ghaemiyeh.com
عنوان و نام پدیدآور :صلاة المسافر/ تالیف آیة الله العظمی علي الحسیني البهشتي قدس سره؛ تحقیق قیس بهجت العطار.
تفاصيل النشر:قم: دلیل ما، 1387.
مواصفات المظهر:228 ص.
ISBN :0-406-397-964-978
حالة القائمة :فیپا
لسان :العربية.
یادداشت :کتابنامه
موضوع :نماز مسافر
شناسه افزوده :عطار، قیس
تصنيف الكونجرس:1387ص9ب/BP1387
تصنيف ديوي:297/253
رقم الببليوغرافيا الوطنية:1257405
تالیف:علی الحسینی البهشتی
تحقیق:قیس بهجت العطار
منشورات دلیل ما
الطبعة الاولی:1429ه ق1387ه ش
طبع فی:1000نسخه
المطبعة:نگارش
السعرمجلّداً:3000توماناً
ردمک:406-397-964-978
العنوان:ایران،قم ،شارع المعلم،ساحة روح اللّه،رقم65
هاتف وفکس:7733413-7744988-(98251)
صندوق البرید:1153-37135
WWWDalilema.com
info@Dalilema.com
محرر الرقمي : زهرا الشریفي گرم دره
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
إهداء به كتابخانه قائمية 24 /ربيع الثاني / 1445ه-
سيد محسن حسینی بهشتی
صلاة المسافر
تأليف :
فقيه أهل البيت المرجع الديني
آية الله العظمى السيّد علي الحسيني البهشتي (قدّس سرّه)
تحقیق: الشيخ قيس بهجت العطار
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبيّن الطاهرين،
واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين .
وبعد ، فإنّ ممّا لا شكّ فيه هو أنّ علم الأديان أشرف العلوم على الإطلاق، لأنّ فيه حياة البشريّة الكريمة وحفظ نظامها ، وتنظيم القوانين التي فيها حفظ النوع وديمومة البقاء، ناهيك عمّا هو الأهّم من ضمان الامتثال والانتهاء لضمان ما بعد الموت أعنى الحياة الأخروية.
وأهمّ علم من علوم الأديان -بعد علم العقائد- هو علم الفقه وما يجب على المكلّف فعله وما ينبغي عليه تركه ، ولذلك وردت في القرآن المجيد آيات الأحكام بوفرة وافرة، وجاءت السنة النبوّية المباركة لبيان الأحكام وشرحها وتوضيح فروعها ، مضافاً إلى ما شرّعه الرسول الأكرم( صلى اللّه عليه وآله) في جميع جوانب الحياة وجزئيّاتها ، فكانت الروايات متكفّلة لبيان كلّ شاردة وواردة .
وبعد غياب الرسول الأكرم(صلی اللّه علیه وآله) وغصب الخلافة من أهلها ومحاولة الغاصبين سدّ فوّارة العلم ، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام ): حاول القوم إطفاء نور اللّه
مصباحه وسدّ فوّاره من ينبوعه (1)، وقع الصحابة - إلّا من عصم الّله - في حيص بيص، وأخذتهم الأهواء والآراء يميناً وشمالاً، فراح أهل البيت (عليهم السلام) يبيّنون للناس الحقّ الصّراح، ويربّون العلماء ويولونهم أشدّ الاهتمام، ويرجعون من حاد عن الجادّة إليها، وخصوصاً في زمان الأمويين الذين حاولوا إشاعة تحريف كلّ شيء، ومن بعدهم رسخ العبّاسيّون نفس النهج وزادوا اختلاق المذاهب الأربعة وغيرها من المذاهب المنقرضة.
ولذلك قال الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام) رداً على بعض مزاعم الحسن البصري: فليذهب الحسن يميناً وشمالاً ، فواللّه ما يوجد العلم إلّا هاهنا)(2)
وقال (عليه السلام )رادّا على بعض مفتريات الحكم بن عتيبة الفقهيّة : فليُشَرِّق الحكم وليُغَرِّب ، أما واللّه لا يصيب العلم إلّا من أهل بيت نزل عليهم جبرئيل (عليه السلام )(3).
واستمرّ نهج الأئّمة (عليهم السلام) على ذلك حتّى كان وقوع غيبة الإمام الثاني عشر الحجة ابن الحسن (عجل اللّه فرجه الشريف)، فعكف أتباع أهل البيت على جمع كُتب وأصول أصحاب الأئمّة وتبويبها، فكانت الكتب الأربعة وغيرها من أمّهات مصادر الحديث الإمامي، وهي التي عليها مدار الاستنباط والاستدلال في الفقه .
وقد سارت قافلة الفقهاء مُجدّة حثيثة منذ والد الصدوق والصدوق والكليني
والمفيد والمرتضى والطوسي مارّة عبر مراحل صعبة عديدة بابن إدريس والمحقّق الحلّي والعلّامة الحلّي والشهيدين، قاصدة إلى المحقّق الكركي والمحقّق الأردبيلي ،والسيّد محمّد العاملي صاحب المدارك والبهائي والمجّلسيين وغيرهم، راسية عند کبار علماء الطائفة في القرن الرابع عشر، حيث وصل علم الفقه إلى قمه الشامخة ومبانيه المتينة ومناهجه المتميزّة، فكانت ولادة خيرة الفقهاء الأصوليين والعلماء الربانييّن ومن ليس بوسع المنصّف إلّا أن ينحني أمامهم إكباراً وإجلالاً.
السيّد علي البهشتي:
ومن هؤلاء الأعلام الذين قد يعقم الزمان أن يلد أمثالهم إلّا بعد سنين وأعوام، هو السيّد على الحسيني البهشتي ..!
وهو آية اللّه العظمى السيّد علي بن السيّد حسن بن السيّد إسماعيل ،الحسيني البهشتي ، حيث ينتهي نسبه الشريف إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب(علیهم السلام).
ولد السيّد المؤلّف سنة 1324 ه- ق في مدينة «بابُل» من إقليم مازندران شمالي إيران .ونشأ وترعرع بها برعاية والده العلُامة الجليل السيُد حسن ، الذي كان قد درس في النجف الأشرف ومن تلامذة المجدّد الشيرازي ، وكان ذا ورع وتقوى ونسك عجيب ، حتُى أنُه عند ما رجع إلى مدينة «بابُل» كان أهلها يشبهّونه بأهل الجنّة،ولذلك اطلقوا عليه لقب «البهشتي» أيّ الجنَّتيّ.
وعلى كلّ حال فقد درس السيّد علي البهشتي مبادئ العلوم على يد والده، وأساتذة آخرين مشهورين في مدينته .
وعندما بلغ السيّد علي مبلغ الشباب توفي والده سنة 1341ه- ق الموافق 1923م ، فواصل دراسته إلى أن بلغ مرحلة السطوح .
ثمّ هاجر إلى طهران لمواصلة دراسته وذلك سنة 1343ه- ق ونزل في مدرسة خان مروي العلميّة ، ثّم انتقل إلى مدرسة «سپه سالار»، ودرس على يد العلّامة الفاضل الشيخ محمد علي اللواساني.
ثّم هاجر إلى مدينة قم المقدّسة سنة 1348ه- ق الموافق 1930م ، وسكن في مدرسة دار الشفا» الواقعة بجانب المدرسة الفيضّية، وأخذ يواصل دراساته وبحوثه العالية في الفقه والأصول، فدرس كتاب الرسائل عند آية اللّه السيّد محمدرضا الگلبايگاني، والكفاية عند آية اللّه الحاج الشيخ محمّد القمي ، واللمعة الدمشقيّة عند آية اللّه الملّا علي الهمداني، والمكاسب عند آية اللّه الشيخ محمّد علي الشاه آبادي ، مضافاً إلى دروس أخرى عند مختلف أساتذة زمانه في قم.
ثمّ هاجر إلى النجف الأشرف سنة 1355ه. ق ، وسكن في مدرسة السيّد اليزدي في محلّة الحويش، وأخذ يواصل مراحل دراسته العليا عند فطاحل النجف آنذاك وعباقرتهم، فدرس عند الآيات : محمّد حسين النائيني ، والسيّد أبو الحسن الإصفهاني، والآغا ضياء الدين العراقي، والشيخ محمّد حسين الإصفهاني، وأبو الحسن المشكيني، والشيخ موسى الخوانساري، والشيخ محمّد كاظم الشيرازي، والسيّد عبدالهادي الشيرازي الذي أعطاه إجازة كتبية بالاجتهاد سنة 1378ه. ق ، والسيّد محمود الشاهرودي وأضرابهم من العلماء الفحول . وحين ذاك بزغ نجمه بين ألمع الشخصيّات العلميّة ، حيث ظهرت عبقريتّه وقدراته العلميّة ، وأذعّن الجميع لاجتهاده وفقاهته وتبحرّه في الأصول، وذلك بعد
تدريس طويل للكفاية والمكاسب والرسائل ، ثمّ تدريس بحوث الخارج فقهاً وأصولاً، فصار من كبار مراجع الدين وعلماء النجف الأشرف .
وكان من تلامذته المشار إليهم بالبنان السيّد محمّدتقي الخوئي ، والسيّد محمّد أمين الخلخالي ، والسيّد مرتضى الحسيني النجومي ، والشيخ محمّد حسن الاصطهباناتي ، والسيّد محمّد النوري ، والشيخ جواد الدشتي، والسيّد نصر اللّه الرضوي ، والسيّد مجتبى البهشتي ، والسيّد محسن البهشتي ، والسيّد حسين السبزواري وغيرهم من العلماء والفضلاء.
مرجعيّته :
بدأت مرجعية السيّد علي الحسيني البهشتي بعد وفاة آية اللّه السيّد أبو الحسن الإصفهاني سنة 1365ه. ق ، حيث رشّحه للمرجعيّة جمع من العلماء الأجلّاء ، ورجع إليه جمع من المؤمنين في التقليد .
ولمّا توفّي آية اللّه السيّد آغا حسين الطباطبائي البروجردي في سنة 1380ه . ق رجع بعض مقلّديه إلى السيّد البهشتي . ولكنّه رحمة اللّه كان في كلّ ذلك يأبى التصدّي للمرجعيّة، ويميل إلى التواضع وعدم الظهور .
ولازم السيّد البهشتي مدّة تزيد على ستّ سنوات مجلس استفتاء آية اللّه السيّد عبدالهادي الشيرازي ، وكان هو الأبرز من الجميع .
وبعد وفاة آية اللّه السيّد عبدالهادي الشيرازي سنة 1382ه. ق ثم وفاة آية اللّه السيّد محسن الحكيم سنة 1390ه. ق لازم السيّد البهشتي مجلس استفتاء آية اللّه السيّد أبو القاسم الخوئي وإن كان من طبقته وذلك تواضعاً منه وحرصاً على توحيد المرجعيّة وعدم تشتيتها ما وجد إلى ذلك سبيلاً.
وبعد وفاة آية اللّه السيّد الخوئي سنة 1413ه. ق عرضوا عليه المرجعيّة بإلحاح فرفض أشدّ الرفض، فانتقلت المرجعيّة سنة واحدة فقط إلى آية اللّه السيّد عبد الأعلى السبزواري، الذي توفي سنة 1414 ه. ق، وصلّى السيّد علي البهشتي على جثمانه ، فعرضت عليه المرجعيّة العامّة مرّة أخرى فرفضها زهداً وتقوى وورعاً. ومع كلّ هذا العزوف عن المرجعيّة كان له مقلّدون كثيرون في مختلف أنحاء العالم الإسلامي .
خصائص وملكات أخرى :
كان السيّد البهشتي مضافاً إلى كونه عالماً جليلاً وفقيها أصولياً محققاً وله باع طويل في الدراية والرجال والعقائد، حافظاً للقرآن المجيد، حافظاً للكثير من الأدعية المأثورة والزيارات المرويّة والأوراد المستحبّة ، وبعد كلّ ذلك كان أديباً ما هراً وكاتباً متفنّناً قديراً، وشاعراً من الطبقة الجيّدة
وبهذه المناسبة لا يفوتنا أن نذكر عثورنا في ضمن أوراق صلاة المسافر هذه على ورقة مخرومة الجوانب فيها أبيات من أرجوزة في صلاة القصر يظهر أنّ المؤلّف (قدّس سرّه) كان يكتبها ولم يتمّها، والذي استطعنا قراءته منها تامّاً وناقصاً هو:
... *** اتّبعت فيه شرائط السَّفَرْ
فقام للصلاة بالخطاب *** قصّر بالسِنة والكتاب
في ذات أربع وذا ... *** ...
فلو أتّمّ عند فرض القصر *** فريضة عليه مثل العصر
فعالِماً بالحكم والموضوع *** ...
صحيحة لفرض قصر مجزيه *** عليه أن يعيد أو أن يقضيه
عدا التمام في بقاع احتوت *** نصوصنا التي الخيار قد قضت
..... و هو أيضاً أن يتّم *** مسافراً إذا لحكمه علم
ليقض أو يُعِد سواءّ الذي *** يكون رأساً جاهلاً بأنّ ذي
مسافة القصر فلم يقصّر **** ومن على قيوده لم يعثر
كما إذا لم يعلم المكاري *** أن لو أقام عشرة في الدار
بمصره أو غيره ثمّ ارتحل *** في الرحلة الأولى له التقصيرحل
أو كان عن رواحه البريد *** ثمّ الرجوع مثله يريد
وليس يدري أنّه المسافه *** أو جرّ مؤمناً إلى المخافه
فتاب عن نميمة ويمضي *** إذا أتمّ بعد فهو يقضي
ومن يتمّ ناسياً لسفره *** أو حكمه ولم يكن بنظره
يعيد في الوقت إذا تذكرا *** ...وإلّا لم يكن مُقَدَّرا
قضاء إن بغير وقته التفّت *** إلّا إذا في الوقت بالهوا نهت
نعم وحيث لا لما قد سمّي *** أتمّ بل لجهله بالحكم
وأن إذا ضربتُم في الأرض *** ليس جناح فُسِّرَت بالفرض
يجري وليس توجب الزياده *** عليه من قضاً ولا إعاده
ومن أتمّ دون ما أن يجهلا *** بالحكم أو موضوعه ايّاً و
ناسیهما لكنّه أتاها *** عن غفلة أعاد أو قضاها
وإنّما قلنا أنّ هذه الأرجوزة له لأنّ كثيراً من أبياتها كتبت ثمّ شطب عليها وصحّحت وبدلت فيها كلمة مكان أخرى ، وجملة مكان جملة ، ممّا يعني أنّه هو
شاعرها ومُنشؤُها ، وقد كتب شرح مطالبها تحتها في عشرة أسطر .
ومن شعره الجيّد قصيدة له أرّخ بها وفاة السيّد الخوئي، مطلعها :
مذ تولّى عن الربوع الوليّ *** مقتدى الناس والأمين الوفيّ
حجّة الرَّبِّ فِي هُداهم بحقِّ *** من يُسمَّى بما يُكنَّى النبّي
يقول في آخرها مُوكلاً أمرَهُ إلى اللّه سبحانه سائلاً منه الصبر والسلوّ :
منه نرجو روى الرجا وسُلُوِّ *** أَرْخَنْ: «غاب بدرنا الموسوى»
1413ه-
ومن نثره البديع مقدّمته التي كتبها لكتاب «نصوص القرآن في أمناء الرحمان» للعلّامة السيّد قاسم هجر المفضل الموسوي : الحمد للّه ربّ العالمين، المفضّل لذوي النُّهى العاملين ، وأولي البصائر في الدّين، وزمر النابهين السالكين في سبيل الهدى واليقين، ليكونوا لهم سُرجاً منيرة، وحججاً مشيرة ، إلى براهين اليقين لمعالم الحق المبين ... فمّن اصطفاه ربِّه الودود، لدعم هذا الشرف الموعود، والحسب المنشود ، هو ذخيرة السلف المحمود، والخلف المنشود ... إلى آخر نثره الرائق الرائع.
وفاته :
كان كبر السنّ والأمراض والعلل قد أثّرت تأثيراً كبيراً على السيّد علي البهشتي ، فهدّت قواه ، وعندما بلغه استشهاد صهره السيّد عبد المجيد الخوئي انتابته جلطة قلبية وسكتة في الدماغ، فتوفّي إثر ذلك وانتقل إلى جوار ربّه في 9 ربيع الأوّل / 1424ه- ق . وغُسل وكُفّن في بيته ، ثمّ نقل جثمانه الطاهر إلى كربلاء المقدّسة صباح يوم العاشر من ربيع الأول ، وبعد أداء مراسيم الزيارة أعيد جثمانه
إلى النجف الأشرف، وصلّى عليه السيّد رضى الدين المرعشي ، ثمّ دفن في مقبرة
خاصّة تقع في نهاية شارع الرسول .
نحن والكتاب :
لقد قضى السيّد علي البهشتي عمره المبارك في الدرس والتدريس والكتابة والتأليف والعبادة والنسك ، وكان عنده الشيء الكثير من المؤلّفات فقهاً وأصولاً، ممّا قرره لأساتذته وما كتبه هو بنفسه ، غير أنّ معظمها فقدت المتعدّدة من البيوت كما صرح بذلك السيّد بنفسه حيث قال : «كنت أحرر أغلب بحوث مشايخي، إلّا أنّ معظمها فقدت بسبب الانتقالات المتعدّدة من البيوت ، والبعض منها لا زال مخطوطاً».
وقد ساهم في ضياع كثير من تراثه ابتعاده المفرط عن الشهرة وحبّ الظهور ، فكم طلب منه بعض العلماء والفضلاء طبع تقريراته لتكون مرتاداً لطلاب العلوم ، لكنّه أبى ذلك خوفاً من حبّ الظهور وأن يُشاب خلوص النيّة بالعجب والزهو ، ولذلك لم يطبع شيء من تقريراته وكتاباته في حياته .
ومع كلّ هذه الظروف العصيبة التي مرّ بها قدّس سره بقيت كثيرمخطوطاته بعد وفاته ، لكن الظروف القاسية على عائلته الكريمة لم تتح لهم الفرصة لإنقاذها ، فأخذتها الرطوبة وتلف أكثرها ، ورمي الكثير منها عن طريق الخطأ في نهر الفرات، ولم يبق من كلّ ذلك التراث العظيم إلّا أوراق قليلة ، كان من حُسن الحظّ أن يُعثر فيها على كتاب «صلاة المسافر» هذا، وهو وإن كان ناقصاً بعض الشيء من أوسطه - أعني قواطع السفر - وبعض الشيء من آخره ، إلّا أنّه يُعد
غنيمة يمكن من خلالها الوقوف على عبقريّة هذا الرجل وتحليقه في سماء العلم فقهاً وأصولاً وحديثاً ودراية ورجالاً.
والظاهر أنّ هذا الكتاب هو تقرير بحث أستاذه الشيخ محمّد حسين الإصفهاني، وإن لم يصرّح باسمه في ثنايا الكتاب، إلّا أن تعبيره: عن ب- «الأستاذة») «أستاذنا» ومطابقة مبانيه لمبانيه ، توكّد أنّه تقريرات دروس هذا الأستاذ (قدّس سرّه)
ويلاحظ جليّاً في هذا الكتاب أنّ آراء الآغا ارضا الهمداني في كتابه «الصلاة» كانت هي محط نظره الأوّل أخذاً ورداً وتدقيقاً وإشكالاً، وقد أبدع السيّد البهشتي أيّما إبداع في تلخيص مطالب الآغا رضا الهمداني وأخذ لب لبابها بأخصر العبارات وأوضحها دون تطويل أو زيادات ، ثمّ مناقشتها بروحيّة العالم الفنقيه التحرير والأصولي البارع الخبير، وفي خلال كلّ ذلك تقف على بعض مبانيه الفقهيّة والأصوليّة ، وعلى مدى دقّة استنباطه وفهمه لروايات المعصومين (عليهم السلام ) . ولا شكّ أن هذا الكتاب كان جزءاً من تقريرات كاملة، حيث إنّه يُحيل في بعض مواطنه على بحوث صَرَّح بأنّها تقدّمت من قبل، إلّا أنّها ليست موجودة في رول كتاب صلاة المسافر هذا، ممّا يعني قطعاً أنّها كانت مجموعة بحوث متسلسلة تبتدئ بالطهارة ، لكن يد الأيّام عدت عليها .
على أنّه لا ينبغي أن يفوتنا التنبيه على اختلاف النسق والعبارة بين كتاب «صلاة المسافر» للشيخ الإصفهاني المطبوع ، وبين كتاب «صلاة المسافر» للسيّد البهشتي، ممّا يظهر منه أنّ تقريرات السيّد البهشتي كتبت بعد تلك الدورة من دروس الشيخ الإصفهاني، لأنّ تقريرات السيّد البهشتي أمتن وأدق وأوسع فروعاً واستدلالاً.
وكيفما كان فها هو الكتاب بين يدي العلماء والفضلاء للوقوف عليه وعلى مطالبه، وقد بذلنا الوسع في تحقيقه وتخريج مطالبه وأحاديثه وضبط نصّه بأفضل شكل ممكن وبأحلى حلّة قشيبة ، فإن كان الصواب حليفنا فهو المبتغى ، وإلّا فلتسعه عين الرضا..
منهج التحقيق :
وقد أتبعنا في تحقيقه المنهج التالي:
1 - حصلنا على نسخة الكتاب بخطّ المؤلّف، وقد تفضل بها علينا مشكوراً سماحة الحجّة الشيخ محمّد حسن الاصطهباناتی (حفظه اللّه).
2- ضبطنا النصّ بما هو أقرب المراد المؤلّف (رحمه اللّه)
3- حصرنا الآيات القرآنيّة بين الأقواس المزهرة.
4-خرجنا الأحاديث من مصادرها ،مركّزين على كتاب وسائل الشيعة في الاستخراج باعتباره أهم مرجع وأجمعه لها، والاعتماد الفقهاء عليه في الأحاديث المحتاج إليها في الاستنباط.
5-نسبنا الأقوال المحكية إلى مصادرها الأصليّة، وإلّا فإلى بعض المصادر المحاكية لها.
6- ما وضعناه بين المعقوفتين [ ] إن كان في كلام منقول من مصدر بعينه فهو من ذلك المصدر، وإلّا فهو من عندنا الضرورة أو الزيادة إيضاح.
7-وضعنا عناوين فرعيّة الأُمّهات المطالب تسهيلاً للتناول والبحث
8- علّقنا بعض التعليقات الضروريّة في الهوامش الرفع غموض أو بيان مطلب أو إرجاع ضمير أو بيان وجه ارتباط الكلام أو ما شابه ذلك.
9 - تتمياً للفائدة وضعنا مباحث قواطع السفر الساقطة من النسخة من كتاب صلاة المسافر للشيخ محمّد حسين الإصفهاني.
وختاماً نسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يتغمّد هذا العالم الفقيد برحمته الواسعة وأن يسكنه بحبوحة جنانه ، وأن يتقبّل منّا هذا الجهد المتواضع بأحسن القبول.
قيس بهجت العطّار
الصورة
الصورة
في تأسيس الأصل
إذا شكّ في كون الصلاة قصراً أو إتماماً من جهة السفر أو غيره من العناوين ،
فنقول : إنّ قضيّة الأصل العملي هو الاحتياط للعلم الإجمالي.
فال وتوهّم كونه من الأقل والأكثر الذي هو مجرى البراءة على المختار وفاقاً للمشهور مدفوعٌ بما تقرّر في محلّه من أنّ الأقل الذى يكون مخالفاً للأكثر كيفاً أو عنواناً أو في كليهما ليس داخلاً في ذلك إذا شكّ في وجوبه أو وجوب الأكثر(1).
وبعبارة أخرى : مجرى البراءة هو الأقل لا بشرط ، والمقام من القسم الأوّل، فلا مسرح فيه للبراءة بل هو مجرى قاعدة الاشتغال ، إلّا إذا كانت الحالة السابقة وجوب التمام أو القصر شخصاً ، كما إذا دخل الوقت ومضى منه مقدار أداء فريضة التمام ثمّ سافر بسفر يشكّ في حكمه.
أو نوعاً ، كما إذا سافر بالسفر المذكور قبل هذا الوقت منجّزاً كما إذا كان بالغاً قبله بأيّام ، أو معلّقاً كما اذا بلغ فعلاً ، فإنّه يجري فيه الاستصحاب النوعي التعليقي بناءً على حجيّته. (2)فينحصر مجرى قاعدة الاشتغال في تبدّل الحالتين ولم يعلم أنّ أيّاً منهما مقدّم.
وأمّا بحسب القاعدة الاجتهاديّة فالظاهر وجود إطلاق يدلّ على وجوب التمام على أيّ إنسان، فإذا شكّ فالمرجع هذا الإطلاق ،وهو وارد على الأصل المتقدّم ، ويدلّ عليه أخبارمستفيضة :
منها : صحيح فضيل بن يسار ، قال : سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام )يقول في حديث : إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات ، فأضاف رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) إلى الركعتين ركعتين ، وإلى المغرب ركعة فصارت ع ديل الفريضة لا يجوز تركهنّ إلّا في سفر ، وأفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر والحضر فأجاز اللّه له ذلك كلّه فصارت الفريضة سبع عشرة ركعة-الحدیث. (1).
لكن إطلاقه من غير عنوان السفر فلا يفيد إلّا إذا شككنا في غير السفر من جهة سائر العناوين من الخوف والمرض والإقعاد وغيرها .
ومنها : خبر أحمد بن محمّد بن أبي نصر ، قال : قلت لأبي الحسن (عليه السلام ): إنّ أصحابي يختلفون في [ صلاة ] التطوّع ؛ بعضهم يصلّي أربعاً وأربعين ، وبعضهم يصلّي خمسين ، فأخبرني بالذي تعمل به أنت كيف هو ، حتّى أعمل بمثله ؟ فقال : أصلّي واحدة وخمسين [ ركعة ] . ثم قال : أمسك - وعقد بيده - الزوال ثمانية ، وأربعاً بعد الظهر ، وأربعاً قبل العصر، وركعتين بعد المغرب ، وركعتين قبل العشاء الآخرة ، وركعتين بعد العشاء من قعود تُعدّان بركعة من قيام ، وثمان صلوات (2)
الليل، والوتر ثلاثاً ، وركعتي الفجر ، والفرائض سبع عشرة ركعة ؛ فذلك إحدى
وخمسون . (3)
ومنها : مرسل أبان بن عثمان ، عن رجل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث : إنّ ذا النمرة قال : يا رسول الله ، ّ(صلی اللّه علیه وآله)، أخبرني عمّا فرض اللّه عليَّ ؟ فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله): فرض اللّه عليك سبع عشرة ركعة في اليوم والليلة ، وصوم
شهر رمضان إذا أدركته ، والحجّ إذا استطعت إليه سبيلاً، والزكاة ، وفسّرها له - الحديث ، (1)
ومنها: خبر أبي هاشم الخادم ، قال : قلت لأبي الحسن [الماضی] السلام : لم جعلت الفريضة والسنّة خمسين ركعة لا يزاد فيها ولا يُنقص منها ؟ قال (عليه السلام) : لأنّ ساعات الليل اثنتا عشرة ساعة ، وما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس ساعة ، وساعات النهار اثنتا عشرة ساعة ، فجعل اللّه لكلّ ساعة ركعتين، وما بين سقوط (2)الشمس إلى سقوط الشفق غسق ، فجعل للغسق ركعة (3)
ومنها : خبر الفضل بن شاذان ، عن الرضا (عليه السلام ) بسند قويّ ، قال : إنّما جعل أصل الصلاة ركعتين وزيد على بعضها ركعة ، وعلى بعضها ركعتان، ولم يزد على بعضها شيء ، لأنّ أصل الصلاة إنّما هي ركعة واحدة ، لأنّ أصل العدد واحد ، فإذا نقصت من واحد فليست هي صلاة ، فعلم اللّه (عزّ وجلّ) أنّ العباد لا يؤدّون تلك الركعة الواحدة التي لا صلاة أقلّ منها بكمالها وتمامها والإقبال عليها ، فقرن إليها ركعة أُخرى ليتمّ بالثانية ما نقص من الأولى، ففرض اللّه عزّ وجلّ أصل الصلاة ركعتين .
ثم علم رسول اللّه (صلی اللّه علیه وآله) أن العباد لا يؤدّون هاتين الركعتين بتمام ما أُمروا به وكماله فضمّ إلى الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتين ركعتين ليكون فيها تمام الركعتين الأوليين، ثمّ إنّه علم أنّ صلاة المغرب يكون شغل الناس في وقتها أكثر للانصراف إلى الإفطار والأكل والوضوء والتهيئة للبيت فزاد فيها ركعة [واحدة ] ليكون أخفّ عليهم ، ولأن يقرّ ركعات الصلاة (1)في اليوم والليلة فرداً، ثمّ ترك الغداة على حالها ، لأنّ الاشتغال في وقتها أكثر ، والمبادرة إلى الحوائج [فيها ] أعمّ، ولأنّ القلوب فيها أخلى من الفكر لقلّة معاملة الناس بالليل ، وقلّة الأخذ والإعطاء ، فالإنسان فيها أَقبَلُ على صلاته منه في غيره من الصلوات لأنّ الفكرة أقلّ لعدم العمل في الليل الخبر. (2)
ومنها : خبر الفضل ، عن الرضا (عليه السلام) بسندٍ قويّ في كتابه إلى المأمون(لعنه اللّه) ، قال : والصلاة الفريضة : الظهر أربع ركعات ، والعصر أربع ركعات ، والمغرب ثلاث ركعات، والعشاء الآخرة أربع ركعات ، والغداة ركعتان ؛ هذا اسبع عشرة ركعة ، والسنّة أربع وثلاثون ركعة - الحديث . (3)
إلى غير ذلك من الأخبار المطلقة بحيث يشمل جميع الحالات والطواري ، فلابدّ في وجوب القصر من دليل مقيّد .
وكذا الظاهر وجود إطلاق في دليل السفر الدالّ على وجوب القصر فيه بحيث يشمل جميع أفراده ؛ كان ثمانية فراسخ أو أربع أو أنقص ، مباحاً كان أو حراماً إلى غير ذلك من الطواري والحالات.
منه : قوله تعالى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ) (1)الآية .)ومنه : صحيح فضيل بن يسار المتقدّم.ومنه : صحيح حذيفة بن منصور ، عن أبي جعفر (عليه السلام وأبي عبداللّه (عليه السلام) ، أنّهما قالا : الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلها ولا بعدهما شيء. (2))ومنه : صحيح عبد اللّه بن سنان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام، [ قال]: الصلاة في السفر ركعتان ، ليس قبلها ولا بعدهما شيء إلّا المغرب ثلاث . (3).)إلى غير ذلك من الأخبار. وهذا الإطلاق مقدّم على الإطلاق الأوّل لكونه إطلاق المقيّد ، بخلاف الأوّل فإنّه إطلاق المطلق .
### الجهة الثانية#### اشارةفي ذكر الشروط التي يكون السفر الجامع لها موجباً للقصر دون الفاقد
الجهة الثانيةفي ذكر الشروط التي يكون السفر الجامع لها موجباً للقصر دون الفاقد
وهي أمور:#### [الشرط الأول]:الشرط الاول:المسافة و شرطیّتها إجماعيّ بین المسلمین ،(1و لم ینقل فيه خلاف عدا ما حكي عن داود الظاهري من العامّة من أنّه لم يعتبرها ، بل اكتفى بمسمّى السفر ؛ قليلاً كان أم كثيراً (2))ثمّ توضيح الكلام في هذا الشرط يحتاج إلى التكلّم في مواضع :[ الموضع الاول]:إنّ المعتبّر من المسافة عندنا الإماميّة مسيرة يومٍ وبريدان ، أو الأوّل ، أو الآخر. ويدلّ عليه بإجماله أخبار مستفيضة :منها : صحيح زرارة ومحمّد بن مسلم، أنّهما قالا : قلنا لأبي جعفر(عليه السلام ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي ؟ وكم هى ؟ فقال : إنّ اللّه (عزّ وجلّ))
يقول : (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ (1)فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر.)قالا : قلنا [له] : إنمّا قال اللّه (عزّ وجلّ «فليس عليكم جناح» ولم يقل: «افعلوا» فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر ؟ فقال : أوليس قد قال اللّه (عزّوجلّ) : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) (2)ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض لأنّ اللّه (عزّ وجلّ) ذكره في كتابه وصنعه نبيّه (صلى اللّه عليه وآله)، وكذلك التقصير [ في السفر ] شيء صنعا النبّي (صلى اللّه عليه وآله )وذكره اللّه تعالى في كتابه .)قالا : قلنا : فمن صلّى في السفر أربعاً يُعيد أم لا ؟ فقال : إن كان قد قُرئت عليه آية التقصير وفُسّرت له فصلّى أربعاً أعاد ، وإن لم تكن قُرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه ، والصلاة في السفر ؛ الفريضة ركعتان إلّا المغرب فإنّها ثلاث ليس فيها تقصير ، تركها رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله في السفر والحضر ثلاث ركعات ، وقد سافر رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) إلى ذي خشب (3)وهي مسيرة يوم من المدينة يكون إليها بريدان أربعة وعشرون ميلاً فقصّر وأفطر فصارت سنّة ، وقد سمّى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) قوماً صاموا حين أفطر العُصاة . قال : فهم العصاة إلى يوم القيامة ، وإنّا لنعرف أبناءهم وأبناء أبنائهم إلى يومنا هذا (4))
ومنها : مضمر سماعة ، قال : سألته عن المسافر في كم يقصر الصلاة ؟ قال : فيمسيرة يوم وذلك بريدان ، وهما ثمانية فراسخ - الخبر .(1)ومنها : خبر الفضل المروي في الفقيه بسند قويّ ، والعلل والعيون ، عن الرضا(عليه السلام : وإنّما يجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقلّ من ذلك ولا أكثر ؛ لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامّة والقوافل والأثقال، فوجب التقصير في مسيرة يوم ، ولو لم يجب في مسيرة يوم لما وجب في مسيرة ألف سنة ، وذلك لأنّ كلّ يوم [يكون] بعد هذا اليوم، فإنّما هو نظير هذا اليوم ،فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظیره .(2))ومنها : خبر عبدالرحمن بن الحجّاج ، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام، قال : قلت له : كم أدنى ما يُقصر فيه الصلاة ؟ فقال : جرت السنّة ببياض يوم .)فقلت له : إنّ بياض يوم يختلف ؛ يسير الرجل خمسة عشر فرسخاً [في يوم ] ويسير الآخر أربعة فراسخ وخمسة فراسخ في يوم . قال : فقال : إنّه ليس إلى ذلك ينظر ، أما رأيت سير هذه الأثقال (3بين مكّة والمدينة ، ثمّ أومأ بيده ، أربعة وعشرين ميلاً [ يكون ] ثمانية فراسخ . (4)ومنها : صحيح أبي أيّوب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن)
1) التهذيب : 207 ح 492 ، الاستبصار 1: 222 ح 786 ، الوسائل 8 473 أبواب صلاة المسافر ب1 ح8
2) الفقيه 1 : 290 ح 1320 ، علل الشرائع : 266 ح 9 ، عيون أخبار الرضا 2: 113 ح1، وسائل الشيعة8: 451 أبواب صلاة المسافر ب ا ح 1.
3) في الوسائل والتهذيب : (الأميال) ، وفي بعض نسخ التهذيب كالمثبت
4) التهذيب 4 : 222 - 649 ، الوسائل :8: 455 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 15 .
التقصير ، فقال : في بريدين أو بياض يوم . (1)ومثله : خبر أبي بصير.(2)ومنها : صحيح عليّ بن يقطين ، قال : سألت أبا الحسن الأول (عليه السلام عن الرجل يخرج في سفره وهو مسيرة يوم ، قال : يجب عليه التقصير إذا كان مسيرة يوم ، وإن كان يدور في عمله . (3))ومنها : خبر عبد اللّه بن يحيى الكاهلي ، قال : سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام)يقول : التقصير في الصلاة بريد في بريد أربعة وعشرون ميلاً . (4)إلى غير ذلك من الأخبار ، لكن ينافيهما طوائف أخر:[ الطائفة ] الأولى : ما دلّ على اعتبار اليوم والليلة ، كصحيح زكريّا بن آدم إنّه سئل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام عن التقصير : في كم يقصر الرجل إذا كان في ضياع أهل بيته وأمره جائز فيها ؛ يسير في الضياع يومين وليلتين وثلاثة أيّام ولياليهنّ ؟ فكتب : التقصير في مسيرة يوم وليلة . (5))ويمكن الجواب عنها بوجوه :
1) التهذيب : 210 ح 506 ، الاستبصار 1 : 225 ح 802، الوسائل 8: 453 أبواب صلاة المسافر ب1 ح. 7
2) التهذيب 4 : 222 ح 651 ، الاستبصار 1 : 223 ح 789 ، الوسائل 8: 454 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 11.
3) التهذيب : 209 ح 503، الاستبصار 1 : 225 - 799 ، الوسائل :: 455 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 16 .
4) الفقيه 1 : 279 - 1269، التهذيب 3: 207 ح 493 ، الاستبصار 1: 223 - 787 ، الوسائل 8 :452 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح3.
5) الفقيه 1: 287 ح 1305 ، الوسائل :8: 452 أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 5
أحدها : الحمل على أنّ كلمة واو بمعنى «أو» . (1، وفيه بُعدّ.)ثانيها : الحمل على كون مسافة السير ثمانية فراسخ، غاية الأمر أنّه قد كان في مدّة يوم وليلة . وهو كسابقه.ثالثها : الإعراض . وفيه : إنّ عدم عملهم به لعلّه من جهة الوجوه الآتية أو السابقة فلا يكشف عن الإعراض.رابعها : ترجيح الأخبار السابقة بمخالفتها للعامّة وهو موافق لبعضهم . وفيه : إنّه يصحّ لو ثبت الملاك العام في باب الترجيح ، وأمّا لو كان مرجّحينّه من باب النصّ الخاصّ فلا ؛ إذ يشترط فيه بحسب ظاهر دليله الموافقة لهم على سبيل الاستغراق الحقيقي أو العرفي ، وكلاهما منتفٍ .خامسها : ترجيحها بالشهرة العمليّة.سادسها : ترجيحها بالأكثريّةوفيهما : إنّه موقوف على الملاك العام، والحقّ خلافه.وسابعها : ما خطر ببالي - وهو قول الأُستاذ - من أنّ الأخبار المتقدّمة موافقة لإطلاق القرآن الدالّ على كون السفر مطلقاً موجباً للقصر ، وهذا الصحيح مخالف له فترجّح عليه .الطائفة الثانية : ما دلّ على اعتبار ثلاثة بُرد، مثل صحيح البزنطي، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام ، قال : وسألته عن الرجل يريد السفر ، في كم يقصر ؟ فقال : في ثلاثة برد . (2))
وخبر سويد بن غفلة ، عن عليّ( عليه السلام وعمر وأبي بكر وعثمان وابن)عبّاس، أنّهم قالوا : لا تقصير في أقلّ من ثلاثة بُرد . (1.)ويجري في هذه الطائفة جميع الوجوه المتقدّمة إلّا الأوّل، لكنّ الحقّ في الجواب هو الأخير والرابع ، لأنّ الظاهر كون القائل بذلك جمعاً كثيراً من العامّة (2بحيث يصدق الاستغراق العرفي.)الطائفة الثالثة : ما دلّ على اعتبار مسيرة يومين كخبر أبي بصير عن أبي عبداللّه (عليه السلام قال : لا بأس للمسافر أن يقصّر الصلاة في سفر مسيرة يومين . (3))ويجري فيه أيضاً جميع الوجوه المتقدّمة، والحقّ فيها أيضاً هو الأخير والرابع بالبيان المتقدم.[ الطائفة ] الرابعة : ما دلّ على كفاية البريدين المفسّر للبريد بستّة أميال وهو فرسخان ، الدالّ على أنّ البريد ذاهباً وجائياً يكفي ، كخبر سليمان بن حفص المروزي ، قال : قال الفقيه (عليه السلام : التقصير في الصلاة بريدان أو بريد ذاهباً وجائياً، والبريد ستّة أميال وهو فرسخان، والتقصير في أربعة فراسخ ، فإذا خرج الرجل من منزله يريد اثني عشر ميلاً وذلك أربعة فراسخ ثمّ بلغ فرسخين [ونيته الرجوع أو فرسخين آخرين قصّر، وإن رجع عمّا نوى عندبلوغ فرسخين] وأراد)
المقام فعليه التمام، وإن كان قصّر ثمّ رجع عن نيّته أعاد الصلاة (1)ولا يخفى أنّه لا يجري فيها من الوجوه المتقدّمة إلّا الخامس والسادس ، وقدعرفت عدم تماميّتها .واجيب عنه أيضاً باحتمال سقوط كلمة «نصف» قبل قوله : «والبريد ستّة أميال» . وباحتمال كون قوله : «والبريد ستّة أميال» من كلام الراوي بحسب فهمه.ولا يخفى بعد هذين، والأولى أن يُجاب عنه بضعف السند، وبالحمل على الفرسخ الخراساني الذي هو ضعف الفرسخ الشرعي كما يشهد به كون المخاطب خراسانیّا . (2)الموضع الثاني : في علاج معارضة نفس الأخبار المتقدّمةفنقول : إنّه يحتمل فيه وجوه : الأوّل : هو العمل بأخبار الثمانية ، أمّا أخبار مسيرة يوم فهى مطروحة أومُأَوَّلة بالحمل على كون التعبير بها من باب الغلبة ؛ حكي عن الذكرى. (3)الثاني : عكس ذلك ؛ حُكي عن المدارك أنّه نقل عن جدّه في بعض كتبه احتماله . (4)الثالث : إنّ كلّاً منهما موضوع للحكم ؛ نُقل عن المدارك أنّه الأظهر. (5)الرابع : إنّ الموضوع هو المسير، وذكر الثمانية فراسخ من باب الأمارة.
الخامس : عكسه.ولا يخفى أنّ المتعيّن ما استظهره المدارك لولا الأخبار الأربعة الأوليّة ؛لوجهين :الأوّل : قاعدة تعدّد السّبب إذا تعدّد الشرط واتحد الجزاء.الثاني: : عطف أحدهما على الآخر بكلمة «أو» في غير واحد من الأخبار، لكن بملاحظة الأخبار الأربعة المذكورة المفسّرة لمسيرة يوم بثمانية فراسخ يندفع هذا الوجه كما يندفع الوجه الثاني والرابع ، ويتردّد الأمر حينئذٍ بين الأوّل والخامس ، والثمرة بينهما تظهر عند الشكّ في كون مسيرة اليوم بالغة ثمانية فراسخ أو لا كما لا يخفى ، ولا ترجيح بينهما ، والأصل يقضى بعدم الأماريّة ، إلّا أنّ ظاهر عطف أحدهما على الآخر يعيّن الخامس، لأنّه لو كان ذكر مسيرة يوم من باب الغلبة لاوجه له للزوم عطف الشيء على نفسه، بخلاف ما لوكان أمارة؛ فالحقّ هو الخامس.وممّا ذكرنا ظهر ضعف ما في المصباح من أنّ كلّاً منهما أمارة على الآخر ف ، (1فإنه لا وجه له أصلاً.)الموضع الثالث :في أنّه بعد ما كان الموضوع ثمانية فراسخ، وهي بريدان وأربعة وعشرون ميلاً بنصّ الأخبار ، هل المراد من الميل ثلاثة آلاف ذراع، أو أربعة آلاف ذراع ، أو ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع، أو ألف وخمسمائة ذراع، أو مقدار مدّ البصر من الأرض؟
1) مصباح الفقيه 2 : 721
وجوه خمسة، المشهور هو الثاني ، (1ولكنّ الظاهر عدم الاختلاف بين الأوّل الذي نُسب إلى أهل الهيئة ، (2)، وبين الثاني الذي نُسب إلى المحدّثين (3)والاختلاف بينهما لفظيّ ، وذلك ناشٍ عن تحديد الذراع عند الأوّلين باثنين وثلاثين إصبعاً ، (4). وعند المحدّثين بأربعة وعشرين إصبعاً ، كما هو صريح كلام المصباح المنير (5)وتلويح كلام القاموس (6)المنقولّين في مصباح الفقيه (7)فراجع . وحينئذٍ يقع الكلام في تعيين أنّه المراد أو الثالث أو الرابع أو الخامس؟ وقد استدلّ في المصباح على نفي الثالث بأنّ مقدار مدّ البصر يختلف باختلاف)الأحوال والأشخاص، فلا يصلح لأن يكون ميزاناً في التحديدات الشرعيّة ، فهو كاشف عن أنّ المراد من الميل هو أربعة آلاف ذراع بذراع اليد التي لا اختلاف فيها ، ف [إنّ ] نظير ذلك قد وقع في الشرع كثيراً كتحديد الكرّ بالأشبار ، وتحديد حدّ الترخصّ بخفاء الجدران وخفاء الأذان، وتحديد الوجه بما يحيط به الإبهام والإصبع الوسطى . (8)والأولى أنّ يقال - إنّه بعد ما تردّد المعنى بين الأربعة آلاف ذراع وبين قدر مدّ البصر - أنّ مقدار مدّ البصر بالمتعارف أزيد ، وحينئذٍ يكون ثمانية فراسخ
بحسب الأذرع أنقص من ثمانية فراسخ بحسب مدّ البصر ، واللّازم حينئذٍ الرجوع إلى إطلاق دليل السفر في الزائد عن الثمانية الأولى من قبيل المقيّد المردّد بين الأقلّ والأكثر مفهوماً.وأمّا الرابع فيدلّ عليه خبر محمّد بن يحيى الخزّاز ، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبداللّه (عليه السلام ، قال : بينا نحن جلوس وأبي عند وال لبني أميّة على المدينة إذ جاء أبي فجلس فقال : كنت عند هذا قُبَيْلُ، فسألهم عن التقصير ، فقال قائل منهم : في ثلاث ، وقال قائل منهم : يوم وليلة ، وقال قائل منهم : روحة ، فسألني ، فقلت له : إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) لما نزل عليه جبرئيل بالتقصير ، قال له النبّي (صلى اللّه عليه وآله) : في كم ذلك ؟ فقال : في بريد ، قال : وأيّ البريد ؟ قال : ما بين ظلّ عير إلى فيء وعير. [ قال ]: ثّم عبرنا زماناً ثّم رأى بنو أميّة يعملون أعلاماً على الطريق وإنّهم ذكروا ما تكلّم به أبو جعفر (عليه السلام )فذرعوا ما بين ظلّ عير إلى فيء وعير ، ثمّ جزؤوه على اثني عشر ميلاً، فكانت ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع كلّ ميل، فوضعوا الأعلام . فلمّا ظهر أمر بني هاشم غيّروا أمر بني أُميّة غيرة لأنّ الحديث هاشمىّ، فوضعوا إلى جنب كلّ علم علما. (1))وقد أورد عليه في المصباح بأنّه لم يعلم أنّ المراد من الذراع في هذا الخبر هو ذراع اليد، ولعلّه ذراع خاصّ زائد عن ذراع اليد بمقدار يتّحد مقدار ثلاثة آلاف وخمسمائة مع أربعة آلاف بذراع الإصبع ،(2ولا بأس به لأنّه وإن كان يتوقّف على)
كون الأربعة آلاف ذراع معنى عرفيّاً للميل وعدم ظهور لفظ الذراع في ذراع اليد وإلّا تحقّقت المعارضة، إلّا أنّ الظاهر تحقّق المقدّمتين. هذا مع أنّ الخبر مُرسَل فاللّازم الرجوع إلى ما هو ظاهر لفظ الميل ، وهو الأربعة آلاف ذراع.وأمّا الخامس فيدلّ عليه مرسل الصدوق ، قال : قال الصادق (عليه السلام : إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) لما نزل عليه جبرئيل (عليه السلام) بالتقصير ، قال له النبّي (صلى اللّه عليه وآله) : في كم ذلك ؟ قال : في بريد . فقال : وكم البريد ؟ قال : ما بين ظلّ عير إلى فيء وعير ، فذرعته بنو أميّة ثم جزّؤوه على اثني عشر ميلاً فكان كلّ ميل ألفاً وخمسمائة ذراع وهو أربعة فراسخ . (1))وفیه :- مضافاً إلى الوجهين الواردين سابقاً ، فيه - أنّه لو غمّض عنها بتسليم سنده وكون الذراع ظاهراً في ذراع اليد ؛ أنّه حينئذ يكون ما بين عير إلى [فيء](2وعير فرسخاً ونصفاً بالفرسخ المعروف، وما بين الجبلين أكثر منه بكثير على ما قيل (3)- وإنّه مخالفّ للأخبار المحدّدة لمسافة التقصير بمسيرة يوم ، لأنّ ضعف البريد بهذا المعنى - وهو فرسخ ونصف - لا يكون مسيرة يوم لأنّه ثلاثة فراسخ ، ولأنه مخالف لما دلّ على أنّه إذا ذهب بريداً وجاء بريداً فقد شغل يومه لانّ ثلاثة فراسخ لا يكون فيها شغل اليوم ، فلابدّ حينئذٍ من حمله على وقوع الاشتباه في الخبر من الناسخ أو الراوي.)فتلخّص أنّ الحقّ ما هو المشهور من كون الميل أربعة آلاف ذراع . نعم
لو علم أنّ ما بين الجبلين أنقص من هذا المقدار لكان الواجب اتّباعه لاستفاضة الأخبار بأنّ البريد ما بين الجبلين :منها : ما تقدّم من مرسلتي محمّد والصدوق(1.)ومنها : مرسل ابن أبي عمير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام، قال : سُئل عن حدّ الأميال التي يجب فيها التقصير ، فقال أبو عبداللّه (عليه السلام ): إنّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) جعل حدّ الأميال من ظلّ عير إلى فيء وعير [ وهما جبلان بالمدينة، فإذا طلعت الشمس وقع ظل عير إلى ظل وعير ] وهو الميل الذي وضع رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) عليه التقصير إلّا أنّه لم يعلّم (2))ثمّ إنّ كلّ ذراع من أربعة آلاف أذرع أربعة وعشرون إصبعاً (3كما عرفت . وأمّا المساحة(4)فالملاك هو المتعارف منه ولا حاجة إلى تحديده بسبع شعيرات، و تحديد كلّ شعيرة بسبع شعرات من شعر البرذون(5)لمعروفية المراد منه .)الموضع الرابع:إنّ المسافة موجبة للقصر مع صدق السفر على السير الواقع فيها مطلقاً أو في الجملة على ما يأتي تفصيله . فلو فرض عدم صدقه أصلاً فلا قصر ، ومثّل لذلك في المصباح بما لو كان خارج البلد مكان مشتملً على الأشجار والأنهار فسار فيه
بقصد التنّزه في جميع أجزاء هذا المكان شهراً أو شهرين بحيث لا يكون المقصود الجزء الآخر منه فقط . (1)وفيه منع لأنّ الظاهر صدق السفر على هذا السير، وإلّا لزم عدم صدقه فيها قصد السير في مسافة ثمانية فراسخ بحيث يكون له شغل في رأس كلّ فرسخ منها حتّى ينتهي إلى ثمانية .والحقّ أنّ مقصوديّة ما كان مسافة بنفسه لا تمنع عن صدق السفر .[ الموضع ] الخامس :إنّه قد اختُلِفَ في أنّ مبدأ الحدّ المذكور هل هو المنزل كما حكي عن الصدوق (2، أو خطّة سور البلد، أو هي في البلاد المتعارفة ، وآخر المحلّة في البلاد الكبيرة ، أو أوّل حد الترخص ؟)وربّما تُبنى هذه المسألة على أنّ صدق السفر على السير من أوّل الشروع في السير من أوائل ما ذكرنا من محلّ الخلاف .والتحقيق أنّه لو كان هذا التحديد تحديداً للسفر بمعنى اعتبار ثمانية فراسخ بين أوّل السفر وآخره فالحقّ مع الصدوق (رحمه اللّه ؛ لأنّ الشروع في السفر يحصل من أوّل السير من المنزل، ولو لم يكن تحديداً له بل لشيء آخر - وإن كان يلزم صدق السفر في الجملة وإلّا لم يجب القصر كما تقدّم - فالحقّ هو الثالث.)لكن الحقّ هو الثاني لوجهين :[ الوجه الأوّل: إنّ المتبادر من أدلّة هذا التحديد كونه تحديداً بين بلد
المسافر والبلد الذي يقصده، أو من قريته إلى بلد المقصد أو قريته لكنّه في البلاد المتعارفة ، وبين محلّته وما يقصد السير إليه في البلاد الكبيرة ، أو بين منزله ومقصده إذا لم يكن ذا بلد أو قرية ، فمثلاً لو قيل : إذا كانت المسافة ثمانية فراسخ فقصّر ،يلاحظ العرف هذه الثمانية بين نفس النجف وكربلا لا بين منزله في النجف ومنزله الذي يريده في كربلاء . فلو فرض أنّ بين المنزلين ثمانية فراسخ لكن بين البلدين أنقص منها لا يرونه مشمولاً بهذا الدليل.[الوجه] الثاني: بعض الأخبار الدالّة على أنّ الحدّ المذكور ملحوظ بين البلدين لا بين أوّل السفر وآخره . فلو فرض فهم العرف لهذا المعنى من الإطلاقات أيضاً لكان دلالة هذه الأخبار متّبعة كصحيح زرارة ومحمّد بن مسلم المتقدّم ، وفيه : «وقد سافر رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله إلى ذي خشب) (1)وهي مسيرة يوم من المدينة - الحديث ، (2)، حيث إنّه جعل الحدّ بين نفس المدينة وذي خشب .)وموثق عمّار ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام ، [قال :سألته] عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ ويأتي قرية فينزل فيها ، ثمّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ [أخرى ] أو ستّة فراسخ لا يجوز ذلك ، ثم ينزل في ذلك المنزل ؟ قال : لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ؛ فليتم الصلاة .(3)فإنّ قوله (عليه السلام): «من قريته» شاهد على أنّ الحدّ ملحوظ بين القرية وما يسير إليه.)
ثمّ إنّ نفي المسافريّة نفي حكميّ وإلّا فلا إشكال في صدق السفر على من يسير خمسة فراسخ ، فالّأقوى حينئذ كون مبدأ الحدّ ّنفس المنزل تارة، وآخر البلد أو القرية أُخرى ، وآخر المحلّة ثالثة ، كما في البلاد الكبيرة.ودعوى أنّه لا يصدق على سيره السفر ما لم يخرج عن البلد الكبير مندفعة : أوّلاً : بمنع ذلك ، فإنّ أوّل السفر أوّل الشروع في السير ، وهو المشي من المنزل.وثانياً : بعدم الضير في ذلك ، لأنّه ليس حدّاً بين أوّل السفر وآخره كما تقدّم . فلو فرض صدق السفر قبل الحدّ كما هو الحّق وقد عرفته - أو بعده -كما لو فرض صدقه على السير من حدّ الترخّص لا قبله - فاللاّزم مراعاة الحدّ بين البلد والبلد. نعم لو فرض عدم صدق السفر على جميع السير الواقع في ثمانية فراسخ لم يجب القصر ، كما إذا خرج من محلّته في البلد الكبير وسار إلى محلّة أخرى من هذا البلد يكون بينهما ثمانية فراسخ ، وفرضنا أنّ صدق السفر مشروط بالخروج عن البلد لم يجب القصر ؛ إذ هو واجب على المسافر ، وهو ليس به ، ولذا كان اللّازم في الفرض الأوّل لزوم القصر من حين صدق السفر لا قبله ، فقبل حدّ الترخص يجبالتمام، لأنّ الفرض عدم السفر ، وإن كان خلاف الواقع .الموضع السادس :إنّ الشرط هل هو واقع المسافة أو إحرازها جزءاً للموضوع أو تماماً له ؟وجوه ثلاثة .قال في المصباح في مقام شرح عبارة الشرايع : الأوّل : اعتبار المسافة ، ويحتمل أن يكون المراد باعتبار المسافة إحرازها ، بل لعلّ هذا المعنى أنسب بسوق
التعبير ، وإلّا لكان ذكر لفظ الاعتبار مستدركاً، انتهى(1. وتظهر الثمرة بين الأوّل والأخيرين فيا قصد سير مسافة بالغة واقعاً قدر ثمانية فراسخ لكنّه قاطع بأنّه أنقص منها أو شاكّ، مع القول بأنّ الأصل مع الشكّ هو التمام ، فصلّى فيجب الإعادة أو القضاء على الأوّل دون الأخيرين. وبين الثاني والثالث فيها أحرز كون المسافة ثمانية ثمّ تبيّن كونها أنقص فيجب الإعادة على الثاني دون الثالث .)وتظهر الثمرة بين الأوّل والأخيرين أيضاً في قيام الأمارات المعتبرة بإطلاق أدلّتها مقام العلم بالمسافة بخلاف الثانيين، فإنّه لو كان المأخوذ هو خصوص العلم لا يقوم مقامه شيء حتّى الوثوق أيضاً ، ولو كان المأخوذ الأعّم من العلم والوثوق لكان المتّبع خصوصهما ولا يكون سائر الأمارات حجّة ، ولو كان المأخوذ مطلق الإحراز لكان الجميع واجب الاتّباع .لا يقال : كيف يمكن اعتبار الأمارة مع كون الأثر مترتّباً على الإحراز ، وحجّةُ الأمارة في شيء فرع كون ما قامت عليه ذا أثر ؟فإنّه يقال : يكفي في كونه جزءاً من موضوع الأثر .لا يقال: إنّه يتّم في الإحراز الجزئي، وأمّا في التمامي فتمام الموضوع نفس الإحراز .فإّنه يقال : إنّ لمتعلّق الأمارة دخلاً في الموضوع في التمامي أيضاً كما قرّر في الأصول، وإطلاق التمامي عليه لعدم اعتبار وجود متعلّقه الواقعي .
1) مصباح الفقيه 2 : 721
ثمّ إنّ الحقّ هو الأوّل لتعليق الحكم في الأدلّة على واقع ثمانية فراسخ لا على إحرازنا .لا يقال : إنّه وإن كان كذلك إلّا أن صحيح زرارة الآتي - فيمن قصد ثمانية فراسخ وانصرف عن السفر بعد الوصول إلى فرسخين وقد صلّى قبل الانصراف قصراً (1-الحاكم بالاجتزاء بهذه الصلاة يدلّ على كون الموضوع هو الإحراز. فإنّه يقال : كلّا ، فإنّ الكلام هنا في عدم تطابق المقصود للواقع ، والمقصود في الخبر مطابق له ، غاية الأمر أنّه انصرف عنه . نعم لو لم يكن هذا الخبر لكان قضيّة القاعدة عدم الإجزاء فيه أيضاً ، وحينئذ إذا حصل القطع بالمسافة وجوداً وعدماً فلا إشكال في لزوم العمل به ، وكذا إن حصل الوثوق لكونه في حكم العلم ببناء العقلاء ، والظاهر حجيّة قول الثقة أيضاً لبناء العقلاء .)وأمّا قول العدل فقد قوّى حجيّته في المصباح(2، والظاهر أنّ مدركه مفهوم آية النبأ (3)، وقد قرّرنا في الأصول أنّ مفهومه حجيّة قول الثقة لا حجيّة قول العدل .)وأمّا البيّتة فهى حجّة لعموم دليل حجيّتها كما تقدّم في المواقيت.ولو تعارضت البيّنتان:ففي تقديم المثبت، لأن المثبت مقدّم على النافي. وفيه : أنّ تقديمه فيما كان مفادقول النا في عدم الدراية لا فيما كان نفي ما أثبته الآخر كما في المقام.
أو النافي لكونه مطابقاً للأصل بناءً على كون الأصل الجاري في الشكّ قضيّة التمام . وفيه : - مضافاً إلى ما يأتي من عدم كون الأصل هو التمام - أنّ الأصل لا يكون مرجّحاً للأمارة لعدم تعاضده لمضمونه ، مع أنّ أصل الترجيح غير ثابت في باب البينة .أو التخيير ، لكونه هو الأصل في تزاحم الحكمين . وفيه : أنّه يتّجه لو كان حجيّة البيّئة من باب السببيّة ، وليس كذلك ، فإنّها حجّة من باب الطريقيّة كما قرّر في الأصول.أو التساقط ، لكونه هو القاعدة في تعارض ما هو حجّة من باب الطريقيّة كما قرّر في الأصول، فيرجع إلى القواعد ؟ وجوه(1أقواها الأخير كما علم ممّا بيّن من ضعف سائر الوجوه . ومثله ما لو تعارض الثقتان أو الثقة مع البيّنة .)الأصل فيما لو شكّ في المسافة ]بقي الكلام حينئذٍ في تأسيس الأصل فيما لو شكّ في المسافة ولم يكن طريق أصلاً، أو كانت ولكن كانت معارضة بطريق أخرى.قال في المصباح : إنّه هو التمام، ونقل تصريح غير واحد به ، ونقل عن الجواهر عدم الخلاف فيه فيما وجده ، واستدلّ له بأصالة عدم تحقّق الموجب للقصر.وتوهّم أنّ العلم الإجمالي بوجوب التمام لو كانت المسافة سبعة فراسخ لوالقصر لو كانت ثمانية مثلاً موجود ، وأصالة عدم تحقّق الموجب للقصر لا تنفي إلّا
1) مبتدأ مؤخّر لقوله «في تقديم المثبت» ، أي : ففي تقديم المثبت أو النافي أو التخيير أو التساقط وجوه .
وجوب القصر ، وأمّا إنّه يجب التمام فلا ، لأنّه متفرّع على كون المسافة دون الثمانية ، وهذا بنفسه ليس مجرى للأصل، وإثباته بالأصل المتقدّم لا يكون إلّا على القول بالأصل المثبت ولا نقول به ، فحينئذ يؤثّر العلم الإجمالي في تنجيز طرفيه فتكون القاعدة هي الاحتياط .مدفوع(1بأنّ أصالة عدم تحقّق الموجب للقصر ، كما أنّه يترتّب عليها عدم وجوب القصر كذلك يترتّب عليها وجوب التمام، ولا يحتاج إلى إجراء عدم كون المسافة ثمانية حتى يقال : إنّه ليس لها حالة سابقة فلا مجرى للأصل فيه ، ولا إلى القول بالأصل المثبت ؛ لأنّ ترتّب وجوب التمام على أصالة عدم تحقّق موجب القصر بلا واسطة لا بواسطة إثبات أنّ هذه المسافة دون الثمانية.)بيان ذلك : إنّ الإطلاقات قد دلّت على أنّ التمام واجب على كلّ أحد ، وقد خرج عنه من سافر إلى الثمانية ، وبقي تحتها عنوانان : الأوّل : من سافر إلى دون الثمانية ، الثاني : من لم يتحقّق بينه وبين السفر إلى الثمانية انتساب ، وهو معنى عدم تحقّق سبب القصر . فهذا العنوان بنفسه موضوع للأثر في العام ، والعنوان الأوّل وإنّ لم یکن له محرز، لانّ المحرز له امّا عدم کون هذه المسافة ثمانیّة ولیس له الحالة سابقة ، أو أصالة عدم تحقّق السفر إلى الثمانية الذي كان متيقّناً قبل السير، وهي معارضة بأصالة عدم السفر إلى مادون الثمانية ، إذ هي أيضاً مسبوقة بالحالة السابقة ، لكن العنوان الثاني له حالة سابقة ، وهذا بعينه نظير ما دلّ على وجوب الصلاة الذي قد خصّ بالحائض، فإنّه إذا شكّ في أصل تحقّق الحيض أو في تردّد الدم الخارج بين الحيض والاستحاضة يجري أصالة عدم الحيض بلا إشكال،
1) قوله : (مدفوع) خبر لقوله : ( وتَوَهم).
والمقام من قبيل الثاني لكون الشكّ في رافعيّة الشيء الموجود ، ولا يتوهّم أنّ هذا تمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة ، فإنّه من قبيل تحقيق موضوع العام بالأصل لا من ذلك القبيل ، انتهى بتوضيحٍ منّا".(1)ویرد عليه :أوّلاً : إنّ ذلك مبنىّ على جريان الأصول التامّة في باب العام المخصّص ، وقد بيّنّا في الأُصول عدمه .وثانياً : إنّه لو سلّمناه يكون الأمر بالعكس ، لأنّ لنا دليلاً دالّاً على وجوب أربع ركعات مطلقاً، ودليلاً آخر يدلّ على وجوب القصر على كلّ مسافر ، وثالثاً يدلّ على أنّ المسافر إلى ما دون الثمانية يتّم، وحينئذ فاللاّزم جريان الأصل التامّي بمعنى عدم تحقّق سبب التمام فيدرج بذلك في موضوع الإطلاق الثاني الذي هو مقدم على الإطلاق الأوّل . نعم لو لم يكن في البين الإطلاق الثاني، بل كان في البين بعد الإطلاق الأوّل أنّ من سافر إلى الثمانية يقصر لكان لما ذكر وجّه بناءً على الأصل التامي.وثالثاً : إنّ قياس المقام بباب الحيض قياس مع الفارق ، فإنّ الحالة السابقة فيه موجودة بنحو «ليس» الناقصة ، فإنّ المرأة كانت قبل تلك الحالة غير حائض فيستصحب هذا العنوان في القسم الأوّل بلا مزاحم ، ويترتّب حكم العام بل في الثاني أيضاً .وتوهُّمُ معارضته بأصالة عدم كونها مستحاضة مدفوعً بما تقرّر في محلّه من
1) مصباح الفقيه 2 : 725
أنّها ليست معارضة بها ، بخلاف المقام الذي ليست له حالة سابقة بنحو «ليس» الناقصة في نفس المسافة .وأمّا في المكلّف وإن كانت إلّا أنّها معارضة بالمثل على ما تقدّم إليه الإشارة في توضيح دليل المصباح، فهذا الأصل لا أصل له ،كما لا أصل لما في بعض كلمات الشيخ في الرسالة من استصحاب الحضر ، إذ هو يصحّ لو قلنا بأنّ السير إلى ما دون المسافة ليس سفراً، لكنّه ممنوع جداً .فالحقّ في المسألة هو الرجوع إلى الأصول الحكميّة وقضيتّها وجوب التمام وعدم وجوب القصر للاستصحاب الشخصيّ التنّجزّي فيما شَرَعَ في السفر عند مضي مقدار أداء التمام من الوقت ، أو النوعى التَنَجُّزي فيما سافر قبل ذلك إذا تمّت له شرائط التكليف العامّة قبل هذا اليوم بأيّام ، أو النوعيّ التعليقّی فيما سافر قبل ذلك المقدار ولم تكن الشرائط المذكورة تامّة في حقّه قبل هذا اليوم بأيّام ، فتأمّل فإنّه به حقيق.[في اشتراط الفحص وعدمه في جريان الأصل ]ثمّ إنّ جريان الأصل الموضوعي أو الحكمي المثبت للتمام، هل يحتاج إلى الفحص مطلقاً ، أو لا يحتاج مطلقاً ، أو يفرّق بين لزوم الحرج فلا وبين عدمه فيحتاج ؟ وجوه ثلاثة .استدلّ للأوّل بأنّ العلم الإجماليّ بوجوب التمام لو كانت المسافة دون الثمانية ، وبوجوب القصر لو كانت ثمانية ، يقضي بوجوب الاحتياط أو الفحص ، والأوّل منتفٍ إجماعاً فيتعيّن الثاني.وفيه ما لا يخفى ، فإنّ العلم الإجمالي لو كان منجّزاً فلا يرتفع أثره بالفحص،
وإن لم يكن منجّزاً فلا يوجب الفحص أيضاً ، وقد تقدم عدم تماميّة شرائط تنجّزه لكون أحد طرفيه مطابقاً لأصل مثبت ، والآخر مطابقاً لأصل ناف. واختار في المصباح الثالث واستدلّ له بأنّ العلم الإجماليّ المذكور وإن لم يكن مؤثّراً في التنجيز - بحيث يجب الّاحتياط ويسقط الأُصول الجارية في أطرافه - إلّا أنّه مانع عن الرجوع إلى الأصول قبل الفحص، فإنّ دليل الأصل النافي ليس له إطلاق يشمل لما كان العلم الإجماليّ موجوداً وكان قبل الفحص ، فالقول بوجوب الفحص ما لم يكن حرجاً لعلّه هو الأقوى ، انتهى. (1)وفيه : أولاً : إنّ الأصل الموجود في المقام هو الاستصحاب حكماً - على المختار - وموضوعاً، ودليل ذلك شامل لجميع الشكوك ؛ كان الشكّ مقروناً بالعلم الإجمالي أو غير مقرون، كان قبل الفحص أو بعده ، شبهة حكميّة أو موضوعيّة ،غاية الأمر أنّهم قيّدوه في الشبهة الحكميّة بدليل من خارج ، ودعوى عدم شموله لصورة العلم الإجمالي قبل الفحص بالخصوص كما هو ظاهر كلامه تَحَكًمُ .وثانياً : إنّه لو سلّمنا ذلك فلا معنى للتفصيل بين الحرج وغيره، إذ بعد عدم شمول دليل الأصل النافي لصورة العلم الإجمالي قبل الفحص لا يتحقّق له شمول بواسطة الحرج، ودعوى انصرافه عن خصوص العلم الإجمالي قبل الفحص الذي لا حرج فيه كما ترى، فالحق عدم لزوم الفحص مطلقاً ، وجريان الأصل قبله ؛ لما تقرّر في محلّه من عدم لزومه في الشبهات الموضوعيّة ولو كانت وجوبيّة .
1) مصباح الفقيه 2 : 725
الموضع السابع :إنّه لو كان المسافة أربعة فراسخ فقد اختلف فيه الأقوال ، وليعلم أوّلاً أنّه على أقسام ثلاثة :ثالثة الأول : أن يكون في رأس أربعة فراسخ قاطع للسفر موضوعاً كأن يكون وطنه ، أو حكماً كأن يكون ملكه بناءً على كون الملك وطناً شرعاً مطلقاً أو بالشرائط الخاصّة على ما سيأتي تفصيله ، أو ينوي إقامة عشرة أيّام في رأس أربعة فراسخ ، بناءً على أنّ الإقامة المذكورة قاطعة لحكم السفر لا لموضوعه ، وإلّا كان من قبيل الأوّل إلّا أنّه مع فرض كونه مريداً للرجوع من يومه .الثاني : الصورة لكن كان مريداً للرجوع بعد اليوم .الثالث : أن يكون في رأس الأربعة أحد الأمرين.أحد الأقوال وجوب القصر يقيناً في جميع الأقسام الثلاثة ، نُسب إلى في الكليني قدّس سرّه من جهة إيراده أخبار البريد فقط . (1)الثاني : تحتّم القصر في الأوّل ، وتحتّم التمام في الأخيرين ، نُسب إلى أشهر الأقوال . (2)الثالث : تحتّم القصر في الأوّل، والتخيير في الثاني، وتحتّم التمام في الثالث ، نسبه في محكي الجواهر إلى المشهور ، (3وهو منافٍ لما نُسب قبله إلى أشهر الأقوال.)الرابع : التخيير في الأوّل، وتحتّم التمام في الأخيرين ، وهو محتمل الشيخ في
كتابي الأخبار حيث نقل عنه التخيير في مريد الرجوع ليومه(1.)الخامس : التخيير في الأوّلين، وتحتّم التمام في الثالث ؛ وهو محتمل الشيخ في الكتاب (2.)السادس:حتميّة القصرفي الأوّلين، والتخيير في الثالث، نُسب إلى القاضي .(3)السابع : تحتّم القصر في الأوّلين ، وتحتّم التمام في الثالث . قال في المصباح : إنّه أشهر بين متأخّري المتأخّرين حتّى اعترف جلّهم لولا كلّهم بقوّته من حيث الدليل ، ولكن مع ذلك لم يجزم به جملة منهم لوهنه لديهم بإعراض الأصحاب عنه من زمن العمّاني إلى زمان المحدّث الكاشاني وصاحب البحار ، انتهى .(4ولم ينقل القول به عن أحد من القدماء غير العمّاني فإنّه قال في محكي كلامه : كلّ سفر كان مبلغه بريدين [وهما ] ثمانية فراسخ ، أو بريداً ذاهباً وبريداً جائياً [ وهو أربعة فراسخ ] في يوم [واحد] أو فيما دون عشرة أيّام ، فعلى من سافره عند آل الرّسول (صلى اللّه عليه وآله) إذا خلّف حيطان مصره أو قريته وراء ظهره، وخفي صوت الأذان أن يصلّي صلاة السفر ركعتين ، انتهى . (5))قال في المصباح : الظاهر أنّ تخصيص العشرة بالذكر من باب التمثيل ، ومقصوده أنّ المسافة المعتبرة في التقصير أعمّ من الثمانيّة الممتدّة والملفّقة من الأربعةفصاعداً من غير تقييد بالرجوع ليومه ، انتهى (6)
أقول : كأنّ مراد المصباح أنّ العشرة من باب المثال ، وأنّ الوطن العر في والشرعي الموجودين في رأس البريد مثل إقامة العشرة ، وهذا القول هو الأقوى. ولا بّد أوّلاً من ذكر الأخبار الواردة في المقام وهي على طوائف : الأولى : ما دلّ على كون المسافة ثمانية أو ما يساوقها الظاهرة في الثمانية الامتدادية ، وهذه الطائفة متواترة إجمالاً وقد تقدّمت جملة منها .الثانية : ما دلّ على كون المسافة بريداً وهى أربعة فراسخ بحيث تشمل لمن لا يريد الرجوع أصلاً، أو يريده بعد إقامة عشرة أيّام، أو بعد الوصول إلى الوطن العرفي أو الشرعي، ولمن يريده قبل العشرة مع عدم الوطنين ، ولمن يريد الرجوع ليومه مع عدمهما أيضاً .منها : مرسلتا محمّد بن يحيى الخزّاز (1والصدوق ،(2)ومرسلة ابن أبي عمير الدالّة على كون التقصير ما بين ظلّ عير إلى فيء وعير (3)، بناءً على كونه بريداً على ما صرّح به في المرسلتين الأوليين، وما في المصباح من عدّ هذه المرسلة بما هو وقع في محلّه (4).)ومنها : صحيح زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام ، قال : التقصير في بريد ، والبريد أربعة فراسخ(5))
1) الكافي 3 : 432 - 3 ، الوسائل 8: 460 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 13
2) الفقيه 1 : 286 ح 1303 ، الوسائل 8: 461 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 16.
3) الكافي : 433 ح 4 ، الوسائل 8: 460 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 12
4) مصباح الفقيه : 725 .
5) الكافي :: 432 ح 1 ، التهذيب 3: 207 ح 494 وج 4 : 223 - 653، الاستبصار 1 : 223 ح 790.الوسائل 8 459 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 10.
ومنها موثبّق ابن بكير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام عن القادسيّة أخرج إليها ، أتمّ أم أقصر ؟ قال : وكم هي ؟ قلت : هي التي رأيت ، قال : قصّر(1). والقادسيّة على ما عن المغرب موضع بينها وبين الكوفة خمسة فراسخ (2)، وبالقطع بعدم الفرق بين الخمسة والأربعة يدلّ على المطلوب.)ومثل صحيح زرارة صحيحا الشحّام (3وإسماعيل بن فضل (4)، وخبرً أبي الجارود (5)، وصحيح معاوية بن عمّار(6)، وخبر إسحاق بن عمّار(7).)وبالجملة فهذه الطائفة أيضاً متواترة إجمالاً، فلا مساغ لأدّلة العلاج من الترجيح والتخيير بينها وبين الطائفة الأولى ، ولا للجمع العرفي فإنّهما متعارضتان بالتباين مع عدم قوّة في أحد الطرفين ولا خصوصيّة ،فلابّد من التساقط والرجوع إلى العمومات أو الأصول لو لم يكن شاهدخارجي .الثالثة : ما دلّ على وجوب التقصير في من يريد الرجوع قبل العشرة مع عدم الوطنين، مع عدم مفهوم لها يدلّ على عدم وجوبه فيمن يريد الرجوع بعد العشرة
1) التهذيب 3: 208 ح 497 ، الوسائل 8: 458 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 7.
2) القادسية : بلد بينه وبين الكوفة خمسة عشر فرسخاً (معجم البلدان 4: 291). وانظر المغرب مادة : «قدس» :
3) التهذيب 4 : 223 ح 655 ، الاستبصار 1: 224 - 794 ، الوسائل 8: 456 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح. 3
4) لتهذيب 3: 208 ح 500 ، الاستبصار 1 : 224 - 796 ، الوسائل 8: 457 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح6
5) التهذيب 3 : 209 ح 501 ، الاستبصار 1 : 224 - 797 الوسائل 8: 458 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح6 .
6) التهذيب 3 : 208 ح 499 ، الاستبصار 1: 224 - 795 ، الوسائل 8 464 أبواب صلاة المسافر ب3 ح ه . لكن هذا الخبر عده أكثر الفقهاء موثقاً لا صحيحاً ، فلاحظ
7) الكافي : 33 4 5 ، الوسائل 8 466 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 10.
أو كان له وطن في رأس البريد ، مثل صحيح معاوية بن عمّار ،(1أنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام ): إنّ أهل مكّة يتمّون الصلاة بعرفات ، فقال : ويحهم أو ويلهم ! وأيّ سفر أشدّ منه ، لا تتم - أو لا تتموا -(2)على اختلاف النسخ .)ومثله صحيحه الآخر (3، وصحيح الحلبي(4)، ومرسل المفيد. (5)ومثل صحيح عمران بن محمّد ، قال : قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) : جعلت فداك ، إنّ لي ضيعة على خمسة عشر ميلاً خمسة فراسخ ، فربّما خرجت إليها فأقيم فيها ثلاثة أيّام أو خمسة أيّام أو سبعة أيّام ، فأتّم الصلاة أم أقصّر ؟ قال : قصّر في الطريق وأتمّ في الضيعة .(6))ومثل صحيح زرارة ، عن أبي جعفر( عليه السلام ، قال : من قدم قبل التروية بعشرة أيّام وجب عليه إتمام الصلاة وهو بمنزلة أهل مكّة ، فإذا خرج إلى عرفات (7))وجب عليه التقصير ، فإذا زار البيت أتمّ الصلاة ، وعليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتّى ينفر (8.)
1) في الخطية : (معاوية بن وهب). ومثل ذلك وقع في مصباح الفقيه 1: 725 في آخرسطر منها ، والصحيح ما أثبتناه
2) الفقيه 1: 286 ح 1302 ، التهذيب 5: 433 ح 1501 ، الوسائل 8: 463 أبواب صلاة المسافر ب3 ح1
3) التهذيب 5: 433 ح 1501، وص 487 ح 1740 ، الوسائل 8: 463 أبواب صلاة المسافر ب 23
4) الكافي 4 : 518 ح 2 ، الوسائل 8: 465 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح8.
5) المقنعة : 448، الوسائل :8 : 467 أبواب صلاة المسافر ب3 ح 12.
6) التهذيب 3 : 210 ح 509 ، الاستبصار 1: 229 ح 811 ، الوسائل 8: 496 أبواب صلاة المسافر ب 14 ح 14 .
7) في الوسائل : (منى).
8) التهذيب 5: 488 1742 ، الوسائل :8 464 أبواب صلاة المسافر ب 33.
ومثل صحيحه الآخر عنه( عليه السلام أيضاً ، قال : حجّ النبيّ (صلى اللّه عليه وآله) فأقام بمبنى فصلّي(1)ركعتين ثمّ صنع ذلك أبوبكر، وصنع ذلك عمر ، ثمّ صنع ذلك عثمان ست سنين ، ثمّ أكملها عثمان أربعاً فصلّى الظهر أربعاً ، ثمّ تمارض ليشدّ بذلك بدعته ، فقال للمؤّذن : اذهب إلى عليّ فقل له فليصلّ بالناس العصر ، فأتى المؤذّن عليّاً (عليه السلام )فقال : إنّ أمير المؤمنين عثمان يأمرك أن تصلّي بالناس العصر ، فقال (عليه السلام ): إذا لا أُصليّ إلّا ركعتين كما صلّى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) ، فرجع المؤذّن فأخبر عثمان بما قال عليّ (عليه السلام) ، فقال : اذهب إليه وقل له : إنّك لست من هذا في شيء، اذهب فصلّ كما تُؤمر ، فقال علىّ (عليه السلام) : لا واللّه لا أفعل، فخرج عثمان فصلّى بهم أربعاً ، فلمّا كان في خلافة معاوية واجتمع الناس عليه وقتل أمير المؤمنين (عليه السلام )حجّ معاوية فصلّى بالناس بمنى الظهر ركعتين ، ثمّ سلّم ، فنظرت بنو أميّة بعضهم إلى بعض وثقيف ومن كان من شيعة عثمان ، ثمّ قالوا : قد قضى على صاحبكم وخالف وأشمت [به] عدوّه .)فقاموا (2فدخلوا عليه ، فقالوا : أتدري ما صنعت ؟ ما زدت على أن قضيت على صاحبنا وأشمتَّ به عدوّه ورغبت عن صنيعه وسنّته. فقال : ويلكم ، أما تعلمون أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه علیه و آله) فى هذا المكان ركعتين ، وأبوبكر وعمر وصلّى صاحبكم ستّ سنين كذلك ؟ فتأمروني أن أدع سنّة رسول اللّه(صلی اللّه علیه وآله) وما صنع أبوبكر وعمر وعثمان قبل أن يحدث ؟ فقالوا : لا واللّه لا نرضى منك إلّا بذلك ، قال : فاقبلوا فإنّي متبّعكم ،)
وراجع إلى سنّة صاحبكم فصلّى العصر أربعاً ، فلم يزل الخلفاء والأمراء على ذلكإلى اليوم. (1)الطائفة الرابعة : ما دلّ على أنّ البريد الذهابي كان لتلفيقه مع البريد الإيابي فيصيران ثمانية فراسخ التي هي المسافة ، وهذه الأخبار أيضاً مستفيضة : منها : موثّق محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام ، قال : سألته عن التقصير ، فقال : في بريد ؟ قلت : بريد ، قال : إنّه إذا ذهب بريداً ورجع بريداً فقد شغل يومه (2).)وصحيح زرارة ، قال : سألت أبا عبداللّه (عليه السلام أو أبا جعفر (عليه السلام) - على اختلاف نقل الوسائل والحدائق عن الصدوق - عن التقصير ، فقال : بريد ذاهب وبريد جائي، وكان رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) إذا أتى ذباباً قصّر. وذباب على بريد ، وإنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ. (3)و خبر فضل بن شاذان ، عن الرضا (عليه السلام) ، قال : إنّما وجبت [الجمعة ] على من يكون على رأس فرسخين لا أكثر من ذلك ، لأنّ ما تُقَصَّر فيه الصلاة [ بريدان ذاهباً أو ] بريد ذاهباً وبريد جائياً ، والبريد أربعة فراسخ، فوجبت [ الجمعة ] على من هو على نصف البريد الذي يجب فيه التقصير ، وذلك لأنّه يجىء فرسخين ويرجع فرسخين وذلك أربعة فراسخ وهو نصف طريق المسافر (4))
1) الكافي 4 : 518 ح 2 ، الوسائل :8 465 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح9
2) التهذيب 4: 224 - 658 ، الوسائل 8: 459 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 9
3) الفقيه 1: 287 - 1304 ، الوسائل 8: 461 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 14 و 15
4) علل الشرائع : 266 ح 9 ، عيون أخبار الرضا 2 : 112 ح 1 ، الوسائل 7: 308 أبواب صلاة الجمعة ب 4 ح 4 ، وج 8: 462 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 18.
ومثل هذه الثلاثة صحيح معاوية بن وهب (1وخبر تحف العقول ، عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون"(2)لكن بلا تعليل بشغل اليوم أو إذا رجع أو بغيره، بل في كون المسافة بريداً ذاهباً وبريداً جائياً.)ومثل خبر إسحاق بن عمّار ، قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام عن قوم خرجوا في سفر لهم فلمّا انتهوا إلى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصّر وا من الصلاة ، فلمّا أن صاروا على رأس فرسخين أو ثلاثة فراسخ أو أربعة تخلّف رجل منهم لا يستقيم لهم سفرهم إلّا به ، فأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم وهم لا يستقيم لهم السفر إلّا بمجيئه إليهم، فأقاموا على ذلك أيّاماً لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون ، هل ينبغي لهم أن يتمّوا الصلاة أم يقيموا على تقصيرهم ؟)فقال (عليه السلام : إن كان بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم؛ أقاموا أم انصرفوا ، وإن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة ما أقاموا ، (3)، فإذا مضوا فليقصّروا.)ثم قال : هل تدري كيف صار هكذا ؟ قلت : لا ري ، قال : لأن التقصيرفي بريدين ولا يكون التقصير في أقلّ من ذلك ، فلمّا كانوا قد ساروا بريداً وأرادوا أن ينصرفوا بريداً كانوا قد ساروا(4سفر التقصير ، وإن كانوا قد ساروا أقلّ من ذلك لم يكن لهم إلّا إتمام الصلاة (5))
1) التهذيب : 208 - 496 ، وج 4 : 224 - 657 ، الاستبصار 1: 223 ح 792 ، الوسائل 4568 أبواب صلاة المسافر ب 2 - ح2.
2) تحف العقول : 417. الوسائل 8: 462 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 18.
3) في الوسائل : (قاموا أم انصرفوا) بدل من: (ما أقاموا) .
4) في الوسائل : (سافروا).
5) الكافي 3 433 ج 5 علل الشرائع: 367 ج 1، الوسائل 8: 466 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 10 و 11
ومثله خبر سليمان المروزي(1ومرسل صفوان (2)وصحيح أبي ولّاد (3).)[القول السابع وهو مختار المؤلّف ]إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الجمع بين هذه الطوائف يوجب المصير إلى القول المذكور بوجهين :[الوجه ] الأوّل : إنّ هذه الطائفة مفسّرة وشارحة للطائفتين الأوليّين ، أمّا الأُولى فلأنّها كاشفة عن أنّ المراد من الثمانية فيها أعمّ من الامتداديّة والملفّقة ، وأمّا الثانية فلأنّ لها أربعة مصاديق :الأوّل : من يريد الرجوع ليومه مع عدم كون رأس البريد وطناً أو ما في حکمه.الثاني : الصورة مع إرادة الرجوع بعد اليوم.الثالث : مريد الرجوع مع كون رأس البريد له وطناً أو ما بحكمه مثل إقامة العشرة أو ملك قد سكنه ستّة أشهر .الرابع : من قصده عدم الرجوع أصلاً .فهذا التفسير يفسّر أنّه ليس المصداق الرابع مراداً من أخبار البريد ، وكذا الثالث ، لا لما ذكره في المصباح - من أنّ مورد أغلبها من أراد [العَوْد] (4قبل العشرة فلا تشمله ، وغيرُ الأغلبُ الغالب فيه إرادة الرجوع قبل العشرة فينصرف)
إطلاقه إلى الغالب (1، فإنّه مدفوع بأنّ الغلبة لا تصير منشأ للانصراف - بل لأنّ ظاهر المفسّر المذكور ضمّ البريد الرجوعيّ إلى الابتدائيّ مع كون السفر مستقلاً. والوطن قاطع للسفر ، وأمّا إقامة العشرة والوصول إلى الملك يترتّب عليه كلّ ما للوطن من الأحكام لعموم التنزيل كما يأتي إن شاء اللّه .)الوجه الثاني : إنّه لو فُرض عدم الطائفة الرابعة لكان قضيّة قواعد التعارض هو القول المذكور ، وذلك لأنّ الطائفتين الأوليين وإن كانتا من المتباينين اللذين لا جمع عرّفي بينهما إلّا أنّ الطائفة الثالثة أخصّ من أخبار الثمانية ، وهذا من مصاديق تعارض الأدّلة الثلاثة مع اختلاف النسبة ، والقاعدة فيه تقديم ما حقّه التقديم وهو الطائفة الثالثة ، وتقديمها على أخبار الثمانية إمّا بالتخصيص وإخراج ما كان البريد الابتدائي مما يقصد فيه الرجوع ليومه ، أوقبل العشرة ،وحينئذ يكون الباقي تحته أخصّ من أخبار البريد المطلق فتقدّم عليها لا لانقلاب النسبة ، بل لكونه كالنصّ في الباقي، وإمّا بكونه قرينة على أنّ المراد بالثمانية أعمّ من الامتدادية والملفقة ، فتصير أيضاً أخصّ من أخبار البريد فتُقدّم عليها ، إلّا أنّ الأقوى هو الثاني للزوم حمل أخبار الثمانية على النادر بناءً على الأوّل كما لا يخفى .فتلخّص أنّ الأقوى بحسب الوجهين هذا القول ، ولا يرد عليه سوى أمرين: أحدهما : ما قيل من أنّ هذا القول قد أعرض عنه الأصحاب لأنّه لم ينقل القول به من زمان العمّاني إلى زمان الكاشاني وصاحب البحار كما تقدّم (2. وفيه : أنّ عدم قولهم به لو كان موجباً للوثوق بعدم صدور أخبار البريد)
وأخبار التلفيق لكان لما ذكر وجه ، وليس كذلك :أمّا أوّلاً : فلأنّ كلّاً من هاتين الطائفتين متواتر إجمالاً . وأمّا ثانياً : فلأن الحاكم منهم بالتخيير قد تمسّكوا بهذه الأخبار. وكيف كان فلا مسرح لتوهّم حصول الوثوق بعدم صدورها من عدمعملهم بالقول المذكور .الأمر الثاني : صحيح عمران بن محمّد المتقدّم، فإنّ الضيعة لو كانت وطناً أو بحكم الوطن فلا معنى للحكم بالقصر في الطريق وإلّا فلا معنى للحكم بالتمام في الضيعة ، فيكشف عن أنّ الحكم في المسألة هو التخيير ، غاية الأمر أن القصر في الطريق أفضل، والتمام في المقصد.ويندفع بأنّ حمل الصحيح على التقيّة العمليّة - بأنّ يقال : إنّ الحكم هو القصر في كليهما ، لكنّ الأمر بالتمام في الضيعة لأجل ابتلاء السائل في الضيعة بالعامة القائلين بالتمام بمجرّد الملك - لو لم يكن أولى ممّا ذكر فلا أقلّ من المساواة ، فلا يثبت الوهن في الجمع المذكور .[الاستدلال للقول الثاني والجواب عنه ]ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرنا قوّة القول المذكور وبطلان سائر الأقوال ، ولكن استدلّ للقول الثاني بوجهين :الأول : أصالة التمام في غير المريد للرجوع ليومه .وفيه : إنّ جريانها موقوف على أمور- ثلاثة كان المراد منها استصحاب وجوب التمام أو القاعدة المستفادة من إطلاق ما دلّ على وجوب أربع ركعات على كلّ أحد-:
الأوّل : عدم إطلاق في دليل السفر وإلّا كان هو المحكَّم لكونه إطلاق المقيّد . الثاني : عدم وجود الجمع الدلاليّ بين الأخبار الخاصّة والّأكان هو المحكّم. الثالث : أن لا يكون لأدلّة العلاج مساغً بعد فرض التكافؤ بين الأخبار الخاصّة وإلّا كان الترجيح أو التخيير هو المحكَّم، والموجود هو الثالث فقط لكون أخبار الطرفين متواترة إجمالاً، لأنّ أدلّة العلاج مخصوصة بظّنّي الصدور . وأمّا الأوّلان فقد عرفت سابقا عدم وجودهما .الثاني: الأخبار الدالّة على كون المسافة ثمانية الظاهرة في كونها امتداديّة.وما يتوهّم من المعارض لها طوائف ثلاث من الأخبار :[ الطائفة ] الأولى : ما دلّ على أنّ من ذهب بريداً ورجع بريداً يقصّر ، وهوغيرقابل للمعارضة فضلاً عن تقدّمه عليها ؛ لوجهين :أحدهما : إنّها منصرفة إلى مريد الرجوع ليومه .الثاني : إنّه لو سلّم عدمه فهي من المطلقات، ويجب تقييدها بموثّق ابن مسلم المتقدّم (1الدالّ على كونه كافياً لكونه موجباً لشغل اليوم، والمريد للرجوع لغير يومه ليس شاغلاً ليومه ؟)أقول : أمّا الانصراف فهو ممنوع ، إذ منشأه إمّا غلبة الاستعمال ففيها منع صغرى، أو غلبة الوجود ففيها منع صغرى وكبرى .وأمّا الثاني ففيه :أوّلاً : إنّ الظاهر من قوله (عليه السلام فقد «شغل يومه» في نفسه وإن كان الشغل الفعلّيّ، إلّا أنّ الظاهر منه في خصوص المقام كونه إشارة إلى أنّ الملاك في)
1) التهذيب :4 : 224 - 658 الوسائل 8: 459 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 9.
المسافة ثمانية فراسخ التي لو اشتغل بالسير فيها متصلاً بسير متعارف للأثقال لكان يوماً لا أنّ نفس الشغل الفعلىّ ملاك ، والقرينة عليه تعجّب السائل من كون البريد مسافة ، مع ما ثبت عنده من كون المسافة ثمانية أو مسيرة يوم أو بياضه ، وَدَفَعَ الإمام (عليه السلام تعجّبه بأنّه غير مناف لذلك ، لأنّه إذا لفّق يصير ثمانية ، غاية الأمر أنّ الثمانية أعم من الملفّق الة الفن العمرة لهند يا اين فى ألم وقتاً وثانياً : إنّه لو أخذ كونه ظاهراً في الشغل أيضاً لكان اللّازم عدم كفاية الثمانية أيضاً إذا وقع السير فيها في أزيد من يوم أو كان السير بمركوب سريع في ساعة أو ساعتين من النهار .)وثالثاً : إنّه يلزم حينئذ أنّه إذا ذهب ورجع في آخر النهار عدم لزوم القصر.ورابعاً : إنّه يلزم حينئذ إذا وقع سير البريد الابتدائيّ في آخر النهار وشرع في: الرجوعىّ في أوّل الليل عدم لزوم القصر ، فهذه كلّها كاشفة عن أنّ المراد بالشغل الشغل التعليقّ، بمعنى أنّه لو وقع في بياض اليوم بسير متعارف لشغله .الطائفة الثانية : الأخبار الدالّة على أنّ قاصد الثمانية إذا رجع عن قصده بعد المسير أربعة فراسخ وانصرف يقصر : كان انصرافه في اليوم أو بعده ، مثل خبر إسحاق بن عمّار، (1، ورواية سليمان المروزي ، (2)بعد حمل الفرسخ فيها على الخراساني، ومرسل صفوان (3)، وصحيح أبي ولّاد،(4)وهي أيضاً غير قابلة)
1) الكافي 4 : 433 - 5 ، الوسائل :8: 466 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 10
2) التهذيب 4 : 226 - 664 ، الاستبصار 1 : 227 ح 808، الوسائل 8: 457 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 4 .
3) التهذيب 4: 225 - 662 ، الاستبصار 1 : 227 - 806 ، الوسائل 8: 458 أبواب صلاة المسافر ب 2 ح. 8
4) التهذيب 3 : 298 ح 909 ، الوسائل 8: 496 أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1.
للمعارضة ؛ أمّا الأوّلان فلضعفها سنداً، وأما الأخيران فلوجوه : الأوّل : إنّهما معارضان بما عن الشيخ بإسناده عن عبدالرحمن بن الحجّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام، قال : سألته عن التقصير في الصلاة ، فقلت له : إنّ لي ضيعة قريبة من الكوفة وهى بمنزلة القادسيّة من الكوفة فربّما عرضت لي حاجة أنتفع بها أو يضرّني القعود عنها في رمضان فأكره الخروج إليها لأنّي لا أدري أصوم أو أفطر ؟ فقال لي : فاخرج وأتّم الصلاة وصُم فإنّي قد رأيت القادسيّة . (1))و مرسل عبد اللّه بن بكير، عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام- في الرجل يخرج من منزله يريد منزلاً آخر أو ضيعة له أخرى- قال : إن كان بينه وبين منزله وضيعته التي يؤمّ بريدين قصّر ، وإن كان دون ذلك أتمّ .(2))وموثّق عمّار ، عن أبي عبداللّه (عليه السلام ، قال : سألته عن الرجل يخرج في حاجة ، فيسير خمسة فراسخ ويأتي قرية فينزل فيها، ثمّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أُخرى أو ستّة فراسخ لا يجوز ذلك ، ثمّ ينزل في ذلك المنزل ؟ قال : لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتّم ذلك (3).)وحينئذٍ يجب الجمع بحمل ما دلّ على القصر على مريد الرجوع ليومه ، وما دلّ على التمام على غيره.الثاني : إنّه لو تكافأت الأدلّة فيرجع إلى الترجيح ، وهو (4مع ما دلّ على التمام.)
الثالث : إنّه لو سُلّم عدم الترجيح تساقطا فيرجع إلى إطلاقات أدلّة اعتبار الثمانية الامتداديّة، وأمّا إطلاقات أدلّة البريد الذهابيّ والبريد الإيابّي فهي مقيّدة بموثّق ابن مسلم الدالّ على اعتبار الشغل الفعليّ كما تقدّم (1.)أقول : أمّا الوجه الأوّل ففيه :أوّلاً : منع كونه جمعاً عرفيّاً .وثانياً : إنّ الأخبار الأربعة الدالّة على القصر أخصّ من هذه الثلاثة، إذ مدلولها من سار بريداً ورجع بريداً، أراد الرجوع ليومه أو بعده ، لكن لا شمول لها لما كان في رأس البريد وطن أو ما بحكم الوطن ، بخلاف الثلاثة فإنّها تشمله أيضاً، واللّازم حينئذ حمل المطلق على المقيّد.وثالثاً : إنّه لو أغمض عنه، فالأخبار الأربعة شارحة ومفسرة للأخبار الثلاثة وما يساوقها ممّا دلّ على اعتبار الثمانية ، فالعبرة بالمفسّر- بالكسر - لا بالمفسّر - بالفتح -.وأمّا الثاني ففيه : إنّ المراد من رجحان الأخبار الثلاثة ، أمّا مطابقتها للشهرة العمليّة ، ففيه أوّلاً: منعها صغرى، بل ربما يُدعى الشهرة للقول بالتخيير في من لم يرد الرجوع ليومه . وثانياً : منعها كُبرى كما قرّر في الأُصول ، أو (2أكثريّتها سنداً ، ففيه : إنّ الأخبار المتقدّمة أكثر، إذ هي أربعة ، مع أنّ كلّا منهما مَزاحمً بكون الأربعة مطابقةً للكتاب ومخالفة للعامّة اللذّين لا إشكال في كونها مرجّحَين .وأمّا الثالث ففيه : أوّلاً : إنّ مورد الترجيح لا يرجع فيه بعد العجز عنه إلى)
الإطلاقات بل إلى التخيير . وثانياً : إنّ مفادّ هذه الثلاثة مطابق لأخبار الثمانية فلا وجه لجعلها معارضة ، والرجوع إلى أخبار الثمانية ، بل أخبار الثمانية معارضة لجميع ذلك ، وحينئذٍ فاللاّزم الرجوع إلى إطلاقات السفر . وثالثاً : إنّ منعَ جواز الرجوع إلى أخبار التلفيق لكونها مقيّدة بموثّق ابن مسلم ممنوعً ؛ لما عرفت من كونه مطابقاً لأخبار التلفيق .الطائفة الثالثة : أخبار عرفات، وهي معارضة لما دلّ على تعيّن التمام مع عدم الرجوع ليومه ، وحينئذٍ فيرجّح أخبار الثمانية عليها أو يرجع إلى أخبار الثمانية لو فرض عدم المرجح ، وإن فرض تعارضها معها أيضاً يرجع إلى أصالة التمام .أقول : إن كان المراد ممّا دلّ على تعيّن التمام مع عدم الرجوع ليومه هو النصّ الخاصّ، ففيه منعّ من وجوه . وإن كان الأخبار الثلاثة المتقدّمة ، ففيه أنّ أخبار عرفات أخصّ ، لأنّها لا تشمل لمن أقام عشرة أيّام، فلا تصل النوبة إلى الترجيح. وأمّا ما ذكره من الترجيح ، فيرد عليه - مضافاً إلى ما أوردناه على الترجيح للأخبار الثلاثة على الأخبار الأربعة المتقدّمة آنفاً - أنّ معنى الترجيح طرح أحد الخبرين، وأخبار عرفة غير قابلة له للعلم ولا أقلّ بوثوق صدور بعضها .وأمّا ما ذكره من الرجوع إلى أخبار الثمانية ، فيرد عليه أيضاً ما أوردنا عليه في الرجوع إليها في الطائفة الثانية .وأمّا ما ذكره من الرجوع إلى أصالة التمام، ففيه أنّ اللّازم حينئذٍ الرجوع إلى إطلاق السفر القاضي بالقصر ، أريد من أصالة التمام الاستصحاب أو إطلاقات أدلّة وجوب أربع ركعات كما عرفت سابقاً. فتلخّص أنّ هذا القول باطل .
[الاستدلال للقول الثالث ورده ]وأمّا القول الثالث فقد استدلّ له بوجوه ثلاثة :الأول : الرضويّ : فإن كان سفرك بريداً [ واحداً ] وأردت أن ترجع من ذلك قصّرت لأنّ ذهابك وإيابك بريدان ، وإن عزمت على المقام وكان [مدّة ] سفرك بريدا واحداُ ثمّ تجددّ لك الرجوع من يومك فلا تقصّر ... فإن لم ترد الرجوع ليومك فأنت بالخيار إن شئت أتممت وإن شئت قصّرت (1. وهو دالّ على القول المذكور بجميع دعاويه الثلاث ، لكنّه غير حجّة سنداً .)الثاني : موثّق ابن مسلم (2يدلّ على تحتّم القصر فيمن يريد الرجوع ليومه بمقتضى ظهوره في الشغل الفعليّ، .ويدلّ على تحتّم التمام فيمن أراد المقام عشرة أيّام في رأس البريد (3)ما ذكرنا سابقاً، وأمّا التخيير فيمن يريد الرجوع بعد اليوم ولم لكفرنا يعزم على المقام عشرة ، فهو قضيّة الجمع بين أخبار عرفات التي موردها ذلك ، وبين ما دلّ على تعين التمام في ذلك بالخصوص ، فإنّ كلاً من الطرفين وإن كان ظاهراً في الوجوب التعيينيّ إلّا أنّه يرفع اليد عن التعيين ويحمل على التخيير .)وفيه : أوّلاً : منع دلالة موثّق ابن مسلم على ما ذكر كما تقدّم .وثانياً : إنّه ليس في البين خبر يدلّ على تعينّ التمام في ذلك الفرض بالخصوص.
وثالثاً : إنّه لو سُلّم وجوده فليس التخيير جمعاً عرفيّاً.الثالث: عين الثاني، لكن الحمل على التخيير بضميمة الإجماع الذي ادّعاء جماعة على عدم تحتّم القصر على من لم يرد الرجوع ليومه ولم يعزم على الإقامة. وأشكل عليه بأنّ هذا الإجماع لا يكون قرينة على الجمع بالتخيير ، بل قد قرر في محله أن طرح أحد المتعارضين أولى من الجمع إذا لم يكن بينهما جمعً عرقيّ. . وردّه في المصباح بما حاصله : أنّ أولويّة الطرح من الجمع إنّما هو فيما [إذا ] كان المورد قابلاً للطرح، وأخبار عرفات غير قابلة له للتواتر الإجماليّ والوثوق بصدور أحدها ، انتهى." (1)أقول : الظاهر عدم صحّة هذا القول، لأنّ الإجماع المذكور على تقدير حجّيته مجمل، لأنّه إجمالاً كاشف عن خلل في أخبار عرفات، أما إنّه في السند أو في الدلالة أو في الجهة فلا تعرّض له ، وحينئذٍ إذا فرض أن السّند غير قابل للخدشة تردّد بين الدلالة والجهة، والحكم في مثله هو التساقط والرجوع إلى القواعد والأصول لا تأويل الدلالة ، والقاعدة المرجوع إليها ليس إطلاقات السفر - لأنّ مفادها وجوب القصر تعيّناً، وهو مخالف للإجماع حسب المفروض - فلا بدّ من الرجوع إلى أصالة التمام استصحاباً أو قاعدة مستفادة من إطلاقات التمام . وأمّا الإشكال المذكور ، فقد ظهر اندفاعه بما ذكرنا أيضاً ، لأنّ أخبار عرفات غير قابلة للطرح ؛ لا تخييراً ولا ترجيحاً.وأمّا أصل الاستدلال، فيرد عليه - مضافاً إلى الوجهين الأوّلين الواردين على سابقه - منع حجيّة الإجماع المنقول ، مضافاً إلى أنّه لو سلم حجيّنه فإنّما هو فيها
1) مصباح الفقيه 2 : 729
محصّله حجّة فيه ، وليس هاهنا كذلك ، لأنّ أهل الإجماع على طائفتين : إحداهما من يقول بالتخيير ، ويحتمل أن يكون مدركهم كونه جمعاً عرفيّاً ، وأُخرى من يقول بالتمام ، ويحتمل أن يكون مدركهم حمل كلّ ما دلّ على القصر على من يريد الرجوع لليوم أو ترجيح أخبار التمام، فلا حجّة في هذا الإجماع .[الاستدلال للقول الخامس وردّه ]وأمّا القول الخامس الذي نفى البعد عنه في المصباح في آخر كلامه ، فيمكن الاستدلال له بوجهين :الأوّل: صحيح عمران بن محمّد المتقدّم الأمر بالقصر في الطريق ، وبالتمام في الضيعة (1، فإنّه لو كان الحكم وجوب القصر في هذا السفر معيّناً أو التمام كذلك لم يكن وجه للتفصيل المذكور لو لم يكن الضيعة وطناً أو ما بحكمه ، وإن كانا لم يكن وجه للقصر أصلاً في الطريق فيُعلم منه أنّ الحكم هو التخيير ، غاية الأمر أنّ القصر في الطريق أفضل .)وقد تقدّم الجواب عنه بوجهين في السابق عند الكلام في القول المختار و تشييد مبانيه وهو السابع.الثاني : ما ذكره في المصباح، وحاصله : إنّ ظاهر أخبار الثمانية هو الامتدادية بحيث لا يخطر ببال أحد مشروعيّة القصر في الملفّق ، وهذه الأخبار كثيرة جدّاً، وحينئذٍ فلا بدّ من أنّ المخاطبين بهذه الأخبار قد عملوا بالتمام في الملفّق برهة من الزمان ، فيدور الأمر بين أمور ثلاثة:
1) التهذيب :3: 215 ح 530 ، الاستبصار 1 : 233 - 832 الوسائل :8: 491 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 3 .
أحدها : أن يكون الحكم هو التخيير في الملفّق وإلقاء هذه الأخبار لایوجب إلّا العمل بأحد طرفي التخيير .ثانيها : أن يكون الحكم وجوب القصر معيّناً إلّا أنّ إلقاء المخاطبين في خلاف الحكم الواقعيّ قد كان لحكمة .ثالثها : الصورة لكن كان في أخبار الثمانية قرينة متصلة على أنّ المراد منها الأعمّ من التلفيق ، ولا يخفى بُعد الأخيرين بالنسبة إلى الأوّل ، انتهى(1.)وفيه :أولّاً : ما تقرّر في الأصول من أنّ الأقرب في أيّ دليل سمته التأخر -كان عاماً وورد مخصّصه بعد العمل، أو مطلقاً ورد مقيّده بعد العمل، أو ظاهراً ورد أظهر منه ، أو نصّ على خلافه بعد العمل ، أو محكوماً ورد حاكمه بعد العمل - هو الوجه الثاني، والمقام من قبيل الأخير أو الثاني كما تقدّم من الوجهين في الجمع بين أخبار الثمانية وأخبار البريد .وثانياً : إنّه لم يعلم تقدّم أخبار الثمانية على أخبار التلفيق تاريخاً ، نعم ظاهر موثّق ابن مسلم - بمقتضى قوله «قلت : بريد» بنحو التعجّب المشبّه بالإنكار- ذلك ، وأمّا الأقوال الأُخر فليست قابلة للتعرّض لأدلّتها ، ولعلّ المتفطّن ينتقل إليها من أدلّة الأقوال المتقدّمة. فالحقّ هو القول السابع، وهو تحتّم القصر في القسمين الأوّلين والتمام في القسم الأخير.
1) مصباح الفقيه 2 : 729 - 730
:فروعالفرع الأوّل: إنّه لو كان الملفّق ثمانية ، لكن الذهاب خمسة والإياب ثلاثة أو بالعكس، ففيه وجوه ثلاثة بل أقوال كذلك :الأوّل: القصر مطلقاً.الثاني: التمام مطلقاً .الثالث : التفصيل ؛ ففي الصورة الأولى القصر ، والثانية التمام .ويدلّ على الأوّل تعليل قصر رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله إلى ذباب - وكان أربعة فراسخ من المدينة ، في صحيح زرارة السابق - بقوله (عليه السلام) : «وإنّما فعل ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره ثمانية فراسخ» (1)فإنّ عمومه يشمل غير المعلول أيضاً ، فإنّ العلة بلوغ الذهاب والإياب ثمانية من غير دخل لكون الذهاب بريداً والإياب بريداً، وكذا التعليل بقوله (عليه السلام) : «فإنّ التقصير في بريدين ، ولا يكون التقصير في أقلّ من ذلك ، فلمّا كانوا قد ساروا بريداً وأرادوا أن ينصرفوا بريداً كانوا قد ساروا سفر القصر» في خبر إسحاق المتقدّم (2)، وكذا التعليل في موثّق)
ابن مسلم المتقدّم بقوله( عليه السلام : «إنّه إذا ذهب بريداً ورجع بريداً فقد شغل يومه» (1)، بناءً على كون شغل اليوم كناية عن ثمانية فراسخ .)ويدلّ على الثاني الأخبار التي علّق التقصير فيها على بريد ذهابي وبريد إيابي ، حيث إنّ ظاهر التعبير كون كلّ من البريدين ممّا له دخل في الحكم. و [ يدل ] على الثالث أخبار البريد ، فإنّ الظاهر كون الخصوصيّة للبريد الذهابيّ،، فإنّها وإن كانت ظاهرة في نفي اعتبار ما زاد عليه أيضاً، إلاّ أنّه قد دلّ الدليل على اعتبار بريد آخر ذهابيّاً كان أو إيابيًاً أو مركّباً منها ، كما لو كان الذهاب خمسة والإياب ثلاثة ، فهو يكفي دون ما كان الذهاب ثلاثة والإياب خمسة ؛ لعدم تحقّق البريد الذهابيّ الذي جعل موضوعاً للحكم.قال في المصباح : وأوضح من ذلك دلالة على ملحوظيّة خصوصيّة البريد [ حداً في التقصير ] خبرُ الفضل: «وإنّما وجبت الجمعة على من يكون على فرسخين ، لأنّ ما تقصر فيه الصلاة بريد ذاهباً وبريد جائياً، والبريد أربعة فراسخ ، فوجبت الجمعة على من هو على نصف البريد الذي يجب فيه التقصير ، وذلك لأنّه يجيء فرسخين ويرجع فرسخين، وذلك أربعة فراسخ ، وه-و ن-ص-ف طريق المسافر» (2)أقول : لم أفهم وجه الأوضحيّة ، بل هو نظير سائر أخبار البريد ذاهباً والبريد جائياً الدالّة على خصوصيّة كلا البريدين، فإذا وقع التعارض بين ظهور الأخبار الثلاثة في كون البلوغ إلى الثمانية علّة وبين ظهور هاتين الطائفتين في خصوصيّة
البريد فلا بّد من ملاحظة أنّ أياً منهما أقوى ، ولو فرض أنّ الأقوى هو الأوّل فلابدّمن حمل ما تضّمن البرید أو البريدين على الغالب ، بمعنى أنّه لمّا كان الغالب في الأسفار تساوي الذهاب والإياب عبّر بذلك لا لخصوصيّة في البريد أو البريدين، ولو فرض أنّ الأقوى هو الثاني فلا بدّ من حمل البلوغ إلى الثمانية على الحكمة دون العلّة ، فلا يلزم اطّرادها ولا انعكاسها بخلاف العلّة فإنّ الاطّراد فيها لازم ، وأمّا الانعكاس فلزومه إنّما هو فيا كانت علّة منحصرة، والأقوى هو الأوّل .إلّا أنّ المصباح بعد نفي البعد عن أقوائيّة الظهور الأوّل ، قال : ولكن قد يوهن ظهور التعليل كون خصوص البريد مفروضاً في الأخبار الثلاثة المعلّلة أيضاً، فهذا ممّا يؤيّد ظهور أخبار البريد في [ ملحوظيّة ] الخصوصيّة وعدم كون العلّة مستقلّة العلّيّة من دون لحاظ خصوصیّات موردها، خصوصاً بعد مخالفتها لظاهر فتاوى الأصحاب أو صريحها ، انتهى(1)وفيه : إنّ كون البريد مفروضاً في الأخبار الثلاثة ليس موهناً؛ لأنّ العبرة بعمومية العلّة لا بخصوصيّة المورد ، وأمّا المخالفة لفتاوى الأصحاب فلا تقدح أبداً بعد كونها في مقام الدلالة على وجه لا يكشف عن قرينة ؛ فالحّق هو القول الأوّل. ثمّ إنّه لو لم نقل به فهل اللّازم هو المصير إلى الثاني أو الثالث ؟ الأقوى هو الثاني ؛ لأنّه إذا بني على لحاظ خصوصيّة البريد فأخبار البريدين تدلّ على خصوصيّة كليهما، وهذه الأخبار مفسّرة لأخبار البريد على ما تقدّم، فحينئذ يقيّده بما إذا رجع بريداً أو ذهب بريداً ، فلا يبقى لها دلالة معتبرة على الاكتفاء بالبريد الذهابيّ الذي زِيدٌ عليه بريدٌ مركب من الذهاب والإياب.
1) مصباح الفقيه 2 : 730 .
ثّم إذا كانت المسافة مستديرة حول البلد على شكل الدائرة أو شبهها وكان الجميع يبلغ ثمانية فراسخ، فعلى المختار فلا إشكال في وجوب القصر في جميع فروضه التي نذكرها بعد ذلك على القول الآخر إذا قلنا بأنّ المسافة المستديرة كالمستقيمة في وجوب القصر كما هو الحقّ على ما يأتي .وأمّا على القول بعدم كفاية التلفيق من ثلاثة وخمسة أو العكس، بل إنّ مانعيّة القصر هو التلفيق من أربعة وأربعة ، فلا بدّ من تعيين السير الذهابيّ عن السير الإيابيّ في ذلك ، والعرف يعيّنه بحسب المقصد.فإن كان له مقصد واحد فالمسير إلى أن يصله ذهابٌ ، وبعدَه إيابٌ وإن لم يكن مُسامِتاً لقطر الدائرة ، وحينئذ إن كان إليه بريد وبعده بريد يقصّر،إلّا فلا.وإن كان له مقاصد فالذهاب ينتهي إلى آخرها مطلقاً على الأقوى ، لكن قيّده في محكي المسالك (1بما لم يتحقّق قبله صورة رجوع إلى بلده، وذَكَرَ ما قوّيناء احتمالاً . لكن يستثنى من ذلك ما لو كان مقصده معرفة مساحة هذه المسافة المستديرة لغرضٍ من بناء حولها أو غيره، فإنّ العرف في مثله يعدّ جميع السير ذهاباً فاللّازم حينئذٍ هو القصر ولو لم نقل بالتلفيق أصلاً - حتّى فيما ذهب بريداً ورجع بريداً أيضاً - لشمول أدلّة الثمانية الامتداديّة له .)ودعوى الانصراف ليس لها منشأ إلّا غلبة الوجود التي لا عبرة بها في باب الانصراف ، وقد نبّه عليه في المصباح (2، ثمّ ذلك يُقَدَّرُ به ما ذكرنا من التفصيل بناءً على القول الثاني التفصيلُ على القول الثالث أيضاً .)
الفرع الثاني : إنّه لا فرق في المسافة بين المستقيمة والمستديرة - قلنا بالثمانية الامتداديّة ، أو بالأعمّ منها ومن الملفّقة - لإطلاق الأدلّة ، ودعوى الانصراف ممنوعة كما تقدمّت إليه الإشارة، مع أنّها لا تقدح ؛ لقوله (عليه السلام في صحيح عليّ بن يقطين: «وإن كان يدور في عمله» (1)، بناءً على ظاهره كما فهمه في الوافي(2)، لا أنّه كناية عن كثرة السفر.)[الفرع ] الثالث : إنّه لو تردّد في أقلّ من أربعة فراسخ بحيث يبلغ مجموع مسيره ثمانية فراسخ ، فإن بلغ سور البلد قبل بلوغ مجموع السير ثمانية فراسخ فلا إشكال في وجوب التمام، وإن لم يبلغ ولكن بلغ حدّ الترخّص أو لم يبلغه أيضاً ففيه إشكال ، وَنَفيً المصباح عدمّ الإشكال في الشقّ الأوّل (3منه - معلّلاً له بانقطاع سفره (4)- في غير محلّه ؛ لأنّ انقطاعه يتّجه بناءً على كون ابتداء السفر من السير من حدّ الترخّص الذي لا يقول به هو ولا نحن . ومنشأُ الإشكالِ عمومُ التعليلات الثلاثة المتقدّمة - فإنّها تشمل هذه الصورة أيضاً كما تشمل ما لو سار ثلاثة ورجع خمسة أو بالعكس - وعدمُهُ بدعوى أنّ المأخوذ في المعلول ذهاب واحد وإياب واحد مع كون كلّ بريداً، والملغى بقرينة التعليل هو الثاني لا الأوّل ، ولعلّ نظر المصباح في قوله في ذلك الفرع -(5)- بعد الاستدلال بظهورها في العليّة وأنّها تفيد)
وجوب القصر - أنّ ذلك لا ينافي ما ذكرناه في المسألة السابقة من أنّ المتردّد في الثلاثة لا يقصر، ولكنّ الظاهر من العرف إلغاء كلتا الخصوصيّتين، فالاحتياط لا ينبغي أن يترك .[الفرع الرابع ]: إنّه لو كان له طريقان إلى مقصده أحدهما أقرب بحيث لا يبلغ المسافة، والآخر أبعد يبلغها ، وسلك الأبعد ؛ فإن كان سلوكها لغرض غير غرض الرخصة - كما لو كان في الأبعد مقصد آخر مخصوص به - فلا إشكال في وجوب القصر ، وإن لم يكن في البين غيرُ الرخصة ، ففيه قولان، والمشهور القصر، وحكي عن القاضي التمام لكونه كاللّاهي بسفره (1، والظاهر أنّ مراده كونه لاعباً.)وفيه :أوّلاً : إنّه قياسوثانياً : منع كونه لعباً مطلقاً ، لأنّ الترخّصَ غرض عقلائيّ يُخْرِجُ الفعل عن اللعب.وثالثاً : سلّمنا أنّ الرخصة ليست من الدواعي العقلانية إلّا أنّه ربّما يكون اختيار الترخيص لغرض عقلائيّ، ،كما في من يشقّ عليه الصيام أو يخاف من ضرر أو يقصد التخلّص عن الصوم الحرام، كما إذا تردّد شهر رمضان بين الناقص والتامّ، فإنّ الداعي العقلائيّ موجود في هذه الفروض ؛ كان أصل السفر لغرض الرخصة أو اختيار خصوص الأبعد ؛ فالأقوى هو المشهور للإطلاق.[الفرع ] الخامس : إنّه لو سار ثمانية فراسخ في شهر أو شهرين فصاعداً أو بلغ من سفره قريباً من بلده وتوقّف في قرى قريبة منه أيّاماً للرخصة ، ففي وجوب
1) المهذب 1 : 106 ، جواهر الفقه (الجوامع الفقهية : 476
التمام مطلقاً أو القصر كذلك أو التفصيل - بين الأوّل فالتمام والثاني فالقصر - وجوهً ، واستدلّ للأول بوجهين :الأول : منع صدق السفر ، وفيه منع .الثاني : انصرافه عنه ،وفيه أيضاً منع ؛ لأنّ منشأه غلبة الوجود التي لا اعتبار بها . ومنه يظهر ضعف ما في المستند - بعد ردّ الوجه الأوّل بمنع عدم صدق السفر ومنع الضير فيه ، لأنّ الحكم في بعض الأخبار معلّق على السير ثمانية فراسخ ، وهو صادق عليه - من أنّ ندرة هذين الفردين أوجب الشكّ في دخولهما تحت إطلاق السير ثمانية فراسخ (1. ووجهُ الضّعفِ أنّ ندرة الوجود لا عبرَة بها مع كون السفر صادقاً على السير.)وأمّا الثاني، فوجهه دعوى صدق السفر مع عدم انصرافه عنه .وأمّا الثالث ، فوجهه أنه إذا شكّ في دخول الفردين في السفر صدقاً أو انصرافاً ، فاللّازم التمسّك بالأصل، وقضيّته استصحاب التمام في الأوّل والقصر في الثاني، والتفصيلُ المذكور اختاره في المدارك . (2)وفيه :أوّلاً : منع الشكّ في صدق السفر .وثانياً : إنّه لو سلّم فاللّازم الحكم بالتمام في الفرد الثاني أيضاً عملاً بإطلاق ما دلّ على وجوب التمام، خرج عنه المسافر ، فالاستصحاب الحكميّ لا يجري لوجود الإطلاق.
وتوهُمُ أنّ المورد من موارد جريان حكم ّ المخصّص لا التمسّك بالعامّ ، مدفوعً بما قرّرنا في الأُصول من أنّه من باب الثاني ، ولا يقدح فيه كون الزمان مأخوذاً ظرفاً للاستمرار في طرف العامّ. وأمّا استصحاب السفر فلا جريان له ؛ لأنّ الاستصحاب الموضوعّي لا جريان له في الشبهات الموضوعيّة، وحينئذٍ يكون المقام من مصاديق إجمال المخصّص مفهوماً المردّد بين الأقّل والأكثر ، فيكون العامّ في غير المتيقّن خروجه هو المحكّم.
#### الثانى من الشروط :وهذا في الجملة لا إشكال فيه ، لا للإجماع ؛ لاحتمال كون مدركه أحد الوجوه الآتية ، ولا لصحيح زرارة الآتي الدالّ على أنّ قاصد الثمانية إذا صلّى قصراً ثمّ رجع عند بلوغه على رأس فرسخين يجزي صلاته (1- بتقريب أنّه يدلّ على عدم اعتبار نفس المسافة ، بل على أنّ المعتبر قصده - وذلك لأنّه لا يدلّ إلا على كفاية القصد ، ولعلّ نفس المسافة أيضاً كافية ، وهذا غير الاشتراط ؛ لأنّ معناه أنّه لا يقصّر بدون القصد ولو كان سير المسافة حاصلاً أيضاً، ولا لمرسل صفوان المتقدّم (2)لأنّه وإن كان دالاً على اعتبار القصد، إلّا أنّه ضعيف سنداً، بل لموثّق عمّار المتقدّم وهو هكذا:)سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ ويأتي قرية فينزل
1) التهذيب 3: 230 ح 593، 4: 227 ح 665 ، الاستبصار 1: 228 ح 809، الوسائل 8: 521 أبواب صلاة المسافر ب 23 ح 1. ونص الرواية عن زراره هي : سألت أبا جعفر الا عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت وقد خرج من القرية على فرسخين ، فصلّوا وانصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج ، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين ؟ قال : تمت صلاته ولا يعيد .
2) التهذيب 4 : 225 - 662 ، الاستبصار 1 : 227 ح 806، الوسائل 8: 468 أبواب صلاة المسافر ب 4ح1
فيها، ثّم يخرج منها فيسير خمسة فراسخ [ أخرى ] أو ستّة فراسخ لا يجوز ذلك ، ثمّ ينزل في ذلك الموضع ، قال : لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ ، فليتمّ الصلاة (1.)والمراد أنّه حتّى يسير بالقصد ثمانية فراسخ، بقرينة الأمر بالتمام في مورد السؤال الذي سار فيه عشرة فراسخ أو أحد عشر فرسخاً، وهذا الخبر لا إشكال في دلالته ، فلا إشكال في أصل الحكم، وإنّما الكلام في مواضع:[الموضع ] الأوّل : إنّه لو سار ثمانية فراسخ فصاعداً بلا قصد ، فإذا بنى على الرجوع فهل يجب القصر أم لا ؟ وجهان ، أقربهما الأوّل : لإطلاق ما دلّ على أنّ الثمانية موجبة للقصر - غاية الأمر أنّه مشروط بالقصد والفرضُ تحقُّقه، ودعوى انصرافه إلى الثمانية الذهابيّة ممنوعة - والموثّق عمّار ، قال : سألت أبا عبداللّه (عليه السلام عن الرجل يخرج في حاجة [له] وهو لا يريد السفر فيمضي في ذلك فيتمادى به المضي حتّى يمضي ثمانية فراسخ ، كيف يصنع في صلاته ؟ قال : يقصر ولا يتمّ الصلاة حتّى يرجع إلى منزله. (2))وقد يستدلّ له بقضاء الضرورة بشرعيّة التقصير لمريد الرجوع إلى بلده بعد انقطاع سفره بالوصول إلى الوطن أو إقامة العشرة أو التردّد ثلاثين يوماً كما في المصباح .(3)
وفيه : إنّه يمكن أن يكون فرق بين المقام الذي يكون سفره الامتداديّ غيرللقصر ، وبين الصور المذكورة التي يكون سفره الامتداديّ موجباً له ، فقياس المقام به قیاس مع الفارق .[الموضع] الثاني : إنّه كما يعتبر القصد ابتداءً يعتبر في الاستدامة ، فالعدول السفر أو التردّد فيه قبل بلوغ المسافة ضائر بالقصر ، لكن هل يعتبر قصد المسافة الشخصيّة أو النوعيّة أو الجنسيّة ؟ وجوه .وعلى الأوّل، فلو كان قاصداً ثمانية امتداديّة إلى بلد، وبعد الشروع فيها ذهب إلى بلد آخر ، بحيث لا يكون بين مكان البدء وبين البلد الآخر مسافة التقصير - بل تكون بضّم المسافة التي سار فيها بقصد البلد الأوّل وإلّا فلا إشكالّ في وجوب القصر . فعلى الأوّل فلا قصرَ ، بخلاف الثاني ؛ لأنّ قصد النوع محفوظ . والتحقيق عدم اعتبار القصد الشخصيّ؛ لأنّ ظاهر دليل القصد - وهو الموثّق والمرسل المتقدّمان - اعتبار مطلق القصد ، ولو فرض الإجمال فاللّازم الرجوع إلى إطلاق القصر ، نعم ، لو فرض ظهوره في اعتبار القصد الشخصيّ لاتّجه الأوّل. ويمكن الاستدلال لما اخترناه بالأخبار الثلاثة الآتية الدالّة على عدم الضيرفي اختلاف النوع ، فإنّ المقام أولى بذلك منه .وعلى الثاني، فلو كان قاصداً ثمانية امتداديّة وبدا له الرجوع بعد أربعة فراسخ فلا قصر ؛ لأنّ مقصوده قد كان ثمانية امتداديّة وقد تبدّل إلى ثمانية تلفيقيّة ،بخلاف الثالث فالقصر ؛ لأنّ قصد الجنس محفوظ ، وقد نقل في ذلك أقوال :الأوّل: إن محفوظيّة جنس القصد مثل ما كان من الأوّل قاصداً لأربعة ذهابيّة من غير فرق بينهما في الحكم، ويدلّ عليه إطلاقاتُ القصر على وجه تقدّم
في سابقه ، وصحيحُ أبي ولّاد ، وخبرُ إسحاق بن عمّار ، وسليمان بن حفص المروزيّ(1بعد حمل الفراسخ فيه على الفراسخ الخراسانيّة ، وهذا هو الأقوى . الثاني : إنّه لا قصر فيه أصلاً بل يجب التمام ، حكي ذلك عن السيّد الكاظميّ (2)، واستدلّ له بوجوه ثلاثة :)أحدها : ما حكي عنه من إطلاق الأصحاب في المقام - وهو من بدا له في الرجوع ، وفي المتردّد ، وفي منتظر الرفقة - عدم التقصير إلّا إذا كان ذلك منهم وقد قطعوا مسافة تامة ثمانية فراسخ، وحيث كان الإياب غير مقصود من الأوّل - بل هو في المتردّد ومنتظر الرفقة غير مقصود فعلاً أيضاً، ويكون مقصوداً بعد اختيار الرجوع - فلا عبرة به عند الأصحاب .وفيه : إنّ هذا الاتفاق منهم يحتمل كونهم معتبرين القصد النوعيّ ، فلا حجيّة فيه .وأورد عليه في المصباح بأنّ مرادهم من المسافة التي جعلوا التردّد والّانتظار وقصد الرجوع قبل بلوغها موجباً للإتمام ليس إلّا ما بيّنوه عند تحديد المسافة ، وهي عند القائلين بالتلفيق هي الأربعة . نعم ، حيث كان التردّد والانتظار بعد بلوغ الأربعة لا يجتمع غالباً مع [العزم على] إرادة الرجوع لليوم، فلا جرم يكون المراد من المسافة عند القائلين باشتراط الرجوع لليوم الثمانية الامتداديّة (3. وفيه : إنّ العبارة التي نقلت في عبارة الكاظميّ غير قابلة لهذا التأويل فضلاً)
عن ظهورها فيه، حيث استثنى بقوله : «إلّا إذا كان ذلك منهم وقد قطعوا مسافة تامة ثمانية فراسخ»، والأولى في ردّه ما ذكرنا.ثانيها : إنّ المنساق من قوله( عليه السلام : «التقصير في بريدين أو بريد ذاهباً و برید جائياً» أنّ كلّاً منها نوع مستقلّ، فيعتبر في مشية كلّ منها قصده من مبدأ مسيره . و فیه:)أوّلاً : منع الكبرى ؛ لأنّه لا دليل على اعتبار القصد النوعيّ .وثانياً : إنّه لو فرض دليل ظاهر في ذلك فلا بّد من رفع اليد عنه بالأخبار الثلاثة المتقدّمة الدالّة على كفاية قصد الجنس.وأورد عليه في المصباح بمنع الصغرى وأنّها داخلان في نوع واحد بمعونة ما دلّ على أنه إذا ذهب بريداً ورجع بريداً يصير ثمانية فراسخ ، فهما حينئذٍ داخلان في نوع واحد(1.)وفيه ما يحتمل قريباً الإشارة إليه من أنّ الملاك هو الجنس المتحقّق تارة فيضمن الثمانية الامتداديّة، وأخرى في ضمن الملفّقة ، ولذا عبّرنا عن ذلك باختلاف النوع مع اتّحاد الجنس .ثالثها : إنّه فرق بين ما كان قصده الذهاب أربعاً والإياب أربعاً، فإنّه سفر واحد مقداره ثمانية فراسخ، وبين ما كان قصده من الأوّل الذهاب ثمانية فراسخ ثمّ تبدّل قصده إلى الإياب أربعة بعد الوصول إلى أربعة فراسخ ، فهما سفران ؛ لكون تبدّل القصد موجباً لبطلان السفر الأوّل.
1) مصباح الفقيه :2 : 732 .
وفيه مضافاً إلى المنع عن ذلك : أنّه لا ضير فيه بعد دلالة الأخبار المتقدّمة على القصر .الثالث : إنّه إذا كان قصده من الأوّل الذهاب أربعة والإياب أربعة فحكمه التخيير بشرط إرادة الرجوع لليوم، وإلّا فالتمام، بخلاف المقام فإنّ حكمه تحتّم القصر مطلقاً: أراد الرجوع لليوم أو بعده .الرابع : إنّه في الصورة المذكورة يجب القصر تعيّنيّاً إذا أراد الرجوع ، وإلّا فلا، بخلاف المقام، فإنّه يجب القصر كذلك مطلقاً. وبعبارة أخرى : إنّه ليست مشروعيّة القصر ولا تحتمّه مشروطة بإرادة الرجوع لليوم في المقام، بخلاف ما لو كان قصده من الأوّل هو التلفيق، فإنّ مشروعيَّتَهُ كما في الثالث ، أو تحتُمَهُ كما في الرابع ، مشروط بها .واستدلّ لها تارة باستصحاب وجوب القصر تعيّنيّاً قبل العدول عن قصده . وأورد عليه في المصباح بأنّه [من قبيل ] الشكّ في المقتضي ، والاستصحاب غير حجّة فيه (1.)وفيه : إنّه حجّة مطلقاً. والأولى الإيراد عليه بأنّ الشكّ سار ، فإنّه لم يعلم كون هذا السفر حكمه كان كذلك. نعم ، لمّا كان من الأوّل قاطعاً بسير الثمانية الامتداديّة كان يجب القصر بحسب هذا، وقد تخلّف عن الواقع .لا يقال : إنّ ما دلّ على حجيّة الصلاة قصراً ولو لم يصل إلى أربعة فراسخ يدلّ عليه أيضاً. فإنّه يقال : هو أعمّ من ذلك ، فإنّ الصحّة ربّما تكون لكونها عِدلاً للتخيير أو
1) مصباح الفقيه 2 : 731
كونها مع عدم وقوعها مأموراً بها قائمة مقام المأمور به.وأُخرى بأنّ ظاهر الأخبار - كما تقدّم - هو القول بتحتّم القصر في مطلق التلفيق -كان مقصوداً من الأوّل أو ثانياً ، وأراد الرجوع في اليوم أو بعده - لكن الإجماع منعقد على عدم تحتّمه فيا كان القصد من الأوّل ولم يرد الرجوع لليوم، فنعمل بالظهور المذكور في غيره . وأورد عليه في المصباح بأنّه لو تمّ الإجماع المذكور لا يمكن القول بذلك ؛ لأنّ أخبار عرفات وأمثالها كان موردها قصد التلفيق أوّلاً مع عدم إرادة الرجوع لليوم، فليس له ظهور يشمل المقام، وبعد تماميّة الإجماع المذكور لا بّد من طرحها أو حملها على التقيّة . وأمّا الأخبار الثلاثة المتقدّمة بمقتضى التعليلات الواردة فيها فلا يمكن التفكيك في مدلولها وإن كان موردها التلفيق المقصود ثانياً . (1)وفيه :أولاً : إنّه بعد فرض تماميّة الإجماع المذكور لا يتعيّن حمل أخبار عرفات ونظائرها على أحد الأمرين ، بل يحتمل حملها على التخيير بحمل الدّم على التمام فيها على التزامهم بالتمام ، كما التزم به صاحب هذا الكلام فيها تقدّم.وثانياً : إنّه يحتمل كونُ العلّة في صحيح أبي ولّاد وخبر إسحاق (2علّةً المشروعيّة القصر أعمّ من كونه في ضمن الوجوب التخييّري أو التعيينّی، وبعد انعقاد الظهور في المطلق وتماميّة الإجماع ترفع اليد عنه بمقدار الإجماع.)وثالثاً : إنّ الأخبار في التلفيق غير منحصرة في الطائفتين، بل هنا طائفة
ثالثة و هی ما دلّ على أنّ المسافة بريدان أو بريد ذاهباً وبريد جائياً، وهو يشمل كلا التلفيقين ، وحكمها بحسب ظاهرها تحتّم القصر ، فترفع اليد عنه بسبب الإجماع المذكور بالحمل على التخيير . والأولى منه القول بعدم تماميّة الإجماع المذكور كما تقدّم سابقاً ؛ فالحقّ هو القول الأوّل .هذا إذا كان من الأوّل قاصداً للثمانية ثمّ عدل عن قصده بعد الوصول إلى أربعة فراسخ .وأمّا إذا كان قصده من الأوّل التلفيق وبعد الوصول إلى الأربعة فراسخ بداله أن يذهب أيضاً إلى أربعة أُخرى ، فلا إشكال في كون الحكم هو القصر : أمّا إذا كان غرضه الرجوع بعد الوصول إلى ثمانية قبل إقامة عشرة أيّام مع عدم كونه وطناً له فواضح ؛ لأنّه قاصد للأربعة الإيابيّة أيضاً ، فلا ضير حتّى على القول باشتراط قصد النوع .وأمّا إذا كان غرضه الإقامة أو كان رأس الثمانية وطناً له ؛ فلما عرفت من عدم اشتراط قصد النوع ، بل يكفي قصد الجنس ، والقائلون بالاشتراط للنوع لا بدّ لهم من التزام التمام في الفرض ، لكنَّ هذه المسألة غير معنونة في كلامهم .الموضع الثالث : إنّه هل الشرط قصد المسافة بمعنى الإرادة الموجبة لاختياريّه الفعل أو الجزم بالسير فيها ، أو كلاهما ؟ وجوه :ظاهر عبائرهم في العنوان هو الأوّل حيث عبّروا بالقصد.وظاهر بعض كلماتهم في غير العنوان هو الثاني، حيث إنّهم حكموا على أنّ الأسير في أيدي المشركين إذا علم مقصدهم، وأنّهم يسيرون مسافة لا محالة ولا يتمكّن من الهرب من أيديهم يجب عليه التقصير . نعم ، يظهر في المستند إشكال في
ذلك ، قال : المكره في السفر كالتابع إذا لم يسلبه الإكراه الاختيار ، ولو سلبه كأن تشدّ يداه ورجلاه وحمل إلى السفر وعلم حمله إلى المسافة ، فقد يختلج بالبال [فيه ] الإشكال ، إذ القصد إنّما يكون على العمل، ولا يصدر منه عمل حتّى يكون قاصداً له - إلى أن قال : - إلّا أنّ الظاهر الإجماع على وجوب القصر عليه (1. انتهى .)قال في المصباح في المسألة الثانية من المسائل التي عقدها لبيان فروع اعتبار قصد المسافة ما حاصله : إنّ من خرج ينتظر الرفقة فيما دون المسافة إن كان جازماً بمجيئهم أيضاً فالحكم القصر ، وهل يلحق الظنّ به بالجزم ؟ وجهان ، أقربها العدم للأصل كالظنّ بالسفر بدونهم.وإن لم يكن على أحد النحوين اعتبر في جواز الترخّص بلوغ ما سار بعد لحوق الرفيق مسافة ، ولا يكفى بلوغه مع ما مضى مسافة كما صرّح به في الة الجواهر (2، بل قد يلوح من كلماتهم التسالم عليه حيث جعلوه كطالب الآبق والهائم على وجهه الذي يجب [عليه] التمام وإن قطع مسافات ، فإن تمّ إجماعهم عليه كما ليس بالبعيد فهو ، وإلّا ففي بعض صوره إشكال ، وهو فيما إذا كان مقصوده من حين أخذه في السير قطع هذه المسافة التي لا يستقيم له قطعها إلّا مع الرفيق برجاء أن يلحقه رفيق عند رأس فرسخين، فإنّه بعد أن تيسّر له [ الرفيق و ] قطعها صدق عليه أنّه قطع مجموعها عن قصد ، كما أنّه لو احتمل كون زيد ملفوفاً باللحاف فقدّه نصفين بقصد قتل زيد على تقدير وجوده تحت اللّحاف وصادف الاحتمال للواقع فإنّه يصدق عليه أنّه قتله عن قصدٍ.)
والحاصل : إنّ السير المذكور ليس خالياً عن القصد بل عن الجزم [ بتحقّقها ] ، ولم نقف على دليل يدلّ على اعتباره عدا ما تقدّمت الإشارة إليه من ظهور كلماتهم في التسالم عليه . نعم ، لا يجوز له التقصير ما لم يكن جازماً على قطع المسافة ، لأنّ إحراز الموضوع الذي هو عبارة عن كونه مشغولاً بثمانية فراسخ شرط ، ويدلّ عليه ذيل خبر إسحاق بن عمّار أيضاً: «قال : قلت : أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه ؟ قال : بلى إنّما قصّروا في ذلك الموضع لأنّهم لم يشكّوا في سيرهم وأنّ السير سيجدّ بهم في السفر، فلمّا جاءتِ العلّةُ في مقامهم دون البريد صاروا هكذا ، فإذا مضوا فليقصّر وا» . (1(2)وقال في المسألة الخامسة ما حاصله : إنّ الظاهر أنّ المراد من قصد المسافة هنا ما هو المراد من قصد إقامة العشرة ، فإنّ المراد منه ليس القصد بمعنى خصوص الإرادة النفسانيّة ، بل ما يعمّ الجزم بقطعها وإن لم يكن عن الإرادة النفسانيّة بل بقسر قاسر . ثمّ نقل إشكال المستند الذي تقدّم نقله ، ثمّ قال : وأولى بالإشكال ما إذا لم يكن هناك قصد أصلاً كما لو كان مسيره بأمر سمّاوي كما لو دخل في سفينة مربوطة بساحل بلده بقصد التنزّه أو لأخذ متاعه فأخذتها الريح وعلم أنّها لا تقف إلّا بعد ثمانية فراسخ، إذ لا يبعد في الفرض المتقدّم في كلام المستند أنّ علمه بإرادة المكره - بالكسر - يجعله بحكم المريد بخلاف هذا الفرض الذي ليس الفعل مستنداً إلى إرادته أصلاً، ولكنَّ الأظهر في الجميع القصر للإطلاق - إطلاق الآية والروايات - لقصور ما دلّ على إثبات أزيد من اعتبار الجزم ، انتهى (3))
أقول : يردُ عليه :أوُلاً : إنّ هذا الكلام متهافت مع الكلام الأوّل ؛ حيث إنّه اعتبر فيه القصد مع الجزم ، وفي هذا الكلام اعتبر الجزم فقط .وثانياً : إنُ من خرج من منزله منتظراً للرفيق، ولم يكن جازماً بمجيئه ، ولا عازماً على السفر بدونه ، أيضاً ليس له صور مختلفة ، بل هو منحصر فيمن هو قاصد للمسافة على تقدير المجيء، وغير قاصد لها على تقدير العدم، فقوله «وإلّا ففي بعض صوره إشكال» واقع في غير المحل.وثالثاً : إنّ استظهار الإجماع من جعلهم لمنتظر الرفقة كطالب الآبق ، لأنّ طالبه أيضاً يتصوّر فيه ما يتصوّر في المنتظر من الأقسام ، والإشكالُ الواردُ واردُ في كلّ منهما على تقدير كون المعتبر هو القصد لا الجزم.ورابعاً : إنّ كون المكره مريداً لا يجعل المكرّه - بالفتح - بحكم المريد.وخامساً : إنّ دعوى كون السير في مسألة السفينة غير مستند إلى الإرادة ممنوعة ، إذ الانتهاء إلى الإرادة الأزليّة لا بدّ منه ؛ فافهم.وكيف كان فالأقوى في المسألة اعتبار الجزم دون القصد، فوجوده وعدمه سيّان.ويتفرع عليه وجوبُ القصر في المكرّه - على وجه ليس السير باختياره أصلاً - في مسألة السفينة ، وعدمُهُ فى منتظر الرفقة، وذلك لأنّ دليل الاشتراط هو موثّق عمّار ، وظاهره اعتبار الجزم لا القصد بمعنى الإرادة ؛ لا وحده ولا مجتمعاً ، ففي غير فاقد الجزم يكون المحكّم هو الإطلاقات.نعم ، لو كان المدرك مُرسل صفوان لكان لدعوى اعتبار القصد وجه ؛ لقوله
عليه السلام : «لا يقصر ولا يفطر لأنّه خرج من بغداد وليس يريد السفر ثمانية فراسخ ، إنّما يريد أن يلحق صاحبه في بعض الطريق ، فتمادى به السير إلى الموضع الذي بلغه ، ولو أنّه خرج من منزله يريد النهروان ذاهباً وجائياً »(1- الخبر . لكنّ التأمّل الصادق يشهد بأنّ ذكر الإرادة لكونها منشأ لتحقّق الجزم، لا لأنّ لها موضوعية.)ويتفرّع على ما ذكرنا من أنّ المعتبر هو الجزم لا القصد أنّه لا فرق بين التابع وغيره ؛ كانت التبعيةُ واجبةً كالعبد والزوجة والولد المأمورين بها من السيّد والزوج والأب - أو غير واجبةٍ ، اختياريّةً أو غير اختياريّة كالأسير والمكرّه المسلوب عنهما الاختيار كما لو شُدّ يداهما وأرجلها وحملا إلى ما علم كونه مسافة . وما في المصباح من التمثيل لغير الاختياريّ بمطلق الأسير والمكرّه (2وقع في غير محلّه ، وكأنّه اصطلاح فقهيّ حيث إنّهم يطلقون الإكراه في قبال الاختيار في باب شروط البيع، وهذا كلّه لا إشكال فيه .)وإنّما الإشكال في أنّ التابع إذا احتمل الرجوع قبل سير المسافة الموجبة للقصر لاحتماله الطلاق أو العتق أو الخلاص أو لاحتمال النشوز أو الإباق أو الفرار ، فهل يقدح في القصر ؟ وجهان .ويظهر من عبارة العلّامة فى المنتهى الإجماع على الثاني ، قال في محكي عبارته : لو أُخرج مُكرَها إلى المسافة كالأسير قصّر ؛ لأنّه يسافر سفراً بعيداً غير
محرّم ، فأُبيح له التقصيرُ كالمختارِ والمرأةِ مع الزوج والعبد مع السيّد إذا عزما على الرجوع مع زوال اليد عنهما ، خلافاً للشافعيّ ؛ قال : لأنّه غير ناوٍ للسفر ولا جازم به ، فإنّ نيّنه [أنّه ] مهما خلّي رجع ، والجوابُ : النقضُ بالمرأة والعبد ،انتهى(1.)وظاهره دعوى الإجماع من الفريقين في المرأة والعبد، وغير الشافعيّ في المكرّه، وحكي عن نهايته عدم القصر إذا احتمل الزوجة أو العبد للرجوع لاحتمال الطلاق والعتاق أوالنشوزوالإباق .(2ونقل عن الذكرى التفصيل بين ما قامت أمارة على الرجوع فالتمام وغيره فالقصر(3)قال في المصباح : إنّه إذا كان الاحتمال ضعيفاً بحيث يحصل الوثوق بحصول المسافة فالقصر وإلّا فالتمام ؛ لأنّه مع احتمال الغير الضعيف لا يتحقّق القصد الذي هو المعتبر ، وأصالة بقاء التبعيّة لا تُثبِتُ قصد سير المسافة ولا قصد ملزومه وهو قصد بقاء التبعيّة ، ولا يقاس ذلك باحتمال المانع عن سير المسافة في الأثناء، لأنّ المانع مانع عن نيل المقصود لا عن تحقّق القصد ، بخلاف المقام فإنّ بقاء التبعيّة من شروط سير المسافة ، ومع الشكّ في الشرط لا يتحقّق القصد إلى المشروط، وقد عرفت أنّ أصالة بقائها غير مجدية لكونها من الأصول المثبتة ، انتهى (4))وفيه : إنّه لو كان مراده من القصد هو الجزم فلا شكّ أنّ الشكّ في جزء العلّة يوجب الشكّ في وجود المعلول من غير فرق بين الشرط وعدم المانع ، وإن كان مراده هو القصد بمعنى الإرادة ففي كلّ منهما تتحقّق الإرادة، غاية الأمر أنّ متعلّقها
يكون مقيّداً بشرط في الأوّل وعدم مانع في الثاني، وحيث عرفت أنّ المعتبر الجزم بالمعنى الأعمّ الشامل للوثوق فإن كان الاحتمال على نحو يوجب ارتفاع الوثوق فالتمام، وإلّا فالقصر من غير فرق بين الشروط والموانع .ثمّ إنّه لا إشكال في عدم لزوم الفحص والسؤال عن قصد المتبوع إذا كان مشكوكاً ، لأنّ الجزم من مقدّمات وجوب القصر ، كما أنّ عدمه من مقدّمات وجوب التمام، ولا يجب على الإنسان إيجاد المقدّمة الوجوبيّة ، وهذا لا ينافي القول به فيما قصد مسافة مترددة بين مسافة القصر وبين غيرها، لأنّ الجزم حاصل، فلو كانت ثمانية يجب القصر وإلّا يجب التمام ، فالعلم الإجماليّ حاصل بوجوب أحد الأمرين ، بخلاف المقام الذي قد حصل [فيه] شرط القصر دون التمام، والغرض أنّ القول به هناك لا ينا في عدم القول به هاهنا ، وإن قوّينا سابقاً عدم لزومه هناك أيضاً لعدم كون هذا العلم منجّزاً لطرفيه ولا مانعاً من جريان الأصول في أطرافه، فيجري أصالة التمام وعدم وجوب القصر كما تقدّم تحقيقه .الموضع الرابع : إنّه لو خرج من منزله جازماً ليقطع المسافة القصرية، وتردّد في الأثناء قبل أربعة فراسخ ثمّ جزم على السير :فإن كان لم يسر أصلاً في حال التردّد فالظاهر عدم الإشكال في ضمّ ما قطعه أوّلاً إلى ما قطعه حال الجزم ثانياً ، كما نقل الجزم به عن الجواهر (1وغيره، لأنّ دليل اشتراط الجزم لا يدلّ على اتصال قصد المسافة إلى آخر سيرها، ولا أقلّ من الإجمال، فالمتّبع إطلاقات أدلّة القصر في سفر المسافة ، ويدلّ عليه إطلاق قوله)
1) جواهر الكلام 14 : 208 و 244 .
(عليه السلام في ذيل خبر إسحاق بن عمّار المتقدّم: «فإذا مضوا فليقصّر وا»(1)، حيث إنّه يعمّ ما لو كانت المسافة بعد المضي أقلّ من المسافة القصرية، نعم يجب عليه التمام مادام في التردّد كما صرّح به في خبر إسحاق المتقدم أيضاً.)وأمّا إذا سار مقداراً من المسافة في حال التردّد ثمّ جزم بالسير، ففيه جهتان لطول [الجهة ] الأولى : في ضم ما قطعه حال التردد إلى ما قطعه حال الجزم أولاً وثالثاً ، نقل عن الجواهر تقوية عدمه (2، ونقل في المصباح عن شيخنا المرتضى (قدّس سره) ما يظهر منه الميل إليه ، قال : ولو قطع شيئاً [ من الطريق ] مع التردّد فلا يبعد عدم احتسابه في الضمّ مع احتمال الاحتساب (3)، وفصّل في المصباح بين ما لو كان قَطْعُهُ هذا المقدار مع التردّد لغرض كتحصيل ماء ونحوه ، وبين ما لو كان بعنوان جزئيّة من سفره برجاء الواقع، فإنّه لا يضمّ في الأوّل بخلاف الثاني لتحقّق القصد فيه بناءً على ما تقدّم منه من أنّ الشكّ لا ينافي تعلّق القصد والإرادة، وأمّا الأوّل فلا قصد فيه كما لو عزم على ترك السفر ولكن قطع مقداراً لغرض آخر ثمّ بدا له العزم على إتمام السفر الأوّل ، انتهى (4))وفيه : إنّه قد تقدّم أنّ المعتبر هو الجزم لا القصد،فلافرق في الصورتين،فالأقوى عدم الضم. الجهة الثانية : هل يضمّ ما قطعه أوّلاً حال الجزم إلى ما قطعه في المرتبة الثالثة جازماً بعد إلغاء ما قطعه في حال التردّد أو لا ؟ وجهان من استظهار اتصال مسافة
الثمانية من موثّق عمّار، ومن أنّ ظاهره تعلّق الجزم بمطلق الثمانية ولا أقلّ من الإجمال فيرجع إلى إطلاقات القصر، أقربها ذلك .الموضع الخامس : هل المعتبر الجزم بالمسافة بما هو ثمانية أو الجزم بواقعها ؟ وتظهر الثمرة فيا [لو ] (1قصد الذهاب إلى مكان قاطعاً بعدم كونها ثمانية أو شاكّاً، وكان في الواقع ثمانية ، وفيما لو قصد التابع ما قصده المتبوع، ولكن كان قاطعاً بأنّ ما قطعه سبعة أو كان شاكاً فيه ثمّ تبيّن أنّ مقصود التابع كان ثمانية ؟ أقربهما الأخير، فإنّ ظاهر الأدلة كون ملاك الحكم واقع الثمانية لا عنوانها ، وفي الفرضين يجب القصر ، غاية الأمر أنّه يتمّ ما لم ينكشف الخلاف ، فإذا انكشف يقصر ويعيد ما صلّى تماماً قصراً.)الموضع السادس : إنّه لو كان المسافر صبيّاً أو مجنوناً ، فعلى المختار من كون المعتبر هو الجزم فلا إشكال ، وحينئذٍ لو كان الصبّي جازماً بالسير إلى ثمانية فحكمه القصر ، كانت صلاته تطوّعاً أو فرضاً ، كما إذا بلغ في أثناء المسافة .والمجنون لو كان جازماً بذلك وجب عليه القصر إذا أفاق في أثناء السير. نعم ، لو لم يتحقّق منها الجزم -كما إذا كان الصبيّ غير قابل لحصول الجزم له ، أو كان الجنون بمرتبة شديدة - يعتبر المسافة من حين تحقّق الجزم، ولا اعتبار بما قصدء قبله ، وكذلك بعينه على القول باعتبار القصد .وتوهّم دلالة الصحيح «الصبي والمجنون عمدهما خطأ (2على نفي آثار القصد مطلقاً ولو في غير باب الجناية ، مدفوعٌ بأنّ تسليم الإطلاق لا يفيد في المقام ،)
لأنّه ورد في مقام المنّة والإرفاق ، ولازم العموم وجوب التمام عليه بعد البلوغ والإفاقة ، وهو مناف للإرفاق .الموضع السابع : قد عرفت أنّه لا إشكال في أنّ المسافر بلا قصد يقصر في رجوعه إذا كان الرجوع مسافة ، لكن لو كان قاصداً للذهاب إلى ما دون المسافة -وهى أربعة مطلقاً - أو إذا أراد الرجوع لليوم ثمّ [تحقق] (1الرجوع، فهل يضمّ هذا الذهاب إلى الرجوع مطلقاً ، أو إذا كان الرجوع بنفسه مسافة ، أو لا يضمّ مطلقاً بل يجب التمام في الذهاب والمقصد ويقصّر في الرجوع لو كان مسافة بنفسها؟ وجوهٌ بل أقوال ، نسب الأخير إلى المشهور ، بل في المستند أنّه ادعي عليه الإجماع. (2))ويمكن الاستدلال له بأنّ ظاهر أخبار البريد ذاهباً والبريد جائياً لحاظ خصوصيّة البريدين في التلفيق كما هو أحد الأقوال في تلك المسألة ، وبعد ما كانت المسافة المقطوعة بلا قصد كالعدم تصير هذه المسألة من مصاديقها من مصاديقها .وبأنّ ظاهر أخبار البريد خصوصيّة البريد الذهابيّ ، وحينئذٍ يكفي كون الذهاب خمسة والإياب ثلاثة دون العكس، وبعد كون المقطوع كالعدم تصير من مصاديق العكس؛ لأنّ المفروض كون الذهاب دون الأربعة فلا يضمّ مطلقاً، كان الإياب بنفسه مسافة أولا. وفيه منع هذين القولين كما تقدّم سابقاً.
وفى المستند أنّه في الحدائق نقل الثاني عن بعض مشايخه المحققّين (1، ونقل في المصباح عن الحدائق كلاماً عن الكاشاني (2)وظاهره اختيار هذا القول . ويمكن الاستدلال أمّا على عدم الضمّ إذا كان الإياب دون المسافة فلأحد الوجهين المتقدّمين في سابقه ، وأما على الضمّ في مقابله فما ذكره المحدّث المذكور(3)في . موثّق عمّار ، قال : سألت أبا عبداللّه(علیه السلام) عن الرجل يخرج في حاجة [له] وهو لا يريد السفر فيمضي في ذلك فيتمادى به المضي حتّى يمضي ثمانية فراسخ ، كيف يصنع في صلاته ؟ قال : يقصر في صلاته ولا يتّم الصلاة حتّى يرجع إلى منزله. (4)فإنّه مطلق يشمل رأس الثمانية ، والذهاب من الثمانية إلى ما دون المسافة والإياب كلّها .)وأمّا موثّقه الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام ، قال : سألته عن الرجل يخرج في حاجة فيسير خمسة فراسخ ويأتي قرية فينزل فيها ، ثمّ يخرج منها فيسير خمسة فراسخ أخرى أو ستة فراسخ لا يجوز ذلك ثمّ ينزل في ذلك الموضع ، قال : لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ فليتمّ الصلاة .(5). فهو وإن كان معارضاً له بالعموم من وجه الدلالته على وجوب التمام في أحد عشر فرسخاً المقطوع بلا قصد الثمانية مطلقاً، قبل الثمانية ، وفي رأسها، وفي الذهاب منه إلى ثلاثة ، والموثّق المتقدّمُ كان دالّاً على وجوب القصر في الأخيرين وفي الإياب - إلّا)
1) مستند الشيعة 8: 216 ، الحدائق الناضرة :11 : 332
2) مصباح الفقيه :2 734 ، الحدائق الناضرة 11 : 331
3) وهو المحدث الكاشاني
4) التهذيب 4 : 226 - 663 ، الاستبصار 1 : 227 - 807، الوسائل 8: 469 أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 2 .
5) التهذيب 4: 225 ح 661 ، الاستبصار 1: 226 - 805، الوسائل 8: 469 أبواب صلاة المسافر ب 4 ح. 3
أنّه يحمل على ما قبل الثمانية بأن يكون المراد من قوله : «فليتمّ الصلاة» ، فليتمها في مسيرته الأولى وفي مسيرته الثانية إلى أن يصل إلى الثمانية ، فإذا بلغها قصّر لكن ذلك بعد حمله أوّلاً - كما في التهذيب - على من خرج من بيته من غير نيّة السفر يمعنى أنّه ليس قاصداً للسفر إلى خمسة أيضاً، وإنّما تمادى السير إلى هذا المقدار (1، انتهی(2).)أقول : والظاهر أنّ الحمل الأخير ليس لرفع المنافاة بينه وبين الموثّق المتقدّم لبقاء التعارض بينهما في الصورتين المتقدّمتين أيضاً كما لا يخفى ، وإنّما هو لرفع المنافاة بينه وبين أخبار التلفيق .وأورد عليه في المصباح بوجوه:الأول: إن حمل الموثق الثاني على من خرج من منزله من دون نيّة السفر إلى خمسة أيضاً وإنّما تمادى به السير بعيدٌ لندرة هذا الفرض. (3)وفيه : منع الندرة ، والأولى أن يرّد عليه بأنّ ظاهر السؤال كون الخمسة الأولى مقصودة له من أوّل الخروج وكذا الخمسة الأولى أو الستّة.الثاني : إنّ الموثّق الثاني بظاهره غير معمول به ؛ لأنّه يدلّ على أنّ الحكم هو القصر في رأس الثمانية أيضاً، وقد صرّح بعض بالإجماع على خلافه ، فلا بدّ حينئذٍ من حمله على التقية - لما حكى في التذكرة عن الشافعي في الأسير في أيدي المشركين الذي لا يعرف مقصدهم أنّهم إن ساروا به المسافة قصر مُعَلِّلاً بأنّه تيقّن
طول سفره (1_ أو حمله على القصر في خصوص الإياب، أو الأعمّ منه ومن الذهاب على القول به (2).)وفيه :أوّلاً : منع حجيّة الإجماع المنقول، مع أنّه لو كان محصّلاً لا يكون حجّة ؛ لاحتمال كون مدركه الجمع بين الموثقتين.وثانياً : إنّ ما ذكره عن الشافعيّ أجنبيّ عن هذه المسألة ، لأنّه من مصاديق ما لو نوى مسافة لا يدري أنّها ثمانية أو أقلّ وكانت في الواقع ثمانية ، وقد تقدّم أنّ الأقوى فيه القصر.الثالث : إنّ ظاهر الموثّق انتهاء الذهاب في رأس الثمانية ، فلا يدلّ على وجوب القصر في الذهاب المنضّم إلى المسافة الإيابيّة (3.)وفيه :أوّلاً : منع ظهوره في انتهاء الذهاب .وثانياً : إنّه لا يقدح ؛ لأنّ وجوب القصر في رأس الثمانية يدلّ بالأولوية على وجوبه في الذهاب لو كان في البين كما لا يخفى.والأَوْلَى الإشكال عليه :أولاً : بما تقدّم من أنّه لا دليل على عدم الضمّ إذا كان الإياب دون المسافة إلّاأحد الوجهين المتقدّمين وهما مندفعان .
وثانياً : إنّ حمل الموثّق الثاني على من خرج بلانيّة السفر خلاف الظاهر. وثالثاً : إنّ حمله على ما قبل الثمانية لا بدّ أن يكون لإقوانيّة الموثّق الأول. وهي ممنوعة ، فهذا القول باطل .والتحقيق هو القول الأوّل ؛ لما تقدّم من التعليل الحاكم بأنّ بلُوغَ مقدار السير ثمانية عِلَّةٌ لوجوب القصر مطلقاً.وأمّا الموثّق الثانى فلا بدّ من حمله على ما [لو](1كان مقصوده إقامة العشرةفي رأس الخمسة الأولى والخمسة الثانية أو الستّة ؛ لكون أخبار التلفيق حاكمة عليه وعلى نظائره مما كان ظاهره الثمانية الامتداديّة ، فمفروض الكلام خارج عنه بالمرّة ، وحينئذ يجب القصر في الذهاب والإياب لأخبار التلفيق وخصوص الموثّق الثاني، بل يجب في رأس الثمانية أيضاً كما يدلّ عليه الموثّق الثاني المذكور ، بل قضيّة أخبار التلفيق أيضاً ذلك ؛ لأنّه وإن فرض تجدّد القصد له قدماً فقدماً يشمله أخبار التلفيق ، لأنّه إذا صار ثمانية إلّا قدماً ، فإذا كان تجدّد له القصد للسير بهذا القدم ثمّ الرجوع يصير مقدار سيره المجزوم به ثمانية وقدماً ، بل وكذا إذا كان ثمانية إلّا قدمين ثمّ قصد قدماً ثمّ الرجوع. نعم ، لو كان سائراً ثمانية إلّا ثلاثة أقدام وقصد قدماً ثم الرجوع لا يكون مسافة لأنّ المجموع حينئذٍ يكون ثمانية إلّا قدماً.)ويتفرّع عليه أيضاً أنهّ إذا سار ستّة فراسخ بلا قصد وقَصَدَ فرسخاً ثمّ العود يجب القصر في الذهاب والإياب دون رأس السنّة إذا لم يكن له هذا القصد قبل الوصول إلى رأس السنّة ، ولو كان قبل الوصول إليها بقدمين أو بقدم أو غير ذلك
1) من عندنا .
وقصد السير إلى هذا المقدار مع فرسخ وجب في رأس السنّة أيضاً لبلوغ المجموع ثمانية وقدماً وقدماً أو قدمين ، فافهم.فالحقّ حينئذٍ هو القول الأوّل الذي نقل في المستند أنّ ظاهر الحدائق الميل إليه وهو الضم مطلقاً".(1)و ممّا ذكرنا ظهر أنّ قولهم بأنّ السائر بلا قصد يتمّ ولو بلغ أضعاف المسافة ليس على مامضى، بل ذلك يتمّ إذا كان قصده الإقامة عشرة أيّام أو يصل إلى وطنه ، وإلّا فقد عرفت أنّ السائر لثمانية بلا قصد يقصّر في رأس الثمانية فكيف فيما بعدها ؟!
1) مستند الشيعة 8 216
#### الشرط الثالث من شروط القصر :أن لا يقطع سفره بأحد القواطع من الوصول إلى الوطن العرفي، أو الشرعيّ على القول به، ومن إقامة العشرة ، ومن التردّد ثلاثين يوماً .[ القاطع الأول : الوطن وهو وإن كان لغة مجرّد الإقامة في محلّ لأمرما ،کما(1
1) من هنا إلى نهاية قواطع السفر مأخوذ من كتاب صلاة المسافر للشيخ محمّد حسين الأصفهاني أستاذ المؤلّف السيد علي البهشتي قدّس سرّهما، لأنّ في نسخة صلاة المسافر للسيّد البهشتي(قدّس السرّه) هنا سقطاً لم يبق منه إلاّ أوائل الشرط الثالث وأواخره ، فاستعظنا بما كتبه أستاذه الإصفهاني إتماماً للفائدة ، والموجود من أوائل الشرط الثالث هو : بأنفال و الاتراك ان أزلية « ولابدّ أولّاً من بيان أمور: الأوّل : إنّ هذا الشرط تارة يلاحظ في أصل مشروعيّة القصر كما إذا سافر إلى أربعة ويكون له في رأس الأربعة وطن، أو إلى ثمانية لكن كان في وسطها له وطن مثلاً . وأخرى يلاحظ بالنسبة إلى استمراره كما إذا سافر إلى ثمانية وله في رأس الثمانية وطن . الثاني : إنّ المراد من الاشتراط في الأوّل الحكم بالتمام قبل القاطع ، وفي الثاني الحكم به في موضع القاطع وبعده إلّا إذا قصد مسافة جديدة ، أمّا قبل القاطع فلا إشكال في كون الحكم هو القصر . الثالث : إنّ مراد الأصحاب من الاشتراط في هذا المقام هو الأوّل لا لما ذكره في المستند من أنّه حقيقة لا يكون شرطاً للقصر في الثاني بل لاستمراره - لاندفاعه بأنّ بقاء الشيء عين الشيء، ولذا يذكرون في مسألة القصد أنّه يعتبر حدوثاً وبقاء - بل بقرينة عدم ذكرهم للتردّد ثلاثين يوماً لعدم تعقّله فيه بخلاف المقام فإنّه يتحقق فيه كما لا يخفى ذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يقع الكلام في مقامين : الأوّل : في كونه شرطاً لأصل القصر ، وفيه موضعان :)الأول : أن يكون قاطعاً بوجود القاطع في الأثناء من الوطن أو إقامة العشرة ، ولا يتصوّر هنا التردّد ثلاثين يوماً.الثاني: أن يكون شاكّاً فيه ويتصوّر فيه التردّد المذكور أيضاً كما لا يخفى.أمّا الموضع الأوّل : فقد استدلّ للاشتراط بالمعنى المتقدّم بوجوه : الأوّل: الإجماع «المنقول»
فقه اللغة للثعالبي، قال : كلّ مقام قامه الإنسان لأمر ما موطنّ ، كقولك : إذا أتيت مكّة فوقفت في تلك المواطن فادع اللّه لي ، ويقال : الموطن ، المشهد من مشاهد الحرب ، ومنه قول طرفة :على موطنِ يَخْشَى الفتى عندَه الرَّدى *** مَتى تَعْتَرِك فيه الفرائصُ (1)أقول : ومنه قوله تعالى (نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ (2)، إلّا أنّه مع ذلك فالوطن في العرف هو المقرّ الدائمي للإنسان ، وهو قسمان: أحدهما : الوطن الأصلي الذي هو مسقط رأسه وما نشأ فيه أباً عن جدّ. ثانيها : الوطن الاتّخاذي ، وهو المحلّ الذى يتخذه الغريب وطناً ومسكناً دائميّاً له ، ولا كلام في شيء منها ، ولا في عدم اعتبار الملك فيها، وعدم ذكر الأوّل في الأخبار لكمال وضوحه . إنّما الكلام في الوطن الشرعى الذي هو ثالث الأقسام عندالمشهور.)وتنقيح الكلام فيه وفيهما برسم أمور : منها : إنّ أخبار الباب طوائف أربعة : إحداها : الأخبار الآمرة بالإتمام عند مرور المسافر إلى ضيعته وقريته ، كصحيحة إسماعيل بن الفضل ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام عن رجل سافر)
من أرض إلى أرض وإنّما ينزل قراه وضيعته ، قال (عليه السلام : «إن نزلت قراك وضيعتك فأتّم الصلاة ، وإن كنتَ في غير أرضك فَقَصُر».(1))وبمضمونها روايات أخر كرواية البزنطي (2وموثقّة عمّار (3).)ثانيتها : الأخبار النافية للإتمام في عين ذلك الموضوع ، كرواية موسى بن حمزة بن بزيع ، قال : قلت لأبي الحسن (عليه السلام : جعلت فداك إنّ لي ضيعة دون بغداد فأخرج من الكوفة أريد بغداد فأقيم في تلك الضيعة ، أقصر أم أتم ؟ فقال (عليه السلام) : «إن لم تنو المقام عشرة أيام فقصّر»،(4)وبمضمونها رواية عبداللّه بن سنان (5).)ثالثتها : الأخبار الدالّة على عدم كفاية المرور بالضيعة ، ولزوم الاستيطان في الإتمام ، كصحيحة علي بن يقطين ، قال : قلت لأبي الحسن (عليه السلام : الرجل يتّخذ المنزل فيمرّ به ، أيتم أم يقصر ؟ فقال : «كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل ، وليس لك أن تتمّ فيه » (6)وبمضمونها صحاح أخر لعليّ بن يقطين وغيره، وظاهرها لزوم الاستيطان العرفي وهو اتّخاذ المحلّ والمنزل مقرّاً دائميّاً له .)رابعتها :خصوص صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا (علیه السلام ، قال : سألته عن الرجل يقصّر في ضيعته ، قال (عليه السلام) : « لا بأس)
1) لوسائل 5: 520/ الباب 14 من أبواب صلاة المسافر - ح 2.
2) الوسائل 5: 523 / الباب 14 من أبواب صلاة المسافر - ح 17.
3) الوسائل 5: 521 / الباب 14 من أبواب صلاة المسافر - ح 5.
4) الوسائل 526:5 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر - ح 7.
5) الوسائل 5 : 525 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر - ح 6.
6) الوسائل 5: 521 / الباب 14 من أبواب صلاة المسافر - ح 6.
ما لم ينو مقام عشرة أيّام إلّا أن يكون له فيها منزل يستوطنه »، فقلت : ما الاستيطان ؟ فقال عليه السلام ؟ « أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستّة أشهر ، فإذاكان كذلك يتّم متى دخلها (1، وهذه الصحيحة هي مدرك الوطن الشرعي. والجمع بين الطوائف الثلاث المتقدّمة واضح بتقييد إطلاق النفي والإثبات في الأولى والثانية بالاستيطان العرفيّ وعدمه. ويبقى الكلام في الجمع بين هذه الصحيحة (2)والطائفة الثالثة الظاهرة في لزوم الاستيطان العرفي، وهو يتوقّف على بيان مفاد الصحيحة . فنقول :)محتملاتها ثلاثة :أحدها : ما فهمه المشهور من حصول الاستيطان شرعاً بإقامة ستّة أشهر في المنزل المملوك. ثانيها : حصوله بإقامة ستّة أشهر دائماً ، أي في كلّ سنة ، فيساوق الاستيطان العرفی .ثالثها: أن يكون قيد ستّة أشهر قيدا للنّيّة والاتّخاذ لا للمنويّ والمتَّخَذ، بمعنى أنّه ينوي الإقامة الأبديّة ويبقى على نيتّه ستّة أشهر فيساوق الوطن العرفي في وجه ، ويفارقه في وجه آخر.وحيث إنّ الظاهر من قوله (عليه السلام : «أن يقيم ستّة أشهر» (3)، هي الإقامة الخارجيّة الفعليّة دون نيّة الإقامة، فلا يصحّ إلّا الاحتمال الأوّل ؛ لأنّ)
الإقامة الخارجيّة ستّة أشهر في كلّ سنة دائماً ، إما أن يكون شرطاً بنحو الشرط المتقدّم ، أو الشرط المقارن، أو الشرط المتأخّر. لا سبيل إلى الأوّل ، وإلّا لم يجب الإتمام إلّا عند انقضاء العمر. ولا سبيل للثاني، إذ لا مقارنة إلّا للإقامة في حال الإتمام . ولا سبيل إلى الثالث لعدم معقوليّة الشرط المتأخّر في نفسه ، وعدم إمكان الالتزام به هنا ؛ إذ لو أعرض عنه بعد إقامته مدّة مديدة ، كشف عن بطلان ما أتمّه من الصلوات من أوّل الأمر ، كما هو مقتضى الشرط المتأخّر . ولا يمكن الالتزام بشرطيّة الإقامة ستّة أشهر في السنة الأولى بنحو الشرط المتقدّم، وفي البقيّة بنحو الشرط المتأخّر . ولا يمكن الالتزام بشرطيّة الإقامة ستّة أشهر في السنة الأولى بنحو الشرط المتقدّم ، وفى البقيّة بنحو الشرط المتأخّر ، لوحدة الدليل ووحدة الجعل.وعليه فالجمع بين هذه الصحيحة والطائفة المتكفّلة للاستيطان العرفي (1بأحد وجهين : من شارحية الصحيحة لها ، ومن تقييد إطلاقها لها .)والشارحيّة على قسمين:أحدهما : كون الصحيحة مفسرة للاستيطان المذكور في تلك الأخبار كما هو المعروف. فيورد عليه بأنّه خلاف ظواهرها المستقرّة في الوطن العرفى، ولا طريق إلى معروفيّة الوطن الشرعي حتّى يستكشف بهذه الصحيحة أنّ الاستيطان هناک هو المعنى المعروف عندهم.ثانيها : الشارحيّة بمعنى التنزيل الموضوعي ، فلا ينافّي ظهور تلك الأخبار في الاستيطان العرفي بإقامة ستّة أشهر فردٍ آخر من الاستيطان تنزيلاً، كما يقال :
1) وهي الطائفة الثالثة
«الظَّنُّ علم مع بقاء العلم المغيّى به الحكم على حاله من الظهور في العلم الوجداني»، فإنّه بعد السؤال بقوله : «ما الاستيطان ؟» يكون قوله (عليه السلام: «أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستّة أشهر » (1)إثباتاً لفرد من الاستيطان المعروف معناه تنزيلاً.)وأمّا تقييد تلك المطلقات فهو أيضاً على وجهين :أحدهما : تقييد إطلاقها من حيث ضمّ ضميمة إلى الاستيطان العرفيّ ، ومقتضاه تضييق دائرة الاستيطان العرفيّ بإقامة ستّة أشهر ، كما هو مذهب جماعة على ما سيجيء إن شاء اللّه تعالى. وهو خلاف ظاهر الصحيحة ، فإنّ ظاهرها أنّ الإقامة المذكورة بقيودها هي بنفسها استيطانٌ لا أنّها قيد للاستيطان العرفي .ثانيهما : تقييد إطلاقها من حيث تعيّنه وعدم عِدْلٍ وبدل له ، وهذه الصحيحة مثبتةٌ لما هو عِدلٌ وبدل للاستيطان العرفي، فكلّ من الطائفتين متكفّل لصنفٍ من الاستيطان الذي يغني عن الصنف الآخر ، وهذا النحو من التقييد لا محذور فيه أصلاً. وبما ذكرنا يتوّجه قول المشهور بالوطن الشرعيّ في قبال الأصلي والاتخاذي . وقد عرفت عدم صحّة شرطيّة الإقامة المزبورة في كلّ سنة ، فلا مجال حينئذ لاستظهار التجدّد من الفعل المضارع - كما هو المعروف - بعد عدم إمكان الشرط المتأخّر في نفسه فيما نحن فيه .هذا كلّه إذا أريد من قوله « يقيم» (2الإقامة الخارجيّة .)وأمّا إذا أريد منه نيّة الإقامة ، فهو قابل لأن يراد منه نيّة إقامة ستّة أشهر
مرّة ، أو في كلّ سنة ، ولا موقع لاستظهار التجدّد من المضارع أيضاً؛ إذ الإقامة تجدّديّة دون النيّة ، فالتجدّد في المنويّ لا في النيّة ، بل لا يكفي نيّة إقامة ستّة أشهر في هذه السنة ، ثمّ يتعقّبها في السنة الآتية نيّة أخرى ، وهكذا، فإنّ مثلها لا يحققّ الوطن العرفي.ومنه تعرف أنّ استفادة الوطن الاتّخاذى العرفي من هذه الصحيحة مخالفةٌ لظاهر «يقيم» من حيث صرفه إلى نيّة الإقامة، ولظاهر إطلاق «ستّة أشهر» من حيث حمله على ستّة أشهر في كلّ سنة ، ومن حيث عدم اعتبار هذا العدد في الاستيطان العرفيّ بل مجرّد اتّخاذه مقرّاً دائميّاً ولو بأن يكون شهرين فيه ، والثاني في وطنه الأصلى كاف في الاستيطان، وكونه من باب المثال أو من باب الغلبة خلافُ الظاهر. والانصاف أنّ الصحيحة أوفق بمقالة المشهور من حملها على الاستيطان العرفي.ومنها : اعتبار الملك في الوطن الشرعي ، والبحث فيه في موردين : أحدهما : في اعتباره في المنزل الذي يقيم فيه ستّة أشهر، في قبال القول بكفاية الإقامة فيما اتّخذه منزلاً لنفسه في طريق مروره.ثانيهما في اعتباره مع الإقامة ستّة أشهر ولو لم يكن الملك قابلاً للسكنى. فلو قلنا به كان فرداً آخر من الوطن الشرعي، فإنَّ أحد فرديه الإقامة فيها اتّخذه منزلاً ، كان مملوكاً له أم لا، والآخر الإقامة في محلّ له فيه ملك كان قابلاً للسكنى أم لا. و مستند اعتبار ملكيّة المنزل الّذي يقيم فيه صحيحة ابن بزيع (1، لا من حيث دلالة اللام في قوله (عليه السلام): له «منزل» على الملكية - حتّى يقال إنّ)
1) الوسائل 5 : 522/ الباب 14 من أبواب صلاة المسافر - ح 11.
الكلام المطلق الاختصاص - بل لقوله (عليه السلام : «له فيها منزل يستوطنه» ، وقوله عليه السلام ثانياً : «له فيها منزل يقيم فيه» ، فقد اعتبر الإقامة في منزله في ضيعته لا في مطلق المنزل، فتكرارُ قوله فيها مرّتين يدلّ على خصوصيّة ملكيّة المنزل، والعادة قاضية بكون منزله في ضيعته مملوكاً له كضيعته ، لا أنّ غيره بنى منزلاً في ضيعته، وعليه فمجرّد الإقامة فيها اتّخذه منزلاً من دون كونه مملوكاً له لا أثر لها .)ومستند كفاية الملك مع الإقامة في غيره موثّقة عمّار ، حيث قال : «ولو لم يكن له إلّا نخلة واحدة» (1، بعد تقييدها بإقامة ستّة أشهر بما دلّ عليها ؛ إذ لا قائل منّا بكفاية مجرّد علاقة الملكيّة فى الوطنيّة من دون إقامة ، وإنّما ينسب ذلك إلى مالك ، ولذا حملت الموثّقة كغيرها من المطلقات على التقيّة ، إلّا أنّ قبول هذه الموثّقة للتقييد بعيدٌ؛ إذ المقيّدُ لها إن كان أخبار الاستيطان العرفي فلا قائل باعتبار الملك فيه ، وإن كان صحيحة ابن بزيع فظاهرها كما عرفت الإقامة في الملك ، لا الإقامة في بلد له فيه ملك ، إلاّ أن يقال إنّ الاستيطان عرفاً لا ينسب إلى الدار والمنزل ، بل إلى البلد والمحلّ وإنّما ينسب إلى المنزل بالعَرَض، فأخبار استيطان المنازل يراد بها استيطان ذلك البلد أو المحل ، فكذا الصحيحة، فإنّ قوله (عليه السلام ): «له فيها منزل يقيم فيه» تفسير لقوله (عليه السلام) : «له فيها منزل يستوطنه» ، فلا يراد إلاّ الإقامة في محلّة الملك لا في الملوك. فالاحتياط في مثله لا يترك خصوصاً مع ذهاب المشهور إليه . وأمّا سائر ما قيل في إقامة «الستّة أشهر» من كفاية كونها متفرّقة للإطلاق ،)
1) الوسائل 5 : 521 / الباب 14 من أبواب صلاة المسافر - ح 5.
و من لزوم كون الإقامة المزبورة بنحو توجب التمام فلا وجه له :أمّا الأوّل: فلأنّ المنصرف منه في أمثال المقام -كثلاثة الحيض، وثلاثة الخيار ، وعشرة الإقامة ، في موردها - هو التوالي.وأمّا الثاني : فلأنّه لا موجبّ له إلّا ظهور «يقيم» في إقامة العشر في ذلك ، مع أنّ الكلام هناك مَسُوقٌ لإيجاب التمام بها دون ما نحن فيه ؛ فإنّه موجب للإتمام بعد تحقّقها في سفره إلى هذا المحلّ، والتعبير بكونها قاطعةً للسفر ليس بلحاظِ هذا السفر الذي يقيم فيه ، بل بلحاظ أسفاره فيا سيأتي ، وهكذا واللّه العالم.ومنها : إنّ الوطن الأصلى هو ما نشأ فيه الإنسان وأبوه وجدّه مثلاً، ولم يعتبر فيه الملك بلا خلاف ، إنّما الكلام فيما إذا أعرض عنه وكان له ملك فيه ، فهل يسقط عن الوطنيّة بمجرّد الإعراض أم لا يسقط إلّا بزوال الملك أيضاً؟ولا يخفى أنّ مثله إذا كان معتبراً فيه اتّخاذه وطناً ولو ارتكازاً ولو بالتبعيّة ، فيتصوّر فيه الإعراف الذي حقيقته رفع اليد عن اتّخاذه، وغاية الأمر أنّ الاتّخاذ تفصيليّ تارة، وارتكازيّ أخرى ، وأمّا إذا كان مثله وطناً قهريّاً ولو لم يخطر بباله اتّخاذه مقرّاً دائميّاً فلا معنى لحقيقة الإعراض عنه ، والاكتفاء فيه بمجرّد هجره وتركه مشكلٌ ، وإلّا لكان مهاجرة النبي إعراضاً فيختل به أخبار حجّ النبّي (صلى الله عليه وآله وسفره إلى عرفات، فإنّه مع إعراضه (صلّى اللّه عليه وآله) وعدم الملك -لما حكى عنه (صلّى اللّه عليه وآله) من أنه قال (صلّى اللّه عليه وآله) : «وهل ترك لنا عقيل داراً» - (1)- يكون سفره إلى عرفات تتمّة سفره من المدينة لا سفراً جديداً بانقطاع سفره الأوّل بوصوله إلى مكّة وعدم الإقامة فيها .)
1) السنن الكبرى للبيهقي ،6 34 ، علل الشرايع 1 : 155 / الباب 142 - ح 2 .
نعم ، يمكن أن يقال : إنّ حقيقة الإعراض وإن كانت في قبال الاتّخاذ ، إلّا أنّ هجره الدائميّ بمعنى تركه إلى الآخر - لا تركه لضرورة الوقت كما كان من النبّي (صلّى اللّه عليه وآله-)يسقطه عن الوطنية شرعاً.وأمّا بقاء حكم الوطن مع بقاء الملك ولو مع الهجر والإعراض، فقد استند الشيخ الأجل (1قدّس سرّه في صلاته إلى وجهين : أحدهما : ما حكاه الشهيد (قدّس سرّه) في الذكرى (2)من أنّ الصحابة لمّا دخلوا مكّة قصّر والخروج أملاكهم»، فيدلّ على أنّه لو بقيت أملاكهم لم يقصروا . ثانيها : دعوى الفحوى ، فإنّ الاستيطان الشرعّي - وهو إقامة ستّة أشهر مع بقاء الملك - إذا كان موجباً لبقاء حكم الوطنّية، فالوطن الأصلى مع بقاء الملك حكمه كذلك بالأولويّة القطعيّة . أمّا فعل الصحابة فلا حجيّة له ، وأمّا الأولويّة فمدفوعة بأنّ الوطن الشرعي كان متقوّماً حدوثاً بالملك والإقامة فيه ستّة أشهر ، والإقامة تنقضي بانقضاء مدّتها وأَثرُ الوطنيّة بعد انقضائها ، فبقاء الوطنيّة منوطً ببقاء موجبها وليس هو إلّا الملك فإنّه القابل للبقاء، بخلاف الوطن الأصلي فإنّ تقومه لم يكن عند تحقّقه بالملك ، فليس بقاؤُهُ إلّا بعدم الهجر والإعراض، فمع الهجر لا أثر لبقاء الملك ، كما لم يكن أثر لحدوثه ، فكونه علّة مبقية للوطنيّة يحتاج إلى دليل، فلا مساواة فضلاً عن الأولويّة القطعيّة ، والمسألة إن لم تكن إجماعيّة لابدّ فيها من الاحتياط.)ومنها : إنّ الوطن المستجد والاتخاذي،لا شبهة في أنّ [حكمه] حكم الوطن الأصلي في وجوب الإتمام ، وفي انقطاع السفر بالوصول إليه ، إمّا لشمول أخبار
الاستيطانِ الظاهر في اتّخاذ محلّ مقرّاً دائماً له ، وإمّا لشمول أخبار مَن خرج من منزله وبلده وأهله ، بأنّه كما يكون كذلك أصليّاً كذلك يكون اتّخاذيّاً، ومورد أخبار الاستيطان وإن كان أثناء المسافرة من محلّه إلّا أنّه مورِدٌ لا مقوّم للاستيطان. فدعوى أنَّ هذه الأخبار أجنبيّةٌ عن اتّخاذ محلٌّ داراً لإقامته غير مسموعة . نعم، إن فُسّرت هذه الأخبار بالاستيطان الشرعى سقطت عن الدلالة على حكم الاستيطان العرفي.وأمّا اعتبار الملك فيه ، واعتبار إقامة ستة أشهر في محلّ الاتخاذ ، فتوضيح القول فيها : أمّا اعتبار الملك ، فليس له موجب شرعاً ، كما لا موجب له عرفاً ؛ حيث إنّ مفهوم الاستيطان غير متقوّم بملكيّة ما يتّخذه مقرّاً داغيّاً، خصوصاً مع أنّ المتعارف اتّخاذ البلد مقرّاً دائميّاً له، وأخبار الاستيطان وإن كان موردها غالباً للملك ، إلاّ أنّه لم يعلم منها أنّ الملك مقوّم له شرعاً ، بل ظاهرُ قوله (عليه السلام : «كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل»(1)أنّ العبرة بكون المحلّ منزلاً له، وهو متقوّم بالاستيطان واتّخاذ المنزل مقرّاً دائميّاً حتّى يكونَ منزلاً له ليكون حضُورُهُ فيه حضورَ المسافر منزلَهُ ، فالعبرة به لا يكون ما اتّخذه مقرّاً ملكاً له ، وأمّا اعتبار إقامة ستة أشهر فيه ، فما قيل أو يمكن أن يقال في وجه اعتبارها أمور:)أحدها : إنّ الوطن العرفى ما لم يكن وطناً شرعيّاً لا أثر له .وهو مغالطةٌ ، فإنّ اللازمَ أن يكون ما يراه العُرف ملكاً أو مالاً أو وطناً ممضىٌ شرعاً، وأخبارُ
1) الوسائل 5 : 521/ الباب 14 من أبواب صلاة المسافر - ح 6.
الاستيطان والمنزل ونحوها دليلُ الامضاء ، وعدمُ كونه وطناً شرعياً بالمعنى المقابل للوطن العرفي غيرُ ضائرِ .ثانيها : ما في المدارك (1من دعوى الأولويّة ، نظراً إلى أنّ إقامة ستّة أُشهر إذا كانت لازمة مع وجود الملك فمع عدمه بالأولويّة. وهو بظاهره بلا جامع حتّى تتحقّق بلحاظه الأولويّة ، ولعلّ المراد أنّ المحلّ الذي كان ملكاً إذا اعتبر فيه الإقامة المزبورة فالمحلّ الذي ليس بملك أولى بإعتبار الإقامة فيه ، وهو لا يجدي إلّا بلحاظ ذات المحل لا بلحاظ الذي اتّخذه مقرّاً دائميّاً ، فإنّه لا مساواة فضلاً عن الأولويّة .)ثالثها : تقييد إطلاق أخبار الاستيطان العرفيّ بصحيحة ابن بزيع (2. والظاهر أنّه ليس نسبة الصحيحة إلى تلك الأخبار نسبة المقيد إلى المطلق حتى يحمل المطلق على المقيّد، فإنّ الصحيحة متكفّلة لنفس الإقامة ، لا للاستيطان العرفي المتقيّد بالإقامة حتّى تكون نسبتها نسبة المقيّد إلى تلك الأخبار .)ومنه تعرف أنّ نسبة تلك الأخبار أيضاً ليست نسبة المقيّد إلى الصحيحة المطلقة من حيث اتّخاذ المنزل مقرّاً دائميّاً حتّى يقال : لا عبرة بالإقامة المزبورة ما لم يتّخذ المنزل مقرّاً دائميّاً.فإن قلت : وإن لم تكن نسبة الأخبار إلى الصحيحة - ولا نسبة الصحيحة إلى الأخبار - نسبة المقيّد إلى المطلق، إلّا أنّ قوله (عليه السلام في صحيحة عليّ بن يقطين (3): «كلّ منزل لا تستوطنه فليس لك بمنزل» يعمّ بإطلاقه ما إذا أقام في)
المنزل سّتة أشهر ، وقوله (عليه السلام في صحيحة ابن بزيع «أن يكون له منزل يقيم فيه ستّة أشهر» يعمّ بإطلاقه ما إذا اتّخذه مقرّاً دائميّاً أم لا ، فالإطلاقان متعارضان ،و لا بدّ من علاجهما، وإلّا سقط كلّ منهما ولم يثبت بهما لا وطن عبر في ولا وطن شرعي بنحو الاستقلال.)قلت : حيث إنّ ظاهر الصحيحة (1جعل الإقامة المزبورة استيطاناً - حيث قال السائل : «ما الاستيطان» ؟ فقال (عليه السلام) : «أن يكون له منزل يقيم فيه ستّة أشهر» - فالإقامة المزبورة يترتّب عليها الحكم بعنوان أنّه استيطان فيكون وطناً تنزيلاً، والصحيحه بمنزلة الحاكم على تلك الأخبار، فكأنّه قال : «كلّ منزل لا تستوطنه حقيقة أو تنزيلاً فهو ليس لك بمنزل» ، ولا تعارض بين الحاكم والمحكوم فتدبّر جيّداً.) ومنها : إنّ ظاهر غير واحد أنّ المدار في الإتمام على أحد الأمور المزبورة من الوطن الأصلي والاتّخاذي والشرعي، فالمقيمُ في بلدٍ بلا قصدِ التوطّنِ خارجُ عن الأقسام وإن بقي فيه مدّة متماديّة، ويمكن أن يقال كما قيل : إنّ المدار في الإتمام وفي انقطاع السفر بالوصول إليه مجرّد كون البلد بلدَهُ ، كما يستفاد من أخبار باب صلاة المسافر من التعبير ب «وصوله إلى أهله»، أو «خروجه من منزله وعوده إليه»، وأشباه ذلك ، ولا ريب في أنّ من كان بيته معه لا وطن له بأحد الوجوه ومع ذلك له الحضور والسفر ، وقد ورد في باب حجّ التمتّع: (2)إنّه فريضة من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وإنّ من أقام به سنتين كان داخلاً في الحاضر، فمنه ومن
أشباهه يُعلم أنّ ملاكَ الإتمام كونُ الشخص مضافاً إلى بلدٍ مثلاً وأنّه محلّه وبیته منزله ، لا إلى عنوان الوطنيّة ، واللّه أعلم .[ القاطع الثاني : الإقامة ] الثاني من قواطع السفر نيّة إقامة عشرة أيام. وفيه مباحث :[ المبحث الأول] : في موضوع هذا القاطع ، وفيه أمور :أحدها : إنّ المقوّم له أعمّ من النسبّة المساوقة للعزم ومن اليقين العاديالمساوق للجزم وإن لم يكن من مبادئ الإرادة كما يتّضح بمراجعة روايات الباب ، ففي بعضها: «إذا دخلت أرضاً فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيّام» (1الخ ، وفي بعضها : «إن حدَّث نفسه بإقامة عشرة أيّام » (2)الخ ، وفي بعضها: «فأزمعت المقام»(3)، وفي آخر : «تريد المقام»(4)وفي آخر : «إذا أجمع على مقام عشرة أيّام(5).)ومن الواضح أنّ إجماع الرأي والإرادة أخصّ من اليقين العادي لشموله لما إذا أيقن مقامه قهراً لكونه أسيراً، وهو أوسع من الجزم الذي هو من مبادئ الإرادة. ومن الواضح أيضاً أنّه ليس هناك موجبان للإتمام : نيّة الإقامة ، واليقين لها، بل هناك موجب واحد وهو ثبوت المقتضي لبقائه إمّا من تلقاء نفسه وإمّا من الخارج ، فلا ينا في احتمال حصول المانع من تأثير المقتضي بأحد المعنيين ، وأمّا
حديث تعليق العزم على شيء وما يشبهه من القصد التفصيلي والإجمالي، فحالُهُ حالُ قصد المسافة ، وقد فصّلنا القول فيه سابقاً، فراجع.ثانيها : إنّ أخبارَ هذه المسألة كلَّها متكفّلة لوجوب الإتمام فقط من دون دلالة على القاطعيّة للسفر موضوعاً تنزيلاً ، والدليل منحصر في رواية «من قدم مكّة قبل التروية بعشرة أيّام فهو بمنزلة أهلها» (1، فالاستدلالُ لعنوان القاطعيّة بهذه الأخبار وتوهُّم أنّ التنزيل في هذه الرواية لا عموم له فلا يفيد إلّا وجوب الإتمام ، مدفوعً بأنّ نفس هذه الرواية المتكفّلة للتنزيل، متكفّلة لحكمين : من وجوب الإتمام، ومن وجوب القصر للخروج إلى عرفات بعنوان التفريع على كونه كأهل مكّة ، ولو لم يكن كذلك لما كانت له الدلالة على أنّ الخروج إلى عرفات سفرٌ جديد موجبٌ للقصر ؛ لاحتمال أنّ القصر لكونه متمّماً لسفره من بلده إلى مكّة .)ثالثها : يعتبر في الإقامة وحدة المحلّ، فلا أثر للإقامة في محلّين بحيث يعدّان كذلك عرفاً، وهل هو لاقتضاء الإقامة عرفاً ؟ أو لأنّ مورد الروايات هو البلد ؟ حتّى قوله (عليه السلام : «إذا دخلت أرضاً »(2)فإنّ المراد موضوع مخصوص منها وإلّا فلا معنى لقوله فيما بعد : «وإنّ لم تدر ما مقامك بها تقول غداً أخرج أو بعد غد» فإنّ ظاهره الخروج من محلّ خاصّ منها ، لا الخروج من الأرض، مع أنّ مورد السؤال «أرأيت من قدم بلدةً ؟».)وبالجملة : لا شبهةَ في أنّ مورد الأخبار هى الإقامة في محلّ خاصّ ، وأمّا بالنظر إلى اقتضاء الإقامة فهي منسوبة بالذات إلى الدار التي هي مسكنه ومقرّه،
وبالعَرَض إلى المحلّة وإلى البلد وإلى القطر العراقي وإلى جزيرة العرب وإلى آسيا وهكذا . إلّا أنّ الإقامة هنا كالإقامة في الوطن لا يراد منها إلاّ الإقامة في البلد : إذ لا فرّق بين جعل البلد ، مقرّاً دائميّاً لنفسه أو مقرّاً في ستّة أشهر أو عشرة أيّام ،فلا خصوصيّة في نظر العرف للدار والمحلّه في باب جعل محلّ محطّ رحله وموضع قراره واستقراره . وأمّا الأمر في البلدان الكبار جدّاً فمشكل إذا لم يكن محلّاته منفصلة كالقرى المتقاربة ، والاحتياطُ في مثله لا يترك ؛ لعدم إمكان الجزم بأحد الطرفين .رابعها : إنّ كفاية التلفيق وكفاية عشرة أيّام بلياليها والمتوسّطة دون الأولى والأخيرة لا منشأ لها إلاّ الصدق العرفىّ، وإلّا فما أفاده في المدارك: «من أنّ نصفى اليومين لا يسمّى يوماً(1صحيح ، ولقد أجاد الشيخ الأجل قدّس سرّه في ردّه حيث قال: «إنّه تصديق للحقيقة وتكذيبُ للعرف» (2)، كما أنّ اليوم إذا كان عبارة عن مجموع الليل والنهار فلا بدّ من إدخال الّليلة الأولى أو الأخيرة، وإن كان عبارة عن خصوص النهار فالليالي كلّها خارجة ، ولا مَدفَعَ له ، إلّا أنّ مقتضى نسبة الإقامة إلى عشرة أيّام عرفاً ما ذكرنا وهو أنّ مبدأه أوّل نهار اليوم الأوّل ومنتهاه آخر نهار اليوم العاشر ، وإذا كان في مورد التلفيق فمبدؤُه مثلاً زوال اليوم الأول ، ومنتهاه زوال اليوم الحادي عشر، فتكون الليالي المتوسّطة عشراً. ومنه تعرف أنّه ليس المدار على مقدار عشرة أيّام بلياليها المتوسِّطة كما هو واضح .)خامسها: المشهور اعتبار التوالي المفسَّر بعدم نيّة الخروج عن حدّ الترخّص في مرحلة نيّة الإقامة، فالنيّة المقرونة بالخروج لا تؤثّر في وجوب الإتمام بل يبقى على القصر . وجملة ما استندوا إليه في ذلك أمور :
منها : تبادر النيّة المحضة من النصّ، من لزوم النقص في العشرة المنويّة ، كما ليس له أن ينوى تسعة أيّام ونصفاً مثلاً.ومنها : ما عن الشيخ الأجل قدّس سرّه في تحريراته في الصلاة حيث قال قدّس سرّه : «كلّ مكان يجوز قصد إقامة شيء من العشرة فيه لا يقدح قصد الخروج إليه في الأثناء وإلّا فلا»(1... الخ . وحاصله دعوى الملازمة بين قصد الإقامة فيهما وقصد الإقامة في أحدهما والخروج إلى الآخر. ومنها : إنّ التجاوز عن حدّ الترخّص من المقيم مبطل للإقامة ، فنيّة التجاوز في ضمن نيّة الإقامة تبطلها .)والجواب عن كلّ هذه الوجوه مبنّى على مقدّمة هي : إنّ الإقامة تارةً بمعنى کا اللَّبْث في محلّ ، فالخروج عن المحل وعن ما هو محسوب منه ضِدُّ اللبث فيه، وقصدُهما قصدُ المتنافيين ، وأخرى بمعنى جعل محلّ مقرّاً ومستقرّاً لنفسه ومحطّاً الرحله كالإقامة فيها يتّخذه داراً لإقامته دائماً ، إذ لا فرق بين الإقامتين إلّا بالدوام وعدمه، وضدّ الإقامة بهذا المعنى الارتحالُ عنه وتركهُ ، ولا يكون ذلك إلّا بإنشاء سفر جدید، و به تنحلُّ جميع ل جميع تلك الوجوه ، إذ ليس للإقامة حقيقة شرعيّة ليُدَّعى أنّها خصوصُ اللّبثِ المضادٌ للخروج ، بل معناها العرفي ما ذكرناه . ولا يقاس قصدُ جعل محلَّ واحدٍ مقرّاً ومستقرّاً والخروج إلى ما دون المسافة لحاجةٍ ، بقصد جعلالمحلَّين مقرّاً لنفسه ومستقرّاً له ، كما أنّ جعل محلِّ مقرّاً له لا يقتضي دوام اللبث فيه ،فلا ينافيه الخروج عنه نهاراً والقرار فيه ليلاً مثلاً ، فلا يلزم نقص العشرة . نعم ، لو خرج ليلاً ونهاراً لزم النقص في العشرة حيث لم يتّصف يومٌ منها بالقرار والاستقرار
1) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري : 400 .
فيه . وأمّا ناقضيّة التجاوز عن حدّ الترخّص للإقامة ، فمدفوعةٌ بأنَّ التجاوز حدًّ لمن سافر من بلده أو محلّ إقامته ، ولا يدور هذا المعنى مدار قاطعيّة الإقامة لموضوع السفر ورافعيّتها حكمه ، فإنّ البناء على كونها رافعة لوجوب القصر فقط . وبقاؤه على كونه مسافراً أيضاً على نحوين : فتارة يخرج عن محلّ الإقامة مرتحلاً عنه ومتمّماً لسفره الأوّل عوداً على بدء، فهذا هو الذي يجب عليه القصر عند تجاوزه عن حدّ الترخّص ، وأمّا من لم يرتحل عنه وهو باق على بنائه على أنّ المحلّ مقرُّه ومستقرُّهُ، فلا موجب لتحديد خروجه بعدم بلوغ حدّ الترخّص ؛ حيث لا سفر منه ولو بعنوان العود على سفره.فالتحقيق : إنّ نيّة الخروج إلى ما دون المسافة لا ينافي نيّة الإقامة بالمعنى الذي ذكرنا التي هي الإقامة العرفيّة في البلد في قبال الرحلة عنه ، فتدبّر جيّداً.سادسها : بعد البناء على عدم مانعيّة نيّة الخروج إلى ما دون المسافة لنيّة الإقامة ، هل يعتبر توالي العشرة واتّصالها أم يكفي كونها متفرّقة بحيث إذا خرج ولم يرجع إلى اليوم الآخر كفي إكمال العشرة بيوم آخر ؟ مقتضى ما تقدّم من المشهور - في مسألة الإقامة ستّة أشهر متواليةً كانت أم متفرّقةً ؛ للإطلاق - فلا بّد من القول به هنا، إلّا أنّ الظاهر اعتبار التوالي وعدم الانفصال كما في غير هذا المورد من الموارد التي أُخذ في موضوع الحكم عددٌ خاصّ من الأيّام أو الشّهور ، واللّه العالم .المبحث الثاني إذا نوى الإقامة ثمّ عدل عنها بطلت الإقامة إلّا إذا صلّى فريضة واحدة تامّة . وتنقيح الكلام برسم أمور في المقام :أحدها : بيان أنحاءِ ما يتصوّر من شرطيّة نيّة الإقامة في المقام ، وتأثيرِ العدول ، ودَخل فريضة تامّة في بقاء الأحكام، فنقول :إنّ نيّة الإقامة تارة رافعةالأحكام السفر، وأخرى قاطعة لموضوعه.
أمّا إذا قلنا بأنّها رافعة للأحكام ، فنيّة الإقامة تارة شرطُ حدوثاً وبقاءً، وأخرى حدوتُها شرطُ لثبوت الأحكام حدوثاً وبقاء ، فإن كانت شرطاً حدوثاً وبقاء. فليس للعدول شأن إلّا ارتفاع نيّة ،الإقامة ، وبزوال الشرط يزول المشروط وهو وجوب الإتمام مثلاً ، وحينئذٍ ففعل صلاة تامّة المقارنة لشرطها - وهي نيّة الإقامة حالها - شرطً بدلاً عن نيّة الإقامة عندَ ارتِفاعها ، فالعدولُ بعد الصلاةِ لا أثرَ له ، فبقاء الأحكام تارة مستند إلى نيّةٍ حُدُوثها شرطُ لثبوت الأحكام حدوثاً وبقاءً، فبقاءُ النيّةِ لا أثرَ له حتّى يكونَ العدولُ بعنوان ارتفاعها وبعنوان زوال الشرط، فإنّ النيّة الحادثةَ يستحيل ارتفاعها وانقلابها عمّا هي عليه ، والباقيةَ إلى زمان العدول لا شرطيَّةَ ولا أثرَ لها شرعاً ، بل يكون بعنوان نفسه رافعاً لأثر تلك النيّة من حين تحقّقه لا من حين تحقّقها ، فإنّه من قبيل الشرط المتأخّر المستحيل بطبعه . وفعلُ صلاةٍ تامة قبل العدول مانعٌ متقدِّم عن تأثير العدولِ . وأمّا كونُ نيّة الإقامة شرطاً حدوثاً وإناطتها في بقاء الأحكام بفعلِ الإتمام ، فهو محال ؛ لأنَّ وجوب الإتمام لا يعقل أن يكون مشروطاً بنفس الإتمام ، لأنّ ذلك طلبُ الحاصل من وجهٍ ، وعلّيّةُ الشيءِ لنفسه من وجه آخر ، كما أنَّ كون النيّةِ المستمرّةِ شرطاً لحدوث الأحكام وبقائها أيضاً محال ؛ لكون بقاء النية شرطاً متأخراً لحدوث الأحكام من الأوّل . فالفرضُ الصحيحُ بحسبِ مقام الثبوتِ ما فرضناه أوّلاً وثانياً . وأمّا إذا قلنا بأنّ نيّة الإقامة قاطعةٌ لموضوع المسافر كما هو المعروف ، فربّما ينسبق إلى الذهن أنّه لا معنى لشرطيّة نيّة الإقامة حدوثاً وبقاءٌ ؛ لأنّ انقطاع السفر ليس تدريجيّاً حتّى تكون نيّة الإقامة في كلّ آنٍ قاطعة للسفر في ذلك الآن . وعليه فلا معنى للعدول ؛ لأنّه لا يحقّق السفر بعد ارتفاعه ولا معنى لابقاء انقطاع السفر
بفعل صلاٍة تامّة . وأمّا إناطة تأثير حدوث الإقامة في انقطاع السفر بفعل صلاةٍ تامّة فهو في حكم إناطة وجوب الإتمام بفعل الإتمام ، كما أنّ إناطة تأثير نيّة الإقامة في انقطاع السفر بعدم العدول بعدها حتّى لا يرد محذور كون العدول محقِّقاً لسفرٍ فهو التزام بالشرط المتأخّر ، ولازمه بطلان الأعمال السابقة على العدول إلاّ الصلاة التامّة المانعة عن تأثير العدول. إلّا أنّ كلّ ذلك مبنىّ على كون نيّة الإقامة قاطعة للسفر حقيقةً كالورود إلى الوطن، وأمّا إذا كان قاطعاً تنزيلاً - بمعنى أنّ ناوي الإقامة بمنزلة الحاضر شرعاً في جميع أحكامه حتّى في اعتبار المسافة عند ارتحاله - [فلا إشكالَ ] ، وبه يمتاز عن كونها رافعة لأحكام السفر . وعليه فالحضور له الحدوث والبقاء ، فهو ما دام ناويا للإقامة باقٍ على حضوره، وإذا ارتفعت النيّة ارتفع الحضور إلّا إذا صلّى تماماً فإنّه بها يبقى على حضوره وإن زال سببه الأوّل. ومنه يعرف أنّه يتصوّر على هذا الشق أيضاً صورة أخرى وهي : تأثير النيّة بحدوثها فقط في الحضور تنزيلاً إلى أن يرتحل، ويكون العدول رافعاً لأثرها من حينه لا من حينها، وتكون الصلاة التامّة مانعة عن تأثير العدول ، بل لعلّ هذه الصورة أبعد عن المحذور من الصورة الأولى؛ لأنّ مقتضى صحيحة أبي ولّاد (1هو وجوب الإتمام بعد فعل صلاة تامّة لا كونها مبقيةً لحضوره كما كانت النيّة مقتضية له بخبر من قدم مكّة قبل التروية إلى قوله : « فهو بمنزلة أهلها» (2)، وإذا لم يكن تنزيلٌ في الصحيحة للفريضة التامّة منزلةَ النيّة في اقتضائها لحضور التنزيلي لم يكن سفره بعد العدول سفرَ الحاضر حتّى يعتبر فيه المسافة ، بل حاله حال الشق الأوّل)
من كون النيّة رافعة للأحكام، بخلاف الصورة الثانية من الشق الثاني فإنّ الحضور التنزيلي إلى الآخر بمقتضى نفس النيّة ، وشأن الصلاة التامّة المانعيّة عن تأثير العدول في رفع الحضور ، فسفرُهُ بعد العدول الواقع بعد فريضة تامّة سفرٌ عن حضور من دون حاجة إلى تنزيل آخر ، فافهم وتدبّر .ثانيها : هل مقتضى الأخبار شرطيّة نيّة الإقامة حدوثاً وبقاءٌ لحدوث أحكام الحاضر وبقائها ؟ أو شرطيّة حدوث نية الإقامة فقط لحدوث الأحكام وبقائها ؟ فعلى الأوّل يكون ارتفاع الأحكام بالعدول على القاعدة ، دون الثاني. فنقول : ظاهر ما عدا صحيحة أبي ولّاد هو الثاني، وهي شرط نيّة الإقامة حدوثاً، فإنّ ظاهر قوله (عليه السلام : «إذا دخلت أرضاً فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيّام )(1)الخ، هو حدوث اليقين لا استمراره ، وكذا ظاهر قوله (عليه السلام) : «إن حدّث نفسه بإقامة عشرة أيّام» (2)، فإنّ الظاهر حدوثُ حديثِ النفس بالإقامة لا استمرار حديث النفس، وكذا ظاهر قوله (عليه السلام) : «فأزمعت المقام وأردت» (3)، و «أجمع على مقام عشرة أيّام»(4)، فإنّ ظاهرها جميعاً هو حدوث هذه الصفات دون استمرارها . نعم لو كان الموضوع ناوي الإقامة، صحّ يقال أنّ ظاهره دوران الحكم مدار التلبّس بالعنوان .)وأمّا صحيحة أبي ولّاد فظاهرها اعتبار الاستمرار ، فإنّها نظير صحيحته الأخرى الواردة في اعتبار استمرار قصد المسافة ، فإنّ استمرار النيّة إلى زمان
البداء مفروض فيها، وإنّما سأَلَ عن اعتبار بقائها لكونه شرطاً في بقاء أحكام الإقامة أو يكفي حدوثها ؟ فأجاب (عليه السلام : بأنّ الحكم يزول بالبداء إلّا مع فعل فريضة تامّة ، فيعلم منه بالالتزام اعتبار بقاء النيّة في بقاء أحكام الإقامة إلّا مع فعل فريضة تامّة .)ويتفرّع على ما ذكرنا أنّ مجرّد زوال نيّة الإقامة كافٍ في ارتفاع الأحكام سواء جزم بعدم الإقامة أو تردّد ، بخلاف ما إذا كان حدوث النيّة شرطاً والعدولُ مانعاً ، فإنّه ربّما يُتَأَمَّلُ في التعدّي عن الجزم بعدم الإقامة ؛ لظهور الصحيحة سؤالاً وجواباً في الجزم بالعدم، لقول السائل «فبدا لي أن لا أقيم (1، وقول الإمام (عليه السلام): «حتّى بدا لك أن لا تقيم »،(2)مع أنّه على هذا المبنى أيضاً يصح التعميم لقوله (عليه السلام) بعد فرض البداء في آخر الصحيحة : «وإن لم تنو المقام عشراً فقصُر ما بينك وبين شهر» ،(3)الخبر.)ثالثها: ظاهر صحيحة أبي ولّاد (4أنّ بقاء النيّة إلى تماميّة صلاة فريضة تامّة، شرطُ في بقاء أحكام الحاضر، وأنّ فِعلَ صلاةِ فريضةٍ تامّة هو الموجب لبقاء أحكام الحاضر، فالعدولُ في أثناء الفريضة التامّة باق على تأثيره في ارتفاع أحكام المحاضر ؛ لفرض عدم بقاء الشرط إلى تماميّة الصلاة. والشرطيّةُ الثانيّة في الصحيحة - حيث قال (عليه السلام ): «وإن كنت حين دخلتها على نيّة التمام ولم تصلَّ فيها صلاة فريضة واحدة بتمام حتّى بدا لك أن لا تقيم» (5)الخبر - وإن كانت موهمةً لقصر تأثيرِ العدول على العدول قبل فعل الصلاة رأساً فيبقى العدول في الأثناء مسكوتاً عنه - فلا العدول قبل الصلاة حتّى يؤثّر ،ولا العدل بعدها حتّی لا یؤثّر-)
لكنّ الشرطيّة الثانيّة تصريحُ بمقتضى الشرطيّة الأولى ، وهو أنّ مناط التأثير وعدمه وقوع العدول بعد فعل صلاة تامّة وعدمه ، مضافاً إلى إطلاق قوله (عليه السلام : « ولم يصلُ » (1)، أي لم يصلُ تماماً حيث يصدق على ما أتى به أنّه صلاةٌ تامة وإن أَتى بما ليس مصداقاً للصلاة التامّة ؛ لفرض كون العدول في الأثناء، وسيجيء إن شاء اللّه تعالى أنّ وجوب هذه الصلاة - لما ذكروه من الوجوه الضعيفة - لا دخلّ له بتأثير العدول في ارتفاع أحكام الحاضر وعدمه ، بخلاف العكس - وهو ما إذا قلنا أنّ العدول في الأثناء كالعدول بعد الصلاة لا أثر له - فإنّه بنفسه مقتضٍ لوجوب الاتمام ؛ إذ المفروض أنّ الشّروع في الصلاة كالإتيان بها تماماً، فهو في هذه الحال مأمورً بالتمام .)رابعها : ظاهر صحيحة أبي ولّاد دوران تأثير العدول وعدمه مدار فعل فريضة تامّة وعدمه ، فلا أثر لغيرها من الفرائض اليوميّة ، ولا لسائر الواجبات المنوطة بالإقامة كالصوم والنوافل النهاريّة .وربّما يبرهَنُ على كونها كالفريضة التامّة بتقريب : إنّ فعل النافلة قبل العدول ، حيث إنّها مقارنة لشرطها وهي نيّة الإقامة والحضور، فهي صحيحة لا باطلة ، وإذا صحّت كشفت عن كون المتنفّل حاضراً غير مسافر ؛ لعدم مشروعيّة النافلة من المسافر ، وإذا كان غيرَ مسافر فالعدول ليس من موجبات السفر . وجوابه ما مرّ من أنّ نيّة الإقامة شرطٌ حدوثاً وبقاءً ، فمع ارتفاعها ليس بحاضرٍ لانتفاء ما به الحضور، والمفروضُ عدم الإتيان بما جعله الشارع بدلاً عن
1) الوسائل 5: 532 / الباب 18 من أبواب صلاة المسافر - ح 1.
نيّة الإقامة وهي الصلاة، ومع انتفاء الحضور حقيقة وتنزيلاً يجب القصر كما هومقتضى ذيل الصحيحة، فراجعها .خامسها المستفاد من الصحيحة (1أن نيّة الإقامة لا تمنع عن العدول إلّا إذا صارت عمليّاً بخصوص الفريضة التامّة ، فلا بدّ من ارتباط الفريضة التامّة بالإقامة ، ويترتّب عليه فروع : منها : ما إذا صلّى صلاة تامّة في أماكن التخيير لشرف البقعة ، فإنّه وإن كان ناوياً للإقامة واقعاً ، وتَصْدُقُ طبيعة الفريضة التامّة - حيث إنّ الإتمام واقعاً مأمورّ به - إلاّ أنّه غير مربوط بنيّة الإقامة ، وليس الإتمام عملاً بنيّة الإقامة .)ومنها : ما إذا قضى فائنةً تامّة ، فإنّه من مصاديق الفريضة التامّة ، إلاّ أنّه أجنبي عن نيّة الإقامة ؛ فإنّه يجب عليه قضاء ما فات كما فات ، نوى الإقامة أم لا . ومنه يظهر سريان الإشكال إلى قضاء رباعيّة فائته بعد نيّة الإقامة ، فإنّ التمامية مستندة إلى اقتضاء التدارك لا إلى اقتضاء الإقامة حتّى يكونَ القضاء عملاً بما نوى ، إلّا أن يفرّق بأنّه عمل بنيّة الإقامة بواسطة ؛ إذ لو لم ينو الإقامة لما وجب عليه الإتمام أداءً وقضاء .ومنها : ما إذا صلّى تماماً غافلاً عن نيّة الإقامة جرياً على عادته في بلده ، فإنّ وجوب فريضة تامّة وصدقها على ما أتى به واضحُ ، لكنّه أجنبي عن التلبّس بما يترتّب على الإقامة حتّى تكون نيّة الإقامة عمليّاً، إلا أنه يمكن أن يقال : إنّه تلبّس بما هو عمل الحاضر والحضورِهِ أَتَمَّ، وإِن غَفَلَ عن وجه حضورِهِ ، فتدبّر .
1) أي صحيحة أبي ولاد التي مرّ عنوانها قريباً.
سادسها : ظاهر الصحيحة (1إناطة تأثير البداء وعدمه بإتيان الفريضة التامّة)وعدمها لا بمجرّد استقرار في الذمّة ، فدعوى عدم تأثير العدول إذا ترك الفرض عمداً أو نسياناً استناداً إلى مجرّد الاستقرار في الذمة ، لا شاهد لها.والعجب الالتزام به من جامع المقاصد (2مع اعترافه بمخالفته لظاهر النصّ. وأمّا دعواه أنّه موافق للقواعدُ فقاعدة شرطيّة النيّة حدوثاً فقط - المستفادة من الأخبار - وإن كانت مقتضية لعدم تأثير العدول ، إلّا أنّ الصحيحة صريحة في إناطة البقاء على الإتمام بفعل صلاةٍ تامّةٍ وأنّ العدول لا أثر له بعدها ، لا بعد استقرارها في الذمّة ، فتدبّر . نعم ، المناقشة في عدم شمول قوله (عليه السلام) : «لم يصلَّ»، لترك الصلاة عمداً أو نسياناً غير بعيدة ؛ نظراً إلى أنّ سَوْقَ هاتين الشرطيّتين في الصحيحة بلحاظ فعل الصلاة طبعاً، وعدم فعلها طبعاً لسعة الوقت لا لتعمّد الترك أو عروض النسيان، وعليه فالعدولُ بعد الاستقرارِ والتركِ العمديّ أو النسيان غير مشمول للصحيحة ، فنيّة الإقامة مؤثّرة في وجوب الإتمام ، والمقيّد لها التَّرْكُ الطبعي دون غيره، فتأمّل.)سابعها : إذا صام ناوي الإقامة قبل فريضةٍ تامّة صحّ صومه ؛ لمّا مرّ من أنّ نيّة الإقامة غير مشروطة بفعل صلاة تامّة . وأمّا إذا صام وعدَّلَ في أثناء الصوم، فالكلام فيه تارة من حيث تأثير العدول في ارتفاع أحكام الحاضر وعدمه، وقد مرّ أنّه يؤّثر حيث إنّه قبل فريضةٍ تامّة، وأخرى من حيث صحّة نفس الصوم، وفيه وجوه بل أقوال : قولُ بصحّته مطلقاً ، وقول ببطلانه مطلقاً، وقول بالتفصيل بين العدول قبل الزوال ، فلا يصح وبعد الزوال فيصح .
أمّا وجه الصحّة مطلقاً : فهو أنّ نيّة الإقامة غير مشروطة بفعل صلاة تامّة ، ولا بعدم العدول فيما بعد، وعليه فينعقد الصوم صحيحاً، وحيث إنّ الصوم لا يتبعّض صحّةً وفساداً فلا بدّ من صحّته إلى الآخر ، وليس مثل الصلاة فإنّه مع عدم التجاوز عن الركعتين يجب عليه إتمامها قصراً، ومع التجاوز لا يمكن إتمامها قصراً لفرض التجاوز، ولا تماماً لتبدّل حضوره بسبب العدول . ولا تعمّ الصحيحةُ للصوم ؛ لأنّ موردها تأثير العدول في القصر والإتمام ، ولا تعمّ أخبار السفر قبل الزوال ؛ لأنّ ظاهرها إنشاء السفر قبل الزوال لا مجرد زوال حضوره.وأمّا وجه البطلان مطلقاً : فلأنّ الحضور التنزيليّ ليس بأقوى من الحضور الحقيقي، فكما أنّه إذا سافر قبل الزوال ينكشف بطلان صومه من الأوّل فكذا مع زوال نيّة الإقامة قبل الزوال، فلا موجب للالتزم بانعقاده صحيحاً حتّى يرد محذور التبغّض، فحيث إنّه يكون العدول ها دماً للأثر من حينه والصومُ لا يتبعّض ، نقول بأنه يجب الالتزام بعدم انعقاده حيث إنّه غير قابل لإتمامه مع زوال نية الإقامة قبل الزوال. والصحيحه وإن كانت في مورد الصلاة إلّا أنّه بالملازمة بين القصر والإفطار ، الإتمام والصيام، يكونُ حال الصوم حال الصلاة . وأمّا عدمُ صحّة إتمامه بعد الزوال فلقصور أدلّة الإتمام بعد الزوال لظهوره في إنشاء السفر بعده لا تبدّل حضوره بعد الزوال.وأمّا وجه التفصيل بين العدول قبل الزوال والعدول بعده ، فنقول : مقتضى الصحيحة - بضميمة الملازمة بين القصر والإفطار - ثبوتُ الإفطار بالعدول قبل فريضةٍ تامّة ، ولم يقيّد هذه الملازمة إلاّ بالسفر بعد الزوال، فالعدول قبل الزوال مؤثّر في بطلان الصوم ؛ لمكان الملازمة ، لا لأخبار السفر قبل الزوال حتّى يُناقَشَ
في شمولها لتبدّل الحضور بالعدول . وأمّا صحّته مع العدول بعد الزوال - مع المناقشة فى شمول أخبار السفر بعد الزوال - فليها مرّ منّا سابقاً من أنّ الإتمام والصيام غيُر مشروط بشيءٍ في هذه الأبواب ، بل كلّ مكلّف مستجمع للشرائط يجب عليه الإتمام والصيام إلّا إذا سافر ، ومن البيّن أنّ صحّة الصوم غير مشروط بالسفر بعد الزوال، فإنّ الصائم يجب عليه إتمام صومه إذا لم يسافر قبل الزوال سواء أسافر بعد الزوال أو لم يسافر ، فلا حاجة إلى تكلّف تعميم السفر بعد الزوال لزوال الحضور التنزيلي بالعدول بعد الزوال.وأمّا ما عن شيخنا الأعظم قدّس سرّه في كتاب الصلاة من الاستدلال للإتمام فيما نحن فيه بفحوى ما دلّ على وجوب إتمام الصوم إذا خرج بعد الزوال(1فمبنّى على ما ذكرنا ، فإنّ إنشاء السفر إذا لم يكن مانعاً ن إتمام الصوم ، فزوال الحضور أولى بعدم كونه مانعاً . نعم ، لو كان إنشاء السفر بعد الزوال شرطاً في صحّة الصوم تماماً لم يكن تبدّل الحضور مساوياً له فضلاً عن كونه أَولى.)ثامنها : إذا صلّى بنيّة القصر ثمّ بداله في أثنائه الإقامة أتمّها ؛ لصحيحة علي بن يقطين حيث قال (عليه السلام : «يتمّ إذا بدت له الإقامة»(2)، ولا يكشف عن اتحّاد القصر والإتمام بالنوع ؛ لإمكان كون القصريّة والتماميّة كالظهريّة والعصريّة فإنّهما متباينان نوعاً ، ولذا يجب قصد عنوان الظهريّة والعصريّة إمّا تفصيلاً أو إجمالاً، ومع ذلك إذا صلّى بعنوان العصريّة ثمّ تذكّر عدم الإتيان بالظهر ينوي الظهر ويبني على كونها ظهراً فيتمّها ظهراً ، فيُعلم أنّ عنوان الظهريّة ينطبق على المأتيّ به سواءاً)
نواها تفصيلاً أو إجمالاً أو في الأثناء إذا نسي قصدها من الأوّل، فكذا التماميّة والقصريّة، فتدبّر .وأمّا إذا نوى الإقامة وصلّى بتلك النية ثمّ عدل في أثنائها فقد تقدّم أنّ هذا العدول مؤثر في رفع أثر نيّة الإقامة ؛ إِذِ العدولُ الّذي لا أثرّ له ما كان بعد فريضةٍ نامّة ، إلّا أنّ الكلام في صحّة هذه الصلاة لا في تأثير العدول وعدمه. والمعروف أنّه إذا عدل قبلَ الدخول في الركعة الثالثة يجب عليه إتمامه قصراً لأنّه مسافر مكلّف بالقصر ومتمكّن من القصر على الفرض - بعد استفادة إمكان ذلك ، إمّا باتّحادهما بالنوع أو تبدّل أحد العنوانين بالآخر ما دام للتبدّل سبيل - وأمّا إذا دخل في الركعة الثالثة فلا يتمكّن من إتمامها قصراً لمكان الزيادة ، ولا يتمكّن من إتمامها تماماً لأنّه مسافرٌ ؛ لفرضِ العدولِ قبل فريضة تامّة، ولا دخلَ لاتّحادهما نوعاً بما نحن فيه ؛ إذ بعد فرض كون المكلّف المسافر مكلّفاً بالقصر يجب مطابقة المأتىّ به للمأمور به وإن لم يجب قصد عنوانه ، أو كفى البناء في الأثناء على غير العنوان المنويّ أو لا. ،نعم، ربّما يناقش في شمول أدلّة السفر والقصر فيه لمثله ، بدعوى أنّه مقصور على من لم يصلً رأساً، وأمّا من صلّى تماماً في بيته أو وصل إلى حدّ بحيث لا يمكنه التقصير فهو كمن صلّى وأدّى الوظيفة، فلا قصرَ حيث لا صلاة قابلة للتقصير فيها. وربّما يستند في ذلك إلى إطلاق أخبار نيّة الإقامة الظاهرة في أنّه بمجرّد حدوث النيّة يجب عليه الإتمام ، ولم يقيّد في صحيحة أبي ولاّد إلّا بالعدول قبل الصلاة وهو لا يعمّ العدول في الأثناء، وحيث لا تقييد فيؤخذ بإطلاق تلك الأخبار ويحكم بوجوب الإتمام ، وهذه عمدة ما اعتمده الشيخ الأعظم قدّس سرّه في بعض تحريراته في صلاة المسافر
إلّا أنّك عرفت سابقاً وجه النظر فيه ، وحيث إنّ وجوب الإتمام مذهب غير واحد من الأعلام خصوصاً من مثل الشيخ الأجل قدّس سرّه فرعاية الاحتياط قويّة جدّاً، واللّه أعلم .المبحث الثالث في حكم من نوى الإقامة وخرج إلى ما دون المسافة . اعلم أنّه ربّما تعنون المسألة بأنّه نوى إقامة العشرة وتمّت العشرة فخرج إلى ما دون المسافة ، وربّما تعنون المسألة بأنّه عزم على إقامة العشرة فيخرج إلى ما دون المسافة كما هو الغالب في متون الكتب الفقهيّة.أمّا العنوان الأوّل فلا حاجة فيه إلى التقييد بفعل صلاة تامّة ؛ لأنّ التقييد (1به بمقتضى الصحيحة إنّما هو في مورد العدول عن النيّة ، وبعد تماميّة العشرة المنويّة لا مورد للعدول عن النيّة ، والعزمُ على العود وعدمُهُ لا ربط له بالعدول كما يتّضح إن شاء الله تعالى .)وأمّا العنوان الثاني فيجب التقييد فيه ، إذ مع عدم فعل الصلاة يجب عليه القصر بمجرّد عدوله وإن لم يخرج إلى ما دون المسافة ، فلا يجري فيه البحث عن القصر والإتمام بما لهما من الأقسام، ومع عدم العدول إلى زمان الخروج - وإن وجب عليه الإتمام لما مرّ من استحالة إناطة تأثير نية الإقامة بعدم العدول أو بفعل صلاة تامّة - لكن سفره إذا كان بعنوان عدم العود فهو عدول يجب عليه القصر من حين ذهابه على أيّ تقدير ، ولا يجري فيه هذا البحث الذي لا شبهة عند المشهور في عدم القصر في الذهاب والمقصد . وبالجملة : إنّما يجري هذا البحث إذا تساوى الخروج في الأثناء مع الخروج بعد العشرة في أقوال المسألة وأقسامها إذا تساويا في استقرار
1) في نسخة بدل : «التقيد» .
وجوب التمام بحيث لم يكن فيه مجال للعدول ، إمّا بمضي العشرة ، وإما بفعل صلاة تامّة .ثمّ إنّ تنقيح الكلام في هذا المقام - الذي اضطربت فيه كلمات الأعلام واعترف غير واحد بأنّه من مهمّات المسائل وأمّهات المعاضل - برسم أمور : أحدها : إنّ نيّة الإقامة كما مرّ الكلام فيها قاطعة لموضوع السفر اعتباراً وتنزيلاً بمقتضى خبر «من قدم مكّة» إلى قوله (عليه السلام : «فهو بمنزلة أهلها»(1)وعليه يبتني هذا البحث، وإلّا فهو مسافر حقيقةً وإنمّا ارتفع حكمه في برهة من الزمان، فإذا خرج من محلّ الإقامة كان خروجه خروجَ المسافر بسفره الأوّل وهذا مُتَمِّم سفِرِه فيجب عليه القصر بمجرّد خروجه ذهاباً وإياباً إلى أن يصل إلى وطنه ، ويوافقه الظهور البدويّ من صحيحة أبي ولّاد حيث جَعَلَ غايةً وجوب الإتمام مجرَّدَ الخروج من محلّ الإقامة. ولعلّ من يُنسب إليه القصر مطلقاً يذهب هذا المذهب.)ثانيها: إنّه قد تقدّم في مسألة التلفيق أنّ ضمّ الذهاب إلى الإياب مشروط بأن لا يكون الذهاب والإياب أقل من أربعة ، بل قد تقدّم أنّ الإياب وإن كان وحده بالغاً للمسافة الشرعيّة لا يضّم إليه الذهاب إذا كان أقلّ من أربعة ، وأنّ مبدأ القصر حين الأخذ في الإياب. وكلا الحكمين ممّا عليه المشهور ، بل ربّما يُدَّعى عليه الإجماع. فالقولُ بالقصرِ في الذهاب بعد الاعتراف بقاطعيّة النيّة للسّفر موضوعاً، لا يصحّ إلّا مع القول بالتلفيق مطلقاً كما قرّبناه سابقاً ولم نذهب إليه لدعوى الإجماع من غير واحد على خلافه . نعم من يذهب إلى التلفيق فيا إذا كان الإيابُ وحده
1) الوسائل 5 : 526 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر - ح 10.
مسافةً - كالمحقّق الكاشاني (رحمه اللّه (1)- له أن يقول بالقصر هنا في مثل هذا الفرض برجوعه إلى محلّ الإقامة من طريق أبعدَ يبلغُ المسافةَ .)ثالثها : إنّ الإقامة كما قدّمنا ليست مجرّد المكث في مكان ، بل اتخّاذ محلّ مقرّاً ومستقرّاً ومحطّاً لرحله ، ويقابله الارتحال عنه لا مجرّد الخروج عن ذلك المحل، وكما أنّ الخروج عنه بمجرّده لا ينا في بقاء الإقامة كذلك مجرّد العود إليه بعد الارتحال عنه ليس عوداً إلى مقرّه ومستقرّه بل عودٌ إلى ممرّه إلى وطنه . وعليه إذا خرج من محلّ إقامته لا بقصد الارتحال الذي هو ضدّ الإقامة ليس مسافراً بسفر جديد ، وكذا إيابه ليس سفراً إلى محل إقامته حتى يُحتَسَبُ جزءاً من المسافة بضمّه إلى المسافة من محلّ إقامته إلى وطنه ، بخلاف ما إذا ارتحل عن محل إقامته فإنّه مسافر بسفرٍ جديد من محلّ إقامته إلى مقصده ومنه إلى بلده مارّاً إلى محلّ إقامته .وممّا ذكرنا يتّضح ما في بعض كلمات الشيخ الأعظم قدّس سرّه «من أنّ الإياب إلى محلّ الإقامة ومنه إلى وطنه سفرٌ واحد ، وليس السّفرُ الفلانيُّ عنواناً حتّى يقالَ إنّه مسافر إلى محلّ الإقامة ومنه إلى وطنه ، والمفروضُ أنّ كلّاً منهما لا يبلغ المسافة» (2.)هذا، وقد عرفت أنّا لا ندّعي أنّ السفر يعتبر فيه قصد الوجه والعنوان ، بل خروجه إذا لم يكن ارتحالاً من محلّه ومقرّه ليس إنشاءاً لسفرٍ جديد ، وليس إيابه أيضاً إنشاءُ لسفر جديد، بل إنشاءُ السفر إنّما هو من محلّ إقامته إلى وطنه ، فإنّه عين الارتحال من محّل الإقامة ، فإذا لم يبلغ المسافة بين محلّ الإقامة والوطن ثمانية فراسخ لا يقصِّر .
رابعها : إنّ الارتحال تارة حقيقّي كما إذا خرج مُعرِضاً عن مقرّه ومستقرّه، وأخرى حكميٌّ كما إذا خرج من دون إعراض عنه لكنّه عاد إليه من طريق أبعد يبلغ المسافة فإنّه قهراً تنقطع الإقامة على ما هو المشهور بين الأصحاب من كون السفر الشرعى قاطعاً للإقامة ، وهو أيضاً مقتضى الاعتبار ؛ لأنّ السفّر ضدُّ الحضور ، كما أنّ الارتحال ضدُّ الإقامةِ ، ومع تخلّل السفر المضادّ للحضور المتحقِّقِ بنيّة الإقامة لا يعقل بقاء الحضور، والمفروضُ عدمُ حضورِ آخر بنيّة الإقامة الجديدة . ولا يقاسُ بالسفر من الوطن والعود إليه ، فإنّ العود إلى الوطن حضورٌ آخر لا بقاءُ الحضورِ الأوّلِ، إلّا أن يقوم دليل على أنّ ناوي الإقامة في محلِّ كلّما حضر فيه كان حكمه الإتمام ، كما ربّما يستفاد من خير المنزلة حيث قال (عليه السلام : «مّن قدم مكّة قبل يوم التروية بعشرة أيّام وجب عليه إتمام الصلاة وهو بمنزلة أهل مكّة ،فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير ، فإذا زار البيت أتمّ الصلاة ، وعليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتّى ينفر»(1)، فإنّ ظاهره أنّ تخلّلَ السفر الموجِبِ للقصر لا يقطع الإقامة ، وإلّا فلا موجبَ غيرُ الإقامة السابقة للإتمام ، فيُعلم منه أنّ كلّ حضور في محلّ الإقامة موجب للإتمام كالحضور في الوطن ، فهو تنزيل للمقيم منزلة أهل البلد بقول مطلق في جميع الآثار ، إلّا أنّ هذه الفقرةَ من الرواية غيرُ معمول بها ، ولذا أوّلوها بتأويلاتٍ تقرب من سبعة أوجه كما ذكرها بعض الأساطّين قدّس سرّه في رسالته المعمولة في الرجوع ليومه .)خامسها : هل الملاك في الارتحال الموجب للقصر بشرائطه، هو عنوانه المساوق للإعراض المتقوّم بالعزم على عدم العود إليه بما هو مقرّه وإن عاد إليه من
1) الوسائل 5: 499 / الباب 3 من أبواب صلاة المسافر - ح 3.
حيث إنّه ممّره - فلا أثر لتردّده في العود أو ذهوله عنه ؟ أو الملاك عدم البناء على الإقامة الّذي هو نقيض ما يتقوّم به الموجب للتمام وهو البناء على كونه مقرّاً له ؟ فذاك المعنى الذي كان حدوثاً موجباً للإتمام يكون بقاؤه موجباً لبقائه.و بعبارة أخرى : هل ملاك القصر ضِدّ نيّة الإقامة أو نقيضها ؟ فعلى الأوّل لا يضرّ التردّد، وعلى الثاني يضرّه ؛ إذ لا بناء مع التردّد والذهول ، ولا ريب في أنّ ملاك القصر إنشاء سفر جديد ، لأنّ المفروض إمّا مضيّ العشرة أو فعل صلاة تامّة ، فلا معنى للعدول عن النيّة أو لا أثر له ، فلا يقاس بقاء موجب الإتمام بحدوثه، ومن البيّن أنّه مع التردّد في العود وعدمه لا جزم بإنشاء سفر جديد ، وهو أيضاً ظاهر صحيحة أبي ولّاد حيث جُعِلت فيها غاية وجوب الإتمام الخروجُ الظاهر في الارتحال ورفع اليد عن المقرّ والمستقرّ ، ولا يكون ذلك إلّا مع إنشاء سفر جديد.والتحقيق : إنّ العود إلى محلّ الإقامة بما هو عَودُ لا أثر له فلا أثر للتردّد فيه ، بل الأثر للعود إلى محلّ الإقامة بما هو مقرّه ومستقرّه، في قبالِ العَودِ إليه بما هو ممّره وَأَحَدُ منازله إلى بلده . والعودُ بهذا العنوان متقوِّم بالعزم على كون المحلّ مقراً له بقاءٌ كما كان حدوثاً، والعودُ المتقوِّم بالعزم المزبور غير قابل للتردّد ، فما هو قابل للتردّد لا أثر له وما له أثر غير قابل للتردّد . وأمّا العَودُ بما هو ممرّ له فهو ليس شرطاً للقصر ، بل إذا عاد لا بعنوان أنّه عَودُ إلى مقرّه كان قاصداً لثمانية فراسخ من مقصده إلى بلده من دون ما يوجب انقطاع مسافة المقصد إلى محل الإقامة عن المسافة منه إلى بلده سواءاً مرّ إلى محلّ إقامته أم لا. وعليه فالمتردّد حيث لا عزم له على العود إلى محلّ الإقامة بما هو مقرّه ومستقرّه فهو قاصدٌ للمسافة الشرعيّة من حين إيابه
إلى بلده ، فيجب عليه القصر . وأمّا الصحيحة الحاكمة بوجوب الإتمام بعد صلاة تامةٍ سواءاً عدل أم لم يعدل فهي متكفّلة لحكم المكلّف قبل خروجه وإنشاء السفر، وأمّا أنّ إنشاء السفر بماذا ؟ فهو أجنبيّ عن مدلول الصحيحة ، فتدبّر جيّداً.إذا عرفت ما رسمناه من الأمور تعرف حكم المسألة بجميع شؤونها، وأنّ المقيم يجب عليه الإتمام في ذهابه على أيّ تقدير لعدم ضمّ الذهاب إلى الإياب، وأنّه يتمّ في مقصده لكونه تابعاً له ، وأنّه يجب عليه الإتمام في إيابه إلى محلّ إقامته إذا كان عازماً على العود إليه بما هو مقرّه ، وكذا في محلّ الإقامة لعدم الارتحال الحقيقي والحكمي، وأنّه يتعيّن عليه القصر في إيابه إلى بلده إذا كان بالغاً للمسافة ، وإلّا لكان حكمه الإتمام ، كما أنّه إذا خرج عن محلّ الإقامة مرتحلاً عنه أو رجع عن المقصد من طريق أبعد بحيث يبلغ المسافة فحكمه في الصورتين القصر من حين الأخذ في الإياب ، وهذا ما تقتضيه القواعد المسلّمة أو الموافقة للتحقيق . ولا عبرة بدعوى الإجماع وغيره في المقام ، كما يتّضح حاله بالتدبّر في كلمات الأعلام.فروع[الفرع الأول ]: إذا وجب على المسافر صومُ يومٍ معين باستئجار أو نذر ، هل تجب الإقامة عليه ليؤدّيّ الواجب أم لا ؟أمّا الإجارة فحيث إنّها لا تتعلّق بعملٍ في يوم معيّن على تقديرِ الحضور - لأنّ العمل على تقديرٍ لا يملك إلّا على تقدير - والتعليقُ في عقود المعاملات باطلٌ، فلا محالة يكون العمل في هذا اليوم مملوكاً لا على تقدير ، فيجبُ الوفاء بعقد الإجارة، فتجبُ الإقامة تحصيلاً للوفاء وأَداءً لما يملكه المستأجِر عليه . وأمّا النذر فله صور : الأولى : أن يكون المنذور صومُ هذا اليوم سفراً أو
حضراً، حيثُ يصحّ النذر مع الإطلاق، فلا تجبُ إقامة لإمكان تأدية الواجب بالصّوم في السفر .الثانية : أن ينذر صوم يوم معيّنٍ على الوجه المشروع في ذاته ، فيتبدّل استحبابه المشروط بالحضور بالوجوب ، فيجب عليه صوم ذلك اليوم على تقدير الحضور، ولا يجب تحصيل شرط الوجوب لاستحالته .الثالثة : أن ينذر صوم ذلك اليوم عن حضور ، فالمنذورُ أمرٌ خاصُّ متقيّدُ بالحضور ، فيجب تحصيل القيد وهو الحضور بنيّة ،الإقامة ، فتدبّر.[الفرع الثاني]: من كان عليه الظهران وهو مسافر ولم يبق من الوقت إلّا مقدار أربع ركعات ، فهل له الإقامة حتّى يتمحّض الوقت للعصر ويقضي الظهر بعد الوقت أم لا ؟ ولا شبهة في أنّ الحضورَ شرطُ لوجوب الإتمام ، والسفرّ لوجوب القصر، وتبديلُ الموضوع في حدّ ذاته جائز ، إلّا أنّ تحصيل شرط الوجوب غيرُ واجبٌ ، لكنَّ تفويتَ شرط التكليف بعد حصوله إذا كان مفوِّتاً للتكليف غيرُ جائز ، فمن كان حاضراً وعليه الظهران ولم يبق من الوقت إلّا مقدار أربع ركعات لا يجب عليه المسافرة تحصيلاً لشرط الوجوب ، بخلاف ما لو كان مسافراً في الفرض فإنّ شرط وجوب الصلاتين قصراً محقّق، وتبديله يوجب تفويت الظهر المستقرّ وجوبها التي لا بدللها بتفويت شرطه .إلّا أن يقال: إذا كان الشرط شرطاً حدوثاً وبقاءً، ولأجله يجوز له تبديل الموضوع ، لا لدليل آخر حتّى يستظهر منه ما إذا لم يستلزم تفويت التكليف ، فلا مانع من تفويت شرط القصر وتبديله بشرط الإتمام لفرض إناطة بقاء وجوب القصر ببقاء السفر ، ولا يعقل اقتضاء وجوب القصر إبقاء شرطه . ونظيره ما إذا كان المسافر عند رجوعه إلى وطنه قريباً من حدّ الترخّص
وعليه الظهران ولم يبق من الوقت إلّا مقدار أربع ركعات، فإنّه لا يجوز له التجاوز المفوّت للظهر على القول بحرمة التفويت .ويمكن أن يقال : إنّ الحضور والسفر شرطً لوجوب الإتمام والقصر ، وليس شيء منها شرطاً لأصل التكليف بالصلاة، والتبديل جائز حيث يتبدّل الإتمام بالقصر أو القصر بالإتمام ، لا حيث يفوت أصل التكليف بالظهر مثلاً ، ولذا يحرم عليه السفر إذا كان مفوّتاً لأصل الصلاة رأساً ، وكذا الحضور والإقامة إذا فرض تفويت أصل التكليف بهما، وهذا هو الأقوى.[الفرع الثالث]: إذا عدل وشكّ في أنّه هل صلّى قبله حتّى لا يؤثّر ، أو لم يصلّ حتّى يؤثر ؟ مقتضى ما قدّمنا - من أنّ نيّة الإقامة شرطً حدوثاً وبقاءً، وأنّ فعلَ صلاة تامّة موجِبَ لبقاء الحضور عند زوال نيّة الإقامة ، - هو البناء على عدم فعل الصلاة ، فلا موجب لبقاء الحضور ؛ لارتفاع النيّة جزماً وعدِم ما يوجب بقاءه شرعاً تعبّداً بالأصل، وكذا إذا قلنا بأنّ النيّة شرطُ حدوثاً لبقاء التكليف بالإتمام وأنّ العدول رافع لأثرها ما لم يمنع عنه مانع وهو فعل صلاة تامّة ، فإنّه مع عدم المانع عن تأثيره شرعاً بالأصل يؤثّر العدول أثره .[الفرع الرابع ]: إذا أيقن بالعدول وبفعل صلاة تامّة، وشكّ في المتقدّم منهما . فهل يرجع إلى القصر أو يبقى على التمام ؟ واستصحابُ عدم العدول إلى ما بعد فعل الصلاة، واستصحاب عدم فعل الصلاة إلى ما بعد العدول متعارضان ، بل كلُّ منهما في حدّ ذاته من الأصل المثبت، فإنّ موضوع الحكم بالإتمام بقاء فعل صلاة تامّة مقترنة بنيّة الإقامة ، وعدم العدول إلى ما بعد الصلاة لا يثبت اقترانها بالنيّة لا وجداناً ولا تعبداً، ولا يقاس بما إذا شكّ في العدول فبنى على عدم العدول وصلّى ّ
فإنّ اقتران الصلاة بالنيّة الباقيّة تعبُّداً وجدانيُّ، ، بخلاف ما نحن فيه ، وموضوعُ الحكم بالقصر هو العدولُ قبل صلاة تامّة، واستصحابُ عدم الصلاة إلى ما بعد العدول لا يثبت كون العدول قبل فعل صلاة تامّة ، فكونُ العدول قبل الصلاة لا وجدانيّ ولا تعبّديّ.ويندفع الثاني بأنّ مضمون الصحيحة أنّه : «إذا لم تصلّ صلاة فريضة واحدة بتمام حتّى بدا لك أن لا تقيم»،(1ومن البيّن أنَّ استصحابَ عدمِ الصلاة إلى حالِ البداء كافٍ في تحقّق هذا الموضوع .)كما يمكن دفع الأوّل بأنّه لا يستفاد من الصحيحة تقيّد فعل الفريضة بنيّة الإقامة ، بل مجرّدُ معيّتهما في الزمان كافٍ، وعدمُ العدول تعبُّداً وفعلُ الصلاة في ذلك الزمان المتعبّد فيه ببقاء النيّة كافٍ في تحقّق الموضوع ، فلا إشكال إلاّ من حيث معارضة الأصلين.وأمّا استصحاب بقاء الحضور أو استصحاب وجوب الإتمام ، فيمكن دفعه بأنّ بقاء الحضور كبقاء وجوب الإتمام مشروطٌ شرعاً بفعل صلاة تامّة قبل العدول أو مع نيّة الإقامة، وهذا المعنى متيَّقنُ العدمِ بعد نيّة الإقامة، ومع التعبّد بعدم الشرط لا معنى لاستصحاب المشروط وإن لم يعلم به حال هذه الصلاة المأتيّ بها من حيث الاقتران بالنيّة أو بالعدول . ولا يُعارَضُ بأصالة عدم العدول قبل الصلاة، فإنّ موضوع الحكم بالقصر كما عرفتَ عدمُ فعل الصلاة إلى أن يتحقّق العدول ، وهو مطابق للأصل، فتدبّر جيّداً.وممّا ذكرنا تبيّن أنّ الأقوى هو الحكم بالقصر، وأمّا حكم نفس الصلاة
1) وهي صحيحة أبي ولاد . انظرها في الوسائل 5: 532 / الباب 18 من أبواب صلاة المسافر - ح 1.
المأتيّ بها من حيث الصحّة والفساد فلا مانع من إجراء قاعدة الفراغِ الحاكمةِ على الأصل المتقضي لعدمِ حصول شرطِ التمام .[الفرع الخامس]: إذا صلّى ثمّ عدل فشكّ في صحّة صلاته وبطلانها ولو من جهة الشكّ في الركعات، فقاعدة الفراغ تقضي بصحّة صلاته ، والعدول بعد الصلاة الصحيحة شرعاً مشمول للصحيحة ، إذ من الواضح أنّ قوله [عليه السلام ]: «إذا صلّيت صلاة فريضة واحدة بتمام»(1أَعمُّ ممّا كانت صحيحة وجداناً أو تعبّداً، إِذ قلمّا يتّفق عدم الحاجة إلى إجراءِ أصلِ أو أصول في الحكم بصحّة الصلاة ، فالعدولُ بعد الصلاةِ الصحيحةِ وجدانيُّ لا بقاعدة الفراغ تعبّداً حتّى يَبني على أماريّتها ، بل أماريّتها أجنبية عن العدولِ الأجنبيِّ عن الصلاة ، فإنّ ارتكاز الإرادات المنبعثة عن الإرادة التفصيّلية في أوّل العمل لا يقتضي إلّا إتيان الأجزاء والشرائط في مواقعها دون العدول بعد الصلاة الأجنبيّ عن كونه جزءً أو شرطاً لها . نعم، في شمولِ الصحيحةِ لما إذا حَكَمَ الشارع بوجود الصلاة كما في الشكّ بعد الوقت ، فضلاً عن اقتضاءِ قاعدة الشكّ بعد الوقت لوقوع العدول بعد الصلاة - إشكالً ، إذ ظاهر الصحيحة فعل الصلاة خارجاً لا بناءً من الشارع على وجودها ، وقد عرفت أن أماريّة هذه القاعدة - الفراغ - أجنبيةً عن مثل العدول .)[الفرع السادس ]: إذا شكّ بين الأقلّ والأكثر وبنى على الأكثر وسلّم ، فعدل قبل صلاة الاحتياط ، أو نسي جزءاً يجب تداركه بعد الصلاة فعدل قبل التدارك ، فهل يؤثر عدوله أو لا ؟ الظاهر ابتناؤه على أنّ صلاة الاحتياط أو الجزء المنسيّ واجبً مستقلًّ - يُتدارك به الصلاة التي فرغ عنها بالتسليم، ولا يضرّ فعل المنافي
1) وهي صحيحة أبي ولاد.
على هذا المبنى ، فالعدولُ بعد الفراغ عن الصلاة - أو حقيقةً متمِّمة للصلاة على تقدير الحاجة إليه ، فالعدولُ في الأثناء، والمبنى الأوّل وإن كان مختار المحققّين إلّا أنّ المسألة غير صافية عن الإشكال، فيجب رعاية الاحتياط في المقام بالجمع بين القصر والإتمام .[ القاطع الثالث: مضي الثلاثين متردّداً ] : الثالث : من القواطع للسفر على المعروف مضيّ ثلاثين يوماً متردّداً، والكلام فيه في موارد .أحدها: يعتبر وحدة المحلّ في مضيّ ثلاثين يوماً متردّداً، لأنّ الظاهر أنّ مورد الإقامة عشرة أيّام هو مورد التردّد ثلاثين يوماً، وقد مرّ اعتبار وحدة المحلّ في الأولى. وأمّا الخروج إلى ما دون المسافة في أثناء الثلاثين فحاله حال نيّة الخروج في نية الإقامة ، لابدّ من أن يكون بمقدار لا ينا في بقاءَه متردّداً ثلاثين يوماً محلّ بحيث لا ينقص عن ثلاثين يوماً عرفاً ، لقلّة زمان الخروج كما مرّ في نيّة الإقامة ، كما أنّ تتميم الناقص بما يزيد على الثلاثين كنيّة التتميم في نيّة الإقامة ؛ لاعتبار الاتّصال والتوالي في قبال التفرّق في كلا الموردين، فلا يجدي تتميم الناقص ، ولا يعقل إجراء ما ذكرنا في أثناء الإقامة عن الخروج إلى ما دونالمسافة ، فإنّ نيّة الإقامة قاطعة للسفر ، فيتصوّر كون خروجه تارة بإنشاء سفر جديد والارتحال ، وأخرى بعنوان العود إلى محلّ الإقامة ، فإنّ المتردّد في أثناء الثلاثين مسافرً حقيقةً ، ومع عدم تخلّل العدم لا يعقل إنشاء سفر جديد ، كما إنّه حيث لا إقامة ولا ما بحكمها فلا يعقل الارتحال ، فلا يعقل الخروج لا بعنوان إنشاء سفر جديد، ولا بعنوان الارتحال ، فإنّ عدمها بنحو العدم بالنسبة إلى الملكة ، لا السلب المقابل للايجاب .
ثانيها : ظاهر جملة من الروايات اعتبار مضي شهر متردّداً، وظاهر بعضها اعتبار مضي ثلاثين يوماً . ومن الواضح أنّ الشهر هو ما بين الهلالين ، ولا جامع بينه وبين ثلاثين يوماً بالنسبة إلى ما بين الهلالين . وأمّا بالنسبة إلى العدد فلا جامع بين مراتب العدد، فلا جامع بين ثلاثين وتسعة وعشرين . فلا مناص من كون الشهر حقيقةً في خصوص ما بين الهلالين ، مجازاً في خصوص الثلاثين ، أو مشتركاً لفظيّاً بينهما، ومن الواضح أنّ رواية الثلاثين صالحة لأنّ تكون قرينة على التجوّز، أو على التعيين، خصوصاً بملاحظة قوله (عليه السلام : «فليعدَّ ثلاثين يوماً ».(1)فإنّه لا عدَّ إلّا فى العدد ، ولا عدَّ فيما بين الهلالين بما هو بين الطلوعين - فلا يمكن دعوى إرادة الشهر منه بلحاظ أنّ الغالب كونه ثلاثين ، مع أنّه لا غلبة ، وعلى فرضه فلا غلبة في مرحلة الاستعمال - مضافاً إلى دعوى الاتّفاق على أنّ الشهر في مقام التلفيق والكسر يعتبر ثلاثين يوماً ، وأنّ محلّ الخلاف ما إذا كان مبدأ تردّده أوّل الشهر ، ولا يمكن تنزيل إطلاقات الشهر على هذا الفرد النادر ، كما لا يمكن التحفظّ على إرادة ما بين الهلالين مطلقاً ، فتدبّر .)ثالثها : ظاهر الكلمات جريان تمام ما ذكر في الإقامة في مسألة الخروج إلى ما دون المسافة فيا بعد مضي ثلاثين يوما وانقطاع السفر به ، فمع إنشاء السفر الجديد يقصّر بشرائطه، مع عدمه والعزم على العود في محلّ تردّده لا يقصّر على التفصيل المتقدّم، إلّا أنّ الكلام في قاطعيّة مضيّ الثلاثين للسفر موضوعاً ، لِما مرّ في أخبار الإقامة أنّ مجرّد الأمر بالإتمام المشترك هناك وهنا لا يدلّ إلّا على ارتفاع القصر وهو حكم السفر ، وأنّ قاطعيّة موضوع السفر تحتاج إلى تنزيلِ مضيِّ الثلاثين
1) الوسائل 5: 527/ الباب 15 من أبواب صلاة المسافر - ح 12.
منزلة التوطّن والأهليّة في البلد ، كما دلّ عليه خبر «من قدم مكّة» الخ على تنزيل المقيم منزلة أهل مكّة ، ولا دليل على التنزيل هنا إلّا صحيحة صفوان «قال : سألت أبا الحسن (عليه السلام عن أهل مكّة إذا زاروا البيت ، عليهم إتمام الصلاة ؟ قال عليه السلام : نعم والمقيم إلى شهر بمنزلتهم (1))ويرد على الاستدلال بها أنّ المراد بالمقيم إن كان المقيم عن نيّة فهو أجنبي عن المقام ، مع أنّه لا موجب للتحديد بالشهر بعد كفاية العشرة ، وإن كان المقيم إلى شهر متردّداً فإن أريد الإقامة شهراً قبل الخروج إلى عرفات فهو سفر قاطع للإقامة ، فكيف يرتّب عليها إتمام الصلاة عند زيارة البيت؟ وإن أريد الإقامة شهراً بعد العود من عرفات فلا أثر لإقامته متردّداً إلّا بعد مضيّ ثلاثين ، فكيف يمكن الإتمام في زيارة البيت مع أنّه لا يجوز تأخير الزيارة عن شهر ذي الحجّة في جميع أقسام الحج.فهذا التنزيل بلحاظ هذا الحكم المذكور الذى هو المتيقّن من آثار التنزيل لا يمكن القول به والمصير إليه ، فلا بّد من تأويل الرواية أو ردّ علمها إلى أهله سلام اللّه عليهم . وأمّا استفادة القاطعيّة من اقتران مضيّ الثلاثين بالإقامة في الأخبار لوحدة السياق فإنّما تصحّ إذا استفيدت قاطعيّة الإقامة من نفس الأمر بالإتمام لا من دليل خارج مختصّ بها. نعم، الظاهر عدم الخلاف في قاطعيّة التردّد المزبور، واللّه العالم].(2
1) الوسائل 5 : 527 / الباب 15 من أبواب صلاة المسافر - ح 11
2) إلى هنا ينتهي ما أخذناه من صلاة المسافر للشيخ محمد حسين الإصفهاني ، والموجود من قواطع السفر في نسخة صلاة المسافر للسيد علي البهشتي هو: «إلى الورود في أثناء الشهر إذ قلّ من يكون وروده في أوّله ، فالشهر الوارد في الروايات محمول على هذا الغالب الذي يكون في الأثناء، وقد عرفت دعوى الإجماع على أنّ الوارد في الأثناء يعدّ ثلاثين يوماً وإن نقص الشهر فيبقى مورد الخلاف وهو الورود في أوّل الشهر مع نقصانه على مقتضى عمومات السفر واستصحاب القصر للشكّ في حكمه .)وفيه وجوهً من الضعف :الأوّل : منع الغلبة .الثاني : لو سُلّمت منع كون مثلها موجباً لانصراف اللفظ لأنّها غلبة وجوديّة وموجب الانصراف هوالغلبة الاستعماليّة.الثالث : أنّ الغلبة والندرة إنّما لوحظتا بين الورود في أوّل الشهر وبين مجموع الورود في الأثناء وهو خلاف التحقيق ، إذ النسبة بين أصناف كلّ نوع دائماً تلاحظ بين صنف وصنف واحد آخر لا بينه وبين مجموع الأصناف الأُخر ، مثلاً لو أردنا النسبة بين أصناف الإنسان لأن نقول : هذا الصنف أقلّ أصناف الإنسان إذا كان زنجيّاً وروميّاً وأبيضاً وأحمراً وأسمراً وكان الزنجيّ أقلّ من سائر الأصناف ، فلا محالة يلاحظ الزنجيّ مع كلّ من هذه الأصناف، ويلاحظ أفراده مع أفراد كلّ واحد منها ، فإن كانت أفراده سبعة مثلاً وأفراد كلّ منها إمّا ثمانية أو تسعة أو عشرة صحّ أن يقال : الزنجيّ أقلّ من ساير أصناف الإنسان ، أمّا لو كانت أفراد كلّ صنف متساوية إلاّ أنّ هذا الصنف بالنسبة إلى مجموع الأصناف الأخر أقلّ أفراداً فلا يصحّ أخذ النسبة بأن يقال : هذا الصنف أقلّ أصناف الإنسان .وكذلك فيما نحن فيه أنّ الورود في أوّل الشهر وإن كان نادراً بالنسبة إلى الورود في مجموع الأثناء ، إلّا أنّه بالنسبة إلى الأوّل فقط أو الثاني فقط ، وهكذا إلى آخر الشهر ، وكذلك كلّ من هذه الأقسام الأثنائيّة بالنسبة إلى أنفسها لم يعلم أنّ أيّها أغلب من الآخر وإلاّ لصحّ أن يقال : زيد نادر بالنسبة إلى أفراد الإنسان ، والحاصل أنّ الورود في الأوّل ليس إلّا كالورود في الثاني وغيره . الرابع : أنّه لو تمّ هذا الدليل بأنّ الغلبة لو ثبتت لا نقدح الدليل الأوّل إذ يكشف أنّ ذكر الثلاثين في حسنة محمّد بن مسلم إنّما كان من باب الغلبة ، كما أشرنا إليه ، فلا يصحّ قرينة للتقييد أو تعيين أحد المشتركين أو المجاز .الوجه الثالث : أنّه ليس يتصوّر قدر مشترك بين ما بين الهلالين وبين الثلاثين حتّى يكون اللفظ مشتركاً معنويّاً فيصحّ إرادتهما معاً من الشهر، ويتّم قول المحقّق الأردبيليّ بل يتردّد بين القسمين الآخرين. وقد عرفت أنّ المعنيين متباينان لا يصح إرادتهما في إطلاق واحد بلا جامع بينهما ، فإن كان من باب الحقيقة والمجاز - كما هو الظاهر إذ المتفاهم عرفاً ولغة من الشهر هو ما بين الهلالين - ففي الثلاثين مجاز ، بعلاقة أنّ غالب شهور السنة القمرية ثلاثون يوماً أو من باب الاشتراك اللفظي ، فلا ،،فلا محالة يكون أحد المعنيين مراداً، ومقتضى القاعدة أن يكون هو الثلاثين لما عرفت من الإجماع على أن في الأثناء يحسب ثلاثين فكذلك في الأول لعدم التفكيك .وفيه : منع حجيّة عدم التفكيك أولاً، ومنع عدم التفكيك ثانياً لوقوعه كما عرفت من المحقق الأردبيلي ، وكيف كان فالصحيح في المقام هو الثلاثون مطلقاً ويكفينا لذلك حسنة محمد قرينة لتعيين ما فرض مشتركاً لفظياً أو حقيقة ومجازاً ، وقد تمّ الكلام هنا في القواطع ».
#### الشرط الرابع :أن يكون السفر سائغاً أي جائزاً واجباً كان أو مندوباً أو مباحاً، ولو كان معصية فلا قصر ؛ هكذا ذكروا ، ولابدّ أوّلاً من ذكر الأخبار الواردة في المقام : منها : صحيحة عمّار بن مروان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام ، قال : سمعته يقول : من سافر قصّر وأفطر ، إلاّ أن يكون رجلاً سفره إلى صيد أو في معصیة اللّه أو رسولاً لمن يعصي اللّه عزّ وجلّ أو في طلب عدوّ أو شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين. (1))ومنها : موثّق عبيد بن زرارة ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام عن)
1) الفقيه 2 : 92 ح 409 ، الوسائل 8: 476 أبواب صلاة المسافر ب 8ح 3.
الرجل يخرج إلى الصيد يقصّر أم يتمّ ؟ قال : يتمّ لأنّه ليس بمسير حقّ .(1)ومنها خبر أبي سعيد الخراسانيّ - يضعف بأحمد بن هلال - قال : دخل رجلان على أبي الحسن الرضا (عليه السلام بخراسان فسألاه عن التقصير ؟ فقال لأحدهما : وجب عليك التقصير لأنّك قصدتني ، وقال للآخر : وجب عليك التمام لأنّك قصدت السلطان . (2))ومنها موثّق ابن بكير، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام [ عن الرجل ] يتصيّد اليوم واليومين والثلاثة أيقصر الصلاة ؟ قال : لا إلّا أن يشيّع الرجل أخاه في الدين، فإنّ التصيّد مسير باطل [لا تقصّر الصلاة فيه ]. وقال : يقصر إذا شيّع أخاه (3).)ومنها : مرسل ابن أبي عمير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام : لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلّا في سبيل حقّ . (4).)ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر( عليه السلام ، قال : سألته عمّن يخرج عن أهله بالصقورة والكلاب والبزاة يتنزّه الليلة والليلتين والثلاثة هل يقصّر في صلاته أم لا يقصر ؟ قال : إنما خرج في لهو، لا يقصّر . قلت : الرجل يشيّع أخاه)
1) التهذيب 3 : 217 ح 537 ، الاستبصار 1 : 236 ح 841 ، الوسائل 8: 479 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 4 .
2) التهذيب 4 : 220 ح 642 ، الاستبصار 1: 236 ح 841 ، الوسائل 8: 479 أبواب صلاة المسافر ب7 ح 6.
3) لكافي 3 : 437 4 ، الوسائل 8: 480 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 7
4) الكافي 4 : 128 ح 2 ، الوسائل 8: 476 أبواب صلاة المسافر ب 8ح 1.
اليوم واليومين في شهر رمضان ؟ قال : يفطر ويقصّر لأنّ ذلك حق عليه (1.)ومنها : موثّق سماعة المضمر ، قال : سألته عن المسافر، إلى أن قال: ومن سافر قصّر[ الصلاة ] وأفطر إلاّ أن يكون رجلاً مشيّعاً لسلطان جائر أو خرج إلى صيد أو إلى قرية له تكون مسيرة يوم يبيت إلى أهله لا يقصّر ولا يفطر. (2)ومنها : خبر إسماعيل بن أبي زياد ، عن جعفر( عليه السلام ، عن أبيه (عليه السلام) ، قال : سبعة لا يقصّرون [ الصلاة ] - إلى أن قال - : والرجل يطلب الصيد يريد لهو الدنيا ، والمحارب الذي يقطع السبيل . (3))ومنها : مرسل عمران ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام ، قال : قلت له : الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة يقصّر أو يتّم ؟ قال : إن خرج لقوته وقوت عياله فليفطر وليقصّر ، وإن خرج لطلب الفضول فلا ، ولا كرامة . (4))ومنها : خبر حمّاد بن عثمان - يضعف بمعلّى بن محمّد - عن أبي عبد اللّه (عليه السلام - في قول اللّه عزّ وجلّ : (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ) (5)- قال : الباغي باغي الصيد، والعادي السارق ليس لهما أن يأكلا الميتة إذا اضطرًا إليها ، هي حرام عليهما
1) التهذيب 3: 218 ح 540 ، الاستبصار 1: 236 ح 842، الوسائل 8: 478 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 1 وص 483 ب 10 ح 4 .
2) التهذيب 3: 207 ح 492 ، الاستبصار 1: 222 ح 786 ، الوسائل 8: 477 أبواب صلاة المسافر ب8 ح 4 .
3) التهذيب : 214 ح 524 ، الفقيه 1 : 282 ح 1282 ، الوسائل 8: 477 أبواب صلاة المسافر ب 8 ح 5 و 486 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 9.
4) التهذيب 3 : 217 ح 538 ، الاستبصار 1 : 236 ح 845 ، الوسائل :8: 480 أبواب صلاة المسافر ب 9 ح5 .
5) البقرة : 173 .
ليس هي عليهما كما هي على المسلمين ، وليس لهما أن يقصّر الصلاة . (1)
ولا بدّ من بيان مقدّمتين :
الأُولى : إنّ الظاهركون السفر بمعنى البُعد عن الوطن مقابل الحضر، وأمّا الحركة الأبنيّة الذاتيّة أو التبعيّة فهي من مقدّماته لا أنّها عينه.
الثانية : إنّ السفر تارة يكون بنفسه حراماً ، كانت حرمته من قبل العناوين المنطبقة عليه -كأن نذر أن لا يسافر أو عاهد أو حلف أو نهى عنه الوالد أو من يجب متابعته - أو لكونه ضدّاً لواجب أهم ، وقلنا بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه.
وأخرى يكون مقدّمة لحرام، وهو على أنحاء أربعة حسب كونه جزءاً أخيراً من العلّة التامّة له أو غيره ، قصد به التوصّل إلى الحرام أو لا . وفي قسمي الجزء الأخير يكون السفر بنفسه حراماً أيضاً، لترشّح الحرمة منه إليه كما قرّر في محلّه . (2)وفي واحد من قسمى غيره فلا إشكال في عدم حرمته ، وهو الذي لم يقصد به التوصل إلى الحرام ، وفي الآخر خلاف، والأظهر العدم، لأنّ قصد التوصّل به إلى الحرام حرام من باب التجرّي ، فلا يكون الفعل الخارجيّ مبغوضاً.
وثالثة : يكون معلولاً من حرام ، كما لو ركب دابّة مغصوبة - نفسها أو سرجها أو نعلها - أو سار في طريق مغصوب راكباً أو راجلاً ، فإنّ البُعد عن الوطن معلول من الحركة اليقينيّة المحرّمة، ومن المعلوم أنّ المعلول لا يصير حراماً من قبل حرمة علّته .
ورابعة : يكون ملازماً مع الحرام ، كما إذا لبس لباساً مغصوباً ، أو حمل شيئاً مغصوباً، فإنّ نقل المغصوب من مكان إلى آخر حرام، وهو مع البُعد عن الوطن معلولان عن الحركة الأينيّة .
وخامسةً : يكون مقارناً لحرام ،كما إذا اتّفق ابتلاؤه بغيبة أو بهتان أو غيرهما من المحرّمات في أثناء سفره .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لا إشكال في عدم خروج الأخير،(1)بل ولا الرابع (2)بل ولا الثالث (3)عن أدلّة القصر ، وأمّا حكم الجواهر في الثالث والرابع بالتمام ، (4)فالظاهر أنّه من جهة اعتقاده بأنّ السفر نفس الحركة ، وإن كان ذلك لا يصحّ في الرابع .
وعلى أيّ تقدير فهو ضعيف جدّاً ، وأضعف منه الفرق بين ركوب الدابّة المغصوبة فلا تمام ، وبين كون الطريق مغصوبة فالتمام، فإنّه يصير نفس السفر حينئذٍ حراماً كما في المصباح . (5)، وأمّا الأوّل ،(6)فإن كانت الحرمة من جهة الضدّيّة فقال في الجواهر بالتمام (7)
لا لإطلاق الأخبار - لانصرافها عنه، أو لعدم صدق السفر في معصية اللّه عليه أصلاً - بل لدخوله في معاقد الإجماعات.
وقال في المصباح بالقصر لانصراف الأخبار وعدم الوثوق بالتزام المجمعين على التمام في الفرض على تقدير الاقتضاء في مسألة الضدّ. (1)ولكنّ الأقوى كون حكمه كحكم ما كان محرّماً من قبل غير الضدّية، وليس الأخبار منصرفة عنه على فرض شمولها للمحرم بنفسه . ثمّ لو قلنا بذلك في مسألة الضدّ فاللازم القول به فيما لوكانت الحرمة جزء أخيراً من العلّة التامّة للحرام لوحدة الملاك .
وأمّا إذا كانت الحرمة ناشئة من قبل نفسه لا من جهة الضديّة ،فقد استدلّ لإثبات التمام فيه بوجوه :
الأول : قوله (عليه السلام) في صحيح عمّار : «أو في معصية اللّه» ، وقرّبه بوجهين :
الأوّل : إنّه مطلق يشمل ما كان محرّماً في نفسه ، ولما قصد به التوصّل إلى الحرام، ودعوى أنّ كلمة «في» بمعنى «إلى» أو بمعنى اللّام أو بمعنى السببّية خلافُ الظاهر .
الثاني: إنّه ظاهر في خصوص القسم الأوّل بقرينة المقابلة ، لما هو مذكور بعده من الأمثلة التي تكون من مصاديق ما قصد به الغاية المحرّمة ، انتهى (2). أمّا الوجه الأوّل : ففيه ما لا يخفى، فإنّ كلمة «فى» نصّ في كون المعصية مباينة مع السفر ، وظاهرة في كونها ظرفاً له ، وحيث إنّ هذا الظاهر مخالف للواقع - فإنّ المعصية لا تكاد تكون ظرفاً حقيقيّاً للسفر- فلا بدّ من حمله على الظرفية المجازيّة ، ولا بدّ من حفظ كونها مباينة مع السفر وجوداً، وحينئذٍ لا يشمل ما كان محرّماً ومعصية في نفسه .
ومنه يظهر ضعف الوجه الثاني، فإنّه بناءً عليه لا بدّ من الالتزام بأنّ المراد من قوله (عليه السلام) : « في معصية اللّه»، ما كان السفر مقصوداً به الحرام، وذكر هذه الأمثلة من باب الأهميّة ، فكأنّها خارجة عن الإطلاقات ، ولذا عطف بكلمة «أو» الدالّة على التغاير .
الثاني: عموم العلّة في قوله (عليه السلام) : «لأنّه ليس بمسير حقّ»، في موثّق عبيد بن زرارة . (1)
الثالث : عموم العلّة في قوله (عليه السلام) : «فإنّ التصيّد مسير باطل»، في موثّق ابن بكير (2)، فإنّ صدق الباطل أو كون الشيء غير مسير الحقّ على المحرّم بنفسه أولى وأوضح من صدقه على السفر للصيد الذي قد يُتَأمّل في حرمته ، انتہی .(3)
ويرد عليهما : أنّ المناط في اتصاف الأفعال بالبطلان وعدم الحقيّة هي الأغراض المترتبّة عليها التي يقصد إيجادها لأجلها لا نفس الأفعال . نعم ، لو كان عنوان محرّم للفعل يقصد من إتيان الفعل تحصيل هذا العنوان المنطبق لا تّصف بالبطلان أيضاً .
الرابع موثّق سماعة المضمر المتقدّم ، وقرّبه في المصباح بأنّ التشييع للسلطان عنوان منطبق على السفر، فيكون نفس السفر حراماً ، وليس وجوداً مبايناً قصد حصوله من السفر .(4)وفيه : ما تقدّم آنفاً أنّه مضمر
الخامس : مرسل ابن أبي عمير المتقدّم : «لا يفطر في شهر رمضان إلّا في سبيل حقّ». (1)وفيه : - مضافاً إلى الإرسال - أنّه يحتمل كون المراد من سبيل الحقّ الحجّ الواجب وامثاله من الواجبات والمندوبات، فلا بدّ من حمله على النهي عن أصل السفر الموجب للإفطار المحمول على الكراهة ، كما قرّر في باب الصوم .
والإنصاف أنّه ليس في هذه الأخبار ما يدلّ على نفي الترخيص في السفر المحرّم بنفسه بالمدلول المطابقيّ. نعم ، يمكن القول بذلك لأجل القطع بعدم الفرق بين ذلك وبين السفر المقصود به الحرام، لاسيّما بضميمة كون الحكم إرفاقيّاً .
وأما الثاني(2)، فإن كان لم يقصد به الحرام ولم يكن جزءاً أخيراً، فالظاهر خروجه عن الأخبار ، وإن كان جزءاً أخيراً فهو داخل في المحرّم بنفسه ، وإن كان مقصوداً به الحرام مطلقاً فيدلّ عليه قوله( عليه السلام): «في معصية اللّه» إطلاقاً على وجه ، وبالخصوص على التحقيق، وعموم العلّة في موثّق ابن بكير وعبيد ، وكذا الأمثلة المذكورة في صحيح عمّار وغيره، بناءً على القطع بعدم الفرق بينها وبين سائر المصاديق .
وربّما يُدعى دلالة عدم القول بالفصل أيضاً، لكن في كونه دليلاً منعاً من وجهين أشرنا إليهما مراراً.
ويمكن القول بأنّ المستفاد من صحيح عمّار أنّ ذكر هذه الأمثلة فيه من باب المثالية لا الخصوصيّة . وبالجملة فلا إشكال في دلالة الأخبار عليه . فتلخّص أنّ رفع الترخّص إنّما يكون في قسمين من السفر (3).
بقي أُمورُ :
[الأمر] الأوّل : إنّه قد اختلف في أنّ إياق العبد وخروج الزوجة بدون إذن الزوج هل هو من المحرّم بنفسه أو من السفر الذي قصد به الحرام ؟ وقد علم أنّه لا فائدة في تعيين ذلك بعد [ أنّ [عرفت ] (1)أنّ كلا القسمين موجبان لرفع الترخّص، وكذا لا ثمرة في النزاع في أنّ السفر المقصود به الحرام ، هل هو حرام أم لا ؟ لأنّه بنفسه موجب لرفعه قلنا بالحرمة أولا.
[الأمر ] الثاني : إنّه لو كان السفر مقصوداً به الحلال فقط أو الحرام فقط فلاإشكال . وإن كان قُصِدَ كلاهما :
فإن كان المحرّم أصليّاً وغيره تبعيّاً فلا إشكال أيضاً، بل وكذا إذا كان كلاهما مستقليّن بمعنى كونه داعياً لو انفرد وإلّا فلا يمكن توارد العلل المتعدّدة على معلول واحد ، والحكم فيه وفي سابقه هو التمام .
وأمّا إذا كانا بالاشتراك أو المحرّم ،تبعيّاً، ففيه وجوه : القصر مطلقاً، والتمام مطلقاً، والتفصيل بين الأول فالتمام وبين الثاني فالقصر ، أقواهما الثاني لإطلاق الأخبار. ولا يقاس ذلك بباب الإخلاص حيث حكمنا بالصحّة مع كون داعي القرية أصليّاً وغيرها تبعيّاً لتحقّق الإخلاص هناك.
[الأمر ] الثالث: إذا قصد بسفره محرّماً ارتكبه في المقصد أولاً، فهل الرجوع عنه إلى بلده موجب للقصر مطلقاً لكونه سفراً غير مقصود به الحرام ، أو التمام لكونه جزءاً من سفره الأوّل الذي قصد به الحرام، وهذا السفر خرج من إطلاق دليل القصر بجميع أجزائه المقداريّة ، أو يفصّل بين التوبة فالقصر وبين عدمها
1) ما بين المعقوفتين من عندنا .
فالتمام -كما في العروة،(1)ولعلّ نظره فيه إلى أنّ الرجوع في الأوّل ملحوظ استقلالاً عند العرف بخلاف الثاني فإنّه جزء من سفره الأوّل - أو يفصّل بين ما كان ملحوظاً استقلالاً - كما لو ارتدع في أثناء الطريق ورجع ، أو تاب ورجع عن المقصد، أو بقي مدّة فيه ولو بلا توبة بعد إنجاح مقصده ، وغير ذلك من الموارد التي يلاحظ فيها الرجوع مستقلاً - وبين غيره ، فالقصر في الأوّل ، والتمام في الثاني - وقد اختاره في المصباح (2)، والنزاع بينه وبين العرف في الصغرى - ؟ وجوه (3)أقربها الأوّل ، لأنه وإن عد جزءاً من سفرهَ الأوّل ، إلاّ أنّ هذا السفرَ فردٌ واحد منه له تركيبٌ مقداريّ ؛ باعتبار بعض أجزائه مشمولٌ لدليل المخصّص، وباعتبار بعضه الآخر مشمول لدليل العامّ ، وكلٌّ يترتّب عليه حكمه . وهذا كما [ لو] (4)تبدّل قصده إلى الطاعة في أثناء الذهاب ، مع أنّ كونه جزءاً من سفره الأوّل أوضح، ولم يلتزم فيه أحد بوجوب التمام ؛ هذا في الرجوع .
وأمّا في البقاء بعد إنجاح مقصده أو عدم إمكانه أو ارتداعه عنه ، فقد فصّل في العروة فيه أيضاً بين التوبة وعدمها . (5)والحقّ هو القصر مطلقاً لأنّه سفر لم يقصد به المعصية .
[الأمر] الرابع : إنّ الإباحة شرط ابتداءً واستدامة، فإن كان سفره مباحاً
وعدل في الأثناء إلى العصيان، فالظاهر ارتفاع الترخّص في مسيره البعديّ : كان ذلك قبل قطع المسافة أو بعده:
أمّا في الأوّل فواضح لإطلاق الأخبار .
ودعوى انصرافها إلى ما كان السفر من الأوّل بقصد المعصية ممنوعةٌ ، لاسيمّا بلحاظ مناسبة الحكم للموضوع كما لا يخفى. وربّما يُستَدّل بالإجماع المدّعى على انقطاع الترخّص ، فإنّ المتيقّن منه ذلك ، وفيه منع الحجيّة كما أشرنا إليه مراراً.
وأمّا الثاني فلإطلاق الأخبار. ودعوى انصراف الأخبار إلى ما كان من الأوّل حراماً - والمتيّقن من الإجماع غيره - قد تقدّم اندفاعها ، ولا إشكال في ذلك ،وإنّما الإشكال فيا قبل التلبّس بالسير وبعد العدول ، وقد اختار في المصباح أنّه لا يتمّ في الثاني، لأنّ السفر بقاء معلول من السير الأوّل الذي حدث بقصد الإباحة فيكون موضوعاً للقصر ، نعم يتمّ في القسم الأوّل لعدم كون السير الأوّل مسافة .(1)وفيه : إنّه وإن كان معلولاً من السير المباح، إلّا أنّه سفر قصد به الحرام، فلا بدّ من كونه موضوعاً للتمام، والأقوى كونه محكوماً بالتمام بمجرّد العدول ، ولو يتلبّس بالسير .
وأمّا لو كان قصده من الأوّل هو الحرام ثمّ عدل إلى الإباحة : فإن كان الباقي بنفسه مسافة فلا إشكال في لزوم القصر ، وكذا إذا كان مسافة بالتلفيق ، كان معة السكان الغالي الذهاب أربعة أو أقلّ على التحقيق.
وأمّا إذا كان مسافة بضمّ ما قطعه بنحو المحرّم، فالأقوى فيه أيضاً القصر، لإطلاق دليل القصر في السفر
1) مصباح الفقيه 2 : 742.
وتوهُمُ أنّ وجود السفر المحرّم كالعدم - فيصير السير من محلّ العدول كالسير من الوطن محتاجاً إلى مسافة جديدة كما في محل الإقامة - ممنوعٌ بأنّ المقتضي لذلك في الإقامة إنّما هو دليل التنزيل، وهو مفقود في المقام .
وكذا توهّم أنّ مقتضى ما دلّ على اشتراط الإباحة كون الإباحة شرطاً في جميع أجزاء المسافة ، وذلك لمنع كون قضيّته ذلك ، بل الدليل قد دلّ على اعتبار المسافة ، والدليل الآخر دلّ على اشتراط الإباحة ، والجمع بينهما يقتضي كون المسافة التي بعض أجزائها محرّم وبعضها مباح موجباً للقصر في الأجزاء المباحة .
وكذا توهّم أنّ هذا السفر من السفر ، وقد خرج من العموم بمخصّص لا إطلاق له بالنسبة إلى ما بعد زمان التحريم ، والمفروض عدم كون الزمان في العام مفرداً، والمحكّم فيه استصحاب حكم المخصّص لا عموم العامّ، لا سيمّا إذا كان التخصيص من الوسط، وذلك لما قرّرناه في الأصول من أنّ المحكَّم فيه عموم العامّ مطلقاً.
و ممّا ذكرنا عُلِم حال مسألة أُخرى، وهي ما لو كان قصده من الأوّل هو المباح ثمّ عدل إلى المعصية ثمّ إلى الإباحة ، فإنّ الأقوى فيه كفاية بلوغ جميع الثلاثة المسافة ، كما في المستند (1)، غايته يختصّ مقدار الحرام بالتمام .
ونقل عن العلّامة (2)و جماعة (3)عدم الضمّ مطلقاً ، بل لو كان الثالث بنفسه بالغاً إلى المسافة قصّر وإلّا فلا. ويمكن الاستدلال له بوجهين :
الأول: إنّ ما قطعه بنحو المعصية كالعدم لا يتركّب منه المسافة ، ومانعٌ عن انضمام ما بعده إلى ما قبله .
وفيه : منع كلتا المقدّمتين كما علم ممّا سبق . الثاني : إنّ هذا الفرد قد خرج عن عموم دليل السفر باعتبار وسطه ، والمحكَّم حينئذٍ استصحاب حكم المخصّص .
وفيه : ما عرفت أنفاً.
ونقل عن جماعة أخرى إلغاء ما قطعه بنحو المعصية وضمّ ما بعده إلى ما قبله (1)، واستدلّ له بوجهين :
الأوّل: إنّ ما قطعه بنحو المعصية كالعدم لا يتركّب منه المسافة ، لكنّه لا يمنع من الضمّ إلى ما قبله ، لعدم اشتراط الاتّصال في أجزاء المسافة لإطلاق دليلها .
وفيه : منع المقدّمة الأُولى .
الثاني : مرسل السيّاريّ : «إنّ صاحب السير يقصّر ما دام على الجادّة ، وإذا خرج عن الجادّة أتَمّ، وإذا رجع إلى الجادّة قصّر» (2)، فإنّ المراد منه ما كان قاصداً في سفره أمراً غير محرّم ، وعرض له الصيد في أثناء الطريق ، فيدلّ على الانضمام .
وفيه :
اوّلا: الارسال.
وثانياً : إنّه يدلّ على عدم المانعيّة عن الضمّ إذا كان المباح مقصوداً مع المحّرم
أيضاً ، وهو لا يدلّ على ما إذا كان المقصود في الأثناء هو المحرّم فقط . والأقوى ما تقدّم وفاقاً للمستند . (1)
[الأمر] الخامس : إنّه لو كان السفر إلى المحرّم مستلزماً للسفر في مقدار بعد محلّ الحرام، فهل هو ملحق بما قبله في وجوب التمام لكونه جزءاً من هذا السفر كما في العروة (2)أو لا ؟ وجهان أقربها الأخير ؛ لإطلاق دليل القصر ، وعدم مانعيّة كونه جزءاً؛ لأنّ المراد منه : إمّا كونه جزءاً منه بما هو حرام، فهو ممنوع ، أو جزءاً منه بما هو سفر ، فهو لا يثبت المدّعى، وإلّا فليكن كذلك في صورة عدم الاستلزام أيضاً لا نحفاظ الجزئيّة.
[الأمر] السادس: إنّه لو كان سفره محرّماً وقصد الصوم ثمّ عدل إلى المباح ، فإن كان قبل الزوال فلا إشكال في زواله وبطلانه ، وإن كان بعده ففيه وجهان -كما في العروة (3)- من كونه بمنزلة من سافر من الوطن بعد الزوال، ومِن أنّ قضيّة الإطلاقات هو البطلان ، خرج عنه من سافر من الوطن بعده ، ولا دليل على تنزيل المقام منزلته . وهذا هو الأقوى.
ولو انعكس الفرض ، فإن أفطر قبل العدول إلى الحرام أو كان العدول بعد الزوال فالبطلان ، وإن لم يأت بالمفطر وكان قبل الزوال ؛ ففي العروة : صحّ الصوم (4).
والأقوى العدم للإطلاقات، خرج عنها من دخل الوطن قبل الزوال ولم يأت بالمفطر ، ولم يدلّ دليل على التنزيل .
[الأمر]السابع : إذا قصد بسفره مباحاً ، لكنّه يقصد المحرّم في حواشي الجادّة. فإن كان ذلك مقصوداً من الأوّل كان من قبيل ضمّ المحرّم إلى المباح ، فوجب الإتمام في الجادّة وحواشيها ، وإن كان عرض ذلك في الأثناء قصّر في الجادّة وأنتمّ في الحواشى.
ولو انعكس ، بأن كان المقصود بسفره المحرّم ، لكنّه يعرض له السير إلى الحواشي من جهة غير المحرّم في الأثناء -كان مسافة في نفسه أو أقلّ -ففي العروة: إنّه يتمّ في الجادّة ويقصر في الحواشي . (1)والتحقيق أنّه كذلك إذا كان الخروج عن الجادّة بنحو يرجع إلى الجادّة من نقطة خرج منها ، وإلاّ فالتمام في الحواشي أيضاً: لأنّه قصد المحرّم في ضمن المباح في هذا المقدار من المسافة كما لا يخفي.
[الأمر] الثامن: إذا نذر أن يتمّ الصلاة في يوم معيّن أو يصوم يوماً معينّاً وجب عليه الإقامة في الوطن أو قصد الإقامة لو كان في السفر، فإن سافر أو لم يقصد الإقامة وجب عليه القصر، لأنّه لا يكون السفر حراماً من قبل وجوب ضدّه . نعم، لو كان غرضه من السفر التوصّل به إلى ترك هذا الواجب لدخل في السفر المقصود بالحرام.
[ سفر الصيد ]
بقي الكلام في سفر الصيد :
اعلم أنّه لا إشكال في كونه موجباً لرفع الرخصة ووجوب الإتمام والصوم في الجملة ، وإنّما الإشكال في مقام
1) العروة الوثقى 447:3 المسألة 40.
[ المقام الأول] : إنّه هل هو حرام إذا كان لهويّاً أو لا ؟ صريح عبارة المحقّق في الشرايع الذي نسب إلى المشهور هو الأوّل ، (1)وحكي عن المقدّس البغداديّ إنكاره ، وأنّه كسائر التنزّهات(2).
واستُدُّلَ للأوّل بوجوه :
الأوّل: توصيفه في بعض الأخبار المتقدّمة بأنّه مسير باطل.
وفيه : إنّه علّة لوجوب التمام، والظاهر أنّه صغرى كبرى مطويّة ، وهي أنّ كلّ سفر باطل موجب للتمام ، فلو كان المراد هو الحرمة لكانت الكبرى المطوية «إنّ كلّ باطل حرام» فيحتاج إثبات المقصود إلى كبرى قياس آخر، وهو خلاف الظاهر .
الثاني: توصيفه في بعض الأخبار المتقدّمة بأنّه ليس بحقّ .
وفيه : ما تقدّم في سابقه ، مع أنّه يرد عليهما معاً أنّه لا يمكن الالتزام بحرمة كلّ باطل وكلّ ما ليس بحقّ.
الثالث : تعليل كونه موجباً للتمام في صحيح زرارة بأنّه خرج في لهو. (3)
:وفيه ما تقدّم في الوجهين .
الرابع : بعض الأخبار المتقدّمة المفسّرة لآية الميتة بأنّ المراد من الباغي باغي الصيد، وقد تحلّ له الميتة عند الاضطرار كالعادي الذي هو السارق .(4)
ي تقريب الدلالة من وجهين :
الأوّل : تقارنه بالسارق .
وفيه : منع دلالة المقارنة عليه .
الثاني : إنّه لو لم يكن سفر صيد اللهو حراماً لم يكن وجه لعدم حلّية الميتة عند الاضطرار.
وفيه : إنّ الحكم تعبّديّ، مضافاً إلى أنّ مفاده حينئذٍ كون التصيّد حراماً، ولا يثبت به حرمة السفر، إلاّ على القول بكون مقدّمة الحرام حراماً، وهو ممنوع .
الخامس : الأدلّة الدالّة على حرمة اللهو بقول مطلق .
وفيه :
أوّلاً : إنّه لم يقم دليل على حرمة مطلق اللهو، ولو فسّرناه بالفعل الذي يصدر بداعي شدّة الفرح كما هو مختار الشيخ في المكاسب (1).
وثانياً : إنّه لو سُلّم فلا يدلّ على حرمة السفر الذي هو مقدّمة للتصيّد.
السادس : ما حكاه المقدّس البغدادي عن أصل زيد النرسي ، قال : قد وجدت فيه أنّه سأل بعض أصحابنا أبا عبداللّه (عليه السلام) عن طلب الصيد ، وقال له : إنّي رجل ألهو بطلب الصيد وضرب [الصوالج] (2)وألهو بلعب الشطرنج . قال : فقال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : أمّا الصيد فإنّه [ مبتغى ] باطل، وإنمّا أحلّ اللّه الصيد لمن اضطرّ إلى الصيد، فليس المضطر إلى طلبه سعيه [فيه] باطلاً، ويجب
عليه التقصير في الصلاة والصوم إذا كان مضطرّاً إلى أكله ، وإن [كان] ممّن يطلبه للتجارة ، وليس له حرفة إلّا من طلب الصيد، فإنّ سعيه حقّ وعليه التمام في الصلاة والصوم ، لأنّ ذلك تجارته ، فهو بمنزلة صاحب الدور الذي يدور في الأسواق في طلب التجارة، وكالمكاري والملّاح. ومن طلبه لاهياً وأشراً وبطراً فإنّ سعيه ذلك سعي باطل وسفر باطل، وعليه التمام في الصلاة والصيام، وإنّ المؤمن لفي شغل من ذلك ، شَغَلهُ طلب الآخرة عن الملاهي ، وأمّا الشطرنج ... الخبر. (1)
فإنّ قوله (عليه السلام) : «وإنّما أحلّه اللّه» إلى آخره، ظاهر في حصر الحلّيّة في المضطرّ، غاية الأمر أنّه خرج عنه ما كان للتجارة بالفقرة الثانية .
وفيه : ضعف السند . فالأقوى ما حكاه المقدّس البغدادي.
المقام الثاني : في أنّ سفر الصيد موجب للتمام مطلقاً، أو إذا كان لهوياً - فلو كان للتجارة أو لقوت نفسه وعياله ، فالحكم هو القصر في الصوم والصلاة - أو أنّه إذا كان لهويّاً فلا قصر مطلقاً، وإذا كان للقوت فالقصر ،مطلقاً، وإذا كان للتجارة يفصَّل بين الصلاة فلا قصر في الصلاة ، وبين الصوم فيفطر ؟ وُجُوهٌ:
لم يقل بالأوّل أحد .
وأمّا الثاني، فهو الأقوى؛ لما في صحيح زرارة من تعليل إيجاب سفر الصيد للتمام في الصلاة بكونه خرج في لهوٍ(2)، فإنّ مفهوم العلّة عدم التمام في غيره، وبدليل الملازمة بين القصر في الصلاة وإفطار الصوم يثبت المطلوب.
ولا يعارضه مرسلة عمران بن محمّد - عن بعض أصحابنا ، عن أبي عبداللّه (عليه السلام ) -قال : قلت له : الرجل يخرج إلى الصيد مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة أيقصر أو يتمّ ؟ قال : إن كان خرج لقوته وقوت عياله فليفطر وليقصر ، وإن خرج لطلب الفضول فلا ، ولا كرامة (1)لضعف السند ، مع أنّ الظاهر أنّ النسبة عموم من وجه ، وبعد التعارض والتساقط فالمرجع إطلاقات القصر ، فتأمّل .
وأمّا الثالث فاستدلّ له بوجهين :
الأوّل : الإجماع المنقول في كلام الحلّي (2). وفيه ما لا يخفى .
الثاني : ما في كلامه وكلام الشيخ من أنّه روى أصحابنا في ذلك أنّه يتمّ الصلاة ويفطر الصوم (3).
وفيه : إنّ إرساله قادح للعمل به، ولا يجبره عمل بعض القدماء لعدم تحقّق العمل على نحو يوجب الوثوق بالصدور . نعم ، لا يرد عليه أنّه ضعيف الدلالة لاحتمال كونه من قبيل نقل المضمون، لا اللفظ ولا المعنى ولا الترجمة، لأنّه لا يحتمل كونه من قبيل نقل المضمون . فالأقوى هو الوجه الثاني.
بقي أمران :
الأوّل : إنّه قد مثّل في الشرايع للسفر المحرّم باتبّاع الجائر وصيد اللهو (4)والمراد بتابع الجائر من يتبعه اختياراً، كان الاختيار في هذا السفر أو في الدخول في ديوانه ولو كان مجبوراً بعد ذلك كما في العسكر الاختياريّ في زماننا هذا ، فإنّ سفره
حرام، ويجب عليه إتمام الصلاة والصوم كالأوّل ،(1)من غير فرق فيهما بين كونه مع الجائر في السفر أو سافر بأمره وحده، وكذا لا فرق بين كون سفر الجائر في الأوّل مباحاً أو حراماً، لأن متابعته له وكونه من أعوانه موجب لحرمة سفره ولو فُرِضَّ كون سفر متبوعه مباحاً، وأمّا تابع الجائر اضطراراً كالعسكر الإجباريّ في زماننا أو غيره فسفره جائز ، وحكمه القصر والإفطار.
الثاني : مقتضى تعليل سفر الصيد بأنّه سير باطل ، أو بأنّه ليس بحقّ في بعض الأخبار المتقدّمة ، أنّ كلّ سفر باطل موجب للقصر، ولم يلتزم به المشهور، ويمكن دفعه بأنّ المفهوم في صحيح زرارة أنّ العلّه في ذلك كونه لهواٌ، وإنّما علل ذلك في ذينك الخبرين بالباطليّة وعدم الحقّيّة لكونهما شاملين للّهو ، لا لأنّ العلّة هذان الجامعان ، فافهم.
هذا تمام الكلام في الشرط الرابع من شروط القصر في السفر ، وهو الإباحة، أي إباحة السفر ، ويتلوه ذكر الشرط الخامس، وهو عدم كون السفر شغلاً له وإن اختلفت تعابيرهم في العنوان كما ستعرف .
1) وهو أن يكون مختاراً في هذا السفر .
من شرائط وجوب التقصير في السفر ما قد اختلفت كلمات الأصحاب في التعبير عنه ، حيث عبّر بعضهم بأن لا يكون كثير السفر (1).
وآخرون - منهم المحقّق (رحمه اللّه) - بأن لا يكون سفره أكثر من حضره، وقد نسب إلى كثير منهم ، بل أكثرهم ، بل قيل : إنّه المشهور". (2)
وثالث - منهم مصباح الفقيه - أن لا يكون السفر عمله (3)
ورابع - وهو الصدوق (رحمه اللّه) في المقنع والأمالي- علّقه على عدم الخمسة
المعدودين في خبر ابن أبي عمير الآتي .(4)
وخامس على الخمسة المذكورة في خر إسماعيل الآتي . (5)
1) انظر ذكرى الشيعة 4 113 ، الرسائل العشر لابن فهد : 366، المهذب البارع : 484 ، الروضة البهية 0784:1
2) شرائع الإسلام 1 : 102 ، الكافي للحلبي : 116 .
3) مصباح الفقيه 2 : 745
4) المقنع : 196 - 197 ب 9 تقصير المسافر في الصوم ، أمالي الصدوق : 743 المجلس 93 ح 1 في وصف الصدوق لدين الإمامية على الإيجاز والاختصار .
5) هو خبر إسماعيل بن أبي زياد الذي مرّ ذكره في أوّل الشرط الرابع ، عن جعفر ، عن أبيه ، قال : سبعة لا يقصرون الصلاة : الجابي الذي يدور في جبايته ، والأمير الذي يدور في إمارته ، والتاجرالذي يدور في تجارته من سوق إلى سوق ، والراعي، والبدوي الذي يطلب مواضع القطر ومنبت الشجر ، والرجل الذي يطلب الصيد يريد به لهو الدنيا ، والمحارب الذي يقطع السبيل . والسادس والسابع منهم داخلان في الشرط الرابع حيث إن سفر هما ليس مباحاً ، فيبقى الخمسة الباقون في مورد بحثنا . وقوله هنا «خبر إسماعيل الآتي» لعله «خبر إسماعيل الأنف» حيث لم يأتِ ذكره من بعد.
وسادس - وهو ابن حمزة - تعليقه على عدم هؤلاء الخمسة والمكاري والملاح والبريد(1).
وسابع - وهو الشهيد (رحمه اللّه ) في البيان - على هذه الثمانية والجمّال (2).
ولعلّ كلّاً من العناوين الأربعة الأخيرة الخاصّة يؤول إلى إحدى العناوين العامّة الثلاثة الأوّل، ولم يكن غرضهم من عدّها برأسها إلّا على سبيل المثال كما قاله في المصباح (3)، لكنّ الكلام في تعيين النسبة بين هذه الثلاثة العامّة ، ثمّ في صحّة أيّ منها .
أمّا النسبة بين الأوّلين فكثرة السفر أعمّ مطلقاً من أكثريّة السفر من الحضر ، إذ الثاني يلازم الأوّل دون العكس، وهو واضح .
وأمّا بينها وبين الثالث فهو أعمّ منهما من وجه وأخصّ من آخر ، فإنّ كثير السفر أو أكثر سفراً قد يكون زائراً وليس السفر عمله وشغله ، وكذا من عمله السفر كالمكاري الذي ابتدأ بالمكاراة ولم يسافر بعد أو تلبّس بالسفر أيضاً لكنّ هذا سفره الأوّل ، صحّ أن يقال: «إنّ هذا عمله وشغله» مع عدم التكرر منه فعلاً فضلاً عن الكثرة أو الأكثريّة.
ولازم هذه العبائر الثلاث خروج بعض ما هو داخل في أحدها عن الآخر ، فلا بدّ من تعيين ما هو الصحيح من هذه العناوين ، فلنذكر مستند هذا الشرط الذي لا خلاف فيه في الجملة، وهي جملة من الأخبار ، مضافاً إلى الإجماع المدّعى عليه في التذكرة والنهاية والسرائر والانتصار (1):
فمنها : صحيحة زرارة ، قال : قال أبو جعفر(عليه السلام ): أربعة قد يجب عليهم التمام في سفر كانوا أو حضر: المكاري والكري والراعي والاشتقان لأنّه عملهم .(2)
قال في المصباح ما حاصله : إنّ المراد بالكَرِيّ من يؤجر نفسه للسير كالبريد وأجير المكاري الذي يبيع دوابّه ، والاشتقان قيل : هو البريد (3)، وقيل : هو الأمين الذي يرسله السلطان على البيادر ، وكأنّه معرّب «دشت بان» يعني أمين البيادر (4)(5).
ومنها : خبر ابن أبي عمير المروي عن الخصال مرفوعاً إلى أبي عبدد اللّه (عليه السلام) ، قال : خمسة يتمّون في سفر كانوا أو حضر : المكاري والكّرِيّ والاشتقان -وهو البريد - والراعى والملّاح لأنّه عملهم . (6)واحتمل في المصباح أن يكون هذا الخبر مستند الصدوق في تفسير الاشتقان
1) النهاية : 447 ، السرائر 1 : 237 ، الانتصار : 51 . ولم نعثر عليه في مظنّه من تذكرة الفقهاء.
2) التهذيب 3: 215 ح 526 ، الاستبصار 1: 232 ح 828 الوسائل :8: 485 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 2.
3) الاشتقان : البريد . (مجمع البحرين (6: 272
4) الحدائق الناضرة 11: 392، بحار الأنوار 22:86
5) مصباح الفقيه 2 : 746 .
6) الخصال : 302 ح 77 ، الوسائل :8 487 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 12.
بالبريد ، وقوّى احتمال أن يكون هذا التفسير من الصدوق نفسه قدّس رمسه .(1)ومنها : صحيحة هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : المكاري والجمّال الذي يختلف وليس له مقام يتمّ الصلاة ويصوم شهر رمضان .(2)
ومنها : صحيحة محمّد بن مسلم ،عن أحدهما (عليهما السلام) : ليس على الملّاحين في سفينتهم تقصير ولا على المكاري والجمّال .(3)
ومنها: رواية إسحاق بن عمّار ، قال : سألته عن الملّاحين والأعراب هل عليهم التقصير ؟ قال : لا : بيوتهم معهم .(4)
ومنها : مرسلة سليمان بن جعفر الجعفريّ ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : الأعراب لا يقصّرون، وذلك أنّ منازلهم معهم (5).
ومكاتبة محمّد بن جزك ، قال : كتبت إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) : إنّ لي جمالاً ولي قوّام عليها ، ولست أخرج فيها إلّا في طريق مكّة لرغبتي في الحجّ أو في الندرة إلى بعض المواضع، فما يجب عليّ إذا أنا خرجت معهم أن أعمل ؟ أيجب علىّ التقصير في الصلاة والصيام في السفر أو التمام ؟ فوقّع (عليه السلام) : إذا كنت لا تلزمها ولا تخرج معها في كلّ سفر إلّا في طريق مكّة فعليك القصر والإفطار (6).
إلى غير ذلك من الأخبار التي بمضمون تلك المذكورات ، وليس في هذه
1) مصباح الفقيه 2 : 746
2) الكافي 4 : 128 ح 1 ، الوسائل 8: 484 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 1.
3) الكافي 3 : 437 ح 2 ، الوسائل 8: 485 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 4 .
4) الكافي 3 : 438 ح 9، الوسائل 8: 485 أبواب صلاة المسافر ب 11 5
5) الكافي :3 438 5 ، الوسائل :8 484 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 6 .
6) الاستبصار 1: 234 ح 835 الوسائل :8 489 أبواب صلاة المسافر ب 12 ح 4 .
الأخبار من العناوين الثلاثة المتقدّمة إلّا الأخير الذي يُستفاد من عموم التعليل في الروايتين ، وهو قوله (عليه السلام) : « لأنّه عملهم» ، حيث إنّ مورد التعليل وإن كان خاصاً إلّا أنّ العبرة بعموم العلّة لا بخصوص المورد . نعم ، اشترط في من شغله السفر كثرة السفر في شغله أيضاً، ولا يكفى التلبّس بالمكاراة ونحوها ، ولا تتابع الأسفار في هذه الأعمال إلّا مع اتّخاذها شغلاً ، وإن بلغ من الكثرة ما بلغ .
والروايتان وإن كانتا في كون السفر عملاً مطلقتين بالنسبة إلى كثرة السفر وقلّته ، لكنّ التوصيفَ في صحيحة هشام المتقدّمة بقوله : «الذي يختلف وليس له مقام» ، يُعيّنه مع شرط آخر يأتي بيانه ، كما أنّهما يعمّمان هذه الصحيحة بحسب المورد، فإنّ موردها المكاري والجمّال، وليس لها ما لهما من العلّة العامّة .
فتلخّص : أنّ ما يستفاد من الروايات هو كون السفر شغلاً مع الكثرة، فإذاً متخص: يجب التمام في الأسفار .
وأمّا العنوانان الآخران، ففي كثرة السفر فقط - من دون كونه شغلاً وعملاً له -ليس له قائل نعرفه ظاهراً، مع ما فيه من الإبهام.
وأمّا الثاني، ففيه : إنّه غير معقول في بعض فروضه، ومخالف للإجماع في بعضها الآخر ، فإنّ الأكثريّة إمّا ملحوظة بحسب تعدّد السفر عدداً فلا تعقل أكثريّة السفر من الحضر ، إذ كلّ سفر مسبوق بحضر لا محالة ، فإمّا أن ينتهى إلى الحضر أيضاً فيصير الحضر أكثر ، أو لا ينتهى إليه فيتساوى السفر والحضر.
أو ملحوظة بحسب الزمان - بأن كان في شهر مثلاً عشرين يوماً في السفر وعشرة أيّام في الحضر، ومرجعه إلى طول مدّة السفر - فلا يلتزم بوجوب التمام عليه أحد حتى القائل بهذا العنوان .
أو ملحوظة بحسبهما - كمن يسافر في شهر عشرة أسفار كلّ سفر منها بيومين ، فإذا رجع من كلّ سفر يبقى يوماً واحداً، فيحصل الأكثريّة - وهو أيضاً باطل بالنسبة إلى العدد لعين ما قرّرنا أوّلاً .
ويبقى بحسب الزمان ، فإنّه كان عشرين يوماً في السفر، فزمان سفره أكثر من زمان حضره ، والأكثريّةُ بحسبه وإن كان مفروضاً معقولاً في هذا الفرض ، إلّا أنّه لا يصير ملاكاً، نقضاً بما بيّناه آنفاً . فلم [يبق] (1)إلّا العنوان الثالث الذي هو كون السفر عملاً له بحيث يكون معه مكرّراً أيضاً.
نعم ، لوفُرِضَ إجمال في دليل هذا الشرط ، وشُكَّ في مورد أنّه ممّا هو واجد لهذا الشرط فيقصّر أو لا فيتمّ ؟ يكون المرجع إطلاق أدلّة التقصير في السفر ؛ لما أسّسنا في صدر البحث من أنّ الأصل الأوّلي هو وجوب الرباعيّات على كلّ مكلّف ، وإطلاق بعض أدّلته يشمل حال السفر .
وبعبارةٍ أخرى لها عموم أو إطلاق أحواليّ، إلّا أنّه جاء المخصّص بوجوب التقصير في السفر ، فخرج منها حال السفر مطلقاً، ولهذا الدليل أيضاً إطلاق لحالات السفر، وقام مخصّص منفصل ومقيّد كذلك لبعض حالاته ، نأخذ بالمتيّقن وندرج الباقي تحت إطلاق دليل السفر ونحكم بوجوب التقصير ، لأنّ إطلاق المقيّد- وهو دليل السفر- مقدّم على إطلاق الأدّلة الأوّليّة لما قرر في محلّه .
وليعلم أنّ خروج الأعراب - وهم البدويّون - عن موضوع التقصير ليس لكونهم كثيري السفر ، بل بمقتضى العلّة فيهم بأنّ بيوتهم معهم غير داخلين في
1) ما بين المعقوفين من عندنا .
موضوع المسافر ، وإنّما كانوا حاضرين حيثما ذهبوا ، لأنّ الحضور شهود بيته وأهله
والحلول فيه ، وبيوتهم معهم .
فتلخّص ممّا ذكرنا : أنّ مقتضى العلّة المستفادة من النصوص عدم التقصير على من شغله وحرفته السفر ، لاكلّ من كثر سفره وإن لم يكن حرفته - كمن يسافر كلّ ليلة الجمعة من النجف إلى كربلاء لزيارة الحسين (عليه السلام) - فَعَليه التقصير في سفره وإن بلغ ما بلغ .
هذا ، وهنا فروع:
[الفرع ] الأوّل : إن من كان حرفته السفر والاكتساب من هذا الوجه ، فله صور أربع : الأولى : أن يكون كذلك في جميع السنة ، ولا ريب في شمول أدّلة الإتمام له.
الثانية : أن يكون في بعض السنة عمله السفر بالمكاراة ونحوها ، وفي البعض الآخر حرفة أخرى كالصياغة والحياكة ونحوهما ، لكنّه في البعض الذي يشتغل بالسفر يصدر منه تكرّر وتعدّد في سفره .
الثالثة : الصورة لكنّه ليس بحيث يصدر منه التكرّر حقيقة ، بل يجعل تعدّد مقاصده بمنزلة التكرّر وإن كان السفر واحداً ، كمن يدور في تجارته أو جبايته أو إمارته من أرض إلى أرض.
الرابعة : أن لا يكون له مقاصد متعدّدة كذلك ، بل سفره كما أنه سفر واحد مقصده أيضا واحد ، كالتجّار الذين يسافرون بعضَ السنة إلى سوق مكاراة ويتسوّقون فيها ثلاثة أشهر مثلاً ويرجعون، أو الجمّال الذي يذهب بالحجيج في أشهر الحجّ في كلّ سنة ، وليس له إلّا مقصد واحد وهو مكّة
فهل الثلاثة الأخيرة تشملها أدلّة شغل السفر وعليهم التمام أم لا ؟
فقد فصّل في المصباح بين الأوليين والأخيرة، فقال بالشمول فيهما دون الأخيرة، واستدّل له :
للشمول بأنّه ما دام كذلك في بعض سنته يصدق عليه في هذا البعض من الزمان أنّ السفر عمله، مضافاً إلى ورود بعض مصاديقه في النصّ كالاشتقان والجابي، فإنّ عملها مختصّ بزمان خاصّ مثل أيّام الصيف، وهما يتّان في سفرهما كحضرهما بالنصّ ، مع أنّ سفر هما ليس متكرّراً حقيقة ، بل تعدّد المقصد يجعله بحكم التكرّر .
ولعدم شمولها للثالثة بوجوه :
الأوّل: إنّ هذه الأدلّة منصرفة عن شمول مثله ، وإلّا لم يكن فرق بين ما مثّلنا وبين من يجعل شغله حمل الزوّار من بغداد إلى كربلاء لزيارة عرفة في كلّ سنة إلا بطول السفر في الأوّل وقصره في الثاني، فلا يصدق عليه أنّ عمله السفر ما لم يتّخذه حرفة له على سبيل المداومة والمزاولة كسائر أرباب الصنائع . قال : وهذا هو السرّ في فهم الأصحاب من هذه الأخبار اعتبار الكثرة والتكرّر في موضوع هذا الحكم.(1)
وفيه : إنّه لم يعلم منشأ الانصراف الذي ادّعاه، فإن كان غلبة الوجود فممنوع كبرى، وإن كان غلبة استعمال كون السفر شغلاً فيمن يتكرّر منه الصدور مراراً في كلّ سنة فممنوع صغرى، بل لو خُلّينا والأدّلة المعلّلة بكون السفر شغلاً لقلنا في مثل زائر عرفة في كلّ سنة أيضاً بالتمام .
1) مصباح الفقيه 2 : 745-0746
الثاني : لو سلم ظهور التعليل في مثل ما نفينا عنه لوجب صرفه عنه وحمله على من يتكرّر منه الصدور ؛ جمعاً بينه وبين قوله (عليه السلام) في صحيحة هشام : «الجمّال الذي يختلف وليس له مقام» (1)، إذ هو صريح كالنصّ في خروج الجمّال -الذي لا يختلف في سفره ، بل له سفر واحد طويل في مدّة سنة - عن موضوع حكم التمام (2).
وفيه : إنه وإن كان صريحاً في ذلك ، إلّا أنّ التمّسك به يوجب خروج القسم الثاني الذي في حكم التكرّر بتعدّد المقاصد ، لأنّ كلمة «يختلف» ظاهرة في التكرّر الحقيقيّ؛ فتأمّل.
الثالث: قوله (عليه السلام) في المكاتبة المتقدّمة : «إذا كنت لا تلزمها ولا تخرج معها في كلّ سفر إلّا في طريق مكّة فعليك القصر والإفطار» (3)، فيدّل على أنّ السفر الواحد وإن كان يصدق أنّه شغله لا يوجب التمام (4)
وفيه :
أولاً : إنّه مكاتبة ضعيفة .
وثانياً : يحتمل أن لا يكون سفره هذا في عمله بل للحجّ أو لبعض دواع أوجبت أن يلحق جماله في سفره ، فلا يصدق - بناءً عليه -أنّه سافر في عمله ، اللّهم إلّا أن يقال : إطلاق قوله (عليه السلام) في الجواب يشمل ما لو كان سفره للمكاراة وحمل الحجيج أيضاً ، فيتمّ المدّعى لولا المناقشة في ضعف السند.
الرابع : توصيف الجابي والأمير والتاجر في خبر إسماعيل بالدوران في عملهم فلا يكفي الوقوف مع وحدة السفر(1).
وفيه :
أوّلاً : ضعف السند .
وثانياً : إنّه وإن [كان ] (2)صريحاً إلّا أنّه يتقيّد بكون الدوران بحيث يصدق عليه الاختلاف، فيخرج ما ليس له الاختلاف حقيقة ، فتأمّل.
الفرع الثاني : إنّه بناءً على صدق العناوين الموجبة للتمام المذكورة في النصوص بمجرّد تهيئة أسبابها وإن لم يسافر -كما لعلّه سنشير إليه - فهل يجب التمام في السفرة الأُولى أو الثانية أو لا بدّ أن يصل إلى الثالثة ؟ وجوه أقواها الأخير. وعلى كلّ من الوجوه يكفي حصول السفر إلى ما دون المسافة الموجبة للتقصير أم لا ؟ أظهر هما الأخير.
أمّا الدعوى الأُولى، فلأنّ صدق العنوان بلا تلبّس بالسفر لا يكفي ؛ لقوله (عليه السلام ): «الذي يختلف » ، الظاهر في التلبّس.
وتوهُّمُ أنّ الاختلاف يمكن أن يكون شرطاً متأخّراً للحكم ، مدفوعٌ بأنّ ظاهر أخذ شيء شرطاً لحكم إنّما هو التقارن بين وجوده وثبوت الحكم كوجوب الحجّ بشرط الاستطاعة، والتأخّر خلاف الأصل، إلّا أن يكون دليلٌ عليه ، ولا يكفي سفرةٌ واحدةٌ أيضاً لظهور كلمة «يختلف» الذي بصيغة المضارع على التكرّر والتجدّد وانسباقه منها إلى الذهن ، فلا ينبغي التمام إلّا في السفر الثالث .
وأمّا الدعوى الثانية ، فلانصراف كلمة «يختلف» في صحيحة هشام المتقدّمة مادون مسافة التقصير بمناسبة الحكم مع موضوعه ، فالظاهر أنّ الاختلاف الذي كان كلُّ مرتبةٍ -لولا الكثرة- موجبةٌ للتقصير فشأن كثيرها أن لا يقصّر فيها المكاري وأمثاله لأنّه عملهم، بل قد يقال : إنّ إطلاق السفر منصرف في نفسه عن مثل السير الذي ينقضي في مدّة يوم أو يومين لِقِصَرِهِ وإن تجاوز عن حدّ المسافة الموجبة للتقصير ، لكنّ هذا الانصراف بدويّ يرتفع بملاحظة نسبة الحكم وموضوعه .
وفي المصباح نفى البعد عن دلالة خبر إسحاق الآتي على عدم كفاية التردّد إلى ما دون المسافة بانٍ عليه - قال : سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الذين يكرون الدوابّ، يختلفون كلّ الأيّام ، أعليهم التقصير إذا كانوا في سفر ؟ قال : نعم (1). وخبره الآخر عنه (عليه السلام) أيضاً ، قال : سألته عن المكارين الذين يكرون، يختلفون كلّ الأيّام ، كلّما جاءهم شيء اختلفوا ، فقال : عليهم التقصير إذا سافروا (2)، بأنّ المراد بالاختلاف فيها هو الاختلاف إلى ما دون المسافة الذي لا يسمّى سفراً شرعاً، فإذا ساروا في سفر كان عليهم التقصير (3).
لكن هذا الاحتمال فى غاية الضعف ؛ لأنّ الاختلاف الذي استظهر منه السير اليسير هنا هو الذي وقع في صحيحة هشام الذي استظهر منه هناك التردّد إلى
المسافة، ويحتمل أن تكون الروايتان معارضتين مع الأخبار السالفة ، سيّما صحيحة
هشام بملاك اتحاد لفظي الاختلاف، وقد حكم فيها بالتمام، وفيهما بالقصر !! ويحتمل أن يكون المراد من السفر فيهما غير السفر الشغليّ، فلا معارضة بينها وبينها ، كما يأتي أنّ المكاري الذي فرضه التمام في السفر إذا سافر في غير شغله كالزيارة والحجّ ونحوهما يقصر في الأصحّ مع إبقاء الاختلاف على معناه في كلا المقامين ، ولعلّه أجود الاحتمالات، ولو فرض الإجمال في هاتين الروايتين فالحكم كما قرّر الصحيحة وظهورها في المدّعى .
الفرع الثالث : إنّ هؤلاء الذين كان فرضهم التمام، هل عليهم هذا أيضاً إذا سافروا في غير عملهم -كما أشرنا في الفرع السابق - أو التقصير ؟ وجهان ، أقربها الأخير، ويُستدلّ له بوجوه : الأوّل: إنّ الموضوعَ لهذا الحكم في الأدّلة أَخْذُ هؤلاء بعناوينهم من المكاراة ونحوها ، فلا بدّ من حفظ هذا الموضوع في ذاك الحكم، ومع فرض أنّهم في غير شغلهم لا تصدق هذه العناوين عليهم ، بل يقال : إنّه زائر أو حاجّ أو نحو ذلك .
الثاني : إنّ مقتضى التعليل في الأخبار أنّ فرضهم التمام عند كون السفر الذي هم فيه شغلهم ولو كان في غير صنفه ممّا لا يليق بشأنه لا مطلق سفره الذي لا ربط له بعمله ، ففي مثل المقام لا يتصوّر حفظ هذه العلّة حتّى يصحّ أن يقال ويحكم في حقّهم التمام .
الثالث : بعض التعابير الواردة في بعض الأخبار ، مثل قوله (عليه السلام) في
خبر عليّ بن جعفر المتقدّم: «أصحاب السفن يتمّون الصلاة في سفنهم»(1)،وفي
1) التهذيب : 296 ح 898، الوسائل 8: 456 أبواب صلاة المسافر ب 11 ح 7.
صحيحة محمّد بن مسلم : «ليس على الملّاحين في سفينتهم تقصير» (1)، وما في رواية إسحاق بن عمّار من تعليل الإتمام على الملّاحين كالأعراب بأنّ بيوتهم معهم (2)وإن كان في الاستشهاد بهذا الكلام نظر، إذ ظاهر الأمر أنّ التعليل للأعراب لا للملّاحين أيضاً؛ فإنّهم كالمكارين ظاهراً في عدم اتّخاذهم البيوت معهم، والأعراب أيضاً لا يتمون من جهة شغل السفر بل لأنّهم حاضرون ، فلا يدخل في عنوان البحث كما مرّ آنفاً .
وقوله (عليه السلام) في الخبر الآتي: «إذا كان مختلفهم فليصوموا وليتّموا الصلاة» (3)، فإنّها صريحة في أنّ التمام إنّما هو إذا كانوا في سفر مختلفهم وشغلهم ، فمفهومه أنّ السفر الذي ليس في مختلفهم - يعني عملهم - لا يتمّون فيه بل يقصّرون، بل يستشعر منه أنَّ [هم] في غير محلّ تردّدهم ولو كان في عملهم لا يتمّون ، لكنّه إشعار لا يُلتَفت إليه بعد مساعدة الإطلاقات على خلافه ؛ كذا أفاد في المصباح (4). لكنّه يرد عليه أنّ هذا ليس مجرّد إشعار بل ظهور تامّ، فلو صحّ الخبر سنداً واعتبر للزم العمل على طبقه والفتوى على مفاده ، وتقييد إطلاقات سائر الأخبار به لأظهريّته.
الفرع الرابع : قد وردت عدّة روايات في أنّ المكاري إذا جدّبه السير يقصّر : منها : صحيحة محمّد بن مسلم ،عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : المكاري
والجمّال إذا جدّ بهما السير فليقصّر. (1)وصحيحة البقباق ، قال : سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن المكارين الذين يختلفون ؟ قال : إذا جدّوا السير فليقصّروا . (2)
ومرسلة عمران بن محمّد، عن أبي عبداللّه (عليه السلام )، قال : الجمّال والمكاري إذا جدّ بهما السير فليقصّرا فيما بين المنزلين ، ويتمّا في المنزل . (3)
وعن الكلينيّ مرسلاً قال : وفي رواية أُخرى : المكاري إذا جدّ به السير فليقصّر . قال : ومعنى جدّ السير جعل المنزلين منزلا.(4)
وخبر عليّ بن جعفر المروي عن كتابه ، عن أخيه (عليه السلام) ، قال : سألته عن المكارين الذين يختلفون إلى النيل هل عليهم إتمام الصلاة ؟ قال : إذا كان مختلفهم فليصوموا وليتمّوا الصلاة ، إلّا أن يجدّ بهم السير فليقصّروا وليفطروا .(5)
وقد اختلفوا في توجيه تلك الروايات - وتعيين المراد منها لمكان لفظ «جدّالسير»- على وجوه:
الأوّل : ما نقله في المصباح وارتضاه ،من أنّ الجدّ بالسير هو الإسراع فيه
1) التهذيب :3: 215 ح 528 ، الاستبصار 1 : 233 ح 830 الوسائل 8: 490 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 1 .
2) التهذيب 3: 215 - 529 ، الاستبصار 1: 233 ح 831 ، الوسائل :8: 490 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 2 .
3) التهذيب 3: 215 ح 530 ، الاستبصار 1: 233 ح 832 ، الوسائل :8: 491 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 3.
4) الکافی 437:3 ح2، الوسائل491:8 أبواب الصلاة المسافرب13 ح4.
5) مسائل علي بن جعفر : 115 ح 46 ، الوسائل 8 491 أبواب صلاة المسافر ب 13 ح 5
والاهتمام بشأنه ، يقال : جدّ فلان بسيره إذا اجتهد فيه ؛ هكذا في مجمع البحرين ،(1)قال : وهو المتبادر منه عرفاً، انتهى(2). فمقتضاه الاكتفاء بالجدّ، يقال عرفاً: إنّه اجتهاد في السير ومشقّة ، وإن كان يظهر منعه من كلام سيأتي في الردّ على صاحب مفتاح الكرامة .
الثاني : ما نقله عن الشيخ واستظهر أوْلَهُ إلى الوجه الذي ارتضاه ، وهو أنّ المنقول من الشيخ في التهذيب أنّه بعد نقل الصحيحتين الأُوليين قال : الوجه في هذين الخبرين ما ذكره محمّد بن يعقوب الكليني (رحمه اللّه) وقال : هذا محمول على من يجعل المنزلين منزلاً فيقصّر في الطريق ويتم في المنزل (3)" ، ثمّ استشهد- أعني الشيخ - بمرسلة عمران المتقدّمة (4)فقال في المصباح بعد نقل كلام الشيخ : إنّ الغالب على الظنّ أنّ قوله «من يجعل المنزلين منزلاً» جارٍ مجرى التمثيل للإسراع والعنف في السير الذي هو معنى الجدّ به، وما في كلامه من الاستشهاد برواية عمران لعلّه لإثبات أنّه يقصّر في الطريق ويتمّ في المنزل لا لأصل المعنى الذي ذكره كي يتوجّه القالوا لهلى عليه ما أورده في الحدائق (5)وغيره (6)من أنّه لا دلالة لها على ذلك .(7)
الثالث : ما حكي عن المدارك نقله عن الشهيد في الذكرى أنّه حمل الصحيحين الأمرين بالتقصير إذا جدّ بها السير على ما إذا أنشأ سفراً غير صنعتهما ،
قال : ويكون المراد «بجدّ السير» أن يكون مسيرهما متصلاً، كالحجّ والأسفار التي لا يصدق عليها أنّها صنعته (1)، واستقربه في المدارك وقال : لا يبعد استفادة الحكم من تعليل الإمام (عليه السلام) في صحيحة زرارة بأنّه عملهم".(2)
الرابع : ما نقل عن الذكرى أيضاً أنّه احتمل أن يكون المراد أنّ المكارين يتمّون ما داموا متردّدين في أقلّ من مسافة أو في مسافة غير مقصودة ، فإذا قصدوا مسافة قصّروا (3)، لكن هذا لا يختصّ المكاري و الجمّال به بل كلّ مسافر.(4)
الخامس : ما حكي عن العلّامة في المختلف أنّه قال : الأقرب عندي حمل الحديثين على أنّهما إذا أقاما عشرة أيّامٍ قَصَّرا . (5)
السادس : عن الشهيد الثاني في روض الجنان أنّه حملها على ما إذا قصد المكاري والجمّال المسافة قبل تحقّق الكثرة (6). هذه وجوه ستّة ذكروها في معنى الروايات، إلّا أنّها سوى الأوّلين، بل سوى الأوّل من البعد كما ترى ، ولعلّ الذي دعاهم إلى ارتكاب هذه التأويلات البعيدة مخالفتها بظاهرها للمشهور ، فتصنعوا (7)حتّى يجعلوها طبقاً لقاعدة من القواعد كما نبّه عليه في المصباح ، (8)، ثمّ أيّده بما في مفتاح الكرامة حيث قال (9)اعلم أنه قد ورد
1) ذكرى الشيعة 4 : 317
2) مدارك الأحكام 4 455 . وانظر مصباح الفقيه 2 : 746 .
3) ذكرى الشيعة 4 : 316.
4) مصباح الفقيه 2 : 746 .
5) مختلف الشيعة 3 : 107 . وانظر مصباح الفقيه 2 : 746 .
6) روض الجنان : 390 (الحجرية) . وانظر مصباح الفقيه 2 : 746.
7) في النسخة : «فصنعوا» ، والمثبت هو الأقرب لرسمها ولصحة المعنى .
8) مصباح الفقيه 2 : 746
9) أي صاحب مفتاح الكرامة.
صحيحان صرّح فيهما بأنّ المكاري إذا جدّ به السير قصّر ، فأفتى جماعة من متأخّري المتأخّرين كصاحب المنتقی (1)والمدارك (2)والمفاتيح (3)والذخيرة (4)والحدائق (5)بظاهرهما ، وقالوا : المتّجه الوقوف مع ظاهر اللفظ ، وهو زيادة السير عن القدر المتعارف بحيث يشتمل على مشقّة شديدة فتُخَصَّصُ بها الأخبار الدالّة على أن فرضهم التمام (6).
وفيه : إنّ هذا الظاهر ما وقف أحد من الأصحاب معه ولا عليه ، فظاهرهما شاذّ مأمورون بتركه ، كما أمرنا بترك الخبر الضعيف ، هذا الكلينيّ والشيخ قد حملاهما على من يجعل المنزلين منزلاً (7)، ووافقهما على ذلك جماعة ، وحملها الشهيد تارةً على ما إذا سافرا سفراً غير صنعتها كسفر الحجّ (8)- واستقربه في المدارك (9). وفيه : إنّ الحكم قريب لا التوجيه - وأخرى على أنّ المراد يتّمون ما داموا يتردّدون في أقلّ من مسافة أو مسافة غير مقصودة . وحملها الشهيد الثاني على ما إذا قصدا المسافة قبل تحقّق الكثرة (10)، والمصنّف في المختلف (11)على ما إذا أقاما
1) منتقى الجمان 1: 177
2) مدارك الأحكام 451:4.
3) مفاتيح الشرائع 1: 80.
4) ذخيرة المعاد : 410.
5) الحدائق الناضرة 393:11
6) مفتاح الكرامة 10: 538 .
7) الكافي 3 437 ذيل ح 2 ، التهذيب 3: 215 ذيل ح 529 ، الاستبصار 1: 233 ذيل ح 831.
8) ذكرى الشيعة 307:4
9) مدارك الأحكام 4: 451
10) روض الجنان 391
11) مختلف الشيعة 3 : 107
عشرة أيّام في الوطن أو الموضع الذي يذهبان إليه ، انتهى .(1)
فملخّصه : أنّ ما هو ظاهر الصحيحتين لا يصحّ الوقوف عليه وإن أفتى به جماعة ، وما يصلح للحكم غير ظاهر قد اختلفوا فيه ، وأَوَّلَ كلّ من هؤلاء الأساطين إلى ما ترى، وهذه صحيحة في الحكم لا في التوجيه .
ثمّ استشكل في المصباح عليه :
أوّلاً : بأنّ الشيخ وأتباعه لم يعلم تخطّيهم عن ظاهر الخبرين حتّى يقال : إنّ الجماعة أفتوا بظاهر هما الذي ما وقف معه أحد من الأصحاب ، كما لم يعلم من المتأخّرين الواقفين على ظاهر هما التزامهم بالتقصير فيما دون ما قاله الأصحاب إذا لم يبلغ السير بمقدار يجعل المنزلين منزلاً واحداً، وهذا أدنى ما يتحقّق به زيادة السير عن القدر المتعارف زيادة معتداً بها موجبة لاشتمال السير على مشقّة شديدة (2). وحاصل الكلام أنّ الظاهر من الخبرين يستفاد منه ذلك ، أي جعل المنزلين منزلاً لا أدون من ذلك .
وفيه : إنّ ذلك دعوى - مضافاً إلى أنّه لا برهانُ له عليها - البرهانُ على عدم صحتّها ، وصريح العرف قاض بأنّ نصف المنزل أيضاً إذا زاد في السير فيه نهاية في السير وإسراع فيه مع المشقّة.
وثانياً : إنّه لو سُلّم عدم كونه ظاهراً فارتكاب التأويل - لأجل قرائن داخليّة أو خارجيّة أرشدتهم إليه كما أشار له الشيخ في كلامه المتقدّم - لا يوجب صيرورة الخبر من الشواذّ التي أمرنا بتركها ؛ إذ الشاذّ المأمور بتركه هو الشاذّ من
حيث السند الذي لم يعمل به لمكان سنده، وارتكاب التأويل في تلك الأخبار عين العمل بسندها ، فلا يدخل تحت الشواذّ ، فالذي عنونه الأصحاب من السير الذي فيه خروج عن المتعارف وذو مشقّة شديدة هو الحقّ الذي ينبغي أن يستفاد من القواعد أيضاً كما هو ظاهر الخبرين ، لكنهّما - أي الخبران - لمّا كانا مطلقين نقيّدهما بما في رواية عمران(1)المتقدّمة من جعل المنزلين منزلاً ، ولو فرض إجمال الخبرين واستضعاف رواية عمران ، فالمُحكَّمُ إطلاقات أدلّه التمام على المكاري لا إطلاقات السفر -كما أشرنا في مثله سابقاً - لتُخَصَّص تلك الأدلّة بهذه ، فإطلاق المقيّد مقدّم على إطلاق المقيّد - بالفتح - وهو أدلّة القصر في سفر ثمانية فراسخ ، واللّه أعلم بحقائق الأحكام . (2)
الفرع الخامس : إنّه قد ظهر في مطاوي ما ذكرنا أنّ صِرْفَ العنوان - يعنى المكاراة ونحوها - غير مجدٍ في موضوع هذا الحكم، أعني الإتمام في السفر ، وأنّه لا بدّ من صدق أنّ السفر عمله مع التكرّر كما عرفت ، وقد اشترط أيضاً بعدم كون السفر الذي يتمّ فيه مسبوقاً بإقامة عشرة في الجملة على اختلاف في الأقوال الذي سنشير إليه ، فهاهنا جهتان من البحث :
[الجهة] الأولى : في مدرك أصل الحكم ، أعني قاطعيّة الإقامة لحكم التمام، وهي روايات :
منها : ما رواه الشيخ بإسناده عن يونس بن عبدالرحمن ، عن بعض رجاله ،
عن أبي عبداللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن حدّ المكاري الذي يصوم ويتمّ ؟ قال :
أيّما مكارٍ أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقلّ من عشرة أيّام وجب عليه الصيام والتمام أبداً، وإن كان مقامه في منزله أو في البلد الذي يدخله أكثر من عشرة أيّام فعليه التقصير والإفطار (1).
قال في المصباح : والمراد بأكثر من عشرة- بقرينة المقابلة - ما يعمّ العشرة فما زاد، ويحتمل جري التعبير مجرى الغالب من ندرة تحقّق إقامة العشرة بلا زيادة أصلاً وتعذّر القطع به عادة على تقدير تحقّقه ، انتهى. (2)
والأولى أن يقال كما أشرنا [إليه](3)سابقاً : إنّ الشرطيّتين اللّتين وردتا لبيان حكم نفياً وإثباتاً لموضوع ذي أكثر من صورتين ، فالشرطيّة الثانية إنّما هي متكفّلة لفرد من مصاديق مفهوم الشرطيّة الأولى، وليس لها مفهوم ، بل المفهوم إنّما هو للشرطيّه الأولى فقط ، وهنا كذلك لأنّ من لم يقم أقلّ من عشرة لا يكون له التمام سواء أقام عشرة أو أزيد ، ففي الرواية بيّن فرد من ذلك ، وهو المقيم أزيد من عشرة كما هو واضح . لكنّه نوقش في الرواية بوجهين :
الأوّل : ضعف سندها لأنّها مرسلة.
الثاني : إنّ ظاهرها عدم الفرق في حصول الإقامة في الوطن وغيره من كونها مع النيّة أو بدونها ، وهذا الظاهر مخالف للمشهور ؛ حيث اشترطوا [في ] (4)الإقامة بغير البلد أن تكون مع النيّة لا محالة .
وأجاب في المصباح عن الوجه الأوّل :
أولاً : بعدم الضير فيه ؛ لأنّ ضعف السند مجبور بعمل الأصحاب ؛ إذ الظاهر أنّ العمدة في مستند الأصحاب هو هذه المرسلة ورواية عبد اللّه بن سنان الآتية.
وثانياً : إنّ إرسال يونس لا يوجب الضعف ؛ لأنّه من أصحاب الإجماع لا يروي إلاّ عن ثقة ، فمراسيله كمسانيده .(1)
وفي الوجه الأوّل: منع كون المستند ذلك ؛ لاحتمال أن يكون خبر عبد اللّه الذي روي بنقل الصدوق صحيحا وما تضمّنه صحيح هشام [ هو المستند ](2). وفي الوجه الثاني : عدم كفاية كون يونس من أصحاب الإجماع ؛ لعدم تماميّة هذا الإجماع عندنا ، بل لو لم يكن مدرك عمل الأصحاب في عمل مراسيله ذلك لكان المعتبرُ عملُهم ودليلاً (3)لنا لعدم معلوميّة وجهه ؛ [ إذ من] (4)المحتمل عثورُهُم علی سند صحیح غيره ، فلا محيص عن إشكال ضعف الرواية.
وأجاب عن الثاني بما حاصله : إنّا لو فرضنا اتّحاد سياق اعتبار الإقامة في الشرطيّين ، فلو كان المراد من الإقامة ما يعمّ الإقامة بلا نيّة فنقيّدها بها للإجماع المدّعى في غير وطنه، وإن كان المراد خصوص ما حصل عن نيّة فنعمّمه في الوطن بالإجماعين المنقولين أيضاً، مع إمكان دعوى أنّ معهوديّةَ كون الإقامة في غير البلد مقيّدة بالنيّة في باب انقطاع حكم القصر في السفر مانعةٌ عن انعقاد ظهور الإقامة في غير البلد في الإقامة المطلقة، فيصير من قبيل الكلام المحفوف بما يصلح للقرينة،
فيراد من الإقامة الإقامة المقيّدة بالنيّة ، ثمّ أمر رحمه اللّه بالتأمّل. (1).
ولعلّ وجهه (2)أنّه لا فرق في اللفظة بين المقامين إلاّ من حيث الصيغة ، فمع عدم معهوديّةٍ لقاطعيّة الإقامة في الوطن ، وقد اعتبرت هاهنا ، كيف يستأنس بالإقامة المعتبرة في باب حكم قاطع القصر في السفر ، بل يكون مشعراً بخصوصيّة لها هاهنا لا ربط لها بما هناك ، ولو سُلّم فلا فرق بين الصورتين ، ولا محالة الإقامة عشراً تنصرف إلى المقيّدة بالنيّة .
ومنها : ما رواه الشيخ أيضاً بإسناده عن عبد اللّه بن سنان -بسند غير صحيح - عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : المكاري إن لم يستقرّ في منزله إلّا خمسة أيّام وأقلّ قصّر في سفره بالنهار وأتّم بالليل ، وعليه صوم شهر رمضان ، فإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيّام أو أكثر قصّر في سفره وأفطر (3).
وعن الصدوق في الفقيه أنّه روى هذه الرواية في الصحيح بنحو آخر ، قال : المكاري إذا لم يستقرّ في منزله إلّا خمسة أيّام أو أقلّ قصّر في سفره بالنهار وأتمّ صلاة الليل (4)وعليه صوم شهر رمضان، فإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر وينصرف إلى منزله ويكون له مقام عشرة أيّام أو أكثر قصّر في سفره وأفطر.(5)
ونوقش في هذه الرواية بطريق الشيخ :
أوّلاً : بضعف السند. وأجاب عنه في المصباح بالجبر بعمل الأصحاب(1).
وفيه : ما مرّ [ من] (2)أنّ المحتمل كون مدركهم صحيحة هشام المتقدّمة التي سنشير إلى وجه الاستدلال بها، ولا تكون هذه ولا سابقتها [هي المستند](3).
وثانياً : بأنّه مشتمل على التقصير والقاطعيّة في الأقلّ من خمسة ، ولم يقل به أحدمن الأصحاب.
وثالثاً : إنّها متضمّنة بظاهرها [ أنّه ](4)إذا كان مريداً للإقامة في البلد الذي يذهب إليه أن يقصّر في سفره قبل أن يصل إليه ويقيم.
وأمّا الطريق الذي روى منه الصدوق، فالمناقشة الأُولى غير جارية فيه ، لكن يرد عليها - مضافاً إلى الأخيرتين - أنّها تدلّ على اشتراط الإقامتين في القصر والإفطار فيما يذهب إلى البلد الذي يذهب إليه ولا قائل به.
وأجاب عن الأُولى : بأنّ ترك العمل بهذه الجملة - أى التقصير بالنهار في المقيم أقلّ من خمسة التي تخالف المشهور - لا يوجب سقوط الرواية بأجمعها عن الاعتبار.
وعن الثانية : بأنّ ذكر عشرة لغير البلد والخمسة للبلد إنّما هو على سبيل المثال ولا خصوصيّه لهما، وأنّ الملاك هو العشرة فى أىّ منها بقرينة المقابلة وشهادة سائر الأخبار الدالّة عليها (5).
وأورد عليه بأنّ تبيين الجملة الثانية بالأُولى مع إسقاط الأولى عن الاعتبار لا يتلائمان معاً ، فتأمّل.
وعن الرابع : بأنّ اعتبار العشرتين على سبيل المثال لبيان حكم كلّ سفر يقع بعد الإقامة ، كما في قوله : «خمسة وأقلّ»، بشهادة الإجماع على عدم اعتبار إقامة عشرتين في المقام. واحتمل أيضاً أن يكون المراد من الرواية أنّ المكاري الذي يذهب إلى بلد ويقيم عشرة وينصرف إلى بلده ويقيم عشرة وهكذا فهو ليس سفره مستمرّاً يوجب التمام وعليه الإفطار والتقصير متى كان حاله كذلك (1).
ومنها : صحيحة هشام المتقدّمة : «المكاري والجمّال الذي يختلف وليس له مقام يتمّ الصلاة ويصوم شهر رمضان». (2)
ونوقش فيها بأنّ المراد من «ليس له مقام» المقام العرفي الذي هو ضدّ المسافرة، وكأنّه تفسير لقوله «يختلف» وتأكيد له ، فهو بمنزلة الاحتراز عمّن لم يجعل السفر عمله .
ودعوى أنّ المقام لو لم يكن المراد منه الإقامة الشرعيّة لزم حمله على مطلق الإقامة العرفيّة - التي تصدق مع اليوم وبعض اليوم، فيلزم أن لا يوجد كثير سفر يكون حكمه التمام إلّا نادراً - فممنوعة بأنّ الإقامة العرفيّة لا تصدق على ما ادّعاء، بل لا تصدق على العشرة أو العشرتين إذا لم يكن عن قصد ونيّة ما دام لم يحصل الإعراض عن شغله ، وإنّما بقي كذلك متردّداً لجمع أحماله وكراية دوابّه أو تحويل أثقاله التي جاء بها وغير ذلك.
وفيه : إنّه لا يفهم من الإقامة شيء ممّا وقع في المناقشة ولا في الدعوى ، ويبقى مجملاً .
وقد ذبّ عن إجماله في المصباح بأنّ ما وقع في الروايتين السابقتين من التصريح بانقطاع حكم كثرة السفر بالعشرة رافع للإجمال الواقع في هذه الصحيحة .(1)
فبالجملة : مجموع هذه الروايات ولو باعتضاد بعضها ببعض تدلّ على أنّ إقامة العشرة في الجملة في بلده أو غير بلده موجبة لانقطاع حكم كثرة السفر، وتوجب التقصير والإفطار في الجملة ، فلا ينبغى الإشكال فيه خصوصا بعد [ عدم ](2)معروفيّة خلاف محقّق من أحد في ذلك .
لكن الأستاذ دام ظلّه لمّا لم تتمّ عنده الروايتان إلّا صحيحة هشام المتقدّمة قال : إنّما هي المعتمد لنا وهو ظاهر في الإقامة العرفيّة - لا بالمعنى الذي ادّعاه المناقش، ولا الذي ادّعي عليه من الأعمّ من يوم ويومين ، بل بالتقريب الذي يأتي - وظاهر أيضاً في الإقامة الحاصلة في بلده ، لا الأعمّ منه ومن غيره ؛ إذ ظاهر تعبير أنّه «يختلف إلى فلان ، وليس له مقام» أي يتردّد عنده قريباً قريباً بحيث لا يقع في منزله فيكون له قرار، وهذا كاف في إثبات حكم القصر بالإقامة الغير المنويّة كما هو المستفاد منه في البلد، وأمّا العشرة المنويّة والثلاثون متردّداً فهما مستفادان من أدلّة تنزيل المقيم عشرة في بلد يكون بمنزلتهم ، والمقيم إلى شهر متردّداً يكون بمنزلة أهل ذلك البلد ، وحيث إنّ أهل البلد إذا أرادوا سفراً كان
عليهم التقصير والإفطار، فالمكاري المقيم عشرة منويّة أو ثلاثين متردّداً إذا أنشأ سفراً كان عليه التقصير والإفطار ، وكون المقام في الصحيحة - بعد ما بيّن كونه غير منوي ظاهراً في المقام ببلده لا غير - عبارة عن العشرة وما زاد ؛ إنّه يحتمل مطلق المقام العرفّي غير يوم ويومين الذي لا يصدق عليه المقام عرفاً المردّد بين الأقلّ من العشرة وبين العشرة وما فوقها ، ويحتمل أن يكون العشرة وما فوقها خاصّة .
وعلى كلا التقديرين العشرة وما فوقها متيقنّة أن تكون مرادة إمّا بخصوصها أو في ضمن المطلق، وحيث إنّ مادون العشرة مشكوك أن يكون مراداً ، فالمحكّم فيه إطلاقات أدلّة الإتمام على المكاري لإجمال دليل المقيّد ، ولا يسري إجماله إلى مطلقات أدلّة التمام إذا كان المقيّد المجمل مردّداً بين الأقلّ والأكثر مفهوماً كما في الفرض على ما قرّر في محلّه وأشرنا [إليه ](1)في طيّ بعض الأبحاث السابقة .
قال الأستاد دام ظلّه بعد تقرير ما اختاره من الدليل : هذا ممّا لم يسبقني إليه أحد في الاستدلال في هذا الباب من الأصحاب ، فتدبّر جيّداً.
وكيف كان فالحكم - وهو قاطعيّة العشرة في الوطن وغيره وموجبيّتها للقصر والإفطار - ممّا لا ينبغي أن يشكّ ويستشكل فيه لعدم خلاف محقّق فيه .
الجهة الثانية: هل اللاّزم أن تكون العشرة منويّة في غير البلد أو يكف كيفما اتفقت كما في البلد ؟ الظاهر من أخبار الباب كما سمعت هو الثاني ، لكن المشهور على الأوّل ، واستدلّ لذلك بوجوه :
1) (إليه) من عندنا .
الأوّل : ما حكي عن ثاني الشهيدين رحمهما اللّه في الروض(1)والمحدّث المجلسيّ (رحمه اللّه) في البحار (2)الإجماعُ على عدم كفاية العشرة المتردّدة واعتبار العشرة المنويّة في غير البلد . ورُدّ بعدم حجيّة هذا الإجماع المنقول (3).
الثاني : إنّ اعتبار هذه الإقامة للإخراج عن كونه كثير السفر ، وهو لا يحصل إلاّ بما يقطع به السفر موضوعاً ، وهو إقامة العشرة المنويّة في غير البلد لا بما وقعت متردّدة غير منوية .
وفيه : إنّ انقطاع السفر في باب القصر على المسافر بالعشرة انقطاع حكمّي لا موضوعيّ ، فهي في بابها تعبّد محض لا يسري إلى باب آخر (4)قال في المستند بعد ردّ الوجهين بما يقرب ممّا ذكرنا : نعم ، لو ثبت الإجماع على ذلك لكان متبّعاً ، لكنَّ الكلامَ بعدُ في ثبوته ، كيف ؟! وظاهرُ إطلاق كلام النافع (5)تساوي إقامة العشرة في البلد وغيره، وعدم اشتراط النيّة في شيء من الإقامتين، ونسب بعض إلحاق العشرة المنويّة بالعشرة البلديّة إلى الفاضلين ومن تأخّر عنهما (6)المشعر بعدم القول بها قبلهم وممّن تقدّم عليهم، فكيف يثبت مع ذلك الإجماع ؟! فالقول بكفاية إقامة العشرة مطلقاً في البلد وغيره قويّ غايته ، انتهى. (7)الثالث : ما ذكر في المصباح واختاره : إنّ معهوديّة كون الإقامة في غير بلده
1) روض الجنان : 391(الحجرية).
2) بحار الأنوار 86: 22 و 25 ، وحكاه عنه في المستند 8: 283
3) انظر مثل هذا الاستدلال والردّ في مصباح الفقيه 2: 748.
4) انظر مثل هذا الاستدلال والإشكال عليه في مصباح الفقيه 2 : 748 0
5) المختصر النافع : 51
6) كالمحقق السبزواري في الذخيرة : 410، وصاحب الحدائق 11: 395.
7) مستند الشيعة 8 283 . ونقله عنه في مصباح الفقيه 2 : 748 .
قاطعةً للحكم لا مطلق المكث كيفما كان ، ورافعةً لرفع ما ثبت من سفره عليه ، موجبةٌ (1)للتشكيك في إرادة الإقامة الغير المنويّة التي لا أثر لها شرعاً من الإطلاق ، فلا ينعقد ظهور في المطلق بعد معهوديّتها في الذهن مع النيّة، فيشكل حينئذٍ رفع اليد عن إطلاق ما يقتضي وجوب التمام على من عمله السفر - في غير المتيّقن إرادته ممّن حصل منه الإقامة في غير بلده، التي [هي ] المقيمُ عشرةٌ منويّة أو ثلاثينَ متردّداً - فما ذهب إليه المشهور من وجوب القصر على الذي سافر بعد إقامة منويّة أو ثلاثين متردّداً هو الذي ينبغي أن يقتصر عليه ، وفي غيره يحكم بإطلاقات أدّلة التمام على من عمله السفر . ثمّ قال : لكن لا ينبغي ترك الاحتياط بالجمع بين القصر والإتمام . (2)
وفيه : إنّ تعيّن بعض الخطابات في معنى لا يوجب انصرافاً أو تشكيكاً أو إجمالاً في البعض الآخر ما لم يكن في ذاته ما يوجب الإجمال، والحاصل : أنّ الخطابات المنفصلة عمّا يصلح للقرينيّة باقية على ظهوراتها بعد انعقاد الظهور في مداليلها عرفاً ، فلا تصير أخبار الإقامة هناك التي ثبت القصد فيها بقرائن خارجية لا بنفس لفظ الإقامة موجبة لإجمالها في هذا الباب ، بل الوجه في ثبوت النسبة وإلحاق المتردّد ثلاثين يوماً هو ما بيّنا.
الجهة الثالثة : إذا حصلت منه الإقامة في بلده أو غير بلده ، فهل يقتصر في التقصير والإفطار على الأولى ويتمّ في الثانية ، أو يقصّر فيها أيضاً حتّى ينشئ
السفرة الثالثة فيتمّ فيها ؟ قولان ، نسب الأوّل إلى [الحلّيٌ ] وكثير من المتأخّرين، (1)والثاني إلى الشهيد (2)وجماعة ممّن تأخّر عنه (3)، واختار في المصباح الأوّل وقواه (4).
وقد استدلّ للأوّل بوجوه :
الأول : إنّ غاية ما يستفاد من أدّلة القاطعية ليس إلّا السفرة الأُولى التي هي عقيب الإقامة ، وما سواها لم يعلم من تلك الطائفة ، فيبق ما عدا الأولى مندرجاً تحت عموم حكم التمام والصيام على من عمله السفر ، وهو حجّة فيه .
الثاني : إنّ المستفاد من مرسلة يونس (5)بل رواية ابن سنان (6)المتقدّمتين هو ذلك ؛ إذ هما في مقام ضرب قاعدة وتعيين ضابطة يَعْرِفُ بها المكاري - الذي عمله السفر - تكليفَهُ في جميع أسفاره ، وقد ذكر فيهما أنّ من أقام في أحد المقامين أقلّ من عشرة أيّام أو لم يستقرّ في أحدهما عشرة - بناءً على كون الخمسة وأقلّ على سبيل المثال - يتمّ في صلاته ويصوم شهر رمضان ، وإن لم يقم أو استقرّ كذلك فيقصّر ويفطر في سفره ، فمن أقام عشرة وأنشأ سفراً بعد أن كان تحقّق عنوان الموضوع بالاختلاف وغيره قصّر في سفرته هذه ، فإذا أنشأ سفراً بعد هذا السفر ولم يكن
1) مصباح الفقيه 2 : 748.
2) انظر شرح اللمعة 1: 784 . اللمعة :1: 784 بالدفاع الامنية
3) انظر رياض المسائل 430:4 .
4) مصباح الفقيه 4: 749 .
5) التهذيب 4 : 219 ح 639 ، الاستبصار 1: 234 - 837، الوسائل 8: 488 أبواب صلاة المسافر ب12ح1
6) برواية الشيخ في التهذيب 3: 216 ح 531 والاستبصار 1: 234 - 836، والصدوق في الفقيه 1: 281 ح 1278.
أقام صدق عليه الجملة الشرطيّة الأُولى في الروايتين ، كما أنّه صدق عليه في السفرة
الأولى شرطيّة الثانية .
والحاصل : إنّ مقتضى قوله : «أيّما مكارٍ أقام أقلّ من عشرة أتمّ» ، أنّ السفر الذي بعد هذه الإقامة الغير البالغة عشراً متّصلاً بها ينبغي أن يتمّ فيه ، كما أنّ مقابله أيضاً في السفر الذي بعد الإقامة عشراً متّصلاً بها ينبغي التقصير فيه بقرينة المقابلة، فكلما حصلت الإقامة دخلت في الشرطيّة الثانيّة وإلا كان محكوماً بالشرطيّة الأولى.
الثالث: استصحاب وجوب التمام، فإن صار السفر ثانياً لانقطاع الأوّل بالمرور على الوطن ولم يقم فيه فقد كان في الوطن حكمه التمام وفي السفر عنه یستصحب ذلك ، وإن كان قد انقطع بقصد الإقامة في غير الوطن ولم يتمّها ، فمن حيث إنّه قصد الإقامة وجب عليه التمام، ومن حيث إنه لم يتمها عشراً لم يدخل في السفرة الثانية في الشرطيّة الثانية ، فيستصحب حكم التمام الذي ثبت في حقّه في محل الإقامة .
وقد أورد عليه في المصباح :
أوّلاً : بأنّ ثبوت حكم التمام في حقّه إنّما كان لأجل انقطاع سفره بالمرور على الوطن ، وإذا كان كذلك أتمّ لكونه حاضراً، وإذا سافر تبدّل هذا الموضوع بموضوع آخر ، فلا يصحّ إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر .
وثانياً : بأنّه قد يقال : إنّ هذا الاستصحاب محكوم باستصحاب حكم القصر التعليقّي الذي كان في حقّه ، حيث إنّه إذا حصل منه الإقامة ولم يخرج كان في حقّه أنّه لو سافر لقصّر، فإذا سافر وانقطع سفره هذا ثمّ أنشأ سفراً آخر ولم يعلم أنّه يتمّ أو
يقصر أُجري في حقّه هذا الاستصحاب . كما أنّ العنب إذا غلى يحرم ، وإذا طرأ عليه وصف الزبيبّية ثمّ غلى لم يعلم أنّه يحلّ أو يحرم ، يحكم أنّ هذا الزبيب يحرم بالغليان . فوصف الحضور وانقطاع سفره ليس إلّا كوصف الزبيبّية موجباً للشكّ في انتفاء حكم الحرمة وارتفاعها ، فيستصحب هناك وكذلك هنا . ثمّ دَفَعَهُ بأنّ ذلك شكّ في المقتضي ، وليس الاستصحاب فيه بحجّة (1).
وفیه: انّه لو فرض صحّة جريان هذا الاستصحاب -كما هو الحقّ لو لم يكن دليل اجتهاديّ في البين - فليس الشكّ في المقتضى محذوراً لجريان ذلك ، وهذا عليه كلام في أصل المبنى الأُصوليّ، ، ومع ذلك ليس جريانه وتقديمه على استصحاب التمام من باب الحكومة على ما أشار [إليه ] (2)الأستاذ بما قرّره في الأصول من أنّ تقديم الاستصحاب التعليقّي على التنجيزيّ ليس من باب الحكومة بل من باب الورود ، وليس هنا محلّ ذكره.
هذا كلّه ما استدلّ به للقول بوجوب التمام في السفرة الثانية.
واستدلّ لوجوب القصر فيها أيضاً بأُمور :
الأوّل : ما ذكر من الاستصحاب .
وأورد عليه في المصباح : إنّه بعد الغضّ عمّا عرفت من أنّ مقتضى الأصل هو الأخذ بإطلاق أدلّة وجوب التمام على من عمله السفر - لعدم قصورها عن شموله حتّى تصل النوبة إلى الأصل العملىّ، إن لم نقل بأنّ ظواهر المقيّدات أيضاً يساعد
على وجوب التمام - ما قرّرنا أنّ الشكّ في المقتضي وليس الاستصحاب فيه بحجّة حيثما شكّ في دخل وصف أو حال في موضوع الحكم .(1)
وفيه : ما عرفت من المناقشة في هذا المبنى .
الثاني: ما استدلّ الشهيد في الذكرى بزوال الاسم والعنوان واحتياج عوده إلى سفرات ثلاث على الأصل الذي له ؛ من دخل الاسم في العنوان الذي علّق عليه الحكم ، فقال ما هذا لفظه : وربّما قيل : إذا كان الاسم صادقا عليهم فخرجوا المقام عشرة ثمّ عادوا إلى السفر اكتفي بالمرّتين، وإن كانوا مبتدئي السفر فلا بدّ من الثلاثة ، وهو ضعيف؛ لأنّ الاسم قد زال، فهو الآن كالمبتدأ، لأنّه لو لم يزل وجب عليه الإتمام عقيب إقامة العشرة في السفرة الأولى، انتهى (2).
وأورد عليه في المصباح بأنّ الإقامة المزبورة ليست منافية لصدق شيء من العناوين المعلّق عليها الحكم في النصوص والفتاوى ، سواء قلنا بأنّ الملاك تلك العناوين أو كثرة السفر أو أكثريّته أو كون السفر عملاً له ، لكنّه رفعنا اليد عن أدلّة وجوب التمام وإطلاقها الشامل لصورة الإقامة للنصوص الخاصّة، فيقتصر على المورد المتيّقن منها ، ولا يقاس عليه غيره ، بل الإطلاق في غير السفر الأوّل هو المحكَّم(3).
الثالث ما نقل في المصباح عن شيخه المرتضى الأنصاريّ( قدّس سرّه)، وهو أنّ الاختلاف الذي أخذ في الصحيحة (4)قيداً للموضوع لا بدّ أن لا تتخلّل في أثنائه
الإقامة ، حيث أخذ الموضوع في الصحيحة كذلك ، وإنّما يتحقّق وصف الاختلاف للمكاري بإتمام السفرة الثانية التي لم يتخلّل بينها وبين الأولى إقامة ثمّ يتمّ في السفرة الثالثة ، والثانية التي تحقّقت قبل أولاها الإقامة لا يصدق عليه المكاري الذي ليس له مقام ، بل له مقام ؛ إذ الاختلاف السابق لا يحسب شيئاً بعد الإقامة ، فلا تكون الثانية هذه إلّا محققّة للموضوع بقيوده التي أُخذت في الرواية بتقريب ما مرّ، فلا يكون له في هذه السفرة إلّا القصر وفي الثالثة عليه التمام والصيام .
وأورد عليه في المصباح بأنّ أخذ الاختلاف في الرواية ليس للاحتراز ، وإنّما وصف للمكاري والجمّال من اللوازم العادية له لا يفهم منه إلّا التوطئة لذكر ثبوت المقام واعتباره له والتنبيه على أنّ المكاري الذي لا يستقرّ في عمله ولا يداوم ليس موضوعاً لهذا الحكم، بل الذي يستمرّ على عمله ويستقرّ عليه ، وهذا العنوان مادام لم تتحقّق منه الإقامة في البين عشرة أيّام، فإن تحقّقت فهل يزول العنوان رأساً بحيث يحتاج إلى تكرّر واختلاف ثانياً أو لا يضرّ الإقامة به ، والقصر إنّما هو حكم تعبّدي في السفرة الأولى لا يشمل الثانية ولا تتعرض الصحيحةُ له ، ولمّا لم ينفهم من أدلّة الإقامة ظهوراً أو قدراً متيقّناً خروجُ أزيد من السفر المتّصل بما بعد الإقامة يختصّ القصر به والسفرُ الثاني محكوم بالتمام لإطلاق أدلته. (1)
و في كلام الشيخ:
أوّلاً : إنّ الاختلاف إذا سلَّمتَ حصوله في السفر الثاني فلابدّ من فعليّة الحكم - أي وجوب التمام - حين تلبسه بالثاني لا تأخّره إلى السفر الثالث .
وثانياً : إنّ الاختلاف لمّا تحقّق لا يرتفع بمجرّد إقامة عشرة أيّام ، كيف ؟! وإنّ
1) مصباح الفقيه 2 : 0749
العرف لا يفرّقون بين التسعة أيّام ونصف لو أقامها وبين العشرة التامّة ، فإن كان يخرج فلا بدّ أن يكون بكليهما ، ولا يقول بالأوّل لا أنت ولا نحن.
ثمّ في جواب المصباح :
[أولاً : ] (1)إنّ الاختلاف ليس من اللوازم العادية للمكاري وإلّا لم يصدق المكاري عرفاً إلّا مع الاختلاف؛ إذ اللوازم العادية كالعلامة بل كالدخيل في صدق العناوين بنظر العرف، وقد ادّعى هو ونحن أنّ الصدق لا يدور مداره.
وثانياً : إنّه كيفما كان أخذ الاختلاف - احترازيّاً أو توطئيّاً حيث لا يضرّه إقامة العشرة - يصلح أن يمنع كلام الشيخ (رحمه اللّه) من هذه الجهة ، ولا حاجة إلى أن يتعب نفسه في إثبات أنّ القيد ليس للاحتراز .
الجهة الرابعة : هل يختصّ حكم القصر بعد الإقامة بالمكاري أو يعمّ كلّ من عمله السفر ؟ قيل : بالأوّل لاختصاص أخبار تقصيره به (2)، فلا يتعدّى إلى غيره بعد إطلاق وجوب التمام الذي يشمل غيره، ويشكّ في اشتمال التخصيص له، لكّن المشهور هو الثاني (3)، بل في الجواهر بعد أن صرّح بعدم الفرق بينه وبين غيره قال : بلا خلاف محقّق أجده فيه ، وإن اختصّ النصّ بالأوّل ؛ لعموم معقد الإجماع والقطع بعدم الفرق بعد أن كان المناط عمليّة السفر المنقطع حكمها بإقامة العشرة (4). قال في المصباح : ويؤيّده توصيف الجابي ب- «الذي يدور في جبايته»، والأمير ب- «الذي يدور في إمارته» ، والتاجر ب- «الذي يدور في تجارته»، فإنّ
المنساق منها ليس إلّا ما يتبادر من الصحيحة في توصيف الجمّال والمكاري بالاختلاف الذي ليس معه مقام (1).
وفيه : إنّ في هذا التأييد خفاءٌ ، والإجماع الذي ادّعي عموم معقده لا يثمر لنا محصّله فضلاً عن المنقول ، لاحتمال كون مدركهم دعوى القطع بعدم الفرق . لكنّ هذه الدعوى قويّة جدّاً، فهو المعتمد لتسرية هذا الحكم إلى كلّ من عمله السفر. ثمّ على القول بالاختصاص، فهل يعمّ الملّاح والأجير وسائق السيّارات المعمولة في زماننا هذا ، وإن كان له اسم خاصّ كما لأخويه أو يختصّ بمن يكري الدوابّ ؟ وجهان ، من دعوى القطع بعدم الفرق ، [ و ] (2)من جهة عدم إطلاق هذا الاسم على سوى مَنْ يكري الدوابّ ، ولو سُلَّم إطلاقه عليهم أيضاً أحياناً فلا أقلّ من إنصرافه عنهم في الرواية لغلبة الاستعمال فيمن سواهم ، وهو الأظهر. (3)ولو أقام خمساً فكالعشرة في ثبوت حكم التقصير له أو لا ؟ قولان ، نسب الأول - أي التقصير في صلاة النهار فقط والإتمام في صلاة الليل والصيام - إلى الشيخ وابني حمزة والبرّاج: (4) لقوله (عليه السلام) في رواية أو صحيحة ابن سنان المتقدّمة : «المكاري إن لم يستقرّ في منزله إلا خمسة أيّام أو أقلّ قصّر في سفره بالنهار وأتمّ صلاته بالليل وعليه صوم شهر رمضان» . (5)
وفيه وجوه من الضعف :
الأوّل : ضعف سنده على طريق (1)كما قرّرناه .
الثاني : شذوذ هذه الجملة ؛ لعدم عمل الأصحاب بها في الأقلّ من خمسة عدا بعض متأخّري المتأخّرين كصاحب الذخيرة (2)وبعض من تأخّر عنه ممّن لا يقدح عمله في خروج الرواية عن الشذوذ .
الثالث : إنّ العمومات التي فُرِضَ هذا مخصّصاً لها إنّما وردت بكثرتها في مقام الحاجة والابتلاء، فتأخير مخصّصها وانفصاله عنها تأخير البيان عن وقت الحاجة .(3)
وفيه : إنّ أمثال ذلك كثير في الكتاب والسنّة ، وحلّه أنّ العامّ في مورد التخصيص يكون حكماً ظاهريّاً لمصلحةٍ يرتفع بعد مجيء المخصّص وإن طالت المدّة وأُخّر عن وقت الحاجة ، كما نتّنها عليه في مسألة الاستيطان. (4)
الرابع : إنّ بعض تلك العمومات قِيلَ على نحو يأبى عن التخصيص ، مثل قوله (عليه السلام) في مقام إعطاء الضابط: «أيّما مكار أقام في بلده أقلّ من عشرة أيّام وجب عليه الصيام والتمام أبدا» (5)الخبر ، ولا دليل لتخصيص أقلّ من العشرة بالخمسة ، مع أنّه مخالف لعموم المعتبرة الدالّة على الملازمة بين التقصير والإفطار
1) وهو طريق الشيخ الطوسي في التهذيب 3: 216 ح 531 ، والاستبصار 1: 234 - 836.
2) ذخيرة المعاد : 410
3) انظر الوجهين الثاني والثالث في مصباح الفقيه 2 : 749 - 0750
4) مسألة الاستيطان ساقط محلّها من النسخة
5) وهي مرسلة يونس ، انظرها في تهذيب الأحكام 4 : 219/ 639 ولفظه : «ايما مكارٍ أقام في منزله أو في البلد الذي يدخله أقل من عشرة أيام وجب عليه الصيام والتمام أبداً».
كقوله (عليه السلام) : «إذا قصّرت أفطرت وإذا أفطرت قصّرت». (1)
وفيه : إنّه لا ملازمة ، كما يُرّى تفكيكها في من سافر بعد الزوال من يوم
الصوم فعليه إتمام الصيام إلى الليل لكن يقصّر في صلاته لو لم يصلّ تماماً قبل أن يسافر على أصحّ القولين.
الخامس : الإجماع على عدم الرخصة فى الأقلّ من العشرة . نعم ، لو لم يكن ذلك لأمكن القول به في مقام الجمع بين الأخبار وأنّه يجوز لا على نحو الفرض ، أمّا القول بأنّه في الخمسة يقصّر مطلقاً لا العشرة فهو محكيّ عن الإسكافيّ فقط ، (2)، ولم نقف على مستنده فهو أضعف من القول بالتفصيل وإن كان في إطلاق التقصير أوفق بالقواعد (3)، واللّه أعلم بحقائق الأحكام .
جواز المسافر عن حدّ الترخّص ، وقبله فلا قصر على المشهور،(1)وحكي عن والد الصدوق كفاية الخروج من المنزل .(2)
ويدلّ على الأوّل جملة من الأخبار :
کصحیح ابن مسلم، قال : قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام) : رجل يريد السفر ، متى يقصّر ؟ قال : إذا توارى من البيوت (3).
و صحيح ابن سنان ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : سألته عن التقصير ، قال : إذا كنت في الموضع الذي تسمع [فيه] الأذان فأتمّ، وإذا كنت في موضع لا تسمع الأذان فيه فقصّر ، وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك .(4)وصحيح البرقيّ، عن حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : إذا سمع الأذان أتم المسافر. (5)
1) انظر المهذب لابن البراج 1 : 106 ، المراسم لسلار : 75 ، البيان للشهيد : 264، الروضة البهية 787 :1
2) تقله عنه العلّامة في المختلف 3: 110، والشهيد في الذكرى .
3) الكافي 3 434 1 ، الفقيه 1 : 279 - 1267، الوسائل 8 470 أبواب صلاة المسافر ب 6 ح 1
4) التهذيب 4 : 224 - 659 ، الاستبصار 1: 226 - 803 ، الوسائل 8: 472 أبواب صلاة المسافر ب6 ح3.
5) المحاسن 2 : 371/ ح 127 ، الوسائل :: 473 أبواب صلاة المسافر ب6 ح 7.
وموثّق إسحاق بن عمّار المتقدّم في تحديد مقدار المسافة ، وفيه : أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه ؟ قال : بلى، الحديث .(1)
ويدلّ على اعتبار خفاء الأذان الفقه الرضويّ (2)أيضاً.
ولا يعارضها مرسل الصدوق، عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال : إذا خرجت من منزلك فقصّر إلى أن تعود .(3)
ومرسل حمّاد ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) - في الرجل يخرج مسافراً - قال :
يقصّر إذا خرج من البيوت . (4)
وخبر عليّ بن يقطين، عن أبي الحسن (عليه السلام) : في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله ؟ قال : إذا حدّث نفسه في الليل السفر أفطر إذا خرج من منزله. (5)
أمّا(6)لكونها ظاهرة بحسب الإطلاق فيجب تقييدها بالأخبار المتقدّمة . أو لكونها معارضة بها، والترجيح لها لكونها مطابقة للمشهور. لكنّ فيه تأمّلاً؛ لأنّ عملهم لا يكون مرجّحاً، مع أنّها موافقة للقرآن .
أو لكونها موافقة لبعض العامّة. وفيه أيضاً منع ؛ لأنّ موافقة القرآن مقدّمة
1) علل الشرائع : 367 ح 1 ، الوسائل 8: 466 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 11.
2) الفقه الرضوي : 159 . وفيه : «فإن كان أكثر من بريد فالتقصير واجب إذا غاب عنك أذان مصرك».
3) الفقيه 1: 279 - 1268 ، الوسائل 8: 475 أبواب صلاة المسافر ب7ح 5.
4) المحاسن 2 : 371 ح 125 ، الوسائل 8: 473 أبواب صلاة المسافر ب6 ح 9.
5) الاستبصار2 :98ح3
6) بيان لوجه عدم معارضة مرسل الصدوق ومرسل حماد وخبر علي بن يقطين للأخبار المتقدمة.
على مخالفة العامّة بناءً على المختار، وعلى القول بعموم الملاك ، فلا مرجّح في البين
للمزاحمة.
والعمدة هو الوجه الأوّل، لكن ربّما يتوهّم عدم جريانه بالنسبة إلى خبر علىّ بن يقطين؛ لأنّ النسبة بينه وبين الأخبار المتقدّمة هي العموم من وجه ، لكونه وارداً فيمن حدث نفسه السَّفر من الليل ، ومادة التعارض ما حدث نفسه ذلك من الليل مع كون حركته قبل حدّ الترخّص . إلّا أنّه مندفع بأنّ حمل الأخبار المتقدّمة موجب لحملها على الأفراد النادرة ، لأنّ الغالب حدوث النيّة من الليل أو قبله ، فلا بدّ من تخصيصه بها .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه يقع الكلام في حدّ الترخّص من جهات :
[ الجهة ]الأولى : إنّ المتعرّض لمسألة التواري منحصر في صحيح ابن مسلم ، وقد جعل الملاك فيه توارى الرجل عن البيوت لا تواري البيوت عنه كما عبّر به - أي الثاني - الأصحابُ (1)، وبينهما فرق بيّن؛ لأنّ تواري الشخص عن بيوت البلد عبارة عن مستوريته عن أهلها ، وهذه تحصل في ربع فرسخ ، بخلاف تواري البيوت عنه فإنّه عبارة عن مستوريّة البيوت عنه ، والبيوت ترى من فرسخ بل فرسخين بل من الأزيد أيضاً.
وبيّن في المصباح سرّ تعبير الأصحاب بما ذكروه بقوله : فكأنّ الأصحاب لمّا رأوا ورود هذه الرواية في مقام التحديد، ولا طريق لمن غاب عن البيوت إلى معرفة غيبوبته عنها في العادة إلّا بالمقايسة إلى ما يختفي [عليه ] من تفاصيل أشكال البيوت والجدران المائزة بين قبابها، بعضها عن بعض، وغير ذلك من التفاصيل
1) (1) انظر الحدائق 406:11
التي لا يختلف استتارها عن الشخص عن استتار الشخص عن البيوت ، فهموا أنّ المراد بهذا التحديد تعرّف حاله باختفاء تفاصيل جدران البلد عليه فجعلوه مناطاً للحكم ، فمرادهم باختفاء الجدران هو هذا المعنى (1). لكن عدم الطريق إلى استتار الشخص غالباً بغير معرفة تفاصيل الجدران ممنوع .
[ الجهة ] الثانيّة : إنّك قد عرفت أنّ أخبار التحديد على طائفتين ، والجمع بينهما بأحد وجوه:
الأوّل : كفاية أحدهما ، فأيّهما حصل ثبت وجوب القصر ولو لم يتحقّق الآخر، وهذا الوجه منسوب إلى المشهور بين القدماء بل مطلقاً على ما ادّعاه بعض (2)، وهذا مبنيّ على ما قرّر في الأصول فيما إذا اتّحد الجزاء وتعدّد الشرط وما تقتضى القاعدة في مثله. (3)
وفيه : ما يأتي نقله عن شيخنا المرتضى.
الثاني : اعتبار كلا الأمرين ، نسب إلى أكثر المتأخريّن (4) وعن السيّد والشيخ في الخلاف ، (5)وله وجهان:
أحدهما : دعوى أنّ القاعدة في ما [ إذا ] (6).تعدّد الشروط والأسباب اعتبار كلا الشرطين أو جميعها ، وقد قرّرنا في الأُصول أنّ القاعدة اعتبار كلّ واحد .
الثاني : ما ذكره شيخنا المرتضى في مقام الاعتراض على الأوّل: وهذا الجمع حسن لو كان المقام مقام بيان السبب [ للتقصير ] كما في أسباب الوضوء والغسل وغيرهما، وأمّا إذا كان مقام التحديد وبيان حقيقة الشيء كما في المقام فلا ، إذ لا يصحّ أن يكون لشيء حدّان أحدهما أقلّ وهو خفاء الأذان من الآخر وهو خفاء الجدران، ولعلّه لذا عكس المتأخّرون الجمع بين الصحيحتين فاعتبروا خفاءالأمرين ، انتهى(1).
وفيه :
أوّلاً : إنّ هذا الجمع ليس عرفيّاً .
وثانياً : إنه لو كان الحدّان مختلفين بالأقليّة والأكثريّة وأحدهما دائماً يحصل قبل الآخر فاعتبار الأقلّ يكون لغواً، فلو فرض مساعدة العرف عليه أيضاً فلا بدّ من رفع اليد عنه لحكم العقل المستقلّ بأنّ الشارع الحكيم لا يصدر عنه اللغو.
الثالث : ما ذكره في المصباح بعد كلام الشيخ ، وحاصله : إنّ مراد المتأخّرين اعتبار كليهما ، لكن إذا علم تحقّق واحد وشكّ في الآخر يحكم بالقصر لكون ذلك أمارة عليه بمقتضى الغلبة في تحقّقها في زمان واحد. (2)
والفرق بينه وبين ما ذكره الشيخ يظهر في الشكّ في تحقّق أحدهما مع العلم بتحقّق الآخر ، فإنّه بناء على ما ذكره الشيخ يرجع إلى الأُصول، فيحكم في الذهاب بالتمام وفي العود بالقصر ، عملاً بالاستصحاب، وأمّا بناءً على ما ذكره في المصباح يكون كالعلم بوجود الآخر المشكوك . وكيف كان يرد عليه الوجهان اللذان
أوردناهما على ما ذكره الشيخ ، مضافاً إلى حصول العلم بأنّ خفاء الأذان دائماً يكون سابقاً ، مع أنّ الأماريّة محتاجة إلى دليل ، وهو مفقود .
الرابع: ما اختاره في المصباح من أنّ الملاك هو خفاء الأذان، وتواري الجدران أمارة عليه (1). وهذا هو المختار لا لما ذكره في المصباح - من أنّ خفاء الجدران أخصّ من خفاء الأذان ، لأنّ خفاء الجدران ملازم مع تحقّق خفاء الأذان قبله ، بخلاف خفاء الأذان فإنّه أعمّ منه ، لأنّه قد يتحقّق مع خفاء الجدران وقد يتحقّق بدونه ، وحينئذٍ لا يكون مفهوم صحيح ابن سنان معارضاً لمنطوق صحيح ابن مسلم ؛ لأنّ مفهوم الأعمّ لا يعارض المنطوق الذي هو أخصّ ، لكنّ مفهوم صحیح ابن مسلم معارض لمنطوق صحیح ابن سنان ،فاللّازم تقييد مفهومه بمنطوق صحيح ابن سنان ، فعدم القصريّة مع عدم خفاء الجدران لا يكون إلّا إذا عدم خفاء الأذان أيضاً وهذا عبارة أخرى عن كون الملاك هو خفاء الأذان وجوداً وعدماً . نعم يحكم بالقصر عند خفاء الجدران لكونه كاشفاً قطعيّاً عن سبق خفاء الأذان . نعم لو فرض لخفاء الجدران أعمّيّة كما لو عمّمناه لما كان لحائل ونحوه فربّما يجتمع حينئذٍ مع خفاء الأذان لكنّه ليس عامّاً له كما ذكره الأصحاب ، انتهى (2). وفيه : إنّه إذا فرض سبق خفاء الأذان دائماً كيف يكون خفاء الأذان أعمّ ؟! فلا يكون في البين أعميّة لا من هذا الجانب ولا من الآخر - بل (3)لأنّ الحدّين لمّا كانا مختلفين بالأقليّة والأكثريّة يفهم العرف من ذلك أنّ الميزان هو الأقلّ ، وأنّ الأكثر قد ذكر لكونه كاشفاً قطعيّاً.
الخامس : ما حكي عن المفيد والديلميّ والحليّ (1)من أنّ المدار على خفاء الأذان بلا ذكر أماريّة التواري . وهو متّجه لو لم يكن العرف قاضياً بالجمع الذي ذكرنا ، ولأنّه بعد التعارض لا بدّ من تقديم ما يدلّ على اعتبار خفاء الأذان ؛ لأكثريّتِهِ وموافقِتِه للقرآن .
السادس : ما حكي عن المقنع (2)من اعتبار خصوص التواري . ولا وجه له كماکیا علم ممّا سبق.
انّ الملاک في سماع الأذان و کذا في الرؤیتة علی المعتاد من السمع والبصر ؛ لفهم العرف ، وفاقدهما يقدّرهما ، كما يقدّر عدم الحائل لو كان في البين حائل ،كلّ ذلك لفهم العرف .
لكن هل المراد من سماع الأذان سماع الصوت مجرّداً، أو سماعه على وجه يميّزه عن سائر الأصوات بل يميّز فصوله بعضها عن بعض ؟ وجهان - مبنيّان على أنّ ذكر الأذان من باب كونه أرفع أصوات البلد بحسب الغالب ، وإلّا فالملاك مطلق الصوت الرفيع ، وحينئذٍ فلا وجه للأوّل - أقربهما الأوّل .
وكذا الكلام في الرؤية ، فهل المراد مشاهدة السواد ، أو بحيث يفصّل أشكال الجدران بعضها عن بعض ؟ أقربها الأخير ؛ لما تقدّم سابقاً من أنّ قضيّة النصّ اعتبار تواري الشخص عن البيوت، وإنّما وقع التعبير بتواري الجدران عنه لكونه طريقاً إليه غالباً، وحينئذٍ لا معنى لاعتبار رؤية السواد لأنّه يرى من ثلاثة فراسخ بل أزيد أيضاً .
واستدّل في المصباح بما في بعض الأخبار من أنّ النبيّ (صلى اللّه عليه وآله) وكذا الوصيّ إذا سافر فرسخاً قصر (1). وتماميّته موقوفة على صحّة ذلك سنداً، وهو غير معلوم .
ثمّ [ إنّ ] المعتبر خفاؤهما مطلقاً حتّى من الناحية [التي ] خرج منها لا خصوص خفاء أذان محلّته أو خفاء جدرانها ؛ لإطلاق النصّ، ولا فرق في ذلك بين البلاد الصغيرة والكبيرة والمتوسّطة . نعم ، ربّما يقع الإشكال فيما كان كبر البلد على خلاف المتعارف لاسيّما إذا كانت محلّاتها منفصلة ، ولذا احتاط فيه في المصباح بتأخير الصلاة أو الجمع بين القصر و التمام (2)، والأقوى فيه كون الحدّ ملحوظاً من المحلّة لاسيّما إذا كانت المحلّات منفصلة .
إنّه هل يعتبر حدّ الترخّص فى غير الوطن كما يعتبر فيه أم لا أو يفصّل ؟ والتحقيق هو الأخير، وتوضيحه : إنّه يعتبر في الخروج عن محلّ الإقامة ؛ لا لما ذكره في المدارك (3)- من عموم صحيح محمد بن مسلم (4)، إذ فيه أوّلاً : إنّ قوله : «يريد السفر» ظاهر في إرادته حدوثاً، والمقيم لا يريد حدوثه ، نعم لو قلنا بأنّ الإقامة قاطعة له حقيقة لا حكماً لكان لما ذكر وجه ، وثانياً : إنّه لو كان عامّاً فليكن كذلك صحيح ابن سنان والبرقي (5)إذ لا فرق بينهما وبينه أصلاً - بل
لعموم تنزيله منزلة أهل البلد في صحيح زرارة (1)، ولا يصغى إلى ما في الجواهر - من أنّه قد يشكّ في شمول التشبيه له ، بل قد يدّعى أنّ المنساق منه غيره (2)- إذ فيه أنّه ليس من باب التشبيه، بل من باب التنزيل، فراجع .
ومنه يظهر ضعف القول بأنّه يقصّر بمحض الضرب في الأرض كما نقل عن شيخنا المرتضى تمسّكاً بعمومات تقصير المسافر. (3)وكذا ما في المصباح من أنّه يقصر عند الخروج عن حدود البلد : فإنّ الالتزام بالقصر بمجرّد الضرب في الأرض ما لم يخرج عن حدود البلد خصوصاً فيما [لو ] أخذ في الضرب ثمّ بداله أن يبقى يوماً أو يومين في بعض بيوتاته الغير الخارجة عن حدودها لا يخلو من إشكال ، بل لا يبعد أن يدّعى ظهور ما دلّ على وجوب التمام - على من نوى الإقامة [في بلد ] وصلّى صلاة تامّة حتى يخرج [من محل إقامته ] - في خلافه ... [ وكيف كان ] فإن أمكن الالتزام باعتبار الخروج عن حدود محلّ الإقامة دون حدّ الترخّص فهو لا يخلو عن وجه ، انتهى (4).
وفيه : إنّ عموم التنزيل يدلّ على اعتبار حدّ الترخّص ، ولا ملازمة بين كون التمام واجباً في ناوي العشرة الغير التامة وبين كونه واجباً في ن-اوي العشرة مع
1) تهذيب الأحكام 5: 488 / ح 1742 ، وسائل الشيعة 8: 464/ ح 3 من الباب 3 من أبواب صلاة المسافر ، وفيه قول الإمام الباقر : من قدم قبل التروية بعشرة أيام وَجَبَ عليه إتمام الصلاة وهو بمنزلة أهل مكة».
2) جواهر الكلام 299:14 .
3) كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري : 401 - 402 وفيه : «ولو خرج المقيم ناوياً لمسافة جديدة فالظاهر أنّه يقصر بمجرّد الخروج عن محلّ الإقامة وإن لم يبلغ إلى حدّ الخفاء لعمومات القصر القاطعة لاستصحاب عدمه السليمة عن أدلّة اعتبار حدّ الترخص المختصة عند المتأمل بمن خرج من وطنه
4) مصباح الفقيه 2: 0751
إتمامها . نعم ، لو لم يكن عموم التنزيل لاتّجه القول به ؛ لأنّ مشروطية القصر في الأوّل بالخروج عن البلد تدّل بالأولويّة على ذلك في الثاني.
وكذا يعتبر (1)في محلّ التردّد ثلاثين يوماً ؛ لما تقدّم سابقاً من عموم التنزيل فيه أيضاً.
وأمّا غيرهما ممّا كان حكمه التمام مع تحقّق السفر لكونه فاقداً لأحد شرائط السفر -كمن سافر بلا قصد ثمّ قصد مسافة ، أو كالمكاري الذي بدا له السفر للزيارة أو غيرها في الأثناء، وكالعاصي بسفره الذي عدل إلى الإباحة ، إلى غير ذلك - فالأقوى فيه وجوب القصر بمجرّد الضرب، بل الأقوى وجوبه بمجرّد التبدّل في حال عدم الشروع فيه أيضاً، لإطلاق دليل القصر.
نعم، من نوى عشرة وصلّى فريضة تامّة ثم عدل يكون وجوب القصر عليه بالخروج عن حدود البلد - لصحيح أبي ولّاد(2)_ لا بمجرّد الضرب ، وكذا المسافر بلا قصد أو مع القصد لكن تردّد قبل البلوغ إلى أربعة فراسخ يقصّر بمجرّد الضرب ، وأمّا في البقاء فلا ، بناءً على دلالة قوله (عليه السلام) في موثّق إسحاق بن عمّار: «وإن كانوا ساروا أقلّ من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة ما أقاموا فإذا مضوا فليقصّروا» (3)، لكنَّ الظاهر كون المضئّ كنايةً عن العزم بالسفر بقرينة صدر الخبر.
1) أي : وكذا يعتبر حدّ الترخّص.
2) وسائل الشيعة :8: 508 - 509 أبواب صلاة المسافر ب 18 ح 1 ، وفيه : قلت لأبي عبد اللّه : إنّي كنت نويت حين دخلت المدينة أن أقيم بها عشرة أيّام وأتمّ الصلاة ثمّ بدا لي أن لا أقيم بها فما ترى لي أتمّ أم أقصر ؟ قال : إن كنت دخلت المدينة وصلّيت بها صلاة فريضة واحدة بتمام فليس لك أن تقصر حتىّ تخرج منها الحديث
3) الكافي :: 344 5 الوسائل 8 : 466 أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 10.
ومجمل الكلام : أنّ الواجب في غير المقيم والمتردّد ثلاثين يوماً القصر في البقاء أيضاً فضلاً عن حال الضرب، إلّا ناوي إقامة العشرة ولم يتمّها فإنّه يقصّر بعد الخروج عن حدود البلد .
هل يعتبر حدّ الترخّص في العود أيضاً كالذهاب أو لا ؟
وجوه:
الأوّل: ما نسب إلى المشهور من أنّه يعتبر أحد الأمرين من التواري وخفاء الأذان (1)، بمعنى أنّه إذا رأى البلد أو سمع أذانه ينقطع حكم القصر ويثبت وجوب التمام.
الثاني: إنّه يعتبر حدّ الترخّص، لكن خصوص خفاء (2)الأذان ، وقوّاه في المدارك مستظهراً له من قول الشرائع : «وكذا في عوده يقصّر حتّى يبلغ سماع الأذان من مصره» .(3)وما في المصباح - من أنّه يحتمل أن يكون هذا التعبير منه لقوله بأنّ الأمرين مُتلازمان في الوجود غالباً، وكلّ منهما طريق شرعى للحدّ الواقعيّ ، لأن كلّاً منهما حدّ له ، فالاكتفاء بأحدهما بمنزلة ذكر الآخر أيضاً، أو يكون لأجل قوله بأنب التواري أخصّ ، والملاك في الذهاب أيضاً سماع الأذان إلاّ أنّ التواري كاشف قطعيّ عنه ، ولازمه انقطاع الحكم بالقصر في العود بسماع الأذان، فإنّ التواري حينئذٍ لا يكشف عن تحقّق السماع(4)- بعيد في الغاية .
الثالث: إنّه لا يعتبر فيه حدّ الترخّص ، بل يقصّر إلى أن يدخل بيته ، بخلاف الذهاب فإنّه يعتبر فيه أحد الأمرين ، حكي عن الحدائق (1). وهو الأقوى كما يأتي .
الرابع : إنّه يعتبر فيه تخييراً لا كالذهاب ، بمعنى أنّه بعد سماع الأذان يتخيّر بين القصر والتمام إلى أن يدخل بيته، نقل عن المحقّق الأردبيليّ وتلميذيه صاحبي المدارك والذخيرة (2).
والخامس: إنّه لو كان مجتازاً عن بلده فلا يعتبر بل يقصّر إلّا (3)أن يدخل منزله ، بخلاف ما لو قدمه مريداً للاستقرار في بلده فإنّه يعتبر فيه حدّ الترخصّ. ويمكن الاستدلال لهذا الوجه بأنّ الأخبار الواردة في الباب على طوائف ثلاث :
الأولى : ما دلّ على اعتباره في العود مطلقاً، مثل ذيل صحيح ابن سنان المتقدّم. (4)
الثانية : ما دلّ على نفيه مطلقاً ، كمرسل الصدوق المتقدّم (5)الدالّ على نفيه في العود والذهاب معاً .
وصحيح عيص بن قاسم، عن أبي عبداللّه (عليه السلام)، قال : لا يزال المسافر مقصّراً حتّى يدخل بيته. (6)
1) الحدائق الناضرة 412:11
2) مجمع الفائدة والبرهان 3 ،399 مدارك الأحكام 4 : 458 ، ذخيرة المعاد : 412
3) كذا في النسخة ، والأنسب أن تكون «إلى» بدل «إلا»
4) في أول الشرط السادس
5) تقدّم في أوّل الشرط السادس ، وهو في الفقيه 1: 279ح 1268 عن الصادق الا أنه قال :إذا خرجت من منزلك فقصرإلى أن تعود.
6) التهذيب : 222 ح 556 ، الاستبصار 1: 242 - 864، الوسائل 8: 475 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 4.
وموثّق إسحاق بن عمّار ، عن أبي عبد اللّه (1)(عليه السلام) ، قال : سألته عن رجل يكون مسافراً ثمّ يقدم فيدخل [بيوت ] الكوفة أيتمّ الصلاة أم يكون مقصّراً حتّى يدخل أهله ؟ قال : بل يكون مقصّراً حتى يدخل أهله (2).
الثالثة : ما دلّ على نفيه في خصوص المجتاز ، کموثّق ابن بكير ، قال : سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون بالبصرة وهو من أهل الكوفة له فيها دار أو منزل [ فيمرّ بالكوفة ] وإنّما هو مجتاز لا يريد المقام إلّا بقدر ما يتجهّز يوماً أو يومين ؟ قال : يقيم في جانب المصر ويقصّر. قلت : فإن دخل منزله ؟ قال عليه التمام .(3). ومثله خبر عليّ بن رئاب .(4).
وصحيح معاوية بن عمّار ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : إنّ أهل مكّة إذا زاروا البيت ودخلوا منازلهم أتمّوا ، وإذا لم يدخلوا منازلهم قصّروا. (5)
وصحيح الحلبيّ ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال : إنّ أهل مكّة إذا
1) في التهذيب والفقيه والكافي «عن أبي إبراهيم الها». وفي الحدائق 11: 376 كالمثبت
2) التهذيب :3 222 ح 555 الوسائل 8 474 أبواب صلاة المسافر ب7 ح3، الفقيه 1: 444 - 445/ ح 1290 ، الكافي 3: 434/ ح 5
3) الكافي :3: 435 ح 2 ، التهذيب :3: 220 ح 550 ، قرب الإسناد : 172/ الحديث 630 ، الوسائل 8: 474 - 475 أبواب صلاة المسافر ب7/ الحديثان 2 و 6.
4) قرب الاسناد : 164 / ح 600 ، الوسائل :: 475/ الباب 7 من أبواب صلاة المسافر - الحديث 6. ونصّه : «عن عليّ بن رئاب أنّه سمع بعض الواردين يسأل أبا عبداللّه(علیه السلام) عن الرجل يكون بالبصرة وهو من أهل الكوفة ، وله بالكوفة دار وعيال فيخرج فيمرّ بالكوفة يريد مكّة ليتجهّز منها وليس من رأيه أن يقيم أكثر من يوم أو يومين ، قال : يقيم في جانب الكوفة ويقصّر حتّى يفرغ من جهازه ، وإن هو دخل منزله فليتمّ الصلاة»
5) الكافي 4 : 518 ح 1 ، الوسائل 8: 474 أبواب صلاة المسافر ب 7 ح 1.
خرجوا حجّاجاً قصّروا ، وإذا رأوا البيوت ورجعوا إلى منازلهم أتمّوا .(1)
فنقول : إنّ هذه الطائفة أخصّ من الطائفة الأولى فيجب تقييدها بها فيبقى تحتها غير المجتاز ، وحينئذٍ يكون كالنصّ فيما بقي فيقدّم على الثانية ، فتحمل على المجتاز لا لانقلاب النسبة من التباين إلى الأعمّ والأخصّ، بل لحدوث الترجيح الذی ذکرناه.
ولا يرد عليه شيء عدا ما ذكره في المصباح من أنّ الملاكّ في التمام إذا سمع الأذان في الذهاب والأيابِ كونُهُ داخلاً في عنوان الحاضر ، وفي القصر ما لم يسمع في كلتا الحالتين دخولُهُ في عنوان المسافر ، وحينئذٍ تتعارض الأخبار النافية مع الأخبار المثبتة ؛ وردت الثانية في الذهاب أو الأياب، والأولى كانت مطلقة أو خاصّة بخصوص المجتاز ، ولا جمع دلاليّ في البين، فلا بدّ من الترجيح، والمثبتات مطابقة لعمل المشهور ومخالفة للجمهور ، مع أنّ المشهور قد أعرضوا عن النافية مطلقة كانت أو خاصّة ، انتهى.(2)
وفيه : إنّ السفر يصدق على الإنسان بمجرّد الضرب في الأرض، وإنّما يكون هذا الحدّ على فرض ثبوته تعبّداً شرعيّاً لا نعلم ملاكه، وحينئذٍ لا يتحقّق التعارض كما عرفت .
وأمّا ما ذكره من الترجيح بعمل المشهور على فرض التعارض ، ففيه : أوّلاً : إنّه ليس مرجّحاً. وثانياً : إنّه معارَض بكون الأخبار النافية موافقة للقرآن . وأمّا مخالفة العامّة ، ففيه : أوّلاً : إنّ موافقة القرآن مقدّمة عليها في الترجيح
لو قلنا بالمنصوص ، ولو قلنا بالملاك العامّ كانت مزاحمة بها . وثانياً : إنّه كيف يمكن القول بأنّ صحيحي ابن سنان والحلبي موافقان للعامّة، مع أنّه متعرّض للقصر لأهل مكّة حجّاجاً إذا لم يدخلوا بيوتهم ، وهما من هذه الجهة مخالفتان للعامّة .
وأمّا الإعراض ، فمنشؤه عدم العمل بالمضمون، وهو لا يكشف عنه في الموثّقات ، وفي الأخبار المثبتة ما هو كذلك كموثّق إسحاق بن عمّار وابن بكير المتقدّمين ، مضافاً إلى أنّ تأويلَهُم للبيت في هذه الأخبار بأنّ المراد به ما أحاط به ما يسمع الأذان شاهدٌ على أنّ قولهم هذا ليس ناشئاً عن الخدشة في السند ، بل هو جمع عرفّي عندهم .
وعدا ما ذكره في المصباح أيضاً - تلويحاً عند التعرّض لهذا الوجه - أنّه مخالف للإجماع ؛ حيث قال : إن لم ينعقد الإجماع على خلافه (1)، انتهى . وذلك لأنّه لم ينقل القول به عن أحد . نعم، احتمل في الوسائل الجمع بين الأخبار بذلك . (2)
لكن فيه : أولاً : إنّه لم يعلم منهم الاتفاق على العدم، بل هو صِرفُ اتفاق، ويعتبر في الإجماع المركّب رجوعه إلى إجماع بسيط . وثانياً : إنّه لو سُلّم يحتمل كونه لتخيّل كون هذا الحدّ للدخول تحت عنوان الحاضر ، ولذا لم يفرّقوا ، والاتفاق إذا احتُمِلَ مدركٌ له لا يكون كاشفاً عن القطع برضاء المعصوم (عليه السلام ).
نعم ، يمكن أن يقال : إنّ التعارض بين الأخبار موجود ؛ لأنّ حمل الطائفة الثانية على المجتاز حمل على الفرد النادر ، وحينئذٍ يكون معارضة للطائفة الأُولى بعد تخصيصه أيضاً بالطائفة الثالثة ، فيتساقطان في مورد التعارض ، وهو غير
المجتاز، حيث إنّ المختار عدم جواز الرجوع إلى المرجّحات فيما كانت النسبة عموماً مطلقاً أو عموماً من وجه وإلّا التخيير، فيجب الرجوع إلى الأصول والقواعد ، وقضيّة إطلاق دليل القصر والاستصحاب هو القصر، وحينئذٍ يكون الحكم هو القصر في غير المجتاز أيضاً ، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط بالجمع أو تأخير الصلاة بل في المجتاز أيضاً.
وهنا مسائل :
الأولى : إنّ القصر في السفر عزيمة لا رخخصة لما تقدّم من صحيحي زرارة ومحمّد بن مسلم في صدر المبحث ، وفيه : «فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر»، وفي ذيله : «وقد سمّى رسول اللّه (صلى اللّه عليه وآله) قوماً صاموا حين أفطر العصاة . قال : فهم العصاة إلى يوم القيامة ، وإنّا لنعرف أبناءهم وأبناء أبنائهم» - الحديث (1)، إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة عليه ، لكن استثني منه موارد:
منها : السفر إلى أربعة فراسخ مع إرادة الرجوع ليومه ؛ نقل عن شيخ الطائفة (2).
ومنها : السفر إليها مع عدم إرادة الرجوع ليومه ؛ نسب إلى المشهور بين القدماء (3).
ومنها : ما بين سماع الأذان ودخول البيت عند المحقّق الأردبيليّ وصاحبي
المدارك والذخيرة كما تقدّم (1). لكن عرفت سابقاً ضعف هذه الأقوال الثلاثة . ومنها : ما إذا سافر بعد دخول الوقت ، حكي التخيير فيه عن خلاف الشيخ . (2)وستعرف ضعفه أيضاً.
ومنها : المواطن الأربعة ، والكلام فيها يقع في مقامين :
[المقام ] الأوّل: في ثبوت هذا الحكم وعدمه ؛ والمشهور هو الأوّل"(3). وقال الصدوق بالقصر وأنّها كسائر البلدان والأمكنة فلا تمام حتّى ينوي المسافر إقامة عشرة أيّام، (4)وحكي عن جمل السيّد علم الهدى أنّه لا يقصّر في مكّة والمدينة ومشاهد القائمين مقامه (5). والأقوى ما هو المشهور، فلا بدّ من ذكر طوائف الأخبار الواردة في المقام ، فنقول : إنّها على خمس طوائف :
الأُولى : ما دلّ على وجوب القصر تعيّنيّاً :
منها : صحيح محمّد بن إسماعيل بن بزيع ، قال : سألت الرضا (عليه السلام) عن الصلاة بمكّة والمدينة بتقصير أو تمام ؟ قال (عليه السلام) : قصّر ما لم تعزم على مقام عشرة أيّام(6).
1) مجمع الفائدة والبرهان 3: 400 مدارك الأحكام 4: 458، ذخيرة المعاد : 412.
2) الخلاف 1: 577 المسألة : 332، وحكاه عنه ابن ادريس في السرائر : 332.
3) انظر المختصر النافع : 51 ، الشرائع 1: 103 ، تحرير الأحكام 1: 338، تذكرة الفقهاء 0404:4 مدارك الأحكام 4: 466 .
4) الفقيه 1 : 283 ، الخصال : 252
5) جمل العلم والعمل (رسائل السيّد المرتضى) 3 : 77
6) الفقيه 1: 283 ح 1285، الوسائل :8 533 أبواب صلاة المشافر ب 25 ح32
إلى غير ذلك من الأخبار، وأظهر من الجميع في ذلك صحيحُ معاوية بن وهب ، قال : سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن التقصير في الحرمين والتمام، فقال: لا تتمّ حتىّ تُجمِعَ على مقام عشرة أيّام ، فقلت : إنّ أصحابنا رووا عنك أنّك أمرتهم بالتمام ، فقال : أصحابك كانوا يدخلون المسجد فيصلّون فيأخذون نعالهم ويخرجون والناس يستقبلونهم يدخلون المسجد للصلاة فأمرتهم بالتمام . (1)وصحيحُهُ الآخَرُ المرويُّ عن العلل ، قال : قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام ): مكّة والمدينة كسائر البلدان ؟ قال : نعم ، قلت : روى عنك بعض أصحابنا أنّك قلت لهم : أتّموا بالمدينة لخمس ، فقال : إنّ أصحابكم هؤلاء كانوا يقدمون فيخرجون من المسجد فكرهت ذلك لهم فلذا قلته. (2)
لأنّه قد بيّن فيهما أنّ حكمة الأمر بالتمام قد كانت هي النقيّة .
الثانية : ما دلّ على وجوب التمام معيّناً ، وهي كثيرة :
منها : صحيح ابن الحجّاج ، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التمام بمكّة والمدينة ، قال : أتمّ وإن لم تصلّ فيها إلّا صلاة واحدة .(3)
ومنها : صحيح مسمع ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام )، قال : إذا دخلت مكة فأتمّ يوم تدخل .(4)
1) الاستبصار 2: 332 ح 1181 ، التهذيب 5: 428 - 1485 ، الوسائل 8: 534 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 34
2) علل الشرائع : 454 ح 1284 ، الوسائل :: 531 أبواب صلاة المسافر ب 25 27
3) التهذيب 5 : 26 4 ح 1481 ، الاستبصار 2: 331 ح 1177 الوسائل 8: 525 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 05
4) التهذيب 5 : 426 ح 1480. الاستبصار 2: 331 - 1176 ، الوسائل 8: 526 أبواب الصلاة المسافرب 25 ح 7.
إلی غیرذالک من الاخبار.
الثالثة : ما دلّ على أنّ الإتمام في هذه المواطن من الأمر المذخور أو من مخزون علم اللّه :
منها: حمّاد بن عيسى ، قال : قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ من مخزون علم اللّه الإتمام في أربعة مواطن : حرم اللّه(جل جلاله) ، وحرم الرسول (صلی اللبه علیه وآله)، وحرم أمير المؤمنين( علیه السلام)، وحرم الحسين بن عليّ (عليهما السلام ) (1).
ومنها :مرسل الصدوق، عن الصادق (عليه السلام) ، قال : من الأمر المذخور إتمام الصلاة في أربعة مواطن : مكّة والمدينة ومسجد الكوفة وحائر الحسين (عليه السلام) (2).
إلى غير ذلك . والظاهر إجمال هذه الطائفة من حيث الدلالة على وجوب التمام أو أفضليّته ، ومنه يظهر النظر في كلام المصباح حيث جعلها من أدلّة أفضليتّه .(3)
الرابعة : ما دلّ على التخيير بلا دلالة على أفضليّة التمام، كصحيح عليّ بن يقطين، عن أبي الحسن (عليه السلام) في الصلاة بمكّة ، قال : من شاء أتمّ ومن شاء قصّر. (4)
الخامسة : ما دلّ عليه مع أفضليّة التمام، كخبر عليّ بن يقطين ، قال : سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن التقصير بمكّة ، فقال : أتمّ وليس بواجب إلّا أنّي أُحبّ لك ما أَحبّ لنفسي (1). وخبر عمران بن حمران ، قال : قلت لأبي (الحسن عليه السلام) : أقصّر في المسجد الحرام أم أتمّ ؟ قال : إن قصّرت فذاك ، وإن أتممت فهو خير ، وزيادة الخير.(2)
وخبر الحسين بن المختار ، عن أبي إبراهيم (عليه السلام) ، قال : قلت له : إنّا إذا دخلنا مكّة والمدينة نتمّ أم نقصّر ؟ قال : إن أقصرت فذاك ، وإن أتممت فهو خير یزاد .(3)
وخبر أبي شبل ، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أزور قبر الحسين (عليه السلام) ؟ قال : نعم زر الطيّب وأتمّ الصلاة عنده [قلت: أتمّ الصلاة ؟ قال : أتمّ ] ، قلت : بعض أصحابنا يرى التقصير ؟ قال : إنّما يفعل ذلك الضّعَفَة (4).
و وصحيح عليّ بن مهزيار المرويّ في التهذيب، قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) : إنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك في الإتمام والتقصير [للصلاة ] في
1) الكافي 4 : 524 ح 3 ، التهذيب 5: 429 ح 1488 ، الاستبصار 2: 3332 ح 1184 ، الوسائل 8 529 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 19.
2) التهذيب 5: 430 - 1493 ، الاستبصار 2: 334 ح 1190 ، الوسائل :8: 526 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 11 .
3) الكافي 4 : 524 ح 6، التهذيب 5: 430 ح 1491، الاستبصار 2 334 ح 1188 ، الوسائل 8 129 أبواب صلاة المسافر ب 25 ح 16 .
4) التهذيب 5: 431 ح 1496 ، الاستبصار 2: 335 ح 1193، الوسائل 8: 527 أبواب صلاة المسافر ب:25ح12
الحرمين، فمنها بأن يتمّ الصلاة ولو صلاة واحدة ، ومنها بأن يقصّر [الصلاة ] ما لم ينو [ مقام ] عشرة أيّام، ولم أزل على الإتمام فيهما إلى أن صدرنا من حجّنا في عامنا هذا ، فإنّ فقهاء أصحابنا قد أشاروا عليّ بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة أيّام ، فصرت إلى التقصير ، وقد ضقت بذلك حتّى أعرض ذلك .
فكتب إليّ بخطّه : قد علمت - يرحمك اللّه - فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما ، فأنا أُحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر وتكثر فيها من الصلاة .
فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة : إنّي كتبت إليك بكذا وأجبتني بكذا، فقال : نعم ، فقلت : أيّ شيء تعني بالحرمين ؟ فقال : مكّة والمدينة ومتى إذا (1)توجهّت من منى فقصّر الصلاة، فإذا انصرفت من عرفات إلى منى وزرت البيت ورجعت إلى منى فأتم تلك الثلاثة أيّام، وقال بإصبعه : ثلاثاً .(2)ولا إشكال في دلالته على أفضليّة التمام، ولا يقدح كون ذيله مخالفاً للمشهور ، لأنّ مخالفة فقرة له لا توجب الإطراح ، مع أنّه غير موجود في الكافي الذي هو أضبط من التهذيب فتأمّل.
أمّا مخالفته له فلأنّ لفظة «متى» إمّا بالمثنّاة الفوقانيّه كما اتّفقت عليها النسخ ، فحينئذٍ يدلّ على تماميّة الصلاة بعد زيارة البيت والرجوع إليها ، فحينئذٍ يكون مردّداً بين أن يكون التمام فيها لخصوصيّة وبين أن يكون لنيّة الإقامة عشرة أيّام بمكّة ، لكنّه لا يقدح الخروج إلى ما دون المسافة والمبيت إلى أيّام ثلاثة . أو
بالنون فيدلّ حينئذٍ على كون «منى» كمكّه موجباً للتمام إمّا لكونها من توابعها أو كونها بنفسها جزءاً مستقّلاً من الحرم ، والحرم مركّب منها ومن مكّه كما استظهره في المصباح وقال : إنّها محرّف «منى» بقرينة جعله (عليه السلام) مبدأ تحتّم القصر من حين التوجّه من منى وأمره (عليه السلام )بالتمام فيها في هذه الثلاثة أيّام .(1)وعلى أيّ تقدير فهو مخالف للمشهور فلا بدّ من طرحها بلھے :
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه قد يتوهّم الجمع بين هذه الأخبار بحمل ما دلّ على التمام على ما إذا نوى إقامة عشرة أيّام، ولا يخفى إباء غالب هذه الأخبار عن ذلك ، فكيف يمكن حمل المذخور عليه أو حمل ما دلّ على التمام ولو كانت صلاةٌ واحدةٌ عليه أو صحيح التخيير أو الأخبار الدالّة على التخيير مع أفضليّة التمام . والأظهر الجمع بينهما بحمل ما دلّ بظاهره على وجوب القصر معينّاً على الوجوب التخييريّ بشهادة الطائفة الرابعة والخامسة .
والإشكالُ عليه - في المصباح أوّلاً : بأنّ أخبار القصر المطلقة آبية عن هذا الحمل ، وثانياً : قد اعتذر في بعضها للأمر بالتمام بأنّه قد وقع لعلّة مناسبته للتقيّة (2)- مدفوعٌ ،(3)، أمّا الأوّل فلأنّه ليس فيها ما يؤبى بواسطته عن هذا الجمع أبداً. وأمّا الثاني فلأنّه لا بدّ من حمل هذا العذر على الصوريّة ، أو أنّه مخصوص بمُورِدِيه - لأنّه قد علّل في غير واحد من الأخبار بغير هذه العلّة مثل كونه أمراً مذخوراً أو من مكنون علم اللّه ، كما نبه عليه في المصباح (4)_ أو من حمله على أنّه علّة للأمر بالتمام على
نحو التعيين كما هو ظاهر الأمر لا لأصل التماميّة ، وهذا هو الأظهر ، فالظاهر عدم الغبار على هذا الجمع فإنّه جمع عرفيّ مقبول.
ثمّ إنّه في المصباح بعد ردّه للجمع المذكور بما نقلناه عنه ، قال : فيمكن الجمع بين الأخبار بحمل الأمر بالتقصير على أنّ صدوره إنّما هو بملاحظة حال المخاطبين المبتلين بمخالطة العامّة الذين لا يرون خصوصيّة لهذه الّأمكنة ، كما يؤيّده الأمارات الداخليّة والخارجيّة المشعرة بكونها مشوبة بالتقيّة ، ولو سلمت المعارضة بينها فالترجيح مع تلك الروايات الموافقة للمشهور المخالفة للجمهور (1).
وفيه :
أوّلاً: إنّ ما ذكره من الجمع عبارة أخرى عن الحمل على التقيّة لموافقة العامّة، وهو الذي ذكره بقوله : «المخالفة للجمهور»، فلا معنى لتسميته أوّلاً جمعاً ، وثانياً مرجحاً .
وثانياً : إنّ الشهرة العمليّة ليست مرجّحة.
وثالثاً ثإنّه لو سلّم فهى مزاحَمةً بموافقة أخبار القصر للقرآن .
ورابعاً : إنّ مخالفة العامة مزاحمة بموافقتها للقرآن على القول بالتعدّي في المرجّحات ، ومتأخّرة عنها على القول بالاقتصار على المنصوص ، كما هو الأقوى ، لكنّك عرفت أنّ بين الأخبار جمعاً عرفيّاً مقبولاً يقضي بحقيّة ما ذكره المشهور.
المقام الثاني : في تحقيق موضوع هذا الحكم ، ويقع الكلام فيه في جهات : الأولى : في مكّة والمدينة ، والأخبار الواردة فيها على طوائف ثلاث : إحداها : ما ورد بهاتين اللفظتين .
1) مصباح الفقيه 2 : 760 .
ثانيها : ما ورد بلفظ الحرم مضافاً إلى اللّه ورسوله (صلى اللّه عليه وآله) أو بلاأضافة.
ثالثها : ما ورد بلفظ المسجد .
قيل : إنّ قضيّة القاعدة الأخذ بعموم ما دلّ على الأوسع مكاناً لعدم تعارض الخاصّ مع العام (1). وأورد عليه في المصباح بأنّه صحيح لو لم يكن دلالة للخاص على أنّ ذلك الحكم من خصائص هذا المكان ، وليس كذلك ؛ إذ المنساق من قوله : «تتمّ في أربعة مواطن : في المسجد الحرام ومسجد الرسول (صلى اللّه عليه وآله )... إلى آخره»(2)إرادة بيان مخالفة حكم المسافر فيها حكمه في غيرها ، فظاهره اختصاصه بهذه الأمكنة وعدم التعدية عنها ، وحينئذٍ يقع التعارض بين الظهورين ، فلا بدّ من رفع اليد عن ظهور ما دلّ على الأوسع بالتقييد ، أو رفع اليد عن ظهور ما دلّ على الأضيق بحمل التعبير به على شرافة أو نبلة وقوع الصلاة للمسافر فيه ، والأوّل ليس بأَولى من الآخر ، بل لعلّ الثاني أولى بحكم العرف ، مضافاً إلى أنّه موافق لإطلاق ما دلّ على تعيّن القصر.
لكن يؤيّد الأوّل اشتهار التعبير بالحرمين وتفسيرهما بمكّة والمدينة في صحيح عليّ بن مهزيار(3)، وكذا ترك الاستفصال في صحيح ابن الحجّاج
الأوّل(1)وغيره، فالقول بالتعميم وعدم اختصاصه بالمسجدين كما ربّما نسب إلى المشهور أو الأكثر لا يخلو من قوّة ، انتهى .(2)
وفيه : إنّ دلالة الخاصّ المذكور على نفي الحكم في غير المسجدين من أجزاء البلدين إنّما هي بالمفهوم، والنسبة بينه وبين العامّ الدالّ على العموم عموم من وجه ، ولا إشكال ظاهراً في أنّ بناء العرف في مقام الجمع على تقديم العامّ، لأنّ الأمر إذا دار بين حمل المطلق على الغالب وبين حمل المقيّد على الغالب، فالثاني أولى. نعم ما ذكره من كونه موافقاً للإطلاق فهو وجيه لو كان مراده المرجعيّة دون المرّجحيّة ، فالحقّ حينئذٍ عموم الحكم ، لكن هل يختصّ ذلك بخصوص ...
توطئة ...3
صلاة المسافر وفيه جهات...17
[ الجهة ] الأولى في تأسيس الأصل ...19
الجهة الثانية : في ذكر الشروط التي يكون السفر الجامع لها موجباً للقصر دون الفاقد...27
الأصل فيما لو شك في المسافة ...46
في اشتراط الفحص وعدمه في جريان الأصل ...49
القول السابع وهو مختار المؤلف ...59
الاستدلال للقول الثاني والجواب عنه. ..61
الاستدلال للقول الثالث وردّه ...67
الاستدلال للقول الخامس وردّه ...69
فروع...71
الثاني من الشروط : قصد المسافة...79
الشرط الثالث من شروط القصر ...101
الشرط الرابع ...143
سفر الصيد...157
الشرط الخامس ...163
الشرط السادس...201
حكم المسافر في المواطن الأربعة ...217