الإمامة

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

الإمامة

تأليف

العلامه الشیخ عباس کاشف الغطاء

طاب ثراه

1253ه- - 1323ه-

تحقيق

مؤسسة کاشف الغطاء العامة

العراق - النجف الأشرف

1433ه - 2012 م

محرر الرقمي:محمد المنصوري

اشاره

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

تأليف

العلامه الشیخ عباس کاشف الغطاء

طاب ثراه

1253ه- - 1323ه-

تحقيق

مؤسسة کاشف الغطاء العامة

العراق - النجف الأشرف

1433ه - 2012 م

كاشف الغطاء

منشورات

مؤسسة كاشف الغطاء العامة

121

الكتاب: الإمامة.

تأليف: العلامة الشيخ عباس كاشف الغطاء طاب ثراه.

تحقيق: مؤسسة كاشف الغطاء العامة.

المحققون: الشيخ عباس كاشف الغطاء.

الشيخ علي الحاشي.

الأستاذ خليل ابراهيم المشايخي.

الأستاذ عدنان كاظم مهدي شعبان.

(أ. ك. غ).

إخراج: مؤسسة كاشف الغطاء العامة.

المطبعة: شركة صبح للطباعة والتجليد.

الطبعة الثانية، 1433ه- - 2012م.

مكان الطبع لبنان - بيروت.

الكمية: 1000.

العنوان: العراق -- النجف الأشرف -- شارع دورة الصحن الحيدري الشريف --

باب الطوسي -- مؤسسة كاشف الغطاء العامة.

هاتف: 7801006730 -- 00964

موقع المؤسسة على شبكة الإنترنت: www.kashifalgetaa.com

البريد الإلكتروني: info@kashifalgetaa.com

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)عَنْ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2)

الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلاَّ

سَيَعْلَمُونَ (4)ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (5)

صَدَقَ اللهُ الْعَلِيُّ الْعَظِيِم

مقدمة التحقيق

اشارة

نحمدك اللهم يامن أوضحت مبهمات دينك بالأدلة الناصعة وكشفت النقاب عن غوامض شرعك الحنيف بالبراهين الساطعة ودمغتَ جيشات الأباطيل بحججك القاصعة ونصلي ونسلم على سيد رسلك وخاتم أنبيائك والصفوة من خلقك وعبادك محمد وآله خير أوليائك وأفضل أمنائك لا سيما المنصوص بالخلافة والإمامة والمخصوص بالرئاسة والزعامة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (علیه السلام) وبعد:

من أعظم المسائل التي احتدم فيها الكلام بين العلماء الأعلام من سائر فرق الإسلام إذ تعرضوا فيها للرد والإبرام هي مسألة تعيين الإمام بعد ارتحال رسول الملك العلام عليه وآله أفضل الصلاة وأتم السلام أأصولية اعتقادية مسألة الخلافة أم شرعية فرعية وأنَّ مستند تعيين الإمام أهو ورود النص اللازم اتباعه أم الإجماع المحكي عنهم؟ إلى غير ذلك من المسائل الخلافية التي بُحثت في هذا الأصل.

وأيضاً لما كان الانسان مكلفاً لكونه جامعاً لشرائط التكليف، فعليه أن يقطع بفراغ ذمته من التكاليف الموجهة إليه وهذا متوقف على الاعتقاد بالإمامة, كان من الضروري البحث حول هذه المسألة. وقد تصدى علماؤنا "رضوان الله عليهم" لبيان عقيدة الطائفة الحقة والفرقة المحقة (الشيعة الإمامية الإثنا عشرية) في الإمامة وإثبات دعواهم بأدلة متينة وحجج رصينة ودفع الإشكالات وحل المعضلات والرد على أجوبة المخالف وتنقيح مبنى المؤالف، فصنفوا في ذلك بحوثاً مطولة وأخرى مختصرة وما بينهما حسب الحاجة الداعية والضرورة الملحة فألف شيخنا آية الله العظمى الشيخ عباس نجل الشيخ حسن صاحب كتاب (أنوار الفقاهة) ابن الشيخ الأكبر الشيخ جعفر صاحب كتاب (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء)، (بحث في الإمامة) جمع فيه المسائل المتعلقة بالإمامة وذكر الأدلة التي تسلم مقدماتها الخصوم فلا يسع المخالف عند ذلك الإنكار، وأجاب عن الشبهات والشكوك التي تشبث بها الكثير بإسلوب علمي رصين لذا اختارت لجنة التحقيق التابعة لمؤسسة كاشف الغطاء كتاب (الإمامة) وأخذت على عاتقها متشرفة ومتبركة ليكون أول كتاب يحقق ويخرج في إثبات إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (علیه السلام) جوار قبته المباركة داعين المولى جل شأنه أن يوفقنا وأن يكون عملنا هذا خالصاً لوجهه ومرضياً عنده ومقبولاً لديه إنه خير موفق ومعين.

أهمية المخطوطة:

تكمن أهمية هذه المخطوطة في الأمور الآتية:

1.

تناولت موضوع الإمامة من ناحية إثباتها ورفع الشبهات عنها، فهي مختصة بهذا الأصل من أصول الدين المتنازع عليه.

2.

كُتبت للعوام والخواص على حدٍ سواء وتناول فيها المؤلف إثبات الإمامة إضافة الى إثبات فساد خلافة الخلفاء ومن تبعهم.

3.

لقد التزم المؤلف بذكر الحجج التي تسلم مقدماتها الخصوم ولا يحتاج إلى مراجعة غير هذه الرسالة.

4.

وقد عُرف عن المؤلف كَوْنُهُ من القيِّمين برد الشبهات والأقاويل الفاسدة، وكانت عباراته مسبوكة ورصينة وتمتاز بالدقة العلمية.

5.

لقد اتبع المؤلف طريقة تمتاز برصانتها في إثبات الإمامة فكان دليله العقلي مدعوماً بالدليل النقلي.

6.

إستند المؤلف في إثبات الإمامة على ذكر مصادر مخالفي الإمامية كي تكون حججه دامغة مُلْزِمة وأدلته أكثر إقناعاً.

7.

مؤلف هذه المخطوطة هو علم من أعلام أسرة آل كاشف الغطاء هو العلامة الشيخ عباس حفيد الشيخ الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء الذي كان له باع طويل في العقائد والفقه والأصول وبخاصة كتابه (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء).

وصف المخطوطة:

إعتمدنا في التحقيق على نسخة فريدة توجد في مكتبة كاشف الغطاء العامة وهي النسخة الأم لأنها بخط المؤلف نفسه وقد بحثنا عن نسخة أخرى فلم نجد غيرها.

وقد كُتبت المخطوطة بخط المصنف نفسه, وكان غير واضح, وهي تبدأ بهذه العبارة: ((بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين الرابع من أصول الدين الإمامة وهو الاعتقاد والتدين بإمامة الأئمة الإثنى عشر صلوات الله عليهم أجمعين..)).

ولم ينه المصنف كتابه بعبارة تدل على انتهاء المخطوطة، وكذلك لم يثبت فيها تاريخ النسخ أو مكانه، وكل صفحة من صفحات المخطوطة تبدأ بعبارة:

(بسمه تعالى) من بدايتها إلى نهايتها. كما توجد هوامش على أغلب جوانب صفحات المخطوطة بخط المصنف.

ويبلغ عدد صفحات المخطوطة (102) وطول الصفحة (22) سم وعرضها (16) سم ويتراوح عدد الأسطر ما بين (21 إلى 24) سطر ويبلغ طول السطر ما بين (5 و10 سم إلى 11 سم).

وقد كتبت المخطوطة بحبر أسود، والورق جيد، لونه أصفر.

منهج التحقيق:

لقد سعت اللجنة في عملية التحقيق إلى إخراج النص وضبطه بما يضمن حفظ النص وسلامته من التحريف والتصحيف وفي سبيل ذلك اتبعت اللجنة الأمور الآتية:

1.

وضع عنوانات داخلية لكل موضوع في داخل المتن المخطوط مما يسهل على القارئ قراءة ومتابعة ما يريده بيسر وسهولة دون جهد وعناء.

2.

وضع علامات الترقيم وفقاً لما تمليه مادة البحث تسهيلاً للمراجعة.

3.

أمّا هوامش الكتاب فتضمنت ما يأتي:

أ- تخريج الآيات القرآنية الكريمة وذكر رقمها واسم السورة الواردة فيها.

ب - تخريج الأحاديث الشريفة وذكر مصدرها وموضع وجودها فيه.

ج - تخريج الأقوال العقائدية، فكل ما نقله المؤلف من قول ذكرنا كتاب صاحب القول وموضع وجوده فيه وإذا لم نعثر على كتابه أو على القول المنقول ذكرنا الكتاب المتضمن حكاية ذلك القول.

د - ذكرنا ما يناسب ذكره من شروح وتعاليق على عبارات الكتاب مما تحتاج له العبارة من شرح أو بيان للمصطلح.

ه- - ذكرنا المصادر اللغوية مما ينقله المؤلف من أهل اللغة ونقل كلامهم في الموارد اللازمة.

و- ترجمة الأعلام الذين ورد ذكرهم في متن المخطوطة.

1.

تم تصحيح الكثير من الكلمات التي وردت في المخطوطة محرفة أو مصحفة ووضعها بين قوسين للأمانة العلمية، كما تم تصحيح أخطاء رسم الكلمات التي وردت فيها ممّا اصطُلِح عليه في العصر المتأخر ب-(الاخطاء الإملائية).

2.

كثيراً ما يذكر المصنف جزءً من الآية ويضع نقاطاً ثم عبارة "الآية" وكذلك بالنسبة للأحاديث والروايات فإنه يذكر جزءً من الرواية ثم يقول "الحديث" وكأن مراده الآية كاملةً والحديث كاملاً.

وفي الختام نودّ الإشارة إلى أنّ هذه المخطوطة نشرت من قبل مؤسسة الذخائر سابقاً أيام النظام البائد، وكان نشرها قد تمّ بدون تحقيق، إذ كان جهد تلك المؤسسة منصباّ في نشر التراث الإسلامي. وقد كان العمل يجري في تلك المؤسسة في ظل ظروف أمنية صعبة وسرية خوفاً من أزلام النظام البائد. ومع سقوط النظام قامت مؤسسة كاشف الغطاء العامة بتحقيق الكتب التي نشرتها الذخائر سابقاً ويعد كتاب الإمامة أول الكتب التي تقوم بتحقيقها.

هذا وتشكر لجنة التحقيق سماحة الشيخ الدكتور عباس كاشف الغطاء الأمين العام لمؤسسة كاشف الغطاء العامة ورئيس لجنة التحقيق لجهوده العظيمة ومُبادَراتِه الخيرة في إرساء أسس هذه اللجنة ودعمها بالإمكانات المتاحة جميعها، سدد الله خطاه وأبقاه ناصراً ومعيناً للعلم والمعرفة.

لجنة التحقيق

النجف الأشرف

غرة شهر ربيع الأول 1426ه

عکس

13

عکس

14

ترجمة المؤلف

1- نسبه وولادته:

هو الشيخ عباس ابن الشيخ حسن صاحب (أنوار الفقاهة) ابن الشيخ الأكبر الشيخ جعفر صاحب (كشف الغطاء) ابن الشيخ خضر بن يحيى الجناجي النجفي المالكي.

ولد في النجف الأشرف سنة (1235ه-) من والدة شريفة في قومها عفيفة في نفسها وهي ابنة الشيخ حمد آل نهر زعيم قبيلة جليحة وهي القبيلة المعروفة والمشهورة والتي تقطن شط الهندية ولها سمعة وشأن كبير.

وتوفي والده وهو ابن تسع سنين ونشأ في بيت علم وزعامة فبلغ (رحمه الله) شأناً رفيعاً، ولمع نجمه بين أجلاء عصره(1).

2- أساتذته:

حضر على جماعة من علماء عصره وفقهاء مصره فقرأ المبادئ من النحو


1) ينظر: شعراء الغري، علي الخاقاني: 4، 503، ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر محبوبة: 3، 156.

والصرف والمنطق والمعاني والبيان وخلاصة الحساب للبهائي والباب الحادي عشر في العقائد على يد الشيخ إبراهيم قفطان، ودرس (المعالم) و(الشرائع) على يد الشيخ محمد حسين الأعسم وقد حضر البحث الخارج على يد ابن عمه الشيخ مهدي ابن الشيخ علي كاشف الغطاء، والشيخ مرتضى الأنصاري، والمجدد الشيرازي قبل سفره إلى سامراء، وروى عنهم وعن الشيخ راضي النجفي، والشيخ محمد باقر ابن الشيخ محمد تقي الأصفهاني صاحب حاشية (المعالم) وعن ابن عمه الشيخ مهدي ابن الشيخ علي عن أبيه الشيخ حسن صاحب (أنوار الفقاهة) عن جده(1).

3- تلامذته:

تتلمذ عليه وروى عنه جماعة منهم ولده الفقيه مرتضى (المتوفى 1349ه-) والسيد نجم الحسن الهندي, ومحمد حرز الدين, وهادي بن عباس بن علي كاشف الغطاء(2).

4- أقوال نخبة من العلماء فيه:

قال عنه شارح ديوان السيد جعفر الحلي: ((كان بارعاً في الإنشاء والكتابة، نحريراً في التحرير، يندر في عصره له النظير، وله مؤلفات في الفقه والأصول كثيرة ومنظومات من أعلى طبقات النظم في النحو والفقه والأصول. وشَرَحَ منظومة السيد بحر العلوم نظماً فلم يقصر عنه))(3).

وقد ذكره صاحب الحصون المنيعة الشيخ علي كاشف الغطاء بقوله: (كان عالماً فاضلاً فقيهاً أصولياً شاعراً بليغاً ناثراً طيب الأعراق حسن الأخلاق)(4).


1) ينظر: طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر، أغا بزرك: 1، 992.

2) ينظر: طبقات الفقهاء، الجزء الرابع عشر - القسم الأول: ص292.

3) سحر بابل وسجع البلابل، ديوان السيد جعفر الحلي، شرح الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: 259.

4) شعراء الغري، علي الخاقاني: 4، 503.

وقال الشيخ جعفر محبوبة نقلاً عن الطليعة إنه: ((كان فاضلاً فقيهاً أصولياً مشاركاً في الفنون حسن الذهن متوقد الذكاء قوي الحافظة وكان أديباً شاعراً سريع البديهة في النظم السهل المنسجم، رأيته واجتمعت به سفراً وحضراً فرأيت منه رجلاً صالحاً صافي السريرة جميل السيرة إلى ظرافة لم يخرج من دائرة الشرع، له عدة منظومات في الفقه وغيره جيدة إلى الغاية وله في مدح الأمير (علیه السلام) النصيب الوافي))(1).

وجاء عنه في التكملة: ((عالم فاضل كامل فقيه أصولي أديب بارع شاعر ناثر))(2).

وفي طبقات أعلام الشيعة قال عنه الإمام الطهراني أغا بزرك: ((بلغ (رحمه الله) شأواً رفيعاً ونال مكانة سامية في كثير من العلوم الإسلامية وبين أجلاء علماء عصره، وكانت له في الأدب نظماً ونثراً قدم راسخة ويد طولى، وهو في إنشائه أبلغ منه في شعره، وله رسائل بليغة وتقاريظ تدل على نبوغه في هذا الفن، غير أن ذلك لا يعد شيئاً إذا قيس بجلالة قدره في الفقه وغيره من علوم الشريعة، وتآليفه الكثيرة أكبر شاهد على ذلك.

وكان على جانب عظيم من حسن الأخلاق وطيب النفس وسلامة القلب والتواضع والورع والتقى والزهد...

رجعت إليه زعامة أسرته بعد وفاة سميه وابن عمه الشيخ عباس بن علي كاشف الغطاء في سنة 1315ه-، وصار من علماء النجف المعدودين والمدرسين الأفاضل يحضر عليه عدد من طلاب العلم وأهل الفضل))(3).

وفي معارف الرجال: ((كان عالماً محققاً فقيهاً متقناً، ورعاً مأموناً ثقة، أديباً


1) ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر محبوبة: 3، 157.

2) المصدر نفسه: 3، 157.

3) طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر، أغا بزرك: 1، 992، 993.

شاعراً ينظم الشعر الرقيق الجيد وافر الأخلاق، ملؤه نبل وإباء وشمم، وكان ناسكاً متهجداً عابداً))(1).

5- مؤلفاته

مؤلفاته(2):

لقد ترك الشيخ عباس (قدّس سرّه) آثاراً عديدة في الفقه والأصول والأدب والشعر وهي:

1- الفوائد الجعفرية في قواعد الفقه والأصول.

2- مُنْهَلُّ الغمام في شرح شرائع الإسلام.

3- شرح اللمعتين إلى كتاب الصلاة.

4- رسالة في مباحث الألفاظ.

5- رسالة في الرد على المفتي الآلوسي.

6- رسالة في الإمامة.

7- شرح نجاة العباد.

8- شرح الدرة النجفية وهي منظومة السيد بحر العلوم نظماً.

9- منظومة في الحج تزيد على الألف بيت.

10- منظومة الأجرومية والتي سميت (الفائقة في النحو).

11- كنز الرشاد في شرح نجاة العباد.

12- رسالة في مواليد الأئمة ووفياتهم.


1) معارف الرجال، الشيخ محمد حرز الدين: 1، 399.

2) ينظر: نبذة الغري في احوال الحسن الجعفري، الشيخ عباس كاشف الغطاء: مقدمة التحقيق (د).

13- رسالة في الأخلاق والمواعظ.

14- نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري.

15- الدر النضيد في التقليد.

16- رسالة في التعادل والترجيح.

6- نثره الفني ورسائله:

للشيخ عباس (قدّس سرّه) اسلوب بليغ وصفحات ناصعة في الإنشاء والكتابة، ومن نثره قوله يُقرّظ كتاب (النفحات العنبرية في مآثر الحضرة السرية) وهو يجمع ما قيل من مدح للوالي سري باشا وما قاله الوالي من نظم ونثر. إذْ قالَ: (أي كتاب سطع، أم أي ذكر لمع، كلما صوّبت وصعدت النظر فيه، وتأملت خواتمه ومباديه، ألفيته المسك المختوم، والعنبر المكتوم، تهب منه نفحات شذا السريّ، فتجلب الفؤاد من حيث ندري ولا ندري)(1). وله رسائل بليغة راسل بها جماعة من الأعلام ومنها رسالة كتبها إلى السيد حسين القزويني جواباً له عن رسالته التي بعثها إليه وجاء فيها:

((حيّها سيدي مألكة تنهل بالتهنئة أقلامها، وبالمسرة ودقها وغمامها، وجيد صحيفة تعيد الصحف الأولى بمزامير داود، وقد أفلح بها من تزكى لا بالناي والعود، أنست من الكرخ نشوة عين الخضر، وشكت عن لهاة يراعها البؤس والضر))(2).

وكتب إلى السيد محمد القزويني جواباً عن رسالته التي بعثها إليه قوله: (سيدي: دفع الله عنكم الضر والبوس، وكساكم وقد فعل من الانس صنعة لبوس، ولزم بابك الهنا، فلا يمر به العنا، ألقى هدهدكم عليّ كتاباً كريماً، ونبأ


1) شعراء الغري، علي الخاقاني: 4، 508.

2) المصدر نفسه: 4، 510.

مسراً(1)عظيماً)(2).

7- شعره:

كان شاعراً موهوباً مرن اللفظ مليح السبك ولكنه لم ينل إعجاب الأدباء، وقد ذهب معظم شعره لعدم عنايته به(3).

ومن شعره رثاؤه للسيد رضا الرفيعي سادن الروضة الحيدرية على لسان بعضهم:

ما بين خفان وأكفان اللوى *** قلب طواه الحزن وجداً فانطوى(4)

ومهجة نضت برود صدرها *** من نكبة تعرقها عرق المدى

ملمّة تبيض منها لُمّتي *** إن نزلت فدونها صرف القضا

صبّ تغذيه التصابي فرحة *** فهو أسير بين وجد وجوى

قد سابق الجون غمام جفنه *** فانكفأ الحياء من فرط الحيا

وانهلت الدماء من عيونه *** بالدمع حتى بلغ السيل الزبى

وله معرباً من الفارسية قوله:

كنت أرجو أن تزورنَّ *** فأشكوك التصابي(5)

كيف أشكو لك همي *** أن تزرني زال ما بي

وله يؤرخ أحد أبواب الصحن الحيدري الشريف الواقعة في جهة الغرب


1) كذا ورد والصوابُ: سار لأنه ثلاثي من السرور لا من الإسرار.

2) شعراء الغري، علي الخاقاني: 4، 511.

3) المصدر نفسه: 4، 514.

4) شعراء الغري، علي الخاقاني: 4، 514.

5) المصدر نفسه: 4، 515.

والمُسَمّى بباب الفرج وقد فَتَحَهُ شبلي باشا في عهد السادن جواد الرفيعي وذلك عام 1291ه-:

هذا الأمير الشبل خير معظم *** زمر الملوك العز تحت ركابه(1)

بالعدل سار فكان أكرم حاكم *** حق كأن العدل من نوابه

هو للمطيع شراب عذب سائغ *** وعلى العصاة يصيب سوط عذابه

نظرت عيون البعد منه إلى حمى *** مثوى الوحي وضيق باب جنابه

إلى أن يقول مؤرخاً:

رفعوا لواء الحمد فيه وأرخوا *** (صحن الأمير الشبل فاتح بابه)

وله يرثي إمام جمعة كرمنشاه ميرزا أبو القاسم قوله:

عمّ المصاب فأي خطب قد عدا *** أم أي جُلّى قد دهت جل الورى(2)

رزء يذوب القلب من أشجانه *** فيسيل من طرفي نجيعاً أحمرا

لولاه لم أدر المصاب ولا البلى *** بل لم أكن متوجعاً متفكرا

يا نفس صبراً للمصاب وإن دهى *** شيم الكرام على الردى أن تصبرا

قد مات رب المكرمات زعيمها *** من دين أحمد في البرية أظهرا

وللشيخ عباس (قدّس سرّه) منظومات في الفقه والنحو منها منظومته في النحو والتي سماها (الفائقة في النحو) وقد نظمها لابن عمه الشيخ هادي (قدّس سرّه) يقول في أولها:

قال الفتى العباسُ كاشف الغطا *** جنّبه الرحمن من حرف الخطا(3)


1) المصدر نفسه: 4، 516.

2) شعراء الغري، علي الخاقاني: 4، 516.

3) الفائقة في النحو، الشيخ عباس كاشف الغطاء: 11.

يسألني الفلذةُ من فؤادي *** وقرةُ العينِ الفريدُ الهادي

منظومةً لمتن الأجرومية *** لها النفوس كلها شهية

وقد قَرَّظَها العلامة السيد محمد القزويني بأبيات رجز وهي:

يقول راجي عفو رب ذي منن *** نخبةُ مهدي خليفة الحسن(1)

لما رأيت نظم كاشف الغطا *** نظماً يفوقُ كُلّ نظم نمطا

كما نظم شرحاً للدرة النجفية وهي منظومة فقهية للسيد بحر العلوم الطباطبائي منها:

الماء ما سمي ماء مطلقاً *** فضلاً عن الناس طهوراً خلقا(2)

وله ارجوزة في الحج والصيام والخمس يقول في مقدمتها:

منظومة العباس خير معجز *** تقرب الأقصى بلفظ موجز(3)

فسهّل المذهبَ والإدلاجا *** وغنّت الركب به حُجّاجا

أرجو بأن تكون خير ذخر *** تزيدُ أجري وتحطّ وزري

لقى بها الله بوجهٍ مسفرٍ *** أُجزى به جزاء الطائف المعتمرِ

وله ناظماً عن لسان ابن أخيه عندما طلب منه كتاب (قطر الندى) وقد ذكره الشيخ هادي كاشف الغطاء (قدّس سرّه) في مجموعه، قوله:

بت أرعى النجوم دهراً طويلاً *** للنوى والدموع كانت دليلا(4)


1) نبذة الغري، الشيخ عباس كاشف الغطاء، مقدمة التحقيق: ه-.

2) المصدر نفسه: ه-.

3) أرجوزة في الحج والصيام والخمس، الشيخ عباس كاشف الغطاء: 3.

4) شعراء الغري: 4، 517.

وليوم رأيت شخصك فيه *** يوم عيد يطفي فداك الغليلا

غير أني أراك تعرض عني *** بعد ما كنت بي زعيما كفيلا

أي ذنب بدا وإني بدرٌ *** في سما الفضل بكرة وأصيلا

وأنا اليوم فرد كل المعاني *** منك عقد قد كنت أحسن قيلا

رمت قطر الندى لنيل الأماني *** فأحاشيك أن تكون بخيلا

فأجابه بقوله:

فلذة القلب لا أرى لك ذنبا *** بل لك الفضل سائلاً وَمَسُوْلا(1)

نلت بَلَّ الصدى بقطر نداه *** فاقض ما شئت نائلاً ومنيلا

بوجودي إذا بدا لك قصد *** خذه مني فلست فيه بخيلا

يا حياتي ومنيتي ومرادي *** ودليلي إذا عدمت الدليلا

قد براك الإله فتنة قلبي *** وبهذا قد أنزل التنزيلا

وقد كانت له معارضات شعرية فقد عارض قصيدة ابن دريد في قوله:

تعريسة في العذبات باللوى *** أو عطفة للأثلات من طوى(2)

يا أيها المعنق في ذميله *** إشرافة إشرافة على الربى

حيث السحاب الجون مهتوك الحيا *** ورائق الربيع طلق المجتنى

والنور مشفوع بحبل ناره *** والورد مختوم بمسكي الشَّذا

ومن بدائهه أنه سمع من بعض القضاة بيتين مدح بهما الأمير (علیه السلام) ادّعى عدم إمكان تشطيرهما وهما:


1) المصدر نفسه: ه-.

2) ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر محبوبة: 3، 159.

المرتضى للمصطفى نفسه *** يهدي البرايا لصراط سوي(1)

لكنه في حكمه تابع *** لأنه تأكيده المعنوي

فأنشد على البديهة:

المرتضى للمصطفى نفسه *** وقل تعالوا فيه نصّ قوي(2)

يتبع من أحكامِهِ ما بها *** يهدي البرايا لصراط سوي

لكنه في حكمه تابع *** يتبعه في كل فضل روي

مستوجب للنصب من بعده *** لأنه تأكيده المعنوي

وقد ردَّ بقصيدة على فخر الدين الرازي مبيّناً فيه قصوره في تفسيره المعروف ب-(الفخر) قائلاً:

لا فخر للرازي وقد عادى الأولى *** قصر الفخار عليهم والمفخرُ(3)

شرح الكتاب بزعمه أو ما درى *** أن الكتاب هُمُ وعنهم يخبرُ

هم كعبة البيت الحرام وزمزم *** وهم الصفا ومقامه والمشعرُ

ببيوتهم نزل الكتاب وهل أتى *** لهم برضوان الإله تبشرُ

سل آية التطهير عن أنبائهم *** تنبئك أنهم الذين تطهروا

8- وفاته:

توفي في الثامن عشر من رجب سنة (1323ه-) وشيع بكل تبجيل واحتفال ودفن في مقبرتهم المعروفة مع آبائه.


1) المصدر نفسه: 3، 195.

2) المصدر نفسه: 3، 195.

3) نبذة الغري، الشيخ عباس كاشف الغطاء: و.

وأرّخ عام وفاته ولده العلامة الشيخ مرتضى فقال:

يا له من مرقد قد خصه *** بسحاب الرحمة الله(1)

طاب للعباس أرخه *** بجنات الخلد مثواه

9- عقبه:

أعقب الشيخ عباس (قدّس سرّه) ثلاثة أولاد هم الشيخ مرتضى والشيخ علي والشيخ محمد حسن. والأخير توفي في السنة نفسها التي توفي فيها والده أما الشيخ علي فلم يذكر له في مجاميع آل كاشف الغطاء سنة وفاة، وأما الشيخ مرتضى فله عدد من التراجم في كثير من الكتب وتوفي في سنة 1349ه-.


1) ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر محبوبة: 3، 158.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

وبه نستعين

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين, ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

الرابع من أصول الدين:

الإمامة

اشارة

الإمامة(1)

وهي الاعتقاد والتدين بإمامة الأئمة الإثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين.

والإمام عند الإمامية رضوان الله عليهم: هو الوارث لعلم النبي ورئاسته


1) الإمامة في الأصل بمعنى الائتمام والاقتداء، ومنها الإمام لمن يؤتم به كالأزار لما يؤتزر به، كذا في الكشاف، وفي العرف رئاسة عامة في الدين والدنيا لشخص من الأشخاص. ينظر: مفتاح الباب ل- "أبي الفتح بن مخدوم الحسيني": ص179.

بعده المتخلق بأخلاقه, والمتحلي بأوصافه الجميلة, والخالي من جميع الأخلاق الرذيلة, السالك في الأمّة سلوكه والثابت له كل ما ثبت له عدا رتبة النبوة من السياسة والرئاسة ووجوب الإطاعة, والعالم بالأحكام جملة حتى أرش الخدش علماً حضورياً, لا يعزب عنه شيءٌ منها, وإن كان إراديا في غير الأحكام مما كان ويكون حسب ما تقرر ذلك في كيفية علم الإمام (علیه السلام) ويلزم أنْ يكون معيناً ومنصوباً من قبل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولا يكفي نصب الأمّة له, وهذه المسألة من أعظم مسائل أصول الدين, وهي معركة الآراء بين العامة والخاصة, فكم زلّت بها الأقدام, وحادت فيها عن الحق أقوام بلا تروٍ ولا بصيرة حتى هلكوا وأهلكوا, والعقل والنقل لا يعذران الغافل والمتغافل, ولا من أخذته حمية الآباء فاقتدى آثارهم وسلك سبيلهم, بل لو ادّعيَ عدم وجود جاهل قاصر في هذا العصر عن هذا الأمر لم يكن بعيداً, فمن خلع برود العناد, ونظر بعين الإنصاف, وجانب جادّة الاعتساف هداه الله إلى سواء الطريق, فإن النبوة والإمامة من واد واحد فمن أنكر أو حادَ عن أحدهما أنكر الآخر وحاد عنه, وإن اعترف به لسانه أو عقد عليه قلبه, فإن ذلك لا يجدي في الخلاص من العذاب الدائم والخلود الأبدي في سقر وهو الكفر الباطني, وفي الأثر الصحيح (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(1)وفيه بالمعنى لو أن عبداً صلى وصام, وجاء بالفرض والسنّة مدّة عمره ثم لم يعرف ولاية ولي الله فيواليه, ولا يتبرى من معاديه لا ينفعه ذلك كله, فإن النبي والإمام معا سفيرا حق منصوبان من جانب الله تعالى, والإقرار بأحدهما لا يكفي, وإنكار أحدهما كفر, نعم مشهور أصحابنا على عدم نجاسة منكر الإمامة, وهو لا ينفي الكفر, فإن ارتفاع حكم من أحكام الكفر لمصلحة لا يوجب ارتفاعه بعد إجماعهم على عدِّ أصول الدين خمسة, واتفاقهم بأن المنكر لأحدها كافر.


1) وسائل الشيعة: ج16، ص246.

وأمّا العامة فلا يرون إنّ الإمامة من أصول الدين, وظاهرهم أنّهم يرون أنها من الفروع, إذ أنهم حصروا الأصول بالتوحيد والنبوة (والمعاد)(1)وبنوا على أن الاعتقاد بالإمامة من واجبات الشريعة على حدّ وجوب الصلاة والصوم وباقي الفروع الضرورية, وظاهر مقالاتهم أن تعيين الإمام واجب عيني على الأمّة لتوقف بعض الشرعيات على ذلك, كإجراء الحدود وسياسة الإسلام وغير ذلك مما لا بد له من وال يقوم به, وذلك مما لا مدخلية له في حقيقة الإسلام, بل له مدخلية في توقف النظام, فإذا أجمعت الأمّة على نصب واحد مشخص أو نصب نفسه, وتعقبه رضاء العموم وجب عليهم حينئذ إطاعته والانقياد له ما دام قائما بتلك الوظائف الشرعية, وصريح مقالة بعضهم أن لو زاغ أو مال به الهوى فترك سياسة المسلمين خلع وإن لم تخلعه الأمّة, وما دام باقيا عليها حرّم البغي عليه ووجب جهاد من خرج عن طاعته وقتله, وإنْ قتله من باب إجراء الحد كإِجرائه بالنسبة إلى المفسد والمحارب, وحيث (قامت)(2)الحرب بين الفريقين على ساق, وكل منهما جاء بالدلائل والبراهين على صحة ما ذهب إليه, ودونت في ذلك الكتب للفريقين لا بأس علينا بأن نكشف النقاب عن ذلك في هذه الرسالة, وانظر إلى ما قيل, وجانب الاعتساف فإنا قد أنصفناهم غاية الإنصاف, وربما أشرنا فيها إلى الرائق من أدلة الطرفين بأوضح إشارة, وأضفنا إلى ذلك ما سنح في ذهن هذا العبد الطالب للتوفيق من مبديه رجاء أنْ يكون ثالث العمل الذي لا ينقطع(3), وأنْ يسهل الأمر على طالب الحق فلا يراجع كتب الفريقين, فإنّ فيما نذكر كفاية للبصير النيقد, وأوضحنا عباراتها لينتفع بها العالم والمتعلم, وقبل الشروع في المقصود لا بد من ذكر مقدمات تورث سهولة


1) زيادة يقتضيها سياق الكلام.

2) ورد في الاصل "قام" والأولى ما أثبتناه.

3) إشارة الى قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ عن ثلاث ولد صالح يدعو له وعلم ينتفع به وصدقة جارية)، مستدرك الوسائل: ج12، ص230.

المطلب للطالب:

المقدمة الأولى:

دعوة الشيعة بالنص بالإمامة

متقدمة على دعوى العامة بخلافة الخلفاء

كنّا قد أشرنا قبلُ إجمالاً بأن النزاع دائر بين النفي والإثبات في النبوة بين المسلم والكافر, فمنكر النبوة في قبال مدّعيها ناف, ومدّعيها مثبت, وعلى المثبت الدليل(1),

ومثله النزاع في الإمامة فإن مدعيها على الوجه الذي تقوله الشيعة مثبت في قبال النافي لها فيحتاج المثبت إلى الحجة لا النافي, فلا وقع حينئذ لما يتخيل من أن العامة كالخاصة يعترفان بالإمامة إجمالا غير أن كلاً منهما يدعي إمامة شخص بخصوصه, فالعامة تقول بإمامة الخلفاء والخاصة ترى إمامة علي (علیه السلام) وأولاده الأحد عشر (علیهم السلام), لأن دعوى خلافة الخلفاء لا تمكن إلا بعد الفراغ من بطلان دعوى الإمامية في إثبات الإمامة على الوجه السابق من أن ذلك بتعيين الله والرسول, وعليه فبين الدعويين ترتب طبعي إذ مستند دعواهم الإجماع المحكي في ألسنتهم إذ لا نص قاطع في الإمامة, ومستند دعوى الإمامية ورود النص الواجب اتباعه بما اعتقدوه من الإمامة, فيلزم أولا إبطال حجتهم ثم إيراد الدليل على خلافة الخلفاء, وليس لقائل أن يقول بعدم الفرق بين خلافة الأمير (علیه السلام) وبين خلافة غيره بخيال إن كلاً منهما قابل لإقامة الدليل عليه, فدعوى كل منهما يحتاج إلى البرهان, فإذا ثبت أحدهما بدليله بطل الثاني, وقد أورد علماء العامة من الأدلة العقلية والنقلية على خلافة الخلفاء ما يغني عن التفكر في أدلة الإمامية وحينئذ لا يُلتفَت إلى أدلتهم في إثبات خلافة الأمير (علیه السلام) لما هو مقرر من أن قيام الدليل العلمي على أحد الضدَّين يورث العلم الإجمالي


1) كما ثبت في فن المناظرة أن المدعي هو من نصب نفسه لإثبات الحكم بالدليل أو التنبيه، أما السائل فهو من نصب نفسه لنفيه. شرح الرسالة الرشيدية: ص10، ط - حجرية.

بفساد أدلة الضد الآخر, ولا حاجة إلى التعرض إلى نقض أدلة الضد الآخر والجواب عنها تفصيلاً, وتعرّض علمائهم للجواب عنها تفصيلا إنما كان لرفع الشبهة عن جهّالِهم إذ ذلك كلام شعري لا محصل له فإنّا لم ندّع أن خلافة الخلفاء لا تحتاج إلى الدليل أو أنها ليست بضد لخلافة الأمير (علیه السلام), أو أن الدليل على حقيقتها لا يكون دليلا على فساد خلافة الأمير (علیه السلام) وإنما قلنا بأن دعوى الإمامية بإمامة حضرة أسد الله الغالب (علیه السلام) بحسب المرتبة لها تُقدَم على دعوى المخالفين بحقيّة خلافة الخلفاء غيره, فإذا لم تبطل هذه الدعوى لا يمكن إثبات دعواهم على حقيّة خلافة خلفائهم، نظير ذلك مثلا لو قبض الحاكم الشرعي مال من لا وارث له بحسب الظاهر, وأراد صرفه فيما يترجح في نظره من المصارف, ثم حصل من يدعي أنّه يرث صاحب المال المقبوض, فإن الحاكم ليس له قطع المدعي بإقامة الدليل على صرفه فيما ترجح في نظره من المصارف, بل اللازم عليه أن يسمع تلك الدعوى من مدّعيها فإن اتضحت لديه بطريق شرعي من بينة وغيرها رفع يده عن المال, وإلاّ فعليه بيان دليل صحة المصرف وغبّ(1)

بيانه صرف المال في مصرفه, وهذا أمر لا يسع الخصم إنكاره ولو ادعى الخصم بأن خلافة الخلفاء عند مثبتها كخلافة الأمير (علیه السلام) في كونها بالنص لا بالإجماع, فحينئذ لا مسرح للترتب المذكور, بل تحصل المعارضة(2),

ويفزع إلى الترجيح لرددناه بأن ذلك لو قيل به فهو مخالف للإجماع من العامة في ثبوتها بالإجماع عندهم دون النص, ومخالف لما تواتر عن عُمَر ورواه المعتبرون من أهل السنّة والجماعة في قضية الشورى من قول عمر لابن عباس (أن اترك الاستخلاف فلقد ترك من هو خير مني يعني رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم), وإن استخلف فقد استخلف من هو خير مني) يعني به أبا بكر في حقه(3), ثم ما معنى الشورى


1) غبّ: بعد.

2) المعارضة: إقامة الدليل على خلاف ما أقام الدليل عليه الخصم. المصدر السابق، ص22.

3) راجع ميزان الاعتدال: ج3، ص211.

بعد النص؟وما معنى الأمر بقتل المستخلِف بالنص من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)؟ فما ذلك إلاّ اختلاق فلا يلتفت حينئذ إلى لقلقة الرّازي(1)

وبعض من تبعه وتلفيقا تهم في إثبات خلافة ابن أبي قحافة ببعض الإبهامات والنصوص التي بعد إمعان النظر فيها هي كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف, وعساك تقف في طي كلماتنا الآتية على ما يوضح ذلك أيَّ إيضاح فانتظر.

المقدمة الثانية:

المعجزة وخوارق العادات

إن خوارق العادات المعبَّر عنها بالكشف والكرامات لو (حصلت)(2)

لشخص يدعي النبوة أو إمامة من جانب الحق سبحانه, فهي مما يعول عليها ويثبت بذلك المنصب المدّعى من نبوة أو إمامة, وهي التي يطلق عليها (المعجزة)(3), وبها ثبتت نبوة أكثر الأنبياء, وأما حصولها عند غير من يدعي ذلك, فهي من التمويهات التي لا طائل تحتها, ولا بد من ظهور بطلانها, فإن محض جريان خارق العادة على يد شخص, لا يثبت مطلبا أبداً, لا بحسب الشرع, ولا بحسب العادة, بل لا يقضى أكثرها بجلالة من حصلت منه لإمكان أن تكون من تأثيرات بعض الأسباب والطلسمات, وعسى أن بعضها يورث البعد من الله تعالى, فإن من المشاهد أن بعض خوارق العادة كثيرا ما ظهرت من بعض الكفرة المرتاضين والملحدين من (المفسدين)(4).

والحاصل إن خوارق العادة لو ظهرت ممن يدعي منصبا يتعلق بالخالق,


1) كما ورد في كتابه معالم أصول الدين إذْ يقول في المسألة السادسة: الإمام الحق بعد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أبو بكر (رضي الله عنه) ويدل عليه القرآن والخبر والإجماع، الى آخر كلامه في المسألة. راجع: معالم أصول الدين، للفخر الرازي: ص165.

2) ورد في الاصل "حصل" والصواب ما اثبتناه.

3) ورد في الاصل "بالمعجزة" والصواب ما اثبتناه.

4) في أصل المخطوطة (المسلمين).

ويستدل بها على حقيقة منصبه, يثبت بها ذلك المنصب الإلهي, وتسمى بالمعجزة, وأما مجرد ظهورها ممن لا يدّعي منصبا إلاهياً أو يدعيه ولا يستند بما ظهر منه على إثبات تلك الدعوى, فظهورها كعدمه بالنسبة إلى ذلك الشخص لا تدل على شأن من الشؤون, ولا منصب من المناصب وذلك أمر بديهي لا يحتاج إلى تجشم الاستدلال.

المقدمة الثالثة:

ثبوت أدلة الشيعة يقضي بعدم الحاجة

الى إبطال أدلة خلافة الخلفاء

إنك بعد ما عرفت أن وجوب نصب الإمام عند المخالفين هو على الأمّة لا على الله تعالى ورسوله, وأن مسألة الإمامة من فروع الدين لا من أصوله, على خلاف ما تدعيه الفرقة المحقة, ومرّ عليك في المقدمة الأولى أن النزاع في مسألة الإمامة راجع إلى النفي والإثبات, ينبغي أن تحيط خبراً بأن كل دليل تركن إليه الإمامية في تنوير دعواهم, وإثبات مدّعاهم من آية أو نص ينافي طبعاً ما تعلق به أهل الخلاف من ذلك بتعيين المخلوقين من الأمّة, فحينئذ ثبوت أدلة الفرقة المحقة قاضٍ بفساد خلافة الخلفاء, وبطلان تصرفهم في الأمور الراجعة إلى منصب الإمامة, ولا يحتاج بعد إلى نصب دليل على فساد خلافة الخلفاء ولا إلى التفكر في أدلتهم نقضا وإبراما, بل أدلة الشيعة حاكمة على تلك الأدلة ومزيلة لها, إذ الأدلة التي تعلقوا بها على إثبات خلافة الخلفاء لا تخلو من وجهين: لأنها إما أن تقضي بعدم تعيين إمام بالنص من النبي, وإما أن تكون ساكتة عن تعيين الإمام.

والوجه الأول على ضربين:

(الأول) إن ما دل منها على عدم التعيين يعارض الدليل الدال عليه ويقاومه, ومعنى المعارضة هو أن اجتماع الدليلين يستحيل واقعا, ويلزم أن يكون أحدهما حقاً والآخر باطلاً عقلاً.

(الثاني) ما يتوقف دلالته على عدم تعيين الإمام على عدم دليل يقضى بتعينه, فمتى دل دليل على التعيين يسقط دلالته على حقية خلافة الخلفاء ولا تتم.

والوجه الثاني مع القسم الثاني لا تنافي بينهما وبين ما قضى من الأدلة بالتعيين لأن جمعهما أمر ممكن, نعم ما كان من أدلتهم على الوجه الأول يعارض وينافي الأدلة الدالة على تعيين الإمامة بالنص, ولا يمكن الجمع بينهما البتة, ضرورة أن فرض صدق كل واحد منهما يدل دلالة عقلية إجمالية على فساد الثاني, وأدلة المخالفين إذا تصفحتها ألفيتها تشتمل على الضروب السابقة جميعاً, لكن ما كان منها من قبيل الوجه الأول قليل وضعيف جداً, وما كان بزعمهم قوي فهو غير نافع وغير مجد لما عرفت من إمكان الجمع بين الدليلين, وسيأتي القول في تفصيل ذلك إن شاء الله.

المقدمة الرابعة:

تقسيمات في الممكن والمحال والأدلة الشرعية

إن جميع الأمور تنقسم إلى ممكن ومحال, والمحال ينقسم إلى محال عادي وعقلي, والمحال العادي هو ما حصل العلم بعدم وجوده بملاحظة العادة والمحال العقلي هو ما استحال وجوده بملاحظة العقل, ولازم المحال العقلي أنه لا يثبت خلافه بدليل عقلياً كان الدليل أم عادياً, لأن العادي لا يعارض العقل, والعقليان لا يتعارضان, ولا بد من أن يُرمى أحدهما بالاشتباه فيكشف المعارِض عن أن المعارَض – بالفتح – غير محال عقلي, بل ممكن عقلي, وكذا المحال العادي لا يمكن إثباته بالعادة, وإلا يلزم إنه غير محال عادي, نعم يمكن إثبات خلافه بدليل عقلي إذ لا منافاة بين امتناع الشيء بحسب العادة وبين وقوعه بقدرة الله تعالى. وأما الأدلة الشرعية فقسمان قطعية وظنّية:

والأول هو الذي لا يتطرقه احتمال الخلاف, والثاني ما يحتمل فيه ذلك.

والقسم الأول لا يقبل المعارضة حتى بالدليل العقلي, ولو ورد مثل ذلك معارضاً فهو صورة دليل لا دليل عقلي حقيقي, هذا إذا لم يظهر طريق فساده,

ولو ظهر كفى الله المؤمنين القتال.

والثاني وهو الظني وحكمه أنه يبطله الدليل العقلي والعادي (ويجعلانِهِ)(1)هباءً منثوراً لا يعارضانه.

المقدمة الخامسة:

ما ثبتت به النبوة تثبت به الإمامة وزيادة

إن الإمامة كالنبوة تثبت بكل ما تثبت به النبوة, وتزيد عليها بأن تثبت بالنص دونها لأنه غير معقول, قد تثبت بالمعجزة, وقد تثبت بقرائن الأحوال المفيدة للقطع بها, وتثبت بالنص من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).

الأدلة القطعية في صحة مذهب الإمامية

إذا عهدْتَ هذه المقدمات فلنشرع بالمقصود من إثبات صحة مذهب الإمامية بالأدلة القطعية. وفي المقصود مقاصد:

أولها في إقامة البرهان الساطع على إمامة النور اللامع أسد الله الغالب (علیه السلام) وخلافته بلا فصل.

ثانيها (في)(2)إقامة الحجة الواضحة على فساد خلافة الخلفاء, وضلالة من تابعهم, وأوجب إطاعتهم, وإن كان في إثبات خلافة الأمير ما يغني عن إثبات فساد خلافة الخلفاء كما تقدم في المقدمة الثالثة, لكن حيث جرت عادة السلف رضوان الله تعالى عنهم أجمعين على ذلك, لزمنا أن نحتذي مثالهم وإن لم يسبقن أحد إلى تدوين مثل هذه المقدمات غير أن الفضل للمتقدم, مضافا إلى أن


1) ورد في الاصل "يجعلاه" ولا موجب لحذف النون, فالصحيح ما أثبتناه.

2) غير موجود في أصل المخطوطة.

وضع هذه الرسالة للخواص والعوام, فلا بد من أن نورد فيها ما ينتفع به الفريقان إن شاء الله بتوفيق صاحب الشريعة.

وثالثها في إثبات إمامة باقي الأئمة الإثني عشر في مقابل الفرق التي تزعم خلاف ذلك, وتقتصر على البعض منهم:

المقصد الأول:

اشارة

إعلم أن علماء الإمامية خلفاً عن سلف كم أقاموا الحجج والبراهين على ذلك, شكر الله سعيهم, وأخصب يوم الجزاء زرعهم حتى أن العلامة الحلي دوَّن كتاباً سمّاه بالألفين أورد فيه ألف دليل عقلي وألف دليل نقلي على هذا الأمر ولكن بناء الحقير على عدم التعرض لتلك الأدلة بالتفصيل, وإنما نذكر الحجج التي تسلم مقدماتها الخصوم ولا يحتاج فهمها إلى مراجعة غير هذه الرسالة من كتب الأخبار, لأن أكثر ما نذكره لا ينكره المخالف فإن المهم في تأليف هذه الرسالة انتفاع الضعفاء وذي القوة العاري عن الأسباب, وأما من له قوة الترجيح والاستنباط وأخذ الأشياء من مواضعها فحاله حال المؤلف, وفقنا الله لمراضيه وجعل مستقبل عمرنا أحسن من ماضيه, ثم إنا قد أشرنا سابقاً في إثبات النبوة, أن الدليل على ضربين: إقناعي وإلزامي, والأول في حق المنصف المائل عن جادة الاعتساف, والثاني في حق العنود الجحود المجادل في البديهيات الذي لا يرده إلاّ الإلزام بما ألزم به نفسه أو ما لا يسعه إنكاره من البديهات والمقدمات الواضحة التي تنتج المقصود حتى لو تحاكما عند ثالث تراضياً عليه صدّق المستدل وكذب المنكر, كما لو تواتر خبر مئة بأن وراء الجدار يانعٌ شجرٍ مثمر أو لا ثمرة فيه, وحصل من يردُّ أنباء تلك المئة, ويدعي أن أخبارهم لا تفيد علماً بالمخبر به في حقي, فإن مثله إما خارج عن طريقة العقلاء, وإما يطلقون عليه المعاند الجاحد, والشرط في حصول العلم للخصم صفاء ذهنه من الشُبَه وسلامة فطرته من الخبائث والقذارات المعنوية, كمن دخل في الإسلام رغبةً وأراد أن يميز الفرقة المحقّة عن غيرها من الفرق التي تنتهي إلى السبعين أو أكثر,

وأما من كان مسبوقاً بشبهة تشوش ذهنه منها, أو لم تطهر نطفته, أو أخذته حمية الآباء فاقتفى آثارهم, فمثله لا تنفعه الأدلة, وهدايته موقوفة على عناية ربانية, ومن هنا ترى مشايخ أهل الخلاف ممن تبحر في العلوم مال به الهوى, وأخذته الحمية حمية الجاهلية أو الجهالة فلم يحصل لهم العلم من أدلة الإمامية إلا نفر قليل ممن أذعن بالحق واعترف بصدق الدليل بعد تشيّخه, وأسماؤهم في كتب الرجال مسطورة, ونُسب إلى إمام الحرمين(1)

بعدما شاخ هذان البيتان:

حملوها يوم السقيفة أوزاراً *** تخف الجبال وهي ثقال

ثم جاءوا من بعدها يستقيلو *** نَ وهيهات عثرة لا تقال

أشار بهنّ إلى قول الأول بعد السقيفة (أقيلوني فلست بخيركم وعليٌّ فيكم)(2), ولم يسمع انعكاس القضية, بأن كان الشيعي بسبب نظرهِ في أدلة المخالفين معوجاً وزائغاً عن مستقيم الصراط, ولو اتفق ذلك لشخص نعوذ بالله لم يدرج في سلسلة العلماء, بل هو من الهمج الرعاع الذين ينعقون مع كل ناعق, وآراء مثل هؤلاء لا عبرة بها أبداً, ولنرجع إلى الأدلة فنقول:

الأدلة التي أقاموها على المقصود قسمان عقلية ونقلية, والعقلي منها قرر بتقارير:


1) إمام الحرمين: شيخ الشافعية أبو المعالي عبد الملك بن الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد بن حَمَوَيه الجويني، ولد في أول سنة 419ه-، توفي ستة 487ه-. سير أعلام النبلاء: ج18، ص468 - 476.

2) راجع: شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ج1، ص169.

الباب الأول:

الأدلة غير النقلية

الدليل الأول:

العقل

اشارة

أولها : توقف حكم العقل بخلافة الأمير (علیه السلام) على إحراز مقدمات لو سلمها الخصم فلا بد له عقلا من الإقرار بذلك.

المقدمة الأولى:

إن النبي خاتم الأنبياء, وشريعته خاتمة الشرائع, وبقاؤها إلى يوم القيامة لازم, لأن المفروض أنها خاتمة فلو لم تبق يلزم عدم الختم, والختم من الضروريات مع تصريح الكتاب به, فالبقاء مثله, وقوله تعالى [وَمَا خَلَقْتُ اْلجِنَّ وَاْلإنسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ](1), أقوى (دليلٍ)(2)

على البقاء إلى يوم الانقضاء.


1) سورة الذاريات: آية 56.

2) ورد في الاصل "دليلاً" إلا أنه مضاف فالصحيح أن يخفض.

المقدمة الثانية:

إن البقاء إلى يوم النفخ يحتاج إلى حافظ, ومع عدمه يضمحل شيئاً فشيئاً, إذ هو في معرض الزوال والاندراس, وتوفر الدواعي إلى اندراسه من وجود الكافر والمنافق وغيرهما, وليس ذلك إلاّ كالبناء الذي ليس له حافظ فإنه يسقط وإن بنيَ محكماً, ومع الحارس والمداومة على إصلاحه يبقى ويدوم, ثم لا فرق بين الدوام والحدوث, فكما أن الحدوث محتاج إلى بعث الرسول من جهة احتجاب النفوس البشرية وعدم لياقتها وقابليتها إلى استفادة الأحكام الإلهية بلا واسطة من مصدرها, فكذلك البقاء حذو النعل بالنعل يحتاج إلى مبين ومرجع وحافظ للأحكام, وهو الذي يطلق عليه الإمام, ولا بدّ من أن يكون معيناً ومشخصاً لتعرفه الأمّة فترجع إليه.

المقدمة الثالثة:

في أن العلم بذلك الحافظ المبين مختص بالله وبرسوله وليس للأمة في ذلك مسرح ولا نصيب لعدم إحاطة عقولهم بمعرفته, فيرجع تعيينه إلى الله وإلى رسوله, ويجب على الله ورسوله تعيينه كي لا تضيّع الأمّة الطريق فتقع في الضلالة, فإن كان موجوداُ بين الناس أشارا إليه وعيناه, وإن لم يكن موجوداً لزم(1)

على الله تعالى إيجاده, وعليهما إرشاد الناس إليه لكي يبين الأحكام ويحفظ النظام, ويقوم بأمور الدنيا والدين.

المقدمة الرابعة:

إنه يلزم أن يكون ذلك الشخص المعيّن خالياً عن المفسدة, وصلاحيته للاستخلاف معلومة بين الأمّة.

المقدمة الخامسة:

إنه بعد أن اتضح لزوم تعيين الإمام على الله ورسوله (صلی الله علیه و آله و سلم), وإن في ذلك


1) بناءً على قاعدة اللطف.

صلاح أمر الدنيا والدين, وإن ترك المصلحة على الله ورسوله قبيح, فلا جرم من أن تستقل حكومة العقل بأن حضرة الرسالة لم تفارق روحه الدنيا إلا بعد أن عيّن للناس إماماً يرجعون إليه في الأحكام, وإلاّ يلزم أحد محذورين محالَين, أما عدم أمر الخالق جلّ جلاله بتعيين الإمام, أو أن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) خالف الأمر الوارد من الله بالتعيين, وكلاهما باطلان بالضرورة, فإن عدم أمر الله تعالى بذلك مع الإحتياج إليه قبيح, وهو المنزه عن كل قبيح, على أنه يلزم منه تكليف ما لا يطاق, لأنه مع عدم الأمر بتعيين الإمام , إما أن يريد من الأمّة إمتثال أحكامه أو لا يريد ذلك, فإن أراد لزم التكليف بالممتنع كما لو أراد الامتثال ولم يرسل رسولاً يبين أحكامه, وإن لم يرد ذلك كشف عدم إرادته عن عدم إرادة بقاء الشريعة إلى يوم القيامة, وهو ينافي المقدمة المفروضة من بقاء الشريعة إلى قيام الساعة, وإن كان الله تعالى أمر رسوله بتعيين من شخّصه وعيّنه للإمامة, والرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ما أطاع ولم يبلغ ما أمره به, لزم نسبة العصيان إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) واللازم باطل باتفاق الإمامية وأهل السنّة, إذ لا شك ولا إشكال في وجوب عصمة النبي حال النبوة فيثبت بهذه المقدمة إن الله جَلَّ وَعَلا والرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) قد عيّنا للإمامة من يصلح لها.

المقدمة السادسة:

هو إن القبيح لا يصدر من الله ورسوله أبداً, وإن ذلك ممتنع في حقهما.

المقدمة السابعة:
اشارة

إن الذي (أَمَرا)(1)بالرجوع إليه وعيّناه إماماً للرعية هو أمير المؤمنين (سلام الله عليه), إذ لم يدع التعيين غيره أحد من الناس لما مرّ عليك بأن كل من ادعى إمامة غيره ينكر أصل وجوب تعيين الله ورسوله للإمام, وينكر وقوعه منهما, وعلى تقدير ثبوته فالإجماع قائم من كل الأمّة إن المعيّن هو الأمير (علیه السلام).


1) ورد في الاصل "أمر" والصواب ما أثبتناه.

وهذا الدليل المركب من هذه المقدمات على الإجمال مذكور في كتب العلماء, ولكن سبق إلى بعض الأذهان القاصرة أنه لا ينتج المقصود, وأظن ذلك من إجمال تعبيرهم لهذا الدليل, وإلاّ فبعد تحريره على الوجه المذكور لا جرم من أنه يفيد العلم الضروري بالمقصود, ومع ذلك فقد وقع في أذهان بعض المشككين مِن بعض علماء أهل السنّة بعض الشبهات في الدليل المزبور, وردّ أكثر مقدماته, بل كأنهم لم يعترفوا إلا بالمقدمة الأولى, وهي بقاء الشريعة إلى يوم القيامة, وناقشوا في باقي المقدمات.

مناقشة المقدمة الثانية:

فقد ذكروا في منعها أن الشريعة محتفظة بنفسها لا تحتاج إلى حافظ, ومأمونة من الزوال بحسب العادة, وليست هي إلاّ مثل الكتاب العزيز, فإن الشرع عبارة عن الأحكام الثابتة بالكتاب والسنّة, والكتاب لا يحتاج إلى حافظ بل الوجود ببركاته مأمونٌ من غِيَر الزمان وآفة الدوران, ولو عرض عليه أحيانا ما يوجب تلفه أو زواله من سوانح الدهر فحفظه نظير محافظة النفوس والأموال والأمور الخطيرة التي لا تحتاج إلى وجود شخص معيّن, على أنه يجب كفاية حفظه على جميع المكلفين نظير حفظ بيضة الإسلام(1)

عند خوف غلبة الكفار. وأما السنّة فهي أيضاً محفوظة من جهة وجود الصحابة الكرام, فإنهم صحبوا النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) برهة من الدهر حتى أخذوا أحكام الله تعالى بأسرها منه وتلقوها عنه وبلغوها غيرهم, وأخذتها الناس يدا بيد, واحتفظوا بها كالقرآن ودونوها, فهي والقرآن مأمونان مِن الزوال إلى أبد الآباد, فلا يلزم تعيين حافظ غير الصحابة من جانب


1) وجوب المحافظة على بيضة الإسلام: قال المحقق النائيني: حماية الوطن من تدخل الأجانب، والحذر من حيل الأعداء وإعداد القوة الدفاعية والمعدات الحربية وغير ذلك من الأمور التي عبَّر عنها المتشرعون ب-"حفظ بيضة الإسلام" وعبَّر عنها غيرهم ب- "الحفاظ على الوطن" وتسمى الأحكام المقررة في الشريعة لإقامة هذه الوظائف بالأحكام السياسية والمدنية. راجع: كتاب تنبيه الأمة وتنزيه الملة: ص100.

الله تعالى, إذ هو تحصيل حاصل نظير بعث نبي بعد نبي في تبليغ شريعة واحدة في عصر واحد, فحينئذ دعوى احتياج الشريعة إلى إمام حافظ مثل النبي ممنوعة أشّد المنع.

هذا أقصى ما يقرر في الإشكال على المقدمة المزبورة من جانب الخصم ومع ذلك هو صورة بلا معنى أو هيولى(1)بلا صورة, كسراب بقيعة, فإن قياس السنّة بكتاب الله تعالى قياس مع الفارق, نظراً إلى أن الكتاب المجيد صدر من مصدر الجلال الإلهي, والحفّاظ والكتّاب عند نزوله دونوه وحفظوه وضبطوه أشد الضبط, واجتهدوا في حراسته على حد المحافظة لسائر كتب العلوم, حتى أنهم طالما يتنازعون في الهمزة والضمة والكسرة منه, إلى أن دوّنت الكتب في ذلك, ولذلك كان الكتاب المجيد متواتراً وباقياً إلى يوم القيامة نظير الكتب الدينية وغير الدينية الباقية في الناس على الدوام لاشتمالها على المصالح الدينية والدنيوية, أو لميل طباع النوع الإنساني إلى بقائها كما هو المشاهد في كتب القصص والحكايات والأشعار, وليس الكتاب العزيز بأقل منها.

وأما السنّة النبوية المشتملة على بيان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للأحكام فمن المعلوم أن بيان الأحكام بأسرها دفعة واحدة لم يقع منه, بل غير ممكن عادة, وإنما الصادر منه (صلی الله علیه و آله و سلم) البيان في مواقع الابتلاء, وفي مقامات الاحتياج للمحتاج عند سؤاله أو ابتلائه بحكم لا يعلمه, ولم ينقل عنه ولا عُرِف منه أنه عند بيان الحكم لسائل حضِر (صلی الله علیه و آله و سلم) جميع الصحابة لسماع ذلك الحكم, أو (جَمْعٌ)(2)منهم يفيد قولهم القطع إذا نقلوا الحكم وضبطوه, أو أن الصحابة تصدّوا لهذا الأمر بحيث لم يصدر حكم من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلاّ ضبطوه وحرروه على نسق اهتمامهم بضبط المنزّل


1) الهيولى: قوة موضوعة لحمل الصور منفعلة، وبتعبير آخر: هي جوهر من حيث هي موضوعة للصور. راجع: معجم المصطلحات الفلسفية: ص440.

2) ورد في الاصل "جمعاً" ولا موجب للنصب.

مِن القرآن وتدوينه, حتى أنه عيّن لكتابة الوحي أربعة عشر كاتبا, والقرآن كان ينزّل مُنَجَّماً, وكان كلما هبط الأمين بشيء منه, كتبه أولئك ودوّنوْه وضبطوه ونشروه بين الصحابة, وكذلك السنّة قطعاً, نعم نحن لا ننكر بأن جمعاً من الصحابة تصدّوا لحفظ الحديث واجتهدوا في ضبطه لكنَّ كونهم اتفقوا على تلك المحفوظات واتفاقهم عليها صار سببا لبقائها بحيث صارت كالكتاب أمر غير معلوم, بل المعلوم عدمه وإن كان ذلك قد يُقال به أو يُدعى به في بعض المتواترات من الأحاديث, فنحن ما ادعينا السلب الكلي, بل إنما أنكرنا الإيجاب الكلي الذي لا ينافيه الإعتراف ببعض الأفراد, وحينئذ ينحصر الحفظ في جملة السنّة النبوية بما تواتر وحصل الإتفاق عليه من الصحابة, فلا يقال للصحابة إنهم حافظون إلاّ في هذا المقدار, ويختص الحفظ بمن أدرك شرف الحضور, واقتبس من ذلك النور, وأما من شحطت(1)دياره عن المدينة فلا يأتيها إلا لماما, وكذلك (التابعون وتابعوهم)(2)إلى زماننا هذا فلا يجري هذا المعنى في حقهم, نعم ما تلقّوه منهم يدا بيد وأخذوه عنهم بلا اختلاف يلزم قبوله, ولكنّ ذلك أقلّ قليل لا يفي بمثقال ذرة من الأحكام ولا يتم به المقصود من بقاء الشريعة, إنّا وكل واحد من الصحابة محتاج إلى الآخر, كاحتياج الآخر إليه في محفوظاته, والبعيد من الأمّة لا شك باحتياجهم إلى الأحكام أشد الاحتياج وقول آحاد الصحابة في حقّهم لا يفيد ظناً فضلا عن العلم لظهور وجود الطعن في حقهم الذي صار به كالشبهة المحصورة فيهم, وعلى ما حررناه فالشريعة معطلة بين الصحابة إذ لم يكن عند كل واحد منهم جميع الأحكام, وعند غيرهم ممن بعد عنهم أو جاء بعدهم أشد تعطيلا. ولو سلمنا احتفاظ الشريعة من جهة وجود الصحابة في العصر الأول, فلا نسلمه قطعا في الأعصار اللاحقة, وبقاء الشريعة إلى أبد الآباد لا يمكن أن يكون مستنداً إلى محفوظات الصحابة في العصر الأول, ولا


1) شحطت: بَعُدَتْ.

2) ورد في الاصل "التابعين وتابعيهم" والصواب ما أثبتناه.

يسع الخصم إدعاء ما هو ضروري البطلان وأَوْهى مِن بيت العنكبوت.

لا يُقال أن بقاء الشريعة مطلوب في جميع الأعصار على نسق طلبه في عصر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), ومعلوم أن ما كان في عصره (صلی الله علیه و آله و سلم) هو بيان كليات المسائل, وهي التي تتحملها نوابه ورسله إلى النواحي, وأما الجزئيات فكانوا يجتهدون فيها, كما أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بنفسه كان أيضاً يجتهد في الجزئيات, وقد ورد عنه وتكرر منه في كثير من القضايا والمحاكمات أنه كان يشاور أصحابه, ودعوى أنه كان لا يعمل إلاّ بالوحي لا بالاجتهاد ولا المشورة حتى في الجزئيات كما تدعيه الإمامية لا يعترف بها الخصم, وهي عنده في غاية الضعف, فتخلص من هذا النظر أن حفظ الشريعة بما اتفق عليه الصحابة من الأحكام بانضمام إجتهادهم في الجزئيات, وإنضمام اجتهاد الولاة والنواب فيها عن تلك الكليات المأخوذة من الصحابة في جميع الأطراف والجوانب البعيدة والقريبة وهذا المقدار من الحفظ غير قابل للإنكار في العصر الأول, بل في جميع الأعصار منضماً ذلك إلى الأحكام القرآنية, وكون المطلوب من الحفظ أكثر من ذلك غير معلوم فلا يتم الدليل المزبور, ولا يلزم به المنكر بل ولا المشكك, لأنا نقول إن الدليل على بقاء الشريعة لا يخلو من أمرين:

أحدهما الإجماع والضرورة.

والثاني الكتاب والسنّة.

فأما الإجماع والضرورة فإنما يدلان على البقاء فقط, وأما كيفيته فما كانا (لِيَدُلاّ)(1)عليها فهما إنما يقضيان ببقاء الشريعة في الجملة من دوام الاعتقاد بالمعارف وضروريات الفروع.

وأما الكتاب والسنّة فالمستفاد منهما بقاء الأحكام الواقعية الإلهية إلى يوم


1) ورد في الاصل ليدلان, والصواب حذف النون لانه منصوب بأن مضمرة بعد لام الجحود.

الدين على نهج واحد, وفي قوله تعالى [وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا اْلقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْبَلَغَ](1)والحديث المتواتر (حلال محمد حلال أبداً إلى يوم القيامة, وحرامه حرام أبداً الى يوم القيامة)(2)وأمثاله من السنّة, صراحة بيّنة ودليل قاطع على ما ذكرنا من بقاء الأحكام الواقعية إلى يوم القيامة على ما نزلت ومن البديهيات التي لا تقبل الإنكار إن مِنَ الممتنع المستحيل أن تبقى الشريعة من دون تغيير وتبديل وزيادة ونقصان على نهج زمان نزول الوحي وعصر حضرة الرسالة إلى أبد الآباد بلا حافظ رباني, وعالم حقاني يتلقى الأحكام من مصادرها ومواردها, ويعرف محكمها ومتشابهها, وبالجملة إن الله تعالى إذا جرى في علمه إرادة بقاء الشريعة على ما هي عليه من غير تغيير وتبديل يلزمه عقلا أن يعيّن لذلك عالماً معصوماً من الزلل في جميع الأعصار حتى تتم الحجة في ما أراد وإلاّ يلزم الحكم بعدم إرادته لذلك, ولا يُعقَل القول بأن إرادة ذلك مع عدم النصب يجتمعان, إذ ذلك أمر لا يمكن اجتماعه في المخلوق فضلا عن الخالق.

ولو ادّعى الخصم بأن التغيير والتبديل من لوازم الاجتهاد, والاجتهاد واقع في عصر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), ومعمول به بالبداهة واعتقاد أهل السنّة على جواز اجتهاد الرسول في الجزئيات, فكيف بسفرائه وأُمنائِه في الأصقاع والبلدان؟ ومنه يظهر أن التأبيد المذكور في الخبر لحرامه وحلاله يجتمع مع التغيير والتبديل الاجتهادي, ولا منافاة بينهما, فالمراد بالتأبيد بقاء الكتاب المجيد والأخبار المتواترة والفروع الضرورية. وأمّا غيرها من الجزئيات (فيرجع)(3)فيها من له قابلية الاجتهاد إليه في جميع الأعصار من العلماء وحفظة الأحاديث.

والحاصل أن أحكام الله تُطلب وتُراد مِن الأمّة في الأزمنة المتأخرة على نحو


1) سورة الأنعام: آية 19.

2) الكافي، ثقة الإسلام الكليني: ج1، ص58.

3) ورد في الاصل "يرجع" والصواب ما أثبتناه.

ما كانت تطلب في عهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), فكما أنها في زمانه مستغنية عن حافظمعصوم كذلك في باقي الأعصار, وإرادة أكثر من ذلك لا دليل عليه بل في ملاحظة حال السلف وحال أهل عصر النبي أقوى دليل على ذلك, لأجبناه:

أولاً: إنا ننكر اجتهاد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في جزئيات الأحكام وننكر معلومية ذلك في الأمّة, وجريان العمل عليه, فإن القول بذلك خلاف قوله تعالى [وَمَا يَنْطِقُ عَنِ اْلهَوى, إن هُوَ إلاّ وَحْيٌ يُوحى](1)وغير ذلك مما يفيد مفاد الآية(2).

وأمّا رُسُله وسفراؤه في الأصقاع فمن الممكن المحتمل أنهم لا يعملون إلا بما سمعوه أو علموه من حضرة الرسالة, والحوادث الواقعة لا يُفْتون بها ولا يحكمون إلاّ بعد مراجعة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), وما هم إلاّ كَنوّاب المجتهد في هذا الزمان بتبليغ الأحكام إلى المقلدين, فإن ما يحدث من الوقائع وما لم يسمعوه من المجتهد ولم يروه في زبره ورسائله لا يُفتون الناس به بالاجتهاد أبداً بل يتوقفون من الإفتاء حتى يراجعوه, وإبداء هذا الإحتمال يكفي في نهوض الدليل العقلي على إثبات مدّعانا بتقرير أن الكتاب والسنّة صرحا ببقاء الأحكام الإلهية إلى منتهى الأبد, والتغير والتبديل الاجتهادي ينافي الأمر بالبقاء المذكور وإن كان في الجزئيات من الحوادث, والتحفظ عنها حادثة موقوفة على حافظ معيّن فإذا لم يثبت العمل بالاجتهاد في الجزئيات في زمن الحضور مطلقاً, بل هي محتاجة إلى السماع ثبت وجوب وجود الحافظ ليرجع إليه فيها, والقول بثبوت ذلك يلزمه


1) سورة النجم: الآيات 3 - 4.

2) كقوله تعالى: [قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ]، سورة يونس: آية15. واعلم أن مسألة اجتهاد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من المسائل الخلافية وقد استدل لها بعض علماء العامة بأدلة هي أوهن من بيت العنكبوت وباختصار إن كان المراد المعنى اللغوي فإنكاره مكابرة لا تسمع وإن كان المراد المعنى الاصطلاحي فدون إثباته خرط القتاد، هذا وقد ناقش هذه المسألة سماحة آية الله الشيخ علي كاشف الغطاء في كتابه الأحكام: ج1، ص218.

التصرف والتأويل لما قضى بتأبيد الأحكام مطلقاً, والتأويل خلاف الظاهر بليحتاج إلى الدليل, فالحكم العقلي بحاله على وجوب تعيين الحافظ بلا شبهة.

وثانياً: إنا لو سلمنا إمكان الاجتهاد في الجزئيات في حق الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وسفرائه وتنزلنا مع الخصم فحكمنا بوقوعه فغاية الأمر إن وقوعه ذلك كان في عصر النبي وهو موجود بين أظهرهم, وأما بعد فقده فلا, إلا بوجود حافظ لأن المماثلة بين العصرين تقتضي وجود المعصوم في كل عصر وإلا يلزم أن لا تساوي بين بقاء الشريعة وحدوثها وهو باطل.

وبعبارة أخرى إن تغيير الأحكام بسبب الاجتهاد مع عدم وجود الإمام يزيد على التغيير مع وجوده كثيرا, ومقتضى دوام الشريعة وبقائها هو البقاء على نهج عصر الحضور, ومع فقد المعصوم لا يتساوى البقاء والحدوث فلا بدّ من وجوده كيما يحصل التساوي.

لا يقال إن مآل هذا الدليل هو الاستدلال بظواهر الأدلة القاضية بتأبيد الأحكام الواقعية وهو أولا خروج عن الاستدلال بالدليل العقلي, وثانياً هذا دليل ظني وهو لا ينفع في مسألة إثبات الإمامة المطلوب فيها الاعتقاد والعلم. لأنا نقول إن استفادة وجوب نصب الإمام من الكتاب والسنّة التي أقمناها إنما كان بمداليلها الالتزامية, وهي من الأدلة العقلية كما صرح به المحققون من الفريقين في الأصول.

وأما الثاني من أن الدليل أفاد ظناً, والظن لا يغني ولا يكفي في أصول العقائد. فجوابه أن الإمامة ليست من العقائد المحضة حتى لا تكون منشأ للتكاليف العملية, بل هنالك تكاليف عملية مرتبة على وجود الإمام كترتبها على وجود الرسول, وكل مسألة يترتب عليها تكليف عملي يجري فيها الدليل الظني ويؤخذ به ويلزم الخصم فيه, ألا ترى أن أدلة المخالفين على حجية الإجماع في خلافة الخلفاء كلها ظنية, فغاية الأمر أن هذا الدليل على نسق

أدلتهم يعارض أدلتهم, فكما أنهم قد استندوا إلى ظواهر الآيات والأخبار على حجيّة الإجماع,وبعد إثبات حجيته بذلك أثبتوا خلافة خلفائهم, كذلك الإمامية يمكن أن تتمسك بأدلة بقاء التكاليف على فساد مذهب أهل السنّة وحقيّة مذهبهم, فإن كانت الظواهر لا تنفع في باب الإمامة يسقط تمسك الفريقين بها, وإن نفعت نفعتهما معاً على أن التمسك بأدلة بقاء التكاليف على تعيين الإمام له جنبتان عقلي من جهة ونقلي من جهة أخرى.

فإن قلت إن مصلحة نصب الإمام لا تزيد قطعا على مصلحة بعث الرسول, وبعث الرسول قد يختص بزمان دون زمان وبقطر دون قطر وبقوم دون قوم, وكثيراً ما يوجد في الربع المسكون من الناس من لم تبلغهم دعوة النبي, وذكر أهل التواريخ أن كثيراً من الخلق في الأزمنة السابقة لم يُرسَل لهم رسول ولا تديّنوا بدين وذلك لمصالح لا يعلمها إلا علاّم الغيوب, فعسى أن يُدّعى أن علة نصب الإمام بعد رحلة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم تكن كاملة ليترتب عليها وجود المعلول. قلت: نعم نحن نعترف بإمكان ما ذُكر بل بوقوعه, غير أنا نقول: إن أدلة استدامة الشريعة وبقائها إلى يوم الحساب يرفع هذا الاحتمال ويدل على قابلية الزمان وأهله بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) للعمل بأحكام الشريعة وبعد دلالتها كذلك نقضي بلزوم وجود الإمام فقياس بقاء التكاليف على وجوب بعث الرسول لا محصل له لوجود الفارق بينهما كما بيّنّا.

نعم نصب الإمام (علیه السلام) بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع الإعراض عن أدلة بقاء الشريعة هو كبعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في عدم حكومة العقل بلزومه على الله تعالى ولا كذلك بعد فرض وجوب بقاء الأحكام والشريعة, وتوقف البقاء على الحافظ فلا محيص عن القول بوجوب النصب وحُكم العقل به إذ عدم النصب يلزمه عدم البعث وعدم إرسال من يبين الأحكام ويبلغ الأنام, ونتيجته إن الله لا يريد من

العباد ارتكاب ما أمر به واجتناب ما نهى عنه (اللَّذَيْنِ)(1)يطلق عليهما الواجبوالحرام.

وربما يعترض كما وقع ذلك لجماعة من محققي أهل السنّة وهو أن وجوب نصب الإمام على الله في كل عصر منقوض بزمان الغيبة عند الإمامية, فالقول بوجوب حافظ منصوب متصرف مع القول بغيبة ذلك الحافظ لا (يَكادانِ)(2)يجتمعان إذ لا زم القول بالغيبة إنه في زماننا يكون مدار الشرع الأخبار والأحاديث المروية عن الصحابة والتابعين, والإمام المعصوم الذي يجب تلقي أحكام الله تعالى منه لا وجود له بين الأمّة, فيكشف ذلك كشفا إجماليا عن فساد الدليل العقلي المزبور, أو فساد المقدمة الأولى من لزوم بقاء الشرع على ما هو عليه إلى يوم القيامة, أو بطلان ثانِيَةِ المقدمات من أن البقاء على هذا النهج لا يمكن بلا وجود إمام معصوم, أو منع الثالثة وفسادها من أن النصب والتعيين لازم على الله لا على الأمّة بل يلزم بطلان سائر مقدمات هذا الدليل من جهة فساده إجمالا.

وجواب هذا الإشكال حيث كان مشترك الورود بين هذا الدليل ودليل اللطف - لم نتعرض لردّه وجوابه هنا بل أخرنا ذلك إلى التعرض لذلك الدليل إن شاء الله تعالى - فإن أعظم ما تعلق به أهل السنّة في نقض الدليلين المزبورين هو زمان الغيبة لأنّهم نسبوا الإمامية المدعين ذلك إلى السفه والجنون, حتى قال شاعرهم(3)

(ما آن للسرداب أن يلد الذي) *** فيه تغيّب عنكُمُ كتمانا

هو نور ربِّ العرش إلاّ أنّكم *** (صيّرتموه بزعمكم إنسانا)

(فعلى عقولِكم العفاءُ لأنّكم) *** أنكرتم بجحوده القرآنا

لو لم تثنّوا العجل ما قلتم لنا *** (ثلّثتم العنقاء والغيلانا)

:

1) ورد في الاصل "اللذان" والصواب ما أثبتناه.

2) ورد في الاصل "يكاد" والصواب ما أثبتناه.

3) ذكره صاحب الصواعق المحرقة: ابْنُ حجر المكّي، وشطره السيد عبد المطلب الحلّي كما جاءَ في البابليات راداً على الأصل بقوله:

ما آن للسرداب أن يلد الذي *** صيرتموه بزعمكم إنسانا

فعلى عقولكم الْعَفاءُ لأنكم *** ثلثتم العنقاء والغيلانا

ونحن بحول الله تعالى وقوته نجيب عن هذا النقض بأوضح عبارة وألطف إشارة بما يلقم المعترض الحجر, فانتظر واستمع لما يتلى عليك لترى أيّ الفريقين أحق بالنقصان.

مناقشة المقدمة الثالثة:
اشارة

وأما المقدمة الثالثة فغاية ما يزعم في ردها أن الإمام الحافظ للشرع لا يُشترَط فيه إلاّ معرفة أمور الدين والدنيا من العدل والإنصاف وسياسة الرعية ولهذه الأوصاف آثار ظاهرة فمتى كشفت تلك الآثار عن تلك الأوصاف في شخص معيّن ومُشخّص في الأمّة, واشتهر أمره وعُرِف بذلك بين القريب والبعيد من الأمّة أغنى ذلك عن تعيين الله تعالى ورسوله له, لأن فائدة التعيين إرشاد العالم وإعلامهم بصلاح من أحرز الشرط كيما يأتمرون بأمره وينزجرون عمّا نهى عنه, ومتى كان ذلك معلوما انتفت فائدة التعيين فلا يجب حينئذ, بل هو تحصيل حاصل إن كان المقصود بالإعلام حقيقته, نعم إذا كان الإعلام من باب الترغيب والتحريض على الأمر المعلوم كان ذلك من المقاصد الحسنة لكنّه لا يجب على الله تعالى, كما لو ثبتت نبوّة نبي بمعجزة أجراها الله على يديه, وبعد ثبوتها أجرى الله تعالى على يده معاجز أخرى للتأكيد والمبالغة فإن عدم وجوب إجراء المؤكد من المعجزات لا يجب على الله تعالى بعد إثبات النبوة بغيرها بالبديهية.

ولو قيل أنَّ الأمّة لا تطيع من أحرز شرط الإمامة وإن عرف بذلك إلاّ

بالنصّ عليه مِن الله تعالى كيما ترجع الخلق إليه, ولا تتمرد عن ذلك كمن عُرف بالاجتهاد وأحرز مقدماته فإن الناس لا ترجع إليه في التقليد والمحاكمات إلا بإجازة من قبله له ممن كان مستجيزا عمَّن قبله وهكذا. لقلنا في الجواب إن الأمّة لو علمت بمن أحرز شرط الإمامة, واحتاجت الرجوع إلى الإمام وجب عليهممن باب المقدمة الرجوع إليه في الشرعيات من دون حاجة إلى الإعلام الإلهي, وأما من تمرد وعاند منهم فهو معاقب كسائر العصاة المتمردين على الله بعد معلومية الحلال والحرام لديهم, ولا يجب على الله تعالى إلاّ الإعلام وإبداء الحجة وقطع الأعذار, وإن صدر أمر من الباري أو نهي من باب التأكيد فهو من باب الفضل والإحسان لا من باب الوجوب والحتم.

والجواب عن هذا الرد:

أولا: إن العلم والعدالة وأمثالهما من الصفات غير المحسوسة, وإن كان لها آثار محسوسة يتوصل بها الى العلم بغير المحسوس لكن حصول العلم بذلك موقوف على المعاشرة والمخالطة التامة فيختص بمن عاشر وخالط. وأما في حق غير المخالطين عمّن شحطت دياره أو دنا ولم يخالط لا طريق يحصل له العلم منه إلاّ الاشتهار وهو لا يفيد إلاّ الظن, فإن حصول العلم من الاشتهار لا دائمي ولا غالبي. نعم يمكن أن يفيد العلم أحيانا لبعض الناس كما أنه قد لا يفيدهما حتى اشتهر (كم من مشهور لا أصل له), ولو قلنا بإفادته العلم غالباً أيضاً لا يكفي, فإن مَن لم يحصل له العلم منه معذور في المخالفة لعدم قيام الحجة عليه, فما حال من لم يحصل له الظن؟ فإنه معذور بالأولوية القطعية فلا يعاقب مَن لم يحصل له العلم مطلقاً على عدم الرجوع في الشرعيات وغيرها إلى الذي أحرز تلك الخصال.

وقد يدعى أنه لا تفيد تلك الآثار المحسوسة بعد المعاشرة إلا الظن, لأن حصول العلم من تلك الآثار راجع إلى قرائن الأحوال وشاهد الحال, ومِن الواضح أن شاهد الحال يختلف باختلاف الأشخاص المشاهدين, فالاعتماد

حينئذ على الآثار في معرفة المرجع وترك التنصيص عليه من الله تعالى ونبيّه (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يكاد يجري على القاعدة على أن طريقة العقلاء جارية بأن المطلب المهم المراد إتقانه وإحكامه يلزمه صاحبه أن يحكمه بجميع أنواع الإحكامات, ولا يعتمد على سبب لا كلية فيه, وقد يتخلف عن حصول المقصود كما هو واضح.وثانيا: إن الآثار الظاهرة من العلم والعمل تصلح أن تكون طريقا إلى الأمور المستقبلة دون الماضية, وقد سبق في المقدمة الأولى أن من اللازم أن يكون الإمام عالما بجميع الأحكام ماضيها ومضارعها إلى يوم التناد فلا يمكن إن يتأتى للأمة معرفة مثل هذا الشخص بمشاهدة الآثار الكاشفة, بلمن الأمور الممتنعة أن تحيط العقول بشخص عنده علم ما كان وما يكون من الأحكام والحوادث اللاحقة والسالفة من دون نص علاّم الغيوب عليه, كلاّ بل تختص معرفته بذاته المقدسة, وعليه بيان ذلك للعباد بما يعرّفهم به غيره مما اختص علمه به, ودعوى إمكان تمييز الأمّة لمثل هذا الشخص بآرائهم القاصرة وعقولهم الفاسدة من بين المخلوقين لا يُلتفَت إليها ولا يعوّل عليها لظهور فسادها.

وثالثا: إن الأمّة بعد فرض عدم النص من الله تعالى على الإمام يمكّنهم عدم إطاعة من عينوه للإمامة لأن وجوب الرجوع في الأحكام لا يلازم وجوب الإطاعة في الأمور الدنيوية والسياسات, ومِن هنا وجب الرجوع إلى العلماء في زمن الغيبة في الأحكام فقط دون الأمور الدنيوية, ولا كذلك الإمام المنصوص عليه إذ هو مما تجب إطاعته مطلقاً في الأحكام وغيرها, فإنه أولى بالناس من أنفسهم.

ولو قيل: بأن أمر الإمام إذا تعلق بالأمور الدنيوية لا تلزم إطاعته عقلا حتى لو كان فيها صلاح الدين أيضاً, بل يختص وجوب الرجوع إليه بالأحكام فقط. نقول: إن أمر الإمام بالأمور الدنيوية لجهة إصلاح الدين قد تختلف فيه آراء الناس كما لو أمر الإمام بسرية على طائفة طاغية والعموم ترى أن لا صلاح في

ذلك, فإنه لا دليل على وجوب العمل برأي الإمام, وقاعدة وجوب المقدمة لا تنفع, وحينئذ وجوب الإطاعة يلزم أن يكون من الله تعالى, وليعلم أنه بناءً على ما أجبناه به ثالثاً عن أصل المقدمة من أنه يختص معرفة الشخص القابل للإمامة بالله تعالى لو بطل وأذعنّا بإمكان تشخيص ما هو قابل للإمامة بنظر الأمّة لا يورث ذلك الوهن في الدليل العقلي المزبور ولا تخريمه, بل يوجب مضافاً إلىتعليل مقدماته إتقانه لأن إطاعة الإمام في السياسات واجب ولا يكفي في وجوبه تشخيص الخلق للإمام, بل يتوقف على النص عليه مِن الله تعالى فيجب فليفهم.

مناقشة المقدمة الرابعة:

وأما طريق المناقشة في (رابعة)(1)المقدِّمات:

إن غاية ما ثبت هو اشتمال تعيين الإمام على مصلحة تقتضي الأمر به وتعيينه وذلك غير كاف في وجوب إيجاده وتعيينه على الله تعالى, بل يلزم مضافا إلى ذلك كون تعيينه خالياً عن المفسدة أيضاً, وإحراز الخُلوّ عن المفسدة لا يمكن إلاّ بعد تعيينه لتوقف العلم بالخُلوّ على التعيين البتة فيدور, إذ تعيينه متوقف على عرائه مِن المفسدة, وخلوّه عنها لا يُعلم إلاّ بعد التعيين, فهو موقوف عليه وهو خُلْف.

وجوابه: عدم توقف التعيين على الخلوّ عن المفسدة لإمكان معرفة الخلوّ قبل التعيين فلا دور. وتوضيحه أنَّ لزوم بقاء الشريعة دليل على وجوب التعيين, وخلوّه عن المفسدة، فالتعيين والخلوّ عن المفسدة مستندهما لزوم دوام الشريعة, فهما شريكان في ذلك الدليل الدال على البقاء ومعلولان لعلة واحدة, والشركة في الدليل تكون سببا للتلازم لا سببا للتوقف كيما يكون دورا, والُمورِد رأى التلازم فحسبه توقفاً وأين هذا من ذاك؟, وكيفية الملازمة بين بقاء الشريعة


1) ورد في الأصل "رابع" والصواب ما أثبتناه.

وسلامة تعيين الإمام من المفسدة مَرَّ في المقدمة الثانية مفصلا وخلاصته أن أدلة بقاء الشريعة ودوامها تقضي بعدم المفسدة في تعيين الإمام, لأن بقاء الشريعة بلا إمام معيّن لا يمكن فإذا كان في تعيينه مفسدة يلزم أن يكون في البقاء أيضاً مفسدة والمفروض خلافه فتدبر.

مناقشة المقدمة الخامسة:

قد يدّعى منعها بأن الحسن والقبح في أفعال الخالق والمخلوق فيه خلافالعلماء ومعركة الآراء, وأكثر أهل السنّة تنكر الحسن والقبح, ويزعمون أنه لا معنى له في الأفعال. نعم في المأكولات والمشروبات والملبوسات والألوان والصفات يمكن أن تكون حسنة وقبيحة, فيُقال المأكول والمشروب والملبوس الفلاني حسن أو قبيح, والجود حسن والبخل قبيح وكذا العلم والجهل.

و أما الأفعال فلا تتصف بحُسْن ولا قبْح, ومِن هذه الجهة قالوا لا شيء يجب على الله كيما يكون تركه قبيحاً عليه, حتى أنهم نفَوا قبْح الظلم على الخالق والمخلوق, ولم يذعنوا بلزوم العدل عليهما كذلك, فغاية ما في الباب أن يقال: إن تعيين الإمام مشتمل على المصلحة, لكن لزوم العمل بالمصلحة في حق الله تعالى أول الكلام, بل لا معنى للقول بلزوم شيء على الله تعالى لأنّه فاعل مختار وقادر فعّال يفعل ما يريد لا يعترض عليه أحد في تدبيره, وحكمه كلما كان أو يكون بين الكاف والنون لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون, فلو بَعَث نبيا في زمان ولم يُبعَث في وقت آخر لا يُقال الأول إنه حسن ولازم عليه ولا للثاني أنه قبيح وممتنع عليه, وكذلك نصب الوصي والإمام على فرض اشتماله على المصلحة حسبما تدّعيه الإمامية فإنه ليس بلازم على الله تعالى إذ لا يمكن الحكم بوجوب شيء على الله تعالى لكي يتفرع عليه نصب الإمام ومِن هذه الجهة كان الدليل المز بور عقيماً لا نتيجة له ولا يثبت هذه الدعوى.

والجواب عن ذلك كله:

أولا: إن من المحقق الثابت في محله الذي لا يعتريه شَوب الإشكال بالبراهين القطعية الحسن العقلي والقبح العقلي(1),

ولا يمكن لمن له أدنى شعور أن ينكر قبح بعض الأشياء عند العقل بحيث أن فاعلها يستحق المؤاخذة والعقابوحسنها كذلك بحيث أن فاعلها يستحق المدح والثواب, عجباً أي عاقل لا يقبّح الظلم مطلقاً, وصدوره من الخالق أعظم, ولا يحسن العدل ويجوز عذاب المطيع على الله تعالى بلا سبب وإعزاز المنكر له والكافر به.

والحاصل إن إنكار الحُسْن والقبْح في الأشياء مما قضت البداهة ببطلانه ولا يحتاج إلى تكلف الاستدلال عليه إذ مفاسده لا نهاية لها.

وثانيا: إن المنكرين للحسن والقبح من أهل السنّة شرذمة قليلة في قُبال المعترفين كيف وعلماء المعتزلة كلّهم وكثير من غيرهم يقولون به ولا ينكرونه فدع عنك من مالت به الأهواء, وأدركه مرض الجهل وهو أعظم داء.

ولو زعموا أن الحُسْن والقبْح بالوجوه والاعتبارات, فالحسْن يتصف بالقبح وبالعكس كالكذب النافع, وقالوا إن تعيين الإمام وإن كان حسنا وخلافه قبيح لكن لعله لأمر ما يقتضي تركه في عصر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مِن المصالح ترك الله ذلك الحسن ولم يأمر به ومع قيام هذا الاحتمال لا يمكن الحكم بأن الله تعالى عيّن الإمام المخصوص إذ التعيين منه متوقف على معلومية نفي هذا الاحتمال ولم يعلم عدم اشتمال التعيين في ذلك العصر على صفة مقبّحة له.

لرددناهم: بأن نصب الإمام كوجوب بعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لا تعرض لهما صفة مقبحة, ولو أمكن ذلك لتوفرت الدواعي إلى نقله (وليس)(2), وبعد ملاحظة


1) مسألة الحسن والقبح العقليين تناولها علماؤنا رضوان الله عليهم سواء في علم الأصول أو في مباحثهم الكلامية والفلسفية وقد ألفوا في ذلك رسائل خاصة. راجع: كتاب الأحكام، ل-"آية الله الشيخ علي كاشف الغطاء": ج1، ص224.

2) كما ورد في المخطوطة.

أدلة بقاء الشريعة واحتياجها إلى حافظ كما تقدم ينتج العلم بأنه لا يمكن أن يعتري نصب الإمام مفسدة ملزمة تخرجه عن الحسن, وسيجيء في جواب (سابعة)(1)المقدمات ما يوضح ذلك.

وثالثا: على فرض تسليم بطلان الحسن والقبح العقليين مماشاةً للخصم نقولإن امتناع الظلم على الله مسلّم لم ينكره أحد من أهل السنّة حتى من نفى الحسْن والقبْح ولا مِن الإمامية ولا غيرهم من أهل الكتاب ممن يوَحد الله, بل كل من جعل له إلها من سائر المخلوقين نفى عن ربه الظلم مضافاً إلى أن نفي الظلم عن الله تعالى وقع في محكم كتابه وسنة نبيه فلا محيص لمن اعترف بها أن يجوّزه على الله ولا ينفيه عنه, ومن الأشياء الغنية عن البيان أن في عدم نصب الإمام مع احتياج الأمّة إليه وشدّة ضرورتهم إلى العمل بأحكام الشريعة ظلماً يجب تنزيه الخالق عنه جل وعلا لأدائه إلى التكليف بما لا يطاق وإضلال العباد وتركهم يخوضون بحار الفتن والأهوال العظيمة, فإنه قد وقع ذلك رأي العين بعد رحلة النبي وإنكار النص في حق الوصي وهذا المقدار يكفي في لزوم تعيين الله للإمام, وبعد ثبوت المقدمة الثانية للدليل العقلي وهي احتياج الشريعة إلى إمام حافظ يتضح ثبوت الظلم على الله في عدم النصب, فمنع المقدمة أولى بالمنكِر فتفكر, ومِن منع هذه المقدمة يَظهر منع السادسة أيضاً.

إذ غبّ ما قَبُحَ الظلم في حقه تعالى, امتنع صدوره منه البتة(2).

فالقول - بأن امتناع الظلم لا يمنع الصدور لأنه ممكن, وكل ممكن يمكن وقوعه, بل قال علماء الكلام: إن كلّ ما شككت في إمكان شيء وعدمه فذره في بقعة الإمكان, فإن القبح لا يصيِّر الشيء واجب الامتناع كشريك الباري وكذا الحسْن لا يجعله واجب الوجود, على أن الوجوب والامتناع فعل ممكن


1) ورد في الأصل "سابع" والصواب ما أثبتناه.

2) من هنا تبدأ مناقشة المصنف لسادس المقدمات.

يتوقف على إرادة ومشيئة, والمشيئة واللامشيئة كلٌّ منهما يحتاج إلى دليل, فإذا لم يدل دليل على أحد الطرفين (فَلا(1)جَرَمَ أن يكون الصدور واللاصدور فعلين مشكوكَين, ولم يثبت مما مضى إن صدور القبيح ممتنع على الباري كيما ينتج الحكم البتّيبنصب الإمام - موهونٌ(2)

بأن الثابت من الشرع عدم صدور القبح والظلم من الباري, وهو يفيد الجزم بنصب الإمام الذي تركُه ظلم وقبح على أنّ امتناع صدور القبح من الله تعالى ثابت في محله فليطلب, ونشير إليه إجمالاً وهو إن صدور الفعل من الفاعل إما أن يكون لغرض اقتضى صدوره منه أو لا, والأول يلزم أن يصدر منه ما يحصل به ذلك الغرض, فلو قلنا بصدور الظلم من جانب الله تعالى لتحصيل ذلك الغرض فقد نسبنا العجز (إلى القادر)(3)

على تحصيله بغير الظلم تعالى الله عن ذلك, والثاني عبث محض أيضاً تعالى الله عنه, ويلزم ما هو محال من وجود المعلول من دون علته, إذ علّة الأفعال الاختيارية هو الداعي والغرض, فإذا فرض وجود فعل إختياري بلا داع ولا غرض فقد فرض وجود المعلول بلا علّة وهو محال, فثبت من مجموع ما تلونا عليك مِن المقدمات أن الله سبحانه نصّب إماماً وبعد ثبوت ذلك تَثْبُت (سابعة)(4)المقدمات مِن أنّ الإمام الصادع بالحق هو علي بن أبي طالب (علیه السلام) دون غيره من سائر الصحابة رضوان الله عليهم, ولنا على ذلك أمور:

أولها: اعتراف الخصم بأن خلافة الخلفاء لم تكن بالنص من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), وأن الرسول أهمل ذلك لعدم الحاجة إليه, أو لعدم اقتضاء مصلحة الوقت لذلك ولكنَّ الإجماع من الصحابة مُهاجريّهم وأنصاريّهم أجمعوا على خلافة أبي بكر الصديق فلزم اتباعهم.


1) ورد في الأصل "لا" والصواب ما أثبتناه.

2) قوله (موهون) خبر للمبتدأ (فالقول).

3) ورد في الأصل "للقادر" والصواب ما أثبتناه.

4) ورد في الأصل "سابع" والصواب ما أثبتناه.

نعم قد تقدم أن بعض من ليس له قدم ولا روّية ولا اطلاع في التواريخ والأخبار ادّعى النص على خلافة أبي بكر(1), كما أنَّ بعضاً آخر ادّعاه في حقالعباس عم النبي, وهما موهونان بما مرّ عليك, وبأن الجمهور مِن أهل السنّة ما أشاروا إلى ذلك في زبرهم بيَد ولا بلسان بل تراهم يثبتون خلافة الأول بالإجماع والثاني بنصّ الأول والثالث بالشورى.

ثانيها: إن أبا بكر في حديث معتبر قال (أقيلوني فلست بخيركم وعليٌّ فيكم)(2)فإن فيه أمارة ظاهرة وإيماء بيّن إلى صلاحية علي (علیه السلام) للخلافة, ووقوع النص عليه من الرسول, وإلاّ كيف يطلب الإقالة وهو منصوص عليه بالخلافة؟, وقد قال الله سبحانه [وَ مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى الله وَرَسُوُلُهُ أمراً إن يَكُونَ لَهُمُ اْلخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينً](3)وزعم أنه قال ذلك عملا بما ورد من تصغير النفس, وكراهة مدح الإنسان نفسه, وإظهار عدم القابلية لنفسه أمر مستحسن لرددناه بأن مثل هذا المحل ليس من المقامات التي يستحسن فيها تصغير النفس, والحال أن الله سبحانه أمر بذلك والرسول بلّغَ.

والحاصل: إن صدور هذا الكلام من أبي بكر رواه أكثر أهل السنّة فلا ريب في صحته وهو لا يخلو إما أن يكون على سبيل الحقيقة أو على تصغير النفس أو


1) قال التفتازاني: "وقيل: نص على أبي بكر (رضي الله عنه) فقال الحسن البصري نصاً خفياً وهو تقديمه إياه في الصلاة وقال بعض أصحاب الحديث: نصاً جلياً وهو ما روي أنه (علیه السلام) قال: إئتوني بدواة وقرطاس أكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف فيه إثنان، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر. شرح المقاصد: ج5، ص259، وقالت الراوندية إنه نص على عمه العباس تلويحاً, وقد نشأت هذه الطائفة في صدر الدولة العباسية وناصرهم الجاحظ في رسالة سماها "العباسية" ثم انقرضت هذه الطائفة في زمن قصير. الشافي في الإمامة: ج1، ص7.

2) الحديث تقدم تخريجه، راجع: ص11.

3) سورة الأحزاب: آية 36.

لبعض المصالح الباعثة على ذلك, وعلى كل حال ففيه مخالفة للكتاب, وجرأة على الله ورسوله في مخالفة (ما)(1)أمر الله به, أترى يصلح للنبي أن يقول أقيلوني من النبوة؟ فإن الإمامة أختها.ولو عورض ذلك بصنع الأمير علي بن أبي طالب (علیه السلام) بعد قتل عثمان فإنه امتنع من بيعة الناس يوماً أو أياماً, وذلك ينافي امتثال النص, فما يعتذر به عن هذا فهو بعينه يكون عذرا عن ذاك.

نقول في منعه بالفرق بين عدم قبول البيعة له وبين الاستقالة, لأن عدم القبول من الأمير – علي بن أبي طالب (علیه السلام) – قد يكون لمصالح أظهرُها تأكيد الحجة عليهم, فما في ذلك مخالفة لله ورسوله, وأما الاستقالة فالمخالفة فيها ظاهرة.

ثالثها: إن النص على أبي بكر لو كان معلوما لما احتاج إلى الاجتماع في سقيفة بني ساعِدَة وانتهاز الفرصة والركون إلى من يعادي الأمير -- علي بن أبي طالب (علیه السلام) - من معاذ بن جبل وخالد بن الوليد وغيرهما, وطلب المساعدة منهم, واغتنام الفرصة في مشغولية الأمير بتجهيز النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), وعدم حضوره وصاحبه وهما من كبار المهاجرين تجهيز النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), ودفنه ومنازعته مع الأنصار أشدّ النزاع في طلب الرئاسة, بل لا معنى لطلب الأنصار أن يكون منهم أمير, ومِن البعيد بل الممتنع عادة أنّ (هُناكَ نَصّاً)(2)والأنصار كلّهم لم يعلموا به, أو خالفوه بعد العلم, ثم إن من المتواتر الذي لا يقبل الإنكار تخلف علي (علیه السلام) وجماعة من أجلاّء الصحابة عن البيعة له حتى صدر ما صدر بينهم مما لا يليق أن يخطه اليراع, والتخلف مع وجود النص من مثل أمير المؤمنين لا يمكن أن يكون, إذ ذاك يورث العصيان الذي لا يعقل تحققه في المتخلفين, ونقل عن


1) ورد في الأصل "عما" والصواب ما أثبتناه.

2) ورد في الأصل "هنا نص" والصواب ما أثبتناه.

سلمان الفارسي (رضي الله عنه) وهو من أجلّ الصحابة وخيارهم أنَّهُ قال ذلك اليوم بمحشد من المهاجرين والأنصار (كرديد ونه كرديد ونه ميداني جكرديد)(1).أليس في ذلك كفاية عن عدم صدور النص؟ ولو ضربت عن ذلك كله صفحا ففي قول عمر على المنبر حسبما رواه الفريقان واعتمدته الطائفتان (إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة, وقى الله المسلمين شرّها)(2)إن في قوله (فلتة) أقوى شاهد أن لا نصّ هناك, وجملة الأمر أن دعوى أن هناك نصّاً من النبي في حق أبي بكر أو غيره من الصحابة, أو ادعاه أحد منهم غير علي (علیه السلام) لعلّه مِن المزخرفات التي لا تليق بأن تدوّن أو يُلتفَت إليها, وأوهى منها أن العباس عمُّ النبي كان منصوصاً عليه, فإن ذلك مخالف لإجماع الفريقين وقد أغنانا غير واحد منهما عن التعرض له.

رابعها: إن تجهيز جيش أسامة إلى مؤتَه(3), وهو المكان الذي استشهد أبوه فيه في مرض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), وعقد اللواء له بأمره وتأميره على المهاجرين والأنصار الذين منهم أبو بكر وصاحبه أقوى دلالة على عدم النص عليه بالإمامة, فإن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لو فُرِض أن الخصم ادّعى عدم علمه بموته في ذلك المرض فلا أقل مِن أنّه (صلی الله علیه و آله و سلم) يظن ذلك ظنا قويا, فينبغي استثناء أبي بكر عن ذلك وإبقاء وصيه ومن نص عليه بالإمامة عنده, فعدم استثنائه له يقضي بعدم النصّ عليه البتة.


1) أراد بقوله (كرديد) فعلتم، وبقوله (نه كرديد) لم تفعلوا، والمعنى إنكم عقدتم لمن لا يصلح للأمر ولا يستحقه وعدلتم عن المستحق، وهذه عادة الناس في إنكار ما يجري على غير وجهه لأنهم يقولون فعل فلان ولم يفعل، وقد صرح سلمان (رضي الله عنه) في قوله: أصبتم سنة الأوليين وأخطأتم سنة أهل بيت نبيكم. نفس الرحمن: ص589.

2) ونقل عن الداودي أن معنى قوله (كانت فلتة) أنها وقعت من دون مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاور، ينظر: فتح الباري لابن حجر: ج12، ص132. المصنف للصنعاني: ج5، ص441.

3) مؤتة: قرية من قرى البلقاء في حدود الشام. راجع: معجم البلدان للحموي: ج5، ص219.

ودعوى أنّ أبا بكر لم يكن مأموراً من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالمسير مع أسامة بل المأمور غيره يكذّبها ذكر أصحاب السير والتواريخ لذلك, وقد أخرج البلاذريّ في تأريخه, وهو المعروف بالوثاقة والضبط, وبريء من الميل إلى الشيعة أنّ أبا بكر وعمر كانا في جيش أسامة(1), ولعمري أن الإنكار لما يجري هذا المجرى لا يغنيشيئاً, وما ذاك إلاّ كمناقشات بعض علماء أهل السنّة لماّ ضاق عليهم الخناق في دلالة حديث أسامة على عدم أهلية أبي بكر للخلافة, ودلالته على عصيانه لتأخره عن جيش أسامة مع أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بتنفيذه, فإنهم تفصّوا عن ذلك طورا بأن الأمر لا يقتضي الفور فلا يلزم من التأخر العصيان(2). وجوابُهُ في الأصول (مُفَصَّلٌ)(3)ومحصّله تحقق العصيان بمجرد المخالفة وإن لم نقل بأن الأمر للفَور على ما حققناه في كتبنا الأصولية.

وأخرى بأن الخبر: إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خاطب أبا بكر بقوله (نفذوا جيش أسامة)(4), والمخاطب خارج, ونقل أبو الثناء الآلوسي(5)تبعاً لغيره عن قاضي القضاة ما نصّه }إن خطابه (صلی الله علیه و آله و سلم) بتنفيذ الجيش يلزم أن يكون متوجها إلى القائم بعده, لأنه من خطاب الأئمة, وهذا يقتضي أن لا يدخل المخاطب بالتنفيذ بالجملة حتى قال (وهو يدل على أنه لم يكن إماماً (منصوصاً)(6)عليه, وإلا لأقبل بالخطاب عليه, وخصّه بالأمر بالتنفيذ دون الجميع) ثم ذكر أن الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) إنّما يأمر بما يتعلق بمصالح الدنيا من الحروب عن اجتهاده, ولا يجب أن


1) أنساب الأشراف: ج2، ص115.

2) الفورية: عبارة عن لزوم المبادرة وعدم جواز التأخير في الامتثال عن أول أزمنة الإمكان. منتهى الأصول: ج1، ص346.

3) ورد في الأصل "مفصلاً" والصواب ما أثبتناه.

4) تاريخ خليفة بن خياط: ص64.

5) أبو الثناء الآلوسي: محمود شهاب الدين بن عبد الله الحسيني الآلوسي فقيه مفسر ومن أشهر آثاره (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) ت 1270ه-.

6) ورد في الأصل "منصوص" والصواب ما أثبتناه.

يكون ذلك عن وحي مثل الأحكام الشرعية, واجتهاده يجوز إن يخالف بعد وفاته, فتخلف أبي بكر وعدم تنفيذه الجيش بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لا عصيان فيه, ثم إنّ أمر الرسول عن اجتهاده لا بد أن يكون منوطاً بالمصلحة, وأن لا يعرض ما أهم منه فإذا وجدوا أن تنفيذ الجيش يعقب ضرراً في الدين لهم أن لا يمتثلوه(1)انتهى.

والجواب عن ذلك كله يُعلَم من سالف كلماتنا من مقدمات الدليل العقلي, ونزيده هنا إن عدم امتثال أبي بكر لهذا الأمر لا يمكن أن ينكر في حال حياة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), بل وبعد مفارقته الدنيا, أمّا في حال الحياة فلأنّه أراد تنفيذ الجيش فهو واجب, ولا يتم هذا الواجب إلاّ بمسير أبي بكر إذ هو من الجيش فهو واجب, والرواية المعروفة أنّه أقبل عليه في المسجد, وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): نفذوا جيش أسامة, وهو من جملة الجيش, فلا بد أن يكون أمراً له بالخروج, واستِثناؤُه من الجيش يحتاج إلى دليل وليس في كلامه ما يقضي بالاستثناء.

ومقالة الخصم إنّه من خطاب الأئمة, وإن المخاطب خارج لبعد شموله لنفسه, لا محصّل لها بعد أمره بتنفيذ أمره في مسير الجيش, وكان أبو بكر منصوصاً عليه بالمسير مع أسامة, وخيال أنّ الجيش ليس مثل العشرة التي لا تتحقق بنقصان واحد منها إذ هو اسم لجماعة من الناس أعدت للحرب, فلا يضر في صدق الجيش خروج الواحد والاثنين باطل لعدم ما يقضي بسقوط الأمر عنه بعد أمره بالخروج, وعدم رضاء النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالتخلف, والأمر بالتنفيذ لا يقتضي خروجه وإن كان مخاطباً.

وأوهن من ذلك زعمه أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يأمر بالحروب وما شابهها عن اجتهاد لا عن وحي فمعاذ الله أن يكون كذلك, لأنّ حروبه لم تكن مما تختص بأمور الدنيا, بل للدين فيها أقوى تعلق, والحال أنّ عِز الإسلام وقوته وفتوحه منحصر


1) الشافي في الإمامة، نقلاً عن المغني: ج4، ص144.

به, وليس يجري ذلك مجرى أكله وشربه ونومه مما يجوز أن يكون عن رأيه لعدم تعلق له بالدين, ولو جاز أن كون مغازيه وبعوثه مع التعلق القوي لها بالدين عن اجتهاد أيضاً, لجاز ذلك في الأحكام قطعا, وعلى فرض كونه عن اجتهاد أيضاً لا تجوز مخالفته لا في حياته ولا بعد مماته كما مرّ ذلك عليك, وأغرب مِن ذلك إدعاؤه اشتراط الأمر بالنفوذ بالمصلحة إذ إطلاق الأمر يمنع من إثبات الشرط,فإنّ الأمر مطلقاً بالنسبة إلى غير البلوغ والقدرة والعقل والاختيار, والشرطية تحتاج إلى شيء يقضي بها, ومن هنا يحمل على الإطلاق في حالة الشك. ثم إن الحكيم كيف يأمر بشرط المصلحة؟ بل إطلاق الأمر منه يلزمه ثبوت المصلحة وعدم المفسدة, ولو فتح هذا الباب لحصل الخلل في الأوامر كلها.

وأما قوله (لو كان هنالك إمام مخصوص منصوص عليه كما تقوله الإمامية لخصّه بالخطاب). ففيه:

أولا: إن الخطاب كان للمتخلفين فلا يلزم أن يكون للإمام بعده.

وثانيا: إنّه (صلی الله علیه و آله و سلم) مرامه التنفيذ في حياته لا بعد موته ليأمر الإمام بعده والأمر أمره في حياته, ويلزم أيضاً التنفيذ بعد رحلته عن الدنيا.

والحاصل لم نعلم كيف جاز لأبي بكر وغيره ممن تخلّف عن جيش أسامة أن يتأخَّر عن المسير وأن يرجع إلى المدينة؟ وهلاّ نفّذ لوجهه ولم يرجع حتى لو بلغه موت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لتحقق عدم الإمتثال لو لم يفعل وهو معصية.

ولو عورض بأن الأمير – علي بن أبي طالب (علیه السلام) - لِمَ لَمْ يخرج مع أسامة وتخلف مع بغض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لِمَن تخلف على العموم ولا استثناء في الخبر؟ نقول في جوابه إن استثناء الأمير (علیه السلام) عن الخروج في ذلك الجيش محقق وإلاّ لنُقِل في

كتاب إنّه لم يمتثل أمر الخروج (وّلَعابَهُ بذلِكَ مُبْغِضُوْهُ)(1),

فإنه كان مع النبي ليلا ونهاراً يمرضه ولا يفارقه ثم إن من المتفق عليه بين الفريقين أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أمّرَ عليّا في كثير من المواطن ولم يجعل عليه (أميراً)(2), وبالبداهة أنّ من جُعِل عليه (أميرٌ)(3)مثل أسامة ممن ليس له قدم ولا سابقه لا يساوي من لم يُجعَل عليهأمير أبداً, ولا نَقَل ذلك أحد من المؤرخين, ولا يخفى "عليك" أن الظاهر من الأمر بتنفيذ الجيش, وإرسال أسامة ومَن معه إلى هذا المكان البعيد هو خلوّ المدينة ممن له طمع بالخلافة ليستقيم الأمر لعليّ (علیه السلام) وتخلو المدينة عن المنازع, فإن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) علم برحلته, فأمر عن الله بما أمر من مسير أسامة وتصغير من يتطلع إلى الخلافة بجعله مأموراً لأسامة.

ولو قيل إنّ الأمر إذا كان كذلك فَلِمَ لَمْ يصرّح النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بخلافة الأمير (علیه السلام) وإمامته في مرضه, ولِمَ لَمْ يشدد على أبي بكر بالخروج إلى الجيش, فإن احتمال توثبه على الأمر وإنكاره النصّ بخلافة الأمير كان من المقطوع به. قلنا إن النصوص من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بذلك لعلها كادت أنْ تلحق بالمتواترات كما ستمر عليك إن شاء الله, ولقد هَمَّ أن يكتب في مرض موته كتابا لن تضلّ الأمّة بعده, ومِن القرائن الحالية والمقالية يظهر إنه ما أراد إلاّ أن يكتب ما يؤكد به النصّ على خلافة الأمير (علیه السلام) ولذلك منعه عمر وقال ما قال(4), ولو أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يصرّ على هذا الأمر وعلى إخراج من يأمل الإمارة والخلافة من المدينة لحصل التشويش في المسلمين, وربما أورث الاختلال في الدين, وبهذا اعتذر عند الأمين جبريل لما أمره في مكة المكرمة عن الله بتنصيب علي (علیه السلام) إماماً, قال (صلی الله علیه و آله و سلم) (إنّ


1) ورد في الأصل "ولأعابته بذلك مبغضيه" والصواب ما أثبتناه.

2) ورد في الأصل "أمير" والصواب ما أثبتناه.

3) ورد في الأصل "أميراً" والصواب ما أثبتناه.

4) إشارة الى قول عمر "إن رسول الله يهجر"، راجع: طبقات ابن سعد: ج2، ص242، وصحيح مسلم: ج5، ص76.

قومي حَدِيْثُو عهد بالإسلام فأخشى أن يقولوا عمَدَ لابن عمه وصهره ونصّبه), وأمسك عن ذلك إلى إن رجع إلى غدير خم فأنزل الله عليه (صلی الله علیه و آله و سلم) قرآنا [يآءَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَآ أُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإن لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله َيعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ](1)إلى آخر الآية ولمثل هذا المحذور صبر الأمير (علیه السلام) علىالبلوى وأمسك عن الخلافة, ولم يشهر سيفه كل ذلك حفظاً لبيضة الإسلام فجمع النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بين إظهار الحق والخروج من الطاعة, فإنه مأمور بمداراة الأعداء والحكمة الإلهية البالغة تعلقت بعدم انقطاع أسباب المعصية بالمرة وإليه يرشد قوله تعالى [أحَسِبَ اْلنَّاسُ أن يُتْرَكُوآ أن يَقُولُوآ امَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ](2)وليمتاز العاصي من المطيع ولا ينقطع الامتحان, وتظهر فائدة أوضاع الوعد والوعيد والجنة والنار, ولو لا ذلك لم يبق امتحان, ولم يفرّق بين العاصي والمطيع ولو أراد الله تعالى هداية خلقه لهداهم جميعا ولكنه تعالى شأنه أهمل لخفي من المصالح التي أحاط بها علمه حتى نطق بذلك الكتاب قال جلّ وعلا [وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذينَ كَفَرُوآ اَنَّمَا نُمْلي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ](3)وقال تعالى: [وَلا تُعْجِبْكَ أمْوَالُهُمْ وأوْلادُهُم إنَّمَا يُريدُ الله أنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ](4)

الآية.

ثم ذلك منقوض بالمنافقين الذين يعلم الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بهم فرداً فرداً فإنه أهمل عقابهم وتركهم في خوضهم يلعبون مع قدرته عليهم, وأنزل الله فيهم


1) سورة المائدة: آية 67.

2) سورة العنكبوت: آية 2.

3) سورة آل عمران: آية 178.

4) سورة التوبة: آية 85.

سورة خاصة, فَلِمَ لم يأمر باخراجهم عن مدينته أو يقتلهم أو غير ذلك مما يشتت شملهم به فكل جواب يجاب به عن ذلك بعينه ندفع به كلام المعترض هنا.

الدليل الثاني:

دليل اللطف

الدليل الثاني من الأدلة غير الشرعية التي أقيمت على الإمامة هو دليل اللطف, وتقريره حسب ما ذكره العلماء أن نصب الإمام بعد النبي لطف في حق الأمّة, وهو واجب على الله تعالى فيكون نصب الإمام واجبا, واللطف عبارة عن التقريب إلى الطاعة والبعد عن المعصية اختياراً مِن دون إلجاء لواحد منهما من الله تعالى, أما كون وجود الإمام بالمعنى المذكور (لُطْفاً)(1)فهو مما لم يتنازع فيه أحد مِن أهل السنّة والشيعة, بل هو على مذهب أهل السنّة أوضح لأنهم يرَون أنّ نصب الإمام واجب على الأمّة من باب المقدمة, والإمامية تقول إنّ نصب الإمام له تمام المدخلية في الإطاعة والانقياد لأوامر الله تعالى ونواهيه, وإجراء حدوده وإغاثة المظلوم والانتقام مِن الظالم, وإزالة الفساد من الأمّة, وحصول التعزير لمن يستحقه على ارتكاب المعاصي, وبيان الأحكام بأسرها وبيان المصالح ديناً ودنيا, فلا ريب في أن مثل هذا الشخص الجامع لتلك الخصال لطف من الله تعالى ووجوبه على الله تعالى من جهة اشتمال النصب على المصلحة, وتركها مع الإمكان قبح, ولا يصدر منه تعالى على أنه مع ترك النصب يلزم نقض الغرض وخلاف المقصود, وقبح ذلك واضح, مثاله إنّ مَن دعا أحداً للضيافة وهو يعلم إنه لا يأتي إلاّ بألوكة(2)تأتيه من الداعي ومن دونها لا تحصل الإجابة منه, ومَن دعاه يريد وفوده عليه فإن ترك المألكة مع دعوته


1) ورد في الأصل "لطف" والصواب "لُطْفاً" لأنه خبر كان.

2) الألوك والمألَكَة والمألُكَة: الرسالة، لأنها تؤلك في الفم, لسان العرب مادة (أ ل ك).

بغيرها وإرادته يلزم منه نقض غرض الداعي, كذلك ترك نصب الإمام مع علم الله تعالى بتعطيل جملة منالأحكام في تركه, فإنه نقض للغرض وخلاف المقصود, والفرق بين هذا الدليل وسابقه إن مبنى الأول بقاء الأحكام واحتياج الأمّة إلى الإمام في تمييز الحلال من الحرام إلى الدوام, وهذا الدليل مبناه مدخلية وجود الإمام في الإطاعة والإنقياد بعد معلومية أحكام الله تعالى فحينئذ نصب الإمام من باب اللطف يلزم على الله تعالى من جهتين لكنه من الجهة الأولى مشترك بين وجود الإمام والنبي (صلی الله علیه و آله و سلم), ومن الثانية مختص بوجود الإمام كما أن الدليل الأول إنما يوجب نصب الإمام على الله من حيثية توقف بقاء الشريعة المطلوب لله تعالى عليه, والثاني يوجب النصب لمدخلية وجود الإمام (علیه السلام) في امتثال أحكام الشريعة لا من جهة توقف بقائها عليه, ودليل اللطف عبارة عن إثبات وجوب النصب من الجهة الثانية.

ولمّا كان اللطف من أفْعال العباد لا من أفعال الله تعالى وجب على الله تعالى الإلزام به وإيجابه عليهم, ولأجله وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في جميع الشرائع والأديان, ثم إنَّ شرذمة المناقشات السابقة في الدليل الأول ترد أيضاً على هذا الدليل وأجوبتها الماضية قد لا يفيد بعضها هنا, ومن أجله كرّرنا ما يَرِد منها مما أوردناه هنا فنقول يرد الدليل أمور:

الأول: مطالبة الدليل على أن وجود الإمام مصلحة لقيام احتمال أن يكون في وجوده مفسدة وإثبات كونه مصلحة من جهة تقريبه إلى الطاعة وتبعيده عن المعصية يدفعه أنّه وإن كان مقربا من جهة فعسى أن يكون مبعداً من أخرى, بل لعله يقرب إلى المعصية وهذا الإشكال وإن أوردناه على الدليل الأول, ولكن الجواب مختلف لأنّا أجبنا به عنه هناك إنّ احتمال المفسدة في وجود الإمام يلزمه احتمال المفسدة في بقاء الشريعة إلى الدوام, وهو معلوم العدم بالضرورة كما مرّ, وهذا لا يجري فيما نحن فيه لتعقب اللطف عن معرفة الأحكام, وعدم توقف المعرفة عليه.

ثانيا: إنّه لو سلّمنا بوجود المصلحة في نصب الإمام فإنما نسلّمه مرددا بيننصب الله تعالى ورسوله له, وبين نصب الأمّة, وإنّ الله تعالى أوكل نصب الإمام إليهم فتخصيص نصبه بالخالق دون الأمّة محتاج إلى القاطع.

ثالثها: إنه على تقدير اشتمال نصب الإمام على المصلحة, فمن أين يعلم وجوب العمل بهذه المصلحة على الله تعالى التي هي لطف؟ والمشاهد ترك ذلك له تعالى في كثير من الموارد, فإنّا ما رأينا ولا سمعنا بأن الله تعالى من أجل الردع عن المعصية أرسل ملَكا لموعظة العاصي كما روته أهل السنّة في قصة يوسف الصديق على نبينا (وآلهِ)(1)

وعليه الصلاةُ والسلام في تفسير آية [وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ](2)

إنه لماّ همَّ بها مثّلَ الله له صورة يعقوب عاضّاً على إصبعه أو جبرئيل أو هما فترك يوسف ما أراد, وكذلك ترْكُ (إغْناءِ)(3)الفقير لو عَلِمَ الله توَقُفَ ترْك عصيانه عليه وغير ذلك مما ترك الله خلقه من الأمور التي تقرّب من الطاعة وتبعّد عن المعصية.

رابعها: إن الأمر إذا كان كذلك فلماذا خلا هذا الزمان من الإمام المتصرف؟ وأيّ داع إلى غيبته مع أن في وجوده كمال اللطف؟ وإذا فسدت بعض مقدمات الدليل المزبور ولو واحدة منها لذهب الدليل ذهاب أمس(4).

وهذه جملة ما وقفنا عليه من المناقشات في الدليل المزبور للعلماء المحققين,


1) زيادة غير موجودة في الأصل.

2) سورة يوسف: آية 24.

3) ورد في الأصل "غناء" والصواب ما أثبتناه.

4) من الامثال العربية يقال: ذهب امس بما فيه. انظر: مجمع الامثال للميداني: ج1، ص275، المثل 1451.

ولم يَحضَرْني أكثر مما ذكرت, وعسى أن يكون بعض ما ذكرت لم يذكره أحدغيري, وسنجيب بتوفيق الله تعالى عنها كلاًّ بحيث أن المنكر للنصب لو وقف على الجواب لما وسعه غير الإذعان والتسليم فاستمع لما يوحى إليك.

أما الجواب عن الأول: فإنّ احتمال وجود المفسدة في نصب الإمام مع ظهور مصلحة نصبه من جهة التقريب إلى الطاعة والبعد عن المعصية موهون وساقط عن درجة الاعتبار باتفاق الفريقين, كيف وقد مرّ عليك في تحرير محل النزاع أنّه لا خلاف في لزوم وجود الإمام في الجملة, إنّما الخلاف في أنه يجب أن يكون بتعيين الله من باب اللطف, أو بتعيين الأمّة من باب وجوب المقدمة, وعليه فاحتمال المفسدة في وجود الإمام احتمال وهمي لا يليق به أن يذكر.

وعن الثاني: إن المفسدة المحتملة في تعيين الله مما يرجع إلى الأمّة أما من جهة المصلحة والمفسدة, أو من جهة الإطاعة والمعصية.

والأول غلط محض لأن عِلم الله تعالى بصلاح الأمّة وفسادها, وقابلية الإمام وعدمها مما لا يقاس به علم الأمّة بذلك, وكيف تطيق الأمّة معرفة حقيقة الصلاح والفساد؟ وأنّى لهم بالوصول إلى ما يعلمه الله تعالى؟ كذَب العادلون بالله وضلّوا ضلالاً بعيداً, كلا لا يكون تعيين الأمّة أقرب إلى المصلحة والصواب من تعيين الله, وهم قاصرون عن معرفة الأحوال المستقبلة.

والثاني: مثله أيضاً لا يسلم, إذ لا إشكال ولا ريب في أن الإمام المعيّن من واجب الوجود العالم بالسرّ والعلن أصلح من الإمام الذي تعيّنه الأمّة مع قصورهم عن إدراك خفي المصالح وإن لزم منه في بادئ النظر التمرد والعصيان, فإنّه لا ينافي المصلحة الواقعية كما إذا اقتضت المصلحة أن يأمر بأمر يعلم بأنه بعد التكليف يزيد عصيان المكلف, واستوضح ذلك في أمر إبليس بالسجود لآدم إذ لو لم يأمر به لم يظهر خبثه الباطني ولا خرج من زمرة الملائكة المقربين, فلو سلّمنا أنّ بعض الأوامر تبعث على القرب إلى المعصية لَكنَ اشتمال

الأمر على المصلحة الواقعية مما يجعل هذه المفسدة هباءً منثوراً وكلام أهل السنّة هنا وإنصدر من علمائهم لكنّه عند التأمل ساقط عن درجة الاعتبار, فإنهم زعموا أن الله ترك تعيين الإمام حيث نظر إلى إن تفويض أمر الإمامة إلى الأمّة أصلح من تعيينه للإمام, ونحن نطالبهم بإيراد المصلحة الموجبة لهذا التفويض, فإن زعموا أن الأمّة أعرف وأبصر بالإمام النافع لأمر الدين والدنيا من الله سبحانه, فهو والعياذ بالله كفر, وإن ادّعوا أن الله تعالى علم المصلحة في أن يجعل نصب الإمام بيد الأمّة, فيمضي ما يريدونه ويرونه ويكون الإمام (مَن)(1)يجتمعون عليه, وفائدته إن حماية الدين تحصل في تعيينهم أكثر مما تحصل بتعيينه, وبذلك تُحفَظ بيضة الإسلام وحوزة الشرع عن التشتت خصوصاً(2)في بدء الإسلام إذ لو كان الإمام على خلاف آرائهم وله كارِهٌ منهم لبعث ذلك على انحراف الكارِه فيختل الإسلام وتتبعض صفقته, ويكون المسلمون شُعبا وقبائل.

فهذه الدعوى أيضاً منظور فيها بل بديهية الفساد, فإن ملخصها إن الأمّة قد لا تطيع الإمام المعيّن مِن الله لأمور نفسانية ألقاها الشيطان في أذهانهم, فاقتضت المصلحة في بدء الإسلام في عدم تعيين خالق الأنام للإمام, وإيكال أمره إليهم ليطيعوه إذا كان برضاهم ولا يختلف عليه اثنان فيكون ذلك أبلغ في تأييد الشرع والإقدام على الكفرة في الجهاد وعدم الخلاف, كالمصلحة التي أجازت إعطاء المؤلّفة قلوبهم من سهم الزكاة وهم كفرة مع أنها مشروطة بالقربة, والمعتزلة(3)من أهل السنّة بعد أن اعترفوا بأن الأمير (علیه السلام) أفضل من


1) ورد في الأصل "ما" والصواب ما أثبتناه.

2) الأولى أن نعبر (لا سيما) بدل خصوصاً.

3) المعتزلة أصحاب واصل بن عطاء الغزَّال، اعتزل عن مجلس الحسن البصري وأخذ يقرر أن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن ولا كافر ويثبت له المنزلة بين المنزلتين، فقال الحسن: قد اعتزل عنا واصل. ويلقبون بالقدرية لاسنادهم أفعال العباد الى قدرتهم، وأنهم قالوا: إن من يقول بالقدر خيره وشره من الله أولى باسم القدرية، ويرده قوله (علیه السلام) "القدرية مجوس هذه الأمة" وقوله B "هم خصماء الله في القدر". ولقبوا أنفسهم بأصحاب العدل والتوحيد، لقولهم بوجوب الأصلح ونفي الصفات القديمة. وقالوا جميعاً بأن القِدَمَ أخصُّ وصفٍ لله، وبنفي الصفات وبأن كلامه مخلوق محدث وبأنه غير مرئي في الآخرة، والحسن والقبح عقليان، ويجب عليه رعاية الحكمة في أفعاله وثواب المطيع والتائب، وعقاب صاحب الكبيرة، ثم افترقوا عشرين فرقة يكفر بعضهم بعضاً. المواقف: ص415.

غيره من الصحابة, بل قال بعضهم أن لا مشاركة تراهم يرَون وجوب تقديم أبي بكر عليه من جهة رعاية المصلحة فعدم النص على الأمير (علیه السلام) كان من أجلها, فتقدُم أبي بكر على الأمير كان بفعل الله سبحانه لما ذكرنا ولذلك افتتح شارح النهج(1)

في أول كتابه بخطبته فقال: (الحمد لله الذي قدّم المفضول على الفاضل)(2), أراد بالمفضول الأول وبالفاضل الأمير (علیه السلام) وأشار إلى أن التقديم من الله تعالى.

والجواب عن هذه المناقشة: إنّ ما ذكر مسلّم لو كان نصب الإمام مجهول العنوان بمعنى إنّه من الأفعال التي لا توصف بحُسْن ولا قبْح إلاّ بالجهات والاعتبارات, لتجه حينئذ عروض المصلحة المحسنة لعدم تعيين الله للإمام, ويدور حكم الله تعالى مدار تلك المصلحة لكن الأمر ليس كذلك, بل ذكرنا وجود المصلحة في وجوب تعيين الإمام على الله تعالى وسيجيء في رد المناقشة الثالثة ما يوضح هذا المطلب على أن المصلحة المذكورة في تفويض أمر الإمامة إلى الأمّة مصلحة سفسطائية(3)لا تليق بأن يدّعيها من له أدنى مسكة, فإنه لا


1) ابن أبي الحديد: عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين ابن أبي الحديد، ابو حامد، عز الدين، من أعيان المعتزلة توفي في شهر جمادى الآخِرة سنة 656ه-. الأعلام: ج3، 289.

2) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد: ج1، ص2، لكن العبارة هكذا "وقدم المفضول على الأفضل".

3) السفسطة: "هي استعمال الفكر في ما لا ينبغي"، "إن السفسطة مشتقة من "سوفا اسطا" ومعناه علم الغلط والحكمة المموهة بأن سوفا إسم للعلم وإسطا للغلط". شرح المصطلحات الكلامية: ص169.

يلزم على الله أن يتبع في كيفية العبادة شهوات العباد وآراءهم, بل لا يجوز له بناءً على التحسين والتقبيح أن يخالف المصلحة الظاهرة كي لا تعصي الناس بل اللازمعلى العباد أن تتبع إرادة الله فيما يريده ويأمر به وإن كان بأمر الرسول الباطني وهو العقل, وفي الأثر (اعبد الله حيث يريد لا حيث تريد)(1).

خلاصة المقال إنّه بعد معلومية المصلحة في نصب واجب الوجود وتعيينه لمخلوقه إماماً يرجعون إليه في الأمور الإلهية يلزم الاعتقاد بوجوب تعيينه, ولا معارض لهذه المصلحة إلاّ توهّم عدم تمكين الأمّة للإمام المنصوب من الله تعالى لبعض الوسوسات الشيطانية, وهو بالبداهة ليس بمفسدة تعارض تلك المصلحة فترفعها, أتُرى يمكن أن يقال أنّ المصلحة في أن لا يخلق الله لزيد يداً كي لا يسرق؟ فلا وقع لهذا التوهم أبداً.

وعن الثالث: وهو إنكار لزوم العمل بهذه المصلحة التي يطلق عليها اسم اللطف, بأن من أنكر ذلك إن استند فيه إلى إنكار الحسن والقبح فقد عرفت بطلانه بما لا مزيد عليه.

وإن ادّعى أنّه لا شيء يجب على الله من باب اللطف وإن كان حسناً ولا يمتنع ذلك وإن قبُح, فهو لا وجه له ضرورة أنّ اللطف على الله تعالى واجب بل خلافه ممتنع لجهتين:

الأولى: إنّ ترك اللطف نقض للغرض وهو قبيح, ومضافا إلى قبحه إنّ وجود ما يصرفه محال في حق الحكيم للزوم تخلف المعلول عن العلة, إذ الغرض لو تعلق بحصول شيء لا جرم إنّه بالعرض يتعلق بحصول ما لا يحصل الشيء


1) روي عن الإمام الصادق (علیه السلام) أنه قال: "وأول من قاس ابليس واستكبر والاستكبار هو أول معصية عصي الله بها قال فقال ابليس يا رب اعفني من السجود لآدم (علیه السلام) وأنا أعبدك عبادة لم يعبدكها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، قال الله تبارك وتعالى لا حاجة لي الى عبادتك إنما أريد أن أُعبد من حيث أريد لا من حيث تريد". تفسير القمي: ج1، ص42.

الأول إلاّ به, ولا يتم تحققه ووجوده لولا وجود الآخر, فلو لم يتعلق الغرض بحصول ما يتقوم به الأول يلزم أن يتعلق بطرفي النقيض, وهذا لا يصدر من عاقل فضلا عنالخالق, وبعد تعلق الغرض بهذه المقدمة التي هي لطف لا يمكن تخلفه, فإن الغرض علّة الأفعال الاختيارية(1), والمفروض وجود القدرة على ما تعلق به الغرض من غير ترتب مفسدة صارفة, فلا محيص إلاّ عن صدور ذلك عن الآمر, والفرق بين ما نحن فيه وبين ما سبق أنَّ تمام الوجه السابق موقوف على كون الآمر (حكيماً)(2)لا يصدر القبح منه, وهذا لا يتوقف إلا على عقل الآمر وإدراكه.

الثانية: وجود مقتضي اللطف بالمعنى المذكور وخلوه عن المانع, فيؤثّر المقتضي أثره, أمّا المقتضي فهو اشتمال النصب للإمام على صلاح أمر الأمّة بالاتفاق, ولا مانع إلا ترتب المفسدة ولا مفسدة في نصب الإمام تمنع من اقتضاء المقتضي سوى ما مضى من عصيان الأمّة على النحو المقرر, وهو لا يساوي مصلحة النصب لله تعالى, لأنّ العقل قاض بصدور اللطف من المبدأ الفياض فلا بدّ أن يصدر منه ما هو الأصلح للعباد والبلاد كما تقرر ذلك في علمي الحكمة والكلام(3), فتلخص أنّ القاضي بوجوب اللطف أمور:

(الأول): إن تركه نقض للغرض وهو قبيح, وهذا الوجه موقوف على ما اخترناه في مسألة الحسْن والقبح وفاقا للمشهور, إذ المسألة خلافية.

(الثاني): إنّ اللطف فعل اختياري والداعي لصدوره من الآمر موجود, والفعل الاختياري مع وجود الداعي وعدم المانع لا يتخلّف, أمّا وجود الداعي


1) كما ثبت في فن الحكمة، قال الخواجة الطوسي: "ونفي الغرض يستلزم العبث ولا يلزم عوده إليه، " كشف المراد في شرح تجريد الإ عتقاد": ص188.

2) ورد في الأصل "حكيم" والصواب ما أثبتناه لأنه خبر كان.

3) ينظر: كشف المراد، للعلامة الحلي: ص201، شرح القوشجي، على تجريد الإعتقاد: ص347، طبعة حجرية.

فلأن إرادة هذا الأمر لطف بالنسبة إلى الآمر, فكما تبعث هذه الإرادة على صدور الأمر والطلب, كذلك تبعث على ارتكاب اللطف لأن في كليهما فائدةوأثر ويحصل بكليهما المقصود وإذا كانت العليّة مشتركة بينهما فتخصيصها بأحدهما تفكيك بين العلّة والمعلول.

(الثالث): إنّ الذات المقدسة علّة الإفاضة ومبدأ صدور كل خير, واللطف فيض من الفيوضات ومصلحة من المصالح الإلهية, فإذا خلا من المانع لا يتخلف عن إفاضة الفياض, واعلم أنّ تمامية الوجوه (موقوفَةٌ)(1)على معلومية عدم المفسدة في نصب الإمام (علیه السلام).

وأمّا جواب من أنكر اللطف بملاحظة النقوض التي تقدمت مثل (إغْناء)(2)الفقير المانع له من ارتكاب المعصية وأمثال ذلك زاعماً أنّ النقض بذلك يكشف إجمالا عن فساد الدليل فهو إنا وإن لم ننكر أنه إذا منع من اللطف مانع أو عرضت له مفسدة يكتفي الشارع المقدس للإعلام بالتكاليف الشرعية نفسها ولا يجب عليه النصب من جهة وجوب اللطف لكنّا نمنع عروض المفسدة المانعة من اللطف في المقام, وما وقع من العلماء من التزلزل في أصل وجوبه للنقوض التي سلفت ففي غير محله لأن كل واحد من الأمور المذكورة غير سالم عن عروض المفسدة المانعة من اللطف فلا تصلح أن تكون نقضا على الدليل العقلي القاضي بوجوبه, ولبسط الكلام محل آخر.

وعن الرابع: وهو أهمها, لأنّه نقض على كل دليل عقلي أقيم على وجوب نصب الإمام على الله تعالى, بأنه يختلف حكم اللطف حدوثا وبقاء, فقد يكون وجود الإمام ابتداءً (لُطْفاً)(3)وفي استمراره مفسدة ترفع اللطف الاستمراري,


1) ورد في الأصل "موقوف" والصواب ما أثبتناه.

2) ورد في الأصل "غناء" والصواب ما أثبتناه.

3) ورد في الأصل "لطف" والصواب ما أثبتناه.

ولتوضيح هذا المطلب نتكلم في بعث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ومنه يُعلَم حال نصب الإمام, وخلاصته إنّ الحق سبحانه إذا اقتضت مشيئته وتعلقت إرادته بتشريع شريعةمشتملة على طلب أحكام مراده له من أهل عصر لا تدري بتلك الشريعة والأحكام فيجب على الله تعالى أن يبعث لهم من يعرّف ذلك ويبلّغهم هاتيك الأحكام المرادة بالتفصيل وإلاّ فالامتثال ممتنع الحصول والمؤاخذة على عدم امتثال ما شرعه ظلم(1)وتكليف بما لا يطاق, وذلك المبعوث هو الرسول ويسمى نبياً أيضاً(2)

أحدها: إن الرسول من الأنبياء من جمع الى المعجز الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أُمر أن يدعو الى كتاب مَن قبله.

والثاني: إن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قَبله فهو الرسول، ومن لم يكن مستجمعاً لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول، وهؤلاء يلزمهم ألاّ يجعلوا اسحاق ويعقوب وأيوب ويونس وهارون وداود وسليمان رسلاً لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ.

والثالث: إن مَن جاءه الملك ظاهراً وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول، ومَن لم يكن كذلك بل رأى في النوم كونه رسولاً، أو أخبره أحد من الرسل بأنه رسول الله فهو النبي الذي لا يكون رسولاً.

انتهى، التفسير الكبير: ج23، ص43.

.

فإذا عمد أهل ذلك العصر (المُرْسَل)(3)إليهم ذلك النبي وقتلوا نبيهم بعد بعثه أو حبسوه أو خاف على نفسه منهم ففرّ إلى صُقْع(4)أو مكان يضمه عنهم واختبى به عمّن يخافه, فليس على الله تعالى بعد أن يُرسِل غيره أو يحييه بعد قتله, وله أن يعاقب الأمّة (المُرْسَل)(5)إليهم على جميع أحكامه بعد بلوغهم دعوته, وتقصيرهم في الرجوع إليه سواء بلّغ الأحكام أو بعضها أم لا,


1) وذلك لقبح العقاب بلا بيان.

2) قال الفخر الرازي: "ذكروا في الفرق بين الرسول والنبي أموراً:

3) ورد في الأصل "المرسول" والصواب ما أثبتناه لأنه مِنْ أرسل وليس من رَسَلَ.

4) الصُقْعُ: بضم الصاد وسكون القاف: ناحية الأرض والبيت، يقال فلان من أهل هذا الصقع أي من هذه الناحية. لسان العرب: ج8، ص201. مادة "ص ق ع".

5) ورد في الأصل "المرسول" والصواب ما أثبتناه.

وسواء أُيّد بالمعجزة أم لا, والضابط أنه متى ما اتصف من أُرسل إليه بالتقصير استحق العقاب, وكذا أعقابهم وأعقاب أعقابهم, وغير المقصر من أي مرتبة كانلا يستحق عقاباً, وتسمى الأزمنة المتأخرة بزمان الفترة(1)

والجاهلية, وكيفية حشرهم ونشرهم مذكورة في كتب الأخبار ويتلو النبي الإمام المنصوب في ذلك حذوَ النعل بالنعل, فإذا اقتضت المشيئة الربانية بتشريع شريعة وببقاء تلك الشريعة إلى أمد مخصوص يزيد على مدة بقاء الرسول المبعوث, أو إلى أبد الآباد, وأراد جلّ جلاله من عباده العمل بقوانين تلك الشريعة وأحكامها يلزم أن يرسل رسولاً لتشريع تلك الأحكام وينصب إماماً للمحافظة على بقاء التدين بتلك الشريعة بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فلو ترك البعث لكشف ذلك عن عدم اقتضاء المشيئة لتشريع شريعة لخلقه, ولو ترك نصب الإمام لكشَفَ ذلك عن عدم إرادته تأييد تلك الشريعة وعمل العباد بشرائعها, ومتى أرادهما لزم عليه البعث والنصب كما مرّ ذلك مفصلا, وعليه فلو أسرعت الأمّة إلى قتل ذلك الإمام الحافظ أو اقتضت شهواتها فتركته ونصّبت هي غيره أو فرّ خوفاً أو استتر عنهم في صقع أو ناحية فلا يجب على الله سبحانه منعُ الأمّة من ذلك كلّه وإبقاء الإمام بالأسباب القهرية, بل بعد إكمال الحجّة بنصب الإمام ودلالة الأمّة عليه بالطرق المفضية إلى معرفته لا يحتاج بعد إلى منع الدافع له عن حقّه قهراً, ولا يجب على الله تعالى تنصيب آخر بعد موته بل هو بالخيار إن شاء نصب إماماً آخر وإن شاء ترك فاتضح أن الواجب على الله إيجاد ما يقتضي بقاء شرعه كإيجاد ما يقتضي حدوثه, وأمّا رفع الموانع قهراً عمّا يقتضي البقاء أو ما يقتضي الحدوث فلا قاطع يقضي به, فإن تشريع الشريعة نفسها(2)وإرادة بقاءها لا يوجب إبقاء المحدث والمبقي على الله وإن قضت بإيجادهما للفرق الواضح بين الإيجاد والإبقاء,


1) الفترة: ما بين كل نبيين, وفي الصحاح ما بين كل رسولين من رسل الله عز وجل من الزمان الذي انقطعت فيه الرسالة. لسان العرب مادة "ف ت ر".

2) في أصل المخطوطة نفس تشريع الشريعة.

والخصم قاس الحدث بالبقاء فعارضنا بزمن الغيبة والحال أنه لا مساواة بينهما ولا قاعدة اللطف تقتضيهما, بل إنما تقتضي الحدوث فيهما فقط.

وبالجملة: إن إحداث الشريعة تقتضي بدليل اللطف إرسال من يحدثها ويعرفها للناس ولا تقتضي رفع الموانع منه, وبقائها أيضاً بالدليل المزبور يقتضي نصب من يبقيها ويحفظ أحكامها ولا يوجب غير ذلك من حفظه قهراً على الخلق ورفع الموانع منه كالسابق, فلا نقض على دليل اللطف بزمن الغيبة, ولا ملازمة بين وجوب الحدوث ووجوب البقاء, فنتج من جميع ما ذكرنا أنّ نصب الإمام بعد الرسول لطف إذ هو يقرّب إلى الطاعة, ويبعّد عن المعصية, وليس اللطف إلاّ ذلك, ولازم صدوره على الله, وإمّا إبقاء الإمام قهراً على الأمّة فهو وإن قرّب من الطاعة أيضاً لكنه مشروط عقلاً بالسلامة من المفسدة فمتى لم يتحقق الشرط ولم يحرز لا يحكم حكماً بتّياً بوجوب البقاء, ولازمه جواز خلوّ الزمان الثاني عن وجود الإمام أو عن تصرفه بخلاف الزمان الأول فإنه يلزمه فيه وجود الإمام ونصبه ولو آناً ما, بل وكذا في باقي الأزمنة إذا استند عدم البقاء إلى فعل الخالق كأن يقول له لا تبيّن الأحكام وهو يطلب العمل بها, ولا كذلك إذا استند عدم البقاء إلى المخلوق, ومن هنا ذهب الإمامية إلى عدم جواز خلّو العصر عن إمام متصرف موجود لاقتضاء بقاء الشريعة المفروغ منه على ذلك, فحصل الفرق بين الزمانين من وجوب اشتمال الأول على وجود إمام متصرف وجواز عدم اشتمال الثاني عليه في صورة استناد العدم إلى الأمّة العصاة لا إلى الله عز وجل.

لا يقال إنّ بقاء الشريعة لا ينفك عن وجود الإمام المتصرف في فعل القادر الفياض, لأنّ حصول الانفكاك بينهما يلزمه إمّا عدم مطلوبية البقاء أو عدم توقفه على وجود الإمام المتصرف أو عدم قدرة الله تعالى على إبقاء الإمام بين الأمّة وهو كما ترى, فكيف تجمع الإمامية بين ذلك وبين اعتقاد غيبة الإمام والقول به؟ وهذا من الغرابة بمكان, وأهل السنّة شنّعوا به على الإمامية، لأنّا

نقول إنّ بقاء الشريعة ومطلوبية ذلك من جانب الحق تعالى له معنيان:

(الأول): هو بقاؤها على ما هي عليه من دون تغيير وتبديل, ويراد بالبقاءالفعل التكويني وهو الإبقاء يعني أن مشيئة الله تعالى قضت بإبقاء الشريعة إمّا طوعا أو كرها إلى يوم الحساب, ومعلومٌ أنّ المشيئة لم تتعلق بذلك بالمعنى المذكور, فإن لازم التعلق عدم صدور الكفر والمعصية في الأرض, ويكون حال أهل الأرض كحال الملائكة في السماء فإن أريد بالبقاء هذا المعنى فلا ريب في الملازمة بينه وبين بقاء الإمام المتصرف المبيّن لأحكام الشريعة الغراء, ولا ينفكّ أحدهما عن الآخر جزماً لكنه لم يَدَّعِهِ أحد.

(الثاني): البقاء الناشئ من تشريع الشرع وصدور الأوامر والنواهي الذي هو كالحدوث, وهذا النحو من مطلوبية البقاء لا يستلزم دوام وجود الإمام وإن اقتضى نصبه نظير إرادة الإيمان من الكافر والطاعة من العاصي, ولذلك ذكرنا آنفاً أنه لو قتل النبي بظلمٍ وجور فلا يجب على الله أن يبعث ثانٍياً بشريعة النبي الأول, ومرادنا ببقاء الشريعة هو المعنى الثاني, بمعنى أن التكليف الإلهي يكشف عن المصلحة والمفسدة الواقعية وهو تعلق ببقاء الشريعة بالإجماع والضرورة والكتاب والسنّة, ولكن تعلقه على حد مطلوبية الإيمان من الكافر والإطاعة من العاصي, وهذا المقدار من المطلوبية لا يوجب قهر العباد وإلْجاءَهُمْ إلى تنفيذ الأحكام وإبقاء الشريعة وعلى هذا فالشريعة باقية بالإرادة وهي محتاجة إلى الإمام المتصرّف, والقادر قادر على إبقائه مدى الآباد, ولكنّه ليس بواجب عليه ذلك بل يمكن أن يخلو الزمان من إمام متصرف لجهة عصيان الأمّة وعدم اقتضاء المصلحة الواقعية إنفاذ تصرف الإمام بالقهر والغلبة وذلك لا يورث خللاً في لزوم إبقاء الشريعة ولا في لزوم نصب الإمام المتصرف, وحينئذ يمتنع على القادر الحكيم قبل صدور العصيان من الأمّة خلوّ الزمان من الإمام, وأمّا بعد نصب الإمام وبعد جحود الأمّة له أو عدم إطاعتهم له وإن لم يجحدوه

أو عدم تمكينهم إياه (فيُمكِنُ)(1)خلوّ الزمان من ذلك الإمام, ويترتب العذاب حينئذ علىالعاصي ويشاركه المقصّر في الاستحقاق, وأمّا القاصر فحاله من جهة قصور حظّه عن إدراك تلك السعادة والفيوضات حال أهل الفترة.

وجملة الأمر أن نصب الإمام للأمة لطف وإبقاءه لطف آخر, واللطف الأول يلزم خلوّه عن الموانع ولو بالقهر والغلبة لأن عدمه قبيح وممتنع على الله تعالى حسب ما تقرر ذلك مفصلا.

والثاني وهو إبقاؤه على كل حال وإن كان لطفاً أيضاً غير أنه يدفعه عروض المفسدة من عصيان الأمّة وغير ذلك مما يقتضي عدم بقائه أو تصرفه على ما عرفت, والمعروف من علماء الإمامية أنّهم أجابوا عن النقض بزمان الغيبة: إن وجود الإمام لطف وتصرفه لطف آخر ونحن قلنا: إن نصب الإمام لطف وإبقاءه وتمكينه لطف آخر فإن رجح أحد العبارتين إلى الأخرى وكانا بمعنى واحد فنعم الوفاق, وإن كان مرادهم التفرقة بين وجود الإمام وبين تصرّفه لا بين نصبه وإبقائه فلا يصلح ما قالوه أن يكون جواباً للنقض المذكور, وإن كان ما ذكروه من كون وجوده لطفاً وتصرّفه كذلك مسلّم وصحيح لأنّ وجود الإمام من غير تصرّف لطف معنوي نظراً لأنّ الإمام على مذهب الإمامية بمنزلة قلب العالم وهو قوام بقائه ولكن هذا المعنى من اللطف ليس له ربط بمحل النزاع إذ لو طالبهم الخصم بأنَّ مثل هذا الإمام المعطل المهجور أي فائدة في وجوده لا يصلح ما قالوه من كون وجوده لطفاً إلى آخره, أن يكون جواباً لهم إذ قد ورد في الأخبار تشبيه الإمام بالشمس فإن الخلق تنتفع بمجرد وجودها وإن لم يمكن الوصول إليها, والظاهر إنّه لم يكن مراد العلماء بهذا الكلام ردُّ نقض الخصم المذكور لأنّ السؤال والجواب بعينه ورد في بعض الأخبار, ولو أنّهم أرادوا الخلاص من النقض على الأدلّة العقلية بزمان الغيبة ينحصر الجواب بما نبهنا


1) ورد في الأصل "يمكن" والصواب ما أثبتناه.

عليه, وحاصله الفرق بين بعث النبي وإبقائه وبين نصب الإمام وإبقائه في أنّ مانع الأول لا يُعقل وجوده, ويجب على القادر المتعال رفعه بعد استعداد خلقالزمان للإيمان بالله تعالى وما يلزمه من الأحكام, ولا كذلك الثاني لإمكان وجود المانع له عقلا.

الدليل الثالث (من الأدلة غير السمعية):

استقراء حال الأنبياء

إن استقراء حال الأنبياء الماضين واقتفاء آثارهم, وتتبع المتواتر من أحوالهم خصوصاً مشاهير الأنبياء المرسلين وَأُوْلُوْ العزم منهم, فإنّ لكل نبيّ منهم وصيّاً وخليفة معروفاً باسمه وحسبه ونسبه, فمن تتبع تواريخ الفريقين وكُتُبَ علماء الطرفين ولاحظ أخبار السلف, وخلع قلادة العناد وأنصف, رأى أن كل نبي إذا أشرف على الرحيل إلى الدار الباقية, أو قبل ذلك يوصي ويستخلف ويدفع ميراث الأنبياء إلى ذلك الوصي أو إلى موثوق به يدفعه بعد قضاء نحبه إلى خليفته ووصيّه, فكيف لا يكون لسيد الأنبياء وخاتمهم وصيٌّ؟! وكيف لا يحذو حذوهم مع أنّ شريعته أكمل الشرائع وزمان بقائها أطول ودائرته أوسع حتى أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) عمّت نبوّته الإنس والجن على أنّ أمره باتباع ملّة إبراهيم مطلقاً بقوله تعالى [ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهيمَ حَنيفا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ](1)مما يقضي أن يصنع كل ما صنع ومنها الاستخلاف والاستيصاء بل هو أهمها, والاستثناء يحتاج إلى برهان قاض به بل لو كان لوقع في الكتاب المجيد لأنّه مما تعم به البلوى وليس كغيره مما يتسامح في مخصصه, فإنّ هذا مما يورث الجزم بأنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يخرج من الدنيا حتى نصب له وصيّا وخليفة. ولو قيل إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) عرف من حال الأمّة عدم القبول, وعلِم منهم عدم التمكين فترك النص لذلك.


1) سورة النحل: آية 123.

فقد عرفت الجواب عنه من أنّ عصيان الأمّة لا يمكن أن يمنع من ابتداء وجوده, كما لا يمنع من ابتداء بعث النبي.سلمنا لكنه لا ينفع الخصم بل يورث الخلل فيما زعمه من عدم النصب لجهة العصيان وعدم التمكين من الأمّة لعودةٍ في المعنى إلى نسبة العصيان والمخالفة لصحابة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), وعدم قابليتهم لأن يكون فيهم من يصلح للإمامة, فينتج منه غصبهم للخلافة باستعمال الحيل, وهذا يثبت جزء من مذهب الإمامية, ويثبت الباقي وهو خلافة الأمير (علیه السلام) بالإجماع المركب, لأن كل من يرى أنّ خلافة غيره باطلة لعدم استحقاق غيره لها بل غصبه إيّاها يقول بخلافة الأمير (علیه السلام) وإنّها بالنص على أنه يمكن إثبات مذهب الإمامية بِلا واسطة الإجماع المركب, لأن وجود الإمام باتفاق كلّ المسلمين لازم وواجب, وليس غير مولانا الأمير (علیه السلام) أحد (قابِلاً)(1)من الصحابة لذلك باعتراف الخصم, فيتعين أنّه هو الخليفة حقاً, وأنَّ تَصرُّف غيره لا وجه له.

الدليل الرابع من الأدلة العقلية على خلافة مولانا الأمير (علیه السلام):

شاهد الحال

والمراد به تصفح أحوال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وسيرته مع الأمير (علیه السلام) - وغيره من الصحابة, فإذا عرف منه (صلی الله علیه و آله و سلم) الميل إلى واحد بإشاراته والتفاتاته من إكرامه وإعظامه والرجوع إليه في المهمات, كان ذلك شاهد حال على عدم رجحان غيره عليه, وحصول العلم من هذا الطريق شائع معلوم, مثلاً إذا عرفت إنساناً بالجود والكرم والإحسان فلا ريب أن الجلوس على باب داره والاتكاء على جداره لا يحتاج بالبداهة إلى استِئْذانه, وكذا لو أضاف مبغضيه وأكرم معاديه, فإكرامه لمحبيه معلوم بشاهد الحال, وهكذا في سائر موارد ما يحصل العلم به من الرضا والكراهة والكرم والبخل والفسق والعدالة وغيرها من الصفات الخفية,


1) ورد في الأصل "قابل" والصواب ما أثبتناه.

وحينئذ من نظر بعين الإنصاف وتفكّر في أحوال سيّد المرسلين قطع باستخلافه لأمير المؤمنين دون غيره من الصحابة المسلمين وأقامه مقامه في الإمارة, وحمله أعباء الرسالة نظراً إلى أنه (صلی الله علیه و آله و سلم) له التصرف في جميع أمور العالم وله معرفة ما يصلحهم وما يفسدهم, وجعل لكل واقعة حكماً يناسبها وما ترك الناس في وهدة الضلالة, وبيّن الأحكام بقانون الحكمة الإلهية, وبين لهم طرق السياسات حتى غلبة العدو في الحروب, وأوضح لهم طرقها وكيفياتها حتى بهر العقول وأذعنت العقلاء بأن ما حواه ممتنع الحصول ولولا الإطالة لذكرنا من بعض أخلاقه وآدابه وسيرته مما لو وعاها العاقل وبها تدبر لصُعِقَ لوجهه وقال سبحان الله ما هذا بشراً! ولذلك كانت شريعته من أقوى معاجزه, ومن الواضح أنّه إذا كان بهذه المرتبة التي لم تحصل لأحد من الخلق من بني آدم مِن إدراكه لما لا تدركه العقول, وإحاطته بالأحكام وتفاصيلها فيقطع مَن له أدنى روية ومسكة بأنّه (صلی الله علیه و آله و سلم) بالنسبة لأمّته أشفق مِن الوالد الرؤوف, وأنّ رحمته ولطفه على الأمّة أكثر مِن حياطة الأمهات لأولادها وتعطفها عليهم, وأنه ما استراح ساعة من غمّ الأمّة ورفع المكروهات عنهم, ولو تفكرت في أحوال العقلاء مِن الناس مِن الشريف والوضيع كلٌّ بحسبه لألفيت كلّ مِن تولّى وملك شيئاً يبالغ في حراسته وصيانته والتحفظ عليه, وفي الأثر (من تولى عشرة أعطي عقلهم) ألا ترى إلى صنيع راعي الأغنام وسائِس الأنعام كيف يتنكب بها الوهاد(1)المعشبة والروابي المخصبة, فينقلها مِن ناد إلى نادٍ ومِن واد إلى وادٍ, ويفنى ليله ونهاره في صونها عن المؤذيات وحراستها مِن المهلكات, ولا يشغله عنها شاغل, فكيف عن ملك أمر الأمّة وأرسله الله تعالى إليهم نعمة؟ أتراه يتركهم سدى لا ينصب لهم راعياً يدبر أمورهم, ووالياً يرجعون إليه في مهماتهم؟ به يتقوّى الضعيف وبه يزول كرب اللهيف, ومنه يتعرفون أحكام واجب الوجود ويقفون على فرائض الملك


1) الوَهْدَةُ: المطمئن من الأرض والمكان المنخفض كأنه حفرة, والوهدة يكون اسماً للحفرة والجمع أوهُدةٌ ووَهْدةٌ، لسان العرب مادة "و ه- د".

المعبود. وكيف يرجع اختيار نصب الإمام إليهم؟ وهو أعرف بما يصلحهم منهم يترك الأصلح إلى غيره من غير ضرورة تدعو إلى ذلك, فإن الضرورة تقدر بقدرها عند عروضها, واحتمال عروضها لا يوجب ترك الأصلح المأمور بفعله, والحال إنّ نصب الإمام من أعظم المصالح العامة وأهمها باتفاق أهل السنّة والإمامية, ولو أنّ ترك ذلك مستحسن لتركته الملوك والسلاطين فتراهم ينصبون ولي عهدهم قبل كل شيء, ويرشدون رعيتهم إليه, أفيترك ذلك ملك الملوك والعقل الكامل؟ كلاّ ولو اختبرت أهل السنّة لوجدتهم يبالغون في هذا الأمر أكثر من الإمامية, فإنّهم تركوا حضور تجهيز النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ودفنه, وتهافتوا في سقيفة بني ساعدة, واشتغلوا بأمر الإمامة خشية أنْ (يختل)(1)

أمر الدين ولو ريثما يدفن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), لأنهم رأوا ذلك أصلح للدين مِن انتظارهم هذه المدّة اليسيرة حتى فاتتهم الصلاة عليه إلاّ نفرا يسيرا, وفي بعض الأخبار لم يدفن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حتى تم أمر الخلافة وانقطع النزاع وبويع ابن أبي قحافة, وقيل بقى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى ثلاثة أيام لم يقبر لكنّ المشهور الأول, (من أجل)(2)لزوم ذلك والاهتمام به عهد أبو بكر إلى عمر واستخلفه, فأيّ عاقل يجوّز ترك الاستخلاف على من أحرز عقل الكل؟ لعمري إنّ هذا بهتان عظيم.

وفي الأثر (حدث العاقل بما لا يليق فإن صّدق فلا عقل له), وعلى كلّ حال فالمحقق من تواتر الأخبار وأخبار المؤرخين إن جمعاً من الصحابة لم يحضروا تجهيز النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), وأسرعوا إلى سقيفة بني ساعدة لطلب الإمارة والخلافة, وهذا هو الذي دعا الإمامية إلى الانحراف عنهم وعدم الاعتناء بشأنهم, لأنّ المنصف الخالي من شوائب العناد وهوى النفس يسأل مِنه إنّه أي خلل ووهن وزحنة(3)


1) ورد في الأصل "لا يختل" والصواب ما أثبتناه لأن وجودها يعكس المعنى.

2) ورد في أصل المخطوطة "لأجل" والصواب ما أثبتناه.

3) زَحَنَ: زحن الرجل يزحن زحناً، وتزحن تزحناً أي أبطأ عن أمره وعمله اذا أراد رحيلاً فعرض له شغل فبطأ به قلت: له زحنة بعد. العين للفراهيدي: ج3، ص161.

تصيب الدين في مدّة يسيرة حتى يرتكب من أجله هذا الأمر الشنيع الذي يورث الاستخفاف بحق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يترك جسداً بلا روح بين الأحياء, ولا يعجلون به إلى تربته والحال إنّ زمان اشتغالهم بالبيعة أطول بحسب العادة من زمان تجهيز النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولو أنّهم سلِموا مِن هوى النفس والميل إلى الرياسة لجمعوا بين هذين الأمرين الممكنين وأحرزوا شرف الدنيا والآخرة فيجهزون النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), ثم يعودون لما نهوا عنه(1)من أمر الخلافة لا أقل من أنّ الأمير (علیه السلام) إنْ لم يكن رئيسهم فهو مِن أول المهاجرين, أما كان ينبغي أن يشاوروه في هذا الأمر, لكنّهم مال بهم الهوى وراق لهم خفق النعال فعافوا ما يصلح دينهم لدنياهم وذلك معنى [أفَإِنْ مَاتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شيئاً وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَ](2), يعني بعد النصب وإكمال الحجّة وتعيين الإمام لا يضرّ الله تعالى من يعصي ولم يمتثل وهو معنى الانقلاب, وهذا هو ما أشرنا إليه آنفاً من أنّ عروض المعصية بعد نصب الإمام وعدم امتثال أمره لا يجب على الله إزالته وإنْ وجب عليه إزالة ما يمنع مِنَ النصب ومما يقضى بأن اجتماعهم كان طلباً للرئاسة لا لإصلاح أمر الأمّة تظلم الأمير (علیه السلام) كما وقع في النهج الذي لا ريب أنّه مِنْ كلامه قال في خطبةٍ له (حتى قُبِض رسول الله رجع قومٌ على الأعقاب وغالتهم السبل ووصلوا غير الرحم الذي أُمروا بمودّته ونقلوا البناء عن رصِّ أساسه حتى بنوه في غير مرضهِ)(3)وقوله في آخرى (فلمّا مضى محمد


1) إشارة من المصنف إلى أن القوم لشدة عنادهم وإصرارهم على المعصية حتى أصبحت عندهم ملكة فعل المعاصي بحيث يصدق عليهم قوله تعالى: (ولوا ردوا لعادوا لما نهوا عنه).

2) سورة آل عمران: آية 144.

3) نهج البلاغة: ص209. إلاّ أن الرواية "حتى اذا قبض الله رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) رجع قوم على الأعقاب وغالتهم السبل واتكلوا على الولائج ووصلوا غير الرحم وهجروا السبب الذي أُمروا بمودته ونقلوا البناء عن رص أساسه فبنوه في غير موضعه".

(صلی الله علیه و آله و سلم) تنازع المسلمون الأمر مِن بعده فوَ الله ما يلقى في روعي ولا يخطر ببالي أنَّ العرب تُزيح هذا الأمر عن أهل بيته ولا أنهم مُنَحّوه عنّي فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه فأمسكت بيدي)(1)إلى غير ذلك من تظلّمه من يوم السقيفة, فأين صلاح أمر الأمّة والأمير يرى فساد أمرهم بهذا, وأهل السنّة لما عرفوا بشاعة هذا الأمر وشناعته أخذوا يلفّقون ما يمَوّهون به على العوام لرفع التشنيع عليهم من هذه الجهة لكنهم كحاطب ليل لا يدري ما يجمع؟ فيجيبون تارة عن ذلك بأن الصحابة أرادوا الجمع بين الأمرين فتركوا جمعاً منهم يجهّز النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وجمعاً آخر يشتغل بأمر الخلافة والإمامة في المحلّ المعدّ له, وليس في هذا إلاّ تمام العدل والإنصاف وحماية الدين وأداء حقّ الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بالاهتمام بحراسة شريعته الغرّاء وبتمام الجدّ والاجتهاد عقدوا البيعة وَهَدَأَت النفوس واعتز الإسلام وليس لهم بذلك مقصود أو غرض إلاّ حفظ الإسلام والمسلمين, ثم ينسبون الإمامية إلى الجهل بمعرفة الأمور والعناد مع المسلمين. ويتخلصون آخرى بأنّه في زمن مرض النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كثر القال والقيل وظهر الاختلال في الدين حتى برز ناعقّ المنافقين وكامن القاسطين وأشرفت الأعراب من حوالي المدينة على الارتداد, وجاسوس المنافقين فيها يتربص الفرص, والصحابة لمّا نظروا إلى ذلك لم يملكوا أنفسهم عن الإسراع إلى أمر الخلافة بعد أن قام البعض بتجهيز النبي, وهو واجب كفاية, لأنّهم مِن أَطْلَع الناس على أسرار المنافقين ومكايدهم, ويعلمون بأنّ الأعراب يسرع إليهم الارتداد لأنّهم ينعقون مع كل ناعق فعسى أن يكون قد انتهى الأمر بهم ووصل الحال إلى حدٍّ لو انحصر تجهيز النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بهم لما فعلوه, لكون حفظ بيضة الإسلام أهمّ من تجهيزه عند الله ورسوله, وفعل الأهم واجب عند المزاحمة مع غيره, وفي الحديث (من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم)(2), وفي ذلك لهم تمام الفضل والفضيلة,


1) نهج البلاغة: ص451.

2) الكافي: ج2، ص164، باب الاهتمام بأمور المسلمين، إلاّ أن الرواية "ولا" بدل "ولم" والصواب ما ثبت في الهامش.

ولهذا ومثله أنزلالله فيهم قرآناً فقال عزّ وجل [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أخرجَتْ لِلْنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله](1)وربما طعنوا وشنّعوا على الإمامية الذين طعنوا في الصحابة بترك تجهيز النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ومبادرتهم إلى تعيين الخليفة والإمام بعده, وعدّوا ذلك من المثالب قالوا "وذلك من غواية إبليس وتدليسه بأنْ سَلَب الدين مِن الإمامية بمقدمات خيّلها لديهم أنها دينية فضلوا وأضلوا وشاركوا أهل الكتاب في الكفر"(2).

ويا ليت شعري كيف تجديهم هذه الخرافات وتفيدهم هاتيك المغالطات؟ فها نحن نردّ الأولى بأن العقل والنقل يقضيان بحرمة الرسول, وإن هتك حرمته فسق بل كفر, ولا ريب في أنْ ترك تجهيزه يقضي بهتك الحرمة فلا عذر لهم في ذلك, بل لو تخلف واحد منهم لاستحقَّ الملامة والذم والعذاب فكيف بجلّهم فإنّ ذلك حرام مِن جهتين:

مِن الإخلال بالمودّة التي أُمروا بها, ومن عدم الاحترام, ومقالة أكثرهم إنّ ذلك لحفظ بيضة الإسلام فيه إنّ فعل ما هو حرام لاحتمال المصلحة المظنونة لعلّه خلاف الشريعة, ولو سلّمنا أنّ الضرر المحتمل يلزم دفعه نقول أي دليل قضى بأنّ حفظ البيضة يزيل حرمة الهتك؟ كيف وهو بيضة الإسلام؟ ففي ترك حرمته هتك بيضة الإسلام فما فروا منه وقعوا فيه كما لا يخفى.

ونمنع الثانية بأنّ الارتداد المذكور والتشويش الذي يُخشى منه على بيضة الإسلام لو كان لبان, والحال إنّه لم يذكره مؤرخ ولا سمعناه من ذي سيرة ولا وقفنا على جهة من الأعراب إلاّ ما صدر بعد الخلافة بمدّة في عهد الأول من


1) سورة آل عمران: آية 110.

2) راجع كتاب: (تلبيس ابليس)، لابن الجوزي الحنبلي، (ت 597ه-).

واقعة مالك بن نويرة وهي لعمري إنْ لْم تكنْ مثلبة فما كادت لتكون منقبة فراجع السيَر وتعرّف الواقعة تعرف أنّ مالكاً وأصحابه لم يخلعوا طاعة ولا فارقوا الجماعة(1)

فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر يا خليفة رسول الله إن خالداً قتل رجلاً مسلماً وتزوج امرأته من يومها. فكتب أبو بكر إلى خالد فأشخصه, فقال: يا خليفة رسول الله إني تأولت وأصبت وأخطأت. راجع: تاريخ اليعقوبي: ج2، ص131. وأكثر من ذلك بشاعة ما نقله الطبري في تاريخه (قال: كان مالك بن نويرة من أكثر الناس شَعراً, وإن أهل العسكر أثْفَوْا (جعلوها أثافِيَّ) برؤوسهم القدور فما منهم رأس إلا وصلت النار إلى بشرته ما خلا مالكاً فإن القدر نضجت وما نضج رأسه من كثرة شعره)، راجع: تاريخ الطبري: ج2 ص503.

, وإنّ ما صدر من خالد بن الوليد معهم كان ظلماً وعدوانا ولا ينبئك مثل خبير, وعند الله تجتمع الخصوم, والحاصل لم يبلغنا إرتداد أحد ولا محاصرة المدينة ولو كان فزمان التجهيز كان بحيث أنّه لولا تركه لاختل أمر الدين مما لا يتفوه به عاقل وهو بهذا العصر على أنّ مَن ارتدّ على فرضه إنْ لم يأتِ وينازع على إجراء الحدود مثلاً هو لا يأتي ولا ينازع فالاعتذار بهذه المعاذير الواهية كما وقع من بعض علمائهم في غاية الضعف لا يخلو من التعصب ومِن الشواهد القوية تخلّف الأمير ومَن معه من أكابر الصحابة عن الرواح إليها والدخول فيما دخل فيه أهلها, وإنّ عملهم غير مرضٍ للأمير.

ولو ادعوا أنّه أخطأ في اجتهاده.

ففيه بعد منع الخطأ في حقه لاسيما في مثل هذا الأمر العظيم.

إنّ هذا الخطأ قد استمر معه إلى أن قضى نحبه ولقى ربه, ولو كان كذلك ينبغي أن يزول بعد ما تمّ الأمر وتبيّن له وجه صلاحه, كلاّ لقد احتج عليهم في


1) كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن ينكفئ إلى مالك بن نويرة اليربوعي، فسار إليهم وقيل إنه كان ندأهم, فأتاه مالك بن نويرة يناظره وتبعته امرأته, فلما رآها خالد أعجبته فقال: والله لا نلت ما في مثابتك حتى أقتلك, فنظر مالكاً فضرب عنقه وتزوج امرأته, فلحق أبو قتادة بأبي بكر فأخبره الخبر، وحلف ألاّ يسير تحت لواء خالد لأنه قتل مالكاً مسلماً.

زمانهم وتظلم منهم بعده انظر إلى شقشقيته(1)فإنّها تنبيك عن تظلمه كغيرها من كلماته.

فإنْ قلت إنّه كما إنّ مِن البعيد عدم تعيين الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) للإمام فأبعد منه مخالفة الجم الغفير مِن الصحابة وفيهم أجلاّء المهاجرين والأنصار, فإنّ نسبة مخالفتهم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذا الأمر يحتاج إلى جرأة عظيمة ونسبتهم إلى الفسق لا يكاد يلتئم مع ما ورد من المدح والثناء عليهم جملة من الله ورسوله في الآيات والأخبار مثل [كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أخرجَتْ لِلْنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالله](2)ومثل [وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ](3)الآية, وقد صدر فيها تصريح الرضا مِن الله عنهم فيلزم المنصف أنْ يحمل أفعالهم على الصحّة مهما أمكن ولا يتعرّض لهم بسوء.

قلنا: هذا الكلام بظاهره يكاد أن يسمع ولكنّه عند التحقيق لا يشفي علّة ولا يُنجع غلّة أما الآيات والأخبار فهي مجملة لا يركن إليها بعد معلومية أن الله سبحانه ونبيه ما أرادا بذلك مدح كل الصحابة يقيناً لمعلومية أنّ فيهم من نكث وارتد, وفي الكتاب المجيد نزل الذم في خصوص بعض الصحابة أيضاً مثل [الَّذِينَ آمَنوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنْ الله لِيَغْفِرَ


1) الخطبة الشقشقية التي يقول فيها "أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى", وسميت بالشقشقية بمناسبة جواب الامام (علیه السلام) ل-"ابن عباس" حين قال له" يا امير المؤمنين لو اطّردْتَ خطبتك من حيث أفضيت، فقال (علیه السلام) "هيهات يابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرت"، ينظر: نهج البلاغة، شرح محمد عبدة: ج1، ص30.

2) سورة آل عمران: آية 110.

3) سورة التوبة: آية 100.

لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً](1)ومثل[وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ الله شَيْئًا وَسَيَجْزِي الله الشَّاكِرِينَْ](2)وغير ذلك, وفي الأخبار أيضاً كذلك, وإما مخالفة الأكثر وهو من البعيد فلا يكاد يُنكَر فإنّ صدور المعصية علّة تامة لتحقق المخالفة وعدم العدالة, وهي واقعة منهم باعتراف الخصوم ومن أجلها أخذوا يتعلقون بكل رطب ويابس. قالوا: القلوب منحرفة عن الأمير, وأغلب المهاجرين والأنصار لا يرضونه حاكماً عليهم فتدبيره مثار الفتنة والارتداد, واختلال الإسلام بخلاف تقديم غيره. وقالوا: إنّ الحق المحض مرّ والأمير (علیه السلام) لا يداهن في دين الله أبداً, ومن المعلوم إنّ الناس لا ترغب لغير المداهن لاسيما الولاة والقضاة والمصدقين ورؤساء العساكر وغيرهم (مِمَّنْ)(3)يرغب (في)(4)

الارتشاء ويطلب أن يظلم، فلو تولّى الأمير أمرهم لعزرّهم مضافاً إلى العزل, ولأغلظ لهم في القول, وضعفاء العقول لا يتحمّلون ذلك ولا يطيقونه, فيورث إرجاع الأمر إليه الهرج والمرج في بدء الإسلام, والصحابة رأوا المصلحة لأن يَتَصَدُّوا لأمْرِ الخلافَة وَيَحفَظُوْا الدين عن التَغَيّر إلى أن يتقوّى الإسلام, ونحن نقول إنّ هذا ومثله من المعاذير لو صدقت لكان غايتها أنّ استبداد الأمير بالخلافة بغير مشورتهم ومعاونتهم خلاف الأصلح. وأمّا خلافته بمعاونة الصحابة فلا فساد فيها فينجم الإعتراض على الصحابة بأنّهم لِمَ لَمْ يوازروه ولم يعاونوه؟ فوالله العظيم لوأعانه منهم عشرة ما اختلف عليه اثنان فكيف بجلّهم؟ ولا يزيد كراهة إمرَتِه على كراهة نبوة النبي فإنّه باليسر منهم ملك رقابهم وأظهر نبوّته بالسيف, ثم إنّ


1) سورة النساء: آية 137.

2) سورة آل عمران: آية 144.

3) ورد في الأصل "فمن" والصواب ما أثبتناه.

4) زيادة غير موجودة في الأصل.

الكاره لخلافته وإمرته إن كان من الأذناب فهم لا يُعتنى بشأنهم وما هم إلاّ كالفراش, وإن كان من أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار جاء الحق من أنّهم اتبعوا أهواء أنفسهم ولم يكن فيهم أحد سالماً مِن غرض أو مرض, ولولا تقاعد باقي المهاجرين والأنصار عن عثمان في المدينة وعدم رضائهم عن بعض أفعاله لَمَا مرّ به من يؤذيه ولا قُتل, ثم أنّ المنصف إذا تفكّر في التواريخ وأخبار السلف يرى أنّ أغلب الناس إلاّ من يشمُّ مِن نفسه الإمرة كلّهم كانوا يوالون علياً (علیه السلام), ويوَدون ولايته عليهم فهذا العذر كالذي يليه لا يفيد فائدة, فإنّ الحق أحق أن يُتّبَع فكونه (علیه السلام) يقضي بالحق ويسير بالعدل, ولا يطمع القوي في باطله, ولا ييأس الضعيف من عدله مما يشرف من له أدنى عقل إنّ العموم ترضى به لكن رضاء العموم متوقف على رضاء الخواص, والخواص قلوبهم مرضى, ومرض القلوب لا يداوى, وهوى النفس يغلب, والله سبحانه أبصر عمّن خالف النص وغلبه هواه.

الخامس من الأدلة: (التي هي غير سمعية):

دعواه للإمامة والخلافة

إن علياً (علیه السلام) ادّعى الإمامة والخلافة بالنص, وإنه أقام على ذلك البراهين والمعاجز.

أمّا دعواه الإمامة فغنيّة عن البرهان لا تحتاج إلى الإثبات, ويكفي فيها تظلمه في نهجه كما غبَّر(1), وتخلّفه عن البيعة لغيره بإجماع الفريقين.

نعم الخصم يدّعي بيعته بعد أَنْ قضى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) بمدّة, والإمامية تقولما بايع (قَطّ)(2), ولأنْ ظهر منه صورة بيعة فلأمرٍ ما جذِع قَصيرُ أنفه(3)

ينظر: مجمع الأمثال للميداني: ج1، ص233، باب الخاء.

,

1) غبَّر: مضى.

2) ورد في الأصل "أبداً" والصواب ما أثبتناه.

3) هذا مثل ورد في قصة الزباء ملكة اليمن مع قصير بن سعد القضاعي حين أراد أن يحتال للانتقام من الزباء بسبب قتلها جذيمة الأبرش فاتفق قصير مع عمرو بن ربيعة، ابن اخت جذيمة فجدع أنفه وجلد ظهره وذهب الى الزباء مدعياً أن عمراً فعل به ذلك واستمر يحتال عليها في قصة طويلة.

ويستندون في ذلك إلى مشاهدة أحواله حتّى عمّمه ابن ملجم, وأنه لم يزل يتظلم فلو كان مبايعاً لا يُحسَن مِنه ذلك وعلى كلِّ حال فتخلّفه عن البيعة عند فَقْدِ الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) مما لم ينازع فيه أحد, وادعاءه أنّه أحقّ بهذا الأمر مما لا يُنكَر.

وأمّا ما جرى على يدِه مِن المعاجز الباهرة, فذلك في الجملة مما لا يعترضه الشك, وإنكار مُنْكِرِيْه لا ينفع بعد ظهوره بين الخاص والعام, واعتراف الكفرة بذلك فضلاً (عن أهل الإسلام)(1)حتى اشتهر بمظهر العجائب بين الأنام.

ولو قيل بأنّ تسليم ذلك لا يصلح أنْ يكون حجّة على الإمامة ودليلاً لأنّ دعواه للإمامة لَم يكنْ مقرونا بالمعجزة, ولا استند إلى إثباتها بذلك, غاية ما في الباب إنّه ادّعى الإمامة وظهرت منه المعاجز, فردّه أمّا على مذهب الإمامية (فَبِما)(2)وصل إليهم من الأخبار الموثقة من الرواة الذي جرى توثيقهم في السنّة مِن أهل السنّة والشيعة (مِمَّنْ)(3)هم مذكورون في ميزان الاعتدال(4)في معرفة الرجال إنّه ادّعى الإمامة وأظهر المعجزة وبذلك وردت جملة من النصوص{كمنازعته مع أبي بكر بعد موت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وتوافقا على الرواح إلى قبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), فلمّا ذهبا إليه سمع أبو بكر صوت النبي بل رأى شخصه بدعاء علي (علیه السلام) وهو يقول (عليٌّ منّي بمنزلة هارون مِن موسى, اللهم وآلِ مَن والاه)، فذهب


1) ورد في الأصل "من الإسلام" والصواب ما أثبتناه.

2) ورد في الأصل "وما" والصواب ما أثبتناه.

3) ورد في الأصل "مما" والصواب ما أثبتناه.

4) ميزان الاعتدال في نقد الرجال للعلامة شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي، تركماني الأصل، مولده ووفاته في دمشق وكانت وفاته سنة 748ه-.

وهو يقول سحر بني هاشم ورب الكعبة}(1)، الخبر, وكذا منازعته مع العباس في ميراث النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (2)وغير ذلك.

وأمّا على مذهب أهل السنّة فظهور المعجزة وإنْ لم تكنْ مقرونة بدعوى الإمامة إلاّ أنّه بعد عدم إنكار صدور المعاجز منه يقضي صدورها بمزيد الفضيلة على المخلوقين وتميّزه على من سواه, والمميّز مِن البشر العالي عليهم أحقّ بالأمر من غيره, فإن علوّ المراتب بحسب القابلية وهو ظاهر.

الدليل السادس: (وهو من الأدلّة العقلية):

الإمام معصوم

السادس من الأدلة العقلية: إنّ الإمام المنصوب للرعية لا بد أن يكون معصوماً من الخطأ والزلل, والعلم بعصمته لا يُمكن ولا يأتي لغير الله تعالى ورسوله, فيتعيّن وجوب نصبه على الله ورسوله. فهنا دَعوَيان:

(الأولى): وجوب كون الإمام معصوماً, إنّ غير المعصوم يجوز عليه الخطأ والمعصية, ويلزم الأمّة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ردع المرتكب لذلك, فالشخص الذي تجب عليه سماع قول الأمّة, والأمّة يلزمهم ردعه كيف يكون حاكماً عليهم وقاهراً لهم, ويجب عليهم امتثال أمره ونهيه فإنّه قد يكون مستحقاً للتعزير أو للحد أو للقتل؟ وإطاعة مثل هذا الشخص من أقبح الأشياء وأفضحها, ولمّا نظر بعض علماء أهل السنّة إلى بشاعة هذا الأمر تخلصوا منه بأنّالإمام إمامٌ مادام مطيعاً لله تعالى, ومتى خالف تعزله الأمّة (وَتُعَيِّنُ) غيره, (ولو تَمَّ) هذا التخلص من دفع الفاسد بالأفسد لأدى ذلك إلى اختلال النظام ولزوم الهرج والمرج وتشويش أمر الأمّة كما وقع ذلك في أمر خلافة بني العباس,


1) راجع الاحتجاج: ج1 ص184.

2) المصدر نفسه: ج1 ص117.

ويلزمه تسلط الرعية على وليّ الأمر مع اختلاف مذاهب الناس وميلهم. ولو عورض هذا الدليل باستقرار أمر الأمّة في خلافة الخليفتين وغيرهما من بعض السلاطين المتصرفين في الرعية بتنصيبهم لهم, لأجبنا عن ذلك بقلّته أولا. وبأن الاستقرار للخوف من سيوفهم, ولو وجدوا فرصة لعزلوه ثانيا. وبأنّا لم نحكم بعدم إمكان الاستقرار أو بامتناعه أو عدم وقعه ثالثا, وإنما حكمنا بأنّ والي أمر الأمّة وسلطان الدين لا يليق به أنْ يكون منصوباً لهم ولهم الولاية عليه في العزل والنصب لوجوه:

(أولها): إنّ الغرض من وجود السلطان إزالة الفساد واستراحة العباد فإذا كان تعيينه بأمر الأمّة نافى ذلك الغرض, بل كان ذلك عين الفساد وعدم الصلاح.

(ثانيها): إن مَنْ عينته الأمّة منها للإمارة لابد أن يكون غير معصوم, إذ تعيين الأمّة وتنصيبهم له لا يجعله معصوماً بالضرورة, ومتى كان كذلك يمكنْ في حقِّه أنْ ينهمك في المعاصي ويتوغل في الظلم والجور، ويخطأ في الأحكام وحينئذ فإنْ بقى وجوب إطاعته على الأمّة بعد ذلك فوا سوءتاه, وإنْ وجب عليهم عزله ونصب غيره جاء الهرج والمرج وعساهم لا يمكنهم ذلك لكثرة من تعلق به من شياطين الأنس, ومتى عجزوا وقعوا في المَهْلَكَةِ العظمى والبليّة الكبرى, وذكر بعض المؤرخين أنّه جاءوا بسارق إلى الرشيد بمحضر الإمام علي الرضا (علیه السلام)، فأمر الرشيد بحدّهِ فقال له: إنّ مَنْ وجب عليه الحد لا يُحَد وقد وجب عليك من حدودِ الله تعالى الكثير, فالتفت الرشيد إلى الرضا وقال له: ما تقول في ردّه, فقال(علیه السلام): إنّ قوله موافق للدليل فيحتاج ردّه إليه(1).

(ثالثها): أنه قد لا يحصل الاتفاق من الجميع على واحد بأنْ يختلفوا في


1) ينظر: عيون أخبار الرضا: ج2، ص237، لكن الواقعة كانت مع المأمون بحضرة الإمام الرضا (علیه السلام), لا كما ذكر في المتن.

فردين, كما أنه قد يحصل الاتفاق على واحد متهتك لا يصلح للإمامة, فإنّ كليهما ممكن وفي ذلك تمام الفساد وعدم الصلاح, والعجب من علماء أهل السنّة إنّهم يتحملون في دفع هذه المحاذير ويستندون إلى ما لا يسمن ولا يغني فأيّ ضرورة ألجأتْهم إلى اختيار هذا حتى (حارُوا)(1)في دفع ما يلزم منه, وقد ينسبون إلى الهذيان في رد مثل هذه المحاذير بالساقط عن درجة الاعتبار والإمامية في راحة من ذلك لاشتراطهم العصمة في الإمام, وقولهم بأنّ العلم بها من خصائص الله تعالى لامتناع علم الناس بأحوالهم المستقبلة فضلاً عن أحوال سواهم(2),

وحينئذ بناءً على ثبوت المقدمتين يجب على الله تعالى أن يعيّن الإمام ويوحي إلى رسوله به, ووجب على الرسول أن يُعيّنه بشخصه وحسبه ونسبه للأمّة, وبعد ثبوت وجوبه يثبت فعليته لأنّ الوجوب على الله تعالى ملازم للفعلية باتفاق العقول, لأنّ عدم النصب ظلم وإضرار وتفويت للمصلحة وامتناع الظلم على الله ثابت بالدليل العقلي الفطري, ولا يحتاج في ثبوته إلى قاعدة الحُسْن والقُبْح.

ودعوى أنّ الواجب على الله أن لا يظلم ولا يصدر منه ذلك, وأمّا تفويت المصلحة وترك فعل الأصلح فلا يمتنع في حقّه تعالى، مدفوعةٌ بأنّ معنى الظلم عرفاً بالنسبة إلى الله تعالى هو الخروج عن القوانين العقلية والنقلية, وأيّ خروج أعظم من نسبة القادر المختار إلى إهمال أمور عباده وإيقاعهم في المهلكة بعدقدرته على عدم ذلك وهو ينظر إلى مفاسد عدم تعيين الإمام, ولا فائدة ترجع إليه في الإهمال.

ودعوى أنّ المصلحة ربما كانت في الإهمال، مدفوعة بالتفكر في سالف كلماتنا بأنّ مثل هذه المصلحة غير معقولة إلاّ من جهة عدم تمكين الأمّة للإمام


1) ورد في الأصل "احتاروا" والصواب ما أثبتناه.

2) وهذه هي الدعوى الثانية من الدليل.

المنصوب من الله تعالى, وهو لا يزيل مصلحة نصبه, كما إنّ كفر الكفّار لا يقضى بعدم بعث النبي فإذا ثبت النصب تعيّن إنْ يكون المنصوب هو أمير المؤمنين (علیه السلام)، لِما مرّ مفصلاً من عدم ادّعاء غير ذلك.

الدليل السابع (وهو من الأدلة العقلية):

أفضليته

إنّ الإمام لابد أن يكون أفضل من غيره وإلاّ يلزم إطاعة الفاضل للمفضول وهو قبيح فيمتنع, ولا ريب في أفضلية الأمير (علیه السلام) على مَنْ سواه من المهاجرين والأنصار وذلك لا يحتاج إلى تجشم الاستدلال, ويكفي فيه ما ورد صحيحاً من طرق الطرفين (عليٌّ أقضاكم)(1)وغير ذلك مما يحسر عنه نطاق القلم، (وأكثر المعتزلة)(2)يقولون بذلك وأمّا الأشاعرة الذين جوّزوا صدور القبيح على الله تعالى وإمكانه أيضاً بلا مصلحة، (فلا)(3)يجوّزون تقديم الفاضل على المفضول, ويرون التقديم بلا سبب ظلم في حقِّ الفاضل وصدور الظلم من الله قبح لا ينكره الأشعري من جهة دلالة الكتاب والشرع عليه, وإنْ جوّزوه عقلا, واحتمال أنّه ربما كانت هنالك مصلحة اقتضت التقديم يدفعه التدبر فيما تلوناه عليك مماعُبّر من الأدلة العقلية من أنّ المصلحة المتَوَهَمَة لا ترفع المصلحة اللازمة في أصل التعيين.

والقول بأنّ الأمير (علیه السلام) وإنْ كان أفضل من غيره في جميع الصفات الحميدة من العلم والشجاعة والحسب والنسب فعسى أنْ يكون غيره أبصر منه في السياسات والإمارة، مدفوع بعدم معلومية ذلك بل المعلوم غيره من رجوع


1) الحديث أخرجه من طرق الخاصة: الكليني في الكافي: ج7، ص439. وأما من العامة فيراجع فتح الباري بشرح صحيح البخاري: ج8، ص127. وكشف الخفاء للعجلوني: ج1، ص162. وطبقات ابن سعد: ج2، ص338. وتاريخ ابن عساكر: ج42، ص404.

2) ورد في الأصل "والمعتزلة بأسرهم" والصواب ما أثبتناه.

3) ورد في الأصل "لا" والصواب ما أثبتناه.

الصحابة إليه في أكثر المهمات وقد ورد (لو لا عليٌّ لهلك عمر)(1)، وعدم المعلومية تكفينا على أنّ الصحابة لو أطاعوه وأمّروه عليهم لسار فيهم سيرة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، ولشاورهم كما يفعل الرسول فلا محذور على أنّ هذا البحث يجري في حق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، لأنّه كثيراً ما يشاور أصحابه في الوقائع ويأخذ بما يرونه من التدبير فإذا اقتضى ذلك حَجْر مستحق الخلافة جرى مثله في حق النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).

وزاعم الفرق بينهما أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ورَد الأمر بالأخذ برأيه وامتثال أمره من الله تعالى فوجب على الأمّة إطاعته ومراعاة المصلحة, وعدمها مُلْغاةٌ في حقه, وأمّا الإمام (علیه السلام) فلم يَرِد النصّ بتقديم رأيِه على رأي الأمّة فاشتراط الأخذ برأيه بأن لا يكون نظر غيره أصوب من نظره وأبصر لا عيب فيه بل مما يحسنه العقل، مردودٌ بأنّ النزاع ليس في فعل الأمّة بل في فعل الله تعالى في أنّ الأبصرية بالسياسة تكون باعثاً وسبباً لتفويض الله جلّ شأنُه الإمارة والسلطنة لغير الأفضل أم لا, ولكون ذلك (ممنوعاً) (2)على الله تعالى في حقّ الرسول ففي حقّالإمام أيضاً كذلك, على أنّ الأبصرية في السياسات إن كانت فيما يعود إلى أمر الدنيا فقط ولا دخل لها في الدين فذلك لا كرامة فيه ولا ترجيح, وإن كانت الأبصرية في الأمور الدنيوية المتعلقة بالآخرة فذلك خلاف الأعلمية والأفضلية, والمفروض أن الأمير (علیه السلام) أفضل من غيره في كل ما يتعلق بالدين من الفرائض والسنن والمعاش والسياسات وغيرها فلم يبقَ إلاّ ما يتعلق بأمر الدنيا محضا,


1) الحديث مشهور، راجع: تأويل مختلف الحديث، لابن قتيبة: ص152. وقال الشيخ محمد النجمي: (والجدير بالذكر أن البخاري أخرج هذا الحديث في موضعين من صحيحه، ولكنه حفظاً على مقام الخليفة وستراً على جهله وعدم فهمه وازهاقاً للحق وتحريفاً للحقيقة التي تقول بأن علياً (علیه السلام) حكم بما يخالف رأي عمر وبعض الصحابة، ولما كان حكمه (علیه السلام) مطابقاً للواقع وما أمر به رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، ترى البخاري يكتفي بذكر ذيل الحديث فيذكر الحديث في كلا الموردين ناقصاً ويسقط منه السند والصدر). ينظر: أضواء على الصحيحين: ص119.

2) ورد في الأصل "ممنوع" والصواب ما أثبتناه.

والاشتغال بذلك إن لم يكن نقصاً في حقّ وليّ الله فما كاد أنْ يكون واجباً.

خلاصة الكلام أنّ الأمير (علیه السلام) أفضل من غيره فتقديم غيره عليه قبيح والصغرى والكبرى معلومتان(1)فالنتيجة بديهية.

الدليل الثامن (وهو من الأدلة غير السمعية):

إجماع الإمامية

إجماع الإمامية على اختلاف فرقهم على وجوب تقديم الأمير (علیه السلام) في الإمارة على غيره, وأنّه مدفوع عن حقّه, وذلك يكشف عن رأي رئيسهم كما هو المعهود في كلّ من تبع غيره, والخصم يعترف باتفاق جميع المسلمين يكشف عن رأي نبيّهم لأنّهم أتباعه فكذا اتفاق جملة المتابعين يكشف عن رأي متبعهم وهذا الدليل يشتمل على مقدمات:

(أولها): ثبوت اتفاق الإمامية على وجوب تقديم الأمير على غيره, وعلى عدم أحقيّة مَن سواه بإمْرَةِ المؤمنين, بل على عدم جواز عزل نفسه عن هذا الأمر, وتسليم الأمر لغيره طوعا.

(ثانيها): حصول الكشف والقطع إنّ ذلك هو رأي سيدهم وإمامهم.

(ثالثها): إنّ رأي الإمام صواب لا يجوز الردُّ عليه ولا مخالفته.(ورابعها): ثبوت الملازمة بين بطلان خلافة الخلفاء وحقيّة خلافة الأمير (علیه السلام) وعدم إمكان الجمع بين حقيّتهما معا.

والرابعة من المقدمات كالأولى لا يمكن النزاع فيهما ولا يتصور.

وأمّا المقدمتان المتوسطتان فقد أنكرهما جُلُّ أهل السنّة, فَطَوراً يقولون إنّ الشيعة بيت الكذب والافتراء لأنّهم ينسبون رؤساء المذهب وأئمة الدين إلى


1) المراد ههنا بكون الصغرى والكبرى معلومتين أي بديهيتين، والصغرى والكبرى هما مقدمتا القياس عند المناطقة.

أقبح الأمور وارتكاب المعاصي, وربما يعتمدون ويتمسكون على هذا المطلب ببعض ما ورد من أئمة الإمامية في مدح الخلفاء خصوصاً والصحابة عموماً كقول الأمير (علیه السلام) في رواية الطوسي (رحمه الله)(1)

رجال السيد بحر العلوم: ج3، ص236.

عن سويد بن غفلة (من فضّلني على أبي بكر جلدته حدَّ المفتري)(2), وقول الصادق (علیه السلام) (ولدت منه مرتين)(3)وقوله (علیه السلام) (هما إمامان عادلان كانا على الحق وماتا عليه)(4)وقول الإمام الباقر (علیه السلام)في رواية كشف الغمّة لما قال الإمام (علیه السلام) (أبا بكر الصدّيق قال السائل: منكراً عليه أتقول هذا؟ قال الإمام (علیه السلام) نعم هو الصدّيق ثلاثا ومَن لم يقل أنّه الصدّيق فلا صدق لله تعالى قولا)(5)وكقول الإمام الصادق (علیه السلام) للمنصور في حديث

1) محمد بن الحسن بن علي الطوسي، أبو جعفر، شيخ الطائفة المحقة ورافع أعلام الشريعة الحقة، ولد (رحمه الله) سنة 385ه-، وكانت وفاته سنة 460ه-.

2) الرواية منقولة عن عيون أخبار الرضا في كتاب البحار: ج49، ص192. نقلاً عن العامة.

3) كشف الغمة للأربلي: ج2، ص160.

4) بحار الأنوار: ج30، ص286، عن كتاب نفحات اللاهوت نقلاً عن كتاب المثالب لابن شهرآشوب، أن الصادق (علیه السلام) سُئِلَ عنهما فقال "كانا إمامين قاسطين عادلين، كانا على الحق وماتا عليه فرحمة الله عليهما يوم القيامة. فلما خلا المجلس قال له بعض أصحابه: كيف قلت يابن رسول الله؟ فقال (علیه السلام): نعم، أما قولي كانا إمامين فهو مأخوذ من قوله تعالى [وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ] سورة القصص: آية41، وأما قولي قاسطين فهو من قوله تعالى: "وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا"، وأما قولي عادلين فهو مأخوذ من قوله تعالى: [الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ] سورة الأنعام: آية 1، وأما قولي كانا على الحق، فالحق علي (علیه السلام)، وقولي ماتا عليه، المراد أنه لم يتوبا عن تظاهرهما عليه، بل ماتا على ظلمهما إياه، وأما قولي فرحمة الله عليهما يوم القيامة، فالمراد به أن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ينتصف له منهما آخذاً من قوله تعالى: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ] سورة الأنبياء: آية 107.

5) كشف الغمة: ج2، ص147. باب ذكر ولد أبي جعفر محمد بن علي (علیهما السلام).

رواه في الاحتجاج (بأبي أنت وأمي يا أمير المؤمنين)(1), وكقول الإمام الرضا (علیه السلام) للمأمون مثل ذلك وكتبه في ظهر الطرس الذي فيه ولاية عهده(2), ولم نقف بعد التتبع على غير ذلك في المدح من طرق الإمامية للجماعة.

والجواب عن ذلك كلِّه مسطورٌ في كتب الإمامية وخلاصته إنّ أمثال هذه الأخبار محمولة على التقية الموجبة لأكثر من ذلك بالعقل والإجماع والكتاب والسنّة, وفي الكشاف في تفسير قوله تعالى [إلاّ أنْ تَتَّقوا مِنْهُم تُقاة]، أي إلاّ أنْ تخافوا من جهتهم أمراً يجب اتِّقاؤُهُ رخّصَ لهم في موالاتهم إذا خافوهم, والمراد بتلك الموالاة معاشرة ومخالفة ظاهرة مستشهداً بقول عيسى كن وسطاً وَامْشِ جانبا(3)، انتهى.

نعم يبقى لهم مطالبة الدليل على الخروج عن ظاهر الخطاب وترك العمل بأصالة الحقيقة والحمل على التقية, ولعلّ القرينة في مثل هذه الخطابات وصرفها عن ظاهرها ظاهرة إذ لو لم يكن مغروساً في أذهان الشيعة انحراف الإمام عن أبي بكر لما قابله بقوله (أتقول هذا) على طريق الاستفهام الإنكاري, ولا داعي للإمام أن يقول (بأبي أنت وأمّي) لأنّه إفراط في التحبب المستهجن في حقّه,مضافاً إلى الدغدغة(4)في سند هذه الأخبار, وعدم الوقوف على تصحيح رجالها, وعلى العلاّت فهي معارضَة بما هو أقوى منها سنداً ودلالة, والنظر في قواعد التعادل والتراجيح إذا تعذّر الجمع يوجب الأخذ بالأقوى بعد التدبّر في لِحاظ السند والدلالة في كل متعارِضَين, ولولا ذلك لفسد أمر الشريعة رأساً لوجود الأخبار المتعارضة في الشريعة فوق حدِّ الإحصاء.


1) لم نعثر - بحدود البحث - على الرواية في الاحتجاج أو غيره.

2) لم نقف على الرواية في كتب الحديث.

3) الكشاف للزمخشري: ج1، ص300.

4) كناية عن ضعف سندها.

وروى محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه(1), وَ(أَبُوْ)(2)الحسين مسلم بن الحجّاج(3)وغيرهما حديثاً مرفوعاً إلى أنس بن مالك, وحذيفة بن (اليَمان)(4)أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال (ليردن عليّ أناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني, فأقول: يا ربّ أصحابي أصحابي, فيُقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك, فأقول: سحقاً سحقا).

فإنّ أهل السنّة تصرفوا في ظاهر هذا الحديث بأنواع التصرف بعد أن أثبتوا عدالة الصحابة وعرفوا أنّ إبقاء الحديث على ظاهره صريح في مذهب الإمامية من حيث أنّهم يقولون بمخالفة بعض أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), وأهل السنّة ينكرون ذلك فتحملوا في حمل الحديث على محامل من دون قرينة داخلية أو خارجية حرفة العاجز فإذا فُتِح باب التصرف عندهم فليت شعري كيف يغلق على الشيعة؟ والحال إنّ بين التصرفين بُعد المشرقين, فالركون إلى مثل هذه الأخبار بعد القرائن الظاهرة (في)(5)صرفها عن ظاهرها, ووجود المعارض الذي يوجب طرحها إنْ لم يتصرف فيها مما لا محصل له في إثبات هذه الدعوى الجسيمة.

وأخرى يزعمون بأنّ مذهب الشيعة والرافضة ليس له أساس وإنما هو من تدليسات هشام بن الحكم(6)ونصرة ابن الرّاوندي وأبي علي الوراق وعبد الله


1) صحيح البخاري: ج7، ص207.

2) ورد في الأصل "وأبي" والصواب ما أثبتناه.

3) صحيح مسلم: ج7، ص70.

4) "اليمان" بتخفيف الميم.

5) ما بين القوسين زيادة يقتضيها الاسلوب العربي.

6) هشام بن الحكم: أبو محمد، قال الكشي إنه مولى كندة، مات سنة 179ه- بالكوفة في أيام الرشيد وترحم عليه الرضا (علیه السلام)، وقال العلامة: كان ممن فتق الكلام في الإمامة، وهذب المذهب بالنظر، كان حاذقاً بصناعة الكلام حاضر الجواب. رجال العلامة: ص178.

بن سبأ(1)والعلامة(2)

والكاشي(3)وغيرهم هم الذين روّجوه, وتارة يدعون أن مذهب الرافضة صنيع يهودي أراد الخلل في الإسلام فلم يقدر فألّف كتاباً في ثلب الصحابة وأودعه عند الإمام الصادق (علیه السلام) ولما فارق الإمام الدنيا وُجد في خزانته فحسبته الشيعة أنه من كلامه فتديّنت به, إلى غير ذلك من المضحكات التي لا تليق بأنْ تدون, ولكن قوة الشيطان وقدرته على الغواية في المسائل العلمية كقدرته عليها في المسائل العملية, فإنّ منع المقدمتين بأمثال ذلك مما لا شبهة في بطلانه, وكيف يختلج ببال أو يسري في خيال احتمال افتراء الشيعة علىأئمتهم مع أنّهم يدققون ويتفكرون في النقير والفتيل(4)

لسان العرب مادة (ف ت ل).

, ويحتاطون في أغلب الموارد؟ وأهل السنّة وإنْ زادوا عدداً عليهم إلاّ أنّ الخواص من علمائنا تزيد على الخواص من علمائهم, والعبرة بهم لا بالسواد الذي لا يتدبر شيئاً والله

1) عبد الله بن سبأ: هذه الشخصية خرافية من مختلقات سيف بن عمرو، وللاستزادة يراجع كتاب "عبد الله بن سبأ" للعلامة السيد مرتضى العسكري الذي سجل فيه أن هذه الشخصية لم تخرج عن كونها شخصية خرافية وأن ما أورده المؤرخون عنه من حكايات في ترويج التشيع لم يكن أكثر أكذوبة سجلها الرواة حول هذه الشخصية الوهمية ليحملوا على الشيعة ما شاء لهم أن يحملوا وليغمزوا عليهم ما شاء لهم أن يغمزوا.

2) العلامة الحلي: جمال الدين أبو منصور, الحسن بن يوسف بن علي بن محمد ابن المطهر, الحلي مولداً ومسكناً, ولد سنة 648ه-, له ألقاب أشهرها العلامة وهو الذي خُصّ به حتى أصبح علماً له فلا يتبادر إلى الذهن غيره. توفي سنة 726ه-, من مقدمة نهج الحق وكشف الصدق.

3) محسن بن المرتضى الكاشاني (رحمه الله تعالى): العلامة المحقق المدقق, جليل القدر عظيم الشأن, رفيع المنزلة, فاضل, كامل, أديب, متبحر في جميع العلوم, له ما يقرب من مئة من التأليفات. معجم رجال الحديث: ج15، ص204.

4) قوله (النقير والفتيل): الفتيل ما كان في شق النواة, وبه سميت فتيلة, وقيل: هو ما يفتل بين الإصبعين من الوسخ, والنقير النكتة في ظهر النواة.

تعالى يقول[ وَقَليلٌ مَا هُمْ](1)وملخص القول إنّ إجماع الشيعة وعلمائِهِمْ يكشف قطعاً عن رأي رئيسهم, فإنْ يكن هنالك طعن فهو في الرئيس عافانا الله من سوء العقيدة, وغلبة الشيطان, والتطويل في مثل ذلك لعلّه لا فائدة فيه لظهوره.

هذا تمام لِما يُستدَل به من الأدلة العقلية.


1) سورة ص: آية 24.

الباب الثاني:

الأدلّة النقلية على إمامة أمير المؤمنين (علیه السلام)

وأمّا الأدلة النقلية منها, فهي كثيرة فوق حدِّ الإحصاء, ونحن نذكر منها ما يغني العاقل المتبصر مما اشتملت على نكات ودقائق تدل على المدّعى بِلا واسطة شأن النزول مما لا ينكره الخصم, وإلاّ فلو ذكرنا الآيات التي نزلت في حق الأمير (علیه السلام) وعترته من طرق أهل السنّة وطرقنا لخرجت عن حدِّ الإحصاء, وقد تصدى غير واحد من علمائنا إلى ذكرها فراجع تذكرة العلامة المجلسي من الإمامية وغيره(1), وراجع طوق الحمامة في الإمامة للعالم المتبحر إمام الحرمين الشافعي فنقول:

(الأولى): آيات الإطاعة نحو [أَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ](2)وتقريب الاستدلال حسب ما ذكره بعض أصحابنا إنّ المراد بأولي


1) سيأتي من المصنف (رحمه الله) ذكر جملة من الآيات نقلاً عن تذكرة الأئمة للعلامة المجلسي وأما غيره من الإمامية فمنهم على سبيل المثال لا الحصر كتاب فضائل أمير المؤمنين من دلائل الصدق للعلامة المظفر, وكتاب علي (علیه السلام) في القرآن للسيد الشيرازي.

2) سورة النساء: آية 59.

الأمر الإمام المعصوم (علیه السلام) الحافظ لأحكام الله تعالى, لأنّ إطاعة غيره من الناس قبيح, ومن قرن الله إطاعته بطاعته يلزم أن يكون فيه المزية التامة على غيره, ولا تمييز بغير العصمة ومتى ثبت أن الولي لا بد أن يكون معصوماً ثبت ما تقوله الشيعة في حقِّ أئمتهم وأنهم ولاة الأمر بعد النبي بضميمة ما مرّ عليك من الأدلّة العقلية, فالآية بنفسها تقضي بعصمة الإمام, وحقيّة مذهب الشيعة وأهل السنّة بعدما نفوا عصمة الإمام وأنكروا ذلك بل (مِنْ أجْلهِ)(1)أنكروا الحُسْن والقُبْح العقليين ذهبوا في تفسير الآية كل مذهب فقال بعضهم إنّ المراد بأولي الأمر الخلفاء (الرَّاشدون)(2)وذهب آخرون إلى تعميمه لجميع السلاطين والحكّام ومنهم من نفاه عن الحكّام مطلقاً وخصّه بالخلفاء والعلماء(3), والتفاسير المذكورة كما ترى, فالأول مضافاً إلى ما اشتمل عليه من المفاسد التي مرّت عليك إنّه لا يفيد فائدة لاحتياج الأعصار المتأخرة عن عصر الخلفاء إلى مثلهم لتجب إطاعته, والمفروض أنّ أهل السنّة رووا مرفوعاً إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (أن الخلافة ثلاثون سنة وبعدها تكون ملكاً عضوضا) فكيف يلتئم الملْكُ العضوض مع وجوب الإطاعة والانقياد.

وأمّا المعنى الثاني فأدهى وأمّر للزوم وجوب الإطاعة والانقياد للفسقة الفجرة المنتهكين لحرمات الله سبحانه وتعالى فإنّ أغلبهم يشرب الخمر ويستعمل المنكرات وهو ملعون بنص الكتاب مستوجب للحدِّ والتعزير, ومن كان كذلك كيف يوجِب الله إطاعته, والمشاهد مِن حكّام الوقت وسلاطينهم هو سيرهم بسيرة الأكاسرة والجبابرة ومخالفة الشريعة الغرّاء في كلِّ قوانينِهم, ثم مع تعدد السلاطين كيف يكون عمل الأمّة؟ نعم الإطاعة من باب دفع الضرر لازمة عقلاً وشرعا فهي من أجل حفظ النفوس والأموال والأعراض لا بدّ منها, وكلّ


1) ورد في الأصل "لأجله" والصواب ما أثبتناه.

2) ورد في الأصل "الراشدين" والصواب ما أثبتناه.

3) وللاستزادة يراجع كتاب التفسير الكبير للفخر الرازي في تفسير هذه الآية.

حاكم لا بدّ أن ينظم مملكته بأحسن نظام, والإطاعة بهذا المعنى لا رابط لها برئيس المسلمين, ومن إطاعته تتلو إطاعة الله ورسوله.

والثالث أبده فساداً من سابقيه, فإنّه يلزِم تعدد الأئمة وهو كتعدد الآلهة, والتخصيص بالأفضل لا يُجدي عند اشتباه موضوعه على الأمّة لو تعدد العلماء, فيعود المحذور، وبعض من لا بصيرة له فرّ من هذا المحذور إلى ما هو أدهى وأمر فخصص وليّ الأمر بمن خرج بالسيف وأوجب اتّباعه, واستند للآية والإجماع على ذلك، ولعمري أيّ رحمة على العباد في ذلك؟ ومع تعدد الخارج كيف تكون الإطاعة؟ بل يقضي أن يكون دين النبي عذاباً لا رحمة وهل يوصي عاقل أَتْباعه حين وفاته: إن من يغلب على الأمر بالسيف من بعدي اتبعوه؟ لأُوِل ذلك إلى الوصية بالمقاتلة بعده, ونزع السيوف من أغمادها على أنّ خصوص العلماء يحتاجون إلى إمام قطعاً لإمكان الاختلاف بينهم في أمور الدين والدنيا الذي لا يخلو منه نوع العالم ومن تجب إطاعته عليهم لابد أن يكون من غير جنسهم, وإلاّ فكل يدّعي وصلاً بليلى, وفي صورة تعدد المدعى كيف يكون حال الأمّة؟ فإنّ إطاعة الكل مع الاختلاف لا يمكن وإطاعة البعض لا مرجح لها على البعض الآخر, ولو قصرْناه على الأفضل تجيء الحيرة مع التساوي أو الجهل به, ولو قلنا بالتخيير فاستمرارية مفسدة وتعيين المختار في زمان, ولزوم إطاعته دائماً لا دليلَ من عقل ولا نقل عليه واستخراجه بقرعة ونحوها مسخرة, نعم الرجوع إلى العلماء في أخذ الأحكام الشرعية لا بأس به, وأمّا وجوب إطاعتهم على حد إطاعة الله ورسوله كما تُفصح به الآية الكريمة في العرض والمال بحيث يكون فاعلاً مختاراً لا يُرَدّ عليه كما تقتضيه آيةُ [وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ](1)


1) سورة الأحزاب: آية 36.

فكلاً(1)تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.

لا يُقال أنّ الآية من خطاب المشافهة(2)وهو مختص بالحاضرين على ما هو التحقيق, فلا يسري وجوب الإطاعة لغير زمن الخطاب, وحينئذ يختص بزمان الخلفاء ولا يشمل الأعصار اللاحقة حتى يقال بانحصاره بالأئمة على مذهب الإمامية, لأن إثبات الانحصار متفرع على شمول الخطاب للمعدومين والشمول ممنوع، لأنّا نقول:

أولا: لو كان الأمر كذلك للزم أن تختص إطاعة الله والرسول بالحاضرين أيضاً وفساده واضح.

وثانيا: إنّ إطاعة أولي الأمر من الأحكام التي لا تقبل الإختصاص بزمن الحضور للإجماع القطعي بأنّ الإمام الواجب الإطاعة لازم الوجود أبداً وعليه فيلزم إمّا أن يعينه الله تعالى, أو يأمر الأمّة بتعيينه, والثاني باطل لاتفاق المسلمين على عدم صدور الأمر من الله بذلك. نعم ذهب أهل السنّة إلى أنّ الله تعالى أمر بإطاعة الإمام الذي عينته الأمّة, وهذا بمجرده لا يقضي بوجوب تعيين الإمام من جانب الحق تعالى شأنه, وإن زعموا أن وجوب التعيين من الأمور الواضحة - لأنّه مقدمة وجوب العمل بالأحكام الشرعية - فلا يحتاج إلى الأمر, بل يكفي فيه الأمر بالأحكام, فعدم الأمر به اتكالا على وضوح وجوبه لأن فائدة الأمر الإعلام بالوجوب وهو حاصل فلا حاجة إليه.

فالجواب عنه أن وجوب تعيين الإمام على الأمّة ليس بواضح, وعسى أنّ وجوبه كذلك غير معلوم فضلاً عن أن يكون ضرورياً وبديهيا. وَادِّعاء أن وجوبه من باب المقدمة أول الكلام, لأنّ العمل بالواجبات والمحرمات على


1) قوله "فكلاً" الفاء واقعة في جواب أما.

2) خطاب المشافهة من المسائل الأصولية المستقلة بالتدوين فمن الكتب المؤلفة فيها ما كتبه الأستاذ محمد باقر بن محمد أكمل المعروف ب-(الوحيد البهبهاني).

مذهب أهل السنّة من الكتاب والسنّة حاصل من دون وجود السلطان المتصرف بالأمور التي تحتاج إلى أمير من السياسات وغيرها, وكون هذه الأشياء تحتاج إلى أمير فيجب على الأمّة نصبه ممنوع, بأنّ الإحتياج بمجردة لا يوجب النصب على الأمّة, ولا دليل على وجوبه على الأمّة غيره بزعمهم كما حققنا ذلك في الأصول.

سلّمنا الإقتضاء لكنّه اقتضاء خفي لا يفهمه إلا أهل العلم على أن الأمّة لا قابلية لها ولا صلاحية لنصب الإمام, وإيكال الله سبحانه وتعالى هذا الأمر إلى الأئمة مورِث للفتنة وسفك الدماء فيلزم نقض الغرض في الإحالة, إذ الغرض من نصب الإمام القسط والعدل وحفظ النفوس والأموال والأخذ بيد المظلوم ودفع الظلم والظالم, فلا جرم أنّ المراد بأولي الأمر مَن يكون دون النبي وفوق جميع الأمّة كي يكون الأمر بإطاعة الأمّة له لا يورث فتنة ولا فساد, فإنْ عصوه دخلوا في زمرة العاصين وقد سلف منّا ما يوضح ذلك.

ودعوى: أنّ هذا البحث مشترك الورود لعدم وجود الإمام المتصرف في الأزمنة المتأخرة على مذهب الإمامية, فكلّ ما يقولونه في تفسير الآية في الأعصار المتأخرة بعينه، يجاب به بناءً على مذهب العامة, وردّ هذه الدعوى قد اكتست حلّة البيان والتوضيح عند تعرضنا للوجه الأولي وحاصله:

إنّ الشيعة يقولون في تفسير الآية أن المراد بأولي الأمر أوصياء الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بأمر من الله تعالى, ولا يخلو عصر من العصور من وصيّ وإمام منصوص عليه سواء هذا الزمان وغيره من سابق الأزمنة, والله سبحانه وتعالى جاء بما لزم عليه من تعيين الوصي ونصبه إماماً متسلسلاً إلى قيام الساعة, ولكن الأمّة ما عملوا بما أوجب الله تعالى عليهم من لزوم الاتباع وعصوا في ذلك الله ورسوله على حدّ عصيانهم في الأحكام, وتقدم أنه ليس على الله جبرهم على الاتباع, فالأئمة ماانفكوا خائفين مترقبين للمكاره, فإذا لم يبلغوا بعض الأحكام بل كلّها

(فلا)(1)ضير عليهم ولا ينقص ذلك في إمامتهم فإنّهم مكثوا بين أظهر الأمّة وصبروا على إيذائهم وسلكوا طريق التقيّة واعتزلوا الأمّة حتى آل الأمر من شدّة الخوف إلى أن غاب مهديّهم عن الأبصار, واستتر عنهم أيّ استتار فها هو ينتظر الفرج سهل الله له ولجميع الأئمة الظهور والمخرج، آمين.

(الثانية): قولُه تعالى [اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ ديْنَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي](2)فإنّها بعد الإعْراض عن شأن نزولها, وأنّها نزلت في حق الأمير (علیه السلام) يوم الغدير كما اتفقت عليه الإمامية وكثير من مفسري أهل السنّة تقتضي حقية مذهب الشيعة, بتقريب: أنّ (أل) في (اليوم) للعهد الحضوري(3)

والأولى - أي الزائدة - أما لازمة أو غير لازمة ونقف عند هذا الحد خشية الإطالة والخروج عن المقصود فإن للكلام تتمة، وإنما ذكرنا هذه الفائدة لتوقف بيان استدلال المصنف عليها.

,

فيكون إشارة


1) ورد في الأصل "لا" والصواب ما أثبتناه.

2) سورة المائدة: آية 3.

3) كلمة (ال) تنقسم الى أقسام لأنها إما إسمية وإما حرفية فالأولى لها قسم واحد وهو الذي يدخل على اسم الفاعل والمفعول وصيغ المبالغة كثيراً وعلى المضارع قليلاً، والثانية إما زائدة أو غير زائدة والثانية قد تجيئ للإشارة الى الجنس الحقيقي اللغوي من حيث هو هو وقد تجيء للإشارة الى الجنس الحقيقي الاصطلاحي من حيث هو هو، وقد تجيء للإشارة الى الجنس العرفي، وقد تجيئ للإشارة الى أفراد الجنس الحقيقي اللغوي، وقد تجيء للإشارة الى جميع أفراد الجنس العرفي، وقد تجيئ للإشارة الى جميع صفات أفراد الجنس حقيقة وقد تجيئ للإشارة الى جميع صفات أفراد الجنس عرفاً، وقد تجيئ للإشارة الى الجنس باعتبار وجوده في ضمن فرد غير معين وهذا على قسمين: حقيقي وعرفي، وقد تجيء للإشارة الى جنس معين قد تقدم ذكره صريحاً، وقد تجيء للإشارة الى جنس معين قد تقدم ذكره ضمناً، وقد تجيء للإشارة الى جميع الأفراد تقدم ذكرها صريحاً، وقد تجيئ للإشارة الى جميع الأفراد قد تقدم ذكرها ضمناً، وقد تجيء للإشارة الى حصة قد تقدم ذكرها صريحاً، وقد تجيئ للإشارة الى حصة قد تقدم ذكرها ضمناً، وقد تجيء للإشارة الى الحصة الحاضرة، وقد تجيء للإشارة الى الحصة المعهودة عند المتكلم والمخاطب أو عندهما وعند غيرهما، ويسمى الأول بالعهد الذهني والثاني بالعهد الخارجي عند النحاة.

إلى يوم معيّن فيه كَمُلَ الدين, وتمت النعمة, وليس هو إلاّ يوم تعيين الإمامة والخليفة الذي هو من أصول الدين, ويجب الالتزام والاعتقاد به, فالمراد بالدين حينئذ خصوص أصول الدين لا فروعه. ومعنى الآية على هذا أنه لم يبق من أصول الدين إلاّ نصب الإمام والالتزام بإطاعته, وقد أمر الله به في ذلك اليوم وهو يوم الغدير الذي صدر التنصيب فيه لعليّ (علیه السلام) من الله ورسوله, ولا يمكن أن يُراد به غير ذلك, لأن ذلك الغير المراد إما فروع الأحكام أو الأعم منها ومن الأصول, وكلاهما كما ترى، لأداء الأول إلى أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يبلّغ جميع الأحكام الفرعية, وهو لا يتم على المذهبين, فإنّ أهل السنّة حكموا بأن أكثر الوقائع خالية من الأحكام المقررة لها وطريق استخراجها منوط بنظر المجتهد بالطرق التي قرروها من الأقيسة والاستحسانات وغيرهما, والشيعة وإنْ لم يعتقدوا ذلك, وعندهم إنْ لكل واقعة (حُكْماً)(1)عيّنه الله لرسوله, وَأنّ الأحكام بأسرها وصلت إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو علّمها لأوصيائه, وهم بلّغوها تدريجياً كما بلّغها النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), ومعلوم أنّ هذا المقدار مِن تشريع الأحكام وإنزالها لا يكفي في إكمال الدين وإتمام النعمة, لأن جعلها وتبليغها الرسول مع عدم إطْلاع الأمّة عليها كملاّ(2)لا يصدق معه إتمام الدين, وإنْ كان الله يعلم بوجودها في العالم. نعم لا نضايق في أنّها بالنسبة إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأوصيائه كاملة, وإما في حقّ الأمّة مع جهلها ببعضها فلا والإكمال والإتمام لا يُتصوَر فينبغي بل يلزم حينئذ إفراد الضمير في (لكم وعليكم).

وإنْ قالوا إنّ الخطاب بضمير الجمع مع جهل الأمّة ببعض الأحكام لا ضررفيه نَظَرَ إلى وجوب الاجتهاد في الحوادث التي لم يُعلم حكمها, فمعه بانضمام


1) ورد في الأصل "حكم" والصواب ما أثبتناه.

2) قوله "كملاً": يقال أعطاه المال كَمَلاً أي كاملاً, هكذا يتكلم به في الجميع والوحدان سواء, ولا يثنى ولا يجمع، لسان العرب مادة " ك م ل ".

الأحكام المفصلة النازلة يتحقق إكمال الدين في حقِّ الأمّة, فردُّهم:

أولا: إنّ وجوب الاجتهاد في الوقائع لم يَرِد فيه نص على مذهب أهل السنّة, وإنما ثبت عندهم بدليل العقل وفعل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والصحابة فلم يكن لوجوبه يوم معيّن ورَدَ فيه الأمر بوجوبه حتى تكون اللام في (اليوم) إشارة إليه.

وثانيا: أنّ إيجاب الإجتهاد على القول به مخصوص ببعض أفراد الأمّة لا جميعها لعدم إمكان ذلك في حقّ الجميع فيتبعض الإكمال بل ظاهر الإكمال أنْ يكون بالفعل لا بالقوة فهو لا يتم حتى في حق البعض القابل للاجتهاد, فالآية الشريفة بملاحظة ما ذكرنا وبقرينة العقل والاعتبار الصحيح تُفصِح وتقضي بعقد عهد الإمامة والخلافة لواحد من الأمّة, وذلك الواحد هو الأمير (علیه السلام) دون غيره, فلا يحتاج إلى ملاحظة شأن النزول الذي ربما تنكره أهل السنّة لو ادعيناه, ولا يُصْغى إلى أنّ الآية نزلت في خلال أحكام بعض الفروع من حليّة بعض المآكل والمشارب وحرمتها كحليّة بهيمة الأنعام غير محلّى الصيد وكحرمة الميتة والدم ولحم الخنزير, وبعد الآية قوله تعالى[ فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ](1), فكيف تُصرَف


1) قال تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ الله يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)] سورة المائدة: الآيات 1 - 3.

إلى الأصول؟ لأنّ ورودها في سياق تلك الأحكام لا يقضي باختصاصها بها, وإنْ ظهر ذلك منها لكن بعد قيام القرينة العقلية ينتفي ذلك الظهور مضافا إلى وقوع مثل ذلك في الكتاب المجيد فإنّ آية التطهير(1)نزلت في خصوص رجال أهل البيت أو في الأعمّ منهم والإناث مع وقوعها تلْوَ مخاطبات أزواج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), وأمثالها في الفرقان العظيم فوق حدّ الإحصاء مع أنّ ذلك فَن من فنون البلاغة وشعبة من شعابها.

الآية الثالثة: آية التبليغ: وهي قوله تعالى [يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ ِإلَيْكَ ِمنْ رَبِّكَ](2)وهذه الآية نزلت في حقّ عليّ (علیه السلام)، وعقد ولايته بإجماع الشيعة وجماعة من أهل السنّة, ودلالتها على المقصود غير محتاج إلى الاستعانة بشأن النزول والتفاسير بل صريحها إنّ الله تعالى أمرَ نبيه (صلی الله علیه و آله و سلم) بتبليغ حُكْم في تبليغه خوفٌ وخطرٌ مِنَ الناس عليه, ولم يكن في الفروع حُكْم في تبليغه خطر وخوف, فإنّ أشقّ التكاليف على نوع البشر -- وبخاصة العصاة منهم -- الجهاد وترك المال وبذل النفوس, وقد وردت الأوامر المؤكَدَة بذلك في الزكاة والكفارات والجهاد والحدود والحج وغيرها, وبعدها أيّ حكمٍ من الأحكام الفرعية يخشى النبي(صلی الله علیه و آله و سلم) ويخاف من تبليغه مع كمال شدته (صلی الله علیه و آله و سلم) وإقدامه على المكاره وهو مصداق قوله تعالى: [ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِم](3), وأي تكليف بقي ورسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يتوانى في


1) وهي قوله تعالى: [إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً]، سورة الأحزاب: آية 33.

2) سورة المائدة: آية 67.

3) سورة المائدة: آية 54.

تبليغه حتى تنزل هذه الآية التي ظاهرها العتاب على عدم المسارعة في التبليغ.

لا يقال إنّ عصمة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) تنافي عدم تبليغ كل حكم نزل به الأمين عليه ومن جملة الأحكام إمارة حضرة الأمير (علیه السلام) فلو كان مأموراً بها لبلّغ ذلك عند الأمر, فظاهر الآية غير مستقيم على المذهبين ولا بد من التصرف فيها على حدّ غيرها من المتشابه.

لأنّا نقول فرق واضح بين تبليغ سائر الأحكام وتبليغ الإمامة في المسارعة والتواني إذ الإمامة يقتضي التواني في تبليغها من جهة نُفْرَة قلوب المنافقين وعدم ميلهم وقبولهم لذلك, ومن أجل ذلك توانى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ولم يسارع في هذا الحكم برجاء أنّهم يقبلونه إذ لم يصدر الأمر بفورية التبليغ والله سبحانه يعلم بما تَكُنّ صدور أصحاب النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من النفاق, ويعلم بما وقع في نفس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) من انتظار الوقت المناسب لتبليغ هذا الحُكْم, فلذلك خاطبه بهذا الخطاب, واللبيب من الآية نفسها ينتقل إلى أنّ حضرة الرسالة يريد تبليغ هذا الحكم لكنّه يمنعه من الإعلان به خوف الفتنة وأذية المنافقين, وينتظر وقتاً يصلح له إلى أنْ حجّ حجّة الوداع فَتَضَيَّق الوقت بحيث لا يمكن التأخير, والمسلمون مع رؤسائهم كانوا في ذلك النادي (مُجْتَمِعينَ)(1)من كل فجٍّ عميق, لهذا ورد الأمر الفوري به أنْ بلّغ ذلك في موضعك هذا ولا تؤخر، ومن أجل إبداء عذر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) قال الله تعالى [وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ](2)حتى إنّ الناس تعلم العذر في تأخر الرسول عن التبليغ, ومن أنصف ووعى وجد هذه الآية من دون استعانة بشأنالنزول تقضي بصحّة مذهب الإمامية. لا يُقال إنّ الآية على حد واصدع بما تؤمر (.................. )(3).


1) ورد في الأصل "مجتمعون" والصواب ما أثبتناه.

2) سورة المائدة: آية 67.

3) لعله سقط جواب الإشكال من الأصل.

الآية الرابعة: مما تَفرَّد بها ذهني القاصر حيث لم أقف على من تعرض لها في الإمامة أو استند إليها, وأرى أنّها بنفسها تدلّ على المطلوب, وأرجو ممن اطلع عليها أن (يُنعم)(1)النظر في تقريب دلالتها على النحو الذي وقع في ذهني فإن وجده صحيحاً فذاك وإلا فليردّه على المستدل, ولا يتهم العلماء الأعلام في أنظارهم وهي قوله عزّ وجل في سورة تبارك على لسان رسوله [وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذا القُرْآنَ مَهْجُورا](2)وقبلها قوله تعالى [وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالِمُ عَلى يَدَيْه يَقُولُ يَا لَيْتَني اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبيلاً، يَا وَيْلَتى لَيْتَني لَمْ اَتَّخِذْ فُلاناً خَليلاً].

وفي بعض الأخبار فسّر الظالم بالأول وفلاناً كناية عن الثاني(3), وظاهر الآية أن لام التعريف في الظالم ليست للجنس بل ظاهرة في العهد وفيها إشارة إلى ظالم معيّن, كما أنّ فلاناً كناية عن شخص معيّن, والعدول فيها عن التصريح إلى الكناية له جهات وفوائد ليس للتعرض لها فائدة, وحيث إنّ علماء أهل السنّة والجماعة ينكرون ما ترويه الإمامية ويحملون على ظواهر القرآن الأولية حتى صار ذلك شعارهم في أصول الدين لهذا لا يمكن إلزامهم بتفسير الإمامية في عهدية اللام, لكن الآية الأخيرة بملاحظة قرائن الصِّناعة تدل على المدعى بأوضح دلالة خصوصاً بملاحظة الأخبار المتواترة من طرق العامة المتضمنة جميعاً أنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أخبر بأنّه يَرِد بعض أصحابي على الحوض والملائكةتذودهم عني وعن الورود فأقول هؤلاء أصحابي دعوهم يلحقون بي فتقول الملائكة لي أنهم ارتدوا بعدك, وبدلّوا السنّة والدين(4).

وتقريب الاستدلال في الآية أنّ (القوم) المضاف إلى ياء المتكلم الذين شكا


1) ورد في الأصل "يمعن" والصواب ما أثبتناه.

2) سورة الفرقان: آية 30.

3) ينظر: بحار الأنوار: ج24، ص19.

4) الحديث تقدم تخريجه.

النبي إلى الله منهم لا يمكن أن يقال إنّهم اليهود والنصارى وأمثالهم من الزنادقة وزمر الكفرة لأنّهم ليسوا من قوم نبينا (صلی الله علیه و آله و سلم)، وإنّ كلاً منهم ينتسب إلى نبيّه أو إلآهه فلا يصلح عند أهل اللسان إضافتهم إلى نفسه, ثم إنّ نسبة أخذ القرآن وهجره إليهم ينافي أن يكون الآخذ والهاجر هو الكافر, لأنهم (لم)(1)يدخلوا في الإسلام ولا ذاقوا طعم الإيمان, وليس لهم في الكتاب المجيد من إرب(2)

مجمع البحرين: ج2، ص6.

, فكيف يصح نسبة أخذ القرآن مهجورا إليهم؟ ومثلهم العصاة فإنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بُعِث رحمة للعالمين, ولم يزل ينوء بحمل غمِّ الأمّة وهمّها ويطلب لهم الغفران, ويشفع لهم وقد أعطاه الله تعالى منصب الشفاعة الكبرى, ومن البعيد أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) مع تلك الرحمة الواسعة في يوم الشفاعة أول شكاية يشكوها في العرصة الكبرى من عصاة الأمّة، كلاّ بل أول ما يشفع لهم, فلا جرم أن القوم الذين شكا منهم هم فرقة من المسلمين لا عقيدة لهم في دين الإسلام, وإنْ نطقوا بالشهادتين فذاك جرى في لسانهم من دون عقد القلب عليه, فهم يشاركون الكفار ويزيدون عليهم بأن نسبوا الظلم إلى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم), والشكاية من محض كفر الكافر من دون نسبة الظلم إلى الرسول لا يناسب المقام, وكذلك الشكاية ممن أسلم ظاهراً وقلبه مطمئن بالكفر مع عدم الإيذاء للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لا وجه له لأن عقاب الطرفين على الله سبحانه, فتختصّ الشكاية بمن صدرت منه الأذيةوالهَتْك لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم), وحينئذ فأمّا أن يُراد ب-(القوم) في الآية من بايع الخليفة الأول وأعرض عن الأمير (علیه السلام), أو من بايع الأمير (علیه السلام) وتابع الأئمة بعده وأعرض عن الخلفاء, والثاني باطل لوجوه.

أولها: إنّ أهل السنّة أعلنوا جازمين بأنّ مذهب الإمامية في زمن الخلفاء لا


1) في الأصل (لا) لكن الأولى بالسياق ما أثبتناه.

2) الإرب: مصدر من باب تعب، يقال أرب الرجل الى شيء اذا احتاج اليه، فهو آرب على فاعل.

عين له ولا أثر, وحينئذ لا يكون محل شكاية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) واحتمال أن المراد ب-(القوم) الفرقة المستحدثة في الأعصار المتأخرة بعيد عن الصواب في غاية السخافة نظراً إلى أن الفِرَق المستحدثة حدثت بعد انقراض أعصار الأولين, فلا يقال لهم أنهم قوم النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لأن القوم ليس كلفظ الأمة كي يصدق على من أدرك الحضور ومن لم يدرك ذلك, بل هو مختص بالقوم المدركين لزمن الحضور, ولو فُرض صدقه بنحوٍ ما فبملاحظة إضافته لياء المتكلم يكون صريحاً في الاختصاص.

ثانيها: إنَّ الشيعة يرون أن العمل بالكتاب متوقف على بيان العترة النبوية, وعلى الجمع بين أخبارهم والكتاب العزيز كيما يعملون بوصية النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) حيث قال (إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض)(1), والذي يعمل بهذا لا يُزعَم في حقّه إنه اتَّخَذَ القرآن مهجورا, بل هم العاملون بحقيقة الكتاب, فكيف يشكو النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من قوم عملوا بوصيته في متابعة الكتاب بانضمام العترة؟ سبحانك إن هذا بهتان عظيم.

ثالثها: إنّ المفرد المضاف خصوصاً في أمثال المقام يدل على العموم, فلا جَرَم أن يكون المراد بالقوم في الآية, أمّا تمام الصحابة أو رؤساءهم حفظاً للمناسبة إلى العموم بإرادة أظهر الأفراد وإرادة شرذمة نادرة قليلة من العام مخالف للقواعد العربية فيتعيّن بهذه الملاحظة أن المراد من القوم غير من بايع الأمير (علیه السلام) وتابعه,ممن بايع الأول وتابعه وتابع الخلفاء بعده, إذ الأمير ومن تابعه لم يتركوا العمل بالقرآن أصلاً وبالمرّة, ولا اقتصروا على العمل بظاهره من دون انضمام العترة النبوية إليه, بل أخذوا الكتاب حسبما أمر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الجمع في الحديث المستفيض المُجمَع عليه المتقدم ذكره وحينئذ فمن عمل


1) وسائل الشيعة: ج27، ص33، باب تحريم الحكم بغير الكتاب والسنة.

بأحدهما من دون انضمام الآخر إليه يَصدُق عليه إنّه هجر القرآن ولم يعمل به, ولا ريب أنّ الآخذ بظواهر الكتاب التّارك لانضمام العترة والاستعانة بهم في فهم معناه هاجر للقرآن الكريم, فتمحض الشكاية على من عرفت ممن لا يصغي إلى العترة ولا يأخذ معنى القرآن منهم, لأنهم هجروا القرآن بهجرهم للعترة, وهو واضح.

ويمكن أن يكون المراد بالقرآن هنا القرآن الذي جمعه الأمير (علیه السلام), ولم يقبله الثاني, وقال إن فيه ثلب جملة من رؤساء المهاجرين والأنصار ونحن ليس لنا حاجة بهذا القرآن, وفي بعض الأخبار أن فيه ذم سبعين واحداً باسمه من المنافقين ثم دعا زيد بن ثابت وقال له: آتني بقرآن لا يشتمل على ذم أحد فاستمهله زيد وأتى بقرآن له, وقال لعمر: إني امتثلت أمرك لكنّ إنْ أخرج علي (علیه السلام) قرآنه يظهر للناس فسْق جميع الصحابة فقال عمر: ما الحيلة؟ قال زيد: أنت أعرف بها فقال عمر: لا حيلة لنا إلا أن نقتله ونأمَن شره, فطلب خالد بن الوليد وأمره بذلك فلم يتيسر له هذا الأمر(1)(2).

ويُحتمَل أن يراد بالقرآن أمير المؤمنين (علیه السلام) إذ هو الكتاب الناطق كما قاله (علیه السلام) في صفّين(3)

ينظر: العمدة لابن البطريق: ص330.

.

1) ينظر: كتاب سليم بن قيس الكوفي: ص147.

2) يظهر إنْ صح هذا الوجه أنْ يكون المذكور في المصحف الذي جمعه أمير المؤمنين (علیه السلام) هِن ذمِّ سبعين واحداً بأسمائهم من المنافقين إنما هو على جهة التفسير وليس من أصل القرآن كما يقتضيه المحرَّرُ من مذهب الإمامية.

3) الأشعث بن قيس لما شاهد ما فعله أهل الشام من حيلة عمرو بن العاص قال لأمير المؤمنين (علیه السلام): إن لم تحكم قتلناك بهذه السيوف التي قتلنا بها عثمان، فقال حينئذٍ: لا رأي لمن لا يطاع, وقال لأصحابه: هذه كلمة حق يراد بها باطل, وهذا كتاب الله الصامت وأنا المعبِّر عنه, فخذوا بكتاب الله الناطق وذروا الحكم بكتاب الله الصامت إذ لا معبِّر عنه غيره.

وعلى جميع الاحتمالات والتقادير يثبت مذهب الإمامية, وتقريب الاستدلال على وجه الاختصار أنّ المراد بالقوم إما أهل السنّة أو الشيعة, والأخير لا يمكن أن يُدّعى لأنّ الإمامية عملوا بحقيقة القرآن وكنهه بالرجوع إلى العترة النبوية, وأخذ معناه منهم فلا يكون محلاً للشكاية, وأمّا أهل السنّة فهم وإن عملوا بظواهر الكتاب لكنهم تركوا تفسير العترة له وراء ظهورهم, فهم الذين اتخذوا هذا القرآن مهجورا.

هذه جملة من الآيات التي تقضي بالإمامة بلا ملاحظة شأن النزول, وأمّا ما دلَّ منها بتلك الملاحظة فهو كثير, وفي روايات الإمامية إنّ ثلث القرآن نزل في شأن أهل البيت ومدحهم, والثلث الثاني في ذم أعدائهم, والثالث في الأحكام والقصص, ولمّا كانت أخبار الشيعة لا أثر لها عند أهل السنّة لذلك لم نتعرض لها ولكن العلامة المجلسي (رحمه الله) وأعلى مقامه في تذكرة الأئمة ذكر جملة من الآيات(1), وذكر أنّها وردت في حق الأمير (علیه السلام) باتفاق أهل السنّة وهي ثلاث مائة آية رقمها على نسق الفهرست فكان المناسب لنا أن نودع جملة منها في هذه الرسالة بطريق الإجمال ليسهل الأمر على من يريد الرجوع إلى تفاسيرها:

1.[إِنمَّا وَليِّكُمُ الله](2)، 2.[يا أَيُها الرَّسُول بَلِّغ](3)، 3.[قُلْ تَعالَوا نَدْعُ](4)،4.[إِنَّما أَنْتَ مُنْذِر](5)، 5.[وَلِكُلِّ قَوْمٍ هاَدٍ](6)، 6.[وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلونَ](7)، 7.[قُلْ لا


1) ينظر: كتاب تذكرة الأئمة للعلامة المجلسي: ص85.

2) سورة المائدة: آية 55.

3) سورة المائدة: آية 33.

4) سورة آل عمران: آية 61.

5) سورة الرعد: آية 7.

6) سورة الرعد: آية 7.

7) سورة الصافات: آية 24.

أَسْأَلُكُمْ عليه أَجْراً إلاّ اْلمَوَدَّةَ في القُرْبى](1)، 8.[إِتَّقوا الله وكُونُوا مَعَ الصادِقينَ](2)، 9. [وَاعْتَصِموا بِحَبِلِ الله جَمِيعاً](3)، 10.[وَكَفَى الله المُؤمِنِينَ القِتَالَ](4)، 11.[فَاليَومَ الَّذينَ امَنوا مِن الكُفَّارِ يَضْحَكونَ](5)، 12.[أَمْ حَسِبَ الَّذينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئات](6)، 13.[السّابِقُونَ السّابِقونَ](7)، 14.[إِنَّ الَّذينَ أمَنُوا وَعَمِلوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُم الرَّحمنُ وِدّا](8)، 15.[وَمِنَ المُؤمِنِينَ رِجالٌ](9)، 16.[اهْدِنا الصِراطَ المُسْتَقيمَ](10)، 17.[وَارْكَعوا مَعَ الرّاكِعِينَ](11)، 18.[اَلَّذينَ يُنْفِقونَ أموالَهُم بِالَّيلِ وَالنَّهارِ](12)، 19.[وَاسْأَلْ مَنْ أَرسَلْنا](13)، 20.[يا أَيُها النَّبيُّ حَسْبُكَ الله](14)،21.[وَكَفى بِالله شَهِيداً](15)، 22.[هذانِ خَصْمَانِ](16)،23.[إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ


1) سورة الشورى: آية 23.

2) سورة التوبة: آية 119.

3) سورة آل عمران: آية 103.

4) سورة الأحزاب: آية 25.

5) سورة المطففين: آية 34.

6) سورة الجاثية: آية 21.

7) سورة الواقعة: آية 10.

8) سورة مريم: آية 96.

9) سورة الأحزاب: آية 23.

10) سورة الفاتحة: آية 6.

11) سورة البقرة: آية 43.

12) سورة البقرة: آية 274.

13) سورة الزخرف: آية 45.

14) سورة الأنفال: آية 64.

15) سورة النساء: آية 79.

16) سورة الحج: آية 79.

بِالآخرةِ](1)، 24.[أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَن كانَ فاسِقاً لا يَستَوُنَ](2)، 25.[والَّذينَ أمَنوا بِالله وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ](3)، 26.[فَإنَّ الله هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْريلَ وَصَالِحُ المُؤمِنِيْنَ](4)، 27.[يَوْمَ لا يُخْزِي الله النَّبيَّ](5)، 28.[أُولئِكَ هُم خَيْرُ البَريَة](6)، 29.[وَتَواصَوا بالحَقِّ](7)، 30.[فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ](8)، 31.[أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا](9)، 32.[مِن بَعْدَ ما تَبيَنَ لَهُمُ الهُدَى](10)، 33.[وَيُؤتِ كُلَّ ذِي فَضَلٍ فَضْلَهُ](11)، 34.[أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ](12)، 35.[فَانْقَلَبوا بِنِعْمَةٍ](13)، 36.[في بُيُوتٍأذِنَ الله](14)، 37.[لا تُحَرِّموا طَيِّباتِ ما أَحّلَّ الله](15)، 38.[واجْعَلْ لي لِسَانَ


1) سورة النمل: آية 4.

2) سورة السجدة: آية 18.

3) سورة الحديد: آية 19.

4) سورة التحريم: آية 4.

5) سورة التحريم: آية 8.

6) سورة البينة: آية 7.

7) سورة العصر: آية 3.

8) سورة الفتح: آية 29.

9) سورة العنكبوت: آية 2.

10) سورة النساء: آية 115.

11) سورة هود: آية 3.

12) سورة الرعد: آية 19.

13) سورة آل عمران: آية 174.

14) سورة النور: آية 36.

15) سورة المائدة: آية 87.

صِدْقٍ في الآخرينَ](1)، 39.[وَالعَصْرِ](2)، 40.[إنَّ الَّذينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الحُسْنى](3)، 41.[في لَحْنِ القَول](4)، 42.[مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ](5)، 43.[فَأَذَّنَ مُؤذِنُ](6)، 44.[في مَقْعَدِ صِدْقٍ](7)، 45.[وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَريَم](8)، 46.[وَمِمَّن خَلَقْنا](9)، 47.[وَتَعِيَها أُذُنٌ](10)، 48.[وَالَّذينَ يُؤذونَ المؤمِنينَ](11)، 49.[ويَقولونَ امَنَّا بِالله](12)، 50.[وَهوَ الَّذي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً](13)، 51.[وَأُولو الأرْحامِ بَعْضُهُم](14)، 52.[اليومَ أَكْمَلتُلَكُم](15)، 53.[وَأذَانٌ مِنَ الله](16)، 54.[طوبى لَهُم وَحُسْنُ](17)، 55.[فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ](18)،


1) سورة الشعراء: آية 84.

2) سورة العصر: آية 1.

3) سورة الأنبياء: آية 101.

4) سورة محمد: آية 30.

5) سورة الأنعام: آية 160. وكذا سورة النمل: آية 89. وسورة القصص: آية 84.

6) سورة الأعراف: آية 44.

7) سورة القمر: آية 55.

8) سورة الزخرف: آية 57.

9) سورة الأعراف: آية 181.

10) سورة الحاقة: آية 12.

11) سورة الأحزاب: آية 58.

12) سورة النور: آية 47.

13) سورة الفرقان: آية 54.

14) سورة الأنفال: آية 75.

15) سورة المائدة: آية 3.

16) سورة التوبة: آية 3.

17) سورة الرعد: آية 29.

18) سورة الزخرف: آية 41.

56.[بَينَهُما بَرْزَخٌ](1)، 57.[وَنادى أَصْحابُ الأعْرافِ](2)، 58.[وَنَزَعْنا ما في صِدورِهم](3)، 59.[أَجَعَلْتُم سِقايَةَ الحاجِ](4)، 60.[إِنَّما يُريدُ الله لِيُذْهِبَ](5)، 61.[هَلْ أَتى](6)، 62.[وَأقامَ الصَّلاة َوَأتى الزَّكَاةَ](7)، 63.[وَالموفُونَ بِعَهدِهِمْ](8)، 64.[وَمَنْ يُطِع الله وَرَسولَهُ](9)، 65.[لَيْسَ البِرَّ](10)، 66.[جَزَائُهُم عِنْدَ رَبِّهِم](11)، 67.[إذا ناجَيْتُم الرَسولَ](12)، 68.[ءَأشفَقْتُم أَنْ تُقَدمُوا](13)، 69.[هُوَ الَّذي أَيْدَكَبِنَصرِه](14)، 70.[قُلْ لا أَسْئَلُكُم عليه أَجْراً](15)، 71.[وَاذْكُروا نِعْمَةَ الله](16)،


1) سورة الرحمن: آية 20.

2) سورة الأعراف: آية 48.

3) سورة الأعراف: آية 43. وكذا سورة الحجر: آية 47.

4) سورة التوبة: آية 19.

5) سورة الأحزاب: آية 33.

6) سورة الإنسان: آية 1.

7) سورة التوبة: آية 18.

8) سورة البقرة: آية 177.

9) سورة النساء: آية 13. وكذا سورة النور: آية 52. وكذا سورة الأحزاب: آية 71. وكذا سورة الفتح: آية 17.

10) سورة البقرة: آية 177.

11) سورة البينة: آية 8.

12) سورة المجادلة: آية 12.

13) سورة المجادلة: آية 13. والظاهر أن الإستدلال بكلا الآيتين.

14) سورة الأنفال: آية 62.

15) سورة الأنعام: آية 90. وكذا سورة الشورى: آية 23.

16) سورة المائدة: آية 7.

72.[قُلْ مَا يَكُونُ لي أن أُبَدِّلَهُ](1)، 73.[سَأَلَ سائِلٌ](2)، 74.[اليَومَ يَئِسَ الَّذينَ كَفَروا](3)، 75. [وَلَقَد صَدَّقَ عليهم إبليسُ](4)، 76.[سَيَعْلَمُ الَّذينَ ظَلَموا أيَّ مُنْقَلَبٍ](5)، 77.[أَم يَحْسِدونَ النَّاسَ](6)، 78.[وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ](7)، 79.[فَأَوْحى إلى عَبْدِهِ](8)، 80.[وَالنَّجْمِ إذا هَوَى](9)، 81.[عَمَّ يَتَساءلَونَ](10)، 82.[وَالعَادياتِ ضَبْحا](11).

يقول المؤلف ومَن تدبر الفرقان، وجمع بينه وبين الأخبار الواردة عن العترة، عرف أن أكثره ورد في حقّ آل بيت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لكن بكنايات وتورياتودقائق غير خارجة عن المعاني والبيان العربي.

الأدلة السمعية:

(السنّة النبوية)

اشارة

وأما السنّة النبوية فحيث إن وضع الرسالة كان على إتقان الأدلة العقلية


1) سورة يونس: آية 15.

2) سورة المعارج: آية 1.

3) سورة المائدة: آية 3.

4) سورة سبأ: آية 20.

5) سورة الشعراء: آية 227.

6) سورة النساء: آية 54.

7) سورة طه: آية 115.

8) سورة النجم: آية 10.

9) سورة النجم: آية 1.

10) سورة النبأ: آية 1.

11) سورة العاديات: آية 1.

القاضية بالإمامة، وعلى إبداء بعض الدقائق والنكات التي تضمنتها الآيات والأخبار المسلّمة عند الطرفين، لهذا اقتصرنا على إيراد بعض الأخبار التي تضمنتها كتب أهل السنّة من الصحاح السِّتّة وغيرها التي هي صريحة في إثبات الإمامة حسب ما تعتقده الشيعة، وصريحة أيضاً بفساد ما تزعمه أهل السنّة في أمر الخلافة، وربما تعرّضنا لردّ بعض المناقشات التي أوردها بعض علماء أهل السنّة على الأحاديث المذكورة مثل الرازي(1)والتفتازاني(2)والعضدي(3)وغيرهم، فاستمع لما يوحى إليك:

(الحديث الأول): الغدير.

الخبر المستفيض وهو خبر الغدير(4)، وهذا الحديث عند الإمامية متواتر بل ضروري، ولذلك أنّ يوم الغدير من أعظم أعياد السنّة عندهم، فإنّهم يعظمونهأكثر من يوم المبعث لأن الدين به كمُل، والغدير اسم موضع بين الحرمين مكة والمدينة المنورة، والنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في حجة الوداع لما وصل إليه مجّداً في السير إلى المدينة لينصّب علياً (علیه السلام) فيها لأنّ الأمر بالنصب كان بمكة، فاستمهل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) الأمين جبرائيل في التبليغ حتى يصل إلى المدينة، ولما وصل إلى غدير خمّ وهو


1) الفخر الرازي: محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله، فخر الدين الرازي، أوحد زمانه في المعقول والمنقول وعلوم الأوائل، ولد في الري سنة 544ه-، وتوفي 606ه-، الأعلام للزركلي.

2) التفتازاني: مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني، سعد الدين، من أئمة العربية والبيان والمنطق، ولد بتفتازان سنة 712ه- وأقام بسرخس وكانت وفاته في سمرقند سنة 793ه-. الأعلام: ج7، ص219.

3) العضدي: عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، أبو الفضل، عضد الدين الآيجي، عالم بالأصول والمعاني والعربية، ومن تصانيفه "المواقف" في علم الكلام، وشرح مختصر ابن الحاجب في أصول الفقه. توفي سنة 756ه-. الأعلام: ج3، ص295.

4) وللعلامة الشيخ الأميني موسوعة علمية نفيسة حول واقعة الغدير وقد سماها "الغدير" تقع في أربعة عشر مجلداً.

موضع تفرق الأعراب إلى أهاليها هبط عليه الأمين وأمره أنْ ينصّب علياً في مكانه هذا ولم يجوِّز له في التأخير، وكان مع النبي ما يزيد على ستين ألف واحد من الناس ومعه رؤساء المهاجرين والأنصار، وحينئذ أمر (صلی الله علیه و آله و سلم) بأن يُصنَع له منبرٌ من الأقتاب(1)فصُنِع له ذلك، وأمر بجمع الناس فجُمِعوا في صعيد واحد، وصعد النبي على تلك الأعواد المصنوعة من الحدوج(2)والأكوار(3)، ثم وعظ الناس وخطب خطبة بليغة لم يسمع مثلها حتى قال: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم)؟ قالوا بلى يا رسول الله، ثم أخذ بيد عليّ حتى بان بياض أبطيهما ورآه كل من حضر وقال: (من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللهم وال مَن والاه، وعاد من عاداه وأدرِ الحقّ معه حيث دار).

وروى هذا الحديث جماعة من (مُعْتَبَرِيْ)(4)أهل السنّة، مثل محمد بن جرير الطبري رواه بسبعين (طريقاً)(5)

ينظر: مفصلاً كتاب خلاصة عبقات الأنوار: ج6، ص89.

، وابن عقدة بمئة وخمسة طرق، وبعض منهمرواه بمئة وخمسين طريقا، وبعض بمائة وخمسة وعشرين طريقا، وعن مسند بن

1) قوله (الأقتاب): القِتْبُ والقَتْبُ: إلحاف البعير. لسان العرب مادة (ق ت ب).

2) قوله (الحدوج): مركب غير رحل ولا هودج لنساء العرب, حدجت الناقة أحدجها حدجاً, والجميع أحداج وحدائج وحدوج، لسان العرب مادة "ح د ج".

3) الأكوار: جمع كُور: بالضم وهو رحل الناقة بأداته، وهو كالسرج وآلته للفرس. لسان العرب: ج5، ص155.

4) ورد في الأصل "معتبرين" والصواب ما أثبتناه.

5) لم يصل إلينا كتابه ولكن ذكر جملة من الأعلام أن له كتاباً سمّاه "الولاية" فقال صاحب العمدة (وقد ذكر محمد بن جرير الطبري صاحب التاريخ خبر يوم الغدير وطرقه في خمسة وسبعين طريقاً, وأفرد له كتاباً سمّاه "الولاية") هذا وقد أثبت كتاب الطبري هذا جماعة من كبار حفّاظ أهل السنة وعلمائهم منهم الذهبي وابن كثير وياقوت الحموي وابن حجر العسقلاني.

حنبل(1)، وتفسير الثعلبي(2)، وابن المغازلي(3)، وابن مردويه(4)وعِقْد ابْنِ عبد ربه مروياً بطرق متعددة(5), ورواه مسلم وداود السجستاني، والترمذي(6)في صحيحهما بطرق متكثّرة، وروى في الجمع بين الصحيحين, وفي الجمع بين الصحاح السّتّة باثني عشر طريقا.

وقال ابن المغازلي بعد روايته: هذا حديث صحيح(7).

وجملة الأمر إنّ هذا الحديث مرويّ بطرق متشعبة في كتب أهل السنّة بحيث إنّه لا يمكن إنكاره لأحدهم ولا يتيسر، ونُقل عن الشافعي الشامي(8)، وأبي المعالي الجويني(9)،

وابن الجزري الشافعي(10)وغيرهم، إنّهم وجدوا كتباً


1) مسند أحمد بن حنبل: ج4، ص370.

2) رواه في تفسيره "الكشف والبيان في تفسير القرآن": ج2، ص478.

3) المناقب لابن المغازلي: ص19.

4) يُنسب إليه كتاب "مفتاح النجا" وهو مخطوط.

5) راجع كتاب: العقد الفريد: ج4، ص311.

6) سنن الترمذي: ج5، ص297.

7) المناقب لابن المغازلي: ص27.

8) الشافعي الشامي: أبو القاسم ثقة الدين علي بن الحسن الدمشقي الشافعي الشهير بابن عساكر, وقد أخرج حديث الغدير في كتابه تاريخ مدينة دمشق بأزيد من 130 طريقاً, أفردها برسالة أمير التقدمي المعصومي بعنوان "طرق حديث الغدير برواية ابن عساكر".

9) الجويني: أبو المعالي عبد الملك بن محمد, إمام الحرمين, نقل الحافظ ابْنُ كثير عن الجويني: أنه كان يتعجّب ويقول: شاهدت مجلداً ببغداد في يد صحّاف فيه روايات هذا الخبر مكتوباً عليه المجَلَّدة الثامنة والعشرون من طرق "من كنت مولاه" ويتلوه المجلّد التاسع والعشرون. عن عبقات الأنوار: ج6، ص105.

10) ابن الجزري: شمس الدين محمد بن محمد المعروف بابن الجزري الدمشقي الشافعي المتوفى سنة 833ه- , أفرد رسالة في إثبات تواتر حديث الغدير وأسماها "أسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب" وقد عدّها في تآليفه السخاوي في ترجمته في الضوء اللامع. من تعليقة علي الحسيني الميلاني على عبقات الأنوار: ج6، ص108.

وتصانيف عديدة دوّنت في ضبط هذا الحديث، وقال الإمام الغزالي في سر العالمين(1)ما نصّه: (قال رسول الله 0 لعليّ يوم غدير خمّ مَن كنت مولاه فعليّ مولاه، فقال عمر بن الخطاب: بَخٍ بَخٍ لكّ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة، ثم قال وهذا رضا وتسليم وولاية وتحكيم، ثم بعد ذلك غلب الهوى وحب الرئاسة وعقود البنود، وخفقان الرايات، وازدحام الخيول وفتح الأمصار، والأمر والنهي، فحملهم على الخلاف فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا، وبئس ما يشترون حتى قال: إنّ أبا بكر قال على منبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أقيلوني فلست بخيركم وعليّ فيكم، أفقال ذلك هزواً أم جداً أم امتحاناً؟ فإن كان هزواً فالخلفاء لا يليق بهم الهزل إلى أن قال: والعجب من منازعة معاوية بن أبي سفيان علياً في الخلافة، أنّى ومِن أين أليس رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قطع طمع من طمع فيها بقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): إذا وليَّ الخليفتان فاقتلوا الأخير منهما، والعجب من حقّ واحد كيف ينقسم بين اثنين؟ والخلافة ليست بجسم ولا عرض فتتجزى… انتهى كلامه. وهو صريح بأن صحّة الحديث المذكور من المسلّمات، ولذا أرسله إرسال المسلمات، هذا كلّه مع قطع النظر عن كلام أهل السنّة في تفسير آية التبليغ السابقة، فإنّ الثعلبي في تفسيره وتفسيرها، روى عن ابن عباس إن الآية المذكورة نزلت في حقّ عليّ (علیه السلام)، وأخذ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بيد علي وقال: من كنت مولاه… إلى آخره.

ونُقِل عن الفخر الرازي هذه الرواية أيضاً عن ابن عباس، وزاد بأن عمراستقبل علياً حينئذ وقال هنيئاً لك يا عليّ أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة(2)، ولا يقدح اختلاف اللفظ بين ما رواه الغزالي وما رواه الرّازي عن ابن عبّاس، فإنّ الخبر بالنسبة إلى تهنئة الأمير (علیه السلام) متواتر معنوي، وبالنسبة إلى


1) سر العالمين للغزالي: ص9، المقالة الرابعة.

2) ينظر: التفسير الكبير، للفخر الرازي: ج12، ص42.

لفظ مولاي متواتر لفظي، ومما اشتهر في ذلك اليوم تهنئة حسّان بن ثابت(1)

شاعر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعد أن استأذنه لعلمه (علیه السلام) من قصيدة منها:

وقال له قم يا علي فإنني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا

ويكفي في اشتهاره أنَّ ابن عقدة من أعاظم العلماء ومن ثقات أهل السنّة(2)

ألّف كتاباً سمّاه بكتاب الولاية جمع فيه أخبار غدير خمّ(3)،

ورواه عن أكابر الصحابة ومنهم العشرة المبشرة وغيرهم من الأعاظم.

وذكر غير واحد من مفسري الخاصة وأهل السنّة في تفسير [سَأَلَ سائِلٌ بِعذابٍ وَاقِع](4)إنّها نزلت في حقّ الحارث بن النعمان، إذ إنّه لم يكن حاضراً يوم الغدير ولما شاع خبر تنصيب علي في ذلك اليوم، وبلغ الحارث ذلك، ركب ناقته وجاء إلى المدينة، ودخل المسجد فوجد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) جالساً والمسجد مشحون من المهاجرين والأنصار فقال: يا محمد أمرتنا بالتوحيد وبنبوتك فقبلنا وسلّمنا فلمتقنع بذلك منا حتى عمدت إلى ابن عمك ففضلته علينا، ولم نعلم أنّ ذلك من عند نفسك أم من عند الله تعالى؟ فأجابه الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) بأنّ ذلك بأمر من الله تعالى فرجع الحارث مغضباً وقال يا ربّي إن كان محمد صادقاً فأنْزِل علَيّ حجراً من السماء، فلم يبلغ راحلته حتى وقعت عليه حجارة من السماء فأهلكته


1) حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد، الصحابي شاعر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، كانت وفاته سنة 54ه-. الأعلام: ج2، ص175.

2) لم يكن ابن عُقْدة من أهل السُّنّة بل كان من الشيعة الزيدية.

3) نصَ على تصنيف أبي العباس ابن عقدة مُصَنفاً في جمع طرق حديث الغدير عِدة من أكابر أهل السنة منهم ابن تيمية وابن حجر العسقلاني في كتابيه فتح الباري والإصابة في أسماء الصحابة, وأيضاً ذكره الشريف السمهودي والشيخاني القادري والبدخشاني, خلاصة عبقات الأنوار: ج6، ص66.

4) سورة المعارج: آية 3.

فنزلت هذه الآية في حقّه(1).

وروى أن أبا قحافة(2)كان في الشام في موت النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وكان قد شَهِد الغدير فجاء من الشام ووجد ابنه أبا بكر على المنبر فصاح ما هذا، وأين سلامكم على عليّ (علیه السلام) بالإمرة يوم الغدير؟ فقال عمر يا أبا قحافة غبْت وشهدنا، ويرى الحاضر ما لا يراه الغائب، إلى غير ذلك، ولكن ومع هذا كلّه فقد ناقش في الخبر المزبور جماعة من أفاضل علماء العامة، وهي وإن كانت أوهى من بيت العنكبوت لدى من له أدنى خبرة بالمعقول والمنقول، لكنّا تصدينا لها لنوضح دفعها كيما يعرفه القروي والبدوي، فنقول أجيب عن هذا الحديثبأجوبة:

(أولها): منع تواتر الحديث، ومنع كونه مجمعاً عليه بين المحدّثين نظراً إلى عدم وجوده في بعض كتب الأحاديث والتفاسير وفي إثبات المذهب، فلا يكون حجّة بعد كونه خلافيا، وهذا الرد لشرذمة منهم التفتازاني في شرح المفصل


1) قال السيد حامد حسين الكهنوي: وقد روى حديث نزول الآية المباركة في هذا الشأن جماعة كبيرة من أكابر أعلام أهل السنة وهم (1) أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري (2) شمس الدين سبط ابن الجوزي (3) إبراهيم بن عبد الله اليمني الوصابي (4) محمد بن يوسف الزرندي المدني (5) شهاب الدين بن شمس الدين الدولت آبادي (6) نور الدين علي بن عبد الله السمهودي (7) نور الدين علي بن محمد الصباغ (8) عطاء الله بن فضل الله المحدث الشيرازي (9) شمس الدين عبد الرؤوف المناوي (10) شيخ بن عبد الله العيدروس (11) محمود بن محمد الشيخاني القادري المدني (12) نور الدين علي بن إبراهيم الحلبي (13) أحمد بن الفضل باكثير المكي (14) محمد بن محبوب عالم (15) محمد صدر عالم (16) محمد بن إسماعيل بن صلاح الأمير (17) أحمد بن عبد القادر العجيبي (18) السيد مؤمن بن حسن الشبلنجي. ينظر: خلاصة عبقات الأنوار: ج8، ص341.

2) أبو قحافة: واسمه القديم عبد الكعبة فسماه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم)، واختلفوا في (عتيق) فقيل كان اسمه في الجاهلية وقيل بل سماه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم). أسلم ابو قحافة يوم فتح مكة، جاء به ابنه ابو بكر الى النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو شيخ كبير. ينظر: شرح ابن ابي الحديد: ج1، ص155.

ونُقِل عن الرازي أنّه قال: ظفرت بأربعمائة طريق إلى حديث الغدير، ومع ذلك لم تؤثّر صحته في قلبي.

والجواب عن هذه المناقشة ظاهر فإنّ عدم رواية الحديث لا يدلّ على عدم صحّته (بواحِدَةٍ)(1)من الدلالات، لأن عدم روايته لا تكون شهادة على عدم وروده حتى يتعارض النقلان، ويكون حديث الغدير خلافياً بل هي ساكتة عن غير المروية فيها، كيف وليس شرط صحة الحديث أن يروى في جميع الكتب؟ وكثير من مقطوع الصدور لم يُروَ في بعض كتب الأحاديث(2).

وبالجملة إنّ عدم نقل بعض الرواة للخبر لا يقدح في صحّته، إنّما العبر ة بالأسانيد والطرق، وشاهد حال الرواة والمحدثين، فإذا كان عدد الرواية بمثابة يكون احتمال الكذب والجعل فيها بعيداً يلزم القول بصحتها خصوصاً إذا كانت الرواية مخالفة لما يزعمه الراوي من المذهب، ولو سلمنا اختلاف الرواة في الحديث المذكور فهو من باب تعارض النافي والمثبت والثاني مقدم بالاتفاق بلمن المتحقق عقلاً في مقام اختلاف الشهادات أنّ شهادة المثبت مُقَدَمَة على النافي.

وإنْ قالوا: إنّ تقديم شهادة المثبِت على النافي في صورة رجوع شهادة النافي إلى لا أدري لا إلى أدري لا، فإنه يرجع إلى أمر وجوديّ وعدمه، ذكر جملة من


1) ورد في الأصل "بأحد" والصواب ما أثبتناه.

2) حديث الغدير صحيح بشرط مسلم والبخاري ولم يخرجاه بشهادة الحاكم إذ أخرجه في المستدرك: ج3، ص109، وقال (صحيح على شرط الشيخين). فالحق أنه لا محل لمنع تواتره لاستفاضة طرقه بينهم فضلاً عنّا, استفاضة توجب أعلى مراتب التواتر عند من أنصف وترك جادة العناد والتعسف. ولقد اعترف كثير من محدثي أهل السنة بصحة الحديث وتواتره كالسيوطي وابن الجزري الذي نسب منكر تواتره إلى الجهل والتعصب. وأما عدم ذكر البخاري ومسلم له في صحيحيهما فغير عجيب إذ كم أهملا أخباراً صحيحة عندهم واستدركها أصحابهم.

الرواة لهذا الحديث في قوة أدري لا عملاً بشاهد الحال، فإنّ الرواة المتصدّين لجمع الأخبار من البعيد أن يخفى عليهم مثل هذا الخبر المشتهر، فشاهد الحال يقضي بعدم وقوفهم على صحته بل قيامهم بنفيه.

فمنعه(1)

إنّ شاهد الحال، وامتناع خفاء مثل هذا الحديث عليهم لا يوجِبان الجزم بشهادة النفي على الوجه المذكور لقيام احتمال العوائق القهرية والموانع التي ليست باختيارية من بعض مقدمات الرواية للراوي، ومع هذا الاحتمال لا يمكن القطع بأنّ من لم يذكر الحديث المز بور جازم بعدمه.

ولو قالوا أيضاً: إنّ تقديم شهادة المثبت على النافي منحصر في المسائل العملية دون الاعتقادية العلمية.

فجوابه: أنّ مسألة الإمامة عندهم من مسائل الفروع كما سبقت الإشارة إليه فبناءً على مذهبهم يجب الالتزام بمضمون الحديث المذكور لعدم ثبوت المعارض لذلك.

ومنه يُعلَم أنّ منع الإجماع على صدور النص المذكور أو منع تواتره لا ينفع أهل السنّة أبداً لأنهم أجمعوا على حجيّة أخبار الآحاد في المسائل العملية فلا عذر لهم في الإعراض عن حديث الغدير من هذه الجهة.

ثانيها: ما ذكره التفتازاني في شرح المقاصد(2)، وأيضاً تبعه الروزبهاني بأنّلفظ المولى مشترك بين مَعانٍ عديدة، فيستعمل بمعنى السيد والأولى بالتصرف، وبمعنى الناصر والمحبّ والجار وابن العم والمُعْتَق وغير ذلك، والمناسب للحديث من هذه المعاني أربعة السيد والأولى بالتصرف والناصر والمحب، واللفظ المشترك بِلا قرينة معيّنة ليس له ظهور في واحد من المعاني المشتركة، فكيف يَثبُت بهذا الحديث مَوْلَوِية حضرة الأمير (علیه السلام) وأولويته بالتصرف في أمور الناس من غيره؟


1) الفاء واقعة في جواب " إنْ " في قوله "وإن قالوا".

2) شرح المقاصد: ج5، ص270.

وترقّى وادّعى إنّ قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) (اللهم وآل مَن والاه… إلخ) قرينة مقارنة على إرادة المحبّ والناصر من المولى في هذا النص, وقد تصدّى للجواب عن ذلك بعض العلماء بوجوه منها:

1. أن صدر الحديث وهو قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) (ألستُ أولى بالمؤمنين مِن أنفسهم) قرينة معيِّنة لإرادة السيّد والأولى بالتصرف من المولى، وإلاّ لما صح التفريع في (فمن كنتُ مولاه)، وإنكار التفتازاني لوجود صدر الحديث لا يُلتفَت إليه بعد ما بيّنا تواتر الحديث المزبور، وإلاّ ينسدّ باب الاستدلال بالسمعيات.

وحاصله لانّ رواة صدر الحديث إذا بلغوا حداً يفيد العلم الخالي عن الغرض والمرض، كفى بصدوره متواترا خصوصاً بعد ملاحظة شواهد الحال وانتفاء دواعي الكذب، ولا يلزم في ذلك رواية جميع الرواة وأهل الحديث.

2. إنّ التحابب والتناصر بين المؤمنين ثابت بقوله تعالى [وَالمُؤمِنونَ والمُؤمِناتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ](1)، ولا داعي لخروج عليّ عن عموم المؤمنين لِيُؤَكِّد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) دخوله فيهم بهذا الخبر في رمضاء الهجير، ويقيم بذلك الوادي ويدع الناس تستظل بظل دوابها وتلفّ ثيابها على أقدامها من حرارة الأرض، فإن المنصف لا يرتاب في أن الاهتمام بمثل ذلك قرينة حال على إرادة المعنى المذكور من المولى، ومما يضحك الثكلى مقالة التفتازاني إن احتمال أن يكون وجد الشاهدعلى التأكيد منع احتمال طروّ التخصيص في آية موالات المؤمنين بالنسبة إلى علي (علیه السلام) وهذا الاحتمال لا يحتمله سفيه فضلاً عن عاقل لأن عليّاً إنْ لم يكن الفرد الكامل من المؤمنين فلا أقل أنّه واحد منهم، وهذا من التشبث بالحشيش، عجباً يرتكب النبي هذا الأمر الجسيم لسدّ باب هذا الاحتمال, والفاضل الروزبهاني لمّا وجد بشاعة هذا الاحتمال اعتذر بما يقرب منه، بأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)

1) سورة التوبة: آية 71.

أراد الوصيّة بأهل بيته ليعلو شأنهم عند العرب وتزيد مرتبتهم فارتكب ما ارتكب، وأوقع ذلك في غدير خمّ، لأنّه محل تفرق الناس إلى أطرافهم وأهاليهم، وهو أيضاً كما ترى من أنّ شدّة الإهتمام بهذا الأمر موجب إلى ما هو أعظم مِن ذلك وليس إلاّ التنصيب، ومِن البديهي أن ليس المقصود مِن وصية النبي إبلاغ العرب الهمج الرعاع، بل العرب تابعة لرؤسائها، والمقصود إسماع من حضر من الناس ذلك بمحضر من أكابر المهاجرين والأنصار ليشهدوا عليهم إذا نكثوا وخالفوا، ولو كان المقصود مجرد الوصية بحبهم وإبلاغ ذلك العرب لوقع ذلك في عرفات أو في مكة، فإن النافر من مكة إلى أهله خلق كثير، فالمتدرّب المتدبّر يجزم بأن ذلك لم يكن إلاّ لأمر فوري عظيم، والمقصد فيه أخذ البيعة على الرؤساء وإعلام من حضر ليشهدوا عليهم، ولولا يوم الغدير وما وقع فيه من التنصيب لعليّ (علیه السلام) لما وقع الاختلاف بين المسلمين ولا ادعى عليّ (علیه السلام) بأنه مغلوب على حقّه ولا جلس في بيته، ولا قُيِّد بحمائل سيفه ولدخل فيما دخل فيه الناس لو كان يعرف في ذلك إطاعة الله تعالى، ومن تدبّر نهج البلاغة جزم بما قلناه.

3. إنّ الوصية من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بأهل بيته قد (وَقَعَتْ)(1)في مقامات عديدة وفي أخبار متواترة مثل خبر الثقلين وغيره، فلا حاجة حينئذ إلى التكلّف في إبداء هذا الأمر، وليس هو إلاّ من باب إيضاح الواضحات، فإنّ شدّة الاهتمام بهذا الأمريوجِب إنّه أمرٌ جديد غير مسبوق، فتوقُف النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ونزوله وإقامته مع شدّة الحر ما هو إلاّ لأمر حادث فيه نجاة الأمة من الهلاك، وما هو إلا نصب علي (علیه السلام) إماماً، لأنّه يروم أن يوصي بحبه الذي هو معلوم من يوم مبيته على فراشه، ومأمور به كلّ غزوة، وظاهر من أفعال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وأقواله معه، فمن أرجع حديث الغدير إلى غير التنصيب وصرفه عمّا هو صريح فيه من الإمامة،

1) ورد في الأصل "وقع" والصواب ما أثبتناه.

فقد مال به الهوى وغلب على عقله الشيطان.

4. ما التفت إليه الفاضل الفياض في جواب التفتازاني، وهو إنّه على فرض تسليم أن المراد بالمولى الموالاة، فإنّه يدلّ أيضاً على تقديم الأمير (علیه السلام) على جميع الناس في جميع الأمور لظهور اقتران موالاته بموالاة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وسعد الدين اعترف بأنّ هذا الاقتران من خصائص الأمير (علیه السلام)، والاقتران المزبور يورث موْلَوَية الأمير (علیه السلام) حيث إنّ موالاته كموالاته، ومحبته كمحبته لكنّ محل الكلام إنّه هل بين الخلافة وهذا الاقتران المذكور تلازم وارتباط أو لا؟ ولعلّ غرض الفاضل الفياض أن محبّة الأمير (علیه السلام) وموالاته لمّا كانت كمحبّة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وموالاته فلا يجوز للأمّة أن تجري على خلاف ما يحبّ ويهوى، ولا ريب في أنّ تقديم غيره عليه مما لا يحبه ولا يهواه، فلا يجوز للأمة ارتكابه.

ثالثها: ما أجاب به العضدي في مواقفه(1)، بعدم ورود لفظ (المولى) بمعنى أولى، فلا يقال مولى الرجلين بكذا، ويُقال: أولى الرجلين بالأمر، ويقال فلان أولى بالأمر الفلاني، ولا يقال فلان مولى بكذا، وعلى فرض صحة الإطلاق وإنهما بمعنى فذيل الحديث من قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) (اللهم وآل من والاه) قرينة على إرادة المحب من المولى، ولو سلّم إنّ المولى بمعنى الأولى، وأُعرِض عن القرينة المذكورة فدلالته على الأولوية في التصرف ممنوعة، بل غايته الدلالة على أولوية الأمير (علیه السلام) في أمر من الأمور فالمولى هنا كالأَولى في قوله تعالى [إِنَّ أَوْلى النَّاسَ بِإِبْراهِيمَلَلَّذينَ اتَّبَعوه](2)يعني بالمتابعة والقرب إلى خليل الله إبراهيم... هذا ملخصه.

وأجاب القاضي الششتري (رحمه الله)(3)عن جميع ذلك.


1) المواقف للآيجي: ص405.

2) سورة آل عمران: آية 68.

3) القاضي الششتري: السيد الإمام العلامة ضياء الدين القاضي نور الله بن السيد شريف وينتهي نسبه الى الإمام أمير المؤمنين (علیه السلام)، صاحب كتاب إحقاق الحق ومجالس المؤمنين وغيرهما، ولد قدس سره سنة 956ه-, واستشهد سنة 1019ه-، ومن شاء الإطلاع على تفصيل الردود فَلْيُراجِعْ: كتاب الصوارم المهرقة، للشهيد التستري.

أمّا إنكار ورود المولى بمعنى الأولى ففيه إنّه خلاف ما نصّ عليه أهل اللغة، فعن أبي عُبَيْدَة وهو من أهل اللسان إنّ المولى في آية [فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمْ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ](1)فُسّرت بالأولى، وورد ذلك في الشعر أيضاً، وفي الحديث النبوي (أي امرأة نُكِحَت بغير إذن مولاها)(2)أي بغير إذن سيدها ومالكها, فإنكار العضدي لوروده في اللغة كما ترى.

وأمّا الآية الشريفة ففَرْقٌ بينها وبين ما نحن فيه، لأنّ الأولى فيها أضيفت لنفس إبراهيم (علیه السلام) بخلاف حديث الغدير، فإنّ الأولى فيه بالقياس إلى الناس ولو أنّ الآية [إنّ أَوْلى النَّاسَ بِإبْراهِيمَ] من نفسه يكون من قبيل ما نحن فيه.

أقول كأنّ القاضي أراد بهذا الرد إنّ التفضيل لا بد فيه من أمور ثلاثة المُفَضِّل والمُفضَّل عليه والمُفضَّل فيه، فلو قال أحد: أنا أولى بك من زيد، كان المفضِّل هو المتكلم، والمفضّل عليه المجرور بمِن، والمفضّل فيه ما يتعلق بالمخاطب من الأمور بدلالة قرينة المقام، ومراد القاضي من قوله (الأولى) في الآية أضيفتإلى إبرهيم (علیه السلام) هو إنّ نفس حضرة إبراهيم (علیه السلام) هو المفضّل فيه لا المفضِّل، وحديث الغدير ليس كذلك، بل المفضّل هو نفس النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والمفضّل فيه ما يتعلق بالمخاطبين من الأمور، فكأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بعد كون المراد بالمولى الأولى قال: (من كنت أولى به من نفسه فعليّ كذلك).

والحاصل إنّ المفضّل هو النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والمفضّل فيه هو الأمور المتعلقة بهم، ثم


1) سورة الحديد: أية 15.

2) السنن الكبرى: ج7، ص105.

قال القاضي (رحمه الله): فلو كانت الآية إنّ أولى الناس بإبراهيم من نفسه لكانت من قبيل ما نحن فيه، لأنّ المفضّل عليه يكون هو نفس إبراهيم، والمفضّل فيه ما يتعلق به من الأمور والمفضل هم التابعون، لكنّ الآية ليست كذلك، بل لا يستقيم أنْ يكون كذلك، إذ لا معنى لكون التابعين أولى من نفس إبراهيم بأموره، فالمراد من صيرورة الآية حينئذ من قبيل ما نحن فيه أنها من قبيله في الجملة، أي في مجرد كونه (علیه السلام) مفضّلاً عليه لا مفضل فيه، وعليك بالتأمل والاجتهاد في كلام القاضي (رحمه الله) لغموضه، وإنْ كان غير ميسور وإنْ بلغ ما بلغ.

وأما أنّ (أولى من كذا) صحيح، و(مولى من كذا) لا يصح، فجوابه أنّ مولى أسم، وأولى صفة، والاختلاف نشأ من هذا فإن صيغة التفضل صفة وهي بحسب الاستعمال تقتضي دخول من كذا في المفضل عليه، والمولى صيغة تفضيل لا بطريق الصفة بل هو نظير اسم الفعل الذي حكمه حكم الفعل في الصفات والمتعلقات لا بمعنى(1)،

وأيضاً اختلاف صِلات الألفاظ سماعية، ومن أحكام الألفاظ لا من أحكام المعنى وكثيراً ما يقع في كلام العرب لفظان مشتركان في المعنى مع إنّ صفاتهما مختلفة، مثلاً لفظ الصلاة (مُتَعَدٍّ)(2)بعلى في مقام طلب الرحمة، فيقال: صلّى الله عليه، ولا يقال دعا الله عليه، مع إنّ الصلاة بمعنىالدعاء، وقال الفاضل الرضي (رحمه الله) إنّ العلم والمعرفة بمعنى واحد مع تعدي العلم إلى مفعولين دون المعرفة، وأيضاً أنت وكاف الخطاب بمعنى واحد مع إنّه يُقال: إنّك عالم، ولا يقال إن أنت عالم(3).

يقول المؤلف: أجوبة القاضي (رحمه الله) وأجوبة سائر العلماء رضوان الله عليهم تكفي في ردّ العضدي وغيره ممن فسّر المولى في الحديث بالمحبّ والناصر غير إنّ


1) اسم الفعل: كلمة تدل على ما يدل عليه الفعل غير أنها لا تقبل علامته وهو إما أن يكون بمعنى الفعل الماضي أو بمعنى الفعل المضارع أو بمعنى فعل الأمر.

2) ورد في الأصل "متعدي" والصواب ما أثبتناه.

3) راجع شرح الكافية: ج4، ص148.

الذي يختلج بنظر القاصر إنّ فساد التفسير المذكور لا يحتاج إلى هذه التفاصيل وإلى النقض والابرام، بل يكفي في فساد ذلك اختلاله بحسب المعنى كما لو فسّر بالجار والمُعتَق فإنّه لفساده بحسب المعنى اتفق الفريقان على عدم جواز تفسير الحديث بهما مع أنهما من معاني المولى.

وتوضيحه: أنّ مفاد الحديث على تقدير أن المولى بمعنى المحب والناصر، إنّ كلّ من أحبه وأنصره فعليّ كذلك يحبه وينصره لأن المحب غير المحبوب، والناصر غير المنصور، وهذا المعنى مضافاً إلى ركاكته وعدم إفادته المقصود من جهة إنّ الواجب على الناس كافة محبة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لعليّ (علیه السلام) ونصرته ومودته، إنّ الحديث حينئذ مردّد بين الإخبار والإنشاء، ولكل واحد منهما أفسد من صاحبه، أمّا الأول فلأن محض الأخبار كلام لغو لا فائدة له أحاشي مقام النبوة عنه، أترى أن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ينزل ذلك المنزل الوعر ويجمع الناس بذلك الصعيد العاري من الماء والكلأ، ويخطب تلك الخطبة في حَرّ الهجير ويكون جُلّ مقصده إخبار الناس بأن من أحبه وأنصره فعليّ (علیه السلام) يحبه وينصره، فأي لطف وأي فائدة في ذلك، ومن استماع هذا الحديث أيّ علم أم عمل يحصل للسامع، نعم لو كان من معاني المولى الحقيقية المحبوب والمنصور لأمكن أن يقال: إنه لا فساد فيه بحسب المعنى، ويمكن أن يُراد لكن لم نعثر على أنّ المحبوب والمنصور من معاني المولى حقيقة، وإنما الموجود المحبّ والناصر.

وأما الثاني وهو الإنشاء فأفسد من سابقه ضرورة إنّه حينئذ أمر لعليّ (علیه السلام) بأنه يحب من يحبه رسول الله من الناس، وهذا المعنى لا داعي إلى بيانه والأمر به على رؤوس الأشهاد وجمع الناس له إلاّ أن يقال والعياذ بالله تعالى إنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) خاف من عدم امتثال الأمير لهذا الأمر لو أمره بذلك مخفيّا، وتمرده وعصيانه حتى التجأ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أن يُشهِد الناس ويطلعهم على ذلك لتتم له الحجة على الأمير (علیه السلام) كي لا يعصي الرسول فيه والمظنّون من مُتَعَصِّبي أهل السنّة أنهم لا يبالون في حمل حديث الغدير على ذلك، ويزعمون ما لا يرضى

به العقل والنقل مِن أنه ليس المراد من تبليغ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في قوله (من كنت مولاه… إلخ)، إثبات مرتبة أو إظهار شرف لعليّ (علیه السلام) بل الغرض التعريض والازراء بحقّ الأمير (علیه السلام) في أنّه في امتثال الأوامر والنواهي يتساهل ويتوانى، فأراد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) أن يُسمِع المهاجرين والأنصار وسائر قبائل العرب أنْ أمرت علياً (علیه السلام) بأن يحب من أحبه مثل أبي بكر وصاحبه، وليس لعليّ (علیه السلام) أن يستبد برأيه، أو يسلك بغير الطريق الذي سلكْتُه في مودة كبار الصحابة، ومما يشهد على صدق الظن المزبور إنّ شارح(1)

نهج الحق للعلامة الحلّي (رحمه الله) أنكر أكثر ما سطّر فيه من فضائل عليّ (علیه السلام) حتى قاده إلى إنكار شجاعة الأمير وأشجعيته، وزاد فادعى أشجعية أبي بكر فلا استبعاد في دعواه أو دعوى أمثاله إنّ خطبة الغدير تعريض بحقّ الأمير، وليس لمثل هؤلاء من الجواب إلا الإعراض وتركهم في طغيانهم يعمهون.

الحديث الثاني: إن خلفاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) إثنا عشر خليفة.

من الأحاديث التي اتفقت عليه الإمامية، وأهل السنّة، ولكنّه ورد بعبارات مختلفة اللفظ متقاربة المعنى، والقدر الجامع منها المتواتر معنى إنّ خلفاء رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الذين لهم التصرف في نفوس الأمّة وأموالهم عددهم أثنا عشر خليفة،وكلّهم من قريش ودين الإسلام ما داموا موجودين وبسبب وجودهم عزيز ممضى ومجرى، وحيث أني لم أعثر على منكر لهذا المعنى المتواتر من جماعة هذه الأحاديث حتى إنّ الفاضل الروزبهاني إعترف بهذه الأحاديث مع إنكاره لأكثر المتواترات، لذلك لم أتعرض لما نقله من أهل السنّة في كتابه إذ قلّ ما يخلو منه كتاب من كتبهم التي تعرّضوا فيها للإمامة بل وغيرها, ودلالة هذه الأحاديث على حقيّة مذهب الشيعة غنيّ عن البيان كمنافاته لما ذهب إليه غير الإمامية من المسلمين خصوصاً أهل السنّة، ومن هنا تعرف سقوط الحديث


1) الظاهر أنه الفضل بن روزبهان.

المروي عند أهل السنّة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (إنّ الخلافة بعدي ثلاثون سنة، وبعدها تكون ملكاً عضوضاً)(1)بتنزيله على زمان خلافة الخلفاء بل كذْبه، إذ من قبول هذه الأحاديث يلزم تكذيب الحديث المرقوم بالتحديد، لكن لعدم مبالاتهم بإنكار الضروريات وعنادهم في البديهيات أخذوا في توجيه الأحاديث الناصة على أنّ عدد الخلفاء اثْنا عشر خليفة بمحامل سخيفة سقطوا بها من حيث لا يشعرون.

ونُقِل عن الفاضل الروزبهاني أنّه قال: اختلفت العلماء في معنى هذه الأحاديث، فقال بعض إن معناها أنّ أمر الدين عزيز في مدّة خلافة أثني عشر خليفة حتى تبلغ ثلثمائة سنة بعدها تكثر الفتن في الناس ويُذَلّ الدين. وقال آخرون إنّ الخلفاء الأربعة ومعاوية وعبد الله بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وخمسة من بني العباس هؤلاء الخلفاء الإثنا عشر، وفساد هذين المعنيين لظهور وضوحه لا يحتاج إلى بيان سواء أُريد من الخلفاء في الخبر خلفاء الحقّ فقط أو الأعمّ منه ومن حكّام الجور، فإنّ كل واحد منهما أفسد من صاحبه.

أما الثاني فلعدم اجتماع العزّة وخلافة الجائر جزما، وأيُّ عزّةٌ للإسلام في زمن خلافة الجائر، ولو أُريد بالعزّة العزّة الصورية أي مجرد صيت الإسلامالمجامِع للظلم والعدوان وهتك النواميس الإلهية فمثل هذه العزّة لا تَشخُص بزمان دون زمان، ولا بحاكم دون حاكم كي يدّعي اختصاصها بإثني عشر خليفة في ضمن ثلثمائة سنة، بل سواد الإسلام يوماً فيوماً بتزايد وَتَرَقٍّ، وفِرَق المسلمين كلمّا تآخروا كثروا وكانوا أقوى من السابقين بالبديهية، فاختيار هذا المعنى فيه تكذيب للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من حيث لا يُشعَر.

وإن أُريد بالخلفاء خلفاء الحقّ فإنّ أهل السنّة قصروا الخلافة على أربعة وما تعدّوا لغيرهم حتى إنّ معاوية لم يَزعُم أحد من أهل السنّة أنه من خلفاء الحق،


1) فتح الباري: ج8، ص61.

بل بعضهم حكم بفسقه وبعضهم حكم باجتهاده ومعذوريته من حيث الاجتهاد، فإنّ تحديد الخلافة بالمدة المزبوره صريح في ذلك، ومن هنا يظهر فساد المعنى الثاني إذ لا عزّة للإسلام قطعاً في زمان معاوية، مضافاً إلى أنّ الجمع بين خلافة علي (علیه السلام) ومعاوية في عزّة الإسلام من الممتنعات العقلية نظراً إلى أنّ حقيّة كل منهما باعثة على تذليل الإسلام بالنسبة إلى الآخر، فكيف يُعزّ الإسلام بخلافتهما؟ وهذا الكلام من باب المماشاة مع الخصم وإلاّ لو أنصف المطّلِع على مطاعن الخلفاء خصوصاً الثالث ومعاوية وغيرهما ممن خرج على الأمير وعانده إن لم نَقُل بالارتداد فيمن خرج نظراً إلى الصحيح من قول النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (يا عليّ حربك حربي)(1)، والرائي لفِعَال سائر السلاطين وسوء معاملاتهم، وارتكابهم القبائح التي نهى الله عنها في كتابه التي وقعت عمن يسمونهم بالخلفاء لجُزم بأن مراد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من الأئمة الإثنا عشر غير هؤلاء جزما.

وأما ما أجاب به القاضي من أنّه لا يصلح أن يُفسَر الحديث بهؤلاء الخلفاء لأنهم لا يصلحون للخلافة لكثرة المطاعن التي فيهم، فإنّ من جملتهم عبد الله بن الزبير، فقد نهى في زمان خلافته عن الصلاة على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)، وقال إنّ بنيهاشم يصيبهم النخوة والتجبر في ذلك، فلو منعناهم يذهب منهم التجبر(2)،


1) ينابيع المودة للقندوزي: ج1، ص172.

2) قال ابن عبد ربه: (ولما توطد لابن الزبير أمره وملك الحرمين والعِراقَيْنِ, أظهر بعض بني هاشم الطعن عليه, وذلك بعد موت الحسن والحسين, فدعا عبد الله بن العباس ومحمد بن الحنفية وجماعة من بني هاشم إلى بيعته فأبوا عليه فجعل يشتمهم ويتناولهم على المنبر, وأسقط ذكر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) من خطبته, فعوتب على ذلك فقال: والله ما يمنعني أني لا أذكره علانية من ذكره سراً وأصلي عليه, ولكني رأيت هذا الحي من بني هاشم إذا سمعوا ذكره إشرأبت أعناقهم), العقد الفريد: ج4، ص413, وقال السيد محمد مهدي الخرسان (حفظه الله): وقد تحاشى كثير من المحدثين والمؤرخين ذكر كلمة ابن الزبير "إني لأكتم بغضكم منذ أربعين سنة". الحلقة الأولى الجزء الثالث من موسوعة عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن.

ومع قطع النظر عن ذلك يلزم تعطّل الأحكام بعد انقضاء الثلثمائة سنة.

فأقول: كلام القاضي (رحمه الله) وإن كان صواباً غير أنه لا يدفع مقالة الروزبهاني إذ خلاصة مقالته أنّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) يقول إنْ بعد مضي ثلاثمئة سنة لا يبقى للدين صاحب وَحامٍ ولا وال يقوم به، ومعنى العزّة العزّة الصورية الاسمية، وهي بقاء صيت الإسلام وزيادة شوكته وكثرة سواده فحينئذ انقطاع العزّة المعنوية بعد الخلفاء الإثني عشر، وكذلك فسق الخلفاء بل كفرهم لا يصلح أن يكون ردّاً لأنّه يثبت العزّة مع اعترافه بأنّ معاوية من السلاطين وملوك الجور، فلا جَرَم أن يكون مراده بالعزّة العزّة الاسمية في المدة المذكورة لا المعنوية، فلا يفيد في ردّه كلام القاضي فينحصر بحسب القواعد العلمية جوابه بما حررناه، وليُعلَم أيضاً أن الفاضل الغزالي بعدما اطلع على هذه الأحاديث أخذته الحيرة والأفكل(1)في تحقيق والي المسلمين وحاميهم وبعد أن اجتهد وَأنْعَمَ النظر جرى في فكره أن قال ما محصله: إنّ في هذه الأزمنة الأمر مُرَدد بين محاذير ثلاثة أمّا منع الناس من إجراء العقود والأنكحة والقضاء بين الناس، وأما القول من باب أكل الميتة عند المخمصة إنّ الناس معذورون في فعل المحرمات، وأما أن إمام المسلمين لا يشترطفيه العدالة وغيرها من الشروط المقررة في زمن الغيبة، ومن باب ارتكاب أقل المحذورَين لابد أن يلتزم بالأخير، ولعمْري إنّ هذه المحاذير لولا اختياره المذهب الفاسد والعقيدة الرديئة لَمَا ابتُلِيَ بشيء منها ولو اختار مذهب الإمامية وترك العناد لوصل إلى حِمى الأمان، ولم يعان محذوراً أبداً، فإنّ الإمام (علیه السلام) نصّب فقهاء الإمامية في التصرفات الحسبية، وذِكْرُه للعقود والأنكحة يكشف عن عدم مهارته في علم الفقه كما هو واضح.

لا يقال: مقتضى مذهب الشيعة تأبيد عزّة الإسلام ودوامها أبد الدهر بسبب


1) قوله (والأفكل): يقال أخذ فلاناً أفكل إذا أخذته رِعْدة فارتعد من برد أو خوف. لسان العرب مادة (ف ك ل).

وجود الأئمة الاثني عشر (علیهم السلام) واحداً بعد واحد، والحال إنّ ظواهر هذه الأخبار تقضي بانقطاع العزّة بانقطاع الأئمة الاثنى عشر مثل قوله (صلی الله علیه و آله و سلم) (ما يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) وكقوله (صلی الله علیه و آله و سلم): (لا يزال أمر الناس عزيزاً إلى إثني عشر خليفة، كلهم من قريش)(1)وقال (صلی الله علیه و آله و سلم): (إن هذا الأمر ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) وهكذا باقي الأخبار فإنّها تدلّ بمفهوم الغاية(2)على إثبات انقطاع العزّة.

لأنا نقول: التحديد بالغاية لا يدلّ على انقطاع الحكم إلا بعد معلومية انقطاع الغاية، وهو غير معلوم بل المعلوم عدمه، فإنّ الإمامية قاطعة بعدم خلوّ الأرض من حجة إلى يوم القيامة، والحجة من نسل النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ووصيه (علیه السلام)، وفي الصحيح عن الأمير (علیه السلام) (أن الزمان لا يخلو من إمام من نسلي لكنّه إمّا ظاهر مشهور أو خفيّ مستور)(3)وأخبار الأئمة بذلك متواترة عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعنالأمير (علیه السلام)، إنّ الزمان لا يخلو من إمام منصوب من الله في خلقه، وهو الحافظ للدين عن السرقة والتبديل والتحريف من المنافقين والمشركين، ومِن غِيَر الزمان، وإنْ عرض له زيادة أو نقصان من أهل البدع والكذّابين أُصلِح أمره وقطع شأفتهم(4)،وحينئذ بعد تأييد الغاية التي هي وجود واحد من الأثنى عشر (علیه السلام) لا


1) ينظر: صحيح مسلم, شرح النووي: ج12، ص201.

2) مفهوم الغاية: أي إن تعليق الحكم على الشيء بأحد حروف الغاية ك-"الى وحتى" يدل على انتفائه عما يذكر بعدها. الأحكام: ج4، 293. للشيخ علي كاشف الغطاء.

3) الرواية في شرح النهج: ومن كلامه (علیه السلام) مع كميل بن زياد (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً) ينظر: نهج البلاغة: ج3، ص188، شرح محمد عبده، الحكمة رقم 147.

4) شأفتهم: الشأفة قرحة تخرج في أسفل القدم فتكوى فتذهب, يقال في المثل "إستأصل الله شأفته" أي أذهبه الله كما أذهب تلك الشأفة بالكي. الصحاح للجوهري: ج4، ص1379.

تنقطع العزّة بانتهاء العدد مع بقاء الشريعة، ويؤيد ذلك مضامين جملة من الأخبار في هذا المضمار، فقد روى السدّي(1)وهو من قدماء المفسرين وَثِقات أهل السنّة (إنّ سارة لما كرِهت مكان هاجر أوحى الله تعالى إلى خليله أن نحِّ هاجر عن سارة، وسر بها إلى تهامة، لأّنها أمّ إسماعيل وإنّي أزيد في ذريّة إسماعيل(علیه السلام) وأجعلهم على الكافرين عذابا صبّا, وأخلق من ذريته نبيا عظيم الشأن يغلب دينه الأديان وأخلق من ذريّته أثني عشر إماماً لهم شأن عظيم، وأيضاً أخلق من ذريته خلقاً بعدد نجوم السماء).

ونُقل عن كتاب مقتضب الأثر في إمامة الأثني عشر لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن عياش عن أبي سليمان راعي رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال: سمعت رسول الله يقول: (أوحى إليّ الله تعالى ليلة أُسْرىَ بي إلى السماء آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه؟ فقلت: أنا والمؤمنين، فقال الله: صدقت يا محمد فمن أبقيت في أمتك؟ قلت: خيرهم يا ربي، فقال عليّ بن أبي طالب؟ قلت نعم يا إلهي، فقال: يا محمد إنّي اخترتك من بين أهل الأرض بعد أن اطلعت عليهم وسميتكبأسماء اشتققتها من اسمي، فلا أُذكر في موضع إلا وأنت معي فأنا المحمود وأنت محمد، وأطلعت على أهل الأرض مرة أخرى، وأخترت بعدك عليّاً واشتققت له اسماً من أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي، يا محمد خلقتك وعلياً وفاطمة والحسنين والأئمة من أولاد الحسين (علیهم السلام) من نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرض، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن أنكرها أو تمرّد عنها كان عندي من الكافرين، يا محمد لو أنّ عبداً من عبادي عبدني حتى تقوَّس ظهره وابيَضّ حاجبه ولم يعترف بولايتكم لا ينفعه كل ذلك عندي،


1) السَّدِّي: إسماعيل بن عبد الرحمن السدي، تابعي، حجازي الأصل سكن الكوفة، قال فيه إبن تغري بردي: صاحب التفسير والمغازي والسير، وكان إماماً عارفاً بالوقائع وأيام الناس. توفي سنة 128ه-. الأعلام: ج1، ص317.

ولن يذوق رحمتي حتى يُقِرَّ بها، يا محمد أتريد أن أُريَك الأئمة من نسل الحسين؟ قلت نعم يا ربي، فقال الله تعالى التفت إلى يمين العرش، فالتفتُّ فإذا بعليّ وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجّة (علیهم السلام) في ضحضاح(1)من نور، وهم مشغلون بعبادة الله تعالى، والحجة عجّل الله فرجه في وسطهم كالبدر الساطع فجاءني النداء من العليّ الأعلى: يا محمد هؤلاء حججي على خلقي آخرهم مهديهم يطلب بِوَتْرِك ويأخذ الثأر ويبيد الكفار، فُأقسِم بعزّتي وجلالي إنّه هو الباقي عوناً لعبادي المؤمنين المنتقم من أعدائي الكافرين)(2)،

ومن هذا القبيل من الأحاديث التي ترويها الفريقان، وتعتمدها الطائفتان فوق حدّ الإحصاء، وكلّها تدلّ على مذهب الإمامية.

سؤال: أيّ عزّة للإسلام بوجود الأئمة (علیهم السلام)، والحال إنّهم ما بين قتيل وأسير ومسجون لا يُنفّذ لهم أمر في الدين، وترى أكثرهم يتقون، ومن الخوف يسكتون، ولهذه الجهة صرف الفاضل الروزبهاني ظواهر الأخبار الماضية في إمامة الأثني عشر إلى أئمة الجور وسلاطين الإسلام.وما أجاب بعض علمائنا كالقاضي (رحمه الله) وغيره لا يدفع هذا السؤال فإنّ ملخص جوابهم حلاً إنّ وجود الخليفة لا يستلزم وجوب تصرفه وسلطنته في جميع الأمور.

ونقضاً بخلافة الأول قبل استقرار خلافته، وبخلافة الأمير (علیه السلام) قبل تمام التمكين ومن البيّن إن ذلك لا يدفع مقالة الروزبهاني إذ مضامين أخبار نصر الإسلام ورونقه لسبب وجود الخلفاء الإثني عشر في الأمر حيث لا يمكن انطباقه


1) الضحضاح: الماء القليل يكون في الغدير وغيره. لسان العرب مادة (ض ح ح).

2) ينظر: كتاب مقتضب الأثر في النص على الأئمة الإثنى عشر: ص38.

على الأئمة الأثني عشر فلا جَرَم في أن تصرف تلك الأخبار إلى الخلفاء المتصرفين بالحقّ أو بالباطل قصوراً أو تقصيراً، أو يُقال إن الأحاديث المذكورة من المتشابهات وعلى التقديرين لا تصلح أن تكون دليلاً على مذهب الشيعة.

فالتحقيق في الجواب: إنّ عزّة الدين ورونقه يحصل بالمحافظة على أصول الدين وإتقان العقائد وصونها عن تطرق الشبهات، وأمّا محافظته من الزيادة والنقصان والتغيير والتبديل في مسائل الفروع بواسطة إنسداد باب العلم(1)فلا مدخلية لذلك في العزّة والذلّة بالبداهة، بل حقيقة عزّة الدين هو حفظ الناس عن أن يحصل لهم الشبهة في حقيّة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وفي حقيّة الشريعة فإن المحافظة على ذلك فيه تمام العزّة للدين، وقد تواترت الأحاديث ومُلِئَت الطوامير، وأفصحت الكتب المعتبرة في فضائل الأئمة (علیهم السلام) في أنّ أئمتنا (علیهم السلام) كم دفعوا شبه الملحدين، وقطعوا شأفة الضالين من الزنادقة وغيرهم من أهل الكتاب وسائر الفِرَق بحيث إنّ غيرهم من سائر الخلق لا يطيق دفع بعض البعض من ذلك، وهذا من أعظم معاجزهم الذي لا يقبل الإنكار إذ هو كالشمس في رابعة النهار، وناهيك في ذلك حديث اليهودي الذي ذكره عُلَماؤُنا (المُتَبَحِّرونَ)(2)

في باب النبوة، ونحن ذكرناه أيضاً في بابه، ومن الأحاديث المعتبرة حديث الجاثليق(3)الذي رواه المفيد (رحمه الله)(4)عن


1) انسداد باب العلم: الدليل المعروف بدليل الانسداد وهو مركب من مقدمات، ونتيجة هذه المقدمات على تقدير تماميتها هي حجية الظن بالواقع، أو الظن بالطريق، أو الأعم منهما فيه وجوه وأقوال. راجع: منتهى الأصول: ج2، ص184.

2) ورد في الأصل "المتبحرين" والصواب ما أثبتناه.

3) الجاثليق: بفتح الثاء المثلثة، رئيس للنصارى في بلاد الإسلام في مدينة السلام ويكون تحت يد بطريق انطاكية ثم المطران تحت يده ثم الأسقف يكون في كل بلد من تحت المطران، ثم القسيس ثم الشماس. قاموس المحيط: ج3، ص217.

4) الشيخ المفيد: محمد بن محمد بن النعمان، أبو عبد الله المفيد، شيخ المشايخ الجُلًّة ورئيس رؤساء الملة، ولد سنة 336ه- على قول النجاشي أو سنة 338ه- على ما ذكره الشيخ قدس سره، وفاته سنة 413ه-. رجال السيد بحر العلوم: ج3، ص311.

الصدوق(1)، وهو رواه بإسناده عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه)(2)، ونُقِل أيضاً من البحار, وهو حديث طويل وأكثر فقراته لا تُفهم فلنذكر من فقراته ما له ربط في المقام، ومن أراد الإطلاع على تمام الحديث فليطلبه من مَظانّه، ورواه صاحب منهج السلامة من غير واحد من أصحابنا(3)، ولكن فيه نوعِ اختلافٍ باللفظ لا يضّر بالمعنى، قال سلمان الفارسي (رحمه الله): لمّا (ابْتُلِيَتْ)(4)قريش بعد رحلة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بالداهية العظمى والبليّة الكبرى، وانكشف غطاء جسدهم وحقدهم لآل الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) وبلغ مَلِك الروم موت النبي ونزاع أصحابه بعده في الخلافةوالإمرة، وادعائهم إن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يعهُد إلى أحد لا من أهل بيته ولا من الأجانب بل أحال الأمر إلى الأمّة وقرنه باختيارها، وأنّ الأمّة بعده تركوا تأمير عترته وذريّته وصرفوا الأمر إلى غيرهم فدعا علماء مملكته وذوي البصيرة منهم، وذكر لهم اختلاف قريش بعد نبيهم، وأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) ارتحل من الدار الفانية فلما سمعوا ذلك منه ووعوه طلبوا منه أن يُرسل إلى يثرب جماعة من أهل العلم والمعرفة من أتباعه ليتحققوا الحال ويصلوا إلى حقيقة الأمر، وليتعرفوا السبب


1) الصدوق: محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، أبو جعفر شيخ مشايخ الشيعة، توفي قدس سره بالري سنة 381ه-، ويظهر أنه ولد بعد وفاة محمد بن عثمان العمري في أوائل سفارة الحسين بن روح. رجال السيد بحر العلوم: ج3، ص301.

2) سلمان الفارسي: سلمان المحمدي ابن الإسلام، أبو عبد الله، وكان اسمه قبل الاسلام روزبه ابن خشنودان، وقيل غير ذلك قال فيه (صلی الله علیه و آله و سلم): "سلمان منّا أهل البيت"، وهو أول الأركان الأربعة وهو أولهم ثم أبو ذر الغفاري ثم عمار بن ياسر ثم المقداد بن الأسود الكندي. توفي رضوان الله عليه سنة 34ه- وعمره إذ ذاك 350 سنة وقيل 250 سنة. راجع: كتاب رجال السيد بحر العلوم: ج3، ص16 - 21.

3) توثيق الرواية عن صاحب نهج السلامة.

4) ورد في الأصل "ابتلت" والصواب ما أثبتناه.

الذي أوجب تقديم الأجانب على الأقارب على خلاف عادة الأنبياء السالفين فطلب الملك الجاثليق وكان أكبر علماء أهل مملكته، وأمره بأن يختار من أصحابه الكاملين مئة نفر ويسير بهم إلى طيبة المنورة، ويأتيه بحقيقة الحال وأمره أن يخاصم أصحاب محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وأن يفلجهم(1)لِما يعلم من مهارته في الفنون جميعها فامتثل الجاثليق الأمر وسار مع من انتخبه واختاره حتى أناخ على المدينة عند شروق الشمس فلما عقل راحلته واستقر به وبأصحابه المكان نهض بمن معه حتى وافى المسجد والصحابة فيه مجتمعون فحيّاهم بتحيّته وسألهم عن وصيّ نبيهم وخليفته بعده، فأرشدوه إلى أبي بكر وكان في المسجد جمعٌ من الصحابة كعمر وأبي عبيدة وخالد بن الوليد وعثمان وغيرهم من المهاجرين والأنصار، فشخصت إليهم الأبصار ورمقتهم العيون لمّا رأوهم بهيأة حسنة وأخلاق مأنوسة للطبع مستحسنة، فوقف الجاثليق مقابل القوم وحيّاهم بتحيته فأجابوه، ثم قال بنهاية التأدب نحن قوم نفرنا من الروم إليكم، ونحن على دين المسيح بن مريم، ولما بلغنا خبر نبيكم أردنا الوفود إليه لنتعرف دينه فلم يساعد التوفيق والآن بلغنا خبر وفاته فسرْنا من مكاننا إليكم لتدلّونا على وصيّه بعده لنسأله في أمر الدين فإن قطعنا بقوله دخلنا في دينكم، وإن قطعناه وأفلجناه بقينا على ديننا، وسمعنا اختلافكم أيضاً فجئنا نطلب الحق ونقف على حقيقة الأمرفأيّكم صاحب الأمر بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم)؟

قال سلمان (رحمه الله): وكنت إذ ذاك حاضراً في المسجد معهم فضاق بيَ الفضا، وقلت ذهب الدين، فقال عمر: هذا صاحب رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وخليفته وأشار إلى أبي بكر، فالتفت الجاثليق إليه وقال: أنت خليفة رسول الله ووصيّه في أمّته وعندك ما تحتاج الأمّة إليه بعد نبيها؟ فقال أبو بكر: لست بوصيّه يا هذا، فقال الجاثليق فمَن تكون أنت؟ فقال عمر: هذا خليفة رسول الله، فقال النصراني:


1) الفلج: الظفر والفوز، وقد فلج الرجل على خصمه يفلج فلجاً. لسان العرب... مادة (ف ل ج).

آلنبي استخلفك على الأمّة؟ فقال الأول: لا لم يستخلفني النبي فقال الجاثليق فإذاً ما معنى كونك خليفة؟ ومن سمّاك بهذا الاسم؟ فإنّا وجدنا في كتبنا أنّ الخلافة من المناصب الإلهية المختصة بالأنبياء، وليس لغيرهم أن يجعل في الأرض خليفة، والله سبحانه استخلف آدم وداود في الخلق، وأنت إذا لم يكن عندك منصب الخلافة من الله تعالى فكيف وُسِمت بهذا الاسم وجلست هذا المجلس؟ ومن سمّاك به؟ فقال الأول: يا هذا إن الناس قد اجتمعت عليّ ورضيَت بي أن أكون عليهم والياً وإماماً لهم فلذلك سُمْيتُ بهذا الاسم، فقال الجاثليق: فإذا أنت مستخلف من الناس لا من الله ورسوله وأنت خليفة القوم، وعلى هذا فنبيكم على خلاف طريقة الأنبياء السالفين، لأن الذي وصل إلينا ووجدناه مرسوماً في كتبنا إنّ الله لا يبعث نبياً لخلقه إلا ويجعل له وصيّاً ترجع الناس إليه فيما تحتاج من أمر الدين والدنيا، وكلّها محتاجة إليه وهو مستغن عن جميعهم، وأنت تقول إن نبيك لم يعيّن للناس خليفة وإماماً يرجعون إليه فباعترافك إنّ نبيك لم يكن نبياً مرسلاً من الله تعالى لأنّ من لوازم النبوّة التي لا تنفك أن يكون للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) (وصيّا)(1)، وأنت نفيت ذلك عن نبيك فعُلِم أنّه غير نبي، ثم التفت الجاثليق إلى أصحابه وقال لهم:

إنّ هذه الجماعة تقول إنّ نبيها لم يكن نبياً وإنما تسلّطه على الناس كانبالقهر والغلَبَة إذ لو كان نبياً لعيّن له وصياً ترجع الناس إليه, ولاحتذى حذوَ من سبقه من الأنبياء، ثم التفت إلى أبي بكر وقال: يا شيخ أمّا أنت فقد أقررت بأنّ نبيّك لم يوصِ ولم يعهد إلى أحد، وأقررت بأنك لست بخليفة منصوب من قِبَلِه, وإنما الناس اجتمعت عليك فأمّرَتْك عليهم واستخلَفَتك وجعلتك بمقام نبيهم، ومتى جاز على الله أن يوكّل ذلك إلى اختيار الخلق ويمضي اختيارهم ويرضى به؟ فأيّ داع بعد إلى بعث الرسل؟ ولِمَ لا يوكل ذلك أيضاً إلى اختيار


1) ورد في الأصل "وصياً" والصواب ما أثبتناه.

الأمة؟ وكذا أيّ موجب لإنزال الكتب وأمر الأنبياء بنشر أحكامه لتعرف الناس الحلال من الحرام، والواجب من غيره؟ فإنّ تمام الحجّة على الخلق لا يتوقف بزعمك على بعث الرسل وإنزال الكتب، لأنّ إقرارك هذا ينتهي إلى إنّ الخلق تستغني بعقلهم عن الأنبياء، وإنّ الله يقرّهم على ذلك، وإن الرسل لا تحتاج إلى نصب من يكون علماً للأمّة، بل يكفي نصبهم له، وعلى خلاف ذلك العقل والنقل بل هو افتراء على الله تعالى، ثم إنّك لم تكتف بهذا حتى سَمّيت نفسك بالخليفة، وجلست على دست النبوة وذلك لا يحلّ إلاّ للنبي أو لوصيّه بعده ولا يثبت دينك إلاّ إذا كانت حجّته على طبق حجج الأنبياء السابقين وطريقتهم، ومن المعلوم أنّ الله تعالى إذا بعث للناس نبياً هو خاتم الأنبياء بزعمك ولم يعيّن له وصياً يقوم مقامه فقد أمر بما هو خارج عن طريقة الأنبياء فينحصر الأمر في شيئين أمّا أن يكون نبيّك غير نبي، وأمّا أن يكون له وصّي فإذا تخلّف الثاني بإقرارك تحقق الأول قضاءً للملازمة بينهما، وعلى هذا فلا يجب علينا ولا يلزمنا أن نتحاجج معكم في إثبات دينكم لأنّه متوقف على إثبات نبيكم وقد أنكرتموه، وصار اللازم علينا أن نرجع إلى أهالينا ونبقى على ديننا الذي أنتم تعترفون فيه بواسطة اعترافكم بنبينا، ولا يلزمنا الفحص عن أعمالكم السابقة أنّها صواب أو خطأ.

ثم قال الجاثليق: أجبني أيها الشيخ، قال سلمان (رحمه الله) فالتمع لون أبي بكر ثم نظر إلى أبي عبيدة، وكان إلى جنبه فقال: أجبه، فلم يجب أبو عبيدة الجواب،فالتفت الجاثليق إلى أصحابه وقال لهم: إنّ بناء القوم على أساس غير ثابت وليس له دليل محكم ولا حجّة واضحة، فأجابه أصحابه بأنّا قد علمنا ذلك وفهمناه ثم التفت إلى أبي بكر وقال له يا شيخ أسألك عن شيءٍ أجبني فيه فقال له: سل، فقال اخبرني عن نفسي وعنك، وأيّ شيء تعتقد فيهما عند ربك؟ فقال: إنّي أعتقد أنّي مؤمن عند نفسي ولا أعلم حالي عند الله تعالى أني كذلك أم لا، وأعتقد أنّك كافر ولا أعلم حالك عند الله تعالى، فقال الجاثليق أما أنت

فقد نسبت نفسك للكفر وأقررت بأنك جاهل بحالك في الإيمان، ولم تدر أمحقّ أنت أم مبطل؟ وأما أنا فقد أثبت لي الإيمان بعد الكفر عند الله تعالى فما أحسن حالي! وما أسوء حالك عند نفسك لعدم يقينك بحالي وحالك!

أقول: جواب أبي بكر وإن لم يكن صريحاً بما قاله الجاثليق من الأمرين لكن ذلك من لوازم كلامه، والجاثليق حكم عليه بذلك اللازم ضرورة إنّه بعد مشاهدة الآيات الإلهية والأمارات القطعية في حقيقة الإيمان والكفر وعلائمها لا ينبغي حينئذ أن يحصل له الشك في نفسه، فإنّ الشاكّ بعد ذلك كافر محض وهو قد اعترف بجهله في إيمانه الواقعي واعترف في حق الجاثليق بأنّي لا أدري وكل شخص لا يعلم بحال الآخر لا يمكنه نفي الإيمان عنه، فإذا ادّعى الآخر أني مؤمن لا يُنكر عليه ولا ينفى عنه فادعاء الجاثليق إنّه مؤمن عند الله تعالى ظاهر من مقالة أبي بكر ومُعترَف به ضمناً كما لا يخفى. ولنرجع إلى ما كنا فيه.

ثم قال الجاثليق: أيّها الشيخ أين محلك الآن في الجنة إن كنتَ مؤمنا؟ وأين مقامي من النار في هذه الساعة إن كنتُ كافراً كما تزعم؟ فالتفت أبو بكر إلى أبي عبيدة ثانيا وإلى عمر كيما يجيبانه (فلم ينطق أحدهما)(1)، فقال أبو بكر لا أعلم ولا أدري بحالي عند الله وهذا غيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى فعندها قال جاثليق النصارى له: إنّك قد تأمرت وجلست بمكان لا يحلّ لك الجلوس فيهوادّعيت الخلافة من غير صلاحية لأنك محتاج إلى غيرك في العلم، ووصيّ النبي وخليفته لا يحتاج غيره، فإن كان في أمّة نبيك من هو أعلم منك فدُلّني عليه وارشدني إليه لكي أُحاججه وأطلع على أمره، وإنْ لم يكن فيهم من هو أعلم منك فقد ظلمت نفسك بتقحمك في أمرٍ لم يجعله الله لك، ولقد ظلمك القوم وظلموا أنفسهم فيك.

قال سلمان (رحمه الله): فلمّا رأيت القوم وقد بُهِتوا ونكسوا رؤوسهم إلى الأرض


1) ورد في الأصل "فلم يتكلما أبداً" والصواب ما أثبتناه.

خجلاً وبان فيهم العجز والانكسار وبانت الذلّة في الدين فلم أملك نفسي أن قمت مسرعاً وأنا لا أبصر موضع قدمي من الدهشة والحزن حتى أتيت باب علي (علیه السلام) (فَطَرَقْتُهُ)(1)، فخرج إليّ فلما بصرني على تلك الحالة قال ما شأنك يا سلمان؟ أي شيء عرض لك؟ فقلت: يا سيدي هلك دين محمد واضمحل وغلبت الكفار علينا بالحجّة والبرهان فتلاف جُعِلت فداك دين ابن عمك فليس في القوم من يحاجج الكفار ويغلبهم وأنت اليوم سراج الأمّة، وأبو الأئمة وحلاّل المشاكل وكاشف المعضلات ومفرّج الهم والغم ومؤيد الدين القويم فقال (علیه السلام): ما الخبر؟ وأيّ حادثة وقعت؟ فحكيت له القصة من أولها فلما انتهيت إلى عجز القوم عن الجواب أحمّر وجهه، وقال: أخبرني بذلك حبيبي محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) ثم قال: عند الصباح يَحْمَدُ القومُ السُرى(2)، ثم دعا بعمامته واحتجز بها وارتدى مِجلَّةَ خَزٍّ يمانية وتقلد بسيفه ولم ينتعل ثم مشى أمامي وأنا خلفه والحسن والحسين بين يديه حتى دخل المسجد، وقام له نور حتى خيّل لأهل المسجد أنّ الشمس وقعت من السماء فيه، فإذا القوم على حالتهم من الحيرة فوَسَّعوا له المجلس وسلّم عليهم وجلس مجلسه، ثم التفت إلى الجاثليق وقال له اقصدني بمسألتك وَأدْلِ إليّ بحجتك فإنّ عندي ما تحتاجه الناس في العمل، وأناالعالم بأحكامها، أما والذي فلق الحبة وبرء النسمة لو خاصمني جميع أهل الأديان لأفلجتهم بكتبهم وألزمتهم الحجة فهات ما عندك؟ وما توفيقي إلا بالله، فقام النصراني وجلس بين يديه، ثم قال يا فتى إنّا وجدنا في كتبنا أنّ الله تبارك وتعالى لم يبعث نبياً إلاّ وقد جعل له وصياً يقوم مقامه بعد رحلته كي لا تبقى الناس في وهدة الحيرة وكي ترجع إليه فيما تحتاج من أمر الدين، وقد بلغنا اختلاف أمة نبيكم بعده فقريش والأنصار كل يروم الخلافة أن تكون فيهم، وكل يريدها له، وأنّ مَلِك الروم اختارنا من بين قومه وأرسلنا لنفتش عن دين محمد


1) ورد في الأصل "فطرقتها" والصواب ما أثبتناه لأن الباب مذكر على كل حال.

2) هذا المثل يضرب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة. مجمع الأمثال للميداني: ج2، ص3.

ونعرف حقيقته من بطلانه، ونقف على تمام أمره، ونرى أنّ سنن الأنبياء السالفين موجودة فيه أم لا؟ ثم نرى أنّ من ادعى الخلافة بعده ادعاها بحقّ أم بباطل؟ لأنّ الأمم السالفة وُجِد فيها من افترى على نبيّه بعده، ومن منع وصيّة من حقّه كقوم موسى عكفوا على أصنام لهم وتركوا هارون لما استخلفه موسى عليهم، فلما دخلنا بلادكم أرشدونا إلى هذا الشيخ الجالس، وقالوا: هذا وليّ المؤمنين وهو بمقام النبي وسألناه إنّ النبي أوصاك ونصّ عليك فقال: لا ثم سألناه عن أشياء أخر فلم يجبنا، ونحن جئنا نطلب الحق فإنْ وجدنا من يدلنا عليه، ورأينا وصيّ نبيٍّ فيه شمائل أوصياء الأنبياء السابقين، دخلنا في دينكم، وإنْ لم نجد أحداً كذلك عُذِرنا عند ربنا وعلمنا أنّ محمداً الموعود ببعثه لم يبعث، فنبقى على ديننا ننتظر بعثه. فقال الإمام (علیه السلام) وما تلك الشمائل التي تذكرون؟ فقالوا: يلزم أن يكون عنده علم كل ما تحتاج الأمة إليه، ويقطع بالجواب شبهات المنكرين، وعنده علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب ومعرفة الأنساب وأحكام ليلة القدر وما ينزّل فيها وغير ذلك فلما استخبرنا بالمكالمة حال هذا الشيخ لم نجد عنده شيئاً من تلك الشمائل بل لازم مقالاته إنّ مُحَمَّداً لم يكن نبياً بل هو من الجبابرة لأنّه لم يثبت فيه من آثار الأنبياء السابقين شَيءٌ فإنّ أهمّها الوصية والاستخلاف، وقد اعترف بنفي ذلك فكيف يكون محمداً نبيا؟ وهو بهذا الحال الذي يذكره الشيخ إنّه ترك أمته بلا راع ولا أقام أحداً مقامه،ولم يعلم أنّ ذلك مع أنّه ليس من صفات الأنبياء، ومن طريقتهم يلزم فيه الاختلاف وبغي بعضهم على بعض، وعدم استقرار الدين كما بلَغَنا أنّ ذلك واقع فيكم وجلّ الله تعالى أن يُهمل أمر عباده ويدعهم بلا راع يهديهم إلى الخصب ويردعهم عن المحل والجدب، فهل عندك ما يُشفي الغليل ويزيل الشكوك والشبهات ويهدي إلى الحق وإلى سواء السبيل؟!

فقال الأمير (علیه السلام): نعم عندي ما يشفي الصدور، وعندي شرح المشكلات، وعندي بيان ما يرفع الشكوك والشبهات، وسأوضح لكم كل ما أبهم عليكم

وأنا الحجة البالغة والمِحجّة الواضحة فأعيروني أسماعكم وتوجهوا إليّ بقلوبكم: اعلم أيها الجاثليق أنت وقومك أن الله وله الحمد بمنّه وطَولِه وفضله، وفّى لنا بوعده، وأعزّ دينه بنبيه محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) أرسله على فترة من الرسل، وحباه بالنصر وشتت شمل أحزاب العرب، واختاره وانتجبه وبعثه للخلق جميعاً إنسهم وجنّهم، وأوجب طاعته عليهم، ومنحه بالرأفة والرحمة، وفضّله على جميع الأنبياء والمرسلين، وألزم بِاتِّباعه عامة المخلوقين مِن أهل السماوات والأرضين، وجعله خاتم الأنبياء ووارث علومهم، وقرّبه من قاب قوسين أو أدنى وجعل عن يمين عرشه مقامه لم يصله نبي مرسل ولا ملَك مقرّب، وأوحى إليه ما أوحى، وما كذّب الفؤاد ما رأى، وأخذ على الأنبياء العهد والميثاق بأن يؤمنوا به وينصروه، بعد أن شاهدوا مقامه مِن الله، ورفيع منزلته عنده، وأوحى إلى الرسل بعد أن أخذ الميثاق عليهم أَقْرَرتم وأخذتم على ذلك إصري؟ قالوا: أقررنا فاشهدوا إنّا معكم من الشاهدين، وقال سبحانه تعالى [يَجِدُونَه مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ في التَّوْراة وَالأِنْجيلِ يَأمُرُهُم بِالمَعْروفِ وَيَنْهاهُم عَنِ المُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُم الطَّيِّبّاتِ](1)، واعلموا إنّه لم يفارق رسول الله هذه الدنيا إلا بعد رفع الله مقامه،وأعلى على العالمين درجته وأتمّ به الحجة على الخلق وقرن اسمه باسمه، فلا يذكر الله تعالى في موضع إلاّ واسمه به مقرون ووصلَ طاعته بطاعته، فقال [مَنْ يُطِع الرَّسولَ فَقَدْ أَطاعَ الله](2)، وقال [مَا أتاكُم الرَّسُولَ فَخُذُوه ومَا نَهاكُم عَنْهُ فَانْتَهوا](3)، فبلّغ الرسالة ودلّ الأمة على سبيل النجاة والهداية والحكمة، وصدع


1) سورة الأعراف: 157.

2) سورة النساء: آية 80.

3) سورة الحشر: آية 7.

بما أُمِر به، وبه بشّرت الأنبياء السابقون والمسيح عيسى بن مريم بشّر به وبوجوده في السفر السابع من الإنجيل قال (الأحمد المحمود العربي الأميّ صاحب الجمل الأحمر، والقضيب، خاتم الرسل ووصيّه موضع السر وصندوق العلم وتالي الكتاب حقّ تلاوته وباب حطّة وهو خاتم الأوصياء)، وأنا ذلك الوصي يا أخا النصارى، وأنا الذي قال النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في حقّي وحقّ عترتي (أني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، وكل من الثقلين (عَظيمان)(1)لكن الكتاب هو الثقل الأعظم لأنه الحبل المتين الممدود من الأرض إلى السماء بيد الجبار طرفه والآخر بيدك يا محمد) وعندي يا أخا النصارى تأويل القرآن، وأنا العارف العالم بالحلال والحرام والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ، وعندي علم ما تحتاجه الأمّة بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وعلم كل قائم وملتوي، وعلم المنايا والبلايا وفصل الخطاب وأنا صاحب الكرّات والكرامات فاسألني عمّا تريد وعمّا كان أو يكون إلى القيامة، وعن كل ما حدث في عهد نبيك عيسى، وعن كل وصيّ لنبي وعن كل فرقة، وعن سائقها وقائدها وناعقها إلى قيام الساعة، وسلني عن كل آية نزلت في كتاب الله ليلاً نزلت أم نهاراً. وسلني عن التوراة والإنجيل والزبوروالفرقان العظيم, وأنا الصادق الذي نزل فيه قوله تعالى [وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ], وأنا أخو رسول الله وابن عمّه, وشاهده على أمّته, وأنا الوسيلة بين الله وخلقه, وأنا وذريتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق وأنا وذريتي بمنزلة باب حطّة في بني إسرائيل من دخله كان آمنا، وأنا مِن محمد بمنزلة هارون من موسى, فمن أحبّني كان من المؤمنين, ومن بغضني يا أخا النصارى فهو من الكافرين, وأنا الذي ما كذبت قط ولا نُسِب لي ذلك قط, فلا يزال (علیه السلام) يقول أنا فلا يردّ عليه أحد قوله إلى أن التفت الجاثليق إلى أصحابه وقال: هذا ما


1) ورد في الأصل "عظيمين" والصواب ما أثبتناه.

نبغي ولقد ظَفَرْنا إن شاء الله بالمقصود والمطلوب, ثم أقبل على أمير المؤمنين (علیه السلام), وقال له أخبرني لأي أمر اختار الناس غيرك وأنت بهذه المنزلة عند الله ورسوله؟ فقال (علیه السلام): لقد حقّ القول عليهم ولي أسوة بالأوصياء غيري, ثم سأله الجاثليق عن مسائل جمّة فأجابه (علیه السلام) بما اعترف فيه هو وأصحابه على ما يوافق رأيهم, فحينئذ التفت إلى أصحابه, وقال أما تسمعون والله لقد نطق بما في الكتب الإلهية, فقالوا جميعا: سمعنا وفهمنا, ثم قال الجاثليق: وإنّي لسائله عن مسائل فإن أجاب بها فلا حيلة لي إلا الإسلام بمحمد وبه, فقال له الإمام: أجيبك عنها بما أنت تذعن به, فإن أجبتك كذلك أتدخل في ديننا؟ فقال الجاثليق: نعم والله شاهد على ذلك والكفيل, فقال له الإمام (علیه السلام) وأصحابك, فقال: نعم وأصحابي معي, ثم ابتدأ بالسؤال فقال: أخبرني عن الجنة أهي في الدنيا أم في الآخرة؟ وأين موضع الدنيا من الآخرة؟ فأجابه الإمام بما أوضح ذلك أي إيضاح, وعرفه الجاثليق هو وأصحابه, ثم سأله عن معنى قوله تعالى [كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلاّ وَجْهه](1)وما معنى الوجه في الآية وهل يكون للإله وجه وقفا؟ فقال علي (علیه السلام) يا غلام عليّ بحطب ونار, فلمّا سمع النصراني ذلك قال صدقت يا وصيّ الهادي,ثم تقدم وجلس بين يديه وشهد الشهادتين, واعترف بالوصية والإمامة لعليّ (علیه السلام) وأولاده وتبرّى من أعدائهم, ثم التفت إلى أصحابه وقال قوموا وأسلموا على يدِ هذا والله هذا هو المنعوت في التوراة والإنجيل والزبور, هذا قسيم الجنة والنار, هذا نعمة الله على الأبرار ونقمته على الكفّار, (وأخذ يقول هذا هذا حتى شرف وقت الفريضة فقام أصحابه وآمنوا وأسلموا واعترفوا بالإمامة لعليّ (علیه السلام))(2)،وبعدها خطب الأمير (علیه السلام) القوم وقال:

الحمد لله الذي أوضح برهان محمد وأظهره على الدين كلّه ولو كره


1) سورة القصص: آية 88.

2) هذه الزيادة غير موجودة في البحار ولعل المصنف اعتمد كتاباً غفلنا عنه.

المشركون إلى آخر الخطبة, فاستبشر القوم برفع شبههم ووصولهم إلى الحقّ وهدايتهم بسبب الأمير (علیه السلام) ودعوا له, وقالوا: أحسن الله تعالى جزاءك يا أبا الحسن في مقامك بحقّ نبيّك, قال سلمان (رضي الله عنه) ثم تفرّق القوم وكأن الحاضرين لم يسمعوا شيئا مما فهمه القوم وقد نسوا ما ذكرّوا به.

أقول لعل مراد سلمان (رحمه الله) من عدم سماع الحاضرين أنهم ما فهموا بعض تلك المكالمات وما فهموه منها نسوه, أو أنهم لم يفهموها جميعا أو أنّهم ما فهموا ما ذكرّوا به من المواعظ والحكم وبراهين الإمامة التي أقامها (علیه السلام) على ولايته وأعرضوا عنها فكأنهم نسوها ولم يتدبروها.

قال سلمان: فلمّا تفرّق القوم وخرجوا من المسجد وأراد أهل الروم الرجوع إلى أهاليهم جاؤوا إلى المسجد فوجدوا علياً (علیه السلام) فيه وسائر الصحابة فالتفتوا إلى الصحابة وقالوا لهم: هلكتم من حيث لا تشعرون تركتم التمسك بالعروة الوثقى والحبل المتين فتباً لكم وسحقاً ثم استأذنوا الإمام بالرجوع إلى أهاليهم فأذن لهم, ثم قالوا له: مُرْنا بأمرك فنحن سامعون مطيعون إن شئت أن نقيم معك أقمنا, وإن نرجع إلى أهالينا رجعنا, وإن شئت أن نسير إلى أي نواحي الأرض سرنا ولا يهولَنَّك ولا يحزنك عصيان الأمّة لك فإنّ شأن الأوصياءالصبر على البلاء والتحمل لمضاضة الأعداء, ثم التفتوا إلى الجماعة ووعظوهم بمواعظ بيّنة, وكان ختام وعظهم وحججهم إنّكم أيها القوم خالفتم الله ورسوله فتبوَّءُوا مقعدكم من جهنم ولبئس المثوى وبئس المصير, ثم عطفوا على مرقد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) فقالوا بعد السلام عليه: اشهد علينا يا رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) أنا قد أقررنا بنبوتك واعترفنا بوصيّك وبما جئت به من عند الله وتبرأنا من أعدائك وأعداء وصيّك ونشكو إليك ما لقى وصيّك من أمتك بعدك, ثم طلبوا من الأمير (علیه السلام) أن يخبرهم بجميع ما جرى عليه بعد رحلة النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فأخبرهم بجميع ذلك فضجوا بالبكاء والنحيب, وأخبرهم بأن النبي أخبره بذلك كلّه, فقالوا أخبرك بذلك؟ قال نعم كيف لا يخبرني وأنا منه بمنزلة هارون من موسى

وشمعون من عيسى؟ ألم تعلموا بما وقع بين شمعون وابن خاله حتى افترقت أمّة عيسى أربع فرق والأربع افترقت سبعين فرقة وكل هذه الفرق هلكت إلاّ فرقة واحدة, وكذا أمّة موسى افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة وكلهم هلكوا إلاّ واحدة، والنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أخبرني بأن أمته تفترق (ثلاثاً وسبعين)(1)

فرقة ثلاث عشرة منها تدّعي محبتنا أهل البيت, وكل هذه الفرق في النار إلا فرقة واحدة وهي الناجية.

ثم ذكر لهم الوقائع المستقبلة وتلا لهم الآيات التي نزلت في ذم المخالفين له وأعلمهم بمدّة غصب الخلافة منه, وبما يقع في أيام خلافته من وقعة الجمل وصفين وقتاله الخوارج على الإجمال وأخبرهم بالأئمة بعده وما يقع عليهم من الظلم من جهة فساد الأمّة إلى أن يعجل الله بالفرج على يد المهدي من ذريته (اللهم عجل فرجه):

دُعاءَ إخلاصٍ مَتى ذَكَرْتُهُ *** قالَ الْحفِيظانِ مَعي آمِينا

ثم غلبه وغلبهم البكاء وعندها استأذنوا منه في المسير بعد أن اعترفوا وأذعنوا بولايته وذكروا له أن وجدنا في كتبنا صورة محمد (صلی الله علیه و آله و سلم) وسيدة النساءوصورتك وصورة الحسنين وهي موجودة عندنا, وسيرد علينا بعد هذا الرجل جماعة من قريش ويريهم ملِكَنا تلك الصورة مع صور الأنبياء التي هي عندنا, فأمرهم الأمير (علیه السلام) بالرجوع وكتمان أمرهم, وألزمهم بالتقيّة إلى زمان خلافته, وقال: إن من مات منكم قبل حضور وقت جهادي لأعداء الله مات شهيدا, فحينئذ قبّل القوم يديه ورجليه ورجعوا إلى أهاليهم(2).

وهذا ما انتهى إلينا من هذا الخبر الشريف المشتمل على فوائد جمّة كل


1) ورد في الأصل "ثلاث وسبعون" والصواب ما أثبتناه.

2) راجع الخبر بتمامه في كتاب بحار الأنوار: ج30، ص53. باب في ذكر ما كان من حيرة الناس بعد وفاة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ورجوعهم الى أمير المؤمنين (علیه السلام).

فائدة منها تكفي في إثبات دين الإمامية وفساد ما (يَزْعُمُهُ)(1)أهل السنّة, وكل فقرة من فقراته قرينة قطعية على صحته وصدوره من سلمان عليه الرضوان وأكثر الأدلة العقلية واعتقادات الإمامية في هذا الحديث الشريف موجودة والظاهر أنّ علماء أهل السنّة مثل الروزبهاني وسعد الدين التَّفتازانيّ وغيرهم إذا اطلعوا على هذا الحديث وأمثاله يعلنون بأنه من مفتريات الشيعة, أو يزعمون بأنه خبر واحد لا يثبت به العلمية فلا يكون دليلاُ وكل ذلك ينشأ من هوى النفس وعدم التدبر والإنصاف في هذه الأحاديث, فإنّ المتبصّر إذا نظر إلى طول هذا الخبر وتفاصيله بحيث أنّ كل فقرة منه مطابقة لآية من القرآن ورأى أن أهل الكتاب يصدقون ويعترفون بما نقل فيه من كتب الأنبياء والسابقين, فكيف يظن فيه الجعل والافتراء؟ فما ذلك إلاّ عن عيون عمياء وقلوب ما انكشف عنها الغطاء, مضافاُ إلى أنّ نَقَلَة هذا الحديث وإن لم يكونوا بدرجة العصمة لكنّهم في التحرز وعدم الافتراء هم كالمعصومين حاشاهم من ذلك, ولعل الخصم يقول إنّ باءك تجرّ وبائي لا تجرّ إذ على هذا لا معنى لدعوى الشيعة الافتراء والجعل في بعض ما يرويه أهل السنّة في حقّ خلافائهم إذ المنصف يعرف الفرق البيِّن فإنّظهور مثالب بعض الصحابة وفضيحتهم مع عداوة السلاطين وحكام الجور لآل الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) لا يمكن أن يُنكَر وكل واحد بنفسه مُقْتَضٍ للجعل, فكيف إذا تعاضدا؟ بخلاف الشيعة لأنّ كل عاقل متدين بدين لا يمكن أن يفتعل أو يحلّل شيئاُ على خلاف مذهبه, والحال إنّ أهل السنّة يقولون إنّ الناس بعد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) لم يختلفوا والكلّ راضون بخلافة الخلفاء, وإذا كان كذلك فأي داع لأعقابهم أن يفتروا ويكذبوا ويضعوا أخْباراً مجعولة على خلاف مذهب آبائهم وأسلافهم؟ وإن قالوا إنّ الجاعل هو أهل الصدر الأول فمع إنّه خلاف ما يقولوه من الإجماع وعدم الاختلاف أيضاً أيّ داع لأهل الصدر الأول مع عدم الشحناء


1) ورد في الأصل "يزعمونه" والصواب ما أثبتناه.

بينهم أن يجعلوا؟ وأي سبب اقتضى ذلك؟

وممن نقل هذا الحديث المفيد (الطوسي)(1)في الأمالي بطريق ينتهي إلى زاذان عن سلمان, لكن على سبيل الإيجاز والاختصار, ولهذه الجهة ذهب بعض المحدثين(2)إلى أنّهما حديث واحد لكن بعد التأمل فيهما يُكاد يُظَن أنّهما حديثان لأن في آخر الحديث على الطريق الثاني زيادات ليست في الطريق الأول, مع أنّ في فقراتها الاختلاف الكلي, ومع تعدد السند والمضامين، الحكم بالاتحاد لا يخلو من سقم, بل بعد تنافي بعض فقراتهما بالتنافي بالنفي والإثبات، لا يصلح الحكم بالاتحاد جزماُ, في آخر هذا الطريق مذكورٌ أنّ القوم لما أسلموا قال عمر: الحمد لله تعالى الذي هداك أيها الرجل إلى الحقّ وهدى من معك غير أنّه يجب أن تعلم أنّ علم النبوّة في أهل بيت صاحبها, والأمر بعده لما خاطبت أولا برضاء الأمّة, وإصلاحها عليه, وتخبر صاحبك بذلك وتدعوه إلى طاعة الخليفة, فقال الجاثليق: عرفت ما قلت أيها الرجل وأنا على يقين من أمري فيما أسررت وأعلنت, وانصرف الناس, وتقدم عمر أن لا يُذكَر هذا المجلس بعد وتوعد علىمن ذكره بالعقاب, وقال: أما والله لولا أنّي أخاف أن تقول الناس قتل مسلماُ لقتلت هذا الشيخ ومن معه, فإنّي أظنّ أنّهم شياطين أرادوا الإفساد على هذه الأمّة, وإيقاع الفرقة بينها, فقال الأمير (علیه السلام): يا سلمان أما ترى كيف يُظهِر الله الحجّة لأوليائه وما يزيد ذلك قومنا إلا نفوراُ؟!

وكذلك كل واحد من الأئمة له مباحثات في عهده مع أهل الأديان الباطلة, ويظهره الله عليهم فيفلجهم ويدفع شبهاتهم فيُسلِم لذلك بعضهم, ومن نظر بالعيون(3)وتفكر في مباحثات ثامن الأئمة (علیه السلام) في أصول الدين, وفي الإمامة


1) سقطت من الأصل.. ينظر: أمالي الطوسي: ص218.

2) في الأصل بعض المحدثين ذهبوا, والصواب ما أثبتناه.

3) عيون أخبار الرضا (علیه السلام).

لرأى مالا عينٌ رأت مثله ولا أذن سمعت شكله, والمأمون في عهد سلطنته جمع العلماء من المسلمين وغيرهم للمناظرة مع الرضا (علیه السلام) بألْسِنَةٍ مختلفة وكلّهم قطعهم الرضا (علیه السلام) وكأنّه هو الذي صار سبب حسد المأمون له إلى أن دسّ له السم, ولولا وجود الأئمة (علیهم السلام) لاختلّ أمر الدين من كثرة شُبَهِ المعاندين الذين يدخلون في الأذن بغير أذن, ويستغوون ضعفاء العقول من العوام.

وذكر جماعة من الخاصة وغيرهم أنّ الناس في أيام الهادي (علیه السلام) أجدبوا وحصل القحط لقلّة الغيث, فخرج المسلمون يستسقون فما أمطروا, وخرج من بعدهم أهل الكتاب واستسقوا فبعث الله المطر وخجل المسلمون لذلك وطالت ألسِنَة أهل الذمّة عليهم, وصار توهين في الدين فخشى الخليفة من الخلل على خلافته, واستشار من يثق به في كيفية الاستظهار على أهل الكتاب, فأُرشِد إلى الهادي (علیه السلام) فاستغاث به بعد أن بعث له وبأنّ الدين قد حصلت فيه ذلّةٌ ووهن, فقال الإمام الهادي (علیه السلام) له: مُرْ أهلَ الكتاب أن يخرجوا ثانياُ ويستسقوا, فإذا خرجوا ورفعوا أيديهم إلى الدعاء فعيّن أنت رجلاً أن يكون بالقرب من راهبهم فإذا رفع يده فليأخذ الشيء الذي بيده, فإذا أخذه فليأمره بالدعاء, ففعل الخليفة ذلك, فلمّا رفع الراهب يده أخذ الرجل الموَّظف من بين أصابعه عظماً ثم قالله: أدعُ فكلما دعا تقشع الغيم وانقطع المطر فعاد كأنه يدعو الله بعدم المطر, فسأل الإمام (علیه السلام) فقال هذا عظم نبي وكلما كشف إلى السماء هطلت, وبعد أن دفن ذلك العظم خرج الإمام الهادي (علیه السلام) بنفسه إلى الصحراء, فلما أصحر بالمسلمين دعا الله فانهملت السماء بالمطر حتى جاءته الناس أفواجاً يسألونه أن يدعو الله تعالى أن ينقطع المطر(1).

فظهر أنّ المراد من تعزيز الدين في وجود اثني عشر خليفة من هذه الأخبار هو تقوية معاجز حضرة الرسالة وتأكّدها ودفع شبهات الكفار لا تقوية السلطنة


1) ينظر: بحار الأنوار: ج50، ص270.

الموجودة في زمن خلفاء الجور.

لا يقال: سلّمنا إنّ المراد من العزّة العزّة المعنويّة لكنّ النقض بزمن الغيبة وعدم وجود من يدفع الشبهات باق بنفسه لا يدفع بما قلتم, والحال إنّ الأخبار مصرِّحَة بأنّ الدين عزيز بوجود الخلفاء الاثني عشر, فلا جَرَمَ أن يكون المراد من الأخبار إما ما نطقت به أهل السنّة في تفسيرها أو إنّها من المتشابهات التي لا يُفهَم المرادُ منها.

لأنا نقول: إنّ أمر الدين بسبب حضور الأئمة وبياناتهم الكافية الشافية كان محكماً لا ينوشه ضيم ولا زخنة(1), وإنّهم (علیهم السلام) فتحوا لنا باب قطع جميع الفرق, وردّ تشكيكاتهم ودفع شبهاتهم فلا يتم النقض بزمان الغيبة الكبرى لأنّ وضوح أمر الدين سدّ باب المناظرة والمباحثة, وعلى فرض عدم السدّ, فقد فتحوا الباب للعلماء وأرشدوهم إلى سبيل قطع الشبهات بالعقل والنقل, فلا يستظهر المخالف لهم عليهم أبداً, فيدفعوا منكر الربوبية ببراهينها, ومنكر النبوة بالمعجزات, ويقطع منكرها بما أجاب الإمام الصادق (علیه السلام) لحبرٍ من أحبار اليهود, فإنّه نقض عليه بإنكار معجزات موسى, فقال الحبر: إنّ ثَقات الرواة أخبروا بها، فقال الإمام(علیه السلام) وكذلك معجزات نبينا, فإنّ الثِقات أيضاً أخبروا بها ورووها.

والحاصل بعد الإطلاع على ما ورد من الأئمة (علیهم السلام) لا يكاد يتوقف العالم الماهر في دفع شبهة من شُبَهِ أهل الضلال, وروى جماعة أنّ سعد بن عبد الله القمّي(2)دخل على الحسن العسكري (علیه السلام) ، وسأله عن أربعين مسألة من مشكلات المسائل العلمية ومن جملتها إنّ إيمان بعض الصحابة كان كرهاً أو طوعاً, والإمام أمره أن يأخذ جواب جميع ذلك من الصاحب (عجل الله


1) زَخِنَ الرجل زَخَناً: تغير وجهه من حزن أو مرض. لسان العرب مادة (ز خ ن).

2) قال الشيخ الطوسي: سعد بن عبد الله القمي يكنى ابا القاسم جليل القدر واسع الأخبار كثير التصانيف، ثقة. كانت وفاته (رحمه الله) سنة 301ه-، وقيل 299ه-.

فرجه) وكان ابن سنتين, فأجابه الإمام (علیهم السلام) عن جميعها(1).

وعن هشام بن الحكم إنّه قال: "سألت الإمام الصادق (علیه السلام) عن خمسمائة مسألة من مشكلات المسائل الكلامية, فأجاب عنها جميعاً فقلت جُعِلْتُ فِداك أيجب في الإمام العلم بالفرائض والأحكام؟ فأخبرني هل يجب عليه الإحاطة بغيرها من سائر العلوم عقلية أو نقلية؟ فقال الإمام (علیه السلام): أتظنّ يا هشام بأنّ الله تعالى يعيّن للناس إماماً وحجّة وهو لا يعلم جميع ما تحتاج الخلق إليه من العلوم التي من جملتها الإحاطة بجميع علوم الأنبياء والكتب المنزلة وجميع ما في القرآن وجميع التفاسير والتأويلات(2)؟"

وفي العيون إنّ أحبار اليهود والزنادقة وجميع فرق الأديان الباطلة تأتي الرضا (علیه السلام) في شبهاتهم يسألونه أفواجاً أفواجاً ويمتحنونه, وهو (علیه السلام) يفلجهم, وكلّ ذلك كان بتحريك المأمون, وكذا في عصر سائر الأئمة خصوصاً الصادقَين (علیهما السلام)(3)، ولولا وجود الأئمة (علیهم السلام) لم يبق للدين أثر, وقد تضمن حديث الجاثليق إنّ إفحامذوي الأديان الباطلة من المناظرين والملل الفاسدة يتوقف على الإخبار عن الأمور الغيبية وآثار السماوات والأرضين التي لم تعلم للبشر والكتب السماوية المنزّلة بلغاتها المختلفة, ولابدّ أن يعلم ذلك الإمام, فإذاً أيّ عزّة فوق هذه العزّة, وهذا المعنى كان مستداماً إلى زمان الغيبة الكبرى، وبعد ما استغنى الدين عن دفع الشبه في العقائد والمسائل الكلامية غاب الإمام (علیه السلام) عن نظر الناس, ولكن نفعه العام وفيوضاته على الأنام آناً فآناً تتزايد وتعمّ الناس من حيث لا يشعرون, ولم يَرِد على الدين مشكل آخر يحتاج فيه إلى ظهوره (عجل الله فرجه) لأن المشاكل كلّها انحلت إما بالفعل أو بالقوة.


1) ينظر: إرشاد القلوب: ج2، ص422.

2) كتاب الكافي: ج1، ص262. باب أن الأئمة يعلمون علم ما كان وما يكون.

3) هما الإمام محمد بن علي الباقر والإمام جعفر بن محمد الصادق (علیهما السلام).

والثاني باعتبار وجود العلماء المقتبسين من مِشكاةِ الإمامة, فلو إنّ مبدعاً أو مجادلاً ظهر في أصل المذهب تدفعه العلماء التي ارتشفت من بحرها تيك العلوم, فمِن أدلّة العقائد الصحيحة تقدر على دفع الشبهة فيها, ولو فرض وجود شبهة والعياذ بالله لم تقدر على حلّها علماء المسلمين في أصل الدين للزم عقلاً على الإمام دفعها إما بالمباشرة أو بالتسبب, وهكذا لو بدت سائر فرق المسلمين على الإمامية شبهة قوية لا تقدر الإمامية على حلّها, فلا بدّ أن يحلها الإمام (علیه السلام)، ومن الأمور المشاهدة أنّ الإستغاثة بالإمام الثاني عشر (عجل الله فرجه) له الأثر التام في دفع المشكلات نوعية وشخصية كلّيّة وجزئيّة, وما وقع له (عجل الله فرجه) من المعجزات المرئية يضيق عنها نطاق القلم, وإنّ صريح الأخبار المذكورة أنّ الإمام يرفع كلّ زيادة ونقيصة من المفسدين والكذابين ويتدارك إصلاح أمر الدين لو ناشه ما يقتضي إفساده من المعاندين فما المراد بالزيادة والنقيصة في الأخبار؟ وهذا المعنى هل ينافي الغيبة أم لا؟.

فالجواب عن ذلك إنّ الظاهر من الزيادة والنقيصة أن تكون في العقائد لا مطلقاً, وبناءً على ذلك محافظة الإمام (علیه السلام) للدين من الزيادة والنقصان بالمعنى المتقدّم لازم وهو حاصل, ويُحتمَل أن يراد بهما الاطلاق فتشمل فروع الدين والأحكام العملية من الواجبات والمحرمات, وعلى هذا فيراد بالمحافظة المحافظة فيالجملة, أيْ ولو كانت في البعض دون البعض, ومن هنا أنّ بعض علماء الإمامية لمّا فسّروا أحاديث الزيادة والنقصان التي لا بد أن يتداركها الإمام (علیه السلام) بالأعمّ من العقائد ذهبوا إلى أنّ حجّية الإجماع من باب اللطف وقالوا إنّ الأمّة لو اجتمعت على الخطأ أو وَقِعوا في الضلالة يجب على الإمام (عجل الله فرجه) إرشادهم إمّا بظهوره لهم أو بطرق أخرى يحصل بها الإرشاد عند الزيغ وإلاّ تبطل فائدة وجود الإمام, وهذا الطريق وإن لم يكن مُرضي أكثر علمائنا المحققين لكن بواسطة تلك الأخبار لا يمكن ردّ هذا الاحتمال, وتَفصيلُه في الأصول.

ويحتمل ثالثاً إنّ المراد من المحافظة المحافظة الشأنية ولو لم تصل إلى الفعلية كما فسّر أخبار عزّة الشرع بذلك القاضي وغيره من علمائنا, وملخّص ذلك إنّه لا بد أن يكون في الأمّة إمام من جانب الله تعالى يمكنه حفظ الدين من الزيادة والنقيصة وإن عاقَه عن ذلك ظلم الظالمين له, أو عاقَه بعض المصالح التي ترفع هذه المفسدة مثل غيبته أو عدم بسط يده, والمعنى الأول أقرب والله العالم.

الحديث الثالث: حديث المنزلة.

وهو متواتر عند الشيعة, ومروي عند أهل السنّة بل متواتر أيضاً كما ستعرف, وممن رواه الفاضل أحمد بن حنبل, قال إنّ رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لما خرج إلى تبوك في الغزو استخلف على المدينة المنورة علياً (علیه السلام)، فقال له: ما كنت أحب أن تخرج في وجهة إلا وأنا معك, فقال أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي) ورواه أيضاً غيره من المحدثين وشيوخ أهل السنّة(1).

ودلالة هذا الحديث على خلافة حضرة الأمير (علیه السلام) صريحة جداً, لكن من علماء أهل السنّة من ناقش في دلالته بوجوه كلّها موهونة, منها إنّه خبر واحد لم يبلغ درجة التواتر فلا يصلح الاستناد إليه في مثل المفروض.

وردُّه بأنّ نَقَلَة هذا الحديث هم نَقَلَة حديث الغدير السابق, وقد ثبت تواتره فهذا مثله, ونُقِل عن صاحب نهج الإيمان(2)

ينظر: كتاب نهج الإيمان: ص398.

إنّه بعد أن صرّح بتواتره قال: هذا حديث بيّن ظاهر لا يحتاج إلى الإثبات, ذكره البخاري وأبو داود والترمذي في صحاحهم, وذكر في الجمع بين الصحيحين, والجامع بين الصحاح السِّتّة, وذكره أيضاً ابن عقدة وأبو نصر الحربي والخطيب والعسكري وابن المغازلي في

1) ينظر: مسند أحمد بن حنبل: ج1، ص177.

2) نهج الإيمان من مصنفات الشيخ زين الدين علي بن يوسف بن جبر من أعلام القرن السابع.

العقد والتحقيق والتاريخ والفضائل والمناقب من كتبهم(1).

وبعضهم رواه بطرق متعددة كالأول فإنّه رواه بعشر طرق, وأمّا ما انتهت إليهم رواية هذا الحديث عن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) فهم جماعة منهم عبد الله بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عباس وجابر الأنصاري وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وجابر بن سمرة والْبَرَاءُ بن عازب وزيد بن أرقم, وأبو رافع مولى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وعبد الله بن أوْفى وأنس بن مالك وأبو برده الأسلمي, وأبو أيوب الأنصاري وعقيل بن أبي طالب ومعاوية وأم سلمة وأسماء بنت عُمَيس وسعيد بن المسيب ومحمد بن علي بن الحسين فإنّ كل هؤلاء النفر رَووا هذا الحديث عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال بعض المتبحرين إنّ كل واحد من هؤلاء الجماعة كألف.

أقول قد ذكرنا سابقاً إنّ المناط في صحة الاستدلال على قطعية الحديث لا ينحصر بالتواتر, فلو سلّمنا عدم تواتره فالقرائن القطعية من جهة التعاضد ورواية أهل السنّة له تفيد القطع بالصدور, وفي خبر الجاثليق الذي صححناه أنّ الأمير (علیه السلام) قال: أنا من النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) بمنزلة هارون من موسى وشمعون من عيسى, ولو فُرض عدم قطعية هذا الحديث أيضاً يلزم أهل السنّة قبوله, لأنّ مسألةالإمامة بناءً على مذهبهم هي من فروع الدين, والخبر الواحد حجة في الفروع بالإجماع فلا ينفع منع التواتر.

ومنها ما عن سعد الدين من منع عموم المنزلة نظراً إلى انقطاع الاستثناء والمنقطع منه لا يقضي بعموم المستثنى منه(2).

وأجيب بعدم كونه منقطعاً بل هو بمنزلة إلاّ النبوة فيكون متصلاً, ويقضي


1) هاهُنا لف ونشر مرتب فكتاب العقد لابن عقدة والتحقيق لأبي نصر الحربي والتاريخ للخطيب البغدادي والفضائل للعسكري والمناقب لابن المغازلي.

2) الإستثناء المنقطع: ما كان المستثنى ليس من جنس المستثنى منه.

بعموم المستثنى منه.

يقول المؤلف إنّه لا فرق بين إلاّ إنّه لا نبيّ بعدي أو إلاّ النبوّة من جهة اتصال الاستثناء أو انقطاعه بل إلاّ النبوّة أنسب بكونه منقطعاً كما لا يخفى.

والجواب الصحيح عن هذه المناقشة إنّ دلالة منقطع الاستثناء على العموم أقوى من متصله, لأنّ مطلق الاستثناء من علائم العموم, ولم يفرّق بين الاستثنائين أحد, بل هو في المنقطع آكد, لأنّ قولنا جاء القوم إلا حماراً بحسب متفاهم العرف نصّ في عموم القوم, وعدم تخلف أحد منهم في المجيء والحال إنّما الاستثناء بالنسبة إلى حمارهم لا أنفسهم , ومثله [لا يَذُوْقُونَ فِيْها المَوتَ إِلاّ المَوْتَةَ الأُولى](1), بخلاف ما جاءني القوم إلا زيد, فإنّ دلالته على عموم عدم المجيء لغير المستثنى لا يكون إلاّ بملاحظة عموم لفظ القوم(2), وأيضاً لو سلّمنا الانقطاع في الاستثناء, وسلّمنا مماشاةً للخصم بعدم دلالته على العموم لكنّه قطعاً لا يقضي بعدم العموم. غاية ما في الباب أن يكون الحديث نظير التراب بمنزلة الماء وغيرها, ومن الموارد المذكور فيها المنزلة بِلا تعقّب الاستثناء ومن المحقق في الأصول ثبوت عموم المنزلة إن لم يكن اللفظ منصرفاً إلى بعض الأفراد لظهورهأو لقرائن أخرى لفظية أو غيرها بحيث تمنع العموم الحكمي بالنسبة إلى الفرد غير الظاهر, ومن المعلوم أنّ التصرف في أمور الأمّة إما أن يكون مسلوباً لباقي شؤون هارون, أو إنّه أظهر أفراد شؤونه وخواصّه فالتصرف المذكور لا بد أن يكون مُراداً على فرض العموم وعدمه.

سلّمنا عدم عموم المنزلة والقول بإجمال تنزيل شيء مقام شيء في العموم والخصوص لكنّ الآية ]وَاجْعَلْ لي وَزِيراً مِنْ أَهْلي، هارُونَ أَخي، أُشْدُدْ بِهِ أَزْري,


1) سورة الدخان: آية 56.

2) في حالة الرفع كما ورد في المتن (زيد) سيكون بدلاً من القوم بدل بعض من الكل.

وَأَشْرِكْهُ في أَمْري[ عن لسان كليم الله ظاهرة في إرادة الاشتراك في النبوة وتبليغ الرسالة, والتصرّف في أمور الأمّة, وغير هذه المناصب لم يكن مذكوراً في الآية الشريفة مما هو من شؤون هارون وأوصافه كي ما يكون في تنزيلٍ على منزلته ناظراً إلى تلك الصفة وحينئذ لا يراد من التنزيل في الحديث إلا المشاركة في أمر النبوة.

ومنها أنّ الفخر الرازي نقل في أربعينه(1)إنّ التنزيل منزلة هارون لا يقضي الزيادة على هارون إذ غاية ما يدل عليه أنّ الأمير (علیه السلام) كهارون, ومعلوم أنّ الثابت لهارون هو الشركة في النبوّة والخلافة في حياة موسى (علیه السلام) لأنّه مات قبله ومن أين يُعلَم أنّ هارون لو لم يمت وبقى خلف موسى كان وصيّه وخليفته بعده؟ فعسى أن يكون له الاستقلال في النبوّة, ولربما نسخ شريعة موسى ولا نَقْصَ على هارون إذا لم يتصرف في أمور الأمّة بعد أخيه من جهة الاستخلاف, بل إذا كان تصرفه بالاستقلال كان أرفع لشأنه لأن النبي أشرف من الإمام, بل لو لم يتصرف أبداً لا نقص في ذلك عليه ويكون حاله حال أوصياء عيسى لما عُزِلوا في نبوة نبيّنا (صلی الله علیه و آله و سلم).

وأجاب عن ذلك بعض علمائنا المتبحرين إنّ مناط الآية ثبوت منصبالتصرف في الأمّة لهارون وهو أعم من أن يكون بالاستقلال أو لِجهة الاستخلاف, وثبوت هذا المنصب يستلزم خلافته ورئاسته على الأمّة لو بقي بعد أخيه وحينئذ هذا المنصب على عمومه بعد موت موسى (علیه السلام) لأخيه هارون ثابت ولو كان على جهة الاستقلال، وهو عين مفاد الآية ومقتضى حديث المنزلة بثبوت مثل هذا المنصب لعليّ (علیه السلام)، لكن حيث إنّ النبي خاتم الأنبياء بالبديهة فلا بدّ من تحقق المنصب المذكور في ضمن الخلافة وإلاّ لا تكون منزلة عليّ مثل منزلة هارون, والحال إنّ الحديث صريح بالمماثلة.


1) الأربعين في أصول الدين، للفخر الرازي: ص464.

أقول هذا الجواب غير مرضٍ عندي في ردِّ الفخر الرازي, لأن مفاد الآية بملاحظة موت هارون قبل موسى (علیه السلام) هو الشركة في النبوة لا الاستقلال في التصرف, والمشاركة المزبورة ثَبُتَتْ لعليّ من حيث استخلافه على المدينة في الغزوة المرقومة فمِن أين ثَبُت له الاستقلال؟ والحال إنّه لم يَثبُت لهارون.

فالتحقيق في الجواب: إنّ وجه الشبه هو الشركة في النبوّة والتصرف في أمر الأمّة لا كيفية الشركة, ومن البيّن إنّه لا يلزم في الشركة اجتماع حقوق المشاركين في زمان واحد, بل يختلف الزمان باختلاف موارد الشركة وأسبابها فقد تجتمع في زمان واحد ولازم ذلك في الأملاك الإشاعة مثل اجتماع حقوق الوارث في التركة, وفي التصرفات نفوذ تصرف كل واحد من الشريكين إما بالاستقلال مثل الأب والجد أو بانضمام الآخر إليه فيما عداهما وقد تكون في زمانين على الترتيب وهو في الأملاك نظير الوقف الترتيبي, وفي التصرفات نظير سلطنة الوصيّ بالنسبة إلى سلطنة الموصِي, وفي كل هذه الموارد الشركة ثابتة ولمّا كان صريح الكتاب المجيد مشاركة هارون لموسى (علیه السلام) في النبوة والتصرف في أمر الأمّة فلا جَرَم أن يكون (عَلِيٌّ)(1)شريكاً للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في تبليغ الشرع ورجوع الأمّة إليه فيما يحتاجون, ويَثْبُت ذلك بحديث المنزلة, ولا يضّر إختلاف الكيفية فإنّ اختلافالخصوصيات لا يرفع أصل الشركة, لكن يبقى في المقام أنّ ذلك كلّه لا يرفع إيراد الروزبهاني على الدليل المذكور ويحتاج دفعه إلى جواب آخر.

وملخص المناقشة, إنّ الحديث مهمل ومجمل بالنسبة إلى الشِرْكَتين, كما إنّه غير صريح بالشِرْكة في زمان واحد, كذلك لا صراحة فيه ولا نصوصية على الشركة الترتيبية المفيدة في المقام, فيمكن أن تكون الشركة مثل هارون وموسى ويمكن أن تكون مثل الوصيّ والموصّي, وبعد حمل الحديث على بيان أصل الشركة تبقى الكيفية مسكوتاً عنها فيه, فإرادة خصوص الشركة الترتيبية تحتاج


1) ورد في الأصل "علياً" والصواب ما أوردناه.

إلى قرينة مفقودة فيه إن لم تكن القرينة فيه ظاهرة على غيرها, فقد ادّعى أنّ قرينة المسافرة والمماثلة لهارون من حيث أن خلّفه موسى (علیه السلام) في قومه لما مضى إلى الطور تقتضي بأنّ مشاركة عليّ (علیه السلام) للنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) في خصوص زمان غيبته إلى تبوك لا مطلقاً حتى بعد فقده, وإن اختلفا في أنّ استخلاف هارون في زمان محدود بخلاف استخلاف عليّ (علیه السلام) فإنّ هذا الاختلاف لا يقتضي بترتيبه الإستخلاف.

ودفع هذه الشبهة يمكن أن يكون بطريقين بإنّ هذا الحديث لم يختص بغزوة تبوك فقط كما ذكره ابن حنبل, بل قال ذلك في مقامات عديدة وموارد متكثرّة… إلى هنا جفَّ قلم شيخنا الأجلّ الشيخ عباس كاشف الغطاء (قدّس سرّه).

والله الهادي إلى الصواب.

والحمد لله أولاً وآخراً والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله وآله الطاهرين.

ثبت المصادر والمراجع

1.

القرآن الكريم.

2.

الإحتجاج 2 أحمد بن علي الطبري, ت: محمد باقر الخرسان, دار النعمان, د. ت.

3.

الأحكام, آية الله الشيخ علي كاشف الغطاء, مؤسسة كاشف الغطاء العامة, النجف الأشرف, د. ت.

4.

الأربعين في أصول الدين, الفخر الرازي, طرا, حيدر آباد, 1353ه-.

5.

أرجوزة في الحج والصيام والخمس، الشيخ عباس كاشف الغطاء، إصدارات مكتبة كاشف الغطاء، النجف الأشرف، 1423ه- - 2002م.

6.

إرشاد القلوب, الحسن بن أبي الحسن الديلمي, دار الشريف الرضي, 1412ه-.

7.

أضواء على الصحيحين, الشيخ محمد صادق النجمي, ترجمة يحيى كمالي البحراني, مؤسسة المعارف الإسلامية, د. ت.

8.

الأعلام, خير الدين الزركلي, دار العلم للملايين, بيروت – لبنان, ط5, د. ت.

9.

الأمالي, الشيخ الطوسي, دار الثقافة للنشر, 1414ه-.

10.

الباب الحادي عشر, العلامة الحلي مع شرحيه (النافع يوم الحشر للمقداد السيوري, ومفتاح الباب لأبي الفتح بن مخدوم الحسيني), ت: مهدي المحقق.

11.

بحار الأنوار, العلامة المجلسي, مؤسسة الوفاء, بيروت – لبنان, د. ت.

12.

تاريخ خليفة بن خياط, خليفة بن خياط العصقري, ت: د. سهيل زكار,

دار الفكر – بيروت د. ت.

13.

التاريخ الكبير, أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري, المكتبة الإسلامية, ديار بكر, د. ت.

14.

تأويل مختلف الحديث, أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة, ت: الشيخ يحيى اكمالي البحراني, مؤسسة المعارف الإسلامية, د. ت.

15.

تذكرة الأئمة, محمد باقر المجلسي, فارسي, المطبعة الحجرية, إيران, 1300ه-.

16.

تفسير القمي, علي بن إبراهيم بن هاشم القمي, مؤسسة دار الكتاب, قم, 1412ه-.

17.

التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب, فخر الدين الرازي, دار الكتب العلمية, ط, 1421ه-.

18.

تنبيه الأمة وتنزيه الملة, آية الله المحقق النائيني, تعريب: عبد الحسين آل نجف, مؤسسة أحسن الحديث, د. ت.

19.

جمل من أنساب الأشراف أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري, ت: د. زكار, د. رياض زركلي, دار الفكر, د. ت.

20.

خلاصة عبقات الأنوار في إمامة الأئمة الأطهار, حامد حسين الكهنوي, مجمع البحوث الإسلامية للدراسات والنشر, بيروت – لبنان 1415ه-.

21.

الدر المنثور, جلال الدين السيوطي, دار المعرفة, ط, د. ت.

22.

رجال السيد بحر العلوم المعروف بالفوائد الرجالية, محمد مهدي بحر العلوم, مكتبة الصادق, طهران, د. ت.

23.

رجال العلامة الحلي, العلامة الحلي, دار الذخائر, قم, إيران.

24.

سحر بابل وسجع البلابل، ديوان السيد جعفر الحلي النجفي، شرح الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء.

25.

سر العالمين وكشف ما في الدارين ويسمى السر المكنون, أبو حامد محمد الغزالي, طبعة حجرية, بومبي, 1314ه-.

26.

سنن الترمذي, محمد بن عيسى الترمذي, ت: عبد الرحمن محمد عثمان, دار الفكر, بيروت, ط2, 1403ه-.

27.

السنن الكبرى, أحمد بن الحسين البيهقي, دار الفكر, بيروت - لبنان, د.ت.

28.

سِيَرُ أعلام النبلاء, الذهبي, ت: شُعَيْبٌ الارنؤوط, مؤسسة الرسالة, بيروت – لبنان 1413ه-.

29.

الشافي في الإمامة, الشريف المرتضى على بن الحسين الموسوي, مؤسسة الصادق للطباعة والنشر, د. ت.

30.

شرح التجريد, للفاضل القوشجي, طبعة حجرية 1285ه-.

31.

شرح الرسالة الرشيدية على الرسالة الشريفية للسيد الشريف الجرجاني, طبعة حجرية.

32.

شرح الرضي على الكافية, نجم الأئمة الرضي الاسترابادي, تصحيح وتعليق: يوسف حسن, مؤسسة الصادق, طهران, د. ت.

33.

شرح المصطلحات الفلسفية, إعداد قسم الكلام في مجمع البحوث الإسلامية, ط1, 1414ه-.

34.

شرح المصطلحات الكلامية, إعداد قسم الكلام في مجمع البحوث الإسلامية, ط1, 1414ه-.

35.

شرح المقاصد, سعد الدين التفتازاني, ت: د. عبد الرحمن عميرة, ط1,1. 1989م.

36.

شرح نهج البلاغة, لابن أبي الحديد, ت: أبو الفضل إبراهيم.

37.

شعراء الغري (النجفيات)، علي الخاقاني، المطبعة الحيدرية، النجف، 1373ه- - 1954م.

38.

الصحاح, إسماعيل بن حماد الجوهري, ت: أحمد بن عبد الغفور عطار, ط4, دار العلم للملايين, بيروت- لبنان, د. ت.

39.

صحيح البخاري, محمد بن إسماعيل البخاري, الناشر, دار الفكر, بيروت, د. ت.

40.

صحيح مسلم, مسلم بن الحجاج النيسابوري, دار الفكر بيروت, د. ت.

41.

صحيح مسلم, بشرح النووي, النووي, دار الكتاب العربي, بيروت - لبنان, 1407ه-.

42.

طبقات الشيعة، تأليف اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (علیه السلام) إشراف جعفر السبحاني، الطبعة الأولى، مطبعة مؤسسة الإمام الصادق (علیه السلام) 1424ه-.

43.

طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر في القرن الرابع عشر، أغا بزرك الطِّهْراني، المطبعة العلمية، النجف الأشرف، 1373ه- - 1954م.

44.

طرق حديث الغدير, برواية الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن الدمشقي الشهير بابن عساكر, جمع وتحقيق: أمير التقدمي المعصومي, منشورات الدليل, ط 11, 1421ه-.

45.

عبد الله بن سبأ وأساطير أخرى, السيد مرتضى العسكري, دار الزهراء, بيروت, د. ت.

46.

العقد الفريد, أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي, ت: أحمد أمين أحمد الزين إبراهيم الانباري, لجنة التأليف والترجمة والنشر, القاهرة, مصر, 1944م.

47.

علل الشرايع, الشيخ الصدوق, مكتبة الداوري, قم – إيران, د. ت.

48.

العمدة, إبن البطريق الأسدي الحلي, ت: جامعة المدرسين في قم, مؤسسة النشر الإسلامي, قم – ايران د. ت.

49.

العين, الخليل بن أحمد الفراهيدي, ت: د. مهدي المخزومي, د. إبراهيم السامرائي, دار الهجرة.

50.

عيون أخبار الرضا (علیه السلام), الشيخ الصدوق, دار العالم للنشر, د. ت.

51.

الفائقة في النحو، الشيخ عباس كاشف الغطاء، مكتبة كاشف الغطاء، النجف الأشرف، 1420ه- - 1999م.

52.

فتح الباري بشرح صحيح البخاري, لإبن حجر العسقلاني, دار المعرفة, ط2, بيروت - لبنان, د. ت.

53.

فتح القدير, محمد بن علي بن محمد الشوكاني, عالم الكتب.

54.

فيض الإله في ترجمة القاضي نور الله, جلال الدين الحسيني, مطبعة شركة سهامي.

55.

القاموسِ المحيط, الفيروز آبادي, بيروت - لبنان, د. ت.

56.

كتاب سليمُ بن قيس الكوفي, أبو صادق سليم بن قيس الهلالي العامري الكوفي, ت: الشيخ محمد باقر الانصاري.

57.

الكافي- الكليني – دار الكتب الإسلامية, 1365ه-.

58.

الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل, محمود بن

عمر الزمخشري, الخوارزمي دار إحياء التراث الإسلامي, بيروت, لبنان, د. ت.

59.

كشف الغمة, علي بن عيسى الأربلي, بني هاشمي, 1381ه-.

60.

كشف المراد في شرح تجريد الإعتقاد, العلامة الحسن بن موسى الحلي, مطبعة الحكمة.

61.

الكشف والبيان في تفسير القرآن, أبو إسحاق أحمد بن محمد الثعالبي, دار الكتب العلمية, بيروت, لبنان, د. ت.

62.

لسان العرب, ابن منظور, نشر أدب الحوزة, طهران, إيران, د. ت.

63.

ماضي النجف وحاضرها، الشيخ جعفر الشيخ باقر آل محبوبة، عني بطبعه ونشره: محمد سعيد محبوبة، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، ط2، 1378ه- - 1958م.

64.

معارف الرجال في تراجم العلماء والأدباء، الشيخ محمد حرز الدين، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، 1385ه- - 1965م.

65.

مجمع الأمثال, أبو الفضل أحمد بن محمد النيسابوري الميداني, ت: محمد محي الدين عبد الحميد. القاهرة, مصر, د. ت.

66.

مستدرك الوسائل, الحدث النوري, مؤسسة آل البيت, 1408ه-.

67.

مسند أحمد, أحمد بن حنبل, دار صادر, بيروت, لبنان, د. ت.

68.

مصنف عبد الرزاق, أبو بكر عبد الرزاق, ت: حبيب الرحمن الأعظمي.

69.

معالم أصول الدين, فخر الدين الرازي, المطبعة الحسينية المصرية, ط1, 1323ه-.

70.

معجم البلدان – ياقوت الحموي, دار إحياء التراث العربي, بيروت,

لبنان, د. ت.

71.

المعجم الوسيط, د. إبراهيم أنيس, د. عبد الحليم منتصر ود. عطية الواصلي ومحمد خلف الله الصمد, دار الأمواج, بيروت - لبنان, د. ت.

72.

مقتضب الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر, الشيخ أحمد بن محمد بن عبيد الله بن عياش الجوهري, مكتبة الطباطبائي, قم, إيران, د. ت.

73.

مناقب علي بن أبي طالب (علیه السلام), أبو الحسن علي بن محمد الواسطي الجلابي الشهير بابن المغازي, ت: محمد باقر البهبودي, منشورات المكتبة الإسلامية طهران, ط1, 1394ه-.

74.

منتهى الأصول, السيد ميرزا حسن البجنوردي, مؤسسة مطبعة العروج.

75.

المواقف في علم الكلام, تأليف القاضي عبد الرحمن بن أحمد الآيجي, عالم الكتب, بيروت, لبنان, د. ت.

76.

موسوعة عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن, السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان, نسخة المؤلف.

77.

ميزان الإعتدال, الذهبي, ت: علي محمد البجاوي, دار المعرفة, بيروت, د. ت.

78.

نبذة الغري في أحوال الحسن الجعفري، الشيخ عباس كاشف الغطاء، تحقيق: عدنان كاظم مهدي، مكتبة كاشف الغطاء، النجف الأشرف، 1425ه- - 2004م.

79.

نَفَسُ الرحمن في فضائل سلمان, ميرزا حسين, ت: جواد قيومي, مؤسسة الوفاق, ط 1, 1410ه-.

80.

نهج الإيمان, الشيخ زين الدين علي بن يوسف بن جبر, ت: أحمد الحسيني, مجمع الإمام الهادي, مشهد- إيران, د. ت.

81.

نهج الحق وكشف الصدق, للإمام الحسن بن يوسف المطهر الحلي, ت: الشيخ عين الله الحسيني الأرموي, دار الهجرة, قم, د. ت.

82.

نهج البلاغة, للإمام علي بن أبي طالب, ت: محمد عبده, مطبعة الاستقامة, القاهرة, مصر.

83.

وسائل الشيعة, الحر العاملي, مؤسسة آل البيت, 1409ه-.

84.

ينابيع المودة لذوي القربى, الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي, ت: علي جمال أشرف الحسيني, دار الأسوة.

فهرس الموضوعات

مقدمة التحقيق. 7

أهمية المخطوطة: 8

وصف المخطوطة: 9

منهج التحقيق: 10

ترجمة المؤلف.. 15

1- نسبه وولادته: 15

2- أساتذته: 15

3- تلامذته: 16

4- أقوال نخبة من العلماء فيه: 16

5- مؤلفاته: 18

6- نثره الفني ورسائله: 19

7- شعره: 20

8- وفاته: 24

9- عقبه: 25

الرابع من أصول الدين: 27

الإمامة 27

المقدمة الأولى: 30

دعوة الشيعة بالنص بالإمامة متقدمة على دعوى العامة بخلافة الخلفاء 30

المقدمة الثانية: 32

المعجزة وخوارق العادات.. 32

المقدمة الثالثة: 34

ثبوت أدلة الشيعة يقضي بعدم الحاجة 34

ال-ى إبطال أدلة خلافة الخلفاء 34

المقدمة الرابعة: 35

تقسيمات في الممكن والمحال والأدلة الشرعية 35

المقدمة الخامسة: 36

ما ثبتت به النبوة تثبت به الإمامة وزيادة 36

الأدلة القطعية في صحة مذهب الإمامية 36

المقصد الأول: 37

الباب الأول: 40

الأدلة غير النقلية 40

الدليل الأول: 40

العقل. 40

المقدمة الأولى: 40

المقدمة الثانية: 41

المقدمة الثالثة: 41

المقدمة الرابعة: 41

المقدمة الخامسة: 41

المقدمة السادسة: 42

المقدمة السابعة: 42

مناقشة المقدمة الثانية: 43

مناقشة المقدمة الثالثة: 52

والجواب عن هذا الرد: 53

مناقشة المقدمة الرابعة: 55

مناقشة المقدمة الخامسة: 56

الدليل الثاني: 68

دليل اللطف.. 68

الدليل الثالث (من الأدلة غير السمعية): 82

استقراء حال الأنبياء 82

الدليل الرابع من الأدلة العقلية على خلافة مولانا الأمير (علیه السلام): 83

شاهد الحال. 83

الخامس من الأدلة: (التي هي غير سمعية): 92

دعواه للإمامة والخلافة 92

الدليل السادس: (وهو من الأدلّة العقلية): 94

الإمام معصوم. 94

الدليل السابع (وهو من الأدلة العقلية): 97

أفضليته 97

الدليل الثامن (وهو من الأدلة غير السمعية): 99

إجماع الإمامية 99

الباب الثاني: 106

الأدلّة النقلية على إمامة أمير المؤمني-ن (علیه السلام)... 106

الأدلة السمعية: 126

(السنّة النبوية). 126

(الحديث الأول): الغدير. 126

الحديث الثاني: إن خلفاء رسول الله 5 إثنا عشر خليفة. 141

الحديث الثالث: حديث المنزلة. 166

ثبت المصادر والمراجع. 173

فهرس الموضوعات.. 181

In the name of Allah, the most merciful, the compassionate

This book deals with the subject of Imamah from the point of its proving and refuting the suspicions a bout it. It discusses an origin from those religious principles that have been debated on.

It also treats the matter of Imamah in a vigorous scientific and well – elaborate style and with an accurate objectivity a way from personal ideas or narrow individual conflicts.

The author follows the intellectual evidence in asserting Imamah and the receptive evidence was not sufficient. The backed his intellectual evidence by the taken proof.

The author, in asserting the Imamah, depended on the reference books of its non _ conformists so that it could be a striking proof and the evidences would be more convincing.