البیان الباهر فی صلاة المسافر

ghaemiyeh.com

هوية الکتاب

بطاقة تعريف: یعقوبي، یوسف، 1354 -

عنوان المؤلف واسمه: البیان الباهر فی صلاه المسافر/ تقریرا لمحاضرات سماحة یدالله الدوزدوزاني التبریزي؛ یوسف الیعقوبي.

تفاصيل النشر: قم : الموسسة الاسلامية للبحوث والمعلومات، 1438ق.= 1396.

مواصفات المظهر: 2ج. در یک مجلد(783 ص.)

الصقيع: موسسه بوستان کتاب؛ 2605. فقه و حقوق، 386. احکام، 45 سلسله المباحث الاسلامیه؛ 11

شابک : 470000 ریال: 978-964-09-1809-8

حالة الإدراج: فاپا

ملحوظة: العربية.

ملحوظة: ببليوغرافيا مع ترجمة.

موضوع : صلاة المسافر

موضوع : *Traveler's prayer

معرف المضافة: دوزدوزانی ، یدالله ، 1314 -

معرف المضافة: حوزه علمیه قم. دفتر تبلیغات اسلامی. بوستان کتاب قم

تصنيف الكونجرس: BP187/4/ی7ب9 1396

تصنيف ديوي: 297/353

رقم الببليوغرافيا الوطنية: 4638766

اشارة

بسم الله الرحمن الرحیم

موضوع

احکام: 45؛ فقه و حقوق: 386

گروه مخاطب:

• تخصصی (طلاب و دانشجویان)

شماره انتشار کتاب (چاپ اول): 2605

مسلسل انتشار (چاپ اول و باز چاپ): 6781

دوزدورانی تبریزی، یدالله، 1314 -

البيان الباهر في صلاة المسافر: تقريراً لمحاضرات سماحة الاستاذ آية الله العظمي الشيخ یدالله الدوزدوزاني التبريزي / المقرر الشيخ يوسف اليعقوبي . - قم: مؤسسه بوستان کتاب (مرکز چاپ و نشر دفتر تبلیغات اسلامی حوزه علمیه قم)، 1438 ق. = 1396 ش.

2ج، در یک مجلد (783 ص.) - (مؤسسه بوستان کتاب؛ 2605) (فقه و حقوق؛ 386 . احکام؛ 45)

ISBN 978-964-09-1809-8

فهرست نویسی بر اساس اطلاعات فیپا.

کتاب نامه: ص. [775] - 783؛ همچنین به صورت زیرنویس.

1. نماز مسافر 2. فقه جعفری - رساله عملیه. الف. يعقوبي، يوسف، 1334 - .مقرر. ب. دفتر تبلیغات اسلامی حوزه علميه قم. مؤسسه بوستان کتاب. ج. عنوان.

297/353 8ص6د/187/4 BP

1396 شماره کتاب شناسی ملی: 4578654

البيان الباهر

في صلاة المسافر

تقريرا لمحاضرات سماحة الاستاذ آية الله العظمى

الشيخ يدالله الدوزدوزاني التبريزي

المجلد الأوّل و الثاني

المقرّر: الشيخ يوسف اليعقوبي

بوستان کتاب 1395

بوستان کتاب

هذا الأثر قد نشر بدعم من وزارة الثقافة الايرانية والارشاد الاسلامي

البيان الباهر في صلاة المسافر / ج 1 و 2

تقريرا لمحاضرات سماحة الاستاذ آية الله العظمى الشيخ یدالله الدوزدوزاني التبريزي

٭ المقرّر: الشيخ يوسف اليعقوبي

٭ الناشر: مؤسسة بوستان کتاب

(مركز الطباعة والنشر التابع لمكتب الإعلام الإسلامي)

٭ المطبعة: مطبعة مؤسسة بوستان كتاب ٭ الطبعة: الأولى / 1438ق، 1396 ش

٭ الكمية 700 ٭ السعر: 37650 تومان

جميع الحقوق محفوظة

printed in the Islamic Republic of Iran

٭ المكتب المركزي: قم، تقاطع الشهداء (صفائية)، صندوق البريد 37185/917، هاتف: 7-37742155 ، فاکس: 37742154 هاتف التوزيع: 37743426

٭ المعرض المركزي: قم، تقاطع الشهداء (يتولّى عرض 12000 عنوان کتاب بالتعاون مع 170 ناشراً)

٭ معرض الرقم 2: طهران، شارع انقلاب، بين شارعي وصال و فلسطين، بجوار بانك انصار، هاتف: 88956922

٭ معرض الرقم 3: مشهد، تقاطع خسروي، مجمّع ياس، بجوار مكتب الإعلام الإسلامي، فرع خراسان الرضوي، هاتف: 2233672

٭ معرض الرقم 4: اصفهان، تقاطع كرماني، بجوار مكتب الإعلام الإسلامي، فرع اصفهان، هاتف: 32220370

٭ معرض الرقم 5 (رنگین کمان، مبيعات الأطفال واليافعين): قم، تقاطع الشهدا، ركن شارع ارم، هاتف: 37743179

يمكن الإطلاع على الإصدارات الجديدة عن طريق الرسائل القصيرة (SMS) بارسال رقم جوّالك الى الرقم 10002155 أو:

ارسال طلب استعلام الى البريد الالكتروني للمؤسسة: E-mail:info@bustaneketab.com

الآثار الحديثة في المؤسسة و التعرّف إليها في «وب سايت»: http://www.bustaneketab.com

مع جزيل الشكر والتقدير لجميع الزملاء الذين ساهموا في انتاج هذا العمل:

٭ أعضاء لجنة دراسة الإصدارات ٭ أمين لجنة الكتاب: مهدي محدثي ٭ الضبط الفني لترتيب الصفحات: سيّدرضا موسوي منش ٭ خبير التصميم والغرافيك: مسعود نجابتي ٭ مديرية الإعداد: حميدرضا تيموري ٭ مديرية المطبعة: مجيد مهدوي وبقية الزملاء في قسم الليتوغرافيا ، والطباعة والتغليف ٭ مدير الإنتاج: عبدالهادي أشرفي.

رئيس المؤسسة

محمد باقر انصاری

الصورة

الفهرس

فصل في صلاة المسافر ... 13

الإستدلال بالآية على وجوب القصر ... 16

لزوم ملاحظة صدر الآية وذيلها ... 20

تمسّک العامّة بالآية في إثبات الرّخصة ... 23

دلالة الآية على العزيمة بالنظر إلى النصوص ... 24

القصر هو إسقاط الرّكعتين الأخيرتين ... 29

شروط القصر ... 32

بیان روایات اعتبار المسافة ولو ملفّقة ... 34

في اعتبار كون الإياب أربعة في التلفيق ... 42

هل يعتبر الرجوع ليومه؟ ... 44

الكلام في بعض فروع عدم الرجوع ليومه ... 56

تحديد المسافة ... 58

بناء المسافة على التحقيق ... 68

الشك في كون المقصد مسافة شرعيّة ... 70

طرق ثبوت المسافة الشرعيّة ... 77

وجوب الاختبار عند الشک ... 83

العمل عند تعارض البيّنتين ... 86

المسافة مع الشبهة الحكميّة ... 87

العمل مع الشّك ... 88

ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد ... 90

تحقق السفر بقصد قطع المسافة ... 92

إذا بلغ الصبيّ في السفر قصّر ... 93

اعتبار وحدة المسافة ... 96

لو كان للبلد طريقان ... 97

حكم المسافة المستديرة ... 100

تحديد مبدأ المسافة ... 107

اعتبار قصد المسافة ... 119

عدم اعتبار اتّصال السير ... 125

عدم اعتبار الاستقلال في قصد المسافة ... 131

علم التابع بمفارقة المتبوع قبل المسافة ... 138

عزم التابع على المفارقة ... 140

عدم كفاية قصد المتبوع عن التابع ... 142

حكم المكره أو المجبور على السفر ... 143

تبصرة ... 148

في تحقيق حال ابن أبي سمينة ... 148

اعتبار استمرار قصد المسافة ... 151

تتمّة ... 154

كفاية قصد نوع المسافة ... 157

حكم الجازم بعد التردّد ... 161

حكم ما صلّاه قصراً قبل العدول ... 168

في أنّ قصد الإقامة في الأثناء قاطع للسفر في الجملة ... 174

العدول عن قصد الإقامة ... 186

لو بدا له نيّة الإقامة قبل الثمانية ... 187

في السفر الحرام ... 188

سفر الزوجة بدون إذن الزوج ... 195

عدم جواز إيذاء الوالدين ... 200

حكم ما كان السفر مضرّاً بالبدن ... 210

في حرمة المثلة ... 218

بعض فروع السفر الضرريّ ... 220

حكم السفر المستلزم لترك الواجب ... 236

حكم السفر على دابّة غصبيّة ... 241

حكم التابع للجائر في سفره ... 243

حكم السفر التابع للجائر بأمره ... 244

حكم السفر للصيد ... 245

حكم الراجع من سفر المعصية ... 267

اعتبار إباحة السفر حدوثاً وبقاءً ... 269

حكم ما لو عدل إلى الطاعة في الأثناء ... 274

حكم الشاكّ في كون سفره معصية أم لا ... 282

مدار حلّيّة السفر وحرمته ... 284

حكم كون الغاية المحرّمة في أثناء الطريق ... 288

حكم السفر للتنزّه ... 290

حكم الصوم نذراً في السفر ... 291

حكم الخروج إلى حواشي الجادّة لأمر محرّم ... 297

فروع في سفر المعصية ... 302

حكم ما اذا عرض في الأثناء غرض محرّم ... 304

فرع في سفر المعصية ... 306

حكم الصوم الندبي في سفر المعصية ... 310

حكم أهل البادية التي بيوتهم معهم ... 311

من إتّخذ السفر عملاً ... 315

العبرة في اتخاذ السفر عملاً له بالصدق العرفي ... 331

اعتبار تعدّد السفر في صدق الاختلاف ... 334

إذا سافر من شغله السفر لغير شغله ... 339

حكم الحملداريّة ... 340

حكم المكاراة في موسم دون موسم ... 344

حكم من كان عمله دون المسافة ثمّ سافر لها ... 345

إقامة العشرة تقطع عملية السفر ... 346

تكملة ... 374

حكم من لم يكن شغله السفر وعرضت له أسفار عديدة ... 376

لا يعتبر اتحاد كيفيات الأسفار ... 377

حكم السائح الذي لم يتّخذ وطناً ... 379

حكم الراعي عديم المكان المخصوص ... 381

حكم التاجر الدوّار ... 382

حكم المعرض عن الوطن ... 383

حكم من سكن الأرض الواسعة ... 385

من شكّ في حصول الإقامة وعدمها ... 386

اعتبار حدّ الترخص في القصر ... 388

أمّا الطائفة الثانية فهي روايات: ... 393

اعتبار حدّ الترخّص في الإياب ... 408

المناط في خفاء الجدران البيوت ... 414

ما هو المناط في خفاء الجدرا ... 418

لزوم تقدير البلد او القرية في المستوى ... 420

التقدير في حال عدم الجدران ... 423

المناط فى خفاء الأذان عدم سماع الصوت ... 424

المدار في اعتبار مكان الأذان آخر البلد ... 427

يعتبر كون الأذان على مرتفع ... 433

المعتبر في عين الراني و أذن السامع ... 434

في ان الاقامة قاطعة للحكم او الموضوع ... 435

هل يعتبر التلبّس بالسير في القصر ... 443

الشك في بلوغ حدّ الترخص ... 445

الوصول الى حدّ الترخّص أثناء الصلاة ... 446

حكم اعتقاد الوصول ثمّ انكشاف الخلاف ... 454

حكم الرجوع دون حدّ الترخّص ... 455

حكم المسافة المستديرة ... 460

فصل في قواطع السّفر موضوعاً أو حكماً ... 467

(وهي أمور) ... 467

من قواطع السفر المرور على الوطن ... 467

في معنى الوطن وتحديده ... 468

في تحديد الوطن ... 472

حكم الإعراض عن الوطن ... 476

في تعدّد الوطن ... 499

تبعيّة الولد لأبويه في الوطن ... 500

زوال حكم الوطنيّة بالإعراض ... 510

عدم اشتراط إباحة المكان في الوطن الاتخاذي ... 511

زوال حكم الوطنيّة بالتردّد ... 512

في اعتبار قصد التوطّن في صدق الوطن ... 514

في الإعراض عن الوطن ... 518

من قواطع السفر إقامة عشرة أيّام ... 520

اعتبار وحدة المحلّ في الإقامة ... 533

خروج المقيم إلى ما دون المسافة ... 543

الإقامة في البرّيّة ... 545

في اعتبار العزم على إقامة العشرة في تحقّق الإقامة ... 547

حكم المجبور والمكره على الإقامة ... 548

الإقامة في بيوت الأعراب ... 549

حكم قصد التابع ... 550

اذا قصد المقام إلى آخر الشهر ... 554

العدول عن إقامة العشرة بعد قصدها ... 559

العدول عن الإقامة بعد الإتيان برباعيّة ... 571

لا يشترط في تحقّق الإقامة كونه مكلّفاً ... 572

كفاية الرباعيّة القضائيّة في تحقّق الإقامة ... 574

هل العدول قبل الصلاة قاطع لها من حينه ... 580

لا فرق في العدول بين العزم على العدم أو التردّد ... 582

حكم العدول بعد نيّة الصوم ... 583

فيما لا يحتاج إلى إقامة جديدة ... 585

عدم سقوط النوافل والجمعة عن المقيم ... 586

صور خروج المقيم إلى ما دون المسافة ... 589

لو سافر المقيم ثمّ عاد إلى محلّ الإقامة ... 610

لو نوى الإقامة أثناء الصلاة ... 613

الإقامة قاطعة لحكم السفر وإن كانت محرّمة ... 616

وجوب الإقامة لو كانت عليه صوم معيّن ... 617

إذا بقي من الوقت أربع ركعات وعليه الظهران ... 621

العدول عن الإقامة بعد نيّتها ... 623

لو علم بالعدول وبالرباعيّة وشكّ في المتقدّم منهما ... 624

إذا صلّى تماماً ثمّ تبيّن بطلان صلاته رجع إلى القصر ... 630

هل تكفي قاعدة الحيلولة فى البقاء على حكم التمام ... 631

العدول عن الإقامة فيما بين السّلامين ... 635

لو اعتقد أنّ رفقاؤه قصدوا الإقامة ... 638

من قواطع السفر التردّد في البقاء وعدمه ثلاثين يوماً ... 640

إلحاق الشهر الهلاليّ إذا كان ناقصاً بثلاثين ... 647

يكفي في الثلاثين التلفيق ... 653

يشترط الاتّحاد في مكان التردّد ... 655

فروع في المتردّد ثلاثين يوماً ... 659

فصل في أحكام صلاة المسافر ... 660

موارد الاستثناء عن عموم سقوط نوافل المقصورة ... 662

صور الإتمام في موضع القصر ... 671

حكم الصوم في السفر ... 686

لو قصّر في موضع الإتمام ... 690

لو لم يصلّ الجاهل بأصل الحكم في الوقت ... 695

إذا تذكّر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة ... 697

لو قصّر المسافر اتّفاقاً لا عن قصد ... 701

هل المدار على حال الأداء أو حال الوجوب ... 705

فيمن فاتته الفريضة وكان حاضراً في بعض الوقت ... 720

التخيير في الأماكن الأربعة ... 723

روايات الباب ... 726

الجمع بين نصوص التخيير والقصر ... 733

المقام الثاني في بيان مواضع التخيير عدداً وسعة ... 743

إذا كان بعض بدن المصلّي داخلاً في أماكن التخيير ... 760

لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير ... 761

التخيير في هذه الأماكن استمراريّ ... 765

استحباب التسبيحات عقيب المقصورات ... 766

بقي الكلام في فرع لا بأس بالإشارة إليه ... 769

فصل في صلاة المسافر

اشارة

قوله : لا إشكال في وجوب القصر على المسافر مع اجتماع الشرائط الآتية. [1]

[1] أقول: توضيح الكلام يستدعي تقديم مقدّمة تحتوي على مطالب مهمّة.

وهي أنّه لاخلاف؛ بل ولا إشكال في جواز القصر في السفر بين الفريقين، إلّا ما يُحكى عن سعد بن أبي وقّاص وعائشة من اختصاص القصر للخائف، استناداً إلى ظاهر قوله سبحانه: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا). (1)

حيث علّق القصر فيها على الخوف، ولأنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم إنّما قصّر من صلاته في السفر لكونه خائفاً، هذا.

ولكن لا يعبأ بخلافهما للشُّذوذ.

والحاصل: أنّ جواز القصر في السفر ممّا قام عليه الإجماع من الفريقين، بل صار من الضروريّات عند الإماميّة.

إنّما الخلاف بين العامّة والخاصّة في كون القصر رخصة أم عزيمة؟

قد اتّفقت كلمات الإماميّة على الثاني.

والمعروف بين العامّة هو الأوّل، وقد اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:

أحدها: ما ذهب إليه بعض الشافعيّة من التخيير بين القصر والإتمام؛

ثانيها: ما اختاره البعض الآخر من أنّ القصر أفضل من الإتمام؛

وثالثها: عكس ذلك، أي الأفضل هو الإتمام، كما عن المزنيّ، وبه قال: عثمان، وعبدالله بن مسعود، وسعد بن أبي وقّاص، وعائشة؛ ومن الفقهاء: الأوزاعيّ، وأبوثور.

وأمّا أبو حنيفة، فاختار قول الإماميّة في أصل لزوم القصر، نعم خالفهم في بعض


1) النساء: 101.

الخصوصيّات، كما سيجيء، على ما نقله الشيخ قدس سره، في «الخلاف».

وكيف كان، فإنّهم مع اعترافهم بأنّ النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم كان يقصّر صلاته ولا يصوم في السفر عملاً، وفعله صلی الله علیه و آله و سلم حجّة كقوله، وكذا أبوبكر، وعمر في خلافتهما، وعثمان لمدّة ستّ سنين من خلافته، أفتوا بالرخصة!! وتمسّكوا في ذلك بظاهر الآية الشريفة المتقدّمة نظراً إلى قوله سبحانه: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جناح أَنْ تَقْصُرُوا.)حيث إنّ نفي الجناح ظاهرٌ في الرخصة، ولعلّ العمدة في إصرارهم على ذلك ما ابتدعه عثمان بعرفة، حيث صلّى الظهر بها تماماً، وطلب من عليٍّ علیه السلام أن يصلّي بالناس العصر تماماً أيضاً ولم يستجب علیه السلام له؛ ثمّ خالفهم معاوية في خلافته حيث قصّر الظهر بعرفة، واعترض عليه شيعة عثمان حتّى ألجؤوه إلى التمام، كما يدلّ على ذلك كلّه صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام.«قَالَ علیه السلام: حَجَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله و سلم فَأَقَامَ بِمِنًى ثَلَاثاً يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَنَعَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، وَصَنَعَ ذَلِكَ عُمَرُ، ثُمَّ صَنَعَ ذَلِكَ عُثْمَانُ سِتَّ سِنِينَ، ثُمَّ أَكْمَلَهَا عُثْمَانُ أَرْبَعاً فَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعاً، ثُمَّ تَمَارَضَ لِيَشُدَّ بِذَلِكَ بِدْعَتَهُ، فَقَالَ لِلْمُؤَذِّنِ:اذْهَبْ إِلَى عَلِيَّ علیه السلام، فَقُلْ لَهُ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ الْعَصْرَ،فَأَتَى الْمُؤَذِّنُ عَلِيّاً علیه السلام، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الْعَصْرَ،فَقَالَ: إِذَنْ لَا أُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ كَمَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه و آله و سلم،فَذَهَبَ الْمُؤَذِّنُ، فَأَخْبَرَ عُثْمَانَ بِمَا قَالَ عَلِيٌّ علیه السلام،فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَيْهِ وَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ، اذْهَبْ فَصَلِّ، كَمَا تُؤْمَرُ،فَقَالَ عَلِيٌّ علیه السلام:لَا وَاللَّهِ، لَا أَفْعَلُ،فَخَرَجَ عُثْمَانُ فَصَلَّى بِهِمْ أَرْبَعاً.فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ وَقُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام، حَجَّ مُعَاوِيَةُ

فَصَلَّى بِالنَّاسِ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ الظُّهْرَ ثُمَّ سَلَّمَ، فَنَظَرَ بَنُو أُمَيَّةَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَثَقِيفٌ وَمَنْ كَانَ مِنْ شِيعَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ قَالُوا:قَدْ قَضَى عَلَى صَاحِبِكُمْ وَخَالَفَ وَأَشْمَتَ بِهِ عَدُوَّهُ،فَقَامُوا فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَالُوا:أَتَدْرِي مَا صَنَعْتَ ؟ مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ قَضَيْتَ عَلَى صَاحِبِنَا وَأَشْمَتَّ بِهِ عَدُوَّهُ، وَرَغِبْتَ عَنْ صَنِيعِهِ وَسُنَّتِهِ، فَقَالَ:وَيْلَكُمْ! أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم صَلَّى فِي هَذَا الْمَكَانِ رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَصَلَّى صَاحِبُكُمْ سِتَّ سِنِينَ كَذَلِكَ ؟ فَتَأْمُرُونِّي أَنْ أَدَعَ سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم وَمَا صَنَعَ أَبو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَ؟ فَقَالُوا:لَا وَاللَّهِ مَا نَرْضَى عَنْكَ إِلَّا بِذَلِكَ، قَالَ:فَأَقْبِلُوا؛ فَإِنِّي مُشَفِّعُكُمْ وَرَاجِعٌ إِلَى سُنَّةِ صَاحِبِكُمْ، فَصَلَّى الْعَصْرَ أَرْبَعاً فَلَمْ يَزَلِ الْخُلَفَاءُ وَالْأُمَرَاءُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ». (1)ثمّ إنّ مستند القوم في المقامين (أعني: جواز القصر في السفر وكونه رخصة لا عزيمة، ظاهر الآية الكريمة المتقدّمة، فينبغي لنا تفسير الآية وملاحظة مقدار دلالتها على المدعى.)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 465-466، باب 3، ح 9.

### الإستدلال بالآية على وجوب القصرفيقع الكلام في مقامين:أحدهما: في دلالة الآية على القصر في السفر وأنّه ما هو؟وثانيهما: في أنّها أ تدلّ على العزيمة أم الرخصة فقط؟أمّا المقام الأوّل، ففيه وجوه:الوجه الأوّل: عدم دلالة الآية على القصر في السفر كمًّاً، وإنّما تدلّ عليه كيفاً. وهو ما ذهب إليه السيد المرتضى قدس سره، حيث قال:إنّ هذه الآية غير متناولة لقصر الصلاة في عدد الركعات، وإنّما المستفاد منها التقصير في الأفعال من الإيماء وغيره؛ لأنّه تعالى علّق القصر بالخوف، ولا خلاف في أنّه ليس من شروط القصر في عدد ركعات الصلاة، الخوف؛ وإنّما الخوف شرط في الوجه الآخر، وهو الأفعال في الصلاة؛ لأنّ صلاة الخوف قد أُبيح فيها ما ليس مباحاً مع الأمن. (1)حاصل كلامه قدس سره أنّ التقصير على نوعين:أحدهما: من حيث الكمّ، وهو بنقصان الركعتين الأخيرتين من الرباعيّة في السفر مع الشرائط؛ثانيهما: التقصير من حيث الكيف المختصّ ببعض الحالات، كالخوف ونحوه.فهذه الآية إنّما تكفّلت بإثبات التقصير على النوع الثاني دون الأوّل، لتقييد القصر فيها بالخوف.وقوّاه سيدنا الأستاذ في محاضراته. (2)ثمّ استدلّ قدس سره على وجوب القصر بعد تضعيفه دلالة الآية للتقصير بقوله سبحانه: ﴿فَمَنْ


1) الإنتصار؛ ص53.

2) مراده السيد محمد كاظم الشريعتمداري (قدس سره).

كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، (1)بتقريب أنّ الإفطار في السفر يلازم القصر لقوله علیه السلام:)إِذَا قَصَرْتَ أَفْطَرْتَ وَإِذَا أَفْطَرْتَ قَصَرْتَ . (2)ولا يخفي ما فيه؛ لأنّه لا يكون الدليل حينئذٍ نفس الآية الشريفة، أعني: قوله: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً، بل الدليل على التقصير هو الحديث المزبور.)مضافاً إلى أنّ إنكار دلالة الآية على القصر، أعني: قوله سبحانه: (وإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ ينافي ما ورد في الصحيح من استناد الصادق علیه السلام، إليها.)فعن زرارة ومحمد بن مسلم قالا:قُلْنَا لِأَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام: رَجُلٌ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعاً، أَيُعِيدُ أَمْ لَا؟ قَالَ: إِنْ كَانَ قُرِئَتْ عَلَيْهِ آيَةً التَّقْصِيرِ وَفُسِّرَتْ لَهُ فَصَلَّى أَرْبَعاً، أَعَادَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرِئَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْهَا، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. (3)فالصحيحة ظاهرة في أنّه يمكن استفادة وجوب القصر من الآية الشريفة كما لا يخفي.ومن هنا يعلم ضعف إنكار دلالة الآية على القصر في السفر لغير الخائف، وإن اختاره بعض الأعاظم كالمحقّق الخوئي قدس سره كما يظهر من مستنده. والیک نصّه: انها غير دالة على المشروعية فضلاً عن الوجوب، فانها ناظرة إلى صلاة الخوف والمطاردة بقرينة التقييد بقوله تعالى: إِنْ خِفْتُمْ و ما ورد في الآية الأخرى المتصلة بها من بيان كيفية هذه الصلاة فالمراد من الضرب في الارض الضرب إلى القتال والحركة نحو العدو، و لا مساس لها بالضرب لأجل السفر، فهي اجنبية عن صلاة المسافر بالكليّة. و مع الغض عن ذلك و تسليم كونها ناظرة إلى صلاة المسافر فغايته الدلالة على اصل المشروعية لمكان التعبير بنفي الجناح دون الوجوب . (4)


1) البقرة: 184.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 10، ص 184، باب 4، ح 1.

3) نفس المصدر، ج 8، ص 506-507، باب 17، ح 4.

4) مستند العروة؛ ج 8، ص 8.

القول الثاني: دلالة الآية الشريفة على وجوب القصر في السفر، وهو ظاهر الأكثر بل المشهور وفي تقرير دلالتها وجوهٌ:الوجه الأوّل: ما قيل من أنّ التقصير على أقسام:أحدها: الإقتصار على ركعتين تامّتي الأفعال منفردةً أو جماعةً؛ثانيها: الصلاة مؤمياً بالركوع والسجود؛ثالثها: الإكتفاء بالتسبيح والتهليل والتكبير كما في صلاة الغريق والفارّ من العدوّ، ونحوها؛رابعها: صلاة الخوف بأن يصلّي ركعة مع الإمام جماعة وينفرد في الأخرى، ليحضر الباقون في ثانية الإمام يصلّونها جماعة ويكملونها بعد إتمام الإمام صلاته كما فعل النبي صلی الله علیه و آله و سلم في بعض غزواته. (1)وحينئذٍ لو كان قوله: (إِنْ خِفْتُمْ... قيداً لتمام الصور الأربع، لا تكون الآية دالّةً على حكم المسافر؛ لعدم اشتراط الخوف في صلاة المسافر.)وأمّا لو كان قيداً للتقصير بلحاظ مجموع أفراده على نحو العامّ المجموعيّ، بمعنى أنّ بعض هذه الصور يعتبر فيه الخوف دون الباقي، فكانت الآية دالّة على القصر في جميع الصور، ومنها نقصان الركعتين الأخيرتين في السفر.كما يشهد على ذلك استشهاد الإمام علیه السلام بالآية في رجل صلّى في السفر أربعاً إلى آخر ما تقدّم آنفاً.ويظهر من ذلك دلالة الآية على لزوم القصر؛ إلّا أنّها تحتاج إلى تفسيرٍ.وعليه، فلابدّ من الالتزام بهذا القول ببركة النصوص الواردة في تفسير الآية وانطباقها على القصر في السفر.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 435، أبواب صلاة الخوف والمطاردة، باب 2، ح 1.

وفي تفسير «المنار» كلامٌ يوافق ذلك؛ حيث قال:وقد يقال: إنّ الآية قد تضمّنت قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيّد ذلك بأمرين: الضرب في الأرض، والخوف، فإذا وجد الأمران أُبيح القصر فيصلّون صلاة الخوف مقصورة عددها وأركانها، وإن انتفي الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفي القصران فيصلّون صلاة تامّةً وإن وجد أحد السببين ترتّب عليه قصره وحده، فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفى العدد، وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية، فإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفي الأركان وسمّيت صلاة أمن وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق. (1)ولا يخفى ما في هذا القول من التجشّم.الوجه الثاني: ما ذكره الطبرسى قدس سره في المجمع وقال: ويحتمل أن يكون ذكر الخوف في الآية قد خرج مخرج الاعم و في الاغلب عليهم في اسفارهم فانهم كانوا يخافون الاعداء في عامتها ومثله في القرآن كثير. (2)وعليه يكون القيد غالبيّاً وليس باحترازيّ، فتكون الآية دالّة على وجوب القصر في السفر سواء كان هناك خوف أم لا.ولا يخفي ما فيه من الضعف والفتور.أمّا أوّلاً: فلأنّ الأصل في القيد هو الاحتراز، كما يؤيّده ما ورد في شأن النزول وقد ورد أنّ خالداً قال: إنّهم إذا شرعوا في الصلاة نقاتل معهم، فنزلت الآية، ففي «روح المعاني» أنّ المشركين إذا رأوا فراغ المسلمين من صلاتهم؛ قال بعضهم: لقد أمكنكم محمّد صلی الله علیه و آله و سلم وأصحابه من ظهورهم فهلّا شددتم عليهم؟ قال قائل منهم: إنّ لهم صلاة أُخرى مثلها في أثرها، فأنزل


1) المنار؛ ج 5، ص 367.

2) مجمع البيان؛ ج 3، ص 101.

### لزوم ملاحظة صدر الآية وذيلهاالله سبحانه الآية. (1)فهذا شاهد صدق على كون التقييد بالخوف للاحتراز، وليس من الغالبيّ في شيء.وأمّا ثانياً: فالآية تدلّ على أنّ الموضوع للقصر هو الخوف من فتنة الكفّار ووقوعهم على المسلمين غيلة وغفلة حين اشتغالهم بالصلاة ولاسيّما مع ملاحظة قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الكافِرِينَ كانوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً وهذه الجملة تنافي كون القيد للغالب، مضافاً إلى أنّ الآية التالية الصريحة في كيفيّة صلاة الخوف لا تناسب هذا الوجه.)وأمّا ثالثاً: فأنّ مجرّد دعوى كون الأسفار في زمن نزول الآية مقرونة بالخوف لا تنفع؛ بل لابدّ على المدّعي إثبات ذلك بالدليل، وهو مفقود.الوجه الثالث: ما قد يقال إنّ الآية نزلت مرّتين؛ فصدرها أعني قوله تعالى: ﴿وإِذا ضَرَبْتُمْ -إلى قوله: مِنَ الصَّلاةِ نزل لبيان حكم الصلاة في السفر، وذيلها نزل بعد سنة لبيان حكم الصلاة في الخوف.)والأصل في هذا ما رواه الآلوسيّ في تفسيره عن عليّ علیه السلام قال:سأل قوم النبي صلی الله علیه و آله و سلم فقالوا: يا رسول الله! إنّا نضرب في الأرض، فكيف نُصلّي؟ فأنزل الله سبحانه: (وإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ - الى قوله - مِن الصَّلاةِ ثمّ انقطع الوحي؛ فلمّا كان بعد ذلك بحولٍ غزا النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم فصلّى الظهر، فقال المشركون: قد أمكنكم محمّد صلی الله علیه و آله و سلم وأصحابه من ظهورهم فهلّا شددتم عليهم؟ فقال قائل منهم: إنّ لهم صلاة أُخرى مثلها في إثرها، فأنزل الله سبحانه بين الصلاتين قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ) فنزلت صلاة الخوف. (2))قلتُ: ظاهر كلامه، أنّ ذيل الآية، أعني: (إِنْ خِفْتُمْ، يلاحظ مستقلّاً من غير ملاحظة صدرها، لكنّ الالتزام به مشكل؛ لأنّ لازم ما ذكره كون الذيل في نفسه مفيداً للمعنى مستقلّاً،)


1) روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني؛ ج 5، ص 121.

2) نفس المصدر.

وهو مع عدم ملاحظة الصدر مشكل جدّاً.والقول بأنّ جواب «إن» الشرطيّة محذوف في الذيل لا يصحّح المعنى؛ وذلك لأنّه لو لم يلاحظ الصدر لم يكن قرينة على الجواب من الذيل.وعلى هذا: لابدّ من أن يلاحظ الذيل مع الصدر ليتمّ معنى الآية، فعليه يمكن أن يقال: إنّ الصدر نزل مرّة بحياله ثمّ نزل مرّة أُخرى مع الذيل، والنزول مرّتان، وإن كنّا لا نلتزم به، بالإضافة مجموع القرآن كما حقّقناه في بعض أبحاثنا في التفسير (1- خلافاً للعلّامة الطباطبائيّ قدس سره في تفسيره - إلّا أنّه لا بأس بالالتزام به في أمثال المقام، كما احتملنا ذلك في سورة الفاتحة، بأن يقال إنّها نزلت مرّة بدون السورة ومعها أُخرى؛ لأجل تعليم الصلاة للنبيّ صلی الله علیه و آله و سلم.)ولعلّ هذا الوجه أحسن ما قيل أو يقال في هذا المقام من جهة إثباته؛ لدلالة الآية على المطلوب، وهو وجوب القصر في السفر، لو ثبت كون الحديث عن مولانا أمير المؤمنين علیه السلام.وربّما تؤيّده النصوص الواردة في البابين؛ فإنّ الروايات الواردة في باب القصر في السفر الّتي تفسّر الآية ذكر فيها صدر الآية فقط كما في صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم (2ونحوهما.)وهذا بخلاف النصوص الواردة في باب صلاة الخوف، حيث ذكرت الآية فيها صدراً وذيلاً. فراجع. (3)فعلى كلّ حالٍ، لابدّ - في تفسير الآية - من أن يلاحظ تارة صدرها إلى قوله: ﴿مِنَ الصّلاة، فيستدلّ به علی وجوب القصر في السفر.)وتارة أُخرى يلاحظ الصدر مع الذيل ليستفاد منهما حكم الصلاة في الخوف.وليس في ذلك استبعاد لوجود مثله في القرآن، حيث التزم بعضهم بنظير ذلك في قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبا إِلَّا


1) دروس حول نزول القرآن.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 517، باب 22، صلاة المسافر، ح 2.

3) نفس المصدر، ص 433، باب 1 من أبواب صلاة الخوف، ح 2 و 3 و 4 .

عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا. (1)وفي تفسيره احتمالان مشهوران:أحدهما: أنّ المراد من الصلاة المنهيّة هو نفس الصلاة حقيقة بقرينة قوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ، كما أنّ المراد من قوله: ﴿وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) أيضاً هو الصلاة، أي: لا تصلّوا حال الجنابة إلّا أن تكونوا عابري سبيل فيجوز أن يصلّى بالتيمّم، فيكون المعنى: لا تصلّوا حال السُّكر حتى يزول عنكم أثره بحيث تعلموا ما تقولون، ولا تصلّوا جُنباً إلّا أن تكونوا مسافرين فيجوز حينئذٍ الصلاة بالتيمّم.)ثانيهما: أنّ المراد من الصلاة هو موضعها مجازاً، فيكون المعنى: لا تقربوا المسجد وأنتم سُکاری، ولا تقربوا المسجد أيضاً جنباً حتى تغتسلوا، إلّا أن تكونوا في حال العبور منه، فإنّه يجوز العبور منه جنباً، وقد أطالوا الكلام حول هذه الآية الشريفة.إلّا أنّ الحقّ هو أن يقال: إنّ المراد من صدر الآية هو الصلاة حقيقة، كما أنّ المراد من الذيل، أعني قوله: (ولا جُنُباً... موضع الصلاة، والمعنى: لا تقربوا مكان الصلاة و هو المسجد في حال الجنابة إلّا في حال العبور منه، ولعلّ هذا من استعمال اللفظ في المعنيين مع القرينة.)وإلى هذا المعنى يشير الطُريحيّ بقوله:قال أهل البديع:إنّ الله سبحانه استخدم في هذه الآية لفظ الصلاة في معناها الحقيقيّ وفي موضع الصلاة. (2)والذي تحصّل ممّا تقدّم: أنّ الآية الشريفة تصلح للدلالة على وجوب القصر في السفر


1) النساء: 43.

2) مجمع البحرين؛ ج 3، ص334، مادة «سكر».

### تمسّک العامّة بالآية في إثبات الرّخصةمن غير خوف أيضاً على بعض الوجوه الثلاثة، وأوجهها هو الأخير كما لا يخفي.ويؤيّده اعتراف بعض العامّة بذلك؛ حيث استشهد من الكتاب بهذه الآية، فعن الشافعيّ:الصلاة في السفر قصر كتاباً وسنّةً.نعم، لم يصل إلينا كيفية بيانهم للآية وتفسيرهم لها ولعلّهم تعمّدوا ترك تفسيرها لبعض الجهات، ولعلّ منها ما ابتدعه عثمان من الإتمام بعرفة، فتأمّل.ومن ذلك يعلم أنّ ما ذهب إليه المرتضى قدس سره وأتباعه من عدم دلالة الآية على القصر في السفر لغير الخائف، حسن بالنظر إلى ظاهرها مع قطع النظر عن النصوص الواردة في تفسيرها، وأمّا مع ملاحظة النصوص المزبورة فليس فيما ذكروه حُسنٌ، فلابدّ من الإلتزام بدلالتها على القصر في السفر.أمّا المقام الثاني: وهو أن الآية هل تدلّ على مجرّد الرخصة، أم تدلّ على كون القصر في السفر عزيمة أيضاً؟ظاهر الآية مع قطع النظر عن النصوص هو الأوّل، نظراً إلى نفي الجناح الظاهر في كون القصر مباحاً؛ إذ الجناح هو الإثم أو الميل عن الحقّ، قال الطُريحيّ:والجناح الإثم لميله عن طريق الحقّ . (1)فإذا انتفي الإثم، يكون الفعل مباحاً ومرخّصاً فيه.ولعلّ هذا هو المنشأ في تشتّت الأقوال بين العامّة، وقد تقدّم نقل أقوالهم في أوائل البحث؛ فإنّهم فسّروا نفي الجناح بالإباحة، فعن الشافعيّ: القصر في الخوف بالكتاب والسنّة وفي السفر بلا خوف سنّة، والكتاب يدلّ على أنّ القصر في السفر بلا خوف رخصة من الله لا أنّه حتم عليهم.ويؤيّده استعمال هذا التركيب في الإباحة في موارد من الكتاب.


1) نفس المصدر، ص 346، مادة «جنح».

### دلالة الآية على العزيمة بالنظر إلى النصوصمنها: قوله سبحانه: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوتَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً . (1))ومنها: قوله سبحانه: (وَالقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللّاتي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ .(2))ومنها: قوله سبحانه: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ . (3))فكما أنّ نفي الجناح من هذه الموارد ظاهر، بل صريح في الإباحة، فليكن كذلك في المقام.هذا غاية ما يمكن أن يستدلّ لهم بمقالهم.والجواب: ليس معنى «لا جناح» هو الإباحة، بل معناه عدم الإثم كما أشرنا إليه.نعم، نفي الإثم يلازم الجواز بالمعنى الأعمّ المحتمل للوجوب، فإنّ نفي الإثم والحرمة عن شيءٍ يدلّ على أنّه ليس من المحرّم في شيء، فيكون تارةً مباحاً وأُخرى مستحبّاً، وثالثةً مكروهاً، ورابعةً واجباً.فنفي الجناح لا يدلّ على واحد من هذه الأربعة بخصوصه، ومن ادّعى دلالته على فرد خاصّ تعييناً، فعليه البيان.وبالجملة، عدم ظهور الآية في العزيمة مع قطع النظر عن النصوص ممّا لا ينكر.ونحن ندّعي دلالة الآية على الوجوب والعزيمة؛ لأجل تصريح النّبي صلی الله علیه و آله و سلم والأئمّة الأطهار علیهم السلام على انطباق الآية على وجوب القصر في السفر كما أشرنا إلى ذلك سابقاً.وكذلك الحال في قوله سبحانه: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما؛ (4)حيث فسّر نفي)


1) البقرة: 226.

2) النور: 60.

3) البقرة: 198.

4) البقرة: 158.

الجناح بوجوب السعي بين الصفا والمروة للحاجّ والمعتمر على ما دلّت عليه النصوص المتظافرة ولم يختلف فيه أحد من علماء الإسلام وكذا المقام.وإنّما جيء «بلا جناح» لدفع توهّم الحظر؛ إذ القصر كان محرّماً في الحضر، فدفع بذلك توهّم حرمته في السفر، كما في السعي بين الصفا والمروة؛ حيث إنّ العرب في الجاهلية كانوا يعبدون فيهما أصنامهم، فقوله: (لاجُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بهما... ورد لدفع شبهة حرمة العبادة بهما من تلك الجهة.)ويشهد على ذلك كلّه ما رواه زرارة ومحمد بن مسلم في الصحيح قالا:قُلْنَا لِأَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام:مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ كَيْفَ هِيَ وَكَمْ هِيَ؟ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ فَصَارَ التَّقْصِيرُ فِي السَّفَرِ وَاجِباً كَوُجُوبِ التَّمَامِ فِي الْحَضَرِ.)قَالا: قُلْنَا لَهُ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَ: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ وَلَمْ يَقُلِ: افْعَلُوا، فَكَيْفَ أَوْجَبَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ علیه السلام: أَوَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ فِي الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَوَّفَ بِهِمَا) أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الطَّوَافَ بِهِمَا وَاجِبٌ مَفْرُوضٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّوَجَلَّ ذَكَرَهُ فِي كِتَابِهِ وَصَنَعَهُ نَبِيُّهُ وَكَذَلِكَ التَّقْصِيرُ فِي السَّفَرِ شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله و سلم وَذَكَرَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْحَدِيثَ. (1))ولا وجه لاستشهاده بمسألة الطواف بين الصفا والمروة إلّا من جهة أنّ «لاجناح» ورد في المقامين لدفع توهّم الحظر.وبالجملة: إنّ دلالة الآية على وجوب القصر في السفر وكونه عزيمة غير ظاهرة بالنظر إلى ألفاظها إلّا أنّ استشهاد الصادقين عليهما السلام بالآية، أصدق شاهد لدلالتها على ذلك.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 517 - 518 ، باب 22 من أبواب صلاة المسافر ، ح 2.

ثم إنه ربما يتوهم أنّ ظاهر الآية أو صريحها كون الموضوع للقصر هو السير والحركة في الأرض؛ لمكان قوله: (إذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ، فعليه لا تشتمل الآية على السفر الجوّيّ في الفضاء كما في هذه الأزمنة؛ حيث إنّ كثيراً من الأسفار تكون بواسطة الطائرة، وقد بالغ في ذلك بعضهم حتى أفتى بوجوب التمام لمن يسافر بالوسائل الجوّيّة المستحدثة مستدلّاً عليه بعد الآية، بظاهر بعض النصوص؛ بناءً على استعمال الأرض في معناها الحقيقيّ يعني مقابل السّماء.)أقول: إنّ ما ذكره البعض حسن إن لوحظ ظاهر الآية وحملت الأرض على معناها الحقيقيّ، فحينئذٍ لا تشمل غير المسافر الراجل ولو كان راكباً لبعض الحيوانات والسيّارات، فضلاً عن الطائرات.إلّا أنّه لم يلتزم به أحد في المقام، بل التزموا بكون الضرب في الأرض كنايةٌ عن مطلق السفر من غير فرق بين الراجل وغيره، اللّهم إلّا أن يدّعي انصرافه إلى السفر الأرضيّ. هذا أوّلاً.وثانياً: انّ غاية ما تدلّ عليه الآية هو وجوب التقصير في السفر الأرضيّ وأمّا الجوّيّ، فهي ساكتة عنه نفياً وإثباتاً، وهذا لا يضرّ بإطلاق الأدلّة الأُخرى من الآيات والروايات؛ فإنّ قوله سبحانه: ﴿فَمَن كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوعَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر (1)يشمل بإطلاقه من يصدق عليه عنوان المسافر كما سيجيء ذلك عند بيان معنى المسافر وأنّه عبارة عمّن خرج من بلده قاصداً للمسافة.)ولا ريب في صدق هذا العنوان لغةً وعرفاً على مَن يسافر بالسيارة، كما أنّه لا إشكال في شموله على السفر بالطائرة.ونحوها إطلاق جملة من النصوص الّتي ظاهرها إناطة حكم القصر بالمسافر، وهي كثيرة.منها: صحيحة معاوية بن وهب قال: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: أَدْنَى مَا يُقَصِّرُ فِيهِ الْمُسَافِرُ


1) البقرة : 184.

الصَّلَاةَ؟ قَالَ: بَرِيدٌ ذَاهِباً وَبَرِيدٌ جَائِياً. (1)ومنها غير ذلك.فإن قلت: نعم، لا كلام في كون الآية وكذا النصوص المشار إليها مطلقة إلّا أنّه يجب تقييدها بآية التقصير؛ لمكان قوله سبحانه: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ، حيث قيّد وجوب القصر بالسفر في الأرض؛ حملاً للمطلق على المقيّد كما حقّق ذلك في الأُصول.)قلت: إنّ مورد القاعدة المزبورة ما إذا كان أحد الدليلين منافياً للآخر، ومن الظاهر أنّه لا تنافي بينهما فيؤخذ بكلّ منهما، فأفهم.هذا تمام الكلام حول الآية الشريفة وقد طال بنا الكلام فيها لأنّا رأيناه لازماً؛ حيث إنّ أكثر الأعلام إمّا أنّهم قد تركوا البحث حولها، وإمّا لم يؤدّوا حقّها.ولعلّ ما ذكرناه يكون مبدأً للبحث والتحقيق حتى يتّضح ما فيها من الإجمال، والحال أنّها من مهامّ آيات الأحكام لترتّب أحكام كثيرة عليها كما لا يخفي.إذا تحرّر ذلك، فلنعد إلى البحث حول كلام السيّد قدس سره فنقول:إنّ ما تقدّم من كلامه قدس سره أعني قوله: «لا إشكال...» متين جدّاً، وتعلم متانته مما قدّمناه من تفسير الآية وليس في ذلك كلام. نعم، وقع في بعض خصوصيّاته كلام نشير إليه.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 456، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

قوله: بإسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيات وأمّا الصبح والمغرب فلا قصر فيهما. [1][1] أقول: هذا تفسير لقوله بوجوب القصر، فأطلق القصر على صلاة المسافر بمعنى إسقاط الركعتين الأخيرتين، ويلوح في النظر بدواً عدم الحاجة إلى البحث حوله؛ لوضوح صحّة إطلاق القصر بهذا المعنى، ومع ذلك، فقد يترائى من كلمات بعض الأصحاب عدم صحّة إطلاق القصر لصلاة المسافر مطلقاً أو بمعنى إسقاط الركعتين.ولعلّ الأصل في هذا المقام ما ذكره شيخ الطائفة قدس سره في «الخلاف» في المسألة الرابعة:صلاة السفر لا تسمّى قصراً؛ لأنّ فرض السفر مخالف لفرض الحضر. (1)فهو صريح في عدم صحّة إطلاق القصر على صلاة المسافر؛ نظراً إلى أنّ وظيفة المسافر ركعتان، كما أنّ وظيفة الحاضر هي أربع ركعات.ولعلّ الوجه في ذلك ما رواه في تبيانه عن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم أنّه قال: إِنَّ فَرضَ المُسَافِرِ رَكَعَتَانِ غَيْرَ قَصرٍ وادّعى إجماع الأصحاب على ذلك. (2)أقول: لكنّ الظاهر أنّه لا وجه لهذا النزاع؛ لأنّه يصحّ أن يقال: المسافر يقصّر صلاته بالإضافة إلى الحاضر وإن كانت وظيفته هي الركعتين في الواقع هذا أوّلاً .وثانياً: أنّ لفظ القصر والتقصير قد استعمل في هذا المعنى في كلمات الأئمّة علیهم السلام، بل في كلمات النّبيّ صلی الله علیه و آله و سلم، بل في الكتاب العزيز، فضلاً عن الاستعمالات العرفيّة، وآية التقصير صريحة في ذلك؛ بناءً على كونها دليلاً على صلاة المسافر - وهو الحقّ - كما اعترف بذلك الشيخ قدس سره في التبيان.فإن قلت: الموجود في الآية إنّما هو بلفظ «تقصروا» بصيغة الفعل المضارع، ومورد الكلام هو لفظ القصر مصدراً وأحدهما غير الآخر؟


1) الخلاف؛ ج 1، ص 202.

2) التبيان في التفسير القرآن؛ ج 3، ص 307.

### القصر هو إسقاط الرّكعتين الأخيرتينقلت: نعم، إلّا أنّه ليس بفارق؛ إذ ملاك كلامه قدس سره أنّ فرض المسافر هو الركعتان غير قصر، ومقتضى ذلك عدم صحّة إطلاق مادّة «قصر» مطلقاً.وكيف كان، فكثرة استعمال هذا اللفظ في الروايات المتضافرة يغنينا عن إثباته، ففي صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم: ... فَصَارَ التَّقْصِيرُ فِي السَّفَرِ وَاجِباً كَوُجُوبِ التَّمَامِ فِي الحَضَر... . (1)ومثله صحيحة معاوية بن وهب قال: هَذَا وَاحِدٌ إِذَا قَصَرْتَ أَفْطَرْتَ وَإِذَا أَفْطَرْتَ قَصَرْتَ (2إلى غير ذلك من النصوص.)ولعلّ هذا البحث من الشيخ قدس سره كان في قبال العامّة؛ حيث تكلّموا في ذلك من غير تحقيق.وكيف كان، فالظاهر أنه ليس لكلامه ونزاعه هذا وجه؛ لأنّه لا إشكال في ذلك بين الأصحاب بل غيرهم، كما اعترف بذلك المحقّق الخوئيّ قدس سره في ابتداء كلامه حيث قال:لا إشكال كما لا خلاف في أنّ المراد بالتقصير الوارد في الكتاب والسنّة هو إسقاط الركعتين الأخيرتين من الرباعيّات دون غيرها. (3)ثمّ إنّ المحقّق الخوئيّ قدس سره ذكر بعد ذلك كلاماً لا يخلو من تناقض مع ما تقدّم منه؛ فإنّه قدس سره يصرّ على أنّ المراد من القصر هو الإكتفاء بالركعتين؛ قال قدس سره بعد كلامه السابق:كما نطقت به النصوص الكثيرة الواردة في المسافر وتدلّ عليه صريحاً صحيحة زرارة عن الباقر علیه السلام أنّه قال: عَشْرُ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مِنَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ مِنَ الْعَصْرِ وَرَكْعَتَا الصُّبْحِ وَرَكْعَتَا الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَا الْعِشَاءِ الآخِرَةِ لَا يَجُوزُ الْوَهْمُ فِيهِنَّ مَنْ وَهَمَ فِي شَيْءٍ مِنْهُنَّ اسْتَقْبَلَ الصَّلاةَ اسْتِقْبَالاً وَهِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي فَرَضَهَا


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 517، باب 22 من أبواب صلاة المسافر، ح 2 .

2) نفس المصدر، ج 10، ص 184 ، باب 4 من أبواب من يصح منه الصوم، ح 1.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص9.

اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقُرْآنِ وَفَوَّضَ إِلَى مُحَمَّدٍ صلی الله علیه و آله و سلم فَزَادَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله و سلم فِي الصَّلَاةِ سَبْعَ رَكَعَاتٍ هِيَ سُنَّةٌ لَيْسَ فِيهِنَّ قِرَاءَةٌ إِنَّمَا هُوَ تَسْبِيحَ وَتَهْلِيلٌ وَتَكْبِيرٌ وَدُعَاء فَالْوَهْمُ إِنَّمَا يَكُونُ فِيهِنَّ فَزَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و آله و سلم فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ غَيْرِ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ الآخِرَةِ وَرَكْعَةً فِي الْمَغْرِبِ لِلْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ. (1حيث دلّت على أنّ الفرض الأوّليّ من جميع الصلوات ركعتان وأنّ النّبيّ صلى الله عليه و آله و سلم زاد للمقيم فقط ركعتين في الظهر والعصر والعشاء، وله وللمسافر ركعة المغرب.)ومنه يظهر أنّ الوجه في إطلاق القصر على صلاة المسافر هو الاقتصار على الفرض الأوّليّ الإلهيّ والاكتفاء بتلك الركعتين، وإلّا فلم يفسّر القصر صريحاً في مورد وأنّ المراد به التقليل في الركعة أو الركعتين. (2)قلت: حاصل كلامه أنّ القصر معناه هو الاكتفاء والاقتصار على الفرض الأوّليّ وهو الركعتان وأنّ القصر بمعنى التقليل غير صحيح.ففيه أوّلاً: أنّ بين كلاميه تناقضاً؛ لأنّ صدر كلامه صريح في أنّ معنى القصر هو التقليل بإسقاط الركعتين؛ حيث قال: لا إشكال كما لا خلاف في أنّ المراد بالتقصير الوارد في الكتاب والسنّة هو إسقاط الركعتين الأخيرتين، وذيله صريح في خلافه، ولعلّ في كلامه سقطاً من المقرّر أو تحريفاً، والله العالم.وثانياً: أنّ ما ذكره أخيراً بقوله: «فلم يفسّر القصر صريحاً أنّ المراد به التقليل في الركعة...» عجيبٌ؛ إذ لا حاجة إلى تفسير التقصير بذلك بعد وضوح معناه عند أهل اللغة وأبناء المحاورة، بل لم أجد استعماله في اللغة بمعنى الاكتفاء والاقتصار.نعم يظهر من لسان العرب مجيئه بمعنى الاكتفاء، لكن إذا كان متّصلاً بالكاف، قال: «قصرك؛ حسبك».


1) الوسائل الشيعة؛ ج 4، ص 49، باب 13 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها، ح 12.

2) المستند العروة؛ ج 8، ص 10.

وكيف كان، فلا شاهد لما ادّعاه قدس سره، لا من اللغة ولا من الاستعمالات القرآنيّة؛ فإنّ لفظ «قصر» استعملت في القرآن بمعنى التقليل، قال الله سبحانه: ﴿مُحلّقِينَ رُؤُوسَكُمْ ومُقَصِّرِينَ، (1)وكذا استعمل لفظة «أقصر» فيه بهذا المعنى، قال سبحانه وتعالى: (وإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ) (2)بل وكذلك قوله سبحانه: فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ. (3))فإنّه وإن كان ثلاثياً مجرّداً، إلّا أنّ معنى (أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ، هو أن تنقصوا من الصلاة ولا معنى لأن يقال: أن تكتفوا من الصلاة؛ لأنّ متعلّق الاكتفاء غير مذكور ولا معلوم من السياق كما لا يخفي.)والحاصل: إنّه لا وجه لتفسير القصر والتقصير بالاكتفاء والاقتصار أصلاً.وأمّا استشهاده قدس سره بصحيحة زرارة المتقدّمة ففيه:أوّلاً: أنّها معارضة بنصوص كثيرة دالّة على أنّ المراد من التقصير هو التقليل.منها: ما رواه سليمان العامريّ، عن أبي جعفر علیه السلام قال:«لَمَّا عُرِجَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم نَزَلَ بِالصَّلَاةِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَلَمَّا وُلِدَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ علیهما السلام زَادَ رَسُولُ الله صلى الله عليه و آله و سلم سَبْعَ رَكَعَاتٍ شُكْراً لِلَّهِ فَأَجَازَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ وَتَرَكَ الْفَجْرَ لَمْ يَزِدْ فِيهَا لِضِيقِ وَقْتِهَا لِأَنَّهُ تَحْضُرُهَا مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فَلَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِالتَّقْصِيرِ فِي السَّفَرِ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِهِ سِتَّ رَكَعَاتٍ وَتَرَكَ الْمَغْرِبَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا شَيْئاً وَإِنَّمَا يَجِبُ السَّهْرُ فِيمَا زَادَ رَسُولُ اللَّهِ لله صلى الله عليه و آله و سلم فَمَنْ شَكٍّ فِي أَصْلِ الْفَرْضِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوَّلَتَيْنِ اسْتَقْبَلَ صَلَاتَهُ». (4)


1) الفتح: 27.

2) الأعراف: 202.

3) النساء: 101.

4) الوسائل الشيعة؛ ج 4، ص 50 ، باب 13 من أبواب اعداد الفرائض، ح 14.

### شروط القصرفأنظر إلى صراحة الخبر في أنّ تشريع رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم سبع ركعات شكراً بولادة الحسنين علیهما السلام كان على مطلق المكلّفين الحاضر والمسافر، ثمّ وضع الستّ بأمر من الله تعالى بعد مدّة عن المسافر ركعتين من الظهر وركعتين من العصر وركعتين من العشاء الآخرة.وتعاضد هذه الصحيحة بروايات أُخر دالّة على تقصير المسافر صلاته وقد مرَّ جملة منها فلا نعيد.وثانياً: أنّ من المحتمل قويّاً أن صحيحة زرارة إنّما وردت لبيان نتيجة التشريع لا كيفيّته، فالمراد أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ما زاد على المسافر شيئاً على الركعتين لا أنّه أوجب الركعتين الأخيرتين على الحاضر فقط. فليست الصحيحة بصدد بيان معنى القصر والتقصير.وبعبارة أُخرى: انّه لو كان المراد من صحيحة زرارة هو إيجاب الركعتين على الحاضر فقط لَفَسد معنى الروايات الكثيرة الآمرة بالتقصير على المسافر، فأفهم فإنّه دقيق وبالتأمّل حقيق.

وأمّا شروط القصر فأُمور:الأوّل: المسافة وهي ثمانية فراسخ امتداديّة ذهاباً وإياباً، أو ملفّقة من الذهاب والإياب إذا كان الذهاب أربعة أو أزيد، بل مطلقاً على الأقوى وإن كان الذهاب فرسخاً والإياب سبعة، وإن كان الأحوط في صورة كون الذهاب أقلّ من أربعة مع كون المجموع ثمانية الجمع ...[1][1] أقول: في هذه المسألة أُمور:الأمر الأوّل: في اعتبار المسافة الموجبة لتحقّق السفر الموجب للقصر والإفطار، وقد اتّفق المسلمون على اعتبارها في الجملة على ما يظهر من كلام الجواهر، (1وذهب إليه أهل الظاهر أيضاً - أعني: داود الظاهريّ - حيث اعتبر الضرب في الأرض قليلاً كان أو كثيراً، إلّا أنّه لم يعتبر مقداراً معيّناً من المسافة.)والحاصل: أنّه لا خلاف في اعتبار المسافة إجمالاً.نعم وقع الخلاف في تقدير تلك المسافة وعن داود الظاهريّ الإكتفاء بصدق المسافر وهو يتحقّق بقطع فرسخ من الطريق أو أقلّ.وقال أبو حنيفة: إنّ أقلّ ما تقصر فيه الصلاة ثلاث مراحل، وكلّ مرحلة ثمانية فراسخ، فتكون المسافة الموجبة للقصر عنده أربعة وعشرين فرسخاً.وقال الشافعي ومالك وجماعة باعتبار مرحلتين ستّة عشر فرسخاً.وأمّا الإماميّة: فقد اتّفقوا على أنّ المسافة يجب أن تكون ثمانية فراسخ لا أقلّ منها ولا أكثر وبه قال الأوزاعي من العامّة، ويدلّ عليه قبل الإجماع المنقول، بل المحصل، نصوص كثيرة بل متواترة ولو إجمالاً كما اعترف به المحقّق الخوئيّ قدس سره حيث قال:والنّصوص بها متكاثرة، بل لعلّها متواترة ولو إجمالاً، وفيها الصحاح والموثّقات على اختلاف ألسنتها... . (2)


1) جواهر الکلام؛ ج 14، ص 193.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص10.

### بیان روایات اعتبار المسافة ولو ملفّقةفمن تلك النصوص ما رواه الفضل بن شاذان، عن الرضا علیه السلام إنّه سمعه يقول:إِنَّمَا وَجَبَ التَّقْصِيرُ فِي ثَمَانِيَةِ فَرَاسِخَ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ لِأَنَّ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلْعَامَّةِ وَالْقَوَافِل وَالْأَثْقَالِ فَوَجَبَ التَّقْصِيرُ فِي مَسِيرَةِ يَوْم.ونحوه غيره من نصوص الباب . (1)ويدلّ عليه أيضاً ما يدلّ على اعتبار بريدين أو مسيرة يوم أو بياض يوم كما في جملة أُخرى من النصوص. (2)قلت: لا يخفي عليك ما في هذه النصوص من التحديد والتأكيد في تقدير المسافة المعتبرة في ترتّب القصر، ولعلّ هذه الأهميّة بتلك المسافة إنّما نشأت مقابل أبي حنيفة ونحوه من العامّة.الأمر الثاني: في أنّ الثمانية هل تعتبر أن تكون امتداديّة أو تعمّ الملفّقة أيضاً؟فالمشهور هو الثاني وإن اختلفت كلماتهم في كفاية المسافة التلفيقيّة، ولهم في ذلك أقوال أنهاها بعضهم إلى ثمانية أقوال والعمدة منها ثلاثة:القول الأوّل: هو كفاية المسافة التلفيقيّة في وجوب القصر كالإمتداديّة، وهو المشهور المنصور؛القول الثاني: التخيير بين القصر والتمام، وقد نسب هذا القول إلى الكليني والشيخ قدس سره واختاره بعض متأخّري المتأخّرين كالشهيد الثاني في الروضة وصاحب المدارك قدس سره؛القول الثالث: وجوب التمام، وقد نسب إلى الحلبي في الكافي وابن زهرة قدس سره في الغُنية.والمختار هو القول الأوّل، أعني: كفاية المسافة الملفّقة؛ لأنّه مقتضى الجمع بين الأخبار؛ إذ هي على طوائف ثلاث:الطائفة الأولى: ما تدلّ بظاهرها على اعتبار الثمانية، وهي كثيرة على اختلاف تعابيرها،


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص451 - 455، باب 1 من أبواب صلاة المسافر ، ح 1 و 2 و 6 و 13 .

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص451 - 455، باب 1 من أبواب صلاة المسافر ، ح 4، 7، 11، 15، 16 و 17.

فقد عبّر في بعضها بالثمانية، وفي بعضها بالبريدين، وفي بعضها الآخر بمسيرة يوم، وفي موثّقة سماعة قال:«سَأَلْتُهُ عَنِ الْمُسَافِرِ فِي كَمْ يُقَصِّرُ الصَّلَاةَ فَقَالَ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَ ذَلِكَ بَرِيدَانِ وَ هُمَا ثَمَانِيَةُ فَرَاسِخَ». (1فذكر الثمانية تفسيراً لمسيرة يوم.)ووقع ذلك التفسير في خبره الآخر أيضاً، قال:«سَأَلْتُهُ عَنِ الْمُسَافِرِ فِي كَمْ يُقَصِّرُ الصَّلَاةَ فَقَالَ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَ ذَلِكَ بَرِيدَانِ وَ هُمَا ثَمَانِيَةُ فَرَاسِخَ». (2)فعلم من الخبرين: أنّ المعيار في وجوب القصر قطع الثمانية عن قصد كما سيجيء، وأمّا ذكر البريدين ومسيرة يوم في بعض الأخبار فإنّما هو لبيان المعيار المذكور، وعليه فلا منافاة بينها وبين غيرها من النصوص الدالّة على كون الموضوع ثمانية فراسخ.والروايات في هذا الباب كثيرة كما لا يخفي على من لاحظها.الطائفة الثانية: ما تدلّ على أنّ المسافة الموجبة للقصر أربعة فراسخ، أو بريد، أو إثنا عشر ميلاً.منها: ما رواه الشيخ في الصحيح عن زيد الشحام، قال: سمعت أباعبد الله علیه السلام يقول:«يُقَصِّرُ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرَةِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلاً». (3)ومنها: ما رواه زرارة في الصحيح أيضاً، عن أبي جعفر علیه السلام قال:«التَّقْصِيرُ فِي بَرِيدٍ وَالْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ». (4)


1) الوسائل الشيعة ؛ ج 8، ص 453، صلاة المسافر، باب 1، ح 8.

2) نفس المصدر، ص 453، صلاة المسافر، باب 1 ، ح 13 .

3) نفس المصدر، ص 457، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

4) نفس المصدر، ص 457، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

ومنها: عدّة نصوص أُخرى من هذا الباب وغيرها الّتي يقف عليها المتتبّع. (1)بل يمكن أن يكون من هذه الطائفة ما رواه ابن بُكير قال:«سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الْقَادِسِيَّةِ أَخْرُجُ إِلَيْهَا أُتِمُ الصَّلَاةَ أَمْ أُقَصِّرُ؟ قَالَ: وَكَمْ هِيَ؟ قُلْتُ: هِيَ الَّتِي رَأَيْتَ، قَالَ: قَصِّرْ». (2)فإنّ الفاصلة بين الكوفة والقادسيّة كانت أربعة فراسخ.ويؤيّده أنّ الشيخ قدس سره أورده في جملة أحاديث أربعة فراسخ كما نصّ عليه صاحب الوسائل.الطائفة الثالثة: ما تدلّ على كفاية الثمانية الملفّقة أربعة ذهاباً وأربعة إياباً، وهي أيضاً كثيرة:منها: قوله علیه السلام في صحيحة معاوية بن وهب:« قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: أَدْنَى مَا يُقَصِّرُ فِيهِ الْمُسَافِرُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: بَرِيدٌ ذَاهِباً وَبَرِيدٌ جَائِياً». (3)ومنها: خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال:«سَأَلْتُهُ عَنِ التَّقْصِيرِ، قَالَ: فِي بَرِيدٍ، قَالَ: قُلْتُ: بَرِيدٌ، قَالَ: إِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ بَرِيداً وَرَجَعَ بَرِيداً فَقَدْ شَغَلَ يَوْمَهُ». (4)ومنها نصوص أُخرى من الباب. (5)فهذه النصوص صريحة في كفاية التلفيق، وبها يجمع بين الطائفة الأُولى والثانية بحمل الأُولى على الأعمّ من المسافة الامتداديّة والتلفيقيّة وحمل الثانية على الأربعة ذهاباً بشرط


1) نفس المصدر، ص 457، باب 1 من أبواب صلاة المسافر ، ح 5، 6، 10، 11، 13 و 16.

2) نفس المصدر، ص 458، باب 2 من أبواب صلاة المسافر ، ح 7.

3) نفس المصدر، ص 456، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

4) نفس المصدر، ص 459، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 9 .

5) نفس المصدر، ص 456-462، باب 2 من أبواب صلاة المسافر ، ح 2 ، 9، 8، 15، 18 و 19.

الإياب، فيرتفع التعارض المتوهّم من جهة المفهوم؛ حيث إنّ مفهوم الطائفة الأُولى هو اعتبار الثمانية الامتداديّة لا غير، كما أنّ مفهوم الطائفة الثانية هو كفاية الأربعة، فتكونان متعارضتين من هذه الجهة إلّا أنّه يرتفع ببركة الطائفة الثالثة، كما عرفت.فتحصّل مما ذكرنا أنّ الموضوع لوجوب القصر هو السفر المتحقّق بثمانية فراسخ، سواء كانت امتداديّة أم تلفيقيّة.فعليه يسقط ما نسب إلى الكليني والشيخ رحمه الله ما من القول بالتخيير بين القصر والإتمام جمعاً بين الأخبار بحمل ما يدلّ على اعتبار الثمانية على وجوب القصر تعييناً وحمل ما يدلّ على الأربعة على ثبوت التخيير بين القصر والإتمام.والوجه في السقوط أنّه جمع لا شاهد له، مُضافاً إلى كونه مخالفاً لظاهر الأخبار كما لا يخفي.إذا تقرّر ذلك فنقول: إنّ هناك روايات تنافي ما قدّمناه من تعيّن المسافة الموجبة للقصر «وهي ثمانية فراسخ».منها: ما يدلّ على أنّ المسافة الموجبة للقصر فرسخ أو فرسخان، ففي مكاتبة جعفر بن محمّد يسأله عن السفر في كَم التقصير؟ فكتب علیه السلام بخطّه وأنا أعرفه:«قَدْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام إِذَا سَافَرَ أَوْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ قَصَّرَ فِي فَرْسَخِ ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ قَابِلٍ فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ». (1)ونحوه خبر أبي سعيد الخُدري قال:«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه و آله و سلم إِذَا سَافَرَ فَرْسَخاً قَصَّرَ الصَّلَاةَ». (2)وفي خبر المروزيّ قال الفقيه علیه السلام:


1) نفس المصدر، ص 471، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

2) نفس المصدر، ص 472، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

«التَّقْصِيرُ فِي الصَّلَاةِ بَرِيدَانِ أَوْ بَرِيدٌ ذَاهِباً وَجَائِياً وَالْبَرِيدُ سِتَّةُ أَمْيَالٍ وَهُوَ فَرْسَخَان». (1)ومنها: ما يدلّ على أن المسافة الموجبة للقصر مسيرة يومين.وفي خبر أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام:«لَا بَأْسَ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُتِمَ (الصَّلَاةَ فِي سَفَرِهِ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ» . (2))ومنها: ما يدلّ على أنّ القصر في ثلاثة برد، ففي صحيح البزنطيّ عن الرضا علیه السلام قال:«سَأَلْتُهُ عَن الرَّجُل يُرِيدُ السَّفَرَ فِي كَمْ يُقَصِّرُ فَقَالَ فِي ثَلَاثَةِ بُرُدٍ» . (3)وهذه النصوص وإن كانت ظاهرة الدلالة وبعضها صحيح السند، إلّا أنّه يجب حملها على التقيّة، أو تؤوّل مع الإمكان بأن تحمل روايات الفرسخ والفرسخين على تعيين حدّ الترخّص، وتحمل روايات مسيرة يومين أو ثلاثة على التقيّة، ويشهد له إعراض المشهور عنها، مضافاً إلى شذوذها كما اعترف به صاحب الوسائل.الأمر الثالث: في أنّه هل يعتبر في المسافة التلفيقيّة أن لا يكون كلّ من الذهاب والإياب أقلّ من أربعة فراسخ؟ أم لا يعتبر ذلك فيهما؟ أو يعتبر في الذهاب دون الإياب؟فيه وجوه بل أقوال:اختار الماتن قدس سره ثانيها تبعاً للشيخ الأعظم قدس سره حيث قال:فالقول بكفاية مطلق التلفيق قويّ. (4)واستدلّ عليه بإطلاق الأخبار الكثيرة المتقدّمة الدالّة على اعتبار ثمانية فراسخ وأنّ مرجع التلفيق إلى الثمانية.فعلى هذا، يكون الموضوع ثمانية فراسخ، سواء كانت إمتداديّة أم تلفيقيّة، من غير فرق بين


1) نفس المصدر، ص 457، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

2) نفس المصدر، ص 453، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.

3) نفس المصدر، ص 454، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 10.

4) كتاب الصلاة؛ ص 390.

أن يكون الذهاب وكذا الإياب أربعة فراسخ أو لم يكن.واستدلّ العلّامة الحائري قدس سره أيضاً بموثّقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال:سَأَلْتُهُ عَنِ التَّقْصِيرِ، قَالَ: فِي بَرِيدٍ، قَالَ: قُلْتُ: بَرِيدٌ، قَالَ: إِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ بَرِيداً وَرَجَعَ بَرِيداً فَقَدْ شَغَلَ يَوْمَهُ. (1)فإنّها ظاهرة في إناطة القصر على شغل اليوم، فتشمل ما لو ذهب فرسخاً أو فرسخين ورجع سبعة فراسخ أو ستّة، لصدق شغل اليوم بذلك. (2)وقد قرّره بعض أساتذتنا قدس سره في مجلس درسه بنحو آخر، وهو:أنّ العلّة في القصر هي شغل اليوم كما في الخبر والعلّة تعمّم وتخصّص.فحينئذٍ لا ينحصر الحكم بما إذا كان كلّ من الإياب والذهاب أربعة فراسخ، بل يتعدّي إلى ما يشغل يومه وإن كان الذهاب أقلّ من أربعة فراسخ.أقول: لعلّه قدس سره استفاد من الحديث العلّيّة التامّة فحينئذٍ يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، وأمّا لو فرض كون شغل اليوم علّة ناقصة، أي: كون الشغل مقتضياً للقصر، فلا يوجب التعدّي عن مورده كما لا يخفى.والحاصل: أنّ الوجوه الّتي استدلّ بها لمقال الشيخ الأعظم الأنصاري ومن تبعه ثلاثة:٭الإطلاق؛٭والموثّقة؛٭والعلّة الّتى استفادها بعض الأساطين قدس سره من الرواية.أمّا الجواب عن كلام الشيخ الأعظم قدس سره، فهو أنّه لا إطلاق في الروايات من هذه الجهة، بل المستفاد منها عرفاً هو اعتبار الثمانية الإمتداديّة والابتعاد عن الوطن بهذا المقدار، ولو كنّا نحن وظاهر تلك الأخبار، لكان المفهوم منها عدم جواز القصر في المسافة التلفيقيّة.إلّا أنّ المستفاد من روايات التلفيق عدم اعتبار الامتداد في الثمانية، بل يكفي الثمانية


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 459، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.

2) كتاب الصلاة؛ ص 578.

الملفّقة من أربعة من الذهاب وأربعة من الإياب.وعلى هذا، يكون المراد من مجموع الروايات كفاية الثمانية في التقصير، سواء كانت امتداديّة أم ملفّقة - من أربعة من الذهاب وأربعة من الإياب - وعليه، لا وجه لما ادّعاه الشيخ الأعظم الأنصاريّ قدس سره من الإطلاق.وأمّا الجواب عن الرواية الّتي ذكرها الحائري قدس سره، فهو أيضاً لا يدلّ على مطلوبهم؛ وذلك لأنّ الموضوع للقصر ليس مجرّد شغل اليوم كيفما اتّفق، بل هو مع باقي الشرائط ومنها الابتعاد الذي يتحقّق بالسير مقدار أربعة فراسخ.وأمّا الجواب عمّا ذكره بعض الأساطين قدس سره، فالحقّ أنّ قوله علیه السلام: «فَقَدْ شَغَلَ يَوْمَهُ» لا يظهر منه العلّة التامّة بحيث يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً، غاية الأمر أنّه مقتضٍ لذلك، فإن تحقّقت سائر الشرائط - ومنها الابتعاد عن الوطن -يجب عليه التقصير كما أشرنا إليه سابقاً.فالمتحصّل من تمام ذلك:إنّه يعتبر الابتعاد أربعة فراسخ، فلا يصحّ التمسّك حينئذٍ بإطلاق قوله علیه السلام: «فَقَدْ شَغَلَ يَوْمَهُ».كيف؟! ومقتضاه وجوب القصر فيما لو تردّد في فرسخ مرّات بحيث يصدق عليه أنّه شغل يومه، ولا أظنّ أن يلتزم به أحد من الأصحاب، بل لا يلتزم به نفس القائل أيضاً.والحاصل: أنّه لا وجه لما اختاره الماتن.وأمّا القول الأوّل، وهو اعتبار كون كلّ من الذهاب والإياب أربعة فراسخ، فقد اختاره جماعة من الأعلام، منهم: المحقّق الخوئيّ قدس سره وتبعه أكثر تلاميذه، واستدلّ له بقوله:لو كنّا نحن والأدلّة الأوّليّة، لاقتصرنا على الثمانية الامتداديّة، غير أنّ الأدلّة الأُخرى كصحيحة زرارة وغيرها دلّتنا على ثبوت التقصير في بريد ذاهباً وبريد جائياً، وأنّ المراد من تلك الثمانية ما يعمّ الملفّقة.

إلّا أنّ مورد هذه النصوص تلفيق خاصّ، وهو المشتمل على أربعة وأربعة، أي: بريد في بريد، فالمسافة المحكومة بالإلتحاق بالثمانية الامتداديّة هي خصوص الملفّقة من الأربعتين كما تفصح عنه بوضوح صحيحة معاوية بن وهب أدنى ما يقصر فيه الصلاة، فقال علیه السلام: «بريد ذاهباً وبريد جائياً»؛ فانّ التعبير بالأدنى كالصريح في عدم كفاية الأقلّ من هذا الحدّ... .(1)أقول: كلامه هذا مبنيّ على أمرين: الإلحاق والحكومة، بمعنى أنّ المسافة الملفّقة أُلحقت بالامتداديّة بالحكومة.وهذا ممّا لا وجه له ظاهراً؛ لأنّ الظاهر من الروايات على ما سبق بعد حمل مطلقها على مقيّدها، هو أنّ المعتبر في التقصير الثمانية أعمّ من أن تكون امتداديّة أو ملفّقة من الذهاب والإياب.وإن شئت قلت: إنّه قدس سره يدّعي إلحاق الملفّقة بالامتداديّة وأنّ هذا الإلحاق من باب الحكومة وكلا الأمرين ممّا لا وجه له.أمّا الإلحاق، فلأنّه فرع وجود الأصل، ومن الظاهر أنّ روايات الأربعة كروايات الثمانية تأسيسيّة، غاية الأمر أنّه على تقدير التعارض يحكم بالتساقط أو ترفع اليد عن إطلاق كلّ منهما ببركة الطائفة الثالثة الدالّة على كفاية الثمانية مطلقاً، أي: امتداديّة كانت أم تلفيقيّة كما تقدّم، فأين الإلحاق والفرعيّة؟وأمّا الحكومة، فلأنّها في مثل المقام عبارة عن إدخال فرع حكماً تحت موضوع، كما إذا قال: زيد عالم مع عدم كونه عالماً بالفرض، فإنّ معنى ذلك كونه عالماً حكماً، وليس المقام من هذا القبيل، إذ ليس المراد أنّ السفر أربعة فراسخ في حكم الثمانية، بل المستفاد من النصوص على ما عرفت كفاية الثمانية امتداديّة كانت المسافة أم تلفيقيّة، وهذا واضح لا يخفي على الفطن.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص13.

### في اعتبار كون الإياب أربعة في التلفيقنعم يستفاد من مجموع الروايات اعتبار الابتعاد عن الوطن بمقدار أربعة فراسخ.فيقع الكلام في أنّه هل يعتبر ذلك في الإياب أيضاً أم لا؟وبعبارة أُخرى أنّه هل يعتبر كون الإياب أربعة كالذهاب أو أنّ الروايات ناظرة إلى الذهاب و إنّما ذكر الإياب تفريعاً عليه، وأنّه يكون كذلك غالباً، إذ الذهاب إذا كان أربعة يكون الإياب أيضاً أربعة في الغالب؟الظاهر هو الثاني ولابدّ في إثباته من تقديم مقدّمة:وهي أنّ المستفاد من أخبار الثمانية أمران:أحدهما: اعتبار الثمانية في تحقّق المسافة الّتي توجب القصر؛ثانيهما: أنّه لابدّ من أن تكون الثمانية امتداديّة بمعنى أن يبتعد عن مبدء السفر بقطع ثمانية فراسخ.كما أنّ الظاهر من أخبار الأربعة أيضاً أمران، أعني اعتبار الأربعة في تحقّق المسافة الموجبة للقصر وأن تكون الأربعة على نحو الامتداد من المبدأ.فحينئذٍ يقع التعارض بين الطائفتين، لكنّنا نرفع اليد عن ظهور الطائفة الأُولى ببركة الطائفة الثالثة المفسّرة للأُولى، أعني: كون المراد من الثمانية: الأعمّ من الامتداديّة والتلفيقيّة.وأمّا اعتبار الامتداد في الطائفة الثانية فحيث لا يعارضه شيء فلا وجه لرفع اليد عنه فيبقى على حاله.إذا عرفت ذلك فنقول:إنّ المتحصّل من مجموع الروايات أنّ المسافة الموجبة للقصر هي ثمانية فراسخ، وإن كانت ملفّقة، ويستفاد منها اعتبار الابتعاد عن الوطن بمقدار أربعة فراسخ.وأمّا اعتبار هذا المقدار، أي: الأربعة في الإياب، فلا دليل عليه.فإن قلت: إنّ ظاهر أخبار التلفيق أو صريحها اعتبار الأربعة في الإياب أيضاً كاعتبارها في

الذهاب كما تدلّ عليه جملة من الأخبار. (1)قلت: نعم إلّا أنّ العرف يُلغي إعتبار الأربعة في الإياب كما أشرنا إليه من أنّ ظاهر الطائفة الثانية اعتبار الابتعاد عن الوطن بمقدار أربعة فراسخ، وبهذا المقدار يتحقّق الابتعاد الموجب للتقصير من غير حاجة إلى اعتبارها في الإياب، وإنّما يعتبر الإياب لأجل تحقّق المسافة.فعليه، لو ذهب خمسة فراسخ ورجع ثلاثة، لتحقّقت المسافة المعتبرة في التقصير.ومن هنا يتّضح أنّ اعتبار الأربعة في الإياب في الطائفة الثالثة الدالّة على كون الإياب أيضاً بريداً ليس من جهة اشتراط ذلك في السفر بنحو الاستقلال، بل هي ناظرة إلى بيان تحقّق الثمانية بأربعة الرجوع، فأربعة الإياب إنّما ذكرت في النصوص تبعاً لا إستقلالاً كما لا يخفي.هذا كلّه مضافاً إلى أنّ أهل العرف لا يرون السفر إلّا عبارة عن ذهاب أربعة فراسخ ولا يعتنون بالإياب أصلاً.وإن أبيت، فلاحظ ما ذكره سيّدنا الأستاذ البروجرديّ قدس سره في المقام؛ فإنّه قدس سره بعد أن استدلّ على هذا القول بما أشرنا، ذكر في آخر كلامه ما يختصّ به، قال مقرّره:ونوضح ذلك بذكر مثال، وهو أنّه لو ذهب شخص ستّة فراسخ ورجع ستّة أيضاً، فالفروض المتصوّرة أربعة:1. أن يقال: إنّ موجب القصر في المثال هو ستّة الذهاب واثنان من الإياب؛2. أن يقال: إنّ المسافة الموجبة للقصر بالنسبة إلى هذا الشخص هي المجموع من ستّة الذهاب وستّة الإياب؛3. أن يقال: إنّ المسافة بالنسبة إليه ستّة الذهاب مع أربعة الإياب؛4. أن يقال: إنّ المسافة بالنسبة إليه أربعة من الذهاب وأربعة من الإياب.والثلاثة الأخيرة كلّها باطلة فتعيّن الأوّل. ومقتضاه عدم اعتبار كون الإياب أربعة. ووجه بطلان الفروض الثلاثة:


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 456 - 458، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 3، 5 و 6.

### هل يعتبر الرجوع ليومه؟أنّ مقتضى الأوّلين منها كون المسافة الموجبة للقصر أزيد من ثمانية وهو باطل بضرورة مذهبنا.ومقتضى الأخير كون الأربعة بشرط لا موجبة للقصر بحيث يكون الزائد عليها كالحجر في جنب الإنسان مع بداهة أنّ الأربعة أقلّ من المسافة المعتبرة.وبعبارة أُخرى: إنّ المستفاد من أخبار الأربعة بضميمة أخبار التلفيق هو أنّ الأربعة أدنى البعد المعتبر في المسافة التلفيقيّة لا أنّ الزائد عليها غير مؤثّر في القصر ويكون كالحجر الموضوع في جنب الإنسان. (1)أقول: لا يخفي عليك قوّة كلامه ومتانته فلا نزيد عليه.ويوضح ذلك أيضاً: إنّه لو سافر ستّة فراسخ ورجع منه إلى محلّ إقامته أو وطنه الآخر بفرسخين، فإنّه على المختار يجب عليه القصر، ولكن لازم القول باعتبار الأربعة في الإياب هو الإتمام في الفرض، ولا أظنّ أن يلتزم به أحد.فتحصّل من جميع ذلك: إنّ الأقوى عندنا هو القول الثالث، أعني: اعتبار كون الذهاب أربعة فصاعداً في المسافة الملفّقة دون الإياب. (2)وبالتأمّل فيما ذكرنا يظهر ضعف ما أطاله المحقّق الخوئيّ قدس سره عند استدلاله للقول المشهور من اعتبار كون الإياب أيضاً أربعة ملفّقة كما أشرنا إليه فيما سبق، فراجع وتأمّل.الأمر الرابع: في أنّه هل يعتبر في المسافة التلفيقية الرجوع ليومه أم لا؟فيه خلاف بين الأصحاب، والمتحصّل من كلماتهم أقوال ثلاثة:القول الأوّل: ما هو المشهور بين القدماء من وجوب التمام لو لم يرجع ليومه.ذهب إليه السيد المرتضى، والحلّي، والمحقّق، والعلّامة، وغيرهم، ونسبه المحقّق الهمداني إلى شيخنا الأنصاري بقوله:


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 82.

2) وقد عدل الأُستاذ عن مختاره هذا اخيراً حيث قوّى عدم اعتبار الأربعة في الذهاب وسيجيء بيانه في مسألة 24.

لكن قد يلوح من موضع آخر منها - صلاة الشيخ - الميل أو القول بوجوب القصر فيها لو رجع ليومه والإتمام في غيره... .لا يخفي أنّ كلام الشيخ قدس سره قد اختلف في هذا المقام، فإنّه قدس سره تارةً يحكم بقوّة القصر بقوله:فهذا القول - أي القصر - قويّ لا موهن له إلّا إعراض الأصحاب عنه من زمن العمّانيّ إلى زمن الكاشانيّ... . (1)وأُخرى يظهر منه الميل إلى الحكم بالتمام حيث قال:والحاصل: أنّ ظاهر هذه الروايات التمام ولو رجع لغير يومه فتعارضت الروايات المتقدّمة، فنرجع بعد الإغماض عن الترجيح إلى إطلاق عدم القصر فيما دون الثمانية الظاهرة بل الصريحة في الذهابية - إلى أن قال: -وربّما تحمل هذه الأخبار على التخيير ولو من جهة الشهرة، ونقل الإجماع على عدم تعيّن القصر كما عن ظاهر «السرائر» و«الأمالي» و«المختلف» وبعض رسائل الشهيد الثاني.وفيه أنّه لو حصل التكافؤ بينها وبين ما دلّ على تعيين التمام مع عدم الرجوع لیومه، كان اللازم الرجوع إلى عمومات أخبار التحديد بالثمانية الذهابيّة، ولو حصل التعارض معها أيضاً وجب الرجوع إلى أصالة التمام لا إخراج جميع المعارضات عن ظاهرها بحملها على الوجوب التخييري. (2)وأنت ترى أنّ ظاهر هذا الكلام تقوية القول بالتمام إذا لم يرجع ليومه، فتدبّر.القول الثاني: وجوب التخيير بين القصر والإتمام لو لم يرجع ليومه، ونسب هذا القول إلى الشيخ قدس سره وجماعة، بل عن «الجواهر» نسبته إلى المشهور، بل نسبه الصدوق إلى دين


1) كتاب الصلاة؛ ص 411.

2) نفس المصدر؛ ص 411.

الإماميّة حيث قال في المجلس الثالث والتسعين:وقد اجتمع إليه المشايخ وسألوه أن يُملي عليهم وصف دين الإماميّة على إيجاز - إلى أن قال: - فإن كان سفر الرجل أربعة فراسخ ولم يرد الرجوع من يومه فهو بالخيار إن شاء أتمّ وإن شاء قصّر، وإن أراد الرجوع من يومه فالتقصير عليه واجب . (1)القول الثالث: وجوب القصر في المسافة التلفيقيّة وإن لم يرجع ليومه إلى عشرة أيّام، فلو سافر أربعة فراسخ وأراد الرجوع بعد تسعة أيّام يجب عليه القصر ذهب إليه العمّانيّ و ابن أبي عقيل رحمه الله ما من القدماء وقال في كلامه المحكيّ:كلّ سفر كان مسافته بريدين - وهو ثمانية فراسخ - أو بريدٌ ذاهباً وبريدٌ جائياً - وهو أربعة فراسخ - في يوم واحد أو ما دون عشرة أيّام، فعلى من سافر عند آل الرسول علیهم السلام، أن يصلّي صلاة المسافر. (2)وظاهره كون الحكم إجماعيّاً في زمانه قدس سره، نظراً إلى نسبته إلى آل الرسول علیهم السلام، وزعم صاحب الوسائل قدس سره، كونه رواية مرسلة وأنّها معتبرة، لأنّه قدس سره، ثقة جليل.أقول: لا يخفي انّ زمانه قدس سره، أقدم من شيخ الطائفة، بل هو أوّل من ألّف في الفقه الإسلامي كما يظهر ذلك من كتب التاريخ.وتبعه بعض متأخّري المتأخّرين كالفيض الكاشاني وصاحب الحدائق والمجلسي في البحار، وبالغ الفيض في مفاتيحه على ما نقله في الجواهر، فادّعى أنّه ممّا ألهمه الله تعالى وأنّه لم يصل إليه أحد من الأصحاب. (3)وتبعه عامّة المتأخّرين عنه وشيّدوا أركانه بحيث صار قولاً واحداً في هذه الأزمنة، وهو


1) امالي الصدوق؛ ص 83.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 213.

3) نفس المصدر، ص 213.

الأقوى عندنا، ولابدّ من التعرّض إلى دليله ليتّضح ضعف بقيّة الأقوال.فنقول: قد استدلّوا لهذا القول بوجوه:الوجه الأوّل: أنّ المستفاد من أخبار التلفيق كما تقدّم هو أنّ الأربعة توجب القصر، لكن بلحاظ الإياب الذي به تتحقّق المسافة - ثمانية فراسخ - وعليه فإنّ الموضوع للقصر هو الثمانية امتداديّة كانت أم ملفّقة، فكما لا يعتبر في الامتداديّة سيرها في يوم واحد، بل يكفي سيرها ولو في أيّام، فكذلك في التلفيقيّة.ويؤيّده بل يدلّ عليه قوله علیه السلام في خبر زرارة:«وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم إِذَا أَتَى ذُبَاباً قَصَّرَ وَذُبَابٌ عَلَى بَرِيدٍ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ كَانَ سَفَرُهُ بَرِيدَيْنِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ». (1)حيث إنّه ظاهر في أنّ موضوع القصر أمرٌ واحد وهو سير الثمانية – امتداديّة أم ملفّقة - سواء كان ذلك في يوم واحد أم لا.بل لك أن تقول: إنّ رواية ذباب بنفسها تدلّ على المطلوب، لكونها حاكية لفعل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم- وفعله حجّة كقوله - ومن البعيد جدّاً أن يتكرّر السفر منه صلى الله عليه و آله و سلم، إلى ذباب ووقع رجوعه في ذلك اليوم، بل كان له صلى الله عليه و آله و سلم فيه شأن وشغل؛ إذ كان الناس ينتظرون قدومه ليزوروه ويراجعوا إلیه في أحكامهم الشرعيّة وحوائجهم العرفيّة والحكوميّة، ومع ذلك كيف يمكن رجوعه ليومه؟ بل الظاهر أنّه لم يكن وجه لإتعاب نفسه الشريفة بالرجوع ليومه.وكيف كان، يمكن لنا أن ندعى انصراف الرواية إلى الفرض المزبور، أعني: عدم رجوعه ليومه.وإن أبيت ذلك، فلا أقلّ من إطلاق الخبر الشامل لصورة عدم الرجوع في اليوم أيضاً كما لا يخفي.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 461، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 15.

ومنه يعلم وجه الإطلاق في سائر أخبار الباب المتضمّنة لقوله: بريد ذاهباً وبريد جائياً، كما ورد ذلك في جملة من الأخبار . (1)ومثله خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام قال: «سَأَلْتُهُ عَنِ التَّقْصِيرِ، قَالَ: فِي بَرِيدٍ، قَالَ: قُلْتُ: بَرِيدٌ، قَالَ: إِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ بَرِيداً وَرَجَعَ بَرِيداً فَقَدْ شَغَلَ يَوْمَهُ». (2)فإنّ المراد من قوله علیه السلام: فَقَدْ شَغَلَ يَوْمَهُ هو أن تكون المسافة ثمانية فراسخ، وليس المراد أنّه شغل يومه الذهابي بسفره هذا، حتّى يقال إنّه ظاهر في الرجوع ليومه هذا.وقد أورد عليه الأستاذ البروجردي قدس سره بما حاصله:أنّ ذلك مبنىّ على أن تكون أخبار التلفيق شارحة لأخبار الثمانية، وأمّا بناءً على كون أخبار التلفيق بصدد بيان أنّ الثمانية الملفّقة محكومة بحكم الامتداديّة في إيجاب القصر، فيكون حينئذٍ للقصر موجبان الامتداديّ والتلفيقيّ.فعليه لا يبعد أن يشترط في التلفيقيّ وقوع المسافة في يوم واحد الذي مرجعه إلى اشتراط الرجوع في اليوم. (3)إلّا أنّ الحقّ عدم وروده لما تقدّم من أنّه لا وجه للحكومة والإلحاق، لظهور أخبار التلفيق في الشارحيّة دون الحكومة، وقد أوضحنا ذلك فيما سبق فلا نعيد.فتحصّل انّ الإستدلال بهذا الوجه تامّ لا يرد عليه شيء.الوجه الثاني: ما رواه إسحاق بن عمّار، قال:«سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام عَنْ قَوْمٍ خَرَجُوا فِي سَفَرٍ فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ التَّقْصِيرُ قَصَّرُوا مِنَ الصَّلَاةِ فَلَمَّا صَارُوا عَلَى فَرْسَخَيْنِ أَوْ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ أَوْ أَرْبَعَةٍ تَخَلَّفَ عَنْهُمْ رَجُلٌ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمْ سَفَرُهُمْ إِلَّا بِهِ فَأَقَامُوا يَنْتَظِرُونَ مَجِیئَهُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمُ السَّفَرُ


1) نفس المصدر، ص 461، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 2 و 4 و 8.

2) نفس المصدر، ص 459، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.

3) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 85.

إِلَّا بِمَجِيئِهِ إِلَيْهِمْ فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ أَيَّاماً لَا يَدْرُونَ هَلْ يَمْضُونَ فِي سَفَرِهِمْ أَوْ يَنْصَرِفُونَ هَلْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ أَمْ يُقِيمُوا عَلَى تَقْصِيرِهِمْ،قَالَ: إِنْ كَانُوا بَلَغُوا مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ فَلْيُقِيمُوا عَلَى تَقْصِيرِهِمْ أَقَامُوا أَمِ انْصَرَفُوا وَإِنْ كَانُوا سَارُوا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ فَلْيُتِمُّوا الصَّلَاةَ قَامُوا أَوِ انْصَرَفُوا فَإِذَا مَضَوْا فَلْيُقَصِّرُوا». (1)فأنت ترى صراحة الحديث في المراد وأنّه في مقام بيان قاعدة كليّة، وهي أنّ من سافر أربعة فراسخ يجب عليه التقصير، لتحقّق موضوع القصر وهو سير ثمانية فراسخ المتحقّقة بالتلفيق؛ فإنّ المنتظرين أيّاماً لو انصرفوا بعد بلوغ الأربعة يكون مسيرهم ثمانية كما لا يخفي.وبالجملة، دلالة الحديث على المطلوب واضحة لا ريب فيها ولا إشكال، بل هو أوضح ما في الباب دلالةً على عدم اعتبار الرجوع في اليوم.فما اشکل به بعض الأساطين قدس سره غیر صحیح قطعاً ولا حاجة إلى نقله ونقده.نعم، وقع الكلام في سند الحديث، والمعروف أنّه ضعيف لوقوع أحمد بن محمد البرقي في الطريق، وهو يروي عن الضعاف، ولأنّ محمد بن أسلم وصباح الحذّاء غير موثّقين في كتب الرجال كما يظهر ذلك من «البدر الزاهر» لكن يظهر من «الحدائق» تصحيح الخبر حيث قال:والخبر كما ترى ظاهر الدلالة في المطلوب والمراد عارٍ عن وسمة النقص والإيراد. (2)فكلامه هذا صريح في تصحيح السند، إذ لو كان السند ضعيفاً لا يستقيم قوله: عارٍ عن وسمة النقص والإيراد، كما لا يخفي.ويظهر من السيد الحجّة قدس سره الميل إليه حيث وصف الخبر بلفظ الشريف قال:فيدلّ هذا الخبر الشريف على أنّ مَن كان مِن قصدِهِ اَلذهاب إلى رأس أربعة


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 466، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 10.

2) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة الناظرة؛ ج 11، ص 328.

فراسخ ويريد الرجوع بعد مُضيّ أيّام، فلابدّ له من تقصير صلاته. (1)فإنّه قدس سره أطال الكلام في المقام، ثمّ ذكر أنّ الكلينيّ قدس سره صحّح صدر الحديث فقال:وبالجملة، فالخبر يكون من الصحاح صدراً عند الكلينيّ. (2)بل يظهر من المحقّق الخوئيّ قدس سره تصحيح ما نقله الكليني من الحديث حيث قال:أمّا السند، فهو على طريق الكليني بظاهره خالٍ عن الخدش، لعدم اشتماله على من يغمز فيه عدا محمد بن أسلم الذي هو الطبريّ الجبليّ وهو من رجال «كامل الزيارات». (3)قلت: أمّا تضعيف السند بالبرقيّ فهو لا يوجب ضعف الرواية، نعم لو أرسل رواية متفرّداً بها لا يعتمد عليها، فمجرّد نقله عن الضعاف لا يوجب ضعفاً فيما نقله عن غير الضعاف كما لا يخفي.وأمّا تضعيفها بمحمّد بن أسلم فلا يضرّ أيضاً؛ لأنّه مبنيّ على رميه بالغلوّ، وثبوت غلوّه بحدّ يوجب طرح روايته غير متحقّق عندنا، بل قد عرفت أنّ المحقّق الخوئيّ قدس سره يصرّح بتوثيقه؛ فإنّه من رجال «كامل الزيارات»، نعم إنّه قدس سره، عدل عن ذلك أخيراً وحصر توثيق ابن قولويه بمشايخه الذين أخذ منهم بلا واسطة.والحاصل: أنّ تضعيف الرجل من جهة الغلو لا يوجب ردّ روايته عندنا؛ نعم لا طريق لنا إلى إثبات وثاقته أيضاً، وإن كان ظاهر كلام بعضهم عدم البأس فيه إلّا من جهة الرمي بالغلوّ.وأمّا من جهة صباح الحذّاء، فالظاهر أنّه ثقة وإن كان فيه كلام من حيث اتحاده مع صباح ابن صباح الحذّاء ولا نطيل الكلام حوله لرعاية الإختصار.وكيف كان، فالرواية عندي من الحسان، وليس في سندها كثير إشكال وإن كان لا يخلو


1) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 14.

2) نفس المصدر، ص 15.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 72.

من شيء، وعليه لا بأس في جعلها تأييداً.الوجه الثالث: ما رواه أبو ولّاد في الصحيح، عن الصادق علیه السلام:«قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنِّي كُنْتُ خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ - فِي سَفِينَةٍ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَهُوَ مِنَ الْكُوفَةِ- عَلَى نَحْوِ مِنْ عِشْرِينَ فَرْسَخاً فِي الْمَاءِ، فَسِرْتُ يَوْمِي ذَلِكَ أُقَصِّرُ الصَّلَاةَ. ثُمَّ بَدَا لِي فِي اللَّيْلِ الرَّجُوعُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمْ أَدْرِ أُصَلِّي فِي رُجُوعِي بِتَقْصِيرِ أَمْ بِتَمَامٍ وَكَيْفَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أَصْنَعَ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ سِرْتَ فِي يَوْمِكَ الَّذِي خَرَجْتَ فِيهِ بَرِيداً كَانَ عَلَيْكَ حِينَ رَجَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالتَّقْصِيرِ؛ لِأَنَّكَ كُنْتَ مُسَافِراً إِلَى أَنْ تَصِيرَ إِلَى مَنْزِلِكَ، قَالَ: وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَسِرْ فِي يَوْمِكَ الَّذِي خَرَجْتَ فِيهِ بَرِيداً، فَإِنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَقْضِيَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّيْتَهَا فِي يَوْمِكَ ذَلِكَ بِالتَّقْصِيرِ بِتَمَامٍ (مِنْ قَبْلِ أَن تَؤُمُّ مِنْ مَكَانِكَ؛ ذَلِكَ لِأَنَّكَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ التَّقْصِيرُ حَتَّى رَجَعْتَ فَوَجَبَ عَلَيْكَ قَضَاءُ مَا قَصَّرْتَ وَعَلَيْكَ إِذَا رَجَعْتَ أَنْ تُتِمَّ الصَّلَاةَ حَتَّى تَصِيرَ إِلَى مَنْزِلِكَ». (1))فقوله علیه السلام: إِنْ كُنْتَ سِرْتَ فِي يَوْمِكَ الَّذِي خَرَجْتَ فِيهِ بَرِيداً كَانَ عَلَيْكَ حِينَ رَجَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالتَّقْصِيرِ...، ظاهرٌ بل صريحٌ في وجوب التقصير عليه حال الرجوع وإن لم يكن الرجوع في يومه، بل لا يبعد ظهوره في كون الرجوع في غير ذلك اليوم لمكان قوله: ثُمَّ بَدَا لِي فِي اللَّيْلِ الرُّجُوعُ؛ فانّه قلّما يتّفق رجوعه ليلاً بعد أن بدا له ذلك.بل قوله علیه السلام في الجواب: كَانَ عَلَيْكَ حِينَ رَجَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالتَّقْصِيرِ، ظاهر في جواز القصر وإن لم يكن راجعاً بالفعل.والحاصل: أنّ الصحيحة ظاهرة الدلالة على المطلوب، ولذا استدلّ بها في الحدائق حيث قال:ومنها صحيحة أبي ولّاد الآتية... .والحاصل: أنّ دلالتها على المطلوب بالإطلاق مما لا يخفي.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 470، باب 5 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

الوجه الرابع: وهو العمدة، عدّة روايات وردت في حكم عرفات وهي كثيرة ودلالتها على عدم اعتبار الرجوع ليومه واضحة.منها: صحيحة معاوية بن عمّار أنّه قال لأبي عبد الله علیه السلام:«إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُتِمُّونَ الصَّلَاةَ بِعَرَفَاتٍ، فَقَالَ: وَيْلَهُمْ!- أَوْ وَيْحَهُمْ! - وَأَيُّ سَفَرٍ أَشَدُّ مِنْهُ لَا تُتِمَّ». (1)فقوله علیه السلام: «وَيْلَهُمْ» واضح الدلالة على وجوب التقصير؛ لأنّ الويل لا يستقيم مع التخيير، كما لا يخفي.فما يقال من أنّه راجع إلى التزامهم بالتمام فقط خلاف ظاهر الرواية لو لم يكن صريحها؛ إذ الرواية ظاهرة في رجوع الويل إلى نفس العمل دون الإلتزام.ومنها: صحيحته الأُخرى، عن الصّادق علیه السلام قال:«إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ إِذَا زَارُوا الْبَيْتَ وَدَخَلُوا مَنَازِلَهُمْ أَتَمُّوا وَإِذَا لَمْ يَدْخُلُوا مَنَازِلَهُمْ قَصَرُوا». (2)ودلالتها على المطلوب واضحة لا غبار عليها؛ إذ المفروض أنّ أهل مكة إذا خرجوا إلى عرفات - وهي في رأس أربعة فراسخ من مكّة - لا يرجعون في يومهم، بل يتوقّفون فيها ثلاثة أيّام فصاعداً، ومن الظاهر أنّه تكون المسافة بينها وبين مكّة ثمانية فراسخ بالرجوع.وعليه تكون تلك النصوص صريحة في المطلوب بلا إشكال.وأمّا سندها، فكذلك لا إشكال فيه؛ لكون أكثرها صحيحة أو موثّقة، بل قد ادّعى أنّها مستفيضة؛ لأنّها تقرب من عشرة أحاديث.نعم استشكل العلّامة البروجردي قدس سره، في تحقق الإستفاضة حيث أرجع الروايات إلى ثلاث، فراجع.و لا حاجة الى نقل كلامه؛ لأنّ في الروايات ما هو صحيح أو موثّق، و هذا يغنينا عن اثبات


1) نفس المصدر، ص 463، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 464، باب 3 من أبواب صلاة المسافر ، ح 7.

التعدد والاستفاضة.بقي في المقام أمور لابدّ من الإشارة إليها:الأمر الأوّل: إنّ بعض الأعاظم كالمحقّق الخوئيّ والميلانيّ رحمه الله ما، ذكر في عداد هذه النصوص الدالّة على عدم اعتبار الرجوع ليومه صحيحة زرارة (1المتضمّنة لقصّة عثمان بن عفّان من إتمامه الظهر بمنى وعرفة وأَمره عليّاً علیه السلام أن يصلّي بالناس العصر تماماً وامتناعه علیه السلام عن ذلك أشدّ الإمتناع إلّا أن يصلّي قصراً كما صلّى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم كذلك، بتقريب أنّه لو كان الحكم هو التخيير فيها، فما هو الوجه في الامتناع والإصرار على التمام. (2))ولا يخفي ما في هذا الإستدلال من الضعف؛ وذلك لعدم ارتباط الصحيحة بما نحن بصدده؛ لأنّها بصدد بيان أنّ عثمان صلّى الظهر تماماً على خلاف رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم، حيث كان يصلّي قصراً وكذا عليّ علیه السلام بعده، وكان قصرهما مطابقاً للقاعدة؛ لأنّهما كانا مسافرين بالمسافة الامتداديّة المبدوئة من المدينة إلى مكّة ومنها إلى عرفات، ولا نظر لها إلى صلاة أهل مكّة ووظيفتهم، غايته استفادة حكمهم بالإطلاق وهو لا يفيد هنا؛ لعدم كون الصحيحة في مقام بيان تلك الجهة والحال أنّه يشترط في تحقّق الإطلاق كون المطلِق - بالكسر- في مقام بيان الجهة الّتي أريد استفادة حكمه من الإطلاق كما هو ظاهر.والحاصل: إنّ الصحيحة ليست من روايات الباب، وإنّ استدلال بعض الأعاظم بها على المقام لا يخلو من غرابة.الأمر الثاني: قد وقع الكلام في فقه صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال:«مَنْ قَدِمَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنى وَجَبَ عَلَيْهِ التَّقْصِيرُ ، فَإِذَا زَارَ الْبَيْتَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَعَلَيْهِ إِثْمَامُ الصَّلَاةِ إِذَا رَجَعَ إِلَى مِني


1) لاحظ ص 10؛ راجع الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 465 - 466، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 26.

حَتَّى يَنْفِرَ». (1)قلت: لا يخفي أنّ صدر الحديث واضح الدلالة على المقام، وأنّ المقيم مثل أهل مكّة إذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير؛ لأنّ منى بعد حدّ الترخّص وأنّ المقصد الأصليّ حينئذٍ هو عرفات، فيكون مسافراً، لتحقّق الثمانية من الذهاب إليها والرجوع منها إلى مكّة كما لا يخفي، وهذا لا إشكال فيه.وإنّما الإشكال في ذيل الحديث، أعني قوله علیه السلام: فَإِذَا زَارَ الْبَيْتَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وقوله علیه السلام: وَعَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ إِذَا رَجَعَ إِلَى مِنًى، حيث إنّه لا ينطبق على القواعد المقرّرة في الفقه؛ فإنّ مقيم العشرة إذا سافر إلى أربعة فراسخ كما هو المفروض في الحديث تنهدم إقامته، فكيف يصحّ منه التمام بمكّة ومنى؟ بناءً على رجوع الضمير إلى مقيم العشرة كما هو الظاهر.والحاصل: أنّ من زار البيت بعد رجوعه من عرفات يكون مسافراً، فإيجاب التمام عليه لا يستقيم كما لا يخفي.وقد يجاب عنه بأنّ إيجاب التمام إنّما هو بلحاظ كون مكّة وحواليها من مواضع التخيير بين القصر والإتمام، وأنّ الإتمام أفضل الفردين.ولا يخفي ما فيه:أمّا أوّلاً: فلأنّ حكم الإتمام في الصحيحة إنّما هو من جهة كون المقيم بمنزلة أهل مكّة لا من حيث كونها من مواضع التخيير.وأمّا ثانياً: فلأنّ المشهور عدم كون منى من مواضع التخيير، بل يختصّ ذلك ببلدة مكّة شرّفها الله تعالى.نعم قد يقال إنّ الإتمام بمنى من هذه الجهة أيضاً؛ لأنّ في محدودة التخيير بمكّة أقوالاً ثلاثة:أحدها: أنّه مختصّ بالمسجد الحرام؛


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 464، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

ثانيها: أنّه عبارة عن بلدة مكّة شرّفها الله تعالى؛ثالثها: مجموع الحرم الشامل لمنى أيضاً، وعليه يكون منى من مواضع التخيير.إلّا أنّ القول الأخير ضعيف جدّاً، فلا يصلح الاعتماد عليه.فالأولى أن يجاب عنه بأنّ ذيل الخبر يجب إمّا طرحه أو ردّ علمه إلى أهله ولا يضرّ هذا بحكم صدره كما لا يخفي، أو يقال إنّ ذلك الحكم مختصّ بمورده، أعني: المقيم بمكّة، إلّا أنّ الظاهر أنه لم يقل بذلك أحد من الأصحاب.الأمر الثالث: قد ادّعى بعضهم إعراض المشهور من القدماء معن روايات عرفة حيث لم يستندوا إليها في مقام الفتوى مع كونها بمرأى ومسمع منهم، كيف؟ وهي وصلت إلينا عن طريقهم.ومن الظاهر أنّ إعراضهم عن الخبر يوجب وهنه وإن كان صحيح السند عندنا؛ لكونه كاشفاً عن وجود خلل فيه عندهم، كما أنّ عملهم بخبر ضعيف ظاهراً يوجب جبر ضعفه؛ لكونه كاشفاً عن صحّته وصدوره عن الإمام علیه السلام وإنّما عرض عليه الضعف في الأزمنة المتأخّرة بسبب تبدّلها بين الأيدي على ما صرّحوا به.وقد أُجيب عنه تارةً بعدم تحقّق الإعراض، وأُخرى بعدم الاعتبار بإعراض المشهور، والأحسن أن يقال: الإعراض الموهن هو عبارة عن طرح الخبر وعدم العمل به رأساً، وهذا المعنى غير متحقّق في المقام، كيف؟ وقد ذكر القدماء تلك النصوص في أُصولهم وكتبهم، إلّا أنّهم أوّلوها بمقتضى اجتهادهم وأفتوا بها تارةً بالتخيير بين القصر والتمام، وأُخرى بتعيين التمام عليه، وثالثة بوجوب القصر فقط كما عن ابن أبي عقيل.فعلم من ذلك أنّ أخبار عرفة ليست بمُعرضٍ عنها عند القدماء، بل عملوا بها بإعمال اجتهاد فيها، حيث حملوها على خلاف ظاهرها من التخيير ونحوه، فيكون ذلك تصرّفاً منهم في دلالتها لا اعراضاً كما لا يخفي.ومن الواضح أنّ الحجّة علينا هو الخبر الصحيح والموثّق، وأمّا فهم القدماء واستنباطهم

### الكلام في بعض فروع عدم الرجوع ليومهفليس بحجّة علينا؛ لأنّه يكون من التقليد الّذي لا يجوز للمجتهد في الأحكام الشرعيّة.وتحصّل من ذلك كلّه: أنّ الحقّ هو وجوب القصر لمن يرجع فيما دون العشرة ولا يعتبر الرجوع ليومه بمقتضى النصوص المعتبرة.فلا وجه لما اختاره جماعة من القدماء كالسيّد والحلّيّ والفاضلين وغيرهم من وجوب التمام تعييناً.كما لا وجه لما نسب إلى الشيخ قدس سره في بعض كتبه وتبعه من تبعه، بل نسبه الصدوق قدس سره في أماليه إلى دين الإماميّة من التخيير بين القصر والتمام كما تقدّم منّا نقله.وحيث اتّضح ممّا استدللنا على المختار من وجوب القصر معيّناً بمقتضى الأدلّة المعتبرة الواضحة ودفع ما أورد عليها ضعف القولين الآخرين، فلا حاجة إلى التعرّض لهما بذكر دليلهما وردّهما كما لا يخفي.بقي الكلام في فرع: وهو ما إذا ذهب أربعة فراسخ وكان مردّداً في الرجوع قبل العشرة وعدمه، فهل يجب عليه التمام أم لا؟توضيح ذلك أنّ السفر إلى أربعة فراسخ يتصوّر على أنحاء:أحدها: أن يقصد الرجوع ليومه، فالظاهر أنّه لا إشكال في وجوب القصر عليه كما هو المشهور؛ثانيها: أن يقصد الرجوع بعد يومه قبل العشرة، فقد وقع فيه الخلاف، فالمشهور بين المتأخّرين هو وجوب القصر أيضاً، وهو الأقوى عندنا، كما عرفت؛ثالثها: أن يقصد إقامة العشرة، فحينئذٍ لا ريب في وجوب التمام عليه؛ لعدم تحقّق المسافة الموجبة للقصر كما هو ظاهر؛رابعها: أن يتردّد في رجوعه قبل العشرة، بأن تردّد في الإقامة في الاثناء عشرة ايام وعدمها؛خامسها: أن لا يقصد الرجوع رأساً، بأن غفل عن قصد الرجوع كذلك.ومحلّ الكلام هنا هو القسمان الأخيران ويظهر من الماتن قدس سره وجوب التمام في الصورتين

معاً؛ لعدم تحقّق شرط القصر وهو قصد الثمانية في الأولى منهما، فيكون وجوب التمام في الأخير أولى.والوجه في ذلك أنّه قاصد للرجوع في صورة التردّد إجمالاً، غاية الأمر شكّ في أنّه يرجع قبل العشرة أو بعدها، وهذا بخلاف الأخير، حيث إنّه لا قصد له بالإضافة إلى الرجوع وعدمه.وهذا هو مختار السيّد الخوئي والحكيم والحائري، (1بل أكثر المعلّقين على العروة. ويظهر من مستند الأوّل ومستمسك (2)الثاني أنّ الوجه في التمام هو عدم قصد الثمانية.)إن قلت: إنّ المحقّق الخوئي قدس سره، إنّما يحكم بالتمام في الفرض الأخير - وهو عدم قصد الرجوع رأساً - دون الفرض الأوّل، - أي: التردّد في الرجوع وعدمه - كما هو ظاهر كلامه.قلت: ليس الأمر كذلك؛ لأنّه قدس سره يصرّح بوجوب التمام في الفرضين في آخر كلامه حيث قال:ويترتّب على هذا ما ذكره في المتن من أنّه لو قصد أربعة فراسخ، ولكنّه كان متردّداً في العود ما دون العشرة بأن احتمل الإقامة في الأثناء عشرة أيّام لم يقصّر؛ لأنّه غير قاصد فعلاً لثمانية فراسخ ولو ملفّقة، كما أنّ الأمر في الثمانية الامتداديّة كذلك، فلو خرج من النجف قاصداً كربلاء، ولكنّه يحتمل توقّفه في خان النصف عشرة أيّام، فبما أنّه غير قاصد فعلاً للثمانية، لا يحكم عليه بالتقصير ... (3)والمتحصّل من كلمات هؤلاء الأعلام أنّ الوجه في عدم القصر في الصورتين عدم تحقّق موضوعه وهو قصد ثمانية فراسخ، ومن الظاهر أنّ احتمال إقامة العشرة وعدمها وكذا التردّد في الرجوع وعدمه وكذا عدم قصد الرجوع أصلاً مساوق لعدم قصد الثمانية كما لا يخفي، فيكون انتفاء القصر مستنداً إلى إنتفاء موضوعه، هذا.


1) كتاب الصلاة؛ ص 589.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 14.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 32.

### تحديد المسافةو مع ذلك كلّه يظهر من صاحب الحدائق خلافه حيث قال:ينبغي أن يعلم أنّ مرادهم بقولهم في صورة التخيير: أي من لم يرد الرجوع ليومه، أنّه أعمّ من أن لم يرد الرجوع بالكلّيّة، فالنفي متوجّه إلى القيد والمقيّد، أو أراد الرجوع، ولكن في غير ذلك اليوم فالنفي متوجّه إلى القيد خاصّة وما ربما يتوهّم من التخصيص بالصورة الثانية غلط محض... . (1)ولا يخفى ضعف كلامه؛ إذ لا وجه للقصر ولو تخييراً بينه وبين التمام فيما لو لم يقصد الرجوع أصلاً؛ لعدم تحقّق موضوع القصر.نعم، يمكن أن يوجّه القصر فيما لو قصد الرجوع، لكن لا يعلم أنّه يرجع بعد إقامة العشرة أو قبلها، وذلك لأنّه قاصد له في الجملة وإنّما يشكّ في حصول المانع، فالأصل عدمه.إلّا أن يقال: مرجع الشكّ المزبور إلى أنّه قصد الثمانية أم لا؟ فالأصل عدمه، فحينئذٍ يكون هذا الأصل مقدّماً لكونه من الأصل السببيّ كما لا يخفي.هذا كلّه مضافاً إلى أنّ مقتضى استصحاب الحكم السابق قبل سير الأربعة هو وجوب التمام عند الشكّ في الوظيفة.فما عن البدر الزاهر من الاحتياط بالجمع بين القصر والإتمام؛ لكونه جامعاً بين الأقوال، (2ضعيف جدّاً، لأنّ موضوع الاحتياط يرتفع بالاستصحاب؛ لكونه من الأصول المحرزة الحاكم على غيره من الأصول العمليّة، كما حقّق ذلك في الأُصول، بل ذهب جماعة من المحقّقين إلى كونه من الأمارات الكاشفة عن الواقع تعبّداً.)مسألة 1:الفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربعٌ وعشرون إصبعاً، كلّ إصبع عرض سبع شعيرات، كلّ شعيرة عرض سبع شعرات من أوسط


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة الناظرة؛ ج 11، ص 313.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 102.

شعر البرذون. [1][1] أقول: إنّ المسافة الموجبة للقصر قد حدّدت في النصوص بأُمور أربعة:الأوّل: إنّها ثمانية فراسخ؛الثاني: إنّها بريدان؛الثالث: إنّها أربعة وعشرون ميلاً؛والرابع: إنّها مسيرة يوم، أو بياض يوم.فهل هي أسباب مستقلّة في نفسها بحيث إذا تحقّق كلّ منها يجب التقصير نظير خفاء الأذان والجدران، حيث إنّ كلّاً منهما سبب مستقل في وجوب القصر كما قيل؟ أو هي راجعة إلى ملاك واحد وهو ثمانية فراسخ؟ والظاهر هو الثاني؛ فإنّ الملاك في التقصير شرعاً هو الثمانية والعناوين الأُخر أماراتٌ ومرآة تشيران إلى الملاك المزبور -أعني: الثمانية- وذلك لأنّ البريد يطلق على أربعة فراسخ في عرف ذلك الزمان.والأصل في ذلك أنّه كان للأُمراء والسلاطين أشخاص معدّة لإيصال المكاتيب والدساتير الحكوميّة إلى البلاد البعيدة، وكانوا يجعلون في كلّ أربعة فراسخ شخصاً معدّاً لذلك الفعل طلباً للتسريع في وصول الدساتير، فكان ينزل الشخص الأوّل في رأس الأربعة ويسلّم المكتوب إلى غيره، وهو أيضاً ينزل في الأربعة الثانية ويسلّمه إلى الثالث، وهكذا حتى يصل المكتوب إلى المقصد.وكانوا يسمّون هذا الشخص الحامل للمكاتيب بريداً؛ لأنّه كان ينزل في رأس الأربعة للتبرّد والاستراحة.ثمّ استعمل هذا اللفظ في نفس المسافة أي الأربعة، وصار كالوضع الثانويّ فيها، بحيث يسبق هذا المعنى إلى الذهن عند الإطلاق.وأمّا ما أضافه السيد البروجردي قدس سره في وجه التسمية من قوله:لاختياره السعي في وقت البرد غالباً...

فلا وجه له ظاهراً؛ لأنّ لحاظ هذا المعنى لا يناسب التسريع، بل ينافيه كما لا يخفي، وقد عرفت أنّ التسريع ملحوظ في معنى البريد.وأمّا أربعة وعشرون ميلاً: فمن المسلّم أنّ المراد منها أيضاً هو ثمانية فراسخ؛ لأنّ الفرسخ ثلاثة أميال، فإذا ضربت الثلاثة في الثمانية يكون الحاصل أربعة وعشرين ميلاً.فتحصّل إلى هنا أنّ كلّاً من ثمانية فراسخ والبريدين وأربعة وعشرين ميلاً، شيء واحد بلا کلام.إنّما الكلام في أنّ مسيرة اليوم إذا اختلفت مع التقدير بالفراسخ، فهل الاعتبار حينئذٍ على الفراسخ أم مسيرة اليوم؟ظاهر الشهيد قدس سره في «الذكرى» (1هو الأوّل. واحتمل ثاني الشهيدين قدس سره في «الروض» (2)تقديم مسيرة اليوم. وفي «المدارك» أنّ كلّاً منهما ميزان مستقلّ فيتخيّر المكلّف في الأخذ بأيّهما شاء. (3)واستظهره أوّلاً الشيخ الحائري قدس سره أيضاً من ظاهر قوله علیه السلام في صحيح أبي أيّوب، عن الصادق علیه السلام قال:)سَأَلْتُهُ عَنِ التَّقْصِيرِ، قَالَ: فَقَالَ: فِي بَرِيدَيْنِ أَوْ بَيَاضِ يَوْمٍ. (4)ثمّ قال بعد أسطر:... والإنصاف عدم ظهور الأدلّة في استقلال كلّ منهما... . (5)أقول: الظاهر عدم إستقلال كلّ من الأمرين كما ذكره، بل الظاهر أنّ الثمانية هي الأصل، ومسيرة اليوم ترجع إليها كما يظهر ذلك من الروايات الكثيرة.


1) ذكرى الشيعة؛ ص 257.

2) روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان؛ ص 383.

3) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 432.

4) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 453 باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 7.

5) كتاب الصلاة؛ ص 589.

منها: موثّقة سماعة، قال:«سَأَلْتُهُ عَنِ الْمُسَافِرِ فِي كَمْ يُقَصِّرُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَهِيَ ثَمَانِيَةُ فَرَاسِخ» . (1)فإنّ ظهورها في المدّعى لا يحتاج إلى بيان.ومنها: صحيحة الفضل بن شاذان، عن الرضا علیه السلام إنّه سمعه يقول:«إِنَّمَا وَجَبَ التَّقْصِيرُ فِي ثَمَانِيَةِ فَرَاسِخَ لَا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ مَسِيرَةُ يَوْمِ لِلْعَامَّةِ وَالْقَوَافِل وَالْأَثْقَالِ، فَوَجَبَ التَّقْصِيرُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ لَمَا وَجَبَ فِي مَسِيرَةِ أَلْفِ سَنَةٍ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ يَكُونُ بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ فَإِنَّمَا هُوَ نَظِيرُ هَذَا الْيَوْمِ، فَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي هَذَا الْيَوْمِ لَمَا يَجِبُ فِي نَظِيرِهِ؛ إِذْ كَانَ نَظِيرُهُ مِثْلَهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا». (2)فإنّ دلالته على المدّعى صريحة خصوصاً بالنظر إلى لفظة «إنّما» الحصريّة.ويؤيّده، بل يدلّ عليه، تفسير البريدين في جملة من النصوص بثمانية، والبريد لأربعة فراسخ، كما في قوله علیه السلام:«وَذَلِكَ بَرِيدَانِ وَهُمَا ثَمَانِيَةُ فَرَاسِخ». (3)وقوله علیه السلام:«إِذَا رَجَعَ كَانَ سَفَرُهُ بَرِيدَيْنِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ» . (4)وقوله علیه السلام:«التَّقْصِيرُ فِي بَرِيدٍ وَالْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ» . (5)فإن قلت: يظهر من بعض الأخبار أنّ الأصل في التحديد هو مسيرة يوم.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 454، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 13.

2) نفس المصدر، ص 451، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) نفس المصدر، ص 453، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 8.

4) نفس المصدر، ص 461، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 15.

5) نفس المصدر، ص 456، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

منها: قوله علیه السلام في موثّقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر علیه السلام:«إِنَّهُ إِذَا ذَهَبَ بَرِيداً وَرَجَعَ بَرِيداً، فَقَدْ شَغَلَ يَوْمَهُ». (1)حيث يظهر منها أنّ المعتبر هو شغل اليوم بالسفر، كما يتمسّك بمثل هذه الرواية بعض المتفقّهين ويقول في السفر بالطائرات والسيّارات:أنّ المعتبر فيهما المقدار الذي يسار نوعاً بالسيارات والطائرات في بياض اليوم.قلت: إنّما يصحّ هذا فيما لو فسّرنا قوله علیه السلام: «فَقَدْ شَغَلَ يَوْمَهُ» بالشغل الفعليّ، لكنّ الأمر ليس كذلك، بل الظاهر من أمثال هذه العبارة أنّ البريدين اللذين يكونان علامة للمسافة الموجبة للقصر، يكونان غالباً شاغلاً لليوم، كما هو ظاهر عند التأمّل.والحاصل: إنّ الذي يظهر من النصوص الكثيرة أنّ الملاك للقصر شيء واحد، وهو الثمانية وأنّ العناوين الأُخر عناوين تشير إلى ذلك الملاك.إذا تحرّر ذلك فلابدّ لنا من تحديد مقدار الفرسخ، وما هو مقداره في الشريعة؟وقد عرفت أنّ بعض النصوص يشير إلى أنّه ثلاثة أميال كما في خبر الكاهليّ عن الصادق علیه السلام . (2)ثمّ إنّ الميل حدّد في مرسلة الخزّاز بثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع . (3)وهذان الخبران مضافاً إلى إرسالهما، معرض عنهما عند الأصحاب حيث حدّدوا الميل بأربعة آلاف ذراع.قال السيد في «المدارك»:وقد قطع الأصحاب بأنّ قدره [يعنى: الميل] أربعة آلاف ذراع، وفي كلام بعض


1) نفس المصدر، ص 459 ، باب 2 من أبواب صلاة المسافر ، ح 9.

2) نفس المصدر، ص 452، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

3) نفس المصدر، ص 460، باب 2 من أبواب صلاة المسافر ، ح 13.

أهل اللغة دلالة عليه. (1)وقال الشيخ المؤسّس قدس سره:والميل أربعة آلاف ذراع على ما هو المشهور بين الناس كما عن الشرائع . (2)وبالجملة، أنّ هناك أُموراً ثلاثة:أحدها: أنّ المسافة الموجبة للقصر هي ثمانية فراسخ؛ثانيها: أنّ الفرسخ ثلاثة أميال؛ثالثها: أنّ الميل أربعة آلاف ذراع.أمّا الأوّلان، فلا إشكال فيهما؛ لورود الروايات المعتبرة في بيانهما كما عرفت.وأمّا الثالث - أعني: كون الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد - فليس عليه دليل معتبر في الروايات، وما ورد فيه من المرسلتين قد عرفت حالهما؛ حيث إنّهما مضافاً إلى إرسالهما، معرض عنهما عند الأصحاب.فلابدّ في إثباته من التوسل بدليل آخر، وكذا في تحديد الذراع وأنّها أربع وعشرون إصبعاً، وهكذا في تحديد الإصبع بسبع شعيرات.فنقول: إنّ الميل قد حدّد بأربعة آلاف ذراع على ما هو المشهور بين الناس، بل هو المتسالم عليه عند المتأخّرين، بل القدماء من أصحابنا الإماميّة.قال الحلّى في «السرائر» نقلاً عن المسعودي في «مروج الذهب»:إنّ الميل أربعة آلاف ذراع بذراع الأسود، وهو الذراع الذي وضعه المأمون لذرع الثياب. (3)وفي «الشرائع»:


1) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 430.

2) كتاب الصلاة؛ ص 589.

3) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى؛ ص 72.

والميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربع وعشرون إصبعاً، تعويلاً على المشهور بين الناس. (1)وزاد في «الحدائق» قوله:من غير خلاف يعرف. (2)وقال المحقّق الهمداني في مصباحه - بعد نقل ما تقدّم من العبارات ولحاظ كلمات أهل اللغة وحمل اختلاف عباراتهم على النزاع اللفظيّ:وكيف كان فمن لاحظ العرف واللغة وأمعن النظر في الشواهد الداخليّة والخارجيّة لا يكاد يرتاب في أنّ الميل الذي يراد منه مقدار معيّن من المسافة ينحصر فيما قدّروه بأربعة آلاف ذراع. (3)والحاصل: أنّ المعروف بين العلماء، بل الناس مُنذ زمن النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم والأئمة الأطهار علیهم السلام إلى يومنا هذا، هو أنّ الميل عبارة عن أربعة آلاف ذراع بذراع اليد المتوسّطة ولأجل هذا لم يتكلّم المحقّق الخوئي قدس سره حوله، بل فرضه من المسلّمات، واكتفي بقوله:وكيفما كان، فقد حدّد الفقهاء الميل بأربعة آلاف ذراع بذراع اليد الذي طوله أربع وعشرون إصبعاً... . (4)أقول: إنّ تحديد الذراع وتعيينها بذراع اليد لا يخلو من غموض؛ لكثرة اختلاف الأذرع بحسب الأزمان والأمكنة والأشخاص، وكذلك الحال في تحديد الذراع بالإصبع، والإصبع بالشعير، والشعير بالشعرات؛ لأنّ الاختلاف اليسير فيها يوجب الفرق الفاحش في الميل أو الفرسخ، كما اعترف بذلك غير واحد من المحقّقين.


1) شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام؛ ج 1، ص 122.

2) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 301.

3) مصباح الفقيه؛ ص 723.

4) مستند العروة، ج 8، ص 33.

ولعلّه لذلك أحاله المحقّق الخوئي قدس سره إلى العرف حيث قال:وعلى الجملة لا نعرف وجهاً لهذه التدقيقات، ولا يترتّب على تحقيقها أثر شرعيّ، بل العبرة بصدق الفرسخ أو الميل عرفاً، والنصوص تشير إلى الأمر العاديّ المتعارف من مسيرة يوم أو بياض النهار أو شغل اليوم أو مسير الجمال أو ثمانية فراسخ، ونحوها من العناوين الّتي يعرفها أهل العرف والمحاورة، فالمدار على الصدق العرفي، فكلّما علم أنّه مسافة فلا إشكال. (1)وفيه: أنّ إحالة هذا الأمر إلى العرف لا تخلو من إشكال؛ لأنّه لا معرفة لهم بما هم أهله بمثل ذلك، وعلى فرض معرفتهم به لا يفيد؛ لأنّ المعتبر هو عرف ذلك الزمان ولا سبيل لنا إليه إلّا بالاستصحاب القهقريّ، وحجّيّته في أمثال المقام مشكل جدّاً.وبالجملة، لا نرى وجهاً لما جاء عن المحقّق الخوئي قدس سره من التسامح والإحالة إلى العرف في هذا المقام.بل اللازم تعيين الميل أو الفرسخ بمراجعة أهل الخبرة ومن له اطّلاع بالمقاييس والاعتبارات الرياضيّة المتعارفة في هذه الأزمنة، فحينئذٍ لابدّ لنا من أن نبيّن حقيقة الفرسخ وأنّه بما ذا يتحقّق؟فنقول: إنّ الذراع قد فُسِّرت وحُدّدت بأمور متفاوتة:منها: أنّها ستّ قبضات، كما في بعض كتب اللّغة؛ومنها: أنّها أكثر من نصف - گز - بقليل؛ومنها: تفسيرها بأنّها 52 سانتيمتراً، وفي المنجد بما بين الخمسين والسبعين، وفي «دهخدا» عيّنها بمقدار 48 سانتيمتراً. (2)هذا كلّه بناءً على أنّ الذراع مقياس معيّن كما هو المعهود بين الحكومات في الأمكنة والأزمنة المختلفة، حيث عيّنت كلّ حكومة ذراعاً خاصّةً بمقياس خاصّ، وهذا من الوضوح


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 34.

2) فراجع: برهان قاطع و دهخدا؛ المجلد 16 مادة "ذراع".

بمكان لا يحتاج إلى بيان.وأمّا بناءً على أنّ المراد منه هو ذراع اليد، كما هي المتبادرة إلى الذهن، فلا يندفع إشكال عدم معلوميّة مقداره الناشيء من اختلاف الأذرع كِبَراً وصِغَراً، ومن هنا يتراءي تعيينه بخمسة وأربعين سنتيمتراً تارةً، وأربعة وأربعين سنتيمتراً أُخرى، واثنين وخمسين سنتيمتراً ثالثة.إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّه يشكل علينا القطع بأنّ المراد من الذراع هل هو ذراع اليد، أو المقياس الخاصّ عند كلّ قوم وبلد؟ وعلى الثاني، هل هو المقياس المعيّن في زمان المأمون أو غيره؟والذي يمكن أن يقال: إنّ الذراع المقياسيّة في الحكومات إنّما هي مأخوذة من ذراع اليد، وبما أنّها غير مضبوطة جدّاً؛ لاختلاف الأيدي من حيث الكِبَر والصغر، فلابدّ من لحاظ الأيدي المتوسّطة.وذكر بعض الأساطين أنّ الذراع المتوسّطة يساوي 45 سنتيمتراً.وعليه، يكون الفرسخ خمس كيلومترات وأربعمائة متر.فالمسافة الموجبة للقصر هي ثلاثة وأربعون كيلومتراً تقريباً.وأمّا ما قوّاه العلّامة البروجردي قدس سره، من أنّ المراد بالذراع هو المقياس الخاصّ - أعني: الحديد الأسود الّذي يستعمله البزّازون - استناداً الى ما ذكره المسعودي، (1فلا يخلو من ضعف.)وذلك لأنّ ما ذكره المسعودي مبنيّ على كون الذراع أربعاً وعشرين إصبعاً ومن الظاهر أنّ الإصبع غير مضبوطة كما لا يخفي، فعليه يشكل التحديد به.وتحصّل أنّ المسافة التي هي ثمانية فراسخ، تساوي 43 كيلومتراً و 200 متراً، بناءً على كون الذراع 45 سنتيمتراً.


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 105.

وأمّا بناءً على كون الذراع 47 سنتيمتراً، فتكون المسافة 45 كليومتراً و 120 متراً تقريباً. و الظاهر كفاية الاقل في تحقق المسافة.

### بناء المسافة على التحقيقمسألة 2:لو نقصت المسافة عن ثمانية فراسخ ولو يسيراً، لا يجوز القصر، فهي مبنيّة على التحقيق لا المسامحة العرفيّة.نعم، لا يضرّ اختلاف الأذرع المتوسطة في الجملة كما هو الحال في جميع التحديدات الشرعيّة. [1][1] قد عرفت أنّ المسافة الموجبة للتقصير قد حدّدت شرعاً بثمانية فراسخ، فلو نقصت عنها ولو يسيراً، لا يجوز التقصير؛ لأنّها مبتنية على التحقيق لا المسامحة العرفيّة؛ فإنّ التحديد عبارة عن تعيين الحدّ وهو ينافي المسامحة.ومن هنا قلنا: إنّ الأصل في تحديد الكرّ هو الوزن والكيل؛ لكونهما دقيقاً في التحديد، ولا يجوز فيه النقص عن المقدار المعتبر. وأمّا الأشبار، فهي أمارة كاشفة عن تحقّق مقدار الكرّ.وبالجملة، يعتبر في القصر تحقّق المسافة حقيقةً، فلا يفيد صدقها عرفاً ومسامحة بأقلّ منها ولو بذراعين مثلاً.ومن هنا أطلنا الكلام في تحقيق الفرسخ والميل والمسافة في المسألة السابقة.فما ذكره المحقّق الخوئي قدس سره في بعض كلامه من ابتناء ذلك على الصدق العرفيّ قائلاً:إنّ الأحكام الشرعيّة لا تبتني على مثل هذه التدقيقات العقليّة ... - إلى أن قال:- ... بل العبرة بصدق الفرسخ والميل عرفاً... (1،)لا يمكن المساعدة عليه؛ لما عرفت من ابتناء المسافة على التحقيق دون المسامحة العرفيّة.مع أنّه ينافي كلامه الآخر حيث قال:ثمّ لو أحرزنا المسافة تحقيقاً، لم يجز القصر لو نقص عن ذلك، بأن قصد


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 34.

المسافة أقلّ من ذلك ولو يسيراً، كعُشر الفرسخ أو جزءً من خمسين مثلاً، بل المتعيّن حينئذ هو التمام؛ فإنّ التحديدات الشرعيّة مبتنية على التحقيق، فلا يتسامح فيها كما هو الحال في الكرّ وقصد الإقامة. (1)ثم ان ماذكره الماتن بقوله: نعم لا يضرّ اختلاف الاذرع المتوسطة ... ينافي قوله قبل ذلک: فهي مبنيّته على التحقيق ... كما لا يخفى فلا بد من الالتزام باحد الأمرين فقد اشرنا في المسئلة السابقة أن الظاهر كفاية الأقل.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 35.

### الشك في كون المقصد مسافة شرعيّةمسألة 3:لو شكّ في كون مقصوده مسافة شرعيّة أو لا، بقي على التمام على الأقوى، بل وكذا لو ظنّ كونها مسافة. [1][1] إعلم: أنّ الكلام هنا في الشبهة الموضوعية؛ لأنّ المكلّف قصد موضعاً يشكّ في أنّه مسافة أم لا؟ وقد فرض الكلام في مقامين:أحدهما: فيما إذا شكّ في تحقّق المسافة وعدمه؛وثانيهما: فيما لو ظنّ ذلك.أمّا المقام الأوّل، ففيه وجهان، بل قولان:أحدهما: وجوب الإحتياط بالجمع بين القصر والتمام؛ لأنّ أمر المكلّف دائر بين كونه مسافراً وعدمه، فالاشتغال اليقينيّ يقتضي اليقين، فيجب الجمع بمقتضى العلم الإجمالي.ثانيهما: وجوب الإتمام، وهو الذي قوّاه السيد قدس سره تبعاً لشيخنا الأنصاري قدس سره وغيره، بل قيل: إنّه المشهور، بل في الجواهر:بلا خلاف أجده فيه، (1)بل ادّعي التسالم عليه عند المعاصرين، واستدلّ عليه بالأصل - أعني استصحاب التمام - كما في الجواهر وغيرها.قال المحقّق الهمداني قدس سره:لأصالة عدم تحقّق الموجب للقصر... .واستجوده العلّامة البروجردي قدس سره.ويمكن أن يقرّر بأنّ الحكم المجعول لعامّة المكلّفين هو التمام، وقد خرج من هذا العموم المسافر الجامع للشرائط تخصيصاً، فإذا شكّ في خروج بعض الأفراد من جهة الشكّ في كون


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 205.

مقصده مسافة، يحكم بعدم خروجه من العامّ المزبور.وبعبارة أُخرى: أنّ موضوع التمام هو المكلّف غير المسافر، وهو مركّب من المكلّف وعدم كونه مسافراً، فيحرز:الأوّل: بالوجدان،والثاني: بالأصل؛لأنّ الشخص لم يكن مسافراً سابقاً، فيستصحب ذلك عند الشكّ في تحقّقه.ويمكن أن يقرّر الأصل أيضاً بأنّ المكلّف - بعد شروعه في السفر - يشكّ في أنّ ما قصده هل يكون بالغاً مقدار المسافة أم لا؟ فالأصل عدمه، وبه يحرز موضوع التمام، وهو الحاضر.ولك أن تقول: إذا كان قاصداً لموضع يشكّ في أنّه مسافة أم لا؟ فلا يمكنه قصد السفر – الذي هو معتبر في وجوب التقصير - كما سيجيء، فمع الشكّ في المسافة، كيف يمكن قصد السفر؟ فلا يجوز القصر والحال هذه.ولعلّه إليه أشار السيّد الميلاني قدس سره بقوله:وعلى هذا، يكون المراد من أصالة التمام استصحاب عدم المسافريّة موضوعاً؛ حيث إنّ الموضوع للحكم بالتمام هو كلّ مكلّف غير مسافر، وبما أنّ الجاهل للمسافة غير مسافر، يجب عليه التمام... . (1)فتحصّل من تمام ذلك، أنّ ما أفاده السيّد قدس سره من وجوب التمام، هو الأقرب إلى الصواب.أمّا المقام الثاني -أعني: ما إذا ظنّ المسافة ...، فالمشهور بين الأصحاب هو البقاء على التمام أيضاً؛ لعدم اعتبار الظنّ في المقام وإن حصل من الشياع، وبه صرّح المحقّق الهمداني قدس سره، وجُلّ المحشّين على العروة.ولكن نسب إلى ثاني الشهيدين في «الروضة» إعتبار الظنّ القويّ؛ لكونه مناطاً في كثير


1) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 60.

من العبادات ومنها المقام.واحتمل الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره كفاية الظنّ بعد التصريح باشتراط العلم، حيث قال:وأعلم أنّه يشترط في المسافة العلم بها، والظاهر أنّ الظنّ لا يكفي؛ للأصل، ويحتمل كفايته لتعذّر العلم وتعسّر البيّنة... - ثمّ قال:- والظاهر إعتبار الشياع هنا وإن احتمل منعه بناءً على الأصل... . (1)وهذا الكلام وإن لم يكن خالياً من الإضطراب كما لا يخفي، الّا أنّه ظاهر في الميل إلى اعتبار الظنّ الحاصل من الشياع، بل ظاهره اعتبار نفس الشياع، وإن لم تفد ظنّاً.ومن أجل هذا، استشكل فيه بعض المحقّقين بقوله:وقد يشكل ذلك بأنّ ما دلّ على اعتبار الشياع، إنّما دلّ عليه في مواضع معدودة، وليس هذا منها، فالقول باعتباره ما لم يكن مورثاً للوثوق والاطمينان، الذي هو بحكم العلم عرفاً، لا يخلو من إشكال... . (2)إذا تحرّر ذلك فنقول: إنّ الأقوى ما اختاره السيد قدس سره من عدم اعتبار الظنّ مطلقاً وإن حصل من الشياع؛ لعدم الدليل على اعتباره في المقام، كما صرّح به بعض الأعاظم. (3)ومع ذلك كلّه فقد اختار السيد الميلاني قدس سره اعتبار الظنّ الحاصل من الشياع، قائلاً:أمّا الظنّ المستند إلى الشياع بين الناس، فلا يبعد القول بكفايته؛ للسيرة المستمرّة من الصدر الأوّل إلى زماننا بالإعتماد عليه في أمثال المورد، مضافاً إلى أنّ الروايات جعلت شغل اليوم إمارة على قطع ثمانية فراسخ، وهذه الإمارة ظنّيّة، كما لا يخفي؛ إذ كثيراً ما يتّفق عدم قطع الفراسخ الثمانية في يوم واحد ... (4)


1) كتاب الصلاة؛ ص390.

2) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 724.

3) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 18.

4) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 59.

وفيه: أنّ مجرّد دعوى السيرة لا تفيد؛ لأنّها إنّما تكون حجّة فيما إذا ثبت إمضاء الشارع لها، ومن الظاهر أنّ الإمضاء غير ثابت؛ لعدم إحراز اتصالها بزمن الأئمّة علیهم السلام ورضاهم بها.مع أنّ المتيقّن من اعتبار الشياع، هو الشياع المفيد للإطمينان، دون غيره.وأمّا كفاية الظنّ الحاصل من روايات شغل اليوم، فليست من جهة كون تلكَ الكفاية مفيدةً للظنّ بثمانية فراسخ، بل الروايات جعلت شغل اليوم أمارة على الثمانية، ومنه يعلم أنّ قياس الظنّ الحاصل من الشياع على تلك الروايات، قياس مع الفارق.وأضعف من ذلك ما عن السيد البروجردي قدس سره من اعتبار مطلق الظنّ في المقام، استناداً إلى الإنسداد الصغير، وإليك نصّه:... لنا أن نثبت ذلك بالإنسداد الصغير،بتقريب أنّ تعليق الحكم على موضوع يعسر الإطّلاع عليه غالباً، كاشف عن اعتبار الظنّ به؛بيان ذلك: أنّ باب العلم بالمسافة الشرعيّة في غير المسافات البعيدة منسدٌّ لأغلب النّاس، وقد علم من الروايات الواردة في باب السفر أنّ غرض الشارع لم يتعلّق بثبوت الترخيص لخصوص من سافر سفراً بعيداً جدّاً، بل قد تعلّق لكلّ من سافر بالسفر الشرعيّ وإن كان مقدار مسيرة يوم فقط؛ لوجود ملاك الترخيص فيه أيضاً... .ثمّ قال:فمقتضى ذلك، جواز الإعتماد في تشخيص المسافة على الظنّ، وإلّا لزم عدم ثبوت حكم القصر لأغلب من كان سفره بمقدار الثمانية أو أزيد، ما لم يبلغ حدّاً يعلم عادة بكونه مسافة.ثمّ قال:وممّا يؤيّد هذا الدليل أنّ الأئمّة علیهم السلام عبّروا عن المسافة الواقعيّة الموجبة للقصر

تارةً «بالبريدين» وأُخرى «بالأميال» وثالثةً «بالفراسخ» ورابعةً «بمسيرة اليوم»، وقد عرفت سابقاً أنّ الأصل في ذلك، هو أنّه كان للسلاطين في كلّ زمان اشخاص معدّة لنقل الرسائل والكتب ... - إلى أن قال: - ... فكيف كان، فجميع هذه التعبيرات الأربعة الواردة في الروايات، تعبيرات مختلفة عن المسافة الواقعيّة الّتي هي أمر واحد، ويحتمل جدّاً تخطّيها عنها، ومع ذلك، ذكرها الأئمّة علیهم السلام لأصحابهم في مقام تحديد المسافة، ولا محالة أنّهم كانوا يعتمدون في أسفارهم على الأميال المنصوبة، والأحجار الموضوعة، والأمكنة المعدّة، لنزول برود (1وعلى سير القوافل اعتماداً على ما ذكره الأئمّة علیهم السلام، مع أنّهم لم يكونوا يقطعون دائماً بكونها مطابقة للمسافة الشرعيّة الواقعيّة، بل غاية ما يستفاد منها هو الظنّ؛ لاحتمال الزيادة والنقصان فيها... - ثمّ قال:- وبهذا البيان يظهر وجه حجيّة الشياع أيضاً في المقام، وإن لم يورث العلم... . (2))أقول: ما ذكره قدس سره وإن كان متيناً في حدّ نفسه، إلّا أنّه لا يمكننا الموافقة عليه؛ لعدم تماميّة مقدّمات الإنسداد؛ إذ من مقدّماته عدم وجود علم أو علميّ في البين حتّى في زمن الأئمّة علیهم السلام، وأنّى له إثبات ذلك ؟! ومجرد الإدّعاء لا يفيد.بل يمكن دعوى العكس؛ حيث إنّ العلميّ كان موجوداً في ذلك الزمان؛ فإنّ «رواية مسيرة» يوم كانت بمرئى من النّاس، وكان أكثرهم، بل كلّهم متمكّنين من الإطّلاع عليها.ومنها: لزوم العُسر والحرج من إجراء الاحتياط، وكون إجراء الأصل مستلزماً للخروج من الدين، وهما أيضاً لا يتمّان؛ فإنّ استصحاب التمام في مفروض المقام لا يلزم منه هذه المحذورات كما لا يخفي.وأمّا ما ذكره من أخبار البريدين ونحوها، فليس بصحيح لعدم الدليل على اعتماد


1) جمع برید=نامه رسان.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 109.

المسافرين في ذلك الزمان بمثل الأحجار الموضوعة ونحوها؛ لقوّة احتمال اعتمادهم على رواية مسيرة اليوم ونحوها.وبالجملة، أنّ دعوى اعتماد الناس على الأحجار والأميال المنصوبة في الطُّرق خالية عن الشاهد، وعلى تقدير التسليم بها، فيمكن أن يكون ذلك الإعتماد منهم من جهة إفادتها العلم أو الإطمينان، لا لمجرد الظنّ. فتدبّر.ومنه يعلم ضعف ما ذكره أخيراً من حجّيّة الشياع غير المورث للعلم والإطمئنان.فتحصّل من تمام ذلك: أنّه لا دليل على اعتبار الظنّ في المقام، كما اعترف به جماعة، قال في الجواهر:ثمّ لا ريب في توقّف القصر على العلم ببلوغ المقصد مسافة، ولو بالشياع المفيد للنّفس الإطمينان الذي يجري مجرى اليقين الخالص عن الإحتمال، قريبه وبعيده عند الناس، وإلّا فاحتمال الإكتفاء به ... وإن لم يُفد ذلك بل مفاده الظنّ لا دليل عليه، بل ظاهر حصر المواضع المعتبرة فيها الشياع في غيرها، خلافه ... . (1)نعم قد خرج من عموم عدم حجيّة الظنّ بعض الموارد بالدليل، كالملك، والنسب، والنكاح، والموت، والوقف، والعتق، ونحو ذلك، و المفروض أنّ المقام ليس من هذه الموارد.ومن هنا يظهر عدم تماميّة ما ذكره قدس سره في كتاب القضاء من حجيّة الشياع مطلقاً، استناداً إلى صحيحة حريز المتضمّنة لقصّة اسماعيل بن جعفر علیه السلام، الدالّة على توبيخ الصادق علیه السلام، له من جهة ائتمانه لشارب الخمر، فقد قال قدس سره بعد نقل الخبر:... إذ هو كما ترى، كالصريح في اعتبار الشياع الذي هو أعلى أفراده، قول الناس، وشهادة المؤمنين، ونحوهما، ممّا هو مذكور فيه، وبه أدرجه فيما دلّ على النّهي


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 207.

عن ائتمان شارب الخمر ... . (1)ووجه الضعف: ما ذكرناه، من عدم الدليل على عدم اعتبار الشياع الّا في موارد خاصّة، لا مطلقاً.وأمّا رواية حريز، فلا دلالة لها على مدّعاه؛ لعدم كونها بصدد بيان حجيّة الشياع، بل هي في مقام بيان أمر أخلاقيّ، وهو عدم جواز ائتمان الفاسق.


1) نفس المصدر، ج 4، ص 56، 57، 58.

### طرق ثبوت المسافة الشرعيّةمسأله 4:تثبت المسافة بالعلم الحاصل من الإختبار، وبالشّياع المفيد للعلم، وبالبيّنة الشرعيّة، وفي ثبوتها بالعدل الواحد إشكال، فلا يترك الإحتياط بالجمع . [1][1] لا ريب في ثبوت المسافة بالعلم، سواء حصل من الإختبار، أم الشياع، أم غيرهما من الأسباب؛ فإنّ العلم حجّة بالذات من غير فرق بين أسبابه.وأمّا ثبوتها بالبيّنة: فالظاهر أنّه لا اشكال فيه أيضاً، فإنّها حجّة شرعاً وإن لم تفد العلم، بلا فرق بين الأحكام والموضوعات كما صرّح به بعض الأساطين. (1)قال المحقق الحائري قدس سره:إنّ اعتبارها وكونها كالعلم، مفروغ عنه... . (2)بل في الجواهر:نعم، تقوم البينة مقام العلم بلاخلاف معتد به أجده فيه... . (3)واستدلّ على اعتبار البيّنة مطلقاً بوجوه:منها: الإستقراء؛ومنها: عموم قوله علیه السلام:«إِذَا شَهِدَ عِنْدَكَ الْمُؤْمِنُونَ فَصَدِّقْهُم»؛ (4)ومنها: موثّقة مسعدة بن صدقة، قال:«كُلٌّ شَيْءٍ هُوَ لَكَ حَلَالٌ -إلى أن قال - وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 1، ص 204.

2) كتاب الصلاة؛ ص 590.

3) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 204.

4) كتاب الصلاة؛ ص390.

أَوْ تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَةُ». (1)فهي ظاهرة في أنّ المراد من البيّنة، هي المصطلحة - أعني: شهادة عدلين - كما هو كذلك في مختلف أبواب الفقه، بل وكذلك في النصوص وكلام الفقهاء، كما حقّقناه في كتابي «الاجتهاد والتّقليد» و«القصاص» وهذا واضح.نعم أنكر المحقّق الخوئي قدس سره دلالة رواية مسعدة بن صدقة على اعتبار البيّنة بمعنى شهادة عدلين، وإليك نصّه:والذي يمكن أن يقال: إنّ لفظة «البيّنة» لم تثبت لها حقيقة شرعيّة، ولا متشرعيّة وإنّما استعملت في الكتاب والأخبار بمعناها اللغويّ، وهو ما به البيان ... -إلى أن قال:- وعلى الجملة، لم يثبت أنّ البيّنة بمعنى عدلين في شيء من تلك الإستعمالات، وإنّما هي بمعناها اللغويّ.فالرواية المتقدّمة، لا دلالة لها على اعتبار البيّنة بمعنى شهادة عدلين، بل لابدّ من إحراز حجّيّتها من الخارج ... . (2)وفيه: إنّه لا وجه لإنكار دلالة الموثّقة على اعتبار البيّنة؛ لما أشرنا إليه من ظهورها في البيّنة المصطلحة، أعني: شهادة عدلين.وقد صرّح في المقام باعتبار البيّنة وثبوت المسافة بها نظراً إلى عموم أدلّتها. (3)هذا مع أنّه لا دليل على عدم كونها من الحقائق الشرعيّة أو المتشرعيّة.وأمّا خبر العدل الواحد: ففي ثبوت المسافة به وعدمه، خلافٌ:فالمشهور عدم اعتباره في الموضوعات الخارجية كالطهارة، والنجاسة، والعدالة، والمسافة، ونحوها، وإنّما هو معتبر في خصوص الأحكام.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 17، ص 89، باب 6 من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

2) التنقيح؛ ج 1، ص 317 و 318.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 37.

قال الحائري قدس سره:وأمّا العدل الواحد، فلا دليل على اعتباره سوى ما يتوهّم من عموم مفهوم آية النبأ، وعموم الصحيحة إذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم ... - ثمّ قال:- وقد تقرّر في الأصول عدم دلالتها. (1)وذهب جماعة إلى ثبوت المسافة بخبر العدل، ففي «الجواهر» بل في «الذكرى» و«الروض» احتمال الإكتفاء بالعدل الواحد، ومال إليه بعض علماء العصر ... ثمّ قال:وهو لا يخلو عن قوّة، وإن كان اعتبار الأصحاب البيّنة ينفيه... . (2)وقوّاه أيضاً في «نجاة العباد» قائلاً:وخبر العدل في وجه قويّ.وتبعه المحقّق الهمداني قدس سره، بل التزم باعتبار قول مطلق الثقة، حيث قال:بل قد يقوى في النظر قبول قول العدل الواحد، بل مطلق الثقة، كما يظهر وجهه ممّا حقّقناه في مبحث النجاسات من كتاب الطهارة. (3)وقال المحقّق الخوئي قدس سره:وأمّا العدل الواحد، فالأقوى هو الثبوت به أيضاً. (4)وظاهر كلامهم، اعتباره في مطلق الموضوعات، فضلاً عن الأحكام؛ لبناء العقلاء على العمل به، بل مطلق خبر الثقة، هذا.ولكنّ الظاهر عدم ثبوت المسافة بخبر العدل الواحد، لاختصاص اعتباره بالأحكام دون غيرها كما هو المعروف؛ لأنّ دليل اعتباره منحصر في بناء العقلاء، وهو دليل لبّيّ لا إطلاق


1) كتاب الصلاة؛ ص 590.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص166.

3) مصباح الفقيه؛ ج 3، ص 724.

4) مستند العروة؛ ج 8، ص 37.

فيه، فيقتصر على المتيقّن في مورده، بل يظهر عدم اعتباره من موثّقة مسعدة المتقدّمة، حيث إنّ عنوان «الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا» عامّ يشمل لجميع الموضوعات، وقد علّق الإمام علیه السلام الحكم على الإستبانة وقيام البيّنة، وليس خبر العدل منهما في شيء.ولعلّه لهذا استشكل أكثر المحشّين في هذا المقام. فلا يترك الاحتياط بالجمع بين القصر والإتمام.تبصرةوأعلم أنّه قد وقع الكلام بين الأعلام في أنّ خبر العدل الواحد هل هو معتبر في الموضوعات أم ينحصر اعتباره بالأحكام؟فالمشهور عدم اعتباره فيها استناداً بذيل رواية مسعدة بن صدقة:وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ أَوْ تَقُومَ بِهِ الْبَيِّنَةُ، حيث نفى ثبوت خلاف الملكيّة والحلّيّة ونحوهما بالعلم والبيّنة - أعني: شهادة عدلين- وأورد عليه المحقق الخوئي قدس سره تارةً بضعف السند وأخرى بضعف الدلالة:أمّا الأوّل، فقد قال:إنّ الرواية غير صالحة للرادعية؛ لضعفها... . (1)ويلاحظ عليه أنّ مسعدة هذا هو الذي يروي عنه هارون بن مسلم وهو ثقة، وقد عبّر قدس سره عنها بالموثقة في «معجمه» حيث قال بعد كلام له:ومن ذلك يظهر أنّ من هو من أصحاب الصادق علیه السلام مغاير لمن هو من أصحاب الباقر علیه السلام، والبتري العامي هو الأوّل دون الثاني، الثقة الذي يروي عنه هارون بن مسلم. (2)


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى؛ ج 1، ص 320.

2) معجم رجال الحديث؛ ج 18، ص 139.

بل صرّح بكون الرواية موثقة في كتابه «الاجتهاد والتقليد». (1)وقال المامقاني قدس سره بعد نقل توثيق الرجل من بعضهم:أقول: الإنصاف أنّ الأمر كما ذكر، وعليه، فيكون الرجل من الموثق. (2)ويؤيّد ذلك كلّه وقوع الرجل في إسناد «كامل الزيارات» و«تفسير عليّ بن إبراهيم القمي».وأمّا الثاني -أعني: ضعف الدلالة - فأورد عليه المحقّق المزبور بأمور ثلاثة قائلاً:ويدفعهأولاً: أنّ الموثقة ليست بصدد الحصر أبداً، وذلك لوضوح أنّ الأشياء كما تثبت بالاستبانة والبيّنة، كذلك تثبت بالاستصحاب والإقرار وحكم الحاكم وغيرها، فلو كانت بصدد الحصر المثبت فيهما، لأستلزم تخصيص الأكثر المستهجن؛وثانياً: أنّ البيّنة في الموثّقة كما قدّمناه بمعنى الحجّيّة وما به البيان، وهذا هو الذي دلّت الموثّقة على حجّيّته في قبال العلم الوجدانيّ والإستبانة؛وثالثاً: لوسلّمنا أنّ البيّنة في الموثّقة بمعناها المصطلح عليه، فعدم ذكر الخبر الواحد في قبال العلم والبيّنة إنّما هو من جهة خصوصيّة في موردها، وهي أنّ الحلّيّة في مفروضها كانت مستندة إلى قاعدة اليد - في مسألة الثوب - ... . (3)ويلاحظ عليه: أنّ الظاهر من الخبر هو الحصر ولا وجه لإنكاره، والثبوت بمثل الاستصحاب ونحوه لا يوجب تخصيص الأكثر المستهجن، كما لا يخفى.وأمّا كون البيّنة بمعنى الحجّة وما به البيان، فشيء يدّعيه وظهورها في الشاهدين العدلين غير قابل للإنكار.


1) الاجتهاد والتقليد؛ ص 378.

2) تنقيح المقال في كلمة "مسعدة".

3) الاجتهاد والتقليد؛ ص 211.

كيف؛ وظاهر قول النبي صلی الله علیه و آله و سلم:«إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَان»، (1)هو ذلك قطعاً.بل ادعاء ثبوت الحقيقة الشرعيّة لها في ذلك في عصر الصّادقين علیهما السلام قريب جدّاً، كما يظهر لمن تأمّل في الأخبار الواردة عنهم علیهم السلام.ويشهد لذلك كلّه، أنّه لو كان المراد من البيّنة ما به البيان لا معناها المصطلح عليه، لكان ذكرها في الرواية لغواً؛ لأنّه يكون مستدركاً بعد قوله علیه السلام: حَتَّى يَسْتَبِينَ لَكَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ لشمول الإستبانة لما به البيان، إذن فلا بدّ أن يكون المراد من البيّنة هو المعنى المصطلح، فتأمّل.وأمّا ايراده الثالث، فيلاحظ عليه:أنّ المورد لا يوجب الاختصاص، لأنّ الإمام علیه السلام في مقام بيان القاعدة فقوله علیه السلام: الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا عَلَى هَذَا؛ معناه: أنّ الحكم هو ذلك، سواء كانت تحت يدك أم لا، فعدم ذكر الخبر الواحد يدلّ على عدم اعتباره في الموضوعات. نعم خرج ما كان تحت اليد بدليل خاص، فتدبّر.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 27، ص 232، باب 2 من أبواب كيفية الحكم، ح 1.

### وجوب الاختبار عند الشکمسألة 5:الأقوى عند الشك، وجوب الإختبار، أو السؤال لتحصيل البيّنة، أو الشّياع المفيد للعلم، إلّا إذا كان مستلزماً للحرج. [1][1] الكلام هنا متمحّض في الشبهة الموضوعيّة، وقد اعترف غير واحد على أنّه لا يجب الفحص في الشبهات الموضوعيّة، كالطهارة، والنجاسة، ونحوهما.ومع ذلك: اختلفوا في وجوب الفحص وعدمه في أمثال المقام، كالإستطاعة وحدّ النصاب ونحوهما، على قولين:القول الأوّل: وجوب الفحص؛ففي الجواهر:وجهان: من أصل البرائة، ومن توقّف الامتثال عليه، ولعلّ الأقوى وجوب ما لا عُسر ولا حرج فيه ولا ضرر ... . (1)وتبعه في ذلك جماعة، منهم السيد اليزدي والنائيني، والميلاني.وأوضح من ذلك ما ذكره الشيخ الأنصاري قدس سره بقوله:وهل يجب الفحص أم لا، وجهان: من أصالة العدم الّتي لا يعتبر فيها الفحص عند إجرائها في موضوعات الأحكام، ومن تعليق الحكم بالقصر على المسافة النفس الأمريّة، فيجب لتحصيل الواقع عند الشكّ إمّا الجمع، وإمّا الفحص، والأوّل منتفٍ هنا إجماعاً، فتعيّن الثاني. (2)واعترض عليه المحقّق الهمداني قدس سره بقوله:وفيه: أنّ المسافة النفس الأمريّة المعلّق عليها القصر، مشكوك التحقّق، فهي منتفية بالأصل، وليس علمه الإجمالي بوجوب أحد الأمرين عليه في الواقع مانعاً


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 205.

2) كتاب الصلاة؛ ص390.

عن إعمال الأصول الجارية في أطرافه في مثل المقام، أي: مقتضياً لوجوب الاحتياط. (1)القول الثاني: عدم وجوب الفحص، كما عن المحقّق الخوئي قدس سره من حيث قال:فالإنصاف عدم الفرق بين موارد الشبهات الموضوعيّة، ولا ميز بين مقام ومقام، ولا يجب الفحص في شيء منها. (2)وإذا تحرّر ذلك أقول: الأقوى عندي وجوب الفحص تبعاً لصاحب الجواهر، والشيخ الأنصاري، والمحقّق الهمداني، والعلّامة البروجردي، وغيرهم.وقد استدلّوا لإثبات مدّعاهم بوجوه:منها: وجود العلم الإجمالي بوجوب أحد الأمرين، إمّا الفحص، وإمّا الجمع بين القصر والإتمام، كما تقدّم في كلام الشيخ الأنصاري قدس سره، وحيث إنّ الجمع ليس بواجب للإجماع، فتعيّن الأوّل. (3)وأورد عليه: بأنّ الأصل المفروض، يوجب انحلاله، بل لو لم يكن هنا هذا الأصل الجاري في الموضوع، لكفي في الحكم بالتمام الأصل الحكمي . (4)والأولى أن يستدلّ له بأنّ الأدلّة الشرعيّة ملقاة إلى العرف، والعرف هو الحاكم في فهم معانيها، ولا يخفي أنّ الإرتكاز العرفي في مثل المقام يقتضي الفحص، مثلاً لو قال: تصدّق بعشرة أمنان من الحنطة، فحينئذٍ لو كان عندك مقدار من الحنطة وشككت في مقدارها، فلابدّ حينئذٍ من وجوب الفحص عن مقدارها بحكم العرف، ولا يجوز في مثله الرجوع إلى الأصل كما هو كذلك في الأمر بالحجّ عند الإستطاعة، والزكاة عند النصاب، والخمس في الأرباح،


1) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 725.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 39.

3) كتاب الصلاة؛ ص390.

4) كتاب الصلاة؛ ص 591.

فإنّه يلزمه الفحص في ذلك كلّه، بلاريب وإشكال.فإن قلت: لا تصحّ مؤاخذة العبد في مثل هذه الموارد المشكوكة - من جهة عدم قيام دليل عليه-؛ لكونها من العقاب بلابيان، وهو قبيح للحكيم عقلاً.قلت: إنّ موارد التحديد والمحاسبة قد خرجت عن تلك القاعدة؛ لما أشرنا إليه من ارتكاز وجوب الفحص في الأذهان، و به يخصّص قوله علیه السلام:«النَّاسُ فِي سَعَةٍ مَا لَمْ يَعْلَمُوا»،وغيره من أدلّة البرائة.ولك أن تقول: إنّ خروج ما نحن فيه عن قاعدة قبح العقاب بلا بيان بنحو التخصّص، لا بنحو التخصيص، كما يظهر ذلك بالتأمّل.وبما ذكرنا يظهر عدم الحاجة إلى اعتبار العُسر والحرج -كما تقدّم في كلام صاحب الجواهر - ؛ لعدم وصول النوبة إليهما؛ فإنّ العرف كما يحكم بوجوب الفحص، كذلك يحكم بعدم وجوبه إذا كان مستلزماً للعُسر والحرج.وهناك وجوه أُخر أعرضنا عنها؛ لأنّها ضعيفة جدّاً.

### العمل عند تعارض البيّنتينمسألة 6:إذا تعارض البيّنتان، فالأقوى سقوطهما، ووجوب التمام، وإن كان الأحوط الجمع. [1][1] إعلم: أنّ المعروف بين الأصحاب، سقوط الأمارتين عن الحجيّة بالتكافؤ والتعارض، ولهذا قالوا: إنّ الأصل في التعارض هو التساقط.وبما أنّ البيّنتين من الأمارات الشرعيّة، فمقتضى الأصل المزبور هو سقوطهما عند التعارض أيضاً، إلّا إذا دلّ الدليل على خلاف ذلك، كما في تعارض الروايتين؛ حيث دلّت النصوص على لزوم الأخذ بأحدهما تعييناً مع وجود المرجّح، أو تخييراً مع عدمه، -كما قرّر في محله - فإذا سقطت البيّنتان، تصل النوبة إلى استصحاب التمام؛ لعدم إحراز موضوع القصر، هذا.ويظهر من جماعة كالمحقّق والشهيد في «الذِّكرى»، لزوم تقديم بيّنة الإثبات وإلغاء بيّنة النفي، نظراً إلى أنّ النافي مستندٌ إلى عدم العلم بالمسافة، والمثبت يدّعي العلم بتحقّق المسافة الشرعيّة، ومع ذلك لا يبقى مجال لما يدّعيه النافي، نظير ما ذكر في تقديم بيّنة الجرح على بيّنة التعديل؛ لأنّ بيّنة الجرح تدّعي العلم بالفسق، وأما بيّنة التعديل، فهي تدّعي عدم العلم به.وفيه: أنّ ما ذكر إنّما يتمّ إذا استند النافي إلى عدم العلم فقط، وأمّا لو فرض استناده إلى العلم أيضاً، بأن إدّعى علمه بعدم وصول المسافة، فلا وجه لتقديم بيّنة المثبت؛ لعدم الترجيح.وعليه: فالمرجع استصحاب التمام، كما تقدّم في ذيل مسألة الثالثه، لعدم الدليل على لزوم الأخذ بإحدى البيّنتين.

### المسافة مع الشبهة الحكميّةمسألة 7:إذا شكّ في مقدار المسافة شرعاً، وجب عليه الإحتياط بالجمع، إلّا إذا كان مجتهداً، وكان ذلك بعد الفحص عن حكمه فإنّ الأصل هو التمام. [1][1] الكلام هنا من جهة الشك في الشبهة الحكميّة، بأن شكّ في مقدار المسافة الموجبة للقصر، وأنّها هل هي 44 كيلومتراً، أو 45؟ وحينئذٍ يجب عليه الفحص أو الاحتياط بالجمع؛ تفريغاً للذمّة.هذا إذا كان الشك في ذلك قبل الفحص، وأمّا لو فرض الشك فيه بعد الفحص، فيجب الرجوع إلى مقتضى الأصل العملي، وهو التمام، كما تقدّم في المسألة السابقة، هذا في المجتهد.وأمّا في المقلِّد: فيرجع إلى مقلَّدِه (بالفتح أو يحتاط، وهذا واضح.)

### العمل مع الشّكمسألة 8:إذا كان شاكّاً في المسافة، ومع ذلك قصّر، لم يجزيء، بل وجب عليه الإعادة تماماً.نعم، لو ظهر بعد ذلك كونه مسافة، أجزأ؛ ومع ذلك، الأحوط الإعادة أيضاً. [1][1] قد تقدّم منا: أنّ الشاكّ في تحقّق المسافة وعدمه، يجب عليه التمام؛ لعدم إحراز موضوع القصر.فلو صلّى قصراً - والحال هذه - لم يكن مجزياً؛ لعدم كون ما أتى به مطابقاً مع المأمور به، لا واقعاً ولا ظاهراً.أمّا الأوّل: فلأنّ الواجب عليه هو التمام ما لم يتحقّق السفر الشرعيّ، وهو بَعدُ مشكوك فيه.وأمّا الثاني: فلأنّ وظيفته في الظاهر هي التمام، نظراً إلى إستصحاب وجوب الإتمام عند الشكّ في المسافة، ومقتضى ذلك وجوب الإعادة أو القضاء تماماً، وهذا ممّا لا كلام فيه.وإنّما الكلام فيما إذا انكشف أنّ ما قطعه مسافة واقعاً، وأنّ وظيفته كانت هي القصر، وقد صلّى قصراً رجاءً، مع تمشّي قصد القربة منه، وإن لم يكن جازماً بالنيّة، فهل يجزيء هذا أم لا؟فالمشهور بينهم هو الإجزاء؛ لعدم القصور في العمل، غاية الأمر أنّه لم يكن جازماً بالنيّة، وقد حقّق في محلّه أنّ الجزم بالنيّة غير معتبر في العباديّة، بل يكفي الإتيان بذات العمل رجاءً كونه عبادة.وعليه، يتفرّع جواز تكرار العبادة -كما عليه المشهور - والقول باعتبار الجزم بالنيّة، كما عن المحقّق النائيني قدس سره ضعيف.وعلى هذا: لا تجب الإعادة أو القضاء، بعد انكشاف كون الواقع مسافة.إن قلت: إنّ مقتضى ما سيجيء - في الشرط الثاني من اعتبار قصد المسافة - هو وجوب

الإعادة تماماً؛ لعدم كونه قاصداً للمسافة؛ لأنّ قصد الشيء يتوقّف على العلم به، وهو شاكّ هنا كما هو المفروض.قلت: إنّ ما ذكر مبنيّ على اعتبار قصد عنوان الثمانية، وأمّا بناء على كفاية قصد ذات المسافة، -كما هو الظاهر من نصوص الباب- فلا وجه لوجوب الإعادة، بعد إمكان تمشّي القصد ولو رجاءً.وبعبارة أُخرى: أنّ المكلّف قد قصد ما هو مسافة في الواقع، وقد انكشف أنّ ما قصده كانت ثمانية فراسخ.وعليه: يكون ما صلّاه قصراً، صحيحاً؛ لوجود شرائطه، وسيعترف المصنّف بذلك في ذيل المسألة القادمة.ومن هنا جزم صاحب «الجواهر» فيها وفي «نجاة العباد» بصحّة الصلاة، وعدم لزوم الإعادة، فضلاً عن القضاء. (1)وممّا ذكرناه يظهر: أنّه لا حاجة إلى الاحتياط بالإعادة أيضاً.


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 167.

### ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصدمسألة 9:لو اعتقد كونه مسافة فقصّر، ثمّ ظهر عدمها، وجبت الإعادة.وكذا لو اعتقد عدم كونه مسافة، فأتمّ، ثمّ ظهر كونه مسافة، فإنّه يجب عليه الإعادة. [1][1] قد أشار السيد قدس سره هنا إلى فرعين:أحدهما: ما لو اعتقد كون ما قصده مسافة، فقصّر الصلاة، ثمّ ظهر عدم كونه مسافة، فإنّه يجب عليه الإعادة تماماً.والظاهر أنّه لاخلاف ولا إشكال فيه؛ لعدم كون الشخص مسافراً، ولم يأت بما هو وظيفته واقعاً، ومجرّد اعتقاده بالمسافة، لا يجعله مسافراً؛ فإنّ قصد المسافة ليس تمام الموضوع للقصر، بل هو جزء منه، وجزؤه الآخر هو قطع المسافة المعتبرة، وهو غير متحقّق في مفروض الكلام.والقائل بإجزاء الأمر الظاهري أيضاً لا يقول به هنا؛ لعدم وجود أمر ظاهري أيضاً؛ إذ الموجود إنّما هو تخيّل الأمر الناشيء من تخيّل تحقّق المسافة.ثانيهما: ما لو اعتقد عدم كونه مسافة فأتمّ الصلاة، ثم ظهر كونه مسافة، وأنّ وظيفته كانت هي القصر واقعاً، فتجب عليه الإعادة قصراً لما عرفت، من عدم الإتيان بالمأمور به الواقعيّ، والأمر التخيّلي قد عرفت حاله، هذا.واختار في «المدارك» وتبعه صاحب «الرياض» عدم وجوب الإعادة والقضاء؛ لقاعدة الإجزاء، قائلاً:ولو سافر مع الجهل ببلوغ المسافة، ثمّ ظهر أنّ المقصد مسافة، وجب التقصير حينئذٍ، وإن قَصُرَ الباقي عن مسافة، ولا تجب عليه إعادة ما صلّاه تماماً قبل ذلك؛ لأنّها صلاة مأمور بها، فكانت مجزءة... . (1)


1) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 433.

وفيه: أنّ الإجزاء - على القول به - إنّما هو فيما لو كان هناک امر ظاهرى، وقد أشرنا أن الموجود فيما نحن فيه، هو الأمر التخيّلي، ولا يقول به نفس القائل بالإجزاء أيضاً.وإلى هذا يشير في «الجواهر» بقوله:وفيه بحث خصوصاً إذا كان في الوقت؛ للفرق بين الأمر حقيقة وبين تخيّل الأمر... . (1)والظاهر: أنّ مراده قدس سره من الخصوصيّة، هو الفرق بين أن ينكشف الخلاف في الوقت، وبين كونه خارجه، فتجب الإعادة، دون القضاء.وهو كذلك؛ لأنّ وجوب الإعادة والقضاء، إنّما هو بمقتضى القاعدة.وأمّا بالنظر إلى الروايات، فيمكن القول بوجوب الإعادة في الوقت، دون القضاء في خارجه، كما عن جماعة.ويدلّ عليه صحيحة عيص بن القاسم، قال:«سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله علیه السلام عَنْ رَجُلٍ صَلَّى وَهُوَ مُسَافِرٌ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ، قَالَ: إِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ فَلْيُعِدْ وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ مَضَى، فَلَا».(2)فهي صريحة الدلالة على التفصيل بين الوقت وخارجه، ولا معدل عنه.وأمّا معارضتها مع ما يدلّ على وجوب الإعادة مطلقاً، فسيأتي الجواب عنها.فالقول بالتفصيل المزبور متعيّن كما التزم به المحقّق الخوئي قدس سره، قائلاً:وأمّا إن كان في خارجه، فالأقوى عدم وجوب القضاء؛ لصحيح العيص. (3)


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 205.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 506، باب 17 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 42.

### تحقق السفر بقصد قطع المسافةمسألة 10:لو شكّ في كونه مسافة أو اعتقد العدم، ثمّ بانَ في أثناء السير كونه مسافة، يقصّر وإن لم يكن الباقي مسافة. [1][1] أقول: الوجه في ذلك ما أشرنا إليه من أنّ المعتبر هو قصد ذات الثمانية وقد قصدها، وعليه فإنّه لا ريب في وجوب القصر لتحقّق موضوعه وإن لم يكن الباقي مسافة، غاية الأمر أنّه لم يكن عالماً بذلك فعلم في الأثناء، وقد أشرنا إلى أنّه لا دليل على اعتبار قصد عنوان الثمانية حتى يقال بأنّه يعتبر في التقصير العلم بالمسافة بعنوانها.

### إذا بلغ الصبيّ في السفر قصّرمسألة 11:إذا قصد الصبيّ مسافة ثمّ بلغ في الأثناء، وجب عليه القصر وإن لم يكن الباقي مسافة.وكذا يقصّر إذا أراد التطوّع بالصلاة مع عدم بلوغه.والمجنون الذي يحصل منه القصد إذا قصد المسافة ثمّ أفاق في الأثناء يقصّر، وأمّا إذا كان بحيث لا يحصل منه القصد، فالمدار بلوغ المسافة من حين إفاقته. [1][1] أقول: في هذه المسألة فروع ثلاثة:الفرع الأوّل: أن يقصد الصبيّ المسافة، ثمّ يحصل البلوغ في أثناء الطريق؛الفرع الثاني: أن يقصدها المجنون الذي يتمشّى منه القصد بأن كان جنونه ضعيفاً، أفاق في الأثناء؛الفرع الثالث: المجنون الذي لا يتمشّى منه القصد ابتداءً ولكن أفاق في الأثناء.أمّا الأخير، فالأمر فيه واضح؛ حيث إنّه لا يمكن أن يقصد المسافة من أوّل الأمر، فبطبيعة الحال يكون مبدأ سفره المكان الذي حصلت الإفاقة فيه، فإن كان الباقي مسافة يقصّر وإلّا فلا.وأمّا الفرعان «الأوّلان» فالأمر فيهما أيضاً واضح، فيجب عليهما القصر؛ لتحقّق شرائطه من المسافة وقصدها، والمفروض أنّهما قصداها.أمّا الصبيّ، فواضح؛ لفرض كونه مميّزاً يتمشّى منه القصد، وكذا المجنون؛ إذ المفروض أنّ جنونه بحدّ يمكن تمشّي القصد منه، ومن الظاهر انّ البلوغ والعقل ليسا شرطاً في ذلك.وممّا ذكرناه يعلم حال المُغمى عليه، فانّه لو حمل تمام المسافة في تلك الحال ثمّ أفاق، لا يجب عليه القصر بعد الإفاقة؛ لعدم كونه قاصداً للمسافة، نعم لو قصدها بعدها وتلبّس بالسير، يجب عليه القصر؛ لتحقّق موضوعه.

والحاصل: أنّ مقتضى القواعد وجوب القصر في الفرعين الأوّلين، ومع ذلك فقد استشكل فيه صاحب الجواهر حيث قال قدس سره:ولا يخلو عن إشكال... . (1)وفي «نجاة العباد»:قصّر في وجه، والأحوط الجمع.ولعلّ وجه الإشكال هو عدم اعتبار قصد الصبيّ؛ لأنّ عمده خطأ، كما في بعض النصوص، وكذا في المجنون.وعليه فما قصداه من المسافة قبل البلوغ أو قبل الإفاقة، لا يترتّب عليه أثر شرعاً.وفيه: الروايات الدالّة على أنّ عمد الصبيّ خطأ، إنّما وردت في باب الجنايات والديات لا مطلقاً، ويشهد له قوله علیه السلام:«إِنَّهُ علیه السلام كَانَ يَقُولُ فِي الْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ الَّذِي لَا يُفِيقُ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ: عَمْدُهُمَا خَطَأٌ تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَقَدْ رُفِعَ عَنْهُمَا الْقَلَمُ»، (2)المختصّة بباب الديات، فيحمل المطلق من النصوص على المقيّد كما هو طريق الجمع بين الروايات.وإن أبيتَ ذلك وقلتَ إنّه لا وجه بحمل المطلق على المقيّد؛ لعدم التنافي بين المثبتين، فنقول:إنّ معنى قوله علیه السلام: «عَمْدُهُمَا خَطَأٌ»، تنزيل العمد منزلة الخطأ، وهذا إنّما يستقيم فيما إذا كان لكلّ واحد منهما أثرٌ غير الآخر، كما في باب الجنايات؛ حيث إنّ أثر العمد فيها هو القصاص، كما أنّ أثر الخطأ هو الدية.وليس ما نحن فيه كذلك؛ لأنّه ليس لخطأه أثر شرعاً في المقام، بل لا يتصوّر الخطأ في


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 206.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 29، ص 90، باب 36، ح 2.

القصد؛ لأنّه من الأُمور العقليّة الدقيقة كما لا يخفي.ولعلّه من أجل هذا اختار بعض الأعاظم صحّة عقد الصبيّ للغير وكالة؛ حيث إنّ قصده دائر بين الوجود والعدم ولا يتصوّر فيه الخطأ.ثمّ لو فرض عموم الروايات على غير الجنايات نقول:إنّ هذه النصوص الدالّة على كون عمد الصبيّ خطأ، إنّما تشمل المعاملات دون العبادات، ومن هنا ذهب المشهور إلى شرعيّة عبادات الصبيّ، وكيف كان، فالالتزام بلغويّة قصد الصبيّ في العبادات مشكل جدّاً بل غير صحيح.ثمّ إنّه بناء على عدم اعتبار قصد الصبيّ، فلو سافر وقصد المسافة، تكون وظيفته الإتمام، -لو صلّى-؛ لعدم قصد له حقيقة، ولا يظنّ أن يلتزم به أحد.وأضعف منه ما يلوح من بعضهم: من لزوم قصد وليّه عنه، فإن قصدها عنه قصّر وإلّا أتمّ. ووجه ضعفه هو أنّه لم يقم دليلٌ على كون قصد الوليّ قصداً للصبيّ.فتحصّل من تمام ذلك: أنّ ما أفاده الماتن قدس سره من وجوب القصر هو الأقوى، بل المتعيّن.وللحائري قدس سره كلام يوافقه وإليك نصّه:إذا بلغ الصبيّ في أثناء المسافة الّتي قصدها يقصّر، وإن لم يبلغ الباقي مسافة؛ ضرورة صدق المسافر عليه من جهة خروجه من المنزل قاصداً ثمانية فراسخ ... . (1)


1) كتاب الصلاة؛ ص 592.

### اعتبار وحدة المسافةمسألة 12:لو تردّد في أقلّ من أربعة فراسخ ذاهباً وجائياً مرّات حتّى بلغ المجموع ثمانية لم يقصّر ففي التلفيق لابدّ أن يكون المجموع من ذهاب واحد وإياب واحد ثمانية [1][1]أقول: كما لو خرج فرسخاً أو فرسخين ثمّ رجع إلى البلد، وكرّر ذلك حتى يصير المجموع ثمانية فراسخ، ويتصوّر هذا على وجهين:الوجه الأوّل: ما إذا دخل حدّ الترخّص في كلّ رجوع من المقصد، فحينئذٍ لا ريب في وجوب التمام لانقطاع السفر بدخول البلد.والظاهر أنّه خارج عن مفروض كلام السيّد قدس سره لوضوحه.والوجه الثاني: ما إذا تردّد في المسافة المزبورة من غير أن يدخل حدّ الترخّص، فهل يوجب هذا النحو من السفر القصر أم لا؟فالظاهر عدم الخلاف في وجوب التمام عليه أيضاً؛ لأنّه يعتبر في التقصير قطع الثمانية عن قصد، إمّا امتداديّة بمعنى الابتعاد عن الوطن ثمانية فراسخ، أو تلفيقيّة خاصّة كما مثّل لها الماتن بأن يكون الذهاب الواحد مع الرجوع الواحد ثمانية، وإن لم يكن كلّ منهما أربعة على ما قوّيناه أخيراً، وسيأتي بيانه عن قريب وأمّا مطلق التلفيق كيف اتّفق فلا دليل على كفايته، مضافاً إلى اعتبار الابتعاد من الوطن في وجوب القصر على ما تقدم تفصيلاً.

### لو كان للبلد طريقانمسألة 13:لو كان لبلد طريقان والأبعد منهما مسافة، فإن سلك الأبعد قصّر، وإن سلك الأقرب لم يقصّر، إلّا إذا كان أربعة أو أقلّ وأراد الرجوع من الأبعد. [1][1] أقول: أشار الماتن قدس سره في هذه المسألة إلى أربعة فروع:الفرع الأوّل: ما إذا سلك الطريق الأقرب الذي لا يكون مسافة، فحينئذٍ لا إشكال في عدم جواز التقصير؛ لعدم كونه مسافراً شرعاً؛ إذ تحقّق السفر شرعاً - كما أشرنا إليه- متوقّف على المسافة وقصدها، وهما غير متحقّقين في الفرض المذكور.الفرع الثاني: ما لو سلك الطريق الأبعد الذي هو مسافة ولو تلفيقاً، فيجب فيه التقصير؛ لتحقّق موضوعه، وهو السير ثمانية فراسخ، والظاهر كون المسألة مُجمعاً عليها، ولم ينسب الخلاف إلّا إلى القاضي ابن البرّاج قدس سره حيث أوجب التمام في الفرض، وعلّله بأُمور:منها: الشك في شمول الأدلّة لمثل ذلك السفر؛ومنها: احتمال كونه من السفر اللّهويّ الذي لا يجوز فيه التقصير، وذلك أنّ قطع الطريق الأبعد بلا داع عقلائيّ يعدّ من اللّهو؛ومنها: الشكّ في صدق عنوان المسافر عليه، هذا.ولا يخفي ضعفها،أمّا الأوّل: فلأنّ إطلاق الأدلّة يشمل المقام وهو أوضح من أن يخفي، فإنكار ذلك يشبه المكابرة.وأمّا الثاني: فمردود صُغرىً وكُبرىً:أمّا الصُغرى، فلأنّا لا نسلّم كون قطع الأبعد من سفر اللّهو، بل كثيراً ما يكون السفر فيه لداعٍ عقلائيّ كوجود الأمن فيه وحسن التنزّه وتحصيل السلامة كما هو المتعارف الآن، وغيرها

من الأغراض العقلائيّة التي ذكر بعضها في المستمسك. (1)وأمّا الكبرى، فلأنّ مطلق السّفر اللّهويّ لا يوجب التمام، بل يختصّ ذلك بالصيد إذا كان للتلهي اقتصاراً لمورد الدليل المخالف للأصل؛ إذ الإتمام في السفر خلاف الأصل والقاعدة.وأمّا الثالث: فلأنّه لا شكّ في صدق المسافر لمن سلك الأبعد، وهذا واضح جدّاً.الفرع الثالث: ما لو سلك ثلاثة ذهاباً وخمسة إياباً، فعلى مبنى الماتن قدس سره يجب عليه القصر؛ إذ لا يعتبر كون الذهاب أربعة فراسخ في التلفيق، كما هو المختار عندنا أخيراً، وإن كنّا اشترطنا سابقاً كون الذهاب أربعة فراسخ.وسيأتي وجه عدولنا عن ذلك الاشتراط السابق، فانتظر.الفرع الرابع: ما لو سلك ثلاثة ذاهباً وثمانية إياباً، فظاهر بعض الأعاظم قدس سره أنّ وجوب التقصير هنا لا يبتني على ما اعتبره قدس سره من الابتعاد عن المبدأ بأربعة فراسخ، و به صرّح المحقّق الخوئي قدس سره حيث قال:وأمّا لو أراد الرجوع من الأبعد، فالظاهر هو التقصير؛ لكون الرجوع هنا بنفسه مسافة فلا ينافي ما قدّمناه من اشتراط التلفيق بعدم كون كلّ من الذهاب والإياب أقلّ من الأربعة، فانّ ذلك خاصّ بما إذا لم يكن كلّ منهما بنفسه مسافة وإلّا فالعبرة بها ولا حاجة معها إلى مراعاة التلفيق. (2)وفيه: أنّه لا وجه للخصوصيّة الّتي ذكرها بل ما ذكره هناك من اعتبار الابتعاد أربعة فراسخ آتٍ هنا أيضاً، ولازمه عدم جواز القصر في الذهاب.اللّهم إلّا أن يقال: إذا شرع في الرجوع من البعيد وقطع فرسخاً أو أكثر فيحصل الإبتعاد المزبور، فانّه يبتعد عن وطنه مادام لم يشرع في الاقتراب إليه، فيكون ما نحن فيه نظير المسافة المستديرة الّتي سيجيء حكمها في المسألة الآتية، بل يكون هذا مثل الطريق المعوجّ الّذي


1) المستمسك العروة الوثقى؛ ج 8، ص 23.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 9.

ليس الابتعاد المزبور فيه على نحو الاستقامة.ومن هنا يعلم أنّ المراد من الابتعاد أعمّ من الأربعة المستقيمة فيشمل المقام أيضاً؛ لأنّه يبتعد بالشروع في قطع الثمانية، كما لا يخفي على المتأمّل.ويتفرّع على ذلك وجوب القصر في هذا الفرع.ولا يذهب عليك أنّ ما ذكر، لا يختصّ بما إذا ذهب ثلاثة ورجع ثمانية، بل يشمل ما إذا ذهب ثلاثة ورجع خمسة أو ستّة؛ لأنّه يصدق على هذا الشخص الابتعاد من مبدأ سيره ما لم يصل إلى الأربعة فصاعداً، فإذا شرع في الاقتراب فيصدق عليه الرجوع.اللّهمّ إلّا أن يقرّر الابتعاد في المقام بوجه آخر، وهو أن يقال: إنّ ثلاثة الذهاب ملغاة لا أثر لها؛ لعدم وصوله إلى حدّ الأربعة بالفرض، وإنّما يتحقّق الإبتعاد بعد قطع مقدار أربعة فراسخ من الثمانية، فما دام لم يقطع أربعة من الثمانية فهو في حال الذهاب والابتعاد، وأمّا بعد الأربعة فيعدّ راجعاً من السفر فافهم.

### حكم المسافة المستديرةمسألة 14:في المسافة المستديرة، الذهاب فيها هو الوصول إلى المقصد والإياب منه إلى البلد، وعلى المختار يكفي كون مجموع المسافة مطلقاً وإن لم يكن إلى المقصد أربعة، وعلى القول الآخر يعتبر أن يكون من مبدأ السير إليه أربعة مع كون المجموع بقدر المسافة. [1][1] أقول: لا ريب في أنّ الموضوع للقصر هو قطع المسافة (أعني : ثمانية فراسخ مع قصدها من غير فرق بين كونها امتداديّة أو ملفّقة، كما لا ريب في عدم اعتبار الاستقامة في الطريق، فيكفي الطريق المعوجّ، فلو كان الطريق متضمّناً للابتعاد تارةً والاقتراب أُخرى، بأن كان يبتعد من المبدأ بمقدار، ثمّ يرجع إلى ما يقرب من المبدأ، ثمّ يبتعد ويقترب وهكذا، فلا يضرّ في صدق المسافر؛ لتحقّق المسافة، فيشمله إطلاقات الأدلّة؛ إذ لا وجه لما قد يدّعى من انصرافها إلى الطريق المستقيم مع كون أكثر الطرق معوجّةً، بل لعلّ الطرق المستقيمة في غاية القلّة بالنسبة إلى غيرها من الطرق في الازمنة السابقة.)وبالجملة، لا إشكال في صدق الابتعاد والغربة على المسافة المستديرة، إنّما الكلام في بيان أقسامها.فنقول: يمكن تصوير المسافة المستديرة على صور:الصورة الأُولى: ما إذا سار حول البلد فيما دون حد الترخّص، بأن سمع الأذان أو رأى الجدران، فلا إشكال في عدم وجوب القصر حينئذٍ؛ لعدم صدق المسافر موضوعاً، بل هذا خارج عن محل الكلام تخصّصاً.الصورة الثانية: أن يكون السير كنصف الدائرة أو كاملها، لكن في ناحية من البلد، كما إذا خرج من البلد إلى عدّة من القُرى من هنا إلى هنا إلى أن يصل محل خروجه من البلد أو ما يقرب منه، بحيث يكون المجموع من الذهاب والإياب ثمانية فراسخ.فالظاهر وجوب القصر عليه؛ لتحقّق الموضوع، وهو صدق المسافر شرعاً.

الصورة الثالثة: ما إذا سار خارج البلد على نحو الدائرة الكاملة، بأن يكون قد خرج من نقطة من البلد وسار كذلك حوله ثم عاد إلى النقطة الّتي خرج منها، بحيث كان مجموع المسافة المقطوعة ثمانية فراسخ فصاعداً، وكان خارجا عن حدّ الترخّص، فالظاهر أيضاً وجوب القصر؛ لأنّه مسافر عرفاً.وفصّل المحقّق الخوئي قدس سره بين ما كان السير قريباً من البلد جدّاً بأن بَعُدَ من البلد نصف الفرسخ ثم دار حوله، فإنّه لا يجوز التقصير في هذه الصورة؛ لعدم صدق عنوان المسافر عليه، حيث قال:إذ تارةً تكون الدائرة قريبة من البلد جدّاً بحيث لا يصدق معها عنوان السفر؛ لكونها من توابعه وملحقاته، كما لو خرج من النجف إلى آخر ضواحيه ثم طاف حوله لغاية الزراعة أو التفرّج - إلى أن قال:- لا إشكال في لزوم التمام وإن بلغ به السير عشرة فراسخ بل عشرين، لفرض كِبر البلد؛ لأنّ سيره خارج البلد كسيره داخل البلد في عدم صدق عنوان المسافر عليه.وبين ما كان السير بعيداً من البلد بمقدار ثلاثة فراسخ مثلاً، فأوجب القصر حينئذٍ حيث قال:وأُخرى تكون الدائرة بعيدة بمقدار يصدق معه عنوان المسافر، كما لو بَعُدَ عن البلد مقدار ثلاثة فراسخ ثم دار حول البلد، فالظاهر حينئذٍ وجوب التقصير فيما إذا بلغ مجموع سيره ثمانية فراسخ ولو ملفّقاً... . (1)قلت: وللنظر في كلا الفرضين مجال واسع.أمّا النظر في الفرض الأوّل، (أعني: ما إذا كان السير قريباً من البلد،)ففيه إن أراد قدس سره من حاشية البلد، سيره داخل حدّ الترخّص، كما يظهر من قوله: لكونها من توابعه وملحقاته... وكذا قوله: لكون بُعده عن البلد بمقدار نصف الفرسخ مثلاً، حيث إنّ من


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 49.

كان بعيداً من البلد بمقدار نصف الفرسخ يسمع الأذان ويرى الجدران غالباً.والحاصل: إنّه لو كان مراده هذا المعنى، فهو حقّ لا ريب فيه، كما قدّمناه في الصورة الأُولى من صور الاستدارة.وأمّا لو أراد سيره خارج حدّ الترخّص، كما هو ظاهر تعليله بقوله: «لأنّ سيره خارج البلد کسیره داخل البلد في عدم صدق عنوان المسافر...»؛ إذ لو كان مراده داخل الحدّ، لكان الأنسب التعليل بأنّ داخل حدّ الترخّص في حكم البلد، فتعليله بعدم صدق عنوان المسافر عليه، ظاهر في السير خارج الحدّ.فيرد عليه: إنّه لا دليل على اعتبار البعد في خارج الحدّ، ولو فرض خروجه عن حدّ الترخّص وقصده المسافة، فلا وجه للترديد في صدق عنوان المسافر عليه، فانّه يجب عليه التقصير حينئذٍ بمقتضى القاعدة.وأمّا ما ذكره من عدم صدق عنوان المسافر في أمثال ذلك، فهو دعوى بلا دليل؛ لأنّ الشارع قد حكم بأنّه مسافر وعرف المتشرّعة حاكم بذلك، بل لنا أن ندّعي أنّ صدق المسافر في الفرض عرفاً مسلّم كما سيعترف بذلك عند البحث في مسألة 15 حيث قال:فصدق عنوان السفر متقوّم بالخروج من البلد... ،وقال قبل ذلك:وهو - عنوان السفر - بحسب المتفاهم العرفيّ إنّما يتحقّق بالخروج من البلد ... . (1)اللّهم إلّا أن يقال: إنّ ذلك مختص به إذا كان قاصداً للسير امتداداً، أمّا السير في حاشية البلد استدارة فلا.وهذا المعنى وإن كان حسناً في عالم الثبوت والتصوّر، إلّا أنّه لا دليل عليه إثباتاً، بل هو احتمال صِرف كما لا يخفى.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 50.

والحاصل: أنّ التأمّل في كلامه يعطى أنّ المراد من الفرض الأوّل ما كان السير في خارج حدّ التّرخّص، وأنّه أفتى فيه بعدم جواز القصر، ولم نجد عاجلاً موافقاً له في ذلك ممن تقدّمه.نعم يظهر من السيد الحكيم قدس سره اختيار هذا الوجه حيث قال:وأمّا الأوّل، فدعوى انصراف النصوص عنها بل الفتوى قريبة جدّاً، بل الظاهر عدم صدق السفر ذاهباً وآيباً بريدين في بعض صورها، فالبناء على التمام معها عملاً بأصالة التمام في محلّه. (1)قلت: يرد عليه ما أوردناه على المحقّق الخوئي، فتدبّر.أمّا النظر في الفرض الثاني:فتوضيحه يتوقّف على بيان مقدّمة، وهي أنه ربّما يتراءى في كلمات المحقّق الخوئي تهافت ما، وذلك لأنّه صرّح في مواضع من كتابه بأنّه يعتبر في المسافة الموجبة للقصر الامتداد أعمّ من كونه ثمانية أو أربعة ذاهباً وأربعة جائياً. حيث قال في المسافة التلفيقيّة:بل العبرة بالثمانية الامتداديّة الملازمة في السير العاديّ مع المركوب العاديّ في الوقت العاديّ... .(2)وقال في ذيل مسألة 12 المتقدّمة:بل الروايات تشير إلى سير القوافل والجمال على النحو المتعارف المقدّر بثمانية الامتداديّة وما يلحق بها من بريد ذاهباً وبريد جائياً. (3)فتری صراحة كلامه في اعتبار الامتداد، فحينئذٍ نسأله عن معنى الامتداد، فلو كان مراده هو الابتعاد عن الوطن بأربعة فراسخ ممتدّة، كما هو ظاهر كلماته المذكورة، فيرد عليه أنّ لازم ذلك عدم جواز التقصير في الفرض الثاني أيضاً، وهو ما بَعُدَ عن البلد ثلاثة فراسخ، وطاف


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 22.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 14.

3) نفس المصدر، ص44.

حوله بحيث لا يكون الشخص مبتعداً من البلد بأربعة فراسخ، وعلى هذا لم يكن فرق بين الصورتين فما معنى التفصيل الذي ذكره ؟!ولو فسّر كلامه بوجه آخر بأن كان مراده من الامتداد هو الخروج من بلده إلى مقصده بثمانية فراسخ أو أربعة ملفّقة من الإياب كما هو المتيقّن،فيرد عليه أنّ لازمه تحقّق السفر في كلا الفرضين المتقدمين في كلامه إذا كان خارجاً عن حدّ الترخّص، فلا يكون وجه للتفصيل المزبور أيضاً.فعلم من تمام ذلك، أنّ ما فصّله في هذه المسألة لا ينطبق على مبنىً صحيح بأيّ نحو فرض.إذا تحرّر ذلك، فنقول: يعتبر في المسافة الموجبة للقصر الابتعاد من الوطن على ما هو المشهور بين الأصحاب، وأمّا الامتداد بمعنى الاستقامة في السير فغير معتبر قطعاً، لما مرّ غير مرّة من أنّ الاعوجاج في السير لا يضرّ بالمسافة الموجبة للقصر وهذا واضح.وعلى هذا، فالمراد من الامتداد هو أن يبتعد من بلده حيناً بعد حين وأن لا يرجع إلى مبدأ سفره كما هو كذلك في الإياب.بقي في المقام شيء وهو أنّ الماتن جعل الملاك في الذهاب والإياب هو الوصول إلى المقصد، بمعنى أنّه ما لم يصل إلى المقصد فهو ذاهب، وإذا بلغ المقصد يكون آيباً، وفرّع عليه أنّه لو كان المقصد على رأس ثلاثة فراسخ وكان الإياب خمسة مثلاً، يجب عليه القصر بناءً على مختاره من عدم اعتبار الأربعة في الذهاب، ويظهر ذلك من الشيخ الأعظم الأنصاري تبعاً لشيخه صاحب الجواهر في رسالة «نجاة العباد». (1بل تبعهما الشيخ الحائرى قدس سره وأتعب نفسه الشريفة في بيانه، فراجع كلامه. (2))وحيث لا فائدة مهمّة في التعرّض لكلامهم، أعرضنا عنه.


1) كتاب الصلاة؛ ص 413.

2) كتاب الصلاة؛ ص 514.

والحرىّ بنا هو التعرّض لحلّ المعضلة وبيان ما هو الحقّ عندنا فنقول:إنّ المدار في التقصير هو قطع المسافة (أعني : ثمانية فراسخ عن قصد من غير فرق بين كونها امتداديّة أو ملفّقة، والمراد من التلفيق هو المسافة المركّبة من الذهاب والإياب، وفي كلّ مورد صدق أنّه ذهب أربعة مثلاً ورجع كذلك، يتحقّق التلفيق على اختلاف المباني في ذلك كما أشرنا إليه سابقاً، فاختار السيد كفاية مطلق التلفيق، واختار المحقّق الخوئي اعتبار كون كلّ من الذهاب والإياب أربعة فراسخ، وذهب المشهور إلى اعتبار كون الذهاب أربعة فقط، ونحن - وإن كنّا نختار مذهب المشهور سالفاً- إلّا أنّنا قوّينا أخيراً ما اختاره السيد الماتن.)وقد ورد في النصوص: «بريدٌ ذاهباً وبريد جائياً» والبريد أربعة فراسخ كما لا يخفى، فظاهر تلك النصوص أنّ المدار في التلفيق تحقّق أربعة الذهاب ولم يعتبر فيها المقصد أصلاً كما لا يخفى.وعلى هذا، لو سار شخص حول البلد مستديراً، وفرض مجموع المسير ثمانية فراسخ فصاعداً، لصدق عليه عنوان الذاهب حتى إذا بلغ نصف المسافة، وإذا جاوز النصف يصدق عليه أنّه راجع إلى نقطة خروجه من البلد، لصدق أنّه أخذ بالاقتراب إلى البلد، وهذا واضح جدّاً.والّذي يرشدك إلى هذا، أنّه لو كان الغرض من السفر رفع حاجة شرعيّة أو عرفيّة - كصلة الرحم - واقعة في رأس ثلاثة فراسخ، وكان قاصداً من أوّل الأمر، سير فرسخ آخر بعد قضاء وطره في رأس الثلاثة، ليكون مجموع المسير أربعة فراسخ.فهل يمكن الإلتزام بأنّ الذهاب ينقطع بالوصول إلى رأس الثلاثة وإنّ الفرسخ الباقي ليس من الذهاب بشيءٍ؟ كلّا.وعليه، يتحقّق موضوع القصر على كلا المبنيين؛ لأنّه ذهب أربعة وآب أربعة.إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ المسافة المستديرة فيما نحن فيه من هذا القبيل؛ إذ لو فرض أنّ له حاجة في رأس الثلاثة، فلا يلاحظ الذهاب بالنسبة إليها فقط، بل هو ذاهب ما لم يصل

إلى نصف الدائرة، فإذا بلغه وأخذ بالاقتراب يصدق عليه الإياب.وبعبارة أُخرى: إنّ الذهاب والإياب أمران حقيقيّان وليسا من الأُمور القصديّة حتى يتوقفا على القصد، وعليه كلّما بعد من مبدأ الحركة، يكون ذاهباً، فإذا أخذ بالاقتراب إلى المبدأ يكون آئباً، بل وكذلك حتى لو لم يكن له مقصد أصلاً، كما إذا كان الغرض من سيره حول البلد السياحة مثلاً.هذا كلّه بناءً على أنّ المسافة المستديرة من مصاديق التلفيق.ولنا أن نقول: إنّ المسافة المستديرة غير مبنيّة على التلفيق أصلاً، بل كلّها ذهاب؛ لأنّها سير وحركة من المبدأ إلى المنتهى، فحينئذٍ يصدق أنّه سار ثمانية فراسخ أو أكثر مع القصد، فيتحقّق موضوع القصر، فتكون الحركة المستديرة أيضاً من أفراد الامتداديّة، فحينئذٍ لا يلاحظ الذهاب والإياب حتى يبحث في أنّ المدار في تحقّق الذهاب هل هو الوصول إلى المقصد، أولا.نعم، لو فرض كون المستديرة من التلفيق، لوجب البحث في ذلك، وعرفت أنّ الملاك في الإياب فيه هو الأخذ بالاقتراب إلى مبدأ السفر ولا دخل للمقصد في ذلك أصلاً كما هو ظاهر لا يخفى.

### تحديد مبدأ المسافةمسألة 15:مبدأ حساب المسافة سور البلد أو آخر البيوت فيما لا سور فيه من البلدان الصغار والمتوسّطات وآخر المحلّة في البلدان الكبار الخارقة للعادة.والأحوط مع عدم بلوغ المسافة من آخر البلد الجمع وإن كانت مسافة إذا لوحظ آخر المحلّة. [1][1] أقول: هل مبدأ المسافة هو سور البلد أو المنزل أو حدّ الترخّص؟ فيه وجوه، بل أقوال قد أنهاها بعضهم إلى خمسة أقوال والعمدة منها ثلاثة أقوال:القول الأوّل: ما نسب إلى عليّ بن بابويه قدس سره كما في «الدروس» من أنّ المبدأ للمسافة هو المنزل الذي يخرج المسافر منه عند شروعه في السفر، وربّما يوجّه بأنّ مَن خرج مِن منزله قاصداً للسفر، يصدق عليه المسافر؛ لأنّه مأخوذ من السير الصادق على من تلبّس به و لو من منزله، فحينئذٍ تحسب المسافة من المنزل، ويشهد له بعض الأخبار. (1)وفيه: أنّه لا يمكن الالتزام به؛ لعدم صدق عنوان المسافر عليه؛ لأنّ السفر بحسب الفهم العرفي، هو إحداث أمر جديد لم يكن موجوداً قبل، ومن الظاهر أنّ السير في السكك القريبة من المنزل لا يعدّ أمراً جديداً؛ لأنّه من الأُمور المتعارفة لغير المسافر أيضاً كما هو ظاهر.وأمّا ما ذكره بعضهم من انصراف الضرب في الأرض إلى الضرب في فلاة الأرض ولا يصدق بالسير في داخل البلد، فيدفعه عدم وجه للانصراف وأنّ الاطلاق محكّم لو كان إطلاق.القول الثاني: إنّ المبدأ هو حدّ الترخّص، ونسبه في الجواهر الى الشهيد قدس سره في «الذكرى» وقوّاه بعض المتأخّرين، ووجّه بأنّ المناط في القصر هو التغرّب عن الوطن والبُعد عنه، فما دام لم يحصل هذا العنوان لا يعدّ مسافراً شرعاً، ومن الظاهر أنّ تحقّق العنوان المزبور متوقّف على الخروج عن حدّ الترخّص، كما يظهر ذلك من النصوص الدالّة على اعتبار حدّ الترخّص في ترتّب حكم القصر.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، باب 7 من أبواب صلاة المسافر، ح 2؛ وباب 2، ح 14 و 3؛ وباب 4، حدیث 2.

وفيه: أنّه لا ريب في صدق المسافر عليه، ولو قبل وصوله إلى حدّ الترخّص؛ لأنّه ضارب في الأرض حسب المتفاهم العرفي.وأمّا الروايات، فهي ليست بصدد بيان الموضوع و أنه متى يكون مسافراً، بل هي بصدد بيان حكم المسافر وأنّه لا يكون فعليّاً إلا بالوصول إلى حدّ الترخّص.وبالجملة، إنّ الروايات في مقام تحديد الحكم دون الموضوع كما لا يخفى.القول الثالث: إنّ المبدأ هو سور البلد إن وُجِدَ، وإلّا آخر البيوت.ووجّه بأنّ السائر في البلد لا يعدّ مسافراً عرفاً؛ لأنّه من عمله العادي في كلّ يوم، فإنّ الإنسان يتردّد في بلده غالباً لتحصيل لوازم معاشه من الخبز ونحوه.ومن الظاهر أنّ المسافر عنوان مخالف لعمله العادي وهذا واضح.ثمّ إنّ هنا قولاً رابعاً: وهو التفصيل بين البلد الكبير وغيره، فالمبدأ في الكبير هو آخر المحلة، وفي غيره من المتوسّط والصغير هو آخر البيوت، وحيث إنّ مسألة البلاد الكبيرة من مهامّ المسائل الشرعيّة، فينبغي إفرادها بالبحث، وسيجيء البحث حولها إن شاء الله تعالى فانتظر.إذا تقرّر ذلك، فأعلم أنّ الأظهر عندي هو القول الثالث، وهو أنّ مبدأ المسافة هو سور البلد مع وجوده وآخر البيوت مع عدمه، بلا فرق في ذلك بين البلاد الكبيرة وغيرها.والوجه في ذلك هو عدم صدق السفر لمن يسير في داخل البلد لما أشرنا إليه من أنّ السير في البلد أمر عادي للإنسان في كلّ يوم؛ لأنّه ربّما يسير فيه لتحصيل لوازم معاشه من المأكولات والملبوسات ونحوهما، وهذا ليس من السفر في شيءٍ عرفاً؛ لأنّ السفر كما عرفت أمر جديد يحدث في بعض الأزمنة، وله شرائط:منها: خروجه من البلد قاصداً للمسافة، وهذا أمر عرفي لا يشكّ فيه أهله.وعلى هذا يتوقف صدق عنوان المسافر على الخروج من سور البلد أو آخر بيوته بحسب المتفاهم العرفي، ومن هنا قال في الجواهر:ومبدأ تقدير المسافة أوّل آنات صدق إسم المسافر عليه، والظاهر حصوله عرفاً

بالخروج عن خطّة البلد. (1)فإن قلت: إنّا لا نسلّم بذلك، كيف وقد اعتبر الشارع حدّاً لجواز القصر أو الإفطار وسمّاه حدّ الترخّص، فما لم يصل إليه المكلّف لا يجوز له القصر، ومنه يعلم أنّ مبدأ الاحتساب هو حدّ الترخّص؟قلت: قد أشرنا سابقاً أن تلك الروايات ناظرة إلى بيان حدّ القصر والإفطار، وهي في مقام بيان الحكم وليست بصدد بيان السفر أى الموضوع.وبعبارة أُخرى: إنّها تدلّ على أنّه ليس مسافراً حكماً قبل وصوله إلى حدّ الترخّص، وهذا مما لا ريب فيه، وأمّا أنّه ليس بمسافر موضوعاً فهو أوّل الكلام، وليس في الروايات دلالة عليه.ويدلّ على المطلوب - كون المبدأ سور البلد - بعض النصوص أيضاً:منها: صحيحة زرارة وجاء فيها:«وَقَدْ سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم إِلَى ذِي خُشُبٍ، وَهُوَ مَسِيرَةُ يَوْمِ مِنَ الْمَدِينَةِ يَكُونُ إِلَيْهَا بَرِيدَانِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلاً، فَقَصَّرَ وَأَفْطَرَ، فَصَارَتْ سُنَّةً». (2)فإنّه يستفاد منها أنّ مبدأ المسافة هو البلد.ويمكن أن يستظهر ذلك من نصوص تحديد المسافة بالثمانية في الامتداديّة وبالأربعة في التلفيقيّة بمكان من الابتدائيّة وعدم ذكر المنزل فيها، إذ المتبادر منها عرفاً هو المسافة الكائنة بين البلدين، أو بين البلد والمقصد التي تبدأ من آخر البيوت إلى أوّلها من المقصد.ومن هنا يعلم أنّه لا حاجة إلى ابتناء المسألة على اللغة كما صنعه المحقّق الخوئي قدس سره حيث قال:السفر هو البروز والخروج، ومنه المرأة المسافرة، أي: البارزة الكاشفة لما لا


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 203.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 452، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

ينبغي كشفه. (1)لأنّ ما ذكرناه من فهم العرف وبعض النصوص كافٍ في إثبات المطلوب، مضافاً إلى ما يرد عليه من أنّ البروز والخروج يصدق بمجرد الخروج من المنزل.والحاصل: أنّ المدار في احتساب المسافة هو سور البلد بمقتضى ما ذكرنا من الوجهين، دون حدّ الترخّص أو المنزل.إن قلت: يظهر من بعض النصوص المعتبرة أنّ مبدأ المسافة هو المنزل الذي خرج منه؛منها: مرسلة الصدوق قدس سره عن أبي عبدالله علیه السلام أنّه قال:«إِذَا خَرَجْتَ مِنْ مَنْزِلِكَ فَقَصِّرْ إِلَى أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ». (2)ومنها: خبر المروزي:«...فَإِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلاً...». (3)ومنها: موثّقة ابن بُكير في الرجل يخرج من منزله يريد منزلاً له آخر أو ضيعة له أُخرى، قال:«إِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْزِلِهِ أَوْ ضَيْعَتِهِ الَّتِي يَؤُمُّ بَرِيدَانِ قَصَّرَ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ أَتَمَّ». (4)ومنها: موثّقة عمّار:«... لَا يَكُونُ مُسَافِراً حَتَّى يَسِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ». (5)فظاهر هذه الروايات، جعل مبدأ المسافة هو المنزل و قد اختاره علي بن بابويه قدس سره.قلت: المراد من المنزل في هذه الروايات البلد الذي هو وطنه ومسكنه، وليس المراد منه بيته الشخصي، مع أنّها غير معمول بها عند الأصحاب، لما عرفت من أنّهم أجمعوا على عدم


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 504.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 475، باب 7 من أبواب صلاة المسافر، ح 5.

3) نفس المصدر، ص 457، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

4) نفس المصدر، ص 492، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

5) نفس المصدر، ص 469، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

جواز القصر والإفطار قبل الوصول إلى حدّ الترخّص، ومعنى ذلك عدم العمل بما يدلّ على القصر بمجرد الخروج من المنزل، ومن الظاهر أنّ إعراضهم عن الخبر يوجب سقوط حجيّته، كما هو المختار عندنا تبعاً للمشهور.هذا مضافاً إلى أنّ حمل المنزل على ظاهره لا يصح قطعاً في الحديث الثالث والرابع؛ للزوم التخيير بين الأقلّ والأكثر الناشيء من التخيير بين المنزل والقرية والضيعة، وهو لا يصحّ في أمثال المقام.وعلى هذا، فلابدّ من حمل المنزل في الروايتين إمّا على البلد في مقابل القرية والضيعة، أو على المحلّ الذي ليس فيه قرية وبناء، كالبادية الّتي تقام فيها الخيام في بعض الأحيان.ويؤيّد ذلك -أي: استعمال المنزل في البلد - قول الكاظم علیه السلام:«كُلُّ مَنْزِلٍ لَا تَسْتَوْطِنُهُ فَلَيْسَ لَكَ بِمَنْزِلٍ وَ لَيْسَ لَكَ أَنْ تُتِمَ فِيهِ»، (1)ونحوه من نصوص الباب.وجه التأييد أنّ الاستيطان ظاهر في أخذ بلد أو قرية وطناً، كما لا يخفى، فلا معنى لأخذ المنزل بمعنى البيت وطناً، وهذا واضح لا غبار عليه.هذا مضافاً إلى أنّ المنزل في اللّغة هو محلّ النزول الظاهر في النزول على البلد أو القرية ولا يختصّ بالبيت، ويؤيّده أيضاً الإطلاقات العرفيّة حيث يطلق المنزل عند العرف على مطلق محلّ النزول في أثناء الطريق، فيقال: المسافة من البلد الفلانيّ إلى كربلاء المقدّسة منزلان مثلاً.هذا وسيأتي منّا التأمّل في بعض ما ذكر هنا في بحث الوطن إن شاء الله تعالى، فانتظر.تنبيهربّما يقع الاشتباه من بعضهم في فهم المراد من عبارة السيد قدس سره في كتاب الصوم:وكذا في العود إذا كان الوصول إلى حدّ الترخّص قبل الزوال والدخول في المنزل بعده؛


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 493، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 6.

حيث يتخيّل أنّ مراده من المنزل هو البيت الشخصي وليس كذلك، بل مراده هو البلد، ويشهد عليه قوله قبل ذلك:وكذا في الرجوع، المناط دخول البلد. (1)وعلى هذا، فلو رجع المسافر ووصل إلى حدّ الترخّص قبل الأذان، لا يصحّ صومه إلّا إذا وصل إلى سور البلد قبل الأذان، فالوصول إلى حدّ الترخّص غير مفيد في صحّة الصوم؛ لأنّ الملاك في قطع السفر هو الوصول إلى بيوت البلد وقد وافقه أكثر المحشّين، فراجع.هذا كلّه بالإضافة إلى تقدير المسافة وبيان مبدأ احتسابها عند شروع السفر وأنّ المبدأ هو سور البلد كما عرفت.وأمّا الكلام في المقصد والمنتهى، فهل منتهى المسافة أوّل البلد الذي يريده المسافر أم المنزل الذي أراد النزول فيه بأن كان في وسط البلد أو آخره؟ وجهان، بل قولان، فالأقوى هو الثاني.وعليه، فلو كانت المسافة بين البلدين أقلّ من الثمانية لكنّها تكون إلى محلّ نزوله - من بیتٍ أو سوق - ثمانية، يجب عليه القصر.والوجه في ذلك ما قدّمناه في المبدأ من قضاء العرف؛ فإنّه يصدق على الشخص والحال هذه، عنوان المسافر والغريب عن وطنه عرفاً - وإن كان ماشياً داخل البلد الذي قصده - ومن الظاهر أنّ مورد الكلام هنا البلد الذي لا يعدّ وطناً له كما لا يخفى.بل يمكن استظهار ذلك من قوله في موثّقة عمّار:«لَا يَكُونُ مُسَافِراً حَتَّى يَسِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخ»، (2)بتقريب أنّ المدار في التقصير هو سير الثمانية من البلد أو الضيعة أو القرية، فاعتبار سور البلد إنّما هو بالإضافة إلى مبدأ المسافة دون المنتهى؛ لعدم الدليل عليه.


1) العروة الوثقى؛ ص 319، م 1.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 469، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

إن قلت: يمكن أن يستظهر من الروايات المتقدّمة الدالّة على أنّ مبدأ المسافة هو سور البلد، أنّ منتهى المسافة أيضاً هو سور البلد.و منها قوله علیه السلام:«وَقَدْ سَافَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم إِلَى ذِي خُشُبٍ وَهُوَ مَسِيرَةُ يَوْمِ مِنَ الْمَدِينَةِ يَكُونُ إِلَيْهَا بَرِيدَانِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ مِيلاً فَقَصَّرَ وَأَفْطَرَ فَصَارَتْ سُنَّةً». (1)قلت: هذه النصوص ليست في مقام البيان من هذه الجهة، وإنّما هي بصدد بيان أنّ المسافة إلى «ذباب» و «ذي خشب» أربعة فراسخ، فلا دلالة فيها على أنّه لو كانت المسافة إلى ابتداء البلد أقلّ من أربعة أو ثمانية وكان إلى آخره مسافة أنّه لا يجب القصر.وكيف كان، فالأظهر عندي أنّ المسافة تحسب إلى المقصد، أعني: المنزل الذي يريد النزول فيه من مسجد أو خان أو نحوهما.نعم، لا يبعد جواز الاحتساب إلى أوّل البلد فيما لو أراد الإقامة فيه.ثمّ لا يذهب عليك أنّ أكثر الفقهاء لم يذكروا هذه المسألة في كتبهم على ما رأيناه مع ما هي عليه من الأهمّيّة.نعم أشار إليها في «مفتاح الكرامة» نقلاً عن المحقّق الثاني حيث قال:ومنتهاها مقصده، (2)ولا يخفى أنّ ما نقله من المحقّق الثاني لم نقف عليه في «جامع المقاصد».ويظهر اعتبار المحاسبة إلى المقصد من الشهيد الثاني أيضاً حيث احتمل الأمرين في محلّ الإقامة، قال:إنّما الكلام في أنّ موضع نيّة الإقامة مع تقدمها عليه هل يلحق بالوطن فينقطع السفر بما ينقطع به في الوطن فانّه يحتمل قويّاً فيه ذلك أيضاً لصيرورته بحكم


1) نفس المصدر، ص 452، باب1 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

2) مفتاح الكرامة؛ ج 3، ص 496.

بلده في وجوب الإتمام فيه واشتراط المسافة في القصر بعد الخروج منه، ولأنّ تلك الحدود في حكم البلد، بل هي العلّة في قطع السفر وعدم ابتدائه في الخروج بالنسبة إلى البلد ويحتمل العدم لتعليق الحكم في النصوص على السفر وهو شامل لهذه المواضع، فإخراجها على خلاف الأصل في البلد، لا يوجب التعدية، وهو في حال الدخول مسافر، فيستصحب حكمه حتى يخرج عنه إسم السفر. (1)وقريب منه ما عن الشهيد الأوّل حيث قال:فروع:الأوّل: إذا سبقت نيّة المقام ببلد عشرة أيّام على الوصول إليه، ففي انقطاع السفر بما ينقطع به الوصول إلى بلده من مشاهدة الجدار وسماع الأذان وجهان: من صيرورته كبلده، ومن ضعف المانع من القصر هنا، وهو الآن مسافر حقيقة، فيستصحب حكمه حتى يخرج عنه إسم السفر . (2)فظاهر هذه الكلمات كون الشخص مسافراً في بلد الإقامة حتى يصل الى منزله.نعم، يجب عليه التمام بعد قصد الإقامة تعبّداً، فإذا لم يكن مقيماً عشرة أيّام، بل كان مشتغلاً بالسير والحركة مدّة قضاء وطره كان مسافراً بالأولويّة القطعيّة، فحينئذٍ لا وجه لعدم احتساب ما يقطعه في داخل البلد.هذا ويظهر من بعض الأجوبة المنسوبة إلى المحقّق الخوئي قدس سره خلاف ذلك، وأنّه لا يحتسب ما يقطعه داخل البلد من المسافة، وإليك نصّ عبارة السّؤال والجواب.سؤال:لو كان الوصول إلى قلب البلد يحقّق مسافة القصر، وقد وصل إليها، ولأوّلها لا


1) روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان؛ ص387.

2) ذكرى الشيعة؛ ص 257.

يحقّقها، فكيف يتعامل مع الحالة بالقصر والتمام؟جواب: يتعامل مع الحالة بالتمام. (1)إلّا أنّه لم يظهر لنا وجه عدم محاسبة ما قطعه في البلد، ومع ذلك في العبارة إبهام وتعقيد.وكيف كان، يبقى السؤال عن تأنيث الضمير - في لفظة إليها - فأنّه لا وجه له سواء كان المرجع هو البلد أم القلب، أمّا البلد، فلا شكّ في كونه مذكّراً وأمّا القلب فكذلك، لما صرّح به النحاة من أنّ كلّ عضو فرد من البدن، فهو بحكم المذكّر.أمّا القول الرّابع: وهو التفصيل بين البلاد الكبيرة وأنّ مبدأ المسافة فيها هو آخر المحلّة، وبين غير الكبيرة وأنّ المبدأ فيها سور البلد.و هذه المسألة من مهمّات المسائل في باب السفر لكثرة الابتلاء بها، ومع ذلك ليس في كلام القدماء أثر منها إلى زمن الشهيد قدس سره.واحتمال عدم وجود بلد كبير في زمانهم، كما كان سيدنا الأُستاذ قدس سره مصرّاً عليه، نظراً إلى عدم إمكان إدارتها مع فقد الوسائل الارتباطيّة آنذاك، مندفع لشهادة التاريخ على وجود البلاد الكبيرة، مثل الكوفة في زمن اميرالمؤمنين علي علیه السلام؛ فقد جاء في التاريخ أنّ أهل الكوفة كانوا قد بلغوا أربعمائة ألف في زمانه علیه السلام.وبالجملة، كانت المسألة مورداً للبحث من زمن الشهيد وليست مستحدثة في الأزمنة المتأخرة كما لا يخفى.قال في «مفتاح الكرامة»:ففي الذكرى والبيان وحواشي الكتاب والمهذّب البارع وغاية المرام والجعفريّة وإرشادها والغريّة والروض والروضة والمقاصد العليّة والجواهر المضيئة، بعد ذكر المسافة وتقديرها : إنّ مبدأ التقدير من آخر خطّة البلد المعتدل وآخر محلّته في المتّسع.


1) صراط النجاة؛ ج 1، مسألة 304.

ثمّ قال:وفي مجمع البرهان مبدأ التقدير من آخر خطّة البلد ويحتمل المحلّة إذا كان البلد كبيراً - إلى أن قال:- وفي الرياض ذكر جماعة أنّ مبدأ التقدير من آخر خطّة البلد في المعتدل، وآخر محلته في المتّسع، ولا ريب في الأوّل؛ لكونه المتبادر من إطلاق النصّ والفتوى، ولعلّ الوجه في الثاني عدم تبادره من الإطلاق، فيرجع إلى المتبادر منه، - ثمّ قال:- قلت ما ظنّه الوجه هو الوجه، كما يرجع في إطلاق الوجه مثلاً في غير مستوي الخلقة إلى مستويها لكونه المتبادر دونه. (1)مراده أنّ المتّسع حيث لا يتبادر من الإطلاق، فيرجع إلى ما يتبادر، أعني: البلد المتعارف، فيقدّر المتّسع بنسبة المتعارف، فيكون مبدأ التقدير في غير المتعارف آخر المحلّة؛ إذ الغالب أن تكون المحلّة معادلة مع البلاد الصغار أو المتوسّطة من حيث الاتّساع، كما هو المشاهد في مثل طهران في يومنا هذا.وهذا التفصيل هو مختار صاحب الجواهر حيث قال في «نجاة العباد»:وآخر المحلّة من البلدان الكبار الخارقة للعادة بحيث تكون المحلّة منها قدر البلد المعتاد، والأولى مع ذلك الجمع بين القصر والإتمام خصوصاً مع عدم انفصال المحالّ بعضها عن بعض. (2)وقال في «الجواهر»:ومبدأ تقدير المسافة - إلى أن قال:- أمّا البلاد العظيمة المتّسعة، فقد صرّح غير واحد بأنّ مبدأ التقدير فيها الخروج عن المحلّة نفسها ... . (3)وبمثله قال المحقّق الهمداني قدس سره، فراجع إن شئت.


1) مفتاح الكرامة؛ ج 3، ص 495.

2) وسيلة المعاد في شرح نجاة العباد؛ ج 2، ص 586.

3) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 203.

قلت: التفصيل المذكور وإن كان قد ذهب إليه أكثر الأعاظم ومنهم السيد الماتن وجماعة من المحشّين، إلّا أنّه لا دليل عليه لا شرعاً ولا عرفاً.أمّا العرف: فلمّا تقدّم منّا من أنّ المسافر يساوق الغريب، وهو لا يصدق على من يسير في سكك بلده ومحلّاته؛ إذ ليس هو أمراً جديداً حادثاً بالسفر؛ لأنّه فعله العادي في غالب الأيّام كما لا يخفى.وأمّا شرعاً: فلعدم ورود نصّ في ذلك، ومن هنا قال المجلسي قدس سره بعد نقل التفصيل المزبور:ولم نطّلع على دليله. (1)وأمّا الاستدلال له بما تقدّم من «الرياض» و «مفتاح الكرامة» من أنّ البلد يحمل على المتعارف وهو البلاد المتوسّطة دون الكبيرة، نظير حمل الوجه على مستوي الخلقة ونحوه، ففي غاية الضعف؛ وذلك لعدم ورود آخر البلد في الأخبار حتى يحمل على المتعارف.ومن هنا قال العلّامة البروجردي قدس سره:إنّه لم يرد في أخبارنا في هذا المقام لفظ البلد حتى يحمل على المتعارف. (2)والوجه في ذلك كلّه: أنّ دليل اعتبار المسافة من آخر البلد هو صدق المسافر عليه، وأمّا من كان في داخل البلد فلا يصدق عليه المسافر وهو حاضر بالوجدان، فالمدار على صدق السفر دون لحاظ البلد حتى يقال إنّ البلد يحمل على المتعارف.نعم، لو فرض في العالم بلد كبير في الغاية بحيث يكون طوله ثلاثين فرسخاً، وفرض صدق عنوان المسافر لمن انتقل من محلّة إلى أُخرى يترتّب عليه التفصيل المزبور، فيعتبر مبدأ المسافة من آخر المحلّة، إلّا أنّه مجرد فرض لا واقع له كما لا يخفى.وتحصّل من تمام ذلك: أنّه لا دليل على التفصيل المزبور لا عرفاً ولا شرعاً.


1) البحار الأنوار؛ ج 89، ص 17.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 116.

إن قلت: قد تقدّم استظهار اعتبار المسافة من آخر البلد من جملة من النصوص المتضمّنة لذكر المدينة، وذي خشب، وبغداد، والكوفة، وهكذا، (1فحينئذٍ يمكن أن تكون تلك النصوص دليلاً شرعيّاً على المقام، فتحمل على المتعارف من البلاد.)قلت: المذكور في تلك الروايات إنّما هو مصداق البلد، وليس فيها عنوان «لفظ البلد» حتى يحمل على المتعارف كما يظهر ذلك للفطن العارف بأساليب الكلام.ومع الغضّ عن ذلك وتسليم استفادة البلاد المتعارفة من الأمثلة المذكورة، فغاية ما في الباب أنّها تدلّ على حكم البلاد المتعارفة، وأمّا غيرها فلا إشعار في الروايات إلى حكمها، وعلى هذا، فيكون تعيين آخر المحلّة في البلاد الكبيرة من باب الاستحسان الظنّيّ وهو لا يغني من الحقّ شيئاً.وبالجملة لا وجه للتفصيل، بل تحسب المسافة من آخر البلد مطلقاً صغيراً كان أم متوسّطاً أم كبيراً؛ لأنّ موضوع القصر هو السفر، وهو إنّما يصدق بالخروج عن سور البلد، فما دام لم يخرج منه لا يصدق عليه عنوان المسافر، فيكون انتفاء القصر بإنتفاء موضوعه.هذا تمام الكلام في الشرط الأوّل من شروط القصر.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، حديث 4 وباب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 8.

### اعتبار قصد المسافة#### اشارةالشرط الثاني: قصد قطع المسافة من حين الخروج، فلو قصد أقلّ منها وبعد الوصول إلى المقصد قصد مقداراً آخر يكون مع الأوّل مسافة، لم يقصر.نعم، لو كان ذلك المقدار مع ضمّ العود مسافةً قصّر من ذلك الوقت بشرط أن يكون عازماً على العود.وكذا لا يقصّر من لا يدري أيّ مقدار يقطع كما لو طلب عبداً آبقاً أو بعيراً شارداً، أو قصد الصيد، ولم يدر أنّه يقطع مسافة أو لا، نعم يقصّر في العود إذا كان مسافة، بل في الذهاب إذا كان مع العود بقدر المسافة وإن لم يكن أربعة، كأن يقصد في الأثناء أن يذهب ثلاثة فراسخ، والمفروض أنّ العود يكون خمسة أو أزيد.وكذا لا يقصّر لو خرج ينتظر رفقة إن يسيروا يسافر معهم وإلّا فلا، أو علّق سفره على حصول مطلب في الأثناء قبل بلوغ الأربعة إن حصل يسافر وإلّا فلا، نعم لو اطمأنّ بتيسّر الرفقة أو حصول المطلب، بحيث يتحقّق معه العزم على المسافة، قصّر بخروجه عن محلّ الترخّص. [1][1] أقول: لا ريب في اعتبار قصد المسافة في ترتّب القصر، ويدلّ عليه وجوه:الأوّل: الإجماع كما ادّعاه غير واحد ومنهم صاحب الجواهر قدس سره.(1)الثاني: موثّقة عمّار عن أبي عبدالله علیه السلام:«سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي حَاجَةٍ فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ فَيَأْتِي قَرْيَةً فَيَنْزِلُ فِيهَا ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أُخْرَى أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ثُمَّ يَنْزِلُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، قَالَ: لَا يَكُونُ مُسَافِراً حَتَّى يَسِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ». (2)فإنّ الظاهر من قوله علیه السلام: «حَتَّى يَسِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ...»، هو لزوم كونه قاصداً للثمانية من ابتداء سيره، وذلك بقرينة السؤال؛ حيث فرض فيه أنّه قصد خمسة أو ستّة، فأجاب علیه السلام بالتمام


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 231.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 469، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

بقوله: «فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ» وحينئذٍ يستفاد من الموثّقة اعتبار قصد الثمانية.الوجه الثالث: مرسلة صفوان، قال:«سَأَلْتُ الرِّضَا علیه السلام عَنْ رَجُلٍ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ يُرِيدُ أَنْ يَلْحَقَ رَجُلًا عَلَى رَأْسِ مِيلِ فَلَمْ يَزَلْ يَتْبَعُهُ حَتَّى بَلَغَ النَّهْرَوَانَ وَهِيَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ مِنْ بَغْدَادَ، أَيُفْطِرُ إِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ وَيَقْصُرُ؟»«قَالَ: لَا يَقْصِّرُ وَلَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ وَلَيْسَ يُرِيدُ السَّفَرَ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ، إِنَّمَا خَرَجَ يُرِيدُ أَنْ يَلْحَقَ صَاحِبَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَتَمَادَى بِهِ السَّيْرُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَلَغَهُ، وَلَوْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ النَّهْرَوَانَ ذَاهِباً وَجَائِياً، لَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ مِنَ اللَّيْلِ سَفَراً وَالْإِفْطَارَ، فَإِنْ هُوَ أَصْبَحَ وَلَمْ يَنْوِ السَّفَرَ فَبَدَا لَهُ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ فِي السَّفَرِ قَصَرَ وَلَمْ يُفْطِرْ يَوْمَهُ ذَلِكَ». (1)فهي واضحة الدلالة على اعتبار قصد الثمانية، وعليه الفتوى.وتحصّل من تمام ذلك: أنّه لا إشكال في اعتبار قصد المسافة.إنّما الكلام في أنّ الموضوع أ هو مجرد قصد المسافة بحيث لا دخل لقطع المسافة الخارجيّة في ذلك، نظير قصد إقامة العشرة في ترتّب التمام، أم هو مركّب من الأمرين معاً، و أنّ كلّاً من قصد المسافة وقطعها خارجاً جزء الموضوع، فلا يكفي أحدهما بدون الآخر؟ولنا أن نحرّر البحث بوجه آخر، وهو أنّ موضوع القصر أ هو قطع الثمانية خارجاً أم مجرد القصد أم هما معاً؟وجوه، منشؤها اختلاف الأخبار الواردة في المقام، حيث إنّ جملةً منها المتضمّنة لتحديد المسافة بالثمانية أو الأربعة ظاهرة في أنّ القصر مترتّب على قطع ثمانية فراسخ خارجاً، سواء كان قاصداً لها أم لا.(2)ومن هنا قال المحقّق الخوئي قدس سره:مقتضى الجمود على ظواهر غير واحد من النصوص المتضمّنة للتحديد بثمانية


1) نفس المصدر، ص 468، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 451، باب 1 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

فراسخ امتداديّة أو بريد ذاهباً وبريد جائياً، هو الأوّل، أي: قطع الثمانية خارجاً فقط، فلو كنّا نحن وهذه الأخبار، لالتزمنا بأنّ المدار على واقع الثمانية سواء أكانت مقصودة أم لا.إلّا أنّ صحيحة زرارة ظاهرة في أنّ العبرة بنفس القصد، قال:سَأَلْتُ جَعفَراً علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مَعَ الْقَوْمِ فِي السَّفَرِ يُرِيدُهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْقَرْيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ، فَصَلَّوْا وَانْصَرَفَ بَعْضُهُمْ فِي حَاجَةٍ، فَلَمْ يُقْضَ لَهُ الْخُرُوجُ مَا يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ الَّتِي كَانَ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَلَا يُعِيدُ. (1. (2))فهي واضحة سنداً ودلالةً؛ فإنّ حكمه علیه السلام بعدم الإعادة كاشف عن تحقّق ملاك القصر، وهو قصد الثمانية، وإن لم يقطعها خارجاً.فإن تمّ ذلك، لكانت معارضة مع ما دلّت على اعتبار قطع الثمانية فقط.إلّا أنّ في قبالها صحيحة أبي ولّاد الدالّة على وجوب إعادة ما صلّاه قصراً إذا بدا له الرجوع قبل بلوغ الثمانية.«قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنِّي كُنْتُ خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ فِي سَفِينَةٍ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَهُوَ مِنَ الْكُوفَةِ عَلَى نَحْوِ مِنْ عِشْرِينَ فَرْسَخاً فِي الْمَاءِ، فَسِرْتُ يَوْمِي ذَلِكَ أُقَصِّرُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ بَدَا لِي فِي اللَّيْلِ الرَّجُوعُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمْ أَدْرِ أُصَلِّي فِي رُجُوعِي بِتَقْصِيرِ أَمْ بِتَمَامٍ وَكَيْفَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أَصْنَعَ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ سِرْتَ فِي يَوْمِكَ الَّذِي خَرَجْتَ فِيهِ بَرِيداً كَانَ عَلَيْكَ حِينَ رَجَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالتَّقْصِيرِ؛ لِأَنَّكَ كُنْتَ مُسَافِراً إِلَى أَنْ تَصِيرَ إِلَى مَنْزِلِكَ، قَالَ: وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَسِرْ فِي يَوْمِكَ الَّذِي خَرَجْتَ فِيهِ بَرِيداً فَإِنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَقْضِيَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّيْتَهَا فِي يَوْمِكَ ذَلِكَ بِالتَّقْصِيرِ بِتَمَامٍ (مِنْ قَبْلِ أَن تَؤُمُّ مِنْ مَكَانِكَ؛ ذَلِكَ لِأَنَّكَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ التَّقْصِيرُ حَتَّى رَجَعْتَ)


1) نفس المصدر، ص 522 ، باب 23 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 55.

فَوَجَبَ عَلَيْكَ قَضَاءُ مَا قَصَّرْتَ وَعَلَيْكَ إِذَا رَجَعْتَ أَنْ تُتِمَّ الصَّلَاةَ حَتَّى تَصِيرَ إِلَى مَنْزِلِكَ». (1)فهي صريحة في وجوب القضاء إذا رجع المكلّف عن قصده قبل بلوغ الثمانية، وهذا بعينه هو الذي حكم بعدم إعادته في صحيحة زرارة المتقدّمة.وعلى هذا تكون الصحيحتان متعارضتين فتسقطان بالمعارضة، فتبقى الطائفة الأُولى - الدالّة على اعتبار قطع الثمانية خارجاً- سليمة عن المعارض.ولكن قد علمنا من موثّقة عمار المتقدّمة عدم كفاية الثمانية بمجردها، بل المعتبر هو الثمانية المقصودة من ابتداء السفر؛ حيث إنّها تدلّ على أنّه لا يكون الشخص مسافراً إلّا إذا قصد الثمانية من منزله أو قريته من أوّل الأمر، ولذا أمره علیه السلام بالإتمام، فقد علّق القصر فيها بمجموع الأمرين من القصد وقطع الثمانية الخارجية.وبهذه الموثّقة تقيّد الإطلاقات الأوّليّة الدالّة على كفاية مجرد قطع الثمانية. كذا أفاد بعض الأعاظم. (2)ولكن يرد عليه:أوّلاً: أنّ تقييد الإطلاقات بالموثّقة غير صحيح؛ لأنّ الإطلاقات في عرض الصحيحتين، فتسقط الإطلاقات بالمعارضة كالصحيحتين، فالحكم بتساقط الصحيحتين بالمعارضة يستلزم الحكم بسقوط الطائفة الأُولى أيضاً، أعني: الإطلاقات، وعلى هذا، فلا يبقى في البين إطلاق حتى يقيّد بالموثّقة.وثانياً: أنّ صحيحة زرارة كما تعارض صحيحة أبي ولّاد، كذلك تعارض موثّقة عمّار المتقدّمة؛ إذ الموثّقة تدلّ على اعتبار كلّ من القصد وقطع واقع الثمانية معاً، والصحيحة تدلّ على كفاية مجرد القصد، فمقتضى الصناعة هو سقوط الموثّقة أيضاً بالمعارضة. وليس المقام من حمل المطلق على المقيّد؛ لصراحة الصحيحة في عدم الإعادة والقضاء فيما لو انكشف


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 470، باب 5 من أبواب صلاة المسافر ، ح 1.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 55 و 56.

الخطأ لتحقّق القصد، فأفهم؛ فإنّه دقيق.والحاصل: إنّه لا وجه لاختصاص التعارض بين الصحيحتين والحكم بتساقطهما والرجوع إلى الموثّقة.إذا تقرّر ذلك فنقول: الذي يختلج بالبال في حلّ الإشكال أن يقال: إنّه لا يصح الأخذ بصحيحة زرارة لكونه موافقة مع العامّة، كما يشهد عليه ما ذكره ابن قُدامة في «المغني» وهو من كبارهم:إذا خرج وقصد سفراً بعيداً يوجب قصر الصلاة، ثمّ بدا له فرجع، كان صلاته ماضياً صحيحاً، ولا يقصّر في رجوعه، إلّا أن تكون مسافة الرجوع مبيحة بنفسها ... . (1)وعلى هذا فتحمل صحيحة زرارة على التقيّة، ويؤخذ بمفاد صحيحة أبي ولّاد لكونها مخالفة للعامّة وقد أمرنا بأخذ ما خالفهم. مع أنّه لا يمكن الأخذ بصحيحة زرارة في حدّ نفسه؛ وذلك لأنّ الأخذ بها يستلزم طرح تلك الأخبار الكثيرة، أعني: أخبار التحديد بالثمانية، وصحيحة أبي ولّاد، وموثّقة عمّار كما تقدّم وهذا شيء لا يمكن الالتزام به.وبعبارة أُخرى: إنّ الأمر دائر بين أن يكون القصد تمام الموضوع، أو جزأه، أو يكون الموضوع هو تحقّق الثمانية في الخارج بلا دخل للقصد فيه أصلاً، وبما أنّ إثبات كون القصد تمام الموضوع، مشكل جدّاً؛ لاستلزامه لغويّة الأخبار الكثيرة الدالّة على أنّ الموضوع هو نفس تحقق الثمانية، فلابدّ من أن ترفع اليد عن صحيحة زرارة؛ حذراً من طرح تلك الأخبار الكثيرة.والحاصل: أنّ موضوع القصر ليس مجرد قصد المسافة.ومنه يعلم أنّ ما يظهر من العلّامة قدس سره من كون الموضوع خصوص قصد المسافة (2وسكت)


1) المغني على المختصر؛ ج 2، ص 285.

2) مفتاح الكرامة؛ ج 3، ص 495.

عنه السيد الحكيم، (1لا يمكن المساعدة عليه.)وعلم من تمام ذلك: أنّ الموضوع للقصر هو المركّب من قصد الثمانية وقطعها خارجاً كما يستفاد ذلك من الروايات الدالّة على تحديد المسافة بالثمانية الامتداديّة، أو الأربعة الملفّقة، وموثّقة عمّار المتقدّمة، فتدبّر.وقد ظهر مما ذكرنا حال الفروع الّتي ذكرها المصنّف في المقام، ونشير إلى بعضها.منها: ما لو قصد أقلّ من المسافة، وبعد الوصول إلى المقصد قصد مقداراً آخر يكون المجموع مسافة، فإنّه لا يقصّر صلاته لعدم قصد المسافة من الأوّل.ومنها: إنّه لو كان ما قصده ثانياً من المسافة مع ضمّ العود إليه ثمانية فراسخ، يجب عليه التقصير؛ لتحقّق المسافة الملفّقة.ومنها: إنّ من لا يدري مقدار ما يقصد من المسافة لا يجوز له التقصير - كما إذا سار لطلب الآبق - وذلك لعدم قصد المسافة المعتبرة في القصر، فلا يتحقّق موضوعه.نعم لو كان العود بنفسه مسافة يقصّر فيه، وهذا واضح.ومنها: لو خرج ينتظر الرفقة إن خرجوا سافر معهم، وإلّا فلا، أو علّق سفره على حصول أمر في الأثناء قبل الأربعة، إن حصل ذلك الأمر سافر وإلّا فلا، فلا يقصّر أيضاً؛ لعدم قصد المسافة المعتبرة في التقصير.نعم لو كان حصول الأمر في الأثناء موثوقاً به، وكذا خروج الرفقة بحيث يتحقّق منه قصد المسافة، قصّر بعد خروجه عن حدّ الترخّص؛ لتحقّق موضوع القصر بذلك.


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 27.

#### عدم اعتبار اتّصال السيرمسألة 16:مع قصد المسافة لا يعتبر اتّصال السير فيقصّر وإن كان من مقصده أن يقطع الثمانية في أيّام، وإن كان ذلك اختياراً لا لضرورة من عدو أو برد أو انتظار رفيق أو نحو ذلك.نعم لو كان بحيث لا يصدق عليه إسم السفر لم يقصّر، كما إذا قطع في كلّ يوم شيئاً يسيراً جدّاً للتنزّه أو نحوه، والأحوط في هذه الصورة أيضاً الجمع. [1][1] ذكر المصنّف قدس سره، في هذه المسألة فرعين:أحدهما: ما إذا قصد المسافة المعتبرة وقطعها في يومين فصاعداً، كما إذا قطع منها في كلّ يوم فرسخين مثلاً، فإنّه يجب عليه القصر لتحقّق الموضوع، ولا يعتبر اتّصال السير؛ لعدم الدليل عليه، كما لا يعتبر قطع المسافة في زمان خاص وإنّما الملاك صدق السفر عرفاً.والظاهر أنّه لا خلاف في المسألة، بل الظاهر أنّه متسالم عليه عند الأصحاب.ويدلّ عليه إطلاق النصوص المتضمّنة لتحديد المسافة بالثمانية ونحوها.ولا فرق في ذلك بين أن يكون ذلك اختياريّاً أو غير اختياريّ، قضاءً للإطلاق المشار إليه وصدق السفر شرعاً وعرفاً.ثانيهما: ما إذا قصد المسافة، ولكن قطع منها في كلّ يوم شيئاً قليلاً جدّاً بحيث لا يصدق عليه عنوان المسافر، كما إذا قطع مقدار عشرة أمتارٍ مثلاً، فإنّه لا يجوز القصر حينئذٍ؛ لعدم تحقق موضوعه، وهذا لا إشكال فيه كبرويّاً.إنّما الكلام في تعيين الصغرى، وأنّه متى لا يصدق عليه عنوان المسافر ومتى يصدق ذلك؟يظهر من «الجواهر» أنّ الملاك في صدق ذلك، كون المقدار المقطوع في كلّ يوم أكثر من مرمى السهم، فلو كان أقلّ منه أو مقداره، فلا يصدق العنوان، حيث قال:ثمّ لا فرق مع ثبوت المسافة بالمساحة، بين قطعها في يوم أو أقلّ أو أكثر للصدق، إلّا أن يتمادى فيه بما يخرجه عن إسم المسافر، كما إذا قطع في كل

يوم مرمى سهم للتنزّه ونحوه، وإن كان القصد البلوغ إلى المقصد فيتمّ - كما في الذكرى - للشك في شمول الأدلّة له فيبقى استصحاب التمام سالماً ... . (1)وذكر نحوه في «نجاة العباد» إلّا أنّه قدس سره احتاط فيه بالجمع بين القصر والإتمام كالسيد، ولعلّ وجهه صدق إسم المسافر لغةً وعدم شمول أدلّة القصر عليه.وظاهر كلام المحقّق الخوئي قدس سره بل صريحه، صدق إسم المسافر، ولكن لا يلتزم بوجوب القصر في مفروض المقام.قائلاً:فإنّ المنع عن صدق إسم السفر فيما ذكره من الفرض مشكل جدّاً، بل ممنوع، كيف؟ والسفر هو البروز والخروج، ومنه المرأة السافرة، أي: الكاشفة، ولا ريب أنّ مَنْ بَعُدَ عن وطنه فراسخ عديدة ولو بحركة بطيئة وفي خلال أيّام كثيرة، فهو بارز خارج غريب.ثمّ قال:ومع ذلك، لا يثبت في حقّه القصر، لا لعدم صدق إسم السفر، بل لكونه من المقيم حقيقة، فإنّ المراد به كما سيجيء إن شاء الله تعالى ليس من يقصد الإقامة في مكان واحد شخصيّ بل يشمل المحل وتوابعه، فلا ينافي الحركة إلى الأسواق والشوارع.ثمّ قال:فإذا فرضنا أنّ هذا الخارج خرج قاصداً للثمانية بانياً على أن يمشي كل يوم عشرة أمتار مثلاً، أو كما حكي عن الدرويش الفلاني من مشيه كل يوم بمقدار العصا، فمثل هذا الشخص مقيم دائماً، ولأجله يجب عليه التمام . (2)قلت: ما أفاده قدس سره لا يخلو من نظر؛ إذ لا يعلم من كلامه أنّ الملاك في صدق السفر هل


1) الجواهر الكلام؛ ج 14، ص 202.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 58.

هو الصدق العرفي، أو اللغويّ، أو حصول الغربة والابتعاد عن الوطن؟فإنّ كلماته قدس سره في ذلك مضطربة.فقد قال في ذيل مسألة 14:إنّ سيره خارج البلد كسيره داخل البلد في عدم صدق عنوان المسافر عليه، فلابدّ في التقصير من صدق هذا العنوان . (1)فإنّه لا يعلم منه أنّ المراد من عدم الصدق هل هو اللغوي؟ والمفروض أنّه يصدق عليه المسافر لغةً؛ لأنّه برز وخرج من البلد، أو المراد عدم الصدق العرفي؟ والحال أنّه يصدق عليه المسافر عرفاً كما لا يخفى على الناقد البصير، فإنّ من سار عشرة فراسخ مثلاً في حاشية البلد خارجاً عنه بحيث لا يرى جدران البلد ولا يسمع أذانه، بأن بَعُدَ عنه مقدار فرسخ مثلاً، يعدّ مسافراً في نظر العرف. ومع ذلك، إنّه قدس سره لم يوجب عليه القصر كما تقدّم في المسافة المستديرة؛ لعدم حصول الابتعاد عن الوطن.وقال في ذيل مسألة 15:إنّ مبدأ الاحتساب هو أوّل زمان يتلبّس المسافر بالوصف العنواني ويتّصف عرفاً بكونه مسافراً، وهو بحسب المتفاهم العرفي إنّما يتحقّق بالخروج من البلد...-ثمّ قال:- فإنّ السفر هو البروز والخروج... . (2)فإنّه قدس سره جعل ملاك القصر هنا الصدق العرفي وتمسّك في ذلك بمعناه اللغوي.وقال في موضع آخر:وأمّا مع الابتعاد الكثير ولو على سبيل التدريج، فلا ينبغي التأمّل في صدق إسم المسافر عليه جزماً. (3)فإنّه قدس سره قد خلط اللغة والعرف، فجعل المدار في صدر كلامه صدق السفر لغةً، وفي ذيله


1) نفس المصدر، ص 49.

2) نفس المصدر، ص 50 و 58.

3) نفس المصدر، ص 50 و 58.

الابتعاد و حصول الغربة.والذي يقتضيه التأمّل أن يقال: إنّ عنوان السفر وإن لم يذكر في أكثر الأخبار الواردة في الباب، إلّا أنّه ذكر هذا العنوان في بعضها، كقوله علیه السلام:«لَا يَكُونُ مُسَافِراً حَتَّى يَسِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ». (1)وقوله علیه السلام:«لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ وَلَيْسَ يُرِيدُ السَّفَرَ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخ.» وقوله علیه السلام: «وَيْلَهُمْ أَوْ وَيْحَهُمْ، وَأَيُ سَفَرٍ أَشَدُّ مِنْهُ لَا تُتِمَّ». (2)فيستفاد منها أنّ موضوع القصر هو المسافر، كما أنّ موضوع التمام هو الحاضر.بل يمكن استفادته من قوله سبحانه:«وإذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا» (3إذ المراد من الضرب في الأرض، هو السفر المعهود بين الناس، وهو المعبّر عنه في عرفهم «بالسفر» كما صرّح به جماعة من أهل اللغة، وإليك ما قاله بعضهم.)قال في «المصباح»:ضَرَبْتُ فِي الْأَرْضِ: سَافَرْتُ، وَفِي السَّيْر أَسْرَعْت. (4)فإنّ أخذ السير والسرعة في معنى ضرب الأرض، يدلّ على أنّ الأصل في السفر هو الضرب في الأرض، بل قد فسّر الضرب في الأرض بالسفر.وقال فيه أيضاً:سَفَرَ: الرَّجُلُ سَفْراً، مِنْ بَابِ ضَرَبَ، فَهُوَ سَافِرٌ وَالْجَمْعُ سَفْرٌ، مِثْلُ: رَاكِبٍ ورَكْبٍ، وصَاحِبٍ وصَحْبِ.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 469، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

2) نفس المصدر، ص 463، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) النساء: 101.

4) المصباح المنير؛ ج 2، ص 359، مادة "ضرب".

وهُوَ مَصْدَرٌ فِي الْأَصْلِ وَالاسْمُ: السَّفَرُ -بِفَتْحَتَيْنِ-وَهُوَ قَطْعُ الْمَسَافَةِ، يُقَالُ ذلِكَ إِذَا خَرَجَ لِلارْتِحَالِ أَوْ لِقَصْدِ مَوْضِع فَوْقَ مَسَافَةِ العَدْوَى؛ لأَنَّ الْعَرَبَ لَا يُسَمُّونَ مَسَافَةَ العَدْوَى سَفَراً. (1)وقال ابن الأثير:يقال: ضَرَبْتُ في الأرض، إذا سافرت، ومنه حديث علي «إذا كان كذا ضَرَبَ يعسوب الدين بذنبه، أي: أسرع الذهاب في الأرض فراراً من الفتن. (2)وذكر في «لسان العرب» وغيره ما يقرب من ذلك، فإنّ هذه الكلمات صريحة فيما أشرنا إليه من أنّ السفر لا يراد منه مجرد البروز والخروج وإن كان اشتقاقه واستعماله بهذه المناسبة. وعلى هذا، يتّضح أنّ تفسير السفر بمجرد البروز والخروج مما لا يمكن الموافقة عليه؛ لعدم أصل معتمد عليه.نعم ربّما يستظهر ذلك من بعضهم، حيث قال:سافر الرجل: انكشف عن البنيان، (3)لكنّه شاذّ لا شاهد له؛ إذ الانكشاف ليس هو السفر نفسه، بل هو من لوازمه، كما يشهد له ما ذكره بعضهم بقوله:انسفرت الإبل: إذا ذهبت في الأرض، والسفر خلاف الحضر، وهو مشتق من ذلك لما فيه من الذهاب والمجيء، كما تذهب الريح بالسفير في الورق وتجيء. (4)وعلم من تمام ذلك، أنّ الموضوع للقصر هو السفر المأخوذ فيه السير مع السرعة وقطع المسافة، وليس معناه مجرد الخروج والبروز.وعلى هذا، فلا يصدق هذا العنوان على من يتحرّك في الأرض من غير قطع مسافة عرفاً، كما في مفروض المقام، فلا يجوز التقصير في الفرع الثاني؛ لعدم تحقق موضوعه وهو السفر.


1) نفس المصدر، ص 278، مادة "سفر".

2) النهاية في غريب الحديث والأثر؛ ج 3، ص 79، مادة "ضرب".

3) كليات أبي البقاء، مادة "سفر".

4) لسان العرب؛ ج 4، ص 367، مادة "سفر".

فما أفتى به الماتن من عدم القصر هو المتين؛ إذ لا يطلق عنوان السفر على المتنزّه الذي لا يقطع من المسافة إلّا مقداراً يسيراً جدّاً.نعم ربما يقع الشك في بعض مصاديق المتنزّه.توضيح ذلك أن يقال إنّ المتنزّه يتصوّر على أنواع:منها: ما يصدق عليه المسافر، كما إذا ضرب في الأرض ساعة أو ساعتين كلّ يوم ويقطع منها نصف فرسخ مثلاً، فإنّه لا يبعد القول بوجوب القصر عليه؛ لأنّه مسافر بنظر العرف؛ومنها: ما لا يصدق عليه المسافر، كمن يقطع في كل يوم مائة متر أو أقلّ منه، فإنّه ليس مسافراً عرفاً؛ومنها: ما يشكّ فيه، كمن يقطع أكثر من مائة متر أو مأتين، فهل يصدق عليه أنّه مسافر أو لا؟ فإنّه يرجع في مثله إلى استصحاب التمام كما لا يخفى.ومن هنا يعلم أنّه لا حاجة إلى فرض المتنزّه مقيماً فيما نحن فيه كما فعله المحقّق الخوئي قدس سره؛ لأنّ الحكم في عامّة المكلّفين هو التمام، وإنّما خرج منه المسافر الجامع للشرائط، فمع عدم صدق المسافر لابدّ من الإتمام.والعجب أنّه قدس سره مع إصراره في درسه بما قرّرناه، أفتى في «منهاجه» بما يوافق المتن حيث قال:بل يكفي قصد السفر في المسافة المذكورة - ولو في أيّام كثيرة - ما لم يخرج عن صدق السفر عرفاً. (1)


1) منهاج الصالحين؛ ج 1، ص 239، مسألة 892.

#### عدم اعتبار الاستقلال في قصد المسافةمسألة 17:لا يعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلّاً، بل يكفي ولو كان من جهة التبعيّة للغير، لوجوب الطاعة كالزوجة والعبد، أو قهراً كالأسير والمُكْرَه ونحوهما، أو اختياراً كالخادم ونحوه، بشرط العلم بكون مقصد المتبوع مسافة، فلو لم يعلم بذلك، بقي على التمام، ويجب الاستخبار مع الإمكان.نعم في وجوب الإخبار على المتبوع إشكال وإن كان الظاهر عدم الوجوب. [1][1] ذكر السيد قدس سره هنا أمرين:أحدهما: أنّه لا يعتبر الاستقلال في قصد المسافة، بل يكفي القصد التبعي أيضاً؛ثانيهما: أنّه يجب الاستخبار مع الإمكان.فيقع الكلام في مقامين:أمّا الأوّل: وهو كفاية القصد التبعي، فالظاهر أنّه متسالم عليه بين الأصحاب في الجملة؛ لإطلاق الأدلّة الدالّة على اعتباره.نعم، اختلفت كلماتهم في تفسير التبعيّة، فالمشهور أنّ المراد منها أن يكون للتابع قصد في نفسه، لكن قصده تابع لقصد متبوعه، كما في «الجواهر» من غير فرق بين أن يكون ذلك قهريّاً لوجوب طاعة المتبوع، أو كان اختياريّاً لإطلاق الأدلّة نصّاً وفتوىً.ثمّ قال:وما في «الدروس» وغيرها من أنّه يكفي قصد المتبوع عن قصد التابع، يراد منه كفاية ذلك بعد بناء التابع على التبعيّة، وإناطة مقصده بمقصد متبوعه، ومعرفته به، فإنّه حينئذٍ يتحقّق قصد المسافة بذلك، لا أنّه يكفي وإن لم يكن التابع قاصداً له، كما لو عزم على مفارقة متبوعه، لعدم الدليل بالخصوص. (1)


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 237.

وتبعه في ذلك الفاضل الهمداني في «مصباح الفقيه» وهو الحقّ كما سيجيء.ويظهر من بعضهم أنّه لا قصد للتابع رأساً، بل قصده قصد متبوعه كيفما كان، ففي «الدروس»:وقصد المتبوع كافٍ عن قصد التابع، كالزوجة والعبد... .(1)ويتفرّع عليه وجوب القصر على التابع فيما كان مقصد المتبوع مسافة وإن لم يعلم به التابع؛ إذ المفروض أنّ ذلك قصد منه للمسافة، فقصد المتبوع يكفي عن قصد التابع.وهذا هو مختار السيد كما سيصرّح به في بعض المسائل الآتية. (2)ورضي به جملة من المحشّين، منهم: سيّدنا الأستاذ قدس سره، وقوّى ما نسب إلى الشهيد قدس سره في «الدروس» وشيّد أركانه في درسه بتقريب:إنّ للتابع في الشريعة المقدّسة أحكاماً خاصّة، كالحكم بنجاسة ولد الكافر بتبعه، والحكم بطهارة الإناء الذي فيه الخمر، بعد انقلابها خَلّاً بتبع طهارة المائع، ونحو ذلك.ثمّ قال:إنّ قصد التابع أيضاً من هذا القبيل؛ لأنّ قصد المتبوع هو قصد التابع وأمره بيده، وقد تعارف أنّ المرؤوسين يتبعون مقاصد رئيسهم من غير حاجة إلى العلم، - إلى أن قال:- إنّ هذا من الأصول الّتي لا يقبل الإنكار، وإنّ ما ذكره الشهيد قدس سره متين جدّاً.ويرد عليه أوّلاً: بأنّه لم يرد في الشرع دليل بهذا العنوان (أعني: التبعيّة، وتنظير القصد فيما نحن بمثل نجاسة ولد الكافر وغيره من الموارد غير مفيد؛ لوجود الدليل في تلك الموارد دون ما نحن فيه، فلا وجه للقياس.)


1) دروس في فقه الشيعة، ص 50.

2) راجع: مسألة 20.

وثانياً: بأنّ القصد يخالف الأُمور المزبورة، فإنّ القصد لا يقبل التبعيّة؛ لأنّه من أفعال القلب، وهذا بخلاف الأُمور المزبورة كما لا يخفى.وثالثاً: بأنّ كلّاً من التابع والمتبوع مكلّف في حدّ نفسه ولا يتعلّق تكليف أحدهما بالآخر.وكيف كان: فالالتزام بكفاية قصد المتبوع عن قصد التابع في غاية الإشكال، فلابدّ للتابع من أن يقصد المسافة ولو تبعاً.نعم، لا يعتبر فيه الاستقلال؛ لإطلاق الأدلّة الدالّة على اعتبار القصد.ويتفرّع على ما ذكرناه - من اعتبار قصد التابع في حدّ نفسه - أمران:أحدهما: لزوم قصد السفر بنفسه على التابع، فلا يكفي قصد المتبوع في ترتّب القصر على التابع، وإن احتمله السيد، بل اختاره كما سيجيء في المسألة 20.ثانيهما: أنّه لو علم التابع قصد المتبوع، فقصد المسافة ولو تبعاً، يجب عليه القصر، وإلّا فلا؛ لعدم تحقّق موضوع القصر بدون القصد.فإن قلت: قد أشرتم إلى أنّه يكفي - في ترتّب القصر - قصد ذات المسافة، وإن لم يقصد عنوانها كما إذا قصد المحلّ الذي هو مسافة مع عدم علمه بها ابتداءً، فليكن المقام كذلك.قلت: لا يصحّ قياس المقام بتلك المسألة، وذلك لأنّ الظاهر من دليل اعتبار قصد المسافة هو الاكتفاء بقصد ذات المسافة من غير حاجة إلى قصد عنوانها، وهذا بخلاف ما نحن فيه؛فإنّ ظاهر دليل اعتبار القصد لزوم فعليّة القصد، وأمّا القصد شأناً، فلا يترتّب عليه هذا الأثر.ولقد أجاد المحقّق الخوئي قدس سره في المقام، حيث اعتبر القصد الفعلي و قال:نعم، يعتبر في ذلك علم التابع بمقصد المتبوع وأنّه يريد المسافة.أمّا مع جهله بذلك، فهو باق على التمام؛ إذ الاعتبار بفعليّة القصد المنفيّ عن التابع؛ لأنّ تعلّق قصده بالمسافة منوط بقصد المتبوع، فيقصد على تقدير قصده وإلّا فلا، وحيث إنّه لا يدري فلا جرم ليس له قصد فعليّ، فحاله حال طالب الضالّة أو الصيد أو الخارج لاستقبال أحد ونحوه ممّن لم يعلم ببلوغ السير حدّ

المسافة الشرعيّة، فإنّ هؤلاء لا يقصرون؛ لعدم إحرازهم للسفر الموجب لانتفاء القصد. (1)فتحصّل من تمام ذلك: أنّ الالتزام بما عن الشهيد قدس سره ومن تبعه من كفاية قصد المتبوع عن التابع مشكل جدّاً، فالأقوى ما عليه المشهور من لزوم قصد التابع بنفسه أيضاً.المقام الثاني: في أنّه هل يجب على التابع الفحص والاستخبار عن قصد المتبوع حتى يعلم أنّه قصد المسافة؟اختار الماتن قدس سره الوجوب مع الإمكان، وتردّد في وجوب الإخبار.ويمكن أن يوجّه بوجهين كما عن المحقّق الخوئي قدس سره:أحدهما: دعوى أنّ الوظيفة الواقعية للتابع هي القصر على تقدير كون متبوعه قاصداً للمسافة، كما أنّ وظيفته التمام على تقدير عدم قصده لها.وعلى هذا، فلابدّ من الفحص والاستخبار ليتمكّن من الإمتثال والإتيان بما هو وظيفته الواقعيّة على وجهها. (2)وفيه: أنّ الوظيفة الواقعيّة للتابع هي التمام؛ لأنّه وظيفة كلّ من لم يقصد المسافة، والمفروض أنّ التابع لم يقصدها بالوجدان؛ لأنّ قصده معلّق على قصد متبوعه بالفرض، والمفروض عدم علمه بقصد متبوعه.ثانيهما: أنّ الفحص وإن لم يجب في الشبهات الموضوعية عند المشهور، إلّا أنّه يجب فيما يلزم من تركه المخالفة للواقع كثيراً، كما في مورد النصاب والاستطاعة والمسافة، ومنها القصر في المقام، فيجب الاستخبار حذراً من الوقوع في مخالفة الواقع ... . (3)


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 59-60.

2) نفس المصدر، ص 62.

3) نفس المصدر، ص 62.

وفيه: أنّه لا فرق بين موارد الشبهات الموضوعيّة في عدم لزوم الفحص. اللّهمّ إلّا أن تكون مقرونة بالعلم الإجمالي بالوقوع في مخالفة الواقع مع ترك الفحص، والمفروض أنّه لا علم إجمالي في هذا المقام.ومن هنا اختار المحقّق الخوئي قدس سره لعدم وجوب الاستخبار حيث قال:الأظهر عدم الوجوب.أقول: أضف إلى ذلك، أنّ وجوب الاستخبار إنّما يكون وجيها بناءً على مبنى الشهيد قدس سره ومن تبعه من كفاية قصد المتبوع عن قصد التابع؛ إذ حينئذٍ يكون له حكم في الواقع وهو لا يعلمه، حيث إنّ وجوب القصر وعدمه منوطان لقصد المتبوع، فيلزمه السئوال والفحص ليقف على الوظيفة الواقعيّة، ليتمكّن من امتثالها.وأمّا على مبنى المشهور من اعتبار قصد التابع مستقلّاً للمسافة ولو بتبع قصد المتبوع لها، فلا وجه لوجوب الإستخبار؛ إذ وظيفة التابع حينئذٍ دائر مدار قصده بنفسه، فإن قَصَدها ولو بالتبع، يجب عليه القصر وإلّا فلا.ومنه يعلم أنّ الحكم بوجوب الاستخبار ولو احتياطاً ليس بوجيه، وكتبنا في تعليقتنا في هذا المقام: (على الأحوط، الظاهر في الاحتياط الوجوبي، لكن نقول الآن: إنّه لا يجب الاستخبار، نعم الاحتياط حسن على كلّ حال.)ومن تمام ما ذكرنا يظهر ضعف ما ذكره المحقّق الخوئي قدس سره من أنّ عدم وجوب الفحص هنا إنّما هو لخصوصية، وهي عدم احتمال الوقوع في مخالفة الواقع، قال في بيان ذلك:لا يخفى أنّ الشك في المسافة يمتاز عن غيره من سائر موارد الشبهات الموضوعيّة في اختصاصه بعدم وجوب الفحص حتى لو بنينا على ثبوت القصر واقعاً وسلّمنا وجوب الفحص فيما يوجب تركه الوقوع في مخالفة الواقع غالباً كما في الشك في الاستطاعة وبلوغ المال حدّ النصاب ونحو ذلك، لاختصاص المقام بعدم احتمال الوقوع في خلاف الواقع بتاتاً؛ ضرورة أنّ الشاك الباني على

التمام استناداً إلى أصالة التمام، لا يخلو إمّا أن ينكشف له الخلاف في الوقت أو في خارجه، أو لا ينكشف رأساً ولا رابع:فعلى الأوّل، يعيدها قصراً فلم يفته الواقع؛وعلى الثاني، فهو محكوم بالإجزاء؛ لصحيحة العيص بن قاسم الصريحة في عدم القضاء لو أتمّ في موضع التقصير جهلاً ...وعلى الثالث، فالإجزاء فيه بطريق أولى؛ إذ مع القطع بالخلاف وحصول الانكشاف، لم يجب القضاء، فما ظنّك بالشك؟فعلى جميع التقادير، لا يحتمل الوقوع في مخالفة الواقع كي يجب الفحص عنه . (1)ووجه الضعف هو عدم الحاجة إلى هذا التجشّم بعد عدم قصده السفر الموجب للقصر، مع أنّ القول بوجوب إعادتها قصراً بعد الإنكشاف مخالف لمبناه قدس سره؛ لأنّ المفروض أنّ وظيفته إلى حين الانكشاف كانت هي التمام؛ لعدم قصده السفر بالفرض، ومن الظاهر أنّ من لم يقصد السفر لا يجب عليه القصر حتى في الواقع.نعم، بناء على مسلك الشهيد والسيد، يجب الإعادة أو القضاء؛ لتحقّق موضوعهما حينئذٍ، وهذا واضح.بقي الكلام في وجوب الإخبار وعدمه على تقدير الاستخبار، فقد عرفت أنّ السيد قدس سره تردّد في الوجوب ابتداءً ثمّ استظهر عدمه.أقول: غاية ما يمكن أن يوجّه وجوب الجواب أنّه لولاه، لوقع المكلّف في مخالفة الواقع وترك الوظيفة.وفيه: أنّ هذا حسنٌ على مبنى الشهيد ومن تبعه من كفاية قصد المتبوع عن التابع، حيث يكون له حكم في الواقع، فيلزمه الفحص والاستخبار عنه صوناً من الوقوع في خلاف الواقع.


1) نفس المصدر، ص 63 و 64.

وقد عرفت أنّ الأقوى خلافه، ويلزم للتابع أن يقصد المسافة بنفسه، فمع عدمه يجب عليه التمام، وعليه لا يجب الجواب على المتبوع بلا إشكال؛ إذ المفروض أنّه لا حكم له في الواقع غير التمام.إن قلت: يمكن أن يكون عدم الجواب مؤدّياً إلى وقوع التابع في الحرام، ومن الظاهر أنّ التسبيب لوقوع الغير في الحرام حرام، كما صرّحوا به في مسألة تقديم النجس أو الحرام إلى الغير.قلت: لا يصحّ قياس المقام بتلك المسألة؛ لعدم حكم للتابع واقعاً على ما أخترناه من المبنى، فأين التسبيب بالحرام؟!

#### علم التابع بمفارقة المتبوع قبل المسافةمسألة 18:إذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة ولو ملفّقة بقي على التمام، بل لو ظنّ ذلك فكذلك.نعم، لو شك في ذلك، فالظاهر القصر خصوصاً لو ظنّ العدم، لكن الأحوط في صورة الظن بالمفارقة والشك فيها الجمع. [1][1] أقول: الصور المتصوّرة في المسألة أربع:الصورة الأُولى: ما إذا علم التابع بمفارقته عن المتبوع قطعاً قبل بلوغ المسافة ولو ملفّقة من الذهاب والإياب، ففي هذه الصورة لا إشكال في وجوب البقاء على التمام؛ لعدم تحقق موضوع القصر المتقوم بقصد المسافة أصالةً أو تبعاً، بل لا يتمشّى منه قصد المسافة أصلاً، ومن الظاهر أنّ القصر دائر مدار قصد المسافة وصدق السفر.الصورة الثانية: ما إذا ظنّ بالمفارقة كذلك، فقد أوجب الماتن قدس سره بقاءه على التمام أيضاً، لما ذكرناه في الصورة الأُولى من عدم إمكان تمشّي قصد المسافة مع الظن على المفارقة قبل بلوغ المسافة.فإن قلت كما في مستند المحقق الخوئي قدس سره:إنّه لا وجه للتفرقة بين الظن والشك؛ لأنّ الظن ملحق بالشك ما لم يقم على اعتباره دليل خاص شرعاً، فكيف يلحق الظنّ بالعلم هنا. (1)قلت: ليس مراد السيد هو العمل بالظنّ حتى يورد عليه بما ذكر، بل مراده أنّ الظن القوي بالمفارقة يمنع عن تمشّي قصد المسافة، فلا يتحقّق موضوع القصر، فما أورد عليه غير وارد.الصورة الثالثة: ما إذا شك في المفارقة وعدمها من غير ترجيح لأحد الطرفين، فهل يمكن تمشّي قصد المسافة مع ذلك؟ استظهره السيد، نظراً إلى أنّ ذلك ما يقتضيه طبع التبعيّة اذ هي


1) نفس المصدر، ص 65.

كالمقتضى لقصد المسافة فلا يعتنى باحتمال المفارقة.والعجب من سيدنا الأُستاذ قدس سره حيث قوّى التمام في المقام مع أنّه موافق للشهيد قدس سره في كفاية قصد المتبوع عن قصد تابعه.قلت: الظاهر عندي لزوم التمام أيضاً بناءً على ما أخترنا من لزوم قصد التابع للمسافة مستقلّاً أيضاً، ومن الظاهر أنّ قصد المسافة لا يجتمع مع التردّد في المفارقة وعدمها كما لا يخفى.الصورة الرابعة: ما إذا ظنّ عدم المفارقة قبل المسافة.ولا يخفى أنّ الظاهر وجوب القصر حينئذٍ لو قصد المسافة ولو بالتبع؛ لتمشّي قصد المسافة مع الظنّ بالبقاء على التبعيّة وهذا واضح.

#### عزم التابع على المفارقةمسألة 19:إذا كان التابع عازماً على المفارقة مهما أمكنه أو معلّقاً لها على حصول أمر، كالعتق، أو الطلاق ونحوهما، فمع العلم بعدم الإمكان وعدم حصول المعلّق عليه يقصّر، وأمّا مع ظنّه، فالأحوط الجمع وإن كان الظاهر التمام، بل وكذا مع الاحتمال، إلّا إذا كان بعيداً غايته بحيث لا ينافي صدق قصد المسافة، ومع ذلك أيضاً لا يترك الاحتياط. [1][1] أقول: أشرنا غير مرّةٍ إلى أنّ القصر دائر مدار قصد السفر والمسافة، فمع الظن بالمفارقة فضلاً عن العلم بها لا يتمشّى منه القصد المذكور، هذا إذا ظنّ حصول المفارقة أو حصول المعلّق عليه، وقد تقدّم ذلك في المسألة السابقة.كما أنّه إذا علم أو ظنّ عدم حصولهما يتمشّى منه قصد المسافة ولو بتبع السيد أو الزوج، لما مرّ من أنّ موضوع القصر هو قصد المسافة استقلالاً أو تبعاً، وقد حصل. واحتمال المفارقة على تقدير حصول المعلّق عليها لا ينافي القصد في المقام، وهذا واضح لا سترة عليه.ومنه يعلم أنّ ما استظهره السيد من وجوب التمام في فرض الظنّ و الإحتمال، غير ظاهر بل غير صحيح.ثمّ إنّ الفرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة، هو أنّ التابع عزم على المفارقة في هذه المسألة على تقدير حصول موجبها، وهذا بخلاف المسألة السابقة، فإنّه عالم بالمفارقة قبل بلوغ المسافة لجهة من الجهات - اختياراً أو اضطراراً - ولهذا لا يمكنه قصد المسافة هناك، بخلافه هنا؛ فإنّه يتمكّن من قصدها حيث إنّه لا يعلم حصول المعلّق عليها المفارقة كما لا يخفى.ومنه تظهر الخدشة في كلام السيد الحكيم حيث قال في المسألة الأُولى:الظاهر أنّ المفروض في هذه المسألة صورة إحراز المقتضي للتبعيّة وكون

المفارقة على تقدير وقوعها لوجود المانع من دوام السفر أو انتفاء شرطه، بخلاف المسألة الآتية، فإنّ احتمال المفارقة فيها لاحتمال طرو المانع أو فقد الشرط. (1)وجه الخدشة: أنّه ليس في كلام الماتن من المقتضي والمانع عين ولا أثر، فالفارق بين المسألتين ما ذكرنا.


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص31.

#### عدم كفاية قصد المتبوع عن التابعمسألة 20:إذا اعتقد التابع أنّ متبوعه لم يقصد المسافة أو شك في ذلك، وفي الأثناء علم أنّه قاصد لها، فالظاهر وجوب القصر عليه وإن لم يكن الباقي مسافة؛ لأنّه إذا قصد ما قصده متبوعه فقد قصد المسافة واقعاً، فهو كما لو قصد بلداً معيّناً واعتقد عدم بلوغه مسافة، فبان في الأثناء أنّه مسافة، ومع ذلك فالأحوط الجمع. [1][1] أقول: هذا تصريح من السيد قدس سره على أنّ مبناه في مسألة التابع هو مبنى الشهيد قدس سره من كفاية قصد المتبوع عن التابع، و مقتضاه هو وجوب القصر؛ لأنّ التابع قَصَدَ ما قَصَدَهُ متبوعه، والمفروض أنّه قصَدَ المسافة الموجبة للقصر، وعلى هذا لا يضرّ اعتقاده أو شكّه في أنّ متبوعه لم يقصد المسافة.ولا يضرّ أيضاً عدم كون الباقي مسافة؛ لأنّه نظير من قصد بلداً معيّناً وجهل بمقدار المسافة بين المبدأ والمنتهى، ثمّ علم في الأثناء أنّه مسافة، فيقصّر لتحقّق موضوعه، وهو قصد ذات المسافة و لا يخفى أنّ هذا يغاير ما اختاره في مسألة 17 من أن الاعتبار بقصد التابع بنفسه.ولكنّ الأقوى عدم وجوب التمام في الفرع المزبور تبعاً لجماعة من المحقّقين، لما قدّمناه من لزوم قصد التابع أيضاً للمسافة ولو تبعاً، فإذا لم يقصدها باعتقاد عدم قصد المتبوع لها فلا يكون قاصداً للمسافة بعد.وممّا ذكرنا يظهر أنّ قياس هذا الفرع على من جهل مقدار المسافة بين البلدين ثمّ علم به في الأثناء قياس مع الفارق؛ لأنّ المسافة الواقعيّة بين المبدأ والمنتهى مقصودة هناك، بخلاف ما نحن فيه، حيث إنّه لا قصد للتابع فعلاً كما تقدم.

#### حكم المكره أو المجبور على السفرمسألة 21:لا إشكال في وجوب القصر إذا كان مُكْرَهاً على السفر أو مجبوراً عليه، وأمّا إذا أُرْكِبَ على الدابّة أو ألقى في السفينة من دون اختياره - بأن لم يكن له حركة سيريّة - ففي وجوب القصر ولو مع العلم بالإيصال إلى المسافة إشكال، وإن كان لا يخلو عن قوّة. [1][1] أقول: السفر يتصوّر على أربعة أقسام:القسم الأوّل: ما كان باختيار المكلّف وإرادته، كسائر الأفعال الاختياريّة؛القسم الثاني: ما كان مُكرهاً عليه، كما إذا سار بإرادته لكن بغير طيب نفس، بل كان سيره بإكراه الغير بحيث لولاه لما سافر؛فالظاهر أنّه لا كلام في وجوب القصر في هاتين الصورتين مع اجتماع سائر الشرائط.القسم الثالث: أن يكون مضطرّاً إليه، لأجل ضرورة تدعوه إلى السفر من معالجة مرض ونحوها، وهو المراد من المجبور الذي ذكره الماتن قدس سره؛والحاصل: أنّه يسافر عن قصد وإرادة، إلّا أنّه لا تطيب نفسه بهذا السفر، بحيث لو لا الاضطرار الداعي إليه لما سافر أصلاً.وقد صرّح المحقّق الخوئي قدس سره بوجوب القصر في هذا القسم أيضاً؛ نظراً إلى تحقّق موضوعه من القصد والمسافة، ولو كان عن إكراه واضطرار لما سيجيء من إطلاق الأدلّة الدالّة على اعتبار قصد المسافة مطلقاً. (1)القسم الرابع: ما إذا كان مجبوراً بحيث لم يكن له إرادة أصلاً، كما لو أخذه الظالم وشدّ يديه ورجليه و ألقاه في السيارة ونحوها، فقد استشكل الماتن في وجوب القصر وعدمه في هذا القسم.إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ بيان استشكال الماتن في الصورة الأخيرة يتوقّف على تقديم


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 69.

مقدّمة، وهي أنّه قد مرّ مراراً أنّه لا خلاف بل لا إشكال في أنّ القصر يدور مدار قصد المسافة وعدمه.إنّما الكلام في أنّه هل يعتبر أن يكون ذلك القصد ناشئاً عن الإرادة المنبعثة عن تصوّر الغاية والتصديق بها بحيث ينافيه الإكراه والإجبار، أو هو عبارة عن مجرد العلم بحصول السير والوصول إلى المسافة المعتبرة ولو كان عن جبرٍ كما هو كذلك في مورد إقامة العشرة، حيث إنّ الموضوع للتمام هو العلم بالإقامة في محلّ واحد ولو كان مجبوراً؟فيه إشكال بل خلاف، وإن شئت الوقوف على ما ذكرناه فأنظر إلى مقال النراقي قدس سره:المُكره في السفر كالتابع يقصّر ، إذا لم يسلب الإكراه الاختيار، ولو سلبه كأن تشدّ يداه ورِجلاه وحمل إلى السفر وعلم حمله إلى المسافة، فقد يختلج بالبال فيه الإشكال؛ إذ القصد إنّما يكون على العمل، ولا يصدر عنه عمل حتى يكون قاصداً له، ولعدم شمول كثير من أخبار القصر لمثله، وعدم تبادره من شيء من أخباره، وإجمال قوله علیه السلام: التقصير في بريدين؛ لاحتمال إرادة قصد بريدين أو سيره، ومثل ذلك لا يقصد ولا يسير إلّا أنّ الظاهر الإجماع على وجوب القصر. (1)أقول: لا يخفى أنّ الظاهر من كلامه أنّ المعتبر هو القصد عن إرادة، إلّا أنّ الإجماع واقع على وجوب القصر في المجبور، وهو الذي يظهر من الحدائق أيضاً وإن كان كلامه لا يخلو من نحو اضطراب، إلّا أنّ التأمّل فيه يعطي ذلك حيث قال:والمسألة لخلوّها عن النص محل إشكال، إلّا أن يقصدوا (أعني : المكره والتابع المسافة ويريدوا السفر ولو تبعاً - إلى أن قال:- فإنّ من الشروط كما عرفت قصد المسافة، وهذا غير قاصد - إلى أن قال:- والاحتياط في المسألة عندي لازم، لاشتباه الحكم وعدم وجود النصّ الرافع للإشكال. (2))


1) مستند الشيعة في أحكام الشريعة؛ ج 1، ص 563.

2) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 34.

قلت: لا يخفى عليك وقوع الخلط في كلامه؛ فإنّه خلط بين البحث عن التابع والمُكره كما يقف عليه الناظر، فراجع، هذا.ويظهر من جماعة كفاية مجرد العلم بتحقّق المسافة، وإن كان مُكرهاً.قال الهمداني قدس سره:الخامسة: الظاهر أنّ مرادهم بالقصد هاهنا كقصد إقامة العشرة ليس خصوص القصد الحقيقيّ الذي هو عبارة عن الإرادة المنبعثة عن تصوّر الغاية المترتّبة على قطع المسافة الداعية إلى اختيار قطعها، بل ما يعمّ الجزم بقطعها وإن لم يكن عن إرادته النفسانيّة... . (1)وقال النائيني قدس سره على ما في تقريرات بحثه:وأمّا إذا أُخرج إلى المسافة من دون قصد وسار به مع علمه بأنّه يجد به السير إلى آخر المسافة، فهل يجب عليه القصر أو التمام؟ وجهان، أقواهما الأوّل، وذلك لأنّه لم يستفد من دليل اعتبار القصد أزيد من كون قطع المسافة عن علم، وهذا متحقّق في المقام. (2)وقال أيضاً:فتحصّل مما ذكرنا أنّ الأقوى هو عدم الدليل على اعتبار الأزيد من توطين النفس على قطع المسافة، وهو حاصل في المضطرّ بالمعنى المبحوث عنه، فيجب القصر. (3)أقول: مراده قدس سره من توطين النفس، هو العلم بأنّه يُسار به إلى المسافة المعتبرة في القصر. ويظهر القول بوجوب القصر في مفروض المقام من المحقّق الخوئي أيضاً حيث قال:


1) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 733.

2) كتاب الصلاة؛ ج 3، ص 245 و 247.

3) نفس المصدر، ص 245 و 247.

الظاهر هو الأوّل وهو الحكم بالقصر. (1)وهذا هو المراد مما ذكره السيد الحكيم قدس سره بقوله:الجبر يقابل الاختيار، فالمجبور لا اختيار له ولا قصد، فلا ينبغي إلحاقه بالمُكره الحاصل له القصد. (2)وكيف كان، فإنّ القصر في الصورة الرابعة قد ادّعي عليه الإجماع كما عرفته في ذيل كلام النراقي، فإن تمّ فهو، وإلّا فإثبات القصر على من يُسار به بدون قصد واختيار بالأدلّة اللفظيّة صعب جدّاً؛ لظهور بعض الروايات في اعتبار الإرادة والاختيار في القصد، كما يظهر من موثّقة عمّار عن الصادق علیه السلام قال:«سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي حَاجَةٍ فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ فَيَأْتِي قَرْيَةً فَيَنْزِلُ فِيهَا ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أُخْرَى أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ثُمَّ يَنْزِلُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، قَالَ: لَا يَكُونُ مُسَافِراً حَتَّى يَسِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ». (3)فإنّ جوابه علیه السلام كالصريح في اعتبار قصد المسافة عن إرادة واختيار، ومن هنا احتاط السيد الحجّة قدس سره بالجمع بين القصر والإتمام، حيث قال في تعليقته على العروة:فلا يترك الاحتياط.ومع ذلك كلّه، فقد استدلّ للقصر بوجوه:الوجه الأوّل: الإجماع المدّعى، كما عرفت في كلام النراقي قدس سره؛الوجه الثاني: قوله سبحانه:(فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أُوعَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر؛ (4))


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 69.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 33.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 469، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

4) البقرة: 184.

فإنّ إطلاق الآية يشمل المجبور أيضاً كما لا يخفى.إن قلت: إنّ موردها إنّما هو الصوم دون الصلاة؛قلت: لا ضير فيه نظراً إلى الملازمة بين القصر والإفطار المستفادة من قوله علیه السلام:«إِذَا قَصَرْتَ أَفْطَرْتَ وَإِذَا أَفْطَرْتَ قَصَرْتَ». (1)فيستفاد من الآية بضميمة الرواية أنّ الموضوع في القصر والإفطار شيء واحد، وهو الكون في السفر، ولا يعتبر فيه شيء آخر بمقتضى الإطلاق المزبور، فيشمل المُكره والمجبور.نعم قيّدت الآية بما يدلّ على اعتبار قصد المسافة وأمّا اعتبار كون هذا القصد عن إرادة واختيار فلم يدلّ عليه دليل خاصّ.الوجه الثالث: ما تفرّد به المحقّق الخوئي قدس سره من أنّ مقتضى إطلاق نصوص الثمانية، بل الأربعة، بل مسيرة يوم أو بياض النهار، بل بريدين أو بريد في بريد في المسافة الملفّقة، لزوم القصر في المقام من غير دخل للإرادة والاختيار، فلو كنّا نحن وتلك المطلقات، لحكمنا بكفاية مطلق قطع المسافة كيفما اتّفق، إلّا أنّه ثبت بدليل خاص تقييده بقصد المسافة ونرفع اليد عنها في خصوص هذا المقدار، وأمّا تقييده بكونه عن إرادة فلا دليل عليه. (2)الوجه الرابع: و استدلّ أيضاً على كفاية مجرد العلم بتحقّق المسافة وإن لم يكن قاصداً لها عن اختيار برواية محمّد بن أسلم حيث قال:«هَلْ تَدْرِي كَيْفَ صَارَ هَكَذَا؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: لِأَنَّ التَّقْصِيرَ فِي بَرِيدَيْنِ وَلَا يَكُونُ التَّقْصِيرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانُوا قَدْ سَارُوا بَرِيداً وَأَرَادُوا أَنْ يَنْصَرِفُوا، كَانُوا قَدْ سَافَرُوا سَفَرَ التَّقْصِيرِ وَإِنْ كَانُوا سَارُوا أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِلَّا إِتْمَامُ الصَّلَاةِ»؛«قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ بَلَغُوا الْمَوْضِعَ الَّذِي لَا يَسْمَعُونَ فِيهِ أَذَانَ مِصْرِهِمُ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ؟ قَالَ: بَلَى! إِنَّمَا قَصَّرُوا فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا فِي مَسِيرِهِمْ، وَإِنَّ السَّيْرَ يَجِدُّ بِهِمْ، فَلَمَّا


1) الوسائل الشيعة؛ ج 10، ص 184، باب 4، ح 1.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 70.

جَاءَتِ الْعِلَّةُ فِي مُقَامِهِمْ دُونَ الْبَرِيدِ، صَارُوا هَكَذَا». (1)تقريب الاستدل هو ما يظهر من ذيلها من أنّ العبرة في وجوب القصر هو عدم الشكّ في السير، فكلّ من يعلم به ولم يشكّ فيه، يجب عليه التقصير وإن كان ذلك عن إجبار وإكراه.#### تبصرةتبصرة#### في تحقيق حال ابن أبي سمينةوأعلم أنّ الرواية قد يشكل فيها تارةً من حيث السند واخرى من حيث الدلالة، أمّا من حيث السند فنقول: إن الرواية منقولة بطريقين؛ بطريق الصدوق وطريق الكليني، ففي طريق الصدوق قد يشكل بوقوع محمد بن على الكوفى في سنده و أنّ الظاهر منه ابوسمينة المشتهر بالكذب و اما في طريق الكليني فالظاهر صحته لعدم وقوع الرجل في السند و مع ذلک استشكل المحقق الخوئى قدس سره فيه ايضاً و إليك نصّه: اقول اما السند فهو على طريق الكليني بظاهره خال عن الخدش لعدم اشتماله على من يغمز فيه عدا محمد بن اسلم الذي هو الطبري الجبلى و هو من رجال كامل الزيارات، نعم هو ضعيف على طريق الصدوق المشتمل على محمد بن على الكوفى حيث إن الظاهر أن المراد به في المقام هو ابوسمينة المشتهر بالكذب الى ان قال: و منه تعرف امكان تطرق الخدش في طريق الكليني ايضاً، لعدم احتمال تعدد الرواية كما لا يخفى فيدور الأمر بين حذف الرجل في هذا الطريق و بين زيادته في طريق الصدوق ومعه لايبقى وثوق بصحة السند. (2)قلت: اولاً إن الرواية وإن كانت واحدة الّا أنّ الظاهر أنّ السند متعدد لإمكان نقل احمد بن محمد عن محمد بن اسلم بلا واسطة و قد صرح في معجمه: و روى عنه احمد بن محمد و احمد بن محمد البرقى، فعليه لا يبقى أى كلام في السند ولو اغمزنا عن ذلك فنقول أن الرجل على المشهور بين القوم ضعيف.قال الاردبيلي في «جامع الرُّواة»:


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 466-467، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 11.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 72.

وكان محمّد بن على يلقّب أبا سمينة ضعيف جدّاً، فاسد الاعتقاد، ولا يعتمد عليه في شيء، وكان ورد قم وقد اشتهر بالكذب بالكوفة، ونزل على علي بن أحمد بن محمد بن عيسى مدّة يسيرة، ثمّ شهر بالغلو فخفي وأخرجه أحمد بن محمد بن عيسى عن قم. وقال الفضل في بعض كتبه: الكذّابون المشهورون: أبوالخطّاب، ويونس بن ظبيان، ويزيد الصايغ، ومحمد بن سنان، وأبوسمينة أشهرهم. (1)و نحوه في اكثر كتب الرجال.قلت: والذي يقتضيه التحقيق انّ القوم انما صاروا الى تضعيفه بلحاظ أنّه غالٍ كما صرح به الاردبيلي قدس سره، ولنا فيه بحث و هو أنّ الغلوّ قسمان: القسم الأول هو الإعتقاد بربوبيّة سائر الأئمة علیهم السلام و الى بقية ونحوهما و من المسلّم انّ هذا القسم هو مورد الحكم بالكفر و هذا المعنى يوجب الضعف والطرد ولا يصلح العمل بخبر مثل هذه الاشخاص.القسم الثانى: ما يقال في شأن الائمة علیهم السلام و يغلى فيه كما يظن هذا في مثل علمهم بالغيب و أنّ لهم الولاية التكوينة و أنهم لا يسهون... وكثيراً ما يتهم القائل بها غالياً و بضعف وعندنا اكثر ما وضع الغلو في كلمات القميين هو هذا القسم ولا يضر عندنا في الوثاقة فلذا اخترنا في محمد بن سنان وثاقته خلافاً للقوم.فتحصّل من تمام ذلك: أن الوجه في تضعيف الرجل عند المشهور هو نسبة الغلو إليه، وقد عرفت أنّ الغلو ليس موجباً للضعف بالمعنى الثاني مع أنّ رُبّ شهرة لا أصل لها، هذا بل حكي عن المفيد قدس سره أنّه كان يقبل خبره فيما لم يكن متفرّداً به، بل كون الرجل هو أبوسمينة المشهور بالكذب والغلو لم يثبت عند الشيخ قدس سره كما يظهر من «الفهرست» حيث نسبه إلى ابن بطّة. (2)وأمّا الدلالة، فالظاهر أنّها قاصرة عن إثبات المطلوب؛ لأنّ الإمام علیه السلام ليس بصدد بيان أنّ القصد هل يعتبر فيه أن يكون عن إرادة أو يكفي مجرد العلم بقطع المسافة، بل هو بصدد دفع استبعاد الراوي حيث استبعد أنّه كيف تبدّلت وظيفتهم إلى التمام بعد ما قصّروا قبل ذلك؟


1) جامع الرواة؛ ج 2، ص 150.

2) قاموس الرجال؛ ج 8، ص 272.

فأجاب بأنّ وظيفتهم الفعليّة آنذاك كان هو القصر؛ لكونهم عازمين على قطع المسافة إلى آخرها.وبالجملة: إنّ الرواية وإن كانت قاصرة الدلالة إلّا أنّها لا تخلو من الإشعار بالمراد، فلا بأس بذكرها تأييداً.وللمحقّق الخوئي قدس سره وجه آخر لإثبات القصر في المجبور جعله عمدة ما في المقام، فقال:إنّ الأدلّة الأوّليّة تقتضي وجوب التقصير لمن سافر ثمانية فراسخ، سواء أقصد أم لا، وسواء أكان باختياره أم لا، ولكن الأدلّة الخارجيّة دلّتنا على اعتبار القصد في وجوب التقصير، وبذلك يرفع اليد عن المطلقات بهذا المقدار- إلى أن قال-: ولم نجد في تلك المقيّدات الّتي اعتبرت القصد ما يدلّ على اختصاص ذلك بالاختياريّ، بل هي مطلقة سواء أ حصل عن إرادة واختيار أم لا، ولازم ذلك أنّ من سافر بلا اختيار كما في محلّ الكلام، يجب عليه التقصير لدخوله تحت المطلق. (1)ولعمري إنّ كلامه هذا متين جدّاً فلا بأس به.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 73.

### اعتبار استمرار قصد المسافة#### اشارةالثالث: استمرار قصد المسافة، فلو عدل عنه قبل بلوغ الأربعة أو تردّد، أتمّ.وكذا إذا كان بعد بلوغ الأربعة، لكن كان عازماً على عدم العود، أو كان متردّداً في أصل العود وعدمه، أو كان عازماً على العود لكن بعد نيّة الإقامة هناك عشرة أيّام. وأمّا إذا كان عازماً على العود من غير نيّة الإقامة عشرة أيّام، فيبقى على القصر وإن لم يرجع ليومه، بل وإن بقي متردّداً إلى ثلاثين يوماً، نعم، بعد الثلاثين متردّداً يتمّ. [1][1] أقول: اعتبار استمرار القصد بقاءً كاعتباره حدوثاً، هو المشهور بين الأصحاب شهرةً عظيمةً، وقد نسبه في «مفتاح الكرامة» إلى غير واحد من كتب الأصحاب، حيث قال:اشتراط هذا الشرط، هو المستفاد من المقنع والمبسوط والوسيلة - إلى أن قال:- والمصابيح والحدائق. (1)وخالفهم السبزواري قدس سره حيث قال:واشترط الأصحاب استمرارَ القصد إلى انتهاء المسافة، وحجّتهم عندي غير واضحة، وعلى ما ذكروه لو قصد المسافة ثمّ رجع عن عزمه أو تردّد قبل بلوغ المسافة، أتمّ. (2)ولكن أورد عليه في «الحدائق» وأنكره أشدّ الإنكار حيث قال:مع أنّ صحيحة أبي ولّاد المذكورة ورواية إسحاق بن عمّار المتقدّمة أظهر ظاهر في الدلالة على ذلك - إلى أن قال:-، فهما صريحان في ردّ هذا القول؛ لاتّفاقهم على كون استمرار القصد شرطاً في الوجوب، مع أنّ هذه أدلّة استمرار الشرط إلّا أنّ العذر لهم واضح من حيث عدم التدبّر في الروايات والاطّلاع عليها. (3)إذا عرفت ذلك، فلابدّ لنا من ملاحظة كلام السبزواري وصاحب الحدائق، ليعلم أنّ الحقّ


1) مفتاح الكرامة؛ ج 3، ص 553.

2) ذخيرة المعاد؛ ص 407.

3) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 334.

مع أىّ واحدٍ منهما؟فيقع الكلام في مقامين:أحدهما في بيان وجه استشكال السبزواري على القوم؛ثانيهما: في بيان أنّ نسبة عدم التدبّر والاطلاع إليهم غير صحيحة.أمّا الأُوّل، فالظاهر أن الحقّ مع السبزواري كما يقتضيه التأمّل في الأدلّة، فإنّ العمدة منها هي صحيحة أبي ولّاد،«قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنِّي كُنْتُ خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ فِي سَفِينَةٍ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَهُوَ مِنَ الْكُوفَةِ، عَلَى نَحْوِ مِنْ عِشْرِينَ فَرْسَخاً فِي الْمَاءِ، فَسِرْتُ يَوْمِي ذَلِكَ أُقَصِّرُ الصَّلَاةَ، ثُمَّ بَدَا لِي فِي اللَّيْلِ الرَّجُوعُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمْ أَدْرِ أُصَلِّي فِي رُجُوعِي بِتَقْصِيرِ أَمْ بِتَمَامٍ وَكَيْفَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أَصْنَعَ؟»«فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ سِرْتَ فِي يَوْمِكَ الَّذِي خَرَجْتَ فِيهِ بَرِيداً، كَانَ عَلَيْكَ حِينَ رَجَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالتَّقْصِيرِ؛ لِأَنَّكَ كُنْتَ مُسَافِراً إِلَى أَنْ تَصِيرَ إِلَى مَنْزِلِكَ، قَالَ: وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَسِرْ فِي يَوْمِكَ الَّذِي خَرَجْتَ فِيهِ بَرِيداً، فَإِنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَقْضِيَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّيْتَهَا فِي يَوْمِكَ ذَلِكَ بِالتَّقْصِيرِ بِتَمَامٍ (مِنْ قَبْلِ أَن تَؤُمُّ مِنْ مَكَانِكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ التَّقْصِيرُ حَتَّى رَجَعْتَ، فَوَجَبَ عَلَيْكَ قَضَاءُ مَا قَصَّرْتَ، وَعَلَيْكَ إِذَا رَجَعْتَ أَنْ تُتِمَّ الصَّلَاةَ حَتَّى تَصِيرَ إِلَى مَنْزِلِكَ». (1))وأنت خبير بأنّ هذه الصحيحة ليست ظاهرة في مدّعى القوم، بل هي ناظرة إلى أنّ وجه التمام حينئذٍ عدم تحقّق الشرط الأوّل للقصر - أعني: ثمانية فراسخ- لا امتداداً ولا تلفيقاً؛ لفرض تحقّق الرجوع قبل الأربعة، ألا ترى قوله علیه السلام: لأنَّكَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ التَّقْصِيرُ حَتَّى رَجَعْتَ، أي: رجعت قبل الأربعة، فإنّ معنى ذلك عدم تحقّق موضوع القصر الذي هو ذات الثمانية فراسخ، وليس في الصحيحة من القصد واستمراره عين ولا أثر.وأمّا رواية إسحاق بن عمّار قال:


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 470، باب 5 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

«سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام عَنْ قَوْمٍ خَرَجُوا فِي سَفَرٍ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ التَّقْصِيرُ قَصَّرُوا مِنَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا صَارُوا عَلَى فَرْسَخَيْنِ أَوْ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ أَوْ أَرْبَعَةٍ، تَخَلَّفَ عَنْهُمْ رَجُلٌ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمْ سَفَرُهُمْ إِلَّا بِهِ، فَأَقَامُوا يَنْتَظِرُونَ مَجِیئَهُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمُ السَّفَرُ إِلَّا بِمَجِيئِهِ إِلَيْهِمْ، فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ أَيَّاماً لَا يَدْرُونَ هَلْ يَمْضُونَ فِي سَفَرِهِمْ أَوْ يَنْصَرِفُونَ، هَلْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ أَمْ يُقِيمُوا عَلَى تَقْصِيرِهِمْ؟»«قَالَ: إِنْ كَانُوا بَلَغُوا مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ فَلْيُقِيمُوا عَلَى تَقْصِيرِهِمْ أَقَامُوا أَمِ انْصَرَفُوا، وَإِنْ كَانُوا سَارُوا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ فَلْيُتِمُّوا الصَّلَاةَ قَامُوا أَوِ انْصَرَفُوا، فَإِذَا مَضَوْا فَلْيُقَصِّرُوا». (1)فهي وإن كانت معتبرة سنداً إلّا أنّها غير واضحة الدلالة على مراد مثل صاحب الحدائق من اعتبار استمرار القصد؛ فإنّ إتمام الصلاة ليس من جهة عدم استمرار القصد؛ لأنّه يحتمل أن يكون الوجه في انقلاب الوظيفة إلى التمام هو عدم تحقّق الشرط الأوّل، أعني: عدم تحقّق المسافة المعتبرة ولو ملفّقة، فيكون التمام حينئذٍ على القاعدة.فوزان هذه الرواية، وزان صحيحة أبي ولّاد في عدم وضوح دلالتها على مقصود القوم.ومنه يعلم الحال في خبر المروزيّ؛ (2فإنّه مضافاً إلى ضعف سنده واضطراب متنه، لا دلالة له على كون الوجه في الإتمام هو انقطاع القصد وعدم استمراره؛ إذ يحتمل قويّاً أن يكون الإتمام من جهة عدم تحقّق الشرط الأوّل فراجع وتأمّل، هذا بالإضافة إلى الأخبار.)وأمّا الإجماع، فلم نقف على من ادّعاه صريحاً إلّا المحقّق الخوئي قدس سره حيث قال:بلا خلافٍ، بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد، فيعتبر القصد المزبور حدوثاً وبقاءً. (3)


1) نفس المصدر، ص 466، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 10.

2) نفس المصدر، ص 457، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 74.

نعم، حكاه شيخنا المرتضى قدس سره في صلاته، (1والسيد الحكيم قدس سره في مستمسكه. (2))لكنّ المحصّل منه غير متحقّق كما لا يخفى، والمنقول غير مفيد، مضافاً إلى عدم صحة التعبير الذي ذكره المحقّق الخوئي قدس سره، لما أشرنا إليه من أنّ حكاية الإجماع منحصرة في كلام المذكورين فقط، وهذا لا يناسب أن يعبّر عنه بقوله:كما ادّعاه غير واحد؛لأنّه إنّما يصح لو كان مدّعيه كثيرة كما لا يخفى.فتحصّل من تمام ذلك أنّ تأمّل المحقّق السبزواري في دلالة أدلّة القوم على اشتراط استمرار القصد في محلّه.وأمّا المقام الثاني، أعني: نسبة عدم التدبّر والاطلاع في الأخبار، إلى مثل السبزواري، فقد ظهر عدم صحتها مما ذكرنا من عدم تماميّة دلالة الروايتين.ومن ذلك يعلم أنّ ارتضاء المحقّق الخوئى بما ذكره في «الحدائق»، من دون اعتراض عليه، ليس على ما ينبغي. فراجع وتأمّل. (3)#### تتمّةبقي هنا جملة من الروايات الّتي يمكن أن يستدلّ بها القائلون بمقال مثل صاحب الحدائق من اشتراط استمرار القصد.منها: مرسلة صفوان، قال:«سَأَلْتُ الرِّضَا علیه السلام عَنْ رَجُلٍ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ، يُرِيدُ أَنْ يَلْحَقَ رَجُلًا عَلَى رَأْسِ مِيلِ فَلَمْ يَزَلْ يَتْبَعُهُ حَتَّى بَلَغَ النَّهْرَوَانَ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ مِنْ بَغْدَادَ، أَيُفْطِرُ إِذَا أَرَادَ الرُّجُوعَ وَيُقَصّرُ؟»«قَالَ: لَا يُقَصّرُ وَلَا يُفْطِرُ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ وَلَيْسَ يُرِيدُ السَّفَرَ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ، إِنَّمَا خَرَجَ


1) كتاب الصلاة؛ ص392.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 35.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 75.

يُرِيدُ أَنْ يَلْحَقَ صَاحِبَهُ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَتَمَادَى بِهِ السَّيْرُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي بَلَغَهُ. وَلَوْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ النَّهْرَوَانَ ذَاهِباً وَجَائِياً، لَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ مِنَ اللَّيْلِ سَفَراً وَالْإِفْطَارَ، فَإِنْ هُوَ أَصْبَحَ وَلَمْ يَنْوِ السَّفَرَ فَبَدَا لَهُ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ فِي السَّفَرِ، قَصَرَ وَلَمْ يُفْطِرْ يَوْمَهُ ذَلِكَ». (1)أقول: الرواية وإن كانت ظاهرة في المطلوب، أعني: اعتبار القصد حدوثاً واستمراراً إلى نهاية السفر، إلّا أن سندها لا يخلو من شيءٍ؛ فإنّ الرجل الذي أخذها صفوان منه غير معلوم الحال، وكون صفوان من أصحاب الإجماع وأنّ مراسيله مقبولة، لا يفيد هاهنا؛ لأنّ هذا المعنى إنّما يفيد لو كان المرسل نفس صفوان دون الرجل المجهول كما فيما نحن فيه.ومنه يعلم عدم صحة ما في الجواهر:وللمرسل الذي لا يقدح إرساله في المقام عن صفوان؛ (2)لأنّ المرسِل ليس هو صفوان نفسه حتى يقال إنّ مراسيله كمسانيده.ومنها: موثّقة عمّار عن أبي عبدالله علیه السلام قال:«سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي حَاجَةٍ فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ، فَيَأْتِي قَرْيَةً فَيَنْزِلُ فِيهَا ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أُخْرَى أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَنْزِلُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع؟»«قَالَ: لَا يَكُونُ مُسَافِراً حَتَّى يَسِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ، فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ». (3)أقول: لا كلام في سندها لكونها موثّقة، كما لا إشكال في دلالتها على اعتبار قصد السفر في الإبتداء، وأمّا اعتبار استمراره فلا يستفاد منها.ومنها: صحيحة زرارة قال:«سَأَلْت جَعْفَراً علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مَعَ الْقَوْمِ فِي السَّفَرِ يُرِيدُهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْقَرْيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ، فَصَلَّوْا وَانْصَرَفَ بَعْضُهُمْ فِي حَاجَةٍ فَلَمْ يُقْضَ لَهُ الْخُرُوجُ، مَا يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ الَّتِي كَانَ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ؟»


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 468، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 231.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 469، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

«قَالَ: تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَلَا يُعِيدُ». (1)وفيه ما عرفت في سابقتها، حيث إنّها ظاهرة في الدلالة على اعتبار القصد ابتداء السفر فقط، فلا يستفاد منها اعتبار استمراره.والمتحصّل إلى هنا: أنّ تلك الروايات إنّما تدلّ على اعتبار القصد في ابتداء السفر دون استمراره.ومن تمام ذلك ظهر قوّة كلام السبزواري قدس سره ودقّة نظره في استخراج الأحكام، فلا يصحّ نسبة عدم التدبّر إليه، هذا.ومع ذلك كلّه، فالأظهر اعتبار استمرار القصد إلى نهاية السفر؛ وذلك لأنّ الأخبار الدالّة على اعتبار قصد المسافة تدلّ على اعتبار استمراره أيضاً؛ لأنّ القصد إذا كان معتبراً في الإبتداء فكذلك في الاستدامة أيضاً، نظير شرطيّة الطهارة في الصلاة، هذا.وقد اعتمد على هذا الوجه جماعة من الأساطين منهم المحقّق الخوئي قدس سره حيث قال:... وكيفما كان، فقد عرفت أنّ نفس الأدلّة وافية لإثبات هذا الاشتراط من غير حاجة إلى إلتماس نصّ خاصّ... .(2)ويؤيّده خبر محمد بن أسلم المتقدّم وقد عرفت أنّه معتبر عندنا في الجملة.والذي يسهّل الخطب، أنّ الفقه عبارة عن تراكم الظنون كما كان يصرّ عليه سيّدنا الأستاذ قدس سره في مجلس محاضراته، ومن الظاهر أنّه يمكن تحصيل الظنّ بل الإطمئنان من جميع الوجوه المتقدّمة على اعتبار استمرار القصد في الاستدامة.وهذا نظير ما ذكره الشيخ المرتضى قدس سره في «فرائده» عند التكلّم عن دلالة آية النبأ على حجيّة الخبر الواحد؛ حيث قال بعد ما أورد عليه بوجوه:ومن جميع ذلك يحصل الظنّ على دلالتها على المطلوب فافهم.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 522، باب 23 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 75.

#### كفاية قصد نوع المسافةمسألة 22:يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع وإن عدل عن الشخص، كما لو قصد السفر إلى مكان مخصوص فعدل عنه إلى آخر يبلغ ما مضى وما بقي إليه مسافة، فإنّه يقصّر حينئذٍ على الأصحّ كما أنّه يقصّر لو كان من أوّل سفره قاصداً للنوع دون الشخص.فلو قصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق ولم يعيّن من الأوّل أحدهما بل أوكل التعيين إلى ما بعد الوصول إلى آخر الحدّ المشترك، كفي في وجوب القصر. [1][1] أقول: قد عرفت أنّ استمرار قصد السفر من الأوّل إلى آخره معتبر في ترتّب القصر، فهل يعتبر أن تكون المسافة المقصودة شخصيّة، أو يكفي ولو كانت نوعيّة؟ فالظاهر هو الثاني. فلو قصد مكاناً ثمّ عدل عنه في الأثناء إلى مكان آخر يكون المجموع ممّا مضى وما بقي من المعدول إليه ثمانية فراسخ فصاعداً، امتداديّة كانت أم ملفّقة، لوجب عليه القصر.والوجه في ذلك أنّ الدليل إنّما دلّ على اعتبار قصد الثمانية، وأنّه لا يصحّ التقصير في الأقلّ منها، وأمّا اعتبار كون المسافة شخصيّة فلا دليل عليه كما سيجيء.ثمّ إنّ الصُوَر في المسألة ثلاث:إحداها: العدول من الامتداديّة إلى مثلها، كما إذا قصد ثمانية فراسخ، فعدل في رأس الأربعة إلى أربعة أُخرى امتداديّة أيضاً؛ثانيتها: العدول من الامتداديّة إلى الملفّقة؛ثالثتها: ما كان مقداراً من المسافة المقصودة مشتركة، ولكن تفترق إحداهما عن الأُخرى في الأثناء وهو لم يعيّن إحداهما في الابتداء، بل أوكل الأمر إلى محلّ الافتراق.فالمشهور عدم الفرق بين هذه الصور، فيجب القصر في الجميع مع اجتماع شروطه.خلافاً للمقدّس البغدادي قدس سره، فأوجب التمام فيها، استناداً إلى ما أطلقه الفقهاء من عدم

التقصير فيمن بدا له الرجوع أو تردّد ينتظر الرفقة، ولعدم اعتبار التلفيق هنا لعدم كونه مقصوداً من قبل. (1ولا يخفى ضعفه وشذوذه وسيتّضح فساده عن قريب فانتظر.)ثمّ إنّ المشهور استندوا في وجوب القصر - في جميع الصور - إلى أمرين:أحدهما: ما أشار إليه المحقّق الخوئي قدس سره، وحاصله: أنّ إطلاق الروايات الدالّة على إناطة التقصير بثمانية فراسخ شامل لمن قصد الثمانية ولو نوعاً، نعم قد قيّدت تلك المطلقات في مورد، وهو اعتبار كون الثمانية مقصودةً بمقتضى موثّقة عمّار، وأمّا كيفيّة القصد من كونها شخصيّة أو نوعية، فلا دليل عليها. (2)أقول: ما ذكره قدس سره جيّدٌ لا بأس به.ثانيهما: ظاهر صحيحة أبي ولّاد، لمكان قوله علیه السلام:«إِنْ كُنْتَ سِرْتَ فِي يَوْمِكَ الَّذِي خَرَجْتَ فِيهِ بَرِيداً كَانَ عَلَيْكَ حِينَ رَجَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالتَّقْصِيرِ لِأَنَّكَ كُنْتَ مُسَافِراً إِلَى أَنْ تَصِيرَ إِلَى مَنْزِلِك». (3)فإنّها تدلّ على وجوب التقصير فيما إذا عدل من الامتداد إلى التلفيق، لصدق عنوان المسافر عرفاً بعد تحقّق المسافة الملفّقة.والظاهر أنّ المستفاد منها اعتبار قصد المسافة مطلقاً دون الشخصيّ منه.وحيث إنّ العلّة تعمّم الحكم، فتدلّ الصحيحة على وجوب القصر في جميع الفروض لمكان العلّة.ومثلها موثّقة إسحاق بن عمّار نظراً إلى قوله علیه السلام:«إِنْ كَانُوا بَلَغُوا مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ فَلْيُقِيمُوا عَلَى تَقْصِيرِهِمْ، أَقَامُوا أَمِ انْصَرَفُوا». (4)فهي ظاهرة الدلالة على المطلوب كما اعترف به بعض الأساطين قدس سره . ولا فرق بين أن


1) الجواهر الكلام؛ ج 14، ص 235.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 79.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 470، باب 5 من أبواب صلاة المسافر ، ح 1.

4) نفس المصدر، ص 466، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 10.

يكون العدول إلى خصوص التلفيق أو الأعمّ منها ومن الإمتداديّة للإطلاق.إن قلت: إنّ الصحيحة، بل الموثّقة أيضاً، تدلّان على عدم تأثير العدول فيما إذا كان من الامتداديّة إلى الملفّقة. وأمّا لو عدل من الامتداد إلى امتداد آخر، ففى شمول الصحيحة عليه غموض، ولهذا تأمّل فيه الشيخ قدس سره، على ما نقله المحقّق الخوئي قدس سره حيث قال:فإنّها صريحة في عدم لزوم الاستمرار في شخص القصد وكفاية البقاء على نوعه، ولأجله حكم قدس سره بالتقصير لدى التبدّل بالتلفيق - إلى أن قال:- ومن ثمّ اعترف الشيخ قدس سره بجواز العدول عن شخص القصد، لكن في خصوص ما لو عدل من الامتداد إلى التلفيق الذي هو مورد هذه الصحيحة. (1)قلت: وقد أجاب عنه المحقّق الخوئي قدس سره:أوّلاً: بالأولويّة القطعيّة، بتقريب أنّ الأصل في المسافة هو الإمتداد؛ وأمّا التلفيق، فهو ملحق به بالحكومة والتنزيل بمقتضى قوله علیه السلام: «بَرِيدٌ ذَاهِباً وَ بَرِيدٌ جَائِياً»، فإذا ثبت الحكم في الملحق به، يثبت في الأصل بطريق أولى.وفيه: ما أشرنا إليه في أوّل الكتاب من أنّه لا وجه للحكومة والإلحاق؛ لأنّ التلفيق أيضاً مستفاد من النصوص كالامتداد.وأجاب ثانياً: بعموم التعليل في الصحيحة، فإنّ مقتضى قوله علیه السلام: «لِأَنَّكَ كُنْتَ مُسَافِراً إِلَى أَنْ تَصِيرَ إِلَى مَنْزِلِك...»، شمول الحكم لكلّ مورد يصدق عليه عنوان المسافر، ولا ريب في صدقه على جميع الفروض المزبورة.وهذا الجواب متين جدّاً، كما أشرنا إليه آنفاً.نعم، ظاهر الصحيحة بل صريحها، اختصاص ذلك بما إذا حصل العدول بعد طيّ أربعة فراسخ، لمكان قوله علیه السلام: «إِنْ كُنْتَ سِرْتَ فِي يَوْمِكَ الَّذِي خَرَجْتَ فِيهِ بَرِيداً»، وأمّا لو اتّفق العدول قبل ذلك فلا تشمله الصحيحة.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 80.

فتحصّل: أنّ الدليل الدالّ على اعتبار قصد الثمانية لا يدلّ على أزيد من قصد نوعها، ويتفرّع عليه ما أفتى به المشهور من أنّه لو خرج قاصداً للثمانية الكلّيّة يقصّر؛ لعدم اعتبار قصد الشخص. ولهذا فرّع عليه الماتن قدس سره بقوله:فلو قصد المكانين...بقي شيء: وهو أنّه لم يعلم أنّ مراد المحقّق الخوئي قدس سره من الشيخ هل هو الطوسيّ أو الأنصاري؟ وأيّاً ما كان، فكلامهما لا يساعد على ذلك.

#### حكم الجازم بعد التردّدمسألة 23:لو تردّد في الأثناء ثمّ عاد إلى الجزم، فإمّا أن يكون قبل قطع شيء من الطريق، أو بعده.ففي الصورة الأُولى يبقى على القصر إذا كان ما بقي مسافة ولو ملفّقة، وكذا إن لم يكن مسافة في وجه، لكنّه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع.وأمّا في الصورة الثانية، فإن كان ما بقي مسافة ولو ملفّقة، يقصّر أيضاً وإلّا فيبقى على التمام.نعم لو كان ما قطعه حال الجزم أوّلاً مع ما بقي بعد العود إلى الجزم بعد إسقاط ما تخلّل بينهما مما قطعه حال التردّد مسافة، ففي العود إلى التقصير وجه لكنّه مشكل، فلا يترك الاحتياط بالجمع. [1][1] أقول في المسألة صور أربع:الصورة الأُولى: ما إذا قصد ثمانية فراسخ فقط لا أزيد منها، ثمّ حصل التردّد بعد قطع فرسخين منها مثلاً، فمشى مقداراً منها كفرسخ حال الترديد، ثمّ عاد إلى الجزم في باقي المسافة.فالظاهر أنّه لا إشكال في البقاء على التمام؛ لعدم تحقّق المسافة المعتبرة في القصر؛ لأنّه ما قطعه حال الترديد لا يحسب منها كما لا يخفى.الصورة الثانية: ما إذا كان قاصداً للمسافة - ثمانية فراسخ - بعد العود إلى الجزم بأن قصد ثمانية أُخرى بعد التردّد، فالظاهر أنّه لا خلاف في وجوب التقصير حينئذٍ؛ لتحقّق موضوعه جزماً.نعم، يقع الكلام في أنّه هل يجب القصر بمجرد قصد المسافة كما هو ظاهر كلام الماتن نظراً إلى قوله:ففي الصورة الأُولى يبقى على القصر إذا كان ما بقي مسافة.

وهو مختار الجواهر أيضاً حيث قال:بل الظاهر عدم احتياجه إلى الضرب في الأرض؛ لأنّه ليس سفراً جديداً، بل رجوع إلى عين القصد الأوّل. (1)أو يشترط في وجوب القصر التلبّس بالسير بعد قصد المسافة، فلا يجوز القصر بمجرد قصدها، فالأقوى هو الثاني.والوجه في ذلك قوله علیه السلام في ذيل رواية إسحاق بن عمّار:«فَإِذَا مَضَوْا فَلْيُقَصِّرُوا... ». (2)وهي وإن كانت ضعيفة السند على طريق الصدوق من جهة محمّد بن عليّ الكوفيّ الملقّب بأبي سمينة المشهور بالكذب والغلو كما تقدّم، ولهذا لم يعبأ بها المحقّق الخوئي قدس سره على ما عرفت، إلّا أنّه ليس الرجل في طريق الكلينيّ، واحتمال حذفه في السند لا وجه له، لأصالة العدم، وعلى تقدير التنازل، فقد عرفت أنّه ليس بهذه المثابة من الضعف لقوّة احتمال كون غلوّه بالمعنى المتقدّم الذي عرفت أنّه لا يضرّ في مثل المقام. (3)ومن هنا قلنا: إنّه لو لا خوف مخالفة المشهور لقُلنا بأنّ الرجل من الحسان، وكيف كان فلا بأس به عندي.نعم استدلّ المحقّق الخوئي قدس سره على ذلك - توقّف القصر على التلبّس بالسير-، بأنّه لا دليل على وجوب القصر بمجرد القصد حيث قال:وإلّا فلم يثبت في شيء من الأدلّة وجوب القصر بمجرد العزم على السفر من قبل تلبّسه بالسير خارجاً. (4)ولعلّ مراده قدس سره أنّ حكم القصر دائر مدار صدق عنوان السفر، وهو لا يتحقّق بمجرد


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 237.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 466، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 10.

3) تقدم في ذيل مسألة 21.

4) مستند العروة؛ ج 7، ص 83.

القصد، والمفروض أنّ التردّد قد أخرجه من عنوان السفر فيحتاج العود إلى هذا العنوان وترتّب التقصير عليه إلى التلبّس بالسير الذي به يتحقّق عنوان المسافر.نعم، الظاهر عدم اعتبار حدّ الترخّص هنا لعدم الدليل عليه كما لعلّه يأتي في محلّه.الصورة الثالثة: ما إذا كان قاصداً للمسافة - ثمانية فراسخ - ثمّ سار مقدار ثلاثة فراسخ مثلاً، ثمّ حصل التردّد في برهة من الزمان ولم يقطع شيئاً منها في حال التردّد، ثمّ بدا له الرجوع إلى ما قصده ابتداء من ثمانية فراسخ، فهل يضمّ ما بقي من المسافة إلى ما مضى، أو يكون التردّد مانعاً من الانضمام؟فنقول: أمّا في حال التردّد فحكمه هو التمام، ولعلّه من المسلّمات بينهم؛ لعدم كونه مسافراً في تلك الحال جزماً إذ الموضوع للقصر إمّا مركّب من المسافة وقصدها، كما هو المختار، وإمّا خصوص القصد، كما عن جماعة وهو مفقود في كلا التقديرين، وهذا مما لا إشكال فيه.وإنّما الإشكال بعد العود إلى الجزم بالسفر فهل يجب عليه القصر أم لا؟ وجهان بل قولان:أحدهما: عدم جواز القصر؛ لعدم تحقّق موضوعه، إذ المفروض أنّ التردّد قد قطع ما قصده من الثمانية ابتداء، وكأنّه جعل المسافة مسافتين، والمفروض عدم كون الباقي مسافة بنفسه.وبعبارة أُخرى: أنّ التردّد هنا نظير الإخلال بالنيّة في الصوم، فكما أنّ الإخلال بها فيه يوجب فساده، كذلك التردد في المقام، فإنّه بمجرد حصوله يوجب لغويّة القصد الأوّل وحيث إنّه لا يتمكّن من قصد الثمانية، لعدم كون الباقي ثمانية فراسخ، فلا جرم لا يتحقّق موضوع القصر في حقّه، وهذا هو الأقوى.ثانيهما: وجوب القصر؛ لأنّ مجرد التردّد مع عدم قطع شيء من الطريق حاله لا يوجب انقطاع ما مضى من المسافة عمّا بقي منها، نظير وقوع التردّد في بعض أفعال الصلاة والوضوء، فكما لا تنثلم وحدة العمل هناك، كذلك لا تنثلم وحدة المسافة هنا.

وهذا هو الذي اختاره صاحب الجواهر حيث قال:نعم، لو قصد مسافة ثمّ تردّد في أثنائها ولم يقطع بعد التردّد شيئاً، ثمّ عاد إلى الجزم رجع إلى الترخّص - إلى أن قال:- واكتفي ببلوغ ما قطعه وما بقي مسافة لتناول الأدلّة له حينئذٍ. (1)وفيه ما تقدّم من أنّ وزان التردّد هنا وزان الإخلال بالصوم في أنّه يوجب انقطاع ما مضى عمّا بقي، فمجرد الرجوع إلى القصد لا يوجب اتّصال الباقي بما مضى لعدم الدليل عليه.وما ادّعاه قدس سره من تناول الأدلّة له غير مسموع، لعدم الشاهد له؛ إذ الأدلّة إنّما اعتبر فيها قصد ثمانية فراسخ، وقد عرفت أنّه لا يمكن فيما نحن فيه، لعدم بلوغ ما بقي بعد التردّد إلى هذا المقدار كما هو المفروض.هذا مضافاً إلى أنّ العرف قاضٍ بعدم انضمام ما بقي إلى ما مضى، فلا يصدق عليه عنوان المسافر شرعاً، فيبقى على التمام، وهذا واضح.ثمّ إنّه ربما يظهر من بعضهم ابتناء هذه المسألة على البحث المعروف من أنّ المرجع عند الشك في حكم المخصّص بعد انقضاء وقته هل هو العامّ أو المخصّص؟ فإنّ مفاد أدلّة السفر وجوب القصر على المسافر عموماً خرج منه زمان التردّد - حيث عرفت أنّه يجب عليه التمام حاله - فبعد التردّد هل يرجع إلى ذلك العامّ ليجب عليه القصر، أو يرجع إلى حكم الخاصّ، أعني التمام كما هو الحقّ في أمثال المقام فيحكم بالتمام لكون العامّ انحلاليّاً قد انحلّ بورود المخصّص؟ويردّه أنّ المقام ليس من باب التخصيص، بل من باب التنويع، نظير ما إذا قال: أكرِم العلماء العدول ولا تُكرم الفُسّاق، وكان زيد عادلاً ثمّ صار فاسقاً، فيتبدّل الحكم بتبدّل الموضوع، وكذلك المقام؛ فإنّ المسافر إذا كان قاصداً للمسافة -أعني: ثمانية فراسخ- يقصّر


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 236.

وإذا حصل التبدّل وتردّد فيه يتمّ.وبعبارة أُخرى: إنّ التردّد هنا نظير القواطع، فكما أنّ العبور عن الوطن أو الإقامة عشرة أيّام في الأثناء أو التردّد ثلاثين يوماً قاطع للسفر موضوعاً على المشهور أو موضوعيّاً تنزيليّاً عندنا كما سيجيء في محلّه إن شاء الله، فكذلك التردّد في المقام؛ لأنّه يوجب تغيّر الموضوع كالقواطع، فبمجرد التردّد ينقلب الحكم إلى التمام.نعم، وقع الكلام في لزوم إعادة ما صلّاه قصراً تماماً وعدمه، ذهب المشهور إلى الثاني استناداً إلى صحيحة زرارة، (1والأقوى هو الإعادة أو القضاء، كما سيجيء في المسألة الآتية.)والحاصل: أنّ الوظيفة تنقلب إلى التمام بحصول التردّد، فإيجاب التقصير بعده يحتاج إلى دليل، وهو مفقود في المقام.ودعوى شمول إطلاق قوله سبحانه: ﴿إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، (2)وكذا نصوص الثمانية والأربعة ذاهباً وجائياً للمقام مدفوعة؛ لأنّ شمولها للمقام إنّما يتمّ لو كان المكلّف قاصداً للثمانية بعد التردّد ولو ملفّقة من الذهاب والإياب، والمفروض أنّه لم يقصد ذلك، لعدم بلوغ الباقي المسافة مطلقاً، فما تقدّم من الجواهر من دعوى تناول الأدلّة عليه خالٍ من السداد.)وربّما يستدلّ للقصر في المقام بإطلاق قوله علیه السلام في ذيل موثّقة إسحاق بن عمّار:«فَإِذَا مَضَوْا فَلْيُقَصِّرُوا ...،» (3)بتقريب أنّه لو كان لبلوغ الباقي مسافة دخلٌ في الحكم لأشار إليه الإمام علیه السلام.وفيه: أنّ الرواية ناظرة إلى مكان القصر وإنّما يجب بعد التلبّس بالسير بعد قصد المسافة، فلا يجب بمجرد القصد من دون التلبّس بالسير كما تقدّم، فلا إطلاق لها حتى يتمسّك به، بل لا يبعد دعوى انصرافها إلى ما كان الباقي مسافة بنفسه، إذ الظاهر من أمثال المقام كون السفر


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، باب 23، ح 1.

2) النساء: 101.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 466، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 10.

طويلاً بحيث يمكن قصد المسافة بعد التردّد.وإن أبيت ذلك، فنقول: يجب تقييدها بما ذكرنا من أنّ الوظيفة في حال التردّد هو الإتمام، فلا تنقلب إلى القصر إلّا بتحقّق موضوعه الذي هو صدق عنوان السفر المتوقّف على قصد الثمانية وقطعها بنحو الشرط المتأخّر، وقد عرفت غير مرّة أنّ هذا المعنى غير ممكن هنا لكون الباقي بعد التردّد أقلّ من الثمانية ولو ملفّقة.هذا كلّه مضافاً إلى ضعف السند لمكان محمد بن أسلم بناء على رأي المشهور، لعدم ورود توثيق له، بل قيل إنّه غال كذّاب، وإن كان في النسبة كلام، قد أشرنا إليه سابقاً في ذيل مسألة (21.)وممّا ذكرنا يظهر ضعف ما ذكره السيد الميلاني قدس سره بقوله:الثالث: أن يتردّد أو يقصد العدم من دون قصد الرجوع ثمّ يعود إلى الجزم ولم يَسر شيئاً في حال التردّد فربّما يتوهّم التمام، إمّا لأجل أنّ ذلك مانع، أو لأنّ ذلك قاطع للهيئة الاتّصاليّة أو يلزم السير عن شخص القصد بناءً على كونه جزء السبب على ما هو المشهور - إلى أن قال:- وليس شيء من ذلك صحيحاً، أمّا الأوّلان فلعدم الدليل عليهما والاطلاقات تنفيهما... -ثمّ قال:- والسرّ في لزوم التمام في حال التردّد هو أنّه غير محرز لكونه مسافراً ... . (1)توضيح الضعف: هو أنّ الحكم بالإتمام في هذا المقام ليس مبنيّاً على الاحتمالات المذكورة في كلامه حتى يحتاج إلى دفعها.بل الحكم بالإتمام إنّما هو لأجل ما قلناه من عدم تحقّق موضوع القصر، فإنّ المكلّف في مفروض المقام لا يصدق عليه عنوان المسافر حال التردّد ولذا يجب عليه التمام حينئذٍ، فلا وجه للحكم بالقصر بعد التردّد، لعدم تحقّق موضوعه بالفرض لعدم بلوغ ما بقي من المسير إلى الثمانية ولو تلفيقاً، ومن الواضح أنّ نسبة الحكم إلى الموضوع نسبة المعلول إلى علّته،


1) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 88، 89.

فما لم يتحقّق الموضوع فلا حكم، وهذا واضح لا يخفى.الصورة الرابعة: ما إذا قطع مقداراً من المسير حال التردّد ثمّ رجع إلى الجزم كما إذا قصد عشرة فراسخ وقطع أربعة بالقصد، ثمّ تردّد وقطع اثنين متردّداً، ثمّ عاد إلى الجزم وقطع أربعة أُخرى، فيكون المجموع عشرة فراسخ بهذه الكيفيّة.قلت: وممّا ذكرناه في الصورة الثالثة يتّضح حال هذه الصورة، لجريان ما ذكرناه هنالك في المقام أيضاً، فيجب التمام في حالتي التردّد وبعده، بل هنا أولى، إذ المفروض أنّه قطع مقداراً من المسير حال التردّد، الذي هو قاطع للقصد عرفاً، ولم يستمرّ قصد المسافة، الذي هو شرط القصر، وهذا بخلاف الصورة الثالثة حيث إنّه لم يقطع شيئاً منها حال التردّد، ولذا كان صاحب الجواهر مصرّاً على صحة إنضمام ما بقي إلى ما مضى فيها كما تقدّم، ويظهر منه قدس سره التردّد في الصورة الرابعة حيث قال:أمّا لو قطع حال التردّد جملة ثم رجع إلى الجزم احتمل اعتبار بلوغ ما بقي مسافة في ترخّصه، لذهاب حكم ما قطعه أوّلاً بالتردّد ولو في بعضه، ويحتمل - ولعلّه الأقوى- الإكتفاء ببلوغ ما قطعه حال الجزم وما بقي مسافة، وإسقاط ما تخلّل بينهما مما قطعه حال التردّد. (1)


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 237.

#### حكم ما صلّاه قصراً قبل العدولمسألة 24:ما صلّاه قصراً قبل العدول عن قصده، لا يجب إعادته في الوقت، فضلاً عن قضائه خارجه. [1][1] أقول: هذا هو المشهور شهرة عظيمة، بل لم ينسب الخلاف إلّا إلى الشيخ قدس سره في استبصاره حيث فصّل بين القضاء في خارج الوقت والإعادة في الوقت، فأوجب الإعادة في الوقت خاصّة حيث قال بعد نقل صحيح زرارة الآتي:فالوجه في هذا الخبر أحد شيئين:أحدهما: إذا كان الوقت قد مضى لم يكن عليه الإعادة وإنّما يلزمه الإعادة مادام الوقت باقيّاً. (1)ولعلّه مجرد جمع منه قدس سره وليس فتوىً له؛ لأنّ استبصاره كتاب حديث، وليس معدّاً للفتوى، مع أنّه جمع تبرّعيّ لا شاهد له، وعليه لا خلاف في المسألة بين القدماء من أصحابنا.نعم، ذهب جماعة من المتأخّرين إلى وجوب الإعادة، بل القضاء، منهم العلّامة الحائري قدس سره قائلاً:... مضافاً إلى أنّه - وجوب القضاء - موافق للاحتياط، فلا ينبغي تركه وإن ذهب المشهور إلى الإجزاء. (2)وتبعه تلميذه سيدنا الأستاذ قدس سره، بل شيّد أركانه في درسه وكذا المحقّق الخوئي قدس سره قائلاً: فتحصّل أنّ وجوب القضاء فضلاً عن الإعادة لو لم يكن أقوى، فلا ريب أنّه أحوط . (3)وكذا السيد الميلاني قدس سره حيث قال:وعلى ذلك، كانت القاعدة أنّه لو خرج قاصداً للسفر وكان متلبّساً بذلك باعتقاده،


1) الاستبصار فيما اختلف من الأخبار؛ ج 1، ص 228.

2) كتاب الصلاة؛ ص 599.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 93.

فبدا له في السفر بعد أن صلّى قصراً فيما دون المسافة أن يعيد صلاته، وذلك مفاد صحيحة أبي ولّاد.ولعلّ الأصل في ذلك ما ذكره البحراني قدس سره حيث قال بعد كلام طويل:فالمسألة لا تخلو عن شوب الإشكال، فالإحتياط فيها لازم على كلّ حال. (1)إذا تقرّر ذلك فنقول: استدلّ المشهور على عدم لزوم الإعادة فضلاً عن القضاء بصحيح زرارة، قال:«سَأَلْتُ جَعْفَراً علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مَعَ الْقَوْمِ فِي السَّفَرِ يُرِيدُهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْقَرْيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ، فَصَلَّوْا وَانْصَرَفَ بَعْضُهُمْ فِي حَاجَةٍ فَلَمْ يُقْضَ لَهُ الْخُرُوجُ، مَا يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ الَّتِي كَانَ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ؟ قَالَ: تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَلَا يُعِيدُ». (2)فهذه الصحيحة واضحة سنداً ودلالة، فلا وجه لإشكال بعض الأعاظم فيها. (3)لكنّها معارضة مع صحيحة أبي ولّاد عن أبي عبد الله علیه السلام:«قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنِّي كُنْتُ خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ فِي سَفِينَةٍ إِلَى قَصْرِ ابْنِ هُبَيْرَةَ وَهُوَ مِنَ الْكُوفَةِ عَلَى نَحْوِ مِنْ عِشْرِينَ فَرْسَخاً فِي الْمَاءِ، فَسِرْتُ يَوْمِي ذَلِكَ أُقَصِّرُ الصَّلَاةَ ثُمَّ بَدَا لِي فِي اللَّيْلِ الرَّجُوعُ إِلَى الْكُوفَةِ، فَلَمْ أَدْرِ أُصَلِّي فِي رُجُوعِي بِتَقْصِيرِ أَمْ بِتَمَامٍ وَكَيْفَ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ أَصْنَعَ،»«فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ سِرْتَ فِي يَوْمِكَ الَّذِي خَرَجْتَ فِيهِ بَرِيداً كَانَ عَلَيْكَ حِينَ رَجَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالتَّقْصِيرِ؛ لِأَنَّكَ كُنْتَ مُسَافِراً إِلَى أَنْ تَصِيرَ إِلَى مَنْزِلِكَ.»«قَالَ: وَإِنْ كُنْتَ لَمْ تَسِرْ فِي يَوْمِكَ الَّذِي خَرَجْتَ فِيهِ بَرِيداً، فَإِنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَقْضِيَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّيْتَهَا فِي يَوْمِكَ ذَلِكَ بِالتَّقْصِيرِ بِتَمَامٍ (مِنْ قَبْلِ أَن تَؤُمُّ مِنْ مَكَانِكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَبْلُغِ)


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 336.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 522، باب 23 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) كتاب الصلاة؛ ص 599.

الْمَوْضِعَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ التَّقْصِيرُ حَتَّى رَجَعْتَ، فَوَجَبَ عَلَيْكَ قَضَاءُ مَا قَصَّرْتَ وَعَلَيْكَ إِذَا رَجَعْتَ أَنْ تُتِمَّ الصَّلَاةَ حَتَّى تَصِيرَ إِلَى مَنْزِلِكَ.» (1)ومثله خبر المروزيّ عن الفقيه علیه السلام إلى أن قال:«وَإِنْ رَجَعَ عَمَّا نَوَى عِنْدَ بُلُوغِ فَرْسَخَيْنِ وَأَرَادَ الْمُقَامَ فَعَلَيْهِ التَّمَامُ، وَإِنْ كَانَ قَصَّرَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ نِيَّتِهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ.» (2)فحينئذٍ يقع التعارض بين صحيحة زرارة وبين صحيحة أبي ولّاد، فلابدّ من العلاج، فربّما يجمع بينهما بحمل الثانية الدالّة على وجوب الإعادة بل القضاء على الإستحباب، قال في الوسائل بعد نقل خبر المروزيّ:الإعادة محمولة على الاستحباب. (3)وكذا بعد نقل صحيحة أبي ولّاد، فراجع.وقال في المدارك بعد نقل خبر المروزيّ:وهي ضعيفة بجهالة الراوي، ولو صحّت لوجب حملها على الاستحباب جمعاً بين الأدلّة. (4)وقال السيّد الحكيم قدس سره:فينبغي حمل الجميع - صحيحة أبي ولّاد وخبر المروزي - على الاستحباب. (5)أقول: إنّ الجمع المزبور بعيدٌ جداً، لما في الصحيحة من التأكيدات كقوله علیه السلام:«فَإِنَّ عَلَيْكَ أَنْ تَقْضِيَ كُلَ صَلَاةٍ صَلَّيْتَهَا فِي يَوْمِكَ ذَلِكَ بِالتَّقْصِيرِ بِتَمَامِ (مِنْ قَبْلِ أَن تَؤُمُّ)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 470، باب 5 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 457، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

3) نفس المصدر، ص 457.

4) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 440.

5) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 41.

مِنْ مَكَانِك»، (1)وكذا قوله:«لأَنَّكَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ التَّقْصِيرُ حَتَّى رَجَعْتَ فَوَجَبَ عَلَيْكَ قَضَاءُ مَا قَصَّرْت». (2)فإنّ هذه التعابير آبية عن حمل الصحيحة على الاستحباب جدّاً، لعدم ملائمتها معه، كما لا يخفى على المتأمّل.ويؤيّده ما ذكره المحقّق الخوئي قدس سره بقوله:إنّ الأمر بالإعادة لم يكن نفسيّاً ليقبل الحمل على الاستحباب، وإنّما هو إرشاد إلى الفساد، ولا معنى لاستحباب الفساد. (3)إِنْ قلت: إنّ صحيحة أبي ولّاد معرض عنها عند مشهور القدماء؛ لأنّهم عملوا بصحيحة زرارة ولذا ذكر صاحب الجواهر والمدارك وغيرهما أنّ صحيح زرارة هو المعمول عليه بين الأصحاب، والظاهر أنّ الإعراض كذلك يوجب سقوط الخبر عن الحجّيّة، كما أنّ عملهم بخبرٍ جابر لضعفه وعليه فلا وجه لمعارضة هذه الصحيحة مع صحيحة زرارة.قلت: نعم، الإعراض على تقدير تحقّقه كما ذكرت موجب للوهن، كما أنّ العمل موجب للجبر عندنا أيضاً، إلّا أنّ ذلك إنّما يتحقّق فيما لو كان الخبر بمرأى ومسمع من الفقهاء، ومع ذلك لم يستندوا إليه مطلقاً - أي في جميع الموارد - فإنّ الإعراض بهذا المعنى موجب لسقوط الخبر عن الحجّيّة.ألّا أنّ هذا المعنى لم يتحقّق هنا؛ لأنّهم قد عملوا بالرواية في كثير من المقامات:منها: مسألة اعتبار قصد السفر، ومنها في مسألة المسافة التلفيقيّة، وغير ذلك، ومعه كيف يتحقّق الإعراض؟!


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 470، باب 5 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 470، باب 5 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 90.

وبعبارة أُخرى: إنّ الإعراض وإن كان مسقطاً للخبر عن الحجيّة كبرويّاً، إلّا أنّ الصغرى غیر متحقّقة فيما نحن فيه، وهي إعراض الأصحاب، بل قد عملوا بها في المقام أيضاً، غاية الأمر حملوها على الإستحباب ورجّحوا صحيح زرارة لجهة من الجهات المستحسنة عندهم الناشئة من استنباطهم، ككون زرارة أفقه كما قيل، أو لكون مدلول صحيح أبي ولّاد موافقاً للعامّة كما في الحدائق حاكياً له عن بعض المحقّقين. (1)وأنت خبير بأنّ هذه الأُمور لا توجب ترجيح خبر زرارة وتقديمه.أمّا الأفقهيّة في الراوي، فليست من المرجّحات المنصوصة كما لا يخفى.وأمّا كون خبر أبي ولّاد موافقاً للعامّة، فلم يثبت عندي، بل الثابت خلافه وأنّ الموافق معهم هو صحيح زرارة، ولذا قال مصحّح الحدائق في الحاشية:بل الأمر بالعكس وسيجيء الكلام في ذلك.وبالجملة: أنّ صحيحة أبي ولّاد حجّة شرعيّة، فتدلّ على وجوب الإعادة، بل القضاء.وأمّا خبر حفص المروزي، فهو أيضاً صريح في وجوب الإعادة لمكان قوله علیه السلام:«وَ إِنْ كَانَ قَصَّرَ ثُمَ رَجَعَ عَنْ نِيَّتِهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ». (2)إنّما الكلام في سنده، فربّما يرمى بالضعف، قال السيد الحكيم قدس سره بعد نقل جملة من متنه:... وفيه مع ضعف الثاني - خبر المروزي - في نفسه... . (3)وكذا التستري قدس سره، كما يظهر من قاموسه.نعم، يظهر من الصدوق قدس سره، الإعتماد عليه حيث قال:وما كان فيه عن سليمان بن حفص المروزيّ، فقد رويته عن أبي عن سعد بن عبد الله ... . (4)


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 236.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 457، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

3) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 41.

4) من لا يحضره الفقیه؛ ج 4، ص 458.

وطريقه إليه صحيح كما اعترف به المجلسي قدس سره في روضة المتّقين (1وكذا المحقّق الخوئي قدس سره، (2)بل يظهر منه توثيقه لوقوعه في أسناد كامل الزيارات كما في المستند. (3))والحاصل أنّه لم يثبت عندي وثاقته، والمحقّق الخوئي قدس سره عدل عن هذا المبنى أخيراً، كما أشرنا إلى ذلك غير مرّة.نعم، لا مانع من كونه مؤيّداً لصحيحة أبي ولّاد.وكيف كان، فإنّ صحيحة أبي ولّاد معارضة بصحيحة زرارة، فإن أمكن العلاج برفع التعارض فهو، وإلّا ينتهي الأمر إلى التساقط والرجوع إلى الأخبار الأُخر الدالّة على اعتبار المسافة في ترتّب القصر، ولازمها هو الحكم ببطلان الصلاة في مفروض المقام؛ لعدم تحقّق موضوع القصر كما هو المفروض، ويتبعه وجوب الإعادة على مذاق القوم حيث إنّ بناؤهم هو التساقط عند المعارضة مع عدم الترجيح والرجوع إلى دليل آخر، هذا.والذي يقتضيه التحقيق في المقام، هو تقديم صحيحة أبي ولّاد؛ لأنّها الحجّة، وأمّا صحيحة زرارة الدالّة على عدم الإعادة، فهي ساقطة عن الاعتبار، لموافقتها للعامّة، كما يشهد بذلك ما حكي عن ابن قدامة الحنبليّ في كتابه المُغني حيث قال في كلامه المحكيّ:إذا خرج يقصد سفراً بعيداً يوجب قصر الصلاة ثمّ بدا له فرجع كان ما صلّاه ماضياً صحيحاً ولا يقصّر في رجوعه، إلّا أن تكون مسافة الرجوع مسافة بنفسها. (4)فإنّ عدم ذكر الخلاف في كلامه ظاهر في كون ذلك فتوىً عند جميع العامّة، فتكون صحيحة زرارة موافقة معهم، فتحمل على التقيّة، ومن الواضح أنّ موافقة العامّة توجب سقوط الخبر عن الإعتبار كما لا يخفى.مضافاً إلى أنّ تقديم صحيح زرارة يوجب طرح الروايات الكثيرة المتواترة الدالّة على اعتبار


1) روضة المتقين؛ ج 14، ص 138.

2) معجم رجال الحديث؛ ج 8، ص 244.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 90.

4) مستند العروة؛ ج 8، ص 93.

### في أنّ قصد الإقامة في الأثناء قاطع للسفر في الجملة#### اشارةالمسافة وأنّ ثمانية فراسخ موضوع للقصر إمّا بنفسها أو مع قصدها.ومن الواضح أنّ هذا ممّا لا يمكن الالتزام به، بل لا يصحّ.اللّهمّ إلّا أن يقال إنّ عدم الإعادة أو القضاء في المقام من جهة تصرّف الشارع في مقام الامتثال، أعني: قبول الناقص مكان التمام تفضّلاً ومنّةً.وبعبارة أُخرى: إنّ عدم الإعادة والقضاء وإن كان على خلاف القاعدة إلّا أنّه لا بأس به لأجل دليل خاصّ وهو صحيحة زرارة المتقدّمة. لكن دون إثباته خرط القتاد.وأمّا استدلالهم بقاعدة الإجزاء على عدم وجوب الإعادة بتقريب أنّه كان مأموراً بالقصر في تلك الحال - أي: قبل العدول - والأمر يقتضى الإجزاء، ففى غاية الضعف.ووجه الضعف أنّه على تقدير قبول المبنى أنّ الإجزاء يصحّ لو كان هناك أمر، وهذا غير متحقّق في المقام؛ إذ الموجود إنّما هو تخيّل الأمر لا نفسه، إذ الأمر بالقصر متفرّع على تحقّق السفر الشرعي، وهو لم يتحقّق بعد، كما لا يخفى.وبالجملة: أنّ دعوى الإجزاء هنا ممنوعة صُغرىً، وإن قلنا به في غير المقام.فتحصّل من تمام ما قدّمناه أنّ الظاهر وجوب الإعادة والقضاء إمّا لما ذكرنا من الترجيح وتقديم صحيحة أبي ولّاد وخبر المروزيّ، وإمّا لما ذكره بعض الأعاظم من الرجوع إلى عمومات التمام بعد تسليم التعارض والتساقط. (1)


1) نفس المصدر.

الشرط الرابع:أن لا يكون من قصده في أوّل السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيّام قبل بلوغ الثمانية، وأن لا يكون من قصده المرور على وطنه كذلك وإلّا أتمّ؛ لأنّ الإقامة قاطعة لحكم السفر والوصول إلى الوطن قاطع لنفسه، فلو كان من قصده ذلك من حين الشروع أو بعده، لم يكن قاصداً للمسافة.وكذا يُتمّ لو كان متردداً في نيّة الإقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية.نعم، لو لم يكن ذلك من قصده ولا متردداً فيه إلّا أنّه يحتمل عروض مقتضٍ لذلك في الأثناء لم يناف عزمه على المسافة فيقصّر، نظير ما إذا كان عازماً على المسافة إلّا أنّه لو عرض في الأثناء مانع من لصّ أو عدو أو مرض أو نحو ذلك، يرجع ويحتمل عروض ذلك فإنه لا يضرّ بعزمه وقصده. [1][1] أقول: الشرط الرابع للقصر هو عدم قطع السفر بإحدى القواطع المذكورة في المتن.وهي أُمور ثلاثة:الأمر الأوّل: المرور على الوطن، فلو قصد ثمانية فراسخ، وكان من قصده المرور على وطنه في الأثناء، فلا إشكال في وجوب التمام عليه بل ولا خلاف أيضاً؛ لأنّ المرور على الوطن قاطع لنفس السفر، ولا يتحقّق منه قصد المسافة، والحال هذه.الأمر الثاني: التردّد بأن يكون متردّداً في المرور على وطنه قبل بلوغ الثمانية وعدمه، فالحكم فيه أيضاً التمام؛ لأنّ التردّد ينافي قصد السفر، وقد عرفت أنّه لا يكون مسافراً إلّا بقصد المسافة كما هو المستفاد من موثّقة عمّار، (1وهذا لا إشكال فيه أيضاً.)الأمر الثالث: إقامة عشرة أيّام في الأثناء فيجب الإتمام في محلّ الإقامة بلا كلام فيه.وإنّما الكلام في أنّ الإقامة هل هي قاطعة للسفر موضوعاً كالمرور على الوطن بحيث


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 469، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

تجعل السفر سفرين، أو هي قاطعة له حكماً؟ بأن يكون مسافراً في محلّ الإقامة إلّا أنّ الشارع حكم عليه بالتمام فيها؟ فيه خلاف بين القوم.وتظهر الثمرة في إمكان ضمّ ما قطعه قبل الإقامة إلى ما بقي بعدها فيضمّ على القول الثاني دون الأوّل، فلو كان المجموع من المسافة الّتي قطعها قبل الإقامة والّتي بعدها ثمانية فراسخ مثلاً، يجب القصر قبل الإقامة وبعدها بناءً على القطع الحكميّ وليس كذلك على القطع الموضوعي كما لا يخفى.وكيف كان، فقد ذهب المشهور إلى القطع الموضوعي واستدلّوا عليه بأمور:الأمر الأوّل: الإجماع كما في الجواهر حيث قال:وكذا لاخلاف ولا إشكال في احتياج التقصير بعد الخروج منهما إلى اعتبار مسافة جديدة. (1)وفيه: أمّا المحصّل منه، الذي هو عبارة عن اتّفاق جميع الفقهاء على حكم بحيث يكون كاشفاً عن قوله علیه السلام، فهو وإن كان حجّة بلا ريب، إلّا أنّ إثباته في المقام مشكل جدّاً كما لا يخفى.وأمّا المنقول منه، فليس بحجّة عند المحقّقين سيّما في مثل المقام؛ لكونه من المسائل المستنبطة، وقد صرّح العلّامة البروجردي قدس سره بأنّ هذه الإجماعات قد نشأت من استنباطات الفقهاء، فلا حجيّة فيها. (2)وبالجملة، فادّعاء الإجماع في هذه المسألة خالٍ عن السداد؛ لعدم كونه كاشفاً عن قول المعصوم علیه السلام.الأمر الثاني: أنّ المستفاد من أخبار الإقامة وأنّ المقيم عشرة أيّام يجب عليه التمام، هو الخروج الموضوعي على ما يظهر من كلمات السيد البروجردي والنائيني.


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 242.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 17.

وبيان الاستدلال يتوقّف على تقديم مقدّمة، وهي أنّ حكم القصر معلّق في الآية الشريفة، وكذا الأخبار على الضرب في الأرض، أي: السفر الشرعي، فمحطّ النظر في تلك الأدلّة هو حكم من يسير بالسير السفري، ولمّا كان المتعارف في الأسفار هو وقوع بعض الوقوفات اليسيرة في الأثناء، لأجل الاستراحة وتهيئة بعض لوازم المعاش من المأكول والمشروب ونحو ذلك، صارت هذه الوقوفات الجزئيّة المتخلّلة بين الأسفار بمنزلة الجزء من السفر عرفاً، ولذا لا يؤثّر ذلك في حكمه.وأمّا إذا كان الوقوف في أثناء السفر طويلاً على نحو لا يعد جزءاً من السفر عرفاً بحيث لو لم تكن أخبار الإقامة في البين، لم يمكن استفادة القصر من إطلاق الأدلّة في هذه الموارد، بل لكان حكم القصر مستبعداً.ولذا كان آراء أهل الرأي متشتّتة في تلك الأزمنة، وقد نقل عن عائشة عدم القطع ما لم يحطّ رحله عن مركبه، وعن الشافعيّ أنّ حدّ الإقامة القاطعة للسفر أربعة أيّام، وعن أبي حنيفة أنّه خمسة عشر يوماً، وعن كثير أنّه أزيد من أربعة أيّام.وهذه الآراء المتشتّتة كاشفة عن أنّ الإقامة في الجملة قاطعة للسفر وموجبة لزوال اسمه بحيث يتوقّف ثبوت القصر ثانياً على إنشاء سفر جديد.وحيث كان هذا المعنى مركوزاً في أذهان الرواة بعد اختلاطهم بهؤلاء الفقهاء من العامّة تردّدوا في ذلك، فرجعوا إلى الأئمّة علیهم السلام، و لكونهم متعبّدين بأخذ الأحكام، بل موضوعاتها أيضاً منهم علیهم السلام وسألوهم عن مقدار ما يوجب قطع السفر من الإقامة، فأجابوهم بأنّ القاطع له هو إقامة عشرة أيّام.ولعلّ الأصل في هذا الدليل - كما عن بعض الأساطين - ما ذكره ابن رشد من العامّة حيث يظهر من ذيل كلامه أنّ الإقامة توجب زوال اسم السفر عن الشخص رأساً.قال ابن رشد:فدلّ هذا عندهم على أنّ إقامة ثلاثة أيّام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم

السفر، وهي النكتة الّتي ذهب الجميع إليها وراموا استنباطها من فعله عليه الصلاة والسلام، أعني: متى يرتفع عنه بقصد الإقامة اسم السفر. (1)أقول: التقريب المذكور وإن كان لطيفاً جدّاً، إلّا أنّ الاعتماد عليه مشكل؛ لأنّ المقيم عشرة أيّام يعدّ مسافراً عند العرف، كما هو المشاهد في من أقام عشرة أيام بمشهد الرضا علیه السلام، حيث يقال له إنّه مسافر.نعم، يظهر من أخبار الإقامة أنّ المقيم في حكم الحاضر، فانّ المنصرف منها أنّ المقيم بعد الإقامة، ينقطع عنه حكم السفر ويحتاج في ترتب القصر عليه ثانياً إلى إنشاء سفر جديد، ولكن هذا شيء آخر غير ما رامه المشهور كما لا يخفى.الأمر الثالث: صحيح زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام قال:«مَنْ قَدِمَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنى وَجَبَ عَلَيْهِ التَّقْصِيرُ، فَإِذَا زَارَ الْبَيْتَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَعَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ إِذَا رَجَعَ إِلَى مِني حَتَّى يَنْفِرَ»، (2)بتقريب أنّ صدر الرواية يدلّ على تنزيل المقيم بمكّة منزلة أهلها، فكما أنّ أهل مكّة ليسوا مسافرين موضوعاً فكذلك المنزّل بمنزلتهم - أعني: المقيم عشرة أيّام-، فتدلّ الرواية على أنّهم ليسوا مسافرين موضوعاً.وفيه: أنّ الرواية غير معمول بها عند الأصحاب؛ لكونها متضمّنة لما لا يمكن الالتزام به كوجوب القصر لمن يخرج إلى منى، فإنّه لا يوجب القصر لعدم بلوغه المسافة، اللّهمّ إلّا أن يقصد عرفة وكان مروره على منى ليتحقّق التلفيق، ولكنّه خلاف ظاهر الرواية كما لا يخفى.وأمّا قوله علیه السلام:«فَإِذَا زَارَ الْبَيْتَ أَتَمَ الصَّلَاةَ وَعَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ إِذَا رَجَعَ إِلَى مِنًى حَتَّى يَنْفِرَ،»


1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد؛ ج 1، ص 164.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 464، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

فلا يمكن توجيهه؛ لأنّه متفرّع على كون محلّ الإقامة كالوطن في أنّه كلّما رجع إليها بعد السفر بثمانية فراسخ فصاعداً يجب عليه الإتمام، وهذا ممّا لا يلتزم به أحد.ومنه يعلم أنّ الرواية معرض عنها عند الأصحاب، فلا يصحّ الاستدلال بها لعدم ثبوت حجّيتها؛ لأنّ إعراض الأصحاب موهن للخبر، فتكون الرواية مطروحة.واحتمال كون ذلك مختصّاً بمكّة - زادها الله شرفاً - نظير مسألة التخيير بين القصر والإتمام وإن كان لا بأس به في حدّ ذاته لو لم يكن خلاف الإجماع، إلّا أنّه لا قائل به ظاهراً.والحاصل: إنّ الرواية لا تصلح للاستناد إليها والعمل بها؛ لعدم حصول الوثوق بها من جهة إعراض قدماء الأصحاب عنها، وهذا يكشف عن وجود خلل فيها.ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قدس سره حيث بنى على عدم كون الإعراض قادحاً في الحجّية، كما أنّ عمل المشهور بما هو كذلك لا يجبر الضعف تصدّى لطرح الرواية بما سمّاه دليلاً خامساً حيث قال:ولكن الظاهر لزوم طرح الرواية، لا لمجرد الإجماع ... ولا من أجل الإعراض، بل من أجل ما أسميناه بالدليل الخامس: فإنّ هذه المسألة، أعني: الإقامة بمكّة قبل يوم التروية عشرة أيّام، كثيرة الدوران ومحلّ للابتلاء جدّاً ولاسيّما في الأزمنة السالفة الفاقدة للمراكب السريعة المتداولة في العصر الحديث، فكانوا يضطرّون للإقامة المزبورة طلباً للاستراحة من وعثاء السفر، كما أُشير إليه في الأخبار، فلو كان الحكم الذي تضمّنته الصحيحة ثابتاً لكان شائعاً ذايعاً - ثمّ قال:- ولأجله تسقط الرواية عن درجة الاعتبار ويردّ علمها إلى أهله. (1)أقول: يشكل الالتزام بما ذكره قدس سره من وجوه:أمّا أوّلاً: فلأنّ ما ذكره من الدليل الخامس، مبنيّ على إحراز كثرة إقامة الحجّاج في تلك الأزمنة بمكّة عشرة أيّام قبل التروية طلباً للاستراحة ونحوها، ومن الظاهر أنّ إثبات هذا المعنى


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 97.

في غاية الإشكال؛ لأنّ الطرق في ذلك الزمان كانت فاقدة للأمنية والأمان، فلم يكن الشخص متمكّناً من السفر إلى مكّة متى شاء خوفاً من الأشرار وقُطّاع الطريق.ومن هنا كانوا يجتمعون في قوافل عظيمة، ومن الظاهر أنّ وصول القوافل العظيمة إلى مكّة لم يكن قبل أيّام كثيرة ممكناً، ولهذا كانوا يصلون إليها غالباً في يوم التروية أو قبلها بيوم أو يومين، ولم يتحقّق نوعاً إقامتهم فيها عشرة أيّام قبل التروية.ويؤيّده صعوبة الإقامة فيها كذلك من جهة شدّة الحرارة، وعدم وجود لوازمها من الماء والكلاء للدوابّ كما يعلم ذلك مَن اطّلع علي أوضاع مكّة في الأزمنة المتأخّرة القريبة من زماننا، فكيف الظن بزمان الأئمّة علیهم السلام؟!وأمّا ثانياً: فإنّ الاشتهار لا اعتبار به عنده قدس سره، فوجوده و عدمه سيّان، ولذا لا يعبأ بالشهرة، ومن الظاهر أنّه إذا لم يكن للاشتهار اعتبار فلاجرم لا يكون لعدم الاشتهار أيضاً اعتبار؛ إذ هما على حدٍّ سواء.وأمّا ثالثاً: فإنّ إسقاط الرواية عن الاعتبار مع صحّة السند ووضوح الدلالة ينافي مبناه؛ فإنّه قدس سره يعمل بالخبر الصحيح وإن كان مخالفاً للمشهور.اللّهمّ إلّا أن يدّعي حصول القطع له قدس سره بعدم صحة الرواية المتقدّمة وعدم كونها كلام المعصوم علیه السلام ودون إثباته خرط القتاد.الأمر الرابع: التمسّك بالاستصحاب، قال في الجواهر بعد كلام له قدس سره:إلّا أنّه يكفي فيه بعد الإجماع المحكيّ، بل الإجماعات إن لم يكن محصّلاً استصحاب حكم التمام الثابت له في محلّ الإقامة السالم عن معارضة النصوص السابقة. (1)وأشار إليه السيد الحكيم قدس سره في مستمسكه ايضاً. (2)


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 242.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 41.

بل اعتمد عليه المحقّق النائيني قدس سره وأطال الكلام فيه في مقام تأسيس الأصل ثمّ قال بعد ذلك:... لكن المستفاد من آية التقصير مع ما ورد من الأخبار الدالّة على أنّ التقصير في بريدين ونحوها هو اعتباره - الزمان - ظرفاً للحكم ولم يقم على اعتباره ظرفاً للمتعلّق دليل، فحينئذٍ فمقتضى الأصل المؤسّس هو كونه ظرفاً للحكم، وعليه فيكون الحكم بعد إبطال الإقامة بمبطل هو الرجوع إلى استصحاب حكم المقيم لا إلى حكم المسافر. (1)وليعلم أنّ في بيان الأصل المزبور وكيفيّة استفادة الحكم منه طريقين:أحدهما: ما يظهر من كتب الشيخ الأنصاري قدس سره، خصوصاً في مكاسبه في مسألة خيار الغَبْن، حاصله: أنّ المغبون إذا علم بالغبن يثبت له خيار الغبن، فإن فسخ العقد في الآن الأوّل فهو، وإلّا فيشكّ في بقاء الخيار وزواله، فحينئذٍ هل يكون المرجع هو عموم ما يدلّ على لزوم البيع، أو يكون المرجع استصحاب حكم الخاص، أعني: ثبوت الخيار بعد العلم بالغبن؟ فاستقرّ رأي الشيخ قدس سره على أنّ العموم لو كان بنحو الاستغراق -أي: مكثّراً للموضوع- بمعنى أنّ البيع لازم في الآن الأوّل والثاني والثالث وهكذا، فيرجع في زمان الشك إلى العموم؛ لأنّه ينحلّ على جميع الأفراد من حيث الزمان، وقد خرج بعض ذلك الأفراد بالدليل الخاص وهو الآن الأوّل بعد حصول العلم بالغبن ويبقي الباقي تحت عموم العامّ.وأمّا لو كان العامّ من قبيل العموم المجموعيّ والحكم إنّما هو بلحاظ مجموع الأفراد، فإذا انتقض عمومه بورود الخاص لم يبق له عموم فحينئذٍ يرجع في زمن الشك إلى استصحاب حكم الخاصّ.وحيث إنّ الظاهر في المقام كون العموم مجموعيّاً، فيكون المرجع استصحاب حكم


1) كتاب الصلاة؛ ج 3، ص 282.

الخاصّ وهو التمام.الطريق الثاني: ما بنى عليه المحقّق النائيني قدس سره من أنّ الزمان هل أخذ ظرفاً للحكم نفسه، أو أخذ ظرفاً لمتعلّقه؟فعلى الأوّل يرجع إلى استصحاب حكم الخاصّ وهو التمام في المقام دون الثاني، وقد أطال في بيان هذا المبنى، فراجع كلامه إن شئت. (1)فإن قلت: كما قال سيدنا الأستاذ قدس سره في الدرس أنّ ذلك - استصحاب حكم الخاصّ- إنّما يصحّ لو لم يكن موجباً لحدوث عنوان في الخاصّ، وأمّا لو كان التخصيص مما يعطي عنواناً له كما إذا استفيد من الدليل أنّ الإتمام مترتّب على عنوان المقيم مثلاً، فلا معنى لاستصحاب التمام بعد زوال عنوان المقيم بالخروج عن محلّ الإقامة؛ لأنّه يكون حينئذٍ من قبیل انسحاب حكم من موضوع إلى موضوع آخر، والحال أنّ اتّحاد الموضوع من شرائط صحة الاستصحاب.قلت: نعم، إنّه لا ريب في صحة ما ذكر كبرويّاً، إلّا أنّ الصُغرى غير متحقّقة في هذا المقام؛ لأنّ التخصيص لا يوجب تعنون الخاص بعنوان أصلاً.وبعبارة أُخرى: إنّ عنوان المقيم لا دخل له في ترتّب الحكم بالتمام بحيث كان الحكم المزبور دائراً مداره وجوداً وعدماً كيف؟ فلو قصد الإقامة ثمّ عدل عنها بعد الإتيان بفريضة بتمام يجب عليه الإتمام ما لم يتلبّس بسفر جديد مع أنّه لا ريب في زوال عنوان المقيم.وعلى هذا، فلا بأس باستصحاب حكم التمام بعد زوال الإقامة لإثبات التمام ما لم ينشأ سفراً جديداً، ولا يلزم من ذلك تسرية حكم موضوع إلى موضوع آخر كما صرّح به المحقّق النائيني قدس سره فراجع.فتحصّل من تمام ذلك، أنّ المشهور استدلّوا على مقالهم - من كون الإقامة قاطعة لموضوع


1) نفس المصدر، ص 276، 282.

السفر - بوجوه أربعة إلّا أنّ الأوّل - وهو الإجماع - والثالث -وهي صحيحة زرارة الواردة في أهل مكّة - لا يمكن الاستدلال بهما، لما عرفت منّا مفصّلاً، فراجع.وأمّا الثاني: وهو الذي نقلناه عن سيّدنا البروجردي قدس سره والمحقّق النائيني، وإن كان وجيهاً في حدّ ذاته إلّا أنّ سكون النفس إليه والإطمئنان به مشكل جدّاً؛ لعدم خلوّه من شبهة قياس واستحسان.ومن هنا انتهى بنا الأمر إلى التمسك باستصحاب حكم التمام الثابت حال الإقامة، فإذا زالت الإقامة بالخروج عن محلّها مثلاً يستصحب حكم الخاص، أي: التمام ما لم ينشيء سفراً جديداً.ولا يخفى أنّ غاية ما يثبت بالاستصحاب هو حكم التمام فقط، أمّا بقاء موضوعه وأنّه غير مسافر فلا، كما هو ظاهر.ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قدس سره قد أشكل عليه الأمر في إقامة الدليل على التمام بعد الخروج عن محلّ الإقامة وقبل تحقّق السفر الجديد، ونشأ ذلك من إصراره على كون الإقامة قاطعة لحكم السفر لا موضوعه على ما سيجيء، ذلك في مبحث القواطع ولذا ألتجأ في إثبات التمام إلى القاعدة الكليّة الّتي استفادها من بعض النصوص حيث قال:بل ظاهر الأدلّة كما عرفت، أنّه قطع حكميّ وتخصيص في أدلّة القصر، فهو مسافر يتمّ في محلّ الإقامة، فإذا حكم عليه بالتمام يحتاج العود إلى القصر إلى قصد مسافة جديدة، ولا ينضمّ ما قبله إلى ما بعده لما أشرنا إليه من الضابط العامّ والقاعدة الكليّة المستفادة من الروايات من أنّ مَن حكم عليه بالتمام لا ينقلب إلى القصر ما لم يستأنف قصد المسافة الشرعيّة. (1)وذكر نحوه أيضاً في ذيل مسألة 23 حيث قال:


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 97.

وهذه كبرى كليّة نستدّل بها في كثير من المسائل وهي أنّ كل من خوطب بالتمام لجهة من الجهات الّتي منها التردّد أو العزم على الرجوع كما في المقام، فلا تنقلب وظيفته إلى القصر إلّا إذا قصد من مكانه السير ثمانية فراسخ ولو ملفّقة، وإلّا فهو باق على التمام. (1)وذكر نحوه في مسألة 33 أيضاً كما سيجيء. (2)أقول: ما ذكره قدس سره، إنّما يتمّ فيما لم يتحقّق السفر الشرعيّ من المكلّف كما إذا عدل عن قصد السفر قبل تحقّق الثمانية أو تردّد في قصده أو انعدم السفر بالمرور على الوطن؛ حيث إنّ التمام حينئذٍ لا ينقلب إلى القصر إلّا بإنشاء سفر جديد، وهذا ظاهر.وأمّا فيما نحن فيه، أعني: الإقامة في الأثناء، فلا يتمّ ما ذكره قدس سره، لا سيّما على مبناه من القطع الحكميّ.والوجه في ذلك أنّ السفر الموجب للقصر قد تحقّق منه قبل ذلك حيث إنّه قصد الثمانية، ولم يعدل عن قصده كما هو المفروض، غاية الأمر أنّ الإتمام في محلّ الإقامة كان من باب التخصيص في عموم القصر على المسافر، لأجل دليل خاصّ تعبّداً.فإذا خرج من محلّ الإقامة، فلا معنى لاعتبار الضرب في الأرض مرّة أُخرى بقصد الثمانية؛ إذ المفروض أنّه مسافر شرعاً وعرفاً على مبناه كما لا يخفى.وهذا نظير إتمام الصلاة للمسافر في مواضع التخيير، فإنّه إذا خرج من تلك المواضع يجب عليه القصر من غير حاجة إلى قصد ثمانية أُخرى، لأنّه مسافر موضوعاً عنده وإنّما جاز له الإتمام في تلك المواضع المقدّسة، لأجل دليل خاصّ.وبالجملة أنّ عنوان الضارب في الأرض صادق في حقّ المكلّف فرضاً حتى في محلّ الإقامة بناء على القطع الحكميّ، إلّا أنّ الشارع تصرّف في الحكم وأوجب عليه التمام في


1) نفس المصدر، ص 86.

2) نفس المصدر، ص 133.

حال الإقامة من باب التخصيص فعلى مبناه لابدّ من التقصير.وكيف كان، فما ذكره من القاعدة الكليّة لا يمكن المساعدة عليه في المقام وإن كنّا نقول به في غيره.وبعد ذلك كلّه أقول: الأقوى عندي وجوب التمام؛ وذلك لأنّ المستفاد من الأدلّة أنّ الإقامة قاطعة لموضوع السفر قطعاً تعبّديّاً لا حقيقيّاً، وليست قاطعة لمجرد حكمه، وسيجيء الكلام في ذلك مفصّلاً إن شاء الله.فإذا حكم الشارع بأنّك لستَ مسافراً تعبّداً، فتكون الوظيفة هي التمام ما لم يتحقّق ما یوجب القصر، كسفر جديد مثلاً.وعلى هذا، فلا حاجة إلى الاحتياط بالجمع، وإن كان حسناً على كلّ حال سيّما بملاحظة فتوى مثل صاحب الجواهر وبعض الأساطين بالقصر. فراجع وتأمّل.

#### العدول عن قصد الإقامةمسألة 25:لو كان حين الشروع في السفر أو في أثنائه قاصداً للإقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية لكن عدل بعد ذلك عن قصده، أو كان متردّداً في ذلك وعدل عن ترديده، إلى الجزم بعدم الأمرين، فإن كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه أو مع التلفيق بضمّ الإياب قصّر وإلّا فلا.فلو كان ما بقي بعد العدول إلى المقصد أربع فراسخ وكان عازماً على العود ولو لغير يومه، قصّر في الذهاب والمقصد والإياب، بل وكذا لو كان أقلّ من أربعة، بل ولو كان فرسخاً فكذلك على الأقوى من وجوب القصر في كلّ تلفيق من الذهاب والإياب وعدم اعتبار كون الذهاب أربعة أو أزيد كما مرّ. [1][1] أقول: الظاهر أنّ قوله قدس سره: «أو في أثنائه»، من طغيان القلم أو من سهو الناسخ؛ إذ لو كان دخيلاً وقيداً لكانت هذه المسألة متحدة مع اللاحقة، فتكون اللاحقة تكراراً كما صرّح به المحقّق الخوئي قدس سره.وكيف ما كان، فقد ظهر الحال في هذه المسألة مما ذكرناه في مطاوى المباحث المتقدّمة، فإنّ قصد الإقامة في الأثناء أو المرور على الوطن قبل الثمانية مانع عن قصد السفر، فلا يحسب ما قطعه في هذه الحال من المسافة وكذلك في صورة الترديد، وهذا لا كلام فيه.وأمّا إذا عدل عن قصد الإقامة أو عدل إلى الطريق الذي لا يمرّ على وطنه أو جزم بالسير بعد التردّد، فإن كان ما بقي من المسير مسافة مستقلة امتداديّة أو ملفّقة، فلا إشكال في وجوب القصر؛ لتحقّق موضوعه وإلّا فلا يجوز القصر، وهذا واضح أيضاً، وقد عرفت أنّه لا وجه للقول بانضمام باقي المسافة إلى ما قطعه قبل الجزم، هذا.وأمّا بقيّة ما ذكره الماتن قدس سره، فهي واضحة لا يحتاج إلى البيان.

#### لو بدا له نيّة الإقامة قبل الثمانيةمسألة 26:لو لم يكن من نيّته في أوّل السفر الإقامة أو المرور على الوطن وقطع مقداراً من المسافة، ثمّ بدا له ذلك قبل بلوغ الثمانية، ثمّ عدل عمّا بدا له وعزم على عدم الأمرين ، فهل يضمّ ما مضى إلى ما بقي إذا لم يكن ما بقي بعد العدول عمّا بدا له مسافة فيقصّر إذا كان المجموع مسافة ولو بعد إسقاط ما تخلّل بين العزم الأوّل والعزم الثاني إذا كان قطع بين العزمين شيئاً؟ إشكالٌ، خصوصاً في صورة التخلّل، فلا يترك الاحتياط بالجمع، نظير ما مرّ في الشرط الثالث. [1][1] أقول: قد تقدّم الكلام في ذلك عند التكلّم في مسألة 23 مستوفى وأخترنا هناك عدم انضمام بقية المسافة إلى ما مضى من غير فرق بين أن يقطع شيئاً من الطريق في حال عدم العزم أو لا، لما ذكرناه من أنّ المسافة المقصودة نظير نيّة الصوم في أنّها ينقطع بمجرد العدول أو التردّد، فلا يمكن الضمّ كما في الصوم بعد عدوله عنه. ولازم ما ذكرناه، هو وجوب التمام من غير حاجة إلى الاحتياط، كما لا يخفى على المتأمّل.

### في السفر الحرامالخامس:من الشروط، أن لا يكون السفر حراماً وإلّا لم يقصّر، سواء كان نفسه حراماً، کالفرار من الزحف، وإباق العبد، وسفر الزوجة بدون إذن الزوج في غير الواجب، وسفر الولد مع نهي الوالدين في غير الواجب، وكما إذا كان السفر مضرّاً لبدنه، وكما إذا نذر عدم السفر مع رجحان تركه، ونحو ذلك.أو كان غايته أمراً محرّماً، كما إذا سافر لقتل نفس محترمة، أو السرقة، أو الزنا، أو لإعانة ظالم، أو لأخذ مال الناس ظلماً، ونحو ذلك.وأمّا إذا لم يكن لأجل المعصية لكن تتفق في أثنائه، مثل الغيبة وشرب الخمر والزنا ونحو ذلك مما ليس غاية للسفر، فلا يوجب التمام، بل يجب معه القصر والإفطار. [1][1] أقول: اعتبار هذا الشرط مما لا خلاف فيه في الجملة عندنا، وقد تسالم عليه الأصحاب، بل قد ادّعي عليه الإجماع في كلمات غير واحد وتظافرت عليه النصوص كما سيجيء، مضافاً إلى أنّ القصر في السفر هديّة منه سبحانه وتعالى لعباده، فلا يناسب مع المعصية كما لا يخفى هذا.ثم أعلم أنّ السفر الحرام يتصوّر على أقسام ثلاثة:القسم الأوّل: ما كان نفس السفر بما هو حراماً كالفرار من الزحف؛ فإنّ نفس السير والحركة بما هي محرّمة ومبغوضة للشارع؛القسم الثاني: ما كان حراماً من جهة ترتّب غاية محرّمة عليه، بأن كان السفر مقدّمة للحرام، كما إذا سافر لقتل نفس محترمة أو السرقة أو الزنا ونحو ذلك؛القسم الثالث: أن يكون مقارناً للحرام، كما إذا سافر لغرض مباح ولكن قارن سفره هذا الغيبة أو شرب الخمر أو نحوهما.إذا عرفت ذلك، فنقول: أمّا الأخير، فلا إشكال في وجوب التقصير، بل لا خلاف فيه، كما

اعترف به في «مفتاح الكرامة» حيث قال عند قول المحقّق:ولا يشترط انتفاء المعصية في سفره وإنّما الشرط انتفاؤها بسفره كما في «الذكرى»، فلو كان يشرب الخمر في طريقه أو يزني ترخّص كما في «التذكرة» و«نهاية الأحكام»، والأمر في ذلك كلّه واضح لا خلاف فيه. (1)وذكر في «المستمسك» أنّ المرجع فيه أصالة القصر للمسافر بعد الاعتراف بقصور الأدلّة من النصوص والإجماعات عن شموله. (2)إنّما الكلام في الصورتين الأُوليين، فقد صرّح الماتن تبعاً للمشهور بوجوب التمام فيهما، وهو الظاهر من النصوص على ما سيأتي، والظاهر أنّه لم ينسب الخلاف فيه إلى أحد منّا.نعم يظهر من الشهيد قدس سره اختصاص التمام بمن كان غاية سفره محرّمة دون من كان نفس سفره حراماً، حيث قال:وهو - العاصي بسفره - من كانت غاية سفره هي المعصية كتابع الجائر وقاطع الطريق - إلى أن قال:- أو كانت المعصية جزءً من الغاية، كما لو قصد مع ما ذكر التجارة أو غيرها وقد عدّ الأصحاب من العاصي بسفره مطلق الآبق، والناشز، وتارك الجمعة بعد وجوبها، ووقوف عرفة كذلك، والفارّ من الزحف، ومن سلك طريقاً مخوفاً يغلب معه ظنّ التلف على النفس أو على ماله المجحف، وإدخال هذه الأفراد يقتضي المنع من ترخّص كلّ تارك للواجب بسفره لاشتراكها في العلّة الموجبة لعدم الترخّص؛ إذ الغاية مباحة فإنّه المفروض، وإنّما عرض العصيان بسبب ترك الواجب، فلا فرق حينئذٍ بين استلزام سفر التجارة ترك صلاة الجمعة ونحوها وبين استلزامه ترك غيرها كتعلّم العلم الواجب عيناً أو كفاية، بل الأمر في هذا الوجوب أقوى، وهذا يقتضي عدم تحقّق الترخّص إلّا لأوحدي


1) مفتاح الكرامة؛ ج 3، ص 580.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 47.

الناس، لكنّ الموجود من النصوص في ذلك لا يدلّ على إدخال هذا القسم ولا على مطلق العاصي وإنّما دلّت على السفر الذي غايته المعصية. (1)أقول: حاصل كلامه قدس سره بطوله أنّ نصوص الباب إنّما تدلّ على وجوب التمام لمن كانت الغاية من سفره محرّمة، فلا تشمل السفر المحرّم بنفسه، وكأنّه أراد النقض على كلام الأصحاب، بأنّه لو وجب الإتمام في السفر المحرّم بنفسه لم يبق الترخّص إلّا لأوحدي الناس، لأنّ السفر نوعاً يستلزم الحرام ويقارنه.إذا تقرّر ذلك، فإنّه يقع الكلام في مقامين:المقام الأوّل: في بيان دليل المشهور؛المقام الثاني: في الجواب عمّا ذكره الشهيد قدس سره.أمّا المقام الأوّل فنقول: قد استدلّ المشهور على وجوب الإتمام لمن كان نفس سفره حراماً بوجوه:الوجه الأوّل: الأولويّة القطعيّة كما في الجواهر . (2بتقريب أنّه إذا وجب الإتمام فيما كانت الغاية محرّمة كما هو صريح النصّ الآتي ذكره، فيكون واجباً إذا كان السفر بنفسه حراماً بطريق أولى ولا أقلّ من مساواته معه.)وفيه ما لا يخفى؛ لأنّ الأولويّة القطعيّة غير حاصلة كما هو المعلوم بالوجدان، والظنّيّة غير مفيدة لكونها شبه القياس، ولا نقول به.الوجه الثاني: الإجماع والتسالم إلى زمن الشهيد قدس سره بل لم يوجد الخلاف فيه إلّا منه قدس سره.الوجه الثالث: جملة من الأخبار، منها: ما رواه الصدوق قدس سره بإسناده عن ابن محبوب، عن أبي أيّوب، عن عمّار بن مروان، عن أبي عبدالله علیه السلام قال: سمعته يقول:«مَنْ سَافَرَ قَصَّرَ وَأَفْطَرَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا سَفَرُهُ إِلَى صَيْدٍ أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ أَوْ رَسُولاً لِمَنْ


1) روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان؛ ص 388.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 258.

يَعْصِي اللَّهَ أَوْ فِي طَلَبِ عَدُوٍّ أَوْ شَحْنَاءَ أَوْ سِعَايَةٍ أَوْ ضَرَرٍ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.» (1)بتقريب: أنّ قوله علیه السلام: أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، يشمل ما إذا كان السفر حراماً بنفسه؛ لأنّ السير والحركة المحرّمة معصية في حدّ نفسها.ويؤيّده ذكر تلك الجملة بعد قوله: إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا سَفَرُهُ إِلَى صَيْدٍ، وعطفها على ما قبلها بلفظة «أو» الظاهرة في التنويع، فيستفاد من ذلك أنّ التقصير لا يجوز في موردين:أحدهما: في سفر الصيد؛والآخر: في سفر المعصية.ومع ذلك لا وجه للترديد في شموله للسفر الحرام بنفسه؛ لأنّ الجملة المزبورة تنطبق عليه كمال الإنطباق.نعم، قد يقال بعدم شمول الجملة على هذا القسم من جهة أنّ لفظة «في» لا يصحّ أن تكون بمعنى الظرف هنا؛ إذ لو كانت للظرف لصار المعنى هكذا «أن تكون المعصية في المعصية» وهذا ليس بصحيح؛ لاعتبار التغاير بين الظرف والمظروف. فلا يقال: إنّ السفر يكون بنفسه حراماً، لاستلزامه اتحاد الظرف والمظروف. فينتج من ذلك أنّ المعنى عبارة عن كون الغاية من السفر محرّمة فلا يترخّص في غيرها.وبعبارة أُخرى: أنّ كون السفر في معصية، معناه كون المعصية غاية للسفر، ومن هنا قالوا: إنّ «في» هنا بمعنى «إلى» أو «اللّام» أو السببيّة.أقول: إنّ هذه الاحتمالات بعيدة جدّاً، لما عرفت من انطباق الجملة على الحرام بنفسه، مضافاً إلى أنّه لا يصحّ قوله بعد ذلك أَوْ رَسُولاً لِمَنْ يَعْصِي اللَّهَ، بناءً على مقالهم من كون «في» بمعنى «إلى» مع أنّه لو كان «في» بمعنى «إلى» فلا يحتاج إلى ذكر «في»؛ لكون الجملة عطفاً على الصيد.وكيف كان، فإنّ العرف يفهم من هذا التركيب أنّ السفر الحرام الذي هو محصّل للمعصية


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 476-477، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

لم يرخّص فيه التقصير، سواء كان السفر حراماً بنفسه، أم كان مقدّمة للحرام، بل العرف يرى أنّ السفر الذي هو مقدّمة للحرام، ملحق بالسفر الذي هو بنفسه حرام دون العكس.ومن هنا قال الفاضل الهمداني قدس سره:فظهور هذه الفقرة: «أو في معصية الله» في وجوب الإتمام في القسم الأوّل -أي: فيما كان السفر بنفسه معصية - غير قابل للإنكار. (1)وأمّا اعتبار التغاير بين الظرف والمظروف، فيكفي فيه التغاير الاعتباري، فانّ العصيان -وهو المخالفة لأمر الله أو نهيه شيء - والسفر - وهو الضرب في الأرض- شيء آخر، فهما متغايران اعتباراً، وبه يندفع اتّحاد الظرف والمظروف.وبالجملة، إنّ السفر المحرّم من ناحية غايته ليس إلّا من جهة لحوقه بالسفر الحرام، ولهذا كان بعض الأساطين يقول: إنّ الموضوع نفس الضرب في الأرض ولو بعنوان الفرار من الزحف، وأنّ السفر الذي هو مقدّمة للحرام، هو من ملحقات هذا المعنى الكلّيّ.ولعلّه لهذا قال المحقّق الخوئي قدس سره:فإنّ قوله علیه السلام: «أو في معصية الله»، غير قاصر الشمول له، لإنطباق هذا العنوان على السفر الحرام انطباق الكلّيّ على مصداقه، وقد شاع إطلاق مثل هذا الإستعمال لبيان إدخال الفرد في الكلّي كما يقال: زيد في العلماء، أي: إنّه أحد مصاديقهم، وقد ورد: أنّه لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، أي: في عمل هو بنفسه مصداق لمعصية الخالق، فالسفر في معصية الله يعمّ ما كان السفر بنفسه حراماً وداخلاً في كبرى معصية الله ومصداقاً له. (2)فتحصّل أنّه لا إشكال في دلالة الصحيحة على المطلوب كما عرفت.وإن أبيت ذلك وقلت إنّ الرواية لا تدلّ على الإتمام فيما كان السفر بنفسه حراماً، فنقول:


1) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 740.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 103، 104.

يكفينا في إثبات الإتمام جملة من الروايات.منها: مرسلة ابن أبي عُمير، عن أبي عبد الله علیه السلام قال:«لَا يُفْطِرُ الرَّجُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا فِي سَبِيلِ حَقٍّ». (1)فهي تدلّ على المطلوب بناءً على الملازمة بين القصر والإفطار وبين الإتمام وعدم الإفطار، ومن الظاهر أنّ من كان سفره حراماً وعصياناً لله تعالى، لا يكون سفره في سبيل حقّ.واحتمال كون المراد من «سبيل حقّ» هو السفر الواجب كالحجّ، أو المندوب كمطلق الزيارة، فلا تشمل الحرام، مدفوع؛ إذ المراد منه أنّ الإفطار إنّما يجوز في غير الحرام، وأمّا الحرام فلا يفطر ولا يقصّر أيضاً للملازمة المزبورة.ومنها: موثّقة سماعة، قال:«سَأَلْتُهُ عَنِ الْمُسَافِرِ - إِلَى أَنْ قَالَ - وَمَنْ سَافَرَ قَصَّرَ الصَّلَاةَ وَأَفْطَرَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا مُشَيِّعاً لِسُلْطَانٍ جَائِرٍ أَوْ خَرَجَ إِلَى صَيْدٍ أَوْ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ تَكُونُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ يَبِيتُ إِلَى أَهْلِهِ لَا يُقَصِّرُ وَلَا يُفْطِرُ». (2)فدلالتها على المطلوب أوضح من الكلّ؛ لأنّ تشييع السلطان الجائر محرّم بنفسه، وهو نفس المسير وليس السفر مقدّمة له.ومن هنا قال الهمداني قدس سره:لأنّ التشييع يتحقّق بنفس السفر، فيكون السفر بهذا القصد كالسفر بقصد الفرار من الزحف بنفسه محرّماً. (3)والعجب من المحقّق الخوئي قدس سره حيث لم يذكر هذه الرواية في المقام مع أنّها موثّقة، وقد عمل بها المشهور، وقد استدلّ ببعض النصوص الآخر، إلّا أنّ فيما ذكرناه كفاية.فتحصّل من تمام ذلك أنّ ما ذهب إليه المشهور من عدم الترخّص في السفر المحرّم بنفسه


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 476، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 477، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

3) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 741.

أيضاً، هو الأقوى عندنا.أمّا المقام الثاني، أعني: الجواب عمّا أورده الشهيد قدس سره في «الروض»، فنقول:إنّ ما أورده قدس سره من النقض ليس بوارد، ونكتفي في الجواب بما ذكره المولى الأردبيليّ قدس سره في «مجمع الفائدة» بقوله:وأعلم أنّه يمكن الفرق بين ما مثّله الأصحاب وقالوا بعدم الترخيص معه وبين ما ألزمهم الشارح - الشهيد الثاني - بمثل تارك التعلّم بالسفر بأنّ المراد بالحرام الذي يوجب القصر هو المحرّم أصالة بأن كان النهي من الشارع ورد صريحاً لا المستلزم له؛ لأنّ المحرّم فيما ذكره ترك التعلّم لا السفر، بل هو حرام بالاستلزام وما ورد من الشارع النهي به صريحاً.أو يقال: المراد بالعاصي بالسفر ما يكون السبب هو السفر، ولا شك في وجود هذا المعنى في العبد والزوجة مع عدم الإذن، وكذا في الفارّ عن الزحف؛ فانّ الفرار لكبيرة، ويمكن وجود النهى في تارك عرفة والجمعة أيضاً، وخفاؤه لا يدلّ على العدم. (1)فتحصّل من تمام ذلك أنّه لا فرق في السفر غير السائغ الموجب لعدم التقصير بين كونه محرّماً بنفسه أو بغايته المترتّبة عليه.نعم، قد عرفت أنّ السفر الذي هو مباح في نفسه، لكن قارن مع حرام لا يوجب التمام، لعدم دلالة النصوص المتقدّمة عليه.اللّهمّ إلّا أن يكون السفر علّة تامّة للحرام، كما إذا طالبه الدائن فسافر فراراً من أداء دينه، بحيث لو لم يسافر لكان مؤدّياً له، ففي مثل ذلك يحرم السفر فتشمله الأدلّة.بل يمكن أن يقال: إنّ مَن كان قصده من السفر التوصّل إلى ترك الأداء، يكون سفره من مصاديق السفر الغير السائغ كما سيجيء بيانه في مسألة 27 فانتظر.


1) مجمع الفائدة والبرهان؛ ج 3، ص 384.

### سفر الزوجة بدون إذن الزوجنعم، وقع الخلاف في بعض الأمثلة الّتي ذكرها الماتن قدس سره كسفر الزوجة بدون إذن زوجها، والولد بدون إذن الوالدين بعد نهيهما عنه، وكالسفر الذي يكون مضرّاً بالبدن.وحيث إنّ هذه المسائل محلّ ابتلاء للأكثر ولم تنقّح في كتب القوم على نحو التفصيل، فينبغي التعرّض لها ليتّضح الحال.فيقع الكلام في مقامات ثلاث:المقام الأوّل: سفر الزوجة بدون إذن زوجها في غير الواجب، فهل يحرم سفرها حينئذٍ ليجب عليها إتمام الصلاة مطلقاً أو فيما يؤدّي إلى النشوز فقط؟فالمشهور أنّه يحرم عليها السفر وإن لم يوجب النشوز.وتبعهم الماتن قدس سره كما عرفت كلامه، خلافاً للمحقّق الخوئي قدس سره في المقام حيث ذهب إلى اختصاص الحرمة بصورة النُّشوز.واستدلّ المشهور بنصوص:منها: صحيح محمد بن مسلم، عن أبي جعفر علیه السلام قال:«جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه و آله و سلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَقُّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: لَهَا أَنْ تُطِيعَهُ وَلَا تَعْصِيَهُ وَلَا تَصَدَّقَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَصُومَ تَطَوُّعاً إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَمْنَعَهُ نَفْسَهَا وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ وَلَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنْ خَرَجَتْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَعَنَتْهَا مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ وَمَلَائِكَةُ الْأَرْضِ وَمَلَائِكَةُ الْغَضَبِ وَمَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهَا.»«قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَقّاً عَلَى الرَّجُلِ؟ قَالَ: وَالِدُهُ، (قَالَتْ: فَمَنْ أَعْظَمُ النَّاسِ حَقّاً عَلَى الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: زَوْجُهَا، قَالَتْ: فَمَا لِي عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ مَا لَهُ عَلَيَّ؟ قَالَ: لَا وَلَا مِنْ كُلِّ مِائَةٍ وَاحِدَةٌ. الْحَدِيثَ.» (1))ونحوه من نصوص الباب. (2)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 20، ص 158، باب 79 من أبواب النكاح، ح 1.

2) نفس المصدر، باب 79 من أبواب النكاح، ح 1، 2 و 5.

فهي تدلّ على حرمة الخروج من البيت بدون الإذن مطلقاً من غير دخل للنشوز فيه.ومنها: قوله علیه السلام في حديث المناهي:«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم أَنْ تَخْرُجَ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا، فَإِن خَرَجَتْ لَعَنَهَا كُلُّ مَلَكِ فِي السَّمَاءِ وَكُلُّ شَيْءٍ تَمُرُّ عَلَيْهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهَا». (1)وهو مثل الأوّل في الدلالة.ومنها: ما رواه عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله علیه السلام قال:«إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم خَرَجَ فِي بَعْضٍ حَوَائِجِهِ فَعَهِدَ إِلَى امْرَأَتِهِ عَهْداً أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا حَتَّى يَقْدَمَ. قَالَ: وَإِنَّ أَبَاهَا قَدْ مَرِضَ، فَبَعَثَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم تَسْتَأْذِنُهُ أَنْ تَعُودَهُ، فَقَالَ: لَا اجْلِسِي فِي بَيْتِكِ وَأَطِيعِي زَوْجَكِ، قَالَ: فَثَقُلَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ ثَانِياً بِذَلِكَ، فَقَالَ: اجْلِسِي فِي بَيْتِكِ وَأَطِيعِي زَوْجَكِ، قَالَ: فَمَاتَ أَبُوهَا، فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ أَنَّ أَبِي قَدْ مَاتَ فَتَأْمُرُنِي أَنْ أُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ: لَا، اجْلِسِي فِي بَيْتِكِ وَأَطِيعِي زَوْجَكِ.»«قَالَ: فَدُفِنَ الرَّجُلُ، فَبَعَثَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم أَنَ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكِ وَلِأَبِيكِ بِطَاعَتِكِ لِزَوْجِكِ». (2)فهي ظاهرة في حرمة خروج الزوجة من بيتها بدون الإذن مطلقاً، ولو لأجل عيادة أبيها حال المرض. فعلم من ذلك أنّ الدليل على الحرمة واضح جدّاً.ولعلّه لهذا لم يخالف فيه أحد كما في «المستمسك» حيث قال عند قول الماتن:وأمّا في الحجّ المندوب فيشترط إذنه ... بلاخلاف يعرف، كما عن الذخيرة، ولا يعلم فيه خلافاً بين أهل العلم كما عن المنتهى، بل الإجماع كما في المدارك، بل لعلّه اجماع محقق كما في المستند. (3)


1) نفس المصدر، ص 161 - 162، باب 80 من أبواب النكاح، ح 6.

2) نفس المصدر، ص 175 - 176، باب 91 من أبواب النكاح، ح 1.

3) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 10، ص 228.

وقال المحقّق الخوئي قدس سره عند قول الماتن في الحج:بلا كلام؛ لأنّ الخروج من بيتها بدون إذن الزوج محرّم وعليها الاستئذان منه في الخروج من البيت. (1)ومع ذلك كلّه، فقد خالفهم المحقّق الخوئي قدس سره في بعض الموارد حيث إنّه خصّ المنع بمورد النُّشوز، قال قدس سره عند قول الماتن:وسفر الزوجة بدون إذن الزوج ...، هذا لا دليل على حرمته على الإطلاق، بل حتى مع النهي فضلاً عن عدم الإذن، إلّا إذا كان موجباً للنشوز ومنافياً لحقّ الزوج، فانّ هذا المقدار مما قام عليه الدليل وعليه يحمل ما ورد في بعض الأخبار من حرمة الخروج بغير الإذن - إلى أن قال:- وكيفما كان، فلا دليل على أنّ مطلق الخروج عن البيت بغير الإذن محرّم عليها، ولو بأن تضع قدمها خارج الباب لرمي النفايات مثلاً، أو تخرج لدى غيبة زوجها - لسفر أو حبس ونحو ذلك - إلى زيارة أقاربها أو زيارة الحسين علیه السلام مع تستّرها وتحفّظها على بقيّة الجهات، فانّ هذا مما لا دليل عليه بوجه. (2)وذكر نحوه في المسائل المتفرقة من النكاح حيث قال قدس سره عند قول الماتن:ولا يجوز لها السفر من دون إذنه ...، فيه إشكال، بل منع؛ فإنّ عدم جواز ذلك للزوجة إنّما هو من جهة مزاحمته لحقّ الزوج ولذا فلو لم تكن هناك مزاحمة لحقّه كما لو كان مسافراً لم يتوقّف جواز سفرها على إذنه وحيث إنّه لا مزاحمة في المقام باعتبار أنّ الرجل لا يرى حقّاً لنفسه فيها، فلا وجه للحكم بتوقّف جوازه على إذنه. (3)


1) معتمد العروة؛ ج 1، ص 277.

2) مباني العروة؛ ج 2، ص 219.

3) نفس المصدر، ص 219.

قلت: لا ينقضي منه قدس سره تعجبي كيف وقع التهافت في كلماته في الموارد الثلاثة، وكيف حمل الروايات المتقدّمة على صورة النشوز مع كونها آبية عن الحمل المزبور؟وكيف كان، فالحقّ ما ذكره الماتن تبعاً للمشهور، بل المجمع عليه، وهو حرمة خروج الزوجة من بيتها بدون إذن زوجها وإن لم يكن منافياً لحقّه في غير الواجب.وأمّا في الواجب، فلا حاجة إلى إذنه؛ إذ «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ» (1كما في عدة من الأخبار.)في سفر الولد مع نهي الوالدينالمقام الثاني: في سفر الولد مع نهي الوالدين أو أحدهما في غير الواجب. فهل يوجب ذلك حرمة السفر بحيث يترتّب عليه عدم جواز التقصير أو الإفطار في شهر رمضان؟وبعبارة أُخرى: هل يجب إطاعة الوالدين في مطلق الأوامر والنواهي الصادرة منهما أو لا؟فيه خلاف بين الأعلام كما لا يخفي على من تتّبع كلمات القوم في صلاة الجماعة وكتاب الجهاد والاعتكاف والصوم المندوب، فالمتحصّل من كلماتهم في هذه المسألة ثلاثة أقوال:القول الأوّل: وجوب إطاعتهما وحرمة مخالفتهما مطلقاً، أي: في جميع الأُمور الشرعيّة والعرفيّة والأخلاقيّة ما لم يأمرا بخلاف الشرع؛ فإنّه «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِق»، كما في النص.والظاهر أنّ هذا هو المشهور بين الأصحاب، ومنهم السيد الماتن كما يظهر في غير مورد من كلامه، فقد ذكر في عداد مصاديق السفر المحرّم سفر الولد مع نهي الوالدين، وقال في مسألة (1 من أحكام الجماعة:)بل لا يبعد وجوبها بأمر أحد الوالدين.فإنّ إطلاق كلامه ظاهر فيما ذكر.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 16، ص 54، باب 11 من أبواب كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فقد أجمع القوم على حرمة السفر إلى الجهاد بنهي الوالدين إذا كان واجباً كفائيّاً. قال في «الجواهر» عند قول المحقّق:وللأبوين منعه من الفرض ما لم يتعيّن عليه ...، بلا خلاف أجده فيه، بل عن ظاهر التذكرة والإيضاح، الإجماع عليه، بل في المنتهى، من له أبوان مُسْلِمانِ لم يجاهد تطوّعاً إلّا بإذنهما ولهما منعه، وبه قال كافّة أهل العلم. (1)و به صرّح كثير من الفقهاء كما في «مستند» النراقي قدس سره وغيره، وهذا هو الظاهر من بعض نصوص الجهاد.منها: رواية جابر عن أبي عبدالله علیه السلام، قال:«جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه و آله و سلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي رَاغِبٌ فِي الْجِهَادِ نَشِيطٌ، قَالَ: فَجَاهِدْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّكَ إِنْ تُقْتَلْ كُنْتَ حَيّاً عِنْدَ اللَّهِ تُرْزَقُ وَإِنْ مِتَّ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُكَ عَلَى اللَّهِ وَإِنْ رَجَعْتَ خَرَجْتَ مِنَ الذُّنُوبِ كَمَا وُلِدْتَ.»«فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي وَالِدَيْنِ كَبِيرَيْنِ يَزْعُمَانِ أَنَّهُمَا يَأْنَسَانِ بِي وَيَكْرَهَانِ خُرُوجِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم: أَقِمْ مَعَ وَالِدَيْكَ، فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْسُهُمَا بِكَ يَوْماً وَلَيْلَةً خَيْرٌ مِنْ جهَادِ سَنَةِ.» (2)ومثله خبره الآخر إلّا أنّه مختص بالوالدة. (3)ومنها: موثّقة محمد بن مروان، عن أبي عبدالله علیه السلام:أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه و آله و سلم فَقَالَ: أَوْصِنِي! قَالَ: (لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئاً وَإِنْ أُحْرِقْتَ بِالنَّارِ وَعُذِّبْتَ إِلَّا وَقَلْبُكَ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَوَالِدَيْكَ فَأَطِعْهُمَا وَبَرَّهُمَا حَيَّيْنِ كَانَا أَوْ مَيِّتَيْنِ وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ فَافْعَلْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ. (4))


1) الجواهر الكلام؛ ج 21، ص 22.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 15، ص 20، باب 2 من أبواب جهاد العدو، ح 1.

3) نفس المصدر، ص 20-21، باب 2 من أبواب جهاد العدو، ح 2.

4) نفس المصدر، ص 489، باب 92 من أبواب من أحكام الأولاد، ح 4.

### عدم جواز إيذاء الوالدينلكنّ الالتزام بهذا القول مشكل جدّاً لما سيجيء إن شاء الله من عدم دلالة الكتاب الذي هو الأصل في ذلك على هذا المقدار الوسيع من الإطاعة، فانتظر.القول الثاني: وجوب إطاعتهما في خصوص مسائل المعاشرة والإحسان.وبعبارة أُخرى: أنّ الولد مأمور بحسن المعاشرة مع والديه والإحسان إليهما.ويدلّ عليه قوله تعالى:(وَ قَضى رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلّا إِيّاهُ وبالوالِدَيْنِ إِحْساناً (1))وقوله سبحانه:وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ (2)والآيتان تدلّان على وجوب الإحسان إليهما.وكذا يدلّ عليه جملة من الأخبار:منها: صحيح منصور بن حازم، عن أبي عبد الله علیه السلام:«قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». (3)ومنها: صحيح أبي ولّاد الحنّاط عنه علیه السلام، قال:سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّوَجَلَ (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا مَا هَذَا الْإِحْسَانُ؟ فَقَالَ: الْإِحْسَانُ أَنْ تُحْسِن صُحْبَتَهُمَا وَأَنْ لَا تُكَلِّفَهُمَا أَنْ يَسْأَلَاكَ شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجَانِ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُسْتَغْنِيَيْن، أَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) ؟ وَقَالَ: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفَّ وَلا تَنْهَرْهُما) قَالَ: إِنْ أَضْجَرَاكَ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا، إِنْ ضَرَبَاكَ قَالَ: (وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً) قَالَ: إِنْ ضَرَبَاكَ فَقُلْ


1) الإسراء: 23.

2) الإسراء: 24.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 21، ص 488، باب 92 من أبواب أحكام الأولاد، ح 2.

لَهُمَا: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمَا فَذَلِكَ مِنْكَ قَوْلٌ كَرِيمٌ قَالَ: وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ قَالَ: لَا تَمْلَ عَيْنَيْكَ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِمَا إِلَّا بِرَحْمَةٍ وَرِقَّةٍ وَلَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ فَوْقَ أَصْوَاتِهِمَا وَلَا يَدَكَ فَوْقَ أَيْدِيهِمَا وَلَا تَقَدَّمْ قُدَّامَهُمَا. (1))ومن ذلك يعلم أنّ العقوق ليس مطلق المخالفة بل هو معنى خاصّ كما سيجيء.وأمّا قوله سبحانه: ﴿وَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ، فالمراد منه عدم الغلظة في التكلّم في المعاشرة. كما ربما يؤيّده ما ورد في باب عدالة إمام الجماعة عن عمر بن يزيد:)«أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ إِمَامٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي جَمِيع أُمُورِهِ عَارِفٌ، غَيْرَ أَنَّهُ يُسْمِعُ أَبَوَيْهِ الْكَلَامَ الْغَلِيظَ الَّذِي يَغِيظُهُمَا أَقْرَأْ خَلْفَهُ؟ قَالَ: لَا، تَقْرَأُ خَلْفَهُ مَا لَمْ يَكُنْ عَاقّاً قَاطِعاً». (2)حيث يظهر منه أنّ مجرد إعلاء الصوت في التكلّم معهما ونحو ذلك لا يوجب الفسق.فهذه الأدلّة ظاهرة في لزوم المعاشرة الحسنة معهما والإحسان إليهما، وأنّ مجرد المخالفة في غير المعاشرة لا يوجب العقوق.القول الثالث: عدم جواز إيذائهما مطلقاً، أي: سواء في الأُمور الشرعيّة أم المعاشرة، وسواء كان هناك أمر منهما أم لا، وهذا أعمّ من القول الثاني كما يظهر بالتأمّل. وهذا هو الذي يظهر من «الجواهر» في كتاب الصوم حيث مال إلى صحة الصوم مع نهي الوالد بقوله:لعدم ما يدلّ على وجوب إطاعته في ذلك ما لم يستلزم إيذاءه بذلك من حيث الشفقة. (3)والظاهر أنّ منشأ هذه الأقوال الثلاثة اختلاف آرائهم في تفسير العقوق المنهيّ عنه في الكتاب والسنّة، فلابدّ لنا اوّلاً ملاحظة ما ذكره أهل اللغة حتى يتّضح الحال والحقّ من الأقوال، فنقول:


1) نفس المصدر، ص 487-488، باب 92 من أبواب أحكام الأولاد، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 313- 314، باب 11 من أبواب الجماعة، ح 1.

3) الجواهر الكلام؛ ج 17، ص 119.

قال في «المنجد»:عقّ الولد والده: عصاه، أي: شقّ عصا طاعته وترك الشفقة عليه والإحسان إليه واستخفّ به.فظاهر كلامه أنّ العقوق عبارة عن مطلق المخالفة، ولو بعدم الإحسان والمحبّة.ويظهر نحوه من ابتداء كلام «لسان العرب» حيث قال:عقّ الولد والده: شقّ عصا طاعته، -ثمّ قال في ذيل كلامه:- وفي الحديث أنّه صلی الله علیه و آله و سلم نهى عن عقوق الأُمّهات، وهو ضد البرّ. (1)وهذا أخصّ من الأوّل؛ لأنّه يكون عاقّاً بمجرد عدم الإحسان وإن لم يكن في البين مخالفة أصلاً.وقال في «مجمع البحرين»:عقّ الولد أباه: يعقّه عقوقاً من باب قعد إذا آذاه وعصاه وترك الإحسان إليه، وهو البرّ به. (2)وقال في «القاموس»:العقوق ضدّ البرّ.ونحوه في «المصباح». (3)وعلى هذا، فنفس كلام أهل اللغة غير خالٍ عن الإبهام في الجملة، وإن كان ظاهرهم أنّه عبارة عن مطلق المخالفة، نعم، ذيل كلام «اللسان» و«القاموس» و«المصباح» ظاهر في اختصاص العقوق بعدم البرّ وعدم الإحسان إليهما.وبالجملة، فلا يحصل من كلامهم ما يعيّن القول الأوّل، أعني: حرمة مطلق المخالفة، رغم ذهاب المشهور إليه وظهور أكثر النصوص فيه. ومن هنا يشكل الالتزام به لاستلزامه


1) لسان العرب؛ ج 10، ص 256، مادة "عقق".

2) مجمع البحرين؛ ج 5، ص 215، مادة "عقق".

3) المصباح المنير في غريب الشرح الكبير؛ ج 2، ص 422، مادة "عقق".

اختلال نظام معاش الولد؛ إذ لو فرضنا انّ الأب أمر ولده بطلاق زوجته وبيع داره وهبة سيارته له وهكذا، وفرضنا وجوب الإطاعة مطلقاً، لصار معاشه مختلاً كما لا يخفي.ولا يبعد أن يكون المراد من العقوق معنى خاص، وهو ما يوجب إيذاءهما في المعاشرة، كما يؤمىء إليه قوله سبحانه:(وَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما،)وهذا هو الظاهر من بعض النصوص المتقدمة عند بيان أدلّة القول الثاني، فراجع وتأمّل في متن صحيحة عمر بن يزيد وغيرها حيث إنّ الظاهر منها أنّ مجرد تغليظ الصوت ونحوه لا يوجب العقوق ما لم يحصل منه الإيذاء. فمجرد المخالفة ليس من العقوق في شيء، بل العقوق مرتبة خاصة من إساءة أدب المعاشرة.فإن قلت: ما معنى قوله علیه السلام، في صحيح أبي ولّاد: «الْإحْسَانُ أَنْ تُحْسِنَ صُحْبَتَهُمَا وَأَنْ لا تُكَلِّفَهُمَا أَنْ يَسْأَلَاكَ شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجَانِ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَا مُسْتَغْنِيَيْن»،قلت: الظاهر أنّ المراد من نحو ذلك مراعاة مرتبة عالية من الأدب، وإلّا فوجوب العمل بما أراده احد الوالدين مطلقاً في غاية الإشكال. كيف وقد وقع النزاع بين الوالد وولده في الأموال وكان النبي صلی الله علیه و آله و سلم يقضي بينهما كما في بعض النصوص.نعم، إطاعة الوالدين في مثل الأمور الأخلاقيّة وغيرها مطلقاً ربما تعدّ من الإيمان، كما يظهر ذلك من قوله صلی الله علیه و آله و سلم:«وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، فَافْعَلْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ».فتحصّل أنّ المتيقّن من العقوق المحرّم، هو ما يوجب إيذاءهما في خصوص المعاشرة، لظاهر قوله سبحانه:(وَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ،)وأمّا غير ذلك فلم يثبت حرمته بدليل، وإن كان الأحوط جلب رضاهما مطلقاً.

فذلكة في بيان العقوقفنقول: للعقوق مراحل ثلاث:المرحلة الأُولى: الإيذاء في المعاشرة وعدم الإحسان إلى الأبوين، وهذا هو المستفاد من الآيات والأخبار، قال الله تعالى:(وَ بِالوالِدَيْنِ إِحْسانا (1))و قال:(وَ اعْبُدُوا اللهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالوالِدَيْنِ إِحْساناً (2))وقال:(أَلّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وبِالوالِدَينِ إِحْساناً (3))وقال:(وَ قَضى رَبُّكَ أَلّا تَعْبُدُوا إِلّا إِيّاهُ وبِالوالِدينِ إحساناً (4))وقال:(وَ بِرّاً بِوالِدَيْهِ (5))وقال:(وَوَصَّيْنا الإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحساناً (6))وقوله:


1) البقرة: 83.

2) النساء: 36.

3) الأنعام: 151.

4) الإسراء: 23.

5) مریم: 14.

6) العنكبوت: 8.

(وَوَصَّيْنا الإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحساناً (1))وقال:(وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما (2))وقال:(وَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً (3))فهذه الآيات كما ترى، ظاهرة في لزوم حسن المعاشرة مع الوالدين والقول الليّن معهما، وليست فيها إشارة إلى وجوب الإطاعة مطلقاً، فلو كانت في مقام إثبات الإطاعة المطلقة على ما ذكره المشهور لكان فيها إشارة إليها مع كثرتها.نعم، يمكن أن يستظهر وجوب إطاعتهما مطلقاً من بعض الآيات:منها: قوله سبحانه:(وَ وَصَّيْنَا الإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَن اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ إِلىَّ المَصِيرُ (4))توضيحه: أنّه سبحانه قرن شكر الوالدين بشكره، والشكر هو الإعتراف بالنعمة وفعل ما یجب على الشاكر من الطاعة وترك المعصية. قال في «مجمع البحرين»:وشكرت الله: اعترفت بنعمته، فعلت ما يجب من فعل الطاعة وترك المعصية. (5)وقال الطبرسي قدس سره في تفسير قوله سبحانه:(وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً،)


1) الأحقاف: 15.

2) الأحقاف: 17.

3) الإسراء: 23.

4) لقمان: 14-15.

5) مجمع البحرين؛ ج 3، ص 354.

فشكر الله سبحانه بالحمد والطاعة، وشكر الوالدين بالبرّ والصلة. (1)ويؤيّده قوله سبحانه:(وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا . (2))فإنّ إستثناء هذا المورد مشعر بما ذكر، وأنّ إطاعتهما واجبة إلّا في هذا المورد.إلّا أنّ الآيتين غير صريحتين في المدّعى، فلا توجبان المصير إلى خلاف ما تقدّم من الآيات الكثيرة الصريحة في المراد، بل يمكن أن يقال: إنّ اقتران شكر الوالدين بشكر الله سبحانه في الآية الأُولى لا يدلّ إلّا على وجوب الشكر فقط دون شيء آخر.والآية الثانية إنّما هي بصدد بيان حرمة الإطاعة في الشرك، فلا يفهم منها وجوب الإطاعة في غير الشرك، بل المقصود هو المصاحبة بالمعروف فترجع حينئذٍ إلى الآيات السابقة. كيف؟ ولا يجوز إطاعة الوالدين في الأمر بالمحرّمات.وبالجملة، أنّ الآيات الأخر تفسّر المراد من هذه الآية.ويؤيّده قوله سبحانه:(وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً ؛)حيث تدلّ على أنّ المأمور به هو المعاشرة معهما بالمعروف والبرّ والصلة بهما كما اعترف به الطبرسي قدس سره على ما تقدّم.ومن تمام ما ذكرنا ظهر أنّه لا دليل من الكتاب على وجوب إطاعة الوالدين مطلقاً، أي:حتى في الأمور الشخصيّة الراجعة إلى نفس الولد وأهله ومعاشه.المرحلة الثانية: أن يكون عدم إطاعتهما فيما أمراه به أو نهياه عنه موجباً للإيذاء، فهل هذا يوجب العقوق أم لا؟ ظاهر جماعة ومنهم الماتن قدس سره هو الأوّل، تبعاً لصاحب الجواهر حيث


1) نفس المصدر، ص 316.

2) لقمان: 14-15.

قال:نعم، يحرم عليه العقوق ... - ثمّ قال: - والإيذاء ولو بقول أُفّ ونهرهما ... . (1)وقال أيضاً بعد الحكم بصحة صوم الولد مع نهى الوالد:لعدم وجوب طاعته في ذلك ما لم يستلزم إيذاءً بذلك من حيث الشفقة. (2)وقال السيد قدس سره عند عدّ مواضع الصوم المحرّم:التاسع صوم الولد مع كونه موجباً لتألّم الوالدين وأذيّتهما.وقال في الإعتكاف عند بيان شرائطه:وإذن الوالد أو الوالدة بالنسبة إلى ولدهما إذا كان مستلزماً لإيذائهما.ووافقه جلّ المحشّين، بل كلّهم على ما أعلم، بل يصرّ عليه المحقّق الخوئي قدس سره في غير مورد من كلماته، قال عند قول الماتن:وسفر الولد ...، هذا لا دليل على حرمته ما لم يبلغ حدّ الإيذاء. (3)وقال في «المنهاج»:وإذن الوالدين بالنسبة إلى ولدهما إذا كان موجباً لإيذائهما شفقة عليه. (4)وقال عند قول الماتن:وإذن الوالد أو الوالدة ... مستلزماً لإيذائهما...، أمّا إذا لم يستلزم الإيذاء، كما لو لم يكن عن اطّلاع منهما بأن كان - مثلاً - في بلد والولد يعتكف في بلد آخر، فلا اشكال فيه. (5)وحاصل كلامهم دوران العقوق مدار الإيذاء وجوداً وعدماً، فكلّ فعل أو قول أو حركة من


1) الجواهر الكلام؛ ج 21 ، ص 24.

2) نفس المصدر، ص 119.

3) مستند العروة، ج 8، ص 106.

4) منهاج الصالحين؛ ج 1، ص 290، مسألة 1072.

5) نفس المصدر.

الولد يوجب إيذاء الوالدين يكون حراماً، سواء كان هذا الموجب هو السفر أم الصوم أم الإعتكاف أم الزواج بالمرأة الفلانيّة أم نحو ذلك.إلّا أنّ الكلام في دليل هذا القول: فإنّ مقتضى ما حرّرناه سابقاً أنّه لا دليل عليه؛ لعدم استفادته من الآيات المتقدّمة، لما أشرنا من أنّه لا عين ولا أثر من الإيذاء فيها؛ وأمّا الروايات: فهي وإن كانت ظاهرة في حرمة مطلق المخالفة وإن لم تكن موجباً للايذاء، إلّا أنّ اطلاقها غیر معمول به، کما عرفت.وبالجملة: فلا نرى وجهاً لهذا القول رغم كثرة القائل به.نعم، لا يبعد الإلتزام به في باب الصوم المندوب لما روى عن رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم حيث:«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه و آله و سلم: مِنْ فِقْهِ الضَّيْفِ أَنْ لَا يَصُومَ تَطَوُّعاً إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ؛ وَمِنْ طَاعَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا أَنْ لَا تَصُومَ تَطَوُّعاً إِلَّا بِإِذْنِهِ وَأَمْرِهِ؛ وَ مِنْ صَلَاحٍ الْعَبْدِ وَطَاعَتِهِ وَنَصِيحَتِهِ لِمَوْلَاهُ أَنْ لَا يَصُومَ تَطَوُّعاً إِلَّا بِإِذْنِ مَوْلَاهُ وَأَمْرِهِ، وَمِنْ بِرِّ الْوَلَدِ أَنْ لَا يَصُومَ تَطَوُّعاً إِلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ وَأَمْرِهِمَا؛ وَإِلَّا كَانَ الضَّيْفُ جَاهِلاً، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ عَاصِيَةً، وَكَانَ الْعَبْدُ فَاسِداً عَاصِياً، وَكَانَ الْوَلَدُ عَاقّاً.» (1)بتقريب أنّ العرف يفهم من هذا الكلام أنّ الولد لو خالف نهي أبويه من الصوم تكون مخالفته عقوقاً لهما.ولكنّ الأخذ بظاهره مشكل؛ لأنّ ظاهره حصول العقوق بمجرد عدم الإذن وهذا لا يمكن المصير إليه، مضافاً إلى أنّه لم يقل به أحد، فلابدّ من أن يحمل على الكراهة مع أنّ في سنده إشكالاً، كما لا يخفي.وعلى تقدير التسليم، فهو منحصر بباب الصوم المندوب، وأمّا الإعتكاف فلم يرد فيه نصّ كذلك، ومن هنا كتبنا في تعليقتنا في باب الإعتكاف: لا يخلو عن تأمّل، بل لا يبعد الصحة؛ لأنّ مجرد حصول الإيذاء من غير جهة المعاشرة لم يثبت حرمته.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 10، ص 530، باب 10 من أبواب الصوم، ح 2.

ومع ذلك كلّه، لا ينبغي ترك الاحتياط في الإعتكاف أيضاً، نظراً إلى أنّ المتفاهم من رواية الصدوق المتقدّمة أنّ الملاك هو الإيذاء، من غير فرق بين كون المخالفة في الأُمور المعاشرية أو غيرها، وإن كان الفتوى بذلك في غاية الإشكال؛ لأنّ الاعتماد على الخبر الواحد في قبال الآيات المتقدّمة والنصوص المتظافرة كما ترى.والعجب من المحقّق الخوئي قدس سره؛ فإنّه رغم إصراره على تعلّق حرمة الصوم على الإيذاء وجوداً وعدماً، لم يذكر له دليلاً، فراجع إن شئت. (1)وأعجب منه: إصراره على حرمة الفعل الموجب لإيذاء الوالدين، كما في مورد الزواج من إمرأة تتأذّى منها الأُمّ، لعدم تلائم أخلاقهما. وتأذّي الأب من رغبة الولد في تحصيل العلوم الحديثة، ونحوهما فراجع. (2)والحاصل: أنّ مجرد تأذى الوالدين من صوم الولد وصلاته لا يوجب العقوق الّا إذا كان قاصداً للإيذاء.المرحلة الثالثة: وهي حرمة المخالفة لأمر الوالدين ونهيهما وإن لم تحصل أذيّتهما، كما إذا أمر الوالد إبنه بشيء من غير ملاحظة المصلحة، أو نهاه كذلك، فعليه تجب الإطاعة وتحرم المخالفة بحيث تعدّ مخالفته كذلك عقوقاً لهما، كما هو ظاهر الأكثر ويدلّ عليه جملة من النصوص المتقدّمة.قلت: كون الإطاعة وعدم المخالفة كذلك من الأُمور الأخلاقيّة والمستحسنات العقليّة، ممّا لا يقبل الإنكار، وأمّا كونهما واجبين شرعاً، ففي غاية الإشكال، لما عرفت من ظهور الآيات في لزوم البرّ والإحسان فقط، فيشكل الفتوى بالوجوب ولو احتياطاً؛ لاستلزامه المشقّة على كثير من الناس مع عدم دليل واضح.وفي بعض النصوص شاهد لما ادّعيناه - من كون الإطاعة وعدم المخالفة أمرين أخلاقيّين


1) مستند العروة؛ ج 2، ص 313.

2) نفس المصدر، ص 363.

### حكم ما كان السفر مضرّاً بالبدنصِرفين - كما في ذيل رواية محمد بن مروان، أعني: قوله علیه السلام:«فإنّ ذلك من الإيمان».فهذا الخبر ظاهر فيما ذكرنا بمكان التعليل.كيف، وقد قضى رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم بين الوالد ولده في بعض الموارد الناشي من اختلافهما في الأموال.اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الحكم والقضاء لا ينافي العقوق.والحاصل أنّه لو كان مجرد مخالفة الوالدين عقوقاً لم يخل منه إلّا الأوحديّ من الناس.ومع ذلك كلّه، لا ينبغي ترك الإحتياط وتجنّب المخالفة، سيّما إذا كانت المخالفة موجبة للإيذاء، مع ما في الإطاعة من الآثار المحسنّة المحسوسة لكلّ انسان وفي المخالفة من الآثار السيّئة كذلك.المقام الثالث: في السفر الذي يكون مضرّاً للبدن، فقد عرفت أنّ الماتن قدس سره جعله من مصاديق السفر الحرام الموجب لإتمام الصلاة ولكن لم يذكر له حدّاً.وهل يوجب الضرر حرمة السفر مطلقاً أو في بعض الموارد؟ فيه خلاف بين الأعلام، اختار الماتن الأوّل، وذهب المحقّق الخوئي قدس سره إلى الثاني.ولا بدّ لنا من التكلّم في بيان حدّ الضرر الذي يوجب حرمة السفر ثمّ بيان الدليل عليه.فيقع الكلام في جهتين:الجهة الاولى: في بيان أقسام الضرر؛والجهة الثانية: في بيان منشأ الخلاف.أمّا الجهة الاولى فنقول: السفر المضرّ على البدن على أقسام:أحدها: ما يوجب هلاكة النفس قطعاً؛ثانيها: ما يوجب ذلك ظنّاً؛ثالثها: ما إذا كان ذلك احتمالاً عقليّا معتدّاً به؛

رابعها: ما كان احتماله ضعيفاً؛خامسها: ما علم كونه موجباً لقطع بعض الأعضاء المهمة، كاليد ونحوها؛سادسها: ما يوجب تشويه الخلقة؛سابعها: ما يوجب ضعف القوي؛ثامنها: ما يوجب الضرر والضعف الجزئيّين.إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ ظاهر كلام السيد قدس سره كون الضرر بجميع أقسامه موجباً لحرمة السفر، فإنّ مقتضى إطلاق كلامه حرمة السفر ولو كان الضرر قليلاً، كحمّى يوم، أو تصادم بشيءٍ قسراً، ونحو ذلك.ولكن الإلتزام به في غاية الإشكال؛ إذ لا يتّفق سفر لا يكون فيه بعض ما ذكر من أفراد الضرر، لاسيّما في الأسفار الواقعة في الأزمنة السالفة راجلاً أو راكباً كما لا يخفي.ومن هنا كان المحقّق الخوئي قدس سره بصدد تحديده حيث قال عند قول الماتن:وكما إذا كان السفر مضرّاً لبدنه...،وهذا أيضاً لا دليل على حرمته ما لم يبلغ حدّ الإلقاء في التهلكة المنهيّ عنه في الآية المباركة، وإلّا فدون ذلك من الإضرار سيّما إذا كان الضرر يسيراً كحمّى يوم أو يومين ولا سيّما إذا كان الغرض خطيراً من تجارة أو زيارة مما كان مهمّاً عند العقلاء واستقرّ بناؤهم على الاقتحام وعدم الإعتناء بتلك الأضرار فلم تثبت حرمته بوجه. (1)فصریح کلامه اختصاص حرمة السفر بما إذا كان موجباً لهلاك النفس فقط.وأمّا الجهة الثانية: فنقول منشأ الخلاف في ذلك اختلاف آرائهم في تفسير الآية، أعني قوله سبحانه:


1) نفس المصدر، ج 8، ص 106.

(وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (1))وحيث إنّ التحقيق في المقام يحتاج إلى بيان معنى الآية، فينبغي لنا تفسيرها وتوضيحها، فنقول:المعروف عند المفسّرين، أنّ الباء في قوله: (بِأَيْدِيكُمْ زائدة جيء بها للتأكيد وليست للتعدية؛ لأنّ الإلقاء متعدّ بنفسه لا يحتاج إلى حروف التعدية، كما صرّح بذلك الزمخشري في «كشّافه»، (2)وابن هشام في «المغني»، (3)وأبوالبقاء في كليّاته، (4)والطبرسيّ في «مجمع البيان» (5)والطباطبائي في «الميزان». (6))وعلى هذا، يصير المعنى: «ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة»، والمراد من اليد هو القوّة والإستطاعة البدنية، فيكون النهي من الإلقاء في التهلكة إرشاداً إلى عدم جواز إفساد قوى البدن، فيحرم تضييع تلك القوى من قطع اليد والرّجل وإفساد العين وجعل المرأة والرِّجل أنفسهما عقيمين، وهكذا؛ لأنّ ذلك كلّه إلقاء القوى إلى التهلكة.نعم، لا يشمل ذلك البيان الإضرار الذي يوجب تشويه الخلقة وتغييرها.وربّما يؤيّد هذا المعنى، الآيات المتقدّمة على تلك الآية حيث إنّ جمعاً من المسلمين الذين كانوا متموّلين لم يكونوا ينفقون أموالهم على المجاهدين، وكان ذلك سبباً لتضعيف المجاهدين من جهة الجوع وفقد السلاح، فأمر الله سبحانه بالإنفاق في الجهاد حتى لا تضعف قوى المجاهدين في قبال الأعداء.نعم، لو قلنا بأنّ الباء للسببية كما يظهر من بعض كتب النحو والتفسير وصرّح به البلاغي


1) البقرة: 195.

2) الكشاف عن الحقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل؛ ج 1، ص 237.

3) المغني على المختصر: الباء المفردة.

4) باب الباء.

5) مجمع البيان؛ ج 2، ص 516.

6) الميزان في التفسير القرآن؛ ج 2، ص 64.

في تفسيره (1لكان المعنى: «لا تلقوا أنفسكم بسبب أيديكم إلى التهلكة»، فتدلّ حينئذٍ على حرمة إلقاء النفس إلى التهلكة فقط، فلا تشمل غير ذلك.)والظاهر أنّ ما ذكره المحقّق الخوئي قدس سره من اختصاص الحرمة بإهلاك النفس فقط، مبنيٌّ على هذا التفسير، إلّا أنّك عرفت ضعف المبنى؛ لكونه مخالفاً لأكثر أهل الأدب والتفسير.بل لا يصح هذا التفسير في حدّ نفسه؛ لأنّه لو كانت الباء للسببيّة لكان المعنى كما عرفت: «لا تلقوا أنفسكم بسبب أيديكم إلى التهلكة»، فحينئذٍ تسأل ما المراد من الأيديّ؟ فإن أرادوا ما هو معناه حقيقة، فلا يصح قطعاً؛ لأنّه يوجب انحصار المنهيّ -وهو الهلاكة- باليد فقط، وهذا ليس بمراد قطعاً؛ لعدم وجه للاختصاص.وإن أرادوا المعنى المجازيّ الكنائيّ وهو القدرة والقوّة، فيرد عليهم أنّه غير مراد قطعاً؛ لأنّه يصير المعنى حينئذٍ: «لا تلقوا أنفسكم بسبب قواكم إلى التهلكة والفساد»، وهذا المعنى مع عدم لطافته يحتاج إلى تقدير «أنفسكم»، وهو خلاف الأصل.ثمّ إنّ الآيات وسياقها كما اشرنا اليه لا تناسب هذا المعنى؛ لأنّ الآيات نزلت في الجهاد، لاحظ قوله تعالى:(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ)(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)


1) آلاء الرحمن في تفسير القرآن؛ ص 167.

(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)ويصير المعنى: «قاتلوا الكفار وأنفقوا ولا تفسدوا قواكم بسبب عدم الإنفاق»، وحينئذٍ تنطبق على ما ذكرنا وهذا المعنى لطيف جدّاً يحتاج إلى التأمّل، فتأمّل.إذا تقرّر ذلك فنقول: هل يحرم الإضرار مطلقاً، نفساً كان أو غيرها، كليّاً كان أو جزئيّاً، أو تختصّ الحرمة بإهلاك النفس فقط، فلا تشمل غيرها أصلاً، أو تختصّ بإهلاك النفس والأعضاء الرئيسيّة، فلا تشمل الإضرار الوارد على غير الرئيسيّة؟ وجوه بل أقوال ثلاثة:القول الأوّل: حرمة الإضرار مطلقاً، وهو المعروف بين القوم، قال المحقّق الخوئي قدس سره حاكياً عن الشيخ الأنصاري في رسالته في قاعدة «لا ضرر»:إنّ الإضرار بالنفس كالإضرار بالغير، محرّم بالأدلّة العقليّة والنقليّة. (1)ولذا أفتى به السيد في المقام، أي: السفر الموجب للضرر على البدن وقوّاه جُلّ المحشّين، بل كلّهم.نعم، استشكل المحقّق الخوئي قدس سره فيه، حيث قال في حاشية «العروة» عند قول الماتن:كما إذا كان السفر مضرّاً لبدنه...،في إطلاقه إشكال، بل منع. (2)ووجه الإشكال ما ذكره في «مستند العروة» من اختصاص الحرمة بما إذا كان السفر مؤدّياً إلى هلاك النفس وأنّه لا دليل على حرمة مطلق الإضرار. (3)ونحن أيضاً علّقنا في سالف الزمان على كلام السيد بقولنا:في إطلاقه نظر، بل مطلقاً.ووجه النظر يظهر مما تقدّم من عدم الدليل على حرمة مطلق الإضرار كما اعترف به


1) مصباح الأصول؛ ج 2، ص 548.

2) العروة الوثقى؛ ج 1، ص 687.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 106.

المحقّق الخوئي قدس سره.وعلى أيّة حالٍ، فقد استدلّ في المقام بالأدلّة العقليّة والنقليّة كما في المحكيّ عن كلام الشيخ الأنصاري قدس سره (1ونحن نكتفي ببيان الأدلة النقلية فقط وهي أمور:)الأمر الأوّل: وهو العمدة: آية التهلكة؛ فقد يقال إنّها تدلّ على النهي عن مطلق الإضرار على النفس.وفيه ما لا يخفى؛ إذ قد عرفت انّ المراد بالأيدي هو القُوى الظاهريّة والباطنيّة وأنّ الإلقاء متعدٍّ بنفسه، وعليه فتكون لفظة: (بِأَيْديكُمْ مفعولاً به، فالمعنى «لا تزيلوا قوى أنفسكم بإلقائها في التهلكة» وقد أشرنا إلى أنّ هذا المعنى هو المتعيّن بملاحظة ما تقدّم من زيادة الباء ويؤيّده السياق أيضاً كما تقدّم.)ومن الظاهر أنّ هذا المعنى لا يشمل الضرر الجزئي، مثل: إدماء الجلد ونحوه؛ لعدم صدق إهلاك القوى على الإدماء المزبور، وليس هناك دليل عليه غير الآية الشريفة كما لايخفي.وعلى هذا، فإطلاق كلام الماتن قدس سره لا يخلو من إشكال، بل منع.فإن قلت: ما الوجه في الإصرار على هذا المعنى؟قلت: السرّ في ذلك، وجود الفرق الفاحش بين المعنيين المذكورين في تفسير الآية الشريفة بالنسبة إلى الآثار المترتّبة عليها كما يظهر ذلك للمتتبّع؛ فإنّ لازم ما اخترناه من المعنى، هو كون تضييع قوة من قوى البدن من مصاديق إلقاء النفس في التهلكة؛ مضافاً إلى أنّه لو ثبت هذا المعنى، لم تبق حاجة إلى تجشّم الاستدلال بوجوه أُخرى وتأتي إليه الإشارة.ومما ذكرنا - في تضعيف الاستدلال للقول الأوّل بالآية - يظهر ضعف الاستدلال بها على القول الثاني، أعني : اختصاص الحرمة بإهلاك النفس، الذي هو مختار المحقّق الخوئي قدس سره.ووجه الضعف، هو أنّ الآية ظاهرة بل صريحة في حرمة إهلاك القوى، فتشمل مطلق إفناء


1) مصباح الأصول؛ ج 2، ص 548.

القوى المتعلّقة بالبدن، فلا وجه لاختصاصها بإهلاك النفس فقط.ومنه يظهر أيضاً عدم تماميّة ما ذكره في «المصباح» حيث قال:ولكن التحقيق عدم ثبوت ذلك -أي: الإضرار المطلق - على إطلاقه، أي: من غير التهلكة، وما هو مبغوض في الشريعة المقدّسة كقطع الأعضاء. (1)الوجه في ذلك، أنّ التخصيص بالأمرين يحتاج إلى دليل شرعيّ وهو مفقود، وكونه مبغوضاً في الشريعة، مع عدم الدليل، إحالة على المجهول.ومثله في الإحالة إلى المجهول، ما ذكر في جواب السؤال عن دليل قطع الأعضاء المهمّة حيث قال:مجموع ذلك مستفاد من موارد المنع والترخيص بوقوعها لزوماً أو غير لزوم عمداً أو خطاءً. (2)فهو مضافاً إلى أنّه إحالة على المجهول نحو عدول عن الجواب حيث لم يذكر له دليلاً وبياناً لحدّ القطع هذا.و لكن كلامه قدس سره في المنهاج يوافق المشهور حيث قال: تحرم السموم القاتلة وكلّ ما يضرّ الإنسان ضرراً يعتدّ به و منه الأفيون المعبّر عنه بالترياك سواء كان من جهة زيادة المقدار المستعمل منه أم من جهة المواظبة عليه. (3)و سبقه إلى ذلك السيد الإصفهاني قال: يحرم تناول كل ما يضرّ بالبدن سواء كان موجباً للهلاك كشرب السموم القاتلة وشرب الحامل ما يوجب سقط الجنين او سبباً لإنحراف المزاج أو تعطيل بعض الحواسّ الظاهرة أو الباطنة ... . (4)وكيف كان، فقد علم ممّا قرّرناه أنّ الأقوى هو القول الثالث، أعني: حرمة تضييع القوى


1) نفس المصدر، ص 548.

2) صراط النجاة؛ ج 1، ص 352، مسألة 970.

3) منهاج الصالحین؛ ج 2، مسألة 1694.

4) وسيلة النجاة؛ الأطعمة من غير الحيوان، مسألة 2.

مطلقاً، أعمّ من قطع بعض الأعضاء وغير ذلك؛ لانطباق الآية الشريفة على ذلك كمال الانطباق بالمعنى الذي اخترناه، تبعاً لما هو المعروف بين أهل الأدب والتفسير.الأمر الثاني: الذي يمكن أن يستدلّ به في المقام أخبار المثلة وهي كثيرة جدّاً.منها: صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبدالله علیه السلام قال:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلی الله علیه و آله و سلم إِذَا أَرَادَ أَنْ يَبْعَثَ سَرِيَّةً دَعَاهُمْ فَأَجْلَسَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ»:«سِيرُوا بِسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، لَا تَغُلُّوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَقْتُلُوا شَيْخاً فَانِياً وَلَا صَبِيّاً وَلَا امْرَأَةً وَلَا تَقْطَعُوا شَجَراً إِلَّا أَنْ تُضْطَرُّوا إِلَيْهَا.»«وَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أَدْنَى الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَفْضَلِهِمْ نَظَرَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَهُوَ جَارٌ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، فَإِنْ تَبِعَكُمْ فَأَخُوكُمْ فِي الدِّينِ وَإِنْ أَبَى فَأَبْلِغُوهُ مَأْمَنَهُ وَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ.» (1)ونحوه موثّقة مسعدة بن صدقة حيث روى عن أبي عبدالله علیه السلام:«إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه و آله و سلم كَانَ إِذَا بَعَثَ أَمِيراً لَهُ عَلَى سَرِيَّةٍ أَمَرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ ثُمَّ فِي أَصْحَابِهِ عَامَّةً، ثُمَّ يَقُولُ»:«اغْزُ بِسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ لَا تَغْدِرُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تُمَثِّلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيداً وَلَا مُتَبَتِّلًا فِي شَاهِقٍ وَلَا تُحْرِقُوا النَّخْلَ وَلَا تُغْرِقُوهُ بِالْمَاءِ وَلَا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً وَلَا تُحْرِقُوا زَرْعاً؛ لِأَنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ وَلَا تَعْقِرُوا مِنَ الْبَهَائِمِ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ إِلَّا مَا لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ أَكْلِهِ». (2)فالنهي ظاهر في الحرمة كما لا يخفي.ومنها: قول علي علیه السلام في وصيّته للحسن علیه السلام:«يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضاً تَقُولُونَ: قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ».


1) الوسائل الشيعة ؛ ج 15، ص 58، باب 15 من من أبواب الجهاد، ح 2.

2) نفس المصدر، ص 59 - 60، باب 15 من من أبواب الجهاد، ح 3.

### في حرمة المثلة«أَلَا! لَا يُقْتَلَنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ هَذِهِ الضَّرْبَةِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ وَلَا يُمَثَّلْ بِالرَّجُلِ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم يَقُولُ»:«إِيَّاكُمْ وَالْمُثْلَةَ وَلَوْ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ علیه السلام فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! أَنْتَ وَلِيُّ الْأَمْرِ وَوَلِيُّ الدَّمِ، فَإِنْ عَفَوْتَ فَلَكَ وَإِنْ قَتَلْتَ فَضَرْبَةً مَكَانَ ضَرْبَةٍ وَلَا تَأْثَمْ». (1)ونحوه أكثر نصوص الباب.تقريب الاستدلال: أنّ المُثلة إذا كانت محرّمة في مثل الكلب العقور وموتى الكفّار في المعركة، فما ظنّكم بالمسلم الحيّ ولو كان ذلك من نفس الإنسان!؟ويظهر من بعض الأكابر أنّه مقطوع به حيث قال:إنّ المُثلة محرّمة قطعاً ولو كان الممثّل نفس الشخص على بدنه. (2)فإن قلت: إنّ غاية ما يستفاد من هذه الأخبار هو قياس المسلم الحيّ على الكفّار أو موتاهم، وليس القياس بحجّة.قلت: ليس ذلك من القياس، بل هو من باب تنقيح المناط القطعيّ ولا إشكال في حجّیّته.فتحصّل مما تقدّم أنّ الإضرار بما يوجب المثلة يكون حراماً، فلا تدلّ اخبار المثلة على حرمة مطلق الإضرار.الامر الثالث: قوله سبحانه:(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا . (3))بدعوى أنّ قطع الأعضاء تغيير لخلق الله، فكلّ ما فيه تغيير للخلق فهو حرام.ثمّ يقع الكلام في شمول تغيير الخلقة لغير الإنسان وعدمه فينبغي لنا تفسير الآية اوّلاً ثم


1) نفس المصدر، ج 29، ص 128، باب 62 من أبواب القضاء، ح 6.

2) الجواهر الکلام؛ ج 21، ص 78.

3) النساء: 119.

بيان معنى التغيير ليتّضح الحال، فيقع الكلام في مقامين:أمّا المقام الأوّل، فنقول: الظاهر أنّ المراد من التغيير هو تغيير الخلقة الظاهريّة كما إذا أحدث في ظاهر بدنه ما ينافي الخلقة النوعيّة، كقطع آلة الرجولية أو الاُنوثية أو جعل نفسه عمياء بإهداء عينيه لغيره، أو جعل نفسه مشلولة، وهكذا.وهذا المعنى هو الذي اختاره بعضهم حيث قال:وينطبق على مثل الإخصاء وأنواع المُثلة واللواط والسُّحق. (1)وكلامه هذا صريح في أنّ المثلة والإخصاء من أظهر مصاديق التغيير المنهيّ عنه.وظاهره كون حرمة المُثلة من المسلّمات عندهم.ومن ذلك يعلم أنّه بناءً على شمول الآية لغير الإنسان، لا يمكن الأخذ بظاهرها؛ لشمولها على مثل إحداث النهر لسقاية المزارع وتسطيح الجبال لغرض عقلائيّ.المقام الثاني: إنّه بناءً على تفسير الآية على تغيير الخلقة الظاهريّة، هل المراد منه خصوص ما يتعلّق ببدن الإنسان، أو يعمّ غيره أيضا؟والذي يظهر من الآية بعد التأمّل فيها وملاحظة مناسبة الحكم والموضوع هو الأوّل، كما ربّما يؤيّده ذكر الأنعام بقوله:(فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعام،)مقارناً مع ذكر تغيير الخلقة؛ فإنّ اقترانهما يكشف عن أنّ المراد هو تغيير خلقة الإنسان بتغيير ظاهر جسمه، فلا تشمل تغيير الجبال وتسطيح الأرض وإخصاء الحيوان ونحو ذلك، والمتيقّن منها هو الإنسان، بل لا يبعد دعوى انصرافها عن تغيير الأُمور الجزئية كإزالة الشعر والظفر ونحوهما مما يعدّ عرفاً من الزوائد.وعلى هذا، تكون الآية ظاهرة في حرمة ما يوجب تغيير خلقة الإنسان ومن أظهر مصاديقه هو المُثلة و تغيير جنسية الإنسان وقطع الأعضاء الرئيسة ونحو ذلك، هذا كلّه بناءً على أنّ


1) الميزان في التفسير القرآن؛ ج 5، ص 85.

### بعض فروع السفر الضرريّالمراد من التغيير المحرّم هو تغيير الخلقة الظاهريّة للإنسان.وأمّا بناءً على ما يظهر من بعض المفسّرين من كون المراد حرمة تغيير الدين كما نقله الطبرسي قدس سره حيث قال:﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ اللهِ أي: لآمرنهم بتغيير خلق الله فليغيرنه.)واختلف في معناه، فقيل: يريد دين الله وأمره، عن ابن عباس وإبراهيم ومجاهد والحسن وقتادة وجماعة.وهو المروي عن أبي عبد الله علیه السلام ويؤيده قوله سبحانه وتعالى:(فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ . (1) واستجوده المحقّق الخوئي قدس سره في بحث حلق اللّحية. (2)

بل ولم يستبعده العلّامة قدس سره حيث قال:

وليس من البعيد أن يكون المراد بتغيير خلق الله الخروج عن حكم الفطرة وترك الدين الحنيف، قال تعالى:

(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) . (3)

فلا تكون الآية دليلاً على المقام كما لا يخفى.

وإذا أحطت خبراً بما ذكرنا، يتّضح لك حال جملة من الفروع المشار إليها في تضاعيف الكلام.

فنشير إلى جملة منها وهي عشرة:

الفرع الأوّل: أنّ كلّ عمل يوجب هلاك النفس يكون محرّماً شرعاً، فالظاهر أنّ هذا الحكم


1) مجمع البيان؛ ج 2، ص 113.

2) مصباح الفقاهة؛ ج 2، ص 347.

3) الميزان في التفسير القرآن؛ ج 5، ص 85.

من المسلّمات عندهم، ويدلّ عليه آية التهلكة بكلا الوجهين المذكورين في تفسيرها، أعني: كون الباء زائدة أو بمعنى السببيّة، والحاصل أنّه لا إشكال في الحرمة عقلاً وشرعاً، هذا فيما كان الضرر قطعيّاً.

وكذا الأمر فيما لو كان الضرر مظنوناً بل محتملاً؛ إذ العقلاء يجتنبون عن الضرر المعتدّ به ولو كان مظنوناً. نعم، الاحتمال الضعيف الذي لا يعتني به العقلاء لا أثر له كما لا يخفى.

وكذا لا فرق بين الضرر العاجل والآجل، فالمناط هو خوف الضرر.

قال الإصفهاني قدس سره:

لا فرق في حرمة تناول المضرّ بين المعلوم الضرر ومظنونه، بل محتمله أيضاً إذا كان احتماله معتدّاً به عند العقلاء بحيث أوجب الخوف عندهم. (1)

الفرع الثاني: أن يكون الضرر الحاصل موجباً لقطع بعض الأعضاء الرئيسة كاليد أو الرِّجل أو زوال إحدى العينين أو الأُذن ونحوها في قبال الأعضاء الجزئيّة كبعض الإصبع ونحوها.

فمقتضى ما حرّرناه في تفسير آية التهلكة حرمته أيضاً؛ لأنّه من أظهر مصاديق إهلاك القوى المتعلّقة بالبدن، بل يدلّ على الحرمة أيضاً روايات المُثلة، بل آية التغيير على ما مرّ معناهما؛ فإنّ قطع اليد والرِّجل ونحو هاتين من أظهر مصاديق المثلة والتغيير. وهو واضح.

الفرع الثالث: إيجاد الضعف المفرط في البدن، سواء كان بسبب السفر أم غيره، كما إذا أفرط في المطالعة والمباحثة والرياضات العمليّة بحيث لا يتمكّن من التدريس والعمل بوظائفه، كما اتّفق ذلك لبعض أعاظم العلماء في سالف الزمان.

والظاهر أنّه أيضاً لا يجوز؛ لشمول آية التهلكة عليه بالمعنى الذي ذكرناه من زيادة الباء، لصدق إهلاك القوى، بل يدلّ عليه آية التغيير؛ فإنّ جعل النفس ضعيفة بحيث لا تقدر على القيام والقعود من أوضح مصاديق تغيير الخلقة، وعلى ذلك يتفرّع حكم استعمال الموادّ


1) وسيلة النجاة؛ ص 228، مسألة 2.

المخدّرة بأقسامها الثلاثة:

القسم الأوّل: ما يقال له «هروئين»، و لا ريب في حرمة استعماله؛ لأنّه يوجب ذهاب جميع القوى، بل العِرض والمال، بل يوجب هلاكة نفس الإنسان كما هو المسموع كثيراً، فلا يجوز استعماله ولو مرّة أو مرّتين؛ لأنّه سينجرّ إلى الإعتياد المهلك. وهذا مضرّ للحياة، بل مفسد لها عاجلاً أو آجلاً. وتدلّ عليه الآية الشريفة بكلا معنييها؛ لأنّه من أوضح مصاديق ما يوجب هلاكة النفس. وقد أفتى المحقّق الخوئي قدس سره بحرمته قائلاً:

تحرم السموم القاتلة وكلّ ما يضرّ الإنسان ضرراً يعتدّ به ومنه الأفيون. (1)

القسم الثاني: ما يوجب إفساد بعض القوى، كما ربّما يحصل ذلك من الترياق؛ فإنّه إذا كان مؤدّياً إلى الإعتياد يكون حراماً أيضاً لشمول آية التهلكة له؛ إذ هو موجب لإهلاك القوى نوعاً ولو بعد سنين.

القسم الثالث: ما إذا استعمله قليلاً بحيث لا يوجب الإعتياد في العاجل لكن يحتمل أن يكون مؤدّياً إليه في الآجل، فهل يحرم ذلك أيضاً كما أفتى به بعض الأعلام، (2)أو لا، كما اختاره الجماعة؟

الظاهر أنّ الفتوى بحرمته بالعنوان الأوّليّ مشكلة جدّاً، لعدم شمول الآية لها؛ إذ لا يوجب ذلك هلاك النفس ولا قواها، ولا يعدّ ضرراً معتدّاً به عرفاً.

نعم، الأقرب أنّه يحرم بالعنوان الثانويّ حفظاً لمصلحة المجتمع وحسماً لمادّة الفساد من المجتمع الإسلامي، فإنّ استعماله - الترياق - ولو قليلاً، ربما يؤدّي إلى زوال الإرادة من أفراد المجتمع كما لا يخفى، فما ذكره بعض الأجلّة من عدم المنع فيه؛ خالٍ عن السداد.

والوجه في ذلك أنّ بعض الأفراد وإن كان يمنع نفسه عن الاقتحام في معضلة الإعتياد، إلّا أنّ الغالب منهم غير مأمونين من هذه البليّة الإجتماعيّة، فالحكم بالحرمة مطلقاً بالعنوان


1) منهاج الصالحين؛ ج 2، ص 347، مسألة 1694.

2) تحرير الوسيلة.

الثانويّ موافق للإحتياط.

ومما ذكرنا يظهر الحال في استعمال التُّتُن، فإنّ الحكم بحرمته بالعنوان الأوّلي في غاية الصعوبة؛ لعدم كونه مثل الأفيون والترياق، لكن استعماله ربما يؤدّي إلى بعض الأمراض الصعبة جدّاً، كما هو المشاهد في المجتمع، فالأقرب حرمته إذا علم كونه مضرّاً للبدن ضرراً يؤدّي إلى مثل تلك الأمراض.

الفرع الرابع: ما إذا كان الفعل موجباً لتشويه الخلقة بأن حصل به اعوجاج في العين أو الشفه أو نحوهما. فلا يبعد القول بحرمته؛ لشمول آية التغيير له بالمعنى المتقدّم.

ويؤيّده أنّ المفهوم من أخبار المثلة حرمته بطريق أولى، فإنّ قطع الآذان -مثلاً- إذا كان حراماً شرعاً، فتشويه الخلقة بشكل لم تكن القيافة قيافة انسان فهي محرمة بالأولويّة، وحيث قد عرفت اختلاف الأعلام في معنى الآية وأنّ الأولويّة ظنّية، فيشكل الجزم بالحرمة، فيكون الحكم بالحرمة مبنيّاً على الاحتياط.

الفرع الخامس: في أنّه هل يجوز إعطاء بعض الأعضاء الرئيسة للغير، كأن يبذل إحدى يديه أو رِجليه أو نحوهما لغيره بعوض أو تبرّعاً؟

الأظهر عدم الجواز؛ لشمول آية التهلكة له؛ لأنّ ذلك الإعطاء يوجب هلاك بعض القوى، والآية الشريفة تنفيه، بل يدلّ عليه روايات المُثلة وآية التغيير، لصدق تغيير الخلقة بذلك كما لا يخفى.

نعم، لو توقّفت حياة شخص على ذلك وانحصر حفظ حياته به، لا يبعد الجواز حينئذٍ فيراعى الأهمّ منهما، وإن كان للتأمل فيه أيضاً مجال، نعم لا يبعد وجوب إعطاء بعض الأعضاء غير الرئيسة كالجلد والدم؛ لأنّ حفظ النفس المحترمة واجب مهما أمكن.

ثمّ الظاهر عدم الفرق في حرمة إعطاء الأعضاء الرئيسيّة بين أن يعطي الوالد ولده أو غيره، فما يظهر من المحقّق الخوئي قدس سره من تجويزه في خصوص الوالد، حيث قال في جواب السؤال عن جواز تبرّع أحد الوالدين للولد بعينه أو بغيرها:

لا يبعد جواز ذلك... (1)

لا نرى له وجهاً؛ لأنّه على تقدير كون الإعطاء كذلك حراماً مطلقاً، فما الدليل على الفرق بين الوالدين وغيرهما مع تصريحه بعدم جوازه قبل ذلك؟!

الفرع السادس: لو أوصى بإعطاء بعض الأعضاء الرئيسيّة - غير الكلية-، فالظاهر أيضاً عدم الجواز؛ لشمول أدلّة تحريم المثلة عليه. فإنّ المثلة حرام مطلقاً شرعاً، فلا ترفع حرمتها بالوصية والرضا كما لا يخفى.

بل قد ورد النهي في بعض الأخبار عن تقليم أظفار الميّت وحلق شعره، ولهذا احتاط السيد الحكيم قدس سره في حاشيته على العروة.

وقال الفاضل الآملي قدس سره بعد نقل الأخبار:

فالقول بالجواز لا يخلو عن الإشكال... - ثمّ قال:- فالأحوط لو لم يكن أقوى التحرز عن إسقاط شيء من هذه الأُمور المذكورة في المتن. (2)

فما يظهر من المحقّق الخوئى قدس سره من الجواز حيث قال:

الوجه في حرمة قطع عضو من أعضاء الميّت هو هتكه وعدم احترامه، ولا هتك مع إيصائه بنفسه بذلك، (3)

لا يمكن الالتزام به كما سيجيء.

الفرع السابع: في خصوص الكلية إعطاءً وإيصاءً، فهل يجوز ذلك أم لا؟

فنقول: يمكن أن يتصوّر ذلك على فروض ثلاثة:

الفرض الأوّل: في من كان له كلية زائدة كما ربّما رئي ذلك في بعض الأفراد.

الفرض الثاني: مَن كان له كليتان كما هو الغالب، مع عدم كون إخراج إحداهما مضرّاً


1) صراة النجاة؛ ج 1، ص 354، مسألة 973.

2) مصباح الهدى في شرح العروة الوثقي؛ ج 6، ص 123.

3) صراة النجاة؛ ج 1، ص 353.

بحاله.

الفرض الثالث: هو الثاني مع فرض كون إخراج واحدة منهما مضرّاً بحاله.

أمّا في صورتين الأُوليين، فالظاهر الجواز؛ والوجه في ذلك عدم صدق المُثلة والتغيير.

فالقول بعدم الجواز من جهة كونه جنايةً على النفس وهي حرام لم يعلم وجهه؛ لعدم الدليل على حرمة جناية الإنسان على نفسه مطلقاً بعنوان الجناية كما لا يخفى.

وأمّا في الصورة الأخيرة، فالظاهر حرمته، لما مرّ من عدم جواز الإضرار بمثل هذا.

وسيجيء الكلام في خصوص الضرر فانتظر.

وأمّا لو أوصى بإعطاء إحدى كليتيه أو كلتيهما، فقد أفتى المحقّق الخوئي قدس سره بالجواز، كما تقدّم نقل كلامه، وعلّله بأنّ وجه حرمة قطع عضو من أعضاء الميّت إنّما هو لزوم الهتك ولا هتك مع الإيصاء.

أقول: و يرد عليه حلّاً ونقضاً،

أمّا حلّاً: فلأنّه ليس الدليل على حرمة القطع منحصراً في الهتك ليدور الأمر مداره، بل الدليل هو النهي الوارد عن قصّ أظافر الميّت ونتف شعره كما تقدّمت الإشارة إليها في كلام الآملي والسيد الحكيم رحمه الله.

زد على ذلك، أنّ دعوى عدم الهتك مع الإيصاء أوّل الكلام وهل يمكن القول بعدم الهتك بالإيصاء على قطع اليد أو إخراج العين مثلاً؟ وعلى هذا، فالأحوط لو لم يكن أظهر عدم نفوذ الوصيّة؛ لأنّها ليست مشرعة كما لا يخفى.

وأمّا نقضاً: فهو أنّه قدس سره لا يجوّز أخذ جزء من كبد الميّت ورئته بإبرة ونحوها، حيث قال:

لا يجوز ذلك أيضاً. (1)

مع أنّه لا يلزم فيه هتك أصلاً.

نعم، لا يبعد جواز الإيصاء بإعطاء الكلية فيما لو توقّفت حياة شخص عليها فيراعى الأهمّ


1) صراط النجاة؛ ج 1، ص 353.

والمهمّ.

ولا يخفى أنّ هذا مبتنٍ على أحد الأمرين:

الأمر الأوّل: أن يقال: إنّ الموت المخىّ المسمى عندهم «ب- مرگ مغزی» موت حقيقةً.

الأمر الثاني: أن يتمكّن الانتفاع بالأعضاء بعد خروج الروح من بدنه وكلا الأمرين لا يمكن المصير إليه.

أمّا الأوّل: فلأنّ الموت شرعاً هو خروج الروح من البدن والمفروض عدم خروجه منه فلذا لا يجوز تغسيله وتكفينه وتدفينه ولا يجوّزه من له خبرة للشريعة. والتفصيل بينه وبين غيره غير وجيهٍ، بل لا وجه له كما لا يخفى على من له دراية.

وأمّا الثاني: فهو أيضاً من المسلّمات اليوم إذ بعد الموت وخروج الروح لا ينتفع من الأعضاء الّا على فرض نادر كما قيل.

الفرع الثامن: هل تجوز الوصيّة بالتشريح في بدنه بعد موته ولو كان بقطع جزء منه أم لا؟

فنقول: لازم ما حرّرناه عدم نفوذها؛ لأنّ التشريح بما هو حرام شرعاً وإن لم يوجب قطع جزء من البدن كما إذا شقّ بطنه ثمّ خاطه الطبيب بلا زيادة أو نقيصة؛ وذلك لأنّ التشريح مستلزم للمثلة لو لم يكن نفسها، ولا شك في حرمة المثلة لما تقدّم من الروايات و كلام النبي صلی الله علیه و آله و سلم في عمل هند زوجة أبي سفيان. وقد عرفت أنّه لا فرق في حرمة المثلة بين الحيّ والميّت.

مضافاً إلى حرمة هتك المسلم بعد موته أيضاً كما يدلّ عليه خبر الجعفيّ عن الباقر علیه السلام قال:

«كُنْتُ عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام وَجَاءَهُ كِتَابُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فِي رَجُلٍ نَبَشَ امْرَأَةً فَسَلَبَهَا ثِيَابَهَا ثُمَ نَكَحَهَا، فَإِنَّ النَّاسَ قَدِ اخْتَلَفُوا عَلَيْنَا: طَائِفَةٌ قَالُوا: اقْتُلُوهُ، وَطَائِفَةٌ قَالُوا: أَحْرِقُوهِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرِ علیه السلام:»

«إِنَّ حُرْمَةَ الْمَيِّتِ كَحُرْمَةِ الْحَيِ، تُقْطَعُ يَدُهُ لِنَبْشِهِ وَسَلْبِهِ الثِّيَابَ وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الزِّنَا

إِنْ أُحْصِنَ رُجِمَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَحْصِنَ جُلِدَ مِائَةً.» (1)

لكن الخبر ضعيف.

وفي حديث اسحاق بن عمّار:

«أَنَّ عَلِيّاً علیه السلام قَطَعَ نَبَّاشَ الْقَبْرِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَقْطَعُ فِي الْمَوْتَى؟ فَقَالَ: إِنَّا نَقْطَعُ لِأَمْوَاتِنَا كَمَا نَقْطَعُ لِأَحْيَائِنَا» . (2)

ونحوهما نصوص أُخرى من الباب.

ومن ذلك يعلم ايضاً أنّ ما تقدّم من المحقّق الخوئي قدس سره من أنّه لا هتك مع الإيصاء، ففي غاية الإشكال، إذ كيف يقال بسقوط احترام المسلم بعد موته مع صراحة هذه النصوص ؟ فلو فرض وصيّته بالنبش فهل يلتزم قدس سره بالجواز؟ مع اعترافه بأنّ حرمة النبش من جهة الهتك.

وكيف كان، فالأقوى عندنا أنّ حرمة هتك المؤمن حيّاً وميّتاً حكم شرعيّ، فلا يسقط بالوصية، نعم يمكن تجویز ذلك بالعنوان الثانوي و لتحقيقه محل آخر.

الفرع التاسع: لا تنفذ الوصيّة لنقل الجنازة إلى المشاهد المشرّفة إذا كان مستلزماً للهتك والفساد، خلافاً للسيد قدس سره حيث قال:

ثمّ لا يبعد جواز النقل إلى المشاهد المشرّفة وإن استلزم فساد الميّت إذا لم يوجب أذيّة المسلمين؛ فإنّ من تمسّك بهم فاز، ومن أتاهم فقد نجا، ومن لجأ إليهم أَمِنَ، ومن اعتصم بهم فقد اعتصم بالله سبحانه وتعالى، والمتوسّل بهم غیر خائب صلوات الله عليهم أجمعين. (3)

ووافقه أكثر المحشّين ومنهم المحقّق الخوئي قدس سره، مع أنّ الفساد لا يخلو من الهتك نوعاً، فمقتضى مبناه من عدم جواز الهتك، هو القول بعدم جواز النقل.

ومن هنا كتبنا في تعليقتنا:


1) الوسائل الشيعة؛ ج 28، ص 278، باب 19 من أبواب الحدود، ح 2.

2) نفس المصدر، ص 281، باب 19 من أبواب الحدود، ح 12.

3) العروة الوثقي؛ مكروهات الدفن.

لا وجه للتشكيك في عدم الجواز مع فرض فساد الميّت، بل لو كان حمل الجنازة موجباً لهتك المسلم أو هتك الإسلام وإهانته من جانب المخالفين، لا يجوز الحمل أيضاً. وما استدلّ به على الجواز عليلٌ لا يصح الركون إليه.

ووجه الضعف، أنّ ما ذكر -من الفوز والنجاة والأمن والاعتصام بهم صلوات الله عليهم أجمعين - منصرف إلى حال حياتنا بمعنى أنّ الالتجاء إليهم وزيارتهم في التقرّب إليهم، يوجب إصلاح النفس وتهذيبها والعمل بما أوجبوا على شيعتهم ونحو ذلك مما يوجب الفلاح في الآخرة. وليس المراد من التمسك والالتجاء بهم ما يشمل نقل الجنازة إليهم. وبالجملة، أنّ حمل تلك الفقرات وتطبيقها على نقل الجنازة بعيد جدّاً.

ونحن لا ننكر وجود بعض الآثار فى ذلك، أي: فى حمل الجنائز إلى تلك المشاهد المشرّفة رزقنا الله شفاعة مشرّفيها علیهم السلام، إلّا أنّه ليس بهذه الكليّة، فإن الدفن في جوارهم علیهم السلام قد يفيد في بعض المعاصي بشرط كون الشخص عاملاً بواجباته من العبادات وغيرها.

بل ربّما يوجب نقل بعض القضايا والحكايات جرأة لبعض الناس وعدم مبالاتهم بالعبادات الواجبة اعتماداً على شفاعة الأئمّة علیهم السلام كما ربّما يحصل ذلك من نقل قوله علیه السلام:

«مَنْ بَكَى أَوْ أَبْكَى فِينَا مِائَةً ضَمِنَّا لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ، وَمَنْ بَكَى أَوْ أَبْكَى خَمْسِينَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ بَكَى أَوْ أَبْكَى ثَلَاثِينَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ بَكَى أَو أَبْكَى عَشَرَةً فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ بَكَى أَوْ أَبْكَى وَاحِداً فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ تَبَاكَى فَلَهُ الْجَنَّة.»

وغيرها.

فإنّه يلزم لناقل أمثال هذه الأخبار ملاحظة تمام الجوانب وبيان شرائطها ومقتضياتها كما لا يخفى على المطّلع لأخلاقيّات عوام الناس الآخذين بالمخيّلات دون الحقائق. ولعلّه من هنا قال مولانا الرضا علیه السلام في حديث سلسلة الذهب عند حركته من نيسابور:

(...بِشُرُوطِهَا وَأَنَا مِنْ شُرُوطِهَا) . (1)


1) بحار الأنوار؛ ج 49، ص123.

الفرع العاشر: هل يجوز تعقيم الرجل أو المرأة نفسيهما ببعض الأدوية والعمليّات الجراحيّة؟

فنقول: يتصوّر ذلك على نوعين، فتارةً يكون محدوداً بحدّ خاصّ وموقّتاً بزمان كذلك، بحيث يتمكّن كلّ منهما من إزالته إذا شاء.

فالظاهر أنّه لا بأس به حينئذٍ؛ لعدم الدليل على الحرمة؛ إذ لا يصدق عليه -والحال هذه- إهلاك القوى حتى تشمله آية التهلكة، كما لا تشمله أيضاً آية التغيير؛ لعدم صدق تغيير الخلقة.

وأُخرى أن يكون ذلك على نحو الأبد بحيث لم يتمكّنا من إزالته، فالظاهر حرمة ذلك النوع؛ لكونه من مصاديق إهلاك القوى البشريّة وتغييراً للخلقة النوعيّة فتشمله الآيتان.

ومن هنا أفتى المحقّق الخوئي قدس سره تبعاً للأكثر بعدم الجواز، غاية الأمر أفتى بها على نحو الاحتياط حيث قال بعد السؤال عن جواز تعقيم الرجل أو المرأة نفسيهما بحيث لا يتمكّنان من الإنجاب أبداً:

لا يجوز ذلك على الأحوط... . (1)

وأمّا تجويز ذلك بعنوان أنّه لا يعدّ جناية على النفس كما إذا كان لهما أولاد متعدّدون، (2)فضعيف جدّاً؛ لأنّ الدليل كما عرفت هو آيتا التهلكة والتغيير، وليس فيهما من الجناية عين ولا أثر ولم يرد دليل بعنوان الجناية على النفس حتى يبحث في صدقها على المقام أو لا، وعلى تقديره يكون كلّ تصرّف في البدن جناية والالتزام به مشكل جدّاً كما لا يخفى.

و أضعف من ذلك، ما يظهر من كلامه أنّ الجناية تدور مدار وجود تعدّد الأولاد وعدمه، فهل يمكن تحديد الجناية شدّةً وضعفاً بتعدّد الأولاد، فإنّ لازمه على تقدير عدم الولد لهما أصلاً كونه جناية عظيمة، ولو كان لهما ولد أو ولدان فالجناية أضعف وهكذا، فإذا كثرت الأولاد فترتفع الجناية رأساً!!!


1) صراط النجاة؛ ج 1، مسألة 989.

2) نفس المصدر، مسألة 989.

مضافاً إلى أنّ لازم ما ذكره هذا القائل هو القول بحرمة كلّ ضرر إذا صدق عليه الجناية، كإدماء جزء من البدن ونحوه، فيحرم على هذا ضرب السيف المعهود في يوم عاشورا مع أنّه قائل بالجواز على الظاهر، بل لعلّ عدم حرمة الجناية على النفس قطعيّ للسيرة المستمرّة.

هذا تمام الكلام في الفروع العشرة.

بقي هناك فروع أُخرى يعلم حكمها بالتأمّل فيما ذكرناه، كشرب المرأة دواء يوجب عدم حيضها، وشرب الرجل ما يوجب عدم احتلامه أو عدم نومه ونحو ذلك، فإنّ هذه لا تجوز لو صدق عليها إهلاك القوى وتغيير الخلقة، على ما تقدّم والّا تجوز فراجع وتأمّل.

بقي الكلام في مطلق الإضرار الناشيء من السفر ونحوه إذا لم يكن مصداقاً لما تقدّم من إهلاك النفس وقطع العضو ونحوهما، بل كان ضرراً جزئيّاً، كما إذا كان السفر موجباً لحمّى يوم أو يومين أو إدماء جزء من البدن أو اسوداده ونحوها مما لا يؤثّر في الجسم بمثل التضعيف والتشويه.

فقد وقع الخلاف فيه وربما يظهر من بعضهم حرمته أيضاً، واستدلّ عليه بجملة من الأخبار.

منها: قوله صلی الله علیه و آله و سلم في قضيّة سمرة بن جندب:

«...إِنَّكَ رَجُلٌ مُضَار... .» (1)

بتقريب أنّ الضرر منفيّ فيه، وأريد منه النهي عن الضرر، وهو بإطلاقه يشمل ضرر النفس كما يشمل الضرر المالي.

وفيه أوّلاً: أنّ المراد من مثل هذه الأخبار أنّ الحكم الضرري غير مجعول في الشريعة المقدّسة ولا تدلّ على حرمة مطلق الضرر.

وثانياً: لو سلّم دلالتها على الحرمة، فلا تشمل إضرار النفس؛ لأنّ قوله صلی الله علیه و آله و سلم: إِنَّكَ رَجُلٌ مُضَار، ظاهر في إضرار الغير دون النفس.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 25، ص 429، باب عدم جواز الإضرار بالمسلم، ح 4.

ومنها: خبر المفضّل، فقال علیه السلام:

«قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: أَخْبِرْنِي - جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ - لِمَ حَرَّمَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَالْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ؟ قَالَ:

إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ عَلَى عِبَادِهِ وَأَحَلَّ لَهُمْ مَا سِوَاهُ مِنْ رَغْبَةٍ مِنْهُ فِيمَا (حَرَّمَ عَلَيْهِمْ) وَلَا زُهْدٍ فِيمَا (أَحَلَّ لَهُمْ) ، وَلَكِنَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ (فَعَلِمَ) مَا تَقُومُ بِهِ أَبْدَانُهُمْ وَمَا يُصْلِحُهُمْ فَأَحَلَّهُ لَهُمْ وَأَبَاحَهُ تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ بِهِ لِمَصْلَحَتِهِمْ.

وَعَلِمَ مَا يَضُرُّهُمْ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أَبَاحَهُ لِلْمُضْطَرِّ وَ أَحَلَّهُ لَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي لَا يَقُومُ بَدَنُهُ إِلَّا بِهِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنَالَ مِنْهُ بِقَدْرِ الْبُلْغَةِ لَا غَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ قَالَ: أَمَّا الْمَيْتَةُ، فَإِنَّهُ لَا يُدْمِنُهَا أَحَدٌ إِلَّا ضَعُفَ بَدَنُهُ وَنَحَلَ جِسْمُهُ وَوَهَنَتْ قُوَّتُهُ وَانْقَطَعَ نَسْلُهُ وَلَا يَمُوتُ آكِلُ الْمَيْتَةِ إِلَّا فَجْأَةً؛

وَأَمَّا الدَّمُ، فَإِنَّهُ يُورِثُ أَكْلُهُ الْمَاءَ الْأَصْفَرَ (وَيُبْخِرُ الْفَمَ وَيُنَتِّنُ الرِّيحَ وَيُسِيءُ الْخُلُقَ) وَيُورِثُ الْكَلَبَ وَالْقَسْوَةَ فِي الْقَلْبِ وَقِلَّةَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَهُ وَوَالِدَيْهِ وَلَا يُؤْمَنُ عَلَى حَمِيمِهِ وَلَا يُؤْمَنُ عَلَى مَنْ يَصْحَبُهُ؛

وَأَمَّا لَحْمُ الْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مَسَخَ قَوْماً فِي صُوَرٍ شَتَّى مِثْلِ الْخِنْزِيرِ وَالْقِرْدِ وَالدُّبِّ (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُسُوخِ)، ثُمَّ نَهَى عَنْ أَكْلِهِ لِلْمَثُلَةِ لِكَيْلَا يَنْتَفِعَ النَّاسُ بِهِ وَلَا يَسْتَخِفُّوا بِعُقُوبَتِهِ؛

وَأَمَّا الْخَمْرُ، فَإِنَّهُ حَرَّمَهَا لِفِعْلِهَا وَفَسَادِهَا، وَقَالَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ كَعَابِدِ وَثَنِ يُورِثُهُ الِارْتِعَاشَ وَيَذْهَبُ بِنُورِهِ وَيَهْدِمُ مُرُوءَتَهُ وَيَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَجْسْرَ عَلَى الْمَحَارِمِ مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَرُكُوبِ الزِّنَا وَلَا يُؤْمَنُ إِذَا سَكِرَ أَنْ يَثِبَ عَلَى حَرَمِهِ وَهُوَ لا يَعْقِلُ ذَلِكَ وَالْخَمْرُ لَا يَزْدَادُ شَارِبُهَا إِلَّا كُلَّ شَرٍّ». (1)

وفيه: أنّ هذا الخبر إنّما يدلّ على أنّ الضرر حكمة في التحريم وليس بعلة كما يشهد له


1) نفس المصدر، ج 24، ص 99-101، باب 1 من أبواب الأطعمة والأشربة، ح 1.

التصريح بمضريّة الإدمان في أكل مثل الميتة و مع ذلك يحرم ولو بغیر ادمان.

ومنها: ما روي عن الرضا علیه السلام:

«وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ؛ لِأَنَّهُ مُشَوَّهٌ، جَعَلَهُ اللَّهُ عِظَةً لِلْخَلْقِ وَعِبْرَةً وَتَخْوِيفاً وَدَلِيلًا عَلَى مَا مُسِخَ عَلَى خِلْقَتِهِ؛ لِأَنَّ غِذَاءَهُ أَقْذَرُ الْأَقْذَارِ مَعَ عِلَلٍ كَثِيرَةٍ.

وَكَذَلِكَ حَرَّمَ الْقِرْدَ؛ لِأَنَّهُ مُسِخَ مِثْلَ الْخِنْزِيرِ وَجُعِلَ عِظَةً وَعِبْرَةً لِلْخَلْقِ وَدَلِيلًا عَلَى مَا مُسِخَ عَلَى خِلْقَتِهِ وَصُورَتِهِ وَجَعَلَ فِيهِ شِبْهاً مِنَ الْإِنْسَانِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْخَلْقِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ.

وَحُرِّمَتِ الْمَيْتَةُ لِمَا فِيهَا مِنْ فَسَادِ الْأَبْدَانِ وَالآفَةِ وَلِمَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ أَنْ يَجْعَلَ تَسْمِيَتَهُ سَبَباً لِلتَّحْلِيلِ وَفَرْقاً بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ.

وَحَرَّمَ اللَّهُ الدَّمَ كَتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ فَسَادِ الْأَبْدَانِ وَأَنَّهُ يُورِثُ الْمَاءَ الْأَصْفَرَ وَيُبْخِرُ الْفَمَ وَيُنَتِّنُ الرِّيحَ وَيُسِيءُ الْخُلُقَ وَيُورِثُ قَسَاوَةَ الْقَلْبِ وَقِلَّةَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ حَتَّى لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَقْتُلَ وَلَدَهُ وَوَالِدَهُ وَصَاحِبَهُ.» (1)

والجواب عنه ما مرّ في سابقه من أنّ الضرر حكمة لا علّة.

ومنها: قول الصادق علیه السلام:

«إِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارٍّ وَلَا آثِمٍ.» (2)

وفيه أنّه ليس في مقام إثبات الحرمة الشرعيّة، بل المستفاد منه أنّ احترام الجار مثل احترام النفس أخلاقاً.

ومنها: قوله علیه السلام في خبر «تحف العقول»:

«وَكُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِيهِ الْمَضَرَّةُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي بَدَنِهِ، فَحَرَامٌ أَكْلُهُ إِلَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ.» (3)

وفيه: مضافاً إلى ضعف سنده، أنّ ظاهره تقسيم الحبوب والثمار إلى قسمين:


1) نفس المصدر، ص 102، باب 1 من أبواب الأطعمة والأشربة، ح 3.

2) نفس المصدر، ج 25، ص 428، باب 12، ح 2.

3) نفس المصدر، ص 84، باب 42 من أبواب الأطعمة والأشربة، ح1؛ تحف العقول؛ ص 337.

أحدهما: ما كان بحسب طبعه مضرّاً بالإنسان كالسموم، فهذا حرام قطعاً.

ثانيهما: ما كان فيه منفعة لطبيعيّ الإنسان، فهو لا كلام في حلّيته. ولا يخفى أنّ هذا المعنى خارج عن محلّ الكلام؛ إذ الكلام فيما إذا كان الشيء الواحد مضرّاً في بعض الأحيان، فهل هو حرام حينئذٍ أم لا؟ فليست الرواية ناظرة إلى هذا الفرض.

مضافاً إلى اختصاص الخبر بالحبوب والثمار، زد على ذلك أنّه في مقام بيان الحكمة أيضاً كما مرّ.

وعلى تقدير دلالتها على حرمة الضرر، يكون المتيقّن منه ما كان معتدّاً به، لا مطلق الضرر على ما أوضحناه فيما سبق.

فتحصّل أن الوجوه المزبورة لا تنهض دليلاً على إثبات حرمة مطلق الضرر، بل الظاهر أنّ الضرر المطلق ليس حراماً في الشريعة ويمكن أن يستدلّ له بأُمور:

الأمر الأوّل: السيرة المستمرّة خلفاً عن سلف، حيث إنّ المسلمين يرتكبون بعض الأفعال الشاقّة المستلزمة لإضرار النفس، وهذا واضح بحيث لا حاجة إلى بيان المصداق، بل يعلم بالتأمّل في أُمورهم المعاشيّة من إقدامهم على الأسفار الشاقّة، لتحصيل ما يتوقّف عليه معاشهم.

الأمر الثاني: أنّ العقلاء بما هم عقلاء، يرتكبون بعض الأفعال الموجبة لإضرار النفس فيما كان فيه غرض عقلائي، وهذا أيضاً لا يقبل الإنكار.

الأمر الثالث: ما يستظهر من بعض الأخبار:

منها، خبر المفضّل عن الصادق علیه السلام قال:

«يَا مُفَضَّلُ! مَنْ تَعَرَّضَ لِسُلْطَانٍ جَائِرِ فَأَصَابَتْهُ بَلِيَّةٌ لَمْ يُؤْجَرْ عَلَيْهَا وَلَمْ يُرْزَقِ الصَّبْرَ عَلَيْهَا.» (1)

فإنّ الحديث كما ترى صريح في عدم حرمة تحمّل الضرر، بل فيه تصريح بعدم الأجر


1) الوسائل الشيعة؛ ج 16، ص 128، باب 2 من أبواب الأمر والنهي، ح 3.

وهو لا يلازم الحرمة، وإطلاقه يشمل القليل والكثير. نعم، خرج منه ما يوجب الهلاكة بمقتضى آية التهلكة كما تقدّم ويبقى الباقي تحت الإطلاق.

ومن هنا ذهب المشهور إلى عدم حرمة الأمر بالمعروف فيما لا يأمن من الضرر.

ومنه يظهر ضعف ما عن الشهيد قدس سره من حرمته عند عدم الأمن من الضرر حيث قال عند قول المحقق الحلي:

وأن يكون الفاعل له مصرّاً على الإستمرار، فلو لاح منه إمارة الامتناع سقط الإنكار وينبغي عند فقد هذا الشرط مع سقوط الوجوب ثبوت تحريمه أيضاً وكذا القول في الشرط الرابع وهو أن لا يكون في الإنكار مفسدة فلو ظنّ توجّه الضرر إليه ... سقط الوجوب ... . (1)

وذكر نحوه في «الروضة». (2)

ووجه الضعف ما عرفت من دلالة رواية المفضّل على جواز تحمّل الضرر، فحينئذٍ يجوز للآمر بالمعروف تحمّله، غاية الأمر لا يترتّب عليه الثواب الموعود.

ويمكن استظهار الجواز ممّا ورد في زيارة مولانا الإمام الحسين علیه السلام، والترغيب فيها مع عدم الأمن من الضرر. فراجع وتأمّل.

فإن قلت: إنّ الضرر على النفس حرام، لكنّه ارتفع في باب زيارته علیه السلام؛ لكونها أمراً مرغوباً فيه بلحاظ ما يترتّب عليه من الفضيلة.

قلت: غايته استحباب الزيارة مؤكّداً، والإستحباب لا يزاحم الحرمة كما حقّقه الشيخ الأنصاري في بحث الغناء في المراثي وتلاوة القرآن، فراجع «المكاسب المحرمة» تجده وافياً للمقام نعم ربما يمكن ذلك في زيارته علیه السلام بالعنوان الثانوى.

فقد تحصّل إلى هنا أنّه يجب الإتمام في السفر إذا كان حراماً بنفسه أو بغايته، كالفرار من


1) المسالك الإفهام؛ ج 1، باب الأمر بالمعروف.

2) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية؛ ج 1، باب الأمر بالمعروف.

الزحف وخروج الزوجة من البيت بدون إذن الزوج والسفر بقصد قتل مؤمن في المقصد أو الطريق.

وأمّا سفر الولد مع نهي والده، فالأظهر عدم وجوب الإتمام، إلّا إذا كان موجباً للإيذاء في المعاشرة.

وأمّا إذا كان السفر مضرّاً بحاله ضرراً يعتدّ به، ففي وجوب الإتمام إشكال؛ لعدم كونه بعنوانه سفراً مضرّاً منهيّاً عنه.

نعم، يشبه ذلك بالسفر المحرّم غايةً، كما لو قصد السفر إلى بلد ليقتل إنساناً بغير حقّ، وقد عرفت أنّه يجب التمام في مثله وكذا في المقام للعلم بترتّب الضرر على سفره.

ويدلّ عليه رواية ابي سعيد عن الرضا علیه السلام:

«دَخَلَ رَجُلَانِ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام بِخُرَاسَانَ، فَسَأَلَاهُ عَنِ التَّقْصِيرِ؟ فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: وَجَبَ عَلَيْكَ التَّقْصِيرُ؛ لِأَنَّكَ قَصَدْتَنِي، وَقَالَ لِلآخَرِ: وَجَبَ عَلَيْكَ التَّمَامُ؛ لِأَنَّكَ قَصَدْتَ السُّلْطَانَ». (1)

هذا تمام الكلام في الشرط الخامس وقد ذكرنا فيه أموراً مهمّة تكثر بها البلوى وإن كان بعضها خارجاً عن محلّ البحث.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8 ، ص 478، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 6.

حكم السفر المستلزم لترك الواجب

مسألة 27:

إذا كان السفر مستلزماً لترك واجب، كما إذا كان مديوناً وسافر مع مطالبة الديّان وإمكان الأداء في الحضر دون السفر ونحو ذلك، فهل يوجب التمام أم لا؟ الأقوى التفصيل بين ما إذا كان لأجل التوصّل إلى ترك الواجب أو لم يكن كذلك، ففي الأوّل يجب التمام دون الثاني، لكن الأحوط الجمع في الثاني. [1]

[1] أقول: هل الوظيفة في هذه الصورة هي الإتمام مطلقاً، أو القصر كذلك، أو التفصيل بين ما إذا قصد بالسفر التوصّل إلى ترك الأداء فيتمّ وإلّا فلا؟ وجوه بل أقوال:

القول الأوّل: هو وجوب الإتمام؛ لأنّ السفر يكون حراماً في الفرض، بناءً على أنّ الأمر بأحد الضدّين يقتضي النهي عن الآخر وأنّ ترك الضدّ مقدمة لوجود الضدّ الآخر.

قال في الجواهر:

أمّا إذا كان المعصية فى السفر لكونه ضدّاً للواجب المضيّق بناءً على اقتضاء الأمر به النهي عنه، فقيل بمساواته للسابقين، كون السفر حراماً بنفسه أو بغايته؛ لإطلاق معاقد الإجماعات والصحيح والتعليل السابقين وإشعار المرسل. (1)

وحيث إنّ المبنى ضعيف؛ لعدم دلالة الأمر بالشيء على النهي عن ضدّه عند المشهور، فيكون ما بُني عليه أيضاً ضعيفاً، وعدم حجيّة الإجماع المنقول لو فرض شموله لما نحن فيه، وأمّا الروايتان فهما غير ناظرتين إلى المورد.

القول الثاني: الترخيص مطلقاً كما مال إليه في «الرياض» (2)وتبعه المقدّس البغدادي قدس سره، بناءً على أنّ أدلّة وجوب الإتمام في السفر منصرفة إلى غير هذه الصورة، فإنّها ظاهرة - لو لم تكن صريحة - في كون السفر حراماً بنفسه أو بغايته، وليس المقام كذلك، بل ظاهر «الروض» كما تقدّم اختصاص الإتمام بما إذا كان السفر حراماً بغايته فقط.


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 258.

2) الرياض المسائل في تحقيق الاحكام بالدلائل؛ ج 1، ص 252.

واستوجهه في «الجواهر» بعد ردّ مقال «الرياض» بقوله:

لإمكان دعوى عدم صدق السفر في معصية الله عليه عرفاً أو انسياق غيره منه ولا كونه ليس بحقّ؛ إذ المراد به ما قابل الباطل لا المعصية كالسفر للصيد . (1)

أقول: وهذا هو الأقوى في النظر، وقد اختاره السيد الحكيم قدس سره حيث قال في تعليقته:

الظاهر وجوب القصر،

وأوضحه في «شرحه»، فراجع كلامه بطوله. (2)

والوجه في ذلك أنّ السفر بما هو ليس بحرام في الفرض، فلا يشمله ما يدلّ على الإتمام في السفر الحرام، ولا أقلّ أنّ المنسبق إلى الأذهان من سفر المعصية غير هذه الصورة.

ولعلّه يظهر ذلك من «الجواهر» أيضاً حيث قال:

ثمّ من المعلوم أنّ المدار على كون السفر سفر معصية لا على مطلق حصول المعصية حال السفر، فشرب الخمر وفعل الزنا ونحوهما حاله لا يقدح في الترخيص، لإطلاق الأدلّة من غير معارض. (3)

القول الثالث: التفصيل بين ما إذا كان السفر لأجل التوصّل إلى ترك الواجب فيحرم، وبين ما لم يكن كذلك فلا يحرم، وهذا هو الظاهر من كلام الماتن وتبعه أكثر المحشّين، واستدلّ له بوجوه:

الوجه الأوّل: ما ذكره المحقّق الخوئي قدس سره، بقوله:

فإنّ العقل كما يحكم بقبح المعصية وحسن الطاعة، ولذلك كان الأمر والنهي المتعلّقان بهما إرشاديّاً، كذلك يحكم بقبح تعجيز النفس عن أداء الواجب بأن يفعل ما يتعذّر معه الإمتثال ويكون من قبيل أنّ الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار - إلى أن قال:- وعليه فتعجيز النفس عن أداء الدّين المطالب باختيار


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 259.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 48.

3) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 260.

السفر مع التمكّن منه في الحضر قبيح عقلاً؛ لكونه امتناعاً بسوء الاختيار، ومعه لم يكن سفره مسیر حقّ جزماً، فلا جرم يكون مورداً لوجوب التمام ومشمولاً للأدلّة المتقدّمة. (1)

أقول: حاصل ما ذكره قدس سره هو الإلتزام بحرمة تعجيز النفس عن أداء الدين شرعاً وأنّه كلّما حكم العقل بقبحه يحرم شرعاً أيضاً، والفرض أنّ السفر علّة تامّة للتعجيز فيحرم.

وفيه على فرض تسليم ذلك - أنّه كلما حكم به العقل حكم به الشرع-، أنّ المحرّم إنّما هو تعجيز النفس عن أداء الواجب، ومن المسلّم أنّ علة التحريم حينئذٍ هي قصد التعجيز دون السفر بما هو سفر، ومن الظاهر أنّ موضوع الإتمام هو السفر الحرام والمفروض عدمه؛ إذ الحرام هو قصد التعجيز، فإنّ السفر هنا مباح، غاية الأمر ربّما يكون ملازماً لترك الواجب.

والحاصل: أنّ الإبتعاد بما هو ليس بحرام، وهو قدس سره مصرٌّ على أنّ السفر بالمعنى المزبور هو الموضوع للقصر، كما سيجيء نقل كلامه، فانتظر.

وهذا كما في السير في الأرض المغصوبة حيث ينطبق عليه عنوان الحرام من جهة كونه غصباً، وأمّا من جهة السفر فلا، وسيجيء منه قدس سره الإعتراف بعدم الإتمام فيه في المسألة الآتية.

وبالجملة: أنّ موضوع الإتمام هو السفر الذي كان منهيّاً عنه بنفسه أو بغايته، لا مطلق السفر الذي قد يكون ملازماً مع بعض المعاصي، وكيف كان فهذا الوجه غير وجيه.

الوجه الثاني: أنّه إذا قصد بالسفر التوصّل إلى ترك أداء الدين يصدق عليه السفر الحرام بغايته، فتشمله النصوص المتقدّمة الدالّة على وجوب الإتمام في السفر الحرام.

وفيه: أنّ المراد من الغاية المحرّمة المستتبعة لوجوب التمام إنّما هي الغاية الاختياريّة الّتي هي تحت اختيار المكلّف إن شاء فعل، وإلّا فلا، كما إذا قصد بالسفر قتل مؤمن متعمّداً، وليس المراد من الغاية معناها الاصطلاحي، أعني: مطلق ما يترتّب على السفر أو يقارنه ولو بغير الاختيار، وهذا واضح.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 108 - 109.

الوجه الثالث: أنّه مع قصد التوصّل به إلى ترك أداء الدّين يصدق عليه أنّ مسيره هذا ليس بحقّ فلا يدخل تحت الاستثناء بقوله علیه السلام:

«لَا يُفْطِرُ الرَّجُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا فِي سَبِيلِ حَقٍ.» (1)

وفيه: أنّ من كان في سفر الحج وكان قاصداً حينئذٍ التوصل إلى ترك أداء الدين، لا يصدق عليه أنّه ليس في طريق الحقّ وسبيله. وهذا واضح لا يخفى.

فعلم من ذلك أنّ المراد من مسير الحقّ أو سبيله الواردين في النصوص، هو كون السفر بما هو حقّاً في مقابل الباطل، فلا يشمل ما يلازم الحرام أو يقارنه كما عرفت.

ويؤيّده ما ذكره في «الجواهر» بقوله:

ولا ريب أنّ السفر للتجارة فضلاً عن الحجّ والزيارة ليس بباطل بهذا المعنى وإن كان محرّماً لاستلزامه ترك الواجب. (2)

الوجه الرابع: أنّه مع قصد التوصّل به إلى ترك الأداء يصدق عليه عموم ما روي عن مولانا الرضا علیه السلام:

«وَجَبَ عَلَيْكَ التَّمَامُ لِأَنَّكَ قَصَدْتَ السُّلْطَانَ.»

حيث إنّه ظاهر في كون الحكم دائراً مدار القصد، فيكون قصد الفرار من أداء الدين الواجب موجباً لحرمة السفر، فيترتّب عليه وجوب الإتمام.

أقول: ولعلّ هذا أحسن الوجوه المذكورة، والظاهر أنّ الجمود عليه يعطي قوّة ما اختاره الماتن قدس سره من التفصيل، إلّا أنّ الأظهر ما اخترناه من وجوب التقصير عليه.

والوجه في ذلك، أنّه يحتمل أن يكون مراده علیه السلام بقوله: «قَصَدْتَ السُّلْطَانَ،» قصدتَ بسفرك ترتب الغاية المحرّمة، فحينئذٍ تكون الرواية من أدلّة حرمة السفر بغايته، فلا تشمل لما نحن فيه، أعنى: كون السفر ملازماً أو مقارناً للحرام من جهة تأديته إلى ترك أداء الدّين، فتدبّر.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 476، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 259.

ومع الشكّ في شمول أدلّة الاستثناء الدالّة على وجوب الإتمام للعاصي بسفره لما نحن فيه - أعني: من قصد بالسفر التوصّل إلى ترك أداء الواجب-، فيكون المرجع هو عمومات القصر لكلّ مسافر كما لا يخفى.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه تمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، وهو غير صحيح والاستصحاب هنا مثبت؛ لأنّ كون المسير حقّاً أمر وجوديّ، وهو لا يثبت بالأصل.

وعلى كلّ حال، فالأحوط في صورة قصد التوصّل هو الجمع بين القصر والإتمام وإن كان الأظهر هو القصر.

حكم السفر على دابّة غصبيّة

حكم السفر على دابّة غصبيّة

مسألة 28:

إذا كان السفر مباحاً لكن ركب دابّة غصبيّة أو كان المشي في أرض مغصوبة، فالأقوى فيه القصر وإن كان الأحوط الجمع. [1]

[1] أقول: قد وقع الكلام بين الأعلام فيما إذا كان السفر مباحاً حال كونه مقارناً مع الحرام، كما إذا سافر بالمركب المغصوب أو مشى على الأرض المغصوبة أو لَبِس ثوب غيره عدواناً، فهل يجب الإتمام في ذلك أم لا؟ وجوه بل أقوال:

القول الأوّل: وجوب الإتمام بناءً على أنّ الحرمة الناشئة من الغصب تسري إلى نفس السير فيكون حراماً، وبه يتحقّق موضوع التمام.

قال في «الجواهر»:

أمّا لو فرض كونه كذلك - متأديّة إلى حرمة السفر - كركوب دابّة مغصوبة، بل مطلق التصرّف بمغصوب بنفس السفر حتى نعل الدابّة أو رحلها، وبالجملة ما يؤدّي إلى حرمة نفس قطع المسافة قدح فيه. (1)

وفيه: أنّ الموضوع لوجوب التمام هو حرمة السفر إمّا بنفسه أو بغايته، وهذا المعنى غير متحقّق فيما نحن فيه؛ لأنّ نفس السفر - وهو الابتعاد والتغرب عن الوطن- مباحٌ لا حرمة فيه، كما هو المفروض. نعم، هو مقارن مع الغصب إلّا أنّه خارج عن حقيقة السفر؛ لأنّ الابتعاد شيء والتصرّف في مال الغير بدون إذنه شيء آخر، فكيف تسري الحرمة من الغصب إلى الابتعاد مع تغاير مفهومهما.

ومن هنا أُشكل على القوم الحكم ببطلان الصلاة في المكان الغصبيّ، فإن شئت الوقوف على مرامهم فراجع كلامهم في مكان المصلّي، فراجع ايضاً ما ذكره السيد الحكيم قدس سره . (2)


1) نفس المصدر، ج 14، ص 260.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 49.

القول الثاني: وجوب القصر كما اختاره الماتن، وهو الأقوى عندنا.

والوجه في ذلك ما عرفت في ردّ القول الأوّل من مغايرة السفر والغصب مفهوماً وحقيقةً، فلا وجه لسراية الحرمة من الغصب إلى السفر، فإنّ السفر بعنوان أنّه ابتعاد من الوطن ليس حراماً، نعم هو ملازم للحرام، وهو الغصب في الخارج فلا يشمله ما دلّ على وجوب التمام لمن كان سفره حراماً بنفسه أو بغايته، فيبقى تحت عمومات القصر الشامل لكلّ مسافر.

ويؤيّده فتوى الأكثر بصحة صلاة من نظر إلى الأجنبيّة حال الصلاة، بل وكذا القول بصحّة الصلاة في المغصوبة بناءً منهم على أنّ الصلاة من مقولة والغصبيّة من مقولة أُخرى، لا تسري الحرمة من إحداهما إلى الأُخرى.

فتحصّل أنّه لا فرق بين هذه المسألة والمسألة السابقة في أنّ الأقوى عندنا هو القصر؛ لكونهما من وادٍ واحد، فيكون شأن المسألتين شأن السفر الضرريّ الذي قوّينا وجوب القصر فيه، نظراً إلى اختلاف حقيقة السفر مع الضرر ونحوه مما يلازمه.

ومن جميع ذلك تظهر المنافاة بين كلمات المحقّق الخوئي قدس سره، حيث اختار هنا القصر وقوّى التمام في المسألة السابقة، فراجع وتأمّل.

ومما ذكرنا يظهر الحال في القول الثالث، أعني: التفصيل بين الأرض الغصبيّة فيجب الإتمام وبين غيرها من إفراد الغصب، فلا يجب على ما يظهر من المحقّق الهمداني والسيد الميلاني قدس سره. (1)

فإنّه إذا كان السفر بحقيقته غير الغصب وأنّ الحرمة لا تسري من الغصب إلى السفر، فلا يفرق الأمر بين الأرض المغصوبة وغيرها؛ حيث إنّ أفراد الغصب على حدّ سواء كما قرّرناه.


1) مصباح الفقيه؛ ج 17، ص 172 - 173؛ محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 128.

حكم التابع للجائر في سفره

مسألة 29:

التابع للجائر إذا كان مجبوراً أو مُكرها على ذلك، أو كان قصده دفع مظلمة أو نحوها من الأغراض الصحيحة المباحة أو الراجحة قصّر.

وأمّا إذا لم يكن كذلك، بأن كان مختاراً وكانت تبعيته إعانة للجائر في جوره، وجب عليه التمام وإن كان سفر الجائر طاعة، فإنّ التابع حينئذٍ يتمّ مع أنّ المتبوع يقصّر. [1]

[1] أقول: التابع تارةً يكون مضطرّاً في التبعيّة للغير، كما لو توقّفت معيشته على تبعيّته ولم تكن له مندوحة.

وأُخرى: يكون مكرهاً في ذلك، بأن أمره الجائر بالسفر معه بحيث لو لم يفعله لوقع في الضرر المعتدّ به.

وثالثة: يكون السفر معه دفعاً لظلمه عن نفسه أو عن مظلوم آخر.

فإنّه يقصّر في جميع الصور؛ لتحقّق موضوعه، لأن سفره هذا لا يعدّ سفر معصية لا بنفسه ولا بغايته وهو ظاهر.

وأمّا إذا كان التابع مختاراً في السير مع الجائر، فإن كان سفره معه إعانةً للجائر في جوره وسبباً لزيادة شوكته وقدرته، وجب عليه التمام؛ لكون سفره هذا من مصاديق السفر المحرّم.

ويمكن أن يستدلّ له بأنّ إعانة الظالم حرام، فيكون السفر الموجب لها محرّماً وبقول الصادق علیه السلام:

«مَنْ سَافَرَ قَصَّرَ الصَّلَاةَ وَأَفْطَرَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا مُشَيِّعاً (لِسُلْطَانٍ جَائِرِ) أَوْ خَرَجَ إِلَى صَيْدٍ أَوْ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ تَكُونُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ يَبِيتُ إِلَى أَهْلِهِ لَا يُقَصِّرُ وَلَا يُفْطِرُ». (1)

وأمّا لو لم يكن سفره معه إعانة على الظلم، بل كان راجعاً إلى أُموره الشخصيّة بأن كان خادماً له أو طبّاخاً له، ولم يكن ذلك موجباً لزيادة شوكته، يقصّر أيضاً؛ لعدم صدق مسير باطل.

ولو كان فعل التابع إثماً ومعصية في حدّ نفسه ولو في أُمور شخصية راجعة إلى الظالم، بأن يسقيه الشراب ونحو ذلك، فلا يبعد أن يكون حكمه حكم المسافر بالمركوب الغصبيّ؛ لعدم كون السفر معصية في حدّ نفسه.


1) الوسائل الشيعة ؛ ج 8، ص 477 ، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 4 .

حكم السفر التابع للجائر بأمره

مسألة 30:

التابع للجائر المعدّ نفسه لامتثال أوامره لو أمره بالسفر فسافر امتثالاً لأمره، فإن عدّ سفره إعانة للظالم في ظلمه، كان حراماً ووجب عليه التمام؛ وإن كان من حيث هو - مع قطع النظر عن كونه إعانة - مباحاً، والأحوط الجمع؛ وأمّا إذا لم يُعدّ إعانة على الظلم، فالواجب عليه القصر. [1]

[1] أقول: قد ظهر حال هذه المسألة مما ذكرناه في المسألة السابقة؛ إذ لا فرق بينهما في أصل المقصود، فلا نعيد.

وعلى هذا، لو كان غاية سفر التابع معاونة للظالم يجب عليه التمام؛ لأنّه سبب لزيادة شوكته واستمرار جوره وقد عرفت أنّ المراد من الإعانة المحرّمة هو هذا المعنى.

وأمّا إذا لم يكن سفره مقدّمة لظلمه، فيقصّر التابع من غير حاجة إلى الاحتياط؛ لأنّه حينئذٍ يكون كراكب الدابة المغصوبة.

حكم السفر للصيد

مسألة 31:

إذا سافر للصيد، فإن كان لقوته وقوت عياله قصّر؛ بل وكذا لو كان للتجارة، وإن كان الأحوط فيه الجمع.

وإن كان لهواً كما يستعمله أبناء الدنيا، وجب عليه التمام.

ولا فرق بين صيد البرّ والبحر، كما لا فرق بعد فرض كونه سفراً بين كونه دائراً حول البلد وبين التباعد عنه وبين استمراره ثلاثة أيّام وعدمه على الأصحّ. [1]

[1] أقول: قسّم السيد قدس سره سفر الصيد إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: أن يكون لتحصيل قوته وقوت عياله؛

القسم الثاني: أن يكون للتجارة؛

القسم الثالث: أن يكون للتلهّي والتفرّج والسّرف، كما هو كذلك في سفر السلاطين والأُمراء ونحوهم من أبناء الدنيا.

أمّا القسم الثالث، فالظاهر أنّه لا إشكال، كما لا خلاف في وجوب الإتمام وعدم الإفطار. إنّما الكلام في أنّ السفر للصيد حينئذٍ هل هو حرام في حدّ ذاته ليكون من مصاديق سفر المعصية حتّى يكون الإتمام مثلاً على طبق القاعدة، أو أنّه ليس بحرام وإنّما وجب التمام والصيام فيه تعبّداً لأجل النصّ الخاصّ؟ فيه خلاف.

فالمعروف بين القوم هو الأوّل، فيكون السفر للصيد اللّهوي حراماً بنفسه، كالفرار من الزحف وسفر الزوجة بدون إذن زوجها.

وخالفهم المقدّس البغدادي قدس سره وقال في محكيّ كلامه:

و ما شككنا فلا نشك في جواز الصيد للتنزّه، ولا يترخّص، بخلاف التنزّه في الغياض (1)والرياض والأودية العطرة والأندية الخضرة، أترى أنّ التنزّه هاهنا محظور؟ نعم اللّعب منه ذاك هو اللّعب المحظور، لا التنزّه بالتفرّج في الجنان


1) الساحل أو المحل الذي غيض مائه.

والخضر والبساتين، بل في «المصباح» و «القاموس» و «شمس العلوم» وغيرها أنّ اللّهو هو اللّعب، وفي «المصباح المنير» عن الطرطوشيّ، أنّ أصل اللّهو الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة، ومعلوم أنّ التنزّه بالمناظر البهجة والمراكب الحسنة ومجامع الأنس ونحو ذلك مما تقتضيه الحكمة، فلم يبق خارجاً منه عن مقتضى الحكمة إلّا اللّعب، ونحن نمنع صدق اسم اللعب على مثل هذا التصيّد والحكمة هي الصفة الّتي تكون بها الأفعال على ما ينبغي أن تكون عليه وهي المراد هنا وإن كانت تطلق على غير ذلك أيضاً - إلى أن قال:- وإذا كان اللّهو في اللغة هو اللّعب كما عرفت، فنحن نمنع صدق اسم اللّعب على التصيّد، ونقول: إنّ إطلاق اسم اللّهو عليه - كما وقع في الأخبار وكلام الأصحاب - إنّما جاء على ضرب من التسامح، سلّمنا أنّه لهو، ولكنّ المحرّم من اللّهو إنّما هو اللّعب، وليس هذا بلعب. (1)

وحاصله: إنكار كون الصيد من مصاديق اللّهو، وعلى تقديره ينكر حرمته، فإنّ اللّهو إنّما يحرم فيما يكون لعباً، كالشطرنج، والنرد ونحوهما.

وردّه في «الجواهر» بأنّه اجتهاد في مقابل النصّ، بل استبعاد لغير البعيد حكماً وموضوعاً. وفي «المصباح»:

أنّ ما ذكره البغدادي قدس سره مخالف للفتوى دون النصّ؛ لعدم دلالة النصوص على حرمة سفر الصيد. (2)

وقال المحقّق الخوئي قدس سره بعد اللّتيّا والّتي:

وكيفما كان، فما ذكره المشهور من حرمة صيد اللّهو ودخوله في سفر المعصية هو الصحيح. (3)

والعجب أنّه قدس سره مال إلى عدم حرمته في «المكاسب»؛ حيث قوّى مقال البغدادي من عدم


1) الجواهر الكلام؛ ج 14، ص 263 - 264.

2) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 743.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 117.

حرمة اللّهو، فراجع. (1)

ولكن للنظر في كلامهم مجال واسع؛ إذ لا دليل على حرمة سفر الصيد إلّا ما ربّما يستظهر من بعض النصوص الآتية، وفي سندها أو دلالتها كلام كما سنوضحه، ومن هنا مال السيد الميلاني بل البروجردي رحمه الله أيضاً إلى مقال البغدادي قدس سره، بل يمكن إستظهار ذلك من كلام أكثر القدماء حيث ذكروا مسألة الصيد ووجوب الإتمام فيه مستقلّاً في قبال مسألة إباحة السفر، فإنّه لو كان السفر للصيد حراماً لكان من مصاديق الشرط الخامس، أعني: عدم كون السفر في معصية الله، ولم يكن وجه لذكر الصيد مستقلّاً، وهذا واضح للمتأمّل.

وبالجملة، الأظهر عندنا أنّ وجوب الإتمام في سفر الصيد إنّما هو من جهة التعبّد بالنصّ فقط، كما يتّضح ذلك بعد بيان النصوص ومقدار دلالتها.

فنقول: قد استدلّ المشهور على مقالهم - حرمة سفر الصيد في حدّ ذاته- بنصوص كثيرة.

أحدها: ما رواه حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد الله علیه السلام في تفسير قوله سبحانه:

(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (2)،

قال علیه السلام:

«الْبَاغِي: بَاغِي الصَّيْدِ؛ وَالْعَادِي: السَّارِقُ، وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَأْكُلَا الْمَيْتَةَ إِذَا اضْطُرَّا إِلَيْهَا، هِيَ عَلَيْهِمَا حَرَامٌ، لَيْسَ هِيَ عَلَيْهِمَا كَمَا هِيَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يُقَصِّرَا فِي الصَّلَاةِ». (3)

أقول: الظاهر أنّ الرواية معتبرة سنداً وإن اشتمل على معلّى بن محمد. الّا أنّه روى الشيخ قدس سره الحديث في كتاب الأطعمة والأشربة بسندٍ معتبر. (4)

أمّا المتن، فالظاهر وقوع التحريف فيه بحذف لفظة «باغ» ويشهد له ما في «الكافي»


1) مصباح الفقاهة؛ ج 3، ص 641.

2) البقرة: 173.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 476، باب 8 من أبواب صلاة المسافر ، ح 2.

4) التهذيب الأحكام؛ ج 9، ص 84.

حيث قال:

«الْبَاغِي: بَاغِي الصَّيْدِ». (1)

وقد ذكر الرواية كذلك في «الجواهر» بقوله:

«الْبَاغِي: بَاغِي الصَّيْدِ؛ وَالْعَادِي: السَّارِقُ». (2)

وذكرها كذلك البروجردي قدس سره أيضاً.

والعجب من المحقّق الخوئي قدس سره، كيف غفل عن ذلك مع جودة فكره ودقّة نظره وتبحّره في المطالب - لاسيّما في النصوص - ولم يشر إلى هذا التحريف.

وأمّا دلالتها على مراد القوم، فغاية ما يوجّه أن يقال إنّ المراد من الباغي هو طالب الصيد، فيكون طلبه والسفر له حراماً بقرينة السياق وهو ذكر العادي الذي هو السارق، فكما أنّ السفر للسرقة وقطع الطريق حرام، كذلك السفر للصيد؛ فتكون الآية الشريفة حينئذٍ دالةً على حرمة السفر للصيد.

وفيه: إنّ غاية ما يدلّ عليه الخبر، هو عدم جواز أكل الباغي من الصيد حال الإضطرار تعبّداً، كما لا يجوز له التقصير كذلك، وهذا لا يدلّ على كون السفر إلى الصيد حراماً بنفسه، كيف؟ فلو سلّم ذلك يلزم القول بحرمة مطلق الصيد ولو لقوته وقوت عياله، وهذا لم يقل به أحد.

وعلى هذا، لابدّ من أن يلتزم بأنّ حرمة الأكل للباغي إنّما هي تعبّد صرف، كما هو كذلك في السارق، ومن هنا لا يتعدّى إلى القاتل وشارب الخمر ونحوهما من أصحاب الكبائر، و مجرّد ذكر الصائد مع السارق لا يدلّ على مرام القوم؛ إذ كثيراً ما يُذكر المكروه مع الحرام والوجوب مع الندب، مثل قوله علیه السلام:

«اغتسل للجمعة والجنابة.»


1) الكافي؛ ج 3، ص 438.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 263.

ولم يلتزم المشهور بوجوب غسل الجمعة كما لا يخفى.

هذا كلّه بناءً على كون المراد من الباغي في الآية هو الصائد.

ولكن الظاهر من النصوص المعتبرة أنّ المراد منه الباغي على الإمام المعصوم علیه السلام وفي «الكافي» (1)و «معاني الأخبار» (2)عن البزنطيّ عمّن ذكره عن أبي عبد الله علیه السلام:

«الْبَاغِي: الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى الْإِمَامِ، وَالْعَادِي: الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ لَا تَحِلُّ لَهُ الْمَيْتَةُ.»

قال البلاغي قدس سره بعد نقل خبر البزنطيّ المتقدّم:

وسندها صحيح باعتبار رواية الصدوق، وكون البزنطي ممن أُجمع على تصحيح ما يصح عنه، وبذلك فسّره في «المبسوط» و «الشرائع» و«القواعد» و«الإرشاد» و«اللمعة» وفي «الروضة» أنّه الأشهر. (3)

ثمّ نقل عن «البرهان» ما رواه العيّاشيّ عن الصادق علیه السلام في قوله سبحانه:

(فَمَنِ اضْطُرَّ...)

قال:

«الْبَاغِي: الخَارِجُ عَلَى الْإِمَامِ، وَالْعَادِي: اللِّصّ». (4)

ثمّ نقل التفسير بذلك عن «التبيان» الشيخ الطائفة، فراجع.

وقال أمين الإسلام الطبرسيّ في «المجمع» عن الصادقين علیهما السلام:

«غَيْرَ بَاغِ عَلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا عَادٍ بِالْمَعْصِيَةِ طَرِيقَ الْمُحِقِّين». (5)

فتحصّل من تمام ذلك، أنّ الآية فُسّرت في أكثر النصوص المعتبرة بالخارج على الإمام العادل، فهي مع كثرتها توافق ظاهر القرآن.


1) الكافي؛ ج 6، ص 265، ذكر الباغي والعادي، ح 1.

2) معاني الأخبار؛ ص214.

3) آلاء الرحمن في تفسير القرآن؛ ص 148.

4) البرهان في تفسير القرآن؛ ج 1، ص 174.

5) مجمع البيان؛ ج 1، ص 257.

فعليه، تطرح الرواية المزبورة؛ لكونها مخالفة لظاهر القرآن، مضافاً إلى أنّها ليست معمولاً بها في موردها أيضاً؛ لأنّ ظاهر الأصحاب جواز الأكل من الميتة عند الاضطرار من غير فرق بين السارق والصائد وغيرهما؛ لأنّه مقدّمة لحفظ النفس مهما أمكن وحفظها واجب على الجميع.

ثمّ إنّ في تفسير الآية وجهاً آخر، وهو أنّ المراد من الباغى الطالب لأكل الميتة ولو بغير اضطرار، والمراد من العادي المتجاوز عن الحدّ في أكلها، فيكون المعنى أنّه يجوز للمضطرّ أكل الميتة بشرط أن لا يكون طالباً لها في غير حال الاضطرار ولا يكون متجاوزاً عن حدّ سدّ الرمق، وهذا المعنى غير بعيد عن ظاهر الآية وإن لم يكن له شاهد من النصوص.

وبالجملة، لا تدلّ الرواية المتقدّمة - رواية حمّاد بن عثمان - على حرمة السفر للصيد اللّهويّ في حدّ ذاته كما لا يخفى.

وكان سيّدنا الأُستاذ قدس سره أيضاً في درسه مصرّاً على أنّها لا تدلّ على حرمة السفر للصيد، وهذا هو الحقّ كما أشرنا.

وثانيها: أي: ثاني الأخبار المستدلّ بها، هو ما رواه ابن بُكير قال:

«سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَن الرَّجُل يَتَصَيَّدُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، ايُقَصّرِ الصَّلَاةَ؟»

«قَال: لَا، إِلَّا أَنْ يُشَيِّعَ الرَّجُلُ أَخَاهُ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّ الصَّيْدَ مَسِيرٌ بَاطِلٌ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِيهِ.»

«وَقَالَ: يُقَصّرِ إِذَا شَيَّعَ أَخَاهُ». (1)

ثالثها: موثّقة عبيد بن زرارة قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إِلَى الصَّيْدِ، أَ يُقَصّر أَوْ يُتِمُّ؟ قَالَ: يُتِمُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسِيرِ حَقٍّ . (2)

وجه الاستدل أنّ معنى كون المسير باطلاً هو أنّه ليس بحقّ المساوق لقولنا: ليس بجائز


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 480، باب 9 من أبواب صلاة المسافر، ح 7.

2) نفس المصدر، باب 9 من أبواب صلاة المسافر ، ح 4.

فيصير السفر معصية له سبحانه، فيكون عدم جواز القصر مطابقا للقاعدة، وليس بتعبّد صِرف.

واستدلّ بهما المحقّق الخوئي قدس سره بعد قبول دلالتهما على مطلوب المشهور وقال:

إلّا أنّ سند خبر ابن بُکیر سقيم بسهل بن زياد، وأمّا خبر عبيد بن زرارة، فلا نقاش في سنده كما لا تأمّل في دلالتها حيث قال: دلّت على أنّ الإتمام ليس لعنوان الصيد بل من أجل أنّه ليس بحق المساوق لكونه معصية. (1)

ثمّ إنّه اعترض على المحقّق الهمداني قدس سره بقوله:

ولا أدري كيف عبّر عن مفادها بالإشعار بعد وضوح دلالتها بصراحة التعليل - كما عرفت - في أنّ عدم التقصير ليس لموضوعية للصيد، بل من أجل عدم كونه مسیر الحقّ. (2)

أقول: دعوى ظهور الروايتين في حرمة نفس السفر إلى الصيد لا تخلو من غموض؛ لأنّ كون المسير باطلاً أو ليس بحقّ لا يستلزم الحرمة، بل ليسا ظاهرين فيها، بل يمكن أن يدّعى أنّ أكثر المكروهات من الباطل ومن مصاديق ما ليس بحقّ، ومع ذلك لم يقل أحد بكونها معصية أو محرّمة، وقد تقدّم من «الجواهر» ما يؤيّد ذلك، حيث قال:

ولا كونه ليس بحق؛ إذ المراد به ما قابل الباطل لا المعصية كالسفر لصيد اللّهو - إلى أن قال:- خصوصاً على ما ستسمعه من عدم المعصية في سفر صيد اللّهو وإن أوجبنا فيه التمام للدليل. (3)

والحاصل: أنّا لا نرى وجهاً لما ذكره قدس سره من كون الباطل مساوقاً للمعصية؛ وذلك لأنّه خلاف ظاهر اللفظ، لما عرفت أنّ الباطل مقابل للحقّ لا المعصية والحرمة، مع عدم الملازمة بينهما واستعمال لفظة الباطل في غير المعصية، بل غير الحرام كثير، فإن أكثر المكروهات،


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 116.

2) نفس المصدر.

3) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 259.

بل كلّها الواردة في النصوص من مصاديق الباطل اصطلاحاً؛ إذ الأُمور دائرة بين الحقّ والباطل، ومن الظاهر أنّ المكروهات ليست من الحقّ فتكون من الباطل قهراً.

وكيف كان، فدعوى كون الباطل مساوقاً للحرام لا تخلو من تعسّف. كيف؟ وقد أُطلق الباطل على ما لا فائدة فيه، كما في قوله سبحانه:

«الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ». (1)

ومن الظاهر أنّ المراد من البطلان هو عدم الفائدة؛ إذ لا معنى لكون خلق السماء والأرض حراماً.

وبالجملة، أنّ الباطل لا يلازم الحرمة.

رابعها: ما رواه زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام، قال:

«سَأَلَهُ عَمَّنْ يَخْرُجُ مِنْ أَهْلِهِ بِالصُّقُورَةِ وَالْبُزَاةِ وَالْكِلَابِ يَتَنَزَّهُ اللَّيْلَةَ وَاللَّيْلَتَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ، هَلْ يُقَصّر مِنْ صَلَاتِهِ أَمْ لَا يُقَصّر؟ قَالَ: إِنَّمَا خَرَجَ فِي لَهْوِ لَا يُقصّر» . (2)

خامسها: ما رواه إسماعيل ابن أبي زياد، عن جعفر عن أبيه قال:

«سَبْعَةٌ لَا يُقَصِّرُونَ الصَّلَاةَ - إِلَى أَنْ قَالَ - وَالرَّجُلُ يَطْلُبُ الصَّيْدَ يُرِيدُ بِهِ لَهْوَ الدُّنْيَا، وَالْمُحَارِبُ الَّذِي يَقْطَعُ السَّبِيلَ». (3)

بتقريب أنّ اللّهو عبارة أُخرى من الباطل، وهو مساوق مع الحرمة والمعصية، فيكون السفر للصيد اللّهوي من سفر المعصية، فلا يقصّر فيه.

وبعبارة أُخرى: إنّ سفر الصيد من الباطل وليس بحقّ.

والجواب عنهما ما تقدّم في سابقتهما من أنّ اللّهو والباطل لا يلازمان الحرمة.


1) آل عمران: 191.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 478، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) نفس المصدر، باب 8 من أبواب صلاة المسافر ، ح 5.

والحاصل: أنّه لا ملازمة بين الباطل واللّهو وبين الحرمة، وقد عرفت أنّ قوله سبحانه:

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ... رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا ...) (1)

ظاهر فيما ذكرناه.

ويدلّ على عدم الملازمة أيضاً قوله سبحانه:

(إِنَّمَا الحَيوة الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ) . (2)

وكذا قوله:

(وَ مَا الحَيوةُ الدُّنيا إِلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ) . (3)

فإنّ لفظ «اللّهو» لم يستعمل في الآيتين في الحرمة جزماً كما لا يخفى.

وأوضح من الكلّ، قوله علیه السلام في صحيحة عمّار بن مروان:

مَنْ سَافَرَ قَصَّرَ وَأَفْطَرَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا سَفَرُهُ إِلَى صَيْدٍ أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ أَوْ رَسُولاً لِمَنْ يَعْصِي اللَّهَ أَوْ فِي طَلَبِ عَدُوٍّ أَوْ شَحْنَاءَ أَوْ سِعَايَةٍ أَوْ ضَرَرٍ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. (4)

فإنّ الإمام علیه السلام ذكر الصيد في مقابل معصية الله، ومن الظاهر أنّ المقابلة تدلّ على المغايرة والإثنينية، فتكون الصحيحة ظاهرة في أنّ الصيد موضوع مستقلّ وليس من مصاديق المعصية.

فعلم من تمام ذلك، أنّه لا دليل على حرمة السفر للصيد اللّهوي في حدّ نفسه.

ولقد أجاد السيد الميلاني قدس سره في ما أفاد حيث قال:

إنّ الصيد اللّهوي لأجل صرف الميل النفساني كان أمراً متداولاً بين أبناء الدنيا، فلو كان محرّماً لصدر من الأئمّة علیهم السلام الإنكار عليهم وبيان حرمته ولو لأصحابهم، ولو كانوا بيّنوها لصار من الضروريّات عند الشيعة، فإنّ الأُمور المبتلى بها بين


1) آل عمران: 191.

2) محمد صلی الله علیه و آله و سلم: 36.

3) الأنعام: 32.

4) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 476، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

الناس، وإن كانوا من أبناء الدنيا، لو كانت محرّمة لما خفيت حرمتها على أهل الدين، وكان ذلك من الواضحات لديهم - إلى أن قال:- بل نقول إنّ إطلاقات جواز التصيّد من الآية والرواية تدلّ على إباحته مثل قوله تعالى:

(أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعامُهُ) ، (1)

وقوله سبحانه:

(وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا) ، (2)

وقوله:

(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعامِ إِلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ) ، (3)

فإنّ إطلاق المنطوق في صيد البحر وإطلاق المفهوم في صيد البرّ يعمّ الصيد لأجل مشتهى النفس. (4)

وهذا الكلام يؤيّد ما تقدّم من البغدادي قدس سره.

وبمثله قرّر بعض الأعلام حيث قال:

ويمكن تأييده - أي: كلام البغدادي - في ذلك بأنّ التصيّد للّهو والبطر كان أمراً معروفاً بين المترفين، متداولاً بين المتنعّمين من أبناء الدنيا، حتى في أعصار الأئمّة علیهم السلام وما قبلها، فلو كان أمراً محرّماً لكان على الأئمّة علیهم السلام إنكاره أشدّ الإنكار، وبيان حرمته لأصحابهم ولو بيّنوها لوصل إلينا وصارت حرمته من الضروريّات عند الشيعة والمتديّنين نظير حرمة الخمر والزنا، فإنّ الأُمور المبتلى بها المتداولة بين الناس لو كانت محرّمة لما خفيت على المتديّنين، وكان أمرها


1) المائدة: 96.

2) المائدة: 2.

3) المائدة: 1.

4) محاضرات في فقه الإماميّة؛ ج 3، ص 171.

واضحاً بينهم مع أنّ التصيّد اللّهوي ليس بهذه المثابة،- إلى أن قال:- وبالجملة، ليس لنا دليل متقن يستفاد منه حرمة التنزّه بالصيد... . (1)

بقي الكلام في رواية زيد النرسيّ، والنبوى قال زيد:

«سَأَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ طَلَبِ الصَّيْدِ، وَقَالَ لَهُ: إِنِّي رَجُلٌ أَلْهُو بِطَلَبِ الصَّيْدِ وَضَرْبِ الصَّوَالِج وَأَلْهُو بِلَعْبِ الشِّطْرَنْجِ»؛

«قَالَ: فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام:»

«أَمَّا الصَّيْدُ، فَإِنَّهُ مُبْتَغًى بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا أَحَلَّ اللَّهُ الصَّيْدَ لِمَنِ اضْطُرَّ إِلَى الصَّيْدِ، فَلَيْسَ الْمُضْطَرُّ إِلَى طَلَبِهِ سَعْيُهُ فِيهِ بَاطِلًا وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّقْصِيرُ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ جَمِيعاً إِذَا كَانَ مُضْطَرّاً إِلَى أَكْلِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُهُ لِلتِّجَارَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ حِرْفَةٌ إِلَّا مَنْ طَلَبَ الصَّيْدَ، فَإِنَّ سَعْيَهُ حَقٌ وَعَلَيْهِ التَّمَامُ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ تِجَارَتُهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الدُّورِ الَّذِي يَدُورُ الْأَسْوَاقَ فِي طَلَبِ التِّجَارَةِ أَوْ كَالْمُكَارِي وَالْمَلَّاحِ، وَمَنْ طَلَبَهُ لَا هِياً وَأَشِراً وَبَطِراً، فَإِن سَعْيَهُ ذَلِكَ سَعْيٌ بَاطِلٌ وَسَفَرٌ بَاطِلٌ وَعَلَيْهِ التَّمَامُ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ.»

«وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَفِي شُغُلِ مِنْ ذَلِكَ، شَغَلَهُ طَلَبُ الآخِرَةِ عَنِ الْمَلَاهِي الْخَبَرِ.» (2)

فهي تدلّ على حرمة التصيّد لاهياً لمكان الحصر في قوله علیه السلام:

«وَإِنَّمَا أَحَلَّ اللَّهُ الصَّيْدَ لِمَنِ...»

فيحرم الصيد لغير المضطرّ.

ولكن لا يمكن الالتزام بها من وجهين:

الوجه الأوّل: أنّ أصل زيد النرسيّ ليس من الأصول المعتبرة عند الأكثر، فتكون الرواية ضعيفة.

الوجه الثاني: أنّ ذيل الحديث متضمّن لعدم جواز الصيّد لاهياً مطلقاً، وإن لم يكن


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 233.

2) مستدرك الوسائل؛ ج 6، ص 532، باب 7 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

مسافراً، وهذا مما لا قائل به مع أنّ متنه لا يخلو من اضطراب كما لا يخفى على المتأمّل في قوله:

«وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَطْلُبُهُ لِلتِّجَارَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ حِرْفَةٌ إِلَّا مَنْ طَلَبَ الصَّيْدَ، فَإِنَّ سَعْيَهُ حَقٌ وَعَلَيْهِ التَّمَامُ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ،»

فإنّه لم يقل أحد بوجوب الإتمام والصيام معاً في سفر الصيد للتجارة كما سيجيء.

وأمّا النبوي صلی الله علیه و آله و سلم:

«أَرْبَعَةٌ يُفْسِدْنَ الْقَلْبَ وَيُنْبِتْنَ النّفَاقَ فِي الْقَلْبِ، كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الشَّجَرَ: اللَّهْوُ وَالْبَذَاءُ وَإِتْيَانُ بَابِ السُّلْطَانِ وَطَلَبُ الصَّيْدِ». (1)

فليس صريحاً في الحرمة، بل هو ظاهر في الكراهة، ونظيره كثير في المكروهات.

بقي في المقام بيان لطيف لبعض مشايخنا قدس سره في نفي الحرمة عن السفر للصيد اللّهوي، وهو أنّ حرمة السفر إليه - على القول بها - إمّا أن يكون من جهة كونه من السفر المحرّم بنفسه أو لكونه من المحرّم بغايته ولا ثالث.

أمّا الأوّل: فمقطوع العدم؛ لعدم الدليل عليه كما لا يخفى.

وأما الثاني: كما لعلّه مبنى القائلين بحرمته وأنّ الحرمة من الصيد اللّهويّ، أعني: الغاية، تسري إلى ذي الغاية، فيكون حرمته نظير الصيد في الحرم الّذي هو حرام للمحرم ولو خارج الحرم على المشهور.

ومع ذلك، لم يذكروا حرمة لحم الصيد في المقام، فلو كان حراماً لذكروه، كما ذكروا حرمة صيد الحرم سيّما مع اهتمامهم بمسالة اللحوم.

فهذا أصدق شاهد على عدم حرمة الصيد وأنّ السفر إليه ليس من سفر المعصية.

هذا حاصل کلامه قدس سره باختصار.

إذا عرفت ما ذكرناه، تعلم أنّ الحقّ هو ما ذهب إليه المقدّس البغدادي ومن تبعه، من أنّ


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 481، باب 9 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.

الإتمام في سفر الصيد اللّهويّ إنّما هو لأجل التعبّد بالنصوص الصحيحة، وأنّه لا دليل على حرمة سفر الصيد في حدّ ذاته، فراجع وتأمّل.

هذا تمام الكلام في القسم الثالث، أعني: السفر للصيد اللّهوي.

أمّا القسم الأوّل: وهو الصيد لقوته وقوت عياله، فلا إشكال في جوازه، كما لا خلاف في وجوب القصر والإفطار، وقد نطقت الآيات والروايات بجواز الصيد لأجل ذلك.

أمّا الآيات:

فمنها قوله سبحانه:

(و إِذا حَلَلْتُمْ فاصطادُوا) . (1)

ومنها قوله سبحانه:

(وَ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ) . (2)

وأمّا النصوص، فهي كثيرة، أوردوها في كتاب الصيد والذباحة. وهي تدلّ بعمومها على جواز الصيد لتحصيل القوت له ولعياله.

منها، خصوص مرسلة عمران بن محمد بن عمران القميّ قال:

«قُلْتُ لَهُ: الرَّجُلُ يَخْرُجُ إِلَى الصَّيْدِ مَسِيرَةَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، يُقَصّر أَوْ يُتِمُّ؟ فَقَالَ: إِنْ خَرَجَ لِقُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ، فَلْيُفْطِرْ وَليُقَصّر، وَإِنْ خَرَجَ لِطَلَبِ الْفُضُولِ، فَلَا وَلَا كَرَامَة». (3)

نعم الرواية مرسلة لا يمكن الإستدلال بها.

وأمّا الروايات الدالّة على وجوب الإتمام تعبّداً في مسألة الصيد، فلا تشمل المقام؛ لأنّ بعضها ورد بعنوان اللّهو، وبعضها بعنوان أنّه مسير باطل أو ليس بحقّ، ومن الظاهر أنّ التصيّد لتحصيل القوت ليس من اللّهو ولا من الباطل، وهذا واضح.


1) المائدة: 2.

2) المائدة: 96.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 480، باب 9 من أبواب صلاة المسافر، ح 5.

وأمّا القسم الثاني: وهو الصيد للتجارة، فلا إشكال في جوازه سيّما على المختار من عدم حرمة السفر للصيد اللّهوي كما تقدّم.

إنّما الكلام في أنّه هل يقصّر ويفطر، أو يتمّ ويصوم، أو يفصّل بين الصلاة فيتمّ وبين الصوم فيفطر؟ وجوه:

والظاهر أنّ الإحتمال الثاني - أعني: وجوب الإتمام والصيام - لم يقل به أحد. نعم، نسب ذلك إلى الفقه الرضوي في باب الصوم، إلّا أنّه ليس بحجّة؛ إذ لم يثبت كونه لمؤلّف معلوم فضلاً عن كونه للإمام علیه السلام.

وكذا لا اعتبار بما تقدّم في خبر زيد النرسيّ من قوله:

وعليه التمام في الصلاة والصيام،

لما عرفت من أنّه لم يثبت كون أصله من الأصول المعتبرة.

هذا مضافاً إلى أنّ عبارة الفقه الرضوي متهافتة في نفسها؛ لأنّه ذكر في باب الصلاة:

فعليه الإتمام في الصلاة والتقصير في الصيام،

وقال في باب الصوم:

فعليه التمام في الصلاة والصوم وروي أنّ عليه الإفطار في الصوم.

وهذا التهافت ونحوه في الكتاب بل قوله بعد الفتوى:

وروي أنّ عليه الإفطار في الصوم...،

أصدق شاهد على أنّه ليس من الإمام علیه السلام كما لا يخفى.

والعجب من المحدّث النوري قدس سره كيف يصرّ على كونه من كلام الإمام والحال هذه؟!

نعم، يمكن الاستدلال عليه - الإتمام في الصلاة والصيام معاً- بذيل مرسلة عمران القمي -أعني: قوله علیه السلام:

«وَإِنْ خَرَجَ لِطَلَبِ الْفُضُولِ، فَلَا وَلَا كَرَامَة».

بناءً على أنّ المراد من الفضول ما يفضل من القوت، وأنّ طلب الصيد للتجارة من الفضول،

أي: الزائد عن القوت، فيدلّ حينئذٍ على إتمام الصلاة والصيام كما في سفر الصيد اللّهوي.

ولكن الاستدلال بها مشكل؛ لضعف الرواية بالإرسال ولا جابر له. مع أنّ مفهوم قوله علیه السلام:

«إِنْ خَرَجَ لِقُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ»،

أنّ خروجه إن كان لغير القوت فلا يفطر ولا يقصّر.

وهذا مطلق يشمل الخروج للهو والتجارة فليقيّد بالأوّل، ويراد من الخروج للفضول هو اللّهو فقط، كما أفاده المحقّق الخوئي قدس سره، واستشهد له بقوله علیه السلام:

«فَلَا وَلَا كَرَامَة»؛ إذ لا موجب لنفي الكرامة عن التجارة وهي محبوبة ومرغوب فيها وراجحة شرعاً، بل قد تجب لو توقّف الإنفاق عليها. (1)

والحاصل: أنّ الخبر مطلق يشمل الصيد اللّهوي وغيره، فيحمل على الصيد اللّهوي بقرينة صراحة بعض الروايات في الصيد اللّهوي. (2)

وعليه، فلا دليل على كون الصيد للتجارة كالصيد اللّهويّ في وجوب إتمام الصلاة والصيام.

فحينئذٍ يدور الأمر بين القول بالقصر والإفطار في صيد التجارة، كما عليه أكثر المتأخّرين، ونسب إلى عَلَم الهدى وسلّار وابن أبي عقيل واختاره العلّامة في «المختلف» والمحقّق في «المعتبر» وبين القول بالتفصيل بين الصلاة والصوم وأنّه يتمّ الصلاة ويفطر الصوم، كما عليه أكثر القدماء واستجوده السيد البروجردي وأوجب الاحتياط في الحاشية.

ثمّ إنّ القول بالتفصيل، قد نقله العلّامة في «مختلفه» عن «نهاية» الشيخ و «مبسوطه» وعن المفيد والصدوق وابن البرّاج وابن حمزة وابن إدريس، وقد ادّعى الشيخ قدس سره أنّ عليه رواية الأصحاب، حيث قال:

روى أصحابنا أنّه يتمّ ويفطر الصوم.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 121.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 476، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

بل نسبه الحلي إلى الأصحاب بأجمعهم وقال:

وأمّا إن كان الصيد للتجارة دون الحاجة، روى أصحابنا بأجمعهم أنّه يتمّ الصلاة ويفطر الصوم، -ثمّ قال:- وكلّ سفر أوجب التقصير في الصوم أوجب التقصير في الصلاة، إلّا في هذه المسألة، فحسب للاجماع عليها. (1)

فعلم من ذلك، أنّ الإفطار مسلّم في صيد التجارة عند الأصحاب، إنّما الكلام في إتمام الصلاة وهو وإن كان مذهب أكثر القدماء، إلّا أنّ في إقامة الدليل عليه خفاءاً، وما يظهر من كلام الشيخ والحلّيّ من وجود الرواية عليه، لا يخلو من غموض؛ إذ ليس فيما بأيدينا من الروايات ما يدلّ على هذا التفصيل، كما اعترف به بعضهم بقوله:

مع أنّها - الرواية - لم توجد في شيء من الكتب لا الحديثيّة ولا الاستدلاليّة، حتّى أنّ الشيخ بنفسه لم يذكرها في كتابيه «التهذيب» و«الاستبصار». (2)

ومن هنا يشكل الأمر علينا في المقام جدّاً؛ إذ كيف يمكن لمثل شيخ الطائفة وأمثاله نسبة الرواية إلى الأصحاب بأجمعهم والفتوى على طبقها مع أنّها لم توجد في الكتب المعدّة للرواية وهم في أعلى مرتبة الورع والاحتياط، بل هم الأصل والبنيان في فقه الشيعة بعد الأئمّة علیهم السلام.

فإن كان المراد من الرواية ما يدلّ بإطلاقها على الإتمام في سفر الصيد كذيل مرسلة محمد بن عمران القميّ، أعني قوله:

«وَإِنْ خَرَجَ لِطَلَبِ الْفُضُولِ، فَلَا وَلَا كَرَامَة.»

فيرد عليه مع ضعفها أنّها لا تدلّ على التفصيل؛ إذ لو دلّت الرواية على شيء، فإنّما تدلّ على وجوب التمام والصيام، وتتميم دلالتها على التفصيل بقيام الإجماع على الإفطار كما أفاده المحقّق الخوئي قدس سره، بقوله:


1) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى؛ ج 1، ص 327.

2) مستند العروة، ج 8، ص 120.

إلّا أنّ الثاني - الإفطار - ثابتٌ قطعاً بمقتضى الاجماع، (1)

خلاف ظاهر كلام القدماء، إذ ليس في كلامهم ما يشعر بوجود الإجماع، بل ظاهرهم دلالة الرواية المنسوبة إلى الأصحاب على كلا شقّي التفصيل.

مع أنّك قد عرفت عدم دلالة الرواية على المطلب؛ إذ لم يعلم المراد من طلب الفضول فتصبح مجملة لا يعتمد عليها.

فإن كان المراد منها موثّقة عبيد بن زرارة،

«سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إِلَى الصَّيْدِ أَ يُقَصّر أَوْ يُتِمُّ؟ قَالَ: يُتِمُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسِيرِ حَقٍّ» و رواية ابن بكير فانّ التصييد مسير باطل.(2)

بدعوى أنّهما تدلّان على وجوب الإتمام في سفر الصيد مطلقاً خرج منه الصيد للقوت للإجماع وغيره وبقي الباقي، أعني: صيد اللّهو والتجارة.

وفيه أنّ الروايتين إنّما تدلّان على الإتمام لو كان الصيد لهواً ومسيراً للباطل، ومن الظاهر أنّ الصيد للتجارة ليس من الباطل في شيء ولا أقلّ من الشك فيه فلا تشمله الروايتان، مع أنّهما لا تدلّان على التفصيل وإنّما تدلّان على حكم الصلاة فقط ساكتتين عن الصوم.

فتحصّل أنّه لو أريد من رواية الأصحاب الّتي ذكرها الشيخ والحلي ما بأيدينا من الروايات، فهي لا تدلّ على التفصيل المزبور؛ لأنّ مضمونها هو الإتمام والصيام في الصيد، وتتميم كلامهم بالإجماع على خصوص الإفطار، فقد عرفت ما فيه.

فإن أريد منها غير ما بأيدينا من الروايات، فلابدّ من البيان حتى نلاحظها سنداً ودلالةً.

نعم، يظهر من بعضهم إمكان أن يكون المراد من الروايات الّتي أشار إليها الشيخ والحلي ما كانت بين أيديهم من الأُصول المعتبرة عندهم المعبّر عنها بالأصول الأربعمائة الّتي زالت بمرور الزمان ولم تصل إلينا.


1) نفس المصدر، ص 121.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 480 ، باب 9 من أبواب صلاة المسافر، ح 4 و 7.

بل العلّامة البروجردي قدس سره مصرّ على ذلك حيث قال:

لا يخفى أنّ فتوى هؤلاء الأعاظم والأجلاء بالفرق بين الصلاة والصوم مع عدم استفادته من عموم القاعدة، وعدم موافقته لاعتبار عقلي مما يكشف قطعاً عن وجود نصّ في المسألة واصل إليهم -إلى أن قال:- وبالجملة، لا يبقى شك في أنّ فتوى هؤلاء الأعاظم في هذه المسألة المخالفة للاعتبارات والقواعد يكشف كشفاً قطعيّاً عن وجود نصّ واصل إليهم يدلّ عليها، وأنّه كان حجّة لديهم قابلاً للإعتماد عليه، فالإفتاء بخلافهم مشكل، كيف؟ واعتمادنا في جرح الرواة وتعديلهم ليس إلّا على هؤلاء الأعاظم، فكيف يمكن مخالفتهم في مثل هذه المسألة؟! ألا ترى أنّ ابن إدريس مع تصلّبه في إنكار حجيّة الخبر الواحد قد وافقهم في هذه المسألة ونسبها إلى الإجماع، فيستكشف بذلك وضوح الحكم لديهم بحيث لم يكن قابلاً للإنكار. (1)

أقول: لا يخفى أنّ لازم ما ذكر وجود هذه النصوص في زمن الشيخ قدس سره، وهي ضاعت بعده ولم تصل إلينا، وهذا المعنى بعيد جدّاً، ومع الغضّ عن ذلك كلّه، أنّه ليس من هذه الأخبار عين ولا أثر، ووجودها في زمانهم وإن كان غير بعيد في بعض الموارد إلّا أنّه لا يفيد في المقام لاحتمال أن يكون اعتمادهم في التفصيل المزبور على هذه الروايات الّتي بين أيدينا الدالّة على وجوب إتمام الصلاة للصائد مطلقاً.

وقد عرفت ما فيه من أنّها لا تدلّ على وجوب الإتمام في صيد التجارة لانصرافها أو ظهورها في الصيد اللّهويّ، فراجع وتأمّل.

مضافاً إلى الملازمة المستفادة من قوله علیه السلام:

«إذا قصّرت أفطرت، وإذا أفطرت قصّرت».

ثمّ اعلم: أنّ ما ذكره السيد البروجردي قدس سره من تقوية التفصيل المزبور، مبني على حجيّة


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 230.

الشهرة سيّما شهرة القدماء عنده، وهذا وإن كان حقّاً في الجملة إلّا أنّه لا يفيد في المقام، لما عرفت من احتمال استنادهم على الروايات المطلقة الّتي قد عرفت حالها.

و من تمام ذلك يعلم أنّ الفتوى بالفرق بين الصلاة بالإتمام والصوم بالإفطار في الصيد للتجارة وفاقاً للقدماء والسيد البروجردي قدس سره مشكلة جدّاً؛ لعدم الدليل عليها والحكم بخلافهم - كما أشار اليه البروجردي قدس سره؛ لكونهم الأساس في الفقه بعد الأئمّة علیهم السلام، بل هم الّذين فتحوا طريق الاستدلال مع تورّعهم واحتياطهم في الإفتاء- أشكل؛ إذ كيف يمكن احتمال استنادهم في ذلك إلى رواية ضعيفة سنداً أو دلالة؟

فالأحوط هو الجمع بين القصر والإتمام في الصلاة في الصيد للتجارة، وأمّا الصوم فالظاهر أنّ الإفطار فيه متّفق عليه، فلا يلزم الاحتياط فيه.

ويؤيّده ما ذكره المحقّق الهمداني قدس سره حيث قال:

والّذي يقتضيه الإنصاف، أنّ شيئاً من المذكورات وإن لم ينهض حجّة لإثبات حكم شرعيّ، إلّا أنّه قد يتحصّل من مجموعها الظنّ القويّ باستنادهم في هذا الحكم إلى رواية واصلة إليهم صالحة للإستناد إليها، أي: جامعة الشرائط الحجّيّة، فيشكل الحكم بخلافهم، إلّا أنّ ارتكاب التخصيص في عمومات أدلّة القصر وخصوص الصحيح المتقدّم الدالّ على عدم انفكاك الإفطار عن التقصير بمثل هذا الظن الذي لم يدلّ دليل على اعتباره أشكل، ولعلّه لهذا قال المصنّف: وفيه تردّد، فالاحتياط بالجمع بين القصر والإتمام مما لا ينبغي تركه، وإن كان ما اشتهر بين المتأخّرين من القول بالتقصير أشبه بالقواعد. (1)

فتحصّل أنّ الاحتياط بالجمع في الصلاة لا ينبغي تركه، وأمّا في الصوم فلا حاجة إلى مراعاته أصلاً.

نعم، كان سيّدنا الأُستاذ قدس سره بصدد تصحيح الاحتياط فيه أيضاً، نظراً إلى ذكر إتمامه في


1) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 744.

الفقه الرضوي على ما تقدّم، إلّا أنّك عرفت حال الكتاب المزبور مراراً.

بقي الكلام في أُمور أشار إليها الماتن:

الأمر الأوّل: هل يختصّ الحكم بالإتمام في الصيد اللّهويّ بما إذا كان في البرّ أم يعمّ الصيد البحريّ أيضاً؟

ظاهر «الجواهر» (1)الأوّل، نظراً إلى أنّ المتعارف بين المترفين وأبناء الدنيا الذين يخرجون بالبزاة والكلاب هو الصيد البرّيّ وهذا يوجب انصراف الأدلّة إلى الصيد البرّيّ.

وفيه منع واضح؛ إذ المتعارف الخارجيّ لا يوجب الإنصراف كما لا يخفى.

وعليه، تكون الإطلاقات الدالّة على وجوب الإتمام في الصيد اللّهويّ محكّماً، فتعمّ الصيد البحريّ إذا كان لهويّاً.

وذكر الصقورة والبزاة والكلاب في بعض الأخبار (2)لا يوجب التقييد؛ لكونها من القيد الغالبيّ وقد قرّر في محلّه أنّه لا مفهوم للقيد الغالبيّ. مضافاً إلى أنّ التعليل بقوله علیه السلام في بعض الأخبار: لأنّ التصيّد ليس بمسير حقّ، يعمّم الحكم على كلّ مورد كان الصيد فيه لهويّاً وهذا واضح.

ودعوى عدم صدق اللّهو والتنزّه في صيد البحر فيكون خارجاً من الأدلّة موضوعاً، مجازفة إثباتها على مدّعيها.

وعليه، لا فرق بين صيد البحر والبرّ كما أوضحناه.

الأمر الثاني: نسب إلى ابن الجنيد قدس سره التفصيل في سفر الصيد اللّهويّ بين كونه دائراً حول البلد فيتمّ، وبين غيره فيقصّر. والذي يمكن أن يكون مستنداً لهم قوله علیه السلام:

«سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَن الرَّجُلِ يَتَصَيَّدُ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَدُورُ حَوْلَهُ فَلَا يُقَصّرِ، وَإِنْ كَانَ


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 267.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 479، باب 9 من أبواب صلاة المسافر، ح 1 و 8.

تَجَاوَزَ الْوَقْتَ فَلْيُقَصّر» . (1)

ونحوه صحیح عبد الله بن سنان. (2)

أقول: والمراد من الوقت هو الحدّ والمكان، فيكون المعنى أنّه إذا سافر للصيد وتجاوز حدّ الترخّص فليقصّر، فحينئذٍ يكون الإتمام مطابقاً للقاعدة، فلا يدلّ على التفصيل المزبور؛ لأنّ الوقت ظاهر فيما وقّته الشارع لتقصير الصلاة ومنه الميقات للإحرام الذي هو حدّ لابتداء وقت الإحرام، ومن الظاهر أنّ من كان سفره ثمانية فراسخ ولو ملفّقة، يجب عليه القصر بعد الخروج عن حدّ الترخّص بمقتضى القاعدة.

وإن أبيت عمّا ذكرنا في تفسير الروايتين، فتصيران مجملتين، فيرجع إلى عمومات التقصير في غير سفر الصيد اللّهويّ، بلا فرق بين أن يدور حول البلد مع صدق السفر أو غيره.

الأمر الثالث: فيما نسب إلى ابن الجنيد أيضاً من التفصيل بين الصيد ثلاثة أيّام فلا تقصير، وبين ما إذا تجاوز عن ثلاثة أيّام فيقصّر.

وربّما يستدلّ له بخبر أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام، قال:

«لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الصَّيْدِ تَقْصِيرٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَإِذَا جَاوَزَ الثَّلَاثَةَ لَزِمَهُ». (3)

لكنّ الرواية مرسلة؛ لأنّ الحسن بن محبوب نقلها عن بعض الأصحاب واحتمال كون الواسطة هو علىّ بن أبي حمزة البطائنيّ كما عن المحقّق الخوئي قدس سره (4)لا يفيد؛ لضعف ابن حمزة كما لا يخفى، ولم ينجبر ضعفها بعمل الأصحاب، فلا يمكن الاستناد إليها.

وحملها بعضهم على التقيّة حيث قال:

كما أنّه يجب حمل خبر أبي بصير على التقيّة كما قيل. (5)

والظاهر أنّ مراده قدس سره من التقيّة، أنّ الإمام علیه السلام لم يتمكّن من إظهار الحكم، أي: الحرمة؛


1) نفس المصدر، باب 9 من أبواب صلاة المسافر ، ح 2.

2) نفس المصدر، ص 481، باب 9 من أبواب صلاة المسافر، ح 8.

3) نفس المصدر، ص 479، باب 9 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

4) مستند العروة؛ ج 8، ص 125.

5) نفس المصدر.

لمكان ارتكاب الخلفاء في زمانه حيث كانوا يخرجون للصيد والتلهّي يومين أو ثلاثة أيّام كما صرّح به بعضهم، وهذا مبنيّ على مختاره قدس سره من حرمة السفر بنفسه إذا كان للصيد اللّهويّ.

وفيه - مضافاً إلى ضعف المبنى لما عرفت من عدم حرمة سفر الصيد بنفسه - أنّه لو كانت التقيّة في مقابل فتوى مثل داود الظاهريّ ونحوه القائل بوجوب القصر بمجرد الأخذ في السفر ولو قبل فرسخ، فينافيه ذيل الخبر؛ حيث علّق القصر فيه إلى ما بعد ثلاثة أيّام، فعليه، ليس في ثلاثة أيّام تقيّة، وإن كانت غير ذلك، فعلى مدّعيها البيان.

نعم، يظهر من السيد البروجردي قدس سره وجه آخر للتقيّة، حيث قال:

فإنّ الظاهر من هذا الحديث أيضاً أنّ المتصيّد كغيره من المسافرين في أنّه إن جاوز حدّ المسافة لزمه القصر. غاية الأمر، أنّ تحديد المسافة فيه وقع على طبق فتوى أبي حنيفة بثلاث مراحل رعاية للتقيّة. (1)

أقول: ما ذكره قدس سره وإن كان حسناً في نفسه من جهة موافقته لفتوى أبي حنيفة على وجوب القصر بعد قطع ثلاث مراحل وكلّ مرحلة تقطع في يوم فيناسب الخبر حينئذٍ التقيّة، ولعلّه أيضاً مراد صاحب «الجواهر»، وإن كانت عبارته قاصرة عن أدائه.

إلّا أنّه يرد عليه:

أوّلاً، بأنّ غاية ما تدلّ عليه الرواية وجوب الإتمام على الصائد بعد ثلاثة أيّام، وأمّا ذهاب مراحل ثلاث فلا يستفاد منها حتى توافق مذهب أبي حنيفة مع أنّه لا يتحقق نوعاً من الصائد في كل يوم مرحلة.

وثانياً، أنّ الرواية - على فرض تسليم دلالتها على أنّ المراد من ثلاثة أيّام هو المراحل الثلاث - تدلّ على أنّ المعتبر في التقصير هو التجاوز عن ثلاث مراحل، وهذا غير معتبر عندهم قطعاً؛ لأنّ مرادهم وجوب القصر إذا كان السفر ثلاث مراحل، أي: أربعة وعشرين فرسخاً ولا يعتبرون التجاوز عن ذلك المقدار.

وعليه: فالتوجيه المزبور لا يناسب مذهب أبي حنيفة.


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 22 .

حكم الراجع من سفر المعصية

مسألة 32:

الراجع من سفر المعصية، إن كان بعد التوبة يقصّر، وإن كان مع عدم التوبة، فلا يبعد وجوب التمام عليه؛ لكون العود جزءاً من سفر المعصية، لكن الأحوط الجمع حينئذٍ. [1]

[1] أقول: قد وقع الكلام في أنّ الراجع من سفر الحرام والصيد اللّهويّ هل يجب عليه الإتمام مطلقاً، أي: تاب أم لا، أو يجب عليه القصر كذلك، أو يفصّل بين صورة التوبة فيقصّر، وبين عدمها فيتمّ؟ فيه وجوه بل أقوال:

أمّا القول بالإتمام مطلقاً فيوجّه بأن الرجوع وإن لم يكن بنفسه حراماً إلّا أنّه جزء من السفر الذي كان حراماً، فيحرم الرجوع بالتبع فيكون من توابع السفر الحرام، وهذا نظير الحركة الطبيعيّة للحجر المرمي إلى الفوق قسراً، فإنّ مقتضى طبيعة كلّ جسم ثقيل هو النزول بعد الإرتفاع قسراً، وهذا النزول القهريّ يعدّ عند العرف جزءً من الرمي، ولذا حكموا بوجوب الدية على الرامي لو أصاب الغير في حال الرجوع.

ويرد عليه أوّلاً: أن كون الإياب جزءاً من السفر الحرام أوّل الكلام.

وثانياً: أنّه على تقدير تسليم الجزئيّة، ليس الإياب من سفر المعصية لا بنفسه ولا بغايته؛ إذ المفروض أنّه راجع إلى أهله وبلده، فإنّ الإياب إليهما ليس من الباطل.

وأمّا القصر مطلقاً فيوجّه بأنّ الموضوع للإتمام إنّما هو كون السفر حراماً بنفسه أو بغايته كما تقدّم. والإياب إلى الأهل والبلد ليس من الحرام بشيء، بل ربّما يكون راجحاً شرعاً لأجل صلة الأرحام، بل واجباً لأجل الإنفاق لواجب النفقة، فيكون من مسير الحقّ.

وأمّا التفصيل فيوجّه بأنّه لا يعدّ رجوعه بعد التوبة من سفر الحرام الذي هو الموضوع للتمام.

وقد تقرّر في محلّه أنّ نسبة الحكم إلى موضوعه نسبة المعلول إلى علّته، فإذا انتفي الموضوع ينتفي الحكم تبعاً، فإذا انتفي موضوع التمام يتحقّق موضوع القصر؛ إذ المفروض أنّه مسافر غير عاصٍ بسفره حال الإياب، وهذا واضح.

والظاهر أنّ التقصير حال الإياب مع التوبة متّفق عليه عندهم، بل الأمر كذلك على الأظهر مع عدم التوبة أيضاً، لما أشرنا من عدم جزئيّة الرجوع من سفر المعصية وعدم حرمته بنفسه أو بغايته على تقدير تسليم الجزئيّة، بل الرجوع سفر مباح بل ربما يكون راجحاً كما عرفت.

ودعوى كون الرجوع جزءاً من سفر الحرام عرفاً، فيكون تابعاً للذهاب المحرّم في الحكم، مدفوعةٌ بما أشرنا من أنّه على تقدير الجزئيّة أيضاً لا يصدق عليه سفر المعصية ومسير الباطل.

وبعبارة أُخرى: إنّه لا ملازمة بين كون الإياب جزءاً من سفر المعصية وبين كونه محرّماً بنفسه أو بغايته؛ بداهةَ كون الرجوع من مصاديق السفر المباح.

ومما ذكرنا، ظهر ضعف ما يتراى من بعض المحشّين على «العروة» كالسيد الحجّة والسيد الأستاذ، والسيد السبزواريّ، من تعليق الحكم بالإتمام على صورة عدّ العود جزءً من السفر عرفاً، بمعنى: أنّه إن عدّ من السفر عرفاً، فيجب التمام فيه وإلّا فلا.

ووجه الضعف: أنّه لو أرادوا منه التنويع وأنّ العود قد يعدّ جزءاً، وقد لا يعدّ منه، فيرد عليهم بأنّه لا فرق بين أفراد العود. وعلى تقديره، فلابدّ لهم من البيان، فإن أرادوا منه إحالة الحكم على نظر العرف، فلازمه تبعيّة الفقيه في الحكم على تشخيص الموضوعات عند العرف، وهذا بعيد جدّاً؛ لأنّه ليس للعرف في أمثال المقام ميزان وتشخيص معيّن، فأفهم.

اللّهمّ إلّا أن يراد منه ما كان الرجوع بنفسه أو بغايته منطبقاً على الحرام كما في رجوع قَتَلة الحسين علیه السلام، من كربلاء ورجوع أعوان الظَّلَمة من سفر المعصية؛ لأنّه يصدق عليهم حين الرجوع أنّهم من أعوان يزيد لعنة الله عليه، فلا يبعد الحكم حينئذٍ بالتمام.

ومما ذكرنا يظهر أيضاً ضعف ما اختاره الماتن من التفصيل بين صورة التوبة وعدمها؛ معلّلاً بكون الإياب جزءاً من المعصية مع عدم التوبة.

والوجه في ذلك، ما أشرنا إليه من عدم كون الرجوع مصداقاً للمعصية، فالأقوى وجوب القصر مطلقاً والله العالم.

اعتبار إباحة السفر حدوثاً وبقاءً

مسألة 33:

إباحة السفر كما أنّها شرط في الإبتداء، شرط في الإستدامة أيضاً.

فلو كان ابتداء سفره مباحاً، فقصد المعصية في الأثناء، انقطع ترخّصه ووجب عليه الإتمام، وإن كان قد قطع مسافات، ولو لم يقطع بقدر المسافة صحّ ما صلّاه قصراً، فهو كما لو عدل عن السفر وقد صلّى قبل عدوله قصراً حيث ذكرنا سابقاً أنّه لا يجب إعادتها.

وأمّا لو كان ابتداء سفره معصية، فعدل في الأثناء إلى الطاعة، فإن كان الباقي مسافةً فلا إشكال في القصر، وإن كانت ملفّقة من الذهاب والإياب، بل وإن لم يكن الذهاب أربعة على الأقوى.

وأمّا إذا لم يكن مسافة ولو ملفّقة، فالأحوط الجمع بين القصر والتمام، وإن كان الأقوى القصر بعد كون مجموع ما نواه بقدر المسافة ولو ملفّقة، فإنّ المدار على حال العصيان والطاعة، فما دام عاصياً يتمّ ومادام مطيعاً يقصّر من غير نظر إلى كون البقيّة مسافة أو لا. [1]

[1] أقول: قد ذكر السيد قدس سره في هذه المسألة فرعين:

الفرع الأوّل: ما لو قصد في ابتداء سفره الإباحة، ثمّ عرض له قصد المعصية في الأثناء.

والفرع الثاني: عكس الأوّل.

أمّا الفرع الأوّل فنقول: هل يجب التمام بعد العدول إلى المعصية بسفره وإن كان قد قطع مسافة أو مسافات؟

المشهور ذلك كما اعترف به جماعة، منهم صاحب «الجواهر»، بل يظهر منه عدم الخلاف فيه، وذلك لتحقّق موضوع التمام حينئذٍ وهو السفر المحرّم بنفسه أو بغايته. (1)


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 260.

نعم، يظهر من الشيخ الأنصاريّ قدس سره في حاشيته على «نجاة العباد»، خلافه؛ حيث قال:

فيه تأمّل، مع قطع المسافة الموجبة للقصر . (1)

ولكن أورد عليه شارح «نجاة لعباد» بقوله، بعد نقل كلام الشيخ قدس سره:

فلا وجه للتأمّل. (2)

وذكر المحقّق الخوئي قدس سره وجهاً لطيفاً لكلام الشيخ حيث قال:

ولكن استشكل فيه شيخنا الأنصاري قدس سره واحتمل أن يكون الحكم هو القصر، نظراً إلى أنّ سفر المعصية بالإضافة إلى التقصير من قبيل عدم المقتضي لا المقتضي للعدم، فغايته أنّه لا يقتضي القصر، لا أنّه يقتضي التمام كما يقتضيه الحضور في الوطن كي يكون مزيلاً للقصر الثابت سابقاً بسبب آخر، فإذا لم يكن له إلّا عدم الاقتضاء، فلا يعارض ما كان مقتضياً للقصر ولا يزاحمه بوجه. (3)

توضيح كلامه: أنّ من قصد الثمانية المباحة وتلبّس بالسير بقصد الطاعة، يصدق عليه عنوان المسافر لغةً وعرفاً، سواء قصد المعصية في الأثناء أم لا ، إلّا أنّه خرج من هذا - الحكم بالقصر - العاصي بسفره ومقيم العشرة، ولذا قال:

إنّ المكلّف في حال الإقامة مسافر لغةً، غاية الأمر أنّه استثني حكماً ووجب عليه الإتمام في هذه الحال، وعلى هذا أنّ السفر بما هو مقتضٍ للقصر إلّا إذا قام الدليل على وجوب الإتمام وسفر المعصية ليس مقتضياً لعدم القصر غايته أنّه من قبيل عدم المقتضي فلا يعارض مع المقتضي كما لا يخفى.

أقول: كلامه وإن كان جيّداً في بدو النظر، إلّا أنّ التأمّل في أمثال المقام ونظائره يقتضي خلافه.

بيان ذلك: أنّ السفر الموجب للقصر، له شرائط خاصة بأن لا يكون مكارياً ولا ممن بيته


1) نجاة العباد؛ ص 158.

2) وسيلة المعاد في شرح نجاة العباد؛ ج 2، ص 609.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص128.

معه وأن لا يكون في معصية الله ونحو ذلك، فإذا انتفي بعض هذه الشرائط ينتفي القصر. وعليه، لو قصد المعصية في الأثناء، يتبدّل القصر إلى التمام، لا لاقتضاء المعصية التمام حتى يقال إنّه ليس فيه اقتضاء، بل لإنتفاء مقتضي القصر وهو إباحة السفر، ومن الظاهر أنّ المكلّف يجب عليه إمّا التمام أو القصر ولا ثالث لهما، فإذا تحقّق موضوع كلٍّ منهما، يترتّب عليه حكمه؛ لأنّه يدور مدار موضوعه، وهذا واضح.

ومنه يعلم أنّ توجيه المحقّق الخوئي قدس سره بابتناء ذلك على الإقتضاء وعدمه غير وجيهٍ. فعلى هذا، إذا قصد المعصية في الأثناء يتحقّق موضوع التمام فيتمّ.

ويؤيّده بعض الأخبار الدالّ على أنّ القصر في السفر المباح منّة وهديّة من الله سبحانه على عباده كما يظهر من قول الرضا علیه السلام في خبر الفضل بن شاذان:

«وَإِنَّمَا قُصِرَتِ الصَّلَاةُ فِي السَّفَرِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ أَوَّلًا إِنَّمَا هِيَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ وَالسَّبْعُ إِنَّمَا زِيدَتْ فِيهَا بَعْدُ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْهُ تِلْكَ الزِّيَادَةَ لِمَوْضِع سَفَرِهِ وَتَعَبِهِ وَنَصَبِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِأَمْرِ نَفْسِهِ وَظَعْنِهِ وَإِقَامَتِهِ؛ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عَمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ مِنْ مَعِيشَتِهِ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.» (1)

فإنّ المنّة والهديّة لا تناسبان من كان عاصياً بسفره الشامل لمن كان معصية من ابتداء السفر أو قصدها في الأثناء كما لا يخفى. بل يظهر ذلك من نحو قوله علیه السلام:

«سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إِلَى الصَّيْدِ أَ يُقَصّر أَوْ يُتِمُّ؟ قَالَ: يُتِمُّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسِيرِ حَقٍ». (2)

حيث يظهر منها أنّ التقصير يدور مدار كون المسير حقّاً وجوداً وعدماً، بل يظهر ذلك من خبر السياريّ أيضاً؛ حيث قال:

«خَرَجَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ علیه السلام أَنَّ صَاحِبَ الصَّيْدِ يُقَصّر مَا دَامَ عَلَى الْجَادَّةِ، فَإِذَا عَدَلَ عَنِ الْجَادَّةِ أَتَمَّ؛ فَإِذَا رَجَعَ إِلَيْهَا قَصّرَ». (3)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 520، باب 22 من أبواب صلاة المسافر، ح 12.

2) نفس المصدر، ص 480 ، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

3) نفس المصدر، ص 480، باب 9 من أبواب صلاة المسافر، ح 6.

فإنّ المراد من الجادّة هي جادّة الشريعة والعبوديّة، فمن كان ثابتاً عليها، كان مسيره حقاً وإلّا فلا، فحينئذٍ يدلّ الخبر على أنّ القصر يدور مدار المسير الحقّ.

فتحصّل من تمام ذلك: أنّه لا يمكن المساعدة على ما ذكره الشيخ الأنصاري قدس سره في الحاشية، لما عرفت من ظهور النصوص في كون التقصير دائراً مدار كون المسير حقاً وجوداً وعدماً.

ولعلّه لهذا وافق المشهور في بعض كتبه حيث قال:

وكما يعتبر إباحة السفر ابتداءً، فكذا يعتبر استدامة، فلو عدل عن المباح وتلبّس بالسفر المحرّم أتمّ وإن كان بعد تحقّق المسافة. (1)

إذا تقرّر ذلك فنقول: الأقوى ما عليه صاحب «الجواهر» - وفاقاً للمشهور - من وجوب التمام بعد العدول إلى المعصية.

ثم هل يتبدّل القصر إلى التمام بمجرّد العدول إلى المعصية في الأثناء، أو لابدّ معه من التلبّس بالسير والحركة خارجاً؟ قولان، أقواهما الأوّل.

والوجه في ذلك أنّ الموضوع للتمام هو السفر الحرام، وهذا يتحقّق بمجرد العدول إلى الحرام؛ إذ السفر -وهو الضرب في الأرض بقصد الثمانية فصاعداً- متحقّق، فإذا عرض العصيان يتحقّق موضوع الإتمام في السفر، بلا حاجة إلى الحركة والتلبّس بسفر جديد.

وهذا بخلاف ما إذا عدل من المعصية إلى الطاعة، فإنّه يعتبر فيه التلبّس بالسير بعد قصد المسافة، نظير المُغمى عليه بعد حصول الإنتباه، فإنّه ما لم يتلبّس بالسير بعد قصد المسافة لا يكون مسافراً و إن كان سير به مسافة أو مسافات حال الإغماء؛ لعدم قصد له في تلك الحال.

والحاصل: أنّ هناك فرق بين العدول إلى المعصية بعد تحقّق السفر وبين العدول إلى الطاعة كذلك، فيعتبر التلبّس بالسير في الثاني دون الأوّل.


1) كتاب الصلاة؛ ص 394.

ومن هنا يظهر قوّة ما ذكره الشيخ الأنصاري قدس سره في صلاته حيث قال:

وعلى هذا، لا يعتبر (1)في وجوب التمام على من عدل عن قصد الطاعة بالسفر إلى قصد غاية محرّمة بين أن يضرب في الأرض بقصد الغاية المحرّمة أو يكون ساكناً في منزله الذي وصل إليه بالسفر المباح. (2)

بقي الكلام فيما أشار إليه السيد قدس سره بقوله:

ولو لم يقطع بقدر المسافة، صحّ ما صلّاه قصراً، فهو كما لو عدل عن قصد السفر وقد صلّى قبل عدوله قصراً.

فإنّ هذا صريح في عدم لزوم إعادة ما صلّاه قصراً فيما لو عدل إلى المعصية قبل المسافة، كما إذا عدل إليها بعد قطع خمسة فراسخ مثلاً وقد تقدّم منه نظير ذلك في مسألة 24 حيث أفتى فيها بعدم وجوب الإعادة فضلاً عن القضاء لمن عدل عن قصد السفر بعد ما صلّى قصراً قبل بلوغ المسافة.

واستدلّ عليه بقاعدة الإجزاء وذيل صحيح زرارة: ... فلم يقض له الخروج ما يصنع بالصلاة الّتى كان صلّاها ركعتين؟ قال: «تمّت صلاته ولا يعيد.»

ولكن قد عرفت سابقاً أنّ الأقوى عندي وجوب الإعادة لما ذكرناه هناك من أنّ صحيح زرارة لا يمكن الأخذ به لكونه موافقاً مع العامّة، فإنّ الظاهر من كلام بعضهم كون عدم الإعادة ممّا اتفقوا عليه. (3)ومن الظاهر أنّ الرشد في خلافهم كما في النصّ، فلا يصلح للاستدلال به فضلاً عن المعارضة، فحينئذٍ نقول: إنّ صحيحة أبي ولّاد الآمرة بالإعادة تكون حجّة بلا معارض.

إن قلت: إنّ الأصحاب قد أعرضوا عن هذه الصحيحة.


1) الظاهر، لا فرق.

2) نفس المصدر، ص 429.

3) لاحظ المُغني لابنِ قُدامة.

حكم ما لو عدل إلى الطاعة في الأثناء

قلت: لم يثبت إعراضهم عن صحيحة أبي ولّاد حيث تمسّك بها الأصحاب في كثير من المقامات، فلا يجوز رفع اليد عنها لأجل المعارضة بما يوافق العامّة.

وأمّا تقديم جماعة صحيح زرارة على صحيحة أبي ولّاد، فالظاهر أنّه لا اعتبار به؛ لكونه ناشئاً من استنباطهم واجتهادهم، ومعلوم أنّه لا يصحّ لنا تقليدهم.

وأمّا قاعدة الإجزاء، فهي إنّما تصحّ فيما لو كان هناك أمر ظاهريّ، وأمّا إذا لم يكن إلّا الأمر الخيالي، فلا إجزاء قطعاً.

فتحصّل: أنّ الأظهر هو الإعادة وقد تقدّم تفصيله في مسألة 24.

الفرع الثاني: وهو ما أشار إليه بقوله:

وأمّا لو كان ابتداء سفره معصية فعدل في الأثناء إلى الطاعة، فإن كان الباقي مسافة، فلا إشكال في القصر.

أقول: في هذا الفرع فرضان:

أحدهما: ما كان الباقي من المسير بعد العدول مسافة؛

ثانيهما: ما إذا لم يكن الباقي مسافة ولو بالتلفيق.

أمّا الفرض الأوّل: فالظاهر عدم الخلاف في وجوب القصر فيه لتحقّق موضوعه، وهو السفر السائغ مع اجتماع الشرائط، بلا فرق بين كون المسافة الباقية امتداديّة أم ملفّقة.

وأمّا الفرض الثاني:

أعني: ما إذا لم يكن الباقي مسافة، فهل يجب التمام أو القصر؟ وجهان؛ بل قولان:

فذهب الأكثر إلى الأوّل نظراً إلى عدم تحقّق المسافة، ويظهر من السيد قدس سره قوّة الثاني بعد احتياطه بالجمع، وعلّله بأنّ المسافر بعد كونه مسافراً يجب عليه القصر، غاية الأمر أنّ وجوب الإتمام حال المعصية من قبيل التخصيص في الحكم الكلّيّ، أعني: القصر.

وبعبارة أُخرى: أنّ القيود المأخوذة في الموضوع كإباحة السفر ونحوها توجب تقييد الحكم عنده دون الموضوع، وعلى هذا، يكون الشخص مسافراً في الحالتين -حالة الطاعة

والعصيان- إلّا أنّه يجب عليه التمام في العصيان من باب التخصيص في الحكم فيكون العصيان بالسفر مانعاً عن ترتّب حكم المسافر عليه وهو القصر، فإذا ارتفع المانع بالعدول إلى الطاعة يترتّب عليه القصر، وهذا واضح.

وقوّاه الشيخ الأنصاري قدس سره حيث قال:

ثمّ لو عاد إلى قصد الطاعة، ففي اعتبار كون الباقي مسافة مستقلّة قولان: أوّلهما للعلّامة وجماعة ممن تأخّر عنه، والثاني محكيّ عن الصدوقين والشيخ والمحقّق والشهيد في الذكرى، وجماعة ممّن تأخّر عنه، وهو الأقوى لصدق التلبّس بسفر المباح بمجرد العدول. (1)

ومنه يظهر عدم تمامية ما في كلام المحقّق الخوئي قدس سره من كون التمام متسالماً عليه، حيث قال:

والظاهر أنّ المسألة متسالمٌ عليها بين الفقهاء والقول بالقصر وضمّ الباقي بما سبق مما تفرّد به الماتن. (2)

حيث إنّ كلام الشيخ قدس سره صريح في ذهاب جملة من الأصحاب كالصدوقين والمحقق والشهيد وجماعة من المتأخّرين إلى القول بوجوب القصر في الفرض المزبور، مع عدم كون الباقي مسافة في حدّه، وقد قوّاه هو أيضاً. ومع ذلك، كيف يصحّ أن يقال بأنّ السيد متفرّد بذلك؟

وعلى كلّ حالٍ، ما قوّاه الماتن قدس سره من القصر في الفرض المزبور فقد قوّاه الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره قبله ومنه يُعلم أنّ السيد قدس سره ليس متفرّداً به، بل يظهر من بعض المحشّين أيضاً الميل إليه، كالسيد الحجّة قدس سره حيث أوجب الاحتياط، وكذا السيد الاصطهباناتي وسيّدنا الأُستاذ قدس سره حيث لم يعلّقا في المقام شيئاً. بل وافقه الحائري قدس سره صريحاً، حيث قال:


1) نفس المصدر، ص 432.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 133.

فهذا المسافر في مقدار من الزمان، سار في سفر المعصية، ولزمه حكمه الذي هو التمام، وفي مقدار آخر سار في سفر غير المعصية ولزمه حكمه أيضاً الذي هو القصر، ولا يحتاج لزوم القصر بعد العدول عن قصد المعصية إلى قصد السفر الجديد. (1)

فعُلم من ذلك، أنّ دعوى كون التمام في المقام متسالماً عليه بين الفقهاء، لا يخلو من التعجب.

هذا كلّه بالنظر إلى كلمات القوم في المسألة وأمّا عندي فالأقوى لزوم التمام.

والوجه في ذلك، أنّ الموضوع للقصر ليس هو مطلق السفر، بل هو حصّة خاصة، وهو السفر الجامع للشرائط من المسافة وقصدها وكونه مباحاً وغيرها، فإذا انتفت هذه الشروط أو بعضها ينتفي الموضوع. ومقتضى ذلك، أنّ العاصي بسفره لا يعدّ مسافراً شرعاً.

وأمّا ما ادّعاه المحقّق الخوئي قدس سره بعد التنازل عن كلامه في هذا المقام من القاعدة الكلّيّة الّتي أسّسها هو بقوله:

فتكفينا في المقام القاعدة الكلّيّة الّتي أسلفناك غير مرّة ... من أنّ كلّ من كان محكوماً بالتمام لا تنقلب وظيفته إلى القصر، إلّا إذا قصد المسافة الشرعيّة، ولو ملفّقة المفقودة فيما نحن فيه لفرض عدم قصدها بعد العود إلى الطاعة والحكم عليه بالتمام. (2)

فقد تقدّم منّا في مسألة 23 و 24 أنّه لا دليل على تلك القاعدة من آية أو رواية، ونحن وإن قلنا بوجوب الإتمام أيضاً، لكن لأجل استصحاب التمام الثابت حال العصيان. ولنا أن نقول: إنّه لا تصل النوبة إلى الإستصحاب أيضاً؛ لعدم الشك في وجوب التمام لما مرّ من أنّه إذا لم يكن الباقي مسافة، فلا يتحقّق موضوع القصر كما لا يخفى.

بقي الكلام فيما إذا كان ابتداء السفر سائغاً ثمّ عدل في الأثناء إلى المعصية وبعد ما قطع


1) كتاب الصلاة؛ ص 606.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 133.

مقداراً من المسافة عاصياً عدل ثانياً إلى الطاعة مع عدم كون الباقي مسافة في حدّ نفسه. فهل ينضمّ الباقي إلى ما مضى قبل العدول إلى المعصية أم لا؟ وجهان؛ بل قولان:

أحدهما: الإنضمام كما اختاره جماعة منهم: العلّامة الأنصاري والحائري وجماعة من المعاصرين، بل أفتى به صاحب «الجواهر» في «نجاة العباد» وأصرّ عليه السيد الميلاني قدس سره قائلاً:

إنّ جمیع أكوان المسافر من سيره وسكونه حالات سفريّة، ووحدة السفر لا تختلف باختلاف القصد، وهي محفوظة. (1)

واستدلوا عليه بأنّ أدلّة القصر قيّدت الموضوع بالسفر السائغ، فإذا كان ابتداء السفر وانتهائه سائغين يصدق عليه ذلك العنوان بعد ارتفاع ما تخلّل من المعصية.

وثانيهما: عدم الإنضمام وهذا هو المشهور المنصور عندنا؛ لأنّ الأدلّة قد قيّدت الموضوع للقصر بالسفر المباح، فما وقع في الأثناء بقصد المعصية ليس بسفر مباح، وهو يوجب انقطاع السفر فيتوقّف الحكم بالقصر ثانياً على قصد ثمانية جديدة. ويقرب من ذلك ما ذكره السيد الحكيم قدس سره بقوله:

وإذ قد عرفت ظهور الأدلّة في تقييد الموضوع كان اللازم عدم احتساب المتخلّل كما انّك إذ عرفت ظهور نصوص المسافة في خصوص الممتدّة المتصلة، كان المتعيّن عدم الضمّ أصلاً كما هو المشهور. (2)

ويشهد بذلك موثّقة عمّار عن أبي عبد الله علیه السلام قال:

«سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي حَاجَةٍ، فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ فَيَأْتِي قَرْيَةً فَيَنْزِلُ فِيهَا ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أُخْرَى أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ثُمَّ يَنْزِلُ فِي ذَلِكَ


1) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 156.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 57.

الْمَوْضِعِ قَالَ لَا يَكُونُ مُسَافِراً حَتَّى يَسِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ». (1)

بتقريب أنّها ظاهرة في أنّ المسافر الشرعيّ لا يصدق إلّا إذا سار من منزله ثمانية فراسخ، فإذا عدل إلى الطاعة والحال أنّ الباقي ليس بمسافة، فلا يصدق عليه أنّه مسافر شرعاً.

لا يقال: إنّ الرواية ظاهرة في تحقّق الثمانية خارجاً، وليست بصدد بيان اتصال السير.

لأنّه يقال: ليس الأمر كذلك؛ إذ لم يقل أحد باعتبار تحقّق الثمانية خارجاً في ترتّب القصر، لاتّفاقهم على ترتّب الحكم بمجرد العبور عن حدّ الترخّص بعد ما قصد الثمانية وتلبّس بالسير، وهذه القرينة توجب حمل الرواية على من قصد الثمانية. بل يظهر منها اعتبار قصد الثمانية متصلاً، فلو قصد أربعة فدخل في وطنه بعد طيّها ثمّ استمرّ في السير بأربعة أُخرى لا يقصّر؛ لعدم صدق أنّه سار من منزله ثمانية فراسخ كما لا يخفى على المتأمّل.

ويظهر منها أيضاً: اعتبار السير في تحقّق السفر، فلا يجوز التقصير لمن أفاق من الإغماء بعد ما سير به مسافة أو مسافات؛ إذ لا قصد له كما لا يخفى. وكذا من عدل عن قصد المعصية، وهو في المنزل ولم يتلبّس بالسير، وإن كان ظاهر جماعة من الأعاظم وجوب القصر عليه بمجرد العزم على الطاعة كما مرّ.

نعم، لا يعتبر الخروج من حدّ الترخّص في وجوب القصر على العازم للطاعة والمفيق من الإغماء، بل يكفي فيه مطلق التلبّس بالسير بعد قصد الثمانية المباحة.

وتحصّل أنّ الظاهر من الآية والرواية اعتبار أمرين في ترتّب القصر:

أحدهما: قصد الثمانية؛

وثانيهما: التلبّس بالسير في المسافة المقصودة.

ثمّ إنّ الظاهر من رواية السّياري هو كفاية الثمانية مطلقاً، وإن لم يكن الباقي من المسافة ثمانية فراسخ. وهي ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 469، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

السياريّ، عن بعض أهل العسكر قال:

«خَرَجَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ علیه السلام أَنّ صَاحِبَ الصَّيْدِ يُقَصِّر مَا دَامَ عَلَى الْجَادَّةِ فَإِذَا عَدَلَ عَنِ الْجَادَّةِ أَتَمَّ فَإِذَا رَجَعَ إِلَيْهَا قَصّرَ». (1)

بتقريب أنّ المراد من الجادّة جادّة الشريعة، وهي إباحة السفر، فإنّه مادام في السفر المباح يقصّر، فإذا قصد الحرام يُتمّ، ثمّ لو عدل إلى الطاعة يقصّر أيضاً من غير اعتبار كون الباقي مسافة، وعلى هذا تكون الرواية دليلاً على ما اختاره جماعة من صحة انضمام الباقي بعد العدول إلى الماضي قبل قصد المعصية.

وفيه أوّلاً: أنّها ضعيفة بالإرسال ولا جابر لها.

وثانياً: إنّ في فقه الرواية إشكالاً، لأنّه يحتمل أن يكون المراد من الجادّة هو مستوى الطريق، والمراد من خروجه منها هو الانحراف منه، فعليه يفرق بين من يسلك في طريقه فيقصّر وبين من عدل عنه يميناً وشمالاً فيتمّ، إلّا أنّه خلاف الإجماع في الصيد حيث لم يقل أحدٌ بالتفصيل المزبور. وأمّا حملها على من سافر بغير قصد الصيد ثمّ عدل عن الطريق للصيد - كما عن الشيخ قدس سره، فتكون الرواية شاهداً للمقام، فغير صحيح؛ لعدم القرينة الداخليّة ولا الخارجيّة عليه.

فتحصّل: أنّ حمل الرواية على أنّ المراد من الجادّة طريق الشرع غير وجيه؛ لعدم كونه مصطلحاً في ذلك سيّما في زمان الأئمّة علیهم السلام.

بقي الكلام فيما لو عدل إلى المعصية في الأثناء بعد أن كان ابتداء سفره طاعة، من غير قطع شيء من المسير حال العصيان، فالظاهر عدم الإشكال في وجوب القصر كما ادّعاه بعض الأعاظم؛ لكونه مسافراً. فإنّ جميع حركاته وقعت مباحة، غاية الأمر أنّه قصد المعصية في الأثناء حال السكون ومجرد القصد ليس قاطعاً للسفر.

ويؤيّده ما اتفقوا عليه من أنّه إذا قصد الإقامة ثمّ عدل عنها قبل الإتيان بفريضة تامّة بقي


1) نفس المصدر، ص 480، باب 9 من أبواب صلاة المسافر، ح 6.

على القصر؛ لأنّ مجرد قصد الإقامة لا يوجب انقطاع السفر. وإلى ذلك يشير السيد الميلاني بقوله:

ولا إشكال في أنّه يقصّر؛ ضرورةَ أنّه نظير ما إذا عدل عن أصل السفر، ثمّ عاد إلى قصده قبل أن يتحرّك من مكانه، فإنّه لا شبهة في أنّه يقصّر . (1)

وقد جاء نظير ذلك في كلام النائيني قدس سره حيث قال:

الصورة الثانية، ما إذا عزم على المعصية بعد قطع المسافة ورجع عنه قبل التلبّس بما عزم، فحيث قد تقدّم في الأمر الثالث أنّه يجب عليه القصر ما لم يتلبّس بسفر المعصية ولو حين العزم على المعصية، فلا حكم لعزمه في انقطاع حكم السفر عنه، فلا يكون بهذا العزم حكم القصر منقطعاً عنه حتى يتكلّم في عوده إلى القصر بعد العود إلى الطاعة، بل يجب عليه القصر حين العزم فضلاً عن حال العود إلى آخره. (2)

ولا يذهب عليك أنّ حكمه بوجوب القصر حين العزم على المعصية خالٍ عن السّداد؛ لأنّ العازم على العصيان لا يليق للمنّة والإحسان كما هو واضح.

وأمّا بعد عدوله عن المعصية، فالأقرب وجوب القصر بعد العود إلى الطاعة لتحقّق موضوعه؛ إذ المفروض إباحة السفر من غير تخلّل سير باطل في البين.

فإن قلت: إنّ الحكم بالقصر هنا ينافي ما تقدّم من الحكم بالتمام في نظير المسألة، أعني: ما تقدّم في ذيل مسألة 23، حيث أوجبتم التمام لمن تردّد في أثناء السفر، وعاد إلى الجزم به بعد ذلك.

قلت: لا تنافي بين المقامين وذلك لوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: أنّ أصل القصد هناك كان مختلّاً - الّذي قد عرفت أنّه جزء الموضوع - وهذا


1) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 132.

2) كتاب الصلاة؛ ج 3، ص321.

بخلافه هنا، حيث إنّ قصد السفر باقٍ بعد، فلا يضرّ بأصل السفر.

الوجه الثاني: أنّ التردّد بمجرده قاطع للسفر، فلا يصدق معه عنوان المسافر هناك، وأمّا فيما نحن فيه فلا ينهدم عنوان السفر بقصد العصيان فافهم.

الوجه الثالث: أنّه ربّما يستأنس من خبر السيّاريّ المتقدّم بأنّ مجرد العود إلى الطاعة كافٍ في ثبوت القصر فيما نحن فيه، ولم يكن مثل هذا الخبر هناك، فتأمّل.

وحيث لم يحصل الجزم من أدلّة الطرفين، لا على الحكم بالقصر ولا على التمام، فالأحوط الجمع بين القصر والتمام فيما لو عدل إلى المعصية في الأثناء ثمّ رجع إلى الطاعة قبل أن يقطع شيئاً من الطريق حال العزم على المعصية. والله العالم.

حكم الشاكّ في كون سفره معصية أم لا

مسألة 35:

إذا شكّ في كون السفر معصية أو لا، مع كون الشبهة موضوعيّة، فالأصل الإباحة، إلّا إذا كانت الحالة السابقة هي الحرمة أو كان هناك أصل موضوعيّ، كما إذا كانت الحلّيّة مشروطة بأمرٍ وجوديّ كإذن المولى، وكان مسبوقاً بالعدم أو كان الشك في الإباحة والعدم من جهة الشك في حرمة الغاية وعدمها، وكان الأصل فيها الحرمة. [1]

[1] أقول: إنّ الشك تارةً يكون في الحكم، وأُخرى في الموضوع. فإن كان في الحكم، فلابدّ من الفحص عن الدليل إن كان مجتهداً، أو الرجوع إلى المجتهد إن كان مقلّداً، أو يعمل بالاحتياط على ما هو مقرّر في محلّه. فلو شك في أنّ سفر الزوجة مع نهي الزوج وسفر الولد مع نهي الوالد حرام أم لا، فيجب على المجتهد الفحص وعلى المقلّد الرجوع إلى مجتهده.

وأمّا إذا كان الشك في الموضوع، كما إذا شك الولد في أنّ سفره هذا منهيّ من الأب أو لا؟ فمقتضى الأصل في مثلها هو الحكم بالإباحة؛ لأنّه لا خلاف بينهم حتّى من أصحابنا الأخباريّين في جريان أصالة الإباحة عند الشك في الحلّيّة.

نعم، لو كان في البين أصل موضوعيّ يقدّم على أصالة الحلّ، كما لو شك المملوك أو الزوجة في إباحة السفر من جهة الشك في أنّ المولى أو الزوج أ أذن له في السفر أم لا؟ فإنّ أصالة عدم الإذن الّتي هي منقّحة لموضوع السفر حاكمة على أصالة الإباحة، فيصبح السفر حراماً.

وكذا لو كان الولد أو المملوك منهيّاً عن السفر سابقاً، ثمّ شك في الحرمة أو الإباحة، فاستصحاب الحرمة السابقة يقدّم على أصالة الإباحة؛ لكونه أصلاً موضوعيّاً، وهو حاكم على غيره من الأُصول، وهذا واضح.

ثم اعلم أنّ قول الماتن:

أو كان الشك في الإباحة والعدم من جهة الشك في حرمة الغاية وعدمها، وكان

الأصل فيها الحرمة...،

إشارةٌ إلى الأصل الموضوعيّ.

ولعلّ مراده أنّه لو شك في أنّ زيارة السلطان الجائر فعلاً أ هي محرّمة أم لا؟ مع فرض أنّها كانت محرّمة سابقاً فباستصحاب الحرمة السابقة تكون الغاية محرّمة فيحرم السفر أيضاً لأجل حرمة الغاية.

مدار حلّيّة السفر وحرمته

مسألة 36:

هل المدار في الحلّيّة والحرمة على الواقع أو الاعتقاد أو الظاهر من جهة الأُصول، إشكالٌ.

فلو اعتقد كون السفر حراماً بتخيّل أنّ الغاية محرّمة فبانَ خلافه، كما إذا سافر لقتل شخص بتخيّل أنّه محقون الدم فبان كونه مهدور الدم، فهل يجب عليه إعادة ما صلّاه تماماً أو لا؟ ولو لم يصلّ وصارت قضاءً فهل يقضيها قصراً أو تماماً؟ وجهان: والأحوط الجمع.

وإن كان لا يبعد كون المدار على الواقع إذا لم نقل بحرمة التجرّي وعلى الاعتقاد إن قلنا بها، وكذا لو كان مقتضى الأصل العملي الحرمة، وكان الواقع خلافه أو العكس فهل المناط ما هو في الواقع أو مقتضى الأصل بعد كشف الخلاف؟ وجهان: والأحوط الجمع.وإن كان لا يبعد كون المناط هو الظاهر الذي اقتضاه الأصل إباحة أو حرمة. [1]

[1] أقول: لا ريب في أنّ القصر في السفر مشروط بكونه سائغاً، كما أنّ الإتمام فيه مشروط بكونه محرّماً بنفسه أو بغايته، فمع كون السفر حراماً يتمّ الصلاة مع علمه بالحرمة، وإلّا فلا، وهذا لا كلام فيه. إنّما الكلام في أنّ المدار في كونه مباحاً أو حراماً هل هو الواقع أو الاعتقاد و إن كان مستنداً الى الاصول؟ وجهان:

قال السيد الحكيم قدس سره:

... حيث جعلوا الإباحة شرطاً للسفر كشرط بلوغ المسافة بريدين، الظاهر في كونها شرطاً واقعيّاً ... ومجرد كون السفر المأخوذ شرطاً للترخّص قصديّاً لا خارجيّاً، لا ينافي ذلك إذا ساعدته الأدلّة، ولذا لا نقول بذلك في البلوغ بريدين، فإنّ جميع ما ذكر فيه التمام من أنواع سفر المعصية في النصوص كان محرّماً

واقعيّاً لا قصديّاً اعتقاديّاً. (1)

وقال العلّامة الخوئي قدس سره:

الظاهر دوران وجوب التمام مدار الحرمة الواقعيّة المنجّزة، فلا يكفي مجرد الثبوت في الواقع قبل بلوغه إلى المكلّف وتنجّزه عليه، كما لا يكفي مجرد الاعتقاد أو الظاهر المستند إلى الأصل مع مخالفته للواقع بل لابدّ من اجتماع الأمرين معاً. (2)

إذا عرفت ذلك فنقول: يقع الكلام في صورتين:

الصورة الأُولى: ما إذا اعتقد الحلّيّة مع كون السفر حراماً واقعاً؛

والصورة الثانية: أن يعتقد الحرمة مع كونه مباحاً في الواقع سواء كان الاعتقاد مستنداً إلى بيّنة أم طريق أم أصل من الأُصول.

أمّا الصورة الأُولى: وهي ما اعتقد الحلّية وسافر وقصّر ثمّ تبيّن بعد ذلك حرمة السفر، كما إذا سافر وقصد قتل مهدور الدم، ثمّ تبيّن أنّه محقون الدم، فالظاهر أنّه لا إشكال في كفاية القصر، ولو انكشف الحال بعده وأنّه كان حراماً في الواقع.

والوجه في ذلك هو صدق السفر المباح عليه وأنّه مسير حقّ أو ليس بباطل شرعاً وعقلاً؛ إذ المفروض أنّ الحرمة الواقعيّة غير منجّزة عليه بسبب جهله. وبالجملة، أنّ دليل التمام مع عدم تنجّز الحرمة لا يشمل المورد، ولا أقلّ من انصرافه عنه. وعلى هذا، فلا يتحقّق موضوع التمام وهو العاصي بسفره.

وأمّا الصورة الثانية: أعني: ما إذا اعتقد حرمة السفر أو اقتضى الأصل حرمته مع كونه حلالاً واقعاً، فهل الاعتبار على الحلّيّة الواقعيّة كما عليه الأكثر، استناداً إلى أنّ الحكم معلّق على الموضوع بوجوده الواقعيّ، وحيث إنّ السفر كان مباحاً في الواقع فيكفي القصر بعد انكشاف


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 60.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 137.

الحال، ولا يضرّه قصد الحرام؛ لأنّه حرام خياليّ، ومن الظاهر أنّ الخيال والاعتقاد لا يغيّر الشيء عمّا هو عليه واقعاً أو أنّ الاعتبار على الاعتقاد؟ الأقوى هو الأخير.

فلو اعتقد حرمة السفر أتمّ صلاته وإن كان الواقع خلافه وذلك لوجوه:

الوجه الأوّل: ما تقدّم من الروايات الدالّة على أنّ موضوع التمام هو كون المسير باطلاً وليس بحقّ ومن الظاهر أنّ هذا العنوان صادق لمن اعتقد حرمة السفر، وسافر من غير اعتناء بالحرمة، كما أنّ عنوان مسير الحقّ وأنّه ليس بباطل صادق لمن اعتقد إباحة السفر وإن كان في الواقع حراماً كما لا يخفى.

الوجه الثاني: أنّ المأخوذ في لسان أدلّة التمام، هو عنوان العصيان، وهو لا يلازم الحرمة الواقعيّة؛ لأنّ العصيان هو مخالفة الأمر.

ومن الظاهر أنّ من سافر باعتقاد كون سفره حراماً يكون عاصياً، فتشمله الأدلّة الدالّة على التمام في سفر المعصية، وإن لم يكن حراماً واقعاً. ويقرب من ذلك، ما ذكره الشيخ الحائري قدس سره بقوله بعد كلام طويل:

ومن كان قصده الحرام في سفره يصدق أنّه يمشي في طريق المعصية. (1)

الوجه الثالث: أنّ من كان بصدد المخالفة والتجرّي بسفره، كما لو سافر بقصد قتل محقون الدم يعدّ عرفاً من مصاديق مسير الباطل، وأنّه ليس بمسير حقّ وإن لم نقل بحرمة التجرّي.

والحاصل: أنّ كون مسيره باطلاً أو ليس بحقٍ، لا يلازم الحرمة الواقعية؛ لأنّ السفر الباطل عبارة عمّا ليس بمرضيّ لله سبحانه. وعلى هذا، فكلّ سفر لا يكون في طاعة الله سبحانه بل كان في مخالفته ولو قصداً، فهو ليس بحقّ، بل هو باطل.

الوجه الرابع: ما أفاده بعض الأساطين قدس سره من أنّ المستفاد من أدلّة عدم الترخّص في سفر


1) كتاب الصلاة؛ ص 610.

المعصية بمناسبة الحكم والموضوع، أنّ سوء نيّة المسافر وسوء قصده أوجب عدم كونه مشمولاً للحكم المشروع إرفاقاً، وعدم استحقاقه لهذا الإرفاق، فيكون الاعتبار بالحرمة في اعتقاد المسافر، لا بالحرمة الواقعيّة. (1)

هذا كلّه مضافاً إلى أنّ إيجاب إعادة ما صلّاه تماماً، قصراً، أو قضائه كذلك مشكوك فيه، فالأصل عدمه فعليه لو صلّى في الفرضين خلاف الوظيفة بأن صلّى في الأوّل تماماً و في الثاني قصراً لا يجب عليه الإعادة في الوقت و القضاء في خارجه.


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 225.

حكم كون الغاية المحرّمة في أثناء الطريق

مسألة 37:

إذا كانت الغاية المحرّمة في أثناء الطريق، لكن كان السفر إليها مستلزماً لقطع مقدار آخر من المسافة، فالظاهر أنّ المجموع يعدّ من سفر المعصية بخلاف ما إذا لم يستلزم. [1]

[1] أقول: الظاهر أنّ مراده قدس سره من هذه العبارة أنّه لو كان المقصد رأس ثمانية فراسخ إلّا أنّ الوصول إليه يتوقّف على أن يسافر بطريق أبعد ثمّ يرجع إلى مقصده الأصليّ، كما يتّفق ذلك كثيراً في السفر بالسفينة والطائرة، فلا يخفى أنّ تمام المسير يكون حينئذٍ حراماً؛ لأجل حرمة غايته، فالمسير الزائد أيضاً يكون حراماً لكونه مقدّمة للوصول إلى الغاية المحرّمة. كذا قد فسّرها السيد الحكيم قدس سره حيث قال:

هذا إذا كان الاستلزام من جهة المقدّميّة - كما إذا كان مرسى السفن الّتي تركب في طريق الغاية المحرّمة - واقعاً في مكان أبعد بميل ونحوه مثلاً. (1)

واحتمل العلّامة الخوئي قدس سره، بل اختار أن يكون المراد من الاستلزام ما لا يكون السفر الزائد مقدّمة للحرام؛ ولكنّه يستلزمه خارجاً. كما لو سافر إلى لبنان لمعصية، ولكنّ البقاء فيه يستلزم سفراً آخر، إمّا لجريان العادة أو لضغط من قبل الحكومة ونحو ذلك بحيث لا يمكن التخلّف عنه وهذا هو مراد الماتن قدس سره في مفروض المسألة. (2)

ثمّ استشكل على الماتن بقوله:

ولكن الظاهر هو القصر؛ لانفصال أحد السفرين عن الآخر، ولكلٍّ حكمه، ولا عبرة بالوحدة المسامحيّة العرفيّة، فإنّ موضوع التمام ما كان معصية بنفسه أو بغايته لا بلازمه، وهذا اللازم - كالرجوع - مسير حقّ لا باطل، فلا تشمله تلك


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 61.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 141.

الأدلّة، ومع الشّك في التخصيص الزائد فالمرجع عمومات القصر. (1)

أقول: لو كان مراد الماتن هو ما فرضه المحقّق الخوئى قدس سره، لكان ما أورد عليه حقّاً، كما أشرنا إليه في مسألة 32 واخترنا هناك وجوب القصر مطلقاً، تاب أم لا، فراجع. لكن الأظهر هو ما ذكرناه في تفسير العبارة؛ لأنّه المتبادر من كلام الماتن.


1) نفس المصدر، ص 141.

حكم السفر للتنزّه

مسألة 38:

السفر بقصد مجرد التنزّه ليس بحرام ولا يوجب التمام. [1]

[1] أقول: لا دليل على التمام في هذه الصورة؛ إذ الدليل منحصر فيما إذا خرج إلى الصيد اللّهويّ، كما هو المشهور على ما تقدّم.

مع أنّ السيرة القطعيّة قائمة على عدم الإتمام في المسألة، كما في «الجواهر» بل في «المستند» أنّ الحكم مورد للإجماع والتسالم وأنّه ظاهر لا غبار عليه. (1)


1) نفس المصدر، ص 141.

حكم الصوم نذراً في السفر

مسألة 39:

إذا نذر أن يتمّ الصلاة في يوم معيّن أو يصوم يوماً معيّناً وجب عليه الإقامة، ولو سافر وجب عليه القصر على ما مرّ من أنّ السفر المستلزم لترك واجب لا يوجب التمام، إلّا إذا كان بقصد التوصّل إلى ترك الواجب، فالأحوط الجمع. [1]

[1] أقول: توضيح هذه المسألة يستدعي التكلّم في جهات:

الجهة الأُولى: في بيان كيفيّة النذر وتنقيح موضوعه.

فنقول: يمكن تصوّر النذر في المقام على أقسام:

القسم الأوّل: أن ينذر إتمام الصلاة والصوم مطلقاً، سواءٌ كان في السفر أم في الحضر. فالظاهر أنّ النذر المزبور لا ينعقد في الصلاة لعدم رجحانٍ في متعلّقه بلحاظ أنّ الإتمام في السفر كذلك حرام للتشريع.

وأمّا نذر الصوم في السفر فالمشهور الصحّة، سواء كان مقيّداً بالسفر أم مطلقاً استناداً إلى جملة من الأخبار، كمكاتبة الصيقل قال:

«كَتَبْتُ إِلَيْهِ يَا سَيِّدِي رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْماً مِنَ الْجُمْعَةِ دَائِماً مَا بَقِيَ فَوَافَقَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى - أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَوْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضِ هَلْ عَلَيْهِ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ قَضَاؤُهُ أَوْ كَيْفَ يَصْنَعُ يَا سَيِّدِي فَكَتَبَ إِلَيْهِ قَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الصِّيَامَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ كُلِّهَا وَيَصُومُ يَوْماً بَدَلَ يَوْمٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى». (1)

فإنّها ظاهرة في صحة النذر للصوم في السفر، نظراً إلى حكمه علیه السلام بوجوب قضائه بعد السفر، فلو لم يجب الوفاء به لما كان وجه للقضاء. ومثله موثّقة زرارة (2)وموثّقة عبدالله بن جندب. (3)

نعم، خالفهم المحقّق في «المعتبر» وتبعه بعض من تأخّر عنه.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 10، ص 196، باب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، ح 2.

2) نفس المصدر، ص 197، باب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، ح 3.

3) نفس المصدر، ص 198، باب 10 من أبواب من يصحّ منه الصوم، ح 5.

القسم الثاني: أن ينذر الإتمام والصوم مطلقاً، أي: من غير التفات إلى الحضر والسفر أصلاً، كأن يقول: «لله علىَّ أن أتمّ صلاتي وأصوم في يوم الجمعة» من غير توجّه إلى كونه في السفر أو في الحضر، كما هو الغالب في النذور الصادرة من العوام.

وهذا القسم أيضاً يصحّ في الصوم عند المشهور، لدلالة النصوص المتقدّمة عليه ولو التزاماً.

وأمّا في الصلاة، فلا يصح؛ لأنّ نذر الإتمام في السفر باطل للتشريع، وفي الحضر يحتاج تصحيحه إلى كونه للتأكيد، والمفروض عدم التفات المكلّف الى ذلك عند النذر. فعليه، يبطل نذر الإتمام هنا أيضاً كالقسم الأوّل.

وبعبارة أُخرى: أنّه لو كان مراده الإتمام في الحضر، فهو تحصيل للحاصل لوجوب الإتمام فيه بأصل الشرع، ولو كان مراده التأكيد، فهو لم يقصده.

والحاصل: أنّ صحة نذر الإتمام في الحضر موقوفة على الإلتفات وقصد التأكيد حين النذر والمفروض عدمه.

القسم الثالث: أن ينذر بنحو الإهمال الراجع إلى ما هو مشروع في الشريعة، كما إذا نذرت المرأة ركعتين مثلاً في يوم معيّن من غير التفات إلى عروض الحيض ونحوه في ذلك اليوم.

فإن كان مراده إيكال الأمر إلى ما هو مشروع، فيكون المعنى توقّف انعقاد نذره على عدم مانع شرعيّ، فلو عرض المانع في زمن معيّن، فلا نذر أصلاً، وكذلك في المقام فلو نذر الصوم و الصلاة كذلك فان كان في الحضر يصوم ويصلّى تماماً والّا فلا يجب.

القسم الرابع: أن ينذر إتمام الصلاة والصوم مقيّداً بالحَضَر، بمعنى ترك السفر وقصد الإقامة، والظاهر أنّه لا إشكال في صحة النذر ووجوب الوفاء به فيجب عليه ترك السفر تحصيلاً لمقدّمة الواجب نظير ما إذا نذر قراءة القرآن مقيّداً بالوضوء، حيث يجب عليه الوضوء عند القراءة.

وبعبارة أُخرى: أنّ ترك السفر واجب شرعاً لتعلّق النذر به فيصير ضدّه -وهو السفر- حراماً؛ لأنّ إيجاد نقيض الشيء يعدّ عصياناً له عرفاً بل يمكن أن يقال: إنّ الضدّ، أعني: ترك السفر، جزء من متعلّق النذر فيجب بالنذر، ولو خالفه يلزم عليه كفّارة حنث النذر فإنّ المنذور أمر واحد، وهو القراءة مقيّدة بالوضوء أو إتمام الصلاة مقيّداً بعدم السفر فلا تتعدّد الكفّارة.

القسم الخامس: أن ينذر كلا الأمرين، وهما: ترك السفر وإتمام الصلاة والصوم في الحضر، فيكون كأنّه قد نذر أمرين بإنشاءين مستقلّين.

فهذا أيضاً لا كلام في صحته ووجوب العمل به، فيكون ترك كلٍّ من الأمرين حراماً وموجباً للحنث، فلو خالف تجب عليه كفّارتان، هذا وسيأتي بعض ما له تعلّق بالمقام، فانتظر.

الجهة الثانية: في أنّه لو نذر إتمام الصلاة أو الصيام في يوم معيّن، فهل يجب عليه الإقامة لو كان مسافراً، ليتمكّن من أداء ما وجب عليه بالنذر؟ مقتضى القاعدة ذلك؛ لأنّ العقل حاكم على وجوب الخروج من عهدة التكليف المنجّز، فكما يجب تحصيل السُّلَّم للكون على السطح إذا أمر به المولى، كذلك قصد الإقامة، للخروج عن العهدة. إلّا أنّ النص دلّ على عدم وجوب الإقامة في الصوم لو كان مسافراً، كما في صحيحة عليّ بن مهزيار، قال:

«كَتَبْتُ إِلَيْهِ، يَعْنِي: إِلَى أَبِي الْحَسَنِ علیه السلام:»

«يَا سَيِّدِي! رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْماً مِنَ الْجُمُعَةِ دَائِماً مَا بَقِيَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ عِيدِ فِطْرِ أَوْ أَضْحًى أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَوْ سَفَرَ أَوْ مَرِضَ، هَلْ عَلَيْهِ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ قَضَاؤُهُ، وَكَيْفَ يَصْنَعُ يَا سَيِّدِي؟

فَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْهُ الصِّيَامَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ كُلُّهَا وَيَصُومُ يَوْماً بَدَلَ يَوْمٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». (1)

حيث يظهر منه أنّ الصوم المنذور لا يزيد على صوم شهر رمضان، فكما يجوز فيه السفر ولو بقصد الفرار وعدم وجوب الإقامة، كذلك هنا. غاية الأمر، يجب القضاء يوماً بدل يوم للصحيح، ولو لا التعرّض فيه للقضاء لألتزمنا بانحلال النذر؛ لإنكشاف بطلانه فيما لو صادف


1) نفس المصدر ، ج 23، ص 310، باب 10 من أبواب النذر، ح 1.

أيّام العيد ونحوه مما لا يشرع فيه الصوم.

والحاصل: أنّا نخرج عن مقتضى القاعدة بمقتضى الصحيح المزبور في الصوم، وأمّا الصلاة فتبقى تحت القاعدة، فتجب الإقامة لإتمامها. هذا كلّه من مقال المحقّق الخوئي قدس سره، على ما قرّره بعض تلاميذه. (1)

وأمّا بناءً على ما حرّرناه في الجهة الأُولى، فلا يصحّ نذر إتمام الصلاة في الفروض الثلاثة الأُوَل رأساً. وأمّا على الرابع والخامس، فالنذر يقع صحيحاً كما أشرنا، ولا ريب حينئذٍ في وجوب الإقامة؛ لكونها متعلّقة للنذر في كلتا الصورتين، من دون حاجة إلى ملاحظة مقتضى القاعدة من جهة المقدّميّة كما لا يخفى.

الجهة الثالثة: في أنّه لو خالف نذره وسافر، فهل يحرم سفره بنفسه أو بغايته من جهة أنّ الإقامة كانت واجبة عليه بالنذر، فالسفر مضادّ له، فوجوب الإتمام يقتضي حرمة السفر، أو كان ذلك من السفر المستلزم للحرام فلا يتمّ فيه، لعدم كونه حراماً ومعصية؟

يحتمل الأوّل؛ لأنّ المنذور هو إتمام الصلاة والصوم، وهو متوقّف على الإقامة، إمّا لأجل كون السفر ضدّاً للإقامة، فيجب تركه تحصيلاً للمقدّمة، كما في كلام المحقّق الخوئي قدس سره . (2)وإمّا لأنّ السفر نقيض لفعل المنذور، فيجب تركه توصّلاً إلى فعل الواجب، كما في كلام العلّامة البروجردي قدس سره وإن كان حاصل الكلامين واحداً.

والحاصل: أنّه يكون السفر حراماً بنفسه أو بغايته بمقتضى النذر المتعلّق على الإقامة والإتمام.

ويحتمل الثاني؛ لأنّ السفر بما هو ليس بمنهيّ عنه، وإنّما هو مستلزم لترك الوفاء بالنذر، أعني: عدم إتمام الصلاة المنذورة نظير ما تقدّم في كلام السيد الماتن من السفر لأجل الفرار أداء الدّيْن، ما لم يكن قصده التوصّل به إلى الحرام، وقد تقدّم في مسألة 27 أنّ الأقوى


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 142، 143.

2) نفس المصدر، ص 143.

عدم كون السفر المستلزم لترك واجب حراماً.

وعلى ما حرّرناه في الجهة الأُولى، لا يبقى مجال للبحث هنا؛ لأنّ الإقامة على الفرضين الأخيرين - الرابع والخامس - واجبة؛ لتعلّق النذر بها مستقلّاً أو ضمن فعل، فحينئذٍ لو تركها لكان سفره حراماً ومعصية؛ لأنّ مقتضى وجوب الحضور والإقامة، حرمة السفر لأنّه نقيضه.

وأمّا في الفروض الثلاثة الأُول، فقد عرفت أنّه لا يصح نذر الإتمام فيها رأساً. وعلى هذا، لا حاجة إلى ما حقّقه المحقّق الخوئي قدس سره من جعل السفر مقدّمة، وأنّه ليس لها وجوب شرعيّ وغير ذلك مما أتعب نفسه الشريفة، فراجع وتأمّل فيه. (1)

وذلك لأنّ كلامه قدس سره كما أشرنا إليه، مبنيّ على كون النذر على نحو الإطلاق، أعني: القسم الثانى من الأقسام الخمسة المتقدّمة، وعرفت أنّ تصوير نذر إتمام الصلاة فيه غير صحيح.

الجهة الرابعة: في بيان حكم المسألة وأنّه لو سافر أ يجب عليه التمام أم القصر؟

وعلى ما ذكرنا، يجب عليه التمام في القسمين الأخيرين؛ لأنّ سفره هذا يخالف النذر المتعلّق على الإقامة ومخالفة النذر وحنثه حرام ومعصية، فيجب عليه التمام؛ لأنّه في معصية الله. ويظهر من بعضهم القصر كالمحقّق الخوئي قدس سره حيث قال:

لو بنينا في تلك المسألة، أعني: مسألة استلزام السفر لترك الواجب على وجوب التمام ولو في خصوص ما قصد به الفرار عن أداء الواجب كما اختاره الماتن وقوّيناه، فهل نقول به في المقام أيضاً؟ الظاهر العدم. فيقصّر في المقام حتى لو سافر بقصد مخالفة النذر لامتناع التمام؛ إذ يلزم من وجوده عدمه، ضرورة أنّه لو أتمّ - من جهة كونه سفر المعصية - فبالإتمام قد وفى بالنذر، ومع الوفاء لا عصيان فلا موضوع.

وبعبارة أُخرى: لو أتمّ لم يخالف نذره، وإذا لم يخالف لم يتّصف سفره بالمعصية، وإذا لم يكن سفره معصية فلا يجب فيه التمام لانتفاء الموضوع،


1) نفس المصدر، ص 143 - 144.

فيلزم من شمول دليل التمام للمقام عدم الشمول - إلى أن قال:- وعلى الجملة، ففي كلّ مورد يلزم من فرض شمول الدليل عدم الشمول، يستحيل الشمول. وعليه، فأدلّة التمام لا يعقل شمولها لأمثال المقام، بل تبقى تحت إطلاقات القصر. (1)

قلت: وقد سبقه إليه السيد الحجّة والسيد الإصطهباناتي في تعليقتهما على «العروة»، فراجع.

وأنت خبير بأنّ الإشكال المزبور إنّما يتوجّه إذا كان تصوير النذر المطلق في إتمام الصلاة ممكناً، وقد عرفت عدم إمكانه في الفروض الثلاثة الأوّل من الجهة الأُولى.

وأمّا الفرضان الأخيران منهما، فقد تقدّم أنّ الإقامة تجب فيهما بالنذر من غير توجه أيّ إشكال كما لا يخفى، فافهم هذا وتأمّل، فإنّه دقيق.


1) نفس المصدر.

حكم الخروج إلى حواشي الجادّة لأمر محرّم

مسألة 40:

إذا كان سفره مباحاً لكن يقصد الغاية المحرّمة في حواشي الجادّة، فيخرج عنها لمحرّم ويرجع إلى الجادّة، فإن كان السفر لهذا الغرض، كان محرّماً موجباً للتمام. وإن لم يكن كذلك، وإنّما يعرض له قصد ذلك في الأثناء، فما دام خارجاً عن الجادّة يتمّ، ومادام عليها يقصّر.

كما أنّه إذا كان السفر لغاية محرّمة وفي أثنائه يخرج عن الجادّة ويقطع المسافة أو أقلّ لغرض آخر صحيح، يقصّر مادام خارجاً.

والأحوط الجمع في الصورتين. [1]

[1] أقول: في المسألة فروض ثلاثة:

الفرض الأوّل: ما إذا كان سفره مباحاً، لكن قصد من أوّل الأمر الخروج عن الجادّة في الأثناء، لغرض حرام كقتل مؤمن ونحوه، فالظاهر أنّه لا كلام في وجوب الإتمام عليه مطلقاً لصدق السفر الحرام من جهة هذه الغاية، وقد تقدّم مراراً أنّه موضوع للإتمام في السفر كما لا يخفى.

الفرض الثاني: ما إذا لم يكن قصده ذلك الحرام من الأوّل، بل عرض عليه هذا القصد في الأثناء وخرج من الجادّة لأجله ثمّ رجع إليها، وهذا يتصوّر على نحوين:

أحدهما: أن يكون ذلك المقدار قليلاً بحيث لا يوجب انقطاع السفر، كما إذا قصد زيارة مولانا الرضا علیه السلام و قصد في أثناء الطريق أخذ شيء من الراعي ظلماً في رأس كليومتر مثلاً أو نزلت القافلة في منزل، ومشى خطوات قليلة ليقتل مؤمناً، ثمّ رجع إلى المنزل الذي نزلت فيه القافلة.

والظاهر أنّ هذا لا يوجب حرمة السفر، فيقصّر فيه وإن كان فعله هذا حراماً.

نعم، يشكل القول بالتقصير حال الذهاب إلى الغاية المحرّمة، وحين فعلها والوقوف هناك.

والوجه فيه: أنّ موضوع القصر هو السفر المباح -أي: ما ليس بباطل- وهذا العنوان غير صادق مادام في سيره إلى الغرض الحرام أو وقوفه هناك ولا يناسبه المنّة والإرفاق بالحكم

بالقصر، والظاهر أنّهم لم يتعرّضوا لذلك كما لا يخفى على من راجع كلماتهم.

نعم، تعرّض له المحقّق الخوئي قدس سره إلّا أنّه أفتى بالتقصير من دون ترديد وتشكيك. (1)وكذا السيد الحكيم قدس سره حيث قال:

أمّا لو كان معدوداً عرفاً خارجاً عنها - مسافة - ... فالظاهر بقاؤه على التقصير في حال الخروج فضلاً عن حال الرجوع. (2)

وكيف كان، فالأحوط في الذهاب وحال وقوفه في خارج الجادّة هو الجمع وجوباً.

نعم، يجب عليه القصر في الرجوع إلى الجادّة والباقي من سفره، وإن لم يكن الباقي مسافة مستقلّة ولو بالتلفيق؛ إذ المفروض أنّ الخارج من الجادّة لا يحسب جزءاً من السفر لقلّته. وعليه، لا يتحقّق ما هو قاطع للسفر.

وثانيهما: ما إذا كان الخروج من الجادّة بمقدار يعدّ عرفاً جزءاً من السفر، كما إذا انحرف عن الطريق وقطع فرسخاً أو فرسخين فصاعداً قوسيّاً، ولم يكن مسافة في حدّه، وإلّا يشمله الدليل الدالّ على وجوب إتمام العاصي بسفره جزماً، فهل يكون ذلك قاطعاً لسفره المباح؟ الظاهر ذلك. فيكون هذا كمن عرض عليه قصد غاية محرّمة في أثناء المسافة بعد كونه قاصداً للسفر المباح، فكما ينقطع السفر هناك كذلك هنا، فعليه يعتبر في الرجوع إلى القصر في باقي السفر تحقّق المسافة وإلّا فيبقى على التمام.

ولكن ذكر الماتن قدس سره أنّه مادام في خارج الجادّة يتمّ، وإذا رجع إليها يقصّر، والظاهر أنّ كلامه هذا مبنيّ على ما تقدّم في مسألة 33 من أنّ قيد الإباحة الّتي هي الموضوع للقصر، إنّما هو قيد للحكم دون الموضوع. وعليه، يكون الإتمام خارج الجادّة من قبيل التخصيص في حكم المسافر؛ إذ لا ريب في كونه مسافراً، أي: ضارباً في الأرض لغةً وعرفاً، فإذا ارتفع المانع عن القصر يترتّب على السفر أثره، وهو القصر كما لا يخفى.


1) نفس المصدر، ص 146.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 63.

قلت يرد عليه:

أوّلاً: أنّه لم يفرّق بين الذهاب إلى الغاية المحرّمة وبين الرجوع منها إلى الجادّة مع أنّ الإياب لا يعدّ من السفر الحرام عرفاً، لكونه جزءاً من السفر المباح الأصليّ.

وثانياً، أنّ إطلاق كلامه يقتضي عدم الفرق بين كون ذلك المقدار المحرّم قليلاً أم كثيراً، بالغاً حدّ المسافة أم لا، ولذا وقع مورداً للكلام. وقد فصّل المحقّق الخوئي قدس سره بين القليل والكثير على ما قرّره بعض تلاميذه. فراجع إن شئت. (1)

إلّا أنّ كلامه لا يخلو من تأمّل من وجهين:

أحدهما: أنّه لم يتعرّض لحكم الذهاب إلى الغاية المحرّمة والبقاء في ذلك المقصد مع صدق العصيان عليه.

ثانيهما: أنّه اكتفي بذكر الكُبرى ساكتاً عن الصُغرى، فإنّ عدم انقطاع السفر بالمقدار القليل الذي لا يعدّ جزءاً من السفر وانقطاعه بالمقدار الكثير الذي يعدّ جزءاً منه مسلّم، إلّا أنّ الشأن في مقدارهما وهو لم يبيّنهما.

فنقول: يحتمل أن يكون مراده من الكثير ما كان المسير على نحو القوسي، بحيث يقع قطع مقدار من المسافة في حال العصيان، كما أنّ مراده من القليل ما إذا خرج من الجادّة، وعاد إليها عموديّاً، بحيث لا يتحقّق قطع شيء من الجادّة حال العصيان، بل هذا هو الظاهر من بيانه. ولعلّ هذا هو مراد السيد الحكيم ايضاً، حيث قال:

الظاهر أنّ محل الفرض ما لو كان الخروج عن الجادّة معدوداً عرفاً جزءاً من السفر، بحيث يكون خطّ السير الخروجىّ معدوداً جزءاً من المسافة (2)

وكيف كان، فالظاهر وقوع الإشتباه في تقرير كلام المحقّق الخوئي قدس سره؛ إذ مجرد القلّة أو الكثرة لا يكون ملاكاً للقصر أو التمام، فإنّ المراد لو كان صدق السفر والضرب في الأرض فهما موجودان في كليهما، وإن كان الملاك تحقّق المسافة فهي مفقودة في كلا الفرضين؛ إذ


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 146.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 63.

لا ريب في شمول أدلّة التمام على الفرض لو كان الخروج بنفسه مسافة كما لا يخفى.

الفرض الثالث: عكس الثاني، و هو ما كان قصده من الإبتداء هو الغاية المحرّمة ثمّ عرض في الأثناء قصد الطاعة، كمن قصد بلداً لأجل قتل مؤمن، ثمّ بدا له غرض مباح في الأثناء كصلة الرحم وزيارة الوالدين ونحو ذلك، وكان ذلك مستلزماً للخروج عن الجادّة الّتي قصد بها الحرام، وهذا أيضاً على قسمين:

أحدهما: ما إذا كان الخارج عن الجادّة للغرض المباح مسافة في حدّ نفسه.

ثانيهما: ما يكون أقلّ من المسافة.

أمّا الأوّل: وهو كون الخارج ثمانية فراسخ، فلا ريب في وجوب التقصير؛ لأنّه سفر مباح جامع للشرائط فيترتّب عليه حكمه، هذا إذا كان مسير الخروج من الجادّة إلى الغاية المباحة مسافة بنفسه، ولم يكن جزءاً من سفر المعصية. نعم يجب الإتمام في الرجوع لأنّه يقصد حينئذٍ غاية محرمة وأمّا لو كان أقلّ منها فهل تتحقّق المسافة الملفّقة؟ الظاهر بل المقطوع العدم؛ لأنّ الرجوع محسوب من المسير الباطل، لكونه قاصداً للغاية المحرّمة كما لا يخفى.

ولتوضيح المطلب نذكر مثالاً، فنقول: لو سافر من قُم إلى كاشان قاصداً لإعانة الظالم في ظلمه، وبعد وصوله إلى نصف الطريق عرض له أن يقطع ثمانية فراسخ إلى قرية مثلاً لصلة رحمه، فحيث إنّ سفره هذا سفر مباح وجامع لشرائط القصر، فيجب عليه التقصير، وأمّا في العود إلى الجادّة الأصليّة الّتي قصد بها الغاية المحرّمة فهو معدود من السفر المحرّم فيجب عليه الإتمام فيه، وهذا واضح.

وأمّا القسم الثاني: وهو ما كان مقدار الخارج عن الجادّة الأصليّة أقلّ من المسافة، فالظاهر أنّه يبقى على التمام، لأنّ المفروض أنّ شرائط السفر المباح - الذي هو موضوع للقصر - غير متحقّقة في المقام، فيكون حكمه قبل الخروج من الجادّة وبعده وحال العود وباقي المسافة هو التمام، لكون سفره مسيراً باطلاً.

نعم، بناءً على مبنىَ السيد قدس سره من أنّ القيد راجع إلى الحكم دون الموضوع، وبما أنّ

الموضوع -وهو كونه مسافراً لغةً وعرفاً - متحقّق في المقام، فمجرد العدول إلى السفر المباح كافٍ في ترتّب القصر - وإن كانت المسافة أقلّ من الثمانية - لوجود المقتضي وفقد المانع وهو العصيان، ولذا قال:

ويقطع المسافة أو أقلّ لغرض آخر صحيح يقصّر مادام خارجاً.

لكن قد عرفت ما فيه، وقلنا إنّ موضوع القصر هو السفر المباح، وهو غير متحقّق في القسم الثاني؛ لعدم تحقّق شرطه وهو قصد الثمانية؛ إذ المفروض عدم بلوغ السير المباح المسافة. وعلى هذا، فانتفاء القصر هنا من جهة انتفاء موضوعه كما لا يخفى.

فروع في سفر المعصية

مسألة 41:

إذا قصد مكاناً لغاية محرّمة، فبعد الوصول إلى المقصد قبل حصول الغرض يُتمّ. وأمّا بعده، فحاله حال العود عن سفر المعصية في أنّه لو تاب يقصّر، ولو لم يتب يمكن القول بوجوب التمام، لعدّ المجموع سفراً واحداً، والأحوط الجمع هنا، وإن قلنا بوجوب القصر في العود بدعوى عدم عدّه مسافراً قبل أن يشرع في العود. [1]

[1] أقول: لو سافر إلى مقصد -وهو ثمانية فراسخ أو أكثر - لأجل غاية محرّمة كقتل مؤمن مثلاً، يُتصوّر فيه ثلاث حالات:

1.

حال مسيره إلى ارتكاب الحرام؛

2.

حال البقاء في المقصد بعد ارتكابه؛

3.

حال السفر بعد ارتكابه.

أمّا الحالة الأولى: فلا إشكال في وجوب التمام عليه؛ لأنّه من أوضح مصاديق السفر الحرام بغايته كما لا يخفى.

وأمّا الحالة الثانية: فهل الوظيفة في البقاء بعد ارتكاب الحرام القصر أو التمام؟ وجهان؛

بل قولان: مبنيّان على لزوم التوبة في الرجوع إلى القصر وعدمه، فإن قلنا باعتبار التوبة كما عن الماتن وغيره، فإن لم يتب يبقى على التمام، لأنّه ما زال في سفر المعصية.

وأمّا لو قلنا بعدم اعتبار التوبة، وإنّ ارتفاع موضوع التمام - وهو انعدام قصد الحرام من البين - كافٍ في صدق السفر المباح، فيجب عليه القصر، وحيث إنّ مبنى السيد هو الأوّل، فأوجب التمام؛ لأنّه معدود جزءاً من السفر الحرام ما لم يتب.

وأمّا على المختار من أنّ قصد سفر جديد مباح كافٍ في تبدّل التمام إلى القصر، فيجب عليه القصر بعد ارتفاع المعصية وقصد السفر المباح؛ لأنّ السفر - الضرب في الأرض- متحقّق بالفرض وإذا تحقّق جزؤه الثاني، أعني: قصد السير المباح، يتحقّق موضوع القصر من

غير حاجة إلى التلبّس (1)بالسير، بخلاف المُغمى عليه، حيث يحتاج إلى تحقّق السير بعد الانتباه وقصد السفر.

وأمّا الحالة الثالثة:

فهل يجب عليه القصر أو التمام في السفر بعد الارتكاب؟ فيه أيضاً خلاف، والمتحصّل من كلامهم أقوال ثلاثة، وقد تقدّم تفصيله في أوّل الكتاب عند تحقيق كيفيّة المسافة الملفّقة، فلا نعيد، فراجع. (2)


1) هذا عدول عمّا تقدم منه دام ظلّه من اعتبار التلبّس بالسير بعد العود إلى الطاعةَ.

2) تقدم ذلك في ذيل الشرط الأوّل من شروط القصر.

حكم ما اذا عرض في الأثناء غرض محرّم

مسألة 42:

إذا كان السفر لغاية لكن عرض في أثناء الطريق قطع مقدار من المسافة لغرض محرّم منضمّاً إلى الغرض الأوّل، فالظاهر وجوب التمام في ذلك المقدار من المسافة؛ لكون الغاية في ذلك المقدار ملفّقة من الطاعة والمعصية، والأحوط الجمع خصوصاً إذا لم يكن الباقي مسافة. [1]

[1] أقول: قد تقدّم منّا في مسألة 34 أنّ الغاية إذا كانت ملفّقة من الطاعة والمعصية يجب فيه التمام بلا كلام، لصدق سفر المعصية وكونه مسيراً باطلاً. وأمّا إذا كانت الغاية من السفر مباحة في الابتداء وعرض عليه قصد الحرام في الأثناء، فهل الأمر فيه كسابقه فيتمّ الصلاة أم لا؟

ظاهر الماتن قدس سره هو الأوّل في المقدار الذي لفّق فيه غرض المباح بالغرض الحرام للقاعدة المعروفة من أنّ النتيجة تتبع أخسّ المقدّمتين كما حقّق في محلّه. وهو الأظهر عندنا لما أشرنا إليه من صدق السفر الحرام عرفاً.

نعم، يحسن أن يحتاط بالجمع في صورة الاشتراك، لاحتمال اختصاص التمام بما إذا كانت الغاية محرّمة من الابتداء منضمّاً أو مستقلّاً. وأمّا إذا عرض في الأثناء، ففي شمول الأدلّة له تردّد، ولذا يحسن الاحتياط؛ لأنّه طريق النجاة، وهو استحبابيّ لا بأس بتركه.

إنّما الكلام فيما ذكره الماتن بقوله خصوصاً إذا لم يكن الباقي مسافة، حيث إنّ الظاهر أنّه لا وجه له كما اعترف به غير واحد من المحشّين؛ لأنّ الوجه في الاحتياط كما أشرنا هو الشك في شمول أدلّة التمام على صورة عروض الغاية المحرّمة في الأثناء، وأنّه هل يصدق عليه انّه حرام أو باطل أم لا؟ وهذا الترديد لا يفرق فيه بين كون الباقي مسافة أم لم يكن.

نعم، تصحّ الخصوصيّة المزبورة في نفس الباقي من المسافة بعد ارتفاع الحرام إلّا أنّ کلامه غير ناظر إلى هذا الفرع.

وكيف كان، فقد صرّح المحقّق الخوئي قدس سره بأنّه لم يظهر وجه لهذه الخصوصيّة واستظهر

أنّه سهو من القلم. (1)وكذا السيد الحكيم فراجع. (2)وقبلهما السيد البروجردي والاصطهباناتي في تعليقتهما على «العروة»، وكلامهم متين جدّاً.

ثمّ إنّ بعض من عاصرناه - السيد عبد الأعلى السبزواري - قد فسّر العبارة بأنّ المراد أنّه إذا لم يكن الباقي بعد الحرام مسافة، بمعنى أنّه لو استثنى الحرام من الوسط، فربّما لا يكون الباقي من الطريق مسافة يتأكّد الجمع حينئذٍ، أمّا القصر فلأنّ المجموع ثمانية فراسخ فيتحقّق موضوعه، وأمّا التمام فبلحاظ عدم تحقّق السفر أصلاً؛ لأنّ المفروض كونه أقلّ من المسافة مع كون قصده حراماً. (3)

وفيه أوّلاً: أنّه خلاف الظاهر؛ لأنّ لفظ «الباقي» ظاهر فيما بقي من المسافة بعد ارتفاع الحرام.

وثانياً: أنّه لا وجه للاحتياط حينئذٍ، بناءً على مبنى السيد قدس سره من رجوع القيد -إباحة السفر - إلى الحكم، فإنّ المكلّف عنده مسافر لغةً وعرفاً. غاية الأمر، استثنى حكم القصر مادام كونه عاصياً، فإذا ارتفع المانع يترتّب عليه حكمه، وهو القصر من غير حاجة إلى الاحتياط.

ولنا في المقام احتمال آخر، وهو أن يكون المراد من الباقي ما بقي من الطريق من حين عروض قصد المعصية إلى المقصد، فيكون المعنى من عرض عليه قصد الحرام في الأثناء مع بقاء قصد الإباحة أيضاً، فحيث لم يكن الباقي من حين عروض قصد الحرام إلى المقصد مسافة، لا يصدق عليه سفر المعصية، فيحتاط بالجمع بين القصر والتمام.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 149.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 66.

3) فلاحظ تعليقته على العروة الوثقي، ص 147 .

فرع في سفر المعصية

مسألة 43:

إذا كان السفر من الإبتداء معصية، فقصد الصوم ثمّ عدل في الأثناء إلى الطاعة، فإن كان العدول قبل الزوال، وجب الإفطار؛ وإن كان بعده، ففي صحّة الصوم ووجوب إتمامه إذا كان في شهر رمضان مثلاً وجهان، والأحوط الإتمام والقضاء. ولو انعكس، بأنْ كان طاعة في الابتداء وعدل الى المعصية في الاثناء، فإنْ لم يأت بالمفطر وكان قبل الزوال صحّ صومه، والأحوط قضاؤه أيضاً، وإن كان بعد الإتيان بالمفطر أو بعد الزوال بطل، والأحوط إمساك بقية النهار تأدّباً إن كان من شهر رمضان. [1]

[1] أقول: في هذه المسألة فرضان:

1.

ما كان ابتداء سفره معصية ونوى الصوم عملاً بالوظيفة كإتمام الصلاة؛

2.

عكس الأوّل، بأنْ كان ابتداء سفره طاعة ثمّ عدل إلى المعصية.

أمّا الفرض الأوّل، ففيه صورتان:

1.

العدول إلى الطاعة قبل الزوال؛

2.

العدول إليها بعد الزوال.

أمّا الصورة الأُولى، فيجب عليه الإفطار؛ لأنّه صار بالعدول مسافراً شرعاً، ومن البديهيّ أنّه لا يصحّ صوم من سافر قبل الزوال، كما حُقّق في كتاب الصوم.

أمّا الصورة الثانية، ففي وجوب إتمام الصوم وعدمه وجهان عند الماتن:

أحدهما: صحّته ووجوب إتمامه؛ إذ المكلّف بعدوله إلى الطاعة صار مسافراً شرعيّاً، ومعلوم أنّ المسافر لا يجوز له الإفطار لو سافر بعد الزوال، كما في كتاب الصوم.

ثانيهما: عدم وجوب إتمامه لاحتمال اختصاص عدم جواز الإفطار لمن سافر بعد الزوال في شهر رمضان إذا كان سفره مباحاً من الابتداء.

وأمّا لو كان السفر معصية ابتداءً ثمّ عدل إلى الطاعة بعد الزوال، فشمول تلك الأدلّة عليه

غير معلوم. وحيث إنّه لم يظهر قوّة أحد الوجهين عند الماتن احتاط بالإتمام والقضاء كما هو صریح کلامه.

والأقوى عندي صحته ووجوب الإتمام؛ والوجه في ذلك، ما دلّ على صحة صوم المكلّف إذا خرج من بيته بعد الزوال أو محلّ إقامته. (1)وليس ذلك من باب القياس، بل من جهة تنقيح المناط القطعيّ من تلك النصوص؛ حيث إنّها تدلّ على وجوب الإتمام لمن سافر بعد الزوال من غير تعرّض للخصوصيّات فيشمل إطلاقها لما نحن فيه. وإلى ذلك أشار السيد الحكيم قدس سره حيث قال:

وإذ عرفت أنّ الإباحة شرط للسفر الموجب للترخّص، فيكون السفر المشروط بها في الفرض حاصلاً بعد الزوال، كان الواجب الحكم بصحّة الصوم ووجوب إتمامه بلا قضاء، كما لو سافر ابتداءً بعد الزوال. (2)

فإن قلت: إنّ مقتضى ما دلّ على عدم صحة الصوم من المسافر بطلانه في المقام؛ لأنّ الخارج منه إنّما هو من سافر بعد الزوال ابتداءً، وبقي الباقي تحت العموم.

قلت: لا خصوصيّة في المورد المزبور قطعاً. وعليه، يحكم بمساواة المقام لمن خرج عن منزله بعد الزوال الشمول الدليل المخصّص لمطلق من صام ثمّ عرض له السفر بعد الزوال. وقد تقدّم منّا مراراً أنّ الشارع قد ألغى حكم السفر في صورة العصيان، فهو ليس بمسافر شرعاً إلى حين العدول.

بقي هنا شيء وهو أنّ مختار المحقّق الخوئي قدس سره اختصاص وجوب الإفطار لمن نوى السفر من الليل وخرج قبل الزوال، وأمّا من بدا له السفر بعد ما يصبح، فأوجب عليه الإتمام


1) الوسائل الشيعة؛ كتاب الصوم، باب 5.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 67.

والقضاء كما نصّ بذلك في «منهاجه»، (1)نظراً إلى بعض النصوص الواردة في ذلك. (2)ولازم ذلك، عدم جواز الإفطار لمن عدل إلى الطاعة قبل الزوال أيضاً، فيجب عليه الإتمام ثمّ القضاء بناءً على مبناه؛ لعدم قصده السفر المباح من الليل. فلا وجه حينئذٍ للقول بوجوب الإفطار عليه في مثل المقام، وقد صرّح بوجوب الإفطار في المقام بقوله:

إذا كان السفر في الابتداء معصية فقصد الصوم ثمّ عدل في الأثناء إلى الطاعة، فإن كان العدول قبل الزوال، وجب الإفطار . (3)

والعجب أنّه قدس سره لم يشر إلى ذلك في المقام.

اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّه قاصد للسفر ليلاً إلّا أنّه حيث كان سفره معصية قبل الزوال لم يكن مؤثّراً في وجوب الإفطار، فإذا عدل عن المعصية أثّر القصد المزبور أثره.

وفيه: أنّه مبنيّ على القول بكون القطع موضوعيّاً وهو قدس سره لا يقول به.

أمّا الفرض الثاني، وهو العدول إلى المعصية بعد كونه في الطاعة، ففيه أيضاً صورتان:

1.

العدول إلى المعصية قبل الزوال ولم يأت بالمفطر إلى حين العدول؛

2.

العدول إليها بعده أو بعد الإفطار.

أمّا الصورة الأُولى: فإن كان عدوله إلى المعصية قبل قطع المسافة، فلا وجه للبطلان، فما وقع منه قبل العدول لا يعدّ سفراً؛ لعدم كونه مسافة، وإن كان العدول بعد قطع المسافة، ففي صحّته وعدمه وجهان:

أحدهما: العدم؛ لأنّ الصوم عبادة يتوقّف على النيّة، ومعلومٌ أنّ وقت نيّة الصوم هو الفجر الصادق كما نطق به الكتاب والسنّة نعم، خرج منه المسافر الوارد على أهله قبل الزوال، حيث یصحّ منه تجديد النيّة، ولا دليل عليه فيما نحن فيه؛ لعدم كونه وارداً إلى منزله أو محلّ إقامته


1) منهاج الصالحين؛ ج 1، مسألة 1038.

2) الوسائل الشيعة؛ كتاب الصوم، باب 5، ح 7.

3) منهاج الصالحين؛ ج 1، مسألة 909.

قبل الزوال كما لا يخفى.

ثانيهما: الصحّة، بناءً على أنّ العدول إلى المعصية بمنزلة الوصول إلى المنزل أو محلّ الإقامة قبل الزوال؛ إذ به ينعدم موضوع الإفطار، فيجب عليه تجديد النيّة بعد العدول إلى المعصية.

ولا يخفى أنّ مقتضى ما ذكرناه في الفرض الأوّل من تنقيح المناط المستفاد من النصوص هو الصحة هنا أيضاً؛ لأنّ الملاك في صحّة الصوم هو عدم كونه مسافراً حينئذٍ. وكما يصدق هذا العنوان على من ورد إلى أهله قبل الزوال، كذلك يصدق على من عدل إلى المعصية قبل الزوال.

وكيف كان، فالأقوى هو الصحّة ووجوب الإتمام لما ذكرناه، وهو مختار السيد أيضاً وإن احتاط بالقضاء استحباباً، ولا بأس به.

وأمّا الصورة الثانية: أى: كان العدول بعد الزوال أو بعد الإفطار، فلا ريب في البطلان ووجوب القضاء، أمّا لو كان العدول بعد الإتيان بالمفطر فواضحٌ. وأمّا لو عدل إلى المعصية بعد الزوال، فلأنّه بمنزلة من حضر وطنه أو محلّ إقامته بعد الزوال، فهو محكوم بوجوب القضاء بلا كلام.

ومع ذلك، فالأحوط وجوب الإمساك تأدّباً إن كان في شهر رمضان.

حكم الصوم الندبي في سفر المعصية

مسألة 44:

يجوز في سفر المعصية الإتيان بالصوم الندبي. ولا يسقط عنه الجمعة ولا نوافل النهار والوُتيرة، فيجري عليه حكم الحاضر. [1]

[1] أقول يقع الكلام في مقامين:

1.

جواز الصوم وعدم سقوط الجمعة والنوافل؛

2.

في سقوط الوُتيرة وعدمه.

أمّا المقام الأوّل: فالظاهر أنّه لا إشكال في جواز الصوم الندبي في سفر المعصية، كما لا إشكال في عدم سقوط الجمعة ونوافل النهار.

والوجه في ذلك ما تقدّم من أنّ ظاهر صحيح عمّار بن مروان (1)وموثّقة عُبيد بن زرارة (2)وخبر ابن بُكير (3)إخراج العاصي بسفره من موضوع السفر الشرعيّ، وأنّه بمنزلة الحاضر، فيصحّ منه ما يصحّ من الحاضر، بل ظاهر صحيح أبي يحيى الخيّاط، قال:

«سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ بالنَّهَارِ فِي السَّفَر، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! لَوْ صَلَحَتِ النَّافِلَةُ فِي السَّفَرِ تَمَّتِ الْفَرِيضَةُ» ، (4)

كون سقوط الأحكام المزبورة دائراً مدار السفر الشرعيّ وجوداً وعدماً.

المقام الثاني: في خصوص الوُتيرة، ففي سقوطها في السفر المباح وعدمه في الحرام، تأمّل وإشكال. والوجه في ذلك، أنّها ليست من النوافل الراتبة على ما يظهر من بعض الروايات، وإنّما هي من تكميل العدد فلا تشملها أدلّة السقوط.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 476، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

2) نفس المصدر، ص 480، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

3) نفس المصدر، ص 480، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 7.

4) نفس المصدر، ص 82، باب 21 من أبواب اعداد الفرائض، ح 4.

حكم أهل البادية التي بيوتهم معهم

السادس من الشرائط: أن لا يكون ممن بيته معه، كأهل البوادي من العرب والعجم الّذين لا مسكن لهم معيّناً، بل يدورون في البراري، وينزلون في محلّ العشب والكلاء ومواضع القطر واجتماع الماء؛ لعدم صدق المسافر عليهم.

نعم، لو سافروا لمقصد آخر من حجّ أو زيارة أو نحوهما قصّروا، ولو سافر أحدهم لاختيار المنزل أو لطلب محلّ القطر أو العشب، وكان مسافة، ففي وجوب القصر أو التمام عليه إشكال، فلا يترك الاحتياط بالجمع. [1]

[1] أقول هنا مواضع من البحث:

1.

هل الشرط المزبور متحد مع الشرط السابع أم لا؟

2.

هل يصدق عنوان المسافر على أهل البوادي أم لا؟

3.

في بيان الدليل على وجوب التمام وعدم جواز التقصير.

أمّا الأوّل: فقد جعل الأكثر هذا الشرط متحداً مع الشرط السابع وجعلوهما شرطاً واحداً، إلّا أنّ السيد ومن تبعه أفرداه وجعلاه شرطاً مستقلّاً، ولعلّه بلحاظ أنّ أهل البوادي خارجون عن المقسم وهو المسافر؛ إذ هو على قسمين:

أحدهما: من سافر اتفاقاً كما هو الغالب في المسافرين؛

ثانيهما: من كثر سفره، أو كان السفر عملاً وشغلاً له، أو كان سفره أكثر من حضره، على اختلاف المبانى كما سيجيء في الشرط السابع، ومن الظاهر أنّ أهل البادية ليسوا داخلين في هذه العناوين، فيكون خروجه من المقسم تخصّصاً كما لا يخفى.

أمّا الموضع الثاني وهو كونهم مسافرين أم لا؟

فالحقّ أنّه لا يصدق عليهم عنوان المسافر؛ لأنّ مفهوم السفر قد أُخذ فيه التغرّب والتباعد عن الوطن، وكلٌّ منهما يلازم وجود المقرّ والوطن عرفاً ليتحقّق هذا المفهوم عند الخروج عنه، وكذا بناءً على ما فسّره المحقّق الخوئي قدس سره من أنّ السفر عبارة عن السفور والبروز، حيث إنّ البروز ونحوه لا يتحقّق في أهل البادية؛ لأنّ أهل البوادي لا مقرّ لهم أصلاً، بل يدورون في

البراري دائماً وبيوتهم معهم فلا يتحقّق مفهوم السفر في حقّهم، وإنّما ذكرهم الفقهاء في باب السفر استطراداً.

ومما ذكرنا يظهر ضعف ما عن بعضهم كالسيد الميلاني قدس سره من اشتراط عدم إقامتهم عشرة أيّام. ووجه الضعف ما أشرنا إليه من أنّه لا يتحقّق مفهوم السفر فيهم حتى يشترط عدم إقامة العشرة.

أمّا الموضع الثالث، فنقول: يدلّ على عدم ترتّب أحكام السفر عليهم أمران:

أحدهما: ما أشرنا إليه من عدم صدق السفر وأنّه لا يتحقّق في حقّهم موضوع القصر؛

ثانيهما: جملةٌ من النصوص:

منها: موثّقة إسحاق بن عمّار، قال:

«سَأَلْتُهُ عَن الْمَلَّاحِينَ وَالْأَعْرَابِ، هَلْ عَلَيْهِمْ تَقْصِيرٌ؟ قَالَ: لَا، بُيُوتُهُمْ مَعَهُمْ». (1)

وإضماره لا يمنع من الاستدلال به على المطلوب؛ إذ جلالة الراوي تمنع سؤاله من غير الإمام علیه السلام .

و منها: مُرسلة سليمان بن جعفر، عن أبي عبد الله علیه السلام قال:

«الْأَعْرَابُ لَا يُقَصِّرُونَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَنَازِلَهُمْ مَعَهُمْ». (2)

ومنها: قوله علیه السلام في خبر جعفر عن أبيه علیه السلام قال:

«سَبْعَةٌ لَا يُقَصِّرُونَ الصَّلَاةَ: الْجَابِي الَّذِي يَدُورُ فِي جِبَايَتِهِ، وَالْأَمِيرُ الَّذِي يَدُورُ فِي إِمَارَتِهِ، وَالتَّاجِرُ الَّذِي يَدُورُ فِي تِجَارَتِهِ مِنْ سُوقٍ إِلَى سُوقٍ، وَالرَّاعِي، وَالْبَدَوِيُّ الَّذِي يَطْلُبُ مَوَاضِعَ الْقَطْرِ وَمَنْبِتَ الشَّجَرِ، وَالرَّجُلُ الَّذِي يَطْلُبُ الصَّيْدَ يُرِيدُ بِه لَهْوَ الدُّنْيَا، وَالْمُحَارِبُ الَّذِي يَقْطَعُ السَّبِيلَ.» (3)

هذا كلّه مع أنّ المسألة إجماعيّة بين الأصحاب.


1) نفس المصدر، ح 5.

2) نفس المصدر، ح 6.

3) نفس المصدر، ح 9.

بقي الكلام في قول الماتن قدس سره: الّذين لا مسكن لهم...

فيظهر منه أنّه لو كان لأهل البادية مسكن ولو في بعض الفصول فلا يعدّ ممن بيته معه، كما إذا كان لهم بيت ومسكن في بلدٍ في الشتاء ثمّ يخرجون منه في الربيع مع أحشامهم ويدورون في البراري والصحاري وبيوتهم معهم، فإذا خرجوا من مسكنهم في أوّل الربيع مثلاً قصّروا؛ لصدق المسافر عليهم حينئذٍ.

إلّا أنّ الإلتزام به مشكلٌ، بل ممنوعٌ؛ لأنّ عنوان بيوتهم معهم صادق عليهم في الشتاء ولو حال الخروج من المسكن، والظاهر أنّ القيد المزبور في كلامه ليس باحترازي وإنّما أتى به لتوضيح معنى أهل البادية وتعريفهم وأنّهم كذلك نوعاً. وبالجملة، إنّهم يُتمّون الصوم والصلاة كما أشار إليه السيد الحكيم قدس سره في الحاشية فراجع.

إذا عرفت ذلك، فيتفرّع عليه فروع ثلاثة:

الفرع الأوّل: لو سافر أهل البادية لغرض خاصّ كصلة الرحم أو الزيارة ونحوهما، فهل يجب عليهم التمام أم لا؟ وجهان: من أنّ حركتهم هذه ليست بأمر جديد؛ لعدم اختلاف حالهم بذلك؛ لأنّهم متحرّكون دائماً. ومن أنّ هذه الحركة تغاير غيرها؛ لكونها حركة خاصّة لم يكونوا يشتغلون بها قبلُ، ولعلّه لهذا أفتى الماتن بوجوب القصر حينئذٍ ورضي به أكثر المحشّين.

أقول: الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كانت بيوتهم معهم ولو في مثل سفر الزيارة ونحوها، وبين ما لم يكن كذلك، فيجب عليهم التمام في الصورة الأولى دون الثانية.

والوجه في ذلك أنّ علّة عدم القصر عليهم هي كون بيوتهم معهم، ففي كلّ مورد تكون البيوت معهم لا يجوز التقصير، وإذا لم تكن البيوت معهم، يترتّب عليهم حكم المسافر كما إذا خرجوا عن بيوتهم، أي: خيامهم، وافترقوا عن أنعامهم وأحشامهم بقصد زيارة مولانا الرضا علیه السلام، فإنّه يصدق حينئذٍ أنّ بيوتهم ليست معهم، ويعدّ هذا أمراً جديداً في حقّهم فيصدق

عليهم عنوان المسافر، فيجب القصر؛ لعدم شمول الروايات لهذه الصورة.

الفرع الثاني: لو خرج بعض هؤلاء لأجل تحصيل المنزل المناسب أو لطلب محلّ العشب والقطر ونحو ذلك مع بلوغ مسيره حدّ المسافة، يجب عليه التقصير؛ لما ذكرنا من كون التمام دائراً مدار كون بيوتهم معهم. وحيث إنّ بيوتهم ليست معهم عند الخروج لطلب العشب ونحوه مع كونه بالغاً حدّ المسافة، يجب عليه القصر، بل القصر حينئذٍ هو مقتضى القاعدة؛ لصدق التباعد والتغرّب عن البيوت.

ومع ذلك كلّه، تردّد فيه السيد قدس سره واحتاط بالجمع بين القصر والتمام. ولعلّ الوجه في تردّده وجود الفارق بين هذا وبين سابقه؛ لأنّه يخرج في هذا الأمر يتعلّق بدنياه أو مرتبط بحفظ شؤونه وحياته الخاصّة، نظير ما سيجيء في كثير السفر من أنّه لو سافر لتحصيل بعض لوازم شغله الذي يتوقّف عليه إصلاح وسائطه النقليّة أتمّ على مبنى القوم، فكذلك في المقام.

لكن الحقّ ما عرفته من وجوب القصر؛ لعدم شمول الروايات الدالّة على التمام لأمثال المقام؛ إذ لا يعدّ في هذه الصورة ممن بيته معه، ولعلّه لذلك قوّى صاحب «الجواهر» القصر في «نجاة العباد»، نعم احتاط بعد ذلك استحباباً، فقال:

إنّ الأحوط الجمع.

الفرع الثالث: لو كان لشخص مقرّ وبلد يسكن فيه، لكن إذا سافر منه يأخذ بيته معه، كما لو فرض أنّ له بيتاً ينتقل معه وفيه لوازم معاشه من خيمة وفراش ونحو ذلك، فإنّه يجب عليه القصر إذا سافر كذلك. والوجه في ذلك، إنّه يصدق عليه عنوان المسافر، أعني: التباعد والتغرّب من بلده ووطنه، ولا يصدق عليه أنّ بيته معه.

وهذا بخلاف ما تقدّم من أنّ بعض أهل البادية يكون له مقرّ في الشتاء فيسكن فيه حينئذٍ ويدور في البراري بقيّة الفصول، فإنّه يجب عليه التمام دائماً. أمّا إذا كانوا في مقرّهم فواضحٌ؛ لأنّهم حاضرون في تلك الحال. وأمّا إذا خرجوا منه، فأيضاً يُتمّون؛ لأنّهم يكونون ممن بيته معه كما في الرواية.

من إتّخذ السفر عملاً

السابع: أن لا يكون ممن اتخذ السفر عملاً وشغلاً له، كالمُكاري والجمّال والملّاح والساعي والراعي ونحوهم، فإنّ هؤلاء يُتمّون الصلاة والصوم في سفرهم الذي هو عملهم، وإن استعملوه لأنفسهم، كحمل المُكاري متاعه أو أهله من مكان إلى مكان آخر، ولا فرق بين من كان عنده بعض الدوابّ يُكريها إلى الأماكن القريبة من بلاده فكراها إلى غير ذلك من البلدان البعيدة وغيره، وكذا لا فرق بين من جدّ في سفره بأن جعل المنزلين منزلاً واحداً وبين من لم يكن كذلك.

والمدار على صدق اتخاذ السفر عملاً له عرفاً ولو كان في سفرة واحدة لطولها وتكرّر ذلك منه من مكان غير بلده إلى مكان آخر، فلا يعتبر تحقّق الكثرة بتعدّد السفر ثلاث مرّات أو مرّتين، فمع الصدق في أثناء السفر الواحد أيضاً يلحق الحكم، وهو وجوب الإتمام. نعم، إذا لم يتحقّق الصدق إلّا بالتعدّد يعتبر ذلك. [1]

[1] أقول في هذا الشرط جهات خمس من الكلام:

1.

في بيان الموضوع للتمام (من اتخذ السفر عملاً له)؛

2.

في ذكر الأقوال وبيان المختار؛

3.

في ذكر الأخبار وتحقيق معناها وبيان دلالتها على المختار؛

4.

في الإشارة إلى حكم المسألة؛

5.

في الفروع المترتّبة على ذلك.

أمّا الجهة الأُولى فنقول: قد اختلفت كلمات القوم في التعبير عن هذا الشرط، وإليك جملة منها:

1. ما قاله في «الشرائع»:

أن لا يكون سفره أكثر من حضره،

ويقرب منه ما ذكره العلّامة قدس سره في أكثر كتبه «كالقواعد» و«التذكرة» و«الإرشاد»

و«التحرير»، إلّا أنّه عبّر بعدم زيادة السفر على الحضر. وهذا هو المنقول أيضاً عن المفيد والمرتضى، والشيخ في «مبسوطه» و«نهايته»، والشهيد في «الذكرى» وغيرهم كما في «مفتاح الكرامة». (1)

وفيه أوّلاً: أنّه لم يرد عنوان الكثرة أو الزيادة في نصوص الباب مع كثرتها كما سيجيء.

وثانياً: أنّ لازمه وجوب الإتمام لمن كان ستّة عشر يوماً في السفر مثلاً؛ لأنّه أكثر من حضره، وهو أربعة عشر يوماً مثلاً، كما أشار إليه في «مفتاح الكرامة» (2)ولعلّه لهذا عدل المحقّق إلى التعبير الآتي وهذا لا يمكن الالتزام به على ما سيأتي بيانه.

2. ما ذكره في «المعتبر» بقوله:

الأَوْلى أن يقال بأن لا يكون ممن يلزمه الإتمام في السفر،

ونحوه العلّامة في «المنتهى» والشهيد في «البيان»، كما في «مفتاح الكرامة».(3)

وفيه أوّلاً: أنّه من قبيل المصادرة على المطلوب؛ إذ الكلام بعد في بيان من يجب عليه الإتمام في السفر وجعله كضابطة مصادرة كما لا يخفى.

وثانياً: أنّ البيان المزبور مجمل في حدّ نفسه، فلا يصلح لأن يكون ضابطاً كلّيّاً.

3. ما ذكره ابن حمزة في «الوسيلة»:

أن لا يكون سفره في حكم حضره.

وفيه: أنّه كسابقه في الإجمال والمصادرة، فلا يصلح لأنْ يكون ضابطة في المقام.

4. ما ذكره جماعة، منهم الأردبيلي أن لا يكون الشخص مكارياً، ولا ممن سُمّي في الخبر ممن يجب عليه التمام.

وفيه: أنّه ليس بياناً للضابطة، بل هو ذكر لبعض المصاديق، مضافاً إلى أنّه يقتضي انحصار التمام لمن ذكر في بعض النصوص كالمُكاري ونحوه، ولا يشمل تمام الأفراد كما لا يخفى.


1) مفتاح الكرامة؛ ج 3، ص 568.

2) نفس المصدر.

3) نفس المصدر.

5. ما عبّر عنه أكثر المتأخّرين، منهم الماتن تبعاً لجماعة كصاحبي «المدارك» و«الذخيرة» وغيرهما، وهو أن لا يكون السفر عملاً وشغلاً له، وتبعه أكثر من تأخّر عنه كالسيد الإصفهاني في «الوسيلة» والحائري في «صلاته» والمحقّق الخوئي في «المستند» قائلاً:

وهذا التعبير هو المطابق للنصّ. (1)

وهذا التعبير كما ترى أعمّ مما تقدّمه لشموله لمثل سائق السيارة والطائرة وغيرهما ممن اتّخذ السفر عملاً وشغلاً له. ولعلّه لهذا استجوده السيد بحر العلوم في «المصابيح» بقوله:

هذا أولى؛ لأنّه سالم من الإيراد، ملحوظ فيه العلّة. (2)

بل مال إليه المحقّق الأردبيلي كلّ الميل حيث قال:

المدار على الأخبار. (3)

وفيه: أنّه وإن كان أعمّ مما تقدّمه - كما أشرنا - إلّا أنّه لا يشمل من يسافر سفراً متعدّداً لغرض من الأغراض العقلائيّة، مع عدم كونه شغلاً وحرفة كالزيارة والتعلّم، بل لا يشمل أيضاً بمثل الطبابة ونحوها مما يكون السفر مقدّمة له. وعليه، لابدّ من تحديده وبيانه بنحو يشمل جمیع الموارد. ولعلّه لهذا تصدّى العلّامة البروجردي لتصحيح التعبير الأوّل: «كثرة السفر» في ابتداء كلامه، وتبعه السيد الميلاني كما سيجيء. وسيتّضح أنّ الأصحّ اعتبار الكثرة بالمعنى الذي سنذكره فانتظر.

الجهة الثانية: في بيان الأقوال والعمدة منها ثلاثة:

القول الأوّل: ما ذهب إليه الماتن ومن تبعه وفاقاً لجماعة ممن تقدّمه، وهو:

أنّ الملاك في الإتمام هو صيرورة السفر عملاً وحرفة له،

وقد عرفت أنّ بحر العلوم استجوده في «مصابيحه» ومال إليه المولى الأردبيلي وقرّره أكثر


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 156.

2) مفتاح الكرامة؛ ج 3، ص 569.

3) نفس المصدر.

المحشّين واختاره العلّامة البروجردي في أخر كلامه، حيث قال بعد كلام طويل مضطرب:

ولكن الظاهر عدم جواز التعدّي إلى غير ذوي الحِرَف المتقوّم حرفتهم بالسفر - إلى أن قال:- وبالجملة، استفادة وجوب الإتمام لغير مَن يكون السفر شغلاً له ومقوّماً لحرفته ولو بحسب هذا الشخص كمن يدور في تجارته أو جبايته أو إمارته أو نحوها من الإشتقان من هذه الروايات الواردة في الباب في غاية الإشكال، فيجب العمل بعمومات أدلّة القصر للمسافر بعد قصور أدلّة التمام عن شمول غير ذوي الحِرَف. (1)

ويرد عليه أوّلاً: بأنّ لازمه اختصاص الحكم بذوي الحِرَف كسائق السيّارة أو الطائرة ونحوهما، فلا يشمل غيرهم من الأفراد الذين لا يكون السفر شغلاً لهم، كمن كان السفر مقدّمة لعمله.

وثانياً: أنّه ينافي بعض الأخبار الّتي ذكر فيها بعض من ليس السفر شغلاً له، كالراعي والتاجر والجابي ونحوها، كما سيجيء في الحديث التاسع. اللّهمّ إلّا أن يقال: إنّ الإتمام في مثل هذه الأفراد إنّما هو للتعبّد بالنصّ الخاصّ، وإلّا فمقتضى القاعدة هو القصر.

القول الثاني: ما ذهب إليه المحقّق الخوئي قدس سره تبعاً لجماعة وتبعه أكثر تلاميذه وهو التعدّي من العمليّة والحرفة إلى ما كان السفر مقدّمة لشغله وحرفته كالسفر للتجارة أو الدراسة أو الطبابة ونحوها مما لا يتحقّق إلّا بالسفر. نعم، توقّف بعض منهم في المتعلّم بلحاظ أنّه لا يعدّ من الحرفة؛ لكونها ظاهرة في حصول منفعة يعيش بها وليس التعلّم كذلك.

وكيف كان، فقد استدلّوا عليه بوجوه:

أحدها: ذكر بعض العناوين المذكورة في بعض النصوص كالتاجر والجابي والراعي ونحوها ممن ليس السفر شغلاً لهم، حيث إنّ المركوز في الأذهان هو إلغاء خصوصيّة التجارة والرعاية والجباية بحسب الفهم العرفيّ، فحينئذٍ يتعدّى إلى كلّ من كان السفر مقدمة لشغله،


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 130.

هذا ما ذكره بعض من تقدمه. واعترض عليه المحقّق الخوئي قدس سره بقوله:

وغير خفيٍّ أنّ التعدي استناداً إلى ما ذُكر من الإرتكاز وفهم عدم الخصوصية في غاية الإشكال والصعوبة، وعهدة هذه الدعوى على مدّعيها. فإنّ أقصى ما يمكن إخراجه من تحت إطلاقات القصر، هو عنوان العمل ومن جاء اسمه في الخبر، ولعلّ هناك خصوصية لا نفهمها. (1)

ثانيها: ما ذكره هو قدس سره وحاصله:

أنّ من كان السفر مقدّمة لشغله وعمله، فهو مشمول للروايات بنفسه؛ لإطلاق عمليّة السفر عليه ولو بالعناية والمجاز، فلا يبعد عرفاً أن يقال إنّ السفر عمل للطبيب والمعلّم ونحوهما ممن يسافر في كلّ أُسبوع بداعي شغله، وإن كان الإطلاق مجازيّاً. (2)

ولا يخفى ما فيه، نظراً إلى أنّ الإطلاق المجازيّ يحتاج إلى القرينة المصحّحة، وهي مفقودة كما اعترف بذلك بقوله:

لو أغمضنا عن ذلك بدعوى أنّ الصدق المزبور مسامحيّ لا يُعبأ به... .

ثالثها: استظهار عموميّة الموضوع من صحيحة زرارة الآتية المتضمّنة للتعليل بقوله علیه السلام:

«لأنّه عملهم»، قال قدس سره بعد الاعتراف بأنّ الأظهر هو التعدّي:

وذلك من أجل تضمّنها ذكر أشخاص لا يكون السفر إلّا مقدّمة لعملهم - إلى أن قال: - فيعلم منه بوضوح أنّه وسّع موضوع حكم التمام وجعله شاملاً لما كان السفر مقدّمة للعمل من دون أن يقتصر على ما كان السفر بنفسه عملاً. (3)

وحاصل كلامه قدس سره أنّ عنوان عمليّة السفر صادق على هؤلاء، (من كان السفر مقدمة


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 158.

2) نفس المصدر.

3) نفس المصدر، ص 159.

لشغله) على نحو الحقيقة؛ لأنّ الإمام علیه السلام جعلها تحت عنوان العمل.

وفيه: أنّا قد أشرنا إلى أنّه لا قرينة على الإطلاق المجازي، فما ظنّكم بالصدق الحقيقي؟ وعلى هذا، فلا دليل على التعدّى المزبور، مضافاً إلى ما سيجيء من أنّ العمل في اللغة هو الفعل، لا الشغل والحرفة هذا. وسيأتي توجيه صحيحة زرارة بوجه آخر فانتظر.

القول الثالث: هو كثرة السفر، لكن بمعنى كون السفر أمراً عاديّاً له ناشئاً من التكرّر والمزاولة، بحيث قيل: إنّ السفر عملٌ له، وهو الذي يعبّر عنه بالفارسيّة (پيشه)، وهذا هو المختار عندنا، وهو المراد أيضاً من الكثرة الّتي عبّر بها القدماء، وهو مع قوّته أشمل من القولين السابقين؛ لأنّه يشمل ما كان السفر مقدّمة للشغل كما يشمل ما إذا كان مزاولاً للسفر لأجل الزيارة ونحوها من دون أن يكون السفر شغلاً له. ويدلّ عليه وجوه، سنذكرها بعد بيان الأخبار.

الجهة الثالثة: في ذكر الروايات وتحقيق معناها، وهي كثيرة نذكر منها ما هي العمدة.

الرواية الأُولى: صحيحة هشام بن الحَكم، عن الصادق علیه السلام قال:

«الْمُكَارِي وَالْجَمَّالُ الَّذِي يَخْتَلِفُ وَلَيْسَ لَهُ مُقَامٌ، يُتِمُّ الصَّلَاةَ وَيَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ». (1)

الرواية الثانية: ما في «التهذيب» عن السنديّ بن الربيع من غير تفاوت في المتن. (2)

والروايتان كما ترى تضمّنتا ذكر المُكاري والجمّال وأُنيط الحكم بهما إلّا أنّ الأوّل أعمّ؛ لأنّ الجمّال من يعمل بالجمال، بخلاف المكاري، فإنّه يعمل به وبغيره من الدوابّ، بل الوسائط المستحدثة كالسيّارة والطّائرة ونحوهما. وقد اعتبر علیه السلام فيهما أمرين:

أحدهما: عدم الإقامة في الأثناء، والمراد منها إقامة العشرة؛ لأنّها هي المتبادر من اللفظ عند الإطلاق، فلا تشمل إقامة ساعة بل يوم ويومين في بعض منازل الطريق كما لا يخفى، ولعلّها كانت معروفة في إقامة العشرة.

ثانيهما: الإختلاف وهو التردّد، وهذا لا يتحقّق إلّا بتكرار السفر مرّتين فصاعداً وسيأتي


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 484 ، باب 11 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 487، باب 11 من أبواب صلاة المسافر، ح 10.

بيانه في محله.

الرواية الثالثة: صحيحة زرارة قال: قال ابو جعفر علیه السلام:

«أَرْبَعَةٌ قَدْ يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّمَامُ فِي سَفَرٍ كَانُوا أَوْ حَضَرٍ الْمُكَارِي وَالْكَرِيُّ وَالرَّاعِي وَالْأَشْتَقَانُ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُهُمْ». (1)

الرواية الرابعة: مرسلة ابن أبى عُمير عن أبي عبد الله علیه السلام قال:

«خَمْسَةٌ يُتِمُّونَ فِي سَفَرٍ كَانُوا أَوْ حَضَرِ الْمُكَارِي وَالْكَرِيُّ وَالْأَشْتَقَانُ وَهُوَ الْبَرِيدُ وَالرَّاعِي وَالْمَلَاحُ؛ لأنَّهُ عَمَلُهُمْ». (2)

أقول: يفترق هاتان الروايتان عن الأوّلين بأمرين لابدّ من بيانهما:

أحدهما: زيادة الكري والراعي والأشتقان؛

ثانيهما: تعليل حكم التمام بأنّ السفر عملهم.

فنقول: أمّا الكري فهو من أكرى نفسه لفعل يتحقّق بالسفر، بأن كري نفسه للذهاب من هنا إلى هناك فينطبق على مثل البريد.

وأمّا الراعي: فالظاهر أنّ المراد منه من كان له منزل ومسكن يستقرّ فيه، لكنّه ربّما يخرج منه إلى الصحاري لرعي الأغنام في معظم السنة، فحینئذٍ يكون مثل المكاري ونحوه في الحكم. وأمّا احتمال كون المراد منه راعي أهل البادية فبعيدٌ؛ لأنّه حينئذٍ يكون ممن بيته معه، مع أنّ حمله عليه بلاقرينة لا وجه له. وكذا يبعد احتمال كونه هو الراعي المعهود الّذي يخرج بأغنامه صباحاً ويعود إلى منزله مساءً والوجه في بُعده عدم كونه مسافراً. نعم، لو فرض مسافرته حينئذٍ ثمانية فراسخ اتفاقاً يجب عليه القصر.

وأمّا الأشتقان: فمعناه غير واضحٍ لغةً والظاهر أنّ المراد منه هو الّذي يتصدّى لحفظ


1) نفس المصدر، ص 485، باب 11 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

2) نفس المصدر، ص 487، باب 11 من أبواب صلاة المسافر، ح 12.

المزارع والمراتع والبيادر كما ذكره الحلّي. ومن هنا قال العلّامة البروجردي:

وذكروا في الأشتقان أنّه معرّب «دشتبان» بمعنى أمين البيادر من قِبَل السلطان.

وعن هامش «الوافي» عن «السرائر» الأشتقان: أمين البيادر.

وقال الصدوق في «الفقيه»: هو البريد.

ولكن حملوه على الأشتباه.

وقد يقال: لعلّ الأصل كان تفسير الكريّ بالبريد فحرّف من النسّاخ محلّه. (1)

وأمّا الأمر الثاني: أعني التعليل بقوله: لأنّه عملهم فيقع الكلام في بيان المراد من الضمير المفرد فنقول فيه ثلاثة احتمالات:

الاحتمال الأوّل: أن يكون الضمير راجعاً إلى كلّ فرد تنطبق عليه العناوين المذكورة في الحديث، فيكون المعنى أنّ الكري والراعي وغيرهما لا تقصير لهم؛ لأنّ هذه العناوين عملٌ لهم. وعليه، يختصّ الحديث بذوي الحِرَف والشغل، كسائق الطّائرة والسيّارة ونحوهما من ذوي الحرف، فلا يتعدّى إلى مثل المتعلّم والزائر ونحو ذلك ممن يتردّد في السفر، بل لا يشمل ما اذا كان السفر مقدّمة للشغل أيضاً كالسفر للطابة ونحوها.

ولهذا اختلفت الفتاوى في أمثال هذه الموارد فقال بعضهم: بوجوب القصر دائماً، وقال آخر: بالإتمام كذلك، وقال ثالث: بالجمع بين القصر والإتمام، وقال رابع: بالفرق بين أمثال الطبابة وغيرها كمن يسافر للزيارة ونحوها فيتمّ في الأوّل دون الثاني.

الاحتمال الثاني: أن يكون الضمير راجعاً إلى السفر مع حمل العمل على الحرفة، فيكون المعنى: أنّ المُكاري و نحوه لا يقصّران؛ لأنّ السفر عمل لهما، وهذا الفرض كسابقه مختصّ بالسفر الشغليّ فلا يتعدّى إلى غيرهما كما لا يخفى.

الاحتمال الثالث: أن يكون راجعاً إلى السفر لكن بلحاظ أنّه فعل من الأفعال، وحيث إنّ السفر أضيف إليه يفهم منه المزاولة والتكرّر وأنّه ليس أمراً اتفاقيّاً.


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 120.

وبعبارة أُخرى: أنّ المراد من العمل هو الاشتغال به ومزاولته بالتكرار. وعليه، يشمل الحديث من كان السفر مقدّمة لشغله كالطبيب والمعلّم ونحوهما ممن يكون شغله في المقصد، بل يشمل من لا يكون له شغل عرفاً إلّا أنّ السفر يتكرّر منه لأجل زيارة أو عيادة ونحوهما.

والأوجه هو الإحتمال الأخير وذلك لوجوه:

أحدها: أنّ العمل لم يرد في اللغة بمعنى الحرفة والشغل، بل هو بمعنى الفعل، وحيث إنّ العمل مصدر أضيف إلى ضمير الجمع الذي يرجع إلى المذكورات في الخبر، فيكون ظاهراً في أنّ العمل المزبور - أي: السفر - قد صدر منهم كثيراً وهم مزاولون له.

ويؤيّده: أنّ التعليل لا يكون غالباً إلّا بأمرٍ مرتكز في الأذهان. وهذا لا يصحّ إلّا إذا حملناه على المزاولة، بمعنى أنّ هؤلاء إنّما يتمّون الصلاة؛ لأنّ السفر صار عملاً لهم وهم يزاولون له وليس سفرهم اتفاقيّاً.

ثانيها: مناسبة الحكم والموضوع؛ لأنّ السفر قد صار أمراً عاديّاً لهؤلاء المذكورين في الحديث بحيث لا يوجب مشقّة وكلفة عليهم، فيناسبهم الحكم بالإتمام بخلاف السفر الاتفاقيّ حيث إنّه موجب للمشقّة غالباً.

ثالثها: ذكر بعض المصاديق في الرواية كالراعي والأشتقان ونحوهما ممن ليس السفر شغلاً لهم، فإنّه شاهد على أنّ المراد من العمل هو الفعل المتكرّر العادي، وهذا المعنى عامّ يشمل كلّ من زاول السفر كثيراً بحيث صار أمراً عاديّاً له، سواء كان مقدّمة لشغله أم كان لأجل الزيارة ونحوها.

الرواية الخامسة: معتبرة اسماعيل بن أبي زياد، عن أبي جعفر علیه السلام، عن أبيه قال:

«سَبْعَةٌ لَا يُقَصِّرُونَ الصَّلَاةَ: الْجَابِي الَّذِي يَدُورُ فِي جِبَايَتِهِ، وَالْأَمِيرُ الَّذِي يَدُورُ فِي إِمَارَتِهِ، وَالتَّاجِرُ الَّذِي يَدُورُ فِي تِجَارَتِهِ مِنْ سُوقٍ إِلَى سُوقٍ، وَالرَّاعِي، وَالْبَدَوِيُّ الَّذِي يَطْلُبُ مَوَاضِعَ الْقَطْرِ وَمَنْبِتَ الشَّجَرِ، وَالرَّجُلُ الَّذِي يَطْلُبُ الصَّيْدَ يُرِيدُ بِهِ لَهْوَ الدُّنْيَا، وَالْمُحَارِبُ الَّذِي يَقْطَعُ السَّبِيلَ». (1)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 487، باب 11 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.

ولا يخفى وضوح دلالتها على ما استظهرناه في معنى العمل من الحديث السابق، وذلك لوجود خصوصيّة فيها ليست في غيرها من الأخبار، وهي إناطة الحكم بالتمام في الموارد المذكورة فيها على الدوران المستلزم لمزاولة السفر وتكرّره كما ذكرناه، وليس في هذه الرواية احتمال الكسب والحرفة؛ إذ السفر ليس شغلاً لمن ذكر فيها، حيث إنّ شغل الأمير هو الإمارة دون السفر، وكذا التاجر والراعي والجابي وغيرهم.

مضافاً إلى تكرار لفظة «يدور»؛ فإنّ الدوران بالجباية ونحوها وإن لم يكن علّةً في الحكم، إلّا أنّه لا يخلو من الإشعار بالعلّيّة، فيكون المعنى أنّهم يتمّون ويصومون؛ لأنّهم يدورون في عملهم، ومن الظاهر أنّ هذا العنوان لا يصدق إلّا مع تكرّر السفر ومزاولته، وهذا واضح.

الرواية السادسة: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهما السلام قال:

«لَيْسَ عَلَى الْمَلَّاحِينَ فِي سَفِينَتِهِمْ تَقْصِيرٌ وَلَا عَلَى الْمُكَارِي وَالْجَمَّالِ». (1)

الرواية السابعة: صحيحته الأُخرى من غير تفاوت. (2)

قلت: صدر هاتين الروايتين راجع إلى الشرط السادس المتقدّم: «من كان بيته معه» وأمّا ذيلهما فيدلّ على المطلوب؛ لما عرفت من استظهار أنّ الوجه في عدم تقصيرهما هو كثرة السفر وتكرّره منهم. ويؤيّد ذلك كلّه، خبر «دعائم الإسلام»:

«وعن جعفر بن محمد علیهما السلام أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُكَارِي وَالْمَلَّاحِ (وَهُوَ النُّوتِيُّ): لَا يُقَصِّرُونَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ دَأْبُهُمَا.

وَكَذَلِكَ الْمُسَافِرُ إِلَى أَرْضَيْنِ لَهُ بَعْضُهَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ فَيَكُونُ يَوْماً هَاهُنَا وَيَوْماً هَاهُنَا، فَقَالَ فِي هَذَا أَيْضاً: إِنَّهُ لَا يُقَصِّر». (3)

فإنّ المزاولة والتكرّر عبارة أُخرى لكون السفر دأباً لهؤلاء المذكورين في الروايات وغيرهم ممن يتكرر منه السفر.


1) نفس المصدر، ص 485، باب 11 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

2) نفس المصدر، ص 486، باب 11 من أبواب صلاة المسافر، ح 8.

3) المستدرك الوسائل؛ ج 6، ص 534، باب 8 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

الجهة الرابعة: في الإشارة إلى الحكم:

فنقول: لا إشكال في وجوب التمام في الموارد المذكورة في المتن، بل لا خلاف معتدّ به، بل هو مجمع عليه نقلاً وتحصيلاً. وفي «الجواهر»:

الشرط الخامس: أن لا يكون سفره أكثر من حضره؛ فإنّهم يتمّون في سفرهم بلا خلاف أجده فيه، كما اعترف به في «الرياض»، إلّا ما يحكى عن ظاهر العمانيّ -ابن أبي عقيل - حيث أطلق وجوب القصر على كلّ مسافر، وهو مع عدم صراحته في ذلك محجوج بالإجماع المحصّل والمنقول مستفيضاً - على ما قيل - كالنصوص. (1)

قلت: لعلّ مراده من عدم صراحة كلام العمّاني أنّ استثناء العاصي بسفره ومقيم العشرة في كلامه وإن كان يوهم ذلك، إلّا أنّه يحتمل قويّاً أنّ عدم استثناء مثل المُكاري ونحوه إنّما هو لأجل ذكرهما في النصوص وأنّ خروجهما من باب التخصّص.

الجهة الخامسة: فيما يتفرّع على ما قدّمناه، وهو أمور نشير إليها حسب ما ذكره في المتن:

الأمر الأوّل ما ذكره بقوله:

ولا فرق بين من كان عنده بعض الدوابّ يُكريها إلى الأماكن القريبة من بلاده فكراها، إلى غير ذلك من البلدان البعيدة وغيره.

قلت: في المقام ثلاث صور:

1.

أن يكون سفره إلى البلدان القريبة فاتّفق أن يسافر إلى البلدان البعيدة

2.

أن يكون عمله المكاراة في البلد ثمّ اتّفق له الخروج منه إلى المسافة؛

3.

أن يكون عمله كذلك خارج البلد فيما دون المسافة فاتّفق خروجه إلى المسافة.

أمّا الصورة الأُولى: كما إذا كان يسافر إلى كاشان في مدّة طويلة، فاتفق له السفر إلى اصفهان، فإن كان سفره إلى اصفهان بعنوان عمله وفعله المتكرّر، فلا إشكال في وجوب الإتمام؛ لتحقّق موضوعه عندهم؛ إذ لا يعتبر حفظ المسافة الشخصيّة، بل المعتبر هو نوع


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 268.

المسافة كما تقدّم. وكذلك يجب عليه التمام عندنا حتى لو كان بغير عنوان عمله كالزيارة الصدق الكثرة والمزاولة، وهذا واضح بلا ريب فيه ولا كلام.

وأمّا الصورة الثانية: فالظاهر أنّه لا خلاف في وجوب القصر فيه؛ لأنّه لم يكن مسافراً أصلاً؛ إذ السفر إلى خارج البلد بمقدار المسافة ليس من عمله وشغله كما أنّه ليس من الكثرة والمزاولة بشيء. بل هو أمر اتفاقيّ على الفرض، فيدخل تحت أدلّة القصر بناءً على رجوع الضمير في قوله علیه السلام: «لأنّه عملهم»، إلى السفر، بداهةَ أنّ السفر في هذا الفرض ليس عملاً له.

نعم، لو قلنا بأنّه راجع إلى العناوين المذكورة في الخبر كالمكاري والجمّال ونحوهما، لأمكن أن يقال بالإتمام؛ لأنّ المعنى على هذا المبنى يكون كذلك «من كان شغله مكارياً أو جمّالاً أو راعياً ونحوها» يجب عليه التمام، من غير فرق بين كونه كذلك في البلد أو في خارجه، وسواء كان ذلك في المسافة أم لا. إلّا أنّك قد عرفت ضعف الاحتمال المزبور.

وكيف كان، فلا إشكال في الصورتين.

أمّا الصورة الثالثة: فهل الوظيفة فيها هو القصر أو التمام؟ فيه خلاف. ظاهر السيد ومن تبعه لزوم التمام كما يصرّح بذلك في مسألة 48 الآتية؛ لأنّ المكلّف حينئذٍ مصداق لمن اتّخذ السفر شغلاً له، ولعلّه ظاهر كلّ من جعل مناط التمام عمليّة السفر، فمن اتّفق خروجه إلى المسافة مع فرض كونه في شغله يكون موضوعاً للتمام.

وفيه أوّلاً: ضعف المبنى؛ لما عرفت من أنّ المناط في وجوب الإتمام هو كثرة السفر وتكرّره بحيث يعدّ أمراً عاديّاً للمكلّف، وهذا غير صادق على من خرج إلى حدّ المسافة لأوّل مرّة حيث لم يكن مسافراً قبلُ.

وثانياً: أنّ عمليّة السفر - على تقدير القول بها - إنّما تتحقّق فيما يعدّ الشخص مسافراً شرعاً ولا يتحقّق ذلك إلّا إذا تكرّر السفر في المسافة الشرعيّة لا فيما دون المسافة؛ فإنّ الملاك في عمليّة السفر هو السفر في المسافة دون الأقلّ، وحيث إنّ موضوع العمليّة غير متحقّق في

المقام، فلا وجه لدعوى صدق العمليّة. وعلى هذا، فالأقوى وجوب القصر في هذه الصورة أيضاً. وربّما يشهد له موثّقة إسحاق بن عمّار، قال:

«سَأَلْتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ علیه السلام عَنِ الَّذِينَ يُكْرُونَ الدَّوَابَ يَخْتَلِفُونَ كُلَ الْأَيَّامِ أَ عَلَيْهِمُ التَّقْصِيرُ إِذَا كَانُوا فِي سَفَرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ». (1)

وموثّقته الأُخرى قال:

«سَأَلْتُهُ عَنِ الْمُكَارِينَ الَّذِينَ يُكْرُونَ الدَّوَابَّ وَقُلْتُ يَخْتَلِفُونَ كُلَّ أَيَّامٍ كُلَّمَا جَاءَهُمْ شَيْءٌ اخْتَلَفُوا فَقَالَ عَلَيْهِمُ التَّقْصِيرُ إِذَا سَافَرُوا». (2)

تقريب الدلالة: أنّ السفر في لسان أهل الشرع منصرف إلى السفر الشرعي المتقوّم بالمسافة الشرعيّة مع قصدها، ومن تردّد فيما دون المسافة لا يعدّ ممن اتّخذ السفر عملاً وشغلاً له؛ لعدم تحقّق السفر الشرعيّ منه أصلاً.

وبعبارة أُخرى: أنّ المراد من الاختلاف في الروايتين هو الاختلاف فيما دون المسافة الّتي لا يصدق معها العنوان الشرعيّ للمسافر، ولذلك سئل عن حالهم فيما لو كانوا في سفر شرعيّ غير ما كانوا عليه كلّ يوم، وقد حكم علیه السلام حينئذٍ بالقصر عليهم، والسرّ في ذلك عدم صدق عمليّة السفر عليهم والحال هذه.

وأمّا حمل الروايتين على ما بعد الإقامة عشرة أيّام كما في «الوسائل» و«الحدائق»، فبعيد جدّاً؛ لعدم الشاهد عليه.

الفرع الثاني: ما أشار إليه السيد بقوله:

وكذا لا فرق بين من جدّ في سفره بأن جعل المنزلين منزلاً واحداً وبين من لم يكن كذلك.

أقول: هذا هو المشهور بين القدماء والمتأخّرين، حيث لم يقل أحد منهم بالفرق بين من


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 488، باب 12 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

2) نفس المصدر، ص 489 ، باب 12 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

جدّ به السير وعدمه إلى زمن صاحب «المدارك». خلافاً لجماعة من الأصحاب منهم صاحب «المدارك» حيث قال قدس سره:

ويحتمل قويّاً الرجوع في جدّ السير إلى العرف. والقول بوجوب التقصير عليهما - المكاري والجمّال المجدّ - في هذه الحالة للمشقّة الشديدة بذلك. (1)

وتبعه صاحب المعالم قدس سره في «منتقى الجمان» والكاشاني وصاحب «الحدائق» واستجوده العلّامة الحجّة. (2)ولم يستبعده السيد الميلاني في الحاشية و«المحاضرات». (3)

ولعلّ ذلك بناءاً منهم على العمل بالخبر الصحيح، والروايات الواردة في الباب أكثرها صحيحة.

وكيف كان، فقد أعرض المشهور عن الروايات الواردة في المقام وهي خمس:

الرواية الأُولى: صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما علیهما السلام قال:

«الْجَمَّالُ وَالْمُكَارِي إِذَا جَدَّ بِهِمَا السَّيْرُ، فَلْيَقْصّرَا فِيمَا بَيْنَ الْمَنْزِلَيْنِ وَيُتِمَّا فِي الْمَنْزِلِ». (4)

الرواية الثانية: صحيحة فضل بن عبدالملك قال:

«سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الْمُكَارِينَ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ، فَقَالَ: إِذَا جَدُّوا السَّيْرَ فَلْيَقْصّرُوا». (5)

الرواية الثالثة: مرفوعة عمران بن محمد الأشعري عن أبي عبد الله علیه السلام قال:

«الْجَمَّالُ وَالْمُكَارِي إِذَا جَدَّ بِهِمَا السَّيْرُ فَلْيَقْصّرَا فِيمَا بَيْنَ الْمَنْزِلَيْنِ وَيُتِمَّا فِي الْمَنْزِلِ». (6)

الرواية الرابعة: مرسلة الكليني قال:

«وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: الْمُكَارِي إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ فَلْيَقْصُرْ».


1) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 456.

2) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 49.

3) محاضرات في الفقه الإمامية؛ ص3.

4) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 491، باب 13 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

5) نفس المصدر، ح 2.

6) نفس المصدر، ح 3.

«قَالَ: وَمَعْنَى جَدَّ بِهِ السَّيْرُ، جَعْلُ الْمَنْزِلَيْنِ مَنْزِلًا». (1)

الرواية الخامسة: صحيحة عليّ بن جعفر في كتابه عن أخيه،

«سَأَلْتُهُ عَنِ الْمُكَارِينَ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ إِلَى النِّيلِ، هَلْ عَلَيْهِمْ تَمَامُ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ مُخْتَلَفَهُمْ فَلْيَصُومُوا وَلْيُتِمُّوا الصَّلَاةَ، إِلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِمُ السَّيْرُ فَلْيُفْطِرُوا وَلْيَقْصُرُوا». (2)

إذا عرفت ذلك، فيقع الكلام في مقامين:

أحدهما: في بيان المراد من الجدّ في السير والتوجيهات الواردة في المقام؛

ثانيهما: في بيان علّة عدم اعتماد الفقهاء على تلك النصوص مع كون أكثرها صحيحة.

أمّا المقام الأوّل: فصريح كلام الماتن قدس سره أنّ المراد بالجدّ هو السرعة في السير بحيث يقطع المنزلين في يوم واحد، وقد كان المتعارف في تلك الأزمنة قطع منزل واحد في كلّ يوم كما هو المعروف. ولعلّ الأصل في ذلك ما ذكره الكليني قدس سره في ذيل حديث 4 من الباب. ومعنى جدّ به السير، جعل المنزلين منزلاً، هذا ولعلّه هو الموافق للمعنى اللّغويّ.

وعن العلّامة أنّها محمولة على ما لو قصد المُكاري والجمّال إقامة العشرة، قال في المختلف:

والأقرب عندي حمل هذه الأحاديث على أنّهما - المُكاري والجمّال - إذا أقاما عشرة أيّام قصّرا. (3)

والشهيد قدس سره حملها على صورة إنشاء المُكاري والجمّال سفراً آخر غير شغلهما حيث قال:

إنّها محمولة على أنّ المكاري الّذي شغله المكاراة إذا قصد سفراً بعيداً غير صنعتهما أو يكون المراد بجدّ السير أن يكون مسيرهما متصلاً كالحجّ والأسفار


1) نفس المصدر، ح 4.

2) نفس المصدر، ح 5.

3) المختلف الشيعة؛ ج 1، ص 163.

الّتي لا يصدق عليها صنعتهما. (1)

إلى غير ذلك من المحامل.

وفيه: أنّه، مضافاً إلى كونه خلاف الظاهر من لفظة الجدّ الظاهر في السرعة، خالٍ عن القرينة؛ ولذا قال المحقّق الخوئي قدس سره:

هذا حمل بعيد عن ظاهر النصوص لا نعرف له وجهاً أبداً. (2)

وكيف كان، فهذه النصوص اكثرها معتبرة سنداً، وواضحة دلالة بناءً على التفسير الذي ذكره الكليني قدس سره.

فحينئذٍ تدلّ على القصر لو جدّ به السير، بل وكذا مناسبة الحكم والموضوع حيث إنّ جعل المنزلين منزلاً مستلزم للمشقّة والتعب الكثيرة المناسبة للتخفيف والتقصير، إلّا أنّ ظاهر المشهور من القدماء والمتأخّرين عدم العمل بها كما سيجيء، ومعه يشكل الفتوى بها والاعتماد عليها.

أمّا المقام الثاني: فقد أشرنا إلى أنّ المشهور لم يعتمدوا على تلك النصوص، فهذا هو الكليني قدس سره يعبّر عنها بقوله: «وروي»، الظاهر في عدم الإعتناء بها مع كونه خرّيت الفنّ وقد صرف من عمره مقدار عشرين سنة في جمع الأخبار وتهذيبها وتبويبها، وكذا شيخ الطائفة قدس سره حيث لم يُفت على طبقها مع كونها بمرأى منه، وكذا غيرهما من قدماء أصحابنا. وهذا شاهد قويّ على وجود خلل في تلك النصوص خافٍ علينا، وهو معنى الإعراض الموهن.

ولعلّه لهذا التزم المحقّق الخوئي قدس سره بالإعراض هنا على خلاف مبناه من عدم اعتنائه بإعراض المشهور في غير مورد من الفقه، نعم تحاشى من ذكر لفظ الإعراض حيث قال:

ولكن لا سبيل للأخذ بهذه النصوص رغم صحّة أسانيدها لمهجوريّتها عند


1) ذكرى الشيعة؛ ص 258.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 163.

العبرة في اتخاذ السفر عملاً له بالصدق العرفي

الأصحاب وعدم العامل بها. (1)

ثمّ إنّ المحقّق الخوئي قدس سره حيث إنّه لا يعتني بالإعراض، التجأ إلى وجه آخر حاصله:

أنّ المسألة كثيرة الدوران؛ لابتلاء جلّ المكلّفين بها لو لا الكلّ، حتى أنّ شغل بعض أصحاب الأئمّة علیهم السلام كان المُكاراة، كصفوان الجمّال. وعليه، لو كان القصر ثابتاً للمُكاري والجمّال المجدّ في السير لاشتهر بين الأصحاب ولبان وشاع وصار من الواضحات، فهذه قرينة عامّة يكشف بها عدم ثبوت القصر في المورد المزبور. وعليه، لابدّ من ردّ علم تلك النصوص إلى أهله. (2)

أقول: إن أراد قدس سره من الاشتهار الشهرة في الرواية، فهي متحقّقة؛ لأنّ المحدّثين أثبتوا النصوص المزبورة في جوامعهم، وإن أراد منه الشهرة الفتوائيّة فأهل الفتوى قد أعرضوا عنها وإعراضهم موهن، إلّا أنّه لا يرى الإعراض موهناً. هذا مع أنّ كونه محلّ الابتلاء فيه نظر، بل منع؛ إذ قلّما يتّفق جعل منزلين منزلاً واحداً، بل لعلّه لم يتّفق لأصحاب الأئمّة علیهم السلام.

والحاصل: أنّه لو كنّا نحن وتلك النصوص الظاهرة في مدلولها، لقلنا بوجوب التقصير لمن جدّ به السير بالمعنى الذي ذكره السيد قدس سره وإن كان السفر عملاً وشغلاً لهم. إلّا أنّ اعراض الأصحاب عنها - مع كونها بمرئى منهم - يوجب وهنها كما لا يخفى، فلا يمكن الفتوى بها.

الفرع الثالث: ما أشار إليه السيد بقوله:

والمدار على صدق اتّخاذ السفر عملاً له عرفاً ولو كان في سفرة واحدة لطولها وتكرّر ذلك منه من مكان غير بلده إلى مكان آخر فلا يعتبر الكثرة بتعدد السفر ثلاث مرّات أو مرّتين فمع الصدق في أثناء السفر الواحد أيضاً يلحق الحكم وهو وجوب التمام.

أقول: هل المناط في صدق العمليّة - بناءً على كون الموضوع للتمام عمليّة السفر - وصدق


1) نفس المصدر، ص 165.

2) نفس المصدر، ص 163-165.

الكثرة - بناءً على المختار - هو صدق ذلك عرفاً أو يعتبر التعدّد؟ فيه خلاف بين الأصحاب. ظاهر جماعة ومنهم السيد قدس سره هو الأوّل، ففي كلّ مورد يصدق عرفاً أنّ السفر شغل وعمل له، يجب عليه التمام، وإن كان ذلك في سفرة واحدة طويلة. وسبقه إلى ذلك المقدّس البغدادي قدس سره وصاحب «الجواهر» حيث قال:

ضرورة ظهور الأدلّة إن لم يكن صراحتها في أنّ مدار الإتمام على ذلك - صدق عمليّة السفر - كما أنّها ظاهرة أو صريحة في أنّه متى تحقّق صدق اسم واحد من المكاري والملّاح ونحوهما عرفاً صدق عليه أنّ عمله السفر قطعاً - إلى أن قال:- بل استظهر المحقّق البغدادي تحقّق وصف المكاري ونحوه بأوّل سفرة إذا اتّبع الدوابّ وسعى معها سَعْيَ المكاري، وهو لا يخلو من وجه، وأوجه منه إيكاله إلى العرف. (1)

واختاره المحقّق الخوئي قدس سره أيضاً وذكر في بيانه كلاماً طويلاً حاصله:

إنّه لو تمسّكنا بإطلاقات المكاري، لقلنا بالتمام وإن لم يتّصف بالعمل، بل كان التمام واجباً بمجرد الإكراء، كما إذا كان شخص مشتغلاً بأموره الشخصيّة واتّفق له اكراء سيّارته من جهة كون الزوّار كثيرين وغلاء الأُجرة ونحو ذلك.

إلَّا أنّ الروايات الّتي ورد فيها التعليل بقوله علیه السلام «لأنّه عملهم»، ترشدنا إلى أنّ اللازم اعتبار عمليّة السفر وأنّ الحكم يدور مدار هذا العنوان، وهو قد يتّفق صدقه بسفرة واحدة، وقد يتّفق في أثناء السفر الأوّل. كما إذا اشترى في أثناء سفره سيّارة واشتغل بالمُكاراة بانياً عليها، وقد لا يصدق إلّا بالتعدّد، كما إذا اشترى السيّارة واتفق له إكراؤها مرّة أو مرّتين فصاعداً من غير قصد للتداوم والمزاولة ثمّ تمادى في ذلك حتى صار عملاً وحرفة له. فهذه الطائفة من الروايات تكون كالمقيّدة للطائفة الأُولى من الروايات كما لا يخفى، فيكون المدار هو الصدق العرفيّ.

ثمّ أورد على نفسه بأنّ تلك الروايات معارضة بما دلّ على اعتبار الاختلاف، كصحيح


1) الجواهر الكلام؛ ج 14، ص 277.

هشام بن الحكم ورواية السندي بن الربيع، (1)فعلى هذا فما لم يتحقّق الاختلاف المتوقّف على تكرار السفر ذهاباً وإياباً فلا يتحقّق العمل والشغل.

وأجاب عنه بأنّه لا مفهوم للوصف كما حقّق في الأصول، فليس دالّاً على الانتفاء عند الانتفاء. نعم، له مفهوم بمعنى أنّ وجود الوصف شاهد على عدم تعلّق الحكم بطبيعيّ الموصوف على إطلاقه وسريانه؛ إذ لولاه لصار التقييد بالوصف لغواً، وأمّا دلالته على أنّ الحكم خاصّ بهذا المورد ومنفي عمّا عداه كما هو معنى المفهوم اصطلاحاً فغير ثابتة.

وبعبارة أُخرى: أنّ غاية ما يستفاد من الوصف أنّ طبيعيّ المكاري غير محكوم بالتمام لا أنّه خاصّ بمن يختلف، ومن الجائز ثبوته لغير هذا الفرد كمن كان شغله السفر وإن لم يختلف، إلى آخر ما ذكره.

قلت: لكن الإنصاف أنّ الظاهر من قوله علیه السلام: «يختلف»، هو انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، وثبوته عند الثبوت.

توضيح ذلك أنّ الوصف على قسمين:

أحدهما: ما يذكر لبيان المراد من الأفراد فقط كقوله: «أكرِم الرجل العالم»، وهذا ليس له مفهوم.

ثانيهما: ما يذكر في الكلام لأجل تعيين مورد الحكم وتحديده وهذا القسم له مفهوم جزماً، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإنّ قوله علیه السلام:

«الْمُكَارِي وَالْجَمَّالُ الَّذِي يَخْتَلِفُ وَلَيْسَ لَهُ مُقَام»،

ورد في مقام تحديد موضوع التمام بذكر حدوده.

فعليه، ينتفي الحكم بانتفاء قيده - وهو الاختلاف-؛ لأنّ قوله: «يختلف»، ظاهر في تحقّقه فعلاً؛ نعم، لا يعتبر في الاختلاف الرجوع إلى بلده ثمّ السفر منه، بل يصدق لو سافر إلى بلد


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 484 - 487، باب 11 من أبواب صلاة المسافر، ح 1، ح 10.

اعتبار تعدّد السفر في صدق الاختلاف

ومنه إلى آخر، وهكذا كما لا يخفى. هذا كلّه على مذاق القوم الّذين يجعلون الموضوع صدق عمليّة السفر.

وأمّا بناءً على المختار من كون الموضوع هو التكرّر والمزاولة، فالمدار على تحقّق الكثرة والمزاولة وفاقاً لجماعة من الأعاظم كالعلّامة في «المختلف» حيث اعتبر التعدّد ولو بمرّتين. (1)

والشهيد في «الذكرى» حيث اعتبر التكرار ثلاث مرّات. (2)بل هو مراد كلّ من جعل المناط في الإتمام كثرة السفر طيلة خمسة قرون بل صرّح بذلك الحلّي في «سرائره» على ما حكاه في «المدارك».

فتحصّل أنّ الأقوى لزوم تحقّق الكثرة بتعدّد السفر وتكرّره بحيث صار سفره عملاً عاديّاً ولم يكن موجباً للمشقّة والتعب. ويدلّ عليه التعليل في قوله: «لأنّه عملهم»، حيث إنّ هذا العنوان لا يلائم مع المرّة والمرّتين كما لا يخفى ما لم يقصد السفر مداوماً ومزاولاً له مدّة طويلة.

إذا عرفت ما حرّرناه، فيقع الكلام في مقامين:

1.

ما هو المراد من الكثرة؟

2.

هل يعتبر التعدّد مرّتين أو أكثر بناء على أنّها الموضوع للتمام؟

أمّا المقام الأوّل: فالظاهر أنّه لم يذكر حدّ معين للكثرة شرعاً؛ إذ الأخبار الواردة في هذا المقام (3)ساكتة عن بيان هذه الجهة وإنّما أشارت إلى بعض مصاديق من يتمّ صلاته في السفر وتضمّنت بذكر بعض التعليلات كقوله: «لأنّه عملهم» أو «يدور في تجارته». نعم، لو دقّقنا النظر في بعض الأمثلة الواردة فيها، كالأشتقان، وأمين البيادر، والجابي للزكاة، أمكن أن يستأنس منها بأنّ الكثرة تتحقّق في شهرين فصاعداً. وذلك لأنّ عمل الجباية مثلاً لا يقلّ عن


1) المختلف الشيعة؛ ص163.

2) ذكرى الشيعة؛ ص 258.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، باب 11 من أبواب صلاة المسافر.

هذه المدّة، كما أنّ عمل الأشتقان لا يزيد على شهرين أو ثلاثة أشهر.

وأمّا صدق العمليّة والحرفة في هذه المدّة فمشكل جدّاً؛ إذ لا يصدق العمل لمن أجبر من ناحية الحكومة مثلاً على السفر في كلّ يوم إلى بلد كذا في شهر أو شهرين مشتغلاً بعمل السيّارة، للشك في صدقه كذلك عرفاً. هذا كلّه على مبنى مطلق الكثرة.

وأمّا بناءً على ما أخترناه من كون الموضوع هو المزاولة والتكرّر في قبال السفر الاتفاقي، فلابدّ من إيكاله إلى العرف، فلو فرض أنّ شخصاً يسافر إلى المسافة ثلاث مرّات في كلّ شهر لعيادة مريض مثلاً، فصدق عنوان كثرة السفر بمعنى المزاولة له عرفاً بعيد جدّاً، كما لا يخفى بأدنى تأمّل. وأمّا لو فرضنا أنّ شخصاً يسافر إلى المسافة أربعين يوماً في كلّ يوم ويعود كذلك، فإنّه لا يبعد صدق عنوان الكثرة عليه عرفاً.

والحاصل: أنّ الأمر يدور مدار الكثرة والتزاول كما مرّ.

ويؤيّده بعض ما ذكر من الأمثلة في الأخبار كالجابي، حيث إنّ مدّة جباية الخراج أو الزكاة لا تزيد على أربعين يوماً في أكثر البلاد كما لا يخفى لأبناء الفلّاحين.

فتحصّل أنّه لو تحقّق الموضوع عرفاً أو بمقتضى الأخبار فهو، وإلّا يقع الشك فيه فمقتضى الاستصحاب بقاء وجوب القصر.

وأمّا المقام الثاني: أعني: اعتبار السفر مرّتين أو ثلاث مرّات، فظاهر العلّامة قدس سره اعتبار المرّتين. قال بعد نقل كلام الحلّي في «السرائر» الصريح في اعتبار ثلاث مرّات:

والأقرب أنّ أرباب الصنائع لا يثبت فيهم التمام بأوّل مرّة بل بثاني مرّة، مثلاً إذا ابتدء بالمكاراة وخرج من بلده مكارياً وجب عليه التقصير، فإذا عاد إلى بلده ثمّ خرج بعد إقامة عشرة أيّام، خرج مقصّراً وإن كان بعد إقامته أقلّ خرج متمّماً، وكذا من لا صنعة له إذا جعل السفر عادته فإنّه يجب عليه التمام في ثاني مرّة، إذا

لم يتخلّل إقامة عشرة أيّام. (1)

وعن ثاني الشهيدين اعتبار ثلاث مرّات، قال في «المسالك»:

بل الضابط أن يسافر إلى مسافة ثلاث مرّات لا يتخلّل بينها حكم الإتمام - إلى أن قال:- فحينئذٍ تحصل الكثرة في الثالثة فيلزمه الإتمام فيها ويستمرّ عليه. (2)

وقال في «الروضة» عند قول المصنّف:

وأن لا يكثر سفره...، بأن يسافر ثلاث سفرات إلى مسافة - إلى أن قال:- فحينئذٍ يتمّ في الثالثة. (3)

وقال في «الروض»:

فالمعتبر في لحوق الحكم هنا صدق اسم من ذكر في هذه الروايات على من سافر وكذا من في معناهم؛ إذ ليس في الأخبار تحديد بسفرات معيّنة – إلى أن قال:- هو يتحقّق في السفرة الثالثة الّتي لا يتخلّل بينها إقامة العشرة قطعاً. (4)

ومن ذلك يظهر أنّ نسبة ثلاث مرّات إلى العلامة قدس سره وأربع مرّات إلى الشهيد قدس سره كما في «مستند» الخوئي قدس سره لعلّه اشتباه من المقرّر؛ لأنّه اعترف بما ذكرناه قُبيل هذا، فراجعه. (5)

إذا عرفت ذلك فنقول: لا إشكال في وجوب القصر في السفرة الأُولى لاتفاقهم على ذلك في من سافر بعد الإقامة عشرة أيّام؛ لأنّ الإقامة كذلك تجعل السفر الكثير كالعدم، فيكون السفر بعد الإقامة بحكم السفر الابتدائي بحسب المتفاهم العرفي.

وبعبارة أُخرى: إنّ تشبيه السفرة الأُولى بعد الإقامة بالسفرة المبتداة، ظاهر في نظر أهل العرف فيما ذكرنا من أنّ السفر بعد الإقامة بحكم السفر الابتدائي قطعاً. والوجه في ذلك، أنّه


1) المختلف الشيعة؛ ج 1، ص 163.

2) المسالك الإفهام؛ ج 1، ص 38.

3) الروضة البهيّة في شرح اللمعة المشقية؛ ج 1، ص 156.

4) روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان؛ ص 389.

5) مستند العروة؛ ص 8، ص169.

قد ورد في الروايات عنوان الاختلاف، (1)وهو ظاهر في اعتبار التعدد؛ لأنّه يحتمل في تفسيره أحد وجوه ثلاثة:

أحدها: أن يكون المراد من الاختلاف ما يشمل العود من السفر الأوّل ايضاً، فإن تمّ ذلك وجب الإتمام في العود عن السفر، إلّا أنّه غير صحيح جزماً لما أشرنا سابقاً من أنّ العود لا يعدّ سفراً جديداً في حدّ نفسه، بل هو من لوازم الذهاب؛ إذ لكلّ ذهاب عود بحسب العادة، وهو واضح.

ثانيها: أن يكون المراد من الاختلاف هو السفرة الثانية أو الثالثة بعد العود من الأُولى أو الثانية بأن سافر إلى المقصد ثمّ عاد إلى الوطن وسافر مرّة أو مرّتين، كما يظهر من المحقّق النائيني قدس سره قال في الأمر الخامس:

يعتبر في وجوب التمام تكرار السفر، فيجب القصر في المرّة الثانية والتمام في الثالثة، من جهة كون الموضوع - وهو عمليّة السفر - مطلقاً في جملة من الأخبار وقد قيّد بالاختلاف وعدم المقام. - ثمّ قال:- والمراد بالاختلاف هو التكرّر في السير. (2)

ثالثها: أن يكون المراد منه التلبّس بالسفر الثانى بلا لحاظ العود من الأوّل، أي: سواء عاد منه ثمّ تلبّس بالثاني، أم تلبّس بالسفر الثاني بعد الحصول على مقصده الأوّل، كما إذا سافر إلى طهران وكان هو المقصد ثم سافر بقصد جديد إلى همدان، فإنّه يصدق حينئذٍ الاختلاف كصدقه فيما لو عاد إلى وطنه ثمّ سافر ثانياً، وهذا هو الأظهر عندي؛ لأنّ الاختلاف يراد منه ما يعبّر عنه بالفارسيّة: «جا به جا شدن» وهو صادق بالتلبّس بالسفر الثاني كما أشرنا. فالأقوى، هو وجوب التمام في السفرة الثانية؛ لتحقّق الموضوع وهو الاختلاف كما عرفت، وإن كان الأحوط الجمع في الثانية، نظراً إلى فتوى جماعة بالإتمام في الثالثة كالشهيد وابن إدريس


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، باب 11 من أبواب صلاة المسافر ، ح 1.

2) كتاب الصلاة؛ ج 3، ص 338.

وغيرهم، من غير فرق بين أن يكون شغلاً وحرفة أو كان المبنى هو التزاول.

فإن قلت: إنّ قوله علیه السلام «يختلف» فعل مضارع، فهو ظاهر في المستقبل، فيكون معناه أنّه يختلف في المستقبل، ولا يستفاد منه الاشتراط.

قلت: إنّ المضارع يحمل على الفعليّة، أي: الحال، إلّا أن يدلّ دليل على اختصاصه بالاستقبال، كما صرّح به المحقّق النائيني قدس سره وكأنّه مسلّم عند المحقّق الخوئي تقدس سره أيضاً.

وعلى هذا، يكون قوله علیه السلام: «يدور في تجارته ...» مؤيّداً لما اخترناه؛ لأنّه يكون الدوران ظاهراً في الدور الفعليّ وقد عرفت أنّه لا يتحقّق إلّا بالسفرة الثانية.

إذا سافر من شغله السفر لغير شغله

مسألة 45:

إذا سافر المُكاري ونحوه ممن شغله السفر سفراً ليس من عمله، كما إذا سافر للحجّ أو الزيارة يقصّر.

نعم، لو حجّ أو زار لكن من حيث إنّه عمله كما إذا كرى دابّته للحجّ أو الزيارة وحجّ أو زار بالتبع، أتمّ. [1]

[1] أقول: هذا - بناء على ما اختاره الماتن ومن تبعه من كون الموضوع في الإتمام عمليّة السفر - واضحٌ؛ لأنّه إذا فرض خروجه من الشغل بشروعه في سفر جديد كالحجّ والزيارة يجب عليه القصر؛ لعدم كونه في عمله. وكذا لا إشكال في وجوب التمام عليه إذا حجّ أو زار بالتبع، بأن كرى دابّته للحجّ ونحوه وسار إلى الحجّ بالتبع؛ لأنّه حينئذٍ في شغله وعمله المستمرّ وتبدّل المسير لا أثر له.

وأمّا بناءً على ما اخترناه من اعتبار المزاولة والكثرة، فسفره إلى الحجّ أو غيره من الأماكن المقدّسة لا يخرجه عن هذا العنوان، فيجب عليه التمام ما لم يقصد انعزاله عن هذا العمل، فإنّ تغيّر السفر من حالٍ إلى حالٍ لا يوجب تغيّر الحكم مع وجود الموضوع وهو الكثرة والمزاولة. ولم أرَ من الأعاظم أحداً موافقاً في ذلك عدا السيد الميلاني قدس سره حيث قال في تعليقته على «العروة»:

بل مطلقاً على الأقوى، حتى إذا كان الداعي الأصيل هو الحجّ أو الزيارة.

وفي «المحاضرات»:

فيعلم أنّ الجامع وهو كثرة السفر مانع. وعليه، فالمكاري الزائر وإن كان بغير طريقه يتمّ وكذا لو كان مستكرياً. (1)

وكلامه هذا صريح فيما ذكرناه وإن كان ما في الحاشية ليس بهذه الصراحة، لاحتمال أن يريد منه الفرض الأوّل، فراجع وتأمّل.


1) محاضرات في الفقه؛ ج 3، ص 215.

حكم الحملداريّة

مسألة 46:

الظاهر وجوب القصر على الحملداريّة الّذين يستعملون السفر في خصوص أشهر الحجّ، بخلاف من كان متّخذاً ذلك عملاً له في تمام السنة كالذين يكرون دوابّهم من الأمكنة البعيدة ذهاباً وإياباً على وجه يستغرق ذلك تمام السنة أو معظمها، فإنّه يتمّ حينئذٍ. [1]

[1] أقول صريح كلامه قدس سره أنّ الحملداريّة على قسمين:

أحدهما: ما كان محدوداً بأشهر الحجّ (شوّال، ذي القعدة، ذي الحجّة)، فيقصّر فيها؛ لعدم تحقّق الموضوع للتمام، أعني: عمليّة السفر.

ثانيهما: ما يزيد على الأشهر الثلاثة كما كان كذلك في الأزمنة السابقة، فإنّه يتمّ حينئذٍ؛ لصدق العمليّة.

ثمّ إنّ ظاهر كلام الماتن قدس سره بل صريحه أنّها لا تتحقّق بمثل ثلاثة أشهر، ولذا صرّح بوجوب القصر لمن كان متصدّياً للحملداريّة في خصوص أشهر الحجّ. إلّا أنّك قد عرفت أنّ الأقوى تحقّق الكثرة بالسفر بشهرين فصاعداً بالنظر إلى الأمثلة الواردة في الأخبار كالجابي والأشتقان؛ حيث إنّ الأغلب في شغلهما هو الشهران، فراجع ما ذكرناه في هذا المقام.

وعلى هذا، لو كانت المدّة في الحملداريّة قليلة جدّاً كشهر مثلاً، كما هو كذلك في هذه الأزمنة في أغلب الممالك، فلا شك في وجوب القصر عليه؛ لعدم صدق المكاري أو عمليّة السفر ولا عنوان الكثرة كما لا يخفى، فلا وجه لاحتمال التمام على جميع المباني.

وأمّا إذا كانت مدّة سفره كثيرة بحيث يشتغل بها في معظم السنة، كما في الأزمنة السابقة، فلا إشكال في وجوب التمام بناءً على عدم اعتبار التكرر في السفر مع صدق المكاري.

وأمّا لو شكّ في احراز الموضوع وعدمه، فهل يجب التمام أو القصر؟ يظهر التردّد من المحقّق الخوئي قدس سره في ابتداء كلامه وإن مال إلى التمام في آخره حيث قال:

وأمّا لو شكّ في ذلك، فقد تكون الشبهة موضوعيّة وأخرى حكميّة مفهوميّة - إلى

أن قال:- وأمّا في الحكميّة المستندة إلى الجهل بسعة المفهوم وضيقه المستوجب للشك في صدق عنوان عمليّة السفر كما في الحملداريّة الّتي تستوعب من كلّ سنة ثلاثة أشهر مثلاً الّتي كانت تتفق في الأزمنة السابقة من العراق إلى مكّة، فيحتمل أن يكون الحكم حينئذٍ القصر نظراً إلى الشك في التخصيص الزائد في أدلّة وجوب القصر الثابت لكلّ مسافر، فإنّ الخارج منها من كان عمله السفر ويشكّ في دائرة هذا العنوان سعة وضيقاً، فيقتصر على المقدار المتيقّن.

ويحتمل التمام، ووجهه: أنّ الخارج عن إطلاقات القصر عناوين خاصّة، كالمكاري والجمّال والملّاح ونحوها، وهذه العناوين المقيّدة في أنفسها مطلقة أيضاً، غاية الأمر أنّها قيّدت بعنوان عملية السفر بمقتضى التعليل الوارد في صحيح زرارة كما مرّ، لأنّ العلّة تضيّق كما أنّها توسّع وبما أنّ هذا المقيّد - الثاني- يشكّ في مفهومه سعةً وضيقاً كما هو المفروض، فلأجله يشكّ في تخصيص الخاصّ بالزائد على المقدار المعلوم، فلا محيص حينئذٍ من الاقتصار على المقدار المتيقّن المحرز كونه مصداقاً لعمليّة السفر والرجوع فيما عداه إلى إطلاق عنوان الخاصّ في المكاري ونحوه ونتيجته الحكم بالتمام. (1)

وفيه: أنّ المدار ليس هو إطلاق الاستثناء أو ورود المقيّد عليه، بل المدار في الاستثناء هو عمليّة السفر على ما هو مبناه في الإتمام. وعلى هذا، ففي كلّ مورد تتحقّق العمليّة الّتي هي العلّة في الحكم يجب التمام وإلّا فلا. ومعه، لا مجال للأخذ بالمقدار المتيقّن فيما لم تكن العمليّة محرزة والتمسّك بالإطلاق في غيره.

والوجه في ذلك، أنّ العلّة - عمليّة السفر - هي الحجر الأساس في المقام، فيدور الأمر مدارها وجوداً وعدماً، ومنه يعلم أنّ الأوجه على فرض صحّة المبنى هو التقصير الذي استظهره في الوجه الأوّل. إلّا أنّ الشأن في صحّة المبنى، فإنّ كلامه قدس سره في هذه المقامات مضطرب


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 170-171.

جدّاً، فإنّه احتاط في ثلاثة أشهر كما نصّ عليه في «المستند». (1)

ويظهر منه خلاف ذلك في «صراط النجاة» حيث قال في مسألة (300):

إن كان في السنة شهراً واحداً فقط، فاللازم فيه الجمع بين الإتمام والقصر والصيام وقضائه، وإن كان شهرين أو ثلاثة أشهر ولو متفرّقات في السنة بحيث يكون قدر عشرة أيّام من الشهر في السفر، لزمه حكم التمام والصيام. (2)

حيث إنّه حكم بالإتمام في الشهرين فصاعداً من غير احتياط وقال في موضع آخر:

إذا علم استمرار عمله ثلاثة أشهر أو أكثر، وجب عليه الإتمام والاحتياط. (3)

فإنّه قدس سره أناط التمام بثلاثة أشهر فصاعداً، هذا كلّه على مبنى القوم.

وأمّا بناءً على المختار، من كون الموضوع هو الكثرة والمزاولة وفاقاً لعامّة القدماء، فإن كانت مدّة الحملداريّة قليلة كما أشرنا فلا ريب في وجوب القصر كما إذا كان أقلّ من شهرين، لأنّه حينئذٍ يعدّ سفراً اتفاقيّاً.

و إن كانت أكثر من ذلك فمقتضى الأخذ بظاهر عنوان الكثرة هو القول بالإتمام، لصدق الكثرة على من سافر في مدّة شهرين فصاعداً على ما تقدّم. (4)

إلّا أنّك قد عرفت أيضاً أنّ شرط الإتمام هو الاختلاف وعدم إقامة عشرة أيّام في البين. (5)

وعلى هذا، يشكل الأمر في الحملداريّة حيث إنّ مقصده هو، بلدة مكّة؛ ومن الظاهر أنّه يُعدّ سفراً واحداً، فلا يتحقّق فيه الاختلاف على ما مرّ منّا بيانه.

وعليه، فالقول بالقصر لا يخلو من قوّة، وربما يؤيّده أنّ القدماء مع بنائهم على كون الموضوع هو الكثرة لم يفتوا بوجوب التمام على الحملدار، بل ليس في كلامهم من هذه


1) نفس المصدر، ج 8، ص 170-171.

2) صراط النجاة؛ ج 1، ص 116.

3) نفس المصدر، ج 2، ص 115، مسألة 360.

4) تقدم في ذيل الشرط السابع من الكتاب.

5) تقدم في ذيل الشرط السابع من الكتاب.

المسألة عين ولا أثر مع كونها مما يكثر الابتلاء بها حتى في زمن صدور الأخبار؛ إذ المسلمون كانوا يسافرون إلى مكّة من البلاد البعيدة كإيران وغيرها، والظاهر أنّ السرّ في ذلك ما أشرنا إليه من عدم تحقّق الاختلاف الذي هو شرط في تحقّق الكثرة والمزاولة.

ويؤيّد القصر، بل يدلّ عليه خبر محمد بن جزك، قال:

«كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ علیه السلام: أَنَّ لِي جِمَالًا وَلِي قُوَّامٌ عَلَيْهَا، وَلَسْتُ أَخْرُجُ فِيهَا إِلَّا فِي طَرِيقِ مَكَّةَ لِرَغْبَتِي فِي الْحَجِّ، أَوْ فِي النُّدْرَةِ إِلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ، فَمَا يَجِبُ عَلَيَّ إِذَا أَنَا خَرَجْتُ مَعَهُمْ أَنْ أَعْمَلَ، أَ يَجِبُ عَلَيَّ التَّقْصِيرُ فِي الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي السَّفَرِ أَوِ التَّمَامُ؟ فَوَقَعَ علیه السلام: إِذَا كُنْتَ لَا تَلْزَمُهَا وَلَا تَخْرُجُ مَعَهَا فِي كُلِّ سَفَرٍ إِلَّا إِلَى مَكَّةَ، فَعَلَيْكَ تَقْصِيرٌ وَإِفْطَارٌ». (1)

فإنّه لا ريب في دلالتها على عدم كون السفر الطويل الواحد موجباً للتمام لو كان محمد بن جزك من أهل العراق، وأمّا لو كان من أهل الحجاز، فلا تتمّ الدلالة. وهذه الجهة غير

معلومة لنا ولم يتعرّض لها علماء الرجال، بل اكتفوا بتوثيق الرجل.

وكون السؤال مكاتبةً لا يدلّ على كونه من أهل الحجاز؛ لأنّه علیه السلام كان محصوراً في العسكر ولم يمكن الوصول إليه حتى لأهل العراق، ولهذا كانوا يسألونه مكاتبة.

وكيف كان، فلا تخلو الرواية من تأييد للمقام بناءً على كون الاعتبار بالكثرة والتزاول، وأمّا بناءً على كون الإعتبار بالعمليّة والشغل، فلا تكون الرواية مؤيّدة، كما هو واضح لا يخفى.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 489، باب 12 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

حكم المكاراة في موسم دون موسم

مسألة 47:

من كان شغله المُكاراة في الصيف دون الشتاء أو بالعكس، الظاهر وجوب التمام عليه، ولكن الأحوط الجمع. [1]

[1] أقول: قد ظهر من الأبحاث السابقة أنّ المدار في الإتمام هو صدق التزاول والكثرة عرفاً وعدم كون السفر أمراً اتفاقيّاً، وهذا العنوان صادق على من كان شغله المكاراة في الصيف مثلاً، ومن المعلوم أنه لا يعتبر قصد الدوام في صدق العمليّة بهذا المعنى بناءً على المختار. وكذلك على مسلك القوم؛ لصدق عنوان العمل والشغل.

وأمّا وجه احتياط المصنّف، فلعلّه للتأمّل في صدق عنوان العمليّة في مدّة معيّنة.

حكم من كان عمله دون المسافة ثمّ سافر لها

مسألة 48:

من كان التردّد إلى ما دون المسافة عملاً له كالحطّاب ونحوه، قصّر إذا سافر ولو للاحتطاب، إلّا إذا كان يصدق عليه المسافر عرفاً وإن لم يكن بحدّ المسافة الشرعيّة، فإنّه يمكن أن يقال بوجوب التمام عليه إذا سافر بحدّ المسافة خصوصاً فيما هو شغله من الاحتطاب مثلاً. [1]

[1] أقول:

لا كلام في وجوب القصر لمن سافر إلى حدّ المسافة اتفاقاً وإن كان عمله التردّد إلى ما دون المسافة. إنّما الكلام في قوله: «إلّا إذا كان يصدق...»، حيث إنّه ظاهر في أنّ التردّد إلى ما دون المسافة على قسمين:

أحدهما: ما يصدق عليه المسافر عرفاً، كثلاثة فراسخ فصاعداً؛

ثانيهما: ما لا يصدق ذلك فيه كفرسخ مثلاً، فإنّه يصدق عنوان المسافر في الأوّل دون الثاني، وحيث إنّ عنوان السفر صادقٌ عليه وكان سفره هذا شغلاً له، يكون من أفراد كثير السفر، فيجب عليه التمام بالخروج إلى المسافة.

وفيه: أنّ السفر الشرعي غير متحقّق في هذا المقام، فلا محالة يكون السفر إلى حدّ المسافة سفراً اتفاقيّاً، فيجب عليه القصر؛ لعدم موضوع للإتمام أصلاً.

وأمّا قوله قدس سره «خصوصاً فيما هو ...»، فلم يعلم له وجه أصلاً، ولعلّه من طغيان القلم، حيث إنّ مورد البحث على المشهور ما كان شغلاً له بل لا وجه له بناءً على ما عندنا من عدم اعتبار الشغل، فتذكّر.

إقامة العشرة تقطع عملية السفر

مسألة 49:

يعتبر في استمرار من شغله السفر على التمام أن لا يقيم في بلده أو غيره عشرة أيّام، وإلّا انقطع حكم عمليّة السفر وعاد إلى القصر في السفرة الأُولى خاصّة دون الثانية فضلاً عن الثالثة، وإن كان الأحوط الجمع فيهما.

ولا فرق في الحكم المزبور بين المُكاري والملّاح والساعي وغيرهم ممن عمله السفر.

أمّا إذا أقام أقلّ من عشرة أيّام، بقي على التمام وإن كان الأحوط مع إقامة الخمسة الجمع.

ولا فرق في الإقامة في بلده عشرة بين أن تكون منويّة أو لا، بل وكذا في غير بلده أيضاً، فمجرد البقاء عشرة يوجب العود إلى القصر، ولكن الأحوط مع الإقامة في غیر بلده بلا نيّةٍ الجمع في السفر الأوّل بين القصر والتمام. [1]

[1] أقول في هذه المسألة أمور خمسة لابدّ لنا من البحث فيها وتبيينها:

الأمر الأوّل: في أنّ إقامة العشرة قاطعة لحكم عمليّة السفر أو كثرته؛

الأمر الثاني: هل يختصّ وجوب القصر بعد انقطاع الكثرة والعمليّة بالإقامة بالسفر الأوّل أو يعمّ السفر الثاني، بل الثالث كما عن بعض؟

الأمر الثالث: هل يختصّ انقطاع كثرة السفر بالإقامة للمُكاري أو يعمّ غيره؟

الأمر الرابع: هل إقامة الخمسة إلى عشرة كإقامة العشرة في القاطعيّة أم لا؟

الأمر الخامس: هل القاطع هو نفس إقامة العشرة أو يشترط فيه النيّة؟

أمّا الأمر الأوّل فنقول: المشهور بين الأصحاب هو أنّ الإقامة في البلد أو غيره عشرة أيّام توجب انقطاع حكم عمليّة السفر أو كثرته، بل ربّما ادّعي الإجماع عليه.

ومع ذلك، وقع الكلام تارةً في أصل قاطعيّة الإقامة مطلقاً، وأُخرى في الإقامة في غير بلده. ويظهر من المحقّق عدم ارتضائه بذلك، حيث إنّه بعد نقل إقامة العشرة عن الشيخ و نقل رواية

ابن سنان قال: و بعض المتأخرين عمل ببعض هذا التقييد و انكر الآخر وادّعى أنّ اشتراط إقامة عشرة ايام مجمع عليه و خمسة الأيام خبر واحد، وهو قلّة تفطّن، فإنّ دعوى الإجماع في مثل هذه الأُمور غلط. (1)

ولعلّ الوجه في ذلك أنّ جماعة من الفقهاء الأقدمين كالمفيد والمرتضى وابن زُهرة وصاحب «المراسم» لم يتعرّضوا لهذا الشرط: أعني: عدم الإقامة، في كتبهم كما يظهر بالرجوع إلى «المقنعة» و«الهداية» و«الاقتصاد» و«المراسم» و«الغُنية».

واستشكل المحقّق الأردبيلي وصاحب «المدارك» في قاطعيّة الإقامة في البلد مطلقاً وفي غيره مع النيّة. قال الأردبيلي:

وبالجملة، ضابطة كثرة السفر، وجعلها حاصلة في الثانية كما هو مذهب البعض أو الثالثة كما اختاره في «المختلف»، والقطع بإقامة عشرة في بلده مطلقاً وفي غيره مع النيّة، مما لا نجد عليه دليلاً ... .(2)

وقال في «المدارك»:

والمسألة محلّ إشكال إلّا أنّ ظاهر الأصحاب الاتّفاق على أنّ إقامة عشرة أيّام في البلد قاطعة لكثرة السفر وموجبة للقصر ... . (3)

ويظهر من العلّامة البروجردي الفرق بين الإقامة في البلد وأنّها قاطعة وبين الإقامة في غير البلد وأنّها غير قاطعة؛ لعدم تعرّض القدماء عليها طيلة ستة قرون تقريباً، حيث قال:

وأمّا الإقامة في غير بلده، فلم نرَ إلى زمن المحقّق من تعرّض لقاطعيّتها. نعم، ألحق المحقّق والعلّامة ومن تأخّر عنهما بإقامة العشرة في البلد، العشرة المنويّة في غيره... .(4)


1) المعتبر في شرح المختصر؛ ص 253.

2) مجمع الفائدة والبرهان؛ ج 3، ص 395.

3) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 452.

4) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص135.

ومن هنا قال في «الحدائق» في مقام الإيراد على رواية يونس الآتية:

وهذه الرواية مع ضعف سندها وإن كانت عاريةً عن الإشكالات المتقدّمة إلّا أنّها تضمّنت الرجوع إلى التقصير بالإقامة في غير بلده أيضاً، وقد عرفت من كلامهم التخصيص ببلده... . (1)

وظاهره كما ترى، هو الردّ للرواية؛ لأجل كونها مخالفة للمشهور.

وتحصّل أنّ في المسألة خلافاً من جهتين:

إحديهما: في أصل قاطعيّة الإقامة؛

ثانيتهما: في تعميم الحكم - بعد القول بالثبوت - على الإقامة في غير بلده أيضاً.

ولذا تمسّك المحقّق الأردبيلي وصاحبا «الحدائق» و«المدارك» بعموم ما دلّ على وجوب الإتمام للمكاري والجمّال وغيرهما ممن اتّخذ السفر عملاً، فأوجبوا عليه الإتمام وإن أقام في الأثناء عشرة أيّام؛ لصدق عنوان العمليّة حينئذٍ عندهم.

إذا عرفت ما ذكرناه يقع الكلام في دليل المشهور. فنقول: قد استدلّوا على قاطعيّة الإقامة مطلقاً لحكم السفر بروايات:

الرواية الأُولى: صحيحة هشام بن الحَكَم؛

الرواية الثانية: رواية يونس بن عبد الرحمن؛

الرواية الثالثة: صحيحة عبد الله بن سنان.

أمّا الرواية الأُولى: فقد روى هشام بن الحكم عن الصادق علیه السلام قال:

«الْمُكَارِي وَالْجَمَّالُ الَّذِي يَخْتَلِفُ وَلَيْسَ لَهُ مُقَامٌ، يُتِمُّ الصَّلَاةَ وَيَصُومُ شَهْرَ رَمَضَانَ». (2)

ومثله خبر السندي ابن الربيع. (حديث 10 من الباب)

وقد تقدم منّا إجمالاً أنّ الرواية تشير إلى الشرطين:


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 392.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 484، باب 11 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

أحدهما: الاختلاف وقد تقدّم بيانه مفصّلاً، وقلنا: إنّ المراد منه هو تكرار السفر وأنّه يجب القصر في السفر الأوّل.

ثانيهما: قوله علیه السلام: «وليس له مقام».

ومن المعلوم أنّ المراد منه ليس إقامة ساعة أو يوم أو يومين؛ ضرورة تحقّق ذلك من كلّ مسافر، مكارياً كان أو غيره. ولذا لم يقل أحد باعتبار عدم مثل هذه الإقامة، وعليه يكون المراد منه هو إقامة عشرة أيّام في المقصد أو في بعض المنازل. فإنّ المتفق عليه بين الأصحاب أنّ الإقامة كذلك قاطعة لحكم السفر.

ولكن العلّامة الخوئي قدس سره لم يرض بهذا المعنى في الرواية قائلاً:

بأنّ المنسبق إلى الذهن من مثل هذه العبارة أنّ قوله علیه السلام «وليس له مقام» بیان لقوله: «الّذي يختلف» وتفسير له، لا أنّه تقييد آخر زائد على ما تقدّمه. والمقصود اختصاص الحكم بالتمام بالمكاري الّذي يتصف فعلاً بصفة المكاراة، وهو الّذي يختلف في سيره ويتردّد في سفره، فلم يكن له مقرٌّ ولا مقام في قبال من يكون مستقرّاً ومقيماً في مكان واحد ولم يسافر إلّا إحياناً واتفاقاً. فالرواية ناظرة إلى جهة أُخرى وأجنبيّة عمّا نحن فيه. (1)

ويقرب منه ما ذكره السيد الحكيم قدس سره مع إجمال في كلامه قائلاً:

فإنّ الظاهر من المقام إقامة عشرة أيّام - إلى أن قال:- وفيه أنّ من المحتمل، بقرينة العطف على الاختلاف، أن يكون المراد من المقام ما ينافي مفهوم المكاري عرفاً، فلا يكون مما نحن فيه. (2)

قلت: إنّ في معنى الرواية بدواً احتمالات ثلاثه:

الاحتمال الأوّل: أن يكون المراد من قوله علیه السلام «وليس له مقام» هو الإختلاف، فحينئذٍ


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 173.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 79.

يكون دليلاً على اشتراط الاختلاف والتكرّر فقط، ولا يكون مرتبطاً بشرطيّة عدم الإقامة أصلاً.

الاحتمال الثاني: أن يكون المراد من قوله علیه السلام: «الّذي يختلف» هو أنّ لا يقيم في محلّ عشرة أيّام، فيكون توطئةً لقوله علیه السلام: «وليس له مقام»، فيكون المعنى الحاصل منه: المُكاري والجمّال هما اللّذان ليس لهما إقامة عشرة أيّام.

الاحتمال الثالث: أن يكون المراد من كلّ منهما معنىً مستقلّاً من دون أن يرجع أحدهما إلى الآخر وأنّ كلّاً من الاختلاف وعدم الإقامة شرط بحياله وهذا هو الحقّ عندنا. والوجه في ذلك أنّ الأصل في كلّ كلام أن يكون للتأسيس وأنّ التأكيد خلاف الظاهر، كما قرّر في الأصول، إلّا أن يدلّ دليل خاصّ على إرادة التأكيد وهو مفقود في المقام.

والحاصل: أنّه لا دليل على إرجاع أحد القيدين إلى الآخر، بل الدليل قائم على عكسه؛ فإنّ كلام الأئمّة علیهم السلام عِدْلٌ للقرآن كما يدلّ عليه حديث الثقلين، فكما أنّ كلّ كلمة بل كلّ حرف من القرآن حاوية لمعنى خاصّ، فكذلك كلام المعصوم علیه السلام.

وبالجملة، لا وجه لما أفاده المحقّق الخوئي قدس سره في المقام بقوله:

إنّ المنسبق إلى الذهن من مثل هذه العبارة أنّ قوله علیه السلام «وليس له مقام»، بیان لقوله: «الّذي يختلف» وتفسيرٌ له، لا أنّه تقييد آخر زائد على ما تقدّم، والمقصود اختصاص الحكم بالتمام بالمُكاري الّذي يتصف فعلاً بصفة المكاراة وهو الذي يختلف في سيره ويتردّد في سفره. (1)

ثمّ لا يخفى أنّ قوله قدس سره:

والمقصود اختصاص الحكم بالتمام بالمكاري الّذي يتصف فعلاً بصفة المكاراة...

يخالف ما تقدّم منه من عدم مفهوم للوصف، حيث قال:

ولكن الصحيح عدم المعارضة لابتنائها على أن يكون للوصف - أعني: التقييد بالاختلاف، مفهوم والمحقّق في محلّه عدمه، فلا يدلّ على أنّ غير هذا المورد


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 173.

غير محكوم بهذا الحكم. (1)

هذا مضافاً إلى أنّ ظاهر كلامه هنا اعتبار التكرار والتردّد في المكاري ونحوه، وهو ينافي ما ذكره في ذيل مسألة (44) بقوله:

ونتيجة ذلك عدم اعتبار صدق الاختلاف والتردّد بانياً عليه والاكتفاء بمجرد صدق كون السفر شغله وعملاً له عرفاً ولو كان ذلك في سفرة واحدة... . (2)

وهذا منه عجيب في الغاية، وأنّه كيف حصل هذا التهافت في كلماته واحتمال اشتباه المقرّر ضعيف كما يفهمه العارف بأساليب الكلام.

ومما ذكرناه يظهر ضعف كلام السيد الحكيم قدس سره أيضاً فلا نطيل.

وتحصّل من تمام ذلك أنّ الصحيحة تدلّ على اعتبار عدم إقامة العشرة في ترتّب التمام. لكثير السفر، فلو تحقّقت الإقامة كذلك يجب القصر بعدها في السفرة الأُولى بلا إشكال.

أمّا الرواية الثانية، فهي ما رواه الشيخ عن يونس بن عبد الرحمان عن بعض رجاله، عن أبي عبدالله علیه السلام قال:

«سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِّ الْمُكَارِي الَّذِي يَصُومُ وَيُتِمُّ، قَالَ: أَيُّمَا مُكَارٍ أَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَدْخُلُهُ أَقَلَّ مِنْ مُقَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ وَالتَّمَامُ أَبَداً؛ وَإِنْ كَانَ مُقَامُهُ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَدْخُلُهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، فَعَلَيْهِ التَّقْصِيرُ وَالْإِفْطَارُ». (3)

والظاهر أنّ الرواية واضحة الدلالة على المطلوب؛ لمكان ظهورها في انقطاع الحكم بالتمام بإقامة عشرة أيّام فصاعداً، وعدم انقطاعه بإقامة الأقلّ من العشرة، من غير فرق بين البلد والمنزل.


1) نفس المصدر، ص 168.

2) نفس المصدر.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 488، باب 12 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

نعم، ربما يخدش فيها من جهة اعتبار الزائد على العشرة كما في «المستمسك»، (1)لكنّه يندفع بأنّ المراد من قوله علیه السلام: أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ترتيب الحكم على العشرة وما فوقها. فإنّ مثل هذا التعبير كثير في كلام الفقهاء، بل في القرآن الكريم، فلاحظ قوله سبحانه:

(فإِنْ كُنَّ نِساءَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) (2)

أي: إن كانت النساء إثنتين وما فوقهما.

وكيف كان، فمثل هذا التعبير شائع في الاصطلاحات العرفيّة، والإنصاف أنّه لا وجه للإشكال في الدلالة كما لا وجه لما ذكره في «البدر الزاهر» من بعض الإشكالات وإن شئت، فراجع.

نعم، وقع الكلام في سند الرواية من وجهين:

الوجه الأوّل: أنّ إسماعيل بن مرار مجهول لم يذكر له توثيق في كتب الرجال كما قيل؛

والوجه الثاني: أنّ الرواية مرسلة أرسلها يونس عن بعض رجاله، وهو غير معلوم الحال.

وأجيب عن الأوّل بأنّ إسماعيل المزبور من رجال «نوادر الحكمة» لمحمد بن أحمد بن يحيى، وقد استثنى ابن الوليد شيخ الصدوق جماعة من رجال النوادر وصرّح بعدم العمل برواياتهم، وليس إسماعيل منهم، وبهذا يكشف اعتماده على روايات إسماعيل، وهو مستلزم لتوثيقه إيّاه كما لا يخفى.

بل قد وثّق الرجل صريحاً جماعة، منهم بحر العلوم قدس سره على ما حكاه في «البدر الزاهر» قال التستري قدس سره بعد نقل كلام البهبهاني قدس سره:

أقول: التحقيق أنّ ما ذكره يوجب حجّية روايات من لم يذكر فيه طعن، سواء ذكر في الرجال وأهمل أو لم يذكر رأساً لا خصوص هذا، وقلنا في المقدّمة أنّه الحقّ


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 80.

2) النساء: 11.

المبين الذي عليه إجماع المتقدّمين. (1)

قلت: الإنصاف أنّ هذا المقدار كافٍ في حصول الاعتماد على رواية الرجل، لكنّ العلّامة الخوئي قدس سره لم يرتض ذلك حيث قال:

إنّ عدم الاستثناء وإن دلّ على العمل بروايات الرجل كما ذكر، إلّا أنّه لا يدلّ على توثيقه بنفسه؛ لجواز أن يكون مبنى ابن الوليد على أصالة العدالة كما هو مسلك العلّامة- إلى أن قال:- وعلى الجملة، العمل بمجرده أعمّ من التوثيق بعد تطرّق الاحتمال المزبور فلا يجدي ذلك لمن يرى -وهو الصحيح - اعتبار وثاقة الراوي في العمل بروايته. (2)

قلت: إنّ احتمال أصالة العدالة في حقّ ابن الوليد وكذا العلّامة، لعدم الدليل عليه بل كلام العلّامة في كتبه يدلّ على خلافه مشكلٌ جدّاً؛ لعدم الشاهد له وإلّا يلزم عدم اعتبار توثيقاته مطلقاً، وهذا واضح.

وأمّا ما ذكره قدس سره في مقام تصحيح الرواية قائلاً:

إنّ إسماعيل بن مرار مذكور في أسانيد كتاب التفسير لعليّ بن إبراهيم القمي وقد التزم هو في تفسيره- كابن قولويه في «كامل الزيارة» بأن لا يروي إلّا عن الثقة، فكانت هذه منه شهادة عامّة بتوثيق كلّ من وقع في أسناد التفسير، ولابدّ من الأخذ به، فإنّه لا يقلّ عن توثيق مثل النجاشي، بل هو أعظم لكون عهده أقرب؛ (3)

فلا يخلو من غرابة، والوجه في ذلك أنّ توثيق القمي قدس سره رجال تفسيره أسوأ حالاً من توثيق ابن قولويه؛ وذلك لأنّ القمي قدس سره قد أضرّ في وسط عمره وكفّ بصره في مدّة كثيرة وعجز عن


1) قاموس الرجال؛ ج 2، ص 75.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 175.

3) نفس المصدر، ص 176.

التحقيق، ولعلّه لهذا يوجد في كتابه بعض الغرائب بالنسبة إلى بعض الأنبياء علیهم السلام، وربما نقل فيه روايات عمّن هو متأخّر عنه زماناً. ومن هنا يقوى في النظر أنّ المتصدّي لكتابة أمثال ذلك كان بعض تلاميذه.

قال التستري قدس سره في بيان حال علي بن إبراهيم القمي بعد كلام له:

وقد فسّر كثيراً من الآيات بفهمه ونظره بلا رواية، واستشهد في بعضها بكلام الشعراء، ونقل كثيراً من المطالب عن ابن عباس موقوفاً عليه وميّز بين المحكمات والمتشابهات بلا نصّ يستند إليه، وحكم كثيراً بعطف ما ذكر في سورة على ما ذكر في سورة أُخرى بناءً منه على تحريف النظم ورعاية لمناسبة المعنى، وربما يظهر من بعض عبارات تفسيره أنّ كثيراً من رواياته من زيادة راوي الكتاب المذكور إسمه في أوائله، فلعلّه هو الذي ألّفه حين كفّ بصر علي بن إبراهيم، فإنّ النجاشي ذكر أنّه أضرّ في وسط عمره و أما توثيق ابن قولويه الرجل فيكفي في ضعفه عدول المحقق الخوئي عنه لعدم صراحة كلامه في غير المشايخ. (1)

وأمّا الخدشة في الرواية من حيث الإرسال -وهي العمدة - كما اعترف به بعض الأعاظم، (2)فقد أُجيب عنها بأنّ يونس من أصحاب الإجماع وقد أجمع الأصحاب على تصحيح ما يصحّ عن جماعة منهم يونس بن عبد الرحمن.

قلت: قد تكرّر منّا أنّه ليس المراد من هذا الكلام أنّه لا يراعي السند والمرويّ عنه ويقبل قولهم مطلقاً، وإن كان المرويّ عنه كاذباً أو فاسقاً، بل المراد أنّ الأصحاب أجمعوا على جلالة هؤلاء الجماعة، وأمّا كون مراسيلهم كمسانيدهم وأنّهم لا يروون إلّا عن الثقة فمشكل جدّاً.

ومع ذلك، يمكن لنا تصحيح الرواية بما أفاده العلّامة البروجردي قدس سره وحاصل ما ذكره أنّ


1) كشف القناع عن وجوه حجّية الإجماع؛ ص 212-214.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 176.

المراد من بعض الرجال هو عبد الله بن سنان وهو ثقة، وذلك من وجهين:

الوجه الأوّل: انّ التعبير المزبور: «عن بعض رجاله»، ظاهر في كون المنقول عنه ممّن يعتمد عليه ويعظّم شأنه بعدم ذكر اسمه كما هو المتعارف عند أهل اللسان، فهذا قرينة على أنّ المراد منه هو شيخه وأستاذه وهو ابن سنان.

والوجه الثاني: أنّ يونس بن عبد الرحمن يروي كثيراً عن عبد الله بن سنان، وهذا يكشف عن أنّ المنقول منه هنا أيضاً هو عبد الله بن سنان المزبور. (1)

وقد ادّعى العلّامة بحر العلوم قدس سره أنّ الرقم 1 و 5 و 6 من روايات الباب رواية واحدة نقلت بطرق عديدة. (2)

ولعلّه من جهة أنّ الإمام المرويّ عنه هو الصادق علیه الاسلام والراوي لها هو عبد الله بن سنان، فهي قرينة على أنّ المراد من بعض الرجال هو ابن سنان الثقة.

ويؤيّده أنّ يونس نقل نظير الخبر عن ابن سنان كما في طريق الصدوق ومتنه قريب من هذه الرواية، فراجع وتأمّل.

وكيف كان، فلا مجال للخدشة في سند الرواية، كما أنّه لاكلام في دلالتها على المطلوب، فتصلح أن تكون دليلاً على قول المشهور.

وأمّا الرواية الثالثة: فهي ما رواه الصدوق قدس سره بإسناده عن عبد الله بن سنان عن الصادق علیه السلام قال:

«الْمُكَارِي إِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَنْزِلِهِ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ، قَصَّرَ فِي سَفَرِهِ بِالنَّهَارِ وَأَتَمَّ (صَلَاةَ اللَّيْلِ) وَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ وَإِنْ كَانَ لَهُ مُقَامٌ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَيَكُونُ لَهُ مُقَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَرَ قَصَّرَ فِي سَفَرِهِ وَأَفْطَرَ». (3)


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر.

2) مفتاح الكرامة؛ ج 3، ص 572.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 489 باب 12 من أبواب صلاة المسافر ، ح 5.

ورواه الشيخ بطريق آخر عن ابن سنان إلّا أنّه أسقط قوله:

«وَيَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَيَكُونُ لَهُ مُقَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَر». (1)

أقول: يقع الكلام في هذا الحديث في جهات:

الجهة الأولى: في سند الحديث؛

الجهة الثانية: في أنّ صدر الحديث لا يمكن العمل به؛

الجهة الثالثة: في بيان دلالة ذيلها على المطلوب.

أمّا الجهة الأُولى، فالظاهر أنّه لا بأس بالسند خصوصاً في نقل «الفقيه»؛ لأنّه ليس فيه ضعف، وقد قال الفقيه قدس سره في مشيخته:

وما كان فيه عن عبد الله بن سنان، فقد رويته عن أبي عن عبد الله بن جعفر الحمْيَري، عن أيّوب بن نوح، عن محمد بن أبي عُمير عن عبد الله بن سنان.

نعم، في طريق الشيخ كلام من جهة إسماعيل بن مرار، وقد تقدّم الكلام فيه، فراجع ما ذكرناه في ذيل الرواية الثانية وقد قلنا إنّ الرجل معتمد عليه عندنا من جهة توثيق مثل ابن الوليد وعند المحقّق الخوئي قدس سره، من جهة توثيق عليّ بن إبراهيم القميّ.

أمّا الجهة الثانية، فاعلم أنّ صدر الحديث، أعني: قوله: «الْمُكَارِي إِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَنْزِلِهِ» - إلى قوله - «وَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ»، لا يمكن العمل به، وليس مورداً للكلام؛ لكونه معرضاً عنه عند الأصحاب غير الشيخ، وذلك لدلالته على وجوب القصر لمن أقام خمسة أيّام في منزله أو أقلّ من ذلك الشامل لإقامة يوم أيضاً، وهذا مما لم يقل به أحد، وكذا لا يمكن الإلتزام بما فصّله بين قصر الصلاة نهاراً وإتمامها ليلاً.

وبالجملة، إنّ صدر الحديث مخالف للإجماع، ومن هنا تصدّى جماعة لتوجيهه فحمله في «الحدائق» على النافلة بناءً على سقوطها في السفر نهاراً دون نافلة الليل، وهذا هو الذي


1) نفس المصدر، ح 6.

يصرّ عليه العلّامة الحجّة قدس سره حيث قال:

والتحقيق أنّ المراد من التقصير بالنهار هو سقوط النوافل النهاريّة ومن الإتمام ليلاً هو ثبوت النوافل الليليّة، وإطلاق صلاة الليل على نوافله ممّا هو مصطلح في الروايات -إلى أن قال:- ولا يخفى أنّ التوجيه المذكور في الرواية وإن كان لا يخلو من خلاف الظاهر، إلّا أنّه ليس ببيعد مع سلامة الفقرة المذكورة. (1)

وقد حُمل في «البحار» و«الوسائل» وغيرهما على التقيّة؛ لكونه موافقاً لكثير من العامّة.

والحاصل: أنّ الصدر غير قابل للعمل كما لا يخفى.

أمّا الجهة الثالثة، أعني: بيان دلالة قوله علیه السلام: «وَإِنْ كَانَ لَهُ مُقَامٌ فِي الْبَلَدِ الَّذِي» ... فهو مورد للكلام والاستدلال، والظاهر أنّه لا إشكال في دلالته على أنّ إقامة العشرة في البلد أو غيره يوجب انقطاع حكم كثرة السفر.

نعم، ربما يخدش في رواية «الفقيه» من وجهين:

أحدهما: أنّه لو كان قوله علیه السلام: «وَيَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ...» جزءاً من الحديث، لكان المعنى أنّه يعتبر في انقطاع حكم كثير السفر إقامتان: إقامة في المقصد، وإقامة في المبدأ بعد الرجوع إليه، وهذا مما لم يقل به أحد.

ثانيهما: أنّ ظاهر الرواية كون اقامة العشرة في البلد الذي يدخله موجبة للقصر في السفر المتقدّم عليها بنحو الشرط المتقدّم وهو خلاف الإجماع.

والجواب عن الإيرادين أنّ الواو بمعنى «أو» كما صرّح به المجلسي الأوّل قدس سره (2)فالخبر يتضمّن بيان فرعين:

الفرع الأوّل: حال الإقامة في غير بلده، وهذا هو المراد من قوله علیه السلام: «وَإِنْ كَانَ لَهُ مُقَامٌ في الْبَلَدِ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ» ...


1) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 52.

2) روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقية؛ ج 2، ص 621.

والفرع الثاني: الإقامة في بلده، وهذا هو المراد من قوله علیه السلام: «وَيَنْصَرِفُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَيَكُونُ لَهُ مُقَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ أَكْثَر»، فعليه لا يرد أيّ اشكال.

وهذا الجواب لا بأس به وإليه يرجع ما ذكره المحقّق الخوئي قدس سره بقوله:

والظاهر أنّ هذه الإضافة ناظرة إلى اختلاف المورد من حيث الذهاب إلى بلد آخر أو الرجوع إلى منزله، فتعتبر الإقامة عشرة أيّام فيما لو ذهب إلى بلد آخر، أو الإقامة كذلك فيما لو انصرف ورجع إلى منزله، لا أنّه يعتبر في الحكم بالإنقطاع مجموع الأمرين معاً. (1)

نعم، عبارته قدس سره لا تخلو من إجمال؛ لعدم الإشارة إلى أنّ الواو في الرواية بمعنى «أو» أم لا.

وكيف كان، فمعنى الحديث، أنّك لو أقمت عشرة أيّام ينقطع حكم كثرة السفر سواء كانت الإقامة في البلد أم في المقصد.

وأمّا ما أجاب به العلّامة البروجردي قدس سره ثانياً بقوله:

أو بالحمل على كونه في مقام بيان الوظيفة للمُكاري الذي صار من عادته أن يقيم عقيب كلّ سفر تحقّق منه ذهاباً كان أو إياباً وأنّ وظيفته القصر أبداً حيث يقع كلّ سفر يصدر عنه بعد الإقامة إلى آخره، (2)

فلا يخفى بُعده؛ لأنّه من المستبعد أن يتعرّض الإمام علیه السلام الحكم نادرٍ جدّاً، بل لا وجه له أصلاً؛ إذ لا يناسب شأن الإمام علیه السلام أن يبيّن مسألة جزئيّة كما هو واضح.

وتحصّل من تمام ذلك، أنّ الإقامة عشرة أيّام توجب انقطاع حكم كثرة السفر ولا وجه للتأمّل والترديد فيه. هذا تمام الكلام في الأمر الأوّل.

أمّا الأمر الثاني، وهو أنّ انقطاع حكم كثرة السفر هل يختصّ بالسفر الأوّل أو ينقطع في


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 178.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 139.

الثاني أو الثالث، فيه خلاف بينهم، فذهب جماعة، منهم: المحقّق قدس سره على ما نسب إليه «كاشف الرموز» وتبعه غيره كالسيد اليزدي وأكثر من تأخّر عنه إلى الأوّل، وذهب العلّامة في «المختلف» إلى الثاني، وعن الشهيدين في «الذكرى» و«الروض» انقطاعه في الثالث بل الرابع أيضاً على الأحوط.

واستدلّ الشهيدان بأنّ إسم «السفر» قد زال عنه بالإقامة وصار كالمبتدء، فيحتاج في عوده إلى تكرار السفر ثلاثاً، فكما أنّ صدق كثير السفر في الابتداء يتوقّف على تعدّد السفر ثلاث مرّات، فكذلك بعد الإقامة. وهذا الوجه وإن لم يستحسنه العلّامة البروجردي قدس سره حيث قال:

لعدم كون إقامة العشرة أيّام موجبة لخروج المكاري مثلاً عن كونه مكارياً، أو كون السفر عملاً له. (1)

إلّا أنّه يمكن لنا تتميم استدلالهما بما لا يرد عليهما ما ذكره بأن يقال إنّ المفهوم من الرواية أنّ الإقامة عشرة أيّام توجب الخروج عن عنوان المكاراة مثلاً حكماً لا موضوعاً، فيكون السفر بعد الإقامة بحكم السفر الإبتدائي، فيحتاج إلى التكرار ثلاث مرّات، كما كان كذلك في الابتداء الحقيقي، وعليه فلا يرد عليه ما ذكره البروجردي قدس سره.

لا يقال: هذا خلاف ما اخترتموه سابقاً من أنّ الإتمام في المبتدء يجب في السفر الثاني لصدق الاختلاف به فكيف الوفاق؟!

لأنّه يقال: المقصود إصلاح استدلال الشهيدين، وإلّا فالمختار هنا أيضاً هو المختار هناك، فإنّ الإتمام إنّما يجب بعد الشروع في السفر الثاني بلا فرق بين المبتدء وبعد الإقامة.

وأمّا القول الأوّل، أعني: انقطاع حكم السفر بأوّل سفرة بعد الإقامة فقط، فقد استدلّ عليه العلّامة البروجردي قدس سره بوجه لطيف حيث قال:

إنّ حكم الإمام علیه السلام بالقصر بعد إقامة العشرة، إمّا أن يكون بالنسبة إلى السفر


1) نفس المصدر، ص 124.

الأوّل فقط، وإمّا أن يكون بالنسبة إلى جميع الأسفار إلى آخر العمر، وإمّا أنْ يكون بالنسبة إلى سفرين أو أكثر لا سبيل إلى الثالث؛ لعدم بيانه في الحديث مع كونه علیه السلام في مقام البيان، والثاني باطل إجماعاً وقطعاً، فتعيّن الأوّل؛ لأنّه المتيقّن. (1)

والإنصاف أنّه متين جدّاً.

ثمّ استدلّ على وجوب القصر بالنسبة إلى السفر الأوّل في الابتداء بقوله:

ثمّ إنّ دلالة الحديث على وجوب القصر في السفر الأوّل بعد الإقامة مع أنّ الاسم لم يزل بعدُ كما عرفت حجّة قاطعة على وجوب القصر في السفر الأوّل فيمن شرع في المكاراة ابتداء بطريق أولى. (2)

وفيه: أنّه غير وافٍ بالمقصود؛ لأنّه إنّما يتمّ بالأولويّة فيما إذا سافر من وطنه بعد إقامة العشرة، فإنّه يتمّ صلاته في الثاني.

وأمّا لو فرض أنّ أحداً رجع من سفره الاتّفاقي واتّفق له اشتراء سيّارة واشتغل بالمكاراة، فإنّه لا يشمله الحديث من باب الأولويّة.

وأمّا المحقّق الخوئي قدس سره فقد استدلّ عليه بوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: إطلاق قوله علیه السلام في صحيحة عبد الله بن سنان: الْمُكَارِي إِذَا لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَنْزِلِهِ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَقَلَّ قَصَّرَ فِي سَفَرِه... فإنّ هذه الشرطيّة بإطلاقها تشمل السفرة الثانية والثالثة وهكذا. والمذكور فيها من التفصيل بين الصوم والصلاة، وبين صلاة الليل والنهار وإن كان محمولاً على التقيّة أو على النوافل أو غير ذلك مما ستعرف، فلم تكن من هذه الناحية خالية عن الإجمال إلّا أنّها - على أيّ حالٍ - دالّةٌ على أنّ الحكم الثابت في مفروض الشرطية الثانية، أعني:


1) نفس المصدر، ص 142.

2) نفس المصدر، ص 143.

التقصير والإفطار لدى إقامة عشرة أيّام لم يكن ثابتاً في مورد الشرطيّة الأُولى، أي: إقامة الخمسة أو أقلّ، فإنّها في هذا المقدار من الدلالة ظاهرة بل صريحة. ومقتضى الإطلاق كما عرفت، شموله للسفرة الثانية أيضاً فيما إذا تحقّقت بعد إقامة خمسة أيّام أو أقلّ. وأمّا إذا وقعت بعد إقامة عشرة أيّام أُخرى، فهي بنفسها تعدّ من السفرة الأُولى. (1)

وفيه: ما أشرنا إليه سابقاً من أنّ صدر الحديث غير معمول به؛ لاشتماله على ما لا يقول به الأصحاب من التفصيل بين الصلوات الليليّة والنهاريّة وبين الصيام والصلاة لمن أقام خمسة أيّام، ولهذا التجأ بعضهم إلى توجيه الرواية أو حملها على التقيّة، ومن الظاهر أنّ المؤوّل ليس بحجّة مطلقاً - منطوقاً أو مفهوماً - بل الصدر معرض عنه، بل متروك رأساً مع أن في كلامه غموضاً و ابهاماً.

نعم، لو استند قدس سره إلى رواية يونس المتقدّمة، لم يرد عليه هذا الايراد، إلّا أنّه لا يقول بحجّيّتها للإرسال، مع أنّ في أصل استدلاله ما لا يخفى على المتأمّل.

الوجه الثاني: ذيل الصحيحة، فقد قال قدس سره:

إنّ الصحيحة المتقدّمة بنفسها دالّةٌ على الاختصاص بالسفرة الأُولى؛ لأنّ ظاهر قوله علیه السلام:

قصّر في السفر وأفطر، إرادة السفرة الواقعة عقيب إقامة العشرة وتلوها، لا كلّ سفر حيثما ما تحقّق... .(2)

وفيه: أنّه بظاهره ادّعاء بلا دليل، بل هو مصادرة بالمطلوب، اللّهم إلّا أن يكون راجعاً إلى ما أفاده العلّامة البروجردي قدس سره في بيان كون السفر الأوّل هو المتيقّن من الحديث، وقد تقدّم كلامه.

الوجه الثالث: الرجوع إلى عموم ما دلّ على وجوب التمام الثابت لكلّ مكارٍ، قال:


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 179.

2) نفس المصدر.

ومع الغضّ عن ذلك وتسليم الإجمال من هذه الناحية، فالمرجع عموم وجوب التمام الثابت لكلّ مكارٍ؛ لأنّ هذه الصحيحة بمثابة التخصيص لذلك العامّ، ومن المقرَّر في محلّه لزوم الاقتصار في المخصّص المجمل الدائر بين الأقلّ والأكثر على المقدار المتيقّن الّذي هو السفر الأوّل في المقام، فيرجع فيما عداه إلى عموم العامّ المتضمّن لوجوب التمام. (1)

وفيه: أنّ التمسك بالعامّ فرع بقائه على العموم، وهو قدس سره معترفٌ بأنّ قوله علیه السلام: المكاري والجمّال... قد قيّد بقوله علیه السلام... لأنّه عملهم...، فيكون المعنى عنده أنّ المكاري ونحوه لا يتمّون صلاتهم إلّا ببقاء عملهم، ومن الظاهر أنّ العمليّة لا تبقى مع الإقامة عشرة أيّام.

فالأولى: الرجوع إلى عموم ما دلّ على أنّ المسافر يقصّر ويفطر-مع اجتماع الشرائط-، هذا كلّه بناءً على مختاره قدس سره.

وأمّا عندنا، فقد عرفت أنّ الأقوى وجوب التمام في السفر الثاني؛ لصدق الاختلاف بذلك.

أمّا الأمر الثالث: فهو أنّه هل يختصّ انقطاع حكم كثرة السفر بالإقامة للمكاري أو يعمّ غيره من البريد والاشتقان وغيرهما ممن اتّخذ السفر عملاً أو كان عمله في المقصد كالمعلّم والطبيب ونحوهما؟ وجهان بل قولان:

فذهب الشيخ قدس سره في جملة من كتبه وجماعة ممن تأخّر عنه كالمحقّق وصاحب الجواهر فيها وفي نجاة العباد والسيد اليزدي وأكثر المحشّين على العروة إلى الثاني، أعني: القول بالتعميم، وأنّ ذكر المكاري في الرواية من باب المثال.

واختار بعض من عاصرنا القول الأوّل كالسيد الميلاني قدس سره في محاضراته، (2)والمحقّق الخوئي قدس سره في مستنده ومنهاج الصالحين وصراط النجاة، وجماعة أُخرى ممّن عاصرناهم. ولا يحضرني من القدماء من يقول به، نعم يظهر من المحقّق قدس سره وجود القائل به حيث


1) نفس المصدر.

2) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 195-197.

قال في «الشرائع»:

و قيل باختصاص ذلك بالمكاري،

ويحتمل أنّه قدس سره سمعه من بعض معاصريه مذاكرة وإلّا ليس في الكتب منه عين ولا أثر، اما كلامه في المعتبر (و لقائل أن يخصّ هذا الحكم بهم دون غيرهم ولكن الشيخ قيد الباقين بهذه الشرطية و هو قريب من الصواب) ظاهر في عدم القائل به.

وكيف كان، فقد استدلّ للقول بالتعميم بوجهين:

الوجه الأوّل: الإجماع، قال في الجواهر:

... فلا فرق في انقطاع حكم الكثرة بين المكاري وغيره بلا خلاف محقّق أجده فيه وإن اختصّ النصّ بالأوّل؛ لعموم معقد الإجماع والقطع بعدم الفرق بعد أن كان المناط عمليّة السفر المنقطع حكمها بإقامة العشرة. (1)

الوجه الثاني: أنّ ذكر المكاري في النصّ لا خصوصيّة فيه، بل هو من باب التمثيل وهذا القول لا يخلو من قوّة كما سيجيء.

واستدلّ للقول بالاختصاص بظاهر صحيح ابن سنان بتقريب أنّ ذكر خصوص المكاري فيه مع كونه في مقام البيان للحكم الشرعيّ يفيد اختصاص الحكم به.

قال المحقّق الخوئي قدس سره:

وعلى الجملة دليل انقطاع عمليّة السفر بإقامة العشرة وهي صحيحة ابن سنان المتقدّمة ليس إلّا تخصيصاً في دليل وجوب التمام كما عرفت. وبما أنّ مورده المكاري بخصوصه، فمقتضى الجمود على مورد النصّ الاقتصار عليه في الحكم بالتقصير دون التعديّ إلى مطلق من عمله السفر كالملّاح والساعي ونحوهما. (2)


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 283.

2) مستند العروة، ج 8، ص 181.

وقال الميلاني قدس سره:

والتحقيق أنّ ما ذهب إليه المشهور من انقطاع حكم التمام عن مطلق كثير السفر إذا أقام في بلده عشرة أيّام لا يعلم له وجه - إلى أن قال:- وتلخّص من جميع ما تقدّم أنّ الحكم مختصّ بالمكاري والجمّال ولا يتعدّى منهما إلى مطلق كثير السفر. (1)

ومع ذلك كلّه، فالأقوى هو القول المشهور، أي: التعدّي من المكاري إلى غيره أيضاً؛ لأنّ العرف لا يرى خصوصيّة للمكاري وأنّ الحكم بالإتمام والقصر لا يدور مدار المكاراة بما هي مكاراة، بل الحكم إنّما هو بلحاظ عنوان جامع شامل لجميع الأقوال من العمليّة أو الكثرة، بل يرى العرف أنّ المكاري في كلام الإمام علیه السلام مثال فيلغى هذه الخصوصية.

وهذا - بناءً على ما اخترنا من أنّ التمام يدور مدار الكثرة والمزاولة- أوضح؛ حيث يفهم العرف أنّ الشارع يرى انهدام الكثرة والمزاولة بإقامة العشرة، كما دلّ عليه صحيح عبد الله بن سنان المتقدّم، فينتج ذلك أنّه لا فرق بين كونه مكارياً أو غيره من المصاديق.

ومن هنا قال السيد الحجّة قدس سره:

ثمّ إنّ الحكم الثابت للمكاري من الإتمام في صورة والقصر في صورة أُخرى ليس من أجل خصوصيّة ثابتة له بل الحكم ثابت لأمر جامع ... وهذا نظير ما إذا قال المولى: أَكْرِم زيداً، وعلمنا أنّ وجوب إكرامه ليس بما هو زيد، بل الحكم ثابت له بما هو عالم فيكون الموضوع حينئذٍ هو العالم. (2)

بل ظاهر كلام العلّامة البروجردي قدس سره هو القطع بالتعميم حيث قال:

إذ المتراءى من الحديث ثبوت الحكم للمكاري بما أنّه كثير السفر وأنّ السفر عمل له، ويكون بذلك مغايراً لسائر المسافرين في الحكم، فيجب إلغاء


1) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 195 - 197.

2) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص52.

خصوصية المكاراة، وبالجملة بعد التأمّل يحصل القطع بعدم دخالة خصوصيّة المكاراة في هذا الحكم. (1)

هذا كلّه مضافاً إلى أنّ الجواب الصادر من الإمام علیه السلام إنّما كان على طبق السؤال الذي سأله عن المُكاري كما هو صريح رواية يونس المتقدمة وهذا لا يدلّ على الإختصاص كما لا يخفى.

فإن قلت: إنّ حديث 5 و 6 من الباب لم يردا في الجواب، بل هما كلام مستقلّ منه علیه السلام، فيدلّان على الإختصاص.

قلت: قد تقدّم الجواب عن ذلك حيث قلنا: إنّ مثل العلّامة بحر العلوم قدس سره يعتقد أنّ رقم 1، 5 و 6 من الروايات رواية واحدة مع تعدّد الطرق (2)، وليس ببعيد لما أشرنا من القرائن الموجودة، فراجع وتأمّل، فحينئذٍ يتّضح لك أنّ السؤال قد حذف في هاتين الروايتين.

أمّا الأمر الرابع: وهو أنّ إقامة الخمسة هل هي مثل إقامة العشرة قاطعة لحكم كثرة السفر أم لا؟ فيه خلاف بل أقوال ثلاثة:

أ. أنّها كالعشرة في كونها قاطعة له مطلقاً، كما اختاره الإسكافي؛

ب. عكس الأوّل، أي: لا أثر لإقامة الخمسة مطلقاً كما هو المشهور؛

ج. التفصيل بين الصلوات النهاريّة والليليّة، ذهب إليه الشيخ في بعض كتبه.

فنقول: أمّا القول الأوّل، فلم يعرف له مستندٌ أصلاً كما اعترف به غير واحد.

وأمّا القول الثاني: فقد عرفت أنّه المشهور المنصور ووجهه يظهر من تضاعيف الأبحاث المتقدّمة.

إنّما الكلام في القول الثالث، فقد ذهب إليه الشيخ قدس سره في نهايته ومبسوطه وأنّه يقصّر الظهرين ويتمّ العشاء ويصوم، ونسب ذلك إلى ابن حمزة في الوسيلة وابن البرّاج وغيرهما


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 141.

2) مفتاح الكرامة؛ ج 3، ص 572.

أيضاً.

وقد استندوا في هذا القول إلى صحيحة ابن سنان حيث إنّها صريحة في مقالهم على ما تقدّم.

لكن يشكل الأمر في المقام من جهتين:

الجهة الأُولى: في كون هذا القول مشهوراً بين القدماء، وقد نسبه في غاية المراد إلى الشيخ وأتباعه، ثمّ قال:

وهو متروك الظاهر.

ووجه الإشكال هو أنّ التفصيل المزبور - مع كونه مشهوراً - مستفاد من الخبر الصحيح ومعه لا وجه لتركه إلّا بدليل أقوى ولم يشر إلى هذا الدليل.

وأشكل من ذلك ما عن الحلّي قدس سره؛ فإنّه بعد ما نقل تفصيل الشيخ في النهاية بين الصلوات النهاريّة والليليّة في إقامة الخمسة، قال:

وهذا غير صحيح ولا يجوز العمل به، بل يجب عليهم التمام بالنهار والليل بغير خلاف - إلى أن قال:- لأنّ الإجماع على خلاف هؤلاء؛ لأنّهم لم يقيموا في بلادهم عشرة أيّام.(1)

ولا ينقضي تعجّبي أنّه كيف يدّعى عدم الخلاف مع مخالفة هؤلاء الجماعة من القدماء وهم من مشاهير الأصحاب.

الجهة الثانية: لا يخفى أنّ الخبر المتقدّم ظاهر في أنّ من استقرّ في منزله خمسة أيّام أو أقلّ، قصّر في السفر الشامل لإقامة الأربعة، بل أقلّ منها حتى اليوم الواحد، وهذا لا يمكن الإلتزام به، ولم يلتزمه أصحاب هذا القول ومن هنا قال المحقّق الخوئي قدس سره:

وفيه: أنّ ظاهر الصحيحة جريان الحكم المزبور حتى في إقامة الأقلّ من خمسة أيّام كثلاثة أو يومين ولم يقل به أحد من الأصحاب حتّى الشيخ نفسه، فإنّه اعتبر


1) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى؛ ص72.

الخمسة ولم يكتف بالأقلّ ثمّ احتمل قدس سره بعد ذلك حمل الخبر على التقيّة أو على النوافل . (1)

هذا، يمكن أن يوجّه الخبر بأنّ المراد من الأقلّ ليس هو اليوم أو اليومين، بل المراد هو الأمر الإضافيّ، كما إذا قلّ من الخمسة يوم أو بعض يوم.

وكيف كان، فلا وجه لما تقدّم من المحقّق الخوئي قدس سره من أنّه لم يقل بمفاد الخبر أحد لشموله بثلاثة أيّام ونحوها، مع أنّ عدم اعتماده على الخبر المزبور ينافي ما بنى عليه من العمل بالخبر الصحيح كائناً ما كان بلا اعتناءٍ بإعراض المشهور عنه وعدمه.

فعليه، لا يمكن الإلتزام بما ذكره قدس سره في حلّ إشكال الرواية كما أنّه لا وجه لحملها على التقيّة؛ لأنّ الحمل عليها فرع وجود المعارض وهو مفقود.

إذا عرفت ما ذكرناه فيقع الكلام في حلّ المعضلة من الروايات، فنقول:

الروايات في هذا المقام على طائفتين:

إحداهما: ما يدلّ على أنّ المكاري و نحوه يتمّ ويصوم لو لم يقم عشرة أيّام في منزله (2)وقد عرفت أنّ الرواية معتبرة عندنا تبعاً لسيدنا البروجردي قدس سره؛ لإمكان تحصيل توثيق إسماعيل بن مرار، ولأنّ المرسل عنه هو عبد الله بن سنان الثقة إمّا من جهة كثرة رواية يونس عنه، وإمّا من جهة ظهور جملة «بعض الرجال» في جلالة الرجل، فإنّه قد تعارف التعبير بذلك عن المشايخ العظام.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على التفصيل بين الصلوات النهاريّة بالقصر وبين الليلية بالتمام والصيام إذا أقام خمسة أيّام. (3)

وحيث إنّ كلّ واحدة من الطائفتين وردتا في مقام التحديد وبيان حدّ الإتمام والقصر، فلا يمكن تقييد إحداهما بالأُخرى؛ لكون النسبة بينهما هي التضاد فتقع المعارضة بينهما، فلابدّ


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 183.

2) الوسائل الشيعة؛ باب 12 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) نفس المصدر، ح 5.

من العلاج، وهو يمكن بأحد وجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: ما هو العمدة عندنا تبعاً للعلّامة البروجردي قدس سره وهي أنّ الوظيفة مع تعارض الروايات وسقوطها بالمعارضة هي الرجوع إلى العامّ الفوقانيّ أخذاً بما قرّر في الأصول، والعامّ الفوقانيّ هنا عبارة عمّا دلّ على أنّ من كان السفر عملاً له يتمّ صلاته ويصوم في السفر ما لم يقم في منزله عشرة أيّام. (1)

الوجه الثاني: حمل ما دلّ على انقطاع حكم كثرة السفر بإقامة الخمسة في المنزل على التقيّة؛ لكونه موافقاً مع كثير من العامّة كما عن المجلسيين في «البحار» و «روضة المتقين» على ما ببالي، بل صرّح به صاحب الوسائل. (2)

وقد تقرّر في الأُصول أنّ مخالفة العامّة من المرجّحات السنديّة بالنظر إلى قوله علیه السلام: «خُذ بما خالف العامّة، فإنّ الرشد في خلافهم»، فافهم.

الوجه الثالث: أن يحمل -صدر الصحيحة الدالّ على التفصيل بين الصلوات النهاريّة و الليليّة بالقصر في الأُولى دون الثانية - على النوافل، بأن كان معنى قوله: «قصّر في صلاته»، سقوط نوافل النهاريّة لكثرتها وكونها موجبة للمشقّة دون نوافل العشاء وصلاة الليل، وهذا هو الّذي يصرّ عليه العلّامة الحجّة قدس سره بقوله:

فحينئذٍ يرتفع الإشكال من دون حاجة إلى طرح الفقرة المذكورة، ويكون المراد من تقصير الصلوات بالنهار سقوط النوافل النهاريّة ومن «أتمّ صلاة الليل» ثبوت نوافله كما يساعده الإعتبار أيضاً، فإنّ المسافر يتخلّص في الليل من مشقّة السفر نوعاً فلا يصعب عليه إتيان النوافل الليليّة بخلاف النهار. (3)

قلت: إنّ ما ذكره قدس سره مع جلالة شأنه وعلوّ مقامه، مما لا يمكن الإلتزام به؛ لأنّ الرواية - بالنظر إلى قوله علیه السلام: قصّر في سفره وأفطر - صريحة في التقصير بالمعنى المعلوم، ومن الظاهر


1) نفس المصدر، ح 1.

2) نفس المصدر.

3) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 53.

أنّه لا معنى للتقصير في نوافل النهاريّة؛ لأنّها ركعتان والقصر لا يتحقّق إلّا في الرباعيّات، هذا مع كون القصر بمعنى السقوط أوّل الكلام كما أنّ حمل أتمّ على الثبوت لا معنى له.

وتحصّل أنّ العمدة في دفع الإشكال عن الرواية هو الوجه الأوّل.

وأمّا الأمر الخامس، وهو أنّ إقامة العشرة هل هي قاطعة لحكم كثير السفر مطلقاً، أو بشرط نيّة الإقامة سواء كانت في البلد أم غيره، أو يفصّل بين البلد فلا تعتبر النيّة فيه وبين غيره فتعتبر؟ ففيه صور أربع:

1.

الإقامة في البلد مع النيّة؛

2.

الإقامة في غير البلد معها؛

3.

الإقامة في البلد بدون النيّة؛

4.

الإقامة في غير البلد بدونها.

أمّا الإقامة في البلد: فالظاهر أنّه لا خلاف في عدم اعتبار النيّة فيه، بل يكفي مجرد الإقامة عشرة أيّام فينقلب حكم التمام الثابت لكثير السفر بها إلى القصر في السفر الأوّل بعدها، كما أنّ الإقامة في غير بلده مع نيّتها قاطعة للحكم المزبور بلاخلاف، وإنّما الخلاف في الإقامة في غير البلد بدون نيّتها.

قال المحقّق الخوئي قدس سره:

لا إشكال كما لا خلاف في عدم اعتبار كون العشرة منويّة فيما لو أقامها في بلده كما يقتضيها إطلاق النصّ ومعاقد الإجماعات.

وأمّا لو أقامها في غير بلده، فالمشهور بل عن الشهيد الثاني في الروض والعلّامة والمحدّث المجلسي دعوى الإجماع على اعتبار النيّة فيها، فيفصّل بين البلد وغيره في اعتبار النيّة وعدمه، فلا ينقطع حكم السفر بإقامة العشرة غير المنويّة في غير بلده. وهذا هو الصحيح - إلى أن قال:- بل الوجه في ذلك استفادته من نفس صحيحة ابن سنان حيث عبّر في صدرها عن المكث في المنزل بالإستقرار، فيعلم أنّ المدار فيه بمطلق القرار والبقاء الصادق مع النيّة وبدونها مضافاً إلى

الإجماع على عدم اعتبار النيّة بالنسبة إليه كما سبق. وأمّا بالإضافة إلى البلد الّذي يذهب إليه، فقد عبّر عنه بلفظ المقام في قوله علیه السلام:

فإن كان له مقام... والمقام مشروب في مفهومه القصد والنيّة؛ حيث إنّه من باب الإفعال من أقام يقيم، ومعناه اتّخاذ مكان محلّاً ومقرّاً له - إلى أن قال:- ومن المعلوم أنّ الإتّخاذ لا يتحقّق إلّا مع القصد والنيّة. (1)

أقول: إنّ التمسك بالإجماع - كما أشار إليه بقوله: مضافاً إلى الإجماع - على عدم اعتبار النيّة، لا وجه له؛ لعدم حجيّة الإجماع المنقول في مثل المقام وقد صرّح به هو قدس سره حيث قال:

فالإجماع المدّعى في المقام غير صالح للإعتماد؛ نظراً إلى أنّ المسألة لم تكن محرّرةً ولا معنونة في كلمات الأصحاب، بل لم يعرف من تعرّض لها إلى زمان المحقّق فهي من المسائل المستحدثة في كتب المتأخّرين. (2)

فهذا منه عجيب.

وأعجب منه دعوى نفي الخلاف وعدم الإشكال في عدم اعتبار النيّة في البلد! كيف؟ وقد استشكل في ذلك أُستاذه النائيني قدس سره حيث قال:

فمقتضى الخبرين - أعني: خبري يونس وابن سنان - هو قاطعيّة الإقامة الّتي اعتبر في مفهومها القصد. وعلى هذا، فإقامة العشرة في البلد مع عدم القصد يخرج عن مدلول الخبرين، فإلحاقه في حكم إقامة المنويّة لابدّ أن يكون بالإجماع أو بتنقيح المناط. (3)

وتبعه في الاستشكال السيد الميلاني قدس سره وقال بعد الاستدلال على الإلحاق بالإجماع:

الإجماع المنقول لا يكشف عن رأي المعصوم علیه السلام - إلى أن قال:- وبالجملة، لو أقام في الوطن بلا نيّة، فلا يترك الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام بعد


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 184.

2) نفس المصدر، ص 185.

3) كتاب الصلاة؛ ج 3، ص 344.

الخروج منه. (1)

فتحصّل أنّه لا يمكن الاعتماد على دعوى نفي الخلاف أو الإجماع كما لا يخفى. فينحصر الدليل على اعتبار النيّة في غير البلد في الروايات، وقد عرفت سابقاً أنّ المعتبر منها عنده هو صحيحة ابن سنان.

وبما أنّ صدر الخبر لا يمكن الأخذ به لتضمّنه ما لا نقول به كما اعترف به هو على ما عرفت، (2)فيصبح الخبر عنده مما لم يعمل به احد، فيشكل الإستناد إليه في إثبات اعتبار النيّة في غير البلد؛ لمثل هذه الرواية، فحينئذٍ لا وجه للاستدلال بلفظة استقرّ على عدم اعتبار النيّة في البلد.

وعلى هذا، يمكن أن نقول إنّه لا فرق بين البلد وغيره، فلابدّ إمّا أن تعتبر النيّة فيهما؛ لأنّ «المقام» من باب الإفعال وقد أشرب فيه القصد كما ادّعاه النائيني قدس سره وتبعه جماعة من تلاميذه، وإمّا أن لا تعتبر فيهما وأنّ مجرد الإقامة فيهما كافٍ في انقطاع حكم الكثرة كما هو ظاهر جماعة منهم الماتن وأكثر المحشّين كما سيجيء.

بقي الكلام فيما ذكره المحقّق الخوئي قدس سره، بقوله:

والمقام مشروب في مفهومه القصد والنيّة...

والظاهر أنّه يشكل الإلتزام به؛ لأنّ ظهور الألفاظ - مفرداتها ومركّباتها - موكول إلى فهم العرف، وهم لا يفهمون من لفظ المقام إلّا مجرد البقاء، فإذا قيل إنّ زيداً أقام عشرة أيّام في مشهد الرضا علیه السلام لا يفهمون منه أنّه بقي فيه مع قصد الإقامة، هذا.

مع أنّه يمكن أن يقال إنّ المأخوذ في الحديث لفظة «استقرّ» وهو من باب الاستفعال الموضوع لطلب الفعل، ولا يخلو من إشعار على دخالة القصد فيه، فكان الأولى أن يستدلّ بهذه اللفظة أيضاً على اعتبار القصد في البلد.


1) محاضرات في الفقه الإمامية؛ ج 3، ص 186.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 183.

وبالجملة، لا خصوصيّة بباب الإفعال؛ فإنّه يساوي باب الاستفعال في إشراب القصد وعدمه.

ثمّ إنّ الأصل في هذا المقال هو المحقّق النائيني وتبعه بعض تلاميذه كالمحقّق الخوئي والميلاني.

قال قدس سره:

إنّ الإقامة لمّا كانت مصدر المزيد أُدخل في مفهومها القيام عن قصد للفرق بين قیام عشرة أيّام وإقامتها، حيث إنّ مفهوم الأوّل نفس القيام كيفما كان، بخلاف الثاني؛ فإنّه يدلّ على: (به پا داشتن قیام) وهو معنى قصديّ، ولستُ أدّعي انصراف الإقامة إلى ما يكون بالقصد بل المدّعى أنّ القصديّة داخلة في مفهومها. (1)

أقول: إنّ ما أوقعه واتباعه في هذه المخمصة، هو استفادتهم القصد من لفظ المقام وأنّ باب الإفعال قد أشرب معنى القصد، ولهذا التزموا باعتبار قصد الإقامة في بلده أيضاً، وتخلّصوا منه في البلد بإجماع وغيره.

ولكن لم يتّضح لنا وجه استفادة القصد من لفظة «المقام» وأنّه هل هو لأجل خصوصيّة في باب الإفعال أو من جهة كونه متعدّياً؟ وقد عرفت عدم مساعدة العرف لهذه الدعوى.

اللّهمّ إلّا أن يقال: أنّ الظاهر في الأفعال الاختياريّة مطلقاً هو القصد؛ ولكن هذا ليس بمراده جزماً.

فتحصّل: أنّه لا دليل في البين يصلح لإثبات اعتبار النيّة في غير البلد، ومنه يظهر أنّ تعميمها على البلد كما عن السيد الميلاني قدس سره ضعيف جدّاً.

نعم، لو كان الموجود في العبارة لفظة: «أُقيم عشرة أيّام» مخبراً عن الاستقبال، لكان ظاهراً في اعتبار القصد والنية؛ لأجل ظهور نسبة الفعل إلى الفاعل في أمثال المقام في أنّ الفعل إنّما


1) كتاب الصلاة؛ ج 3، ص 343.

يصدر عن قصد ونيّة.

وأمّا لفظة «أقام أو أُقيمت» فليست إلّا إخباراً عن تحقّق البقاء عشرة أيّام، ولا يكون ظاهراً في ذلك.

ومن هنا لو قال شخص: «إنّ زيداً أبطأ في بلدٍ كذا عشرة أيّام» بصيغة الإفعال، لا يفهم منه أنّه أبطأ فيه عن نيّة كما لا يخفى، فحينئذٍ يمكن أن يدّعى أنّ الإقامة في غير البلد نزلت منزلة الإقامة في البلد في كونها قاطعة لحكم كثرة السفر، فكما لا تعتبر النية في البلد والمنزل كذلك لا تعتبر في غير البلد، فيكون مقتضى القاعدة عندئذٍ عدم اعتبار النيّة في غير البلد أيضاً.

ولذا قال الماتن قدس سره:

ولا فرق في الإقامة في بلده عشرة بين أن تكون منويّة أو لا، بل وكذا في غير بلده أيضاً ... .

وتبعه جملة من المحشّين استناداً إلى إطلاق النصّ الدالّ على أنّ المُكاري ونحوه يتمّ إلّا إذا أقام عشرة أيّام على ما تقدّم بيانه.

إلّا أنّ الإنصاف مع ذلك كلّه هو اعتبار النيّة في غير بلده، وذلك لوجوه ثلاثة:

أحدها: أنّ الإقامة في غير بلده مع النيّة تصيّره بمنزلة بلده، فكما أنّ إقامة عشرة أيّام في بلده قاطعة لحكم كثرة السفر، فكذلك إقامة العشرة في غير بلده مع النيّة.

وأمّا إذا كانت الإقامة في غير بلده بدون النيّة، فتكون نظير التردّد في أثناء السفر، فكما لا تكون الإقامة متردّدة موجبةً لانقطاع السفر، فكذا في المقام لا توجب الإقامة عشرة أيّام بلا نيّة انقطاع حكم كثرة السفر.

ثانيها: الإجماع المدّعى من مثل الشهيد والمجلسي والسبزواري وغيرهم على اعتبار النيّة في إقامة غير البلد، بل الظاهر أنّه لم يخالف في هذا الحكم أحد إلى الأزمنة المتأخّرة مما يقرب عصرنا. وأمّا عدم تعرّض القدماء للمسألة فلا يعدّ خلافاً فيها كما لا يخفى.

ثالثها: أنّ مثل المُكاري والجمّال يجب عليهما التمام، خرج عن عموم ذلك المقيم في

غير بلده عشرة أيّام مع النيّة قطعاً، وأمّا لو أقام بلا نيّة فيشكّ في خروجه عن العموم فيتمسّك بعموم «المكاري والجمّال» الدالّ على وجوب الإتمام... ونتيجة ذلك اعتبار نيّة الإقامة في غير البلد، فافهم ذلك.

تكملة

هل الإقامة ثلاثين يوماً متردّداً توجب انقطاع حكم كثرة السفر أم لا؟ بل يعتبر إقامة عشرة أيّام بعد الثلاثين؟

يظهر من الشيخ الأنصاري قدس سره أنّ فيه أقوالاً ثلاثة حيث قال:

وهل يلحق بالعشرة المنويّة التردّد ثلاثين يوماً مطلقاً أو يشترط إقامة عشرة بعدها أو لا مطلقاً؟ وجوه بل أقوال، أقواها إلى الاعتبار أوسطها... . (1)

وكيف كان، ففي المسألة ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: أنّ مُضيّ الثلاثين بمجرده قاطع لحكم كثير السفر؛

القول الثاني: انه قاطع له شرط تحقّق إقامة عشرة بعده؛

القول الثالث: عدم كونه قاطعاً له مطلقاً حتى مع تحقّق إقامة العشرة بعده.

أمّا القول الثالث فهو عجيب جدّاً؛ إذ إقامة العشرة في غير البلد مع النيّة قاطعة لحكم التمام بلا كلام، والظاهر أنّه لم يعرف المخالف فيه ولم يذكر له دليل أيضاً.

ولعلّ الوجه فيه أنّه لا اعتبار بإقامة العشرة بعد مُضيّ الثلاثين بلحاظ أنّه يعتبر أن تكون الإقامة بعد الدخول في البلد متّصلة.

وبعبارة أُخرى: أنّ التردّد ثلاثين يوماً قد أزال أثر الإقامة الحاصلة بعده من جهة انصراف الأخبار إلى الإقامة المتصلة بالدخول.

وفيه: أنّ الانصراف على تقدير تسليمه بدويّ لا يفيد، مع أنّه لا منشأ للإنصراف أصلاً، فلا وجه للقول الثالث.

وأمّا القول الأوّل - وهو كفاية التردّد ثلاثين يوماً في القاطعيّة- فلعلّ الوجه فيه أنّه بعد


1) كتاب الصلاة؛ ص 396.

الثلاثين يكون بحكم المنزل ومحلّ الإقامة للمسافر، ولذا يجب التمام والصيام فيما بعد الثلاثين. فيترتّب على الثلاثين متردّداً ما يترتّب على الإقامة عشرة أيّام من القاطعيّة ونحوها.

وفيه: أنّه يشبه القياس ولا نقول به؛ لأنّ الإتمام بعد مُضيّ الثلاثين إنّما هو لأجل دليل دلّ على أنّه قاطع لحكم السفر، وأمّا كونه رافعاً لأثر كثرة السفر وقاطعاً لحكمها فهو أوّل الكلام؛ لأنّ القاطع لها كما عرفت هو إقامة العشرة مطلقاً في البلد ومع النيّة في غير البلد.

نعم، لو قلنا بكفاية العشرة مطلقاً - ولو بدون النيّة - لقلنا بكفاية الثلاثين أيضاً.

نعم قال الشيخ الأنصاري قدس سره أقواها أوسطها، وهو ما إذا أقام بعد الثلاثين عشرة أيّام مطلقاً.

بل يظهر ذلك من صاحب البغية قدس سره على ما حكاه في الجواهر قائلاً:

... كالعشرة الحاصلة بعد التردّد ثلاثين يوماً الّتي بها يكون غير المنزل منزلاً، فلا يشترط حينئذٍ في العشرة الحاصلة بعده نيّة... خلافاً للاستاذ في بُغية الطالب فلم يعتبرها من دون نيّة، وهو ضعيف. (1)

فعلم من تمام ذلك أنّ القاطع لحكم الكثرة هو إقامة عشرة منويّة، وأمّا غير المنويّة، ففيه اشکال.


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 282.

حكم من لم يكن شغله السفر وعرضت له أسفار عديدة

مسألة 50:

إذا لم يكن شغله وعمله السفر، لكن عرض له عارض فسافر أسفاراً عديدة، لا يلحقه حكم وجوب التمام؛ سواء كان كلّ سفرة بعد سابقتها اتّفاقياً، أو كان من الأوّل قاصداً لأسفارٍ عديدة.

فلو كان له طعام أو شيء آخر في بعض مزارعه أو بعض القرى وأراد أن يجلبه إلى البلد، فسافر ثلاث مرّات أو أزيد بدوابّه أو بدوابّ الغير، لا يجب عليه التمام.

وكذا إذا أراد أن ينتقل من مكان إلى مكان فاحتاج إلى أسفار متعدّدة في حمل أثقاله وأحماله. [1]

[1] أقول: قد اتّضح حال هذه المسألة مما قدّمناه؛ إذ عرفت أنّ الموضوع عندنا عبارة عن التكثّر والتزاول، ومن الظاهر أنّ الأسفار العديدة إذا كانت اتفاقيّة أو محدودة بحدّ خاصّ لا يوجب صدق الكثرة والتزاول، وهذا واضح.

نعم، لو فرض استمرار مدّة الأسفار ثلاثة أشهر بل شهرين مع قصده ذلك من الأوّل، يجب عليه التمام - على ما قوّيناه سابقاً- كما هو الحال في الجابي والاشتقان.

لا يعتبر اتحاد كيفيات الأسفار

مسألة 51:

لا يعتبر فيمن شغله السفر اتّحاد كيفيات وخصوصيات أسفاره من حيث الطول والقصر ومن حيث الحمولة ومن حيث نوع الشغل، فلو كان يسافر إلى الأمكنة القريبة فسافر إلى البعيدة، أو كانت دوابّه الحمير فبدّل بالبغال أو الجمال، أو كان مكارياً فصار ملّاحاً، أو بالعكس، يلحقه الحكم وإن أعرض من أحد النوعين إلى الآخر أو لفّق من النوعين.

نعم، لو كان شغله المكاراة فاتّفق أنّه ركب السفينة للزيارة أو بالعكس قصّر؛ لأنّه سفر في غير عمله بخلاف ما ذكرناه أوّلاً؛ فإنّه مشتغل بعمل السفر. غاية الأمر أنّه تبدّل خصوصية الشغل إلى خصوصيّة أُخرى، فالمناط هو الإشتغال بالسفر وإن اختلف نوعه. [1]

[1] أقول: قد اتّضح حال هذه المسألة أيضاً مما قدّمناه؛ حيث إنّ الموضوع للتمام عندنا هو الكثرة والمزاولة، وهذا العنوان محفوظ في تمام الفروض المزبورة في المتن، حتى فيما لو سافر للزيارة مثلاً؛ لأنّ موضوع التمام صادق في هذه الصورة أيضاً.

نعم، ما ذكره من القصر في الصورة المزبورة مبنيّ على مختاره في الموضوع، أعني: عمليّة السفر، ومعلوم أنّ الزيارة خارجة عن العمل كما لا يخفى.

وكيف كان، فلا فرق عند العرف بين اتّحاد الشغل وخصوصيّات السفر وبين عدمها بناء على المختار من الكثرة والمزاولة، فلو فرضنا أنّ شخصاً يسافر إلى طهران مدّة شهرين للوعظ، ثمّ سافر إلى كاشان شهراً للتدريس، ثمّ إلى اصفهان للطّبابة أو الزيارة أو نحوها، فإنّه يكون كلّ ذلك من مصاديق كثرة السفر.

ومما ذكرناه يظهر حال ما يسأل عنه كثيراً من أنّه لو سافر كثير السفر إلى بلدة قريبة لتحصيل بعض لوازم سيّارته أو لتعميرها هل يتمّ أو يقصّر؟

ولعمري إنّه لا إشكال في وجوب التمام عليه؛ لأنّه من مصاديق الكثرة والمزاولة بل من

مصاديق عمليّة السفر، ومن هنا أفتى بعض الأعاظم بالتمام صريحاً مع كون مبناه عمليّة السفر.

نعم، لو كان لبثه في خارج الجادّة ذهاباً وإياباً لا لأجل إصلاح السيّارة، بل لأجل السياحة أو صلة الرحم أو لأجل الفرار من البرد مثلاً، فلازم القول بالعمليّة عدم جواز التمام عليه؛ لكونه خارجاً عن عنوان العمليّة في تلك الحال.

أمّا بناء على المختار فيجب عليه التمام؛ لصدق الكثرة والمزاولة أيضاً.

حكم السائح الذي لم يتّخذ وطناً

مسألة :52

السائح في الأرض الّذي لم يتخذ وطناً منها يتمّ والأحوط الجمع. [1]

[1] أقول: المراد من السائح ما يقال له بالفارسية: (جهانگرد)، ويجب عليه التمام، ويمكن أن يستدلّ عليه بوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: عدم شمول دليل القصر له؛ لعدم صدق الضارب في الأرض عليه، وذلك أنّ الآية ظاهرة بمقتضى «إذا» الزمانيّة في كون الخروج من الحضر إلى السفر في بعض الأحيان، وهذا لا يصدق على السائح.

وبعبارة أُخرى أنّ حكم القصر قد حمل في الأدلّة على المسافر، وهو الخارج من منزله أو مقرّه بعد سكونته فيه.

وبعبارة ثالثة: أنّ القصر عنوان ثانويّ يعرض على من خرج من بيته وابتعد عنه بعد توطّنه فيه، وهذه العناوين: الضارب في الأرض، والمسافر، والمبتعد عن وطنه لا تصدق على السائح في الأرض.

الوجه الثاني: أنّ السائح في الأرض حكمه حكم الأعراب وأهل البادية بلحاظ أنّه لا يسكن في منزل ولا مقرّ؛ لأنّه دائماً في السفر، فيكون من مصاديق قوله علیه السلام: «لأنّ بيوتهم معهم،» فيجب عليه التمام دائماً مثلهم، ولا يضرّ في ذلك عدم وجود أثاث البيت عند السائح إذا المراد من قوله علیه السلام: «لأنّ بيوتهم معهم،» من لا يكون له مكان معيّن، سواء كان له أثاث البيت أم لا.

ولا يخفى أنّ مرجع الوجهين المذكورين إلى شيء واحد، وهو عدم تحقّق السفر منه في الخارج.

الوجه الثالث: إنّ السائح - على تقدير صدق السفر عليه - داخل تحت عنوان كثير السفر والمزاول له، فتشمله أدلّة كثرة السفر؛ إذ لا فرق بينه وبين سائق السيّارة أو الطائرة ونحوهما بناء على المختار من اعتبار المزاولة والمداومة.

والفرق بين هذا وبين سابقيه أنّ السائح خارج عن موضوع السفر في الأوّلين، وأمّا على الأخير فهو خارج عنه حكماً، وأيضاً يعتبر فيه شرائط كثير السفر من التزاول وعدم إقامة العشرة بالنيّة في غير البلد ونحوها.

والأقوى في النظر هو خروجه عن السفر موضوعاً؛ لعدم صدق الضارب في الأرض عليه.

حكم الراعي عديم المكان المخصوص

مسألة 53:

الراعي الّذي ليس له مكان مخصوص يتمّ. [1]

[1] أقول: قد تقدّم منّا أنّ الراعي يتصوّر على أقسام ثلاثة:

أحدها: ما هو المتعارف في زماننا في أكثر البلاد والقُرى من أنّهم يخرجون من بيوتهم صباحاً مع أغنامهم إلى الصحاري ويعودون إلى بيوتهم مساءاً، ولا يكون مسيرهم مسافة غالباً، وهذا القسم خارج عن محلّ الكلام؛ لعدم صدق السفر عليه.

ثانيها: ما إذا كانت المسافة الّتي يقطعها في كلّ يوم من القرية إلى المرعى أربعة فراسخ فصاعداً، كما يتّفق ذلك لراعي الجمال والإبل، أو كان يذهب بها كلّ يوم إلى جهة من جهات البلد مع كون مجموع الذهاب والإياب ثمانية فراسخ، وهذا أيضاً لا كلام في وجوب التمام عليه؛ لأنّه من أوضح مصاديق كثير السفر أو العمليّة.

ثالثها: ما إذا قصد مكاناً بعيداً يصل إليه بعد يومين فصاعداً، ولكن يقطع المسافة في حالة الرعي والرتع ثمّ ينتقل منه إلى مكان آخر وهكذا ثمّ يرجع، وهذا أيضاً يجب عليه التمام؛ لأنّه ممّن بيته معه.

فتحصّل: أنّ القسم الأوّل خارج عن محلّ الكلام موضوعاً، والأخيرين وإن كانا تحت كثير السفر، إلّا أنّه لا يكون لتقييده بقوله: « الذي ليس له مكان مخصوص » وجه كما في «الجواهر»؛ إذ هو موجب لاختصاص كلامه بالقسم الثالث مع أنّ الثاني أيضاً داخل في مورد البحث.

حكم التاجر الدوّار

مسألة 54:

التاجر الّذي يدور في تجارته يتمّ. [1]

[1] أقول: قد ظهر وجهه مما مرّ في تحقيق الروايات وأنّها صريحة في وجوب التمام على التاجر، فلا حاجة إلى الإعادة.

حكم المعرض عن الوطن

مسألة 55:

من سافر معرضاً عن وطنه لكنّه لم يتّخذ وطناً غيره يقصّر. [1]

[1] أقول: في هذه المسألة فروض أربعة:

أحدها: ما لو قصد مكاناً معيّناً وأراد أن يجعله وطناً له إذا وصل إليه، فالظاهر أنّه لا إشكال في وجوب القصر عليه في الطريق؛ لأنّه مسافر ما لم يتخذ وطناً جديداً بلا فرق بين طول سفره أو قصره؛ إذ المفروض عدم اندراجه في العناوين المتقدّمة الموجبة للتمام.

ثانيها: ما إذا قصد أخذ محلّ ما وطناً بعد الإعراض والتلبّس بالسفر إلّا أنّه لم يقصد مكاناً معيّناً بعدُ، بل يسافر من هنا إلى هناك لتحصيل مكان مناسب، فهو مثل الأوّل في الحكم.

ثالثها: ما إذا خرج من وطنه معرضاً عنه ولم يقصد أخذ وطن أصلاً، بل كان من قصده السير والسياحة، فيجب عليه التمام؛ لأنّه كالسائح في الأرض من عدم صدق المسافر عليه.

رابعها: ما إذا تردّد في أخذ الوطن وعدمه، والظاهر أنّه يقصّر لصدق عنوان المسافر، وقد تقدّم منّا أنّ المناط في صدق السفر وتحقّق موضوع القصر هو الذهاب، وأمّا الإياب فلا موضوعيّة له، بل هو من لوازم الذهاب.

ومنه يظهر الخدشة فيما ذكره السيد الحكيم قدس سره بقوله:

بل يمكن القول بوجوب التمام عليه وإن كان متردّداً في التوطّن وعدمه؛ لاختصاص أدلّة الترخّص بغيره ممن كان له وطن يسافر عنه ويرجع إليه. (1)

وجه الخدشة أنّ السفر ليس له معنىً شرعي، بل هو معنى عرفيّ، وهو الذي يخرج من الوطن ويتلبّس بالسير.

نعم، اعتبر الشارع بلوغه إلى المسافة المعيّنة في ترتيب القصر وبدونها لا يجوز القصر، فاشتراط المسافة ونحوها خارجان عن حقيقة السفر لغةً وعرفاً.


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 87.

وأمّا الرجوع إلى بلده مثلاً فليس بشرط في صدق السفر وقد كان بعض الأساطين يمثّل لنا في المقام بمثل الخارج إلى الجهاد، وهو ربما لا يقصد الرجوع، بل لا يحتمل رجوعه أصلاً إلى وطنه، فهل يصحّ أن يقال إنّه يتمّ لعدم كونه مسافراً من جهة عدم قصده الرجوع إلى وطنه؟!

وبالجملة لا شكّ في صدق عنوان المسافر على المتردّد في اتخاذ الوطن وعدمه عرفاً.

حكم من سكن الأرض الواسعة

مسألة 56:

من كان في أرض واسعة قد اتّخذها مقرّاً إلّا أنّه كلّ سنة مثلاً في مكان منها يقصّر إذا سافر عن مقرّ سنته. [1]

[1] أقول: إذا سكن في جزيرة تبلغ مأة فرسخ، كما لو كانت عشرة فراسخ في عشرة، ولكن يستقرّ سنة في ناحية منها وسنة في ناحية أُخرى وهكذا، فإنّه إذا سافر من مقرّ سنته يصدق عليه عنوان المسافر وأنّه ضارب في الأرض، فهو أشبه بمن اتخذ وطنين - الصّيفيّة والشّتائيّة- على نحو الدوام، فيجب عليه القصر؛ لتحقّق الموضوع، ولا فرق في الوطن بين الدائم والموقّت كما يأتي تحقيقه في محلّه.

ومنه يظهر ضعف ما علّقه السيد الحكيم قدس سره على العروة من قوله:

فيه إشكال والأحوط الجمع،

ونحوه في المستمسك حيث قال:

ولكنّ الإشكال في صدقه - ثمّ قال - والأولى إلحاقه بالأعراب الّذين بيوتهم معهم. (1)

إذ لا ريب في صدق الوطن عرفاً فيما نحن فيه كما لا شك في صدق عنوان المسافر إذا سافر منه.

فعليه، لا وجه لإلحاق المقام بمن بيته معه.

ويؤيّده فتوى المشهور بوجوب القصر فراجع وتأمّل.


1) نفس المصدر، ص 87.

من شكّ في حصول الإقامة وعدمها

مسألة 57:

إذا شكّ في أنّه أقام في منزله أو بلدٍ آخر عشرة أيّام أو أقلّ بقي على التمام. [1]

[1] أقول: قد عرفت أنّ إقامة العشرة في البلد مطلقاً وفي غيره مع النيّة -أو بدونها على الخلاف المتقدّم - قاطعة لحكم كثير السفر، هذا فيما إذا علم الحال.

وأمّا إذا شكّ في تحقّق الإقامة وعدمه، فقد أفتى السيد قدس سره فيه بالتمام إلّا أنّه يتصوّر على قسمين:

القسم الأوّل: ما إذا كان وقت خروجه من البلد - بلد الإقامة- معلوماً وأنّه يوم العاشر من المحرّم مثلاً، ولكن يشكّ في اليوم الذي دخل فيه وأنّه هل هو آخر ذي الحجّة ليكون مدّة الإقامة عشرة أيّام، أو هو أوّل المحرّم ليكون زمان الإقامة تسعة أيّام؟

فنقول: إنّه يبقى على التمام؛ لاستصحاب عدم الدخول في آخر ذي الحجّة، فعليه لا تتحقّق إقامة العشرة حتى ينقطع حكم كثرة السفر كما لا يخفى.

القسم الثاني: عكس الأوّل بأن علم وقت الدخول في بلد الإقامة، وشك في زمان خروجه منه؛ كما إذا علم أنّه دخل فيه أوّل المحرّم وإذا خرج من البلد شكّ في أنّه خرج منه بعد إكمال العشرة أم لا؟ فالظاهر وجوب القصر عليه هنا في السفر الأوّل بعد الإقامة؛ لجريان استصحاب بقائه فيه في اليوم المشكوك بقاؤه فيه أيضاً، وبه تتحقّق إقامة العشرة تعبّداً. فينقطع حكم كثرة السفر، ويمكن أن يكون كلام السيد قدس سره ناظراً إلى القسم الأوّل، فعدم تعرّضه للثاني لعلّه لندرته.

ثمّ اعلم أنّ هذا المورد من موارد كون الموضوع مركّباً من جزءين:

أحدهما: محرز بالوجدان، وهو ذات البقاء مدّة في البلد.

ثانيهما: محرز بالأصل، وهو البقاء فيه في اليوم المشكوك، وفي مثله لا يكون الأصل مثبتاً؛ لأنّ الأثر مترتّب على المركّب وهو مجموع إقامة عشرة أيّام متّصلة، فإذا أحرزنا التاسع وجداناً والعاشر بالأصل، يتحقّق موضوع الحكم بالقصر في السفر الأوّل، ولا نريد من الاستصحاب

إلّا أن يكون ذا حكم شرعيّ أو موضوعاً يترتّب عليه حكم شرعيّ وهو كذلك فيما نحن فيه.

ومنه يعلم عدم تمامية ما ذكره بعضهم واحتمله السيد الحكيم قدس سره من استلزام كون الأصل مثبتاً في المقام. (1)


1) نفس المصدر، ص، 88.

اعتبار حدّ الترخص في القصر

الثامن من شرائط القصر الوصول إلى حدّ الترخّص

وهو المكان الّذي يتوارى عنه جدران بيوت البلد ويخفى عنه أذانه، ويكفي تحقّق أحدهما مع عدم العلم بعدم تحقّق الآخر، وأمّا مع العلم بعدم تحقّقه فالأحوط اجتماعهما؛ بل الأحوط مراعاة اجتماعهما مطلقاً.

فلو تحقّق أحدهما دون الآخر، إمّا يجمع بين القصر والتمام، وإمّا يؤخّر الصلاة إلى أن يتحقّق الآخر.

وفي العود عن السفر أيضاً ينقطع حكم القصر إذا وصل إلى حدّ الترخّص من وطنه أو محلّ إقامته، وإن كان الأحوط تأخير الصلاة إلى الدخول في منزله، أو الجمع بين القصر والتمام إذا صلّى قبله بعد الوصول إلى الحدّ. [1]

[1] أقول: في هذا الشرط مواضع للكلام:

الموضع الأوّل: في أصل اعتبار حدّ الترخّص؛

الموضع الثاني: في بيان تحديده وتعيينه؛

الموضع الثالث: في أنّ المعتبر تحقّق كلّ من الأمرين - خفاء الجدران والأذان - أو يكفي أحدهما؛

الموضع الرابع: في أنّه هل يعتبر حدّ الترخّص في العود أيضاً؛

الموضع الخامس: في بيان حدّه في الإياب.

أمّا الموضع الأوّل فنقول: المشهور بين الأصحاب هو اعتبار حدّ الترخّص في ترتّب القصر. وفي الجواهر شهرة كادت تكون إجماعاً كما عن الذكرى، بل بلا خلاف محقّق يعتدّ به. (1)

بل ولم يُنسب الخلاف في ذلك إلّا إلى ابن بابويه - والد الصدوق - حيث أوجب القصر بمجرد الخروج من المنزل ولم يعتبر الخروج عن حدّ الترخّص، إلّا أنّه شاذّ لا يُعتدّ به ولا


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 284.

دلیل معتبر عليه؛ إذ غاية ما يمكن أن يستدلّ عليه خبران:

أحدهما: مرسلة الفقيه، قال وقد روي عن الصادق علیه السلام أنّه قال:

إِذَا خَرَجْتَ مِنْ مَنْزِلِكَ فَقَصِّرْ إِلَى أَنْ تَعُودَ إِلَيْهِ. (1)

ثانيهما: معتبرة عليّ بن يقطين، عن أبي الحسن موسى علیه السلام في الرجل يسافر في شهر رمضان أيفطر في منزله؟ قال:

إِذَا حَدَّثَ نَفْسَهُ فِي اللَّيْلِ بِالسَّفَرِ أَفْطَرَ إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ وَإِنْ لَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ مِنَ اللَّيْلَةِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فِي السَّفَرِ مِنْ يَوْمِهِ أَتَمَّ صَوْمَهُ. (2)

قلت: أمّا الرواية الثانية فهي وإن كانت معتبرة سنداً إلّا أنّه لا يمكن الالتزام بمضمونها - لأنّها مضافاً إلى شذوذها وإعراض الأصحاب عنها - مقطوعة البطلان؛ إذ كيف يمكن أن يقال بجواز الإفطار في شهر رمضان وهو في المنزل؟ أو في البلد مع أنّه لا يصدق عليه المسافر قطعاً؟!

ولذا قال المحقّق الخوئي قدس سره:

ولعلّ ابن بابويه أيضاً لا يقول بذلك ضرورةَ أنّ الإفطار والتقصير من أحكام المسافر ومن لم يخرج من البلد لم يتلبّس بعدُ بالسفر - إلى أن قال:- فإمّا أن تُلغى الرواية وتحمل على التقيّة كما نُسب مضمونها إلى بعض العامّة، أو تقيّد بما إذا كان خروجه من البيوت بمقدار يبلغ الحدّ المزبور، أي لا يَسمع الأذان. (3)

ومن أجل ذلك تصدّى جماعة لتوجيهه وفي الجواهر:

فما عن ابن بابويه منزّل على إرادة محلّ الترخّص من المنزل كما يؤمي إليه غلبة تعبيره بما في فقه الرضا علیه السلام، وقد عبّر فيه كما قيل تارة بما سمعت، وأُخرى بما


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 475، باب 7 من أبواب صلاة المسافر، ح 5.

2) نفس المصدر، ج 10، ص 187، باب 5 من أبواب من يصحَ منه الصوم، ح 10.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 195.

إذا غاب عنه أذان المصر. (1)

وقال النائيني قدس سره بعد ذكر خلاف ابن بابویه:

هو في غير محلّه؛ لكونه بانياً على العمل بما في فقه الرضا علیه السلام، وقد ذكر اعتبار هذا الشرط - بلوغ حدّ الترخّص - فيه، فتوجيه ما نُقل عن والد الصدوق بما يوافق مع اعتبار هذا الشرط أولى من إبقائه على ظاهره. (2)

وأمّا الرواية الأُولى - مرسلة الفقيه - فالاستدلال بها غريب جدّاً؛ إذ الرواية نُقلت في الفقيه الذي صنّفه ابنه الصدوق فكيف يمكن أن يستند إليها الوالد؟! وربّما يوجّه هذا الأستناد بوجوه:

منها: احتمال وجودها في بعض الكتب القديمة قد ظفر بها الوالد قبل ولده. (3)

ومنها: أنّه يحتمل قريباً أنّ الصدوق قدس سره نقلها عن والده وكانت موجودة عند والده.

ومنها: لا يبعد أن يكون ذلك المضمون فتوىً لبعض القدماء حيث كان دأبهم الفتوى بمتون الأخبار، وهذا الاحتمال وإن كان حسناً في نفسه إلّا أنّه يبعّده نسبة الرواية إلى الصادق علیه السلام كما لا يخفى.

وكيف كان، فلا يمكن المصير إلى ما نسب إلى ابن بابويه؛ لعدم الدليل.

ومن تمام ذلك يعلم أنّ المتعيّن ما هو المشهور بل المجمع عليه من اعتبار حدّ الترخّص، لما سيجيء من الأدلّة الواضحة فانتظر.

أمّا الموضع الثاني: ففي تعيين حدّ الترخّص بعد الفراغ من اعتباره شرعاً.

وحيث إنّ ما قيلَ فيه أو يمكن أن يُقال نشأ من اختلاف الأخبار الواردة في المقام، فلابدّ من ملاحظتها أوّلاً ليتّضح الحال، وهي على طائفتين:

الطائفة الأُولى: رواية واحدة، وهي ما رواه محمد بن مسلم في الصحيح قال:


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 284.

2) كتاب الصلاة؛ ج 3، ص 353.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 194.

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام الرَّجُلُ يُرِيدُ السَّفَرَ مَتَى يُقَصِّرُ قَالَ إِذَا تَوَارَى مِنَ الْبُيُوتِ الْحَدِيثَ. (1)

وهي ظاهرة في أنّ حدّ الترخص - الّذي لا يجوز التقصير قبله ذهاباً - عبارة عن المكان الذي إذا بلغه المسافر توارى عن البيوت بحيث لا يراه أهلها لو نظروا إليه، وحيث لا سبيل إليه أن يعلم بأنّهم يرونه أم لا؟ وأنّ الحديث في مقام ضرب العلامة، فقلّب الأصحاب عبارة الحديث وقالوا: توارى البيوت عن المسافر، فإذا توارت البيوت عنه يعلم أنّه متوارٍ أيضاً عن أهل البيوت.

قال البروجرديّ قدس سره:

لا يخفى أنّ المذكور في الرواية يخالف ظاهراً ما ذكره الأصحاب؛ إذ المذكور في كلماتهم تواري الجدران من المسافر، والمذكور في الرواية تواري المسافر من البيوت، والمتبادر من تواريه من البيوت عدم رؤية البيوت إيّاه لو فرض كونها مبصرة، أو عدم رؤية أهلها إيّاه، نظير قوله: وَ اسْئَلِ القَرْيَة.

وبالجملة، الحديث يدلّ على اعتبار غيبوبة المسافر عن البلد لا غيبوبة البلد عنه ... . (2)

ويظهر من «الحدائق» تفسيرها بظاهرها، حيث قال:

لا يخفى أنّ الظاهر من صحيح محمد بن مسلم: «إذا توارى من البيوت» إنّما هو بمعنى: إذا بَعُدَ المسافر بالضرب في الأرض على وجه لا يراه أهل البيوت، والمراد بالتواري عن البيوت، أي: من أهل البيوت، بتقدير مضاف كما في قوله تعالى: (وَ اسْئَلِ القَرْيَة) أي: من أهلها، هذا هو ظاهر اللفظ بغير إشكال، وبه يقرب مقتضى هذا الخبر ونحوه من خبر خفاء الأذان، فإنّ تواري المسافر عن أهل البلد وخفاء الأذان متقاربان ولا يضرّ التفاوت اليسير؛ فانّ مدار هذه الأُمور


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 471، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 235.

في الشرع على التقريب. (1)

وهو الذي استجوده السيد الحجّة قدس سره حيث قال في تعليقته على العروة:

بل يتوارى هو عن جدران بيوت البلد،

واستقر به السيد الميلانيّ قدس سره في الحاشية والمحاضرات.

نعم، هناك رواية رواها ابوالبختري عن جعفر علیه السلام عن أبيه أنّ عليّاً علیه السلام كان إذا خرج مسافراً لم يقصّر من الصلاة حتى يخرج من احتلام البيوت وإذا رجع لم يتمّ حتى يدخل احتلام البيوت، (2)تؤيّد ما قاله المشهور من اختفاء البيوت، إلّا أنّ الرواية ضعيفة لأبي البختريّ.

وكيف كان، فلو كان كلّ من التواري بالمعنى المعروف وخفاء الأذان علامة مستقلّة لحصل بينهما المنافاة؛ لأنّ خفاء الأذان يتحقّق قبل تواري البيوت بكثير كما هو ظاهر، ومعلوم أنّ جعل أمرين متخالفين بالأقلّ والأكثر حدّاً لمحدود واحد غير صحيح، ومن هنا ذكروا في رفع المنافاة وجوهاً كما سيجيء.


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 405 - 406.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 473، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 10.

أمّا الطائفة الثانية فهي روايات:

الرواية الأُولى: صحيحة عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله علیه السلام قال:

سَأَلْتُهُ عَنِ التَّقْصِيرِ؟ قَالَ: إِذَا كُنْتَ فِي الْمَوْضِع الَّذِي تَسْمَعُ فِيهِ الْأَذَانَ فَأَتِمَّ وَإِذَا كُنْتَ فِي الْمَوْضِع الَّذِي لَا تَسْمَعُ فِيهِ الْأَذَانَ فَقَصِّرْ وَإِذَا قَدِمْتَ مِنْ سَفَرِكَ فَمِثْلُ ذَلِكَ. (1)

الرواية الثانيّة: ما رواه حمّاد بن عثمان، عن أبي عبدالله علیه السلام قال:

إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَتَمَّ الْمُسَافِر. (2)

الرواية الثالثة: ما رواه الصدوق في «العلل» بإسناده إلى محمد بن أسلم وهو طويل قال في ذيله:

أَلَيْسَ قَدْ بَلَغُوا الْمَوْضِعَ الَّذِي لَا يَسْمَعُونَ فِيهِ أَذَانَ مِصْرِهِمُ الَّذِي خَرَجُوا مِنْهُ قَالَ بَلَى. (3)

وهذا الأخير يدلّ على أنّ كون خفاء الأذان حدّاً للترخّص كان مشهوراً بين أصحاب الأئمّة علیهم السلام ومرتكزاً في أذهانهم، وعلى كلّ حال فهي ظاهرة الدلالة على المطلوب.

ولو أخذنا بظاهر كلّ واحدة من الطائفتين في المقام لكان بينهما تفاوت فاحش كما صرّح به في الحدائق قائلاً:

وأمّا ما ذكره الأصحاب من أنّ المراد من خفاء البيوت خفاؤها عن المسافر، فمع کونه خلاف ظاهر اللفظ المذكور لا يخفى ما فيه من التفاوت الفاحش بين العلامتين المذكورتين، فإنّه بعد أن يخفي عليه سماع الأذان لا يخفى عليه جدران البلد إلّا بعد مسافة زائدة. (4)

إذا تقرّر ذلك فنقول: إنّ المراد من التواري هو استتار الشخص عن البيوت، ولا يبعد أن يكون موضع استتاره معلوماً ومعهوداً في كلّ بلد أو قرية في تلك الأزمنة حيث كانوا يعيّنون في


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 472، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

2) نفس المصدر، ص 473، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح7.

3) نفس المصدر، ص 467، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح11.

4) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 406.

كلّ بلد حدّ الترخّص قبل التلبّس بالسفر. وسوف نذكر إن شاء الله أنّ المراد من حدّ الترخّص هو المكان الذي يصدق فيه عنوان الغربة عن الوطن وينقطع الإرتباط بينه وبين أهل البلد بحيث يحسّ المسافر في نفسه حالة تعرض على الغرباء من خوف واضطراب، ومن الظاهر أنّه لا يحصل هذا مادام يسمع أذان البلد أو يراه أهل بلده. ومن هنا كان سيدنا الأستاذ قدس سره يقول في الدرس:

إنّه لا يحصل هذا الخوف والإضطراب مادام لم يتوار عنه بعض آثار البلد من المنارة والسُرج ونحو ذلك.

وسيجيء توضيح ذلك فانتظر.

أمّا الموضع الثالث: وهو أنّ المعتبر في ترتّب القصر هل هو مجموع الأمرين، أو أحدهما المخيّر، أو أحدهما المعيّن؟ ففيه خلاف بين القوم.

وحاصل كلامهم يرجع إلى أقوال أربعة:

القول الأوّل: التخيير بين العلامتين بمعنى أنّ تحقّق كلّ واحدة منهما يكفي في ترتّب القصر ونسب ذلك إلى المشهور بين القدماء.

القول الثاني: اعتبار الأمرين معاً فلا يكفي تحقّق أحدهما فقط، نسب ذلك إلى جماعة من المتأخّرين.

القول الثالث: ما نُسب إلى الصدوق في «المقنع» من اعتبار خفاء الجدران فقط، حيث قال:

ويجب التقصير على الرجل إذا توارى من البيوت . (1)

القول الرابع: عكس الثالث، وأنّ الاعتبار بخفاء خصوص الأذان، نسب ذلك إلى المفيد وسلّار قال في «المراسم»:


1) المقنع؛ ص 10.

وابتداء وجوب التقصير من حيث يغيب عنه أذان مصره . (1)

وقد نسب ذلك إلى الحلّيّ والحلبي.

وحيث إنّ تنقيح الأقوال ونقل أدلّتهم بالنقض والإبرام يوجب تطويل الكلام الموجب للملال، فنقتصر على بعض المقال في المقام وعليه التَكلان.

فنقول: الظاهر أنّ القول بالتخيير بين العلامتين مبنيّ على الأخذ بإحدى الحجّتين، كما اختاره بعض في باب التعادل والتراجيح مع التساوي من جميع الجهات.

توضیح ذلك يتوقّف على تقديم مقدّمة وهي أنّ التعارض بين الخبرين يتصوّر على نوعين:

النوع الأوّل: ما إذا وقع التعارض بين المنطوقين، كما في مثل قوله: اعتق رقبة ولا تعتق رقبة كافرة، فيقع التعارض بين الإطلاق والتقييد، فيجمع بينهما بحمل المطلق على المقيّد فيجب عتق المؤمنة. وهذا واضح لا سترة عليه.

النوع الثاني: ما إذا كان التعارض بين منطوق أحد الخبرين وبين مفهوم الآخر كما في المقام، فإنّه لا تنافي بين منطوق قوله علیه السلام: «إذا خفي الأذان فقصّر» وبين منطوق قوله: «و إذا توارى من البيوت قصّر»، لكونهما مثبتين، وهذا واضح وإنّما التنافي بين منطوق أحدهما ومفهوم الآخر حيث إنّ مفهوم قوله علیه السلام: «إذا توارى من البيوت» عدم جواز القصر قبل تحقّق التواري، سواء خفي الأذان أم لا، كما أنّ مفهوم قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر» عدم جواز القصر قبل خفائه سواء خفيت الجدران أم لا.

وعليه، يكون مفهوم كلّ واحد من الخبرين معارضاً مع منطوق الآخر، فلابدّ من العلاج.

وقد تصدّى جماعة منهم المحقّق صاحب الكفاية قدس سره لعلاج التعارض بتقييد كلّ من المفهومين بمنطوق الآخر، فيكون مفهوم قوله: «إذا خفي الأذان فقصّر» أنّه إذا لم يخف فلا تقصیر مقيّداً بمنطوق قوله: «إذا توارى من البيوت»، فيكون المعنى المحصّل منه: «إذا لم


1) الجوامع الفقهية؛ ص 634.

يخف الأذان فلا قصر إلّا إذا حصل التواري وبالعكس»، ونتيجة ذلك هو اعتبار أحد الأمرين على نحو التخيير بينهما.

و ناقش هذا الجمع الشيخ الأنصاريّ قدس سره حيث قال:

في هذا الجمع حسن لو كان المقام مقام بيان السبب للتقصير فيحمل على تعدّد السبب كما في نظائره، لكن المقام مقام بيان التحديد والحمل على تعدّد الحدّ غير مستقيم بين الأقلّ والأكثر، ولعلّه لذا عكس المتأخّرون الجمع بين الصحيحتين فاعتبروا خفاء الأمرين. (1)

أقول: حاصل كلامه قدس سره أنّ الصحيحتين وردتا في بيان حدّ الترخّص، فلا يحسن جعل أمرين المتخالفين بالأقلّ والأكثر علامة لحدّ واحد، وقد عرفت أنّ البيوت لا تخفي إلّا بعد خفاء الأذان بكثير كما هو المشاهد، وهذا الكلام منه قدس سره متين في حدّ نفسه.

و مع ذلك قد أُورد عليه بوجهين:

الوجه الأوّل: ما ذكره البروجرديّ قدس سره حيث قال:

إنّه كرٌّ على ما فرّ منه فإنّه اعترض على المشهور بأنّ تعدد الحدّ غير مستقيم بين الأقلّ والأكثر من جهة استلزامه طرح الأكثر وكون التحديد لغواً مع أنّ القول باعتبار الأمرين أيضاً يوجب طرح الأقلّ رأساً وكون ذكره لغواً. (2)

ثمّ قال في حلّ الإشكال:

وقد عرفت أنّ الحقّ في المقام أن يقال بعدم ثبوت التعارض والتنافي بين الحديثين حتى نتكلّف للجمع بينهما، بل لعلّهما يتلازمان غالباً فجعل الشارع كلّ واحد منهما علامة ومعرّفاً للبعد المخصوص وللمكلّف أن يعتمد على أيّ واحد منهما حصل. (3)


1) كتاب الصلاة؛ ص 398.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 242.

3) نفس المصدر، ص 242.

قلت: ما ذكره قدس سره حسنٌ ومعه لا يبقى مجال لما ذكره الشيخ قدس سره وسيجيء منّا ما يكمله، فانتظر.

الوجه الثاني: ما أورده المحقّق الهمداني قدس سره قال:

الّذي يقتضيه التحقيق أنّه لا معارضة بين الصحيحة الأُولى والثانية - صحيحة ابن مسلم وصحيحة عبد الله بن سنان - ؛ إذ العادة قاضية بأنّ تواري الشخص من البيوت فضلاً عن تواري جدران البلد عنه أخصّ من خفاء الأذان، وهذه الصحيحة لا تدلّ على انتفاء التقصير ما لم يبلغ هذا الحدّ، إلّا بالمفهوم الذي غايته الظهور فلا يصلح معارضاً للصحيحة الثانية الّتي هي نصّ في إناطة الحكم وجوداً وعدماً بسماع الأذان وعدمه، فقضيّة الجمع بينهما حمل الصحيحة الأُولى - محمد بن مسلم - على إرادة بيان تحديد تقريبيّ ببيان الموضوع الذي يتحتّم عنده التقصير من غير أن يقصد به الإنتفاء عند على الإطلاق فالحدّ الحقيقي هو بلوغه إلى موضع لا يسمع فيه الأذان وأمّا خفاء الجدران فمهما تحقّق فقد وجب حاله التقصير ولكن لا من حينه بل من حين خفاء الأذان المتحقّق قبله عادة. (1)

حاصله: أنّ صحيح ابن سنان نصّ في اعتبار خفاء الأذان وجوداً وعدماً؛ لأنّ صدره ينصّ بالتمام إذا سمع الأذان، وذيله ينصّ على القصر مع عدم السماع وكلّ واحد منهما منطوق الرواية.

والمنافي لهما إنّما هو صحيح محمد بن مسلم الدالّ على عدم جواز القصر لو لم يخف من البيوت، وغايته هو الظهور المفهوميّ، ومن الظاهر أنّ الظهور لا يقاوم النصّ في باب التعارض فيكون الحدّ في الحقيقة هو خفاء الأذان، وأمّا تواري البيوت فهو كاشف عنه في الغالب.


1) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 751.

أقول: كلامه قدس سره وإن كان متيناً جدّاً فيما ساعده العرف من حمل الظاهر على النصّ، إلّا أنّ المورد حيث كان مقام التحديد والتعيين يشكل المساعدة بمقاله؛ لأنّ صحيحة ابن مسلم أيضاً كالنصّ في كون التواري حداً وجوداً وعدماً فتدلّ على أنّ القصر ينعدم بانعدام التواري؛ ثمّ إنّ قول السائل: «متى يقصّر؟» معناه أنّه متى ينقلب حكم التمام إلى القصر.

وعلى هذا فحمل الصحيحة على انقلاب الوظيفة قبل ذلك بکثیر غير صحيح كما لا يخفى.

وممّا ذكرنا يظهر أنّ قوله: «فقضيّة الجمع بينهما...» لا يمكن المساعدة عليه لما عرفت من أنّ الصحيحة أيضاً كالنصّ في مفادها.

ثمّ إنّ للعلّامة الخوئيّ قدس سره في المقام كلاماً يعجبني نقله بطوله لعدم خلوّه عن الفائدة، قال بعد كلام له:

ولكن هذا - أعني: تقييد مفهوم كلّ منهما بمنطوق الآخر وبيان أنّه لا معارضة إلّا بالإطلاق والتقييد - إنّما يتّجه فيما إذا كانت القضيتان مسوقتين لبيان موضوع الحكم كما في مثال الذبيحة المتقدّم حيث أُنيطت الحلّية في أحد الدليلين بإراقة الدم الكثير، وفي الآخر بحركة الذبيحة - كما ورد ذلك عن علىّ علیه السلام- فجعل موضوع التذكية في أحدهما الإراقة، وفي الآخر الحركة، فتقع المعارضة حينئذٍ بين منطوق كلّ واحد منهما ومفهوم الآخر، فيجري الكلام المتقدّم من التقييد ب- (أو) أو بالواو على النحو الذي عرفت.

وأمّا إذا فرضنا أنّ المذكور في الشرطيّتين لم يكن بنفسه موضوعاً للحكم وإنّما هو بيان ومعرّف لحدّ يكون هو الموضوع واقعاً كما هي الحال في المقام فلا يجري فيه ما ذكر.

وبيانه: أنّ الأخبار تشير إلى بيان حدّ خاصّ من الإبتعاد يكون هو المبدأ للتقصير والإفطار، فإنّ مبدأ احتساب المسافة وإن كان هو البلد نفسه كما تقدّم، ويتّصف

المسافر بكونه مسافراً من لدن خروجه عن البلد حيث إنّه مسافر حينئذٍ حقيقة؛ إذ السفر هو البروز والظهور عن البلد، وهذا قد برز وخرج إلّا أنّ فعليّة الحكم المزبور منوطة ببلوغه مقداراً خاصّاً من البعد، وكأنّه من أجل أنّ توابع البلد ملحقة به فلا يقصّر إلّا لدى الإبتعاد عن البلد ونواحيه بحيث ينقطع عن البلد رأساً فحدّد له حدّ خاصّ من البعد.

فالنصوص مسوقة لبيان كمّية البعد وجعل الخفاء أو عدم السماع علامة وكاشفاً عن بلوغ تلك الكمّيّة، وإلّا فسماع الأذان أو خفاء الجدران لا خصوصيّة ولا موضوعيّة لشيء منهما في الحكم؛ إذ قد لا يكون للبلد مؤذّن، أو يقع السفر في غير موقع الأذان كما هو الغالب، أو قد يقع السفر في الليل فيتواري عن البيوت وتخفي الجدران بعد سير خطوات قليلة، أو يكون المسافر أعمى، أو يوجد غيم غليظ يمنع عن الرؤية وغير ذلك من الفروض الّتي لا يتحقّق معها السماع ولا الخفاء، ومع ذلك يثبت الإفطار والتقصير جزماً.

فليس لهذين العنوانين بما هما كذلك مدخليّة في الحكم قطعاً، بل هما معرّفان لبلوغ الموضع الخاصّ من البعد الذي هو الحدّ والموضوع الواقعيّ، أعني الإبتعاد من البلد بمقدار لا يسمع الأذان، أو تخفي الجدران كما يظهر ذلك بوضوح من قوله في رواية إسحاق بن عمّار: أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه (1)حيث دلّ صريحاً على أنّ العبرة ببلوغ موضع لا يسمع الأذان أي بهذا المقدار من الإبتعاد.

نعم، الرواية ضعيفة السند وإن عبّر عنها بالموثّقة في كلام جماعة؛ لأنّ في سندها محمّد بن عليّ الكوفيّ الملقّب بأبي سمينة ولم يوثّق، فلا تصلح إلّا للتأييد.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 467، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 11.

وكيفما كان، فلا ينبغي التأمّل في أنّ الروايات في مقام بيان الحدّ. فعليه لا يجري في مثله الكلام المتقدّم، أعني تقييد مفهوم كلّ واحد منهما بمنطوق الآخر لتكون العبرة بأحدهما؛ إذ لا يمكن أن يكون للشيء حدّان إلّا إذا فرضنا تطابقهما في الصدق بحيث لا ينفكّ أحدهما عن الآخر ومن الضروريّ اختلافهما في المقام وحصول أحدهما، وهو عدم سماع الأذان قبل خفاء الجدران دائماً، فإنّ شعاع البصر ومدى إبصاره أبعد بكثير من مدى الأمواج الصوتيّة، ولذا ربّما يرىَ الإنسان في البيداء شخصاً من بعيد ويناديه بأعلى صوته فلا يسمع وهذا واضح لكلّ أحد.

على أنّ الأذان لم يعهد وقوعه في آخر البلد، بل يقع بطبيعة الحال في وسطه أو في المسجد الواقع في وسط المحلّة الأخيرة فنفس البلد يشغل مقداراً من البعد لا محالة، ولو فرض وقوعه في مصر كما هو مورد الرواية المتقدّمة سيّما إذا كان من البلدان الكبيرة فربّما لا يصل الصوت إلى آخر البلد فضلاً عن خارجه، أو أنّه ينقطع لدى الإبتعاد عنه قليلاً كمائة متر أو مأتين مع أنّ الجدران أو البيوت بَعْدُ ظاهرة لا تخفي إلّا بعد طيّ مسافة بعيدة.

والحاصل: أنّه لا ينبغي التأمّل في أنّ شعاع الصوت أقصر من شعاع البصر فينقطع السماع أوّلاً ثم بعد مدّة تخفي الجدران ويتوارى عن البيوت.

فعليه لا يمكن الإلتزام بأنّ الحدّ أحد الأمرين؛ إذ مرجعه إلى أنّ العبرة بالأوّل، أعني عدم السماع، كما لا يمكن الإلتزام بأنّه مجموع الأمرين، إذ مرجعه إلى أنّ العبرة بالأخير وهو التواري والخفاء بل لابدّ وأن يكون الحدّ إمّا هذا أو ذاك، فطبعاً تقع المعارضة بين الدليلين لتعذّر الجمع بينهما بإرتكاب التقييد في المفهوم أو المنطوق لا بنحو العطف بالواو، ولا بنحو العطف ب-(أو) فلابدّ من العلاج.

وملخّص الكلام؛ أنّ الروايات ظاهرة في أنّها مسوقة لبيان المعرّف وأنّ العبرة بنفس البعد كما فهمه الفقهاء ولا عبرة بالتواري الأصليّ منه والتبعيّ من جبل أو غيم أو ظلمة أو عمى ونحو ذلك، كما لا عبرة بعدم السماع، وبما أنّه يحصل قبل الخفاء دائماً فيقع التنافي بين الحدّين والمعارضة بين الدليلين، فلابدّ من التصدّي لعلاجها.

فنقول: يمكن أن يقال في مقام الجمع بين الأخبار إنّ الحدّ الواقعيّ هو بلوغ البعد بمقدار لا يسمع الأذان كما تضمّنته النصوص الكثيرة، إلّا أن معرفة ذلك وتشخيصه لكلّ أحد مما لا يتيسّر غالباً، فإنّ السفر في وقت الأذان نادر جدّاً ولا سيّما في الأزمنة السابقة الّتي كان السير فيها بواسطة الدوابّ والجمال، مع أنّه ليس كلّ بلد يؤذّن فيه بحيث يسمع أذانه من دون مانع من ريح أذانه من دون مانع من ريح عاصف أو مطر هاطل ونحوهما. فحيث إنّ فهم الحدّ المزبور وإنّ هذا موضع يسمع فيه الأذان أو لا يسمع صعبٌ على المسافر جدّاً، كان التعليق على عدم السماع قليل الجدوى لكونه من التعليق على أمر لا يقع خارجاً غالباً.

فمن ثمّ ذكر في صحيح ابن مسلم ضابط آخر يسهل تناوله لكلّ أحد، ويكون كاشفاً قطعيّاً عن حصول ذلك الحدّ لكونه القدر المتيقّن من البعد اللازم رعايته وهو التواري عن البيوت الذي هو أخصّ من عدم سماع الأذان لكون البعد في مورده أزيد كما مرّ. فإذا بلغ المسافر موضعاً خفيت عليه الجدران وتوارى عن البيوت إذا نظر إليها - وهذا شيء يعرفه كلّ أحد - فقد أحرز بلوغه، بل وتجاوز عن الموضع الذي لا يسمع فيه الأذان الذي هو الحدّ الواقعيّ للترخّص وبذلك تندفع المعارضة بين هذه الصحيحة وبين تلك الأخبار الّتي جعل فيها المدار على عدم سماع الأذان.

فإن أمكن الجمع بهذا النحو فهو، وإلّا فتصل النوبة إلى المعارضة ولا ينبغي

الشك حينئذٍ في تقديم تلك الأخبار لكثرتها وشهرتها بل ومعروفيّة التحديد بخفاء الأذان ومغروسيّته في الأذهان عند أصحاب الأئمّة بحيث كان أمراً مسلّماً مفروغاً عنه كما يظهر من رواية إسحاق بن عمّار المتقدّمة المشتملة على قول السائل: «أليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم؟» وإنْ كانت الرواية ضعيفة السند كما مرّ، فلا تصلح إلّا للتأييد هذا.

مع أنّ تلك الأخبار موافقة للنصوص الكثيرة المتضمّنة لوجوب التقصير على كلّ مسافر، للزوم الإقتصار في مقام التخصيص على المقدار المتيقّن وهو بلوغ الموضع الّذي لا يسمع فيه الأذان، إذ لا ريب في أنّ تلك الأخبار بمثابة التخصيص في أدلّة عموم القصر لكلّ مسافر ومن ثمّ لو لم يرد دليل على اعتبار حدّ الترخّص لقلنا بوجوب التقصير من أوّل خروج المسافر من البلد أخذاً بتلك العمومات لصدق المسافر عليه من لدن خروجه. (1)

و في كلامه 1، موارد للنظر:

منها: ما ذكره بقوله: «فسماع الأذان أو خفاء الجدران لا خصوصيّة ولا موضوعيّة لشيء منهما في الحكم...» وأنّ الحدّ الواقعيّ هو الابتعاد.

فإنّ هذا خلاف ظاهر الروايات؛ حيث إنّها ظاهرة في أنّ كلّ واحد من الأمرين موضوع لترتّب الحكم. ومن هنا قال السيد الحجّة قدس سره:

والتحقيق أنّ كلّ واحد من الحديثين المذكورين في حدّ الترخّص أخذ على نحو الموضوعيّة من غير أن يقع التنافي بينهما. (2)

وعلى تقدير كونهما - السماع والتواري - معرّفين، فما الدليل على كون الحدّ الواقعيّ هو الابتعاد؟ ولعلّ الحدّ هو التغرّب عن الوطن الذي يحصل بعدم سماع الأذان وتواري المسافر


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 199-203.

2) النجم الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 58.

عن نظر أهل البلد.

ومنها: ما ذكره قدس سره بقوله: «فطبعاً تقع المعارضة بين الدليلين».

فإنّ تحقق المعارضة بين النصوص في المقام أوّل الكلام؛ لإمكان دعوى كون الصحيحتين متقاربتين بلا تنافٍ بينهما. لا لما ذكره السيد البروجردي قدس سره من أنّه لم تكن البيوت في زمن صدور الأخبار مرتفعة، ولذا كان التواري مقارناً مع خفاء الأذان؛ (1)إذ قد عرفت ضعفه سابقاً بعدم شاهدٍ له في التاريخ. بل من جهة أنّ الظاهر من لفظة «التواري» هو غياب الشخص عن نظر أهل البلد بحيث لا يعرف شخصه بلون ثوبه ونحوه، ومن الظاهر أنّ الغياب بهذا المعنى يقارب خفاء الأذان، وعليه لا يختلف التواري عن خفاء الأذان غالباً، وليس المراد من التواري استتار الإنسان مطلقاً حتى يقال إنّ شبحه غير متوارٍ مثلاً.

والحاصل: أنّه لا دليل على كون الحدّين معرّفين على الابتعاد، بل الأمران حدّان للترخّص كما هو ظاهر الأخبار.

وإن أبيت عن ذلك فنقول: إنّهما معرّفان لشيء آخر، وهو الانقطاع عن البلد والمقرّ، فإذا حصل ذلك ينقلب التمام إلى القصر.

ودعوى كون هذا الحدّ غير معلوم لأكثر الناس، مدفوعة؛ لأنّ حدّ الترخّص معلوم في أغلب البلاد والقُرى لهم بحيث لو سئل أحدهم عنه لأجاب بقوله: المحلّ الفلاني، كما هو المجرّب عند كثير من الناس. وكيف كان، فالمراد من التواري هو غياب الشخص عن نظر أهل البلد. وربّما يؤيّده خبر قرب الإسناد:

«أَنَّ عَلِيّاً علیه السلام كَانَ إِذَا خَرَجَ مُسَافِراً لَمْ يُقَصِّرْ مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنِ احْتِلَامِ الْبُيُوتِ، وَ إِذَا رَجَعَ لَا يُتِمُّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ احْتِلَامَ الْبُيُوتِ» . (2)

فانّ الظاهر من الاحتلام هو الرؤية الحاصلة في النوم وهو لا يكون إلّا برؤية البصر لكن


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 236.

2) قرب الأسناد؛ ص 68.

في حالة النوم، وعليه يكون هنا كناية عن عدم رؤية شخص المسافر من ناحية أهل البلد. فما ذكره بعضهم من عدم وجدان معنىً مناسباً للفظ الاحتلام في كتب اللغة لا وجه له. (1)

ومنها: ظهور كلامه بل صريحه في انحصار الحدّ الواقعيّ في سماع الأذان وخفائه...

وفيه ما لا يخفى؛ إذ لازمه إلغاء ما يدلّ على اعتبار التواري كصحيحة محمد بن مسلم والحال أنّها نصّ في شرطيّة التواري، فلا وجه لرفع اليد عنها مع صحّة السند ووضوح الدلالة خصوصاً على مبناه من العمل بالخبر الصحيح وإن كان معرضاً عنه، فكيف إذا كان الخبر معمولاً به عند المشهور؟ كما في المقام حيث تصدّوا لعلاج المعارضة بين هذه الصحيحة وبين صحيحة ابن سنان المتقدّمة.

ومنها: تعبيره في مقابل صحيحة ابن مسلم «بتلك الأخبار» الظاهر في كثرتها، والحال أنّ العمدة منها هي صحيحة ابن سنان، وأمّا غيرها كخبر العلل وخبر حمّاد بن عثمان فضعيفٌ عنده من جهة وقوع أبي سمينة في السند. فأين الكثرة والتعدّد في ذلك؟ فما وقع في كلام السيد الميلاني من التعبير عن خبر حمّاد ب- «الصحيحة» فهو سهو من قلمه الشريف.

ومنها: ادّعاؤه كون ما يدلّ على اعتبار سماع الأذان وخفائه مشهوراً، فإن أراد الشهرة الروائيّة فالظاهر أنّ الأمر بالعكس؛ فإنّ صحيحة محمّد بن مسلم أشهر في النقل لكونها منقولة من المشايخ الثلاثة كما اعترف به في «الجواهر» وإن أراد الشهرة في الفتوى فهو أوّل الكلام وإلّا لم يكن وجه لإطالة الكلام في توجيه المنافاة بينهما كما لا يخفى.

ومنه يظهر عدم استقامة قوله: «ومعروفيّة التحديد بخفاء الأذان ومغروسيّته في الأذهان...» حيث إنّه لو أراد معروفيّة ذلك عند أصحاب الأئمّة علیهم السلام كما هو ظاهر كلامه فهو غير معلوم؛ لعدم الدليل على ذلك، بل الأمر بالعكس بقرينة نقل الشيوخ الثلاثة صحيحة ابن مسلم بخلاف صحيحة ابن سنان حيث نقلها بعضهم. وإن أراد المعروفيّة عند الفقهاء، فيردّه


1) تجديد الدوارس؛ ج 14، ص 189.

أنّ القائل بكون الحدّ هو سماع الأذان فقط قليل جدّاً كما تقدّم عند نقل الأقوال.

فتحصّل من تمام ذلك: أنّ كون الحدّ للترخّص هو الابتعاد وأنّ خفاء الأذان والجدران معرّفان له - كما يصرّ عليه المحقّق الهمدانيّ والمحقّق الخوئيّ بل الطبرسيّ في شرح النجاة - لم نجد عليه دليلاً صالحاً وليس منه في الروايات على كثرتها عين ولا أثر كما لا يخفى على المتأمّل، وإنّما المذكور فيها هو عدم سماع الأذان والتواري عن البيوت.

ولعلّه لهذا ذهب جماعة منهم العلّامة الحجّة إلى أنّ لكلّ واحدة من العلامتين موضوعيّة في ترتّب القصر كما أنّ عنوان الحاضر موضوع للتمام. (1)وهذا ليس ببعيد كما سيجي توضيحه.

ومع التنازل والالتزام بكون خفاء الأذان والتواري عن البيوت معرّفين، فلا دليل على أنّ المعرّف بالفتح هو الابتعاد عن الوطن لما أشرنا إليه من عدم ذكره في النصوص.

فإن قلت: إنّ عنوان البُعد وإن لم يرد في الأخبار إلّا أنّه ورد فيها ما يلازمه كالفرسخ، ففي خبر أبي سعيد الخُدريّ:

«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله إِذَا سَافَرَ فَرْسَخاً قَصَّرَ الصَّلَاةَ». (2)

قلت: لا يصحّ التمسّك بهذ الخبر؛ لضعفه بالإرسال ولأنّ غايته حكاية فعل النبي صلى الله عليه وآله وأنّه كان يقصّر صلاته بعد سير فرسخ، وهذا لا يدلّ على كون ذلك حدّاً للترخّص المعبّر عنه بالابتعاد في كلام المحقّق الخوئي قدس سره وغيره، كما لا دلالة للخبر على عدم جواز التقصير قبل الفرسخ. هذا مضافاً إلى موافقته لبعض العامّة القائل بأنّ المسافر يقصّر إذا كان سفره فرسخاً.

وبالجملة، لا يمكن الاستناد إلى هذه الرواية في قبال النصوص الصحيحة المتقدّمة الدالّة


1) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 58.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 472، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

على اشتراط خفاء الأذان والجدران في ترتّب القصر.

وأمّا ما رواه عمرو بن سعيد قال:

«كَتَبَ إِلَيْهِ جَعْفَرُ بْنُ أَحْمَدَ يَسْأَلُهُ عَنِ السَّفَرِ فِي كَمِ التَّقْصِيرُ فَكَتَبَ علیه السلام بِخَطِّهِ وَ أَنَا أَعْرِفُهُ قَدْ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام إِذَا سَافَرَ أَوْ خَرَجَ فِي سَفَرٍ قَصَّرَ فِي فَرْسَخِ ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ قَابِلٍ فَكَتَبَ إِلَيْهِ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ». (1)

فهو وإن كان معتبراً من حيث السند لوثاقة رجاله إلّا أنّه لا يدل على المدعى؛ لأنّه ظاهر في أنّه كان يصلّي قصراً في فرسخ. وهذا لا يدلّ على أنّ الفرسخ حدّ للقصر ولم يقل به منّا أحد مع أنّه حكاية حال، كما ذكرناه في الخبر السابق. مضافاً إلى قوّة احتمال صدوره تقيّة كما يشهد له ذيل الحديث: «فكتب إليه في عشرة أيّام». فإنّه لم يقل باعتبار العشرة أيّام في ذلك أحد منّا.

إذا عرفت ما حرّرناه فنقول: الأقوى عندي هو الأخذ بكلّ واحدةٍ من العلامتين والعمل بكلّ واحدة من الروايتين؛ لكونهما صحيحتي السند، واضحتي الدلالة، ومعمولاً بهما عند المشهور. وتوضيحه يتوقّف على بيان مقدّمات:

المقدّمة الأُولى: أنّ المراد من التواري عن البيوت ليس عدم الرؤية لأجل بُعد المسافة، بل المراد منه المواراة والاحتجاب وصيرورة الشخص مستوراً من الأنظار بشخصه سواء كان ذلك لبعده عنهم أم لجهة أُخرى. والوجه في ذلك كثرة استعمال اللفظة «التواري» في هذا المعنى، كما يشهد له قوله سبحانه: (فَقالَ إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالحِجاب). (2)و قوله تعالى: (يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ...) (3)إلى غير ذلك.


1) نفس المصدر، ص 471، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

2) ص: 32.

3) النحل: 59.

المقدّمة الثانية: أنّ المراد من التواري عن البيوت هو تواري المسافر عن أهل البيوت لا تواري أهل البيوت من المسافر، فلا داعي لقلب الكلام بعد وضوح المعنى، فإنّ معنى الحديث: أن يذهب الشخص بمقدار لا يراه أهل البيوت بشخصه وإن يراه بهيكله وشبحه.

المقدّمة الثالثة: أنّ حدّ الترخّص معلوم ومعيّن في غالب البلاد والقُرى بحيث يعرفه أكثر الناس من جهة تعيينهم حدّاً للترخّص قبل شروعهم في السفر، فلا يرد ما ربما يتوهّم من أنّه لا طريق للمسافر إلى معرفة أنّ أهل البيوت يرونه أم لا؛ لما أشرنا من أنّ أكثر الناس يعرفون حدّ الترخّص لبلدهم وقريتهم، فإذا وصل الشخص إلى ذلك المكان علم أنّه اختفى عن أهل البيوت.

المقدّمة الرابعة: أنّه ليست النسبة بين خفاء الأذان وتواري البيوت نسبة الأقلّ والأكثر بل النسبة بينهما هي العموم من وجه؛ وذلك لأنّ اختفاؤهما قد يحصل معاً وقد يحصل خفاء الأذان دون الجدران، وقد ينعكس كما يتّفق ذلك في القرى الواقعة في الأماكن الغير المستوية بحيث يتوارى عن البيوت بسير قليل.

والمتحصّل من هذه المقدّمات: أنّ خفاء الأذان والتواري عن البيوت مقارنان أو متقاربان في الغالب ولا منافاة بينهما.

إذا عرفت ذلك، فنقول: لو قلنا بكون كلّ واحد من خفاء الأذان وتواري البيوت حدّاً وموضوعاً لترتّب القصر بمعنى كون كلّ واحد منهما علامتين لترتّبه نظير عنواني السفر والخوف - كما عليه العلّامة الحجّة على ما في تقريرات بحثه - فيكون تحقّق كلّ واحد منهما موجباً للتقصير مع عدم العلم بعدم تحقّق الآخر كما يجب القصر عند تحققّهما معاً بلا كلام.

وأمّا إذا تحقّق أحدهما مع العلم بعدم تحقّق الآخر، فمقتضى كون كلّ واحد منهما علامة وجوب القصر عليه، فحينئذٍ لا وجه للاحتياط كما لا يخفى. وهذا هو الأقوى.

وأمّا لو قلنا بأنّ خفاء الأذان وتواري المسافر عن أهل البلد معرّفان للحدّ الواقعيّ كما يحتمل، فهل هو الابتعاد الّذي يصرّ عليه المحقّق الخوئي قدس سره أو الغربة وانقطاع الارتباط من

اعتبار حدّ الترخّص في الإياب

البلد؟ فالصحيح هو الثاني؛ لأنّه إذا خفي الأذان وتوارى عن أهل البيوت فقد ينقطع الإرتباط وتحصل الغربة، وأمّا مع وجود واحد منهما - سماع الأذان أو عدم التواري- فالارتباط باقٍ بحاله فلا تتحقّق الغربة. وعلى هذا، يجب التقصير بتحقّق الغربة المزبورة قطعاً بعد تحقّق كلّ واحد من الخفاء والتواري عن البيوت. وأمّا لو لم يتحقّق كلاهما أو واحد منهما فلا يجوز القصر؛ لعدم انقطاع الارتباط. وأمّا إذا تحقّق واحدة من العلامتين وشكّ في تحقق الأخرى وعدمه فالظاهر أنّه يجوز القصر.

الموضع الرابع: في أنّه هل يعتبر حدّ الترخّص في العود من السفر أم لا؟

فنقول: قد اختلف الأصحاب في اعتباره في الإياب وعدمه، فذهب جماعة كإبن الجُنيد والمرتضى ووالد الصدوق على ما نسب - وإن لم نقف على فتوى المرتضى في الإنتصار والناصريّات - إلى عدم اعتبار حدّ الترخّص في الإياب وإنّما يرتفع حكم القصر بالوصول إلى المنزل، وتبعهم في ذلك بعض المتأخّرين كصاحب الحدائق، وينسب أيضاً إلى صاحبي المدارك والمفاتيح ومال إليه المحقّق السبزواري في «الكفاية» حيث احتاط بالجمع عند سماع الأذان قبل الدخول في المنزل. وذهب المشهور إلى الاعتبار وإن اختلف كلامهم ظاهراً في أنّ المعتبر هو الأذان أو الأعمّ منه ومن رؤية الجدران.

والظاهر أنّه لا ينبغي التأمّل فيه بناءً على ما مرّ من اعتبار الغربة، بل في «الذكرى» شهرة كادت تكون اجماعاً. (1)

واستدلّ المشهور بروايتين:

الرواية الأولى ذيل صحيحة عبدالله بن سنان: «و إذا قدمت من سفرك فمثل ذلك»، (2)فإنّها صريحة في أنّ جواز القصر للمسافر منوط بعدم سماع الأذان ذهاباً وإياباً.


1) حكاه في الجواهر الكلام؛ ج 14، ص 299.

2) وسائل الشيعة؛ ج 8، ص 472، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

والرواية الثانية إطلاق خبر حمّاد بن عثمان المرويّ في «المحاسن» قال: «إذا سمع الأذان أتمّ المسافر»، (1)وفي هذا الخبر كلام سيجيء فانتظر.

وبالجملة، الروايات واضحة الدلالة على مراد المشهور، ولكن هناک روایات تدل علی اعتبار المنزل وفيها الصحاح والموثّقات.

منها: صحيحة معاوية بن عمّار، عن الصادق علیه السلام قال:

«أَهْلُ مَكَّةَ إِذَا زَارُوا الْبَيْتَ وَدَخَلُوا مَنَازِلَهُمْ أَتَمُّوا وَإِذَا لَمْ يَدْخُلُوا مَنَازِلَهُمْ قَصَرُوا». (2)

ومنها: موثّقة ابن بُكير قال:

«سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الرَّجُل يَكُونُ بِالْبَصْرَةِ - وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَهُ بِهَا دَارٌ وَ مَنْزِلٌ فَيَمُرُّ بِالْكُوفَةِ وَ إِنَّمَا هُوَ مُجْتَازٌ لَا يُرِيدُ الْمُقَامَ إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَتَجَهَّزُ يَوْماً أَوْ يَوْمَيْنِ قَالَ يُقِيمُ فِي جَانِبِ الْمِصْرِ وَ يَقْصُرُ قُلْتُ فَإِنْ دَخَلَ أَهْلَهُ قَالَ عَلَيْهِ التَّمَامُ». (3)

ويقرب منها موثّقة إسحاق بن عمّار. (4)

ومنها: صحيحة العيص بن القاسم، عن أبي عبدالله علیه السلام قال:

«لَا يَزَالُ الْمُسَافِرُ مُقَصِّراً حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ». (5)

وقريب منها خبر «قرب الاسناد». (6)

وعليه، تكون الروايات متعارضة. وقد جمع المشهور بين الطائفتين بحمل المنزل والبيت - في الطائفة الثانية - على حدّ الترخّص، أعني: المحلّ الذي يسمع فيه الأذان، على ما نقله


1) نفس المصدر، ص 473، باب 6 من أبواب صلاة المسافر ، ح 7.

2) نفس المصدر، ص 474، باب 7 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) نفس المصدر، ص 474، باب 7 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

4) نفس المصدر، ص 474، باب 7 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

5) نفس المصدر، ص 474، باب 7 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

6) نفس المصدر، ص 474، باب 7 من أبواب صلاة المسافر، ح6.

صاحب «الحدائق» عن العلّامة وغيره، ونقله في الوسائل عن الشيخ واستجوده، ولكن لم يرض به صاحب الحدائق وهو كذلك؛ إذ كيف يحمل قوله علیه السلام: «حتى يدخل بيته» وقوله علیه السلام: «يكون مقصّراً حتى يدخل أهله» وقوله: «وإذا لم يدخلوا منازلهم قصّروا» على الوصول إلى محلّ سماع الأذان أو رؤية الجدران؟

والحاصل: أنّ أحاديث 1 و 2 و 3 من باب 7 ظاهرة بل صريحة في أنّ للدخول في الأهل أو البيت أو المنزل موضوعيّة في ارتفاع القصر فليست قابلة للحمل المذكور.

نعم، الحمل المزبور وجيه بالإضافة إلى رواية حمّاد بن عثمان: «المسافر يقصّر حتّى يدخل المصر»، (1)فيحمل المصر على المعنى الشامل لنفس البلد ونواحيه بالعناية، فإنّ من بلغ في إيابه من السفر إلى موضع يسمع فيه أذان مصره يصحّ أن يقال: إنّه دخل المصر، وكذا يمكن أن يقال بذلك بالنسبة إلى صحيحة العيص: «حتى يدخل بيته» بناءً على حمل البيت على المحلّة وتوابعها في البلاد الكبيرة وإن كان فيه كلام حيث لم نلتزم بالبلاد الكبيرة.

ولا يخفى أنّ الروايات الدالّة على مذهب الجماعة ليست منحصرة فيما ذكر، بل يدلّ على مرامهم مرسلة الصدوق (2)وصحيحة معاوية بن عمّار (3)وصحيح الحلبيّ (4)ولعلّ المتتبّع يقف على أزيد من ذلك.

وبالجملة، إنّ الروايات مستفيضة في الباب وقد عمل بها جماعة كالسيد المرتضى وصاحبي الحدائق والمدارك وغيرهم، ومنه يظهر قوّة إشكال «الحدائق». ولعلّه غير بعيد من حيث الاعتبار أيضاً بملاحظة أنّ السفر موجب للتعب والمشقّة سيّما حال العود، فيناسب القصر فيه حتى يدخل منزله إرفاقاً من الشارع، فإنّ له أن يتصرّف في الحكم جعلاً ورفعاً، فكما


1) نفس المصدر، ص 473، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح8.

2) نفس المصدر، ص 475، باب 7 من أبواب صلاة المسافر، ح 5.

3) نفس المصدر، ص 464، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح7.

4) نفس المصدر، ص 465، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح8.

تصرّف فيه عند الذهاب ولم يجوّز القصر قبل الوصول إلى حدّ الترخّص، فكذلك يمكن له أن لا يجوّز التمام في الإياب ما لم يدخل بيته، فيكون في هذا الحال بحكم المسافر وإن لم يكن مسافراً لغة وعرفاً.

ومع ذلك، ذهب المشهور إلى اعتبار حدّ الترخّص في الإياب أيضاً قال في «الجواهر» عند قول الماتن:

وكذا في عوده يقصّر حتّى يبلغ سماع الأذان في مصره... أو رؤية الجدران على المشهور بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً، بل في «الرياض» شهرة عظيمة، بل عن «الذكرى» أنّها كادت تكون إجماعاً؛ لانقطاع صدق السفر عرفاً عليه واندراجه في الحاضر عند أهله وفي منزله ووطنه بالوصول إلى الحدّ المزبور ... . (1)

و به صرّح السيد الحجّة قدس سره كما في تقريرات بحثه. (2)وكذا المحقّق الخوئيّ قال:

ومقتضى هاتين الصحيحتين المؤيّدتين بغيرهما عدم الفرق بين الذهاب والإياب. (3)

والمراد من الصحيحتين هو صحيحة ابن سنان وخبر حمّاد بن عثمان.

إذا عرفت ذلك فنقول: الأقوى هو ما ذهب إليه المشهور؛ تقديماً لصحيحة ابن سنان وخبر حمّاد على غيرهما من الروايات، لا من جهة كونهما نصّاً وغيرهما ظاهراً كما فعله المشهور، بل لما سنذكره من الوجوه الثلاثة:

الوجه الأوّل: إنّ حجّية الأخبار إنّما هي باعتبار حصول الوثوق والاطمئنان منها، فإذا أعرض الأصحاب عن خبر أو أخبار - ولو كانت صحيحةً- لا يبقى لنا وثوق بها.

كيف؟! فإذا أعرض خواصّ المولى الذين هم عارفون بمرامه وآرائه عن خبره لم يبق للعبد


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 299.

2) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 56.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 204.

وثوق بصدوره منه كما لا يخفى. والوجه في ذلك أنّ إعراض المشهور عن خبر أو أخبار كثيرة صحيحة أو موثّقة وعدم عملهم بها مع كونها بمرأى منهم يكشف عن خلل في الرواية عثروا عليه ولم يصل إلينا.

وعلى هذا، فإنّ الأخبار الكثيرة الدالّة على عدم اعتبار حدّ الترخّص في الإياب كانت بمرأى من مثل الشيخين والمحقّق والعلّامة وغيرهم من الفقهاء الورعين الّذين كانوا حريصين على الأخذ بما صدر عن الأئمّة علیهم السلام وكانوا خرّيتي هذا الفن وملازمين لركاب الأئمّة علیهم السلام فلو كانت تلك الأخبار حجّة عندهم لعملوا بها ولم يعرضوا عنها، وليس إعراضهم عنها إلّا من جهة عدم كونها قابلة للعمل بها.

الوجه الثاني: أنّه على تقدير عدم كون الإعراض موهناً أو لم يتحقّق الإعراض لمسير جمع اليها كابن اى عقيق والمرتضى و ابن بابويه فنقول: إنّ الروايات على طائفتين فمصير المشهور إلى الأخذ بصحيحة ابن سنان وخبر حمّاد يوجب تقديمهما على الطائفة الأُخرى، لمكان قوله علیه السلام: «خُذْ بما اشتهر بين أصحابك» عند تكافؤ الأخبار من حيث المرجّحات السنديّة، والمراد من الشهرة هو ما اشتهر في الفتوى والاستناد إليه، فتكون الطائفة الثانية من الشاذّة النادرة، فلا يصار إليها.

الوجه الثالث: أنّ الطائفة الثانية محمولة على التقيّة، قال في الوسائل:

ويمكن حملها على التقيّة؛ لموافقتها للعامّة.

وذلك لأنّ القول باعتبار حدّ الترخّص مختصّ بالإماميّة كما اعترف به العلّامة البروجرديّ قائلاً:

فإنّ حدّ الترخّص من متفرّدات الإمامية، ولم يعتبره المخالفون لا في الذهاب ولا في الإياب، فيجب الأخذ بما خالفهم. (1)


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 245.

والعجب من البحرانيّ حيث عكس المطلب وقال:

إنّ الموافق للعامّة هو ذيل صحيحة ابن سنان... وربّما حمل عجزها المذكور على التقيّة؛ لأنّ مذهب أكثر العامّة كما ذهب إليه جملة من أصحابنا هو أنّ المسافر لا يزال مقصّراً إلى أن يصل إلى الموضع الّذي ابتدأ فيه بالقصر فيتمّ بعده... - إلى أن قال:- والظاهر أنّ الأمر بالعكس، أي حمل ذيل صحيح ابن سنان على التقيّة أنسب. (1)

وفيه ما لا يخفى؛ إذ لم يقل أحد من العامّة باعتبار حدّ الترخّص كما اعترف به العلّامة البروجرديّ ومعه كيف يكون القول باعتباره موافقاً معهم؟

فتحصّل أنّ الحقّ ما اختاره المشهور من اعتبار حدّ الترخّص في الإياب أيضاً؛ تقديماً لصحيحة ابن سنان وخبر حمّاد على الأخبار الأخرى لاشتهارهما في مقام العمل، وهو من المرجّحات كما لا يخفى.

وأمّا ما أجاب المحقّق الخوئيّ من تلك الاخبار قائلاً:

إنّ هذه الأخبار مقطوعة البطلان في أنفسها حتّى مع قطع النظر عن المعارضة؛ ضرورةَ أنّ التقصير خاصّ بالمسافر ولا يعمّ غيره ممن يتلبّس بهذا العنوان، ولا شكّ أنّ المسافر لدى رجوعه عن السفر يخرج من هذا العنوان بمجرد دخوله البلد، سواء أدخل منزله أم لا؛ إذ الاعتبار في السفر بالسير من البلد إلى البلد لا من البيت إلى البيت، فكيف يمكن الالتزام بما تضمّنته هذه الأخبار من التقصير حتى بعد دخول البلد المستلزم للخروج عن عنوان السفر ولاسيّما بعد المكث فيه يوماً أو يومين إلى أن يدخل أهله كما تضمّنته بعضها، وهل هذا إلّا الحكم بالتقصير لغير المسافر المقطوع بطلانه... . (2)


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 414.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 205 و 206.

المناط في خفاء الجدران البيوت

ففيه: أنّه لا ريب في وجوب القصر على المسافر، ومع ذلك قد أفتى المشهور - إلّا الشاذّ- بوجوب التمام إلى حدّ الترخّص ذهاباً مع كونه مسافراً بمجرد الخروج عن البلد، فكما أنّ الشارع احتسب المسافر غير مسافر فيجوز له أن يجعل غير المسافر مسافراً وأوجب عليه القصر في الإياب، فلا وجه لطرح الرواية الصحيحة أو الموثّقة بمجرد الاستبعاد، فلو لم يكن صحيحة ابن سنان في البين معارضة، فهل يمكنه طرح تلك الأخبار الكثيرة؟! حاشا وكلّا!

وبعد هذا لا أرى وجهاً لقوله: «سيّما بعد المكث فيه يوماً...»؛ إذ لو لم يكن لنا دليل في قبال تلك الأخبار لأخذنا بها - أي الأخبار الدالّة على القصر - بعد دخوله البلد إلى دخوله المنزل. وكيف كان؛ فلا وجه للاستبعاد لحكم الشارع به.

ومنه يعلم أنّه لو كان الشارع حكم على وجوب القصر بمجرد الخروج من المنزل -كما عليه بعض الأصحاب كوالد الصدوق - ولم يكن في قباله ما ينافيه، لأخذنا به من غير تردّد وإن كان موافقاً لأكثر العامّة، فراجع وتأمّل.

المناط في لقاء الجدران البيوت

تبصرة:

قد عرفت أنّ العمدة في اعتبار حدّ الترخّص في الإياب - وهو سماع الأذان - هي صحيحة عبدالله بن سنان. (1)وأمّا رواية حمّاد بن عثمان المرويّة في المحاسن عن الصادق علیه السلام حيث قال: «إذا سمع الأذان أتمّ المسافر...» (2)فهي وإن كانت واضحة الدلالة على المرام في المقام، إلّا أنّ في سندها كلاماً بين الأعلام، فقد عبّر عنها بعضهم بالصحيحة، ففي الحدائق بعد نقل صحيحة ابن سنان: «ومثل ذلك صحيحة حمّاد بن عثمان المرويّة في كتاب المحاسن... . (3)وذكر نحو ذلك في موضعين آخرين.(4)وعبّر عنها الشيخ المرتضى بالمصحّحة


1) وسائل الشيعة؛ ج 8، ص 472، باب 6 من أبواب صلاة المسافر ، ح 3.

2) نفس المصدر، ص 472، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 7.

3) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 355.

4) نفس المصدر، ص 405 و 411.

وقد عبّر جماعة من المتأخّرين عنها بالصحيحة أيضاً كالشيخ الحائريّ والسيد الحكيم والميلانيّ والمحقّق الخوئيّ والسيد الحجّة وغيرهم قدس الله سرهم.

والحقّ أنّ الرواية مرسلة؛ وذلك لأنّ صاحب المحاسن لم يذكر لها طريقاً مستقلّاً بل عطفها على الطريق الذي ذكره للخبر السابق على هذه الرواية قائلاً:

«أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيُّ فِي الْمَحَاسِنِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَتَمَّ الْمُسَافِرُ.

ثم قال:

«وَ بِالْإِسْنَادِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: الْمُسَافِرُ يُقَصِّرُ حَتَّى يَدْخُلَ الْمِصْرَ». (1)

وحيث إنّ الخبر السابق مرسلٌ لمكان لفظة «عن رجل» فتكون هذه الرواية أيضاً مرسلة بمقتضى واو العطف ولعلّ الجماعة لاحظوا ظاهر لفظ الإسناد وعبّروا بالصحيحة أو المصحّحة.

والعجب من المحقّق الخوئي قدس سره حيث يصرّح بصحّة الرواية في موضع بقوله:

ولكونه مقتضى الإطلاق في صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبدالله علیه السلام الحديث. (2)

وصرّح في مواضع أُخر على كون الرواية مرسلة وضعيفة. (3)

فكلامه لا يخلو من التهافت والتناقض.

وكيف كان، فالرواية مرسلة على الظاهر بقرينة التعبير «وبالإسناد» الظاهر في أنّ سند هذا الحديث مثل سند الحديث السابق، وحيث إنّ الحديث السابق مرسل بلا كلام لمكان قوله: «عن رجل» فيكون الثانى مثله؛ إذ لا معنى لأن يقال إنّ حمّاداً نقل الرواية الثانية عن


1) المحاسن؛ ص 371، باب 33.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 204.

3) نفس المصدر، ص 206 و 210.

الإمام بلا واسطة، وإلّا لا يستقيم قوله: «وبالإسناد عنه»، كما لا يخفى على المتأمّل، مضافاً إلى أنّ رجوع الضمير في «عنه» إلى الصادق علیه السلام لا يخلو من بُعد بل لا يصحّ كما هو ظاهر. وربّما يؤيّده ما ذكره العلّامة البروجرديّ بقوله بعد نقل صحيحة ابن سنان:

لاعتضاد صحيحة ابن سنان بروايات أُخرى ... . (1)

فإنّ التعبير بالاعتضاد ظاهر في عدم صحة الرواية عنده، وإلّا لكان الأنسب التعبير بصحيحة أُخرى كما لا يخفى.

وكذا يؤيّده ما ذكره المجلسيّ حيث قال:

بهذا الإسناد عنه علیه السلام قال: «إذا سمع الأذان أتمّ المسافر» والمراد من الإسناد ما ذكره قبل ذلك في كتاب المحاسن عن أبيه عن ابن أبي عُمير عن حمّاد بن عثمان عن رجل عن أبي عبدالله علیه السلام. (2)

الموضع الخامس: في تعيين محلّ الترخّص وحدوده في الإياب.

فنقول: قد يقال بأنّ حدّ الترخّص في الإياب هو خفاء الأذان فقط، فإذا بلغ مكاناً يسمع فيه أذان مصره ينقطع حكم سفره ولا يعتبر فيه تواري الجدران لاختصاص دليله بابتداء السفر، وهذا مختار المحقّق الخوئي قدس سره تبعاً للمحقّق في «الشرائع». (3)

وذهب الأكثر بل المشهور إلى أنّه لا فرق بين الذهاب والإياب في اعتبار كلتا العلامتين - خفاء الأذان وتواري البيوت - بإلغاء الخصوصيّة في الذهاب، فالشخص لا يعدّ مسافراً في داخل بلده بلا فرق في ذلك بين الذهاب والإياب، وهذا هو مختار صاحب العروة والعلّامة البروجردي وله في ذلك كلام حاصله:

إنّ القول باعتبار حدّ الترخّص من متفرّدات الإماميّة وليس للعامّة حدّ ترخّص


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 238.

2) بحار الأنوار؛ ج 89، ص 26.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 207.

أصلاً، وعليه تكون رواية محمد بن مسلم الدالّة على اعتبار التواري عن البيوت في مقابل العامّة. وكأنّ السائل بصدد السؤال عن أصل حدّ الترخّص، فليست الرواية ناظرة إلى الفرق بين الذهاب والإياب فراجع إن شئت. (1)

أقول: وهذا هو الأقوى عندي خصوصاً على ما تقدّم منّا من تقارب العلامتين وعدم تخلّف إحداهما عن الأخرى غالباً فلا فرق بين الذهاب والإياب.

بقي في المقام أمران:

أحدهما: ما أشار إليه السيد قدس سره من عدم الفرق في اعتبار حدّ الترخّص بين الوطن ومحلّ الإقامة، وسيجيء الكلام فيه في مسألة (65) فانتظر.

ثانيهما: ما ذكره بقوله: «وإن كان الأحوط تأخير الصلاة...» فإنّ الظاهر أنّ الوجه فيه ملاحظة ما تقدّم من الروايات المستفيضة الظاهرة في وجوب القصر ما لم يدخل المسافر على أهله ومنزله خصوصاً مع وجود القائل بها، كوالد الصدوق وابن الجُنيد بل علَم الهُدى وغيرهم على ما نسب إليهم، وعلى كل حال ما احتاطه وجيه فحينئذٍ اما يجمع بين التمام و القصر في حد الترخص او يؤخر صلاته عنه او يقدم.


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 245.

ما هو المناط في خفاء الجدرا

مسألة 58:

المناط في خفاء الجدران البيوت، لاخفاء الأعلام والقباب والمنارات، بل ولا خفاء سور البلد إذا كان له سور، ويكفي خفاء صورها وأشكالها وإن لم يخف أشباحها. [1]

[1] أقول: الأعلام جمع العلامة، وهي عبارة عن القباب والمنارات، ففي مفتاح الكرامة ناقلاً له عن جملة من الكتب كالمصابيح والحدائق:

إنّه لا عبرة بأعلام البلد كالمنارة والقلاع والقباب، وظاهر مجمع البرهان نسبته إلى الأصحاب. (1)

وعليه يكون ذكر المنارات والقباب من ذكر الخاصّ بعد العامّ، ويحتمل أن يكون المراد من الأعلام البروج المرتفعة الّتي كانت موجودة في البلاد في سالف الزمان، لكن الأولى ما عرفت.

ثمّ إنّ المتبادر من رؤية الجدران أو البيوت هو تشخيصها بصورها وأشكالها وألوانها ككونها من الآجر أو الحجر أو نحوهما. ولا عبرة برؤية أشباحها؛ إذ لا تصدق الرؤية على درك مجرد الشَّبَح.

إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في مقامين:

أحدهما: هل المعتبر في خفاء البيوت خفاء مثل القباب والمنارات ونحوهما أو لا يعتبر ذلك؟

فالأكثر على الثاني؛ لأنّ المأخوذ في لسان الدليل هو البيوت وتواري المسافر عن أهلها ومن الظاهر أنّ المنارات والقباب ليستا من البيوت في شيء.

ومنه يظهر الحال في سور البلد أيضاً؛ لعدم كونه من البيوت، فلا عبرة على ما يتراءى في


1) مفتاح الكرامة؛ ج 3، ص 549.

بعض العبائر من الإصرار على كون السور من البيوت وهذا واضح.

ثانيهما: هل المعتبر هو اختفاء الصورة والشكل فقط أو يعتبر خفاء الشبح أيضاً؟ اختار السيد قدس سره الأوّل تبعاً لثاني الشهيدين وجماعة، ففي الجواهر أنّ رؤية الشبح لا تضرّ؛ لعدم صدق البيت على الشبح، أو عدم إنصراف إطلاقه عليه، ولعلّه لذا حكى عن الأستاذ الأكبر دعوى الإجماع على أنّ العبرة بالصورة لا الشبح. (1)

ومراده من الأستاذ الأكبر هو الوحيد البهبهاني قدس سره ظاهراً.

ومع ذلك ذهب جماعة إلى اعتبار خفاء الشبح أيضاً، فمع عدم خفائه لا يصدق التواري كما حكي ذلك عن المدارك والرياض وإن لم نقف عليه في المدارك؛ لأنّه قال في المقام:

وذكر الشارح - الشهيد الثاني - أنّ المعتبر في رؤية الجدار صورته لا شبحه ومقتضى الرواية اعتبار التواري من البيوت والظاهر أنّ معناه وجود الحائل بينه وبينها. (2)

وهذا الكلام كما ترى لا يساعد النسبة المزبورة، بل استظهر من الرواية وجود الحائل بينه وبين البيوت. نعم ظاهر الرياض ذلك.

هذا كلّه بناءً على تفسير الرواية بمذاق القوم من عدم رؤية المسافر البيوت. وأمّا بناءً على ما قلناه من أنّ المراد هو ظاهر الرواية، وهو أن لا يراه أهل البلد، وأنّ المراد من التواري بملاحظة موارد استعمال اللفظة هو الاستتار والاحتجاب الحاصل بالضرب في الأرض، وهذا يناسب خفاء الشبح أيضاً؛ إذ بدونه لا يصدق التحجّب والتستّر كما لا يخفى.

اللّهمّ إلّا أن يدّعى أنّ المفهوم من التواري حسب الظهور العرفي هو الخفاء بالشكل والصورة بحيث لم يعرف أنّه رجل أو إمرأة أو أنّه من أهل البلد أو هو غريب من أهله.

وكيف كان: حيث إنّ المناط عندنا هو قطع الارتباط فلا يبعد تحقّقه بخفاء الصورة والشكل، وإن كان الاحتياط لا ينبغي تركه قبل خفاء الشبح.


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 295.

2) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 457.

لزوم تقدير البلد او القرية في المستوى

مسألة 59:

إذا كان البلد في مكان مرتفع بحيث يرى من بعيد، يقدّر كونه في الموضع المستوي، كما أنّه إذا كان في موضع منخفض يخفي بيسير، أو كان هناك حائل يمنع عن رؤيته كذلك يقدّر في الموضع المستوي وكذا إذا كانت البيوت على خلاف المعتاد من حيث العلوّ أو الإنخفاض فإنّها تردّ إليه. لكنّ الأحوط خفاؤها مطلقاً، وكذا إذا كانت على مكان مرتفع فانّ الأحوط خفاؤها مطلقاً. [1]

[1] أقول ذكر الماتن فروضاً أربعةً:

الفرض الأوّل: ما كان البلد أو القرية في ارتفاع خارج عن المتعارف؛

الفرض الثاني: أن يكون في منخفض كذلك؛

الفرض الثالث: أن يكون خلف حائل من الجبل والأشجار ونحوهما؛

الفرض الرابع: أن تكون البيوت خارجةً عن المعتاد في الارتفاع وإن كان البلد في مكان مستوٍ.

وحكم في الجميع بحكم واحد، وهو فرضها وتقديرها في المكان المستوي، فإذا بلغ المسافر إلى محلّ لا يسمع الأذان أو توارى عن الجدران لو كانت الأرض مستويةً يجب عليه التقصير ذهاباً والتمام إياباً. وهذا هو المعروف بين الأصحاب. قال في الجواهر:

وعلى كلّ حال فالمدار في السماع والرؤية على المعتادين دون الخارقين، وفاقدهما أو أحدهما يقدّرهما كما يقدّر عدم الحائل. (1)

وقد أرسل الحكم إرسال المسلّمات، كما هو ظاهر جملة من الكلمات على ما لاحظت، ولم أر مخالفاً إلّا صاحب المدارك حيث لم يعتبر في المنخفض تقديره في المستوي وقال:

ويحتمل قويّاً الاكتفاء بالتواري في المنخفضة كيف كان لإطلاق الخبر. (2)


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 295.

2) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 458.

أقول: ما ذكره هنا يؤيّد ما قوّيناه سابقاً من كون الملاك في حدّ الترخّص حصول قطع الارتباط بين المسافر وأهل البلد، بحيث لا يعلمون ما فعل به ولا يسمعون استغاثته لو قطع طريقه بلصٍّ أو سبُعٍ ونحو ذلك، فيكون هو موافقاً لنا في هذا المبنى، فتدبّر.

وكيف كان، فما ذكره الأصحاب من التقدير في المستوي مطلقاً لا يخلو عندي من تأمّل وإشكال، وذلك:

أمّا اوّلاً: فلأنّ الوارد في الرواية هو التواري عن البيوت، وقد عرفت أنّ المراد منه هو حصول الحجاب بين المسافر وأهل البلد، فحمل البلد على المعتاد يُنافي إطلاق الرواية، ولا وجه لرفع اليد عن الإطلاق، وكون البلاد في المستوي عادةً أوّل الدعوى؛ إذ كثيراً ما تقع البلاد والقُرى في الأودية وأطراف الجبال كما لا يخفى.

وأمّا ثانياً: فقد ثبت في الأصول أنّ كثرة الوجود - على تقدير تسليمه - لا توجب الانصراف إليها.

وعلى هذا فيشكل الالتزام بما تسالم عليه القوم من تقدير المستوي.

وتوجيه التقدير المزبور بأنّ المقصود من حدّ الترخّص هو حصول الابتعاد من الوطن، ولا يحصل في المنخفض لحصول التواري فيه من قريب جدّاً، مندفعٌ بعدم ما يدلّ على اعتبار الابتعاد كما تقدّم.

وبالجملة: أنّه لا دليل على اعتبار التقدير في المنخفض، فما ذكره في «المدارك» لا يخلو من قوّة.

وأمّا في المرتفع وذي الحائل فالتقدير المزبور وجيهٌ جدّاً؛ إذ لا يحصل الخفاء في المرتفع إلّا في مسافة بعيدة كالفرسخين مثلاً، ومن المقطوع أنّ حدّ الترخّص قبلها بكثير، وكذا في ذي المانع حيث يحصل الخفاء قبل حدّ الترخّص كما لا يخفى فلابدّ من التقدير.

نعم يقع الكلام في أنّ المراد من الرؤية وعدمها هل هو خفاء الصورة والشكل أو الأعمّ منهما والشَّبَح؟

فإن قلنا بالأوّل كما هو المعروف، فلا حاجة أيضاً إلى التقدير لحصول الخفاء بهذا المعنى من بُعد ألف (1000) متر تقريباً. ولو قلنا باعتبار خفاء الشبح، للزم التقدير وحيث قوّينا خفاء الصورة، فلا حاجة إلى تقدير البلد في المستوي أيضاً. ومما ذكرنا يظهر عدم تماميّة ما ذكره المحقّق الخوئي قدس سره، قائلاً:

ما أفاده من لزوم التقدير حينئذٍ هو الصحيح الذي لا ينبغي التأمّل فيه. (1)

هذا كلّه بناءً على اعتبار الابتعاد، أو خفاء الأذان، أو خفاء الجدران، أو هما معاً في حدّ الترخّص. وأمّا بناءً على المختار من أنّ الملاك هو الانقطاع والاحتجاب، فإذا بلغ إلى حدّ لا يعرف بصورته وشكله ولا يسمع صوته واستغاثته، يصدق عليه عدم الرؤية ولو لم يخفَ شبحه، وهذا علامة بلوغه إلى حدّ الترخّص.

نعم لا ريب في حسن الاحتياط قبل خفاء الشَّبَح، فإنّه حسن على كلّ حال.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 209.

التقدير في حال عدم الجدران

مسألة 60:

إذا لم يكن هناك بيوت ولا جدران يعتبر التقدير. نعم في بيوت الأعراب ونحوهم ممّن لا جدران لبيوتهم يكفي خفاؤها، ولا يحتاج إلى تقدير الجدران. [1]

[1] أقول: ربّما ينزل الإنسان في محلّ ويقيم فيه مدّة من غير أن يكون له بيت ولا خيمة، كما إذا نزل في حديقة ونحوها فإنّه يلزمه تقدير البيوت في هذه الصورة، فإذا بَعُدَ من ذلك المحلّ بمقدار لا يرى منه البيوت - لو وجدت هناك - يجب عليه التقصير؛ لبلوغه حدّ الترخّص حينئذٍ.

وأمّا إذا سكن في الخيمة كأهل البادية فلا حاجة إلى التقدير؛ لأنّ الملاك فيها خفاء نفس الخيام؛ لأنّها بيوتهم، وهذا واضح.

أقول: وهذا أيضاً شاهد على عدم اعتبار الابتعاد - خلافاً للمحقّق الخوئي - بل المراد هو قطع الارتباط، فإنّ الخيام تخفى عن البصر بعد مسافة قليلة كما لا يخفى.

المناط فى خفاء الأذان عدم سماع الصوت

مسألة 61:

الظاهر في خفاء الأذان كفاية عدم تمييز فصوله، وإن كان الأحوط اعتبار خفاء مطلق الصوت، حتى المتردّد بين كونه أذاناً أو غيره، فضلاً عن المتميّز كونه أذاناً مع عدم تمییز فصوله. [1]

[1] أقول: قد وقع الخلاف في خفاء الأذان على أقوال ثلاثة:

القول الأوّل: إنّ المدار هو عدم تمييز فصوله، فلو تميّز بعضها عن بعض، فلا يحصل الخفاء، فلا يقصر وقد مال إليه صاحب الجواهر في ابتداء كلامه حيث قال:

بل قد يقال باعتبار مثله - اعتبار الصورة دون الشَّبَح - في الأذان على معنى اعتبار خفاء تمييز فصوله دون نفس الصوت، لنحو ما سمعته أيضاً من عدم صدقه على نفس الصوت... . (1)

أقول لكن سيجيء منه خلاف ذلك فانتظر، وهذا مختار الماتن أيضاً كما لا يخفى وقد نسب إلى الشهيد في «الروضة» وإلى صاحب الميسيّة. ولعلّ الوجه فيه أنّ الملاك هو خفاء الأذان على ما في الرواية، ومع عدم تمييز الفصول يصدق عليه خفاء الأذان؛ لأنّ ما يسمعه ليس بأذان.

القول الثاني: إنّ المدار هو عدم سماع الأذان أصلاً، بأن يعلم أنّه ليس بصوت أذان، فمع سماع صوت يحتمل كونه أذاناً لا يصدق عليه عنوان خفاء الأذان. فظاهر الماتن بل صريحه الاحتياط فيه استحباباً. واستوجه ذلك بأنّه إذا سمع صوتاً يحتمل كونه صوت أذان، لا يصدق عليه الخفاء، وإن كان احتماله ضعيفاً.

القول الثالث: وهو اعتبار خفاء مطلق الصوت، وقد اختاره المقدّس البغداديّ، وقوّاه في «الجواهر» أخيراً حيث قال:


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 295.

لكنّ المقدّس البغداديّ وغيره اعتبر الصوت نفسه، وهو لا يخلو من وجه بل قوّة؛ إذ الظاهر إرادة التمثيل من الأذان لكلّ صوت رفيع يشبهه، وإنّما خصّ به لأنّه في العادة أرفع الأصوات حتى تعارف في العرف الكناية به عن رفع الأصوات، ولأنّه على هذا التقدير تقرب العلامتان من الاتّحاد. (1)

وأنت ترى أنّ كلامه هذا يخالف ما سبق.

وإليه مال السيد الحكيم أيضاً حيث قال عند قول الماتن المتقدّم:

بل مقتضى الجمود على عبارة النصّ خفاؤه بما هو أذان بحيث لا يتميّز أنّه أذان أو غيره. نعم يحتمل قريباً أن يكون المراد خفاء صوت الأذان بما هو صوت عال بمرتبة خاصّة، فيكون عنوان الأذان ملحوظاً طريقا إلى نفس الصوت. (2)

ولا يخفى أنّ هذا يفترق عن الثاني؛ فإنّ المعتبر فيه أن لا يسمع الصوت الذي يحتمل كونه صوت أذان، بخلافه هنا فإنّ المعتبر فيه أن لا يسمع الصوت مطلقاً وإن ذكر الأذان في الرواية من باب التمثيل.

والأظهر عندي هو القول الثاني؛ لأنّه إذا سمع صوتاً وتردّد في كونه أذاناً أو غيره لا يصدق عليه خفاء الأذان؛ لعدم تحقّق العلم بعدم كونه أذاناً فلا يحصل قطع الإرتباط بينه وبين أهل بلده أو قريته، وهذا إنّما يحصل فيما إذا لم تتشخّص الأصوات عنده، وأنّه هل يستغيث أو يقرأ القرآن أو نحو ذلك؟

وأمّا القول بكفاية عدم تمييز بعض الفصول عن بعض - كما مال إليه صاحب الجواهر في ابتداء كلامه مستدلّاً بعدم صدق سماع الأذان - فيشكل الالتزام به لصدق سماع الأذان معه عرفاً كما لا يخفى.

وأمّا ما ذكره البغدادي وقوّاه في الجواهر أخيراً، فيرد عليه أنّ الوارد في الدليل هو خفاء


1) نفس المصدر، ص 296.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 96.

الأذان لا مطلق الصوت؛ لعدم الدليل عليه، ومنه يعلم أنّه لا وجه لجعله وجيهاً أو قويّاً كما فعله في الجواهر، وبه يظهر أيضاً ضعف كلام السيد الحكيم.

فتحصّل أنّ المدار في الحكم هو سماع الأذان وخفاؤه، وهو متوقّف على العلم بأنّه ليس بأذان كما تقدّم، فمع العلم بكون الصوت ليس بصوت أذان يتحقّق حدّ الترخّص، وإلّا فلا.

المدار في اعتبار مكان الأذان آخر البلد

مسألة 62:

الظاهر عدم اعتبار كون الأذان في آخر البلد في ناحية المسافر في البلاد الصغيرة والمتوسّطة، بل المدار أذانها وإن كان في وسط البلد على مأذنة مرتفعة. نعم في البلاد الكبيرة يعتبر كونه في أواخر البلد من ناحية المسافر. [1]

[1] أقول: هل الاعتبار في سماع الأذان وخفائه على أذان آخر البلد من ناحية المسافر، سواء كان البلد صغيراً أم متوسّطاً أم كبيراً، أو يفرق بين البلاد الكبيرة فيعتبر آخرها من ناحية المسافر، وبين غيرها فيكفي مطلق الأذان ولو كان في وسط البلد؟ فيه وجوهٌ، بل أقوال ثلاثة:

القول الأوّل: التفصيل بين البلاد الكبيرة وبين غيرها بأنّ المعتبر في الكبيرة أذان المحلّة، وفي غير الكبيرة أذان البلد.

القول الثاني: التفصيل بين البلاد الكبيرة وغيرها بأنّ المعتبر في الكبيرة آخر البلد، وفي غيرها أذان البلد مطلقاً، كما ذكره الماتن.

القول الثالث: عدم الفرق بين البلاد الكبيرة وغيرها، في أنّ المعتبر أذان آخر البلد في الجميع.

أمّا القول الأوّل، فالظاهر كونه مشهوراً بين القدماء وجملة من المتأخّرين، ومنهم سيدنا الأُستاذ كما في حاشية العروة، بل ظاهر الحدائق والجواهر كونه متسالماً عليه بين القدماء، حيث قال:

ثمّ إنّهم صرّحوا أيضاً بأنّ ما دلّت عليه الأخبار المتقدّمة من خفاء البيوت وخفاء الأذان المراد بيوت البلد وأذانه بالنسبة إلى القرية أو البلاد الصغيرة أو المتوسّطة، وأمّا لو كانت البلدة كبيرة متّسعة، - قالوا وهي الّتي اتّسعت خطّتها بحيث تخرج عن العادة - فإنّهم جعلوا لكلّ محلّة منها حكم نفسها بالنسبة إلى تقدير مسافة الترخّص الّتي هي عبارة عن خفاء الأذان والجدران عند السفر منها، فقالوا: إنّ الاعتبار في خفاء الأذان والجدران الموجب للتقصير مبدؤه من آخر خطّة البلد،

إلّا أن تكون متّسعة على الوجه المذكور، فالمعتبر جدران آخر المحلّة، وكذا أذان مسجد المحلّة. (1)

وذكر في الجواهر ما يقرب منه، فراجع. (2)

ومع ذلك أورد عليه في الحدائق بأمرين:

الأمر الأوّل: عدم الدليل على مدّعى القوم.

الأمر الثاني: وجود الدليل على خلافهم.

قال بعد كلامه السابق:

ولم نظفر لهم في هذا الفرق والتفصيل ولا في اعتبار المحلّة بدليل يعتمد عليه، ولم يصرّح أحدٌ منهم بالدليل على ذلك وكأنّه أمر مسلّم بينهم، بل ربما دلّت ظواهر الأخبار المتقدّمة على ردّه نظراً إلى إطلاقها أو عمومها، ويعضد ذلك أيضاً موثّقة غياث بن إبراهيم، عن الصادق علیه السلام عن أبيه الباقر علیه السلام أنّه يقصّر الصلاة حين يخرج من الكوفة في أوّل صلاة تحضره. (3)(4)

أقول: حاصله أنّ العناوين الواردة في النصوص - كالبلد والمصر- مطلقة لا يعلم منها التفصيل المزبور، ووجه اعتضاده بالموثّقة أنّ القائلين بالفرق بين البلاد الكبيرة وغيرها مثّلوا بمثل الكوفة، فلو كان المعتبر فيها هي المحلّة فلماذا يؤخّر الإمام علیه السلام صلاته إلى خارجها؟

تنبيهٌ:

أعلم أنّ صاحب الحدائق لا يقول باعتبار حدّ الترخّص في العود، ومع ذلك استدلّ بخبر حمّاد بن عثمان (المسافر يقصّر حتى يدخل المصر) (5)على اعتباره في العود حيث قال -


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 410.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 297.

3) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 410.

4) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 472، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 5.

5) نفس المصدر، ص 473، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 8.

بعد نقل الخبر -:

إنّ المراد بدخول المصر الوصول إلى أوّل حدوده وهو تجاوز محلّ الترخّص داخلاً، فإنّه لمّا كانت حدود البلد منتهية إلى المكان المشار إليه فبدخولها يصدق دخول المصر كما هو ظاهر. (1)

وهذا منه عجيب جدّاً، كما لا يخفى على المتأمّل. اللّهمّ إلّا أن يكون مراده استظهار عدم الفرق بين القُرى والبلاد الصغيرة وبين الكبيرة من لفظة «المصر» الظاهرة في البلاد الكبيرة وقد كان المتعارف في الأزمنة القديمة إطلاق المصرين على الكوفة والبصرة لكِبَرهما.

وكيف كان، فما أورده البحرانيّ من الإشكال على الفرق بين البلاد الكبيرة وغيرها قوىّ جدّاً لعدم الدليل عليه ...

ولعلّه لهذا وافقه في «الجواهر» حيث قال:

إلّا أنّه قد يشكل بعدم صدق السفر والضرب في الأرض مع فرض اتحاد سورها واتّصال دورها وأزقّتها على نحو اتصال غير المتّسعة أو أشدّ وإن عظمت، ضرورة صدق كونها بلاداً واحدة فيشملها إطلاق الأدلّة حينئذٍ أو عمومها وإلّا اعتبرت نيّة الإقامة فيها كذلك أيضاً، ولعلّه لهذا بالغ المحدّث البحرانيّ في الإنكار على الأصحاب بالنسبة للحكم المزبور بعد اعترافه بأنّه كالمسلّم عندهم، وتبعه المقدّس البغدادي. (2)

وقد تصدّى لتوجيه كلام الأصحاب بعد ذلك فقال:

لكن قد ينزّل إطلاق الأصحاب على إرادة المُسمّاة بإسم بلاد واحدة، إلّا أنّها هي كالقُرى المتقاربة في انفصال محلّها ودورها وأزّقتها كما يحكى عن اصبهان، وربما يومي إلى ذلك تمثيلهم لها بالكوفة الّتي قيل إنّ بيوتها في ذلك الزمان


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 410.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 297.

ممتدّة إلى أربعة فراسخ؛ إذ الظاهر أنّ امتدادها كان كما ذكرنا. (1)

أقول: فيه ما لا يخفى؛ إذ لو كان الأمر في بلدة الكوفة كذلك كان حمل إطلاق كلامهم عليها حملاً للمطلق على فرد نادر جدّاً، مع أنّ كون الكوفة في ذلك الزمان بهذه السعة لا شاهد له، بل هو بعيد جدّاً حيث كانوا يبنون البيوت متقاربة من جهة المسائل الإداريّة والأمنيّة ونحوها، مضافاً إلى أنّه يبعد إمكان احداث سور واحد حول بلاد كذلك بل يمتنع، وقد ثبت في التاريخ وجود السور حول البلاد، وكانت آثاره باقية إلى ما يقرب من عصرنا.

هذا مع أنّه لم يشر إلى الجواب عن إطلاق الروايات، وقد تقدّم أنّ الموثّقة ومرسلة حمّاد (2)تدلّان على اعتبار التواري عن البيوت في تحقّق حدّ الترخّص، ومن الظاهر أنّه لا يصدق التواري عن البيوت مادام هو داخل المحلّة كما لا يخفى.

والحاصل: أنّ ما ذكره في «الجواهر» من التوجيه لا يدفع ما أورده البحراني، ولعلّه لهذا احتاط في آخر كلامه قائلاً:

الأحوط الجمع بين القصر والإتمام في الفرض. (3)

وأمّا القول الثاني: وهو التفصيل بين كون الملاك هو أذان البلد مطلقاً في غير الكبيرة وبين أذان آخر البلد في الكبيرة فقد اختاره الماتن كما عرفت، ويظهر من المحقق الخوئى أنّه من المسلّمات قال:

فإنّ البلد الصغير أو المتوسّط لو كان بحيث يسمع الأذان من خارجه لا مانع من كونه مشمولاً للإطلاق وإن كان الأذان في وسطه على مأذنة مرتفعة فلا يعتبر لحاظه في آخر البلد. نعم في البلدان الكبيرة حيث لم يسمع الأذان الصادر من وسطها من الخارج لا مناص من اعتبار الأذان الصادر في آخر المحلّة من ناحية


1) نفس المصدر، ص 298.

2) وسائل الشيعة؛ ج 8، ص 472 - 473، باب 6 من أبواب صلاة المسافر ، ح 5 و 8.

3) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 298.

المسافر كما هو ظاهر. (1)

أقول: في كلامه نظر من وجهين:

الوجه الأوّل: أنّ ما ذكره من شمول الإطلاق على من يسمع الأذان من خارج البلد الصغير أو المتوسّط يناقض ما ذكره سابقاً من اعتبار الابتعاد في حدّ الترخّص.

توضيحه: أنّه لو فرضنا أنّ المسافر يسمع الأذان من خارج البلد من قرب سوره ولكنّه لو بَعُدَ من السور خطوات عديدة كالخمسين مثلاً لا يسمعه، فإنّ لازم ما ذكره هنا وجوب القصر عليه في هذا المكان مع أنّه لم يحصل الابتعاد بعدُ كما لا يخفى.

وإن قلت: ولعلّه لا يكتفي بمجرد خفاء الأذان بل يشترط خفاء الجدران أيضاً.

قلت: هذا ليس بصحيح لما تقدم منّا أنّ الأصل في حدّ الترخّص عنده هو خفاء الأذان وحده، وأمّا التواري فهو أمارة عليه.

الوجه الثاني: أنّه إحالة على المجهول؛ إذ لم يعيّن معيار البلدان الكبيرة أو غيرها في الشريعة، وكلامه المذكور وإن كان ظاهراً في أنّ المعيار في ذلك سماع الأذان من خارج البلد وعدم سماعه كذلك، فإن سمعه فهو صغير أو متوسّط وإلّا فهو كبير، إلّا أنّه لا دليل عليه جزماً، ولعلّه لهذا قال:

لا مناص من اعتبار الأذان الصادر من آخر المحلّة.

وبالجملة أنّ المدار على الأذان الواقع في آخر البلد من ناحية المسافر؛ لأنّ حمله على الغير يحتاج إلى قرينة. وهو الذي اختاره في المستمسك حيث قال:

بل مقتضى إطلاق تقدير البعد الكائن بين المسافر والبلد بذلك هو اعتبار ما ذكر -كون الأذان في آخر البلد من ناحية المسافر - ؛ لأنّ إرادة غيره تحتاج إلى نصب قرينة. نعم لو كان للأذان محلّ معيّن وسط البلد أو غيره كان منصرف التقدير ذلك لا غير، لكنّه ليس كذلك بل يجوز أن يكون فيه وفي آخر البلد من ناحية المسافر


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 212.

ومن الناحية الأُخرى وغير ذلك من المواضع، فيتعيّن ما ذكرناه. (1)

أقول: ما ذكره هنا حسن جدّاً لا معدل عنه، وهو مختار صاحب الجواهر في أوّل كلامه حيث قال:

الظاهر اعتبار كون الأذان في آخر البلد كما صرّح به بعضهم. (2)

فعلم من تمام ذلك أنّ الاظهر هو القول الثالث.


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 97.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 296.

يعتبر كون الأذان على مرتفع

مسألة 63:

يعتبر كون الأذان على مرتفع معتاد في أذان ذلك البلد ولو منارة غير خارجة عن المتعارف في العُلوّ. [1]

[1] أقول: قد ورد في الشريعة تحديد الحدود في موارد كثيرة، كتحديد الكرّ بالشِّبْر، والمسافة بالذراع، وحدّ الترخّص بالأذان أو رؤية الجدران، ونحو ذلك، وحيث إنّ أشبار الناس وذراعهم وعلوّ صوتهم ورؤية أبصارهم مختلفة جدّاً، فقد اعتبر الشارع المتعارف منها تسهيلاً في ذلك لهم، ومن الظاهر أنّ الأذان يقع غالباً في مكان مرتفع كالمنارة مثلاً، ويعتبر كونها أيضاً متعارفة في العلوّ، ولا فرق في ذلك بين البلاد، وأمّا ما يظهر من بعضهم من اعتبار متعارف كلّ بلد بالنسبة إليه فلا شاهد له.

والوجه في ذلك كلّه أنّ وجود المتعارف فيما ذكر من الأشبار والمنارات والذراع ونحوها يصلح أن يكون قرينة على حمل المطلقات عليه، وأمّا إرادة غير المتعارف تحتاج إلى قرينة أُخرى. ويظهر من السيد الحكيم اعتبار ما هو المتعارف في زمن صدور الأخبار، حيث قال:

نعم لابدّ من مراعاة المعتاد في عصر صدور النصوص لا المعتاد في كلّ زمان بحيث يختلف الحدّ باختلاف الاعتبار بحسب الأزمنة، فإنّه خلاف ظاهر الدليل. (1)

أقول: ما ذكره جيّد لا معدل عنه.


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 97.

المعتبر في عين الراني و أذن السامع

مسألة 64:

المدار في عين الرائي وأُذن السامع على المتوسّط من الرؤية والسّماع في الهواء الخالي عن الغُبار والرّيح ونحوهما من الموانع عن الرؤية أو السماع، فغير المتوسّط يرجع إليه، كما أنّ الصوت الخارق في العلوّ يردّ إلى المعتاد المتوسّط. [1]

[1] أقول: قد ظهر الحال في هذه المسألة مما ذكرناه في المسألة السابقة فلا حاجة إلى الإعادة، ولا يخفى أنّ ذكر الغبار مثال لوجود المانع من الرؤية، كما أنّ الريح مثال لوجود المانع من السماع، فإنّ الريح توجب عدم السماع من مكان قريب، لانحراف الصوت إلى غير جهة السامع، ولم يتعرّض لصورة موافقة الريح جهة السامع، فإنّ الصوت حينئذٍ يسمع من البعيد، ولابدّ من أن يحمل على المتعارف أيضاً في ذلك.

في ان الاقامة قاطعة للحكم او الموضوع

مسألة 65:

الأقوى عدم اختصاص اعتبار حدّ الترخّص بالوطن فيجري في محلّ الإقامة أيضاً، بل وفي المكان الّذي بقي فيه ثلاثين يوماً متردّداً، وكما لا فرق في الوطن بين ابتداء السفر والعود عنه في اعتبار حدّ الترخّص، كذلك في محلّ الإقامة، فلو وصل في سفره إلى حدّ الترخّص من مكان عزم على الإقامة فيه، ينقطع حكم السفر ويجب عليه أن يتمّ، وإن كان الأحوط التأخير إلى الوصول إلى المنزل كما في الوطن.

نعم لا يعتبر حدّ الترخّص في غير الثلاثة، كما إذا ذهب لطلب الغريم أو الآبق بدون قصد المسافة، ثمّ في الأثناء قصدها فإنّه يكفي فيه الضرب في الأرض. [1]

[1] أقول: هل يعتبر حدّ الترخّص في محلّ الإقامة وكذا في المكان الّذي بقي فيه المكلف ثلاثين يوماً متردّداً أو لا يعتبر؟ فيقع الكلام في مقامات ثلاث:

1.

في اعتبار حدّ الترخص في محلّ الإقامة وعدمه؛

2.

اعتباره في محلّ التردّد وعدمه؛

3.

عدم اعتباره في طالب الضالّة والآبق.

أمّا المقام الأوّل: وهو العمدة في الكلام؛ إذ منه يظهر حال المقامين الأخيرين. فهل يعتبر فيها حدّ الترخّص مطلقاً، أو لا، أو يفصّل بين الورود فيه فلا يعتبر وبين الخروج منه فيعتبر؟ وجوه، بل أقوال:

أمّا القول الأوّل: وهو اعتبار الحدّ مطلقاً فقد نسب إلى الحلّي في «السرائر» وظاهر «التذكرة»، بل ظاهر الأكثر، قال في «الجواهر»:

لكن عن «السرائر» وظاهر «التذكرة» وغيرهما اعتبار ذلك فيه. بل قيل: إنّه يستفاد من كلام الأكثر في مواضع، بل هو صريح كلامهم في مسألة ناوي الإقامة في بلد

حيث ذكروا هناك أنّه لا يضرّه التردّد في نواحيها ما لم يبلغ محلّ الترخّص متسالمين عليه. (1)

ونسبه السيد الحكيم إلى «نفائح الأفكار» و«المدارك» و«السرائر» و«كشف الالتباس» و«الذخيرة» و«الذكرى» ومال هو إليه أيضاً في آخر كلامه، حيث قال:

نعم يمكن أن يقال إنّه لو فرض اختصاص صحیح محمد بن مسلم بالوطن، يمكن دعوى أنّ الغرض منه تحديد الموضع الذي يجب فيه التمام وتمييزه عمّا يجب فيه القصر بلا خصوصيّة للوطن عرفاً - إلى أن قال:- فلعلّ هذا بضميمة ما أشرنا إليه سابقاً من كون الإقامة قاطعة لموضوع السفر حقيقة، كاف في البناء على الإطلاق. (2)

واختاره الشيخ الحائري وأطال فيه الكلام . (3)

وأمّا القول الثاني: وهو عدم الإعتبار مطلقاً فيظهر اختياره من الشيخ الأنصاري حيث قال:

ولو خرج المقيم ناوياً لمسافة جديدة فالظاهر أنّه يقصّر بمجرّد الخروج عن محلّ الإقامة وإن لم يبلغ إلى حدّ الخفاء؛ لعمومات القصر القاطعة لاستصحاب عدمه السليمة عن أدلّة اعتبار حدّ الترخّص المختصّة عند التأمّل بمن خرج من وطنه، وإن كان ظاهر صحيحة ابن مسلم توهّم الشمول المطلق الخارج. (4)

واختاره في (الجواهر) أيضاً قال:

أمّا غيره - أي غير المسافر من بلده -كالهائم والعاصي بسفره ونحوهما، فلا محلّ ترخّص لهما بل يقصّران بمجرد قصد المسافة بعد ظهور أدلّة المقام في غير ذلك،


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 298.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 98.

3) كتاب الصلاة؛ ص 625.

4) كتاب الصلاة؛ ص 401، 402.

بل المتبادر منها غير محلّ الإقامة أيضاً. (1)

ونحوه في رسالته «نجاة لعباد».

والعجب من العلّامة الأنصاري حيث تأمّل في اعتبار الحدّ في محلّ الإقامة في حاشية النجاة مع اختياره عدم الاعتبار في كتاب صلاته كما عرفت.

وكيف كان، فتبعهما المحقّق الخوئي قدس سره، قائلاً:

والظاهر عدم الاعتبار وأوضحه بكلام طويل. (2)

وقال في حاشيته للعروة:

بل الأقوى الاختصاص.

ويظهر عدم اعتباره أيضاً من سيدنا الأُستاذ كما في تعليقته على العروة.

وأمّا الثالث: وهو عدم الاعتبار في الدخول والاعتبار في الخروج عن محلّ الإقامة. فقد نسب إلى الشهيد الثاني وسبطه صاحب المدارك والخراساني، بل ببالي أنّ الشهيد الثاني يصرّح بذلك في شرحه على الإرشاد. (3)

قال في المدارك:

إذا سبقت نيّة المقام ببلد عشرة أيّام على الوصول إليه ففي انقطاع السفر بما ينقطع بالوصول إلى بلده من مشاهدة الجدار أو سماع الأذان وجهان، أظهرهما البقاء على القصر إلى أن يصل إلى البلد - ثمّ قال: - ولو خرج من موضع الإقامة إلى مسافة ففي ترخّصه بمجرد الخروج أو بخفاء الجدران أو الأذان الوجهان، والمتّجه هنا اعتبار الوصول إلى محلّ الترخّص. (4)

ويلاحظ عليه: أنّ الاستدلال لكلّ واحد من الأقوال مبنيّ على الخلاف في أنّ الإقامة


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 298.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 214.

3) روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان؛ ص 387.

4) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 461.

عشرة أيّام قاطعة لموضوع السفر أو حكمه فينبغي لنا التعرّض لذلك الخلاف وبيان المختار فيه ليتّضح الحال.

فنقول: ذهب الأكثر إلى أنّ الإقامة عشرة أياّم توجب انقطاع السفر موضوعاً ويصير المقيم غير مسافر رأساً.

وذهب الآخرون إلى كونها قاطعة لحكم السفر بمعنى أنّ المقيم مسافر عرفاً ولغةً، إلّا أنّه يجب عليه التمام في محلّ الإقامة شرعاً فأدلّة القصر قد خصّصت بأدلّة الإقامة.

فإن قلنا بالقطع الموضوعيّ وأنّه ليس بمسافر يشمله صحیح محمد بن مسلم:

«قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: الرَّجُلُ يُرِيدُ السَّفَرَ مَتَى يُقَصِّرُ قَالَ إِذَا تَوَارَى مِنَ الْبُيُوتِ الْحَدِيثَ». (1)

لأنّ المقيم على هذا التقرير رجل يريد السفر.

وهذا بخلاف ما لو قلنا بالقطع الحكميّ - وأنّه مسافر حال الإقامة حقيقةً أيضاً- فإنّه لا يشمله الصحيح المزبور؛ إذ هو مسافر بالفعل وإلّا يلزم تحصيل الحاصل.

ومن هنا عبّر الشيخ الأنصاري في كلامه المتقدّم بتوهّم شمول الصحيح لمطلق الخارج عن البلد وعلى كلّ حال الوجه الثانى هو الأقوى، وأنّه ليس مسافراً حكماً تعبّداً وإن كان مسافراً حقيقة.

ومنه يعلم أنّه لا دليل صالح على كون محلّ الإقامة بحكم الوطن في اعتبار محل الترخّص، وأنّ ما استدلّ له من الروايات الآتية ليس كما ينبغي على ما يأتي.

إذا تحرّر ذلك فنقول: قد استدلّوا على القول الأوّل - اعتبار حدّ الترخّص في محل الإقامة مطلقاً - بوجوه كلّها ضعيفة:

الوجه الأوّل: ما أُشير إليه من أنّ الإقامة قاطعة للسفر حقيقة وموضوعاً، كما عليه جماعة،


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 471، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح1.

منهم السيد الحكيم. (1)وعليه يشمله قوله علیه السلام:

«قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: الرَّجُلُ يُرِيدُ السَّفَرَ مَتَى يُقَصِّرُ قَالَ إِذَا تَوَارَى مِنَ الْبُيُوتِ الْحَدِيثَ». (2)

حيث يدلّ على أنّ كلّ مسافر يريد السفر - بعد أن لم يكن مسافراً- يقصّر إذا تجاوز عن حدّ الترخّص، وهذا واضح.

والعجب من السيد الحكيم فإنّه مع اعتقاده بكون القطع موضوعيّاً قال في آخر كلامه:

«والمسألة لا تخلو عن إشكال». (3)

اللّهم إلّا أن يوجّه بأنّه ليس جازماً بالقطع الموضوعي.

وأمّا بناءاً على كونها قاطعةً للسفر تعبّداً كما هو الصحيح عندنا، أو كانت قاطعة له حكماً كما عليه المحقّق الخوئي قدس سره، فلا وجه للتمسّك بالصحيحة؛ إذ الرجل ليس يريد السفر هنا، بل هو مسافر من ذي قبل.

والحاصل: أنّ الصحيحة المزبورة لا تدلّ على اعتبار حدّ الترخّص في محلّ الإقامة.

الوجه الثاني: رواية حمّاد بن عثمان:

«إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ أَتْمَ الْمُسَافِرُ». (4)

بتقريب أنّ إطلاقه يقتضي أنّ من سمع الأذان مع وصف كونه مسافراً يتمّ، فالمقيم يتمّ صلاته دخولاً وخروجاً إذا سمع الأذان.

وفيه أوّلاً: أنّها ضعيفة سنداً للإرسال على ما حقّقناه سابقاً وبه صرّح المحقّق الخوئي قدس سره، في المقام حيث قال:


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 98.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 471، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 98.

4) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 473، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح7.

إنّها ضعيفة السند للإرسال، فإنّ حمّاداً يرويها عن رجل عن أبي عبد الله علیه السلام. (1)

وثانياً: أنّها قاصرة الدلالة؛ لعدم إطلاق لها، لأنّ المراد منها المسافر الذي ابتدأ بالسفر من بلده حسب ما يفهمه أهل العرف، فلا يشمل الخبر الدخول في محلّ الإقامة والخروج منه كما لا يخفى، مضافاً إلى أنّ الأخذ بظاهرها مستلزم للحكم بوجوب الإتمام للمسافر الذي يسمع أذان القرية أو البلد الذي يمرّ عليهما في أثناء سفره، وإن لم يكن وطناً له، وهذا لا يلتزم به أحد.

الوجه الثالث: صحيحة عبدالله بن سنان، قال:

«عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ التَّقْصِيرِ قَالَ إِذَا كُنْتَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَسْمَعُ فِيهِ الْأَذَانَ فَأَتِمَّ وَإِذَا كُنْتَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا تَسْمَعُ فِيهِ الْأَذَانَ فَقَصِّرْ وَإِذَا قَدِمْتَ مِنْ سَفَرِكَ فَمِثْلُ ذَلِكَ». (2)

بالتقريب الذي قدّمناه في خبر حمّاد المزبور.

وفيه: أنّها أوضح حالاً في عدم الإطلاق من الخبر السابق خصوصاً بملاحظة قوله علیه السلام، في الذيل: «وإذا قدمت من سفرك فمثل ذلك» حيث إنّ القدوم من السفر لا يكون إلّا إلى الوطن لا محلّ الإقامة، فتكون الصحيحة صريحة في السفر الخاصّ، وهو من سافر من بلده ثمّ رجع إليه.

الوجه الرابع: صحيحة زرارة، عن أبي عبدالله علیه السلام قال:

«قَالَ: مَنْ قَدِمَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ وَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ - فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنِّي وَجَبَ عَلَيْهِ التَّقْصِيرُ فَإِذَا زَارَ الْبَيْتَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ إِذَا رَجَعَ إِلَى مِنًى حَتَّى يَنْفِر». (3)

بتقريب أنّه نزّل المقيم عشرة أيّام بمكّة منزلة أهلها في إتمام الصلاة وغيره من الأحكام،


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 215.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 472، باب 6 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

3) نفس المصدر، ص 464، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

ومن الظاهر أنّه لا خصوصيّة لذكر مكّة، فهي من باب المثال، فكما لا ريب في اعتبار حد الترخّص لأهل مكّة فكذلك للمقيم فيها عشرة أيّام.

وفيه: أنّها وإن كانت معتبرة إلّا أنّها غير معمول بها عند الأصحاب حتى في موردها، فهي مهجورة لا يمكن العمل بها.

وبالجملة فليست الصحيحة حجّة عندهم، وعلى تقدير التنازل يختصّ الحكم الّذي تضمّنته الصحيحة على موردها، وهو مكّة، فلا يتعدّى منها إلى غيرها، كما أشار إليه بعضهم.

فتحصّل: أنّه لا دليل يصلح على اعتبار حدّ الترخّص في محلّ الإقامة مطلقاً، فما اختاره الشيخ تبعاً لصاحب الجواهر من عدم حدّ في محلّ الإقامة هو الأقوى، وإن كان لا ينبغي ترك الاحتياط بالجمع - خروجاً ودخولاً - خصوصاً في الخروج، هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.

وأمّا المقام الثاني: في اعتبار حدّ الترخّص في محلّ التردّد ثلاثين يوماً وعدمه.

فنقول: ظاهر كلام السيد بل صريحه هو الاعتبار في خصوص الخروج منه؛ إذ لا معنى لاعتباره في الدخول فيه، ويظهر ذلك أيضاً من صدر كلام السيد الحكيم.

ولكن مقتضى ما قدّمناه في محلّ الإقامة - من أنّه لا دليل صالح على اعتبار حدّ الترخّص فيها- عدمه هنا بطريق أولى، وهذا واضح لا حاجة فيه إلى الإطالة.

بقي هنا شيء: وهو أنّه هل يعتبر التلبّس بالسير في مثل العاصي بسفره بعد قصد الإباحة والصائد لهواً، بعد قصده للقوت، وطالب الآبق أو الضالّة، بعد قصد المسافة والمحمول حالة الإغماء، بعد الإفاقة والخارج من محلّ التردّد، بعد أن بقي أكثر من ثلاثين يوماً أو لا يعتبر ذلك؟ ظاهر الأكثر هو الأوّل، وقد صرّح به المصنّف بقوله: «فإنّه يكفي فيه الضرب في الأرض».

بل هذا هو المعروف بين الأصحاب، كما تقدّم في ذيل مسألة 23، فراجع إن شئت؛ ومن هنا قال السيد الحكيم:

نعم لابدّ على المعروف - كما سبق - من وجوب كون الباقي مسافة، ومن وجوب

الشروع فيه ولا يفطر بمجرد العدول. (1)

والظاهر أنّ نظر السيد في جميع الموارد هو اعتبار التلبّس بالسير، أي الضرب في الأرض بعد انقلاب النيّة.

والظاهر أنّ مستند القوم في ذلك موثّقة عمّار ومعتبرة محمد بن أسلم.

أمّا الموثّقة، فهي ما رواه عمّار عن أبي عبدالله علیه السلام قال:

«قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي حَاجَةٍ فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ فَيَأْتِي قَرْيَةً فَيَنْزِلُ فِيهَا ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أُخْرَى أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ثُمَّ يَنْزِلُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع قَالَ لَا يَكُونُ مُسَافِراً حَتَّى يَسِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ فَلْيُتِمَ الصَّلَاةَ». (2)

بتقريب أنّه مادام كان ساكناً بعد العدول من قصده ولم يتلبّس بالضرب في الأرض، فلا يصدق عليه عنوان المسافر.

وفيه: أنّه يحتمل قويّاً كونها ناظرة إلى من يسافر من وطنه ابتداء السفر، وذلك لمكان قوله: «من منزله أو قريته»؛ إذ ليس المراد من منزله، هو منزل الإقامة لعدم القرينة عليه. وليس لها إطلاق يشمل المقام، نعم تدلّ على عدم كون طالب الضالّة أو الآبق مسافراً.

وأمّا المعتبرة: فهي ما رواه محمد بن اسلم عن أبي عبد الله علیه السلام:

«سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام عَنْ قَوْمٍ خَرَجُوا فِي سَفَرٍ فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ التَّقْصِيرُ قَصَّرُوا مِنَ الصَّلَاةِ فَلَمَّا صَارُوا عَلَى فَرْسَخَيْنِ أَوْ عَلَى ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ أَوْ أَرْبَعَةٍ تَخَلَّفَ عَنْهُمْ رَجُلٌ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمْ سَفَرُهُمْ إِلَّا بِهِ فَأَقَامُوا يَنْتَظِرُونَ مَجِينَهُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَقِيمُ لَهُمُ السَّفَرُ إِلَّا بِمَجِيئِهِ إِلَيْهِمْ فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ أَيَّاماً لَا يَدْرُونَ هَلْ يَمْضُونَ فِي سَفَرِهِمْ أَوْ يَنْصَرِفُونَ هَلْ يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ أَمْ يُقِيمُوا عَلَى تَقْصِيرِهِمْ قَالَ إِنْ كَانُوا بَلَغُوا مَسِيرَةَ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ فَلْيُقِيمُوا عَلَى تَقْصِيرِهِمْ أَقَامُوا أَمِ انْصَرَفُوا وَ إِنْ كَانُوا سَارُوا أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ فَرَاسِخَ فَلْيُتِمُّوا الصَّلَاةَ


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 66.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 469، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

هل يعتبر التلبّس بالسير في القصر

قَامُوا أَوِ انْصَرَفُوا فَإِذَا مَضَوْا فَلْيُقَصِّرُوا». (1)

فيمكن الاستظهار منها بأنّ السير - أي المضي بعد انقلاب النيّة - معتبر في ترتّب القصر، وقد قلنا في محلّه أنّ الرواية معتبرة عندنا؛ لعدم ثبوت نسبة الغلوّ إليه فراجع إن شئت.

ولكن الرواية لا تخلو من إشكال من جهة الدلالة؛ لاحتمال أن يكون المراد من قوله علیه السلام: «فإذا مضوا ...» أنّهم إذا قصدوا السفر بعد أن لم يكونوا قاصدين ذلك يجب عليهم القصر، فلا ينعقد لها الإطلاق أيضاً، ولعلّه لهذا اختار السيد في بعض المقامات عدم اعتبار التلبّس بالسير حيث حكم بوجوب القصر بمجرد العدول عن النيّة من غير تقييده بالسير والمُضيّ حيث قال في مسألة 33:

وأمّا لو كان ابتداء سفره معصية فعدل في الأثناء إلى الطاعة، فإن كان الباقي مسافة فلا إشكال في القصر، وإن كانت ملفّقة من الذهاب والإياب... .

وذكر مثله في مسألة (43) أيضاً.

وقال المحقّق الخوئي قدس سره:

إذا كان ابتداء سفره معصية فعدل إلى المباح، فإن كان الباقي مسافة قصّر، وإلّا أتمّ... . (2)

فظاهر كلامهما هو عدم اعتبار التلبّس بالسفر.

إذا تحرّر ذلك فنقول: الأظهر عندنا التفصيل بين طالب الضالّة والآبق والمُغمى عليه وبين العاصي بسفره والصائد لهواً إذا عادا إلى المباح وغير اللّهو، فيعتبر التلبّس بالسير في الثلاثة الأُوَل دون الأخيرين. (3)

والوجه في ذلك أنّ ما قطعه طالب الضالّة وكذا الآبق والمُغمى عليه في تلك الحال لا يعدّ


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 469، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح10.

2) منهاج الصالحين؛ مسألة 903.

3) هذا منه سلّمه الله تعالى يدل على عدوله عما اختاره في مسألة 33 من عدم فرقه بين المسئلتين.

سفراً شرعاً لعدم قصد لهم، فلا ينقلب حكمهم إلى القصر إلّا بعد تحقّق موضوعه، وهو التلبّس بالسير مع قصد السفر.

وأمّا في الأخيرين: فلا حاجة إلى التلبّس بالسير؛ إذ المفروض أنّهما مسافران بالفعل عرفاً ولغةً بل شرعاً، غاية الأمر أنّ الشارع حكم فيهما بالتمام من جهة عدم صلاحيتهما بالإحسان والإرفاق - أي القصر - لكونهما عاصياً ولاهياً فإذا عدلا إلى الإباحة يترتّب عليهما الحكم؛ لأنّ أحد جزئي الموضوع -وهو السفر- موجود في الحال وجزءه الآخر –وهو المباح- قد تحقّق بمجرد العدول.

وأمّا المقام الثالث: أعني عدم اعتبار حدّ الترخّص في طالب الضالّة والآبق، فقد ظهر وجهه مما ذكرناه آنفاً فلا نعيد.

الشك في بلوغ حدّ الترخص

مسألة 66:

إذا شك في البلوغ إلى حدّ الترخّص بنى على عدمه، فيبقى على التمام في الذهاب وعلى القصر في الإياب. [1]

[1] أقول: ما حكم به من البقاء على التمام ذهاباً وعلى القصر إياباً إنّما هو من جهة استصحاب عدم الوصول إلى حدّ الترخّص، فإنّ الشبهة موضوعيّة يجري فيها الاستصحاب ويترتّب عليه أثره الشرعي، وهذا واضح لا كلام فيه.

نعم يمكن أن يكون هناك علم إجماليّ يمنع عن الرجوع إلى الاستصحاب كما أشار إليه المحقّق الخوئي قدس سره وبعض المحشّين.

توضيحه: أنّه لو صلّى قصراً في الإياب مع الشك في بلوغه الحدّ واتّفق ذلك بعينه في نفس المكان الذي شكّ فيه في الذهاب، ففي مثله لا يمكن الجمع بين الاستصحابين، للعلم الإجمالي ببطلان إحدى الصلاتين: إمّا الأُولى الّتي كان صلّاها تماماً أو الثانية الّتي صلّاها قصراً كما لا يخفى.

بل ربّما يحصل علم تفصيليّ ببطلان إحداهما معيّنةً - وهي العصر - كما إذا صلّى الظهر تماماً في الذهاب استصحاباً؛ لعدم بلوغ الحدّ واتّفق له أن صلّى العصر من ذلك اليوم قصراً في الإياب في نفس المكان الذي كان صلّى فيه الظهر تماماً، فإنّه يعلم ببطلان العصر تفصيلاً، إمّا من جهة بطلان الظهر لوقوعها خارج الحدّ وإمّا من جهة وقوع العصر دون حدّ الترخّص وكان تكليفه الإتمام ولعلّه لهذا أفتى بعض المحشّين بوجوب الجمع بين قضاء ما صلّى فيه تماماً قصراً وبين إعادة ما صلّاه قصراً تماماً.

أقول: لا يخفى أنّ ما ذكره أحوط، بل لا يترك الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام في الذهاب والإياب معاً، فيما إذا علم قبلاً ابتلائه بالعلم الإجمالي. وقد أطال المحقّق الخوئي قدس سره، في هذا المقام، وقد أضربنا عنه، لوضوح المطلب.

الوصول الى حدّ الترخّص أثناء الصلاة

مسألة 67:

إذا كان في السفينة أو العربة فشرع في الصلاة قبل حدّ الترخّص ثمّ في الأثناء وصل إليه، فإن كان قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة أتمّها قصراً وصحّت، بل وكذا إذا دخل فيه قبل الدخول في الركوع، وإن كان بعده فيحتمل وجوب الإتمام؛ لأنّ الصلاة على ما افتتحت، لكنّه مشكل فلا يترك الاحتياط بالإعادة قصراً أيضاً. وإذا شرع في الصلاة في حال العود قبل الوصول إلى الحدّ بنيّة القصر ثمّ في الأثناء وصل إليه أتمّها تماماً وصحّت، والأحوط - في وجه- إتمامها قصراً ثمّ إعادتها تماماً. [1]

[1] أقول: قد ذكر في المسألة فرعين:

أحدهما: إذا شرع في الصلاة بنيّة التمام قبل الوصول إلى حدّ الترخّص ثمّ وصل إليه في الأثناء.

ثانيهما: ما إذا شرع فيها بنيّة القصر في العود قبل الوصول إلى حدّ الترخّص فوصل إليه في الأثناء.

أما الفرع الأوّل:- وبه يتّضح حال الفرع الثاني - ففيه فروض:

الفرض الأوّل: ما إذا وصل حدّ الترخّص قبل أن يدخل في قيام الركعة الثالثة، بأن كان دخوله في حالة التشهّد أو قبله.

الفرض الثاني: ما إذا وصل إلى الحدّ بعد القيام إلى الثالثة قبل ركوعها.

الفرض الثالث: ما كان الوصول إلى الحدّ بعد الدخول في ركوع الثالثة.

أمّا الفرضان الأوّلان فيجب عليه إتمامها قصراً كما هو صريح كلام الماتن؛ لأنّ موضوع القصر -وهو السفر - قد تحقّق بالدخول في حدّ الترخّص، ومن الظاهر أنّ العبرة في القصر أو التمام إنّما هي بزمان العمل وظرف الامتثال. قال المحقّق الخوئي قدس سره:

لا إشكال في أنّه يتمّها قصراً لو كان ذلك قبل الدخول في قيام الركعة الثالثة

لانقلاب الموضوع بعد وضوح أنّ العبرة في القصر والتمام بزمان الفعل وظرف الإمتثال -إلى أن قال:- وكذا الحال فيما لو كان ذلك بعد الدخول في قيام الركعة الثالثة وقبل الدخول في ركوعها. (1)

إن قلت: إنّه قد نواها تماماً في الذهاب فكيف يتمّها قصراً، وكذا أنّه نواها في الإياب قصراً فكيف يتمّها تماماً؟

قلت: لا ضير في ذلك لما سيجيء من أنّ القصر والتمام من الأُمور الواقعيّة وليسا من الأُمور القصديّة الّتي تكون النيّة دخيلة في قوامها، فإذا نوى ما هو الوظيفة الفعليّة وأتى بها يسقط عنه التكليف وإن اشتبه ونوى خلافه.

والحاصل: أنّه لا دخل للنيّة في إتمام الصلاة ركعتين أو أربع ركعات كما سيجيء.

وكيف كان يجب عليه القصر في الفرضين، غاية الأمر أنّه يهدم القيام في الفرض الثاني ويأتي بسجود السهو بعد التسليم، وهو واضح.

وأمّا الفرض الثالث: فاحتمل السيد وجوب الإتمام في ابتداء كلامه، لقوله علیه السلام: «الصلاة على ما افتتحت» وعليه يضمّ ركعة أُخرى فيتمّها رباعيّة. ثمّ استشكل فيه واحتاط بإعادتها قصراً بعد الإتيان بها تماماً.

ولعلّ الوجه في ذلك أنّ الوظيفة الفعليّة قد انقلبت من الإتمام إلى القصر لتبدّل الحضر بالسفر، فيكون ما أتى به تماماً باطلاً في هذه الحالة. ولازم ذلك هو وجوب رفع اليد عمّا في يده واستئناف الصلاة قصراً.

لا يقال: إنّه لا يجوز قطع الصلاة كما هو المشهور.

لأنّه يقال: إنّه بطلان قهرى وليس بإبطال كما هو واضح لا يخفى.

ويقرب من ذلك ما ذكره المحقّق الخوئي قدس سره، حيث قال:

فالظاهر لزوم رفع اليد عن هذه الصلاة؛ لعدم إمكان إتمامها صحيحة ولا مناص


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 225.

من إعادتها قصراً حسب ما تقتضيه الوظيفة الفعليّة بعد انقلاب الموضوع وتبدّله. (1)

وأمّا قاعدة «الصلاة على ما افتتحت» فأجاب عنها المحقّق الخوئي قدس سره بأنّها ناظرة - بشهادة موردها - إلى التخلّف في النيّة واجنبيّة عن التبدّل في سائر الخصوصيّات، فموردها من أتمّ الصلاة بنيّة مغايرة لما نواه أوّلاً كمن شرع في الصلاة بنيّة الفريضة فغفل وأتمّها نافلة أو بالعكس، أو شرع بقصد الأداء وأتمّ سهواً بعنوان القضاء. (2)

فتحصّل أنّ في الفرضين الأوّلين يجب إتمامها قصراً، وأمّا الثالث فيجب فيه الإعادة قصراً عند المحقّق الخوئيّ والسيد الماتن.

أقول: إنّ ما أفاده المحقّق الخوئي قدس سره من عدم الإشكال في الفرضين الأوّلين غير واضح؛ لإمكان دعوى انصراف قوله علیه السلام: «إذا كنت في الموضع الّذي لا تسمع فيه الأذان فقصّر» عن مثل المقام؛ إذ المتبادر منه ثبوت القصر لمن وقع جميع صلاته في الموضع الّذي لا يسمع فيه الأذان، دون من يقع بعض صلاته فيه.

و بعبارة أُخرى: الخبر في مقام البيان لمن أراد أن يشرع في صلاته فيكون المعنى حينئذٍ صلّ صلاتك مقصورة، وليس بصدد بيان الوظيفة في مورد المسألة، وإلّا لكان المعنى: اِجعل المقروءة مقصورة.

وإن شئت توضيح ذلك فأنظر إلى ما ذكره العلّامة البروجردي حيث قال:

ولكن لأحد أن يدّعى انصراف قوله علیه السلام: «إذا كنت ... فقصّر» عن مثل هذا الفرض؛ إذ المتبادر منه ثبوت القصر لمن وقع جميع صلاته في الموضع الّذي لا يسمع فيه الأذان - إلى أن قال:- وبعبارة أُخرى: الظاهر كون الإمام علیه السلام بصدد بيان الوظيفة لمن أراد أن يشرع في صلاته فقال: «إذا كنت ... قصّر» أي إقرأ صلاة مقصورة، وأمّا على فرض شموله للمقام فيصير معناه: إجعل المقروءة مقصورة،


1) نفس المصدر، ص 226.

2) نفس المصدر، ص 226.

وهو خلاف الظاهر - ثمّ قال:- وأمّا الحمل على الجامع بين المعنيين فمشكل جدّاً - إلى أن قال:- فيرجع إلى ما هو الأصل في الصلاة وهو التمام. (1)

ولعلّه لذلك أفتى جماعة بالتمام في الفرض الثالث ومنهم العلّامة حيث قال:

ولو أحرم في السفينة قبل أن تسير وهو في الحضر، ثمّ سارت حتى خفي الأذان والجدران لم يجز له القصر؛ لأنّه دخل في الصلاة على التمام. (2)

وذكر نحوه في «التحرير» فيما إذا رجعت السفينة إلى داخل الحدّ بواسطة الريح الشديدة. (3)

هذا ولم يظهر لنا وجه ما ذكره العلّامة وأنّه هل هو إشارة إلى قاعدة ما افتتحت أو إلى انصراف الخبر المتقدّم عن الفرض كما ذكره البروجردي. مع أنّ لازم التمسّك بقاعدة ما افتتحت في الفرض الثالث كما في كلام السيد هو صحّة التمسّك بها في الفرضين الأوّلين، كما هو ظاهر كلام العلّامة في التذكرة، والتحرير، لشمول القاعدة لجميع الفروض الثلاثة.

هذا ويمكن أن يناقش فيما ذكره البروجردي من الإنصراف بأنّ معنى قوله علیه السلام: «فقصّر» في الخبر المزبور إنّما هو رفع اليد عن الأخيرتين من الرباعيّة وعدم إتيانها، وله صورتان:

إحداهما: ما إذا لم ينو الأخيرتين من أوّل الأمر، كما إذا كان عند الشروع في الصلاة مسافراً.

ثانيتهما: ما إذا تحقّق السفر في أثناء الصلاة بالوصول إلى حدّ الترخّص، كما يتفق ذلك كثيراً في مثل السيّارة ونحوها، ومن الظاهر أنّ الحكم يدور مدار موضوعه، فإذا تحقّق السفر بالتجاوز عن حدّ الترخّص ذهاباً يشمله ما يدلّ على وجوب القصر على المسافر. وبالجملة:

أنّ ما استشكل به ليس كما ينبغي.


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص250، 251.

2) تذكرة الفقهاء؛ ص 188.

3) التحرير الأحكام؛ ص 57.

ثمّ إنّ العلّامة البروجردي ذكر فروعاً ثلاثة تنظيراً للمقام:

الفرع الأوّل: ما لو شرع في الصلاة بنيّة القصر واتّفق إكمال الثلاثين يوماً متردّداً في أثناء الصلاة، فإنّه يجب عليه الإتمام من غير التفات إلى قاعدة الصلاة على ما افتتحت.

الفرع الثاني: ما إذا شرع في الصلاة قصراً ثمّ بدا له الإقامة لداعٍ من الدّواعي، فإنّهم قالوا بوجوب الإتمام عليه من غير خلاف، ولم يلتزموا بقاعدة ما افتتحت.

الفرع الثالث: ما إذا شرع العازم على الإقامة في الصلاة بنيّة التمام، ثمّ بدا له في الأثناء العدول عن قصده إذا كانت هذه الصلاة أوّل صلاة تامّة بعد قصد الإقامة، فإنّهم اتّفقوا على وجوب القصر لو بقي محلّ العدول كما إذا كان قبل ركوع الثالثة. (1)

أقول: ولعلّ الوجه في ذلك كلّه هو أنّ المدار إنّما هو على الوظيفة الفعليّة.

ومع ذلك فقد وردت في المسألة الثانية روايتان:

الرواية الأُولى: ما رواه الصدوق بإسناده عن عليّ بن يقطين،

«عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام (عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي السَّفَرِ) ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فِي الْإِقَامَةِ وَ هُوَ فِي الصَّلَاةِ قَالَ يُتِمُّ إِذَا بَدَتْ لَهُ الْإِقَامَةُ». (2)

الرواية الثانية: ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد، عن محمد بن سهل، عن أبيه قال:

«سألت أبا الحسن عن الرجل يخرج في سفر تبدو له الإقامة وهو في صلاته أيُتمّ أم يقصّر؟ قال: «يتمّ إذا بدت له الإقامة». (3)


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 252.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 511، باب 20 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) نفس المصدر، ص 511، باب 20 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

فهذان الخبران يدلّان على القصر في المسألة الثانية كما أشرنا.

وأمّا المسألة الأولى والثالثة فقد التزم البروجردي بكونهما كالثانية بإلغاء خصوصيّة المورد، حيث قال بعد ذكر المسألتين وكذا الخبرين:

ولأحد أن يدّعي استفادة حكم تمام الفروض من هاتين الروايتين بسبب إلغاء الخصوصيّة بتقريب أن يقال إنّ مورد السؤال وإن كان خصوص مَن بدا له الإقامة في أثناء صلاته، ولكن الظاهر بحسب نظر العرف أنّ محطّ نظر السائل بسؤاله هو أنّ المسافر إذا تعيّن عليه في ابتداء الصلاة القصر أو الإتمام ثمّ تبدّل حاله في أثناء الصلاة بنحو يوجب تبدّل الوظيفة، فهل تكون وظيفته بالنسبة إلى الصلاة الّتي بيده على طبق حالته عند الشروع فيها، أو على طبق الحالة الطارئة في الأثناء فيستفاد من جواب الإمام أنّ المدار في الوظيفة هي الحالة الطارئة وإن كان طروّها في أثناء الصلاة. (1)

أقول: الظاهر أنّه لا يبعد دعوى القطع بعدم الفرق بين المسائل المتقدّمة نظراً إلى ما أشار إليه من إلغاء الخصوصيّة وأنّ المدار هو الوظيفة الفعليّة مطلقاً. نعم قد تردّد في آخر كلامه في إلغاء الخصوصيّة قائلاً:

ولكن دعوى القطع بعدم دخالة خصوصيّة المورد لا تخلو عن إشكال ولاسيّما مع افتراق مورد الروايتين مع بعض الصور. (2)

والإنصاف أنّ القطع بعدم الفرق بين المسائل غير بعيد، وأمّا ما ذكره أخيراً من الفرق فهو ليس بفارق، بل هو يوجب قوّةً في إلغاء الخصوصيّة؛ لأنّ المدار إنّما هو على الحالة الفعليّة، فإذا كان كذلك مع بقاء الموضوع كما في المسألة الثانية فمع تبدّله يكون أولى، ومعه فكيف يحكم هو بالإتمام في الفرضين الأوّلين؟


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 252.

2) نفس المصدر.

ومن هنا يظهر أنّ ما أفتى به المحقّق الخوئي قدس سره تبعاً للماتن من عدم الإشكال في وجوب القصر في الفرضين الأوّلين لتبدّل الموضوع بالوصول إلى حدّ الترخّص في أثناء الصلاة هو الأقوى عندنا.

وأمّا الفرض الثالث: فالأمر فيه مشكل؛ إذ لا يصحّ العدول إلى القصر لفوات محلّه، ولا يصحّ الإتمام لكون الوظيفة بالفعل هي القصر؛ لأنّه مسافر فعلاً، فيدور الأمر بين المحذورين في الجملة.

ومع ذلك فقد عرفت أنّ الماتن احتمل لزوم التمام ابتداء؛ لقاعدة الصلاة على ما افتتحت، واحتاط أخيراً بالإتمام أوّلاً ثمّ القصر إعادةً؛ لاحتمال عدم شمول القاعدة لمثل المقام، ولم يستحسنه المحقّق الخوئي قدس سره، قائلاً بأنّه لا ملزم له. (1)

والحاصل: أنّ المسألة مشكلة جدّاً؛ إذ لا يمكن أن يقال بوجوب الإتمام بضميمة ركعة أُخرى لعدم كونها مأموراً بها لكونه مسافراً في تلك الحال، ولذا قال سيدنا الأُستاذ ببطلان الصلاة بنفسها قهراً، هذا من ناحيةٍ.

ومن ناحيةٍ أُخرى: أنّ مقتضى قوله علیه السلام: «الصلاة على ما افتتحت» هو الإتمام كما أنّ الركعة الأخيرة كانت مأموراً بها حين الشروع في الصلاة كغيرها من الركعات فكيف تكون منهيّاً عنها بعد الشروع؟ قال السيد الحكيم:

نعم قد يقال بأنّ الركعة الثالثة المأتيّ بها إمّا أن تكون مأموراً بها أو لا؛ والثاني باطل وإلّا لزم صحة صلاته لو تركها وسلّم على الركعتين مع أنّه لا ريب في البطلان حينئذٍ، لأنّه قبل حدّ الترخّص.

وفيه: أنّ البطلان بالتسليم على الركعتين من جهة كونه امتثالاً بالقصر قبل حدّ الترخّص لا ينافي عدم الأمر بالركعة حيث لا يتحقّق الامتثال قبله. (2)

والمتحصّل من جوابه بقوله: «وفيه...» أنّه إذا بلغ الحدّ يعلم قطعاً أنّ الأخيرتين ليستا


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 226.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 100.

بمأمور بهما فيكون حكمه القصر. وقد عرفت أنّ المحقّق الخوئي أفتى بذلك جزماً.

ولكن مع ذلك كلّه أنّ المسألة لا تخلو من إشكال جدّاً؛ فالأولى ما ذكره الماتن في آخر كلامه من الاحتياط بالإتمام ثمّ الإعادة قصراً، لما أشرنا إليه من كون المقام شبيهاً بدوران الأمر بين المحذورين، ومقتضاه الاحتياط كما قرّر في الأُصول. هذا كلّه بالإضافة إلى الذهاب، أعني: الفرع الأوّل.

وأمّا الفرع الثاني: أعني ما إذا شرع في الصلاة بنيّة القصر إياباً ووصل إلى الحدّ في الأثناء، فالظاهر أنّه لا إشكال في انقلاب الوظيفة إلى التمام لتحقّق موضوعه، وهو واضح لا حاجة إلى الإطالة فيه.

نعم إنّ قوله أخيراً: «الأحوط - في وجه- إتمامها قصراً ثمّ إعادتها تماماً» صار سبباً لبعض الإيرادات، فقال المحقّق الخوئي قدس سره:

هذا الاحتياط لا وجه له أبداً؛ إذ بعد البناء على أنّه يتمّها تماماً كما أفتى بذلك كيف يسوّغ الإتمام قصراً؟ وهل هذا إلّا من إبطال الفريضة اختياراً المحرّم عنده؟ (1)

وقال السيد الحكيم:

مقتضى ما تقدّم منه - من أنّ الأقوى إتمامها تماماً- يكون الأحوط إتمامها تماماً ثمّ إعادتها تماماً؛ لأنّ إتمامها قصراً مخالفة لحرمة الإبطال وإعادتها قصراً يعلم بعدم مشروعيّتها. (2)

أقول: ما ذكره المحقّق الخوئي والسيد الحكيم غير واردين؛ لأنّ الماتن لا يقول بوجوب الاحتياط بل يقول إنّه في وجه يكون الاحتياط كذا، ولا يبعد أن يكون مراده شمول قاعدة «الصلاة على ما افتتحت» للمقام بناءاً على التعميم والإطلاق ومقتضاها إتمام الصلاة قصراً؛ لأنّه قد نواها كذلك. ويكون قوله: «في وجه» إشارة إليها، مع أنّه لم يقل بالاحتياط، بل قال مقتضى الوجه: أعني قاعدة ما افتتحت ذلك فافهم.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 226.

2) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 100.

حكم اعتقاد الوصول ثمّ انكشاف الخلاف

مسألة 68:

إذا اعتقد الوصول إلى الحدّ فصلّى قصراً ثمّ بانَ أنّه لم يصل إليه وجبت الإعادة أو القضاء تماماً.

وكذا في العود إذا صلّى تماماً باعتقاد الوصول فبان عدمه وجبت الإعادة أو القضاء قصراً، وفي عكس الصورتين بأن اعتقد عدم الوصول فبان الخلاف ينعكس الحكم فيجب الإعادة قصراً في الأُولى وتماماً في الثانية. [1]

[1] أقول: لا يخفى أنّ المراد من قوله: «ثمّ بان أنّه لم يصل إليه» أنّه بان له ذلك في المحلّ فحينئذٍ إن كان ذلك في الوقت يجب الإعادة وإن كان في خارجه يجب القضاء من غير فرق بين أن يكون ما صلّاه قصراً كما في الذهاب أو تماماً كما في العود على مختاره.

وعلى هذا لا يرد عليه ما أورده بعض المعلّقين على العبارة من أنّ الميزان هو حاله الفعلية في الأداء والقضاء كما لا يخفى.

وكيف كان، ففي المسألة فروض أربعة:

٭اثنان منها لا إشكال في حكمهما، وهما ما أفتى به الماتن من الإعادة أو القضاء في من صلّى قصراً مكان التمام من غير فرق في ذلك بين الذهاب والإياب، وذلك لعدم الدليل على إجزاء القصر عن التمام.

٭واثنان منها، أعني: ما صلّى تماماً مكان القصر في الذهاب والإياب فكذلك بالنسبة إلى الإعادة، فتجب بلا كلام، وأمّا بالإضافة إلى القضاء في خارج الوقت، ففيه كلام يأتي إن شاء الله في محلّه، وستعرف أنّ الأقوى عدم وجوبه، فانتظر.

حكم الرجوع دون حدّ الترخّص

مسألة 69:

إذا سافر من وطنه وجاز عن حدّ الترخّص ثمّ في أثناء الطريق وصل إلى ما دونه إمّا لاعوجاج الطريق، أو لأمر آخر كما إذا رجع لقضاء حاجة أو نحو ذلك، فما دام هناك يجب عليه التمام، وإذا جاز عنه بعد ذلك وجب عليه القصر إذا كان الباقي مسافة، وأمّا إذا سافر من محل الإقامة وجاز عن الحدّ ثمّ وصل إلى ما دونه أو رجع في الأثناء لقضاء حاجة بقي على التقصير وإذا صلّى في الصورة الأُولى بعد الخروج عن حدّ الترخّص قصراً ثمّ وصل إلى ما دونه فإن كان بعد بلوغ المسافة، فلا إشكال في صحّة صلاته، وأمّا إذا كان قبل ذلك، فالأحوط وجوب الإعادة وإن كان يحتمل الإجزاء إلحاقاً له بما لو صلّى ثمّ بدا له في السفر قبل بلوغ المسافة. [1]

[1] أقول يقع الكلام في المقام من جهات:

الجهة الأُولى: لو رجع المسافر إلى ما دون حدّ الترخّص - بعد الخروج منه - إمّا لاعوجاج الطريق أو لحاجة تدعو إليه، يجب عليه التمام مادام داخل الحدّ؛ لإطلاق ما دلّ على وجوب التمام قبل الخروج عن حدّ الترخص؛ إذ لا تختصّ تلك الأدلّة بمن شرع في السفر ابتداءً.

نعم هذا مخصوص بمن سافر من بلده ثمّ رجع إلى ما دون الحدّ، وأمّا لو سافر عن محلّ الإقامة ثمّ رجع إلى ما دون الحدّ لحاجة ونحوها، فالأظهر وجوب القصر عليه وإن قلنا باعتبار حدّ الترخّص في محلّ الإقامة.

والوجه في ذلك أنّه لا يشمله الإطلاق المزبور؛ لأنّه يكون مسافراً بمجرد خروجه من محلّ الإقامة، فلا وجه للقول بوجوب التمام عليه مع أنّك قد عرفت أنّه لا دليل صالح على اعتبار حدّ الترخّص في محلّ الإقامة، والظاهر أنّ المسألة واضحة.

ومما ذكرنا يظهر أنّ احتمال وجوب البقاء على القصر والاستشكال في الإطلاق كما في مقال العلّامة البروجردي لا يخلو من ضعف، وإليك نصّه:

ويمكن أن يستشكل في أصل وجوب التمام أيضاً؛ إذ الشخص بخروجه من البلد صار مسافراً حقيقة، ولذا تحسب المسافة من نفس البلد، غاية الأمر أنّه ثبت بأدلّة اعتبار حدّ الترخّص ثبوت الإتمام فيما دونه تعبّداً، وحينئذٍ فلأحدٍ أن يقول بانصراف الصحيحتين إلى خصوص مبدأ السفر ومنتهاه، فالمسافر ما لم يصل في ابتداء سفره إلى حدّ الترخّص لم يثبت له القصر شرعاً، بل لعلّ العرف أيضاً لا يعتبر خروجه من البلد بالكليّة، وقِسْ عليه حكم الإنتهاء، وأمّا في الأثناء فلا دليل على ثبوت الإتمام بعد صدق عنوان السفر حقيقة. (1)

ووجه الضعف ظاهر؛ لأنّ الحكم دائر مدار سماع الأذان وعدمه مطلقاً والانصراف المدّعى في كلامه بدويّ لا شاهد عليه كما لا يخفى.

الجهة الثانية: أنّ المصنّف جعل مبدأ المسافة (عند رجوع المسافر إلى مقصده الأصليّ) المكان الّذي سافر منه (بعد قضاء وطره في داخل الحدّ) ولم يجعل مبدأها سور البلد، كما يظهر ذلك من قوله: «إذا كان الباقي مسافة»، والظاهر أنّ الالتزام به مشكل بل غير صحيح؛ إذ لو فرض لغوية الذهاب والإياب الى ما دون حد الترخص فلا وجه لإلغاء المسافة الكائنة بين حدّ الترخّص وبين سور البلد، وقد اتفق الأصحاب على أنّ مبدأ احتساب المسافة هو سور البلد.

الجهة الثالثة: في أنّ المسافة الّتي قطعها ذهاباً وإياباً هل هي ملغاة مطلقاً؟ أو يفصّل بين ما كان الرجوع إلى ما دونه لاعوجاج الطريق فلا تلغى، وبين ما كان لأمر آخر فتلغى؟ اختار المحقّق الخوئي قدس سره التفصيل حيث قال:

الظاهر التفصيل بين ما كان الرجوع لأجل اعوجاج الطريق وبين غيره من قضاء حاجة ونحوها، ففي الأوّل كما لو كان الطريق جبليّاً أو كان سيره في جزيرة أو شبهها بحيث كان الطريق في نفسه معوجّاً لا موجب للإلغاء، لما ذكرنا سابقاً من عدم اعتبار كون البُعد الملحوظ بين البلد والمقصد على نحو الخطّ المستقيم، فإنّ المدار على قطع ثمانية فراسخ.


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 248.

ثمّ قال:

وأمّا في الثاني، أعني: ما لو كان الرجوع لا لأجل الاعوجاج بل لغرض آخر فلا ينبغي الشك في أنّ هذا المقدار من الذهاب المتعقّب بالرجوع مُلغىً لعدم كونه من السير المعتبر في تحقّق المسافة على ما بيّناه سابقاً من لزوم السير بُعداً امتداديّاً غير الصادق على الذهاب بعد فرض تعقّبه بالإياب، فلا جرم يسقط هذا المقدار عن الاحتساب. (1)

حاصله: صدق المسافر في الاعوجاج ذهاباً وإياباً، ولا يضرّ تعقّبه بالإياب؛ لعدم اعتبار استقامة الطريق.

وعلى هذا تحسب المسافة بكلّ واحد من الذهاب والإياب، وإن لم يجز له التقصير فيما دون الحدّ.

وأمّا في غير الطريق المعوجّ فالذهاب والإياب يكون مُلغىً؛ لعدم كونهما من السير المعتبر في تحقّق المسافة.

ثمّ إنّه قد عدل عمّا ذكره من التفصيل المزبور إلى تفصيل آخر، وحاصله هو سقوط الذهاب عن الاحتساب لما ذكره من التعليل، وأمّا الإياب فلا يسقط، بل يحتسب من المسافة، وإليك نصّه:

ولكن الظاهر عدم سقوطه مطلقاً، بل الساقط خصوص الذهاب فقط دون الرجوع، ثم ذكر مثالاً - إلى أن قال:- بل يكون مبدأ سفره من حين ما يرجع في المثال المتقدّم. (2)

أقول: لم يظهر وجه الفرق بين الذهاب والإياب في هذا التفصيل؛ إذ لو كان مراده الرجوع من غير الطريق الذي ذهب فيه، فلا ريب في أنّه يحسب من المسافة مطلقاً.

وإن كان مراده الرجوع من نفس الطريق الممتدّ كما هو الظاهر من كلامه فلا فرق بين الذهاب والإياب في ذلك؛ إذ المفروض انقطاع السفر بالدخول في الحدّ، وبه تلغى المسافة


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 230، 231.

2) نفس المصدر، ص 232.

الكائنة قبله ذهاباً وإياباً وتحسب المسافة بعد ذلك من حد الترخص إلى المقصد، مضافاً إلى أنه حين الإياب راجع إلى وطنه وليس قاصداً للسفر.

وكيف كان، فالأقوى هو الاحتساب في الطريق المعوجّ مطلقاً دون ما كان الرجوع لحاجة لما أشرنا من لغوية المسافة ذهاباً واياباً.

و إن أبيت عن ذلك وقلت: إنّه لابدّ من التفصيل بين الذهاب والإياب.

فنقول: الأوفق هو العكس وهو احتساب الذهاب من المسافة؛ لكونه قاصداً للسفر حين ذهابه دون الإياب الذي لا يكون فيه قاصداً له كما لا يخفى.

الجهة الرابعة: في بيان حال الصلاة الّتي صلّاها قصراً خارج الحدّ قبل رجوعه إلى ما دونه، أ تكون مجزية أم لا. أو تجب إعادتها تماماً؟

فنقول فيه فرضان:

الفرض الأوّل: ما إذا صلّاها قصراً بعد قطع أربعة فراسخ ثمّ رجع إلى ما دون الحدّ، فالظاهر أنّه لا خلاف في الصحّة والاكتفاء بها؛ لأنّ الوظيفة في تلك الحال هي القصر لتحقّق موضوعه.

الفرض الثاني: ما إذا صلّاها قصراً قبل أربعة فراسخ ثمّ رجع إلى ما دون الحدّ، ففي الاكتفاء بها أو لزوم إعادتها تماماً خلاف.

فقد احتاط الماتن فيه بالإعادة لاحتمال انقطاع السفر وتبدّله بالحضر بالدخول في حدّ الترخّص، ومعه لا يسقط الأمر بالصلاة بما أتى به من القصر.

ومع ذلك احتمل الإجزاء إلحاقاً لها بما إذا صلّى ثمّ بدا له في السفر قبل بلوغ المسافة، وقد أفتى بالإجزاء فيه كما تقدّم في مسألة (24) استناداً إلى صحيحة زرارة،

«سَأَلْت جَعْفَراً علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مَعَ الْقَوْمِ فِي السَّفَرِ يُرِيدُهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْقَرْيَةِ عَلَى فَرْسَخَيْنِ فَصَلَّوْا وَ انْصَرَفَ بَعْضُهُمْ فِي حَاجَةٍ فَلَمْ يُقْضَ لَهُ الْخُرُوجُ مَا يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ الَّتِي كَانَ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْن قَالَ تَمَّتْ صَلَاتُهُ وَ لَا يُعِيدُ». (1)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 522، باب 23 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

ولكنّه مشكل على مبناه، بلحاظ أنّ المرور من الوطن - ومنه الدخول في مادون حدّ الترخّص - قاطع للسفر موضوعاً، وهو يجعل السفر سفرين كما يأتي في القواطع التصريح بذلك من المصنّف.

فعليه يكون الحكم بعدم الإعادة والقضاء في غاية الإشكال؛ لأنّ المرور عن حدّ الترخّص قاطع للسفر، فيكون موجباً لجعل ما تقدّم في حكم سفر مستقلّ، وحيث إنّه لم يكن جامعاً لشرائط القصر، فلا يكون ما صلّاه قصراً مجزياً، فتجب الإعادة فيما إذا كان عالماً باعوجاج الطريق من أوّل الأمر.

نعم لو لم يكن عالما بالاعوجاج ثمّ علم به في الأثناء، فحكمه حكم الفرض الآتي.

هذا كلّه فيما كان الرجوع إلى ما دون الحدّ لاعوجاج الطريق.

وأمّا لو كان رجوعه إلى ما دون الحدّ - قبل طيّ أربعة فراسخ - لأجل قضاء حاجة ونحوها، فقد عرفت أنّ السيد احتاط بالإعادة أوّلاً واحتمل الإجزاء أخيراً قياساً للمسألة على ما تقدّم في مسألة (24)، وهي ما صلّاه قصراً قبل العدول عن قصد السفر ثمّ رجع إلى المبدأ لحاجة وقد حكم فيها بعدم الإعادة والقضاء.

فما نحن فيه -وهو الرجوع لحاجة - من مصاديق تلك المسألة، فإن قلنا هناك بعدم وجوب الإعادة استناداً إلى صحيحة زرارة المتقدّمة فكذلك هنا، بل يكون الحكم بعدم الإعادة هنا أولى؛ إذ المفروض أنّ الشخص هنا قاصد للسفر بخلافه هناك.

وأمّا لو لم نقل هناك بالإجزاء كما أسلفنا وقلنا بوجوب الاحتياط بالإعادة ثمّة فوجوب الاحتياط هنا أولى لعدم الدليل على الإجزاء.

ومنه يظهر أنّه لا وجه لاحتياط المصنّف هنا مع التزامه بالإجزاء هناك؛ لاتحاد الفرضين كما لا يخفى.

ولا يخفى أنّ المرور على حدّ الترخّص ليس بقاطع للسفر موضوعاً، فلا يجعل السفر سفرين عندنا، وسيجيء تحقيقه في مورده إن شاء الله فانتظر.

حكم المسافة المستديرة

مسألة 70:

في المسافة الدوريّة حول البلد دون حدّ الترخّص في تمام الدور أو بعضه ممّا لم يكن الباقي قبله أو بعده مسافة، يتمّ الصلاة. [1]

[1] أقول السير حول البلد يتصوّر على وجوه:

أحدها: أن يكون تمام السير حوله فيما دون حدّ الترخّص، وفي مثله لا ريب في وجوب التمام؛ لعدم صدق الضرب في الأرض عليه.

ثانيها: ما كان السير بتمامه خارجاً عن حدّ الترخّص فحينئذٍ لو بلغت المسافة ثمانية فراسخ يجب القصر على المشهور المنصور، هذا.

وأمّا المحقّق الخوئي فقد وافق المشهور هنا حيث قال بعد كلام له:

وبعد البناء على هذين الأمرين - عدم الفرق في القصر بين المسافة الامتداديّة والدوريّة، وعدم انقطاع السفر بالمرور على حدّ الترخّص- يظهر لك بوضوح وجوب التقصير في المسافة الدوريّة حول البلد خارج حدّ الترخّص. (1)

أقول: ما ذكره هنا حسن لكنّه ينافي ما تقدّم منه من اعتبار الابتعاد عن البلد ثلاثة فراسخ في وجوب القصر وإلّا فلا يجوز له القصر. (2)

ووجه التنافي بين الكلامين أنّه أطلق الابتعاد هنا ولم يقيّده بثلاثة فراسخ بخلافه هناك كما لا يخفى.

ثالثها: ما إذا وقع بعض الدور في داخل الحدّ وبعض آخر منه في خارجه مع عدم كون ما في خارج الحدّ مسافة، فصريح كلام المصنّف هو وجوب الإتمام؛ لعدم تحقّق شرائط القصر؛ لأنّ الباقي من المسافة خارج الحدّ لا يبلغ الثمانية ولو ملفّقة، وما مضى منها قد انقطع بالمرور على حدّ الترخّص، وهذا عنده قاطع للسفر موضوعاً كما سيجيء في مبحث القواطع.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 234.

2) نفس المصدر، ص 49.

أقول: ما ذكره وإن كان متيناً بمقتضى مبناه، لكن الأقوى عندنا هو وجوب القصر؛ لأنّ القطع ليس بموضوعيّ حقيقة بل هو حكميّ فيكون الشخص مسافراً حين كونه داخل الحدّ.

نعم لو صلّى في داخل الحدّ تكون الوظيفة هي التمام وهذا أمرٌ آخر.

والحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد و آله الطاهرين هذا ما اردنا ايراده في هذا الجزء يتلوه الجزء الثاني في القواطع انشاءالله.

البيان الباهر

في

صلاة المسافر

تقريراً لمحاضرات

سماحة الأستاذ آية الله العظمى

الشيخ يدالله الدوزدوزاني التبريزي

دامت إفاداته

الشيخ يوسف اليعقوبي

الجزء الثاني

فصل في قواطع السّفر موضوعاً أو حكماً

وهي أمور:

من قواطع السفر المرور على الوطن

اشارة

أحدها الوطن: فإنّ المرور عليه قاطع للسفر وموجب للتمام ما دام فيه، أو فيما دون حدّ الترخّص منه، ويحتاج في العود إلى القصر بعده إلى قصد مسافة جديدة ولو ملفّقة مع التّجاوز عن حدّ الترخّص.

والمراد به المكان الذي اتّخذه مسكناً ومقرّاً له دائماً، بلداً كان أو قرية أو غيرهما، سواء كان مسكناً لأبيه وأمّه ومسقط رأسه، أو غيره ممّا استجدّه، ولا يعتبر فيه بعد الاتخاذ المزبور حصول ملك له فيه، نعم يعتبر فيه الإقامة فيه بمقدار يصدق عليه عرفاً أنّه وطنه، والظّاهر أنّ الصدق المذكور يختلف بحسب الأشخاص والخصوصيّات، فربّما يصدق بالإقامة فيه بعد القصد المزبور شهراً أو أقلّ، فلا يشترط الإقامة ستّة أشهر وإن كان أحوط، فقبله يجمع بين القصر والتّمام إذا لم ينو إقامة عشرة أيّام.

أقول: يقع الكلام هنا في قاطعيّة المرور على الوطن من جهات:

1.

في المراد من القطع في الوطن وأنّه قاطع له موضوعاً؛

2.

في بيان معنى الوطن لغة وعرفاً و لحوق المقرّبه؛

3.

في أنّه هل يعتبر وجود الملك في الوطن؟

4.

في أنّه هل يعتبر في الوطن المستجدّ إقامة ستّة أشهر أم لا؟

أمّا الجهة الأولى فنقول: لا خلاف في أنّ المرور على الوطن قاطع للسّفر موضوعاً، فلو سافر من مدينة قم ومرّ على قرية علي آباد - الّتي هي وطنه - وكان مقصده بلدة طهران، ينقطع سفره إذا بلغ قرية علي آباد موضوعاً. وهذا ممّا لا كلام فيه.

ومع ذلك استدلّوا عليه بوجهين:

أحدهما: أنّه مقتضى القاعدة، فإنّ مقتضاها هو القاطعيّة؛ إذ السّفر يقابل الحضر ويضادّه

في معنى الوطن وتحديده

حيث إنّ السفر عبارة عن الضّرب في الأرض مع سائر الشّرائط، ومن الظّاهر أنّه إذا دخل المسافر وطنه لا يصدق عليه عنوان المسافر والضّارب في الأرض؛ لأنّه حاضر في هذا الحال.

ثانيهما: أنّه مقتضى النصوص الدالّة على تعليق القصر بالمسافر، وهي كثيرة تبلغ خمس عشرة رواية، وقد تعرّض لها جماعة من الأصحاب وأطال بعضهم فيها الكلام كما في «الحدائق» وكذا العلّامة البروجردي في «البدر الزاهر»، والميلاني في «محاضراته».

وهي واضحة الدّلالة على قاطعيّة المرور على الوطن، نذكر منها واحدة للتّيمّن وهي صحيحة حمّاد بن عثمان،

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِي الرَّجُلِ يُسَافِرُ فَيَمُرُّ بِالْمَنْزِلِ لَهُ فِي الطَّرِيقِ يُتِمُّ الصَّلَاةَ أَمْ يُقصِّر قَالَ يُقصِّر إِنَّمَا هُوَ الْمَنْزِلُ الَّذِي تَوَطَّنَهُ. (1)

فهذه الصّحيحة تدلّ بوضوح على وجوب الإتمام إذا مرّ على الوطن الذي توطّنه ونحوها غيرها.

والحاصل: أنّه لا ريب ظاهراً في أصل القاطعيّة.

الجهة الثانية في بيان معنى الوطن

فنقول: هو المكان الذي يتّخذه الإنسان محلّ معيشته وتستريح فيه نفسه ويحسن فيه عيشه الذي يعبّر عنه بالفارسيّة ب- «قرارگاه» كما يظهر من الكتاب والسّنّة وكلام اهل اللّغة وسيأتي بیانه.

وهل يعتبر فيه الدّوام أو لا؟ ظاهر كلام السيّد بل صريحه هو الاعتبار نظراً إلى قوله:

... والمراد به المكان الذي اتّخذه مسكناً ومقرّاً له دائماً....

بل في «الجواهر»:

ما يتّخذه الإنسان محلّاً ومقرّاً له إلى الموت...،


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 494، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 8.

ونحوه في «نجاة العباد». (1)

والمشهور خصوصاً بين من عاصرناه -أو يقرب عصره منّا - عدم الاعتبار. قال العلّامة البروجردي - بعد كلام له-:

وعرفت أيضاً عدم اعتبار قصد الدّوام في صيرورة بلد وطناً ... . (2)

و به صرّح المحقّق الخوئي في المقام. (3)

وهذا هو الصحيح؛ لأنّ عنوان الوطن إنّما ينشأ من العلاقة والارتباط الفعلي بينه وبين المكان الذي يحصل له فيه أنس خاصّ وعلاقة خاصّة بحيث لو خرج منه إلى غيره لرأى نفسه فيه غريبة، ويعود إليه بعد قضاء وطره، ومن الظاهر أنّ هذا المعنى لا يتوقّف على قصد الدّوام.

وبعبارة أخرى: أنّ الوطن هل هو منتزع من الحالات السّابقة ككونه مسقط رأسه أو وطن أبيه، أو منتزع من الحالات اللاحقة ككونه عازماً على البقاء فيه، أو منتزع من علقة حاصلة بينه وبين البلد الذي يعيش فيه؟ الظاهر هو الأخير؛ لأنّ مفهوم الوطن إنّما يحكي عن علقة فعليّة في حياته ومعيشته في البلد أو القرية.

واحتمال كونه منتزعاً من الحالات السّابقة بعيدٌ؛ لعدم كون المشتقّ حقيقةً فيما انقضى عنه المبدأ وانتزاعه من السكون الآتي أبعد؛ لعدم التلبّس به فعلاً كما لا يخفى.

ومن هنا يختار كلّ شخص محلّاً دون آخر بملاحظة بعض العلائق ويصير ذلك مسكناً ووطناً له ويعيش فيه بالطبع ولا يخرج منه إلّا لحاجة، ويرجع إليه بعد قضاء وطره. وإن كانت المدّة الّتي يعيش فيها محدودة. ويوضح ذلك ملاحظة وطن الإبل والأغنام والطّيور؛ لأنّ ذلك كلّه إنّما هو لاستراحتها فيه مدّة محدودة.

ولعلّه لهذا قال السيّد الحجّة:


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 245.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 167.

3) مستند الشيعة؛ ج 8، ص 237.

بل المراد منه محلّ إقامة الإنسان ومقرّه ومأواه ... - ثمّ قال بعد نقل عبارة القاموس:- وأيّ تعبير أحسن من التعبير بدار الإقامة كما في بعض الروايات... . (1)

نعم، يحتمل قويّاً وقوع سهو في الكلامه؛ إذ لم يوجد هذا العنوان في الروايات ولعلّه كان أصله «العبارات» بدل الروايات والله العالم.

وكيف كان: فالأصحّ عدم اعتبار قصد الدّوام في صدق الوطن، كما يستفاد ذلك من موارد استعمال اللّفظة في الكتاب والسّنّة واللّغة:

٭أمّا الكتاب: فإنّه وإن لم يرد فيه عنوان الوطن، إلّا أنّه جاء فيه عنوان «مواطن»، قال سبحانه:

(لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله في مَواطِنَ كَثيرَة ويَوْمٍ حُنَيْن) . (2)

وفي المجمع:

الوطن الموضع الذي يقيم فيه صاحبه وهو مفعل من الوطن واستوطن بالمكان إذا اتّخذه وطناً. (3)

فعلم أنّه يستعمل الوطن في مطلق المحلّ والمسكن من غير اعتبار قصد الدّوام.

ويؤيّد ما ذكرناه - من أنّ الوطن هو ما يعبّر عنه بالفارسيّة = قرارگاه - أنّه لم يؤخذ فيه الدّوام؛ إذ الإقامة في محالّ القتال في عهده صلی الله علیه و آله و سلم كانت موقّتة بأيّام قلائل كما لا يخفى.

٭وأمّا السنّة: فنقتصر بما ذكره مولانا الحجّة علیه السلام في دعائه بقوله:

«إلهي بحقّ من ناجاك» إلى أن قال: وعلى غرباء المؤمنين والمؤمنات بالردّ إلى أوطانهم سالمين غانمين بمحمّد وآله أجمعين. (4)


1) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 32.

2) التّوبة: 25.

3) مجمع البیان؛ ج 3، ص 16.

4) مهج الدعوات؛ ص 159.

وسيأتي ذكر روايات أخر في المسألة التّالية إن شاء الله فانتظر.

٭وأمّا كلام أهل اللّغة: فهو أيضاً ظاهر في عدم اعتبار الدّوام في صدق الوطن وفي القاموس:

الوطن محرّكة ويسكن منزل الإقامة ومربط البقر والغنم، جمع أوطان ووطن به وأوطن أقام وأوطنه ووطنه واستوطنه اتّخذه وطناً.

فدلالته على المقصود ظاهرة حيث لم يؤخذ الدّوام فيه، بل ذكر مربط البقر ونحوه شاهد له أيضاً؛ إذ البقر ونحوه لا يستقرّ في المربط إلّا في مدّة قليلة كالشّتاء مثلاً.

وفي «صحاح اللّغة»:

الوطن محلّ الإنسان وأوطان البقر مرابطها... .

وفي «المنجد»:

وطن يطن وطناً بالمكان أقام به إلى أن قال: الوطن جمع أوطان، منزل الإنسان ولد فيه أولم يولد.

وفي «كلّيّات أبي البقاء»:

الوطن هو منزل الإقامة.

وفي «مجمع البحرين»:

الوطن - بالتحريك - مكان الإنسان.

وعن «نصاب الصبيان»:

وطن (جایگاه).

ونحوه في «الأختر» الذي هو لغة بالتّركي و «منتهى الأرب» الذي هو لغة بالفارسيّة.

ومن تمام ذلك يظهر أنّه لا وجه لأخذ قصد الدّوام في مفهوم الوطن، ولعلّه سبب تردّد السيّد في مسألة (7) حيث قال:

لا يبعد الصدق العرفي بمثل ذلك - إقامة ثلاثين سنة - كما سيجيء إن شاء الله.

الجهة الثالثة: في أنّه هل يعتبر وجود الملك في الوطن أو لا؟

فنقول: قد اتّضح ممّا ذكرنا في معنى الوطن و أنّه أمر اعتباريّ ينتزع من العلقة الفعليّة بينه وبين المكان بحيث كلّما سافر منه سيعود إليه بعد قضاء وطره عدم اعتبار الملك فيه أيضاً؛ لأنّ تحقّق العلقة المزبورة لا يتوقّف على الملك كما لا يخفى، بل يظهر من بعضهم دعوى عدم الخلاف في ذلك.

وفي «المستمسك»:

نعم قد يترأى ممّا في الشرايع - وغيرها - من أنّ الوطن هو كلّ موضع له فيه ملك قد استوطنه ... الخلاف في ثبوت الوطن العرفيّ، - ثمّ قال:- ولكنّه ممّا لا ينبغي؛ فإنّ كثيراً من المتوطّنين لا ملك لهم في أوطانهم فضلاً أن يكون الملك وطناً لهم والالتزام بوجوب القصر عليهم غريب، بل لعلّه خلاف الضروريّ ... . (1)

قلت: وهو متين جدّاً، بل لا معدل عنه.

وأمّا المقرّ: فقد ظهر حاله ممّا ذكرنا، وعلم أنّه وطن أو بحكم الوطن، وإن كان فيه بعض الكلام كما يأتي في المسألة (3).

في تحديد الوطن

الجهة الرابعة: في أنّه هل يعتبر في تحقّق الوطن إقامة ستّة أشهر أم لا؟

فنقول: إنّه لا يعتبر عند الماتن، حيث قال:

فلا يشترط الإقامة ستّة أشهر - إلى أن قال:- لصدق الوطن بدونها، فربّما يصدق بإقامة شهر أو أقلّ... وهذا هو الأقوى عندنا.

أقول: إنّه إذا نزل شخص محلّاً بقصد التّوطّن، هل يعدّ ذلك وطناً له بمجرّد النزول فلا يتوقّف على الإقامة أصلاً؟ أو يتوقّف على الإقامة في الجملة؟ وجوه بل أقوال:

1.

كفاية مجرّد القصد؛

2.

اعتبار الإقامة في الجملة ولو قليلاً كشهر أو أقلّ؛


1) المستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 105.

3. اعتبارها ستّة أشهر.

أمّا الأوّل، فقد اختاره في «الجواهر» حيث قال:

... ولا يكتفي بالنيّة مع احتماله بل اكتفى بها - النيّة - شيخنا في «بغية الطالب»، ولا يخلو من قوّة وإن كان الأحوط الإقامة في الجملة... . (1)

وقال شارح النجاة:

ولا ريب في صدق الوطن عرفاً على ما لو نزل فيه مع جميع أهله وعياله بنيّة الاستيطان فيه إلى أن يموت بمجرّد نزوله بهذه النيّة... . (2)

وفيه: أنّ ما ذكرناه من معنى الوطن وأنّه مفهوم ينتزع من العلاقة والإضافة الفعليّة بين الشخص والمحلّ لا يحصل بمجرّد النيّة جزماً، بل يحتاج إلى التلبّس بالإقامة في الجملة.

وأمّا الثالث - أعني: ستّة أشهر - فقد قرّبه الشهيد حيث قال:

الأقرب الاشتراط ليتحقّق الاستيطان الشرعيّ مضافاً إلى العرفيّ... . (3)

وفيه: أنّه لا ملازمة بين تحقّق الوطن الشرعيّ - على القول به - وبين العرفي، وعليه لا دليل على اعتبار ستّة أشهر في الوطن العرفي.

ومنه يظهر ضعف ما في «المدارك» من أنّه غير بعيد؛ لأنّ الاستيطان على هذا الوجه -أي الشرعيّ - إذا كان معتبراً مع الملك فمع عدمه أولى... . (4)

وجه الضعف أنّ قياس الوطن العرفيّ على الشرعيّ - على القول به - قياس مع الفارق؛ لوجود الدليل في الشرعي دون العرفي.

وعلى هذا، فالمتعيّن هو الاحتمال الثاني وأنّه يعتبر الإقامة بعد النزول في الجملة.

وأمّا تحديدها بزمان خاصّ كشهر أو أقلّ أو أكثر، فلا دليل عليه من الأخبار؛ فلابدّ فيه من


1) الجواهر الكلام؛ ج 14، ص 245.

2) شرح نجاة العباد في يوم المعاد؛ ص 594.

3) ذكرى الشيعة؛ ص 257.

4) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 445.

الرجوع إلى العرف.

وأمّا تعيين المقدار الّذي به يصدق الوطن العرفيّ، فظاهر بعض من عاصرناه عدم حصوله بأقلّ من شهر كما في تعليقة السيّد الخوانساري على العروة. وفي قباله ما ذهب إليه المحقّق الخوئي من تحقّقه بإقامة يوم مع النّيّة في بعض الأحيان، حيث قال:

فربّما يكتفي بإقامة يوم واحد، كما لو اشترى في ذلك اليوم داراً أو دكّاناً ونقل أثاثه أو كتبه واشتغل بالدّرس أو التدريس أو التّجارة ونحو ذلك ممّا هو من لوازم البقاء وشؤون الاستيطان... . (1)

قلت: هذا في غاية الجودة والمتانة؛ لما ذكرناه من أنّ الوطن ينتزع من العلقة الفعليّة بين الشخص والمكان بحيث يشتاق إليه إذا خرج منه، كما هي الحال في مطلق المسافرين حيث يشتاقون في الرّجوع إلى أوطانهم بعد تحصيل غرضهم.

وعليه، لو نزل في محلّ وقصد التّوطّن فيه، فلا يجوز له التمام قبل حصول العلقة المزبورة. وأولى منه من دخل حدّ التّرخّص في محلّ يريد فيه التّوطّن، فلابدّ له من قصد الإقامة؛ لعدم تحقّق التّوطّن بذلک.

وأمّا تحقّقه بأقلّ من ذلك كنصف اليوم مثلاً؟ فظاهر ما تقدّم من المحقّق الخوئي العدم؛

نظراً إلى اعتباره اليوم الواحد. ولكن لا يبعد التحقّق بذلك أيضاً؛ لعدم الفرق في تحقّقه بین اليوم وبعضه ولعلّ ما تقدّم منه كان من باب المثال فتدبّر جيّداً.

ومع ذلك كلّه وفي النفس شيء، وهو أنّ اشتراط حصول الارتباط والعلاقة بين الشخص والمحلّ في صدق التّوطّن - على ما ذكرنا في تحقّق الوطن - ربما يوجب التشكيك في تحقّق الوطن بهذا المقدار من الإقامة، بل يمكن أن يقال: إنّه يحتاج إلى إقامة أيّام عديدة، وعليه فما تقدّم من السيّد الخوانساري من اعتبار الشهر يكون وجيهاً.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 238.

وإن كان في تحديده بالشهر نظرٌ؛ لعدم الدليل عليه كما أشرنا إليه، فالأحوط مراعاة حصول الأنس والارتباط بالبلد مع قصد التّوطّن، وهذا لا يحصل إلّا بإقامة ايام عديدة.

حكم الإعراض عن الوطن

مسألة 1:

إذا أعرض عن وطنه الأصليّ أو المستجدّ وتوطّن في غيره، فإن لم يكن له فيه ملك أصلاً، أو كان ولم يكن قابلاً للسّكنى، كما إذا كان له فيه نخلة أو نحوها، أو كان قابلاً له ولكن لم يسكن فيه ستّة أشهر بقصد التّوطّن الأبديّ، يزول عنه حكم الوطنيّة، فلا يوجب المرور عليه قطع حكم السّفر. وأمّا إذا كان له فيه ملك قد سكن فيه – بعد اتّخاذه وطناً له دائماً - ستّة أشهر، فالمشهور على أنّه بحكم الوطن العرفيّ، وإن أعرض عنه إلى غيره ويسمّونه بالوطن الشرعيّ، ويوجبون عليه التمام إذا مرّ عليه مادام بقاء ملكه فيه، لكنّ الأقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الإعراض. فالوطن الشرعيّ غير ثابت. وإن كان الأحوط الجمع بين إجراء حكم الوطن وغيره عليه، فيجمع فيه بين القصر والإتمام إذا مرّ عليه، ولم ينو إقامة عشرة أيّام، بل الأحوط الجمع إذا كان له نخلة أو نحوها ممّا هو غير قابل للسّكنى، وبقى فيه بقصد التّوطّن ستّة أشهر بل وكذا إذا لم يكن سكناه بقصد التوطّن بل بقصد التّجارة مثلاً. [1]

[1] أقول: في المسألة جهات لابدّ من التكلّم عنها:

1.

في أقسام الوطن وما يترتّب عليها؛

2.

في معنى الإعراض عن الوطن إجمالاً وما يترتّب عليه؛

3.

في ثبوت الوطن الشرعيّ وعدمه.

أمّا الجهة الأولى: -وهى بيان أقسام الوطن -فربّما يظهر من بعض الكلمات أنّ الوطن على ثلاثة أقسام:

٭أصليّ؛

٭واتّخاذي؛

٭وشرعي.

أمّا الأصلي: فهو عبارة عن مسقط رأس الإنسان، أعني: وطن أبيه وأمّه.

وأمّا الاتّخاذي: فهو مقرّه الفعليّ الذي استوطنه وأخذه مسكناً له، وقد قلنا إنّه لا يعتبر قصد الدّوام في صدق الوطنيّة، بل هو المشهور أيضاً. ومنه يعلم أنّ ما في مستند الخوئي من قوله:

وسكن فيه «اتّخاذيّ» بقصد الإقامة الدّائميّة (1)

لعلّه نشأ من طغيان القلم؛ لعدم اشتراطه الدّوام في الوطن.

وأمّا الشرعي: فهو ما إذا كان له ملك في بلدٍ أو قرية قد سكن فيه - بعد أن اتّخذه وطناً له - ستّة أشهر.

أمّا القسمان الأوّلان: فلا ريب في أنّ المرور عليها - مع عدم الإعراض - قاطع للسّفر موضوعاً؛ لأنّه يجعل السّفر سفرين كما تقدّم. ومع الإعراض لا أثر في المرور.

وأمّا الثالث: فالمشهور أنّ الإعراض لا يؤثّر فيه، فيكون بحكم الوطن مادام الملك باقياً.

وسوف نتكلّم في ذلك مفصّلاً في الجهة الثالثة. فانتظر.

أمّا الجهة الثانية: -وهى بيان الإعراض - فأعلم أنّ الإعراض عندنا عبارة عن قصد قطع الارتباط والعلاقة عن وطنه، فهو مقابل لمعنى الوطن الّذي قدّمناه من أنّه عبارة عن حصول العلاقة الفعليّة بين الشخص والمكان.

ولازم هذا الإعراض هو جعل الوطن بحكم غير الوطن، فلو اتّفق مروره عليه لا ينقطع سفره، فيجب عليه القصر. وهذا واضح ممّا قدّمناه في تفسير الوطن.

نعم فيه كلام سيجيء عن قريب إن شاء الله. (2)

أمّا الجهة الثالثة: - أعني ثبوت الوطن الشرعي - فنقول:

قد اختلف الأصحاب في ثبوت الوطن الشرعيّ -قبال العرفي والأصلي- وعدمه، فذهب بعضهم إلى الثبوت بل ربما يدّعى أنّه المشهور، وأنكره بعضهم أشدّ الإنكار، وتوقّف فيه


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 240.

2) يأتي في مسألة 7.

بعضهم وأوجب فيه الاحتياط.

ومنشأ الخلاف في ذلك اختلاف الأخبار، فلابدّ من التعرّض لها ليتضّح حال الأقوال ومقدارها ثمّ نشير إلى كلمات القوم مستعيناً بذي الجلال والإكرام ثمّ نبيّن المختار إن شاء الله.

فنقول: الروايات الواردة في المقام على طوائف أربع وإن أنهاها السيّد الميلاني إلى ثماني طوائف، إلّا أنّه تطويل بلا طائل؛ لأنّ بعض الأخبار ليس من روايات الباب أصلاً، كما سنشير إليه.

الطائفة الأولى: ما تدلّ على أنّ مرور المسافر بملكه من الضيعة أو الدّار أو الأعمّ منها قاطع للسّفر وإن لم يكن الملك وطناً له، بل في بعضها كفاية نخلة واحدة في القاطعيّة.

الطائفة الثانية: ما تدلّ على عدم كون المرور بالمنزل أو الدّار أو الضيعة قاطعاً مطلقاً.

الطائفة الثالثة: ما تدلّ على التّفصيل بين كون محلّ المرور وطناً له فيكون قاطعاً، وبين ما لم يكن وطناً له فلا يكون قاطعاً.

الطائفة الرابعة: ما تدلّ على القاطعيّة مع تفسير الاستيطان بالوطن الشرعي، أي إقامة ستّة أشهر.

أمّا الطائفة الأولى فهي ستّ روايات:

الأولى: صحيحة اسماعيل بن الفضل قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يُسَافِرُ مِنْ أَرْضِ إِلَى أَرْضِ وَإِنَّمَا يَنْزِلُ قُرَاهُ وَضَيْعَتَهُ؟ قَالَ: إِذَا نَزَلْتَ قُرَاكَ وَأَرْضَكَ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِذَا كُنْتَ فِي غَيْر أَرْضِكَ فَقَصِّرْ. (1)

الثانية: موثّقة عمّار

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِي الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي سَفَرٍ فَيَمُرُّ بِقَرْيَةٍ لَهُ أَوْ دَارٍ فَيَنْزِلُ فِيهَا قَالَ يُتِمُّ الصَّلَاةَ وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَّا نَخْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَ لَا يُقصّر وَلْيَصُمْ إِذَا حَضَرَهُ الصَّوْمُ وَهُوَ فِيهَا. (2)


1) نفس المصدر، ص 492، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

2) نفس المصدر، ص 493، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 5.

الثالثة: صحيح عبدالرحمن بن الحجّاج...

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: الرَّجُلُ لَهُ الضِّيَاعُ بَعْضُهَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ فَيَخْرُجُ فَيَطُوفُ فِيهَا أَ يُتِمُّ أَمْ يُقصّر قَالَ يُتِمُّ. (1)

الرابعة: خبر محمد بن سهل عن أبيه قال:

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام عَنْ رَجُلٍ يَسِيرُ إِلَى ضَيْعَتِهِ عَلَى بَرِيدَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ وَ مَمَرُّهُ عَلَى ضِيَاع بَنِي عَمِّهِ أَ يُقصّر وَيُفْطِرُ أَمْ يُتِمُّ وَيَصُومُ؟ قَالَ: لَا يُقصّر وَ لَا يُفْطِرْ. (2)

الخامسة: خبر أحمد بن محمّد بن أبي نصر قال:

سَأَلْتُ الرِّضَا علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إِلَى ضَيْعَتِهِ وَيُقِيمُ الْيَوْمَ وَ الْيَوْمَيْنِ وَ الثَّلَاثَةَ أَ يُقصِّر أَمْ يُتِمُّ قَالَ: يُتِمُّ الصَّلَاةَ كُلَّمَا أَتَى ضَيْعَةً مِنْ ضِيَاعِهِ. (3)

السادسة: خبره الآخر - في «قرب الاسناد»- قال:

سَأَلْتُ الرّضَا علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ إِلَى الضَّيْعَةِ فَيُقِيمُ الْيَوْمَ وَ الْيَوْمَيْنِ وَ الثَّلَاثَةَ يُتِمُّ أَمْ يُقصّر؟ قَالَ: يُتِمُّ فِيهَا. (4)

وهذه الروايات - كما ترى- صريحة في وجوب الإتمام لمن مرّ على ملكه أو ضيعته بلا ذكر الاستيطان والإقامة، بل الخبر الرابع يدلّ على ذلك فيما لو دخل في ضيعة بنی عمّه أيضاً.

ومنه يظهر ضعف ما في «المدارك» من انحصار الدليل في موثّقة عمّار حيث قال عند قول الماتن: «... والوطن الذي يتمّ فيه كلّ موضع له فيه ملك...»:

إطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في الملك بين المنزل وغيره - إلى أن قال - واستدلّوا عليه بما رواه الشيخ في الموثّق عن عمّار بن موسى - وذكر الحديث ثمّ


1) نفس المصدر، ص 495، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 12.

2) نفس المصدر، ص 496، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 16.

3) نفس المصدر، ص 497، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 17.

4) نفس المصدر، ح 18.

قال:- وهذه الرواية ضعيفة السند؛ لاشتمالها على جماعة من الفطحيّة. (1)

وقد اعترض عليه في «الحدائق» بقوله:

والعجب من صاحب المدارك وما وقع من المجازفة في هذا المقام، كما هي عادته في كثير من الأحكام - ثمّ نقل ما تقدّم من «المدارك» وقال بعد ذلك:- وبهذا التعميم جزم العلّامة ومن تأخّر. (2)

وأمّا الطائفة الثانية - الدّالّة على وجوب القصر في الضيعة ونحوها - فروايتان:

الأولى: صحيحة ابن سنان عن الصادق علیه السلام قال:

مَنْ أَتَى ضَيْعَتَهُ ثُمَّ لَمْ يُرِدِ الْمُقَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ قَصَّرَ وَ إِنْ أَرَادَ الْمُقَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَتَمَّ الصَّلَاةَ. (3)

الثانية: صحيحة ابن بزيع قال:

قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ علیه السلام: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّ لِي ضَيْعَةً دُونَ بَغْدَادَ - فَأَخْرُجُ مِنَ الْكُوفَةِ أُرِيد بَغْدَادَ - فَأَقِيمُ فِي تِلْكَ الضَّيْعَةِ أَقَصِّرُ أَوْ أَتِمُّ؟ فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَنْوِ الْمُقَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَقَصِّرْ. (4)

فالروایتان صریحتان في وجوب القصر ما لم يقصد إقامة العشرة في الضيعة، فتكون هذه الطائفة الثانية معارضة مع الطائفة الأولى.

والأوجه أن يقال: إنّ الطائفة الأولى محمولة على التقيّة، كما أشار إليه جملة من الأصحاب، منهم صاحب الوسائل. (5)وقد شيّد أركانه في «الحدائق» بعد ما جمع بين الأخبار بوجهٍ آخر. وهو أن تكون الطائفة الثانية مفسّرة للأخبار وإنّ الاستيطان المذكور في الروايات يحصل بمجرّد المنزل من دون أن يكون له فيه ملك، أو أنّ الملك بنفسه موجب للإتمام. ثمّ قال:


1) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 443.

2) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 361.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 499، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 6.

4) نفس المصدر، ح 7.

5) نفس المصدر، ص 496، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ذیل حدیث 14.

ثمّ أنّه بعد وصول الكلام إلى هذا المقام وفّقت للوقوف على كلام بعض مشايخنا الكرام من متأخّر المتأخّرين من الأعلام يؤذن بحمل الأخبار المطلقة في وجوب الإتمام، بمجرّد وصول الملك على التّقيّة قال: لأنّ عامّة العامّة على ما نقل عنهم ذهبوا إلى أنّ المسافر إذا ورد في أثناء سفره منزلاً له أتمّ فيه، سواء استوطنه أم لا، حتّى قال بعضهم بالإتمام في منازل أهله وعشيرته ولم يظهر من أحد منهم القول باشتراط دوام الاستيطان... . (1)

ويؤيّده ما ذكره ابن قدامة في «المغنى» حيث نسب الإتمام في الضيعة مطلقاً إلى أحمد وابن العبّاس والزّهري وفي «المنتهى» نسبه إلى مالك إذا أقام ليلة.

وكيف كان، فهذا الوجه من الجمع بين الروايات أحسن ما قيل أو يمكن أن يقال في هذا المقام، وبه يتّضح الحال في الضيعة مع عدم الاستيطان فيها فيقصّر إذا لم يقصد إقامة عشرة أيّام، وأمّا مع الاستيطان فلا اشكال في الإتمام فيها بمقتضى القواعد الشرعيّة.

ويتفرّع عليه: أنّ من دخل على ضيعته يجب عليه القصر مادام لم يستوطنها؛ لما أشرنا إليه من عدم حجّيّة الأخبار الدّالّة على الإتمام - أعني: الطائفة الأولى - بلحاظ جهة الصّدور، وهي التّقيّة، مع إعراض الأصحاب عنها. ولا يخفى أنّ ذهاب مثل الزّهري وأحمد ومالك إلى وجوب الإتمام في الضيعة شاهد على صدورها تقيّة و أمّا الطائفة الثالثة فلا تنافي ما ذكرناه من الجمع.

فتحصّل: أنّ العمل بالطائفة الثانية متعيّن.

بقي الكلام في الطائفة الرابعة، وهي الّتي استدلّ بها على الوطن الشرعيّ وهي رواية واحدة رواها الصدوق باسناده عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن قال:

سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُقصّر فِي ضَيْعَتِهِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ مَا لَمْ يَنْوِ مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا مَنْزِلٌ يَسْتَوْطِنُهُ. فَقُلْتُ: مَا الاِسْتِيطَانُ؟ فَقَالَ: أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا مَنْزِلٌ يُقِيمُ فِيهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَإِذَا


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 396.

كَانَ كَذَلِكَ يُتِمُّ فِيهَا مَتَى دَخَلَهَا. قَالَ: وَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَّهُ صَلَّى فِي ضَيْعَتِهِ فَقَصَّرَ فِي صَلَاتِه.

قَالَ أَحْمَدُ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ وَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً أَنَّ ضَيْعَتَهُ الَّتِي قَصَّرَ فِيهَا الْحَمْرَاءُ. (1)

وهذه الرواية مع علو سندها في الاعتبار صارت معركة للآراء. فقد استدلّ بها المشهور على ثبوت الوطن الشرعيّ وهو المنزل الذي يستوطنه الإنسان ستّة أشهر بقصد التّوطّن، فإنّه يتمّ صلاته كلّما دخل فيها ولا يؤثّر فيه الإعراض مادام الملك باقياً وإن لم ينو إقامة عشرة أيّام. ولكن ردّ عليهم جماعة من الأصحاب منهم: المحقّق الهمداني، والسيّد اليزديّ، وجمّ غفير من المعاصرين أو أدركنا عصرهم وأنكروا دلالتها على الوطن الشرعيّ، وقالوا إنّها ناظرة إلى الوطن العرفيّ، وإنّه يمكن أن يكون للشّخص وطنان بأن أقام في كلّ واحد منهما ستّة أشهر. هذا إجمال الكلام في هذه الرواية.

وقبل التّعرض لاستدلال المشهور والإشارة إلى وجه قوّته أو ضعفه لابدّ لنا من أن نلاحظ كلمات القدماء من أصحابنا ليتّضح الحال في الشّهرة المدّعاة فيها. والظاهر أنّ الشّهرة بين القدماء غير ثابتة على الوطن الشرعيّ، بل يمكن ادّعائها على الوطن العرفيّ، وإليك نصّ كلامهم.

قال في «الفقيه» - بعد نقل خبر إسماعيل بن فضل: (2)

قال مصنّف هذا الكتاب: يعني بذلك إذا أراد المقام في قريته وأرضه عشرة أيّام، ومتى لم يرد المقام بها عشرة أيّام قصّر، إلّا أن يكون له بها منزل يسكنه ستّة أشهر، فإن كان كذلك أتمّ متى دخلها، وتصديق ذلك ما رواه محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا علیه السلام قال: سألته عن رجل الحديث... . (3)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 494، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 11.

2) نفس المصدر، باب 14، صلاة المسافر، حديث 2.

3) روضة المتّقين؛ ج 2، ص 642.

قلت: العبارة ظاهرة في الوطن العرفيّ دون الشرعيّ نظراً إلى قوله: «الّا ان يكون له بها منزل يسكنه ستة اشهر»، بل هي صريحة في الوطن العرفيّ، وأنّه يمكن أن يكون للشخص وطنان يسكن في كلّ منهما ستّة أشهر.

وبعبارة أخرى: أنّ خبر إسماعيل بن الفضل إنّما هو بصدد بيان كيفيّة أخذ الوطنين. فحمل الصدوق صحيحة ابن بزيع عليه يكون دليلاً على أنّه أراد الوطن العرفي.

وقال الشيخ:

إذا سافر فمرّ في طريقه بضيعة له أو على مال أو كانت له أصهار وزوجة، فنزل عليهم ولم ينو المقام عشرة أيّام، قصّر. وقد روي أنّه عليه التمام وقد بيّنّا الجمع بينهما، وهو أنّ ما روي إن كان منزله أو ضيعته ممّا قد استوطنه ستّة أشهر فصاعداً تمّم وإن لم يكن استوطن ذلك قصّر ... . (1)

قلت: كلامه ظاهر - لو لم يكن صريحاً - في الوطن الشرعي.

ويؤيّده التعبير بصيغة الماضي، أعني قوله: «استوطنه» على خلاف الرواية حيث عبّر فيها بالمستقبل كما لا يخفى.

فإصرار بعض الأفاضل على أنّ العبارة تدلّ على الوطن العرفي وأنّ المراد استيطانه في كلّ سنة ستّة أشهر بتقريب أنّ معنى عبارته أنّه كان وطناً له من نصف السّنة (2)ضعيف جدّاً، بل لا وجه له؛ لكونه على خلاف ظاهر كلام الشيخ.

نعم عبارته في «النهاية» ظاهرة في الوطن العرفيّ حيث قال:

ومن خرج إلى ضيعة له وكان له فيها موضع ينزله ويستوطنه وجب عليه التمام، وإن لم يكن له فيها مسكن وجب عليه القصر. (3)


1) المبسوط؛ ج 1، ص 136.

2) تجديد الدوارس؛ ج 4، ص 192.

3) النهاية في مجرد الفقه والفتاوى؛ ص 126.

حيث يحتمل أن يكون كلامه ظاهراً في قصد الاستيطان، بأن يقصد الإقامة في الضيعة كلّ سنة ستّة أشهر، نظراً إلى تعبيره بالمستقبل، أعني قوله: «يستوطنه».

نعم؛ قوله: «موضع ينزله»، وقوله: «وإن لم يكن له فيها مسكن»، يشهد على الوطن الشرعيّ، حيث علّق الحكم على المسكن، إلّا أنّ الاحتمال الثاني ضعيف؛ لإمكان أن يكون المسكن معتبراً في الوطن العرفي عنده كما يظهر ذلك من بعضهم، (1)وقد تقدّم أنّ ظاهر كلام الشرائع هو وجود الخلاف في ذلك.

وقال ابن حمزة في «الوسيلة»:

... يعني من مرّ بضيعة له إن كان له فيها مسكن فنزل به ستّة أشهر فصاعداً أتمّ وإن لم يكن قصّر إلّا إذا نوى إقامة عشرة أيّام... . (2)

والإنصاف أنّ عبارته كالصريحة في الوطن الشرعيّ بمكان التعبير بالماضي بقوله: «نزل»، واحتمال كون المراد هو الوطن العرفي بأن بَنى أمره على الاستمرار في الإقامة في كلّ سنة ستّة أشهر في ضيعته: لا يخلو من تكلّف.

فلا وجه لما ذكره في «تجديد الدوارس» بقوله:

فالنسخة الموجودة عندي غير مأمونة، ويحتمل قريباً أنّ الصحيح «ينزل» بصيغة المضارع لا بصيغة الماضي كما في النسخة... .

كما لا وجه لقوله:

ويؤيّده أنّه في هذا الكتاب لا يفتي في الأغلب والأكثر إلّا بفتاوى الشيخ في «المبسوط» ... . (3)

والوجه في ذلك أنّه لا مجال لذلك بمجرّد الاحتمال، مع أنّه قد عرفت ظهور كلام


1) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 105.

2) جوامع الفقهية؛ ص 676.

3) تجديد الدوارس؛ ج 4، ص 192.

«المبسوط» في الوطن الشرعي.

وقال في «السرائر»:

والسفر خلاف الاستيطان والمقام، فإذن لابدّ من ذكر الاستيطان وحدّه ستّة أشهر فصاعداً سواء كانت متفرّقة أو متوالية. فعلى هذا التقرير والتحرير، مَن نزل في سفره قرية أو مدينة وله فيها منزل أو ملك قد استوطنه ستّة أشهر أتمّ إن لم يقم المدّة الّتي توجب على المسافر الإتمام أو لم ينو المقام عشرة أيّام. (1)

وفي تفسير كلامه أيضاً خلاف، فإنّ صاحب «تجديد الدوارس» حمله على الوطن العرفيّ، وأنّ المراد أنّه يقيم في الضيعة ستّة أشهر من كلّ سنة دائماً حيث قال بعد نقل ما ذكرناه من كلام القدماء:

... ليس مراد هؤلاء أنّ الشرط إقامة الستّة أشهر ولو مدّة واحدة، بل المراد أن يتكرّر منه ذلك مرّة بعد أخرى حتّى يعدّ ذلك من عاداته... .(2)

ولا يخفى أنّ صدر كلام الحليّ يوافق هذا الادّعاء نظراً إلى إطلاق قوله: «فإذن لابدّ من ذكر حدّ الاستيطان» ولم يقيّده بالشرعيّ، ولو كان مراده تحديد الوطن الشرعيّ لقيّده به. ومع ذلك، لا يخلو ذيل كلامه من الإشعار إلى الوطن الشرعي، بل يظهر من كلام العلّامة البروجردي حمل كلامه على الشرعيّ، حيث قال:

نعم، عبارة «المبسوط» الّذي هو كتاب تفريعيّ وكذلك «السرائر» ظاهرة في إثباته (الوطن الشرعيّ). (3)

والإنصاف أنّه لا ظهور فيه في الوطن الشرعيّ، بل ظاهره هو العرفيّ كما يصرّ عليه في «تجديد الدوارس».

فتحصّل من تمام ذلك: أنّ القائل بثبوت الوطن الشرعيّ جزماً بحيث يمكن نسبته إليه هو


1) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى؛ ج 1، ص 331.

2) تجديد الدوارس؛ ج 4، ص 192.

3) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 155.

الشيخ في «المبسوط» وابن حمزة في «الوسيلة». وأمّا الباقون فكلامهم إمّا ظاهر في خلافه، أو مردّد بينهما، كعبارة «السرائر» و «النهاية» و«الفقيه» و«الكامل» للقاضي، وإمّا خالية عن الإشارة إلى الوطن الشرعيّ، كعبارة المفيد في «المقنع».

وأمّا عبارة «المهذّب» للقاضي وابن الجنيد وغيرهما ممّن ذكر الضيعة وأوجب التمام على المسافر إذا دخل فيها، فهو شيء آخر لا ربط له بالمقام؛ لأنّه ناظر إلى روايات الضيعة، وقد قلنا: إنّها محمولة على التّقيّة، فلا حُجّيّة فيها، فتذكّر.

وممّا حرّرناه يظهر عدم تحقّق الشهرة عند القدماء.

إذا عرفت ذلك، فيقع الكلام في الصحيحة المزبورة الظاهرة في الوطن الشرعيّ، وقد اشتهر حملها عليه من زمن المحقّق إلى زمن صاحب الجواهر، بل بعده أيضاً كما لا يخفى.

وأمّا القائلون بعدم ثبوت الوطن الشرعيّ، فقد حملوها على العرفيّ - الاتّخاذىّ-، وقالوا: إنّ ذكر إقامة ستة أشهر ووجود الملك في الصحيحة من قبيل ذكر المثال وبيان الفرد الواضح. وقد قال المحقّق الهمداني:

وكيف كان، فالأخبار ظاهرها إرادة فعليّة الاستيطان كما اعترف به غیر واحد، وما في صحيحة ابن بزيع من تحديد الاستيطان بأن يكون له منزل يقيم فيه ستّة أشهر على الظاهر جارٍ مجرى التمثيل ببيان فرد واضح يرتفع به استبعاد السائل عن أن يكون له وطن آخر غير وطنه الأصليّ الذي سافر عنه، لا التعبّد كَي نلتزم بأنّ له حدّاً شرعيّاً تعبّديّاً؛ فإنّه مع بعده في حدّ ذاته مخالف لسوق الرّواية؛ إذ المنساق منها أنّه لو لا سؤاله له ثانياً عن معنى الاستيطان لاكتفى الإمام علیه السلام في جوابه بما ذكره أوّلاً من إطلاق الاستيطان، وهذا إنّما يتّجه فيما لو أريد به معناه العرفي - إلى أن قال:- واحتمال معروفيّة ذلك المعنى لديهم على وجه لم يكن محتاجاً إلى البيان في غاية البعد، فهذا يكشف عن أنّ ما في هذه الصحيحة من تحديده بإقامة الستّة أشهر جارٍ مجرى التمثيل، وأنّ المقصود به حصوله على سبيل الاعتياد

والاستمرار ولو شأناً بمقتضى اتّخاذه وطناً، لا مرّة واحدة فيما يأتي أو ما مضى من باب الاتّفاق لما أشرنا اليه من أنّ خصوصيّة ستّة أشهر من حيث هي غير معتبرة في مفهومه عرفاً. - ثمّ قال: - فتلخّص ممّا ذكرناه أنّه لم يثبت عندنا وطن شرعيّ، وأنّ المدار على تحقّق مفهوم الاستيطان عرفاً ... . (1)

قلت: إنّ المتحصّل من كلام منكري الوطن الشرعيّ أمورٌ ثلاثة لابأس بالإشارة إليها وبيان ما فيها من الإيراد:

الأمر الأوّل: أنّ المتبادر من تعليق وجوب الإتمام في الرّواية على الاستيطان كون الحكم معلّقاً على نفس الاستيطان العرفي؛ إذ لو كان المراد غيره لكان على الإمام أن يفسّره من غير حاجة إلى سؤال السائل بقوله: «وما الاستيطان؟»

وبعبارة أُخرى: أنّ كلام الإمام علیه السلام قد تمّ قبل سؤاله عن معنى الاستيطان، فلو كان مراده غير الوطن العرفي لكان عليه تقييده به - وهو في مقام البيان - واحتمال كون معنى الوطن الشرعيّ معروفاً عند السائل ضعيف لا دليل عليه وفيه:

أنّه لو كان مراده المعنى العرفي للوطن لم يكن وجه لسؤال الراوي عنه بقوله: «وما الاستيطان؟» والحال أنّ المعنى العرفي لا يخفى على مثل ابن بزيع الذي هو من فضلاء الأصحاب. ويرشد إليه أنّه قد ورد الاستيطان في جملة من الروايات من غير استفسار عنه أصلاً كما تقدّم في صحاح عليّ بن يقطين وغيرها. (2)

فعُلِمَ من ذلك أنّه علیه السلام لم يرد المعنى العرفي، ودعوى تماميّة كلام الإمام علیه السلام بحيث إنّه لو لا سؤال السائل لسكت، خالية عن الشاهد؛ لأنّه من الممكن أن يكون الإمام علیه السلام في مقام بيان الوطن الشرعيّ وقد أخذ علیه السلام في كلامه قيدين:

أحدهما: أن يكون له فيها منزل ولازمه ملكيّة المنزل؛


1) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 739-740.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8 ، باب 14، صلاة المسافر، حدیث 1 و 6 و 10 و 13.

ثانيهما: استيطانه فيه.

ولعلّ الوجه في ذكره المنزل واستيطانه فيه، هو إيجاد الرغبة والشوق في السائل، ليسأله عن معنى استيطان المنزل، حيث إنّ استيطان المنزل لم يكن أمراً معروفاً عندهم. وهذه قرينة أخرى على أنّ المراد هو الوطن الشرعي؛ إذ لا يعتبر وجود الملك والمنزل في العرفي على ما عرفت سابقاً كما أنّه لا يعتبر فيه إقامة ستّة أشهر.

ومنه يظهر: أنّ احتمال كون السؤال من جهة استغرابه أن يكون له وطن آخر مع وطنه ليكون ذا وطنين، غير وجيه، بل غير صحيح كما لا يخفى. مع أنّ الظاهر أنّه سؤال عن أصل الاستيطان لا عن كيفيّته، وهذا لا يصحّ إلّا على ما أشرنا إليه من المعنى وهذا واضح.

الأمر الثانى: هو أنّ التعبير بالمضارع يناسب الوطن العرفي، فلو أريد به الشرعيّ يلزمه ارتکاب خلاف الظاهر، وهو الحمل على الماضي، وأنّ المراد قد استوطنه ستّة أشهر وأقام فيها كذلك. قال في التقريرات المنسوبة إلى السيّد الحجّة:

فاعلم أنّه قد ذهب المشهور في رواية محمّد بن إسماعيل بن بزيع إلى إرادة الماضي من المضارع في لفظة «يستوطنه» ولفظة «يقيم»؛ إذ لا يمكن إبقاء المضارع فيها على ظاهره على مقالتهم، ولكن لا يخفى عليك أنّ إرادة الماضي من المضارع يوجب ارتكاب ما هو خلاف الظاهر منه... . (1)

وحاصل كلامهم الاستيحاش من حمل المضارع على الماضي، فلذا تمحّلوا في تفسيره من إشراب معنى القصد والإرادة. ومن هنا قال السيّد الحجّة:

قد صرّح علماء الأدب في الصّرف أنّ المضارع قد يذكر ويؤخذ فيه معنى - الإرادة - وعلى هذا يكون المراد من لفظة «يقيم» في الرواية أنّه يريد البناء على الإقامة. (2)


1) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 31.

2) نفس المصدر.

قلت: لازم كلامه هو حصول الوطن بقصده وإرادته إقامة ستّة أشهر في محلّ، إلّا أنّ الالتزام به مشکل، بل ممنوع؛ لما تقدّم منّا من أنّه يعتبر في صدق الوطن العلاقة الفعليّة بينه وبين المحلّ، وهو لا يحصل إلّا بإقامة مدّة فيه. ولقد أجاد العلّامة البروجردي في المقام حيث قال:

قلت: كون القصد معتبراً في الاستيطان ممنوع؛ فإنّ الوطن كما عرفت سابقاً عبارة عن محلّ الإقامة والمقرّ الفعليّ، من دون أن يؤخذ فيه قصد الوطنيّة أو قصد البقاء فيه دائماً ... . (1)

ويؤيّده ما استشهدنا عليه بكلام أهل اللّغة من استعمال اللفظة في أوطان الإبل والغنم ونحوهما. (2)

والحاصل أنّ الإقامة الخارجيّة معتبرة في تحقّق الوطن، ولا اعتبار بمجرّد القصد. ولعلّه لهذا تصدّى السيّد الحجّة لتصحيح ما ذكره أوّلاً بقوله:

وبالجملة، فلا إشكال في أنّه لابدّ في صدق الوطن وتحقّق الإقامة من الفعليّة، ولا يكون تحقّقها إلّا بالعمل الخارجيّ من اتّخاذه منزلاً معدّاً للإقامة. (3)

وأنت خبير أنّ ما ذكره لا يفيد بعد ما فسّر «يقيم» بقوله: «إنّه يريد البناء على الإقامة»، مضافاً إلى أنّه لم يعلم أنّه من أين جاء بهذا القيد، مع عدم دلالة الرواية عليه؟!

ثمّ أقول: هل المراد من قوله علیه السلام: «يقيم فيه ستّة أشهر» هو إقامة ستّة أشهر في كلّ سنة؟ أو يكفي فيه إقامة ستّة أشهر في سنة واحدة بحيث يترتّب عليه أحكام الوطن كلّما دخل في ذلك المحلّ وإن لم يقصد إقامة عشرة أيّام؟

فإن أراد الثاني كما هو ظاهر صدر كلامه فيردّه أنّه لم يقل به أحد من الأعلام ظاهراً، وإن


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 158.

2) تقدّم آنفاً.

3) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 31.

اختاره بعض الأعلام في السنة أو السنتين في دار الإقامة، فقد اعتبر العلّامة البروجردي في تحقّق المقرّ إقامة سنتين، فصاعداً. ويظهر من المحقّق الخوئي في «صراط النجاة» وغيره من كتبه كفاية إقامة سنة واحدة.

وإن أراد الأوّل أي إقامة ستّة أشهر في كلّ سنة كما يظهر من آخر كلامه حيث قال:

وأمّا ما ذكر من التحديد بستّة أشهر فإنّما هو من جهة أنّها الأصل في تقسيم السنة، حيث إنّها بالطبع مقتضى قضيّة التقسيم بالنسبة إلى من كان له وطنان، فمقتضى الأصل في المقام هو التقسيم بالنصف، كما أنّ من كان له ثلاثة أوطان هو التقسيم بالثلث، وهذا نظير قولهم: الأصل في الأشياء هو الاستدارة وإلّا فلا موضوعيّة لستّة أشهر . (1)

وفيه: أنّ هذا لا يظهر من الرواية؛ لأنّها ظاهرة في التحديد بستّة أشهر فقط. وأمّا استيحاشهم من استعمال المضارع في الماضي، فسيأتي أنّه لا بأس فيه فانتظر.

الأمر الثالث: وهو أنّ جهة ما استدلّ القوم به على الوطن الشرعيّ من الرواية نقطتان:

الأولى: قوله علیه السلام «أن يكون له فيها إقامة ستّة أشهر»، فإنّ الإقامة كذلك لا تعتبر في الوطن العرفي، ولذا يجوز للشخص أن يتّخذ ثلاثة أوطان فصاعداً كما سيجيء.

الثانية: ما اعتبره علیه السلام من وجود منزل له في الضيعة وهي تلازم ملكيّة المنزل، والحال أنّه غیر معتبر في الوطن العرفي كما صرّح به جملة من الأعاظم من القدماء والمتأخّرين هذا.

وقد أجابوا عن الأوّل بأنّ ستّة أشهر إنّما ذكرت في الرواية من باب التمثيل والتوضيح فلا موضوعيّة لها، ولذا لا يضرّ الأقلّ من ستّة أشهر وقد عرفت التصريح بذلك في كلام الهمداني (2)والسيّد الحجّة. (3)


1) نفس المصدر؛ ص 32.

2) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 739، 740.

3) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 32.

فلو قيل: إنّه إذا دار الأمر بين الأخذ بظهور المفسَّر بالفتح - وهو قوله: «الّا أن يكون فيها منزل يستوطنه» - الظاهر في الوطن العرفيّ الذي لا يعتبر فيه ذلك وبين الأخذ بظهور المفسِّر بالكسر وهو قوله: «أن يكون له فيها إقامة ستّة أشهر» حيث إنّه ظاهر في اعتبار ستّة أشهر في الوطن الشرعيّ، يقدّم المفسِّر بالكسر لكونه أقوى ظهوراً من جهة وروده في مقام البيان.

يقال: نعم، إلّا أنّ الظهور في المفسَّر بالفتح - وهو الوطن العرفيّ- أقوى من ظهور المفسِّر بالكسر، فيؤخذ به.

قلت: كلامهم هذا وإن لم يكن بعيداً في نفسه إلّا أنّه خلاف ظاهر الرواية؛ لأنّها ظاهرة في التقييد واعتبار ستة أشهر لأنّه علیه السلام في مقام التحديد بحيث لو كانت الإقامة أقلّ من ستّة أشهر لم يتحقّق الوطن بها، مع أنّه لم يفرض تعدّد الوطن في الرواية كي تحمل على التقسيم والتمثيل المذكورين في كلام السيّد الحجّة والهمداني.

وكيف كان، فلازم ما ذكروه صيرورة ذكر ستّة أشهر في الرواية لغواً، وهو بعيدٌ جدّاً في مقام البيان. وهذا ممّا يدلّنا على الأخذ بظهور المفسِّر بالكسر، ولازمه القول بثبوت الوطن الشرعيّ، مع أنّه لو كان ذكر الستّة تمثيلاً فَلِمَ لم يذكر الإمام علیه السلام أقلّ منه؟ وهو أيضاً شاهد على أنّه علیه السلام كان بصدد بيان الحدّ كغيره من التحديدات التي تدلّ على عدم ترتّب الحكم على الأقلّ منها، كحدّ الترخّص والمسافة ونحوهما.

وأجابوا عن الثاني - أعني: اعتبار الملك في الرواية مع أنّه لا يعتبر في الوطن العرفيّ- بأنّه يحمل على الغالب بأن يقال: إنّ التّوطّن غالباً يكون بالملك؛ لكونه سبباً للارتباط والأنس الموجب لاتّخاذه وطناً.

وفيه ما لا يخفى من البعد؛ إذ لازمه أنّ الإمام علیه السلام ذكر في مقام التحديد ما لا حاجة إليه، ومن الظاهر أنّ ذلك لا يصحّ منه علیه السلام في مقام التحديد والبيان. وأبعد منه ما أفاده السيّد الحجّة بقوله:

فإنّ الوطن من دون مسكن ومنزل ممّا لا يتصوّر!

وأعجب منه ما ذكره أخيراً حيث حمل الرواية على التّقيّة قائلاً:

ولكن قد عرفت سابقاً أنّ الروايات الواردة في الملك قد صدرت عن تقيّة... . (1)

والوجه في ذلك أنّ الرواية صريحة في وجوب القصر في الضيعة عند عدم قصد إقامة العشرة، فتكون على خلاف التقيّة؛ لأنّ العامّة يتمّون في الضيعة مطلقاً كما تقدّم. وأمّا اعتبار المنزل والمسكن في الوطن العرفيّ ولو استيجاراً أو غصباً فهو وإن لم يكن بهذه البشاعة إلّا أنّه بعيد أيضاً؛ نظراً إلى ما هو المشاهد في غير واحد من البلاد، فنرى جماعة - وهم غير قليلين- يسكنون في حاشية الطرق والشوارع وينامون في فناء الأبنية والدكاكين من دون أن يكون لهم منزل وينتقلون من هنا إلى هناك لأجل البرد والحرّ وإزعاج الشرطة، وهل يمكن القول بأنّهم غير متوطّنين؟ كلّا، ويشهد على ذلك ملاحظة حال أصحاب الصفّة؛ فإنّهم يعدّون من أهل المدينة قطعاً مع عدم وجود منزل لهم ولو بالاستيجار.

ولنا أن نقول: -تأييداً لمنكري الوطن الشرعيّ - أنّ الرواية لا تدلّ على اعتبار الملك في الوطن أصلاً؛ لأنّ غاية ما تدلّ عليه - بالنظر إلى قوله علیه السلام يكون فيها منزل - أن يكون له في الضيعة محلّ مخصوص يعيش فيه، وأمّا كونه ملكاً له أيضاً فلا تدلّ عليه الرواية.

إن قلت: إنّ قوله: «يقصّر في ضيعته» ظاهر في كونها ملكاً له، فيكون المنزل الواقع فيها ملكاً له أيضاً.

قلت: نعم، إلّا أنّه من كلام السائل وليس من كلام الإمام علیه السلام، فلا يدلّ على اعتبار الملكيّة.

نعم، لو كانت الضيعة مذكورة في كلام الإمام علیه السلام ابتداءً لكان مفيداً لاعتبار الملكيّة. وعلى هذا، فالضيعة في الخبر كالتوطئة لقوله: «أن يكون فيها منزل». فأفهم.

إذا تقرّر ذلك وتبيّن نظر منكري الوطن الشرعيّ ومثبتيه نقول: إنّه لا بأس بالقول بثبوت الوطن الشرعيّ بمقتضى صحيحة ابن بزيع المتقدّمة، بتقريب أنّ قوله علیه السلام: «أن يكون له فيها


1) نفس المصدر، ص 32.

منزل يستوطنه...» وإن كان مضارعاً إلّا أنّه أريد منه الماضي، أو مطلق الزمان الذي لا يتنافى الإقامة المتحقّقة في الماضي؛ فإنّه كثيراً ما ينسلخ الفعل من الزمان كما حقّق في محلّه. بل المسلّم إرادة الماضي من المضارع في غير واحد من نصوص الباب. ولم يلاحظ فيها الزمان أصلاً.

منها: صحيحة عليّ بن يقطين عن أبي الحسن الأوّل علیه السلام أنّه قال:

كُلُّ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِكَ لَا تَسْتَوْطِنُهُ فَعَلَيْكَ فِيهِ التَّقْصِيرُ . (1)

ومنها: صحيحته الأخرى:

قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ علیه السلام: الرَّجُلُ يَتَّخِذُ الْمَنْزِلَ فَيَمُرُّ بِهِ أَيُتِمُّ أَمْ يُقصّر؟ قَالَ: كُلُّ مَنْزِلٍ لَا تَسْتَوْطِنُهُ فَلَيْسَ لَكَ بِمَنْزِلٍ وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُتِمَّ فِيهِ. (2)

ومنها: صحيح حمّاد عن أبي عبد الله علیه السلام:

فِي الرَّجُلِ يُسَافِرُ فَيَمُرُّ بِالْمَنْزِلِ لَهُ فِي الطَّرِيقِ يُتِمُّ الصَّلَاةَ أَمْ يُقصّر؟ قَالَ: يُقصّر إِنَّمَا هُوَ الْمَنْزِلُ الَّذِي تَوَطَّنَهُ. (3)

والظاهر أن قوله علیه السلام: «توطّنه»، فعل ماض من باب التفعّل.

ولا يخفى أنّ الروايات كالآيات تفسّر بعضها بعضاً، فتكون صحيحة حمّاد قرينةً على أنّ المراد من المضارع في الصحيحتين السابقتين هو الماضي أيضاً، ونحوها صحيحة ابن يقطين:

سَأَلَ عَلِيُّ بْنُ يَقْطِين أَبَا الْحَسَنِ الْأَوَّلَ علیه السلام عَن الدَّارِ تَكُونُ لِلرَّجُل بِمِصْرِ أَوِ الضَّيْعَةِ فَيَمُرُّ بِهَا؟ قَالَ: إِنْ كَانَ مِمَّا قَدْ سَكَنَهُ أَتَمَّ فِيهِ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَمْ يَسْكُنْهُ فَلْيُقصّر. (4)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 492، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 493، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 6.

3) نفس المصدر، ص 494، باب 14 من أبواب صلاة المسافر ، ح 8.

4) نفس المصدر، ح 9.

فإنّ التعبير فيها بالماضي يؤيّد ما قلناه، مضافاً إلى أنّ الحمل على الاستقبال في صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع غير صحيح؛ لما أشرنا من اعتبار الإقامة الفعليّة في تحقّق الوطن مطلقاً، وعدم كفاية مجرّد القصد؛ لأنّ الوطن إنّما ينتزع من العلاقة الفعليّة الحاصلة من كيفيّة تعيّشه في المحلّ بحيث لو خرج منه لاشتاق إلى الرجوع إليه بعد قضاء وَطَره، ومنه يعلم أنّ الحمل على الحال بمعنى الشروع في الإقامة لا يصحّ أصلاً لعدم القرينة عليه.

وعلى هذا، يكون المراد من قوله: «يستوطنه ويقيم ستّة أشهر» هو تحقّق الاستيطان والإقامة في المنزل لظهور نسبة الفعل - وهو الكون والاستيطان والإقامة - إلى الرجل في صدوره وتحقّقه منه ولا يخفى أنّ هذا المعنى ينطبق على الوطن الشرعيّ كما هو واضح.

وتحصّل من تمام ذلك أنّ قوله علیه السلام: «إلّا أن يكون فيها منزل يستوطنه» ظاهر في الاستيطان والإقامة قد تحقّقا، وحيث إنّ إقامة ستّة أشهر وكذا وجود المنزل والمسكن والملك غير معتبر في الوطن العرفيّ، يكون ذكرها في الصحيحة قرينة حملها على الوطن الشرعي. ومنه يعلم أنّ استظهار الوطن الشرعيّ من الصحيحة في غاية السهولة والوضوح.

نعم، يبقى هنا شيء وهو أنّ القائلين بالوطن الشرعيّ يصرّحون بأنّ الإعراض عنه لا أثر له، فيجب الإتمام كلّما دخل فيه، وجعلوا ذلك فارقاً بينه وبين الوطن العرفيّ، حيث إنّ الإعراض عن الوطن العرفيّ يسقطه من حكم الوطنيّة هذا ولكن استظهار ذلك من الصحيحة مشكل جدّاً؛ لعدم ما يدلّ فيها على ذلك.

اللّهمّ الّا أن يستظهر ذلك من قوله علیه السلام: «فإذا كان كذلك يتمّ فيها متى دخلها» نظراً إلى إطلاقه بأن كان المعنى أنّه يتمّ فيها سواء أعرض عنها أم لا، مادام الملك باقياً ولا بأس به.

وبالجملة، أنّ استفادة الوطن الشرعيّ من الصحيحة في غاية القوّة والوضوح، ولذا كتبنا في سالف الزمان تعليقاً على قول السيّد: «... لكنّ الأقوى عدم جريان حكم الوطن عليه بعد الإعراض، فالوطن الشرعيّ غير ثابت...»، لا قوّة فيه بل القوّة في ثبوته لظهور رواية ابن بزيع في الوطن الشرعي.

وعلى هذا، فالأحوط وجوباً الجمع بين القصر والإتمام إذا كان له فيها منزل بعد الإعراض؛ نظراً إلى عدم القطع بثبوته لاحتمال عدم اختصاص ستّة أشهر بالوطن الشرعيّ، فيحتمل أن يكون معتبراً في العرفيّ أيضاً، مع احتمال اشتراط ذلك بصورة عدم الإعراض. فتكون الرواية ذات احتمالين، كما يويّده ذهاب جملة من الأعلام كالهمداني ومن تبعه إلى عدم ثبوت الوطن الشرعيّ فتدبّر.

وإذا تأمّلت فيما حرّرناه مفصّلاً، تقدر على توجيه ما فعله بعض الأعاظم من الإصرار والاعتماد على ثبوت الوطن الشرعيّ في برهة من الزمان ثمّ التّردّد والعدول عنه إلى عدم الثبوت. وهذا شيخنا الحائري وقد اعتقد ثبوته ابتداءً حيث قال:

إنّ القول بعدم الوطن الشرعيّ موجب لطرح الأخبار الدّالّة على اعتبار الملك في لزوم الإتمام؛ إذ لا يعتبر في الوطن الأصليّ والاتخاذي وجود الملك يقيناً، فيعلم أنّ ما يعتبر فيه الملك وطن ثالث - إلى أن قال:- فتعيّن أنّ الأقوى أنّ مَن كان له ملك في موضع وأقام فيه ستّة أشهر ولو مرّة واحدة لزمه التمام متى ورد ذلك الموضع، وهو بحكم الوطن الحقيقي له هذا ما قوّيناه سابقاً... .

ثمّ قال:

ولكن فيما ذكرناه وقرّرناه نظر واضح؛ فإنّ الأخبار المتعدّدة الواردة في عدم الاعتبار بملكيّة الضيعة وإناطة التمام بالاستيطان لا يفهم منها العرف إلّا الاستيطان العرفي الذي لا يتحقّق إلّا بجعله واتّخاذه وطناً فعليّاً ... الخ (1)

وكذا الشيخ الأنصاري، فإنّه قد ردّ الوطن الشرعيّ ابتداء حيث قال بعد نقل صحيحة ابن بزیع:

وفي دلالتها على مقصودهم (المشهور) قصور لا يخفى، كما نبّه عليه غير واحد؛ ولذا فهم الصدوق منها الاستيطان كلّ سنة مضافاً إلى معارضتها على هذا التقدير


1) كتاب الصلاة؛ ص 629-630.

بغير واحد من الصحاح الدّالّة على اعتبار الاستيطان الفعليّ... . (1)

ومع ذلك أثبته في موضع آخر وقال:

الثالث: الوطن الشرعيّ وهو عند المشهور من المتأخّرين كلّ منزل قد أقام فيه ستّة أشهر مع ثبوت ملك له فيه، واستندوا في ذلك إلى صحيحة ابن بزيع عن الرجل يقصّر - الحديث - إلى أن قال: لكن الإنصاف والذي يقتضيه التدقيق هو الذي فهمه المشهور ... . (2)

وتردّد فيه في حاشية «نجاة العباد» حيث قال:

فيه إشكال والأحوط الجمع ... .

ومثله العلّامة البروجردي حيث إنّه وافق الماتن في الحاشية - في عدم ثبوت الوطن الشرعيّ - ولكنّه أثبته في درسه في الجملة حيث قال بعد كلام طويل في بيان احتمالات صحيحة ابن بزيع:

فيجب أن يراد نفس السكون فيه، فالمضارع في الأخبار يحمل على الماضي لما عرفت، والخروج من حكم السفر عند المرور بهذا المنزل خروج تعبّديّ لا حقيقيّ، وبهذا البيان صار ما نسب إلى المشهور في هذا المقام قويّاً... . (3)

ثمّ اعلم أنّ المحقّق الخوئي تعرّض في آخر كلامه على أمرين حيث قال:

بقي هنا أمران: أحدهما أنّه ينسب إلى المشهور اعتبار قصد التّوطّن الأبديّ في تحقّق الوطن الشرعيّ وأنّه متى مضى على هذا العزم والقصد ستّة أشهر يحكم بالإتمام متى دخل، وإن أعرض فلا تكفي الإقامة الفاقدة لقصد التوطّن الدائم... - ثمّ قال:- ولكن هذه النسبة لم نتحقّقها ولم يثبت ذهاب المشهور إليها وعلى


1) كتاب الصلاة؛ ص 393.

2) كتاب الصلاة؛ ص 420.

3) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص166.

تقدير الثبوت لا دليل عليه بوجه. (1)

قلت: الأولى إحالة البحث في ذلك إلى المسألة الآتية، وسيجيء منّا أنّه لا يعتبر قصد الدوام، بل لا يعتبر القصد أصلاً، فما ذكره من عدم ثبوت النسبة حسن جدّاً إلّا أنّه ينافي ما أفتى به في «المنهاج» حيث قال:

الظاهر أنّه يشترط في صدق الوطن قصد التوطّن فيه أبداً... . (2)

إلّا أن يوجّه بأنّ مراده من الوطن ليس الوطن الشرعيّ، ولكن كلامه مطلق كما ترى.

ثمّ قال:

ثانيهما: أنّ التحديد بستّة أشهر الوارد في الصحيح ظاهر في الاتّصال، كما هو الحال في سياق التحديدات الشرعيّة كالتحديد بعشرة في قصد الإقامة، وبالثلاثة في أقلّ الحيض وفي صوم الحجّ، وبثلاثين يوماً متردّداً ونحو ذلك. (3)

قلت: فهل يعتبر الاتصال في ستّة أشهر كما يصرّ به المحقّق المزبور أو يكفي المتفرّق أيضاً؟ صريح «نجاة العباد» هو الثاني حيث قال:

فإن كان له ملك قد جلس فيه ستّة أشهر ولو متفرّقة جرى عليه حكم الوطنيّة على الأقوى مادام مالكاً... . (4)

وهو صريح الشهيد في «الرّوض» حيث قال:

ولا يشترط فيها التوالي للعموم ولا كون السكنى في الملك... . (5)

وهذا هو الأظهر عندي؛ لإطلاق الدليل الشامل على الستّة متفرّقات، مضافاً إلى ما سيجيء من أنّ المناط في الوطن هو الصدق العرفي، فإذا صدق الوطن العرفيّ في مورد يترتّب


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 250.

2) منهاج الصالحين؛ ج 1، ص 249، 929.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 251.

4) نجاة العباد؛ ص 182.

5) روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان؛ ص 386.

عليه حكمه شرعاً عند الدخول فيه، إذا سكن فيه ستّة أشهر قبل ذلك، ولا ينافيه تخلّل بعض الأسفار.

نعم، لا يبعد خروج بعض أفراده، كأن سكن فيه يومين أو أيّاماً ثمّ سافر عشرة أيّام أو عشرين يوماً وهكذا؛ لإنصراف الرواية عن مثله كما لا يخفى.

وأمّا ما ذكره من الأمثلة فليس على وجه واحد، كيف؟ فإنّ التردّد ثلاثين يوماً يقتضي الاتّصال بنفسه، فلو عزم على الإقامة أو سافر انقطع الثلاثون كما لا يخفى وأمّا الاتصال في مثل ثلاثة الحيض فليس بمسلّم بل هو مختلف فيه. وأمّا الاتصال في ثلاثة الحجّ وعشرة الإقامة فلأجل الدليل الخاصّ، كما لا يخفى.

والحاصل: أنّ المعتبر في كلّ مسألة ملاحظة دليلها، فلا وجه لقياس بعضها على بعض آخر.

في تعدّد الوطن

المسألة 2:

قد عرفت عدم ثبوت الوطن الشرعيّ وأنّه منحصر في العرفيّ، فنقول: يمكن تعدّد الوطن العرفيّ بأن يكون له منزلان في بلدين أو قريتين من قصده السكنی فيهما أبداً في كلّ منهما مقداراً من السنة بأن يكون له زوجتان مثلاً كل واحدة في بلدة يكون عند كلّ واحدة ستّة أشهر أو بالاختلاف بل يمكن الثلاثة أيضاً، بل لا يبعد الأزيد أيضاً. [1]

[1] أقول: أمّا الوطن الشرعيّ فقد تقدّم فيه الكلام نفياً وإثباتاً.

وأمّا تعدّد الوطن العرفيّ فهذا ممّا لا ريب فيه حتى عند منكري الوطن الشرعيّ، ولا إشكال في تحقّق الوطنين.

وأمّا أكثر من ذلك فقد اشتهر بينهم إمكان تعدّده إلى أربعة أوطان بأن سكن في كلّ منها ثلاثة أشهر في كلّ سنة ويوضح ذلك ما لو كان له في كلّ منها زوجة أو ملك أو ضيعة يريد إصلاحه، والوجه في ذلك كلّه هو صدق الوطن عليه حينئذٍ عرفاً.

ويمكن أن يتحقّق الوطن العرفيّ في أكثر من الأربعة بأن يستوطن في كلّ منها شهرين كما يتّفق ذلك لبعض أهل البادية، ويشهد له ما قدّمناه من معنى الوطن مستظهراً له من استعمال أهل اللّغة وهو العلاقة الفعليّة بين الشخص والمكان الحاصلة من الإقامة الخارجيّة.

وكيف كان، فالمتّبع هو الصدق العرفي كما سيجيء.

تبعيّة الولد لأبويه في الوطن

المسألة 3:

لا يبعد أن يكون الولد تابعاً لأبويه أو أحدهما في الوطن ما لم يعرض بعد بلوغه عن مقرّهما وإن لم يلتفت بعد بلوغه إلى التوطّن فيه أبداً فيعدّ وطنهما وطناً له أيضاً، إلّا إذا قصد الإعراض عنه، سواء كان وطناً أصليّاً لهما ومحلّاً لتولّده، أو وطناً مستجدّاً لهما، كما إذا أعرضا عن وطنهما الأصليّ واتّخذا مكاناً آخر لهما وهو معهما قبل بلوغه ثمّ صار بالغاً، وأمّا إذا أتيا بلدة أو قرية وتوطّنا فيها وهو معهما مع كونه بالغاً فلا يصدق وطناً له إلّا مع قصده بنفسه. [1]

[1] أقول: لا خلاف ولا إشكال في وجوب التمام على الولد إذا عاش مع أبويه في وطنهما ما لم يعرض بعد بلوغه عنه وإن لم يلتفت بعد بلوغه إلى قصد التوطّن فيه معهما. إنّما الكلام في أنّ ذلك لمجرّد التبعيّة بأن سرى عنوان الوطن منهما إليه للتبعيّة، أو يكون وجوب الإتمام من جهة أخرى ككونه مقرّاً للولد وإن لم يكن وطناً اصطلاحاً؟

فيقع الكلام في مواضع أربعة:

الموضع الأوّل: في الإشارة إلى قاعدة التبعيّة؟

الموضع الثاني: في أنّ الإتمام والقصر هل يدوران مدار الوطن وعدمه، أو على عنواني الحاضر والمسافر؟

الموضع الثالث: هل المقرّ كالوطن في الحكم، أو هو من مصاديق الوطن حقيقة وأنّه بماذا يتحقّق؟

الموضع الرابع: هل الحكم المزبور في المتن يختصّ بالولد الصغير، أو يعمّ الكبير أيضاً؟

أمّا الموضع الأوّل: فقد ذكر جملة من الأعلام أنّ للتّبعيّة موضوعيّة في الشريعة المقدّسة في غير واحد من الموارد، ولها أحكام خاصّة - ومنها المقام - كما هو الظاهر من كلام الماتن

وكان يصرّ عليه بعض الأساطين (1)في محاضراته، وعلى هذا فيكون الوطن للوالدين بالإصالة وللولد بالتبعيّة والسراية، ولكن قد أشرنا سابقاً (2)إلى أنّه ليس عليها دليل معتبر ولابدّ في كلّ مورد من ملاحظة دليله، كما أنّ الأظهر فيما نحن فيه أنّ الإتمام إنّما هو لأجل كونه وطناً أو بحكم الوطن.

وأمّا الموضع الثاني: فصريح كلام المحقّق الخوئي أنّ الإتمام في المقام ليس من جهة الوطن؛ لأن الوطن إنّما هو للوالدين، وإنّما هو لأجل كونه حاضراً في مقرّه الفعليّ وأنّه ليس بمسافر. والیک نصه:

وكيف ما كان، فالمناط في الإتمام عدم صدق المسافر لا صدق عنوان الوطن، ولا ينبغي التأمّل في انطباق هذا الضابط على الولد بعد فرض تبعيّته لأبويه في المسكن، فإنّ هذا منزله ومقرّه ومحلّ أهله وعشيرته، ومن هذا شأنه لا يصدق عليه المسافر بوجه كما هو الحال في أبويه... .(3)

فهذا صريح في أنّ القصر والتمام يدوران على عنوان المسافر وعدمه دون عنوان الوطن، وقد فرّع المحقّق الخوئي على المقرّ وجوب الإتمام في موارد كثيرة كالجنديّ والمعلّم وغيرهما كما يظهر من «صراط النجاة» وغيره من كتبه.

وعليه، يكون المرور على المقرّ قاطعاً للسفر، كما صرّح به بعضهم، إلّا أنّه غير خالٍ من الإشكال؛ لظهور الروايات في انحصار القاطع بالمرور على الوطن والفرض عدم كون المقرّ وطناً، وينبغي لنا أن نلاحظ جملة من الأخبار الواردة في المقام ليتّضح الحال.

منها: صحيحة عليّ بن يقطين عن أبي الحسن الأوّل علیه السلام قال:

كُلُّ مَنْزِلِ مِنْ مَنَازِلِكَ لَا تَسْتَوْطِنُهُ فَعَلَيْكَ فِيهِ التَّقْصِيرُ.


1) السيد الشريعتمداري.

2) في الشرط الثاني ذيل مسألة 17.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 253.

ونحوها: صحيحته الأخرى. (1)

ومنها: صحيحة حمّاد بن عثمان عن أبي عبدالله علیه السلام:

فِي الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ مَنْزِلًا لَهُ آخَرَ أَوْ ضَيْعَةً لَهُ أُخْرَى؟ قَالَ: إِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْزِلِهِ أَوْ ضَيْعَتِهِ الَّتِي يَؤُمُّ بَرِيدَانِ قَصَّرَ وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ أَتَمَّ. (2)

ومنها: صحيحة ابن بزيع:

سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُقصّر فِي ضَيْعَتِهِ؟ فَقَالَ: لَا بَأْسَ مَا لَمْ يَنْوِ مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا مَنْزِلٌ يَسْتَوْطِنه. (3)

فهي كما ترى صريحة في الحصر؛ بمكان أداة الحصر فيها، فتدلّ على أنّ القاطع للسفر إنّما هو المرور على الوطن فقط. فإن كان المقرّ متّحداً مع الوطن في المعنى عرفاً، فالأمر سهل. وأمّا لو كان المقرّ أعمّ من الوطن كما هو كذلك بناء على مقالهم، فيشكل الأمر في المرور على المقرّ، فمقتضى القاعدة وجوب القصر إذا لم ينو إقامة العشرة. والحاصل، أنّ الروايات ظاهرة بل صريحة في دوران الحكم بالقاطعيّة مدار الوطن فقط.

وأما الموضع الثالث: وهو أنّه هل يكون المقرّ من مصاديق الوطن عرفاً أو لغة أو هو بحكمه فقط؟

فنقول: توضيح ذلك يتوقّف على ملاحظة معنى الوطن مرّةً أخرى، وإن سبق الكلام في ذلك.

واعلم أنّ تحقيق معنى الوطن إنّما يتحصّل من أحد الطرق الثلاثة:

1.

الروايات؛

2.

العرف؛

3.

اللغة.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 492، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 492، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

3) نفس المصدر، ص 494، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح 11.

٭أمّا الروايات: فلا يخفى أنّه ليس فيما يرتبط بالمقام عنوان الوطن، وأمّا في غير المقام فسيأتي نقلها، واستفادة ما يرتبط بالمقام.

٭وأمّا العرف: فالظاهر من عرفنا - الفارسيّة - اعتبار الدوام فيه، وكذلك عرف العرب، إلّا أنّ القطع به مشكل جدّاً؛ لعدم وضوح الأمر، والفقيه متّهم في حدسه. و على كل حال فصدق الوطن على المقرّ عرفاً مشكل جدّاً بل ممنوع.

٭وأمّا اللغة: فهي ظاهرة في شمول الوطن للمقرّ ؛ لأنّ الوطن والاستيطان قد فسّر فيها بمحلّ الإقامة الشامل للمقرّ أيضاً. وفي القاموس: «الوطن محرّكة وتسكن، منزل الإقامة» ونحوه غيره كما تقدّم. (1)

وقد مرّ منّا أنّ الوطن ينتزع من العلاقة الفعليّة بين الشخص وبين محلّ الإقامة بحيث يشتاق الرجوع إليه كلّما خرج منه. وقد تقدّم أنّ الظاهر عدم اعتبار قصد الدوام فيه، بل لا يعتبر قصد التوطّن أصلاً. وعليه، يمكن دعوى كون المقرّ من مصاديق الوطن من حيث اللغة، بل يمكن أن يستظهر ذلك من روايتين:

إحداهما، ما رواه فضل بن شاذان عن الرضا علیه السلام قال:

إِنَّمَا جُعِلَ أَصْلُ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ وَزِيدَ عَلَى بَعْضِهَا رَكْعَةٌ وَعَلَى بَعْضِهَا رَكْعَتَانِ وَلَمْ يُزَدْ عَلَى بَعْضِهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ إِنَّمَا هِيَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْعَدَدِ وَاحِدٌ فَإِذَا نَقَصَتْ مِنْ وَاحِدٍ فَلَيْسَتْ هِيَ صَلَاةً فَعَلِمَ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ أَنَّ الْعِبَادَ لَا يُؤَدُّونَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ الْوَاحِدَةَ الَّتِي لَا صَلَاةَ أَقَلُّ مِنْهَا بِكَمَالِهَا وَتَمَامِهَا وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهَا فَقَرَنَ إِلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى لِيَتِمَّ بِالثَّانِيَةِ مَا نَقَصَ مِنَ الْأُولَى فَفَرَضَ اللَّهُ عَزَّوَجَل أَصْلَ الصَّلَاةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم أَنَّ الْعِبَادَ لَا يُؤَدُّونَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ بِتَمَامِ مَا أُمِرُوا بِهِ وَكَمَالِهِ فَضَمَّ إِلَى الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ لِيَكُونَ فِيهَا تَمَامُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأَوَّلَتَيْنِ ثُمَّ عَلِمَ أَنَّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ يَكُونُ شُغُلُ النَّاسِ فِي وَقْتِهَا أَكْثَرَ


1) تقدّم آنفاً.

لِلانْصِرَافِ إِلَى الْأوطان وَالْأَكْل وَالْوُضُوءِ وَالتَّهْيِئَةِ لِلْمَبِيت. (1)

بتقريب أنّ الأوطان استعمل في الرواية بمعنى المقرّ ومحلّ الاستراحة.

فعلم من ذلك، أنّه ليس للوطن معنىً خاصّ في اصطلاحهم، بل لا يصحّ معنى الخاصّ في الرواية كما لا يخفى. ويؤيّده ما تقدّم من قوله سبحانه:

(لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ). (2)

فإنّ المواطن هنا بمعنى المقرّ، وهو واضح.

ولا يذهب عليك أنّ ما ذكر إنّما يتمّ بناءً على صحّة لفظ «الأوطان» في الرواية، وأمّا لو كانت النسخة «الإفطار» كما في «العلل» (3)و «العيون» (4)فلا يكون الحديث دليلاً.

ثانيتهما: ما رواه جابر الجعفيّ قال:

دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام وَأَنَا شَابٌّ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، قَالَ: مِمَّنْ؟ قُلْتُ: مِنْ جُعْفِيٍّ، قَالَ: مَا أَقْدَمَكَ إِلَى هَاهُنَا؟ قُلْتُ: طَلَبُ الْعِلْمِ، قَالَ: مِمَّنْ؟ قُلْتُ: مِنْكَ، قَالَ: فَإِذَا سَأَلَكَ أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ فَقُلْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

قَالَ: قُلْتُ: أَسْأَلُكَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ عَنْ هَذَا، أَيَحِلُّ لِي أَنْ أَكْذِبَ؟ قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِكَذِبٍ مَنْ كَانَ فِي مَدِينَةٍ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى يَخْرُجَ، قَالَ: وَدَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً وَقَالَ لِي: إِنْ أَنْتَ حَدَّثْتَ بِهِ حَتَّى تَهْلِكَ بَنُو أُمَيَّةَ فَعَلَيْكَ لَعْنَتِي وَلَعْنَةُ آبَائِي، وَإِذَا أَنْتَ كَتَمْتَ مِنْهُ شَيْئاً بَعْدَ هَلَاكِ بَنِي أُمَيَّةَ فَعَلَيْكَ لَعْنَتِي وَلَعْنَةُ آبَائِي، ثُمَّ دَفَعَ إِلَيَّ كِتَاباً آخَرَ ثُمَّ قَالَ: وَهَاكَ هَذَا فَإِنْ حَدَّثْتَ بِشَيْءٍ مِنْهُ أَبَداً فَعَلَيْكَ لَعْنَتِي وَلَعْنَةُ آبَائِي. (5)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 4، ص 54، باب 13 من اعداد الفرائض، ح 22 .

2) التوبة: 25.

3) علل الشرایع؛ ج 1، ص 261.

4) عيون أخبار الرضا عليه السلام؛ ج 2، ص 108.

5) معجم رجال الحديث؛ ج 4، ص 21.

والتقريب واضح جدّاً؛ حيث إنّ محلّ التحصيل موقّت قطعاً. ومع ذلك جعل جابراً من أهل المدينة، فتدلّ الرواية على كون المقرّ من أقسام الوطن.

بل يمكن أن يقال: إنّ عنوان التوطّن والاستيطان الواردين في الأخبار، يشهد على ما قلناه أيضاً بناءً على كون المراد منها تحصيل محلّ الإقامة بتهيئة لوازم المعاش من الفرش والسراج ونحوهما، وحينئذٍ يعمّان المقرّ أيضاً.

وتحصّل من ذلك: أنّ الأقوى هو كون المقرّ من مصاديق الوطن كما عرفت.

إذا تحرّر ذلك، فيقع الكلام في أنّ المقرّ المزبور بماذا يتحقّق؟ فنقول: قد وقع الخلاف في ذلك بين الأعلام، فذهب جمع إلى كفاية إقامة ستّة أشهر كما تقدّم من كلام الهمداني المنكر للوطن الشرعيّ وقد حمل صحيحة ابن بزيع على الوطن العرفيّ بالتوجيه الذي تقدّم.

وذهب آخرون إلى تحقّقه بإقامة خمس سنين. قال المحقّق الخوئي:

وأمّا حدّ الصدق من حيث كمّيّة المدّة فهو موكول بنظر العرف ولا يبعد عدم صدق المسافر بنيّة الإقامة خمس سنوات، فمن عزم على الإقامة هذه المدّة في النجف مثلاً يتمّ مادام فيه وإن سافر ليالي الجُمع أو أيّام الزيارات إلى كربلاء. (1)

والأظهر هو تحقّق المقرّ بإقامة سنتين وإن كنّا نعتبر أكثر من ذلك سابقاً.

والوجه في ذلك:

٭أوّلاً: هو الصدق العرفيّ، فإذا استقرّ بهذا المقدار في محلّ يصدق عليه عرفاً أنّه توطّن فيه.

٭وثانياً: يستظهر ذلك من بعض الأخبار، ففي صحيح زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام قال:

مَنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ سَنَتَيْنِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لَا مُتْعَةَ لَهُ. فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ بِالْعِرَاقِ وَأَهْلٌ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: فَلْيَنْظُرْ أَيُّهُمَا الْغَالِبُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِهِ. (2)


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 260.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 11، ص 266، باب 9 من أقسام الحج، ح 1.

وفي صحيح عمر بن يزيد قال أبو عبدالله علیه السلام:

الْمُجَاوِرُ بِمَكَّةَ يَتَمَتَّعُ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ إِلَى سَنَتَيْنِ، فَإِذَا جَاوَزَ سَنَتَيْنِ كَانَ قَاطِناً وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَمَتَّعَ. (1)

فدلالتهما على المدّعى واضحة؛ ولذا ينقلب حكمه من التّمتّع إلى القران أو الإفراد.

ولا يضرّ ورودهما في مكّة؛ إذ لا يكون المورد مخصّصاً كما حقّق في محلّه. وأمّا تحقّق المقرّ بأقلّ من ذلك كإقامة سنة، ففيه تردّد. وأمّا الأقلّ من السنة فالظاهر أنّه لا دليل على تحقّقه به شرعاً. ولا عقلاً؛ لعدم تحقّق ما يوجب انتزاع الوطن وعدم حصول الأنس والرغبة إلى تهيئة أسباب المعيشة في هذه المدّة القليلة. وهذا بخلاف من أقام في محلّ سنتين، فإنّه يرغب في تهيئة لوازم المعيشة لأجلها، فلا يرى نفسه فيه مسافراً ويشتاق الرجوع إليه كلّما خرج منه كما لا يخفى.

وأمّا الموضع الرابع: أعني: صدق التوطّن على الولد الذي يبلغ عند والديه وعدمه، فقد اتّضح ممّا قدّمناه أنّ مسكن الوالدين يُعّدُ وطناً للأولاد الصغار الذين يبلغون عندهما، وإن لم يكن لهما قصد التوطّن؛ لما عرفت من أنّه لا يعتبر القصد في ذلك، وأنّ التوطّن عبارة عن العلاقة الفعليّة بين الشخص والمكان المتحقّقة بالإقامة الخارجيّة. فالحكم بالإتمام دائر مدار الوطن.

وقد أشرنا إلى أنّ المراد من التوطّن أو الاستيطان الواردين في الروايات، هو محلّ المعيشة الذي يشمل المقرّ أيضاً، وتحصّل من ذلك أنّ القول بدوران الحكم مدار الحاضر والمسافر كما عليه المحقّق الخوئي وإن كان في حدّ نفسه حسناً، إلّا أنّ الأولى بل المتعيّن ما أشرنا إليه من تعميم الوطن على المقرّ وأنّه من مصاديقه لغةً وعرفاً.

وكيف كان، فلا وجه لتفسير الوطن بالمعنى المعروف، كما لا وجه للتبعيّة في الولد، صغيراً أو كبيراً، وإنّما الموضوع هو محلّ الإقامة والإعاشة بالمعنى الذي قدّمناه، ومنه يظهر الحال


1) نفس المصدر، باب 9 من أقسام الحج، ح 2.

في الزوجة - وقد يقع السؤال عنها كثيراً - حيث إنّه إذا لم تكن للتبعيّة موضوعيّة في الولد، ففي الزوجة أولى، فيكون حكمها دائراً مدار محلّ الإعاشة أيضاً.

وعلى هذا، لو بلغ الولد عند أبويه أو أحدهما وأعرض عن وطنهما يكون كسائر المكلّفين في الحكم، فلا تأثير في ذلك للتبعيّة، كما هو كذلك لو أعرض عنه أبواه، فإنّ لكلٍّ منهم حكمه، هذا في الولد الكبير.

وأمّا الصغير الذي يتمشّى منه القصد بأن كان مميّزاً، فإنّه لو أعرض عن مقرّ أبويه وتوطّن في محلّ آخر، إمّا بنفسه أو مع أحد أبويه أو شخص آخر، فهل يكون إعراضه مؤثّراً أم لا ؟ وهل يكون لتوطّنه أيضاً أثر أم لا؟ الظاهر ذلك لتحقّق الموضوع، وهو قصد التوطّن في المحلّ الثاني والإعراض الفعليّ عن الأوّل، فإنّه إذا أقام في محلّ بالفعل وتهيّأ له ما يلزمه في المعيشة ينتزع منه الوطنيّة، فيجب عليه التمام فيه كما يجب عليه القصر إذا دخل وطنه الأصليّ الذي أعرض عنه. وهذا هو مختار السيّد الحكيم أيضاً حيث قال:

من دون فرق بين ما قبل البلوغ وما بعده، وإلغاء قصد الصبيّ في مثل المقام لا دليل عليه بعد الاكتفاء به عرفاً في صدق التوطّن. (1)

قلت: ومن ثمّ لو قصد الصبيّ المميّز المسافة - ثمانية فراسخ فصاعداً - ثمّ بلغ في الأثناء، فإنّه يكفي في التقصير - وإن لم يكن الباقي بعد البلوغ مسافةً - وذلك لتحقّق موضوع القصر كما لا يخفى.

وكذا لو قصد إقامة العشرة ثمّ بلغ في الإثناء، فإنّه يكفي في وجوب الإتمام، والظاهر أنّه ممّا تسالموا عليه إلى غير ذلك من الموارد التي يقف عليها المتتبّع، وكلّ هذه شواهد صادقة على ترتّب الأثر لقصد الصبيّ المميّز. ومن هنا يظهر ضعف ما يصرّ عليه المحقّق الخوئي من عدم تأثير قصد الصبي حيث قال:

يبقى الكلام في ما لو أعرض عن بلده -وهو غير بالغ- فهل يترتّب أثر عليه؟


1) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 111.

الظاهر العدم؛ لعدم نفوذ أفعاله في نظر الشارع من غير مراجعة الوليّ، فهو مولّى عليه لا يكون مستقلاً في فعله ولا مالكاً لأمره، كما عُبِّر بمثل ذلك فيما ورد في نكاح الصبيّة بقوله: «الصبيّة غير مالكة لأمرها». فليس له الاستقلال في اتّخاذ المكان، بل الولاية لوليّه في جميع شؤونه وجهاته الّتي منها المسكن ومنوط بما يراه مصلحة له، ويؤيّده ما ورد بعد سؤال الراوي: «متى يخرج الولد من اليتم»، من قوله: «لا يجوز أمر الغلام حتى يحتلم». -ثمّ قال:- وعلى الجملة، المستفاد من الأدلّة أنّ الشارع قد ألغى كافّة أفعال الصبيّ عن درجة الاعتبار وفرضها کالعدم... . (1)

ويرد عليه:

٭أوّلاً بالنقض؛ فإنّه اعترف بكون قصد الصبيّ المميّز ذا أثر شرعيّ، بل وكذا المجنون لو تحقّق منه القصد حيث قال عند التعليق على قول الماتن في مسألة (17) الآتية:

لا يشترط في تحقّق الإقامة كونه مكلّفاً... فلو طهرت عن الحيض وقد بقي من العشرة يوم واحد، أو بلغ الصبيّ أثناء العشرة وجب التمام في الباقي ... وكذا الحال في المجنون لو تحقّق منه القصد. (2)

والعجب أنّه لم يُشر ولا مقرّره إلى وجه هذه المخالفة الصريحة بين الكلامين، والفاصلة بين الموردين قليلة جدّاً كما لا يخفى. مع أنّه كغيره معترف بمشروعيّة عبادات الصبيّ، بل ومعاملاته في بعض الأحيان حيث أجاز وكالة صبيّ من البالغين في إجراء العقد حيث قال في «المنهاج»:

وأمّا إن كانت المعاملة من الوليّ، وكان الصبيّ وكيلاً عنه في إنشاء الصيغة،


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 254.

2) نفس المصدر، ص 293.

فالصحّة لا تخلو من وجه وجيه... . (1)

٭وثانياً: إنّه لا دليل على إلغاء الشارع أفعال الصبيّ كافّة، وأمّا الخبر الذي أشار إليه من قوله: «الصبيّة غير مالكة لأمرها...» فهو مخصوص بمورده وهو النكاح، وأنّها لا تعقد على نفسها ولا تتزوّج بغير إذن وليّها، فلا يشمل غير مورده. وكذا قوله: لا يجوز أمر الغلام.

وكيف كان، فلا يعتبر البلوغ في حصول التوطّن أو الإعراض مع تحقّق قصدهما، فلو أعرض عن مقرّ أبويه وتوطّن في محلّ آخر وهو غير بالغ يترتّب عليه الأثر؛ إذ الاعتبار إنّما هو على صحّة انتزاع مفهوم الوطن والمقرّ وعدم صدق المسافر عليه، وهو حاصل في المقام كما لا يخفى.


1) منهاج الصالحین؛ ج 2، ص 16، م 58.

زوال حكم الوطنيّة بالإعراض

المسألة 4:

يزول حكم الوطنيّة بالإعراض والخروج، وإن لم يتّخذ بَعْدُ وطناً آخر، فيمكن أن يكون بلا وطن مدّة مديدة. [1]

[1] أقول: قد قرّرنا أنّه لا يتحقّق الوطن بمجرّد القصد، بل لابدّ من التلبّس بالإقامة الفعليّة حتى ينتزع منه مفهوم الوطن بالمعنى الذى قدّمناه، وكذلك في الإعراض الذي يزيل حكم الوطنيّة، فإنّه لا يتحقّق بمجرّد القصد للخروج، بل لابدّ من أن يخرج منه فعلاً بعد قصده، فإذا قصد وخرج من البلد يخرج البلد عن حكم الوطن وإن لم يتّخذ بَعْدُ وطناً له بأن يريد السياحة أو تردّد في أخذ الوطن وعدمه.

عدم اشتراط إباحة المكان في الوطن الاتخاذي

المسألة 5:

لا يشترط في الوطن إباحة المكان الذي فيه، فلو غصب داراً في بلد وأراد السكنى فيها أبداً يكون وطناً له، وكذا إذا كان بقاؤه من جهة كونه قاصداً لارتكاب حرام أو كان منهيّاً عنه من أحد والديه أو نحو ذلك. [1]

[1] والوجه في ذلك هو أنّ موضوع التمام هو الحاضر وكونه غير مسافر، وإذا أراد السكنى في دار مغصوبة يصدق عليه أنّه حاضر وليس بمسافر. ولا دليل على اعتبار إباحة المكان في الوطن، بلا فرق بين الوطن بالمعنى المعروف عند القوم، وبين المعنى الذي ذكرناه وهذا واضح.

ومنه يظهر الحال فيما إذا كان سكناه في بلد محرّماً من غير جهة الغصب، كما إذا كان مستلزماً لشرب الخمر، أو كانت الحرمة من جهة نهي الوالدين، بناء على تحقّق العقوق بمثل ذلك.

والحاصل أنّ الموضوع هو الحاضر وصدق الوطن، وهذا يحصل مع كون توقّفه فيه حراماً.

زوال حكم الوطنيّة بالتردّد

المسألة 6:

إذا تردّد بعد العزم على التوطّن أبداً، فإن كان قبل أن يصدق عليه الوطن عرفاً، بأن لم يبق في ذلك المكان بمقدار الصدق، فلا إشكال في زوال الحكم، وإن لم يتحقّق الخروج والإعراض بل وكذا إن كان بعد الصدق في الوطن المستجدّ.

وأمّا الوطن الأصلي إذا تردّد في البقاء فيه وعدمه، ففي زوال حكمه قبل الخروج والإعراض إشكال، لاحتمال صدق الوطنيّة، ما لم يعزم على العدم، فالأحوط الجمع بين الحكمين. [1]

[1] ذكر المصنّف هنا فروعاً ثلاثة:

أحدها: حصول التردّد بعد قصد التوطّن وقبل صدق الوطن، كما إذا بقي فيه مدّة قليلة بحيث لا يصدق عليه الوطن؛

ثانيها: حصول التردّد بعد صدق الوطن، وهذا في المستجدّ؛

وثالثها: حصوله في الوطن الأصليّ.

فقد حكم على زوال حكم الوطنيّة في الفرعين الأوّلين بمجرد التردّد؛ لأنّ عنوان الوطنيّة لا يتحقّق مع الشكّ والترديد في البقاء وعدمه.

وأمّا الفرع الثالث - أعني: حصول التردّد في الوطن الأصليّ - فقد استشكل في زوال حكم الوطنيّة بمجرّد التردّد؛ لاحتمال بقاء الوطنيّة وعدم تأثير التردّد فيه، ولهذا احتاط بالجمع بين القصر والتمام.

قلت: الظاهر أنّه لا إشكال في زوال حكم الوطنيّة في الفرع الأوّل إذا كان التردّد قبل تحقّقها، وأمّا بعده فالظاهر أنّه لا يزول حكم الوطنيّة في المستجدّ بمجرّد التردّد، «كالأصليّ»، إلّا إذا حصل الإعراض والخروج منه فعلاً؛ لما تقدّم من أنّ الوطن مفهوم ينتزع من العلاقة الفعليّة بينه وبين المكان، والفرض تلبّسه به فعلاً، فلا معنى لزواله عنه مادام سكناه فيه. وقد تقدّم في المسألة (3) أنّ التمام دائر مدار صدق الوطن بالمعنى الذي ذكرناه.

نعم؛ لو عزم على الخروج وخرج بالفعل لزال حكم الوطنيّة بلا كلام. وقد ظهر أنّه لا فرق بين الوطن الأصليّ والمستجدّ في الحكم المزبور.

وتظهر الثمرة بين ما ذكره السيّد وبين ما اخترناه فيما لو قصد الخروج والإعراض ولم يخرج بعد واتّفق له أن يسافر إلى المسافة لحاجة ثمّ رجع إلى مقرّه الأوّل، فبناءً على المختار يجب عليه التمام بعد دخوله في مقرّه بلا فرق بين الوطن الأصليّ والمستجدّ. وأمّا بناءً على مختار الماتن، فيقصّر في المستجدّ ويحتاط بالجمع بين القصر والتمام في الوطن الأصلي.

في اعتبار قصد التوطّن في صدق الوطن

المسألة 7:

ظاهر كلمات العلماء اعتبار قصد التوطّن أبداً في صدق الوطن العرفيّ، فلا يكفي العزم على السكنى إلى مدّة مديدة كثلاثين سنة أو أزيد، لكنّه مشكل، فلا يبعد الصدق العرفيّ بمثل ذلك، والأحوط في مثله إجراء الحكمين بمراعاة الاحتياط. [1]

[1] أقول: يقع الكلام في المسألة من جهتين:

الأولى: في أنّه هل يشترط قصد الدوام في الوطن العرفي أم لا؟

الثانية: هل يشترط القصد في الوطن مطلقاً أو لا يشترط؟

فنقول:

أمّا الجهة الأولى فقد تقدّم الكلام فيها في أوّل الفصل وقد قلنا: إنّه لا يعتبر قصد الدوام فيه، بل يحصل عنوان الوطنيّة بإقامة سنتين في محلّ لانطباق المعنى الذي ذكرناه عليه كما لا يخفى على المتأمّل.

وأمّا الجهة الثانية: ففيها خلاف بين الأعلام، فيصرّ المحقّق الخوئي على اعتباره استناداً إلى جملة من الروايات حيث قال:

قد عرفت ثبوت الوطن الشرعيّ وتحقّقه بوجود منزل مملوك في محلّ قد سكنه ستّة أشهر متّصلة عن قصد ونيّة. (1)

وقال في موضع آخر:

عن قصد ونيّة كما تقتضيه هيئة الاستيطان باعتبار دلالتها على الاتّخاذ المتقوّم بالقصد. (2)

فإن قلت: إنّما يقول بذلك في الوطن الشرعيّ كما يشهد به التمسّك برواية ابن بزيع لا


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 252.

2) نفس المصدر، ص 250.

مطلقاً.

قلت: نعم، إلّا أنّه صرّح باعتبار القصد المزبور مطلقاً في موارد من كلامه. فراجع مسألة (5) و (6) من «المستند». (1)وكذا اعترف به في مبحث قاطعيّة الوطن. (2)إلى غير ذلك من كلامه.

مضافاً إلى أنّه تمسّك بظاهر الاستيطان الذي ورد في صحيحة عليّ بن يقطين، وهي غير مربوطة بالوطن الشرعيّ كما لا يخفى.

أقول: الظاهر أنّ اعتبار القصد في الوطن ممّا تسالم عليه الأكثر بل الكثير كما يظهر بالمراجعة إلى كلامهم. ولكن خالفهم العلّامة البروجردي ولم يعتبر القصد في أخذ الوطن رأساً، وإليك نصّه:

... كون القصد معتبراً في الاستيطان ممنوع؛ فإنّ الوطن كما عرفت سابقاً عبارة عن محلّ الإقامة والمقرّ الفعليّ من دون أن يؤخذ فيه قصد الوطنيّة أو قصد البقاء دائماً، وقد عرفت تفسير الوطن والاستيطان في كلمات أهل اللّغة بالإقامة، - إلى أن قال:- بل قوله علیه السلام في رواية ابن بزيع في تفسير الاستيطان: «أن يكون له فيها منزل يقيم فيه ستّة أشهر» أيضاً يظهر منه أنّ المراد بالاستيطان نفس الإقامة.

ثمّ قال:

فمعنى الاستيطان نفس الإقامة، وليس في الرواية إسم من القصد والنيّة، بل يمكن أن يقال إنّ كون الاستيطان بمعنى الإقامة كان أمراً واضحاً للرواة؛ لكونه من المفاهيم العرفيّة، ولأجل ذلك علّق الحكم في الروايات الأُخر على الاستيطان، من غير أن يذكر له تفسير. - إلى أن قال:- وبالجملة، مفهوم الاستيطان مفهوم مبيّن عرفيّ، وليس القصد مأخوذاً فيه قطعاً. (3)

وأنت ترى صراحة كلامه هذا في عدم اعتبار القصد، وأنّ الاستيطان لا يدلّ على اعتبار


1) نفس المصدر، ص 256-257.

2) نفس المصدر، ص 237.

3) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 158.

القصد. غير أنّ كلامه لا يخلو من نحو إجمال؛ إذ لم يعلم أنّ مراده أنّ الاستفعال لا يدلّ على القصد أصلاً، كما لعلّه يظهر من بعض كلماته، أو أنّه قد انسلخ منه بقرينة قوله في تفسير الاستيطان: «يقيم فيه ستّة أشهر»؟ والانصاف أنّ إنكار دلالة الاستفعال على القصد أو انسلاخه عنه مشكل.

إذا تحرّر ذلك فنقول في المحاكمة بين القولين: إنّ استفادة اعتبار القصد من «الاستيطان» كما يصرّح به السيّد الحجّة والمحقّق الخوئي لا يخلو من إشكال. والوجه في ذلك أنّ الاستفعال - ومنه الاستيطان - وإن كان دالّاً على الطلب والقصد غالباً كما أشرنا إليه، إلّا أنّه إنّما يدلّ على قصد تهيئة المنزل ومحلّ المعيشة.

توضيح ذلك: أنّ مفهوم الوطن لا ينتزع بصرف الاعتبار، بل يحتاج إلى بعض الإضافات والانتسابات الحاصلة من تهيئة أسباب المعيشة والاستراحة والأنس، وهذه لا تتحقّق إلّا بالقصد والنيّة وبالاشتغال بتهيئة بعض تلك الأسباب من المنزل وبعض المأكولات والملبوسات ونحو ذلك، وهذا هو المراد من الاستيطان الوارد في الروايات.

وأمّا اعتبار قصد عنوان الوطنيّة، فلا دليل عليه ولا يستفاد من الاستيطان. ولعلّ هذا هو مراد العلّامة البروجردي كما ربّما يشهد له ما ذكره بقوله:

والحاصل أنّ تتبّع كتب اللّغة واستعمالات العرب يرشدنا إلى أنّ الوطن واشتقاقاته ممّا لم يعتبر في مفهومها قصد العنوان أو قصد الدوام حتى تكون الوطنيّة من العناوين القصديّة الحاصلة بالإنشاء عن قصد. (1)

هذا مع أنّ الاستفعال خالياً عن معنى القصد والطلب قد استعمل كثيراً جدّاً: منها لفظة «الاستطاعة» الّتي هي القدرة الماليّة وغيرها ممّا ذكر في النصوص، وليس فيها معنى الطلب والقصد كما لا يخفى؛ ومنها «الاستغراق» و «الاستحباب» ونحوهما ممّا استعمل في اللّغة خالياً عن القصد والطلب.


1) نفس المصدر، ص 159.

بل ذكر ابوالبقاء في كلّيّاته في باب الألف والسّين ما يقرب من ثلاثين مورداً ليس في أكثرها معنى القصد، كما يظهر بالمراجعة، وكذا ما ذكره في باب الألف والقاف من أنّ مادة «أقام» لم يعتبر فيه القصد، فمن شاء فليراجع كليّاته.

وكيف كان، فالأقوى ما اختاره العلّامة البروجردي من عدم اعتبار قصد التوطّن فضلاً عن قصد الدوام؛ كيف؟ وقد تقدّم إطلاق الوطن على مقرّ الأبل والأغنام، بل يصدق على من غفل عن قصد التوطّن مطلقاً، كمن دخل جزيرة ويعيش فيها سنين من دون أن يخطر بباله قصد التوطّن، وكذا في الطفل والمجنون اللذين لا يتحقّق منهما القصد.

مع أنّا نقول: الظاهر من قوله علیه السلام في تفسير الاستيطان - يقيم فيه ستّة أشهر - عدم اعتبار القصد، ومن المسلّم أنّ المفسِّر - بالكسر - أقوى ظهوراً من المفسَّر - بالفتح - كما لا يخفى.

بل لنا أن ندّعي أنّ روايات الاستيطان مختصّة بالضيعة، فلا يبعد أن يكون اعتبار القصد - على القول به - مختصّاً بها؛ بلحاظ أنّ الضيعة لا تكون وطناً نوعاً، ولذا يجب عليه القصر فيها، إلّا إذا قصد عشرة أيّام أو قصد الاستيطان والتّعيّش فيها. ويشهد له ذكر العزم والقصد في موردين من الروايات:

الأوّل: ما عرفت من أخبار الضيعة؛

والثاني: روايات الإقامة عشرة أيّام كما سيأتي.

فتحصّل من تلك الأبحاث أمور:

الأمر الأوّل: لو بنى على كون بلد ما وطناً له أبداً، وتلبّس بالإقامة فيه بمقدار ينتزع منه مفهوم الوطن بالمعنى الذي ذكرناه، فهو وطن له بلا كلام، ويترتّب عليه أنّه إذا مرّ به في أثناء السفر ينقطع سفره، ويجب فيه الإتمام وإن لم ينو إقامة العشرة ما لم يعرض عنه فعلاً بقصده وخروجه عملاً.

الأمر الثاني: لو كان قاصداً للتعيّش في بلد ما مدّة مديدة - كعشرين سنة أو عشر سنوات- كأكثر الطلّاب القاطنين في الحوزات العلميّة، فعلى المختار تحصل الوطنيّة بذلك؛ لعدم اعتبار قصد الدوام في الوطن، فيكون وطناً عرفيّاً كسابقه، ويترتّب عليه ما يترتّب على الأوّل من الآثار.

الأمر الثالث: لو قصد البقاء في بلد سنتين أو ثلاث سنوات مثلاً لتحصيل بعض المدارك

في الإعراض عن الوطن

العلميّة أو الإداريّة، فلا ريب في أنّه قاطع كالوطن ويترتّب عليه آثاره.

إنّما الكلام في أنّه هل هو وطن حقيقة كما اخترناه؟ أو أنّه بحكم الوطن كما عليه جملة من الأعلام بلحاظ أنّه لا يصدق عليه عنوان المسافر مادام فيه؟ وسمّاه المحقّق الخوئي باسم المقرّ كما تقدّم. لكن قد عرفت أنّه يشكل الالتزام به؛ لمنافاته لروايات الاستيطان من حيث الحصر الوارد فيها، فإنّ المفهوم منها وجوب القصر في المقرّ إذا لم يصدق عليه الوطن. نعم، لا إشكال فيه بناءً على المختار من كونه وطناً.

الأمر الرابع: لو اتّخذ محلّاً لمعيشته وسكن فيه ستّة أشهر وكان له فيه منزل ثمّ أعرض عنه - وهو الذي يسمّى بالوطن الشرعيّ - أ يجب عليه التمام لو دخل فيه في أثناء السفر أم لا؟ فقد اختلف فيه الأعلام، فجمع منهم أوجب عليه القصر، ما لم ينو إقامة العشرة. وذهب آخرون إلى وجوب التمام مع بقاء المنزل؛ لأنّه وطنه شرعاً فيكون قاطعاً للسفر. ونحن وإن قوّينا ثبوت الوطن الشرعيّ بمقتضى صحيحة ابن بزيع، إلّا أنّه قلنا بالاحتياط في مقام العمل بالجمع بين القصر والإتمام كلّما دخل فيه مع بقاء المنزل.

بقي الكلام في الإعراض. فنقول إنّه يتصوّر على صور:

الأولى: ما إذا نوى الإعراض من وطنه وخرج منه بالفعل بحيث ينقطع ارتباطه عنه، فزوال حكم الوطنيّة في هذه الحالة ممّا لا إشكال فيه. فلو مرّ به في سفره يقصّر؛ لأنّه مسافر، فلا اعتبار بكونه وطناً له سابقاً.

الثانية: ما إذا قصد الإعراض ولم يخرج بعد. فحينئذٍ لا ينقطع عنه حكم الوطن؛ لما تقدّم من عدم زوال الوطنيّة بمجرّد قصد الإعراض، فهو ما يزال في وطنه ويترتّب عليه آثاره. الثالثة: ما إذا لم يقصد الإعراض ولكن خرج منه بالفعل لحاجة مع العزم على الرجوع إليه بعد مدّة قليلة، فظاهرهم بقاء الوطنيّة في هذه الصورة، فيتمّ فيه متى دخل، ولو قصد الرجوع بعد مدّة طويلة كمن يقصد الرجوع بعد عشرين سنة، ظاهر كلماتهم أيضاً بقاء الوطنيّة، لكنّه لا يخلو عن إشكال، بل منع؛ لعدم كونه وطناً له فعلاً لقطع الارتباط. فالظاهر وجوب القصر

عليه كلّما دخل فيه، وإن كان الأحوط الجمع.

وهناك صورة رابعة: وهي ما إذا خرج منه ولم يقصد الرجوع إليه وعدمه ولم يقصد الإعراض أيضاً، فظاهر الجماعة - الذين اعتمدوا على الإعراض - وجوب التمام عليه إذا رجع إليه، إلّا أنّ ظاهر الأدلّة لا يساعده بلحاظ عدم صدق الوطن بالمعنى الذي قدّمناه، أعني: المفهوم المنتزع من العلاقة الفعليّة بين الشخص والمكان كما لا يخفى. والأظهر أنّه لا يحسب له وطناً؛ فانّ الوطن عبارة عن محلّ المعيشة فعلاً أو شأناً، وليس ذلك صادقاً في المقام فافهم.

والحاصل أنّه ليس في الروايات أثر من الإعراض، والحكم يدور مدار صدق الوطن والسفر. ففي كلّ مورد لا يصدق عليه أنّه وطنه فعلاً بل يصدق أنّه مسافر فيه، يجب عليه القصر؛ وأمّا لو كان يصدق عليه أنّه وطنه بالفعل، فيتمّ من غير أن يكون للإعراض تأثير في ذلك كما لا يخفى.

من قواطع السفر إقامة عشرة أيّام

اشارة

الثاني من قواطع السفر العزم على إقامة عشرة أيّام متواليات في مكان واحد من بلد أو قرية أو مثل بيوت الأعراب أو فلاة من الأرض أو العلم بذلك وإن كان لا عن اختيار، ولا يكفي الظنّ بالبقاء فضلاً عن الشكّ. واللّيالي المتوسطة داخلة بخلاف اللّيلة الأولى والأخيرة، فيكفي عشرة أيّام وتسعُ ليال، ويكفي تلفيق اليوم المنكسر من يوم آخر على الأصحّ، فلو نوى المقام عند الزوال من اليوم الأوّل إلى الزوال من اليوم الحادي عشر كفى، ويجب عليه التمام وإن كان الأحوط الجمع. [1]

[1] أقول: لا خلاف بين المسلمين في أنّ الإقامة توجب انقلاب حكم القصر إلى التمام، إنّما الكلام في مواضع لابدّ من بيانها:

الأوّل: في بيان مقدارها عند العامّة والخاصّة؛

الثاني: في بيان الدليل على اعتبار العشرة التي ذهب إليها الإماميّة؛

الثالث: في أنّ المعتبر هو البقاء عن إرادة وعلم أو يكفي البقاء غير الاختياري أيضاً؛

الرابع: في أنّ المعتبر هو العلم بالبقاء عشرة أيّام فلا يكفي الظنّ أو الشّك وأنّه يعتبر التوالي أيضاً؛

الخامس: أنّه لا يعتبر دخول الليلة الأولى والأخيرة في العشرة وبيان حقيقة اليوم؛

السادس: في كفاية التلفيق وعدمها؛

السابع: في وحدة المحلّ.

أمّا الموضع الأوّل

فقد اختلفت العامّة في مقدار الإقامة الموجبة للتمام على أقوال:

1.

قول عائشة: وهو أنّه متى وضع رحله أتمّ من أي موضع كان؛

2.

ما قاله ربيعة: إن نوى إقامة يوم أتمّ الصلاة؛

3.

وقال الشافعيّ: إنّه يجب التمام إذا نوى المقام أربعة أيّام، سوى يوم دخوله وخروجه و به

قال أحمد و مالک؛

4. وقال أبو حنيفة: إنّه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يوماً أتمّ.

وأمّا الإماميّة فقد اتّفقوا على أنّها عبارة عن عشرة أيّام قولاً واحداً.

ويعلم من ذلك أنّ الإقامة موجبة لانقلاب الحكم من القصر عند عامّة المسلمين، وإنّما الخلاف في تحديدها ومقدارها. ومن هنا قد وقع السؤال في الروايات عن حكم الإقامة ومقدارها ولم يقع عن أصل الإقامة.

وأمّا الموضع الثاني

فقد دلّت الروايات المستفيضة - لو لم تكن متواترة - على أنّ الإقامة عشرة أيّام متواليات وقد أنهاها في «الوسائل» إلى عشرين حديثاً، إلّا أنّ بعضها غير مربوط بما نحن فيه؛ لعدم ذكر من العشرة فيه أصلاً، كما في صحيح عبدالرحمن بن الحجّاج (1)وخبر إسحاق بن عمّار. (2)وبعضها صدر تقيّة كصحيح محمد بن مسلم؛ (3)لأنّ كون خمسة أيّام موجبة للتمام موافق مع العامّة كما اعترف به في «الوسائل» ويؤيّده قوله: «قد قلت ذلك...» حيث إنّه ظاهر في أنّه إنّما قاله سابقاً وأمّا الآن فلا يقول به، بل يؤيّده أيضاً لفظة «ذلك» الدالّة على الإشارة البعيدة.

فما عن السيّد الحجّة في «النجم الزاهر» من إرجاعه الى إقامة العشرة حيث قال:

يحتمل أن يكون المراد منه الإشارة إلى أنّ الحكم في المسألة هو ما قلته أوّلاً من دون تعرّضه إلى كفاية الخمسة في التمام، فالحكم في المسألة هو الإتمام إذا نوى إقامة عشرة أيّام. (4)

بعيدٌ جدّاً؛ إذ الظاهر أنّ ما قاله سابقاً هو الخمسة كما أشرنا.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 498، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

2) نفس المصدر، ص 501، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 11.

3) نفس المصدر، ح 12.

4) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 62.

وحمله الشيخ في «استبصاره» على التخيير بين القصر والإتمام في الحرمين الشريفين، بشهادة خبر محمد بن مسلم قال:

سَأَلْتُهُ عَنِ الْمُسَافِرِ يَقْدَمُ الْأَرْضَ؟ فَقَالَ: إِنْ حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ أَنْ يُقِيمَ عَشْراً فَلْيُتِمَّ وَإِنْ قَالَ الْيَوْمَ أَخْرُجُ أَوْ غَداً أَخْرُجُ وَلَا يَدْرِي فَلْيُقَصِّرْ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهْرٍ، فَإِنْ مَضَى شَهْرٌ فَلْيُتِمَّ وَلَا يُتِمُّ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ إِلَّا بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَإِنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ خَمْساً فَلْيُتِمَّ. (1)

ولا يضرّ وروده في روايات الإقامة؛ لأنّ الروايات تفسّر بعضها بعضاً كالآيات. فيكون الخبر قرينة على ان المراد من الإقامة هي اقامة الثلاثين متردداً وبعضها خارج عن كلا البابين - إقامة العشرة وإقامة الثلاثين متردّداً - كخبر حنّان عن أبي جعفر علیه السلام قال:

إِذَا دَخَلْتَ الْبَلْدَةَ فَقُلْتَ الْيَوْمَ أَخْرُجُ أَوْ غَداً أَخْرُجُ فَاسْتَتْمَمْتَ عَشْراً فَأَتِمَّ. (2)

حيث تعرّض التردّد وحكم بالتمام فيما أقام متردّداً عشراً.

نعم؛ يحتمل أن يكون الأصل شهراً فحرّف، وربّما يشهد له خبر ذكره في «الوسائل» بقوله: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِهَذَا الْإِسْنَادِ: فَاسْتَتْمَمْتَ شَهْراً فَأَتِمَّ. (3)

وبالجملة، إنّ هذه الخمسة ليست مرتبطة بما نحن فيه، وعليه تبقى في الباب خمس عشرة رواية، وهي كثيرة مستفيضة تكفي في إثبات المطلوب.

وأمّا الموضع الثالث

وهو أنّه هل يعتبر أن يكون البقاء عشرة أيّام عن إرادة واختيار أو يكفي البقاء ولو بإجبار أو إكراه؟ فنقول:

لو كنّا نحن والروايات المتضمّنة لقصد الإقامة ونيّتها والعزم فيها كما في أكثر نصوص الباب، لقلنا بعدم كفاية غير الاختياريّ منها، إلّا أنّه قد ورد في بعضها لفظ اليقين، ففي


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 502، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 16.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 502، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 14.

3) نفس المصدر، ح 15.

صحيحة زرارة:

قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَنْ قَدِمَ بَلْدَةً إِلَى مَتَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مُقَصِّراً وَمَتَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُتِمَّ؟ فَقَالَ: إِذَا دَخَلْتَ أَرْضاً فَأَيْقَنْتَ أَنَ لَكَ بِهَا مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ تَدْرِ مَا مُقَامُكَ بِهَا تَقُولُ غَداً أَخْرُجُ أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَنْ يَمْضِيَ شَهْرٌ فَإِذَا تَمَّ لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ سَاعَتِكَ. (1)

وهي مطلقة تشمل المختار والمُكرَه والمضطرّ إذا كانوا متيقّنين ببقائهم في محلٍّ عشرة أيّام، فيجب عليهم التمام. والظاهر أنّ الحكم متسالم عليه عند الأصحاب فلا حاجة إلى الإطالة.

وأمّا الموضع الرابع

فالظاهر أنّه لا خلاف في اعتبار العلم بالبقاء عشرة أيّام فلا يكفي الظنّ به لعدم اعتباره إلّا في موارد خاصّة، وليس المقام منها كما لا يخفى، ومنه يُعلَم الحال في الشّكّ. وأمّا اعتبار التوالي في الأيّام كما هو المشهور بل المتسالم عليه عندهم، فلظهور الروايات فيه حيث إنّ المتبادر من قوله علیه السلام: «إذا عزم الرجل على أن يقيم عشراً...» ونحوه هو التوالي، ومن هنا قال شارح «نجاة العباد»: «... لأنّه المتبادر من الأدلّة...» ويؤيّده أنّ الإمام كان في مقام البيان في مقابل العامّة القائلين بكفاية مثل اليوم أو أربعة أيّام ونحو ذلك، وهذا لا يستقيم إلّا إذا كانت العشرة متوالية.

وبالجملة: يدلّ على اعتبار التوالي وجوه ثلاثة:

1.

كونه ممّا تسالم عليه الأصحاب؛

2.

أنّه المتبادر؛

3.

ملاحظة مورد صدور الروايات كما أشرنا.


1) نفس المصدر، ح 9.

وأمّا ما ذكره المحقّق الخوئي في الاستدلال عليه من أنّ تعليق الحكم بالزمان يقتضي الاتصال والاستمرار في الزمان ما لم تقم قرينة على الخلاف، حيث قال:

فلا تكفي العشرة المتفرّقة المتخلّل بينها السفر؛ لظهور التحديد بالزمان في الاتّصال والاستمرار، كما هو الحال في نظائر المقام في سائر التحديدات الشرعيّة. (1)

فليس بوجيهٍ؛ إذ التحديد بما هو لا يفيد التوالي والاتّصال، وإنّما يستفاد الاتّصال فيها من القرائن الخاصّة في كلّ مقام.

ومن هنا وقع الخلاف في اعتبار التتابع في الثمانية عشر بدل صوم شهرين متتابعين إذا عجز عن الشهرين، وصيام سائر الكفّارات. فقد اختار السيّد التتابع في الثمانية عشر واحتاط في سائر الكفّارات قائلاً:

يجب التتابع في الثمانية عشر بدل الشهرين، بل هو الأحوط في صيام سائر الكفّارات وإن كان في وجوبه فيها تأمّل وإشكال. (2)

وقال المحقّق الخوئي:

في تضعيف وجوب التتابع في الثمانية عشر ... وناقش فيه غير واحد بأنّ التتابع هنا خلاف إطلاق الدليل بعد أن لم يكن الأمر بالصوم بنفسه مقتضياً... - إلى أن قال:- فتحصّل أنّ الأظهر عدم اعتبار التتابع في المقام لعدم الدليل. (3)

وأنت ترى أنّه ناقش في اعتبار الاتّصال في ثمانية عشر مع أنّه قال باعتبار التوالي في المقام وفي الوطن حيث قال:

كما هو الحال في سائر التحديدات الشرعيّة كالتحديد بعشرة في قصد الإقامة


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 263.

2) العروة؛ كتاب الصوم.

3) مستند العروة؛ ج 2، ص 249 - 250.

وبالثلاثة في أقلّ الحيض وفي صوم الحجّ. (1)

ولا يخفى أنّ مقتضى كلامه هذا وجوب الاتّصال وهو عجيب منه؛ إذ لو كان التحديد بالزمان مقتضياً للاتّصال، فما الفرق بين ثلاثة الحجّ وبين ثمانية عشر بدل الشهرين؟

أمّا الموضع الخامس

وهو أنّه هل يعتبر دخول الليلة الأولى والأخيرة في العشرة أيّام؟ فالظاهر أنّه لا إشكال في عدم اعتبار دخولهما ولا كلام فيه، وأمّا دخول الليالي المتوسّطة فلا مناص من القول بدخولها بالتبعيّة.

وبيان ذلك يتوقّف على تحقيق معنى اليوم فنقول: يظهر من المحاورات المتداولة على الألسنة دخول الليل في معنى اليوم، فإذا قال شخص لآخر: أمهلني يوماً أو شهراً وهكذا، يفهم منه أنّه أراد اليوم مع الليلة والشهر مع لياليه، بحيث لو أراد خلاف ذلك لكان بحاجة إلى نصب قرينة صارفة، إلّا أنّ المعروف عند الفقهاء وكذا في مصطلحات الشرع بل اللغة هو خروج الليل من مفهوم اليوم، ولذا صرّح المصنّف بخروج الليلة الأولى والأخيرة ووافقه جلّ المحشّين. وهذا هو المختار لوجهين:

1.

انصراف لفظ اليوم عن الليلة فلا يشملها؛

2.

أنّه مجمع عليه، بل ممّا تسالم عليه الفقهاء.

وأمّا ما تقدّم من دخول الليل في اليوم عرفاً، فالظاهر أنّه مختصّ بغير عرف العرب، وأمّا عند عرف العرب فالليل خارج عن مفهوم اليوم.

ويؤيّده بل يدلّ عليه قوله سبحانه:

(سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً). (2)

فإنّه سبحانه جعل اليوم مقابلاً لليل والتقابل دليل التغاير.


1) نفس المصدر، ص 351.

2) الحاقة: 7.

ويؤيّده أيضاً كلام أهل اللّغة وفي «المنجد»:

اليوم: الوقت من طلوع الشمس إلى الغروب.

ويقرب منه ما ذكره الراغب في «مفرداته». وأصرح من الكلّ ما ذكره أبوالبقاء حيث قال:

اليوم هو لغة موضوع للوقت المطلق ليلاً أو غيره «كيوم الدين» لعدم طلوع الشمس وغروبها حينئذٍ - قيامة- وعرفاً مدّة كون الشمس فوق الأرض وشرعاً زمان ممتدّ من الفجر الثاني إلى غروبها، بخلاف النهار فإنّه ممتدّ من طلوع الشمس إلى غروبها ولذا يقال: صُمتُ اليوم، فلا يقال صمتُ النهار. (1)

وتحصّل أنّ الليل خارج عن مفهوم اليوم. وعلى هذا، لو أقام في بلد أو قرية عشرة أيّام مع الليالي المتوسّطة، يتحقّق الإقامة القاطعة لحكم السفر، فلا حاجة إلى الليلة الأولى والأخيرة كما أوضحنا.

نعم؛ استقرب العلّامة البروجردي دخول الليلة في اليوم في مورد، حيث قال:

نعم؛ في لفظ اليوم الوارد في تحديد أقلّ الحيض وأكثره يحتمل جدّاً دخول الليلة في مفهومه؛ إذ الظاهر أنّ التحديد في باب الحيض ليس تعبّداً محضاً. (2)

بقي الكلام في تحقيق مبدأ اليوم ومنتهاه فنقول: أمّا المنتهي، فالظاهر - لا خلاف - في أنّه هو الغروب، وإن كان فيه أيضاً كلام وأنّه هل هو الغروب الشرعيّ أم لا؟ وأمّا المبدأ، فقد اختلف كلامهم في أنّه هو طلوع الفجر أو طلوع الشمس، فالأكثر على أنّه من طلوع الفجر كما في الصوم، ولذا اشتهر التعبير بيوم الصوم. واختاره في «الجواهر» حيث قال: «كما هو الصحيح.» وعن الهمداني أنّه هو الأشبه.

ويظهر من بعضهم أنّ المراد من اليوم هو يوم الأجير، وهو من طلوع الشمس وأنّه اليوم عرفاً، وليس للشارع تصرّف في الألفاظ. قال السيّد الحجّة:


1) فصل الياء كلمة اليوم.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 180.

ثمّ المراد من اليوم في المقام هل هو يوم الصوم حتى يكون ابتداؤه من أوّل طلوع الفجر، أو يوم الأجير حتّى يكون ابتداؤه من أوّل طلوع الشّمس؟ الأقوى عندي هو الثاني. (1)

وقال المحقّق الخوئي:

المستفاد من لفظ اليوم بحسب المتفاهم العرفيّ هو المعنى المساوق للنهار الذي هو عبارة عمّا يتخلّل بين طلوع الشمس وغروبها على ما اشتهر في المنطق من التمثيل بقولهم: كلّما طلعت الشمس فالنهار موجود - إلى أن قال:- فيكون مبدأ اليوم طلوع الشمس لا طلوع الفجر. (2)

وتردّد فيه العلّامة البروجردي حيث قال:

في المسألة وجهان... . (3)

قلت: الظاهر أنّه لا دليل واضح يعتمد عليه في المقام كَيْ يتعيّن أحد القولين، وإن كان المشهور بينهم أنّ مبدأ اليوم هو طلوع الفجر ولعلّه الأوجه، ويمكن أن يستأنس له بأمور:

منها: قوله سبحانه:

(كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ). (4)

فإنّه لم يختلف أحد في حرمة الأكل والشرب بعد طلوع الفجر من العلماء كافّة. فيفهم منها أنّ بين الطلوعين محسوب من اليوم. نعم؛ حكي القول بجواز الأكل والشرب بعد طلوع


1) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 71.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 264.

3) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 180.

4) البقرة: 187.

الفجر من بعض المعاصرين، ولكن لا يعتنى به. (1)

ومنها: صلاة الليل، وقد تسالموا على أنّ وقتها محدود بما قبل الفجر الصادق، فهذه قرينة على أنّ بعد طلوع الفجر ليس من الليل.

ومنها: ثلاثة أيّام الاعتكاف، فقد تسالموا أيضاً على أنّ مبدأها من طلوع الفجر.

ومنها: الأغسال الليليّة المندوبة في مثل ليالي القدر ونحوها، فإنّ المتبادر من الروايات الدّالّة على استحبابها هو تحديدها بما قبل الفجر.

ومنها: الأغسال النهاريّة كالجمعة والغدير ونحوهما، فقد اتّفقوا على كونها صحيحة إذا وقعت بعد طلوع الفجر، بل قد أفتى المحقّق الخوئي بذلك في المقام على خلاف مبناه معلّلاً له بورود الخبر، فراجع إن شئت. (2)

ومنها: قوله سبحانه، (وَ اللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ) (3)حيث إنّ الصبح إنّما يتنفّس بطلوع الفجر وبه يذهب الليل ولك أن تقول: إنّ تقارن الليل مع الصبح يدلّ على أنّ الصبح ليس من الليل، بل هما متغايران.

ومنها: البيتوتة في منى، فقد تسالموا على أنّ الواجب منها محدود إلى طلوع الفجر.

ومنها: إحياء ليالي القدر، فإنّه يتمّ عند طلوع الفجر.

إلى غير ذلك ممّا يقف عليه المتتبّع.

والحاصل انّه يمكن أن يستفاد من هذه الموارد أنّ مراد الشارع من اليوم في المقام هو الزمان المتخلّل بين طلوع الفجر وبين الغروب. فبين الطلوعين محسوب من اليوم. وبما ذكرنا صرّح الشّيخ في «المصباح»؛ حيث قسّم اليوم إلى إثنتي عشرة ساعة، وجعل الساعة الأولى ما بين الطلوعين. (4)


1) وهو المعروف بسلطان القراء القاطن في بلدة تبريز.

2) التنقيح في شرح العروة الوثقى؛ ج 9، ص 278.

3) التكوير: 17 و 18 .

4) مصباح المتهجّد؛ ص 461 (أدعية الساعات).

وتظهر الثمرة بين القولين، في موارد:

الأوّل: في الإقامة، فإنّها تبدأ من طلوع الفجر عند المشهور، ومن طلوع الشمس عند المحقّق الخوئي.

الثاني: في نصف الليل - الذي اعتبر غاية لوقت صلاة العشاء- فقد اختار المحقّق الخوئي هناك أنّ انتصاف الليل هو بلحاظ طلوع الشمس وغروبها، فينتصف الليل بعد مضيّ 12 ساعة من زوال الشمس، وأمّا بناء على المشهور فينتصف قبل ذلك بثلاثة أرباع الساعة تقريباً.

الثالث: في إحياء ليالي القدر، فلعلّ المسلّم فيها أنّ الليل ينتهي إلى طلوع الفجر، وكذا أعمال أيّام شهر رمضان من الصلوات والأدعية المسنونة، فإنّ وقت ذلك يختلف بالنسبة إلى القولين.

الرابع: غسل يوم التروية، فعلى المشهور يجوز بعد طلوع الفجر، كما أفتى به السيّد حيث قال: «ووقته تمام اليوم» وأمّا عند المحقّق الخوئي فلا يجوز إلّا بعد طلوع الشمس. والعجب منه حيث لم يعلّق عليه وسكت في درسه أيضاً. (1)مع أنّه لا دليل على جوازه بعد طلوع الفجر، بل هو على خلاف مبناه.

وهناك موارد أخرى يقف عليها المتتبّع.

منها: الأغسال النهاريّة الّتي ثبت استحبابها في الشريعة، كما في بعض أيّام المرجّب وغيره.

ومنها: استحباب الإسراج في البيت الذي مات فيه المؤمن ليلاً.

ومنها استحباب العرس في الليل، ونحوها.

والعجب أنّ المحقّق الخوئي قد أفتى على أنّ مبدأ غسل عيد الفطر والأضحى هو طلوع الفجر، واستند في ذلك إلى صحيحة زرارة:

قال: إِذَا اغْتَسَلْتَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَجْزَأَكَ غُسْلُكَ ذَلِكَ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ وَعَرَفَةَ وَالنَّحْرِ


1) التنقيح في شرح العروة الوثقى؛ ج 9، ص 324.

وَالْحَلْقِ وَالذَّبْحِ وَالزِّيَارَةِ فَإِذَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْكَ حُقُوقٌ أَجْزَأَكَ عَنْهَا غُسْلٌ وَاحِدٌ. (1)

ويقرب منه خبر عليّ بن جعفر عن أخيه موسى علیه السلام. (2)

وحيث إنّ الخبرين يدلّان على المراد في عيد الأضحى فقط، التجأ إلى الالتزام بما هو خلاف مبناه في عيد الفطر حيث قال:

وحيث إنّه لا تفصيل بين عيد الأضحى والفطر، فيحكم بذلك أنّ مبدأ الغسل في العيدين هو طلوع الفجر. (3)

ولا يخفى ما فيه؛ لإنّه قياس لا يقول به.

والقول بأنّه من باب تنقيح المناط غير واضح؛ لعدم الإحاطة بالمصالح والمفاسد، مع أنّ كفاية غسل الأضحى قبل طلوع الشمس بناء على مبناه مخالفة للقاعدة، فليقتصر على مورد النصّ، فلا وجه للتّعدّي.

أمّا الموضع السادس: وهو أنّه أ يكفي التلفيق هنا أم لا؟

فنقول: إنّ التلفيق عبارة عن تكميل ما نقص من اليوم بما يساويه من اليوم الآخر، فهل يُعدّ ذلك المركّب يوماً واحداً في هذا المقام أم لا؟ وجوه بل أقوال:

القول الأوّل: إنّ الملفق لا يعدّ يوماً من أيّام الإقامة؛ نسب ذلك إلى العلّامة وإن كان كلامه لا يوافق النسبة، قال:

وفي اعتبار يوم الدخول والخروج إشكال ينشأ من أنّه تتمّة السفر ومن حصول المقام. (4)

وعبارته كما ترى لا تناسب النسبة.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 3، ص 339، باب 31، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 330، باب 17، ح 1.

3) التنقيح في شرح العروة الوثقى؛ ج 9، ص 321.

4) تذكرة الفقهاء؛ ص 19.

نعم، هو مختار صاحب «المدارك» حيث قال:

وفي الاجتزاء باليوم الملفّق من يوم الدخول والخروج وجهان أظهرهما العدم؛ لأنّ نصف اليومين لا يسمّى يوماً فلا تتحقّق إقامة العشرة التامّة بذلك، وقد اعترف الأصحاب بعدم الاكتفاء بالتلفيق في أيّام الاعتكاف وأيّام العدّة، والحكم في الجميع واحد. (1)

وفيه ما لا يخفى؛ لأنّا لا نقول باكتفاء اليوم الناقص حتّى يورد عليه بأنّ نصف اليوم لا يسمّى يوماً، بل المراد أنّ اليوم الملفّق يحسب يوماً عرفاً، ويشهد له أنّ من عمل لغيره نصف يوم الجمعة ونصف السبت يقال إنّه عمل له يوماً كاملاً.

القول الثاني: عكس القول الأوّل، فإنّ بعضهم جعل كلّاً من المنكسرين يوماً على حدة كما نقله في «الجواهر» بقوله:

فما يقال من احتساب يوم الدخول والخروج كيف كان حتى لو كان الأوّل قبل الغروب بساعة أو ساعتين والثاني بعد طلوع الفجر كذلك ضعيف جدّاً. (2)

وربّما يستدلّ عليه بصحّة إطلاق اليوم على بعض منه، كما إذا قيل ضربت زيداً، وقد ضرب رأسه فقط، وقد شاع في المحاورات ذكر اللفظ وإرادة البعض من المعنى.

قلت: وهو أضعف الأقوال؛ لعدم الدّليل عليه. وأمّا موارد استعمال اليوم وإرادة بعضه فلا يكون دليلاً؛ لأنّ الاستعمال المجازيّ مع القرينة مختصّ بمورده فلا يتعدّى إلى غيره. القول الثالث: ما هو المشهور من كفاية الملفّق وهو الأقوى؛ لصدق اليوم على المركّب من نصفين عرفاً. ومن هنا قال في «الجواهر»:

نعم؛ الظاهر إجزاء الملفّق للصدق العرفيّ، فلو نوى المقام عند الزوال كان منتهاه زوال اليوم الحادي عشر، كما صرّح به غير واحد من الأصحاب، بل لا أجد فيه


1) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 460 .

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 311.

خلافاً من غير «المدارك». (1)

والحاصل أنّ المطلوب هو إقامة عشرة أيّام، ومن الظاهر أنّه لا خصوصيّة في اليوم الكامل (أعني: من طلوع الفجر إلى الغروب) بل الملاك هو إقامة مقدار يوم تامّ إن كان مركّباً من بعض اليومين كيف اتّفق.

وأمّا ما ذكره المحقّق الخوئي بقوله:

ولعلّه يشهد لذلك أنّه قلّما يتّفق دخول المسافر أوّل النهار إلّا نادراً بل الغالب دخوله أثناء النهار أو في الليل، وعليه فلا موجب لإسقاط هذه الساعات بعد الإطلاق في دليل الإقامة، بل هي محسوبة بطبيعة الحال، ومقتضاه تلفيق يوم منها ومن يوم الخروج. (2)

فلا يعدّ وجهاً؛ لأنّ مورد الإطلاق هو الشّكّ في كونه فرداً من أفراد المطلق مفهوماً وعدمه، وهذا لا يجري في مفهوم اليوم؛ لعدم الشّك فيه، فإنّ كونه من الطلوع إلى الغروب من الواضحات. فلا معنى للإطلاق في النصف مثلاً، كما لا يخفى. مضافاً إلى أنّهم لا يقولون بأنّه لابدّ من أن يدخل المسافر محلّ الإقامة في ابتداء اليوم حتى يقال إنّه يكون فرداً نادراً، بل يدّعون أنّ المنكسر ليس بيوم، فلا يفيد ما ادّعاه في ذلك.

أمّا الموضع السابع أعني: اشتراط وحدة محل الإقامة

فالظاهر أنّه ممّا ادّعي عليه الشهرة، بل هو المتسالم عليه.


1) نفس المصدر، ص 312.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 265.

اعتبار وحدة المحلّ في الإقامة

ويشترط وحدة محلّ الإقامة، فلو قصد الإقامة في أمكنة متعدّدة عشرة أيّام لم ينقطع حكم السفر، كأن عزم على الإقامة في النجف والكوفة أو في الكاظمين وبغداد، أو عزم على الإقامة في رستاق من قرية إلى قرية من غير عزم على الإقامة في واحدة منها عشرة أيّام، ولا يضرّ بوحدة المحلّ فصل مثل الشطّ بعد كون المجموع بلداً واحداً، كجانبي الحلّة وبغداد ونحوهما.

ولو كان البلد خارجاً عن المتعارف في الكبر، فاللازم قصد الإقامة في المحلّة منه إذا كانت المحلّات منفصلة، بخلاف ما إذا كانت متّصلة إلّا إذا كان كبيراً جدّاً بحيث لا يصدق وحدة المحلّ وكان كنيّة الإقامة في رستاق مشتمل على القرى مثل القسطنطنيّة ونحوها. [1]

[1] أقول: اعتبار وحدة محلّ الإقامة هو المشهور، بل المتسالم عليه في الجملة، وقد ادّعى بعض الأساطين أنّه ممّا لا خلاف ولا إشكال فيه. (1)وهذا ممّا لا كلام فيه.

نعم؛ يقع الكلام في جهات الأربع:

الأولى: في بيان دليله؛

الثانية: في بيان المراد من الوحدة؛

الثالثة: في بيان حدود محلّ الإقامة في محلّ واحد، وذكر الأقوال فيه؛

الرابعة: في أنّه هل تعتبر المحلّة في البلاد الكبيرة أو لا؟ أو يفصّل بين متّصلة المحلّات ومنفصلتها؟

أمّا الجهة الأولى: فتدلّ على اشتراط وحدة المحلّ - قبل الإجماع - ظاهر العناوين الواردة في أكثر نصوص الإقامة كعنوان البلدة والبلد والقرية والضيعة والأرض ونحوها. (2)ومن الظاهر أنّ العزم على الإقامة في رستاق لا يصدق عليه أنّه أقام في بلد أو قرية. ولا ينافيها موثّقة


1) نفس المصدر، ص 266.

2) أنظر لأحاديث 1، 3، 4، 6، 7، 8، 9 و غيرها من باب 15 من أبواب صلاة المسافر في كتاب الوسائل الشيعة.

عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد الله علیه السلام:

قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الضِّيَاعُ بَعْضُهَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ يَخْرُجُ فَيُقِيمُ فِيهَا يُتِمُّ أَوْ يُقَصِّرُ قَالَ يُتِمُّ. (1)

والوجه في ذلك أوّلاً أنّها ظاهرة في الإقامة في بساتينه، فيكون المراد منها ما يكون واقعاً في قرية واحدة. وثانياً أنّها لا تقاوم ما أشرنا إليها من النصوص الكثيرة الظاهرة في اعتبار وحدة المحلّ؛ لاضطراب متنها من جهة أنّ الموجود في «الفقيه» و«التهذيب» لفظة «يطوف» بدل «يقيم»، مع أنّه قد قلنا سابقاً إنّ الروايات الآمرة بالإتمام في الضيعة محمولة على التقيّة؛

لكونها موافقة للعامّة، هذا ولو كان الصحيح هو نسختا «التهذيب» و«الفقيه» لكان الحمل على التقيّة لازماً؛ لموافقة الخبر معهم حينئذٍ صريحاً وهو واضح.

وأمّا الجهة الثانية فنقول: المراد من الإقامة الواردة في غير واحد من الأخبار هو إلقاء الرحل في مكان واحد وقطع استمرار السفر، وهذا يختصّ بمكان واحد، بل لا يتحقّق في قريتين قريبتين فصاعداً وإن كان بعضها قريباً من الأخرى جدّاً، وذلك أنّ الملاك في وحدة المحلّ هو الصدق العرفيّ.

نعم؛ لو أقام في جانب بلد فقد اتّفق الأصحاب على أنّه لا يضرّ وجود مثل الشّطّ ونحوه؛ لعدم خروجه بذلك عن الوحدة العرفيّة.

ومع ذلك كلّه وفي النفس منه شيء وهو أنّه من المحتمل جدّاً كفاية الاتّحاد الخارجيّ وإن كان لكلّ واحد اسم على حدة، فحينئذٍ يكون المعتبر هو الوحدة الواقعيّة دون الإسميّة.

فلعلّه يأتي منّا بعض الكلام في ذلك فانتظر.

وعلى كلّ حال، لوشكّ في تحقّق الإقامة القاطعة للحكم يستصحب حكم السفر، أعني: القصر وهذا واضح.

وأمّا الجهة الثالثة: فقد اختلف الأصحاب في تحديد محلّ الإقامة على أقوال، والعمدة


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 498، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

منها ثلاثة أقوال، وإن أنهاها بعض الأساطين إلى ستّة أقوال.

القول الأوّل: إنّ محلّ الإقامة محدود بحدّ الترخّص، بمعنى أنّه يجوز له التردّد فيما دونه، فلو قصد الخروج منه فلا يعدّ مقيماً في محلّ واحد، وهو المنسوب إلى الشهيدين بل إلى المشهور. قال في «الحدائق»:

أحدها - الأقوال - وهو الذي صرّح به الشهيدان، والظاهر أنّه المشهور - جواز التردّد في حدود البلد وأطرافها ما لم يصل إلى محلّ الترخّص. (1)

القول الثاني: إنّه لابدّ من الرجوع إلى العرف، فلا يضرّ الخروج إلى ما يعدّ عرفاً من البلد وتوابعه من المزارع والبساتين ولو كان خارج حدّ الترخّص، وهو قول الأردبيليّ وصاحب المدارك والمجلسيّ واستقر به في «الحدائق» قائلاً: والظاهر أنّه الأقرب.

وقال في «المدارك»:

وهو جيّد، لكن الرجوع في صدق الإقامة إلى العرف، فلا يقدح فيها الخروج إلى بعض البساتين والمزارع المتّصلة بالبلد مع صدق الإقامة فيها عرفاً. (2)

والظاهر أنّه مختار «الجواهر» أيضاً، كما يظهر من قوله:

فلو نوى الإقامة في البلد قاصداً للتردّد في بعض الأحيان في بعض بساتينها ومزارعها ونحوها ممّا لا ينافي صدق الإقامة في البلد عرفاً معها، أتمّ. ولا بأس. (3)

القول الثالث: إنّ محلّ الإقامة محدود بما دون المسافة، بمعنى أنّه يجوز له التردّد حول البلد أو القرية ونحوهما حيث شاء وأراد ما لم يبلغ أربعة فراسخ.

وبعبارة أُخرى، إنّ الملاك في نقض الإقامة هو صدق السفر الجديد، فما دام لا يعدّ مسافراً بسفر جديد، يجوز له التردّد فيه.

وهذا القول اختاره فخر المحقّقين ووافقه الكاشانيّ في «الوافي» وبعض الأعلام من


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 346.

2) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 460.

3) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 304.

المعاصرين أو من عاصرناه. وزاد العلّامة البروجردي احتمالات أُخر، والظاهر أنّ أكثرها احتمالات بدويّة، وإليك نصّ كلامه:

وهل الاعتبار في وحدة المحلّ باتّصال الجدران مثلاً حتى يعتبر فيمن أقام في البادية أن لا يتحرّك في أطراف خيمته أيضاً ولو قليلة، ويجوز للمقيم في بلاد كبيرة أن يسير في جميع محلّاتها وإن كانت في الكبر بحيث يصدق على من سار من محلّة منها إلى الآخر عنوان المسافر، أو الاعتبار بالمنزل الذي سكن فيه فيعتبر أن لا يخرج منه، سواء كان في البادية أو في البلد، أو الاعتبار لحدّ الترخّص فيضرّ الخروج منه ولو إلى التوابع المتّصلة ولا يضرّ السير في أطراف محلّ الإقامة بلداً كان أو بادية ما لم يخرج من حدّ الترخّص، أو الاعتبار بالبلد وتوابعه المتّصلة کالبساتين والمقابر ونحوها، أو الاعتبار بعدم الخروج من حدّ البلد بمقدار الأربعة، فيضرّ الخروج بهذا المقدار وإن لم يوجب القصر في حقّه فعلاً، كما إذا لم يرجع ليومه بناء على اعتباره، أو الاعتبار بعدم إيجابه للقصر فعلاً، فلا يضرّ الخروج ما لم يتحقّق السفر الموجب للقصر؟ في المسألة وجوه ... . (1)

ولا يخفى أنّ الاحتمال الأخير بدويّ لم يحتمله أحد كما هو كذلك في الأوّلين كما أشرنا؛ إذ لا يعتبر في الإقامة توقّفه في البيت أو المنزل أو الخيمة بحيث لا يخرج منه أصلاً، كالأسير والمحبوس قطعاً؛ فإنّ الإنسان إذا أقام في محلّ لا محالة يتردّد في أطرافه من مساجده ومقابره وسوقه ونحو ذلك. وعليه تبقى عمدة الأقوال ثلاثة كما تقدّمت إليه الإشارة.

وإذا تحرّر ذلك فنقول: لا ريب في وجوب القصر على المسافر مادام مسافراً، كما لا إشكال في وجوب التمام على المقيم. والإقامة كما عرفت، هي الاستقرار في مكان وعدم إدامة السّير، وقد حدّدها الشارع بكونها في عشرة أيّام، ولم يؤخذ في مفهومها عدم الخروج من البلد لا لغة، وهوظاهر ولا من حيث الروايات؛ إذ المراد منها هو - توقّفگاه - بالفارسيّة وهو يصدق


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 171.

وإن قصد الخروج إلى بعض المزارع والبساتين حتى لو كانت خارج حدّ الترخّص ما لم يصل إلى رأس أربعة فراسخ، كما عليه فخر المحقّقين ومن تبعه، بل نسب إلى أبيه العلّامة في أجوبة المسائل السنائيّة المشهورة، كما عن المقدّس البغداديّ.

وهذا لا يخلو من قوّة بمقتضى مناسبة الحكم والموضوع؛ حيث إنّ موضوع التمام إقامة المسافر وعدم انتقاله من محلّ إلى آخر بالضّرب في الأرض، وهذا يتحقّق بنزوله في محلّ وقطع سيره، ولو كان من قصده الخروج منه للتّنزّه في أطراف البلد والعود إليه مادام لا يكون مسافراً بسفر جديد كأربعة فراسخ مثلاً. ولعلّه لهذا اختاره السيّد بحر العلوم كما في «الجواهر» بل سيّدنا الأستاذ حيث لم يعلق على كلام السيّد في مسألة (8) كما سيأتي. ومع ذلك كلّه خالفه في «الجواهر» حيث قال:

والظاهر أنّه لا يتوقّف على عدم قصد الخروج عن خطّة سور البلد، ولا على عدم فعل الخروج؛ للصدق العرفيّ بدونهما. فلو نوى الإقامة في البلد قاصداً للتردّد في بعض الأحيان في بعض بساتينها ومزارعها ونحوها - ممّا لا ينافي صدق الإقامة في البلد عرفاً معها- أتمّ ولا بأس.

وكذا لو لم يقصد حال النيّة، من غير فرق بين الوصول إلى محلّ الترخّص أو الزائد عليه بعد الصدق المزبور، - إلى أن قال:- نعم، الأولى عدم التعرّض لتحديده بذلك، بل يؤكل إلى العرف المختلف باختلاف الأمكنة كما أوكلته إليه النصوص... - ثمّ قال:- ولقد أفرط الفخر فيما يحكى عنه في بعض الحواشي المنسوبة إليه من عدم البأس في خروج المقيم إلى مادون المسافة. (1)

قلت: الظاهر أنّ مراده من اختلاف العرف باختلاف الأمكنة هو اختلاف البلاد والقرى من حيث كثرة المزارع والبساتين حولها وقلّتها، فإنّ بلدة كربلاء المقدّسة - على مشرفّيها التحيّة والثناء- محفوفة بالمزارع والبساتين تبلغ إلى ثلاثة فراسخ فصاعداً، فإنّه يصدق عليها


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 304.

البلد وحواليه.

وهذا بخلاف البلد الواقع في القفراء أو قليل الماء بحيث لا يكون حوله مزارع أو بساتين إلّا قليلاً، فإنّه ربّما يضرّها الخروج عن حواليه بمقدار فرسخ واحد عرفاً.

وكيف كان، فيرد عليه ومن قال بمقاله كصاحب «المدارك» وغيره أنّ الأحكام الشرعيّة لا يرجع فيها إلى العرف إلّا في موارد خاصّة - كتشخيص معنى اللفظ ومفهومه-؛ إذ ليس العرف محكّماً مطلقاً وليس دليلاً بنفسه، ومن الظاهر أنّه لا يشمل الإقامة في البلد على التردّد في المزارع ونحوها. وعلى الفقيه استظهار الحكم واستخراجه من الأدلّة، كتاباً وسنّة. ومنه يظهر الضعف فيما ذكره المحقّق الخوئي في ابتداء كلامه حيث أحال المطلب على العرف. نعم، ذكر في آخره ما يوضح مراده في الجملة، وهو أنّ الملاك عدم صدق الارتحال (1)وإن كان فيه كلام أيضاً وسيأتي.

وتحصّل من تمام ذلك أنّ الخروج إلى مادون المسافة - أربعة فراسخ- لا يضرّ بالإقامة حتّى لو كان من قصده ذلك في ابتداء قصد الإقامة، لكن يعتبر صدق الإقامة في محلّ واحد. فلو كان قاصداً للإقامة في بلد وكان قاصداً للخروج إلى بعض نواحيه، فلا يضرّ بالإقامة ما لم يخرج إلى أربعة فراسخ. وأمّا لو قصدها في بلدين قريبين بل متّصلين كالكوفة والنجف ونحوهما فلا تتحقّق الإقامة، ولا يوجب الإتمام.

ولو كان هناك قريتان قريبتان بل متصلتان بحيث يسمع أذان إحداهما من الأخرى، وكذا لو أقام في محلّين قريبين، كما إذا كانت الفاصلة بينهما كيلومتراً أو كيلومترين وهكذا فأقام فيهما تمام العشرة، فلا يتحقّق الإقامة وإن كان يحتمل عدم إضرار مثل ذلك عرفاً في وحدة محلّ الإقامة، وسيأتي مزيد توضيح لذلك في المسألة الآتية.

الجهة الرابعة فيما ذكره من التفصيل في البلاد الكبيرة.

فنقول: قد تقدّم الكلام حول البلد الكبير في مسألة (15) عند البحث في مبدأ المسافة،


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 268.

كما تقدّم أيضاً في مسألة (62) عند البحث عن حدّ الترخّص وقد نقلنا هناك عن «الجواهر» التفصيل بين المحلّات المتّصلة والمنفصلة وأنكرنا عليه أصل التفصيل.

وأمّا هنا فنقول:

يظهر من كلام السيّد أنّ البلاد على ثلاثة أنواع:

1.

الصغيرة، كبلدة نراق ونحوها، جلّ القرى لو لم يكن كلّها؛

2.

المتوسّطة، مثل مدينة قم وكاشان؛

3.

الكبيرة، كمشهد الرضا علیه السلام وأصفهان وطهران.

فلا إشكال في الأوليين، وأمّا الكبيرة فعلى قسمين:

1.

المتّصلة المحلّات؛

2.

ومنفصلتها.

أمّا الأولى، فهي كغيرها من البلاد عند السيّد.

وأمّا الثانية، فيجب أن يكون قصد الإقامة في المحلّة، بل وكذلك في المتّصلة إذا كان البلد في الكبر خارجاً عن المتعارف كما حكي في القسطنطنيّة بحيث كانت المحلّة بالغة إلى فراسخ وإن كانت متّصلة.

وقد أنكر عليه المحقّق الخوئي حيث قال:

العبرة في وحدة المحلّ بالصدق العرفيّ، وهو حاصل في المقام وإن خرج البلد عن المتعارف في الكبر - إلى أن قال:- وقد كانت البلاد الكبيرة الخارجة عن المتعارف في الكبر غير عزيزة في عصرهم، كبغداد والكوفة ونحوهما. (1)

قلت: يشكل الأمر في القسم الثاني؛ لأنّ صدق الوحدة فيه عرفاً لا يفيد، كيف؟ فلو فرض كونها معتبرة يلزم ترتيب الآثار على تمام المملكة باعتبار أنّها مسمّاه باسم واحد. فلا يبعد أن


1) نفس المصدر، ص 270.

يكون المراد من الوحدة، وحدة محلّ الإقامة عرفاً. فلو قصد الإقامة عشرة أيّام في بلدة منفصلة المحلّات، لا يصدق «أنّه أقام في محلّ واحد» بل في محلّات كالرستاق.

ومنه يظهر ضعف ما ذكره أخيراً من أنّ الكوفة وبغداد من البلاد الكبيرة؛ لأنّ الكلام ليس في مجرّد البلد الكبير، بل النزاع في البلد الكبير الذي لا يتّصل بعض محلّاته ببعضها، وكون بغداد والكوفة كذلك منفصلة المحلّات، غير معلوم في زمن صدور الروايات.

بل لقائل أن يقول: إنّ كون الكوفة وبغداد في الكبر مثل طهران في زمن صدور الأخبار بعيد غايته، لا سيّما مع عدم إمكان الإعاشة في المحلّات البعيدة بعضها عن بعض في ذلك الزمان، من جهة عدم الأمن من السارقين وقطّاع الطريق، وعدم امكان الإدارة ونحو ذلك.

وكيف كان؛ فلا يبعد القول باعتبار المحلّة في خصوص مسألة قصد الإقامة في البلاد الكبيرة المنفصلة محلّاتها، ولا تقاس هذه المسألة بما قدّمناه في مسألتي مبدأ المسافة وحدّ الترخّص من عدم الفرق بين البلاد الكبيرة وغيرها.

والوجه في ذلك أنّ الملاك في هاتين المسألتين إنّما هو صدق المسافرة والغربة. ومن الظاهر أنّهما لا يصدقان مادام كونه في البلد وإن كانت كبيرة منفصلة المحلّات. وهذا بخلاف مسألة الإقامة، فإنّ المراد منها كما حقّقناه هو التوقّف في مكان مع اعتبار وحدة المحلّ بحيث ينقطع عنه السفر في مدّة الإقامة - عشرة أيّام - ولو حكماً، وهذا المعنى يستدعي كونها في محلّة واحدة؛ إذ لو فرض بلد كبير طوله ستّة فراسخ وكذا عرضه وسار المقيم في تلك المحلّات، فلا يصدق عليه عنوان المقيم عرفاً.

ويدلّ على ما ذكرنا ظهور العناوين الواردة في الأخبار كقوله علیه السلام: «إذا دخلت أرضاً وأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيّام...» و«أيقنت المقام بها...» و «أزمعت على المقام...» و«أقمت...» ونحو ذلك من التعبيرات الظاهرة في الوحدة بحسب المتفاهم العرفيّ؛ لظهور الروايات في أنّ من دخل في محلّات منفصلة بقصد الإقامة فيها فلا تتحقّق الإقامة بذلك، فيكون حكمه حكم الرستاق المشتمل على القرى.

ويؤيّده ما قدّمناه من تفسير الوطن بأنّه عبارة عن معنىً ينتزع من العلاقة الفعليّة بين الشخص والمكان. وبما أنّ قصد الإقامة منزّل شرعاً منزلة التوطّن، فيلزم فيها ما يلزم في الوطن من اعتبار تهيئة محلّ للاستراحة والمعيشة في مدّة الإقامة وإن شئت فقل: إنّ الشخص يكون بالإقامة بحكم الحاضر، ومن الظاهر أنّ هذا المعنى لا يتحقّق في المحلّات المنفصلة.

والحاصل، أنّ الإقامة في المحلّات المنفصلة تشبه الإقامة في رستاق مشتمل على القرى المتعدّدة، وقد دلّت النصوص على وجوب القصر فيها. (1)

وهذا -أى: اعتبار الإقامة في المحلّات المنفصلة - هو مختار صاحب الجواهر في «نجاة العباد» حيث قال:

فلو كان قصده في ابتداء النيّة الخروج إلى ما دون المسافة ممّا هو خارج عن حدود البلد لم يكن مقيماً على الأصح، وكذا لو عزم على الإقامة في رستاق من قرية إلى قرية ولم يعزم عليها في واحدة منه. - ثمّ قال:- بل وكذا لو كانت البلاد خارقة المعتاد المنفصلة المحلّات. (2)

وتحصّل من تمام ذلك أنّ ما ذكره الماتن من التفصيل الأوّل من الفرق بين المحلّات المنفصلة وغير المنفصلة، وأنّه يعتبر المحلّة في الأولى دون الثانية، لا يخلو من قوّة.

وأمّا تفصيله الآخر، وهو الفرق في البلاد الكبيرة المتصلة المحلّات بين ما كانت خارقة للعادة فتعتبر أيضاً دون غيرها، فلا يخلو من إشكال، مع فرض كونه بلداً واحداً عرفاً وخارجاً، فيشمله إطلاق الروايات كما لا يخفى، مع أنّه كانت البلاد الكبيرة موجودة عند صدور الأخبار، كالكوفة على ما نقل - من كونها أربعة فراسخ في أربعة - ولم يُشر الإمام إلى الفرق بين البلاد.

والاستبعاد المذكور لاوجه له، مع فرض كون كلّ محلّة في حكم البلد، فتكون مستقلّة حكماً ليمكن دفع المزاحمين من السرّاق وقطّاع الطريق.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 494، باب 14 من أبواب صلاة المسافر، ح10 وغيره.

2) نجاة العباد؛ ص 183.

نعم؛ لو فرض بلد كبير في غاية الكبر بحيث يبلغ طوله ثلاثين أو أربعين فرسخاً وكذا عرضه، لكان للتشكيك مجال واسع. بل كان اللازم هو الإقامة في محلّة واحدة؛ إذ الإقامة في محلّة غير معيّنة لا يصدق عليها الإقامة المعهودة، إلّا أنّ الشأن في وجود مثل هذا البلد في الخارج.

وعلى أيّ حال، فالملاك في الإقامة هو الصدق العرفيّ. وعليه نقول: الإنصاف أنّ للتّأمّل والتردّد في البلاد الكبيرة، سواء كانت متّصلة المحلّات أو منفصلة، مجالاً واسعاً من جهة أنّ العرف لا يرى في البلاد الكبيرة تحقّق وحدة محلّ الإقامة فيما إذا كان من قصده المبيت كلّ ليلة في محلّة من المحلّات. وكذا من جهة عدم ذكر لفظ «الواحد» في الروايات حتى يبحث حوله وأنّ المراد منه هل هو العرفيّة أم لا؟ فهي منصرفة عن الإقامة في البلاد الكبيرة المنفصلة المحلّات. أو يقال انّ قوله: «إذا دخلت أرضاً وأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيّام» يشمل البلاد الكبيرة أيضاً وإن كانت المحلّات منفصلة، فأفهم.

خروج المقيم إلى ما دون المسافة

مسألة 8:

لا يعتبر في نيّة الإقامة قصد عدم الخروج عن خطّة سور البلد على الأصحّ. بل لو قصد حال نيّتها الخروج إلى بعض بساتينها ومزارعها ونحوها من حدودها ممّا لا ينافي صدق اسم الإقامة في البلد عرفاً، جرى عليه حكم المقيم، حتى إذا كان من نيّته الخروج عن حدّ التّرخّص، بل إلى ما دون الأربعة إذا كان قاصداً للعود عن قريب بحيث لا يخرج عن صدق الإقامة في ذلك المكان عرفاً كما إذا كان من نيّته الخروج نهاراً والرجوع قبل الليل. [1]

[1] أقول: قد أشار في المسألة إلى أمرين:

الأمر الأوّل: في أنّها هل يعتبر نيّة عدم الخروج عن خطّة البلد أو لا؟ وقد تقدّم الكلام فيه تفصيلاً واخترنا جواز التردّد إلى ما دون أربعة فراسخ.

الأمر الثاني: أنّه بعد الفراغ عن جواز التردّد إلى ما دون الأربعة، أيجوز ذلك في تمام اليوم مثلاً أم يجب أن يرجع بسرعة كساعة أو ساعتين؟

فيه أقوال:

القول الأوّل: ما يظهر من كلام السيّد ومن تبعه من المحشّين من جواز الخروج طول النهار إذا رجع إلى محلّ الإقامة في الليل؛

القول الثاني: ما ذهب إليه المحقّق الخوئي وغيره من أنّه محدود بساعة أو ساعتين؛ لأنّ الزائد عليهما ينافي الإقامة عرفاً. (1)

القول الثالث: ما يظهر من بعضهم وهو جواز المكث خارج محل الإقامة نصف النهار. والأظهر عندنا هو القول الأوّل.

والوجه في ذلك ما قدّمناه في معنى الإقامة، حيث إنّها عبارة عن التوقّف وترك السير والسفر وجعل المحلّ المزبور مقرّاً لنفسه ومتعلّقاته، بحيث كانت الإقامة في ذلك المحلّ كالوطن


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 275.

من بعض الجهات ولو حكماً.

وبعبارة أخرى، أنّه ليس المراد من الإقامة هو عدم الخروج من المحلّ مطلقاً، بل المراد جعله مقرّاً لنفسه ومتعلّقاته.

والظاهر أنّ الخروج منه إلى ما دون المسافة إذا رجع عند الغروب لا يكون مضرّاً بها عرفاً.

والوجه في ذلك، أنّ قصده هذا لا ينافي كونه محلّاً للإقامة والاستراحة والمعيشة.

ومنه يعلم أنّه لو كان من قصده الرجوع إلى محلّ الإقامة بعد الغروب بساعة أو ساعتين لا يبعد القول بجوازه أيضاً.

وهل يجوز له قصد المبيت خارج محلّ الإقامة، كما إذا قصد الخروج منه أوّل الليل مثلاً والعود إليه غداً؟ احتمله بعض الأساطين وإن احتاط بعد ذلك (1)والأقوى عدم الجواز نظراً إلى ما تقدّم من اشتراط وحدة المحلّ في الإقامة، فإنّ من كان قصده المبيت خارج محلّ الإقامة يدخل تحت من أقام في محلّين، فلا يتحقّق شرط الإقامة حينئذٍ.

بقي هنا شيء لم يتعرّض له الأكثر، وهو أنّ الموضوع للتمام هل هو مجموع العشرة من حيث المجموع بمعنى أنّه لا يضرّ البقاء في خارج محلّ الإقامة يوماً أو يومين وتتحقّق الإقامة إذا كان باقياً في المحلّ ثمانية أيّام مثلاً، ويصدق أنّه قاصد لعشرة أيّام ولو بإقامة يومين في خارج البلد، أو يعتبر أن يكون البقاء في البلد عشرة كاملة فلا يحسب ما أقام في خارجه فيجب عليه القصر حينئذٍ؟ يظهر من السيّد الميلاني الترديد في ذلك كما يستفاد من «محاضراته».

قلت: الأولى ابتناء ذلك على تفسير الإقامة، فإن فسّرناها بنفس البقاء في البلد كما هو ظاهر كلامهم، فلا يتحقّق الإقامة إلّا بالبقاء فيه تمام العشرة. وأمّا إن فسّرناها بإلقاء الرحل والانقطاع من السير وجعل المحلّ مقرّاً لنفسه كما استظهرناه، فتتحقّق الإقامة ولا يضرّ بقاؤه خارج البلد يوماً أو بعض يوم فيصدق أنّه مقيم في البلد ما لم يقصد سفراً جديداً.


1) وهو الشاهرودي في تعليقته على المقام.

الإقامة في البرّيّة

مسألة 9:

إذا كان محلّ الإقامة بريّة قفراء، لا يجب التضييق في دائرة المقام، كما لا يجوز التوسيع كثيراً بحيث يخرج عن صدق وحدة المحلّ، فالمدار على صدق الوحدة عرفاً، وبعد ذلك لا ينافي الخروج عن ذلك المحلّ إلى أطرافه بقصد العود إليه وإن كان إلى الخارج عن حدّ الترخّص، بل إلى ما دون الأربعة كما ذكرنا في البلد، فجواز نيّة الخروج إلى ما دون الأربعة لا يوجب جواز توسيع محلّ الإقامة كثيراً، فلا يجوز جعل محلّها مجموع ما دون الأربعة على وجه لا يضرّ بصدق الإقامة فيه. [1]

[1] أقول: لابدّ في توضيح المرام من التكلّم في أمرين:

الأوّل: في إمكان قصد الإقامة في البريّة القفراء وعدمه؛

الثاني: في بيان حدوده.

فنقول:

أمّا الأمر الأوّل: فالظاهر أنّه لم يستشكل في إمكان قصد الإقامة في البريّة أحدٌ إلّا صاحب «الجواهر» حيث تردّد فيها وقال:

لكن يحتمل قصر أدلّتها (الإقامة) على غير البادية والاقتصار على البلاد والقرى ونحوها ممّا هو محلّ جمع الخلق. (1)

ولذا احتاط فيها.

ويظهر من السيّد عدم اعتنائه به وتلقّاه المحشّون بالقبول، وهو كذلك؛ لإطلاق بعض الروايات المتضمّنة لفظة «الأرض» الشاملة للمقام كما لا يخفى. (2)

وبه يظهر عدم تماميّة ما ذكره في «الجواهر» من عدم الدليل؛ لأنّ إطلاق الأخبار دليل في المقام مع أنّه لا خصوصيّة في ذكر البلد أو القرية أو المدينة وإنّما ذكرت من باب المثال،


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 308.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 499، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

فالمراد هو توطين النفس على البقاء عشرة أيّام في محل بلداً كان أو غيره.

والحاصل أنّه لا وجه للترديد في صحّة الإقامة في البريّة.

وأمّا الأمر الثاني: -وهو بيان حدود محلّ الإقامة في البريّة بعد الفراغ من إمكانها وصحّتها - فالظاهر أنّ المتعرّض له إنّما هو صاحب «الجواهر» حيث قال:

فيقتصر على المتيقّن في صحّة الإقامة ولا يتوسّع في جعل الحدود. (1)

وبمثله قال في «نجاة العباد».

وقال شارح النجاة:

نعم؛ يشترط في البادية أن يقصد الإقامة في موضع معيّن منها ممّا يعدّ موضعاً واحداً عرفاً كقطعة أرضٍ، وكذا لا يتوسّع في حدودها بل يقتصر على القدر المتيقّن منها، ولم يثبت الحكم في أزيد من ذلك. (2)

قلت: وما ذكراه لا يخلو من نظر؛ لأنّه يشبه الإحالة إلى المجهول؛ إذ لا ريب في أنّ الإقامة في قطعة من الأرض أمر مجهول لا يصحّ في مقام التحديد.

بيان ذلك: أنّ وحدة المحلّ إمّا أن تكون محدودة بالواقع أو العرف أو القصد. والأوّل غير موجود في المقام، والثاني لا دخل له في ذلك وإنّما هو لتشخيص متعلّق الدليل ومعناه، والثالث أيضاً لا يخلو من إشكال؛ إذ لا يصحّ أن يقصد الإقامة في محلّين وأن يبيت هنا وهناك. بل المعتبر هو أن يقصد الإقامة في البريّة، وأن يبيت في محلّ محدّد من هنا إلى هناك، فإذا قصد الإقامة في محلّ فلا يجوز له قصد الإقامة في محلّ آخر.

وعليه، فلابدّ أن يقتصر على محلّ الخيمة ونحوها من حواليها القريبة من مصدر الماء والكلاء كما قيل بمثله في المقيم في الخيام، فإنّ سورها هو نفس الخيام.

وعلى أيّ حال، فإحالة الأمر في ذلك إلى العرف كما صنعه الماتن والهمداني والمحقّق الخوئي وصاحب الجواهر وغيرهم في غاية الإشكال.


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 308.

2) وسيلة المعاد في شرح نجاة العباد؛ ج 2، ص 599.

في اعتبار العزم على إقامة العشرة في تحقّق الإقامة

مسألة 10:

إذا علّق الإقامة على أمر مشكوك الحصول لا يكفي، بل وكذا لو كان مظنون الحصول؛ فإنّه ينافي العزم على البقاء المعتبر فيها.

نعم، لو كان عازماً على البقاء لكن احتمل حدوث المانع لا يضرّ. [1]

[1] أقول: لا إشكال في اعتبار العزم على إقامة العشرة في تحقّق الإقامة أو العلم بأنّه يبقى في المحلّ عشرة أيّام ولو إجباراً. فلو كان متردّداً في البقاء وعدمه فلا تحصل الإقامة، وعلى هذا لو علّق إقامته على أمر مشكوك الحصول، بل مظنونه، فلا يتحقّق منه العزم على الإقامة بلا ريب؛ لعدم تحقّق شرطها.

وأمّا إذا قصد الإقامة عشرة أيّام جزماً، أي: لم يعلّقها على أمر وجوديّ أو عدميّ ومع ذلك احتمل عروض عارض يمنعه عن البقاء إلى آخر العشرة، فهو على قسمين:

القسم الأوّل: أن يكون الاحتمال عقلائيّاً بحيث يسري إلى النيّة ويوجب تزلزله في قصد الإقامة، كما إذا كان من يتعلّق به مريضاً في الجملة يتوقّع موته، ونحو ذلك ولا يمكنه الإقامة لو اتّفق ذلك؛ لعدم الجزم بالبقاء كما لا يخفى.

القسم الثاني: أن لا يكون كذلك، كما في أكثر القاصدين للإقامة، حيث يحتملون عروض بعض العوارض من غير أن يكون الاحتمال عقلائيّاً، فهذا لا يضرّ بقصد الإقامة؛ لعدم سراية هذا الاحتمال إلى عزمه ونيّته.

والظاهر أنّ كلام السيّد ناظر إلى هذا القسم دون الأوّل، فعليه لا يرد عليه ما أورده المحقّق الخوئي كما يظهر بالتأمّل.

حكم المجبور والمكره على الإقامة

مسألة 11:

المجبور على الإقامة عشراً والمكره عليها يجب عليه التمام وإن كان من نيّته الخروج على فرض رفع الجبر والإكراه لكن بشرط أن يكون عالماً بعدم ارتفاعهما وبقائه عشرة أيّام كذلك. [1]

[1] أقول: الوجه في ذلك أنّ الملاك في وجوب الإتمام للمقيم هو اليقين ببقائه عشرة أيّام ولو كان ذلك عن جبر وإكراه، كما يظهر ذلك من إطلاق قوله في الصحيح:

عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ علیه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ أَرَأَيْتَ مَنْ قَدِمَ بَلْدَةً إِلَى مَتَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مُقَصِّراً وَمَتَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُتِمَّ؟ فَقَالَ: إِذَا دَخَلْتَ أَرْضاً فَأَيْقَنْتَ أَنَّ لَكَ بِهَا مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ تَدْرِ مَا مُقَامُكَ بِهَا تَقُولُ غَداً أَخْرُجُ أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَنْ يَمْضِيَ شَهْرٌ فَإِذَا تَمَّ لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ سَاعَتِكَ. (1)

ونحوه غيره.

وليس الملاك هو القصد و النية حتى يقال إنّه ليس لمثل المكره أو المجبور قصد ونيّة كما لا يخفى.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 500، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.

الإقامة في بيوت الأعراب

مسألة 12:

لا تصحّ نيّة الإقامة في بيوت الأعراب ونحوهم ما لم يطمئنّ بعدم الرحيل عشرة أيّام، إلّا إذا عزم على المكث بعد رحلتهم إلى تمام العشرة. [1]

[1] أقول: الوجه فيما ذكره ظاهر لما قدّمنا من اعتبار العزم واليقين في الإقامة، فلابدّ من أن يحرز أنّهم سيبقون في بيوتهم عشرة أيّام ليتمكّن من قصد الإقامة وفعلها، وحيث إنّ الأعراب لا يقومون في بيوتهم في الغالب إلّا اياماً عديدة، فقصد العشرة قبل تحصيل الاطمينان بالبقاء مشكل جدّاً.

نعم؛ لا ريب في وجوب الإتمام عليه لو كان عازماً على إكمال العشرة من غير تعليق على ارتحال الأعراب وعدمه.

والحاصل أنّ أمر الإتمام دائر مدار قصد الإقامة وتحقّقها كيفما اتّفقت.

حكم قصد التابع

مسألة 13:

الزوجة والعبد إذا قصدا بمقدار ما قصده الزوج والسيّد والمفروض أنّهما قصدا العشرة لا يبعد كفايته في تحقّق الإقامة بالنسبة إليهما وإن لم يعلما حين القصد أنّ مقصد الزوج والسيّد هو العشرة.

نعم؛ قبل العلم بذلك عليهما التقصير ويجب عليهما التمام بعد الاطّلاع وإن لم يبق إلّا يومين أو ثلاثة فالظاهر وجوب الإعادة أو القضاء عليهما بالنسبة إلى ما مضى ممّا صلّيا قصراً، وكذا الحال إذا قصدا المقام بمقدار ما قصده رفقاؤه وكان مقصدهم العشرة، فالقصد الإجمالي كاف في تحقّق الإقامة لكنّ الأحوط الجمع في الصورتين بل لا يترك الاحتياط. [1]

[1] أقول: يمكن أن يكون ما أفتى به الماتن مبتنياً على أمرين:

أحدهما: كفاية القصد الإجمالي عن التفصيليّ؛

ثانيهما: كفاية التبعيّة التي يترتّب عليها جملة من الأحكام الشرعيّة.

فيقع الكلام في مقامين:

أمّا المقام الأوّل فنقول: إنّه لا ريب في كفاية القصد التفصيليّ في إقامة العشرة، وأمّا الإجمالي وهو كما إذا قصد العبد أو الزوجة ما قصده المولى أو الزوج، ففي الاكتفاء به إشكال من جهة عدم تحقّق القصد منه فعلاً.

ولكن ظاهر كلام السيّد هنا الاكتفاء به، فيصحّ قصد العشرة ولو إجمالاً، فعلى هذا ما قصده الآخر من الزوج والأب والرفيق والرئيس كان كافياً في تحقّق الإقامة، وتبعه في ذلك جملة من المحشّين.

وفرّق بعض الأساطين في الحاشية بين الزوجة وبين غيرها، واختار الاكتفاء في الزوجة دون غيرها. والظاهر أنّ تفصيله هذا مبنيّ على التبعيّة وأنّها واجبة شرعاً في الزوجة.

وعلى أيّ حال فقد التزم السيّد بكفاية القصد الإجمالي وتبعه من تبعه إلّا أنّه مشكل كما

أشرنا.

أمّا المقام الثاني: أعني: كفاية التبعيّة وأنّ قصد المتبوع قصد للتابع أيضاً، فظاهر جملة من الأعلام ومنهم سيّدنا الأُستاذ (1)في محاضراته هو الاعتناء بشأن التبعيّة، بحيث جعلوها من القواعد الشرعيّة، ورتّبوا عليها مسائل كثيرة في مختلف أبواب الفقه، نشير إلى بعضها.

منها: ما اشتهر بينهم من تبعيّة توابع المبيع، كالنهر بالنسبة إلى المزرعة، والحمل بالإضافة إلى الأمّ، ونحو ذلك كما يظهر من باب البيع.

ومنها: قولهم في باب النكاح «الولد للفراش...».

ومنها: ما ذكروه من تبعيّة الجنين لأمّه في التذكية.

ومنها: تبعيّة الطفل لأحد أبويه في الإسلام أو الكفر.

ومنها: طهارة مثل الدلو والحبل ونحوهما بتبع طهارة ماء البئر وغير ذلك من الموارد الّتي أشار السيّد إلى بعضها في طهارة «العروة».

وكيف كان، فقد جعل التبعيّة كبرىً كلّيّة وبنى عليها عدم اعتبار قصد الزوجة والعبد في قبال قصد الزوج والسيّد، بل المرؤوس في قبال الرئيس وهكذا.

واستشهد لذلك في الدرس بأنّ ما فعله الرئيس في مثل الصّلح والحرب وغيرهما من الأمور المهمّة في المجتمع يلتزم به المرؤوسون من غير اعتراض أو ردٍّ، وهذا شاهد صدق عرفاً على اعتبار التبعيّة.

ومع ذلك كلّه فقد صرّح الأستاذ في تعليقته على «العروة» باختصاص ذلك التبعيّة بالزوجة فقط، فراجع وتأمّل.

ولعلّ الأصل في ذلك أى - اعتبار التبعيّة - ما ذكره الشهيد في «الدروس» بقوله:

يكفي قصد المتبوع عن قصد التابع ... .


1) السيد الشريعتمداري.

ووجّهه في «الجواهر» بوجه حسن حيث قال:

يراد منه كفاية ذلك بعد بناء التابع على التبعيّة وإناطة مقصده بمقصد متبوعه ومعرفته به. فإنّه حينئذٍ يتحقّق قصد المسافة بذلك، لا أنّه يكفي وإن لم يكن التابع قاصداً له، كما لو عزم على مفارقة متبوعه؛ لعدم الدليل بالخصوص، بل ظاهر الأدلّة خلافه. (1)

ومع ذلك كلّه، لا يمكن المساعدة على ما ذكروه؛ إذ لم يرد دليل معتبر من آية أو رواية على اعتبار التبعيّة بهذه الكيفيّة، وما تقدّم من الموارد فالمرجع في أكثرها بل كلّها إنّما هو الدليل الوارد في كلّ مقام من رواية أو ملازمة عقليّة أو شرعيّة أو قيام سيرة ونحوها. فالمتّبع في المقام هو ملاحظة الدليل، والفرض هو دلالة الدليل على اعتبار القصد من المكلّف بنفسه، وهو أمر قلبيّ لا يكفي قصد غيره عنه كما لا يخفى.

هذا مضافاً إلى ورود النقض على ما ذكره سيّدنا الأستاذ بأنّه لو كانت للتبعيّة موضوعيّة في الشريعة فما وجه فرقه في الحاشية بين الزوجة والرقيق باختصاص الحكم للزوجة دون الرقيق؛ لعدم الفرق بين التابع الشرعيّ والعرفيّ، وهذا واضح.

وتحصّل من تمام ذلك أنّه لا موضوعيّة للتبعيّة. وعليه، لو لم تقصد الزوجة أو العبد ونحوهما بأنفسهم لا يجوز عليهم التمام؛ إذ الموضوع للتمام هو قصد إقامة العشرة أو العلم بأنّه سيبقى فيه عشرة أيّام ولو إجباراً.

ومنه يظهر الحال في المسألة التي يكثر السؤال عنها، وهي أنّه إذا سافر الزوج إلى وطنه الآخر الذي لم يكن وطناً لزوجته قبل ذلك، فهل يجب عليها القصر؟

فالجواب: نعم، تقصّر إلّا أن تقصد الإقامة فيه وهذا واضح؛ إذ لا دليل على تبعيّتها له في أمثال هذه المسائل.


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 237.

ومنه يعلم أيضاً حال البنت، فإنّها إذا وردت بيت أبيها بعد التزويج والتّوطّن مع زوجها يجب عليها القصر إلّا إذا قصدت الإقامة؛ لأنّ خروجها من بيت أبيها إلى بيت زوجها إعراض قهريّ.

وممّا ذكرنا ظهر ضعف ما أشار إليه الماتن من وجوب الإعادة أو القضاء فيما لو صلّيا قصراً ثمّ علما بقصد الزوج أو السيّد.

والوجه في ذلك أنّ القصر كان عليهما واجباً بمقتضى القاعدة التي حرّرناها، فلا حاجة إلى الإعادة أو القضاء أصلاً.

اذا قصد المقام إلى آخر الشهر

مسألة 14:

إذا قصد المقام إلى آخر الشهر مثلاً وكان عشرة كفى وإن لم يكن عالماً به حين القصد، بل وإن كان عالماً بالخلاف، لكن الأحوط في هذه المسألة أيضاً الجمع بين القصر والتمام بعد العلم بالحال، لاحتمال اعتبار العلم حين القصد. [1]

[1] أقول: للمسألة صورتان:

الأولى: ما إذا قصد البقاء في البلد من أوّل يوم الواحد والعشرين مع عدم العلم بكمال الشهر ونقصه، فإن كان كاملاً لكان إقامته عشرة أيّام وإلّا فلا.

والظاهر وجوب القصر في هذه الصورة وفاقاً للأكثر؛ لعدم تحقّق الإقامة الموجبة للتمام، لما أشرنا إليه في المسألة السابقة من أنّ القصد المزبور يؤول إلى التعليق في القصد؛ لأنّ تحقّق الإقامة الصحيحة معلّق على كمال الشهر وهو غير معلوم، وقد عرفت أنّ التعليق لا يجتمع مع القصد، ولا يبعد انصراف عبارة الماتن عن هذه الصورة.

الثانية: ما إذا قصد البقاء إلى زمان معيّن مقطوع يتّصف واقعاً بعشرة أيّام وهو لا يدري ذلك، كما إذا نوى الإقامة إلى آخر الشهر مع القطع بكونه كاملاً، ولكنّه لا يدري أنّ هذا اليوم الذي قصد فيه الإقامة هل هو الواحد والعشرون من الشهر، أو الثاني والعشرون، ثمّ انكشف أنّه كان يوم الواحد والعشرين، فهل تتحقّق الإقامة الصحيحة بهذا المقدار من القصد الإجمالي أم لا؟

ظاهر جماعة من الأعلام ومنهم المحقّق الخوئي تحقّق الإقامة؛ إذ المفروض أنّ المكلّف قد قصد ذات العشرة في الجملة المحدودة بين الحدّين، فلا ترديد في قصد ذاته لا ظاهراً ولا واقعاً. وإنّما الترديد في عنوانه وفي تسمية ذلك المقدار بالعشرة أو التسعة. ومن الظاهر أنّ المعتبر في الإقامة هو قصد ذات العشرة نظير ما تقدّم في الشرط الثاني من كفاية قصد ذات الثمانية وإن كان عنوانها غير معلوم، فلو قصد مكاناً وتخيّل أنّه أقلّ من المسافة ثمّ انكشف كونه مسافة يكفي في وجوب القصر قصده الإجمالي.

والحاصل أنّ دليل قصد المسافة وكذا دليل قصد الإقامة لا يدلّان على أكثر من ذلك، وإن شئت زيادة توضيح فراجع كلامه في المقام. (1)

ولكن خالفهم العلّامة البروجردي وحكم في الصورة الثانية أيضاً بعدم تحقّق الإقامة حيث قال:

واستشكل بعض المحشّين في المسألة الأولى (قصد الزوجة والعبد المقام بمقدار ما قصد الزوج والسيّد) دون الثانية (هذه المسألة)، مع أنّ الظاهر اتّحادهما بحسب المبنى والملاك؛ إذ الاعتبار في قصد الإقامة إن كان بقصد العنوان لزم الحكم بعدم تحقّق قصد الإقامة في كلتيهما وإن كان بقصد ما هو مصداق لهذا العنوان بالحمل الشائع وإن لم يعلم انطباقه عليه لزم الحكم بالتحقّق فيهما، وكيف كان فالتفكيك بين المسألتين بلا وجه.

ثمّ قال:

اللّهمّ إلّا أن يفرّق بين المسألتين، فمتعلّق القصد في الثانية عبارة عمّا هو مصداق بالذات لإقامة العشرة؛ إذ الفرض تعلّقه بالإقامة في زمان محدود والمفروض كونه عشرة أيّام في الواقع فيحصل القاطع، وهذا بخلاف المسألة الأولى؛ فإنّ القصد فيها لم يتعلّق بالإقامة في زمان محدود معيّن بالحدود الزمانيّة، بل التحديد فيه بحدود خارجة من حقيقة الزمان، كإقامة الزوج والسيّد والرفيق، والقصد كأنّه تعلّق أوّلاً وبالذات بتبعيّة الزوج والسيّد لا بالإقامة بمقدار من الزمان.

ثمّ قال:

ونظير هاتين المسألتين يتصوّر في باب قصد المسافة أيضاً، فنظير المسألة الأولى ما إذا قصدت الزوجة مثلاً متابعة الزوج في طيّ مسافة، ونظير المسألة الثانية ما إذا قصد المسافر المسافة المعيّنة الواقعة بين بلده والبلد الكذايي مع كونه جاهلاً


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 285.

بمقدارها، وكلا الأمرين من باب واحد، فما قيل في هذا الباب يجب أن يقال في ذلك الباب.

ثمّ قال:

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الواجب في باب قصد المسافة وقصد الإقامة كليهما قصد العنوان. (1)

وسبقه إلى عدم الفرق بين قصد إقامة العشرة وقصد المسافة المحقق الحائري. (2)

إذا تحرّر ذلك فنقول: هل الأمر كما ذكره الماتن من وجود الفرق بين المسألتين (3)أو هو كما ذكره العلّامة البروجردي من عدم الفرق؟ وأيضاً، هل يكون قصد المسافة وقصد الإقامة من وادٍ واحد، كما يصرّ عليه العلّامة البروجردي أم لا؟ فهنا مقامان:

أمّا المقام الأوّل، أعني به اتّحاد مسألتي 13 و 14 وعدمه، فالحقّ فيه حكماً ما ذكره العلّامة البروجردي، لما سيأتي من اعتبار قصد عنوان العشرة في الإقامة والفرض عدمه. وإن كان بينهما فرق من جهة عدم تحقّق القصد ولو إجمالاً في الزوجة والعبد. وهذا بخلافه في مسألة (14)؛ لأنّه قاصد للعشرة إجمالاً؛ إذ المفروض أنّه قصدها في الواقع، ولذا أفتى جماعة بتحقّق الإقامة في هذه المسألة (4)، مع أنّهم قالوا بالعدم في تلك المسألة.

وأمّا المقام الثاني: فالأظهر وجود الفرق بين قصد الإقامة وبين قصد المسافة. فإنّ المعتبر في قصد الثمانية - الذي يكون موضوعاً للقصر - هو قطع واقع المسافة ولا دخل لعنوان الثمانية. وعليه، لو سار إلى محلّ يزعم كونه سبعة فراسخ وبانَ ثمانية فإنّه يجب عليه القصر؛ إذ المفروض أنّه قصد المسافة الواقعيّة الّتي هي ثمانية، فإنّ المعتبر هو كون سفره هذا عن


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص181، 182.

2) كتاب الصلاة؛ ص 595-633.

3) أعني مسألة 13 و 14.

4) أعني مسألة 14.

قصد، في قبال من سار بلا قصد كمن سار لطلب العبد الآبق.

وهذا بخلاف قصد الإقامة؛ فإنّ الحكم - أي: الإتمام - مترتّب على عنوان العشرة كما يظهر ذلك من غير واحد من النصوص على اختلاف ألسنتها، فقد ورد في بعضها: «أيقنت» المقام بها عشرة أيّام وفي بعضها: «أزمعت المقام». ومن هنا يجب الإتمام بمجرد قصد العشرة قبل تحقّقها خارجاً.

ويؤيّده أيضاً مناسبة الحكم والموضوع؛ فإنّ من دخل بلدةً مريداً لإقامة عشرة أيّام يهتمّ بمجرد الورود إلى تهيئة لوازم المعاش من المنزل والأواني والأطعمة والألبسة ونحو ذلك، وهذا بخلاف من أراد البقاء فيه يوماً أو يومين، وهو واضح.

ومن هنا كتبنا في سالف الزمان - على قول السيّد في مسألة (13)-: «لا يبعد كفايته في تحقّق الإقامة» بل يبعد كفايته في تحقّقها، وكذا في التابع والرفيق وكتبنا في مسألة (14) في قوله: «كفى وإن لم يكن عالماً به»: «عدم الكفاية لا يخلو عن قوّة مع عدم العلم».

وتحصّل أنّ قصد المتبوع لا يكفي عن قصد التابع في مسألة قصد الثمانية كما لا يكفي ذات العشرة في قصد الإقامة. ولعلّ هذا لا إشكال فيه وإن احتمل السيّد الكفاية ثمّ احتاط بالجمع فيها.

وأمّا القصد الإجمالي، فالحقّ أنّه يكفي في مسألة قصد المسافة؛ لأنّ موضوع الحكم فيها مركّب من قصد السفر وذات الثمانية. أمّا اعتبار أصل القصد فممّا لا ريب فيه. وأمّا قصد المسافة فأمره دائر بين أن يقصد بعنوان الثمانية أو بذاتها، فالمقدار المسلّم هو اعتبار ذات المسافة. وأمّا قصد العنوان فلا دليل على اعتباره.

وهذا بخلاف مسألة الإقامة؛ لأنّ ظاهر الأدلّة كما أشرنا هو اعتبار العشرة بعنوانها لتعلّق القصد في الأخبار على العشرة، ومن الظاهر أنّ قصد العشرة يغاير مع قصد آخر الشهر كما لا يخفى.

ثمّ إنّه بناء على كفاية القصد الإجمالي في المسألتين، لابدّ للتابع من الزوجة والعبد

وغيرهما الاستخبار والفحص كي يتمكّنا من العمل بالوظيفة كما أفتى به السيّد في مسألة (17) من مسائل قصد المسافة. ولازمه وجوب السؤال والفحص في المقام أيضاً كما قرّرناه في تلك المسألة ومع ذلك لم يوجبه، بل أفتى بوجوب القصر قبل العلم، وهو مع كونه مخالفاً لمقاله في باب المسافة مخالف للتحقيق أيضاً.

العدول عن إقامة العشرة بعد قصدها

مسألة 15:

إذا عزم على إقامة العشرة ثمّ عدل عن قصده، فإن كان صلّى مع العزم المذكور رباعيّة بتمام بقى على التمام مادام في ذلك المكان، وإن لم يصلّ أصلاً أو صلّى مثل الصبح والمغرب أو شرع في الرباعيّة لكن لم يتمّها وإن دخل في ركوع الركعة الثالثة رجع إلى القصر، وكذا لو أتى بغير الفريضة الرباعيّة ممّا لا يجوز فعله للمسافر، كالنوافل والصوم ونحوهما، فإنّه يرجع إلى القصر مع العدول.

نعم؛ الأولى الاحتياط مع الصوم إذا كان العدول عن قصده بعد الزوال، وكذا لو كان العدول في أثناء الرباعيّة بعد الدخول في ركوع الركعة الثالثة، بل بعد القيام إليها وإن لم يركع بعد. [1]

[1] واعلم أنّه لا خلاف بل ولا إشكال في انقطاع القصر بالمرور على الوطن وبإقامة عشرة أيّام، كما لا خلاف في وجوب البقاء على التمام إذا عدل عن قصد الإقامة بعد الإتيان بفريضة تامّة كالظهر، فيجب عليه التمام مادام في ذلك المكان، هذا كلّه ممّا لا كلام فيه.

إنّما الكلام وقع في مقامين:

أحدهما: ما هي مقتضى القاعدة بعد العدول؟ مع قطع النظر عن النصّ؛

ثانيهما: في أنّ إقامة العشرة هل هي قاطعة لموضوع السفر بحيث تجعل السفر سفرين كالمرور على الوطن أو هي قاطعة لحكمه مع انحفاظ أصل السفر؟ ذهب إلى كلٍّ جماعة.

فلنقدّم الكلام في المقام الثاني، فنقول:

المعروف بين القوم، بل ادّعى عليه الإجماع، أنّ الإقامة قاطعة للموضوع. قال المحقّق النائينيّ:

الأمر السادس: هل الإقامة قاطعة لموضوع السفر أو قاطعة لحكمه؟ وجهان: أقواهما الأوّل... .

ثمّ ساق الكلام واستدلّ له بوجهين. (1)واختاره أيضاً السيّد والعلّامة البروجردي والسيّد الحجّة وغيرهم. وخالفهم العلّامة الخوئي واختار كونها قاطعة للحكم وأنّ وجوب التمام في العشرة وما بعدها من باب التخصيص و قال في الشرط الرابع من شروط القصر:

فلا دليل على أنّ قصد الإقامة قاطع لموضوع السفر في غير مكّة بتاتاً، بل ظاهر الأدلّة كما عرفت أنّه قطع حكميّ وتخصيص في أدلّة القصر. (2)

وتظهر الثمرة بين القولين في موارد:

منها: توقّف القصر على إنشاء سفر جديد بعد العدول عن قصد الإقامة؛ فإنّه لو عدل عن قصد الإقامة بعد الرباعيّة فلا يتبدّل حكمه إلى القصر ما لم ينشأ سفراً جديداً؛ إذ السفر السابق قد ارتفع موضوعاً بناء على القطع الموضوعيّ. وأمّا على القول الآخر فيرجع إلى القصر بمجرد العدول؛ لأنّه مسافر لغة وعرفاً، وإنّما كان الإتمام لأجل قصد الإقامة فقد ارتفع بالعدول.

ومنها: عدم جواز ضمّ ما بقي من المسافة إلى ما مضى منها بناء على القطع موضوعاً فيما إذا قصد ثمانية من منزله مع قصد الإقامة في الأثناء، وأمّا على القول الآخر فيجوز الانضمام كما لا يخفى؛ لعدم انقطاع السفر بالإقامة في الأثناء.

وكيف كان، فقد استدلّوا للقطع موضوعاً بوجوه ثلاثة:

الوجه الأوّل: الإجماع المنقول، كما ادّعاه النراقيّ في «المستند»، بل عن «المدارك» و«الذخيرة» نفي الخلاف عنه.

وفيه:

1.

أنّه ليس بحجّة كما قرّر في الأصول؛

2.

و أنّ حجيّته على القول بها إنّما هي في المسائل المعنونة في كلام القدماء، لا الفروع المستحدثة في الأزمنة المتأخّرة؛ لعدم كشفه حينئذٍ عن قول المعصوم علیه السلام أو رواية أو قاعدة


1) كتاب الصلاة؛ ص 275 - 276.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 97.

شرعيّة، كما صرّح بذلك كلّه العلّامة البروجردي فراجع «البدر الزاهر» إن شئت.

الوجه الثاني: ما ذكره جماعة كالنائينيّ والسيّد الحجّة والبروجردي، والظاهر أنّه متّخذ من ابن رشد في «بداية المجتهدين» وهو طويل الذيل، نذكره اختصاراً عن كلام العلّامة البروجردي، قال بعد جملة من الكلام:

وبالجملة، كلّ منهم بعد استبعاد بقاء حكم السفر عند طول مدّة الوقوف، اتّخذ في بيان حدّها مشرباً خاصّاً، وكان هذا المقدار من الوقوف بنظرهم قاطعاً للسفر وموجباً لزوال اسمه بحيث يتوقّف ثبوت القصر على إنشاء سفر جديد حتى يصير به ثانياً مصداقاً للآية (وإذا ضَرَبْتُم في الأرض). فهذا المعنى كان مركوزاً في أذهان الفقهاء والمعاصرين لأئمّتنا علیهم السلام .

إلى أن قال:

وسألوهم عن حدّ الإقامة الّتي من شأنها قطع موضوع السفر بعد كون أصل هذا المعنى مركوزاً في أذهانهم، ففصّل الأئمّة علیهم السلام بين صورة العزم وعدمه، من جهة أنّ العزم يوجب فراغ خاطر المسافر وانصرافه عن الضرب في الأرض بالكلّيّة بحيث ينشأ بعد مضيّ إقامته سفراً جديداً.

ثمّ قال:

وبهذا البيان ربّما يقطع الفقيه المتتبّع المطّلع على ارتكازات المخاطبين وعلى وضع المحيط الذي صدرت فيه الأخبار أنّ مقصود الأئمّة علیهم السلام كان بيان حدّ الإقامة التي يوجب قطع السفر السابق وزوال حكمه بالكليّة. (1)

وذكر السيّد الحجّة ما يقرب من ذلك (2)وكذا النائينيّ. (3)


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 191- 192.

2) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 27.

3) كتاب الصلاة؛ ج 3، ص 275.

وفيه: أنّ الاعتماد على البيان المزبور الذي منشأه ما ذكره ابن رشد والفتوى على طبقه في غاية الإشكال؛ إذ ليست المرتكزات الذهنيّة من الأدلّة الشرعيّة، مضافاً إلى أنّ التمام مترتّب على الحاضر كما اعترف به الأكثر ومنهم المحقق البروجردي في مسألة المقرّ كما تقدّم. وهل يصدق عنوان الحاضر على المقيم عشرة أيّام؟ بل لنا أن نقول: إنّ إطلاق «الحاضر» على المقيم كذلك خلاف الوجدان.

والحاصل أنّ الاعتماد على الوجه المذكور مع لطافته مشكل جدّاً.

الوجه الثالث: ما رواه زرارة عن أبي جعفر علیه السلام قال:

مَنْ قَدِمَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى وَجَبَ عَلَيْهِ التَّقْصِيرُ، فَإِذَا زَارَ الْبَيْتَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ وَعَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ إِذَا رَجَعَ إِلَى مِني حَتَّى يَنْفِرَ. (1)

فصدر الرواية ظاهر في تنزيل المسافر المقيم بمكّة عشرة أيّام منزلة أهلها، فمع إلغاء خصوصيّة مكّة يتمّ المطلوب، وأنّ الشارع نزّله مع كونه مسافراً حقيقة منزلة الحاضر تعبّداً، فيدلّ على الخروج الموضوعيّ التعبّديّ لا الواقعيّ كما اعترف به المحقّق الهمداني في «مصباحه».

فما عن السيّد الحجّة من كون الخروج موضوعيّاً واقعياً لا تعبدياً مستدلّاً بالرواية حيث قال:

فالرواية دالّة بالصراحة على الخروج الموضوعيّ وأنّ المقيم إنّما يجب عليه الإتمام من جهة كونه خارجاً من موضوع المسافر. (2)

وكذا ما ذكره النائينيّ أيضاً من كون الخروج حقيقيّاً (3)لا يمكن المساعدة عليهما؛ لأنّ


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 464، باب 3 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

2) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 64 - 65.

3) كتاب الصلاة؛ ج 3، ص 276.

المسافر المقيم عشرة أيّام لا يخرج عن كونه مسافراً وجداناً بل ولا لغة أيضاً.

وكيف كان؛ فالصدر يدلّ على المرام، إلّا أنّ ذيل الرواية مشتمل على ما لا يلتزم به فقهاؤنا، أعني قوله: «وعليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى»؛ لأنّه يكون مسافراً قطعاً بعد خروجه إلى عرفات كما لا يخفى، فكيف يتمّ في منى؟!

ومن هنا ردّها المحقّق الخوئي إمّا بطرحها أو اختصاصها بمكّة، وإن كانت على خلاف المشهور حيث قال:

ولكن الظاهر لزوم طرح الرواية لا بمجرّد الإجماع المزبور ليناقش في كونه تعبّديّاً كاشفاً عن رأي المعصوم، ولا من أجل الإعراض ليورد بعدم كونه مسقطاً للصحيح عن الاعتبار على مسلكنا، بل من أجل ما أسميناه بالدليل الخامس.

فإنّ هذه المسألة - أعني: الإقامة بمكّة قبل يوم التروية عشرة أيّام - كثيرة الدوران ومحلّ للابتلاء جدّاً، ولا سيّما في الأزمنة السالفة الفاقدة للمراكب السريعة المتداولة في العصر الحديث، فكانوا يضطرّون للإقامة المزبورة طلباً للاستراحة من وعثاء السفر، كما أشير إليه في الأخبار، فلو كان الحكم الذي تضمّنته الصحيحة ثابتاً، لكان شايعاً ذائعاً ومن الواضحات من غير أيّ خلاف فيه، مع أنّه لم يقل به أحد فيما نعلم، بل لعلّ الإجماع على خلافه كما عرفت، ولأجله تسقط الرواية عن درجة الاعتبار ويردّ علمها إلى الله. (1)

فيلاحظ عليه:

أنّه كيف يلتزم بسقوط الرواية عن الاعتبار مع عدم ذهابه إلى حجّيّة الإجماع والشهرة وإعراضهم؟ ودليله الخامس يرجع إليها وليس دليلاً مستقلّاً كما لا يخفى. وعندئذٍ، لو صحّ التبعيض في حجّيّة الخبر بالأخذ ببعضه وطرح الباقي يتمّ الاستدلال بالرواية، فنأخذ بصدرها ويتمّ المطلوب، إلّا أنّ الشأن في صحّة ذلك، فقد استشكل العلّامة البروجردي فيه بأنّ الدليل


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 97.

على حجّيّة الخبر هو بناء العقلاء، وهو لا يقبل التبعيض، فيدور أمر الرواية بين الحجّة وعدمها.

ولكن يمكن أن يقال: إنّه لا مانع من التبعيض في الحجّيّة عقلاً، ولذا التزم به جملة من الأصحاب في مقامات كثيرة، وما ذكر من عدم قبول بناء العقلاء للتبعيض دعوى بلا شاهد، هذا.

وإذا تقرّر ذلك كلّه فنقول: الأظهر بل الأقوى عندي كون الإقامة قاطعة لموضوع السفر قطعاً تعبّديّاً تنزيليّاً لا واقعيّاً. ويدلّ على ذلك ما نقلناه عن العلّامة البروجردي ولا نعيد. وكذا ظهور صدر صحيحة زرارة المتقدّمة، والإجماع وعدم نقل الخلاف في المسألة طيلة (12) قرناً. فإنّ مجموع ذلك يورث الظنّ القويّ على كون الأمر كذلك واقعاً. وقد كان سيدنا الأستاذ يعبّر عن ذلك بشمّ الفقاهة.

وأمّا المقام الأوّل: أعني به بيان مقتضى القاعدة بعد العدول، فمقتضى كون قصد الإقامة قاطعاً لموضوع السفر تعبّداً هو وجوب التمام بعد العدول عن قصد الإقامة أيضاً، سواء كان بعد الإتيان برباعيّة بتمام أم قبله؛ إذ المفروض أنّه صار بعد قصد الإقامة بحكم الحاضر تعبّداً ما لم ينشأ سفراً جديداً.

وعليه، تكون رواية أبى ولّاد الآتية - المفصّلة بين الإتيان بفريضة بتمام وعدمه- على خلاف القاعدة، فيجب الاقتصار على موردها.

وذهب جماعة - منهم المحقّق الخوئي - إلى أنّ القاعدة الأوّليّة تقتضي العود الى القصر، قال:

لا ينبغي الشّكّ في أنّ مقتضى القاعدة الأوليّة مع قطع النظر عن النّصّ الخاصّ الوارد في المقام هو لزوم العود إلى القصر متى ما عدل عن القصد سواء أتى برباعيّة تامّة أم لا؛ لظهور نصوص الإقامة في دوران الحكم مدار قصد الإقامة

ونيّتها حدوثاً وبقاءً. (1)

وفيه:

أوّلاً: أنّ علّة الحدوث علّة للبقاء أيضاً إلّا ما خرج بالدليل؛

وثانياً: أنّ مبناه عدم انقلاب حكم إلى آخر إلّا بعلّة جديدة.

وعليه، فإذا ثبت التمام بقصد الإقامة فهو باقٍ حتى إذا أنشأ سفراً جديداً، فبدونه لا ينقلب الحكم إلى القصر، كما صرّح بذلك بقوله:

فيكفينا في وجوب التمام، بعد العود إلى العزم السابق، الروايات الكثيرة المستفيضة الدالّة على أنّ المكلّف بالتمام لا ينقلب وظيفته إلى القصر إلّا بعد قصد ثمانية فراسخ. (2)

فهذه الكلّيّة في كلامه شاملة لما نحن فيه؛ لعدم حدوث سفر جديد، مع أنّه مكلّف بالتمام.

وأمّا بالنظر إلى الدليل الخاصّ، فصحيحة أبي ولّاد الحنّاط صريحة في التفصيل الذي ذكره الماتن قال:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنِّي كُنْتُ نَوَيْتُ حِينَ دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ أَنْ أُقِيمَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَأُتِمَّ الصَّلَاةَ ثُمَّ بَدَا لِي بَعْدَ أَنْ أُقِيمَ بِهَا، فَمَا تَرَى لِي أَتِمُّ أَمْ أَقَصِّرُ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ وَصَلَّيْتَ بِهَا فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُقَصِّرَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهَا وَإِنْ كُنْتَ حِينَ دَخَلْتَهَا عَلَى نِيَّتِكَ التَّمَامِ فَلَمْ تُصَلِّ فِيهَا صَلَاةً فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ حَتَّى بَدَا لَكَ أَنْ لَا تُقِيمَ فَأَنْتَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ شِئْتَ فَانْوِ الْمُقَامَ عَشْراً وَأَتِمَّ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ الْمُقَامَ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ شَهْرٍ فَإِذَا مَضَى لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. (3)

وهي واضحة سنداً ودلالة.


1) نفس المصدر، ص 286-287.

2) نفس المصدر، ص 86.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 508 - 509، باب 18 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

وأمّا متن الحديث فقد نقله في «الوسائل» هكذا:

إن كنت دخلت المدينة وصلّيت بها فريضة واحدة بتمام الخ.

والظاهر عدم صحّته؛ لعدم معنى صحيح له اذ الظاهر سقوط لفظة حين.

ونقلها في «الحدائق» هكذا:

وحين دخلت المدينة وصلّيت بها الحديث (1)

وفي الجواهر نقل هكذا: ان كنت دخلت المدينة وصلّيت بها صلاة فريضة... (2)

وهو حسن، وأحسن منه ما في «التهذيب»:

إن كنت حين دخلت المدينة وصلّيت بها الحديث. (3)

وكيف كان؛ فالرواية صريحة في التفصيل المزبور في «العروة» ومضمونها معمول به عند الأصحاب.

نعم بإزائها رواية الجعفريّ قال:

لَمَّا أَنْ نَفَرْتُ مِنْ مِنًى نَوَيْتُ الْمُقَامَ بِمَكَّةَ فَأَتْمَمْتُ الصَّلَاةَ حَتَّى جَاءَنِي خَبَرٌ مِنَ الْمَنْزِلِ فَلَمْ أَجِدْ بُدّاً مِنَ الْمَصِيرِ إِلَى الْمَنْزِلِ وَلَمْ أَدْرِ أَتِمُّ أَمْ أَقَصِّرُ، وَأَبُو الْحَسَنِ علیه السلام يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَأَتَيْتُهُ فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ، فَقَالَ لِي: ارْجِعْ إِلَى التَّقْصِيرِ. (4)

فهي ظاهرة في وجوب العود إلى القصر بعد نيّة الإقامة والصلاة التامّة، فتكون معارضة مع الصحيحة المتقدّمة. إلّا أن يحمل هذا الخبر على أنّ الرجوع إلى القصر إنّما هو في الطريق دون محلّ الإقامة.

وصرّح المحقّق الخوئي بأنّ رواية الجعفريّ غير صالحة لمعارضة الصحيحة؛ لضعف


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 416.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 321.

3) التهذيب الأحكام؛ ج 3، ص 221.

4) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 509، باب 18 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

سندها بجهالة الراوي أوّلاً، وعدم العمل بها من أحد من فقهائنا ثانياً. (1)

وزد على ذلك، أنّه لا يصحّ العمل بها في موردها أيضاً؛ حيث أمره علیه السلام بالقصر الظاهر في وجوب القصر عليه تعييناً مع أنّ مكّة من أماكن التخيير كما لا يخفى.

بقي الكلام في فقه صحيحة أبي ولّاد، والكلام فيه في موضعين:

الموضع الأوّل: هل المراد من الفريضة خصوص الرباعيّة، أو أعمّ منها ومن الثلاثيّة وغيرها؟ استظهر في «الحدائق» التعميم، قائلاً:

ولم يسبقني على هذا أحد. (2)

وحمل ذكر الرباعيّة في كلام القوم على التمثيل.

ولكنّ المحقّق الخوئي فسّر التمام بما يقابل القصر حيث قال -تعريضاً بصاحب «الحدائق»-:

ولكنّه كما ترى لتقييد الفريضة في الصحيحة بالتمام المختصّ بما يصلح للانقسام إليه وإلى القصر، فلا ينطبق على مثل المغرب والفجر غير المنقسم إليهما وغير المتّصف بشيء منهما. (3)

وفيه أنّه من المحتمل أنّ المقابلة بلحاظ إتمام صلاته وعدمه، وأنّه لو عدل قبل الإتمام يرجع إلى القصر، وأمّا لو عدل بعده يتمّ، فحينئذٍ يصحّ اتصاف الفريضة مطلقاً بالتمام.

وأحسن ما قيل في ذلك ما ذكره العلّامة البروجردي بقوله:

ولا يخفى أنّ الظاهر من تقابل القصر والإتمام في الحديث كون المراد من قوله:

«فريضة واحدة بتمام» الرباعيّة التامّة في مقابل المقصورة، لا الفريضة التامّة


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 288.

2) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة، ج 11، ص 418.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 289.

الأجزاء في مقابل الفاسد. (1)

وحاصله: أن قول الراوي في السؤال: «أتمّ أم أقصّر» شاهد على أنّ المراد من الفريضة الواحدة التامّة هو الرباعيّة.

إلَّا أنّ في القلب منه شيئاً، ولو لا تسالم الأصحاب في تفسير الرواية بما ذكرنا، لكان ما ذكره صاحب «الحدائق» وجيهاً.

ومنه يظهر عدم استقامة ما احتمله في «الحدائق» من الاكتفاء بغير الرباعيّة أيضاً ولم يعتمد هو نفسه على هذا الاحتمال كما يظهر بالمراجعة إلى كلامه.

وتحصّل أنّ التفصيل الّذي ذكره الماتن واضح لا ريب فيه.

الموضع الثاني: هل الحكم - أعني بقاء التمام بعد العدول عن قصد الإقامة - يختصّ بالصلاة التامّة، أو يعمّ الصوم أيضاً كما إذا نوى الصوم بعد قصد الإقامة ثمّ عدل عن قصدها؟ وبعبارة أخرى هل يقتصر على ما في الحديث أو يتعدّى إلى غيره، فيكون ذكر الصلاة من باب المثال؟ فيه وجوه بل أقوال.

قال في «الحدائق»:

قد اختلف الأصحاب في إلحاق الصوم الواجب بالصلاة الفريضة في هذا المقام، فقيل بالإلحاق بمجرد الشروع في الصوم الواجب المشروط بالحضر، وهو اختيار العلّامة في جملة من كتبه لوجود أثر النيّة.

وقيل بذلك أيضاً لكن مع تقييده بما إذا زالت الشمس قبل الرجوع عن نيّة الإقامة، وهو اختيار شيخنا الشهيد الثاني في «الروض».

وقيل بعدم الإلحاق وقصر الحكم على الصلاة، وهو اختيار جمع من الأصحاب، منهم: الشهيد والمحقّق الشيخ عليّ والسيّد السند في «المدارك» والفاضل


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 195.

الخراسانيّ في «الذخيرة». - ثمّ قال - وهو الظاهر؛ لأنّ الحكم في النّص وقع معلّقاً على الصلاة وتعديته يحتاج إلى دليل شرعيّ، وإلّا كان قياساً محضاً، وهو لا يوافق أصول المذهب. (1)

وكذا اختلفوا في جواز التعدّي من الفريضة إلى بعض النوافل، كنوافل الظهرين مثلاً، فلو صلّى نافلة الظهر بعد قصد الإقامة ثمّ عدل عنها قبل إتيان الظهر فهل يؤثّر ذلك في بقاء أثر الإقامة بعد العدول؟ وقد صرّح في «الحدائق» بالعدم؛ لأنّه قياس باطل؛ إذ الموجود في النّصّ هو الفريضة التامّة وليست النافلة منها في شيء. (2)

وهو الحقّ عندي لما سيجيء.

ومنه يظهر الحال في العدول عن الإقامة في إثناء الصلاة، كما إذا عدل عنها في الركعة الثانية، فإنّه لا يؤثّر في البقاء على التمام؛ لعدم صدق «الفريضة بتمام» عليه بالمعنى المتقدّم، وحمل «الفريضة التامّة» على التمثيل لا يناسب شأن الإمام علیه السلام كما لا يخفى. مضافاً إلى عدم صحّة إطلاق الفريضة على مثل النافلة ونحوها من الأمور المذكورة في المتن. اذا تحرّر ذلك فنقول: الاقوى عندى عدم جواز التعدى من الفريضة الى مثل هذه الأمور و ذلك اولاً أنّ التعدى الى الصوم والنافلة قياس لا نقول به كما في الحدائق.

و ثانياً لو كان التعدى صحيحاً لأشار اليه الإمام عليه السلام.

وثالثاً أنّ حمل الفريضة على التمثيل غير صحيح جداً فكيف يصحّ حمل كلام الإمام عليه السلام - وهو ام الفصاحة – عليه .

مضافاً إلى عدم صحة إطلاق الفريضة التامة على النافلة او الثالثة بعد الركوع، كما لا يخفى. ويؤيده ما تقدم من الحدائق. (3)بل يؤيده ما ذكره في الجواهر ايضاً. (4)


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 418 - 419.

2) نفس المصدر، ص 422.

3) نفس المصدر، ص 418.

4) الجواهر الكلام؛ ج 14، ص 322-324.

و منه يظهر أنّ ما اطال به العلّامة البروجردي قدس سره من تصحيح التعدى اولاً و الايراد عليه ثانياً و ارجاع الأمر الى القاعدة ثالثاً؛ خالٍ عن الوجه.

والعجب من العلّامة البروجردي قدس سره حيث يصرّ على عدم جواز التعدى الى الصوم و جوازه في غيره مع صدق عنوان الفريضة على الصوم دون النافلة.

بقى هنا فرع و هو أنه لو اقام عشرة ايام ولم يصلّ فيها اصلاً عصياناً او لعذر كحيض او نفاس، فهل يجب عليه الإتمام بعد رفع العذر أو حصول الطاعة بالتوبة؟

فعن النائيني قدس سره أنّ فيه احتمالين قال: الثاني عشر لو اقام في موضع الإقامة عشرة ايام بلا أنّ يأتى بالصلاة من جهة عدم التكليف بها بحيث لايستقر القضاء في ذمته كالحيض و النفساء، ثم عدل عن الإقامة قبل الإتيان بصلاة تامة؛ فهل يجب عليه القصر من جهة عدوله قبل الاتيان بالفريضة او يجب عليه التمام من جهة اتمامه الإقامة؟ احتمالان لا ينبغى الإشكال في أنّ الاقوى الاخير. (1)

قلت: الظاهر أنه لا وجه لاحتمال القصر اصلاً، اذ المفروض تحقق الإقامة خارجاً الموجبة للتمام. وقد تقدم انّ الموضوع للتمام هو واقع العشرة إذا كان عالماً بتحققها من اوّل الأمر، هذا.

وقد قلنا انّ المستفاد من روايات الباب هو انقلاب القصر إلى التمام بالإقامة و خرج منه ما لو عدل قبل تمام العشرة فيبقى الباقى تحتها، كما هو واضح .

فاتضح ان احتمال القصر بعد تحقق الإقامة بعشرة ايام، لا وجه له اصلاً.


1) كتاب الصلاة؛ ص 305.

العدول عن الإقامة بعد الإتيان برباعيّة

مسألة 16:

إذا صلّى رباعيّة بتمام بعد العزم على الإقامة لكن مع الغفلة عن إقامته ثمّ عدل، فالظاهر كفايته في البقاء على التمام. وكذا لو صلّاها تماماً لشرف البقعة كمواطن التخيير ولو مع الغفلة عن الإقامة، وإن كان الأحوط الجمع بعد العدول حينئذٍ وكذا في الصورة الأولى. [1]

[1] واعلم أنّه ربّما يقال بعدم كفاية الصلاة رباعيّة مع الغفلة عن الإقامة، وكذا في أماكن التخيير؛ نظراً إلى انصراف صحيحة أبي ولّاد إلى صورة كون التمام مستنداً إلى قصد الإقامة.

وقد التزم السيّد الحكيم بالانصراف المزبور في مواضع التخيير دون غيره. (1)إلّا أنّ الحقّ هو الكفاية، والوجه في ذلك أنّ الرواية صريحة في اعتبار شرطين:

أحدهما: قصد الإقامة؛

ثانيهما: الإتيان بالرباعيّة بعد ذلك القصد. وقد تحقّق كلاهما في مفروض المقام.

وأمّا اعتبار كون التمام مستنداً إلى قصد الإقامة بخصوصه، فلا يظهر من الرواية ذلك، نظراً إلى إطلاقها كما لا يخفى. فما عن المحقّق الخوئي من الاستدلال بكفاية القصد الارتكازيّ الموجود حال الغفلة أيضاً حيث قال:

لاستناد الفعل حينئذٍ إلى تلك النيّة الباقية في صقع الارتكاز وإن كان غافلاً عنها . (2)

ضعيف جدّاً؛ إذ لا يساعده الواقع في الخارج؛ لأنّ الإتمام نوعاً إنّما يكون مستنداً إلى عادتهم بالإتمام في الحضر. ولعلّه لذا استدلّ في آخر كلامه بإطلاق الرواية قائلاً:

فإنّ ذلك غير قادح بمقتضى الإطلاق بعد وقوع الصلاة التامّة خارجاً بقصد الأمر ووجود الأمر الواقعيّ بالإضافة إليها. (3)


1) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 128.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 291.

3) نفس المصدر؛ ج 8، ص 292.

لا يشترط في تحقّق الإقامة كونه مكلّفاً

مسألة 17:

لا يشترط في تحقّق الإقامة كونه مكلّفاً بالصلاة، فلو نوى الإقامة وهو غير بالغ ثمّ بلغ في أثناء العشرة وجب عليه التمام بقيّة الأيّام. وإذا أراد التّطوّع بالصلاة قبل البلوغ يصلّى تماماً.

وكذا إذا نواها وهو مجنون إذا كان ممّن يتحقّق منه القصد، أو نواها حال الإفاقة ثمّ جنّ ثمّ أفاق.

وكذا إذا كانت حائضاً حال النيّة فإنّها تصلّي ما بقى بعد الطهر من العشرة تماماً، بل إذا كانت حائضاً تمام العشرة يجب عليها التمام ما لم تنشيء سفراً. [1]

[1] واعلم أنّه قد تقدّم في مبحث الوطن (1)ما يغني عن تفصيل الكلام هنا، وقد عرفت هناك أنّ قصد الصبيّ المميّز معتبر، سواء تعلّق بالمسافة أم الإقامة وأنّ التبعيّة بما هي ليست لها موضوعيّة شرعاً إلّا في موارد خاصّة.

وبذلك صرّح المحقّق الخوئي في المقام، على خلاف ما اختاره في الوطن، حيث إنّه كان مصرّاً هناك بعدم اعتبار قصد الصبيّ استناداً إلى مثل قوله علیه السلام: «لا يجوز أمر الغلام حتى يحتلم». (2)

ومع ذلك يصرّ هنا على اعتبار قصد إقامة الصبيّ من غير التفات إلى التنافي بين كلاميه. وكيف كان؛ فما ذكره في المتن متين جدّاً.

والوجه في ذلك أنّ الحكم بالتمام إنّما عرض على قصد إقامة العشرة، فكلّما تحقّق ذلك الموضوع يترتّب عليه الحكم، سواء كان القصد صادراً من البالغ العاقل أم غيره، وسواء كان القاصد مأموراً بالصلاة أم لا كالحائض. نعم؛ يعتبر أن يكون الشخص ممّن يتمشّى منه القصد، أي: مميّزاً.


1) مسألة 3 من مسائل الوطن.

2) نفس المصدر، ص 254.

وبالجملة؛ كلّما تحقّق الموضوع يترتّب عليه حكمه، من غير فرق بين كونه صغيراً أو كبيراً. فما تقدّم من المحقّق الخوئي من عدم اعتبار قصد الصبي في مورد التّوطّن فليس ممّا ينبغي أن يصدر من مثله.

بقي الكلام في فرع لم يتعرّضوا عليه، وهو أنّه لو قصد الصبيّ إقامة العشرة ثمّ عدل عن قصده بعد ما صلّى رباعيّة، ثمّ حصل البلوغ بعد الصلاة المزبورة، فهل يكفي ذلك في بقاء حكم الإقامة أم لا؟ وجهان:

أحدهما: كفايته في البقاء؛ لأنّ المفروض تحقّق الإقامة بقصدها والصلاة بتمام بعد القصد، فمقتضى إطلاق صحيح أبي ولّاد هو البقاء على التمام.

ثانيهما: العدم -أي: عدم الكفاية - نظراً إلى أنّ المأخوذ في الصحيحة هو الفريضة التامّة، ومن الظاهر أنّ ما صلّاه ليس بفريضة؛ لعدم بلوغه حسب الفرض.

والأقوى هو الأوّل؛ لإطلاق النصّ الشامل لصلاة الصبيّ وإن وقعت حال الصبا بناء على مشروعيّة عباداته مع أنّ المراد من الفريضة ما تقابل النافلة، وليست الرواية ناظرة إلى حالتي البلوغ وعدمه.

وبعبارة أخرى، ليس المراد من الفريضة ما هو كذلك بالفعل، بل المراد منها ما من شأنه أن يكون فريضة كما هنا. ومع ذلك لا يترك الاحتياط بالجمع.

نعم؛ بناء على القول بعدم مشروعيّة عبادة الصبيّ، فلا كلام في عدم الاكتفاء بما صلّاه قبل البلوغ كما لا يخفى.

كفاية الرباعيّة القضائيّة في تحقّق الإقامة

مسألة 18:

إذا فاتته الرباعيّة بعد العزم على الإقامة ثمّ عدل عنها بعد الوقت، فإن كانت ممّا يجب قضاؤها وأتى بالقضاء تماماً ثمّ عدل، فالظاهر كفايته في البقاء على التمام. وأمّا إن عدل قبل إتيان قضائها أيضاً، فالظاهر العود إلى القصر وعدم كفاية استقرار القضاء عليه تماماً، وإن كان الأحوط الجمع حينئذٍ مادام لم يخرج. وإن كانت ممّا لا يجب قضاؤه، كما إذا فاتت لأجل الحيض أو النفاس ثمّ عدلت عن النيّة قبل إتيان صلاة تامّة، رجعت إلى القصر، فلا يكفي مضيّ وقت الصلاة في البقاء على التمام. [1]

[1] أقول: في المسألة فروع ثلاثة:

الفرع الأوّل: حصول العدول عن نيّة الإقامة قبل الإتيان بالرباعيّة مع عدم وجوب القضاء عليه عند فوتها عنه؛ لعدم تكليفه به فعلاً، كما إذا حاضت المرأة حين نيّة الإقامة، ثمّ عدلت عنها قبل أن تتمكّن من الرباعيّة بحضور وقت الظهر مثلاً طاهراً.

والظاهر عدم الخلاف في وجوب القصر؛ لعدم تحقّق موضوع التمام - وهو الإتيان بالرباعيّة بعد قصد الإقامة - ولم يستقرّ في ذمّتها شيء بالفرض؛ لعدم كونها مكلّفة، لمكان الحيض ونحوه.

والحاصل؛ أنّ صحيحة أبي ولّاد غير شاملة لذلك؛ لعدم الإتيان بالرباعيّة لا فعلاً ولا شأناً وهذا واضح.

الفرع الثاني: أن تفوت عنه الرباعيّة بعد أن عزم على الإقامة ثمّ عدل عن نيّة الإقامة بعد خروج الوقت وكانت ممّا يجب قضاؤها، كما إذا ترك الصلاة عصياناً أو نسياناً بعد قصد الإقامة، فإنّه يستقرّ القضاء في ذمّته. فهل يوجب ذلك - استقرار التمام في الذّمّة- وجوب البقاء على التمام بعد العدول أم لا؟ فيه خلاف بين القوم.

فقد احتمل صاحب الجواهر في «نجاة العباد» الاكتفاء به قائلاً، بل لا يبعد ذلك:

اى كفاية الاستقرار في الذّمّة وإن لم يقضها، إلّا أنّ الأحوط فيه الجمع. (1)

واختاره في «الجواهر» جزماً حيث قال:

الإقامة قد ترتّب أثرها في الفريضة، كما لو ترك الصلاة في تمام الوقت على وجه ثبت قضاؤها عليه تماماً ثمّ عدل، فإنّه قد نصّ غير واحد من الأصحاب بوجوب التمام عليه حينئذٍ، معلّلين له باستقرار التمام الفائت في الذّمّة. (2)

ونسب ذلك إلى ثاني الشهيدين.

ومال إليه النائينيّ قائلاً:

بأنّ صدر الصحيحة وإن كان ظاهراً في كون العبرة بإسراء حكم المقيم، هو الصلاة التمام، لكن ذيلها ممّا يوميء على كون ذكر الصلاة التمام من باب المثال، فيكون المراد بها كلّما كان وظيفته الحاضر - بأن استقرّ عليه - وإن لم يفعله. (3)

وعلّلوا ذلك بأنّه لا خصوصيّة في الصلاة الأدائيّة وإنّما الموضوع هو الصلاة التامّة وقد استقرّت الفريضة في الذّمّة في مفروض المقام، فيكون مؤثّراً في بقاء أثره وهو وجوب البقاء على التمام بعد العدول أيضاً، هذا.

ومع ذلك كلّه لا يمكن لنا المساعدة على ما ذكر؛ لأنّ النصّ ظاهر في تحقّق الفريضة التامّة وإتيانها فعلاً، فلا يشمل المستقرّ في الذّمّة كعدم شموله الصوم والفريضة الناقصة، كما لو عدل قبل تمام الفريضة. والحاصل؛ أنّه لا مجال للتّشكيك في المقام أصلاً. ومن هنا قال المحقّق الخوئي:

أمّا الاحتمال المزبور ففي غاية السقوط؛ لعدم كون الاستقرار بمجرّده موضوعاً للحكم في شيء من الأدلّة، بل الموضوع في الصحيحة إنّما هي الصلاة


1) نجاة العباد؛ ص 183.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 324.

3) کتاب صلاة؛ ج 3، ص 299.

الخارجيّة. (1)

هذا كلّه مضافاً إلى أنّ القول بكفاية الاستقرار في بقاء أثر الإقامة أشبه شيء بالقياس ولا نقول به. مضافاً إلى أنّه لو كان الاستقرار في الذّمّة مؤثّراً في بقاء أثر الإقامة، لكان على الإمام علیه السلام الإشارة إليه أيضاً.

الفرع الثالث: ما لو نوى الإقامة وفاتته الفريضة بعد العزم على الإقامة ثمّ قضاها بعد الوقت ثمّ عدل عن قصد الإقامة، فهل تكفي الرباعيّة القضائيّة في تحقّق الإقامة وبقاء أثرها بعد العدول؟ فيه وجهان، بل قولان:

أحدهما: كونها مؤثّرة في تحقّق الإقامة. اختاره في «نجاة العباد» قائلاً:

ولو فاتته الصلاة على وجه يجب عليه قضاؤها تماماً ثمّ عدل بقي على حكم التمام. (2)

وذكر في «الجواهر» ما يقرب منه. (3)

ويقول بالكفاية هنا من قال بها في الفرع السابق بطريق أولى، كالشهيد الثاني والنائينيّ وتلميذه الآمليّ وشارح نجاة العباد وغيرهم. واستدلّوا عليه بإطلاق صحيحة أبي ولّاد الشاملة للقضاء أيضاً. وقد يناقش في شمول النصّ للقضاء؛ لوروده مورد الغالب وندرة فوت الصلاة من المؤمن الموحّد. (4)

وفيه: أنّ غلبة المورد لا تضرّ الإطلاق، كما أنّ كثرة الوجود لا توجب الانصراف ما لم يكن المعنى منسبقاً إلى الذهن عند إطلاق اللفظ من غير قرينة. ومنه يظهر ضعف ما ذكروا من دعوى انصراف الصحيحة إلى الأدائيّة.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 294.

2) نجاة العباد؛ ص 183.

3) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 324.

4) وسيلة المعاد في شرح نجاة العباد؛ ج 2، ص 600.

ثانيهما: عدم كفاية الرباعيّة القضائيّة، وهذا هو الأظهر وفاقاً للعلّامة البروجردي والخوئي.

قال الاوّل:

ولكن التحقيق عدم كفاية ذلك (القضاء) أيضاً لا لمجرد الانصراف كما ادّعى، بل لأنّ الظاهر من الحديث لزوم كون الإتمام مستنداً إلى العزم بلا واسطة بحيث يصدق أنّه يتمّ لكونه عازماً على الإقامة والرباعيّة القضائيّة ليست كذلك؛ إذ بعد استقرار وجوب الإتمام في الوقت يجب قضاؤها تماماً، سواء بقي عزمه أم لا، بل ولو أتى بها في حال السير والسفر.

وبالجملة؛ المتبادر من الرواية أنّ الموضوع لبقاء حكم الإتمام ليس نفس بقاء العزم إلى زمن تأثيره في الوجوب، بل الموضوع صدور الصلاة تماماً من المكلّف مستنداً في عمله هذا إلى العزم بحيث لو لم يكن عازماً كان يقصّر، والفريضة القضائيّة ليست كذلك؛ إذ بعد استقرار وجوب الإتمام يجب القضاء تماماً ولو في حال السفر.

وبعبارة أُخرى؛ إمّا أن يقال بكفاية استقرار الإتمام عليه ولو لم يمتثل، كما حكاه في «الجواهر» عن غير واحد من الأصحاب. وإمّا أن يقال باعتبار صدور العمل عنه مستنداً في عمله هذا إلى العزم، كما هو المتبادر من الحديث.

وأمّا القول باعتبار صدور العمل خارجاً ولو قضاءً، فلا مجال له؛ إذ الإتيان بالقضاء تماماً ليس مستنداً إلى العزم؛ ولذا يتمّها ولو أتى بها في السفر، والمتبادر من الحديث كون الإتمام مستنداً إلى العزم والنيّة. (1)

وقال المحقّق الخوئي بعد كلام له:

و بعبارة أخرى، يستفاد من الصحيحة بوضوح أنّ موضوع الحكم بالبقاء على التمام وإن عدل الإتيان بالصلاة التامّة الّتي يستند إتمام الصلاة إلى نيّة الإقامة


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 197 - 198.

حالها، بحيث لو كان العدول قبله لزمه القصر لا إلى النيّة السابقة المتحقّقة في ظرفها، وهذا يختصّ بالصلاة الأدائيّة بالضرورة، وإلّا فما فاتت بعد العزم على الإقامة يجب قضاؤها تماماً، سواء أعدل عن نيّته قبل الإتيان بالقضاء أم أثنائها. (1)

قلت: فما ذكراه متين جدّاً، فهو كافٍ في المقام ولا نزيد عليه إلّا أنّه يبقى هنا شيء يجب التنبيه عليه، وهو أنّ ما اختاره العلمان من اعتبار استناد الفعل إلى قصد الإقامة ولأجله قالا بعدم تأثير الرباعيّة القضائيّة في تحقّق الإقامة كما هو المنصور، ينافي ما تقدّم منهما ومنّا في المسألة (16) من كفاية الرباعيّة الصادرة عن المكلّف غفلة أو لشرف البقعة في تحقّق الإقامة واستدلالهما عليه بإطلاق الرواية.

ووجه المنافاة بين الأمرين ظاهر؛ إذ الاستناد إلى النيّة لو كان معتبراً لكان في كلا المقامين على حدّ سواء وإلّا فلا، فما وجه الفرق بين المقامين؟

إن قلت: إنّ العمدة في كلام المحقّق الخوئي في تلك المسألة هو الاعتماد على النيّة الارتكازيّة لا الإطلاق.

قلت: النيّة الارتكازيّة لا تعدّ مستندة؛ إذ الاستناد عبارة عن كونه علّة للفعل، وهذا المعنى لا يتحقّق مع الغفلة على ما أشرنا من كون العلّة هو عادته بالاتمام في الحضر. مع أنّ كفاية الارتكاز على تقدير التسليم مختصّة بصورة الغفلة، وأمّا صورة شرف البقعة فالإشكال باقٍ بحاله؛ لاستناده فيه إلى شرف البقعة.

ويمكن الجواب بأنّ المراد من الاستناد هو استناد تصحيح التمام إلى الإقامة حين العمل، بأن يقال إنّ صلاته هذه صحيحة؛ لوقوعها في حال قصد الإقامة، والوظيفة عندئذٍ هي التمام وإن كان المصلّي غافلاً عن نيّة الإقامة. وهذا بخلافه في المقام حيث إنّه بعد العدول يحكم بصحّة صلاته تماماً، وليس هذا من جهة إقامته فعلاً، بل هو من جهة أنّه كان ناوياً للإقامة حين فوت الصلاة، فلا يقاس أحدهما بالآخر.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 295.

وبعبارة أخرى، أنّ صحّة الصلاة متفرّعة في المسألة السابقة على الإقامة حين الصلاة، وأمّا صحّتها في المقام فإنّما هي مستندة إلى أنّه كان حين فوتها ناوياً الإقامة فقط وإن عدل عنها فعلاً.

أو يقال: إنّ الاستناد الشأني موجود في حال الغفلة والبقعة الشريفة، بمعنى أنّه من شأنه أن يستند إلى قصد الإقامة لو لم يكن غافلاً أو في مكان شريف، وليس الأمر في المقام كذلك.

ومع هذا كلّه نقول: إنّ الجزم بمقال العلمين - من وجوب القصر - لا يخلو عن إشكال؛ وأشكل منه الالتزام بكفاية الرباعيّة القضائيّة في الحكم بالتمام بعد العدول؛ إذ الرواية إنّما تدلّ على كفاية الإتيان بالفريضة بالتمام من جهة الإقامة، ولهذا لو صلّى رباعيّة قضاءً لما فاته في الأيّام السابقه، لم يكن كافياً في الحكم بالتمام بعد العدول. ولأجل ذلك كتبنا في التعليقة:

لا يخلو من إشكال ولا يترك الاحتياط بالجمع وإن كان القول بالقصر لا يخلو من وجه.

هل العدول قبل الصلاة قاطع لها من حينه

مسألة 19:

العدول عن الإقامة قبل الصلاة تماماً قاطع لها من حينه وليس كاشفاً عن عدم تحقّقها من الأوّل، فلو فاتته حال العزم عليها صلاة أو صلوات أيّام ثم عدل قبل أن يصلّي صلاة واحدة بتمام، يجب عليه قضاؤها تماماً.

وكذا إذا صام يوماً أو أيّاماً حال العزم عليها ثمّ عدل قبل أن يصلّي صلاة واحدة بتمام، فصيامه صحيح. نعم؛ لا يجوز له الصوم بعد العدول؛ لأنّ المفروض انقطاع الإقامة بعده. [1]

[1] أقول: قد وقع الكلام في أنّ العدول عن نيّة الإقامة قاطع لها من حينه أو كاشف عن عدم تحقّقها من أوّل الأمر؟ فالمشهور المنصور هو الأوّل.

ويدلّ عليه أنّ الحكم - أي: التمام - في الروايات رتّب على قصد الإقامة والعلم بها. وفي صحيحة زرارة عن أبي جعفر علیه السلام:

قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَنْ قَدِمَ بَلْدَةً إِلَى مَتَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مُقَصِّراً وَمَتَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُتِمَّ؟ فَقَالَ: إِذَا دَخَلْتَ أَرْضاً فَأَيْقَنْتَ أَنَّ لَكَ بِهَا مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ تَدْرِ مَا مُقَامُكَ بِهَا تَقُولُ غَداً أَخْرُجُ أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَنْ يَمْضِيَ شَهْرٌ، فَإِذَا تَمَّ لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ سَاعَتِكَ. (1)

فقد جعل الموضوع للتمام فيها هو اليقين بالإقامة أو العزم عليها، فتكون الوظيفة الشرعيّة الواقعيّة هي التمام حال الإقامة، فإذا تحقّق الموضوع يترتّب عليه الأثر؛ لأنّ نسبة الحكم إلى موضوعه نسبة المعلول إلى علّته. وعلى هذا، فالقاعدة تقتضي وجوب التمام لمن قصد الإقامة عشرة أيّام.

نعم؛ دلّت صحيحة أبي ولّاد المتقدّمة على زوال حكم الإقامة فيما لو عدل عن قصد الإقامة قبل الإتيان بالرباعيّة بتمام، فتكون الصحيحة مخالفة لمقتضى القاعدة؛ لأنّ القاعدة


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 500، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 9 .

تقتضي التمام مع العلم بتحقّق الإقامة وقد حصل. فإذا عدل عن قصد الإقامة تنقطع إقامته من حين العدول على خلاف القاعدة، وهذا واضح بناء على القول بكون الإقامة قاطعة لموضوع السفر واقعاً على ما هو المشهور.

بل وكذلك على القول بالقطع الموضوعيّ تعبّداً على ما اخترناه؛ لأنّ الحكم بالتمام يدور مدار تحقّق الموضوع، فبقصد الإقامة يتحقّق موضوع التمام ولو حكماً، وبالعدول -بعد إتيان الفريضة بالتمام - يكون البقاء على التمام موافقاً للقاعدة. وأمّا قبل الإتيان بها فيكون الحكم بالعود إلى القصر على خلاف القاعدة.

وأمّا بناء على أنّ الإقامة ليست بقاطعة للسفر وإنّما يحكم بالإتمام حين الإقامة من جهة التخصيص في أدلّة القصر كما عليه المحقّق الخوئي وأنّ الحكم بالتمام يدور مدار قصد الإقامة حدوثاً وبقاء، فيكون الحكم بالعود إلى القصر - بعد العدول - موافقاً للقاعدة على ما عرفت. هذا ويتفرّع على القطع من حين العدول أمور ثلاثة:

الأوّل: صحّة الصوم فيما إذا صام ثمّ بدا له العدول قبل أن يأتي برباعيّة بتمام، فإنّه على القول بالقطع من حينه صحيح بخلاف القول بالكشف.

الثاني: وجوب الإتيان بالقضاء تماماً إذا فاتته حال الإقامة، أي: قبل العدول، بناء على النقل من حين العدول دون الكشف.

الثالث: الحكم بصحّة ما صلّاه من النوافل الّتي لا تشرع في السفر على النقل دون الكشف.

لا فرق في العدول بين العزم على العدم أو التردّد

مسألة 20:

لا فرق في العدول عن قصد الإقامة بين أن يعزم على عدمها أو يتردّد فيها في أنّه لو كان بعد الصلاة تماماً بقي على التمام ولو كان قبله رجع إلى القصر. [1]

[1] لا يخفى أنّ العدول - الذي يترتّب عليه انقلاب الوظيفة من التمام إلى القصر - يتحقّق بأمرين:

أحدهما: ما هو المعهود من الانصراف عن البقاء إلى آخر العشرة بقصد الخروج من محلّ الإقامة.

ثانيهما: التردّد في البقاء؛ فإنّ الترديد في القصد يساوق عدمه.

ويدلّ على ذلك ذيل صحيحة أبي ولّاد المتقدّمة، أعني قوله علیه السلام:

فإن لم تنو المقام عشراً فقصّر ما بينك وبين شهر.

فهو شامل على من قصد السفر أو تردّد في البقاء.

حكم العدول بعد نيّة الصوم

مسألة 21:

إذا عزم على الإقامة فنوى الصوم ثمّ عدل بعد الزوال قبل الصلاة تماماً، رجع إلى القصر في صلاته لكن صوم ذلك اليوم صحيح؛ لما عرفت من أنّ العدول قاطع من حينه لا كاشف، فهو كمن صام ثمّ سافر بعد الزوال. [1]

[1] اعلم أنّ من أقام في محلّ وصام ثمّ عدل عن الإقامة، يتصوّر فيه ثلاث صور:

1.

العدول قبل الزوال؛

2.

العدول بعد المغرب الشرعيّ ولم يصلّ الرباعيّة، كالظهر مثلاً؛

3.

العدول بعد الزوال وقبل المغرب مع عدم الإتيان بالرباعيّة حين العدول.

أمّا الأوّل، فلا إشكال في بطلان الصوم ووجوب القصر؛ فإنّ الحكم دائر مدار قصد الإقامة وجوداً وعدماً ما لم يأت بالفريضة التامّة بعد قصد الإقامة كما في المقام، فإنّه عدل عن قصد الإقامة قبل حضور وقت الرباعيّة بالفرض.

وأمّا الثاني، فالظاهر أنّه لا إشكال في صحّة صومه في ذلك اليوم واحتسابه من شهر رمضان لو كان فيه، لاجتماع شرائطه من الأمر والإقامة. نعم لا يصحّ منه الصوم بعد ذلك اليوم بمكان العدول وانقلاب الوظيفة إلى القصر؛ نظراً إلى أنّه لم يأت بالرباعيّة قبل العدول. نعم يجب عليه قضاء ما فاته في ذلك اليوم تماماً؛ لفوتها عنه حين قصد الإقامة.

وأمّا الثالث، فقد وقع الخلاف في صحّة الصوم على قولين:

فقد قيل بعدم صحّة الصوم؛ لعدم الدليل عليه، ولا يقاس على من صام ثمّ سافر من وطنه بعد الزوال، لاختصاص ذلك بمن خرج من أهله. وأمّا المقيم عشرة أيّام مع فرض العدول عن الإقامة، فلا دليل على صحّة صومه؛ إذ الدليل على تقدير تسليمه مختصّ بما إذا صلّى رباعيّة بتمام قبل العدول، والمفروض عدمه في المقام.

إلّا أنّ الظاهر صحّة الصوم وإجزاؤه عن شهر رمضان لو وقع فيه؛ لاجتماع جميع شرائط الصحّة، بناء على القول بكون العدول ناقلاً، أي: قاطعاً من حينه وليس بكاشف، كما هو الحق.

وعليه؛ يكون المكلّف في مفروض المسألة مقيماً حال الصوم، فيكون حاله حال من سافر بعد الزوال في شهر رمضان من عدم البطلان.

وأما ما تقدّم من توهّم اختصاص ذلك بمن خرج من أهله، فهو مدفوع بإطلاق النصوص.

ففي صحيح محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله علیه السلام:

إِذَا سَافَرَ الرَّجُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَخَرَجَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ فَعَلَيْهِ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيَعْتَدُّ بِهِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْحَدِيثَ. (1)

ونحوه صحيح الحلبيّ. (2)

فشمولهما على المقام أوضح من أن يخفى.

بل يمكن أن يقال إنّ الصّحّة هنا أولى ممّا إذا قصد السفر بعد الزوال، ووجه الأولويّة أنّ الاشتغال بالسفر فعلاً إذا لم يوجب البطلان، فمجرّد قصد السفر كما في المقام لا يوجبه أصلاً. كما صرّح بذلك المحقّق الخوئي قائلاً:

فإذا لم يكن السفر نفسه مانعاً، لم تكن نيّته فضلاً عن التردّد فيه مانعاً بطريق أولى، فنفس تلك النصوص تدلّ على حكم المقام بالفحوى والأولويّة القطعيّة. (3)

ومنه يعلم ضعف ما ذكره بعضهم من الإشكال والاحتياط بالإتمام والقضاء، كما في حاشيته على العروة، وكذا ما ذكره الحكيم بقوله:

لكن في الاعتماد عليه في قبال عموم وجوب الإفطار على المسافر إشكال ظاهر. (4)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 10، ص 185، باب 5، ح1.

2) نفس المصدر، ح 2.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 229.

4) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 131.

فيما لا يحتاج إلى إقامة جديدة

مسألة 22:

إذا تمّت العشرة لا يحتاج في البقاء على التمام إلى إقامة جديدة، بل إذا تحقّقت بإتيان رباعيّة تامّة فكذلك، فما دام لم ينشيء سفراً جديداً يبقى على التمام. [1]

[1] أشار الماتن إلى فرعين:

أحدهما: ما إذا قصد عشرة أيّام واتّفق بقاؤه أكثر من العشرة، فإنّه يبقى على التمام من غير حاجة إلى قصد عشرة أخرى، فيجب عليه التمام ولو بقي يوماً واحداً. والدليل على ذلك إطلاق النصوص الدالّة على وجوب الإتمام للمقيم عشرة أيّام. (1)نعم، إذا أنشأ سفراً جديداً يقصّر مع اجتماع شرائطه وهو واضح.

ثانيهما: ما إذا قصد الإقامة وتحقّقت بالإتيان بفريضة واحدة تامّة، فإنّه يجب عليه التمام حتّى بعد عشرة أيّام ما لم يتلبّس بسفر جديد ولا يؤثّر فيه العدول عن قصد الإقامة، كما دلّت عليه صحيحة أبي ولّاد المتقدّمة صريحاً، قال علیه السلام:

إِنْ كُنْتَ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ وَصَلَّيْتَ بِهَا فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُقَصِّرَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهَا. (2)

وهذان الفرعان متّحدان في النتيجة، وانّما الفرق بينهما من حيث الدليل، فانّ دليل الأوّل هو إطلاق النصوص، ودليل الثاني صحيح أبي ولّاد كما لا يخفى.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص باب 15 من أبواب صلاة المسافر.

2) نفس المصدر، ص 509، باب 18 من أبواب صلاة المسافر؛ ح 1.

عدم سقوط النوافل والجمعة عن المقيم

مسألة 23:

كما أنّ الإقامة موجبة للصلاة تماماً ولوجوب أو جواز الصوم كذلك موجبة لاستحباب النوافل الساقطة حال السفر، ولوجوب الجمعة ونحو ذلك من أحكام الحاضر. [1]

[1] واعلم أنّ ما ذكر من الآثار في هذه المسألة متفرّع على مبنى الماتن من كون الإقامة قاطعة للسفر موضوعاً كما هو المشهور، وإن كان الأظهر عندي كونها قطعاً موضوعيّاً تنزيليّاً لا حقيقيّاً. وعلى هذا أيضاً فلا إشكال في ترتّب الأمور الأربعة على المقيم، نظراً إلى كونه بحكم الحاضر تعبّداً، بل هو ليس بمسافر كذلك، هذا. مع قيام الدليل الخاصّ على وجوب إتمام الصلاة والصيام على المقيم. ففي صحيح عليّ بن جعفر عن أخيه قال:

سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُدْرِكُهُ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ فَيُقِيمُ الْأَيَّامَ فِي الْمَكَانِ عَلَيْهِ صَوْمٌ؟ قَالَ: لَا حَتَّى يُجْمِعَ عَلَى مُقَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَإِذَا أَجْمَعَ عَلَى مُقَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ صَامَ وَأَتَمَّ الصَّلَاةَ.

قَالَ: وَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ أَيَّامٌ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَهُوَ مُسَافِرٌ يَقْضِي إِذَا أَقَامَ فِي الْمَكَانِ؟ قَالَ: لَا حَتَّى يُجْمِعَ عَلَى مُقَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. (1)

وغيره من نصوص الباب.

وأمّا النافلة، فهي أيضاً ثابتة على المقيم، ويدلّ عليه جملة من الروايات: منها صحيحة ابي يحيى الحناط قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ بِالنَّهَارِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! لَوْ صَلَحَتِ النَّافِلَةُ فِي السَّفَر تَمَّتِ الْفَريضَةُ. (2)

ونحوه من نصوص الباب. (3)


1) نفس المصدر، ص 498، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ج 4، ص 82، باب 21 من أعداد النوافل، ح 1.

3) نفس المصدر، ص 82، باب 21 من أعداد النوافل، ح 4.

فهي ظاهرة في أنّ النافلة دائرة مدار الإتمام وجوداً وعدماً.

والحاصل أنّ ثبوت هذه الثلاثة على المقيم ممّا لا ريب فيه حتى على القول بكون الإقامة قاطعة لحكم السفر كما لا يخفى.

وأمّا صلاة الجمعة، فثبوتها على المقيم ظاهر جدّاً بناء على القول بالقطع الموضوعيّ حقيقة أو تنزيلاً؛ لأنّ المقيم حينئذٍ حاضر واقعاً أو تعبّداً، فيترتّب عليه ما يترتّب على الحاضر.

ومنها صلاة الجمعة على اختلاف المشارب فيها في زمان الغيبة من كونها واجبة تخييراً أو تعييناً أو مستحبّة.

نعم؛ ثبوتها على المقيم بناء على القطع الحكميّ لا يخلو من صعوبة؛ إذ المقيم حينئذٍ مسافر حقيقة وإنّما يتمّ صلاته في تلك الحال من باب التخصيص، بمعنى أنّ الواجب على المسافر هو القصر وخرج منه المقيم تخصيصاً. ومن الظاهر أنّ لازم هذا المبنى سقوط الجمعة من المقيم؛ لأنّه مسافر. مع عدم الدليل بالخصوص على ثبوتها عليه. ويؤيّده - أي: عدم الدليل - ما ذكره في الحدائق، قال:

الشرط الخامس: الحضر

فلا تجب الجمعة على المسافر اتّفاقاً. نقله الفاضلان والشهيد، والمشهور أنّ المراد به السفر الشرعيّ الموجب للقصر. وعلى هذا، فتجب الجمعة على ناوي الإقامة عشرة أيّام والمقيم في بلد ثلاثين يوماً، ونقل في «المنتهى» الإجماع عليه، وكذا تجب على كثير السفر والعاصي به كما صرّح به الشهيد في «الذكرى» وغيره في غيره. وقال في المنتهى: لم أقف على قول لعلمائنا باشتراط الطّاعة في السفر؛ لسقوط الجمعة ثمّ قرّب الاشتراط. -ثمّ قال:- قال بعض مشايخنا: والمسألة لا تخلو من الإشكال وإن كان ما قرّبه قريباً. (1)

ولا يخفى أنّه جعل المبنى في سقوط الجمعة ذهاب المشهور إلى أنّ المراد من السفر هو


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 10، ص 149.

الشرعيّ منه ولم يُقم دليلاً عليه، وعلى هذا يشكل الأمر لو قيل بعدم قطع الإقامة للسفر موضوعاً.

بقوله:

ومع ذلك، فقد التزم المحقّق الخوئي بوجوبها على المقيم، ولم يذكر له دليلاً وإنّما اكتفى بقوله:

إذ المستفاد من أدلّتها بمقتضى الانصراف أنّ السقوط من شؤون التقصير في الصلاة يدور مداره وجوداً وعدماً، -ثمّ قال:- وكذا الحال في وجوب الجمعة. (1)

حاصل مرامه أنّ مقتضى الانصراف اختصاص سقوط الجمعة بحال السفر المحكوم فيه بوجوب القصر، فإذا عاد التمام ولو بالإقامة يعود وجوب الجمعة.

قلت: لا ينقضي تعجّبي من هذا الاستدلال؛ لأنّ دعوى الانصراف مع عدم وجود موجبه بعيدة في الغاية، فإنّ ملاك الانصراف كما قرّر في محلّه هو الأنس الحاصل بين اللّفظ والمعنى الناشى من كثرة الاستعمال، بحيث ينسبق المعنى إلى الذهن لمجرّد الإطلاق من دون أيّ قرينة، وأين هذا بالإضافة إلى ما ادّعاه؟!

وبالجملة؛ أنّ الانصراف المزبور بدويّ لا يعتنى به.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 300.

صور خروج المقيم إلى ما دون المسافة

مسألة 24:

إذا تحقّقت الإقامة وتمّت العشرة أو لا وبدا للمقيم الخروج إلى ما دون المسافة ولو ملفّقة، فللمسألة صور:

الأولى: أن يكون عازماً على العود إلى محلّ الإقامة واستيناف إقامة عشرة أخرى، وحكمه وجوب التمام في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة الأولى. وكذا إذا كان عازماً على الإقامة في غير محلّ الإقامة الأولى مع عدم كون ما بينهما مسافة. [1]

[1] أقول: ربّما قرأ بعضهم قوله: «أو لا» في صدر المسألة في بعض النسخ «أولاً» بالنصب، فالظاهر أنّه ليس بصحيح، بل الصحيح ما أثبتنا «أو لا» كما يؤيّده الذوق السليم.

فالمعنى سواء تمّت العشرة أم لا، وبه صرّح المحقّق الخوئي. (1)

ثمّ إنّ الصور المزبورة في هذه المسألة سبع:

الصورة الأولى: ما إذا بدا للمقيم الخروج من محلّ الإقامة بعد تحقّقها إلى ما دون المسافة مع العزم على العود إليها واستيناف إقامة عشرة أخرى. فالمشهور وجوب الإتمام عليه في الذهاب والمقصد والإياب، بل ربما ادّعى عدم الخلاف المعتدّ به فيه، وهذا الحكم بناء على القول بكون الإقامة قاطعة لموضوع السفر حقيقة أو تنزيلاً في غاية الظهور؛ فإنّ المقيم حينئذٍ يكون كالحاضر تعبّداً، فكما أنّ الحاضر لا يجوز له التقصير ما لم ينشيء السفر الشرعيّ كذلك المقيم، والمفروض أنّه لم ينشيء سفراً جديداً.

نعم؛ ربّما نسب الخلاف إلى بعضهم وأنّه يجب القصر في هذه الصورة ما لم يرجع إلى محلّ الإقامة، كصاحب «المحصول» من معاصري صاحب «الجواهر» كما في تقريرات الآمليّ. (2)بل نسب الخلاف أيضاً إلى المقدّس البغداديّ والشيخ طه نجف، كما في


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 301.

2) مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى؛ ص 8.

«المستمسك». (1)ولعلّه لبنائهم على القطع الحكميّ، وأنّ المكلّف يكون مسافراً بمجرّد الخروج من محلّ الإقامة. ويؤيّده ما ذكره العلّامة البروجردي حيث قال:

أتمّ ذاهباً وعائداً وفي المقصد بلا إشكال، إلّا على القول بكون الإقامة قاطعة حكماً فقط . (2)

ومنه يظهر التجشّم في كلام المحقّق الخوئي حيث أوجب التمام في المفروض مع إصراره على القطع الحكمي.

وكيف كان؛ فالقول بالتمام هنا بناءً على القطع الحكميّ مشكل جدّاً؛ لما أشرنا إليه آنفاً من أنّه حينئذٍ في حكم المسافر واقعاً.

وعلى كلّ حال؛ فقد ادّعى الإجماع على وجوب الإتمام في الذهاب والإياب كما عن «الروض» و«المقاصد العليّة» و«المفاتيح» وغيرها، بل في «كشف الالتباس» نفي الشّكّ والخلاف فيه، كما في «المستمسك». (3)وقد أفتى الماتن بوجوب الإتمام في كلّ من الذهاب والمقصد والإياب، وكذا المحشّون كلّهم.

ووجه ذلك واضح، وهو أنّ السفر انقطع موضوعاً بالإقامة ولو تنزيلاً، فلا وجه لانقلاب الوظيفة من التمام إلى القصر؛ إذ لا موجب له إلّا السفر الجديد والمفروض عدمه. وأمّا المحقّق الخوئي فقد استدلّ على وجوب التمام في هذه الصورة بوجهين:

الوجه الأوّل: ذيل صحيحة أبي ولّاد، - أعني: قوله علیه السلام: «فليس لك أن تقصّر حتّى تخرج منها» بناءً على ما عرفت من ظهور الغاية في إرادة الخروج السفريّ لا مطلق الخروج عن البلد، فمادام لم ينشيء سفراً جديداً يبقى على التمام، وليس له التقصير وإن خرج إلى مادون المسافة بمقتضى إطلاق الصحيحة. (4)


1) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 132.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 200.

3) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 132.

4) مستند العروة؛ ج 8، ص 301.

وفيه: أنّه لا قرينة في الرواية على كون المراد من الخروج هو الخروج السفريّ، بل ذكر الخروج فيها مطلقاً، فيشمل على مجرّد الخروج وإن لم يكن مسافة. وعلى تقدير تأويله بالخروج السفريّ تكون الرواية مؤوّلة والمؤوّلة ليست بحجّة. ومن هنا يمكن أن يقال: إنّ الرواية على خلافه أدلّ كما لا يخفى على المتأمّل.

الوجه الثاني: الكبرى الكلّيّة التي أسّسها وقال:

هذا مضافاً إلى الكبرى الكلّيّة والضابط العامّ المتكرّر ذكره في غير مقام من أنّ من كان محكوماً بالتمام لا تنقلب وظيفته إلى القصر إلّا عند قصد المسافة ولو ملفّقة على ما استفدناه من صحيحة ابن مسلم: «في كم التقصير؟ قال: ثمانية فراسخ». حسبما تقدّم بيانه، والمفروض في المقام عدم قصد المسافة فتشمله هذه الكلّيّة. (1)

وقد أشار الى هذه الكلّيّة في موارد أُخر، فراجع إن شئت. (2)

ويرد عليه:

أوّلاً: أنّه لا وجه للتمسّك بتلك الكلّيّة بعد فرض كونه مسافراً في محلّ الإقامة، كما هو مقتضى القطع الحكميّ، فبمجرد خروجه منها يشمله أدلّة القصر.

وثانيّاً: قد ذكرنا سابقاً أنّه لا دليل على هذه القاعدة؛ إذ الرواية ليست بصدد بيان قاعدة كلّيّة؛ لأنّ قوله علیه السلام: «في كم التقصير» سيق مساق قوله: «إذا سافر وخرج في سفر قصّر».

ويؤيّده موثّق عمّار:

سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي حَاجَةٍ فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ فَيَأْتِي قَرْيَةً فَيَنْزِلُ فِيهَا ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا فَيَسِيرُ خَمْسَةَ فَرَاسِخَ أُخْرَى أَوْ سِتَّةَ فَرَاسِخَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ثُمَّ يَنْزِلُ فِي ذَلِكَ


1) نفس المصدر، ص 301 - 302.

2) نفس المصدر، ص 86، 133.

الْمَوْضِع؟ قَالَ: لَا يَكُونُ مُسَافِراً حَتَّى يَسِيرَ مِنْ مَنْزِلِهِ أَوْ قَرْيَتِهِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ. (1)

والحاصل أنّه لا يمكن المساعدة على هذه القاعدة على ما تقدّم تفصيلاً. وإن كان في كلام صاحب «الجواهر» إشارة إليها، حيث قال:

بل عن «الغريّة» عليه عامّة الأصحاب، بل عن «كشف الالتباس» أنّه لا شكّ ولا خلاف فيه، وهو الحجّة بعد ظهور النصوص أو صراحتها في انقطاع سفره بنيّة الإقامة وأنّه لا يعود إلى التقصير إلّا إذا خرج قاصداً للمسافة، لا أقلّ من استصحاب حكم التمام حتى يثبت المزيل . (2)

إلّا أنّه قائل بالقطع الموضوعيّ كما هو صريح كلامه، فعليه لا حاجة إلى التكلّف كما لا يخفى.

ولوشككنا، فالأصل الموضوعيّ حاكم على الأصل الحكميّ وهو هنا استصحاب السفر في حال الإقامة بناءً على القطع الحكمى.

وأمّا التمسّك بالإجماع كما ادّعاه في «الجواهر» فلا يفيد أيضاً؛ لأنّ المنقول منه ليس بحجّة، والمحصّل غير حاصل؛ لعدم كشفه عن قول المعصوم علیه السلام في مثل تلك المسائل المستحدثة، هذا.

وأمّا الاستصحاب الذي تمسّك به صاحب «الجواهر» أخيراً، فهو لا يخلو عن إشكال؛

لعدم اتّحاد الموضوع كما لا يخفى.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 469، باب 4 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 363.

الصورة الثانية: أن يكون عازماً على عدم العود إلى محلّ الإقامة وحكمه وجوب القصر إذا كان ما بقي من محلّ إقامته إلى مقصده مسافة، أو كان مجموع ما بقي مع العود إلى بلده أو بلد آخر مسافة ولو كان ما بقي أقلّ من أربعة على الأقوى من كفاية التلفيق ولو كان الذهاب أقلّ من أربعة. [1]

[1] أقول: يفهم من هذه الصورة حكم منطوقاً وهو أنّه لو سافر إلى مقصد وكان بينه وبين محلّ إقامته مسافة ولو تلفيقاً يجب عليه القصر.

والوجه في وجوب القصر فيه هو تحقّق موضوعه وهو قصد الثمانية ولو ملفّقة.

ويفهم منها حكم آخر مفهوماً، وهو أنّه لو لم يكن من محلّ إقامته إلى مقصده مسافة يجب عليه التمام؛ إذ لا وجه لجواز القصر حينئذٍ، فإنّه لا يصدق عليه المسافر مع كون الإقامة قاطعة لموضوع السفر ولم ينشيء سفراً جديداً بالفرض.

فعلى أيّ حال؛ لو أقام في قم مثلاً عشرة أيّام وبعد تحقّق الإقامة سافر إلى على آباد مع تحقّق المسافة بينه وبين قم، فإنّه يقصّر حينئذٍ لصدق المسافر عليه شرعاً ولغةً.

وكذا لو قصد السير إلى منظريّة وهي أقلّ من الثمانية، لكنّه قصد العود منها إلى قريته أو قرية أُخرى اللّتين يكون المجموع بينهما مسافة، فيجب عليه القصر أيضاً؛ لتحقّق موضوعه، والظاهر أنّه لا کلام في ذلك.

وإنّما الكلام في أنّ هذا الفرض هل يكون من التلفيق أو لا يكون منه؟ يظهر من الأكثر - ومنهم الماتن- الأوّل ووافقهم جملة من المعلّقين. إلّا أنّ الحقّ هو الثاني؛ وذلك لاعتبار الإياب في المسافة الملفّقة، كما يظهر من قوله علیه السلام في جواب السؤال عن أدنى ما يقصّر فيه المسافر الصلاة؟ قال: «بريد ذاهباً وبريد جائياً».

ومن الظاهر أنّه ليس في المقام إياب أصلاً، بل كلّها ذهاب بعد عدم عوده إلى محلّ الإقامة؛ لأنّه لا يعتبر في الذهاب الاستقامة، بل يصدق على اللّولبي أيضاً، كما صرّح به غير واحد منهم.

ومنه يظهر عدم استقامة ما ذكره المحقّق الخوئي في المقام حيث أتعب نفسه الشريفة في جعل هذا من المسافة التلفيقيّة بلحاظ اشتمال السير على الابتعاد والاقتراب الحاصلين في الفرض. (1)

ووجه الضعف أنّ حصول مجرّد القرب في المسير لا يوجب صدق الإياب، وإلّا لكان بعض المسافات الامتداديّة ملفّقاً أيضاً، كما إذا كان الطريق منحنياً وحصل فيه القرب في الجملة.

والحاصل، أنّ المفروض في هذه الصورة عدم العود إلى محلّ الإقامة، ومعه لا وجه لجعله من المسافة الملفّقة. مع أنّه سيأتي منّا في الصورة الثالثة أنّه لا يعتبر في التلفيق أن يكون الذهاب أربعة فراسخ فانتظر. ومن هنا كتبنا في سالف الزمان في تعليقتنا:

الظاهر عدم كون المقام من التلفيق؛ لأنّ الفرض عدم عوده إلى محلّ الإقامة.

فعليه؛ لا يضرّ كون الذهاب أقلّ من أربعة فراسخ. والوجه في ذلك أنّه كلّما يبعد عن مقرّه فهو ذهاب وإن كان في الظاهر رجوعاً، وإذا شرع في القرب إليه فهو رجوع. وهذا نظير ما قالوا في المسافة القوسيّة، بل وكذا ما قيل في من ابتعد فرسخين ورجع ثمانية فراسخ، فإنّه يبتعد من محلّ سكناه إلى خمسة فراسخ ثمّ يشرع إلى الاقتراب إلى محلّه. وقد حكم المحقّق الخوئي بالقصر في ذلك بوجه آخر حيث قال:

وأمّا لو أراد الرجوع من الأبعد، فالظاهر هو التقصير؛ لكون الرجوع هنا بنفسه مسافة، فلا ينافي ما قدّمناه من اشتراط التلفيق بعدم كون كلّ من الذهاب والإياب أقلّ من أربعة، فإنّ ذلك خاصّ بما إذا لم يكن كلّ منهما بنفسه مسافة، وإلّا فالعبرة بها ولا حاجة معها إلى مراعاة التلفيق. (2)

قلت: ولكن يشكل عليه الحكم بالتقصير في الذهاب بل في الإياب أيضاً؛ لأنّه لا تتحقّق


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 304.

2) نفس المصدر.

المسافة المعتبرة حينئذٍ؛ لأنّه يظهر منه في بحث التلفيق اعتبار الابتعاد باربعة فراسخ حيث قال:

إنّه لو كنّا نحن والروايات، لكان الظاهر منها هو اعتبار الثمانية الامتداديّة، إلّا أنّ أخبار التلفيق حاكمة على أخبار الثمانية، فينتج أنّ المعيار هو الابتعاد بالأربعة. (1)

وذكر نحوه في موضع آخر. (2)

ولا يخفى أنّ الابتعاد في مفروض المقام لا يتحقّق بأربعة، بل يتحقّق بإثنين، وهو لا يوجب القصر. فتأمّل فإنّه دقيق.


1) نفس المصدر، ص 13.

2) نفس المصدر، ص 306.

الصورة الثالثة: أن يكون عازماً على العود إلى محلّ الإقامة من دون قصد إقامة مستأنفه لكن من حيث إنّه منزل من منازله في سفره الجديد، وحكمه وجوب القصر أيضاً في الذهاب والمقصد ومحلّ الإقامة. [1]

[1] أقول: كما إذا أقام في قم عشرة أيّام، وبعد تحقّق الإقامة أراد الذهاب إلى جمكران ويعود منه إلى قم لا بعنوان أنّه محلّ إقامته، بل بعنوان أنّه منزل من منازله في طريقه إلى مقصده، فيكون في الواقع قاصداً الذهاب إلى مقصده. فعلى هذا يجب عليه القصر بمجرّد خروجه من محلّ الإقامة، فيقصّر في الذهاب إلى جمكران والإياب، كما أفاده الماتن.

قلت: لكن في المسألة وجوه بل أقوال:

القول الأوّل: وجوب القصر في جميع الفروض - الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة - وذلك لتحقّق موضوعه؛ فإنّ محلّ الإقامة صار بالإعراض عنه وقطع العلاقة منه كغيره من الأمكنة، والمفروض أنّه سافر سفراً جديداً. وهذا هو المشهور من زمن الشيخ إلى زمان الشهيد.

القول الثاني: وجوب التمام في الجميع؛ لأنّ محلّ الإقامة صار بحكم الحضر تعبّداً، وحيث إنّ المسافة الشرعيّة - أعني: الأربعة - غير متحقّقة بينه وبين المقصد بالفرض، فلا وجه للقصر في شيء من الذهاب وغيره. وهو مختار السيّد الحكيم حيث قال:

فالقول بالتمام في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة إلى أن يخرج عنه كلّية، كما عن غير واحد من متأخّري المتأخّرين، وفاقاً لما عن العلّامة في جواب المسائل المهنّائيّة ... في محلّه. (1)

واختاره السيّد الميلانى أيضاً إلّا أنّه احتاط بالجمع في خصوص الإياب بعد التصريح بالإتمام في الذهاب والمقصد كما يظهر من تعليقته على العروة وكذا محاضراته. (2)


1) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 135.

2) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 260.

القول الثالث: التفصيل بين الذهاب والمقصد فيتمّ فيهما، وبين الإياب ومحلّ الإقامة فيقصّر فيهما، وهذا هو الذي قوّاه الشهيد في «الدورس» نظراً إلى عدم صدق السفر في الذهاب والمقصد؛ لانّ المسافة إمّا امتداديّة أو تلفيقيّة، وهما غير متحقّقتان فيتمّ. وأمّا في الإياب ومحلّ الإقامة فيقصّر؛ لأنّه سفر جديد. (1)واختاره أيضاً المحقّق الخوئي حيث قال:

ولكن بناءً على ما عرفت من عدم الاكتفاء بمطلق التلفيق وأنّ الذهاب المتعقّب بالإياب لا يعدّ من المسافة الشرعيّة إلّا إذا كان أربعة فراسخ المفقودة في مفروض المسألة، فذهابه هذا يلغى ولا يحسب جزءاً من السفر وإن خرج معرضاً عن المحلّ، فلا مناص من الإتمام فيه.

وبعبارة أخرى؛ محقّق السفر الشرعيّ - ثمانية فراسخ - هو الابتعاد بهذا المقدار المنطبق على الامتداد بحسب ظاهر الدليل. فكفاية الابتعاد المتعقّب بالرجوع المعبّر عنه بالتلفيق يحتاج إلى الدليل ولا دليل إلّا في صورة خاصّة وهو ما إذا كان الذهاب أربعة، فالأقلّ من ذلك لا يعدّ جزءاً من السفر في نظر الشرع وإن قصده المسافر وخرج عن محلّ إقامته معرضاً وعازماً على السفر. فلا مناص فيه من الإتمام كما عرفت . وكذا الحال في المقصد؛ إذ مادام فيه لم يكن شارعاً في السفر لتقوّمه بالمشي والسير الخارجيّ وعدم كفاية القصد والنيّة المجرّدة.

وأمّا في الإياب ومحلّ الإقامة فهل الحكم هو التمام أيضاً أو القصر؟ قد يقال بالأوّل نظراً إلى أنّ المستفاد من صحيحة أبي ولّاد أنّ المقيم في بلد محكوم بالتمام حتى يخرج من البلد، فلا ينقلب الحكم إلى القصر إلّا إذا تحقّق الخروج والسفر من نفس البلد، والإياب وإن كان سفراً إلّا أنّه سفر من المقصد كالكوفة في المثال لا من بلد الإقامة فلا يقصّر فيه لانحصار موجب التقصير بسفر خاصّ وهو الذي يكون مبدؤه البلد نفسه على ما هو ظاهر قوله: «حتى يخرج»، أي:


1) الدروس؛ ص 52.

يخرج من محلّ الإقامة إذا يتمّ في الإياب وفي محلّ الإقامة إلى أن يخرج منه، ومتى خرج عنه ينقلب الحكم حينئذٍ إلى القصر. وعليه فيجب التمام في جميع الحالات من الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة. أمّا الأوّلين فلما مرّ، وأمّا في الأخيرين فلهذه النّكتة.

ولكنّه كما ترى لا يمكن المساعدة عليه بوجهٍ؛ إذ لا دلالة في الصحيحة على اختصاص الغاية بالسفر الذي يكون مبدؤه محلّ الإقامة، بل ظاهر قوله: «حتى يخرج» هو التلبّس بالخروج السفريّ ولو كان ابتداؤه من مكان آخر وإلّا فلو فرضنا أنّه خرج عن محلّ الإقامة كالنجف مثلاً إلى الكوفة لا بقصد السفر بل بغاية من الغايات كزيارة لمسلم علیه السلام بانياً على الرجوع ثمّ بدا له السفر من الكوفة إلى الحلّة، فهل يمكن القول بعدم التقصير لأنّه ليس سفراً من محلّ الإقامة؟ لا يحتمل ذلك جزماً، فيكشف ذلك عن أنّ الغاية مطلق الخروج السفريّ، أي: حتى ينشيء سفراً جديداً سواء أكان من محلّ الإقامة أم من غيره.

ومع التنزّل وتسليم أنّ الصحيحة مجملة من هذه الجهة، فتكفينا إطلاقات القصر في السفر إذا خرج منها ناوي الإقامة، وأمّا غيره فيبقى تحت الإطلاق وبما أنّ الخارج من الكوفة بقصد السفر إلى الحلّة أو إلى كربلاء من طريق النجف المستلزم للعود إلى محلّ الإقامة شارع في السفر فهو محكوم بالقصر لا محالة بمقتضى الإطلاقات السليمة عمّا يصلح للتقييد.

فتحصّل أنّ الأظهر هو التفصيل في هذه الصورة بين الذهاب والمقصد فيتمّ كما مرّ وجهه وبين الإياب ومحلّ الإقامة فيجب القصر. (1)

إذا عرفت ذلك كلّه فنقول:

إنّه لابدّ لنا من التكلّم في مقامين:


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 306 - 307 .

أحدهما: في خصوص الذهاب والمقصد.

ثانيهما: في الإياب ومحلّ الإقامة.

أمّا المقام الأوّل فنقول:

إنّ من خرج من محلّ إقامته معرضاً عنه، قاطعاً علاقته منه من جميع الجهات، قاصداً لبلده أو بلد آخر مع تحقّق المسافة الشرعيّة، يعدّ مسافراً عرفاً، ولا يضرّه المرور على محلّ الإقامة؛ لأنّه منزل من منازله الواقعة في مسيره. ومن الظاهر أنّه لا أثر لكونه محلّاً لإقامته؛ لارتفاع أثر الإقامة بالإعراض والخروج منه فهو مسافر شرعاً، فيجب عليه القصر. وأضاف إلى ذلك في «الجواهر» الاستدلال بصحيح أبي ولّاد قائلاً:

وبنحو صحيح أبي ولّاد السابق ضرورة صدق الخروج بالنسبة إلى الفرض؛ إذ دعوى إرادة غير المشتمل على قصد العود عنه ممنوعة. (1)

ومن هنا يظهر عدم استقامة القول بوجوب التمام في الذهاب والمقصد كما عليه الشهيد والمحقّق الخوئي وغيرهما، ولا يتمّ الاستناد في ذلك إلى أخبار التلفيق، كما لا يتمّ التمسّك بالإجماع على اعتبار الأربعة في ضمّ الذهاب إلى الإياب. والوجه في ذلك أنّ المقام ليس من موارد التلفيق رأساً؛ لأنّ المعيار في التلفيق هو الخروج من الوطن والحضر والابتعاد عنه ثمّ العود إليه، كمن خرج من بلده قاصداً إلى محلّ ثمّ رجع عنه إلى بلده.

وأمّا في مثل المقام ممّا يكون الشخص مسافراً بالخروج عنه، فلا يعدّ العود إليه رجوعاً إلى وطنه، فلا تشمله أخبار التلفيق الظاهرة في اعتبار كون الرجوع إلى الوطن، كما يظهر ذلك بوضوح من قول الصادق علیه السلام:

وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَتَى ذُبَاباً قَصَّرَ وَذُبَابٌ عَلَى بَرِيدٍ وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إِذَا رَجَعَ كَانَ سَفَرُهُ بَرِيدَيْنِ ثَمَانِيَةَ فَرَاسِخَ. (2)


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 366.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 461، باب 2 من أبواب صلاة المسافر، ح 15.

والحاصل أنّ تحقّق التلفيق فيما نحن فيه مشكل جدّاً؛ لأنّ محلّ الإقامة بعد الخروج منه لا يعدّ حضراً له، فيكون السفر واقعاً بين محلّ إقامته ووطنه وأين هذا من التلفيق؟! وللعلّامة البروجردي كلام في المقام يعجبني نقله وإليك نصّه:

فمحطّ نظر أخبار التلفيق هو صورة عزم المسافر على مسافة لا يكون جميعها مصروفة في البُعد من الحضر كما في الثمانية الممتدّة، بل يكون بعضها مبعّداً عن الحضر وبعضها مقرّباً إلى هذا الحضر بعينه. وأمّا إذا كان عازماً على مسافة لا تكون كذلك، بل تكون بحيث يصير المسافر بسبب الشروع في طيّها خارجاً من الحضر ويخرج الحضر أيضاً من كونه حضراً بصرف الخروج منه بحيث لا يعدّ العود إليه بعد الخروج منه رجوعاً إلى الحضر، بل يصير نسبته إلى هذا المسافر كنسبة سائر البلدان المتوسّطة من الحضرين، فهذا النحو من المسافة ليست ملفّقة من الذهاب من الحضر والإياب إليه بنفسه، بل تكون ممتدّة واقعة بين حضرين، فلا تشملها أخبار الذهاب والإياب، بل يكون من مصاديق المسافة الامتداديّة؛ بداهة أنّ السفر في الصورة المفروضة يكون ذهاباً واقعاً بين حضرين. (1)

قلت: كلامه هذا متين جدّاً، وهو المعتمد عندي، فلا معدل عنه، هذا تمام الكلام في المقام الأوّل.

واما المقام الثاني

أعني: به حكم الإياب ومحلّ الإقامة؛ فيتضح حاله مما ذكرنا في المقام الأول، فيجب القصر فيهما بطريق أولى بعد ما اخترنا وجوبه في الذهاب والمقصد، وهذا ظاهر فلا حاجة إلى الإطالة. فتحصّل أنّ الأقوى عندنا القول الأوّل، أي: وجوب القصر في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة.

وممّا ذكرنا ظهر ضعف التفصيل الذي اختاره المحقّق الخوئي تبعاً للشهيد، فإنّه لا وجه


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص204.

له كما ذكرناه مع أنّ لازم مبناه وجوب التمام في الإياب أيضاً؛ لعدم شمول صحيحة أبي ولّاد عليه؛ لعدم صدق الخروج السفريّ حينئذٍ كما يظهر بالتأمّل. ومن هنا أتعب نفسه الشريفة في الجواب عن ذلك وتمسّك أخيراً بالإطلاقات، حيث قال:

ومع التنزّل وتسليم أنّ الصحيحة - أبي ولّاد- مجملة من هذه الجهة، فتكفينا إطلاقات القصر في السفر؛ إذ خرج عنها ناوي الإقامة، وأمّا غيره فيبقى تحت الإطلاق. وبما أنّ الخارج من الكوفة يقصد السفر إلى الحلّة أو إلى كربلاء من طريق النجف المستلزم للعود إلى محلّ الإقامة وقد شارع في السفر، فهو محكوم بالقصر لا محالة بمقتضى الإطلاقات السليمة عمّا يصلح للتقييد. (1)

قلت: قد تكرّر من المحقّق الخوئي أنّ مقتضى القاعدة فيما شكّ في أنّه يجب عليه القصر أم لا هو التمام؛ لأنّه الوظيفة الأصليّة، فلا تنقلب إلى القصر إلّا إذا قصد السفر الموجب للقصر، فما لم يحرز ذلك فلا يجب القصر، والمفروض في المقام أنّه يشكّ في صدق المسافر عليه، ومع ذلك -أي: وجود القاعدة - لا تصل النوبة إلى الإطلاقات كما فعله في ساير المقامات.

وبالتأمّل فيما ذكرنا يندفع ما ذكره السيد الحكيم من التشكيك والترديد وتأييد وجوب التمام في كلّ من الذهاب والمقصد والإياب ومحل الإقامة وأنّ حكم الصورة الرابعة مثل الثالثة، فراجع وتأمّل. (2)

وأمّا التمسّك بالإجماع لإثبات القصر كما يتراءى من كلمات بعضهم في الصورة الثالثة، كما يظهر من «الجواهر» وقبله صاحب «مفتاح الكرامة»، فإنّه قد نقله عن «فوائد الشرايع»


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 307.

2) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 135.

و«إرشاد الجعفريّة» و«كشف الالتباس» و«جامع المقاصد» و«المسالك» وغيرهم. (1)(2)فالظاهر عدم تماميّته في المقام؛ لوجود المخالف. وعلى تقدير تحقّقه فلا يفيد؛ لإنّ المسألة من الفروع المستنبطة والإجماع فيها لا يكون كاشفاً عن قول المعصوم علیه السلام كما لا يخفى.


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 351.

2) مفتاح الكرامة؛ ج 3، ص 589.

الرابعة: أن يكون عازماً على العود من حيث إنّه محلّ إقامته بأن لا يكون حين الخروج معرضاً عنه، بل أراد قضاء حاجة في خارجه والعود إليه ثمّ إنشاء السفر منه ولو بعد يومين أو يوم بل أو أقلّ. والأقوى في هذه الصورة البقاء على التمام في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة ما لم ينشيء سفراً وإن كان الأحوط الجمع في الجميع خصوصاً في الإياب ومحلّ الإقامة. [1]

[1] قلت: قد حكم السيّد بالتمام في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة وهو الصحيح. لما عرفت في أوّل الكتاب من أنّ قصد الثمانية مطلقاً معتبر في ترتّب القصر وبدونه لا يكون مسافراً كما فيما نحن فيه.

ومن ذلك يعلم أنّه لا يصدق عليه عنوان المسافر في تمام الحالات -الذهاب والإياب والمقصد ومحلّ الإقامة - لا عرفاً ولا شرعاً؛ لعدم قصده المسافة، وإنّما خرج عن محلّ إقامته لحاجة ثمّ عاد إليه بعد قضاء وطره وهذا واضح. فما ذكره من الاحتياط استحبابيّ وهو حسن على كلّ حال.

الخامسة: أن يكون عازماً على العود إلى محلّ الإقامة لكن مع التردّد في الإقامة بعد العود وعدمها، وحكمه أيضاً وجوب التمام والأحوط الجمع كالصورة الرابعة. [1]

[1] قلت: ما ذكرناه في الصورة الرابعة جارٍ هنا أيضاً؛ فإنّ مناط القصر شرعاً - بعد انقطاع السفر بالإقامة - هو إنشاء سفر جديد، وهو غير متحقّق هنا؛ ضرورة أنّ قصد السفر لا يجتمع مع التردّد كما لا يخفى، فلا وجه للقصر هنا أيضاً.

السادسة: أن يكون عازماً على العود مع الذهول عن الإقامة وعدمها، وحكمه ايضاً وجوب التمام والأحوط الجمع كالسابقة. [1]

[1] قلت: يظهر وجهه ممّا تقدّم حيث إنّ قصد السفر معتبر في القصر وهو لا يجامع الغفلة والذهول، فإنّ الذاهل عن الإقامة ذاهل عن قصد السفر أيضاً وهذا واضح.

السابعة: أن يكون متردّداً في العود وعدمه أو ذاهلاً عنه ولا يترك الاحتياط بالجمع فيه في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة إذا عاد إليه إلى أن يعزم على الإقامة أو ينشيء السفر. [1]

[1] أقول: يمكن أن يفرض هنا ثلاث صور:

الأولى: ما إذا تردّد في الإقامة في المقصد أو العود إلى محلّ الإقامة، وحيث إنّه لم يقصد السفر الجديد لما أشرنا سابقاً من أنّ قصد السفر لا يجامع الترديد، فلابدّ من الإتمام في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة. نعم؛ لو كان في الإياب قاصداً للسفر، فلابدّ من القصر في الإياب، لمكان قصد السفر.

الثانية: أن يكون متردّداً بين أن يذهب من المقصد إلى أهله، وبين أن يرجع إلى محلّ إقامته ليقيم فيه عشرة أخرى، فالظاهر فيه أيضاً وجوب الإتمام في الذهاب والمقصد؛ لعدم كونه مسافراً والحال هذه، بل وكذا الإياب؛ لأنّ المفروض عدم قصده السفر مع التردّد كما لا يخفى.

الثالثة: أن يتردّد بين أن يذهب من المقصد إلى أهله وبين رجوعه إلى محلّ الإقامة والسفر منها إلى أهله، فالأقوى وجوب القصر في هذه الصورة من حين الخروج من محلّ الإقامة. والوجه في ذلك أنّه قصد السفر إلى أهله على أيّ تقدير، إمّا من المقصد أو من محلّ الإقامة.

فَعُلِمَ من ذلك أنّ الأمر دائر مدار قصد الثمانية وعدمه، وبما أنّه لم يقصدها في الصورتين الأوليين، فيجب عليه التمام في الذهاب والإياب والمقصد ومحلّ الإقامة بخلاف الصورة الثالثة. والظاهر أنّ مراد الماتن هو الصورتان الأوليان، كما استظهره المحقّق الخوئي. نعم، يظهر من السيّد الحكيم شموله على الأخيرة أيضاً. (1)


1) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 137.

وكيف كان؛ فقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ احتمال وجوب القصر في الصورتين الأوليين ضعيف غايته، بل لا وجه له. وعلى هذا، فاحتياط الماتن وعدم فتواه بالتمام ليس على ما ينبغي.

ولا فرق في الصور التي قلنا فيها بوجوب التمام بين أن يرجع إلى محلّ الإقامة في يومه أو ليلته أو بعد أيّام. هذا كلّه إذا بدا له الخروج إلى ما دون المسافة بعد العشرة أو في أثنائها بعد تحقّق الإقامة.

وأمّا إذا كان من عزمه الخروج في حال نيّة الإقامة، فقد مرّ أنّه إن كان من قصده الخروج والعود عمّا قريب وفي ذلك اليوم من غير أن يبيت خارجاً عن محلّ الإقامة، فلا يضرّ بقصد إقامته ويتحقّق معه، فيكون حاله بعد ذلك حال مَنْ بدا له.

وأمّا إن كان من قصده الخروج إلى ما دون المسافة في ابتداء نيّته مع البيتوتة هناك ليلة أو أزيد، فيشكل معه تحقّق الإقامة. والأحوط الجمع من الأوّل إلى الآخر، إلّا إذا نوى الإقامة بدون القصد المذكور جديداً أو يخرج مسافراً. [1]

[1] أقول: أشار بذلك إلى أنّه فرق بين خروجه من محلّ الإقامة بعد تحقّقها بإكمال العشرة، أو بإتيان فريضة تامّة بعد قصد الإقامة، وبين قصده الخروج حين عزمه على الإقامة. و حاصله أنّه لو كان الخروج من محلّ الإقامة بعد تحقّقها إلى ما دون المسافة فلا يكون مضرّاً، فيجب عليه التمام في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة، سواء رجع من مقصده بعد ساعة أم ساعتين، بل بعد يوم أو يومين فصاعداً. والوجه في ذلك ما أشرنا إليه من تحقّق الإقامة.

وأمّا لو كان من قصده الخروج إلى ما دون المسافة من حين نيّة الإقامة، فقد اختلف کلامهم في ذلک:

فذهب جماعة إلى أنّه لا يجوز نيّة البقاء خارج محلّ الإقامة أكثر من ساعتين أو ثلاث ساعات، كما هو مختار المحقّق الخوئي. وكنّا نعتقده في برهة من الزمان.

وذهب جماعة أخرى إلى أنّه لا يضرّ قصد الخروج من محلّ الإقامة مقدار نصف اليوم، بل يوماً كاملاً، كما عليه السيّد الماتن وغيره، وهو الأقوى عاجلاً؛ وذلك لما عرفت سابقاً من

أنّ الإقامة عبارة عن الاستقرار وإلقاء الرحل في محلّ، ومن الظاهر أنّ الخروج منه بمقدار يوم أو أقلّ لا ينافي صدق الإقامة بالمعنى المزبور.

ويظهر من بعض محشّي العروة -كالسيّد الشاهروديّ وغيره- جواز قصد البيتوتة أيضاً خارج محلّ الإقامة ليلة مع يومها، وقد استشكل فيه الماتن واحتاط بالجمع، إلّا أنّ الأقوى حينئذٍ عدم تحقّق الإقامة وأنّ قصد البيتوتة كذلك يضرّ بصدق الإقامة عرفاً، وقد تقدّم الكلام في ذلك مستوفى في مسألة (8) من مسائل قواطع السفر.

لو سافر المقيم ثمّ عاد إلى محلّ الإقامة

مسألة 25:

إذا بدا للمقيم السفر ثمّ بدا له العود إلى محلّ الإقامة والبقاء عشرة أيّام، فإن كان ذلك بعد بلوغ أربعة فراسخ قصّر في الذهاب والمقصد والعود.

وإن كان قبله فيقصّر حال الخروج بعد التجاوز عن حدّ الترخّص إلى حال العزم على العود ويتمّ عند العزم عليه ولا يجب عليه قضاء ما صلّى قصراً.

وأمّا إذا بدا له العود بدون إقامة جديدة بقي على القصر حتى في محلّ الإقامة؛ لأنّ المفروض الإعراض عنه. وكذا لو ردّته الريح أو رجع لقضاء حاجة كما مرّ سابقاً. [1]

[1] أقول: أشار في المسألة إلى صور أربع:

1.

ما إذا بدا له العود إلى محلّ الإقامة بعد بلوغ الأربعة مع عزم الإقامة جديداً؛

2.

ما إذا بدا له الرجوع قبل بلوغ الأربعة مع عزم الإقامة؛

3.

ما إذا بدا له العود إلى محلّ الإقامة مع العزم على عدم إقامة جديدة؛

4.

ما إذا بدا له العود إليه لقضاء حاجة أو ردّته الريح.

إذا عرفت ذلك فنقول:

أمّا الصورة الأولى، فالظاهر أنّه لا إشكال في وجوب القصر في الذهاب والمقصد والإياب؛ وذلك لتحقّق السفر بالمسافة الملفّقة، وهذا واضح.

وأمّا الصورة الثانية - أعني: ما إذا بدا له الرجوع قبل بلوغ الأربعة - فالأقوى وجوب القصر ظاهراً في الذهاب والمقصد ما لم يعزم على العود؛ إذ المفروض أنّه قصد الثمانية وتلبّس بالسير، فهو مسافر بالفعل. وأمّا في العود فيجب عليه التمام؛ لعدم تحقّق السفر الشرعيّ مع عزمه على الإقامة الجديدة، فيكون المكلّف بحكم الحاضر، وكذا يجب التمام في المقصد بعد العزم على العود.

إنّما الكلام في أنّه هل يعيد ما صلّاه قصراً قبل عزمه على الرجوع أو لا يجب؟ فيه خلاف.

اختار السيّد الماتن الأوّل؛ لأنّه كان حين الصلاة مسافراً شرعاً، والانصراف العارض لا يضرّه بمقتضى صحيحة زرارة المتقدّمة المعمول بها عند المشهور المتقدّمة على صحيحة أبي ولّاد. وقد تقدّم بيان ذلك في مسألة (24) في أوائل الكتاب.

ولكن تقدّم منّا هناك أنّ الأقوى وجوب الإعادة تماماً؛ لما ذكرناه هناك من تقديم صحيحة أبى ولّاد على صحيحة زرارة لموافقتها العامّة. مضافاً إلى كون الإعادة موافقة لمقتضى القاعدة؛ لأنّ العود كاشف عن عدم تحقّق السفر واقعاً، فراجع هناك إن شئت.

وأمّا الصورة الثالثة - أعني: ما إذا بدا له العود مع العزم على عدم الإقامة ثانية- فالظاهر أنّه لا إشكال في وجوب القصر؛ لوجود المقتضي وفقد المانع، فيجب عليه القصر حتّى في محلّ الإقامة فيما كان عوده بعد الأربعة؛ لأنّه حينئذٍ يكون مسافراً بالتلفيق. وأمّا إذا كان عوده قبل الأربعة، فقد حكم السيّد بالقصر أيضاً لتحقّق السفر الشرعيّ، واستدلّ على ذلك بقوله:

«لإنّ المفروض الإعراض عنه». وقال السيّد الحكيم في بيان كلامه:

يعني: فلا مجال لتوهّم أنّ الرجوع إلى موضع الإقامة ملحق بالإقامة السابقة؛ (لعدم منافاة هذا المقدار من الخروج لها) فإنّ الخروج حال الإعراض مانع عن ذلك، ولا دليل على أنّ العدول عنه موجب للرجوع إلى التمام فالمرجع عموم القصر. (1)

وفيه: أنّه لا دليل على أنّ مجرّد الإعراض بلا تحقّق الثمانية مسقط لحكم الإقامة، غاية ما في الباب أنّ صحيحة أبي ولّاد دلّت على أنّ الغاية في التمام هي الخروج، وظاهرها غير معمول به، فهي محمولة على الخروج السفريّ، أعني: قصد الثمانية وتحقّقها خارجاً؛ لأنّ المراد من السفر المجعول غاية للحكم بالتمام هو واقع السفر لا السفر الخياليّ، فلو قصد الثمانية ولم يتلبّس بالسير أو تلبّس به ولم يقطع الثمانية، فلا تكون الغاية متحقّقة فلا تشمله أدلّة القصر. وعليه؛ فالأقوى هو التمام في الذهاب والمقصد والإياب ومحلّ الإقامة. هذا.


1) نفس المصدر، ص 140.

مع أنّه لو كان الإعراض مؤثّراً في هذه الصورة يلزم منه وجوب القصر عند العزم على العود في الصورة الثانية أيضاً؛ إذ المفروض أنّه حصل الإعراض عن محلّ الإقامة وهو موجب لزوال أثر الإقامة السابقة، ولم يتحقّق الإقامة الثانية بعد. وكيف حكم الماتن بالتمام فيه؟

نعم؛ لو كان حين العود قاصداً للسفر وكان محلّ الإقامة معبراً ومنزلاً من منازل سفره، يحكم بالقصر في الإياب ومحلّ الإقامة؛ لأنّه مسافر بعد قصد الثمانية والتلبّس به، وعبوره عن محلّ إقامته لا يضرّ في ذلك كما لا يخفى.

وأمّا الصورة الرابعة، - أعني: العود لحاجة أو ردّته الريح - فالظاهر أنّه لا خلاف في وجوب القصر، سواء كان بعد الأربعة أو لا؛ لظهور أنّ الرجوع لحاجة كاشف عن أنّه قطع علاقته عن محلّ الإقامة وشرع بسفر جديد. ومع ذلك، فالاحتياط في الصورتين الأخيرتين أحسن.

وأمّا قوله: «كما مرّ سابقاً»، فالظاهر أنّه لم يسبق منه ما يتعلّق بالمقام وإن تقدّم ما يناسبه في مسألة (69) من مسائل حدّ الترخّص.

لو نوى الإقامة أثناء الصلاة

مسألة 26:

لو دخل في الصلاة بنيّة القصر ثمّ بدا له الإقامة في أثنائها أتمّها وأجزأت.

ولو نوى الإقامة ودخل في الصلاة بنيّة التمام فبدا له السفر، فإن كان قبل الدخول في الركعة الثالثة أتمّها قصراً واجتزأ بها. وإن كان بعدها بطلت ورجع إلى القصر مادام لم يخرج، وإن كان الأحوط إتمامها تماماً وإعادتها قصراً والجمع بين القصر والإتمام ما لم يسافر كما مرّ. [1]

[1] أقول: قد أشار الماتن إلى فرعين:

الفرع الأوّل، ما إذا دخل في الصلاة بنيّة القصر وبدا له في الأثناء قصد الإقامة، فالظاهر أنّه لا إشكال في انقلاب الوظيفة إلى التمام؛ لما مرّ مراراً من أنّ نسبة الموضوع إلى الحكم كنسبة العلّة إلى معلولها، فكما أنّ المعلول تابع لعلّته أينما تحقّقت، فكذلك التمام، فإنّه تابع للحضر والإقامة، فإذا قصد الإقامة يترتّب عليه حكمه ولو كان في أثناء الصلاة مع بقاء المحل. فيشمله قوله: «إذا دخلت أرضاً فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة.»

ولا يضرّها نيّة القصر في الابتداء؛ لأنّ القصر والتمام ليسا من مقوّمات العبادة بل هما من خصوصيّاتها، فعليه لا حاجة إلى قصد التمام أو القصر من ابتداء الأمر.

توضيح ذلك: أنّ الأمور على قسمين:

1.

الأمور القصديّة، وهي التي يتوقّف قوامها وتحقّقها على القصد، كالقيام للتعظيم والهويّ للخضوع، فلو لا القصد لا يكون القيام تعظيماً ولا الهويّ خضوعاً وركوعاً كما لا يخفى.

2.

الأمور الواقعيّة، وهي التي لا يتوقّف تحقّقها على القصد، كالقعود ونحوه من الأمور الحقيقيّة التي لا تتبدّل بالقصد ومنها القصر والإتمام. فإذا سلّم المكلّف في الثانية يكون ما بيده قصراً وأمّا لو سلّم في الرابعة فيكون تماماً.

وعلى هذا يكون التمام في هذا الفرع مطابقاً للقاعدة. ومع ذلك، يدلّ عليه صحيح عليّ

بن يقطين:

أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي السَّفَرِ ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فِي الْإِقَامَةِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: يُتِمُّ إِذَا بَدَتْ لَهُ الْإِقَامَةُ. (1)

ونحوه خبر محمد بن سهل عن أبيه قال:

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي سَفَرٍ [ثُمَ] تَبْدُو لَهُ الْإِقَامَةُ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ أَيُتِمُّ أَمْ يُقَصِّرُ؟ قَالَ: يُتِمُّ إِذَا بَدَتْ لَهُ الْإِقَامَةُ. (2)

والعجب من المحقّق الخوئي حيث لم يُشر إلى الروايتين، بل اكتفى ببيان ما هو مقتضى القاعدة. فراجع إن شئت. (3)هذا وقد يقال بأنّه إجماعيّ وفي «الجواهر»:

بلا خلاف أجده فيه، بل عن ظاهر «الذخيرة» وصريح «التذكرة» و«إرشاد الجعفريّة» الإجماع عليه. (4)

الفرع الثاني: ما إذا دخل في الصلاة بنيّة التمام -بعد قصد الإقامة- ثمّ بدا له السفر في الأثناء، فإنّه يجب عليه التقصير حينئذٍ ؛ لأنّه مسافر بعد العدول شرعاً ولغةً فيكون القصر مطابقاً للقاعدة أيضاً، غاية الأمر أنّه لو عدل عن نيّة الإقامة قبل التشهّد في الثانية يسلّم في الثانية. وأمّا لو عدل بعده وقبل الركوع من الثالثة فيهدم القيام الذي بيده ويسلّم؛ لإمكان تصحيح الصلاة كذلك، وأمّا لو عدل عن نيّة الإقامة بعد الركوع في الثالثة فتبطل الصلاة حينئذٍ ؛ لعدم إمكان الإصلاح في هذه الصورة، هذا. ويدلّ عليه قوله علیه السلام في ذيل صحيحة أبي ولّاد:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنِّي كُنْتُ نَوَيْتُ حِينَ دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ أَنْ أَقِيمَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَأُتِمَّ الصَّلَاةَ ثُمَّ بَدَا لِي بَعْدَ أَنْ أُقِيمَ بِهَا، فَمَا تَرَى لِي أُتِمُّ أَمْ أَقَصِّرُ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 511، باب 20 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ح 2.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 316.

4) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 380.

وَصَلَّيْتَ بِهَا فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُقَصِّرَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهَا، وَإِنْ كُنْتَ حِينَ دَخَلْتَهَا عَلَى نِيَّتِكَ التَّمَامِ فَلَمْ تُصَلِّ فِيهَا صَلَاةً فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ حَتَّى بَدَا لَكَ أَنْ لَا تُقِيمَ فَأَنْتَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ شِئْتَ فَانْوِ الْمُقَامَ عَشْراً وَأَتِمَّ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ الْمُقَامَ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ شَهْرٍ فَإِذَا مَضَى لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. (1)

فهي بإطلاقها تشمل بما إذا لم يصلّ أصلاً أو صلّى ولم يتمّها أربعاً.

والحاصل أنّه لا إشكال في الحكم في كلا الفرعين نصّاً وقاعدة، هذا. ومع ذلك كلّه يظهر من الشيخ لزوم إتمام الصلاة في الصورة الثانية حيث أفتى على أنّه لا يرجع إلى القصر ولو مع العدول في الأثناء، (2)وتبعه المحقّق مع تردّد، قال في «الشرايع»:

ولو نوى الإقامة عشراً ودخل في الصلاة فعنّ له السفر لم يرجع إلى القصر - ثمّ قال:- وفيه تردّد. (3)

ولعلّه مبنيّ على ما قالوا من أنّ الصلاة على ما افتتحت به، وحيث إنّ الصلاة في المقام افتتحت على التمام فيجب إتمامها.

وفيه أوّلاً: أنّ القاعدة المزبورة واردة فيما إذا شرع في الصلاة الفريضة ثمّ غفل وأتى بعضها ندباً غفلة.

وثانياً: أنّه لا يعتنى بها مع وجود النصّ الخاص، أعني به صحيحة أبي ولّاد المتقدّمة.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 509، باب 18 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) النهاية في مجرد الفقه والفتاوى؛ ص 123.

3) الجواهر الكلام؛ ج 14، ص 370.

الإقامة قاطعة لحكم السفر وإن كانت محرّمة

مسألة 27:

لا فرق في إيجاب الإقامة لقطع حكم السفر وإتمام الصلاة بين أن تكون محلّلة أو محرّمة، كما إذا قصد الإقامة لغاية محرّمة من قتل مؤمن أو سرقة ماله، أو نحو ذلك، كما إذا نهاه عنها والده، أو سيّده، أو لم يرض بها زوجها. [1]

[1] أقول: الوجه في عدم الفرق هو إطلاق أدلّة الإقامة، كقوله علیه السلام: «إذا دخلت أرضاً فأيقنت أنّ لك بها مقام عشرة أيّام فأتمّ الصلاة.» ونحوه. فإنّ الموضوع للتمام هو اليقين بالإقامة الموجبة لانقلاب الحكم من القصر إلى التمام من غير اعتبار إباحتها، ولا يقاس هذا على القصر في السفر المعتبر فيه الإباحة، وذلك لوجود الدليل في السفر دون الإقامة.

وبعبارة أخرى، أنّ موضوع التمام هو الحاضر حقيقة أو تعبّداً، وهذا العنوان صادق على المقيم وإن كانت إقامته لغاية محرّمة، كقتل مؤمن ونحوه. مع أنّ الشارع المقدّس أوجب القصر على المسافر إرفاقاً بالمؤمنين لِئلّا يقعوا في المشقّة، وهو لا يليق بالعاصي بسفره.

وجوب الإقامة لو كانت عليه صوم معيّن

مسألة 28:

إذا كان عليه صوم واجب معيّن غير رمضان -كالنذر والاستيجار أو نحوهما- وجب عليه الإقامة مع الإمكان. [1]

[1] أقول: هل تجب الإقامة لمن عليه صوم واجب معيّن من رمضان أو غيره ليتمكّن من الإتيان به أو لا يجب؟ وجوه بل أقوال:

1.

وجوب الإقامة مطلقاً، في رمضان كان أم غيره؛

2.

التفصيل بين الصوم الاستيجاريّ فتجب الإقامة وبين غيره فلا تجب؛

التفصيل بين صوم رمضان فلا تجب الإقامة وبين غيره فتجب، كما عليه الماتن.

فيقع الكلام في مقامات ثلاث:

الأوّل: -وبه يتّضح حال الأقوال - عدم وجوب الإقامة. توضيح ذلك يستدعي تقديم مقدّمة، وهي أنّ الشرط على قسمين:

1.

ما هو شرط الوجوب، فما لم تحصل هذه الشروط فلا يكون الحكم فعليّاً، كالاستطاعة في الحج والنصاب في الزكاة ونحو ذلك، وقد اتّفق الأصحاب على عدم وجوب تحصيل شرط الوجوب وهذا واضح.

2.

ما هو شرط للوجود وهو الذي يتوقّف عليه تحقّق الواجب في الخارج بعد فعليّة وجوبه، كالطهارة بعد الزوال في الصلاة والذهاب في الحجّ، ويجب تحصيل هذا القسم من الشرائط بالاتّفاق؛ حفظاً لغرض المولى وحذراً من تفويت الواجب في وقته.

إذا تحرّر ذلك فنقول:

ظاهر قوله سبحانه: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ أنّ الحضر شرط لوجوب الصوم؛ لإنّ الشهود بمعنى الحضور، وقد عرفت أنّه لا يجب تحصيل شرط الوجوب. وعليه، فلا تجب الإقامة للمسافر تحصيلاً لشرط وجوب الصوم. هذا ما ذكره المحقّق الخوئي.

وقد حقّقنا في محلّه أنّ الشهود ليس بمعنى الحضور مقابل السفر، فعليه الوجه في كون الحضور شرطاً وجوبيّاً هو ظاهر قوله سبحانه: (فَمَن كان مِنْكُم مَريضاً أو عَلى سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أَيّامٍ أخَر). (1)

فإنّ العرف يفهم منه أنّه لا يجب الصوم على المسافر وأنّ الحضور شرط للوجوب مع صراحة الأخبار الكثيرة بذلك.

وأمّا المقام الثاني: أعني به: صوم النذر وشبهه، أتجب فيه الإقامة أم لا؟

فنقول:

يتصوّر الصوم الواجب بالنذر على وجوه ثلاثة:

1.

أن يقيّده بالحضر بأن يقول: «الله عليّ إن رُزِقْتُ ولداً أن أصوم يوماً كذا لو كنت حاضراً»، ولا يخفى أنّ هذا القسم من قبيل شرط الوجوب فلا يجب تحصيل الشرط، أي: لا تجب عليه الإقامة كي يصوم.

2.

عكس ذلك بأن قيّده بالسفر، أو به والحضر معاً، بأن يقول: «لله عليّ إن رُزِقْتُ ولداً أن أصوم يوم الجمعة سفراً كان أو حضراً»، على ما يأتي في كتاب الصوم من صحّة هذا القسم من النذر. فالظاهر أنّه يجب عليه الصوم ولو في السفر ولا حاجة إلى الإقامة حينئذٍ.

3.

أن ينذره مطلقاً ولم يقيّده بشيء من الحضر والسفر وصادف ذلك اليوم المعيّن السفر اتّفاقاً، فالظاهر أنّه يجب عليه الإقامة في هذا القسم؛ لأنه من شرط الوجود حينئذٍ كما لا يخفى.

هذا كلّه بالنظر إلى ما تقتضيه القاعدة، وقد اعتمد عليها المصنّف حيث أوجب الإقامة في غير رمضان من النذر المعيّن والمستأجر عليه، ولو كنّا نحن ومقتضى القاعدة لقلنا بما قاله أيضاً. إلّا أنّ هناك روايات كثيرة تدلّ على عدم جواز الصوم في السفر مطلقاً، بل بعضها صريح في عدم مشروعيّة الصوم المنذور في السفر، وأنّ الصوم حقّ لله تعالى وقد وضعه عن عباده


1) البقرة: 184.

في السفر ولنذكر جملة من الروايات:

منها مكاتبة القاسم الصيقل، قال:

كَتَبْتُ إِلَيْهِ يَا سَيِّدِي! رَجُلٌ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يَوْماً مِنَ الْجُمْعَةِ دَائِماً مَا بَقِيَ فَوَافَقَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ عِيدِ فِطْرٍ أَوْ أَضْحًى أَوْ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ أَوْ سَفَرٍ أَوْ مَرَضِ هَلْ عَلَيْهِ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَوْ قَضَاؤُهُ أَوْ كَيْفَ يَصْنَعُ يَا سَيِّدِي؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ: قَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْكَ الصِّيَامَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ كُلِّهَا وَيَصُومُ يَوْماً بَدَلَ يَوْمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (1)

ومنها موثّقة زرارة، قال:

قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام: إِنَّ أُمِّي كَانَتْ جَعَلَتْ عَلَيْهَا نَذْراً إِنِ يرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهَا بَعْضَ وُلْدِهَا مِنْ شَيْءٍ كَانَتْ تَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ تَصُومَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ مَا بَقِيَتْ فَخَرَجَتْ مَعَنَا مُسَافِرَةً إِلَى مَكَّةَ فَأَشْكَلَ عَلَيْنَا لِمَكَانِ النَّذْرِ تَصُومُ أَوْ تُفْطِرُ؟ فَقَالَ: لَا تَصُومُ؛ قَدْ وَضَعَ اللَّهُ عَنْهَا حَقَّهُ وَتَصُومُ هِيَ مَا جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا.

قُلْتُ: فَمَا تَرَى إِذَا هِيَ رَجَعَتْ إِلَى الْمَنْزِلِ أَتَقْضِيهِ؟ قَالَ: لَا.

قُلْتُ: فَتَتْرُكُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا؛ لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ تَرَى فِي الَّذِي نَذَرَتْ فِيهِ مَا تَكْرَهُ. (2)

ومنها خبر عليّ بن أبي حمزة عن أبي ابراهيم قال:

سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ صَوْمَ شَهْرٍ بِالْكُوفَةِ وَشَهْرٍ بِالْمَدِينَةِ وَشَهْرٍ بِمَكَّةَ مِنْ بَلَاءِ ابْتُلِيَ بِهِ فَقَضَى لَهُ أَنَّهُ صَامَ بِالْكُوفَةِ شَهْراً وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فَصَامَ بِهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً وَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الْجَمَّالُ؟ فَقَالَ: يَصُومُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ إِذَا انْتَهَى إِلَى بَلَدِهِ وَلَا يَصُومُهُ فِي سَفَرٍ. (3)

ومنها موثّقة عمّار قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَن الرَّجُل يَقُولُ: «لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْراً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ» فَيَعْرِضُ لَهُ أَمْرٌ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُسَافِرَ يَصُومُ وَهُوَ مُسَافِرٌ؟ قَالَ: إِذَا سَافَرَ فَلْيُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ


1) الوسائل الشيعة؛ ج 10، ص 196، باب 10 من أبواب من نصح منه الصوم، ح 2.

2) نفس المصدر.

3) نفس المصدر، ص 197، باب 10 من أبواب من نصح منه الصوم، ح 4.

الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ فَرِيضَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَالصَّوْمُ فِي السَّفَرِ مَعْصِيَةٌ. (1)

ونحوها غيرها. (2)

وتحصّل أنّ الروايات صريحة في عدم وجوب الصوم النذريّ في السفر، بل تدلّ بعضها على جواز السفر وترك الصوم في غير النذر أيضاً، عهداً كان أو يميناً؛ لمكان الاستفهام الانكاريّ في ذيل موثّقة زرارة، أعني قوله علیه السلام: «لا تصوم قد وضع الله عنها حقّه وتصوم هي ما جعلت على نفسها».

أمّا المقام الثالث أعني به الصوم الاستيجاريّ كما لو استؤجر لصوم يوم معيّن كالجمعة وصادف ذلك بالسفر، أيجب عليه الإقامة تحصيلاً لشروط الصوم أم لا؟ فوجهان بل قولان:

٭يظهر من صاحب الجواهر في «نجاة العباد» عدم الوجوب. ولعلّ الوجه فيه أنّه إذا لم تجب الإقامة في شهر رمضان مع كونه حقّ الله سبحانه ففي غيره أولى، ويمكن الاستئناس له من موثّقة زرارة المتقدّمة، هذا.

٭ولكن الأقوى وجوب الإقامة في هذا الفرض وفاقاً لمعظم الأصحاب، بل المشهور؛ لأنّ الأجير أوجب الصوم عن غيره على نفسه بإرادته واختياره والتزم أداءه في وقت معيّن كما هو المفروض، فيجب عليه أداؤه في وقته المضروب، وهو لا يمكن إلّا بالإقامة فيجب من باب المقدّمة.

وأمّا الموثّقة المزبورة فهي منصرفة عن حقّ الناس؛ لظهورها وصراحتها في ارتفاع حقّ الله سبحانه. وفي «المستمسك»:

نعم؛ لا يبعد ذلك - وجوب الإقامة- في الاستيجار؛ لظهور الإجارة في كونها إجارة على الإقامة والصوم معاً، لا على الصوم على تقدير الإقامة. (3)

ولا يخفى ما في تعليله؛ إذ الإجارة تتعلّق على الفعل كالصوم دون الإقامة حسب المتفاهم العرفيّ، فإنّ جُلّ الناس بل كلّهم غافلون عن هذا الشرط كما لا يخفى.


1) نفس المصدر، ص 199، باب 10 من أبواب من نصح منه الصوم، ح 8.

2) نفس المصدر، ح 9 - 10.

3) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 142.

إذا بقي من الوقت أربع ركعات وعليه الظهران

مسألة 29:

إذا بقي من الوقت أربع ركعات وعليه الظهران، ففي جواز الإقامة إذا كان مسافراً وعدمه من حيث استلزامه تفويت الظهر وصيرورتها قضاءً إشكال، فالأحوط عدم نيّة الإقامة مع عدم الضرورة.

نعم؛ لو كان حاضراً وكان الحال كذلك لا يجب عليه السفر لإدراك الصلاتين في الوقت. [1]

[1] أشار السيد قدس سره الى فرعين:

الفرع الأوّل: إذا كان مسافراً وفرض ضيق وقت الظهرين بحيث لو قصد الإقامة لفات عنه الظهر لاختصاص الوقت بالعصر؛ لأنّ المفروض أنّه لم يبق من الوقت إلّا أربع ركعات، فلو لم يقصد الإقامة يتمكّن من الظهرين قصراً وهل يجوز له الإقامة والحال هذه أم لا؟

الأقوى هو عدم الجواز؛ لأنّ الإقامة توجب تفويت الواجب المنجّز في وقت الأداء ولا يجوز تفويت الواجب المنجّز عقلاً، ومنه يظهر أنّه لا وجه ظاهراً لاستشكال الماتن في جواز الإقامة وعدمه، كما لا وجه للاحتياط بعدم نيّة الإقامة.

ويظهر أيضاً ضعف ما عن السيّد الحكيم من عدم الدليل على حرمة مثل ذلك التفويت والأصل البراءة. (1)والوجه في ذلك كما أشرنا إليه هو تنجّز التكليف بالظهرين قصراً مع كونه مسافراً، فعليه لا يجوز تفويت التكليف المنجّز وتعجيز نفسه منه، وكذا لا وجه لأصالة البراءة مع العلم بالوجوب كما لا يخفى.

هذا كلّه لو كان مختاراً في قصد الإقامة. وأمّا لو فرض عدم اختياره بإكراه أو اضطرار على الإقامة في المحلّ، فالظاهر أنّه يجب عليه العصر تماماً. ويقضي الظهر بعد ذلك؛ لأنّ الموضوع للتمام هو العلم بإقامته عشرة أيّام وحيث إنّ المجبور ونحوه يعلمان ببقائهما فيه


1) نفس المصدر، ص 143.

عشرة ايّام، يجب عليهما التمام.

الفرع الثاني: عكس الأوّل، بأن كان حاضراً وأراد السفر قبل الإتيان بالظهرين مع ضيق الوقت بحيث لو سافر وقصّر الصلاة لتمكّن من الظهرين قصراً وإلّا فاتته الظهر، أ يجب السفر تحصيلاً لشرط أدائيّة الظهر أم لا؟ فقد اختار الماتن عدم الوجوب، وهو الحقّ؛ لعدم وجوب تحصيل شرائط الوجوب، وبما أنّ الخروج إلى السفر والعبور من حدّ الترخّص من شرائط القصر، فلا يجب تحصيله.

والحاصل أنّه حاضر بالفعل وحكمه الإتيان بالعصر تماماً لوجود موضوعه، ولا يجب عليه تحصیل موضوع حكم آخر، أعني: السفر. وممّا ذكرنا يظهر ضعف ما استدلّ به على وجوب السفر ممّا لا يليق نقله والجواب عنه.

العدول عن الإقامة بعد نيّتها

مسألة 30:

إذا نوى الإقامة ثمّ عدل عنها وشكّ في أنّ عدوله كان بعد الصلاة تماماً حتّى يبقى على التمام أم لا؟ بنى على عدمها فيرجع إلى القصر. [1]

[1] قلت: قد تقدّم مراراً أنّ موضوع التمام هو قصد إقامة العشرة أو الصلاة تماماً. فإذا شكّ ولم يدر أنّه هل أتى بوظيفته في الوقت ثمّ عدل عن نيّة الإقامة، أو أنّه لم يصلّ بعد؟ فمقتضى الاستصحاب أو قاعدة الاشتغال هو لزوم الإتيان بفريضة الوقت.

فيثبت بذلك أصل عدم الإتيان بالصلاة تماماً، وبعد ضمّه إلى العدول المحرز بالوجدان يتحقّق موضوع وجوب القصر بكلا جزئيه، فيرجع إلى القصر في صاحبة الوقت وغيرها.

لو علم بالعدول وبالرباعيّة وشكّ في المتقدّم منهما

مسألة 31:

إذا علم بعد نيّة الإقامة بصلاة أربع ركعات والعدول عن الإقامة ولكن شكّ في المتقدّم منهما مع الجهل بتاريخهما رجع إلى القصر مع البناء على صحّة الصلاة؛ لأنّ الشرط في البقاء على التمام وقوع الصلاة تماماً حال العزم على الإقامة وهو مشكوك. [1]

[1] أقول: قد حكم السيد في المقام بحكمين:

الأوّل: صحّة ما أتي به من الصلاة قبل عروض الشكّ في أنّ المتقدّم هل هو العدول أو الصلاة الرباعيّة تماماً؟ ولعلّه استند في ذلك إلى قاعدة الفراغ؛ إذ المفروض فراغه من الصلاة حين عروض الشكّ.

الثاني: وجوب الرجوع إلى القصر بالإضافة إلى الصلوات الآتية نظراً إلى أصالة عدم تحقّق موضوع التمام - الإتيان بفريضة واحدة تماماً حال العزم على الإقامة- لاحتمال تقدّم العدول على الصلاة، فلا يحرز موضوع التمام فيرجع إلى القصر، فإنّ الواجب في السفر هو القصر ما لم يحرز وجود القاطع، وهو هنا منفيّ بأصالة العدم.

وهذان الحكمان لا يخلوان من التنافي والتعارض في الجملة؛ إذ لو كانت الإقامة متحقّقة فصلاته صحيحة تماماً، فلا وجه لوجوب القصر بالنسبة إلى ما يأتي به من الصلوات، وإلّا فلا وجه للبناء على صحّة ما أتي به قبل عروض الشكّ، فالجمع بين صحّة صلاته تماماً ووجوب إتيانه الصلوات الآتية قصراً جمع بين المتنافيين. ولذا أورد عليه بوجوه كثيرة، نذكر عمدتها وهي ثلاثة:

الوجه الأوّل: ما ذكره السيّد الحكيم وحاصله:

أنّ أصالة عدم تحقّق الصلاة التامّة إلى زمن العدول معارضة مع استصحاب عدم تحقّق العدول قبل الصلاة؛ حيث إنّ موضوع التمام هو وجود الصلاة التامّة حال العزم على الإقامة، كما أنّ موضوع القصر هو العدول قبل الصلاة المزبورة، فكلّ

منهما مجرى للأصل فتجري أصالة عدم كلّ منهما فيتعارضان فيسقطان. (1)

الوجه الثاني: ما ذكره جماعة ومنهم سيّدنا الأستاذ في التعليقة من أنّ الجمع بين قاعدة الفراغ وبين الاستصحاب المزبور يقتضي المخالفة القطعيّة للمعلوم بالإجمال في غير المترتّبين؛ إذ المتقدّم لو كان هو العدول فالرباعيّة المأتيّ بها باطلة، وإن كان المتقدّم هي الصلاة التامّة فالقصر فيما يأتي بعد ذلك يكون باطلاً؛ إذ اللازم حينئذٍ البقاء على التمام لتحقّق موضوعه بالفرض.

بل ربّما يلزم المخالفة القطعيّة التفصيليّة كما في المترتّبتين بأن صلّى الظهر تماماً أوّلاً وشكّ ثمّ صلّى العصر قصراً عملاً بالاستصحاب، فحينئذٍ يعلم تفصيلاً ببطلان العصر؛ لأنّ صلاة الظهر إن كانت صحيحة لوقوعها حال العزم على الإقامة مثلاً فالعصر باطل من ناحية التقصير؛ إذ لا يصحّ القصر مع تحقّق الإقامة، وإن لم تكن صلاة الظهر صحيحة لكان العصر أيضاً باطلاً من جهة فقد الترتيب؛ إذ المفروض أنّه لم يأت بالظهر المأمور بها.

وعلى هذا يكون المرجع هو الاشتغال المقتضي لإعادة السابقة قصراً والجمع بين القصر والتمام بالإضافة إلى اللاحقة تحصيلاً للفراغ اليقينيّ بعد القطع بالاشتغال.

الوجه الثالث: ما ذكره المحقّق الخوئي وهو يتضمّن أموراً ثلاثة: الرّد على المصنّف والرّد على السيّد الحكيم، ثمّ حلّ المسألة.

وقبل التعرّض لكلامه لابدّ من توضيح مرامه، وهو أنّ الأصل المثبت - وهو الذي يثبت اللوازم العقليّة للمستصحب - ليس بحجّة عندنا، فلو نذر أن يتصدّق بدرهم إذا نبت لحية زيد وهو غائب، فإذا استصحب حياته المشكوكة فلا يترتّب عليه لازمه العقليّ أو العاديّ، أعني: إنبات اللحية حتّى يجب التصدّق.

وعلى هذا، أنّ الاستصحاب الذي تمسّك به الماتن، أعني: عدم تحقّق الصلاة إلى زمن


1) نفس المصدر، ص 144.

العدول، لا يكون حجّة؛ لكونه مثبتاً للازمه العقليّ، وهو وقوع الصلاة بعد العدول، ومعه لا مجال للمعارضة والتساقط وإنّما يجري استصحاب عدم العدول إلى حين الصلاة، ولازمه هو البقاء على التمام. وإذا اتّضح ذلك فنقول: قال المحقق الخوئي قدس سره:

وأمّا إذا بنينا على عدم المعارضة في أمثال المقام كما لا يبعد على ما أشرنا إليه في بحث خيارات المكاسب وأنّ الجاري فيما نحن فيه هو خصوص أصالة عدم العدول إلى زمان الإتيان بالصلاة التامّة دون العكس، بقي حينئذٍ على التمام في الصلوات الآتية وبنى على صحّة السابقة.

وتوضيحه أنّ موضوع الحكم بالبقاء على التمام على ما يستفاد من صدر صحيحة أبي ولّاد هو كونه ناوياً للإقامة وآتياً بصلاة تامّة، فهو مركّب من ذات هذين الجزئين، أي: الإتيان بالصلاة في زمان يكون ناوياً للإقامة في ذلك الزمان من غير دخل شيء آخر وراء ذلك من وصف الاقتران أو الاجتماع أو الانضمام ونحوها من العناوين البسيطة، وأحد الجزئين محرز بالوجدان وهو الإتيان بالصلاة التامّة، فإذا أجرينا أصالة عدم العدول عن نيّة الإقامة إلى زمان الإتيان بالصلاة فقد أحرزنا جزأي الموضوع بضمّ الوجدان إلى الأصل. ونتيجته الحكم بالبقاء على التمام وبصحّة الصلاة السابقة من غير حاجة إلى قاعدة الفراغ.

ولا يعارض الأصل المزبور بأصالة عدم وقوع الصلاة تماماً حال العزم على الإقامة - أي: إلى زمان العدول كما ذكره في المتن - لعدم ترتّب الأثر؛ إذ لا يثبت بها وقوع هذه الصلاة بعد العدول عن نيّة الإقامة إلّا على القول بالأصل المثبت، فهذا الأصل بنفسه لا أثر له إلّا بضميمة الإثبات الذي لا نقول به؛ لعدم كونه متعرّضاً لحال الشخص وناظراً إليه. بخلاف الأصل المتقدّم، فإنّه ينظر إليه ويتكفّل للبقاء على نيّة الإقامة وعدم العدول عنها إلى زمان الإتيان بشخص هذه الصلاة، وبذلك يتنقّح الموضوع المركّب بضمّ الوجدان الى الأصل الذي نتيجته

البقاء على التمام. (1)

قلت: و فيما افاده نظر من وجهين:

أحدهما من جهة أصل المبنى؛

ثانيهما من جهة تقرير الأصل المثبت.

٭فنقدّم الكلام في الثاني فنقول:

هل الأثر هنا مترتّب على الصلاة التامّة حال الإقامة، أو هو مترتّب على عدم الصلاة كذلك؟ أو مترتّب على الصلاة بعد العدول عن نيّة الإقامة؟ فإن كان الأثر مترتّباً على الصلاة الواقعة بعد العدول، لكان الأصل مثبتاً كما صرّح به. إلّا أنّ الأظهر خلافه؛ لأنّه ليس للصلاة الواقعة بعد العدول أثر كما لا يخفى، وإنّما الأثر مترتّب على أحد الأمرين الأولين في الفرضين كما يستفاد ذلك من صحيحة أبي ولّاد.

قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنِّي كُنْتُ نَوَيْتُ حِينَ دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ أَنْ أُقِيمَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَأُتِمَّ الصَّلَاةَ ثُمَّ بَدَا لِي بَعْدَ أَنْ أُقِيمَ بِهَا فَمَا تَرَى لِي أَتِمُّ أَمْ أَقَصِّرُ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ وَصَلَّيْتَ بِهَا فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُقَصِّرَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهَا وَإِنْ كُنْتَ حِينَ دَخَلْتَهَا عَلَى نِيَّتِكَ التَّمَامِ فَلَمْ تُصَلِّ فِيهَا صَلَاةً فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ حَتَّى بَدَا لَكَ أَنْ لَا تُقِيمَ فَأَنْتَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ شِئْتَ فَانْوِ الْمُقَامَ عَشْراً وَأَتِمَّ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ الْمُقَامَ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ شَهْرٍ فَإِذَا مَضَى لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. (2)

فهي صريحة في أنّ الأثر مترتّب على الصلاة التامّة حال الإقامة وعدمها حالها؛ فإنّ تحقّق ذلك يجب البقاء على التمام وإلّا فلا. وعليه فلا يلزم في المقام أصل مثبت.

إذا تقرّر ذلك فنقول: إنّ تحقّق الصلاة الرباعيّة معلوم بالوجدان، كما أنّ تحقّق العدول معلوم كذلك، وإنّما الشّك في المتقدّم منهما، فعليه يقع التعارض بين الاستصحابين ويحكم


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 325 - 326.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 509، باب 18 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

با التساقط كما في «المستمسك».

وكيف كان، لم يتّضح لنا وجه تقرير الاستصحاب على وجه يكون مثبتا. بل يمكن القول بالعكس، بمعنى أنّه لو قلنا بجريان الاستصحاب في الطرفين، لكان الإثبات في الطرف الآخر؛ وذلك لأنّ صحيحة أبي ولّاد دلّت على ترتّب الأثر - البقاء على التمام -على الصلاة التامّة حال العزم على الإقامة. فإذا تحقّق ذلك الأمر، يجب البقاء على التمام وإلّا فلا. ومن الظاهر أنّ هذا لا يثبت بالاستصحاب؛ لكونه مثبتاً لما هو لازم عقليّ للمستصحب؛ لأنّ استصحاب عدم العدول إلى زمن وقوع الصلاة يثبت وقوعها حين الإقامة، ومعلوم أنّه من اللوازم العقليّة غير الثابتة بالأصل.

ثمّ إنّه ذكر في ذيل كلامه ما لا يخلو من عجب حيث قال:

وبعبارة أخرى؛ الاستصحاب الأوّل رافع للشك بمقتضى التعبّد الشرعيّ ومنقّح للموضوع بعد ضمّه إلى الجزء الآخر المحرز بالوجدان، فلا يبقى معه شكّ في تحقّق الموضوع كي يكون مجال لإجراء الاستصحاب الثاني الراجع في الحقيقة إلى نفي الموضوع المركّب من المقيّد وقيده. (1)

وجه العجب أنّه إنّما يصحّ فيما يكون المورد من موارد الشّكّ السببيّ والمسبّبيّ، كما إذا شكّ في طهارة الثوب المغسول في مشكوك الكرّيّة، فإنّه إذا استصحب كرّيّة الماء في رتبة متقدّمة فلا يبقى مجال للشّكّ في طهارة الثوب المغسول فيه؛ لأنّ الشّكّ في طهارته ونجاسته مسبّب من الشّكّ في كرّيّة الماء وعدمها، فجريان استصحاب الكرّيّة يرفع موضوع الشّكّ في الطهارة والنجاسة في الثوب كما لا يخفى. ومن الظاهر أنّ كلّاً من الأمرين الحادثين في المقام متساويان في الرتبة وليس أحدهما مسبّباً عن الآخر، فكيف يكون الاستصحاب في أحدهما رافعاً لموضوع الآخر؟

٭وأمّا الكلام في الجهة الأولى - أعني: أصل المبنى- فنقول:


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 327.

قد وقع الخلاف في جريان الاستصحاب وعدمه في موارد حدوث الحادثين المجهول تاريخهما، كما إذا علم بحدوث الطهارة والحدث وشكّ في المتقدّم منهما أو علم بموت الأب والابن وشكّ في المتقدّم منهما ومنه ما نحن فيه. فذهب جماعة إلى صحّة جريان الاستصحاب في كلّ من الأمرين وتعارض الأصلين وتساقطهما، وربّما قيل بلزوم الأخذ بضدّ ما علمه، كما يظهر من كلام الشهيدين. (1)

والذي يقتضيه التأمّل هو عدم جريان الاستصحاب في الموارد المزبورة على ما حقّقناه في مبحث الاستصحاب من الأصول تبعاً لبعض المحقّقين. والوجه في ذلك أنّ الاستصحاب إنّما يكون حجّة فيما إذا كان الشكّ في عمود الزمان - أي: طوله - بأن ثبت الشيء في السابق وشكّ في بقائه في اللاحق فيستصحب بقاؤه كما هو ظاهر تعريفه - بأنّه إبقاء ما كان - بل هو المستفاد من أدلّة حجّيّته؛ فإنّ قوله علیه السلام: «فإنّك كنت على يقين من وضوئك وشككت...» ظاهر بل صريح في عدم شموله لمثل المقام من الحادثين المجهول تاريخهما.

ومن هنا اختار السيّد الحكيم عدم جريان الاستصحاب في مثل المقام قائلاً:

ولعدم حجّيّة الأصل المذكور ذاتاً كما هو التحقيق حسب ما قرّرناه في تعليقنا على «الكفاية» - حقائق الأصول - في استصحاب مجهول التاريخ. (2)

هذا مضافاً إلى أنّ القول بجريان الاستصحابين وتساقطهما بالمعارضة يستلزم اللغويّة؛ لعدم ترتّب ثمرة عليهما.

إذا تحرّر ذلك فنقول: إنّ المفروض في المقام هو العلم إجمالاً بوقوع كلّ من الصلاة تامّة والعدول عن نيّة الإقامة مع الشّكّ في المتقدّم منهما، وبما أنّ العلم الإجمالي منجّز للتكليف يترتّب عليه الجمع بين القصر والتمام، بالإضافة إلى الصلوات الآتية والإعادة قصراً لما صلّاه تماماً، بلا فرق بين أن يكون ذلك قبل خروج الوقت أو بعده؛ لأنّ العلم الإجمالي باشتغال الذّمّة يقتضي البراءة كذلك وهو لا يحصل إلّا بما ذكرناه.


1) الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية؛ ج 1، ص 33.

2) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 144.

إذا صلّى تماماً ثمّ تبيّن بطلان صلاته رجع إلى القصر

مسألة 32:

إذا صلّى تماماً ثمّ عدل ولكن تبيّن بطلان صلاته رجع إلى القصر وكان كمن لم يصلّ.

نعم؛ إذا صلّى بنيّة التمام وبعد السلام شكّ في أنّه سلّم على الأربع أو على الإثنين أو على الثلاث بنى على أنّه سلّم على الأربع ويكفيه في البقاء على حكم التمام إذا عدل عن الإقامة بعدها. [1]

[1] قد أشار السيّد قدس سره إلى فرعين:

الفرع الأوّل: ما إذا علم بطلان الصلاة التي صلّاها تماماً بعد العدول فيرجع إلى القصر؛ لأنّ معنى التمام هو الإتيان بالرباعيّة التامّة -حال العزم - صحيحة وهذا غير متحقّق في مفروض المقام؛ فإنّ بطلان الصلاة مساوق لعدم الإتيان بها.

ولا ينافي ذلك وضع أسامي العبادات على الأعمّ من الصحيح على ما اختاره بعض الأصوليّين؛ لأنّ الظاهر من قوله سبحانه: (وأوْصاني بِالصّلاةِ والزَّكوة ما دُمْتُ حَيّاً) (1)وقوله تعالى: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصّلاةُ فَانْتَشِروا في الأرضِ) (2)وقولهم: «صلّ أربعاً» وهكذا، هو الصلاة الصحيحة الّتي يترتّب عليها الآثار ولا أثر للفاسدة كما لا يخفى لمن تأمّل.

والحاصل أنّ المتبادر في الاستعمالات هو العبادات الصحيحة و إن قلنا بوضعها للأعم.

الفرع الثاني: ما إذا شكّ بعد السلام في أنّه سلّم على الأربع أو على الثلاث أو على الإثنتين، فإنّه يبقى على التمام؛ إذ المعتبر هو إحراز وقوع الصلاة تامّة -حال الإقامة- سواء كان ذلك بالوجدان أم بالأمارة الشرعيّة، ومن الظاهر أنّ الشّكّ بعد الفراغ لا اعتبار به في نظر الشارع بل يحكم حينئذٍ بصحّة صلاته، فعلى هذا يبقى على التمام لتحقّق موضوعه بالتعبّد الشرعيّ.


1) مریم: 31.

2) الجمعة: 10.

هل تكفي قاعدة الحيلولة فى البقاء على حكم التمام

مسألة 33:

إذا نوى الإقامة ثمّ عدل عنها بعد خروج وقت الصلاة، وشكّ في أنّه هل صلّى في الوقت حال العزم على الإقامة أم لا؟ بنى على أنّه صلّى.

لكن في كفايته في البقاء على حكم التمام إشكال، وإن كان لا يخلو من قوّة خصوصاً إذا بنينا على أنّ قاعدة الشّكّ بعد الفراغ أو بعد الوقت إنّما هي من باب الأمارات لا الأصول العمليّة. [1]

[1] اعلم أنّ السيّد قدس سره تعرّض في المسألة لحكمين:

أحدهما: عدم لزوم القضاء لمن عدل عن نيّة الإقامة بعد خروج الوقت وشكّ في أنّه صلّى في الوقت أم لا؟ فإنّه يبنى على أنّه صلّى استناداً إلى قاعدة الحيلولة.

ثانيهما: أنّ البناء المزبور هل يكفي في البقاء على حكم التمام بعد ذلك أم لا؟ فإنّه تردّد في ذلك ابتداء، ثمّ قوّى الكفاية به خصوصاً لو بنينا على أنّ قاعدة الحيلولة من الأمارات الشرعيّة لا الأصول العمليّة.

و توضیح مرامه يستدعي تقديم مقدّمة وهي أنّ هنا قواعد شرعيّة يستند إليها الفقهاء في بعض المقامات لاستنباط الأحكام الشرعيّة كقاعدة التجاوز والفراغ والحيلولة. أمّا التجاوز فمحلّه هو الشكّ في وجود جزء بعد الدخول في الجزء المترتّب عليه، كما إذا شكّ في الركوع بعد أن دخل في السجود. ومفاد هذه القاعدة عدم الاعتناء بالشّكّ ولزوم المضيّ في العمل. وأمّا قاعدة الفراغ فمحلّها هو الشّكّ في صحّة العمل المأتيّ بعد الفراغ منه، كما إذا شكّ في صحّة الصلاة الّتي فرغ منها من جهة أنّها كانت واجدة للطهارة ونحوها من الشرائط أم لا؟ ومفادها أيضاً عدم الاعتناء بالشّكّ في صحّة العمل، أي: تمامه.

والأظهر بل المسلّم أنّهما من القواعد الشرعيّة المثبتة لمتعلّقاتها ولوازمها كالأدلّة اللفظيّة فهما أمارتان من الأمارات الشرعيّة لمكان قوله:

قَالَ: قُلْتُ لَهُ: الرَّجُلُ يَشُكُّ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأُ؟ قَالَ: هُوَ حِينَ يَتَوَضَّأُ أَذْكَرُ مِنْهُ حِينَ يَشُكُّ. (1)

ونحوه من النصوص المعتبرة. وهذه النصوص ظاهرة في كون القاعدتين من الأمارات المفيدة للظّنّ.

نعم؛ قد وقع الكلام في أنّهما قاعدتان مستقلّتان أو قاعدة واحدة؟ فقد ذهب جماعة منهم سيّدنا الأُستاذ في موارد من رسالة «قاعدة الفراغ» إلى أنّهما قاعدة واحدة. ولكن لا يخفى ضعفه على المتأمّل في النصوص المزبورة.

وأمّا قاعدة الحيلولة الجارية في الشّكّ في إتيان العمل بعد خروج وقته، كما إذا شكّ في أنّه صلّى الظهرين أم لا بعد انقضاء وقتهما؟ فيدلّ عليها قوله علیه السلام:

قَالَ: مَتَى اسْتَيْقَنْتَ أَوْ شَكَكْتَ فِي وَقْتِ فَرِيضَةٍ أَنَّكَ لَمْ تُصَلِّهَا أَوْ فِي وَقْتِ فَوْتِهَا أَنَّكَ لَمْ تُصَلِّهَا صَلَّيْتَهَا وَإِنْ شَكَكْتَ بَعْدَ مَا خَرَجَ وَقْتُ الْفَوْتِ وَقَدْ دَخَلَ حَائِلٌ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْكَ مِنْ شَكٍ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ فَإِنِ اسْتَيْقَنْتَ فَعَلَيْكَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي أَيِّ حَالَةٍ كُنْتَ. (2)

وهل هي مثل قاعدتي التجاوز والفراغ في كونهما من الأمارات، أو هي من الأصول العمليّة؟ قولان والأقوى هو الأوّل، وفاقاً لجمع من المحقّقين ومنهم المحقّق الخوئي. (3)والدليل على كون تلك القواعد الثلاث أمارات شرعيّة أمران:

الأمر الأوّل: أنّ كلّاً منها يفيد الظَّنّ بطبعه، أي مع قطع النظر عن دليل اعتباره كالخبر الواحد وظاهر القرآن والسّنّة. ومنشأ ذلك أنّ المكلّف الملتفت إلى كونه في مقام العبوديّة وامتثال الأمر لا يترك شرطاً أو جزئاً من العمل عمداً، بل ولا غفلة؛ لأنّ الغفلة تنافي كونه في مقام العبوديّة. وهذا المعنى يوجب الظَّنّ بأنّه قد أتى بالمشكوك في محلّه، وهذا الظَّنّ قد اعتبره الشارع بالنصوص الكثيرة الواردة في بيان تلك القواعد ومفادها. فعليه، تكون الحيلولة من الأمارات المفيدة للظَّنّ.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 1، ص 471، باب 42، ح 7.

2) نفس المصدر، ص 283، باب 60، ح 1.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 333.

الأمر الثاني: أنّ قاعدة الحيلولة ليست قاعدة مستقلّة في قبال التجاوز والفراغ، بل هي راجعة إلى قاعدة التجاوز في الحقيقة. وذلك أنّ ملاك اعتبار قاعدة التجاوز هو حصول الشّكّ في إتيان شيء بعد تجاوز محلّه والدخول في غيره من غير فرق بين أن يكون ذلك في أثناء العمل أو بعده الشامل لحصول الشك بعد خروج الوقت؛ لعموم قوله علیه السلام:

قَالَ أَبُو جَعْفَرِ علیه السلام: إِنْ شَكَّ فِي الرُّكُوعِ بَعْدَ مَا سَجَدَ فَلْيَمْضِ وَإِنْ شَكَّ فِي السُّجُودِ بَعْدَ مَا قَامَ فَلْيَمْضِ كُلُّ شَيْءٍ شَكَّ فِيهِ مِمَّا قَدْ جَاوَزَهُ وَدَخَلَ فِي غَيْرِهِ فَلْيَمْضِ عَلَيْهِ. (1)

ويتفرّع على هذا وجوب البقاء على التمام بعد ذلك؛ لتحقّق الفريضة التامّة بالتعبّد الشرعيّ بعناية قاعدة الحيلولة. هذا بناء على كون الحيلولة من الأمارات.

وأمّا بناء على كونها من الأصول العمليّة كما اختاره جماعة فلابدّ في كفايتها من تحقّق الإقامة نظراً إلى دليل تلك القاعدة. وحيث إنّ مدرك القاعدة هو صحيحة زرارة والفضيل عن أبي جعفر علیه السلام:

فِي حَدِيثٍ قَالَ: مَتَى اسْتَيْقَنْتَ أَوْ شَكَكْتَ فِي وَقْتِ فَرِيضَةٍ أَنَّكَ لَمْ تُصَلِّهَا أَوْ فِي وَقْتِ فَوْتِهَا أَنَّكَ لَمْ تُصَلِّهَا صَلَّيْتَهَا وَإِنْ شَكَكْتَ بَعْدَ مَا خَرَجَ وَقْتُ الْفَوْتِ وَقَدْ دَخَلَ حَائِلٌ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْكَ مِنْ شَكٍّ حَتَّى تَسْتَيْقِنَ فَإِنِ اسْتَيْقَنْتَ فَعَلَيْكَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي أَيِّ حَالَةٍ كُنْتَ. (2)

فلنا أن نلاحظ مقدار دلالتها وأنّها هل تدلّ على مجرّد عدم الإعادة فقط، أو تدلّ على وقوع الفريضة التامّة في وقتها أيضاً؟

فنقول: ظاهر الصحيحة - في بدو النظر - وإن كان هو عدم الإعادة فقط، إلّا أنّ التأمّل فيها يرشدنا إلى دلالتها على الثاني أيضاً؛ لمكان قوله علیه السلام: «فلا إعادة عليك من شكّ»، فلو كان المراد نفي الإعادة فقط لاقتصر علیه السلام بقوله: «فلا إعادة عليك»، فإضافة قوله: «من شكّ» ظاهر فيما قلناه.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 6، ص 318، باب 13، ح 4.

2) نفس المصدر، ج 4، ص 283، باب 60، ح 1.

قال المحقّق الخوئي:

فإنّ عدم اقتصاره علیه السلام على مجرّد نفي الإعادة حتّى أضاف إليه قوله: «من شكّ»، ظاهر في أنّ عدم الإعادة لأجل عدم الاعتناء بالشّكّ وفرضه كلا شكّ، ولذلك لا يعيد، فتكون العناية التعبّديّة مصروفة أوّلاً وبالذات إلى إلغاء الشّكّ الراجع إلى التّعبّد بالوجود، ومن شؤون هذا التّعبّد عدم الإعادة.

و بعبارة أخرى؛ مقتضى هذه الصحيحة ليس هو التخصيص في دليل القضاء كما في الحائض، بل هي ناظرة إلى نفي موضوع القضاء، أي: إنّ الشّكّ في الوجود ملغىً فلا موضوع للقاعدة. (1)

وقال السيّد الحكيم:

لكن لا يبعد أن يكون ذكر نفي الإعادة لأجل كونه أحد الآثار المترتّبة على الوجود لا لخصوصيّة فيه. (2)

قلت: الوجه المزبور وإن كان وجيهاً لا بأس به لما أُشير إليه، الّا أنّه لا تطمئنّ إليه النفس؛ وذلك لأنّ الحكم بعدم الإعادة لا يحسن إلّا مع الشّكّ في إتيان الصلاة في وقتها وعدمه. فالصحيحة تنادي بأعلى صوتها أنّ السائل كان شاكّاً في وجوب الإعادة وعدمه وقد حكم الإمام علیه السلام على عدم الإعادة طبقاً لسؤال السائل، فلعلّه كان من باب المنّة والتّصرّف في مقام الامتثال.

وعليه؛ فاستفادة كون المشكوك محكوماً بالإتيان في وقته ليترتّب عليه وجوب البقاء على التمام بعد العدول في غاية الإشكال، فلا يترك الاحتياط بالجمع بين القصر والإتمام بناء على كونه أصلاً، بل الرجوع إلى القصر لا يخلو من قوّة؛ لما سبق في أوّل صلاة المسافر من أنّ الاستصحاب بناء على جريانه في الأحكام كما هو الحقّ يقتضي عدم الإتيان.

نعم؛ لا يجب إعادة الصلاة في مفروض المقام؛ لأجل النصّ.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 324.

2) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 146.

العدول عن الإقامة فيما بين السّلامين

مسألة 34:

إذا عدل عن الإقامة بعد الإتيان بالسلام الواجب وقبل الإتيان بالسلام الأخير الذي هو مستحبّ، فالظاهر كفايته في البقاء على حكم التمام وفي تحقّق الإقامة. وكذا لو كان عدوله قبل الإتيان بسجدتي السهو إذا كانتا عليه، بل وكذا لو كان قبل الإتيان بقضاء الأجزاء المنسيّة كالسجدة والتّشهّد المنسيّين، بل وكذا لو كان قبل الإتيان بصلاة الاحتياط أو في أثنائها إذا شكّ في الركعات، وإن كان الأحوط فيه الجمع، بل وفي الأجزاء المنسيّة. [1]

[1] أقول: قد أشار المصنّف قدس سره في هذه المسألة إلى فروع أربعة:

1.

العدول عن الإقامة بعد السلام المخرج وقبل السلام الأخير؛

2.

العدول عنها قبل الإتيان بسجدتي السهو الواجبتين عليه؛

3.

العدول عنها قبل قضاء السجدة أو التّشهّد المنسيّين؛

4.

العدول عنها قبل الإتيان بصلاة الاحتياط المترتّب على الشّكّ في الركعات بعد البناء على الأكثر أو عدل عنها في أثناء صلاة الاحتياط.

وقد حكم في الجميع على عدم تأثير العدول؛ لأنّ سجود السهو أو قضاء السجدة أو صلاة الاحتياط ونحوها أمور مستقلّة تجب على المكلّف في خارج الصلاة، ولازم ذلك وقوع الفريضة تامّة التي هي الموضوع لتحقّق الإقامة قبل هذه الأمور على ما اختاره السيّد قدس سره، إلّا أنّ للبحث فيها مجالاً.

أمّا الفرع الأوّل: فهو كما ذكره؛ لأنّه قد خرج من الصلاة بقول: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، وأمّا السلام الأخير فهو مستحبّ عند المشهور، فالعدول قبله لا يضُرّ؛

لتحقّق الإقامة قبله. والظاهر أنّ عدم تأثير العدول في هذه الصورة متسالم عليه عند الفقهاء.

نعم؛ يشكل الأمر عند من قال بوجوب السلام الأخير احتياطاً كسيّدنا الأُستاذ حيث قال

عند قول الماتن: «فإن قدّم الأولى كانت الثانية مستحبّة»:

الأحوط عدم تركها في الصورة المفروضة. (1)

فإنّ لازم هذا عدم الخروج من الصلاة قبل الإتيان بالسلام الأخير، والعجب أنّه سكت هنا ولم يعلّق شيئاً وكان عليه التعرّض لذلك والاحتياط بالجمع بين القصر والتمام.

وأمّا الفرع الثاني: فهو أيضاً كما ذكره السيّد، فلا يؤثّر العدول قبل الإتيان بسجدتي السهو؛

لتحقّق الإقامة قبلهما بالصلاة التامّة؛ لأنّ السجود للسهو واجب مستقلّ خارج من الصلاة وإن كان مسبّباً من السهو في الصلاة. والحاصل أنّ سجود السهو ليس من أجزاء الصلاة، ولذا لا ينافيه الفصل بينه وبين الصلاة ولو كان عن عمد.

وأمّا الفرع الثالث: أي: العدول قبل الإتيان بالأجزاء المنسيّة، فقد عرفت أنّ السيّد حكم بعدم تأثير العدول قبل الإتيان بها؛ لتحقّق الإقامة قبله، بناءً على أنّ شأن السجدة أو التشهّد المنسیّين شأن سجود السهو في كونهما خارجين عن حقيقة الصلاة.

وبعبارة أخرى؛ أنّ القضاء هنا قضاء اصطلاحي، بمعنى أنّه تعلّق الأمر بقضاء المنسيّ بعد الصلاة بأمر جديد، وعلى هذا فقد تحقّق موضوع البقاء على التمام قبل الإتيان بالسجدة أو التشهّد المنسيّين، وهو مختار السيّد الحكيم. (2)

ولكن يحتمل أن يكون وجوب الإتيان بالتشهّد أو السجدة المنسيّين بالأمر السابق المتعلّق بمجموع الصلاة فيكونان جزئين منها، ولازم ذلك وقوع العدول قبل الإتيان بهما عدولاً في أثناء الصلاة، فيشكل تحقّق موضوع البقاء على التمام على هذا التقدير؛ لعدم صدق الفراغ من الصلاة مادام لم يأت بالسجدة أو التشهّد، هذا.

ومع التنازل عن ذلك، أنّه شكّ في إحراز موضوع البقاء على التمام - أي: الفريضة بتمام - فيرجع إلى ما تقتضيه القاعدة، أعني: وجوب القصر لكلّ مسافر ما لم ينقطع سفره بقاطع،


1) العروة الوثقى؛ ج 2، ص 239، التعليقة 6.

2) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 146.

فالمسألة لا تخلو من إشكال، وإن كان ما اختاره السيّد غير خالٍ عن الوجه؛ لإنّ الظاهر أنّ القضاء بأمر جديد، مع صدق أنّه صلّى فريضة بتمام كما لا يخفى.

وأمّا الفرع الرابع: فحاله أوضح من سابقه؛ لعدم تحقّق ما يوجب الإقامة والبقاء على التمام. فما اختاره الماتن هنا أشكل من سابقه؛ لأنّ المكلّف إذا شكّ بين الثلاث والأربع مثلاً، فما دام لم يأت بصلاة الاحتياط، لا يصدق فراغه من الفريضة الواحدة بتمام، والبناء على الأكثر ليس إلّا مجرّد العلاج، فلا يوجب إحراز الرباعيّة التامّة.

ويمكن الاستدلال عليه بموثّقة عمّار قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ شَيْءٍ مِنَ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: أَ لَا أُعَلِّمُكَ شَيْئاً إِذَا فَعَلْتَهُ ثُمَ ذَكَرْتَ أَنَّكَ أَتْمَمْتَ أَوْ نَقَصْتَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ شَيْءٌ؟ قُلْتُ: بَلَى! قَالَ: إِذَا سَهَوْتَ فَابْنِ عَلَى الْأَكْثَرِ فَإِذَا فَرَغْتَ وَسَلَّمْتَ فَقُمْ فَصَلِّ مَا ظَنَنْتَ أَنَّكَ نَقَصْتَ فَإِنْ كُنْتَ قَدْ أَتْمَمْتَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ فِي هَذِهِ شَيْءٌ وَإِنْ ذَكَرْتَ أَنَّكَ كُنْتَ نَقَصْتَ كَانَ مَا صَلَّيْتَ تَمَامَ مَا نَقَصْتَ. (1)

بتقريب أنّ تعليمه علیه السلام له وإيجاب صلاة الاحتياط عليه كاشف عن عدم كون ما صلّاه تامّاً عند الشارع ما لم يأت بصلاة الاحتياط، وعليه تدلّ الرواية بالالتزام على عدم تماميّة الصلاة، فيكون العدول عن الإقامة قبل صلاة الاحتياط أو في أثنائها عدولاً قبل الفراغ من الصلاة التامّة، وهو يوجب زوال الإقامة كما تقدّم.

ومنه يعلم أنّه لا وجه لما ذكره بعضهم من كون صلاة الاحتياط واجبة مستقلّة؛ لأنّ الرّوايات ظاهرة في كونها جزءاً حقيقيّاً ومتمّمة للصلاة على تقدير النقص، ولا يضرّه تخلّل

التسليم، ونحوه للنصّ.

وتحصّل من تمام ذلك أنّ ما أفتى به السيّد لا يتمّ في الفرع الأخير.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 213، باب 8 من أبواب الخلل، ح 3.

لو اعتقد أنّ رفقاؤه قصدوا الإقامة

مسألة 35:

إذا اعتقد أنّ رفقاؤه قصدوا الإقامة فقصدها ثمّ تبيّن أنّهم لم يقصدوا، فهل يبقى على التمام أو لا؟ فيه صورتان:

إحداهما: أن يكون قصده مقيّداً بقصدهم؛

الثانية: أن يكون اعتقاده داعياً له إلى القصد من غير أن يكون مقيّداً بقصدهم.

ففي الأولى يرجع إلى التقصير وفي الثانية يبقى على التمام. والأحوط الجمع في الصورتين. [1]

[1] واعلم انّ الماتن قدس سره جعل قصد الإقامة في فرض المسألة على قسمين:

1.

كون قصد الرفقاء داعياً إلى قصده ثمّ تبيّن عدم قصدهم الإقامة؛

2.

كون قصده مقيّداً بقصدهم بمعنى أنّه إنّما يقصد الإقامة على تقدير قصدهم لها، فلو لم يقصدوها فلا قصد له.

أمّا القسم الأوّل: فالظاهر أنّه لا إشكال في البقاء على التمام فيما إذا كان قد تبيّن عدم قصدهم بعد تحقّق الإقامة منه، بأن كان ذلك بعد الإتيان بفريضة تامّة.

والوجه في ذلك أنّه قصد الإقامة حقيقة وأتى بما يحقّقها بالفرض، وكثيراً ما يكون العدول عن قصد الإقامة ناشئاً من تخلّف بعض الدواعي، ولا يترتّب شيء عليه لا في العبادات ولا في المعاملات، فلو اشترى متاعاً بداعي أنّ البائع زيد أو أنّ المبيع كذا وكذا فلا يضرّ تخلّف مثل هذه الدواعي في صحّة المعاملة. وبالجملة، لو كان تخلّف الداعي موجباً لعدم تأثير الإقامة، لكانت صحيحة أبي ولّاد الدالّة على التفصيل بين الإتيان بفريضة تامّة وبين عدم الإتيان بها لغواً، كما لا يخفى على من له أدنى تأمّل.

إنّما الكلام في القسم الثاني - أعني ما إذا كان قصده مقيّداً بقصدهم- فقد عرفت أنّ السيّد قدس سره حكم بأنّه يرجع إلى التقصير من جهة أنّ انكشاف عدم قصدهم للإقامة كاشف عن عدم قصده أيضاً في الحقيقة؛ لأنّ قصده مشروط -بالفرض- على قصدهم، فعدم الشرط يدلّ

على عدم المشروط. هذا.

ولا يخفى أنّ تصوّر التقييد وتحقّقه في المقام في غاية الإشكال بل لا يتصوّر؛ لأنّ التقييد في أمثال المقام ممّا هو جزئيّ حقيقيّ لا يصحّ؛ إذ القصد والنيّة أمر وجدانيّ اختياريّ دائر بين الوجود والعدم، فلا معنى للتعليق في ذلك بل يستحيل عقلاً كما لا يخفى.

وهذا نظير الاقتداء بشخص خاصّ، حيث إنّه لا يعقل التقييد فيه، فلا يصحّ أن يعلّق المأموم اقتدائه بأن كان قصد الاقتداء إن كان الإمام زيداً؛ لأنّه أمر اختياريّ إمّا يوجد أو لا يوجد، فلا وجه للتفصيل بين الداعي والتقييد في أمثال المقام. وتحصّل من تمام ذلك أنّه ليس المسألة إلّا صورة واحدة بعد أن قصد الإقامة، وهي الداعي.

نعم؛ لو لم يكن له قصد الإقامة فعلاً بل علّق قصده على قصدهم، لا يكون حينئذٍ قاصداً إلّا أنّ الظاهر أنّه ليس بمراد الماتن فافهم.

من قواطع السفر التردّد في البقاء وعدمه ثلاثين يوماً

اشارة

الثالث من القواطع التردّد في البقاء وعدمه ثلاثين يوماً إذا كان بعد بلوغ المسافة، وأمّا إذا كان قبل بلوغها فحكمه التمام حين التردّد؛ لرجوعه إلى التردّد في المسافرة وعدمها.

ففي الصورة الأولى إذا بقي في مكان متردّداً في البقاء والذهاب أو في البقاء والعود إلى محلّه، يقصّر إلى ثلاثين يوماً ثمّ بعده يتمّ مادام في ذلك المكان، ويكون بمنزلة من نوى الإقامة عشرة أيّام سواء أقام فيه قليلاً أو كثيراً حتّى إذا كان بمقدار صلاة واحدة. [1]

[1] أقول: لابدّ من التكلّم في مقامين:

1.

فيما إذا حصل التردّد في البقاء وعدمه بعد بلوغ المسافة؛

2.

حصوله قبل البلوغ إلى المسافة بأن تردّد بعد قطع ثلاثة فراسخ مثلاً.

أمّا المقام الأوّل: فالظاهر أنّه لا خلاف في وجوب القصر عليه إلى ثلاثين يوماً والإتمام بعد هذه المدّة ما بقي في ذلك المكان ولو بمقدار صلاة واحدة، بل ولا إشكال بل هو مجمع عليه بين الأصحاب. وتدلّ عليه نصوص كثيرة وفيها صحاح:

منها: ذيل صحيحة أبي ولّاد الحنّاط:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنِّي كُنْتُ نَوَيْتُ حِينَ دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ أَنْ أَقِيمَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَأُتِمَّ الصَّلَاةَ ثُمَّ بَدَا لِي بَعْدَ أَنْ أُقِيمَ بِهَا، فَمَا تَرَى لِي أُتِمُّ أَمْ أَقَصِّرُ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ وَصَلَّيْتَ بِهَا فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُقَصِّرَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهَا، وَإِنْ كُنْتَ حِينَ دَخَلْتَهَا عَلَى نِيَّتِكَ التَّمَامِ فَلَمْ تُصَلِّ فِيهَا صَلَاةً فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ حَتَّى بَدَا لَكَ أَنْ لَا تُقِيمَ فَأَنْتَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ شِئْتَ فَانْوِ الْمُقَامَ عَشْراً وَأَتِمَّ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ الْمُقَامَ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ شَهْرٍ فَإِذَا مَضَى لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. (1)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 509، باب 18 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

وروي مثلها في «الكافي» عن أبي ولّاد عن أبي عبد الله علیه السلام. (1)

ومنها: صحيحة زرارة، عن أبي جعفر علیه السلام:

قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَنْ قَدِمَ بَلْدَةً إِلَى مَتَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مُقَصِّراً وَمَتَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُتِمَّ؟ فَقَالَ: إِذَا دَخَلْتَ أَرْضاً فَأَيْقَنْتَ أَنَ لَكَ بِهَا مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ تَدْرِ مَا مُقَامُكَ بِهَا تَقُولُ غَداً أَخْرُجُ أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَنْ يَمْضِيَ شَهْرٌ فَإِذَا تَمَّ لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ سَاعَتِكَ. (2)

ونحوها غيرها.

ومنها: صحيحة معاوية بن وهب:

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ بَلَداً وَأَنْتَ تُرِيدُ الْمُقَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ حِينَ تَقْدَمُ وَإِنْ أَرَدْتَ الْمُقَامَ دُونَ الْعَشَرَةِ فَقَصِّرْ وَإِنْ أَقَمْتَ تَقُولُ غَداً أَخْرُجُ أَوْ بَعْدَ غَدٍ وَلَمْ تُجْمِعْ عَلَى عَشَرَةٍ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ شَهْرٍ فَإِذَا تَمَّ الشَّهْرُ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ.

قَالَ: قُلْتُ: إِنْ دَخَلْتُ بَلَداً أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ شَهْر رَمَضَانَ وَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أُقِيمَ عَشْراً؟ قَالَ: قَصِّرُ وَأَفْطِرْ.

قُلْتُ: فَإِنْ مَكَثْتُ كَذَلِكَ أَقُولُ: غَداً أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَأَفْطِرُ الشَّهْرَ كُلَّهُ وَأُقَصِّرُ؟ قَالَ: نَعَمْ هَذَا وَاحِدٌ إِذَا قَصَّرْتَ أَفْطَرْتَ وَإِذَا أَفْطَرْتَ قَصَّرْتَ. (3)

وقريب منها غيرها.

وبالجملة؛ لا ريب في وجوب القصر على المتردّد ما بينه وبين شهر والإتمام بعده نصّاً وفتوى. إنّما الكلام في أنّ التردّد المزبور هل هو قاطع للسفر - بعد الثلاثين- موضوعاً، بمعنى أنّه حينئذٍ ليس بمسافر، كالمرور على الوطن عند الجميع والإقامة عند المشهور، أو هو قاطع


1) نفس المصدر، باب 15، أحاديث: 5، 9 ، 13، 15، 16، 17، 20.

2) نفس المصدر، ص 500، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 9 .

3) نفس المصدر، ص 503 ، باب 15 من أبواب صلاة المسافر ، ح 17 .

له حكماً فقط بمعنى أنّه مسافر واقعاً؟ المشهور بين الأصحاب هو الأوّل، وهو مختار السيّد والنائينيّ والحجّة والبروجردي وغيرهم من المشايخ.

واختار المحقّق الخوئي الثاني هنا وفي الإقامة أيضاً كما تقدّم وقبله المقدّس البغداديّ.

وتظهر الثمرة بين القولين في صحّة ضمّ ما بقي من المسافة - بعد التردّد- إلى ما مضى وعدمه. فعلى القول الأوّل لا يصحّ الضمّ المزبور؛ لأنّ تردّد الثلاثين كالإقامة يجعل السفر سفرين، فلا يتبدّل الإتمام إلى القصر إلّا بإنشاء سفر جديد بمسافة جديدة. وهذا بخلاف القول الثاني؛ فإنّ لازم القطع الحكميّ هو التقصير في باقي المسافة وإن لم تبلغ الثمانية، نظراً إلى انضمامه إلى ما مضى؛ فإنّه مسافر بعد لغةً وعرفاً، غاية الأمر خرج محلّ الإقامة والزائد على الثلاثين تخصيصاً لأدلّة القصر هذا.

إلّا أنّ المحقّق الخوئي لا يلتزم بذلك - مع كونه مقتضى القطع الحكميّ - بل أوجب التمام فيما لم يكن الباقي مسافة؛ استناداً إلى قاعدة كلّيّة استفادها من النصوص وهي أنّ كلّ من حكم عليه بالتمام لجهة من الجهات لا يعود إلى القصر إلّا بسفر جديد وقصد مسافة جديدة، والمقام من مصاديق تلك القاعدة. (1)

أقول: قد تقدّم النقد مراراً في ما أفاده من القاعدة فلا نعيد.

وكيف كان؛ يمكن أن يكون مستندهم في كون التردّد ثلاثين قاطعاً موضوعاً ما تقدّم من الوجوه الثلاثة:

٭الإجماع؛

٭وصدر صحيحة زرارة؛ (2)

٭والبيان الذي ذكره العلّامة البروجردي وغيره المتّخذ من ابن رشد في «بداية المجتهد». (3)


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 343.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 500، باب 15، حدیث 3، صلاة المسافر.

3) فليراجع إلى بحث القواطع.

وقد عرفت أنّ الاعتماد عليها في إثبات القطع الموضوعيّ مشكل جدّاً. والظاهر أنّه ليس في الروايات ما يدلّ على ذلك هنا نعم جاء في روايت عمار عن ابي الحسن علیه السلام... المقيم بمكّة الى شهر بمنزلتهم . (1)لكنّها مختصّة بمكّة دون غيرها. ومنه يظهر أنّه لا يتمّ اعتماد السيّد الحجّة عليها حيث قال:

والذي يدلّ على القاطعيّة في الموردين هو دليل التنزيل الذي جعل المقيم عشرة أيّام وهكذا المتردّد ثلاثين يوماً بمنزلة أهل مكّة - إلى أن قال:- المستفاد من دليل التنزيل هو الخروج الموضوعيّ. - ثمّ قال بعد نقل صحيحة أبي ولّاد:- (2)فقد ذكر القواطع الثلاث في سياق واحد وأسلوب فارد، وحكم بعدم القصر تارة وبالإتمام أخرى، والتعبير بالإتمام إنّما هو من باب بيان الموضوع بلسان بيان الحكم. (3)

وفيه ما لا يخفى؛ لأنّ استفادة القطع من دليل التنزيل - أعني: صحيحة زرارة المتقدّمة- في غاية الإشكال؛ لعدم إمكان العمل بها لما تضمّنه ذيلها من الأمور.

وأمّا استفادته من ذكر الثلاثة في سياق واحد في صحيحة أبي ولّاد، فمشكلة أيضاً؛ لأنّ ذكر أمور في سياق واحد لا يدلّ على كونها متّحدة من كلّ جهة، مع أنّه إنّما كان بصدد بيان الحكم من جهة إتمام الصلاة وليس بصدد بيان كون القطع موضوعيّاً أو حكميّاً.

وأمّا كون ذلك من قبيل بيان الحكم بلسان الموضوع، فهو أوّل الكلام، فلا شاهد له.

ومع ذلك كلّه، فالأقوى أنّ التردّد ثلاثين يوماً قاطع للسفر موضوعيّاً تعبّديّاً كإقامة العشرة، وذلك لتسالم الأصحاب- إلّا الشاذّ- على ذلك، ولتبادره من النصوص.

قال السيد الحكيم:

إنّ النصوص المذكورة وإن لم يصرّح فيها بقاطعيّة التردّد، إلّا أنّ المنسبق إلى الذهن منها كون وجوب التمام إنّما هو لقدح الإقامة الطويلة في عنوان المسافر


1) نفس المصدر، باب 15 من ابواب صلاة المسافر، حديث 11.

2) نفس المصدر، باب 18، حديث 1، صلاة المسافر.

3) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 92.

المأخوذ موضوعاً للترخّص، فيكون نظير الحاكم على أدلّته لا المخصّص البحت، وهذا هو العمدة في تسالم الأصحاب على القاطعيّة، وإلّا فمن البعيد وقوفهم على ما لم نقف عليه، وكيف كان لا ينبغي التأمّل فيما ذكرناه. (1)

هذا وقد ذكرنا في قاطعيّة إقامة العشرة وجوهاً:

أحدها: روايات مكّة؛

ثانيها: أنّ قاطعيّتها عرفيّة؛

ثالثها: الإجماع؛

رابعها: الاستصحاب.

وكلّها جارية في المقام على تأمّل فراجع وتأمّل.

أمّا المقام الثاني: - أعني: حصول التردّد قبل بلوغ المسافة- ففيه أربع صور:

1. ما إذا تردّد قبل اربعة فراسخ بين الإقامة وبين العود إلى وطنه أو إدامة المسير؛

والظاهر أنّه لا إشكال في وجوب التمام عليه مادام كذلك؛ إذ يعتبر في القصر استمرار قصد المسافة، وهو منتفٍ في المقام.

2. ما إذا تردّد بين البقاء هناك وبين إدامة المسير مع عدم احتماله العود إلى وطنه وعدم العلم بمقدار توقّفه هنا.

فالظاهر وجوب التمام أيضاً؛ لأنّه غير قاصد للسفر على كلّ حال، لما أشرنا إليه من أنّ التردّد ينافي قصد السفر؛ إذ المفروض أنّه غير قاصد للسفر حينئذٍ.

3.

أن يتردّد في العود أو البقاء، ففيه أنّه يتمّ صلاته أيضاً لعدم قصده السفر على كلّ حال. ويمكن شمول عبارة المتن على الفروض الثلاثة وإن كان المتبادر هو الأوّل.

4.

ما إذا تردّد بين الذهاب والبقاء أقلّ من عشرة أيّام بحيث لم يحتمل من نفسه قصد إقامة العشرة مع عدم احتماله الرجوع، فاتّفق بقاؤها إلى أن مضى ثلاثون يوماً.


1) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص149.

فالظاهر وجوب القصر في هذه الصورة خلال تلك المدّة؛ لعدم كون مثل هذا التردّد منافياً لقصد السفر بعد.

ولا يخفى أنّ عبارة المتن غير ناظرة إلى هذه الصورة، كما يظهر بالتأمّل.

مسألة 36:

يلحق بالتردّد ما إذا عزم على الخروج غداً أو بعد غدٍ ثمّ لم يخرج، وهكذا إلى أن يمضي ثلاثون يوماً حتى إذا عزم على الإقامة تسعة أيّام مثلاً، ثمّ بعدها عزم على تسعة أيّام أخرى وهكذا، فيقصّر إلى ثلاثين يوماً ثمّ يتمّ ولو لم يبق إلّا مقدار صلاة واحدة. [1]

[1] قلت: الفرق بين هذه المسألة وبين السابقة هو أنّ المفروض في السابقة هو التردّد بين البقاء وعدمه، وأمّا هذه المسألة فليس فيها تردّد، بل قصد السفر والخروج، إلّا أنّه لم يتحقّق السفر منه في الخارج، فهو لاحق بالتردّد.

والروايات وإن كانت أكثرها ظاهرة في التردّد إلّا أنّه لا خصوصيّة فيه، بل الاعتبار- على ما يستفاد من إطلاق بعض الأخبار - بعدم قصد الإقامة والمضّي على هذه الحالة إلى ثلاثين ولو من غير تردّد، كما لو عزم على الخروج في اليوم التاسع مثلاً ثمّ بدا له فلم يخرج وعزم على إقامة تسعة أخرى وهكذا إلى أن يمضي الثلاثون، فإنّه يقصّر في هذه المدّة، فأنظر إلى صحيحة أبي ولّاد، فإنّ قوله علیه السلام: «وَإِنْ لَمْ تَنْوِ الْمُقَامَ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ شَهْرٍ فَإِذَا مَضَى لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ.» (1)يشمل بإطلاقها محلّ الكلام، ونحوها صحيحة معاوية بن وهب وخبر أبي بصير. (2)

والحاصل أنّه لا وجه للتشكيك في شمول الروايات على محلّ الكلام.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 509، باب 18 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 503 و 499، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح17 و3.

إلحاق الشهر الهلاليّ إذا كان ناقصاً بثلاثين

مسألة 37:

في إلحاق الشهر الهلاليّ إذا كان ناقصاً بثلاثين يوماً إذا كان تردّده في أوّل الشهر وجه لا يخلو عن قوّة، وإن كان الأحوط عدم الاكتفاء به. [1]

[1] قلت: الظاهر أنّ المراد من أوّل الشهر هو زمان رؤية الهلال وبقاؤه على حال التردّد إلى رؤية الهلال القادم.

وكيف كان؛ فقد ألحق السيّد الشهر الهلاليّ وإن كان ناقصاً بثلاثين يوماً حكماً، إلّا أنّه لا يخلو من تردّد، ومنشأ التردّد اختلاف ألسنة الأخبار، وهي على ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى ما ورد بلسان الشهر:

منها: صحيحة أبي ولّاد الحنّاط:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنِّي كُنْتُ نَوَيْتُ حِينَ دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ أَنْ أَقِيمَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَأُتِمَّ الصَّلَاةَ ثُمَّ بَدَا لِي بَعْدَ أَنْ أُقِيمَ بِهَا، فَمَا تَرَى لِي أُتِمُّ أَمْ أَقَصِّرُ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ وَصَلَّيْتَ بِهَا فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُقَصِّرَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهَا، وَإِنْ كُنْتَ حِينَ دَخَلْتَهَا عَلَى نِيَّتِكَ التَّمَامِ فَلَمْ تُصَلِّ فِيهَا صَلَاةً فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ حَتَّى بَدَا لَكَ أَنْ لَا تُقِيمَ فَأَنْتَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ شِئْتَ فَانْوِ الْمُقَامَ عَشْراً وَأَتِمَّ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ الْمُقَامَ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ شَهْرٍ فَإِذَا مَضَى لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. (1)

ومنها: صحيح زرارة:

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَنْ قَدِمَ بَلْدَةً إِلَى مَتَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَكُونَ مُقَصِّراً وَمَتَى يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُتِمَّ؟ فَقَالَ: إِذَا دَخَلْتَ أَرْضاً فَأَيْقَنْتَ أَنَ لَكَ بِهَا مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ لَمْ تَدْرِ مَا مُقَامُكَ بِهَا تَقُولُ غَداً أَخْرُجُ أَوْ بَعْدَ غَدٍ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَنْ يَمْضِيَ شَهْرٌ فَإِذَا تَمَّ لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ سَاعَتِكَ. (2)


1) نفس المصدر، ص 509، باب 18 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 500، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 9.

ومنها: صحيح أبي بصير:

قَالَ أَبو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِذَا عَزَمَ الرَّجُلُ أَنْ يُقِيمَ عَشْراً فَعَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ فِي شَكٍ لَا يَدْرِي مَا يُقِيمُ فَيَقُولُ الْيَوْمَ أَوْ غَداً فَلْيُقَصِّرْ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهْرٍ فَإِنْ أَقَامَ بِذَلِكَ الْبَلَدِ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ. (1)

ومنها: خبر عليّ بن أبي حمزة وصحيح محمد بن مسلم وصحيح معاوية بن وهب وخبر سويد بن غفلة. (2)

الطائفة الثانية ما ورد فيها عنوان ثلاثين يوماً، وهي رواية واحدة.

عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: سَأَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام وَأَنَا أَسْمَعُ عَنِ الْمُسَافِرِ إِنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِإِقَامَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ؟ قَالَ: فَلْيُتِمَّ الصَّلَاةَ فَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَا يُقِيمُ يَوْماً أَوْ أَكْثَرَ فَلْيَعُدَّ ثَلَاثِينَ يَوْماً ثُمَّ لْيُتِمَّ وَإِنْ كَانَ أَقَامَ يَوْماً أَوْ صَلَاةً وَاحِدَةً. (3)

الطائفة الثالثة ما ورد بلفظ العشر، وهي أيضاً رواية واحدة.

عَنْ حَنَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ علیه السلام قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ الْبَلْدَةَ فَقُلْتَ الْيَوْمَ أَخْرُجُ أَوْ غَداً أَخْرُجُ فَاسْتَتْمَمْتَ عَشْراً فَأَتِمَ. (4)

والظاهر وقوع التصحيف في هذا الخبر؛ لأنّ الموجود في «الاستبصار» لفظ «شهر» وجعله في «الوسائل» خبراً آخر - حديث 15 من الباب - فيكون الخبران متّحدين، كما اعترف به السيّد الحجّة. (5)وعليه، تصبح الروايات على طائفتين.

وحيث إنّهما متنافيتان، فلابدّ من رفعه، لكن يتوقّف بيانه على مقدّمة، وهي أنّ الشهر له


1) نفس المصدر، ص 502، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 13.

2) نفس المصدر، باب 15 من أبواب صلاة المسافر.

3) نفس المصدر، ص 501، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 12.

4) نفس المصدر، ص 502، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 14.

5) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 90.

معنىً حقيقيّاً لغةً وعرفاً وآخر مجازيّاً:

أمّا الأوّل: فهو عبارة عن الزمان الواقع بين الهلالين المبدو من حين رؤية الهلال إلى حين رؤية الهلال القادم. وإنّما يتحقّق هذا القاطع بعد رؤية الهلال الثاني الموجبة لتحقّق الشهر. ولا يخفى أنّ تحقق هذا المعنى عند المسافرين قليل في الخارج، بحيث لا يناسب حمل هذه الروايات الكثيرة عليه.

وأمّا حملها على إرادة ما بين الهلالين وإلغاء ما بقي من الشهر السابق فيما لو عرض التردّد في أثناء الشهر، كما إذا فرض عروض التردّد في ستّة وعشرين من رجب، فإنّه يلغى ذلك الأيّام الأربعة، فيحتسب الشهر من حين رؤية الهلال من شعبان إلى هلال رمضان مثلاً. فلا يخفى أنّ هذا المعنى أيضاً بعيد في الغاية؛ لكونه على خلاف ضرورة الفقه؛ إذ ربما يوجب ذلك القصر في مدّة خمسين يوماً، كما لو حصل التردّد في عشرة مضين من رجب في المثال.

وأمّا الثاني: أي المعنى المجازيّ وهو مقدار ما بين الهلالين لا نفسه، فلا يبعد أن تحمل الروايات عليه. فلو عرض التردّد في الخامس عشر من رجب وبقي على هذه الحالة، فإنّه يجب عليه التمام في الخامس عشر من شعبان لتحقّق مقدار ما بين الهلالين.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الشهر تارةً يكون كاملاً وأخرى ناقصاً، فحينئذٍ يقع التعارض بين ما دلّ على وجوب التمام بعد إتمام الشهر وبين ما دلّ على اعتبار ثلاثين يوماً، كصحيح محمد بن مسلم ومصحّح حنان عن أبيه. (1)وقد تصدّى العلّامة الخوئي لرفع التنافي بين الطائفتين بما لا يخلو من ضعف حيث قال بعد كلام له:

و بعبارة أخرى؛ إطلاق كلّ من نصوص الشهر ورواية الثلاثين معارض بالآخر، وكلّ منهما صالح لأن يكون مقيّداً لإطلاق الآخر. وحيث لا قرينة على الترجيح، فلا محالة يتعارض الإطلاقان ويتساقطان. والمرجع حينئذٍ عموم أدلّة القصر لكلّ مسافر؛ للزوم الاقتصار في المخصّص المجمل أو المبتلى بالمعارض على


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 500، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 12 و 15.

المقدار المتيقّن، وهو ما بعد مضيّ الثلاثين. وأمّا الزائد عليه، وهو اليوم الثلاثون نفسه، فلم يعلم شمول المخصّص له، فلا جرم يبقى تحت العامّ، فبحسب النتيجة تكون العبرة بمضيّ الثلاثين ويتمّ في اليوم الذي بعده. (1)

ووجه الضعف أنّ رواية الثلاثين لا إطلاق فيها أصلاً؛ لأنّه أمرٌ جزئيّ خارجيّ واضح المعنى. وقد اعترف في موارد من كلامه بعدم إمكان أخذ الإطلاق في الأمور الجزئيّة الدائرة أمرها بين الوجود والعدم.

وهنا وجه آخر من توجيه الروايات، وهو أنّ لفظ الشهر مجمل مفهوماً لشموله على الكامل والناقص، ولكنّ مفهوم الثلاثين مبيّن، فيحمل المجمل على المبيّن، كما حُقِّقَ في محلّه، ولا بأس به. وقد جعله السيّد الحجّة أقوى الوجوه حيث قال:

وهذا الوجه عندي هو الأقوى. (2)

وهو الذي جعله العلّامة البروجردي وجهاً أوّلاً من الوجوه الّتي ذكرها، حيث قال:

الأوّل: أنّ لفظ الشهر الوارد في أكثر الأخبار مجمل؛ لتردّد مفهومه بين أن يراد به ما بين الهلالين وأن يراد به الثلاثون يوماً ورواية أبي أيّوب ترفع الإجمال ويبيّن المراد. (3)

ثمّ ذكر وجوهاً أخرى وجعل خامسها عمدتها وقال:

إنّ الاعتبار لو كان بالشهر كيفما اتّفق لزم اختلاف مصحّح الإتمام في الطول والقصر بحسب اختلاف زمان الورود، فيكون المصحّح له في بعض الأوقات تسعة وعشرين وفي بعضها ثلاثين، حسب اختلاف الأوضاع الفلكيّة وكيفيّة سير القمر ونسبته مع الشمس، مع أنّه من المستبعد اختلاف موضوع الحكم سعةً


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 248.

2) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 91.

3) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 184.

وضيقاً باختلاف الأوضاع الفلكيّة. (1)

ثمّ أشار إلى نقضه بمثل عدّة الوفاة حيث حدّدت بأربعة أشهر وعشراً مع أنّ الملاك فيها أيضاً طول المدّة وأجاب عنه بأنّ الظاهر أنّ جعلها وتشريعها إنّما يكون لاحترام الزوج وحفظ حريمه وقال:

ولا يخفى أنّ مضّي الشهر بما هو شهر له موضوعيّة بنظر العرف في حصول الاحترام، فلا يكون حفظ الاحترام الحاصل بمضيّ أربعة أشهر وعشراً بأقلّ عندهم ممّا يحصل بمضيّ مائة وثلاثين يوماً ولو فرض نقصان الشهور. (2)

قلت: ما ذكره لا يخلو من مناقشة؛ لأنّ اعتبار مثل ذلك- أي: الشهر - كيفما اتّفق ليس بمعدوم النظير، كيف؟ وقد حكم الشارع في كثير من أحكامه على اليوم وعلى الشهر على اختلافهما وهذا كما في تقدير الحيض بثلاثة أيّام، وكذا تقدير الإجارات ونحوها بالشهر، مع أنّ اليوم والشهر يختلفان زماناً كما لا يخفى. مع أنّ هذا الاختلاف الموجود في الأوضاع الفلكيّة لا ضير فيه، نظير الاختلاف الحاصل في تقدير الكرّ بلحاظ اختلاف الأشبار خلقة.

وبالجملة؛ فلا وجه لملاحظة هذه الدقائق العقليّة في موضوعات الأحكام الشرعيّة وإلّا لاختلّ أكثر الأحكام كما لا يخفى.

ثمّ اعلم أنّه يمكن تقوية الشهر بقرينة رواية محمد بن مسلم الصريحة في وجوب القصر فيما بينه وبين شهر؛ (3)وذلك لأنّ المحتمل قويّاً أنّ رواية أبي أيّوب (4)قد وقع فيها سهو بأن سمع لفظ الشهر وذكر الثلاثين مكانه اشتباهاً. وهذا وإن كان بعيداً عن مثل أبي أيّوب، إلّا انّ الأمر دائر بين تقديم كلام محمد بن مسلم وبين تقديم كلام أبي أيّوب. ومن الظاهر أنّ ما نقله ابن مسلم مقدّم على غيره. والوجه في ذلك أنّ ما نقله أبو أيّوب مشتمل على ما لا يقول به أحد،


1) نفس المصدر، ص 184.

2) نفس المصدر.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 501، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 12.

4) نفس المصدر، ص 502، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 16.

وهو كفاية إقامة الخمسة في التمام، وهذا بنفسه يشعر بوجود التقيّة في رواية أبي أيّوب ويؤيّده تعبيره علیه السلام، أعني قوله: «قد قلت ذلك ...» وعليه، يسقط ذيل رواية أبي أيّوب عن الحجّيّة، وهو موجب لضعف الصدر أيضاً.

ومن تمام ذلك يعلم أنّ ما ذكره الماتن من أنّ: «الإلحاق لا يخلو من قوّة» متين جدّاً، وإن كان الأولى هو الاحتياط بالجمع في اليوم الثلاثين كما ذكرناه في تعليقنا.

يكفي في الثلاثين التلفيق

مسألة 38:

يكفي في الثلاثين التلفيق إذا كان تردّده في أثناء اليوم، كما مرّ في إقامة العشرة، وإن كان الأحوط عدم الاكتفاء ومراعاة الاحتياط. [1]

[1] وذلك لما عرفت من أنّ المراد من الشهر الوارد في النصوص هو مقداره من الزمان؛ لعدم إمكان إرادة معناه الحقيقيّ، ومن الظاهر أنّ مقداره المزبور ينطبق على اليوم الملفّق من النصفين أيضاً، فلو حصل التردّد في زوال التاسع من رجب يجب عليه التمام في زوال التاسع أو العاشر من شعبان، هذا.

وقد تقدّم توضيح التلفيق في مبحث الإقامة، وقد قلنا هناك: إنّ المراد من اليوم هو مقداره، وهو يصدق على الملفّق من نصفين عند العرف. نعم؛ الاحتياط حسن على كلّ حال كما لا يخفى.

مسألة 39:

لا فرق في مكان التردّد بين أن يكون بلداً أو قرية أو مفازة. [1]

[1] وذلك لإطلاق الأدلّة وعدم التقييد بالبلد أو القرية. فإنّ الوارد في أكثرها عنوان «المكان» أو «الضياع» أو «الأرض»، فهي تشمل كلّ مكان حصل فيه التردّد، سهلاً كان أو جبلاً، فضلاً عن القرية ونحوها، كما كان هو الحال في محلّ الإقامة على ما تقدّم. ومنه يظهر أنّ ذكر «البلدة» في جملة من تلك الأخبار (1)إنّما هو من باب ذكر المثال وليس من قبيل الشرط ليكون له مفهوم، بل هو قيد غالبيّ؛ لأنّ غالب المسافرين يقيمون أو يتردّدون في القرى والبلدان. ولذا قال في «الجواهر»:

فما في «الدروس» و«اللّمعة» -من التقييد بالمصر - منزّل على إرادة مطلق المكان المعيّن، كتنزيل ما عساه ينساق من النصوص من كون المحلّ غير المفازة بقرينة ذكر الخروج والدخول ونحوهما على الغالب أو المثال لا الشرطيّة. (2)


1) تقدم آنفاً.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 319.

يشترط الاتّحاد في مكان التردّد

مسألة 40:

يشترط اتّحاد مكان التردّد، فلو كان بعض الثلاثين في مكان وبعضه في مكان آخر لم يقطع حكم السفر. وكذا لو كان مشتغلاً بالسير وهو متردّد؛ فإنّه يبقى على القصر إذا قطع المسافة ولا يضرّ بوحدة المكان إذا خرج عن محلّ تردّده إلى مكان آخر -ولو مادون المسافة- بقصد العود إليه عمّا قريب، إذا كان بحيث يصدق عرفاً أنّه كان متردّداً في ذلك المكان ثلاثين يوماً، كما إذا كان متردّداً في النجف وخرج منه إلى الكوفة لزيارة مسلم، أو لصلاة ركعتين في مسجد الكوفة والعود إليه في ذلك اليوم أو ليلته بل أو بعد ذلك اليوم. [1]

[1] أقول: قد عرفت في مبحث الإقامة اعتبار وحدة مكان الإقامة من جهة ظهور بعض النصوص في ذلك، كموثّقة زرارة عن الباقر علیه السلام فقال:

إِذَا دَخَلْتَ أَرْضاً فَأَيْقَنْتَ أَنَّ لَكَ بِهَا مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَأَتِمَّ الصَّلَاة. (1)

فإنّ المتفاهم عرفاً من هذا التركيب هو كون الإقامة في مكان واحد عرفاً. وهذا دليل عرفاً على أنّه ليس مسافراً في هذا المحلّ. وكذا الأمر في التردّد ثلاثين يوماً، فإنّ دليل البابين بلسان واحد. فلو تردّد في مكان أيّاماً ثمّ انتقل إلى مكان آخر وأقام فيه متردّداً إلى أن كمل الثلاثون يوماً لم يقطع حكم السفر. والوجه في ذلك ما أشرنا إليه من ظهور بعض الروايات في ذلك، فانظر إلى قوله علیه السلام:

إِذَا عَزَمَ الرَّجُلُ أَنْ يُقِيمَ عَشْراً فَعَلَيْهِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ فِي شَكٍّ لَا يَدْرِي مَا يُقِيمُ فَيَقُولُ الْيَوْمَ أَوْ غَداً فَلْيُقَصِّرْ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَهْرٍ فَإِنْ أَقَامَ بِذَلِكَ الْبَلَدِ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ فَلْيُتِمَّ الصَّلَاة. (2)

ومثله غيره.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 500، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 9 .

2) نفس المصدر، ص 502، باب 15 من أبواب صلاة المسافر، ح 13.

وعلم من ذلك أنّ انقطاع حكم السفر بالتردّد ثلاثين يوماً إنّما يصحّ فيما إذا أقام ذلك المقدار في محلّ واحد عرفاً. نعم؛ لا يضرّ بذلك الخروج إلى مادون المسافة طول النهار، كما قوّيناه في مسألة الإقامة تبعاً لبعض الأعاظم. نعم؛ البقاء في خارج ذلك المحلّ يوماً بليلته كما هو صريح كلامه لا يخلو من إشكال؛ لعدم صدق الإقامة في محلّ واحد حينئذٍ، كما استشكلناه في الإقامة فراجع.

وتحصّل أنّه لا فرق بين ما نحن فيه وبين محلّ الإقامة في اعتبار وحدة المكان؛ لما عرفت من ظهور الموثّقة في ذلك، ولا يصغى لما قيل من اختصاص الموثّقة بمحلّ الإقامة نظراً إلى صدرها، وذلك لأنّ ظاهر قوله علیه السلام: «وإن لم تدر ما مقامك بها» أنّ المراد هو التردّد في محلّ واحد.

فرع: لو فرض تردّد شخص في محلّ ثلاثين يوماً ولكن لم يبق فيه إلّا في خصوص الليالي كما إذا كان له شأن في رأس فرسخ أو فرسخين مثلاً وخرج إليها كلّ يوم ويعود عند الغروب، فهل يصدق عليه عنوان المتردّد ثلاثين يوماً بحيث يجب عليه التمام في اليوم الواحد والثلاثين؟ وجهان:

أحدهما: ذلك؛ بناء على ما اخترنا من عدم كون الخروج في طول النهار مضرّاً.

ثانيهما: العدم؛ لأنّ المأخوذ في الروايات هو البقاء متردّداً ثلاثين يوماً، والمفروض أنّه إنّما بقي فيه في خصوص الليالي دون الأيّام، والأوّل لا يخلو من قوّة.

مسألة 41:

حكم المتردّد بعد الثلاثين كحكم المقيم في مسألة الخروج إلى مادون المسافة مع قصد العود إليه في أنّه يتمّ ذهاباً وفي المقصد والإياب ومحلّ التردّد إذا كان قاصداً للعود إليه من حيث أنّه محلّ تردّده وفي القصر بالخروج عنه، وكان العود إليه من حيث كونه منزلاً له في سفره الجديد، وغير ذلك من الصور الّتي ذكرناها. [1]

[1] وذلك: لما أشرنا إليه سابقاً من كون البقاء متردّداً ثلاثين يوماً متّحداً حكماً مع إقامة العشرة، وأنّ لسان دليلهما على نهج واحد، فيجري فيما لو بدا للمتردّد -بعد الثلاثين – الخروج إلى مادون المسافة جميع الصور السبع المتقدّمة فيما لو بدا مثل ذلك للمقيم لوحدة المناط. وهذا موافق للاعتبار أيضاً؛ فإنّ من أقام ثلاثين يوماً في مكان متردّداً، يتصدّى لتحصيل شرائط الاستراحة ولوازم المعيشة، كما هو كذلك في المقيم عشرة، فيكون حكم المتردّد كذلك كحكم المقيم.

مسألة 42:

إذا تردّد في مكان تسعة وعشرين يوماً أو أقلّ ثمّ سار إلى مكان آخر وتردّد فيه كذلك، وهكذا بقي على القصر ما دام كذلك إلّا إذا نوى الإقامة في مكان أو بقي متردّداً ثلاثين يوماً في مكان واحد. [1]

[1] أقول: قد عرفت سابقاً أنّ وظيفة المسافر هو القصر إلّا إذا أقام عشرة أيّام في مكان أو بقي فيه ثلاثين يوماً متردّداً. ومن الظاهر أنّه لم يتحقّق في المقام شيء من الأمرين، فحينئذٍ تكون عمومات القصر شاملة على الفرض من غير معارض.

فروع في المتردّد ثلاثين يوماً

مسألة 43:

المتردّد ثلاثين يوماً إذا أنشأ سفراً بقدر المسافة لا يقصّر إلّا بعد الخروج عن حدّ الترخّص كالمقيم كما عرفت سابقاً. [1]

[1] قد عرفت أنّ التقصير إنّما يصحّ بعد الخروج من حدّ الترخّص عند السفر من وطنه، كما يجوز التمام بل يجب عند وصوله إليه في العود من السفر؛ لدلالة غير واحد من النصوص عليه.

وقد اعتبره المصنّف وأكثر المحشّين في محلّ إقامة العشرة أيضاً، وهو كذلك بناء على القطع الموضوعيّ، فإنّه إذا عزم على الإقامة عشرة يجب عليه التمام، فلا يجوز له التقصير إلّا إذا خرج من حدّ الترخّص من محلّ إقامته. وكذلك بناءً على المختار من كون القطع موضوعيّاً تعبّديّاً؛ فإنّ مقتضى تنزيل محلّ الإقامة منزلة الوطن تعبّداً كونها كالوطن في تمام الأحكام ومنها اعتبار حدّ الترخّص وروداً وخروجاً، هذا.

ولكن يمكن أن يقال بأنّ محلّ الإقامة منزّل منزلة الوطن في خصوص التمام والقصر دون سائر الأمور، ومن هنا كتبنا في مسألة (65):

لا يترك الاحتياط في غير الوطن إمّا بالجمع أو بالتأخير ذهاباً وإياباً.

وإذ استشكلنا في اعتبار حدّ الترخّص في محلّ الإقامة، ففي محلّ التردّد ثلاثين يوماً أوضح؛ فإنّ احتمال اعتبار حدّ الترخّص فيه يتساوى مع احتمال عدم الاعتبار، وحيث لا مرجّح لأحدهما فلا يترك الاحتياط بالجمع هنا أيضاً، ولذا كتبنا في المقام:

فقد تقدّم الإشكال في المقيم، فلا يترك الاحتياط إلى حدّ الترخّص.

فصل في أحكام صلاة المسافر

اشارة

مضافاً إلى ما مرّ في طيّ المسائل السابقة

قد عرفت أنّه يسقط -بعد تحقّق الشرائط المذكورة- من الرباعيّات ركعتان كما أنّه تسقط النوافل النهاريّة، أي: نافلة الظهرين بل ونافلة العشاء -وهي الوتيرة- أيضاً، وكذا يسقط الصوم الواجب عزيمة بل المستحبّ أيضاً، إلّا في بعض المواضع المستثناة، فيجب عليه القصر في الرباعيّات فيما عدا الأماكن الأربعة. ولا يجوز له الإتيان بالنوافل النهاريّة، بل ولا الوتيرة إلّا بعنوان الرجاء واحتمال المطلوبيّة؛ لمكان الخلاف في سقوطها وعدمه، ولا تسقط نافلة الصبح والمغرب ولا صلاة الليل، كما لا إشكال في أنّه يجوز الإتيان بغير الرواتب من الصلوات المستحبّة. [1]

[1] اعلم أنّ سقوط الأخيرتين من الرباعيّات في السفر وكذا سقوط نوافل الظهرين وكذا سقوط الصوم الواجب بل المستحبّ - إلّا ما استثني - ممّا لا إشكال فيه؛ للنصوص الكثيرة الدالّة على ذلك. (1)بل ادّعى عليه الإجماع في كلام غير واحد من الأصحاب، بل الضرورة من الإماميّة كما أنّ سقوطها من باب العزيمة لا الرخصة ممّا لا ريب فيه على ما تقدّم في أوّل الكتاب، كما أنّه لا إشكال في عدم سقوط نوافل المغرب والصبح لما تقدّم.

وأمّا سقوط نافلة العشاء - أي: الوتيرة-، ففيه إشكال فمن حيث إنّها نافلة للمقصورة، فتسقط نافلتها كالظهرين ومن جهة ظهور بعض الأخبار الصحيحة في اختصاص السقوط بنوافل النهاريّة. ففي صحيحة محمد بن مسلم قال:

سَأَلْتُهُ عَنِ الصَّلَاةِ تَطَوُّعاً فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: لَا تُصَلِّ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ وَلَا بَعْدَهُمَا شَيْئاً نَهَاراً. (2)

فإنّ التقييد بالنهار ظاهر، بل صريح في عدم سقوط نافلة العشاء؛ إذ لو كان المراد أعمّ من


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 502، باب 16 من أبواب صلاة المسافر.

2) نفس المصدر، ج 4، ص 81، باب 21 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها، ح 1.

نوافل النهاريّة لصار التقييد المزبور لغواً. وحيث إنّ الرواية صحيحة السند واضحة الدلالة فلا وجه للعدول عنها. فالأظهر عدم سقوط الوتيرة، لكن الأولى الإتيان بها رجاءً أي برجاء الثواب، نظراً إلى الخلاف في سقوطها وعدمه نصّاً وفتوىً.

وأمّا عدم سقوط نوافل الليليّة - صلاة الليل - وغير ذلك ممّا ذكر في المتن، فممّا لا إشكال فيه، ولا ريب يعتريه فلا حاجة إلى البحث فيها.

موارد الاستثناء عن عموم سقوط نوافل المقصورة

مسألة 1:

إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر، ثمّ سافر قبل الإتيان بالظهرين، فيجوز له الإتيان بنافلتهما سفراً وإن كان يصلّيهما قصراً، وإن تركها في الوقت يجوز له قضاؤها. [1]

[1] قلت: المعروف من مذهب الأصحاب بل المجمع عليه، عدم جواز نافلة الظهرين في السفر، بل هو منصوص في كلامهم علیهم السلام حيث قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ بِالنَّهَارِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! لَوْ صَلَحَتِ النَّافِلَةُ فِي السَّفَر تَمَّتِ الْفَريضَةُ. (1)

ومع ذلك قد استثنى المصنّف صورتين، أعني: هذه المسألة والمسألة الآتية، حيث حكم بجواز إتيان النافلة مع تقصير الظهرين في السفر. والظاهر أنّه لا دليل على ما ذكره إلّا ما رواه عمّار بن موسى عن أبي عبدالله علیه السلام قال:

سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي مَنْزِلِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فِي سَفَرٍ؟ فَقَالَ: يَبْدَأُ بِالزَّوَالِ فَيُصَلِّيهَا ثُمَّ يُصَلِّي الْأُولَى بِتَقْصِيرِ رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ قَبْلَ أَنْ تَحْضُرَ الْأُولَى. وَسُئِلَ فَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ مَا حَضَرَتِ الْأُولَى؟ قَالَ: يُصَلِّي الْأُولَى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدُ النَّوَافِلَ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ بَعْدَ مَا حَضَرَتِ الْأُولَى، فَإِذَا حَضَرَتِ الْعَصْرُ صَلَّى الْعَصْرَ بِتَقْصِيرٍ وَهِيَ رَكْعَتَانِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ فِي السَّفَرِ قَبْلَ أَنْ تَحْضُرَ الْعَصْرُ. (2)

وهذه الرواية لم ينقلها غير الشيخ ولم يفت بمضمونها المشهور وفيها كلام سنداً ودلالة. أمّا السند، فلأنّ الشيخ له طريقان إلى أحمد بن الحسن بن عليّ بن فضّال وفي أحدهما: ابن الزبير وفي الآخر ابن ابي جيّد. قال الفاضل النوريّ:


1) نفس المصدر، ج 4، ص 82، باب 21 من أبواب اعداد الفرائض والنوافل، ح 4.

2) نفس المصدر، ص 85، باب 23 من أبواب اعداد الفرائض والنوافل، ح 1.

وفيه ابن أبي جيّد في «ستّ» وطريق آخر فيه ابن الزبير في «ست». (1)

أقول: أمّا ابن الزبير فهو عليّ بن محمّد بن الزبير، والظاهر أنّه لم يرد فيه توثيق صريح.

نعم؛ حكي عن النجاشي عند ذكر أحمد بن عبدالواحد المعروف بابن عبدون:

وكان قد لقي أبا الحسن عليّ بن محمّد القرشيّ المعروف بابن الزبير وكان علوّاً في الوقت.

فهل يرجع الضمير المستتر في -كان- إلى ابن عبدون أو إلى ابن الزبير؟ يظهر من بعض الأفاضل رجوعه إلى الثاني حيث قال:

والأقرب رجوع ضمير «كان» إلى عليّ بن محمّد، و «العلو» - بالمهملة على ما في النسخ- الظاهر أنّ المراد به علو الشأن وإكثار رواية أحمد بن عبدون عنه قرينة ظاهرة. ثمّ حكي عن الداماد في حواشيه على «الاستبصار» أنّ معنى كونه علوّاً في الوقت أنّه كان في غاية الفضل والعلم والثقة والجلالة في وقته وأوانه. (2)وهذا منه توثيق للرجل في الجملة.

ولكن قال التستريّ بعد نقل كلام الداماد:

بل معناه أنّ سنده كان سنداً عالياً حيث روى عن عليّ بن فضّال الذي هو شيخ العيّاشيّ الذي هو شيخ الكشّي وكيف يكون معناه ما قال؟ مع أنّه قال في (إسحاق بن الحسن بن بكران) الذي طعن فيه بضعف المذهب، رأيته بالكوفة وهو مجاور وكان يروى كتاب الكلينيّ عنه، وكان في هذا الوقت علوّاً، فلم أسمع منه شيئاً. (3)

مراده أنّ معنى «العلو» ليس توثيقاً للرّجل، بل المراد علوّما يروى عنه.

وقال المحقّق الخوئي بعد الإشارة إلى كلام الداماد:

ويدفعه أنّ معنى هذه الجملة ليس كما ذكر، فقد ذكر النجاشيّ هذه الجملة في


1) المستدرك الوسائل؛ ج 3، ص 722.

2) بهجة الآمال؛ ج 5، ص 515.

3) قاموس الرجال؛ ج 7، ص 48.

اسحاق بن الحسن بن بكران مع طعنه فيه بأنّه ضعيف في مذهبه وأنّه رآه بالكوفة وكان في هذا الوقت علوّاً فلم يسمع منه شيئاً. - ثمّ قال:- بل الصحيح أنّ كلمة «غلوّاً» بالغين المعجمة، والضمير في قوله: «وكان غلواً» يرجع إلى أحمد بن عبد الواحد، ومعناه أنّ لقاء أحمد بن عبد الواحد عليّ بن محمد بن الزبير كان في عنفوان شبابه. (1)

والانصاف أنّه لا قرينة على ما ذكره من الصحّة؛ لأنّه خلاف الظاهر، بل الظاهر أنّ لفظة «العلوّ» - بالعين المهملة - لا يخلو من ظهور في الوثاقة وإن استعمل في معنىً آخر في مورد آخر.

ومع ذلك كلّه لا يثبت وثاقة الرجل بمثل هذه الاحتمالات غير المستندة إلى القرينة، وغاية ما يستفاد منها أنّ الرجل كان عالياً وشاخصاً في قومه ورئيساً فيهم. ومن الظاهر أنّ مثل ذلك لا يدلّ على الوثاقة والعدالة التي نحن بصددها، كما أنّ دفن الرجل في مشهد أمير المؤمنين علیه السلام لا يدلّ على ذلك، فتصبح الرواية ضعيفة في هذا الطريق.

وأمّا ابن أبي جيد - وهو عليّ بن أحمد بن محمّد - فقال المحقّق الخوئي:

ثقة؛ لأنّه من مشايخ النجاشيّ. (2)

وقال أيضاً:

ابن أبي جيّد، وهو وإن لم يوثّق أيضاً، بل لم يذكر بمدح ولا ذمّ صريحاً كما نصّ عليه في «جامع الرّواة» ولكنّه من مشايخ النجاشيّ، والظاهر وثاقتهم بأجمعهم حسبما التزم به من عدم روايته بلا واسطة إلّا عن الثّقة. (3)

ويؤيّده ما ذكره بعض الأفاضل حيث قال:


1) معجم الرجال الحديث؛ ج 12، ص 141 - 140.

2) نفس المصدر؛ ج 11، ص 25-23.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 355.

وبالجملة؛ هو- ابن أبي جيّد - من مشايخ الشيخ والنجاشيّ، وقد يعبّر عنه بعليّ بن أحمد القمّيّ، وظاهر الأصحاب الاعتماد عليه، ويعدّ طريق هو فيه حسناً وصحيحاً. (1)

والعجب من هذا الفاضل حيث إنّه يقول في موضع آخر:

طريق الشيخ إلى أحمد بن عليّ بن حسن بن فضّال ضعيف. (2)

ولعلّ مراده من ذلك خصوص الطريق الذي فيه ابن الزبير ولم يتفطّن إلى الطريق الذي فيه ابن أبي جيد.

وأمّا اعتماد العلّامة الخوئي بما التزم به النجاشيّ من عدم نقله الرواية بلا واسطة إلّا عن الثّقة فلا يخلو من شيء.

توضيحه أنّ الرواية عن شخص تتصوّر على أنحاء ثلاثة:

1.

ما ينقل عن الثقة المعتمد عليه عند الأصحاب؛

2.

ما ينقل عن الضعيف؛

3.

ما ينقل عن المسكوت عنه في كتب الرجال.

فالظاهر أنّ النجاشيّ ومن حذا حذوه لم ينقل من الضعيف المحض.

وأمّا أنّه نقل من الثقة المعتمد، فلا يستفاد ذلك من كلامه ولا بدّ في استفادة ذلك من قرينة أخرى. وقد تفطّن به المحقّق الخوئي حيث قال:

هذا وقد يقال: إنّه لا يظهر من كلامه - النجاشيّ - إلّا أنّه لا يروي بلا واسطة عمّن غمز فيه أصحابنا أو ضعّفوه. ولا دلالة فيه على أنّه لا يروي عمّن لم يثبت ضعفه ولا وثاقته، إذاً لا يمكن الحكم بوثاقة جميع مشايخه، ولكنّه لا يتمّ؛ فإنّ الظاهر من قوله: «ورأيت جلّ أصحابنا» أنّ الرؤية أخذت طريقاً إلى ثبوت الضعف،


1) بهجة الآمال؛ ج 5، ص 373.

2) نفس المصدر، ج 7، ص 692.

ومعناه أنّه لا يروي عن الضعيف بلا واسطة، فكلّ من روى عنه فهو ليس بضعيف، فيكون ثقة لا محالة. (1)

وكيف كان؛ فلا يبعد القول بوثاقة الرجل، ومنه يظهر قوّة كلام من عبّر عن الخبر بالموثّقة، كالمحقّق الخوئي وحاشية التهذيب في الطبع الجديد. (2)هذا كلّه في السند.

وأمّا الدلالة، فهي وإن كانت ظاهرة في المطلوب حيث حكم فيمن سافر بعد ما زالت الشمس أنّه يبدأ بالزوال، أي: نافلة الظهر، ثمّ يصلّي الظهر قصراً. وعلّله بأنّه خرج من منزله قبل أن يحضر وقت الظهر بناء على أنّ الوقت إنّما يدخل بعد مضيّ مقدار القدم أو الذراع، والمفروض خروجه أوّل الزوال، فلم يدخل آنذاك إلّا وقت نافلة الظهر دون فريضته. ثمّ سأله ثانياً عمّا لو خرج بعد ما حضرت الأولى، أي بعد مضيّ مقدار القدم أو الذراع، فحكم بأنّه يصلّي الظهر تماماً ويأتي بنوافلها بعدها بناء على أنّ الوقت عندئذٍ يكون للواجب، فيكون وقت النافلة منقضياً فتقضى، وعندما دخل وقت العصر بمضيّ القدمين أو الذراعين يصلّيها قصراً؛ لأنّه خرج إلى السفر قبل حضور وقتها. وهي كما ترى ظاهرة الدلالة على الحكم. ويؤيّده ما ذكره البحرانيّ حيث قال:

ثمّ إنّ ظاهر قوله: «وسئل فإن خرج بعد ما حضرت الأولى...» أنّه متى خرج بعد مضيّ وقت النافلة- وهو الذراع- والفريضة معاً أنّه يبدأ بالفريضة أوّلاً فيصلّيها تماماً، حيث إنّ وقتها دخل عليه في الحضر والأمر بإتمام الفريضة هنا دالّ على القول الأوّل، وهو اعتبار حال الوجوب، فتكون الرواية المذكورة من أدلّته، إلّا أنّ الأمر بتأخير النافلة هنا عن الفريضة لا أعرف له وجهاً وجيهاً، ولعلّه من التهافت الذي يقع في روايات عمّار. (3)


1) معجم الرجال الحدیث؛ ج 1، ص 51.

2) ملاذ الأخيار؛ ج 3، ص 364.

3) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 476.

ولا يخفى أنّ إيراده على الحديث ونسبة الخلط إلى عمّار غير وجيهين، بل غیر صحیحین؛ لأنّ الوظيفة في مفروض الرواية هي تقديم الفريضة لاختصاص الوقت لها، ثمّ النافلة قضاءً أو بقصد ما في الذّمّة.

وعلى كلّ حال؛ فلا يمكن العمل بالرواية- ولو فرض صحّة سندها ووضوح دلالتها- وذلك لأمور ثلاثة:

الأمر الأوّل: ظهور الرواية في حضور وقت الظهر بعد صيرورة الظلّ مقدار القدم أو الذراع، وهذا مشكل جدّاً؛ نظراً إلى قوله علیه السلام: «إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر والعصر جميعاً إلّا أنّ هذه قبل هذه...» ونحوه غيره من نصوص الباب. ومن هنا وجّهه المجلسيّ في كتابه «ملاذ الأخيار» بأنّ المراد هو وقت الفضيلة دون الوجوب. (1)

الأمر الثاني: كونها موافقة للعامّة، فتحمل على التقيّة، كما حملها المحقّق الخوئي. (2)وفيه نظر؛ لأنّ العامّة لا يقولون بعدم دخول وقت الظهر بالزوال.

الأمر الثالث: أنّها تنافي ما ثبت منهم من أنّه إذا صلحت النافلة تمّت الفريضة. وبما أنّ الفريضة في المقام مقصورة فلا تصلح معها النافلة. هذا مضافاً إلى ما سيأتي من أنّ المدار في جواز النافلة على حال الأداء دون الوجوب على المشهور، وعليه فتكون الرواية مخالفة للمشهور، فلا يمكن العمل بها.

وتحصّل من تمام ذلك أنّه لا يمكن الالتزام بما ذكره الماتن من جواز النافلة في مفروض المقام؛ لعدم الدليل.


1) ملاذ الأخيار؛ ج 3، ص 364.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 356.

مسألة 2:

لا يبعد جواز الإتيان بنافلة الظهر في حال السفر إذا دخل عليه الوقت وهو مسافر وترك الإتيان بالظهر حتّى يدخل المنزل من الوطن أو محلّ الإقامة.

وكذا إذا صلّى الظهر في السفر ركعتين وترك العصر إلى أن يدخل المنزل، لا يبعد جواز الإتيان بنافلتها في حال السفر.

وكذا لا يبعد جواز الإتيان بالوتيرة في حال السفر إذا صلّى العشاء أربعاً في الحضر ثمّ سافر، فإنّه إذا تمّت الفريضة صلحت النافلة. [1]

[1] قد أشار المصنّف إلى فروض ثلاثة وأفتى بجواز النافلة فيها في السفر لمكان تماميّة الفريضة. ولعلّه استند في ذلك إلى ما رواه أبو يحيى الحنّاط عن الصادق علیه السلام قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ بِالنَّهَارِ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ! لَوْ صَلَحَتِ النَّافِلَةُ فِي السَّفَر تَمَّتِ الْفَريضَةُ. (1)

حيث يظهر منه أنّه إذا تمّت الفريضة صلحت النافلة.

ثمّ إنّ السيّد الحكيم عبّر عنها بالصحيح حيث قال:

كأنّه إشارة إلى ما في الصحيح عن أبي يحيى الحنّاط... (2)

والظاهر وقوع الاشتباه في ذلك؛ لأنّ أبا يحيى لم يوثّق في كتب الرجال، وإنّما الموثّق هو أبو ولّاد الحنّاط، كما أفاده المحقّق الخوئي. (3)نعم، يظهر من المامقانيّ أنّه حسن؛ لمكان نقل ابن محبوب عنه كثيراً، وابن محبوب من أصحاب الإجماع، فلا ينقل من الضعاف.

وفيه ما عرفت من أنّ مثل حسن بن محبوب لا يروي عن الضعاف المحض، وأمّا أنّه يروي من خصوص الثقات المعتمدين؟ فلابدّ من الإثبات؛ لإمكان أن يروي من مجهول الحال.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 4، ص 82، باب 21 من أبواب اعداد الفرائض ونوافلها، ح 4.

2) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 158.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 358.

وتحصّل أنّه لم يثبت اعتبار الخبر من ناحية السند.

وأمّا الدلالة، فهي قاصرة عن إثبات المطلوب؛ لأنّ الخبر إنّما يدلّ على أنّه إذا صلحت النافلة تمّت الفريضة. وأمّا العكس - أي لو تمّت الفريضة صلحت النافلة - كما ذكره في المتن، فليس بمذكور في الروايات. وعلى تقدير استفادة الملازمة من الخبر بين ثبوت النافلة وتماميّة الفريضة كما استفادها المحقّق الخوئي، (1)فهي مختصّة بحال السفر بأن كان صلاته تامّة في السفر فرضاً، فتصحّ النافلة أيضاً بمقتضى الملازمة. وأمّا إذا كان إحداهما في الحضر والأخرى في السفر، فلا ملازمة بينهما.

فعلم من ذلك أنّ الخبر لا تتمّ دلالته أيضاً، فلا دليل على ثبوت النافلة في السفر على تقدیر تأخير الفريضة إلى أن يدخل المنزل أو محلّ الإقامة، فيتمّها فيه بلا فرق بين الظهر والعصر.

وأمّا عدم جواز النافلة في المقام، فليس عليه دليل خاصّ أيضاً؛ لأنّ قوله: «لا تصلّ قبل الركعتين ولا بعدهما شيئاً نهاراً» وكذا قوله: «الصلاة في السفر ركعتان ليس قبلهما ولا بعدهما شيء إلّا المغرب ثلاث»، إنّما يدلّ على سقوط النافلة عندما تكون الصلاة ركعتين. أمّا لو فرض إتمامها، كما إذا أخّرها إلى الوطن فأتمّها، فلا يدلّ ما ذكر على عدم جواز النافلة، هذا.

بل يمكن التمسّك لجواز النافلة بل استحبابها بإطلاق ما يدلّ على مشروعيّة مطلق النوافل، أعني الأدلّة الأوّليّة العامّة كقوله: «الصلاة خير موضوع، من شاء استكثر ومن شاء استقلّ» فافهم هذا.

وظهر من ذلك أنّ ما أفاده المحقّق الخوئي بقوله:

فالأقوى عدم مشروعيّة النافلة في جميع فروض المسألة استناداً إلى عموم ما دلّ على سقوطها في المقصورة بعد سلامتها عمّا يصلح للتخصيص. (2)


1) نفس المصدر، ص 358.

2) نفس المصدر، ص 358.

لا يخلو من إشكال؛ إذ المفروض فيما نحن فيه وقوع الفريضة بتمام بعد وصوله إلى منزله أو محلّ إقامته، فلا تجري فيه ما ذكره من الملازمة. اللّهمّ إلّا أن يكون مراده من المقصورة زمان الوجوب، أي لو كان صلّاها في أوّل الوقت لكانت مقصورة. وفيه ما لا يخفى من التكلّف والتعسّف.

والحاصل أنّه لا يبعد جواز الإتيان بنافلة الظهر أو العصر في السفر في الفرض المذكور، وإن كان الأحوط إتيانها بقصد رجاء الثواب، هذا بالإضافة إلى الظهرين.

وأمّا الوتيرة، فقد عرفت سابقاً أنّها لا تسقط في السفر على الأظهر، نظراً إلى تقييد النوافل بالنهار في بعض النصوص، فراجع إن شئت.

صور الإتمام في موضع القصر

مسألة 3:

لو صلّى المسافر بعد تحقّق شرائط القصر تماماً، فإمّا: أن يكون عالماً بالحكم والموضوع؛ أو جاهلاً بهما؛ أو بأحدهما؛ أو ناسياً.

فإن كان عالماً بالحكم والموضوع عامداً في غير الأماكن الأربعة، بطلت صلاته ووجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه؛

وإن كان جاهلاً بأصل الحكم وأنّ حكم المسافر التقصير، لم يجب عليه الإعادة فضلاً عن القضاء؛

وأمّا إن كان عالماً بأصل الحكم وجاهلاً ببعض الخصوصيّات، مثل أنّ السفر إلى أربعة فراسخ مع قصد الرجوع يوجب القصر، أو أنّ المسافة ثمانية، أو أنّ كثير السفر إذا أقام في بلده أو غيره عشرة أيّام يقصّر في السفر الأوّل، أو أنّ العاصي بسفره إذا رجع إلى الطاعة يقصّر ونحو ذلك، وأتمّ، وجب عليه الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه؛

وكذا إذا كان عالماً بالحكم جاهلاً بالموضوع، كما إذا تخيّل عدم كون مقصده مسافة مع كونه مسافة، فإنّه لو أتمّ وجب عليه الإعادة أو القضاء؛

وأمّا إذا كان ناسياً لسفره، أو أنّ حكم السفر القصر فأتمّ، فإن تذكّر في الوقت وجب عليه الإعادة، وإن لم يعد وجب عليه القضاء في خارج الوقت، وإن تذكّر بعد خروج الوقت لا يجب عليه القضاء؛

وأمّا إذا لم يكن ناسياً للسفر ولا لحكمه ومع ذلك أتمّ صلاته ناسياً، وجب عليه الإعادة والقضاء. [1]

[1] قد أشار المصنّف إلى فروع خمسة:

1.

ما إذا أتمّ الصلاة - مع تحقّق شرائط القصر - عالماً بالحكم والموضوع؛

2.

ما إذا أتمّ الصلاة في السفر جاهلاً بأصل الحكم أو الموضوع؛

3.

ما إذا علم بأصل الحكم ولكن جهل بالخصوصيّات في الجملة؛

4.

ما إذا أتمّ الصلاة ناسياً، سواء كان المنسي هو الحكم أم الموضوع أم بعض الخصوصيّات؛

5.

ما إذا دخل في الصلاة بنيّة القصر عالماً بالحكم والموضوع وجميع الخصوصيّات إلّا أنّه سها في الأثناء فزاد ركعتين وأتمّ الصلاة.

فيقع الكلام في المواضع الخمسة، فنقول:

أمّا الموضع الأوّل: - وهو العالم بالموضوع والحكم - فالظاهر أنّه لا إشكال في بطلان الصلاة ووجوب الإعادة أو القضاء بمقتضى القاعدة؛ لأنّ المأتيّ به غير مطابق للمأمور به، بل الحكم مجمع عليه ظاهراً. قال في «الجواهر»:

بلا خلاف أجده، بل عن «الغنية» و«الدروس» و«المدارك» وعن «الانتصار» و«التذكرة» وشرح الأستاذ الأكبر وظاهر «المنتهى» و«النجيبية» و«الذخيرة»:

الإجماع عليه؛ لعدم صدق الامتثال. (1)

وقد استدلّ على البطلان - مضافاً إلى الإجماع- بوجهين:

1. أنّ من أتمّ صلاته - مع علمه بوجوب القصر - لا يتمكّن من قصد القربة المعتبرة في الصلاة، بل في مطلق العبادات؛ لعدم تعلّق الأمر به حتّى ولو كان ذلك بنحو التشريع؛ فإنّ ذلك موجب لحرمة العمل، فكيف يتقرّب بالعمل الحرام على ما صرّح به المحقّق الخوئي وغيره. (2)

قلت: ما ذكروه لا يخلو عن خدشة؛ حيث إنّه يمكن قصد القربة في أمثال هذه الموارد كما يشهد له ما يرى من أكثر العوامّ حيث يقصدون القربة في الصوم في المسافرة وحال المرض مع علمهم بالحكم والموضوع.


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 342.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 361.

2. جملة من الروايات و هي طائفتان:

إحديهما: ما يدلّ على بطلان الصلاة بالزيادة الشاملة للمقام، كقوله علیه السلام في صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله علیه السلام: «من زاد في صلاته...». الحديث؛ (1)فإنّ الركعة فضلاً عن الركعتين من أوضح مصاديق الزيادة.

ثانيتهما: ما يدلّ على البطلان في خصوص الفرع المزبور،

منها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم قالا:

قُلْنَا لِأَبِي جَعْفَرٍ علیه السلام: رَجُلٌ صَلَّى فِي السَّفَرِ أَرْبَعاً، أَيُعِيدُ أَمْ لَا؟ قَالَ: إِنْ كَانَ قُرِئَتْ عَلَيْهِ آيَةً التَّقْصِيرِ وَفُسِّرَتْ لَهُ فَصَلَّى أَرْبَعاً أَعَادَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرِئَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْلَمْهَا، فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. (2)

ومنها صحيحة عبيدالله بن عليّ الحلبيّ قال:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَنَا فِي سَفَرٍ؟ قَالَ: أَعِدْ. (3)

فدلالة الصحيحتين على المطلوب واضحة جدّاً؛ لظهور الأولى في العالم مطلقاً، وأمّا الثانية فشمولها للعالم من جهة الإطلاق.

ودعوى اختصاص الثانية بالجاهل لعلو شأن الراوي ورفعة مقامه عند الأئمّة علیهم السلام من أن يكون جاهلاً بهذا الحكم ولذا تحمل الصحيحة على الجهل والنسيان، فمدفوعة بأنّ قوله: «صلّيت الظهر...» قضيّة حقيقيّة فرضيّة، أي: فرض نفسه مسافراً كذلك وسأل حكمه عنه علیه السلام وليس هذا قضيّة خارجيّة شخصيّة ليكون منافياً لجلالته.

والحاصل أنّ أمثال ذلك محمول على الفرض، كما هو مرسوم عند الأعلام في طرح السؤال من الاستناد إلى نفسه كما لا يخفى، هذا بالإضافة إلى الإعادة في الوقت.

وأمّا القضاء في خارج الوقت، فالظاهر أنّه لا إشكال في وجوب القضاء أيضاً في هذا


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، باب 19، حدیث 2، من الخلل.

2) نفس المصدر، ص 506، باب 17 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

3) نفس المصدر، ص 507، باب 17 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

الفرض؛ لإطلاق الصحيحتين المتقدّمتين الشاملتين للقضاء في خارج الوقت. ومع ذلك ربّما يتأمّل في وجوب القضاء على العالم العامد، نظراً إلى معارضة إطلاق صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدّمة مع إطلاق ذيل صحيحة عيص بن القاسم قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله علیه السلام عَنْ رَجُلٍ صَلَّى وَهُوَ مُسَافِرٌ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ فَلْيُعِدْ وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ مَضَى فَلَا. (1)

بتقريب أنّ صحيحة العيص مقيّدة من حيث الوقت؛ لاختصاص الوجوب بما قبل الوقت ومطلقة من ناحية الأفراد، أي: سواء كان المكلّف عالماً أم جاهلاً. وأمّا صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم، فعلى العكس؛ لأنّها مطلقة من جهة الوقت ومقيّدة من ناحية الأفراد، لدلالتها على اختصاص الوجوب على العالم العامد. فتكون النسبة بينهما عموماً من وجه، فيتعارضان في مادّة الاجتماع وهو العالم بالحكم والموضوع في خارج الوقت. وربّما قيل بسقوطهما بالمعارضة والرجوع إلى أدلّة أخرى. وأنت خبير بأنّ التعارض هنا مبنيّ على كون صحيح العيص مطلقاً من جهة الأفراد كما يظهر ذلك من كلام جملة من الأعلام كالمحقّق الخوئي (2)والهمداني (3)والبروجردي (4)والحكيم. (5)

ولكن الظاهر أنّه لا إطلاق في صحيحة العيص؛ لأنّها ظاهرة في خصوص الناسي، كما يشهد له قول السائل: «فأتمّ الصلاة» فإنّ التفريع فرع لوجود المتفرّع عليه، فمعناه أنّه قصد الصلاة قصراً فنسي وأتمّ صلاته، كما يعطيه أدنى التأمّل في العبارة؛ وعلى هذا فلا تشمل الصحيحة غير الناسي لتكون معارضة مع صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم. ويؤيّده الإجماع


1) نفس المصدر، ص 506، باب 17 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 363.

3) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 761.

4) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ج 276.

5) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 160.

المدّعی على عدم وجوب الإعادة للناسي. وهذا التوجيه وإن ذكره الهمداني والبروجردي إلّا أنّهما لم يشيرا إلى وجه الاستفادة، وقد عرفت أنّه يستفاد من لفظة «الفاء».

ويظهر من المحقّق الخوئي كون صحيحة العيص ناظرة إلى صورة الجهل، نظراً إلى كونها ظاهرة في التفصيل بين كون انكشاف الخلاف في الوقت أو في خارجه، ولا معنى لكشف الخلاف في العامد. (1)نعم؛ يظهر من بعض كلامه حمل الصحيحة على الناسي حيث قال:

ومرجع ذلك إلى أنّ شرطيّة التقصير ذكريّة. (2)

وهذا التعبير يناسب النسيان كما لا يخفى.

وتحصّل من تمام ذلك أنّ صحيحة العيص ناظرة إلى الناسي، فلا تعارض صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم الدالّة على وجوب الإعادة والقضاء في العالم والجاهل، فتدبّر.

بقي الكلام فيما أشار إليه في «الجواهر» حيث قال:

ولا فرق على الظاهر في الحكم المزبور - وجوب الإعادة والقضاء- بين القول بوجوب التسليم أو استحبابه ولذا اتّفق الجميع عليه ولم يقل أحدٌ منهم بصحّة الصلاة هنا. (3)

توضیح ذلك أنّه قد اختلف في وجوب التسليم واستحبابه في الصلاة، فالمشهور الوجوب، وذهب جماعة إلى الاستحباب. فعلى القول بالاستحباب قد يقال بعدم البطلان فيما نحن فيه حيث إنّه قد خرج من الصلاة بالتشهّد الواجب، فتكون الزيادة- الركعتان- واقعة في خارج الصلاة. نعم؛ بناء على وجوبه وأنّه المخرج من الصلاة تصبح الصلاة باطلة، فتجب الإعادة أو القضاء. ومع ذلك قال في «الجواهر»:

ولا فرق بين القول بوجوب التسليم واستحبابه ولذا اتّفق الجميع عليه ولم يقل أحد منهم بصحّة الصلاة هنا بناءً على تحقّق الخروج من الصلاة بالفراغ من


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 363.

2) نفس المصدر.

3) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 342.

التشهّد. (1)

قلت: وهو بظاهره مشكل بعد القول بعدم وجوب السلام وخروجه عنها بالتشهّد. فعليه، لابدّ من أن يقال: بناءً على استحباب التسليم لا يخرج عن الصلاة إلّا بالنيّة أو بفعل ما يحصل به الخروج. وفي «المدارك»:

ويمكن أن يقال: إنّ الصلاة المقصورة إنّما تبطل بالإتمام إذا وقعت ابتداء على ذلك الوجه دون ما إذا وقعت على وجه القصر ثمّ حصل الإتمام بعد الفراغ من الأفعال الواجبة جمعاً بين الروايات المتضمّنة لهذا الحكم والأدلّة الدالّة على استحباب التسليم. (2)

وأمّا الموضع الثاني: وهو ما إذا أتمّ الصلاة في السفر جاهلاً بأصل الحكم أو الموضوع. فالمشهور بل قد ادّعى عليه الإجماع عدم وجوب الإعادة، فضلاً عن القضاء. قال في «الجواهر» - وفاقاً للأكثر كما في «المدارك» وغيرها، بل المشهور كما في «الروض» وغيره، بل في «الرياض»-:

إنّ عليه الإجماع في الجملة في ظاهر بعض العبارات، بل حكى المقدّس البغداديّ الإجماع عليه صريحاً. (3)

ويدلّ عليه ذيل صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم: «وإن لم يكن قرئت عليه ولم يعلمها فلا إعادة عليه».

فهي ظاهرة بل صريحة في الجاهل، فتكون مقيّدة لمثل صحيحة الحلبيّ الدالّة على الإعادة مطلقاً أعمّ من العالم والجاهل. قال:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: صَلَّيْتُ الظُّهْرَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأَنَا فِي سَفَرٍ؟ قَالَ: أَعِدْ. (4)


1) نفس المصدر، ص 342.

2) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 472.

3) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 343.

4) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 507، باب 17 من أبواب صلاة المسافر، ح 6.

وعلى كلّ حالٍ، فصحيحة زرارة تدلّ على عدم الإعادة فتشمل القضاء أيضاً، إمّا بشمولها له أو لاختصاصها بالوقت، فعدم القضاء في خارجه بطريق أولى.

ونسب إلى العمّانيّ وابن أبي عقيل وجوب الإعادة؛ نظراً إلى سقوط صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم عن الحجّيّة، لمعارضتهما بصحيحة العيص المفصّلة بين الوقت وخارجه، فإذا سقطتا بالمعارضة فيرجع إلى عموم ما دلّ على بطلان الصلاة بالزيادة المعتضد بإطلاق صحيح الحلبيّ المزبور. ولقد أجاد المحقّق الخوئي حيث أجاب عنه بما حاصله:

أنّ صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم صريحة في التفصيل بين وجوب الإعادة على العالم وعدمها على الجاهل، وعليه فلا يقاومها صحيحة العيص المطلقة لكي تتحقّق المعارضة. (1)

فراجع كلامه إن شئت هذا.

مع أنك عرفت سابقاً أنّ صحيحة العيص ظاهرة في خصوص الناسي فلا تشمل الجاهل رأساً، فلا وجه حينئذٍ للمعارضة أصلاً. هذا كلّه في الجاهل بالحكم، أمّا الجاهل بالموضوع فيأتي البحث عنه في آخر الموضع الثالث.

وأمّا الموضع الثالث: - وهو ما إذا علم بأصل الحكم ولكن جهل ببعض الخصوصيّات - كما إذا لم يعلم بأنّ المسافة الملفّقة موجبة للقصر أو لم يعلم كون المسافة المقصودة ثمانية فراسخ ونحو ذلك. فهل هو لاحق بالجاهل بأصل الحكم فلا تجب الإعادة أو لا؟ وجهان بل قولان:

1. ذهب الأكثر على عدم الإلحاق، وعن «الحدائق» أنّه المشهور (2)وفي «الكفاية» للسبزواريّ أنّه ألانسب بالقواعد. (3)

1) مستند العروة؛ ج 8، ص 365.

2) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 432.

3) الكفاية؛ ص 34.

2. وذهب بعضهم إلى أنّه ملحق بالجاهل، فلا تجب الإعادة فضلاً عن القضاء حكي ذلك عن «مجمع الفائدة».(1)

وتوقّف في «المدارك» حيث قال:

وهل المراد بالجاهل الجاهل بوجوب القصر من أصله أو مطلق الجاهل ليندرج فيه الجاهل ببعض أحكام السفر كمن لا يعلم انقطاع كثرة السفر بإقامة العشرة؟ وجهان، منشأؤهما اختصاص النصّ المتضمّن لعدم الإعادة بالأوّل والاشتراك في العذر المسوّغ لذلك وهو الجهل. (2)

واستدلّ للمشهور وهو -وجوب الإعادة والقضاء- بصحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المتقدّمة (3)نظراً إلى أنّ قوله: «فإن قرئت عليه آية التقصير وفسّرت...» ظاهر في تفسير أصل وجوب القصر في مقام التشريع، فلا يشمل الجهل بالخصوصيّات، وليس ناظراً إلى بيان الخصوصيّات ليكون المكلّف في الجهل بالخصوصيّات من مصاديق تلك الكبرى المزبورة في الصحيحة؛ لأنّه قد فسّرت له الآية وعلم بأصل القصر. وهذا حسن جدّاً؛ إذ التفسير عبارة عن بيان المراد من اللفظ وقد بيّن ذلك له وليس التفسير عبارة عن جميع الخصوصيّات من الأجزاء والشرائط والموانع والمقارنات، فإنّ هذه من شؤون النبيّ وأوصيائه علیهم السلام. قال العلّامة الطباطبائيّ:

التفسير هو بيان معاني الآيات القرآنيّة والكشف عن مقاصدها ومداليلها. (4)

وبالجملة؛ أنّ صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم (5)غير شاملة للخصوصيّات. فيبقى ما يدلّ على بطلان الصلاة بالزيادة مطلقاً سليماً عن المعارض، فتجب عليه الإعادة.


1) مجمع الفائدة والبرهان؛ ج 3، ص 435.

2) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 473.

3) الوسائل الشيعة؛ ، باب 17، حدیث 4، صلاة المسافر.

4) الميزان في تفسير القرآن؛ ج 1، ص 4.

5) الوسائل الشيعة؛ ج 10، باب 17، حدیث 4، صلاة المسافر.

وإن أبيت ذلك فنقول: إنّا نشكّ في شمول الصحيحة على الخصوصيّات، فيرجع في المورد وهو الجهل بالخصوصيّات إلى عموم ما يدلّ على الإعادة والقضاء؛ إذ لا ريب في صدق الفوت وعدم امتثال التكليف الواقعيّ، فيشمله قولهم: «اقض ما فات كما فات».

وأمّا القول بإلحاقه بمطلق الجاهل في عدم وجوب الإعادة فضلاً عن القضاء، فقد استدلّ له بصحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبدالله علیه السلام قال:

مَنْ صَامَ فِي السَّفَرِ بِجَهَالَةٍ لَمْ يَقْضِهِ. (1)

ونحوها صحيحة ليث المراديّ عنه علیه السلام قال:

إِذَا سَافَرَ الرَّجُلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَفْطَرَ وَإِنْ صَامَهُ بِجَهَالَةٍ لَمْ يَقْضِهِ. (2)

بتقريب أنّ الجاهل بالخصوصيّات مشمول لإطلاق هاتين الروايتين، فيثبت المطلوب بضميمة عدم القول بالفصل بين الصوم والصلاة، فكما لا يقضي الجاهل صومه مطلقاً - أي: سواء كان جاهلاً بأصل الحكم أم بالخصوصيّات - فكذلك في الصلاة كما أشار إليه بعضهم. (3)

وفيه: أنّه لو سلّم شمول الروايتين للجاهل بالخصوصيّات في باب الصوم، فلا نسلّم به في الصلاة؛ لعدم الدليل على كونهما متساويين في تمام الأحكام ولم يثبت عدم القول بالفصل وعلى تقديره فلا يفيد؛ لأنّ المفيد منه هو القول بعدم الفصل. وقاعدة الملازمة بين القصر والإفطار مخصوصة بأصل الحكم بالتقصير والإفطار دون الخصوصيّات مع احتمال خصوصيّة في الصوم دون الصلاة؛ إذ لا نعلم ملاكات الأحكام الشرعيّة.

وتحصّل أنّ الأقوى وجوب الإعادة والقضاء فيما لو أتمّ الصلاة مع العلم بأصل الحكم والجهل ببعض الخصوصيّات. هذا كلّه فيما لو علم بأصل الحكم وجهل بالخصوصيّات.

وأمّا لو جهل بالموضوع - مع العلم بأصل الحكم- كما إذا علم وجوب القصر على


1) نفس المصدر، ص 180، باب 2، ح 5.

2) نفس المصدر، باب 2، ح 6.

3) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 162.

المسافر وقصد السفر إلى محلّ وتخيّل عدم كونه مسافة ثمّ تبيّن أنّه مسافة، فالظاهر وجوب الإعادة أو القضاء عليه؛ لأنّ الجاهل بالموضوع أيضاً خارج عن نطاق الآية الشريفة، فإنّ قوله في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم: «إن قرئت عليه آية التقصير وفسّرت» ظاهر في بيان معنى الآية ومدلولها، أعني: الحكم دون بيان الموضوع؛ لأنّ بيان المسافة والعلم بها ليس من تفسير الآية كما لا يخفى. وإن شئت تقول: إنّ الجهل بالموضوع من مصاديق الجهل بالخصوصيّات، فقد عرفت عدم شمول الصحيحة للجهل بالخصوصيّات. وقد حرّر في محلّه أنّ المناط في وجوب القصر هو واقع الثمانية المتحقّقة هنا دون عنوانها، وهذا واضح.

نعم؛ ربّما احتمل بعضهم اختصاص وجوب الإعادة فيما لو تذكّر في الوقت وأمّا القضاء فلا يجب، بل أفتى به بعضهم جزماً. قال المحقّق الخوئي في آخر كلامه:

فيكون الجاهل بالخصوصيّات مشمولاً للإطلاق- إطلاق صحيح العيص- السليم عمّا يصلح للتقييد، فيحكم فيه بما تضمّنه من التفصيل بين الوقت وخارجه حسبما عرفت. (1)

قلت: إنّما يتمّ ذلك لو كان صحيح العيص شاملاً للجاهل أيضاً، ولكن عرفت أنّه مختصّ بالناسي، وعليه فلا يكون للصحيح إطلاق حتى يعارض مع صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم ويقيّد إطلاقه، فلا وجه للتفصيل بين الوقت وخارجه.

وإن أبيت عن ذلك، فغاية ما في الباب هو الشّكّ في شمول صحيح العيص للجاهل، فيكون تحقّق الإطلاق مشكوكاً، فلا يصحّ التمسّك به؛ لأنّ انعقاد الإطلاق متوقّف على عدم ما يصلح للقرينة، وهو موجود هنا، أعني: احتمال اختصاص الصحيح بالناسي، هذا.

و ربّما يقال بعدم وجوب الإعادة والقضاء على الجاهل بالموضوع، ويستدلّ له بوجهين:

أحدهما: طريق الأولويّة، بمعنى أنّه إذا لم تجب الإعادة على الجاهل بالحكم، فلا تجب


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 371.

على الجاهل بالموضوع بطريق أولى؛ لأنّ الأمر في الموضوع أيسر منه في الحكم.

ثانيهما: أنّ الجاهل بالموضوع مأمور بالإتمام والأمر يقتضي الإجزاء. (1)

وفيه ما لا يخفى؛ فإنّ الأولويّة ممنوعة بعد عدم الدليل وعدم العلم بملاكات الأحكام.

وأمّا حديث الإجزاء فهو وإن كان حقّاً في الجملة، إلّا أنّ ذلك متوقّف على وجود الأمر ولو ظاهراً، وليس الأمر الظاهريّ موجوداً في المقام، إنّما الموجود هو الأمر التخيّليّ كما لا يخفى. نعم؛ لو كان شاكّاً في المسافة وكان إتمام الصلاة من جهة الإستصحاب لكان لما ذكره وجه، لوجود الأمر الظاهريّ حينئذٍ.

وأمّا الموضع الرابع: وهو ما إذا نسي الحكم أو الموضوع فأتمّ صلاته- فهل تجب الإعادة أو القضاء مطلقاً أو يفصّل بين الوقت وخارجه؟

اختار المصنّف التفصيل وحكم بالإعادة لو تذكّر في الوقت وعدم القضاء في خارجه وتبعه جملة من المحشّين. ولعلّ الوجه في ذلك صحيح عيص بن القاسم قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ الله علیه السلام عَنْ رَجُلٍ صَلَّى وَهُوَ مُسَافِرٌ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: إِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ فَلْيُعِدْ وَإِنْ كَانَ الْوَقْتُ قَدْ مَضَى فَلَا. (2)

وصحيحة أبي بصير قال:

سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَنْسَى فَيُصَلِّي فِي السَّفَرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ؟ قَالَ: إِنْ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَلْيُعِدْ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى يَمْضِيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. (3)

ودلالة الأوّل على المطلوب واضحة جدّاً؛ لأنّها إمّا ظاهرة في الناسي كما اخترناه، أو مطلقة تشمل الجاهل والناسي معاً، وعلى أيّ حال فشمولها للناسي ممّا لا ريب فيه. وأمّا صحيحة أبي بصير فهي صريحة في النسيان، ولا ضير في ذكر اليوم؛ لأنّه كناية عن الوقت. قال


1) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 163.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 506، باب 17 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) نفس المصدر، ح 2.

في «الجواهر»:

والظاهر الكناية عن الوقت باليوم كما يؤمي إليه-مضافاً إلى الفتاوى- صحيح العيص المنزل على الناسي قطعاً. (1)

ومع ذلك استشكل فيه بعض المحشّين واحتاط، (2)بل أوجب بعض القضاء في نسيان كلّ من الحكم والموضوع. (3)وبعضهم يحتاط في خصوص القضاء إذا كان ناسياً للحكم، كما عن سيّدنا الأُستاذ وقبله العلّامة البروجردي في حاشيتهما على العروة حيث أوجب القضاء على ناسي الحكم قائلاً:

الناسيّ للحكم يجب عليه القضاء كالعامد على الأقوى.

وذلك لحمل صحيح العيص على ناسي الموضوع فقط. ولكن يظهر من تقريراته خلاف ذلك حيث قال:

وبالجملة؛ حفظ الظهور في كلتا الروايتين يقتضي القول بكون كلّ من الجهل ومضيّ الوقت علّة تامّة للعذر، غاية الأمر اجتماعهما معاً في الجاهل بالنسبة إلى خارج الوقت. وحينئذٍ يوافق مفادهما لما عليه المشهور بعد إخراج العالم العامد؛ إذ المشهور بينهم كما عرفت عدم وجوب الإعادة على الجاهل بوجوب القصر مطلقاً والتفصيل بين الوقت وخارجه في الناسي ووجوب الإعادة مطلقاً على العالم العامد، بل هو إجماعيّ كما مرّ . (4)

فإنّ عطف قوله: «والتفصيل بين الوقت» على الجملة السابقة ظاهر في موافقته للمشهور وأنّه لا فرق بين ناسي الحكم والموضوع.

فعلى كلّ حال دليل من قال بوجوب الإعادة والقضاء على ناسي الحكم وأنّه كالعامد، هو


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 348.

2) كالسيد عبد الهادي الشيرازي.

3) آقا جمال الگلپايگاني.

4) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 271 - 272.

تعارض صحيح زرارة ومحمد بن مسلم الدالّة على الإعادة في الوقت وخارجه، بتقريب أنّ قوله: «إن كانت قرئت عليه آية التقصير» يشمل ناسي الحكم وأنّه يجب حينئذٍ الإعادة والقضاء، مع صحيحة العيص وخبر أبي بصير الدالّين على نفي القضاء عمّن نسي. فحمل النسيان في الخبرين على نسيان السفر - الموضوع - ليرفع التعارض من البين.

وفيه ما لا يخفى؛ لأنّه لا وجه لحمل صحيحة العيص وخبر أبي بصير على نسيان الموضوع - يعنى السفر - إلّا كثرة تحقّق النسيان فيه. وهو على فرض التسليم لا يوجب حمل الرواية عليه وهو واضح.

وأمّا الموضع الخامس: - أعني : ما إذا علم بالحكم والموضوع ونوى الصلاة قصراً لكن سَها في الأثناء وأتمّها غفلة - فقد حكم السيّد فيه بالإعادة والقضاء مشيراً إليه بقوله: وأمّا إذا لم يكن ناسياً للسفر ولا لحكمه ومع ذلك أتمّ صلاته ناسياً وجب عليه الإعادة والقضاء.

وقرّره عليه أكثر المحشّين، بل كلّهم. وفي «المستمسك»:

بلا إشكال ظاهر، ويقتضيه إطلاق ما تقدّم من النصوص المعتضد بإطلاق دليل الواقع، وليس ما يوجب الخروج عنه في الإعادة قطعاً.

وأمّا في القضاء، فقد يتوهّم عدمه لدخوله في رواية أبي بصير فيلحقه حكم ناسي الحكم أو السفر، ولكن لا مجال له؛ لإنّ الظاهر من الأربع فيه الأربع في الرباعيّة، لا فعل الركعتين الأخيرتين بعنوان الأوّلتين سهواً كما هو المفروض. وكذا قوله: «فأتمّ الصلاة» في صحيح العيص؛ فإنّه ظاهر في صلاة التمام بعنوان التمام فلا يشمل المقام. (1)

وفي «المستند»:

بل لا إشكال في وجوب الإعادة في الوقت والقضاء في خارجه عملاً بقوله: «إذا


1) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 165.

استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة، لم يعتدّ بها واستقبل صلاته استقبالاً فهو كمن صلّى الفجر ثلاثاً أو المغرب أربعاً الذي لا ريب في بطلانه» (1)

وحاصل مرامهم أنّ الروايات الدالّة على بطلان الصلاة بالزيادة تشمل المقام بعمومها. وأمّا صحيح العيص وخبر أبي بصير المتقدّمان فغير شاملين لما نحن فيه؛ لظهورهما فيمن قصد التمام من أوّل الأمر بل الظاهر أنّه مفروغ عنه عند المحقّق الخوئي ولهذا لم يشر إلى الروايتين.

والانصاف أنّ صحيح العيص يشمل المورد أيضاً؛ لأنّ قوله: «فأتمّ الصلاة» ظاهر في أنّ الإتمام إنّما وقع بعد نيّة القصر بلا فرق بين أن عرض السهو من الابتداء أو الأثناء نظراً إلى إطلاقه. ووقوع الإطلاق في كلام الراوي لا يضرّ بالمقصود؛ لصدور الجواب منه علیه السلام على وفق السؤال. وكذا الكلام في خبر أبي بصير، بل لك أن تقول: إنّ الجواب أيضاً مطلق؛ فإنّ قوله علیه السلام: «وإن لم يذكر حتى مضى ذلك اليوم» شامل لمن نسي الحكم قبل الشروع أو في الأثناء. ومنه يظهر ضعف ما استظهره السيّد الحكيم من اختصاص الروايتين لمن قصد الأربع من أوّل الأمر، وكذا ما ذكره في «المستند» من عدم الفرق بين كون التذكّر في الوقت أو في خارجه.

وتحصّل من تمام ذلك: أنّ صحيحة عيص بن القاسم ورواية أبي بصير ظاهرتان في الناسي مطلقاً، ومفادهما التفصيل بين التذكّر في الوقت فتجب الإعادة وبين التذكّر في خارجه فلا يجب القضاء، وإن كان النسيان في أثناء الصلاة. وعليه، فالأقوى في السهو أيضاً هو التفصيل بين الإعادة والقضاء للروايتين. إلّا أنّ المشهور وجوب القضاء عليه، بل لم أرَ من أفتى بعدمه، إلّا ما يظهر من «الجواهر» حيث قال:

بل قد يفرق بينهما أيضاً بناءً على فرض المسألة أيضاً فيمن قصد القصر، إلّا أنّه سها عنه في الأثناء فقام إلى التمام بظهور الوحدة هنا -أي: إنّها صلاة واحدة-


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 371.

بخلافه في تلك. (1)

حيث يظهر منه عند التأمّل وجود القائل باتّحاد عروض السهو للإتمام مع ما لو نسي وقصد الإتمام من الأوّل، لمكان قوله: «بل قد يفرق بينهما». (2)


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 350.

2) هذا ما أفاده شيخنا الأستاذ ولكن لا يساعده كلام الجواهر نظراً إلى استدلاله بالإجماع.

حكم الصوم في السفر

مسألة 4:

حكم الصوم فيما ذكر حكم الصلاة فيبطل مع العلم والعمد، ويصحّ مع الجهل بأصل الحكم، دون الجهل بالخصوصيّات ودون الجهل بالموضوع. [1]

[1] قد أشير في هذه المسألة إلى صور ثلاث:

1.

ما إذا صام في السفر عالماً بعدم مشروعيّة الصوم؛

2.

أن يصوم فيه مع الجهل بالحكم رأساً؛

3.

أن يصوم فيه مع الجهل بالموضوع أو الجهل بالخصوصيّات.

أمّا الأولى: فلا ريب في بطلانه؛ لأنّ الإفطار في السفر - مع اجتماع الشرائط - عزيمة لقوله سبحانه: (فَمَنْ كانَ مِنْكُم مَرِيضاً أوعَلى سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَر) (1)فالآية صريحة في وجوب القضاء بعد شهر رمضان الكاشف عن البطلان القطعيّ، والنصوص على ذلك متظافرة، بل متواترة في الجملة وهذا واضح جدّاً.

وأمّا الثانية: - أعني: ما إذا صام في السفر جهلاً بالحكم-، فالظاهر أنّه لا إشكال في صحّته وإجزائه، للأخبار الكثيرة الواردة في كتاب الصوم. منها صحيحة عبدالرحمان بن أبي عبدالله عن الصادق علیه السلام قال:

سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ صَامَ شَهْرَ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ لَمْ يَبْلُغْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله و سلم نَهَى عَنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَقَدْ أَجْزَأَ عَنْهُ الصَّوْمُ. (2)

ونحوه غيرها. (3)

وأمّا الثالثة: - أعني: الجهل بالموضوع أو بعض الخصوصيّات - كما إذا قصد مكاناً معيّناً هو مسافة واقعاً ولكن لم يعلم بذلك، أو اعتقد أنّ الإفطار خاصّ بالأسفار البعيدة جدّاً أو


1) البقرة: 184.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 10، ص 179، باب 2، ح 2.

3) نفس المصدر، ص 179 - 180، باب 2، ح 3، 4، 5 و 6 .

بالمسافة الامتداديّة ونحو ذلك، ففي إلحاقها بالعالم العامد، أو الجاهل بأصل الحكم، أو التفصيل بين الجاهل بالموضوع فيبطل صومه، وبين الجاهل بالخصوصيّات فيصحّ، وجوه بل أقوال.

أمّا القول بالإلحاق على العالم، فيوجّه بأنّ هناك طائفتين من الروايات:

الطائفة الأولى: إطلاق ما يدلّ على بطلان الصوم في السفر إذا بلغه أنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم نهى عنه فيه، وهي تشمل المقام نظراً إلى أنّ المراد من البلوغ هو العلم بأصل الحكم، فلا يجتمع ذلك مع الجهل سواء كان جاهلاً ببعض الخصوصيّات أم كان جاهلاً بالحكم أم الموضوع.

الطائفة الثانية: ما دلّ بإطلاقها على الصّحّة، أعني: ما يدلّ على صحّة صوم الجاهل، سواء كان جاهلاً بالحكم أم الموضوع أم الخصوصيّات، كما في صحيحتي العيص وليث المرادي المتقدّمتين. (1)

وبما أنّ الطائفة الأولى أقوى ظهوراً، فيقيّد بها الإطلاق في الطائفة الثانية، فينتج أنّ المراد من الجاهل المعذور إنّما هو الجاهل بأصل الحكم دون الموضوع أو الخصوصيّات، وعلى تقدير التساوي تتساقطان بالمعارضة فيرجع إلى ما يدلّ على البطلان، كالآية الشريفة والنصوص العامّة.

قلت: الأظهر في المقام تبعاً لجملة من الأعلام هو الصّحّة في الفرضين، أي: الجهل بالموضوع والجهل بالخصوصيّات، أمّا في الجاهل بالخصوصيّات، فلأنّ قوله علیه السلام في صحيحة الحلبيّ: «إن كان بلغه أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم نهى عن ذلك فعليه القضاء» وكذا صحيحة عبدالرحمان ظاهرة بحسب الفهم العرفيّ في صحّة الصوم حينئذٍ؛ لأنّ المراد من المشار إليه بإسم الإشارة هو حصّة خاصّة، أعني: ما وقع من الصوم في الخارج ومن الظاهر أنّ نهي رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عن الصوم لم يبلغه، فيكون الجاهل بالخصوصيّات معذوراً، فيصحّ صومه.

وإن أبيت ذلك، فظاهر قوله علیه السلام في صحيح العيص: «من صام في السفر بجهالة لم يقضه» ونحوه صحيح ليث المراديّ أنّ الموضوع في عدم القضاء هو مطلق الجهالة الشاملة للجاهل


1) تقدّما في الموضع الثالث.

بالخصوصيّات أيضاً، ولا وجه لتقييدهما بمثل صحيحة الحلبيّ وعبدالرحمان؛ لعدم التعارض بينهما من جهة عدم بلوغ نهي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم إليه بالمعنى المتقدّم.

وأمّا الجاهل بالموضوع، فحاله أوضح من الجاهل بالخصوصيّة، فما ذكرناه في الجهل بالخصوصيّة فهو جارٍ هنا أيضاً بلا كلام.

نعم؛ ربما يقال إنّ الجاهل بالموضوع قد بلغه نهي النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم عن الصوم في السفر وتمّ البيان من قبله صلى الله عليه و آله و سلم؛ إذ ليس شأنه صلى الله عليه و آله و سلم إلّا بيان الأحكام على نحو القضايا الحقيقيّة، لا إيصالها إلى آحاد المكلّفين، فالجاهل بالموضوع عالم بذلك النهي الكلّيّ، وإنّما الجهل في شيء يرجع إلى نفسه وينشأ من قبله وهو لا ينافي صدق البلوغ في حقّه. وأجاب عنه بعض الأعلام بأنّ:

بلوغ الحكم ووصوله منوط بإحراز الكبرى والصغرى معاً، أي العلم بالحكم الكلّيّ وبانطباقه على الموضوع الخارجيّ، ولا يغني الأوّل عن الثاني، -ثمّ قال:- ومع التنزّل والشّكّ في أنّ موضوع الحكم هل هو بلوغ النهي عن الطبيعيّ أو الفرد وأنّ العبرة بالجهل بأصل الحكم أو حتى بموضوعه، فغايته إجمال صحيح الحلبيّ وعبدالرحمان، فيرجع حينئذٍ إلى إطلاق صحيح العيص السليم عمّا يصلح للتقیید. (1)

فتحصّل ممّا ذكرناه أنّ الصوم مثل الصلاة في صورتين وهما صورة العلم بأصل الحكم أو الجهل به.

وأمّا الجهل بالخصوصيّات أو الجهل بالموضوع، فالحقّ أنّ الصوم ليس مثل الصلاة بل يحكم بصحّة الصوم فيهما بخلاف الصلاة.

ثمّ إنّ المصنّف لم يتعرّض لصورة النسيان أو الغفلة. نعم؛ مقتضى قوله في صدر المسألة: «حكم الصوم في ما ذكر حكم الصلاة» هو عدم وجوب القضاء لمن صام في السفر نسياناً.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 377.

إلّا أنّ في الصوم دليلاً خاصّاً يدلّ على وجوب القضاء وهو صدق البلوغ - بلوغ النهي- مع النسيان أو الغفلة كما لا يخفى، وعليه يفرق بين الصوم والصلاة في النسيان، فيجب القضاء في الصوم دون الصلاة.

لو قصّر في موضع الإتمام

مسألة 5:

إذا قصّر من وظيفته التمام بطلت صلاته في جميع الموارد، إلّا في المقيم المقصّر للجهل بأنّ حكمه التمام. [1]

[1] أمّا بطلان صلاة من قصّر مع كون وظيفته التمام فالظاهر أنّه لا إشكال فيه بمقتضى القاعدة؛ فإنّ الإتيان بالقصر مع كون الوظيفة هي التمام موجب لترك جملة من الأركان، فلا يكون المأتيّ به مطابقاً للمأمور به، وهو واضح لا سترة عليه.

وأمّا صحّة الصلاة في المستثنى - أعني: تقصير المقيم جهلاً- فقد ذهب المشهور إلى البطلان ووجوب الإعادة؛ لعدم مطابقة المأتيّ به مع المأمور به، فيكون الإعادة على مقتضى القاعدة. واختار جماعة الصّحّة كالمصنّف وغيره. قال البحرانيّ بعد نقل صحيحة منصور بن حازم الآتية:

والقول بها - الصّحّة - متّجه؛ لعدم المعارض، بل وجود المؤيّد لها من الأخبار الدالّة على معذوريّة الجاهل في مواضع عديدة. بل يمكن القول بمعذوريّة الجاهل في هذا المقام مطلقاً، كما اختاره بعض مشايخنا المحقّقين. - ثمّ قال:- وبالجملة؛ فإنّ الجاهل في الصورة الّتي هي مورد صحيحة منصور المذكورة ممّا لا شكّ في الحكم بمعذوريّته للرواية. (1)

وعلى أيّ حال؛ فقد اختار المصنّف صحّة الصلاة وعدم وجوب الإعادة واستدلّ له بما رواه الشيخ عن سعد بن موسى بن عمر، عن عليّ بن النعمان، عن منصور بن حازم عن أبي عبدالله علیه السلام قال:

سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِذَا أَتَيْتَ بَلْدَةً فَأَزْمَعْتَ الْمُقَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ فَإِنْ تَرَكَهُ رَجُلٌ جَاهِلًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةٌ. (2)


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 436.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 506، باب 17 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

والحديث كما ترى مختصّ بمن قصّر مع كون وظيفته الإتمام لمكان إقامة العشرة.

وهناك رواية تدلّ على عدم وجوب القضاء للجاهل، حتّى ولو كان في مثل صلاة المغرب الّتي لا يجوز فيها القصر. وهي موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عليه السلام عَنِ امْرَأَةٍ كَانَتْ مَعَنَا فِي السَّفَرِ وَكَانَتْ تُصَلِّي الْمَغْرِبَ رَكْعَتَيْنِ ذَاهِبَةً وَجَائِيَةً؟ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهَا قَضَاءٌ. (1)

والعمدة هي صحيحة منصور وهي واضحة الدلالة وصحيحة السند وقد عمل بها غير واحد من الأعلام وقد تقدّم نقل كلام «الحدائق» في ذلك.

وقال السبزواريّ بعد نقل صحيح منصور:

وهو دالّ على الصحّة في بعض صور وجوب الإتمام والعمل به حسن؛ لصحّته وخلّوه عن المعارض، لكن ينبغي الاقتصار على مدلول النّص. (2)

وقال الأردبيليّ:

وأمّا مع الجهل في المواضع المشتبهة، فلا يبعد الصّحّة وكونه عذراً، ويدلّ عليه أيضاً صحيحة منصور . (3)

وقال في «المستند»:

فقد دلّت صحيحة منصور بن حازم على الصحّة. -ثمّ قال:- وهي كما ترى صحيحة السند، ظاهرة الدلالة، ومقتضى الصناعة الخروج بها عن مقتضى القاعدة الأوّليّة والالتزام بالصحّة في موردها. (4)

وقال السيّد الميلاني بعد نقل الرواية:

وإنّما الإشكال أنّ هذه الروايات مع أنّها كانت بمرأى من المشهور لم يعتمدوا


1) نفس المصدر، ح 7.

2) ذخيرة المعاد في شرح الإرشاد الأذهان إلي أحكام الايمان؛ ص 414.

3) مجمع الفائدة والبرهان؛ ج 3، ص 436.

4) مستند العروة؛ ج 8، ص 378.

عليها، بل أطلقوا القول بعدم صحّة القصر في موضع التمام، لكنّ الإنصاف أنّه لا تسقط بمجرّد ذلك عن الحجّيّة، فالقول بالصّحّة في خصوص موردها هو الأظهر. (1)

وقال الحكيم:

فالعمل به في مورده -كما في المتن- لا يخلو من قوّة. (2)

وهو مختار كلّ من لم يعلّق على كلام المصنّف.

وبالجملة؛ أنّ القائل بالصّحّة كثير جدّاً ومستندهم في ذلك هي صحيحة منصور بن حازم، وهي حجّة لصحّة سندها ووضوح دلالتها.

ودعوى الإعراض عنها- كما في بعض الكلمات- خالية عن السداد، كيف؟ فقد عمل بها ابن سعيد -وهو من القدماء- وأكثر المتأخّرين كما عرفت كلام جملة منهم.

وسكوت مشهور القدماء وعدم تعرّضهم لهذا الفرع لا يدلّ على إعراضهم عن الرواية؛ لاحتمال كونه غفلة عنه، أو أنّه لم يكن ممّا يبتلى به في تلك الأزمنة، فلو كانوا معرضين عنها لكان عليهم الفتوى بوجوب الإعادة والقضاء، وليس سكوتهم مختصّاً بهذا الفرع، بل قد تركوا جملة من المسائل الّتي ذكرها المتأخّرون.

هذا، وقد أنكر المحقّق الخوئي موهنيّة الإعراض كبروياً كما قرّرة في الأصول وفي كثير من المسائل الفقهيّة. ولكنّه لم يشر إلى موثّقة اسحاق بن عمّار المتقدّمة مع أنّه بنی أمره على العمل بالخبر المعتبر، أي ما كان راويه موثّقاً، فكيف اعتمد على رواية منصور دون موثّقة ابن عمّار التي هي حجّة عند الكلّ؟ اللّهمّ إلّا ان يقال إنّ السبب في ذلك عدم مشروعيّة التقصير في المغرب.

وفيه أنّه يقال مثله في محلّ الإقامة أيضاً؛ لعدم جواز التقصير لمن قصد الإقامة، فلا فرق


1) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 354.

2) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 167.

بين المقامين من هذه الجهة.

ومع ذلك كلّه، ذهب المشهور إلى البطلان ووجوب الإعادة استناداً إلى مقتضى القاعدة، أعني: عدم مطابقة المأتيّ به مع المأمور به، فإنّ نقصان الركن بل الأركان موجب للبطلان.

وأمّا الصّحيحة المتقدّمة، فليست حجّة عندهم لإعراض القدماء وعدم عملهم بها مع كونها بمرأى ومسمع منهم، والإعراض -على تقدير تحقّقه- موجب لوهن الخبر، كما أنّ عمل القدماء بخبر يوجب الوثوق به وإن كان ضعيفاً بحسب السند، هذا من حيث الكبرى.

وأمّا الصغرى، فإنّ الخبر مع كونه بمرأى منهم لم يفتوا على طبقه، فعدم إفتائهم مع نقلهم له كاشف عن عدم اعتمادهم عليه، وأمّا عمل ابن سعيد فلا يضرّ بالإعراض لندرته، مع أنّ سند الرواية لا يخلو من شيء؛ فإنّ موسى بن عمر مشترك بين شخصين: أحدهما موسى بن عمر بن بزيع، وهو موثّق جليل القدر وهو من أصحاب الإمام الهاديّ علیه السلام؛ وثانيهما موسى بن عمر بن يزيد، وهو لم يرد في حقّه توثيق وقيل: إنّه من أصحاب الإمام العسكريّ علیه السلام.

والمظنون أنّ الواقع في طريق الخبر هو الثاني المجهول؛ وذلك لأنّ الراوي عن كتابه هو سعد بن عبدالله الذي هو في طبقة محمد بن يحيى شيخ الكلينيّ، فموسى بن عمر في طبقة مشايخ مشايخ الكلينيّ، ولأجله يظنّ أنّ الموجود في الطريق هو غير الموثّق. وعلى تقدير التنازل نقول: إنّه يشكّ في حال الرجل، ومن الظاهر أنّ الشّكّ في التوثيق مساوق مع عدمه، ومعه يشكل الاعتماد عليه، بل لا يصحّ.

وأمّا تصحيح الرواية بوقوع الرجل في أسناد «كامل الزيارات» كما فعله المحقّق الخوئي و به حكم على صحّتها واعتبارها، فليس بشيء عندنا؛ لما تقدّم مراراً من عدم صحّة المبنى فلا نعيد، مع أنّه عدل عن هذا المبنى أخيراً وخصّ التوثيق بالمشايخ فقط. وعليه، يسقط الخبر عن الحجّيّة.

ومن تمام ذلك تعلم الإشكال في القولين قوّة وضعفاً، ولذا احتاط بعض الأعلام في حاشيته على العروة ولقد كتبنا في التعليقة:

في الإستثناء نظر، بل منع.

وعلى أيّ حال، فلابدّ من الاحتياط.

بقي الكلام فيما ذكره سيّدنا البروجردي من الجزم بضعف الروايتين بإعراض الأصحاب حيث قال - بعد نقل الروايتين-:

لكن لا يخفى أنّ الأصحاب أعرضوا عن العمل بالروايتين، وقد عرفت سابقاً أنّ الرواية الشّاذّة ليست حجّة شرعيّة وإن لم يعارضها غيرها؛ إذ عمدة الدليل على حجّيّة الخبر بناء العقلاء، وليس بناؤهم على العمل بما رويت عن المولى إذا أعرض عنها بطانته وخواصّه العارفون بآرائه وعقائده وليس للعبد أن يحتجّ على المولى بهذا القبيل من الروايات. -ثمّ قال:- وبالجملة، الروايتان الدالّتان على معذوريّة من قصّر في موضع الإتمام جهلاً فقد أعرض عنهما الأصحاب، فيجب العمل على وفق ما تقتضيه القاعدة، وهو وجوب الإعادة مطلقاً. (1)

قلت: ما أفاده في المقام كبرويّاً في غاية الجودة والمتانة ولا معدل عنه وعليه الاعتماد. وأمّا الصغرى، وهي دعوى الإعراض، فإنّما تصدق بالنسبة إلى موثّقة إسحاق بن عمّار، وقد صرّح به الشيخ حيث قال - بعد نقل الموثّقة-:

فهذا خبر شاذّ لا نعمل عليه؛ لأنّا قد بيّنا أنّ المغرب لا يقصّر فيه. (2)

وأمّا بالإضافة إلى رواية منصور بن حازم، فإثبات الإعراض لا يخلوا عن تأملٍ، كما عرفت، فلعلّه اطّلع على ما لم نطّلع عليه وإن أشرنا آنفاً إلى وجه تصحيح مقاله من عدم إحراز عمل المشهور بها. والذي يسهل الخطب أنّ السيد الأستاذ قدس سره يرى الخبر ضعيفاً حيث قال - بعد نقلها-

والرواية ضعيفة بموسى بن عمر. (3)


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 273.

2) التهذيب الأحكام؛ ج 3، ص 235.

3) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 272.

لو لم يصلّ الجاهل بأصل الحكم في الوقت

مسألة 6:

إذا كان جاهلاً بأصل الحكم ولكن لم يصلّ في الوقت، وجب عليه القصر في القضاء بعد العلم به وإن كان لو أتمّ في الوقت كان صحيحاً. فصحّة التمام منه ليس لأجل أنّه تكليفه، بل من باب الاغتفار، فلا ينافي ما ذكرناه قوله: «اقض ما فات كما فات». ففي الحقيقة، الفائت منه هو القصر لا التمام.

وكذا الكلام في الناسي للسفر أو لحكمه؛ فإنّه لو لم يصلّ أصلاً - عصياناً أو لعذر - وجب عليه القضاء قصراً. [1]

[1] قد تقدّم أنّ الجاهل بأصل الحكم لو أتمّ صلاته في الوقت جهلاً، صحّت صلاته ولا حاجة إلى الإعادة أو القضاء بمقتضى صحيحة زرارة ومحمّد بن مسلم. هذا ممّا لا كلام فيه ، وإنّما الكلام فيما إذا لم يصلّ في السفر عصياناً أو نسياناً في الوقت مع كونه جاهلاً أو ناسياً بأصل القصر. فهل يجب عليه القضاء – بعد الوقت – تماماً بلحاظ انقلاب وظيفته إلى التمام من جهة حكم الشارع بصحّة التمام منه لو كان صلّى كذلك حال الجهل، فيشمله قولهم: «اقض ما فات كما فات»؟ أو يجب عليه القضاء قصراً بلحاظ أنّ وظيفته الأصليّة هي القصر في السفر؟ الظاهر هو الثاني كما في المتن. والوجه في ذلك أنّ الوظيفة الواقعيّة على المسافر هي القصر من غير فرق بين العالم والجاهل بمقتضى عموم ما دلّ على وجوب القصر عليه مع اجتماع الشرائط، وأنّ لله تعالى في كلّ واقعة حكماً يشترك فيه العالم والجاهل.

نعم؛ استثني من ذلك الجاهل إذا صلّى تماماً في الوقت، فإنّه لا يجب عليه الإعادة أو القضاء للنّصّ الخاصّ، وهذا تصرّفٌ من الشارع في مقام الامتثال حيث يقبل غير المأمور به مكان المأمور به، ولا يوجب هذا انقلاب التكليف من القصر إلى التمام في حقّ الجاهل. وعليه، فالباقي في ذمّة المكلّف هو القصر، فيشمله قوله: «اقض ما فات كما فات»؛ لأنّ

الفائت في الواقع هو القصر.

ثمّ يقع الكلام في أنّ الجاهل بالقصر- الذي لم يصلّ في الوقت أصلاً- لو قضاها تماماً بعد الوقت -قبل العلم بكون وظيفته هي القصر في القضاء- فهل يصحّ ذلك منه، أو يجب عليه إعادتها قصراً؟ الظاهر الأوّل؛ عملاً بإطلاق دليل الإجزاء الشامل لحالتي الأداء والقضاء، فإنّ الشارع تصرّف في مقام الامتثال وتقبّل غير المأمور به من الجاهل حين الجهل من غير تقييد ذلك بصورة الأداء، كما يظهر ذلك بالتّدبّر في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم المفصّلة بین قراءة آية التقصير وتفسيرها وبين عدمهما.

إذا تذكّر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة

مسألة 7:

إذا تذكّر الناسي للسفر أو لحكمه في أثناء الصلاة:

٭فإن كان قبل الدخول في ركوع الركعة الثالثة أتمّ الصلاة قصراً واجتزأ بها ولا يضرّ كونه ناوياً من الأوّل للتمام؛ لأنّه من باب الداعي والاشتباه في المصداق لا التقييد، فيكفي قصد الصلاة والقربة بها؛

*وإن تذكّر بعد ذلك بطلت ووجب عليه الإعادة مع سعة الوقت ولو بإدراك ركعة من الوقت؛

*بل وكذا لو تذكّر بعد الصلاة تماماً وقد بقي من الوقت مقدار ركعة، فإنّه يجب عليه إعادتها قصراً.

وكذا الحال في الجاهل بأنّ مقصده مسافة إذا شرع في الصلاة بنيّة التمام ثمّ علم بذلك، أو الجاهل بخصوصيّات الحكم إذا نوى التمام ثمّ علم في الأثناء أنّ حكمه القصر، بل الظاهر أنّ حكم من كان وظيفته التمام إذا شرع في الصلاة بنيّة القصر جهلاً ثمّ تذكّر في الأثناء العدول إلى التمام، ولا يضرّه أنّه نوى من الأوّل ركعتين مع أنّ الواجب عليه أربع ركعات، لما ذكر من كفاية قصد الصلاة متقرّباً وإن تخيّل أنّ الواجب هو القصر؛ لأنّه من باب الاشتباه في التطبيق والمصداق لا التقييد، فالمقيم الجاهل بأنّ وظيفته التمام إذا قصد القصر ثمّ علم في الأثناء يعدل إلى التمام ويجتزىء به، لكن الأحوط الإتمام والإعادة، بل الأحوط في الفرض الأوّل أيضاً الإعادة قصراً بعد الإتمام قصراً. [1]

[1] توضيح الكلام في المقام يستدعي تقديم مقدّمة وهي أنّ الأمور على قسمين:

1. الأمور القصديّة، وهي الّتي تتوقّف قوامها وتحقّقها على القصد، فبدونه لا قوام لها ولا تميّز كالركوع، فإنّ مجرّد الانحناء لا يعدّ ركوعاً صلاتيّاً، بل لابدّ من قصد كونه ركوعاً لها، وهذا واضح. ومنه صلاة الظهر والعصر، فإنّ كلّاً منهما رباعيّة ومشتركة في جميع الخصوصيّات،

فلابدّ في امتياز إحداهما عن الأخرى وتحقّق امتثال صلاة الظهر والعصر من القصد والنيّة.

2. الأمور الحقيقيّة الخارجيّة، وهي الّتي لا تحتاج تحقّقها وتشخّصها إلى القصد، كامتياز المغرب من العشاء والتيمّم من الغسل والصلاة من الصوم. وهكذا.

إذا عرفت هذا فنقول:

قد وقع الخلاف في القصر والإتمام في أنّهما من الأمور القصديّة أو الخارجيّة؟ فيظهر من الأستاذ في باب النيّة مسألة (2) كونهما من الأمور القصديّة؛ حيث قال في التعليقة:

والقصر عبارة عن الركعتين بشرط لا والإتمام عبارة أخرى عن أربع ركعات، فكيف لا يجب قصد ركعات الصلاة؟ (1)

ويوهمه كلام البعض الآخر في هذا المقام أيضاً، فراجع تعاليق المسألة، بل هو مبنى أكثر القدماء كما سيجيء في مسألة (8).

والإنصاف أنّ القصر والإتمام من الأمور الحقيقيّة الخارجيّة، فيتحقّق القصر بإتمام الصلاة ركعتين وإن لم يكن من نيّته ذلك من الابتداء بعد ما قصد الأمر المتعلّق على ما هي وظيفته فعلاً. وكذا الكلام في الإتمام، فإنّه إذا قصد الأمر المتعلّق على صلاة هي وظيفته الفعليّة تقع صحيحة وإن لم ينو التمام من أوّل الأمر.

وبالجملة؛ إنّه لو نوى الصلاة وأتمّ في الركعتين تقع قصراً وإن كان ناوياً للتمام، ولو نواها وأتمّ أربعاً تقع تماماً وإن كان ناوياً للقصر؛ إذ المعتبر هو قصد الأمر المتعلّق على ما هي وظيفته بالفعل متقرّباً به إليه سبحانه، وقد حصل ذلك كما هو المفروض، فيسقط الأمر بذلك. وعلى هذا، فلو نوى التمام ناسياً للسفر أو لحكمه ثمّ تذكّر في الأثناء فأتمّ الصلاة ركعتين، تقع صحيحة قصراً، ولا يضرّه نيّة الإتمام في الابتداء؛ لأنّه من قبيل الخطأ في التطبيق.

ومنه يظهر أنّه لو تذكّر في محلّ يمكنه تصحيح الصلاة بالعدول إلى القصر، كما إذا تذكّر قبل الدخول في ركوع الثالثة، فيجب عليه ذلك بهدم ما بيده من الركعة، فيجلس ويسلّم


1) السيد كاظم الشريعتمداري.

ويجتزىء بها، لحصول الامتثال بالإتيان بما هو وظيفته واقعاً، وهي ذات المأمور به بقصد القربة وقد حصل ذلك بالفرض.

وعليه، لو كان المكلّف جاهلاً بعدد الركعات - مثلاً - ونوى إتيان الصلاة مثل ما يأتي إمامه تقع صلاته صحيحة إذا سلّم معه، بل وكذا إذا لم يعلم جزئيّة شيء -كالسورة- ونوى الصلاة بدونها، ثمّ انكشف الحال قبل تجاوز المحلّ، فتصحّ صلاته لو أتى بها في محلّه وإن لم ينوها من الأوّل. والوجه في ذلك ما أشير إليه من أن هذه كلّها ليست من الأمور القصديّة، فيكون قصد خلافها من الخطأ في التطبيق والداعي. ومنه يظهر الحال في المسألة الآتية، فإنّ ما يذكره السيّد مبنيّ على ذلك.

وأمّا لو تذكّر الناسي للسفر أو حكمه بعد الدخول في ركوع الثالثة بطلت صلاته؛ لعدم إمكان تصحيح الصلاة حينئذٍ، فتجب الإعادة في الوقت ولو بإدراك ركعة من الوقت لقاعدة «من أدرك»، وكذلك لو تذكّر بعد الفراغ كذلك. نعم، لو تذكّر بعد الوقت فلا يجب القضاء؛ لصحيحة عيص بن القاسم: «وإن كان الوقت قد مضى فلا» - أي فلا إعادة بناء على ما اخترناه من اختصاص الصحيحة بالناسي.

وأمّا إذا تذكّر بعد ضيق الوقت بحيث لا يتمكّن من إدراك الركعة في الوقت وقد دخل في ركوع الركعة الثالثة، فربّما يتخيّل أنّه يتمّها ولا يرفع اليد عنها؛ إذ لو رفع اليد عنها لزمه القضاء، وقد نطقت النصوص المتقدّمة باب (17) على سقوط القضاء عن الناسي، فيتمّ صلاته حذراً من مخالفة تلك النصوص. وأورد عليه المحقّق الخوئي بأنّ:

الروايات الناطقة بسقوط القضاء، موضوعها من أتمّ في موضع القصر سهواً أو جهلاً بحيث تتّصف تلك الزيادة بكونها زيادة سهويّة أو جهليّة، وأنّها حينئذٍ مغتفرة بمقتضى تلك النصوص كما تقدّم. وأمّا الزيادة المأتيّ بها عن علم وعمد كما في المقام حيث إنّ الإجزاء المأتيّ بها بعد التذكّر أو الالتفات عمديّة لا محالة، فلم يقم أيّ دليل على اغتفارها. ومعه كيف يسوغ له إتمام الصلاة، وكيف

يأتي بهذه الزيادات، أعني الأقلّ من الركعة عالماً عامداً ولم ترد ولا رواية ضعيفة تقتضي العفو عنها حتّى يخرج بها عن عموم دليل قدح الزيادة، فمقتضى القاعدة البطلان ولزوم الإعادة. (1)

فما ذكره متين لا معدل عنه.


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 386 .

لو قصّر المسافر اتّفاقاً لا عن قصد

مسألة 8:

لو قصّر المسافر اتّفاقاً لا عن قصد، فالظاهر صحّة صلاته وإن كان الأحوط الإعادة، بل وكذا لو كان جاهلاً بأنّ وظيفته القصر فنوى التمام لكنّه قصّر سهواً، والاحتياط بالإعادة في هذه الصورة آكد وأشدّ. [1]

[1] قد اتّضح الحال في هذه المسألة ممّا ذكرناه في سابقتها، ومع ذلك أفردها المصنّف لما اشتهر بينهم إلى زمن المحقّق الهمداني من الحكم بالبطلان فيما لو قصّر المسافر اتّفاقاً من غير قصده. ففي «الشرائع »:

لو قصّر المسافر اتّفاقاً لم تصحّ.

وقال في «الجواهر»:

ولو قصّر المسافر اتّفاقاً لا بقصد التقصير، إمّا لجهله بأنّ حكم المسافر التقصير، أو لغير ذلك لم تصحّ صلاته، بلا خلاف أجده فيه بين من تعرّض له؛ لأنّه قد صلّى صلاة يعتقد فسادها وأنّها غير المأمور بها، بل لم تكن مقصودة بحال ولا لاحظ فيها التقرّب. وبالجملة، ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، وأعاد حينئذٍ قصراً في الوقت؛ لأصالة الشغل وعدم صدق الامتثال. - ثمّ قال:- ولو علم خارج الوقت، ففي القضاء إتماماً أو قصراً وجهان ينشآن ممّا ستسمعه. (1)

وظاهر هذا الكلام التزامه بالبطلان في المقام جزماً؛ لأنّ القصر لم يكن مقصوداً - لفرض الجهل به- وأنّ ما وقع لم يكن مقصوداً وعليه فلا يتحقّق التقرّب الذي هو أساس عباديّة العبادة، ولازم تعليله عدم الفرق بين صورتي النسيان والجهل، فتبطل الصلاة في صورة النسيان أيضاً. نعم، يظهر منه في آخر كلامه الميل إلى الصّحّة، بل قوّتها فيما لو نوى التمام نسياناً ثمّ سلّم على الركعتين سهواً أو غفلة ثمّ تذكّر. واستوجهه بقوله:


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 335.

بأنّ نيّة الإتمام سهواً - مع عدم وقوع غير القصر منه - لا تؤثّر بطلاناً، بل تكون لغواً - إلى أن قال:- وهو لا يخلو من وجه. (1)

وفيه سؤال الفرق بين الجهل والنسيان مع عموم التعليل الذي ذكره من أنّ ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع؟ وأمّا الهمداني، فصدر كلامه نظير ما تقدّم من «الجواهر» من التوجيه وعدم الخلاف فيه، ثمّ قال:

ولا ينافي ذلك ما قوّيناه من اتّحاد ماهيّة القصر والإتمام ذاتاً، وعدم اعتبار تعيينهما بالقصد في ابتداء العمل - لما أشير إليه من كونهما من الأمور الخارجيّة-؛ إذ المراد بذلك مشاركتهما في الأوليين وعدم امتياز أحدهما عن الآخر إلّا بالاعتبارات اللاحقة للأوليين لا في ذاتهما، وإلّا فمن الواضح اشتراط المقصورة بالاقتصار على الأوليين والخروج عنهما بالتسليم والتامّة بخلافها، فلابدّ في حصول إطاعة الأمر المتعلّق بكلّ منهما من وقوع الفعل على الوجه الذي تعلّق به طلبه عن اختياره.

ثمّ قال:

ولكن قد أشرنا فيما قدّمناه في مبحث نيّة الوضوء إلى أنّه لو لا ظهور كلماتهم في التسالم على بطلان العبادة فيما هو من نظائر المقام لم يبعد الالتزام بكفاية كون الأمر الواقعيّ داعياً إلى حصول متعلّقه بقصد طاعته ووقوعه عبادة وإن كان المكلّف مخطئاً في تشخيص الواجب وتعيين متعلّقه، كما لو أمر بإحضار زيد فالتبس عليه الأمر وزعم أنّه طلب منه إحضار عمرو، فدعاه هذا الطلب إلى إحضار عمرو واتّفق خطاؤه في تشخيص عمرو ومصادفته زيداً. (2)

وأنت ترى أنّه أبدع احتمال صحّة الصلاة وعدم وجوب الإعادة، وكلامه هذا حسن جدّاً.


1) نفس المصدر، ص 336.

2) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 763.

وأمّا قوله: «فلو لا ظهور كلماتهم في التسالم»، فيرد عليه أنّه ليس إجماعهم هذا كاشفاً عن قول الإمام علیه السلام، فلا مانع من مخالفتهم عند كشف الواقع؛ إذ لا اعتماد على الشهرة، بل ولا على الإجماع؛ لعدم حجّيّته في المسائل المستنبطة كما قرّرناه في محلّه.

وكيف كان؛ فهو أوّل من أبدع احتمال الصّحّة على خلاف المشهور، ولكن لم يخترها صريحاً. نعم، أفتى السيّد بالصّحّة جزماً واحتاط بالإعادة استحباباً. والظاهر أنّه أوّل من خالف المشهور في ذلك وتبعه من تبع. وما اختاره المصنّف هو الصحيح.

إذا تحرّر ذلك فنقول: إنّ صور المسألة أربع:

الصورة الأولى: ما إذا علم أنّ وظيفته في السفر هو القصر ولكن قصد التمام تشريعاً.

فالظاهر أنّه لا إشكال في البطلان، بل لا يبعد كونه مجمعاً عليه؛ لأنّ التشريع محرّم، فلا يمكن التقرّب بالحرام كما لا يخفى. وإن كان يمكن تمشّي قصد القربة من بعض العوامّ حيث إنّهم يصومون في السفر تقرّباً مع علمهم بعدم جوازه فيه. فعلى كلّ حال فلا وجه للصّحّة؛ لعدم إتيان المأمور به عالماً عامداً.

الصورة الثانية: ما إذا غفل عن قصد خصوص القصر والإتمام، بل قصد مطلق الصلاة متقرّباً بها إليه سبحانه لكن سلّم على ركعتين غفلة أيضاً.

والظاهر أنّه لا كلام في الصحّة حينئذٍ؛ إذ لم يقصد التمام في الابتداء حتّى يقال: «ما قصد لم يقع» وقد أتى بما هو وظيفته واقعاً.

الصورة الثالثة: ما إذا قصد التمام ناسياً للسفر أو حكمه وأتمّها قصراً اتّفاقاً، كما إذا انتمّ بمن يقصّر صلاته فإذا سلّم الإمام سلّم المأموم أيضاً غفلة ثمّ تذكّر.

وهذه الصورة هي مراد المصنّف دون الصورتين الأوليين، وقد عرفت أنّه حكم بالصحّة وهو الصحيح؛ لما أشرنا من أنّه لا قصور في المأتيّ به أصلاً.

الصورة الرابعة: ما إذا قصد التمام في الابتداء جاهلاً بالسفر أو حكمه ولكن سلّم على الركعتين اتّفاقاً.

فقد حكم المصنّف بالصحّة أيضاً وهو الحقّ؛ لما أشرنا من عدم قصور في مقام الامتثال

لمطابقة المأتيّ به مع المأمور به واقعاً، ومن هنا قرّره عليه أكثر المحشّين كما لا يخفى. نعم، احتاط بالإعادة في الصورتين الأخيرتين - أي الجهل والنسيان - وجعله في صورة الجهل آكد وأشدّ. ولعلّ وجه احتياطه في الحالتين ذهاب المشهور إلى البطلان في مدّة طويلة.

وأمّا وجه آكديّة الاحتياط في الجاهل ما ربّما يقال من انقلاب وظيفته إلى التمام لأجل الجهل، بحيث لو كان باقياً على الجهل كان متمّماً للصلاة، وحيث سلّم على الركعتين اتفاقاً، فكأنّه لم يأت بالوظيفة، فيتدارك بالإعادة تماماً. ولكن المبنى غير سديد؛ لأنّ الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل، فكما أنّ وظيفة العالم هو القصر في السفر فكذا الجاهل، فلا وجه لانقلاب الوظيفة، غاية الأمر أنّ الجهل في المقام معذّر مادام موجوداً، كما هو كذلك في الجهر والإخفات وقد تقدّم تفصيل ذلك عن قريب فراجع.

هل المدار على حال الأداء أو حال الوجوب

مسألة 9:

إذا دخل عليه الوقت وهو حاضر متمكّن من الصلاة ولم يصلّ ثمّ سافر وجب عليه القصر، ولو دخل عليه الوقت وهو مسافر فلم يصلّ حتى دخل المنزل من الوطن أو محلّ الإقامة أو حدّ التّرخّص منهما أتمّ، فالمدار على حال الأداء لا حال الوجوب والتعلّق، لكن الأحوط في المقامين الجمع. [1]

[1] قد أشار المصنّف الى فرعين:

1.

ما إذا كان حاضراً في أوّل الوقت ولم يصلّ ثمّ سافر؛

2.

عكس الأوّل، أي كان مسافراً في أوّل الوقت ثمّ تبدّل حاله من السفر إلى الحضور.

فلنقدّم الكلام في الفرع الثاني لقلّة بحثه.

اعلم أنّه قد اختلف الأصحاب في أنّ الوظيفة فيه هل هي التمام- بعد دخوله البلد، أو محلّ الإقامة - بناء على أنّ الاعتبار على حال الأداء، أو هي القصر بناء على كون الاعتبار بحال الوجوب والتعلّق، أو يتخيّر بين القصر والتمام، أو يفصل بين سعة الوقت وضيقه؟ ذهب إلى كلّ من القولين الأوّلين جماعة، وأمّا القائل بالأخيرين فشاذّ. وليعلم أنّ محلّ الكلام ما إذا لم يصلّ في أوّل الوقت حتى تبدّل حاله من السفر إلى الحضور. ومنشأ الاختلاف هو اختلاف الأخبار. فينبغي قبل الخوض في نقل الأخبار والأقوال، بيان مقتضى القاعدة الأوّليّة، فنقول:

صرّح بعض الأعاظم بأنّ مقتضى القاعدة- أعني بها إطلاقات الأدلّة- مراعاة حال الأداء مع قطع النظر عن النصوص الخاصّة، فإنّ وظيفة المسافر والمقيم - الحاضر- هو الإتيان بالوظيفة الفعليّة حين الأداء. (1)وهو حسن جدّاً. ويظهر من العلّامة البروجردي التردّد في ذلك، فإنّه وإن احتمل في ابتداء كلامه كون الاعتبار بحال الأداء على ما ذكره مقرّر بحثه، إلّا أنّه احتمل أخيراً كون الاعتبار بحال الوجوب، حيث قال:


1) مستند العروة؛ ج 8، ص390.

ولقائل أن يقول: إنّ مقتضى القاعدة مراعاة حاله في أوّل الوقت، أعني: حال توجيه التكليف، فإنّه في أوّل الوقت يتوجّه إليه التكليف لا محالة، وحينئذٍ فإذا كان في أوّله مسافراً، يكون التكليف المتوجّه إليه صلاة مقصورة وتتنجّز هي في حقّه، فيجب عليه الخروج من عهدتها وإن تبدّل عنوانه، وكذلك من كان في أوّل الوقت حاضراً، كان المتوجّه إليه صلاة تامّة، فيجب عليه امتثالها.

ويمكن أن يستدلّ على هذا الوجه بالاستصحاب. - ثمّ أخذ في الخدشة في الاستصحاب بقوله:- ولكن لأحد أن يناقش فيه بأنّ الاستصحاب يحتاج إلى متيقّن سابق وحكم من تبدّل عنوانه مشكوك فيه من أوّل الأمر. ثمّ قال:- فالأقوى في هذه المسألة- من كان في أوّل الوقت مسافراً ولم يصلّ حين حضر أهله- الإتمام وفاقاً للمشهور. (1)

قلت: الحقّ أنّ مقتضى القاعدة كون الاعتبار بحال الأداء.

ومع ذلك؛ فقد اختلفوا في هذا الفرع على أقوال أربعة:

الأوّل: ما ذهب إليه المشهور في جميع الأعصار من أنّ الاعتبار بحال الأداء؛

الثاني: ما اختاره جماعة من أنّ الاعتبار بحال الوجوب؛

الثالث: ما عن الإسكافي من التخيير بين القصر والتمام، ومال إليه الميلاني؛

الرابع: التفصيل بين سعة الوقت فيتمّ وبين ضيقه فيقصّر، اختاره الشيخ في «النهاية».

وحيث إنّ منشأ تلك الأقوال اختلاف الأخبار، فلا بدّ من ملاحظتها، فهي على طوائف:

الطائفة الأولى: ما هو صريح في كون المدار على حال الأداء، مثل صحيحة اسماعيل بن جابر قال:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: يَدْخُلُ عَلَيَّ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَأَنَا فِي السَّفَرِ فَلَا أُصَلِّي حَتَّى أَدْخُلَ أَهْلِي؟ فَقَالَ: صَلِّ وَأَتِمَّ الصَّلَاةَ.


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 281.

قُلْتُ: فَدَخَل عَلَيَّ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَأَنَا فِي أَهْلِي أُرِيدُ السَّفَرَ فَلَا أُصَلِّي حَتَّى أَخْرُجَ؟ فَقَالَ: فَصَلِّ وَقَصِّرْ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَقَدْ خَالَفْتَ وَاللَّهِ رَسُولَ الله صلی الله علیه و آله و سلم. (1)

وهي واضحة الدلالة في أنّ الاعتبار بحال الأداء.

ومثلها صحيحة العيص قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: عَنِ الرَّجُلِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا؟ قَالَ: يُصَلِّيهَا أَرْبَعاً. وَقَالَ: لَا يَزَالُ يُقصّر حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ. (2)

وهي أيضاً واضحة الدلالة على المطلوب. والمراد من البيت هو الوطن والبلد، فالمعنى أن يقصّر ما لم يدخل المصر، فإذا دخل كذلك يتمّ، فالمقصود الأصليّ أنّه يصلّي في السفر قصراً وفي البلد تماماً. ويشهد بذلك ما رواه المجلسيّ كما في «الحدائق» قال:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنْ خَرَجَ الرَّجُلُ مُسَافِراً وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ كَمْ يُصَلِّي؟ قَالَ: أَرْبَعاً.

قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ فِي السَّفَر؟ قَالَ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ أَهْلَهُ وَإِنْ دَخَلَ الْمِصْرَ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعاً. (3)

فإنّ قوله: «وإن دخل المصر» شاهد على أنّ المراد من بيته في صحيحة العيص هو بلده.

الطائفة الثانية: ما هي ظاهرة في بادىء النظر في التفصيل بين سعة الوقت «فالتمام» وبين ضيقه «فالقصر».

منها: موثّقة اسحاق بن عمّار قال:

سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَن علیه السلام يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقْدَمُ مِنْ سَفَرِهِ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ: إِنْ كَانَ لَا


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 512 - 513، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

2) نفس المصدر، ص 513، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

3) البحار الأنوار؛ ج 89، ص 55 ، ح 18.

يَخَافُ فَوْتَ الْوَقْتِ فَلْيُتِمَّ وَإِنْ كَانَ يَخَافُ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَلْيُقصّر. (1)

واعتمد الشيخ عليها في «النهاية» حيث قال:

وإن دخل من سفره بعد دخول الوقت وكان قد بقي من الوقت مقدار ما يتمكّن فيه من أداء الصلاة على التمام فليصلّ وليتمّ وإن لم يكن قد بقي مقدار ذلك قصّر. (2)

لكنّ الإنصاف أنّ الموثّقة ليست بصدد بيان التفصيل المزبور، بل هي بصدد إرشاد المكلّف إلى ما يتمكّن منه، فالمراد أنّك لو لم تقدّم البيت قبل خروج الوقت فصّل ركعتين في الطريق وإلّا فصّل في البيت تماماً. ومن هنا قال الشيخ الحرّ في ذيل الحديث:

لا يبعد في هذا الحديث والذي قبله أن يكون المراد بالإتمام الصلاة في المنزل، وبالقصر الصلاة في السفر. (3)

وذكر العلّامة البروجردي ما يقرب من ذلك. (4)وقد تفطّن بذلك صاحب الحدائق حيث قال:

بل الظاهر أنّ المراد منها إنّما هو أنّ من دخل عليه وقت الصلاة وقت قدومه من السفر، فإن كان لا يخاف فوت الوقت بوصوله إلى منزله تركها حتى يدخل وصلّاها تماماً في بلده أو منزله. وإن كان يخاف فوته بذلك صلّى قصراً في السفر قبل دخوله. (5)

ومنها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما علیهما السلام،

فِي الرَّجُلِ يَقْدَمُ مِنَ الْغَيْبَةِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ لَا يَخَافُ أَنْ يَخْرُجَ


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 514، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 6.

2) النهاية في مجرد الفقه والفتاوى؛ ص 123.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 514.

4) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 182.

5) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 481.

الْوَقْتُ فَلْيَدْخُلْ فَلْيُتِمَّ وَإِنْ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فَلْيُصَلِّ وَلْيُقصّر. (1)

ولا يخفى أنّها كالصّريح في أنّ المراد ما ذكرناه من الإرشاد، فيكون قرينة على أنّ المراد من موثّقة إسحاق أيضاً ذلك، فإنّ الأخبار يفسّر بعضها بعضاً كالآيات، وبذلك يتّضح أنّ التفصيل المزبور خالٍ عن الوجه.

الطائفة الثالثة: ما هي ظاهرة في التخيير كصحيحة منصور بن حازم قال:

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام يَقُولُ: إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ أَهْلَهُ فَسَارَ حَتَّى يَدْخُلَ أَهْلَهُ فَإِنْ شَاءَ قَصَّرَ وَإِنْ شَاءَ أَتَمَّ وَالْإِتْمَامُ أَحَبُّ إِلَيَّ. (2)وهو مستند الإسكافي - القائل بالتخيير - ومال إليه السيّد الميلاني وإن احتاط أخيراً حيث قال:

ومقتضى الجمع بين الروايات هو الأخذ بصحيحة منصور بن حازم، أعني: التخيير، مضافاً إلى ما قدّمناه من أنّ ذلك مقتضى القاعدة في الجمع بين روايتي التمام والقصر. ولكن الأحوط هو الأخذ بصحيحة العيص ونحوها ممّا دلّ على التمام؛ لكثرة الروايات وذهاب المشهور إليه، بل ربّما قيل بعدم الخلاف فيه، بل المحكيّ عن ابن ادريس أنّه لم يذهب إلى القول بالقصر أحد ولم يقل به فقيه. (3)

أقول: لا يبعد أن يكون المراد منها أيضاً هو الإرشاد إلى أنّه يصحّ القصر في السفر والإتمام في البلد، ويدلّ عليه إتيانه بالمضارع «يدخل»؛ إذ لو كان المراد البقاء على التخيير، لكان المناسب أن يقول: «حتى دخل».

وعلى تقدير التنازل، فتكون الصحيحة المزبورة ذا احتمالين، فلا يتمّ الاستدلال بها كما لا يخفى، فيرجع إلى الطائفة الأولى الدالّة على كون الاعتبار بحال الأداء.

بقي في المقام ثلاث روایات، نقلها محمد بن مسلم فقد يستظهر منها أنّ الإعتبار بحال


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 515، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 8.

2) نفس المصدر.

3) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 367-368.

الوجوب.

الأولى: ما رواه محمد بن مسلم قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَدْخُلُ مِنْ سَفَرِهِ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ؟ فَقَالَ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ خَرَجَ إِلَى سَفَرِهِ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعاً. (1)

فربّما يقال: إنّ الرواية ظاهرة في أنّ الاعتبار بحال الوجوب في كلا الفرعين ولعلّه بالنظر إلى قوله: «وهو في الطريق» بناء على كونه قيداً لقوله: «دخل وقت الصلاة»، فتكون قرينة على أنّ المراد من قوله: «يدخل» هو الماضي بمعنى أنّه يصلّي ركعتين وقد دخل في منزله؛ لأنّه قد دخل وقت الصلاة وهو في الطريق، وعليه تكون الرواية مخالفة للمشهور، أعني: كون الاعتبار بحال الأداء.

ويحتمل قويّاً أن يكون قوله: «وهو في الطريق» قيداً لكلّ من دخول وقت الصلاة ودخوله من سفره، بمعنى أنّه يصلّي ركعتين وهو بعد في الطريق وقد دخل الوقت أيضاً في الطريق، مع أنّ هذا مقتضى قوله: «يدخل»، أي يقرب الدخول، ومعلوم أنّ الوظيفة هي القصر لو صلّى في الطريق قبل الوصول إلى حدّ الترخّص، فحينئذٍ لا تكون الرواية مخالفة مع ما تقدّم. ويشهد بذلك روايته الثانية:

فِي الرَّجُلِ يَقْدَمُ مِنَ الْغَيْبَةِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ لَا يَخَافُ أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ فَلْيَدْخُلْ فَلْيُتِمَّ وَإِنْ كَانَ يَخَافُ أَنْ يَخْرُجَ الْوَقْتُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فَلْيُصَلِّ وَلْيُقصّر . (2)

وقد تقدّم منّا أنّ هذه الرواية إرشاد للمكلّف إلى الإتيان بما يتمكّن من الصلاة حضراً أو سفراً.

الثالثة: ما رواه أيضاً قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ رَجُل يَدْخُلُ مِنْ سَفَرِهِ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: يُصَلِّي


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 514، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 5.

2) نفس المصدر، ص 515، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 8.

رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ خَرَجَ إِلَى سَفَرٍ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعاً. (1)

وهذه أيضاً لا تخالف ما تقدّم من اعتبار وقت الأداء؛ لأنّ المراد أنّه قرب من الوطن - مكّة - ولم يدخل فيه بعد، لكن هو مشرف على الدخول. فعليه، تدلّ الرواية على أنّه يصلّي ركعتين في السفر، وهذا واضح وكذا في عكسه.

وممّا ذكرنا ظهر أنّه لا معارضة بين الروايات؛ لكونها قابلة للتوجيه كما عرفت، فما ذكره العلّامة الخوئي بقوله:

فالصحيح أنّ الروايات متعارضة ولا سبيل إلى الجمع العرفيّ بوجه ... فينتهي الأمر إلى التساقط والمرجع حينئذٍ عمومات الكتاب والسنّة الدالّة على لزوم التقصير في السفر... وإن شئت قلت: إنّ تلك العمومات مرجّحة لنصوص الاعتبار بالأداء، فأخبار الاعتبار بالوجوب ساقطة لمعارضتها بتلك النصوص الموافقة لعمومات الكتاب والسنّة. (2)

لا يخلو من ضعف وفتور.

وأمّا احتمال التقيّة كما احتمله جملة من الأعلام، فهو خالٍ من السداد؛ لعدم وجود قول مخالف بين العامّة حين صدور الرواية. فالأظهر بل الأصحّ ما ذهب إليه المشهور من كون الاعتبار بحال الأداء استناداً إلى صحيحتي اسماعيل بن جابر وعيص بن القاسم . (3)

هذا كلّه في الفرع الثاني.

أمّا الفرع الأوّل:- أعني ما كان حاضراً في أوّل الوقت ثمّ سافر قبل أن يصلّي - فهل يجب عليه الإتمام أو القصر، أو يلاحظ سعة الوقت وضيقه، أو يتخيّر بينهما؟ وجوه، بل أقوال كما يظهر من المحقّق قال في «الشرائع»:


1) نفس المصدر، ص 516، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 11.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 394-395.

3) الوسائل الشيعة؛ باب 21، حدیث 2 و 4، صلاة المسافر.

وإذا دخل الوقت وهو حاضر ثمّ سافر والوقت باقٍ، قيل يتمّ بناء على وقت الوجوب، وقيل يقصّر اعتباراً بحال الأداء، وقيل يتخيّر، وقيل يتمّ مع سعة الوقت ويقصّر مع الضيق، والتقصير أشبه.

والقول الأوّل -أي التمام - اختاره الصدوق في «المقنع» وابن أبي عقيل والعلّامة في «المختلف» و «الإرشاد» والشهيدان في «الدروس» و «المسالك»، بل قال في «الروض» إنّه المشهور بين المتأخّرين اعتباراً بوقت الوجوب. (1)

وذهب المفيد والمرتضى والشيخ في بعض كتبه إلى الثاني -أي القصر - اعتباراً بوقت الأداء، وعن «الرياض» أنّه الأشهر، وفي «الجواهر» بل في ظاهر «السرائر» أو صريحها الإجماع عليه. (2)

والقول الثالث - التخيير - اختاره الشيخ في «الخلاف» والسيد الميلاني وقد تقدّم نقل كلامه، فراجع. (3)

وأمّا القول الرابع وهو التفصيل بين سعة الوقت فيتمّ وبين ضيقه فيقصّر، فقد اختاره الشيخ في «النهاية» (4)والصدوق في «الفقيه».

ومنشأ الخلاف أيضاً اختلاف الأخبار، فلابدّ من ملاحظتها وهي على طوائف:

الطائفة الأولى: ما يدلّ على اعتبار وقت الأداء، فقد عرفت أنّه هو المشهور المنصور.

منها: صحيحة اسماعيل بن جابر قال:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: يَدْخُلُ عَلَيَّ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَأَنَا فِي السَّفَرِ فَلَا أُصَلِّي حَتَّى أَدْخُلَ أَهْلِي؟ فَقَالَ: صَلِّ وَأَتِمَّ الصَّلَاةَ.

قُلْتُ: فَدَخَل عَلَيَّ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَأَنَا فِي أَهْلِي أُرِيدُ السَّفَرَ فَلَا أُصَلِّي حَتَّى أَخْرُجَ؟ فَقَالَ:


1) روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان؛ ص 398.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 337.

3) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 367.

4) النهاية في مجرد الفقه والفتاوى؛ ص 123.

فَصَلِّ وَقَصِّرْ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَقَدْ خَالَفْتَ وَاللَّهِ رَسُولَ الله صلی الله علیه و آله و سلم. (1)

وهي صريحة في المطلوب وليست قابلة للتوجيه خصوصاً بالنظر إلى ذيلها.

ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، قال:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: الرَّجُلُ يُرِيدُ السَّفَرَ فَيَخْرُجُ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ؟ فَقَالَ: إِذَا خَرَجْتَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْن. (2)

وهي أيضاً صريحة في اعتبار وقت الأداء والمراد من قوله: «حتى تزول الشمس» هو مضيّ زمان من الزوال يتمكّن فيه من الإتيان بالظهر أو الظهرين تماماً، لا شروع أوّل لحظة الزوال الّتي لا تعلم غالباً. ويؤيّده خبر الوشّاء قال:

سَمِعْتُ الرِّضَا علیه السلام يَقُولُ: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَأَنْتَ فِي الْمِصْرِ وَأَنْتَ تُرِيدُ السَّفَرَ فَأْتِمَّ فَإِذَا خَرَجْتَ بَعْدَ الزَّوَالِ قَصِّر الْعَصْرَ. (3)

و من الظاهر أنّ المراد بالإتمام هو إتمام الصلاة قبل الخروج إلى السفر بعد دخول وقتها بمقدار يتمكّن من الصلاة تماماً.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على اعتبار وقت الوجوب وهي خمسة:

إحداها: صحيحة محمد بن مسلم قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ رَجُل يَدْخُلُ مِنْ سَفَرهِ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ؟ قَالَ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ خَرَجَ إِلَى سَفَرٍ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعاً. (4)

وهي ظاهرة في وقت الوجوب بناءً على كون المراد من الصلاة هي الّتي يصلّيها بعد الخروج في الطريق وهو مسافر - هذا. ولكنّها قابلة للتوجيه باحتمال كون المراد: «صلّ أربعاً»


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 512 - 513، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

2) نفس المصدر، ح 1.

3) نفس المصدر، ح 12.

4) نفس المصدر، ص 516، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 11.

إذا أردت الخروج إلى السفر بعد دخول وقتها، فتكون الرواية ممّا يدلّ على ترغيب المكلّف بصلاة أوّل الوقت.

فإن قلت: حمل الرواية على ما ذكر خلاف الظاهر جدّاً. قلت: نعم إلّا أنّه لابدّ من الالتزام به؛ لعدم إمكان رفع اليد عن صحيحتي اسماعيل بن جابر ومحمد بن مسلم المتقدّمتين الصريحتين في اعتبار حال الأداء. ولذا قال في «الوسائل» - بعد نقل الرواية- هذا أيضاً يحتمل أن يراد به الأمر بالصلاة في أوّل الوقت. هذا مضافاً إلى مخالفته مع صحيحته الأخرى كما سيجيء.

ثانيتها: - وهي قريبة من الأولى بل عينها - ما رواه أيضاً عن أبي عبدالله علیه السلام:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الرَّجُل يَدْخُلُ مِنْ سَفَرِهِ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ؟ فَقَالَ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ خَرَجَ إِلَى سَفَرِهِ وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعاً. (1)

وهي ظاهرة أيضاً في اعتبار وقت الوجوب، ولكن لابدّ من الالتزام فيها أيضاً بما ذكرناه في سابقتها وإن كان خلاف الظاهر؛ لما عرفت من عدم إمكان رفع اليد عن الصحيحتين السابقتين. وهذا في حدّ نفسه من الجمع العرفيّ بين الأخبار، مضافاً إلى أنّ احدى الصحيحتين التي هي صريحة في اعتبار وقت الأداء نقلت عن محمد بن مسلم ايضاً، وكيف يمكن له أن يروي عن الإمام ضدّ ما رواه عنه سابقاً - وله من الشأن والجلالة ما ليس لغيره - ولذا يحتمل قويّاً أنّه سأل الإمام مرّة واحدة وإنّما حصل التعدّد والاختلاف من جهة النقلة، فحينئذٍ تتقدّم الصحيحة؛ لأنّ الإتيان بالصلاة قبل التلبّس بالسفر مع سعة الوقت لها أمر طبيعيّ للمؤمنين حيث إنّهم يقدّمونها على كلّ فعل ومنها السفر.

ثالثتها: ما رواه بشير النبّال،

قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام حَتَّى أَتَيْنَا الشَّجَرَةَ، فَقَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: يَا نَبَّالُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعاً غَيْرِي وَغَيْرَكَ


1) نفس المصدر، ص 514، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 5.

وَذَلِكَ أَنَّهُ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ . (1)

والمراد من الشجرة هو مسجد الشجرة قرب مدينة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم، فلا وجه للإيراد عليها بالإجمال كما عن العلّامة البروجردي. (2)

والرواية وإن كانت ظاهرة في اعتبار وقت الوجوب إلّا أنّها ليست صريحة في ذلك؛ لاحتمال أنّ الإمام وكذا بشير النبّال قد صلّيا قبل خروجهما من المدينة. وربّما يؤيّده التعبير بقوله: «إنّه لم يجب على أحد» الظاهر في المضيّ، فلو كان المراد وجوب التمام في الطريق - مسجد شجرة- لكان المناسب أن يقول: «لا يجب على أحد» ويظهر من ذلك أنّه كان بصدد بيان الحكاية لما مضى.

وكيف كان؛ فلا يقاوم هذا الخبر ما تقدّم من الصحاح الدالّة على اعتبار وقت الأداء؛ لما فيه من ضعف السند والدلالة. وللعلّامة البروجردي في تضعيف الرواية وعدم مقاومتها لما تقدّم بيان لطيف إليك نصّه، قال:

هذا مع أنّ بشيراً قليل الرواية جدّاً، فيعلم من ذلك عدم كونه من فقهاء أصحاب الأئمّة، فلا يقاوم نقله نقل فقهاء الأصحاب من قبيل محمد بن مسلم وابن جابر، فإنّ ضبط العامّيّ وإن كان ورعاً جدّاً لا يقاس بضبط الفقيه المطّلع، كيف؟ و اشتباه العوامّ وخطأهم في فهم ما يسمعونه وضبطه أكثر من أن يحصى، وبشير بن ميمون وأخوه شجرة من اسراء العجم ولم يكونا من أهل اللغة العربيّة العارفين بأساليبها. (3)

نعم؛ ما ذكره بعد ذلك من احتمال كون الشجرة غير مسجد الشجرة وأنّ الحديث قضيّة في واقعة، لا يمكن المساعدة عليه كما أشرنا إليه آنفاً؛ لأنّ المتبادر من الحديث هو أنّ المراد من الشجرة هو مسجد الشجرة، وعليه فلا شاهد لما ذكره أخيراً. وعلى أيّ حال، فيظهر من


1) نفس المصدر، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 10.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 288.

3) نفس المصدر، ص 287.

جماعة أنّ الرواية ضعيفة سنداً، قال البحرانيّ بعد نقل الحديث:

وردّها المتأخّرون بضعف السند، وعدم قوّة معارضتها لما يأتي من الأخبار الدالّة على التقصير. (1)

ولعلّه أشار بذلك إلى ما ذكره الأردبيليّ:

لأنّ في الطريق أحمد بن محمد عن ابن فضّال عن داوود بن فرقد، وإن سلّم ظهور أحمد وتوثيقه فابن فضّال غير ظاهر وتوقّف المصنّف في بشير. (2)

و في «جامع الرواة»:

فأنا في روايته متوقّف. (3)

وكذا المحقّق الخوئي حيث لم يذكر في رجاله شيئاً في حقّ الرجل (4)بل عدم تعرّضه للحديث هنا ظاهر في ضعف الرجل والحديث عنده.

رابعتها: ما رواه في آخر «السرائر» نقلاً عن كتاب جميل عن زرارة عن أحدهما علیهما السلام،

أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ مُسَافِرٍ نَسِيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي السَّفَرِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلَهُ؟ قَالَ: يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ. (5)

وَعَنْهُ عَنْ أَحَدِهِمَا علیهما السلام أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ نَسِيَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَهُوَ مُقِيمٌ حَتَّى يَخْرُجَ؟ قَالَ: يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَفَرِهِ.

وَقَالَ: إِذَا دَخَلَ عَلَى الرَّجُلِ وَقْتُ صَلَاةٍ وَهُوَ مُقِيمٌ ثُمَّ سَافَرَ صَلَّى تِلْكَ الصَّلَاةَ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا عَلَيْهِ وَهُوَ مُقِيمٌ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي سَفَرِهِ. (6)


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 474.

2) مجمع الفائدة والبرهان؛ ج 3، ص 333.

3) جامع الرواة؛ ج 1، ص 124.

4) معجم رجال الحديث؛ ج 3، ص 333.

5) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 516، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 13.

6) نفس المصدر، ح 14.

وهى كما ترى اشتملت على فقرات ثلاث:

أمّا الفقرة الأولى: فهي خارجة عمّا نحن فيه؛ لأنّها راجعة إلى الفرع السابق، ودالّة على اعتبار وقت الأداء كما لا يخفى؛ لأنّ المراد من نسيانه الصلاة هو إتيانها في أوّل الوقت، فإنّ بناء المسلمين كان هو الإتيان بها أوّل الوقت، فتكون هذه الفقرة موافقة للقواعد. نعم، قد يقال:

إنّ المراد من نسيانها هو نسيان الصلاة في تمام الوقت، فتكون الرواية مربوطة بالقضاء. (1)

وأمّا الفقرة الثانية:- أعني قوله: «وقال لمن نسي الظهر والعصر وهو مقيم حتى يخرج، قال: يصلّي أربع ركعات في سفره» - فهي ظاهرة في اعتبار وقت الوجوب وأنّه يجب على المسافر إتمام الصلاة في السفر بعد أن دخل الوقت في محلّ الإقامة. لكن يحتمل حمل الرواية على أنّ المراد من أربع ركعات هو مجموع ركعتي الظهر وركعتي العصر قصراً، وهذا وإن كان خلاف الظاهر إلّا أنّه لابدّ من المصير إليه جمعاً بين الروايات.

وأمّا الفقرة الثالثة:- أعني قوله: «إذا دخل على الرجل وقت صلاة وهو مقيم ثمّ سافر»- فهي ظاهرة بل صريحة في اعتبار وقت الوجوب، ولا يجري فيها الاحتمال السابق - أي احتمال كون المراد مجموع الظهر والعصر قصراً - ؛ لعدم ذكر للظهر والعصر فيها، بل ذكر فيها لفظة «صلاة» وهي مطلقة تشمل العشاء أيضاً، ومن الظاهر أنّه لا يتصوّر فيه اجتماع صلاتين قصراً.

وتحصّل أنّ الفقرتين الأخيرتين ظاهرتان في خلاف المشهور، أعني كون الاعتبار بحال الأداء، وقد عبّر عنها في كلام غير واحد من الأعلام بالصحيحة، كصاحب الحدائق والسيّد الحكيم وغيرهم؛ لأنّ الرواية نقلت عن جميل بن درّاج عن زرارة عن الإمام علیه السلام وحالهما واضحة لا تخفى.

ولكن يظهر من جماعة ضعفها سنداً؛ حيث عبّروا عنها بالرواية، كالسيّد الميلاني في «محاضراته» والبروجردي في درسه. ومعلوم أنّ هذا التعبير كاشف عن وجود خلل في السند. والوجه في ذلك أنّ ابن ادريس نقلها عن جميل وسلسلة الأسانيد بينهما منقطعة كما لا يخفى،


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 289.

واحتمال كون الإسناد من قبيل الإجازة والقراءة وقد حذفها الحلّيّ بعيدٌ في الغاية كبعد وصول أصل كتاب جميل إلى ابن ادريس بعد قرون عديدة. ولذا قال العلّامة البروجردي:

إنّ ابن ادريس كان في القرن السادس والفصل بينه وبين جميل كثير جدّاً، ولم یکن هو كغيره من الفقهاء من أهل الاستجازة والإجازة في نقل الأحاديث، ولم يكن ممّن يعمل بالخبر الواحد أصلاً، وإنّما نقل في آخر «السرائر» بعض الأخبار تطفّلاً من الكتب المنسوبة إلى بعض الأصحاب، وقد وقع منه اشتباهات كثيرة في أسانيدها عثرنا عليها بالتتبّع، فلا يقاوم نقله نقل المشايخ العظام من الكتب المعتبرة المقروّة في جميع الأعصار على شيوخ الإجازة. (1)

والحاصل: أنّ الرواية ليست بمثابة تقاوم ما تقدّم من الصحيحتين، ومن هنا لم يذكرها المحقّق الخوئي في هذا المقام، مع أنّ من دأبه الاستدلال بكلّ رواية صحيحة من غير اعتناء بإعراض المشهور وعدمه كما لا يخفى، هذا كلّه في السند.

والظاهر أنّ متن الرواية أيضاً لا يخلو من شيء؛ لأنّها حاكية عن التصرّف فيها أو النقل بالمعنى، وذلك لوجود التكرار المخلّ في الفقرة الثالثة والثانية مع أنّ الثانية مغنية عن الثالثة، مضافاً إلى عدم حسن ذكر المقيم مكان الحاضر كما لا يخفى على الفطن.

خامستها: خبر جعفر بن محمّد بن شريح عن ذريح المحاربيّ قال:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنْ خَرَجَ الرَّجُلُ مُسَافِراً وَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ كَمْ يُصَلِّي؟ قَالَ: أَرْبَعاً.

قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ فِي السَّفَرِ؟ قَالَ: يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ أَهْلَهُ وَإِنْ دَخَلَ الْمِصْرَ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعاً. (2)

نقله صاحب الحدائق عن «البحار» من كتاب محمّد بن مثنّى الحضرميّ، والخبر ظاهر


1) نفس المصدر، ص 289.

2) بحار الأنوار؛ ج 89، ص 55، ح 18.

بلحاظ صدره في اعتبار حال الوجوب فيما كان حاضراً ثمّ خرج إلى السفر. نعم؛ ذيله ظاهر في اعتبار حال الأداء إذا كان مسافراً ودخل الوقت فيه ثمّ دخل المصر. وكيف كان، فقد يستدلّ به في المقام على اعتبار حال الوجوب، إلّا أنّه لا يمكن الاعتماد عليه، لا دلالةً ولا سنداً.

أمّا الدلالة، فلاحتمال أن يكون المراد من قوله: «إن خرج الرجل» أي: أراد الخروج، نظير ما قيل في قوله سبحانه: «إذا قمتم إلى الصلاة» فيكون الخبر من الأدلّة الدالّة على أفضلية الصلاة في أوّل الوقت. مع أنّ غايتها الظهور في اعتبار حال الوجوب، فلا تقاوم ما تقدّم من الصحيحتين الصريحتين في الاعتبار بحال الأداء.

وأمّا السند، فلأنّ ذريحاً وإن كان ثقة وجعفر بن محمد حسناً ولا بأس بهما ظاهراً وكذا لا بأس في محمد بن المثنّى على تقدير كونه ابن القاسم الحضرميّ؛ فإنّه موثّق كما نصّ عليه في «جامع الرواة» (1)إلّا أنّه ليس بمعلوم لاحتمال كون الرجل متعدّداً، هذا. مضافاً إلى أنّ كتاب محمّد بن المثنّى الحضرميّ لم يكن معروفاً بين الأصحاب إلى زمن المجلسيّ. نعم، عثر عليه المجلسيّ ونقل عنه بعض الأخبار، فشأن هذا الكتاب أشبه شيء بشأن كتاب «الفقه الرضويّ» من جهة عدم اشتهاره بين القدماء من الفقهاء والمحدّثين.

وبالجملة، أنّه لا دليل معتبر - سنداً أو دلالة- على اعتبار حال الوجوب فيمن كان حاضراً فخرج إلى السفر؛ لعدم تماميّة الروايات الخمس المتقدّمة، فتبقى الصحيحتان المتقدّمتان الدالّتان على اعتبار وقت الأداء سليمة عن المعارض. وإن أبيت ذلك وزعمت أن الطائفتين متعادلتان، فاللازم هو الأخذ بما دلّ على اعتبار حال الأداء، لموافقتها الأدلّة العامّة، أعني: القواعد المقرّرة في المسافر والحاضر. وإن شئت قلت: إنّهما تتعارضان وتتساقطان، فيرجع إلى مقتضى القاعدة المقرّرة في أوّل المسألة فراجع وتأمّل.


1) جامع الرواة؛ ج 2، ص 187.

فيمن فاتته الفريضة وكان حاضراً في بعض الوقت

مسألة 10:

إذا فاتت منه الصلاة وكان في أوّل الوقت حاضراً وفي آخره مسافراً أو بالعكس، فالأقوى أنّه مخيّر بين القضاء قصراً أو تماماً؛ لأنّه فاتت منه الصلاة في مجموع الوقت، والمفروض أنّه كان مكلّفاً في بعضه بالقصر وفي بعضه بالتمام، ولكن الأحوط مراعاة حال الفوت وهو آخر الوقت، وأحوط منه الجمع بين القصر والتمام. [1]

[1] قد عرفت أنّ الاعتبار بوقت الأداء فيما إذا صلّى أداءً ولا دليل على اعتبار وقت الوجوب. وأمّا في القضاء - فيما كان في بعض الوقت حاضراً وفي بعضه مسافراً- فهل الاعتبار بوقت الفوت، أو وقت الوجوب، أو يتخيّر، أو يجب القضاء تماماً دائماً؟ وجوه بل أقوال:

القول الأوّل: هو اعتبار وقت الفوت وهو آخر الوقت؛ لأنّ الفوت لا يصدق بالتأخير عن أوّل الوقت، بل إنّما يتحقّق بفوت تمام الوقت. وهذا هو المختار عندي وفاقاً لجماعة من المحقّقين، فيدلّ عليه ما تقدّم في المسألة السابقة من اعتبار حال الأداء و حيث إنّ القضاء كان آخر الوقت، فيجب مراعاته فلا نطيل بالإعادة.

القول الثاني: ما ذهب إليه جماعة - منهم الحلّيّ - من أنّ الاعتبار بحال الوجوب، فإن كان في أوّل الوقت مسافراً استقرّ عليه القصر وإلّا فالتمام؛ لأنّ العبادات تجب بدخول الوقت وتستقرّ بإمكان الأداء.

القول الثالث: ما اختاره المصنّف من التخيير بين القصر والتمام في القضاء، والعجب من العلّامة البروجردي حيث قال:

وهنا احتمال ثالث وهو التخيير ولم نجد قائلاً به وإن ذكره بعضهم احتمالاً. (1)

اللّهمّ إلّا أن يريد عدم وجدان القائل غير المصنّف. وعلى أيّ حال، فلا دليل على هذا القول ظاهراً كما تقدّم في المسألة السابقة.


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 291.

القول الرابع: وهو تعيين التمام دائماً في القضاء، فقد نسب إلى جماعة، منهم: الشهيد الثاني - بتقريب أنّ التمام متى تعيّن في وقت من الأوقات كان هو المراعى في القضاء أيضاً وإن كان المخاطب به حال الفوت القصر، ولعلّه لأنّ الأصل في الصلاة هو التمام إلّا ما أخرجه الدليل. وفيه ما لا يخفى؛ لأنّ الفائت هو ما فات في آخر الوقت، فإن كان حاضراً في الوقت لكان الفائت هو التمام وإلّا فالقصر.

فالعمدة هي القولان الأوّلان. فقد عرفت الحال في القول الأوّل، إنّما الكلام في القول الثاني. قال الحلّيّ بعد الحكم باعتبار حال الوجوب:

لأنّ العبادات تجب بدخول الوقت وتستقرّ بإمكان الأداء، كما لو زالت الشمس على المرأة الطاهرة فأمكنها الصلاة فلم تفعل حتى حاضت استقرّ القضاء. (1)

وفيه أنّ القضاء تابع للأداء- كما أشرنا- بمقتضى قوله: «اقض ما فات كما فات» فإنّ القضاء فرع تحقّق الفوت، ولا يتحقّق الفوت إلّا بانقضاء تمام الوقت، فيكون الملاك وقت الفوت. وأمّا قياس ذلك بالحائض فهو مع الفارق؛ لأنّ فوت صلاتها بالتأخير عن أوّل الوقت واقعيّ وإن كانت لها التأخير ظاهراً بحسب استصحاب عدم عروض الحيض. هذا.

وربّما يستدلّ - لاعتبار حال الوجوب - بما رواه الشيخ في «التهذيب» باسناده عن الحسين بن سعيد عن النضر بن سويد عن موسى بن بكر عن زرارة عن أبي جعفر علیه السلام:

أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ فِي السَّفَرِ فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ حَتَّى قَدِمَ فَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا قَدِمَ إِلَى أَهْلِهِ فَنَسِيَ حِينَ قَدِمَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا حَتَّى ذَهَبَ وَقْتُهَا؟ قَالَ: يُصَلِّيهَا رَكْعَتَيْنِ صَلَاةَ الْمُسَافِرِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ دَخَلَ وَهُوَ مُسَافِرٌ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عِنْدَ ذَلِكَ. (2)

فالخبر واضح الدلالة على كون الاعتبار بحال الوجوب، إلّا أنّ السند ضعيف؛ فإنّ موسى بن بكر واقفيّ غير موثّق في كتب الرجال، مع أنّه منفرد بنقل الرواية ولم يعتمد عليه الأصحاب،


1) السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى؛ ج 1، ص 335.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 513، باب 21 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

فتكون موهونة، بل قد صرّح العلّامة البروجردي بضعفها؛ لكون الرجل واقفيّاً. (1)والمشهور عدم وثاقته. نعم، نقل المامقاني رواية ظاهرة في عدم وقفه، وقد أطال الكلام فيه ومال أخيراً إلى وثاقته ولا أقلّ على حسنه. (2)وقد صحّح المحقّق الخوئي هذه الرواية - مع اعترافه بعدم توثيق الرجل في كتب الرجال - بناء على ما التزم به في أوّل رجاله من اعتبار التوثيقات العامّة الصادرة من ابن قولويه في «كامل الزيارة» والقميّ في تفسيره حيث يشهدان بوثاقة من في اسناد كتابهما، بل قال:

وشهادة صفوان بأنّ كتاب موسى بن بكر ممّا لا يختلف فيه أصحابنا. -ومع ذلك كلّه قال في آخر كلامه:- وكيفما كان، فلا يمكن رفع اليد عن عموم ما دلّ على تبعيّة القضاء؛ لفوت الأداء من حيث القصر والتمام بمثل هذه الرواية وإن كانت معتبرة. (3)

قلت: لم يتّضح وجه عدم إمكان رفع اليد بهذه الرواية عن عموم ما دلّ على تبعيّة القضاء للأداء مع كونها معتبرة عنده! مع أنّه ليس في المقام تعارض؛ لعدم وجود المباينة بينهما؛ لأنّ النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق فيقدّم الخاصّ على العامّ إلّا أنّ الذي يسهّل الخطب أنّ الخبر ليس بمعتبر. فالأقوى مراعاة حال الفوت وإن كان الاحتياط بالجمع لا ينبغي تركه.


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 292.

2) تنقيح المقال في علم الرجال؛ ج 3، ص 254.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 398.

التخيير في الأماكن الأربعة

مسألة 11:

الأقوى كون المسافر مخيّراً بين القصر والإتمام في الأماكن الأربعة، وهي مسجد الحرام ومسجد النبيّ صلی الله علیه و آله و سلم ومسجد الكوفة والحائر الحسينيّ علیه السلام، بل التمام هو الأفضل وإن كان الأحوط القصر، وما ذكرناه هو القدر المتيقّن، وإلّا فلا يبعد كون المدار على البلدان الأربعة، وهي: مكّة والمدينة والكوفة وكربلاء، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط خصوصاً في الأخيرين. [1]

[1] قد عرفت أنّ القصر في السفر عزيمة عند الإماميّة، وبها نطقت أخبارنا المرويّة عن الأئمّة علیهم السلام ووافق فيه أبو حنيفة. نعم، خالف فيه أكثر العامّة ولكن استثنى من ذلك على المشهور المواطن الأربعة، والمسألة طويلة الذيل وقد أطال فيها من ليس دأبه الإطالة كالسيّد الحجّة على ما في تقريرات بحثه؛ بل قال في «الحدائق» بعد ما ذكر ثلاثين رواية تقريباً و تكلم فيها»:

إنّه لم يسبقني على ذلك أحد.

وقد كثر فيه الخلاف، بل الأقوال، ومنشأؤها اختلاف الروايات وإن كان المشهور بين المتأخّرين، -بل كاد أن يكون إجماعاً - هو التخيير بين القصر والتمام لمن لم يقصد الإقامة في تلك الأماكن.

إذا تحرّر ذلك، فيقع الكلام في مقامين:

1.

في إثبات أصل الحكم، أي التخيير وبيان مذهب القدماء فيه؛

2.

في بيان موضوعه من حيث العدد، أي عدد الأمكنة ومن حيث السعة والضّيق.

أمّا المقام الأوّل: فلابدّ لنا قبل بيانه من التعرّض بسير المسألة في الجملة، فنقول الأقوال في المسألة ثلاثة:

1. أنّ المشهور من زمن شيخ الطائفة إلى زماننا هو التخيير بين القصر والإتمام في الأمكنة الأربعة.
2.

وجوب التمام تعيّنيّاً، كما نسب إلى علم الهدى وابن الجنيد وربّما قيل بأنّ مرادهما عدم تعيّن القصر لا تعيين التمام، فيرجع إلى القول الأوّل.

3.

وجوب القصر تعييناً، كما اختاره الصدوق ووافقه المحقّق البهبهانيّ والعلّامة بحر العلوم في «مصابيحه» قائلاً أن القصر هو المشهور بين القدماء، كما في «الجواهر». (1)واحتمل في «الجواهر» أن يكون دعوى اشتهار القصر بين متقدّمي الأصحاب من بحر العلوم ناظرة إلى ما يحكى من الشيخ الجليل ابن قولويه في «كامله» حيث روى عن أبيه عن سعد بن عبدالله قال:

سَأَلْتُ أَيُّوبَ بْنَ نُوحٍ عَنْ تَقْصِيرِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَشَاهِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَقَبْرِ الْحُسَيْنِ علیه السلام الْأَرْبَعَةِ الَّذِي رُوِيَ فِيهَا؟ فَقَالَ: أَنَا أُقَصِّرُ وَكَانَ صَفْوَانُ يُقَصِّرُ وَابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ وَجَمِيعُ أَصْحَابِنَا يُقَصِّرُون. (2)

ونقله في «المستدرك». (3)

وعليه، فالشهرة الروائيّة موجودة من القائلين بالتخيير والقائلين بالقصر أيضاً. وأمّا الشهرة الفتوائيّة بين القدماء، فيظهر من بعضهم تحقّقها على التخيير، بل ادّعى بعضهم الإجماع عليه. ففي «الجواهر»:

على المشهور بين الأصحاب نقلاً في «المختلف» و«المصابيح» وغيرهما وتحصيلاً بل في ظاهر «الروض» وعن «التذكرة» و«الذكرى» وفي صريح «السرائر» وعن الخلاف الإجماع عليه. (4)

وقال السيّد الحكيم:


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 310.

2) كامل الزيارات؛ ص 429.

3) المستدرك الوسائل؛ ج 6، ص 545، باب 17، ح 3.

4) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 309.

على المشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعاً. (1)

وفي «المستند»:

على المشهور المعروف بين القدماء والمتأخّرين، بل عن غير واحد دعوى الإجماع عليه. (2)

والحاصل أنّ ظاهر جماعة ومنهم «الجواهر» هو تحقّق الشهرة بين القدماء، وعليه، يمكن أن تكون الشهرة مرجّحة للروايات الدالّة على التخيير.

لكنّ الإنصاف أنّ إثبات شهرة القدماء مشكل جدّاً مع مصير مثل الصدوق والمرتضى وابن الجنيد إلى عدم التخيير، وزمانهم أقدم من الشيخ كما لا يخفى. والظاهر أنّ القصر كان مشهوراً بين القدماء -قبل شيخ الطائفة - ولذا نسب بحر العلوم اشتهار القصر إلى القدماء وقد عرفت أنّ رواية ابن قولويه صريحة في أنّ مثل صفوان وأيّوب بن نوح وابن أبي عمير بل جميع أصحابهم يقصّرون. ويظهر من سيّدنا الأستاذ البروجردي - في أوّل كلامه- الميل إليه حيث قال:

والحاصل أنّه يستفاد من خلال الأخبار أنّ أصحاب الأئمّة علیهم السلام من الطبقة السادسة والسابعة والثامنة كان بناؤهم فتوىً وعملاً على التقصير. (3)

ولكن صرّح أخيراً بعدم تحقّق الشهرة بين القدماء على القصر. (4)

وكيف كان؛ فكلامه صريح في أنّ الشهرة المدّعاة في كلام القوم إنّما هي من زمن الشيخ، فتكون الشهرة بين المتأخّرين وهي لا تفيد.

وعلى تقدير ثبوت الشهرة يشكل الاعتماد عليها في المقام؛ لأنّ شهرة القدماء إنّما تكون


1) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 179.

2) المستند الشيعة؛ ج 8، ص 400.

3) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 256.

4) نفس المصدر، ص 258.

روايات الباب

معتبرة فيما لم يكن فيه دليل، فعند ذلك تكون فتوى المشهور دليلاً لكشفه عن وجود دليل لديهم قد وصل اليهم ولم يصل إلينا، وكذا فيما إذا نرى أنّهم أفتوا برواية ضعيفة أو على خلاف رواية صحيحة؛ لأنّ عملهم بالرواية يكشف عن وجود قرينة عندهم على صحّة الرواية أو ضعفها ولم تصل القرينة إلينا. وأمّا في مثل المقام ممّا كان مستند القائلين الروايات المأثورة من الأئمّة علیهم السلام فلا يصحّ الاعتماد على الشهرة الفتوائيّة؛ لعدم جواز تقليدهم.

إذا عرفت ذلك فنقول:

منشأ الاختلاف -كما أشرنا - اختلاف الأخبار وهي كثيرة جدّاً، فقد أنهاها في «الحدائق» إلى ثلاثين، ونحن نزيد عليها بعضاً آخر كما سيجيء وجعلها السيد الحجّة ثماني طوائف.

والأظهر أنّها ثلاث طوائف:

الطائفة الاولى: ما تدلّ على وجوب القصر وهي سبع روايات وهي الّتي استند إليها الصدوق في إيجاب القصر تعييناً، ولأجلها حمل أخبار التخيير على صورة اقامة العشرة.

الرواية الأولى: صحيحة معاوية بن عمّار قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ مَكَّةَ فَأَقَامَ عَلَى إِحْرَامِهِ؟ قَالَ: فَلْيُقصّر الصَّلَاةَ مَا دَامَ مُحْرِماً. (1)

وظهورها في وجوب القصر ممّا لا ينكر، فحملها على جواز القصر دون وجوبه كما عن الشيخ بعيد جدّاً؛ لعدم مناسبة «فاء» التفريع و «لام» الأمر الغائب مع الجواز.

الرواية الثانية: ما رواه في «العلل» عن معاوية بن وهب قال:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ كَسَائِرِ الْبُلْدَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: رَوَى عَنْكَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّكَ قُلْتَ لَهُمْ: أَتِمُّوا بِالْمَدِينَةِ لِخَمْسِ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَكُمْ هَؤُلَاءِ كَانُوا يَقْدَمُونَ فَيَخْرُجُونَ مِنَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ الصَّلَاةِ فَكَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُمْ فَلِهَذَا قُلْتُهُ. (2)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 525، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

2) نفس المصدر، ص 531، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 27.

فهي ظاهرة في أنّ الحكم الواقعيّ في الأماكن الأربعة هو القصر ما لم ينو الإقامة، وأنّ إيجاب الإتمام منه نشأ عن عنوان ثانويّ حذراً من الإهانة المتوجّهة إلى الشيعة من قبل العامّة.

وأمّا إقامة الخمسة فهي محمولة على التقيّة، والمراد من الخروج عند الصلاة عدم اقتدائهم بأئمّة العامّة.

الرواية الثالثة: صحيحة اسماعيل بن بزيع، قال:

سَأَلْتُ الرِّضَا علیه السلام عَنِ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَقْصِيرٌ أَوْ تَمَامٌ؟ فَقَالَ: قَصِّرْ مَا لَمْ تَعْزِمْ عَلَى مُقَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ. (1)

فالأمر ظاهر في الوجوب، فيدلّ على وجوب القصر تعييناً، وحمله على أحد فردي الواجب المخيّر كما عن «الوسائل» مشكل؛ فإنّ السائل سأل عن الوظيفة الواقعيّة في البلدتين، فأجاب علیه السلام بوجوب القصر مع عدم الإقامة.

الرواية الرابعة: ما رواه علی بن حديد قال:

سَأَلْتُ الرّضَا علیه السلام فَقُلْتُ: إِنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي الْحَرَمَيْنِ فَبَعْضُهُمْ يُقَصِّرُ وَبَعْضُهُمْ يُتِمُّ وَأَنَا مِمَّنْ يُتِمُّ عَلَى رِوَايَةِ أَصْحَابِنَا فِي التَّمَامِ وَذَكَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُنْدَبٍ أَنَّهُ كَانَ يُتِمُّ؟ فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ جُنْدَبٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: لَا يَكُونُ الْإِتْمَامُ إِلَّا أَنْ تُجْمِعَ عَلَى إِقَامَةِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَصَلِّ النَّوَافِلَ مَا شِئْتَ.

قَالَ ابْنُ حَدِيدٍ: وَكَانَ مَحَبَّتِي أَنْ يَأْمُرَنِي بِالْإِتْمَامِ. (2)

وهي أيضاً صريحة في وجوب القصر تعييناً، واحتمال كون ترحّمه علیه السلام لابن جندب قرينة علی رضائه بالإتمام، بعيد عن سياق الكلام كما يظهر بالتأمّل.

الرواية الخامسة: صحيحة معاوية بن وهب قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ التَّقْصِيرِ فِي الْحَرَمَيْنِ وَالتَّمَامِ؟ فَقَالَ: لَا تُتِمَّ حَتَّى تُجْمِعَ عَلَى


1) نفس المصدر، ج 8، ص 533، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 32.

2) نفس المصدر، ح 33.

مُقَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.

فَقُلْتُ: إِنَّ أَصْحَابَنَا رَوَوْا عَنْكَ أَنَّكَ أَمَرْتَهُمْ بِالتَّمَامِ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَكَ كَانُوا يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ فَيُصَلُّونَ وَيَأْخُذُونَ نِعَالَهُمْ وَيَخْرُجُونَ وَالنَّاسُ يَسْتَقْبِلُونَهُمْ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ

فَأَمَرْتُهُمْ بِالتَّمَامِ. (1)

وهي مثل الثانية في الدلالة والتوجيه.

الرواية السادسة: موثّقة عمّار بن موسى قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْحَائِرِ؟ قَالَ: لَيْسَ الصَّلَاةُ إِلَّا الْفَرْضَ بِالتَّقْصِيرِ وَلَا تُصَلُّ النَّوَافِلَ. (2)

وهي ظاهرة في القصر في المواطن الأربعة خصوصاً في الحائر بقرينة النهي عن النوافل، فإنّها لا تسقط إلّا عمّن يجب عليه القصر بالاتّفاق. وما عن «الوسائل» (3)من اختصاص ذلك بنوافل الظهرين على تقدير التقصير خالٍ عن السداد؛ لعدم شاهد عليه كما لا يخفى.

الرواية السابعة: صحيحة أبي ولّاد الحنّاط قال:

ققُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنِّي كُنْتُ نَوَيْتُ حِينَ دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ أَنْ أَقِيمَ بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَأُتِمَّ الصَّلَاةَ ثُمَّ بَدَا لِي بَعْدَ أَنْ أُقِيمَ بِهَا، فَمَا تَرَى لِي أُتِمُّ أَمْ أَقَصِّرُ؟ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ دَخَلْتَ الْمَدِينَةَ وَصَلَّيْتَ بِهَا فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُقَصِّرَ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهَا، وَإِنْ كُنْتَ حِينَ دَخَلْتَهَا عَلَى نِيَّتِكَ التَّمَامِ فَلَمْ تُصَلِّ فِيهَا صَلَاةً فَرِيضَةً وَاحِدَةً بِتَمَامٍ حَتَّى بَدَا لَكَ أَنْ لَا تُقِيمَ فَأَنْتَ فِي تِلْكَ الْحَالِ بِالْخِيَارِ إِنْ شِئْتَ فَانْوِ الْمُقَامَ عَشْراً وَأَتِمَّ وَإِنْ لَمْ تَنْوِ الْمُقَامَ فَقَصِّرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ شَهْرٍ فَإِذَا مَضَى لَكَ شَهْرٌ فَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. (4)


1) نفس المصدر، ص 534، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 34.

2) نفس المصدر، ص 536، باب 26 من أبواب صلاة المسافر، ح 3.

3) نفس المصدر.

4) نفس المصدر، ص 508، باب 18 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

وظهورها في وجوب القصر في المدينة مع عدم إقامة العشرة ممّا لا ينكر، واحتمال إرادة غير مدينة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم بعيد جدّاً؛ لما صرّح به أهل الأدب من أنّ «اللام» فيها علامة العلم بالغلبة، فالمدينة هي مدينة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم مع الإطلاق. نعم، يمكن أن يقال إنّ الصحيحة صدرت في مقام ضرب قاعدة كلّيّة في مطلق البلاد وليست ناظرة إلى خصوص مدينة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم. قال المحقّق الخوئي:

فهي متعرّضة لبيان حكم عامّ لمطلق البلدان على سبيل الكبرى الكلّيّة مع قطع النظر وغمض العين عن خصوصيّة المورد. (1)

وفيه: أنّ الفصاحة تقتضي مطابقة الجواب للسّؤال، وحيث إنّ السّؤال ظاهر في مدينة الرسول صلی الله علیه و آله و سلم، فالجواب مثله، فإنّ إخراج المورد في مقام الجواب بعيد عن ساحة الإمام علیه السلام.

فهذه روايات سبع تدلّ على القصر تعييناً.

نعم؛ في دلالة الأولى- أي صحيحة معاوية بن عمّار - على القصر غموض من جهة ذكر الإحرام فيها؛ إذ لو كان المكلّف غير قاصد لإقامة العشرة، فما الفرق بين كونه محرماً وعدمه؟ كما لا يخفى. ولعلّه لهذا قال المحقّق الخوئي:

والظاهر لزوم ردّ علمها إلى أهله. - ثمّ قال:- ولعلّ الأمر بالقصر مادام محرماً لما فيه نوع مشابهة للعامّة القائلين بالقصر مطلقاً، فيكون محمولاً على التقيّة. (2)

وفيه أوّلاً: أنّ عدم العمل برواية من جهة عدم القائل بمضمونها ينافي لما بنى عليه من العمل بالخبر الصحيح كائناً ما كان.

وثانياً: لا وجه للحمل على التقيّة؛ إذ المعروف بين العامّة إلى زمن أبي حنيفة هو التخيير بين القصر والتمام في كلّ سفر، بل التمام أفضل عندهم، فكيف يمكن أن يكون الأمر بالقصر من جهة المشابهة لهم؟! وخلاف أبي حنيفة في ذلك الزمان لم يكن بحيث يتّقي عنه. وكيف


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 401.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 405.

كان، في دلالة الرواية على خصوص القصر تأمّل؛ لاحتمال دلالتها على التخيير وأنّ القصر كافٍ لكونه أحد فردي المخيّر.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على التمام تعييناً، وهي كثيرة.

منها: ما رواه حمّاد بن عيسى في الصحيح عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال:

مِنْ مَخْزُونِ عِلْمِ اللَّهِ الْإِتْمَامُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ حَرَمِ اللَّهِ وَحَرَمِ رَسُولِهِ صلى الله عليه و آله و سلم وَحَرَمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام وَحَرَمِ الْحُسَيْن بن عَلِيٍّ علیه السلام. (1)

و نحوه غيره من نصوص الباب. (2)

وهذه النصوص صريحة في وجوب التمام، ولذا أفتى على طبقها مثل علم الهدى وابن الجنيد وغيرهما. وتوجيه الصدوق لها بكون المراد من الإتمام بعد قصد إقامة العشرة، لا يوجب رفع اليد عن ظهورها كما لا يخفى. مع أنّ هناك روايات أخرى آبية عن التوجيه المزبور.

منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ التَّمَامِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: أَتِمَّ وَإِنْ لَمْ تُصَلِّ فِيهِمَا إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً. (3)

ومثله أحاديث 17 ، 25 ، 31.

فهذه الروايات غير قابلة للتوجيه المزبور قطعاً؛ إذ كيف يتصوّر قصد الإقامة في مقدار صلاة واحدة، أو مارّاً كما في رواية 31. وعليه، يقع التعارض بين الطائفة الأولى والثانية كما نصّ عليه في «الحدائق». (4)فالنسبة بينهما هي التباين، فلا يمكن الجمع بينهما.

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على التخيير بين القصر والتمام وهي على قسمين:


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 524، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، أحاديث: 2، 6، 7، 8، 9، 14، 20 ، 30،29،26،25،23،22.

3) نفس المصدر، ص 525، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 5.

4) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 450.

القسم الأوّل: ما هو صريح في التخيير بحيث لا يمكن توجيهه.

منها: صحيح علي بن يقطين:

عَنْ أَبِي الْحَسَنِ علیه السلام فِي الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: مَنْ شَاءَ أَتَمَّ وَمَنْ شَاءَ قَصَّرَ. (1)

ومنها: صحيح عمران بن حمران قال:

قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ علیه السلام أُقصّر فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ أَتِمُّ؟ قَالَ: إِنْ قَصّرْتَ فَلَكَ وَإِنْ أَتْمَمْتَ فَهُوَ خَيْرٌ وَزِيَادَةُ الْخَيْرِ خَيْرٌ. (2)

ومنها: صحيح حسين بن المختار عن أبي ابراهيم قال:

قُلْتُ لَهُ: إِنَّا إِذَا دَخَلْنَا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ نَتِمُّ أَوْ نُقصّر؟ قَالَ: إِنْ قَصَرْتَ فَذَلِكَ وَإِنْ أَتْمَمْتَ فَهُوَ خَيْرٌ تَزْدَادُ. (3)

ومنها: مصحّح ابن يقطين قال:

سَأَلْتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ علیه السلام عَنِ التَّقْصِيرِ بِمَكَّةَ؟ فَقَالَ: أَتمَّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي. (4)

ومنها: مكاتبة الخثعميّ قال:

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى علیه السلام أَسْأَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدَيْنِ أُقَصِّرُ أَمْ أُتِمُّ؟ فَكَتَبَ علیه السلام إِلَيَّ: أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ فَلَا بَأْسَ.

قَالَ: فَسَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الرِّضَا علیه السلام عَنْهَا مُشَافَهَةً، فَأَجَابَنِي بِمِثْلِ مَا أَجَابَنِي أَبُوهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّلَاةِ قَصِّرْ. (5)


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 526، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 10.

2) نفس المصدر، ص 527، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 11.

3) نفس المصدر، ص 529، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح16.

4) نفس المصدر، ح 19.

5) نفس المصدر، ص 532، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 28.

القسم الثاني: ما هو ظاهر في التخيير بالعناية.

منها: صحيحة عليّ بن مهزيار قال:

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي جَعْفَرِ الثَّانِي علیه السلام أَنَ الرِّوَايَةَ قَدِ اخْتَلَفَتْ عَنْ آبَائِكَ فِي الْإِتْمَامِ وَالتَّقْصِيرِ لِلصَّلَاةِ فِي الْحَرَمَيْنِ، فَمِنْهَا أَنْ يَأْمُرَ بِتَتْمِيمِ الصَّلَاةِ وَلَوْ صَلَاةً وَاحِدَةً وَمِنْهَا أَنْ يَأْمُرَ بِقَصْرِ الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَنْوِ مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ أَزَلْ عَلَى الْإِتْمَامِ فِيهِمَا إِلَى أَنْ صَدَرْنَا مِنْ حَجِّنَا فِي عَامِنَا هَذَا فَإِنَّ فُقَهَاءَ أَصْحَابِنَا أَشَارُوا عَلَيَّ بِالتَّقْصِيرِ إِذَا كُنْتُ لَا أَنْوِي مُقَامَ عَشَرَةٍ وَقَدْ ضِقْتُ بِذَلِكَ حَتَّى أَعْرِفَ رَأْيَكَ.

فَكَتَبَ بِخَطَّهِ علیه السلام قَدْ عَلِمْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَضْلَ الصَّلَاةِ فِي الْحَرَمَيْنِ عَلَى غَيْرِهِمَا فَأَنَا أُحِبُّ لَكَ إِذَا دَخَلْتَهُمَا أَنْ لَا تُقَصِّرَ وَتُكْثِرَ فِيهِمَا مِنَ الصَّلَاةِ.

فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ مُشَافَهَةً: إِنِّي كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِكَذَا فَأَجَبْتَ بِكَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَيَّ شَيْءٍ تَعْنِي بِالْحَرَمَيْنِ؟ فَقَالَ: مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ الْحَدِيثَ. (1)

قلت: متن السؤال لا يخلو من اضطراب ولذا تصدّى بعضهم لتصحيحه، كما في حاشية «الوسائل» و «جامع أحاديث الشيعة». وفي «مستند العروة»:

الظاهر أنّ النسخة مغلوطة والصحيح «أن يؤمر بإتمام الصلاة ولو صلاة واحدة». (2)

وكيف كان؛ فهي تدلّ على التخيير، إلّا أنّ التعبير بقوله علیه السلام: «فأنا أحبّ لك.» يدلّ على فضل الإتمام على التقصير مع جوازه وهو معنى التخيير.

ومنها: خبر أبي شبل قال:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: أَزُورُ قَبْرَ الْحُسَيْنِ؟ قَالَ: قَالَ: زُرِ الطَّيِّبَ وَأَتِمَّ الصَّلَاةَ عِنْدَهُ. قُلْتُ: أَتِمُّ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: أَتِمَّ. قُلْتُ: بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَرَى التَّقْصِيرَ؟ قَالَ: إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الضَّعَفَةُ. (3)


1) نفس المصدر، ص 525، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 405.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 527، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 12.

الجمع بين نصوص التخيير والقصر

فإنّ نسبة التقصير إلى ضعفة الشيعة من غير إنكار يدلّ على رضائه علیه السلام بالتقصير، سواء كان المراد من الضعفة هم ضعفاء البنية كالشيخ والشيخة، أم ضعفاء الاعتقاد كالعوام.

ومنها: خبر ابراهيم الحصينيّ قال:

اسْتَأْمَرْتُ أَبَا جَعْفَرٍ فِي الْإِتْمَامِ وَالتَّقْصِيرِ قَالَ: إِذَا دَخَلْتَ الْحَرَمَيْنِ فَانْوِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَقْدَمُ مَكَّةَ قَبْلَ التَّرْوِيَةِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ؟ قَالَ: انْوِ مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَأَتِمَّ الصَّلَاةَ. (1)

ولا يخفى أنّ ذكر إقامة يوم أو يومين أو ثلاثة، مع القطع بعدم صحّة الإقامة كذلك، عنوان ساتر لإخفاء الحكم الواقعيّ، والمراد الأصليّ هو التمام؛ لأنّه أفضل فردي الواجب، فيكون الحديث من أدلّة التخيير في الجملة. وقال السيّد الحجّة:

إنّ النيّة المزبورة صوريّة خياليّة وإن كان لها أثر، فإنّما يكون ذلك في خصوص الأماكن الأربعة. (2)

فتحصّل من تمام ذلك أنّ نصوص التخيير - وهي ثمانية- تدلّ على جواز الإتمام في تلك الأماكن، بل أفضليّته، ومع ذلك لا يتحقّق بينها وبين ما تقدّم من النصوص الدالّة على الإتمام تعارض حقيقة لإمكان الجمع العرفيّ بين الطائفتين برفع اليد عن ظهور الطائفة الثانية في تعيين التمام وحملها على كون التمام أفضل فردي الواجب المخيّر، كما يشهد له قوله: «وليس بواجب إلّا أنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي»، وقوله أيضاً: «فأنا أحبّ لك إذا دخلتها أن لا تقصّر». فيكون مجموع ما دلّ على جواز التمام تعييناً أو تخييراً خمسة وعشرين حديثاً كما لا يخفى.

نعم؛ يظهر من صاحب الحدائق وغيره أنّ الطائفتين متعارضتان بالتباين، ولا يمكن الجمع


1) نفس المصدر، ص 528، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 15.

2) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 99.

بينهما، فيحمل على التخيير؛ لأنّه الوظيفة في المتعارضتين. وهذا مختار «الجواهر» (1)وأشار إليه السيّد الحجّة، بل صاحب الكفاية في باب التعارض، حيث حكم بالتخيير استناداً إلى الروايات. واحتملناه هناك ولم نستبعده في مبحث الأصول، إلّا أنّ المحقّق الخوئي يقول لم يُرَ في الفقه مورد يقال فيه بالتخيير، فراجع ما أفاده في التعادل والتراجيح. وسيجيء في ذلك مزید توضيح. وكيف كان، فالأظهر أنّه لا تصل النوبة إلى ذلك؛ لما عرفت من عدم التعارض بين أخبار التمام والتخيير، لإمكان الجمع العرفيّ.

وإنّما المعارضة بين أخبار التخيير وبين أخبار القصر تعييناً، حيث إنّ في كلا الطرفين روايات صحيحة أو موثّقة، ومن الظاهر أنّ كثرة العدد لا توجب سقوط الطرف المقابل عن الحجيّة، فيشكل الجمع بينهما. ويمكن أن يقال: إنّ أخبار التمام منضمّة إلى روايات التخيير تبلغ من حيث الكثرة وصحّة الاسناد إلى حدّ التواتر ولو إجمالاً وهو نقل حكم بألفاظ وطرق مختلفة يقطع بصدور بعضها عن المعصوم علیه السلام وإن لم يتجاوز النقلة عن ثلاثة كما في «المعالم» وما نحن فيه كذلك؛ للقطع بصدور بعض أخبار التخيير وأخبار التمام، كلّاً أو بعضاً. قال العلّامة البروجردي:

إنّ ما يدلّ على التمام بلغت حدّاً يمكن دعوى القطع بصدور بعضها ولا يحتمل فيها التقيّة. (2)

وبذلك يظهر حال أخبار القصر حيث إنّها تسقط عن الحجّيّة؛ لعدم إمكان معارضة الظّنّ المستفاد منها مع العلم الحاصل من التواتر ولو إجماليّاً.

فإن قلت: يحتمل أن يكون أخبار التمام صادرة عن تقيّة؛ لأنّ العامّة قائلون بالتمام في السفر ولو من جهة كونه أفضل.

قلت: إنّهم لا يقولون بالتمام تعييناً، بل اختار أبو حنيفة القصر، والشافعيّ وعثمان وعائشة


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 318.

2) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 259.

وجمع آخر قالوا بالتخيير ولم يُفت أحد منهم بتعيين التمام مطلقاً، فلا وجه لحملها على التقيّة. ويؤيّده بل يدلّ عليه خبر عبد الرحمن بن الحجّاج، قال:

قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: إِنَّ هِشَاماً رَوَى عَنْكَ أَنَّكَ أَمَرْتَهُ بِالتَّمَامِ فِي الْحَرَمَيْنِ، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ النَّاسِ؟ قَالَ: لَا، كُنْتُ أَنَا وَمَنْ مَضَى مِنْ آبَائِي إِذَا وَرَدْنَا مَكَّةَ أَتْمَمْنَا الصَّلَاةَ وَاسْتَتَرْنَا مِنَ النَّاسِ. (1)

فإنّ هذا الحديث صريح في عدم التقيّة في التمام؛ ولا ينافيه قوله علیه السلام في الذيل: «واستترنا من الناس»؛ لوجوب تأويله، وأنّ المراد منه ظاهراً أنّه علیه السلام كان يتمّ سرّاً لعدم فهم الناس ما في الإتمام في مكّة، ولعلّه يستره لئلّا يصل هذا السّرّ العظيم إلى غير أهله - أعني: العامّة - وهذا شيء آخر التزمه غير واحد من الأعلام. قال في «الجواهر»:

إنّ المراد «استترنا» بالإتمام خوفاً من اطّلاعهم على إتمامنا لا أنّ المراد الاستتار به عن أن يطّلعوا علينا أنا نقصّر حتى يكون دالّاً على كون الإتمام تقيّة. (2)

وقال الشيخ المؤسّس:

وأمّا إباء أخبار التمام عن الحمل على التقيّة؛ فإنّ المصرّح فيها أنّه من مخزون الله سبحانه، وهو يقتضي أن يكون من الأسرار المودعة عند أهله، وهو يقتضي أن لا يفشوها ويخفوها حتى عن الشيعة في بعض الأوقات، خوفاً للإشاعة. (3)

وتحصّل ممّا ذكرنا أنّه لا حجّيّة لأخبار القصر لكي تتعارض مع أخبار التخيير؛ لما أشرنا من تواتر روايات التخيير، مع أنّه قد يقال بأنّ أخبار التقصير صدرت عن تقيّة. فعليه، يكون تقديم أخبار التمام والتخيير عليها أوضح. قال في «الجواهر»:

إنّ حمل نصوص القصر على التقيّة أولى من العكس، كما عن جماعة من


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 526، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 6.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 317.

3) كتاب الصلاة؛ ص 651.

الأصحاب التصريح به لاتّفاقهم عليه. (1)

واختاره الحائري وصاحب الحدائق. (2)بل المحقّق الخوئي حيث قال:

ولابدّ من حمل الأمر بالقصر الوارد في هاتيك الأخبار -كعمل الأصحاب- على التقيّة. ويدلّنا على ذلك أمور:

أحدها: أنّ من الواضح جدّاً أنّ العامّة لا يرون خصوصيّة لتلك الأماكن، بل أنّ حكمها حكم غيرها من ثبوت التقصير في الجميع، وعليه جرت سيرتهم واستقرّ عملهم، وإن اختلف رأيهم ونسب إلى كثير منهم التخيير أخذاً بظاهر نفي الجناح في الآية المباركة، ولا ينبغي التأمّل في أنّهم كانوا يرون الخصوصيّة، فكانوا يقصرون في الطريق قبل الوصول إلى تلك المواضع جزماً.

إذاً فلو كان الأمر بالقصر في هذه الأخبار لبيان الحكم الواقعيّ، لألغيت الخصوصيّة ولم يكن ثمّة أي فرق بينها وبين غيرها من البقاع، فلا جرم يكون محمولاً على التقيّة، بحيث لو لم تكن لدينا أيّة رواية أُخرى ما عدا هاتين الطائفتين المتعارضتين، للزم بمقتضى هذه القرينة القاطعة حمل الأمر بالتقصير على التقيّة. (3)

وفيه: أنّه إن أراد بالخصوصيّة ما تدلّ عليه أخبار التمام وأنّه ثابت في الأماكن الأربعة لأفضليّته، فيرجع كلامه إلى ما ذكرنا من كون أخبار التمام منضمّة إلى أخبار التخيير متواترة إجمالاً، ومعه لا يبقى وجه للتعارض بينها وبين أخبار القصر ليحمل الثاني على التقيّة جمعاً؛ لما أشرنا إليه من أنّ أخبار القصر لا تكون حجّة في قبال أخبار التمام والتخيير.

وإن أراد من الخصوصيّة أمراً آخر، فإثباتها أوّل الكلام. مع أنّ الحمل على التقيّة فرع تحقّق من يتّقي منه وما يتّقي فيه، وهما غير متحقّقين في المقام:


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 317.

2) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 455.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 406.

أمّا الأوّل، فلأنّ العامّة قائلون بالتخيير بين القصر والإتمام في مطلق السفر وفي الحرمين أيضاً ولا يتحاشون من الإتمام، لكن أمر الإمام علیه السلام شيعته بالقصر تقيّة ومنه يظهر الحال في الثاني كما لا يخفى.

ثمّ قال:

ثانيها: ما تقدّم من الروايات الصحيحة الناطقة بأنّ التمام من الأمر المذخور في علم الله المخزون، وأنّه خاصّ بالشيعة، وبطبيعة الحال يكون الأمر بالقصر على خلاف ذلك فيكون للتقيّة لا محالة، أي التقيّة في العمل لا في نفس الأمر؛ إذ هي على قسمين:

فتارة يكون الأمر بنفسه للتقيّة لأجل وجود من يتّقي منه في مجلس التخاطب؛

وتارة أخرى يؤمر بشيء يكون ذلك الشيء لأجل التقيّة؛ كيلا يعرف الشيعة من غيرهم، فهو في الحقيقة أمرٌ بالتقيّة، أي بواقع التقيّة لا بعنوانها.

والمقام من هذا القبيل، فأمروا شيعتهم بالتقصير لهذه الغاية؛ إذ الشيعيّ المقصّر في الطريق وفي القافلة غيره من المخالفين وهم يرونه بطبيعة الحال لو أتمّ عندما بلغ مكّة - مثلاً - وهم يقصّرون عرفوا تشيّعه بذلك، ولعلّ هذا هو السرّ في أنّ جماعة من كبار أصحابهم كصفوان ومحمد بن أبي عمير كانوا يقصّرون، حسبما يشير إليه قوله في صحيحة ابن مهزيار المتقدّمة: «فإنّ فقهاءنا وأصحابنا أشاروا إليّ بالتقصير». (1)

وفيه أوّلاً: أنّ استفادة ما ذكره من أخبار القصر مشكلة جدّاً؛ لعدم ظهورها في كون الإتمام في الحرمين علامة تعرف بها الشيعة، وعليه يصبح ما ذكره ادعاءً صرفاً.

وثانياً: أنّه لو كان الملاك في التقيّة عدم التعرّف على الشيعة، لكان الأمر بالتخيير أوقع في ذلك؛ لأنّه عمل أكثر العامّة في تلك الأزمنة، حيث أصبحت الشيعة بالقصر تارة وبالتمام


1) نفس المصدر، ص 407.

أخرى غير معروفين. وربّما يؤيّده قوله علیه السلام في صحيحة معاوية بن وهب:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ التَّقْصِيرِ فِي الْحَرَمَيْنِ وَالتَّمَامِ؟ فَقَالَ: لَا تُتِمَّ حَتَّى تُجْمِعَ عَلَى مُقَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.

فَقُلْتُ: إِنَّ أَصْحَابَنَا رَوَوْا عَنْكَ أَنَّكَ أَمَرْتَهُمْ بِالتَّمَامِ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَكَ كَانُوا يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ فَيُصَلُّونَ وَيَأْخُذُونَ نِعَالَهُمْ وَيَخْرُجُونَ وَالنَّاسُ يَسْتَقْبِلُونَهُمْ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ فَأَمَرْتُهُمْ بِالتَّمَامِ. (1)

فإنّه لو كانت التقيّة في القصر لم يكن وجه لأمره علیه السلام بالتمام، فهذا كاشف عن وهن التقيّة، بل لو كان هناك تقيّة فهي في الإتمام كما سيجيء. مع أنّ المقصّرين للصلاة في تلك الأزمنة كانوا من أعاظم أصحاب الأئمّة علیهم السلام کصفوان وابن أبي عمير وأيّوب بن نوح وغيرهم ممّن كانوا معروفين بمكان ويشار إليهم بالبنان. فهل يصحّ أن يقال إنّهم كانوا يختفّون بالتقصير في صلاتهم؟! ولعمري هذا ممّا يوهن الحمل على التقيّة جدّاً.

ويؤيّده أنّ الشيعة في برهة من عصر الباقر والصادق علیهما السلام كانوا معروفين من غير تقيّة في البين ولذا اجتمع في درس مولانا الصادق علیه السلام ما يزيد على أربعة آلاف من رجال العلم والحديث ليكتسبوا من بحار علومه. وقد اشتهر أنّ مثل ابن أبي ليلى جاء محمّد بن مسلم مستتراً، وأخذ منه حكم الصادق في القضايا.

وبالجملة، لا يمكن الالتزام بكون ملاك التقيّة في ذلك الزمان هو الخوف من أن يعرف. نعم، التقيّة في الفتوى كانت موجودة في زمان الصادق علیه السلام خصوصاً في أواخر عصره كما لا يخفى، إلّا أنّ كلام المحقّق الخوئي ليس ناظراً إلى ذلك.

وأمّا ما ذكره بقوله:

وثالثها: صحيحة معاوية بن وهب - ثمّ قال بعد نقل الصحيحة:- فإنّها واضحة الدلالة على أنّ أمره علیه السلام أوّلاً بالقصر كان لأجل التقيّة وأنّ التمام مشروع في نفسه،


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 534، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 34.

وإلّا فلو لم يكن مشروعاً ولا صحيحاً أكان مجرّد الخروج والناس يستقبلونهم من مسوّغات التمام؟! وهل هذا إلّا أمرٌ بترك الصلاة في هذا اليوم؟ فنفس هذا البيان شاهد صدق على استناد الأمر بالقصر إلى التقيّة وإلّا فكيف يأمر الإمام علیه السلام بالإتيان بغير المأمور به؟! (1)

حاصله أنّ الوظيفة الواقعيّة هي التمام وأنّ الأمر بالقصر نشأ من التقيّة؛ إذ لو لم يكن كذلك، لكان الأمر به مساوقاً مع الأمر بترك الصلاة.

وفيه: أنّه يمكن أن نعكس الكلام عليه ونقول- كما أشرنا- إنّ الأمر بالتمام كان لأجل التقيّة كما هو ظاهر الصحيحة، وبه صرّح في «الحدائق» كما سيجيء، فتكون الصحيحة ظاهرة في كون الوظيفة الواقعيّة هي القصر وأنّ الأمر بالتمام لجهة خاصّة مذكورة في الحديث. مع أنّه يمكن أن يكون أمره علیه السلام بالتمام أمراً به مع ملازمه، وهو نيّة الإقامة وهذا غير بعيد في أكثر الروايات كما لا يخفى.

والحاصل: أنّ ما ذكره المحقّق الخوئي لإثبات التقيّة لا يمكن المساعدة عليه.

وربّما يجمع بين نصوص القصر ونصوص التمام- بعد تسليم المعارضة والتساوي- بالرجوع إلى التخيير بمعنى اختيار أحدهما بمقتضى قوله علیه السلام: «إذاً فتخيّر» كما أشار إليه في «الجواهر» حيث قال:

لا أقلّ من حصول التعارض بين أمري الإتمام والتقصير الذي من المعلوم أنّ الحكم فيه التخيير. (2)

وقال السيّد الحجّة بعد نقل أخبار التخيير:

وهذه الطائفة لها الحكومة على الطائفتين السابقتين، فتكون شارحة لهما، وأنّ كلّ واحد من القصر والإتمام في تلك الأمكنة إنّما هو بالتخيير. (3)


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 408.

2) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 318.

3) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 97.

والظاهر أنّه مذهب صاحب الكفاية في باب التعارض.

قلت: هذا وإن لم يبعد في نفسه، بل لم نستبعده في مبحث الأصول، إلّا أنّ المشهور كونه من التخيير في المسألة الأصوليّة وهو الأخذ بإحدى الحجّتين وقلنا به في الأخذ بقول أحد المجتهدين المتساويين.

وأمّا التخيير في الحكم الشرعيّ، فالالتزام به مشكل كما صرّح به المحقّق الخوئي في الأصول مع أنّ التخيير فرع كون الطرفين حجّة معتبرة في حدّ نفسه، وقد عرفت أنّ أخبار القصر ساقطة عن الحجّيّة من جهة تحقّق التواتر الاجمالي في أخبار التخيير والتمام كما سبق.

بقي الكلام فيما ذكره في «الحدائق» من حمل أخبار التقصير والإتمام على التقيّة. قال بعد نقل أخبار القصر وحملها على التقيّة نقلاً عن الشيخ في ذيل الرواية:

ويكون قوله علیه السلام لمن كان يخرج عند الصلاة من المسجد ولا يصلّي مع النّاس أمراً على الوجوب ولا يجوز تركه لمن كان هذا سبيله؛ لأنّ فيه دفعاً للتقيّة وإغراءً بالنفس وتشنيعاً على المذهب. ومرجعه إلى أنّ الإتمام المأمور به في أصل المسألة تخييريّ وأنّه أفضل الفردين، وهذا الإتمام المذكور في هذين الخبرين حتميٌ لا يجوز تركه.

• ثمّ قال:- لا مانع من أن تكون العلّة في التقصير في هذه المواضع هي التقيّة وأنّه قد يتبدّل الحكم بوجود عارض وأمر آخر، كما في هاتين الروايتين من الخروج من المسجد على هذه الحال، وحينئذٍ فيكون الإتمام هنا مخصوصاً بهؤلاء الّذين كانوا يفعلون ذلك، ومن الظاهر أنّ التقيّة هنا أشدّ؛ لأنّ خروجهم عند دخول المخالفين ربّما كان موجباً لهم الخروج عن الدين في اعتقاد أولئك المعاندين، فلذا أمرهم بالإتمام الذي هو أقلّ مفسدة. (1)

وفيه: أنّ المصلحة ليست في التقيّة الّتي هي عبارة عن إخفاء الحكم في مقام الفتوى؛ لأنّ


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 454 - 455.

المفروض أنّ الحكم بالقصر أو التمام لا تقيّة فيهما؛ لما عرفت من ذهاب العامّة إلّا من شذّ إلى التخيير، فتعيين أحد الفردين لمصلحة خارجيّة لا يعدّ من التقيّة. وعليه، يمكن أن يقال إنّ الوظيفة الواقعيّة في تلك الأماكن هي التخيير، كما دلّت عليه النصوص الكثيرة، أعني: الطائفة الثالثة. وإنّما أمر الإمام علیه السلام أصحابه بالقصر تارة وبالتمام أخرى، لأجل مصلحة تقتضيه، كما إذا كان الإتمام موجباً لحفظ نظم المسجد وسكوته، كما أشير إليه في بعض النصوص المتقدّمة. (1)

ومن هنا يمكن أن يقال: إنّهم علیهم السلام عيّنوا القصر أو التمام تقيّة من بعض جهلة الشيعة الّذين يرون القصر في السفر رخصة نظراً بما اشتهر من عمل الخلفاء، لجهلهم بالحكم الواقعيّ، كما يشهد له قوله علیه السلام: «إن قرئت عليه آية التقصير وفسّرت»، وإنّما شاع القصر وظهر في زمان الصادقين علیهما السلام بين خواصّ الشيعة الّذين يعتمد عليهم الإمام علیه السلام ولذا كان يبيّن الأحكام الخاصّة لهم دون غيرهم. و به صرّح العلّامة البروجردي حيث قال:

ولعلّ صدور أخبار القصر في المسألة كان لأجل تقيّتهم من بعض الشيعة الضعفة، كما يلوح ذلك من خبر أبي شبل (2)؛ فإنّ عقائد الشيعة وسلايقهم كانت مختلفة جدّاً. ألا تنظر إلى تقيّة فقهاء العصر من بعض مقلّديهم وعدم تمكّنهم من إظهار فتاويهم الواقعيّة لهم واضطرارهم إلى إظهارها بنحو لا تخالف أنظار الناس وإرتكازاتهم. (3)

قلت: ما ذكره حسن، إلّا أنّ استفادته من نصوص الباب مشكلة جدّاً؛ لعدم شاهد لها. وأمّا استشهاده بخبر أبي شبل، فهو أيضاً غير سديد؛ لأنّ الحديث في نفسه مجمل معنىً، إذ لا قرينة على أنّ المراد من الضعفة هم ضعفاء العقيدة فقط، لاحتمال إرادة ضعفاء البنية والّذين يشقّ


1) أحاديث 27 و 34 من باب 25 وسائل الشيعة.

2) تقدم في آخر اخبار التخيير.

3) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 258.

عليهم الإتمام مع تعب السفر وشدّته. وكيف كان، فحمل الرواية على أنّ القصر كان عمل الأفراد الضعيف إيمانهم بحيث لا يطيقون أمر أئمّتهم بعيدٌ جدّاً.

وأمّا ما ذكره المحقّق الخوئي بقوله:

إنّ المتعارف بين الناس كان هو القصر، وأمّا التمام فقد كان من العلم المخزون الذي لم يخبروا به إلّا بعض أصحابهم وخواصّ شيعتهم. (1)

ففيه أنّ لازم كونه من العلم المخزون عدم إخبارهم إلّا لبعض خواصّ شيعتهم. والحال نرى أنّهم علیهم السلام لقد أظهروه لغير الخواصّ أيضاً، ألا ترى قوله علیه السلام في صحيحة معاوية بن وهب،

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ التَّقْصِيرِ فِي الْحَرَمَيْنِ وَالتَّمَامِ؟ فَقَالَ: لَا تُتِمَّ حَتَّى تُجْمِعَ عَلَى مُقَامِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.

فَقُلْتُ: إِنَّ أَصْحَابَنَا رَوَوْا عَنْكَ أَنَّكَ أَمَرْتَهُمْ بِالتَّمَامِ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَكَ كَانُوا يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ فَيُصَلُّونَ وَيَأْخُذُونَ نِعَالَهُمْ وَيَخْرُجُونَ وَالنَّاسُ يَسْتَقْبِلُونَهُمْ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ لِلصَّلَاةِ فَأَمَرْتُهُمْ بِالتَّمَامِ. (2)

فإنّ أمره علیه السلام بالتمام يخالف كونه من الأسرار؛ فإنّ عنوان الأصحاب يطلق على عدّة كثيرة من الشيعة، فلا يتناسب الأمر السّريّ. بل يظهر من الصحيح أنّ الوظيفة هي القصر وأمّا التمام فهو إنّما كان لجهة معلومة للإمام علیه السلام كما في الصحيح.

وأمّا قوله بعد هذا: «وقد عرفت استقرار عمل العامّة وسيرتهم على القصر» فهو شيء يخالف الواقع بعد أن كان عمل عثمان وعائشة ونحوهما هو التخيير، بل كان هو المعروف عندهم كما مرّ.

وتحصّل من تمام ذلك أنّ الأقوى عندي تقديم روايتي التمام والتخيير على روايات القصر.

وإن شئت فقل: إنّ روايات التخيير حاكمة على روايات القصر، فلا تصل النوبة إلى التعارض


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 409.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 534، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 34.

المقام الثاني في بيان مواضع التخيير عدداً وسعة

والحاجة إلى بعض المحامل. وهذا قرينة على أنّ القصر والتمام إنّما هما لبيان أحد فردي الحكم، وأنّ تعيين أحدهما في بعض المقامات كان لأجل مصلحة موجودة في ذلك المقام، كما يظهر من بعض الروايات المتقدّمة.

فيقع الكلام في جهتين:

الأولى: في عددها

فنقول: المعروف بين الأصحاب أنّ مواضع التخيير أربعة وهي: مكّة والمدينة والكوفة والحائر الحسينيّ علیه السلام. وأمّا النجف الأشرف، فقد اختار الشيخ كونه منها، وكذا المجلسى، استناداً إلى الروايات الواردة بعنوان حرم أمير المؤمنين علیه السلام كما في صحيح حمّاد بن عيسى وغيره. (1)بناء على أنّ المراد من الحرم المكان الذي دفن فيه الإمام علیه السلام.

وفيه: أنّ عنوان الحرم وإن اصطلح في الأزمنة المتأخرة بمدفن الإمام علیه السلام عند الشيعة، إلّا أنّه لم يكن كذلك في زمن صدور الأخبار، بل المراد منه آنذاك هو محلّ شهادة الإمام علیه السلام وهي الكوفة، كما أنّ حرم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم محلّ هجرته وهو المدينة. ومنه يظهر ضعف ما ذكره المجلسيّ حيث قال بعد نقل كلام الشيخ في «المبسوط» من تعدية الحكم إلى النجف:

وكأنّه نظر إلى أنّ حرم أمير المؤمنين علیه السلام ما صار محترماً بسببه واحترام الغريّ - النجف- به أكثر من غيره ولا يخلو من وجه. (2)

وأمّا سائر المشاهد المشرّفة، فقد نقل في «الجواهر» عن المرتضى وابن الجنيد سريان الحكم فيها أيضاً حيث قال:

ولعلّهما أخذاه من معلوميّة شرف قبورهم وأنّها مساوية للمسجدين أو تزيد، مع فهم كون العلّة في الحكم هنا شرف المكان كما يوميء إليه بعض النصوص السابقة. (3)


1) نفس المصدر، ص 524 و 530، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 1 و 24.

2) بحار الأنوار؛ ج 89، ص 88.

3) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 321.

ولكن حكى المجلسيّ عن الشهيد في «الذكرى»:

أنّه لم يقف على مأخذ في ذلك، وقد اعترف به في «الجواهر» أيضاً، والقياس عندنا باطل. (1)

ولقد أجاد في «المستند» بعد توجيه مذهب المرتضى ونحوه حيث قال:

ولكنّه كما ترى يشبه القياس، وأنّى لنا معرفة ملاكات الأحكام وهي تعبّديّة صرفة، ومن الجائز اشتمال هذه الأمكنة على خصوصيّة مفقودة في غيرها كما أنّ لحرم الحسين علیه السلام بل ولزيارته خصوصيّة لم تثبت حتى لحرم أمير المؤمنين علیه السلام فضلاً عن غيرها من الأئمّة علیهم السلام. (2)

الجهة الثانية: في بيان حدود الأماكن الأربعة سعة وضيقاً فيقع الكلام في مواضع ثلاثة:

1.

في تعيين حدود التخيير في الحرمين الشريفين؛

2.

في تعيين حدّه في الكوفة؛

3.

في تعيينه في حرم سيّد الشهداء علیه السلام.

أمّا الموضع الأوّل: فقد اختلف كلام الأصحاب فيه، فالمشهور بل ادّعى عليه الإجماع هو تمام البلدين مكّة والمدينة. وذهب ابن ادريس إلى أنّ التخيير منحصر في المسجدين الشريفين، كما عن «الحدائق». (3)ونسب إلى العلّامة في «المختلف» و«اللّمعة» وشرحها و«الرياض».

وذهب الشيخ في «التهذيب» إلى أنّه الحرم وهو أعمّ من البلدين؛ لأنّ الحرم أوسع بكثير من بلدة مكّة، فربّما يبلغ في بعض النواحي إلى ما يقرب من أربعة فراسخ، وقد حكي أنّ هذه


1) بحار الأنوار؛ ج 89، ص 92.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 421.

3) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 455.

الحدود معلومة من زمن ابراهيم النبيّ علیه السلام كما أنّ للمدينة حرماً وهو بين جبلي العير والوعير.

وكيف كان، قال في «التهذيب»:

ويستحبّ إتمام الصلاة في الحرمين؛ فإنّ فيه فضلاً كثيراً، -ثمّ قال:- ومن حصل بعرفات فلا يجوز له الإتمام على حال. (1)

ومنشأ الأقوال اختلاف الأخبار الواردة في المقام، وهي على ثلاثة أقسام:

القسم الأوّل: ما أخذ فيها عنوان الحرم

منها: صحيح حمّاد بن عيسى عن أبي عبد الله علیه السلام أنّه قال:

مِنْ مَخْزُونِ عِلْمِ اللَّهِ الْإِتْمَامُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ حَرَمِ اللَّهِ وَحَرَمِ رَسُولِهِ صلى الله عليه و آله و سلم وَحَرَمِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام وَحَرَمِ الْحُسَيْن بن عَلِيٍّ علیه السلام. (2)

ونحوه غيره في هذا الباب من «الوسائل». (3)

وبعضها صحيح وهو أربع وقد عمل به الشيخ كما أشرنا، بل كلّ من قال بالتخيير في البلدين؛ لأنّ البلد أيضاً من الحرم كما لا يخفى.

القسم الثاني: ما أخذ فيه التعبير بمكّة والمدينة

منها: صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال:

سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام عَنِ التَّمَامِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: أَتِمَّ وَإِنْ لَمْ تُصَلِّ فِيهِمَا إِلَّا صَلَاةً وَاحِدَةً. (4)

ونحوها غيرها. (5)


1) التهذيب الأحكام؛ ج 5، ص 425 - 432.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 524، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) نفس المصدر، أحاديث: 2 ، 4، 6 ، 13 ، 15، 17 ، 18، 20 ، 21 ، 24، 30، 31، 33، 34.

4) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 525، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 5.

5) نفس المصدر، أحاديث: 7، 8، 9 ، 10، 16، 19، 26، 29.

وفيها أيضاً ثلاث صحاح كما في «الحدائق». (1)

القسم الثالث: ما أخذ فيه عنوان المسجدين

منها: خبر عبدالحميد خادم اسماعيل بن جعفر عن أبي عبدالله علیه السلام قال:

قُلْت لِأَبِي الْحَسَنِ علیه السلام: أَقصّر فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ أَتِمُّ؟ قَالَ: إِنْ قَصّرْتَ فَلَكَ وَإِنْ أَتْمَمْتَ فَهُوَ خَيْرٌ وَزِيَادَةُ الْخَيْرِ خَيْرٌ. (2)

ونحوه غيره. (3)

وهذه الطائفة كلّها ضعيفة، إمّا من جهة الإرسال، أو من جهة وقوع محمد بن سنان في الطريق - وهو ضعيف - على المشهور و إن كان الاظهر عندى عدم ضعفه الّا انّه لا يقاوم اخبار المقابل إذن يبقى في البين الطائفتان الأوليان، فيدور الأمر بين العمل بالطائفة الأولى وحمل الثانية على بيان المراد ورفع الإجمال من الحرم، وبين العمل بالثانية وطرح الأولى.

وبعبارة أخرى: إنّه لا تعارض بين المثبتين، فنعمل بالطائفتين بحمل الثانية على بيان مورد الحاجة ورفع الإجمال، ولعلّه لهذا اختار الشيخ في «المبسوط» القول الثالث، أي جميع الحرم.

والحقّ ما ذهب إليه المشهور، أعني: ثبوت التخيير في البلدين، وذلك لصحّة جملة من أخبارها، ولأنّ الحرم فسّر في بعض الروايات بالبلد، كما في صحيحة ابن مهزيار:

... فَقُلْتُ أَيَّ شَيْءٍ تَعْنِي بِالْحَرَمَيْنِ - فَقَالَ مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةَ الْحَدِيثَ. (4)

فهي قرينة واضحة على أنّ المراد من الحرمين هو البلدان، بل يمكن الاستشهاد عليه بقوله علیه السلام في صحيحة ابن الحجّاج: «إذا وردنا مكّة أتممنا الصلاة». (5)فإنّ عدول الإمام علیه السلام


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 456.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 527، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 11.

3) نفس المصدر، أحادیث: 14، 32، 23، 25، 26، 28.

4) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 525، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

5) نفس المصدر، ح 6.

عن قول السائل: «إنّ هشاماً روى عنك أنّك أمرته بالتمام في الحرمين» إلى لفظة «مكّة» لعلّه للإشارة إلى أنّ الملاك هو البلد.

بل يمكن استظهار ذلك من ذيل خبر «قرب الاسناد»:

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام عَنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي الْحَرَمَيْنِ؟ فَقَالَ: أَتِمَّهَا وَلَوْ صَلَاةً وَاحِدَةً.

وَرَوَاهُ الْحِمْيَرِيُّ فِي قُرْبِ الْإِسْنَادِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ عَنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ فِي الْحَرَمَيْنِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ؟ فَقَالَ: أَتِمَّ الصَّلَاةَ وَلَوْ صَلَاةً وَاحِدَةً. (1)

بل يستظهر منه أنّ أصحاب الأئمّة علیهم السلام كانوا يطلقون الحرمين ويريدون البلدين. وهذه كلّها قرينة على أنّ المراد من المطلق - الحرم- هو المقيّد، أي البلدان.

ويؤيّده خبر خالد القلانسيّ، عن الصادق علیه السلام قال:

مَكَّةُ حَرَمُ اللَّهِ وَحَرَمُ رَسُولِهِ وَحَرَمُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الصَّلَاةُ فِيهَا بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ وَالدِّرْهَمُ فِيهَا بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَالْمَدِينَةُ حَرَمُ اللَّهِ وَحَرَمُ رَسُولِهِ وَحَرَمُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ الصَّلَاةُ فِيهَا بِعَشَرَةِ آلَافِ صَلَاةٍ وَالدِّرْهَمُ فِيهَا بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَالْكُوفَةُ حَرَمُ اللَّهِ وَحَرَمُ رَسُولِهِ وَحَرَمُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ الصَّلَاةُ فِيهَا بِأَلْفِ صَلَاةٍ وَسَكَتَ عَنِ الدِّرْهَمِ. (2)

ولعدم خلّو سنده من الإشكال لم نجعله دليلاً، وتصحيح المحقّق الخوئي له مبنيّاً على وقوع الرجل في أسناد كامل الزيارات (3)غير مفيد؛ لما مرّ مراراً.

وتحصّل أنّ الأقوى هو ثبوت التخيير في البلدين وإن كان الأحوط الاقتصار على المسجدين كما في المتن، وعليه بعض الأساطين رحمه الله.

وأمّا لزوم الاحتياط المزبور وعدم جواز تركه، كما عن سيّدنا البروجردي والسيّد عبدالهادي


1) نفس المصدر، ح 17.

2) نفس المصدر، ص 256، باب 44 من أبواب احكام المساجد، ح 12.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 417.

الشيرازيّ، فليس له وجه وجيه. ويمكن أن يكون ذلك من باب تقديم ظهور المقيّد - لقوّته - على ظهور المطلق، كما يظهر ذلك من كلامه حيث قال:

ولا يخفى أنّ ظهور دليل المقيّد- روايات المقيّدة بالمسجد- في دخالة القيد أقوى من ظهور دليل المطلق في كون الحيثيّة المطلقة تمام الموضوع للحكم، فيجب حمل أخبار البلدين على الأخبار الدالّة على دخالة خصوصيّة المسجدين. (1)

إلّا أنّه قال في آخر كلامه:

ولكن لا يخفى أنّ تفسير الحرمين في رواية ابن مهزيار بنفس البلدتين لمّا لم يكن بلحاظ تعيين الموضعين من بين بقاع الأرض لعدم جهل ابن مهزيار بذلك كما مرّ، فلا محالة يكون بلحاظ تحديد ما هو موضوع الحكم وبيان مقداره، وعلى هذا فتكون الرواية ظاهرة جدّاً في ثبوت الحكم لجميع أجزاء البلدين. (2)

وأمّا الموضع الثاني أعني: الكوفة، فهل التخيير مختصّ بالمسجد أو بالبلد أو هو مع حواليه بحيث يشمل النجف الأشرف؟ وجوه بل أقوال:

فالمشهور هو الأوّل، قال في «الجواهر»:

وقد قيل إنّ المشهور هنا الاقتصار في الحرمين على المسجدين منه، بل على الأصليّين منهما دون الزيادة الحادثة، كما أنّ الظاهر كونه كذلك بالنسبة إلى مسجد الكوفة وقبر الحسين علیه السلام. - ثمّ قال:- ولقد أجاد في «السرائر» حيث قال: ويستحبّ الإتمام في أربعة مواطن في السفر: في نفس مسجد الحرام وفي نفس مسجد المدينة، وفي نفس مسجد الكوفة. (3)

وفي «الحدائق»:


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 261.

2) نفس المصدر.

3) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 320.

صرّح جمع من المتأخّرين باختصاص الحكم بالمسجد، قال في «المعتبر»:

ينبغي تنزيل حرم أمير المؤمنين علیه السلام على مسجد الكوفة خاصّة، أخذاً بالمتيقّن. (1)

وذهب جماعة إلى عموم الحكم لمطلق البلد وعن «الحدائق» أنّه أقرب. (2)ونفى عنه البعد في «المستند» حيث قال:

فلا يبعد أن يقال إنّ التخيير ثابت في تمام الكوفة؛ لأنّه ثابت للحرم وحرم أمير المؤمنين علیه السلام هو الكوفة بتمامها. (3)

وقيل بتعديّة الحكم إلى نواحي الكوفة الشاملة للنجف أيضاً، كما يظهر من «المبسوط» واستوجهه المجلسيّ الثاني بقوله: «ولا يخلو من وجه». (4)

ومنشأ الخلاف اختلاف الأخبار، فهي أيضاً على ثلاثة أنواع:

أحدها: ما ورد بعنوان مسجد الكوفة كما في حديث 13 و 22 و 24 و 25 و 29 من نصوص باب 25، صلاة المسافر من «الوسائل». ولكنّها ضعيفة السّند كما نصّ عليه العلّامة الخوئي. (5)

ثانيها: ما ورد فيه عنوان الكوفة، كما ورد في خبر زياد القنديّ، حدیث 13 من الباب 25 المتقدّم، وحال الرجل في الضعف واضح.

ثالثها: عنوان الحرم، فقد ورد في جملة من الروايات:

منها: صحيحة حمّاد بن عيسى المتقدّمة كراراً. (6)

ومنها: خبر حسّان بن مهران، قال:


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 459-460.

2) نفس المصدر، ص 459-460.

3) مستند العروة؛ ج 8، ص 417.

4) بحار الأنوار؛ ج 89، ص 88.

5) مستند العروة؛ ج 8، ص 415.

6) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 524، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام يَقُولُ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام: مَكَّةُ حَرَمُ اللَّهِ وَالْمَدِينَةُ حَرَمُ رَسُولِ اللهِ صلی الله علیه و آله و سلم وَالْكُوفَةُ حَرَمِي لَا يُرِيدُهَا جَبَّارٌ بِحَادِثَةٍ إِلَّا قَصَمَهُ اللَّهُ. (1)

ومنها: خبر خالد القلانسيّ:

مَكَّةُ حَرَمُ اللَّهِ وَحَرَمُ رَسُولِهِ وَحَرَمُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الصَّلَاةُ فِيهَا بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ وَالدِّرْهَمُ فِيهَا بِمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَالْمَدِينَةُ حَرَمُ اللَّهِ وَحَرَمُ رَسُولِهِ وَحَرَمُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ الصَّلَاةُ فِيهَا بِعَشَرَةِ آلَافِ صَلَاةٍ وَالدِّرْهَمُ فِيهَا بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَالْكُوفَةُ حَرَمُ اللَّهِ وَحَرَمُ رَسُولِهِ وَحَرَمُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبِ الصَّلَاةُ فِيهَا بِأَلْفِ صَلَاةٍ وَسَكَتَ عَنِ الدِّرْهَمِ. (2)

والخبران الأخيران ضعيفا السند.

وربّما يجمع بين أخبار الكوفة وأخبار المسجد بحمل أخبار الكوفة على أخبار المسجد حملاً للمطلق على المقيّد، ولا يضرّ ضعف سند أخبار المسجد؛ لاشتهار نقلها في الكتب، وهو كاشف عن اعتبارها. (3)وفيه أنّه لا يفيد لمن لا يقول باعتبار الشهرة كما لا يخفى. نعم، عبّر السيّد الميلاني عن خبر حمّاد بالصحيحة والسيّد الحكم بالمصحّحة. (4)ولعلّ هذا مبنيّ على ما هو المعروف بينهم من الاعتماد على ما روي من أصحاب الإجماع ومنهم حمّاد بن عيسى. وفيه ما ذكرنا مراراً من أنّ الإجماع المزبور على تقدير تحقّقه، إنّما يفيد في توثيق نفس أصحاب الإجماع دون غيرهم كما لا يخفى.

وكيف كان، فقد اختار المحقّق الخوئي جريان التخيير في تمام بلد الكوفة، حيث قال:

ومع ذلك كلّه، لا يبعد إلحاق الكوفة بالحرمين في ثبوت التخيير لمطلق البلد كما ذكره في المتن، وذلك لصحيحتين تضمّنتا أنّ حرم أمير المؤمنين علیه السلام هو


1) نفس المصدر، ج 14، ص 360، باب 16 من أبواب المزار، ح 1.

2) نفس المصدر، ج 5، ص 256، باب 44 من أبواب احكام المساجد، ح 12.

3) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 262.

4) مستمسك العروة الوثقي؛ ج 8، ص 186.

الكوفة، فتكونان مفسّرتين للصحيحة المتقدّمة ورافعتين لإجمالها. (1)

توضیح کلامه: أنّ عنوان الحرم الوارد في صحيحة حمّاد بن عيسى وإن كان مجملاً- كما أشرنا - إلّا أنّ صحيحة حسّان بن مهران وصحيحة خالد القلانسيّ وردتا في مقام الشرح والتفسير، يعني كما أنّ حرم الله مكّة وحرم رسول الله صلی الله علیه و آله و سلم المدينة، فكذلك حرم أميرالمؤمنين علیه السلام الكوفة، وعليه إذا كان الحكم ثابتاً لحرمه وهو جواز الإتمام بمقتضى الصحيحة المتقدّمة، فهو ثابت للكوفة؛ لأنّها حرمه بمقتضى هاتين الصحيحتين... هذا.

قلت: ما ذكره وإن كان هو مقتضى الصناعة في مقام الجمع بين الروايات ولا يخلو من قوّة أيضاً، إلّا أنّ في النفس شيئاً، وهو أنّ رواية القلانسيّ ضعيفة عند القوم وإنّما صحّحها المحقق الخوئي نظراً إلى وقوع رجاله في أسناد «الكامل»، وكذا رواية حسّان بن مهران وقد تقدّم منّا عدم تماميّة هذا المبنى، بل قد رجع عنه أخيراً كما لا يخفى.

وعليه؛ فلا يبقى إلّا رواية واحدة، أعني: صحيحة حمّاد بن عيسى. ورفع اليد بها عن أخبار مستفيضة مشهورة بين الأصحاب مشكل جدّاً. وعليه، فالأحوط هو الاكتفاء بخصوص المسجد والتقصير في خارجه.

أمّا الموضع الثالث: أعني، حرم الحسين علیه السلام، فقد اختلفوا في المراد من الحرم فنقل في «الذكرى» عن المحقّق في كتاب له في السفر أنّه حكم بالتخيير في تمام البلدان الأربعة فضلاً عن الحائر المقدّس؛ لورود الحديث بعنوان الحرم الحسينيّ علیه السلام وقدّر بخمسة فراسخ وبأربعة فراسخ. ثمّ قال: «والكلّ حرم وإن تفاوتت في الفضيلة».

وقال المجلسيّ بعد نقله عنه وعن الشهيد: «وهو غير بعيد». (2)ويظهر من كلام العلّامة البروجردي أنّ الحائر قد يفسّر ببلد كربلاء. (3)


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 416.

2) بحار الأنوار؛ ج 89، ص 88.

3) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 263.

ولكنّه بعيدٌ؛ لأنّه مبتنٍ على العمل برواية الحرم وسيأتي نقلها عن قريب مع ما فيها من الضعف ومخالفتها للمشهور. وفي «الحدائق»:

الأقرب عندي هو القول المشهور، وحمل الحرم في تلك الروايات على الحائر باعتبار أنّه أخصّ أفراد الحرم وأشرفها، وتؤيّده الروايات الدالّة على أنّه عند القبر، فإنّ إطلاق العنديّة على البلد لا يخلو من بُعدٍ، وأمّا على الحائر فهو قريب، وإن كان المتبادر من ذلك هو ما كان تحت القبّة. (1)

وقال الميلاني:

أمّا الحائر، فلابدّ من القول به؛ ضرورة أنّ الحرم شامل له، وما ورد من جملة - عند قبره - يصدق عليه. -ثمّ قال:- لا وجه لتقييد الحرم الوارد في الروايات المستفيضة بالحائر إن ثبتت سعة الحرم، وإلّا فلابدّ من التّوقّف والاقتصار على الحائر. (2)

هذا. وقد وقع الكلام أيضاً في أنّ الحرم هل هو بلدة كربلاء؟ أو هو مجموع الصحن الشريف وما حواه من الأبنية والبيوتات والرواقات؟ أو خصوص ما حواه السور المحيط للبيوتات كما عن المحقّق الخوئي أو خصوص الحائر، أو عند القبر الشريف كما في بعض الروايات؟ والأقوى هو الأخير وفاقاً للعلّامة البروجردي كما سيجيء.

إذا تقرّر ذلك فنقول: منشأ الخلاف في ذلك هو اختلاف الروايات، وهي على طوائف ثلاث:

الطائفة الأولى: ما ورد بعنوان حرم الحسين علیه السلام كصحيحة حمّاد بن عيسى عن الصادق علیه السلام أنّه قال:

مِنْ مَخْزُونِ عِلْمِ اللَّهِ الْإِتْمَامُ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ: حَرَمِ اللَّهِ وَحَرَمِ رَسُولِهِ صلى الله عليه و آله و سلم وَحَرَمِ أَمِيرِ


1) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 463.

2) محاضرات في الفقه الإمامية؛ ج 3، ص 325.

الْمُؤْمِنِينَ علیه السلام وَحَرَمِ الْحُسَيْن بن عَلِيٍّ علیه السلام. (1)

ونحوها خبر عبدالحمید خادم اسماعيل بن جعفر (2)وخبر حذيفة بن منصور (3)وخبر أبي بصير (4)وغير ذلك. وكلّها ضعيفة السند، إلّا رواية حمّاد كما سيجيء.

الطائفة الثانية: ما ورد بعنوان «عند القبر» وهي كثيرة.

منها: خبر زياد القنديّ قال:

قَالَ أَبُو الْحَسَنِ علیه السلام: يَا زِيَادُ! أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، أَتِمَّ الصَّلَاةَ فِي الْحَرَمَيْنِ وَبِالْكُوفَةِ وَعِنْدَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ علیه السلام. (5)

ونحوه غيره من نصوص الباب (6)ومثلها خبر ابن أبي عمير. (7)وكلّها ضعاف.

الطائفة الثالثة: ما ورد بعنوان الحائر، كمرسلة الصدوق قال:

قَالَ الصَّادِقُ علیه السلام: مِنَ الْأَمْرِ الْمَذْخُورِ إِتْمَامُ الصَّلَاةِ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاطِنَ: مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَمَسْجِدِ الْكُوفَةِ وَحَائِرِ الْحُسَيْنِ علیه السلام. (8)

ونحوها مرسلة حمّاد بن عيسى (9)وضعفهما ظاهر.

وحيث قد عرفت أن روايات الباب كلّها ضعيفة إلّا صحيحة حمّاد الدالّة على اعتبار الحرم، فيدور الحكم مدار الحرم.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 524، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

2) نفس المصدر، ص 528، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 14.

3) نفس المصدر، ص 530، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 23.

4) نفس المصدر، ص 530، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 24.

5) نفس المصدر، ص 527، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 13.

6) نفس المصدر، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 12، 22، 30.

7) نفس المصدر، ص 535، باب 26 من أبواب صلاة المسافر، ح 2.

8) نفس المصدر، ص 531، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 26.

9) نفس المصدر، ص 532، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 29.

والحرم يتردّد بين أمور:

أحدها: بلدة كربلاء كما اختاره المحقّق وقد تقدّم كلامه المحكيّ، وحكي عن يحيى بن سعيد أيضاً، بناءً على أن كربلاء حرم له علیه السلام يجب احترامه مثل مكّة والمدينة، وقد دلّت الأخبار على أنّ حرمه علیه السلام أربعة فراسخ في أربعة كذلك، أو خمسة فراسخ في خمسة. وفيه ما أشرنا إليه من ضعف الروايات الواردة في ذلك، فلا يعتمد عليها، مع أنّ الأخذ بها يستلزم طرح أخبار الحائر، وعند القبر.

ثانيها: خصوص الصحن الشريف وما حواه من الأبنية، فقد ذهب إليه جماعة منهم المجلسيّ قائلاً:

والأظهر عندي أنّه مجموع الصحن القديم. (1)

ثالثها: خصوص البيوتات والأروقة فقط دون الصحن.

رابعها: ما دار عليه سور الحرم، أعني ما يعبّر عنه بإسم الحرم في عصرنا الحاضر، كما عليه المحقّق الخوئي.

والظاهر أنّه لا دليل للأقوال الثلاثة الأخيرة بالخصوص، وإنّما قيل بها أخذاً بالمتيقّن وهو قاعدة مطّردة عند دوران الأمر بين المحتملات، فيرجع في غير المتيقّن إلى العمومات الدالّة على وجوب القصر للمسافر كذا قرّره بعضهم. (2)وهو لا يخلو من إجمال؛ لأنّ الرواية الدالّة على الحرم وإن كانت معتبرة في الجملة، إلّا أنّ ما دار عليه سور الحرم - الموجود زمن صدور الروايات- قد تغيّر وزال، وحدوده غير معلومة، وعلى هذا فحمل الروايات عليه مشكل جدّاً.

ومنه يظهر ضعف ما ذكره المجلسيّ من كون الحرم الصحن القديم؛ لأنّ المتيقّن من ثبوت التخيير أضيق من ذلك بكثير، وقد أشير إليه في الروايات الواردة بعنوان «عند القبر». والحاصل أنّ الحكم بالتخيير في الحرم بعنوانه مشكل جدّاً. والقدر المتيقّن هو الأخذ بما


1) بحار الأنوار؛ ج 89، ص 89.

2) مستند العروة؛ ج 8، ص 419-420.

يدلّ عليه عند القبر الشريف، وهي كثيرة. ولعلّها أخصّ من الكلّ، حيث يدلّ على التخيير إذا صلّى بقرب القبر ملاصقاً به، أو ما بحكمه، بأن صلّى تحت القبّة الشريفة إن صدق عليه عنوان «عند القبر».

وأمّا حمل الحرم على البلد أو ما يشمل الصحن أو الأروقة، فهو مجاز قطعاً مع الشّكّ في ثبوت التخيير فيها والأصل عدمه. وهذا هو مختار سيّدنا البروجردي استناداً إلى صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله علیه السلام يقول:

وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَبْرُ الْحُسَيْنِ علیه السلام عِشْرُونَ ذِرَاعاً مُكَسَّراً رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ. (1)

قلت: الظاهر أنّ المراد هو عشرون ذراعاً مضروباً بعشرين فيكون 400 ذراع - مأتا متر- كما صرّح به في حاشية «التهذيب». فإنّ احتمال كون المجموع عشرين ذراعاً بعيدٌ جدّاً؛ لأنّه لا يتجاوز عن محلّ الصندوق الشريف.

ثمّ إنّ الرواية معتبرة؛ لإنّ طريق الشيخ إلى عبدالله بن سنان صحيح كما حكي عن النجاشيّ، وصرّح به هو في «فهرسته»، قال في جامع الرواة:

وإلى عبدالله بن سنان صحيح في المشيخة و-ست-(2)

وذكر نحوه في خاتمة «المستدرك».

ولا يضرّها الإضمار؛ لأنّ مثل عبد الله بن سنان لا ينقل الرواية ومضمراً من غير الإمام علیه السلام.

وأمّا دلالتها، فقد قال العلّامة البروجردي:

نعم؛ الظاهر أنّ ما تضمّنته رواية عبدالله بن سنان السابقة - أعني عشرين ذراعاً مكسّراً- هو القدر المتيقّن ممّا يستفاد من أخبار الباب. وما ذكر فيها من كونه «روضة من رياض الجنّة» أيضاً يناسب حكم الإتمام؛ إذ التمام إنّما هو لشرف


1) التهذيب الأحكام؛ ج 6، ص 72، ح 135؛ البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 264.

2) جامع الرواة؛ ج2، ص 501.

المكان وفضله، والقدر المتيقّن من الحرم والحائر والعنديّة أيضاً ليس بأضيق ممّا دلّ عليه هذه الرواية قطعاً، فيجوز الأخذ بهذا المقدار بلا إشكال.

ولا يخفى أنّ مقتضى ذلك، ثبوت الحكم في كلّ طرف من أطراف القبر الشريف بمقدار خمسة أذرع تقريباً؛ إذ القبر يقرب من عشرة أذرع. فكيف كان؛ فأفضليّة التمام ممّا لا يقبل الإنكار؛ لدلالة الأخبار عليه، واشتهاره بين الأصحاب أيضاً، فلا وجه لتشكيك صاحب المدارك فيه، وتخصيصه الحكم بالحرمين. (1)

قلت: ما أفاده واضح جدّاً، فلا معدل عنه.

نعم؛ ما أفاده أخيراً من تشكيك صاحب المدارك، لا يخلو من تأمّل؛ إذ غاية ما يستفاد من «المدارك»، هو نوع من الترديد والاحتياط، نظير احتياط السيّد في التقصير مطلقاً، وعليك بالتدبّر في كلامه، قال:

وهذه الرواية معتبرة الإسناد، بل حكم العلّامة في «المختلف» بصحّتها، وهو غير بعيد، وفي معناها أخبار كثيرة، فلا بأس بالعمل بها إن شاء الله تعالى.

ومع ذلك، فلا يبعد أن يكون التقصير أقرب إلى حصول البرائة؛ لإنّه فرض المسافر، ولأنّ الأخبار الواردة بالإتمام لا تدلّ على أزيد من الرجحان، والله تعالى أعلم. (2)

وهذا البيان كماترى لا ينفي التخيير في الكوفة والحائر، بل غايته هو الاحتياط فيهما بالتقصير؛ لكونه أقرب إلى البرائة. وربّما يحتمل أنّ الأخبار الواردة فيهما ضعيفة، وإنّما المعتبر منها هو صحيح حمّاد المزبور وحيث إنّ خبره الآخر مرسل، (3)فيحتمل أن يكونا رواية واحدة؛ إذ يبعد لمثل حمّاد أن يسأل عن حكمٍ واحدٍ مرّتين، وعليه يحتمل كون الرواية الأولى أيضاً مرسلة، فتسقط عن الاعتبار. ولكنّه احتمال بعيدٌ لا يصحّ الاعتماد عليه، كما لا يخفى.


1) البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ ص 264.

2) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 468.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 532، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 29.

وتحصّل ممّا ذكرناه أنّ التخيير بين القصر والإتمام ثابت في تمام بلدي مكّة والمدينة وفي مسجد الكوفة الموجود الآن، وعند قبر الحسين علیه السلام بالمعنى الذي ذكرناه، تبعاً لسيّدنا الأستاذ البروجردي.

بقي الكلام في أمور أشار إليها السيّد:

منها قوله: «ولا يلحق بها سائر المشاهد».

قلت: ما ذكره متين جدّاً؛ لخلّو الأخبار على كثرتها، عن ذكر المشاهد غير حرم الحسين علیه السلام وحرم أمير المؤمنين علیه السلام الذي فسّر في بعض الروايات بمسجد الكوفة، كما هو المشهور أيضاً. نعم، ذهب المرتضى وابن الجنيد إلى إلحاقها بالأماكن الأربعة في الحكم بالتخيير؛ بدعوى أنّ المستفاد من الأخبار أنّ المناط في أفضليّة التمام هو حرمة المكان وشرافته، وهو موجود في حرم الأئمّة علیهم السلام. ولكن قد عرفت أنّه لا دليل على ذلك، كما اعترف به في «الذكرى» بل هو أشبه بالقياس كما اعترف به بعضهم. (1)

ومنها: قوله: «والأحوط في المساجد الثلاثة الاقتصار على الأصليّ منها».

لا يخفى أنّ هذا الاحتياط مبنيّ على اختصاص التخيير بالمسجدين الشريفين: مسجد الحرام ومسجد النبيّ صلی الله عليه و آله و سلم، وأمّا على المختار من ثبوت الحكم في تمام البلدين، فلا يبقى له وجه كما لا يخفى.

ثمّ إنّ الزيادة إنّما حدثت في المسجدين الشريفين. وأمّا مسجد الكوفة، فالظاهر أنّه قد نقص منه في عهد زياد بن أبيه وابنه عبيد الله عليهما لعائن الله ما يقرب من 12000 ذراعاً على المشهور، ولعلّه إليه أشار السيّد بقوله: «دون الزيادات الحادثة في بعضها». وأمّا الحائر، فعلى ما اخترنا تبعاً لبعض الأساطين من أنّه عبارة عن مقدار عشرين ذراعاً في عشرين ذراعاً - مأتي متر تقريباً-، فيقتصر فيه بهذا المقدار؛ لأنّه القدر المتيقّن.

وهل الحكم ثابت في البلدين مطلقاً - أي حتى ما زيد عليهما في الأزمنة المتأخّرة - أو


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 421.

يقتصر فيهما بما كان بلداً في زمن صدور الأخبار؟ يظهر من المحقّق الخوئي الفرق بين الزيادات الحاصلة في المسجدين وبين الزيادات في البلدين، ففي المسجد لا يشمل الحكم بما زاد عليه بعد صدور الأخبار؛ لأنّها ناظرة إلى تلك المساجد المعروفة المعلومة في تلك الأزمنة على سبيل القضيّة الخارجيّة، فلا تعمّ الإضافات. (1)وأمّا بالنسبة إلى البلدين، فقد استظهر شمول الحكم على الزيادات الحادثة أيضاً؛ لأنّ القضيّة في البلد قضيّة حقيقيّة، وأنّ الحكم دائر مدار صدق البلدة، فيشمل على كلّ مورد يصدق أنّه بلد مكّة أو المدينة. (2)لكن الإنصاف أنّ الحكم تعلّق على كلّ من المسجد والبلد على سبيل القضيّة الخارجيّة. وعليه، فلا يثبت التخيير إلّا في البلدة الموجودة في زمن صدور الأخبار، فلا يعمّ الإضافات الحادثة. وربّما يستظهر ذلك من بعض الروايات.

منها: صحيح معاوية بن عمّار، قال: قال أبو عبدالله علیه السلام:

إِذَا دَخَلْتَ مَكَّةَ وَأَنْتَ مُتَمَتِّعٌ فَنَظَرْتَ إِلَى بُيُوتِ مَكَّةَ فَاقْطَعِ التَّلْبِيَةَ وَحَدُّ بُيُوتِ مَكَّةَ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ الْيَوْمِ عَقَبَةُ الْمَدَنِيِّينَ؛ فَإِنَّ النَّاسَ قَدْ أَحْدَثُوا بِمَكَّةَ مَا لَمْ يَكُنْ فَاقْطَع التَّلْبِيَةَ وَعَلَيْكَ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا اسْتَطَعْتَ. (3)

فهذا ظاهر في أنّ عقبة المدنيّين كانت من حدود مكّة في ذلك الزمان.

ومنها: صحيحه الآخر وهو طويل جدّاً... إلى أن قال:

ثُمَّ أَتَتِ «عايشة» النَّبِيَّ صلی الله علیه و آله و سلم فَارْتَحَلَ مِنْ يَوْمِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْمَسْجِدَ وَلَمْ يَطُفْ بِالْبَيْتِ وَدَخَلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ عَقَبَةِ الْمَدَنِيِّينَ وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَل مَكَّةَ مِنْ ذِي طُوًى. (4)

وهو أيضاً ظاهر في كون مكّة محدودة بحدود معيّنة في زمان صدور الحكم. وعليه، يشكل


1) نفس المصدر، ص 421.

2) نفس المصدر، ص 422.

3) الوسائل الشيعة؛ ج 12، ص 389، باب 43 من أبواب الإحرام، ح 1.

4) نفس المصدر، ج 11، ص 217، باب 2 من أقسام الحج، ح 4.

الحكم بالتخيير في الزيادات الحادثة في الأزمنة الأخيرة.

ومع التنازل عمّا ذكرنا، فغاية ما في الباب أنّه يشكّ في كون القضيّة في الأخبار على سبيل القضيّة الخارجيّة أو الحقيقيّة، فيؤخذ بالمتيقّن كما هو الحال في إجمال الدليل، والمتيقّن من البلدين هو الموجود في ذلك الزمان، ويبقى الباقي مشمولاً لعمومات القصر على كلّ مسافر.

ومنها قوله: «نعم لا فرق فيها -مساجد - بين السطوح والصحن والمواضع المنخفضة منها»

لا يخفى أنّ المراد من المنخفضة هو السرداب الحادث في الأزمنة المتأخّرة، والمراد من السطح هو الطبقات الفوقانيّة، أعني: سطح المسجد الذي يصلّى فيه في بعض الفصول مع كثرة الزائرين.

والوجه في عدم الفرق فيها صدق المسجد عليها وشمول الإطلاق.

إذا كان بعض بدن المصلّي داخلاً في أماكن التخيير

مسألة 12:

إذا كان بعض بدن المصلّي داخلاً في أماكن التخيير وبعضه خارجاً لا يجوز له التمام.

نعم؛ لا بأس بالوقوف منتهى أحدها إذا كان يتأخّر حال الركوع والسجود بحيث يكون تمام بدنه داخلاً حاله. [1]

[1] أمّا عدم جواز الإتمام في الفرض الأوّل - ما كان بعض بدنه خارجاً عن المسجد مثلاً- كما إذا كان إحدى قدميه داخل المسجد والأخرى في خارجه أو نصف قدميه كذلك، فلانصراف أدلّة التخيير عن ذلك؛ لظهورها في كون تمام البدن داخلاً في موضع التخيير.

وأمّا الفرض الثاني، أي كون بعض بدنه خارجاً من المسجد حال الركوع والسجود إذا وقف في منتهى الخطّ وكانت قدماه داخلتين، فلا بأس بالتخيير؛ لعدم اعتبار وحدة المكان وعدم قدح المشي اليسير حال الصلاة، فيشمله أدلّة التخيير في الأماكن الأربعة.

لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير

مسألة 13:

لا يلحق الصوم بالصلاة في التخيير المزبور، فلا يصحّ له الصوم فيها إلّا إذا نوى الإقامة أو بقي ثلاثين يوماً متردّداً. [1]

[1] اعلم أنّ مقتضى القاعدة في السفر -كما مرّ - هو قصر الصلاة وإفطار الصوم خرج منه الصلاة في الأماكن الأربعة للنصوص الكثيرة المتقدّمة. وأمّا الصوم، فلم يدلّ دليل على جوازه في تلك الأماكن للمسافر. بل ربّما يستظهر من بعض الأخبار عدم جوازه في الأماكن الأربعة.

ففي صحيحة عثمان بن عيسى، قال:

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام عَنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ فِي الْحَرَمَيْنِ؟ فَقَالَ: أَتِمَّهَا وَلَوْ صَلَاةً وَاحِدَةً. (1)

بتقريب أنّ عدوله علیه السلام عن الصيام في الجواب وعدم تعرّضه له والحكم بالتمام في الصلاة فقط، دليل بحسب المتفاهم العرفيّ على اختصاص التمام بالصلاة، ولا يجوز في الصوم، وإلّا لقال: «أتمّ وصم».

وأمّا تثنية الضمير في بعض النسخ كما في «الحدائق» (2)، فالظاهر أنّه غلط؛ لأنّ الموجود في أكثر النسخ المعتمدة هو ضمير الإفراد الراجع إلى الصلاة خاصّة كما يؤيّده قوله علیه السلام: «ولو صلاة واحدة». ويؤيّده أنّ تثنية الضمير توجب اختلال الكلام؛ لاستلزامه عدم مطابقة الخبر مع المبتداء كما لا يخفى، مع أنّ الإتمام في الصوم غير صحيح ظاهراً. ولا أقلّ تصبح الرواية مجملة، فيرجع إلى مقتضى القاعدة، وهو الإفطار.

وربّما يستدلّ أيضاً بصحيح البزنطيّ، قال:


1) نفس المصدر، ج 8، ص 529، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 12.

2) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 466.

سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ علیه السلام عَنِ الصِّيَامِ بِمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَنَحْنُ فِي سَفَرٍ؟ قَالَ: أَ فَرِيضَةً؟ فَقُلْتُ: لَا وَلَكِنَّهُ تَطَوُّعٌ كَمَا يُتَطَوَّعُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: تَقُولُ الْيَوْمَ وَغَداً؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: لَا تَصُمْ. (1)

قال في «الحدائق» بعد نقلها:

والتقريب فيها أنّ المنع عن التطوّع مستلزم للمنع عن الواجب بطريق أولى. (2)

وفيه:

أوّلاً: منع الأولويّة؛ لأنّ الأولويّة القطعيّة غير حاصلة والظّنيّة لا اعتبار بها.

وثانياً: أنّه لا يبعد أن يكون بالعكس؛ لمكان الاستفصال بقوله: «أ فريضة؟» فإنّه لا يخلو من نحو ظهور فيما ذكر، ولو لا ذلك لقال: «لا تصم» في ابتداء الأمر.

ومنه يظهر ما في قوله:

إن قلت: مقتضى الملازمة بين القصر والإفطار المستفادة من مثل قوله في صحيح معاوية بن وهب: «إذا قصّرت أفطرت وإذا أفطرت قصّرت»، وصحيحه الآخر قال: «هذا واحد: إذا قصّرت أفطرت وإذا أفطرت قصّرت»، ونحوه ثبوت التخيير في الصيام أيضاً على المسافر في الأماكن الأربعة كالصلاة، فإذا أتمّ الصلاة صام، وإلّا فلا.

وقد: أجيب عنه بوجوه:

أحدها: أنّ عموم تلك القاعدة قد خصّص بالنسبة إلى الصوم، فلا يعمّه التخيير في تلك الأماكن، والمخصّص له كما تقدّم هو صحيح عثمان بن عيسى ونحوه.

ثانيها: ما أجاب به بعض الأعاظم بقوله:

وأمّا ما ورد من حديث الملازمة بين القصر والإفطار، فغير ناظر إلى القصر الخارجيّ قطعاً حتى لو بنينا على ثبوت التخيير في الصوم؛ فإنّه لا يدور اختيار


1) الوسائل الشيعة؛ ج 10، ص 202، باب 12 من أبواب الصوم، ح 2.

2) الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ ج 11، ص 466.

الإفطار مدار فعل القصر خارجاً. بل المراد كما أشرنا سابقاً التلازم بين البابين في موضوع السفر المشرّع للقصر وأنّ المسافة الشرعيّة المأخوذة موضوعاً للقصر فهي بنفسها موضوع للإفطار. (1)

وفيه أنّه خلاف الظاهر؛ لأنّ الظاهر من الروايات هو الإشارة إلى الموضوع الخارجيّ، لا أنّها سيقت إلى بيان موضوع الحكم، كما لا يخفى على من تأمّل فيما.

قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام فِي حَدِيثٍ: وَلَيْسَ يَفْتَرقُ التَّقْصِيرُ وَالْإِفْطَارُ، فَمَنْ قَصَّرَ فَلْيُفْطِرُ. (2)

ثالثها: أنّ القاعدة ناظرة إلى القصر التعيينيّ، فإذا وجب القصر تعييناً يجب الإفطار أيضاً، قال:

وأمّا ما دلّ على الملازمة بين الإفطار والتقصير، فهو منصرف عن مثل المقام؛ إذ المتبادر هو ثبوت الملازمة بين الإفطار والتقصير فيما يتعيّن القصر بحسب تحقّق موضوعه ذاتاً لا فيما ثبت التخيير بعنوان آخر ثانويّ. (3)

وذكر نحوه السيّد الميلاني في درسه. (4)

رابعها: ما ذكره المحقّق الخوئي أيضاً حيث قال:

إنّ التخيير في الصوم لا معنى له، فإنّه في الصلاة أمر معقول فيؤمر بالطبيعيّ الجامع مخيّراً في كيفيّته بين التمام والقصر، وأمّا في الصوم فمرجعه إلى الأمر بالجامع بين الفعل والترك والتخيير بين فعل الواجب وتركه، وهو كما ترى لا محصّل له إلّا بضرب من العناية البعيدة عن الأذهان العرفية بأن يراد به التخيير بين الأداء والقضاء. (5)


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 425 - 426.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 10، ص 184، باب 4 من أبواب الصوم، ح 2.

3) النجم الزاهر في صلوة المسافر؛ ص 109.

4) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 334.

5) مستند العروة؛ ج 8، ص 425.

التخيير في هذه الأماكن استمراريّ

وفيه: أنّ التخيير بين الوجود والعدم ثابت واقع في الخارج فضلاً عن إمكانه كما في باب تعارض الخبرين المتكافئين، فإنّ جملة من المحقّقين كصاحب الجواهر والسيّد الحجّة بل صاحب الكفاية قالوا بالتخيير المستلزم للتخيير بين الفعل والترك. بل لا معنى للإباحة -وهي من الأحكام الخمسة- إلّا تساوي الفعل والترك، كما هو كذلك في مورد الصلاة في أماكن التخيير، حيث إنّه مخيّر بين إتيان الصلاة تامّة وبين تركها إلى التقصير.

مسألة 14:

التخيير في هذه الأماكن استمراريّ، فيجوز له التمام مع شروعه في الصلاة بقصد القصر وبالعكس ما لم يتجاوز محلّ العدول، بل لا بأس بأن ينوي الصلاة من غير تعيين أحد الأمرين من الأوّل، بل لو نوى القصر فأتمّ غفلة أو بالعكس، فالظاهر الصحّة. [1]

[1] التخيير على قسمين:

1.

ابتدائيّ، وهو ما كان مخيّراً في أخذ كلّ من الطرفين في ابتداء الأمر كما ذكروه في التخيير بين الخبرين المتساويين من جميع الجهات، ولكن إذا أخد بأحدهما لا يجوز الأخذ بالآخر؛ لأنّه مستلزم للمخالفة القطعيّة مع الواقع تدريجاً كما قرّر في الأصول.

2.

واستمراريّ، وهو جواز الأخذ بكلّ من الأمرين دائماً كما في مثل المقام، فإنّه يجوز له الإتمام في صلاة الظهر والتقصير في العصر وبالعكس، بل يجوز له الشروع بنيّة التمام والإتيان بها قصراً وبالعكس.

والوجه في ذلك كلّه إطلاق أدلّة التخيير الدالّ على استمراره مادام في تلك الأماكن، وقد تقدّم أنّ إتمام الصلاة قصراً مع كونه ناوياً للتمام وبالعكس ليس بضائر؛ لما عرفت من كون القصر والإتمام من الأمور الخارجيّة الّتي لا دخل للقصد فيها.

استحباب التسبيحات عقيب المقصورات

مسألة 15:

يستحبّ أن يقول عقيب كلّ صلاة مقصورة ثلاثين مرّة: «سبحان الله والحمد لله ولا اله إلّا الله والله اكبر» وهذا وإن كان يستحبّ من حيث التعقيب عقيب كلّ فريضة حتى غير المقصورة، إلّا أنّه يتأكّد عقيب المقصورات بل الأولى تكرارها مرّتين مرّة من باب التعقيب ومرّة من حيث بدليّتها عن الركعتين الساقطتين. [1]

[1] قلت: لا خلاف في استحباب ما ذكر فتوىً وفي «الجواهر»: «بلا خلاف أجده فيه» (1)ونحوه في «المستمسك».

واستدلّ له بخبر سليمان بن جعفر المروزيّ، قال:

قَالَ الْفَقِيهُ الْعَسْكَرِيُّ علیه السلام: يَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِ أَنْ يَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِ صَلَاةٍ يُقَصِّرُ فِيهَا: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ» ثَلَاثِينَ مَرَّةً لِتَمَامِ الصَّلَاةِ. (2)

وخبر رجاء بن أبي ضحّاك عن الرضا علیه السلام:

أَنَّهُ صَحِبَهُ فِي سَفَرٍ فَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ يُقصِّرِهَا: «سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ» ثَلَاثِينَ مَرَّةً وَيَقُولُ هَذَا تَمَامُ الصَّلَاةِ. (3)

ولا يخفى وضوح الدلالة في الخبر الثاني. وأمّا في الأوّل، فيحمل قوله: «يجب على المسافر» على الاستحباب بقرينة ورود الذكر الشريف في مطلق الصلوات مقصورة كانت أم لا. ولضعف السند أيضاً؛ لعدم توثيق سليمان المروزي في كتب الرجال، فلا يصلح لإثبات الوجوب، فيحمل على الندب. ويؤيّده التعليل الوارد في ذيله: «ثلاثين مرّة لتمام الصلاة». وحيث إنّ الصلاة في السفر مقصورة، فلابدّ من أن يحمل التعليل على تأكّد الاستحباب صوناً من اللغويّة، هذا بناء على ضعف الرواية.


1) الجواهر الکلام؛ ج 14، ص 347.

2) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 523، باب 24 من أبواب صلاة المسافر، ح 1.

3) نفس المصدر، ح 2.

وأمّا بناء على اعتبار الرواية من جهة وقوع الرجل في أسناد «كامل الزيارات» كما التزم به المحقّق الخوئي في برهة من الزمان، فيشكل الأمر عليه من حيث بنائه على العمل بكلّ خبر صحيح أيّاً ما كان. ومع ذلك، لم يقل بوجوب الذكر المزبور استناداً إلى قاعدة أسّسها وبنى عليها في غير واحد من المقامات، وهي أنّ المسألة كثيرة الدوران ومحلّ للابتلاء غالباً لعدم خلو كلّ مكلّف عدا من شذّ عن السفر بل الأسفار العديدة، وفي مثله لو كان الوجوب ثابتاً لاشتهر وبان وشاع وذاع ولم يقع محلّاً للخلاف. وكيف ولم يذهب إليه أحد فيما نعلم والسيرة العمليّة قائمة على خلافه، فيكون ذلك كاشفاً قطعيّاً عن عدم الوجوب. ولاجله لا مناص من حمل الصحيحة على الاستحباب، وأنّه يتأكّد في حقّ المسافر، لثبوت الاستحباب لغيره أيضاً من باب التعقيب. (1)

وفيه:

أوّلاً: أنّه لا عبرة لإعراض الأصحاب وعدم عملهم بالخبر الصحيح وغيره عنده، فكيف يحصل له القطع بعدم الوجوب من عدم اشتهاره بين القوم؟

وثانياً: أنّ السيرة لا عبرة بها ما لم تفد القطع كما في المقام؛ لأنّه يحتمل أن يأتي أكثر الناس بالذكر المزبور خفاء من غير ظهور. وبعبارة أخرى، أنّ السيرة إنّما اعتبرت لو اتّصلت بزمن الأئمّة علیهم السلام، ولم يثبت هذا المناط في المقام. اللّهمّ إلّا أن يدّعي بأنّ فتوى مثل الصدوق والكلينيّ ونحوهما على الاستحباب قرينة على اتّصالها بزمانهم علیهم السلام.

وبالجملة: الرواية محمولة على الاستحباب للقرائن الّتي أشرنا إليها آنفاً. ولقد أجاد في «الجواهر» حيث قال بعد نقل الخبر المتقدّم:

إذ هو وإن كان مشتملاً على لفظ الوجوب، إلّا أنّه لمّا لم يقل به أحد كما اعترف به في «الرياض»، وكان الخبر ضعيف السند، اتّجه حمله على إرادة مطلق الثبوت، أو تأكّد الاستحباب منه على أنّه يمكن منع كون لفظ الوجوب حقيقة في


1) مستند العروة؛ ج 8، ص 428.

المعنى المصطلح بحيث يحمل عليه إذا ورد في الكتاب والسنّة. (1)

والذي يسهّل الخطب، أنّ المحقّق الخوئي قد عدل أخيراً عن المبنى المزبور، وعليه فلا يتمّ حجّيّة الخبر عنده أيضاً كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الظاهر من «الحدائق» والمتن والمحقّق الخوئي هو تداخل الاستحبابين في الصلاة المقصورة وهو الأقوى، ولعلّه لهذا عبّر عنه في الرواية بالوجوب، ولكن يظهر من السيّد الميلاني عدم التداخل ولزوم التكرار في المقصورة تارة بعنوان التعقيب المطلق وأخرى بعنوان كونه متمّماً للمقصورة. (2)لكنّه بعيد جدّاً؛ لما عرفت من ضعف الرواية.


1) الجواهر الكلام؛ ج 14، ص 347.

2) محاضرات في فقه الإمامية؛ ج 3، ص 369.

بقي الكلام في فرع لا بأس بالإشارة إليه

وهو إذا فاتت الصلاة في أماكن التخيير نسياناً أو عصياناً، فهل يكون مخيّراً بين القصر والإتمام في القضاء أيضاً أو لا، أو يفصّل بين ما إذا قضاها في تلك الأماكن فيتخيّر وأمّا لو قضاها في خارج تلك الأماكن فيتمّ؟ وجوه، بل أقوال:

1.

التخيير مطلقاً، أي سواء قضاها فيها أم خارجها؛

2.

القصر معيّناً مطلقاً، أي حتّى في تلك الأماكن؛

3.

التفصيل؛

أمّا القول الأوّل: فاختاره جماعة منهم صاحب المعالم في حاشيته على اثنى عشريته والمحقّق الخوئي، بل قوّاه صاحب الجواهر حيث قال:

كما أنّه قد يقوى في النظر ثبوت التخيير في القضاء بين القصر والإتمام إن كان الفوات في أحد أماكنه خصوصاً إذا كان القضاء في أحدها، وفاقاً لما عن المحقّق الثاني، بل وصاحب المعالم في حاشيته على اثنى عشريته على ما حكاه في «مفتاح الكرامة» عن تلميذه. (1)

ونفى عنه البعد بعض آخر، قال المصنّف في ذيل مسألة (11) من مسائل القضاء:

وإن كان لا يبعد جواز الإتمام أيضاً إذا قضاها في تلك الأماكن. (2)

ثمّ قال في الجواهر: بل كأنّه إنّه مال إليه صاحب المدارك. (3)

إلّا أنّ ظاهر كلامه خلافه، وإليك نصّه:

ولو حصل الفوات في أماكن التخيير، احتمل ثبوته في القضاء؛ لإطلاق قوله علیه السلام: «يقضي ما فاته كما فاته» وتعيّن القصر؛ لأنّه فرض المسافر وهو أحوط. (4)


1) الجواهر الكلام؛ 13، ص 124.

2) العروة الوثقی؛ ج 2، ص 256.

3) نفس المصدر.

4) مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ ج 4، ص 305.

واستدلّ عليه بوجوه: والعبارة كما ترى ظاهرة في ميله الى تعيّن القصر.

الأوّل: ما أشار إليه صاحب المدارك من إطلاق قوله علیه السلام: «يقضي ما فاته كما فاته» كما في صحيح زرارة قال:

قُلْتُ لَهُ: رَجُلٌ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مِنْ صَلَاةِ السَّفَرِ فَذَكَرَهَا فِي الْحَضَرِ؟ قَالَ: يَقْضِي مَا فَاتَهُ كَمَا فَاتَهُ إِنْ كَانَتْ صَلَاةَ السَّفَرِ أَدَّاهَا فِي الْحَضَرِ مِثْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ صَلَاةَ الْحَضَرِ فَلْيَقْضِ فِي السَّفَرِ صَلَاةَ الْحَضَرِ كَمَا فَاتَتْهُ. (1)

فإطلاقه أو عمومه يشمل المقام؛ لأنّ الفائت منه في تلك الأماكن هو المخيّر بين القصر والإتمام، فيثبت التخيير في القضاء أيضاً عملاً بالمماثلة بين القضاء والأداء. وأورد عليه في «المستند» بقوله:

إنّ النظر في المماثلة مقصور على ذات الفائت بحسب ما يقتضيه طبعه من قصر أو تمام لا بلحاظ ما يطرأ عليه من الخصوصيّات والملابسات المستتبعة للحكم الشرعيّ بالعنوان الثانويّ من زمان أو مكان ونحو ذلك. - إلى أن قال:- هذا مضافاً إلى أنّ مقتضى إطلاق موثّق عمّار قال: سألت أبا عبد الله علیه السلام عن المسافر يمرض ولا يقدر أن يصلّي المكتوبة؟ قال: يقضي إذا قام مثل صلاة المسافر بالتقصير، وجوب التقصير في قضاء الفائت حال السفر، سواء أكان الفوت في مواطن التخيير أم لا. (2)

قلت: يمكن أن يقال إنّه لا شاهد على كون الصحيحة في مقام بيان القضاء بحسب طبعها مع قطع النظر عن خصوصيّاتها؛ إذ لو كان مراده علیه السلام ذلك، لكان عليه الإشارة إليه ولو بقوله: «يقضي مقصّراً»، فعدوله عن هذا يشهد على أنّه كان بصدد بيان القضاء بالكيفيّة الّتي فاتت الصلاة، وحيث إنّ الفائت هو الصلاة في الأماكن الأربعة، فيثبت ذلك في القضاء أيضاً. لكن يدفع ذلك بأنّ خصوصيّة التخيير إنّما هي من جهة المكان دون نفس الصلاة، وعليه لو قضاها في الأماكن نفسها يتخيّر في القضاء وإلّا فلا. وعلى أيّ حال، فالإنصاف أنّ الصحيحة لا تخلو


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 268، باب 6 من أبواب القضاء، ح 1.

2) مستند العروة؛ 5، ص 145.

من إشعار على الإطلاق.

الثاني: ما استدلّ به المحقّق الهمداني بعد الإشارة إلى عموم قوله علیه السلام: «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته»:

مع أنّه مقتضى تبعيّة القضاء للأداء في الأحكام الثابتة كما يقتضيه الأصل كما حقّقناه في أوائل الكتاب في أنّ القضاء وإن كان بأمر جديد ولكن الأمر الجديد كشف عن أنّ المطلوب بالأمر الأوّل من قبيل تعدّد المطلوب وأنّ مطلوبيّته لا تنتفي بفوات وقته، فالصلاة المقضيّة بعينها هي الماهيّة الّتي وجب الإتيان بها في الوقت، فيجب أن يراعى فيها جميع ما ثبت لها من الشرائط والأجزاء والأحكام عدا ما نشأ من خصوصيّة الوقت. (1)

حاصل كلامه أنّا نستكشف ببركة تعدّد المطلوب أنّ المطلوبيّة لا تسقط بفوات الوقت، وهذا يقتضي أن يكون القضاء مثل الأداء بعينه، وعليه يجوز الإتمام في القضاء للتبعيّة، وكأنّه قيل: «افعل بما هو وظيفتك حال الأداء» وانّما تبدّل ظرف الأداء بظرف آخر، وبما أنّ الثابت في الذّمّة هو الصلاة مخيّرة بين القصر والتمام، فيثبت ذلك في القضاء بحكم التبعيّة المزبورة.

وأورد عليه المحقّق الخوئي بقوله:

بمنع التبعيّة وأنّ الأمر بالقضاء لازم أعمّ لتعدّد المطلوب، فلا يكاد ينكشف به ذلك لملائمته مع وحدته أيضاً، بل هي الظاهر من الأمر بالصلاة مقيّدة بالوقت كما لا يخفى، فإذا سقط هذا الأمر بخروج الوقت وتعلّق أمر جديد بالقضاء، فلا دليل على ثبوت التخيير في الأمر الجديد أيضاً، وإنّما التخيير كان ثابتاً في خصوص الأمر الساقط فقط. (2)

قلت: إنّ ما ذكره من ملائمة القضاء وحدة المطلوب وإن كان حسناً، إلّا أنّ العرف يفهم من مثل قوله علیه السلام: «فليقضها كما فاتته» تعدّد المطلوب، وإنّ أمر الشارع بالصلاة لا يسقط إلّا بإتيانها ولو في خارج الوقت.


1) مصباح الفقيه؛ ج 2، ص 617.

2) مستند العروة؛ ج 1، ص 147.

وبعبارة أخرى، يفهم العرف أنّه إذا لم يأت بالصلاة في الوقت لا يسقط أمرها وإنّما يزول قيد الوقت، وأمّا أصل المطلوب فهو باقٍ بحاله، كما إذا أمر المولى عبده بإتيان الماء البارد ولم يوجد البارد، فإنّ العرف يحكم في مثله بلزوم إتيان مطلق الماء، ولا يسقط الأمر بعدم وجدان البارد. وأنت إذا تأمّلت في قوله سبحانه: ﴿وإن كنتم مَرْضى أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّة مِنْ أَيّامٍ أُخَر) (1)، تعرف أنّ المستفاد منها عرفاً هو أنّ الشارع يطلب من العبد الصيام ويأمره بإتيانه في شهر رمضان، وعلى فرض كونه مريضاً أو مسافراً، يطلب منه الإتيان به في خارج شهر رمضان كما هو واضح.

ولقائل أن يقول: إنّ وحدة المطلوب لا تصحّ فيما نحن فيه؛ لفرض بقاء الأمر الأوّل وعدم سقوطه، وإلّا لم يكن معنى لقوله: «اقض ما فات كما فات». وعلى أيّ حال، فما ذكره الهمداني قوىّ متين.

الثالث: الاستصحاب بدعوى أنّ المكلّف كان مخيّراً في الأداء وإذا شكّ في بقاء التخيير حال القضاء يحكم ببقائه عملاً بالاستصحاب. وأورد عليه في «المستند» بأنّ: الاستصحاب في نفسه غير جارٍ هنا؛ لأجل تعدّد الموضوع، فإنّ الأمر الأوّل الذي كان على وجه التخيير، قد سقط بخروج الوقت جزماً، والمفروض هو وحدة المطلوب، والأمر الثاني الحادث بعد خروج الوقت مشكوك الكيفيّة من حين حدوثه حيث لا ندري أنّه على وجه التخيير أو التعيين، فما الذي نستصحبه؟ (2)

قلت: ما ذكره إنّما يصحّ بناء على وحدة المطلوب، وأمّا بناء على تعدّده كما استظهرناه تبعاً للهمدانيّ، فلا بأس للاستصحاب لتماميّة أركانه كما لا يخفى. لكنّ الإنصاف أنّه لا تصل النوبة إليه مع وجود الدليل، كإطلاق صحيحة زرارة المتقدّمة، والتبعيّة المشار إليها في كلام الهمداني ونحو ذلك.

وعلى هذا، فلا مانع من القول بثبوت التخيير في القضاء أيضاً. إلّا أنّه يشكل ذلك بما ذكره بعض الأعلام حيث قال:


1) البقرة: 184.

2) مستند العروة؛ ج 1، ص 148.

فالظاهر أنّ من تفوته الصلاة في أماكن التخيير، ينحصر الفائت في حقّه بالفريضة المقصورة فقط. فإنّ العبرة في القضاء بما يفوت المكلّف في آخر الوقت وهو زمان صدق الفوت، ولا شكّ في أنّه عند ضيق الوقت إلّا بمقدار أربع ركعات كما في الظهرين، تنقلب الوظيفة الواقعيّة من التخيير إلى التقصير، فلا يكون الفائت إلّا الصلاة قصراً، وهذا الفرض متحقّق دائماً، فإنّ الفوت مسبوق لا محالة بالتضييق المذكور، ومعه لا مجال للاستصحاب ولا لدعوى التبعيّة ولا عموم أدلّة الفوت. (1)

ولا يخفى متانة هذا البيان وصعوبة الذبّ عنه.

ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ ما ذكره مختصّ بالظهرين فلا يشمل العشاء؛ إذ لو بقي من الوقت مقدار ركعة أيضاً يجب عليه الأداء قصراً أو تماماً، بل لا يشمل ما ذكره بما إذا فات عنه العصر فقط، فإنّه يمكنه قضاؤها فيما إذا بقي من الوقت مقدار ركعة تماماً بمقتضى قاعدة «من أدرك». اللّهمّ إلّا أن يقال إنّ قاعدة «من أدرك» مختصّة بصورة السهو والنسيان، فلا تجري في صورة العمد، ولكنّه ليس بمبرهن.

والإنصاف أنّ هذه الوجوه لا تدفع ما ذكره من البيان المتين. ومعه، لا يبقى شيء يعتمد عليه في الفتوى على جواز الإتمام قضاء مطلقاً، أي حتى في خارج أماكن التخيير. فالأحوط، لو لم يكن الأظهر، هو الاكتفاء بالقصر في خارج الأماكن، بل مطلقاً؛ لعدم نهوض دليل على التخيير.

وأمّا التفصيل بين الأماكن الأربعة وغيرها، فقد استدلّ له بما تقدّم من الاستصحاب والتبعيّة، وقد عرفت حالهما. وزادوا عليهما الاستدلال بمكاتبة عليّ بن مهزيار قال:

كَتَبْتُ إِلَى أَبِي جَعْفَرِ الثَّانِي علیه السلام أَنَ الرِّوَايَةَ قَدِ اخْتَلَفَتْ عَنْ آبَائِكَ فِي الْإِتْمَامِ وَالتَّقْصِيرِ لِلصَّلَاةِ فِي الْحَرَمَيْنِ، فَمِنْهَا أَنْ يَأْمُرَ بِتَتْمِيمِ الصَّلَاةِ وَلَوْ صَلَاةً وَاحِدَةً وَمِنْهَا أَنْ يَأْمُرَ بِقَصْرِ الصَّلَاةِ مَا لَمْ يَنْوِ مُقَامَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ وَلَمْ أَزَلْ عَلَى الْإِتْمَامِ فِيهِمَا إِلَى أَنْ صَدَرْنَا مِنْ حَجِّنَا فِي عَامِنَا هَذَا فَإِنَّ فُقَهَاءَ أَصْحَابِنَا أَشَارُوا عَلَيَّ بِالتَّقْصِيرِ إِذَا كُنْتُ لَا أَنْوِي مُقَامَ عَشَرَةٍ وَقَدْ ضِقْتُ بِذَلِكَ حَتَّى


1) نفس المصدر، ج 5، ص 149.

أَعْرِفَ رَأْيَكَ.

فَكَتَبَ بِخَطَّهِ علیه السلام: قَدْ عَلِمْتَ يَرْحَمُكَ اللَّهُ فَضْلَ الصَّلَاةِ فِي الْحَرَمَيْنِ عَلَى غَيْرِهِمَا فَأَنَا أُحِبُّ لَكَ إِذَا دَخَلْتَهُمَا أَنْ لَا تُقَصِّرَ وَتُكْثِرَ فِيهِمَا مِنَ الصَّلَاةِ.

فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ مُشَافَهَةً: إِنِّي كَتَبْتُ إِلَيْكَ بِكَذَا فَأَجَبْتَ بِكَذَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَيَّ شَيْءٍ تَعْنِي بِالْحَرَمَيْنِ؟ فَقَالَ: مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ الْحَدِيثَ. (1)

بتقريب أنّ مقتضى إطلاقها استحباب الإكثار من الصلاة في الحرمين باختيار التمام فيهما؛ لشرف المكان من دون فرق بين الأداء والقضاء. وهذا بخلاف غير الأماكن؛ لعدم الدليل عليه. وأجاب عنه المحقّق الخوئي بأنّ:

الرواية ناظرة إلى الصلاة الأدائيّة خاصّة، وهي الّتي وقع الخلاف في حكمها بين الفقهاء، كما أشير إلى ذلك في صدر الرواية، ولا إطلاق لها بالإضافة إلى القضاء، وإلّا لزم القول بالتخيير فيما إذا قضى في الحرمين ما فاته قصراً في غيرهما، فإنّ الإطلاق على تقدير ثبوته يشمل ذلك أيضاً، ولا يظنّ بأحد الالتزام به. (2)

وهذا أيضاً متين جدّاً.

وعليه، فالحكم بالتخيير في القضاء ولو في نفس أماكن التخيير لا يخلو من إشكال، فالأحوط وجوباً هو القصر مطلقاً.

هذا آخر ما قررناه من مباحث صلاة المسافر التي القاها شيخنا الأستاذ آية الله العظمى الميرزا یدالله دوزدوزاني مدظلّه العالى وكان الفراغ في السنة التاسعة عشر بعد الف واربعمائة للهجرة النبوية.


1) الوسائل الشيعة؛ ج 8، ص 525، باب 25 من أبواب صلاة المسافر، ح 4.

2) مستند العروة؛ ج 5، ص 149 - 150.

المصادر

القرآن الكريم.

1.

إبن إدريس الحلي، أبو جعفر محمد بن منصور بن أحمد؛ السرائر الحاوي لتحرير الفتاوى؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1410 ه-.ق.

2.

ابن الأثير، محمد بن مبارك؛ النهاية في غريب الحديث والأثر؛ قم: مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع، 1364 ه-.ش.

3.

إبن الخلف التبريزي، محمد حسین؛ برهان قاطع؛ به اهتمام: محمد معین؛ تهران: موسسه انتشارات امیرکبیر، شرکت چاپ و نشر بین الملل، 1376 ه-.ش.

4.

إبن رشد القرطبي الأندلسي، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد؛ بداية المجتهد ونهاية المقتصد؛ تنقيح وتصحيح: خالد العطار؛ بيروت - لبنان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، [من دون تاريخ الطبع].

5.

إبن طاووس، على بن موسى؛ مهج الدعوات ومنهج العبادات؛ قم: دار الذخاير، 1411 ه-.ق.

6.

إبن قدامة، أبي محمد عبدالله بن أحمد بن محمد؛ المغني على المختصر؛ بيروت- لبنان: دار الكتب العربي، [من دون تاريخ الطبع].

7.

إبن قولويه القمي، ابوالقاسم جعفر بن محمد بن جعفر؛ كامل الزيارات؛ تحقيق: عبد الحسين الأميني التبريزي؛ النجف الأشرف: المطبعة المرتضوية، 1356 ه-.ق.

8.

ابن منظور، أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الإفريقي المصري؛ لسان العرب؛ قم: نشر أدب الحوزة، 1405 ه-.ق.

9.

أبو البقاء الحسيني الكفي، أيوب بن موسى؛ كليات أبي البقاء؛ القاهره - مصر: المطبعة العامره، 1287 ه-.ق.

10.

الأراكي، ملا أبو طالب بن عبد الغفور؛ شرح نجاة العباد في يوم المعاد؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1420 ه-.ق.

11.

الأردبيلي، محمد بن علي؛ جامع الرواة وإزاحة الإشتباهات عن الطرق والأسناد؛ تهران: بنياد فرهنگ اسلامی، محمد حسین کوشان پور، 1334 ه-.ش.

12.

الأردبيلي، أحمد؛ مجمع الفائدة والبرهان في شرح إرشاد الأذهان؛ صححه ونمقه وعلق عليه وأشرف علي طبعه: مجتبى العراقي وعلي پناه الاشتهاردي وحسين اليزدي الإصفهاني؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، [من دون تاريخ الطبع].

13.

المحقق الكاظمي، اسدالله بن اسماعيل التسترى؛ كشف القناع عن وجوه حجّية الإجماع؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1417 ه-.ق.

14.

الآملي، محمد تقي؛ مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى؛ تهران: [من دون الناشر]، 1377ه-.ق.

15.

الأنصاري، الشيخ مرتضى بن محمد أمين؛ كتاب الصلاة؛ إعداد: لجنة التحقيق التراث الشيخ الأعظم؛ قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1420 ه-.ش.

16.

الآخوند الخراساني، محمد كاظم؛ كفاية الأصول؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسین، 1414 ه-.ق.

17.

الآلوسي، محمود بن عبدالله؛ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني؛ بيروت-لبنان: دار الإحياء التراث العربى، 1420 ه-.ق.

18.

البحراني، الشيخ يوسف بن أحمد؛ الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، [من دون تاريخ الطبع].

19.

البرقي، أبو جعفر أحمد بن محمد بن خالد؛ المحاسن؛ تهران: دار الكتب الاسلامية، [من دون تاريخ الطبع].

20.

البروجردي، المرتضى؛ مستند العروة الوثقى: محاضرات آية الله العظمى السيد ابوالقاسم الموسوي الخوئي؛ قم: منشورات المدرسة دار العلم، 1368 ه-.ش.

21.

البلاغي، محمد جواد؛ آلاء الرحمن في تفسير القرآن؛ بيروت - لبنان: دار احياء التراث العربي؛ [من دون تاريخ الطبع].

22.

التستري، محمد تقي؛ قاموس الرجال؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1410 ه-.ق.

23.

التوحيدي، محمد علي؛ مصباح الفقاهة: تقرير أبحاث آية الله العظمى السيد ابوالقاسم الموسوي الخوئي؛ قم: مرکز اطلاعات و مدارک اسلامی، 1387 ه-.ش.

24.

جماعة من الأركان؛ الجوامع الفقهية؛ قم: مكتبة آية الله العظمي المرعشي النجفي، 1404 ه-.ق.

25.

الحائري اليزدي، عبد الكريم؛ كتاب الصلاة؛ قم: مكتب الأعلام الإسلامي في الحوزة العلمية، 1362 ه-.ش.

26.

الحر العاملي، محمد بن الحسن؛ وسائل الشيعة إلي تحصيل مسائل الشريعة؛ تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1416 ه-.ق.

27.

الحكيم، السيد محسن الطباطبائي؛ مستمسك العروة الوثقي؛ قم: مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع، 1411 ه-.ق.

28.

الحلي، العلامة الحسن بن يوسف بن المطهر الأسدي؛ مختلف الشيعة في أحكام الشريعة؛ تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة، [من دون تاريخ الطبع].

29.

...؛ تذكرة الفقهاء؛ الطبعة الحجرية، تهران: المكتبة المرتضوية، 1388 ه-.ق.

30.

...؛ مفتاح الكرامة؛ بيروت - لبنان: مؤسسة فقه

الشيعة، دار التراث، 1417 ه-.ق.

31.

...؛ تحرير الأحكام الشرعية على مذهب الأمامية؛ طبعة حجرية؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1413 ه-.ق.

32.

الحلي، المحقق نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن؛ المعتبر في شرح المختصر؛ قم: مدرسة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، 1364 ه-.ق.

33.

...؛ شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام؛ طهران: انتشارات استقلال، 1409 ه-.ق.

34.

الحميري، أبي العباس عبدالله بن جعفر؛ قرب الأسناد؛ تحقيق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1413 ه-.ق.

35.

الخلخالي، محمد رضا الموسوي؛ معتمد العروة الوثقى؛ تقريراً لأبحاث آية الله العظمى السيد ابوالقاسم الموسوي الخوئي؛ قم: مؤسسة احياء آثار الإمام الخوئي، 1430 ه-.ق.

36.

...؛ دروس في فقه الشيعه: الاجتهاد والتقليد: تقريراً لأبحاث سماحة آية الله العظمى السيد ابوالقاسم الموسوي الخوئي، قم: نوظهور، 1411ه-.ق.

37.

الخميني، الإمام روح الله الموسوي؛ تحرير الوسيلة؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1430 ه-.ق.

38.

الخوئي، أبو القاسم بن على أكبر؛ صراط النجاة في أجوبه الاستفتاءات؛ مع تعليقات وملحق: للميرزا جواد التبريزي؛ قم: دار الاعتصام، 1413 ه-.ق.

39.

...؛ معجم رجال الحديث؛ النجف الأشرف: مطبعة الاداب، 1390 ه-.ق.

40.

...؛منهاج الصالحين؛ قم: مدينة العلم، 1410 ه-.ق.

41.

الخوئي، محمد تقي؛ المباني في شرح العروة الوثقى: تقريراً لأبحاث آية الله العظمى السيد ابوالقاسم الموسوي الخوئي؛ قم: مؤسسة الأحياء الآثار الإمام الخوئي، 1413 ه-.ق.

42.

دهخدا، على اكبر؛ لغتنامه؛ تهران: دانشگاه تهران موسسه لغتنامه دهخدا، 1337 ه-.ش.

43.

رشید رضا، محمد؛ المنار: تفسير القرآن الحكيم؛ القاهره: دار المنار، 1373 ه-.ق.

44.

الزمخشري، محمود بن عمر؛ الكشاف عن الحقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل؛ القاهره: المطبعة العامرة، 1308 ه-.ق.

45.

السبزواري، محمد باقر بن محمد مؤمن؛ ذخيرة المعاد في شرح إرشاد الأذهان إلي أحكام الايمان؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، [من دون تاريخ الطبع].

46.

...؛ كفاية الأحكام؛ تحقيق: الشيخ مرتضى الواعظي الأراكي؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1423 ه-.ق.

47.

الشهيد الأول، محمد بن جمال الدين مكي العاملي؛ ذكرى الشيعة؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1419 ه-.ق.

48.

...؛ الدروس الشرعية في فقه الإمامية؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1414 ه-.ق.

49.

الشهيد الثاني، زين الدين علي بن أحمد العاملي؛ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية؛ قم: مكتب الأعلام الاسلامي في الحوزة العلمية، مركز النشر، 1365 ه-. ش.

50.

...؛ روض الجنان في شرح إرشاد الاذهان؛ تحقيق: مركز الابحاث والدراسات الإسلامية، قسم احياء التراث الاسلامي؛ قم: بوستان کتاب قم (مكتب الأعلام الإسلامي في الحوزة العلمية)، 1422 ه-.ق.

51.

...؛ مسالك الإفهام في شرح شرائع الإسلام؛ قم: دار الهدى، [من دون تاريخ الطبع].

52.

الصدوق، الشيخ أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي؛ المقنع؛ قم - إيران: مؤسسة الإمام الهادي عليه السلام، [من دون تاريخ الطبع].

53.

...؛ معاني الأخبار؛ تصحيح علي اكبر غفاري، تهران: مكتبة الصدوق، 1379 ه-.ق.

54.

...؛ أمالي؛ تهران: کتابچی، 1376 ه-.ش.

55.

...؛ علل الشرايع؛ قم: مكتبة الداوري، 1385ه-.ق.

56.

...؛ من لا يحضره الفقيه؛ بيروت - لبنان: منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1406ه-.ق.

57.

...؛ عيون أخبار الرضا عليه السلام؛ بيروت-لبنان: منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، [من دون تاريخ الطبع].

58.

الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم؛ العروة الوثقى؛ بهامشها تعليقات أعلام العصر ومراجع الشيعه الإمامية؛ أشرف على تصحيحه ثانوية: هداية الله المسترحمي؛ تهران: مكتبة العلمية الاسلامية، 1399 ه-.ق.

59.

الطباطبائي، السيد محمد حسين؛ الميزان في تفسير القرآن؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1393 ه-. ق.

60.

الطباطبائي، علي بن محمد علي بن أبي المعالي الصغير؛ رياض المسائل في تحقيق الاحكام بالدلائل؛ تحقيق: مؤسسة آل البيت علهيم السلام لإحياء التراث؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1418 ه-.ق.

61.

الطبرسي، أبي علي الفضل بن الحسن؛ مجمع البيان في تفسير القرآن؛ حققه وعلق عليه لجنة من العلماء والمحققين؛ بيروت - لبنان: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، [من دون تاريخ الطبع].

62.

الطريحي، فخر الدين؛ مجمع البحرين؛ تحقيق: أحمد الحسيني؛ تهران: دفتر نشر فرهنگ اسلامي، 1408 ه-. ق.

63.

الطوسي، الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن؛ التبيان في تفسير القرآن؛ بيروت - لبنان: دار الإحياء التراث العربي، [من دون تاريخ الطبع].

64.

...؛ تهذيب الأحكام في شرح المقنعة؛ صححه و علق عليه: على اكبر الغفاري؛ تهران: مكتبة الصدوق، 1418ه-.ق.

65.

...؛ الخلاف؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1407 ه-. ق.

66.

...؛ النهاية في مجرد الفقه والفتاوى؛ قم: انتشارات قدس محمدي، [من دون تاريخ الطبع].

67.

...؛ المبسوط في الفقه؛ تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1422 ه-. ق.

68.

...؛ مصباح المتهجّد؛ بيروت - لبنان: مؤسسة فقه الشيعة، 1425 ه-. ق.

69.

...؛ الإستبصار فيما اختلف من الأخبار؛ تحقیق و تعليق: السيد حسن الموسوي الخرسان؛ الطبعة الأولي، تهران: دار الكتب الاسلامية، 1390 ه-. ق.

70.

العاملي، السيد محمد بن علي الموسوي؛ مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1410 ه-.ق.

71.

علم الهدي، الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي البغدادي؛ الإنتصار؛ تحقيق: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين؛ قم: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، 1415 ه-. ق.

72.

العلياري التبريزي، علي بن عبدالله؛ بهجة الآمال في شرح زبدة المقال؛ عني بتصحيحه وتخريج مصادره: الحاج السيد هداية الله المسترحمي و...؛ تهران: بنیاد فرهنگ اسلامی حاج محمد حسین کوشان پور، 1363ه .ش.

73.

الغروي، على؛ التنقيح في شرح العروة الوثقى، تقريراً لأبحاث آية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي؛ قم: مؤسسة احياء آثار الإمام الخوئي، شركة التوحيد للنشر، 1418 ه-. ق.

74.

الفيومي، الشيخ الإمام أحمد بن محمد بن على المقري؛ مصباح المنير في غريب الشرح

الكبير؛ طرابلس: مؤسسة الحديثة للكتاب، 1383 ه-.ق.

75.

الكليني الرازي، أبي جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق؛ الكافي؛ تصحيح والتعليق: علي أكبر الغفاري؛ الطبعة الثالثة، تهران: دار الكتب الاسلامية، 1388 ه-. ق.

76.

المامقاني، عبدالله؛ تنقيح المقال في علم الرجال؛ تحقيق والاستدراك: محيي الدين المامقاني؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1423 ه-.ق.

77.

المجلسي، العلامة محمد باقر بن محمد تقي؛ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار؛ الطبعة الثانية، بيروت - لبنان: مؤسسة الوفاء، 1403 ه-. ق.

78.

...؛ ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار؛ تحقيق: السيد مهدى الرجائي؛ قم: المكتبه آية الله المرعشي النجفي، 1406 ه-. ق.

79.

المجلسي، محمد تقي بن مقصود علي؛ روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقية؛ قم: بنياد فرهنگ اسلامی، حاج محمد حسین کوشان پور، 1406 ه-. ق.

80.

المعزي الدزفولي، محمد علي؛ تجديد الدوارس وتحديد المدارس؛ قم: المطبعة العلمية، 1385 ه-. ق.

81.

المنتظري، حسينعلي؛ البدر الزاهر في صلاة الجمعة والمسافر؛ تقرير الأبحاث آية الله العظمى حاج آقا حسين الطباطبائي البروجردي؛ قم: مكتب آية الله العظمی منتظري، 1416ه-.ق.

82.

الموسوي (مولانا التبريزي)، ابو الحسن؛ النجم الزاهر في صلوة المسافر: من تقريرات آية الله العظمى محمد الحجة الكوهكمري؛ التبريز: 1368 ه-.ق.

83.

الميلاني، محمد هادي؛ محاضرات في فقه الإمامية؛ جمعها و علق عليها: فاضل الحسيني الميلاني؛ مشهد: دانشگاه فردوسي، [من دون تاريخ الطبع].

84.

النجفي، محمد حسن بن باقر؛ جواهر الكلام في شرح شرائع الاسلام؛ تهران: دارالکتب الاسلامية، 1367 ه-.ش.

85.

...؛ نجاة العباد؛ تهران: دار الطباعة آقا سيد مرتضی و میرزا حسن، 1314 ه-.ق.

86.

النراقي، أحمد بن محمد مهدي؛ مستند الشيعة في أحكام الشريعة؛ بيروت - لبنان: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1415 ه-.ق.

87.

النوري الطبرسي، إسماعيل بن محمد؛ وسيلة المعاد في شرح نجاة العباد؛ تهران: 1311 ه-.ق.

88.

...؛ مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل؛ قم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1408 ه-.ق.

89.

الواعظ الحسيني البهسودي، محمد سرور؛ مصباح الأصول: تقريراً لأبحاث آية الله العظمى السيد ابو القاسم الموسوي الخوئي؛ قم: مؤسسة احياء آثار الإمام الخوئي، 1422 ه-. ق.

90.

الهمداني، رضا بن محمد هادي؛ مصباح الفقيه؛ تحقيق: محمد الباقري، نور علي النوري، محمد الميرزائي، الاشراف: نورالدین جعفریان؛ قم: موسسه مهدي موعود (عجل الله تعالی فرجه الشريف)، 1413 ه-. ق.