ghaemiyeh.com
سرشناسه : سبحانی تبریزی، جعفر، - 1308
عنوان و نام پديدآور : بحوث فی الملل و النحل: دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه
مشخصات نشر : قم: موسسه الامام الصادق علیهالسلام 1427ق
مشخصات ظاهری:9ج
يادداشت : چاپ اول: 1408ق. = 1366
یادداشت : کتابنامه: ج. 1. ص. [340] - 348
مندرجات : ج. 1. و یتناول تاریخ و عقائد اهل الحدیث و الحنابله و السلفیه .--
موضوع : اسلام -- فرقهها
رده بندی کنگره : BP236/س2ب3 1368
رده بندی دیویی : 297/5
شماره کتابشناسی ملی : م68-3742
محرر الرقمي: میثم حیدری دولت آبادی
بحوث فی الملل و النحل
دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه
بحوث فی الملل و النحل
دراسه موضوعیه مقارنه للمذاهب الاسلامیه
موسسه الامام الصادق علیهالسلام
1427ق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على سيد المرسلين و آله الطاهرين.
الحمد للّٰه رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الطاهرين.
الحمد للّٰه رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وبعد:
اتّفق المسلمون تبعاً للروايات المستفيضة عن النبي الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام على أنّ مَن شهد بتوحيد اللّٰه تعالى ورسالة النبي الأعظم فقد دخل حظيرة الإسلام، وعصم دمه وماله وعرضه.
روى مسلم أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم دعا علياً عليه السلام يوم خيبر فأعطاه الراية وقال له: «أمش ولا تلتفت حتّى يفتح اللّٰه عليك». قال: فسار عليٌ شيئاً ولم يلتفت فصرخ: «يا رسول اللّٰه على ماذا أُقاتل الناس؟» قال: «قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلّااللّٰه وأنّ محمداً رسول اللّٰه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلّابحقّها وحسابهم على اللّٰه».(1)ومن المعلوم أنّ الإيمان برسالة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لا ينفك عن الإيمان بيوم القيامة وحشر الناس على صعيد واحد، لتجزى كلّ نفس بما عملت.
1) . صحيح مسلم: 121/7، باب من فضائل علي عليه السلام.
هذا هو حدّ الإسلام وحظيرته، وعلى ذلك فالفرق الإسلامية - إلّامن شذّ، كالمجسّمة والمشبّهة والنواصب - كلّهم داخلون في الإسلام ومحكومون بحرمة الدماء والأعراض والأموال.
وعليه يجب على الجميع أن يتمسّكوا بالوحدة الإسلامية ونبذ الخلافات والوقوف صفّاً واحداً قبال التيارات الغربية الكافرة.
ونحن نقول كما يقول شاعر الأهرام الأُستاذ محمد عبد الغني حسن:
إنّا لتجمعنا العقيدة أمّةً *** ويضمّنا دين الهدى أتباعا
ويؤلّف الإسلام بين قلوبنا *** مهما ذهبنا في الهوى أشياعا(1)
وهذا هو الإمام أبو الحسن الأشعري ينقل عنه أحمد بن زاهر السرخسي الاشعري أنّه لمّا حضرت الوفاة أبا الحسن الأشعري في داري ببغداد أمر بجمع أصحابه ثم قال: اشهدوا على أنّني لا أكفّر أحداً من أهل القبلة بذنب لأنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والإسلام يشملهم ويعمّهم»(2)، وتسمية كتابه المعروف حول الملل والنحل ب «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين» تؤكّد ما أوصى به وتعرب عن أنّ الجميع أهل ملّة واحدة.
وعلى ضوء ذلك فيجب على كلّ مسلم ينبض قلبه بضرورة حفظ الإسلام وكيانه وعزة المسلمين، أن يكافح ثقافة التكفير والتبديع الّتي رفع
رايتها بعض المتشددين من الحنابلة في العصر الحاضر، ويزيلوا بذلك غبار الغيظ والكراهية والأحقاد عن الأذهان والقلوب، حتّى يحلّ التسالم محلّ التخاصم، ويكون الجميع كتلة واحدة أمام الأعداء.
إنّ حركة التكفير والتبديع انطلقت من أيام ابن تيمية (المتوفّى 728 ه) فقد كفّر بفتاواه بعض الفرق الإسلامية من دون مبرر ولا مسوّغ غير أنّ جهاد علماء مصر والشام حال دون انتشارها وتأثيرها.
وقد نقل الذهبي أنّ ابن تيمية تاب من تكفير المسلمين من الفرق المخالفة، لكنّ تفريقه بين توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية كاشف عن تكفيره لأكثر الفرق الإسلامية.
فإنّه فسّر توحيد الربوبية بالتوحيد في الخالقية قائلاً بأنّ هذا التوحيد أقرّ به الكفّار وانّهم كانوا مشركين في توحيد الإلوهية - أي العبادة - فالمتوسّلون بالنبي والصالحين ناقضين لتوحيد الإلوهية وإن كانواموحّدين في الربوبية، وبذلك كفّر الفرق المخالفة له.
والقارئ الكريم إذا قرأ الجزء الرابع من هذه الموسوعة يقف على أخطائه.
وقد أحيا محمد بن عبد الوهاب النجدي (المتوفّىٰ 1206 ه) ما اندثر من أفكار ابن تيمية، فكفّر كثيراً من الفرق بحجة الدفاع عن التوحيد، وقد ألّف في ذلك كتابه المعروف ب «كشف الشبهات» حتّى صار التكفير والتبديع شعارهم حتّى اليوم، فلا تجد في كتبهم المنتشرة سوى هذا الشعار دون أن يحدّوا التوحيد والبدعة بتعريف منطقي جامع ومانع.
ومع الاعتراف بضرورة تعزيز الوحدة الإسلامية وتماسك القوى، لكنّ هذا لا يمنع عن البحث العلمي والنقاش المنطقي في ضوء الكتاب والسنّة مع مراعاة أدب الحوار والأخلاق الإسلامية في البحث حتّى يتجلّى الحق بأجلى مظاهره، ويكون ذلك ذريعة للوحدة وتضييق شقّة الاختلاف والفرقة.
وهذا هو المنهج الّذي سلكته في كتابي هذا، الموسوم ب «بحوث في الملل و النحل» وقد بذلت في تأليفه جهوداً مضنية استوفت من عمري شطره الأعزّ، ولا يقف على مدى ما عانيت في تأليفه وترصيفه إلّامن له إلمام بهذا النوع من التحقيق والتنقيب.
هذا وقد طبع الكتاب عدّة مرّات ونعيد طبعه هذه المرة بعد تنقيحه ومراجعته وإضافة بعض البحوث الجديدة وتنظيم مطالبه، ليخرج بحلّة جديدة وأُسلوب حديث، عسى أن يقع موقع القبول لدى المحقّقين البارعين الملمين بالعقائد والمقالات، ورواد هذا العلم.
واللّٰه ولي التوفيق
جعفر السبحاني
قم؛ مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
27 محرم الحرام
من شهور عام 1427 ه
التاريخ من العلوم الإنسانية التي اهتمّ بها البشر منذ فجر الحضارة، وقد قام إنسان كلّ عصر وجيل بضبط الحوادث التي عاصرها وعايشها أو تقدّمت عليه، بمختلف الوسائل من أبسطها إلى أعقدها حيث كان يسجّل الحوادث، يوماً بالنقش على الأحجار والجدران، ويوماً بالكتابة على الجلود والعظام وجريد النخل، ويوماً بالتحرير على القراطيس والأوراق حتى وصل إلى ما وصل إليه في العصر الحاضر من وسائل الإعلام والنشر.
وقد قدّم بعمله هذا إلى الأجيال المتأخّرة كنزاً ثميناً، ورصيداً فكرياً غالياً وغنياً وتجارب ملؤها العبر والدروس، والمواعظ والنصائح التي لا يوجد نظيرها في أيّ مختبر من مختبرات العالم سوى في هذا المختبر (التاريخ).
«لَقَدْ كٰانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي اَلْأَلْبٰابِ».(1)
وربّما يتصوّر متصوّر أنّ تسجيل التاريخ وضبط الحوادث أمر سهل لا يستدعي سوى الشعور بالوقائع، ومعرفة اللغة والكتابة، ولكنّني أعتقد -
1) . يوسف: 111.
ككثير ممّن لهم إلمام بالمسائل التاريخية - أنّ كتابة التاريخ الحقيقي الصحيح الذي يمكن أن يكون مساقط العبر والاعتبار، ومهابط الوعظ والنصح، أمر مشكل جداً، لأنّ الهدف من تسجيل الحوادث، هو: إراءتها للأجيال المتأخّرة على ما هي عليه سواء أكانت الحوادث بعامّة خصوصياتها موافقة مع ميوله ونزعاته أم لا، وسواء أكانت لصالح المؤرّخ وقومه أم لا؛ ومن المعلوم أنّ القيام بذلك، يتوقّف على كون المؤرّخ رجلاً موضوعياً متبنّياً للحقيقة، ومحباً لها أكثر من حبه لنفسه ونفيسه و مصالحه، و لكن هذا النمط نادر بين المؤرّخين و لا يقوم به منهم إلّا الأمثل فالأمثل، ولا يأتي بمثله الزمان إلّافي الفينة بعد الأُخرى؛ ولأجل ذلك قلّ المؤرّخون الموضوعيون المنصفون، فإنّ أكثرهم يركّزون على ما يروقهم وما يلائم أهواءهم والمذهب الذي يعتنقونه، ويتركون ما سوى ذلك، وليس هذا شيئاً محتاجاً إلى البرهنة والاستدلال، بل يتّضح بالرجوع إلى ما أُلّف من التواريخ أيّام الدولتين: الأموية والعباسية، فكلّ يخدم الحكومة التي كانت تعاصره وتدر عليه الرزق، ومن ثمّ صارت التواريخ علبة المتناقضات، وما ذاك إلّالأنّ الكاتب لم يراع واجبه الأخلاقي والاجتماعي وقبل كلّ شيء مسؤوليته الدينية.
هذا فيما يرجع إلى مطلق التاريخ والوقائع التي يواجهها المؤرّخ في كلّ عصر ومصر سواء أكانت راجعة إلى الملوك والساسة، أو السوقة
والشعوب، وأمّا تبيين عقائد الأُمم ومذاهبها التي كانت تدين أو تتمذهب بها على ما هي عليه، فذاك أمر صعب مستصعب، وأشكل من القيام بالرسالة المتقدّمة في مجال تسجيل الحوادث وضبط الوقائع، وما هذا إلّالأنّ المؤلّف في هاتيك المجالات - إلاّ ما شذّ - مشدود إلى نزعات دينية وعقائد قومية ترسّخت في ذهنه ونفسه وروحه، والفكرة الدينية صحيحة كانت أو باطلة من أحبّ الأشياء عند الإنسان وربما يضحّي في سبيلها بأثمن الأشياء وأغلاها.
هذا من جهة ومن جهة أُخرى: إنّ القيام بهذه المهمة في مجال تاريخ العقائد يتوقّف على تحلّي المؤرّخ بالشجاعة الأدبية والعلمية حتى يتمكّن بهما من البحث الموضوعي حول عقائد الشعوب وعرضها على ما هي عليه، والقيام بهذا الواجب عند فقدان هذين العاملين مشكل جدّاً، ومن ثمّ يتحمّل مؤرّخ العقائد مسؤولية جسيمة أمام اللّٰه أوّلاً، وأمام وجدانه ثانياً، وأمام الأجيال القادمة والتاريخ ثالثاً.
ومن المؤسف أنّ أكثر من قام بتدوين عقائد الملل لم يتجرّد عن أهوائه وميوله ومصالحه الشخصية، وغلبت نزعاته وعواطفه الدينية وتعصّباته الباطلة على تبنّي الواقع وإراءة الحقيقة، فترى أنّ أكثرهم يكتب عقيدة نحلته بشكل مرغوب منمّق ويحاول أن يصحّح ما لا يصحّ ولو بتحريف التاريخ وإنكار المسلّمات، وأمّا إذا أراد الكتابة عن عقائد الآخرين فلا يستطيع أن يكن عداءه لها، ولهذا يحاول أن يعرضها بصورة مشوّهة، فيأتي في غضون كلامه بنسب مفتعلة وآراء مختلقة وأكاذيب جمّة نزولاً
على حكم العاطفة الدينية الكاذبة، أو اعتماداً على الكتب التي لا يصحّ الاعتماد عليها، أو تساهلاً في ضبط العقائد والمذاهب، إلى غير ذلك من العوامل التي صارت سبباً لحيرة الأجيال المتأخّرة في مجال التعرّف على عقائد الأقوام والملل، وضلالها وإساءة الظن فيها.
وأخصّ من بين تلك العوامل، الاكتفاء في تبيين عقائد قوم بالرجوع إلى كتب خصومهم وأعدائهم، وهذا داء عمّ أكثر مؤرّخي العقائد والنحل، نظير من ألّف من الأشاعرة في ضبط عقائد المعتزلة، فهم يكتبون عن المعتزلة في ضوء ما وجدوه في كتاب إمام الحنابلة (أحمد بن حنبل) أو إمامهم (أبو الحسن الأشعري) فينسبون إليهم أُموراً لا تجد لها أثراً في كتبهم، بل تجد نقيضه فيها، ولأجل ذلك صارت المعتزلة مهضومة الحق.
وليست المعتزلة هي الفرقة الوحيدة التي تعرّضت لمثل هذا الهضم، بل قد تحمّلت الشيعة الإمامية القسط الأوفر من الاضطهاد والهضم، وكأنّ أصحاب المقالات والفرق اتّفقت كلمتهم على الكتابة عنهم من دون مراجعة - ولو عابرة - إلى مصادرهم ومؤلّفاتهم، وكأنّ عرض الشيعة حلال ينهبه كلّ مَن استولى عليه بقلمه وبيانه، والقوم يكتبون عن الشيعة كلّ شيء، وليس عندهم من الشيعة شيء سوى كتب أعدائهم وخصمائهم ومن لا يحتج به في باب القضاء والحجاج.
وها نحن نقدّم نموذجاً في هذا الباب ونشير إلى كتابين أحدهما لبعض المتقدّمين والآخر لبعض المعاصرين، فنرى كيف أنّهما تساهلا في عرض عقائد الشيعة ونزلا على حكم العاطفة، ورمياها
بكلّ فرية، وكأنّ الصدور مملوءة بالحقد والعداء، وإليك البيان:
إنّ كتاب «الملل والنحل» للمتكلّم الأشعري «أبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني» (المتوفّى سنة 548 ه) من الكتب المشهورة في هذا الباب وأكثرها تداولاً بين أترابه، ولعلّ كثيراً من أهل العلم لا يعرفون كتاباً في هذا الموضوع سواه.
ومع هذه الشهرة ترى في طيّات الكتاب نسباً مفتعلة وآراء مختلقة عندما يعرّف الشيعة، ممّا يندى له الجبين، ويخجل القلم من تحريره وتسطيره، وإليك بعض ما نسبه إليهم:
إلى غير ذلك من النسب الكاذبة التي نسبها إلى متكلّم الشيعة ربيب بيت الإمام جعفر الصادق عليه السلام «هشام بن الحكم»، وإلى نظرائه كهشام بن سالم وزرارة ابن أعين ومحمد بن النعمان ويونس بن عبدالرحمن.
هذا مع العلم بأنّ هؤلاء - أعاظم الشيعة - كانوا يقتفون أثر أئمتهم ولم يكونوا يعتنقون مبدأ إلّابعد عرضه عليهم، ومن المعلوم أنّ أئمّة أهل البيت وهم دعاة التنزيه كانوا يكافحون البدع اليهودية والمسيحية والمجوسية التي كانت تدور بين أندية أهل الحديث حتى قيل: «التوحيد والعدل علويان، والتجسيم والجبر أمويان».
فمن راجع كتب الشيعة وأحاديث أئمّتهم يجد أنّهم حكموا بكفر القائلين بالتناسخ والحلول والتشبيه و أُلوهية غيره سبحانه، فكيف ينسب هذا الكاتب - بصلف ووقاحة - هذه الأُمور إلى تلاميذ قرناء الكتاب وأعداله؟!!
وأعجب من ذلك أنّه يختلق للشيعة فرقاً لم تسمع بها أذن الدهر وإنّما توجد في كتب أعدائهم، فمن هشامية إلى زرارية إلى يونسية إلى...
من الفرق التي لا توجد لا في كتب القصّاصين المحترفين للكذب، ولا في علب العطّارين.
والشيعة وعلماؤهم - و في مقدّمتهم السيد الشريف المرتضى - يكذّبون هذه الفرق، وقد شطبوا على وجودها بقلم عريض وهم لا يعرفونها
1) . الملل والنحل: 185/1.
وإنّما اختلقتها الأوهام لإسقاط الشيعة من عيون الناس.
هذا بعض ما يوجد في هذا الكتاب وأعجب منه أنّه يعرف الإمام الهادي عليه السلام - الإمام العاشر للشيعة - بأنّه مدفون بقم مع أنّه دفن بسامراء يزوره القريب والبعيد، وقد دفن إلى جنبه ولده الزكي «الحسن بن علي»، والتواريخ والمعاجم طافحة بذكرهما وموضع قبرهما.(1)هذا نموذج من زلّات هذا المؤرّخ وهو من القدماء.
وهلمّ معي إلى نموذج آخر و هو من متأخّري القوم ومتنوّريهم، العائشين في عصر النور والأمانة التاريخية والعلمية.
الكتاب للدكتور «علي سامي النشار» يقع في ثلاثة أجزاء، وقد خص الجزء الثاني من كتابه ببيان عقائد الشيعة وهو يحاول في مقدّمته أن يكتب عن عقائد الفرق بصورة محايدة، وهو يقول في مقدمة الطبعة السادسة:
ولكنّي ما زلت أرى أنّ التفسير الموضوعي المحايد هو أهمّ تفسير في دراسة الفكر عامة والفكر الإسلامي خاصة.(2)وربّما يتصوّر الإنسان أنّ لما ذكره مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، ولكنّه عندما يسبر الكتاب ويلاحظ ما في غضونه من النسب إلى الشيعة يقف على أنّ ما ذكره في المقدّمة واجهة ستر بها كلّ ما في الكتاب
من العداء المستكن وأنّه لا يريد إلّاإبطال عقائد الشيعة ولو بالنسب الباطلة، والحقّ أنّ الدكتور النشار وضع منشاره على حياة الشيعة تاريخاً وعقيدة، ولا يرسم عن تلك الطائفة إلّاأُموراً مشوّهة وعقائد باطلة، والكتاب يحتاج جداً إلى نظارة التنقيب، وإليك نموذجاً من نسبه المفتعلة:
والذي أوقعه في هذا الخبط والخلط لدى عرض تاريخ الشيعة وعقائدهم هو أنّه اعتمد في دراسته على كتب خصمائهم وأعدائهم من دون أن يعتمد على مصادر الشيعة المتوفرة، إلّاقليلاً لا يكفي.
فاعتمد أوّلاً على كتاب «أبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي» (المتوفّى عام 377 ه) باسم «التنبيه والردّعلى أهل الأهواء والبدع» نشر عام 1399 ه، والكاتب حنبلي حشوي قد حشد في كتابه شيئاً كثيراً من الأكاذيب ونسب أُصولاً إلى الصحابة والتابعين بسند مزوّر كما سيوافيك بيانه في هذا الجزء.
أفيصحّ في ميزان النصفة الكتابة عن أُمّة كبيرة يعدّون ربع المسلمين بالنقل عن كاتب حشوي وكتاب حشو؟!
والعجب أنّ الدكتور عرفه بأنّه أوّل من كتب حول الشيعة من أهل السنّة مع أنّ الإمام الأشعري أسبق منه، فقد كتب عن الشيعة في «مقالات الإسلاميين» شيئاً كثيراً، وقد توفّي الإمام عام 324 ه وعلى احتمال ضعيف 330 ه، فكيف يكون الملطي أوّل من كتب حول الشيعة من أهل السنّة؟!!
واعتمد ثانياً على كتاب «الفرق بين الفرق» لأبي منصور عبد القاهر البغدادي (المتوفّى عام 429 ه) ومن راجع هذا الكتاب لمس منه - مضافاً إلى البذاءة في اللسان - تعصّباً في بيان عقائد الفرق ونوقفك على نموذج من هذا، فقد قال في خلال بيان أصناف فرق السنّة والجماعة: ولم يكن بحمد اللّٰه ومنّه في الروافض قط إمام في الفقه، ولا إمام في رواية الحديث،
ولا إمام في اللغة والنحو، ولا موثوق به في نقل المغازي والسير والتواريخ، ولا إمام في الوعظ والتذكير، ولا إمام في التأويل والتفسير، وإنّما كان أئمّة هذه العلوم على الخصوص والعموم من أهل السنّة والجماعة.(1)
وقال في موضع آخر:
يا أيّها الرافضة المبطلة *** دعواكم من أصلها مبطلة(2)
هذا أدب الرجل وسيرته في الكتاب كلّه، ونحن نمر عليه مرور الكرام ونقول: الدعوى الأُولى دعوى بلا بيّنة وبرهان وإنكار وجود الأئمّة في مجالات هذه العلوم بين الشيعة كإنكار البديهيات، ولا نطيل الكلام في ردّه بذكر أسماء أئمتهم في مختلف المجالات والأُمور، وكفانا في ذلك كتاب «تأسيس الشيعة الكرام لفنون الإسلام» تأليف السيد حسن الصدر (المتوفّى 1354 ه).
غير أنّي أتعجب من هذه الفرية القارصة، وكيف نفى وجود شخصيات علمية عند الشيعة مع أنّه كان معاصراً للشيخ المفيد (المتوفّى 413 ه) الذي يقول في حقّه اليافعي: كان عالم الشيعة وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم أيضاً، البارع في الكلام والجدل والفقه، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية.(3)
ويعرّفه ابن كثير في تاريخه بقوله: كان مجلسه يحضره كثير من العلماء من سائر الطوائف.(1)كيف يقول ذلك وبيئة بغداد تجمع بينه و بين الشريف المرتضى (المتوفّى 436 ه) الذي يعرّفه ابن خلّكان في تاريخه ويقول: كان إماماً في علم الكلام والأدب والشعر.(2)وقال الثعالبي: قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف والعلم والأدب والفضل.(3)واعتمد ثالثاً على كتاب «الفصل في الملل والأهواء والنحل» تأليف «ابن حزم» الأندلسي الظاهري (المتوفّى 456 ه) وكفى في التعرّف على نفسية هذا الرجل وشذوذه أنّه صوب فعل قاتل الإمام أمير المؤمنين بحجّة أنّه كان مجتهداً متأوّلاً مثاباً في عمله هذا، وإليك نصّ عبارته:
«إنّ عبد الرحمن بن ملجم لم يقتل علياً (رضي اللّٰه عنه) إلّامتأوّلاً مجتهداً مقدراً أنّه على صواب، وفي ذلك يقول «عمران بن حطان» شاعر الصفرية:
يا ضربة من تقيّ ما أراد بها *** إلّا ليبلغ من ذي العرش رضواناً»(4)
والقارئ الكريم جد عليم بأنّه لا قيمة لهذا الاجتهاد الذي يؤدّي إلى قتل الإمام المفترض طاعته بالنصّ أوّلاً، وبإجماع الأُمّة ثانياً، ولنعم ما أجاب
به معاصره القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد اللّٰه الشافعي فقال:
يا ضربة من شقي ما أراد بها *** إلّاليهدم للإسلام أركاناً(1)
فإذا كان هذا حال المؤلّف ونفسيته ونزعاته، فكيف يكون حال من استند إلى مثله غير أنّ الجنس إلى الجنس يميل؟!!
فلأجل هذا الخبط والتخليط في أكثر كتب الملل والنحل خصوصاً في كتاب إمام الأشاعرة «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين» ولا سيما في ما يرجع إلى المعتزلة والشيعة فإنّه الأساس لكلّ من كتب بعده، ك «الفرق بين الفرق» لعبد القاهر البغدادي، و «الملل والنحل» للشهرستاني وغيرهما من المتأخّرين، فقد توخّينا أن لا نعزو إلى مذهب شيئاً إلّابعد الوقوف عليه في كتبهم المؤلّفة بأيدي أساطينهم وأقلام علمائهم، ولا نكتب عن طائفة إلّابعد توفير المصادر واستحضار المنابع والرجوع إليها بدقة وإمعان.
إنّ منهجنا في دراسة المذاهب وعقائد الفرق يبتني على دعامتين:
الأُولى: تبنّي الواقع في عزو مقال إلى قوم، وذلك لما عرفت.
الثانية: العناية بتحليل عقائد الأُمم ونقدها، فإنّ الغالب على كتاب «الملل والنحل» هو سرد العقائد من دون نقد أو تحليل، وكأنّهم زعموا أنّ
1) . مروج الذهب: 43/2. ولنا مع ابن حزم بحث ضاف سيوافيك في الجزء الثالث عندالبحث عن الحركات الرجعية في القرون الأُولى
واجب المؤرّخ لا يتعدّى بيان الحوادث في التاريخ، وعرض العقائد في مجال الملل والنحل، وكأنّ إحقاق الحقّ واجب المتكلّم فقط، ونحن ضربنا عن هذا صفحاً وتوخّينا بيان الحقّ على وجه يناسب كتاب «الملل والنحل»، وهذا هو المنهج الذي مشينا عليه في أجزاء الكتاب كلّها، وهو تحقيق الموضوع الذي طرح للبحث من جانب كلّ فرقة وملة.
ولأجل ذلك أصبح الكتاب: كتاباً كلامياً أوّلاً، وتاريخياً للعقائد والمذاهب ثانياً، وموسوعة لبيان حالات رجالهم وشخصياتهم وتاريخ نشوئهم ثالثاً.
وأرجو منه سبحانه أن يوفّقنا لما فيه رضاه وأن يصوننا من الزلّة في الرأي والقول والفعل والعمل.
وأمّا الفرق التي دار حولها البحث والنقد فهي:
«أهل الحديث والحنابلة» الذين يعبّر عنهم في عصرنا هذا ب «السلفية» حتى صارت هذه الكلمة شعاراً لهم، وكأنّ «السلف» معصوم من الزلة متحرّر من الخطأ.
«الأشاعرة» آراؤهم وأفكارهم وترجمة مفكّريهم ومحقّقيهم، وإنّما قدمنا هذه الفرقة على «المعتزلة» مع أنّ الشيخ الأشعري مؤسس هذا المذهب كان معتزلياً ثمّ تاب عن الاعتزال ورجع إلى مذهب الإمام «أحمد بن حنبل» وأسّس مذهباً معتدلاً بين المذهبين، وإنّما قدّمناه لأجل الصلة القويمة بين المذهبين: «أهل الحديث» و «الأشاعرة».
الحركات الرجعية في القرون الأُولى كالمرجئة والجهمية والكرامية والظاهرية، وسيوافيك أنّ آراءهم وأفكارهم في هذه القرون كانت رجعية بحتة تخالف منطق العقل الذي تعتمد عليه المعتزلة، ومنطق الكتاب والسنّة الذي يعرج عليهما الحنابلة، وأمّا الذي تولى كبرها فسوف يظهر لك في ذلك الفصل.
«القدرية» أسلاف المعتزلة كمعبد بن عبد اللّٰه الجهني (المتوفّى 80 ه)، وغيلان الدمشقي المقتول بدمشق بأمر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك عام 105 ه، وقد اتّهم هؤلاء بنفي القدر الوارد في الكتاب والسنّة، وقد قلنا: إنّ الاتّهام في غير محله، وهؤلاء كانوا دعاة الحرية والاختيار لا نفاة القدر الذي جاء في الآثار الصحيحة. نعم كانوا يرفضون القدر السالب للاختيار الحاكم على حرية الإنسان و اختياره، بل حتى على اللّٰه سبحانه، وكأنّ القدر إله ثان مسلّط على كلّ شيء حتّى إرادة اللّٰه وفي الوقت نفسه حنق على الإنسان، فهو يدخل من يشاء الجنة، ويدخل من يشاء الجحيم بلا ملاك ولا مبرر.
«الماتريدية» آراؤهم ورجالهم، وهؤلاء والأشاعرة صنوان أو رضيعان يرتضعان من ثدي واحد، ولكن «الماتريدية» أقرب إلى المعتزلة من الأشاعرة، وقد وافقوا المعتزلة في كثير من المسائل.
«المعتزلة» منهجهم وآراؤهم ورجالهم.
«الوهابية» نشوؤها ومؤسسها ومعتقداتها.
«الخوارج» تاريخهم وعقائدهم.
«الشيعة الزيدية والإسماعيلية»، ونبحث فيه عن الباطنية.
«الشيعة الإمامية» الاثنا عشرية.
تلك عشرة كاملة.
و أُقدّم كتابي هذا لكلّ طالب للحقّ والحقيقة، ولكلّ متعطش للتعرّف على الواقع بين منعرجات الأهواء النفسية والانتماءات الجاهلية والتعصّبات الباطلة، ولا أشك في أنّ لفيفاً من الأُمّة سيقدّرون عملي هذا غير أنّ المتطرّفين من الطوائف الإسلامية يعدّونه تفريقاً للأُمّة وشقاً لعصاها، وكأنّهم يرون التقارب الظاهري والتصفيق في المجامع والمجالس هو روح الوحدة وسنادها، وهم في غفلة عن أنّ التعرف على المذاهب على ما هي عليه، من عوامل التقريب وتوحيد الكلمة وعود الأخوة الإسلامية إلى المجتمع الديني، وعلى كلّ تقدير فلا أطلب رضا هؤلاء، ولا أعتمد عليه ولا أخشى سخط الآخرين ولا أخافه، ورائدي هو رضوانه تعالى لا غير.
«قُلْ إِنَّمٰا أَعِظُكُمْ بِوٰاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّٰهِ مَثْنىٰ وَ فُرٰادىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا».(1)جعفر السبحاني
قم المقدسة - الحوزة العلمية
1410 ه
1) . سبأ: 46.
إنّ الوقوف على آراء وعقائد المذاهب المختلفة وتحليلها، ومعرفة أدلّتها من أفضل أنواع الدراسة والتحقيق، فهو السبيل الأفضل لمعرفة الرأي الأصوب، والموقف الأحقّ بالأخذ والاتّباع، وهو الأُسلوب الذي سلكه القرآن الكريم في مواجهاته العقائدية مع أصحاب المذاهب والاتّجاهات الفكرية المضادة، وقد حثّ عليه إذ قال تعالى: «قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ»(1)، أو قال: «اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ».(2)وقد كان المسلمون هم السبّاقين إلى هذا المنهج وهذا الأُسلوب من الدراسة والتحقيق، ولهذا نرى في المكتبات والدراسات الإسلامية كتباً في الفقه المقارن، والعقائد المقارنة، وغير ذلك من حقول المعرفة والثقافة.
ونظراً لأهمية هذا الأُسلوب في عصرنا الحاضر طلبت مني «لجنة إدارة الحوزة العلمية» في قم المقدسة، إلقاء سلسلة محاضرات في آراء ومعتقدات الطوائف المختلفة التي شهدتها الساحة الفكرية الإسلامية في العصور اللاحقة لوفاة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، وذلك في إطار من التحليل،
والمقارنة والدراسة والتقييم، فلبّيت هذا الطلب وتمّ بتوفيق اللّٰه تعالى إلقاء مجموعة من المحاضرات في هذا المجال، ليكون مقدّمة للمرحلة التخصّصية.
ثمّ حبّذت لجنة الإدارة طبع ونشر هذه المحاضرات حتى يستفيد منه عامة طلّاب الدراسات الإسلامية، فأخرجتها في عدة أجزاء، وهذا هو الجزء الأوّل الذي يقدّم للقرّاء.
فشكراً لهذه اللجنة على اهتمامها بهذه العلوم، ووفّقها اللّٰه للمزيد من تقديم الخدمات الثقافية المفيدة إنّه سميع مجيب الدعاء.
هذا، والرجاء من القرّاء الكرام تزويدنا بنقدهم البنّاء حتى تكتمل هذه المباحث بإذنه تعالى.
جعفر السبحاني
قم - الحوزة العلمية
يوم ميلاد فاطمة الزهراء عليها السلام
20 جمادى الأُولى/ 1408 ه
لقد قامت ثلّة من علماء المسلمين بتدوين كتب مفصّلة أو مختصرة في هذا المضمار، فكشفوا عن مصادر الآراء ومواردها، وجمعوا واردها وشاردها، وما ألّفوه حول تبيين العقائد والنحل على أصناف نشير إليها:
أ. ما يتناول جميع الشرائع والمذاهب العالمية، إسلامية كانت أو غيرها، ومن هذا القسم:
«الفصل في الملل والأهواء والنحل» لإمام المذهب الظاهري، أبي محمد علي بن حزم الظاهري (المتوفّى 456 ه).
«الملل والنحل» لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (479-548 ه).
ب. ما يتناول خصوص الفرق الإسلامية، ومن هذا القسم:
«التنبيه والرد» لأبي الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى 377 ه).
«الفرق بين الفرق» تأليف الشيخ عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي الإسفرائيني التميمي (المتوفّى 429 ه).
«التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكة» لطاهر بن محمد الإسفرائيني (المتوفّى 471 ه)، المطبوع بمصر عام 1374 ه.
«الفرق الإسلامية» ذيل كتاب «شرح المواقف» للكرماني (المتوفّى 786 ه)، وقد طبع في بغداد عام 1973 م.
ج. ما يتناول خصوص مذهب من المذاهب الإسلامية، ومن هذا القسم:
«فرق الشيعة»، تأليف أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي من أعلام القرن الثالث للهجرة، وقد بيّن فيه فرق أهل الإمامة.
«فرق الشيعة»(1)للشيخ أبي القاسم سعد بن عبد اللّٰه بن أبي خلف الأشعري القمي (المتوفّى 299 أو 301 ه).
وقد طبعت هذه الكتب و وزعت في العالم، وهي متاحة لكلّ من أراد معرفة هذه المذاهب والمقالات والآراء والأفكار.
1) . كما عبر عنه النجاشي في ترجمته، وربّما يعبر عنه بالمقالات والفرق.
وقبل الورود في البحث نقدّم أُموراً تفيد القرّاء الكرام وطلاب هذه المعرفة:
الملّة بمعنى الطريقة، والمراد هنا السنن المأخوذة والمقتبسة من الآخرين، ولأجل ذلك يضيفها القرآن إلى الرسل والأقوام، إذ يقول مثلاً:
«بَلْ مِلَّةَ إِبْرٰاهِيمَ حَنِيفاً»(1)، و قوله: «إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاٰ يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ»(2)، ولا تستعمل مضافة إلى اللّٰه ولا إلى آحاد أُمّة نبي، بل إلى نفس النبي، ويقال: ملّة إبراهيم وملّة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ولا يقال: ملّة اللّٰه.
وأمّا النحلة فهي على ما في «لسان العرب» بمعنى الدعوى، والنسبة بينها وبين الدين أنّها تستعمل في الباطل كثيراً، مثل كلمة «انتحال المبطلين».
والمقصود من الكلمتين في هذا العلم هو الطرق والمناهج العقائدية، سواء أكانت حقّاً أم باطلاً.
وهناك اتّصال وثيق بين علم الكلام وعلم الملل والنحل، ووزان علم الملل والنحل بالنسبة إلى علم العقائد والكلام، وزان تاريخ العلم بالنسبة إلى العلم نفسه، نظير الفلسفة وتاريخها، فالفلسفة تطرح الموضوعات الفلسفية
على بساط البحث، فتقيم برهاناً على ما تتبنّاه بينما يشرح تاريخ الفلسفة المناهج الفكرية التي نجمت في فترات مختلفة، من دون تركيز على رأي أو تبنّي عقيدة خاصة في كثير من الأحيان.
ومثله علم الكلام بالنسبة إلى الملل والنحل، فالأوّل يبحث عن المسائل العقائدية التي ترجع إلى المبدأ والمعاد وما يلحقهما من المباحث ويوجه عنايته إلى إثبات فكرة خاصة في موضوع معين ونقد الآراء المضادة له، ولكن الثاني يطرح المناهج الكلامية المؤسسة طيلة قرون من دون أن يتحيز إلى منهج دون منهج غالباً، وهمّه هو عرض هذه الأُسس الفكرية على روّاد الفكر والمعرفة.
وإن شئت قلت: إنّ علم الملل والنحل يتعرّض للموضوعات الكلامية المبحوث عنها في علم الكلام ويشرحها ويعرض الآراء المختلفة حولها من دون القضاء بينها، و أمّا علم الكلام فهو يتّخذ موضوعات خاصة للبحث ويبدي المؤلّف نظره الخاص فيها ويركز على رأيه بإقامة البرهان.
لا شكّ أنّ للكتب المؤلّفة في هذا المضمار، مكانة في الأوساط العلمية، وأنّ المؤلّفين في الملل والنحل قد تحمّلوا جهوداً كثيرة في الإحاطة بالمناهج الفكرية الرائجة في الملأ العلمي خصوصاً الأوائل منهم، غير أنّه لا يمكن الاعتماد على هذه الكتب بصورة مطلقة، وذلك لأنّا نرى
أنّهم يذكرون فرقاً للشيعة الإمامية لم يسمع الدهر بأسمائها كما لم يسمع بآراء أصحابها قط.
فهذا إمام الأشاعرة يذكر للشيعة الغالية خمس عشرة فرقة، وللشيعة الإماميّة أربعاً وعشرين فرقة، وينسب إليهم القول بالتجسيم، وغير ذلك من الآراء والعقائد السخيفة، ويقسّم الزيدية إلى ست فرق، وقد أخذ عنه من جاء بعده ممّن ألّف في هذا المجال.
فإذا كان حاله وحال مَن نسج على منواله - كالبغدادي في «الفرق بين الفرق»، والشهرستاني في «الملل النحل» - في تلك المواضع التي نحن أعرف منهم بها - بهذا المنوال، فكيف حالهم فيما ينقلونه عن سائر أصحاب الشرائع من اليهود والنصارى والمجوس والبراهمة والبوذيين وغيرهم؟! ولأجل ذلك يجب أن تكون نسبة القول إلى أصحابها مقرونة بالاحتياط والتثبّت والرجوع إلى مؤلّفات نفس الفرق.
يقول المحقّق المعاصر الشيخ محمد زاهد الكوثري في تقديمه لكتاب «التبصير في الدين»: والعالم المحتاط لدينه لا ينسب إلى فرقة من الفرق ما لم يره في الكتب المردودة عليهم، الثابتة عنهم، أو في كتب الثقات من أهل العلم المتثبتين في عزو الأقاويل، ولا يلزمهم إلّاما هو لازم قولهم لزوماً بيّناً لم يصرح قائله بالتبرّي من ذلك اللازم.(1)وقد تصفّحنا أكثر ما كتبه أحمد بن تيمية في «المسائل الكبرى» عن
1) . التبصير في الدين: 7.
الشيعة وغيرهم، وفي كتابه «منهاج السنّة» عن خصوص الشيعة، فوجدناهما مليئين بالأخطاء، لو لم نقل بالكذب والوضع.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الكلام يقع في فصول:
روى أصحاب الصحاح والمسانيد ومؤلّفو الملل والنحل عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «إنّ أُمّتي تفترق على ثلاث وسبعين فرقة». وقد اشتهر هذا الحديث بين المتكلّمين وغيرهم حتى الشعراء والأُدباء.
وتحقيق الحديث يتوقّف على البحث في جهات أربع:
هل الحديث نقل بسند صحيح قابل للاحتجاج به، أو لا؟
ما هو النصّ الصادر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم في هذا المجال، فإنّ نصوص الحديث في ذلك المجال مختلفة؟
ما هي الفرقة الناجية من هذه الفرق المختلفة، فإنّ النبي قد نصّ على نجاة فرقة واحدة، كما سيأتيك نصه؟
ما هي الفرق الاثنتان والسبعون التي أخبر النبي صلى الله عليه و آله و سلم بنشوئها من بعده؟ وهل بلغ عدد الفرق والطوائف الإسلامية إلى هذا الحدّ؟
فإليك البحث في هذه الجهات الأربع:
روي الحديث المذكور في الصحاح والمسانيد بأسانيد مختلفة، و قد قام الحافظ «عبد اللّٰه بن يوسف بن محمد الزيلقي المصري» (المتوفّى 762 ه) بجمع أسانيده ومتونه في كتابه: «تخريج أحاديث الكشّاف» وقد اهتم فيه بهذا الحديث سنداً ومتناً، اهتماماً بالغاً، لم يسبقه إليه غيره....
غير أنّ القضاء فيما جمعه من الأسانيد خارج عن مجال هذه الرسالة، ولأجل ذلك نبحث فيه على وجه الإجمال، فنقول:
إنّ هاهنا من لا يعتقد بصحّة الحديث، منهم: ابن حزم، في كتابه: «الفصل في الأهواء والملل» قال: ذكروا حديثاً عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم «أنّ القدرية والمرجئة مجوس هذه الأُمة»، وحديث آخر «تفترق هذه الأُمّة على بضع وسبعين فرقة كلّها في النار حاشا واحدة فهي في الجنة» [ثم قال:] هذان حديثان لا يصحّان أصلاً من طريق الأسناد، وما كان هكذا فليس حجّة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به.(1)وهناك من يعتقد بصحّة الاستدلال لأجل تضافر أسناده، يقول محمد محيي الدين محقّق كتاب «الفرق بين الفرق»: اعلم أنّ العلماء يختلفون في صحّة هذا الحديث، فمنهم من يقول: إنّه لا يصحّ من جهة الأسناد أصلاً، لأنّه ما من إسناد روي به إلّاوفيه ضعف، وكلّ حديث هذا شأنه لا يجوز
1) . الفصل في الأهواء والملل: 248/1.
الاستدلال به؛ ومنهم من اكتفى بتعدّد طرقه، و تعدد الصحابة الذين رووا هذا المعنى عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم....(1)وقد قام الحاكم النيشابوري برواية الحديث عن سند صحيح يرتضيه الشيخان قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سلمة العنزي (ثنا) عثمان بن سعيد الدارمي (ثنا) عمرو بن عون ووهب بن بقية الواسطيان (ثنا) خالد بن عبد اللّٰه، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:
قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «افترقت اليهود على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة». وهذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه.(2)وقد استدرك عليه الذهبي بأنّ في سنده «محمّد بن عمرو» ولا يحتج به منفرداً ولكن مقروناً بغيره.(3)فإذا كان هذا حال السند الذي بذل الحاكم جهده لتصحيحه، فكيف حال سائر الأسانيد؟! وقد رواه الحاكم بأسانيد مختلفة، وقال: قد روي هذا الحديث عن عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص، و عمرو بن عوف المزني بإسنادين تفرّد بأحدهما عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، والآخر كثير بن عبد اللّٰه المزني، ولا تقوم بهما الحجّة.(4)
هذا حال ما نقله الحاكم في مستدركه.
وأمّا ما رواه أبو داود في سننه والترمذي في سننه، وابن ماجة في صحيحه فقد قال في حقّه الشيخ محمد زاهد الكوثري: أمّا ما ورد بمعناه في صحيح ابن ماجة، وسنن البيهقي، وغيرهما ففي بعض أسانيده: «عبد الرحمن بن زياد بن أنعم»، وفي بعضها: «كثير بن عبد اللّٰه»، وفي بعضها:
«عباد بن يوسف» و «راشد بن سعد»، وفي بعضها: «الوليد بن مسلم»، وفي بعضها مجاهيل كما يظهر من كتب الحديث، ومن تخريج الحافظ الزيلقي لأحاديث الكشاف، وهو أوسع من تكلّم في طرق هذا الحديث فيما أعلم.(1)هذا بعض ما قيل حول سند الحديث، والذي يجبر ضعف السند هو تضافر نقله واستفاضة روايته في كتب الفريقين: الشيعة والسنّة بأسانيد مختلفة، ربما تجلب الاعتماد، وتوجب ثقة الإنسان به.
وقد رواه من الشيعة: الصدوق في خصاله في باب السبعين وما فوق(2)، والعلّامة المجلسي في بحاره(3)، ولعلّ هذا المقدار من النقل يكفي في صحّة الاحتجاج بالحديث.
هذه هي الجهة الثانية التي أشرنا إليها في مطلع البحث، فنقول:
إنّ مشكلة اختلاف نصوص الحديث لا تقل إعضالاً عن مشكلة سنده، فقد تطرّق إليه الاختلاف من جهات شتى، لا يمكن معه الاعتماد على واحد منها، وإليك الإشارة إلى الاختلافات المذكورة:
روى الحاكم عدد فرق اليهود والنصارى مردّداً بين إحدى وسبعين واثنتين وسبعين، بينما رواه عبد القاهر البغدادي بأسانيده عن أبي هريرة على وجه الجزم والقطع، وأنّ اليهود افترقت إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة.
وفي الوقت نفسه روى بسند آخر افتراق بني إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّة وقال: «ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل، تفرق بنو إسرائيل على اثنتين وسبعين ملّة، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة».
ونقل بعده بسند آخر افتراق بني إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة.(1)ويمكن الجمع بين النقلين الأخيرين بأنّ المراد من بني إسرائيل هو الأعم من اليهود والنصارى فيصحّ عدّ الفرق اثنتين وسبعين.
نعم يحمل الأخير على خصوص اليهود من بني إسرائيل.
1) . الفرق بين الفرق: 5.
إنّ أكثر الروايات تصرّح بنجاة واحدة وهلاك الباقين. فعن البغدادي بسنده عن رسول اللّٰه أنّه قال: كلّهم في النار إلّاملّة واحدة.(1)وروى الترمذي وابن ماجة مثل ذلك.(2)بينما رواه شمس الدين محمد بن أحمد بن أبي بكر البشاري السياح المعروف (المتوفّى 380 ه) في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» بصورة تضاده إذ قال: إنّ حديث «اثنتان وسبعون في الجنة وواحدة في النار» أصحّ إسناداً، وحديث «اثنتان وسبعون في النار وواحدة ناجية» أشهر.(3)
فقد اختلف النقل في تعيين سمة الفرقة الناجية أخذاً بما يقول بأنّ جميعها في النار إلّاواحدة.
روى الحاكم(4)وعبد القاهر البغدادي(5)وأبو داود(6)وابن ماجة(7)
1) . المصدر نفسه: 76.
2) . سنن الترمذي: 26/5، كتاب الإيمان، الحديث 2641؛ سنن ابن ماجة: 479/2، باب افتراق الأُمم.
3) . طبع الكتاب في ليدن، عام 1324 ه الموافق ل 1906 م.
4) . المستدرك على الصحيحين: 128/1.
5) . الفرق بين الفرق: 7.
6) . سنن أبي داود: 198/4، كتاب السنّة.
7) . سنن ابن ماجة: 479/2، باب افتراق الأُمم.
بأنّ النبي قال: إلّاواحدة وهي الجماعة، أو قال: الإسلام وجماعتهم.
وروى الترمذي(1)والشهرستاني(2)أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم عرف الفرقة الناجية بقوله: ما أنا عليه اليوم وأصحابي.
وروى الحاكم أيضاً أنّ النبي حدّد أعظم الفرق هلاكاً بقوله: «ستفترق أُمّتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فرقة قوم يقيسون الأُمور برأيهم، فيحرّمون الحلال ويحلّلون الحرام» وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.(3)وروى صاحب روضات الجنات عن كتاب «الجمع بين التفاسير» أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم عرف الفرقة الناجية بقوله: «هم أنا وشيعتي».(4)هذه الوجوه تعكس مدى الاختلاف في تحديد ملامح الفرقة الناجية.
وأمّا تحقيق القول في ذلك فسيوافيك عند البحث عن الجهة الثالثة، وهي التالية:
هذه هي الجهة الثالثة التي ينبغي الاهتمام بها حتى يستطيع الباحث من تعيين الفرقة الناجية، بها.
قال الشيخ محمد عبده: أمّا تعيين أي فرقة هي الناجية، أي التي تكون
على ما كان النبي عليه وأصحابه، فلم يتعيّن إلى الآن، فإنّ كلّ طائفة ممّن يذعن لنبينا بالرسالة تجعل نفسها على ما كان عليه النبي وأصحابه - إلى أن قال: - وممّا يسرّني ما جاء في حديث آخر أنّ الهالك منهم واحدة.(1)أقول: ما ورد من السمات في تحديد الفرقة الناجية لا يتجاوز أهمّها عن سمتين:
أولاها: «الجماعة» وهي تارة جاءت رمزاً للنجاة، وأُخرى للهلاك، فلا يمكن الاعتماد عليها، وإليك بيان ذلك:
روى ابن ماجة عن عوف بن مالك قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: افترقت اليهود... والذي نفس محمد بيده لتفترقنّ أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار. قيل: يا رسول اللّٰه من هم؟ قال: الجماعة.(2)بينما نقل عنه أنّه قال: «وإنّ هذه الملّة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة»(3)، فإنّ الإتيان بضمير الجمع في الحديث الأوّل، وبضمير المفرد في الحديث الثاني يؤيد رجوع الضمير في الأوّل إلى: «اثنتان وسبعون»، ورجوع الضمير المفرد إلى «الواحدة» فتكون الجماعة تارة آية الهلاك وأُخرى آية النجاة.
أضف إلى ذلك أنّ قسماً كبيراً من النصوص لا يشتمل على هذه
اللفظة، ولا يصحّ أن يقال إنّ الراوي ترك نقلها، أو نسيها، وذلك لأنّ ذكر سمة الناجي أو الهالك من الأُمور الجوهرية في هذا الحديث، فلا يمكن أن يتجاهله أو ينساه.
ومن ذلك تعلم حال ما اشتمل على لفظ «الإسلام» مع الجماعة، فإنّه لا يزيد في مقام التعريف شيئاً على المجرد منه، لوضوح أنّ الإسلام حقّ إنّما المهم معرفة المسلم الواقعي عن غيره.
ثانيتها: «ما أنا عليه وأصحابي»، أو «ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، كون هذا آية النجاة لا يخلو عن خفاء.
أوّلاً: إنّ هذه الزيادة غير موجودة في بعض نصوص الرواية، ولا يصحّ أن يقال إنّ الراوي ترك نقلها لعدم الأهمية.
وثانياً: إنّ المعيار الوحيد للهلاك والنجاة هو شخص النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وأمّا أصحابه فلا يمكن أن يكونوا معياراً للهداية والنجاة إلّابقدر اهتدائهم واقتدائهم برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، وإلّا فلو تخلّفوا عنه قليلاً أو كثيراً فلا يكون الاقتداء بهم موجباً للنجاة.
وعلى ذلك فعطف (وأصحابي) على النبي صلى الله عليه و آله و سلم لا يخلو من غرابة.
وثالثاً: إنّ المراد إمّا صحابته كلّهم، أو الأكثرية الساحقة.
فالأوّل: مفروض العدم لاختلاف الصحابة في مسالكهم ومشاربهم السياسية والدينية بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، وأدلّ دليل على ذلك ما وقع من الخلاف في السقيفة وبعدها.
والثاني: ممّا لا يلتزم به أهل السنّة، فإنّ الأكثرية الساحقة من الصحابة خالفوا الخليفة الثالث، وقد قتله المصريون والكوفيون في مرأى ومسمع من بقية الصحابة، الذين كانوا بين مؤلّب، أو مهاجم، أو ساكت.
على أنّ حمل أصحابي على الأكثرية خلاف الظاهر، ويظن أنّ هذه الزيادة من رواة الحديث لدعم موقف الصحابة، وجعلهم المحور الوحيد الذي يدور عليه فلك الهداية بعد النبي الأعظم، والمتوقع من رسول الهداية هو أن يحدد الفرقة الناجية بسمات واضحة تستفيد منها الأجيال الآتية، فإنّ كلّ الفرق يدّعون أنّهم على ما عليه النبي، بل على ما عليه أصحابه أيضاً:
وكلّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقر لهم بذاكا
وأخيراً نقلنا عن الحاكم أنّه روى عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قوله: «أعظمها فرقة قوم يقيسون الأُمور برأيهم» و يظن أنّ هذه الزيادة طرأت على الحديث من بعض الطوائف الإسلامية بين أهل السنّة، طعناً في أصحاب القياس، على حين أنّ القياس بمفهومه الأُصولي لم يكن أمراً معهوداً لأصحاب النبيّ حتى يكتفي النبي في تعيين الفرقة الهالكة بهذا الوصف غير المعروف في عصر صدور حديث الافتراق.
إنّ الأحاديث المتضافرة عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم عن مستقبل الصحابة تصدّنا عن الأخذ بمسالكهم ومشاربهم، وتمنعنا عن تصحيح ما ورد في ذيل بعض الروايات الماضية، أعني قوله: «ما أنا عليه وأصحابي»، وذلك لأنّ
النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم يخبر عن أحوالهم بعد رحلته، وأنّهم سيحدثون في الدين أُموراً منكرة، وبدعاً محرمة وأنّهم يرتدون عن الدين، ولأجل ذلك يحلأون عن الحوض ويذادون عنه، و قد روى هذه الأحاديث الشيخان (البخاري ومسلم) وغيرهما. وجمعها ابن الأثير في «جامع الأُصول» في الفصل الرابع عند البحث عن الحوض والصراط والميزان.
وإليك بعض تلك الأحاديث:
أخرج الشيخان عن عبد اللّٰه بن مسعود قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إليّ رجال منكم حتى إذا أهويت إليهم لأناولهم اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي؛ فيقال: إنّك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك».
أخرج الشيخان أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي - أو قال: من أُمّتي - فيحلأون عن الحوض، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى».
إلى غير ذلك من الروايات البالغ عددها إلى عشرة أحاديث وفي ضوء هذه الروايات لا يمكن الحكم بعدالة كلّ صحابي لمجرّد الصحبة، للعلم بوجود الفسق والارتداد وإحداث البدع فيهم، وهذا العلم الإجمالي يصدّنا عن تعديل كلّ صحابي وتصديقه.
كما يصدنا عن القول بأنّ الأكثرية الساحقة من الصحابة إذا اتفقت
على شيء يكون دليلاً على صدقه وصحّته، على أنّ هذا لا يدلّ على أنّ جميع الصحابة كانوا على هذا المنوال، بل كان في الصحابة الثقات العدول، والأخيار المتقون.
وقد أشبعنا الكلام حول الصحابة من حيث العدالة.(1)
لو أنّ شيخ الأزهر رجع إلى النصوص الأُخر للنبي الأكرم لتبيّن له الفرقة الناجية في كلام النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فإنّ لنبي الرحمة كلمات في مواضع أُخر يشد بعضها بعضاً، ويفسر بعضها البعض الآخر، وإليك ما أثر عنه في تلك المجالات ممّا تعد قرائن منفصلة موضحة للحديث الحاضر.
قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّٰه وعترتي أهل بيتي».(2)روى إمام الحنابلة عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّٰه، حبل ممدود ما بين السماء والأرض؛ وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».(3)
1) . سيوافيك البحث عن عدالة الصحابة عند تحليل عقائد أهل الحديث في هذا الجزء.
2) . رواه الترمذي في سننه: 329/5 ح 3876، باب مناقب أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم؛ ومسلم في صحيحه: 122/7، باب فضائل علي، بلفظ آخر. راجع كنز العمال: 173/1 و 185 و 186 و 187، باب الاعتصام بالكتاب والسنّة.
3) . مسند أحمد بن حنبل: 182/5-189.
روى الحاكم في مستدركه عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «إنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّٰه عزّ وجلّ، وعترتي؛ كتاب اللّٰه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».(1)والاختلاف الموجود بين نصوص الحديث غير مضر أبداً، لأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم نطق بهذا الحديث في مواضع مختلفة، إذ في بعض الطرق أنّه قال ذلك في حجّة الوداع بعرفة، وفي أُخرى أنّه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه، وفي ثالثة أنّه قال ذلك بغدير خم، وفي رابعة أنّه قال ذلك لمّا قام خطيباً بعد انصرافه من الطائف، فقد كرر ذلك في تلك المواطن اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة.(2)والإمعان في هذا الحديث الذي بلغ من التواتر حدّاً لا يدانيه حديث، إلاّ حديث الغدير، يقود الإنسان إلى الحكم بضلال من لم يستمسك بهما معاً، فالمتمسّكون بهما هم الفرقة الناجية، والمتخلّفون عنهما، أو المتقدّمون عليهما هم الهالكة.
وقد نقل الطبراني قوله صلى الله عليه و آله و سلم في ذيل الحديث: «فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم».(3)
وهذا الحديث كالحديث السابق يعين على رفع الإبهام عن حديث «الافتراق». روى الحاكم بسنده عن أبي ذر رضي اللّٰه عنه يقول، وهو آخذ بباب الكعبة: «من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبوذر، سمعت النبي يقول: ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم، مثل سفينة نوح في قومه، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق».(1)والمراد بتشبيههم عليهم السلام بسفينة نوح هو أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمّتهم، نجا من عذاب النار، ومن تخلّف عنهم كمن آوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّٰه، غير أنّ هذا غرق في الماء، وهذا في الحميم.
قال ابن حجر: ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان.(2)
روى الحاكم عن ابن عباس قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها
قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس». ثمّ قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.(1)هذه الأحاديث تلقي الضوء على حديث الافتراق، وتحدد الفرقة الناجية وتعيّنها.
وهناك حديث آخر ورد في ذيل حديث الافتراق نقله أحد علماء أهل السنّة وهو الإمام الحافظ حسن بن محمد الصغاني (المتوفّى 650 ه) في كتابه «الشمس المنيرة» عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم: «افترقت أُمّة أخي عيسى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلّها هالكة إلاّ فرقة واحدة».
فلمّا سمع ذلك منه ضاق المسلمون ذرعاً وضجّوا بالبكاء، وأقبلوا عليه، وقالوا: يا رسول اللّٰه كيف لنا بعدك بطريق النجاة؟ وكيف لنا بمعرفة الفرقة الناجية حتى نعتمد عليها؟
فقال صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً: كتاب اللّٰه، وعترتي أهل بيتي؛ إن اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض».(2)ولا أظن المنصف إذا رجع إلى ما ورد حول العترة من الأحاديث الحاثّة على الرجوع إليهم، يخفى عليه مراد النبي صلى الله عليه و آله و سلم من الفرقة الناجية في
حديث الافتراق، مضافاً إلى أنّ آية التطهير دالّة على عصمتهم، فالمتمسك بالمعصوم مصون وبالخاطئ غير مصون، بل يقع عرضة للانحراف والهلاك، وللشافعي أبيات تعرب عن عرفانه الفرقة الناجية ذكرها الشريف الحضرمي في «رشفة الصادي».(1)
هذه هي الجهة الرابعة التي يليق البحث عنها، فإنّ النبي قد أخبر عن أنّ الأُمّة الإسلامية ستبلغ في تفرّقها إلى هذا العدد الهائل، ولكن المشكلة عدم بلوغ رؤوس الفرق الإسلامية إلى هذا العدد، فإنّ كبار فرقها لا تتجاوز الأربع:
الأوّل: القدرية (المعتزلة وأسلافهم).
الثاني: الصفاتية (أهل الحديث والأشاعرة).
الثالث: الخوارج.
الرابع: الشيعة.
وهذه الفرق الأصلية، وإن تشعبت إلى شعب وفروع من مرجئة وكرامية بفرقها، ولكن لا يبلغ المجموع إلى هذا الحد، وإن أصرّ الشهرستاني على تصحيح البلوغ إليه، فقال: ثمّ يتركب بعضها مع بعض، ويتشعب عن كلّ فرقة أصناف، فتصل إلى ثلاث وسبعين فرقة.(2)
يلاحظ عليه: أنّ المراد من أُمّتي هي الفرق الإسلامية المؤمنة برسالة النبي الأعظم، وكتاب اللّٰه سبحانه، وبلوغ تلك الأُمّة بهذه الصفة إلى هذا الحد الهائل أوّل الكلام، لأنّ المراد هو الاختلاف في العقيدة التي يدور عليها فلك الهلاك والنجاة.
وأمّا الاختلاف في الأُصول والمعارف التي ليست مداراً للهداية والضلالة، بل لا تعد من صميم العقائد الإسلامية، فهو خارج عن إطار الحديث، فاختلاف الأشاعرة والمعتزلة في وجود الواسطة بين الوجود والعدم، وحقيقة الجسم والأكوان والألوان، والجزء الذي لا يتجزأ، والطفرة، الذي أوجد فرقاً كلامية، فلا يوجب دخول النار، وإن كان الحقّ واحداً، ولا يصحّ عدّ المعتقدين بها من الفرق المنصوص عليها في كلام النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
وبعبارة واضحة: إنّ الفرق المذمومة في الإسلام هي أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية، في مواضع تعد من صميم الدين كالتوحيد بأقسامه والعدل والقضاء والقدر، والتجسيم والتنزيه، والجبر والاختيار، والهداية والضلالة و رؤية اللّٰه سبحانه وإدراك البشر له تعالى، والإمامة والخلافة، ونظائرها.
وأمّا الاختلاف في سائر المسائل التي لا تمت إلى الدين بصلة ولا تمثل العقيدة الإسلامية، فلا يكون المخالف والموافق فيها داخلاً في الحديث، والحال أنّ كثيراً من الفرق الإسلامية يرجع اختلافهم إلى أُمور عقلية أو كونية، ممّا لا يرتبط بالدين أو ما لا يسأل عنه الإنسان في حياته وبعدها ولا يجب الاعتقاد به.
إنّ هناك محاولات لتصحيح مفاد الحديث من حيث العدد المذكور فيه، نشير إليها فيما يلي:
ترى أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم يركز في حقّ المجوس على عدد السبعين، وفي حقّ اليهود على عدد الإحدى والسبعين وفي حقّالنصارى على اثنتين وسبعين، وفي حقّ الأُمّة الإسلامية على ثلاث وسبعين. وهذا التدرّج يعرب بسهولة عن أنّ المراد هو بلوغ الفرق إلى هذا الحدّ، بشكل حقيقي لا بشكل مبالغي.
1) . التوبة: 80.
استقر رأيه على اعتبار الفروع، فعلى أيّ حدّ من التفريع يأخذه مقياساً، إلّاأنّ الحديث لا يختص بالعصور الماضية، فإنّ حديث الترمذي يتحدث عن افتراق أُمّة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم وأُمّته مستمرة إلى أن يرث اللّٰه الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فيجب أن يتحدث في كلّ عصر عن الفرق التي نجمت في هذه الأُمّة من أوّل أمرها إلى الوقت الذي يتحدّث فيه المتحدّث، ولا عليه إن كان العدد قد بلغ ما جاء في الحديث أو لم يبلغ، فمن الممكن بل المقطوع - لو صحّ الحديث - وقوع الأمر في واقع الناس على وفق ما أخبر به.(1)وهناك محاولة ثالثة غير صحيحة جدّاً وهي الاهتمام بتكثير الفرق، فترى أنّ الإمام الأشعري يجعل للشيعة الغالية خمس عشرة فرقة، وللشيعة الإمامية أربعاً وعشرين فرقة، كما أنّ الشهرستاني يعدّ للمعتزلة اثنتي عشرة فرقة، ويعدّ للخوارج الفرق التالية: المحكمة، الأزارقة، النجدات، البيهسية، العجاردة، الثعالبة، الأباضية، الصفرية.
وذلك لأنّ الجميع من أصناف الشيعة والمعتزلة والخوارج يلتقون تحت أُصول خاصة معلومة في محلّها، مثلاً أصناف الخوارج يجتمعون تحت أُصول أشهرها تخطئة عثمان والإمام أمير المؤمنين عليه السلام في مسألة التحكيم، وتكفير صاحب الكبيرة وتخليده في النار. فلا يصحّ عدّ كلّ صنف فرقة، وإن اختلف كلّ مع شقيقه في أمر جزئي، ومثل ذلك أصناف الآخرين.
1) . مقدّمة الفرق بين الفرق: 7.
ثمّ إنّ الكاتب المعاصر عبد الرحمن بدوي، ذهب إلى عدم صحّة الحديث للأسباب التالية:
أوّلاً: إنّ ذكر هذه الأعداد المحددة المتوالية: 71، 72، 73 أمر مفتعل لا يمكن تصديقه فضلاً عن أن يصدر مثله عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
ثانياً: إنّه ليس في وسع النبي صلى الله عليه و آله و سلم أن يتنبّأ مقدماً بعدد الفرق التي سيفترق إليها المسلمون.
ثالثاً: لا نجد لهذا الحديث ذكراً فيما ورد لنا من مؤلفات من القرن الثاني بل ولا الثالث الهجري، ولو كان صحيحاً لورد في عهد متقدّم.
رابعاً: أعطت كلّ فرقة لختام الحديث، الرواية التي تناسبها، فأهل السنّة جعلوا الفرقة الناجية هي أهل السنّة، والمعتزلة جعلوها فرقة المعتزلة، وهكذا. وقال:
وقد ظهر التعسّف البالغ لدى مؤرّخي الفرق في وضعهم فروقاً وأصنافاً داخل التيارات الرئيسية حتى يستطيعوا الوصول إلى 73 فرقة، وفاتهم أنّ افتراق المسلمين لم ينته عند عصرهم، وأنّه لا بدّ ستنشأ فرق جديدة باستمرار ممّا يجعل حصرهم هذا خطأ تماماً، إذ لا يحسب حساباً لما سينشأ بعد ذلك من فرق إسلامية جديدة.(1)ولا يخفى أنّ ما ذكره من الأسباب غير صحيح عدا ما ذكره من السبب الرابع وما ذيله به.
1) . مذاهب الإسلاميين: 34/1.
أمّا دليله الأوّل، فلأنّ ما جاء فيه هو نفس المدّعى ولم يبيّن وجهاً لافتعال الحديث.
وأمّا دليله الثاني، فلأنّ المتبادر منه أنّه ليس في وسع النبي صلى الله عليه و آله و سلم التنبّؤ بالأحداث الآتية، ولكنّه باطل بشهادة الصحاح والسنن على تنبوّئه صلى الله عليه و آله و سلم بإذن اللّٰه عن كثير من الحوادث الواقعة في أُمّته، وقد جمعنا عدّة من تنبّؤاته في موسوعتنا: مفاهيم القرآن.(1)وربما يريد الكاتب من عبارته معنى آخر، وهو أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم لا يصح له أن يقدم على مثل هذا التنبّؤ، لأنّه إقدام غير مرغوب فيه، لما يحتوي على الإضرار بالأُمّة، ولكن هذا الرأي منقوض أيضاً بتنبّؤات أُخرى تضاهي المورد هذا، فهذا هو النبي صلى الله عليه و آله و سلم يتنبّأ بالمستقبل المظلم الذي يواجهه ذو الخويصرة من وجوه الخوارج الذي أتى النبي صلى الله عليه و آله و سلم و هو يقسّم الغنائم بعد منصرفهم من حنين، فقال للنبي صلى الله عليه و آله و سلم: يا رسول اللّٰه اعدل، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «ويلك من يعدل إن لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أعدل»، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّٰه ائذن لي فيه أن أضرب عنقه؟
قال: «دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يرمق السهم من الرميّة، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء».(2)
فأي فرق بين هذا التنبّؤ ونظائره الواردة في أحاديث النبي صلى الله عليه و آله و سلم، والتنبّؤ بافتراق أُمّته إلى الفرق المعدودة؟
وأمّا دليله الثالث، فعجيب جداً، فقد رواه أبو داود (202-275 ه) في سننه، والترمذي (209-279 ه) في صحيحه، وابن ماجة (218-276 ه) في سننه، وأحمد بن حنبل (المتوفّىٰ 241 ه) في مسنده، والجميع من أعيان أصحاب الحديث في القرن الثالث، فكيف يقول هذا الكاتب: «بل ولا الثالث الهجري»؟! وإليك بعض ما أسندوه:
ثمّ روى عن معاوية بن أبي سفيان أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قام فينا فقال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإنّ هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة».(1)2. روى الترمذي في باب ما جاء في افتراق هذه الأُمّة مثله، عن أبي هريرة. و روى عن عبد اللّٰه بن عمر قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم:
«ليأتين على أُمّتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أُمّه علانية، لكان في أُمّتي من يصنع ذلك، وإنّ بني إسرائيل تفرّقت على ث
1) . سنن أبي داود: 198/4، كتاب السنّة.
نتين وسبعين ملّة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين ملّة كلّهم في النار إلّاملّة واحدة» قالوا: ومن هي يا رسول اللّٰه؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».(1)3. روى ابن ماجة في باب افتراق الأُمم عن أبي هريرة قال: «قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: تفرّقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفترق أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة».
وروى عن عوف بن مالك قال: قال رسول اللّٰه: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة و سبعون في النار؛ وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة؛ والذي نفس محمد بيده لتفترقنّ أُمّتي على ثلاث وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار» قيل: يا رسول اللّٰه: من هم؟ قال: «الجماعة».
وروى عن أنس بن مالك ما يقرب من ذلك.(2)4. وروى أحمد بن حنبل عن أبي هريرة ما نقلناه عنه آنفاً.(3)كما روى أيضاً عن أنس بن مالك ما رويناه عنه سابقاً.(4)وعلى كلّ تقدير فلا يهمنا البحث حول عدد الفرق وكثرتها و قلّتها، بل الذي نتوخّاه في هذه الصحائف هو البحث عن الفرق الموجودة في
الأوساط الإسلامية و هي عبارة عن هذه الفرق: أهل السنّة(1)بأصنافهم: أهل الحديث والأشاعرة والمعتزلة والخوارج، والشيعة بفرقها الثلاث: الإمامية الاثني عشرية، الزيدية، الإسماعيلية.
وأمّا الفرق التي بادت واندثرت، وقد أكل الدهر عليها و شرب، فهي غير مطروحة لنا، بل البحث عنها مفصلاً ضياع للوقت إلّاعلى وجه الإشارة.
«قُلْ هُوَ اَلْقٰادِرُ عَلىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذٰاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَ يُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اَلْآيٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ». (2)
1) . أهل السنّة لا يعتبرون الخوارج منهم، بل لا يعتبرون المعتزلة منهم أيضاً، ولكن المراد من أهل السنّة هنا هو المعنى الأعم، أي غير الشيعة، أي من يقول بكون الخلافة بالبيعة والشورى، فكلّ من يقول بكون الإمامة مقاماً تنصيصيّاً يعد من الشيعة، ومن يقول بكونها مقاماً انتخابياً فهو معدود من أهل السنّة، فالملاك في التقسيم هو هذا لا المصطلح المعروف بين أهل الحديث والأشاعرة، فلو خضعنا لمصطلح الأوّلين، فهم ربما لا يعدّون الأشاعرة أيضاً منهم، هذا ابن تيمية يكن العداوة للأشاعرة ولا يعدّهم منهم.
2) . الأنعام: 65.
لا شكّ في أنّ المسلمين قد اختلفوا بعد لحوق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى إلى فرق مختلفة، وسنبين جذور هذه الخلافات وحوافزها في الأبحاث الآتية.
إنّما الكلام في وضع المسلمين أيّام النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، فهل كانوا محتفظين بوحدة كلمتهم ومستسلمين لأمر نبيّهم جميعاً كما أمر اللّٰه به سبحانه، أم كان هناك بعض الاختلاف بينهم في جملة من المسائل؟
لا شكّ أنّ المسلم الحقيقي هو من يستسلم لأوامر اللّٰه ورسوله ولا يخالفه قيد شعرة آخذاً بقوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ»(1). وقد فسر المفسرون قوله سبحانه: «لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ» بقولهم: أي لا تتقدموا على اللّٰه ورسوله في كلّ ما يأمر وينهى.
ويؤيده قوله سبحانه في نفس السورة: «وَ اِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اَللّٰهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ اَلْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ».(2)
وقال عزّ من قائل: «فَلاٰ وَ رَبِّكَ لاٰ يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاٰ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً» .(1)
ومع ذلك كلّه فقد نجمت بين الصحابة والنبي الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم مشاجرات ومنازعات بين آونة وأُخرى قد ضبطها التاريخ وأصحاب السير. غير أنّ الشهرستاني يصر على أنّ أكثر الخلافات كان من جانب المنافقين و قال: «إنّ شبهات أُمّته في آخر زمانه، ناشئة من شبهات خصماء أوّل زمانه من الكفّار والملحدين، وأكثرها من المنافقين، وإن خفي علينا ذلك في الأُمم السالفة لتمادي الزمان، فلم يخف في هذه الأُمّة أنّ شبهاتها نشأت كلّها من شبهات منافقي زمن النبي، إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى، وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى وسألوا عمّا منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه، وجادلوا بالباطل في ما لا يجوز الجدال فيه».
ثمّ ذكر الشهرستاني حديث ذي الخويصرة التميمي في تقسيم الغنائم إذ قال: اعدل يا محمد، فإنّك لم تعدل، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «إن لم أعدل فمن يعدل».(2)إنّ ما ذكره الشهرستاني صحيح لا غبار عليه، غير أنّ الاعتراض والخلاف لم يكن منحصراً بالكفار و المنافقين، بل كان هناك رجال من المهاجرين والأنصار، يعترضون على النبي في بعض الأُمور التي لا تروقهم، وكأنّ الشهرستاني نسي قصة الحديبية حيث آثر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم الصلح يوم
الحديبية على الحرب وأمر به، عملاً بما أوصى اللّٰه إليه، وكانت المصلحة في الواقع وفي نفس الأمر توجبه لكنّها خفيت على أصحابه، فطفق بعضهم ينكره والآخر يعارضه علانية بكلّ ما لديه من قوة. فهذا عمر بن الخطاب بعد ما تقرر الصلح بين الفريقين على الشروط الخاصة أدركته الحمية، فأتى أبا بكر و قد استشاط غضباً فقال: يا أبا بكر أليس برسول اللّٰه؟ قال: بلى. قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا... الحديث.(1)وكأنّ الشهرستاني غفل أيضاً عن الجدال الشديد بين النبي وبعض أصحابه في متعة الحج. قال الإمام القرطبي: «لا خلاف بين العلماء أنّ التمتع المراد بقوله تعالى: «فَإِذٰا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ»(2)هو الاعتمار في أشهر الحجّ قبل الحجّ، قلت: وهو فرض من نأى عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كلّ جانب على الأصح، وإنّما أضيف الحجّ بهذه الكيفية إلى التمتع أو قيل عنه: التمتع بالحج، لما فيه من المتعة، أي اللذة بإباحة محظورات الإحرام في المدة المتخلّلة بين الإحرامين، وهذا ما كرهه عمر وبعض أتباعه فقال قائلهم: أننطلق و ذكورنا تقطر؟!
وفي «مجمع البيان» أنّ رجلاً قال: أنخرج حجاجاً ورؤوسنا تقطر؟ وأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال له: «إنّك لن تؤمن بها أبداً».(3)ولأجل هذه المكافحة التي نجمت في حياة النبي خطب عمر بن
الخطاب في خلافته وقال: متعتان كانتا على عهد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما.(1)وهذه الأُمور تسهل لنا التصديق بما رواه البخاري في إسناد عن عبيد اللّٰه بن عبد اللّٰه، عن ابن عباس قال: «لما اشتد بالنبي صلى الله عليه و آله و سلم وجعه قال: ايتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده». قال عمر: إنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب اللّٰه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط. قال:
«قوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع». فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وبين كتابه».(2)كما تسهل لنا التصديق بخلافهم في حال حياته عندما أمرهم بقوله: «جهزوا جيش أُسامة، لعن اللّٰه من تخلّف عنه»، فقال قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأُسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتد مرض النبي عليه الصلاة والسلام فلا تسع قلوبنا مفارقته والحالة هذه، فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره.(3)نعم كانت هناك هنابث ومشاجرات في أُمور لا تروق سليقة بعض النفوس وميولهم، غير أنّ هذه الخلافات لم تكن على حدّ تنشق بها عصا الوحدة وتنفصم بها عرى الأُخوة، وأعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف الذي نجم بعد لحوقه بالرفيق الأعلى، وهو الخلاف في الإمامة وقد لمست
الأُمة ضرره وخسارته حتى أنّ الشهرستاني أعرب عن عظم هذه الخسارة بقوله: «ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان».(1)وإليك بيان أساس هذا الاختلاف:
لما التحق النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم بالرفيق الأعلى صارت الأُمّة فرقتين باقيتين إلى الآن:
الأُولى: القائلون بأنّ منصب الإمامة منصب إلهي وأنّ الإمام يقوم بالوظائف التي كانت قد أُلقيت على عاتق النبي من تبيين الأحكام الشرعية وتفسير كتاب اللّٰه وصيانة الدين عن النقص والزيادة والإجابة على الأسئلة الواردة والاعتراضات المتوجهة إلى الدين مضافاً إلى إدارة المجتمع البشري وسياسته التي يعبر عنها بالحكومة الإسلامية.
الثانية: القائلون بأنّ منصب الإمامة منصب عادي يجب أن يقوم بها واحد من آحاد الأُمّة لتبرير أمر المجتمع سياسة واجتماعاً واقتصاداً وغير ذلك، وأنّه لم يرد في أمر الخلافة نص على شخص ما وهؤلاء هم الموسومون بأهل السنّة.
«وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللّٰهِ جَمِيعاً وَ لاٰ تَفَرَّقُوا».(2)
إنّ الوقوف على تاريخ الفرق الإسلامية، وكيفية تكوّنها والعلل الباعثة على نشأتها، من الأبحاث المهمة التي تعين الباحث في تقييم المذاهب الإسلامية ومدى إخلاص أصحابها في نشرها وبثّها بين الأُمّة، و هذه النقطة الحسّاسة من علم الملل والنحل، قد أُهملت في كثير من كتب الفرق والنحل إلّاشيئاً قليلاً لا يشبع نهمة الطالب، ونحن نأتي في هذه العجالة بإجمال ما وقفنا عليه في تاريخ تكوّنها والبواعث الموجدة لها، وأمّا الإسهاب في البحث فموكول إلى آونة أُخرى.
لبّى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم دعوة ربّه وانتقل إلى جواره وترك لأُمّته ديناً قيماً عليه سمات من أبرزها «بساطة العقيدة ويسر التكليف»، وأخذ المسلمون يفتحون البلاد بقوة المنطق أوّلاً وحدّ السلاح ثانياً، وأخذت قوى الكفر والشر تنسحب أمام دعاة الإسلام وجنوده البواسل، وتنصاع لهداه البلاد إثر البلاد.
ارتحل الرسول الصادع بالحق، وترك بين أُمّته كتاب اللّٰه العزيز الذي فيه تبيان كل شيء(1)، وسنّته الوضّاءة المقتبسة من الوحي(2)السليم من
الخطأ، المصون من الوهن وعترته الطيبين الذين هم في لسان نبيّهم قرناء الكتاب.(1)فالمسلمون الأوّلون في ضوء بساطة العقيدة وسهولة التشريع و في ظل هذه الحجج والأدلة القويمة، كانوا في غنى عن الخوض في أقوال المدارس العقلية والمناهج الكلامية التي كانت دارجة بين الأُمم المتحضّرة آنذاك، فهم بدل الغور فيها، كانوا يخوضون غمار المنايا و يرتادون ميادين الحروب في أقطار العالم وأرجاء الدنيا لنشر الدين والتوحيد ومكافحة شتى ألوان الشرك والثنوية ومحو العدوان والظلم عن المجتمع البشري.
نعم كان هذا وصفهم وحالهم إلّاشذاذاً منهم من الانتهازيين، عبدة المقام وعشاق المال ممّن لم تهمّهم إلّاأنفسهم وإلّا علفهم وماؤهم، وقد قلنا إنّ بساطة التكليف كانت إحدى العوامل التي صرفت المسلمين عن التوجه والتعرض للمناهج الفلسفية الدارجة في الحضارات القائمة آنذاك، فلأجل ذلك كانوا يكتفون مثلاً في معرفة اللّٰه سبحانه بقوله عزّ من قائل: «أَ فِي اَللّٰهِ شَكٌّ فٰاطِرِ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ»(2)، وقوله عزّجلّ: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ اَلْخٰالِقُونَ».(3)
1) . لقوله صلى الله عليه و آله و سلم: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّٰه وعترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض. والتثليث في كلامنا لا يعارض التثنية في كلام الرسول صلى الله عليه و آله و سلم، لأنّ مرجع كلام العترة إلى سنّة الرسول التي أودعها في قلوبهم بإذن اللّٰه عزّ وجلّ.
2) . إبراهيم: 10.
3) . الطور: 35.
وفي نفي الشرك والثنوية كانوا يكتفون بقوله سبحانه: «لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللّٰهُ لَفَسَدَتٰا».(1)
وفي التعرّف على صفاته وأفعاله بقوله سبحانه: «هُوَ اَللّٰهُ اَلَّذِي لاٰ إِلٰهَ إِلاّٰ هُوَ عٰالِمُ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهٰادَةِ هُوَ اَلرَّحْمٰنُ اَلرَّحِيمُ»(2)، إلى آخر سورة الحشر.
وفي تنزيهه عن التشبيه والتجسيم بقوله سبحانه: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ»(3)، وبقوله: «لاٰ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصٰارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصٰارَ».(4)وفي سعة قدرته: «وَ مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ».(5)إلى غير ذلك من الآيات الواردة حول المبدأ والمعاد وما يرجع إليهما من الأبحاث الكلامية الغامضة، فلكلّ واحدة من هذه المسائل نصوص في الكتاب والسنّة وهي أغنتهم عن الرجوع إلى غيرهم.
نعم إنّ مفاهيم هذه الآيات على بساطتها تهدف إلى معان بعيدة الأغوار، عالية المضامين، فالكلّ يستفيد منها حسب مقدرته واستعداده فهي هادية لكلّ البشر ومفيدة لجميع الطبقات من ساذجها إلى متعلّمها، إلى معلمها....
وهذه الميزة يختصّ بها القرآن الكريم ويتميّز فيها عن غيره، فهو مع كونه هدى للناس عامة، خير دليل للمفكّرين صغارهم وكبارهم.
هذا هو الكتاب، وأمّا السنّة فهي عبارة عمّا ينسب إلى النبي من قول أو فعل أو تقرير، نازلة منزلة التفسير والتبيين لمعاني الكتاب الحكيم، مبينة لمجمله، شارحة لمعانيه كما يعرب عنه قوله سبحانه: «وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»(1)، أي لا لتقرأ فقط، بل لتبيّن وتشرح ما نزل، بقولك وفعلك وتقريرك.
وأمّا العترة فيكفي في عصمتهم وحجية أقوالهم، حديث الثقلين الذي تواتر نقله، وقام بنقله أكابر المحدّثين في العصور الإسلامية كلّها.
وكان اللائق بالمسلمين والواجب عليهم مع الحجج الإلهية، التمسّك بالعروة الوثقى ورفض الاختلاف، ولكن يا للأسف تفرقوا إلى فرق وفرق لعلل نشير إليها.
إنّ لتكوّن المذاهب الإسلامية - أُصولاً وفروعاً - عللاً وأسباباً ومعدات وممهدات ولا يقوم بحقّ بيانها الباحث إلّابإفراد كتاب خاص في هذا الموضوع، ولكن نشير في هذه العجالة إلى العوامل الرئيسية في تكوّن الفرق ونشوئها في المجتمع الإسلامي وهي أُمور:
الاتجاهات الحزبية والتعصبات القبلية.
سوء الفهم واعوجاجه في تحديد الحقائق الدينية.
1) . النحل: 44.
المنع عن كتابة حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ونقله والتحدّث به كما سيجيء.
فسح المجال للأحبار والرهبان للتحدّث عن قصص الأوّلين والآخرين.
الاحتكاك الثقافي واللقاء الحضاري بين المسلمين وغيرهم من الفرس والروم والهنود.
الاجتهاد في مقابل النصّ.
وإليك البحث في كلّ واحد من هذه العوامل حسب ما يقتضيه المجال.
«وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مٰا يُوعَظُونَ بِهِ لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَشَدَّ تَثْبِيتاً»(1).
1) . النساء: 66.
إنّ أعظم خلاف بين الأُمّة هو الخلاف في قضية الإمامة، إذ ما سلّ سيف قطّ في الإسلام وفي كلّ الأزمنة على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة، وقد كان الشقاق بين المسلمين في تلك المسألة أوّل شقاق نجم بينهم وجعلهم فرقاً أو فرقتين. فمن جانب نرى علياً صلوات اللّٰه عليه ورجال البيت الهاشمي ركنوا إلى النص وقالوا: إنّ الإمامة شأنها شأن النبوة لا تكون إلاّ بالنصّ. وإنّ هذا النصّقد صدر عن النبي في مواطن شتّى، آخرها واقعة الغدير المشهورة بين كافّة الناس حينما قام النبي صلى الله عليه و آله و سلم في محتشد عظيم وقال: «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه...».(1)ومن جانب آخر نرى الأنصار تجتمع في سقيفة بني ساعدة قبل تجهيز النبي صلى الله عليه و آله و سلم ومواراته، يبحثون عن قضية الإمامة أو الخلافة، فيرى سيدهم أنّ القيادة حقّ للأنصار رافعاً عقيرته بقوله: يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست في العرب، إنّ محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وقلع الأنداد والأوثان،
1) . راجع في تواتره وكثرة رواته في جميع العصور الإسلامية من عصر الصحابة إلى عصرنا هذا، ودلالته على الولاية الكبرى للإمام أمير المؤمنين، كتاب الغدير: الجزء الأوّل، ولأجل ذلك طوينا الكلام عن نقل مصادره.
فما آمن به من قومه إلّارجال قليل ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ولا أن يعزّوا دينه ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيماً عمّوا به، حتى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة، فرزقكم اللّٰه الإيمان به ورسوله والمنع له ولأصحابه، والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشدّ الناس على عدّوه منكم وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقامت العرب لأمر اللّٰه طوعاً وكرهاً - إلى أن قال -: استبدوا بهذا الأمر دون الناس.
فأجابوه بأجمعهم: أن قد وفقت في الرأي وأصبت في القول ولن نعدو ما رأيت، نولّيك هذا الأمر فإنّك فينا مقنع ولصالح المؤمنين رضى.(1)هذا منطق الأنصار ورئيس جبهتهم ترى أنّه يجر النار إلى قرصه وحزبه بحجّة أنّهم آمنوا بمحمّد صلى الله عليه و آله و سلم ونصروه وآووه، إلى غير ذلك من الحجج التي ذكرها سعد بن عبادة، رئيس الخزرج في جبهة الأنصار.
ومن جهة ثالثة نرى بعض المهاجرين الذين اطّلعوا على اجتماع الأنصار في السقيفة، يتركون تجهيز النبي صلى الله عليه و آله و سلم ومواراته ويسرعون إلى السقيفة ويحضرون في جمعهم ويناشدونهم ويعارضون منطقهم بقولهم: إنّ المهاجرين أوّل من عبد اللّٰه في الأرض وآمن باللّٰه وبرسوله، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك إلّاظالم - إلى أن قال -: من ذا ينازعهم في سلطان محمّد صلى الله عليه و آله و سلم وإمارته وهم أولياؤه وعشيرته، إلّامدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورط في هلكة.(2)
وهذا منطق بعض المهاجرين لا يقصر في الصلابة أو الوهن عن منطق الأنصار، والكلّ يدّعي أنّ الحقّ له ولحزبه، من دون أن يتفكّروا في مصالح الإسلام والمسلمين، ومن دون أن يتفكّروا في اللياقة والكفاءة في القائد، ومن دون أن يرجعوا إلى الكتاب والسنّة وإحراز المعايير التي يجب وجودها في القائد، فيشبه منطق هؤلاء منطق المرشحين من سرد الثناء على أنفسهم وحزبهم لرئاسة الجمهورية أو عضوية المجلس الوطني.
وكلّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقر لهم بذاكا
نعم كان هذا التشاجر قائماً بينهم على قدم وساق إلى أن تغلب جناح هذا الصنف من المهاجرين على جبهة الأنصار بإعانة بعض الأنصار وهو «بشير بن سعد» و هو ابن عم «سعد بن عبادة»، فبايع أبا بكر حتى يكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما كانوا أجمعوا أمرهم، ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد وما تدعو إليه قريش وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض - و فيهم أسيد بن حضير وكان أحد النقباء -: واللّٰه لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً، فقوموا فبايعوا أبا بكر، فقاموا إليه وبايعوه.(1)وهناك كلمة قيمة للإمام أمير المؤمنين في تقييم احتجاج الأنصار والمهاجرين نقلها الشريف الرضي في «نهج البلاغة»، قال:
لمّا انتهت إلى أمير المؤمنين عليه السلام أنباء السقيفة، بعد وفاة رسول
1) . تاريخ الطبري: 458/2، حوادث سنة 11 ه.
اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، قال عليه السلام: «ما قالت الأنصار؟» قالوا: قالت: منّا أمير ومنكم أمير.
قال عليه السلام: «فهلا احتججتم عليهم بأنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وصى بأن يحسن إلى محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم»!
قالوا: وما في هذا من الحجّة عليهم؟.
فقال عليه السلام: «لو كانت الإمارة فيهم، لم تكن الوصية بهم».
ثمّ قال عليه السلام: «فماذا قالت قريش؟».
قالوا: احتجت بأنّها شجرة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم.
فقال عليه السلام: «احتجّوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة».(1)وفي كلمة قصيرة عن الإمام عليه السلام، قال: «واعجباه تكون الخلافة بالصحابة، ولا تكون بالصحابة والقرابة».
قال الرضي، وقد روي له شعر قريب من هذا المعنى وهو:
فإن كنت بالشورى ملكت أُمورهم *** فكيف بهذا والمشيرون غُيَّبُ
وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم *** فغيرك أولى بالنبي وأقرب(2)
وبتلك المعايير و المبررات تمت البيعة للخليفة، والكلّ أشبه بالتحالفات الحزبية أو القبلية التي لا تمت إلى الإسلام وأهله بصلة.
فعند ذلك أخذ هؤلاء المهاجرون بزمام الحكم واحداً بعد واحد إلى أن تربّع ثالث القوم عثمان بن عفان على منصة الحكم، فحدثت في زمانه حوادث مؤلمة وبدع كثيرة أدّت إلى الفتك به والإجهاز عليه.
غير أنّ عليّاً صلوات اللّٰه عليه وبني هاشم وعدّة من المهاجرين والبدريين وعدّة من أكابر الأنصار تمسّكوا بالنصّ النبوي وبقوا على ما فارقهم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عليه، كما أنّ رئيس الأنصار الخزرجيين وداعميه لم يبايعوا أبا بكر ولا عليّاً.
هذا تحليل تكوّن أوّل تفرّق حدث في الإسلام؛ فجعل الأُمّة فرقتين: فرقة تشايع الخلفاء، وفرقة تشايع عليّاً عليه السلام إلى اليوم الحاضر.
والذين شايعوا عليّاً عليه السلام وتابعوه لم يكن ذلك منهم إلّاتمسكاً بالدين مذعنين بأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قد نصّ عليه من دون أن يكون هناك اندفاع حزبي أو علاقة شخصية أو قبلية، بل تسليماً لقوله سبحانه: «وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لاٰ مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ اَلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ».(1)
وأمّا غيرهم فقد عرفت المعايير التي استندوا إليها في تقديمهم على غيرهم، فالكلّ معايير قبلية أو شخصية.
1) . الأحزاب: 36.
إذا كانت الدعايات الحزبية أوّل عامل لتكوّن الفرق، فهناك عامل ثان لتفريق المسلمين وتبديدهم إلى فرق متباعدة، وهو سوء الفهم - عن تقصير - في تحديد العقائد الدينية من بعضهم، وقلة العقل وخفّته في بعض آخر منهم، وقد كان هذا عاملاً قويّاً لتكوّن الخوارج التي كانت من أخطر الفرق على الإسلام والمسلمين، لولا أنّ الإمام عليّاً عليه السلام استأصلهم وبدد شملهم، ومع ذلك بقيت منهم حشاشات تنجم تارة وتخفق أُخرى في الأجيال والقرون، وإليك شرحه:
لقد ثار أهل العراق والحجاز ومصر على عثمان نتيجة الأحداث المؤلمة التي ارتكبها عماله في هذه البلاد وانتهى الأمر إلى قتله وتنصيب علي عليه السلام مكانه لما عرفت الأُمّة من علمه وفضله وسابقته وجهاده المنقطع النظير، وقام علي عليه السلام بعزل الولاة والعمال الذين نصبهم عثمان على رقاب الناس، وقد انتهت أعمالهم الإضرارية من جانب، وإصرار الخليفة على إبقائهم من جانب آخر، إلى قتله.
قام علي عليه السلام بعزل الولاة آنذاك، ونصب العمال الأتقياء الزهّاد مكانهم،
وعند ذلك طمع الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد اللّٰه في العراقين، وطلبا منه أن يولي أحدهما على الكوفة والآخر على البصرة، والمألوف من طريقة علي عليه السلام في تنصيب العمال اشتراط شروط، تخالف ما كان عليه الرجلان وقد قال في حقّهما كلمة: «وإنّي أخاف شرهما على الأُمّة وهما معي، فكيف إذا فرقتهم في البلاد».(1)فعند ذلك ثارا على الإمام علي عليه السلام وخرجا عليه واتّهماه - لتبرير موقفهما بقتل عثمان أو إيواء قتلته، وكانت نتيجة ذلك اشتعال نار الحرب بين الإمام والرجلين في نواحي البصرة «حرب الجمل» وقتل الرجلين بعد أن أُريقت دماء الأبرياء.
ثمّ إنّ معاوية قد عرف موقف علي عليه السلام بالنسبة إلى عمال الخليفة «عثمان»، و مع هذا طلب من الإمام إبقاءه والياً على الشام، فرفض الإمام ذلك لما يعرف من نفسية معاوية وانحرافه، ونشبت من ذلك «حرب صفين»، ولما ظهرت بوادر الفتح المبين لعلي وجيشه، التجأ معاوية وحزبه إلى خديعة رفع المصاحف والدعوة إلى تحكيم القرآن بين الطرفين، فصار ذلك نواة لحدوث الاختلاف في جبهة علي عليه السلام، فمن قائل: نستمر في الحرب وهذه خدعة ومكر، ومن قائل: نجيبهم إلى ما دعونا إليه.
وقد أمر الإمام بمواصلة الحرب، وقام بتبيين الخدعة، غير أنّ الظروف الحاكمة السائدة على جيش الإمام ألجأته إلى قبول وقف الحرب وإدلاء
1) . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 16/11.
الأمر إلى الحكمين وإعلان الهدنة، وكتب هناك كتاباً حول هذا.
ومن العجيب أنّ الذين كانوا يصرون على إيقاف الحرب ندموا على ما فعلوا، فجاءوا إلى الإمام يصرّون على نقض العهد، والهجوم على جيش معاوية من جديد، غير أنّ الإمام وقف في وجههم بصمود لما يتضمن من نقض العهد «وَ كٰانَ عَهْدُ اَللّٰهِ مَسْؤُلاً».(1)وعند ذلك نجمت فرقة باسم الإسلام من جيش علي عليه السلام وطلع قرن الشيطان، فعادت تلك الجماعة خارجة عن إطاعة إمامهم، رافضة لحكومته، ومبغضة إيّاه كما أبغضت عثمان وعماله، وهذه الفرقة هي فرقة الخوارج وما زالوا مبدأ أحداث وعقائد في التاريخ. وكان الحافز القوي على تكوّن هذه الفرقة هو سوء الفهم واعوجاج السليقة، وقد عرّفهم الإمام بقوله - عندما شهروا سيوفهم عليه في النهروان -: «فأنا نذيركم أن تصبحوا صرعى بأثناء هذا النهر وبأهضام هذا الغائط، على غير بيّنة من ربّكم ولا سلطان مبين معكم، قد طوّحت بكم الدار واحتبلكم المقدار، وقد كنت نهيتكم عن هذه الحكومة فأبيتم علي إباء المخالفين المنابذين، حتى صرفت رأيي إلى هواكم وأنتم معاشر أخفّاء الهام، سفهاء الأحلام».(2)وللإمام كلمة أُخرى يشير فيها إلى السبب الذي فارقوا به عن الحقّ قال صلوات اللّه عليه: «لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحقّ
فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه» (يعني معاوية وأصحابه).
قال الإمام عبده: والخوارج من بعده وإن كانوا قد ضلّوا بسوء عقيدتهم فيه إلّاأنّ ضلّتهم لشبهة تمكّنت في نفوسهم، فاعتقدوا أنّ الخروج عن طاعة الإمام ممّا يوجبه الدين عليهم، فقد طلبوا حقّاً وأرادوا تقريره شرعاً، فأخطأوا الصواب فيه.(1)وقد زعموا أنّ مسألة التحكيم تخالف قوله سبحانه: «إِنِ اَلْحُكْمُ إِلاّٰ لِلّٰهِ».(2)
وسيوافيك مفاد الآية ومقالة المحتجين بها عند البحث عن عقائد تلك الفرقة - كي يظهر مدى اعوجاج فهم القوم.
قد كان لظهور الخوارج أثر بارز في حدوث الفتن وظهور الحوادث الأُخر في المجتمع الإسلامي، وقد نجمت المرجئة من تلك الناحية حيث إنّ الإرجاء بمعنى التأخير، قال سبحانه: «أَرْجِهْ وَ أَخٰاهُ وَ أَرْسِلْ فِي اَلْمَدٰائِنِ حٰاشِرِينَ».(3)ولهذه الفرقة (المرجئة) آراء خاصة نشير إليها في محلّها، غير أنّ اللبنة الأُولى لظهورها هي اختلافهم في أمر علي وعثمان، فهؤلاء (الخوارج) كانوا
يحترمون الخليفتين أبا بكر وعمر ويبغضون علياً وعثمان، على خلاف أكثرية المسلمين، ولكن المرجئة الأُولى لما لم يوفقوا لحلّ هذه المشكلة التجأوا إلى القول بالإرجاء فقالوا: نحن نقدّم أمر أبي بكر وعمر، ونؤخّر أمر الآخرين إلى يوم القيامة، فصارت المرجئة فرقة نابتة من خلاف الخوارج في أمر الخليفتين، مع فوارق بينهم و بين المرجئة التي تأتي في محلّها، والعامل لتكوّنها كأصلها، هو سوء الفهم واعوجاج التفكير.
هذا هو أصل الإرجاء، ولبنته الأُولى، ولكنّه قد نسي في الآونة الأخيرة؛ وأخذ الأصل الآخر مكانه، و هو كون العمل داخلاً في الإيمان أو لا؟ وبعبارة أُخرى: هل مرتكب الكبيرة مؤمن أو لا؟
ذهبت الخوارج إلى دخول العمل في صميم الإيمان، فصار مرتكب الكبيرة كافراً.
واختارت المعتزلة كون مرتكب الكبيرة غير مؤمن ولكنّه ليس بكافر، بل هو في منزلة بين المنزلتين.
وذهبت المرجئة الأُولى إلى خروج العمل من الإيمان، وأنّ إيمان مرتكب الكبيرة، كإيمان الملائكة والأنبياء بحجّة عدم دخالة العمل في الإيمان. فاشتهروا بالقول: «قدّموا الإيمان وأخّروا العمل» فصار هذا أصلاً وأساساً ثانوياً للمرجئة. فكلّما أطلقت المرجئة لا يتبادر منها إلّاهؤلاء.
إنّ الاكتفاء في تفسير الإيمان بالشهادة اللفظية أو المعرفة القلبية، وأنّ
عصاة المؤمنين لا يعذبون أصلاً، وانّ النار للكافرين(1)واقتحام الكبائر لا يضر أبداً، فكرة خاطئة تسير بالمجتمع وخصوصاً الشباب فيه إلى الخلاعة والانحلال الأخلاقي وترك القيم.
وعلى كلّ تقدير إنّ نظرية الإرجاء في كلا الموضعين نظرية باطلة نشأت من الاعوجاج في فهم المعارف والانحراف في تفسير الذكر الحكيم، والحديث المأثور عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم.
ولما كان مذهب الإرجاء لصالح السلطة الأموية أخذت تروّجه وتسانده حتى لم يلبث أن فشا في الإرجاء، ولم تبق كورة إلّاوفيها مرجئي، كما سيوافيك ذلك عند البحث عن عقائد هذه الفرقة.
وليس ظهور الخوارج أو المرجئة وحدهما نتاج الإعوجاج الفكري، بل هناك مذاهب أُخرى نجمت من هذا المنشأ. عصمنا اللّٰه جميعاً من الزلل في القول والعمل.
«اُدْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ اَلْمَوْعِظَةِ اَلْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ»(2).
إنّ هنا عاملاً ثالثاً لتكوّّن الفرق ونشوء الفوضى في العقائد والأُصول، وهو المنع عن كتابة الحديث وتدوينه بل التحدّث عنه بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إلى عهد المنصور العباسي.
توضيحه: الحديث عبارة عمّا ينسب إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم من قول أو فعل أو تقرير نازل منزلة التفسير لمعاني الكتاب الحكيم، مبيّن لمجمله، شارح لمعانيه، كما يعرب عنه قوله سبحانه: «وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّٰاسِ مٰا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ».(1)
أي لا لتقرأ فقط، بل تبيّن وتشرح ما نزل، بقولك وفعلك وتقريرك.
إذا كانت السنّة هي في الدرجة الثانية من الدين بعد القرآن الكريم في الحجية والاعتبار، حتى إنّك لا تجد فيها شيئاً إلّاوفي القرآن أُصوله وجذوره، ولا إسهاباً إلّاوفيه مجمله وعناوينه.
وإذا كان الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لا يصدر في قوله وكلامه إلّابإيحاء من اللّٰه
1) . النحل: 44.
سبحانه كما يصرح بذلك قوله سبحانه: «مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ وَ مٰا غَوىٰ * وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ * إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ».(1)
فهل يصحّ للرسول أن يمنع عن تدوينه وكتابته أو مدارسته ومذاكرته؟!
وإذا كان الرسول منع دراسة الحديث ونقله ونشره وتدوينه، فما معنى قوله صلى الله عليه و آله و سلم في خطبته في منى عام حجّة الوداع: «نضر اللّٰه امرأً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلّغها، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه»(2)؟!
وما معنى قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «نضّر اللّٰه امرأً سمع منا شيئاً فبلغه كما يسمع، فرب مبلّغ أوعى من سامع»(3)؟!
أو قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «اللّهمّ ارحم خلفائي، اللّهم ارحم خلفائي، اللّهمّ ارحم خلفائي» قيل: يا رسول اللّٰه ومن خلفاؤك؟ قال: «الذين يأتون من بعدي يروون حديثي وسنّتي»(4)؟!
كيف تصحّ نسبة المنع إلى الرسول الأعظم، مع أنّ المستفيض منه خلافه؟! وإليك بعض ما ورد عنه صلى الله عليه و آله و سلم.
«نعم فإنّه لا ينبغي لي أن أقول في ذلك إلّاحقاً».(3)4. وعن عبد اللّٰه بن عمرو قال: كنت أكتب كلّ شيء أسمعه من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أُريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: تكتب كلّ شيء سمعته من
رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ورسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلّاحقّ».(1)5. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدّه، قال: قلت: يا رسول اللّٰه إنّا نسمع منك أحاديث لا نحفظها أفلا نكتبها؟ قال: «بلى فاكتبوها».(2)أضف إلى ذلك أنّ الذكر الحكيم يحثّ المسلمين على كتابة ما يتداينون بينهم. قال سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كٰاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَ لاٰ يَأْبَ كٰاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمٰا عَلَّمَهُ اَللّٰهُ فَلْيَكْتُبْ وَ لْيُمْلِلِ اَلَّذِي عَلَيْهِ اَلْحَقُّ...» ثمّ يعود ويؤكد على المؤمنين أن لا يسأموا من الكتابة فقال سبحانه: «وَ لاٰ تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلىٰ أَجَلِهِ...».(3)
فإذا كان المال الذي هو زينة الحياة الدنيا من الأهمية بهذه المنزلة، فكيف بأقوال النبي صلى الله عليه و آله و سلم وأفعاله وتقاريره التي تعتبر تالي القرآن الكريم حجّية وبرهاناً؟
وهناك كلمة قيّمة للخطيب البغدادي نأتي بها برمتها: وقد أدّب اللّٰه سبحانه عباده بمثل ذلك في الدين، فقال عزّ وجلّ: «وَ لاٰ تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ
صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلىٰ أَجَلِهِ ذٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اَللّٰهِ وَ أَقْوَمُ لِلشَّهٰادَةِ وَ أَدْنىٰ أَلاّٰ تَرْتٰابُوا».(1)فلمّا أمر اللّٰه تعالى بكتابة الدين حفظاً له، واحتياطاً عليه وإشفاقاً من دخول الريب فيه، كان العلم الذي حفظه أصعب من حفظ الدين، أحرى أن تباح كتابته خوفاً من دخول الريب والشكّ فيه. بل كتابة العلم في هذا الزمان، مع طول الاسناد، واختلاف أسباب الرواية، أحج من الحفظ، ألا ترى أنّ اللّٰه عزّوجلّ جعل كتب الشهادة فيما يتعاطاه الناس من الحقوق بينهم، عوناً عند الجحود، وتذكرة عند النسيان، وجعل في عدمها عند المموّهين بها أوكد الحجج ببطلان ما ادّعوه فيها، فمن ذلك أنّ المشركين لما ادّعوا بهتاناً اتخاذ اللّٰه سبحانه بنات من الملائكة، أمر اللّٰه نبينا صلى الله عليه و آله و سلم أن يقول لهم: «فَأْتُوا بِكِتٰابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ».(2)
ولمّا قالت اليهود: «مٰا أَنْزَلَ اَللّٰهُ عَلىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ»(3)، وقد استفاض عنهم قبل ذلك للإيمان بالتوراة، قال اللّٰه تعالى لنبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم قل لهم: «مَنْ أَنْزَلَ اَلْكِتٰابَ اَلَّذِي جٰاءَ بِهِ مُوسىٰ نُوراً وَ هُدىً لِلنّٰاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرٰاطِيسَ تُبْدُونَهٰا وَ تُخْفُونَ كَثِيراً»(4)، فلم يأتوا على ذلك ببرهان، فأطلع اللّٰه على عجزهم عن ذلك بقوله: «قُلِ اَللّٰهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ».(5)وقال تعالى - رادّاً على متّخذي الأصنام آلهة من دونه -: «أَرُونِي مٰا ذٰا
خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ اِئْتُونِي بِكِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ هٰذٰا أَوْ أَثٰارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ».(1)والأثارة والأثرة، راجعان في المعنى إلى شيء واحد، وهو ما أثر من كتب الأوّلين. وكذلك سبيل من ادّعى علماً أو حقاً من حقوق الأملاك، أن يقيم دون الإقرار برهاناً، إمّا شهادة ذوي عدل أو كتاباً غير مموّه، وإلاّفلا سبيل إلى تصديقه.
والكتاب شاهد عند التنازع... إلى آخر ما ذكره.(2)نرى أنّه سبحانه قد شرح دساتير وحيه وآي قرآنه بالأمر بالقراءة مبيّناً أهمية القلم في التعليم والتعلّم حيث قال عزّمن قائل: «اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ اَلْإِنْسٰانَ مِنْ عَلَقٍ * اِقْرَأْ وَ رَبُّكَ اَلْأَكْرَمُ * اَلَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ».(3)
بل و عظّم سبحانه القلم والكتابة تعظيماً، حتى جعلهما بمرتبة استحقاق القسم بهما فهو جلّ وعلا يقول: «ن وَ اَلْقَلَمِ وَ مٰا يَسْطُرُونَ».(4)
أفهل يعقل معه أن ينهى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عن كتابة ما هو قرين القرآن وتاليه في الحجية، أعني: السنة الشريفة؟ كلّا.
هذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ ما نسب إليه صلى الله عليه و آله و سلم من النهي عن كتابة الحديث، يخالف منطق الوحي والحديث والعقل، وما هو إلّا وليد
الأوهام والسياسات التي أخذت تمنع نشر حديث الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وتدوينه لغايات سياسية لا تخفى على ذي لب. فمثلاً روى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «لا تكتبوا عنّي، ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه».(1)وفي رواية: إنّهم استأذنوا النبي صلى الله عليه و آله و سلم أن يكتبوا عنه فلم يأذن لهم.(2)وفي مسند أحمد أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم نهى أن نكتب شيئاً من حديثه(3). وأيضاً ورد في مسند أحمد عن أبي هريرة أنّه قال: «كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي، فخرج علينا فقال: «ما هذا تكتبون»؟ فقلنا: ما نسمع منك، فقال: «أكتاب مع كتاب اللّٰه؟» فقلنا: ما نسمع. فقال: «اكتبوا كتاب اللّٰه، امحضوا كتاب اللّٰه، أكتاب غير كتاب اللّٰه، امحضوا أو خلصوه». قال: فجعلنا ما كتبنا في صعيد واحد ثمّ أحرقناه بالنار».(4)ثمّ إنّ القوم لم يكتفوا بما نسبوه إلى النبي في مجال كتابة الحديث، بل ذكروا هناك أحاديث موقوفة على الصحابة والتابعين تنتهي إلى الشخصيات البارزة: كأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري، وعبد اللّٰه بن مسعود، وأبي هريرة، وعبد اللّٰه بن عباس، وعبد اللّٰه بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وعبيدة، وإدريس بن أبي إدريس، ومغيرة بن إبراهيم، إلى غير ذلك.(5)
وروى عروة بن الزبير أنّ عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير اللّٰه فيها شهراً، ثمّ أصبح يوماً و قد عزم اللّٰه له، فقال: إنّي كنت أردت أن أكتب السنن، وإنّي ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبّوا عليها وتركوا كتاب اللّٰه، وإنّي واللّٰه لا ألبس كتاب اللّٰه بشيء أبداً.(1)وروى ابن جرير أنّ الخليفة عمر بن الخطاب كان كلّما أرسل حاكماً أو والياً إلى قطر أو بلد، يوصيه في جملة ما يوصيه: جرّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن محمّد وأنا شريككم.(2)وكان عمر قد شيع قرظة بن كعب الأنصاري ومن معه إلى «صرار» على ثلاثة أميال من المدينة، وأظهر لهم أنّ مشايعته لهم إنّما كانت لأجل الوصية بهذا الأمر، وقال لهم ذلك القول.
قال قرظة بن كعب الأنصاري: أردنا الكوفة، فشيّعنا عمر إلى «صرار» فتوضأ فغسل مرتين، وقال: تدرون لم شيعتكم؟ فقلنا: نعم، نحن أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فقال: إنّكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل، فلا تصدّوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جرّدوا القرآن، وأقلّوا الرواية عن رسول اللّٰه، وامضوا وأنا شريككم.(3)وقد حفظ التاريخ أنّ الخليفة قال لأبي ذر، وعبد اللّٰه بن مسعود، وأبي الدرداء: ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد؟(4)
وذكر الخطيب في «تقييد العلم» عن القاسم بن محمد: أنّ عمر بن الخطاب بلغه أنّ في أيدي الناس كتباً، فاستنكرها وكرهها، وقال: أيّها الناس إنّه قد بلغني أنّه قد ظهرت في أيديكم كتب، فأحبها إلى اللّٰه، أعدلها وأقومها، فلا يبقين أحد عنده كتاب إلّاأتاني به فأرى فيه رأيي. قال فظنوا أنّه يريد ينظر فيها ويقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم، فأحرقها بالنار ثمّ قال: أمنية كأمنية أهل الكتاب.(1)وقد صار عمل الخليفتين سنّة، فمشى عثمان مشيهما، ولكن بصورة محدودة وقال على المنبر: لا يحل لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا عهد عمر.(2)كما أنّ معاوية اتبع طريقة الخلفاء الثلاث فخطب وقال: يا ناس أقلّوا الرواية عن رسول اللّٰه وإن كنتم تتحدّثون فتحدّثوا بما كان يتحدّث به في عهد عمر.(3)حتى أنّ عبيد اللّٰه بن زياد عامل يزيد بن معاوية على الكوفة، نهى زيد بن أرقم الصحابي عن التحدّث بأحاديث رسول اللّٰه.(4)وبذلك أصبح ترك كتابة الحديث سنّة إسلامية، وعدّت الكتابة شيئاً منكراً مخالفاً لها.
هذه هي بعض الأقاويل التي رواها أصحاب الصحاح والسنن، وفي
نفس الوقت نقلوا أحاديث تناقضها وتأمر بكتابة الحديث والسنّة كما ستوافيك.
كيف يسمح العقل والمنطق أن يحكم بصحّة الأحاديث الناهية عن الكتابة، مع أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أمر في أُخريات حياته أن يحضروا له قلماً ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً! وما كان المكتوب (على فرض كتابته) إلّاحديثاً من أحاديثه، فقد روى البخاري عن ابن عباس أنّه قال: لمّا اشتدّ بالنبي وجعه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده، قال عمر: إنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم غلبه الوجع وعندنا كتاب اللّٰه حسبنا.
فاختلفوا وكثر اللغط قال: «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: الرزية كلّ الرزية ماحال بين رسول اللّٰه وبين كتابه.(1)أفهل يجتمع هذا الأمر مع النهي عن تدوينه؟!
ثمّ إنّنا نرى أنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بعث كتباً إلى الملوك والساسة والأُمراء والسلاطين وشيوخ القبائل ورؤسائها ناهز عددها ثلاثمائة كتاب في طريق الدعوة والتبليغ أو حول العهود والمواثيق وقد حفظ التاريخ متون هذه الرسائل التي جمع بعضها نخبة مع المحقّقين في كتب خاصة.(2)والتاريخ يصرح بأنّ الرسول صلى الله عليه و آله و سلم كان يملي والكاتب يكتب، فلما
ازدادت الحاجة وكثرت العلاقات الاجتماعية أصبحت الحاجة إلى كتّاب يمارسون عملهم، فأدّى ذلك إلى كثرة الكتّاب فجعل لكلّ عمل كاتباً، ولكلّ كاتب راتباً معيناً. وقد كان أكثرهم كتابة، علي بن أبي طالب صلوات وسلامه عليه، فقد كان يكتب الوحي وغيره من العهود والمصالحات، وقد أنهى المؤرخون كتّابه صلى الله عليه و آله و سلم إلى سبعة عشر كاتباً.
فهل يجوز أن يكتب الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم هذه المكاتبات والعهود والمصالحات إلى بطون القبائل ورؤساء العشائر وهو يعلم أنّهم يحتفظون بهذه المكاتبات بحجّة أنّها من أوثق الوثائق السياسية والدينية، ثمّ ينهى عن تسطير كلامه وحديثه؟ فما هذان إلاّنقيضان لا يجتمعان.
ومع ذلك كلّه فقد غلبت الغايات السياسية على الأهداف الدينية وقامت بكلّ قوة أمام حديث النبي ونشره وكتابته، حتّى أنّ الخليفة أبا بكر أحرق في خلافته خمسمائة حديث كتبه عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.(1)و لمّا قام عمر بعده بالخلافة نهى عن كتابة الحديث وكتب إلى الآفاق: أنّ من كتب حديثاً فليمحه.(2)ثمّ نهى عن التحدّث، فتركت عدّة من الصحابة الحديث عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم(3)فلم يكتب الحديث ولم يدوّن إلاّ في عهد المنصور عام 143 ه كما سيوافيك بيانه.
وقد بلغت جسارة قريش على ساحة النبي الأقدس أن منعوا عبد اللّٰه بن عمرو عن الاهتمام بحديث النبي وكتابته مدّعين بأنّه بشر يغضب(1). أي واللّٰه إنّه بشر يرضى ويغضب، ولكن لا يرضى ولا يغضب إلاّ من حقّ ولا يصدر إلاّ عنه.
إنّ الرزية الكبرى هي أن يمنع التحدّث بحديث رسوله وكتابته وتدوينه، ويحلّ محله التحدّث عن العهد القديم والجديد وعن الأحاديث الإسرائيلية والمسيحية والمجوسية(2)، فتمتلئ الأذهان والصدور بالقصص الخرافية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة ولا يصدقها العقل والمنطق كما سيمر عليك شرح تلك الفاجعة العظمى التي ألمت بالإسلام والمسلمين.
فلو صحّ ما نقل عن أبي هريرة من جمع ما كتبه الصحابة عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم في مكان واحد وحرقه بالنار، لوجب على المسلمين كافة أن يجمعوا كلّ مصادر أحاديث الرسول صلى الله عليه و آله و سلم وعلى رأسها صحيح البخاري وصحيح مسلم وحرقها في مكان واحد وذلك اقتداء بالسلف الصالح!! وإذا صحّ فهل يبقى من الإسلام ما يرجع إليه في فهم القرآن الكريم وتمييز الحلال عن الحرام؟
والذي أظنّه - وظن الألمعي صواب - أنّ الذي منع من تدوين الحديث ونشره ومدارسته وكتابته بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، هو الذي منع كتابة الصحيفة
يوم الخميس عند احتضار النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فالغاية بداية ونهاية وقبل رحلته صلى الله عليه و آله و سلم وبعدها واحدة لم تتغير، وأمّا حقيقة تلك الغاية فتفصيلها موكول إلى آونة أُخرى، نأتي هنا بمجملها:
كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم منذ أن صدع بالدعوة، وأجهر بها، ينص على فضائل علي ومناقبه في مناسبات شتّى، فقد عرّفه في يوم الدار الذي ضم فيه أكابر بني هاشم وشيوخهم، بقوله: «إنّ هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا».
وفي يوم الأحزاب بقوله: «ضربة علي يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين».
وفي اليوم الذي غادر فيه المدينة متوجهاً إلى تبوك، وقد ترك علياً خليفته على المدينة، عرّفه بقوله: «أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي».
إلى أن عرّفه في حجّة الوداع في غديرخم بقوله: «من كنت مولاه، فهذا عليٌّ مولاه».(1)وغير ذلك من المناقب والفضائل المتواترة، وقد سمعها كثير من الصحابة فوعوها.
فكتابة حديث رسول اللّٰه بمعناها الحقيقي، لا تنفك عن ضبط ما أثر
1) . سيوافيك مصادر هذه الأحاديث عند البحث عن عقيدة الشيعة، و من أراد الوقوف فليرجع إلى كتب المناقب للإمام علي عليه السلام.
عنه صلى الله عليه و آله و سلم في حقّ أوّل المؤمنين به، وأخلص المناصرين له في المواقف الحاسمة، وليس هذا شيئاً يلائم شؤون الخلافة التي تقلّدها المانع عن الكتابة.
وهناك وجه آخر للمنع عنها، هو أنّ عليّاً كان أحد المهتمين بكتابة حديث رسول اللّٰه وضبطه كما كان مولعاً بضبط الوحي وكتابته. وقد كتب من أحاديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ما أملى عليه فصار له أُذناً واعية، وهو عليه السلام بالنسبة إلى رسول اللّٰه كما قال هو نفسه: «إنّي كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكتُّ ابتدأني»(1). وهو أوّل من ألّف أحاديث رسول اللّٰه وكتب، وهذه منقبة عالية لأمير المؤمنين دون غيره، إلاّ أقلّ القليل. فاهتم مخالفوه بإخفاء هذه الفضيلة، باختلاق حديث منع الكتابة، فروى مسلم وغيره عنه صلى الله عليه و آله و سلم: «لا تكتبوا عنّي سوى القرآن، ومن كتب فليمحه»(2)وكانت الغاية من تلك المقالة، الطمس على ما كتبه علي عليه السلام من الأحاديث.
على أنّهم لم يكتفوا بذلك، فرووا عن علي أنّه قال: «واللّٰه ما عندنا كتاب نقرؤه عليكم إلّاكتاب اللّٰه تعالى وهذه الصحيفة أعطاينها رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فيها فرائض الصدقة، قال الصحيفة معلّقة في سيفه».(3)وروى البخاري عن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي: هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلّاكتاب اللّٰه، أو فهم أعطيه رجل مسلم أو ما في هذه الصحيفة، قال:
قلت: فما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر.(1)مع أنّ الكتاب الذي كتبه علي بإملاء رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، كتاب كبير رآه أئمة الشيعة، وهو من مواريث النبوة وكان مشتملاً على أحاديث فقهية، وغيرها. وقد نقل عنه مشايخنا المحدّثون الأُول في جوامعهم، ولو صحّ وجود كتاب في قراب سيفه، فهو لا يمت إلى هذا الكتاب بصلة.
وقد قام زميلنا العلاّمة الحجّة الشيخ علي الأحمدي، بجمع ما روى الأئمّة عن هذا الكتاب من الأحاديث في موسوعته، وأخرجها من الكتب الأربعة، والجامع الأخير وسائل الشيعة.(2)إنّ الخسائر التي مني الإسلام والمسلمون بها من جراء مثل هذا المنع، كائناً ما كان سببه، كانت وما تزال عظيمة ووخيمة، وسنشير إلى بعضها في محلها إن شاء اللّٰه تعالى.
إذا كان المنع من كتابة السنّة أمراً عجيباً، فتبرير هذا المنع بأنّه كان لصيانة اختلاط الحديث بالقرآن الكريم أعجب منه، وذلك لأنّ التبرير هذا أشبه بالاعتذار الأقبح من الذنب، لأنّ القرآن الكريم في أُسلوبه وبلاغته يغاير أُسلوب الحديث وبلاغته، فلا يخاف عليه من الاختلاط بالقرآن مهما
بلغ من الفصاحة، فقبول هذا التبرير يلازم إبطال إعجاز القرآن الكريم وهدم أُصوله من القواعد.
ومثله، الأعذار المنحوتة الأُخرى لتبرير هذا المنع، كخوف الانكباب على دراسة غير القرآن، الذي نسب إلى الخليفة عمر بن الخطاب على ما مرّ، غير أنّ مرور الزمان أثبت خلاف تلك الفكرة، لأنّ كتابة الحديث من عصر المنصور لم تؤثر في دراسة القرآن وحفظه وتعليمه وتعلّمه. وهناك أعذار منحوتة أُخرى لا تقصر في البطلان عن سابقيها ولم تخطر ببال المانع أو المانعين أبداً، وإنّما هي وليدة «حبّ الشيء الذي يعمي ويصم» بعد لأي من الدهر، والهدف منه هو إسدال العذر على العمل السيء، أعاذنا اللّٰه منه.
وقد نحت الخطيب البغدادي مثل هذه الأعذار، وقال: قد ثبت أنّ كراهة من كره الكتابة من الصدر الأوّل، إنّما هي لئلا يضاهى بكتاب اللّٰه تعالى غيره، أو يشتغل عن القرآن بسواه. ونهى عن الكتب القديمة أن تتخذ، لأنّه لا يعرف حقّها من باطلها، وصحيحها من فاسدها. مع أنّ القرآن كفى منها، وصار مهيمناً عليها، ونهى عن كتب العلم في صدر الإسلام وجدته، لقلّة الفقهاء في ذلك الوقت، والمميزين بين الوحي وغيره، لأنّ أكثر الأعراب لم يكونوا فقهوا في الدين، ولا جالسوا العلماء العارفين، فلم يؤمن أن يلحقوا ما يجدون من الصحف بالقرآن. ويعتقدوا أنّ ما اشتملت عليه كلام الرحمن.(1)وقد استمر المنع من تدوين الحديث إلى عهد الخليفة الأموي عمر
1) . تقييد العلم: 57.
بن عبد العزيز (99-101 ه) فأحسّ بضرورة تدوين الحديث، فكتب إلى أبي بكر بن حزم في المدينة: انظر ما كان من حديث رسول اللّٰه فاكتبه، فإنّي خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ أحاديث النبي، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتى يكون سراً.(1)ومع هذا الإصرار المؤكّد من الخليفة، صارت رواسب الحظر السابق المؤكّد من قبل الخلفاء الماضين حائلة دون القيام بما أمر به الخليفة، فلم يكتب شيء من أحاديث النبي صلى الله عليه و آله و سلم بعد صدور الأمر منه، إلاّ صحائف غير منظمة ولا مرتبة، إلى أن دالت دولة الأمويّين وقامت دولة العباسيّين، وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فقام المحدّثون في سنة مائة وثلاثة وأربعين بتدوين الحديث، وفي ذلك قال الذهبي:
وفي سنة مائة وثلاثة وأربعين شرع علماء الإسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنّف ابن جريج بمكة، ومالك الموطأ بالمدينة، والأوزاعي بالشام، وابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة وغيرهما في البصرة، ومعمر باليمن، وسفيان الثوري بالكوفة، وصنّف ابن إسحاق المغازي، وصنّف أبوحنيفة الفقه والرأي - إلى أن قال -: وقبل هذا العصر كان الأئمّة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة.(2)
ومعنى هذا، أنّ العالم الإسلامي اندفع فجأة بعد مضي 143 سنة من هجرة النبي صلى الله عليه و آله و سلم نحو هذا الأمر، فاشتغل العلماء بجمع الأحاديث والفقه وتدوينهما، وأُلّفت كتب كثيرة في هذا المجال، واستمرت تلك الحركة إلى حدود سنة 250 ه، فجمعت أحاديث كثيرة، و دُوّنت العقائد على طبق الأحاديث المضبوطة، فإذا كان هذا هو تاريخ الحديث وتدوينه وانتشاره، يتبيّن للقارئ بسهولة أنّ حديثاً لم يكتب طوال قرن ونصفه كيف تكون حاله مع أعدائه الذين كانوا له بالمرصاد، وكانوا يكذبون عليه بما يقدرون، وينشرون كل غث وسمين باسم الدين وباسم الرسول، كما سيوافيك بيانه، وما قيمة العقائد التي دونت على أساس تلك الأحاديث؟!!
نحن لا ننكر أنّ العلماء والمحدّثين قاموا بوظيفتهم وواجبهم الديني تجاه السنّة النبوية، وكابدوا وتحملوا المشاق في استخراج الصحيح من السقيم، لكن العثور على الصحيح بعد هذه الحيلولة الطويلة، من أشقّ المشاكل وأصعب الأُمور.
وبسبب هذه الحيلولة كلّما بعد الناس عن عصر الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ازداد عدد الأحاديث، حتى أخرج محمد بن إسماعيل البخاري صحيحه عن ستمائة ألف (600,000) حديث، ولأجل ذلك نرى أنّ هرم الأحاديث يتصل بزمن النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وقاعدة ذلك الهرم تنتهي إلى القرون المتأخّرة، فكلّما قربنا من زمن النبي صلى الله عليه و آله و سلم نجد الحديث قليلاً، والعكس بالعكس. وهذا يدّل على أنّ الأحاديث ازدادت حسب وضع الوضّاعين وكذب الكذّابين.
وسبب آخر يوجب تمحيص ما ورد في كتب السلف، ونقده نقداً دقيقاً على الطريقة العلمية، أن أقدمها، كتب بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله و سلم بمائة سنة أو أكثر، وبعد أن فشت في الدولة الإسلامية دعايات سياسية وغير سياسية. كان اختلاق الروايات والأحاديث بعض وسائلها إلى الذيوع والغلب، فما بالك بالمتأخر ممّا كتب في أشد أزمان التقلقل والاضطراب؟ وقد كانت المنازعات السياسية سبباً فيما لقيه الذين جمعوا الحديث ونفوا زيفه و دوّنوا ما اعتقدوه صحيحاً منه، من جهد وعنت أدى إليهما حرص هؤلاء الجامعين على الدقة في التمحيص حرصاً لا يتطرق إليه ريب. ويكفي أن يذكر الإنسان ما كابده البخاري من مشاق وأسفار في مختلف أقطار الدولة الإسلامية لجمع الحديث وتمحيصه، وما رواه بعد ذلك من أنّه ألفى الأحاديث المتداولة تربو على ستمائة ألف حديث لم يصح منها أكثر من أربعة آلاف. وهذا معناه أنّه لم يصح لديه من كلّ مائة وخمسين حديثاً إلّاحديث واحد.
أمّا أبو داود فلم يصحّ لديه من خمسمائة ألف حديث غير أربعة آلاف وثمانمائة، وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الحديث. وكثير من هذه
الأحاديث التي صحت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم من العلماء، انتهى بهم إلى نفي كثير منها، كما كان الشأن في مسألة الغرانيق. فإذا كان ذلك شأن الحديث، وقد جهد فيه جامعوه الأوّلون ما جهدوا، فما بالك بما ورد في المتأخر من كتب السيرة؟ وكيف يستطاع الأخذ به دون التدقيق العلمي في تمحيصه.
والواقع أنّ المنازعات السياسية التي حدثت بعد الصدر الأوّل من الإسلام أدت إلى اختلاق كثير من الروايات والأحاديث تأييداً لها. فلم يكن الحديث قد دون إلى عهد متأخر من عصر الأمويين. وقد أمر عمر بن عبد العزيز بجمعه، ثمّ لم يجمع إلاّ في عهد المأمون، بعد أن أصبح «الحديث الصحيح في الحديث الكذب، كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود» على قول الدارقطني.(1)2. وهناك كلمة أُخرى للعلاّمة الأميني قال: ويعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمّة الحديث أخبار تأليفهم الصحاح والمسانيد من أحاديث كثيرة هائلة، والصفح عن ذلك الهوش الهائش. قد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديث وقال: انتخبته من خمسمائة ألف حديث.(2)ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار ألفي حديث
وسبعمائة وواحداً وستين حديثاً اختارها من زهاء ستمائة ألف حديث.(1)وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث أصول، دون المكررات صنّفها من ثلاثمائة ألف.(2)وذكر أحمد بن حنبل في مسنده ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبها من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث، وكان يحفظ ألف ألف حديث.(3)وكتب أحمد بن الفرات (المتوفّى 258 ه) ألف ألف وخمسمائة ألف حديث، فأخذ من ذلك ثلاثمائة ألف في التفسير والأحكام والفوائد وغيرها.(4)هذا كلام إجمالي عن الحديث، والتفصيل في تاريخ الحديث وتطوره يترك إلى الكتب المختصة بذلك، غير أنّ الذي نركز القول عليه هو الآثار السلبية التي خلفها هذا المنع في المجتمع الإسلامي يوم ذاك، حتى يقف القارئ على علل تكوّن المذاهب وتشعب الفرق، وإنّ من الآثار المهمة حرمان الأُمّة عن السنّة النبوية الصحيحة قرابة قرن ونصف، وعول الأحاديث حسب جعل الوضّاعين والكذّابين، وبالتالي تكوّن العقائد والمذاهب وفقها.
لقد خسر الإسلام والمسلمون من جرّاء حظر تدوين الحديث ونشره خسارة عظمى، لا يمكن تحديدها بالأرقام والأعداد. كيف؟! وقد انتشرت الفوضى في العقائد، والأعمال، والأخلاق، والآداب، وصميم الدين، ولباب الأُصول، كنتيجة لهذا المنع، لأنّ الفراغ الذي خلفه هذا العمل، أوجد أرضية مناسبة لظهور بدع يهودية، وسخافات مسيحية، وأساطير مجوسية، خاصة من ناحية كهنة اليهود، ورهبان النصارى، الذين افتعلوا أحاديث كثيرة ونسبوها إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كما افتعلوا على لسان النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم الأساطير، وقد وقف على ذلك عدة من الأجلّة:
1) . الملل والنحل: 117/1.
كلّ ملّة ودين، وكانت الزندقة والتعطيل في قريش، والمزدكية والمجوسية في تميم، واليهودية والنصرانية في غسان، والشرك وعبادة الأوثان في سائرهم.(1)3. نعم كان لليهود المتظاهرين بالإسلام دور كبير في بثّ هذه العقائد، يقول الكوثري: إنّ عدّة من أحبار اليهود ورهبان النصارى ومؤابذة المجوس أظهروا الإسلام في عهد الراشدين ثمّ أخذوا بعدهم في بثّ ما عندهم من الأساطير.(2)4. قال ابن خلدون، عندما تكلّم عن التفسير النقلي وأنّه كان يشتمل على الغث والسمين والمردود: والسبب في ذلك أنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم، وإنّما غلبت عليهم البداوة والأُمّية. وإذا تشوقوا إلى معرفة شيء ممّا تتشوّق إليه النفوس البشرية في أسباب المكونات وبدء الخليقة، وأسرار الوجود، فإنّما يسألون عنه أهل الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم، وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى،... مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد اللّٰه بن سلام وأمثالهم، فامتلأت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهل المفسرون في مثل ذلك، وملأوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلها كما قلنا من التوراة أو ممّا كانوا يفترون.(3)5. قال الإمام محمد عبده: قد وضع الزنادقة اللابسون لباس الإسلام
غشاً ونفاقاً وقصدهم بذلك إفساد الدين، وإيقاع الخلاف والافتراق في المسلمين. وقال حماد بن زيد: وضعت الزنادقة أربعة عشر ألف حديث وهذا بحسب ما وصل إليه علمه واختباره في كشف كذبها، وإلّا فقد نقل المحدّثون أنّ زنديقاً واحداً وضع هذا المقدار. قالوا: لما أخذ ابن أبي العوجاء ليضرب عنقه، قال وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أُحرّم فيها الحلال و أُحلّ الحرام.(1)وابن أبي العوجاء هو ربيب حمّاد بن سلمة المحدّث الشهير الذي ينقل الذهبي عن ابن الثلجي قال: سمعت عباد بن صهيب يقول: إنّ حمّاداً كان لا يحفظ وكانوا يقولون إنّها دسّت في كتبه. وقد قيل: إنّ ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدسّ في كتبه.(2)6. قال السيد المرتضى: لما قبض محمد بن سليمان، وهو والي الكوفة من قبل المنصور، عبد الكريم بن أبي العوجاء وأحضره للقتل وأيقن بمفارقة الحياة قال: لئن قتلتموني فقد وضعت في أحاديثكم أربعة آلاف حديث مكذوبة.(3)7. يقول ابن الجوزي: إنّ عبد الكريم كان ربيباً لحمّاد بن سلمة وقد دسّ في كتب حمّاد بن سلمة.(4)
نرى أنّ المحدّثين يروون باسنادهم عن حمّاد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعاً: رأيت ربي جعداً أمرد عليه حلّة خضراء.
وفي رواية أُخرى: إنّ محمّداً رأى ربّه في صورة شاب أمرد، دونه ستر من لؤلؤ قدميه أو رجليه في خضرة.(1)8. وقال الشيخ محمد زاهد الكوثري المصري في تقديمه على كتاب «الأسماء والصفات» للحافظ أبي بكر البيهقي: إنّ مرويات حمّاد بن سلمة في الصفات، تجدها تحتوي على كثير من الأخبار التافهة تتناقلها الرواة طبقة عن طبقة، مع أنّه قد تزوج نحو مائة امرأة، من غير أن يولد له ولد منهن، وقد فعل هذا الزواج والنكاح فعله، بحيث أصبح في غير حديث «ثابت البناني» لا يميز بين مروياته الأصليّة وبين ما دسّه في كتبه ربيبه ابن أبي العوجاء، وربيبه الآخر زيد المدعو ب «ابن حمّاد»، فضلّ بمروياته الباطلة كثير من البسطاء. ويجد المطالع الكريم نماذج شتّى من أخباره الواهية في باب التوحيد من كتب الموضوعات المبسوطة وفي كتب الرجال، وفعلت مرويات نعيم بن حماد مثل ذلك، بل تحمّسه البالغ أدّى به إلى التجسيم، كما وقع ذلك لشيخ شيخه مقاتل بن سليمان، وتجد آثار الضرر الوبيل في مروياتهما في كتب الرواة الذين كانوا يتقلّدونها من غير معرفة منهم لما هنالك، فدونك كتاب «الاستقامة» لخشيش بن أصرم، والكتب التي تسمّى ب «السنّة» لعبد اللّٰه (ابن أحمد بن حنبل) وللخلال، و
1) . ميزان الاعتدال: 593/1-594، وهذه الأساطير المزخرفة من مفتعلات الزنادقة نظراء: ابن أبي العوجاء دسّوها في كتب المحدّثين الإسلاميين، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون.
«التوحيد» لابن خزيمة وغيرهم ممّا تجد فيها ما ينبذه الشرع والعقل، ولا سيما كتاب «النقض» لعثمان بن سعيد الدارمي السجزيّ المجسّم فإنّه أوّل من اجترأ بالقول «إنّ اللّٰه لو شاء لاستقرّ على ظهر بعوضة فاستقلّت به بقدرته فكيف على عرش عظيم» هذا بعض ما لعب به أعداء الإسلام في أُصول الدين.(1)ولا يقصر عنها كتاب «العلو» للذهبي.
أو ليس ذلك الاستغلال والسيطرة على عقول المسلمين، هو نتيجة أُمور، منها: المنع من التحدّث عن الرسول، وفسح المجال لأبناء أهل الكتاب، حتى يتمكّنوا من نشر الكلم الباطل، ويمزقوا أُصول الإسلام وفروعه؟ والعجب أنّ التفاسير إلى يومنا هذا مكتظة بأقوالهم و أحاديثهم، ولها من القيمة عند قرّائها مكان.
قيل للأعمش: ما بال تفسير مجاهد مخالف؟ أو شيء نحوه قال: أخذه من أهل الكتاب ويكفي في ذلك أنّ مجاهداً الآخذ منهم فسر قوله تعالى: «عَسىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقٰاماً مَحْمُوداً» قال: يجلسه معه على العرش.
وأمّا عطاء، فقد قال أحمد: ليس في المراسيل أضعف من مراسيل الحسن وعطاء، كانا يأخذان عن كلّ أحد.
وقال النسائي: وأمّا مقاتل بن سليمان كان يكذب، وعن يحيى قال: حديثه ليس بشيء، وقال ابن حبان: كان يأخذ من اليهود والنصارى من علم القرآن الذي يوافق كتبهم.(1)
1) . آلاء الرحمن: 46/1، نقلاً عن الذهبي.
وأمّا الخرافات والأساطير في تفسير الكون وبدء الخليقة وأحوال الأُمم الماضية فحدث عنها ولا حرج، فقد ملأوا الصدور والطوامير وتأثّرت بهم طبقات من المسلمين، ممّن كتبوا حول المواضيع السالفة.
يقول الدكتور علي سامي النشار: إنّ الحديث كان معتركاً متلاحماً وبحراً خضماً لا يعرف السالك فيه موطن الأمان ولذلك قام أهل الحديث بمجهود رائع في محض الأحاديث وتوضيح الصادق والكاذب منها عن طريق الرواية وفيها السند، وعن طريق الدراية وفيها النقد الباطني للنصوص، ولذلك أنشأوا علم مصطلح الحديث.(1)يلاحظ عليه: أنّ جهود أهل الحديث غير منكرة، ولكنّها لم تكن على وجه تقلع الموضوعات عن كتب الحديث وموسوعاتهم لأنّ القائمين بهذا الأمر كانوا متأثرين بها، ولأجل ذلك تجد أحاديث التشبيه والتجسيم والجبر والرؤية وعصيان الأنبياء مبثوثة في الصحاح والمسانيد، وسيمرّ عليك بعضها في هذا الجزء.
ولعل القارئ الكريم يحسب أنّ هذه الكلمات الصادرة من أساتذة الفن، ورجال التحقيق في الملل والنحل، صدرت من غير تحقيق وتدقيق، إلّاأنّ المراجع للكتب الرجالية، يقف على صدق المقال، ويكتشف أنّه كان هناك رجال يتظاهرون بالإسلام - و في الوقت نفسه - يبثّون ما لديهم من الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات، تحت غطاء هذا التظاهر، وإليك نزراً من تاريخ بعض هؤلاء الرجال:
1) . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: 286/1، الطبعة السابعة.
هو كعب بن ماتع الحميري، قالوا: هو من أوعية العلم ومن كبار علماء أهل الكتاب، أسلم في زمن أبي بكر، وقدم من اليمن في خلافة عمر، فأخذ عنه الصحابة وغيرهم، وأخذ هو من الكتاب والسنّة عن الصحابة، وتوفّي في خلافة عثمان، وروى عنه جماعة من التابعين، وله شيء في صحيح البخاري وغيره.
قال الذهبي: العلاّمة الحبر الذي كان يهودياً فأسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر، فجالس أصحاب محمد فكان يحدّثهم عن الكتب الإسرائيلية ويحفظ عجائب.
إلى أن قال: حدّث عنه أبو هريرة ومعاوية وابن عباس، وذلك من قبيل رواية الصحابي عن التابعي وهو نادر عزيز، وحدّث عنه أيضاً أسلم مولى عمر وتبيع الحميري ابن امرأة كعب.
وروى عنه عدّة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلاً.
وقع له رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي.(1)
1) . سير أعلام النبلاء: 489/3 ولاحظ تفسير ابن كثير: 339/3 سورة النمل حيث قال: - بعد ما أورد طائفة من الأخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان -: والأقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقاة عن أهل الكتاب، ممّا وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب، سامحهما اللّٰه تعالى في ما نقلاه إلى هذه الأُمّة، من أخبار بني إسرائيل من الأوابد والغرائب والعجائب ممّا كان وما لم يكن، وممّاحرف وبدل ونسخ، وقد أغنانا اللّٰه سبحانه عن ذلك بما هو أصحّ منه وأنفع وأوضح وأبلغ.
ترى الذهبي أيضاً في كتابه «تذكرة الحفاظ» يعرفه بأنّه من أوعية العلم.(1)ومعنى ذلك أنّ الصحابة كانوا يعتقدون أنّه من محال العلم والفضل، ولهذا السبب أخذ عنه الصحابة وغيرهم. وعندئذٍ يسأل: إذا أخذ عنه الصحابة وغيرهم على أنّه من أوعية العلم، فما هو ذاك الذي أخذوه عنه؟ هل أخذوا عنه سوى الإسرائيليات المحرّفة والكاذبة؟ فإنّه لم يكن عنده - على فرض كونه صادقاً - سوى تلك الأساطير والقصص الموهومة. فهل تسعد أُمّة أخذت معالم دينها عن المحدّث اليهودي، المعتمد على الكتب المحرفة بنص القرآن الكريم؟! ولكن كما قلنا، هذا الفرض مبني على كونه صادقاً، أمّا إذا كان كاذباً فالخطب أفدح وأجل، ولا يقارن بشيء.
من يقرأ مروياته يقف على أنّه يركز على القول بأمرين: التجسيم والرؤية، وقد اتخذهما أهل الحديث والحنابلة من الآثار الصحيحة، فبنوا عليهما العقائد الإسلامية وكفروا المخالف، وإليك كلا الأمرين:
إنّ الأحاديث المنقولة عن ذلك الحبر اليهودي، تعرب بوضوح عن أنّه نشر بين الأُمّة الإسلامية فكرة التجسيم، التي هي من عقائد اليهود.
قال: إنّ اللّٰه تعالى نظر إلى الأرض فقال: إنّي واطئ على بعضك، فاستعلت إليه الجبال وتضعضعت له الصخرة، فشكر لها ذلك فوضع عليها قدمه، فقال:
1) . تذكرة الحفاظ: 52/1.
هذا مقامي، ومحشر خلقي، وهذه جنتي وهذه ناري، وهذا موضع ميزاني، وأنا ديان الدين.(1)ففي هذه الكلمة من هذا الحبر، تصريح بتجسيمه سبحانه أوّلاً: وقد شاعت هذه النظرية بين أبناء الحديث والحشوية منهم؛ وثانياً:
التركيز على الصخرة التي هي مركز بيت المقدس؛ وثالثاً: أنّ الجنة والنار والميزان ستكون على هذه الأرض، ومركز سلطانها سيكون على الصخرة، وهذا من صميم الدين اليهودي المحرف.
ومن كلامه أيضاً: إنّ اللّٰه تعالى قسّم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد صلى الله عليه و آله و سلم.(2)وقد صار هذا النصّ وأمثاله مصدراً لتجويز فكرة رؤية اللّٰه سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، وبالأخص في الآخرة، وقد صارت هذه العقيدة اليهودية المحضة، إحدى الأُصول التي بني عليها مذهب أهل الحديث والأشاعرة.
ومن أعظم الدواهي، أنّ الرجل خدع عقول المسلمين وخلفائهم، فاتّخذوه واعظاً ومعلماً ومفتياً يفتيهم. وهنالك شواهد على ذلك:
قال ابن كثير: أسلم كعب في الدولة العمرية، وجعل يحدّث عمر عن كتبه قديماً، فربما استمع له عمر، فترخّص الناس في استماع ما عنده، ونقلوا ما عنده عنه غثّها وسمينها. وليس لهذه الأُمّة - و اللّٰه أعلم - حاجة إلى حرف و احد ممّا عنده.(1)إنّ لهذا الرجل أساليب عجيبة في اللعب بعقول المسلمين وخلفائهم، وإليك نماذج منها:
أ. قال كعب، لعمر بن الخطاب: إنّا نجدك شهيداً وإنّا نجدك إماماً عادلاً، ونجدك لا تخاف في اللّٰه لومة لائم. قال: هذا لا أخاف في اللّٰه لومة لائم فأنّى لي بالشهادة. (2)
ترى أنّه كيف يتزلّف إلى الخليفة، ويتنبّأ بشهادته وقتله في سبيل اللّٰه.
ب. نقل أبو نعيم أيضاً: أنّ كعباً مر بعمر، وهو يضرب رجلاً بالدرة. فقال كعب: على رسلك يا عمر، فوالذي نفسي بيده إنّه لمكتوب في التوراة، ويل لسلطان الأرض من سلطان السماء، ويل لحاكم الأرض من حاكم السماء؛ فقال عمر: إلاّ من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنّها لفي كتاب اللّٰه المنزل، ما بينهما حرف: إلاّ من حاسب نفسه.(2)
وهذه الجملة تعرب عن أنّ كعباً كان يتزلّف إلى عمر، حتى إنّه يقرأ عليه نصّ التوراة المحرف لتصديق كلامه.
ج. وروي أيضاً: أنّ عمر جلد رجلاً يوماً وعنده كعب، فقال الرجل حين وقع به السوط: سبحان اللّٰه، فقال عمر للجلاد: دعه فضحك كعب، فقال له: وما يضحكك، فقال: والذي نفسي بيده إنّ «سبحان اللّٰه» تخفيف من العذاب.(1)والكلمة هذه محاولة من الحبر اليهودي، لتوجيه عمل عمر، عندما أمر الجلاّد بترك المجلود.
وهذه الأُمور صارت سبباً لجلب عطف الخليفة، ففسح له التحدّث في عاصمة الوحي، وأوساط المسلمين.
ومنها: تزلّفه إلى عثمان
ومن الخطب الفادح، أنّه صار بأفانين مكره، موضع ثقة لعثمان ومفتياً له في الأحكام، يصدر الخليفة عن فتياه، ويعمل بقوله، وإليك ما يلي:
أ. ذكر المسعودي أنّه حضر أبو ذر، مجلس عثمان ذات يوم، فقال عثمان: أرأيتم من زكى ماله هل فيه حق لغيره؟ فقال كعب: لا يا أمير المؤمنين، فدفع أبو ذر في صدر كعب، وقال له: كذبت يا ابن اليهودي، ثمّ تلا: «لَيْسَ اَلْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ اَلْمَشْرِقِ وَ اَلْمَغْرِبِ وَ لٰكِنَّ اَلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ اَلْمَلاٰئِكَةِ وَ اَلْكِتٰابِ وَ اَلنَّبِيِّينَ وَ آتَى اَلْمٰالَ عَلىٰ حُبِّهِ
1) . حلية الأولياء: 389/5-390.
ذَوِي اَلْقُرْبىٰ وَ اَلْيَتٰامىٰ وَ اَلْمَسٰاكِينَ وَ اِبْنَ اَلسَّبِيلِ وَ اَلسّٰائِلِينَ وَ فِي اَلرِّقٰابِ وَ أَقٰامَ اَلصَّلاٰةَ وَ آتَى اَلزَّكٰاةَ وَ اَلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا».(1)فقال عثمان: أترون بأساً أن نأخذ مالاً من بيت مال المسلمين فننفقه في ما ينوبنا من أُمورنا ونعطيكموه؟ فقال كعب: لا بأس بذلك، فرفع أبو ذر العصا فدفع بها في صدر كعب وقال: يابن اليهودي ما أجرأك على القول في ديننا، فقال له عثمان: ما أكثر أذاك لي، غيّب وجهك عنّي فقد آذيتني.(2)ب. ونقل أيضاً: أُتي عثمان بتركة عبد الرحمن بن عوف الزهري من المال، فَنُضِدَ البدر، حتى حالت بين عثمان و بين الرجل القائل، فقال عثمان: إنّي لأرجو لعبد الرحمن خيراً، لأنّه كان يتصدّق، ويقري الضيف، وترك ما ترون؛ فقال كعب الأحبار: صدقت يا أمير المؤمنين، فشال أبوذر العصا فضرب بها رأس كعب، ولم يشغله ما كان فيه من الألم، وقال: يابن اليهودي تقول لرجل مات وترك هذا المال إنّ اللّٰه أعطاه خير الدنيا وخير الآخرة، وتقطع على اللّٰه بذلك، وأنا سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقول: «ما يسرني أن أموت وأدع ما يزن قيراطاً» فقال له عثمان: وار عنّي وجهك.(3)
نرى أنّ كعباً يتنبّأ بمولد النبي صلى الله عليه و آله و سلم وهجرته وملكه، فيقول: مولده بمكة، وهجرته بطيبة، وملكه بالشام.(4)
فماذا يريد كعب بقوله: وملكه بالشام؟ هل هو إلاّ تزلف إلى معاوية، وأنّه يريد أن يقول: إن ملك النبي لن يستقر إلاّ فيها؟ وقد كان معاوية يمهد وسائل الملك لنفسه بالشام.
وقال أيضاً: إنّ أوّل هذه الأُمّة نبوة ورحمة، ثمّ خلافة ورحمة، ثمّ سلطان ورحمة، ثمّ ملك وجبرية، فإذا كان ذلك، فإنّ بطن الأرض يومئذٍ خير من ظهرها.(1)فترى أنّه يتنبّأ بالسلطنة ويعدّها رحمة، وهذا المضمون انتشر في الصحاح والمسانيد بكثرة، وقد روى الترمذي، قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة ثمّ ملك بعد ذلك».(2)و روى أبو داود قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «خلافة النبوّة ثلاثون سنة ثم يؤتي اللّٰه الملك من يشاء».(3)وسيوافيك أنّه أخذ منه أبو هريرة، ولأجل ذلك نرى تلك الفكرة - فكرة الملك - جاءت في روايات أبي هريرة، قال: الخلافة بالمدينة والملك بالشام.(4)وقد أخذ عن ذلك الحبر الماكر عدة من الصحابة كابن عباس وأبي هريرة، ومعاوية وغيرهم.(5)
قال الذهبي: توفي في خلافة عثمان(1). وقال أبو نعيم في حلية الأولياء إنّه توفّي كعب قبل مقتل عثمان بسنة (2). وعلى ذلك توفّي عام 34 ه.
وقال ابن الأثير في حوادث سنة 34 ه: ففي هذه السنة توفّي كعب الأحبار.(2) نعم توفّي في ذاك العام، لكن بعد ما ملأ المجتمع الإسلامي بأساطير، وقصص، وعقائد إسرائيلية، حسبها السذّج من المحدّثين أنّها حقائق راهنة، فنقلوها ناسبين لها إلى كعب تارة، وإلى النبي الأعظم أُخرى، وعليها بنيت العقائد وانتظمت الأُصول، ومن تفحّص في كتب الحديث والتفسير والتاريخ، يقف بوضوح على أنّ كثيراً من المحدّثين والمفسرين والمؤرّخين، اعتمدوا على أقواله ومروياته من دون أي غمز وطعن أو تردد وشك، وهذا من عجائب الأُمور وغرائبها.
هذا غيض من فيض، وقليل من كثير من روايات ذلك الرجل وتسويلاته. فمن أراد الوقوف على أحواله وأقواله وما بثّ بين المسلمين من أساطير وقصص إسرائيلية، فليرجع إلى المصادر المذكورة.(3)
1) . تذكرة الحفاظ: 2.52/1. حلية الأولياء: 45/6.
2) . الكامل في التاريخ: 77/3.
3) . الأعلام للزركلي: 228/5؛ تذكرة الحفاظ: 52/1؛ سير أعلام النبلاء: 489/3-494؛ حلية الأولياء: 364/5 و 1/6-48؛ الإصابة: 186/1؛ النجوم الزاهرة: 9/1؛ الكامل: 177/3؛ شرح ابن أبي الحديد في أجزائه المختلفة: 54/3 و 77/4-147 و 265/8 و 22/10 و 81/12 و 191 و 36/18.
هذا وإنّ صاحب الثقافة المنحرفة يبثّ فكرته بين المجتمع في ظل دعامتين مؤثرتين:
الأُولى: يحاول الاتسام بالعلم، ويعرّف نفسه للمجتمع بأنّه عالم كبير، ومفكّر اجتماعي بلا منازع، حتى يتّخذ لنفسه من هذا الطريق مكاناً في القلوب تنعطف إليه النفوس وترتاح له.
الثانية: يحاول الاتّصال بأصحاب السلطة، حتى يتخذهم سناداً وعماداً في مقابل العواصف القارعة التي يثيرها صلحاء الأُمّة ومفكّروها الواقعيون.
فإذا تهيّأت لأصحاب الفكرة المنحرفة هاتان الدعامتان، سهل لهم النفوذ في عقول بسطاء الأُمّة، وتمكّنوا من نفث أفكارهم المسمومة في نفوسها، ولا تمر الأيام حتى تصبح أفكارهم حقيقة راهنة لا يمكن تجاوزها، ولا الدعوة على خلافها، بل تصير المخالفة لها ارتداداً عن الدين، وتشبّثاً بالباطل.
ومن عجائب الأُمور أنّ الأحبار والرهبان عندما تظاهروا بالإيمان ولما يدخل الإيمان في قلوبهم، هيمنوا على عقول المسلمين من خلال الأمرين المذكورين.
فمن جانب عرّفوا بأنّهم من أوعية العلم، وأنّ عندهم علوم الأوّلين والآخرين بتفصيلاتها، وأنّهم حفظة التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من الكتب السماوية.
ومن جانب آخر استعانوا بالحكم السائد، بحيث صاروا موضع ثقة عنده، يسمع لكلامهم ويصدر عن رأيهم.
عند ذلك أخذت الإسرائيليات والمسيحيات، مكان السنّة النبوية وصار نقلتها مصادر الحكم والفتيا، فأصبحت آراؤهم وأقوالهم مدارك الفقه وسناد التاريخ، ومعياراً للحقّ والباطل في العقائد، فيا لها من رزية عظمت، ويا لها من مصيبة كبرت.
هذا هو كعب الأحبار قد استعان في بث ثقافته (الثقافة اليهودية) بهاتين الدعامتين، فهلم معي ندرس حياة بعض زملائه، وسوف تقف على أنّ الخط الذي مشى عليه كعب، قد مشى عليه زملاؤه، وإليك البيان:
وقد ابتلي المسلمون بعد كعب الأحبار بكتابي آخر قد بلغ الغاية في بثّ الإسرائيليات بين المسلمين حول تاريخ الأنبياء والأُمم السالفة، وهو وهب بن منبه. قال الذهبي: ولد في آخر خلافة عثمان، كثير النقل عن كتب الإسرائيليات، توفّي سنة 114 ه، وقد ضعّفه الفلاس.(1)وقال في «تذكرة الحفاظ»: عالم أهل اليمن، ولد سنة أربع وثلاثين وعنده من علم أهل الكتاب شيء كثير، فإنّه صرف عنايته إلى ذلك وبالغ، وحديثه في الصحيحين عن أخيه همام.(2)
وترجمه أبو نعيم في حلية الأولياء ترجمة مفصلة استغرقت قرابة ستين صفحة، وبسط الكلام في نقل أقواله وكلماته القصار.(1)وقد خدع عقول الصحابة بأفانين المكر، حيث صار يعرّف نفسه بأنّه أعلم ممّن قبله ومن عاصره بقوله لبعض حضّار مجلسه: يقولون عبد اللّٰه بن سلام أعلم أهل زمانه، وكعب أعلم أهل زمانه، أفرأيت من جمع علمهما؟ يعني نفسه.(2)وقد تسنّم الرجل، منبر التحدّث عن الأنبياء والأُمم السالفة يوم كان نقل الحديث عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم ممنوعاً وأخذ بمجامع القلوب فأخذ عنه من أخذ، وكانت نتيجة ذلك التحدّث، انتشار الإسرائيليات حول حياة الأنبياء في العواصم الإسلامية، وقد دوّن ما ألقاه في مجلد واحد، أسماه في كشف الظنون «قصص الأبرار وقصص الأخيار».(3)
وليته اكتفى بهذا المقدار ولم يلعب بعقيدة المسلمين ولم ينشر نظرية الجبر التي لو ثبتت لما بقيت للشرائع دعامة، ويظهر من تاريخ حياته أنّه أحد المصادر لانتشار نظرية نفي الاختيار والمشيئة عن الإنسان، حتّى المشيئة الظلية التي لولاها لبطل التكليف ولغيت الشريعة.
روى حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: سمعنا وهب بن منبه قال:
كنت أقول بالقدر حتى قرأت بضعة وسبعين كتاباً من كتب الأنبياء في كلّها: من جعل لنفسه شيئاً من المشيئة فقد كفر، فتركت قولي.(1)والمراد من القدر في قوله: «كنت أقول بالقدر» ليس القول بتقدير اللّٰه سبحانه وقضائه، بل المراد هو القول بالاختيار والمشيئة للعبد كما يظهر من ذيل كلامه، وهذا النقل يعطي أنّ القول بنفي القدر والمشيئة للإنسان، قد تسرب إلى الأوساط الإسلامية، عن طريق هذه الجماعة وعن الكتب الإسرائيلية. أفيصح بعد هذا أن نعدّ القول بنفي المشيئة عقيدة جاء بها القرآن والسنّة النبوية، ونكفّر من قال بالمشيئة للإنسان ولو مشيئة ظلية تابعة لمشيئته سبحانه، ونقاتل في سبيل هذه العقيدة؟!
الإسرائيليات المبثوثة في كتب التفسير والحديث والتاريخ ترجع أُصولها إلى رجال الكنائس والبيع، وقد تعرّفت على اثنين منهم، وهما: كعب الأحبار ووهب بن منبه، وثالثهم هو تميم الداري وله دور كبير في بثّها حيث إنّه أوّل من تولى نشر هذه الأساطير، وقد حدّث عنه علماء الرجال والتراجم وأطبقوا على أنّه كان نصرانياً قدم المدينة فأسلم في سنة 9 هجرية، وله من الأوّليات أمران:
كان أوّل من أسرج في المسجد.
أوّل من قصّ بين المسلمين، واستأذن عمر أن يقصّ على الناس
1) . ميزان الاعتدال: 353/4.
قائماً، فأذن له.(1)وكان يسكن المدينة ثمّ انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان.(2)هذا ما اتّفقت عليه الكتب الرجالية، ويستنتج منها ما يلي:
إنّ الرجل كان قصّاصاً في المدينة يوم لم يكن هناك من يعارضه ويكافئه، وبما أنّ الرجل كان قد قضى شطراً من عمره بين الأحبار والرهبان، فمن الطبيعي أن يقوم بقص كلّ ما تعلّمه من أساتذته من الإسرائيليات والأساطير المسيحية وبثّها بين المسلمين، وهم يأخذونها منه زاعماً أنّها حقائق راهنة.
ومن المؤسف أنّ السياسة الحاكمة سمحت لهذا الكتابي الذي أسلم في أُخريات حياة الرسول بأن يتحدّث عن الأُمم السالفة والأنبياء السابقين. وفي الوقت نفسه منعت الحديث عن رسول اللّٰه ونشر كلامه وتدوينه، بحجة واهية قد تعرّفت عليها.
أو ليس النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» على ما رواه أبو هريرة حيث إنّه قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «لا تصدّقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا باللّٰه وما أُنزل إليكم».(3)وإذا كان النبي صلى الله عليه و آله و سلم أمرنا بعدم تصديق هؤلاء القصّاصين من أهل الكتاب، فما فائدة نقل هذه القصص وبثّها بين المسلمين وإتلاف عمر
الشباب والكهول بالاستماع إليها؟!
ولكن ابن عباس يقول أشد مما نقله أبو هريرة: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء؟ وكتابكم الذي أُنزل على رسول اللّٰه أحدث الكتب تقرأونه محضاً لم يشب، وقد حدّثكم أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب اللّٰه وغيّروه وكتبوا بأيديهم الكتاب وقالوا هو من عند اللّٰه ليشتروا به ثمناً قليلاً؟!
ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟! لا واللّٰه ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أُنزل إليكم.(1)إنّ ابن عباس الذي هو وليد البيت النبوي أعرف بسنّة النبي صلى الله عليه و آله و سلم من أبي هريرة، فهو ينهى عن السؤال والاستماع إلى كلماتهم بالمرة.
وبذلك يعلم أنّ ما أسند إلى النبي في المسانيد من القول: «حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج»(2)، إمّا موضوع، أو مؤوّل محمول على ما علم من صدق الكلام.
إذا كان كعب الأحبار و زميله وهب بن منبه والمتقدّم عليهما تميم الداري، هم القصّاصون في المجتمع الإسلامي والمتحدّثون عن التوراة والإنجيل، وكانت الصحابة ممنوعة عن التحدث عن النبي، فمن الطبيعي أن ينتشر في العواصم الإسلامية الأساطير الخرافية حتى ما يمس بكرامة
الأنبياء وكرامة النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم. وهذا البخاري ينقل في صحيحه عن أبي هريرة، قال: قال النبي: كلّ بني آدم يطعن الشيطان في جنبيه باصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب.(1)وقد نقله أحمد في مسنده باختلاف يسير. ومعنى هذا الحديث الذي ينقله عن ذلك الصحابي عن الرسول: أنّ الشيطان يطعن كلّ ابن آدم إلّا واحداً منه وهو عيسى بن مريم، وأمّا الأنبياء كموسى ونوح وإبراهيم وحتى خاتمهم، لم يسلموا من طعن الشيطان. أو ليس ذلك الحديث يخالف كتاب اللّٰه حيث يقول: «إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ، إِلاّٰ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ اَلْغٰاوِينَ»(2)؟!
فإذن، كيف يمكن أن يقول النبي ذلك و قدأُوحي إليه أنّه ليس للشيطان سلطان على عباد اللّٰه المخلصين(3)وخيرهم الأنبياء والمرسلون وفي مقدّمهم نبي العظمة؟! ومن المحتمل جداً أنّ هذا الخبر وصل إلى أبي هريرة من رواة عصره، نظراء كعب الأحبار أو زميله تميم الداري وأضرابهما وقد نسبوه إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم. إنّ هذا الحديث ونظائره أوجد مشاكل في الدين وأعطى حججاً بأيدي المخالفين حتى يهاجموا الرسول الأكرم والأنبياء، ويزعموا بأنّهم سقطوا في الخطيئة واقترفوا الآثام، إلّاعيسى بن مريم فإنّه أرفع من طبقة البشر وإنّه وحده قد استحقّ العصمة والصون من الآثام.
فهؤلاء المحدّثون لو فرض أنّهم صادقون في نيّاتهم، لكنّهم كالصديق الجاهل أضروا بالإسلام بنقل هذه القصص والأساطير وأيّدوا العدو بها وأتعبوا المسلمين من بعدهم.
إنّ لتميم الداري حديثاً معروفاً باسم حديث الجساسة، نقله مسلم في الجزء الثامن من صحيحه تجد فيه من الغرائب ما تندهش منها العقول.
روي عن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس - وكانت من المهاجرات الأُول -: سمعت نداء المنادي (منادي رسول اللّٰه) ينادي:
الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصلّيت مع رسول اللّٰه، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم، فلمّا قضى رسول اللّٰه صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزم كلّ إنسان مصلّاه.
ثمّ قال: أتدرون لم جمعتكم؟
قالوا: اللّٰه ورسوله أعلم.
قال: إنّي واللّٰه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأنّ تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدّثني حديثاً وافق الذي كنت أُحدثكم عن مسيح الدجال، حدّثني أنّه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثمّ أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة
فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟
فقالت: أنا الجسّاسة.
قالوا: وما الجسّاسة؟ قالت: أيّها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق.
قال: لما سمّت لنا رجلاً فزعنا منها أن تكون شيطانة. قال: فانطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟
قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟
قالوا: نحن أُناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً ثمّ أرفأنا إلى جزيرتك هذه، فجلسنا في أقربها، فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر. فقلنا: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجسّاسة. قلنا: وما الجسّاسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق، فأقبلنا إليك سراعاً وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة.
فقال: أخبروني عن نخل بيسان. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟
قلنا له: نعم. قال: أما إنّه يوشك أن لا يثمر.
قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية.
قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟
قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إنّ ماءها يوشك أن يذهب.
قال: أخبروني عن عين زغر. قالوا: عن أي شأنهاتستخبر؟
قال: هل في العين ماء، وهل يزرع أهلها بماء العين؟
قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها.
قال: أخبروني عن نبي الأُميّين ما فعل؟
قالوا: قد خرج من مكة ونزل يثرب.
قال: أقاتله العرب؟
قلنا: نعم.
قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنّه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه.
قال لهم: قد كان ذلك؟
قلنا: نعم. أما إنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه وإنّي مخبركم عنّي إنّي أنا المسيح وإنّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلّاهبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرّمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدني عنها، وإنّ على كل نقب منها ملائكة يحرسونها.
قالت: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة، يعني: المدينة، ألا هل كنت حدّثتكم ذلك؟
فقال الناس: نعم، فإنّه أعجبني حديث تميم إنّه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا إنّه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق، ما هو. وأومأ بيده إلى المشرق. قالت: فحفظت هذا من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.(1)وقد علّق المحقّق المصري أبو رية على هذا الحديث وقال: لعل علماء الجغرافية يبحثون عن هذه الجزيرة ويعرفون أين مكانها من الأرض، ثمّ يخبروننا حتى نرى ما فيها من الغرائب التي حدثنا بها سيدنا تميم الداري؟!!(2)وأعجب منه أن يحدث نبي العظمة الذي يقول سبحانه في حقّه: «وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كٰانَ فَضْلُ اَللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً».(3)عن تميمم الداري ويستشهد بكلام نصراني دخل في الإسلام حديثاً، ونعم ما قال شاعر المعرة: فيا موت زر إنّ الحياة ذميمة....
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي، ولاؤه لآل خالد بن أسيد الأموي، ولد سنة 80 وتوفّي عام 150، قال أحمد بن حنبل: كان من أوعية
العلم وهو وابن أبي عروبة أوّل من صنف الكتب، وقال عبد الرزاق: كان ابن جريج ثبتاً لكنّه يدس.(1)ونقل الذهبي أيضاً عن عبد اللّٰه بن حنبل قال: «إنّ بعض هذه الأحاديث الّتي كان يرسلها ابن جريج أحاديث موضوعة كان ابن جريج لا يبالي من أين يأخذها».(2)نعم، روى الكليني بسنده عن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا عبد اللّٰه عليه السلام عن المتعة فقال: «الق عبد الملك ابن جريج، فسله عنها، فإنّ عنده منها علماً، فلقيته، فأملى علي شيئاً كثيراً في استحلالها، وكان فيما روى لي فيها ابن جريج أنّه ليس فيها وقت ولا عدد، وإنّما هي بمنزلة الإماء، يتزوج منهن كم شاء، وصاحب الأربع نسوة يتزوج منهن ما شاء، بغير ولي ولا شهود، فإذا انقضى الأجل، بانت منه بغير طلاق، ويعطيها الشيء اليسير، وعدتها حيضتان، وإن كانت لا تحيض فخمسة وأربعون يوماً. قال: فأتيت بالكتاب أبا عبد اللّٰه عليه السلام، فقال: «صدق». وأقر به.(3)ولعلّ إرجاع الإمام عليه السلام سائله إليه، لأجل اعترافه بالحق في تلك المسألة، وليس هذا دليلاً على وثاقته مطلقاً.
إنّ هذه العصابة التي أتينا بأسمائهم وذكرنا عنهم شيئاً، كانوا هم الأُسس في تسرب القصص الخرافية لليهود و المسيحيين إلى متون كتب المسلمين وصارت نواة لكثير من القصّاصين والوضّاعين الذين نسجوا على منوالهم ونقلوا كلّ ما سمعوه من غث وسمين باسم الدين، ولأجل ذلك نجد كثيراً من كتب التفسير والتاريخ والحديث حتى ما يسمّى بالصحاح والمسانيد، مملوءة بالإسرائيليات والمسيحيات بل والمجوسيات.
يقول «جولد تسيهر» في هذا المضمار في كتابه «العقيدة والشريعة»: هناك جمل أخذت من العهد القديم والعهد الجديد وأقوال للربانيّين، أو مأخوذة من الأناجيل الموضوعة وتعاليم من الفلسفة اليونانية، وأقوال من حكم الفرس والهنود، كلّ ذلك أخذ مكانه في الإسلام عن طريق الحديث - إلى أن قال -: ومن هذا الطريق تسرب كنز كبير من القصص الدينية حتى إذا ما نظرنا إلى الرواة المعدودة من الحديث ونظرنا إلى الأدب الديني اليهودي، فإنّنا نستطيع أن نعثر على قسم كبير دخل الأدب الديني الإسلامي من هذه المصادر اليهودية.(1)
1) . العقيدة والشريعة في الإسلام للمستشرق «جولد تسيهر»: 42-43؛ أضواء على السنّة المحمدية: 190.
نحن لا نصدق هذا المستشرق الحاقد على الإسلام في كلّ ما يقول ويقضي، إلّاأنّنا نوافقه في أنّ ما يؤثر عن أمثال كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وتميم الداري، وعبد الملك بن جريج وغيرهم، من الإسرائيليات، ليس من صلب الإسلام وحديثه. والعجب أنّ هذه الجماعة لم تتمكن من إخفاء نواياها السيئة، فترى أنّ اليهودي منهم ينقل فضائل موسى ويرفعه فوق جميع الأنبياء، كما أنّ النصراني منهم أخذ يرفع مقام المسيح عليه السلام على جميعهم ويصفه بالعصمة وحده دون غيرهم.
نعم ليس كلّ ما ورد في الشريعة الإسلامية ووافق التعاليم اليهودية والنصرانية، مأخوذاً من كتبهم لأنّ الشرائع السماوية واحدة في جوهرها متحدة في أُصولها، وبينها مشتركات كثيرة والاختلاف إنّما هو في الشرعة والمنهاج لا في الجوهر واللباب، قال سبحانه: «لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهٰاجاً».(1)فالاختلاف إنّما هو في الطرق الموصلة إلى ماء الحياة، أعني: الأُصول والتعاليم السماوية النازلة من مصدر الوحي. فلو كان هناك اختلاف فإنّما هو في القشور والأثواب، لا في الجوهر واللباب. وقد فصلنا الكلام في ذلك في «مفاهيم القرآن».(2)
وأخيراً نقول: إنّ المتظاهرين بالإسلام من الأحبار والرهبان الذين كان لهم دور كبير في بثّ الإسرائيليات وتكوين المذاهب، ليسوا منحصرين في من ذكرناهم، بل هناك جماعة منهم لعبوا دوراً في هذا المضمار يجد المتتبع أسماءهم ويقف على أقوالهم في كتب الرجال والتراجم والروايات والأحاديث، كعبد اللّٰه بن سلام الذي أسلم في حياة النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وطاووس بن كيسان الخولاني، الحمداني بالولاء من التابعين، ولد عام 33 وتوفّي عام 106، وغيرهم ممّن تركنا البحث عنهم اختصاراً.
ولإتمام البحث نأتي بنص بعض المحقّقين في ذاك المجال وهي كلمة للدكتور «رمزي نعناعة» حول الإسرائيليات، قال: تسرب كثير من الإسرائيليات عن طريق نفر من المسلمين أنفسهم أمثال: عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص، فقد روي أنّه أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب يوم اليرموك، فكان يحدّث الناس ببعض ما فيها اعتماداً على حديث مروي.(1)وعن هؤلاء المفسرين الذين لا يتورّعون عن تفسير القرآن بمثل هذه الخيالات والأوهام يقول النظام: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين وإن نصبوا أنفسهم للعامة وأجابوا في كلّ مسألة، فإنّ كثيراً منهم يقول بغير رواية من أساس، وليكن عندكم عكرمة والكلبي والسدي والضحاك ومقاتل بن
1) . وهو قوله صلى الله عليه و آله و سلم: حدّثوا عني...، وحدّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج. مسند أحمد: 46/3.
سليمان وأبو بكر الأصم في سبيل واحدة فكيف أثق بتفسيرهم وأسكن إلى صوابهم.(1)وقال أيضاً حول قصة آدم وحواء: ونقرأ تفسير الطبري وتفسير مقاتل بن سليمان في هذه القصة فيتجلّى لنا بوضوح انّهما أخذا ما جاء في التوراة وشروحها من تفصيل لهذه القصة، ووضعوه تفسيراً لآيات القرآن الكريم وهم يروون ذلك عن وهب بن منبه تارة، وعن إسرائيل عن أسباط عن السدي تارة أُخرى.(2)ومثلاً نجد القرآن الكريم قد اشتمل على موضوعات وردت في الإنجيل كقصة ولادة عيسى بن مريم ومعجزاته، فجاء المفسرون ينقلون عن مسلمة اليهود والنصارى شروحاً لهذه الآيات.(3)وقال أيضاً: ولم يقتصر تأثير الإسرائيليات على كتب التفسير، بل تعدّاها إلى العلوم الإسلامية الأُخرى، فقد عني بعض المسلمين بنقل تاريخ بني إسرائيل وأنبيائهم كما فعل أبو إسحاق والطبري في تاريخيهما وكما فعل ابن قتيبة في كتاب المعارف... كذلك كان لليهود أثر غير قليل في بعض المذاهب الكلامية، فابن الأثير يروي عند الكلام على «أحمد بن دؤاد» أنّه كان داعية إلى القول بخلق القرآن، وأخذ ذلك عن بشر المريسي وأخذ بشر عن الجهم بن صفوان، وأخذ الجهم عن الجعد بن أدهم، وأخذه الجعد عن أبان بن سمعان، وأخذه أبان عن طالوت ابن أُخت لبيد الأعصم وختنه،
وأخذه طالوت من لبيد بن الأعصم اليهودي وكان لبيد يقول: خلق التوراة، وأوّل من صنف في ذلك طالوت وكان زنديقاً فأفشى الزندقة.(1)وسيوافيك أنّ القول بقدم القرآن وكونه غير مخلوق، أيضاً تسرّبت من اليهود حينما قالوا بقدم التوراة، أو من النصرانية حينما قالوا بقدم «الكلمة» التي هي المسيح. فللأحبار والرهبان دور راسخ في خلق هذه العقائد وطرح قدم القرآن خاصة على بساط البحث مع أنّه لم يرد في ذلك نصّ عن النبي والصحابة.
قال «زهدي حسن» - عند البحث عن تأثير الديانات - في تكون العقائد: فمن أهل تلك الأديان من تركوا أديانهم ودخلوا في الإسلام.
لكنّهم لم يستطيعوا أن يتخلصوا من عقائدهم القديمة ولم يتسن لهم أن يتجرّدوا من سلطانها، لأنّ للمعتقدات الدينية على نفوس الناس قوة نافذة وهيمنة عظيمة فلا تزول بسهولة ولا تنسى بسرعة، ولهذا فإنّهم نقلوا إلى الإسلام - عن غير تعمد أو سوء قصد - بعض تلك المعتقدات ونشروها بين أهله.
ومنهم - و هذا يصحّ عن الفرس كما سنرى - من اعتنق الإسلام لا عن إيمان به أو تحمس له وإنّما لغايات في نفوسهم فعل بعضهم ذلك طمعاً في مال يجنيه أو جاه يناله، وأقدم البعض الآخر عليه بدافع الحقد على المسلمين الذين هزموا دينهم وهدموا ملكهم، فأظهروا الإسلام وأبطنوا عداوته ودأبوا على محاربته والكيد له، فكانوا خطراً عليه كبيراً، وشراً
1) . الكامل لابن الأثير: 294/5 حوادث سنة 240؛ ولاحظ الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير للدكتور رمزي نعناعة: 110-111.
مستطيراً، لأنّهم ما انفكوا ينفثون فيه ما في صدورهم من الغل والغيظ، ويروجون بين أبنائه من الأفكار والآراء ما لا تقره العقيدة الإسلامية حباً في تشويه تلك العقيدة ورغبة في إفسادها.
وكثيرون من غير المسلمين تمسكوا بأديانهم الأصلية، لأنّ الإسلام منحهم حرية العبادة، ولم يتدخل في شؤونهم الخاصة ما داموا يدفعون الجزية، ولما توطدت أركان الدولة الإسلامية وتوسعت أعمالها في عهد بني أُمية، ولما لم تكن للعرب الخبرة الكافية في أُمور الإدارة، فإنّهم اضطروا إلى أن يعتمدوا في تصريف شؤون البلاد على أهل الأمصار المتعلمين الذين اقتبسوا مدنية الفرس وحضارة البيزنطيين، فأسندوا إليهم أعمال الدواوين. وهكذا كانوا يحيون بين ظهراني المسلمين، ويحتكون دوماً بهم... والاحتكاك يؤدي إلى تبادل الرأي، والآراء سريعة الانتقال شديدة العدوى.
وقال أيضاً: إنّ الأمويين قربوهم (المسيحيين) إليهم، واستعانوا بهم، وأسندوا إليهم بعض المناصب العالية، فقد جعل معاوية بن أبي سفيان «سرجون بن منصور» الرومي المسيحي كاتبه وصاحب أمره(1)، وبعد أن قضى معاوية بقيت لسرجون مكانته فكان يزيد يستشيره في الملمّات ويسأله الرأي.(2)ثمّ ورث تلك المكانة ولده يحيى الدمشقي(3)الذي خدم
الأمويين زمناً ثمّ اعتزل العمل سنة (112 ه / 730 م) والتحق بأحد الأديرة القريبة من القدس حيث قضى بقية حياته يشتغل في الأبحاث الدينية ويصنف الكتب اللاهوتية، وليس من يجهل الأخطل الشاعر المسيحي الذي قدمه الأمويون وأغدقوا عليه العطايا وجعلوه شاعر بلاطهم. وكيف كان يزيد بن معاوية يعتمد عليه في الرد على أعداء بني أُمية وهجوهم.(1)إنّ احتكاك المسلمين بأُولئك المسيحيين لا يمكن أن يكون قد مضى دون أن يترك فيهم أثراً، ولا سيما برجل ممتاز كيحيى الدمشقي الذي كان آخر علماء اللاهوت الكبار في الكنيسة الشرقية وأعظم علماء الكلام في الشرق المسيحي.(2)***
وقال أحمد أمين عند البحث عن مصادر القصص في العصر الأوّل: ولابدّ أن نشير هنا إلى منبعين كبيرين لهؤلاء القصص وأمثالهم(3)، تجد ذكرهما كثيراً في رواية القصص وفي التاريخ وفي الحديث وفي التفسير، هما: وهب بن منبه، وكعب الأحبار.
فأمّا وهب بن منبه فيمني من أصل فارسي، وكان من أهل الكتاب الذين أسلموا، وله أخبار كثيرة وقصص تتعلّق بأخبار الأول ومبدأ العالم
وقصص الأنبياء، وكان يقول: قرأت من كتب اللّٰه اثنين وسبعين كتاباً، وقد توفّي حوالي سنة (110 ه) بصنعاء.
وأمّا كعب الأحبار أو كعب بن ماتع فيهودي من اليمن كذلك، ومن أكبر من تسربت منهم أخبار اليهود إلى المسلمين، أسلم في خلافة أبي بكر وعمر - على خلاف في ذلك - و انتقل بعد إسلامه إلى المدينة ثمّ إلى الشام، وقد أخذ عنه اثنان، هما أكبر من نشر علمه: ابن عباس - وهذا يعلل ما في تفسيره من إسرائيليات - وأبو هريرة ولم يؤثر عنه أنّه ألّف كما أثر عن وهب بن منبه، ولكن كلّ تعاليمه - على ما وصل إلينا - كانت شفوية، وما نقل عنه يدلّ على علمه الواسع بالثقافة اليهودية وأساطيرها.
جاء في «الطبقات الكبرى» حكاية عن رجل دخل المسجد فإذا عامر بن عبد اللّٰه بن القيس جالس إلى كتب وبينها سفر من أسفار التوراة وكعب يقرأ.(1)وقد لاحظ بعض الباحثين أنّ بعض الثقات كابن قتيبة والنووي ما رويا عنه أبداً. وابن جرير الطبري يروي عنه قليلاً، ولكن غيرهم كالثعلبي والكسائي ينقل عنه كثيراً من قصص الأنبياء كقصة يوسف والوليد بن الريان وأشباه ذلك. ويروي «ابن جرير» أنّه جاء إلى عمر بن الخطاب قبل مقتله بثلاثة أيام وقال له: اعهد، فإنّك ميت في ثلاثة أيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب اللّٰه عزّوجلّ في التوراة. قال عمر: إنّك لتجد عمر بن
1) . طبقات ابن سعد: 79/7.
الخطاب في التوراة؟ قال: اللّهمّ لا، ولكن أجد صفتك وحليتك وأنّه قد فني أجلك.
وهذه القصة إن صحت، دلّت على وقوف كعب على مكيدة قتل عمر، ثمّ وضعها هو في هذه الصبغة الإسرائيلية، كما تدلنا على مقدار اختلاقه فيما ينقل.
وعلى الجملة: فقد دخل على المسلمين من هؤلاء وأمثالهم في عقيدتهم وعلمهم كثير كان له فيهم أثر غير صالح.(1)***
«وَدَّتْ طٰائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتٰابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَ مٰا يُضِلُّونَ إِلاّٰ أَنْفُسَهُمْ وَ مٰا يَشْعُرُونَ».(2)
مضى النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم إلى جوار ربّه وقام المسلمون بعده بفتح البلاد ومكافحة الأُمم المخالفة للإسلام والسيطرة على أقطارها، وكانت تلك الأُمم ذات حضارة وثقافة في المعارف والعلوم والآداب، وكان بين المسلمين رجال ذوو دراية ورغبة في كسب العلوم وتعلم ما في تلك الحضارات من آداب وفنون فأدّت هذه الرغبة إلى المذاكرة والمحاورة أوّلاً، ونقل كتبهم إلى اللغة العربية ثانياً.
يقول بعض المؤرّخين في هذا الصدد: ولم تلبث كتب أرسطو، وأنبذقليس، وهرقليوس، وسقراط، وأبيقور، وجميع أساتذة مدرسة الإسكندرية من الفلاسفة، أن ترجمت إلى اللغة العربية وكان هناك ما جعل أمر تلك الترجمة سهلاً، فقد كانت معارف اليونان والرومان منتشرة في بلاد الفرس وسوريا منذ أن وجد العرب في بلاد فارس وسوريا، فلمّا استولى المسلمون على ما فيها من خزائن العلوم اليونانية قاموا بنقل ما هو باللغة السريانية إلى اللغة العربية.
وأعان على أمر الترجمة أنّه نقل عدّة من الأسرى إلى العواصم
الإسلامية، فصار ذلك سبباً لانتقال كثيرمن آراء الرومان والفرس إلى المجتمع الإسلامي وانتشارها بينهم، ولا شكّ أنّ بين تلك المعارف ما كان يضاد مبادئ الإسلام وأُسسه، وكان بين المسلمين من لم يتدّرع في مقابلها ومنهم من لم يتوّرع في أخذ الفاسد منها فأقبلوا عليها وتبنّوها، نظراء: ابن أبي العوجاء، وحماد بن عجرد، ويحيى بن زياد، ومطيع بن أياس، وعبد اللّٰه بن المقفع، فهؤلاء وأمثالهم بين غير متدرع وغير متورع، اهتموا بنشر الإلحاد بين المسلّمين وترجمة كتب الملاحدة والثنوية من الروم والفرس إلى أن عاد بعض المتفكّرين غير مسلمين للإسلام إلّا بالقواعد الأساسية كالتوحيد والنبوة و المعاد وكانوا ينشرون آراءهم علناً ويهاجمون بها عقائد المؤمنين.
نحن نرى في التراث اليوناني بفضل التراجم التي وصلت إلينا أبحاثاً حول علمه سبحانه وإرادته وقدرته وأفعاله حتى مسألة الجبر والاختيار، وقد كان لتلك الآراء تأثير عميق على عقول المسلمين وهم بين متدرّع بالحضارة الإسلامية يكافح الشبه ويميز الصحيح من الفاسد، وبين ضعيف في التعقّل والتفكّر ليس له من الشأن إلّاالأخذ، فصارت تلك الآراء من مبادئ تكوّن الفرق واختلاق النحل.
وفي هذا الجو المشحون بالآراء والعقائد الصحيحة وغير الصحيحة، قام أهل البيت بتربية جموع غفيرة من ذوي الاستعداد على المبادئ الأصيلة والمفاهيم الإسلامية وتعريفهم بالأُصول الدينية المستقاة من الكتاب والسنّة والعقل، وصاروا يناظرون كلّ فرقة ونحلة بما فيهم الملاحدة والثنوية بأمتن البراهين وأسلمها.
وقد حفظ التاريخ أسماء طائفة منهم، كهشام بن الحكم، وأبي جعفر مؤمن الطاق، وجابر بن يزيد، وأبان بن تغلب البكري، ويونس بن عبد الرحمن، وفضال بن الحسن بن فضال، ومحمد بن خليل السكاك، وأبي مالك الضحاك، وآل نوبخت جميعاً، إلى غير ذلك ممن برع في علم الكلام، وناظر الفرق، بين من تتلمذ على الأئمة، أو من تتلمذ على خريجي مذهبهم، وتواصلت حلقات مناظراتهم حتى القرون المتأخرة وألفت كتب في العقائد والكلام والملل والنحل، يقف القارئ على تاريخهم في كتب الرجال والتراجم وقد حفظ الكثير من نصوص هذه المناظرات والاحتجاجات لحدّ الآن.
كما قامت المعتزلة بمقاومة هذه التيارات الإلحادية والثنوية، وبإزالة الشبه بفضل الأُصول القرآنية والعقلية، وقد نجحوا في ذلك نجاحاً باهراً وإن لم يكونوا ناجحين في كلّ ما هو الحقّ من الأُصول والفروع الإسلامية.
وبما أنّ أهل الحديث لا يحسنون طريقة المعتزلة في الاحتجاج والبرهنة، لذا كانوا يعادونهم، كما أنّ الملاحدة والثنوية كانوا يعادونهم أيضاً، لما يجدون فيهم من قوّة التفكير والقدرة على الاحتجاج والمناظرة. وعلى ذلك فقد وقعت المعتزلة بين عدوين: أحدهما من الداخل، وهم أهل الحديث، والآخر من الخارج، وهم الملاحدة والثنوية.
نعم كان بين المسلمين من يأبى الخوض في المسائل العقلية ويكتفي بما وصل إليه من الصحابة، ويقتصر على ما حصل عليه من الدين بالضرورة وهم الحشوية من أهل الحديث وأكثر الحنابلة، ولمّا التحق الشيخ أبو الحسن الأشعري بالحنابلة لم يجد محيصاً في الدفاع عن عقائدهم عن الخوض في المسائل الكلامية، فألّف رسالة أسماها «في استحسان الخوض في الكلام».
إذا كانت العوامل الخمسة الماضية من عوامل تكون المذاهب الكلامية فالاجتهاد في مقابل النص ممّا يتكون به المذاهب الكلامية والفقهية.
روى الفريقان أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم كان مسجى على فراش الموت والحجرة غاصة بأصحابه فقال: «يا أيّها الناس يوشك أن أُقبض سريعاً فينطلق بي، وقد قدمت إليكم القول معذرة إليكم ألا إنّي مخلف فيكم كتاب اللّٰه عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي».(1)فجعل العترة أعدال كتاب اللّٰه وقرناؤه، كما أنّه صلى الله عليه و آله و سلم جعلهم أمان الأُمّة من الاختلاف وسفينتها من الهلاك، إلى غير ذلك من الأحاديث التي ستمر عليك عند البحث عن الشيعة.
ومع ذلك استأثر القوم بالأمر يوم السقيفة و أوّلوا نصوصه لا يلوون على شيء وقد قضوا أمرهم بينهم دون أن يؤذنوا به أحداً من بني هاشم
1) . لاحظ ص 48 من كتابنا هذا.
وأهل بيت النبوة، وكأنّه عناهم الشاعر في المثل السائر حيث قال:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم *** ولا يستأذنون وهم شهود
نرى أنّ الأُمّة بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم رجعوا إلى كلّ صحابي وتابعي وإلى من أدرك صحبة النبي شهراً أو أقلّ ومع ذلك أعرضوا عن أهل بيته وعترته وهم أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الوحي والتنزيل، وما هذا إلّااجتهاد في مقابل النصّ.
وأمّا المذاهب الفقهية التي أُسّست في ظل هذا العامل فحدث عنها ولا حرج، ويكفي في ذلك المراجعة إلى الكتب الفقهية في المسائل التالية:
إسقاط سهم المؤلّفة قلوبهم من الزكاة مع النص عليه في محكم الذكر.
إسقاط سهم ذوي القربى من الخمس بوفاة رسول اللّٰه مع النصّ عليه في محكمات الفرقان وصحاح السنن.
الحكم بعدم توريث الأنبياء مع ما في الذكر الحكيم من النصوص الصريحة في توريثهم.
النهي عن متعة الحجّ مع النصّ الوارد عليها في الآية (196) من سورة البقرة.
النهي عن متعة النساء مع النصّ عليه في محكم الذكر وصحاح الروايات.
إلى غير ذلك من الموارد التي جمعها العلّامة الأكبر السيد شرف الدين العاملي (المتوفّى 1377 ه) في كتابه «النص والاجتهاد» وهو من الكتب الممتعة في ذلك الموضوع، وفي آخر الكتاب فصل جمع فيه نصوص الإمامة المتوالية من مبدأ أمر الرسول إلى انتهاء عمره الشريف.
«ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتٰابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ بِإِذْنِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ»(1).
1) . فاطر: 32.
إنّ كتب الملل والنحل مشحونة باصطلاحات يستخدمونها في التعبير عن الفرق ويعبرون عن أكثرها بإدخال ياء النسبة إلى أصحاب الرأي، غير أنّ هناك اصطلاحات اختلفوا في معناها أو وقع لهم الاشتباه في تفسيرها، فلنذكر هاهنا القسم الأخير منها:
قد تداول استعمال لفظ القدرية في علمي الملل والكلام، فأصحاب الحديث كإمام الحنابلة ومتكلّمي الأشاعرة يطلقونها ويريدون منها «نفاة القدر ومنكريه» بينما تستعملها المعتزلة في مثبتي القدر والمقرين به، وكلّ من الطائفتين ينزجر من الوصمة بها ويفر منها فرار المزكوم من المسك؛ وذلك لما رواه أبو داود في سننه، والترمذي في صحيحه، من روايات في ذم القدرية والقدح فيهم. وإليك بيانها:
عبد اللّٰه بن عمر: انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: القدرية مجوس هذه الأُمّة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم.
عبد اللّٰه بن عباس: انّ النبي قال: لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم.(1)
1) . أي لا تحاكموهم وتناظروهم ولا تجادلوهم. وفي المصدر عمر بن الخطاب مكان «عبد اللّٰه بن عباس».
ولا يخفى أنّ متون الأحاديث تعرب عن كونها موضوعة على النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم، خصوصاً الحديث الأخير فقد جاء فيه: المرجئة والقدرية معاً، إذ انّ هذين المصطلحين برزا بين المسلمين في النصف الثاني من القرن الأوّل عندما اتّهم معبد الجهني وتلميذه غيلان الدمشقي بالقدر والإرجاء، و ذاع هذان الاصطلاحان بين المسلمين إلى الآن ومن البعيد وجودهما في زمن الرسول الأعظم وشيوعهما في ذلك العصر، وعند ذلك كيف يتكلّم الرسول بكلمات بعيدة عن أذهان أصحابه، وغريبة على مخاطبيه، كلّ ذلك يثير الشكّ أو سوء الظن بوضع هذه الأحاديث ودسّها بين المسلمين، حتى يتسنّى لكلّ من الطائفتين، تعيير الأُخرى بها والنيل من كرامتها، وما ذكرناه من التشكيك وإن كان لا يخرج عن دائرة الاستحسان، غير أنّ وقوع الضعاف في أسنادها يؤيد ذلك التشكيك ويقوّيه.
أمّا الحديث الأوّل، فقد رواه أبو داود في سننه بالسند التالي:
حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، قال: حدثني بمنى عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم.(2)
ويكفي في ضعف الحديث، أنّ أبا حازم سلمة بن دينار، لم يدرك عبد اللّٰه بن عمر، وقد روى عنه في مواضع بوسائط، لا يثبت منها شيء.(1)وأمّا الحديث الثاني، فقد رواه أيضاً بالسند التالي:
حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا عبد اللّٰه بن يزيد المقري أبو عبد الرحمن، قال حدثني سعيد بن أبي أيوب، قال حدثني عطاء بن دينار، عن حكيم بن شريك الهذلي، عن يحيى بن ميمون الحضرمي، عن ربيعة الجرشي، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب.(2)ويكفي في ضعف الحديث أنّ في أسناده، حكيم بن شريك الهذلي البصري المجهول.(3)وأمّا الحديث الثالث، فقد رواه الترمذي في سننه بالسند التالي:
حدثنا واصل بن عبد الأعلى الكوفي، حدثنا محمد بن فضيل، عن القاسم بن حبيب، وعلي بن نزار، عن نزار عن عكرمة.(4)ويكفي في ضعف الحديث أنّ قاسم بن حبيب ضعيف، ونزار وابنه علي، من المجاهيل.
أفيصح الاحتجاج بأحاديث هذه أسنادها؟
هذه حال الأحاديث الواردة في الصحاح. غير أنّ هناك أحاديث
وردت في غيرها تختلف مع ما ورد فيها سنداً، وإن كانت تتحد لفظاً. وقد جمعها السيوطي في كتابه: «اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة».(1)مثلاً: روى ابن عدي، بسند عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعاً: إنّ لكلّ أُمّة مجوساً، وإنّ مجوس هذه الأُمّة القدرية، فلا تعودوهم إذا مرضوا، ولا تصلّوا عليهم إذا ماتوا.
وفي سنده جعفر بن الحارث، قال عنه السيوطي: ليس بشيء.
ورواه خيثمة بسند عن أبي هريرة، وفي سنده غسان، قال عنه السيوطي: مجهول.
ورواه الدارقطني، بسند عن أبي هريرة، وفيه مجاهيل، حتى قال النسائي: هذا الحديث باطل كذب.(2)ونكتفي بهذا المقدار في البحث عن سند الروايات.
هذا حال رجال الأحاديث المذكورة، ومن المعلوم أنّه لا يمكن الاحتجاج بأحاديث هذا شأنها، وعلى فرض صحتها فالصحيح تفسير القدرية بمعنى مثبتي القدر والحاكمين به، لا نفاته. فإنّ تلك الكلمة كأشباهها من العدلية وغيرها تطلق ويراد منها مثبتو مبادئها، أعني: العدل، لا نفاتها. وإطلاق تلك الكلمة وإرادة النفي منها من غرائب الاستعمالات.
نعم أخرج أبو داود في سننه(3)، عن حذيفة بن اليمان قال: «قال
رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: لكلّ أُمّة مجوس، ومجوس هذه الأُمّة الذين يقولون لا قدر».
وهذا الحديث على فرض صحته يمكن أن يكون قرينة على تفسير القدرية في هذا المورد، ويكشف عن أنّ ذلك الاستعمال البعيد عن الأذهان، كان مصحوباً بقرينة. ولكن الاحتجاج بالحديث غير تام، إذ في سنده عمر مولى غفرة، عن رجل من الأنصار، عن حذيفة، فالراوي والمروي عنه مجهولان.(1)
وبعد ذلك كلّه، ففقه الحديث يقتضي أن نقول: إنّ المراد من القدرية هم مثبتو القدر، لا نفاته، بقرينة تشبيههم بالمجوس، فإنّ المجوس معروفة بالثنوية، وإنّ خالق الخير غير خالق الشر، ومبدع النور غير مبدع الظلمة، وإنّ هناك إلهين خالقين في عالم واحد، يستقل كلّ في مجاله الخاص، حسب ما يناسب ذاته.
والقائل بالقدر يحكّم القدر على أفعاله سبحانه وأفعال عباده، فكأنّ التقدير إله حاكم على أفعال اللّٰه وأفعالهم، فإذا قدر شيئاً وقضى لا يمكن له نقض قضائه وقدره، بل يجب عليهما أن يصيرا حسب ما قدر، فالفواعل على هذا المعنى - سواء أكانت شاعرة عالمة بذاتها وأفعالها أو غير شاعرة وعالمة - مسيّرة لا مخيّرة، لأجل حكومة القدر وسيادته على اللّٰه وأفعاله
1) . الجرح والتعديل: 143/6.
وعلى حرية عبده، فأي إله أعلى وأسمى من القدر بهذا المعنى. فصحّ تشبيه القدرية - بهذا المعنى - بالمجوس القائلين بالثنوية وتعدد الإله.
وأمّا نفاة القدر الذين يقولون لا قدر ولا قضاء بل للّٰه الحكم في أوّله وآخره، وأنّ عباده مخيّرون في أعمالهم وأفعالهم، فهم أشبه بالموحدين من القائلين بالمعنى السابق الذكر.
نعم يمكن تقريب كون النفاة بحكم المجوس ببيان آخر وهو: أنّ تلك الفرقة يعتقدون بالتفويض، وأنّ الإنسان مفوض إليه في فعله، مستقل في عمله وكلّ ما يقوم به. فعند ذلك يكون الإنسان فاعلاً غير محتاج في فعله إلى خالقه وبارئه، ويصير نداً له سبحانه وتعالى فكما هو مستقل في خلقه، فذاك أيضاً مستقل في عمله.
وهذا الاعتقاد يشبه قول الثنوية، من الاعتقاد بخالقين مستقلين: خالق النور وخالق الظلمة. وفي مورد البحث يعتقد نفاة القدر بخالقين:
اللّٰه سبحانه بالنسبة إلى ما سواه غير أفعال الإنسان، والإنسان في مجال أفعاله وأعماله، فلكلّ مجال خاص، وهذا الاعتقاد يخالف التوحيد في الخالقية والفاعلية، وأنّه ليس هناك إلاّ خالق واحد، كما أنّه ليس هناك فاعل مستقل. فكلّ ما في الوجود من الآثار مع استناده إلى مبادئها ومؤثراتها، مستند إلى اللّٰه سبحانه، وسيوافيك توضيحه عند البحث في القضاء والقدر.
ولا يخفى ما في هذا الوجه من الوهن، لأنّ الحديث يركز على كونهم بمنزلة المجوس، لأجل كونهم نافين للقدر، لا لأجل كونهم قائلين
بالتفويض، وأنّ الإنسان بعد الوجود، مفوض إليه فعله وعمله، ولا صلة لفعله باللّٰه سبحانه بوجه من الوجوه. وقولهم بالتفويض وإن كان يصحح ذلك، لكنّه ليس مذكوراً في الحديث فالحقّ تفسير الحديث بالقائلين بالقدر والمثبتين له على الوجه الذي عرفته، لا بنفاته.
هذا، والقاضي عبد الجبار نقل حديثاً يوضح لنا مفاد هذا الحديث حيث قال: «لعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً، قيل له:
ومن القدرية يا رسول اللّٰه؟ قال: «قوم يزعمون أنّ اللّٰه قدّر عليهم المعاصي وعذبهم عليها. والمرجئة قوم يزعمون أنّ الإيمان بلا عمل».(1)ونقل أيضاً قول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم: «لعن اللّٰه القدرية على لسان سبعين نبياً، قيل: من القدرية يا رسول اللّٰه؟ قال: «الذين يعصون اللّٰه تعالى ويقولون كان ذلك بقضاء اللّٰه وقدره... وهم خصماء الرحمن وشهود الزور وجنود إبليس».(2)وقد رواه بعض المفسرين أيضاً، كالزمخشري في كشافه(3)، والرازي في مفاتيحه.(4)هذا وإنّ تنبّؤ النبي الأكرم عن طائفة باسمهم دون أن يذكر وصفهم بعيد جداً.
وهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي أنّه لا شكّ أنّ للّٰه سبحانه قضاء
وقدراً، وانّه لا يمكن للمؤمن العارف بالكتاب والسنّة إنكار ذلك، وقد قال سبحانه: «مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيرٌ»(1)وقال سبحانه: «إِنّٰا أَنْزَلْنٰاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبٰارَكَةٍ إِنّٰا كُنّٰا مُنْذِرِينَ * فِيهٰا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ».(2)
وهذه الآيات والأحاديث المتضافرة التي نقلها أصحاب الحديث لا تترك منتدحاً لمسلم أن ينكر القضاء والقدر، نعم الكلام في تفسيرهما وتحديد معناهما على نحو لا يضاد ولا يخالف حاكمية اللّٰه واختياره أوّلاً، ولا يزاحم حرية الإنسان وإرادته ثانياً، إذ كما أنّ القدر والقضاء من الأُمور اليقينية، فكذا حاكميته سبحانه واختياره، وحرية العبد وإرادته من الأُمور اليقينية أيضاً، وسوف يوافيك أنّ معنى القضاء والقدر الثابتين في الشرع، ليس كما تصوّره أصحاب الحديث والأشاعرة: من تحكيم القدر على اختياره سبحانه، وإرادة عباده. بل تقديره وقضاؤه لا يعني إبطال حرية الإنسان واختياره، ولأجل كون المقام من مزال الأقدام، نهى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام البسطاء عن الخوض في القضاء والقدر، فقال في جواب من سأله عن القدر: «طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسر اللّٰه فلا تتكلّفوه».(3)ولكن كلامه عليه السلام متوجه إلى البسطاء من الأُمّة الذين لا يتحملون
المعارف العليا، لا إلى أهل المعرفة والنظر. ولأجل ذلك وردت جمل شافية في القضاء والقدر عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام وسيوافيك شطر منها عند عرض مذهب أهل الحديث في هذا الموقف.
المعتزلة طائفة من العدلية نشأت في أوائل القرن الثاني الهجري، ويرجع أصلها إلى «واصل بن عطاء» تلميذ الحسن البصري، ولهم منهج كلامي خاص وأُصول معينة اتفقوا عليها، وسوف نرجع إلى دراسة مذهبهم بعد الفراغ من دراسة مذهب أهل الحديث أوّلاً، والأشاعرة ثانياً، غير أنّ الذي نركز عليه هنا هو الوقوف على وجه تسميتهم بالمعتزلة تارة، ووصف مدرستهم بالاعتزال أُخرى، وهناك آراء ستة نشير إلى بعضها:
أ. دخل رجل على الحسن البصري (المتوفّى عام 110 ه) فقال: يا إمام الدين لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة وهم وعيدية الخوارج؛ وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل - على مذهبهم - ليس ركناً من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأُمّة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟
فتفكّر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب، قال واصل بن عطاء (تلميذه): أنا لا أقول إنّ صاحب الكبيرة مؤمن مطلقاً، ولا كافر مطلقاً، بل هو
في منزلة بين المنزلتين لا مؤمن ولا كافر.
ثمّ قام واعتزل إلى أسطوانة من اسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب به على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنّا واصل، فسمّي هو وأصحابه معتزلة.(1)وقد كان لمسألة مرتكب الكبائر دوي عظيم في تلك العصور، وهو أمر أحدثه الخوارج في البيئات الإسلامية تعييراً لعلي عليه السلام حيث إنّه بزعمهم ارتكب الكبيرة لمّا حكّم الرجال في أمر الدين، وليس للرجال شأن في هذا المجال، فعادوا يكفّرونه حسب معاييرهم الباطلة. ولأجل ذلك انتشر السؤال عن حكم مرتكب الكبيرة، هل هو كافر أو مؤمن فاسق؟ فالتجأ واصل بن عطاء إلى القول بالمنزلة بين المنزلتين.
وظاهر الرواية، أنّ واصل بن عطاء أجاب عن السؤال ارتجالاً وبلا تروّ، غير أنّا نرى أنّ المعتزلة اتّخذوه أصلاً من الأُصول الخمسة التي لا يختلف فيها أحد منهم، فيبدو أنّه انتهى إلى تلك النظرية عن تحقيق وتفكير وتبعه أصحابه طوال قرون من دون أن يكون هناك حافز سياسي أو داع غير إراءة الحقّ وإصابة الواقع.
ومع ذلك كلّه نرى عبد الرحمن بدوي يعتبر تلك الفكرة منهم فكرة سياسية اتّخذوها ذريعة على ألاّ ينصروا أحد الفريقين المتنازعين (أهل السنّة والخوارج) حيث قال: وإنّما اختار المعتزلة الأوّلون هذا الاسم، أو
1) . الفرق بين الفرق: 118؛ الملل والنحل للشهرستاني: 48/1.
على الأقل تقبّلوه، بمعنى المحايدين أو الذين لا ينصرون أحد الفريقين المتنازعين (أهل السنة والخوارج) على الآخر في المسألة السياسيّة الدينية الخطيرة: مسألة الفاسق ما هو حكمه؟ هل هو كافر مخلّد في النار كما يقول الخوارج، أو هو مؤمن يعاقب على الكبيرة بقدرها كما يقول أهل السنّة، أو هو في منزلة بين المنزلتين وهو ما يقول به المعتزلة.(1)ب. وهناك رأي ثان في وجه تسميتهم بها، يظهر ممّا ذكره أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى عام 377 ه) حيث يقول: وهم سمّوا أنفسهم معتزلة وذلك عندما بايع الحسن بن علي عليه السلام معاوية وسلم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن عليه السلام ومعاوية وجميع الناس، وقد كانوا من أصحاب علي عليه السلام، ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة فسمّوا بذلك معتزلة.(2)وهذا الرأي قريب من جهة أنّ المعتزلة أخذوا تعاليمهم في التوحيد والعدل، عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لأنّهم يقرّون بأنّ مذهبهم يصل إلى واصل بن عطاء، وأنّ واصلاً يستند إلى محمد بن علي بن أبي طالب عليه السلام المعروف بابن الحنفية بواسطة ابنه أبي هاشم وأنّ محمداً أخذ عن أبيه، وأنّ علياً أخذ عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.(3)
وعلى ذلك فليس ببعيد أن يرجع وجه التسمية إلى زمن تصالح الإمام الحسن عليه السلام مع معاوية.
والذي يبعد ذلك أنّ من الأُصول الاعتقادية للمعتزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى هذا الأصل خرجت أوائلهم على الوليد الفاسق بن يزيد بن عبد الملك ونصروا يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك الذي كان على خط الاعتزال، وقد فصّل الكلام فيه المسعودي في تاريخه(1)، وعلى ذلك فلا يصح أن يقال إنّهم لزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة.
والحقّ أن يقال: إنّ هناك طائفتين سمّيتا بالمعتزلة، لا صلة بينهما سوى الاشتراك في الاسم، ظهرت إحداهما بعد تصالح الإمام الحسن بن علي عليهما السلام مع معاوية، وهؤلاء طائفة سياسية بحتة. وظهرت الأُخرى في زمن الحسن البصري بعد اعتزال واصل إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد، وهؤلاء طائفة كلامية عقائدية.
هذا وإنّ المعروف في وجه التسمية هو الوجه الأوّل دون الثاني ودون سائر الوجوه البالغة ستة أوجه.
وسيوافيك بيان تلك الأوجه الستة عند بيان عقائد المعتزلة في الجزء الثالث من هذه الموسوعة.
1) . مروج الذهب: 212/3-226.
الرفض: بمعنى الترك. قال ابن منظور في اللسان: «الرفض تركك الشيء تقول: رفضني فرفضته، رفضت الشيء أرفضه رفضاً؛ تركته وفرقته، والرفض، الشيء المتفرق والجمع: أرفاض».
هذا هو المعنى اللغوي، وأمّا حسب الاصطلاح في الأعصار المتأخرة فهو يطلق على مطلق محبي أهل البيت تارة، أو على شيعتهم جميعاً أُخرى، أو على طائفة خاصة منهم ثالثة.
وعلى كلّ تقدير فهذا الاصطلاح اصطلاح سياسي أُطلق على هذه الطائفة وهو موضوع لا كلام فيه، إنّما الكلام في وجه التسمية ومبدأ نشوئها، فإنّنا نرى ابن منظور يقول في وجه التسمية «الروافض: جنود تركوا قائدهم وانصرفوا، فكلّ طائفة منهم رافضة، والنسبة إليهم رافضي، والروافض قوم من الشيعة سمّوا بذلك لأنّهم تركوا زيد بن علي، قال الأصمعي: كانوا قد بايعوا زيد بن علي ثمّ قالوا له: ابرأ من الشيخين نقاتل معك فأبى وقال: كانا وزيري جدي فلا أبرأ منهما، فرفضوه وارفضوا عنه، فسمّوا رافضة، وقالوا الروافض ولم يقولوا: الرفاض لأنّهم عنوا الجماعات.(1)غير أنّ ابن منظور، وإن أصاب الحقّ في صدر كلامه وجعل للّفظ معنى وسيعاً يطلق على المسلم والكافر، والمسلم شيعيّه و سنيّه لكن
1) . لسان العرب: 157/7، مادة رفض.
استشهد على وجه تسمية قسم من شيعة علي عليه السلام بها بقول الأصمعي، وهو منحرف عن علي وشيعته، فكيف يمكن الاعتماد على قوله، خصوصاً إذا تضمن تنقيصاً وازدراء بهم، وليس ذلك بدعاً من ابن منظور وأضرابه، بل هو مطرد في كلّ مورد يستشهدون بشيء فيه وقيعة للشيعة، فترى هناك أثراً من مطعون إلى منحرف إلى ناصبي إلى خارجي و «في كلّ واد أثر من ثعلبة» وعلى أي تقدير هذه الفكرة هي المعروفة بين أرباب الملل في تسمية شيعة الإمام بالرافضة، ونداء محبيه بالرفضة.
يقول البغدادي في «الفَرْق بين الفِرَق» عند البحث عن الزيدية: وكان زيد بن علي قد بايعه خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة وخرج بهم على والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام بن عبد الملك، فلمّا استمر القتال بينه و بين يوسف بن عمر الثقفي قالوا له: إنّا ننصرك على أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر، بعد أن ظلما جدك علي بن أبي طالب. فقال زيد بن علي: لا أقول فيهم إلاّ خيراً، وما سمعت من أبي فيهم إلاّ خيراً. وإنّما خرجت على بني أُمية الذين قتلوا جدي الحسين، وأغاروا على المدينة يوم وقعة الحرة، ثمّ رموا بيت اللّٰه بالمنجنيق والنار. ففارقوه عند ذلك، حتى قال لهم رفضتموني، ومن يومئذٍ سمّوا رافضة.(1)قال البزدوي أحد المؤلفين في الفرق عند البحث عن مذهب
1) . الفرق بين الفرق: 35.
الروافض: «وإنّما سموا روافض، لأنّهم وقعوا في أبي بكر وعمر فزجرهم زيد فرفضوه وتركوه فسموا روافض».(1)هذا ما لدى القوم من أوّلهم وآخرهم، فقد أخذوا بقول الأصمعي الناصبي في التسمية ومن لفّ لفّه وحذا حذوه.
لا أظن الأصمعي وهو خبير في اللغة يجهل بحقيقة الحال ولكن عداءه قد جرّه إلى هذا التفسير، فإنّ الحقّ أنّ الرافضة كلمة سياسية كانت تستعمل قبل أن يولد زيد بن علي ومن بايعه من أهل الكوفة، فالكلمة تطلق على كلّ جماعة لم تقبل الحكومة القائمة، سواء أكانت حقاً أو باطلاً.
هذا هو معاوية بن أبي سفيان يصف شيعة عثمان - الذين لم يخضعوا لحكومة علي بن أبي طالب عليه السلام وسلطته - بالرافضة ويكتب في كتابه إلى «عمرو بن العاص» وهو في البيع في فلسطين أمّا بعد: فإنّه كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط إلينا(2)مروان ابن الحكم في رافضة أهل البصرة وقدم علينا جرير بن عبد اللّٰه في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني، أقبل أُذاكرك أمراً.(3)ترى أنّ معاوية يصف من جاء مع مروان بن الحكم بالرافضة وهؤلاء
كانوا أعداء علي ومخالفيه، وما هذا إلاّ لأنّ هؤلاء الجماعة كانوا غير خاضعين للحكومة القائمة آنذاك.
وعلى ذلك فتلك لفظة سياسية تطلق على القاعدين عن نصرة الحكومة والالتفاف حولها، وبما أنّه كان من واجب هذه الجماعة البيعة للحكومة والتعامل معها معاملة الحكومة الحقة، ولكنّهم لم يقوموا بواجبهم فتركوه فتفرقوا عنها، فسمّوا رافضة.
فقد خرجنا بهذه النتيجة: إنّ كلمة الرفض والرافضة ليستا من خصائص الشيعة، بل هي لغة عامة تستعمل في كلّ جماعة غير خاضعة للحكومة القائمة، وبما أنّ الشيعة منذ تكونها لم تخضع للحكومات القائمة بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فكانت رافضة حسب الاصطلاح الذي عرفت، ولم يكن ذلك الاصطلاح موهوباً من زيد بن علي لشيعة جدّه. كيف وقد ورد ذلك المصطلح على لسان أخيه محمد الباقر عليه السلام الذي توفّي قبل زيد بن علي وثورته بست سنوات؟!
روى أبو الجارود عن أبي جعفر عليه السلام: إنّ رجلاً يقول إنّ فلاناً سمّانا باسم، قال: وما ذاك الاسم؟ قال: سمّانا الرافضة. فقال أبو جعفر - مشيراً بيده إلى صدره -: وأنا من الرافضة وهو مني» قالها ثلاثاً.(1)وروى أبو بصير، قال: «قلت لأبي جعفر عليه السلام: جعلت فداك اسم سمينا به، استحلت به الولاة دماءنا وأموالنا وعذابنا، قال: «وما هو؟» قال:
الرافضة،
1) . بحار الأنوار: 97/65 الحديث 2، نقلاً عن المحاسن للبرقي، المتوفّى عام 274 ه.
فقال أبو جعفر عليه السلام: «إنّ سبعين رجلاً من عسكر فرعون رفضوا فرعون، فأتوا موسى عليه السلام فلم يكن في قوم موسى أحد أشدّ اجتهاداً وأشد حباً لهارون منهم، فسمّاهم قوم موسى الرافضة».(1)وهذه التعابير عن أبي جعفر باقر العلوم عليه السلام أصدق شاهد على أنّ مصطلح الرفض ليس وليد فكرة زيد، وأجلّه عن هذه النسبة والفكرة، بل كان مصطلحاً سائداً في أقوام، فكلّ من لم يخضع للحاكم القائم، والحكومة السائدة وصار يعيش بلا إمام ولا حاكم سمّي رافضياً والجماعة رافضة أو رفضة.
وبهذا الملاك أطلق لفظ الرافضي على من لم يعتقد بشرعية حكومة الخلفاء حتى شاع وذاع قبل مقتل زيد كما عرفت وبعده.
فعن معاذ بن سعيد الحميري قال: «شهد السيد إسماعيل بن محمد الحميري رحمه اللّٰه، عند «سوار» القاضي بشهادة فقال له: ألست إسماعيل بن محمد الذي يعرف بالسيد؟ فقال: نعم. فقال له: كيف أقدمت على الشهادة عندي، وأنا أعرف عداوتك للسلف؟ فقال السيد: قد أعاذني اللّٰه من عداوة أولياء اللّٰه، وإنّما هو شيء لزمني. ثمّ نهض فقال له: قم يا رافضي فو اللّٰه ما شهدت بحقّ، فخرج السيد رحمه اللّٰه وهو يقول:
أبوك ابن سارق عنز النبي *** وأنت ابن بنت أبي جحدر
ونحن على زعمك الرافضو *** ن لأهل الضلالة والمنكر(2)
وروي أنّه كان عبد الملك بن مروان لمّا سمع من الفرزدق قصيدته المعروفة في مدح الإمام علي بن الحسين عليهما السلام قال له: أو رافضي أيضاً أنت؟ فقال الفرزدق: إن كان حبّ آل محمّد رفضاً فأنا هذاك، فقال عبد الملك: قل فيّ مثل ما قلته فيه وعليّ أن أضعف عطاءك....(1)
لقد كثر الكلام حول تفسير الحشوية و ما هو المراد منها؟ ونحن نأتي هنا بمجمل القول من أوثق المصادر..
قال الجرجاني: وسمّيت الحشوية حشوية، لأنّهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، وجميع الحشوية يقولون بالجبر والتشبيه، وتوصيفه تعالى بالنفس واليد والسمع والبصر، وقالوا: إنّ كلّ حديث يأتي به الثقة من العلماء فهو حجّة أيّاً كانت الواسطة.(2)وقد ذكر الصفدي: أنّ الغالب في الحنفية معتزلة. والغالب في الشافعية أشاعرة، والغالب في المالكية قدرية (لعلّه يعني جبرية) والغالب في الحنابلة حشوية.(3)ونقل الشيخ محمد زاهد الكوثري في تقديمه على كتاب «تبيين كذب
المفتري» وجهاً آخر، وقال: وكان الحسن البصري من جلة التابعين، ومن استمر سنين ينشر العلم في البصرة، ويلازم مجلسه نبلاء أهل العلم، وقد حضر مجلسه يوماً أُناس من رعاع الرواة، و لمّا تكلموا بالسقط عنده قال ردّوا هؤلاء إلى حشا الحلقة - أي جانبها - فسمّوا الحشوية، ومنهم أصناف المجسمة والمشبهة.(1)***
قال الإمام الصادق عليه السلام:
«العامل على غير بصيرة كالسائر على سراب بقيعة، لا يزيده سرعة السير إلّابعداً».(2)
لا نقاش في أنّ الحديث النبوي حجّة إلهية كالقرآن الكريم ولا يعدل المسلم المؤمن عنهما إلى غيرهما، فالكتاب معجزة خالدة واللفظ والمعنى منه سبحانه، وأمّا السنّة فلفظها للنبي صلى الله عليه و آله و سلم والمفاد والمضمون منه سبحانه.
فلا فرق بين قوله تعالى: «فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ»(1)وقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «الصلح جائز بين المسلمين».(2)كما لا فرق بين قوله سبحانه: «فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً»(3)وقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين».(4)فالمسلم المؤمن باللّٰه وكتابه ورسالة نبيه لا يفرّق بين كتابه تعالى وكلامه صلى الله عليه و آله و سلم، كما لا يفرق بين قوله وفعله، بين إشارته وتقريره، فكلّ حجّة إلهية يجب العمل على وفقه، ولا يكون المسلم مسلماً إلاّ إذا استسلم في هذه المجالات كلّها. قال سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اَللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ اِتَّقُوا اَللّٰهَ إِنَّ اَللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ».(5)
إنّ للحديث النبوي من جلالة الشأن وعلو القدر مالا يختلف فيه اثنان، ولا يحتاج في إثباته إلى برهان. إذ هي الدعامة الثانية - بعد الذكر الحكيم - للدين والأخلاق، والحكم والآداب، ممّا يتمتع به المسلمون في دينهم ودنياهم.
وهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة، تقتضي مزيد العناية بها ودراستها بأحسن الأساليب العلمية والمنطقية، حتى يتميّز الصحيح من الزائف ولا ينسب إليه كلّ ما يحمل اسم الحديث والسنّة، أو كلّ ما يوجد في بطون الكتب وضمائر الأسفار، معقولاً كان أو غير معقول، مخالفاً كان للقرآن أو لا.
إنّ قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «من كذب علي متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار» إخطار أكيد للواعين بأنّ أعداء الدين لبالمرصاد وسوف ينسبون إليه كلّ مغسول من البلاغة، وعار عن الفصاحة وينقلون منه كلّ معنى ثقيل على الفطرة، أو مضاد للعقل السليم، الذي به عرفناه سبحانه وعرفنا براهين رسالة رسوله.
وقد دق رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بكلامه هذا جرس الإنذار للأُمّة لا سيما للوعاة منهم وحفاظ أحاديثه حتى لا يظنوا أنّ كلّ ما يصل إليهم باسم الحديث هو الحديث النبوي على حقيقته، بألفاظه ومعانيه، وليس قبول كلّ حديث - ولو كان فيه ما فيه - آية التسليم للّٰه وللرسول، وآية عدم التقدّم عليهما في ميادين الأُصول والفروع.
ويتضح ذلك أشد الوضوح إذا وقفت على ما تلوناه عليك من أنّ
الحديث النبوي رزيء بالموضوعات التي تولّى كبرها أعداء الدين والإسلام أوّلاً، وتجّار الحديث ثانياً، يضعون الأحاديث تزلّفاً إلى الحكام وتقرّباً منهم.
هذا هو أبو هريرة أكثر الصحابة رواية عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم مع أنّه لم يصاحب النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلاّ سنتين أو أقلّ منهما جاء بروايات فيها طامات وغرائب بقيت على مر الدهر، وقد أتعب شراح الصحاح والمسانيد أنفسهم الزكية لحلها وتوجيهها. غير أنّ المتحري للحقيقة ومن يرى أنّ الحقّ أولى من الصحابة والصحابي يرى في أحاديثه آثار الوضع والدس والاختلاق بما لا مجال في المقام لذكرها.(1)وقد أتينا في بعض الفصول السابقة بإلمامة توقفك على مأساة نقل الحديث والتحدّث به وكتابته ونشره بين الأُمّة، وعرفت أنّ ترك الكتابة بل ترك التحدث كان فضيلة، وخلافه بدعة. ولكن الظروف والأحوال ألجأت المسلمين إلى الكتابة والتدوين ونشره في أواخر النصف الأوّل من القرن الثاني.
ولأجل ذلك صار العثور على الحديث الصحيح الذي حدث به رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أمراً صعباً لما مر من دس الدسّاسين ووضع الوضّاعين تزلّفاً إلى أصحاب السلطة والعروش، وغير ذلك من دواعي الجعل.
غير أنّ الأحاديث والمأثورات المروية في كتب الحديث، أخذت
1) . ولأجل الوقوف على قيمة أحاديث أبي هريرة انظر كتاب «أبوهريرة شيخ المضيرة» للعلاّمة المصري الشيخ محمود أبو رية.
لنفسها بعد التدوين مقاماً عالياً، وأضيفت إليها آراء الصحابة وأقوال التابعين فصار الجميع هو الأصل الأصيل في تنظيم العقائد وتشريع الأحكام سواء أكان موافقاً للقرآن أم مخالفاً، وسواء أكان موافقاً للعقل السليم أم مخالفاً له، وقد بلغ التحجّر بهم إلى حدّ أن قالوا:
وقدم كلام اللّٰه وغيره ممّا سبقهم إليه أهل الكتاب في عهودهم القديمة والحديثة. وما هذا إلاّ لأجل أنّ الأحاديث المروية صارت حجّة في مفادها ودليلاً في مضامينها على إطلاقها من دون نظر في إسنادها، أو دقة في معانيها، ومن دون عرضها على الكتاب والعقل.
فإذا كان الحديث بهذا المعنى مصدراً للأُصول والعقائد، فلا محالة تكون العقيدة الإسلامية أسيرة ما حدث عنه أصحاب الحديث في القرون الثلاثة الأُولى، فيوجد فيها ما أوعزنا إليه من مسألة التجسيم وأخواتها.
إنّ التجسيم والتشبيه والجبر وخلق الأعمال، التي ابتلي بها المسلمون في القرون الأُولى، وبقيت آثارها إلى العصور الأخيرة، كلّها من نتائج غفلة عدّة من المحدّثين وتقصيرهم في هذا المجال. فرووا مناكير الروايات، واغتروا بها، وبالتالي تورطوا في جهالات متراكمة، وظلمات متكاثفة، نأتي بأسماء عدّة من هؤلاء وآثارهم الباقية، وإلّا فالمحدّثون المشبهون أكثر من هؤلاء بكثير، إلّاأنّ الدهر أكل على آثارهم وشرب:
و لمّا كان الذهبي، شديد الميل إلى الحنابلة، كثير الازدراء بأهل التنزيه، أخذته العصبية فحاول إصلاح عبارته، فقال: أوضح شيء في هذا
الباب قول اللّٰه عزّ وجلّ: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ»(1)فليُمَرْ كما جاء، كما هو معلوم من مذهب السلف، وينهى الشخص عن المراقبة والجدال وتأويلات المعتزلة.(2)يلاحظ عليه: أنّ كتاب اللّٰه ليس كتاب لغز، بل هو كتاب هداية، فما معنى إثبات شيء للّٰه تعالى وإمراره عليه، من دون التعرف على مفهومه ومعناه، وما أحسن قول تلميذه تاج الدين عبد الوهاب السبكي (728-778 ه) في طبقات الشافعية الكبرى في حقّه: «إنّ الذهبي غلب عليه مذهب الإثبات ومنافرة التأويل والغفلة عن التنزيه، حتى أثر ذلك في طبعه انحرافاً شديداً عن أهل التنزيه، وميلاً قوياً إلى أهل الإثبات، فإذا ترجم لواحد من أهل الإثبات، يطنب في وصفه بجميع ما قيل فيه من المحاسن ويبالغ في حقّه، ويتغافل عن غلطاته، ويتأوّل له ما أمكن؛ وأمّا إذا ترجم أحداً من الطرف الآخر، كإمام الحرمين، والغزالي ونحوهما، لا يبالغ في وصفه، ويكثر في قول من طعن فيه، ويعيد ذلك، ويبديه، ويعتقده ديناً، وهو لا يشعر، ويعرض عن محاسنهم الطافحة، فلا يستوعبها، فإذا ظفر لأحد منهم بغلطة ذكرها، وكذلك فعله في أهل عصرنا، إذا لم يقدر على أحد منهم بتصريح يقول في ترجمته: «واللّٰه يصلحه»، وسببه المخالفة في العقائد.(3)(2). خشيش بن أصرم، مصنف كتاب «الاستقامة» يعرّفه الذهبي بأنّه يرد
فيه على أهل البدع(1)، ويريد منه أهل التنزيه الذين لا يثبتون للّٰه سبحانه خصائص الموجود الإمكاني، وينزّهونه عن الجسم والجسمانيات. توفّي في شهر رمضان سنة 253 ه.(2)3. أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث السجستاني السجزي. نقل الذهبي في «ميزان الاعتدال» عن السلمي قال: سألت الدارقطني عن الأزهري، فقال هو أحمد بن محمد بن الأزهر بن حريث، سجستاني، منكر الحديث، لكن بلغني أنّ ابن خزيمة حسن الرأي فيه وكفى بهذا فخراً.(3)توفّي سنة 312 ه.(4)يلاحظ عليه: أنّه كفى بهذا ضعفاً، لأنّ ابن خزيمة هذا رئيس المجسمة والمشبهة، ومنه يعلم حال السجستاني، والجنس إلى الجنس يميل.
محمد بن إسحاق بن خزيمة. ولد عام 311 ه. وقد ألّف «التوحيد وإثبات صفات الرب»، وكتابه هذا مصدر المشبّهة والمجسّمة في العصور الأخيرة. وقد اهتمت به الحنابلة، وخصوصاً الوهابية، فقاموا بنشره على نطاق وسيع. وسيوافيك بعض أحاديثه.
عبد اللّٰه بن أحمد بن حنبل، (ولد عام 213، وتوفّي عام 290،
يروي أحاديث أبيه الإمام أحمد بن حنبل). وكتابه «السنّة» المطبوع لأوّل مرة بالمطبعة السلفية ومكتبتها عام 1349 ه، مشحون بروايات التجسيم والتشبيه، يروي فيه ضحك الرب، وتكلّمه، وأصبعه، ويده، ورجله، وذراعيه، وصدره، وغير ذلك ممّا سيمر عليك بعضه.
وهذه الكتب الحديثية الطافحة بالإسرائيليات والمسيحيات جرّت الويل على الأُمّة وخدع بها المغفلون من الحنابلة والحشوية وهم يظنون أنّهم يحسنون صنعاً.
ولأجل أن يقف القارئ على بعض ما في هذه الكتب من الأحاديث المزورة التي تخالف الذكر الحكيم وتناقض العقل والفطرة، نأتي بنماذج مما ورد في الكتابين التاليين:
«السنّة» لأحمد بن حنبل الذي رواه عنه ابنه عبداللّٰه.
«التوحيد» لابن خزيمة.
وهؤلاء وإن كانوا يتلون قوله سبحانه: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» ولكنّهم يروون أحاديث تثبت للربّ سبحانه آلاف الأمثال و الأشباه.
نعم، يقول ابن خزيمة: إنّا نثبت للّٰه ما أثبته اللّٰه لنفسه ونقر بذلك بألسنتنا ونصدق بذلك بقلوبنا من غير أن نشبه وجه خالقنا بوجه أحد المخلوقين، وعز ربّنا عن أن نشبهه بالمخلوقين.(1)لكن هذه العبارة اتخذها واجهة لتبرير نقل الروايات الصريحة في
1) . التوحيد لابن خزيمة: 11.
التجسيم والجهة، ولا تتحمل تلك الروايات هذا التأويل الذي لهج به ابن خزيمة وأبناء جلدته.
و هذا كتاب «السنة» لإمام الحنابلة - وقد رواه عنه ابنه - تجد فيه أحاديث تعرب عن أنّ للّٰه سبحانه ضحكاً وأصبعاً ويداً وذراعين ووجهاً، التي يتبادر منها البدع اليهودية والمسيحية.
و ما نذكره هنا إنّما هو نماذج ممّا ورد في الكتابين المذكورين، والسابر فيهما يجد أضعاف أمثاله، وأكثر هذه الأحاديث قد أخرجت في الصحاح والسنن.
إنّ كتاب «التوحيد» لابن خزيمة قد وقع مورد القبول عند أهل الحديث والحنابلة، كيف، وقد جمع الأحاديث من هنا وهناك وحشاها في كتابه من غير فحص ولا تنقيب، وهذه كانت المنية الكبرى للحنابلة في تلك العصور. ولأجل ذلك صار الكتاب يقرأ على العلماء والفضلاء حتى يتخذوه ميزاناً لتمييز الحقّ عن الباطل، ولا يتخلف أحد عن الاعتراف بما جاء فيه.
قال ابن كثير في حوادث سنة 460 ه: وفي يوم النصف من جمادى الآخرة قرأ «الاعتقاد القادري» الذي فيه مذهب أهل السنّة و الإنكار على أهل البدع. وقرأ أبو مسلم الكجي البخاري المحدّث كتاب «التوحيد» لابن خزيمة على الجماعة الحاضرين، وذكر بمحضر من الوزير ابن جهير وجماعة الفقهاء وأهل الكلام، واعترفوا بالموافقة.(1)
1) . البداية والنهاية: 96/12.
هذا، وبمرور الزمن وعلى أثر تفتح العقول أفلت شمس كتاب التوحيد وشطب المفكّرون من الأشاعرة على ما فيه.
يقول الرازي في هذا الصدد عند تفسير قوله سبحانه، «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»(1): واعلم أنّ محمد بن إسحاق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه ب «التوحيد» وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها. وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لأنّه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل.(2)هذا، ولو أنّ الرازي وقف على ما في تعاليم الأشاعرة من الجبر الملتوي في مقابل الجبر الصريح كما سيبين، والتجسيم والتشبيه الخفيين، لما اتخذ المذهب الأشعري - الذي هو أحد وجهي العملة والوجه الآخر هو عقيدة أهل الحديث - لنفسه شعاراً، ولما حماهم بحماس.
يقول الدكتور أحمد أمين: وفي رأيي لو سادت تعاليم المعتزلة إلى اليوم لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي وقد أعجزهم التسليم وشلّهم الجبر، وقعد بهم التواكل.(3)والصحيح أن يقال: لو سادتهم الحرية في البحث والاستماع واتّباع الأحسن لكان موقفهم غير هذا.
حدثنا عبد اللّٰه بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال:... فيقول اللّٰه له - أي لمن أدخله الجنة ثمّ لم يزل يطلب منزلة أرفع من أُخرى -: لن ترضى أن أعطيك مثل الدنيا مذ يوم خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافها؟ فيقول: أتستهزئ بي وأنت ربّ العالمين؟!
قال: فضحك الرب من قوله. قال: فرأيت ابن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدّث هذا الحديث مراراً كلّما بلغت هذا المكان من هذا الحديث ضحكت. فقال ابن مسعود: إنّي سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يحدث بهذا الحديث مراراً، كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدو آخر أضراسه. الحديث.(1)ورواه ابن خزيمة عن ابن مسعود(2)وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي.
ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عمّا لم يبيّن لنا، ممّا استأثر اللّٰه تعالى بعلمه.(1)وقد عرفت ما في تأويله من الوهن وأنّ هذه الأحاديث لو صحت لوجب حملها على ظواهرها من الضحك الملازم لبدو الأسنان والفم، والقول بأنّه يضحك ولا نعلم حقيقته، تأويل سخيف، بل الأمر دائر بين القبول تماماً أو الردّ كذلك.
أنّهم يقولون إنّ الألواح من ياقوتة لا أدري قال حمراء أو لا؟ وأنا أقول: سعيد بن جبير يقول: إنّها كانت من زمردة وكتابتها الذهب، وكتبها الرحمن بيده، ويسمع أهل السماوات صرير القلم.(3)3. وقال: حدّثني أبي، حدّثنا يزيد بن هارون، أنا الجرير، عن أبي عطاف قال: كتب اللّٰه التوراة لموسى بيده وهو مسند ظهره إلى الصخرة في
الألواح من در، يسمع صريف القلم، ليس بينه و بينه إلّاالحجاب.(1)4. وقد أفرد ابن خزيمة لإثبات اليد للّٰه صفحات كثيرة وممّا رواه عن أبي هريرة، عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: لمّا خلق اللّٰه الخلق كتب كتاباً وجعله تحت العرش: إنّ رحمتي تغلب غضبي.(2)5. ومنها عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إنّ اللّٰه يفتح أبواب السماء في ثلث الليل فيبسط يديه فيقول: ألا عبد يسألني فأعطه».(3)6. ومنها: عن أبي هريرة، عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «ما تصدّق أحد بصدقة من طيب - و لا يقبل اللّٰه إلاّالطيب - إلاّ أخذها اللّٰه بيمينه، وإن كانت مثل تمرة، فتربو له من كف الرحمن». الحديث.(4)
استدلّ ابن خزيمة بما ورد من أنّ اللّٰه بصير، على أنّ له عينين، قال: نحن نقول: لربنا الخالق عينان يبصر بهما ما تحت الثرى وتحت الأرض السابعة السفلى وما في السماوات العلى وما بينهما من صغير وكبير... إلى أن قال: كما يرى عرشه الذي هو مستو عليه. وبنو آدم وإن كانت لهم عيون يبصرون بها فإنّهم إنّما يرون ما قرب من أبصارهم ممّا لا حجب ولا ستر
بين المرئي وبين أبصارهم... واستطرد في ذكر نواقص عيون بني آدم ثمّ قال: فما الذي يشبه - يا ذوي الحجا - عين اللّٰه الموصوفة بما ذكرنا، عيون بني آدم التي وصفناها بعد.(1)
ثمّ أضاف عبد اللّٰه بن أحمد: قال أبي، قال يحيى، قال فضيل بن عياض، فضحك رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم تعجباً وتصديقاً له.
وروي هذا الخبر وما في معناه بأسانيد مختلفة عن ابن مسعود تارة، وعن ابن عباس أُخرى.(1)3. وقال حدّثني أحمد بن إبراهيم سمعت وكيعاً يقول: نسلم هذه الأحاديث كما جاءت ولا نقول كيف كذا، ولا لم كذا، يعني مثل حديث ابن مسعود «إنّ اللّٰه يحمل السماوات على أصبع والجبال على أصبع وحديث أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن» ونحوها من الأحاديث.(2)وأورد أخباراً مفادها أنّ اللّٰه تعالى حينما تجلّى للجبل فجعله دكاً إنّما تجلّى بأصبعه، ضربه على رأس الجبل فاندك.
«فلمّا تجلّى ربّه للجبل» قال هكذا، وأشار بطرف الخنصر يحكيه.(3)5. ومنها ما ذكره ابن خزيمة قال: حدّثنا عبد الوارث بن عبد الصمد، قال حدّثنا حماد بن سلمة، قال: حدّثنا ثابت، عن أنس بن مالك قال:
قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «لمّا تجلّى ربّه للجبل» رفع خنصره وقبض على مفصل منها، فانساخ الجبل، فقال له حميد: أتحدّث بهذا؟! فقال: حدّثنا أنس عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم وتقول: لا تحدّث به؟(4)
قال عبد اللّٰه بن أحمد، حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، قال: وحدّثنا ابن نمير وأبو معاوية كلّهم عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد اللّٰه قال: إذا تكلم اللّٰه بالوحي، سمع أهل السماء صلصلة كصلصلة الحديدة على الصفا.(1)وأخرج ابن خزيمة أخباراً كثيرة في ذلك.(2)
قال عبد اللّٰه بن أحمد، حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن بزي، عن أبيه، عن أُبي بن كعب قال: لا تسبوا الريح فإنّها من نفس الرحمن.(2)
وهو حديث اختصام الجنة والنار، وأشار إلى أنّه مستفيض(1)والأخبار في وضع اللّٰه رجله في النار كثيرة جدّاً.
روى عبد اللّٰه بن أحمد في حديث طويل تقدّمت الإشارة إليه في مسألة الضحك، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «فيتمثل الرب فيأتيهم، فيقول لهم ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس؟ فيقولون: إنّ لنا إلهاً (ما رأيناه) فيقول: وهل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون: بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناه، فيقول: ما هي؟ فيقولون: يكشف عن ساقه، قال: فعند ذاك يكشف اللّٰه عن ساقه. قال: فيخر كلّ من كان نظره، ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يدعون إلى السجود فلا يستطيعون، وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون».(2)وأمّا موضع الرجلين فقد استفاضت الأخبار في أنّه على الكرسي.
وعلّق عليه في الحاشية بأنّ هذا لم يرد في حديث صحيح، ولعلّ
الراوي أخذه من كعب الأحبار أو غيره من مسلمة أهل الكتاب.(1)و مع ذلك ورد في الكتابين وأخرجه ابن حنبل في مسنده(2)بالإسناد إلى عكرمة مولى ابن عباس: أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أنشد قول أُمية بن أبي الصلت الثقفي:
رجل وثور تحت رجل يمينه *** والنسر للأُخرى وليث مرصد(3)
ورواه في كتاب السنّة(4)بزيادة: فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: صدق صدق.
إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه، ولا يقل قبح اللّٰه وجهك ووجه من أشبه وجهك، فإنّ اللّٰه خلق آدم على صورته.(5)2. وقال حدّثني أبو معمر، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عطاء، عن ابن عمر قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: لا تقبحوا الوجه، فإنّ اللّٰه خلق آدم على صورة الرحمن.(6)
1) . التوحيد: 92.
2) . مسند أحمد: 256/1.
3) . التوحيد: 90 مع أبيات أُخر. قالوا: إنّ أُميّة تنصّر في الجاهلية هو وورقة بن نوفل وكان ينشد الأشعار في تمجيد اللّٰه، ونسبوا إلى الرسول صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال في حقّه: آمن شعره وكفر قلبه
4) . السنّة: 187.
5) . السنّة: 169 ورواه أيضاً بسند آخر في ص 64.
6) . السنّة: 64.
لقد تضافرت الأخبار في الكتابين على أنّ اللّٰه يُرى يوم القيامة كالبدر المنير. وأنّه تعالى لا يُرى في الدنيا، غير أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم رآه عندما عرج به إلى السماء(4)، ونحن نكتفي بهذين الخبرين.
روى ابن خزيمة، عن معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي، عن قتادة، عن أبي قلابة، عن خالد بن اللجلاج، عن عبد اللّٰه بن عباس: أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: رأيت ربي في أحسن صورة، فقال: يا محمد! قلت: لبيك وسعديك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: يا رب لا أدري. قال: فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمت ما بين المشرق والمغرب. الحديث(5). وقد رواه بأسانيد وطرق مختلفة.
وقال: حدّثنا محمد بن عيسى، قال: حدّثنا سلمة بن الفضل، قال؛
حدّثني محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الحرث بن عبد اللّٰه بن عياش بن أبي ربيعة، عن عبد اللّٰه بن أبي سلمة، أنّ عبد اللّٰه بن عمر بن الخطاب بعث إلى عبد اللّٰه بن عباس يسأله: هل رأى محمد صلى الله عليه و آله و سلم ربّه؟ فأرسل إليه عبد اللّٰه بن عباس أن نعم. فرد عليه عبد اللّٰه بن عمر رسوله أن كيف رآه؟ قال: فأرسل أنّه رآه في روضة خضراء دونه فراش من ذهب على كرسي من ذهب يحمله أربعة من الملائكة: ملك في صورة رجل، وملك في صورة ثور، وملك في صورة نسر، وملك في صورة أسد.(1)ونختم المقال بما ذكره ابن خزيمة قال: إنّا لا نصف معبودنا إلّابما وصف به نفسه، إمّا في كتاب اللّٰه أو على لسان نبيه صلى الله عليه و آله و سلم بنقل العدل موصولاً إليه، لا نحتج بالمراسيل ولا بالأخبار الواهية ولا نحتج أيضاً في صفات معبودنا بالآراء والمقاييس.(2)
روى عبد اللّٰه بن أحمد، عن أبيه أحمد بن حنبل، في كتاب «السنّة» الروايات التالية:
«فرغ اللّٰه إلى كلّ عبد من خمس: من أجله ورزقه وأثره، وشقي أم سعيد».(1)2. حدّثني أبي، حدّثنا هشيم، حدّثنا علي بن زيد، سمعت أبا عبيدة بن عبد اللّٰه يحدّث قال: قال عبد اللّٰه: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّ النطفة تكون في الرحم أربعين يوماً على حالها لا تغير، فإذا مضت الأربعون صار علقة ومضغة كذلك، ثمّ عظاماً كذلك، فإذا أراد اللّٰه أن يسوي خلقه بعث إليها ملكاً فيقول الملك الذي يليه: أي رب أذكر أم أُنثى؟ أشقي أم سعيد؟ قصير أم طويل؟ أناقص أم زائد، قوته وأجله؟ أصحيح أم سقيم؟ قال:
فيكتب ذلك كلّه. فقال رجل من القوم: فيم العمل إذاً وقد فرغ من هذا كلّه؟ فقال: اعملوا فكلّ سيؤخذ لما خلق له.(2)3. حدّثني أبي، حدّثنا بهز بن أسد، حدّثنا بشر بن المفضل، حدّثنا داود، عن أبي نضرة، عن أسير بن جابر، قال: طلبت علياً في منزله فلم أجده، فنظرت فإذا هو في ناحية المسجد. قال: فقلت له: كأنّه خوفه، قال: فقال: إيه ليس أحد إلّاومعه ملك يدفع عنه ما لم ينزل القدر، فإذا نزل القدر لم يغن شيئاً.(3)4. حدّثني أبي، حدّثنا معاذ بن معاذ، حدّثنا ابن عون، قال: حدّث رجل محمّداً عن رجلين اختصما في القدر فقال أحدهما لصاحبه:
أرأيت الزنا بقدر هو؟ قال الآخر: نعم، قال محمد: آي وافق رجل حياً.(4)5. حدّثني أبي، قال عبد اللّٰه بن الحارث المخزومي، حدّثنا شبل بن
عباد - مولى لعبد اللّٰه بن عامر -، عن ابن نجيح، عن مجاهد قول اللّٰه: «إِنِّي أَعْلَمُ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ»(1)قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها.(2)6. حدّثني أبي، حدّثنا عصام بن خالد الحضرمي، حدّثنا العطاف بن خلد، عن شيخ من أهل البصرة، حدّثني طلحة بن عبد اللّٰه بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، حدّثني أبي، عن جدّي أنّه قال لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: يا رسول اللّٰه: العمل على ما فرغ منه أو على أمر مؤتنف؟ قال: بل على أمر قد فرغ منه. قال: قلت: يا رسول اللّٰه ففيم العمل؟ قال: «إنّ كلاً ميسر لما خلق له».(3)7. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، حدّثنا ابن أبي ليلى، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: «يَمْحُوا اَللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ»(4)قال: إلّاالشقاء والسعادة والحياة والموت.(5)8. حدّثني أبي، حدّثنا إسحاق بن عيسى، أخبرني مالك، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاووس اليماني، قال: «أدركت ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم يقولون كلّ شيء بقدر، قال: وسمعت عبد اللّٰه بن عمر يقول: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «كلّ شيء بقدر حتى العجز والكيس».(6)(9). حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن سعيد بن حيّان، عن يحيى بن يعمر، قال: «قلت لابن عمر: إنّ ناساً عندنا يقولون: الخير والشر
بقدر، وناس عندنا يقولون: الخير بقدر والشر ليس بقدر. فقال ابن عمر: إذا رجعت إليهم فقل لهم: إنّ ابن عمر يقول إنّه منكم بريء وأنتم منه براء.(1)10. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا سفيان، عن عمرو بن محمد، قال: كنت عند سالم بن عبد اللّٰه فجاءه رجل فقال:
الزنى بقدر؟ فقال: نعم. قال: كتبه علي؟! قال: نعم، قال: كتبه علي؟ قال: نعم. ويعذبني عليه؟ قال: فأخذ له الحصا.(2)11. حدّثني أبي، حدّثنا عبد الرزاق، أنا معمر، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطأة: أما بعد، فإن استعمالك سعد بن مسعود على عمان كان من الخطايا التي قدر اللّٰه عليك، وقدر أن تبتلى بها.(3)12. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، حدّثنا العلاء بن عبد الكريم سمعت مجاهداً يقول: لَهُمْ أَعمال مِنْ دُون ذٰلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ، قال: أعمال لابدّ لهم من أن يعملوها.(4)13. حدّثني أبي، حدّثنا وكيع، وابن بشر قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: «مٰا أَصٰابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ»(5)وأنا قدرتها عليك.(6)1(4). حدّثني أبي، حدّثنا عبد الصمد، حدّثنا حماد، حدّثنا حميد، قال قدم الحسن مكة، فقال لي فقهاء مكة: الحسن بن مسلم وعبد اللّٰه بن عبيد لو
كلمت الحسن فأخلأنا يوماً، فكلّمت الحسن فقلت: يا أبا سعيد إخوانك يحبون أن تجلس لهم يوماً، قال: نعم ونعمة عين، فواعدهم يوماً فجاءوا فاجتمعوا وتكلّم الحسن وما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده أبلغ منه ذلك اليوم، فسألوه عن صحيفة طويلة فلم يخطئ فيها شيئاً إلّافي مسألة. فقال له رجل: يا أبا سعيد من خلق الشيطان؟ قال: سبحان اللّٰه، سبحان اللّٰه، وهل من خالق غير اللّٰه! ثمّ قال: إنّ اللّٰه خلق الشيطان وخلق الشر وخلق الخير، فقال رجل منهم: قاتلهم اللّٰه يكذبون على الشيخ.(1)15. حدّثني أبي، حدّثنا إسماعيل - يعني ابن علية -، حدّثنا خالد الحذّاء قال: قلت للحسن: أرأيت آدم، أللجنة خلق أم للأرض؟ قال:
للأرض. قال: قلت: أرأيت لو اعتصم؟ قال: لم يكن بدّمن أن يأتي على الخطيئة.(2)
إنّ دلالة الأحاديث المتقدّمة على التشبيه والتجسيم ممّا لا كلام فيه غير أنّ جماعة منهم - لأجل الفرار عنهما - يتدرعون بلفظة «بلا كيف ولا تشبيه» أو غيرهما من العبارات المشابهة. فيقولون تارة: إنّ للّٰه يداً ورجلاً ووجهاً وقدماً بلا كيف ولا تشبيه، وأُخرى: إنّ للّٰه يداً لا كالأيدي، ووجهاً لا كالوجوه، وقدماً لا كالأقدام، وثالثة: إنّ له يداً تناسب ذاته، وهكذا سائر الأعضاء.
يقول الإمام الخطابي: وليست اليد عندنا الجارحة وإنّما هي صفة جاء
بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاء ولا نكيّفها وهذا مذهب أهل السنّة والجماعة.(1)ويقول ابن عبد البر: أهل السنّة مجمعون على الإقرار بهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنّة ولم يكيفوا شيئاً فيها.(2)إلى غير ذلك من الكلمات التي اتخذتها الأشاعرة وقبلهم بعض الحنابلة درعاً يتّقون به عار التشبيه والتمثيل. وسيوافيك عند البحث عن عقائد الأشاعرة أنّ هذه الألفاظ لا تفيد شيئاً، وإليك إجمال ذلك:
أوّلاً: إذا كان المصدر للاعتقاد بأنّ للّٰه سبحانه أعضاء هي هذه الأحاديث - أو بعض الآيات على ما زعموا - فليس فيها شيء يدل على هذه الكلمة: «بلا كيف»، بل هي إضافة منهم بلا دليل. فليس لأهل الحديث الذين يفرون من التأويل، وحتى يسمّون الحمل على المجاز والكناية تأويلاً، إلاّ الأخذ بحرفية هذه الأحاديث بتمامها، لا التصرف فيها.
وثانياً: إنّ اليد وأضرابها، موضوعة حسب اللغة للأعضاء المحسوسة التي يعرفها كلّ من عرف اللغة، فإجراء هذه الصفات عليه سبحانه يمكن بإحدى صورتين:
أن يجري عليه بما هو المتبادر عند أهل اللغة بلا تصرف فيه. وهذا ما عليه المشبّهة والمجسّمة.
أن يجري عليه بما أنّها كناية عن معان، كالبخل في قول اليهود «يَدُ
اَللّٰهِ مَغْلُولَةٌ»(1)، والإحسان والجود في قوله سبحانه: «بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ»(2)، وهذا ما عليه أهل التنزيه، وليس ذلك تأويلاً للقرآن أبداً ولا اتّباعاً لخلاف الظاهر، إذ لهذه الألفاظ عند الإفراد ظهور تصوّري ويراد منها الأعضاء، وعند التركيب مع سائرها والوقوع في طي الجمل ظهور آخر، فربما يتّحد الظهوران، مثل قولك لولدك: اغسل يدك قبل الغذاء. وربما يختلفان كما في الجملتين المتقدّمتين، وليس هنا وجه ثالث حتى يتدرّع به أهل الحديث والحنابلة، دعاة التنزيه لفظاً لا معنى. وما يتفوّه به هؤلاء من أنّ للّٰه يداً لا كالأيدي، فإن رجع إلى أحد هذين المعنيين فنعم الوفاق إمّا مع أهل التشبيه أو مع أهل التنزيه، وإلّا فيكون أشبه بلقلقة اللسان.
وباختصار: إنّ القائل بأنّ له يداً لا يخلو في إجراء اللفظ عليه سبحانه أن يريد أحد وجهين: إمّا أن يريد المعنى الحقيقي وهو العضو المحسوس فيكون مجسّماً ومشبّهاً، أو يريد المعنى المجازي وهو البخل أو الجود فيكون مؤوّلاً، وهو يتحرز عن كلتا الطائفتين، فليس هنا وجه ثالث يلتجئ إليه أهل الحديث والحنابلة والأشاعرة.
فظهر أنّ قولهم بأنّ للّٰه يداً كالأيدي، لا مفاد صحيح له.
وبعبارة ثالثة: إنّ لفظة اليد إمّا مشترك معنوي يطلق على جميع مصاديقه وأفراده من الواجب والممكن بوضع ومعنى واحد. أو مشترك لفظي يجري على كلّ من الواجب والممكن بمعنى ووضع خاص.
فعلى الأوّل يجب أن يكون بين يد الإنسان ويد الواجب وجه مشترك وهو عين القول بالتشبيه.
وعلى الثاني يجب أن يكون المعنى الذي يجري على الإنسان مبائناً لما يجري على اللّٰه سبحانه فهل هو البخل والجود؟ فهذا هو التأويل بزعمكم، أو غيرهما فبيّنوه لنا ما هو؟
ربما يتصوّر القارئ أنّ أمثال كتاب «السنّة» لابن حنبل وكتاب «التوحيد» لابن خزيمة، تشتمل على أحاديث التشبيه والتجسيم، وأمّا الصحاح فهي خالية عن هذه الأساطير. ولكنّه إذا سبرها سرعان ما يرجع عن هذه الفكرة ويرى أنّ الصحاح كلّها وعلى رأسها الصحيحان قد زخرت بها، حتّى مع غض النظر عن رؤية اللّٰه بهذه العيون المادية على ما رووا عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم من أنّه قال: «إنّكم ترون ربّكم عياناً كما ترون هذا القمر» فالصحاح أيضاً تزخر بأحاديث التشبيه والتجسيم والجبر وما أشبه ذلك التي ورثها الرواة المسلمون من اليهود المجسمة والمجبرة...
وإليك نماذج من ذلك:
قد احتل تحيّز اللّٰه سبحانه بمكان معين في الصحاح مكانة عظيمة فتارة ترى أنّ مكانه حيال المصلّي وأمام وجهه، وأُخرى بأنّه فوق العرش
وهو يئط تحته أطيط الرحل بالراكب، وثالثة بين السحب الكثيفة، وإليك بعض ما روي في ذلك المجال:
قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: ويحك أتدري ما تقول؟ وسبح رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فمازال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثمّ قال:
ويحك إنّه لا يستشفع باللّٰه على أحد من خلقه، شأن اللّٰه أعظم من ذلك، ويحك أتدري ما اللّٰه: إنّ عرشه على سماواته لهكذا، وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب.
قال ابن بشار: إنّ اللّٰه فوق عرشه وعرشه فوق سماواته.(2)3. روى أبو رزين قال: قلت: يا رسول اللّٰه أين كان ربنا قبل أن يخلق
خلقه؟ قال: «كان في عماء، ما تحته هواء و ما فوقه هواء و ماء ثمّخلق عرشه على الماء».(1)قال ابن منظور: العماء (ممدودة): السحاب المرتفع وقيل الكثيف. قال أبو زيد هو شبه الدخان يركب رؤوس الجبال وقال ابن سيده:
العماء: الغيم الكثيف الممطر.
وعلى هذه الأحاديث نسجت عقيدة أهل الحديث والسلفية، وقال ابن تيمية محيي طريقتهم في القرن الثامن بعد اندراسها:
إنّه سبحانه فوق سماواته على عرشه، علي على خلقه.(2)إنّ هذه الروايات ونظائرها التي اكتفينا بالقليل منها أوجدت حجاباً غليظاً أمام الحقائق، فلم يقدر أحد حتى المتحرّرون من أهل السنّة كالشيخ محمّد عبده وأتباع منهجه وتلامذة مدرسته على رفض تلك النصوص المخالفة للعقل الذي به عرف سبحانه وصدق نبيّه وإعجاز كتابه.
حتى التجأ الإمام أحمد - لأجل هذه الأحاديث - إلى تأويل الآيات الدالّة على كونه سبحانه محيطاً بالعالم كلّه، أعني قوله سبحانه: «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ»(3)وقال: إنّ المراد هو إحاطة علمه سبحانه لا معيته وجوداً.(4)
لم يقتنع أصحاب الحديث بما وصفوا به سبحانه من نسبة التحيز والمكان إليه حتى أثبتوا له الهبوط إلى السماء الدنيا. روى أبو هريرة أنّ
رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فاغفر له؟».(1)بل لم يقتنعوا بهذا وأثبتوا له الضحك. وهذا البخاري روى في حديث: فلمّا أصبح غدا إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فقال: ضحك اللّٰه الليلة أو عجب من فعالكما.(2)وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «يضحك اللّٰه لرجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة». قالوا:
كيف يا رسول اللّٰه؟ قال: «يقتل هذا فيلج الجنة ثمّ يتوب اللّٰه على الآخر فيهديه إلى الإسلام ثمّ يجاهد في سبيل اللّٰه فيستشهد».(3)
وذهب أصحاب الصحاح في هذا المجال إلى أكثر من ذلك ولم يقفوا عند ما ذكرناه من الصفات حتى أخذوا يصوّرونه كإنسان له أعضاء كالوجه واليد والأصابع والحقو، والساق والقدم، والقلم يخجل من نشر هذه الأساطير التي أدرجت - مع الأسف - باسم الحديث عن النبي الخاتم صلى الله عليه و آله و سلم
في الكتب وزخرت بها الصحاح، ونسجت على منوالها العقائد والأُصول، وعدّ من خالفها مرتداً كافراً يضرب عنقه وتقسم أمواله على الورثة.
ولأجل إيقاف القارئ على صدق ما ادّعيناه في حقّ أصحاب الصحاح نأتي من كلّ مورد بنموذج أو نموذجين:
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «خلق اللّٰه آدم على صورته طوله ستون ذراعاً...».(1)عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإنّ اللّٰه خلق آدم على صورته».(2)وقد أخذه أبو هريرة عن الأحبار و على رأسهم كعب الأحبار أُستاذه في الأساطير والقصص. فهذه هي التوراة قد جاء فيها في الإصحاح الخامس من سفر التكوين: لما خلق اللّٰه آدم، خلقه على صورة اللّٰه.
وكان على أبي هريرة أن يبيّن عرض وجه آدم بعد أن بين أنّ طوله كان ستين ذراعاً، واللّٰه يعلم طول وجهه وعرضه وهو القائل «لَقَدْ خَلَقْنَا اَلْإِنْسٰانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ».(3)
روى أبوهريرة عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إنّ يمين اللّٰه ملأى لاتغيضها نفقة،
سحّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنّه لم ينقص ما في يمينه، وعرشه على الماء وبيده الأُخرى الفيض أو القبض، يرفع ويخفض».(1)
روي عن عبد اللّٰه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فقال: يا محمد إنّ اللّٰه يجعل السماوات على أصبع والأرضين على اصبع والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخلائق على أصبع فيقول أنا الملك. فضحك النبي صلى الله عليه و آله و سلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثمّ قرأ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «وَ مٰا قَدَرُوا اَللّٰهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَ اَلْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ وَ اَلسَّمٰاوٰاتُ مَطْوِيّٰاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحٰانَهُ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ».(2)
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «خلق اللّٰه الخلق فلمّا فرغ قامت الرحم فأخذت بحقو الرحمن، فقال له: مه، قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: ألا ترضين أنّ أصل من وصلك، وأقطع من قطعك، قالت: بلى يا رب، قال: فذاك».(4)
روي عن أبي سعيد قال: سمعت النبي يقول: «يكشف ربّنا عن ساقه فيسجد له كلّ مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاء وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً».(1)
روي عن أنس، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يضع قدمه فتقول: قط قط».(2)هذه نماذج ممّا ورد في الصحاح من أحاديث التشبيه والتجسيم اكتفينا من كلّ مورد بحديث واحد. وقد تركت هذه الأحاديث آثاراً سلبية في معتقدات المسلمين، فمن مشبه يقول: اعفوني من الفرج واللحية وسلوني عمّا وراء ذلك(3)، إلى متمسك بظواهرها لكن بلا تكييف، إلى مؤول يحملها على معان بعيدة عن ظاهرها ليتخلص عن مغبة التجسيم.
ولو أنّهم رجعوا إلى الذكر الحكيم وعرضوا هذه الأحاديث عليه لميّزوا الصحيح عن الزائف، والمقبول عن المردود.
«وَ لَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مٰا يُوعَظُونَ بِهِ لَكٰانَ خَيْراً لَهُمْ».(4)
ذلك بعض ما ورد في الصحاح حول التجسيم والتشبيه وإنّا نجل النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم وصحابته الأخيار عن أن ينبسوا بشيء منها ببنت شفة، وإنّما هي أساطير وأوهام أخذها الضعاف من الرواة عن الأحبار والرهبان من دون اكتراث ولا مبالاة.
وأمّا أحاديث الجبر ونفي الاختيار وأنّ الإنسان في الحياة كالريشة في مهب الرياح فحدّث عنها ولا حرج. فالصحاح تزخر بها في باب الإيمان بالقدر، وسيوافيك بعضها عند البحث عنه، ولو صحت هذه الأحاديث لما بقي لبعث الأنبياء وتكليف العباد بالواجبات والمحرّمات وغيرها معنى معقول.
ونذكر هنا ما لا نذكره هناك:
لا يا رسول اللّٰه إلّاأن تخبرنا. فقال للذي بيده اليمنى: هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل الجنّة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثمّ أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً، وقال للذي في شماله: هذا كتاب من ربّ العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثمّ أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً. قال أصحابه: ففيم العمل يا رسول اللّٰه إن كان أمر قد فرغ منه؟ فقال: سدّدوا وقاربوا فإنّ صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنّة، وإن عمل أي عمل، وإنّ صاحب النار يختم له بعمل أهل النار،
وإن عمل أي عمل، ثمّ قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بيده فنبذهما ثمّ قال: فرغ ربكم من عمل العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير.(1)ولا يخفى أنّ السؤال الوارد في الحديث موجه جدّاً، والجواب عنه غير مقنع، فما معنى قوله: «سددوا وقاربوا»؟ لأنّه إذا كان الأمر قد فرغ منه فما معنى التسديد والتقارب؟! وما معنى الحث على التوبة والإنابة؟! ولماذا جعل فريقاً في الجنّة وفريقاً في السعير مع كونه رحماناً على الكل، لا قسيّاً ولا متعنّتاً؟!
ما منكم من أحد أو من نفس منفوسة، إلّاوقد كتب اللّٰه مكانها من الجنة والنار، وإلّا
وقد كتبت شقية أو سعيدة فقال رجل: يا رسول اللّٰه أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فمن كان منّا من أهل السعادة ليكونن إلى أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة ليكونن إلى أهل الشقاوة. فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: بل اعملوا فكلّ ميسر، فأمّا أهل السعادة، فييسّرون لعمل أهل السعادة، وأمّا أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثمّ قرأ «فَأَمّٰا مَنْ أَعْطىٰ وَ اِتَّقىٰ * وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرىٰ * وَ أَمّٰا مَنْ بَخِلَ وَ اِسْتَغْنىٰ * وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرىٰ»(1).(2)3. وفي أُخرى للترمذي: قال: بينما نحن مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وهو ينكت في الأرض إذ رفع رأسه إلى السماء ثمّ قال: ما منكم من أحد إلّا قد علم - و في رواية إلّاقد كتب - مقعده من النار ومقعده من الجنة، قالوا: أفلا نتّكل يا رسول اللّٰه؟ قال: لا، اعملوا، فكلّميسر لما خلق له. وأخرج أبو داود الرواية الأُولى من روايتي الترمذي.(3)و هذه الروايات لا تصف العبد فقط بأنّه مكتوف اليد بل تصف اللّٰه أيضاً مكتوف اليد ومغلولها فلا يخضع القدر لقدرته، فلا يقدر على تغييره وتبديله. وهذا بنفسه نفس عقيدة اليهود التي نقلها القرآن عنهم «وَ قٰالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللّٰهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمٰا قٰالُوا بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشٰاءُ».(4)
السابر في كتب أهل الحديث يرى أنّهم يهتمون بأمر التقدير أكثر من اهتمامهم بسائر المسائل العقائدية، وكأنّ الاعتقاد بالتقدير عندهم أهمّ من الاعتقاد بالمبدأ والمعاد.
ولأجل ذلك لا ترى تشاجراً ولا بحثاً مبسوطاً حول إمكان المعاد، ورفع شبهاته وتبيين خصوصياته. ولكن التقدير قد احتل مكانة مرموقة في مجال العقيدة.
وهذا القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى قد أخرج في كتابه ما أملاه أحمد ابن محمد بن حنبل أو كتبه باسم «عقيدة أهل السنّة» وممّا جاء فيه(1): قال: والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوّله وآخره، من اللّٰه، قضاء قضاه، وقدر قدّره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة اللّٰه عزّوجلّ، ولا يجاوز قضاءه، بل هم كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقفون فيما قدر عليهم لأفعاله، وهو عدل منه عزّربّنا وجل، والزنى والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك باللّٰه والمعاصي كلّها بقضاء وقدر، من غير أن يكون لأحد من الخلق على اللّٰه حجّة، بل للّٰه الحجّة البالغة على خلقه، «لاٰ يُسْئَلُ عَمّٰا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ»(2)، وعلم اللّٰه عزّ وجلّ ماض في خلقه
بمشيئة منه، قد علم من إبليس ومن غيره ممّن عصاه - من لدن أن عصى تبارك و تعالى إلى أن تقوم الساعة - المعصية، وخلقهم لها، وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها. وكلّ يعمل لما خلق له، وصائر لما قضى عليه وعلم منه، لا يعدو واحد منهم قدر اللّٰه ومشيئته. واللّٰه الفاعل لما يريد، الفعّال لما يشاء.
ومن زعم أنّ اللّٰه شاء لعباده الذين عصوه الخير والطاعة وأنّ العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية، فعملوا على مشيئتهم، فقد زعم أنّ مشيئة العباد أغلظ من مشيئة اللّٰه تبارك و تعالى، فأي افتراء أكثر على اللّٰه عزّوجلّ من هذا؟
ومن زعم أنّ الزنى ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة، حملت من الزنى وجاءت بولد، هل شاء اللّٰه عزّوجلّ أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى في سابق علمه؟ فإن قال: لا، فقد زعم أنّ مع اللّٰه خالقاً وهذا هو الشرك صراحاً.
ومن زعم أنّ السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام، ليس بقضاء وقدر، فقد زعم أنّ هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره، وهذا صراح قول المجوسية. بل أكل رزقه وقضى اللّٰه أن يأكله من الوجه الذي أكله.
ومن زعم أنّ قتل النفس ليس بقدر من اللّٰه عزّوجلّ، وأنّ ذلك (ليس) بمشيئته في خلقه، فقد زعم أنّ المقتول مات بغير أجله. وأي كفر أوضح من هذا. بل ذلك بقضاء اللّٰه عزّ وجلّ وذلك بمشيئته في خلقه، وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم. وهو العدل الحقّ الذي يفعل ما يريد، ومن
أقرّ بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصغر والقماءة.(1)وسيوافيك تمام الرسالة في الفصل القادم.
وممّا يوجب الأسف أنّ الوهابية أخذت تروّج عقائد التجسيم والتشبيه، وإليك قصيدة في ذلك الباب نشرت في عاصمة التوحيد مكة المكرمة:
للّٰه وجه لا يحد بصورة *** ولربّنا عينان ناظرتان
وله يدان كما يقول إلهنا *** ويمينه جلّت عن الأيمان
كلتا يديه يمين وصفها *** فهما على الثقلان منفقتان(2)
كرسيه وسع السماوات العلى *** والأرض وهو يعمه القدمان
واللّٰه يضحك لا كضحك عبيده *** والكيف ممتنع على الرحمن
واللّٰه ينزل كلّ آخر ليلة *** لسمائه الدنيا بلا كتمان
فيقول: هل من سائل فأجيبه *** فأنا القريب أجيب من ناداني
من قصيدة عبد اللّٰه بن محمد الأندلسي المالكي نشرت في «أربح البضاعة في معتقد أهل السنّة والجماعة» ص 32 جمع علي بن سليمان آل يوسف، منشور مكة المكرمة سنّة 1393 ه. كما في التمهيد، الجزء الثالث ص 90 لشيخنا الحجة محمّد هادي معرفة - دام ظلّه -.
إنّ هذه الروايات التي سبقت تمثل عقائد أهل الحديث في العصور الأُولى الإسلامية حيث نسجت العقائد عليها وحيكت على منوالها، وقد بلغت بشاعة الأمر إلى حدّ أوجبت سقوط عقيدة أهل الحديث عن مقامها في نفوس الناس بعد ما انتشرت في أرجاء البلاد، ولولا ثورة الإمام الأشعري على عقيدة أهل الحديث لكانت البشاعة أكثر.
ونحن نأتي في هذا المجال ببعض الرسائل المدونة لبيان عقيدة أهل الحديث والحنابلة:
إنّ إمام الحنابلة كتب رسالة صغيرة حول عقيدة أهل الحديث والسنّة وهي أخف وطأة ممّا ورد في كتب الحديث، وإليك نصّ تلك الرسالة.
قال: هذه مذاهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنّة، المتمسّكين بعروتها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم إلى يومنا هذا. وأدركت من أدركت - من علماء الحجاز والشام وغيرها - عليها.
فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو
مخالف مبتدع، وخارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنّة، وسبيل الحقّ.
فكان قولهم: إنّ الإيمان قول وعمل ونية، و تمسّك بالسنّة. والإيمان يزيد وينقص. ويستثنى في الإيمان، من غير أن يكون لشك. إنّما هو سنّة ماضية عن العلماء.
فإذا سئل الرجل: مؤمن أنت؟ فإنّه يقول: أنا مؤمن إن شاء اللّٰه. ومؤمن أرجو، أو يقول: آمنت باللّٰه وملائكته وكتبه ورسله.
ومن زعم أنّ الإيمان قول بلا عمل، فهو مرجئي.
ومن زعم أنّ الإيمان هو القول، والأعمال فشرائع: فهو مرجئي.
ومن زعم أنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فقد قال بقول المرجئة.
ومن أنكر الاستثناء في الإيمان، فهو مرجئي.
ومن زعم أنّ إيمانه كإيمان جبريل والملائكة فهو جهمي.
والقدر خيره وشره، وقليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومرّه، ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيّئه، وأوّله وآخره.
واللّٰه عزّوجلّ قضى قضاءه على عباده، لا يجاوزون قضاءه، بل هم كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم لا محالة، وهو عدل منه عزّ وجلّ.
والزنى والسرقة، وشرب الخمر، وقتل النفس، وأكل المال الحرام، والشرك باللّٰه عزّ وجلّ، والذنوب والمعاصي، كلّها بقضاء وقدر من اللّٰه عزّ
وجلّ، من غير أن يكون لأحد من الخلق على اللّٰه حجّة، بل للّٰه عزّوجلّ الحجّة البالغة على خلقه «لاٰ يُسْئَلُ عَمّٰا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ».
وعلم اللّٰه عزّ وجلّ ماض في خلقه بمشيئة منه، قد علم من إبليس ومن غيره ممّن عصاه - من لدن أن عصاه إبليس إلى أن تقوم الساعة - المعصية، وخلقهم لها، وعلم الطاعة من أهل الطاعة وخلقهم لها، فكلّ يعمل بما خلق له، وصائر إلى ما قضى اللّٰه عليه منه، لم يعد أحد منهم قدر اللّٰه عزّوجلّ ومشيئته، واللّٰه الفعّال لما يريد.
ومن زعم أنّ اللّٰه عزّ وجلّ شاء لعباده الذين عصوا، الخير والطاعة وأنّ العباد شاءوا لأنفسهم الشر والمعصية، يعملون على مشيئتهم، فقد زعم أنّ مشيئة العباد أغلب من مشيئة اللّٰه عزّ وجلّ. فأيّ افتراء على اللّٰه أكبر من هذا؟!
ومن زعم أنّ الزنى ليس بقدر، قيل له: أرأيت هذه المرأة حملت من الزنى، وجاءت بولد، هل شاء اللّٰه عزّوجلّ أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى هذا في سابق علمه؟ فإن قال: لا، فقد زعم أنّ مع اللّٰه تعالى خالقاً وهذا هو الشرك صريحاً.
ومن زعم أنّ السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام، ليس بقضاء فقد زعم أنّ هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره. وهذا يضارع قول المجوسية. بل كلّ رزقه اللّٰه، وقضى اللّٰه عزّوجلّ أن يأكله من الوجه الذي أكله.
ومن زعم أنّ قتل النفس ليس بقدر من اللّٰه عزّوجلّ، فقد زعم أنّ
المقتول مات بغير أجله، وأيّ كفر أوضح من هذا؟ بل كان ذلك بقضاءاللّٰه عزّ وجلّ وقدره وكلّ ذلك بمشيئته في خلقه، وتدبيره فيهم، وما جرى من سابق علمه فيهم. وهو العدل الحقّ الذي يفعل ما يريد.
ومن أقرّ بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة.
ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنّه في النار لذنب عمله ولا بكبيرة أتاها، إلّاأن يكون في ذلك حديث، فنروي الحديث كما جاء على ما روي. نصدق به. ونعلم أنّه كما جاء. ولا تنقض الشهادة.
والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، ليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها، ولا يخرج عليهم، ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة.
والجهاد ماض، قائم مع الإمام، برّاً أو فاجراً. ولا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل.
والجمعة والحجّ والعيدان مع الأئمّة، وإن لم يكونوا بررة عدولاً أتقياء.
ودفع الصدقات والأعشار والخراج والفيء، والغنائم إلى الأُمراء، عدلوا فيها أو جاروا. والانقياد لمن ولّاه اللّٰه عزّوجلّ أمركم لا تنزع يداً من طاعته، ولا تخرج عليه بسيفك، يجعل اللّٰه لك فرجاً ومخرجاً، ولا تخرج على السلطان، بل تسمع وتطيع، فإن أمرك السلطان بأمر، هو للّٰه عزّ وجلّ معصية، فليس لك أن تطيعه وليس لك أن تخرج عليه، ولا تمنعه حقّه، ولا تعن على فتنة بيد ولا لسان، بل كفّ يدك ولسانك، وهواك. واللّٰه عزّوجلّ المعين.
والكفّ عن أهل القبلة. ولا نكفر أحداً منهم بذنب، ولانخرجهم عن
الإسلام بعمل، إلّاأن يكون في ذلك حديث فيروى كما جاء، وكما روي، ونصدقه ونقبله ونعلم أنّه كما روي نحو ترك الصلاة وشرب الخمر، وما أشبه ذلك أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج عن الإسلام فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.
ولا أحب الصلاة خلف أهل البدع، ولا الصلاة على مَن مات منهم.
والأعور الدجّال خارج لا شكّ في ذلك ولا ارتياب. وهو أكذب الكذّابين.
وعذاب القبر حقّ. يسأل العبد عن دينه، وعن ربّه، ويرى مقعده من النار والجنة.
ومنكر ونكير حق وهما فتانا القبور، نسأل اللّٰه عزّوجلّ الثبات.
وحوض النبي صلى الله عليه و آله و سلم حقّ، ترده أُمّته، وله آنية يشربون بها منه.
والصراط حق يوضع على شفير جهنم ويمر الناس عليه، والجنة من وراء ذلك، نسأل اللّٰه عزّوجلّ السلامة في الجواز.
والميزان حقّ، توزن به الحسنات والسيّئات، كما شاء أن توزن.
والصور حقّ، ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام فيموت الخلق، ثمّ ينفخ فيه أُخرى فيقومون لربّ العالمين عزّ وجلّ للحساب والقصاص والثواب والعقاب.
والجنة والنار واللوح المحفوظ حقّ، تستنسخ منه أعمال العباد ممّا سبقت فيه من المقادير والقضاء.
والقلم حقّ، كتب اللّٰه به مقادير كلّ شيء وأحصاه في الذكر تبارك وتعالى.
والشفاعة حقّيوم القيامة، يشفع قوم في قوم فلا يصيرون إلى النار، ويخرج قوم من النار بعدما دخلوها بشفاعة الشافعين، ويخرج قوم من النار برحمة اللّٰه عزّوجلّ بعدما لبثوا فيهاما شاء اللّٰه عزّوجلّ، وقوم يخلدون فيها أبداً، وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر باللّٰه عزّ وجلّ.
ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنّة والنار.
وقد خلقت النار وما فيها، وخلقت الجنة وما فيها، خلقهما اللّٰه عزّوجلّ، ثمّ خلق الخلق لهما، لا يفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبداً.
فإن احتج مبتدع بقوله تعالى: «كُلُّ شَيْءٍ هٰالِكٌ إِلاّٰ وَجْهَهُ»(1)ونحو هذا من متشابه القرآن.
قيل له: كلّ شيء ممّا كتب اللّٰه عزّوجلّ عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقهما اللّٰه عزّوجلّ للبقاء لا للفناءولا للهلاك، وهما من الآخرة لا من الدنيا.
والحور العين، لا يمتن عند قيام الساعة، ولا عند النفخة أبداً لأنّ اللّٰه عزّ وجلّ خلقهنّ للبقاء، لا للفناء، ولم يكتب عليهن الفناء ولا الموت، فمن قال خلاف ذلك فهو مبتدع.
وخلق اللّٰه سبع سماوات، بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض.
1) . القصص: 88.
وبين الأرض العليا والسماء الدنيا خمسمائة عام، وبين كلّ سماءين مسيرة خمسمائة عام. والماء فوق السماء السابعة، وعرش الرحمن تبارك وتعالى فوق الماء. واللّٰه عزّوجلّ على العرش. وهو يعلم ما في السماوات السبع والأرضين السبع و [ما] بينهما وما تحت الثرى، وما في قعر البحار ومنبت كلّ شعرة، وكل شجرة، وكل زرعة، وكل نبت، ومسقط كلّ ورقة، وعدد ذلك وعدد الحصا والرمل والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد وآثارهم، وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كلّ شيء لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو على العرش، فوق السماء السابعة وعنده حجب من نار ونور وظلمة وماء، وهو أعلم بها.
فإن احتجّ مبتدع أو مخالف بقوله تعالى: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ»(1)، أو بقوله عزّ وجلّ: «وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مٰا كُنْتُمْ»(2)، أو بقوله تعالى: «مٰا يَكُونُ مِنْ نَجْوىٰ ثَلاٰثَةٍ إِلاّٰ هُوَ رٰابِعُهُمْ»(3)، ونحو هذا من متشابه القرآن.
قيل: إنّما يعني بذلك العلم. لأنّ اللّٰه تبارك وتعالى على العرش فوق السماء السابعة العليا، يعلم ذلك كلّه، وهو تعالى بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان، واللّٰه تعالى على العرش. وللعرش حملة يحملونه. واللّٰه عزّوجلّ على عرشه.
واللّٰه تعالى سميع لا يشكّ، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا
يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان(1)لا يسهو، قريب لا يغفل، يتكلّم ويسمع وينظر، ويبصر ويضحك، ويفرح ويحب، ويكره ويبغض، ويرضى ويغضب ويسخط، ويرحم ويعفو ويعطي ويمنع، وينزل تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا كيف يشاء «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ»(2)، وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الربّ عزّوجلّ، يقلبها كيف يشاء ويوعيها ما أراد.
وخلق اللّٰه عزّوجلّ آدم عليه السلام بيده والسماوات والأرض يوم القيامة في كفّه. ويخرج قوماً من النار بيده، وينظر أهل الجنة إلى وجهه.
ويرونه فيكرمهم ويتجلى لهم فيعطيهم. ويعرض عليه العباد يوم الفصل والدين، ويتولّى حسابهم بنفسه، لا يولى ذلك غيره عزّ وجلّ.
والقرآن كلام اللّٰه، ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر.
ومن زعم أنّ القرآن كلام اللّٰه عزّوجلّ ووقف، ولم يقل: مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل. ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام اللّٰه فهو جهمي. ومن لم يكّفر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم.
وكلّم اللّٰه موسى تكليماً، من اللّٰه سمع موسى يقيناً، وناوله التوراة من يده، ولم يزل اللّٰه متكلماً عالماً، تبارك اللّٰه أحسن الخالقين.
والرؤيا من اللّٰه عزّ وجلّ حقّ، إذا رأى صاحبها شيئاً في منامه يقصّها على عالم، وقد كانت الرؤيا من الأنبياء وحياً.
ومن السنّة: ذكر محاسن أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم كلّهم أجمعين والكفّ عن الذي شجر بينهم. فمن سب أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، أو واحداً منهم، فهو مبتدع رافضي، حبهم سنّة، الدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة.
وخير هذه الأُمّة - بعد نبيّها صلى الله عليه و آله و سلم - أبو بكر، وخيرهم - بعد أبي بكر - عمر، وخيرهم - بعد عمر - عثمان، وخيرهم - بعد عثمان - علي، رضوان اللّٰه عليهم، خلفاء راشدون مهديون. ثمّ أصحاب محمد صلى الله عليه و آله و سلم بعد هؤلاء الأربعة، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم، ولا يطعن على أحد منهم، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ثمّ يستتيبه، فإن تاب قبل منه. وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة. وجلده في المجلس حتى يتوب ويراجع.(1)ثمّ إنّ الشيخ أبا جعفر المعروف بالطحاوي المصري (المتوفّى عام 321 ه) كتب رسالة حول عقيدة أهل السنّة تشتمل على مائة وخمسة أُصول، زعم أنّها عقيدة الجماعة والسنّة على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، وأبي عبد اللّٰه محمّد بن الحسن الشيباني، والرسالة صغيرة كتب عليها تعاليق وشروح كثيرة.
1) . السنّة: 44-50.
ولمّا ثار الإمام الأشعري على المعتزلة وانخرط في سلك أهل الحديث، جاء في الباب الثاني من كتاب «الإبانة» بعقيدة أهل السنّة والجماعة في واحد وخمسين أصلاً، وإليك هذه الرسالة.
قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربّنا عزّ وجلّ، وبسنّة نبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمّة الحديث ونحن بذلك معتصمون. وبما كان يقول به أبو عبد اللّٰه أحمد بن محمد بن حنبل - نضر اللّٰه وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنّه الإمام الفاضل والرئيس الكامل، الذي أبان اللّٰه به الحقّ، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين وشك الشاكّين، فرحمة اللّٰه عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفخم، وعلى جميع أئمّة المسلمين.
وجملة قولنا:
أنا نقرّ باللّٰه، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند اللّٰه، وما رواه الثقات عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لا نرد من ذلك شيئاً.
وأنّ اللّٰه عزّوجلّ إله واحد لاإله إلّاهو، فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً.
وأنّ محمّداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحقّ.
وأنّ الجنّة والنار حقّ.
وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنّ اللّٰه يبعث من في القبور.
وأنّ اللّٰه استوى على عرشه كما قال: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ».(1)(2). وأنّ له وجهاً بلا كيف كما قال: «وَ يَبْقىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو اَلْجَلاٰلِ وَ اَلْإِكْرٰامِ».(3)8. وأنّ له يدين بلا كيف كما قال: «خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»(4)، وكما قال: «بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ».(5)9. وأنّ له عيناً بلا كيف كما قال: «تَجْرِي بِأَعْيُنِنٰا».(6)1(0). وأنّ من زعم أنّ أسماء اللّٰه غيره كان ضالاً.
وأنّ للّٰه علماً كما قال: «أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ»(7)، وكما قال: «وَ مٰا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثىٰ وَ لاٰ تَضَعُ إِلاّٰ بِعِلْمِهِ».(7)
ونثبت للّٰه السمع والبصر ولا ننفي ذلك، كما نفته المعتزلة والجهمية والخوارج.
وثبت أنّ للّٰه قوّة كما قال: «أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّ اَللّٰهَ اَلَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً».(8)1(4). ونقول: إنّ كلام اللّٰه غير مخلوق، وإنّه لم يخلق شيئاً إلّاوقد قال له:
كن فيكون، كما قال: «إِنَّمٰا قَوْلُنٰا لِشَيْءٍ إِذٰا أَرَدْنٰاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ».(1)1(2). وإنّه لا يكون في الأرض شيء من خير وشر إلّاما شاء اللّٰه، وإنّ الأشياء تكون بمشيئة اللّٰه عزّوجلّ.
وإنّ أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله اللّٰه.
ولا نستغني عن اللّٰه، ولا نقدر على الخروج من علم اللّٰه عزّوجلّ.
وإنّه لا خالق إلّااللّٰه، وإنّ أعمال العبد مخلوقة للّٰه مقدورة، كما قال: «وَ اَللّٰهُ خَلَقَكُمْ وَ مٰا تَعْمَلُونَ».(3)
وإنّ العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً وهم يخلقون، كما قال: «هَلْ مِنْ خٰالِقٍ غَيْرُ اَللّٰهِ»(4)، وكما قال: «لاٰ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ»(5)، وكما قال: «أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاٰ يَخْلُقُ»(5)، وكما قال: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ اَلْخٰالِقُونَ»(6)، وهذا في كتاب اللّٰه كثير.
وإنّ اللّٰه يقدر أن يصلح الكافرين، ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين، ولكنّه أراد أن يكونوا كافرين كما علم، وإنّه خذلهم وطبع على قلوبهم.
وإنّ الخير والشر بقضاء اللّٰه وقدره. وإنّا نؤمن بقضاء اللّٰه وقدره، خيره وشرّه، حلوه ومرّه، ونعلم أنّ ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأنّ ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأنّ العباد لا يملكون لأنفسهم ضرّاً ولا نفعاً إلّاما شاء اللّٰه، كما قال عزّوجلّ: «قُلْ لاٰ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لاٰ ضَرًّا إِلاّٰ مٰا شٰاءَ اَللّٰهُ»(1)، وإنّا نلجأ في أُمورنا إلى اللّٰه، ونثبت الحاجة والفقر في كلّ وقت إليه.
ونقول: إنّ القرآن كلام اللّٰه غير مخلوق، وإنّ من قال بخلق القرآن فهو كافر.
وندين بأنّ اللّٰه تعالى يُرى في الآخرة بالأبصار كما يُرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون كما جاءت الروايات عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.
ونقول: إنّ الكافرين محجوبون عنه إذا رآه المؤمنون في الجنة، كما قال اللّٰه عزّ وجلّ: «كَلاّٰ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ»(2)، وإنّ موسى عليه السلام سأل اللّٰه عزّوجلّ الرؤية في الدنيا، وإنّ اللّٰه تعالى تجلّى للجبل، فجعله دكّاً، فاعلم بذلك موسى أنّه لا يراه في الدنيا.
ونقول: إنّ من عمل كبيرة من هذه الكبائر مثل الزنى والسرقة وما
أشبههما مستحلاً لها غير معتقد لتحريمها كان كافراً.
ونقول: إنّ الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كلّ إسلام إيماناً.
وندين بأنّ اللّٰه تعالى يقلّب القلوب «وأنّ القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن»(1)، وأنّه سبحانه «يضع السماوات على أصبع والأرضين على أصبع»(2)كما جاءت الرواية عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم من غير تكييف.
وندين بأن لا ننزل أحداً من أهل التوحيد والمتمسكين بالإيمان جنة ولا ناراً إلّامن شهد له رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بالجنة، ونرجو الجنة للمذنبين ونخاف عليهم أن يكونوا بالنار معذبين.
ونقول: إنّ اللّٰه عزّوجلّ يخرج قوماً من النار بعد أن امتحشوا بشفاعة محمّد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم تصديقاً لما جاءت به الروايات عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.(3)
1) . رواه مسلم في صحيحه: 51/8، في القدر: باب تصريف اللّٰه تعالى القلوب كيف شاء. وأحمد: 168/2 و 173 من حديث عبد اللّٰه عمرو. وابن ماجه برقم (3834) في الدعاء: باب دعاء رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم والترمذي رقم (2141) في القدر: باب ما جاء أنّ القلوب بين أصبعي الرحمن من حديث أنس بن مالك وأحمد: 302/6 و 315 والترمذي رقم (3517) في الدعوات باب رقم 89 من حديث أُمّ سلمة وأحمد: 251/6، من حديث عائشة 302، 315.
2) . صحيح البخاري: 33/6، تفسير سورة الزمر، وج 174/8 و 202 كتاب التوحيد؛ صحيح مسلم: 125/8 و 126، باب صفة القيامة والجنة والنار والترمذي رقم (3236) و (3238) في التفسير: باب و من سورة الزمر كلّهم من حديث عبد اللّٰه بن مسعود رضي اللّٰه عنه.
3) . خروجهم من النار بعد أن امتحشوا وحديث الشفاعة، رواه البخاري في صحيحه: 196/1، باب فضل السجود، وج 202/7 و 205، كتاب الرقاق، و ج 180/8 و 182 كتاب التوحيد؛ ومسلم في صحيحه: 113/1، باب معرفة طريق الرؤية، وص 118 باب إثبات الشفاعة باسنادهما عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.
ونؤمن بعذاب القبر وبالحوض، وأنّ الميزان حقّ، والصراط حقّ، والبعث بعد الموت حقّ، وأنّ اللّٰه عزّ وجلّ يوقف العباد في الموقف ويحاسب المؤمنين.
وأنّ الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ونسلم الروايات الصحيحة في ذلك عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم التي رواها الثقات عدل عن عدل حتى تنتهي الرواية إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.
وندين بحب السلف، الذين اختارهم اللّٰه عزّوجلّ لصحبة نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم، ونثني عليهم بما أثنى اللّٰه به عليهم، ونتولاهم أجمعين.
ونقول: إنّ الإمام الفاضل بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أبو بكر الصديق رضوان اللّٰه عليه، وإنّ اللّٰه أعزّ به الدين وأظهره على المرتدين، وقدمه المسلمون للإمامة، كما قدمه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم للصلاة، وسمّوه بأجمعهم خليفة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم. ثمّعمر بن الخطاب، ثمّ عثمان بن عفان، وإنّ الذين قتلوه، قتلوه ظلماً وعدواناً، ثمّ علي بن أبي طالب رضي اللّٰه عنه، فهؤلاء الأئمّة بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وخلافتهم خلافة النبوة.
ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بها، ونتولّى سائر أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم و نكف عمّا شجر بينهم، وندين اللّٰه بأنّ الأئمّة الأربعة خلفاء راشدون مهديون فضلاء لا يوازيهم في الفضل غيرهم.
مستغفر»(1)وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافاً لما قاله أهل الزيغ والتضليل.
ونعول فيما اختلفنا فيه على كتاب ربّنا تبارك وتعالى وسنّة نبيّنا صلى الله عليه و آله و سلم، وإجماع المسلمين، وما كان في معناه، ولا نبتدع في دين اللّٰه بدعة لم يأذن اللّٰه بها، ولا نقول على اللّٰه مالا نعلم.
ونقول: إنّ اللّٰه عزّوجلّ يجيء يوم القيامة كما قال: «وَ جٰاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا»(2)، وإنّ اللّٰه عزّ وجلّ يقرب من عباده كيف شاء، كما قال: «وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ»(3)، وكما قال: «ثُمَّ دَنٰا فَتَدَلّٰى * فَكٰانَ قٰابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنىٰ».(4)
ومن ديننا أن نصلي الجمعة والأعياد وسائر الصلوات والجماعات خلف كلّ برّ وفاجر، كما روي عن عبد اللّٰه بن عمر أنّه كان يصلّي خلف الحجّاج.
وأنّ المسح على الخفين سنّة في الحضر والسفر خلافاً لقول من أنكر ذلك.
ونرى الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح والإقرار بإمامتهم، وتضليل من رأى الخروج عليهم، إذا ظهر منهم ترك الاستقامة، وندين
1) . رواه مسلم في صحيحه: 176/2، في صلاة المسافرين: باب الترغيب والدعاء والذكر في آخر الليل. وللحديث صيغ أُخرى رواها البخاري في التهجد: باب الدعاء والصلاة من آخر الليل وفي الدعوات: باب الدعاء نصف الليل وفي التوحيد: باب قوله تعالى: «يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاٰمَ اَللّٰهِ» وأبو داود رقم (4733) في السنّة. والترمذي رقم (3493) في الدعوات، وأحمد: 258/2 و 267 و 282 و 419 و 487 و 504 و 521 من حديث أبي هريرة.
2) . الفجر: 22.
3) . ق: 16.
4) . النجم: 8-9.
بإنكار الخروج عليهم بالسيف، وترك القتال في الفتنة.
ونقرّ بخروج الدجّال، كما جاءت به الرواية عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.(1)37. ونؤمن بعذاب القبر ومنكر ونكير ومسألتهما المدفونين في قبورهم.
ونصدّق بحديث المعراج.(2)39. ونصحّح كثيراً من الرؤيا في المنام ونقرّ أنّ لذلك تفسيراً.
ونرى الصدقة عن موتى المسلمين، والدعاء لهم ونؤمن بأنّ اللّٰه ينفعهم بذلك.
ونصدّق بأنّ في الدنيا سحراً وسحرة، وأنّ السحر كائن موجود في الدنيا.
وندين بالصلاة على من مات من أهل القبلة برّهم وفاجرهم وتوارثهم.
1) . صحيح البخاري: 101/8-103، في الفتن: باب ذكر الدجال و 223/2 في فضائل المدينة: باب لا يدخل الدجال المدينة؛ صحيح مسلم: 194/8 في الفتن: باب ذكر الدجال وصفته ومن معه، و الترمذي (2235) لغاية (2246) في الفتن، وأبو داود (4315) في الملاحم ولغاية (4328)، وأحمد في «المسند»: 4/1، 7؛ 33/2، 37، 67، 104، 108، 124، 131، 237، 349، 429، 457، 530؛ 42/3؛ 32/5، 38، 43، 47. وابن ماجة من (4071) ولغاية (4988) في الفتن باب فتنة الدجال.
2) . رواه البخاري في صحيحه: 248/4 باب المعراج؛ والنووي في شرح صحيح مسلم: 209/2 باب الإسراء برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم إلى السماوات، والنسائي: 221/1 في الصلاة: باب فرض الصلاة، والترمذي رقم (3130) في التفسير: باب و من سورة بني إسرائيل.
ونقرّ أنّ الجنة والنّار مخلوقتان.
وأنّ من مات أو قتل فبأجله مات أو قتل.
وأنّ الأرزاق من قبل اللّٰه عزّوجلّ يرزقها عباده حلالاً وحراماً.
وأنّ الشيطان يوسوس للإنسان ويشككه ويتخبطه خلافاً لقول المعتزلة والجهمية، كما قال اللّٰه عزّوجلّ: «اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ اَلرِّبٰا لاٰ يَقُومُونَ إِلاّٰ كَمٰا يَقُومُ اَلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ اَلشَّيْطٰانُ مِنَ اَلْمَسِّ»(1)، وكما قال: «مِنْ شَرِّ اَلْوَسْوٰاسِ اَلْخَنّٰاسِ * اَلَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ اَلنّٰاسِ * مِنَ اَلْجِنَّةِ وَ اَلنّٰاسِ».(2)4(7). ونقول: إنّ الصالحين يجوز أن يخصّهم اللّٰه عزّوجلّ بآيات يظهرها عليهم.
وقولنا في أطفال المشركين: إنّ اللّٰه يؤجّج لهم في الآخرة ناراً، ثمّ يقول لهم اقتحموها، كما جاءت بذلك الروايات.(3)
قال الحافظ في «الفتح»: 195/3 وقد صحّت مسألة الامتحان في حقّ المجنون و من مات في الفترة من طرق صحيحة. ومن الأقوال أنّهم في الجنة. قال النووي: وهو المذهب الصحيح الذي صار إليه المحقّقون لقوله تعالى: «وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولاً». وانظر «الفتح»: 195/3-196.
49. وندين اللّٰه عزّوجلّ بأنّه يعلم ما العباد عاملون، وإلى ما هم1) . البقرة: 275.
2) . الناس: 4-6.
3) . اختلف العلماء قديماً وحديثاً في أولاد المشركين على أقوال، منها القول الذي ذكره المصنّف رحمه اللّٰه أنّهم يمتحنون في الآخرة بأن ترفع لهم نار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، و من أبى عذّب. رواه البزاز من حديث أنس بن مالك وأبي سعيد الخدري رضي اللّٰه عنهما، ورواه الطبراني من حديث معاذ بن جبل رضي اللّٰه عنه.
صائرون، وما كان وما يكون، وما لا يكون إن لو كان كيف كان يكون.
وبطاعة الأئمّة ونصيحة المسلمين.
ونرى مفارقة كلّ داعية إلى بدعة ومجانبة أهل الأهواء، وسنحتج لما ذكرناه من قولنا وما بقي منه ممّا لم نذكره باباً باباً وشيئاً شيئاً، إن شاء اللّٰه تعالى.
وما طرح من الأُصول في كتاب «الإبانة» هو الذي جاء به في كتاب «مقالات الإسلاميين» عند البحث عن قول أصحاب الحديث وأهل السنّة ولو كان بينهما اختلاف فإنّما هو في العرض لا في الأصل والجوهر. ويقول بعد عرضها «فهذه جملة ما يأمرون به، ويستعملونه، ويرونه وبكلّ ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب».(1)لقد شهد التاريخ الإسلامي صراعاً عنيفاً بين الحنابلة والأشاعرة، وستوافيك صورة من ذلك في آخر هذا الجزء.
ولكن الحقّ أنّه لو كانت عقيدة الأشاعرة هي ما جاء في مقدمة رسالة «الإبانة» أو ما جاء في كتا ب «مقالات الإسلاميين» لما كان بين الفريقين أي اختلاف أبداً، وهذا ممّا يقضى منه العجب.
ولأجل ذلك - ربما - تخيّل بعضهم(2)أنّ الرسالة المطبوعة موضوعة على لسان الأشعري.
ثمّ تتابع بعده تبيين عقيدة أهل السنّة، فكتب أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى عام 377 ه) كتابه المعروف «التنبيه والرد» وذكر عقيدة أهل السنّة تحت أُصول نذكرها:
والذي ثبت عن محمد بن عكاشة أنّ أُصول السنّة ممّا اجتمع عليه الفقهاء والعلماء منهم: علي بن عاصم، وسفيان بن عيينة، وسفيان بن يوسف الفريابي، وشعيب، ومحمّد بن عمر الواقدي، وشابة بن ثوار، والفضل بن دكين الكوفي، وعبد العزيز بن أبان الكوفي، وعبد اللّٰه بن داود، ويعلى بن قبيصة، وسعيد بن عثمان، وأزهر، وأبو عبد الرحمن المقري، وزهير بن نعيم، والنضر بن شميل، وأحمد بن خالد الدمشقي، والوليد بن مسلم القرشي، والرواد بن الجراح العسقلاني، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأبو معاوية الضرير كلّهم يقولون: رأينا أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم كانوا يقولون:
الرضا بقضاء اللّٰه و التسليم لأمر اللّٰه والصبر على حكم اللّٰه.
الأخذ بما أمر اللّٰه، والنهي عمّا نهى اللّٰه عنه.
الإخلاص بالعمل للّٰه.
الإيمان بالقدر، خيره وشره من اللّٰه.
ترك المراء والجدال والخصومات في الدين.
المسح على الخفين.
الجهاد مع أهل القبلة.
الصلاة على من مات من أهل القبلة سنّة.
الإيمان يزيد وينقص قول وعمل.
القرآن كلام اللّٰه.
الصبر تحت لواء السلطان على ما كان منهم، من عدل أو جور، ولا يخرج على الأُمراء بالسيف وإن جاروا.
لا ينزل أحد من أهل التوحيد جنّة ولا ناراً.
لا يكفر أحد من أهل التوحيد بذنب، وإن عملوا الكبائر.
الكف عن أصحاب محمد صلى الله عليه و آله و سلم.
أفضل الناس بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ علي.(1)وهذا النصّ يجمع السنّة التي يدين بها أهل الحديث وقد اقتدى بهم
1) . التنبيه والرد لأبي الحسين الملطي: ص 14-15 وممّا يجب التعليق عليه: أنّ محمد بن عكاشة مرمي بالكذب ووضع الحديث، فقد قال الرازي في كتاب «الجرح والتعديل»: محمد بن عكاشة الكرماني، روى عبد الرزاق: حدّثنا عبد الرحمن قال: سئل أبو زرعة عنه؟ فقال: قد رأيته وكتبت عنه وكان كذاباً، قدم علينا مع محمد بن رافع النيسابوري وكان رفيقه، فأوّل ما أملى حديث كذب على اللّٰه عزّوجلّ وعلى رسوله. (لاحظ الجرح والتعديل للحافظ أبي حاتم الرازي: 52/8 ط الهند).
الأشعري في أكثرها، وقد تقدم الأُصول التي نسبها الأشعري إلى أهل السنّة. وهذه الأُصول التي جاء بها محمّد بن عكاشة ملفقة من أُصول اتّفق على صحتها أهل القبلة وأُصول مختلف فيها، وأُصول مزورة ومختلقة ومكذوبة على الإسلام أساساً.
ننتقل الآن للبحث عن بعض الأُصول التي زعمها أهل الحديث أُصولاً صحيحة وهي عندنا مفتعلة على الإسلام ومختلقة، ونختار منها المواضيع التالية:
إطاعة السلطان الجائر والصبر تحت لوائه.
عدالة الصحابة جميعاً.
الإيمان بالقدر خيره وشره.
الإيمان بخلافة الخلفاء.
وممّا يعجب القارئ في مثل هذه الكلمة قوله: «إنّ هؤلاء كلهم يقولون: رأينا أصحاب رسول اللّٰه كانوا يقولون»، مع أنّه ليس بين هؤلاء العلماء تابعي واحد حتى تصح منهم رؤية أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، وهذا من أغرب الغرائب!!
1
إطاعة الحاكم العادل من صميم الدين، قال سبحانه: «أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ».(1)
وليس المراد منه إطاعة مطلق ولاة الأمر، بل المراد خصوص العدول منهم بقرينة النهي عن إطاعة المسرفين والغافلين عن ذكر اللّٰه سبحانه والمكذبين والآثمين وغيرهم.
قال سبحانه: «وَ لاٰ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنٰا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنٰا وَ اِتَّبَعَ هَوٰاهُ وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً».(2)وقال سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ اِتَّقِ اَللّٰهَ وَ لاٰ تُطِعِ اَلْكٰافِرِينَ وَ اَلْمُنٰافِقِينَ».(3)وقال سبحانه: «فَلاٰ تُطِعِ اَلْمُكَذِّبِينَ».(4)وقال تعالى: «وَ لاٰ تُطِعْ كُلَّ حَلاّٰفٍ مَهِينٍ».(5)
وقال سبحانه: «فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لاٰ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً».(1)وقال تعالى: «وَ لاٰ تُطِيعُوا أَمْرَ اَلْمُسْرِفِينَ».(2)إلى غير ذلك من الآيات الناهية عن طاعة الطغاة العصاة. فبقرينة هذه الآيات الناهية يصحّ أن يقال: إنّ المراد من الأمر بإطاعة أُولي الأمر، هو إطاعة العدول منهم.
وقد تضافرت الروايات على وجوب إطاعة السلطان العادل المعربة عن عدم وجوب إطاعة السلطان الجائر أوحرمتها.
قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «السلطان العادل المتواضع، ظل اللّٰه ورمحه في الأرض ويرفع له عمل سبعين صدّيقاً».(3)وقال صلى الله عليه و آله و سلم: «ما من أحد أفضل منزلة من إمام، إن قال صدق، وإن حكم عدل، وإن استرحم رحم».(4)وقال صلى الله عليه و آله و سلم: «أحبّ الناس إلى اللّٰه يوم القيامة وأدناهم مجلساً، إمام عادل؛ وأبغض الناس إلى اللّٰه وأبعدهم منه، إمام جائر».(5)وقال صلى الله عليه و آله و سلم: «السلطان ظلّ اللّٰه في الأرض، يأوي إليه الضعيف وبه ينصر المظلوم، ومن أكرم سلطان اللّٰه في الدنيا أكرمه اللّٰه يوم القيامة».(6)وقال صلى الله عليه و آله و سلم: «ثلاثة من كنّ فيه من الأئمّة صلح أن يكون إماماً اضطلع بأمانته: إذا عدل في حكمه، ولم يحتجب دون رعيته، وأقام كتاب اللّٰه تعالى
في القريب والبعيد»(1)... إلى غير ذلك من الروايات التي يقف عليها المتتبع في الجوامع الحديثية.
هذا من طريق أهل السنّة وأمّا من طريق الشيعة فحدّث عنه ولا حرج.
روى عمر بن حنظلة عن الصادق عليه السلام في لزوم طاعة الحاكم العادل: «من روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً، فإنّي جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه، فإنّما استخف بحكم اللّٰه وعلينا ردّ، والرادّ علينا، الرادّ على اللّٰه، وهو على حدّ الشرك باللّٰه».(2)ونكتفي - هنا - بقول الإمام الحسين بن علي عليهما السلام في كتابه إلى أهل الكوفة حيث قال عليه السلام: «فلعمري ما الإمام إلّاالحاكم بالكتاب، القائم بالقسط، الدائن بدين الحقّ، الحابس نفسه على ذات اللّٰه».(3)إذاً فوجوب إطاعة السلطان العادل ممّا لا شكّ فيه، ولا يحتاج إلى إسهاب الكلام فيه، ولكن الحنابلة ذهبوا إلى غير ذلك، وإليك البيان.
فلقد اتّفقت كلمة الحنابلة ومن لفّ لفّهم على وجوب إطاعة السلطان الجائر، وإليك نصوصهم:
قال أحمد بن حنبل في إحدى رسائله: السمع والطاعة للأئمّة وأمير المؤمنين البر والفاجر، ومن ولي الخلافة فأجمع الناس ورضوا به، ومن غلبهم بالسيف وسمّي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأُمراء إلى يوم القيامة، البر والفاجر، وإقامة الحدود إلى الأئمّة وليس لأحد أن يطعن عليهم وينازعهم، ودفع الصدقات إليهم جائز، من دفعها إليهم أجزأت عنهم، براً كان أو فاجراً، وصلاة الجمعة خلفه وخلف كلّ من ولي، جائزة إقامته، ومن أعادها فهو مبتدع تارك للآثار مخالف للسنّة.
ومن خرج على إمام من أئمّة المسلمين وكان الناس قد اجتمعوا عليه وأقرّوا له بالخلافة بأي وجه من الوجوه، أكان بالرضا أو بالغلبة فقد شق الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول اللّٰه، فإن مات الخارج عليه، مات ميتة جاهلية.(1)هذا الرأي المنقول عن إمام الحنابلة لا يمكن إنكار صحّة نسبته إليه، ولأجل ذلك قال الأُستاذ أبو زهرة: ولأحمد رأي يتلاقى فيه مع سائر الفقهاء، وهو جواز إمامة من تغلّب ورضيه الناس وأقام الحكم الصالح بينهم، بل إنّه يرى أكثر من ذلك، إنّ من تغلّب وإن كان فاجراً تجب إطاعته حتّى لا تكون الفتن.(2)والعبارة التي نقلناها عن إمام الحنابلة تكاد تعرب عن وجوب إطاعة الجائر ولو أمر بمعصية الخالق، وهو أمر عجيب منه جدّاً مع أنّ أكثر الأشاعرة
الذين يحرّمون الخروج عليه، لا يوجبون طاعته في هذا الحال كما يوافيك نصوصهم، ولغرابة رأي ابن حنبل هذا، ذيّله أبو زهرة بقوله:
ولكنّه ينظر في هذه القضية إلى مصلحة المسلمين وأنّه لا بدّ من نظام مستقرّ ثابت، وأنّ الخروج على هذا النظام يحل قوة الأُمّة ويفك عراها، ولأنّه رأى من أخبار الخوارج وفتنتهم ما جعله يقرر أنّ النظام الثابت أولى وأنّ الخروج عليه يرتكب فيه من المظالم أضعاف ما يرتكبه الحاكم الظالم.
ثمّ إنّه ينظر في القضية نظرة اتباع فإنّ التابعين الذين عاشوا في العصر الأموي إلى أكثر من ثلثي زمانه قد رأوا مظالم كثيرة، ومع ذلك نهوا عن الخروج ولم يسيروا مع الخارجين، وكانوا ينصحون الخلفاء والولاة إن وجدوا آذاناً تسمع، وقلوباً تفقه، وفي كلّ حال لا يخرجون ولا يؤيدون خارجه.(1)وهذا التوجيه من الأُستاذ غريب جدّاً.
أمّا أوّلاً: فلأنّ الخروج على النظام الظالم إذا كان موجباً لحلّ قوّة الأُمّة وفك عراها، يكون الصبر تشويقاً لتماديه في الظلم وإكثار الضغط على الأُمّة وبالنتيجة: تحويل الدين وتحريفه عمّا هو عليه من الحقّ... فأي فائدة تكمن في حفظ قوّة أُمة، انحرفت عن صراطها وتبدّلت سننها وتغيّرت أُصولها، فإنّ الظالم لا يرى لظلمه حدّاً ولتعدّيه ضوابط، فلو رأى أنّ الإسلام بواقعه يضاد آراءه الشخصية وميوله الخبيثة، عمد إلى تغييره وتحويره فليس يقتصر ظلم الظالم على التعدّي على النفوس والأموال، بل الراكب على أعناق الناس
1) . تاريخ المذاهب الإسلامية: 322/2.
يغير كلّ شيء كيفما يريد، وحيثما يرى أنّه لصالح شخصه، والتاريخ شاهدنا الأصدق على ذلك.
وأمّا ثانياً: فإنّ الأُستاذ أبا زهرة نسب إلى التابعين الذين عاشوا في العصر الأموي إلى أكثر من ثلثي زمانه بأنّهم رأوا مظالم كثيرة ومع ذلك نهوا عن الخروج ولم يسيروا مع الخارجين... ولكنّه غفل عن قضية الحرة الدامية حيث كان الخارجون فيها على الحكومة الغاشمة هم الصحابة والتابعين....
وهذا المسعودي صاحب «مروج الذهب» ينقل إلينا لمحة عمّا جرى هناك ويقول:
ولمّا انتهى الجيش من المدينة إلى الموضع المعروف بالحرة وعليهم «مسرف» خرج إلى حربه أهلها، عليهم عبد اللّٰه بن مطيع العدوي وعبد اللّٰه بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وكانت وقعة عظيمة قتل فيها خلق كثير من بني هاشم وسائر قريش والأنصار وغيرهم من سائر الناس، فقد قتل من آل أبي طالب اثنان: عبد اللّٰه بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب؛ ومن بني هاشم من غير آل أبي طالب:
الفضل بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وحمزة بن عبد اللّٰه بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب والعباس بن عتبة ابن أبي لهب بن عبد المطلب، وبضع وتسعون رجلاً من سائر قريش ومثلهم من الأنصار وأربعة آلاف من سائر الناس ممّن أدركه الإحصاء دون من لم يعرف.(1)هل نسي أبو زهرة (أو لعلّه تناسى) قضية دير الجماجم حيث قام ابن
1) . مروج الذهب: 69/3-70.
الأشعث التابعي في وجه الحجّاج السفّاك بالموضع المعروف بدير الجماجم فكان بينهم نيف وثمانون وقعة تفانى فيها خلق وذلك في سنّة اثنتين وثمانين.(1)وعلى كلّ تقدير فقد اقتفى أثر أحمد بن حنبل جماعة من متكلّمي الأشاعرة وغيرهم وادّعوا بأنّ هذه عقيدة إسلامية كان الصحابة والتابعون يدينون بها وأنّه يجب الصبر على الطغاة الظلمة إذا تصدروا منصة الحكم، نعم غاية ما يقولونه هو: إنّه لا تجب إطاعتهم إذا أمروا بالحرام والفساد جاعلين قولهم هذا منعطفهم الوحيد عن قول ابن حنبل وبقية أهل الحديث، وإليك نبذة من أقوال القوم:
ويرون
الدعاء لأئمّة المسلمين بالصلاح، وأن لا يخرجوا عليهم بالسيف، وأن لا يقاتلوا في الفتن.(1)3. وقال الإمام أبو اليسر محمد بن عبد الكريم البزدوي: الإمام إذا جار أو فسق لا ينعزل عند أصحاب أبي حنيفة بأجمعهم، وهو المذهب المرضي... ثمّ قال: وجه قول عامة أهل السنّة والجماعة إجماع الأُمّة، فإنّهم رأوا الفسّاق أئمّة، فإنّ أكثر الصحابة كانوا يرون بني أُمية وهم بنو مروان أئمّة حتى كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلفهم ويرون قضاياهم نافذة، وكذا الصحابة والتابعون، وكذا من بعدهم يرون خلافة بني عباس وأكثرهم فسّاق، ولأنّ القول بانعزال الأئمّة بالفسق، إيقاع الفساد في العالم، وإثبات المنازعات وقتل الأنفس، فإنّه إذا انعزل يجب على الناس تقليد غيره، وفيه فساد كثير، ثمّ قال: إذا فسق الإمام يجب الدعاء له بالتوبة ولا يجوز الخروج عليه، وهذا مروي عن أبي حنيفة، لأنّ الخروج إثارة الفتن والفساد في العالم.(2)4. وقال الإمام أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (المتوفّى عام 403 ه) في «التمهيد»: إن قال قائل: ما الذي يوجب خلع الإمام عندكم؟ قيل له: يوجب ذلك أُمور: منها: كفر بعد إيمان، ومنها: تركه الصلاة والدعاء إلى ذلك، ومنها: عند كثير من الناس فسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود، وقال الجمهور من أهل الإثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع بهذه الأُمور ولا
يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي اللّٰه، إذ احتجوا في ذلك بأخبار كثيرة متضافرة عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم وعن الصحابة في وجوب طاعة الأئمّة وإن جاروا واستأثروا بالأموال وأنّه قال عليه السلام: واسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع، ولو لعبد حبشي، وصلّوا وراء كلّ بر وفاجر. وروي أنّه قال: وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك وأطيعوهم ما أقاموا الصلاة.(1)5. وقال الشيخ نجم الدين أبوحفص عمر بن محمد النسفي (المتوفّى عام 537 ه) في العقائد النسفية: ولا ينعزل الإمام بالفسق والجور... ويجوز الصلاة خلف كلّ برّ وفاجر.
وعلّله الشارح التفتازاني بقوله: لأنّه قد ظهر الفسق واشتهر الجور من الأئمّة والأُمراء بعد الخلفاء الراشدين، والسلف كانوا ينقادون لهم، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروج عليهم.(2)
وقد أيّدت تلك العقائد بروايات ربما يتصوّر القارئ أنّ لها نصيباً من الحقّ أو حظاً من الصدق، لكنّ الحقّ أنّ أكثرها مفتعلة على لسان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قد أفرغها في قالب الحديث جمع من وعاظ السلاطين ومرتزقتهم تحفّظاً على عروشهم وحفظاً لمناصبهم، وإليك بعض تلك الروايات التي رواها مسلم في صحيحه:
روى مسلم، عن حذيفة بن اليمان، قلت: يا رسول اللّٰه... إلى أن قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: يكون بعدي أئمّة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنّتي، وسيقوم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول اللّٰه إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع.
وروي عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: من خرج من الطاعة وفارق الجماعة مات ميتة الجاهلية... إلى أن قال: ومن خرج على أُمّتي يضرب برها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي ولست منه.
روي عن ابن عباس أنّه قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: مَن رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنّه من فارق الجماعة شبراً فمات، فميتته جاهلية.
روي عنه أيضاً، عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: من رأى من أميره شيئاً فليصبر، فإنّه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلّا مات ميتة جاهلية.
روي عن عبد اللّٰه بن عمر، أنّه جاء إلى عبد اللّٰه بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: أخرجوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إنّي لم آتك لأجلس، أتيتك لأُحدّثك حديثاً سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقوله: من خلع يداً من طاعة لقي اللّٰه يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية.
وقد فسر ابن عمر قول رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بلزوم بيعة يزيد وإطاعته حتى في مسألة الحرة.
روي عن أُمّ سلمة، أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «ستكون أُمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ و من أنكر سلم ولكن من رضي وتابع». قالوا يا رسول اللّٰه: ألا نقاتلهم؟ قال: «لا ما صلّوا».
روي عن عوف بن مالك في حديث: قيل يا رسول اللّٰه أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعته.(1)وقد أورد ابن الأثير الجزري قسماً من هذه الأحاديث في «جامع الأُصول».(2)8. روى البيهقي في سننه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: سيكون بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون، ويفعلون بما يؤمرون، وسيكون بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون ويفعلون مالا يؤمرون، فمن أنكر عليهم برئ ومن أمسك يده سلم ولكن من رضي وتابع.(3)9. وروى ابن عبد ربه، عن عبد اللّٰه بن عمر: إذا كان الإمام عادلاً فله الأجر وعليك الشكر، وإذا كان الإمام جائراً فعليه الوزر وعليك الصبر.(4)10. وهذه الأحاديث تهدف إلى قول أحمد بن حنبل فقد عرفت ما في إحدى رسائله وهذا نصّه: السمع والطاعة للأئمّة وأمير المؤمنين البر والفاجر ومن ولي الخلافة فاجتمع عليه الناس ورضوا به ومن غلبهم
بالسيف وسمّي أمير المؤمنين، والغزو ماض مع الأُمراء إلى يوم القيامة.(1)
وقبل كلّ شيء يجب علينا أن نعرض تلك الروايات على كتاب اللّٰه سبحانه فإنّه المحك الأوّل لتشخيص الحديث الصحيح من السقيم.
قال سبحانه حاكياً عن العصاة والكفّار: «يَوْمَتُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي اَلنّٰارِ يَقُولُونَ يٰا لَيْتَنٰا أَطَعْنَا اَللّٰهَ وَ أَطَعْنَا اَلرَّسُولاَ * وَ قٰالُوا رَبَّنٰا إِنّٰا أَطَعْنٰا سٰادَتَنٰا وَ كُبَرٰاءَنٰا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ * رَبَّنٰا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ اَلْعَذٰابِ وَ اِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً».(2)
فهذا القسم من الآيات يندّد بقول من يرى وجوب طاعة السلطان الظالم التي توجب ضلالة المطيع له عن السبيل السوي، وثمة آيات تندّد بعمل من يصبر على عمل الطاغية من دون أن يأمره بالمعروف أو ينهاه عن المنكر، وترى نفس السكوت والصبر على طغيان الطاغية جرماً وإثماً موجباً للهلاك، وهذه الآيات هي الواردة حول قوم بني إسرائيل الذين كانوا يعيشون قرب ساحل من سواحل البحر فتقسّمهم إلى أصناف ثلاثة:
الأوّل: الجماعة المعتدية العادية التي رفضت حكم اللّٰه سبحانه حيث حرم عليهم صيد البحر يوم السبت، قال سبحانه: «إِذْ يَعْدُونَ فِي اَلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتٰانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لاٰ يَسْبِتُونَ لاٰ تَأْتِيهِمْ...».(3)
الثاني: الجماعة الساكتة التي أهمّتهم أنفسهم لا يرتكبون ماحرم اللّٰه وفي الوقت نفسه لا ينهون الجماعة العادية عن عدوانها، بل كانوا يعترضون على الجماعة الثالثة التي كانت تقوم بواجبها الديني من إرشاد الجاهل والقيام في وجه العاصي والطاغي، بقولهم: «لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اَللّٰهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذٰاباً شَدِيداً».(1)
الثالث: الجماعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر معتبرين ذلك وظيفة دينية عريقة ونصيحة لازمة للإخوان، وقد حكى اللّٰه سبحانه عن لسانهم في محكم كتابه العزيز حيث قال: «مَعْذِرَةً إِلىٰ رَبِّكُمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ».(2)نرى أنّ اللّٰه سبحانه أباد الطائفتين الأوّليين وأنجى الثالثة. قال سبحانه: «فَلَمّٰا نَسُوا مٰا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا اَلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلسُّوءِ وَ أَخَذْنَا اَلَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذٰابٍ بَئِيسٍ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ».(3)فالآية الأخيرة صريحة في حصر النجاة في الناهين عن السوء فقط وهلاك العادين والساكتين عن عدوانهم، فلو كان السكوت والصبر على عدوان العادين أمراً جائزاً لماذا عمّ العذاب كلتا الطائفتين؟ أو ما كان في وسع هؤلاء أن يعتذروا للقائمين بالأمر بالمعروف، بأنّ في القيام والخروج وحتى في النصيحة بالقول، تضعيفاً لقوة الأُمّة وفكّاً لعراها؟
فلو دلّت الآية الأُولى على حرمة طاعة الظالم في الحرام، ودلّت الآية
الثانية على حرمة السكوت في مقابل طغيان العادين، فهناك آية ثالثة تدلّ على حرمة الركون إلى الظالم يقول سبحانه: «وَ لاٰ تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّٰارُ».(1)
أو ليس تأييد الحاكم الجائر والدعاء له في الجمعة والجماعات وإقامة الصلاة بأمره، وإدارة كلّ شأن خوّل منه إليه، يعد ركوناً إلى الظالم؟! فما هو جواب هؤلاء المرتزقة في ما يسمّى بالدول الإسلامية الذين يعترفون بجور حكامهم وانحرافهم عن الصراط السوي، ومع ذلك يدعون لهم عقب خطب الجمعات بطول العمر ودوام السلامة ويديرون الشؤون الدينية حسب الخطط التي يرسمها ويصوّرها لهم أُولئك الحكام، الذين يعدهم هؤلاء المرتزقة محاور ومراكز، ويعدّون أنفسهم أقماراً تدور في أفلاكها، اللّهمّ إلّاأن يعتذر هؤلاء بعدم التمكّن ممّا يجب عليهم من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر على مراتبها المختلفة، ولكنّه عذر لا يقبل في كثير من الأحيان، وعلى ذلك الأساس فما قيمة تلك الروايات المعارضة لنصوص الكتاب وصريح الذكر الحكيم؟!
إنّ هناك روايات تنفي صحّة الروايات السابقة وتجعلها في مدحرة البطلان، وقد نقلها أصحاب الصحاح والسنن أيضاً وعند المعارضة يؤخذ من السنّة الشريفة ما يوافق كتاب اللّٰه الحكيم. وإليك نزراً من تلك الروايات:
1) . هود: 113.
قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «اسمعوا: سيكون بعدي أمراء، فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس منّي ولست منه، وليس بوارد علي الحوض».(1)هذا بعض ما لدى السنّة من الروايات، و أمّا ما لدى الشيعة فنأتي ببعضها:
عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «ألا ومن علق سوطاً بين يدي سلطان، جعل اللّٰه ذلك السوط يوم القيامة ثعباناً من النار طوله سبعون ذراعاً يسلّطه اللّٰه عليه في نار جهنم وبئس المصير».
وعنه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين أعوان الظلمة، ومن لاق لهم دواة أو ربط لهم كيساً، أو مد لهم مدة قلم، فاحشروهم معهم».
وعنه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «من خفّ لسلطان جائر في حاجة كان قرينه في النار».
وقال صلى الله عليه و آله و سلم: «ما اقترب عبد من سلطان جائر إلّاتباعد من اللّٰه».
وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنّه قال: «من أحبّ بقاء الظالمين، فقد أحبّ أن يعصى اللّٰه».
و عنه عليه السلام أنّه قال: «من سوّد اسمه في ديوان الجبّارين حشره اللّٰه يوم القيامة حيراناً».
1) . جامع الأُصول: 75/4 نقلاً عن الترمذي والنسائي.
وعنه عليه السلام أنّه قال: «من مشى إلى ظالم ليعينه وهو يعلم أنّه ظالم، فقد خرج عن الإسلام».
وعن الإمام الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنّه قال: «ما أحبّ أنّي عقدت لهم عقدة، أو وكيت لهم وكاء وأنّ لي ما بين لابتيها، لا، ولا مدة بقلم، إنّ أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يفرغ اللّٰه من الحساب».(1)وغيرها من عشرات الأحاديث والروايات الواردة من النبي صلى الله عليه و آله و سلم وأهل بيته المعصومين عليهم السلام الناهية عن السكوت على الحاكم الجائر، والحاثّة على زجره ودفعه، والإنكار عليه بكلّ الوسائل الممكنة، فهذه الأحاديث تدلّ على أنّ ما مرّ من الروايات الحاثّة على السكوت عن الحاكم الظالم، والانصياع لحكمه والتسليم لظلمه، والرضا بجوره، جميعها ممّا لفّقه رواة السوء والجور بإيعاز من السلطات الحاكمة في تلك العصور المظلمة، فنسبوه إلى النبي صلى الله عليه و آله و سلم وهو - روحي فداه - منها براء لمعارضتها الصريحة لمبادئ الكتاب والسنّة الصحيحة.
ولو لم يكن في المقام إلاّ قول علي عليه السلام في خطبته: «... وما أخذ اللّٰه على العلماء أن لا يقارّوا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم...»(2)لكفى في وهن تلك الروايات المفتعلة على لسان النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
وفي ختام الكلام نلفت نظر القارئ الكريم إلى ما قاله الإمام أبو الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام لأهل الكوفة حيث خطب أصحابه وأصحاب الحرّ (قائد جيش عبيد اللّٰه بن زياد آنذاك) فحمد اللّٰه وأثنى عليه ثمّ قال: «أيّها الناس إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: من رأى سلطاناً جائراً، مستحلاً لحرم اللّٰه، ناكثاً لعهد اللّٰه، مخالفاً لسنّة رسول اللّٰه، يعمل في عباد اللّٰه بالإثم والعدوان، فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على اللّٰه أن يدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام اللّٰه وحرّموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر».(1)وهذه النصوص الرائعة المؤيّدة بالكتاب والسنّة وسيرة السلف الصالح من الصحابة والتابعين الذين قاموا في وجه الطغاة من بني أُمّية وبني العباس، تشهد بأنّ ما نسب إلى الصحابة والتابعين من الاستسلام والسكوت على ظلم الظالمين لكون ذلك من عقيدتهم الإسلامية ما هو إلاّ بعض مفتعلات أصحاب العروش وقد وضعها وعّاظهم ومرتزقتهم، وإلاّفالطيّبون من الصحابة والتابعين بريئون من هذه النسبة.
نرى أنّ بعض الشباب المسلم في البلاد الإسلامية، قد انخرطوا في الأحزاب السياسية، ورفضوا الدين من أساسه، ولعلّ بعض السبب هو أنّهم
1) . تاريخ الطبري: 304/4، حوادث سنة 61 ه.
وجدوا في أنفسهم صراعاً بين العقيدة والوجدان. فمن جانب، توحي إليهم فطرتهم وعقيدتهم الإنسانية السليمة، أنّه تجب مكافحة الظالمين، والخروج عليهم، ونصرة المظلومين وانتزاع حقوقهم من أيدي الظالمين؛ ومن جانب آخر يسمعون من علماء الدين أو المتزيين بلباسهم، أنّه لا يجوز الخروج على السلطان، بل تجب طاعته وإن أمر بالظلم والعدوان. فحينئذٍ يقع الشاب في حيرة من أمره بين اتّباع الفطرة والعقل السليم، واتّباع كلام هؤلاء العلماء الذين ينطقون باسم الدين خصوصاً إذا كان المتكلّم رجلاً يكنّ له المجتمع الاحترام والإكبار، ويعرفه التاريخ بالخطيب الزاهد، كالحسن البصري فإنّه عندما سئل عن مقاتلة الحجاج - ذلك السيف المشهر على الأُمّة والإسلام - فأجاب: أرى أن لا تقاتلوه، فإنّه إن يكن عقوبة من اللّٰه، فما أنتم برادّيها، وإن يكن بلاءً فاصبروا حتى يحكم اللّٰه وهو خير الحاكمين. فخرج السائلون من عنده وهم يقولون مستنكرين ما سمعوا منه: أنطيع هذا العلج. ثمّ خرجوا مع ابن الأشعث إلى قتال الحجاج.(1)فإذا سمع الشاب الثوري هذه الكلمة من عميد الدين وخطيبه - كما يقال - عاد يصف جميع رجال الدين بما وصف به الحسن البصري، وبالتالي يخرج من الدين ويتركه، ويصف الدين سناداً للظالم وملجأ له.
وفي الختام نوجه نظر الأعلام من السنّة إلى خطورة الموقف في هذه الأيّام، وأنّ أعداء الإسلام لبالمرصاد يصطادون الشباب بسهام الدعاية
1) . الطبقات الكبرى لابن سعد: 164/7.
الكاذبة، ويعرّفون الإسلام بأنّه سند الظالمين وركن الجائرين بحجة أنّه ينهى عن الخروج على السلطان الجائر.
والمسلم غير العارف بالدين وما أُلصق به، لا يميّز بين الحقيقة الناصعة وبين ما أُلبس عليها من ثوب رديء قاتم.
وليس هذا أوّل ولا آخر مورد يجد الشاب الثوري صراعاً في نفسه بين العقلية الإنسانية والدعاية الكاذبة عن الإسلام، فيختار وحي الفطرة ويصبح ثائراً على القوى الطاغية، ويظن أنّه ترك الإسلام بظن أنّ المتروك هو الدين الحقيقي الذي أنزله اللّٰه تعالى على النبي محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ، و هذه الجريمة متوجهة بالدرجة الأُولى إلى هذا النمط من العلماء.
فواجب علماء الدين أن يرجعوا إلى المصادر الإسلامية الصحيحة في تشخيص ما هو من صميم الدين عمّا أُلصق به، ولا يقتنعوا بما كتب باسم الدين عن السلف الصالح، وليس كلّ ما نسب إلى السلف الصالح، أو قالوا به من صميم الدين، كما أنّه ليس كلّ سلف صالحاً، بل هم بين صالح وطالح، وسعيد وشقي، وعالم وجاهل، وليس كلّ سلف أفضل وأتقى وأعلم من كلّ خلف، فليذكروا المثل السائر: «كم ترك الأوّل للآخر»، فليدرسوا الأُصول المسلّمة من رأس، نعم لا أنكر أنّ هناك أُناساً واقفين على الحقيقة ولكنّهم يكتمونها، لأنّ مصالحهم الشخصية لا تقتضي إظهارها، وقد نزل فيهم قوله سبحانه: «إِنَّ اَلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مٰا أَنْزَلْنٰا مِنَ اَلْبَيِّنٰاتِ وَ اَلْهُدىٰ مِنْ بَعْدِ مٰا بَيَّنّٰاهُ
لِلنّٰاسِ فِي اَلْكِتٰابِ أُولٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللّٰهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاّٰعِنُونَ»(1)، كما أنّ بينهم شخصيات لامعة جاهروا بالحقيقة وأصحروا بها واشتروا رضا الرب بأثمان غالية وتضحيات ثمينة.
فهذا إمام الحرمين يقول: إن الإمام إذاجار وظهر ظلمه وغشمه ولم يرعو لزاجر عن سوء صنيعه، فلأهل الحل والعقد، التواطؤ على ردعه، ولو بشهر السلاح ونصب الحروب.(2)في الختام نعطف نظر القارئ الكريم إلى قوله سبحانه عندما يأمر المؤمنات بالبيعة مع النبي ويقول: «وَ لاٰ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ»(3)، فيقيد إطاعة النبي وحرمة مخالفته بما إذا أمر بالمعروف، ومن المعلوم أنّ النبي الأكرم معصوم لا يأمر بالمنكر أبداً وإنّما هو لتعليم غيره، فهل يجوز لمسلم أن يقول بوجوب طاعة السلطان الجائر إذا أمر بالجور والمنكر؟!
«وَ قٰالُوا رَبَّنٰا إِنّٰا أَطَعْنٰا سٰادَتَنٰا وَ كُبَرٰاءَنٰا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ * رَبَّنٰا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ اَلْعَذٰابِ وَ اِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً».(4)
2
لقد احتدم النزاع منذ عصر مبكّر حول الصحبة والصحابة، أعني: الذين التفّوا حول النبي صلى الله عليه و آله و سلم وخاضوا معه المعارك والمغازي، ورفعوا رايةَ الإسلام خفّاقة في أحلك الظروف، وأشد المواقف، وجاهدوا بين يديه بأنفسهم ونفيسهم حتّى نشروا الإسلام في ربوع الأرض.
ولا شكّ في أنّ هذا يثير مشاعر كلّ مسلم واعٍ يعتزّ بدينه وشريعته ورسوله وقرآنه، ويشدّه إلى حبّهم وودّهم حتّى صار حب الصحابة من مظاهر حب النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وقد اشتهر بأنّ من أحب شيئاً أحبّ آثاره ولوازمه، فمن أحب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فقد أحب المتعلّمين على يديه والمجاهدين دونه.
هذا ممّا لا سترة ولا خلاف فيه، إنّما الكلام في أنّ مجرّد صحبة النبي صلى الله عليه و آله و سلم سواء أكانت قصيرة الأمد أم طويلته، هل تجعل الصحابي إنساناً مثالياً بعيداً عن المعاصي، صغيرها وكبيرها، جليلها وحقيرها طول عمره؟!
أو انّ صحبة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم تؤثر في سلوك الصحابي وأخلاقياته، وأنّ كلّ من صحبه يستضيء بنوره وبيانه حسب قابلياته واستعداداته؟!
ولأجل ذلك ظهر هنا اتجاهان:
أحدهما: عدالة الصحابة برُمّتهم استغراقاً في حبهم ونزولاً عند حكم العاطفة لصاحب الشريعة وأنصاره، وهو خيرة جمهور أهل السنّة.(1)ثانيهما: انّ صحبة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم تؤثر في سلوك الصحابي وأخلاقياته حسب قابلياته، فمنهم من بلغ قمة الكمال حتّى أصبح يُستدرّ به الغمام، ومنهم من لم يبلغ هذا الشأو ولكن استضاء بنور النبي صلى الله عليه و آله و سلم وحسنت صحبته وسلمت سريرته، ومنهم من لم ينل إلّاحظاً قليلاً، وما هذا إلّالتفريطه وتقصيره.
والنظرية الثانية هي خيرة الشيعة الإمامية ولفيف من غيرهم.
فالغاية من هذا البحث هو القضاء بين هذين الاتجاهين على ضوء القرآن الكريم والسنّة الشريفة والتاريخ الصحيح والعقل الحصيف بأُسلوب موضوعي بعيد عن التعصّب والعاطفة.
ويأتي ما هو المقصود ضمن أُمور:
1) . راجع مقالات الإسلاميّين: 323/1؛ كتاب السنّة: 49.
اختلفت كلمة جمهور أهل السنّة في تعريف الصحابي مع اتّفاقهم على عدالته، فاتّفقوا على حكمٍ (عدالة الصحابي) لم يُحدَّد موضوعه سعة وضيقاً عندهم. وإليك نصوصهم في هذا الشأن:
قال سعيد بن المسيب: الصحابي، ولا نعدّه إلّامن أقام مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم سنة أو سنتين وغزا معه غزوة أو غزوتين.
قال الواقدي: رأينا أهل العلم يقولون: كلّ مَن رأى رسول اللّٰه وقد أدرك فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممّن صحب رسول اللّٰه، ولو ساعة من نهار، ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدّمهم في الإسلام.
قال أحمد بن حنبل: أصحاب رسول اللّٰه كلّ من صحبه شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه.
قال البخاري: مَن صحب رسول اللّٰه أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه.
وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب: لا خلاف بين أهل اللغة في
أنّ الصحابي مشتق من الصحبة، قليلاً كان أو كثيراً، ثمّ قال: ومع هذا فقد تقرر للأُمّة عرف، فإنّهم لا يستعملون هذه التسمية إلّافيمن كثرت صحبته، و لا يجيزون ذلك إلّافيمن كثرت صحبته لا على مَن لقيه ساعة أو مشى معه خطى، أو سمع منه حديثاً، فوجب ذلك أن لا يجري هذا الاسم على من هذه حاله، ومع هذا فإنّ خبر الثقة الأمين عنه مقبول و معمول به وإن لم تطل صحبته ولا سمع عنه إلّاحديثاً واحداً.
قال الجزري بعد ذكر هذه النقول، قلت: وأصحاب رسول اللّٰه على ما شرطوه كثيرون، فإنّ رسول اللّٰه شهد حنيناً ومعه اثنا عشر ألف سوى الأتباع والنساء، وجاء إليه «هوازن» مسلمين فاستنقذوا حريمهم وأولادهم، وترك مكة مملوءة ناساً وكذلك المدينة أيضاً، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين فهؤلاء كلّهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجة الوداع، وكلّهم له صحبة.(1)إنّ التوسع في مفهوم الصحابي على الوجه الذي عرفته في كلماتهم ممّا لا تساعد عليه اللغة والعرف العام، فإنّ صحابة الرجل عبارة عن جماعة تكون لهم خلطة ومعاشرة معه مدّة مديدة، فلا تصدق على من ليس له حظ
1) . أُسد الغابة: 11/1-12، طبع مصر.
إلّاالرؤية من بعيد، أو سماع الكلام أو المكالمة أو المحادثة فترة يسيرة، أو الإقامة معه زمناً قليلاً.
وأعجب منه كما تقدّم انّهم اتّفقوا على عدالة كلّ صحابي مع أنّهم اختلفوا في مفهوم الصحابي اختلافاً واسعاً، ومن الواضح انّ اتّفاقهم على العدالة رهن اتّفاقهم على تعريف محدد وجامع لمفهوم الصحابي.
لا شكّ أنّ للصحبة تأثيراً في النفوس من غير فرق بين كون المصاحَب مصاحَب سوء أو غيره، فلذلك نرى أنّ المجرم يوم القيامة يتمنّى عدم اتخاذ فلان صديقاً، يقول سبحانه حاكياً عنه: «يٰا وَيْلَتىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاٰناً خَلِيلاً»(1)، ويقول أيضاً حاكياً عن الخلّة والصحبة: «اَلْأَخِلاّٰءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ اَلْمُتَّقِينَ»(2)، فإذا كان لصحبة السوء تأثير في تكوين شخصية الإنسان، فلصحبة الأخيار تأثير في النفوس القابلة المستعدة، فربما ترفعه إلى منزلة عالية، وهذا شيء يلمسه كلّ إنسان في واقعه العملي.
لا شكّ انّ لصحبة الأخيار أثراً تربوياً، ولكن مدى تأثيرها يختلف حسب اختلاف عناصر ثلاثة، هي:
السن.
الاستعداد.
أمّا الأوّل فلا شكّ أنّ الإنسان الواقع في إطار التربية إذا كان إنساناً يافعاً أو شاباً في عنفوان السن يكون قلبه وروحه كالأرض الخالية تنبت ما أُلقي فيها، فربما تُكوّن الصحبةُ شخصية كاملة تعدّ مثلاً للفضل والفضيلة، وهذا بخلاف ما إذا كان طاعناً في السن، واكتملت شخصيّته الروحية والفكرية، فانّ النفوذ في النفوس المكتملة الشخصية والتأثير عليها والثورة على أفكارها وروحياتها واتجاهاتها أمر صعب، فيكون تأثير الصحبة أقل بمراتب من الطائفة الأُولى.
وأمّا الثاني - أعني: الاختلاف في الاستعداد - فهو أمر لا يحتاج إلى البيان، فكما أنّ البشر يختلفون في تقبّل العلم، فهكذا هم يختلفون في مقدار قبول الهداية الإلهية، ولهذا نرى أنّ من تخرّجوا عن مدرسة الرسول يختلفون إيماناً وإيثاراً وأخلاقاً و سلوكاً.
وأمّا الثالث - أي مقدار الصحبة - فقد كانوا مختلفين فيه، فبعضهم صحب النبي صلى الله عليه و آله و سلم من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة وربما أدركوا من الصحبة سنة أو شهراً أو أيّاماً أو ساعة فهل يصحّ أن نقول: إنّ صحبة ما، قلعت ما في نفوسهم جميعاً من جذور غير صالحة وملكات ردية، وكوّنت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح.
وهذه العوامل تؤيد الاتجاه الثاني القائل بأنّ تأثير الصحبة في صحابة
الرسول صلى الله عليه و آله و سلم لم يكن على نحو يجعل الجميع على حدّ سواء من الإيمان والفضل والتقوى والإيثار والزهد والخير، ومادامت هذه الاختلافات سائدة عليهم فمن البعيد أن نجعلهم على غرار واحد ونزن الكل بصاع معيّن، ونحكم على الكلّ بصفاء النفس، والتجافي عن زخارف الدنيا.
إنّ صحبة الصحابة لم تكن أشدّ ولا أقوىٰ ولا أطول من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط، فقد صحبتا زوجيهما الكريمين، ولبثتا معهما ليلاً ونهاراً ولكن هذه الصحبة - للأسف - ما أغنت عنهما من اللّٰه شيئاً، قال سبحانه: «ضَرَبَ اَللّٰهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَ اِمْرَأَتَ لُوطٍ كٰانَتٰا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبٰادِنٰا صٰالِحَيْنِ فَخٰانَتٰاهُمٰا فَلَمْ يُغْنِيٰا عَنْهُمٰا مِنَ اَللّٰهِ شَيْئاً وَ قِيلَ اُدْخُلاَ اَلنّٰارَ مَعَ اَلدّٰاخِلِينَ».(1)
إنّ التشرّف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بزوجية النبي، وقد قال سبحانه في شأنها: «يٰا نِسٰاءَ اَلنَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفٰاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضٰاعَفْ لَهَا اَلْعَذٰابُ ضِعْفَيْنِ وَ كٰانَ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيراً».(2)
وأنت ترى الكتاب العزيز يندّد بنساء النبي صلى الله عليه و آله و سلم لأجل كشف سره ويعاتبهنّ في ذلك.
يقول سبحانه: «وَ إِذْ أَسَرَّ اَلنَّبِيُّ إِلىٰ بَعْضِ أَزْوٰاجِهِ حَدِيثاً فَلَمّٰا نَبَّأَتْ بِهِ
وَ أَظْهَرَهُ اَللّٰهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّٰا نَبَّأَهٰا بِهِ قٰالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هٰذٰا قٰالَ نَبَّأَنِيَ اَلْعَلِيمُ اَلْخَبِيرُ * إِنْ تَتُوبٰا إِلَى اَللّٰهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمٰا وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ فَإِنَّ اَللّٰهَ هُوَ مَوْلاٰهُ وَ جِبْرِيلُ وَ صٰالِحُ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمَلاٰئِكَةُ بَعْدَ ذٰلِكَ ظَهِيرٌ * عَسىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوٰاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمٰاتٍ مُؤْمِنٰاتٍ قٰانِتٰاتٍ تٰائِبٰاتٍ عٰابِدٰاتٍ سٰائِحٰاتٍ ثَيِّبٰاتٍ وَ أَبْكٰاراً».(1)
فأي عتاب أشدّ من قوله سبحانه: «إِنْ تَتُوبٰا إِلَى اَللّٰهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمٰا» أي مالت قلوبكما عن الحقّ، كما أنّ قوله: «وَ إِنْ تَظٰاهَرٰا عَلَيْهِ» يعرب عن وجود أرضية فيهن للتظاهر ضدّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم وخلافه، وهو سبحانه أخبر عن إخقاق أُمنيتهنّ، لأنّ اللّٰه ناصر النبي وجبرئيل وصالح المؤمنين والملائكة.
كلّ ذلك ينبئ عن أنّ الصحبة ليست علّة تامة لتحويل المصاحب إلى إنسان عادل صالح خائف من اللّٰه، ناءٍ عن اقتراف السيّئات حقيرة كانت أو كبيرة، بل هي مقتضية لصلاح الإنسان إذا كان فيه قابلية للاستضاءة، وعزم للاستفاضة.
ومعنى هذا انّ للصحبة تأثيراً متفاوتاً وليست على وتيرة واحدة.
1) . التحريم: 3-5.
إنّ دعوة الأنبياء - لاسيّما دعوة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم - ابتنيت على أُسس رائجة في ميادين الدعوة، فكانوا يدعون بالقول والعمل والتبشير والتنذير، ومثل هذا النوع من الدعوة يؤثر في طائفة دون طائفة، كما أنّه عند التأثير يختلف تأثيره عند من يلبّي دعوته، ولم تكن دعوته دعوة إعجازية خارجة عن قوانين الطبيعة، فالرسول صلى الله عليه و آله و سلم لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الإعجاز، بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحق مستعيناً بالأساليب التربوية المتاحة والإمكانيات المتوفرة، والدعوة القائمة على هذا الأساس يختلف أثرها في النفوس حسب اختلاف استعدادها وقابلياتها، ولم يكن تأثير الصحبة في تكوين الشخصية الإسلامية كمادة كيمياوية تستعمل في تحويل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب حتّى تصنع الصحبةُ الجيلَ الكبير الذي يناهز مائة ألف، أُمّة عادلة مثالية تكون قدوة وأُسوة للأجيال المستقبلة، فإنّ هذا ممّا لا يقبله العقل السليم.
فبالنظر إلى ما ذكرنا نخرج بالنتيجة التالية:
إنّ الأُصول التربوية تقضي بأنّ بعض الصحابة يمكن أن يصل في قوة
الإيمان و رسوخ العقيدة إلى درجات عالية، كما يمكن أن يصل بعضهم في الكمال والفضيلة إلى درجات متوسطة، ومن الممكن أن لا يتأثر بعضهم بالصحبة وسائر العوامل المؤثرة إلّاشيئاً طفيفاً لايجعله في صفوف العدول وزمرة الصالحين.
ويقول بعض المعاصرين تحت عنوان: «هل للصحابي خصوصية مسألة العدالة»:
وأرى أنّ أوّل الخلل يكون عندما نتعامل مع الصحابة وكأنّهم جنس آخر غير البشر، والقرآن الكريم والسنّة المطهرة لا يوجد فيها أبداً هذا التفريق بين الصحابة وغيرهم إلّاميزة الفضل للمهاجرين والأنصار الذين كانت لهم ميزة الجهاد والإنفاق أيّام ضعف الإسلام وذلّة أهله، أمّا بقية الأُمور كطروء النسيان والوهم والخطأ وارتكاب بعض الكبائر، فهذه وجدت وحصل من بعض السابقين ومن كثير من اللاحقين.
ولم أجد دليلاً مقنعاً صحيحاً صريحاً يفرق بين شروط العدالة بين جيل وآخر، لا استثني من ذلك صحابة ولا تابعين.(1)وما ذكرناه هو نتيجة التحليل على ضوء الأُصول النفسية والتربوية غير أنّ البحث لا يكتمل ولا يصحّ القضاء الباتّ إلّابالرجوع إلى القرآن الكريم حتّى نقف على نظره فيهم، كما تجب علينا النظرة العابرة إلى كلمات الرسول في حقّهم، ثمّ ملاحظة سلوكهم في زمنه صلى الله عليه و آله و سلم وبعده. وسيوافيك بيانه في الفصول المستقبلة.
1) . الصحبة والصحابة: 217-218.
إنّ من سبر تاريخ الصحابة بعد رحيل رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، يجد فيه صفحات مليئة بألوان الصراع والنزاع بينهم، حافلة بتبادل التّهم والشتائم، بل تجاوز الأمر بهم إلى التقاتل وسفك الدماء، فكم من بدري وأُحدي انتُهكت حرمته، وصُبّ عليه العذاب صبّاً، أو أُريق دمه بيد صحابي آخر.
وهذا ممّا لا يختلف فيه اثنان، بيد أنّ الذي ينبغي التنبيه عليه، هو أنّ كلاً من المتصارعين، كان يعتقد أنّ خصمه متنكّبٌ عن جادة الصواب، وأنّه مستحقّ للعقاب أو القتل، وهذا الاعتقاد، حتّى وإن كان نابعاً عن اجتهاد، فإنّه يكشف عن أنّ كلاً من الفئتين المختلفتين لم تكن تعتقد بعدالة الفئة الأُخرى.
فإذا كان الصحابي يعتقد أنّ خصمه عادل عن الحق ومجانب لشريعة اللّٰه ورسوله، وهو على أساس ذلك يبيح سلّ السيف عليه وقتله، فكيف يجوز لنا نحن أن نحكم بعدالتهم ونزاهتهم جميعاً، وأن نضفي عليهم ثوب القدسيّة على حدّ سواء؟! ونُبرّأهم من كل زيغ وانحراف؟
أو ليس الإنسان أعرف بحاله وأبصر بروحيّاته؟
أو ليس الصحابة أعرف منّا بنوازع أنفسهم، وبنفسيات أبناء جيلهم؟
هذا وراء ما دار بينهم من كلمات تكشف عن اعتقاد بعضهم في حق بعض، فالاتّهام بالكذب والنفاق والشتم والسب كان من أيسر الأُمور المتداولة بينهم، فهذا هو سعد بن عبادة سيّد الخزرج، يخاطب سعد بن معاذ، وهو سيد الأوس وينسبه إلى الكذب كما حكاه البخاري في صحيحه عن عائشة أنّها قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج فقال لسعد [بن معاذ] كذبت لعمر اللّٰه... فقام أُسيد بن حضير وهو ابن عم سعد [بن معاذ] فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر اللّٰه لنقتلنّه فإنّك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيّان حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول اللّٰه قائم على المنبر، فلم يزل رسول اللّٰه يخفِّضهم حتّى سكتوا وسكت.(1)وليست هذه القضية فريدة في بابها فلها عشرات النظائر في الصحاح والمسانيد وفي غضون التاريخ. وإنّما ذكرته ليكون كنموذج لما لم أذكر، وسيوافيك في الفصول التالية نماذج من أفعالهم وأقوالهم التي يكشف عن اعتقادهم في حقّ مخالفيهم.
أو ليس من العجب العجاب، انّ الصحابي يصف صحابياً آخر - في محضر النبي - بالكذب، والآخر يصف خصمه بالنفاق، وكلا الرجلين من جبهة الأنصار وسنامهم؟! ولكن الذين جاءوا بعدهم يصفونهم بالعدل والتقوى، والزهد والتجافي عن الدنيا، وهل سمعت ظئراً أرحم بالطفل من أُمّه.(2)
قد أثبتت البحوث السابقة انّ الصحابة من جنس البشر وليسوا من جنس الملائكة المعصومين الذين «لاٰ يَعْصُونَ اَللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ»(1)، فهم كالتابعين وتابعي التابعين في كلّ ما يجوز ومالا يجوز، فتحريم البحث عن حياتهم ونقد آرائهم وأفعالهم، تخصيص بلا جهة.
وقد تذرّعوا في تحريم نقدهم «بأنّ الصحابة هم المصدر لأخذ الدين والمسلمون متطفّلون على موائدهم حيث أخذوا عنهم دينهم، فنقد آرائهم وأفعالهم ينتهي إلى تقويض دعائم الدين» ولكن هذا التذرّع لا يثبت أمام الآيات الصريحة والأحاديث النبوية والتاريخ الصحيح الواردة في نقد آراء الصحابة وأفعالهم.
أضف إلى ذلك: انّ المسلمين كما أخذوا دينهم عن الصحابة أخذوا عن التابعين أيضاً، فلو ثبت ما تذرّعوا به لسرى التحريم إلى التابعين أيضاً، وقد اتّفق المسلمون على خلافه في مورد التابعين.
1) . التحريم: 6.
إنّ البحث حول الصحابة لا يؤول إلى انهيار الدين وتصدّع الشريعة، مادام يعيش بين ظهرانيهم علماء ربّانيّون هم أُسوة في الحياة، أُمناء على الدين والدنيا، فلا يضرّ جرح طائفة أو فئة خاصة بثبات الدين وقوامه.
ومع ذلك كلّه، نرى أنّ علماء الرجال وأصحاب الجرح والتعديل يحذرون من نقد حياة الصحابة أشدَّ الحذر ويعدّون ذلك من عمل المبتدعة، يقول الحافظ ابن حجر في الفصل الثالث من «الإصابة»:
اتّفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول، ولم يخالف في ذلك إلّاشذوذ من المبتدعة، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك، فقال: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل اللّٰه لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم، ثمّ نقل عدّة آيات حاول بها إثبات عدالتهم وطهارتهم جميعاً، إلى أن قال: روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّٰه فاعلم أنّه زنديق، وذلك انّ الرسول حقّ والقرآن حق، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.(1)أقول: إنّ نقد الصحابي عقيدة وفعلاً ليس لغاية إبطال الكتاب والسنّة، ولا لإبطال شهود المسلمين، وإنّما الغاية من البحث في عدالتهم هي الغاية ذاتها من البحث في عدالة غيرهم، فالغاية في الجميع هي التعرف على
1) . الإصابة: 17/1.
الصالحين والطالحين، حتّى يتسنّى لنا أخذ الدين عن الصلحاء واجتناب أخذه عن غيرهم، فلو قام الرجل بهذا العمل وتحمّل العبء الثقيل، لما كان عليه لوم، فلو قال أبو زرعة مكان هذا القول: «إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه أو كذبه، أو خيره أو شرّه، حتّى يأخذ دينه عن الخيرة الصادقين ويتحرز عن الآخرين، فاعلم أنّه من جملة المحقّقين في الدين والمتحرين للحقيقة»، لكان أحسن وأولى، بل هو الحق والمتعيّن.
ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً، يريد التثبّت في أُمور الدين، والتحقيق في مطالب الشريعة، بالزندقة وانّه يريد جرح شهود المسلمين لإبطال الكتاب والسنّة، وما شهود المسلمين إلّاالآلاف المؤلّفة من أصحابه صلى الله عليه و آله و سلم، فلا يضرّ بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم، وليس الدين القيم قائماً بهذا الصنف من المجروحين «ما هكذا تورد يا سعد الإبل».
إنّ من سبر كتب الحديث والتفسير يجد أنّ السلف الصالح ينسبون إلى الأنبياء قصصاً خرافية ويلهجون بأكاذيب شنيعة بلا اكتراث ولا تكذيب، ولكنّهم يتورّعون عن دراسة حياة الصحابي ونقد أفعاله وآرائه وأقواله، وربما يتّهمون الناقل بالزندقة وإبطال شهود المسلمين، فما هذا التبعيض؟! فهل يحظى الصحابة بالتكريم أكثر ممّا يحظىٰ به الأنبياء؟! وهل هم فوق رجال السماء في النزاهة وكرامة النفس؟! وإليك بعض الأكاذيب الشنيعة التي ملئت بها كتب التفاسير.
قال ابن كثير في تفسير قوله سبحانه: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاٰ نَبِيٍّ إِلاّٰ إِذٰا تَمَنّٰى أَلْقَى اَلشَّيْطٰانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اَللّٰهُ مٰا يُلْقِي اَلشَّيْطٰانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اَللّٰهُ آيٰاتِهِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مٰا يُلْقِي اَلشَّيْطٰانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ اَلْقٰاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ اَلظّٰالِمِينَ لَفِي شِقٰاقٍ بَعِيدٍ * وَ لِيَعْلَمَ اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْعِلْمَ أَنَّهُ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ
قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ اَللّٰهَ لَهٰادِ اَلَّذِينَ آمَنُوا إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ».(1)
قد ذكر كثير من المفسّرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم انّ مشركي قريش قد أسلموا، ولكنّها من طرق كلّها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح.
قال ابن أبي حاتم: حدّثنا يونس بن حبيب، حدّثنا أبو داود، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، قال:
قرأ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بمكة النجم، فلمّا بلغ هذا الموضع: «أَ فَرَأَيْتُمُ اَللاّٰتَ وَ اَلْعُزّٰى * وَ مَنٰاةَ اَلثّٰالِثَةَ اَلْأُخْرىٰ»، قال: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وانّ شفاعتهن ترتجى، قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، فسجد وسجدوا، فأنزل اللّٰه عزّ وجلّ هذه الآية: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاٰ نَبِيٍّ إِلاّٰ إِذٰا تَمَنّٰى أَلْقَى اَلشَّيْطٰانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اَللّٰهُ مٰا يُلْقِي اَلشَّيْطٰانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اَللّٰهُ آيٰاتِهِ وَ اَللّٰهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».(2)
لا يشكّ أي مسلم عارف بحقّ النبي الخاتم في أنّ القصة مكذوبة، والأدلّة على نزاهة النبي عن هذه، كثيرة، ويكفيك انّ سورة الحجّ مدنية أمر فيها بالأذان بالحجّ وأذن فيها بالقتال وأمر فيها بالجهاد ولم يكن هذا الأمر وهذا الإذن إلّابعد الهجرة بأعوام. وانّ الذي بين ذلك، و بين الوقت الذي يجعلونه
لخرافة الغرانيق أكثر من عشرة أعوام. ولو أغمضنا عن ذلك، إذ لا مانع من كون السورة مكية وبعض آياتها مدنية، لكفى في إبطالها ما أقمنا عليه في محاضراتنا.(1)والغرض الأسنى من ذكر هذه الأُكذوبة أنّ القوم ينقلون هذه الأكاذيب الشنيعة المنسوبة إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ولكنّهم يتورّعون عن دراسة حال الصحابي ونقد رأيه وفعله، فكأنّ الصحابة عندهم أرفع وأنزه من الأنبياء المعصومين بنص الكتاب!!
وهذه القصة التي وردت في كتب التفسير لأهل السنّة صارت أساساً لكتاب «الآيات الشيطانية» لسلمان رشدي المرتدّ حيث نشر كتابه هذا في الملأ العام وأضاف إلى هذه القصة أضعافاً كثيرة ممّا أوحى إليه شيطانه. وقد حكم الإمام الخميني رحمه اللّٰه بارتداده ووجوب قتله.
إنّ نبي اللّٰه داود عليه السلام أحد الأنبياء العظام الذي وصفه سبحانه بقوله: «وَ آتٰاهُ اَللّٰهُ اَلْمُلْكَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَهُ مِمّٰا يَشٰاءُ»(2)، وقد بلغ من الكمال حدّاً، أن كانت الجبال تتجاوب معه في التسبيح، يقول سبحانه: «وَ لَقَدْ آتَيْنٰا دٰاوُدَ مِنّٰا فَضْلاً يٰا جِبٰالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَ اَلطَّيْرَ».(3)
كما سخّر له اللّٰه سبحانه الجبال والطير، فقال: «إِنّٰا سَخَّرْنَا اَلْجِبٰالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ اَلْإِشْرٰاقِ * وَ اَلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّٰابٌ».(1)
أفهل يتصوّر في حق نبي بلغ من الكمال ما بلغ أن يعشق امرأة محصنة وهي أوريا، ثمّ يمهد الطريق لقتل زوجها لغاية التزوّج بها؟! ومع ذلك ملئت بهذه الخرافة، التفاسير.
يروي المفسرون في تفسير قوله سبحانه: «وَ هَلْ أَتٰاكَ نَبَأُ اَلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا اَلْمِحْرٰابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلىٰ دٰاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قٰالُوا لاٰ تَخَفْ خَصْمٰانِ بَغىٰ بَعْضُنٰا عَلىٰ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنٰا بِالْحَقِّ وَ لاٰ تُشْطِطْ وَ اِهْدِنٰا إِلىٰ سَوٰاءِ اَلصِّرٰاطِ * إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وٰاحِدَةٌ فَقٰالَ أَكْفِلْنِيهٰا وَ عَزَّنِي فِي اَلْخِطٰابِ * قٰالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤٰالِ نَعْجَتِكَ إِلىٰ نِعٰاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيراً مِنَ اَلْخُلَطٰاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ إِلاَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ وَ قَلِيلٌ مٰا هُمْ وَ ظَنَّ دٰاوُدُ أَنَّمٰا فَتَنّٰاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ رٰاكِعاً وَ أَنٰابَ».(2)
... جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة حتّى وقع عند رجليه، وهو قائم يصلّي، فمدّ يده ليأخذه فتنحى، فتبعه فتباعد حتّى وقع في كوّة، فذهب ليأخذها، فطار من الكوّة، فنظر أين يقع، فذهب في أثره، فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل الناس خلقاً، فحانت منها
التفاتة فأبصرته، فالتَفّت بشعرها فاستترت به، فزاده ذلك فيها رغبة، فسأل عنها، فأُخبر أنّ لها زوجاً غائباً بمسلحة كذا وكذا. فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره أن يبعث إلى عدوّ كذا وكذا... فبعثه ففتح له أيضاً، فكتب إلى داود عليه السلام بذلك، فكتب إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا... فبعثه فقتل في المرة الثالثة، وتزوّج امرأته.
فلمّا دخلت عليه لم يلبث إلّايسيراً حتّى بعث اللّٰه له ملكين في صورة أُنسيّين، فطلبا أن يدخلا عليه، فتسوّرا عليه المحراب، فما شعر وهو يصلّي إذ هما بين يديه جالسين، ففزع منهما فقالا: «لاٰ تَخَفْ» إنّما نحن «خَصْمٰانِ بَغىٰ بَعْضُنٰا عَلىٰ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنٰا بِالْحَقِّ وَ لاٰ تُشْطِطْ» يقول: لا تخف «وَ اِهْدِنٰا إِلىٰ سَوٰاءِ اَلصِّرٰاطِ» إلى عدل القضاء فقال: قُصّا عليَّ قصتكما، فقال أحدهما «إِنَّ هٰذٰا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِيَ نَعْجَةٌ وٰاحِدَةٌ» قال الآخر: وأنا أُريد أن آخذها فأكمل بها نعاجي مائة، قال: وهو كاره، قال: إذاً لا ندعك وذاك، قال: يا أخي أنت على ذلك بقادر، قال:
فإن ذهبت تروم ذلك ضربنا منك هذا وهذا. يعني طرف الأنف والجبهة.
قال: يا داود أنت أحقّ أن يضرب منك هذا وهذا. حيث لك تسع وتسعون امرأة، ولم يكن لأُوريا إلّاامرأة واحدة، فلم تزل تعرضه للقتل حتّى قتلته، وتزوّجت امرأته، فنظر فلم ير شيئاً، فعرف ما قد وقع فيه، وما قد ابتلى به.(1)
1) . الدر المنثور: 160/7، تفسير سورة ص؛ تفسير الطبري: 93/23، وغيرهما.
ومعنى ذلك انّه كان لداود 99 زوجة وأراد أن يتمّها بامرأة غيره وبذلك ظلم أخاه، فبعث اللّٰه ملكين يطرحان عمله بصورة أُخرى وانّ هناك أخوين لأحدهما 99 نعجة وللآخر نعجة واحدة فأراد صاحب النعاج الكثيرة أن يتملّك النعجة الوحيدة.
وهذه القصة الخرافية وأمثالها تُنسب إلى الأنبياء بلا اكتراث، ومع ذلك لايرضون لأحد أن ينقد حياة صحابي حتى يأخذ دينه من عين صافية ومن رجال صلحاء، أعني: الذين خامر الدين والإيمان أنفسهم وأرواحهم.
ما هكذا تورد يا سعدُ الابل.
الغلو هو تجاوز الحدّ، ومنه غلا السعر: إذا تجاوز حدّه، قال سبحانه: «يٰا أَهْلَ اَلْكِتٰابِ لاٰ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لاٰ تَقُولُوا عَلَى اَللّٰهِ إِلاَّ اَلْحَقَّ إِنَّمَا اَلْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقٰاهٰا إِلىٰ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ».(1)
فالغلو في الدين في الآية، كناية عن الغلو في رسوله، أعني: المسيح عيسى بن مريم.
فذكر سبحانه أوّلاً واقعَ المسيح وانّه كان بشراً رسولاً، لا يختلف عمّن تقدّم من الرسل، وهو كلمة اللّٰه التي حملتها مريم وولدتها.
ثمّ أشار ثانياً إلى أنواع غلوهم فحُلّت الآلهة الثلاثة مكان الإله الواحد، وُعّد المسيح أحد الآلهة تارة، وابن الإله أُخرى، فهذا كلّه غلو وإفراط، قال: «فَآمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ وَ لاٰ تَقُولُوا ثَلاٰثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اَللّٰهُ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ سُبْحٰانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مٰا فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي اَلْأَرْضِ وَ كَفىٰ بِاللّٰهِ وَكِيلاً».(2)
فكما أنّ الإفراط غلو وتجاوز للحد فهكذا التفريط والتقصير، والداعي إلى الأخير إمّا عجز الإنسان وعيّه عن أداء الحقّ، أو حسده وحقده.
وللإمام أمير المؤمنين حول الإفراط والتفريط كلمتان نأتي بهما:
إنّ كثيراً من أهل السنّة، غالوا في حقّ الصحابة وتجاوزوا الحد، خضوعاً للعاطفة، وإغماضاً عمّا ورد في حقّهم في الكتاب العزيز والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح، فألبسوهم جميعاً لباس العدالة - بل العصمة من غير وعي - فصاروا مصادر للدين، أُصوله وفروعه، دون أن يقعوا في إطار الجرح والتعديل، من غير فرق بين من آمن قبل بيعة الرضوان وبعدها، ومن آمن قبل الفتح أو بعده، ومن غير فرق بين الطلقاء وأبنائهم والأعراب، مع تفريق الكتاب العزيز بينهم في الإيمان والإخلاص، فالكلّ في نظرهم من أوّلهم إلى آخرهم عدول، لا يخطئون ولا يسهون، ولا يعصون.
وليس هذا إلّانوعا من الغلو لم يعهد في أُمّة عبر التاريخ.
و هنا - وراء القول بعدالتهم بل عصمتهم - مظاهر للغلو، نشير إليها:
يرى غير واحد من الباحثين أنّ للصحابة سنّة، تُعتبر حجة يعمل بها، وإن لم تكن في الكتاب الكريم ولا في المأثور عن النبي، قال مؤلّف(1)كتاب «السنّة قبل التدوين»:
«وتطلق السنّة أحياناً عند المحدّثين وعلماء أُصول الفقه على ما عمل به أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، سواء أكان في الكتاب الكريم أم في المأثور عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أم لا. ويحتج لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بسُنّتي وسنّة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ». وقوله أيضاً: «تفترق أُمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في النار إلّاواحدة»، قالوا: ومَن هم يا رسول اللّٰه؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي».
ومن أبرز ما ثبت في السنّة بهذا المعنى (سنّة الصحابة) حد الخمر، وتضمين الصناع، وجمع المصاحف في عهد أبي بكر برأي الفاروق، وحمل الناس على القراءة بحرف واحد من الحروف السبعة، وتدوين الدواوين... وما أشبه ذلك ممّا اقتضاه النظر المصلحي الّذي أقرّه الصحابة (رضي اللّٰه عنهم).
ثمّ قال:
1) . الدكتور محمد عجاج الخطيب، أُستاذ الحديث وعلومه في كلية الشريعة بدمشق.
وممّا يدلّ على أنّ السنّة هي العمل المتبع في الصدر الأوّل قول علي بن أبي طالب عليه السلام لعبد اللّٰه بن جعفر عندما جلد شارب الخمر أربعين جلدة: «كفّ. جلد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أربعين، وأبو بكر أربعين، وكمّلها عمر ثمانين وكلّ سنّة».(1)روى السيوطي: قال حاجب بن خليفة شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة فقال في خطبته: ألا إنّ ما سنَّ رسول اللّٰه وصاحباه فهو دين نأخذ به، وننتهي إليه وماسنّ سواهما فإنّما نرجئه.(2)هذا وقد احتلّت فتوى الصحابة منزلة الآثار النبوية يأخذ بها فقهاء السنّة، يقول الشيخ أبو زهرة: ولقد وجدناهم (الفقهاء) يأخذون جميعاً بفتوى الصحابي ولكن يختلفون في طريق الأخذ، فالشافعي كما يصرح في «الرسالة» يأخذ بفتواهم على أنّها اجتهاد منهم واجتهادهم أولى من اجتهاده، ووجدنا مالكاً رضى الله عنه يأخذ بفتواهم على أنّها من السنّة. الخ
وهذا يعرب عن أنّ للصحابة حق التشريع وجعل الأحكام في ضوء المصالح العامة، مع أنّ الكتاب العزيز دلّ بوضوح على أنّ حق التشريع خاص باللّٰه فقط، ولا يحق لأحد أن يفرض رأيه على الآخرين.
فدفعُ زمام التشريع إلى غيره سبحانه أشبه بعمل أهل الكتاب حيث اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون اللّٰه فلم يعبدوهم، بل خضعوا لهم في التحريم والتحليل فصاروا أرباباً في مجال التقنين والتشريع.
روى الثعلبي باسناده عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول اللّٰه وفي
عنقي صليب من ذهب، فقال لي: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك» قال: فطرحته، ثم انتصب إليه وهو يقرأ هذه الآية: «اِتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً»(1)حتى فرغ منها، فقلت: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يحرّمون ما أحله اللّٰه فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم اللّٰه فتحلّونه؟» قال: فقلت: بلى، قال: «فتلك عبادة».(2)وأين هذا ممّا عليه أئمّة أهل البيت عليهم السلام، روى جابر بن عبد اللّٰه عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا، لكنّا من الهالكين، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّٰه».(3)وممّن وقف على خطورة الموقف، الشوكاني قال: والحق إنّ قول الصحابي ليس بحجّة، فانّ اللّٰه سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلّا نبيّنا محمّداً، وليس لنا إلّارسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنّة، فمن قال: إنّه تقوم الحجّة في دين اللّٰه بغيرهما فقد قال في دين اللّٰه بما لا يثبت وأثبت شرعاً لم يأمر اللّٰه به.(4)وممّن بالغ في حجّية قول الصحابي - غير المسند إلى الرسول - ابن قيّم الجوزية في كتابه «اعلام الموقعين» وقد أوضحنا حال أدلّته البالغة إلى ستة وأربعين دليلاً، في تقديمنا لموسوعة طبقات الفقهاء، القسم الأوّل، فلاحظ.(5)
والعجب أنّ الصحابة لم يدّعوا لأنفسهم هذا المقام ولم يغالوا في حقّهم ولم يتجاوزوا الحد، وهذا هو عمربن الخطاب يقول: وإنّي لعلّي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم، وآمركم بأشياء لا تصلح لكم.(1)وقد شاع وذاع عن الخلفاء قولهم: «أقول فيها برأيي فإن أصبتُ فمن اللّٰه، وإن أخطأت فمنّي أو من الشيطان» فكيف يمكن أن يكون الرأي المردد بين اللّٰه وغيره حكماً شرعياً لازم الاتّباع إلى يوم البعث؟!
إن هذا إلّاالغلو الواضح النابع من القول بعصمتهم من غير وعي.
من مظاهر الغلو في الصحابة هو العزوف عن نقدهم، والمنع عن التكلم حول ما دار بينهم من النزاع والنقاش، يقول إمام الحنابلة:
وخير هذه الأُمّة بعد نبيّها صلى الله عليه و آله و سلم أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، و خيرهم بعد عمر، عثمان، وخيرهم بعد عثمان علي (رضوان اللّٰه عليهم) خلفاء راشدون مهديّون، ثمّ أصحاب محمّد بعد هؤلاء الأربعة لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم، فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته، ليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه ثمّ يستتيبه، فإن تاب قبل منه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة، وجلده في المجلس حتّى يتوب ويراجع.(2)وقال الإمام الأشعري: ونشهد بالجنة للعشرة الذين شهد لهم رسول
اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بها ونتولّى بها ونتولّى سائر أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم ونكفّ عمّا شجر بينهم...(1)وقال أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي (المتوفّى 377 ه) عند ما ذكر عقائد أهل السنّة ومنها: الكفّ عن أصحاب محمد.(2)وعندما يقف الباحث على مصادر جمة وتظهر أمامه أفانين من اقتراف المعاصي وسفك الدماء الطاهرة، وهتك الحرمات، ويجابههم بهذه الحقائق، فإنّهم يلتجئون إلى ما يُروى عن عمر بن عبد العزيز وأحياناً عن الإمام أحمد بن حنبل من لزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة من الاختلاف، وكثيراً ما يقولون حول الدماء التي أُريقت بيد الصحابة - حيث قتل بعضهم بعضاً - تلك دماء طهّر اللّٰه منها أيدينا فلا نلوّث بها ألسنتنا.
غير أنّ هذه الكلمة - من أيّ شخص صدرت - تخالف القرآن الكريم والسنّة النبوية والعقل الصريح.
أمّا القرآن الكريم فقد وصف طوائف من الصحابة بالأوصاف التي سوف تقف عليها عند تصنيف الصحابة والتي منها الفسق وقال فيما قال: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا فَعَلْتُمْ نٰادِمِينَ».(3)
وأمّا السنّة النبوية فهي تصف قتلة عمار بالفئة الباغية حيث قال صلى الله عليه و آله و سلم:
«تقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنّة ويدعونك إلى النار».(1)وكان معاوية، وعمرو بن العاص يقودان الفئة الباغية.
ويقول صلى الله عليه و آله و سلم في حقّ الخوارج: «تمرق مارقة على حين فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق».(2)وهذه الأحاديث وأمثالها كثيرة مبثوثة في الصحاح والمسانيد، فإذا كان الإمساك أمراً واجباً والإطلاق أمراً محرماً، فلماذا أطلق الوحي الإلهي والنبي صلى الله عليه و آله و سلم لسانهما بوصف هؤلاء بالأوصاف الماضية؟!
وأمّا العقل فلا يجوّز لنا أن نلبس الحق بالباطل ونكتم الحقّ ونكيل للظالم والعادل بمكيال واحد، أمّا ما روي عن الإمام أحمد فلعلّه يريد به الإمساك عن الكلام فيهم بالباطل والهوى، وأمّا الكلام فيهم بما اشتهر اشتهار الشمس في رائعة النهار ونقله المحدّثون والمؤرخون في كتبهم وأُشير إليه في الذكر الحكيم فلا معنى للزوم الإمساك عنه.
ثمّ إنّه يُستشفّ من هذا الكلام أنّ الدماء التي أُريقت في وقائع الجمل وصفين والنهروان، كانت قد سُفكت بغير حق، وهذا - وأيم الحق - عين النصب، وقضاء بالباطل، وإلّا فأي ضمير حرّ يحكم بأنّ قتال الناكثين والقاسطين والمارقين، كان قتالاً بغير حقّ؟! وكلّنا يعلم أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان على بيّنة من ربّه وبصيرة من دينه، يدور معه الحقّ حيثما دار، وهو الذي يقول: «واللّٰه لو أُعطيتُ الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصيَ اللّٰهَ في نملةٍ أسلبُها جِلْبَ شعيرة ما فعلتُ».
ما هذا التجنّي أمام الحقائق الواضحة؟!
أو ليس العزوف عن نقد الصحابة تكريساً للأخطاء، وإيغالاً في التقديس؟!
أو ليس تنزيه الصحابة جميعاً تنكّراً للطبيعة البشرية.
إنّ النقد الموضوعي تعزيز لجبهة الحق، وتمييز الخبيث من الطيّب، والمبطل عن المحق قال سبحانه: «مٰا كٰانَ اَللّٰهُ لِيَذَرَ اَلْمُؤْمِنِينَ عَلىٰ مٰا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّٰى يَمِيزَ اَلْخَبِيثَ مِنَ اَلطَّيِّبِ».(1)
ولو كان الكفّ عمّا اقترفوا أمراً واجباً فلماذا خرق النبي هذا الستر وأخبر عن رجوعهم عن الطريق المهيع.
وهذا هو الإمام البخاري يروي روايات كثيرة حول ارتداد بعض الصحابة بعد رحيل النبي، نكتفي بواحدة منها.
إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتّى إذا عرفتهُم خرج رجل بيني و بينهم فقال: هلم! فقلت: أين؟ فقال: إلى النار واللّٰه، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرىٰ، ثمّ إذا زمرة أُخرى، حتّى إذا عرفتهم خرج رجل بيني و بينهم فقال لهم: هلم، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى النار واللّٰه، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدوا على أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلّامثل هِمْل النعم».(2)
وظاهر الحديث: «حتّى إذا عرفتهم» و قوله: «ارتدوا على أدبارهم القهقرى» أنّ الذين أدركوا عصره وكانوا معه، هم الذين يرتدون بعده.
إذا راجعنا الصحاح والمسانيد نجد أنّ أصحابهم أفردوا باباً بشأن فضائل الصحابة إلّاأنّهم لم يفردوا باباً في مثالبهم، بل أقحموا ما يرجع إلى هذه الناحية في أبواب أُخر، ستراً لمثالبهم وقد ذكرها البخاري في الجزء التاسع من صحاحه في باب الفتن، وأدرجها ابن الأثير في جامعه في أبواب القيامة عند البحث عن الحوض، والوضع الطبيعي لجمع الأحاديث وترتيبها، كان يقتضي عقد باب مستقل للمثالب في جنب الفضائل حتّى يطلع القارئ على قضاء السنة حول صحابة النبي الأكرم.
القرآن الكريم هو المرجع الأوّل للمسلمين في الشريعة والعقيدة، وقد وصفه سبحانه بأنّ فيه تبياناً لكلّ شيء، قال: «وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ اَلْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ».(1)
والمراد من الشيء في الآية إمّا المعنى العام، أو المعنى الخاص، أي العقيدة والشريعة، والمعنى الثاني هو القدر المتيقّن، فيجب أن يكون ميزاناً للحقّ والباطل فيما تحكيه الروايات في مجالي العقيدة والشريعة.
كما أنّه سبحانه عرّفه في مكان آخر بأنّه المهيمن على جميع الكتب
1) . النحل: 89.
السماوية «وَ أَنْزَلْنٰا إِلَيْكَ اَلْكِتٰابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمٰا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اَلْكِتٰابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ».(1)
فإذا كان القرآن مهيمناً على جميع الكتب السماوية وميزاناً للحقّ والباطل الواردين فيها، فأولى أن يكون مهيمناً على ما يُنسب إلى صاحب الشريعة المحمّدية من صحيح وسقيم.
ومقتضى ذلك أن يكون القرآن حاكماً على السنّة ومعياراً لصحّتها وسقمها؛ ولكن الغلوّ في رواة السنّة وعلى رأسهم الصحابة، انتهى إلى خلاف ذلك، فصارت السنّة قاضية على القرآن، حاكمة عليه، وهذا أحد مظاهر الغلوّ في الصحابة ومن تتلمذ على أيديهم حيث قدّموا رواياتهم على كتاب ربّ العزّة، وإن كنت في ريب ممّا ذكرنا فاقرأ ما نتلوه عليك:
روى الحافظ الكبير أبو محمد عبد الرحمن الدارمي في سننه في باب «السنّة قاضية على كتاب اللّٰه» بسنده عن يحيى بن أبي كثير قال:
السنّة قاضية على القرآن وليس القرآن بقاض على السنّة.(2)قال الإمام الأشعري واختلفوا في القرآن هل ينسخ إلّابقرآن، وفي السنّة هل ينسخها القرآن؟ فقال: المختلفون في ذلك ثلاثة أقاويل، منها:
السنّة تنسخ القرآنَ وتقضي عليه، والقرآن لا ينسخ السنّة ولا يقضي عليها.(3)لا شكّ انّ السنّة المحكية الّتي تصدر عن لسان النبيّ هي كالقرآن
الكريم، تخصِّص عموم القرآن وتقيّد مطلقه، ولا يكون بينهما أيّ خلاف حتّى يكون أحدهما قاضياً على الآخر، إنّما الكلام في هذه السنن الحاكية المبثوثة في الصحاح والسنن والمسانيد، فهل يمكن أن تكون تلك السنّة قاضية على كتاب اللّٰه ولا يكون الكتاب قاضياً عليها؟!
«تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزىٰ».
من مظاهر الغلو في حقّ الصحابة، حجّية رواياتهم بلا استثناء، مع أنّ الصحابة كانوا على أصناف يعرفهم كلّ من قرأ الكتاب العزيز وتدبّر في آياته.
كانت في الصحابة طائفة من المؤمنين المخلصين بدرجات مختلفة، وفيهم المسلمون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وفيهم المنافقون وهم عدد غير قليل، وفيهم المؤلّفة قلوبهم، وفيهم من نزل القرآن بفسقه، وفيهم من أُقيم عليه الحدّ الشرعي في زمن النبيّ، وفيهم من ارتدّ عن دينه إلى غير ذلك من الأصناف الّتي لا يحتجّ بأقوالها ورواياتها.
ومع ذلك احتج بروايات الصحابي مطلقاً، ومن دون استثناء.
إنّ الرسول الأعظم صلى الله عليه و آله و سلم حذّر أصحابه من الكذب عليه في حياته، وهذا يعرب عن وجود من كان يكذب عليه في حياته فكيف بعد مماته.
روى البخاري، عن رِبْعي بن حراش يقول: سمعت عليّاً يقول: قال
النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «لا تكذبوا عليّ، فإنّه مَنْ كذب عليّ فليلج النار».(1)وروى أيضاً عن عبد اللّٰه بن الزبير قال: قلت للزبير: إنّي لا أسمعك تحدّث عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم كما يحدّث فلان وفلان؟ قال: إنّي لم أُفارقه، ولكن سمعته يقول: «من كذب عليّ فليتبوّأ مقعده من النّار».(2)إلى غير ذلك من الأحاديث الّتي رواها الإمام البخاري في هذا المضمار.
وقد عقد ابن ماجة في سننه، باب التغليظ على تعمّد الكذب على رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، وروى فيه ثماني روايات حول نهي النبي عن الكذب عليه.
وعن أبي قتادة قال: سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقول على هذا المنبر: «إيّاكم وكثرة الحديث عنّي، فمن قال عليّ فليقل عدلاً أو صدقاً، و من تقوّل عليّ ما لم أقل فليتبوّأ مقعده من النار».(3)ماذا يريد رسول اللّٰه من خطابه: «إيّاكم وكثرة الحديث عنّي» ألا يدلّ هذا على أنّه كان بين الصحابة من يتقوّل عليه وينقل عنه ما لم يقل؟ نعم هذا لا يستلزم اختصاص الحكم بالصحابة، بل يحرم التقوّل على غير الصحابي أيضاً بملاك الاشتراك في التكليف، ولكن الخطاب متوجه إلى الصحابة يخصّهم بالذكر وإن كان الحكم واسعاً.
ثمّ إنّ ابن ماجة عقد باباً آخر، تحت عنوان «من حدّث عن رسول
اللّٰه حديثاً وهو يرى أنّه كذب» روى فيه أربع روايات كلّها بمضمون الحديث التالي: من حدّث عنّي حديثاً وهو يرى أنّه كذب فهو أحد الكاذبين.(1)وهذا يكشف عن وجود أرضية سيّئة بين نقلة الحديث في عصر الرسول، أفيمكن بعد هذه الروايات أن نكيل عامة الصحابة بكيل واحد ونصفهم بالعدل والزهد والتقى؟! مع أنّ منهم - بعدما ظهر كذبه في الحديث - من يعتذر بأنّه من كيسه.
أخرج البخاري عن أبي صالح، قال: حدّثني أبوهريرة، قال: قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: أفضل الصدقة ما ترك غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إمّا أن تطعمني وإمّا أن تطلقني.
ويقول العبد: اطعمني واستعملني.
ويقول الابن: ا طعمني إلى من تدعني؟
فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم؟!
قال: لا، من كيس أبي هريرة.
ورواه الإمام أحمد في مسنده باختلاف طفيف في اللفظ.
انظر إلى الرجل ينسب في صدر الحديث الرواية إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بضرس قاطع، ولكنّه عندما سُئل عن سماع الحديث من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عدل عمّا ذكره أوّلاً، وصرح بأنّه من كيسه الخاص أي من موضوعاته.(2)
من يراجع الرسائل والكتب العقائدية يقف فيها على مسألتين تعتبران منذ عصر الإمام أحمد (المتوفّى 241 ه) من صميم الدين وممّا يجب الإيمان به، وهما:
خلافة الخلفاء الأربعة.
عدالة الصحابة جميعاً.
يقول إمام الحنابلة في رسالة عقائدية: وخير هذه الأُمّة بعد نبيّها صلى الله عليه و آله و سلم أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، وخيرهم بعد عمر عثمان، وخيرهم بعد عثمان علي - رضوان اللّٰه عليهم - خلفاء راشدون مهديّون، ثمّ أصحاب محمد بعد هؤلاء الأربعة.(1)وقال الإمام الأشعري في رسالة ألّفها لبيان عقيدة أهل الحديث:
إنّ الإمام الفاضل بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم أبو بكر الصدّيق، ثمّ عمر بن الخطاب، ثمّ عثمان بن عفان، ثمّ علي بن أبي طالب عليه السلام. فهؤلاء الأئمّة بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وخلافتهم خلافة النبوّة.(2)
وقال أبو جعفر الطحاوي في العقيدة الطحاوية المسمّاة ب «بيان السنّة والجماعة»:
وتثبيت لأبي بكر الصديق تفضيلاً وتقديماً على جميع الأُمّة ثمّ لعمر بن الخطاب، ثمّ لعثمان، ثمّ لعلي.(1)هذه النصوص المذكورة وما لم نذكره تعرب عن أنّ خلافة الخلفاء - عند القوم - عقيدة إسلامية يجب على كلّ مسلم الاعتقاد بها كالاعتقاد بسائر الأُصول من توحيده سبحانه ونبوّة نبيّه ومعاد الإنسان، وقد ذكرها الإمامان: أحمد والأشعري في عداد عقائد أهل السنة والجماعة.
هذا هو المفهوم من هذه الكلمات وربما يتصوّر القائل أنّ الاعتقاد بخلافة الخلفاء أصل من أُصول الإسلام وقد جاء به النبيّ الخاتم وأمر الناس بالاعتقاد به.
كيف يتصوّر ذلك مع أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم كان يقبل إسلام من ذكر الشهادتين دون أن يسأله عن خلافة الخلفاء؟
والذي يدلّ على أنّ خلافة الخلفاء ليست أصلاً دينيّاً وإنّما هي مرحلة زمنية مرّ بها المسلمون في فترة من تاريخهم كما مرّوا بخلافة سائر الخلفاء، هو أنّ أصل الخلافة والإمامة من الفروع عند متكلّمي
1) . شرح العقيدة الطحاوية، للشيخ عبد الغني الميداني الحنفي الدمشقي: 479، ولاحظ الفرق بين الفرق: 350 للبغدادي، وغيره.
أهل السنّة، فكيف تكون خلافة الخلفاء من الأُصول؟
قال الغزالي: واعلم أنّ النظر في الإمامة أيضاً ليست من المهمّات، وليس أيضاً من فن المعقولات، بل من الفقهيّات.(1)وقال الآمدي: اعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أُصول الديانات، ولا من الأُمور اللابدّيّات بحيث لا يسع المكلّف الإعراض عنها والجهل بها.(2)وقال السيد الشريف: وليست الإمامة من أُصول الديانات والعقائد، بل هي من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين، إذ نصب الإمام عندنا واجب على الأُمّة سمعاً.(3)فإذا كانت الكبرى حكماً فرعياً من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قام المسلمون بعد رحيل الرسول بتطبيقها على الخلفاء الأربعة ثم توالى الخلفاء بعدهم، أفهل يكون ذلك دليلاً على أنّ الاعتقاد بخلافتهم أصل من الأُصول؟
إذ طالما قام المسلمون بواجبهم في أكثر بقاع العالم فبايعوا شخصاً بالخلافة فلم تُصبح خلافته أصلاً من أُصول الإسلام، هذا من غير فرق بين أن نقول بصحّة خلافتهم وكونها جامعة شرائط الخلافة أم لم نقل، إنّما الكلام في أنّ الاعتقاد بها ليس أصلاً من أُصول الإسلام.
ومن سبر التاريخ يقف على أنّ يد السياسة أوجدت تلك الفكرة،
وجعلت خلافة الخلفاء الثلاث أصلاً من أُصول الإيمان ليكون ذريعة إلى سائر المسائل السياسية.
ذكر المسعودي: اجتمع عمرو بن العاص مع أبي موسى الأشعري في دومة الجندل، فجرى بينهما مناظرات، وقد أحضر عمرو غلامه لكتابة ما يتّفقان عليه، فقال عمرو بن العاص بعد الشهادة بتوحيده سبحانه ونبوّة نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم ونشهد أنّ أبا بكر خليفة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عمل بكتاب اللّٰه وسنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم حتى قبضه اللّٰه إليه، وقد أدّى الحق الذي عليه.
قال أبو موسى: اكتب، ثمّ قال في عمر مثل ذلك، فقال أبو موسى: اكتب. ثمّ قال عمرو: اكتب انّ عثمان ولي هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين وشورى من أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ورضا منهم وأنّه كان مؤمناً، فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا ممّا قعدنا له، قال: واللّٰه لابدّ من أن يكون مؤمناً أو كافراً، فقال أبو موسى: كان مؤمناً. قال عمرو: فمره يكتب، قال أبو موسى: اكتب. قال عمرو: فظالماً قتل عثمان أو مظلوماً؟ قال أبو موسى: بل قتل مظلوماً، قال عمرو: أو ليس قد جعل اللّٰه لوليّ المظلوم سلطاناً يطلب بدمه؟ قال أبو موسى: نعم. قال عمرو: فهل تعلم لعثمان ولياً أولى من معاوية؟ قال أبو موسى: لا، قال عمرو: أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتّى يقتله أو يعجز عنه؟ قال أبو موسى:
بلى، قال عمرو للكاتب: اكتب وأمره أبو موسى فكتب، قال عمرو: فإنّا نقيم البيّنة على أنّ علياً قتل عثمان....(1)
1) . مروج الذهب للمسعودي: 396/2-397.
ومن يقرأ قصة التحكيم في حرب صفّين يجد أنّ إقحام الاعتقاد بخلافة الشيخين، كان تمهيداً لانتزاع الإقرار بخلافة الثالث، ولم يكن الإقرار بخلافة الثالث مقصوداً بالذات، بل كان ذريعة لانتزاع اعترافات أُخرى من أنّه قتل مظلوماً، وأنّه ليس له وليّ يطلب بدمه أولى من معاوية وأنّ علياً هو الذي قتله.
وقد استفحلت أهميّة الإيمان بخلافة الخلفاء ولا سيما الثالث في عهد معاوية للإطاحة بعليّ وأهل بيته وإقصائهم عن الساحة السياسية، حتّى يخلو الجوّ لمعاوية وأبناء بيته، وقد أمر الخطباء والوعّاظ بنشر مناقب الخلفاء أوّلاً، وسائر الصحابة ثانياً، والمنع عن نشر أيّة فضيلة من فضائل أمير المؤمنين علي عليه السلام.
إنّ الرسائل العقائدية الّتي أشرنا إليها اشتملت على ما يربو على خمسين أصلاً، يتراءىٰ لنا أنّها من أُصول الإسلام، وأنّها ممّا قد أجمع عليها المسلمون بعد رحيل الرسول، ولكن الواقع غير ذلك فأكثر الأُصول ردود على الفرق الكلامية الّتي ظهرت في الساحة، فصارت العقائد الإسلامية كأنّها ردود على الفرق الناجمة في عصر التيارات الكلامية ولا أصالة لها. ولولا تلك الفرق الضالة! لم يكن لهذه الأُصول عين ولا أثر، حتّى أنّ مسألة تربيع الخلفاء تمّ الاتّفاق عليها في عصر الإمام أحمد، و كان أكثر المحدّثين على التثليث.
قد ذكر ابن أبي يعلى بالاسناد إلى وديزة الحمصي قال: دخلت على أبي عبد اللّٰه أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي رضى الله عنه فقلت له: يا أبا عبد
اللّٰه إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير، فقال: بئس ما قلت وما نحن وحرب القوم وذكرها، فقلت: أصلحك اللّٰه إنّما ذكرناها حين ربّعت بعلي وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمّة قبله، فقال لي: وما يمنعني من ذلك؟ قال: قلت: حديث ابن عمر. فقال لي: عمر خير من ابنه فقد رضي علياً للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى، وعلي بن أبي طالب رضى الله عنه قد سمّى نفسه أمير المؤمنين، فأقول: أنا ليس للمؤمنين بأمير، فانصرفتُ عنه.(1)والحقّ أنّ الأُصول التي تبنّاها الإمام أحمد وبعده الإمام الأشعري أو جاءت في العقيدة الطحاوية هي أُصول استنبطها الإمام من الآيات والروايات فجعلها عقائد إسلامية يجب الإيمان بها، وهي أولى بأن تسمّى: عقائد الإمام أحمد بدل أن تسمّى عقائد إسلاميّة.
هذا هو حال الخلافة التي جعلوها من الأُصول ولا تمتّ إليها بصلة، ولنبحث الآن مسألة عدالة الصحابة، أي عدالة مائة ألف إنسان رأى النبيّ وشاهده أو عدالة خمسة عشر ألف صحابي سُجّلت أسماؤهم في المعاجم فقد هتفت الكتب الرجالية بعدالتهم على الإطلاق، وحُرّم أيّ نقد علمي أو تاريخي في حقّهم، بل عُدّ الناقد لهم خارجاً عن الإسلام مبطلاً لأدلّة المسلمين على ما مرّ.(2)إنّ الدارس لتاريخ حياة الصحابة يقف بوضوح على أنّ هذه الحالة
القدسية التي يضفيها جمهور السنّة على الصحابة ليست إلّاوليدة عصر متأخر عنهم، ولم تزل هذه الحالة تزداد وتتّسع، حتّى أصبحنا في عصر لا يمكن فيه لأحد أن يبحث في ممارسات الصحابة وسلوكيّاتهم، ولا أن يشير إلى مواضع الألم في تاريخ تلك الحقبة، حتّى ولو اعتمد القائل في قضائه على الآيات والروايات والتاريخ الصحيح، بل يتّهم بأنّه زنديق، وأنّ الجارح أولى بالجرح.
لقد تكوّنت هذه النظرية ونشأت عن العاطفة الدينية التي حملها المسلمون تجاه الرسول الأكرم وجرّتهم إلى تبنّي تلك الفكرة واستغلّتها السلطة الأموية لإبعاد الناس عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام أحد الثقلين اللّذين تركهما الرسول صلى الله عليه و آله و سلم بعد رحيله لهداية الناس.
والشاهد على أنّ هذه القداسة طارئة على فكر المجتمع الإسلامي، هو تضافر الآيات على تصنيف الصحابة إلى أصناف مختلفة يجمعها من حسنت صحبته ومن لم تحسن، كما تضافرت الروايات على ذمّ لفيف منهم، وقد احتفل التاريخ بنزاعهم وقتالهم وقتلهم الأبرياء، ومع ذلك كلّه فعدالة الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم صارت كعقيدة راسخة في فكر المجتمع الإسلامي، لا يجترئ أحد على التشكيك فيها إلّامن تجرّد عن العقائد المسبقة وقدّم تبنّي الحقيقة على المناصب الدنيوية وزخارفها وابتاع لنفسه أنواع التهم والذموم.
وها نحن نذكر شيئاً من الآيات الصريحة في ذمّ لفيف منهم على نحو لا يبقى معه شكّ لمشكّك ولا ريب لمرتاب.
إنّ القرآن الكريم في مختلف سوره وآياته ينقد أقوال الصحابة وأفعالهم بوضوح كما أنّه في بعض آياته يثني على طائفة منهم، فمن الخطأ أن نركّز على طائفة دون طائفة، فها نحن ندرس في هذا الفصل بعض الآيات التي تنقد أفعالهم وآراءهم كما ندرس في الفصول القادمة الآيات المادحة.
القرآن يتنبّأ بإمكان ارتداد بعض الصحابة بعد رحيل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم. وذلك لمّا انهزم من انهزم من المسلمين يوم أُحد وقتل من قتل منهم. يقول ابن كثير: نادى الشيطان على أنّ محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم قد قتل. فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس واعتقدوا أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قد قتل وجوّزوا عليه ذلك، فحصل ضعف ووهن وتأخّر عن القتال، روى ابن نجيح عن أبيه إنّ رجلاً من المهاجرين مرّ على رجل من الأنصار وهو يتشحّط في دمه، فقال له: يا فلان أشعرت أنّ محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم قتل؟ فقال الأنصاري: إن كان محمّد قد قتل فقد بلّغ، فقاتلوا عن دينكم. فأنزل اللّٰه سبحانه قوله: «وَ مٰا مُحَمَّدٌ إِلاّٰ رَسُولٌ
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مٰاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىٰ أَعْقٰابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اَللّٰهَ شَيْئاً وَ سَيَجْزِي اَللّٰهُ اَلشّٰاكِرِينَ».(1)
قال ابن قيّم الجوزية: كانت وقعة أُحد مقدّمة وإرهاصاً بين يدي محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ونبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول اللّٰه أو قتل.(2)والظاهر من الارتداد هو الأعمّ من الارتداد عن الدين الذي جاهر به بعض المنافقين والارتداد عن العمل كالجهاد ومكافحة الأعداء وتأييد الحقّ إنساء ما أوصى به رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.
وهذه الآية تخبر عن إمكانية الانقلاب على الأعقاب بعد رحيل الرسول، فهل يمكن أن يوصف بالعدالة التامّة الّتي هي أُخت العصمة من كان يُحتمل فيه تلك الإمكانية؟ ولذلك ترى أنّهم لا يرضون بنقد آراء الصحابة وأقوالهم.
بينا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يخطب الجمعة قدمت عير المدينة فابتدرها أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم حتّى لم يبق معه إلّااثنا عشر رجلاً. فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: والذي نفسي بيده، لو تتابعتم حتّى لا يبقى منكم أحد سال لكم الوادي ناراً، فنزلت هذه الآية: «وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهٰا
وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً قُلْ مٰا عِنْدَ اَللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اَللَّهْوِ وَ مِنَ اَلتِّجٰارَةِ وَ اَللّٰهُ خَيْرُ اَلرّٰازِقِينَ».
قال ابن كثير: يعاتب تبارك وتعالى على ما كان وقع، من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة التي قدمت المدينة يومئذ، فقال تعالى: «وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهٰا وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً» أي على المنبر تخطب، هكذا ذكره غير واحد من التابعين، منهم: أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة، وزعم ابن حبّان أنّ التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم وكان معها طبل، فانصرفوا إليها وتركوا رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قائماً على المنبر إلّاالقليل منهم، وقد صحّ بذلك الخبر، فقال الإمام أحمد: حدّثنا ابن إدريس، عن حصين بن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال:
قدمت غير مرّة المدينة ورسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يخطب فخرج الناس وبقي اثنا عشر رجلاً فنزلت «وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْهٰا» أخرجاه في الصحيحين.(1)أفمن يقدّم اللهو والتجارة على ذكر اللّٰه ويستخف بالنبيّ، يكون ذا ملكة نفسانية تحجزه عن اقتراف المعاصي واجتراح الكبائر، ما لكم كيف تحكمون؟!
شرّع اللّٰه سبحانه صوم شهر رمضان وحرّم على الصائم إذا نام ليلاً
1) . تفسير ابن كثير: 378/4؛ صحيح البخاري: 316/1، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة؛ صحيح مسلم: 590/2 كتاب الجمعة، باب في قوله تعالى: «وإذا رأوا تجارة...».
مجامعة النساء، فكان جماعة من المسلمين ينكحون سرّاً وهو محرّم عليهم.
قال ابن كثير: كان الأمر في ابتداء الإسلام، هو إذا أفطر أحدهم إنّما يحلّ له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو نام قبل ذلك فمتى نام أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القادمة، ثمّ إنّ أُناساً من المسلمين أصابوا من النساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فأنزل اللّٰه قوله: «أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ اَلصِّيٰامِ اَلرَّفَثُ إِلىٰ نِسٰائِكُمْ هُنَّ لِبٰاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبٰاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اَللّٰهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتٰانُونَ أَنْفُسَكُمْفَتٰابَ عَلَيْكُمْ وَ عَفٰا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَ اِبْتَغُوا مٰا كَتَبَ اَللّٰهُ لَكُمْ...».(1)
فهل يصحّ لنا أن نصف من خانوا أنفسهم بارتكاب الحرام بأنّهم عدول ذوي ملكة رادعة عن اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر؟! أو أنّ أكثرهم لم يكونوا حائزين تلك الملكة، وإنّما كانوا على درجة متوسطة من الإيمان والتقوىٰ وقد يغلب عليهم حبّ الدنيا ولذّاتها.
يقول سبحانه: «وَ مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ ثُمَّ تُوَفّٰى كُلُّ نَفْسٍ مٰا كَسَبَتْ وَ هُمْ لاٰ يُظْلَمُونَ».(2)
قال ابن كثير: نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعلّ رسول اللّٰه أخذها فأكثروا في ذلك، فأنزل اللّٰه: «وَ مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ» وهذا تنزيه له - صلوات اللّٰه وسلامه عليه - من جميع وجوه الخيانة في أداء الأمانة وقسم الغنيمة، ثمّ تبيّن أنّه قد غلّ بعض أصحابه.(1)والآية تعرب عن مدى حسن ظنّهم واعتقادهم برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم حتّى اتّهموه بالخيانة في الأمانة وتقسيم الأموال، ثمّ تبين أنّه قد غلّه بعض أصحابه، فهؤلاء الجاهلون بمكانة النبي، أو من مارس الخيانة في أموال المسلمين لا يوصفون بالعدالة.
وهذا حال البدريين، لا الأعراب ولا الطلقاء ولا أبنائهم ولا المنافقين، فكيف حال من أتى بعدهم؟ ولعمري أنّ من يقرأ هذه الآيات البيّنات وما ورد حولها من الأحاديث والكلمات ثمّ يصرّ على عدالة الصحابة جميعاً دون تحقيق فقد ظلم نفسه وظلم أُمّته.
يقول سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا فَعَلْتُمْ نٰادِمِينَ».(2)
أمر اللّٰه سبحانه بالتثبت في خبر الفاسق ليحتاط له لئلّا يحكم بقوله
فيكون في نفس الأمر كاذباً أو مخطئاً، قال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسّرين أنّ الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم على صدقات بني المصطلق إلى حارث بن ضرار وهو رئيسهم ليقبض ما كان عنده ممّا جمع من الزكاة، فلمّا أن سار الوليد حتّى بلغ بعض الطريق فرق - أي خاف - فرجع حتّى أتى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فقال: يا رسول اللّٰه إنّ الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي، فغضب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وبعث البعث إلى الحارث رضى الله عنه و أقبل الحارث بأصحابه حتّى إذا استقبل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث، فقالوا: هذا الحارث. فلمّا غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنّك منعته الزكاة وأردت قتله، قال رضى الله عنه: لا والذي بعث محمّداً صلى الله عليه و آله و سلم بالحقّ ما رأيته بتة ولا أتاني، فلمّا دخل الحارث على رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: منعتَ الزكاة و أردتَ قتل رسولي؟ قال: لا، والذي بعثك بالحقّ ما رأيته ولا أتاني، وما أقبلت إلّاحين احتبس عليّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم خشيت أن تكون سخطة من اللّٰه تعالى ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ» إلى قوله: «حَكِيمٌ».(1)
إنّ صحابة النبي بعد انتصارهم على المشركين في غزوة بدر، استولوا على أموالهم وتنازعوا فيها إلى حدّ التخاصم، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن
1) . تفسير ابن كثير: 209/4.
حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب.
وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم أحقّ بها منّا ونحن منعنا عنه العدوّ وهزمناهم.
وقال الذين أحدقوا برسول اللّٰه: لستم بأحقّ بها منّا نحن أحدقنا برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرّة واشتغلنا به فنزل:
«يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلْأَنْفٰالِ قُلِ اَلْأَنْفٰالُ لِلّٰهِ وَ اَلرَّسُولِ فَاتَّقُوا اَللّٰهَ وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».(1)
قال ابن كثير: سأل أبو أمامة عبادة عن الأنفال؟ قال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه اللّٰه من أيدينا وجعله إلى رسول اللّٰه، فقسّمه رسول اللّٰه بين المسلمين عن سواء.(2)وفي الآية إلماعات إلى سوء أخلاقهم حيث يعظ سبحانه هؤلاء السائلين ويأمرهم بأُمور ثلاثة بقوله:
«فَاتَّقُوا اَللّٰهَ» في أُموركم وأصلحوا فيما بينكم ولا تظالموا ولا تخاصموا ولا تشاجروا، فما آتاكم اللّٰه من الهدىٰ والعلم خير ممّا تختصمون بسببه.
«وَ أَصْلِحُوا ذٰاتَ بَيْنِكُمْ»: أي لا تسبّوا.
«وَ أَطِيعُوا اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ»: أي لا تخالفوه و لا تشاجروا.(3)
فالإمعان في الآيات النازلة حول هؤلاء المتنازعين والروايات الواردة في تفسير الآية، لا تدع مجالاً للشكّ في أنّ لفيفاً من الحاضرين في غزوة بدر لم يبلغوا مرحلة عالية تميزهم عن غيرهم، بل كانوا كسائر الناس الذين يتنازعون على حطام الدنيا وزبرجها دون أن يستشيروا النبي صلى الله عليه و آله و سلم في أمرها، ويسألونه عن حكمها، أفهؤلاء الذين كانوا يتنازعون على حطام الدنيا، يصبحون مُثُلاً للفضيلة وكرامة النفس والطهارة؟!
كانت السنّة الجارية في الأنبياء الماضين انّهم إذا حاربوا أعداءهم وظفروا بهم ينكّلون بهم بالقتل ليعتبر به من وراءهم حتّى يكفّوا عن عدائهم للّٰه ورسوله، وكانوا لا يأخذون أسرى حتّى يثخنوا في الأرض ويستقر دينهم بين الناس، فعند ذلك لم يكن مانع من الأسر، ثمّ يعقبه المنّ أو الفداء.
يقول سبحانه في آية أُخرى: «فَإِذٰا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ اَلرِّقٰابِ حَتّٰى إِذٰا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا اَلْوَثٰاقَ فَإِمّٰا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمّٰا فِدٰاءً»(1)، فأجاز أخذ الأسر، لكن بعد الإثخان في الأرض واستتباب الأمر.
غير أنّ لفيفاً من الصحابة كانوا يصرون على النبي بالعفو عنهم وقبول الفداء منهم (قبل الإثخان في الأرض) فأخذوا الأسرى، فنزلت الآية في ذم هؤلاء وعرّفهم بأنّهم استحقوا مسَّ عذاب عظيم لولا ما سبق كتاب من اللّٰه، يقول سبحانه: «مٰا كٰانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرىٰ حَتّٰى يُثْخِنَ فِي اَلْأَرْضِ
1) . محمد: 4.
تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيٰا وَ اَللّٰهُ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ وَ اَللّٰهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْ لاٰ كِتٰابٌ مِنَ اَللّٰهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ».(1)
والمستفاد من الآيتين أمران:
الأوّل: أنّ الحافز لأكثرهم أو لفئة منهم هو الاستيلاء على عرض الدنيا دون الآخرة كما يشير إليه سبحانه بقوله: «تُرِيدُونَ عَرَضَ اَلدُّنْيٰا وَ اَللّٰهُ يُرِيدُ اَلْآخِرَةَ».(2)
الثاني: لقد بلغ عملهم من الشناعة درجة، بحيث استحقُّوا مسَّ عذاب عظيم، غير أنّه سبحانه دفع عنهم العذاب لما سبق منه في الكتاب، قال سبحانه: «لَوْ لاٰ كِتٰابٌ مِنَ اَللّٰهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ» أخذ الأسرى «عَذٰابٌ عَظِيمٌ».
فقوله: «عَذٰابٌ عَظِيمٌ» يعرب عن عظم المعصية التي اقترفوها حتّى استحقوا بها العذاب العظيم.
أفيمكن وصف من أراد عرض الدنيا مكان الآخرة واستحقّ مسّ عذاب عظيم بأنّه ذو ملكة نفسانية تصده عن اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر، كلاّ، ولا.
لقد دارت الدوائر على المسلمين يوم أُحد، لأنّهم عصوا أمر الرسول
وتركوا مواقعهم على الجبل طمعاً في الغنائم فأصابهم ما أصابهم من الهزيمة التي ذكرتها كتب السيرة و التاريخ على وجه مبسوط.
وبالتالي تركوا النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في ساحة الحرب وليس معه إلّاعدد قليل من الصحابة، ولم تنفع معهم دعواته صلى الله عليه و آله و سلم بالعودة إلى ساحة القتال ونصرته، فقد خذلوه في تلك الساعات الرهيبة، وأخذوا يلتجئون إلى الجبال حذراً من العدو، ويتحدّث سبحانه تبارك وتعالى عن تلك الهزيمة النكراء بقوله: «إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لاٰ تَلْوُونَ عَلىٰ أَحَدٍ وَ اَلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرٰاكُمْ فَأَثٰابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلاٰ تَحْزَنُوا عَلىٰ مٰا فٰاتَكُمْ وَ لاٰ مٰا أَصٰابَكُمْ وَ اَللّٰهُ خَبِيرٌ بِمٰا تَعْمَلُونَ».(1)
فالخطاب موجّه للذين انهزموا يوم أُحد، وهو يصف خوفهم من المشركين وفرارهم يوم الزحف، غير ملتفتين إلى أحد، ولا مستجيبين لدعوة الرسول، حين كان يناديهم من ورائهم ويقول: هلم إليَّ عباد اللّٰه أنا رسول اللّٰه... ومع ذلك لم يُجبه أحد من المولّين.
والآية تصف تفرقهم وتولّيهم على طوائف أُولاهم بعيدة عنه، وأُخراهم قريبة، والرسول يدعوهم ولا يجيبه أحد لا أوّلهم ولا آخرهم، فتركوا النبيّ بين جموع المشركين غير مكترثين بما يصيبه من القتل أو الأسر أو من الجراح.
نعم كان هذا وصف طوائف منهم و كانت هناك طائفة أُخرى، التفت حول النبي ودفعت عنه شرّ الأعداء، وهم الذين أُشير إليهم بقوله سبحانه: «وَ سَيَجْزِي اَللّٰهُ اَلشّٰاكِرِينَ».(2)
ثمّ إنّه سبحانه يصرح بتولّيهم وفرارهم عن الجهاد وينسب زلّتهم إلى الشيطان ويقول: «إِنَّ اَلَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى اَلْجَمْعٰانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ اَلشَّيْطٰانُ بِبَعْضِ مٰا كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اَللّٰهُ عَنْهُمْ إِنَّ اَللّٰهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ».(1)وليس هؤلاء من أصحاب النفاق (لأنّ المنافق لا يُغفر له ولا يعفىٰ عنه) بل من الصحابة العدول!
إنّ غزوة الأحزاب من المغازي المعروفة في الإسلام، حيث اتحد المشركون واليهود للانقضاض على الإسلام، فحاصروا المدينة وهم عشرة آلاف مدجّجين بالسلاح، وحفر المسلمون خندقاً حول المدينة لمنع العدو من اقتحامها وقد طال الحصار نحو شهر.
وفي هذه الغزوة امتحِن أصحابُ النبي صلى الله عليه و آله و سلم وزلزلوا زلزالاً عظيماً، وتبيّن الثابت من المستزلّ، وانقسم أصحابه إلى قسمين:
المؤمنون وشعارهم: «هٰذٰا مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ مٰا زٰادَهُمْ إِلاّٰ إِيمٰاناً وَ تَسْلِيماً». (2)
المنافقون والذين في قلوبهم مرض وشعارهم: «مٰا وَعَدَنَا اَللّٰهُ وَ رَسُولُهُ إِلاّٰ غُرُوراً».(2)
فضعفاء الإيمان من المؤمنين كانوا يظنون باللّٰه انّه وعدهم وعداً غروراً، فهل يصحّ وصف هؤلاء بالعدالة والتزكية؟! وهم - طبعاً - غير المنافقين الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويدلّ على ذلك، عطف «وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ» على المنافقين، قال سبحانه: «وَ إِذْ يَقُولُ اَلْمُنٰافِقُونَ وَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ».
ومن يمعن النظر في الآيات الواردة حول غزوة الأحزاب يعرف مدى صمود كثيرمن الصحابة أمام ذلك السيل الجارف، فإنّ كثيراً منهم كانوا يستأذنون النبي صلى الله عليه و آله و سلم للرجوع إلى المدينة بحجة انّ بيوتهم عورة ويقول سبحانه: «وَ مٰا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّٰ فِرٰاراً وَ لَقَدْ كٰانُوا عٰاهَدُوا اَللّٰهَ مِنْ قَبْلُ لاٰ يُوَلُّونَ اَلْأَدْبٰارَ وَ كٰانَ عَهْدُ اَللّٰهِ مَسْؤُلاً».(1)
لقد شاع النفاق بين الصحابة منذ نزول النبي، بالمدينة، وقد ركّز القرآن على عصبة المنافقين وصفاتهم، وفضح نواياهم، وندّد بهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، المائدة، التوبة، العنكبوت، الأحزاب، محمد، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، والمنافقون.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي، بين معروف عرف بسمة النفاق ووصمة الكذب،
1) . الأحزاب: 13.
وغير معروف بذلك، ولأنّه مقنّع بقناع الإيمان والحب للنبي، فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير مؤثرة لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن الكريم.
وهناك ثلة من المحقّقين ألّفوا كتباً ورسائل حول النفاق والمنافقين، وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليهم فبلغ مقداراً يقرب من عشر القرآن الكريم.
ومع ذلك فهل يمكن عد جميع من صحب النبي صلى الله عليه و آله و سلم عدولاً؟!
نعم المنافقون ليسوا من الصحابة ولكنّهم كانوا مندسّين فيهم، وعند ذلك فكثيراً ما يشتبه الصحابي الصادق بالمنافق، ولا يتميّز المنافق عن المؤمن، حتّى أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم ربما كان لا يعرفهم، يقول سبحانه: «وَ مِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفٰاقِ لاٰ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ».(1)
فهذا يجر الباحث - الذي يريد الإفتاء على ضوء ما قاله الصحابة - التفتيش عن حال الصحابي حتّى يعرف المنافق عن غيره، فلو اشتبه الحال فلا يكون قوله ولا روايته حجّة.
هذا بعض قضاء القرآن في حق الصحابة، ولسنا بصدد الاستقصاء بأنّ أصناف الصحابة المجانبين للعدالة، أكثر(2)ممّا ذكرنا لكن التفصيل لا يناسب وضع الكتاب.
درسنا عدالة الصحابة في ضوء القرآن الكريم وخرجنا بالنتيجة التالية: انّ حال الصحابة كحال التابعين، ففيهم عادل وفاسق، وصالح وطالح، منهم من يُستدرّ به الغمام ومنهم من دون ذلك.
ومن حسن الحظ انّ السنّة النبوية تدعم ذلك الموقف، فلنذكر منها نزراً قليلاً حسب ما يقتضيه وضع الكتاب.
روى مسلم عن أبي سعيد قال: أخبرني من هو خير منّي - أبو قتادة - انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال لعمّار حين جعل يحفر الخندق وجعل يمسح رأسه ويقول: بُؤسَ ابنُ سمية تقتلك فئة باغية.(1)وروى البخاري عن أبي سعيد أنّه قال: كنّا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فجعل النبي صلى الله عليه و آله و سلم ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار.
1) . جامع الأُصول: 42/9 برقم 6580.
قال الحميدي في هذا الحديث زيادة مشهورة لم يذكرها البخاري أصلاً من طريق هذا الحديث، ولعلّها لم تقع إليه فيها، أو وقعت فحذفها لغرض قصده في ذلك، وأخرجها أبو بكر البرقاني، وأبو بكر الإسماعيلي قبله، وفي هذا الحديث عندهما انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: ويح عمّار، تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار.(1)وقد كشف الحميدي عن نوايا البخاري انّه ربما يتلاعب بالحديث فيحذف بعض أجزائه لغرض معيّن، وهو إنّما حذف هذه الجملة المشهورة، أعني: «تقتله الفئة الباغية» بقصد تبرئة معاوية، وتبرير أعماله.
ونحن نسأل القائلين بعدالة الصحابة مَن هي الفئة الباغية التي قتلت عماراً؟! وهل كان فيها من صحابة النبي من يؤيّد موقف الفئة الباغية؟! لا شكّ انّ معاوية كان يترأس الفئة الباغية وكان عمرو بن العاص وزيره في الحرب، وكان انتصار معاوية في حرب صفين رهن مكيدة عمرو بن العاص، وكان بين الفئة الباغية من الصحابة النعمان بن بشير الأنصاري، وعُقْبة بن عامر الجهني، وأبو الغادية يسار بن سبع الجهني وغيرهم.
قد روى أصحاب الصحاح أنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم أمر بإحضار القلم والدواة ليكتب كتاباً لا يضلّوا بعده أبداً، وقد حال بعض الحاضرين بينه و بين ما يروم إليه، وقد أخرجه البخاري في غير مورد من صحيحه.
1) . جامع الأُصول: 44/9 برقم 6583.
ففي كتاب العلم أخرج عن ابن عباس انّه قال: لما اشتدّ بالنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم وجعه، قال: «ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا بعده»، قال عمر: إنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم غلبه الوجع، وعندنا كتاب اللّٰه حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، قال: «قوموا عنّي ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم و بين كتابه.(1)وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنّه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثمّ بكى حتّى خَضَبَ دمعُه الحصباءَ، فقال: اشتدّ برسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وجعه يوم الخميس، فقال: «ائتوني بكتاب اكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده أبداً». فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا:
هجر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم؟ قال: «دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه».(2)وهنا نكتة لابدّ من إلفات القارئ إليها وهي: انّ فعل النبي (طلب الكتاب)، نسب في الصورة الأُولى إلى غلبة الوجع وعند ذاك سمّي القائل به وهو عمر، وفي الصورة الثانية نسب إلى الهجر والهذيان، ولم يذكر اسم القائل، وجاء مكان «عمر» لفظة: «قالوا».
ولما كانت الصورة الأُولى أخف وطأة من الثانية، جاء فيها ذكر القائل دون الثانية.
والقائل في الجميع واحد.
ويذكره أيضاً بشكل آخر في موضع ثالث، يقول:
اشتدّ برسول اللّٰه وجعه فقال: «ائتوني بكتف اكتب لكم كتاباً لا تضلّوا
بعده أبداً» فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع، فقالوا: ماله أهجر؟ استفهموه، فقال: «ذروني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه».(1)وفي صورة رابعة قال بعضهم: إنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب اللّٰه، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلمّا أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: قوموا.(2)أُنشدك باللّٰه انّ من يخالف أمر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم الذي تدلّ القرائن على كونه إلزامياً، ثمّ يصف أمره بأنّه نتيجة غلبة الوجع أو الهجر والهذيان هل يوصف هذا بأنّه صاحب ملكة رادعة عن اقتراف المحرمات؟!
وما أبعد ما بين وصف هؤلاء وبين وصفه سبحانه لنبيّه الكريم بقوله: «وَ اَلنَّجْمِ إِذٰا هَوىٰ * مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ وَ مٰا غَوىٰ * وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوىٰ * إِنْ هُوَ إِلاّٰ وَحْيٌ يُوحىٰ».(3)
كيف يقول ذلك الصحابي حسبنا كتاب اللّٰه؟! فلو كان هذا صحيحاً فلماذا ألف المسلمون الصحاح والسنن والمسانيد؟!
سمعت النبي صلى الله عليه و آله و سلم يقول: أنا فَرَطُكُم على الحوض من ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني ثمّ يحال بيني و بينهم.
قال أبو حازم: فَسَمِعَني النعمان بن أبي عيّاش وأنا أُحدِّثهم هذا، فقال: هكذا سمعتَ سهلاً؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعتُه يزيد فيه قال: إنّهم منّي، فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سُحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي.(1)2. أخرج البخاري عن المغيرة، قال سمعت أبا وائل، عن عبد اللّٰه رضى الله عنه، عن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قال: أنا فَرَطُكم على الحوض، وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليُختلجُنَّ دوني، فأقول: يا ربّ أصحابي، فقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك.(2)3. أخرج البخاري عن أنس، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: ليردَنَّ عليّ ناس من أصحابي الحوض حتّى إذا عرفتهم، اختُلِجُوا دوني فأقول:
أصحابي؟! فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك.(3)4. أخرج البخاري عن سهل بن سعد قال، قال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: إنّي فَرَطُكم على الحوض من مرّ عليّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بيني و بينهم.(4)
أخرج البخاري عن أبي هريرة انّه كان يحدث انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّؤن عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، انّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقهرى.(1)6. أخرج البخاري عن أبي المسيب انّه كان يحدِّث عن أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم انّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيحلّؤن عنه، فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى.(2)7. أخرج البخاري عن ابن عباس في حديث:... ثمّ يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنّهم لم يزالوا مرتدّين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مٰا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّٰا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ اَلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ - إلى قوله: - اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ»(3).(4)
أخرج البخاري عن العلاء بن المسيب قال: لقيت البراء بن عازب فقلت: طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه و آله و سلم وبايعته تحت الشجرة، فقال:
يا بن أخي إنّك لا تدري ما أحدثنا بعده.(5)
قال: فكان ابن أبي مليكة يقول: اللّهم إنّا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا وأن نفتن عن ديننا.(2)وتنتهي أسانيد هذه الروايات إلى شخصيات نظراء: سهل بن سعد، أبي وائل عن عبد اللّٰه، أنس بن مالك، أبي هريرة، ابن المسيب، البراء بن عازب، أبي بكرة، وأسماء بنت أبي بكر واقتصرنا غالباً بما رواه البخاري وقد نقله مسلم وغيره أيضاً، وما ظنّك بحديث يرويه الإمام البخاري وقد نقل شيئاً منه في الفتن، وقسماً أكثر في باب الحوض.
ولابدّ من الكلام في مقامين:
الأوّل: من هم الذين أخبر النبي عن ارتدادهم بعد رحيله؟
الثاني: ما هو المراد من ارتدادهم؟
أمّا الأوّل: فالقرائن القطعية تدلّ على أنّ المراد، بعض أصحابه الذين
عاشوا معه وكان يعرفهم وهم يعرفونه واجتمعوا معه في فترة زمنية، وليس هؤلاء إلّالفيف من أصحابه، والدليل على ذلك ما جاء في متونها من الكلمات التالية:
ليردنّ علي أقوام أعرفهم ويعرفونني كما في رقم 1.
أنا فرطكم على الحوض وليرفعن رجال منكم (رقم 2).
حتّى إذا عرفتهم اختلجوا دوني (رقم 3).
فأقول: يا ربّ أصحابي (رقم 3، 5، 6).
تشبيه هؤلاء بأصحاب عيسى ابن مريم والاستشهاد بقوله سبحانه: «وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مٰا دُمْتُ فِيهِمْ» فهو صريح في أنّ المراد من عاصر النبي. (رقم (7).
شهادة البراء بن عازب بأنّ الصحابة أحدثوا بعد رحيل النبي (رقم 8).
انّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم يصفهم بقوله: ممّن صحبني ورآني. (رقم 9).
استعاذة ابن أبي مليكة من أن يرجع إلى أعقابه الدالّ على أنّ الصحابة هم المقصودون. (رقم 10).
إذا كان من علائم هؤلاء:
إنّ الرسول يعرفهم وهم يعرفونه، وانّهم من رجال عصر الرسول (رجال منكم) لا من الأجيال المستقبلة، فهؤلاء أصحابه الذين عاشوا معه
في عصر الرسالة، حتّى استحقوا بأن يصفهم النبي عند الاستغاثة بقوله: «يا رب أصحابي».
فلا أظن من يدرس هذه الروايات الواردة في الصحيحين وغيرهما بتجرّد وموضوعية أن يدور في خلده، انّ المراد من الذين ارتدوا على أدبارهم، أُمّته الذين أتوا بعده وعاشوا في أحقاب بعيدة عن عصر الرسول، ولم يكن فيها من وجود الرسول عين ولا أثر، إذ لو كان هذا هو المراد، فمتى عاش معهم النبي، حتّى عرفهم وعرفوه؟ ومتى كانوا معه حتّى صحّ وصفهم بقوله: «رجال منكم» ومتى صحبوه (فترة قصيرة أو طويلة) وصاروا أصحابه؟
ومن التجنّي على الحقيقة القول: «بأنّ جميع الأُمّة أصحاب النبي، كما أنّ جميع من يقلّدون الشافعي مثلاً أصحابه» فانّ هذا التفسير في المقيس عليه ممنوع فكيف المقيس؟ فأصحاب الشافعي هم الذين تربّوا على يديه والتفُّوا حوله وانتفعوا بعلمه، وأمّا الذين جاءوا بعده ولم يشاهدوه فهم أتباعه، لا أصحابه، فلو صح إطلاق الأصحاب عليهم، فإنّما هو إطلاق مجازي لا حقيقي.
وأمّا المقيس فالحال فيه واضحة.
فالصحابة، في الروايات والآثار، هم الذين أقاموا مع رسول اللّٰه فترة من الزمن، أو رأوا رسول اللّٰه و أدركوه وأسلموا، إلى غير ذلك من التعاريف التي ذكرها الجَزري في «أُسد الغابة».(1)
1) . أُسد الغابة: 11/1-12.
وليس هذا المورد إلّاكسائر الموارد التي وردت فيها كلمة الصحابة، مثلاً رووا عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «لا تسبُّوا أصحابي» كما رووا عنه صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: مثل أصحابي كالنجوم، إلى غير ذلك من الموارد، فالمراد من الجميع هو المعنى المصطلح.
وقد ألّف غير واحد من الرجاليين كتباً في حياة الصحابة، كالاستيعاب لابن عبد البرّ، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، و إلى غير ذلك من الموارد التي أُطلقت فيها كلمة الصحابة وأُريد بها، من كانوا وعاشوا معه.
إنّ المتبادر من قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»، أو «إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك» أو «إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى»، هو انّهم كانوا معك ولكن اقترفوا هذه الجريمة بعد رحيل الرسول، دون فاصل زماني طويل، وقد كان المترقب من هؤلاء الذين رأوا شمس الرسالة واستضاءوا بها، أن يتّبعوا دينه وشريعته و لا يعدلوا عنه قيد شعرة، ولكنّهم - للأسف - ارتدوا على أدبارهم القهقرى.
هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أعني: رفع الستر عن هؤلاء الذين ارتدوا وبدّلوا.
وأمّا الأمر الثاني، فهل المراد من الارتداد هو الخروج عن الدين، أوالمراد من الارتداد هو الأعم من الرجوع عن العقيدة، أو السلوك على غير ما أوصى به النبي في غير واحد من الأُمور؟ ولعل المراد هو الثاني حيث إنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم أوصى بالثقلين وأهل بيته، فخالفوا وصية الرسول، كما أنّهم خالفوا في كثير من الأحكام، المذكورة في محلّها، فقدّموا الاجتهاد على
النصّ، والمصلحة المزعومة على أمره، وبذلك أحدثوا في دينه بدعاً، ليس لها في الكتاب والسنّة أصل.
ما مرّ من الروايات لا تهدف شخصاً معيّناً بالذكر، وهناك روايات تخص بعض الصحابة بالذكر من الذين لم تحسن صحبتهم ويخبر عن سوء مصيرهم ويندد بسوء عملهم، وهي كثيرة، ونذكر منها النزر اليسير:
أخرج مسلم عن جابر بن عبد اللّٰه قال: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: من يصعد، الثنيّة، ثنيّة المُرار فانّه يحطّ عنه، ما حطّ عن بني إسرائيل قال:
فكان أوّل من صعدها، خيَلنا خيلَ بني الخزرج ثمّ تتامّ الناس، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «وكلّهم مغفور له إلّاصاحب الجمل الأحمر» فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فقال: واللّٰه لأن أجد ضالّتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبكم، وكان رجل ينشد ضالّة له.(1)إنّ مسلماً وان ذكره في كتاب صفات المنافقين، لكنّه لا دليل على أنّه كان منهم، بل كان من ضعفاء الإيمان، أو مرضى القلوب، أو السمّاعين، إلى غير ذلك من الأصناف المتوفرة في صحابة النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وقد ذكر الشراح انّه كان الجدّ بن قيس الأنصاري.
1) . صحيح مسلم: 123/8، صفات المنافقين وأحكامهم.
وروى مسلم بعد هذا الحديث عن أنس بن مالك قال: كان منّا رجل من بني النجّار قد قرأ البقرة وآل عمران، وكان يكتُب لرسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فانطلق هارباً حتّى لحق بأهل الكتاب قال فرفعوه، قالوا: هذا كان يكتب لمحمد، فأُعجبوا به....
أخرج البخاري عن سالم، عن أبيه قال: بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يُحسِنُوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كلّ رجل منّا أسيره، حتّى إذا كان يوم، أمر خالد أن يقتل كلّ رجل منّا أسيره، فقلت: واللّٰه لا أقتل أسيري، ولا يَقْتُل رجل من أصحابي أسيره حتّى قدمنا على النبي فذكرناه، فرفع النبي صلى الله عليه و آله و سلم يده فقال: «اللّهمّ إنّي أبرأ إليك ممّا صنع خالد» مرّتين.(1)هذا هو سيف الإسلام، وبطله يقتل الأبرياء واحداً بعد الآخر، ويتبرأ النبي الأعظم من جريمته ولكنّه يُصبح بعد رحيل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم رجلاً بارّاً و سيفاً مسلولاً سلّه رسول اللّٰه ولا يُغمد، وإن زنى بزوجة مالك بن نويرة وقتله، فما حال غيره!
1) . صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب بعث النبي خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، الحديث 4339.
أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري رضى الله عنه بينما نحن عند رسول اللّٰه وهو يقسم قسماً، أتاه ذو الخويصرة، وهو رجلٌ من بني تميم، فقال: يا رسول اللّٰه اعدل، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خِبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدِلُ». فقال عمر: يا رسول اللّٰه، ائذَن لي فيه فأضرِبَ عُنقَهُ؟
فقال: «دَعْهُ، فإنّ له أصحاباً يحقِّرُ أحدكم صلاتَه مع صلاتهم، وصيامَه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يُجاوز تراقيهم، يمرقون من الدِّين كما يمرقُ السَّهم من الرّميَّة».
قد سبّ أبو هريرة رجلاً بأُمّ له في الجاهلية فاستعدى رسول اللّٰه على أبي هريرة، فقال له رسول اللّٰه: «إنّ فيك شعبة من الكفر» فحلف أبو هريرة أن لا يسب بعده مسلماً.(1)
أخرج الحاكم في مستدركه عن زيد بن خالد الجهني رضى الله عنه أنّ رجلاً من أصحاب رسول اللّٰه توفّي يوم حنين أو خيبر، فامتنع صلى الله عليه و آله و سلم من الصلاة
1) . مجمع الزوائد: 86/8، كتاب الأدب، باب في من يُعيّر بالنسب أو غيره.
عليه، لأنّه غلّ في سبيل اللّٰه ففتّشوا متاعه فوجدوا خِرزاً من خرز اليهود لا يساوي درهمين.(1)
أخرج البخاري عن أبي هريرة قال شهدنا خيبر، فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لرجل ممّن معه يدّعي الإسلام: «هذا من أهل النّار». فلمّا حضر القتال قاتل الرجل أشدّ القتال حتّى كثُرت به الجِراحَة، فكادَ بعض الناس يرتاب، فوجد الرّجل ألمَ الجِراحَة، فأهوى بيده إلى كنانته، فاستخرج منها أسهماً فنَحَر بها نفسه، فاشتدّ رجال من المسلمين فقالوا: يا رسول اللّٰه، صدّق اللّٰه حديثك، انتحَر فلانٌ فقتل نفسه، فقال: «قم يا فلانُ، فأذِّن أنّه لا يدخلُ الجَنّة إلّامؤمنٌ، إنّ اللّٰه يُؤيِّد الدّين بالرَّجلِ الفاجر».(2)
روى ابن كثير في تفسير قوله سبحانه: «إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ» قال: روى الإمام أبو جعفر بسنده عن أبي اليسر كعب بن عمرو الأنصاري قال: أتتني امرأة تبتاع منّي بدرهم تمراً، فقلت: إنّ في البيت تمراً أجود من هذا، فدخلت فأهويت إليها فقبّلتها، فأتيت عمر فسألته فقال:
اتّق اللّٰه واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً، فلم أصبر حتّى أتيت أبا بكر فسألته
فقال: اتّق اللّٰه واستر على نفسك ولا تخبرن أحداً، قال: فلم أصبر حتّى أتيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم فأخبرته فقال: «أخلفت رجلاً غازياً في سبيل اللّٰه في أهله بمثل هذا؟» حتّى ظننت أنّي من أهل النار حتّى تمنيتُ انّي أسلمت ساعتئذ، فأطرق رسول اللّٰه ساعة فنزل جبريل، فقال أبو اليسر: فجئت فقرأ عليّ رسول اللّٰه: «وَ أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ طَرَفَيِ اَلنَّهٰارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ إِنَّ اَلْحَسَنٰاتِ يُذْهِبْنَ اَلسَّيِّئٰاتِ ذٰلِكَ ذِكْرىٰ لِلذّٰاكِرِينَ» فقال إنسان: يا رسول اللّٰه له خاصة أم للناس عامة؟ قال: «للناس عامة».(1)
أخرج عبد الرزاق عن يحيى بن جعدة انّ رجلاً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ذكر امرأة وهو جالس مع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فاستأذنه لحاجة، فأذن له، فذهب يطلبها فلم يجدها، فأقبل الرجل يريد أن يبشر النبي صلى الله عليه و آله و سلم بالمطر، فوجد المرأة جالسة على غدير فدفع في صدرها وجلس بين رجليها فصار ذكره مثل الهدبة، فقام نادماً حتّى أتى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فأخبره بما صنع فقال له: «استغفر ربّك وصلّ أربع ركعات» قال: وتلا عليه:
«وَ أَقِمِ اَلصَّلاٰةَ طَرَفَيِ اَلنَّهٰارِ وَ زُلَفاً مِنَ اَللَّيْلِ» الآية.(2)
وهذا حارث بن سويد بن الصامت شهد بدراً لكنّه قتل المِجذَر بن زياد يوم أُحد لثأر جاهلي فقُتِل بأمر النبي صلى الله عليه و آله و سلم. يقول ابن الأثير: لا خلاف بين أهل الأثر انّ هذا قتله النبي بالمجذر بن زياد، لأنّه قتل المجذر يوم أُحد غيلة.(1)
خرج هو ومعه نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة حتّى إذا كانوا ببطن «اضم» مرّ بهم عامر بن الاضبط الأشجعي على بعير له، وسلم عليهم بتحية الإسلام، وحمل عليه محلم بن جثامة فقتله لشيء كان بينه وبينه وأخذ بعيره ومتاعه، فلمّا قدموا على رسول اللّٰه وأخبروه الخبر، فنزل فيهم قوله سبحانه: «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اَللّٰهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لاٰ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقىٰ إِلَيْكُمُ اَلسَّلاٰمَ لَسْتَ مُؤْمِناً» الآية.(2)وفي تفسير ابن كثير قال له رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: لا غفر اللّٰه لك.(3)هذه نماذج من أصحاب النبي الذين اقترفوا المعاصي في حياة النبي وتنبّأ النبي بسوء مصيرهم، أو ندد بعملهم، وإلّا فالمجروحون من أصحابه كثير. وكفى في نقض الموجبة الكلية (الصحابة كلّهم عدول) القضية الجزئية.
لقد أوقفك الامعان في آيات الذكر الحكيم والسنّة النبوية على أنّ الصحابة لم يكونوا على وتيرة واحدة، فكان فيهم الصالح والطالح، والعادل والفاسق، ومن حسنتْ صحبتُه، ومن ساءتْ، وبذلك انثلمتِ القاعدةُ العامّة المدّعاة في حقّ الصحابة وهي: «انّ الصحابة كلّهم عدول»، وقد بُرْهن في المنطق على أنّ نقيض الموجبة الكلية هو السالبة الجزئية، وما ذكرناه من النماذج ليس إلّاسوالب جزئية بالنسبة إلى الضابطة الكلية.
فهلمّ معي نسلّط الأضواء على ملامح من حياة الصحابة بعد رحيل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فهي مشرقة من جانب، إذ حملوا لواء الإسلام بأيديهم، ونشروه في ربوع الأرض وقاتلوا وقتلوا، وهذا ممّا لا يُنكر، ومُظلمة من جانب آخر فانّ بعض من صحب النبي وعاشره اقترف جرائم لا تُغتفر، سوّد بها صحيفة حياته حتّى عدّ عاراً على الصحابة أنفسِهم.
وها نحن نذكر في المقام نبذة موجزة عن بعض الصحابة الذين عدلوا عن الطريق المهيع لتكون نموذجاً لما لم نذكر، فإنّ استقصاء ذلك الجانب من حياة الصحابة رهن كتاب مفرد.
إنّ مالك بن نويرة بن حمزة اليربوعي يعرّفه الطبري بقوله: بعث النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مالك بن نويرة على صدقة بني يربوع وكان قد أسلم هو وأخوه متمم بن نويرة الشاعر.(1)ولما ارتحل النبي صلى الله عليه و آله و سلم شاع الارتداد في القبائل، وبعث أبو بكر خالد بن الوليد ليطفئ هذه الفتنة، ولكنّ خالداً، تجاوز الحدّ فقتل الصحابي: مالك بن نويرة، ولم يقتصر على قتله فحسب، بل زنى بزوجته أيضاً.
فلمّا قدم خالد المدينة بالسبي ومعه سبعة عشر من وفد بني حنيفة، دخل المسجد وعليه قباء عليه صدأ الحديد، متقلداً السيف، وفي عمامته أسهُم، فمرّ بعمر فلم يكلّمه ودخل على أبي بكر، فرأى منه كلّ ما يُحب، وإنّما وجد عليه عمر لقتله مالك بن نويرة وتزوّجه بامرأته.(2)وكانت شناعة الأمر بمكان، بحيث انّ عمر بن الخطاب لمّا ولي الأمر عزله و كتب إلى أبي عبيدة: انّي قد استعملتك وعزلت خالداً.(3)
تولّى سمرة بن جندب (أحد الصحابة) إمارة البصرة في عهد معاوية،
وقد سفك من الدماء الكثير، ومن شنائع ما اقترفه، بيعه الخمر في عهد عمر.
أخرج مسلم في صحيحه عن ابن عباس قال: بلغ عمر أنّ سمرة باع خمراً، فقال: قاتل اللّٰه سمرة، ألم يعلم أنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: لعن اللّٰه اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها.(1)ولم تقتصر القبائح التي ارتكبها سمرة بن جندب على ذلك، بل تعداه إلى سفك الدماء والإسراف في قتل النفوس البريئة.
روى الطبري في حوادث سنة 50، قال: عن محمد بن سليم، قال: سألتُ أنس بن سيرين هل كان سمرة قتل أحداً؟ قال: وهل يحصى من قتله سمرة بن جندب، استخلفه زياد على البصرة، وأتى الكوفة فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس، فقال له: هل تخاف أن تكون قد قتلت أحداً بريئاً؟ قال: لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت.
وروى أيضاً عن أبي سوار العدوي قال: قتل سمرة بن جندب من قومي في غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن.(2)
قدامة بن مظعون بن حبيب القريشي، وهو خال عبد اللّٰه وحفصة ابني عمر بن الخطاب، وقد استعمله عمر بن الخطاب على البحرين، فقدم الجارود سيد عبد القيس على عمر بن الخطاب من البحرين، فقال: يا أمير
المؤمنين انّ قدامة شرب المسكر، فقال عمر: من يشهد معك، فقال: أبو هريرة، فدعي أبو هريرة، فقال: بم تشهد، فقال: لم أره يشرب، ولكنّي رأيته سكران يقي. فقال عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثمّ كتب إلى قدامة أن يقدم عليه من البحرين، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على هذا كتاب اللّٰه الخ.(1)قال عبد الرزاق في «المصنّف»: سمعت أيوب بن أبي يقول: لم يحدّ في الخمر أحد من أهل بدر إلّاقدامة بن مظعون.(2)
أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشي العامري، وكان أبوه سهيل كاتب قريش في صلح الحديبية، وهو ممّن فرّ من مشركي مكة والتحق بالمسلمين في صلح الحديبية.
ذكر عبد الرزاق عن ابن جريج قال: أخبرت انّ أبا عبيدة بالشام وجد أبا جندل بن سهيل بن عمرو، و ضرار بن الخطاب وأبا الأزور، وهم من أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم قد شربوا الخمر.
فقال أبو جندل: «ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طمعوا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات»، فكتب أبو عبيدة إلى عمر: انّ أبا جندل خصمني بهذه الآية. فكتب عمر: انّ الذي زيّن لأبي جندل الخطيئة زيّن له الخصومة، فاحددهم، فقال أبو الأزور: اتحدّوننا؟ قال أبو عبيدة: نعم،
قال: فدعونا نلقى العدو غداً فإن قُتلنا فذاك، وإن رجعنا إليكم فحدُّونا، فلقى أبوجندل وضرار وأبو الأزور العدوَّ فاستشهد أبو الأزور وحدّ الآخران. فقال أبو جندل: هلكتُ. فكتب بذلك أبو عبيدة إلى عمر، فكتب عمر إلى أبي جندل وترك أبا عبيدة: انّ الذي زين لك الخطيئة حظر عليك التوبة.(1)
أبو محجن مالك بن حبيب الثقفي، سمع من النبي صلى الله عليه و آله و سلم وروى عنه، وحدث عنه أبو سعد البقال، قال: سمعت رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يقول:
أخوف ما أخاف على أُمّتي من بعدي ثلاث: إيمان بالنجوم، وتكذيب بالقدر، وحيف الأئمة.
ففي الاستيعاب: كان شاعراً مطبوعاً كريماً إلّاأنّه منهمكاً في الشراب لا يكاد يُقلع عنه، ولايردعه حدّ ولا لوم لائم، وجلده عمر بن الخطاب في الخمر مراراً ونفاه إلى جزيرة في البحر، وبعث معه رجلاً فهرب منه ولحق بسعد بن أبي وقاص بالقادسية وهو محارب للفرس، وكان قد همّ بقتل الرجل الذي بعثه معه عمر، فأحس الرجل بذلك، فخرج فارّاً فلحق بعمر فأخبره خبره، فكتب عمر إلى سعد بن أبي وقاص بحبس أبي محجن، فحبسه.
وروى عن ابن جريج قال: بلغني انّ عمر بن الخطاب حدّ أبا محجن الثقفي في الخمر سبع مرات، وقال قبيصة بن ذويب: ضرب عمر بن
1) . الاستيعاب: 1623/4.
الخطاب أبا محجن الثقفي في الخمر ثماني مرات، ومن رواية أهل الاخبار انّ ابناً لأبي محجن الثقفي دخل على معاوية، فقال له معاوية:
أبوك الذي يقول:
إذا متُّ فا دفنّي إلى جنب كرمة *** تروّي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني بالفلاة فاننّي *** أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها(1)
وقد عقد الحافظ الكبير عبد الرزاق باباً أسماه «باب من حدّ من أصحاب النبي وذكره فيه»
مسلم بن عقبة الأشجعي من صحابة النبي صلى الله عليه و آله و سلم ذكره ابن حجر في «الإصابة» برقم 7977، وكفى في حقّه ما ذكره الطبري في حوادث سنة 64 ه، قال: ولمّا فرغ مسلم بن عقبة من قتال أهل المدينة وإنهاب جنده أموالهم ثلاثاً، شخص بمن معه من الجند متوجهاً إلى مكة، فلما وصل إلى قفا المشلل نزل به الموت، وذلك في آخر محرم من سنة 64 ه.(2)
بسر بن أرطأة من أصحاب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم شهد فتح مصر واحتفظ بها، وكان من شيعة معاوية، وكان معاوية وجّهه إلى اليمن والحجاز في
أوّل سنة أربعين وأمره أن ينظر من كان في طاعة عليّ عليه السلام فيوقع بهم، ففعل ذلك.
وقد ارتكب جرائم كثيرة ذكرها التاريخ، ولمّا كانت تمس عدالة الصحابة وكرامتهم أعرض ابن حجر عن استعراضها مكتفياً بالقول: وله أخبار شهيرة في الفتن لا ينبغي التشاغل بها!!
ومن جرائمه التي لا تستقال ولا تغتفر ذبحه ولدي عبيد اللّٰه بن العباس.
قال الطبري: أرسل معاوية بن أبي سفيان بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبي أرطأة، فساروا من الشام حتّى قدموا المدينة وعامل علي عليه السلام على المدينة يومئذٍ أبو أيوب الأنصاري، ففر منهم أبو أيوب. ثمّ صعد بسر على المنبر ونادى: يا أهل المدينة واللّٰه لولا ما عهد إليّ معاوية ما تركت بها محتلماً إلّاقتلته - إلى أن قال -: ثمّ مضى بسر إلى اليمن وكان عليها عبيد اللّٰه بن العباس، فلمّا بلغه مسيره فرّ إلى الكوفة واستخلف عبد اللّٰه بن عبد المدان الحارثي على اليمن، فأتاه بسر فقتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثَقَل عبيد اللّٰه بن عباس وفيه ابنان له، فذبحهما.(1)
أمر اللّٰه تبارك وتعالى أُمّهات المؤمنين بملازمة بيوتهن بقوله: «وَ قَرْنَ
1) . تاريخ الطبري: 107/4؛ سير اعلام النبلاء: 409/3 برقم 65.
فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لاٰ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ اَلْجٰاهِلِيَّةِ اَلْأُولىٰ وَ أَقِمْنَ اَلصَّلاٰةَ وَ آتِينَ اَلزَّكٰاةَ وَ أَطِعْنَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ».(1)
وقد خالفت أُمّ المؤمنين عائشة أمر الكتاب العزيز حينما خرجت مع طلحة والزبير في جيش جرّار لمحاربة الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام الذي بايعه جمهور الصحابة من المهاجرين والأنصار.
وكان لها موقف عدائي واضح من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ولمّا بلغها قتل الإمام عليه السلام أنشدت قائلة:
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى *** كما قرّ عيناً بالإياب المسافر(2)
فهذه الصحابية مع مالها من منزلة رفيعة بين المسلمين قادت جيشاً كبيراً لمحاربة الإمام عليه السلام، ودارت بينهما معركة شرسة، قُتل فيها من المسلمين ما يربو على عشرة آلاف حسب ما ذكره الطبري.(3)وربما يقال: إنّ القتلى يفوق هذا العدد.
هذه نماذج ممّا يطالعه القارئ في مرآة التاريخ، ولو حاولنا الاستقصاء لفاق هذا العدد بكثير.
ومن سبر التاريخ بروح موضوعية وتجرد، يجد انّ فئة من الصحابة سوّدت وجه التاريخ بنحو يثير أسف الخلف على هذا السلف.
إنّ الصحابة الكرام لهم غرائز جامحة كسائر الناس، فمن الغريب استثناء هذا الجيل عن سائر الأجيال، وإضفاء هالة من القداسة عليهم بلا استثناء. ولم يكن للصحبة، البعد الإعجازي حتّى يقلب فطرتهم رأساً على عقب، ويحوّلهم إلى أشخاص مثاليّين، بل هم بشر - كسائر البشر - لهم ميول وغرائز، قد ينفلت زمامها، فتُلقي بهم في وديان الهوى والظلم والعصيان.
وما ذكرناه هو الذي يدعمه الذكر الحكيم والسنّة النبوية وتاريخ الصحابة، فمن حاول الإصرار على موقفه من عدالة الصحابة كلّهم، فقد خالف صريح القرآن الكريم والسنّة الشريفة وما أطبق عليه التاريخ الصحيح.
وعلى الرغم من ذلك فإنّ القائلين بعدالة الصحابة استدلّوا بوجوه:
الأوّل: الإجماع.
الثاني: ثناء الكتاب على الصحابة.
الثالث: ثناء السنّة عليهم.
وسنعقد بحثاً في الفصول الآتية نتناول فيه هذه الوجوه نقداً وتمحيصاً.
استدلّ القائلون بعدالة الصحابة وهم جمهور السنّة بوجوه:
الأوّل: الإجماع على عدالتهم وقد مرّ آنفاً كلمة إمام الحنابلة وغيره، يقول ابن حزم:
إنّا نقطع على غيب قلوبهم انّهم كلّهم مؤمنون صالحون ماتوا كلّهم على الإيمان والهدى والبر، كلّهم من أهل الجنّة لا يلج أحد منهم النار.(1)يلاحظ عليه: بأنّه كيف يدّعي الإجماع على خلاف ما نطق به الكتاب العزيز والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح، أو ليس هذا الإجماع، إجماعاً على خلاف الحجج القطعية؟! ثمّ كيف يدّعي الإجماع مع أنّ في عدالة الصحابة أقوالاً مختلفة نذكر منها ما يلي:
يقول الخطيب في كتابه: «السنّة قبل التدوين».
إنّ للصحبة شرفاً عظيماً يمنح صاحبها ميزة خاصة، وهي انّ جميع
1) . ابن حزم حياته وعصره لأبي زهرة: 259.
الصحابة عند من يعتدّ به من أهل السنّة عدول، سواء من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس، وهو قول الجمهور.
وقال قوم: إنّ حكمهم في العدالة حكم من بعدهم في لزوم البحث عن عدالتهم عند الرواية.
ومنهم من قال: إنّهم لم يزالوا عدولاً إلى أن وقع الاختلاف والفتن بينهم، فبعد ذلك لا بدّ من البحث في عدالتهم.
ومنهم من قال - و هم المعتزلة -: إنّ كلّ من قاتل عليّاً عالماً فهو فاسق مردود الرواية والشهادة، لخروجهم على الإمام الحقّ.
ومنهم من قال برد رواية الكلّ وشهادتهم، لأنّ أحد الفريقين فاسق وهو غير معلوم ولا معيّن.
ومنهم من قال: بقبول رواية كلّ واحد منهم وشهادته إذا انفرد، لأنّ الأصل فيه العدالة، وقد شككنا في فسقه، ولا يقبل ذلك منه مع مخالفه، لتحقّق فسق أحدهما من غير تعيين.(1)وقد مرّ انّ عمر بن عبد العزيز، وأحمد بن حنبل وغيرهما قالوا بلزوم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة في الخلاف، وما روي عنهم من اقتراف المعاصي، ومعنى ذلك انّهم وقفوا على واقع الأمر وأرادوا التغطية على الواقع الملموس، حفظاً لعقائد المسلمين!!
1) . السنّة قبل التدوين: 258.
وهناك كلام للشيخ التفتازاني في شرح مقاصده مع أنّه استولت عليه العصبية بدعوته إلى ترك الكلام في حقّ البغاة والجائرين من الصحابة، ولكنّه أصحر بالحقيقة، قائلاً:
ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التواريخ والمذكور على ألسنة الثقات يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم قد حاد عن طريق الحقّ، وبلغ حدّ الظلم والفسق وكان الباعث له الحقد والعناد والحسد واللداد، وطلب الملك والرئاسة، والميل إلى اللذات والشهوات، إذ ليس كلّ صحابي معصوماً ولا كلّ من لقي النبي صلى الله عليه و آله و سلم بالخير موسوماً إلّاأنّ العلماء لحسن ظنهم بأصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق، وذهبوا إلى أنّهم محفوظون عمّا يوجب التضليل والتفسيق، صوناً لعقائد المسلمين عن الزيغ والضلالة في حقّ كبار الصحابة لا سيما المهاجرين منهم، والأنصار، والمبشرين بالثواب في دار القرار.
وأمّا ما جرى بعدهم من الظلم على أهل بيت النبي صلى الله عليه و آله و سلم فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الآراء، إذ تكاد تشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض والسماء، و تنهد منه الجبال و تنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور، ومرّ الدهور فلعنة اللّٰه على من باشر أو رضي أو سعى ولعذاب الآخرة أشدّ وأبقى.(1)
1) . شرح المقاصد: 310/5-311؛ وراجع كتاب الأربعين لمحمد طاهر القمي الشيرازي: 633، بحار الأنوار: 364/28.
استدلّ غير واحد من القائلين بعدالة الصحابة كلّهم، بآيات ورد فيها الثناء على طوائف منهم، وليس على كلّ الصحابة، لكن حب المستدلين للنبي صلى الله عليه و آله و سلم وأصحابه، حال بينهم و بين ما تهدف إليه آيات الثناء، فزعموا انّها تُثني على الصحابة بأجمعهم وانّه سبحانه شمل الجميع بثنائه وأشاد بفضلهم وفضيلتهم من دون استثناء، وإليك هذه الآيات.
الآية الأُولى:
يقول سبحانه: «وَ اَلسّٰابِقُونَ اَلْأَوَّلُونَ مِنَ اَلْمُهٰاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصٰارِ وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ رَضِيَ اَللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا اَلْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً ذٰلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ».(1)
أثنى سبحانه في هذه الآية المباركة على طوائف ثلاثة عبّر عن كلّ منها بلفظ خاص.
أثنى سبحانه على السابقين من المهاجرين وحذف متعلّق السبق، وبما أنّهم من المهاجرين، يُعلم أنّ متعلّقه هو الهجرة أي الذين هاجروا أيّام هجرة النبي أو بعدها بقليل، وبما انّ لفظة «من» في قوله «من المهاجرين»
1) . التوبة: 100.
للتبعيض، فهو يخرج المتأخرين في الهجرة فلا يعمّ المهاجرين غير السابقين، وعلى هذا فالآية تنطبق على من آمن بالنبي قبل الهجرة ثمّ هاجر قبل وقعة بدر التي منها ابتدأ ظهور الإسلام على الكفر.
وأمّا المهاجرون بعد وقعة أُحد، فلا يمكن الاستدلال بالآية عليهم لعدم وجود الموضوع أي السبق في الهجرة والنصرة.
أثنى سبحانه فيها على السابقين الأوّلين من الأنصار، وذلك لأنّ قوله: «والانصار» عطف على قوله: «المهاجرين» فيكون تقدير الآية:
السابقون الأوّلون من الأنصار، ومتعلّق السبق وإن كان محذوفاً، ولكن كونهم من الأنصار، قرينة على أنّ المراد، السبق في النصرة بالإنفاق والإيواء فلا يدخل فيهم مطلق الأنصار ولا أبناؤهم، وحلفاؤهم، فالآية تثني على السابقين الأوّلين من الأنصار و هم الذين آمنوا بالنبي وآووه وتهيّأوا لنصرته عندما هاجر إلى المدينة، و لا تُثني على عامة الأنصار، وما ذكرناه هو الظاهر من المفسرين. قال الرازي: إنّ الآية تتناول الذين سبقوا في الهجرة والنصرة، فهو لا يتناول إلّاقدماء الصحابة، لأنّ كلمة «من» تفيد التبعيض.(1)
وربمايتوهم انّ الآية بصدد الثناء على عامة المهاجرين والأنصار، وهذا هو الظاهر من خطباء القوم ومؤلّفيهم وهو الذي ذكره الرازي قولاً ثانياً
1) . التفسير الكبير: 171/16.
و قال: منهم من قال تتناول الآية جميع الصحابة، لأنّ جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أوّلين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة «من» في قوله «مِنَ اَلْمُهٰاجِرِينَ وَ اَلْأَنْصٰارِ» ليست للتبعيض، بل للتبيين، أي والسابقون الأوّلون الموصوفون بوصف كونهم مهاجرين وأنصاراً، كما في قوله تعالى: «فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ» وكثير من الناس ذهبوا إلى هذا القول.(1)يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ المتّبع في تفسير الآية، هو المتبادر عند أهل اللسان من ظاهر الآية، فإذا كان الصحابة حسب شهادة بعض الآيات منقسمين إلى قسمين سابق في الهجرة والنصرة ولاحق فيهما، يكون السبق واللحوق قائمين بنفس الصحابة، فمنهم سابق ومنهم لاحق لا أنّ كلّهم سابقون، ومن آمن بعدهم لاحقون. يقول سبحانه «لاٰ يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ اَلْفَتْحِ وَ قٰاتَلَ أُولٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ اَلَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قٰاتَلُوا». (2)
وثانياً: لو كانت الآية بصدد الثناء على عامة المهاجرين والأنصار، بل مطلق الصحابة وإن لم يكونوا منهما، تلزم لغوية قوله:
«اَلسّٰابِقُونَ اَلْأَوَّلُونَ»، بل يكفي أن يقال: «المهاجرون و الأنصار و...»، لأنّ سبب الرضا والثناء هو هجرتهم ونصرتهم لا سبقهم على سائر الاجيال، لأنّ سبقهم على سائر المسلمين في الأجيال اللاحقة لم يكن أمراً اختيارياً لهم، وهذا بخلاف ما لو بان الثناء على صنف من الصحابة دون صنف، لأنّ سبق الأوّل في الهجرة
1) . التفسير الكبير: 2.171/16. الحديد: 10.
والنصرة على سائر الصحابة إنّما كان بملاك الاختيار.
وثالثاً: إذا كان المراد من الآية عامّة الصحابة الذين أدركوا النبي وأسلموا، يكون المراد من الطائفة الثالثة في «وَ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسٰانٍ» سائر المسلمين في الأجيال المتلاحقة.
فكان اللازم عندئذٍ أن يقول: والذين يتّبعونهم بإحسان، بصيغة المضارع لا الماضي، كما أتى به سبحانه في سورة الجمعة وقال: «هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيٰاتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحِكْمَةَ وَ إِنْ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ * وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّٰا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ».(1)
فأراد من الآية الأُولى عامة الصحابة، ومن الآية الثانية «وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّٰا يَلْحَقُوا بِهِمْ» كلّ من يأتي بعد الصحابة إلى يوم القيامة، قال اللّٰه سبحانه بعث النبي إليهم فإنّ شريعته خاتمة الشرائع.
ما هو المراد من الموصول؟! وما هو المراد من القيد بإحسان؟
أمّا الأوّل فالمراد هم الذين تحقّق اتباعهم في عصر نزول الآية، لا من يتحقّق في الأجيال الآتية، وبما انّ مبدأ ظهور السابقين، هو ظهور الإسلام في الفترة المكية ومنتهاهم هو انتصار الإسلام على مظاهر الشرك في المنطقة، أعني: غزوة بدر، يكون نهاية هؤلاء مبدأ لظهور الطائفة الثالثة
1) . الجمعة: 2-3.
وتتحدد نهايتهم ببيعة الرضوان أو فتح مكة لقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «لا هجرة بعد الفتح».
وأمّا الثاني، فالآية لاتثني على كلّ من اتبع السابقين بالهجرة والنصرة ولكن تقيّد الاتّباع بقوله: «بإحسان» أي يكون الاتّباع مقروناً ومصحوباً بالإحسان في القول والعمل، فتقييد الرضا بحسن سلوكهم وسيرتهم يخرج من هاجر ونصر، من دون اتّباع مصحوب بإحسان، بأن ساءت سيرته، ولم يحسن سلوكه.
واللّٰه سبحانه يعلن رضاه عن هذه الطائفة مثل السابقين ويقول: «رَضِيَ اَللّٰهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ».(1)
فلو وجدنا صحابياً آمن وهاجر أو نصر النبي ولكن شككنا في حسن سلوكه وسيرته، لا تكون الآية دليلاً على رضاه سبحانه عنه، للشكّ في شمول الآية له فضلاً عمّن ثبت سوء سيرته.
هذا ما هو المتبادر والمفهوم من الآية، وهي دليل قاطع على أنّه سبحانه رضي عن طوائف ثلاث من الصحابة، لا عن كلّهم، والاستدلال به على الموجبة الكلية «عدالة كلّ صحابي» كما ترى.
استدلّوا على عدالة الصحابة بآية ثانية، نظيرة الآية المتقدّمة في تصنيف الصحابة إلى أصناف ثلاثة.
1) . المجادلة: 22.
وهذه الطوائف الثلاث التي أشارت إليها الآية عبارة عن:
الفقراء المهاجرين.
الذين تبوّءُوا الدار والإيمان (الأنصار).
والذين جاءوا من بعدهم.
ولكلّ من الأصناف سمات و ميزات، مذكورة فيها ويتميزون بها عن سائر الصحابة قال سبحانه: «لِلْفُقَرٰاءِ اَلْمُهٰاجِرِينَ اَلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أَمْوٰالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً وَ يَنْصُرُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ أُولٰئِكَ هُمُ اَلصّٰادِقُونَ * وَ اَلَّذِينَ تَبَوَّؤُا اَلدّٰارَ وَ اَلْإِيمٰانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هٰاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاٰ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ * وَ اَلَّذِينَ جٰاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ وَ لاٰ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنٰا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنٰا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ».(1)
فهذه الآيات الثلاث نظير ما تقدّم من الآيتين، لا تُثني على عامّة الصحابة، بل على فريق منهم.
أمّا المهاجرون فتثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:
أ. «أُخْرِجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ أَمْوٰالِهِمْ».
ب. «يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً».
ج. «يَنْصُرُونَ اَللّٰهَ وَ رَسُولَهُ».
1) . الحشر: 8-10.
فمن تمتّع بهذه الصفات الثلاث من المهاجرين فقد أثنى القرآن عليه، وبما انّ من أبرز صفاتهم، كونهم مشرّدين من ديارهم وأموالهم، فيكون المقصود هم الذين هاجروا قبل وقعة «بدر». فينطبق على السابقين الأوّلين من المهاجرين في الآية السابقة.
وأمّا الأنصار فإنّما تثني على من تمتّع منهم بالصفات التالية:
أ. «تَبَوَّؤُا اَلدّٰارَ وَ اَلْإِيمٰانَ مِنْ قَبْلِهِمْ» أي آمنوا باللّٰه ورسوله، فخرج بذلك من اتّهم بالنّفاق وكان في الواقع منافقاً.
ب. «يُحِبُّونَ مَنْ هٰاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لاٰ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا».
ج. «وَ يُؤْثِرُونَ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كٰانَ بِهِمْ خَصٰاصَةٌ».
وبما انّ من أبرز صفاتهم، هو إيواء المهاجرين والأنصار وإيثارهم على الأنفس، فيكون المراد من آمنوا بالنبيّ وآووه وآووا المهاجرين، فينطبق على من آمن وآوى قبل غزوة بدر لانتفاء الإيواء بعدها خصوصاً بعد إجلاء «بني قينقاع» غبَّ معركة «بدر» حيث خرجوا من قلاعهم وأموالهم وأسلحتهم، تاركين جميع ذلك للمسلمين. فينطبق على السابقين الأوّلين من الأنصار في الآية السابقة.
وأمّا التابعون لهم، أعني: الذين جاءوا من بعدهم فإنّما أثنى على من تمتع منهم بالصفات التالية:
أ. «يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ».
ب. «وَ لاٰ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنٰا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا».
فالعلائم المذكورة للطائفة الثالثة، كناية عن الاتّباع بإحسان الذي ورد في الآية الأُولى، فتنبطق على التابعين فيها.
فظهر انّ الآيات الواردة في سورة الحشر، تتّحد مضموناً مع ما ورد في سورة التوبة ولا تختلف عنها قيد شعرة.
فالاستدلال بهذه الآيات وما تقدّمها على أنّ القرآن أثنى على الصحابة جميعهم من أوّلهم إلى آخرهم - الذين ربّما جاوز عددهم المائة ألف - غفلة عن مفاد الآيات؛ فأين الدعاء والثناء على لفيف من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم المتمتّعين بخصوصيات معيّنة، من الثناء على الطلقاء والأعراب وأبناء الطلقاء والمتّهمين بالنفاق؟!
وأين هذه الآيات من مدح خمسة عشر ألف صحابي سُجّلت أسماؤهم في المعاجم، أو مائة ألف صحابي صحبوا النبي في مواقف مختلفة ورأوه وعاشروه؟!
استدلّوا بآية ثالثة نزلت في مورد بيعة الرضوان وأبدىٰ سبحانه رضاه عن المبايعين، وقال:
«لَقَدْ رَضِيَ اَللّٰهُ عَنِ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبٰايِعُونَكَ تَحْتَ اَلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مٰا
فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ اَلسَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثٰابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً».(1)
فالآية تثني على مَن صحبوا النبي في الحديبية وبايعوه تحت الشجرة، وكان ذلك في السنّة السادسة من الهجرة، وقد رافقه حوالي ألف وأربعمائة أو ألف وستمائة أو ألف وثمانمائة.(2)والثناء على هذا العدد القليل لا يكون دليلاً على الثناء على جميع الصحابة من أوّلهم إلى آخرهم!!
كما أنّ الرضا محدّد بزمان البيعة حيث قال: «إِذْ يُبٰايِعُونَكَ» ولا يشمل الفترات المتأخرة عنها.
استدلّوا على عدالتهم بآية رابعة تذكر سمات أصحاب النبي وصفاتهم، يقول سبحانه:
«مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللّٰهِ وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ تَرٰاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ اَلسُّجُودِ ذٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي اَلتَّوْرٰاةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوىٰ عَلىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ اَلزُّرّٰاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ اَلْكُفّٰارَ وَعَدَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً».(3)
فهذه الآية بظاهرها أوسع دلالة ممّا سبق، لأنّها تثني على النبي ومن معه، ولكن مدلول الآية - في الحقيقة ليس بأوسع ممّا سبق، وذلك للقرائن التالية:
الأُولى: الصفات التالية لم تكن متوفرة في عامّة الصحابة، أعني بها:
أ. «أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ».
ب. «رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ».
ج. «تَرٰاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً»
د. «يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً».
ه. «سِيمٰاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ اَلسُّجُودِ».
فهل الذين أراقوا دم عثمان وقتلوه في عقر داره كانوا من غير الصحابة؟!
وهل الذين خضّبوا الأرض بدم الصحابة في ميادين القتال كانوا من الأجانب؟! فما لكم كيف تحكمون.
فإذا كانت أعمالهم الإجرامية من مصاديق التراحم فكيف يكون تباغضهم ومشاجراتهم؟!
وهل كان في وجوه الأعراب والطلقاء وأبنائهم والذين آمنوا بعد الفتح أثر للسجود؟!
الثانية: أنّ ذيل الآية يشهد بأنّ الثناء على قسم منهم، يقول تعالى:
«وَعَدَ اَللّٰهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا اَلصّٰالِحٰاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً» فانّ لفظة «من» في قوله: «منهم» للتبعيض، وما يقال من أنّ «من» بيانية غير صحيح، لأنّها لا تدخل على الضمير مطلقاً في كلامهم وإنّما تدخل على الاسم الظاهر، كما في قولك: «فَاجْتَنِبُوا اَلرِّجْسَ مِنَ اَلْأَوْثٰانِ»(1).(2)
الثالثة: انّ الآية نزلت قبل فتح مكة وبعد الحديبية، والمراد من قوله سبحانه في هذه الآية: «إِنّٰا فَتَحْنٰا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً» هو الفتح في صلح الحديبية، وفيه إخبار عن فتح مكة في المستقبل بقوله: «لَقَدْ صَدَقَ اَللّٰهُ رَسُولَهُ اَلرُّؤْيٰا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لاٰ تَخٰافُونَ فَعَلِمَ مٰا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذٰلِكَ فَتْحاً قَرِيباً».(3)
فالآية تتضمن الإخبار عن فتحين آخرين:
عمرة القضاء وأشار إليه بقوله: «لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرٰامَ».
فتح مكة وأشار إليه بقوله: «فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذٰلِكَ فَتْحاً قَرِيباً».
فإذا كانت الآية ممّا نزلت في السنّة السادسة وحواليها، فلا تكون
1) . الحج: 30.
2) . وربما يستشهد على دخول من البيانية على الضمير بقوله تعالى: «لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ». والاستدلال مبني على عود الضمير في تزيلوا إلى المؤمنين، والضمير في «مِنْهُمْ» إلى الذين كفروا، ولكنّه غير صحيح، بل الضميران جميعاً يرجعان إلى مجموع المؤمنين والكافرين من أهل مكة فتكون «من» تبعيضية لا بيانية.
3) . الفتح: 27.
أوسع دلالة من الآيات النازلة بعدها في السنّة التاسعة كما نقلناه، فالثناء المطلق في الآية على مَن كان مع النبي «وَ اَلَّذِينَ مَعَهُ» يحمل ويخصص بما خصصه القرآن في آيات أُخرى كالآيات المتقدّمة.
وعلى ضوء ما تقدّم، نصل إلى النتيجة التالية: أنّ ما اشتهر على الألسن من ثناء القرآن على صحابة الرسول قاطبة وتعديله إيّاهم ممّا لا أساس له، وإنّما وقع الثناء - بعد ضمّ بعضها إلى بعض - على لفيف منهم وطائفة خاصّة.
هذا العنوان كلمة قدسية قالها النبي صلى الله عليه و آله و سلم فيما رواه البخاري عنه، وذكر في الباب روايتين تدلّان على أنّ الملاك للنجاة هو خواتيم الأعمال نذكر واحدة منها.
أخرج البخاري عن سهل: أنّ رجلاًمن أعظم المسلمين غناءً عن المسلمين، في غزوة غزاها مع النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فنظر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم فقال:
«من أحبّ أن ينظر إلى رّجل من أهل النار فلينظر إلى هذا، فاتبعه رجل من القوم وهو على تلك الحال من أشدّ الناس على المشركين حتّى جرح، فاستعجل الموت، فجعل ذبابة سيفه بين ثَدييه حتّى خرج من بين كتفيه، فأقبل الرّجل إلى النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم مسرعاً، فقال: أشهد أنّك رسول اللّٰه، فقال:
«وما ذاك؟». قال: قلت لفلان: «من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه». وكان من
أعظمنا غناء عن المسلمين، فعرفتُ أنّه لا يموت على ذلك، فلمّا جرح استعجل الموت فقتل نفسه، فقال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عند ذلك: «إنّ العبد لَيعملُ عَمَل أهل النّار وانّه من أهل الجنّة، ويعمل عمل أهل الجنّة وإنّه من أهل النار، وإنّما الأعمال بالخواتيم».(1)وكم من إنسان حسنتْ حياته في أوائل عمره، ثمّ تبدلت وساءت سيرته وسلوكه، وحبطت أعماله الصالحة أتى بها في أوائل عمره أو أواسطه يقول سبحانه:
«يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاٰ تَرْفَعُوا أَصْوٰاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاٰ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمٰالُكُمْ».(2)
والقرآن يحدث عمّن أُوتي آيات اللّٰه في مقتبل عمره، لكنّه ساءت سيرته في الفترة الأخيرة من عمره فصار من الغاوين، ويقول: «وَ اُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اَلَّذِي آتَيْنٰاهُ آيٰاتِنٰا فَانْسَلَخَ مِنْهٰا فَأَتْبَعَهُ اَلشَّيْطٰانُ فَكٰانَ مِنَ اَلْغٰاوِينَ».(3)
وهذا هو قارون بني إسرائيل كان يقرأ التوراة بصوت حسن، ولكنّه ساء سلوكه فخسف سبحانه به وبداره وكنزه.(4)
وعلى ضوء ذلك فما مرّ من الآيات التي تُثني على فئات من الصحابة لا يحتج بها على صلاحهم إذا ثبت بالأدلّة القطعية انحرافهم عن الطريق المهيع، واقترافهم المعاصي ومحاربتهم الحق والحقيقة.
وممّا لا شكّ فيه وقوع التشاجر بين الصحابة، كما دارت بينهم معارك دامية، قُتل على أثرها لفيف من البدريين والأُحديين وغيرهم من المسلمين الأبرياء وعندئذ يقال: إنّما العبرة بخواتيم الأعمال، وثناء القرآن عليهم إنّما كان بحسب ملابساتهم وأحوالهم يوم ذاك. فكانوا من الصلحاء وليس من المستحيل أن ينسلخوا من تلك الأحوال كما انسلخ غيرهم.
استُدلّ على عدالة الصحابة بثناء النبي عليهم، ونحن نذكر منه ما هو المهم:
أخرج البخاري عن علي رضى الله عنه قال: بعثني رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وأبا مرثد والزبير، وكلُّنا فارس، قال: انطلقوا حتّى تأتوا روضة خاخ، فانّ بها امرأة من المشركين، معها كتاب من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين، فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فقلنا: الكتاب، فقالت: ما منّا كتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتاباً، فقلنا: ماكذب رسول اللّٰه، لتُخرجنّ الكتاب أو لنجرّدنّك، فلمّا رأت الجدّ أهوت إلى حُجْزتها وهي محتجزة
بكساء فأخرجته، فانطلقنا بها إلى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فقال عمر: يا رسول اللّٰه، قد خان اللّٰه ورسوله والمؤمنين، فدعني لاضرب عنقَه، فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطب: واللّٰه ما بي أن لا أكونَ مؤمناً باللّٰه ورسوله صلى الله عليه و آله و سلم أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع اللّٰه بها عن أهلي ومالي، وليس أحد من أصحابك إلّاله هناك من عشيرته من يدفع اللّٰه به عن أهله وماله. فقال النبي صلى الله عليه و آله و سلم: صدق، ولا تقولوا له إلّاخيراً.
فقال عمر: إنّه قدخان اللّٰه ورسوله والمؤمنين، فدعْني فلأضرب عنقه، فقال: أليس من أهل بدر؟ فقال: لعلّ اللّٰه اطّلع على أهل بدر، فقال:
إعمَلوا ما شئتم، فقد وجبت لكم الجنة، أو قد غفرتُ لكم، فدمعت عينا عمر، وقال: اللّٰه ورسوله أعلم.(1)هذا الحديث وإن أخرجه البخاري وأسنده إلى علي عليه السلام ولكنّنا نجلّ الإمام أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام عن رواية هذا الحديث عن رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم، فانّ مضمونه يشهد على كذبه، إذ كيف يمكن للنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أن يُعطي الضوء الأخضر لجماعة من الصحابة يناهز عددهم الثلاثمائة، ويسمح لهم أن يفعلوا ما يشاءُون، وإن اقترفوا الكبائر وارتكبوا المعاصي وإن سفكوا الدماء وخضّبوا بها وجه الأرض.
إنّه سبحانه يخاطب النبي صلى الله عليه و آله و سلم بقوله: «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ».(2)فهل يُعقل أن يسمح للبدريين أن يفعلوا ما شاءوا وأن يُبشرهم
بالجنة؟! وقد تقدّم آنفاً انّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم اقتصّ من الحارث بن سويد بن الصامت البدريّ لقتله المجذر بن زياد.
وهذا هو حاطب بن أبي بلتعة يُصبح عينَ المشركين بالمدينة، ولكنّه بالرغم من ذلك يدخل الجنة!! مع أنّ الجاسوس إذا كان مسلماً، يتجسّس لصالح الكفّار يقتل، أو يوجع ويعزّر على اختلاف في المذاهب.(1)
أخرج ابن حميد عن نافع عن ابن عمر، انّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: مثل أصحابي مثل النجوم يهتدىٰ به، فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم.(2)يلاحظ عليه: أنّ متن الحديث يكذِّب صدوره، إذ ليس كلّنجم هادياً في البرّ و البحر، بل هناك نجوم خاصة للاهتداء، ولأجل ذلك قال سبحانه: «وَ عَلاٰمٰاتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ».(3)وأمّا قوله سبحانه: «وَ هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلنُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهٰا فِي ظُلُمٰاتِ اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا اَلْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ»(4)، فاللام في النجوم للعهد أي النجوم المعهودة التي كانت العرب يومذاك يهتدون بها في البر والبحر وليست للاستغراق.
ولا يتمشّىٰ ذلك الحمل في الحديث بأن يحمل على فئة من الصحابة، لأنّ الغاية فيها التبسيط والتعميم لكلّ صحابي كما هو صريح قوله: «فأيّهم أخذتم بقوله اهتديتم» فلا محيص من حمل «كالنجوم» على الاستغراق، والحال انّه ليس كلّ نجم هادياً.
ولو افترضنا الاهتداء بكلّ نجم في السماء، أفهل يمكن أن يكون كلّ صحابي نجماً لامعاً هادياً للأُمّة؟ فهذا قدامة بن مظعون، صحابي بدري يعد من السابقين الأوّلين ومن المهاجرين الهجرتين، قد شرب الخمر وأقام عليه عمر الحدّ، كما أنّ المشهور انّ عبد الرحمان الأصغر بن عمر بن الخطاب قد شرب الخمر.(1)كما أنّ بعض الصحابة أراق دماءً طاهرة فمن استقصى تاريخ حياة بسر بن أرطأة يجد انّه اقترف جرائم كثيرة، حتّى أنّه قتل طفلين لعبيد اللّٰه بن عباس!! و كم بين الصحابة من رجال قد احتفل التاريخ بضبط مساويهم، أفبعد هذه البيّنات يصحّ لأحد أن يتقوّل بأنّهم جميعاً وبلا استثناء كالنجوم يهتدىٰ بهم؟!
يقول أبو جعفر النقيب: إنّهذا الحديث من موضوعات متعصبة الأموية فانّ منهم من ينصرهم بلسانه وبوضعه الأحاديث إذا عجز عن نصرهم بالسيف.(2)
ولعل القارئ الكريم يتصوّر انّ أباجعفر النقيب ممن ينفرد في شأن هذه الرواية و ليس الأمر كذلك، بل حكم بوضعها كثير من محقّقي السنّة يقول ابن حزم في رسالة إبطال الرأي والقياس والاستحسان والتعليل والتقليد: وهذا - أي حديث النجوم - خبر مكذوب موضوع باطل لم يصحّ قط.(1)وقال الحافظ الكبير الذهبي في ترجمة جعفر بن عبد الواحد الهاشمي القاضي: ومن بلاياه عن وهب بن جرير، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: أصحابي كالنجوم من اقتدى بشيء منها اهتدى.(2)وقال أيضاً في ترجمة زيد بن الحواري العَمِّي.
روى نعيم بن حماد، حدّثنا عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر مرفوعاً: سألت ربي بين ما اختلف فيه أصحابي من بعدي، فأوحى اللّٰه إليّ: يا محمد إنّ أصحابك عندنا بمنزلة النجوم بعضهم أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء ممّا هم عليه من اختلافهم فهو عندي على هدى. فهذا باطل، و عبد الرحيم تركوه، ونعيم صاحب مناكير.(3)إلى غير ذلك من الكلمات حول الحديث.
ثمّ إنّ الحديث قد روي بصور مختلفة:
أ. أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم
رواه ابن عبد البر في جامع العلم (91/2)، و ابن حزم في الأحكام (82/6) من طريقة سلام بن سليم، قال: حدثنا الحارث بن غصين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر مرفوعاً به. وقال ابن عبد البر: هذا إسناد لا تقوم به حجّة، لأنّ الحارث بن غصين مجهول.
وقال ابن حزم: هذه رواية ساقطة، أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك.(1)ب. مهما أُوتيتم من كتاب اللّٰه فالعمل به، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب اللّٰه، فسنّة منّي ماضية، فإن لم يكن سنّة منّي ماضية، فما قال أصحابي، إنّ أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيّها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة.
أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الدراية، ص 48، وكذا أبو العباس الأصم وابن عساكر (2/315/7) من طريق سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر، عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعاً.
وهذا اسناد ضعيف جداً، سليمان بن أبي كريمة، قال ابن أبي حاتم (138/1/2) عن أبيه: «ضعيف الحديث».
وجويبر هو ابن سعيد الأزدي متروك، كما قال الدارقطني والنسائي
1) . سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: 144/1.
وغيرهما، والضحاك هو ابن مزاحم الهلالي لم يلق ابن عباس.(1)ج. سألت ربّي فيما اختلف فيه أصحابي من بعدي فأوحى اللّٰه إليّ، يا محمد: انّ أصحابك عندي بمنزلة النجوم بعضها أضوأ من بعض، فمن أخذ بشيء ممّا هم عليه فهو عندي على هدى.
رواه ابن بطّة في الإبانة (2/11/4)، والخطيب أيضاً، نظام الملك في الأمالي (2/13)، والديلمي في مسنده (190/2)، والضياء في المنتقى من مسموعاته بمرو (2/116)، وكذا ابن عساكر (1/303/6) من طريق نعيم بن حمّاد، حدّثنا عبد الرحيم بن زيد العمّي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب مرفوعاً.
وهذا السند موضوع، نعيم بن حماد ضعيف، قال الحافظ: يخطئ كثيراً. وعبد الرحيم بن زيد العَمّي كذاب فهو آفته.(2)هذا قليل من كثير ممّا ذكره الشيخ الألباني المعاصر في كتابه، و من أراد التفصيل فليرجع إلى نفس الكتاب.
وقد أضاف في آخر تحقيقه، وقال: لو صحّ هذا الخبر يكون المراد إنّ ما قالوه برأيهم يجب العمل به، وهذا دليل آخر على أنّ الحديث موضوع، وليس من كلامه صلى الله عليه و آله و سلم، إذ كيف يسوغ لنا أن نتصوّر انّالنبي صلى الله عليه و آله و سلم يبرّر لنا أن
نقتدي بكل رجل من الصحابة مع أنّ فيهم العالم والمتوسط في العلم، ومن هو دون ذلك، وكان فيهم مثلاً من يرى أنّ البرد لا يفطر الصائم بأكله.(1)
أخرج البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه و آله و سلم عن عمران بن حصين يقول: قال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: خير أُمّتي قرني، ثمّ الذين يلونهم، ثمّ الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً، ثمّ إنّ بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن.(2)وأخرجه مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين.(3)وأخرجه أحمد في مسنده عن بريدة الأسلمي.(4)إنّ هذا الحديث مهما صح سنده ونقله أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن، يكذبه التاريخ الصحيح الذي سجّل أحوال أهل القرون التي أُطلق عليهم هذا الاسم، وذلك بالبيان التالي:
القرن في اللغة عبارة عن الفترة من الزمان وإطلاقه على مائة سنة،
إطلاق حادث لا تحمل عليه الرواية. وعلى ضوء ذلك فالقرن الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه و آله و سلم خير القرون من الأزمنة باعتبار نفس النبي فقط، فكان صلى الله عليه و آله و سلم نوراً انبعث في الظلمة حيث تقوضت به دعائم الشرك والوثنية، وأُشيدت دعائم التوحيد والحنفية.
هذا يرجع إلى نفس النبي صلى الله عليه و آله و سلم، وأمّا غيره فالظاهر من الرواية انّها تصنِّف الناس حسب التفضيل بالنحو التالي:
الصحابة (القرن الذي بعثتُ فيه).
التابعون (ثمّ الذين يلونهم).
تابعو التابعين (ثمّ الذين يلونهم) و هكذا.
فكلّمن قرب زمنه من النبي صلى الله عليه و آله و سلم فهو أفضل ممّن بعد منه.
هذا ما تفيده الرواية، وللأسف الشديد انّالواقع الملموس يثبت خلاف ذلك لا سيّما من تصفّح التاريخ والحديث.
فهذا هو الإمام البخاري يروي في حقّ الصحابة ما مرّ من ارتدادهم، كما مرّ.
ثمّ إنّ قوله: هم الذين يلونهم: يهدف إلى التابعين وفيهم الأمويون، فهل يمكن أن نعدَّ عصر الأمويين خير القرون وقد لوّنوا وجه الأرض بدماء الأبرياء، وقتلوا سبط النبي صلى الله عليه و آله و سلم في كربلاء عطشاناً وذبحوا أولاده وأصحابه، وهتكوا حرمة الكعبة؟
وهذا هو الحجاج صنيعة أيديهم اقترف من الجرائم البشعة ما يندىٰ لها جبين الإنسانية، ولا أُطيل الكلام في ذلك والتاريخ خير شاهد على كذب هذه الرواية ووضعها من قبل سماسرة الحديث لتطهير الجهاز الحاكم الأموي ممّا ارتكبه.
ويكفي في ذلك ما علّقه أبو المعالي الجويني على هذا الحديث، قائلاً:
وما يدلّ على بطلانه أنّ القرن الذي جاء بعده بخمسين سنة، شرّ قرون الدنيا وهو أحد القرون التي ذكرها في النصّ، و كان ذلك القرن هو القرن الذي قُتل فيه الحسين، وأُوقع بالمدينة، وحوصرت مكة، ونقضت الكعبة، وشربت خلفاؤه والقائمون مقامه المنتصبون في منصب النبوة، الخمورَ وارتكبوا الفجور، كما جرى ليزيد بن معاوية ولزيد بن عاتكة وللوليد بن يزيد، وأُريقت الدماء الحرام، وقتل المسلمون وسبي الحريم، واستعبد أبناء المهاجرين والأنصار ونُقش على أيديهم كما ينقش على أيدي الروم، وذلك في خلافة عبد الملك، وإمرة الحجاج، وإذا تأمّلت كتب التواريخ وجدت الخمسين الثانية، شراً كلها، لا خير فيها ولا في رؤسائها وأُمرائها، والناس برؤسائهم وأُمرائهم أشبه، والقرن خمسون سنة فكيف يصحّ هذا الخبر؟(1)
1) . شرح نهج البلاغة: 29/20، والرسالة مبسوطة جديرة بالمطالعة.
أُريد أن أذكر في خاتمة المطاف كلمة فيها صلاح الإسلام والمسلمين، وهي موعظة شافية لكلّ من ألقى السمع وهو شهيد، وهي:
وأمّا الرائج بين المحقّقين فليس من مقولة السبّ إنّما هو دراسة أحوال الصحابة من زاوية الحديث والتاريخ، وهذا ليس سبّاً، بل نقد لحياة الشخص، وأين هو من السبِّ؟!
يقول الشيخ عبد اللّٰه الهروي الشافعي المعروف بالحبشي: ليس من سب الصحابة القول إنّ مقاتلي علي منهم بغاة، لأنّ هذا ممّا صرّح به الحديث بالنسبة لبعضهم وهم أهل صفين، وقد روى البيهقي في كتابه الاعتقاد باسناده المتصل إلى محمد بن إسحاق وهو ابن خزيمة قال: «وكلّ من نازع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في إمارته فهو باغ» وعلى هذا
عهدتُ مشايخنا، وبه قال ابن إدريس يعني الشافعي، فلا يُعدُّ ذكر ما جاء في حديث البخاري سبّاً للصحابة إلّامن بعد عن التحقيق العلمي فليتفطن لذلك.(1)وقال أيضاً: وهذا الحسن البصري(2)الذي قيل فيه انّه سيد التابعين (وإن كنّا نقول إنّ سيد التابعين أُويس القرني أخذاً بحديث مسلم)، فانّه قال: لمّا مات عمرو بن العاص وهو يردّد لاإله إلّااللّٰه: وكيف إذا جاء بلا إله إلّااللّٰه وقد قتل أهلَ لا إله إلّااللّٰه.(3)2. انّ النقد لا يعدّ سبّاً إذا كان لغرض شرعي صحيح، بل يكون بنّاءً، ويشهد لذلك حديث مسلم وأبي داود انّ رجلاً خطب عند رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم فقال في خطبته من يطع اللّٰه ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له رسول اللّٰه: بئس الخطيب أنت.(4)وقد كان البحث حول محاربي عليّ في الجمل وصفين والنهروان قائماً على قدم وساق، وقد كثر الكلام حول من نكث البيعة وحارب علياً في صفين وغيرها.
هذا هو أبو منصور البغدادي يقول في كتابه «الفرق بين الفرق» ما نصّه:
وقالوا - أي أهل السنّة - بإمامة علي في وقته، وقالوا بتصويب علي في حروبه بالبصرة وبصفين وبالنهروان، وقالوا بأنّ طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال علي، لكن الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع بعد منصرفه من الحرب، وطلحة لما همّ بالانصراف رماه مروان بن الحكم وكان مع أصحاب الجمل بسهم فقتله، وقالوا: إنّ عائشة قصدت الإصلاح بين الفريقين، فغلبها بنو ضبّة والأزد على رأيها، وقاتلوا علياً دون إذنها حتّى كان من الأمر ما كان.(1)وقال في كتاب أُصول الدين: أجمع أصحابنا على أنّ علياً رضى الله عنه كان مصيباً في قتال أصحاب الجمل وفي قتال أصحاب معاوية بصفين، وقالوا في الذين قاتلوه بالبصرة: انّهم كانوا على الخطأ، وقالوا في عائشة وفي طلحة والزبير: انّهم أخطأوا ولم يفسقوا، لأنّ عائشة قصدت الإصلاح بين الفريقين فغلبها بنو ضبة وبنو الأزد على رأيها، فقاتلوا علياً فهم الذين فسقوا دونها، وأمّا الزبير فانّه لما كلمه عليّ يوم الجمل عرف أنّه على الحقّ فترك قتاله وهرب من المعركة راجعاً إلى مكة، فأدركه عمرو بن جرموز بوادي السباع فقتله وحمل رأسه إلى علي فبشره علي بالنار، وأمّا طلحة فانّه لمّا رأى القتال بين الفريقين همّ بالرجوع إلى مكة، فرماه مروان بن الحكم بسهم فقتله، فهؤلاء الثلاثة بريئون من الفسق والباقون من أتباعهم الذين قاتلوا علياً فسقة، وأمّا أصحاب معاوية فانّهم بغوا، وسمّاهم النبي صلى الله عليه و آله و سلم بغاة في قوله لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» و لم يكفروا بهذا البغي.(2)
نحن وإن لم نكن نوافق بعض ما جاء في بنود هذا النص، وإنّما نستشهد به على أنّ دراسة أحوال الصحابة إذا كانت دراسة نزيهة لا تعدّ من السب بشيء.
وقال الحافظ الذهبي في «سير اعلام النبلاء»: لا ريب انّ عائشة ندمت ندامة كلية على مسيرها إلى البصرة وحضورها يوم الجمل، وما ظنّت انّ الأمر يبلغ ما بلغ، فعن عمارة بن عمير عمّن سمع عائشة إذا قرأت: «وَ قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» بكت حتّى تبل خمارها.(1)وذكر مثل ذلك القرطبي وأبو حيان في تفسيره، قال: وكانت عائشة إذا قرأت هذه الآية يعني آية «يٰا نِسٰاءَ اَلنَّبِيِّ» بكت حتّى تبلّ خمارها، تتذكر خروجها أيام الجمل تطلب بدم عثمان.(2)وفي كتاب دلائل النبوة للبيهقي ما نصه: عن أُمّ سلمة، قالت: ذكر النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم خروج بعض نسائه أُمّهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال: انظري يا حميراء، أن لا تكوني أنت.
ثمّ التفت إلى عليّ فقال: يا علي إن ولِّيت من أمرها شيئاً فارفق بها.(3)ونحن أيضاً لا نوافق بعض ما جاء في هذه الكلمات، لكن الاستشهاد بها مثل ما سبق.
هذا وقد تضافر انّ الحافظ النسائي قال: لمّا دخلت دمشق وجدت
أهلها منحرفين عن علي بن أبي طالب، ولمّا علموا انّي عملتُ خصائص عليّ عليه السلام طلبوا أن أعمل خصائص معاوية، فقلت: ماذا أخرج له، أخرج له لا أشبع اللّٰه بطنه.(1)فصاروا يضربونه في خصيته فحمل من دمشق إلى الرملة فتوفي بها.
وهذا هو علي أفضل الصحابة وأوّل من آمن بالنبي ينقد صاحبي رسول اللّٰه كما ذكره الحافظ ابن حجر في المطالب العالية، قال: إنّ صاحبي علي رضى الله عنه عبد اللّٰه بن الكواء وابن عباد سألاه عن طلحة والزبير قالا: فأخبرنا عن ملك هذين الرجلين (يعنيان طلحة والزبير) صاحباك في الهجرة وصاحباك في بيعة الرضوان وصاحباك في المشورة، فقال: بايعاني بالمدينة وخالفاني بالبصرة، وعزاه لإسحاق بن راهويه، قال الحافظ البوصيري: رواه إسحاق بسند صحيح.(2)ونحن لا نطيل الكلام بذكر نظائرها في غير من قاتل علياً، فقد جرت السيرة على عدم الإمساك عمّا شجر بين الصحابة وما صدر عنهم، وإن صدر الأمر بالإمساك عن عمر بن عبد العزيز وغيره.
روى الحافظ الذهبي في كتاب «سير اعلام النبلاء» ما هذا حاصله: اتّهم المغيرة بن شعبة بالزنا وهو أمير الكوفة في عصر الخليفة عمر بن الخطاب وشهد عليه شهود أربعة، منهم أبو بكرة ونافع وشبل فشهدوا على
أنّهم رأوه يولجه ويخرجه ويلج ولج المِروَد في المكحلة، فلمّا حاول رابع الشهود وهو زياد بن أبيه، حاول الخليفة أن يدرأ عنه الحد للشبهة، فخاطبه بقوله: إنّي لأرى رجلاً لم يخز اللّٰه على لسانه رجلاً من المهاجرين، فقال له الخليفة: أرأيتَه يُدخله كالميل في المكحلة؟ فقال:
لاولكنّي رأيت مجلساً قبيحاً وسمعت نفساً عالياً ورأيته تبطنها.(1)فلو كانت الصحابة عدولاً، لما استمع الخليفة إلى الشهادات، ولرفضها ابتداءً!! ولو كانت دراسة سيرة الصحابي، سبّاً له، لعزّر الخليفة الشهود بالسبّ، دون أن يسأل واحداً واحداً منهم عن صحّة الواقعة.
وقوله: «وَ لَقَدْ آتَيْنٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ اَلْكِتٰابَ وَ اَلْحُكْمَ وَ اَلنُّبُوَّةَ وَ رَزَقْنٰاهُمْ مِنَ اَلطَّيِّبٰاتِ وَ فَضَّلْنٰاهُمْ عَلَى اَلْعٰالَمِينَ».(3)
وقد أدرك بعض المحقّقين من أهل السنّة انّ وصف الصحابة بالعدالة كلّهم يخالف ما روي في حقّهم، ولذلك عاد إلى تفسير هذا الكلام وقال: إنّه
ليس معنى «الصحابة كلّهم عدول» انّ كلاً منهم سالم من الكبيرة، فانّه بعيد من الصواب، لأنّ منهم من سمع رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وهو يقول:
«لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» ثمّ قاتل مع معاوية فكان قاتل عمار بن ياسر، ثمّ كان يتبجّح بذلك ويقول لمّا يأتي إلى أبواب بني أُمية: «قاتلُ عمار بالباب»، فهل يحكم لهذا بأنّه عدل بمعنى انّه سالم من الكبائر؟! إنّما معنى قول أُولئك المحدِّثين انّهم لا يتّهمون بالكذب على الرسول فيما يروونه من الأحاديث عنه، أليس قتل عمار من أفسق الفسق؟! فقد خالف قول رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم الذي سمعه منه و هذا الغادر هو أبو الغادية الجهني.(1)قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» عند شرح الحديث الذي فيه قصة حاطب بن أبي بلتعة ما نصّه: وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدّم انّ المؤمن ولو بلغ بالصلاح أن يقطع له بالجنة، لا يعصم من الوقوع في الذنب.(2)4. انّ الاعتقاد المُسْبق بعدالة الصحابة آل - في كثير من الأحيان - بمحقّقي أهل السنّة إلى عدم التدبّر العميق في التاريخ ونقده، ممّا أدّى إلى وقوعهم في مأزق كبير حفاظاً على ذلك المعتقد، وهو إسدال الستار على كثير من حقائق التاريخ التي حدثت بعد رحيل الرسول صلى الله عليه و آله و سلم ودامت حوالي قرن واحد، فتراهم يؤولون ما صدر عن الصحابة من التكفير والتفسيق والنهب والقتل بالاتّكاء على النظرية القائلة: بأنّهم كانوا مجتهدين مخطئين،
ومثابين في الوقت نفسه!! حتّى أنّ من كثر خطأه زاد ثوابه وأجره، وهذا من غرائب الأُمور.
أوَ ما آن للمحقّقين من أهل السنّة أن يخوضوا عباب التاريخ نقداً وتمحيصاً، ويرفعوا ربقة التقليد للسلف والجري وراءهم، لكي يفهموا التاريخ على ما هو عليه ويرفعوا اليد عن الاعتقاد بعدالة كلّ صحابي بلا استثناء.
إنّ الدعاية الأموية لغاية ترسيخ ملكهم وإبعاد الناس عن أئمة أهل البيت عليهم السلام حاكت حول الصحابة حالة قدسية وهمية على نحو لم ترخص فيه لأحد الخروج عن هذا الإطار والتدبّر فيما شجر بين الصحابة من مشاجرات.
إنّ الدعاية الأموية نشرت بين الناس أكاذيب وتهماً حول الشيعة للمساس بهم، من سبّ الصحابة وبغضهم وتفسيقهم وكفرهم، وهذا - شهيدي اللّٰه - كذب بلا مرية، وفرية يتحمل أوزارها آل أُمية وآل مروان.
فكيف يمكن للشيعة أن تبغض الصحابة مع أنّ رواد التشيع كانوا منهم وقد حفل التاريخ بأسمائهم وتشيعهم؟!
وليس عند الشيعة في هذا المجال إلّامسألة «عدالة الصحابة بأجمعهم»، فإنّهم لا يعتقدون بعدالة الكلّ، ويقولون: إنّ مثلهم بين المسلمين كمثل التابعين، وهذا أمر يوافقه الكتاب العزيز والسنّة النبوية والتاريخ الصحيح.
هذا هو رجال البرقي من الأُصول الرجالية، وقد أدرج في رجاله أسماء صحابة النبي صلى الله عليه و آله و سلم قبل صحابة سائر الأئمة.
وهذا هو الشيخ الطوسي في كتابه المعروف ب «رجال الطوسي» أدرج في كتاب في باب من روى عن النبي أسماء 430 شخصاًمن الصحابة، كما أنّه أدرج من الصحابيات أسماء 38 امرأة، فاشتمل الكتاب على ترجمة 468 شخصاً.(1)وقد تبعه غير واحد من أصحاب المعاجم فذكروا أسماء جمع غفير من الصحابة الذين لهم رواية عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم، ممّا يدلّ على أنّ للصحابة مقاماً ومكرمة لدى الشيعة، إلّاما قامت البيّنة على إعراضهم عن الطريق المهيع.
إنّ التشيع ليس إلّانفس الإسلام الذي اتّفق عليه الفريقان، ويختلف عن سائر الفرق في مسألة التنصيص على الخلافة، فالشيعة الأوائل هم الذين اتّبعوا قول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم في حقّ علي عليه السلام وكانوا مع علي عليه السلام في حياة النبي صلى الله عليه و آله و سلم وبعد رحيله.
1) . رجال الشيخ، باب من روى عن النبي من الصحابة: 24-53.
فها نحن نضع أمام القارئ الكريم قائمة بأسماء ثلّة من الصحابة الذين شهدت أعمالهم على أوصافهم، وأفعالهم على نيّاتهم، وأثنى أصحاب الرجال والتراجم عليهم أو على الأقل سكت عنهم التاريخ، ولنكتف بذكر القليل منهم عن الكثير، وهم:
جندب بن جنادة (أبوذر الغفاري)، عمار بن ياسر، سلمان الفارسي، المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي، حذيفة بن اليمان صاحب سرّ النبيّ، خزيمة بن ثابت الأنصاري ذو الشهادتين، الخباب بن الأرت التميمي، سعد بن مالك أبو سعيد الخدري، أبو الهيثم بن التيهان الأنصاري، قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري، أنس بن الحرث بن منبه أحد شهداء كربلاء، أبو أيوب الأنصاري خالد بن زيد الذي استضاف النبي صلى الله عليه و آله و سلم عند دخوله المدينة، جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري أحد أصحاب بيعة العقبة، هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال فاتح جلولاء، مالك بن الحارث الأشتر النخعي، مالك بن نويرة ردف الملوك الذي قتله خالد بن الوليد، البراء بن عازب الأنصاري، أُبيّ بن كعب سيد القرّاء، عبادة بن الصامت الأنصاري، عبد اللّٰه بن مسعود صاحب وضوء النبي صلى الله عليه و آله و سلم ومن سادات القرّاء، أبو الأسود الدؤلي ظالم بن عمير واضع أُسس النحو بأمر الإمام عليّ، خالد بن سعيد بن أبي عامر بن أُمية بن عبد شمس خامس من أسلم، أُسيد بن ثعلبة الأنصاري من أهل بدر، الأسود بن عيسى بن وهب من أهل بدر، بشير بن مسعود الأنصاري من أهل بدر و من القتلى بواقعة الحرة بالمدينة، ثابت أبو فضالة الأنصاري من أهل بدر، الحارث بن النعمان بن أُمية الأنصاري من أهل بدر، رافع بن خديج
الأنصاري ممّن شهد أُحداً ولم يبلغ وأجازه النبي صلى الله عليه و آله و سلم، كعب بن عمير بن عبادة الأنصاري من أهل بدر، سماك بن خرشة أبو دجانة الأنصاري من أهل بدر، سهيل بن عمرو الأنصاري من أهل بدر، عتيك بن التيهان من أهل بدر، ثابت بن عبيد الأنصاري من أهل بدر، ثابت بن حطيم بن عدي الأنصاري من أهل بدر، سهل بن حنيف الأنصاري من أهل بدر، أبو مسعود عقبة بن عمرو من أهل بدر، أبو رافع مولى رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم الذي شهد مشاهده كلّها مع مشاهد عليّ عليه السلام وممّن بايع البيعتين: العقبة والرضوان وهاجر الهجرتين: للحبشة مع جعفر وللمدينة مع المسلمين، أبو بردة بن دينار الأنصاري من أهل بدر، أبو عمر الأنصاري من أهل بدر، أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري من أهل بدر، عقبة بن عمر بن ثعلبة الأنصاري من أهل بدر، قرظة بن كعب الأنصاري، بشير بن عبد المنذر الأنصاري أحد النقباء ببيعة العقبة، يزيد بن نويرة بن الحارث الأنصاري ممّن شهد له النبي صلى الله عليه و آله و سلم بالجنة، ثابت بن عبد اللّٰه الأنصاري، جبلة بن ثعلبة الأنصاري، جبلة بن عمير بن أوس الأنصاري، حبيب بن بديل بن ورقاء الخزاعي، زيد بن أرقم الأنصاري شهد مع النبي صلى الله عليه و آله و سلم بضعة عشر وقعة، أعين بن ضبيعة بن ناجية التميمي، يزيد الأسلمي من أهل بيعة الرضوان، تميم بن خزام، جندب بن زهير الأزدي، جعدة بن هبيرة المخزومي، جارية بن قدامة التميمي السعدي، جبير بن الحباب الأنصاري، حبيب بن مظاهر الأسدي، حكيم بن جبلة العبدي، خالد بن أبي دجانة الأنصاري، خالد بن الوليد الأنصاري، زيد بن صوحان العبدي، الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري، زيد بن شرحبيل
الأنصاري، زيد بن جبلة التميمي، بديل بن ورقاء الخزاعي، أبو عثمان الأنصاري، مسعود بن مالك الأسدي، ثعلبة أبو عمرة الأنصاري، أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي، عبد اللّٰه بن حزام الأنصاري شهيد أُحد، سعد بن منصور الثقفي، سعد بن الحارث بن الصمد الأنصاري، الحارث بن عمر الأنصاري، سليمان بن صرد الخزاعي، شرحبيل بن مرّة الهمداني، شبيب بن رت النميري، سهل بن عمر صاحب المربد، سهيل بن عمر أخو سهل المار ذكره، عبد الرحمن الخزاعي، عبد اللّٰه بن خراش، عبد اللّٰه بن سهيل الأنصاري، عبيد اللّٰه بن العازر، عدي بن حاتم الطائي، عروة بن مالك الأسلمي، عقبة بن عامر السلمي، عمر بن هلال الأنصاري، عمر بن أنس بن عون الأنصاري من أهل بدر، هند بن أبي هالة الأسدي، وهب بن عبد اللّٰه بن مسلم بن جنادة، هاني بن عروة المذحجي، هبيرة بن النعمان الجعفي، يزيد بن قيس بن عبد اللّٰه، يزيد بن حوثرة الأنصاري، يعلى بن عمير النهدي، أنس بن مدرك الخثعمي، عمرو العبدي الليثي، عميرة الليثي، عليم بن سلمة الفهمي، عمير بن حارث السلمي، علباء بن الهيثم بن جرير وأبوه الهيثم من قواد الحملة في قتال الفرس بواقعة ذي قار، عون بن عبد اللّٰه الأزدي، علاء بن عمر الأنصاري، نهشل بن ضمرة الحنظلي، المهاجر بن خالد المخزومي، مخنف بن سليم الأزدي، محمد بن عمير التميمي، حازم بن أبي حازم البجلي، عبيد بن التيهان الأنصاري وهو أوّل المبايعين للنبي ليلة العقبة، أبو فضالة الأنصاري، أويس القرني الأنصاري، زياد بن النضر الحارثي، عوض بن علاط السلمي، معاذ بن عفراء الأنصاري، علاء بن
عروة الأزدي، الحارث بن حسان الذهلي صاحب راية بكر بن وائل، بجير بن دلجة، يزيد بن حجية التميمي، عامر بن قيس الطائي، رافع الغطفاني الأشجعي، وأبان بن سعيد بن العاص بن أُمية بن عبد شمس من أُمراء السرايا أيّام النبي صلى الله عليه و آله و سلم ومن خلّص أصحاب الإمام علي عليه السلام وأمثالهم من الصحابة الكرام.
فهؤلاء هم طليعة الصحابة وسنام العرب من المهاجرين والأنصار، قد استضاءوا بنور النبوّة والوحي واستقامت أُمورهم وكانوا على الصراط المستقيم في حياتهم، وكم لهم من نظائر في صحابة النبي صلى الله عليه و آله و سلم أعرضنا عن ذكرهم مخافة الإطناب.
«لقد رأيت أصحاب محمّد صلى الله عليه و آله و سلم فما أرى أحداً منكم يشبههم، لقد كانوا يصبحون شُعثاً غبراً، وقد باتوا سجّداً وقياماً، يراوحون بين جباههم وخدودهم، ويقفون على مثل الجمر من ذكر معادهم، كأنّ بين أعينهم رُكَبَ المعزىٰ من طول سجودهم، إذا ذُكر اللّٰه هملت أعينهم حتّى تَبُلَّ جيوبهم، ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف، خوفاً من العقاب ورجاءً للثواب».(1)
1) . نهج البلاغة: الخطبة 93، شرح محمد عبده؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 77/7.
وقال أيضاً مادحاً أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وهيجُوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً، وَصَفّاً صفّاً، بعضٌ هلك، وبعض نجا، لا يُبَشّرون بالأحياء، ولا يُعَزَّونَ عن الموتى، مُرْهُ العيون من البكاء، خُّمصُ البطون من الصيام، ذُبَّل الشفاه من الدعاء، صُفرُ الألوان من السَّهَر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أُولئك إخواني الذاهبون، فحقّ لنا أن نظمأ إليهم، ونعضَّ الأيدي على فراقهم».(1)وللأئمّة المعصومين كلمات أُخرى حول الصحابة غير ما ذكرناه، منقولة في كتب الشيعة، وهذا هو الإمام زين العابدين عليه السلام يقول في دعائه: «اللّهمّ وأصحاب محمّد صلى الله عليه و آله و سلم خاصة الذين أحسنوا الصحبة والذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، وكاتفوه وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته...».(2)
3
هذا هو الأصل الثالث الذي اتّفقت عليه كلمات أهل الحديث.
القدر كما ذكره بعض أئمّة اللغة: حدّ كلّ شيء ومقداره.
والقضاء بمعنى الحكم البات، قال سبحانه: «إِنّٰا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنٰاهُ بِقَدَرٍ»(1)وقال تعالى: «وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ».(2)
وعلى هذا فالقدر في الأشياء، هو تحديد وجود الشيء والقضاء هو إبرامه، ويؤيد ذلك ما روي عن بعض أئمّة أهل البيت عليهم السلام: القدر هو الهندسة ووضع الحدود في البقاء والفناء، والقضاء هو الإبرام وإقامة العين.(3)القول بالقضاء والقدر على نحو الإجمال من العقائد الإسلامية التي لا يصحّ لمسلم إنكارها، ولو كان هناك اختلاف فإنّما هو في تفسيرهما وأنّه هل القضاء والقدر بمعنى التقدير والحتم على أفعال الإنسان وخلقها بلا إرادة
واختيار منه، وأنّه في مسرح الحياة مكتوف اليدين فيما كتب وقدر عليه حتى فيما يتعلّق بالتكاليف (الحلال والحرام)، أو أنّه بمعنى علمه السابق، على وجود الأشياء وتقديره وتحديده والحكم بوجودها على وجه لا ينافي اختيار العبد وحريته من الأساس.
وإن شئت قلت: ثبوت الأمر الجاري في العلم الأزلي الإلهي مع إعطاء القدرة على الفعل والترك وتعريف الخير والشر، وبيان عاقبة الأوّل ومغبة الأخير، فهذا العلم السابق لا يستلزم جبراً، وعلمه سبحانه بمقادير ما يختاره العباد من النجدين وما يأتون به من العمل من خير أو شر لا ينافي التكليف، كما لا سببية له في اختيار المكلّفين ولا يقبح معه عقلاً، العقاب على المعصية ولا يسقط معه الثواب على الطاعة.
أمّا سبق علمه سبحانه على خصوصيات الفعل وتحقّقه وعدمه، فيكفي في ذلك قوله سبحانه: «مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيرٌ».(1)وقوله سبحانه: «وَ كُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي اَلزُّبُرِ * وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ».(2)
وقال عزّ من قائل: «مٰا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهٰا قٰائِمَةً عَلىٰ أُصُولِهٰا فَبِإِذْنِ اَللّٰهِ».(3)
و أمّا كون القدر والقضاء لا ينافي التكليف، فيكفي قوله سبحانه: «إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ اَلسَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً»(1)وقوله سبحانه: «وَ هَدَيْنٰاهُ اَلنَّجْدَيْنِ».(2)
وقوله سبحانه: «وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللّٰهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ».(3)
فاللّٰه سبحانه خلق الإنسان مزيجاً من العقل والنفس مع خلق عوامل النجاح تجاه النفس الأمّارة بالسوء، فمن عامل بالطاعة بحسن اختياره، ومن مقترف للمعصية بسوء الخيرة.
وتدلّ على ذلك الآيات التالية:
«فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ».(4)«فَمَنِ اِهْتَدىٰ فَإِنَّمٰا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّمٰا يَضِلُّ عَلَيْهٰا».(5)«مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَسٰاءَ فَعَلَيْهٰا ثُمَّ إِلىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ».(6)«فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهٰا».(7)«إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهٰا».(8)
إلى غير ذلك من الآيات التي تنصّ على حرية الإنسان في اختياره خصوصاً فيما يرجع إلى الطاعة والمعصية.
إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة:
إنّه سبحانه «يعلم ما في السماء والأرض إنّ ذلك في كتاب إنّ ذلك على اللّٰه يسير»(1)و في ضوء ذلك نعتقد بأنّه سبحانه يعلم أعمارنا وأرزاقنا وما يجري في حياتنا من الأحداث، وما نقوم به من الأفعال كما يعلم مواعيد وفاتنا والكلّ موجود في «كِتٰابٍ مُبِينٍ».(2)لكن علمه السابق بما يجري في صحيفة الكون لا يجعل الإنسان مكتوف اليد أمام الملابسات التي حوله ولا يصيره كالريشة في مهب الريح، بل هو في الكون محكوم من جهة ومختار من جهة أُخرى، محكوم بالسنن العامة السائدة على الكون والحياة ولا يمكن الخروج عنها، مختار في ما تتعلق به إرادته وفي موقفه من الملابسات التي حوله.
فالنوازل والمصائب والحروب الطاحنة تنتابه، شاء أم لم يشأ والموت يدمّر حياته وكيانه والسموم القتالة تهلكه والجراثيم الضارية تنحرف بها صحته، ولكنّه غير مسؤول أمام هذه الأُمور الخارجة عن اختياره، ولكنّه أمام نعمه سبحانه والإمكانيات التي حوله أمام خيارين: فله أن يستفيد منها بما
1) . اقتباس من قوله سبحانه: «أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا فِي اَلسَّمٰاءِ...» (الحج: 70).
2) . إشارة إلى قوله سبحانه: «وَ عِنْدَهُ مَفٰاتِحُ اَلْغَيْبِ لاٰ يَعْلَمُهٰا إِلاّٰ هُوَ وَ يَعْلَمُ مٰا فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ وَ مٰا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّٰ يَعْلَمُهٰا وَ لاٰ حَبَّةٍ فِي ظُلُمٰاتِ اَلْأَرْضِ وَ لاٰ رَطْبٍ وَ لاٰ يٰابِسٍ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ» (الأنعام: 59).
يمد حياته في الدنيا ويسعده في الآخرة كما أنّ له خلاف ذلك. فلو قلنا: الإنسان مخيَّر لا مسيّر، فإنّما نريد هذا الجانب الثاني، ولو قيل إنّه مسيّر لا مخيّر، فلابدّ أن يراد منه الجانب الأوّل. ثمّ إنّ في الذكر الحكيم آيات ودلالات وتصريحات على كون الإنسان مخيراً، وهي على حدّ لا يمكن جمعها في مقام واحد.
يقول اللّٰه لِكلِّ بشر على ظهر الأرض: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ اَلْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاٰ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اَللّٰهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَ مَنْ عَمِلَ صٰالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ»(1)، فهل ربط الجزاء بالعمل هنا من قبيل المزاح أو الخديعة؟
وعندما يصف ربّنا جزاء الكذبة والمكّذبين ويبيّن عقبى عملهم ويقول: «فَلَنُذِيقَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَذٰاباً شَدِيداً وَ لَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ اَلَّذِي كٰانُوا يَعْمَلُونَ * ذٰلِكَ جَزٰاءُ أَعْدٰاءِ اَللّٰهِ اَلنّٰارُ لَهُمْ فِيهٰا دٰارُ اَلْخُلْدِ جَزٰاءً بِمٰا كٰانُوا بِآيٰاتِنٰا يَجْحَدُونَ»(2)هل هذا الربط المتكرر بين العمل والجزاء، وهل هذه النقمة المحسوسة على المجرمين تومئ من قرب أو بعد إلى أنّ القوم كانوا أهل خير فلوى زمامهم قدر سابق أو كتاب ماحق؟ ما أقبح هذا الفهم! في يوم الحساب يحصد الناس ما زرعوا لأنفسهم. والقرآن حريص كلّ الحرص على إعلان هذه الحقيقة وهي أنّك واجد ما قدمت لن تؤخذ أبداً بشيء لم تصنعه، لم تغلب على إرادتك يوماً فيحسب عليك ما لم تشأ. إنّ المغلوب
على عقله أو قصده لا يؤاخذ أبداً بل إنّ التكليف يسقط عنه.
وتدبر قوله تعالى: «أَلْقِيٰا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّٰارٍ عَنِيدٍ * مَنّٰاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * اَلَّذِي جَعَلَ مَعَ اَللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ فَأَلْقِيٰاهُ فِي اَلْعَذٰابِ اَلشَّدِيدِ * قٰالَ قَرِينُهُ رَبَّنٰا مٰا أَطْغَيْتُهُ وَ لٰكِنْ كٰانَ فِي ضَلاٰلٍ بَعِيدٍ»(1)ربّنا سبحانه و تعالى ينفي الظلم عن نفسه ويقول إنّه ما عذب إلّامن فرط وأساء.(2)وعلى ذلك فهنا أمران مسلّمان لا يصح لأحد إنكار واحد منهما:
إنّ للّٰه سبحانه علماً سابقاً على كلّ شيء، ومنه أعمال العباد ويعبر عنه بالقدر والتقدير.
الإنسان مخيّر في ما تتعلّق به إرادته ومحكوم فيما هو خارج عن إطار إرادته. وللمسلم الواعي الجمع بينهما على وجه صحيح، وسوف يوافيك بيان هذا الجمع عند البحث عن عقيدة الأشاعرة في كون الإنسان مسيّراً لا مخيراً.(3)وعلى ذلك فالاعتقاد بالتقدير والقضاء أمر لا يمكن لمسلم إنكاره كما أنّ حرية الإنسان في مجال التكليف مثله أيضاً، فإذاً ما هو الذي وقع مثاراً للنقاش؟
في النصف الثاني من القرن الأوّل بل قبله بقليل أيضاً، انتشر القول
بالقدر حتى فرق المسلمين إلى قولين: إلى قدري وجبري، ولكن قد عرفت أنّ القدرية مع أنّها في اللغة بمعنى مثبتة القدر يراد منها في المصطلح النافون للقدر.
لابدّ من أن نقف ملياً للتأمل في تشخيص النزاع بين الطرفين.
فنقول: إنّ التأمّل في عقائد بعض العرب في الجاهلية يوحي بأنّهم كانوا قائلين بالقدر ومثبتين له بشكل يستنتجون منه سلب المسؤولية عن أنفسهم وإلقاءها على عاتق القدر. وهذا التفسير كان رائجاً بينهم وإن لم يعم الجميع، يقول سبحانه: «سَيَقُولُ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شٰاءَ اَللّٰهُ مٰا أَشْرَكْنٰا وَ لاٰ آبٰاؤُنٰا وَ لاٰ حَرَّمْنٰا مِنْ شَيْءٍ كَذٰلِكَ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّٰى ذٰاقُوا بَأْسَنٰا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنٰا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ اَلظَّنَّ وَ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّٰ تَخْرُصُونَ».(1)
ولعلّ قوله سبحانه: «وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً قٰالُوا وَجَدْنٰا عَلَيْهٰا آبٰاءَنٰا وَ اَللّٰهُ أَمَرَنٰا بِهٰا قُلْ إِنَّ اَللّٰهَ لاٰ يَأْمُرُ بِالْفَحْشٰاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اَللّٰهِ مٰا لاٰ تَعْلَمُونَ»(2)يشير إلى أنّهم كانوا يعتذرون بأنّ تقديره سبحانه يلازم الجبر ونفي الاختيار، واللّٰه سبحانه يرد على تلك المزعمة بهذا القول.
فقد بقيت هذه العقيدة الموروثة من العصر الجاهلي في أذهان بعض الصحابة، فقد روى الواقدي في مغازيه عن أُمّ الحارث الأنصارية وهي تحدث عن فرار المسلمين يوم حنين قالت: مرّ بي عمر بن الخطاب
(منهزماً) فقلت: ما هذا؟ فقال عمر: أمر اللّٰه.(1)والعجب أنّ تلك العقيدة بقيت في أذهان بعض الصحابة حتّى بعد رحلة النبي صلى الله عليه و آله و سلم، فهذا السيوطي ينقل عن عبد اللّٰه بن عمر أنّه جاء رجل إلى أبي بكر فقال: أرأيت الزنى بقدر؟ قال: نعم، قال: فإنّ اللّٰه قدّره علي ثمّ يعذّبني؟! قال: نعم يابن اللخناء، أما واللّٰه لو كان عندي إنسان أمرته أن يجأ أنفك.(2)لقد كان السائل في حيرة من أمر القدر، فسأل الخليفة عن كون الزنى مقدّراً من اللّٰه أم لا؟ فلمّا أجاب الخليفة بنعم، استغرب من ذلك لأنّ العقل لا يسوغ تقديره سبحانه شيئاً بمعنى سلب الاختيار عن الإنسان في فعله أو تركه ثمّ تعذيبه عليه، ولذلك قال: فإنّ اللّٰه قدره علي ثمّ يعذبني؟ فعند ذاك أقرّه الخليفة على ما استغربه وقال: نعم يابن اللخناء.
لقد اتّخذ الأمويون مسألة القدر أداة تبريرية لأعمالهم السيّئة، وكانوا ينسبون وضعهم الراهن بما فيه من شتى ضروب العيث والفساد إلى القدر، قال أبو هلال العسكري: إنّ معاوية أوّل من زعم أنّ اللّٰه يريد أفعال العباد كلّها.(3)ولأجل ذلك لمّا سألت أُمّ المؤمنين عائشة، معاوية عن سبب تنصيب
ولده يزيد خليفة على رقاب المسلمين فأجابها: إن أمر يزيد قضاء من القضاء وليس للعباد الخيرة من أمرهم.(1)وبهذا أيضاً أجاب معاوية عبد اللّٰه بن عمر عندما استفسر من معاوية عن تنصيبه يزيد بقوله: إنّي أُحذرك أن تشق عصا المسلمين وتسعى في تفريق ملئهم وأن تسفك دماءهم وإن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة من أمرهم.(2)وقد كانت الحكومة الأموية الجائرة متحمّسة على تثبيت هذه الفكرة في المجتمع الإسلامي، وكانت تواجه المخالف بالشتم والضرب والإبعاد.
قال الدكتور أحمد محمود صبحي في كتابه «نظرية الإمامة»: إنّ معاوية لم يكن يدعم ملكه بالقوة فحسب، ولكن بآيديولوجية تمس العقيدة في الصميم، ولقد كان يعلن في الناس أنّ الخلافة بينه و بين علي عليه السلام قد احتكما فيها إلى اللّٰه فقضى اللّٰه له على علي، وكذلك حين أراد أن يطلب البيعة لابنه يزيد من أهل الحجاز أعلن أنّ اختيار يزيد للخلافة كان قضاء من القضاء وليس للعباد خيرة في أمرهم، وهكذا كاد أن يستقر في أذهان المسلمين، أنّ كلّ ما يأمر به الخليفة - حتى و لو كانت طاعة اللّٰه في خلافه - فهو قضاء من اللّٰه قد قدّر على العباد.(3)وقد سرى هذا الاعتذار إلى غير الأمويين من الذين كانوا في خدمة خلفائهم وأُمرائهم فهذا عمر بن سعد بن أبي وقاص قاتل الإمام الشهيد
الحسين عليه السلام لمّا اعترض عليه عبد اللّٰه بن مطيع العدوي بقوله: اخترت همذان والري على قتل ابن عمك فقال عمر: كانت أُمور قضيت من السماء، وقد أعذرت إلى ابن عمي قبل الوقعة فأبى إلّاما أبى.(1)ويظهر أيضاً ممّا رواه الخطيب عن أبي قتادة عندما ذكر قصة الخوارج في النهروان لعائشة فقالت عائشة: ما يمنعني ما بيني وبين علي أن أقول الحق سمعت النبي يقول: تفترق أُمّتي على فرقتين، تمرق بينهما فرقة محلقون رؤوسهم، محفون شواربهم، أزرهم إلى أنصاف سوقهم، يقرأون القرآن لا يتجاوز تراقيهم، يقتلهم أحبهم إليّ، وأحبهم إلى اللّٰه. قال: فقلت: يا أُمّ المؤمنين فأنت تعلمين هذا فلم كان الذي منك؟!
قالت: يا قتادة وكان أمر اللّٰه قدراً مقدوراً، وللقدر أسباب».(2)وقد كان حماس الأمويين في هذه المسألة إلى حدّ قد كبح ألسن الخطباء عن الإصحار بالحقيقة، فهذا الحسن البصري الذي كان من مشاهير الخطباء ووجوه التابعين، وكان يسكت أمام أعمالهم الإجرامية ولكن كان يخالفهم في القول بالقدر بالمعنى الذي كانت تعتمد عليه السلطة آنذاك. فلمّا خوّفه بعض أصدقائه من السلطان، وعد أن لا يعود.
روى ابن سعد في طبقاته عن أيّوب قال: نازلت الحسن في القدر غير مرّة حتّى خوفته من السلطان، فقال: لا أعود بعد اليوم.(3)
كيف وقد جلد محمد بن إسحاق صاحب السيرة النبوية المعروفة في مخالفته في القدر.
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: إنّ محمّد بن إسحاق اتّهم بالقدر، وقال الزبير عن الدراوردي: وجلد ابن إسحاق يعني في القدر.(1)
وفي ظل هذا الإصرار على القضاء والقدر بهذا المعنى نسجت أحاديث لا تفارق الجبر قيد شعرة. وإليك أمثلة منها:
فيقول: يا ربّ أشقي أو سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أي رب أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه، ثمّ تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص.(1)3. قال: جاء سراقة بن مالك بن جعشم قال: يا رسول اللّٰه بيّن لنا ديننا كأنّا خلقنا الآن فيما العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما نستقبل؟ قال: لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكلّ ميسر لما خلق له وكل عامل بعمله.(2)فبناء على الحديث الأوّل لا يقدر الإنسان على إضلال نفسه ولا هدايتها كما لا يقدر على أن يجعل نفسه من أهل الجنّة أو النار، فكلّما أراد من شيء يكون الكتاب السابق حائلاً بينه و بين إرادته.
والحديث الثاني يدلّ على أنّ الإنسان لا يقدر على تغيير مصيره بالأعمال الصالحة والأدعية والصدقات، وأنّ الكتاب الذي سبق، حاكم على الإنسان فلا يزاد ولا ينقص وهو يخالف النصوص الثابتة في القرآن والسنّة من تغيير المصير والزيادة والنقص على المكتوب، بالأعمال الصالحة أو الطالحة.
إنّ تفسير القضاء والقدر بهذا الشكل الذي يجعل الإنسان مكتوف اليدين في بحر الحياة ممّا ترغب عنه الفطرة السليمة.
إنّ هذه الأحاديث قد نسجت وفق المعتقدات السائدة للسلطة آنذاك
حتى تبرر أنّ الوضع الاجتماعي آنذاك لا يمكن تغييره أبداً فإنّه شيء قد فرغ منه. فالفقير يجب أن يبقى هكذا، والغني كذلك يبقى غنياً، وهكذا المظلوم والظالم.
ترى أنّهم قد رووا عن عبد اللّٰه بن عمر، عن أبيه قال: يا رسول اللّٰه أرأيت ما نعمل فيه أمر مبتدع - أو مبتدأ - أو فيما قد فرغ منه؟ فقال: «بل فيما قد فرغ منه، يا ابن الخطاب وكلّ ميسر؛ أمّا من كان من أهل السعادة فإنّه يعمل للسعادة، وأمّا من كان من أهل الشقاء فإنّه يعمل للشقاء».
وفي رواية قال: لما نزلت «فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ»(1)سألت رسول اللّٰه، فقلت: يا نبي اللّٰه فعلام نعمل، على شيء قد فرغ منه، أو على شيء لم يفرغ منه؟ قال: «بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر! ولكن كلّ ميسر لما خلق له».(2)وهذا الحديث يعرب عن أنّه قد تم القضاء على الناس في الأزل وجعلهم صنفين وكل ميسر لما خلق له، لا لما لم يخلق له، فأهل السعادة ميسرون للأعمال الصالحة فقط، وأهل الشقاء ميّسرون للأعمال الطالحة فقط.
وهذه المرويات في الصحاح والمسانيد - و قد تقدّم بعضها -(3)لا تفترق عن الجبر وهي تناقض الأُصول المسلّمة العقلية والنقلية، وحاشا
رسول اللّٰه وخيرة أصحابه أن ينبسوا بها ببنت شفة، وإنّما حيكت على منوال عقيدة السلطة، وعند ذلك لا تعجب ممّا يقوله أحمد بن حنبل في رسائله:
القدر خيره وشره وقليله وكثيره وظاهره وباطنه وحلوه ومرّه ومحبوبه ومكروهه وحسنه وسيّئه وأوّله وآخره من اللّٰه. قضاء قضاه، وقدر قدّره، لا يعدو أحد منهم مشيئة اللّٰه ولا يجاوز قضاءه، بل كلّهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم لأفعالهم، وهو عدل منه عزّ ربّنا وجلّ. والزنى والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس وأكل المال الحرام والشرك باللّٰه والمعاصي كلّها بقضاء وقدر.(1)وقد سرى الجهل إلى أكثر المستشرقين فاستنتجوا من هذه النصوص أنّ الإسلام مبني على القول بالجبر، وفي ذلك يقول «ايرفنج» - من أعلام الكتاب في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر: القاعدة السادسة من قواعد العقيدة الإسلامية هي الجبرية، وقد أقام محمد جلّ اعتماده على هذه القاعدة لنجاج شؤونه الحربية، وهذا المذهب الذي يقرر أنّ الناس غير قادرين بإرادتهم الحرة على اجتناب الخطيئة أو النجاة من العقاب، ويعتبره بعض المسلمين منافياً لعدل اللّٰه، فقد تكونت عدّة فرق جاهدت وهم لا يعتبرون من أهل السنّة.(2)هذا غيض من فيض ممّا يمكن أن يذكر حول القول بالقدر، وسيوافيك توضيحه والمضاعفات الناجمة عنه عند البحث عن عقيدة الأشاعرة.
إنّ هنا كلمة للشيخ «محمد الغزالي» المعاصر حول القدر والجبر يعرب عن أنّ المحقّقين من أهل السنّة بدأوا يدرسون الإسلام من جديد أو يدرسون الأُصول الموروثة من أبناء الحنابلة وأهل الحديث من رأس وقد رد على القول بالقدر المستلزم للجبر رداً عنيفاً يعرب عن حريته في الرأي وشجاعته الأدبية في تحليل عقائد الإسلام نقتبس منه ما يلي:
فمن الناس من يزعم أنّ الحياة رواية تمثيلية خادعة، وأنّ التكليف أُكذوبة وأنّ الناس مسوقون إلى مصائرهم المعروفة أزلاً طوعاً أو كرهاً وأنّ المرسلين لم يبعثوا لقطع أعذار الجهل بل المرسلون خدعة تتم بها فصول الرواية أو فصول المأساة والغريب أنّ جمهوراً كبيراً من المسلمين يجنح إلى هذه الفرية بل إنّ عامة المسلمين يطوون أنفسهم على ما يشبه عقيدة الجبر، ولكنّهم حياءً من اللّٰه يسترون الجبر باختيار خافت موهوم، وقد أسهمت بعض المرويات في تكوين هذه الشبهة وتمكينها وكانت بالتالي سبباً في إفساد الفكر الإسلامي وانهيار الحضارة والمجتمع.
إنّ العلم الإلهي المحيط بكلّ شيء وصّاف كشّاف يصف ما كان ويكشف ما يكون والكتاب الدالّ عليه يسجل للواقع وحسب! لا يجعل السماء أرضاً ولا الجماد حيواناً إنّه صورة تطابق الأصل بلا زيادة ولا نقص ولا أثر لها في سلب أو إيجاب.
إنّ هذه الأوهام (التقدير سالب للاختيار) تكذيب للقرآن والسنّة، فنحن بجهدنا وكدحنا ننجو أو نهلك، والقول بأنّ كتاباً سبق علينا بذلك، وأنّه لا حيلة لنا بإزاء ما كتب أزلاً، هذا كلّه تضليل وإفك لقوله تعالى: «قَدْ جٰاءَكُمْ
بَصٰائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهٰا»(1)، «وَ قُلِ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ».(2)والواقع أنّ عقيدة الجبر تطويح بالوحي كلّه وتزييف للنشاط الإنساني من بدء الخلق إلى قيام الساعة بل هي تكذيب للّٰه والمرسلين قاطبة ومن ثمّ فإنّنا نتناول بحذر شديد ما جاء في حديث مسلم وغيره: إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتى ما يكون بينه و بينها إلّاذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار....(3)ونظير ذلك ما رواه الترمذي عن عمر بن الخطاب أنّه سئل عن قوله تعالى: «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قٰالُوا بَلىٰ شَهِدْنٰا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ إِنّٰا كُنّٰا عَنْ هٰذٰا غٰافِلِينَ»(4)قال عمر بن الخطاب: سمعت رسول اللّٰه يسأل عنها فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «إنّ اللّٰه خلق آدم ثمّ مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريّة فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثمّ مسح على ظهره فاستخرج منه ذريّة فقال: هؤلاء خلقت للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل: يا رسول اللّٰه ففيم العمل؟ قال: فقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّ اللّٰه إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنّار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله اللّٰه النار».(5)
فإنّ هذا التفسير المنسوب لعمر يسير في اتجاه مضاد للتفسير البديهي المفهوم من الآيات البينات.
على أنّه ليس هنا أثر من الجبر الإلهي في الآية التي ورد الحديث في تفسيرها ولا يفيد أنّ اللّٰه خلق ناساً للنار يساقون إليها راغمين، وخلق ناساً للجنّة يساقون إليها محظوظين! وإنّ التعلق بالمرويات المعلولة إساءة بالغة للإسلام.
كلّ ميل بعقيدة القدر إلى الجبر فهو تخريب متعمد لدين اللّٰه ودنيا الناس، وقد رأيت بعض النقلة والكاتبين يهونون من الإرادة البشرية ومن أثرها في حاضر المرء ومستقبله، وكأنّهم يقولون للناس: أنتم محكومون بعلم سابق لا فكاك منه ومسوقون إلى مصير لا دخل لكم فيه، فاجهدوا جهدكم فلن تخرجوا من الخط المرسوم لكم مهما بذلتم!
إنّ هذا الكلام الرديء ليس نضح قراءة واعية لكتاب ربّنا، ولا اقتداء دقيقاً بسنة نبيّنا إنّه تخليط قد جنينا منه المر!
وكلّ أثر مروي يشغب على حرية الإرادة البشرية في صنع المستقبل الأُخروي يجب أن لا نلتفت إليه فحقائق الدين الثابتة بالعقل والنقل لا يهدها حديث واهي السند أو معلول المتن، لكنّنا مهما نوّهنا بالإرادة الإنسانية فلا ننسى أنّنا داخل سفينة يتقاذفها بحر الحياة بين مد وجزر وصعود وهبوط والسفينة تحكمها الأمواج ولا تحكم الأمواج، ويعني هذا أن نلزم موقفاً محدداً بإزاء الأوضاع المتغيرة التي تمر بنا هذا الموقف من صنعنا وبه نحاسب.
أمّا الأوضاع التي تكتنفنا فليست من صنعنا ومنها يكون الاختيار الذي يبت في مصيرنا، إنّ تصوير القدر على النحو الذي جاءت به بعض المرويات غير صحيح، وينبغي أن لا ندع كتاب ربّنا لأوهام وشائعات تأباها روح الكتاب ونصوصه.
القرآن قاطع في أنّ أعمال الكافرين هي التي أردتهم «يٰا أَيُّهَا اَلَّذِينَ كَفَرُوا لاٰ تَعْتَذِرُوا اَلْيَوْمَ إِنَّمٰا تُجْزَوْنَ مٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ»(1)، وقاطع في أنّ أعمال الصالحين هي التي تنجيهم: «وَ نُودُوا أَنْ تِلْكُمُ اَلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهٰا بِمٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ».(2)فلا احتجاج بقدر ولا مكان لجبر وعلى من يسيئون الفهم أو النقل أن لا يعكّروا صفو الإسلام.
جاءت في القدر أحاديث كثيرة نرى أنّها بحاجة إلى دراسة جادة حتى يبرأ المسلمون من الهزائم النفسية والاجتماعية التي أصابتهم قديماً وحديثاً.(3)
و لمّا كان القدر والقضاء بالمعنى الذي تروّجه السلطة الأموية مخالفاً للفطرة والعقل، قام رجال أحرار في وجه هذه العقيدة فركّزوا على القول بحرية الإنسان في إطار حياته فيما يرجع إلى سعادته وشقائه، وفيما عينت
من الثواب والعقاب، ولكن السلطة اتهمتهم بنفي القضاء والقدر ومخالفة الكتاب والسنة ثمّ وضعت السيوف على رقاب بعضهم، هذا هو معبد الجهني اتّهموه بالقدر (نفي القدر) ذهب إلى الحسن البصري فقال له: إنّ بني أُميّة يسفكون الدماء ويقولون إنّما تجري أعمالنا على قدر اللّٰه، فقال: كذب أعداء اللّٰه.(1)ومعبد هذا قد اتّهم بالقدرية وأنّه أخذ هذه العقيدة عن رجل نصراني، ولكنّه اتهام في غالب الظن قد أُلصق به وهو منه براء وهذا الذهبي يعرّفه بقوله: إنّه صدوق في نفسه، وإنّه خرج مع ابن الأشعث على الحجاج حتى قتل صبراً، ووثّقه ابن معين، ونقل عن جعفر بن سليمان أنّه حدثه مالك بن دينار قال: لقيت معبداً الجهني بمكة بعد ابن الأشعث وهو جريح وكان قاتل الحجاج في المواطن كلّها.(2)ولا أظن أنّ الرجل الذي ضحى بنفسه في طريق الجهاد ومكافحة الظالمين ينكر ما هو من أوضح الأُصول وأمتنها، ولو أنكر فإنّما أنكر المعنى الذي استغله النظام آنذاك وتشهد بذلك محاورته الحسن البصري الآنفة.
ومثله غيلان الدمشقي فقد اتّهم بنفس ما اتهم به أُستاذه، فهذا الشهرستاني يقول: كان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد. وقيل تاب عن القول بالقدر على يد عمر بن عبد العزيز، فلمّا مات عمر جاهر بمذهبه فطلبه هشام بن عبد الملك وأحضر الأوزاعي لمناظرته، فأفتى بقتله، فصلب على باب كيسان بدمشق.(3)
وقد صارت مكافحة هذا الاتجاه الظاهر عن معبد الجهني وغيلان الدمشقي ومحاربته سبباً لظهور المفوّضة الذين كانوا يعتقدون بتفويض الأُمور إلى العباد وأنّه ليس للّٰه سبحانه أي صنع في أفعالهم، فجعلوا الإنسان خالقاً لأفعاله، مستغنياً عن اللّٰه سبحانه فصار كالإله في مجال الأفعال كما كان القضاء والقدر حاكماً على كلّ شيء ولا يمكن تغييره بأي صورة أُخرى من الصور. فالطرفان يحيدان عن جادة التوحيد ويميلان إلى جانبي الإفراط والتفريط في الخلق، وسيوافيك تفصيل القول في محله.
إنّ القدر بالمعنى الذي جاء في الأحاديث النبوية من شأنه أن يجعل الإنسان مسلوب الاختيار، مسيراً في حياته غير مختار في أفعاله، فعند ذلك يصحّ للعبد أن يحتجّعلى المولى في عصيانه ومخالفته.
ومن العجيب انّه جاء في الصحيحين حديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «احتجّ آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبو البشر الذي خلقك اللّٰه بيده، ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته، فلماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟» فقال له آدم: أنت موسى الذي كلّمك اللّٰه تكليماً وكتب لك التوراة فبكم تجد فيها مكتوباً «وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ» قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين سنة قال: فحجّ آدم موسى».(1)وقد اضطرب القائلون بالقدر ومالوا يميناً وشمالاً في تفسير هذا
1) . جامع الأُصول: 523/10-525؛ صحيح البخاري: 158/4 و 96/6 و 126/8 و 148/9.
الحديث وأمثاله إذ لو صحّ القدر بالمعنى الذي جاء في الأحاديث النبوية لكان باب العذر للعبد مفتوحاً على مصراعيه.
والعجب من ابن تيمية حيث فسر الحديث في رسالة أسماها ب «الاحتجاج بالقدر» بأنّ موسى لم يلم آدم إلّامن جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل لا لأجل أنّ تارك الأمر الإلهي مذنب عاص، ولهذا قال: لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة. ولم يقل: لماذا خالفت الأمر؟ ولماذا عصيت؟ والناس مأمورون عند المصائب التي تصيبهم بأفعال الناس أو بغير أفعالهم، بالتسليم للقدر وشهود الربوبية كما قال اللّٰه تبارك و تعالى:
«مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّٰ بِإِذْنِ اَللّٰهِ».(1)ووجه العجب: أنّ ابن تيمية قصر النظر على كلام موسى حيث اعترض على آدم بأنّه لماذا أخرج نفسه وذريته من الجنة، ولم يلتفت إلى جواب آدم، فإنّه صريح في الاحتجاج بالقدر في مورد العصيان وأنّ معصيته كانت أمراً مقدراً قبل أن يخلق فلم يكن بد منها حيث قال لموسى:
أنت موسى الذي كلمك اللّٰه تكليماً وكتب لك التوراة فبكم تجد فيها مكتوباً «وعصى آدم ربّه فغوى» قبل أن أخلق، قال: بأربعين سنة قال: فحج آدم موسى.(2)وعلى ذلك فموسى وإن لم يلم آدم إلّامن جهة المصيبة التي أصابته وذريته بما فعل، لكن لما كانت المصيبة نتيجة المعصية، احتج آدم على موسى بأنّ المعصية لما كانت أمراً مقدراً وهو بالنسبة إليها مسيراً، وكانت
المصيبة نتيجة لها، فهو معذور في المصيبة الّتي عمّته وذريته. فالكلّ من السبب والمسبب كانا خارجين عن قدرته واختياره فلا لوم على المصيبة لعدم صحّة اللوم على المعصية المقدّرة قبل خلقته بأربعين سنة.
ثمّ إنّ كثيراً من القائلين بالقدر بالمعنى الذي تفيده ظواهر الأحاديث لمّا رأوا في صميم عقلهم وأغوار فكرهم أنّه لا يجتمع مع التكليف، صاروا إلى الإجابة بأصل مبهم جداً، وهو أنّه «لا يحتج بالقدر».
و عندئذٍ يتوجه إليهم السؤال التالي:
لو كان القدر بالمعنى الذي تفيده ظواهر الأحاديث أمراً صحيحاً يجب الإذعان به و بنتائجه ولوازمه وهو كون الإنسان مجبوراً مسيراً فلا محالة يصحّ الاحتجاج به أيضاً في مقام الاعتذار.
وبالجملة: لا مناص عن اختيار أحد الأمرين: إمّا الإذعان بالقدر ونتائجه ولوازمه ومنها الاحتجاج على المولى سبحانه في مقام المخالفة، وإمّا رفض ذلك الاعتقاد والقول بكون الإنسان مخيراً مختاراً. فالجمع بين الإذعان بالقدر وعدم الاحتجاج به أشبه بالأخذ بالشجرة وإضاعة الثمرة.
ثمّ إنّ ابن تيمية قد التجأ في حلّ العقدة إلى جواب آخر: وهو أنّ القدر لا يحتج به، قال: وليس القدر حجّة لابن آدم ولا عذراً بل القدر يؤمن به ولا يحتج به، والمحتج بالقدر فاسد العقل والدين، فإنّ القدر إن كان حجّة وعذراً لزم أن لا يلام أحد ولا يعاقب ولا يقتص منه، وهذا أمر ممتنع في الطبيعة لا يمكن لأحد أن يفعله، وهو ممتنع طبعاً، محرم شرعاً، ولما كان
الاحتجاج بالقدر باطلاً في فطرة الخلق وعقولهم، لم تذهب إليه أُمّة من الأُمم، ولا هو مذهب أحدمن العقلاء.(1)وكان على ابن تيمية أن يتنبّه عندئذٍ فيجعل عدم احتجاج العقلاء بالقدر دليلاً على بطلان القدر بالمعنى الذي اختاره وتديّن به، وإلّا فلو صحّ القدر لا يصحّ أن يقال: لا يحتج به.
وبالجملة: إمّا أن يؤمن بالقدر ويحتج به، وإمّا أن لا يؤمن به ولا يحتج به.
وهناك أمر آخر، وهو: أنّ القائل بالقدر يصرح بوجوب الإيمان بالقدر خيره وشره، وبما أنّ القدر فعل اللّٰه سبحانه، فتكون النتيجة كون الخير والشر من أفعاله سبحانه وتقديراته حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته. مع أنّ صريح الصحاح من الأحاديث خلافه وأنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: «والشر ليس إليك».(2)وعلى ذلك فيجب تفسير الشر بشكل يناسب مقام الرب كالجدب والمرض والفقر والخوف. وإطلاق الشر عليها نوع مجاز وتأويل.
إنّ بعض المتحذلقين في العصر الحاضر لمّا رأى أنّ القدر بالمعنى
الذي تفيده ظواهر الروايات لا يجتمع مع الاختيار والحرية ويناقض صحّة التكليف، صار بصدد الجمع بينهما، فقال: إنّ للقدر أربع مراتب:
المرتبة الأُولى: العلم: علمه الأزلي الأبدي، فلا يتجدّد له علم بعد جهل ولا يلحقه نسيان بعد علم.
المرتبة الثانية: الكتاب: فنؤمن بأنّ اللّٰه تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة، قال سبحانه: «أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا فِي اَلسَّمٰاءِ وَ اَلْأَرْضِ إِنَّ ذٰلِكَ فِي كِتٰابٍ إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيرٌ».(1)المرتبة الثالثة: المشيئة: فنؤمن بأنّ اللّٰه تعالى قد شاء كلّ ما في السماوات والأرض لا يكون شيء إلّابمشيئته، ما شاء اللّٰه كان و ما لم يشأ لم يكن.
المرتبة الرابعة: الخلق: فنؤمن بأنّ «اَللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقٰالِيدُ اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ اَلْأَرْضِ» (2).
وهذه المراتب الأربع شاملة لما يكون من اللّٰه نفسه ولما يكون من العباد. فكلّ ما يقوم به العباد من أقوال أو أفعال أو تروك، فهي معلومة للّٰه تعالى مكتوبة عنده واللّٰه قد شاءها وخلقها. ثمّ يقول:
ولكنّنا مع ذلك نؤمن بأنّ اللّٰه تعالى جعل للعبد اختياراً وقدرة، بهما يكون الفعل، والدليل على أنّ فعل العبد باختياره وقدرته أُمور. ثمّ استدل بآيات تثبت للعبد إتياناً بمشيئته وإعداداً بإرادته مثل قوله سبحانه:
1) . الحج: 2.70. الزمر: 62-63.
«فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّٰى شِئْتُمْ»(1)، وقوله: «وَ لَوْ أَرٰادُوا اَلْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً»(2).(3)
انظر إلى التناقض الذي ارتكبه الكاتب المعاصر وهو بصدد بيان العقيدة الإسلامية، إذ لو كان فعل العبد معلوماً للّٰه ومكتوباً في اللوح المحفوظ وقد شاء اللّٰه فعله وخلقه، فكيف يكون للعبد اختيار وقدرة بهما يوجد الفعل؟ وهل الفعل بعد علمه تعالى وكتابته، ومشيئته وخلقه يكون محتاجاً إلى شيء آخر حتّى يكون لاختيار العبد وقدرته دور في ذلك المجال؟ «هل قرية وراء عبادان»؟!
فكما أنّه لا يكون للعباد دور في خلق السماوات والأرض بعد ما تعلّق به علمه سبحانه وكتبه في لوحه، وشاء وجوده، وخلقه، فهكذا أفعال عباده بعد ما وقعت في إطار هذه المجالات الأربعة.
وبالجملة فعندما تحقّق الخلق من اللّٰه لا تكون هناك أية حالة انتظارية في تكوّن الفعل ووجوده. فلا معنى لأن يكون للعبد بعد خلقه سبحانه دور أو تأثير. وأمّا مسألة «الكسب» الذي أضافه إمام الأشاعرة إلى «الخلق» فعده سبحانه خالقاً والعبد كاسباً، فسيوافيك أنّه ليس للكسب مع معقول بعد تمامية الخلقة، فتربص حتى حين.
لا شكّ أنّ كلّ إنسان يجد من صميم ذاته أنّ له قدرة واختياراً ولا يحتاج في إثباته إلى الاستدلال بالآيات والروايات كما ارتكبه الكاتب وهذا شيء لا يمكن لأحد إنكاره، ولذلك صحّ التكليف وحسن بعث الأنبياء وعليه يدور فلك الحياة في المجتمع الإنساني.
والقدر بالمعنى الذي تصرح به الأحاديث لا يجتمع مع اختيار العبد وقدرته، فلو صحّ القدر بالمعنى المعروف بين أهل الحديث لم يكن مناص في الصراع عن ارتكاب أحد أمرين: إمّا إنكار القدر و القضاء وهو لا يصحّ أن يصدر من مسلم مؤمن بكتاب اللّٰه، وإمّا إنكار القدرة والاختيار وهو يخالف الوجدان والفطرة السليمة، وأمّا الجمع بينهما فهو أمر غير ممكن.
والحقّ أنّ الاعتقاد بالقدر بالمعنى الوارد في الروايات السابقة لا ينفك عن الجبر قيد شعرة، وللعبد الاحتجاج على المولى بأنّ الفعل - بعد تنزّله من مرتبة العلم إلى مرتبة الكتابة ومنهما إلى درجة المشيئة فدرجة الخلق والإيجاد - يكون عندئذٍ مخلوقاً للّٰه سبحانه و فعلاً له، وكلّ فاعل مسؤول عن فعل نفسه لا فعل غيره. «وَ لاٰ تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ»(1). ولا تكون حينئذٍ للفعل أية صلة بالعبد إلّاكونه ظرفاً للصدور ومحلاً لإيجاده سبحانه.
ولكن الإمامية مع اعترافهم بالمراتب الأربع للقدر لا يرونه ملازماً
1) . الأنعام: 164.
للجبر، بل يرون للعبد بعدها اختياراً وحرية. ولأجل ذلك يجب تركيز الكلام في تفسير كون الفعل مورداً لمشيئته وكونه مخلوقاً له سبحانه، وإليك بيان هذين الأمرين:
إنّ منشأ توهم الجبر وكون الإنسان مسيّراً لا مخيّراً أحد أمرين:
كون فعله متعلّقاً لمشيئته سبحانه وما شاء اللّٰه يقع حتماً.
كونه خالقاً لكلّ شيء حتّى أفعال عباده وإلّا بطل التوحيد في الخالقية.
وبالبيان التالي يظهر بطلان التوهم المذكور، وأنّ واحداً من الأصلين لا يقتضي الجبر، إذا فسر على الوجه الصحيح، لا على الوجه الذي يتبنّاه أهل الحديث وحتى الأشاعرة. فنقول:
أمّا كون أفعال العباد متعلّقة لمشيئته سبحانه، فهناك من ينكر ذلك ويقول: إنّ التقدير يختص بما يجري في الكون من حوادث كونية ممّا يتعلّق به تدبيره سبحانه، وأمّا أفعال العباد فليست متعلّقة بالتقدير والمشيئة، بل هي خارجة عن إطارهما، والحافز إلى ذاك التخصيص هو التحفّظ على الاختيار ونفي الجبر، فهذا القول يعترف بالقدر ولكن لا في أفعال العباد بل في غيرها.
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر من الآيات أنّ فعل العباد تتعلّق به مشيئة اللّٰه، وأنّه لولا مشيئته سبحانه لما تمكن من الفعل.
يقول الراغب: لولا أنّ الأُمور كلّها موقوفة على مشيئة اللّٰه وأنّ أفعالنا معلّقة بها وموقوفة عليها لما أجمع الناس على تعليق الاستثناء به في جميع أفعالنا نحو «سَتَجِدُنِي إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ مِنَ اَلصّٰابِرِينَ»، «سَتَجِدُنِي إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ صٰابِراً»، «يَأْتِيكُمْ بِهِ اَللّٰهُ إِنْ شٰاءَ»، «اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شٰاءَ اَللّٰهُ»، «قُلْ لاٰ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَ لاٰ ضَرًّا إِلاّٰ مٰا شٰاءَ اَللّٰهُ»، «وَ مٰا يَكُونُ لَنٰا أَنْ نَعُودَ فِيهٰا إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ رَبُّنٰا»، «وَ لاٰ تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فٰاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ».(1)وهناك آيات أُخر لم يذكرها «الراغب»:
فالإذن هنا بمعنى المشيئة وما ذكر من القطع والإبقاء من باب المثال.
تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ إِنَّ اَللّٰهَ كٰانَ عَلِيماً حَكِيماً».(1)4. قال سبحانه: «كَلاّٰ بَلْ لاٰ يَخٰافُونَ اَلْآخِرَةَ * كَلاّٰ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شٰاءَ ذَكَرَهُ * وَ مٰا يَذْكُرُونَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ هُوَ أَهْلُ اَلتَّقْوىٰ وَ أَهْلُ اَلْمَغْفِرَةِ».(2)
وجه الدلالة في الآيات الثلاث واحدة ومفعول الفعل «وَ مٰا تَشٰاؤُنَ» في الآية الأُولى هو الاستقامة. معناه وما تشاءون الاستقامة على الحقّ إلّاأن يشاء اللّٰه ذلك، كما أنّ المفعول في الآية الثانية عبارة عن اتّخاذ الطريق والمعنى وما تشاءون اتّخاذ الطريق إلى مرضاة اللّٰه تعالى إلّاأن يشاء اللّٰه تعالى، كما أنّ المفعول للفعل، «وَ مٰا يَذْكُرُونَ» في الآية الثالثة هو القرآن، أي وما يذكرون القرآن ولا يتذكّرون به إلّاأن يشاء اللّٰه.
إذا عرفت ذلك ففي الآيات الثلاث الأخيرة احتمالان:
الأوّل: المراد أنّكم «لا تشاءون الاستقامة أو اتّخاذ الطريق أو التذكّر بالقرآن إلّاأن يشاء اللّٰه أن يجبركم عليه ويلجئكم إليه، ولكنّه لا يفعل، لأنّه يريد منكم أن تؤمنوا اختياراً لتستحقوا الثواب، ولا يريد أن يحملكم عليه» واختاره أبو مسلم كما نقله عنه «الطبرسي» وحاصله: وما تشاءون واحداً من هذه الأُمور إلّاأن يشاء اللّٰه إجباركم وإلجاءكم إليه، فحينئذٍ تشاءون ولا ينفعكم ذلك، والتكليف زائل، ولم يشأ اللّٰه هذه المشيئة، بل شاء أن تختاروا الإيمان لتستحقوا الثواب.(3)
وعلى هذا فالآيات خارجة عمّا نحن فيه، أعني: كون أفعال البشر على وجه الإطلاق - اختيارية كانت أو جبرية - متعلّقة لمشيئته سبحانه.
الثاني: إنّ الآية بصدد بيان أنّ كلّ فعل من أفعال البشر ومنها الاستقامة واتخاذ الطريق والتذكّر لا تتحقّق إلّابعد تعلق مشيئته سبحانه بصدورها، غير أنّ لتعلّق مشيئته شرائط ومعدّات، منها كون العبد متجرّداً عن العناد واللجاج، متهيئاً لقبول الصلاح والفلاح موقعاً نفسه في مهب الهداية الإلهية، فعند ذلك تتعلّق مشيئته بهداية العبد، وبما أنّ الكفّار المخاطبين في الآية لم يكونوا واجدين لهذا الشرط لم تتعلّق مشيئته باستقامتهم واتّخاذ الطريق والاتّعاظ بالقرآن.
وليس هذا بكلام غريب وإنّه هو المحكّم في الآيات الراجعة إلى الهداية فإنّ له سبحانه هدايتين: هداية عامة تفيض إلى عامة البشر:
مؤمنهم وكافرهم وإليه يشير قوله سبحانه: «إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ اَلسَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً»(1)وهناك هداية خاصة تفيض منه سبحانه إلى من جعل نفسه في مهب الرحمة واستفاد من الهداية الأُولى، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: «وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ»(2)، والظاهر من مجموع الآيات حول المشيئة هو الاحتمال الثاني دون الأوّل واختاره العلاّمة الطباطبائي فقال في تفسير سورة الإنسان.
الاستثناء من النفي يفيد أنّ مشيئة العبد متوقّفة في وجودها على
مشيئته تعالى، فلمشيئته تعالى تأثير في فعل العبد من طريق تعلّقها بمشيئة العبد، وليست متعلّقة بفعل العبد مستقلاً وبلا واسطة حتى تستلزم بطلان تأثير إرادة العبد وكون الفعل جبرياً، ولا أنّ العبد مستقل في إرادته يفعل ما يشاؤه، شاء اللّٰه أو لم يشأ، فالفعل اختياري لاستناده إلى اختيار العبد.(1)هذا كلّه في الصغرى أي كون أفعال العباد متعلقة لمشيئته سبحانه. إنّما الكلام في الكبرى وهو أنّ تعلّق المشيئة بفعل العبد لا يستلزم الجبر، وهذه هي النقطة الحسّاسة في حلّعقدة الجبر مع القول بكون أفعالنا متعلّقة لمشيئته.
بيان ذلك أنّ هناك فرضين:
تعلّقت مشيئته سبحانه بصدور الفعل من العبد إيجاداً واضطراراً.
تعلّقت مشيئته سبحانه بصدوره منه عن إرادة واختيار.
فالقول بالجبر إنّما هو نتيجة الفرض الأوّل دون الثاني.
إنّ مشيئته سبحانه تعلّقت بصدور كلّ فعل عن فاعله مع الخصوصية الموجودة فيه، كالصدور عن لا شعور في النار بالنسبة إلى الحرارة، والصدور عن اختيار في الإنسان بالنسة إلى التكلم والمشي. وعلى ذلك يجب أن تصدر الحرارة من النار عن اضطرار، ويصدر التكلّم أو المشي عن الإنسان باختيار وإرادة.
فلو صدر الأوّل عن النار بغير هذا الوضع، أو الثاني من الإنسان بغير
1) . الميزان: 142/20.
هذه الكيفية لزم التخلّف عن مشيئته سبحانه، وهو محال، إذ ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
ومجرّد كون الفعل متعلّقاً لمشيئته وأنّ ما شاء يقع، لا يستلزم القول بالجبر، ولا يصير الإنسان بموجبه مسيّراً إذا كان الفعل صادراً عن الفاعل بالخصوصية المكتنفة به. فالنار فاعل طبيعي تعلّقت مشيئته سبحانه بصدور أثرها (أي الحرارة) عنها بلا شعور.
والإنسان فاعل مدرك شاعر مريد، تعلّقت مشيئته سبحانه بصدور فعله عنه مع الشعور والإرادة. فلو صدر الفعل في كلا الموردين لا مع هذه الخصوصيات لزم التخلّف. فتنزيه ساحته عن وصمة التخلّف يتوقّف على القول بأنّ كلّ معلول يصدر عن العلّة، لكن بالخصوصية التي خلقت معها. فقد شاء اللّٰه سبحانه أن تكون النار فاعلاً موجباً، ويصدر عنها الفعل بالإيجاب، كما شاء أن يكون الإنسان فاعلاً مختاراً ويصدر الفعل عنه لكن بقيد الاختيار والحرية.
ولقائل أن يقول: إنّ تعلّق المشيئة المهيمنة من اللّٰه سبحانه على صدور الفعل من العبد عن اختيار موجب لكون صدور الفعل أمراً قطعياً وعدم المناص إلّاعن إيجاده، ومع هذا كيف يكون الفعل اختيارياً، فإنّ معناه أنّ له أن يفعل وله أن لا يفعل، وهذا لا يجتمع مع كون صدور الفعل قطعياً.
والجواب: إنّ قطعية أحد الطرفين لا تنافي كون الفعل اختيارياً، وذلك بوجهين:
بالنقض بفعل الباري سبحانه، فإنّ الحسن قطعي الصدور، والقبيح قطعي العدم، ومع ذلك فالفعل اختياري له، واللّٰه سبحانه يعامل عباده بالعدل والقسط قطعاً ولا مناص عنه، ولا يعاملهم ظلماً وجوراً قطعاً وبتاتاً، ومع ذلك ففعله سبحانه المتّسم بالعدل، اختياري لا اضطراري.
إنّ تعلّق مشيئته سبحانه بأفعال العباد، يرجع لباً إلى تعلّقها بحريتهم في الفعل والعمل، وعدم وجود موجب للجوئهم إلى أحد الطرفين حتماً، فشاء اللّٰه سبحانه كونهم أحراراً غير مجبورين، مختارين غير مضطرين حتى يهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حي عن بيّنة. هذا كلّه حول المشيئة.
وأمّا كون أفعال العباد مخلوقة للّٰه سبحانه، فهذا أصل يجب الاعتراف به بحكم التوحيد في الخالقية، وبحكم أنّ «اَللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ».(1)إلّا أنّه يجب تفسير التوحيد في الخالقية، وليس معناه انحصار الفاعلية والخالقية، أعمّ من المستقل وغير المستقل باللّٰه سبحانه، بأن يكون هناك فاعل واحد يقوم مقام جميع العلل والفواعل المدركة وغير المدركة، كما هو الظاهر من عبارات القوم في تفسير التوحيد في الخالقية، إذ معنى ذلك رفض مسألة العلية والمعلولية بين الأشياء.
1) . الزمر: 62.
وهذا ما لا يوافق عليه العقل ولا الذكر الحكيم، بل معناه أنّه ليس في صفحة الوجود خالق أصيل غير اللّٰه، ولا فاعل مستقل سواه سبحانه، وأنّ كلّ ما في الكون من كواكب وجبال، وبحار وعناصر، ومعادن وسحب، ورعود وبروق، وصواعق ونباتات، وأشجار وإنسان وحيوان وملك وجن، وعلى الجملة كلّ ما يطلق عليه عنوان الفاعل والسبب كلّها علل وأسباب غير مستقلة التأثير، وأنّ كلّ ما ينسب إلى تلك الفواعل من الآثار ليس لذوات هذه الأسباب بالاستقلال. وإنّما ينتهي تأثير هذه المؤثرات إلى اللّٰه سبحانه، فجميع هذه الأسباب والمسببات رغم ارتباط بعضها ببعض مخلوقة للّٰه، فإليه تنتهي العلية، وإليه تؤول السببية، وهو معطيها للأشياء، كما أنّ له تجريدها عنها إن شاء، فهو مسبب الأسباب وهو معطّلها.
وهذا هو نتيجة الجمع بين الآيات الناصّة على حصر الخالقية باللّٰه سبحانه، والآيات المثبتة لها لغيره، كما في قوله سبحانه حاكياً عن سيدنا المسيح - على نبيّنا وآله و عليه السلام -: «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ اَلطِّينِ كَهَيْئَةِ اَلطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اَللّٰهِ»(1)، وقوله سبحانه: «فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ».(2)
فهذا الصنف من الآيات الذي يسند الخلق إلى غيره سبحانه إذا قورن بالآيات الأُخرى المصرحة بانحصار الخالقية باللّٰه سبحانه، مثل قوله تعالى: «قُلِ اَللّٰهُ خٰالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ اَلْوٰاحِدُ اَلْقَهّٰارُ»(3)، يستنتج أنّ الخالقية
المستقلة غير المستندة إلى شيء سوى ذات الخالق منحصرة باللّٰه سبحانه، وفي الوقت نفسه الخالقية والفاعلية غير المستقلة المفاضة من الواهب سبحانه إلى الأسباب، تعم عباده وجميع الفواعل المدركة وغير المدركة.
وعلى ذلك فكلّ فعل صادر عن فاعل طبيعي أو مدرك كما يعد فعله سبحانه كذلك يعدّ فعلاً للعبد، لكن بنسبتين.
فاللّٰه سبحانه فاعل لها بالتسبيب، وغيره فاعل لها بالمباشرة. فليست ذاته سبحانه مبدأً للحرارة بلا واسطة النار، أو للأكل والمشي بلا واسطة الإنسان، بل الفاعل الذي تصدر عنه هذه الأُمور هو النار والإنسان، ولكن فاعلية كلّ واحد بقدرته وإفاضة الوجود.
وبذلك يتبيّن أنّ أفعال العباد في حال كونها مخلوقة للّٰه، مخلوقة للإنسان أيضاً، فالكلّ خالق لا في عرض واحد، بل فاعلية الثاني في طول فاعلية الأوّل. والبيتان التاليان يلخّصان هذه النظرية:
وكيف فعلنا إلينا فوّضا *** وإنّ ذا تفويض ذاتنا اقتضى
لكن كما الوجود منسوب لنا *** فالفعل فعل اللّٰه وهو فعلنا
وبذلك يتبين أنّ الاعتراف بالمرتبة الثالثة والرابعة من القدر لا يلازم الجبر، بشرط تفسيرهما على النحو الذي تقدّم.(1)***
1) . ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا: «مفاهيم القرآن»: 299/1-334.
ثمّ إنّ هناك رسائل ثلاثاً تعدّ من بدايات علم الكلام في القرن الأوّل تعرب عن آراء متضاربة في استلزام القول بالعلم الإلهي السابق، القول بالجبر وعدمه. فالأمويون على الأوّل وفي مقدّمتهم عمر بن عبد العزيز.
وغيرهم على الثاني كالحسن البصري وأصحابه، نذكر نصّ الرسالتين إحداهما لعمر بن عبد العزيز والأُخرى للحسن، وهما يغنيان عن الرسالة الثالثة للحسن بن محمد بن الحنفية، كما سنذكره.
عرف الأمويون منذ عصر معاوية إلى آخر دولتهم أنّ سلطتهم على الناس لا تبقى إلّامع إذاعة فكرة الجبر بين الأُمّة. وقد أشرنا إلى نماذج من أقوال معاوية فيما سبق، ونضيف في المقام ما نقله القاضي عبد الجبار عن الشيخ أبي علي الجبائي أنّه قال: إنّ أوّل من قال بالجبر وأظهره معاوية، وإنّه أظهر أنّ ما يأتيه بقضاء اللّٰه ومن خلقه، ليجعله عذراً فيما يأتيه ويوهم أنّه مصيب فيه، وأنّ اللّٰه جعله إماماً وولّاه الأمر وفشا ذلك في ملوك بني أُميّة.
وعلى هذا القول قتل هشام بن عبد الملك غيلان رحمه اللّٰه، ثمّ نشأ بعدهم يوسف السمني فوضع لهم القول بتكليف مالا يطاق، وأخذ هذا القول عن ضرير(1)وكان بواسط زنديقاً نبوياً(2)وقال جهم: إنّه لا فعل للعبد. وتبعه ضرار في المعنى، وإن أضاف الفعل إلى العبد وجعله كسباً له وفعلاً وإن كان خلقاً للّٰه عنده.(3)
إنّ الأُمّة الإسلامية في النصف الثاني من القرن الأوّل ومجموع القرنين التاليين كانت تعيش في مأزق حرج بالنسبة إلى العقائد الإسلامية عامة، والجبر والاختيار خاصة، إذ لم تكن العقيدة الإسلامية مدوّنة ولا مضبوطة، وتكفينا في البرهنة على ذلك الرسائل الثلاث التي تعد من أقدم الوثائق التاريخية في مسائل علم الكلام:
الرسالة الأُولى: الرسالة المنسوبة إلى الحسن بن محمد بن الحنفية(1)(المتوفّى حوالي 100 ه) حفيد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، ويستظهر أنّها كتبت بإيحاء من الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (المتوفّى 86 ه) وأنّ تاريخ تأليفها يرجع إلى سنة 73 هجري.
الرسالة الثانية: ما كتبه الحسن البصري (المتوفّى 110 ه) إلى الخليفة نفسه. والرسالتان تقعان على جانبي النقيض، فالأُولى تمثّل فكرة الجبر لكن بصورة ملائمة، والأُخرى تبيّن عقيدة الاختيار والحرية.
الرسالة الثالثة: رسالة الخليفة عمر بن عبد العزيز رداً على قدري
1) . ترجمه ابن سعد في الطبقات الكبرى قائلاً: يكنّى أبا محمد، و كان من ظرفاء بني هاشم وأهل العقل منهم و كان يقدم على أخيه أبي هاشم في الفضل والهيئة، توفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز، ولم يكن له عقب. (الطبقات الكبرى: 328/5).
مجهول الهوية افترض أنّه ينكر العلم الأزلي، ليستريح من عواقب الجبر، فردّ عليه مثبتاً لعلمه القديم، وخرج بالجبر الشديد الذي ربما لا يقع موقع القبول حتى لدى بعض الطوائف الجبرية كالأشاعرة.
ولأجل إيقاف القارئ على الحالة الحرجة التي كان المسلمون يعانون منها، ننشر نص رسالة عمر بن عبد العزيز فإنّها تغني عن الرسالة المنسوبة إلى حفيد الإمام، إذ هما تتحدان مآلاً ونهاية، ونردفها بنشر رسالة الحسن البصري التي تقع منها على جانب النقيض.
غير أنّا نقدم في المقام الخطبة المروية عن الإمام علي عليه السلام حول القضاء والقدر، ثمّ نردفها بكتاب للإمام الحسن المجتبى عليه السلام إلى الحسن البصري عندما سأله عن القدر. وإليك الخطبة:
روى الكليني عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد مرفوعاً قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام جالساً بالكوفة بعد منصرفه من صفين إذ أقبل شيخ فجثا بين يديه(1)، ثمّ قال له: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا إلى أهل الشام أبقضاء من اللّٰه وقدر؟
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: «أجل يا شيخ ما علوتم تلعة(2)ولا هبطتم بطن واد إلّابقضاء من اللّٰه وقدر».
فقال له الشيخ: عند اللّٰه أحتسب عنائي(3)يا أمير المؤمنين؟
فقال له: «مه يا شيخ! فواللّٰه لقد عظّم اللّٰه الأجر في مسيركم وأنتم سائرون، وفي مقامكم وأنتم مقيمون، وفي منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليه مضطرين».
فقال له الشيخ: وكيف لم نكن في شيء من حالاتنا مكرهين ولا إليه مضطرين، وكان بالقضاء والقدر مسيرنا ومنقلبنا ومنصرفنا؟
فقال له: «وتظن أنّه كان قضاء حتماً وقدراً لازماً؟ إنّه لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والأمر والنهي والزجر من اللّٰه، وسقط معنى الوعد والوعيد، فلم تكن لائمة للمذنب، ولا محمدة للمحسن، ولكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، ولكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان وخصماء الرحمن وحزب الشيطان وقدرية هذه الأُمّة ومجوسها.
إنّ اللّٰه تبارك وتعالى كلّف تخييراً، ونهى تحذيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يملك مفوضاً، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً، ولم يبعث النبيين مبشرين ومنذرين عبثاً، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار».
فأنشأ الشيخ يقول:
أنت الإمام الذي نرجو بطاعته *** يوم النجاة من الرحمن غفراناً
أوضحت من أمرنا ما كان ملتبساً *** جزاك ربّك بالإحسان إحساناً(1)
وقال الرضي: ومن كلام له عليه السلام للسائل الشامي لما سأله: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من اللّٰه وقدر؟ بعد كلام طويل هذا مختاره:
ويحك! لعلك ظننت قضاء لازماً، وقدراً حاتماً! ولو كان ذلك كذلك
1) . الكافي: 155/1-156، كتاب التوحيد، باب الجبر والقدر
لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد. وإنّ اللّٰه سبحانه أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الأنبياء لعباً، ولم ينزل الكتاب للعباد عبثاً، ولا خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلاً: «ذٰلِكَ ظَنُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ اَلنّٰارِ»(1).(2)روى هذا النصّ من الإمام مشايخ الحديث في القرن الثالث والرابع منهم:
ثقة الإسلام الكليني (حوالي 250-329 ه) في جامعه «الكافي» ج 1، ص 155 بسند مرفوع.
الصدوق (306-381 ه) في توحيده ص 273، و في عيون أخبار الرضا، ج 1، ص 138 بأسانيد ثلاثة.
أبو محمد الحسن بن علي الحسيني بن شعبة الحرّاني الذي يروي عن أبي علي محمد بن الهمام الإسكافي الذي (توفّي عام 336 ه) فالرجل من أعلام أواسط القرن الرابع.
الشيخ المفيد (336-413 ه) في كتابه «العيون والمحاسن» ص 40.
الشريف الرضي جامع نهج البلاغة (359-406 ه).
وهؤلاء أساتذة الحديث عند الشيعة لا يمتون للاعتزال ولا للمعتزلة بصلة، بل يصارعونهم في كثير من المسائل والمبادئ، ولبعضهم ردود على المعتزلة في بعض المجالات، كما ستوافيك أسماؤها في الجزء الثالث من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد المعتزلة، وبعد هذا لا يصحّ تقوّل بعض المتحذلقين كالدكتور علي سامي النشار حيث رأى أنّ هذا النصّ موضوع على لسان علي عليه السلام ببراعة نادرة يرى فيه محاكاة ممتازة بأسلوب علي عليه السلام بحجة أنّه ورد فيه جميع المصطلحات المعتزلية.(1)يلاحظ عليه: أنّ الكاتب لم يتحمّل جهد التتبّع حتى يقف على مصادر الحديث في كتب الشيعة في القرن الثالث والرابع، فألقى الكلام على عواهنه فحكم بوضع النصّ، وقد عرفت وجوده في كتب الشيعة الذين كانوا هم والمعتزلة متصارعين، وأمّا ما تمسّك به من وجود مصطلحات المعتزلة في الكلام فهو ناشئ عن عدم إلمام الرجل بتاريخ تكوّن المعتزلة فإنّهم أخذوا أكثر مبادئهم من خطب الإمام علي عليه السلام في التوحيد والعدل، مضافاً إلى أنّ «عطاء بن واصل» مؤسس المنهج تتلمذ على يد «أبي هاشم» ولد «محمد بن الحنفية»، وهو أخذ عقائده عن أبيه، وهو عن علي عليه السلام، و هذا شيء قطعي في التاريخ، ولا ينكره إلّاالمتعصّب، وهو ممّا تعترف به أئمّة
1) . نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: 412/1.
الاعتزال، كما سيوافيك نصوصهم في الجزء الثالث إن شاءاللّٰه.
إنّ مسألة القضاء والقدر و كون الإنسان مخيّراً أو مسيّراً ليست من المسائل التي طرحتها المعتزلة بل من المسائل القديمة التي كانت مطروحة عند جميع الأُمم، و قد عرفت عقيدة المشركين المعاصرين للنبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم كما عرفت بعض الأحاديث المروية عن الخلفاء حول القدر والجبر، فلو كان وجود تلك المصطلحات شاهداً على وضع النص، فليكن ذلك شاهداً على كون أحاديث القدر بأجمعها موضوعة لاشتمالها على مصطلحات لم تكن موجودة في عصر الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم.
والعجب العجاب أنّ الدكتور ينكر النص، ولكنّه يصحح روايات أبي هريرة ويقول: وقد أكثر حقاً من روايات الحديث لكثرة ملازمة الرسول.(1)ولا أظن أنَّ من درس تاريخ حياة أبي هريرة يوافق الدكتور في هذا الرأي، فإنّه أسلم بعد خيبر وما أدرك من حياة الرسول إلّاسنتين وبضعة أشهر، ومع ذلك فهوأكثر الصحابة حديثاً!!
فيفوق عدد أحاديثه أحاديث عائشة وعلي عليه السلام، مع أنّ عليّاً عليه السلام عاش في كنف النبي صلى الله عليه و آله و سلم من لدن ولادته إلى أن لبّى الرسول دعوة ربّه، فمرويات الإمام في الصحاح والمسانيد حوالي خمسمائة حديثاً و مرويات أبي هريرة تناهز خمسة آلاف حديث!!
1) . المصدر السابق: 285/1.
إلى الحسن البصري
كتب الحسن بن أبي الحسن البصري(1)إلى أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام: أما بعد فإنّكم معشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة والأعلام النيرة الشاهرة، أو كسفينة نوح عليه السلام التي نزلها المؤمنون ونجا فيها المسلمون، كتبت إليك يابن رسول اللّٰه عند اختلافنا في القدر وحيرتنا في الاستطاعة، فأخبرنا بالذي عليه رأيك ورأي آبائك عليهم السلام. فإنّ من علم اللّٰه علمكم وأنتم شهداء على الناس واللّٰه الشاهد عليكم، ذرّية بعضها من بعض، واللّٰه سميع عليم.
فأجابه الحسن عليه السلام: «بسم اللّٰه الرحمن الرّحيم وصل إلي كتابك، ولولا ما ذكرته من حيرتك وحيرة من مضى قبلك إذاً ما أخبرتك، أمّا بعد: فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره، [و] أنّ اللّٰه يعلمه فقد كفر، ومن أحال المعاصي على اللّٰه فقد فجر، إنّ اللّٰه لم يطع مكرهاً ولم يعص مغلوباً ولم يهمل العباد
1) . هو الحسن بن يسار، مولى زيد بن ثابت، أخو سعيد وعمارة، المعروف بالحسن البصري، مات سنة 110 ه، وله تسع وثمانون سنة.
سدى من المملكة، بل هو المالك لما ملكهم والقادر على ما عليه أقدرهم، بل أمرهم تخييراً، ونهاهم تحذيراً، فإن ائتمروا بالطاعة لم يجدوا عنها صاداً، وإن انتهوا إلى معصية فشاء أن يمن عليهم بأن يحول بينهم وبينها فعل، وإن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبراً ولا أُلزموها كرهاً، بل منّ عليهم بأن بصّرهم وعرّفهم وحذّرهم وأمرهم ونهاهم لا جبلاً لهم على ما أمرهم به فيكونوا كالملائكة، ولا جبراً لهم على ما نهاهم عنه وللّٰه الحجّة البالغة، فلو شاء لهداكم أجمعين، والسلام على من اتّبع الهدى».(1)
1) . تحف العقول: 231؛ ورواه المجلسي في البحار: 136/10؛ وأيضاً رواه الكراجكي في كنز الفوائد: 170 الطبعة الأُولى، بأدنى اختلاف في اللفظ.
في الرد على القدرية(1)حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق السراج، ثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، ثنا محمد بن بكر البرساني، ثنا سليم بن نفيع القرشي، عن خلف أبي الفضل القرشي، عن كتاب عمر بن عبد العزيز:
إلى النفر الذين كتبوا إليّ بما لم يكن لهم بحق في ردّ كتاب اللّٰه، وتكذيبهم بأقداره النافذة في علمه السابق الذي لا حدّ له إلّااللّٰه وليس لشيء مخرج منه، وطعنهم في دين اللّٰه و سنّة رسوله القائمة في أُمّته.
أمّا بعد، فإنّكم كتبتم إليّ بما كنتم تستترون فيه قبل اليوم في ردّعلم اللّٰه والخروج منه إلى ما كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم يتخوّفه على أُمّته من التكذيب بالقدر.
وقد علمتم أنَّ أهل السنّة كانوا يقولون: الاعتصام بالسنّة نجاة،
1) . نقلها أبو نعيم الإصبهاني في كتابه «حلية الأولياء»: 346/5-353 في ترجمة عمر بن عبد العزيز. ونحن ننقلها عمّا نشره «المعهد الألماني للأبحاث الشرقية» تحت عنوان «بدايات علم الكلام» عام النشر 1977 م.
وسينقص العلم نقصاً سريعاً، وقول عمر بن الخطاب وهو يعظ الناس: «إنّه لا عذر لأحد عند اللّٰه بعد البيّنة بضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة. قد تبيّنت الأُمور وثبتت الحجة وانقطع العذر» فمن رغب عن أنباء النبوة وما جاء به الكتاب تقطعت من يديه أسباب الهدى ولم يجد له عصمة ينجو بها من الردى.
وإنّكم ذكرتم أنّه بلغكم أنّي أقول: إنّ اللّٰه قد علم ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون، فأنكرتم ذلك عليّ وقلتم: إنّه ليس يكون ذلك من اللّٰه في علم حتى يكون ذلك من الخلق عملاً.
فكيف ذاك كما قلتم؟! واللّٰه يقول: «إِنّٰا كٰاشِفُوا اَلْعَذٰابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عٰائِدُونَ»(1)يعني العائدين في الكفر، وقال: «وَ لَوْ رُدُّوا لَعٰادُوا لِمٰا نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكٰاذِبُونَ».(2)6. فزعمتم بجهلكم في قول اللّٰه: «فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ»(3)أنّ المشيئة في أي ذلك أحببتم، إليكم من ضلالة أو هدى.
واللّٰه يقول: «وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلاّٰ أَنْ يَشٰاءَ اَللّٰهُ رَبُّ اَلْعٰالَمِينَ»(4)، فبمشيئة اللّٰه لهم شاءوا، لو لم يشأ لم ينالوا بمشيئتهم من طاعته شيئاً، قولاً ولا عملاً، لأنّ اللّٰه لم يملّك العباد ما بيده و لم يفوّض إليهم ما يمنعه من رسله. فقد حرصت الرسل على هدى الناس جميعاً، فما اهتدى منهم إلّا من
هداه اللّٰه؛ ولقد حرص إبليس على ضلالتهم جميعاً، فما ضلّ منهم إلّامن كان في علم اللّٰه ضالاً.
وزعمتم بجهلكم أنّ علم اللّٰه ليس بالذي يضطر العباد إلى ما عملوا من معصيته ولا بالذي يصدّهم عمّا تركوا من طاعته، ولكنّه بزعمكم كما علم أنّهم سيعملون بمعصيته، كذلك علم أنّهم سيستطيعون تركها.
فجعلتم علم اللّٰه لغواً، تقولون: لو شاء العبد لعمل بطاعة اللّٰه وإن كان في علم اللّٰه أنّه غير عامل بها، ولو شاء ترك معصيته وإن كان في علم اللّٰه أنّه غير تارك لها، فأنتم إذا شئتم أصبتموه وكان علماً، وإذا شئتم رددتموه وكان جهلاً، وإن شئتم أحدثتم من أنفسكم علماً ليس في علم اللّٰه، وقطعتم به علم اللّٰه عنكم، وهذا ما كان ابن عباس يعده للتوحيد نقضاً، وكان يقول: «إنّ اللّٰه لم يجعل فضله ورحمته هملاً بغير قسم ولا احتظار، ولم يبعث رسله بإبطال ما كان في سابق علمه» فأنتم تقرّون بالعلم في أمر وتنقضونه في آخر، واللّٰه يقول: «... يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لاٰ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّٰ بِمٰا شٰاءَ...».(1)فالخلق صائرون إلى علم اللّٰه ونازلون عليه وليس بينه شيء هو كائن حجاب يحجبه عنه ولا يحول دونه، إنّه عليم حكيم.
وقلتم: لو شاء لم يعذب بعمل.
فأخبر أنّهم عاملون قبل أن يعملوا وأخبر أنّه معذّبهم قبل أن يخلقوا.
وتقولون أنتم إنّهم لو شاءوا خرجوا من علم اللّٰه في عذابهم إلى ما لم يعلم من رحمته لهم.
ومن زعم ذلك فقد عادى كتاب اللّٰه بالرد. ولقد سمّى اللّٰه رجالاً من الرسل بأسمائهم وأعمالهم في سابق علمه، فما استطاع آباؤهم لتلك الأسماء تغييراً، وما استطاع إبليس بما سبق لهم في علمه من الفضل تبديلاً، فقال: «وَ اُذْكُرْ عِبٰادَنٰا إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي اَلْأَيْدِي وَ اَلْأَبْصٰارِ * إِنّٰا أَخْلَصْنٰاهُمْ بِخٰالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدّٰارِ»(1)، فاللّٰه أعزّ في قدرته وأمنع من أن يملك أحداً إبطال علمه في شيء من ذلك، فهو المسمّي لهم بوحيه الذي «لاٰ يَأْتِيهِ اَلْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاٰ مِنْ خَلْفِهِ»(2)، أو أن يشرك في خلقه أحداً، أو أن يدخل في رحمته من قد أخرجه منها، أو أن يخرج منها من قد أدخله فيها. ولقد أعظم باللّٰه الجهل من زعم أنّ العلم كان بعد الخلق، بل لم يزل اللّٰه وحده بكلّ شيء عليماً وعلى كلّ شيء شهيداً قبل أن يخلق شيئاً، وبعد ما خلق لم ينقص علمه في بدئهم ولم يزد بعد أعمالهم، ولا بحوائجه التي قطع بها دابر ظلمهم، ولم يملك إبليس هدى نفسه ولا ضلالة غيره. وقد أردتم بقذف مقالتكم إبطال علم اللّٰه في خلقه وإهمال عبادته، وكتاب اللّٰه قائم بنقض بدعتكم وإفراط قذفكم. ولقد علمتم أنّ اللّٰه بعث رسوله والناس يومئذٍ أهل شرك، فمن أراد اللّٰه له الهدى لم تحل ضلالته الّتي كان فيها دون إرادة اللّٰه له، ومن لم يرد اللّٰه له الهدى تركه في
الكفر ضالاً فكانت ضلالته أولى به من هداه.
فزعمتم أنّ اللّٰه أثبت في قلوبكم الطاعة والمعصية، فعملتم بقدرتكم بطاعته وتركتم بقدرتكم معصيته، وإنّ اللّٰه خلو من أن يكون يختص أحداً برحمته أو يحجز أحداً عن معصيته.
وزعمتم أنّ الشيء الذي يقدر إنّما هو عندكم اليسر والرخاء والنعمة وأخرجتم منه الأعمال.
وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من اللّٰه ضلالة أو هدى أو أنّكم الذين هديتم أنفسكم من دون اللّٰه، وأنّكم الذين حجزتموها عن المعصية بغير قوة من اللّٰه ولا إذن منه.
فمن زعم ذلك فقد غلا في القول، لأنّه لو كان شيء لم يسبق في علم اللّٰه وقدره لكان للّٰه في ملكه شريك ينفذ مشيئته في الخلق من دون اللّٰه واللّٰه يقول: «حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمٰانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ»(1)وهم له قبل ذلك كارهون، «وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ اَلْكُفْرَ وَ اَلْفُسُوقَ وَ اَلْعِصْيٰانَ»(2)وهم له قبل ذلك محبون وما كانوا على شيء من ذلك لأنفسهم بقادرين. ثمّ أخبرنا بما سبق لمحمّد صلى الله عليه و آله و سلم من الصلاة عليه والمغفرة له ولأصحابه فقال:
«أَشِدّٰاءُ عَلَى اَلْكُفّٰارِ رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ»(3)وقال: «لِيَغْفِرَ لَكَ اَللّٰهُ مٰا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ مٰا تَأَخَّرَ»(4)، فكرماً غفرها اللّٰه له قبل أن يعملها ثمّ أخبرنا بما هم عاملون قبل
أن يعملوا وقال: «تَرٰاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اَللّٰهِ وَ رِضْوٰاناً»(1). فضلاً سبق لهم من اللّٰه قبل أن يخلقوا ورضواناً عنهم قبل أن يؤمنوا.
وتقولون أنتم إنّهم قد كانوا ملكوا ردّ ماأخبر اللّٰه عنهم أنّهم عاملون وإنّ إليهم أن يقيموا على كفرهم مع قوله، فيكون الذي أرادوا لأنفسهم من الكفر مفعولاً ولا يكون لوحي اللّٰه فيما اختار تصديقاً.
بل «فَلِلّٰهِ اَلْحُجَّةُ اَلْبٰالِغَةُ»(2)و (هي) في قوله: «لَوْ لاٰ كِتٰابٌ مِنَ اَللّٰهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمٰا أَخَذْتُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ»(3)، فسبق لهم العفو من اللّٰه فيما أخذوا قبل أن يؤذن لهم.
وقلتم: لو شاءوا خرجوا من علم اللّٰه في عفوه عنهم إلى ما لم يعلم من تركهم لما أخذوا.
فمن زعم ذلك فقد غلا و كذب، و لقد ذكر بشراً كثيراً هم يومئذٍ في أصلاب الرجال وأرحام النساء فقال: «وَ آخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّٰا يَلْحَقُوا بِهِمْ»(4)، «وَ اَلَّذِينَ جٰاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنٰا وَ لِإِخْوٰانِنَا اَلَّذِينَ سَبَقُونٰا بِالْإِيمٰانِ»(5)، فسبقت لهم الرحمة من اللّٰه قبل أن يخلقوا والدعاء لهم بالمغفرة ممّن لم يسبقهم بالإيمان من قبل أن يدعوا.
ولقد علم العالمون باللّٰه أنّ اللّٰه لا يشاء أمراً فيحول مشيئته غيره
دون بلاغ ما شاء، ولقد شاء لقوم الهدى فلم يضلّهم أحد وشاء إبليس لقوم الضلالة فاهتدوا. فقال لموسى وأخيه: «اِذْهَبٰا إِلىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغىٰ * فَقُولاٰ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشىٰ»(1)، وموسى في سابق علمه أنّه يكون لفرعون عدواً وحزناً فقال: «وَ نُرِيَ فِرْعَوْنَ وَ هٰامٰانَ وَ جُنُودَهُمٰا مِنْهُمْ مٰا كٰانُوا يَحْذَرُونَ».(2)
فتقولون أنتم: لو شاء فرعون كان لموسى ولياً وناصراً، واللّٰه يقول: «لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً»(3). وقلتم: لو شاء فرعون لامتنع من الغرق واللّٰه يقول: «إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ»(4). فثبت ذلك عنده في وحيه في ذكر الأوّلين، كما قال في سابق علمه لآدم قبل أن يخلقه: «إِنِّي جٰاعِلٌ فِي اَلْأَرْضِ خَلِيفَةً»(5)، فصار إلى ذلك بالمعصية التي ابتلي بها، وكما كان إبليس في سابق علمه أنّه سيكون «مَذْمُوماً مَدْحُوراً»(6)وصار إلى ذلك بما ابتلي به من السجود لآدم فأبى، فتلقى آدم بالتوبة فرحم و تلقى إبليس باللعنة فغوى، ثمّ أهبط آدم إلى ما خلق له من الأرض مرحوماً متوباً عليه، وأهبط إبليس بنظرته مدحوراً مسخوطاً عليه.
وقلتم أنتم: إنّ إبليس وأولياءه من الجنّ قد كانوا ملكوا ردّ علم اللّٰه والخروج من قسمه الذي أقسم به، إذ قال: «فَالْحَقُّ وَ اَلْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ
جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ»(1)حتّى لا ينفذ له علم إلّابعد مشيئتهم.
فماذا تريدون بهلكة أنفسكم في ردّ علم اللّٰه؟ فإنّ اللّٰه جلّوعلا لم يشهدكم خلق أنفسكم، وكيف يحيط جهلكم بعلمه؟ وعلم اللّٰه ليس بمقصر عن شيء هو كائن، ولا يسبق علمه في شيء فيقدر أحد على ردّه. ولو كنتم تنتقلون في كلّ ساعة من شيء إلى شيء هو كائن، لكانت مواقعكم عنده. ولقد علمت الملائكة قبل خلق آدم ما هو كائن من العباد في الأرض (من الفساد) وسفك الدماء فيها، وما كان لهم في الغيب من علم، فكان في علم اللّٰه الفساد وسفك الدماء، وما قالوه تخرصاً إلّابتعليم العليم الحكيم لهم فظن ذلك منهم، وأنطقهم به.
فأنكرتم أنّ اللّٰه أزاغ قوماً قبل أن يزيغوا وأضلّ قوماً قبل أن يضلّوا.
وهذا ممّا لا يشك فيه المؤمنون باللّٰه: إنّ اللّٰه قد عرف قبل أن يخلق العباد مؤمنهم من كافرهم وبرهم من فاجرهم. وكيف يستطيع عبد هو عند اللّٰه مؤمن أن يكون كافراً أو هو عند اللّٰه كافر أن يكون مؤمناً؟ واللّٰه يقول: «أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّٰاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي اَلظُّلُمٰاتِ لَيْسَ بِخٰارِجٍ مِنْهٰا»(2). فهو في الضلالة ليس بخارج منها أبداً إلّابإذن اللّٰه.
ثمّ آخرون «اتّخذوا» من بعد الهدى «عِجْلاً جَسَداً»(3)فضلّوا به،
فعفا عنهم لعلّهم يشكرون، فصاروا «مِنْ قَوْمِ مُوسىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ»(1)وصاروا إلى ما سبق لهم. ثمّ ضلّت ثمود بعد الهدى فلم يعف عنهم ولم يرحموا، فصاروا في علمه إلى «صَيْحَةً وٰاحِدَةً فَإِذٰا هُمْ خٰامِدُونَ»(2)، فنفذوا إلى ما سبق لهم، لأنّ صالحاً رسولهم وأنّ الناقة «فِتْنَةً لَهُمْ»(3)وأنّه مميتهم كفّاراً، فعقروها.
وكان إبليس فيما كانت فيه الملائكة من التسبيح والعبادة فابتلي فعصى فلم يرحم، وابتلي آدم فعصى فرحم. وهمّ آدم بالخطيئة فنسي، وهمّ يوسف بالخطيئة فعصم، فأين كانت الاستطاعة عند ذلك؟ هل كانت تغني شيئاً فيما كان من ذلك حتى لا يكون، أو تغني فيما لم يكن حتى يكون، فنعرف لكم بذلك حجّة؟ بل اللّٰه أعزّممّا تصفون وأقدر.
وأنكرتم أن يكون سبق لأحد من اللّٰه ضلالة أو هدى، وإنّما علمه بزعمكم حافظ وإنّ المشيئة في الأعمال إليكم، إن شئتم أحببتم الإيمان فكنتم من أهل الجنة. ثمّجعلتم بجهلكم حديث رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم الذي جاء به أهل السنّة - و هو مصدق للكتاب المنزل - أنّه من ذنب مُضاهٍ ذنباًخبيثاً، في قول النبي صلى الله عليه و آله و سلم حين سأله عمر: «أرأيت ما نعمل أشيء قد فرغ منه أم شيء نأتنفه؟ فقال عليه السلام: «بل شيء قد فرغ منه». فطعنتم بالتكذيب له، وتعليم من اللّٰه في علمه إذ قلتم: إن كنّا لا نستطيع الخروج منه فهو الجبر. والجبر عندكم الحيف.
فسمّيتم نفاذ علم اللّٰه في الخلق حيفاً.
وقد جاء الخبر أنّ اللّٰه خلق آدم فنثر ذريّته في يده فكتب أهل الجنّة وما هم عاملون، وكتب أهل النار وما هم عاملون. وقال سهل بن حنيف يوم صفين: أيّها الناس، اتهموا رأيكم على دينكم، فوالذي نفسي بيده، لقد رأيتنا يوم أبي جندل ولو نستطيع رد أمر رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لرددناه. واللّٰه ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلّاأسهلت بنا على أمر نعرفه قبل أمركم هذا.
ثمّ أنتم بجهلكم قد أظهرتم دعوة حقّ على تأويل باطل تدعون الناس إلى ردّ علم اللّٰه فقلتم: الحسنة من اللّٰه والسيّئة من أنفسنا؛ وقال أئمّتكم وهم أهل السنّة: الحسنة من اللّٰه في قدر سبق، والسيّئة من أنفسنا في علم قد سبق.
فقلتم: لا يكون ذلك حتّى يكون بدؤها من أنفسنا كما بدء السيّئة من أنفسنا.
وهذا رد الكتاب منكم ونقض الدين، وقد قال ابن عباس رضي اللّٰه عنه حين نجم القول في القدر: هذا أوّل شرك هذه الأُمّة، واللّٰه، ما ينتهي بهم سوء رأيهم حتّى يخرجوا اللّٰه من أن يكون قدر خيراً كما أخرجوه من أن يكون قدر شراً.
أنتم تزعمون بجهلكم أنّ من كان في علم اللّٰه ضالاً فاهتدى، فهو بما ملك ذلك حتّى كان في هداه ما لم يكن اللّٰه علمه فيه، وأنّ من شرح صدره للإسلام
فهو ممّا فوض إليه قبل أن يشرحه اللّٰه له، وأنّه إن كان مؤمناً فكفر فهو ممّا شاء لنفسه وملك من ذلك لها وكانت مشيئته في كفره أنفذ من مشيئة اللّٰه في إيمانه.
بل أشهد أنّه من عمل حسنة فبغير معونة كانت من نفسه عليها، وأنّ من عمل سيئة فبغير حجّة كانت له فيها، وأنّ الفضل بيد اللّٰه يؤتيه من يشاء، وأنّ اللّٰه لو أراد أن يهدي الناس جميعاً لنفذ أمره فيمن ضلّحتّى يكون مهتدياً.
فقلتم: بمشيئته شاء لكم تفويض الحسنة إليكم وتفويض السيئة، ألقى عنكم سابق علمه في أعمالكم وجعل مشيئته تبعاً لمشيئتكم.
ويحكم، فواللّٰه، ما أمضى لبني إسرائيل مشيئتهم حين أبوا أن يأخذوا ما آتاهم بقوّة حتى نتق «اَلْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ»(1). فهل رأيتموه أمضى مشيئة لمن كان قبلكم في ضلالته حين أراد هداه حتى صار إلى أن أدخله بالسيف في الإسلام كرهاً بموقع علمه بذلك فيه؟ أم هل أمضى لقوم يونس مشيئتهم حين أبوا أن يؤمنوا حتى أظلَّهم العذاب فآمنوا و قبل منهم، ورد على غيرهم الإيمان فلم يقبل منهم. وقال: «فَلَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا قٰالُوا آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنٰا بِمٰا كُنّٰا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمٰانُهُمْ لَمّٰا رَأَوْا بَأْسَنٰا سُنَّتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبٰادِهِ»(2)أي علم اللّٰه الذي قد خلا في
خلقه «وَ خَسِرَ هُنٰالِكَ اَلْكٰافِرُونَ»(1)، وذلك كان موقعهم عنده أن يهلكوا بغير قبول منهم، بل الهدى والضلالة والكفر والإيمان والخير والشر بيد اللّٰه يهدي من يشاء ويذر من يشاء «فِي طُغْيٰانِهِمْ يَعْمَهُونَ»(2). كذلك قال إبراهيم عليه السلام: «رَبِّ... وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنٰامَ»(3)، قال: «رَبَّنٰا وَ اِجْعَلْنٰا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِنٰا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ»(4)، أي إنّ الإيمان والإسلام بيدك وإنّ عبادة من عبد الأصنام بيدك، فأنكرتم ذلك وجعلتموه ملكاً بأيديكم دون مشيئة اللّٰه عزّوجلّ.
وقلتم في القتل إنّه بغير أجل.
وقد سمّاه اللّٰه لكم في كتابه فقال ليحيى: «وَ سَلاٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَ يَوْمَ يَمُوتُ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا»(5)فلم يمت يحيى إلّابالقتل، وهو موت كما مات من قتل شهيداً أو قتل خطأ كما مات بمرض أو بفجأة، كلّ ذلك موت بأجل استوفاه ورزق استكمله وأثر بلغه ومضجع برز إليه، «وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّٰ بِإِذْنِ اَللّٰهِ كِتٰاباً مُؤَجَّلاً»(6)ولا تموت نفس ولها في الدنيا عمر ساعة إلّابلغته ولا موضع قدم إلّاوطئته ولا مثقال حبة من رزق إلّااستكملته ولا مضجع حيث كان إلّابرزت إليه، يصدق ذلك قول اللّٰه عزّوجلّ «قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَ تُحْشَرُونَ إِلىٰ جَهَنَّمَ»(7)، فأخبر اللّٰه بعذابهم
بالقتل في الدنيا وفي الآخرة بالنار وهم أحياء بمكة.
وتقولون أنتم: إنّهم قد كانوا ملكوا رد علم اللّٰه في العذابين الذين أخبر اللّٰه ورسوله أنّهما نازلان بهم.
فقال: «ثٰانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اَللّٰهِ لَهُ فِي اَلدُّنْيٰا خِزْيٌ»(1)يعني القتل يوم بدر «وَ نُذِيقُهُ يَوْمَ اَلْقِيٰامَةِ عَذٰابَ اَلْحَرِيقِ»(2)، فانظروا إلى ما أرداكم فيه رأيكم كتاباً سبق في علمه بشقائكم إن لم يرحمكم.
ثمّ قول رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «بني الإسلام على ثلاثة أعمال: الجهاد ماض منذ يوم بعث اللّٰه رسوله إلى يوم تقوم فيه عصابة من المؤمنين يقاتلون الدجّال لا ينقض ذلك جور جائر ولا عدل عادل، والثانية: أهل التوحيد لا تكفروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك ولا تخرجوهم من الإسلام بعمل، والثالثة: المقادير كلّها خيرها وشرها من قدر اللّٰه». فنقضتم من الإسلام جهاده، وجرّدتم شهادتكم على أُمّتكم بالكفر وبرئتم منهم ببدعتكم، وكذبتم بالمقادير كلّها والآجال والأعمال والأرزاق، فما بقيت في أيديكم خصلة بني الإسلام عليها إلّانقضتموها وخرجتم منها.
هذه رسالة عمر بن عبد العزيز إلى بعض القدريين مجهولي الهوية، وقد نسب إليهم إنكار علمه الأزلي في أفعال العباد، ومصائرهم، ونحن نتبرّأ
ممّن ينكر علمه الوسيع المحيط بكلّ شيء، ونؤمن بما قاله سبحانه:
«وَ لاٰ رَطْبٍ وَ لاٰ يٰابِسٍ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ».(1)وقوله سبحانه: «مٰا أَصٰابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاٰ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّٰ فِي كِتٰابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهٰا إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى اَللّٰهِ يَسِيرٌ».(2)ولكن نتبرّأ من كلّ من جعل علمه السابق ذريعة إلى نسبة الجبر إلى اللّٰه سبحانه، ونؤمن بأنّ علمه السابق المحيط لا يكون مصدراً لكون العباد مجبورين في مصائرهم وأنّهم يعملون ويفعلون، ويختارون بمشيئتهم التي منحها اللّٰه لهم في حياتهم، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيّ عن بيّنة.
فمنكر علمه السابق المحيط بكلّ شيء ضالّ مضلّ، ومن استنتج منه الجبر مثله في الضلالة والغواية، عصمنا اللّٰه جميعاً من الزلّة، والعثرة في العلم والعمل.
ولأجل أن يقف القارئ الكريم على أنّه كان في تلك العصور الحرجة رجال من أهل السنّة يذهبون إلى غير ما ذهب إليه أصحاب السلطة الأمويون ننشر رسالة الحسن البصري في ذلك المجال، وهي رسالة قيمة.(3)
قال القاضي عبد الجبار: المشهور أنّ عبد الملك بن مروان كاتبه بأنّه قد بلغنا عنك من وصف القدر ما لم يبلغنا عن أحد من الصحابة، فاكتب بقولك إلينا في هذا الكتاب، فكتب إليه:
بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم
سلام عليك
أمّا بعد: فإنّ الأمير أصبح في قليل من كثير مضوا، والقليل من أهل الخير مغفول عنهم، و قديماً قد أدركنا السلف الذين قاموا بأمر اللّٰه، واستنّوا بسنّة رسوله، فلم يبطلوا حقاً، ولا ألحقوا بالرب تعالى إلّاما ألحق بنفسه، ولا يحتجون إلّابما احتج اللّٰه تعالى به على خلقه بقوله الحقّ: «وَ مٰا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَ اَلْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ»(1). ولم يخلقهم لأمر ثمّ حال بينهم و بينه، لأنّه تعالى ليس بظلام للعبيد ولم يكن في السلف من ينكر ذلك ولا يجادل فيه، لأنّهم كانوا على أمر واحد متسق.(2)وإنّما أحدثنا الكلام فيه، حيث أحدث الناس
النكرة له، فلمّا أحدث المحدثون في دينهم ما أحدثوه، أحدث المتمسّكون بكتابه ما يبطلون به المحدثات، ويحذرون به من المهلكات.
وذكر: إنّ الذي أوقعهم فيه تشتت الأهواء، وترك كتاب اللّٰه تعالى، ألم تر إلى قوله: «قُلْ هٰاتُوا بُرْهٰانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ»(1). فافهم أيّها الأمير ما أقوله، فإنّ ما نهى اللّٰه عنه فليس منه، لأنّه لا يرضى ما يسخط، وهو من العباد، فإنّه تعالى يقول: «وَ لاٰ يَرْضىٰ لِعِبٰادِهِ اَلْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ».(2)فلو كان الكفر من قضائه وقدره، لرضي به ممّن عمله، وقال تعالى: «وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلاّٰ تَعْبُدُوا إِلاّٰ إِيّٰاهُ»(3)؟! وقال: «وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدىٰ»(4)ولم يقل والذي قدّر فأضل، لقد أحكم اللّٰه آياته وسنّة نبيّه عليه السلام فقال: «قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمٰا أَضِلُّ عَلىٰ نَفْسِي وَ إِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِمٰا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي»(5). وقال: «اَلَّذِي أَعْطىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدىٰ»(6). ولم يقل ثمّ أضل، وقال:
«إِنَّ عَلَيْنٰا لَلْهُدىٰ»(7)، ولم يقل إنّ علينا للضلال ولا يجوز أن ينهى العباد عن شيء في العلانية، ويقدره عليهم في السر، ربّنا أكرم من ذلك وأرحم ولو كان الأمر كما يقول الجاهلون ما كان تعالى يقول: «اِعْمَلُوا مٰا شِئْتُمْ»(8). ولقال: اعملوا ما قدرت عليكم، وقال: «لِمَنْ شٰاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ
يَتَأَخَّرَ»(1). لأنّه جعل فيهم من القوّة ذلك لينظر كيف يعملون، ولو كان الأمر كما قاله المخطئون، لما كان إليهم أن يتقدّموا ولا يتأخّروا، ولا كان لمتقدم حمد فيما عمل، ولا على متأخّر لوم، ولقال: جزاء بما عمل بهم، ولم يقل جزاء بما عملوا وبما كسبوا، وقال تعالى:
«وَ نَفْسٍ وَ مٰا سَوّٰاهٰا * فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا».(2)أي بيّن لها ما تأتي و ما تذر ثمّ قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّٰاهٰا * وَ قَدْ خٰابَ مَنْ دَسّٰاهٰا».(3)فلو كان هو الذي دسّاها ما كان ليخيب نفسه، تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً، وقوله تعالى: «رَبَّنٰا مَنْ قَدَّمَ لَنٰا هٰذٰا فَزِدْهُ عَذٰاباً ضِعْفاً فِي اَلنّٰارِ».(4)
فلو كان اللّٰه هو الذي قدّم لهم الشر، ما قال ذلك، وقال تعالى: «رَبَّنٰا إِنّٰا أَطَعْنٰا سٰادَتَنٰا وَ كُبَرٰاءَنٰا فَأَضَلُّونَا اَلسَّبِيلاَ»(5). فالكبراء أضلّوهم دون اللّٰه تعالى، بل قال تعالى: «إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ اَلسَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً»(6)«وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ»(7). وقال: «وَ أَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَ مٰا هَدىٰ».(8)وقال تعالى: «وَ مٰا أَضَلَّنٰا إِلاَّ اَلْمُجْرِمُونَ»(9). «وَ أَضَلَّهُمُ اَلسّٰامِرِيُّ»(10). «إِنَّ اَلشَّيْطٰانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ»(11). «فَزَيَّنَ لَهُمُ اَلشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ».(12)و قال:
«وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمىٰ عَلَى اَلْهُدىٰ»(1)فكان بدو الهدى من اللّٰه واستحبابهم العمى بأهوائهم وظلم آدم نفسه، ولم يظلمه ربّه فقال: «رَبَّنٰا ظَلَمْنٰا أَنْفُسَنٰا»(2). وقال موسى: «هٰذٰا مِنْ عَمَلِ اَلشَّيْطٰانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ»(3). فغواه أهل الجهل وقالوا: «فَإِنَّ اَللّٰهَ يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ»(4)ولِمَ لم ينظروا إلى ما قبل الآية وما بعدها، ليبيّن لهم أنّه تعالى لا يضلّ إلّابتقدّم الكفر والفسق، كقوله تعالى: «وَ يُضِلُّ اَللّٰهُ اَلظّٰالِمِينَ»(5). وقوله: «فَلَمّٰا زٰاغُوا أَزٰاغَ اَللّٰهُ قُلُوبَهُمْ»(6). «وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ اَلْفٰاسِقِينَ» (7).
وبين الحسن في كلامه الوعيد، فقال: إنّه تعالى قال: «أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ اَلْعَذٰابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي اَلنّٰارِ»(8). وقال: «كَذٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى اَلَّذِينَ فَسَقُوا».(9)وقال تعالى: «اُدْخُلُوا فِي اَلسِّلْمِ كَافَّةً»(10). فكيف يدعوهم إلى ذلك وقد حال بينهم وبينه؟ وقال: «وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلاّٰ لِيُطٰاعَ بِإِذْنِ اَللّٰهِ»(11). فكيف يجوز ذلك و قد منع خلقه من طاعته؟ قال: والقوم ينازعون في المشيئة وإنّما شاء اللّٰه الخير بمشيئته قال: «يُرِيدُ اَللّٰهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَ لاٰ يُرِيدُ بِكُمُ اَلْعُسْرَ»(12). وقال في ولد الزنى إنّه من خلق اللّٰه، وإنّما الزاني وضع نطفته في غير حقّها، فتعدّى أمر اللّٰه، واللّٰه يخلق
من ذلك ما يشاء وكذلك صاحب البذر إذا وضعه في غير حقّه.(1)وقال في الرسالة: إنّ اللّٰه تعالى أعدل وأرحم من أن يعمي عبداً، ثمّ يقول له: أبصر وإلّا عذبتك، وإذا خلق اللّٰه الشقي شقياً، ولم يجعل له سبيلاً إلى السعادة فكيف يعذبه؟! وقد قال اللّٰه تعالى لآدم وحواء: «فَكُلاٰ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمٰا وَ لاٰ تَقْرَبٰا هٰذِهِ اَلشَّجَرَةَ»(2). فغلبهما الشيطان على هواه ثمّ قال: «يٰا بَنِي آدَمَ لاٰ يَفْتِنَنَّكُمُ اَلشَّيْطٰانُ كَمٰا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ اَلْجَنَّةِ».(3)وليس للشيطان عليهم سلطان إلّاليعلم من يؤمن بالآخرة ممّن هو منها في شك. وبعث اللّٰه الرسول نوراً ورحمة فقال: «اِسْتَجِيبُوا لِلّٰهِ وَ لِلرَّسُولِ»(4)وقال: «اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ»(5)وقال: «أَجِيبُوا دٰاعِيَ اَللّٰهِ»(6)و «وَ أَنَّ هٰذٰا صِرٰاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ»(7)وقال: «وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولاً»(8)فكيف يفعل ذلك ثمّ يعميهم عن القبول. وقال تعالى: «إِنَّ اَللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ اَلْإِحْسٰانِ»(9)وينهى عمّا أمر به الشيطان قال في الشيطان: «يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحٰابِ اَلسَّعِيرِ»(10)، فمن أجاب الشيطان كان من حزبه، فلو كان كما قال الجاهلون لكان إبليس أصوب من الأنبياء عليهم السلام إذ دعاؤه إلى إرادة اللّٰه تعالى وقضائه، ودعت الأنبياء إلى خلاف ذلك، وإلى ما علموا أنّ اللّٰه قد حال بينهم و بينه.
وقال القوم فيمن أسخط اللّٰه: إنّ اللّٰه جبلهم على إسخاطه، وكيف يسخط أن عملوا بقضائه عليهم وإرادته، واللّٰه يقول: «ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ يَدٰاكَ»(1)وهؤلاء الجهّال يقولون: إنّ اللّٰه قدّمه وما أضلّهم سواه: «لِيُرْدُوهُمْ وَ لِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَ لَوْ شٰاءَ اَللّٰهُ مٰا فَعَلُوهُ»(2)، فلو كان الأمر كما زعموا، لكان الدعاء والأمر لا تأثير له، لأنّ الأمر مفروغ منه، لكن التأويل على غير ما قالوه وقد قال تعالى: «ذٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ اَلنّٰاسُ وَ ذٰلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ»(3)، والسعيد ذلك اليوم هو المتمسّك بأمر اللّٰه والشقي هو المضيع.
وقال في الرسالة: واعلم أيّها الأمير، أنّ المخالفين لكتاب اللّٰه تعالى وعدله يحيلون في أمر دينهم بزعمهم على القضاء والقدر ثمّ لا يرضون في أمر دنياهم إلّابالاجتهاد والتعب والطلب والأخذ بالحزم فيه. وذلك لثقل الحقّ عليهم، ولا يعولون في أمر دنياهم وفي سائر تصرفهم على القضاء والقدر، فلو قيل لأحدهم: لا تستوثق في أُمورك، ولا تقفل حانوتك احترازاً لمالك و اتّكل على القضاء والقدر، لم يقبل ذلك، ثمّ يعوّلون عليه في الذي قال:
وما يحتجون به أنّ اللّٰه تعالى قبض قبضة فقال: «هذا في الجنّة و لا أُبالي، وقبض أُخرى و قال: هذا في النار ولا أُبالي». فإنّهم يرون ربّهم يصنع ذلك، كالمقارع بينهم المجازف، فتعالى اللّٰه عمّا يصفونه.
فإن كان الحديث حقّاً، فقد علم اللّٰه تعالى أهل الجنّة وأهل النار، قبل
القبضتين وقبل أن خلقهم، فإنّما قبض اللّٰه أهل الجنة الذين في علمه أنّهم يصيرون إليها، و إنّما مرادهم أن يقرروا في نفوس الذين يقبلون ما رووه، أن تكون أعمال الناس هباءً منثوراً، من حيث قد فرغ من الأمر، وكيف يصح ذلك مع قوله: «تَكٰادُ اَلسَّمٰاوٰاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ اَلْأَرْضُ وَ تَخِرُّ اَلْجِبٰالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمٰنِ وَلَداً»(1)وهو الذي حملهم عليه.
وما معنى قوله: «فَمٰا لَهُمْ لاٰ يُؤْمِنُونَ»(2)وقد منعهم؟ وكيف يقول: «مٰا كٰانَ لِأَهْلِ اَلْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ اَلْأَعْرٰابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اَللّٰهِ»(3)، بل كان يجب أن يقول: ما كان لأهل المدينة أن يعملوا بما قضيت عليهم(4)، ولما قال: «فَلَوْ لاٰ كٰانَ مِنَ اَلْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ اَلْفَسٰادِ فِي اَلْأَرْضِ»(5). وهو الذي حال بينهم و بين الطاعة.
وإذا كان الأمر مفروغاً منه، فكيف يقول: «لَيْسَ عَلَى اَلْأَعْمىٰ حَرَجٌ وَ لاٰ عَلَى اَلْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَ لاٰ عَلَى اَلْمَرِيضِ حَرَجٌ»(6)، وكيف ابتلى العباد فعاقبهم على فعلهم؟ وكيف يقول: «إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ اَلسَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً»(7)، وكيف يقول: «قَدَّرَ فَهَدىٰ»(8)ولم يقل قدّر فأضل، وكيف يصحّ أنّه خلقهم للرّحمة والعبادة بقوله: «فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ
عَلَيْهٰا»(1)وقوله: «فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ»(2)، وقوله: «إِلاّٰ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ»(3)، فإذا خلقهم لذلك، فكيف يصحّ أن لا يجعل لهم سبيلاً، ويقرهم على السعادة والشقاء على ما يذكرون.
وكيف يبتلي إبليس بالسجود لآدم، فإذا عصى يقول له «فَاهْبِطْ مِنْهٰا»(4)ويجعله شيطاناً رجيماً؟ وكيف يقول: «فَمٰا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهٰا»(5)، وكيف يحذر آدم عداوته. إن كان الأمر مفروغاً منه على ما تقولون؟
وقال في الرسالة: واعلم أيّها الأمير ما أقول: إنّ اللّٰه تعالى لم يخف عليه بقضائه شيء، ولم يزدد علماً بالتجربة، بل هو عالم بما هو كائن وما لم يكن، ولذلك قال: «وَ لَوْ بَسَطَ اَللّٰهُ اَلرِّزْقَ لِعِبٰادِهِ لَبَغَوْا»(6)، «وَ لَوْ لاٰ أَنْ يَكُونَ اَلنّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً»(7)، فعلم سبحانه أنّه خلق خلقاً من ملائكة وجن وإنس، وأنّه يبتليهم قبل أن يخلقهم، وعلم ما يفعلون كما قدّر أقواتهم، وقدّر ثواب أهل الجنّة وعقاب أهل النار قبل ذلك، ولو شاء إدخال العصاة النار لفعل، لكنّه سهل سبيلهم لتكون الحجة البالغة له على خلقه، والعلم ليس بدافع إلى معاصيه، لأنّ العلم غير العمل، «فَتَبٰارَكَ اَللّٰهُ أَحْسَنُ اَلْخٰالِقِينَ».(8)
وقال: في قولهم في الضلال والهدى، وقوله: «وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ
فِي اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً»(1)، «وَ لَوْ شٰاءَ اَللّٰهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى اَلْهُدىٰ»(2)، لأنّ المراد بذلك إظهار قدرته على ما يريده كما قال: «إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ اَلْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ اَلسَّمٰاءِ»(3)، «وَ لَوْ نَشٰاءُ لَمَسَخْنٰاهُمْ عَلىٰ مَكٰانَتِهِمْ»(4)، «وَ لَوْ نَشٰاءُ لَطَمَسْنٰا عَلىٰ أَعْيُنِهِمْ»(5)، «وَ لَوْ شِئْنٰا لَبَعَثْنٰا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً»(6)، و قال: «فَلَعَلَّكَ بٰاخِعٌ نَفْسَكَ عَلىٰ آثٰارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا»(7)، حتّى بلغ من قوله أن قال: «فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي اَلْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي اَلسَّمٰاءِ»(8)، فإنّما يدلّبذلك رسوله على قدرته، فكذلك غير الذي شاء منهم، ولذلك قال في حجتهم يوم القيامة ردّاً عليهم لقولهم: «لَوْ أَنَّ اَللّٰهَ هَدٰانِي لَكُنْتُ مِنَ اَلْمُتَّقِينَ»(9)، وردّ ذلك بقوله:
«بَلىٰ قَدْ جٰاءَتْكَ آيٰاتِي فَكَذَّبْتَ بِهٰا وَ اِسْتَكْبَرْتَ».(10)
وقال تعالى بعد ما حكى عنهم قولهم: «لَوْ شٰاءَ اَلرَّحْمٰنُ مٰا عَبَدْنٰاهُمْ مٰا لَهُمْ بِذٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّٰ يَخْرُصُونَ».(11)
وقال تعالى بعد ما حكى عنهم قولهم: «سَيَقُولُ اَلَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شٰاءَ اَللّٰهُ مٰا أَشْرَكْنٰا وَ لاٰ آبٰاؤُنٰا وَ لاٰ حَرَّمْنٰا مِنْ شَيْءٍ»(12)مكذباً لهم: «كَذٰلِكَ كَذَّبَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّٰى ذٰاقُوا بَأْسَنٰا»(13)، فنعوذ باللّٰه ممن ألحق باللّٰه الكذب.
وجعلوا القضاء والقدر معذرة، وكيف يصحّ ذلك مع قوله: «وَ مٰا ظَلَمْنٰاهُمْ وَ لٰكِنْ كٰانُوا هُمُ اَلظّٰالِمِينَ»(1)؟! وكيف يصحّ أن يقول: «وَ مٰا أَصٰابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ»(2)؟! أي العقوبة التي أصابتك هي من قبل نفسك بعملك. ولو شاء تعالى أن يأخذهم بالعقوبة من دون معصية لقدر على ذلك، لكنّه رؤوف رحيم. ولذلك أرسل موسى إلى فرعون و قد قال: «مٰا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلٰهٍ غَيْرِي»(3)، فقال: «فَقُولاٰ لَهُ قَوْلاً لَيِّناً»(4)، وقال: «اِذْهَبْ إِلىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغىٰ»،(5)«فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلىٰ أَنْ تَزَكّٰى»(6)، وقال: «وَ لَقَدْ أَخَذْنٰا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ اَلثَّمَرٰاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ»(7)فيتوبون، فلمّا لجّوا في كفرهم بعد ذلك الأمر والترغيب إلى طاعته، أخذهم بما فعلوا.
قال: ثمّ انظر أيّها الأمير، كيف صنيعه لمن أطاع فقال: «إِلاّٰ قَوْمَ يُونُسَ لَمّٰا آمَنُوا كَشَفْنٰا عَنْهُمْ عَذٰابَ اَلْخِزْيِ فِي اَلْحَيٰاةِ اَلدُّنْيٰا وَ مَتَّعْنٰاهُمْ إِلىٰ حِينٍ»(8)، «وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ اَلْقُرىٰ آمَنُوا وَ اِتَّقَوْا لَفَتَحْنٰا عَلَيْهِمْ»(9)، «وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقٰامُوا اَلتَّوْرٰاةَ وَ اَلْإِنْجِيلَ»(10)، و قال موسى: «اُدْخُلُوا اَلْأَرْضَ اَلْمُقَدَّسَةَ اَلَّتِي كَتَبَ اَللّٰهُ لَكُمْ وَ لاٰ تَرْتَدُّوا عَلىٰ أَدْبٰارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خٰاسِرِينَ»(11)، وقال: «فَلَمّٰا عَتَوْا عَنْ مٰا نُهُوا عَنْهُ قُلْنٰا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خٰاسِئِينَ»(12)، فهذا صنيعه
بأهل طاعته، وما قدّمناه صنيعه بأهل معاصيه عاجلاً، فإذا هم اتّبعوا أهواءهم، عاقبهم بما يستحقون.
وقال في الرسالة: ولا يصحّ الجبر إلّابمعونة اللّٰه، ولذلك قال لمحمّد صلى الله عليه و آله و سلم: «وَ لَوْ لاٰ أَنْ ثَبَّتْنٰاكَ لَقَدْكِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً»(1)، وقال يوسف عليه السلام: «وَ إِلاّٰ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ»(2)فقد بيّن وأمر ونهى، وجعل للعبد السبيل على عبادته، وأعانه بكلّ وجه ولو كان عمل العبد يقع قسراً لم يصحّ ذلك.
هذا نصّ الرسالة نقلناها برمتها عن «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» للقاضي عبد الجبار.(3)وهذه الرسالة تعترف بعلمه السابق ولكن تنكر كونه موجباً للجبر بمحكم آياته.
ومن لطيف كلامه في الرسالة قوله: «والعلم ليس بدافع إلى معاصيه، لأنّ العلم غير العمل».
إنّ عامة المسلمين في صدر الإسلام كانوا يؤمنون بالقدر خيره وشره
من اللّٰه تعالى وأنّ الإنسان في هذه الدنيا مسيّر لا مخيّر وأنّ القلم قد جفّ على علم اللّٰه، وقد قال أحد رجاز ذلك الزمان معبراً عن تلك العقيدة:
يا أيّها المضمر همّاً لاتهم *** إنّك إن تقدر لك الحمى تحم
ولو علوت شاهقاً من العلم *** كيف توقيك وقد جف القلم(1)
يلاحظ عليه: أنّ نسبة كون الإنسان مسيّراً لا مخيّراً إلى عامّة المسلمين خطأ جداً، وإنّما هي عقيدة تسربت إلى المسلمين من بلاط الأمويين، وهم أخذوه من الأحبار والرهبان، وإلّا فالطبقة المثلى من المسلمين كانوا يعتقدون بالاختيار في مقابل التسيير.
و هذه خطب علي عليه السلام وأَهل بيته الرفيع جاهرة بالاختيار ونفي كون التقدير سالباً للحرية، وهذا هو الحسن البصري يسأل «الحسن بن علي» عن مكانة القدر في التشريع الإسلامي، وهو عليه السلام يجيب بما عرفته.(2)كيف وإنّ التكليف والوعد والوعيد يقوم على أساس الحرية ولا يجتمع مع الجبر، كما أنّ إرسال الرسل لا يتم إلّابالقول بأنّ الإنسان مخيّر في اتّباع الرسول ومخالفته، مضافاً إلى أنّ تعذيب الإنسان المسيّر ظلم قبيح منفيّ عنه سبحانه عقلاً ونقلاً.
وهذه الوجوه كافية في إثبات أنّ الرأي العام للمسلمين - لولا الضغط من البلاط الأموي - هو الاختيار. وما تقدم من رسالة عادل بني أُمية! لأصدق شاهد على أنّ مذهب الجبر أذيع من قبل الحكام الأمويين.
4
إذا كان الخلاف في الإمامة أعظم خلاف بين الأُمّة حسب نظر الشهرستاني إذ قال: «ما سلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سلّ على الإمامة في كلّ زمان».
فيجب على دعاة الوحدة الذين يبذلون سعيهم لتوحيد الصفوف معالجة هذه المسألة من وجهة علمية وفي جو هادئ. فإنّ حل هذه المسألة ونظائرها يوجب تقارب الخطى، بل يوحّد الصفوف. فإنّ الوحدة بشكلها السلبي الذي يدعو إلى تناسي الماضي، والتغافل عنه من أساسه، وإسدال الستار على كلّ ما فيه من مفارقات، على ما يتبنّاه بعض دعاتها، لا تؤثر ولا تحقّق أُمنيّتهم، وإنّما تحقّق تلك الأمنية لو أثبتت بصورة علمية أنّ جملة كبيرة من صور الخلاف لا تستند على أساس، وإنّما هي وليدة دعايات خلقتها بعض الظروف وغذّاها قسم من السلطات في عهود خاصة، ولأجل ذلك نطرح هذه المسألة على طاولة البحث حتى تتقارب الأفكار المتباعدة
فإنّ الصراع العلمي والجدال بالحقّ، مهما كان بصورة علمية، يكون من أفضل عوامل التقريب ورفع التباعد، فنقول:
من راجع الكتب الكلامية لأصحاب الحديث، وبعدهم الأشاعرة وجد أنّهم يعدّون الإيمان بخلافة الخلفاء الأربعة وحتى تفاضلهم حسب زمن إمامتهم من صميم الإيمان، ولابدّ أن نأتي ببعض النصوص للقدامى منهم:
1) . كتاب «السنّة» المطبوع ضمن رسائل بإشراف حامد محمد الفقي، وهذا الكتاب ألّفه لبيان مذاهب أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنّة ووصف من خالف شيئاً من هذه المذاهب أو طغى فيها، أو عاب قائلها بأنّه مخالف مبتدع وخارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنّة وسبيل الحقّ.
2) . «شرح العقيدة الطحاوية» للشيخ عبد الغني الميداني الحنفي الدمشقي: 471-478. و قد توفّي الطحاوي عام 321 ه.
هل الإمامة والخلافة من أُصول الدين أو من فروعه؟
هل هناك نصّ في القرآن أو السنّة في مسألة الإمامة أو لا؟
مبدأ ظهور هذه العقيدة؟
هل هناك نصّ على أفضلية بعضهم على بعض وفق تسلسل زمانهم؟
فإذا تبيّن الحال في هذه المواضع يتبيّن الحال في المسألة التي بيّناها آنفاً.
الشيعة الإمامية عن بكرة أبيهم اتّفقوا على كون الإمامة أصلاً من أُصول الدين، و قد برهنوا على ذلك في كتبهم، ولأجل ذلك يعد الاعتقاد بإمامة الأئمّة من لوازم الإيمان الصحيح عندهم، وأمّا أهل السنّة فقد صرّحوا في كتبهم الكلامية أنّها ليست من الأُصول، وإليك بعض نصوصهم:
1) . الاقتصاد في الاعتقاد: 234، وفي العبارة صعوبة والظاهر زيادة كلمة «المخالف» وصحيحها «المنهج المألوف».
العادة بذكرها في أواخر كتب المتكلّمين والإبانة عن تحقيقها في عامة مصنّفات الأُصوليّين لم نر من الصواب خرق العادة بترك ذكرها في هذا الكتاب.(1)3. قال السيّد الشريف (المتوفّى 816 ه) في شرح المواقف: المرصد الرابع في الإمامة ومباحثها وليست من أُصول الديانات والعقائد خلافاً للشيعة، بل هي عندنا من الفروع المتعلّقة بأفعال المكلّفين إذ نصب الإمامة عندنا واجب على الأُمّة سمعاً، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيّاً بمن قبلنا، إذ قد جرت العادة من المتكلّمين بذكرها في أواخر كتبهم.(2)4. قال الرازي: اتّفقت الأُمّة، إلّاشذاذاً منهم، على وجوب الإمامة، والقائلون بوجوبها، منهم من أوجبها عقلاً، ومنهم من أوجبها سمعاً، أمّا الموجبون عقلاً، فمنهم من أوجبها على اللّٰه تعالى، ومنهم من أوجبها على الخلق.(3)وعلى كلّ تقدير فقد اعتبر أهل السنّة هذا الوجوب حكماً شرعياً فرعياً كسائر الأحكام الفرعية الواردة في الكتاب والسنّة والكتب الفقهية، وإذا تبيّن هذا المطلب فلنبحث عن الموضوع الثاني.
اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ المذاهب الحقّ في باب الإمامة هو
القول بالتنصيص وأنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله و سلم نصّ في أيام حياته على الخليفة من بعده، وذلك في موارد ضبطها التاريخ أشهرها قوله صلى الله عليه و آله و سلم في يوم الغدير، أي الثامن عشر من ذي الحجة الحرام في عام حجّة الوداع في منصرفه من مكة عند بلوغه غدير خم رافعاً يد علي عليه السلام في محتشد كبير، وهو يقول: «ألست أولى بكم من أنفسكم؟» قال الناس: نعم، فقال: «من كنت مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه». وقد قامت ثلّة كبيرة من علماء الفريقين بضبط طرق هذا الحديث وأسناده، فأّلفوا في ذلك مختصرات ومفصّلات، أجمعها وأعمّها كتاب الغدير لآية اللّٰه الحجّة الأميني رضى الله عنه.
هذا ما عند الشيعة، وأمّا عند السنّة، فالرأي السائد هو عدم التنصيص على أحد والزعم بأنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم مات ولم يستخلف.
فهذا هو إمام الحرمين يقول: وما نص النبي صلى الله عليه و آله و سلم على إمامة أحد بعده وتوليته، إذ لو نص على ذلك لظهر وانتشر كما اشتهرت تولية رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم سائر ولاته، وكما اشتهر كلّ أمر خطير.(1)وقال الأشعري: وممّا يبطل قول من قال بالنصّ على أبي بكر:
أنّ أبا بكر قال لعمر: «ابسط يدك أُبايعك» يوم السقيفة، فلو كان رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم نصّ على إمامته لم يجز أن يقول أبسط يدك أُبايعك».(2)وقد عقد ابن كثير الحنبلي في كتابه «البداية والنهاية» باباً مستقلاً في أنّ رسول اللّٰه لم يستخلف وتبعه السيوطي في «تاريخ الخلفاء».(3)
والمسألة - أي عدم وجود النصّ على المتقمّصين بالخلافة بعد النبي - من الوضوح بمكان بحيث لا تحتاج إلى إقامة الدليل عليها، كيف و هذه قصة السقيفة لم نر أحداً فيها من الذين رشّحوا أنفسهم للخلافة، كسعد بن عبادة من الأنصار، وأبي بكر من المهاجرين، استدلّ على صحّة خلافته بنصّالنبي عليه.
فهذا هو سعد بن عبادة يقول بعد أن حمد اللّٰه وأثنى عليه: يا معشر الأنصار لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إنّ محمّداً لبث بضع عشرة سنة في قومه يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد والأوثان، فما آمن به من قومه إلّارجال قليل... إلى أن قال: حتّى إذا أراد بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وخصّكم بالنعمة، فرزقكم اللّٰه الإيمان به وبرسوله، والمنع له ولأصحابه والإعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه... إلى أن قال: وتوفّاه اللّٰه وهو عنكم راض وبكم قرير عين، استبدّوا بهذا الأمر دون الناس.
هذا منطق مرشّح الأنصار لا ترى فيه تلميحاً إلى وجود النصّ عليه وليس يقصر عنه منطق أبي بكر في هذا الموقف حين قال: فهم - أي المهاجرين - أوّل من عبد اللّٰه في الأرض، و آمن باللّٰه وبالرسول، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقّ الناس بهذا الأمر من بعده، ولا ينازعهم في ذلك إلّا ظالم... إلى أن قال: من ذا ينازعنا سلطان محمد وإمارته ونحن أولياؤه وعشيرته إلّامدل بباطل أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة.(1)
1) . تاريخ الطبري: 456/2، حوادث السنّة 11.
فهذان المنطقان من سعد بن عبادة وأبي بكر يعربان عن عدم وجود النصّ على واحد منهما، وأمّاالخليفتان الآخران فحدث عنهما ولا حرج، فقد رقى عمر بن الخطاب منصّة الخلافة بأمر من أبي بكر عندما دعا عثمان بن عفان في حال مرضه فقال له: اكتب: بسم اللّٰه الرّحمٰن الرحيم... هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين: أمّا بعد، ثمّ أُغمي عليه، فكتب عثمان: قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ولم يكن خيراً منه، ثمّ أفاق وقال: اقرأ عليَّ، فقرأ عليه فكبّر أبو بكر... إلى أن قال لعثمان: جزاك اللّٰه خيراً عن الإسلام وأهله، وأمّره أبو بكر من هذا الموضع.(1)وأمّا عثمان فقد انتخب عن طريق الشورى التي عيّن أعضاءها عمر بن الخطاب عندما طعنه أبو لؤلؤة - غلام المغيرة بن شعبة - و كان أعضاء الشورى ستة أشخاص وهم: علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبد اللّٰه، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام.(2)وقد ذكر التاريخ كيفية استلام عثمان للخلافة، فهذا هو التاريخ المسلّم به، يعرب بوضوح عن عدم وجود نصّ على واحد من الخلفاء الثلاثة جميعاً، وإلّا لم يحتج إلى تعيين أوّل الخلفاء لثانيهم وإلى تعيين الشورى وانتخاب الخليفة عن طريقها.
وقد قام المحدّثون القدامى منهم والمتأخّرون، بجمع ما ورد من
الأحاديث حول الخلافة والإمارة، منهم الإمام أبو السعادات الجزري في كتابه «جامع الأُصول من أحاديث الرسول» فقد جمعها في الجزء الرابع من هذا الكتاب، ومنهم العلاّمة علاء الدين علي المتقي الهندي (المتوفّى 975 ه) فقد جمعها في كتابه «كنز العمال» الجزء الخامس، ولا يوجد فيه نصّ صريح على واحد من الخلفاء الثلاثة.
نعم في المقام روايات تشير إلى أنّ الخلافة من حقّ قريش، و هي أحاديث مشهورة موجودة في الكتاب الآنف ذكره.
إذا وقفت على هذين الأمرين، تقف على أنّ ما ادّعيناه من عدم كون الاعتقاد بخلافة الخلفاء من صميم الدين نتيجة ذينك الأمرين، وذلك لأنّه إذا كان أصل الإمامة والخلافة من الفروع لا من الأُصول، من جانب، وثبت حسب نصوص القوم أنّ النبي لم ينص على خلافة واحد منهم من جانب آخر، غاية ما في الباب أنّ الأُمّة في صدر الإسلام قاموا بواجبهم الشرعي أو العقلي حيث كان نصب الإمام واجباً بأحد الوجهين، فإنّ أقصى ما يمكن أن يقال: إنّ خلافة هؤلاء كانت أمراً صحيحاً غير مخالف للأُصول والقواعد، ولكن يجب أن يعلم أنّه ليس كلّ قضية صحيحة جزءاً من الدين؛ وعلى فرض كونها من الدين، فليس كلّ ما هو من الدين يجب أن يعد من العقائد؛ وعلى فرض كونها من العقائد، فليس كلّ ما هو يعد من العقائد مائزاً بين الإيمان والكفر أو بين السنّة والبدعة. وهذه مراحل ثلاث يجب أن يركز عليها النظر فنقول:
إنّ غاية جهد الباحث حسب أُصول أهل السنّة هي إثبات كون
خلافتهم أمراً صحيحاً، لأنّ نصب الإمام واجب على الأُمّة عقلاً أو شرعاً، فلأجل ذلك قاموا بواجبهم فنصبوا هذا أو ذاك للإمامة، ونتيجة ذلك أنّ عملهم كان أمراً مشروعاً ولكن ليس كلّ أمر مشروع يعد جزءاً من الدين.
فلو قام القاضي بفصل الخصومة بين المترافعين في ضوء الكتاب والسنّة فحكم بأنّ هذا المال لزيد دون عمرو وكان قضاؤه صحيحاً لا يعد خصوص هذا القضاء (لا أصل القضاء بالصورة الكلية) من الدين، إذ ليس كلّ أمر صحيح جزءاً من الدين، ولا يصحّ أن يقال إنّه يجب أن نعتقد أنّ هذا المال لزيد دون عمرو، ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا إنّه من الدين، ولكن ليس كلّ ما هو من الدين يعد من العقائد فكون الماء طاهراً ومطهّراً حكم شرعي، ولكن ليس من العقائد، فأيّ فرق بينه و بين خلافة الخلفاء مع اشتراك الجميع في كونه حكماً فرعياً لا أصلاً من الأُصول.
ولو تنزّلنا مرّة ثانية وقلنا إنّه من العقائد، ولكن ليس كلّ ما يجب الاعتقاد به مائزاً بين الإيمان والكفر، أو بين السنّة والبدعة، إذ للمسائل العقائدية درجات ومراتب، فالشهادة بتوحيده سبحانه ونبوة نبيّه وإحياء الناس يوم الدين، تعد مائزاً بين الكفر والإيمان، وليس كذلك الاعتقاد بعذاب القبر، أو سؤال منكر ونكير، أو كون مرتكب الكبيرة مؤمناً.
و على هذا الأساس يجب على إخواننا أهل السنّة تجديد النظر في هذا الأصل الذي ذهبوا إليه، وهو جعلهم الاعتقاد بخلافة الخلفاء المشار إليهم، آية السنّة، ومخالفته آية البدعة.
ولو توفّي الرجل عن أولاد صغار بلا وصي ولا تعيين قيّم لصغاره فعلى الحاكم الإسلامي تعيين القيّم عليهم لئلاّ تضيع أموالهم، وعندئذٍ يسأل فهل الاعتقاد بالأصل الكلي من صميم الدين؟ وأنّه يجب على المسلم أن يعتقد بأنّ من مات عن أولاد صغار يجب على الحاكم نصب من يلي أُمورهم؟ وعلى فرض كونه بصورته الكلية من صميمه، فهل الاعتقاد بأنّ زيداً ولي الصغار عند نصب الحاكم له، من صميم الدين، أو أنّ المطلوب في الفروع هو العمل عند الابتلاء. وأمّا الاعتقاد التفصيلي بالكبريات والصغريات فغير لازم؟
لم يكن في عصور الخلفاء الثلاثة أي أثر من هذه العقيدة ولم يكن يخطر ببال أحد من المهاجرين والأنصار أنّه يجب الاعتقاد بخلافة هذا أو ذاك أو ذلك، وأنّ من لم يكن معتقداً بخلافتهم يخرج عن صفوف المؤمنين ويلتحق بالمبدعين. وإنّما أوجدت تلك الفكرة يد السياسة بهدف الإزراء بعلي عليه السلام، وتصحيح خروج معاوية عليه لأخذ ثأر الخليفة، ولعلّ عمرو بن العاص هو أوّل من بذر تلك الفكرة.
ويدلّ على ذلك ما ذكره المسعودي في كتابه: قال: اجتمع عمرو بن العاص مع أبي موسى الأشعري في دومة الجندل، فجرى بينهما مناظرات وقد أحضر «عمرو» غلامه لكتابة ما يتفقان عليه، فقال عمرو بن العاص - بعد الشهادة بتوحيده سبحانه ونبوة نبيّه صلى الله عليه و آله و سلم: ونشهد أنّ أبا بكر خليفة
رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم عمل بكتاب اللّٰه وسنّة رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم حتّى قبضه اللّٰه إليه، وقد أدّى الحقّ الذي عليه.
قال أبو موسى: اكتب ثمّ قال في عمر مثل ذلك، فقال أبو موسى: اكتب، ثمّ قال عمرو: واكتب: وأنّ عثمان ولي هذا الأمر بعد عمر على إجماع من المسلمين وشورى من أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم ورضاً منهم، وأنّه كان مؤمناً.
فقال أبو موسى الأشعري: ليس هذا ممّا قعدنا له.
قال عمرو: واللّٰه لابدّ من أن يكون مؤمناً أو كافراً.
فقال أبو موسى: كان مؤمناً.
قال عمرو: فمره يكتب.
قال أبو موسى: اكتب.
قال عمرو: فظالماً قتل عثمان أو مظلوماً؟
قال أبو موسى: بل قتل مظلوماً.
قال عمرو: أو ليس قد جعل اللّٰه لولي المظلوم سلطاناً يطلب بدمه؟
قال أبو موسى: نعم.
قال عمرو: فهل تعلم لعثمان ولياً أولى من معاوية؟
قال أبو موسى: لا.
قال عمرو: أفليس لمعاوية أن يطلب قاتله حيثما كان حتى يقتله أو يعجز عنه؟
قال أبو موسى: بلى.
قال عمرو للكاتب: اكتب، وأمره أبو موسى فكتب.
قال عمرو: فإنّا نقيم البيّنة على أنّ عليّاً قتل عثمان....(1)وهذا النصّ من حجّة التاريخ وغيره يعرب عن أنّ الاعتقاد بخلافة الخلفاء إنّما برز للوجود في جو مشحون بالعداء والبغضاء والمنافسة والمغالبة، حتى جعل ذلك الداهية الماكر، الاعتقاد بخلافة الشيخين وسيلة لانتزاع الإقرار بخلافة الثالث من الخلفاء، ولم يكن الانتزاع مقصوداً بالذات، بل كان أخذه ذريعة لانتزاع الاعترافات الأُخرى من أنّه قتل مظلوماً وأنّه ليس له ولي يطلب بدمه أولى من معاوية وأنّ عليّاً هو القاتل... إلى آخره.
ثمّ إنّ الأجواء السياسية المخالفة لأمير المؤمنين عليه السلام أخذت تروّج تلك العقيدة من أجل الإطاحة به عليه السلام وإثبات صحّة قيام معاوية وصحّة أعماله وقيامه ونصبه فصار ذلك المستمسك السياسي بمرور الزمان، عقيدة دينية، سقته الأوضاع السياسية الأموية والعباسية، إلى أن ذكرت في الكتب والمؤلفات وعدّت من صميم الدين.
وقد استفحلت أهمية الإيمان بخلافة الخلفاء ولا سيما الثالث منهم في عهد معاوية عندما كتب إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته.
فقامت الخطباء في كلّ كورة وعلى كلّ منبر يلعنون علياً و يبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته، وكان أشدّ الناس بلاء حينئذٍ أهل الكوفة لكثرة
1) . مروج الذهب: 396/2-397.
من فيها من شيعة علي عليه السلام، فاستعمل معاوية عليهم زياد بن سمية وضم إليها البصرة، فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيّام علي عليه السلام فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم.
وكتب معاوية إلى عماله في جميع الآفاق ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة، وكتب إليهم: أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبّيه وأهل ولايته والذين يروون فضائله و مناقبه، فأدنوا مجالسهم وقرّبوهم وأكرموهم، واكتبوا إلي بكلّما يروي كلّ رجل منهم، واسمه واسم أبيه وعشيرته، ففعلوا ذلك، حتّى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم و الموالي، فكثر ذلك في كلّ مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجيء أحد مردود من الناس عاملاً من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة إلّاكتب اسمه وقربه وشفعه، فلبثوا بذلك حيناً.
ثمّ كتب إلى عماله أنّ الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كلّ مصر وفي كلّ وجه وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الأوّلين، ولا تتركوا خبراً يرويه أحد من المسلمين في أبي تراب إلّاوتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإنّ هذا أحب إليّ وأقرّ لعيني، وأدحض لحجّة أبي تراب وشيعته، وأشدّ إليهم من مناقب عثمان وفضله.
فقرئت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها، وجدّ الناس في رواية ما يجري هذا المجرى حتّى أشادوا بذكر ذلك على المنابر، و أُلقي إلى معلّمي الكتاتيب فعلّموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتّى رووه وتعلّموه كما يتعلّمون القرآن، وحتى علّموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء اللّٰه.(1)كلّ ذلك يثبت أنّ الإيمان بخلافتهم ولا سيما الثالث منهم، كان وليد سياسات غاشمة انطلقت من البيت الأموي وأشياعه ضد البيت العلوي وأتباعه. وبذلك يسهل تصديق ما ذكره الكاتب الكبير محمود أبو رية في كتابه القيم «أضواء على السنة المحمدية» أنّ الأهواء الشخصية والأغراض المذهبية كان لها أثر بعيد في وضع الحديث على رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم لكي يؤيد كلّ فريق رأيه، ويحقّق مآربه بحقّ وبغير حقّ وبصدق وبغير صدق.(2)وفي الختام للقارئ الكريم أن يسأل: مَن جعل الاعتقاد بخلافة الخلفاء الأربعة من صميم الدين دون سواهم؟! وأن يسأل عن وجه التفاضل والتمييز بينهم و بين سائر الخلفاء الذين تسلّموا دفة الخلافة عن طريق الوراثة، أو تنصيص سابق منهم على اللاحق، أو ببيعة عدّة من الشاميين وغيرهم.
وهذا عمر بن عبد العزيز قد تسلّم دفّة الحكم بأحد هذه الطرق مع أنّهم لا يجعلون الإيمان بخلافته من صميم الإيمان، مع أنّه من قريش وقال رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم: «لا يزال هذا الأمر في قريش، ما بقي منهم اثنان».
وقال صلى الله عليه و آله و سلم: «قريش ولاة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة».(1)اللّهمّ إلّاأن يعتذروا عن هذا التخصيص بأنّ رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «الخلافة في أُمّتي ثلاثون سنة، ثمّ ملك بعد ذلك».(2)لكن في سنده سعيد بن جمهان، قال أبو حاتم الرازي: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به.(3)ثمّ إنّ هنا نكتتين نبّه عليهما العلاّمة الروحاني في كتابه «بحوث مع أهل السنّة والسلفية»: (ص 24-25) نأتي بهما معاً:
وبتفصيل أكثر نقول: إن جعل خلافة الشيخين من العقائد، لم يكن في القرن الأوّل. وغاية ما كان يقال فيهما هو أنّ خلافتهما كانت صحيحة.
هذا فضلاً عن عقيدتهم في خلافة عثمان وعلي، بل إنّ عثمان لم يكن بذلك المرضي عند الناس.
ثمّ إنّ المرجئة كانت تشك في عدالة عثمان وعلي، بل في إيمانهما.(1)ونحلة الإرجاء كانت شائعة في عامة الناس آنذاك قبل غلبة أهل الحديث، بل لقد كان لهم القدح المعلّى حتى بعد وجود أهل الحديث والسنّة في كثير من البلاد. حتى قال الأمير نشوان الحميري: وليس كورة من كور الإسلام إلّاوالمرجئة غالبون عليها إلّاالقليل.(2)2. تقرر الأمر في نحلة أهل الحديث على قبول خلافة علي عليه السلام بعد ما كانوا في الغالب من العثمانية ينكرون خلافة علي، و يظهر أنّ قبول خلافة علي عليه السلام كان على يد الإمام أحمد بن حنبل، فقد ذكر ابن أبي يعلى بالإسناد عن وديزة الحمصي قال: دخلت على أبي عبد اللّٰه أحمد بن حنبل حين أظهر التربيع بعلي - رضي اللّٰه عنه - فقلت له: يا أبا عبد اللّٰه إنّ هذا لطعن على طلحة والزبير، فقال: بئس ما قلت وما نحن وحرب القوم وذكرها، فقلت: أصلحك اللّٰه إنّما ذكرناها حين ربعت بعلي وأوجبت له الخلافة وما يجب للأئمّة قبله، فقال لي: وما يمنعني من ذلك، قال:
قلت: حديث ابن عمر(3)، فقال لي: عمر خير من ابنه فقد رضي علياً للخلافة على المسلمين وأدخله في الشورى، وعلي بن أبي طالب رضي اللّٰه عنه قد سمّى نفسه أمير
المؤمنين؛ فأقول أنا ليس للمؤمنين بأمير. فانصرفت عنه.(1)وهذا يعرب عن أنّ مسألة التربيع كانت مسألة ثقيلة على هذا المحدّث، وقد كان غير الكوفيّين على هذا المذاق.
وممّا يؤيد عدم كون خلافة الخلفاء من صميم الدين: أنّ أحمد بن حنبل في رسالته المؤلّفة حول مذاهب أهل السنّة لم يذكرها في عداد العقائد الإسلامية، بل بعدما أكمل بيان العقائد قال: ومن السنّة ذكر محاسن أصحاب رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم والكف عمّا شجر بينهم، فمن سبّ أصحاب رسول اللّٰه أو واحداً منهم فهو مبتدع رافضي، حبهم سنّة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة، وخير هذه الأُمّة - بعد نبيها - أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، وخيرهم بعد عمر عثمان، وخيرهم بعد عثمان علي، رضوان اللّٰه عليهم خلفاء راشدون مهديون.(2)وأمّا البحث عن الدليل الدالّ على أفضلية بعضهم على بعض وفق تسلسل زمانهم، فسيوافيك الكلام فيه في الجزء السادس.
«ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتٰابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنٰا مِنْ عِبٰادِنٰا فَمِنْهُمْ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سٰابِقٌ بِالْخَيْرٰاتِ بِإِذْنِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ»(3).
فيها أُمور:
إنّ للمذهب السنّي على الإطلاق دعامتين:
لم يكن لأهل السنّة والجماعة في القرون الأُولى إلى القرن السابع مذهب فقهي خاص يقتفون أثره، بل كانت لهم مذاهب فقهية مختلفة متشتّتة غير أنّ يد السياسة حصرت المذاهب الفقهية في الأربعة المعروفة وهي: الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، وألغت سائر المذاهب ولم تعترف بها.
قال المقريزي: استمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة، وعودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه، ولم يول قاض، ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلداً لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدّة، بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم.(1)
1) . الخطط المقريزية: 333/2 و 334 و 344.
وهذه الكلمة الأخيرة، أعني قوله: وتحريم ما عداها تكشف عن رزية فادحة ألمت بالإسلام حيث إنّ المسلمين قد عاشوا قرابة سبعة قرون، ومات فيها على دين الإسلام ما لا يحصي عددهم إلّاخالقهم ولم يسمع أحد في القرنين الأوّلين اسم هذه المذاهب. ثمّ في ما بعدهما كان المسلمون بالنسبة إلى الأحكام الشرعية في غاية من السعة والحرية، وكان العامي يقلّد من اعتمد من المجتهدين، وكان المجتهدون يستنبطون الأحكام من الكتاب والسنّة على موازينهم المقررة عندهم في العمل بالكتاب والسنّة ولم يعلم وجه لهذا الحصر وأنّه ليس لأحد من المقلّدين أو الفقيه المجتهد أن يخرج عن حدّتقليد الأئمّة الأربعة، فبأي دليل شرعي صار اتّباع المذاهب الأربعة واجباً مخيراً والرجوع إلى غيرها حراماً باتاً!! مع أنّا نعلم أنّ هذه المذاهب نشرت في ما نشرت من المناطق بالقهر والغلبة من الحكومات الإسلامية، فالحكومة التي كان يروقها الفقه الحنفي كانت تباشر نشره وتكبت غيره وتسد الطريق أمامه، والحكومة التي كان يروقها غير الحنفي تعمل مثل عمل الحكومة الأُولى، وقد أشعلت السياسات الخادعة نيران العداء بين أتباع المذاهب الأربعة طول القرون(1)
قل لمن قاسه بنعمان جهلاً أيقاس الضياء بالظلماء
تاريخ بغداد: 69/2.
، وعاد وعاظ1) . لاحظ تاريخ حصر الاجتهاد لشيخنا العلاّمة الطهراني: 140 والحوادث الجامعة لابن الفوطي: ص 216 في حوادث سنة 645 واقرأ فيها ملحمة النزاع بين اتّباع الأئمّة الأربعة، ولا تنس ما أنشده علي بن الجرجاني عن بعضهم: مثل الشافعي في العلماء مثل البدر في نجوم السماء
السلاطين ينحتون لكلّ إمام من الأئمّة الأربعة فضائل ومناقب صدرت عن النبي قبل ميلادهم وإمامتهم.(1)هذا حال الدعامة الأُولى ولا نطيل البحث فيها، والذي يجب أن يستنتج ممّا ذكرناه هو أنّ من يحلم بخلود الدين وبقاء قوانينه ويرغب في غضاضة الدين وطراوته وصيانته عن الاندراس وغناء المسلمين عن موائد الأجانب، يجب عليه السعي في فتح باب الاجتهاد، سواء أُوافق رأي الأئمّة الأربعة أم خالفها.(2)
ونعني به الأُصول التي يعتنقها أهل السنّة في هذا الجيل والأجيال المتقدّمة إلى زمن الإمام أحمد حول المبدأ والمعاد وأسمائه سبحانه وصفاته وما يرجع إلى الإنسان في عاجله وآجله.
ولا شكّ أنّ هذه الأُصول قد دونت و رتبت في الكتب الكلامية للحنابلة بصورة بسيطة، وفي كتب الأشاعرة بصورة علمية مبرهنة، وقد قدّمنا إليك عصارات مدوّنة من عقائدهم.
والذي نركز عليه هو أنّ هذه الأُصول على اختلاف في عددها وإن صارت عقيدة لأهل السنّة في هذه الأجيال ولكنّها أُصول اجتمعوا عليها منذ
تصدّر أحمد بن حنبل منصة الإمامة في العقائد والمعارف واستخرجها من السنّة ودوّنها في رسائله، وذكر أنّها عقائد أهل العلم وأصحاب الأثر وأهل السنّة المتمسكين بعروتها، المعروفين بها، المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي إلى يومنا هذا من علماء الحجاز و الشام وغيرهم.
ولكن الحقيقة غير ذلك بل كان المسلمون، أعني: بهم أصحاب الحديث والسنّة قبل تصدّر أحمد لمنصة الإمامة في مجال العقائد على فرق وشيع ولم تكن هذه الأُصول برمتها مقبولة عندهم، وإنّما الإمام أحمد وحّدهم على تلك الأُصول وقضى على سائر المذاهب الدارجة بين أهل الحديث أنفسهم، فنسبة هذه الأُصول إلى إمام الحنابلة أقرب إلى الحقيقة من نسبتها إلى الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. والغافل عن تاريخ حياة الإمام وتأثيره في نفوس المسلمين وما كسب بعد الإفراج من العطف والحنان يتخيل أنّ هذه الأُصول مذهب أهل السنّة مع أنّه لم يكن لهذه الأُصول بهذا النحو، أثر قبله، بل كان المحدّثون مختلفين في كثير من هذه الأُصول. فصار الإجماع والاتّفاق من جانب الإمام سبباً لتناسي ما كانوا عليه من العقائد.
إنّ الإمام أحمد لمّا ظهر منه الصمود والثبات في طريق العقيدة (عدم خلق القرآن وقدمه) وتحمّل المحنة(1)إلى أن أُفرج عنه في أيّام المتوكّل وقرّبه الخليفة إلى بلاطه، صار ذلك سبباً لشهرته وإمامته في مجال العقائد، وقد جعلت المحنة من ذلك الرجل الصمود، بطلاً سامياً تهوي إليه الأفئدة،
1) . سيوافيك تفصيل ذلك في الجزء الثالث من هذه الموسوعة عند البحث عن عقائد المعتزلة.
وتخضع له الأعناق، أضف إليه أنّه جنّد بلاط الخليفة جهوده لترويج أفكاره وآرائه، فعند ذلك صار أحمد إمام السنّة وناصرها، فصارت السنة ما قاله أحمد، والبدعة ما هجره أحمد، وكأنّهم نسوا أو تناسوا ما كان عليه أسلافهم من الفرق المختلفة.
وعلى ضوء هذا فليس المذهب الحنبلي العقائدي، مذهباً لعامّة أهل الحديث و أهل السنّة، وإنّما هو مذهب الإمام أحمد، وقد أخذت هذه الأُصول بالانتشار والشيوع عندما انقلب الوضع أيّام المتوكل وبعده لصالحه، ولولا أنّ المحنة استبطلت الرجل وخلقت منه رجلاً مثالياً شجاعاً في طريق العقيدة، لكان المذهب السنّي في الناحية العقائدية غير مجمع على هذه الأُصول التي يتخيل أنّها أُصول اتّفق عليها أصحاب النبي والتابعون لهم بإحسان إلى زمن إمامة أحمد.
وإن كنت في ريب ممّا ذكرنا - أي اختلاف آراء أهل الحديث وتشتّت مذاهبهم في مجال العقائد - فاستمع لما يقوله السيوطي ويذكره في هذا المجال، ونحن نأتي بملخّص ما ذكره ذلك المحدّث الخبير، وهو يكشف عن وجود المسالك المختلفة والأهواء المتضادة عند أهل الحديث، وأنّهم لم يكونوا قط على وتيرة واحدة حسبما وحدهم إمام الحنابلة فهم كانوا بين:
مرجئي يرى أنّ العمل ليس جزءاً من الإيمان، وأنّه لا تضر معه معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، ونقدم إليك بعض أسمائهم من الذين عاشوا قبل إمامة أحمد أو عاصروه، نظراء:
إلى ناصبي لعلي وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام، نظراء:
إلى متشيع يحب علياً وأولاده ويرى الولاء فريضة نزل بها الكتاب ويرى الفضيلة لعلي في الإمامة والخلافة، نظراء:
الكوفي، 22. فطر بن خليفة، 23. محمد بن جحادة الكوفي، 24. محمد بن فضيل بن غزوان، 25. مالك بن إسماعيل أبو غسان، 26.
يحيى بن الخراز.
إلى قدري ينسب محاسن العباد ومساويهم ومعاصيهم إلى أنفسهم ولا يسند فعلهم إلى اللّٰه سبحانه، نظراء:
إلى جهمي ينفي كلّ صفة للّٰه سبحانه ويعتقد بخلق القرآن وحدوثه، نظير: بشر بن السرى.
إلى خارجي ينكر على أمير المؤمنين مسألة التحكيم ويتبرأ منه و من عثمان و من طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة ومعاوية وغيرهم، نظراء:
إلى واقفي لا يقول في التحكيم أو في القرآن بشيء من الحدوث والقدم وإنّه مخلوق أو غير مخلوق، نظير: علي بن هشام.
إلى متقاعد يرى لزوم الخروج على أئمّة الجور ولا يباشره بنفسه، نظير: عمران بن حطّان.(1)إلى غير ذلك من ذوي الأهواء والآراء الذين قضى عليهم الدهر وعلى آرائهم ومذاهبهم بعد ما وصل أحمد بن حنبل إلى قمة الإمامة في العقائد. فصار أهل الحديث مجتمعين تحت الأُصول التي استخرجها أحمد وجعل الكلّكتلة واحدة، بعد ما كانوا على سبل شتى.
هذه ملحمة أهل الحديث وقصة مذهبهم الفقهي والعقائدي، والأسف أنّ المفكّرين من أهل السنّة يتخيّلون أنّ هذه الأُصول التي يدينون بها باسم عقيدة السلف الإسلامية قبل التحاق الأشعري به و باسم عقيدة الإمام الأشعري بعد التحاقه هي نفس الأُصول التي كان عليها المسلمون الأُول إلى زمن الإمام أحمد وزمن الملتحق بهم الشيخ الأشعري.
وهذا التاريخ الواضح يفرض على المفكّرين المتعطّشين لمعرفة الحقّ دراسة هذه الأُصول من رأس حتى لا يعبأوا بما جاء في هذه الكتب ممّا عليه ماركة «عقيدة السلف» أو «عقيدة الصحابة والتابعين» أو تابعي التابعين.
1) . تدريب الراوي للسيوطي: 328/1.
والذي يوضح ذلك هو أنّ كلّ واحد من هذه الأُصول ردّ لمذهب نجم في القرون الأُولى، فلأجل التبرّي منه صار خلافه شعاراً لمذهب أهل السنّة.
لا شكّ أنّ الفقه المنسوب إلى أحمد هو أحد المذاهب الفقهية المعروفة وتقتفيه جماعة كثيرة في الحجاز ونجد والشامات، ولكن هذا الفقه المدوّن لا يمت إلى الفقه إلّابصلة ضعيفة، وذلك لأنّ الإمام لم يكن إمام الفقه والاجتهاد بل كان إمام الحديث، فكان يعد أكبر محدث في عصره، وأعظم حافظ للسنّة، وأمّا الاجتهاد بالمعنى المصطلح الذي كان يتمتع به بقية الأئمّة الأربعة، فلم يكن متوفراً فيه إلّاببعض مراتبه الضئيلة التي لا يصحّ عدّه معها أحد الأئمّة الفقهاء، فإنّ للاجتهاد مؤهّلات وشرائط محررة في محلها، أعظمها وجود ملكة قدسية يقتدر معها الإنسان على استخراج الفروع عن الأُصول، وأمّا الإفتاء بالحكم في ضوء النصّالصريح الوارد فيه فليس إلّامرتبة ضعيفة من الاجتهاد، والاجتهاد المطلق يستدعي ذهناً وقّاداً، مشققاً للفروع، ومستخرجاً إيّاها من الأُصول، إلى غير ذلك ممّا يقوم به أئمّة الفقه، والمعروف من الإمام أحمد غير ذلك، فإنّ اجتهاده كان أشبه باجتهاد الأخباريين والمحدّثين الذين يفتون بنصّ الحديث ويتوقّفون في غير مورده.
وأمّا المذهب الفقهي الحنبلي الدارج بين الحنابلة فقد جمع أُصوله «الخلّال» تلميذ الإمام أحمد من هنا وهناك، ومن الفتاوى المتشتتة
الموجودة بين أيدي الناس حتى جعله مذهباً للإمام أحمد، وجاء من جاء بعده فاستثمرها واستغلها حتّى صار مذهباً من المذاهب.
قال: وقد دوّن عنه كبار تلامذته مسائل وافرة في عدّة مجلدات. ثمّ ذكر أسماء عدّة من تلاميذه الذين جمعوا مسائل الإمام وفتاواه، وقال:
جمع أبو بكر الخلال سائر ما عند هؤلاء من أقوال أحمد وفتاويه وكلامه في العلل والرجال والسند والفروع حتى حصل عنده من ذلك ما لا يوصف كثرة ورحل إلى النواحي في تحصيله وكتب عن نحو من مائة نفس من أصحاب الإمام، ثمّ كتب كثيراً من ذلك عن أصحاب أصحابه، وبعضه عن رجل، عن آخر، عن آخر، عن الإمام، ثمّ أخذ في ترتيب ذلك وتهذيبه و تبويبه، وعمل كتاب العلم وكتاب العلل وكتاب السنة، كلّ واحد من الثلاثة في ثلاثة مجلدات.(1)فلو صحّ ما ذكره الذهبي فهو يعرب عن أنّ الإمام أحمد لم يكن رجلاً متربعاً على منصة دراسة الفقه وأُصوله وقائماً بتربية الفقيه، وأقصى ما كان يتمتع به هو الإجابة عن الأسئلة التي كانت ترد عليه من العراق وخارجه في ضوء النصوص الموجودة عنده، فتفرقت الأجوبة طبق الأسئلة في البلاد وجمعها «الخلال» في كتاب خاص.
هذا ما ذكره الذهبي ولكنّ الظاهر عن غير واحد ممّن ترجم الإمام أنّه
1) . سير أعلام النبلاء: 330/11.
كان يتحفّظ عن الفتيا ويتزهّد عنه، ولعلّه يرى مقام الإفتاء أرفع وأعلى من نفسه.
روى الخطيب في تاريخه بالإسناد قال: كنت عند أحمد بن حنبل فسأله رجل عن الحلال والحرام، فقال له أحمد: سل عافاك اللّٰه غيرنا.
قال الرجل: إنّما نريد جوابك يا أبا عبد اللّٰه. قال: سل عافاك اللّٰه غيرنا، سل الفقهاء، سل أبا ثور.(1)وهذا يعرب عن أنّ ديدن الإمام في حياته هو التحفّظ والتجنّب عن الإفتاء إلّاإذا قامت الضرورة أو كان هناك نصوص واضحة في الموضوع. وهذا لا يجتمع مع ما نسب إليه الذهبي من أنّ «الخلال» كتب عنه الكتب التي ذكرها.
وهناك تحقيق بارع للشيخ أبي زهرة في كتابه حول حياة ابن حنبل نذكر خلاصة ما جاء فيه:
إنّ أحمد لم يصنّف كتاباً في الفقه يعد أصلاً يؤخذ منه مذهبه ويعد مرجعه ولم يكتب إلّاالحديث، وقد ذكر العلماء أنّ له بعض كتابات في موضوعات فقهية، منها: المناسك الكبير، والمناسك الصغير، ورسالة صغيرة في الصلاة كتبها إلى إمام صلّى هو وراءه فأساء في صلاته، وهذه الكتابات هي أبواب قد توافر فيها الأثر، وليس فيها رأي أو قياس أو استنباط فقهي بل اتّباع لعمل، وفهم لنصوص. ورسالته في الصلاة والمناسك الكبير والصغير
1) . تاريخ بغداد: 66/2.
هي كتب حديث، وكتبه التي كتبها كلّها في الحديث في الجملة، وهي المسند والتاريخ والناسخ والمنسوخ والمقدّم والمؤخّر في كتاب اللّٰه وفضائل الصحابة والمناسك الكبير والصغير والزهد، وله رسائل يبيّن مذهبه في القرآن والرد على الجهمية والردّ على الزنادقة.
وإذا كان أحمد لم يدوّن في الفقه كتاباً ولم تنشر آراؤه ولم يملها على تلامذته كما كان يفعل أبو حنيفة، فإنّ الاعتماد في نقل فقهه إنّما هو على عمل تلاميذه فقط، وهنا نجد أنّ الغبار يثار حول ذلك النقل من نواح متعددة.
إنّ المروي عن ذلك الإمام الأثري - الذي كان يتحفّظ في الفتيا فيقيد نفسه بالأثر، ويتوقف حيث لا أثر ولا نصّ شاملاً عاماً، ولا يلجأ إلى الرأي إلّاحين الضرورة القصوى التي تلجئه إلى الإفتاء - كثير جدّاً، والأقوال المروية عنه متضاربة، وذلك لا يتّفق مع ما عرف عنه من عدم الفتوى إلّا فيما يقع من المسائل ولا يفرض الفروض ولا يشقّق الفروع ولا يطرد العلل، ولقد كان يكثر من قول: لا أدري، فهذه الكثرة لا تتفق مع المعروف منه من الإقلال في الفتيا والمعروف عنه من قول: لا أدري، ومع المشهور عنه من أنّه لا يفتي بالرأي إلّاللضرورة القصوى.
إنّ الفقه المنقول من أحمد قد تضاربت أقواله فيه تضارباً يصعب على العقل أن يقبل نسبة كلّ هذه الأقوال إليه. وافتتح أي كتاب من كتب الحنابلة واعمد إلى باب من أبوابه تجده لا يخلو من عدّة مسائل اختلفت فيها الرواية بين لا ونعم، أي بين النفي المجرّد والإثبات المجرّد.
هذه نواح قد أثارت غباراً حول الفقه الحنبلي وإذا أضيف إليها أنّ كثيراً من القدامى لم يعدّوا «أحمد» من الفقهاء، فابن جرير الطبري لم يعدّه منهم، و «ابن قتيبة» الذي كان قريباً من عصره جدّاً لم يذكره في عصابة الفقهاء بل عدّه في جماعة المحدّثين، ولو كانت تلك المجموعة الفقهية من أحمد ما ساغ لأُولئك أن يحذفوا أحمد عن سجل الفقهاء.(1)
لم يزل النزاع قائماً على قدم وساق بين الحشوية والحنابلة من أهل الحديث من جهة و متكلّمي الأشاعرة من جهة أُخرى - مع أنّ إمام الأشاعرة كان قد أعلن اقتفاء أثر إمام الحنابلة - و نار الجدال مستعرة بين الفريقين، عبر العصور المختلفة، وذلك أنّ الطائفة الأُولى كانت متمسكة بروايات التشبيه والتجسيم، ومثبتة للّٰه سبحانه ما لا تصحّ نسبته إليه، وكانت الطائفة الثانية تتبرأ من هذه الأُمور، ولقد بلغ السيل الزبى في عصر أبي نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم عبد الكريم القشيري رئيس الأشاعرة في وقته، فقام فطاحل الأشاعرة في عصره، تعضيداً ومساندة لشيخهم برفع الشكوى إلى الوزير نظام الملك ممّا تبثه الحنابلة من سموم التشبيه و التجسيم، و تمت الرسالة بتوقيع كثير من علمائهم التي تبيّن جوهر العقيدة الحنبلية في ذلك العصر.
أمّا الوالد فهو أبو القاسم القشيري النيشابوري، وهو من أعاظم الأشاعرة في عصره (ولد عام 376 ه) من العرب الذين وردوا خراسان
1) . ابن حنبل، حياته وعصره: 168-171.
وسكنوا النواحي، كان يعرف الأُصول على مذهب الأشعري والفقه على مذهب الشافعي (توفّي عام 465 ه).(1)وأمّا الولد فهو أبو نصر عبد الرحيم بن أبي القاسم القشيري، ويعرّفه ابن عساكر بأنّه إمام الأئمّة وحبر الأُمّة تخرّج على إمام الحرمين حتى حصل طريقته في المذهب، وتوفّي عديم النظير فريد الوقت سنة 514 ه.(2)يقول ابن عساكر:
وهذه الرسالة بخط بعض أصحاب الإمام أبي نصر عبد الرحيم ابن الأُستاذ القشيري فيها خطوط الأئمّة بتصحيح مقاله وموافقته في اعتقاده على الوجه الذي هو مذكور في هذا الكتاب، فأوقفنا عليه شيخنا أبو محمد القاسم وأسمعناه، وأمرنا بكتابته، فاكتتبناه على ما هو عليه، وأثبتناه في هذه الترجمة اللائقة به، وقد رفع الإمام أبو إسحاق الشيرازي وأصحابه هذا المحضر إلى نظام الملك منتصرين للشيخ أبي نصر بن القشيري، فعاد جواب نظام الملك إلى فخر الدولة وإلى الإمام أبي إسحاق بإنكار ما وقع، والتشديد على خصوم ابن القشيري، و ذلك سنة 469 ه، و إليك المحضر:
بسم اللّٰه الرحمن الرحيم يشهد من ثبت اسمه ونسبه وصحّ نهجه ومذهبه واختبر دينه وأمانته من الأئمّة الفقهاء والأماثل العلماء وأهل القرآن والمعدلين الأعيان وكتبوا خطوطهم المعروفة بعباراتهم المألوفة، مسارعين
إلى أداء الأمانة، وتوخّوا في ذلك ما تحظره الديانة مخافة قوله تعالى: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهٰادَةً عِنْدَهُ مِنَ اَللّٰهِ» إنّ جماعة من الحشوية والأوباش الرعاع المتوسمين بالحنبلية أظهروا ببغداد من البدع الفظيعة والمخازي الشنيعة ما لم يتسمح به ملحد فضلاً عن موحّد، ولا تجوّز به قادح في أصل الشريعة، ولا معطل؛ ونسبوا كلّ من ينزّه الباري تعالى وجلّ عن النقائص والآفات وينفي عنه الحدوث والتشبيهات، ويقدّسه عن الحلول والزوال، ويعظمه عن التغيّر من حال إلى حال، وعن حلوله في الحوادث وحدوث الحوادث فيه، إلى الكفر والطغيان ومنافاة أهل الحق والإيمان، وتناهوا في قذف الأئمّة الماضين، وثلب أهل الحقّ وعصابة الدين، ولعنهم في الجوامع والمشاهد والمحافل والمساجد والأسواق والطرقات والخلوة، والجماعات.
ثمّ غرّهم الطمع والإهمال، ومدّهم في طغيانهم الغي والضلال إلى الطعن فيمن يعتضد به أئمّة الهدى وهو للشريعة العروة الوثقى، وجعلوا أفعاله الدينية معاصي دنية، وترقّوا من ذلك إلى القدح في الشافعي رحمة اللّٰه عليه وأصحابه، واتفق عود الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر ابن الأُستاذ الإمام زين الإسلام أبي القاسم القشيري رحمة اللّٰه عليه من مكة حرسها اللّٰه، فدعا الناس إلى التوحيد وقدس الباري عن الحوادث والتحديد، فاستجاب له أهل التحقيق من الصدور الأفاضل السادة الأماثل، وتمادت الحشوية في ضلالتها والإصرار على جهالتها وأبوا إلّا التصريح بأنّ المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل، وأنّه ينزل بذاته ويتردّد على حمار في صورة
شاب أمرد بشعر قطط وعليه تاج يلمع وفي رجليه نعلان من ذهب، وحفظ ذلك عنهم وعلّلوه ودوّنوه في كتبهم، وإلى العوام ألقوه، وأنّ هذه الأخبار لا تأويل لها، وأنّها تجري على ظواهرها، وتعتقد كما ورد لفظها، وأنّه تعالى يتكلّم بصوت كالرّعد و كصهيل الخيل، و ينقمون على أهل الحق لقولهم إنّ اللّه تعالى موصوف بصفات الجلال، منعوت بالعلم والقدرة والسمع والبصر والحياة والإرادة والكلام، وهذه الصفات قديمة، وإنّه يتعالى عن قبول الحوادث، ولا يجوز تشبيه ذاته بذات المخلوقين ولا تشبيه كلامه بكلام المخلوقين.
ومن المشهور المعلوم: أنّ الأئمّة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم في الفروع كانوا يصرّحون بهذا الاعتقاد ويدرسونه ظاهراً مكشوفاً لأصحابهم ومن هاجر من البلاد إليهم ولم يتجاسر أحد على إنكاره ولا تجوز متجوّز بالرد عليهم دون القدح والطعن فيهم، وانّ هذه عقيدة أصحاب الشافعي رحمه الله يدينون اللّٰه تعالى بها ويلقونه باعتقادها، و يبرأون إليه من سواها من غير شكّ ولا انحراف عنها، وما لهذه العصابة مستند، ولا للحق مغيث يعتمد إلّااللّٰه تعالى، ورأفة المجلس السامي الأجلي العالمي العادلي القوامي النظامي الرضوي أمتعه اللّٰه بحياة يأمن خطوبها باسمة فلا يعرف قطوبها، فإن لم ينصر ما أظهره ويشيد ما أسّسه وعمره بأمر جزم وعزم حتم يزجر أهل الغواية عن غيهم ويردع ذوي العناد عن بغيهم ويأمر بالمبالغة في تأديبهم، رجع الدين بعد تبسّمه قطوباً، وعاد الإسلام كما بدأ غريباً، وعيونهم ممتدة إلى الجواب بنيل المأمول والمراد، وقلوبهم متشوّقة إلى النصرة والإمداد،
فإن هو لم ينعم النظر في الحادث الذي طرقهم ويصرف معظم هممه العالية إلى الكارث الذي أزعجهم وأقلقهم ويكشف عن الشريعة هذه الغمة ويحسم نزغات الشيطان بين هذه الأُمّة، كان عن هذه الظلامة يوم القيامة مسؤولاً.
إذ قد أديت إليه النصائح والأمانات من أهل المعارف والديانات، وبرئوا من عهدة ما سمعوه بما أدّوه إلى سمعه العالي وبلغوه، والحجّة للّٰه تعالى متوجهة نحوه بما مكّنه في شرق الأرض وغربها وبسط قدرته في عجمها وعربها، وجعل إليه القبض والإبرام واصطفاه من جميع الأنام، فما ترد نواهيه وأوامره ولا تعصى مراسمه وزواجره، واللّٰه تعالى بكرمه يوفقه ويسدّده ويؤيد مقاصده ويرشده ويقف فكرته وخواطره على نصرة ملته وتقوية دينه وشريعته بمنّه ورأفته وفضله ورحمته.
نفر يسير، فحملهم الحسد والغيظ على سبّه وسبّ الشافعي وأئمّة أصحابه ونصّار مذهبه، وهذا أمر لا يجوز الصبر عليه ويتعيّن على المولى أعز اللّٰه نصره التنكيل بهذا النفر اليسير الذين تولّوا كبر هذا الأمر وطعنوا في الشافعي وأصحابه، لأنّ اللّٰه عزّوجلّ أقدره، وهو الذي برأ في هذا البلد بإعزاز المذهب بما بنى فيه من المدرسة التي مات كلّ مبتدع من المجسمة والقدرية غيظاً منها وبما يرتفع فيها من الأصوات بالدعاء لأيامه، استجاب اللّٰه فيه صالح الأدعية، ومتى أهمل نصرهم لم يكن له عذر عند اللّٰه عزّجلّ. وكتب إبراهيم بن علي الفيروز آبادي.
المولى أعزّ اللّٰه أنصاره، فيتعيّن عليه الإنكار على هذه الطائفة والتنكيل بهم، لأنّ اللّٰه سبحانه أقدره على ذلك، وهو المسؤول عنه غداً إن توقف فيه وصار قصد المبتدعة أكثره معاداة الفقهاء الذين هم سكان المدرسة الميمونة فإنّهم يموتون غيظاً منهم لما هم عليه من مذاكرة علم الشافعي وإحياء مذهبه. وكتب الحسين بن محمد الطبري.
الأمر على ما شرح في صدر هذا المحضر. وكتب عبيد اللّٰه بن سلامة الكرخي.
الأمر على ما ذكر في هذا المحضر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبدالكريم القشيري أدام اللّٰه حراسته من عقد المجالس للوعظ والتذكير في المدرسة النظامية المعمورة والرباط، وأطنب في توحيد اللّٰه عزّوجلّ والثناء عليه بما يستوجبه من صفات الكمال وتنزيهه عن النقائص و نفي التشبيه عنه واستوفى في الاعتقاد ما هو معتقد أهل السنّة بأوضح الحجج وأقوى البراهين، فوقع في النفوس كلامه، ومال إليه الخلق الكثير من العامة، ورجع جماعة كثيرة من اعتقاد التجسيم والتشبيه واعترفت بأنّها الآن بان لها الحقّ، فحسده المبتدعة المجسمة وغيرهم فحملهم ذلك على بسط اللسان فيه غيظاً منه و سبّ الشافعي رحمة اللّٰه عليه وأئمّة أصحابه ومن ينصرهم، وتظاهروا من ذلك بما لا يمكن الصبر معه، ويتعيّن على من جعل اللّٰه إليه أمر الرعية أن يتقدّم في ذلك بما يحسم مادة الفساد، لأنّ سبب ذلك فرط غيظهم من اجتماع شمل العصابة الشافعية في الاشتغال بالعلم بعمارة المدرسة الميمونة، وتوفّرهم على الدعاء لأيّام من به عزّهم ولا عذر
للتفريط في ذلك. وكتب محمد بن أحمد الشاشي.
الأمر على ما ذكر فيه. وكتب سعد اللّٰه بن محمد الخاطب.
الأمر على المشروح في هذا الصدر من حال الشيخ الإمام الأوحد أبي نصر عبد الرحيم بن عبد الكريم القشيري أكثر اللّٰه في أئمّة أهل العلم مثله من عقد المجالس ونشر العلم ووصف اللّٰه تعالى بما وصف به نفسه من توحيده وصفاته ونفي التشبيه عنه وقمع أهل البدع من المجسمة والقدرية وغيرهم، ولم أسمع منه عدولاً عن مذاهب أهل الحقّ والسنّة والدين القويم والمنهج المستقيم الذي به يدان اللّٰه تعالى و يعبد ويعتقد، فاهتدى بهديه خلق من المخالفين وصار إلى قوله ومعتقده جمع كثير إلّامن شقي به من الحاسدين، فأخلدوا إلى ذمّه وسبه وسب أئمّة الشافعيين، وقدحوا في الشافعي وأصحابه، وصرّحوا بالطعن فيهم في الأسواق وعلى رؤوس الأشهاد، وهذه غمّة و ردّة لا يرجى لكشفها بعد اللّٰه تعالى إلّاالمجلس السامي الأجلي النظامي القوامي العادلي الرضوي، أمتع اللّٰه الدنيا والدين ببقائه وحرس على الإسلام والمسلمين ظليل ظله ونعمائه، ويفعل اللّٰه ذلك بقدرته وطوله ومشيئته. وكتب الحسين بن أحمد البغدادي.
حضرت المدرسة النظامية المنصورة المعمورة أدام اللّٰه سلطان إعزازها والرباط المقدس للصوفية أجاب اللّٰه صالح أدعيتهم في المسلمين مجالس هذا الشيخ الأجل الإمام ناصر الدين محيي الإسلام أبي نصر عبد الرحيم بن الأُستاذ الإمام زين الإسلام أبي القاسم القشيري أحسن اللّٰه عن الشريعة جزاءه، فلم أسمع منه قط إلّاما يجب على كلّ مكلّف علمه
وتصحيح العقيدة به من علم الأُصول وتنزيه الحقّ سبحانه وتعالى ونفي التشبيه عنه، وإقماع الأباطيل والأضاليل وإظهار الحقّ والصدق، حتى أسلم على يديه ببركة التوحيد والتنزيه من أنواع أهل الذمّة عشرات، ورجع إلى الحقّ وعلم الصدق من المبتدعة مئات، وتبعه خلق غير محصور بحيث لم يستطع أحد ممّن تقدّم أو علماء العصر أن يشقّوا غباره في مثل ذلك فخامرهم الحسد وعداوة الجهل وحملهم على الطعن فيه عدواناً وبهتاناً، ثمّ تمادى بهم الجهل إلى اللعن الظاهر للإمام الشافعي قدس سره وسائر أصحابه عجماً وعرباً.
وقائلوا ذلك شرذمة من ناشية أغبياء المجسمة، وطائفة من أرذال الحشوية، استغنوا من الإسلام بالاسم، ومن العلم بالرسم، وتبعهم سوقة لا نسب لهم ولا حسب، وتظاهرت هذه اللعنة منهم في الأسواق، ولم يستحسن أحد من أصحابه - كثرهم اللّٰه - دفع السفاهة بالسفاهة والسيئة بالسيّئة، ويجب على الناظر في أُمور المسلمين من الذي قد انتشر في المشارق والمغارب علمه وعدله وأمره ونهيه، الذي لطاعته نبأت صدور الأولياء والأعداء رغبة ورهبة، نصرته، ومدّ ضبعيه والشد على يديه وتقديم كلمته العليا وتدحيض كلمة أعدائه السفلى، فالصبر في الصدمة الأُولى وهذه الصدمة التي كانت قلوب أصحاب الشافعي كثّرهم اللّٰه وغرة وغلة شغله بها منذ سنين، فانقشع ذلك وانكشف في هذه الأيام المؤيدة المنصورة المؤبدة النظامية القوامية العالمية العادلية نصرها اللّٰه وأعلاها، وقد وقف تمامه على الأمر الماضي المنصور منه فإنّ في شعبة من شعب عنايته
ونصرته وكلمته للدين الذي مد أطراره كفاية وبلاغاً وعلى الغارس تعهد غراسه فضلاً وتعصباً في كلّ وقت. وكتب عزيزي بن عبد الملك في التاريخ حامداً للّٰه ومصلياً على محمّد النبي صلى الله عليه و آله و سلم وصحبه وسلم وشرف وكرم.(1)وأصحاب الخطوط في هذا المحضر هم كبار أئمّة المذهب الشافعي ببغداد في ذلك العهد، فقد ترجمهم محقّق كتاب «تبيين كذب المفترى» في تعليقته على الكتاب، ثمّ أضاف:
ولما طفح كيل فتن الحشوية الذين لا يكادون يفقهون حديثاً، اضطر أكابر العلماء المعروفون بكمال الهدوء والتؤدة والأناة إلى قمع فتنتهم بالسعي لدى ولي الأمر سعياً حثيثاً، ورفع الإمام أبو إسحاق الشيرازي وأصحابه هذا المحضر إلى نظام الملك منتصرين للشيخ أبي نصر ابن القشيري، فعاد جواب نظام الملك إلى فخر الدولة و إلى الإمام أبي إسحاق بإنكار ما وقع، والتشديد على خصوم ابن القشيري وذلك سنة تسع وستين وأربعمائة، فسكن الحال ثمّ أخذ الشريف أبو جعفر بن أبي موسى - و هو شيخ الحنابلة إذ ذاك - وجماعته يتكلّمون في الشيخ أبي إسحاق ويبلغونه الأذى بألسنتهم، فأمر الخليفة بجمعهم والصلح بينهم بعد ما ثارت بينهم فتنة هائلة ذهب فيها نحو من عشرين قتيلاً، فلمّا وقع الصلح وسكن الأمر أخذ الحنابلة يشيعون أنّ الشيخ أبا إسحاق تبرأ من مذهب الأشعري، فغضب الشيخ لذلك غضباً لم يصل أحد إلى تسكينه حتى كتب إلى نظام الملك يشكو أهل الفتن، فعاد الجواب في سنة سبعين وأربعمائة إلى الشيخ
1) . تبيين كذب المفتري: 310-318.
باستجلاب خاطره وتعظيمه، والأمر بتأديب الذين أثاروا الفتنة وبأن يسجن الشريف أبو جعفر، فهدأ الحال وسكن جأش الشيخ وانقمعت الحشوية، وتنفّس أهل السنّة الصعداء وإلى اللّٰه عاقبة الأُمور.
قد تعرّفت في البحوث السابقة على أنّه كان لمنع تدوين الحديث في العصور الأُولى الإسلامية تأثير خاص في تسرب عقائد اليهود والنصارى إلى أوساط المسلمين ولا سيما أهل الحديث منهم. ففي ظل ذلك المنع، ظهرت الفرق الباطلة من المجسّمة والمشبّهة ودعاة القول بالجهة للّٰه سبحانه وجلوسه على العرش ناظراً إلى ما دونه ممّا يتحاشى عنه أهل التنزيه.
ولم يكن ظهور تلك العقائد أمراً غير مترقب، بل كان نتيجة حتمية للعوامل السائدة على تلك البيئة، إذ في الظروف التي يصلب فيها العقل ويعدم، ويعاب فيها التفكير في العقائد والمعارف، ويكتفى عن التدبر في الذكر الحكيم، بالبحث عن القراءات السبع أو العشر، ويعرف الاستدلال والإمعان في الكتاب العزيز بأنّه تأويل باطل، بل كفر و زندقة، ويفسح المجال للمتظاهرين بالإسلام من الأحبار والرهبان ليقوموا بنشر قصص الأوّلين وأساطير الآخرين - ففي تلك الظروف - لا تظهر على مسرح العقائد، إلّاعقائد الطوائف المنحرفة، ولا غرو حينئذٍ في أن يصوّر إله العالم بصورة موجود مادي ذي جهات وأبعاض وأيدٍ وأرجل، له تكلم وضحك وما يضاهي هذه النظريات.
وقد جاء بعض الخلف محاولاً تصحيح هذه المأثورات، بإضافة «بلا كيف» عقيب هذه الصفات، ولكن المحاولة فاشلة جدّاً، فإنّ مرجعها إلى أنّه سبحانه جسم بلا كيف، ولا يختلف التعبيران إلّافي الصراحة والكناية.
ومن العقائد الغريبة التي ظهرت في أواخر القرن الثاني، كون كلامه سبحانه قديماً غير مخلوق، وقد تلقّاه أهل الحديث أمراً مسلماً، وكان اللائق بمنهجهم هو السكوت، لاعترافهم بعدم ورود نصّ من رسول اللّٰه فيها، ولكنّهم اعتنقوا هذه العقيدة اعتناقاً وثيقاً لم ير مثله في سائر المسائل، حتّى استعدوا في طريقه لتقديم التضحيات الثمينة، من شتى أنواع الضرب والحبس والتقيد، وذلك عندما عزم المأمون على ردعهم عن القول بقدم القرآن، فاستتاب أهل الحديث منه، فاستجاب بعضهم دون بعض وممّن أظهر الصمود والثبات على تلك العقيدة إمام الحنابلة أحمد بن حنبل. وقد ضرب في عصر الخليفة المعتصم فلم يرتدع، فصار ذلك سبباً لاشتهار الرجل بينهم، وبلوغه قمة الإمامة في العقائد والسنّة، واكتسابه مكانة مرموقة بين الناس. فصارت السنّة ما أمضاه الإمام والبدعة ما هجره، فراجت رسائله وكتبه التي ألّفت باسم عقيدة أهل السنّة، وكانت الرئاسة في باب العقائد منحصرة به إلى أن ظهر الإمام الأشعري تائباً عن الاعتزال، معلناً التحاقه في العقائد بالإمام أحمد، وعدّ نفسه مدافعاً عن عقائد أهل السنّة تارة بالنصوص والأحاديث، وأُخرى بالاستدلال والبرهنة: فألّف في بداية الالتحاق كتاب «الإبانة» وهو تصوير خاص لرسائل إمام مذهبه، كما ألّف في الفترة الأُخرى كتاب «اللمع» وهو تصوير لما يملكه من الفكر الذي ورثه عن المعتزلة حينما كان منتهجاً مناهجهم.
وبما أنّ الإمام الأشعري قد قضى شطراً كبيراً من عمره بين أهل الفكر والتعقّل، فلذا أخذ بالتعديل والتهذيب في عقائد المذهب الأُم - أهل الحديث - وما قام به من العملية العقلية وإن أغضبت ثلة من الحنابلة وأهل الحديث، حتى إنّ كبير الحنابلة (البربهاري) في ذلك الوقت لم يقبل دفاع الشيخ الأشعري عن عقائد أهل السنّة بالبرهنة والاستدلال، ولكن النفوس المستعدة المتنورة تأثّرت بمنهج الإمام الأشعري، وزاد الإقبال عليه وتوفر الثناء على فكرته.
وعلى ضوء منهجه ألّف الإمام البيهقي(1)صاحب السنن الكبرى كتاب «الأسماء والصفات» وعالج فيه كثيراً من روايات التشبيه والتجسيم، كما قام ابن فورك(2)
يقول المقريزي في خططه (ج 2، ص 358) في بيان حقيقة المذهب الأشعري: إنّه سلك طريقاً بين النفي الذي هو مذهب الاعتزال (نفي الصفات الخبرية كاليد والوجه)، وبين الإثبات الذي هو مذهب أهل التجسيم وناظر على قوله هذا واحتج لمذهبه فمال إليه جماعة وعوّلوا على رأيه، منهم: القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني المالكي، و أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن مهران الإسفرائيني، والشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، والشيخ أبو حامد محمد بن أحمد الغزالي، وأبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد الشهرستاني، والإمام فخر الدين محمد بن عمر بن حسين الرازي وغيرهم ممن يطول ذكره ونصروا مذهبه وناظروا عليه وجادلوا فيه واستدلّوا له في مصنّفات لا تكاد تحصر، فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعري في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام، إلى آخر ما ذكره.
بتأليف كتاب «مشكل الحديث وبيانه»، كلّ ذلك على1) . هو الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي (المتوفّي عام 458 ه) وطبع كتاب «الأسماء والصفات» في مصر بتصحيح الشيخ محمد زاهد الكوثري. ومن المأسوف عليه أنّ يد الخيانة أسقطت مقدمة الأُستاذ الشيخ سلامة العزامي الشافعي عند إعادة الطبع بالأُفست، وما هذا إلّالأنّ المقدمة كانت على ضد السلفية والوهابية.
2) . هو أبو بكر محمد بن حسن بن فورك (المتوفّى عام 406 ه) له ترجمة في تبيين ابن عساكر: 232-233.
الخط الذي رسمه الأشعري في تنزيهه سبحانه.
قد كان لانتشار مذهب الأشعري تأثير خاص في إبعاد الإمام أحمد عن ساحة العقائد، وأُفول إمامته في الأُصول، وانزوائه في كثير من البلدان وإقامة الأشعري مقامه. فصار الفرع الذي اشتق من الأصل المذهب الرسمي لأهل السنّة. وبلغت إمامة الفرع إلى الحدّ الذي كلّما أطلق مذهب أهل السنّة لا يتبادر منه إلّاذلك المذهب أو ما يشابهه كالماتريدية.
يقول المقريزي بعد الإشارة إلى أُصول عقيدة الإمام الأشعري: هذه جملة من أُصول عقيدته التي عليها الآن جماهير أهل الأمصار الإسلامية، والتي من جهر بخلافها أريق دمه.(1)نعم، بلغ الإمام الأشعري قمة الإمامة في العقائد من دون أن يمس إمامة أحمد في الفروع ومرجعيته في الفتيا، كيف وهو أحد المذاهب الأربعة الرسمية بين أهل السنّة إلى الآن في العواصم الإسلامية، لكن لا في نطاق واسع بل في درجة محدودة تتلو إمامة أبي حنيفة والشافعي ومالك.
1) . الخطط المقريزية: 390/2.
لقد اهتم بعض الحنابلة - أعني: أحمد بن تيمية الحراني الدمشقي (المتوفّى عام 728 ه) - بإحياء مذهب السلفية على المفهوم الذي كان رائجاً في عصر الإمام أحمد وقبله وبعده إلى ظهور الأشعري، فأصرّ على إبقاء أحاديث التشبيه والجهة بحالها من دون توجيه وتصرف، وهاجم التأويلات التي ذكرها بعض الأشاعرة في كتبهم حول تلك الأحاديث. ولكنّه لم يكتف بمجرّد الإحياء، بل أدخل في عقائد السلف أُموراً لا ترى منها أثراً في كتبهم، فعد السفر لزيارة الرسول الأعظم بدعة وشركاً، كما عدّ التبرّك بآثارهم والتوسّل بهم شيئاً يضاد التوحيد في العبادة. وقد ضم إلى ذينك الأمرين شيئاً ثالثاً وهو إنكار كثير من الفضائل الواردة في آل البيت، المروية في الصحاح والمسانيد حتى في مسند إمامه أحمد. وبذلك جدد الفكرة السلفية الخاصة المتبلورة في الفكرة العثمانية التي تعتمد على التنقيص من شأن علي وإشاعة بغضه وعناده.
وبذلك نقض قواعد ما أرساه إمامه أحمد من مسألة التربيع وجعل علي عليه السلام رابع الخلفاء الراشدين، وأنّ عليّاً كان أولى وأحقّ من خصومه.
ومن حسن الحظ إنّه لم يتأثر بدعوته إلّاالقليل من تلامذته كابن القيم (المتوفّى عام 751 ه) كيف وقد عصفت الرياح المدمرة بما أظهر، حيث قابل منهجه المحقّقون بالطعن والردّ الشديدين، فأفرد بعضهم في الوقيعة به
تآليف حافلة، وجاء البعض الآخر يزيف آراءه ومعتقداته في طي كتبه، وقام ثالث يترجمه ويعرفه للملأ ببدعه وضلالاته.
وكفى في ذلك ما كتبه بعض معاصريه كالذهبي، فإنّه كتب رسالة مبسوطة إليه ينصحه ويعرفه بأنّه ممّن يرى القذاة في عين أخيه وينسى الجذع في عينيه، وأنّه لم تسلم أحاديث الصحيحين من جانبه ثمّ خاطبه بقوله: أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان لك أن تتوب وتنيب؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟.(1)وهناك كلام للمقريزي يقول بعد الإشارة إلى اشتهار مذهب الأشعري وانتشاره في أمصار الإسلام: إنّه نسي غيره من المذاهب وجهل حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه. إلّاأن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبد اللّٰه أحمد بن محمد ابن حنبل - رضي اللّٰه عنه - فإنّهم كانوا على ما كان عليه السلف لا يرون تأويل ما ورد من الصفات، إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني، وتصدّى للانتصار لمذهب السلف، وبالغ في الرد على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكيرة عليهم وعلى الرافضة وعلى الصوفية، فافترق الناس فيه فريقان فريق يقتدي به ويعول على أقواله ويعمل برأيه ويرى أنّه شيخ الإسلام وأجل حفاظ أهل الملّة الإسلامية، وفريق يبدعه ويضلّله
1) . تكملة السيف الصقيل: 190، ونقل قسماً من هذه الرسالة العزامي في الفرقان الذي طبع في مقدّمة الأسماء والصفات للبيهقي، ونقله العلاّمة الأميني في غديره: 87/5-89.
ويزري عليه بإثباته الصفات وينتقد عليه مسائل منها ما له فيه سلف ومنها ما زعموا أنّه خرق فيه الإجماع ولم يكن له فيه سلف، وكانت له ولهم خطوب كثيرة وحسابه وحسابهم على اللّٰه الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء وله إلى وقتنا هذا عدة أتباع بالشام وقليل بمصر.(1)
لم يتعظ الرجل من قول ناصحه المشفق حتى أدركته المنية في سجن دمشق، ولكن كانت بذرة الضلال مدفونة في الكتب وزوايا المكتبات إلى أن ألقى الشر بجرانه، وجاء الدهر بمحمّد بن عبد الوهاب النجدي في القرن الثاني عشر (1115-1206 ه) فحذا حذو ابن تيمية، وأخذ وتيرته واتبع طريقته، فأحيا ما دثره الدهر، ودعا إلى السلفية من جديد، غير أنّه اتّخذ ما أضافه ابن تيمية إلى عقائد السلف ممّا لا يرتبط بمسألة التوحيد والشرك، كالسفر إلى زيارة النبي صلى الله عليه و آله و سلم والتبرك بآثاره، والتوسل به، وبناء القبة على قبره، قاعدة أساسية لدعوته، ولم يهتم في تآليفه بمسألة التشبيه وإثبات الجهة والفوق.
نعم، لمّا استفحلت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد وقام أُمراء المنطقة (آل سعود) بترويج منهجه واستغلوه للسيطرة على الجزيرة العربية، اهتمت الوهابية بنشر ما ألّفه السلف حول البدع السابقة الموروثة
1) . الخطط المقريزية: 358/2-359.
من اليهود والنصارى، فصار إثبات الصفات الخبرية كاليد والوجه والاستواء بمفهومها اللغوي مذهباً رسمياً لدعاة الوهابية، لا يجترئ عالم على مخالفته في أوساطهم.(1)وبذلك وردت الدعوة السلفية في مراحلها التاريخية المرحلة الثالثة بعد الاندراس و لمّا تمّت معاملة الدول الكبرى على الخلافة العثمانية المسيطرة على أكثر ربوع الإسلام - يوم ذاك - و أُقصيت من ساحة البلاد العربية، حلّت سيطرة آل سعود المتبنين للعقيدة الوهابية من لدن ميلادها، محلها في أرض الحجاز عموماً، والحرمين الشريفين خصوصاً. ومن جراء ذلك أخذت الدعوة الوهابية تنتشر في الأراضي المقدسة بالطابع السلفي، فصارت السلفية والوهابية وجهين لعملة واحدة، وقد استعانت السلطة السعودية بكلّ ما تملك من قوّة وقدرة إرهابية، ودراهم ودنانير ترغيبية، لنشر المنهج الوهابي، ولكلّ من ذينك الأمرين أهله ومحله. فاستعملت الأوّل في الأُميّين والرعاع من الناس، واشترت بالثاني أصحاب القلم وأرباب الجرائد والمجلات وسائر وسائل الإعلام. فصارت السلفية في هذه الأماكن رمز الإسلام الأصيل، وآية الدين الصحيح، المجرّد عن البدع اللصيقة به بعد لحوق النبي صلى الله عليه و آله و سلم بالرفيق الأعلى.
1) . وقد ألّف رضا بن نعسان معطي في مكة المكرمة كتاباً حول الصفات الخبرية سماه «علاقة الإثبات والتفويض بصفات ربّ العالمين» وقدم له عبد العزيز بن باز رئيس إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وأصر فيه على أنّ عقيدة السلف في هذه الصفات إبقاؤها على مفاهيمها اللغوية بلا تغيير وتصرف. وغير خفي على النبيه أنّه لا ينتج إلّاالتجسيم وإن كان الكاتب والمقرظ لا يعترفان به، ولكنّه لا ينفك عن تلك النتيجة.
وقد استعانت هذه السلطة في تسريع الحركة الوهابية في هذا الزمان بما ظهر في المناطق الشرقية من الجزيرة من الذهب الأسود، فاستولت على زبرج الدنيا وزينتها وتمادت في غيّها وساقت كثيراً من الناس إلى معاسيف السبل ومعاميها، حتّى تأثر بتلك الحركة بعض الشبان وغيرهم خارج الجزيرة العربية.
إنّ الدعايات الخادعة، أثرت في تفكير كثير من الناس إلى حدّ تخيل لهم أنّ تجديد مجد الإسلام وبلوغ المسلمين إلى ذروة السنام لا يتم إلّا بإحياء ما كان عليه السلف في الأُصول والفروع، ويريدون منه عهود الخلافة الراشدة والأمويين والعباسيين، فكأنّ حياتهم في تلك العصور كانت باقات زهور تفتحت في تلك القرون، فعم ريحها وريحانها أجواء الأقطار الإسلامية، فلأجل ذلك يتطلّعون إلى تلك العهود تطلع الصائم إلى الهلال، والظامئ إلى الماء.
لكن الدعايات الخاطئة عاقتهم عن التعرف على ما في تلك العصور من النقاش والخلاف بين المسلمين وسفك الدماء وقتل الأولياء وحكومة الإرهاب والإرعاب، إلى غير ذلك من المصائب والطامات الكبرى.
ولو درسوا تاريخ السلف - منذ فارق النبي الأعظم المسلمين وتسنم الأمويون منصة الخلافة إلى أن انتكث فتلهم، وأجهز عليهم عملهم، وورثهم العباسيون ولم يكونوا في العمل والسيرة بأحسن حال منهم - لوقفوا على أنّ حياة السلف لم تكن حياة مثالية راقية، بل كانت تسودها المجازر الطاحنة
الدامية، والجنايات الفظيعة التي ارتكبتها الطغمة الأموية والعباسية في حقّ الأبرياء الأولياء والعلويين من العترة الطاهرة. فلو صحّ ما في التواريخ المتواترة، لدلّقبل كلّ شيء على أنّ السلف لم يكن بأفضل من الخلف، وأنّ الخلف لم يكن بأسوأ من السلف، ففي كلتا الفئتين رجال صالحون مثاليون كما فيهما رجال دجّالون وأُناس طالحون.
ومن المؤسف أنّ السلفية اتخذت لنفسها في الآونة الأخيرة طابعاً حاداً وسلوكاً في غاية الجمود و التحجّر، وفي منتهى التقشف والتزمت حتى ذهب من ينحو هذا المنحى إلى تحريم كلّ ما يتصل بالحضارة ومعطياتها المباحة شرعاً، فإذا بهم يحرمون حتى التصوير الفوتوغرافي ويهاجمون الراديو والتلفزيون(1)عتواً وجهلاً.
وقد كان هذا الموقف الجامد المتحجّر، وهذا التزمت والجفاف الذي ما أنزل اللّٰه به من سلطان، والذي أسند - و للأسف - إلى الإسلام، وما رافقه من قوة على الآخرين ورميهم بالبدعة، والخروج على الدين بحجة عدم الانقياد لمواقف السلف، وآرائهم، وراء ابتعاد جماعات كبيرة من الشباب من أبناء المسلمين عن الإسلام السهل الحنيف، وإساءة الظن به وبمؤسساته. وهذا هو ما حدا ببعض الغيارى والمتحررين من المفكّرين
1) . راجع مجلة الفرقان العدد الخامس من السنّة الأُولى وتصدرها جماعة من السلفيّين المتشدّدين.
الإسلاميين إلى التصدّي لهذا الاتجاه الدخيل على الإسلام البعيد عن روحه النقية السمحة.
وممن انبرى لإبطال هذا المذهب وإزالة الغبار عن وجه الحقيقة الأُستاذ محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه «السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي».
حيث عمد أوّلاً إلى تفنيد زعم السلفيين المعاصرين بأنّ على المسلم أن يجمد على ما ورد عن السلف وعلى منهجهم وكأنّه مذهب إسلامي مقدس لا يجوز أن تناله يد الجرح والتعديل، ولا أن يخضع للنقاش والنقد، بل لا يجوز أن يتخطى في مقام العمل والسلوك.
حيث قال: إنّ اتّباع السلف لا يكون بالانحباس في حرفية الكلمات التي نطقوا بها أو المواقف الجزئية التي اتخذوها، لأنّهم هم أنفسهم لم يفعلوا ذلك.(1)ثمّ قال: إنّ من الخطأ بمكان أن نعمد إلى كلمة (السلف) فنصوغ منها مصطلحاً جديداً طارئاً على تاريخ الشريعة الإسلامية والفكر الإسلامي ألا وهو (السلفية) فنجعله عنواناً مميزاً تندرج تحته فئة معينة من المسلمين تتخذ لنفسها من معنى هذا العنوان وحده، مفهوماً معيناً، وتعتمد فيه على فلسفة متميزة بحيث تغدو هذه الفئة بموجب ذلك، جماعة إسلامية جديدة في قائمة جماعات المسلمين المتكاثرة والمتعارضة بشكل مؤسف في هذا العصر، تمتاز عن بقية المسلمين بأفكارها وميولها، بل تختلف عنهم حتّى
1) . السلفية مرحلة زمنية: 12.
بمزاجها النفسي ومقاييسها الأخلاقيّة كما هو الواقع اليوم فعلاً.
بل إنّنا لا نعدو الحقيقة إن قلنا: إنّ اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها بدعة طارئة في الدين لم يعرفها السلف الصالح لهذه الأُمّة، ولا الخلف الملتزم بنهجه.(1)ويقول: إنّ السلف أنفسهم لم يكونوا ينظرون إلى ما يصدر عنهم من أقوال أو أعمال أو تصرفات، هذه النظرة القدسية الجامدة التي تقتضيهم أن يسمِّروها بمسامير البقاء والخلود، بل ساروا وراء ذلك مع ما تقتضيه علل الأحكام وسنة التطور في الحياة، وعوامل التقدم العلمي، ومنطق التجاوز المستمر من الصالح إلى الأصلح كما سايروا الأعراف المتطورة من عصر إلى آخر، أو المتبدلة ما بين بلدة وأُخرى ما دام ذلك كلّه منتشراً وراء أسوار النصوص الحاكمة والمهيمنة.(2)ثمّ أشار إلى نماذج من مواقف السلف التي تطورت مع تطور الأحوال والأوضاع في شتى مجالات العلم والسلوك.
ثمّ قال: إنّ السلف أنفسهم لم يجمدوا عند حرفية أقوال صدرت منهم، كما لم يتشبّثوا بصور أعمال أو عادات ثبتوا عندها ثمّ لم يتحولوا عنها، بل الذي رأيناه في هذه النماذج اليسيرة هو نقيض ذلك تماماً، فكيف نقلّدهم في شيء لم يفعلوه، بل ساروا في طريق معاكس له...؟(3)
ثمّ ينتهي إلى القول: إنّ كلّ ما ذكرنا هنا تلخيص إجمالي للبرهان على أنّ السلفية لا تعني على كلّ حال إلّامرحلة زمنية مرت... فإن قصدت بها جماعة إسلامية ذات منهج معين خاص بها، يتمسّك به من شاء، ليصبح بذلك منتسباً إليها منضوياً تحت لوائها، فتلك إذن إحدى البدع المستحدثة بعد رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.(1)ثمّ لإبطال حجّية مواقف السلف على من بعدهم ما لم يستند إلى برهان يشير إلى نماذج من خلافاتهم واختلافاتهم في المواقف والآراء(2)ثمّ يقول: فلو كانت اتجاهات السلف واجتهاداتهم هذه حجّة لذاتها، لا تحتاج هي بدورها إلى برهان أو مستند يدعمها، لأنّها هي برهان نفسها، إذن لوجب أن تكون تلك النظرات المتباعدة بل المتناقضة كلّها حقّاً وصواباً، ولوجب المصير دون أي تردد إلى رأي المصوبة.
وعن إمكانية طروء الخطأ على مواقف السلف يقول: إنّ اقتداءنا بالسلف لا يجوز أن يكون بواقعهم الذي عاشوه من حيث إنّهم أشخاص من البشر يجوز عليهم كلّ أنواع الخطأ والسهو والنسيان، فإنّهم من هذا الجانب بشر مثلنا لا يمتازون عن سائر المسلمين بشيء.(3)من هنا يرى أنّ على الأُمّة إذا أرادت أن تصل إلى الحقيقة الإسلامية في مجال العقيدة والسلوك أن تتبع منهجاً في هذا المجال لا أن تكتفي
بمجرّد اتباع السلف بشكل مطلق، فيقول في هذا الصدد:
إنّ الإنسان لكي يمارس الإسلام يقيناً وسلوكاً لابدّ أن يجتاز المراحل الثلاث التالية:
أ. التأكّد من صحّة النصوص الواردة والمنقولة عن فم سيدنا محمّد صلى الله عليه و آله و سلم قرآناً كانت هذه النصوص أم حديثاً، بحيث ينتهي إلى يقين بأنّها موصولة النسب إليه، وليست متقوّلة عليه.
ب. الوقوف بدقة على ما تتضمنه وتعينه تلك النصوص بحيث يطمئن إلى ما يعنيه ويقصده صاحب تلك النصوص منها.
ج. عرض حصيلة تلك المعاني والمقاصد التي وقف عليها وتأكد منها، على موازين المنطق والعقل (ونعني بالمنطق هنا قواعد الدراية والمعرفة عموماً) لتمحيصها ومعرفة موقف العقل منها.(1)وعندما شرح البند الأوّل والعلّة الموجبة له يشير إلى ما تعرض له الحديث النبوي على يد الوضّاعين والزنادقة، ويشير إلى أقسام الحديث من متواتر وصحيح وضعيف، ممّا يجعلنا نتحفظ تجاه النصوص، ولا نقدم على الأخذ بها لمجرّد رواية السلف لها أو روايتها عن السلف، بل نأخذ بها بعد التمحيص والتحقيق حسب الميزان المذكور.
فيقول: فمن التزم بمقتضى هذا الميزان فهو متبع كتاب اللّٰه متقيد بسنة رسول اللّٰه، سواء أكان يعيش في عصر السلف أو جاء بعدهم، ومن لم يلتزم
1) . نفس المصدر: 63.
بمقتضاه فهو متنكب عن كتاب اللّٰه، تائه عن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام وإن كان من الرعيل الأوّل، ولم يكن يفارق مجلس رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم.(1)وبعد أن يسهب في شرح تفاصيل هذا المنهج يقول: ولم نعلم أنّ في أهل هذه القرون الغابرة كلّها من قد استبدل بهذا المنهج الذي كان ولا يزال فيصل ما بين أهل الهداية والضلال، التمذهب بمذهب يسمّى السلفية بحيث يكون الانتماء إليه هو عنوان الدخول في ساحة أهل الهداية والرشاد. وعدم الانتماء إليه هو عنوان الجنوح إلى الزيغ والضلالة والابتداع.
ولقد أصغينا طويلاً ونقبنا كثيراً فلم نسمع بهذا المذهب في أيّ عصر من عصور الإسلام الغابرة، ولم يأت من يحدثنا بأنّ المسلمين في عصر ما قد انقسموا إلى فئة تسمّي نفسها السلفية وتحدد شخصيتها المذهبية هذه بآراء محددة تنادي بها، وأخلاقية معينة تصطبغ بها، وإلى فئة أُخرى تسمى من وجهة نظر الأُولى بدعية أو ضلالية أو خلفية أو نحو ذلك، كلّ الذي سمعناه وعرفناه أنّ ميزان استقامة المسلمين على الحقّ أو جنوحهم عنه إنّما مردّه إلى اتّباع المنهج المذكور.
وهكذا، فقد مرّ التاريخ الإسلامي بقرونه الأربعة عشر دون أن نسمع عن أي من علماء وأئمّة هذه القرون أنّ برهان استقامة المسلمين على الرشد يتمثل في انتسابهم إلى مذهب يسمّى بالسلفية فإن هم لم ينتموا إليه
1) . السلفية مرحلة زمنية: 79.
ويصطبغوا بمميزاته وضوابطه، فأُولئك هم البدعيون الضالّون.
إذن فمتى ظهرت هذه المذهبية التي نراها بأُمّ أعيننا اليوم والتي تستثير الخصومات والجدل في كثير من أصقاع العالم الإسلامي، بل تستثير التنافس والهرج في كثير من بقاع أوروبا حيث يقبل كثير من الأوروبيين على فهم الإسلام ويبدون رغبة في الانتساب إليه؟(1)وبعد أن يشير إلى مبدأ ظهور هذه الكلمة (السلفية) وسبب ذلك، وكيف أنّها استخدمت في ذلك الوقت للدعوة إلى السير على خطا المسلمين الأُول في الالتزام بأصل الإسلام في مواجهة الموجة المادية الغربية التي اجتاحت البلاد الإسلامية في أوائل القرن العشرين، ولكنّها تحولت فيما بعد إلى لقب، لقب به الوهابيون مذهبهم، وهم يرون أنّهم دون غيرهم من المسلمين على حقّ، وأنّهم دون غيرهم الأُمناء على عقيدة السلف، والمعبرون عن منهجهم في فهم الإسلام وتطبيقه، وأمّا الآخرون فكفرة ضالّون.
يقول بعد كلّ هذا تحت عنوان: «التمذهب بالسلفية بدعة لم يكن من قبل»:
إذا عرف المسلم نفسه بأنّه ينتمي إلى ذلك المذهب الذي يسمّى اليوم بالسلفية، فلا ريب أنّه مبتدع...
فالسلفي اليوم، كلّ من تمسّك بقائمة من الآراء الاجتهادية المعينة
1) . السلفية مرحلة زمنية: 230-231.
ودافع عنها وسفّه الخارجين عليها ونسبهم إلى الابتداع، سواء منها ما يتعلق بالأُمور الاعتقادية، أو الأحكام الفقهية والسلوكية.(1)ثمّ أشار الأُستاذ البوطي إلى الآثار الضارة الّتي لحقت بالأُمّة الإسلامية من جرّاء هذه البدعة، وما يلازمها من عصبية مقيتة ومواقف متصلّبة وعنيفة. وما أوجدت من مشاكل في الأوساط الإسلامية... وأشار - فيما أشار - إلى تهجّم السلفيين على جماعة من المسلمين المجاهدين في سبيل اللّٰه لا لشيء إلّالأنّ السلفيين لا يرتضون بعض أعمالهم المباحة شرعاً.
حيث قال: وفي إحدى الأصقاع النائية(2)حيث تدافع أُمّة من المسلمين الصادقين في إسلامهم عن وجودها الإسلامي وعن أوطانها وأراضيها المغتصبة، تصوّب إليهم من الجماعات السلفية سهام الاتّهام بالشرك والابتداع، لأنّهم قبوريون توسّليون(3)ثمّ تتبعها الفتاوى المؤكّدة بحرمة إغاثتهم بأيّدعم معنوي أو عون مادي، ويقف أحد علماء تلك الأُمّة المنكوبة المجاهدة ينادي في أصحاب تلك الفتاوى والاتهامات: يا عجباً لإخوة يرموننا بالشرك مع أنّنا نقف بين يدي اللّٰه كلّ يوم خمس مرات
1) . نفس المصدر: 236-237.
2) . والمراد هو إيران المسلمة وذلك عند دفاع أهلها عن وطنهم ومقدّساتهم في الحرب المفروضة عليهم من جانب الاستكبار العالمي وعملائه.
3) . نعم هذا هو ما كان يفعله السعوديون الذين يتسترون تحت غطاء السلفية فكانوا يساعدون النظام الإلحادي البعثي العراقي بالمال والسلاح والدعاية مجاهرين بذلك. وحبذا لو أنّ الأُستاذ الشهم كشف عن اسم هذه الفرقة المتجنّية على الإسلام والمسلمين، التي لم تكتف بتكفير المسلمين في إيران بل كفرت كلّ المسلمين وضلّلتهم.
نقول: «إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ»(1)... لكن النداء يضيع، ويتبدّد في الجهات دون أيّ متدبر أو مجيب!!(2)ثمّ يقول: إنّ استنكار هذه الرعونات الشنيعة لا يكون إلّابمعالجتها، ولا تكون معالجتها إلّابسد الباب الذي اقتحمت منه، وإنّما الباب الذي اقتحمت منه هو الإقدام على اقتطاع جماعة من جسم الجماعة الإسلامية الواحدة، واختراع اسم مبتدع لها ثمّ تغذية روحها العصبية وأنانيّتها الجماعية بمقوّمات معينة وأساليب وأخلاقيات متميزة تدافع بها عن كيانها الذاتي، بل تتّخذ من هذا الاسم سلاحاً لمقاومة الآخرين وطعنهم دون هوادة إذا اقتضى الأمر.(3)ثمّ يشير الأُستاذ إلى استفادة أصحاب الفكر اليساري من هذه البدعة لصالح المادية الماركسية الجدلية حيث اعتبروا هذه البدعة دليلاً على صحّة نظريتهم التاريخية في مجال التناقض والصيرورة، في غفلة من أصحاب هذه البدعة.
لقد قامت «الوهابية» المفروضة على الشعب المسلم في الجزيرة العربية باسم «السلفية» بتدمير الآثار الإسلامية وقد ركزت جهودها في هذه
الأيّام على محو آثار الإسلام ومعالمه وطمس كلّ أثر ديني حتى المساجد، مع أنّ مؤسس «الوهابية»، أعني: «محمد بن عبد الوهاب»، كان يركز جهوده على هدم القبور فقط لا على هدم كلّ أثر ديني للرسول الأعظم وصحابته المنتجبين، لكنّ حلفاءه بدأوا في هذه الأيام بالقضاء على الآثار الدينية باسم تطوير البلدين: مكة والمدينة فترى كيف طمست حتى في هذه السنوات الأخيرة (1396-1408 ه ق) عشرات من الآثار الإسلامية ومحيت معالمها تحت غطاء توسعة المسجد النبوي، أو تطوير المدينة وإعمارها، وكأنّ التطوير يتوقف على التدمير ولا يجتمع مع حفظ تلك الآثار في مكانها، ولا نشكّ نحن وكلّ متحرق على الحقّ والحقيقة أنّها مؤامرة شيطانية على الإسلام وأهله.
والعجب أنّ «السعوديين» يقومون بهذا العمل باسم الاقتداء بالسلف مع أنّ السلف في القرون السابقة فرضوا على أنفسهم رعايتها، فإنّ الحكام - الذين تعاقبوا على مسند الحكم في الحجاز عدا يزيد - فرضوا على أنفسهم حفظها ورعايتها غير أنّها في هذه الأيام، كأنّها أصبحت ملكاً صرفاً لآل سعود، وكأنّها ليست آثاراً إسلامية ولا تخص مليار مسلم فضلاً عن الأجيال اللاحقة، ولو نظر المسلم في تاريخ الآثار الإسلامية قبل استيلاء «السعوديين» عليها لوجد جميع الآثار تتمتع بأفضل عناية ورعاية من جانب السلف. فما معنى هذه السلفية التي تتبعض في مفهومها فيؤخذ منها شيء ويترك منها شيء؟! يقولون: «نؤمن ببعض ونكفر ببعض».
وفي الوقت الذي تحرص فيه الدول المتحضّرة على إحياء أمجادها
وتراثها، وتتعهد بإنشاء كليات ومعاهد ومؤسسات ومتاحف لحفظ الآثار وصيانتها - في هذا الوقت نفسه - تعمد السعودية إلى القضاء على أنفس الآثار الإسلامية وأعزها على كلّ مسلم.
والعجب العجاب أنّ هؤلاء يدّمرون بيوت بني هاشم وبيت الإمام الصادق عليه السلام، وقبر والد النبي صلى الله عليه و آله و سلم ومشهد ذي النفس الزكية، وبيت أبي أيّوب الأنصاري مضيف النبي، ولكنّهم يعتنون بآثار اليهود في المدينة المنوّرة، فترى فيها حصن «كعب بن الأشرف» رأس اليهود الذي اغتاله بعض الصحابة بأمر النبي الأعظم محفوظاً، وقد وضعت أمامه لوحة تحمل مرسوماً ملكياً بحفظه تحت عنوان حفظ الآثار.
وليس هذا التخطيط منحصراً بحفظ تراث ذلك اليهودي بل حصون خيبر بجميع شقوقها وفروعها سجلت في ديوان الآثار التي يجب حفظها عن الاندراس، لأنّها شارة خاصة لأسلاف الحافظين لها «فاعتبروا يا أُولي الأَبصار».
فأين المسلمون الغيارى، أعني: الذين افتقدوا يوماً شعرة من رسول اللّٰه صلى الله عليه و آله و سلم وكانوا يحتفظون بها في مسجد من مساجد الهند فانتابتهم رجّة عظيمة، وثارت ثائرتهم حتى اضطرت الدولة العلمانية الهندية إلى بذل الجهود للعثور على تلك الشعرة، حتّى عثر عليها وأعيدت إلى مكانها.
فأين أُولئك الغيارى حتّى يروا بأُم أعينهم أنّ الآثار النبوية تدمّر، الواحد تلو الآخر وفي كلّ شهر ويوم على أيدي السلطات السعودية.
ولن تنتهي الجريمة إلى هذا الحدّ، بل ربما تتعدى إلى ما لا سمح اللّٰه به لهم.
ومن الملفت للنظر أنّ المفكّرين من علماء الإسلام عندما قام الوهابيون بهدم قبور أئمّة أهل البيت في البقيع(1)أعلنوا للعالم الإسلامي بأنّ الجريمة لن تتوقف عند هذا الحد، بل إنّ هدم البقيع مقدمة لهدم ومحو جميع آثار الرسالة، وفي ذلك يقول المرجع الديني الراحل(2)السيد صدر الدين العاملي:
لعمري إنّ فاجعة البقيع *** يشيب لهولها فود الرضيع
وسوف تكون فاتحة الرزايا *** إذا لم نصح من هذا الهجوع
أما من مسلم للّٰه يرعى *** حقوق نبيّه الهادي الشفيع
«وَ سَيَعْلَمُ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ».
اتّفق المسلمون تبعاً للذكر الحكيم على أنّ الرسالة المحمّدية رسالة عالمية أوّلاً، وخاتمية ثانياً، قال سبحانه: «قُلْ يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ إِنِّي رَسُولُ اَللّٰهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً»(3)، وقد حملت الأُمّة الإسلامية رسالة إبلاغ الإسلام على
عواتقها بعد التحاق النبي الأكرم بالرفيق الأعلى فنشروها في مشارق الأرض ومغاربها حسبما توفر لديهم من الإمكانيات، وقد وصلت النوبة في هذا العصر إلى قادة المسلمين وأئمّتهم، فيجب عليهم بث الإسلام وتعاليمه بين الناس - شرقيّهم وغربيّهم - في حدود الإمكانيات والوسائل الموجودة في سبيل بسط الدعوة ونشرها حتّى ينقذوا العالم من مخالب المادية ومن الحروب التي تهدد كيان الإنسانية.
وممّا لا شكّ فيه أنّ للتأثير في النفوس وجذب القلوب، عللاً وأسباباً مختلفة، أهمها كون الداعي مجهزاً بقوة المنطق والاستدلال القاطع الذي تخضع له العقول السليمة، فعند حسن الدعوة وأسلوبها، وقوّة المادة ورصانتها، ترى القلوب تهوي إليها من كلّ صوب وجانب، والناس يدخلون في دين اللّٰه أفواجاً، وأمّا إذا كانت الدعوة غير منسجمة مع الفطرة السليمة، فنفور الناس هو النتيجة الحتمية وتكون من قبيل «مايفسده أكثر ممّا يصلحه».
وفي ظل هذا العامل سيطرت الدعوة المحمدية - آن ظهورها - على قلوب العالم واكتسحت العراقيل الموجودة أمامها، وما ذاك إلّالكون الدعوة حائزة للشرائط موافقة للطباع، وإلى هذا الانسجام يشير قوله سبحانه: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اَللّٰهِ اَلَّتِي فَطَرَ اَلنّٰاسَ عَلَيْهٰا لاٰ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اَللّٰهِ ذٰلِكَ اَلدِّينُ اَلْقَيِّمُ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ اَلنّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ».(1)
1) . الروم: 30.
فالدعوة إلى التوحيد ورفض الأصنام، وبسط العدل والقسط بين الناس، والدعوة إلى الاعتدال في ما يرجع إلى أُمور الدنيا والآخرة، وتأمين سبل الحياة، والحفاظ على الروابط العائلية و... كلّها أُصول إسلامية مطابقة للفطرة الإنسانية.
فإذا كان هذا هو الأساس لنشر الإسلام في العالم وجذب النفوس إليه، فيجب على قادة المسلمين على الإطلاق والحنابلة وأهل الحديث بالخصوص، تجريد الدعوة عن الأُمور التي تعارض الفطرة ومن التي تناطح العقل السليم، ثمّ عرض الإسلام بشكل يتجاوب مع العقول السليمة كما كانت عليه الدعوة المحمدية آن ظهورها وبعدها، وهذه الغاية المتوخاة لا تتحقّق - بلا مجاملة - إلّابدراسة الأُصول والعقائد التي نسجت على طبق الأحاديث الموجودة في الصحاح والمسانيد من رأس والعودة إليها من جديد حتى تصفو الدعوة من الأُمور التي يشمئز منها شعور الإنسان الحر صاحب الفطرة السليمة التي بني عليها دين اللّٰه في عامة الشرائع السماوية.
هلمّ معي نلاحظ نماذج من الأُصول التي قامت عليها الدعوة الحنبلية المتسمّية في هذه العصور بالدعوة السلفية، ثمّ نعرضها على محك الصحة ومقياسها «الفطرة الإنسانية»، فهل هي تتجاوب معها؟ ونحن لا نطيل الكلام بعرض عامة الأُصول بل نأخذ - كما قلنا - نماذج ونجعلها على مرأى ومسمع من القارئ.
أفهل يمكن دعوة شعوب العالم إلى الإسلام مع القول بأنّ اللّٰه سبحانه كإنسان له من الأعضاء ما للإنسان عدا اللحية والفرج، وأنّ له عينين ناظرتين
وذراعين وصدراً ونفساً ورجلاً وحقواً ونزولاً وصعوداً إلى غير ذلك ممّا ملأ كتب الحنابلة وقليلاً من كتب الأشاعرة؟ وأقصى ما عندهم أنّ له سبحانه هذه الأعضاء ولكن بلا كيفية، و قد عرفت حال التدرّع به وأنّه ممّا لا يسمن ولا يغني من جوع.
أفيصحّ لنا دعوة أساتذة العلوم الإنسانية والطبيعية من المخترعين والمكتشفين في عالمنا الراهن إلى الإله الذي استقرّ على عرشه فوق السماوات ينظر منه إلى العالم كلّه الذي هو تحت قدميه، والعرش يئط تحته أطيط الرحل تحت الراكب؟!
باللّٰه عليك إذا كانت رسالتنا في العالم نشر ما جاء في قول هذا الشاعر الحنبلي:
للّٰه وجه لا يحد بصورة *** ولربنا عينان ناظرتان
وله يدان كما يقول إلهنا *** ويمينه جلّت عن الأيمان!
فهل يتصور لنا النجاح في ميدان الدعوة؟! أو يكون التراجع والفشل نتيجة حتمية للدعوة، وإنّنا سوف نقابل بالقول بأنّ المادية والإلحاد أولى وأرجح من الاعتقاد بهذا الإله الذي جلس على سرير كجلوس الملوك ينظر إلى ملكه بعيونه ويفعل بيده ويكتب ببنانه.
أو ليس القول بالجبر وسلب الاختيار هي النتيجة الطبيعية للروايات الواردة في الصحاح والمسانيد حول القضاء والقدر، و قد مضى حديث مسلم: «فوالذي لا إله غيره إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون
بينه وبينها إلّاذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار...».(1)؟!
أو ليس هذا تطويحاً بالوحي كلّه وتزييفاً للنشاط الإنساني من بدء الخلق إلى قيام الساعة وتكذيباً للّٰه والمرسلين قاطبة. قال سبحانه: «قَدْ جٰاءَكُمْ بَصٰائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهٰا»(2). و قال سبحانه: «وَ قُلِ اَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ».(3)
وهناك أحاديث كثيرة تؤيد هذا المعنى وتعرف الإنسان بأنّه مسلوب المشيئة، وأنّه مقهور بكتاب سابق، وأنّ سعيه باطل، لأنّه لا يغير شيئاً ممّا خط عليه في الأزل مع أنّه سبحانه يقول: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسٰانِ إِلاّٰ مٰا سَعىٰ * وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرىٰ * ثُمَّ يُجْزٰاهُ اَلْجَزٰاءَ اَلْأَوْفىٰ».(4)فهذه أحاديث واهية خلّفت تعاليم باطلة في أوساط المسلمين يجب تجريد الدعوة الإسلامية منها، فهي تعاكس منطق الفطرة أوّلاً، والعقل السليم ثانياً، ومنطق العقلاء ثالثاً، ومنطق الشرائع عامة رابعاً، فليس لهذه الروايات أن تطيح بالمحفوظ من كتاب اللّٰه وسنّة رسوله، أو تنافح ما اجتمع عليه عقول العالمين، ولو صحت هذه الروايات، لكانت الحياة عملاً مسرحياً، والدعوة الإلهية دعوة خادعة، والناس محكومون بما جف عليه القلم وليس لهم التخطّي عنه قدر أنملة.
هذه بعض الأُصول(1)التي تناقض الفطرة، وهي أكثر ممّا حررناه هنا، فليكن منها شعار الحنابلة وبعدهم الأشاعرة بأنّه:
يجوز التكليف بما لا يستطاع ولا يطاق.(2)يجوز تعذيب أطفال المشركين يوم القيامة.(3)يعذب الميت ببكاء أهله عليه.(4)ليس للعقل الحكم بحسن شيء أو قبحه، و عليه: يصحّ له سبحانه إدخال المؤمن الجحيم، والعاصي الجنّة!!!.
إنّ الإطاحة بحاكمية العقل في مجال التحسين والتقبيح إماتة للمنطق وإحياء للخرافات، وفي الوقت نفسه ردّ لصميم الدعوة المحمدية المبنية على التدبّر والتعقّل والاحتكام إلى العقل في مجال الطاعة والمعصية، يقول سبحانه: «أَ فَنَجْعَلُ اَلْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ».(5)و أُقسم بالّله صادقاً أنَّ الدعوة الإسلامية لا تكون ناجحة في أقطار الغرب والشرق إذا كانت هذه الأُصول هي اللحمة والسدى لها.
إنّ ملحمة الكنائس ومغادرة المثقفين من المسيحيّين عن دينهم هي العبرة لقادة الحنابلة ومن يقتفي أثرهم، ولم يكن للهوّة السحيقة بين أصحاب الكنائس والمثقفين سبب، سوى وجود الخرافات في تعاليم
الكنائس، فلم تزل تدعو إلى التثليث أوّلاً، وإلى التجسيم ثانياً، وصلب المسيح لأجل إنقاذ البشرية ثالثاً، وبيع صكوك المغفرة رابعاً، ونوع خاص من الجبر وسلب الاختيار خامساً، هذا وذاك صار سبباً لانسحاب الشباب والعلماء عن ساحة الكنائس والبيع واختصاص الأماكن المقدّسة بالسذج من الناس الذين لا يعرفون من العلم والحياة سوى شيء طفيف.
هذه نصيحتي لقادة الحنابلة، وفي الأخير نضيف إليها كلمة وهي أنّ الحنابلة وأهل الحديث عمدوا إلى احتكار اسم «أهل السنّة» لأنفسهم ولا يصفون سائر الطوائف الإسلامية به، حتّى إنّ ابن تيمية محيي الدعوة السلفية في القرن الثامن لا يبيح تسمية الأشاعرة باسم أهل السنّة فضلاً عن المعتزلة والشيعة وغيرهم، ولكن في هذا الاحتكار بل في هذه التسمية نكتة لافتة.
إنّ توصيف طائفة من المسلمين باسم أهل السنّة من العناوين الطارئة الحديثة التي ظهرت في آخر القرن الأوّل أو في أوّليات القرن الثاني، فإنّك لا ترى أثراً من هذا الاسم ولا التوصيف به في زبر الأوّلين إلّافي رسالة عمر بن عبد العزيز في القدر التي مرت بنصها في ما سبق(1)، وقد عرفت أنّ كتابة الحديث وتدوينه والتحدّث به وإفشاءه كان من الأُمور المنكرة، وهذا هو عمر بن الخطاب قال لأبي ذر و عبد اللّٰه بن مسعود وأبي الدرداء: ما هذا الحديث الذي تفشون عن محمّد؟(2)
وكان يقول أيضاً: جرّّدوا القرآن وأقلّوا الرواية عن رسول اللّٰه وامضوا وأنا شريككم.(1)وقد خلّف هذا المنع في نفوس المسلمين أثراً خاصاً فعاد التحدّث وكتابة الحديث وتدوينه أمراً منكراً لديهم وتركه أمراً مرغوباً فيه، حتّى إنّه بعد ما أصدر الخليفة عمر بن عبد العزيز الأمر الأكيد بضرورة تدوين الحديث، كانت رواسب الحظر تحول دون القيام بما أمر به الخليفة فلم يكتب شيء من أحاديث النبي إلّاصحائف غير منظمة ولا مرتبة إلى أن جاء عصر أبي جعفر المنصور فقام المحدثون بتدوينه سنة مائة وثلاثة وأربعين.
فإذا كان التحدّث بسنّة الرسول أمراً منكراً في القرن الأوّل وأوّليات القرن الثاني، فكيف يحتمل أن يعرف أُناس ينكرون نقل الحديث وإفشاءه باسم «أهل السنّة»؟! وعلى ذلك فلا نحتمل وجود هذه التسمية في تلك العصور، و إنّما حدثت تسمية أهل الحديث وتوصيفهم بأهل السنّة بعدما شاع التحدّث به وقام ثلة جليلة من المسلمين بجبر ما انكسر.
فعلى ضوء ذلك، لا يصحّ احتكار هذا اللقب وتسمية طائفة خاصة به، بل كلّ من يحترم حديث رسول اللّٰه وسنّته ويعمل بها فهو من أهل السنّة فالمسلمون سنّيهم وشيعيّهم، أشعريّهم ومعتزليّهم، من غير استثناء طائفة واحدة كلّهم أهل السنّة، أي مقتفون سنّة رسول اللّٰه وأثره من قوله وفعله وتقريره.
1) . طبقات ابن سعد: 7/6؛ والمستدرك: 102/1.
والشيعة أولى بهذا الوصف من غيرهم، فإنّهم لم يزالوا يحترمون سنّة رسول اللّٰه منذ حياته إلى يومنا هذا، فقد قام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بتدوين أحاديثه، كما قامت ثلّة جليلة من خيار صحابة الإمام بتدوين الحديث إلى أن توصلت حلقات التأليف من عصر الإمام إلى عصر الأئمّة الاثني عشر وبعدهم إلى أعصارنا هذه، فدوّنوا سنّة رسول اللّٰه المروية عن طرق أهل البيت وأئمّتهم وما صحّ لديهم من طرق غيرهم. أفهل يصحّ بعد هذا احتكار الحنابلة لهذا اللقب وعدم السماح بإطلاقه على غيرهم والتقوّل ب: نحن السنّيون؟!
إذا كبر على أعلام الحنابلة ما قدّمت إليهم من النصيحة الخالصة، فعليهم - على الأقل - الأخذ بما قاله الشيخ «سليم البشري» شيخ الجامع الأزهر الأسبق، فقد رفع إليه الشيخ «أحمد» شيخ معهد بلصفورة سؤالاً ما هذا حاصله:
ما قولكم دام فضلكم في رجل من أهل العلم هنا تظاهر باعتقاد جهة فوقية للّٰه سبحانه وتعالى، ويدّعي أنّ ذلك مذهب السلف وتبعه على ذلك البعض القليل من الناس، وجمهور أهل العلم ينكرون عليه، والسبب في تظاهره بهذا المعتقد - كما عرض علي هو بنفسه ذلك - عثوره على كتاب لبعض علماء الهند نقل فيه صاحبه كلاماً كثيراً عن ابن تيمية في إثبات الجهة للباري سبحانه، وليكن معلوماً أنّه يعتقد الفوقية الذاتية له جلّذكره، يعني أنّ
ذاته فوق العرش بمعنى ما قابل التحت مع التنزيه، ويخطِّئ أبا البركات الدرديري، في قوله في خريدته:
منزّه عن الحلول والجهة *** والاتصال والانفصال والصفة
يخطّئه في موضعين من البيت:
قوله: «والجهة» وقوله: «والانفصال»، و يخطِّئ الشيخ «اللقائي» في قوله:
ويستحيل ضد ذي الصفات *** في حقّه كالكون في الجهات
وبالجملة: فهو مخطِّئ لكلّ من يقول بنفي الجهة مهما كان قدره - إلى أن قال -: إنّ قول فضيلتكم لا سيما في مثل هذا الأمر هو الفصل.
فوافاه الجواب بالنحو التالي:
إلى حضرت الفاضل العلاّمة الشيخ أحمد علي بدر خادم العلم الشريف ببلصفورة:
قد أرسلتم بتاريخ 22 محرم سنة 1325 ه مكتوباً مصحوباً بسؤال عن حكم من يعتقد ثبوت الجهة له تعالى، فحررنا لكم الجواب الآتي وفيه الكفاية لمن اتّبع الحقّ وأنصف، جزاكم اللّٰه عن المسلمين خيراً:
اعلم أيّدك اللّٰه بتوفيقه وسلك بنا وبك سواء طريقه، أنّ مذهب الفرقة الناجية وما عليه أجمع السنّيون: أنّ اللّٰه تعالى منزّه عن مشابهة الحوادث، مخالف لها في جميع سمات الحدوث، ومن ذلك تنزّهه عن الجهة
والمكان، كما دلّت على ذلك البراهين القطعية، فإنّ كونه في جهة يستلزم قدم الجهة أو المكان وهما من العالم، وهو ما سوى اللّٰه تعالى، و قد قام البرهان القاطع على حدوث كلّ ما سوى اللّٰه تعالى بإجماع من أثبت الجهة ومن نفاها، ولأنّ المتمكن يستحيل وجود ذاته بدون المكان مع أنّ المكان يمكن وجوده بدون المتمكن لجواز الخلاء، فيلزم إمكان الواجب ووجوب الممكن وكلاهما باطل، ولأنّه لو تحيز لكان جوهراً لاستحالة كونه عرضاً، ولو كان جوهراً فإمّا أن ينقسم وإمّا أن لا ينقسم، وكلاهما باطل، فإنّ غير المنقسم هو الجزء الذي لا يتجزأ وهو أحقر الأشياء، تعالى اللّٰه عن ذلك علواً كبيراً. والمنقسم جسم وهو مركّب والتركيب ينافي الوجوب الذاتي، فيكون المركّب ممكناً يحتاج إلى علّة مؤثرة، وقد ثبت بالبرهان أنّه تعالى واجب الوجود لذاته، غني عن كلّ ما سواه، مفتقر إليه كلّ ما عداه، سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير....
هذا وقد خذل اللّٰه أقواماً أغواهم الشيطان وأزلّهم، اتّبعوا أهواءهم وتمسّكوا بما لا يجدي فاعتقدوا ثبوت الجهة، تعالى اللّٰه عن ذلك علوّاً كبيراً، واتّفقوا على أنّها جهة فوق، إلّاأنّهم افترقوا، فمنهم من اعتقد أنّه جسم مماس للسطح الأعلى من العرش، وبه قال الكرامية واليهود، وهؤلاء لا نزاع في كفرهم؛ ومنهم من أثبت الجهة مع التنزيه، وأنّ كونه فيها ليس ككون الأجسام، وهؤلاء ضلاّل فسّاق في عقيدتهم، وإطلاقهم على اللّٰه ما لم يأذن به الشارع، ولا مرية أنّ فاسق العقيدة أقبح وأشنع من فاسق الجارحة بكثير سيما من كان داعية أو مقتدى به.
وممّن نسب إليه القول بالجهة من المتأخرين، أحمد بن عبد الحليم ابن عبد السلام بن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي من علماء القرن الثامن، في ضمن أُمور نسبت إليه خالف الإجماع فيها عملاً برأيه، وشنّع عليه معاصروه، بل البعض منهم كفروه، ولقي من الذل والهوان ما لقي، وقد انتدب بعض تلامذته للذب عنه وتبرئته ممّا نسب إليه وساق له عبارات أوضح معناها، وأبان غلط الناس في فهم مراده، واستشهد بعبارات له أُخرى صريحة في دفع التهمة عنه، وأنّه لم يخرج عمّا عليه الإجماع، وذلك هو المظنون بالرجل لجلال قدره ورسوخ قدمه.
وما تمسك به المخالفون القائلون بالجهة أُمور واهية وهمية، لا تصلح أدلّة عقلية ولا نقلية، قد أبطلها العلماء بما لا مزيد عليه، وما تمسكوا به ظواهر آيات وأحاديث موهمة كقوله تعالى: «اَلرَّحْمٰنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىٰ»(1)وقوله: «إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلْكَلِمُ اَلطَّيِّبُ»(2)وقوله:
«تَعْرُجُ اَلْمَلاٰئِكَةُ وَ اَلرُّوحُ إِلَيْهِ»(3)وقوله: «أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمٰاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ»(4)وقوله: «وَ هُوَ اَلْقٰاهِرُ فَوْقَ عِبٰادِهِ»(5)وكحديث إنّه تعالى ينزل إلى سماء الدنيا كلّ ليلة، وفي رواية: في كلّ ليلة جمعة، فيقول هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ وكقوله للجارية الخرساء: أين اللّٰه؟
فأشارت إلى السماء، حيث سأل بأين التي للمكان ولم ينكر عليها الإشارة إلى السماء، بل قال إنّها مؤمنة.
ومثل هذه يجاب عنها بأنّها ظواهر ظنية لا تعارض الأدلّة القطعية اليقينيّة الدالّة على انتفاء المكان والجهة، فيجب تأويلها وحملها على محامل صحيحة لا تأباها الدلائل والنصوص الشرعية، إمّا تأويلاً إجمالياً بلا تعيين للمراد منها كما هو مذهب السلف، وإمّا تأويلاً تفصيلياً بتعيين محاملها وما يراد منها كما هو رأي الخلف، كقولهم: «إنّ الاستواء بمعنى الاستيلاء» كما في قول القائل:
قد استوى بشر على العراق *** من غير سيف ودم مهراق
وصعود الكلم الطيب إليه قبوله إياه ورضاه به، لأنّ الكلم عرض يستحيل صعوده وقوله: «من في السماء» أي أمره وسلطانه أو ملك من ملائكته موكل بالعذاب، وعروج الملائكة والروح إليه صعودهم إلى مكان يتقرب إليه فيه. وقوله: «فَوْقَ عِبٰادِهِ» أي بالقدرة والغلبة، فإنّ كلّ من قهر غيره وغلبه فهو فوقه أي عال عليه بالقهر والغلبة، كما يقال: أمر فلان فوق أمر فلان، أي إنّه أقدر منه وأغلب. ونزوله إلى السماء محمول على لطفه ورحمته وعدم المعاملة بما يستدعيه علو رتبته وعظم شأنه على سبيل التمثيل، وخصّ الليل لأنّه مظنّة الخلوة والخضوع وحضور القلب.
وسؤاله للجارية «بأين» استكشاف لما يظن بها اعتقاده من أينية المعبود كما يعتقده الوثنيون، فلمّا أشارت إلى السماء، فهم أنّها أرادت خالق السماء فاستبان أنّها ليس وثنية، وحكم بإيمانها.
وقد بسط العلماء في مطوّلاتهم تأويل كلّ ما ورد من أمثال ذلك، عملاً بالقطعي وحملاً للظنّي عليه، فجزاهم اللّٰه عن الدين وأهله خير الجزاء.
ومن العجيب أن يدع مسلم قول جماعة المسلمين وأئمّتهم ويتمشدق بترّهات المبتدعين وضلالتهم. أما سمع قول اللّٰه تعالى «وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ اَلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مٰا تَوَلّٰى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ سٰاءَتْ مَصِيراً»(1)فليتب إلى اللّٰه تعالى من تلطخ بشيء من هذه القاذورات ولا يتبع خطوات الشيطان فإنّه يأمر بالفحشاء والمنكر، ولا يحملنه العناد على التمادي والإصرار عليه، فإنّ الرجوع إلى الصواب عين الصواب والتمادي على الباطل يفضي إلى أشدّ العذاب «مَنْ يَهْدِ اَللّٰهُ فَهُوَ اَلْمُهْتَدِ وَ مَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً».(2)
نسأل اللّٰه تعالى أن يهدينا جميعاً سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلّى اللّٰه تعالى وسلم على سيّدنا محمّد صلى الله عليه و آله و سلم وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أملاه الفقير إليه سبحانه «سليم البشري» خادم العلم والسادة المالكية بالأزهر عفا عنه آمين آمين.(3)
هذه هي قصة أهل الحديث والدعوة السلفية بأدوارها المختلفة.
«قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اَللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اِتَّبَعَنِي وَ سُبْحٰانَ اَللّٰهِ وَ مٰا أَنَا مِنَ اَلْمُشْرِكِينَ».(1)***
بلغ الكلام إلى هنا في اليوم الثالث من شعبان المعظّم ميلاد الإمام الطاهر سيد الشهداء عليه السلام من شهور عام 1408 ه. ق قم المشرّفة
1) . يوسف: 108.
الفهارس
نبدأ تبرّكاً بالقرآن الكريم.
ابن حنبل حياته وعصره: محمد أبو زهرة، نشر دار الفكر بمصر.
إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري: أبو العباس أحمد بن محمد القسطلاني (851-923 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الاستيعاب: أبو عمرو يوسف بن عبد اللّٰه بن عبد البر، دار نهضة مصر، القاهرة.
أُسد الغابة: ابن الأثير علي بن أبي الكرم (المتوفّى 630 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الإصابة: ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني (المتوفّى 852 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
أضواء على السنّة المحمدية: محمود أبو رية المصري، طبع صيدا - 1383 ه.
الأعلام: خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت - 1990 م.
الأغاني: أبو الفرج علي بن الحسين الاصفهاني (المتوفّى 356 ه) طبع بيروت.
الاقتصاد في الاعتقاد: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي (المتوفّى 505 ه) طبع مصر.
أمالي المرتضى: الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي (350-436 ه) دار إحياء الكتب العربية، مصر - 1373 ه.
الإمامة والسياسة: ابن قتيبة عبد اللّٰه بن مسلم الدينوري (213-276 ه) مطبعة مصطفى محمد، مصر.
بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي (المتوفّى 1110 ه) مؤسسة الوفاء، بيروت - 1403 ه.
البداية والنهاية: إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير (700-774 ه) دار الفكر، بيروت - 1402 ه.
التاج الجامع للأُصول: منصور علي ناصف، دار الفكر، بيروت - 1406 ه.
تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي (849-911 ه) مطبعة المدني، القاهرة - 1383 ه.
تاريخ الطبري (تاريخ الأُمم والملوك): محمد بن جرير الطبري (المتوفّى 310 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت.
تاريخ المذاهب الإسلامية: محمد أبو زهرة (المتوفّى 1396 ه) دار الفكر العربي، بيروت.
تأويل مختلف الحديث: ابن قتيبة عبد اللّٰه بن مسلم (213-276 ه) دار الجيل، بيروت - 1393 ه.
التبصير في الدين: أبو المظفر الاسفرائيني (المتوفّى 471 ه) بيروت - 1403 ه.
تبيين كذب المفتري: علي بن حسن بن عساكر الدمشقي (المتوفّى 571 ه)، دار الكتاب العربي، بيروت - 1404 ه.
تذكرة الحفّاظ: محمد بن أحمد الذهبي (683-748 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم): إسماعيل بن كثير الدمشقي (المتوفّى 774 ه) دار الفكر، بيروت - 1403 ه.
تفسير الطبري (جامع البيان): محمد بن جرير الطبري (المتوفّى 310 ه) دار المعرفة، بيروت.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): أبو عبد اللّٰه محمد بن أحمد القرطبي (المتوفّى 671 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1405 ه.
تقييد العلم: أحمد بن الخطيب البغدادي (392-463 ه) نشر دار إحياء السنّة - 1974 م.
التمهيد: محمد بن الطيب الباقلاني (المتوفّى 403 ه) القاهرة - 1366 ه.
التنبيه والرد: أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفّى 377 ه) تقديم و تعليق محمد زاهد بن الحسن الكوثري، طبع 1388 ه.
تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر (773-852 ه) دار الفكر، بيروت - 1404 ه.
جامع الأُصول: ابن الأثير الجزري المبارك بن محمد (544-606 ه) دار الفكر، بيروت - 1403 ه.
الجرح والتعديل: أبو حاتم الرازي (المتوفّى 327 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت - 1371 ه.
جمهرة خطب العرب: أحمد زكي صفوت، نشر المكتبة العلمية، بيروت.
حياة محمد: محمد حسين هيكل، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة.
حلية الأولياء: أبو نعيم أحمد بن عبد اللّٰه الاصبهاني (المتوفّى 430 ه) دار الكتاب العربي، بيروت - 1378 ه.
الحيوان: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (150-255 ه) طبع دار الإحياء.
السنن: ابن ماجة محمد بن يزيد القزويني (207-275 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
السنن: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (202-275 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
السنن: الترمذي محمد بن عيسى بن سورة (209-279 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
السنن: الدارمي عبد اللّٰه بن عبد الرحمن (181-255 ه) دار إحياء السنّة النبويّة.
السنن: النسائي أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب (215-303 ه) دار الفكر، بيروت - 1348 ه.
السنن الكبرى: أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي (المتوفّى 458 ه) دار المعرفة، بيروت - 1406 ه.
السنّة: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1405 ه.
السنّة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث: محمد الغزالي المصري، طبع بيروت.
سير أعلام النبلاء: محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 848 ه) مؤسسة الرسالة، بيروت - 1409 ه.
السيرة النبوية: ابن هشام عبد الملك بن أيّوب الحميري (المتوفّى 213 أو 218 ه) دار التراث العربي، بيروت.
شرح الأُصول الخمسة: القاضي عبد الجبار بن أحمد، نشر مكتبة وهبة، القاهرة - 1384 ه.
شرح التجريد: نظام الدين محمد القوشجي (المتوفّى 889 ه) الطبعة الحجرية.
شرح العقائد النسفية: سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني (المتوفّى 792 ه) مكتبة المثنى، بغداد.
شرح العقيدة الطحاوية: صدر الدين بن أبي الحنفي (المتوفّى 792 ه) طبع دمشق.
شرح العيون (الطبقات 11 و 12 للمعتزلة): أبو السعد المعروف بالحاكم الجشمي - (المتوفّى 495 ه).
شرح المقاصد: سعد الدين التفتازاني (المتوفّى 792 ه) منشورات الشريف الرضي، قم - 1412 ه.
شرح المواقف: علي بن محمد الجرجاني، منشورات الشريف الرضي، قم المقدسة - 1412 ه.
شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي (المتوفّى 655 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1378 ه.
شيخ المضيرة أبو هريرة: محمود أبو رية - طبع صيدا.
الصحيح: مسلم بن الحجاج القشيري (المتوفّى 261 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
الصحيفة السجادية الجامعة: أدعية الإمام علي بن الحسين زين العابدين، نشر مؤسسة الإمام المهدي - عجّل اللّٰه فرجه الشريف - قم المشرفة - 1411 ه.
الصواعق المحرقة: أحمد بن حجر الهيتمي (المتوفّى 974 ه) مكتبة القاهرة، مصر - 1385 ه.
طبقات الشافعية: أبو بكر بن أحمد بن محمد بن عمر بن قاضي شهبة الدمشقي (779-851 ه) دار الندوة الجديدة، بيروت - 1407 ه.
الطبقات الكبرى: محمد بن سعد (المتوفّى 230 ه) دار صادر، بيروت - 1380 ه.
العقد الفريد: ابن عبد ربّه الأندلسي (246-328 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1404 ه.
العقيدة والشريعة في الإسلام: المستشرق اجناس جولد تسيهر (1850-1921 م) دار الكتاب العربي، مصر.
فتح الباري: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773-852 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
فجر الإسلام: أحمد أمين (المتوفّى 1388 ه) نشر دار الكتاب العربي.
الفرق بين الفرق: عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي (المتوفّى 429 ه) دار المعرفة، بيروت.
فرق الشيعة: الحسن بن موسى النوبختي (من أعلام القرن الثالث الهجري) دار الأضواء، بيروت - 1404 ه.
الفصل بين الأهواء والملل: ابن حزم الأندلسي (المتوفّى 456 ه) دار المعرفة، بيروت - 1395 ه.
فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: عماد الدين عبد الجبار الهمداني (المتوفّى 415 ه). طبع تونس.
الكافي: محمد بن يعقوب الكليني (المتوفّى 329 ه) دار الكتب الإسلامية، طهران - 1397 ه.
الكامل في التاريخ: ابن الأثير الجزري: محمد بن محمد (المتوفّى 630 ه) دار صادر، بيروت.
الكشاف: محمود بن عمر الزمخشري (المتوفّى 538 ه) مكتبة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة - 1367 ه.
كشف الظنون: حاجي خليفة مصطفى بن عبد اللّٰه (المتوفّى 1067 ه) دار الفكر، بيروت - 1410 ه.
كنز العمال: المتقي الهندي (المتوفّى 975 ه) مؤسسة الرسالة، بيروت - 1405 ه.
اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة: جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911 ه) دار المعرفة، بيروت - 1403 ه.
لسان العرب: العلّامة ابن منظور محمد بن مكرم (المتوفّى 711 ه) قم المقدسة - 1405 ه.
مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسي (471-548 ه) دار المعرفة، بيروت - 1408 ه.
المراجعات: سيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي (المتوفّى 1377 ه) منشورات أُسوة التابعة لمنظمة الأوقاف، قم - 1413 ه.
مروج الذهب ومعادن الجوهر: علي بن الحسين المسعودي (المتوفّى 345 ه) منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت - 1965 م.
المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوري: محمد بن عبد اللّٰه (المتوفّى 405 ه) دار المعرفة، بيروت.
المسند: أحمد بن حنبل (المتوفّى 241 ه) دار الفكر، بيروت.
المعتزلة: زهدي حسن جار اللّٰه، طبع القاهرة - 1366 ه.
المغازي: الواقدي محمد بن عمر بن واقد الواقدي (130-207 ه) مؤسسة الأعلمي، بيروت.
المغني: عبد اللّٰه بن قدامة (541-620 ه) مطبعة الإمام، مصر.
مفاتيح الغيب (التفسير الكبير): محمد بن عمر الخطيب الرازي (544-606 ه) دار إحياء التراث العربي، بيروت.
مفاهيم القرآن: السبحاني: جعفر بن محمد حسين (المتولّد 1347 ه) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم المقدسة - 1405 ه.
مقالات الإسلاميّين: علي بن إسماعيل الأشعري (المتوفّى 324 ه) الطبعة الثالثة - 1400 ه.
مقالات الإسلاميين (ذكر المعتزلة): عبد اللّٰه بن أحمد البلخي (المتوفّى 317 ه) طبع تونس.
مقاييس اللغة: أحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى 395 ه) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة - 1366 ه.
المقدمة: ابن خلدون عبد الرحمن بن محمد (المتوفّى 808 ه) دار الكتب العلمية، بيروت - 1398 ه.
مكاتيب الرسول: علي الأحمدي الميانجي (المتوفّى 1421 ه) المطبعة العلمية، قم المشرّفة - 1379 ه.
الملل والنحل: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (479-548 ه) دار المعرفة، بيروت - 1402 ه.
المنار في تفسير القرآن: السيد محمد رشيد رضا (المتوفّى 1354 ه) تقرير دروس الإمام عبده، دار المنار، مصر - 1373 ه.
مناقب الإمام أحمد: أبو الفرج عبد الرحمن الجوزي طبع مصر.
المواقف في علم الكلام: عضد الدين بن أحمد الأيجي (... - 757 ه) طبع بيروت.
ميزان الاعتدال: محمد بن أحمد الذهبي (المتوفّى 748 ه) دار المعرفة، بيروت.
نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: علي سامي النشار، دار المعارف، القاهرة.
النص والاجتهاد: السيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي (المتوفّى 1377 ه) المجمع الثقافي لمنتدى النشر، النجف الأشرف - 1375 ه.
نظرية الإمامة: أحمد محمود صبحي، دار المعارف، مصر.
النفاق والمنافقون: إبراهيم علي سالم المصري، مطبعة الحسيني، القاهرة.
نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي (359-404 ه) بيروت - 1387 ه.
قال الإمام الصادق عليه السلام: «احتفظوا بكتبكم فإنّكم سوف تحتاجون إليها».
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة
الصورة