناس اشتغلوا بها ورفضوا كتب المتقدّمين - إلى أن قال -: و كان له في الوعظ اليد البيضاء، ويعظ باللسانين: العربي والعجمي، وكان يلحقه الوجد في حال الوعظ ويكثر البكاء، وكان يحضر مجلسه بمدينة «هراة» أرباب المذاهب والمقالات ويسألونه، وهو يجيب كلّ سائل بأحسن إجابة، وكان رجع بسببه خلق كثيرمن الطائفة الكرامية وغيرهم إلى مذهب أهل السنّة، وكان يلقب بهراة «شيخ الإسلام».


1) . الكامل لابن الأثير: 288/12؛ الوفيات: 252/4.

وقد تخرج في المذهب على والده ضياء الدين عمر، ووالده على أبي القاسم سليمان بن ناصر الأنصاري، وهو على إمام الحرمين أبي المعالي، وهو على الأُستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني، وهو على الشيخ أبي الحسين الباهلي، وهو على شيخ السنّة أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري.

يقول أبو عبد اللّٰه الحسين الواسطي: «سمعت فخر الدين ينشد بهراة على المنبر عقيب كلام عاتب فيه أهل البلد:

المرء مادام حياً يستهان به *** ويعظم الرزء فيه حين يفتقد(1)

لا شكّ أنّ الرازي من أئمّة الأشاعرة في عصره، وقد نصر المنهج الأشعري في تآليفه الكلامية وفي تفسيره خاصة، يقف عليه كلّ من لاحظ الآيات التي تختلف في تفسيرها المعتزلة والأشاعرة، وستقف على كلامه في تفسير قوله سبحانه:

«اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ»(2)، ولما كان يناظر الكرامية من أهل التجسيم والتشبيه ويكبتهم في القول بهما صريحاً صار ذلك سبباً للطعن عليه ممّن لا يروقه التخطّي عن ظواهر النصوص.

يقول الذهبي: وقد بدت في تآليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنّة، واللّٰه يعفو عنه، فإنّه توفّي على طريقة حميدة، واللّٰه يتولّى السرائر.(3)وأظن أنّ نسبة الانحراف عن السنّة إليه هو ما نقله صاحب «تاريخ


1) . وفيات الأعيان: 248/4-252 برقم 600

2) . طه: 5.

3) . سير أعلام النبلاء: 501/21 برقم 261.

روض المناظر» من ابن الأثير: أنّ السلطان غياث الدين قد أبلغ في إكرام الإمام فخر الدين، و بنى له المدرسة بهراة، فعظم ذلك على أهلها الكرامية من الحنفية والشافعية، فحضروا عند الأمير غياث الدين للمناظرة، وحضر فخر الدين الرازي و القاضي عبد المجيد بن القدوة وهو أكبر الكرامية وأعلمهم وأزهدهم، فتكلم الرازي فأعرض عنه ابن القدوة، وطال الكلام، وقام غياث الدين فاستطال الرازي على ابن القدوة وشتمه، فأغضب ذلك الملك ضياءالدين ابن عم غياث الدين، وذم فخر الدين الرازي ونسبه إلى الزندقة والفلسفة عند غياث الدين، فلم يصنع إليه شيئاً، فلما كان الغد وعظ ابن القدوة الناس من الغدوة بالجامع، فحمد اللّٰه وصلّى على النبي وقال: «رَبَّنٰا آمَنّٰا بِمٰا أَنْزَلْتَ وَ اِتَّبَعْنَا اَلرَّسُولَ فَاكْتُبْنٰا مَعَ اَلشّٰاهِدِينَ»، أيّها الناس لا نقول إلّاما صحّ عندنا من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، وأمّا علم أرسطو وكفريات ابن سينا وفلسفة الفارابي فلا نعلمها، فلأي (جهة) تسنم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام يذب عن دين اللّٰه وسنة نبيّه، فبكى و بكت الكرامية، واستعانوا وثار الناس من كلّ جانب، وامتلأ الناس فتنة، وبلغ ذلك السلطان غياث الدين، فسكن الفتنة وأوعد الناس بإخراج فخر الدين.

ثمّ أمره بالعود إلى هراة، فعاد إليها، ثمّ عاد إلى خراسان وحظي عند السلطان خوارزم شاه ابن محمد بن تكش.(1)ولأجل وجود هذا الجو المشحون بالعداء على أهل التنزيه لا يمكن


1) . روضات الجنات: 44/8 برقم 682.

أن يصدق ما نسبه إليه من الشعر الذي ينتقد فيه المنهج الفكري في العقائد، أعني:

نهاية إقدام العقول عقال *** وأكثر سعي العالمين ضلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا *** وحاصل دنيانا أذى ووبال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا *** سوى أنّ جمعنا فيه قيل وقالوا

وكم قد رأينا من رجال ودولة *** فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا

وكم من جبال قد علت شرفاتها *** رجال فزالوا والجبال جبال(1)

آثاره في العقائد والكلام

إنّ الرازي كان كثير الإنتاج، وقد طبع قسم من آثاره نذكر منها ما له صلة بالموضوع:

1.

«أسماء اللّٰه الحسنى» وهو المسمّى «لوامع البينات» طبع بمصر عام 1396 ه، وهو كتاب قليل الزلّة ويفسر الأسماء بين التشبيه والتعطيل.

2.

«مفاتيح الغيب» في ثمان مجلدات كبار في تفسير القرآن الكريم، وهو مشحون بالأبحاث الكلامية في مختلف الأبواب، ويناضل فيه المعتزلة، وينصر الأشاعرة، ويرد فيه على سائر الطوائف، وله من الشيعة الإمامية في الكتاب مواقف تحكي عن عناده ولجاجه، وأنّه بصدد الرد سواء أصحّ أم لم يصحّ، وستوافيك وصيته عند الموت.


1) . وفيات الأعيان: 250/4 برقم 600

3.

«محصل أفكار المتقدّمين والمتأخّرين من العلماء والحكماء والمتكلّمين» وقد لخّصه المحقّق الطوسي وأسماه «تلخيص المحصل» ونقد منهجه في كثيرمن الموارد، وقد طبع أيضاً.

4.

«المباحث المشرقية» في جزأين جمع فيه آراء الحكماء والسالفين ونتائج أقوالهم وأجاب عنهم، طبع في حيدرآباد الدكن، وأُعيد طبعه ب «الأُوفست».

5.

«شرح الإشارات» لابن سينا على نمط النقد والرد على الشيخ الرئيس، يقول المحقّق الطوسي في شرحه للإشارات:

وقد شرحه فيمن شرحه الفاضل العلاّمة فخر الدين ملك المناظرين محمد بن عمر بن الحسين الخطيب الرازي - جزاه اللّٰه خيراً - فجهد في تفسير ما خفي منه بأوضح تفسير، واجتهد في تعبير ما التبس فيه بأحسن تعبير، وسلك في تتبع ما قصد نحوه طريقة الاقتفاء، وبلغ في التفتيش عمّا أودع فيه أقصى مدارج الاستقصاء، إلّاأنّه قد بالغ في الرد على صاحبه أثناء المقال، وجاوز في نقض قواعده حدّ الاعتدال، فهو بتلك المساعي لم يزده إلّاقدحاً، ولذلك سمّى بعض الظرفاء شرحه جرحاً، ومن شرط الشارحين أن يبذلوا النصرة لما قد التزموا شرحه بقدر الاستطاعة، وأن يذبّوا عمّا قد تكفلوا إيضاحه، بما يذب به صاحب تلك الصناعة، ليكونوا شارحين غير ناقضين، ومفسرين غير معترضين.

اللّهمّ إلّاإذا عثروا على شيء لا يمكن حمله على وجه صحيح، فحينئذٍ ينبغي أن ينبهوا عليه بتعريض أو تصريح، متمسكين بذيل العدل

والإنصاف، متجنبين عن البغي والاعتساف، فإنّ إلى اللّٰه الرجعى، وهو أحقّ بأن يخشى.(1)إلى غير ذلك من الآثار الفكرية العقيدية.

تصلّبه في المنهج الأشعري

إنّ الرازي في تفسيره وأكثر كتبه متصلّب في المنهج الأشعري، ويكفي في ذلك ما ذكره في تفسير قوله سبحانه:

«اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ» عند الإجابة على كلام صاحب الكشاف. ينقل عن صاحب الكشاف قوله: «لما كان الاستواء على العرش وهو سرير الملك لا يحصل إلّامع الملك، جعلوه كناية عن الملك، فقالوا استوى فلان على البلد يريدون «ملك» و إن لم يقعد على السرير البتة، وإنّما عبروا عن حصول الملك بذلك لأنّه أصرح وأقوى في الدلالة من أن يقال فلان ملك.

ونحوه قولك: «يد فلان مبسوطة» و «يد فلان مغلولة» بمعنى أنّه جواد وبخيل، لا فرق بين العبارتين إلّافيما قلت حتى إنّ من لم تبسط يده قط بالنوال أو لم يكن له يد رأساً، قيل فيه يده مبسوطة، لأنّه لا فرق عندهم بينه و بين قوله جواد. ومنه قوله تعالى: «وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللّٰهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ - أي هو بخيل - بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ»، أي هو جواد من غير تصوّر يد ولا غل ولا بسط. والتفسير بالنعمة والتمحّل للتسمية من ضيق العطن».

ويقول الرازي: وأقول: إنّا لو فتحنا هذا الباب لانفتحت تأويلات


1) . الإشارات والتنبيهات: 2/1.

الباطنية، فإنّهم يقولون: المراد من قوله: «فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ»: الاستغراق في خدمة اللّٰه تعالى من غير تصور نعل، وقوله: «يٰا نٰارُ كُونِي بَرْداً وَ سَلاٰماً عَلىٰ إِبْرٰاهِيمَ» المراد منه: تخليص إبراهيم عليه السلام من يد ذلك الظالم، من غير أن يكون هناك نار و خطاب ألبتة.

وكذا القول في كلّ ما ورد في كتاب اللّٰه تعالى، بل القانون أنّه يجب حمل كلّ لفظ ورد في القرآن على حقيقته، إلّاإذا قامت دلالة عقلية قطعية توجب الانصراف عنه، وليت من لم يعرف شيئاً لم يخض فيه.(1)أظن أنّ الرازي يقول في لسانه ما ليس في قلبه، فإنّ الفرق بين المقيس والمقيس عليه واضح لا يخفى على مثل الرازي.

فإنّ القرائن الحافّة بالكلام في مسألة الاستواء على العرش، قاضية بأنّ المراد هو الاستيلاء على القدرة لا جلوسه عليه، وقد ذكرنا القرائن الموجودة في نفس الآيات الدالّة على ذلك المعنى عند البحث عن الصفات الخبرية(2)، و هذا بخلاف الآيات التي تؤوّلها الباطنية فإنّها تأويلات بلا دليل.

نظرة في تفسير الرازي

اشارة

إنّ تفسير الرازي مع كونه تفسيراً للكتاب العزيز يعتبر موسوعة كلامية في مختلف الأبواب. فينقل آراء الطوائف الإسلامية في مجالات مختلفة،


1) . مفاتيح الغيب: 6/6، طبع مصر.

2) . لاحظ بحث الصفات الخبرية من هذا الكتاب مضافاً إلى دلالة العقل على امتناع اتصافه سبحانه بأحكام المحدثات والممكنات.

فيدافع عن الأشاعرة ويهاجم المعتزلة بحماس بالغ، فمن أراد الوقوف على آرائه فعليه بفهارس الأجزاء التي جاءت الإشارة فيها إلى استدلال الأشاعرة أو المعتزلة أو الإمامية على ما يتبنونه من المذاهب، ونحن نترك ذلك المجال للقارئ الكريم.

ولكن نركز هنا على نكتة، وهي أنّ الرازي يخالف الإمامية في غالب المجالات، خصوصاً فيما يرجع إلى مباحث الإمامة والآيات الواردة في حقّ الإمام علي عليه السلام، فيورد التشكيك تلو الآخر في كثير من القضايا التاريخية والأحاديث المستفيضة، ومع ذلك كلّه فقد أصحر بالحقيقة في موارد نأتي بها أداءً لحقّه في المقام:

1. من اقتدى بعليٍّ فقد اهتدى

اختلف الفقهاء في الجهر بالبسملة في الصلاة، واستدلّ الرازي على استحباب الجهر بها: بأنّ علياً كان يجهر بها، وقد ثبت ذلك بالتواتر، ومن اقتدى في دينه بعليّ بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليه قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «اللّهمّ أدر الحق مع علي حيث دار».(1)

2. الكوثر أولاد الرسول

يفسر الرازي الكوثر بأولاد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، ويقول في عداد الأقوال: «القول الرابع» الكوثر: أولاده، قالوا لأنّ هذه السورة إنّما نزلت رداً على من


1) . مفاتيح الغيب: 111/1، الحجة الخامسة.

عابه صلى الله عليه و آله و سلم بعدم الأولاد، فالمعنى أنّه يعطيه نسلاً يبقون على مر الزمان، فانظر كم قتل من أهل البيت، ثمّ العالم ممتلئ منهم، ولم يبق من بني أُميّة في الدنيا أحد يعبأ به. ثمّ انظر، كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا عليهم السلام والنفس الزكية وأمثالهم.(1)

3. المسح على الرجلين
اشارة

استرسل الرازي في الكلام على وجوب المسح على الأرجل على وجه، كأنّ المسح هو خيرته، وإليك كلامه: «اختلف الناس في مسح الرجلين وفي غسلهما، فنقل القفال في تفسيره عن ابن عباس وأنس بن مالك وعكرمة والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي الباقر: أنّ الواجب فيهما المسح، وهو مذهب الإمامية من الشيعة. وقال جمهور الفقهاء والمفسرين: فرضهما الغسل. وقال ابن داود الإصفهاني: يجب الجمع بينهما، وهو قول الناصر للحق من أئمّة الزيدية. وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري: المكلّف مخيّر بين المسح والغسل».

حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله: «وَ أَرْجُلَكُمْ» فقرأ ابن كثير و حمزة و أبو عمرو و عاصم في رواية أبي بكر عنه بالجر. وقرأ نافع وابن عامر و عاصم في رواية حفص عنه بالنصب.

فنقول: أمّا القراءة بالجر، فهي تقضي كون الأرجل معطوفة على


1) . مفاتيح الغيب: 498/8.

الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال هذا كسر على الجوار كما في قوله: «جحر ضب خرب» وقوله: «كبير أناس في بجاد مزمل»؟ قلنا: هذا باطل من وجوه:

الأوّل: إنّ الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يحتمل لأجل الضرورة في الشعر، وكلام اللّٰه يجب تنزيهه عنه.

وثانيها: إنّ الكسر إنّما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله: «جحر ضب خرب» فإنّ من المعلوم بالضرورة أنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر. و في هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.

وثالثها: إنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.

وأمّا القراءة بالنصب فقالوا إنّها أيضاً توجب المسح، وذلك لأنّ قوله «وَ اِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ» فرؤوسكم في محل النصب ولكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس، جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس والجر عطفاً على الظاهر. وهذا مذهب مشهور للنحاة.

إذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله تعالى: «وَ أَرْجُلَكُمْ» هو

قوله: «وَ اِمْسَحُوا» ويجوز أن يكون هو قوله: «فَاغْسِلُوا» لكن العاملين إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله: «وَ أَرْجُلَكُمْ» هو قوله «وَ اِمْسَحُوا»، فثبت أنّ قراءة «وَ أَرْجُلَكُمْ» بنصب اللام توجب المسح أيضاً، فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح، ثمّ قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار لأنّها بأسرها من باب الآحاد ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز.(1)

وصية الرازي عند الموت

لمّا مرض الرازي وأيقن أنّه ملاق ربّه، أملى على تلميذه إبراهيم بن أبي بكر الإصفهاني وصية في الحادي والعشرين من محرم سنة 606. وممّا جاء في تلك الوصية: يقول العبد الراجي رحمة ربه الواثق بكرم مولاه، محمد بن عمر بن الحسين الرازي وهو في آخر عهده بالدنيا وأوّل عهده بالآخرة....

فاعلموا أنّي كنت رجلاً محباً للعلم، فكنت أكتب في كلّ شيء شيئاً لا أقف على كميته وكيفيته، سواء أكان حقّاً أم باطلاً أم غثّاً أم سميناً...

وأمّا الكتب العلمية التي صنفتها أو استكثرت من إيراد السؤالات على المتقدّمين فيها، فمن نظر في شيء منها، فإن طابت له تلك السؤالات فليذكرني في صالح دعائه على سبيل التفضيل والإنعام، وإلّا فليحذف القول السيّ‌ء فإنّي ما أردت إلّا تكثير البحث، وتشحيذ الخاطر والاعتماد في الكلّ على اللّٰه تعالى.(2)


1) . مفاتيح الغيب: 380/3-381، طبع مصر.

2) . دائرة المعارف، القرن الرابع عشر، فريد وجدي: 148/4-149.

وغير خفي على من سبر كتب الرازي في الكلام والفلسفة والتفسير وغيرها، أنّه يشكك في كثير من المسائل المسلّمة، وربما يبالغ بأنّه لو اجتمع الثقلان على الإجابة عن هذا الإشكال لما قدروا.(1)ولعل هذه الندامة الظاهرة منه حين الموت تكون كفّارة لبعض هذه التشكيكات، واللّٰه العالم.


1) . شرح المواقف: 155/8.

(7) سيف الدين الآمدي (556-621 ه)

اشارة

أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي، الفقيه الأُصولي الملقب ب «سيف الدين الآمدي» كان حنبلي المذهب، وانحدر إلى بغداد وقرأ بها على أبي الفتح نصر بن فتيان الحنبلي، ثمّ انتقل إلى مذهب الشافعي، ولما بلغ الدرجة الممتازة انتقل إلى الشام واشتغل بفنون المعقول، وحفظ منه الكثير وتمهر فيه، ولم يكن في زمانه أحفظ منه لهذه العلوم، ثمّ انتقل إلى الديار المصرية، ثمّ حسده جماعة من فقهاء البلاد وتعصّبوا عليه ونسبوه إلى فساد العقيدة، وانحلال الطوية والتعطيل ومذهب الفلاسفة والحكماء، وكتبوا محضراً يتضمن ذلك ووضعوا فيه خطوطهم بما يستباح به الدم، وهذه شنشنة يعرفها التاريخ من الذين أعدموا العقل وصلبوه وشوهوا صورة الشريعة، واعتمدوا في كلّ شيء حتى فيما يجب ثبوته قبل ثبوت الشرع، على الحديث، ورأوا الاشتغال بالعلوم العقلية كفراً وزندقة فابتلي الآمدي(1)بهؤلاء المتزمّتين، وقبله الشهرستاني كما عرفت ذلك في ترجمته.


1) . الآمدي: منسوب إلى آمد وهي مدينة في ديار بكر.

ينقل ابن خلّكان أنّ رجلاً منهم لمّا رأى التحامل وإفراط التعصب على الآمدي كتب في المحضر الذي أعدّوه للسعاية عليه:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه *** فالقوم أعداء له وخصوم

واللّٰه أعلم وكتب: فلان بن فلان.

ولعل الحسد - في جميع العصور التي قام فيها هؤلاء بقمع أهل الفكر والعقل وطردهم عن الساحة الإسلامية - كان أحد العوامل الباعثة على التكفير والتفسيق، والقتل والصلب، وكان هناك عامل آخر أشد تأثيراً في هذه المجالات، وهو سوء الوعي وقلّة العمق في المخالفين، إذ لم يعرفوا أنّ الإسلام يحارب الجمود والتقليد، ويتآخى فيه العقل والشرع، وتتحد فيه نتيجة البرهنة والتعبد.

ومن جراء هذه القلاقل لم يجد الآمدي بدّاً من مغادرة مصر إلى دمشق، وعُيّنَ مدرساً بالمدرسة العزيزية، ثمّ عزل عنها لبعض التهم الفكرية، وأقام بطّالاً في بيته. وتوفي على تلك الحال سنة 581 ودفن بسفح جبل قاسيون.(1)ويشهد لما ذكرنا من السبب ما نقله الذهبي عن سبط ابن الجوزي في حقّه: لم يكن في زمانه من يجاريه في الأصلين وعلم الكلام، وكان أولاد «العادل» كلّهم يكرهونه لما اشتهر عنه من علم الأوائل والمنطق، وكان يدخل على «المعظم» فلا يتحرك له، فقلت: قم له عوضاً عني. فقال: ما يقبله


1) . وفيات الأعيان: 293/3-294 برقم 432.

قلبي. ومع ذا ولّاه تدريس العزيزية. فلمّا مات «العادل» أخرج «الأشرف» سيف الدين ونادى في المدارس: من ذكر غير التفسير والفقه أو تعرض لكلام الفلاسفة نفيته. فأقام السيف خاملاً في بيته إلى أن مات ودفن بقاسيون.

ولم يكن عمل «العادل» ولا «الشريف» نسيج وحدهما بل لم يزل أهل التعقّل والتفكّر الذين كانوا صفاً كالبنيان المرصوص مقابل الملاحدة والزنادقة - مضطهدين مقهورين بيد الحنابلة والمتسمين بأهل الحديث، وقد بلغ السيل الزبى في العصور السابقة على عصر الآمدي عندما تدخل الخليفة «القادر باللّٰه» العباسي في اختلاف المعتزلة مع الحنابلة وأهل الحديث، وأصدر كتاباً ضد المعتزلة يأمرهم بترك الكلام والتدريس والمناظرة، وأنذرهم - إن خالفوا أمره - بحلول النكاية والعقوبة عليهم.

وقد سلك السلطان «محمود» في غزنة مسلك الخليفة في بغداد، فصلب المخالفين ونفاهم وأمر بلعنهم، وقد اتخذ ذلك سنّة في الإسلام.(1)ففي الحقيقة ما صلبوا المعتزلة، بل صلبوا العقل وأعدموه، وأبعدوا الدين المبنية أُصوله على الأُسس العقلية عن أساسه.

ولم يقتصروا في النكاية على المعتزلة، بل عمّ التعذيب المفكّرين من الأشاعرة، الذين كان منهجهم منزلة بين المنزلتين بين الحنابلة والمعتزلة.


1) . البداية والنهاية: 6/12-7.

والعجب من الذهبي أنّه كيف يصور شخصية علمية مثل السيف بأنّه كان تارك الصلاة.

قال: كان القاضي تقي الدين سليمان بن حمزة يحكي عن شيخه ابن أبي عمر قال: كنا نتردّد إلى السيف. فشككنا هل يصلي أم لا؟ فنام فعلّمنا على رجله بالحبر. فبقيت العلامة يومين مكانها، فعلمنا أنّه ما توضّأ، نسأل اللّٰه السلامة في الدين.

أفي ميزان النصفة والعدل، القضاء بهذه الظنون واستباحة النفوس والأموال بها، بعد إمكان أنّه تيمّم مكان الوضوء، وصلى لعذر شرعي بالطهارة الترابية مكان الطهارة المائية وبقي الحبر في محله.

هلم معي إلى سفسطة أُخرى ينقلها الذهبي من شيخه ابن تيمية: يغلب على الآمدي الحيرة والوقف، حتى أنّه أورد على نفسه سؤالاً في تسلسل العلل، وزعم أنّه لا يعرف عنه جواباً، وبنى إثبات الصانع على ذلك، فلا يقرر في كتبه إثبات الصانع ولا حدوث العالم، ولا وحدانية اللّٰه، ولا النبوات، ولا شيئاً من الأُصول الكبار.

وما ذكره فرية محضة على السيف، ونحن نعرض فهرس الموضوعات التي أشبع السيف البحث عنها في كتابه «غاية المرام في علم الكلام» حتى نعرف مدى صدق قوله، فقد جاء فيها:

القانون الأوّل: في إثبات الواجب بذاته.

القانون الثالث: في وحدانية الباري تعالى.

(ج) القاعدة الثالثة: في حدوث المخلوقات وقطع تسلسل الكائنات.(1)الطرف الثاني: في إثبات الحدوث بعد العدم.

القانون السابع في النبوات، والأفعال الخارقة للعادات.

(1) الطرف الأوّل: في بيان جوازها بالعقل.(1) إنّ تعطيل العقول من المعارف العقلية ليس بأقل خطراً من تعطيل ذاته سبحانه وتعالى عن الاتّصاف بالصفات الخبرية، الذي صار حجّة لدى الحنابلة على تكفير أو تفسيق المعطّلين كيف، وهو سبحانه يقول: «وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ رَبَّنٰا مٰا خَلَقْتَ هٰذٰا بٰاطِلاً»(2)، ويقول تعالى: «وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلاٰ تُبْصِرُونَ»(3)، وقوله تعالى: «إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».(4)إلى غير ذلك من الآيات الداعية إلى التفكّر في الصنع والكون والنفس، ولم تكن الغاية من تأسيس علم الكلام إلّاإقامة الحجة على العقائد الإيمانية، بالأدلّة العقلية والرد على المبتدعة.

إنّ احتكاك الثقافة الإسلامية مع ثقافات سائر الأُمم أوجد موجة من الاضطراب الفكري والصراع العقيدي بين المسلمين، وكانت الوسيلة


1) . لاحظ: 395-396 من غاية المرام.

2) . آل عمران: 191.

3) . الذاريات: 21.

4) . الرعد: 3.

المنحصرة لحماية العقيدة الإسلامية ومحاربة الفرق والمذاهب الإلحادية، تأسيس علم كامل لإثبات ما يعتنقه المسلمون بالأدلّة العقلية، وكان تأسيسه وليد الحاجة والضرورة، فلا عتب على قائل يصفه بصخرة النجاة وسلم السلام والأمان.

مؤلّفاته

إنّ ما وصل إلينا من تآليفه كلّها يتسم بالطابع العقلي، إمّا عقلية صرفة، أو مزيجاً من العقل والنقل، فمن مؤلّفاته في أُصول الفقه:

1.

«الإحكام في أُصول الأحكام»، طبع كراراً وأخيراً بتحقيق السيد الجميلي في أربعة أجزاء في مجلدين، نشر دار الكتاب العربي 1404 ه، وهو أبسط كتاب في أُصول الفقه، نظير الذريعة للسيد المرتضى بين الشيعة في القرن الخامس.

2.

«منتهى السؤول في علم الأُصول»، طبع بمصر، وكان مقرراً للدراسة في الأزهر في الثلاثينات من هذا القرن.

3.

«غاية المرام في علم الكلام» ضمن فيه كتابه الآخر المسمّى بأبكار الأفكار.(1)نعم يؤخذ عليه أنّه يصف المعتزلة في المقدمة بالإلحاد، ويقول واصفاً لكتابه: «كاشفاً لظلمات تهويلات الملحدين كالمعتزلة وغيرهم من


1) . غاية المرام: 5 من المطبوع.

طوائف الإلهيين»(1). كما يؤخذ عليه قصوره في عرض عقائد الشيعة، وكأنّه لم يقف على كتاب لهم، ونقل ما نقل عنهم عن كتب خصومهم.

ومن عجيب الكلام استدلاله على عدم اشتراط العصمة في الإمام بالاتّفاق على عقد الإمامة للخلفاء الراشدين، واعترافهم بأنّهم ليسوا بمعصومين.(2).

فلا أُعلّق عليه بكلمة إلّاقولنا «يا للعجب ما أتقنها من برهنة»!!

وفي آخر الكتاب «كان الفراغ من نسخه في الخامس عشر من شهر رجب سنة ثلاث وستمائة وذلك بثغر الاسكندرية بالمدرسة العادلية».(3)وقد طبع الكتاب بتحقيق حسن محمود عبد اللطيف، وقام بتحقيقه باعتباره جزءاً من رسالته للحصول على درجة «الماجستير» في الفلسفة الإسلامية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة.


1) . غاية المرام: 5 من المقدمة.

2) . غاية المرام: 384-385.

3) . غاية المرام: 392.

(8) عبدالرحمن عضد الدين الإيجي (700-756 ه)

اشارة

(8) عبدالرحمن عضد الدين الإيجي (700-756 ه)(1)

كان إماماً في المعقول، عالماً بالأُصول والمعاني والعربية، مشاركاً في الفنون، كريم النفس، كثير المال جداً، كثير الإنعام على الطلبة، ولد بعد السبعمائة وأخذ من مشايخ عصره، وأنجب تلامذة عظاماً اشتهروا في الآفاق، منهم الشيخ شمس الدين الكرماني، والتفتازاني والضياء القرمي.(2)

1. آثاره المعروفة

1. «المواقف في علم الكلام»، وهو المتن الكامل على المنهج الأشعري وشرحه السيد الشريف علي بن محمد الجرجاني، والشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الكرماني تلميذ المصنف، ولعلّه من شرحه. وطبع المتن والشرح للشريف في ثمانية أجزاء مع حواشي لعبد الحكيم السيالكوتي اللاهوري.

1) في ميلاده وعام وفاته اختلاف، وما ذكرناه هو أحد الأقوال.

2) . الدرر الكامنة لابن حجر: 229/2.

وهو المرجع الوثيق لكثير من المتأخرين. وألّفه الإيجي(1)باسم الأمير الشيخ أبي إسحاق، الذي صار صاحب الخطبة والسكة في شيراز سنة 744 ه.

2.

شرحه على مختصر الأُصول للحاجبي في أُصول الفقه، وقد أكبّ عليه طلبة الأعصار، وقد شاركه في تأليفه عدّة من الأفذاذ. واشتهر بشرح العضدي على مختصر الأُصول، وطبع كراراً.(2)3. «العقائد العضدية».

3.

«الرسالة العضدية».

ويظهر من خير الدين الزركلي في «الأعلام» أنّهما طبعتا. وله وراء ذلك آثار لم تر نور الوجود.(3)إلى أن قضى حياته في كرمان مسجوناً (عام 756 أو 757 ه) ويظهر من غير واحد ممن ترجمه أنّه كان يبغض الشيعة ويعاندهم إلى حدّ يضرب به المثل. ومن لطائف شعره قوله:

خذ العفو وأمر بعرف كما أمر *** ت وأعرض عن الجاهلين

ولِن في الكلام لكل الأنام *** فمستحسن من ذوي الجاه لين


1) . «الإيج» يقع في جنوب إصطهبانات من نواحي شيراز.

2) . روضات الجنات: 51/5-52.

3) . الأعلام للزركلي: 295/3.

2. حريته الفكرية في اتخاذ الموقف

إنّ الإيجي، أشعري المنهج، يركز على آراء الأشاعرة ويحتج، ولكن ربما يرد عليهم ولإيقاف القارئ على نماذج نشير إلى موردين:

الأوّل: قد نقل أدلّة أصحابه على زيادة صفاته سبحانه على ذاته فقال: «لوكان مفهوم كونه عالماً حياً قادراً نفس ذاته لم يفد حملها على ذاته وكان قولنا: اللّٰه الواجب بمثابة حمل الشيء على نفسه واللازم باطل».

وغير خفي على القارئ أنّ المستدلّ لم يفرق بين العينية المفهومية والعينية المصداقية. فزعم أنّ المدّعى هو الأُولى مع أنّه هو الثانية، ووقف العضدي على فساد الاستدلال فقال: «وفيه نظر، فإنّه لا يفيد إلّازيادة هذا المفهوم على مفهوم الذات، وأمّا زيادة ما صدق عليه هذا المفهوم على حقيقة الذات فلا».(1)وما ذكره يبطل جميع ما أقامه الأشاعرة من البرهان على الزيادة.

الثاني: طرح مسألة التكليف بمالا يطاق. وقال: إنّه جائز عند الأشاعرة، فلمّا رأى أنّ القول به يخالف الفطرة، أخذ يقسم مالا يطاق إلى مراتب، فمنع عن التكليف بالمرتبة القصوى منه، لا الوسطى ثمّ قال: «وبه يعلم أنّ كثيراً من أدلّة أصحابنا نصب للدليل في غير محل النزاع».(2)نعم، ربما يأخذه التعصب، فيستدل على مذهبه بشيء مستلزم للدور


1) . المواقف: 280.

2) . المواقف: 331.

في مقابل الخصم المنكر. مثلاً يقول: «إنّ الإمامة تثبت ببيعة أهل الحل والعقد، خلافاً للشيعة، لثبوت إمامة أبي بكر بالبيعة».(1)كما يستدل على عدم وجوب العصمة في الإمام بقوله: «إنّ أبا بكر لا تجب عصمته اتّفاقاً».(2)والمترقب من مثل الإيجي العارف بالمناظرة، الاجتناب عن مثل هذه الاستدلالات التي لا تصح إلّاأن يصحّ الدور.

نرى أنّه ينكر القضايا التاريخية المسلمة عند الجميع ويقول في ردّ حديث الغدير: «إنّ علياً لم يكن يوم الغدير».(3)ونرى أنّه يطرح فرق الشيعة وينهيها إلى اثنتين وعشرين فرقة، ويأتي بأسماء فرق لم تسمع أذن الدهر بها إلّافي ثنايا هذه الكتب. ويقول: «من فرق الشيعة البدائية الذين جوزوا البداء على اللّٰه».(4)ولكنّه غفل عن أنّ الاعتقاد بالبداء بالمعنى الصحيح وهو تغيّر المصير بالأعمال الصالحة والطالحة، عقيدة مشتركة بين الشيعة جمعاء وليست مختصة بفرقة دون أُخرى. وتفسير البداء بما يستلزم الظهور بعد الخفاء على اللّٰه أو غير ذلك فرية على الشيعة. إلى غير ذلك من الهفوات الموجودة في الكتاب، غفر اللّٰه لنا و لعباده الصالحين.


1) . المواقف: 399.

2) . المواقف: 399.

3) . المواقف: 405.

4) . المواقف: 421.

(9) مسعود بن عمر التفتازاني (712-791 ه)

اشارة

(9) مسعود بن عمر التفتازاني (712-791 ه)(1)

هو من أئمّة العربية ومن المتضلّعين في المنطق والكلام، ولد بتفتازان من نواحي «نساء» في خراسان، أخذ العلوم العقلية عن «قطب الدين الرازي تلميذ العلّامة الحلي» والقاضي عضد الدين الإيجي وتقدم في الفنون واشتهر ذكره وطال صيته وانتفع الناس بتصانيفه، وانتهت إليه معرفة العلم بالمشرق. مات في سمرقند سنة 791 ه.(2)

آثاره العلمية في الأدب والمنطق والكلام

ترك المترجم له آثاراً علمية مشرقة نذكر بعضها:

1. شرحه المعروف ب «المطول» على «تلخيص المفتاح» للخطيب القزويني في المعاني و البيان والبديع. نقله إلى البياض عام 748 ه بهراة. وقد لخّص هذا الشرح وأسماه بالمختصر.

1) قيل أيضاً إنّه تولد عام 722 وتوفّي عام 787، 793 ه.

2) . بغية الوعاة: 285/2.

2.

شرحه على تصريف الزنجاني، فرغ منه عام 744 ه.

3.

شرحه على العقائد النسفية، فرغ منه عام 778 ه.

4.

شرح على شمسية المنطق، فرغ منه عام 772 ه.

5.

مقاصد الطالبين مع شرحه، فرغ منه عام 774 ه.

6.

تهذيب أحكام المنطق، ألّفه بسمرقند عام 770 ه.(1)وهذه الآثار كلّها مطبوعة متداولة، وبعضها محور الدراسة في الجامعات العلمية إلى يومنا هذا.

ومن لطيف أشعاره ما نسبه إليه شيخنا البهائي في كشكوله:

كأنّه عاشق قد مد صفحته *** يوم الوداع إلى توديع مرتحل

أو قائم من نعاس فيه لوثته *** مواصل لتخطيه من الكسل

ويظهر ممّا نقل عنه من الشعر الفارسي أنّه كانت له يد غير قصيرة في الأدب الفارسي.

أشعري لا ماتريدي

الماتريدية منهج كلامي أسّسه محمد بن محمد بن محمود المعروف بأبي منصور الماتريدي، و «ماتريد» محلة بسمرقند في ماوراء النهر ينسب إليها، وتوفّي عام 333 ه.


1) . روضات الجنات: 35/4-36.

وهذا المنهج قريب من منهج الشيخ الأشعري، والخلاف بينهما لا يتجاوز عدد الأصابع. ولأجل تقارب الفواصل بينهما يعسر التمييز بين المنهجين، واقتفاء أثرهما. وسنعقد فصلاً - بإذنه سبحانه - لبيان هذا المنهج، وحياة مؤسسه، والفروق الموجودة بينه و بين الأشعري، وكان المؤسّسان يعيشان في عصر واحد، ويسعى كلّ منهما للغاية التي يسعى الآخر إليها. بيد أنّ الأشعري كان بالعراق قريباً من المعتزلة، والماتريدي كان بخراسان بعيداً عن مواضع المعركة.

والظاهر أنّ التفتازاني - رغم كونه خراسانياً قاطناً في سمرقند وسرخس وهراة - كان أشعرياً، ولا يفترق ماطرحه في شرح المقاصد عمّاخطته الأشاعرة أبداً.

ولنجعل الموضوع (هل هو أشعري أو ماتريدي؟) تحت محكّ التجربة. إنّ النقطة التي تفترق فيها الماتريدية عن الأشاعرة كون القضاء والقدر سالبين للاختيار عند الأشعري، وليسا كذلك عند الماتريدي.

والتفتازاني في شرحه على مقاصد الطالبين ينحو إلى القول الأوّل ويقول: قد اشتهر بين أكثر الملل أنّ الحوادث بقضاء اللّٰه تعالى وقدره، وهذا يتناول أفعال العباد، وأمره ظاهر عند أهل الحقّ لما تبين أنّه الخالق لها نفسها.

ثمّ إنّه ينقل أدلة المعتزلة على أنّه لو كان القضاء والقدر سالبين

للاختيار، يلزم بطلان الثواب والعقاب(1)، ثمّ يخرج في مقام الجواب عن استدلال المعتزلة بقوله: إنّ ما ذكر لا يدل إلّاعلى أنّ القول بأنّ فعل العبد إذا كان بقضاء اللّٰه تعالى وقدره وخلقه وإرادته، يجوز للعبد الإقدام عليه، ويبطل اختياره فيه، واستحقاقه للثواب والعقاب والمدح والذم عليه قول المجوس.(2)والظاهر منه قبول النتيجة، ومعه لا يمكن أن يعدّ من الفرقة الماتريدية.

مقتطفات من المقاصد

إنّ شرح المقاصد كتاب مبسوط في علم الكلام، بعد شرح المواقف للسيد الشريف. وقد أصحر في الكتاب بفضائل علي وأهل بيته.

1. يقول: قوله تعالى: «فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ» أراد علياً. وقوله تعالى: «قُلْ لاٰ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبىٰ» وعليّ رضي اللّٰه عنه منهم.... إلى

1) . وقد أتى بروايتين: إحداهما عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم والأُخرى عن علي عليه السلام وكلاهما يركزان على أنّ التقدير لا يسلب الاختيار. لاحظ رواية علي عليه السلام في نهج البلاغة قسم الحكم الرقم 78، وأمّا الرواية النبوية فهذا متنها: «روي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال لرجل قدم عليه من فارس: أخبرني بأعجب شيء رأيت. فقال: رأيت أقواماً ينكحون أُمّهاتهم وبناتهم وأخواتهم، فإذا قيل لهم لم تفعلون ذلك؟ قالوا: قضاء اللّٰه علينا وقدره. فقال عليه السلام: سيكون في آخر أُمّتي أقوام يقولون مثل مقالتهم، أُولئك مجوس أُمّتي».

2) . شرح المقاصد: 144/2.

آخر ما ذكر في هذا الفصل من فضائل عليّ.(1)2. ويقول في حقّ السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام: فقد ثبت أنّ فاطمة الزهراء سيدة نساءالعالمين، وأنّ الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة.(2)3. ويقول في حقّ الإمام المهدي عليه السلام: وقد وردت الأحاديث الصحيحة في ظهور إمام من ولد فاطمة الزهراء - رضي اللّٰه عنها - يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.(3)


1) . مقاصد الطالبين، هامش شرح المقاصد: 299/2.

2) . المصدر نفسه: 302.

3) . المصدر نفسه: 307.

(10) السيد الشريف الجرجاني الأستر آبادي (740-816 ه)

اشارة

علي بن محمد المعروف بالسيد الشريف الجرجاني من المتضلّعين في الأدب العربي، المعدود من كبار المتكلّمين على المنهج الأشعري ولد في قرية «تاكو» قرب «أسترآباد» وأتم دروسه في شيراز، ولمّا دخلها «تيمور» سنة 789 ه، غادرها الجرجاني وألقى عصا رحله في سمرقند، ولكنّه عاد أيضاً إلى شيراز بعد موت تيمور.(1)وهو يعادل التفتازاني في التوغّل في العلمين، الأدب والكلام. لكن الشريف أدق نظراً منه، وآثاره العلمية تعرب عن تخصصه في بعض العلوم، ومشاركته في كثير منها.

آثاره العلمية

1. شرحه الكبير على مواقف القاضي عضد الدين الإيجي وهو شرح مبسوط، بلغ الغاية في توضيح ما ذكره القاضي، وقد طبع كراراً، وأخيراً في ثمانية أجزاء، في أربعة مجلدات.

1) . الأعلام: 7/5.

2.

الكبرى والصغرى في المنطق.

3.

الحواشي على المطول للتفتازاني.

4.

التعريفات.

إلى غير ذلك من التآليف البالغة نحو خمسين كتاباً. و قد برز جميع ما عنونّاه إلى الطبع.(1)


1) . لاحظ روضات الجنات: 300/5؛ الأعلام: 7/5.

(11) علاء الدين علي بن محمد القوشجي مؤلّف شرح التجريد الجديد (... - 879 ه)

اشارة

علي بن محمد القوشجي الحنفي فلكي رياضي، متكلم بارع، أصله من سمرقند. والقوشجي كلمة تركية بمعنى «حافظ الطير» يقال كان أبوه من خدام الأمير «الغ بك» ملك ماوراء النهر، يحفظ له البزاة، ثمّ ذهب إلى كرمان فقرأ على علمائها وصنّف فيها شرح التجريد للطوسي، وعاد إلى سمرقند. وكان «الغ بك» قد بنى رصداً فيها، ولم يكمله فأكمله القوشجي، ثمّ ذهب إلى تبريز فأكرمه سلطانها «الأمير حسن الطويل» وأرسله في سفارة إلى السلطان «محمد خان» سلطان بلاد الروم، ليصلح بينهما فاستبقاه محمد خان عنده، فألّف له رسالة في الحساب أسماها «المحمّدية» ورسالة في علم الهيئة أسماها «الفتحية»، فأعطاه محمدخان مدرسة «أيا صوفيا» فأقام بالآستانة، وتوفي فيها، ودفن في جوار الصحابي أبي أيوب الأنصاري.

آثاره العلمية

من أشهر آثاره «شرح التجريد» و هو شرح لكتاب «تجريد العقائد» تأليف المحقّق الطوسي، وقد شرحه ببسط و استيعاب، وخالفه في مواضع لا توافق منهجه الأشعري، ولكنّه أنصف في موارد حيث شرح العبارة ولم يزد عليها بشيء.

يقول في مقدّمة الكتاب: إنّ كتاب التجريد الذي صنّفه في هذا الفن المولى الأعظم، والحبر المعظم، قدوة العلماء الراسخين، أسوة الحكماء المتألهين، نصير الحقّ والملة والدين، محمد بن محمد الطوسي - قدّس اللّٰه نفسه، و روّح رمسه - تصنيف مخزون بالعجائب، وتأليف مشحون بالغرائب، فهو وإن كان صغير الحجم، وجيز النظم، فهو كثير العلم، عظيم الاسم، جليل البيان، رفيع المكان، حسن النظام، مقبول الأئمّة العظام، لم تظفر بمثله علماء الأعصار، ولم يأت بشبهه الفضلاء في القرون والأدوار، مشتمل على إشارات إلى مطالب هي الأُمهات، مشحون بتنبيهات على مباحث هي المهمات، مملوّ بجواهر كلّها كالفصوص، ويحتوي على كلمات يجري أكثرها مجرى النصوص، متضمن لبيانات معجزة، في عبارات موجزة، وتلويحات رائقة لكمالات شائقة، يفجر ينبوع السلاسة من لفظه، ولكن معانيه لها السحرة تسجد، وهو في الاشتهار كالشمس في رائعة النهار، تداولته أيدي النظار، وسابقت في ميادينه جياد الأفكار.

ثمّ أشار إلى أنّ شمس الحقّ والملة والدين محمد الإصفهاني قد شرحه قبله، فهو قدر طاقته حام حول مقاصده، وبقدر وسعه جال في ميدان دلائله وشواهده، وأنّ السيد الشريف الجرجاني علّق على ذلك الشرح حواشي تشتمل على تحقيقات رائقة، ولكن مع ذلك كان كثيراً من مخفيات رموز ذلك الكتاب باقياً على حاله» إلى آخر ما أفاده في مقدمة الكتاب. ثمّ أهدى كتابه إلى سلطان عصره أبي سعيد الكوركاني.

ولهذا الشرح حواش من المحقّقين كالمحقّق الأردبيلي وغيره، وهذا الكتاب أبسط كتاب في الكلام الأشعري بعد شرح المواقف.

كما أنّ له تآليف أُخرى ذكرت في الأعلام ومعجم المؤلفين وغيرهما من كتب التراجم، و في كتاب ريحانة الأدب لشيخنا «المدرس» ترجمة إضافية للقوشجي فلاحظه.(1)


1) . الأعلام: 9/5؛ معجم المؤلفين: 227/7؛ ريحانة الأدب: 495/4.

الفصل الخامس ذكر جماعة من الأشاعرة وطبقاتهم

اشارة

وممّا يناسب إلفات النظر إليه، أنّ ابن النديم عنون الشيخ الأشعري باسم «ابن أبي بشر» عند البحث عن الكلابية أصحاب عبد اللّٰه بن محمد بن كلاب القطان، وعنوان البحث يعطي أنّه من أصحابه ومقتفي منهجه، ولم يذكر من تلاميذ الأشعري إلّا شخصين، وقال:

«ومن أصحابه: الدمياني، وحمويه من أهل «سيراف» وكان يستعين بهما، على المهاترة والمشاغبة، وقد كان فيهما علم على مذهبه، ولا كتاب لهما يعرف».(1)ولكن ابن عساكر الدمشقي (المتوفّى 571 ه) ذكر أعيان مشاهير أصحابه، وخصّ لهم باباً و قال: باب ذكر جماعة من أعيان مشاهير أصحابه، إذ كان فضل المقتدي يدل على فضل المقتدى به، ثمّ ذكر فهرس أسمائهم على النحو التالي:


1) . فهرست ابن النديم: 271.

الطبقة الأُولى من أصحاب الأشعري

1.

أبو عبد اللّٰه بن مجاهد البصري.

2.

أبو الحسن الباهلي البصري.

3.

أبو الحسين: بندار بن الحسين الشيرازي الصوفي.

4.

أبو محمد الطبري المعروف بالعراقي.

5.

أبو بكر القفال الشاشي.

6.

أبو سهل الصعلوكي النيسابوري.

7.

أبو زيد المروزي.

8.

أبو عبد اللّٰه بن خفيف الشيرازي.

9.

أبوبكر الجرجاني المعروف بالإسماعيلي.

10.

أبو الحسن عبد العزيز الطبري.

11.

أبو الحسن علي الطبري.

12.

أبو جعفر السلمي البغدادي النقاش.

13.

أبو عبد اللّٰه الإصبهاني.

14.

أبو محمد القرشي الزهري.

15.

أبو بكر البخاري الاودني.

16.

أبو منصور بن حمشاد النيسابوري.

17.

أبو الحسين بن سمعون البغدادي المذكر.

18.

أبو عبد الرحمن الشروطي الجرجاني.

19.

أبو علي الفقيه السرخسي.

هؤلاء أصحاب الشيخ أبو الحسن الأشعري الذين تتلمذوا عليه، وارتووا من منهل علمه، ويعدّون من الطبقة الأُولى للأشاعرة؛ وأمّا الطبقة الثانية، وهم أصحاب أصحابه، ممّن سلكوا مسلكه في الأُصول وتأدّبوا بآدابه، فقد جاء بأسمائهم وترجمتهم ابن عساكر في كتابه «تبيين كذب المفتري» وها نحن نأتي بأسمائهم، ومن أراد الوقوف على حياتهم وكتبهم، فعليه الرجوع إليه، وهؤلاء عبارة عن:

الطبقة الثانية من أصحابه

20.

أبو سعد بن أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني.

21.

أبو الطيب بن أبي سهل الصعلوكي النيسابوري.

22.

أبو الحسن بن داود المقري الداراني الدمشقي.

23.

القاضي أبو بكر بن الطيب بن الباقلاني.(1)24. أبو علي الدقاق النيسابوري شيخ أبي القاسم القشيري.


1) . وقد تعرفت على حياته وتآليفه فيما سبق.

25.

الحاكم أبو عبد اللّٰه بن البيع النيسابوري.

26.

أبو نصر بن أبي بكر الإسماعيلي الجرجاني.

27.

الأُستاذ أبو بكر بن فورك الإصبهاني.

28.

أبو سعد بن عثمان النيسابوري الخركوشي.

29.

أبو عمر محمد بن الحسين البسطامي.

30.

أبو القاسم بن أبي عمرو البجلي البغدادي.

31.

أبو الحسن بن ماشاذه الإصبهاني.

32.

أبو طالب بن المهتدي الهاشمي.

33.

أبو معمر بن أبي سعد الجرجاني.

34.

أبو حازم العبدوي النيسابوري.

35.

الأُستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني.

36.

أبو علي بن شاذان البغدادي.

37.

أبو نعيم الحافظ الإصبهاني.

38.

أبو حامد أحمد بن محمد الاستوائي الدلوي.

الطبقة الثالثة من أصحابه

المراد من هذه الطبقة من لقي أصحابه وأخذ العلم عنهم، وإليك أسماء من ذكرهم وترجمهم ابن عساكر:

39.

أبو الحسن السكري البغدادي.

40.

أبو منصور الأيوبي النيسابوري.

41.

أبو محمد عبد الوهاب البغدادي.

42.

أبو الحسن النعيمي البصري.

43.

أبو طاهر بن خراشة الدمشقي المقري.

44.

الأُستاذ أبو منصور النيسابوري البغدادي.(1)45. أبو ذر الهروي الحافظ.

45.

أبو بكر الدمشقي المعروف بابن الجرمي.

46.

أبو محمد الجويني والد الإمام أبي المعالي.

47.

أبو القاسم بن أبي عثمان الهمداني البغدادي.

48.

أبو جعفر السمناني قاضي الموصل.

49.

أبو حاتم الطبري المعروف بالقزويني.


1) . وقد تعرفت على ترجمته فيما سبق.

51.

أبو الحسن رشا بن نظيف المقري.

52.

أبو محمد الإصبهاني المعروف بابن اللبان.

53.

أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي.

54.

أبو عبد اللّٰه الخبازي المقري النيسابوري.

55.

أبو الفضل بن عمروس البغدادي المالكي.

56.

الأُستاذ أبو القاسم الإسفرائيني.

57.

الحافظ أبو بكر البيهقي.

الطبقة الرابعة من أصحابه

58.

أبو بكر الخطيب البغدادي.

59.

الأُستاذ أبو القاسم القشيري النيسابوري.

60.

أبو علي بن أبي حريصة الهمداني الدمشقي.

61.

أبو المظفر الإسفرائيني.

62.

أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي.

63.

الإمام أبو المعالي الجويني.

64.

أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي.

65.

أبو عبد اللّٰه الطبري.

الطبقة الخامسة من أصحابه

66.

أبو المظفر الخوافي النيسابوري.

67.

الإمام أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا الهراسي.

68.

الإمام حجة الإسلام أبو حامد الطوسي الغزالي.(1)69. الإمام أبو بكر الشاشي.

69.

أبو القاسم الأنصاري النيسابوري.

70.

الإمام أبو نصر بن أبي القاسم القشيري.(2)72. الإمام أبو علي الحسن بن سليمان الإصبهاني.

71.

أبو سعيد أسعد بن أبي نصر بن الفضل العمري.

72.

أبو عبد اللّٰه محمد بن أحمد بن يحيى بن جني العثماني الديباجي.

73.

القاضي أبو العباس أحمد بن سلامة المعروف بابن الرطبي.

74.

الإمام أبو عبد اللّٰه الفراوي النيسابوري.


1) . قد تعرفت على ترجمته، وعلى آرائه في كتابه: «قواعد العقائد»، وقد نقل ابن عساكر مفتتح هذا الكتاب، في تبيينه: 299.

2) . وقد رفع بعض أصحاب هذا الإمام شكوى عن الحنابلة، وقد عرفت نص الشكوى وفيها خطوط الأئمّة بتصحيح مقاله.

77.

أبو سعد إسماعيل بن أحمد النيسابوري المعروف بالكرماني.

78.

الإمام أبو الحسن السلمي الدمشقي.

79.

أبو منصور محمود بن أحمد بن عبد المنعم ماشاذه

80.

أبو الفتح محمد بن الفضل بن محمد بن المعتمد الإسفرائيني.

81.

أبو الفتح نصر اللّٰه بن محمد بن عبد القوي المصيصي.

هؤلاء هم الذين ذكر ابن عساكر أسماءهم وشيئاً من حياتهم، وقد أدرك هو نفسه عدة من الطبقة الخامسة، بعضها بالمعاصرة وبعضها بالرؤية والمجالسة.

ثمّ إنّ تاج الدين أبا نصر عبد الوهاب بن علي السبكي قد استدرك على ابن عساكر الطبقات الأُخرى التي لم يدركها ابن عساكر، وقد ذكر ابن عساكر خمس طبقات لأصحابه فاستدرك عليه الطبقتين التاليتين وقال:

ومن السادسة

82. الإمام فخر الدين الرازي.(1)83. سيف الدين الآمدي.(2)84. شيخ الإسلامي عز الدين بن عبد السلام.

1) . وقد تعرفت على ترجمته.

2) . وقد تعرفت على ترجمته.

85.

الشيخ أبو عمرو بن الحاجب المالكي.

86.

شيخ الإسلام عز الدين الحصيري الحنفي، وصاحب «التحصيل والحاصل».

87.

الخسرو شاهي.(1)

ومن السابعة

88.

شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد.

89.

الشيخ علاء الدين الباجي.

90.

الشيخ الإمام الوالد تقي الدين السبكي.

91.

الشيخ صفي الدين الهندي.

92.

الشيخ صدر الدين بن المرحل.

93.

ابن أخيه الشيخ زين الدين.

94.

الشيخ صدر الدين سليمان عبد الحكم المالكي.

95.

الشيخ شمس الدين الحريري الخطيب.

96.

الشيخ جمال الدين الزملكاني.

97.

الشيخ جمال الدين بن جملة.

98.

الشيخ جمال الدين ابن جميل.


1) . نسبة إلى خسروشاه وهي قرية من قرى «مرو» وهي غير الواقعة في آذربيجان.

99.

قاضي القضاة شمس الدين السروجي الحنفي.

100.

القاضي شمس الدين بن الحريري الحنفي.

101.

القاضي عضد الدين الإيجي الشيرازي.(1)وهاهنا نجعجع بالقلم عن الإفاضة، ونترك أسماء الباقين من الأشاعرة إلى كتب التراجم، وقد وقفت على ترجمة أعيانهم ومشاهيرهم الذين استثمروا المنهج ونضجوه، ودافعوا عنه بحماس.


إلى هنا وقفت على حياة الإمام الأشعري ومنهجه الكلامي وترجمة الشخصيات البارزة الذين أرسوا ما شيّده، ونضجوا منهجه، ولكن الذين جاءُوا بعدهم في أقطار الشرق والغرب ما راموا إلّاتحرير ما ورثوه من مشايخهم وأساتذتهم، ولم يضيفوا عليها شيئاً قابلاً للذكر.


تمّ الجزء الثاني من الكتاب ويليه الجزء الثالث في تبيين عقائد الماتريدية والمعتزلة إن شاء اللّٰه تعالى.

والحمد للّٰه ربّ العالمين


1) . طبقات الشافعية الكبرى: 372/3-373.

الفهارس

1.

فهرس المصادر

2.

فهرس المحتويات

فهرس المصادر

اشارة

نبدأ تبركاً بالقرآن الكريم

حرف الألف

1.

الإبانة عن أُصول الديانة: أبو الحسن الأشعري (260-324 ه) طبع الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة - 1970 م.

2.

ابن تيمية عصره وحياته: محمد أبو زهرة المصري (المتوفّى 1396 ه).

3.

الأربعون: فخر الدين الرازي (550-606 ه) دار الجيل، بيروت - 1408 ه.

4.

أساس التقديس: فخر الدين الرازي (550-606 ه) طبع مصر.

5.

استحسان الخوض في علم الكلام: أبو الحسن الأشعري (المتوفّى 324 ه) حيدرآباد الدكن، 1400 ه.

6.

أُسد الغابة: علي بن أبي الكرم (المتوفّى 630 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

7.

الأسفار الأربعة: صدر المتألهين الشيرازي (المتوفّى 1050 ه)

منشورات مكتبة المصطفوي، قم.

8.

أُصول الدين: أبو منصور عبد القاهر البغدادي (المتوفّى 429 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1401 ه.

9.

الأعلام: خير الدين الزركلي (المتوفّى 1396 ه) دار العلم للملايين، بيروت - 1404 ه.

10.

الاقتصاد في الاعتقاد: محمد بن محمد الغزالي (المتوفّى 505 ه) طبع مصر.

11.

اللّٰه خالق الكون: جعفر الهادي، مؤسسة سيد الشهداء، قم - 1405 ه.

12.

الانتصار: أبو الحسين الخياط (المتوفّى 311 ه) تحقيق د. نيبرج، طبع مصر - 1344 ه.

13.

الانتصاف فيما تضمنه الكشاف من الاعتزال: ناصر الدين أحمد بن محمد (المتوفّى 638 ه) مكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده، مصر - 1367 ه.

حرف الباء

14. بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي (المتوفّى 1110 ه) مؤسسة الوفاء، بيروت - 1403 ه.
15.

البحر المحيط: أبو حيان محمد بن يوسف الأندلسي (المتوفّى 745 ه) دار الكتب العلمية، بيروت.

16.

بحوث أهل السنة والسلفية: مهدي الروحاني، المكتبة الإسلامية، بيروت - 1399 ه.

17.

بدائع الفوائد: محمد بن أبي بكر بن القيم الجوزية (المتوفّى 751 ه) دار الكتاب العربي، بيروت.

18.

البداية والنهاية: ابن كثير الدمشقي (المتوفّى 774 ه) دار الفكر، بيروت - 1402 ه.

حرف التاء

19.

تاريخ بغداد: أحمد بن علي الخطيب البغدادي (المتوفّى 463 ه) المكتبة السلفية، المدينة المنورة.

20.

تاريخ الطبري: محمد بن جرير الطبري (المتوفّى 310 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت.

21.

تاريخ المذاهب الإسلامية: محمد أبو زهرة المصري (المتوفّى 1396 ه) دار الفكر العربي، بيروت.

22.

تبيين كذب المفتري: ابن عساكر الشامي (المتوفّى 571 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1404 ه.

23.

تجارب الأمم: أبو علي أحمد بن مسكويه (المتوفّى 421 ه) طبع مصر.

24.

تعليقات الحكيم السبزواري: هادي بن مهدي الحكيم (المتوفّى 1289 ه).

25.

تعليقة التبيين: محمد زاهد الكوثري المصري.

26.

التعليقة على شرح المواقف: عبد الكريم السيالكوتي (المتوفّى 1068 ه).

27.

تفسير العياشي: أبو النضر محمد بن مسعود العياشي (من أعلام القرن الثالث الهجري) المكتبة الإسلامية، طهران.

28.

تفسير القرآن الكريم: محمد شلتوت شيخ الأزهر (المتوفّى 1383 ه) دار القلم، القاهرة، الطبعة الثانية.

29.

تفسير المنار: محمد رشيد رضا (المتوفّى 1354 ه) دار المنار، مصر - 1373 ه.

30.

تفسير النيسابوري (غرائب القرآن) المطبوع بهامش تفسير الطبري: حسن بن محمد نظام الدين (المتوفّى حوالي 730 ه) دار المعرفة، بيروت.

31.

تلبيس إبليس: أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي (المتوفّى

597 ه) بيروت - 1368 ه.

32.

تلخيص المحصل: نصير الدين الطوسي (المتوفّى 672 ه) مؤسسة مطالعات إسلامي، جامعة مك كيل كندا، طهران - 1401 ه.

33.

التوحيد: الصدوق محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي (المتوفّى 381 ه) مكتبة الصدوق، طهران.

حرف الجيم

34. جوامع الجامع: الفضل بن الحسن الطبرسي (المتوفّى 548 ه) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم - 1418 ه.

حرف الحاء

35. حكايات الشيخ المفيد: محمد بن محمد بن النعمان المفيد (336-413 ه) دار المفيد، بيروت - 1414 ه.

حرف الخاء

36. الخطط المقريزية: تقي الدين أحمد المقريزي (المتوفّى 845 ه) دار صادر، بيروت.

حرف الدال

37. الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: علي بن حجر العسقلاني.
38.

الدر المنثور: جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911 ه) دار الفكر، بيروت - 1403 ه.

39.

دلائل الصدق: محمد حسن المظفر النجفي (المتوفّى 1375 ه) مكتبة بصيرتي، قم المقدسة - 1395 ه.

حرف الراء

40.

ربيع الأبرار: محمود الزمخشري (المتوفّى 538 ه) منشورات الشريف الرضي، قم - 1410 ه.

41.

رسالة التوحيد: محمد عبده (المتوفّى 1323 ه) مطبعة المنار - 1324 ه.

42.

روضات الجنات: محمد باقر الخوانساري (المتوفّى 1313 ه) طهران - 1390 ه.

43.

ريحانة الأدب: محمد علي المدرس (المتوفّى 1373 ه) مطبعة شفق، تبريز.

حرف السين

44.

السنة: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1405 ه.

45.

سير أعلام النبلاء: محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 748 ه)

مؤسسة الرسالة، بيروت - 1409 ه.

46. سير حكمت در أُروبا: محمد علي فروغي (المتوفّى 1362 ه) طهران.

حرف الشين

47.

شرح الإشارات: نصير الدين الطوسي (المتوفّى 672 ه) مركز نشر كتاب - 1403 ه.

48.

شرح الأُصول الخمسة: القاضي عبد الجبار (المتوفّى 415 ه) مكتبة وهبة، القاهرة - 1384 ه.

49.

شرح التجريد الجديد: علاء الدين القوشجي (المتوفّى 689 ه) الطبعة الحجرية، تبريز - 1307 ه.

50.

شرح العقائد النسفية: سعد الدين التفتازاني (المتوفّى 792 ه) مكتبة المثنى، بغداد.

51.

شرح العقيدة الطحاوية: علي بن أبي العز الحنفي (المتوفّى 792 ه) المكتب الإسلامي؛ بيروت - 1404 ه.

52.

شرح المقاصد: سعد الدين التفتازاني (المتوفّى 792 ه) منشورات الشريف الرضي، قم - 1411 ه.

53.

شرح المواقف: الشريف الجرجاني (المتوفّى 816 ه)

منشورات الشريف الرضي، قم - 1412 ه.

54. شوارق الإلهام: عبد الرزاق اللاهيجي (المتوفّى 1075 ه) مؤسسة الإمام الصادق، قم.

حرف الصاد

55.

الصحيح: البخاري محمد بن إسماعيل (المتوفّى 256 ه) مكتبة عبد الحميد أحمد حنفي، مصر - 1314 ه.

56.

الصحيح: مسلم بن الحجاج القشيري (المتوفّى 261 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

حرف الطاء

57.

طبقات الشافعية: تاج الدين السبكي (المتوفّى 774 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1386 ه.

58.

الطبقات الكبرى: محمد بن سعد (المتوفّى 330 ه) دار صادر، بيروت - 1380 ه.

59.

طبقات المعتزلة: أحمد بن يحيى المرتضى (المتوفّى 840 ه) فرانز إشتاينر، فيسبادن، ألمانيا - 1407 ه.

حرف العين

60. العمدة عيون صحاح الأخبار: ابن البطريق الحلي (المتوفّى

600 ه) مؤسسة النشر الإسلامي، قم - 1407 ه.

61. علاقة الإثبات والتفويض: رضا نعسان معطي (المعاصر) مطابع التراث، مكة المكرّمة - 1405 ه.

حرف الغين

62. غاية المرام في علم الكلام: سيف الدين الآمدي (المتوفّى 621 ه) القاهرة - 1391 ه.

حرف الفاء

63.

فتح الباري: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (المتوفّى 852 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

64.

الفتوحات المكية: ابن عربي (المتوفّى 638 ه) دار صادر، بيروت.

65.

الفصل في الملل والأهواء والنحل: ابن حزم الظاهري الأندلسي (المتوفّى 456 ه) دار المعرفة، بيروت - 1395 ه.

66.

الفهرست: ابن النديم (المتوفّى 385 ه) القاهرة - 1348 ه.

حرف القاف

67. قصيدة البردة (الكواكب الدرية في مدح خير البرية): أبو عبد اللّٰه شرف الدين البوصيري (المتوفّى 694 ه) مركز نشر العلم

والثقافة التابع لوزارة الثقافة والتعليم العالي، طهران - 1402 ه.

68.

القضاء والقدر: عبد الكريم الخطيب المصري (المتوفّى 1396 ه) دار المعرفة، بيروت.

69.

قواعد العقائد: محمد الغزالي (المتوفّى 505 ه) عالم الكتب، بيروت - 1405 ه.

حرف الكاف

70.

الكافي: محمد بن يعقوب الكليني (المتوفّى 329 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1397 ه.

71.

الكامل في التاريخ: ابن الأثير الجزري (المتوفّى 630 ه) دار صادر - بيروت.

72.

الكشاف في تفسير القرآن: محمود بن عمر الزمخشري (المتوفّى 538 ه) مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة - 1367 ه.

73.

كشف المراد: الحسن بن يوسف العلّامة الحلّي (المتوفّى 726 ه) مؤسسة النشر الإسلامي، قم.

74.

الكشكول: البهائي محمد بن الحسين العاملي (المتوفّى 1030 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1403 ه.

75.

كلمة حول الرؤية: عبد الحسين شرف الدين العاملي (المتوفّى 1377 ه) دار النعمان، النجف الأشرف - 1387 ه.

76.

كنز العمال: علاء الدين علي المتقي الهندي (المتوفّى 975 ه) مؤسسة الرسالة، بيروت - 1405 ه.

حرف اللام

77.

لسان العرب: ابن منظور الإفريقي (المتوفّى 711 ه) قم - 1405 ه.

78.

اللمع: أبو الحسن الأشعري (المتوفّى 324 ه) مطبعة مصر - 1955 م.

حرف الميم

79.

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين: أبو الحسن الندوي، دار الكتاب العربي، بيروت - 1385 ه.

80.

مجموعة الرسائل الكبرى: أحمد بن تيمية (المتوفّى 728 ه) طبع مصر.

81.

مجموعة الرسائل والمسائل: أحمد بن تيمية (المتوفّى 728 ه) طبع بيروت.

82.

مجموعة الفتاوى: أحمد بن تيمية (المتوفّى 728 ه).

83.

مجموعة ورام (تنبيه الخواطر ونزهة النواظر): ورام بن أبي فراس (المتوفّى 605 ه) دار التعارف ودار صعب، بيروت.

84.

المحصل: فخر الدين الرازي (المتوفّى 606 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1404 ه.

85.

مرآة الجنان: عبد اللّٰه بن أسعد اليافعي (المتوفّى 768 ه) دائرة المعارف العثمانية، الهند - 1377 ه.

86.

المسايرة: كمال الدين محمد بن الهمام (المتوفّى 861 ه) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، القاهرة.

87.

المسند: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 ه) دار الفكر، بيروت.

88.

المعتزلة: زهدي حسن جار اللّٰه المصري، طبع القاهرة.

89.

المغني: القاضي عبد الجبار (المتوفّى 415 ه) الدار المصرية للتأليف.

90.

مفاتيح الغيب: فخر الدين الرازي (المتوفّى 606 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.

91.

مفاهيم القرآن: جعفر السبحاني (مؤلف هذا الكتاب) مؤسسة الإمام الصادق، قم.

92.

مقاصد الطالبين: سعد الدين التفتازاني (المتوفّى 791 ه).

93.

مقالات الإسلاميين: أبو الحسن الأشعري (المتوفّى 324 ه) الطبعة الثالثة - 1400 ه.

94.

المقدمة: ابن خلدون المغربي (المتوفّى 808 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1398 ه.

95.

مقدمة الإبانة: أبوالحسن الندوي.

96.

مقدمة اللمع: حمودة غرابة.

97.

الملل والنحل: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (المتوفّى 548 ه) دار المعرفة، بيروت - 1402 ه.

98.

مناقب أحمد: عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفّى 597 ه) القاهرة - 1349 ه.

99.

مناهل العرفان: محمد عبد العظيم الزرقاني، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1372 ه.

100.

المنتظم في تاريخ الأُمم: عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفّى 597 ه) حيدرآباد - 1357 ه. وطبعة لبنان.

101.

منهاج السنة: أحمد بن تيمية (المتوفّى 728 ه) طبع مصر.

102.

المواقف: عضد الدين الإيجي (المتوفّى 757 ه) منشورات الشريف الرضي، قم - 1412 ه.

103. الميزان في تفسير القرآن: العلّامة الطباطبائي (المتوفّى 1402 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت - 1403 ه.

حرف النون

104.

نهاية الإقدام: أبو الفتح الشهرستاني (المتوفّى 548 ه) طبع أكسفورد - 1934 م.

105.

نهج البلاغة: جمع: الشريف الرضي (المتوفّى 406 ه) بيروت - 1387 ه.

106.

نهج الحق: حسن بن يوسف العلّامة الحلّي (المتوفّى 726 ه) دار الهجرة، قم - 1414 ه.

حرف الواو

107.

الوافي بالوفيات: صلاح الدين الصفدي (المتوفّى 764 ه) منشورات جهان، طهران - 1381 ه.

108.

وفيات الأعيان: أحمد بن خلكان (المتوفّى 681 ه) منشورات الشريف الرضي، قم - 1364 ه.

109.

وقعة صفين: نصر بن مزاحم (المتوفّى 212 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1365 ه.

حرف الياء

110.

اليهودية (مقارنة الأديان): أحمد شلبي، مكتبة النهضة، مصر - 1973 م.

111.

اليواقيت والجواهر: عبد الوهاب بن أحمد الشعراني (المتوفّى 976 ه) مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، مصر - 1378 ه.

فهرس المحتويات

الصورة

B01

الصورة

B02

الصورة

B03

الصورة

B04

الصورة

B05

الصورة

B06

الصورة

B07

الصورة

B08

الصورة

B09

الصورة

B10

الصورة

B11

الصورة

B12

الصورة

B13

الصورة

B14

الصورة

B15