ghaemiyeh.com
سرشناسه : زمخشری، محمودبن عمر، 467 - 538ق.
عنوان و نام پديدآور : المفصل في صنعة الإعراب/ تالیف أبی القاسم محمود بن عمر الزمخشری؛ و بذیله الکتاب المفضل فی شرح أبیات المفصل / قدم له و بوّبه الدکتور علی بو ملحم
مشخصات نشر : بیروت : دار و مکتبة الهلال ، 1413ق = 1993 = 1371
مشخصات ظاهری : 560 صفحه
موضوع : زبان عربی -- نحو -- متون قدیمی تا قرن 14
موضوع : زبان عربی -- اعراب -- متون قدیمی تا قرن 14
موضوع : زبان عربی -- تحقیق -- متون قدیمی تا قرن 14
شناسه افزوده:بو ملحم، علی
توضیح : «المفصل فی صنعة الاِعراب» تالیف ابوالقاسم محمود بن عمر زمخشری( م 538 ق) اثری فاخر و ارزشمند در بیان و آموزش قواعد زبان عربی میباشد که به قلمی رسا و بیانی شیوا، در سال 515 ق، به رشته تحریر درآمده است.در ذیل کتاب، حاشیهای با عنوان «المفضل فی شرح ابیات المفصل» نیز چاپ گردیده که برای شرح و توضیح بیشتر عبارتهای کتاب بسیار سودمند بوده و توسط محمد بدرالدین ابیفراس النعسانی الحلبی نگاشته شده است.
روش نویسنده در تألیف کتاب بدینگونه است که بعد از بیان نظر خود در یک مسأله، به نقد و بررسی دیدگاه دو مکتب کوفه و بصره در این موضوع میپردازد وبه دلیل اینکه وی متمایل به مدرسه بصره است، از اینجهت در بیشتر مواقع، نظریات کوفیین را ضعیف شمرده و مذهب بصریین را با آوردن شواهدی از آیات قرآن کریم و اشعار مختلف، تقویت مینماید.
نویسنده در تقسیمبندی مباحث کتاب، بهگونهای عمل کرده است که خواننده در همان ابتدا با ساختار کلی کتاب آشنا میگردد. وی، کتاب را به چهار بخش ( اسماء، افعال، حروف و کلمات مشترک بین آنها) تقسیم نموده است.
از زمان تألیف کتاب، نام و آوازه آن در مراکز علمی و آموزشی بلند بوده است تا جایی که- علاوه بر اینکه خود مولف، بر کتاب خود شرحی نوشته است، در حدود بیست و یک شرح مختلف نیز توسط دیگر دانشمندان زبان و ادبیات عربی برای آن نگاشته شده است که برخی از آنها عبارتند از:
1- التخمیر، نوشته قاسم بن الحسین خوارزمی (م 617).
2- المحصل، ابوالبقاء عبدالله بن ابیعبدالله الحسین العکبری (م 616).
3- شرح المفصل فی صنعه الاعراب، ابوالبقاء بن یعیش (م 643).
4- المفضل، علی بن محمد بن عبدالصمد سخاوی (م 643).
«المفصل في صنعة الاعراب» كما سماه صاحبه ، والمفصّل في النحو كما دعاه ياقوت الحموي وابن خلّكان وبروكلّمان ، والمفصل في علم العربية وفقا لأحدى طبعاته ، كتاب لا يحتاج إلى تعريف ، أو لأن يعرف ، لأنه منذ تأليفه سنة 515 ه ، 1121 م سار في الآفاق وأقبل عليه طلاب العلم والباحثون يتدارسونه ويشرحونه. وقد أحصى بروكلمان له نحو واحد وعشرين شرحا. واقدم شرح له وضعه مؤلفه الزمخشري ذاته ، ثم توالت الشروحات على الشكل التالي :
التخمير للقاسم بن الحسين الخوارزمي المتوفى سنة 617 ه 1220 م.
المحصل لأبي البقاء عبد الله بن أبي عبد الله الحسين العكبري المتوفى سنة 616 ه 1219 م.
شرح لأبي البقاء بن يعيش المتوفى سنة 643 ه 1245 م.
المفضل لعلي بن محمد بن عبد الصمد السخاوي المتوفى سنة 643 ه 1245 م.
سفر الصلاة وسفر الإفادة للسخاوي السابق.
الإيضاح للقمان بن عمر بن الحاجب المتوفى سنة 646 ه 1249 م.
المفضل لعبد الواحد بن عبد الكريم الأنصاري المتوفى سنة 651 ه 1253 م.
المكمل لمظهر الدين الشريف الرضي محمد أكمله سنة 659 ه 1261 م.
المحصل لكشف أسرار المفصل للمؤيد يحيى بن حمزة بن السيد المرتضى ابن رسول الله المتوفى سنة 749 ه 1348 م.
الأقليد لأحمد بن قاسم الجندي الأندلسي من أعلام القرن الثامن الهجري.
شرح لمجهول.
شرح لأبي القاسم بن أحمد الصديقي الأندلسي.
شرح لمحمد بن محمد الخطيب فخر القسرخاني.
المحصل لمحمد بن سعد المروزي.
التاج المكلل للمهدي لدى الله أحمد بن يحيى المرتضى المتوفى سنة 840 ه 1437 م.
شرح الشواهد لعمران بن الخوارزمي.
الوشاح الحامدي المفضل على مخدرات المفصّل لمحمد طيب المكي الهندي ، طبع في المطبعة السعيدية سنة 1318 ه.
ذكر معاني أبنية الأسماء الموجودة في المفصل لابن مالك.
شرح الشواهد لمجهول.
وآخر شرح للكتاب اضطلع به محمد بدر الدين أبي فراس النعساني الحلبي ودعاه «المفضل في شرح شواهد المفصل» وفرغ من تسويده ظهر يوم الخميس سابع شهر شعبان سنة 1323 ه ، وطبع بالقاهرة في السنة نفسها على هامش كتاب المفصل بعنوان : «كتاب المفصل في علم العربية» للإمام الزمخشري مع شرح شواهده للسيد محمد بن بدر الدين أبي فراس النعساني الحلبي.
وقد اعتمدنا هذا الشرح الأخير الذي أفاد من الشروحات السابقة وأكملها (1). ولكننا رأينا من الخير إدخال تعديلات عليه أهمها تبويب الكتاب تبويبا جديدا ، لأن الطبعة السابقة تفتقر إلى التبويب الواضح الشامل. ولقد راعينا تقسيم الزمخشري له إلى أربعة أقسام : قسم الأسماء ، وقسم الأفعال ، وقسم الحروف ، وقسم المشترك بينها. ولكننا فرعنا كل قسم إلى أبواب وأنواع وفصول. وهذا العمل الذي سها عنه المؤلف والشارح ، لا بد منه ليسهل على القارىء الإحاطة بالموضوع. وعدا ذلك قمنا بمهمة أخرى هي وضع عناوين فرعية للفقر لنيسر على القارىء تناول المادة وفهمها. هذا بالإضافة إلى إعادة النظر بتقسيم الفقر ، وتقسيم الجمل التي يتألف منها النص ، ووضع علامات الوقف بينها من نقطة وفاصلة وقاطعة وإشارة استفهام وتعجب إلخ.
1) اعترف النعساني في شرحه بأنه أفاد من الشراح السابقين ولا سيما ابن يعيش.
وإذا رغبنا في معرفة سبب سيرورة هذا الكتاب وخلوده وجدناه في أسلوبه المحكم الذي يتماز بالشمول والدقة والوضوح.
يتمثل الشمول ببحث جميع المسائل التي تتعلق بقواعد اللغة العربية ، لم يغادر منها شيئا ذا بال. تلك المسائل طرقها الذين سبقوه وقتلوها تنقيبا ونظرا ، وأماطوا اللثام عن غوامضها ، واسرفوا في الجدال حولها ، وكونوا مذاهب ومدارس تميزت عن بعضها البعض باختلاف الرؤية إلى مسائل النحو ، وتباين مناهج الإستقراء والإستنباط والتقعيد ، أهمها مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة ومدرسة بغداد. ونبغ أعلام كبار أرسوا أسس علم النحو ورفعوا بنيانه أمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي (1)(100 - 170) وسيبويه (2)(.. - 180 ه) والكسائي (3)(.. - 189 ه) والاخفش (.. - 215 ه) (4)وسواهم. وقد اطلع الزمخشري على تصانيفهم وآرائهم ، وأشار إلى ذلك في كتابه هذا. فهو يذهب مثلا إلى أن المنع من الصرف يحتاج إلى توافر اثنين من تسعة ، وتكرر واحد منها هي : العلمية ، والتأنيث اللازم لفظا أو معنى ، ووزن الفعل ، والوصفية ، والعدل من صيغة إلى أخرى ، والجمع على مفاعل ومفاعيل ، والتركيب ، والعجمة ، والألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث في نحو
1) ولد ومات بالبصرة (100 - 170 ه) وعاش فقيرا صابرا. وهو استاذ سيبويه وواضع علم العروض وعلم المعجم. له كتاب العروض وكتاب العين.
2) سيبويه هو عمر بن عثمان الحارثي بالولاء. تتلمذ على الخليل في البصرة وناظر الكسائي في بغداد فأجازه الرشيد. ووضع «الكتاب» في النحو.
3) هو علي بن حمزة الأسدي بالولاء ، امام في اللغة والنحو والقراءة. نشأ في الكوفة ، وسكن بغداد ، وتوفي بالري. أدب الرشيد وولده الأمين. ألف «معاني القرآن».
4) هو سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء ، نحوي وعالم باللغة ، من أهل بلخ ، سكن البصرة وأخذ العربية عن سيبويه. اهم كتبه تفسير معاني القرآن ، والاشتقاق ، والقوافي. واكتشف بحر الخبب.
سكران وعثمان ، إلا لضرورة الشعر. أما السبب الواحد فليس مانعا أبدا برأيه. ثم يقول : «وما تعلق به الكوفيون في إجازة منعه في الشعر ليس يثبت. وما أحد سببيه أو أسبابه العلمية فحكمه الصرف عند التنكير كقولك رب سعاد وقطام لبقائه بلا سبب أو على سبب واحد ، إلا نحو أحمر فإن فيه خلافا بين الأخفش وصاحب الكتاب. وما فيه سببان من الثلاثي الساكن الحشو كنوح ولوط منصرف في اللغة الفصيحة التي عليها التنزيل لمقاومة السكون أحد السببين ، وقوم يجرونه على القياس فلا يصرفونه وقد جمعها الشاعر في قوله :
لم تتلفع بفضل مئزرها
دعد ولم تسق دعد في العلب».
فهو كما ترى يبدي رأيه في المسألة ثم يناقش آراء أصحاب مدرستي الكوفة والبصرة ، فيشك في رأي الكوفيين ، ويشير إلى خلاف البصريين ، ويحكم القرآن والشعر.
وعند ما بحث في الفاعل وعامله ذهب مذهب البصريين في وجوب إعمال الأقرب من فعلين يسبقان الفاعل نحو ضربت وضربني قومك ويقول : «قال سيبويه : ولو لم تحمل الكلام على الآخر لقلت ضربت وضربوني قومك. وهو الواحد المختار الذي ورد به التنزيل ، وقال الله تعالى : (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) وقال : (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ) وإليه ذهب أصحابنا البصريون. وقد يعمل الأول وهو قليل ، ومنه قول عمر ابن أبي ربيعة : «تنخل فاستاكت به عود إسحل» وعليه الكوفيون». فالزمخشري يعلن نسبته إلى مدرسة البصرة ، وابتعاده عن مدرسة الكوفة.
ويؤثر ما ورد في القرآن على ما ورد في الشعر العربي.
ويقف الزمخشري الموقف ذاته بصدد مسألة العامل في إسم إن وخبرها. فيؤيد البصريين الذين ينعتهم بأصحابه ، والذين يذهبون إلى أن رفع
خبر إن ونصب اسمها إنما هو أن إنّ ذاتها بنظرهم حرف مشبه بالفعل تعمل عمل الفعل. ويشرح مذهبهم ويستشهد عليه. بينما يشير إلى رأي الكوفيين إشارة خاطفة بقوله : «وعند الكوفيين هو مرتفع (أي خبر إن) بما كان مرتفعا به في قولك زيد أخوك ، ولا عمل للخلاف فيه».
ويؤكد الزمخشري انحيازه إلى البصريين وابتعاده عن الكوفيين مرة أخرى عند ما يقول بشأن بناء فعل الأمر «وهو مبني على الوقف عند أصحابنا البصريين. وقال الكوفيون هو مجزوم بلام مضمرة. وهذا خلف من القول».
ويبدو اعتماده الشديد على سيبويه في رجوعه الكثير إليه في معظم المسائل ، وتبنيه آراءه ، وعدم مناقشته أو مخالفته. وكأنه وضع كتابه ، أي كتاب سيبويه في النحو ، أمامه ، وراح يتتبع مسائله ، وكثيرا ما يورد كلامه حرفيا ، أو يورد الشواهد التي ساقها ، ويقول : وشاهد الكتاب كذا وكذا ، وعند سيبويه كذا وكذا ، وقال سيبويه.
ونراه يكثر الرجوع بعد سيبويه إلى الأخفش. وكثيرا ما اختلف هذان النحويان ، وتعارضت أفكارهما. ونلقى الزمخشري يذكر آراءهما دون أن يتخذ موقفا مؤيدا أو معارضا لأحدهما. فيقول مثلا بصدد ما التي تسبق فعل التعجب : «واختلفوا في ما. فهي عند سيبويه غير موصولة ولا موصوفة ، وهي مبتدأ ما بعده خبره. وعند الأخفش موصولة صلتها ما بعدها ، وهي مبتدأ محذوف الخبر. وعند بعضهم فيها معنى الإستفهام كأنه قيل : أي شيء أكرمه». ويؤكد هذا الموقف المحايد بين ذينك العالمين بصدد زيادة من في الإضافة ويقول : «وهي مزيدة في نحو ما جاءني من أحد راجع إلى هذا ، ولا تزاد عند سيبويه إلا في النفي ، والأخفش يجوز الزيادة في الإيجاب ويستشهد بقوله عز وعلا (يَغْفِرْ لَكُمْ
مِنْ ذُنُوبِكُمْ)».
ويمكن القول بصورة عامة إنّ الزمخشري يتبنى النحو البصري ويعتمده في مفصله ، ولا يورد آراء النحويين الكوفيين إلا لتسفيهها أو نقدها. يبدو هذا في قوله مثلا بصدد ليت : «ليت هي للتمني كقوله تعالى : (يا لَيْتَنا نُرَدُّ). ويجوز عند الفراء (1)أن تجري مجرى أتمنى فيقال : ليت زيدا قائما ، كما يقال أتمنى زيدا قائما. والكسائي يجيز ذلك على إضمار كأن. والذي غرهما منها قول الشاعر : يا ليت أيام الصبا رواجعا». وقد ذكرت ما هو عليه عند البصريين». ولم يخرج عن هذا المنهج إلا نادرا ، فتسمعه يقول بصدد حرف التعليل كي «... واختلف في إعرابها ، فهي عند البصريين مجرورة وعند الكوفيين منصوبة بفعل مضمر ، كأنك قلت : كي تفعل ما ذا. وما أرى هذا القول بعيدا عن الصواب».
غير أن خاصة الشمول التي يمتاز بها الكتاب يشوبها عيبان : نقص في بعض المسائل ، وتجاوز للحد في مسائل أخرى. فمن المسائل التي لم يستوف البحث فيها اسم المفعول واسم الآلة والفعل الماضي ، وحروف الإستثناء ، ونائب الفاعل. ومن المسائل التي جاوز فيها حد التقعيد ذكر اللغات المختلفة في المسألة الواحدة. فهو عند ما يتحدث عن الوقف في الكلمات المعتلة الآخر وما قبله ساكن يقول إنّ حكمه حكم الصحيح ،
1) هو يحيى بن زياد بن عبد الله الديلمي (144 - 207 ه) امام الكوفيين واعلمهم باللغة والنحو. ولد في الكوفة وانتقل الى بغداد ، وتولى تربية ولدي المأمون فيها وتوفي في طريق مكة وكان مع نبوغه في اللغة والنحو فقيها متكلما ينزع الى الاعتزال. اهم كتبه : الممدود والمقصور ، ومعاني القرآن ، واللغات ، وما تلحن به العامة.
وإذا «كان الآخر ألفا قالوا في الأكثر الأعرف هذه عصا وحبلى ، ويقول ناس من فزارة وقيس حبلي بالياء ، وبعض طيء حبلو بالواو ، ومنهم من يسوي في القلب بين الوقف والفصل ، وزعم الخليل أن بعضهم يقلبها همزة فيقول هذه حبلأ ورأيت حبلأ ، وهو يضربها. وألف عصا في النصب هي المبدلة في التنوين ، وفي الرفع والجر هي المنقلبة عند سيبويه ، وعند المازني هي المبدلة في الأحوال الثلاث».
وفي مسألة التقاء الساكنين يقول «وقد حركوا في نحو ردّ ولم يرد بالحركات الثلاث ، ولزموا الضم عند ضمير الغائب ، والفتح عند ضمير الغائبة. فقالوا ردّه وردّها. وسمع الأخفش ناسا من بني عقيل يقولون مده وعضّه بالكسر ، ولزموا فيه الكسر عند ساكن يعقبه فقالوا : رد القوم ، ومنهم من فتح وهم بنو أسد فقال : فغضّ الطرف إنّك من نمير .. وقد جد في الهرب من التقاء الساكنين من قال دأبة وشأبة ، ومن قرأ : ولا الضألين ، ولا جأن. وهي عند عمرو بن عبيد ومن لغته النقر في الوقف».
وفي مسألة إبدال الحروف تطغى الخلافات على معظم الحروف وتنفرد كل قبيلة بلغة خاصة بحيث يعسر وضع قاعدة عامة. فالهاء مثلا تبدل من الهمزة مخالفة طي فيقولون وهن فعلت فعلت بدل أن فعلت فعلت ، وهي مبدلة من الألف المنقلبة عن الواو في هنوات ، ومن الياء في هذه أمة الله ، ومن التاء في طلحة وحمزة في الوقف. وحكى قطرب أن في لغة طيء : كيف البنون والبناه ، وكيف الأخوة والأخواه».
أما خاصة الدقة فتظهر في التعاريف التي يضعها ، وهي تعاريف جامعة مانعة مختصرة تخلو من الحشو والنافل وتنأى عن التعقيد والإخلال بالفكرة. فهو يعرف الكلمة مثلا فيقول : «الكلمة هي اللفظة الدالة على
معنى مفرد بالوضع». ويعرف الاسم بقوله : «الاسم هو ما دل على معنى في نفسه دلالة مجردة عن الإقتران». ويعرف الصفة بقوله : «هي الأسم الدال على بعض أحوال الذات نحو طويل وقصير وعاقل وأحمق وقائم وقاعد وسقيم وصحيح وفقير وغني وشريف ووضيع ومكرم ومهان».
بيد إنّ الإمعان في الإيجاز واستعمال الكلمات الدقيقة المعنى أو المصطلحة يسيء أحيانا إلى الوضوح ويسبب الإبهام. فهو مثلا في كلامه على انتصاب المنادى يقول إنّه ينصب لفظا أو محلا. «فانتصابه لفظا إذا كان مضافا كعبيد الله ، أو مضارعا له لقولك يا خيرا من زيد ويا ضاربا زيدا ويا مضروبا غلامه ، ويا حسنا وجه الأخ ، ويا ثلاثة وثلاثين ، أو نكرة لقوله :
فيا راكبا إمّا عرضت فبلغا
نداماي من نجران ألا تلاقيا
وانتصابه محلا إذا كان مفردا معرفة لقولك يا زيد ويا غلام ويا أيها الرجل ، أو داخلة عليه لام الإستعانة أو لام التعجب ..». فقوله «إذا كان مفردا معرفة» مبهم لأنه يعني بالمفرد غير المضاف وشبهه ، ويعني بالمعرفة ما كان معينا سواء كان علما أو غير علم.
ومع ذلك نستطيع القول إنّ المفصّل يمتاز بالوضوح. ويعزى ذلك الوضوح إلى عاملين أساسيين هما كثرة الأمثلة وجلاء التصميم. فالمؤلف لا يذكر قاعدة أو يضع تحديدا إلا ويسارع إلى ضرب الأمثلة العديدة التي توضح ما يعني وتزيل كل إبهام أو التباس يخامر الذهن. تلك الأمثلة يستقيها من مصدرين كبيرين هما الشعر والقرآن ، أو يضعها بنفسه ، ويستعين بعلماء اللغة الذين سبقوه كأبي عمرو بن العلاء والخليل بن أحمد الفراهيدي وثعلب وقطرب وسواهم وكثيرا ما يتبنى الشواهد التي ذكرها سيبويه في الكتاب.
أما جلاء التصميم فيتمثل في تقسيم مسائل النحو تقسيما محكما متماسكا بينا يستطيع القارىء أن يطل على هذا العلم أو يشرف عليه فيرى مختلف جوانبه وأجزائه وكأنه يرى مدينة عامرة من برج عال.
لقد قسم الكتاب أربعة أقسام هي الأسماء والأفعال والحروف والمشترك. وصنف الأسماء إلى معربة ومبنية ، ومثناة ، وجموع ، ومعرفة ونكرة ، ومذكر ومؤنث ، ومصغر ، ومنسوب ، وعدد ، ومقصور وممدود ، وشبه فعل ، ومصدر ، واسم فاعل ، واسم مفعول ، وصفة مشبهة ، وافعل تفضيل ، وإسمي الزمان والمكان واسم الآلة ، والأسم الثلاثي ، والاسم الرباعي. وفصل الأسماء المعربة إلى مرفوعات ومنصوبات ومجرورات وتوابع. فالمرفوعات تشمل الفاعل ، والمبتدأ والخبر ، واسم كان واخواتها ، وخبر ان واخواتها ، وخبر لا النافية للجنس. وتضم المنصوبات المفعول به ، والمفعول المطلق ، والمنادى والاختصاص والتحذير ، والمفعول فيه ، والمفعول معه ، والمفعول له ، والحال ، والتميز ، والاستثناء ، وخبر ما ولا المشبّهتين بليس ، والخبر والاسم في بابي كان وإنّ. والتوابع تحوي التأكيد والصفة والوصف بالجمل والبدل والبيان. أما المبنية من الأسماء فهي سبعة : الضمائر والاشارة والوصل واسماء الأفعال والأصوات والظروف والمركبات والكنايات.
والقسم الثاني من الكتاب يتناول الأفعال. ويصنفها المؤلف إلى مضارع ، وماض ، وأمر ، ومتعد وغير متعد ، ومجهول ، وأفعال قلوب ، وأفعال ناقصة ، وأفعال مقاربة ، ومدح وذم ، وتعجب ، وثلاثي ومزيد ورباعي.
والقسم الثالث يشمل الحروف التي يصنفها المؤلف إلى حروف
الإضافة ، والحروف المشبهة بالفعل ، وحروف عطف ، وحروف نفي ، وحروف تنبيه ، وحروف نداء ، وحروف تصديق ، وإعجاب ، وحروف خطاب ، وحروف صلة وحروف التفسير ، وحروف مصدرية ، وحروف تخصيص ، وحروف تقريب ، وحروف استقبال ، وحروف استفهام ، وحروف شرط ، وحروف تعليل ، واللامات ، وتاء التأنيث ، ونون التأكيد وهاء السكت ، وشين الوقف ، والتنوين ، وحرف الإنكار ، وحروف التذكير والقسم.
أما القسم الرابع من الكتاب فهو يدعوه المشترك ويبحث في الإمالة ، والوقف ، والتقاء الساكنين ، وحكم أوائل الكلم ، وزيادة الحروف ، وإبدال الحروف ، والإعتدال ، والإدغام ..
هذا هو كتاب المفصل الذي جاء آية في إحكامه وإحاطته ووضوحه مما جعله عمدة في علم النحو أو صنعة الإعراب حسب تعبير المؤلف ، وحمل الناس على اعتماده في التدريس والتحصيل على مر العصور. ولعلّ هذا ما توخاه الزمخشري عند ما قال في مقدمة الكتاب : «لقد ندبتني ما بالمسلمين من الأرب إلى معرفة كلام العرب ، وما بي من الشفقة والحدب على أشياعي من حفدة الأدب لأنشاء كتاب في الإعراب محيط بكافة الأبواب ، مرتب ترتيبا يبلغ بهم الأمد البعيد بأقرب السعي ، ويملأ سجالهم بأهون السقي ، فأنشأت هذا الكتاب المترجم بكتاب المفصل في صنعة الإعراب ...».
وثمة دافع آخر حمله على تأليف الكتاب أفصح عنه في المقدمة أيضا هو الرد على الشعوبية الذين يكرهون العربية ولغتهم ويجحدون فضلها وينهون عن تعلمها وتعليمها. ويذهب إلى أن العربية هي لغة القرآن ولا يمكن فهم القرآن والإسلام بدون التضلع من اللغة العربية. وإن جميع
العلوم الإسلامية من فقه وكلام وتفسير وأخبار تفتقر إلى العربية «ومن يجترىء على تعاطي تأويل القرآن بدون تحصيل الأعراب ركب عمياء ، وخبط خبط عشواء ، وقال ما هو تقول وافتراء وهراء ، وكلام الله منه براء».
بهذا الكلام خاطب أبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري الشعوبيين الذين استشرى أمرهم في زمنه ووطنه حتى نادوا بعدم تعلم اللغة العربية أو تعليمها. وأعلن أنه براء منهم وأنه على العكس متعصب للعرب ولغتهم ، فخور بأنه أحد علماء العربية. وقد نسب إلى مسقط رأسه زمخشر حيث أبصر النور سنة 467 ه 1075 م. وقام بعدة أسفار في طلب العلم وأخذ عن أبي مضر محمود بن جرير الطبي الأصبهاني وغيره. ووقع في أحد أسفاره عن الدابة وهو ذاهب إلى بخارى فقطعت رجله ، وقيل إنّ قطعها كان بسبب البرد الشديد ، أو بسبب دعاء أمه عليه عند ما رأته يربط عصفورا بخيط ويقطع قائمته. واضطر إلى أن يتخذ رجلا من خشب.
وحج إلى مكة حيث جاور مدة من الزمن فلقب بجار الله. وكان معتزلي المذهب مجاهرا بذلك حتى إنه كتب في مقدمة كتاب الكشاف في تفسير القرآن : الحمد لله الذي خلق القرآن. فقيل له : لن يقرأه أحد ، فغير الجملة بقوله : الحمد لله الذي جعل القرآن. وله عدا الكشاف والمفصل كتب عديدة في النحو والبلاغة والأدب والحكم وأصول الدين وفروعه (1)
بروكلمان ، تاريخ الأدب العربي ، ج 5 ، دار المعارف ، القاهرة.
.1) راجع حول ترجمة المؤلف وكتبه : ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، ج 7 ، ص 147 - 151 ، طبعة مرجليوث ، القاهرة.
قال الأستاذ الإمام الأجلّ فخر خوارزم رئيس الأفاضل القاسم محمود ابن عمر الزمخشريّ رحمة الله عليه «الله أحمد» على أن جعلني من علماء العربية. وجبلني على الغضب للعرب والعصبية. وأبي لي أن أنفرد عن صميم أنصارهم وأمتاز ، وأنضوي إلى لفيف الشّعوبية وأنحاز. وعصمني من مذهبهم الذي لم يجد عليهم إلا الرشق بألسنة اللاعنين ، والمشق بأسنة الطاعنين. وإلى أفضل السابقين والمصلين ، أوجه أفضل صلوات المصلين ، محمد المحفوف من بني عدنان بجماجمها وأرحائها ، النازل من قريش في سرة بطحائها ، المبعوث إلى الأسود والأحمر بالكتاب العربيّ المنوّر. ولآله الطيبين أدعو الله بالرّضوان ، وأدعوه على أهل الشقاق والعدوان.
**
مقدمة الشارح
الحمد لله حمدا يليق بجلاله ، وصلّى الله على سيدنا محمد وصحبه وآله ، وسلم تسليما كثيرا ، وبعد فهذا مختصر من القول في شرح أبيات المفصل للأستاذ علامة الدنيا فخر خوارزم جار الله أبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري تغمده الله برحمته ورضوانه ، وأسكنه فسيح جنانه. فسرت به غريب ألفاظها ، وأعربت عن غامض وجوه إعرابها ، وأزالت به اللبس عن خفي من معانيها ، وبينت فيه مواضع الاستشهاد فيها. ونسبت كل بيت إلى قائله إلا ما لم ار نسبته إلى أحد فأقول لم أر من نسبه إلى قائله فإن كان في قائله اختلاف ذكرت كلام العلماء فيه
ولعل الذين يغضّون من العربية ويضعون من مقدارها ، ويريدون أن يخفضوا ما رفع الله من منارها ، حيث لم يجعل حيرة رسله وخير كتبه في عجم خلقه ولكن في عربه ، لا يبعدون عن الشعوبية منابذة للحقّ الأبلج ، وزيغا عن سواء المنهج. والذي يقضى منه العجب حال هؤلاء في قلة إنصافهم ، وفرط جورهم واعتسافهم. وذلك أنهم لا يجدون علما من العلوم الإسلامية فقهيّا وكلامها وعلمي تفسيرها وأخبارها إلا وافتقاره إلى العربية بين لا يدفع ، ومكشوف لا يتقنّع. ويرون الكلام في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنيا على علم الإعراب والتفاسير مشحونة بالروايات عن سيبويه والأخفش والكسائيّ والفراء وغيرهم من النحويين البصريين والكوفيين والإستظهار في مآخذ النصوص بأقاويلهم ، والتشبث بأهداب فسرهم وتأويلهم. وبهذا اللسان مناقلتهم في العلم ومحاورتهم ، وتدريسهم ومناظرتهم. وبه تقطر في القراطيس أقلامهم. وبه تسطر الصكوك والسجلات حكامهم. فهم ملتبسون بالعربية أية سلكوا غير منفكين منها أينما وجّهوا كلّ عليها حيثما سيّروا. ثمّ إنهم في تضاعيف ذلك يجحدون فضلها وتعليمها ، ويدفعون خصلها ، ويذهبون عن توقيرها وتعظيمها ، وينهون عن تعلّمها وتعليمها ، ويمزقون أديمها ، ويمضغون لحمها. فهم في ذلك على المثل السائر : الشعير يؤكل ويذمّ ، ويدّعون الإستغناء عنها. وإنهم ليسوا في شقّ منها. فإن صحّ ذلك فما بالهم لا يطلّقون اللغة رأسا والإعراب ، ولا يقطعون بينهما وبينهم
**
وان كان في ألفاظ البيت اختلاف في الرواية سردتها وعزوت كل رواية إلى راويها أو إلى الكتاب الذي وجدتها فيه مع بيان معناها ، وختمت الكلام على كل بيت ببيان معناه إن كان في المعني غموض وإجمال وإلا تركت ذلك واعتمدت على ذهن القارىء في فهم المعنى ولم أنقل من ألفاظ القصيدة التي منها بيت الشاهد إلا مطلع القصيدة غالبا أو ما يتوقف عليه فهم معنى البيت أو ظهور وجه الاعراب فيه على الدوام. واقتصرت من وجوه الاعراب على المذهب المشهور والقول المنصور وما لا يحتاج في تصحيحه أو توضيحه إلى تقدير بعيد أو نكلف شديد. وأعرضت عما سوى هذا من مهجور الأقوال وشاذها فانما المقصود من علم العربية إقامة اللسان ومجانبة الخطأ في الاعراب واللحن في القول ليتوسل بذلك إلى فهم معاني كلام
الأسباب؟ فيطمسوا من تفسير القرآن آثارهما ، وينفضوا من أصول الفقه غبارهما. ولا يتكلموا في الإستثناء فإنه نحو ، وفي الفرق بين المعرّف والمنكر فإنه نحو ، وفي التعريفين تعريف الجنس وتعريف العهد فإنهما نحو ، وفي الحروف كالواو والفاء وثم ولام الملك ومن التبعيض ونظائرها ، وفي الحذف والإضمار ، وفي أبواب الإختصار والتكرار ، وفي التطليق بالمصدر واسم الفاعل ، وفي الفرق بين أنّ وإنّ وإذا ومتى وكلما وأشباهها مما يطول ذكره ، فإن ذلك كلّه من النحو. وهلّا سفهوا رأي محمد بن الحسن الشيبانيّ رحمه الله فيما أودع كتاب الإيمان؟ وما لهم لم يتراطنوا في مجالس التدريس وحلق المناظرة ، ثم نظروا هل تركوا للعلم جمالا وأبّهة؟ وهل أصبحت الخاصة بالعامة مشبّهة؟ وهل انقلبوا هزأة للساخرين وضحكة للناظرين؟ هذا وإن الإعراب أجدى من تفاريق العصا. وآثاره الحسنة عديد الحصى. ومن لم يتق الله في تنزيله ، فاجترأ على تعاطي تأويله ، وهو غير معرب ، فقد ركب عمياء وخبط خبط عشواء ، وقال ما هو تقوّل وافتراء وهراء ، وكلام الله منه براء. وهو المرقاة المنصوبة إلى علم البيان ، المطلع على نكت نظم القرآن ، الكافل بإبراز محاسنه ، الموكل بإثارة معادنه ، فالصّادّ عنه كالسّادّ لطرق الخير كيلا تسلك ، والمريد بموارده أن تعاف وتترك.
ولقد ندبني ما بالمسلمين من الإرب ، إلى معرفة كلام العرب ، وما بي من الشفقة والحدب ، على أشياعي من حفدة الأدب ، لإنشاء كتاب في
**
الله جل شأنه والاحاطة بأسرار تنزيله. ومثل هذا الذي ذكرنا لك أننا خاشينا الخوض فيه إن لم يكن صارفا عما ذكرنا من الغرض من علم الاعراب فهو من غير شك إضاعة للوقت فيما لا يفيد وأشغال للنفس بلا جدوى. وجدير بذي اللب أن لا يصرف شيئا من أمره في مثل هذا. وما زال علم العربية سهلا على محاوله قريبا من يد متناوله والناس في معرفته سواسية غير نفر كانوا في عداد الانعام حتى أدخل العلماء فيه ما ليس منه وشوهوا وجه محاسنه وضيقوا مسالكه فشق على طالبيه وقل جدا عدد المشتغلين فيه. ثم لبس بعد الألف من الهجرة النبوية ثوبا غير ثوبه الثاني فصار أشبه شيء بعلم التوحيد في العصرين الأول والثاني من تدوينه وإقبال العلماء عليه. وصارت تقام البراهين وتشاد الأقيسة على مسائله وملحقاتها ومستتبعاتها
الإعراب ، محيط بكافة الأبواب ، مرتب ترتيبا يبلغ بهم الأمد البعيد بأقرب السعي ، ويملأ سجالهم بأهون السقي. فأنشأت هذا الكتاب المترجم بكتاب المفصل في صنعة الاعراب مقسوما أربعة أقسام : القسم الأول في الأسماء. القسم الثاني في الأفعال. القسم الثالث في الحروف. القسم الرابع في المشترك من أحوالها. وصنفت كلا من هذه الأقسام تصنيفا ، وفصلّت كل صنف منها تفصيلا. حتى رجع كلّ شيء إلى نصابه واستقرّ في مركزه. ولم أدّخر فيما جمعت فيه من الفوائد المتكاثرة ونظمت من الفرائد المتناثرة مع الإيجاز غير المخل ، والتلخيص غير الممل ، مناصحة لمقتبسيه أرجو أن أجتني منها ثمرتي. دعاء يستجاب ، وثناء يستطاب. والله سبحانه وعزّ سلطانه وليّ المعونة على كلّ خير والتأييد. والمليء بالتوفيق فيه والتسديد.
**
وما ضم اليها وقرن معها كما تقام على المطالب العقلية والمسائل النظرية. وجعل ذلك كله بين تلك القواعد الصغيرة القليلة. وأطلق على هذا المزيج اسم العربية فيبست بعد الذبول أزهاره ، واندرست بعد العفاء آثاره ، وصار أعقد من ذنب الضب ، فربما اشتغل به طالبه وهو في قماطه ومات بعد أن جاوز أرذل العمر وهو لم ينته إلى أوساطه. وهذا من سوء اختيار المتوسطين وشدة جمود المتأخرين. ولو وفق الناس المشتغلون بهذا العلم للرجوع إلى ما ألفه المتقدمون فيه لحصلوا منه الكثير في الزمن اليسير. والله المسؤول أن يوفقنا لاكماله كما شرعنا فيه وأن يصرف وجوهنا إلى صوب الصواب في بيان معانيه ، وهذا أوان الشروع في المقصود بعون الله الملك المعبود.
الكلمة هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع. وهي جنس تحته ثلاثة أنواع : الأسم والفعل والحرف. والكلام هو المركب من كلمتين أسندت إحداهما إلى الأخرى. وذاك لا يتأتى إلا في إسمين كقولك : زيد أخوك ، وبشر صاحبك. أو في فعل وإسم نحو قولك : ضرب زيد ، وانطلق بكر. وتسمى الجملة.
الأسم هو ما دل على معنى في نفسه دلالة مجردة عن الإقتران. وله خصائص منها جواز الإسناد إليه ، ودخول حرف التعريف والجرّ والتنوين والإضافة.
ومن أصناف الأسم اسم الجنس ، وهو ما علق على شيء وعلى كل ما أشبهه. وينقسم إلى اسم عين ، واسم معنى. وكلاهما ينقسم إلى اسم غير صفة ، واسم هو صفة. فالأسم غير الصفة نحو رجل وفرس وعلم وجهل. والصفة نحو راكب وجالس ومفهوم ومضمر.
ومن أصناف الأسم العلم ، وهو ما علق على شيء بعينه غير متناول ما أشبهه. ولا يخلو من أن يكون اسما كزيد وجعفر ، أو كنية كأبي عمرو وأم
كلثوم ، أو لقبا كبطة وقفة. وينقسم إلى مفرد ومركب ومنقول ومرتجل. فالمفرد نحو زيد وعمرو ، والمركب إما بالجملة نحو برق نحره تأبط شرا وذرّي حبّا وشاب قرناها ويزيد في مثل قوله :
نبّئت أخوالي بني يزيد
ظلما علينا لهم فديد (1)
اللغة : نبئت على صيغة المجهول بمعنى أخبرت وأصله من النبأ وهو الخبر. يقال نبأ تنبئة بمعنى أعلم إعلاما. وهو من الأفعال التي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل. والأصل في نبأ أنه بمعنى أخبر إلا أنه لما استلزم معنى الاعلام من حيث أن الاخبار المستقيم لا يكون إلا عن ظن أو علم عدى تعديته. (أخوالي) : جمع خال وهو أخو الأم. (بني يزيد) مركب إضافي أصله بنين ليزيد فلما أضيف حذفت النون واللام. ويزيد علم شخص وهو بالياء وقال ابن يعيش صوابه بالتاء اسم رجل واليه تنسب البرود اليزيدية (والظلم) وضع الشيء في غير موضعه (والفديد) الصباح. وفي الحديث إن الجفاء والقسوة في الفدّادين وهو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم.
الإعراب : نبئت فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله. وضمير المتكلم فيه مفعول أول أقيم مقام الفاعل. (وأخوالي) منصوب تقديرا على أنه مفعول ثان له (وبني يزيد) منصوب على أنه بدل من اخوالي أو عطف بيان منه. (وظلما) مفعول من أجله أو مصدر في محل الحال.
والحال جملة محذوفة تقديرها في حال كونهم يظلمون علينا ظلما كما هو مختار أبي علي الفارسي في قولهم أرسلها العراك أي تعترك العراك. وقوله (لهم فديد) جملة ابتدائية في موضع مفرد منصوب على أنه مفعول ثالث لنبئت تقديره فادين (والشاهد) فيه أن يزيد اسم علم منقول عن المركب الاسنادي لأن يزيد فيه جزآن الفعل وضمير الفاعل فإذا سمي به فإما أن يسمى بكلا الجزأين وحينئذ يبنى على الضم دائما وإما أن يسمى بالجزء الأول وحينئذ يمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. فلما جاء هنا مضموما دل ذلك على أنه منقول عن المركب الاسنادي. (والمعنى) أن لهؤلاء الأقوام فديدا وصياحا من أجل ظلمهم علينا.
وأما غير جملة إسمان جعلا إسما واحدا نحو. معد يكرب وبعلبك وعمرويه ونفطويه. أو مضاف ومضاف إليه كعبد مناف وامرىء القيس والكني. والمنقول على ستة أنواع ، منقول عن اسم عين كثور وأسد ،
1) لم أر أحدا نسبه إلى قائله غير العيني فانه ذكر في شرح شواهد الالفية انه لرؤبة ابن العجاج. وليس هو في ديوان شعره والله أعلم.
ومنقول عن اسم معنى كفضل وإياس ، ومنقول عن صفة كحاتم ونائلة ، ومنقول عن فعل إما ماض كشمر وكعسب ، وإما مضارع كتغلب ويشكر ، وإما أمر كاصمت في قول الراعي :
أشلى سلوقيّة باتت وبات بها
بوحش إصمت في أصلابها أود (1)
طاف الخيال بأصحابي وقد هجدوا
من أم علوان لا نحو ولا صدد
اللغة : أشلى كلبه بالصيد أغراه به. وسلوقية نسبة إلى سلوق قرية باليمن تنسب اليها الدروع ، والكلاب السلوقية. وإصمت اسم علم على المفازة سميت بذلك لأن سالكها يقول لرفيقه اسكت لا يشعر بنا أحد. وأصلاب جمع صلب وهو من الظهر كل شيء فيه فقار وأود إعوجاج.
الاعراب : أشلى فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الصائد. وسلوقية صفة موصوف محذوف هو المفعول أي كلابا سلوقية. وقوله بها متعلق بباتت. وقوله بوحش إصمت متعلق ببات. وقد تنازع هنا الفعلان باتت وبات في معمول ظاهر بعدهما وهو بوحش إصمت فذهب الشاعر مذهب البصريين فاعمل الثاني وأضمر المعمول في الأول وهو بها. وجملة باتت وبات بها في محل نصب صفة لسلوقية. وقوله في أصلابها أود جملة ابتدائية صفة لسلوقية أيضا. (والشاهد فيه) أن إصمت اسم علم منقول عن فعل الأمر وإنما كسرت ميمه مع أنه من باب نصر ينصر والقياس يقتضي ضمها لأنه جاء صمت يصمت من باب ضرب يضرب. وقيل إنما كسرت الميم إشعارا بالنقل (والمعنى) أن الصائد أغرى كلابا سلوقية باتت تلك الكلاب وبات ذلك الصائد بذلك الموضع. وأن في أصلاب تلك الكلاب اعوجاجا. وإنما وصفها بذلك ليدل على شدة سرعتها في عدوها.
وأطرقا في قول الهذلي :
على أطرقا باليات الخيام
إلا الثّمام وإلا العصيّ (2)
عرفت الديار كرقم الدوى
يزبرها الكاتب الحميري.
اللغة : أطرقا اسم علم على المفازة من أطرق أي أسكت وانظر إلى الأرض كأن السائر فيها يقول لرفيقيه اسكتا وانظرا إلى الأرض لا تضلا فتهلكا. وباليات جمع بالية. والثمام نبت يسد به جوانب الخيمة والعصي جمع عصا.
الاعراب : على اطرقا متعلق بعرفت في البيت قبله. وباليات منصوب على انه حال من الديار في البيت قبله أيضا. واضافة باليات إلى الخيام اضافة البيان نظير قولهم أخلاق ثياب. ويروى باليات بالرفع فهو مبتدأ خبره على أطرقا. وقوله الا الثمام وإلا العصي استثناء منقطع لأنه استثناء من موجب يروي إلا الثمام بالنصب والرفع. فالأول ظاهر لأنه استثناء من موجب كما قلنا. والرفع على الابتداء والخبر محذوف والتقدير إلا الثمام وإلا العصي لم تبل (والشاهد فيه) ان أطرقا علم منقول عن فعل الأمر (والمعنى) معرفت ديار المحبوبة على هذه المفازة وقد بليت خيامها إلا ثمامها وإلا عصيها.
ومنقول عن صوت كببّة ، وهو نبز عبد الله بن الحارث بن نوفل ،
ومنقول عن مركب وقد ذكرناه. والمرتجل على نوعين قياسي وشاذ. فالقياسي نحو غطفان وعمران وحمدان وفقعس وحنتف ، والشاذ نحو محبب وموهب وموظب ومكوزة وحيوة.
إضافة الأسم إلى اللقب : وإذا اجتمع للرجل اسم غير مضاف ولقب أضيف اسمه إلى لقبه فقيل هذا سعيد كرز ، وقيس قفة ، وزيد بطة. وإذا كان مضافا أو كنية أجري اللقب على الأسم فقيل هذا عبد الله بطة وهذا أبو زيد قفة.
أعلام الحيوانات الأليفة : وقد سموا ما يتخذونه ويألفونه من خيلهم وإبلهم وغنمهم وكلابهم وغير ذلك بأعلام كل واحد منها مختصّ بشخص بعينه يعرفونه به كالأعلام في الأناسي ، وذلك نحو أعوج ولاحق وشدقم وعليان وخطة وهيلة وضمران وكساب.
أعلام الحيوانات غير الأليفة للجنس : وما لا يتخذ ولا يؤلف فيحتاج إلى التمييز بين أفراده كالطير والوحوش وأحناش الأرض وغير ذلك فإن العلم فيه للجنس بأسره ليس بعضه أولى به من بعض. فإذا قلت أبو براقش ، وابن دأيه ، وأسامة ، وثعالة ، وابن قترة ، وبنت طبق ، فكأنك قلت الضرب
الذي من شأنه كيت وكيت. ومن هذه الأجناس ماله اسم جنس واسم علم كالأسد وأسامة والثعلب وثعالة ، وما لا يعرف له اسم غير العلم نحو ابن مقرض ، وحمار قبّان.
أسماء وكنى الحيوانات : وقد صنعوا في ذلك نحو صنيعهم في تسمية الأناسيّ ، فوضعوا للجنس اسما وكنية ، فقالوا للأسد أسامة وأبو الحرث ، وللثعلب ثعالة وأبو الحصين ، وللضبع حضاجر وأم عامر ، وللعقرب شبوة وأم عريط ومنها ما له اسم ولا كنية له كقولهم قثم للضبّعان ، وما له كنية ولا اسم له كأبي براقش وأبي صبيرة وأم رباح وأم عجلان.
أسماء وكنى المعاني : وقد أجروا المعاني في ذلك مجرى الأعيان فسموا التسبيح بسبحان ، والمنية بشعوب وأم قشعم ، والغدر بكيسان ، وهو في لغة بني فهم. قال :
إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم
إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد (1)
إذا كنت في سعد وامك منهم
غريبا فلا يغررك خالك في سعد
اللغة : كيسان اسم علم للغدر. وكهول جمع كهل وهو من جاوز الأربعين. وأدنى أقرب. وشباب جمع شاب ومصدر بمعنى الحداثة. والمرد جمع أمرد وهو من لم يبلغ سن نبات الشعر في وجهه.
الاعراب : إذا ظرف لما يستقبل من الزمان وفيه معنى الشرط. وما زائدة. ودعوا فعل وفاعل. وكيسان مفعوله. وكهولهم اسم كان الناقصة. وإلى الغدر متعلق بأدنى. وأدنى في محل نصب خبر كان. ومن شبابهم متعلق بأدنى. ويجوز أن يتعلق شيئآن أو أشياء بشيء واحد إذا اختلفت جهات التعلق كما هنا فإن إلى الغدر متعلق بأدنى من جهة التعدي ، ومن شبابهم متعلق به من جهة التفضيل. (والشاهد فيه) ان كيسان اسم علم على الغدر بدليل مجيئه ممنوعا من الصرف للعلمية والألف والنون ، مع ان الغدر ليس من الأعيان بل هو من المعاني. (والمعنى) ان الغدر عم في هذه القبيلة حتى صاروا ينادون به فإذا قيل يا غدراه يا كيساناه كان كهولهم أهل الوقار والتؤدة اسرع إلى الغدر من شبانهم وضعفاء الأحلام فيهم.
1) البيت قال ابن الأعرابي إنه لضمرة بن ضمرة بن جابر بن قطن. وقال ابن دريد إنه للنمر بن تولب في بني سعد وهم أخواله وقبله :
ومنه كنوا الضربة بالرجل على مؤخر الإنسان بأم كيسان ، والمبرة ببرة والفجرة بفجار ، والكلّيّة بزوبر. قال الطرماح :
إذا قال غاو من تنوخ قصيدة
بها جرب عدّت عليّ بزوبرا (1)
تطايح الطل عن أعطافها صعدا
كما تطايح عن ماموسة الشرر
وسمى حوار الناقة بابوسا في قوله :
حنت قلوصي إلى بابوسها جزعا
فما حنينك أم ما أنت والذكر
اللغة غاو ضال من الغواية وهي الضلال ويروى عاو بالعين مهملة. وتنوخ إسم قبيلة ويروى من معد. والروايتان في لسان العرب. وجرب عيب وعدت نسبت. وبزوبرا أي بكليتها. وقال محمد بن حبيب : الزوبر الداهية.
الاعراب قصيدة مفعول قال والقول ينصب الجمل وما في معناها كهذا. وجرب مبتدأ خبره بها والذي سوغ كونه مبتدأ مع كونه نكرة تخصصه بتقدم الخبر عليه كما صح في الدار رجل وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب صفة قصيدة. وبزوبرا متعلق بعدت (والشاهد فيه) ان بزوبرا إسم علم للكلة بدليل وقوعه ممنوعا من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي مع أن الكلية من المعاني. (والمعنى) انه يعجب كيف ينسب إليه من القصائد المعيبة ما ليس له ولم يصدر عنه.
وقالوا في الأوقات لقيته غدوة وبكرة وسحر وفينة وقالوا في الأعداد ستة ضعف ثلاثة وأربعة نصف ثمانية.
أوزان بعض الأعلام : ومن الأعلام الأمثلة التي يوزن بها في قولك فعلان الذي مؤنثه فعلى ، وأفعل صفة لا ينصرف ، ووزن طلحة وإصبع فعلة وأفعل.
العلم اسم شائع : وقد يغلب بعض الأسماء الشائعة على أحد المسمين به فيصير علما له بالغلبة. وذلك نحو ابن عمر وابن عباس وابن مسعود ،
1) نسبه هنا إلى الطرماح ، ونسبه غيره إلى ابن أحمر. قال ابن بري لم يسمع بزوبرا هذا إسما علما إلا في شعره. أقول وقد أتى ابن أحمر هذا بألفاظ كثيرة لا تعرفها العرب منها انه سمى النار ماموسة في قوله يصف بقرة :
غلبت على العبادلة دون من عداهم من أبناء آبائهم ، وكذلك ابن الزّبير غلب على عبد الله دون غيره من أبناء الزبير ، وابن الصّعق وابن كراع وابن رألان غالبة على يزيد وسويد وجابر بحيث لا يذهب الوهم إلى أحد من إخوتهم.
أعلام يدخلها أل التعريف : وبعض الأعلام يدخله لام التعريف وذلك على نوعين لازم وغير لازم فاللازم في نحو النجم للثريا والصعق وغير ذلك مما غلب من الشائعة. ألا ترى إنهما كهذا معرفين باللام إسمان لكل نجم عهده المخاطب والمخاطب ولكل معهود ممن أصيب بالصاعقة ثم غلب النجم على الثريا والصعق على خويلد بن نفيل بن عمرو بن كلاب. فاللام فيهما والإضافة في ابن رألان وابن كراع مثلان في انهما لا تنزعان. وكذلك الدّبران والعيّوق والسماك والثريا لأنها غلبت على الكواكب المخصوصة من بين ما يوصف بالدّبور والعوق والسّموك والثروة. وما لم يعرف باشتقاق من هذا النوع فملحق بما عرف. وغير اللازم في نحو الحرث والعباس والمظفر والفضل والعلاء وما كان صفة في أصله أو مصدرا.
وقد يتأول العلم بواحد من الأمة المسماة به فلذلك من التأول يجرى مجرى رجل وفرس فيجترأ على إضافته وإدخال اللام عليه. قالوا مضر الحمراء وربيعة الفرس وأنمار الشاة. وقال :
علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم
بأبيض ماضي الشفّرتين يمان (1)
فإن تقتلوا زيدا بزيد فإنما
أقادكم السلطان بعد زمان
اللغة علاه بالسيف ضربه به. ويوم النقا أي يوم الحرب عند النقا وكل ما تراه من هذا القبيل فإنما معناه هذا. والنقا الكثيب من الرمل. ورواه صاحب اللسان وغيره الحمى.
وأنكر البغدادي غيرها وليس بشيء فإن ابن جني نقل الرواية الأولى. وأبيض وما بعده صفة السيف وماضي الشفرتين قاطع الحدين نافذهما.
الاعراب علا فعل ماض. وزيد فاعله. ورأس زيدكم مضاف ومضاف اليه مفعول علا مباشرة. وقوله بأبيض صفة موصوف محذوف أي بسيف أبيض والجار والمجرور في محل نصب على انه مفعول بواسطة حرف الجر. وماضي ويمان وصفان لأبيض مجروران تقديرا. ويمان أصله يمني حذفت منه إحدى ياءي النسبة على غير قياس وعوضت عنها الألف في غير موضعها ثم أعل اعلال قاض فصار يمان. (والشاهد فيه) انه أجرى زيدا في الموضعين مجرى النكرات فأضافه. وقد جعله بعض النحاة من قبيل إضافة الموصوف إلى القائم مقام الوصف أي علا زيد صاحبنا رأس زيد صاحبكم.
1) هو لرجل من طيء. وكان رجل منهم من ولد عروة بن زيد الخيل قتل رجلا من بني أسد يقال له زيد ثم أقيد به بعد فقال ذلك وبعده :
وقال أبو النجم :
باعد أمّ العمرو من أسيرها
حرّاس أبواب على قصورها (1)
الحمد لله العلي الأجلل
الواسع الفضل الوهوب المجزل
اللغة باعد بمعنى ابعد. وام العمرو كنية المعشوقة. والأسير فعيل بمعنى مفعول معناه المتيم المستعبد بالعشق. وحراس جمع حارس معناه الحافظ.
الاعراب باعد فعل ماض. وأم العمرو مضاف ومضاف إليه مفعوله مباشرة. ومن أسيرها جار ومجرور ومضاف ومضاف إليه مفعول باعد أيضا بواسطة حرف الجر. وحراس مرفوع على انه فاعل باعد. وأبواب جر بالاضافة إليه. وعلى قصورها جار ومجرور ومضاف ومضاف إليه يتعلق بحراس (والشاهد فيه) دخول الألف واللام على عمرو لتقدير الشيوع فيه. (والمعنى) ابعد المحبوبة عن أسيرها المتيم يريد بذلك نفسه حراس أبواب قصورها.
وقال الآخر :
رأيت الوليد بن اليزيد مباركا
شديدا بأحناء الخلافة كاهله (2)
ألا تسأل الربع الذي ليس ناطقا
واني على أن لا يبين لسائله
وأول المديح فيها وزعم العيني انه أول القصيدة وليس كذلك.
هممت بقول صادق ان أقوله
واني على رغم العدو لقائله
اللغة، رأيت أبصرت أو علمت. والاحناء جمع حنو المراد به هنا السرج كنى به عن أمور الخلافة. ويروى باعباء وهو جمع عبء وهو الحمل والكاهل ما بين الكتفين.
الاعراب رأيت ان كانت بصرية تنصب مفعولا واحدا فالوليد مفعولها وابن اليزيد صفة المفعول ومباركا حال منه. وشديدا صفة مباركا. وباحناء الخلافة متعلق به. وكاهله فاعل شديدا لأنه صفة مشبهة وان كانت علمية تقتضي مفعولين فمباركا مفعولها الثاني. (والشاهد فيه) دخول الألف واللام على الوليد واليزيد لتقدير التنكير فيهما. وقال ابن يعيش الوليد من باب العباس لا شاهد فيه.
وقال الأخطل :
وقد كان منهم حاجب وابن أمه
أبو جندل والزّيد زيد المعارك (1)
اللغة حاجب اسم شخص. وأبو جندل كنية آخر. ويروى أبو خندف والمعارك جمع معركة محل الحرب.
الاعراب كان من الأفعال الناقصة تقتضي اسما مرفوعا وخبرا منصوبا. ومنهم خبرها مقدم. وحاجب إسمها. وأبو جندل عطف بيان من ابن أمه أو بدل منه. والزيد معطوف على حاجب. وزيد المعارك بدل من الزيد أو عطف بيان منه. (والشاهد فيه) كالذي قبله.
وعن أبي العباس إذا ذكر الرجل جماعة اسم كل واحد منهم زيد قيل له فما بين الزيد الأول والزيد الآخر ، وهذا الزيد أشرف من ذاك الزيد ، وهو قليل.
وكل مثنى أو مجموع من الأعلام فتعريفه باللام نحو أبانين وعمايتين وعرفات وأذرعات. قال :
1) البيت للأخطل واسمه غياث بن غوث ويكنى أبا مالك ، وكان نصرانيا خبيث الهجاء. والأخطل لقب غلب عليه وكان السبب فيه ان كعب بن جعيل كان شاعر تغلب وكان لا يأتي قوما منهم الا اكرموه وضربوا له قبة حتى انه كان تمد له حبال بين وتدين فتملأ له غنما ، فأتى في مالك بن جشم ففعلوا ذلك به فجاء الأخطل وهو غلام فأخرج الغنم وطردها وكعب ينظر إليه فقال إن غلامكم هذا لأخطل. والأخطل السفيه الأحمق.
وقبلي مات الخالدان كلاهما
عميد بني جحوان وابن المضلّل (1)
فان يك يومي قد دنا وأخاله
كواردة يوما إلى ظمء منهل
اللغة قال ابن السكيت في اصلاح المنطق. الخالدان خالد بن نضلة بن جحوان بن فقعس ، وخالد بن قيس بن المضلل بن مالك الأصغر بن منقذ بن طريف. والعميد الرئيس. وبني جحوان قبيلة نسبوا إلى جدهم جحوان. وابن المضلل رجل من بني أسد.
الاعراب قبلي ظرف مضاف إلى ياء المتكلم منصوب تقديرا - وعميد عطف بيان أو بدل من الخالدان. (والشاهد فيه) إدخال الألف واللام في تثنية العلم (والمعنى) ان كان قد دنا يومي واقترب أجلي فلست بأول الموتى وقبلي مات الخالدان وهما سيدان عظيمان.
أراد خالد بن نضلة وخالد بن قيس بن المضلل : وقالوا لكعب بن كلاب وكعب بن ربيعة ، وعامر بن مالك بن جعفر وعامر بن الطفيل ، وقيس ابن عتّاب وقيس بن هرمة ، الكعبان والعامران والقيسان. وقال :
وفي حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه ، هؤلاء المحمدون بالباب.
وقالوا طلحة الطلحات ، وابن قيس الرّقيّات. وكذلك الأسامتان والأسامات ، ونحو ذلك.
وفلان وفلانة وأبو فلان وأم فلانة كنايات عن أسامي الأناسي وكناهم.
وقد ذكروا أنهم إذا كنوا عن أعلام البهائم أدخلوا اللام فقالوا الفلان والفلانة وأما هن وهنة فللكناية عن أسماء الأجناس.
الاعراب انا مبتدأ. وابن خبره. وسعد مضاف إليه. واكرم منصوب على المدح أي امدح اكرم السعدينا ، ولو خفض على انه نعت لسعد لجاز ، ولكن الرواية بالفتح ، (والشاهد) في السعدينا حيث دخلت الألف واللام في جمعه. (والمعنى) يقول انا ابن سعد اكرم من تسمى بهذا الاسم وذلك لأن السعود في العرب كثير منهم سعد بن مالك في ربيعة ، وسعد بن ذبيان في غطفان ، وسعد بن بكر في هوازن ، وسعد بن هذيم في قضاعة ، والشاعر من سعد بن زيد مناة بن تميم ، وفيهم الشرف والعدد الجم.
الكلام في المعرب ، وإن كان خليقا من قبل إشتراك الأسم والفعل في الإعراب بأن يقع في القسم الرابع ، إلا أن اعتراض موجبين صوب إيراده في هذا القسم : أحدهما أن حق الإعراب للأسم في أصله والفعل إنما تطفل عليه فيه بسبب المضارعة. والثاني أنه لا بد من تقدم معرفة الإعراب للخصائص في سائر الأبواب.
والأسم المعرب ما اختلف آخره باختلاف العوامل لفظا بحركة أو بحرف ، أو محلا.
فاختلافه لفظا بحركة في كل ما كان حرف إعرابه صحيحا أو جاريا مجراه كقولك جاء الرجل ورأيت الرجل ومررت بالرجل.
واختلافه لفظا بحرف في ثلاثة مواضع في الأسماء الستة مضافة وذلك نحو جاءني أبوه وأخوه وحموها وهنوه وفوه وذو مال ، ورأيت أباه ومررت بأبيه ، وكذلك الباقية.
وفي كلا مضافا إلى مضمر تقول : جاءني كلاهما ورأيت كليهما ومررت بكليهما.
وفي التثنية والجمع على حدها تقول : جاءني مسلمان ومسلمون ورأيت مسلمين ومسلمين ومررت بمسلمين ومسلمين.
واختلافه محلا في نحو العصا وسعدى والقاضي في حالتي الرفع والجر وهو في النصب كالضارب.
والأسم المعرب على نوعين : نوع يستوفي حركات الأعراب والتنوين كزيد ورجل ويسمى المنصرف. ونوع يختزل عنه الجر والتنوين لشبه الفعل. ويحرك بالفتح في موضع الجر كأحمد ومروان إلا إذا أضيف أو دخله لام التعريف ويسمى غير المنصرف. واسم المتمكن يجمعها. وقد يقال للمنصرف الأمكن.
والأسم يمتنع من الصرف متى اجتمع فيه اثنان من أسباب تسعة أو تكرر واحد منها. وهي العلمية ؛ والتأنيث اللازم لفظا أو معنى في نحو سعاد وطلحة ؛ ووزن الفعل الذي يغلبه في نحو أفعل فإنه فيه أكثر منه في الأسم أو يخصه في نحو ضرب إن سمي به ؛ والوصفية في نحو أحمر ؛ والعدل من صيغة إلى أخرى في نحو عمر وثلاث لأن فيه عدلا ووصفية ؛ وأن يكون جمعا [في نحو منازل] ومصابيح ، إلا ما اعتل آخره نحو جوار فإنه في الرفع والجر كقاض وفي النصب كضوارب ، وحضاجر وسراويل في التقدير جمع حضجر وسروالة ؛ والتركيب في نحو معد يكرب وبعلبك ؛ والعجمة في الأعلام خاصة ؛ والألف والنون المضارعتان لألفي التأنيث في نحو سكران وعثمان. إلا إذا اضطر الشاعر يصرف وأما السبب الواحد فغير مانع أبدا. وما تعلق به الكوفيون في إجازة منعه في الشعر ليس بثبت. وما أحد سببيه أو أسبابه
العلمية فحكمه الصرف عند التنكير كقولك ربّ سعاد وقطام لبقائه بلا سبب أو على سبب واحد ، إلا نحو أحمر فإن فيه خلافا بين الأخفش وصاحب الكتاب وما فيه سببان من الثلاثي الساكن الحشو كنوح ولوط منصرف في اللغة الفصيحة التي عليها التنزيل لمقاومة السكون أحد السببين. وقوم يجرونه على القياس فلا يصرفونه وقد جمعهما الشاعر في قوله :
لم تتلفع بفضل مئزرها
دعد ولم تسق دعد في العلب (1)
يرفعن بالليل إذا ما أسدفا
اعناق جنان وهاما رجفا
وعنقا بعد الرسيم خيطفا
اللغة تلفعت المرأة بمرطها أي التفت به. والفضل ما يفضل ويزيد. والعلب جمع علبة وهي جلدة تؤخذ من جنب جلد البعير إذا سلخ وهو فطير فتسوى مستديرة ثم تملأ رملا ثم تضم اطرافها ويشد عليها بحبل ثم تترك حتى تجف ثم يقطع رأسها فتكون كالقصعة المدورة.
الاعراب ظاهر (والشاهد فيه) مجيء الثلاثي الساكن الوسط منصرفا وغير منصرف.
(ومعناه) ان هذه المرأة لا تغطي وجهها بما يفضل من مئزرها عن جسمها بل لها نقاب وبرقع. ولا تشرب من العلب وانما تشرب من الكأس. يريد أنها من من قوم ذوي غنى وشرف وغنى لا من الصعاليك.
وأما ما فيه سبب زائد كماه وجور فإن فيهما ما في نوح ولوط مع زيادة التأنيث فلا مقال في امتناع صرفه ، والتكرر في نحو بشرى وصحراء ومساجد ومصابيح نزّل البناء على حرف تأنيث لا يقع منفصلا بحال ، والزنة التي لا واحد عليها منزلة تأنيث ثان وجمع ثان.
1) البيت لجرير بن عطية بن حذيفة الخطفي وانما لقب حذيفة الخطفي لقوله :
وجوه الإعراب هي الرفع والنصب والجر وكل واحد منها علم على معنى :
فالرفع علم الفاعلية والفاعل واحد ليس إلا. وأما المبتدأ وخبره وخبر إن وأخواتها ولا التي لنفي الجنس واسم كان وأخواتها واسم ما ولا المشبّهتين بليس فملحقات بالفاعل على سبيل التشبيه
وكذلك النصب علم المفعولية. والمفعول أضرب : المفعول المطلق والمفعول فيه والمفعول معه والمفعول له. والحال والتمييز والمستثنى المنصوب والخبر في باب كان والأسم في باب إنّ والمنصوب بلا التي لنفي الجنس وخبر ما ولا المشبهتين بليس. ملحقات بالمفعول.
والجر علم الإضافة.
وأما التوابع فهي في رفعها ونصبها وجرها داخلة تحت أحكام المتبوعات ينصبّ عمل العامل على القبيلين انصبابة واحدة.
وأنا أسوق إليك هذه الأجناس كلها مرتبة مفصلة بعون الله وحسن تأييده.
الفاعل هو ما كان المسند إليه من فعل أو شبهه مقدما عليه أبدا كقولك ضرب زيد وزيد ضارب غلامه وحسن وجهه. وحقه الرفع. ورافعه ما أسند إليه. والأصل فيه أن يلي الفعل لأنه كالجزء منه فإذا قدم عليه غيره كان في النية مؤخرا ومن ثم جاز ضرب غلامه زيد وامتنع ضرب غلامه زيدا.
إضمار الفاعل : ومضمره في الإسناد إليه كمظهره تقول ضربت وضربنا وضربوا وضربن وتقول زيد ضرب فتنوي في ضرب فاعلا وهو ضمير يرجع إلى زيد شبيه بالتاء الراجعة إلى أنا وأنت في أنا ضربت وأنت ضربت.
ومن إضمار الفاعل قولك ضربني وضربت زيدا ، تضمر في الأول اسم من ضربك وضربته إضمارا على شريطة التفسير ، لأنك لما حاولت في هذا الكلام أن تجعل زيدا فاعلا ومفعولا فوجهت الفعلين إليه استغنيت بذكره مرة. ولما لم يكن بدّ من إعمال أحدهما فيه أعملت الذي أوليته إياه. ومنه قول طفيل الغنويّ أنشده سيبويه :
وكمتا مدمّاة كأن متونها
جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (1)
وبيت تهب الريح في حجراته
بأرض فضاء بابه لم يحجب
اللغة : كمتا جمع أكمت وليس بجمع كميت لأن المصغر لا يجوز جمعه لزوال علامة التصغير بالجمع.
وقال سيبويه سألت الخليل عن كميت فقال هو بمنزلة حميد يريد انه من الأسماء المصغرة التي لا تكبير لها.
والكمتة حمرة يخالطها سواد لم يخلص. (ومدماة) من دمي يدمي مدمي ، يريد انها شديدة الحمرة مثل الدم (ومتون) جمع متن وهو الظهر (وجرى) سال (واستشعرت) جعلت لنفسها ذلك شعارا والشعار من الثياب ما يلي الجسد والدثار ما فوقه. (ومذهب) اسم مفعول من الاذهاب وهو التمويه بالذهب. وقيل المذهب من أسماء الذهب.
الاعراب : وكمتا عطف على قوله وفينا رباط الخيل في البيت الذي قبله وهو
وفينا رباط كل مطهم
وخيل كسرحان الغضى المتأوب
أي ترى فينا كمتا. ومدماة صفة كمتا كأن للتشبيه. ومتونها اسمه والضمير فيه إلى الكمت. وجرى فعل ماض فاعله مستتر فيه. وفوقها نصب على الظرفية أي فوق المتون. واستشعرت عطف على جرى. وفاعله مستتر فيه. ولون مفعول به. ومذهب مضاف إليه. وجملة جرى مع معطوفها في محل رفع خبر كأن. وجملة كأن مع إسمها وخبرها في موضع نصب صفة كمتا. (والشاهد فيه) ان جرى واستشعرت لما توجها إلى معمول واحد ظاهر بعدهما اعمل الأقرب وأضمر في الأسبق على طريقة البصريين والمعنى ظاهر.
1) البيت لطفيل بن عوف بن ضبيس الغنوي من قصيدة طويلة يصف فيها الخيل والخباء. أولها :
وكذلك إذا قلت ضربت وضربني زيد رفعته لإيلائك إياه الرافع ، وحذفت مفعول الأول استغناء عنه. وعلى هذا أعمل الأقرب أبدا فتقول ضربت وضربني قومك. قال سيبويه ولو لم تحمل الكلام على الآخر لقلت ضربت وضربوني قومك. وهو الوجه المختار الذي ورد به التنزيل قال الله تعالى : (آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً) و (هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَه) وإليه ذهب أصحابنا البصريون وقد يعمل الأول وهو قليل ومنه قول عمر بن أبي ربيعة :
تنخّل فاستاكت به عود إسحل (1)
ديار لسعدى إذ سعاد جداية
من الادم خمصان الحشى غير خنثل
اللغة لم تستك من الاستياك يقال سوك فاه واستاك. والأراكة واحدة الاراك الشجر الذي تتخذ منه المساويك وتنخل اختير. والاسحل شجر دقيق الأغصان يشبه الاثل تتخذ منه المساويك.
الاعراب : إذا ظرفية شرطية وهي ضمير منفصل لتعذر اتصاله بعد حذف عامله مثله قوله تعالى (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ) تقديره لو تملكون فحذف الفعل الذي هو عامل في الضمير المتصل فصار المتصل منفصلا ثم جيء بالفعل بعده تفسيرا لذلك الفعل المحذوف. ولم تستك جازم وفعل مضارع مجزوم فاعله مستتر فيه. وبعود اراكة متعلق به. وقوله تنخل فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله جزاء الشرط. وعود اسحل نائب الفاعل. وقوله فاستاكت عطف على تنخل وهو فعل ماض وفاعله ضمير مستتر فيه. وبه جار ومجرور في محل نصب مفعول استاكت. (والشاهد فيه) انه اعمل الفعل الأول وأضمر في الثاني لأن تقدير الكلام تنخل عود اسحل فاستاكت به ولو أنه اعمل الثاني لقال تنخل فاستاكت بعود اسحل. (والمعنى) أن هذه المرأة إذا لم تجد الاراك لتستاك به تتخير لها عود اسحل فتستاك به. يريد أنها نظيفة لا تترك السواك بحال.
1) هذا عجز البيت وصدره (إذا هي لم تستك بعود اراكة). وقد نسبه المصنف هنا إلى عمر بن أبي ربيعة. ونسبه الحرمي إلى المقنع الكندي. والصواب ما قاله الأصمعي من انه لطفيل الغنوي من قصيدة طويلة شبب فيها بامرأة تسمى سعدى ، منها :
وعليه الكوفيون. وتقول على المذهبين قاما وقعد أخواك وقام وقعد أخواك وليس قول امرىء القيس :
كفاني ولم أطلب قليل من المال (1)
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي
وهل يعمن من كان في العصر الخالي
الاعراب لو لامتناع شيء لامتناع غيره تقول لو أن لي مالا لتصدقت منه أي امتنع التصدق لامتناع المال. وإن من الحروف المشبهة بالفعل أي لو أن سعيي والمصدر اسم أن. ولأدنى معيشة خبره. وكفاني جواب لو. وياؤه مفعوله. وقليل فاعله. ومن المال متعلق بقليل. وقوله ولم أطلب : الواو للعطف. ولم أطلب جازم ومجزوم. وفاعله ضمير المتكلم. ومفعوله محذوف تقديره الملك أو المجد المؤثل بدليل قوله في البيت بعده :
ولكنما أسعى لمجد مؤثل
وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
(ومحل الكلام) فيه أن كفاني ولم أطلب لم يتوجها إلى معمول واحد وإن كان ظاهرهما يوهم انهما من باب التنازع. وجعله أبو علي الفارسي من باب التنازع بأن جعل الواو في قوله ولم أطلب للحال. والمعني عليه لو كان سعيي لأدنى معيشة كفاني قليل من المال حال كوني غير طالب له. ومعنى البيت على التقديرين ظاهر مما سبق.
من قبيل ما نحن بصدده إذ لم يوجه فيه الفعل الثاني إلى ما وجه إليه الأول. ومن إضماره قولهم إذا كان غدا. فائتني أي إذا كان ما نحن عليه غدا.
وقد يجيء الفاعل ورافعه مضمر. يقال من فعل؟ فتقول زيد ، بإضمار فعل ومنه قوله تعالى : (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ رِجال) فيمن قرأها
1) صدره (ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة) والبيت كما قال لامريء القيس بن حجر الكندي من قصيدة طويلة أولها :
مفتوحة الباء أي يسبحه رجال وبيت الكتاب.
ليبك يزيد ضارع لخصومة
ومختبط مما تطيح الطّوائح (1)
وقيل انه لضرار النهشلي. وقيل لمزرد أخي الشماخ. وقيل إنه لمهلهل بن ربيعة. والصواب أنه لنهشل ابن جري بن ضمرة النهشلي من قصيدة يرثي بها أخاه يزيد بن نهشل أولها :
لعمري لئن أمسى يزيد بن نهشل
حشا جدث تسفي عليه الروائح
اللغة ضارع من الضراعة وهي التذلل والخضوع ، يقال ضرع فلان وأضرعه غيره. والمختبط الذي يطلب المعروف بلا وسيلة ولا سابق معرفة وأصله الخبط وهو ضرب الشجرة ليسقط ورقها. ويروى ومستمنح أي مستجد. وقوله مما تطيح الطوائح أي مما تهلك المهلكات. يقال طاح يطوح ويطيح إذا هلك ، والطوائح جمع على غير قياس لأن فعله رباعي ، يقال أطاحه وطوحه. فقياس جمعه مطيحات ومطاوح فجمع هكذا بحذف الزوائد. قال الجوهري وهو نادر. ونقل الأصمعي أن العرب تقول طاح الشيء وطاحه غيره بمعنى أبعده وعليه فالطوائح جمع طائحة من المتعدي قياسا لا شذوذ فيه.
الاعراب ليبك اللام لام الأمر. ويبك مبني لما لم يسم فاعله مجزوم بها. ويزيد نائب الفاعل وهو ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. وضارع مرفوع بفعل محذوف. ولخصومة متعلق به. وقوله ومختبط عطف على ضارع. وقوله مما جار ومجرور متعلق بمختبط وما فيه حرف مصدري. وتطيح فعل مضارع مؤول بالمصدر أي من اطاحة والطوائح فاعله. (والشاهد فيه) أن ضارع ارتفع بفعل مقدر وهذا على رواية يبك بالبناء للمفعول.
أما على روايته بالبناء للفاعل فضارع فاعله ويزيد مفعوله ، ولا شاهد ولا حذف. وجعل العسكري هذه الرواية هي الثابتة وعد الأولى من تصحيف النحويين واوهامهم. والمعنى ليبك يزيد كل أحد ، وليبكه ضارع ومختبط. وإنما خص بعد التعميم ليدل على انهما أولى بالبكاء عليه لأنهما أعظم الناس مصابا فيه.
هذا بعض البيت وتمامه :
إذا لقام بنصري معشر خشن
عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا
والبيت لقريط بن أنيف العنبري من قصيدة يهجو بها قومه ويذكر تقاعسهم عن نصرته.
وذلك أن قوما من بني شيبان أغاروا عليه فأخذوا له ثلاثين بعيرا فاستنجد قومه فلم ينجدوه ، ثم أتي مازن تميم فركب معه نفر منهم فاطردوا لبني شيبان مائة بعير فدفعوها له ، فقال يمدحهم ويهجو قومه ، وقبل البيت وهو أول القصيدة :
لو كنت من مازن لم تسبح إبلي
بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
اللغة المعشر اسم للجماعة يكون أمرهم واحدا. وخشن جمع بكسر الشين وهو الشديد. وقيل أخشن والجمع خشن بسكون الشين نحو قوله :
ألين مسا في حوايا البطن
من يثربيات قناذ خشن
وضم الشين ضرورة. والحفيظة الغضب للشيء يجب عليك حفظه ، يقال كلمة فأحفظه. واللوثة بضم اللام الضعف. وهي الرواية الثابتة وبالفتح الشدة والقوة.
الاعراب إذا حرف مصدري ونصب ومعناها الجواب والجزاء دائما ، ولو تقديرا وقوله لقام أللام للقسم أي والله لقام وبنصري متعلق بقام ومعشر فاعله وخشن صفة الفاعل ، وجملة إذا لقام الخ جواب لو المقدرة ، أي لو فعلوا ذلك إذا لقام بنصري وليس بدلا من قوله في البيت قبله لم تستبح ابلي كما جعله ابن هشام في مغنيه. وعند الحفيظة متعلق بخشن. وذو فاعل مرفوع بفعل محذوف يدل عليه المذكور. وجواب الشرط محذوف يدل عليه السياق أي قام بنصري معشر خشن. (والشاهد فيه) في ذو حيث وقع مرفوعا بفعل مقدر يدل عليه الظاهر. (والمعنى) لو استباح بنو اللقيطة ابلي وكنت من بني مازن لقام بنصري منهم أشداء على الأعداء مجيبون للنداء ان قعد الضعيف عن نصري قاموا به.
أي ليبكه ضارع. والمرفوع في قولهم : هل زيد فاعل فعل مضمر يفسره الظاهر. وكذلك في قوله تعالى : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ). وبيت الحماسة :
وفي مثل العرب لو ذات سوار لطمتني وقوله عز وجل : (وَلَوْ أَنَّهُمْ
1) وقع في قائل هذا البيت اختلاف كثير : فقيل هو للحارث بن نهيك النهشلي.
صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ) على معنى ولو ثبت. ومنه المثل الأحظيّة فلا ألية أي إن لا تكن لك في النساء حظية فإني في غير ألية.
هما الإسمان المجردان للإسناد نحو قولك زيد منطلق. والمراد بالتجريد اخلاؤهما من العوامل التي هي كان وإنّ وحسبت وأخواتها ، لأنهما إذا لم يخلوا منها تلعبت بهما وغصبتهما القرار على الرفع. وإنما اشترط في التجريد أن يكون من أجل الإسناد لأنهما لو جرّدا للإسناد لكانا في حكم الأصوات التي حقها أن ينعق بها غير معربة لأن الإعراب لا يستحق إلا بعد العقد والتركيب. وكونهما مجردين للإسناد هو رافعهما لأنه معنى قد تناولهما معا تناولا واحدا من حيث أن الإسناد لا يتأتى بدون طرفين مسند ومسند إليه. ونظير ذلك أن معنى التشبيه في كأن لما اقتضى مشبها ومشبها به كانت عامله في الجزءين وشبههما بالفاعل أن المبتدأ مثله في أنه مسند إليه والخبر في أنه جزء ثان من الجملة.
والمبتدأ على نوعين معرفة وهو القياس ، ونكرة إمّا موصوفة كالتي في قوله عز وجل : (وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ) وإمّا غير موصوفة كالتي في قولهم أرجل في الدار أم امرأة ، وما أحد خير منك ، وشرّ أهرّ ذا ناب ، وتحت رأسي سرج ، وعلى أبيه درع.
والخبر على نوعين مفرد وجملة. فالمفرد على ضربين خال عن الضمير ومتضمن له وذلك زيد غلامك وعمرو منطلق. والجملة على أربعة أضرب فعلية واسمية وشرطية وظرفية. وذلك زيد ذهب أخوه ، وعمرو أبوه منطلق ، وبكر ان تعطه يشكرك ، وخالد في الدار.
ولا بد في الجملة الواقعة خبرا من ذكر يرجع إلى المبتدأ وقولك في الدار معناه استقرّ فيها. وقد يكون الراجع معلوما فيستغنى عن ذكره وذلك في مثل قولهم الكرّبستين ، والسمن منّوان بدرهم. وقوله تعالى : (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
ويجوز تقديم الخبر على المبتدأ كقولك تميمي أنا ، ومشنوء من يشنؤك ، وكقوله تعالى : (سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ، وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ ،) المعنى سواء عليهم الإنذار وعدمه. وقد التزم تقديمه فيما وقع فيه المبتدأ نكرة والخبر ظرفا وذلك قولك في الدار رجل. وأما سلام عليك وويل لك وما أشبههما من الأدعية فمتروكة على حالها إذا كانت منصوبة منزلة منزلة الفعل. وفي قولهم أين زيد وكيف عمرو ومتى القتال.
ويجوز حذف أحدهما. فمن حذف المبتدأ قول المستهل : الهلال والله ، وقولك وقد شممت ريحا : المسك والله ، أو رأيت شخصا فقلت : عبد الله وربي. ومنه قول المرقش :
لا يبعد الله التلبّب وال
غارات إذ قال الخميس نعم (1)
الدار قفر والرسوم كما
رقش في ظهر الأديم قلم
اللغة : يبعد من قولهم أبعده الله نحاه عن الخير. والتلبب أخذ السلاح للقتال والتأهب للكفاح. والغارات جمع غارة وهي دفع الخيل على العدو. والخميس الجيش له خمسة أقسام مقدمة وساقة وجناحان وقلب. ونعم واحد الانعام وهي المال الراعية من إبل وبقر وشاه. وقال ابن الاعرابي النعم الإبل خاصة والأنعام يعم الأصناف الثلاثة وليست نعم هذه حرف جواب كما أعربه بعض المعربين ثم طلب الشاهد في البيت فلم يجده.
الاعراب لا ناهية. ويبعد فعل مضارع مجزوم وحرك للساكنين. ولفظ الجلالة فاعله. والتلبب مفعوله. والغارات عطف عليه. وإذ ظرف زمان بمعنى حين. ونعم خبر مبتدأ محذوف ، أي هذه نعم (والشاهد) في نعم حيث وقعت خبرا عن مبتدإ محذوف (والمعنى) لا يبعد الله التشمر للقاء الأعداء ودفع الخيل لمقاتلتهم حين يقول الجيش هذا نعم يحث على مقاتلة الأعداء واستلاب ماشيتهم ويتأسف على الغير سيما في أوقات الغنائم.
ومن حذف الخبر قولهم خرجت فإذا السبع ، وقول ذي الرّمة :
فيا ظبية الوعساء بين جلاجل
وبين النقا آأنت أم أمّ سالم (2)
لم يبق أبد الأبيد
غير ثلاث ما ثلاث سود
وغير مشجوج القفاه موتود
فيه بقايا رمة التقليد
يقول لم يبق من ديار المحبوبة الا أحجار الأثافي والاوتد في رأسه بقية من رمة الطنب الذي كان معقودا فيه.
اللغة : الوعساء الأرض اللينة ذات الرمل. وجلاجل موضع. ويروى حلاحل بحائين مهملتين. والنقا الكثيب من الرمل. وأم سالم كنية مية صاحبته.
الاعراب : أيا حرف نداء. وظبية منادى مضاف منصوب. والوعساء مضاف إليه. بين ظرف مكان منصوب. وجلاجل مضاف إليه وبين النقا معطوف على بين الأول. وقوله آ أنت بهمزتين بينهما ألف وإنما زيدت الألف بينهما لاستثقال إجتماعهما واستقامة الوزن بها. وأنت مبتدأ خبره محذوف تقديره آ أنت ظبية. وأم حرف عطف. وأم سالم عطف على الخبر المقدر. (والشاهد فيه) حذف خبر المبتدأ وهو أنت (والمعنى) يقول انه لما بين الظبية وأم سالم من تمام المشابهة وكمال المشاكلة قد أشكل عليه التمييز بينهما حتى صار لا يعرف إحداهما من الأخرى.
ومنه قوله تعالى : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) يحتمل الأمرين أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أجمل. وقد التزم حذف الخبر في قولهم لو لا زيد لكان كذا لسد الجواب مسدّة. ومما حذف فيه الخبر لسد غيره مسده قولهم أقائم الزيدان ، وضربي زيدا قائما ، وأكثر شربي السّويق ملتوتا ، وأخطب ما يكون الأمير قائما وقولهم كل رجل وضيعته.
وقد يقع المبتدأ والخبر معرفتين كقولك زيد المنطلق ، والله إلهنا ، ومحمد نبينا. ومنه قوله أنت أنت وقول أبي النجم :
من كلمات باقيات قفر
تنام عيني وفؤادي يسري
مع العفاريت بأرض قفر
الاعراب أنا ضمير المتكلم مبتدأ. وإنما ظهرت الألف إقامة للوصل مقام الوقف. وأبو خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الخمسة. والنجم مضاف إليه. وانما ساغ وقوعه خبرا لتضمنه نوع وصفية واشتهاره بالكمال. والمعنى أنا ذلك المعروف بالكمال (والشاهد) وقوع المبتدإ والخبر معرفتين.
*ولا يجوز تقديم الخبر هنا بل أيّهما قدمت فهو المبتدأ.
وقد يجيء للمبتدأ خبران فصاعدا منه قولك هذا حلو حامض. وقوله تعالى : (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ).
1) تقدمت ترجمة أبي النجم قريبا وهذه الفقرة من ارجوزة له يقول فيها بعدها
لله دري ما اجن صدري
إذا تضمن المبتدأ معنى الشرط جاز دخول الفاء على خبره ، وذلك على نوعين الأسم الموصول والنكرة الموصوفة إذا كانت الصلة أو الصفة فعلا أو ظرفا كقوله تعالى : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) وقوله : (وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ ،) وقولك كل رجل يأتيني أو في الدار فله درهم. وإذا أدخلت ليت أو لعل لم تدخل الفاء بالإجماع. وفي دخول إنّ خلاف بين الأخفش وصاحب الكتاب (1)
1) صاحب الكتاب يعني سيبويه وله كتاب في النحو إسمه (الكتاب).
الفصل الثالث : خبر إن وأخواتها
هو المرفوع في نحو قولك إن زيدا أخوك ، ولعل بشرا صاحبك. وارتفاعه عند أصحابنا بالحرف لأنه أشبه الفعل في لزومه الأسماء والماضي منه في بنائه على الفتح فألحق منصوبه بالمفعول ومرفوعه بالفاعل. ونزل قولك إن زيدا أخوك منزلة ضرب زيدا أخوك. وكأن عمرا الأسد منزلة فرس عمرا الأسد. وعند الكوفيين هو مرتفع بما كان مرتفعا به في قولك زيد أخوك ولا عمل للحرف فيه.
وجميع ما ذكر في خبر المبتدأ من أصنافه وأحواله وشرائطه قائم فيه ، ما خلا جواز تقديمه إذا وقع ظرفا كقولك إن في الدار زيدا ، ولعل عندك عمرا ، وفي التنزيل : (إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ).
وإنّ عمرا أي إنّ لنا وقال الأعشى :
إنّ محلّا وإنّ مرتحلا
وإنّ في السّفر اذ مضوا مهلا (1)
استأثر الله بالوفاء وبالعد
ل وولى الملامة الرجلا.
اللغة المحل والمرتحل مصدران ميميان بمعنى الحلول والارتحال ، أو إسما زمان أي وقت حلول ووقت ارتحال ، والحلول بالمكان النزول فيه ، والارتحال الانتقال عنه ، وسفر جمع سافر وهو من خرج إلى السفر. قال في الصحاح : سفرت اسفر سفورا خرجت إلى السفر. هذا عند الأخفش. وعند سيبويه هو مفرد وضع لمعنى الجمع بدليل تصغيره على لفظه ، والخلاف بينهما في كل ما يجيء من تركيبه إسم يقع على الواحد أما نحو غنم ورهط فانه اسم جمع اتفاقا. والمهل السبق. وقال ابن الحاجب المهل التأني والانتظار كأنه يقول إن فيمن مضى قبلنا إمهالا لنا ويروى مثلا أي عظة واعتبارا.
الاعراب إن حرف توكيد ونصب. ومحلا إسمها. وخبرها محذوف ، أي لنا. وإن مرتحلا معطوف على إن محلا مثله. وفي السفر إسم إن الثالثة ومهلا خبرها. وجملة إذ مضوا معترضة بين إسم إن وخبرها. (والشاهد فيه) حذف خبر إن. والمعنى يقول إن لنا في الدنيا حلولا وإن لنا عنها إلى الآخرة ارتحالا وان في رحيل من رحل قبلنا مهلا أي سبقا وتقدما.
1) إسمه ميمون بن قيس بن جندل ، وكنيته أبو بصير ، فحل من فحول الجاهلية سلك في شعره كل مسلك ، وله الدالية المشهورة التي قالها يمدح بها النبي صلّى الله عليه وسلّم وكان وفد عليه مسلما فصده المشركون عنه بمال اعطوه إياه. وهذا البيت مطلع قصيدة مدح بها سلامة ذا فائش الحميري وبعده :
وتقول إن غيرها إبلا وشاء أي إن لنا. وقال :
تمن ونصب. وأيام إسمها وخبرها محذوف ، أي لنا. ورواجعا حال من الضمير في متعلق الخبر المحذوف. والتقدير يا ليت أيام الصبا استقرت لنا في حال كونها رواجعا. والعامل فيها معني الفعل وهو استقرت. وذو الحال فاعل استقرت وهو ضمير الغائبة. وذهب الكوفيون إلى أن ليت تنصب مفعولين مثل أتمنى ، وعليه فرواجع منصوب على أنه مفعول ثان له ، وأيام مفعول أول. (والشاهد فيه) حذف خبر ليت. وهذا انما يتمشى على طريقة البصريين أما على طريقة الكوفيين فلا. والصواب أن الشاعر تميمي جرى على لغته من نصب الجزأين بليت.
*وقد حذف في قولهم إنّ مالا وإنّ ولدا وإنّ عددا أي إن لهم مالا.
1) تمامه إذ كنت في وادى العقيق راتعا وهو من الأبيات التي لم يعرف لها قائل. كذا ذكره البغدادي. وذكر السيوطي في شرح شواهد المغنى نقلا عن الجمحي أنه للعجاج ، وإسمه عبد الله بن رؤبة ، ويكني أبا الشعشاء. وإنما سمي العجاج لقوله (حتى يعج عندها من عجعجا).
الاعراب يا اداة النداء والمنادى محذوف أي يا قوم أو يا هؤلاء.
ويقول الرجل للرجل هل لكم أحد من الناس عليكم فيقول إن زيدا أي يا ليت لنا. ومنه قول عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه لقرشي متّ إليه بقرابة : فإنّ ذاك. ثم ذكر حاجته فقال : لعل ذاك. أي فإن ذاك مصدّق ولعل مطلوبك حاصل. وقد التزم حذفه في قولهم ليت شعري.
الفصل الرابع : خبر لا التي لنفي الجنس
هو في قول أهل الحجاز لا رجل أفضل منك ولا أحد خير منك ، وقول حاتم :
في الرأس منها وفي الاصلاب تمليح
إذ اللقاح غدت ملقى اصرتها
ولا كريم من الولدان مصبوح
وليس ذلك بصواب وإنما هو لبعض بني النبيت وذلك ان حاتما اتى ماوية بنت عفزر يخطبها فوجد عندها النابغة الذبياني ورجلا من النبيت يخطبانها فقالت انقلبوا الى رحالكم وليقل كل واحد منكم شعرا يذكر فيه فعاله ومنصبه فاني متزوجة اكرمكم فصبحها القوم فانشدها النابغة :
هلا سألت هداك الله ما حسبي
إذا الدخان تغشى الاشمط البرما
اني اتم أيساري وامنحهم
مثنى الأيادي واكسو الجفنة الادما
وانشدها النبيتي
هلا سألت هداك الله ما حسبي
عند الشتاء إذا ما هبت الريح
ورد جازرهم حرفا مصرمة
في الرأس منها وفي الاصلاب تمليح
إذا اللقاح غدت ملقى اصرتها
ولا كريم من الولدان مصبوح
وانشدها حاتم :
أماويّ إن المال غاد ورائح
ويبقى من المال الأحاديث والذكر في أبيات كثيرة فاختارت حاتما فكأن منشأ الاشتباه وجود حاتم في هذه القصة.
اللغة اللقاح ذوات الالبان من النوق واحدتها لقوح ولقحة وملقي من القيت الشيء إذا طرحته. واصرة جمع صرار وهو خيط يشد فوق خلف الناقة لئلا يرضعها ولدها. والمصبوح من الصبوح وهو شرب اللبن صباحا.
الاعراب إذا ظرف لما يستقبل. واللقاح مرفوع بفعل محذوف يفسره المذكور أي إذا غدت اللقاح. وغدت من الأفعال الناقصة. وضميرها إسمها. وملقى خبرها واصرتها فاعل ملقى لأنه إسم مفعول يعمل عمل فعله. ولا نافية للجنس. وكريم إسمها مبني على الفتح. ومصبوح خبرها. هذا عند الحجازيين. وعند تميم هو صفة محمولة على محل الموصوف وهو اسم لا. وذاك مرفوع بالابتداء. فكذا صفته وجواب إذا محذوف لدلالة السياق عليه.
*1) نسبه هنا إلى حاتم وتبعه بعض المعربين وذكر قبله.
قد رد جازرهم حرفا مصرمة
يحتمل أمرين : أحدهما أن يترك فيه طائيته إلى اللغة الحجازية ، والثاني أن لا يجعل مصبوحا خبرا ولكن صفة محمولة على محل لا مع المنفيّ وارتفاعه بالحرف أيضا لأن لا محذوّ بها حذو إنّ من حيث انها نقيضتها ولازمة للأسماء لزومها.
ويحذفه الحجازيون كثيرا فيقولون : لا أهل ، ولا مال ، ولا بأس ، ولا فتى إلا عليّ ولا سيف إلا ذو الفقار. ومنه كلمة الشهادة ومعناها لا إله في الوجود إلا الله. وبنو تميم لا يثبتونه في كلامهم أصلا.
الفصل الخامس : اسم ما ولا المشبهتين بليس
هو في قولك ما زيد منطلقا ولا رجل أفضل منك. وشبههما بليس في النفي والدخول على المبتدأ والخبر إلا أن ما أوغل في الشبه بها لاختصاصها بنفي الحال ، ولذلك كانت داخلة على المعرفة والنكرة جميعا فقيل ما زيد منطلقا ، وما أحد أفضل منك. ولم تدخل لا إلا على النكرة فقيل لا رجل أفضل منك ، وامتنع لا زيد منطلقا. واستعمال لا بمعنى ليس قليل ومنه بيت الكتاب :
من صدّ عن نيرانها
فأنا إبن قيس لا براح (1)
يا بؤس للحرب التي
وضعت أراهط فاستراحوا
اللغة صد أعرض. وقيس جد الشاعر. وانما أضاف نفسه إليه لشهرته به. والبراح مصدر برح الشيء براحا من باب تعب إذا زال من مكانه.
الاعراب من حرف شرط جازم. وصد فعل ماض. وفاعله ضمير فيه يعود إلى من.
وعن نيرانها جار ومجرور ومضاف ومضاف إليه متعلق بصد والضمير فيه إلى الحرب وهي مؤنثة. قال الله تعالى حتى تضع الحرب أوزارها. وانا مبتدأ. وابن قيس خبره لتضمنه الوصف. أي أنا المشهور بالنجدة. ويجوز نصب ابن قيس على الاختصاص ، فتكون جملة لا براح خبر المبتدأ وهذا أجود لأنه لو جعل خبرا كان قصد الشاعر إلى تعريف نفسه عند المخاطبين وهو لا يخلو عن خمول فيه وجهل من المخاطبين بشأنه ، ولو نصب على الاختصاص والمدح لأمن من ذلك فكأنه يقول أنا من لا يخفى شأنه ولا تجهل منزلته افعل كيت وكيت.
وقوله لابراح : لا بمعنى ليس ، وبراح إسمها ، والخبر محذوف أي لي. وجملة لابراح يصح ان تكون استثنافية كأنه قال أنا ابن قيس الذي عرف بالثبات ثم ابتدأ كلاما آخر فقال ليس لي براح وان تكون حالا مؤكدة لقوله أنا ابن قيس كأنه قال أنا ابن قيس ثابتا في الحرب. ومجيء الحال بعد أنا ابن فلان كثير كقوله.
أنا ابن دارة مشهورا بها نسبي
وهل بدارة يا للناس من عار
ويصح أن تكون في محل رفع خبرا بعد خبر. (والشاهد فيه) اجراء لا مجرى ليس (والمعنى) من اعرض عن نيران هذه الحرب اتقاء شرها فأنا ابن قيس لا أرهب منها ولا اتحول كما خاف منها وقعد عنها من يخاف بأسها ويتقي شرها.
1) هو لسعد بن مالك من قصيدة يذكر فيها حرب بكر وتغلب ويعرض بالحارث بن عباد ويذكر قعوده عنها. وهي من أبيات الحماسة وأولها :
أي ليس براح لي والمعنى لا أبرح بموقفي.
المفعول المطلق هو المصدر سمّي بذلك لأن الفعل يصدر عنه. ويسميه سيبويه الحدث والحدثان وربما سماه الفعل. وينقسم إلى مبهم نحو ضربت ضربا. وإلى مؤقت نحو ضربت ضربة وضربتين.
وقد يقرن بالفعل غير مصدره مما هو بمعناه ؛ وذلك على نوعين : مصدر وغير المصدر. فالمصدر على نوعين : ما يلاقي الفعل في اشتقاقه كقوله تعالى : (وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ،) وقوله تعالى : (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً). وما لا يلاقيه فيه كقولك قعدت جلوسا ، وحبست منعا. وغير المصدر كقولك ضربته أنواعا من الضرب ، وأيّ ضرب ، وأيّما ضرب. ومنه رجع القهقرى ، واشتمل الصماء ، وقعد القرفصاء ، لأنها أنواع من الرّجوع والإشتمال والقعود. ومنه ضربته سوطا.
والمصادر المنصوبة بأفعال مضمرة على ثلاثة أنواع : ما يستعمل إظهار فعله وإضماره ، وما لا يستعمل إظهار فعله ، وما لا فعل له أصلا. وثلاثتها تكون دعاء وغير دعاء فالنوع الأول كقولك للقادم من سفره خير مقدم ، ولمن يقرمط في عداته. مواعيد عرقوب وللغضبان غضب الخيل على اللجم. ومنه قولهم سقيا ورعيا وخيبة وجدعا وعقرا وبؤسا وبعدا وسحقا وحمدا وشكرا لا كفرا وعجبا وافعل ذلك وكرامة ومسرة ونعم ونعمة عين ونعام عين ولا أفعل ذلك ولا كيدا ولا هما ولا فعلن ذلك ورغما وهوانا. ومنه إنما أنت سيرا سيرا وما أنت إلا قتلا قتلا وإلّا سير البريد وإلا ضرب الناس وإلا شرب الإبل. ومنه قوله تعالى : (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً). ومنه مررت به فإذا له صوت صوت حمار ، وإذا له صراخ صراخ الثّكلى ، وإذا له دقّ دقك بالمنحاز حبّ القلقل. ومنه ما يكون توكيدا إمّا لغيره كقولك هذا عبد الله حقا ، والحقّ لا الباطل ، وهذا زيد غير ما تقول ، وهذا القول لا قولك ، وأجدّك لا تفعل كذا ، أو لنفسه كقولك له عليّ ألف درهم عرفا ، وقول الأحوص :
إني لأمنحك الصدود وإنني
قسما إليك مع الصّدود لأميل (1)
يا بيت عاتكة الذي اتعزل
حذر العدا وبه الفؤاد موكل
اللغة اني لأمنحك يروى بدله اصبحت امنحك. وامنح من المنح وهو الاعطاء. والصدود الهجر والاعراض. واميل أكثر ميلا واشد تعلقا.
الاعراب إن حرف توكيد ونصب. والياء في محل نصب إسمها. لأمنحك اللام للتأكيد وأمنحك فعل مضارع فاعله ضمير المتكلم. والكاف في محل نصب مفعول أول. والصدود مفعول ثان. والجملة في محل نصب خبر إن. وانني الواو لعطف الجملة. وقسما مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف تقديره أقسم قسما. وإليك جار ومجرور متعلق بأميل. ومع منصوب على الظرفية. والصدود جر بالاضافة اليه. وقوله لأميل اللام فيه للتأكيد. وأميل خبر إن. (والشاهد فيه) أن قسما تأكيد للحاصل من الكلام السابق بسبب إن ولام التأكيد يعني أنه لما في هذه الجملة من معنى القسم فكأنه قال أقسم قسما. (والمعنى) يقول إني لأظهر للناس هجر هذا البيت ومن فيه وإني مع ما أبديه من الاعراض عنه شديد الميل له كثير التعلق به.
1) هو الأحوص بن محمد بن عبد الله بن عاصم. ولم يذكر له أحد إسما فكأن لقبه إسمه. والحوص ضيق في مؤخر العين وقيل في مؤخر العينين. وهذا البيت له من قصيدة طويلة يمدح بها عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وكان إذ ذاك واليا على المدينة وقبله وهو أول القصيدة :
ومنه قوله تعالى صنع الله ، ووعد الله ، وكتاب الله عليكم ، وصبغة الله ، وقولهم ألله أكبر دعوة الحق.
ومنه ما جاء مثنى وهو حنانيك ولبيك وسعديك ودواليك وهذاذيك.
ومنه ما لا يتصرف نحو سبحان الله ومعاذ الله وعمرك الله وقعدك الله.
والنوع الثالث نحو ذفرا وبهرا وأفّة وتفّة وويحك وويسك وويلك وويبك.
وقد تجري اسماء غير مصادر ذلك المجرى وهي على ضربين : جواهر نحو قولهم تربا وجندلا وفاها لفيك ، وصفات نحو قولهم هنيئا مريئا وعائذا بك وأقائما وقد قعد الناس وأقاعدا وقد سار الركب.
ومن إضمار المصدر قولك عبد الله أظنه منطلق ، تجعل الهاء ضمير الظن كأنك قلت عبد الله أظن ظني منطلق. وما جاء في الدعوة المرفوعة واجعله الوارث منا محتمل عندي أن يوجّه على هذا.
هو الذي يقع عليه فعل الفاعل في مثل قولك ضرب زيد عمرا وبلغت البلد. وهو الفارق بين المتعدي من الأفعال وغير المتعدي. ويكون واحدا فصاعدا إلى الثلاثة على ما سيأتيك بيانه في مكانه إن شاء الله تعالى. ويجيء منصوبا بعامل مضمر مستعمل إظهاره أو لازم إضماره المنصوب بالمستعمل إظهاره هو قولك لمن أخذ يضرب القوم ، أو قال أضرب شرّ الناس زيدا بإضمار أضرب ؛ ولمن قطع حديثه حديثك ، ولمن صدرت عنه أفاعيل البخلاء : أكلّ هذا بخلا ، بإضمار هات وتفعل.
ومنه قولك لمن ركنت أنه يريد مكة : مكة ورب الكعبة. ولمن سدد سهما آلقرطاس والله. وللمستهلين إذا كبروا : الهلال والله ، تضمر يريد ويصيب وأبصروا ، ولرائي الرؤيا : خيرا وما سر ، وخيرا لنا وشرا لعدونا أي رأيت خيرا. ولمن يذكر رجلا. أهل ذلك وأهله أي ذكرت أهله. ومنه قوله :
لن تراها ولو تأملت إلّا
ولها في مفارق الرأس طيبا (1)
اللغة مفارق جمع مفرق وهو وسط الرأس وهو الذي يفرق فيه الشعر. والطيب ما يتطيب به.
الاعراب لن حرف توكيد ونصب. وترى فعل مضارع منصوب بها تقديرا. وفاعله ضمير المخاطب. وها مفعوله. ولو تأملت جملة معترضة تفيد التأكيد. وطيبا مفعول فعل مقدر أي ترى. ولها جار ومجرور حال أو صفة أي ثابتا لها لهذا إن كانت ترى من رؤية البصر فإن كانت علمية تنصب مفعولين. فقوله لها في محل نصب مفعول ثان وقوله في مفارق الرأس جار ومجرور ومضاف ومضاف إليه في محل نصب مفعول فيه (والشاهد فيه) أن طيبا نصب بفعل محذوف جوازا. وهذا على رواية طيبا بالنصب. أما على رواية الرفع فلا شاهد فيه (والمعنى) أن المحبوبة لا تزال متطيبة أبدا.
1) نسبه سيبويه إلى ابن قيس الرقيات ، واسمه عبد الله وهل الرقيات تابع لقيس أو لابنه قال الرضى تبعا للفارسي إن قيسا هو الملقب بالرقيات لا خلاف فيه أه. وما ذكره من عدم الخلاف مردود والاكثرون انه لقب لابنه عبد الله وانما لقب بذلك لأنه كان يشبب بثلاث نسوة كل واحدة منهن إسمها رقية أو لأنه تزوج ثلاث نسوة كذلك.
أي وترى لها. ومنه قوله كاليوم رجلا ، بإضمار لم أر. قال أوس :
حتى إذا الكلّاب قال لها
كاليوم مطلوبا ولا طلبا (1)
الاعراب حتى حرف ابتداء وتفيد معنى الانتهاء. وإذا ظرفية. والكلاب مبتدأ. وقال فعل ماض فاعله ضمير فيه يعود إلى الكلاب. ولها متعلق به. والجملة في محل رفع خبر المبتدإ. وقوله كاليوم جار ومجرور في محل نصب صفة مطلوبا. ومطلوبا منصوب على أنه مفعول فعل مقدر أي لم أر. وتقدير الكلام لم أر مطلوبا مثل مطلوب في هذا اليوم. وقوله ولا طلبا عطف على مطلوبا. وجملة لم أر كاليوم إلى آخره في محل نصب بالقول. (والشاهد فيه) أن مطلوبا نصب بفعل مقدر محذوف جوازا (والمعنى) ما زالت الكلاب تقفو أثر الصيد وتجد في طلبه حتى عجب الصائد وقال لم أر كالكلاب طالبا في هذا اليوم ولا كالصيد مطلوبا.
قال سيبويه وهذه حجج سمعت من العرب. يقولون اللهم ضبعا وذئبا. وإذا قيل لهم ما يعنون ، قالوا اللهم اجعل فيها ضبعا وذئبا. وسمع أبو الخطاب بعض العرب وقيل له لم افسدتم مكانكم؟ فقال الصبيان بأبي أي لم الصبيان. وقيل لبعضهم أما بمكان كذا وجذ؟ فقال بلى وجاذا أي أعرف به وجاذا.
1) اللغة الكلاب هو الصائد يريض الكلب على الصيد ثم يرسله عليه.
ومن المنصوب باللازم إضماره المنادى لأنك إذا قلت يا عبد الله فكأنك قلت يا أريد أو أعني عبد الله. ولكنه حذف لكثرة الإستعمال وصاريا بدلا منه.
ولا يخلو من أن ينتصب لفظا أو محلا. فانتصابه لفظا إذا كان مضافا كعبد الله أو مضارعا له كقولك يا خيرا من زيد ويا ضاربا زيدا ويا مضروبا غلامه ويا حسنا وجه الأخ ويا ثلاثة وثلاثين. أو نكرة كقوله :
فيا راكبا إمّا عرضت فبلغا
نداماي من نجران ألّا تلاقيا (1)
فيا صاحبي إمّا عرضت فبلغن
بني مازن والريب أن لا تلاقيا
وهذا غير ذاك فقول شراح أبيات سيبويه في البيت الشاهد انه لعبد يغوث ويروى لمالك ابن الرّيب غير جيّد وأول القصيدة التي منها الشاهد :
ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا
فما لكما في اللوم خير ولا ليا
اللغة الراكب راكب الإبل ولا تسمى العرب راكبا على الاطلاق إلا راكب البعير أو الناقة وجمعه ركبان وأما ركب فهو اسم جمع عند سيبويه وجمع راكب عند غيره. وعرضت من عرض الرجل إذا أتى العروض وهي مكة والمدينة شرفهما الله وما حولهما. وقال شراح أبيات سيبويه عرضت بمعنى تعرضت وظهرت وقيل معناه بلغت العرض وهي جبال نجد وكلاهما غير سديد. فإن قوله فبلغن نداماي من نجران يدل على الأول لأن نجران كما في معجم ما استعجم مدينة بالحجاز من شق اليمن. والندامى جمع ندمان بالفتح بمعنى نديم وهو المشارب وقد يقال للمجالس ولو على غير شراب.
الاعراب أيا حرف نداء مثل يا إلا أنها لا تستعمل إلا والمنادى مذكور ويروى فيا راكبا. وراكبا منادى منصوب لأنه نكرة غير مضافة ولا شبيهة بالمضاف. وقوله إما أصله إن ما فان حرف شرط وما زائدة أدغمت النون في الميم لقربهما في المخرج وعرضت جملة من الفعل والفاعل جواب الشرط والمفعول محذوف أي إن عرضت العروض أي بلغتها. وقوله فبلغن الفاء للجزاء وبلغن فعل أمر. وفاعله ضمير المخاطب. والنون نون التوكيد الخفيفة. وقوله نداماي كلام اضافي منصوب تقديرا على أنه مفعول بلغن. ومن نجران في محل نصب صفة نداماي أو حال منه. وقوله ألا أصله أن لا أدغمت النون في اللام لقرب المخرج. وأن مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن. ولا نافية للجنس. وتلاقيا اسمها. وخبرها محذوف. أي لنا. وجملة لا تلاقي في محل رفع خبر أن المخففة. وجملة أن لا تلاقيا في محل نصب على أنه مفعول ثان لبلغن. ويصح أن تكون أن المدغمة في لا زائدة (والشاهد فيه) أنه نصب راكبا لأنه منادى نكرة إذ لم يقصد به راكبا بعينه انما التمس راكبا من الركبان يبلغ خبره لقومه ولو أراد راكبا بعينه لبناه على الضم. وقال أبو عبيدة أراد يا راكباه وللندبة فحذف الهاء كقوله تعالى (يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ). وهو غريب فان الثقات رووه بالنصب والتنوين ، إلا الأصمعي فانه كان ينشده بلا تنوين. كذا ذكره ابن الانباري في شرح المفضليات. لا يقال إن حرف النداء للتعريف فكيف يدخل على المفرد النكرة ويبقى على تنكيره لانا نقول المنادى يبقى على تنكيره بعد دخول حرف النداء ، كما أن تعريفه يزيل تعريف العلمية في مثل يا زيد وإلا لزم تحصيل الحاصل. ومعنى قولهم حرف النداء يفيد التعريف أنه لا يعارضه.
(والمعنى) ينادي راكبا أنه إذا بلغ العروض وانتهى إليها فليبلغ نداماه من تلك البلد أنه قد قتل ولم يبق أمل في التلاقي.
1) البيت من قصيدة عدتها عشرون بيتا لعبد يغوث الحارثي اليمني قالها بعد أن أسر في يوم الكلاب الثاني كلاب تيم واليمن وقتل أسيرا. ولمالك بن الرّيب قصيدة على هذا الوزن والروي فيها بيت يشبه بيت الشاهد وهو :
وانتصابه محلا إذا كان مفردا معرفة كقولك يا زيد ويا غلام ويا أيها الرجل.
أو داخلة عليه لام الإستغاثة أو لام التعجب كقوله :
يا لعطّافنا ويا للرياح
وأبي الحشرج الفتى النفّاح (1)
اللغة عطاف ورياح وأبو الحشرج أسماء رجال. والنفاح كثير العطاء يقال نفحه بشيء إذا أعطاه.
الاعراب يا حرف نداء ولعطافنا منادى ولامه مفتوحة لأنها داخلة على المستغاث به.
وقوله ويا لرياح عطف عليه واللام فيه أيضا مفتوحة وانما تكسر اللام في المعطوف إذا لم يكرر حرف النداء. وأبي الحشرج عطف على ما قبله وتقديره ويا لأبي الحشرج. والفتى بدل من أبي الحشرج. والنفاح صفته (والشاهد) دخول لام الاستغاثة على المنادى المستغاث به. (والمعنى) أن الشاعر يرثي رجالا من قومه : يقول ذهب هؤلاء الرجال ولم يبق للعلا والمساعي من يقوم بها بعدهم.
1) أنشده سيبويه ولم يعزه لأحد.
وقولهم يا للماء ويا للدواهي. أو مندوبا كقولك يا زيداه.
توابع المنادى المضموم غير المبهم إذا أفردت حملت على لفظه ومحله كقولك يا زيد الطويل والطويل ، ويا تميم أجمعون وأجمعين ، ويا غلام بشر وبشرا ، ويا عمرو الحارث والحارث ، وقرىء والطير رفعا ونصبا إلا البدل ، ونحو زيد وعمرو من المعطوفات فإن حكمهما حكم المنادى بعينه ، تقول يا زيد زيد ويا زيد وعمرو بالضم لا غير وكذلك يا زيد أو عمرو يا زيد لا عمرو أو إذا أضيفت فانصب كقولك يا زيد ذا الجمّة وقوله :
أزيد أخا ورقاء كنت ثائرا
فقد عرضت أحناء أمر فخاصم (1)
اللغة الثائر الذي لا يبقى على شيء حتى يدرك ثأره. واحناء الأمور ما تشابه منها.
الاعراب الهمزة للنداء. وزيد منادى مبني على الضم. وأخا منصوب على أنه صفة المنادى. وهو زيد ، لا يجوز فيه غير هذا. وورقاء مضاف إليه. وإن حرف شرط جازم. وكنت فعل ناقص فعل الشرط. والتاء اسمها. وثائرا خبرها. وقوله فقد الفاء جواب الشرط. وقد حرف تحقيق. عرضت فعل ماض. وأحناء فاعله. وأمر جر بالاضافة إليه. وقوله فخاصم عطف على جملة فقد عرضت (والشاهد) فيه ان أخا لما كان وصفا للمنادى المفرد ومضافا كان منصوبا حتما. (والمعنى) قد ظهر من الأمور المشكلة ما يوجب الخصام والنزاع فإن كنت مصرا على الطلب بثأرك فقم فخاصم.
ويا خالد نفيسه ، ويا تميم كلّهم ، ويا بشر صاحب عمرو ، ويا غلام أبا عبد الله ويا زيد عبد الله.
1) هو من الأبيات التي لم يعرف لها قائل.
والوصف بابن وابنة كالوصف بغيرهما إذا لم يقعا بين علمين فإن وقعا أتبعت حركة الأول حركة الثاني كما فعلوا في ابن وامرىء تقول يا زيد ابن أخينا ويا هند ابنة عمنا ويا زيد بن عمرو ويا هند ابنة عاصم. وقالوا في غير النداء أيضا إذا وصفوا هذا زيد بن أخينا وهند ابنة عمنا ، وهذا زيد ابن عمرو ، وهند ابنة عاصم ، وكذلك النصب والجر. فإذا لم يصفوا فالتنوين لا غير وقد جوزوا في الوصف التنوين في ضرورة الشعر كقوله :
جارية من قيس بن ثعلبه (1)
قباء ذات سرة مقعبة
كأنها حقة مسك مذهبه
اللغة جارية أراد بها امرأة من العرب اسمها كلبه كان بينهما مهاجاة. وقيس قبيلة. وقباء ضامرة البطن. والمقعبة الصرة التي قد دخلت في البطن وعلا ما حولها حتى كأنها القعب وهو القدح من الخشب.
الاعراب جارية خبر مبتدإ محذوف أي هذه. ومن قيس جار ومجرور صفة جارية. وابن صفة لقيس. وثعلبة مضاف إليه. وكريمة صفة جارية. (والشاهد فيه) أن تنوين قيس شاذ لأن ابن وقع بين علمين مستجمع الشرائط فكان القياس حذف تنوين قيس واضافته إليه إلا أنه نونه لضرورة الشعر. وهذا على أن ابن صفة قيس. وذكر ابن جني أنه بدل منه فلا شاهد فيه حينئذ لكن البدلية بعيدة والظاهر الوصفية.
والمنادى المبهم شيئان أيّ واسم الإشارة. فأيّ يوصف بشيئين بما فيه الألف واللام مقحمة بينهما كلمة التنبيه ، وباسم الإشارة ، كقولك يا أيها الرجل ، ويا أيهذا. قال ذو الرمة :
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه
لشيء نحته عن يديه المقادر (2)
لمية أطلال بحزوى دواثر
عفتها السوافي بعدنا والمواطر
اللغة الباخع من قولهم بخع نفسه يبخعها قتلها غما أو غيظا. وفي القرآن الكريم (فلعلك باخع نفسك) أي مهلكها. ونحته بالتخفيف والتشديد بمعنى باعدته. والمقادر الأقدار أصله المقادير فحذف الياء ضرورة.
الاعراب ألا حرف استفتاح يراد به تنبيه المخاطب على ما سيأتي بعده من الكلام. وأي منادى بحرف نداء مقدر مبني على الضم. وهذا في محل رفع صفته. والباخع صفة أخرى. وال فيه موصولة بمعنى الذي. والوجد فاعل اسم الفاعل وهو باخع. ونفسه مفعوله. هذا على رواية الوجد بالرفع وعلى روايته بالنصب ففاعل الباخع ضمير فيه تقديره هو. ونفسه مفعول. والوجد مفعول لأجله ولشيء جار ومجرور متعلق بالباخع. ونحته فعل ماض والضمير فيه مفعوله. والمقادر فاعله وعن يديه متعلق بنحته. والجملة في محل جر صفة لشيء (والشاهد فيه) إنه وصف المنادى المبهم وهو أي باسم الاشارة وهو هنا (والمعني) يا من قتل الوجد نفسه غما لشيء عاقته عنه عوائق الأقدار إن ذلك ليس بمغن عنك.
واسم الإشارة لا يوصف إلا بما فيه الألف واللام كقولك يا هذا الرجل ويا هؤلاء الرجال. وأنشد سيبويه لخزز بن لوذان :
يا صاح يا ذا الضامر العنس (1)
يا صاح يا ذا الضامر العنس
والرحل ذي الأنساع والحلس
تسري النهار ولست تاركه
وتجد سيرا كلما تمسي
اللغة الضامر من ضمر الحيوان وغيره من باب قعد دق وقل لحمه. والعنس الناقة الصلبة الشديدة. والرحل كل ما يعد للرحيل من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحلس ورسن والمراد هنا برذعة البعير. والانساع جمع نسعة بكسر النون وهي جلدة تنسج عريضة فتكون على صدر البعير. والحلس كساء يجعل على ظهر البعير تحت رحله.
الاعراب يا حرف نداء وصاح منادى مرخم صاحب أو صاحبي وهو شاذ على الوجهين. وذا اسم اشارة. والضامر مرفوع صفته. والعنس مضاف إليه. ورواه الكوفيون بجر الضامر. على أن ذا بمعنى صاحب. واعتلوا لذلك بوجوه منها أن صفة المنادى إذا كانت مضافة كانت منصوبة فلم رفعت ها هنا ومنها أن قوله بعده والرحل ذي الانساع والحلس معطوف على العنس الموصوف بالضمور وهما لا يوصفان بذلك والجواب عن الأول أن آل في الضامر بمعنى الذي لأن تقديره يا ذا الذي ضمرت عنسه. والموصول مع صلته بمنزلة المفرد وعن الثاني بان العطف من باب علفتها تبنا وماء باردا. وقول الشاعر :
يا ليت زوجك قد غدا
متقلدا سيفا ورمحا
بان يحمل الثاني على ما يليق به ولا يخرج عن مقصد الأول فيكون معنى الضامر المتغير. والرحل محمول عليه كأنه قال المتغير العنس والرحل ولا امتناع في وصف الرحل بالتغير. (والشاهد فيه) مجيء ذي اللام وهو الضامر وصفا للاشارة.
1) نسبه هنا إلى خزز بن لوذان السدوسي ونسبه أبو الفرج في الأغاني لخالد بن المهاجر وأنشده هكذا :
ولعبيد ابن الأبرص :
يا ذا المخوّفنا بمقتل شيخه
حجر تمنّي صاحب الأحلام (1)
والله لا يذهب شيخي باطلا
حتى أبيد مالكا وكاهلا
ومالك وكاهل حيان من أسد. فقال عبيد بن الأبرص هذا الشعر يكذب وعيده ويبين ان ما تمناه فيهم غير واقع وانه كأضغاث الأحلام وبعد هذا البيت.
لا تبكنا سفها ولا ساداتنا
واجعل بكاءك لابن أم قطام.
اللغة شيخه أراد به أباه حجرا. والأحلام ما يراه النائم في نومه جمع حلم.
الاعراب يا حرف نداء. وذا منادى مبني على السكون في محل رفع. والمخوف صفة المنادى. ونا مضاف إليه في محل نصب مفعول به. وال في المخوف بمعنى الذي أي يا ذا الذي خوفنا. وبمقتل متعلق بالمخوف. وشيخه مضاف إليه من اضافة المصدر إلى مفعوله أي بسبب قتلنا شيخه. وحجر بدل من شيخه أو عطف بيان له. وقوله تمني منصوب على انه مصدر حذف عامله أي تمنيت تمني. وصاحب مضاف إليه. والأحلام مضاف إلى صاحب. (والشاهد فيه) وقوع المخوف وهو معرف بأل صفة لاسم الاشارة المنادى لأنه في معنى مفرد مثله وان كان في اللفظ مضافا إلى مفعوله. (والمعنى) انك لا تقدر على الانتقام منا وتحقيق ما توعدتنا به من ابادة قبائلنا.
وتقول في غير الصفة يا هذا زيد وزيدا ويا هذان زيد وعمرو وزيدا وعمرا وتقول يا هذا ذا الجمّة على البدل.
1) كان من سبب قول عبيد هذا الشعر ان بني أسد قوم عبيد بن الأبرص قتلوا حجرا أبا امرىء القيس وهو ابن أم قطام فتوعدهم امرؤ القيس بقوله :
ولا ينادى ما فيه الألف واللام إلا الله وحده لأنهما لا تفارقانه كما لا تفارقان النجم مع انهما خلف عن همزة إله. وقال :
من اجلك يا التي تيّمت قلبي
وأنت بخيلة بالوصل عني (1)
اللغة من أجلك يقرأ بنقل حركة الهمزة إلى نون من وتيّمت ذللت واستعبدت ومنه تيم اللات أي عبد اللات. وكان القياس أن يقول تيّمت بتاء التأنيث على الغيبة إلا انه جاء علي نحو قوله. أنا الذي سمتن أمي حيدره. وكان الوجه أن يقول سمته وعني أي علي. وحروف المعاني ينوب بعضها عن بعض (والشاهد فيه) نداء ما فيه أل وهو التي.
وإذا كرر المنادى في حال الإضافة ففيه وجهان أحدهما أن ينصب الإسمان معا كقول جرير :
يا تيم تيم عديّ أبالكم
يلقينّكم في سوءة عمر (2)
والتيم عبد لأقوام يلوذ بهم
يعطي المقادة إن أوفوا وان غدروا.
اللغة تيم هو ابن عبد مناف ابن ادّ بن طابخة وانما أضافه إلى عدي ليفرق بينها وبين تيم مرو وتيم غالب في قريش وتيم قيس بن ثعلبة وتيم شيبان وتيم ضبة. وقوله لا أبالكم للغلظة في الخطاب وأصله ان ينسب المخاطب إلى غير أب معلوم سبا له ثم كثر حتى صار يستعمل في كل خطاب فيه غلظة. وقوله لا يلقينكم من الالقاء وهو الطرح. وقال العيني لا يلفينكم من ألفى إذا وجد وليس بسديد. وقال العسكري انه من تصحيف الرواة. والسوأة الفعلة القبيحة.
الاعراب يا حرف نداء. وتيم منادى مضاف منصوب. وحذف المضاف إليه من الأول لدلالة الثاني عليه. ولا نافية للجنس. وأبا لكم اسمها تشبيها له بالمضاف. ولا يلقينكم : لا ناهية جازمة. ويلقينكم في محل جزم به. والضمير مفعوله. وعمر فاعله وفي سوأة متعلق بيلقينكم. (والشاهد) في قوله يا تيم تيم عدي حيث نصبا جميعا. ويجوز أن يكون تيم الأول مضموما لأنه منادى علم (والمعنى) يا بني تيم كفوا شاعركم عن هجوي فانكم إن لم تفعلوا ذلك أوقعكم في فعلة شنيعة من هجوي إياكم.
وقول بعض ولده :
1) البيت من شواهد الكتاب التي لم يعرف لها قائل.
2) هو من قصيدة له يهجو بها عمر بن لجأ وقومه. وكان عمر هجا جريرا وأكثر القول فيه وجرير لا يجيبه بشيء خمس سنين. ثم كلم قومه في أن يكفوا لسانه عنه فلم يفعلوا. فقال يهجوهم ويتوعدهم. فلما أتاهم وعيده أتوه بعمر موثقا وحكموه فيه فأعرض عن هجوهم. وقبل هذا البيت :
يا زيد زيد اليعملات الذّبّل
تطاول الليل عليك فأنزل (1)
اللغة اليعملات جمع يعملة بفتح الياء والميم وهي الابل القوية على العمل. والذبل جمع ذابل أي ضامرة من طول السفر. وادمان السير. وتطاول طال وعليك يروى بدله هديت وانما اضاف زيدا إلى اليعملات لأنه كان يقوم عليها ويحدو لها.
الاعراب يا حرف نداء. وزيد منادى مضاف فيكون منصوبا ويجوز فيه الضم على انه مفرد معرفة. وزيد الثاني منصوب على الوجهين لأنه تأكيد له. واليعملات مضاف إليه والذبل صفة يعملات. وقوله تطاول فعل ماض والليل فاعله وعليك متعلق بتطاول. وقوله فانزل فعل امر فاعله ضمير المخاطب. (والشاهد) فيه كما في سابقه (والمعنى) يقول قد حدث للابل الكلال والاعياء من كثرة السير فانزل عنها واحد لها ليزول عنها ما نزل بها.
والثاني أن يضم الأول :
وقالوا في المضاف إلى ياء المتكلم يا غلامي ويا غلام ويا غلاما. وفي التنزيل (يا عِبادِ فَاتَّقُونِ) وقرىء يا عبادي. ويقال يا ربا تجاوز عني. وفي الوقف يا رباه ويا غلاماه. والتاء في يا أبة ويا أمّة تاء تأنيث عوضت عن الياء ألا تراهم يبدلونها هاء في الوقف. وقالوا يا ابن أمي ويا ابن عمي ويا ابن أمّ ويا ابن عمّ ويا ابن أمّ ويا ابن عمّ. وقال أبو النجم :
يا ابنة عمّا لا تلومي واهجعي
ألم يكن يبيضّ لو لم يصلع (2)
قد اصبحت ام الخيار تدعي
عليّ ذنبا كله لم اصنع
اللغة يا ابنة عما خطاب لامرأته ام الخيار وهي ابنة عمه. ورواه بعض شراح المفصل يا ابنة اما وهي رواية غريبة. واهجعي من الهجوع وهو النوم ليلا. ويصلع من الصلع وهو ذهاب شعر الرأس.
الاعراب يا اداة نداء. وابنة عما منادى مضاف. لا تلومي : لا ناهية. وتلومي فعل مضارع مجزوم بحذف النون. والياء فاعل. وقوله واهجعي عطف عليه ويكن فعل الشرط مجزوم بلم. واسمها ضمير فيه يعود إلى الرأس المذكور آنفا. ويبيض جملة فعلية خبر كان.
وجملة لو لم يصلع جواب الشرط. وجواب الشرط الثاني حذف لدلالة السياق عليه (والشاهد فيه) إثبات الألف في يا إبنة عما وإبدالها من الياء لأنه أصله يا ابنة عمي (والمعنى) يقول يا ابنة عما دعي لومي على صلع رأسي فإنه كان يشيب لو لم يصلع.
جعلوا السمين كاسم واحد.
ولا بد لك في المندوب من أن تلحق قبله يا أو وا. وأنت في إلحاق الألف في آخره مخير فتقول وازيداه أو وازيد. والهاء اللاحقة بعد الألف للوقف خاصة دون الدرج. ويلحق ذلك المضاف إليه فيقال وا أمي للمؤمنيناه. ولا يلحق الصفة عند الخليل فلا يقال وازيد الظريفاه. ويلحقها عند يونس. ولا يندب إلا الأسم المعروف فلا يقال وارجلاه ولم يستقبح ، وامن حفر بئر زمزماه لأنه بمنزلة واعبد المطلباه.
ويجوز حذف حرف النداء عما لا يوصف به أي. قال الله تعالى : (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا). وقال : (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ). وتقول أيها الرجل وأيتها المرأة ، ومن لا يزال محسنا أحسن إلي. ولا يحذف عما يوصف به أيّ فلا يقال رجل ولا هذا. وقد شذ قولهم أصبح ليل ، وافتد مخنوق ، وأطرق كرا (1)
أطرق كرا أطرق كرا
ان النعام في القرى
وقد أورده غير واحد من المؤلفين بلفظ. اطرق ان النعام في القرى. على انه نثر لا نظم. والصواب ما قاله البغدادي.
اللغة الكرا الكروان وهو الحجل وقيل الحباري والنعام الطائر المعروف. والقرى جمع قرية.
الاعراب اطرق فعل أمر فاعله ضمير المخاطب. وكرا منادى مرخم كروان حذفت منه اداة النداء واطرق كرا الثانية مثلها. وإن حرف توكيد ونصب. والنعامة اسمها. وفي القرى خبرها. (والشاهد فيه) أن كرا حذف منه حرف النداء على انه يوصف به أي وهو شاذ.
وفيه شذوذان آخران الترخيم والتغيير وهذا على أن كرا مرخم كروان. وذكر المحقق الرضى أن الكرا ذكر الكروان وليس مرخما منه وذكر غيره أن كرا اسم وكروان اسم آخر وعليهما فليس فيه الا شذوذ حذف النداء (والمعنى) تواضع فقد تواضع من هو أشرف منك واعز يضرب مثلا لمن تكبر وقد تواضع من هو خير منه.
.1) قال البغدادي هو صدر بيت وهو :
و* جاري لا تستنكري عذيري* (1)
سيري واشفاقي على بعيري
اللغة جاري مرخم جارية. والاستنكار عد الشيء منكرا والعذير الأمر الذي يحاوله الانسان مما يعذر عليه اذا فعله وجمعه عذر بضمتين. والاشفاق الشفقة.
الاعراب جاري مرخم جارية منادى بحرف نداء محذوف. وقوله لا تستنكري : لا ناهية. وتستنكري فعل مضارع مجزوم بحذف النون. والياء فاعله. وعذيري مفعوله. وسيري بدل منه. ويجوز أن يكون عذيري مبتدأ وما بعده خبره واشفاقي عطف على سيري وعلى بعيري يتعلق باشفاقي (والشاهد فيه) أن جاري حذفت منه اداة النداء شذوذا (والمعنى) لا تنكري عليّ يا جارية ما أنا معذور في فعله.
ولا عن المستغاث والمندوب وقد التزم حذفه في اللهم لوقوع الميم خلفا عنه.
وفي كلامهم ما هو على طريقة النداء ويقصد به الإختصاص لا النداء ، وذلك قولهم أما أنا فأفعل كذا أيها الرجل ، ونحن نفعل كذا أيها القوم ،
1) نسبه بعض شراح المفصل والعيني في شرح شواهد الالفية للعجاج وتمامه.
واللهم اغفر لنا أيتها العصابة. جعلوا أيا مع صفته دليلا على الإختصاص والتوضيح ، ولم يعنوا بالرجل والقوم والعصابة إلا انفسهم وما كنوا عنه بأنا ونحن والضمير في لنا. كأنه قيل أما أنا فأفعل كذا متخصصا بذلك من بين الرجال ، ونحن نفعل متخصصين من بين الأقوام ، واغفر لنا مخصوصين من العصائب. ومما يجري هذا المجرى قولهم إنا معشر العرب نفعل كذا. ونحن آل فلان كرماء. وإنا معشر الصعاليك لا قوة بنا على المروة. إلا أنهم سوغوا دخول اللام ههنا فقالوا نحن العرب أقرى الناس للضيف. وبك الله نرجو الفضل. وسبحانك الله العظيم. ومنه قولهم الحمد لله الحميد. والملك لله أهل الملك. وأتاني زيد الفاسق الخبيث. وقرىء حمالة الحطب. ومررت به المسكين والبائس. وقد جاء نكرة في قول الهذلي :
ويأوي إلى نسوة عطّل
وشعثا مراضيع مثل السّعالي (1)
ألا يا لقومي لطيف الخيال
يؤرق من نازح دلال
إلا أنه أنشد بيت الشاهد هكذا :
له نسوة عاطلات الصدو
روعوج مراضع مثل السعالي
اللغة يأوي أي يأتي إلى مأواه ومنزله. وعطل جمع عاطل قال في الصحاح والعطل بالفتح مصدر عطلت المرأة إذا خلا جيدها من القلائد فهي عطل بالضم وعاطل ومعطال. وقد يستعمل في الخلو من الشيء كما هنا يقال عطل الرجل من المال والأدب فهو عطل بضمة وبضمتين. وشعث جمع شعثاء من شعث الشعر من باب تعب تغير وتلبد لقلة تعهده بالغسل والدهن. ومراضيع جمع مرضاع بالكسر وهي التي ترضع كثيرا. والسعالي الغيلان وأحدها سعلى بالكسر للذكر ، وسعلاة للأنثى ويقال هي ساحرة الجن ، وهي من خرافات العرب يزعمون انها تعرض للرجل في المفازة فلا تزال به حتى تغويه عن الطريق فتهلكه ، ويقال انها عرضت مرة لحسان بن ثابت رضي الله عنه في بعض طرق المدينة وهو غلام قبل أن يقول الشعر فبركت على صدره وقالت أنت الذي يرجو قومك أن تكون شاعرهم؟ قال نعم. قالت فقل ثلاثة أبيات على رويّ واحد وإلا قتلتك فقال :
إذا ما ترعرع فينا الغلا
م فما أن يقال له من هوه
إذا لم يسد قبل شد الازا
ر فذلك فينا الذي لاهوه
ولي صاحب من بني الشيصبا
ن فحينا أقول وحينا هوه
الاعراب يأوي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة. وفاعله ضمير يعود إلى الصائد.
وإلى نسوة متعلق به في محل نصب مفعول به. وعطل صفة نسوة. وقوله وشعثا الواو إذا ادخلت بين الصفة والموصوف كانت لتأكيد لحاق الصفة بالموصوف نظيره قول الشاعر.
إلى الملك القرم وابن الهما
م وليث الكتيبة في المزدحم
وشعثا منصوب باضمار فعل لأنه لما قال لنسوة عطل علم انهن شعث فكأنه قال وإذ كرهن شعثا إلا أن هذا فعل لا يظهر لأن ما قبله دل عليه فأغنى عن ذكره. وأنشده سيبويه في مواضع من كتابه بجر شعثا عطفا على عطل ومراضيع. ومثل السعالي صفتان لشعثا (والشاهد فيه) ان شعثا منصوب على الترحم بفعل محذوف (والمعنى) ان هذا الصياد يغيب عن أهله فإذا عاد اليهن رآهن مثل السعالي في سوء الحال.
1) اسمه أبو عائذ والبيت له من قصيدة عدتها ستة وسبعون بيتا أوردها السكري في أشعار الهذليين أولها :
وهذا الذي يقال فيه نصب على المدح والشتم والترحم.
ومن خصائص النداء الترخيم إلا إذا اضطر الشاعر فرحم في غير النداء. وله شرائط إحداهما أن يكون الأسم علما. والثانية أن يكون غير مضاف. والثالثة أن لا يكون مندوبا ولا مستغاثا. والرابعة أن تزيد عدته على ثلاثة أحرف إلا ما كان في آخره تاء تأنيث فإن العلمية والزيادة على الثلاثة فيه غير مشروطتين. يقولون يا عاذل ، ويا جاري ، لا تستنكري ، ويا ثب اقبلي ، ويا شا ارجني ، وأما قولهم يا صاح وأطرق كرا فمن الشواذ.
والترخيم حذف في آخر الأسم على سبيل الإعتباط. ثم إما أن يكون المحذوف كالثابت في التقدير وهو الكثير ، أو يجعل ما بقي كأنه اسم برأسه فيعامل بما تعامل به سائر الأسماء. فيقال على الأول يا حار ، ويا هرق ، ويا ثمو ، ويا بنو في المسمى ببنون. وعلى الثاني يا حار ، ويا هرق ، ويا ثمى ، ويا بني.
ولا يخلو المرخم من أن يكون مفردا أو مركبا فإن كان مفردا فهو على وجهين أحدهما أن يحذف منه حرف واحد كما ذكرت لك. والثاني أن يحذف منه حرفان. وهما على نوعين إما زيادتان في حكم زيادة واحدة كاللتين في أعجاز أسماء ومروان وعثمان وطائفيّ. وإما حرف صحيح ومدة قبله وذلك في نحو منصور وعمار ومسكين. وإن كان مركبا حذف آخر الأسمين بكماله فقيل يا بخت ويا عمرو ويا سيب ويا خمسة في بخت نصّر وعمرويه وسيبويه ، والمسمى بخمسة عشر. وأما نحو تأبط شرا وبرق نحره فلا يرخم.
وقد يحذف المنادى فيقال يا بؤس لزيد بمعنى يا قوم بؤس لزيد ومن أبيات الكتاب :
يا لعنة الله والأقوام كلّهم
والصّالحون على سمعان من جار (1)
اللغة سمعان اسم رجل يروى بفتح السين وكسرها وكلاهما قياس فمن فتح فهو كقحطان ومروان ومن كسر فهو كحطان وعمران.
الاعراب يا حرف نداء. والمنادى محذوف أي يا قوم. ولعنة مبتدأ. ولفظ الجلالة مضاف إليه. والأقوام معطوف على لفظ الجلالة. وكلهم تأكيد. والصالحون يروى بالرفع والجر فالرفع على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامة أو على العطف على محل لفظ الجلالة لأنه فاعل في المعنى لا بالعطف على محل الأقوام كما ذكره العيني لأنه وان كان فاعلا في المعنى أيضا إلا أن المعاطيف بالواو إذا تكررت فالعطف على الأول. وعلى سمعان في موضع رفع خبر المبتدإ السابق. وقوله من جار في محل نصب على أنه تمييز عن الجملة (والشاهد فيه) حذف المنادى بيا لأن اللعنة ليست مناداة إذ لو كانت مناداة لنصبها لأنها مضافة (والمعنى) يا قوم لعنة الله والأقوام والصالحين على سمعان من جهة كونه جارا.
وفي التنزيل (أَلَّا يَسْجُدُوا)
1) هو من شواهد الكتاب التي لم يعرف لها قائل.
ومن المنصوب باللازم إضماره قولك في التحذير إياك والأسد ، أي إتّق نفسك أن تتعرض للأسد والأسد أن يهلكك. ونحوه رأسك والحائط ، وماز رأسك والسيف. ويقال إياي والشر ، وإياي وأن يحذف أحدكم الأرنب ، أي نحني عن الشر ، ونح الشر عني ، ونحني عن مشاهدة حذف الأرنب ، ونح حذفها عن حضرتي ومشاهدتي ، والمعنى النهي عن حذف الأرنب. ومنه شأنك والحجّ ، أي عليك شأنك مع الحج ، وامرأ ونفسه أي دعه مع نفسه. وأهلك والليل ، أي بادرهم قبل الليل. ومنه عذيرك أي أحضر عذرك أو عاذرك. ومنه هذا ولا زعماتك. وقولهم كليهما وتمرا أي إعطني وكلّ شيء ولا شتيمة حرّ أي إئت كلّ شيء ولا ترتكب شتمة حر. ومنه قولهم انته أمرا قاصدا لأنه لما قال انته علم أنه محمول على أمر يخالف المنهي عنه قال الله تعالى : (انْتَهُوا خَيْراً لَكُم) ويقولون حسبك خيرا لك ، ووراءك أوسع لك. ومنه من أنت زيدا أي تذكر زيدا أو ذاكرا زيدا. ومنه مرحبا وأهلا وسهلا ، أي أصبت رحبا ضيقا ، وأتيت أهلا لا أجانب ، ووطئت سهلا من البلاد لا حزنا. وأن تأتني فأهل الليل وأهل النهار أي فإنك تأتي أهلا لك بالليل والنهار. ومنه قولهم كاليوم رجلا بإضمار لم أر. قال أوس :
حتى إذا الكلّاب قال لها
كاليوم مطلوبا ولا طلبا (1)
ويقولون الأسد الأسد والجدار الجدار والصبي الصبي إذا حذّروه الأسد والجدار المتداعي وإيطاء الصبي. ومنه أخاك أخاك أي إلزمه ، والطريق الطريق أي خلّه وهذا إذا ثني لزم إضمار عامله وإذا أفرد لم يلزم.
1) تقدم في فصل. وتقول لمن ركنت الخ من باب المفعول به وتقدم شرحه هناك.
ومن المنصوب باللازم إضماره ما أضمر عامله على شريطة التفسير في قولك زيدا ضربته ، كأنك قلت ضربت زيدا ضربته. إلا أنك لا تبرزه استغناء عنه بتفسيره قال ذو الرّمة :
إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته
فقام بفأس بين وصليك جازر (1)
الاعراب إذا ظرف لما يستقبل وفيه معنى الشرط. وابن منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور أي إذا بلغت ابن أبي موسى بلغته. وبلالا بدل من ابن أو عطف بيان له. وبلغته فعل ماض والتاء فاعله والهاء مفعوله. وقوله فقام جواب إذا وانما دخلت الفاء على الفعل الماضي لأنه دعاء. تقول ان زرتني فجزاك الله خيرا ولو كان خبرا لم يجز دخول الفاء. وبفأس متعلق بقام. وبين نصب على الظرفية مضاف إلى ما يليه. وجازر فاعل قام. (والشاهد فيه) ان ابن انتصب بفعل مقدر دل عليه المذكور هذا على رواية ابن بالنصب. فأما على رواية الرفع فهو مرفوع على انه نائب فاعل فعل محذوف يدل عليه المذكور أي إذا بلغ ابن أبي موسى وبلالا ان كان مرفوعا أيضا فظاهر لأنه بدل منه أو عطف بيان له وان كان منصوبا فهو منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور أي بلغت بلالا بلغته. وليس ابن مرفوعا بالابتداء لأن إذا من حروف المجازاة فلا يجوز أن يرتفع ما بعدها على الابتداء لأن حروف المجازاة تليها الأفعال دون الأسماء (والمعنى) يدعو على ناقته بالذبح إذا بلغ بها ديار الممدوح حتى يلقي عصا التسيار عنده فلا يتحول عنه إلى غيره. وقد عيب عليه هذا المعنى وهو حسن لا عيب فيه ومثله قول الشماخ :
إذا بلغتني وحملت رحلي
عرابة فاشرقي بدم الوتين
1) اللغة الفأس معروفة وهي مهموزة ويروى بدلها بنصل بفتح النون. والنصل حديدة. السيف والسكين. والوصل بكسر الواو المفصل وهو ملتقى كل عظمين وهو واحد الأوصال. والمراد بوصليها المفصلان اللذان عند موضع نحرها. والجازر من جزر الناقة إذا ذبحها.
ومنه زيدا مررت به ، وعمرا لقيت أخاه ، وبشرا ضربت غلامه ، بإضمار جعلت على طريقي ولابست وأهنت قال سيبويه : النصب عربي كثير والرفع أجود.
ثم إنك ترى النصب مختارا ولازما. فالمختار في موضعين (أحدهما) أن تعطف هذه الجملة على جملة فعلية كقولك لقيت القوم حتى عبد الله لقيته ، ورأيت عبد الله وزيدا مررت به ، وفي التنزيل : (يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً). ومثله : (فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ). فأما إذا قلت زيدا لقيت أخاه وعمرا مررت به ذهب التفاضل بين رفع عمرو ونصبه لأن الجملة الأولى ذات وجهين ، فإن اعترض بعد الواو ما يصرف الكلام إلى الإبتداء كقولك لقيت زيدا وأما عمر فقد مررت به ، ولقيت زيدا وإذا عبد الله يضربه عمرو ، وعادت الحال الأولى جذعة.
وفي التنزيل : (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ). وقرىء بالنصب.
(والثاني) أن يقع موقعا هو بالفعل أولى وذلك أن يقع بعد حرف الإستفهام كقولك أعبد الله ضربته ، ومثله آلسوط ضرب به عمرو ، وآلخوان أكل عليه اللحم ، وأزيدا أنت محبوس عليه ، وأزيدا أنت مكابر عليه ، وأزيدا سميت به. ومنه أزيدا ضربت عمرا وأخاه ، وأ زيدا ضربت رجلا يحبه ؛ لأن الآخر ملتبس بالأول بالعطف أو بالصفة. فإن قلت أزيد ذهب به فليس إلا بالرفع ، وأن يقع بعد إذا وحيث كقولك إذا عبد الله تلقاه فأكرمه وحيث زيدا تجده فأكرمه ، وبعد حرف النفي كقولك ما زيدا ضربته وقال جرير :
فلا حسبا فخرت به لتيم
ولا جدا إذا ازدحم الجدود (1)
لئام العالمين كرام تيم
وسيدهم وان زعموا مسود
اللغة الحسب الكرم وشرف الانسان في نفسه وأخلاقه. وفخرت أي غلبت بالفخر به فهو من باب المغالبة يقال فاخرته ففخرته وشاعرته فشعرته أي غلبته بالفخر والشعر. والجد أبو الأب وقيل الجد هنا الحظ.
الاعراب لا نافية. وحسبا منصوب بفعل محذوف متعد إليه بنفسه في معنى الفعل الظاهر والتقدير فلا ذكرت حسبا فخرت به بمنزلة قولك زيدا مررت به أي جعلت على طريقي زيدا مررت به. ولا يجوز إضمار الفعل المتعدي بحرف الجر لأن ذلك يؤدي إلى إضمار حرف الجر أيضا وهو ممنوع لأنه مع المجرور كشيء واحد ولأن عمله ضعيف فلا يجوز أن يتصرف فيه بالاثبات والحذف. وفخرت فعل وفاعل وبه متعلق به في محل نصب. ولتيم متعلق بالفعل المحذوف. ولا جدا عطف على حسبا (والشاهد فيه) ان حسبا وقع بعد النفي منصوبا بفعل مقدر يناسب المذكور. ويجوز فيه الرفع على انه مبتدأ. وجملة فخرت به صفة. ولتيم خبره. والنصب أجود (والمعنى) يقول انك لم تذكر لتيم نسبا شريفا لأنك لم تجد لها نسبا طاهرا ولم تذكر لها في مفاخرتك بها جدا يعول عليه في المفاخرة إذا ازدحم الناس على المفاخرة بجدودهم أو لم تذكر لها حظا في علو الشأن وجميل السمعة.
1) البيت له من قصيدة طويلة يهجو بها الفرزدق وعمر بن لجأ وهي إحدى القصائد الثلاث التي هي خير قصائده ومنها :
وأن يقع في الأمر والنهي كقولك زيدا أضربه ، وخالدا أضرب أباه ، وبشرا لا تشتم أخاه ، وزيدا ليضربه عمرو ، وبشرا ليقتل أباه عمرو. ومثله أمّا زيدا فاقتله ، وأما خالدا فلا تشتم أباه. والدعاء؟ بمنزلة الأمر والنهي ، تقول اللهم زيدا فاغفر له ذنبه ، وزيدا أمرّ الله عليه العيش. قال أبو الأسود الدؤليّ :
فكلّا جزاه الله عني بما فعل (1)
ذكرت ابن عباس بباب ابن عامر
وما مر من عيشي ذكرت وما فضل
أميران كانا صاحبي كلاهما
فكلا جزاه الله عني بما فعل
فإن كان شرا كان شرا جزاؤه
وان كان خيرا كان خيرا إذا عدل
الاعراب أميران خبر مبتدإ محذوف أي هما. وكان ناقصة. وضميرها اسمها. وصاحبي خبرها. وكلاهما تأكيد لاسم كان. وكلا منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور. وجزاه فعل ومفعول. والله فاعله. وعني متعلق بجزاه. وقوله بما فعل يحتمل أن تكون ما فيه مصدرية وأن تكون موصولة وعلى الثاني فالعائد محذوف (والشاهد فيه) أن كلا انتصب مقدر لوقوعه في الدعاء الذي هو بمنزلة الأمر.
وأما زيدا فجدعا له ، وأما عمرا فسقيا له. واللازم أن تقع الجملة بعد حرف لا يليه إلا الفعل كقولك إن زيدا تره تضربه قال الشاعر :
لا تجزعي أن منفسا أهلكته (2)
قامت لتعذلني من الليل اسمعي
سفه تبيتك الملامة فاهجعي
اللغة الجزع الحزن مطلقا أو ما يصرف منه المرء عما هو بصدده وأصله من الجزع وهو القطع يقال جزعت الحبل قطعته نصفين وجزعت الوادي قطعته عرضا والمنفس ما يرغب ويتنافس فيه.
الاعراب لا ناهية. وتجزعي فعل مضارع مجزوم بحذف النون. والياء فاعله. وان حرف شرط جازم. ومنفسا منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور. واهلكته فعل وفاعل ومفعول. وقوله وإذا الواو لعطف الجملة الشرطية على الشرطية التي قبلها وأنشده العيني بالفاء وقال ان المقام لا يناسب الفاء وليست الرواية إلا بالواو. وإذا ظرف. وهلكت فعل وفاعل وقوله فعند الفاء زائدة وعند ظرف وذلك مضاف إليه وقوله فاجزعي الفاء للجزاء واجزعي فعل أمر فاعله ضمير المخاطبة. وجواب ان محذوف يدل عليه السياق ، أي ان أهلكت منفسا فلا تجزعي (والشاهد) ان منفسا انتصب بفعل مقدر وهذا على رواية البصريين. ورواه الكوفيون مرفوعا على اضمار فعل رافع لمنفس أي إن هلك منفس أو أهلك منفس (والمعني) يقول لزوجته ليس لك أن تحزني إذا أنفقت نفائس الأموال فاني اعوضها لك واجزعي إذا أنا هلكت لأنك لا تجدين خلفا مني.
1) هو ظالم بن عمرو بن سفيان واضع علم النحو بارشاد أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه وكان من وجوه شيعته واستعمله على البصرة بعد ابن عباس رضي الله عنهما. قال الجاحظ : أبو الأسود معدود في طبقات من الناس وهو فيها كلها مقدم. كان معدودا في التابعين والفقهاء والمحدثين والشعراء والاشراف والأمراء والدهاة والنحويين وحاضري الجواب والشيعة والبخلاء والصلع والفرج والمفاليج. وكان من شأن هذا الشعر أن أبا الأسود كان يختلف إلى إبن عباس وهو على البصرة فيصله ويقضي حوائجه فلما ولي البصرة ابن عامر جفاه ومنعه حوائجه. فقال :
2) تمام البيت. وإذا هلكت فعتد ذلك فاجزعي. وهو للنمر بن تولب من قصيدة يصف لها نفسه بالكرم ويعاتب امرأته على لومه فيه. وكان قد نزل به أضياف فنحر لهم أربع قلائص واشترى لهم زق خمر فلامته على ذلك وأول القصيدة :
وهلا وألّا ولو لا ولوما بمنزلة إن لأنهن يطلبن الفعل ولا يبتدأ بعدها الأسماء.
وحذف المفعول به به كثير. وهو في ذلك على نوعين : أحدهما أن يحذف لفظا ويراد معنى وتقديرا. والثاني أن يجعل بعد الحذف نسيا منسيا كأن فعله من جنس الأفعال غير المتعدية كما ينسى الفاعل عند بناء الفعل للمفعول به. فمن الأول قوله عز وجل : (اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ). وقوله تعالى : (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ). لأنه لا بد لهذا الموصول من أن يرجع إليه من صلته مثل ما ترى في قوله تعالى : (الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِ) وقرىء قوله تعالى : (وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ) وما عملت. من الثاني قولهم فلان يعطي ويمنع ويصل ويقطع. ومنه قوله عز وجل : (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) وقول ذي الرّمة :
وان تعتذر عن ذي ضروعها
إلى الضّيف يجرح فى عراقيبها نصلي (1)
فما لام يوما من أخ وهو صادق
أخاي ولا اعتلت على ضيفها إبلي
إذا كان فيها الرسل لم تأت دونه
فصال ولو كانت عجافا ولا أهلي
اللغة المحل انقطاع المطر ويبس الأرض من الكلأ والفعل منه محل كتعب. وقوله عن ذي ضروعها أراد به اللبن كما يقال ذو بطونها ويراد الولد ومعنى اعتذارها للضيف أن لا يرى فيها محتلبا من شدة الجدب والزمان. وعراقيب جمع عرقوب وعرقوب الدابة في رجلها بمنزلة الركبة في يدها. قال الأصمعي كل ذي قوائم أربع عرقوباه في رجليه وركبتاه في يديه.
والنصل حديدة السيف والسكين.
الاعراب ان حرف شرط جازم. وتعتذر فعل مضارع مجزوم. وفاعله ضمير فيه يعود إلى الإبل. وبالمحل متعلق به. وعن ذي متعلق به أيضا. ويجرح فعل مضارع مجزوم في جواب الشرط. وفي عراقيبها متعلق به ونصلي فاعله ومفعوله محذوف (والشاهد فيه) انه حذف مفعول يجرح والمراد يجرحها فحذف المفعول لتضمنه معنى يؤثر فكأنه قال يؤثر نصلي في عراقيبها بالجرح. وفي مغني اللبيب انه ضمن يجرح معنى يعيث أو يفسد فان العيث لازم يتعدى بفي. يقال عاث الذئب في الغنم أي أفسد وكذلك الافساد ا ه والمعنى عليه يعيث الجرح في عراقيبها نصلي جعل لازما ثم عدي كما يعدى اللازم مبالغة (والمعنى) ان اعتذرت الإبل إلى الضيف من قلة لبنها عقرتها لتكون هي بدل اللبن.
ومن حذف المفعول به حذف المنادي يقال يا بؤس لزيد بمعنى يا قوم بؤس لزيد ومن أبيات الكتاب :
1) البيت له من قصيدة شبب فيها بمي صاحبته ووصف فيها القفار وناقته وقبله.
يا لعنة الله والأقوام كلهم
والصالحون على سمعان من جار (1)
1) تقدم في فصل حذف المنادى وتقدم شرحه هناك ومحل الاستشهاد واحد في الموضعين.
هو ظرفا الزمان والمكان : وكلاهما منقسم إلى مبهم ، ومؤقت ، ومستعمل إسما وظرفا ، ومستعمل ظرفا لا غير. فالمبهم نحو الحين والوقت والجهات الست. والمؤقت نحو اليوم والليلة والسوق والدار. والمستعمل إسما وظرفا ما جاز أن تعتقب عليه العوامل. والمستعمل ظرفا لا غير ما لزم النصب نحو قولك وسرنا ذات مرة وبكرة وسحر وسحيرا وضحى وعشاء وعشية وعتمة ومساء ، إذا أردت سحرا بعينه وضحى يومك وعشيته وعشاءه وعتمة ليلتك ومساءها. ومثله عند وسوى وسواء. ومما يختار فيه أن يلزم الظرفية صفة الأحيان ، تقول سير عليه طويلا وكثيرا وقليلا وقديما وحديثا.
وقد يجعل المصدر حينا لسعة الكلام. فيقال كان ذلك مقدم الحاج ، وخفوق النجم ، وخلافة فلان ، وصلاة العصر ؛ ومنه سير عليه ترويحتين ، وانتظرنه نحر جزورين ، وقوله تعالى : (وَإِدْبارَ النُّجُومِ).
وقد يذهب بالظرف عن أن يقدر فيه معنى في اتساعا ، فيجرى لذلك مجرى المفعول به ، فيقال الذي سرته يوم الجمعة وقال :
ويوم شهدناه سليما وعامرا
قليل سوى الطعن النّهال نوافله (1)
اللغة شهدنا أي حضرنا. وسليم وعامر قبيلتان. والنهال جمع ناهل وهو العطشان وقد يراد منه الريان فهو من الاضداد. والنوافل جمع نافلة وهي العطية.
الاعراب الواو بمعنى رب. ويوم مجرور بها أو بتقدير رب بعدها. وحضرناه أصله حضرنا فيه فهو فعل وفاعل. وسليما مفعوله. وعامرا عطف عليه. والجملة في محل جر صفة يوم. وقليل صفة يوم أيضا. وسوى ظرف وهو أداة استثناء. والطعن جر بالاضافة إليه. والنهال جر على انه صفة موصوف محذوف أي بالرماح النهال. ونوافله رفع على انه فاعل قليل لأنه صفة مشبهة (والشاهد فيه) انه لم يظهر في حين اضمره لأنه جعله مفعوله مجازا ولو جعله ظرفا لقال شهدنا فيه (والمعنى) رب يوم حضرنا فيه هاتين القبيلتين فلم يكن بيننا عطاء إلا الطعن بالرماح العطاش.
ويضاف إليه كقولك يا سارق الليلة أهل الدار ، وقوله تعالى : (بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ). ولو لا الإتساع لقلت سرت فيه وشهدنا فيه.
وينصب بعامل مضمر كقولك في جواب من يقول لك متى سرت؟ يوم الجمعة. وفي المثل السائر : أسائر اليوم وقد زال الظّهر؟ ومنه قولهم لمن ذكر أمرا قد تقادم زمانه حينئذ : الآن ، أي كان ذلك حينئذ. واسمع الآن.
ويضمر عامله على شريطة التفسير كما صنع في المفعول به. تقول اليوم سرت فيه وأيوم الجمعة ينطلق فيه عبد الله ، مقدرا أسرت اليوم وأينطلق عبد الله يوم الجمعة.
1) لم أر من نسبه إلى قائله غير أن ابن يعيش ذكر في شرحه على هذا الكتاب انه لرجل من بني عامر وقوله في البيت شهدناه. سليما وعامرا. يبعده.
وهو المنصوب بعد الواو الكائنة بمعنى مع. وإنما ينصب إذا تضمن الكلام فعلا كقولك ما صنعت وأباك ، وما زلت أسير والنيل ومن أبيات الكتاب :
فكونوا أنتم وبني أبيكم
مكان الكليتين من الطحال (1)
الاعراب فكونوا الفاء للعطف على ما قبله إن تقدمه شيء وإلا فلتزيين الكلام. وكونوا من كان الناقصة واسمها الضمير المستتر فيها وهو أنتم وأنتم تأكيد للضمير المستتر مثله قوله تعالى «اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ». وقوله وبني أبيكم كلام إضافي بمعنى مع. وقوله مكان الكليتين مضاف ومضاف إليه منصوب على أنه خبر كان (والشاهد فيه) أن قوله وبني أبيكم منصوب على أنه مفعول معه والواو بمعنى مع والعامل فيه الفعل الظاهر ويجوز رفعه بالعطف على اسم كان وهو أنتم (والمعنى) كونوا مع اخوتكم في اتفاق وتقارب كقرب الكليتين من الطحال.
ومنه قوله عز وجل : (فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ،) أو ما هو بمعناه نحو قولك مالك وزيدا ، وما شأنك وعمرا ، لأن المعنى ما تصنع وما تلابس وكذلك حسبك وزيدا درهم ، وقطك وكفيك مثله لأنها بمعنى كفاك. قال :
1) استشهد به غير واحد من النحاة ولم يذكر احد منهم قائله ولا ذكر له سابقا ولا لاحقا.
فما لك والتلدّد حول نجد
وقد غصّت تهامة بالرجال (1)
وسميت مسكينا وكانت لجاجة
واني لمسكين إلى الله راغب
اللغة التلدد الذهاب والمجيء حيرة واضطرابا. ونجد وتهامة بلاد معروفة. وغصت امتلأت.
الاعراب ما اسم استفهام مبتدأ. ولك جار ومجرور ، خبره. والتلدد نصب بفعل مضمر تقديره تصنع أو تلابس. وحول ظرف منصوب. ونجد جر بالاضافة إليه. وقوله وقد غصت الخ جملة فعلية في محل نصب على الحالية (والشاهد فيه) كما في سابقه (والمعنى) مالك تقيم بنجد وتتردد فيها مع جدبها وتترك تهامة مع لحاق الناس بها وتنافسهم فيها لخصبها.
وقال :
إذا كانت الهيجاء وانشقّت العصا
فحسبك والضّحاك سيف مهند (2)
اللغة الهيجاء الحرب. وانشقاق العصا كناية عن تفرق الكلمة واختلاف الرأي. وحسبك بمعنى يكفيك.
الاعراب إذا ظرف. وكانت تامة. والهيجاء فاعل. وقوله وانشقت العصا جملة فعلية عطف على جملة كانت. وقوله فحسبك الفاء للجزاء وحسب مبتدأ مضاف إلى كاف المخاطب والضحاك نصب على انه مفعول معه. وسيف خبر المبتدأ. ومهند صفته. (والشاهد فيه) انه نصب الضحاك لامتناع حمله على الضمير المجرور فحمل على المعنى إذ المعنى يكفيك والضحاك. (والمعنى) إذا استعرت نار الحرب وتفرقت كلمة الأقوام فيكفيك مع الضحاك سيف مهند.
وليس لك أن تجره حملا على المكنى. فإذا جئت بالظاهر كان الجرّ الإختيار كقولك ما شأن عبد الله وأخيه يشتمه ، وما شأن قيس والبرّ تسرقه ، والنصب جائز.
وأما في قولك ما أنت وعبد الله وكيف أنت وقصعة من ثريد ، فالرفع قال :
يا زبرقان أخا بني خلف
ما أنت ويب أبيك والفخر (1)
لقد ضل حلمي في خليدة ضلة
سأعتب نفسي بعدها وأتوب
واشهد والمستغفر الله انني
كذبت عليها والهجاء كذوب
وبعد بيت الشاهد :
هل انت إلا في بني خلف
كالاسكتين علاهما البظر
اللغة بني خلف رهط الزبرقان بن بدر. وويب كويل وويح وويس أربعة الفاظ بمعنى واحد لا خامس لها تقول ويبك بفتح الموحدة وكسرها وويب لك وويب لزيد وويبا له وويب له بالحركات الثلاث مع اللام خطابا وغيبة.
الاعراب زبرقان منادى مبني على الضم. واخا صفة منصوب لاضافته. وقوله ما أنت مبتدأ وخبر. وقوله والفخر عطف على الخبر. وويب نصب نصب المصادر أي ألزمه الله الويل وهو مع المضاف إليه معترض بين المتعاطفين (والشاهد فيه) أن قوله والفخر وان جاء بعد واو المعية لكنه لا يجوز نصبه على أنه مفعول معه لعدم العامل لفظا ومعنى.
وقال :
وكنت هناك أنت كريم قيس
فما القيسيّ بعدك والفخار (2)
الاعراب كنت من كان الناقصة والضمير المتصل إسمها. وهناك اسم اشارة للمكان البعيد. وكريم خبر كان. وقيس مضاف إليه. وقوله فما القيسي مبتدأ وخبر. والفخار عطف على الخبر (والشاهد فيه) كما في سابقه (والمعنى) أن الشاعر يرثي رجلا من قيس يقول قد كنت وأنت حي كريم هذه القبيلة وكبيرهم ورجلها الذي تفاخر به فلما مت تركت قيس المفاخرة لأنها لم يبق لها من تفاخر الناس به.
إلا عند ناس من العرب ينصبونه على تأويل ما كنت أنت وعبد الله ، وكيف تكون أنت وقصعة من ثريد. قال سيبويه لأن كنت وتكون تقعان ههنا كثيرا وقال :
فما أنا والسير في متلف
يبرّح بالذكر الضابط (1)
وبالبزل قدد مهانيها
وذات المدارأة العائط
اللغة المتلف على صيغة إسم الفاعل المفازة لأنها تتلف السالك فيها. ويبرح من برح به الأمر تبريحا إذا بلغ منه الجهد والبرح البارح الشدة الشديدة ويروى تعبر أي تحمله على ما يكره يقال عبر بعينه إذا أراه ما يكره. والذكر أراد به الذكر من الإبل لأنه يكون أقوى من الأنثى فإذا برح بالذكر كان أحرى أن يبرح بالأنثى. والضابط القوي على السير.
الاعراب ما أنت مبتدأ وخبر. والاستفهام للانكار. والسير منصوب على أنه مفعول معه لأن أصله ما تصنع والسير. فلما حذف الفعل انفصل الضمير المستتر وانتصب السير بذلك المحذوف. ويروى برفع السير. والواو للعطف وهو الوجه كما في قوله ما أنت وزيد.
وفي متلف يتعلق بالسير. ويبرح فعل مضارع ضميره يعود إلى المتلف وبالذكر متعلق به والضابط صفته والجملة في محل جر صفة متلف.
وهذا الباب قياس عند بعضهم وعند آخرين مقصور على السماع.
1) هو لاسامة بن الحارث بن حبيب الهذلي. وكان أصحابه سألوه أن يسافر معهم إلى الشام فأبى. وقال هذه القصيدة وبيت الشاهد مطلعها وبعده :
هو علة الإقدام على الفعل. وهو جواب لمه. وذلك قولك فعلت كذا مخافة الشر وإدخار فلان ، وضربته تأديبا له ، وقعدت عن الحرب جبنا ، وفعلت ذلك أجل كذا ؛ وفي التنزيل حذر الموت.
وفيه ثلاث شرائط أن يكون مصدرا ، وفعلا لفاعل الفعل المعلل ، ومقارنا له في الوجود. فإن فقد شيء منها فاللام كقولك جئتك للسمن واللبن ولإكرامك الزائر ، وخرجت اليوم لمخاصمتك زيدا أمس.
ويكون معرفة ونكرة وقد جمعهما العجاج في قوله :
يركب كلّ عاقر جمهور
مخافة وزعل المحبور
والهول من تهوّل الهبور (1)
اللغة العاقر العظيم من الرمل الذي لا نبات فيه شبه بالعاقر التي لا تلد. والجمهور الرملة المشرفة على ما حولها وهي المجتمعة. والزعل النشاط وهو مصدر زعل من باب فرح والوصف زعل بالكسر. والمحبور اسم مفعول من حبره الشيء إذا سره. والهول مصدر هاله الأمر أي أفزعه والتهول تفعل منه وهو أن يعظم الشيء في نفسك حتى يهولك أمره ويروى من تهور. والتهور الانهدام والهبور جمع هبر بفتح فسكون وهو ما اطمأن من الأرض وحوله مرتفع.
الاعراب يركب فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى ثور الوحش. وكل مفعوله. وعاقر جر بالاضافة إليه. وجمهور صفة عاقر. ومخافة منصوب على أنه مفعول لأجله. وزعل عطف عليه مضاف إلى المحبور. قال البغدادي من اضافة المصدر إلى فاعله فلا يكون مفعولا لأجله لاختلاف الفاعل وانما هو مصدر تشبيهي أي زعلا كزعل المحبور. والهول عطف على مخافة. ومن تهول الهبور متعلق بيركب (والشاهد فيه) أن مخافة وقع مفعولا له وهو نكرة وزعل والهول كذلك وهما معرفتان. وهذا مذهب سيبويه. وأنكر الرياشي مجيء المفعول له معرفة. ولا أدري كيف فعل في الشاهد. ووافقه الجرمي واعتل له بأن المفعول له حال في المعنى فكما يشترط التنكير في الحال يشترط فيه أيضا وعلى هذا فمخافة منصوب على التمييز مع جواز كونه مفعولا له لكن الأول أقرب. وزعل منصوب على أنه مصدر تشبيهي مضاف إلى فاعله. والهول معطوف على مفعول يركب وهو كل. (والمعنى) أن هذا الثور يصعد تلال الرمل من خوف الصائد ونشاط فيه ويركب الفزع من خوف الأماكن المنخفضة لئلا يكون الصائد قد كمن له فيها.
1) هذا من أرجوزة له يصف بعيره فيها بسرعة السير ويشبهه بثور الوحش.
شبه الحال بالمفعول من حيث أنها فضلة مثله جاءت بعد مضي الجملة. ولها بالظرف شبه خاص من حيث أنها مفعول فيها ومجيئها لبيان هيأة الفاعل أو المفعول وذلك قولك ضربت زيدا قائما تجعله حالا من أيهما شئت وقد تكون منهما ضربة على الجمع والتفريق كقولك لقيته راكبين. قال عنترة :
متى ما تلقني فردين ترجف
روانف أليتيك وتستطارا (1)
أحولي تنفض استك مذرويها
لتقتلني فها أنا ذا عمارا
اللغة تلقني من اللقى. وفردين منفردين. والروانف جمع رانفة وهي طرف الألية. وتستطار أي تطير فزعا وخوفا.
الاعراب متى أداة شرط جازم. وتلقني فعل وفاعل ومفعول مجزوم بالشرط. وفردين حال من الفاعل والمفعول معا أي أنا فرد وأنت فرد. وترجف مجزوم في جواب الشرط. وروانف فاعله مضاف إلى أليتيك. وقوله وتستطار أظهر الوجوه فيه ان الضمير فيه مفرد يعود إلى المخاطب والألف بدل من نون التوكيد والأصل تستطارن فابدل من النون الفا كما في قول الأعشى (ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا) (والشاهد فيه) مجيء الحال وهو فردين لبيان هيئة الفاعل والمفعول معا.
1) البيت له من قصيدة طويلة يهجو بها عمارة بن زياد وكان يحسد عنترة ويقول لقومه انكم قد أكثرتم من ذكره والله لوددت اني لقيته خاليا حتى أعلمكم انه عبد فلما بلغ ذلك عنترة قال ذلك وأولها :
ولقيته مصعدا ومنحدرا.
والعامل فيها إما فعل وشبهه من الصفات ؛ أو معنى فعل كقولك فيها زيد مقيما ، وهذا عمرو منطلقا ، وما شأنك قائما ، ومالك واقفا ، وفي التنزيل : (وَهذا بَعْلِي شَيْخاً ،) و (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ؛) وليت ولعل وكأن ينصبها أيضا لما فيها من معنى الفعل ، فالأول يعمل فيها متقدما ومتأخرا ولا يعمل فيها الثاني إلا متقدما. وقد منعوا في مررت راكبا بزيد أن يجعل الراكب حالا من المجرور.
وقد يقع المصدر حالا كما تقع الصفة مصدرا في قولهم قم قائما ، وقوله :
ولا خارجا من فيّ زور كلام (1)
عليّ حلفة لا أشتم مسلما. وقبله.
ألم ترني عاهدت ربي وانني
لبين رتاج قائما ومقام
الاعراب عليّ حلفة متعلق بعاهدت في البيت قبله. ولا نافية. واشتم فعل مضارع فاعله ضمير المتكلم. والدهر ظرف. ومسلما مفعول اشتم. وخارجا منصوب لوقوعه موقع المصدر الموضوع موضع الفعل على مذهب سيبويه. والتقدير عاهدت ربي لا يخرج من في زور كلام خروجا. ومن في متعلق بخارجا. وزور فاعله (والشاهد فيه) انه نصب خارجا لوقوعه موقع المصدر. وجوز عيسى بن عمران أن يكون خارجا منصوب على الحال. والمعنى عاهدت ربي غير شاتم ولا خارج أي عاهدته صادقا (والمعنى) انه قد تاب عن الهجاء وقذف المحصنات وعاهد الله على ذلك بين رتاج باب الكعبة ومقام ابراهيم عليه السّلام.
وذلك قتلته صبرا ، ولقيته فجاءة وعيانا وكفاحا ، وكلمته مشافهة ، وأتيته ركضا وعدوا ومشيا ، وأخذت عنه سمعا ، أي مصبورا ومفاجئا ومعاينا. وكذلك البواقي وليس عند سيبويه بقياس وأنكر اتانا رجلة وسرعة ، وأجازه
1) هو عجز بيت للفرزدق همام بن غالب ويكنى أبا فراس وصدره :
المبرد في كل ما دل عليه الفعل.
والأسم غير الصفة والمصدر بمنزلتها في هذا الباب ، تقول هذا بسرا أطيب منه رطبا ، وجاء البر قفيزين وصاعين ، وكلمته فاه إلى فيّ ، وبايعته يدا بيد ، وبعت الشاء شاة ودرهما ، وبينت له حسابه بابا بابا.
ومن حقها أن تكون نكرة ، وذو الحال معرفة. وأما ارسلها العراك ، ومررت به وحده ، وجاؤا قضهم بقضيضهم ، وفعلته جهدك وطاقتك ، فمصادر قد تكلم بها على نية وضعها في موضع ما لا تعريف فيه ، كما وضع فاه إلى فيّ موضع شفاها ، وعنى معتركة ، ومنفردا وقاطبة وجاهدا. ومن الأسماء المحذوّ بها حذو هذه المصادر قولهم مررت بهم الجمّاء الغفير. وتنكير ذي الحال قبيح إلا إذا قدمت عليه كقوله :
لعزّة موحشا طلل قديم (1)
اللغة الموحش القفر الذي لا أنيس فيه. والطلل ما شخص من آثار الديار. وعفاه درسه وغيره يتعدى ولا يتعدى يقال عفت الرياح المنزل وعفا المنزل. والاسحم الأسود يريد به السحاب لأنه إذا كان ذا ماء يرى أسود لامتلائه. والمستديم الذي يمطر مطر الديمة. والديمة مطر أقلها ثلث النهار أو ثلث الليل.
الاعراب لعزة خبر مقدم. وطلل مبتدأ مؤخر. وموحشا حال من طلل تقدمت عليه لكون ذي الحال نكرة. وقديم صفة طلل. وعفاه فعل ومفعول. وكل فاعل. واسحم مضاف إليه ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. ومستديم صفة كل. وجملة عفاه في محل رفع صفة طلل. (والشاهد فيه) تقدم ذي الحال على صاحبها المنكر وقال ابن الحاجب يجوز أن يكون موحشا حال من الضمير في لمية. ولا شك أن مجيء الحال من المعرفة أكثر من مجيئها من النكرة.
1) تتمة البيت. عفاه كل اسحم مستديم. والبيت رواه بعضهم لعزة موحشا فقال هو لكثير عزة. ورواه آخرون لمية فنسبه إلى ذي الرمة غيلان فان مية اسم محبوبته.
والحال المؤكدة هي التي تجيء على إثر جملة عقدها من اسمين لا عمل لهما لتوكيد خبرها وتقرير مؤدّاه ونفي الشك عنه ، وذلك قولك ريد أبوك عطوفا ، وهو زيد معروفا ، وهو الحق بينا ، ألا تراك حققت بالعطوف الأبوة ، وبالمعروف والبين أن الرجل زيد وأن الأمر حق ، وفي التنزيل : (هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ) وكذلك أنا عبد الله آكلا كما يأكل العبيد ، فيه تقرير للعبودية وتحقيق لها. وتقول أنا فلان بطلا شجاعا وكريما جوادا فتحقق ما أنت متسم به وما هو ثابت لك في نفسك ، ولو قلت زيد أبوك منطلقا أو أخوك أحلت إلا إذا أردت التبنّي والصداقة. والعامل فيها أحقّ أو أثبت مضمرا.
والجملة تقع حالا. ولا تخلو من أن تكون اسمية فعلية فإن كانت اسمية فالواو إلا ما شذ من قولهم كلمته فوه إلى فيّ ، وما عسى أن يعثر عليه في الندرة. وأما لقيته عليه جبة وشي ، فمعناه مستقرة عليه جبة وشي. وإن كانت فعلية لم تخل من أن يكون فعلها مضارعا أو ماضيا. فإن كان مضارعا لم يخل من أن يكون مثبتا أو منفيا. فالمثبت بغير واو : وقد جاء في المنفي الأمران. وكذلك في الماضي. ولا بد معه من قد ظاهرة أو مقدرة.
ويجوز إخلاء هذه الجملة عن الراجع إلى ذي الحال إجراء لها مجرى الظرف لانعقاد الشبه بين الحال وبينه ، تقول أتيتك وزيد قائم ، ولقيتك والجيش قادم ، وقال :
وقد أغتدي والطير وكناتها
بمنجرد قيد الأوابد هيكل (1)
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل
اللغة أغتدي اخرج غدوة. والوكنات جمع وكنة بضم فسكون مقر الطائر ليلا وعشه الذي يبيض فيه. ويروى وكراتها بضمتين جمع وكر بضم فسكون وهو جمع وكر بفتح فسكون. والمنجرد من الخيل الماضي في السير وقيل القليل الشعر القصيره. وقيد الأوابد مقيد الأوابد أو ذي قيد على حد قولهم زيد عدل. والأوابد جمع آبدة وهي الوحوش. والهيكل الفرس العظيم الجرم.
الاعراب قد حرف تحقيق. اغتدي فعل مضارع فاعله ضمير المتكلم. والطير الواو للحال والطير مبتدأ. وفي وكناتها خبر. والجملة حال من ضمير المتكلم أي اغدو إلى الصيد ملابسا لهذه الحالة. وقوله بمنجرد متعلق بقوله اغتدي. وقيد صفة منجرد. وهيكل صفة أخرى. (والشاهد فيه) خلو الجملة الحالية من ضمير يرجع إلى ذي الحال.
1) هو لامرىء القيس بن حجر الكندي من معلقته المشهورة التي أولها :
ومن انتصاب الحال بعامل مضمر قولهم للمرتحل راشدا مهديا ومصاحبا معانا بإضمار إذهب وللقادم مأجورا مبرورا أي رجعت. وإن انشدت شعرا أو حدثت حديثا قلت صادقا ، بإضمار قال. وإذا رأيت من يتعرض لآمر قلت متعرّضا لعنن لم يعنه ، أي دنا منه متعرّضا. ومنه أخذته بدرهم فصاعدا أو بدرهم فزائدا ، أي فذهب الثمن صاعدا أو زائدا. ومنه أتميميا مرة وقيسيا أخرى ، كأنك قلت أتحول. ومنه قوله تعالى : (بَلى قادِرِينَ) أي نجمعها قادرين.
ويقال له التبيين والتفسير وهو رفع الإبهام في جملة أو مفرد بالنص على أحد محتملاته. فمثاله في الجملة طاب زيد نفسا ، وتصبب الفرس عرقا ، وتفقأ شحما وأبرحت جارا ، وامتلأ الإناء ماء ، وفي التنزيل : (وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً ، وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً ، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً). ومثاله في المفرد عندي راقود خلّا ، ورطل زيتا ، ومنوان عسلا ، وقفيزان برا ، وعشرون درهما ، وثلاثون ثوبا ، وملأ الإناء عسلا ،
وعلى التمرة مثلها زبدا وما في السماء. وضع كفّ سحابا. وشبه المميز بالمفعول أن موقعه في هذه الأمثلة كموقعه في ضرب زيد عمرا وفي ضارب زيدا وضاربان زيدا وضاربون زيدا وضرب زيد عمرا.
ولا ينتصب المميّز عن مفرد إلا عن نام. والذي يتم به أربعة أشياء التنوين ونون التثنية ونون الجمع والإضافة. وذلك على ضربين زائل ولازم.
فالزائل التمام بالتنوين ونون التثنية لأنك تقول عندي رطل زيت ، ومنوا سمن. واللازم التمام بنون الجمع والإضافة لأنك لا تقول. كلا عسل ولا مثل زبد ولا عشرو درهم.
وتمييز المفرد أكثره فيما كان مقدارا كيلا كقفيزان أو وزنا كمنوان أو مساحة كموضع كف أو عدد كعشرون أو مقياسا كملؤه ومثلها. وقد يقع فيما ليس إياها نحو قولهم ويحه رجلا ، ولله درّه فارسا ، وحسبك به ناصرا.
ولقد أبي سيبويه تقدم المميز على عامله. وفرق أبو العباس بين النوعين فأجاز نفسا طاب زيد ، ولم يجز لي سمنا منوان. وزعم أنه رأي المازني. وأنشد قول الشاعر :
أتهجر ليلى بالفراق حبيبها
وما كان نفسا بالفراق تطيب (1)
إذا قيل من ماء الفرات وطيبه
تعرض لي منها أغن غضوب
الاعراب الهمزة للاستفهام. وتهجر فعل مضارع. وليلى فاعله. وحبيبها مفعوله. وقوله بالفراق متعلق بتهجر. وما نافية. واسم كان ضمير الشأن المستتر فيه. وتطيب جملة فعلية خبرها ونفسا نصب على التمييز. وبالفراق يتعلق بتطيب (والشاهد فيه) إن نفسا تمييز عن قوله تطيب مقدم عليه. وقد جوز هذا الكوفيون والمبرد والمازني وابن مالك والجمهور على أنه ضرورة فلا يقاس عليه. وروى الزجاج وما كان نفسي وعليها فلا شاهد فيه (والمعنى) كيف تهجر ليلى محبها بمفارقتها إياه وما كان الشأن تطيب ليلى نفسا بذلك.
1) هو للمخبل السعدي واسمه ربيع بن ربيعة ويقال انه لأعشي همدان ونسبه ابن سيده إلى قيس بن معاذ اللوح وهو أول القصيدة وبعده :
واعلم أن هذه المميزات عن آخرها أشياء مزالة عن أصلها. ألا تراها إذا رجعت إلى المعنى متصفة بما هي منتصبة عنه ومنادية. على أن الأصل عندي زيت رطل ، وسمن منوان ، ودراهم عشرون ، وعسل ملء الإناء ، وزبد مثل التمرة ، وسحاب موضع كف. وكذلك الأصل وصف النفس بالطيب ، والعرق بالتصبب ، والشيب بالإشتعال ، وأن يقال طابت نفسه ، وتصبب عرقه ، واشتعل شيب رأسي. لأن الفعل في الحقيقة وصف في الفاعل. والسبب في هذه الإزالة قصدهم إلى ضرب من المبالغة والتأكيد.
المستثنى في إعرابه على خمسة أضرب. أحدها منصوب أبدا وهو على ثلاثة أوجه : ما استثني بإلّا من كلام موجب وذلك جاءني القوم إلا زيدا ، وبعدا وخلا بعد كل كلام. وبعضهم يجر بخلا وقيل بهما ، ولم يورد هذا القول سيبويه ولا المبرّد. فأما ما عدا وما خلا فالنصب ليس إلا. وكذلك ليس ولا يكون. وذلك جاءني القوم أو ما جاءني عدا زيدا وخلا زيدا وما عدا زيدا وما خلا زيدا. قال لبيد :
ألا كلّ شيء ما خلا الله باطل
وكلّ نعيم لا محالة زائل (1)
ألا تسألان المرء ما ذا يحاول
انحب فيقضي أم ضلال وباطل
وهو أصدق بيت قالته العرب. وقد اعترض عليه بنعيم الجنة فانه لا يزول وروي ذلك عن عائشة وعثمان رضي الله عنهما. والكلام انما هو في نعيم الدنيا. والشعراء إذا ذكروا مثل هذا فانما القصد إلى ما ذكرنا.
الاعراب ألا حرف استفتاح. وكل مبتدأ. وشيء مضاف إليه. وما خلا حرف استثناء. ولفظ الجلالة نصب على الاستثناء. وباطل خبر المبتدأ. وقوله وكل الواو لعطف الجملة. وكل مبتدأ. ونعيم مضاف إليه. وزائل خبر المبتدأ. وقوله لا محالة لا لنفي الجنس ومحالة اسمها وخبرها محذوف. أي لا تحول عن هذا (والشاهد فيه) نصب المستثنى بما خلا (والمعنى) كل شيء سوى الله هالك وكل نعيم مما يتنعم به المرء في الدنيا زائل لا تحول عن هذا ولا انفكاك عنه بحال من الأحوال.
1) هذا البيت له من قصيدته المشهورة التي أولها :
وليس زيدا ولا يكون زيدا. وهذه أفعال مضمر فاعلوها. وما قدم من المستثنى كقولك ما جاءني إلا أخاك أحد قال الكميت :
وما لي إلّا آل أحمد شيعة
وما لي إلّا مذهب الحقّ مذهب (1)
والبيت المذكور من قصيدة طويلة يمدح بها الطالبين أولها :
طربت وما شوقا إلى البيض أطرب
ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب
اللغة شيعة الرجل أنصاره وأعوانه. والمذهب الطريق. ويروى إلا مشعب الحق مشعب والمشعب الطريق أيضا.
الاعراب ما بمعنى ليس. وشيعة اسمها. ولي خبرها. وإلا أداة استثناء وآل نصب على الاستثناء مقدم على المستثنى منه وهو شيعة ولو لا تقدمه لصح فيه الوجهان النصب والبدل. وانما امتنع الابدال مع التقدم لأن المبدل من حيث أنه تابع لا يتقدم على المبدل منه والشطر الثاني كالأول (والشاهد) أن المستثنى وهو آل لما تقدم على المستثنى منه تعين فيه النصب.
وما كان استثناؤه منقطعا كقولك ما جاءني إلا حمارا وهي اللغة الحجازية. ومنه قوله عز وجل : (لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ ،) وقولهم ما زاد إلا ما نقص وما نفع إلا ما ضر.
والثاني جائز فيه النصب والبدل وهو المستثنى من كلام تام غير موجب كقولك ما جاءني أحد إلا زيدا وإلا زيد. وكذلك إذا كان المستثنى منه منصوبا أو مجرورا.
1) هو كميت بن زيد الأسدي ، شاعر إسلامي ، وهو الكميت الأصغر ، والكميت الأوسط هو ابن معروف ، والأكبر هو ابن ثعلبة ، وهو جد الكميت الأوسط ، والكميت الأصغر أكثرهم شعرا إلا أنه كان يتهم بالسرقة وكان يتشيع لأهل البيت ويمدحهم ومع هذا فقد كان شعره في الأمويين أجود من شعره في الطالبيين وذاك لأنه كان يميل إلى الطالبين بالرأي والهوى ويميل إلى الأمويين بقوة الحرص على الدنيا وتفضيل عاجلها على آجل الآخرة.
والاختيار البدل قال الله تعالى : (ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ). وأما قوله عز وجل : (إِلَّا امْرَأَتَكَ) فيمن قرأ بالنصب فمستثنى من قوله تعالى : (فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ).
والثالث مجرور أبدا وهو ما استثنى بغير وحاشا وسوى وسواه. والمبرّد يجيز النصب بحاشا.
والرابع جائز فيه الجرّ والرفع وهو ما استثني بلا سيما وقول امرىء القيس :
ولا سيّما يومّ بدارة جلجل (1)
اللغة سي بمعنى مثل واصله سو. وقال ابن جني أصله سوى من سويته فتسوى فلما اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياء وأدغمت في الياء. ودارة جلجل قال البكري في معجم ما استعجم اسم موضع بديار كندة.
الاعراب لا لنفي الجنس. وسي اسمها. وما مضاف إليه. والخبر محذوف. أي لنا وقوله يوم يجوز فيه الجر والرفع والنصب فالجر على الاضافة. وما إما زائدة وإما نكرة غير موصولة. ويوم بدل منها. والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. والجملة صلة ما إن كانت موصولة أو صفتها إن كانت نكرة موصوفة تقديره لا مثل الذي هو يوم أو لا مثل شيء هو يوم. وعلى هذين الوجهين ففتحة سي فتحة اعراب لأنه مضاف. وأما النصب فقد اختلف في توجهه على أقوال : فقيل إنه تمييز وما نكرة تامة مضافة إلى سي كأنه قيل لا مثل شيء جيء بالتمييز. وقال الفارسي ما حرف كاف عن الاضافة وعليه ففتحة سي فتحة بناء. وقيل إنه منصوب بفعل مقدر أي أعني يوما وقيل على الاستثناء (والشاهد فيه) ظاهر والمعنى رب يوم لك منهن سرور وغبطة بوصال النساء وعيش ناعم معهن وليس يوم من الأيام مثل يوم دارة جلجل. وهذا من شر شعره فقد جمع فيه بين ركة المبنى وخسة المعنى.
يروى مجرورا ومرفوعا وقد روي فيه النصب.
والخامس جار على إعرابه قبل دخول كلمة الإستثناء وذلك ما جاءني إلا
1) هذا عجز البيت وصدره. ألا رب يوم صالح لك منهما. وهو من معلقة امرىء القيس.
زيد ، وما رأيت إلا زيدا ، وما مررت إلا بزيد. والمشبه بالمفعول منها هو الأول والثاني في أحد وجهيه وشبهه به لمجيئه فضلة. وله شبه خاص بالمفعول معه لأن العامل فيه بتوسط حرف.
وحكم غير في الإعراب حكم الأسم الواقع بعد إلا تنصبه في الموجب والمنقطع وعند التقديم وتجيز فيه البدل والنصب في غير الموجب. وقالوا إنما عمل فيه المتعدي لشبهه بالظرف لإبهامه.
واعلم أن إلا وغيرا يتقارضان ما لكل واحد منهما. فالذي لغير في أصله أن يكون وصفا يمسه إعراب ما قبله ، ومعناه المغايرة وخلاف المماثلة. ودلالته عليها من جهتين : من جهة الذات ومن جهة الصفة. تقول مررت برجل غير زيد ، قاصدا إلى أن مرورك كان بإنسان آخر أو بمن ليست صفته صفته ، وفي قوله عز وجل : (لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ،) الرفع صفة للقاعدون والجر صفة للمؤمنين والنصب على الإستثناء. ثم دخل على إلا في الإستثناء وقد دخل عليه إلا في الوصفية. وفي التنزيل : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا.)
أي غير الله. ومنه قوله :
وكلّ أخ مفارقة أخوه
لعمر أبيك إلّا الفرقدان (1)
ألا عجبت عميرة أمس لما
رأت شيب الذؤابة قد علاني
الاعراب الواو لعطف هذه الجملة على وكل قرينة في البيت قبله وهو :
وكل قرينة قرنت بأخرى
ولو ضنت بها ستفرقان
وكل مبتدأ. وأخ مضاف إليه. مفارقه خبر المبتدأ. وأخوه فاعل مفارق. ولعمر اللام للتأكيد وعمر مبتدأ مضاف إلى أبيك. والخبر محذوف. أي قمسي. وإلا للاستثناء المنقطع أي لكن الفرقدان فانهما لا يفترقان وهذا على مذهب الجاهلية من اعتقاد بقاء الأشياء. وقد استشكل بأن قائل البيت صحابي لأنه عمرو بن معد يكرب في إحدى الروايتين. واعتذر عنه المبرد في الكامل بانه قاله في الجاهلية. أقول لا إشكال أصلا فان المراد من كونهما لا يفترقان أنهما يبقيان ما بقيت الدنيا لا أنهما يبقيان على الدوام. وكل من يقول مثل هذا فانما يريد مثل هذا المعنى وقيل إلا صفة كل قال في المغني والوصف هنا مخصص لأن ما بعد إلا مطابق لما قبلها إذ المعنى كل أخوين غير هذين الكوكبين متفارقان وليست إلا استثنائية وإلا لقال إلا الفرقدان لأنه بعد كلام تام موجب اه أقول وفي جعل إلا صفة بمعنى غير هذا الاشكال بعينه وعلى تسليم ما ذكره فيصح أن يكون الفرقدان منصوب بفتحة مقدرة على الألف على لغة من يلزم المثنى الألف في الأحوال كلها. وهي لغة بني الحرث بن كعب. على أن في جعل الاستثناء منقطعا كما ذهب إليه المبرد وهو الظاهر الموافق للمعنى خروجا عن الاشكال من أصله. هذا أحسن الكلام في هذا المقام وللمؤلفين في هذا المحل كلام لا يخلو عن تعسف.
1) نسبه المبرد في الكامل والجاحظ في البيان والتبيين وأبو زيد في الجمهرة إلى عمرو بن معد يكرب الزبيدي ونسبه الآمدي في المؤتلف والمختلف إلى حضرمي بن عامر في قصيدة طويلة أولها :
ولا يجوز اجراؤه مجرى غير إلا تابعا ، لو قلت : لو كان فيهما إلا الله كما تقول لو كان فيهما غير الله لم يجز. وشبهه سيبويه بأجمعون.
وتقول ما جاءني من أحد إلا عبد الله وما رأيت من أحد إلا زيدا ولا أحد فيها إلا عمرو فتحمل البدل على محل الجار والمجرور لا على اللفظ ، وتقول ليس زيد بشيء إلا شيئا لا يعبأ به. قال طرفة :
أبني لبينى لستم بيد
إلا يدا ليست لها عضد (1)
الاعراب الهمزة للنداء. وبني منادى مضاف إلى لبين. ولستم فعل ماض ناقص. والضمير اسمها. وقوله بيد الباء حرف جر زائد. ويد مجرور في محل نصب اسم لستم. وإلا أداة استثناء ويدا بدل من محل الخبر وهو يد. وقوله ليس لها عضد فعل ماض ناقص ثم خبر مقدم ثم اسم (والشاهد) انه أبدل يدا من محل المبدل منه فنصبه وإلا لجره (والمعنى) يا بني هذه القبيلة انكم لا تقدرون على القتال والدفاع عن حوزتكم كما لا تستطيع اليد التي ليست لها عضد الدفاع والبطش.
1) هو طرفة بن العبد أول الشعراء المسمين بهذا الاسم وصاحب المعلقة المشهورة. وثم غيره ثلاثة يسمون بهذا الاسم طرفة بن ألاءة من بني دارم ، وطرفة الجذمي من بني جذيمة العبسي ، وطرفة من بني عامر بن ربيعة.
وما زيد بشيء لا يعبأ به بالرفع لا غير.
وان قدمت المستثنى على صفة المستثنى منه ففيه طريقان : أحدهما وهو اختيار سيبويه أن لا تكترث للصفة وتحمله على البدل. والثاني أن تنزل تقديمه على الصفة منزلة تقديمه على الموصوف ، وذلك قولك ما أتاني أحد إلا أبوك خير من زيد ، وما مررت بأحد إلا عمرو خير من زيد ، أو تقول إلا أباك وإلا عمرا.
وتقول في تثنية المستثنى ما أتاني إلا زيدا إلا عمرا أو إلا زيدا إلا عمرو ترفع الذي أسندت إليه الفعل وتنصب الآخر. وليس لك أن ترفعه لأنك لا تقول تركوني إلّا عمرو. وتقول ما أتاني إلا عمرا إلا بشرا أحد ، منصوبين لأن التقدير ما أتاني إلا عمرا أحد إلا بشر ، على إبدال بشر من أحد فلما قدمته نصبته.
وإذا قلت ما مررت بأحد إلا زيد خير منه كان ما بعد إلّا جملة ابتدائية واقعة صفة لأحد ، وإلا لغو في اللفظ معطية في المعنى فائدتها جاعلة زيدا خيرا من جميع من مررت بهم.
وقد أوقع الفعل موقع الأسم المستثنى في قولهم نشدتك بالله إلا فعلت ، والمعنى ما أطلب منك إلا فعلك ؛ وكذلك أقسمت عليك إلا فعلت. وعن ابن عباس : بالإيواء والنصر إلا جلستم. وفي حديث عمر : عزمت عليك لمّا ضربت كاتبك سوطا بمعنى إلا ضربت.
والمستثنى يحذف تخفيفا وذلك قولهم ليس إلّا وليس غير.
لما شبه العامل في البابين بالفعل المتعدي شبه ما عمل فيه بالفاعل والمفعول.
ويضمر العامل في خبر كان في مثل قولهم الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، والمرء مقتول بما قتل به ان خنجرا فخنجر وإن سيفا فسيف ، أي إن كان عمله خيرا فجزاؤه خير وإن كان شرا فجزاؤه شر. والرفع أحسن في الآخر ومنهم من يرفعهما ويضمر الرافع أي أن كان معه خنجر فالذي يقتل به خنجر قال النعمان بن المنذر :
قد قيل ذلك إن حقا وإن كذبا (1)
مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه
إن استه من برص ملمعه
وانه يدخل فيها أصبعه
يدخلها حتى يوارى أشجعه
كانه يطلب شيئا ضيعه
الاعراب قد حرف تحقيق. وقيل فعل ماض مجهول. وأصله قول نقلت حركة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها فصار قول بكسر القاف وسكون الواو قلبت الواو ياء لتحركها في الأصل وانكسار ما قبلها فصار قيل. وذلك إسم إشارة نائب الفاعل. وإن حرف شرط جازم. وحقا منصوب على أنه خبر كان المقدرة مع إسمها. والتقدير إن كان القول حقا. وكان المقدرة فعل الشرط. وجوابه محذوف دل عليه السياق أي فقد قيل. وكذا القول في قوله وإن كذبا. وقوله فما اعتذارك جملة أسمية. ومن قول متعلق باعتذارك. وإذا ظرفية شرطية. وقيل فعل ماض. ونائب الفاعل ضمير فيه يعود على القول. وجواب إذا مقدر يدل عليه ما قبله (والشاهد) في حقا وكذبا حيث حذف العامل فيها وهو كان. والحذف شائع بعد إن ولو لا نكير فيه.
1) تمامه. فما اعتذارك من قول إذا قيلا. وهذا البيت من جملة أبيات كتب بها النعمان بن المنذر بن ماء السماء إلى الربيع بن زياد العبسي نديمه وصاحبه في جواب أبيات كان كتب بها الربيع إليه بعد أن ترك منادمته والتحقق بأهله لنفرة الملك منه بسبب قول لبيد فيه يخاطب الملك :
ومنه الإطعام ولو تمرا وائتني بدابة ولو حمارا. وان شئت رفعت بمعنى ولو يكون تمر وحمار ، وادفع الشر ولو إصبعا. ومنه أما أنت منطلقا انطلقت ، والمعنى لأن كنت منطلقا ، وما مزيدة معوضة من الفعل المضمر.
ومنه قول الهذلي :
أبا خراشة أمّا أنت ذا نفر (1)
السلم تأخذ منها ما رضيت به
والحرب يكفيك من أنفاسها جرع
اللغة أبو خراشة كنية خفاف بن ندبة. والنفر في أصل معناه اسم لما دون العشرة. والمراد هنا القوم والجماعة. والضبع السنة المجدبة. قيل إن ذلك اسم لها وقيل بل اطلاقه عليها على سبيل التشبيه كأنه شبه نقص السنة المجدبة لمن تأتي عليه بأكل الضبع.
الاعراب أبا خراشة منادى مضاف بحرف نداء محذوف. وأما بفتح الهمزة مركبة من كلمتين أن وما عوض عن المحذوف. وأصل الكلام لأن كنت حذفت اللام من لأن ثم حذفت كان لكثرة الاستعمال ، ثم جيء بالضمير المنفصل بدلا من المتصل ، ثم عوضت عن كان ما في محلها ، ثم أدغمت النون في الميم بعدها لقرب المخرج فصار أما أنت. هذا على رأي البصريين. وعند الكوفيين أما مركبة من إن الشرطية وما التي للتأكيد. وذا نفر خبر كان المقدرة. وان حرف توكيد ونصب. وقومي اسمها. ولم تأكلهم الضبع جملة فعلية خبر إن (والشاهد) في أما أنت حيث حذف فيه كان بعد أن المصدرية (والمعنى) يا أبا خرشة إن كنت ذا جماعة كثيرة فان قومي لم تأكلهم السنون المجدبة لكثرتهم.
وروى قوله :
1) هذا صدر البيت وتمامه (فان قومي لم تأكلهم الضبع). وقد نسبه المصنف هنا إلى الهذلي ومتى أطلق فالمراد به أبو ذؤيب ونسبه غير واحد إلى العباس بن مرداس من أبيات يخاطب بها خفاف بن ندبة السلمي وبعده :
هي كما ذكر محمولة على إن فلذلك نصب بها الأسم ورفع الخبر ، وذلك إذا كان المنفي مضافا كقولك لا غلام رجل أفضل منه ، ولا صاحب صدق موجود ؛ أو مضارعا له كقولك لا خيرا منه قائم هنا ، ولا حافظا للقرآن عندك ، ولا ضاربا زيدا في الدار ، ولا عشرين درهما لك. فإذا كان مفردا فهو مفتوح وخبره مرفوع كقولك لا رجل أفضل منك ، ولا أحد خير منك.
ويقول المستفتح ولا إله غيرك. وأما قوله : لا نسب اليوم ولا خلّة (2)
لا صلح بيني فاعلموه ولا
بينكم ما حملت عاتقي
سيفي وما كنا بنجد وما
قرقر قمر الواد بالشاهق
وهو لأنس بن عباس بن مرداس وقيل بل هو لأبي عامر جد العباس بن مرداس.
اللغة النسب القرابة والخلة الصداقة. والراتق الذي يرتق ما في الثوب من خرق ويخيطه.
الاعراب لا لنفي الجنس. ونسب اسمها مبني على الفتح. واليوم ظرف. والخبر محذوف. أي بيننا. وقوله ولا خلة الواو لعطف الجملة. وخلة منصوب بفعل مقدر أي أرى. وقوله اتسع الفتق جملة فعلية. وعلى الراتق متعلق باتسع (والشاهد) أن خلة منصوب بفعل مقدر وقد استشهد به النحاة على أن خلة نصب على تقدير أن لا الثانية زائدة وخلة عطف على محل اسم لا الأولى تنزيلا لحركة البناء العارضة بسبب عارض منزلة حركة الاعراب.
فعلى إضمار فعل ، كأنه قال ولا أرى خلة كما قال الخليل في قوله :
ألا رجلا جزاه الله خيرا (1)
ألا يا بيت بالعلياء بيت
ولو لا حب أهلك ما أتيت
وبعده :
ترجل لمتي وتقم بيتي
وأعطيها الأتاوة ان رضيت
اللغة المحصلة المرأة التي تحصل الذهب من تراب المعدن كذا في القاموس وهو معنى ركيك. ورواه الأزهري بفتح الصاد على البناء للمفعول أي مستأجرة فان القائل كان يطلب امرأة يتزوجها متعة وتبينت رواه بعضهم تبيث بالثاء المثلثة وقال العرب تقول بثت الشيء بوثا إذا استخرجته أراد امرأة تعينه على استخراج الذهب وهو كلام فاسد.
الاعراب ألا للتحضيض وهو طلب الشيء بعنف وشدة أو للعرض وهو طلبه بلين ورفق. ورجلا منصوب بفعل مقدر دل عليه المعنى. وجزاه الله خيرا جملة من فعل وفاعل ومفعول. ويدل فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى الرجل. وعلى محصلة متعلق بيدل. وتبيت من بات الناقصة واسمها ضمير يعود إلى المحصلة. والخبر قوله في البيت بعده ترجل لمتي الخ (والشاهد فيه) أن رجلا نصب بفعل مقدر وهذا على رواية رجلا بالنصب. وقد روي بالرفع والجر أيضا فأما الرفع فعلى أنه فاعل فعل محذوف يفسره يدل أو مبتدأ تخصص بالاستفهام. والجر على اضمار من وهو ضعيف لأن فيه حذف الجار وإبقاء عمله. ويجوز على رواية النصب أن تكون ألا للتمني. ورجلا اسمها نون للضرورة. وعليه فلا شاهد فيه. ولكن النصب على حذف الفعل أولى لأنه لا ضرورة فيه بخلاف التنوين.
كأنه قال ألا ترونني رجلا وزعم يونس أنه نوّن مضطرا.
وحقه أن يكون نكرة. قال سيبويه واعلم أن كل شيء حسن لك أن تعمل فيه رب ، حسن لك أن تعمل فيه لا. وأما قول الشاعر :
1) تمامه (يدل على محصلة تبيت) قال الأزهري هو لرجل من الاعراب أراد أن يتزوج امرأة بمتعة. وقال الزمخشري في شرح شواهد أبيات الكتاب انه لعمرو بن قنعاس المرادي أولها :
لا هيثم الليلة للمطّي. (1)
قد جنها الليل بعصلبي
مهاجر ليس باعرابي
أروع خراج من الدوي
عمرّس كالمرس الملوي
لا هيثم الليلة للمطي
ولا فتى مثل ابن خيبري
اللغة هيثم اسم رجل والمراد به الهيثم بن الأشتر كان مشهورا بحسن الصوت في الحداء للإبل وكان أعرف أهل زمانه بالفلوات والمفازة ومجاهل الأرض. والمطي الإبل وابن خيبري جميل صاحب بثينة نسب إلى أحد أجداده وكان شجاعا ذا نجدة وفتك. وقيل أراد بابن خيبري علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وقيل أراد مرحبا الذي بارز عليا يوم خيبر وكلاهما بعيد.
الاعراب لا نافية للجنس. واسمها محذوف أي مثل. ويصح أن يكون هيثم اسمها على تأويل العلم باسم الجنس. وللمطي خبر لا. وقوله ولا فتى الخ اعرابه ظاهر (والشاهد فيه) أن لا النافية للجنس لا تدخل على العلم. وهذا البيت مؤول إما بتقدير مضاف أو بتأويل العلم باسم الجنس (والمعنى) قد ذهب هيثم ولم يبق بعده من يحسن القيام على الإبل والحداء لها. وذهب ابن خيبري وليس بعده من يذود عنها.
وقول ابن الزبير الأسدي :
أرى الحاجات عند أبي خبيب
نكدن ولا أميّة بالبلاد (2)
اللغة أبو خبيب بالتصغير كنية عبد الله بن الزبير ويكنى أيضا بأبي عبد الرحمن وأبي بكر إلا انه إذا هجي كني بأبي خبيب. ونكدن من نكد من باب تعب يقال نكد الأمر إذا تعسر ونكد العيش إذا اشتد. وأمية أبو قبيلة من قريش. وهما أميتان الأكبر والأصغر والأمويون معاوية بن أبي سفيان وذووه من أمية الأكبر.
الاعراب أرى فعل مضارع فاعله ضمير المتكلم. والحاجات مفعول أول. ونكدن فعل ماض. ونون النسوة فاعل. والجملة في محل نصب مفعول ثان لأرى. ولا نافية للجنس اسمها محذوف أي أمثال. وبالبلاد خير. (والشاهد فيه) كما في الذي قبله (والمعنى) يقول أري حاجاتي عند أبي خبيب قد تعسرت وتعذر قضاؤها ولا أمثال أمية في البلاد فنطلب حوائجنا عندهم. أو ولا أجواد في البلاد على تأويل العلم باسم الجنس وهو الأجواد لشهرة بني أمية بالجود.
1) هو من شواهد الكتاب التي لم يعرف لها قائل وقد أورد أبو عبيد في الغريب هذا الشطر مع أبيات قبله وهي :
2) نسبه هنا إلى عبد الله بن الزبير الأسدي. ونقله الحصري في زهر الآداب عن أبي عبيدة. قال وفد عبد الله بن الزبير الأسدي على عبد الله بن الزبير بن العوام وكان شديد البخل فقال يا أمير المؤمنين إن بيننا وبينكم رحما من قبل فلانة الكاهلية وهي عمتنا ، وقد ولدتكم فقال ابن الزبير هذا كما وصفت وان نكرت في هذا وجدت الناس كلهم يرجعون إلى أب واحد وأم واحدة. فقال يا أمير المؤمنين ان نفقتي قد نفذت قال ما كنت ضمنت لأهلك ان تكفيك حتى ترجع إليهم. قال ان ناقتي قد دبرت ونقبت قال انجد بها يبرد خفها وارقعها بسبب واخصفها بهلب وسر عليها البردين تصح. قال انما جئتك مستحملا ولم آتك مستوصفا فلعن الله ناقة حملتني إليك. فقال ابن الزبير ان وراكبها فخرج الأسدي وهو يقول (أرى الحاجات) في أبيات كثيرة. وقال أبو الفرج في الأغاني الأبيات لعبد الله ابن فضالة وهو صاحب القصة مع ابن الزبير.
وقولهم لا بصرة لكم وقضية ، ولا أبا حسن لها ، فعلى التنكير. وأما لا سيما زيد فمثل لا مثل زيد.
وتقول لا أب لك. قال نهار بن توسعة اليشكري :
أبي الإسلام لا أب لي سواه
إذا افتخروا بقيس أو تميم (1)
وعي القوم ينصر مدعيه
فيلحقه بذي النسب الصميم
الاعراب أبي خبر مقدم. والاسلام مبتدأ مؤخر. ولا نافية للجنس. وأب اسمها في محل نصب. ولي خبرها. وسواه مضاف ومضاف إليه صفة أب. وإذا ظرفية شرطية. وافتخروا فعل وفاعل. وبقيس متعلق به أو تميم عطف على قيس (وموضع) الاستشهاد فيه بين (والمعنى) إذا افتخر الناس بآبائهم فحسبي الاسلام أبا أفتخر به.
ولا غلامين لك ولا ناصرين لك. وأما قولهم لا أبا لك ولا غلامى لك ولا ناصري لك فمشبه في الشذوذ بالملامح والمذاكير ولدن غدوة. وقصدهم فيه إلى الإضافة وإثبات الألف وحذف النون لذلك ، وإنما أقحمت اللام المضيفة توكيدا للإضافة. لا ألا تراهم لا يقولون لا أبا فيها ، ولا رقيبلأ عليها ، ولا مجيري منها ، وقضاء من حق المنفي في التنكير بما يظهر بها من
1) قال ابن قتيبة هو من بكر بن وائل وكان اشعر بكر بن وائل وبعد البيت :
صورة الإنفصال. وقد شبهت في أنها مزيلة ومؤكدة بتيم الثاني في يا تيم تيم عدى. والفرق بين المنفي في هذه اللغة وبينه وبين الأولى أنه في هذا معرب وفي تلك مبني ، فإذا فصلت فقلت لا يدين بها لك ولا أب فيها لك ، امتنع الحذف والإثبات عند سيبويه وأجازهما يونس. وإذا قلت لا غلامين ظريفين لك لم يكن بد من إثبات النون في الصفة والموصوف.
وفي صفة المفرد وجهان أحدهما أن يبنى معه على الفتح كقولك لا رجل ظريف فيها ، والثاني أن تعرب محموله على لفظه أو محله كقولك لا رجل ظريفا فيها أو ظريف ، وان فصلت بينهما أعربت. وليس في الصفة الزائدة عليها إلا الإعراب ، فإن كررت المنفي جاز في الثاني الإعراب والبناء وذلك قولك لا ماء ماء باردا ، وإن شئت لم تنوّن.
وحكم المعطوف حكم الصفة إلا في البناء.
قال :
فلا أب وابنا مثل مروان وابنه (1)
اللغة المجد الشرف والسؤود. وارتدى لبس الرداء. والرداء ما يستر النصف الأعلى من البدن. وتأزر لبس الازار وهو ما يستر النصف الأسفل ..
الاعراب لا نافية للجنس. وأب اسمها مبني على الفتح. وابنا عطف على أب منصوب. ومثل أما خبر أو صفة. فان كان خبرا فهو مرفوع لا غير. وان كان صفة فيحتمل أمرين النصب على اللفظ والرفع على المحل. ومروان جر بالاضافة ممنوع من الصرف. وابنه عطف عليه ، وإذا ظرف وهو مبتدأ. وبالمجد متعلق بارتدى. وارتدى جملة فعلية خبر المبتدأ السابق. وتأزر عطف على ارتدى. (والشاهد) في إبنا حيث عطف بالنصب على لفظ اسم لا ويجوز فيه الرفع أيضا لأن لا إذا لم تكرر وعطف على اسمها وجب فتح الأول وجاز في الثاني النصب والرفع. (والمعنى) لا أب مثل مروان ولا ابن مثل ابنه في الكرم والشرف إذا لبس المجد وجعل الخبر عن أحدهما خبرا عن الاثنين اختصارا وكان اللازم أن يقول إذا هما ارتديا بالمجد وتأزرا به.
1) هو من شواهد الكتاب التي لم يعرف لها قائل وذكر ابن هشام انه لرجل من بني عبد مناة بن كنانة يمدح مروان بن الحكم وابنه عبد الملك بن مروان. قال البغدادي وقد كذب هذا الشاعر في المدح فان النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في حق مروان الوزغ بن الوزغ اه أقول هذا الحديث مستفيض بين الخاصة والعامة وليس هو في شيء من كتب الصحاح. ومروان هذا ثقة عدل عند أهل الحديث وقد أخرج له البخاري في صحيحه غير حديث والله أعلم. وتمام بيت الشاهد. إذا هو بالمجد ارتدى وتأزرا. ورواه ابن الأنباري. إذا ما ارتدى بالمجد ثم تأزرا. والرواية الأولى أصوب فإن الائتزار قبل الارتداء والواو لا تفيد الترتيب على خلاف ثم.
وقال :
لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب (1)
وإذا تكون كريهة أدعى لها
وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا وجدكم الصغار بعينه
لا أم لي ان كان ذاك ولا أب
اللغة وجدكم يروى بدله لعمركم وهو بفتح العين يستعمل في القسم من عمر الرجل بكسر الميم يعمر عمرا وعمرا بفتح العين وضمها على غير قياس لأن قياس مصدره التحريك. والصغار الذل والهوان.
الاعراب هذا مبتدأ. والصغار خبره. وجدكم قسم معترض بين المبتدأ والخبر. وكذا لعمركم. وعمركم مبتدأ خبره محذوف وجوبا أي قسمي. وقوله بعينه تأكيد للصغار. والباء فيه زائدة أو هو في موضع الحال أي هذا الصغار حقا. ولا نافية. وأم اسمها ولي متعلق بالخبر أي موجودة لي. وان حرف شرط. وكان فعل ماض تام فعل الشرط. وذاك فاعله. وقوله ولا أب عطف على محل اسم لا المتقدمة. وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه (والشاهد) في أب حيث جاء معربا وهو معطوف على المبني وهو أم (والمعنى) هذا الذي تصنعونه بي هو الذل والهوان بعينه فان وجد مني قبول تلك الحالة فأنا لقيط لا يعرف لي بين الناس أب ولا أم.
1) اختلف في قائله اختلافا كثيرا فقال سيبويه في الكتاب هو لرجل من مذحج. وقال أبو الرياش انه لهمام بن مرة أخو جساس بن مرة. وزعم ابن الاعرابي انه لرجل من بني عبد مناف قبل الاسلام بخمسمائة عام. وقال الحاتمي هو لابن أحمر وقال أبو الفرج انه لضمرة بن ضمرة. وكان لقائل هذا الشعر أخ يدعى جندبا وكان أهله يؤثرونه عليه فقال :
وان تعرّف فالحمل على المحل لا غير كقولك لا غلام لك ولا العباس.
ويجوز رفعه إذا كرر قال تعالى : (فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ ،) وقال :
(لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ). فإن جاء مفصولا بينه وبين لا أو معرفة وجب الرفع والتكرير كقولك لا فيها رجل ولا امرأة ، ولا زيد فيها ولا عمرو. وقولهم لا نولك أن تفعل كذا كلام موضوع موضع لا ينبغي لك أن تفعل كذا وقوله :
وأنت امرؤ منّا خلقت لغيرنا
حياتك لا نفع وموتك فاجع (1)
وأنت على ما كان منك ابن حرة
أبي لما يرضى به الخصم ضائع
رفع صفة امرؤ أيضا. وحياتك مبتدأ مضاف. ولا نافية لا عمل لها. ونفع خبر.
وموتك مبتدأ. وفاجع خبر «والشاهد فيه» أن لا يجوز عدم تكريرها مع المنكر غير المفصول مع الغائها. وما ورد من ذلك كما هنا فهو شاذ. قال الأعلم وسوغ الافراد هنا ان ما بعده يقوم مقام التكرير في المعنى لأن قوله وموتك فاجع يدل على ان حياته لا تضر «والمعنى» يقول هو منا في النسب إلا أن نفعه لغيرنا فحياته لا تنفعنا لعدم مشاركته لنا وموته يفجعنا لأنه واحد منا.
وقوله :
قضت وطرا واسترجعت ثمّ آذنت
ركائبها أن لا إلينا رجوعها (2)
اللغة استرجعت يحتمل أن يكون من الاسترجاع عند الحزن أي قالت إنا لله وإنا إليه راجعون وأن تكون السين والتاء للطلب أي طلبت الرجوع عن الرحيل كراهة فراق الأحبة وآذنت أشعرت وأعلمت.
الاعراب قضت فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى المحبوبة. وطرا مفعوله. ويروى بكت جزعا وهو مفعول لأجله أو مفعول مطلق نوعي أي بكاء جزع. واسترجعت مثل بكت. وثم للعطف. وآذنت فعل ماض. وركائبها فاعله. وأن تفسيرية. وهي التي تقع بعد فعل فيه معنى القول دون حروفه. وجعلها بعضهم أن المخففة. قال والأصل بانه. والضمير للشأن. ولا نافية. ورجوعها مبتدأ. والخبر محذوف تقديره موجود أو واقع. والينا للتبيين كما في قوله «إني لكما لمن الناصحين». (والشاهد فيه) عدم جواز ترك تكرير لامع المفصول. وقد استشهد به سيبويه على عدم تكرير لامع المعرفة. «والمعنى» انها بكت فرقا من فراق الأحبة حين رأت الركائب قد زمت للرحيل واسترجعت ثم سارت الركائب فأعلمت أن لا سبيل لرجوعها إلينا.
ضعيف لا يجيء إلا في الشعر. وقد أجاز المبرّد في السعة أن يقال لا رجل في الدار ولا زيد عندنا.
وفي لا حول ولا قوة إلا بالله ستة أوجه : أن تفتحهما ، وأن تنصب الثاني ، وأن ترفعه ، وأن ترفعهما ، وأن ترفع الأول على أن لا بمعني ليس ، أو على مذهب أبي العباس وتفتح الثاني ، وأن تعكس هذا.
وقد حذف المنفي في قولهم لا عليك أي لا بأس عليك.
هذا التشبيه لغة أهل الحجاز. وأما بنو تميم فيرفعون ما بعدهما على الإبتداء ، ويقرؤن : ما هذا بشر ، إلا من درى كيف هي في المصحف.
فإذا انتقض النفي بإلّا أو تقدم الخبر بطل العمل فقيل : ما زيد إلا منطلق ، ولا رجل إلا أفضل منك ، وما منطلق زيد ، ولا أفضل منك رجل.
ودخول الباء في الخبر نحو قولك ما زيد بمنطلق إنما يصح على لغة أهل الحجاز لأنك لا تقول زيد بمنطلق.
لات وهي لا التي يكسعونها بالتاء وهي المشبهة بليس بعينها ولكنهم أبوا إلا أن يكون المنصوب بها حينا. قال الله تعالى : (وَلاتَ حِينَ مَناصٍ) أي ليس الحين حين مناص.
لا يكون الأسم مجرورا إلا بالإضافة وهي المقتضية للجرّ ، كما أن الفاعلية والمفعولية هما المقتضيان للرفع والنصب. والعامل ههنا غير المقتضي كما أن ثمة ، وهو حرف الجر أو معناه في نحو قولك مررت بزيد ، وزيد في الدار ، وغلام زيد ، وخاتم فضة.
وإضافة الأسم للأسم على ضربين : معنوية ولفظية. فالمعنوية ما أفاد تعريفا كقولك دار عمرو ، أو تخصيصا كقولك غلام رجل. ولا تخلو في الأمر العام من أن تكون بمعنى اللام كقولك مال زيد وأرضه وأبوه وابنه وسيده وعبده ، أو بمعنى من كقولك خاتم فضة وسوار ذهب وباب ساج.
واللفظية أن تضاف الصفة إلى مفعولها في قولك هو ضارب يد ، وراكب فرس ، بمعنى ضارب زيدا وراكب فرسا ؛ وإلى فاعلها كقولك زيد حسن الوجه ومعمور الدار ، وهند جائلة الوشاح ، بمعنى حسن وجهه ومعمورة داره وجائل وشاحهها. ولا تفيد إلا تخفيفا في اللفظ والمعنى كما هو قبل الإضافة. ولاستواء الحالين وصف النكرة بهذه الصفة مضافة كما وصف بها مفصولة في قولك مررت برجل حسن الوجه وبرجل ضارب أخيه.
وقضية الإضافة المعنوية أن يجرّد لها المضاف من التعريف وما تقبّله الكوفيون من قولهم الثلاثة الأثواب والخمسة الدراهم فبمعزل عند أصحابنا عن القياس واستعمال الفصحاء. قال الفرزدق :
فسما وأدرك خمسة الأشبار (1)
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم
خضع الركاب نواكس الأبصار
وبعده :
يدني كتائب من كتائب تلتقي
للطعن يوم تجاول وغوار
اللغة عقد الأزار قيل انه على حقيقته وقيل انه كناية عن سعيه في طلب المجد وعلو الشأن وحسن السمعة. وسما علا وارتفع.
الاعراب ما نافية. وزال من اخوات كان. واسمها ضمير يعود على الممدوح. ومذ ظرف مضاف إلى الجملة الفعلية. وعقدت فعل ماض. ويداه فاعله. وازاره مفعوله. وقوله فسما الفاء لعطف هذه الجملة على جملة عقدت. والفاعل ضمير يعود على الممدوح. وقوله وأدرك مثله. وخمسة مفعول أدرك. والاشبار مضاف إليه. وخبر زال يدني في البيت بعده. «والشاهد فيه» ان العدد إذا أضيف لما فيه أل جرد المضاف من أل كما فعل هنا خلافا للكوفيين فيما جوزوه من قولهم الخمسة الاشبار والثلاثة الأثواب. واستشهد ابن هشام في المغني بهذا البيت على إيلاء مذ الجملة الفعلية «والمعنى» ما زال هذا الرجل الممدوح مذ قدرت يداه على عقد إزاره وبلغ خمسة أشبار بشبر نفسه يتولى قيادة الجيوش ويخوض بها غمار الموت.
يقول ان ذلك ديدنه ودأبه من أول عمره. ومن شب على شيء شاب عليه. ولهم في تفسير هذا البيت كلام كثير.
وقال ذو الرّمّة :
1) صدره «ما زال مذ عقدت يداه ازاره» وهو من قصيدة يمدح بها يزيد بن المهلب ابن أبي صفرة وقبله :
ثلاث الأثافي والدّيار البلاقع (1)
اللغة يرجع بمعنى يرد. والتسليم السّلام. والعمى الالتباس. والأثافي جمع أثفية وهي الأحجار التي تنصب عليها القدر. والبلاقع جمع بلقع وهي الخالية التي لا أنيس فيها.
الاعراب هل حرف استفهام والمراد الانكار. ويرجع فعل مضارع. والتسليم مفعوله. وقوله أو يكشف العمى مثله. وقوله ثلاث فاعل تنازعه الفعلان قبله ويجب إعمال الأقرب ، على ما هو رأي البصريين في التنازع. والأثافي مضاف إليه. وقوله والديار عطف على ثلاث. والبلاقع صفة الديار. «والشاهد فيه» كالذي في سابقه «والمعنى» كيف يرد السّلام أو يزيل اللبس بشرح حال الأحبة وما صاروا إليه أحجار القدور والديار الخالية. يريد أن ديارهم أقفرت من السكان ولم يبق فيها من يرد سلام المسلم أو يجيب عن سؤال السائل.
وتقول في اللفظية مررت بزيد الحسن الوجه ، وبهند الجائلة الوشاح ، وهما الضاربا زيد ، وهم الضاربو زيد. قال الله تعالى : (وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ ،) ولا تقول الضارب زيد ، لأنك لا تفيد فيه خفة بالإضافة كما أفدتها في المثنى والمجموع ، وقد أجازه الفراء. وأما الضارب الرجل فمشبه بالحسن الوجه.
وإذا كان المضاف إليه ضميرا متصلا جاء ما فيه تنوين أو نون وما عدم واحدا منهما شرعا في صحة الإضافة. لأنهم لما رفضوا فيما يوجد فيه التنوين أو النون أن يجمعوا بينه وبين الضمير المتصل جعلوا ما لا يوجد فيه له تبعا فقالوا الضاربك والضارباتك والضاربي والضارباتي ، كما قالوا لضارباك والضارباك والضاربوك والضاربي كما قال عبد الرحمن بن حسان :
أيّها الشاتمي ليحسب مثلي
إنما أنت في الضّلال تهيم (2)
1) صدره. وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى.
2) الاعراب أيها منادى بحرف نداء محذوف. والشاتمي صفة أي. ولتحسب اللام لام كي. وتحسب فعل مضارع منصوب بلام كي وضمير المخاطب نائب الفاعل. ومثلي مفعوله. وإن ملغاة عن العمل لدخول ما عليها. وأنت مبتدأ. وفي الضلال متعلق بتهيم.وتهيم جملة فعلية خبر المبتدأ (والشاهد فيه) ان الشاتم لما أضيف إلى ياء المتكلم حذفت منه النون قال ابن يعيش والصواب ان الياء في موضع نصب اتفاقا.
وقوله :
هم الآمرون الخير والفاعلونه (1)
اللغة المعظم اسم مفعول الأمر الذي يعظم دفعه ورواه الجوهري في هاء السكت إذا ما خشوا من معظم الأمر مفظعا. ومفظع اسم فاعل من أفظع الأمر افظاعا وفظع فظاعة إذا جاوز الحد في القبح. وخشوا أصله خشيوا بكسر الشين فحذفت الكسرة ونقلت ضمة الياء إليها ثم حذفت الياء للساكنين.
الاعراب هم ضمير منفصل مبتدأ. والآمرون خبر. والخير مضاف إليه. وقوله والفاعلونه عطف على الآمرون وهو مضاف إلى الضمير. وإذ ظرف فيه معنى الشرط. وما زائدة وهي كذلك اطرادا بعد إذا. وخشوا فعل وفاعل. ومن حادث الدهر جار ومجرور ومضاف ومضاف إليه يتعلق بخشوا. ومعظما مفعول خشوا وجواب إذا حذف لدلالة الكلام عليه. (والشاهد فيه) انه قد جمع في قوله والفاعلونه بين النون والضمير ضرورة. وصوابه والفاعلوه بحذف نون الجمع للاضافة فان حكم الضميران يعاقب النون والتنوين لأنه بمنزلتهما في الضعف والاتصال. وذكر المبرد ان مثل هذا غلط لأن المجرور لا يقوم بنفسه ولا ينطق به وحده. فإذا اتي بالتنوين فقد فصل ما لا ينفصل وجمع بين زائدين. وذكر سيبويه ان هذا البيت مصنوع ويمكن توجيهه بأن الكلام من باب الحذف والايصال والأصل والآمرون به فحذفت الياء واتصل الضمير به. وهذا التوجيه انما يستقيم على رواية المبرد وأما على رواية هم الآمرون الخير والفاعلونه فلا لأن أمر يتعدى بالياء. يقال أمرته بكذا بخلاف فعل فانه متعد بنفسه.
مما لا يعمل عليه.
وكل اسم معرفة يتعرف به ما أضيف إليه إضافة معنوية ، إلا أسماء توغلت في إبهامها في نكرات وإن أضيفت إلى المعارف ، وهي نحو غير
1) تمامه إذا ما خشوا من حادث الدهر معظما. وأنشد المبرد الشطر الأول. هم الفاعلون الخير والآمرونه. ولم يذكر أحد ممن تكلم على هذا البيت له قائلا.
ومثل وشبه. ولذلك وصفت بها النكرات فقيل مررت برجل غيرك ومثلك وشبهك ودخل عليها رب قال :
يا ربّ مثلك في النّساء غريرة (1)
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة
تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فانني
أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
اللغة غريرة أي مغترة بلين العيش غافلة عن صروف الدهر. ويروى عزيزة من العز ومتعتها أي أعطيتها شيئا تتمتع به.
الاعراب يا حرف نداء. والمنادى محذوف أي يا هذه. ورب مثلك جار ومجرور.
وغريرة صفة مثل وبيضاء صفة ثانية. وقوله قد متعتها بطلاق جملة فعلية في محل جر صفة مثل أيضا (والشاهد فيه) دخول رب على مثل ورب لا تدخل إلا على النكرات. (والمعنى) كثير من النساء مثلك في الحسن والجمال داخلها الغرور وغفلت عما تحدثه الأيام من صروفها فطلقّتها يهدد بذلك زوجته ويخوفها عاقبة الغرور.
اللهم إلا إذا شهر المضاف بمغايرة المضاف إليه كقوله عز وجل : (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ،) أو بمماثلته.
والأسماء المضافة إضافة معنوية على ضربين : لازمة للإضافة وغير لازمة لها. فاللازمة على ضربين : ظروف وغير ظروف. فالظروف نحو فوق وتحت وأمام وقدام وخلف ووراء وتلقاء وتجاه وحذاء وحذة وعند ولدن ولدى وبين ووسط وسوى ومع ودون. وغير الظروف نحو مثل وشبه وغير وبيد وقيد وقدا وقاب وقيس وأي وبعض وكل وكلا وذو ومؤنثه ومثناء ومجموعه وأولو
1) هذا صدر البيت وتمامه. بيضاء قد متعتها بطلاق. وهو لأبي محجن الثقفي واسمه مالك بن حبيب ، وقيل عبد الله بن حبيب ، وقيل كنيته اسمه. وهو من الشعراء المجيدين والفرسان المعدودين. وكان مولعا بالخمر لا يكاد يقلع عنها وقد جلده فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه سبع مرات ثم نفاه إلى جزيرة وهو القائل في الخمر :
وأولات وقد وقط وحسب.
وغير اللازمة نحو ثوب وفرس ودار وغيرها مما يضاف في حال دون حال.
وأي اضافته إلى اثنين فصاعدا إذا أضيف إلى المعرفة كقولك أي الرجلين وأي الرجال. عندك ، وأيهما وأيهم وأي من رأيت أفضل ، وأي الذين لقيت أكرم. وأما قولهم أيي وايك كان شرا فأخزاه الله ، فكقولك اخزى الله الكاذب مني ومنك وهو بيني وبينك ، والمعنى أينا ومنا وبيننا. قال العباس بن مرداس :
فأيي ما وأيّك كان شرّا
فقيد إلى المقامة لا يراها (1)
الا من مبلغ عني خفافا
ألو كا بيت أهلك منتهاها
اللغة قيد مجهول قاد الأعمى. ويروى فسيق من السوق. والمقامة بضم الميم وفتحها المجلس ولا يراها أي لا يبصرها.
الاعراب أي مبتدأ مضاف إلى ياء المتكلم. وما زائدة للتأكيد. وايك عطف على أي. وكان ناقصة واسمها ضمير فيها أي أينا. وشرا خبرها. والجملة خبر المبتدأ وقيد فعل ماض مبني للمجهول ، ونائب الفاعل ضمير فيه. وانما دخلت الفاء على الماضي لكونه دعاء. والمعنى جعله الله بحيث يقاد وإلى المقامة متعلق بقيد. وقوله لا يراها لا نافية ويراها فعل وفاعل ومفعول. والجملة في محل نصب على الحال أي قيد ملتبسا بهذه الحالة (والشاهد فيه) انه اضاف أي إلى المفرد فقال الي وإليك. والوجه اضافته إلى اثنين فصاعدا «والمعنى» من كان مناشرا من صاحبه اعماه الله في الدنيا فلا يبصر حتى يقاد إلى مجلسه.
وإذا أضيف إلى النكرة أضيف إلى الواحد والإثنين والجماعة كقولك أي رجل وأي رجلين وأي رجال ، ولا تقول أيا ضربت وبأي مررت إلا حيث جرى ذكر ما هو بعض منه كقوله عز وجل : (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ
1) البيت من قصيدة يخاطب بها خفاف بن ندبة السلمي في أمر شجر بينهما أولها :
الْحُسْنى). ولاستيجابه الإضافة عوضوا منها توسيط المقحم بينه وبين صفته في النداء.
وحق ما يضاف إليه كلا أن يكون معرفة ومثنى أو ما هو في معنى المثنى ، كقوله :
فإنّ الله يعلمني ووهبا
ويعلم أن سيلقاه كلانا (1)
الاعراب ان حرف توكيد ونصب. ولفظ الجلالة اسمها. ويعلمني فعل مضارع وفاعل ومفعول. ووهبا عطف على المفعول. ويعلم فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى الله.
وان مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن. وسيلقاه فعل ومفعول. وكلانا فاعله. والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر ان. «والشاهد فيه» انه اضاف كلا إلى نا وهو ضمير الجمع مع انه انما يضاف إلى المثنى لأنه حمل الكلام على المعنى لأنه عنى نفسه ووهبا وهما اثنان (والمعنى) ان الله يعلمني ويعلم انه سيلقاه كل واحد منا.
وقوله :
إنّ للخير وللشّرّ مدى
وكلا ذلك وجه وقبل (2)
يا غراب البين أسمعت فقل
انما تنطق شيئا قد فعل
وقد أجابه عنها حسان رضي الله عنه بقصيدة رد فيها عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وعرض بوقعة بدر وانخذال المشركين فيها ومطلعها :
ذهبت يا ابن الزبعرى وقعة
كان منا الفضل فيها لو عدل
اللغة المدى الغاية التي ينتهي اليها الشيء وقبل بكسر القاف وفتح الموحدة الجهة.
الاعراب ان حرف توكيد ونصب. وللخير خبرها مقدم. وللشر عطف عليه. ومدى اسم إن مؤخر. وكلا مبتدأ مضاف إلى اسم الاشارة. ووجه خبر المبتدأ. وقبل عطف عليه (والشاهد فيه) ان كلا أضيف إلى ذلك وهو وان كان مفردا في اللفظ إلا أنه في المعنى مثنى لأنه يرجع إلى شيئين الخير والشر (والمعنى) ان لكل من الخير والشر غاية ينتهي اليها فلا هذا يدوم ولا ذاك. وكلا الأمرين له وجه وجهة من المصلحة فربما نزل بالانسان مكروه آلمه وأزعجه وهو في الحقيقة خير له.
ونظيره (عوان بين ذلك). ويجوز التفريق في الشعر كقولك كلا زيد وعمرو.
وحكمه إذا أضيف إلى الظاهر أن يجري مجرى عصا ورحا ، تقول جاءني كلا الرجلين ، ورأيت كلا الرجلين ، ومررت بكلا الرجلين. وإذا أضيف إلى المضمر أن يجري مجرى المثنى على ما ذكر.
ومن العرب من يقر آخره على الألف في الوجهين.
وأفعل التفضيل يضاف إلى نحو ما يضاف إليه أي ، تقول هو أفضل الرجلين وأفضل القوم ، وتقول هو أفضل رجل ، وهما أفضل رجلين ، وهم أفضل رجال ، والمعنى في هذا إثبات الفضل على الرجال إذا فضلوا رجلا رجلا واثنين اثنين وجماعة جماعة. وله معنيان : أحدهما أن يراد أنه زائد على المضاف إليهم في الخصلة هو وهم فيها شركاء ، والثاني أن يؤخذ مطلقا له الزيادة فيها إطلاقا ثم يضاف لا للتفضيل على المضاف إليهم لكن لمجرد التخصيص ، كما يضاف ما لا تفضيل فيه وذلك نحو قولك الناقص والأشج أعدلا بني مروان ، كأنك قلت عادلا بني مروان. فأنت على الأول يجوز لك توحيده في التثنية والجمع وأن لا تؤنثه قال الله تعالى : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ،) وعلى الثاني ليس لك إلا أن تثنيه وتجمعه وتؤنثه وقد اجتمع الوجهان في قوله عليه السّلام (ألا أخبركم بأحبكم إليّ وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا الموطؤن أكنافا الذين يألفون ويؤلفون ألا
أخبركم بأبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجالس يوم القيامة أساوئكم أخلاقا الثرثارون المتفيهقون). وعلى الوجه الأول لا يجوز أن تقول يوسف أحسن أخوته ، لأنك لما أضفت الأخوة إلى ضميره فقد أخرجته من جملتهم من قبل أن المضاف حقه أن يكون غير المضاف إليه ، ألا ترى أنك إذا قلت هؤلاء إخوة زيد في عداد المضافين إليه ، وإذا خرج من جملتهم لم يجز إضافة أفعل الذي هو هو إليهم ، لأن من شرطه إضافته إلى جملة هو بعضها. وعلى الوجه الثاني لا يمتنع. ومنه قول من قال لنصيب أنت أشعر أهل جلدتك كأنه قال أنت شاعرهم :
ويضاف الشيء إلى غيره بأدنى ملابسة بينهما كقول أحد حاملي الخشبة لصاحبه خذ طرفك وقال :
إذا كوكب الخرقاء لاح بسحرة (1)
وقالت سماء البيت فوقك منهج
ولما تيسر أحبلا للركائب
اللغة الخرقاء التي لا تحسن عملا لعزتها على أهلها أو من الخرق بضم الخاء المعجمة وهو الجهل والحمق ، ولاح ظهر. وأذاعت من أذاع الخبر إذا نشره وأفشاه والقرائب جمع قريبة.
الاعراب إذا ظرف. وكوكب مرفوع بفعل محذوف يفسره المذكور أي لاح. والخرقاء مضاف إليه. ولاح فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الكوكب. وبسحرة متعلق به. وسهيل بدل من الكوكب أو عطف بيان. وأذاعت فعل ماض فاعله ضمير يعود الى الخرقاء. وغزلها مفعوله. وفي القرائب متعلق باذاعت. (والشاهد فيه) أن اضافة كوكب إلى الخرقاء لأدنى ملابسة بينهما وهي انها كانت تجتهد في العمل عند طلوعه. (والمعنى) ان هذه المرأة لحمقها تترك العمل في الصيف فإذا لاح سهيل وبدت علامات الشتاء وأقبل البرد اجتهدت في نسج غزلها وأشاعته بين قريباتها ليساعدنها فيه.
1) لم أر من ذكر قائله وتمامه. سهيل أذاعت غزلها في القرائب. وبعده :
أضاف الكوكب إليها لجدها في عملها إذا طلع وقال :
إذا قال قدني قال بالله حلفة
لتغني عني ذا إنائك أجمعا (1)
دفعت إليه رسل كوماء جلدة
وأغضيت عنه الطرف حتى تضلعا
اللغة قدني أي يكفيني وقال الثانية يروى بدلها قلت وهو الصواب وبالله يروى بدله آليت. ولتغني أي لتبعد. وقال بعضهم هو من قولك أغن وجهك عنه أي اجعله بحيث يكون غنيا عن رؤيته. وذا إنائك يريد به اللبن.
الاعراب إذا ظرف. وقال فعل ماض وفاعله ضمير يعود إلى الضيف. وقدني مفعوله. وقلت فعل وفاعل جواب اذا. وحلفة مفعول مطلق وقوله لتغني بكسر اللام للتعليل. وتغني منصوب بلام كي. واستشهد به الأخفش على اجابة القسم بلام كي. وقال غيره الجواب محذوف. أي لتشربن لتغني عني ويروي لتغنن بلام مفتوحة ونون مكسورة هي عين الفعل المؤكد قد تحذف وتبقى الكسرة دليلا عليها : وهي لغة فزارة يقولون أرضن وابكن. وفاعل تغني ضمير المخاطب. وذا إنائك مفعوله واجمعا تأكيد للمفعول. (والشاهد فيه) انه أضاف الاناء إلى الضيف وان كان هو للمضيف لأدنى ملابسة وهي الشرب منه. وفيه شاهدان آخران جواز لحاق نون الوقاية لقد التي بمعنى حسب وجواز التأكيد باجمع بدون كل. (والمعنى) إذا قال الضيف يكفيني ما شربته من اللبن قلت أقسم بالله لتشرب اللبن الذي في الإناء كله.
لملابسة له في شربه وهو لساقي اللبن.
والذي أبوه من إضافة الشيء إلى نفسه أن تأخذ الأسمين المعلقين على عين أو معنى واحد كالليث والأسد وزيد وأبي عبد الله والحبس والمنع ونظائرهن فتضيف أحدهما إلى الآخر فذلك بمكان من الإحالة. فأما نحو قولك جميع القوم وكل الدراهم وعين الشيء ونفسه فليس من ذلك.
ولا يجوز إضافة الموصوف إلى صفته ولا الصفة إلى موصوفها وقالوا دار
1) البيت لحريث بن عناب بتشديد النون الطائي وقبله :
الآخرة وصلاة الأولى ومسجد الجامع وجانب الغربي وبقلة الحمقاء على تأويل دار الحياة الآخرة وصلاة الساعة الأولى ومسجد الوقت الجامع وجانب المكان الغربي وبقلة الحبة الحمقاء وقالوا عليه سحق عمامة وجرد قطيفة وأخلاق ثياب وهل عندك جائبة خبر ومغرّبة خبر على الذهاب بهذه الأوصاف مذهب خاتم وسوار وباب ومائة لكونها محتملة مثلها ليلخص أمرها بالإضافة كفعل النابغة في إجراء الطير على العائذات بيانا وتلخيصا لا تقديما للصفة على الموصوف حيث قال :
والمؤمن العائذات الطير يمسحها
ركبان مكّة بين الغيل والسّند (1)
يا دار مية بالعلياء فالسند
اقوت وطال عليها سالف الأمد
اللغة المؤمن اسم فاعل من آمنه يؤمنه. والعائذات جمع عائذة من عاذ بفلان فأعاذه أي لجأ إليه فحماه مما يخاف ويحذر. ويمسحها أي يتبرك بها. وركبان جمع راكب أو اسم جمع له. والغيل ماء كان يجري في أصل أحد. والسند موضع دوين أحد.
الاعراب والمؤمن الواو حرف قسم. والمؤمن مقسم به. والعائذات جر بالاضافة إليه أو مفعول به. والطير تابع للعائذات في حاليه. ويمسحها فعل مضارع ومفعول والضمير فيه يعود إلى الطير. وركبان فاعله. ومكة جر بالاضافة إليه وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. وبين منصوب على الظرفية. والغيل جر بالاضافة إليه والسند عطف على الغيل والمقسم عليه قوله في البيت بعده :
ما ان أتيت بشيء أنت تكرهه
إذا فلا رفعت سوطي إلى يدي
والشاهد فيه) انه أجرى الطير على العائذات بيانا وليس هو من قبيل تقديم الصفة على الموصوف. (والمعنى) اقسم بالذي يؤمن الطير العائذات إلى الحرم ما أتيت بشيء أنت تكرهه.
1) هو للنابغة واسمه زياد بن معاوية. ويكنى أبا امامة وأبا عقرب بابنتين له. وهو أحد شعراء الجاهلية. وأحد فحولهم عده رواة الشعر في الطبقة الأولى بعد امرىء القيس. وانما قيل له النابغة لقوله. فقد نبغت لنا منهم شؤون. وقيل لأنه لم يقل الشعر حتى كبر وأسن. والبيت من قصيدة يمدح بها النعمان بن المنذر وهي أجود قصائده فيه وأولها.
وقد أضيف المسمى إلى اسمه في نحو قولهم لقيته ذات مرة وذات ليلة ومررت به ذات يوم وداره ذات اليمين وذات الشمال وسرنا ذات صباح قال أنس بن مدركة الخثعمي :
عزمت على إقامة ذي صباح
لأمر ما يسوّد من يسود (1)
وقال الكميت :
إليكم ذوي آل النبي تطلّعت
نوازع من قلبي ظماء وألبب (2)
اللغة تطلعت تشوفت ونوازع جمع نازعة من نزعت النفس إلى الشيء إذا اشتاقت إليه. والظماء العطاش واحده ظمآن للذكر وظمأى للأنثى. وانما وصف النوازع بالعطش للمبالغة في قوتها وشدتها. وألبب جمع لب وهو العقل وهو شاذ والقياس ألب بالإدغام.
الاعراب اليكم يتعلق بتطلعت. وذوي منادى بحرف نداء محذوف. وتطلعت فعل ماض. ونوازع فاعله. ومن قلبي متعلق بصفة نوازع. وظماء صفة نوازع. وألبب عطف على نوازع (والشاهد فيه) انه اضاف ذوي إلى آل النبي وذلك من اضافة المسمى إلى الاسم أي يا أصحاب هذا الاسم وهذا مذهب الأكثرين. وذهب البعض إلى زيادة ذي «والمعني» يا أصحاب هذا الاسم اليكم تشوفت نوازع من قلبي عطاش إلى رؤياكم وعقول مشتاقة اليكم.
وقالوا في نحو قول لبيد :
إلى الحول ثم اسم السّلام عليكما
ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر (3)
تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما
وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر
فقوما فقولا بالذي تعلمانه
ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر
وقولا هو المرء الذي لا صديقه
أضاع ولا خان الخليل ولا غدر
إلى الحول البيت وليس ذلك من قوله يرثي أخاه لأمه وهو أربد كما ذكره بعضهم.
اللغة اعتذر بمعنى أعذر أي صار ذا عذر بحيث لا يلحقه لوم.
الاعراب إلى الحول متعلق بقوله قبله فقوما فقولا الخ ثم لعطف الجملة على ما قبلها. واسم مبتدأ. والسّلام جر بالاضافة إليه. وعليكما خبر. ومن حرف شرط جازم. ويبك فعل مضارع مجزوم بها. وحولا نصب على الظرف. وكاملا صفته. وقوله فقد اعتذر جملة فعلية جواب الشرط (والشاهد فيه) اقحام المضاف وهو اسم (والمعنى) إذا مت فقوما حولا كاملا فابكياني واذكراني بما أنا أهله فإذا تم الحول فالسلام عليكما لا أريد منكما غير هذا فإن من يبك حولا كاملا فقد أعذر. وقد أشكل على كثير من الناظرين معنى البيت فغلطوا فيه.
1) الاعراب عزمت فعل وفاعل. على اقامة متعلق بعزمت في محل نصب به. واقامة مضاف إلى ذي. وذي مضاف إلى صباح. وقوله لأمر متعلق بيسود وما صلة للتأكيد أو صفة. ويسود فعل مضارع مبني للمجهول. ونائب الفاعل. من وهي موصولة. ويسود فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى من. والجملة صلة الموصول (والشاهد فيه) انه اضاف ذي إلى صباح وهو اسمه. (والمعنى) عزمت على اقامة صباح لأمر يسودني فان الناس لا يجعلون أحدا سيدا عليهم الا اذا كان فيه من الأخلاق ما يستوجب السيادة.
2) هذا البيت من جملة أبيات قصيدته التي أولها طربت وما شوقا إلى البيض اطرب.
3) يروى ان لبيدا لما حضرته الوفاة قال لابنتيه :
وفي قول ذي الرّمة :
داع يناديه باسم الماء مبغوم (1)
أإن توهمت من خرقاء منزلة
ماء الصبابة من عينيك مسجوم
اللغة نعش كرفع وزنا ومعنى ويروى لا يرفع والطرف جفن العين. والتخون التعهد ومبغوم من بغمت الناقة إذا صوتت بصوت لم تفصح به.
الاعراب ينعش فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى ساجي الطرف المذكور في البيت قبله وهو :
كأنها أم ساجي الطرف أخذلها
مستودع ضمر الوعساء. مرخوم
والطرف مفعوله وقوله إلا استثناء من عموم الأحوال أي لا يرفع الطرف في حال من الأحوال إلا في حال تخون داع. وما مصدرية. وتخونه فعل ماض. والهاء مفعوله. وداء فاعله. وجعل بعض المعربين تخونه فعلا مضارعا حذفت منه احدى التاءين. وجعل الفاعل ضميرا فيه يعود إلى الظبية. وداع بدلا من ضمير الفاعل وليس بسديد. وقوله يناديه باسم الماء جملة فعلية في محل رفع صفة داع. ومبغوم صفة أخرى. (والشاهد فيه) أن باسم مقحم وقال ابن الحاجب في شرح المفصل النداء انما هو باللفظ أي لفظ ماء فلو حمل الاسم على اللفظ لاختل المعنى والذي يجعل الاسم المسمى في قوله. ثم اسم السّلام من باب ذات يوم ويتأول قوله باسم الماء على أن المراد بمسمى هذا اللفظ ويجعله دالا على قولك ماء وهو حكاية بغام الظبية. ويقوي ذلك استعماله استعمال رجل وفرس بادخال اللام عليه وخفضه واضافته. ولو لا تقديره اسما لذلك لم يجر هذا المجرى أه ووافقه ابن جني في الخصائص «والمعنى» يقول ان هذا الخشف لا يرفع طرفه ولا جفن عينيه من شدة نعاسه إلا أن تأتي إليه أمه فيسمع حسها أو صوتها فعند ذلك ينتعش ويقوم.
1) صدره. لا ينعش الطرف إلا ما تخونه. هو لذي الرمة من قصيدته التي شبب فيها بمحبوبته خرقاء وأولها :
وقوله :
تداعين باسم الشيب في متثلّم (1)
وكم عسفت من منهل متخطأ
أفل وأقوى فالجمام طوامي
اللغة الشيب حكاية أصوات الإبل عند الشرب والمتثلم المتكسر والمتهدم. وانما أراد في حوض متثلم فحذف الموصوف. والبصرة حجارة فيها بياض وبه سميت البصرة. والسّلام بكسر السين جمع سلمة بفتحها وكسر اللام وهي الحجارة.
الاعراب تداعين فعل ماض ونون النسوة فاعله والنون ضمير القلص وهي النوق الشواب. وباسم متعلق بتداعين. والشيب جر بالاضافة إليه. وفي متثلم متعلق بتداعين أيضا. وجوانبه من بصرة وسلام جملة من مبتدأ وخبر في محل جر صفة متثلم (والشاهد فيه) اقحام لفظ اسم ورده بعضهم بانه لو كان البيت على اقحام اسم لقال باسم شيب بدون الألف ولم يقل باسم الشيب لأن لفظهما غير موجود في أصوات الإبل وانما أراد الشاعر تداعين بصوت يشبه في اللفظ صوت الشيب جمع أشيب أه أقول وجود أل لا يضر فانها زيدت في الحكاية لا انها من المحكي. على ان الصاغاني نقل في العباب ان الشيب بأل حكاية أصوات مشافر الإبل «والمعنى» انه يصف إبلا قد وردت على حوض تهدم فشربت منه فيقول دعا بعض الإبل بعضا إلى الشرب بصوت مشافرها عند الشرب من ذلك الحوض.
أن المضاف يعنون الأسم مقحم خروجه ودخوله سواء وحكوا هذا حي زيد وأتيتك وحي فلان قائم وحي فلانة شاهد وأنشدوا :
1) البيت لذي الرمة أيضا من قصيدة يمدح بها ابراهيم بن هشام بن الوليد بن المغيرة وتمامه. جوانبه من بصرة وسلام. وقبله :
يا قرّ إنّ أباك حيّ خويلد
قد كنت خائفه على الإحماق (1)
وكان حيا قبلكم لم يشربوا
فيها بأقلبة أجن زعاق
اللغة قر مرخم قرة وهو اسم رجل. والإحماق مصدر أحمق الرجل إذا ولد له ولد أحمق وكذا احمقت المرأة. واما حمق بدون الهمزة فهو من الحمق بالضم وهو فساد العقل.
الاعراب يا أداة نداء. وقر منادى مرخم مفرد علم. وان حرف توكيد ونصب.
وأباك اسمها. وحي خويلد بدل أو عطف بيان من أباك. وقد حرف تحقيق. وكنت كان واسمها وخائفه خبرها. وعلى الاحماق متعلق به. والجملة من كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر إن. (والشاهد فيه) اقحام لفظ حي وكذا ذكره البيضاوي في اللب وتعقبه بعض شارحيه بانه غير زائد من جهة المعنى فانه يفيد نوعا من تحقير ما أضيف إليه حي كأنه يقول هذا شخص ليس سوى انه حي قال بعض الفضلاء ولا يخفى ان هذه النكتة قاصرة على هذا البيت لا تتمشى في غيره (والمعنى) قد كنت أرى من أبيك مخايل أخشى منها أن يولد له ولد أحمق وقد تحقق هذا الذي كنت اتخوفه بولادته اياك يريد وصف المخاطب بالحمق إلا أنه عدل إلى هذا الطريق مع بعده لزيادة المبالغة وتمام التأكيد بكونه أحمق.
وعن الأخفش إنه سمع إعرابيا يقول في أبيات قالهن حيّ رباح بإقحام حي والمعنى هذا زيد وإن أباك خويلدا وقالهن رباح ومنه قول الشماخ :
ونفيت عنه مقام الذّئب (2)
وماء قد وردت لوصل أروى
عليه الطير كالورق اللجين
ذعرت به القطا ونفيت عنه
مقام الذئب كالرجل اللعين
اللغة ذعرت خوفت ونفرت والقطا طائر معروف. ونفيت طردت وأبعدت. والرجل اللعين المقصي المنفي المبعد.
الاعراب ذعرت فعل وفاعل وبه متعلق بذعرت. والباء بمعنى في. والضمير يعود إلى الماء المذكور في البيت قبله. والقطا مفعول ذعرت. وقوله ونفيت عنه مقام الذئب كالجملة التي قبلها (والشاهد فيه) اقحام لفظ مقام ولمثل هذا استشهد به البيضاوي في اللب. واعترضه بعض شارحيه بمثل ما اعترض به على الشاهد قبله. والجواب عنه كالجواب عن الأول «والمعنى» قد وردت الماء فذعرت عنه القطا وطردت عنه الذئب ففر كأنه الرجل المبعد. وانما خص القطا والذئب لأنهما لا يردان إلا مياه المفاوز والمجاهل التي لم تدمثها الخطا. ليشعر بذلك بكمال قوته وجرأته وفضل خبرته بمخارم الأرض ومجاهل طرقها وقلة مبالاته بأهوالها ومهلكاتها.
1) نسبه أبو زيد في النوادر إلى جبار بن سلمى بن مالك قال وهو جاهلي وأورد بعده :
2) هذا قطعة من البيت وقد نسبه هنا إلى الشماخ وزعم غيره انه لذي الرمة وليس بصواب. والصواب انه للشماخ واسمه معقل بن ضرار من قصيدة يمدح بها عرابة بن أوس الأنصاري. وذلك انه خرج في ركب يريد المدينة فصحب عرابة هذا فسأله عما يريد بالمدينة فقال أمتار لأهلي. وكان معه بعيران فأكرمه وأوقر بعيريه برا وتمرا فقال :
أي الذئب.
وتضاف أسماء الزمان إلى الفعل قال الله تعالى : (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ،) وتقول جئتك إذ جاء زيد ، وآتيك إذا احمرّ البسر ، وما رأيتك منذ دخل الشتاء ومذ قدم الأمير. وقال :
حنّت نوار ولات هنا حنّت (1)
حنت نوار ولات هنا حنت
وبدا الذي كانت نوار أجنت
لما رأت ماء السلى مشروبا
والفرث يعصر في الاناء أرنت
وفي البيت الثاني الاقواء وهو حذف من فاصلة البيت وكان يستوي بأن يقول متشربا ومثله قول الربيع بن زياد :
أفبعد مقتل مالك بن زهير
ترجوا النساء عواقب الاطهار
ولو قال ابن زهيرة لاستقام الوزن وخلص من هذا.
اللغة حنت من الحنين وهو الشوق وتوقان النفس. ونوار اسم بنت عمرو بن كلثوم او أصل معناه المرأة العفيفة التي لا تطلع إلى الرجال. ولات اختلفوا في كل من حقيقتها وعملها فقالوا في حقيقتها أربع مذاهب. الأول أنها كلمة واحدة وانها فعل ماض. واختلف هؤلاء على قولين أحدهما أنها في الأصل لات بمعنى نقص ومنه (لا يلتكم من أعمالكم) ثم استعملت للنفي. ثانيهما ان أصلها ليس بالسين كفرح فأبدلت سينها تاء ثم انقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فلما تغيرت اختصت بالحين. المذهب الثاني أنها كلمتان لا النافية لحقتها تاء التأنيث لتأنيث اللفظ أو لتأكيد المبالغة في النفي. الثالث أنها حرف مستقل ليس أصله ليس ولا لا النافية بل هو لفظ بسيط موضوع على هذه الصيغة. الرابع أنها كلمة وبعض كلمة لا النافية والتاء مزيدة في أول حين. وأما الاختلاف في عملها فعلى أربعة أقوال أيضا : الأول أنها لا تعزل شيئا فان ولها مرفوع فمبتدأ حذف خبره أو منصوب فمفعول حذف فعله الناصب له وهو قول الأخفش. والثاني أنها تعمل عمل أن وهو قول الكوفيين. والثالث أنها حرف جر وهو مذهب الفراء. والرابع أنها تعمل عمل ليس وهو قول الجمهور وقيده ابن هشام بشرطين كون معمولها اسمي زمان وحذف أحدهما وهنا في الأصل للمكان استعير هنا للزمان وبدا ظهر وأجنت كتمت وأخفت ومنه سمي الجنين جنينا لاستتاره في بطن أمه.
الاعراب حنت نوار فعل وفاعل. ولات تعمل عمل ليس. واسمها محذوف. وهنا خبرها. وحنت فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى نوار. وبدا فعل ماض. والذي فاعله. وكان ناقصة. ونوار اسمها. وأجنت جملة فعلية في محل نصب خبر كان. وجملة كان مع اسمها وخبرها في محل نصب مفعول به. وعائد الذي محذوف أي أجنته (والشاهد فيه) اضافة اسم الزمان وهو هنا إلى الفعل وهو حنت (والمعنى) حنت نوار إلى أهلها وليس الحين حين حنين وبدا من نوار ما كانت تستره من الشوق إلى ديارها.
1) هو لحجل بن نضلة وكان أسر بنت عمرو بن كلثوم وركب بها المفاوز فلما ابتعدت عن ديارها حنت إليها فقال :
وتضاف إلى الجملة الإبتدائية أيضا كقولك أتيتك زمن الحجاج أمير ، وإذ الخليفة عبد الملك. وقد أضيف المكان إليهما في قولهم اجلس حيث جلس زيد وحيث زيد جالس.
ومما يضاف إلى الفعل آية لقرب معناها من معنى الوقت قال :
بآية يقدمون الخيل شعثا
كأنّ على سنابكها مداما (1)
اللغة الشعث المتغيرة من السفر والجهد. والمدام الخمر شبه ما ينصب من عرقها على سنابكها ممزوجا بالدم بالمدام. والسنابك جمع سنبك وهو مقدم الحافر.
الاعراب بآية متعلق بفعل قبله أي أبلغهم عني كذا بآية. وتقدمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعله. والخيل مفعوله. وشعثا صفة الخيل. والجملة من الفعل والفاعل في محل جر باضافة آية اليه. ومداما اسم أن مؤخر. وعلى سنابكها خبر مقدم.
1) هو من شواهد الكتاب ولم يذكر له ولا شارحو أبياته قائلا :
وقال آخر :
ألا من مبلغ عني تميما
بآية ما يحبون الطعاما (1)
الاعراب الا اداة استفتاح. ومن اسم استفهام مبتدأو مبلغ خبرها. وعني متعلق بمبلغ. ومبلغ اسم فاعل فاعله ضمير فيه يعود إلى من. وتميما مفعوله. وبآية متعلق بمبلغ.
وما زائدة. ويحبون الطعاما جملة فعلية في محل جر باضافة آية إليه والقول فيه كالقول في الذي قبله.
وذو في قولهم اذهب بذي تسلم واذهبا بذي تسلمان واذهبوا بذي تسلمون. أي بذي سلامتك والمعنى بالأمر الذي يسلمك.
ويجوز الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الشعر. من ذلك قول عمرو بن قميئة :
لله درّ اليوم من لامها (2)
قد سألتني بنت عمرو عن الا
رض التي تنكر أعلامها
لما رأت ساتيدما استعبرت
لله در اليوم من لامها
تذكرت أرضا بها أهلها
أخوالها فيها وأعمامها
اللغة ساتيدما اسم جبل بين ميافارقين. وسعرت واستعبرت بكت وانما أراد نفسه لا ابنته فكنى عن نفسه بها.
الاعراب لما حينية. ورأت فعل ماض. والتاء للتأنيث. وهي بصرية. وفاعلها ضمير يعود إلى ابنة عمرو. وساتيدما مفعوله. واستعبرت جواب لما وهو فعل ماض وفاعله ضمير يعود إلى ابنة عمرو أيضا. ولله خبر مقدم. ودر مبتدأ. ومن اسم موصول في محل جر باضافة در إليه. ولامها فعل وفاعل ومفعول. واليوم ظرف فصل به بين المتضايفين (والشاهد فيه) الفصل بين المتضايفين بالظرف. ولا يجوز اضافة در إلى اليوم على نحو قولهم عجبت من ضرب اليوم زيدا لأن درا لا تجري مجرى المصدر ولا تعمل عمل الفعل ، فلو أضيفت إلى اليوم لبقي قوله من لامها لا محل له لأنه ليس كالمصدر فيكون منصوبا به ولا يصح أن يكون من معمولا للامها لأنه في حيز الصلة وما هو كذلك لا يصح أن يعمل فيما قبله (والمعنى) لما رأت هذا الجبل بكت من وحشة الغربة وألم البعد عن الأهل فلله در من لامها اليوم على استعبارها وجزعها لأنها قد خرجت مختارة في طلب العلى والسؤدد فلا يحق لها البكاء كما قال له رفيقه امرؤ القيس يلومه على بكائه :
فقلت له لا تبك عينك إنما
نحاول ملكا أو نموت فنعذرا
هذا أحسن ما يقال في تفسير هذا البيت وبيان معناه وقيل فيه غير ذلك والله أعلم.
وقول درنا :
هما أخوا في الحرب من لا أخا له (1)
لقد زعموا أني جزعت عليهما
وهل جزع إن قلت وابأباهما
هما اخوا في الحرب من لا أخا له
إذا خاف يوما نبوة فدعاهما
اللغة النبوة ارتفاع السيف عن الضريبة كنى به هنا عن قصور الباع في الحرب.
الاعراب هما مبتدأ. وأخوا خبره. ومن في محل جر باضافة أخوا إليه. ولا أخا له صلة الموصول. وقوله في الحرب فصل به بين المتضايفين. وإذا ظرفية شرطية. وخاف فعل ماض فعل الشرط وفاعله ضمير يعود إلى من. ويوما ظرف. ونبوة مفعول خاف. وقوله فدعاهما جملة من فعل. وفاعل ومفعول وقعت جواب الشرط (والشاهد فيه) فصل الجار والمجرور بين المتضايفين (والمعنى) انهما أخوان لمن أسلمه إخوته وتركوا نصره لضيق ما هو فيه وقصرت باعه عن تخليص نفسه تريد أن من عادتهما اغاثة الملهوف.
1) نسبه المصنف إلى درنا. ونسبه الطائي في الحماسة إلى عمرة الخثعمية من قصيدة ترثي بها ابنيها أولها :
وأما قول الفرزدق :
بين ذراعي وجبهة الأسد (1)
اللغة العارض السحاب الذي يعترض الأفق. وأسر أي أفرح. ويروى أكفكفه أي أمسحه مرة بعد أخرى. ويروى أرقت له أي سهرت من أجله. والذراعان والجهة من منازل القمر الثمانية والعشرين فالذراعان أربعة كواكب كل كوكبين منها ذراع. قال الزجاج في كتاب الانواء ذراع الأسد المقبوضة وهو كوكبان نيران بينهما كواكب صغار يقال لها الأظفار كأنها في موضع مخالب الأسد فلذلك قيل لها الأظفار ، وانما قيل لها الذراع المقبوضة لأنها ليست على سمت الذراع في الآخر وهي مقبوضة عنها. ونورها يكون لليلتين تمضيان من كانون الثاني يسقط الذراع في المغرب غدوة وتطلع البلدة. والنسر الطائر في المشرق غدوة وفيه يجمد الماء ويشتد البرد. والجهة أربعة كواكب فيها عوج أحدها براق وهو اليماني منها وانما سميت الجبهة لأنها جبهة الأسد. ونورها يكون لعشر تمضي من شباط تسقط الجبهة في المغرب غدوة ويطلع سعد السعود من المشرق غدوة أه وانما خص الشاعر هاتين المنزلتين لأن السحاب الذي ينشأ بنوء من منازل الأسد يكون مطره أغزر.
الاعراب يا حرف نداء والمنادى محذوف أي يا قوم. ومن اسم استفهام مبتدأ. ورأى فعل ماض وفاعله ضمير يعود إلى من. وعارضا مفعوله. واسر به جملة من الفعل ونائبه في محل نصب صفة عارضا. وبين منصوب على الظرفية. وذراعي جر بالاضافة إليه وهو مضاف إلى محذوف بقرينة المضاف إليه الثاني. وجبهة عطف على ذراعي. والأسد مضاف إليه (والشاهد فيه) حذف المضاف إليه لأنه لما لم يجز الفصل بين المتضايفين بغير الظرف تعين أن يكون المضاف إليه محذوفا لدلالة الكلام عليه.
وقول الأعشى :
إلا علالة أو بداهة سابح (2)
وهناك يكذب ظنكم
أن لا اجتماع ولا زياره
ولا براءة للبري
ولا عطاء ولا خفاره
إلا علالة أو بدا
هة سابح نهد الجزارة
اللغة العلالة بقية جري الفرس وبقية كل شيء أيضا. والبداهة أول جري الفرس. ووقع في بعض الروايات تقديم بداهة على علالة والقارح من الخيل الذي بلغ أقصي أسنانه ، يقال قرح ذو الحافر يقرح بفتح العين فيهما قروحا انتهت اسنانه. وذلك إنما يكون إذا بلغ الخامسة من سني عمره ويروى بدله سابح وهو الذي يدحو الأرض بيديه في العدو والنهد الضخم المرتفع. والجزارة الرأس واليدان والرجلان وهذا في الأصل فيما يذبح لأن الجزار يأخذها في مقابلة ذبحها فبقي هذا الاسم عليها.
الاعراب الا علالة إستثناء منقطع من قوله في البيت قبله أن لا اجتماع أي لكن نزوركم بالخيل وبداهة عطف على علالة وسابح جر بالاضافة إليه. ونهد الجزارة صفة سابح وما اضيف إليه علالة محذوف أي علالة سابح (والشاهد فيه) كالذي قبله (والمعنى) إذا غزوناكم علمتم ان ظنكم بأننا لا نغزوكم كذب ، وهو زعمكم أننا لا نجتمع ولا نزوركم بالخيل غازين.
فعلى حذف المضاف إليه من الأول استغناء عنه بالثاني وما يقع في بعض نسخ الكتاب من قوله :
فزججتها بمزجّة
زجّ القلوص أبي مزاده (1)
اللغة زججتها أي ضربتها بالزج. والزج كعب الرمح. والمزجة بكسر الميم والفتح غلط رمح قصير يسمى المزراق. والقلوص الشابة من الإبل كالفتي من الرجال. وأبو مزادة كنية رجل.
الاعراب زججتها فعل وفاعل ومفعول. وبمزجة متعلق به. وزج منصوب بنزع الخافض أي زججتها زجا كزج والقلوص منصوب على أنه مفعول المصدر فصل به بين المتضايفين. وأبي مزادة جر باضافة زج إليه (والشاهد فيه) الفصل بين المتضايفين بغير الظرف والجار والمجرور وهو المفعول. وذلك جائز عند الكوفيين. واحتجوا له بهذا البيت وبأبيات أخر منها قوله :
بطعن بجوزي المراتع لم يزل
بواديه من قرع القسي الكنائن
والتقدير من قرع الكنائن القسي وبقوله :
وأصبحت بعد خط بهجتها
كأن قعرا رسومها قلما
والتقدير بعد بهجتها. وبأنه قد سمع من العرب هذا غلام والله زيد وان الشاة لتجتر فتسمع صوت والله ربها قالوا فإذا جاء هذا في منثور الكلام ففي الشعر أولى. والبصريون منعوا هذا وقالوا إن المتضايفين في قوة شيء واحد فلا يجوز الفصل بينهما الا أن العرب توسعت في الظروف والجار والمجرور ما لم تتوسع في غيرها. وأجابوا عن الشواهد الشعرية بأنها لم يعرف لها قائل فلا يصح الاحتجاج بها. فربما كان قائلها ممن لا يحتج بكلامه سيما وان بعضهم ذكر ان قوله (فزججتها بمزجة) البيت لبعض المولدين من المدنيين وعن المنثور بأن الفصل انما جاء في اليمين والايمان انما تدخل في كلامهم للتأكيد فكأنهم لما جازوا بها موضعها استدركوا ذلك بوضع اليمين حيث أدركوا من الكلام. ولهذا لم يجىء الفصل بغير اليمين في منثور الكلام. بقي أن ابن عامر أحد القراء السبعة قرأ (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم) بنصب أولادهم وجر شركائهم. وهي تصلح حجة للكوفيين فانه قد فصل فيها بين المتضايفين بالمفعول. فأجاب البصريون عن ذلك بأنه قد وقع الاجماع على امتناع الفصل في منثور الكلام بالمفعول. وإذا كان كذلك سقط الاحتجاج في الاضطرار.
قالوا وقراءة ابن عامر وهم منه وانما دعاه إلى ذلك انه وجد في مصحف أهل الشام شركائهم مكتوبا بالياء. ولا وجه لاثبات الياء إلا جر شركائهم فظن انه قد جر باضافة قتل اليه وليس كذلك. وانما جر على البدل من أولادهم. فان أولاد الناس شركاء آبائهم في أحوالهم وأموالهم. فأما قراءة ابن عامر فلا وجه لها في القياس وفي مصاحف أهل العراق والحجاز شركاؤهم بالواو فكان ذلك دليلا على صحة ما ذهبنا اليه. وقد وقع كثير من العلماء كالفراء واين الانباري وأبي عبيدة والزمخشري وغيرهم في ابن عامر ، وتكلموا فيه رضي الله عنه بما لا يليق سيما الزمخشري فلقد كان عفا الله عنه أشدهم وطأة عليه فقد قال وأما قراءة ابن عامر فشيء لو كان في مكان الضرورة لكان سمجا مردودا كما سمج ورد (زج القلوص أبي مزادة) فكيف به في الكلام المنثور فكيف به في القرآن المعجز بحسن نظمه وجزالته. والذي حمله على ذلك أنه رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوبا بالياء ولو قرأ بجر الأولاد والشركاء لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوجد في ذلك مندوحة من هذا الارتكاب اه وكل هذا لا وجه له فان ابن عامر لم يعتمد في قراءته على ما رآه في بعض المصاحف من كتابة شركائهم بالياء كما زعموا لأن هذا وان صح الاعتماد عليه في جر شركائهم الا انه لا يصح الاعتماد عليه والتمسك به في نصب أولادهم إذ المصحف مهمل من شكل ونقط ، وانما اعتمد على النقل الصحيح والرواية المتواترة. وقد ورد في السنة ما يؤيدها قال صلّى الله عليه وسلّم هل أنتم تاركو لي صاحبي ففصل في الاختيار بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور. على ان مخالفة الجمهور ليست صريحة في الخطأ سيما إذا كان المخالف من أهل اللسن والفصاحة ، فربما كان ذلك وقع إليه من لغة قديمة طال عهدها كما ذكر ذلك ابن جني في الخصائص. فظهر ان قراءة ابن عامر صحيحة من حيث اللغة ثابتة من جهة النقل ولا التفات إلى قول من طعن فيها ولو كان من الائمة الكبار هذا تحرير الكلام في هذا المقام. ثم ان هذا البيت ورد في بعض نسخ الكتاب. وقال المصنف : سيبويه بريء من عهدته وذلك لأن سيبويه لا يرى الفصل بغير الظرف والجار والمجرور ، فكيف يحتج بما يخالف مذهبه ، وهو من زيادات أبي الحسن الأخفش في هوامش كتاب سيبويه فأدخله الناس فيه هكذا قيل والله أعلم بالصواب.
فسيبويه برىء من عهدته.
1) لم يسم أحد قائله ولا ذكر له سابقا ولا لاحقا.
وإذا أمنوا الألباس حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه وأعربوه بإعرابه. والعلم فيه قوله تعالى : (وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ) لأنه لا يلبس أن المسؤول
أهلها لا هي. ولا يقولون رأيت هندا يعنون رأيت غلام هند. وقد جاء الملبس في الشعر قال ذو الرمة :
عشية فرّ الحارثيون بعد ما
قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر (1)
الاعراب عشية منصوب على الظرفية. وفر فعل ماض. والحارثيون فاعل. وبعد ظرف مضاف إلى ما. وما مصدرية. وقضى فعل ماض. ونحبه مفعوله. وفي ملتقى القوم جار ومجرور ومضاف ومضاف إليه متعلق بقضى. وهوبر أصله ابن هوبر وهو فاعل قضى ، فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه وأعطي حكمه. والشاهد والمعنى ظاهران وفي الاستشهاد به كلام يأتي في البيت الشاهد بعده.
وقال :
بما أعي النّطاسيّ حذيما (2)
فان يأتكم مني هجاء فانما
حباكم به مني جميل بن ارقما
اللغة الطب الحذق والفطنة ومنه سمي الطبيب لحذقه وفطانته. ويروى بدله بصير والبصير العالم الخبير وقد بصر بالضم بصارة وأعياه الأمر إذا لم يهتد إلى وجهه. والنطاسي بفتح النون وكسرها العالم الشديد النظر في الأمور. وابن حذيم رجل من أطباء العرب كان أطب من الحارث بن كلدة. حذف المضاف وهو ابن.
الاعراب هل حرف استفهام. وكم خبر مبتدأ محذوف أي ميل وقوله فيها الضمير فيه للمعزى وفيه حذف مضاف أي فهل لكم ميل في رد المعزى إلي. وانني أن حرف توكيد ونصب. والياء اسمها. وطبيب خبرها. وما موصولة في محل جر بالياء. وأعي فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى ما. والنطاسي مفعوله. وحذيما بدل منه. (والشاهد فيه) انه حذف المضاف وهو ابن. وأقام المضاف اليه مقامه كما حذف من البيت السابق لأن العالم بالطب والمشهور فيه هو ابن حذيم نفسه. وفي الأمثال أطب من ابن حذيم. وقد جعل المصنف هذا البيت من باب الحذف مع الالباس وذكر في تفسير الكشاف ما يخالفه فقد قال عند الكلام على قوله تعالى (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) التسمية واقعة على المضاف والمضاف إليه جميعا. وأما ما يرد من نحو قوله عليه الصلاة والسّلام : من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فهو من باب الحذف لا من الالباس ، كما حذف الشاعر ابن من ابن حذيم اه فقد جعله من باب ما لا لبس في حذفه. والصواب ما في الكشاف فإن الالباس وعدمه إنما يكون بالنسبة إلى المخاطب لا بالنسبة إلى كل واحد. ومثل هذا واضح عند المخاطب به. على ان صاحب القاموس قال في مادة ح ذم حذيمة رجل من تيم الرباب وكان متطببا عالما. وسبقه إلى مثل ذلك ابن السكيت. وعليه فالطبيب هو حذيم نفسه لا ابنه ولا حذف ولا شاهد (والمعنى) هل لكم ميل في رد المعزى إلي فأنني طبيب حاذق بالداء الذي عجز أشهر الأطباء عن مداواته وعلاجه. يريد أنه قادر على كيدهم والانتقام منهم كيف كان شأنهم.
أي ابن هوبر وابن حذيم. وكما أعطوا هذا الثابت حق المحذوف في الإعراب فقد أعطوه حقه في غيره قال حسان :
يسقون من ورد البريص عليهم
بردى يصفّق بالرّحيق السّلسل (1)
أسألت رسم الدار أم لم تسأل
بين الجوابي فالبضيع فحومل
اللغة الورد المجيء وانما عداه بعلى لتضمنه معنى النزول. والبريص بالصاد المهملة كما في معجم ما استعجم موضع بأرض دمشق. وهكذا ضبطه ابن يعيش في شرح المفصل بالصاد. إلا أنه قال فيه هو نهر يتشعب من بردى. وضبطه بعضهم بالضاد المعجمة. وقال هو واد في ديار العرب. أو من البرض وهو الماء القليل. والأول أجود. وبردى نهر دمشق. ويصفق أي يمزج يقال صفقت الخمر إذا مزجتها بالماء. والرحيق الخمر والسلسل السهل.
الاعراب يسقون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون. والواو فاعله. ومن مفعوله. وورد فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى من. والبريص مفعوله. وعليهم متعلق بورد. وبردى مفعول ثان. ويصفق بالرحيق جملة من الفعل ونائب الفاعل في محل نصب صفة المفعول. والسلسل صفة رحيق (والشاهد فيه) أن المضاف إليه قد يقوم مقام المضاف في التذكير كما قام هنا بردى مقام ماء بدليل قوله يصفق بضمير المذكر ولو لا ذلك لوجب أن يقال تصفق بالتاء للتأنيث لأن بردى من صيغ المؤنث وهو غير متعين فانه يصح أن يقال ذكر الضمير مراعاة للمعنى لأن بردى نهر. وقد رواه صاحب الأغاني هكذا. كأسا تصفق بالرحيق السلسل. وعليه فلا شاهد فيه (والمعنى) ان هؤلاء القوم لشدة كرمهم وجودهم يسقون من نزل عليهم هذا الموضع من ماء هذا النهر ممزوجا بالخمر ولا يسقونه الماء قراحا.
1) هو له من قصيدة جيدة جدا يمدح بها آل جفنة ملوك الشام أولها :
فذكر الضمير في يصفق حيث أراد ماء بردي وقد جاء قوله عز وجل :
(وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ). على ما للثابت والمحذوف جميعا.
وقد حذف المضاف وترك المضاف إليه في إعرابه في قولهم ما كل سواء تمرة ولا بيضاء شحمة. قال سيبويه كأنك أظهرت كل فقلت ولا كل بيضاء قال أبو دؤاد :
أكلّ امرء تحسبين امرأ
ونار توقّد بالليل نارا (1)
الاعراب الهمزة للاستفهام. وكل امرىء منصوب على انه مفعول أول لقوله تحسبين. وامرأ مفعوله الثاني. ونار بالجر لأن أصله وكل نار فلما حذف المضاف بقي على حاله. وتحسبين فيه أيضا مقدرة لأن المعنى وتحسبين كل نار. وتوقد جملة فعلية في محل جر صفة نار. ونارا مفعول ثان لتحسبين المقدرة. (والشاهد فيه) انه حذف المضاف وترك المضاف إليه وهو نار على أصله لم يقم مقام المضاف. (والمعنى) اتحسبين كل من هو على صورة الرجال رجلا كاملا وكل نار تضرم بالليل نارا انما الرجل من يركب الأخطار وانما النار ما أوقد لقرى الزوار.
1) أبو دؤاد اسمه جارية بن الحجاج وقال الأصمعي هو حنظلة بن الشرقي.
ويقولون ما مثل عبد الله يقول ذلك ولا أخيه. ومثله ما مثل أخيك ولا أبيك يقولان ذاك. وهو في الشذوذ إضمار الجار.
وقد حذف المضاف إليه في قولهم كان ذلك إذ وحينئذ ، ومررت بكل قائما. وقال الله تعالى : (وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) وقال تعالى : (وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ،) وقال : (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ،) وفعلته أوّل يريدون إذ كان كذا وكلهم وبعضهم وقبل كل شيء وبعده وأول كل شيء.
وقد جاءا محذوفين معا في نحو قول أبي دؤاد يصف البرق :
أسال البحار فانتحى للعقيق (1)
اللغة رأى أي لمع وتلألأ. وشريق مشرق. وبحار جمع بحر والمراد به الوديان.
والعقيق اسم واد بعينه. وانتحى أي قصد إليه وعمد نحوه.
الاعراب أيا حرف نداء. ومن منادى. ورأى فعل ماض. ولي متعلق به. ورأي مفعوله. وبرق مضاف إليه. وشريق صفة برق. وأسال فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى البرق والبحار مفعوله. وقوله فانتحى عطف على أسال (والشاهد فيه) انه حذف المضاف والمضاف إليه الأول واكتفى بالمضاف إليه الثاني.
وقول الأسود :
وقد جعلتني من حزيمة إصبعا (2)
فان تنج منها يا حزيم بن طارق
فقد تركت ما خلف ظهرك بلقعا
اللغة الابقاء ما تبقيه الفرس من العدو لأن من الخيل ما لا تعطي كل ما عندها من العدو بل تبقي منه شيئا إلى وقت الحاجة. يقال فرس مبقية إذا كانت تأتي بعدو عند انقطاع عدوها. ويروى أنقاء وهو بفتح الهمزة جمع نقو بالكسر ، وهو كل عظم ذي مخ ، يريد أن ظلعها وصل إلى عظامها ، ويروى إرقال وهو السير السريع. والعرادة بفتح العين والراء والدال اسم فرس الكلحبة والظلع العرج اليسير وهو في الإبل خاصة ولا يكون في ذي الحافر الا استعارة.
الاعراب الفاء استئنافية. وادرك فعل ماض. وإبقاء مفعوله. وظلعها فاعله. وقوله وقد الواو للحال. وقد حرف تحقيق وجعلتني فعل وفاعل ومفعول أول. ومن حزيمة متعلق بجعلتني وأصبعا مفعول ثان لجعلتني (والشاهد فيه) انه حذف فيه المضاف والمضاف إليه وأقيم المضاف إليه الثاني وهو أصبع مقام المحذوف ، أي ذا مسافة أصبع. وجعل بعضهم المحذوف ثلاث كلمات متضايفات أي ذا مقدار مسافة أصبع ، وهي زيادة لا حاجة إليها. فان المسافة تغني عن ذكر المقدار (والمعنى) انه تبع حزيمة وقد هرب منه فلما لم يبق بينه وبينه إلا قدر إصبع أدرك فرسه العرج ففاته ولو لا ذلك لقتله أو أسره.
قال الفسوي أي أسال سقيا سحابه وذا مسافة إصبع.
وما أضيف إلى ياء المتكلم فحكمه الكسر نحو قولك في الصحيح والجاري مجراه غلامي ودلوي ، إلا إذا كان آخره ألفا أو ياء متحركا ما قبلها أو واوا أما الألف فلا يتغير إلا في لغة هذيل في نحو قوله :
سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم (1)
أمن المنون وريبها تتوجع
والدهر ليس بمعتب من يجزع
اللغة هويّ بمعنى هواى وهي لغة هذيل ، وهكذا يفعلون في كل مقصور. واعنقوا أي تبع بعضهم بعضا أو ساروا العنق وهو ضرب من السير سريع. وتخرموا أي اخترمتهم المنية واختطفتهم واحدا بعد آخر.
الاعراب سبقوا فعل وفاعل. وهويّ مفعوله. وقوله واعنقوا جملة فعلية عطف على الجملة الأولى. ولهواهم جار ومجرور في محل نصب مفعول اعنقوا. ولكل جنب خبر مقدم. ومصرع مبتدأ مؤخر. (والشاهد) في هويّ حيث قلبت فيه الألف المقصورة وأدغمت في الياء.
1) تمامه (فتخرموا ولكل جنب مصرع) وهو لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي من قصيدة يرثي بها بنيه. وكان له بنون خمسة هاجروا إلى مصر فماتوا بالطاعون في سنة واحدة وأولها :
وفي حديث طلحة رضي الله عنه : فوضعوا اللّجّ على قفيّ ، يجعلونها إذا لم يكن للتثنية ياء ، ويدغمونها. وقالوا جميعا لدي ولديه كما قالوا علي وعليه وعليك. وياء الإضافة مفتوحة إلا ما جاء عن نافع محياي ومماتي وهو غريب. وأما الياء فلا تخلو من أن ينفتح ما قبلها كياء التثنية وياء الأشقين والمصطفين والمرامين والمعلّين أو ينكسر كياء الجمع. والواو لا تخلو من أن ينفتح ما قبلها كالأشقون وأخواته أو ينضم كالمسلمون والمصطفون. فما انفتح ما قبله من ذلك فمدغم في ياء المتكلم ياء ساكنة بين مفتوحين ، وما انكسر ما قبله من ذلك أو انضم فمدغم فيها ياء ساكنة بين مكسور ومفتوح.
والأسماء الستة متى أضيفت إلى ظاهر أو مضمر ، ما خلا الياء ، فحكمها ما ذكرنا. فأما إذا أضيفت إلى الياء فحكمها حكمها غير مضافة ، أي تحذف الأواخر ، إلا ذو فإنه لا يضاف إلا إلى أسماء الأجناس الظاهرة.
وفي شعر كعب :
صبحنا الخزرجيّة مرهفات
أبار ذوي أرومتها ذووها (1)
الاعراب صبحنا فعل وفاعل. والخزرجية مفعوله. ومرهفات مفعول ثان أي بسيوف مرهفات. وأبار فعل ماض. وذوي مفعوله. وأرومتها جر بالاضافة إليه. وذووها فاعل. والجملة في محل نصب صفة مرهفات. (والشاهد فيه) اضافة ذو إلى الضمير وهو إنما يضاف إلى اسم جنس ظاهر (والمعنى) صبحنا هؤلاء القوم بسيوف قواطع أفنى أصحاب تلك السيوف أرومة تلك القبيلة.
وهو شاذ.
1) اللغة صبحنا الخزرجية أي أتيناهم وقت الصباح. والمرهفات السيوف القوالع. وأبار أباد أو أفنى والأرومة الأصل.
وللفم مجريان أحدهما مجرى اخواته وهو أن يقال فمي والفصيح فيّ في الأحوال الثلاث. وقد أجاز المبرّد أبيّ وأخيّ وأنشد :
وأبيّ مالك ذو المجاز بدار (1)
قدر احلك ذا المجاز وقد أرى
وأبيّ مالك ذو النجيل بدار
الا كداركم بذي بقر الحمى
هيهات ذو بقر من المزدار
اللغة القدر حكم الله وقضاؤه. واحلك بمعنى انزلك. والهمزة فيه للتصيير أي صيرك حالا. وذا المجاز سوق كانت للعرب في الجاهلية على فرسخ من عرفة. وفي الصحاح إنها بمعنى وليس بشيء فان العرب في الجاهلية ما كانوا يبيعون ولا يبتاعون بمنى ، ولا عرفات إعظاما لهما. ورواه ثعلب ذو النجيل بضم النون وفتح الجيم موضع من أعراض المدينة وينبع. ويروى ذو النخيل بالخاء قال ابن الأثير وهو عين قرب المدينة وأخرى قرب مكة وموضع دوين حضرموت.
الاعراب قدر مبتدأ قال ابن هشام في مغنيه : والذي سوغ الابتداء به مع كونه نكرة وصفه بصفة محذوفة كالذي في قولهم شرأهر ذائاب أي قدر لا يغالب وشرأي شر. وأحلك فعل ماض. وفاعله ضمير يعود إلى القدر. والكاف مفعوله. وذا المجاز مفعول ثان. والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ. وقد حرف تحقيق. وأرى بمعنى أعلم تنصب مفعولين إلا أنها علقت عن العمل بما النافية. والجملة بعدها سدت مسد مفعوليها. وأبي الواو للقسم وأبي مقسم به. وجواب القسم محذوف يدل عليه مفعول أرى. وجملة القسم معترضة بين أرى ومفعوله. ورواه بعضهم بلا النافية بدل قد. وزعم أن الجملة المنفية جواب القسم. وان مفعولي أرى محذوفان. والتقدير ولا أراك أهلا لذي المجاز. وهذه الرواية منكرة ثم ان المعنى لا يوافق اعرابه. وما نافية. وذو المجاز فاعل لك لاعتماده على النفي أو مبتدأ. ولك خبره. وعليهما فقوله بدار حال وصاحبها ذو المجاز على الأول وضميره المستتر في لك على الثاني أو هو خبر المبتدأ ولك كان في الأصل صفة لدار فلما قدم صار حالا (والشاهد فيه) ان أبي عند المبرد مفرد رد لامه في الاضافة إلى الياء كما ردت في الاضافة إلى غيرها فيكون أصله أبويّ قلبت الواو ياء وادغمت فيها ثم ابدلت الضمة كسرة لئلا تعود الواو. وانكر المصنف ما ذهب إليه المبرد فقال وصحة محمله على الجمع في قوله (وفديننا بالابينا) تدفع ذلك يريد ان أبي جاء على لفظ الجمع ولا قرينة تخلصه للافراد فتعارض الاحتمالان فحمل على الجمع وسقط الاحتجاج به في محل الاختلاف فيكون أصله على هذا أبين. سقطت النون للاضافة وادغمت الياء التي هي ياء الجمع في ياء المتكلم فوزنه على هذا فعي لا فعليّ (والمعنى) ان الشاعر يخاطب نفسه يقول قضاء الله احلك في هذا الموضع وقد اعلم انه ليس لك في هذا الموضع منزل تقيم فيه بل ترتحل عنه.
1) صدره (قدر احلك ذا المجاز وقد أرى) قال ثعلب انشد الكسائي بزنبوية قربة من قرى الجبل قبل أن يموت.
وصحة محمله على الجمع في قوله :
وفدّيننا بالابينا (1)
ولما تبين اصواتنا
بكينا وفديننا بالابينا
وهو لزياد بن واصل السلمي من قصيدة يفتخر فيها بقومه ويذكر فيها بلاءهم في القتال أولها :
عزتنا نساء بني عامر
فسمنا الرجال هوانا مبينا
اللغة تبين أي تعرفن وبه روي أيضا ومعناه لما عرفن أصواتنا معرفة بينة وفديننا بالابينا معناه قلن لنا جعل الله آباءنا فداءكم ويروى بدل بكين رثمن ومعناه عطفن.
الاعراب لما ظرف بمعنى حين. وتعرفن فعل وفاعل. وأصواتنا مفعوله. وقوله بكين فعل وفاعل جواب لما. وفديننا جملة من فعل وفاعل ومفعول عطف على جملة بكين. وبالابينا متعلق بفديننا معرب اعراب جمع المذكر السالم (والشاهد فيه) أن أب جمع جمع المذكر السالم فقيل فيه ابين (والمعنى) انهم لما رجعوا من الحرب التي ابلوا فيها البلاء الحسن وفعلوا فيها بالاعداء ما فعلوا وعرف نسوتهم اصواتهم خرجن اليهم باكيات من الفرح يقلن لهم جعل الله آباءنا فداء لكم. وقيل في بيان المعنى غير هذا الا أن الأقرب ما ذكرناه.
تدفع ذلك.
1) هذا قطعة من بيت وهو :
هي الأسماء التي لا يمسها الأعراب إلا على سبيل التبع لغيرها وهي خمسة أضرب تأكيد وصفة وبدل وعطف بيان وعطف بحرف
هو على وجهين تكرير صريح وغير صريح. فالصريح نحو قولك رأيت زيدا زيدا. وقال أعشى همدان :
مرّ إني قد امتدحتك مرّا
واثقا أن تثيبني وتسرا (1)
الاعراب مرّ مرخم مرة وهو منادى بحرف نداء محذوف. وإني حرف توكيد ونصب. والياء اسمها. وقد حرف تحقيق. وامتدحتك فعل وفاعل ومفعول. والجملة خبر إن. ومرا تأكيد لمر والألف فيه للاطلاق. واثقا حال من فاعل امتدحتك. وأن حرف مصدري ونصب. وتثيبني فعل مضارع منصوب بأن وضمير المخاطب فاعله والياء في محل نصب مفعوله. وقوله وتسرا عطف على تثيبني وقوله مر يا مر تأكيد لفظي لمر السابق. ومرة بن تليد إما تأكيد آخر أو عطف بيان منه. وما نافية. وجدناك فعل ماض وفاعل ومفعول. وفي الحوادث متعلق به. وغرا مفعول ثان لوجدناك (والشاهد فيه) أنه أكد مرا تأكيدا لفظيا. (والمعنى) إني قد امتدحتك يامر وأنا على يقين من انك ستنعم عليّ وتسرني باحسانك إليّ ولقد اختبرناك عند الشدائد وحلول المصائب فما وجدناك حينئذ غرا مغفلا لا تهتدي لوجوه الخروج منها.
مرّ يا مرّ مرّة بن تليد
ما وجدناك في الحوادث غرّا
وغير الصريح نحو قولك فعل زيد نفسه وعينه والقوم أنفسهم وأعيانهم والرجلان كلاهما ، ولقيت قومك كلهم والرجال أجمعين والنساء جمع.
1) اللغة مراسم الممدوح واثقا أي متيقنا. وتثيبني تنعم عليّ. وغرا مغفلا.
وجدوى التأكيد أنك إذا كررت فقد فررت المؤكد وما علق به في نفس السامع ومكنته في قلبه ، وامطت شبهة ربما خالجته أو توهمت غفلة أو ذهابا عما أنت بصدده فأزلته ، وكذلك إذا جئت بالنفس والعين ، فإن لظان أن يظن حين قلت فعل زيد أن اسناد الفعل إليه تجوّز أو سهو أو نسيان. وكل وأجمعون يجديان الشمول والإحاطة.
والتأكيد بصريح التكرير جار في كل شيء في الأسم والفعل والحرف والجملة والمظهر والمضمر. تقول ضربت زيدا زيدا. وضربت ضربت زيدا ، وإن إنّ زيدا منطلق ، وجاءني زيد جاءني زيد ، وما أكرمني إلا أنت أنت.
ويؤكد المظهر بمثله لا بالمضمر ، والمضمر بمثله وبالمظهر جميعا. ولا يخلو المضمران من أن يكونا منفصلين كقولك ما ضربني إلا هو هو ، أو متصلا أحدهما والآخر منفصلا كقولك زيد قام هو وانطلقت أنت ، وكذلك مررت بك أنت وبه هو وبنا نحن ، ورأيتني أنا ورأيتنا نحن.
ولا يخلو المضمر إذا أكد بالمظهر من أن يكون مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا. فالمرفوع لا يؤكد بالمظهر إلا بعد أن يؤكد بالمضمر ، وذلك قولك زيد ذهب هو نفسه وعينه ، والقوم حضروا هم أنفسهم وأعيانهم ، والنساء حضرن هن انفسهن وأعيانهن ، سواء في ذلك المستكن والبارز. وأما المنصوب والمجرور فيؤكدان بغير شريطة ، تقول رأيته نفسه ومررت به نفسه.
والنفس والعين مختصان بهذه التفصلة بين الضمير المرفوع وصاحبيه ، وفيما سواهما لا فصل في الجواز بين ثلاثتها. تقول الكتاب قرىء كله ، وجاءني كلهم ، وخرجوا أجمعون.
ومتى أكدت بكل وأجمع غير جمع فلا مذهب لصحته حتى تقصد أجزاءه ، كقولك قرأت الكتاب كله ، وسرت النهار كله وأجمع وتجرت الأرض وسرت الليلة كلها وجمعاء.
ولا يقع كل وأجمعون تأكيدين للنكرات. لا تقول رأيت قوما كلهم ولا أجمعين وقد أجاز ذلك الكوفيون فيما كان محدودا كقوله :
قد صرّت البكرة يوما أجمعا (1)
اللغة البكرة من الإبل بمنزلة الفتاة من النساء. وصرت أي شد عليها الصرار وهو خيط يشد فوق خلف الناقة لئلا يرضعها وله ها. والخلف لذوات الخف كالثدي للانسان.
الاعراب صرت فعل ماض مبني للمجهول. والبكرة نائب الفاعل. ويوما ظرف واجمعا توكيد له. (والشاهد فيه) توكيد النكرة المحدودة وهو جائز عند الكوفيين ممنوع عند البصريين. واجاب البصريون عن هذا البيت بان قائله مجهول لم يعرف فلا يصح التمسك به وبان اجمع هذه ليست هي التي للتأكيد التي مؤنثها جمعاء. ولكن التي في قولك اخذت المال بأجمعه فحذف حرف الجر ثم ابدل الهاء الفا فصار أجمعا وقال العيني الرواية الصحيحة. (يوما اجمع) على أن يوما من غير تنوين واصله يومي فالألف منقلبة عن ياء المتكلم فاجمع توكيد للمعرفة اه وكأنه اخذ جوابه من جواب البصريين عن احتجاج الكوفيين بقوله. يا ليت عدة حول كله رجب. فانهم قالوا بان الرواية (عدة حولي) لكن إن كان يومي ظرفا فلم لم ينصب أجمع وان كان غير ذلك فما هو ثم انه ذكر ان صدر البيت (انا اذا خطافنا تقعقعا) فكيف اختلفت القافية مع ان البيت من الرجز الذي لا يجوز اختلاف قوافيه والحق ما ذهب اليه الكوفيون ، وما ذكره البصريون في دفع احتجاجاتهم لا يخلو عن تعسف ظاهر.
1) لم يعرف قائله قال العيني وصدره. انا إذا خطافنا تقعقما. قال الأديب البغدادي وفيه نظر من وجهين. الأول أن بيت الشاهد بيت من الرجز وليس مصراعا من بيت حتى يكون ما ذكره صدره. الثاني أنه غير مرتبط ببيت الشاهد فان بيت الشاهد لا يصح أن يكون خبرا عن قوله إنا ولا جوابا لإذا اللهم الا إن قدر الرابط أي صرت البكرة فيه وتكون الجملة الشرطية خبرا لإنّا فافهم.
وأكتعون وأبتعون وأبصعون إتباعات لأجمعون لا يجئن إلا على أثره.
وعن ابن أيسان تبدأ بأيتهن شئت بعدها. وسمع أجمع أبصع وجمع كتع وجمع بتع وعن بعضهم جاءني القوم أكتعون.
هي الأسم الدال على بعض أحوال الذات وذلك نحو طويل وقصير وعاقل وأحمق وقائم وقاعد وسقيم وصحيح وفقير وغني وشريف ووضيع ومكرم ومهان.
والذي تساق له الصفة هو التفرقة بين المشتركين في الأسم. ويقال إنها للتخصيص في النكرات وللتوضيح في المعارف.
وقد تجيء مسوقة لمجرد الثناء والتعظيم كالأوصاف الجارية على القديم سبحانه. أو لما يضاد ذلك من الذم والتحقير ، كقولك فعل فلان الفاعل الصانع كذا. وللتأكيد كقولهم أمس الدابر وكقوله تعالى : (نَفْخَةٌ واحِدَةٌ).
وهي في الأمر العام إما أن تكون اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة. وقولهم تميمي وبصري على تأويل منسوب ومعزوّ. وذو مال وذات سوار متأول بمتموّل ومتسوّرة أو بصاحب مال وصاحبة سوار. وتقول مررت برجل أيّ رجل وأيما رجل على معنى كامل في الرّجولية. وكذلك أنت الرّجل كل الرّجل ، وهذا العالم جدّ العالم وحق العالم يراد به البليغ الكامل في
شأنه. ومررت برجل رجل صدق وبرجل رجل سوء كأنك قلت صالح وفاسد ، والصدق ههنا بمعنى الصلاح والجودة ، والسّوء بمعنى الفساد والرداءة. وقد استضعف سيبويه أن يقال مررت برجل أسد على تأويل جرىء.
ويوصف بالمصادر كقولهم رجل عدل وصوم وفطر وزور ورضي ، وضرب هبر ، وطعن نثر ، ورمي سعر ، ومررت برجل حسبك وشرعك وهدّك وهمّك وكفيك ونحوك ، بمعنى محسبك وكافيك ومهمك ومثلك.
ويوصف بالجمل التي يدخلها الصدق والكذب. وأما قوله :
جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط (1)
بتنا بحسان ومعزاه يئط
ما زلت اسعى بينهم والتبط
حتى اذا كاد الظلام يختلط
جاؤا بمذق هل رأيت الذئب قط
اللغة حسان اسم رجل ينصرف ان كان من الحسن ويمنع منه ان كان من الحس بتشديد السين. والمعزى من الغنم خلاف الضأن. ويئط أي تصوت اجوافها من الجوع. وفسره بعضهم هنا بتصويت الرحل والإبل من ثقل احمالها وهو لا يناسب المعنى والتبط اعدو. وكاد بمعنى قارب. ويختلط يشتد سواده. والمذق اللبن الممزوج بالماء.
الاعراب حتى للانتهاء. وإذا ظرفية. وكاد فعل ماض ناقص. والظلام اسمها.
ويختلط جملة فعلية خبرها. وجاؤا فعل وفاعل جواب اذا. وبمذق متعلق به في محل نصب مفعوله. وهل حرف استفهام. ورأيت بصرية فعل وفاعل. والذئب مفعوله. وقط تأكيد للماضي المنفي لأن الاستفهام أخو النفي. (والشاهد فيه) ان قوله هل رأيت وقع صفة مذق بتقدير القول لأن الجملة انما تكون صفة اذا كانت خبرية أما الجملة الانشائية فلا (والمعنى) يقول ما زلت أسعى بين هؤلاء القوم وأعدو في طلب معروفهم فلما اختلط الظلام جاؤا بلبن ممزوج بالماء كأن لونه لكثرة ما أضيف اليه من الماء لون الذئب في غبرته وكدورته.
1) قال أبو العباس المبرد في الكامل العرب تختصر التشبيه وربما أومأت به إيماء. قال أحد الرجاز :
فبمعنى مقول عنده هذا القول لو رقته لأنه سمار. ونظيره قول أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه : وجدت الناس أخبر تقله ، أي وجدتهم مقولا فيهم هذا المقال. ولا يوصف بالجمل إلا النكرات.
وقد نزلوا نعت الشيء بحال ما هو سببه منزلة نعته بحاله هو ، نحو قولك مررت برجل كثير عدوّه وقليل من لا سبب بينه وبينه.
وكما كانت الصفة وفق الموصوف في إعرابه فهي وفقه في الأفراد والتثنية والجمع والتعريف والتنكير والتأنيث ، إلا إذا كانت فعل ما هو من سببه فإنها توافقه في الإعراب والتعريف والتنكير دون سواهما ، أو كانت صفة يستوي فيها المذكر والمؤنث نحو فعول وفعيل بمعنى مفعول أو مؤنثة تجري على المذكر نحو علّامة وهلباجة وربعة ويفعة.
والمضمر لا يقع موصوفا ولا صفة ، والعلم مثله في أنه لا يوصف به ، ويوصف بثلاثة بالمعرّف باللام وبالمضاف إلى المعرفة وبالمبهم. كقولك مررت بزيد الكريم وبزيد صاحب عمرو وصديقك وراكب الأدهم وبزيد هذا.
والمضاف إلى المعرفة مثل العلم يوصف بما يوصف به. والمعرف باللام يوصف بمثله وبالمضاف إلى مثله كقولك مررت بالرجل الكريم صاحب القوم. والمبهم يوصف بالمعرف باللام إسما أو صفة. واتصافه باسم الجنس ما هو مستبدّ به عن سائر الأسماء وذلك مثل قولك أبصر ذاك الرجل وأولئك القوم ويا أيها الرجل ويا هذا الرجل.
ومن حق الموصوف أن يكون أخص من الصفة أو مساويا لها ولذلك امتنع وصف المعرف باللام بالمبهم وبالمضاف إلى ما ليس معرّفا باللام لكونها أخص منه نحو جاءني الرجل صاحب عمرو.
وحق الصفة أن تصحب الموصوف إلا إذا ظهر أمره ظهورا يستغنى تبّع (1)
اللغة المسرودة الدرع وسرد الدرع نسجها أي أدخل الحلق بعضها في بعض. وقضاهما صنعهما والصنع الذي يحسن العمل بيديه. والسوابغ جمع سابغة وهي الدرع الوافية الواسعة. وتبع لقب لكل من ملك اليمن.
الاعراب عليهما خبر مقدم. ومسرودتان مبتدأ مؤخر. وقضاهما فعل ومفعول. وداود فاعل. والجملة في محل رفع صفة مسرودتان. وقوله أو صنع هو عطف على داود. والسوابغ جر بالاضافة اليه. وتبع بدل من صنع (والشاهد فيه) حذف الموصوف واقامة الضفة مقامه أي عليهما درعان مسرودتان.
عن ذكره فحينئذ يجوز تركه وإقامة الصفة مقامه كقوله :وعليهما مسرودتان قضاهما
داود أو صنع السّوابغ
وقوله :
ربّاء شماّء لا ياوي لقلّتها
إلّا السّحاب وإلّا الأوب والسّبل (2)
وهو على صيغة اسم الفاعل من تنخل يقال تنخلته اذا تخيرته وانما قيل له المتنخل لحسن اختياره في شعره. وهو من قصيدة طويلة يرثي بها ابنه أثيلة (مصغرا) وهو آخر القصيدة وأولها :
ما بال عينك أمست دمعها خضل
كما وهى سرب الاحزاب منبزل
اللغة رباء قال في الصحاح المربأة وكذلك المربأ والمرتبأ وكذلك ربأت القوم وارتبأتهم أي رقبتهم : وذلك اذا كنت لهم طليعة فوق شرف أي موضع مرتفع ، يقال ربأ لنا فلان وارتبأ اذا اعتان ، وربأت المربأة وارتبأتها أي علوتها والربيء والربيئة الطليعة فالرباء صفة مبالغة. وشماء مؤنث اشم من الشمم وهو الارتفاع ، اراد هضبة شماء فحذف الموصوف بدليل قوله لا يأوي لقلتها لأن القلة رأس الجبل. والأوب النحل لأنها ترعى وتؤوب إلى مكانها. ويروى النوب بضم النون جمع نائب وهو النحل أيضا. وقيل هو الريح. وقيل هو المطر لأن الله يرجعه وقتا بعد آخر. وإليه مال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى (والسماء ذات الرجع) والسبل المطر المنسبل أي النازل وهذا مما يقرب أن المراد بالأوب النحل.
الاعراب رباء خبر مبتدإ محذوف أي هو رباء. وشماء مضاف اليه مجرور بالفتحة. ولا نافية. ويأوي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة ولقلتها متعلق به. والا اداة استثناء والسحاب رفع على البدلية والا الثانية تأكيد للأولى. والاوب والسبل معطوفان على السحاب (والشاهد فيه) أن الموصوف قد يحذف عند القرينة الدالة عليه كما هنا فان التقدير رباء هضبة شماء وقال بعضهم رباء صفة قلة يقال قلة رباء وكأنه لم يقرأ القصيدة فان رباء صفة الرجل الرابيء وزنته فعال لا فعلاء (والمعنى) أن هذا الرجل طلاع هضبة شماء مرتفعة لا يصل إلى قلتها إلا السحاب وإلا النحل والمطر.
وقوله تعالى : (وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ) وهذا باب واسع ومنه قول النابغة :
كأنّك من جمال بني أقيش
يقعقع بين رجليه بشنّ (1)
أتخذل ناصري وتعز عبسا
أيربوع بن غيظ للمعن
اللغة بنو أقيش حي من عكل وجمالهم ضعاف تنفر من كل شيء فلا يكاد ينتفع بها في شيء. والقعقعة تحريك الشيء اليابس. والشن بالفتح القربة البالية وجمعها شنان وتقعقعها يكون بوضع الحصا فيها وتحريكها حتى يسمع منها صوت وهذا مما يزيدها نفورا.
الاعراب كأنك الكاف اسم أن. وخبرها محذوف ، أي كأنك جمل ولا يجوز أن يكون من جمال هو الخبر لأنه حينئذ لا يوجد ما يعود عليه الضمير في قوله بين رجليه. ومن جمال متعلق بمحذوف صفة جمل. وبني جر باضافة جمال إليه. وأقيش جر باضافة بني إليه. ويقعقع فعل مضارع مبني للمجهول. ونائب الفاعل محذوف للعلم به. وخلف ظرف. ورجليه جر باضافة خلف إليه. وبشن متعلق بيقعقع. وجملة الفعل ونائبه في محل رفع صفة جمل المحذوف (والشاهد فيه) حذف الموصوف للاستغناء عنه بدلالة الكلام عليه.
أي جمل من جمالهم وقال :
1) البيت للنابغة من قصيدة يخاطب بها عينية بن حصن الفزاري وذلك أن بني عبس قتلوا رجلا من بني أسد فقتلت بنو أسد رجلين من بني عبس فأراد عيينة بن حصن الفزاري أن يعين بني عبس عليهم وينقض الحلف الذي بين بني ذبيان وبين بني أسد فلامه النابغة على ذلك وقال أتخذل بني أسد وهم حلفاؤنا وتعين عبسا عليهم. وقبله وهو أول القصيدة :
لو قلت ما في قومها لم تيثم
يفضلها في حسب وميسم (1)
عفيفة الجيب حرام المحرم
من آل قيس في النصاب الأكرم
اللغة تيثم أصله تيثم كسرت التاء على لغة من يكسر حروف المضارعة غير الياء وهم بنو أسد وذلك بعد أن قلبت الهمزة ألفا ثم قلبت الألف ياء لانكسار ما قبلها. ويروى لم تأثم من غير إعلال ويفضلها يزيد عليها من الفضل وهو الزيادة والحسب ما يفاخر به الانسان أراد به هنا شرف النسب وهو شرف الآباء. والميسم الحسن والجمال.
الاعراب لو شرطية. وقلت فعل وفاعل فعل الشرط. وجملة لم تيثم جواب الشرط.
وتيثم فعل مضارع مجزوم بلم فعل الشرط. وفاعله ضمير المخاطب. وقوله ما في قومها ما نافية وفي قومها جار ومجرور خبر مبتدأ محذوف أي ما في قومها أحد. والضمير في قومها يعود إلى الممدوحة. ويفضلها فعل وفاعل ومفعول. والجملة في محل رفع صفة المبتدأ المحذوف (والشاهد فيه) أن جملة يفضلها وقعت صفة لموصوف محذوف وهو أحد كما تقدم (والمعنى) لو قال قائل ليس في قبيلة هذه المرأة من يفوقها ويزيد عليها في شرف النسب وجمال الذات لم يأثم ذلك القائل لأنه يكون صادقا في قوله.
أي ما في قومها أحد. ومنه :
أنا ابن جلا (2)
فان بداهتي وجراء حولي
لذو شق على الحطم الحرون
فلما أتاه وأنشده الشعر أخذ حصاة وانحدر إلى الوادي يقبل فيه ويدبر ويهمهم بالشعر ثم قال اذهب وقل لهما وأنشده :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفونى
في أبيات أخر فلما أتاهما ذلك أتياه واعتذرا له.
اللغة جلا فيه ثلاثة أقوال. الأول انه علم رجل كان فاتكا مشهورا بالغارات. والثاني انه اسم وهو انحسار الشعر عن مقدم الرأس. والثالث وهو الذي اختاره المصنف هنا أنه فعل ماض وهو الأقرب. وطلاع صيغة مبالغة. والثنايا جمع ثنية وهي الطريق في الجبل أو الرمل.
الاعراب أنا مبتدأ. وابن خبر. وجلا فعل ماض وفاعله ضمير يعود إلى رجل المحذوف. والجملة في محل جر صفة رجل المحذوف. وطلاع عطف على الخبر أو ما أضيف إليه. ومتى حرف شرط جازم. واضع فعل مضارع فعل الشرط وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين وفاعله ضمير المتكلم. وتعرفوني فعل مضارع جواب الشرط مجزوم بحذف النون.
وفاعله ضمير المخاطبين. والنون للوقاية. والياء مفعوله. (والشاهد فيه) أن جلا صفة لمحذوف أي رجل جلا (والمعنى) أنا ابن رجل كشف غياهب المدلهمات بهمته وأنا طلاع الجبال الوعرة أو ابن طلاعها. وقوله متى اضع العمامة الخ يريد به انه لشجاعته ومكانته عند نفسه لا يبرز إلى الحرب إلا حاسر الرأس حتى عرف بذلك واشتهر وصار علامة له ، فمتى رأوا رجلا حاسرا عرفوه انه هو. وفي معنى البيت كلام كثير جدا لا يخلو عن ضعف واختلال.
1) استشهد به سيبويه ونسبه لحكيم بن معية بضم الميم وفتح العين وتشديد الياء مصغر معاوية وهو أحد رجاز الاسلام. ونسبه ابن يعيش في شرح هذا الكتاب للأسود الحماني وبعده :
2) نسبه المحقق التفتازاني في شرح المطول إلى العرجي وليس بصواب وانما هو مطلع قصيدة لسحيم بن وثيل الرياحي وكان رجل أتى الأبيرد الرياحي وابن عمه الأحوص يطلب منهما قطرانا لإبله فقالا له إذا أنت أبلغت سحيم بن وثيل هذا الشعر اعطيناك فقال قولا فقالا.
أي رجل جلا. وقوله : بكفّي كان من أرمي البشر (1)
مالك عندي غير سهم وحجر
وغير كبداء شديدة الوتر
اللغة كبداء بفتح الكاف قوس واسعة المقبض. وأرمى أفعل التفضيل من الرمي أي أجود رميا.
الاعراب ما نافية. ولك خبر المبتدأ وهو غير سهم. حجر عطف على سهم. وغير كبداء كذلك. وشديدة الوتر صفة كبداء. ويرمي فعل وفاعله ضمير يعود إلى القوس.
ويكفي متعلق بيرمي. وحذفت النون لاضافته إلى رجل المحذوف. وكان فعل ماض ناقص. واسمها ضمير يعود إلى رجل. ومن أرمى البشر في محل نصب خبر كان. وكان مع اسمها وخبرها في محل جر صفة رجل. (والشاهد فيه) حذف الموصوف وهو رجل (والمعنى) أن هذا القوس يرمى بكفي رجل من أقوى الناس وأقدرهم على الرمي وأجودهم معرفة به.
يعني بكفي رجل وسمع سيبويه بعض العرب الموثوق بهم يقول ما منهما مات حتى رأيته في حال كذا وكذا ، يريد ما منهما واحد مات. وقد
1) لم أر من نسبه إلى راجزه. وقبله :
يبلغ من الظهور أنهم يطرحونه رأسا كقولهم الأجرع والأبطح والفارس والصاحب والأكب والأورق والأطلس.
هو على أربعة أضرب : بدل الكل من الكل كقوله تعالى : (اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ). وبدل البعض من الكل كقولك رأيت قومك أكثرهم وثلثيهم وناسا منهم ، وصرفت وجوهها أولها. وبدل الإشتمال كقولك سلب زيد ثوبه ، وأعجبني عمرو حسنه ، وأدبه وعلمه ، ونحو ذلك مما هو منه أو بمنزلته في التلبس به. وبدل الغلط كقولك مررت برجل حمار ، أردت أن تقول بحمار ، فسبقك لسانك إلى رجل ، ثم تداركته. وهذا لا يكون إلا في بداية الكلام وما لا يصدر عن روية وفطانة.
وهو الذي يعتمد بالحديث. وإنما يذكر لنحو من التوطئة وليفاد بمجموعهما فضل تأكيد وتبيين لا يكون في الإفراد. قال سيبويه عقيب ذكره أمثلة البدل أراد رأيت أكثر قومك وثلثي قومك وصرفت وجوه أولها. ولكنه ثنى الأسم توكيدا. وقولهم إنه في حكم تنحية الأول إيذان منهم باستقلاله بنفسه ومفارقته التأكيد والصفة في كونهما تمتينا لما يتبعانه لا أن يعنوا إهدار الأول وأطراحه. ألا تراك تقول زيد رأيت غلامه رجلا صالحا فلو ذهبت تهدر الأول لم يسد كلامك.
والذي يدل على كونه مستقلا بنفسه أنه في حكم تكرير العامل بدليل
مجيء ذلك صريحا في قوله عز وجل : (لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ) وقوله : (لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ). وهذا من بدل الإشتمال.
وليس بمشروط أن يتطابق البدل والمبدل منه تعريفا وتنكيرا بل لك أن تبدل أي النوعين شئت من الآخر قال الله تعالى : (إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللهِ) وقال : (بِالنَّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ ،) خلا أنه لا يحسن إبدال النكرة من المعرفة إلا موصوفة كناصية.
ويبدل المظهر من المضمر الغائب دون المتكلم والمخاطب. تقول رأيته زيدا ، ومررت به زيد وصفت وجوهها أولها. ولا تقول بي المسكين كان الأمر ولا عليك الكريم المعول والمضمر من المظهر نحو قولك رأيت زيدا إياه ومررت بزيد به. والمضمر كقولك رأيتك إياك ومررت بك بك.
هو اسم غير صفة ، يكشف عن المراد كشفها ، وينزل من المتبوع منزلة الكلمة المستعملة من الغريبة إذا ترجمت بها. وذلك نحو قوله :
أقسم بالله أبو حفص عمر
ما مسّها من نقب ولا دبر (1)
أقسم بالله أبو حفص عمر
ما مسها من نقب ولا دبر
حقا ولا أجهدها طول السفر
والله لو أبصرت لضوى يا عمر
وما بها عمرك من سوء الأثر
عددتني كابن سبيل قد حصر
فاغفر له اللهم إن كان فجر
فرق له عمر رضي الله عنه وأمر له ببعير ونفقة. ونسبه ابن حجر في الاصابة إلى عبد الله إبن كيسبة بفتح الكاف وسكون الياء. ونسبه ابن يعيش إلى رؤبة بن العجاج وهو خطأ لأن رؤبة لم يدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومات سنة خمس وأربعين بعد المائة ولم يعده أحد في التابعين.
الاعراب اقسم فعل ماض. وبالله متعلق به. وأبو حفص فاعله. وعمر عطف بيان له والشاهد والمعنى ظاهران.
أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فهو كما ترى جار مجرى الترجمة حيث كشف عن الكنية لقيامه بالشهرة دونها.
1) هو لأحد الاعراب. يروي أن اعرابيا أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين إن أهلي بعيد وإني على ناقة دبراء نقباء فاحملني. فقال كذبت والله ما بها نقب ولا دبر. فانطلق الاعرابي فحل ناقته ثم استقبل البطحاء وهو يقول وهو يمشي خلف ناقته :
والذي يفصله لك من البدل شيئان أحدهما قول المرّار :
أنا ابن التارك البكريّ بشر
عليه الطير ترقبه وقوعا (1)
الاعراب أنا مبتدأ. وابن خبر مضاف إلى التارك. والبكري جر باضافة التارك إليه. وبشر عطف بيان للبكري. وعليه يتعلق بوقوعا. والطير مبتدأ. وترقبه فعل وفاعل ومفعول في محل رفع خبر المبتدأ. ووقوعا نصب على أنه مفعول لأجله. أي ترقبه لأجل الوقوع عليه. (والشاهد فيه) ان قوله بشر عطف بيان على البكري لا يدل منه لأنه لو كان بدلا منه والمبدل منه في حكم الطرح لكان التارك داخلا على بشر وذلك غير صحيح وإلا لكان منصوبا لأن المحلى بال لا يضاف إلى ما ليس فيه أل. وجوز سيبويه أن يكون بدلا من البكري ، كما جوز أن يكون عطف بيان عليه. وغلطه المبرد وقال الرواية بنصب بشر. واحتج بأنه إنما جاز أنا ابن التارك البكري تشبيها بالضارب الرجل فلما جئت ببشر وجعلته بدلا صار مثل أنا الضارب زيدا الذي لا يجوز فيه إلا النصب (والمعنى) أنا ابن الذي ترك بشرا البكري طريحا على الأرض جريحا قد اطافت به الطير ودارت به تنتظر موته لتأكل من لحمه.
لأن بشرا لو جعل بدلا من البكري والبدل في حكم تكرير العامل لكان التارك في التقدير داخلا على بشر. والثاني أن الاول ههنا هو ما يعتمد بالحديث ، وورود الثاني من أجل أن يوضح أمره. والبدل على خلاف ذلك إذ هو كما ذكرت المعتمد بالحديث والأول كالبساط لذكره.
1) اللغة بشر اراد به بشر بن عمرو وكان قد جرح. وترقبه تنتظره ليموت فتنال من لحمه وأبوه الذي افتخر به هو جده خالد بن نضلة العبسي ولم يكن هو قتل بشر بن عمرو وانما قتله سبع بن الحسحاس إلا ان خالدا لما كان أمير الجيش يومئذ نسبه إليه.
هو نحو قولك جاءني زيد وعمرو. وكذلك إذا نصبت أو جررت يتوسط الحرف بين الاسمين فيشركهما في اعراب واحد. والحروف العاطفة تذكر في مكانها ان شاء الله تعالى.
والمضمر منفصله بمنزلة المظهر ، يعطف ويعطف عليه. تقول جاءني زيد وأنت ، ودعوت عمرا وإياك ، وما جاءني إلا أنت وزيد ، وما رأيت إلا إياك وعمرا. وأما متصله فلا يتأتى أن يعطف ويعطف عليه ، خلا أنه يشترط في مرفوعه أن يؤكد بالمنفصل. تقول ذهبت أنت وزيد ، وذهبوا هم وقومك ، وخرجنا نحن وبنو تميم. وقال تعالى : (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ) وقول عمر بن أبي ربيعة :
قلت إذ أقبلت وزهر تهادى (1)
اللغة زهر جمع زهراء. وتهادى تتبختر وتتمايل. ونعاج الفلا بقر الوحش. وتعسفن أي ملن عن الطريق واخذن في غيرها.
الاعراب قلت فعل وفاعل. وإذ ظرف بمعنى حين. وأقبلت فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى المحبوبة. وزهر عطف على الضمير في اقبلت. وتهادى فعل مضارع أصله تتهادى حذفت منه إحدى التاءين اكتفاء. وفاعله ضمير يعود إلى المحبوبة أيضا. والجملة في محل رفع صفة زهر. وكنعاج جار ومجرور. والفلا مضاف إليه. وتعسفن فعل ماض والنون فاعله. والجملة حال من النعاج. والعامل فيه تهادى. ورملا نصب على الظرفية أي في رمل. (والشاهد فيه) في قوله وزهر حيث عطف على الضمير المستتر المرفوع في أقبلت من غير توكيد ولا فصل. وقد جوز ذلك الكوفيون واحتجوا بهذا البيت. وأجيب عنه بأن الواو غير متعينة للعطف لأنها تصلح أن تكون للحال. وزهر مبتدأ وجملة تهادى خبر. والجملة في محل نصب على الحال. وأجاب المصنف عنه بأنه من ضرورة الشعر ولا ضرورة فيه لأنه كان يمكنه أن يقول وزهرا بالنصب على أنه مفعول معه.
1) تمامه. كنعاج الفلا تعسفن رملا.
من ضرورات الشعر. وتقول في المنصوب ضربتك وزيدا ولا يقال مررت به وزيد ، ولكان يعاد الجار وقراءة حمزة والأرحام ليست بتلك القوية.
وهو الذي سكون آخره وحركته لا بعامل. وسبب بنائه مناسبته ما لا تمكّن له بوجه قريب أو بعيد بتضمن معناه ، نحو أين وأمس أو شبهه كالمبهمات ، أو وقوعه موقعه كنزال ، أو مشاكلته للواقع موقعه كفساق وفجار ، أو وقوعه موقع ما أشبهه كالمنادى المضموم ، أو إضافته إليه كقوله تعالى : (مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ ،) و (هذا يَوْمُ)
(لا يَنْطِقُونَ) فيمن قرأها بالفتح ، وقول أبي قيس بن رفاعة :
لم يمنع الشّرب منها غير أن نطقت
حمامة في غصون ذات أو قال (1)
ثم ارعويت وقد طال الوقوف بنا
فيها فصرت إلى وجناء شملال
اللغة نطقت صوتت وصدحت وعبر عنه بالنطق مجازا وفي بمعني على. والأوقال جمع وقل بفتح فسكون ثمر الدوم إذا يبس فان كان رطبا لم يدرك فهو البهش.
الاعراب لم حرف جازم. ويمنع فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بلم. والشرب مفعول يمنع. ومنها الضمير فيه إلى الوجناء في البيت قبله. وغير فاعل يمنع ولكنه بني على الفتح جوازا لاضافته إلى مبني والرفع مرويّ أيضا. وان مصدرية. ونطقت فعل ماض وحمامة فاعله. وفي غصون متعلق بمحذوف صفة حمامة. وذات صفة غصون. وزعم العيني أنه بالرفع صفة حمامة وهو غلط (والشاهد فيه) أن غيرا يجوز بناؤه على الفتح ويجوز اعرابه وقد استشهد النحاة بهذا البيت في باب الاستثناء على أن غيرا إذا أضيفت إلى أن وإن المشددة فلا خلاف في جواز بنائها على الفتح. وقد اعترض عليه هناك بأن أن حرف والحرف لا يضاف إليه. وأجيب عنه بأنهم جعلوا ما يلاقي المضاف من المضاف إليه كأنه المضاف إليه (والمعنى) أن هذه الناقة لم يمنعها أن تشرب مع حاجتها إلى الماء إلا أنها صوتت حمامة فنفرت منها. يريد أنها حديدة النفس يخامرها فزع وذعر لحدة نفسها وذلك محمود في الإبل.
1) نسبه هنا لأبي قيس بن رفاعة الأنصاري. وتبعه عليه شراحه. وليس في الصحابة من يقال له أبو قيس بن رفاعة. وانما الموجود قيس بن رفاعة. ونسبه المصنف في الأحاجي إلى الشماخ وليس هو في ديوان شعره. والصحيح أنه لأبي قيس بن الأسلت. قال صاحب الأغاني لم يقع إليّ اسمه قال ابن حجر في الاصابة واسمه صيفي وقيل الحارث وقيل عبد الله وكان سيدا شريفا مطاعا في قومه وكان قومه الأوس قد أسندوا إليه أمرهم في يوم بعاث فقام في حربهم وآثرهم على كل شيء حتى شحب وتغير وانكره من كان يعرفه حتى امرأته وقيل البيت :
وقول النابغة :
على حين عاتبت المشيب على الصبى (1)
وإذا طعنت طعنت في مستهدف
رابي المجسة بالعبير مقرمد
فحسده المنخل اليشكوي على هذه القصيدة ولحقته من أجلها غيرة فقال للنعمان انه لا يستطيع احد أن يصف هذا الوصف إلا وقد جرب وشاهد. فلما بلغ النابغة ذلك خاف بطش الملك فهرب إلى ملوك غسان بالشام وكتب إليه بهذه القصيدة يستعطفه ويعتذر ومنها :
فانك كالليل الذي هو مدركي
وان خلت أن المنتأى عنك واسع
فحملتني ذنب امرىء وتركته
كذي العر يكوى غيره وهو راتع
اللغة المشيب الشيب. والصبى التصابي. ووازع مانع يقال وزعه عن كذا إذا دفعه عنه.
الاعراب على حين جار ومجرور وحين مجرور بكسرة ظاهرة أو مبني على الفتح في محل جر. وعاتبت فعل وفاعل. والمشيب مفعول. وعلى الصبي يتعلق بعاتبت. وقلت فعل وفاعل. وألما الهمزة فيه للاستفهام الانكاري. ولما جازمة. وتصح مجزوم بلما بحذف حرف العلة. والجملة في محل نصب بالقول. وقوله والشيب جملة ابتدائية في محل نصب على الحال (والشاهد فيه) ان حينا يجوز اعرابه ويجوز بناؤه على الفتح (والمعنى) كيف ينسب إلى القبيح بعد أن تولى الصبى وأقبل المشيب وارعوى القلب ولم يبق له في ما ينسب إليه مأرب.
1) تمامه. فقلت ألما تصح والشيب وازع. وهو من قصيدة له يستعطف بها النعمان بن المنذر وكان سأله إن يصف امرأته المتجردة وكانت أجمل نساء أهل زمانها فوصفها عضوا عضوا حتى انتهى إلى هنها فقال :
والبناء على السكون هو القياس. والعدول عنه إلى الحركة لأجل ثلاثة أسباب : الهرب من التقاء الساكنين في نحو هؤلاء. ولئلا يبتدأ بساكن لفظا أو حكما كالكافين التي بمعنى مثل والتي هي ضمير. ولعروض البناء وذلك في نحو يا حكم ، ولا رجل في الدار ، ومن قبل ، ومن بعد ، وخمسة عشر. وسكون البناء يسمى وقفا. وحركاته ضما وفتحا وكسرا.
وأنا أسوق إليك عامة ما بنته العرب من الأسماء ، إلا ما عسى أن يشذ منها. وقد ذكرناه في هذه المقدمة في سبعة أبواب وهي المضمرات وأسماء الإشارة والموصولات وأسماء الأفعال والأصوات وبعض الظروف والمركبات والكنايات.
وهي على ضربين متصل ومنفصل. فالمتصل ما لا ينفك عن اتصاله بكلمة ، كقولك أخوك وضربك ومرّ بك. وهو على ضربين بارز ومستتر.
فالبارز ما لفظ به كالكاف. في أخوك. والمستتر ما نوي كالذي في زيد ضرب. والمنفصل ما جرى مجرى المظهر في استبداده كقولك هو وأنت.
ولكل من المتكلم والخاطب والغائب مذكره ومؤنثه ومفرده مثناه ومجموعه ضمير متصل ومنفصل في أحوال الإعراب ، ما خلا حال الجر فإنه لا منفصل لها. تقول في مرفوع المتصل ضربت ضربنا وضربت إلى ضربتن ، وزيد ضرب إلى ضربن. وفي منصوبه ضربني ضربنا وضربك إلى ضربكن وضربه إلى ضربهن. وفي مجروره غلامي وغلامنا وغلامك إلى غلامكن وغلامه إلى غلامهن. وتقول في مرفوع المنفصل أنا نحن وأنت إلى أنتن وهو إلى هن وفي منصوبه إياي إيانا وإياك إلى إياكن وإياه إلى إياهن.
والحروف التي تتصل بأيّا من الكاف ونحوها لواحق للدلالة على أحوال المرجوع إليه. وكذلك التاء في أنت ونحوها في أخواته ولا محل لهذه اللواحق من الإعراب ، إنما هي علامات كالتنوين وتاء التأنيث وياء النسب.
وما حكاه الخليل عن بعض العرب إذا بلغ الرجل الستين فإياه وايا الشّوابّ مما لا يعمل عليه.
ولأن المتصل أخصر لم يسوّغوا تركه إلى المنفصل إلا عند تعذر الوصل. فلا تقول ضرب أنت ولا هو ولا ضربت إياك إلا ما شذ من قول حميد الأرقط :
إليك حتى بلغت إياك (1)
اللغة العنس بسكون النون الناقة الشديدة. وتقطع الاراكا أراد تقطع الأرضين التي هي منابت الاراك.
الاعراب أتتك فعل ماض وضمير المخاطب مفعوله. وعنس فاعله. وتقطع الاراكا جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل رفع صفة عنس. واليك متعلق بتقطع. وحتى غائبة. وبلغت فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى العنس. واياكا مفعوله. والألف فيه للاطلاق. (والشاهد فيه) انه وضع الضمير المنفصل وهو إياك موضع المتصل والكاف ضرورة. وقال الزجاج أراد الشاعر حتى بلغنك إياك فحذف الكاف ضرورة اه يقول إن الضمير المتصل لم يستغن عنه بالمنفصل حتى يكون شاذا وانما المنفصل مؤكد للمتصل إلا أنه حذف المؤكد بالفتح لضرورة الشعر وفيه أن حذف المؤكد بالفتح وابقاء المؤكد مؤكدا لغير موجود أقبح من الاستغناء بالمنفصل عن المتصل.
وقول بعض اللصوص :
كأنا يوم قرّى
إنما نقتل إيانا (2)
لقينا منهم جمعا
فاوفي الجمع مآنا
اللغة قرى موضع في بلاد بني الحارث بن كعب وهي قرى ماءة من تبالة ، وتبالة بفتح التاء بلد في اليمن وهي التي يضرب المثل بها فيقال أهون على الحجاج من تبالة. وكان الحجاج وليها وهو أول عمل وليه فلما قرب منها قال للدليل أين هي قال تسترها عنك هذه الاكمة. قال أهون عليّ بعمل بلدة تسترها عني أكمة ثم كر راجعا.
الاعراب كأنا أن حرف توكيد ونصب. ونا اسمها ويوم نصب على الظرفية. وقرى مجرور تقديرا باضافة يوم إليه. وانما ملغاة. ونقتل فعل مضارع وفاعل. وايانا مفعوله والجملة في محل رفع خبر أن (والشاهد فيه) وضع ايانا موضع الضمير المتصل في نقتلنا والقبح في هذا دون القبح في البيت الذي قبله لأن اتصال الكاف ببلغت حسن بخلاف اتصال ضمير الفاعل بالفعل فانه غير صحيح إلا أن يكون من أفعال القلوب فلا يقال ضربتني ولا أضربني ولا ضربتك بفتح التاء ولا زيد ضربه على أن الضمير عائد إلى زيد ، ولكن يقال ضربت نفسي وضربت نفسك وزيد ضرب نفسه ، وانما حظروا تعدي الفعل إلى ضمير فاعله كراهة أن يكون الفاعل مفعولا في اللفظ فاستعملوا في موضع الضمير النفس تنزيلا لها منزلة الأجنبي ، واستجازوا ذلك في أفعال العلم والظن الداخلة على جملة الابتداء فقالوا حسبتني في الدار. ولم يأت في هذا الباب إلا في فعلين عدمتني وفقدتني (والمعنى) شبه أولئك الذين قتلوا ذلك اليوم بنفسه وقومه في السيادة والشرف فقال كأننا بقتلهم إنما نقتل أنفسنا. وقيل إن أولئك المقتولين كانوا بني عمه فمن هذا قال ذلك.
وتقول هو ضرب والكريم أنت وإن الذاهبين نحن وقال :
ما قطّر الفارس إلا أنا (1)
اللغة جارات جمع جارة. وقطر الفارس أي صرعه صرعة شديدة.
الاعراب قد حرف تحقيق. وعلمت فعل ماض. وسلمى فاعله. وجاراتها عطف على الفاعل. وما نافية. وقطر فعل ماض. والفارس مفعوله. وإلا أنا فاعله (والشاهد فيه) أن الضمير في قوله إلا أنا جاء منفصلا لتعذر الاتصال للفصل بالا.
وجاء عبد الله وأنت وإياك أكرمت إلا ما أنشده ثعلب :
وما نبالي إذا ما كنت جارتنا
ألّا يجاورنا إلاك ديّار (2)
اللغة نبالي من المبالاة وهي الخوف. وديار بمعنى أحد وهو من الألفاظ المستعملة في النفي العام يقال ما في الديار ديار وديور وهو فعال من الدور أو من الدار وأصله ديوار ففعل به ما فعل بأصل سيد ولو كان فعال لكان دوار.
الاعراب ما نافية. ونبالي فعل مضارع وفاعل. وإذا ظرف. وما زائدة. وكنت كان واسمها وجارتنا خبرها. وان مصدرية. ولا نافية. ويجاورنا فعل مضارع منصوب بأن. ونا مفعوله. وديار فاعله. والجملة في محل نصب مفعول نبالي ، أما على تقدير حذف حرف الجر كقولك ما باليت بزيد أو على أنه متعد بنفسه كقولك ما باليت زيدا. والا حرف استثناء.
والضمير مستثنى من ديار متقدم عليه. وذكر العيني الا بمعنى غير والمعنى لا يساعد عليه (والشاهد فيه) وقوع الضمير المتصل بعد الا وهو شاذ والقياس وقوعه بعدها منفصلا (والمعنى) إذا حصلت مجاورتك فانتفاء مجاورة كل أحد غير مبالي بها لأن مجاورتك هي المقصودة دون غيرها.
فإذا التقى ضميران في نحو قولهم الدرهم اعطيتكه ، والدرهم اعطيتكموه ، والدرهم زيد معطيكه ، وعجبت من ضربكه ، جاز أن يتصلا كما نرى ، وأن يفصل الثاني كقولك اعطيتك إياه ، وكذلك البواقي. وينبغي إذا اتصلا أن يقدم منهما ما للمتكلم على غيره ، وما للمخاطب على الغائب ، فتقول أعطنيك واعطانيه زيد والدرهم اعطاكه زيد وقال عز وجل :
(أَنُلْزِمُكُمُوها).
وإذا انفصل الثاني لم تراع هذا الترتيب ، فقلت اعطاه إياك وأعطاك إياي وقد جاء في الغائبين أعطاهاه وأعطاهوها ومنه قوله :
وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة
لضغمهما ها يقرع العظم نابها (1)
أبقت لك الأيام بعدك مدركا
ومرة والدنيا قليل عتابها
اللغة الضغمة العضة كنى بها عن المصيبة. وروى أبو الحسن علي بن عيسى الرابعي بيت الشاهد هكذا :
فقد جعلت نفسي تهم بضغمة
على عل غيظ يقصم العظم نابها
والعل بفتح العين التكرار والقصم الكسر مع الفصل. وعلى هذه الرواية فلا شاهد فيه والرواية الأولى أشهر.
الاعراب قد حرف تحقيق. وجعلت فعل ماض من أفعال القلوب. ونفسي اسمها.
وتطيب فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى النفس. والجملة خبر تطيب. وقوله لضغمة متعلق بتطيب. واللام فيه بمعنى الباء وليست بمعنى من لأنه لم يرد أن نفسه تطيب من أجل الضغمة وانما أراد أنها تطيب بها وقوله يقرع العظم نابها جملة من الفعل والفاعل وهو نابها والمفعول وهو العظم في محل جر صفة ضغمة. وقوله لضغمهماها اللام فيه للتعليل والضمير الأول في موضع جر بالاضافة وهو فاعل في المعنى يرجع إلى الرجلين المذكورين في البيت قبله وهو :
سقيتكما قبل الظلام بشربة
يمر على باغي الظلام شرابها
والضمير الثاني في محل نصب على المفعولية وهو عائد إلى الضغمة (والشاهد فيه) اجتماع الضميرين وهو شاذ وكان القياس في الثاني الانفصال بأن يقول لضغمهما إياها. قال سيبويه في باب إضمار المفعولين إذا ذكرت مفعولين كلاهما غائب قلت اعطاهوها واعطاها هو جاز وهو عربي ولا عليك بأيّهما بدأت من قبل أن كلاهما غائب. وهذا أيضا ليس بالكثير في كلامهم والكثير في كلامهم أعطاه إياها (والمعنى) يصف شدة أصابه بها رجلان فقال وقد جعلت نفسي تثيب لاصابتهما بمثل الشدة التي أصاباني بها. وضرب الضغمة مثلا. ثم وصف الضغمة فقال يقرع العظم نابها فجعل لها نابا على السعة. والمعنى يصل وضرب الضغمة مثلا. ثم وصف الضغمة فقال يقرع العظم نابها فجعل لها نابا على السعة. والمعنى يصل فيها الناب إلى العظم فيقرعه.
1) البيت لمغلس بن لقيط من قصيدة يرثي بها أخاه أطيطا وكان له ثلاثة أخوة أطيط بالتصغير ومدرك ومرة. وكان أطيط برا به دون أخويه. فلما مات أطيط أظهرا له العداوة فقال هذه القصيدة واولها :
وهو قليل ؛ والكثير أعطاها إياه ، وأعطاه إياها ، والإختيار في ضمير خبر كان وإخواتها الإنفاصل كقوله :
لئن كان إياه لقد حال بعدنا
عن العهد والإنسان قد يتغيّر (1)
أمن آل نعم أنت غاد فمبكر
غداة غد أم رائح فمهجر
إلى أن قال :
قفي فانظري أسماء هل تعرفينه
أهذا المغيري الذي كان يذكر
أهذا الذي اطربت ذكرا فلم أكن
وعيشك أنساه إلى يوم أقبر
فقالت نعم لا شك غير لونه
سرى الليل يحيي نصه والتهجر
اللغة حال تغير من قولهم حالت القوس أي انقلبت عن حالها التي عمرت عليها وحصل في قالبها اعوجاج. وعن العهد أي عما عهدناه من شبابه وجماله.
الاعراب اللام موطئة للقسم. وإن حرف شرط جازم. وكان ناقصة اسمها ضمير فيها يعود إلى المغيري. واياه خبرها. والجملة فعل الشرط. وقوله لقد اللام فيه للتأكيد وقد حرف تحقيق. وحال فعل ماض. وفاعله ضمير فيه. وبعدنا ظرف يتعلق بحال. وعن العهد يتعلق بحال أيضا. والجملة جواب الشرط. والانسان مبتدأ. وقد يتغير جملة فعلية خبره والجملة الابتدائية حالية. (والشاهد) في قوله لئن كان إياه حيث جاء خبر كان ضميرا منفصلا قال المصنف وهو الاختيار. وقال بدر الدين في شرح الألفية الصحيح اختيار الاتصال لكثرته في النثر والنظم الفصيح. والصحيح ما ذهب إليه المصنف لأن منصوب كان خبر في الأصل والأصل في الخبر الانفصال (والمعنى) لئن كان هذا هو المغيري لقد تغير بعد فراقنا له عما عهدناه عليه من الشباب والجمال وذلك غير منكر فان الانسان عرضة للتغير.
1) هو من قصيدة لعمر بن أبي ربيعة شبب فيها بمحبوبته نعم أولها :
وقوله :
ليس إيّاي وإيّا
ك ولا نخشى رقيبا (1)
ليت هذا الليل شهر
لا نرى فيه عريبا
الاعراب ليس هنا تحتمل أمرين. الأول أن تكون في موضع الوصف للاسم قبلها كأنه قال لا يرى فيه أحدا غيري وغيرك. والثاني أن تكون استثناء بمنزلة الا وقوله ولا نخشى رقيبا جملة من الفعل والفاعل والمفعول (والشاهد فيه) مجيء خبر ليس ضميرا منفصلا.
وعن بعض العرب عليه رجلا ليسني وقال :
إذ ذهب القوم الكرام ليسي (2)
اللغة الطيس كل ما على وجه الأرض من الأنام وقيل هو كل خلق كثير النسل نحو النمل والذباب والهوام وقيل هو الكثير من الرمل والماء وغيرهما وأراد به رؤبة الرمل. وعددت من العد وهو الاحصاء. والعديد الاسم مثل العدد.
الاعراب عددت فعل وفاعل. وقومي مفعول. وقوله كعديد الطيس حال من قومي أي عددتهم وهم في هذه الكثرة. وقال العيني انه صفة لمصدر محذوف أي عدا كعديد الطيس. وإذ ظرفية. وذهب فعل ماض. والقوم فاعله. والكرام صفة قوم. وقوله ليسي ليس ناقصة. واسمها ضمير فيها. والضمير المتصل خبرها أي ليس الذاهب إياي (والشاهد فيه) مجيء خبر ليس ضميرا متصلا وهو شاذ. وفيه شذوذ آخر وهو حذف نون الوقاية. وحقه أن يقول ليسني (والمعنى) عددت قومي فوجدتهم في عدد الرمل ومع هذا فلم أر فيهم كريما غيري.
والضمير المستتر يكون لازما وغير لازم. فاللازم في أربعة أفعال إفعل وتفعل للمخاطب وافعل ونفعل. وغير اللازم في فعل الواحد الغائب وفي الصفات. ومعنى اللزوم فيه أن أسناد هذه الأفعال إليه خاصة لا تسند البتة إلى مظهر ولا إلى مضمر بارز ، ونحو فعل ويفعل يسند إليه وإليهما في قولك عمرو قام وقام غلامه وما قام إلا هو. ومن غير اللازم ما يستكن في الصفة نحو قولك زيد ضارب ، لأنك تسنده إلى المظهر أيضا في قولك زيد ضارب غلامه ، وإلى المضمر البارز في قولك هند زيد ضاربته هي ، والهندان الزيدان ضاربتهما هما ، ونحو ذلك مما أجريتها فيه على غير من هي له.
ويتوسط بين المبتدأ وخبره قبل دخول العوامل اللفظية وبعده إذا كان الخبر معرفة أو مضارعا له في امتناع دخول حرف التعريف عليه كافعل من كذا أحد الضمائر المنفصلة المرفوعة ، ليؤذن من أول أمره بأنه خبر لا نعت ، وليفيد ضربا من التوكيد. وتسميه البصريون فصلا ، والكوفيون عمادا. وذلك في قولك زيد هو المنطلق ، وزيد هو أفضل من عمرو ، وقال تعالى : (إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ ،) وقال تعالى : (كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ،) وقال :
(وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ ،) وقال تعالى : (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً.) ويدخل عليه لام الإبتداء ، تقول إن كان زيد لهو ظريف ، وإن كنا لنحن الصالحون. وكثير من العرب يجعلونه مبتدأ وما بعده مبنيا عليه. وعن رؤبة أنه يقول أظن زيدا هو خير منك ويقرؤون : وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمون و (أَنَا أَقَلَّ.)
ويقدمون قبل الجملة ضميرا يسمى ضمير الشأن والقصة. وهو المجهول عند الكوفيين. وذلك نحو قولك هو زيد منطلق اي الشأن والحديث زيد منطلق ، ومنه قوله عز وجل : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ). ويتصل بارزا في قولك ظننته زيد قائم ، وحسبته قام أخوك ، وأنه أمة الله ذاهبة ، وأنه يأتنا نأته ، وفي التنزيل : (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللهِ ،) ومستكنا في قولهم ليس خلق الله مثله وكان زيد ذاهب ، وكان أنت خير منه ، وكاد تزيغ قلوب فريق منهم.
ويجيء مؤنثا إذا كان في الكلام مؤنث نحو قوله تعالى : (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ ،) وقوله تعالى : (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ). وقال :
على أنها تعفو الكلوم (1)
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا
خراش وبعض الشر أهون من بعض
اللغة تعفو تنمحي وتبرأ من قولهم عفت الدار إذا اندرست وذهبت آثارها. والكلوم الجروح وأحدها كلم بفتح فسكون. ونوكل مبنيا للمفعول من قولهم وكلته بالأمر إذا فوضته إليه وألزمته به. والأدنى الأقرب.
الاعراب أن حرف مصدري ونصب وضمير القصة اسمها. وتعفو الكلوم فعل وفاعل في محل رفع خبر أن. ولم يحتج إلى الرابط لأن الخبر نفس المبتدأ في المعنى. وانما كافة ومكفوفة. ونوكل فعل مضارع مبني لما لم يسم فاعله. ونائب الفاعل ضمير المتكلم وبالأدنى متعلق به. وان حرف شرط جازم. وجل فعل ماض فعل الشرط. وما موصولة فاعل جل. ويمضي فعل مضارع صلة الموصول. وفاعله ضمير يعود إلى ما وجواب الشرط يدل عليه ما قبله. (والشاهد فيه) أن الضمير في أنها ضمير القصة لأن في الكلام مؤنثا وهو الكلوم. ويجوز تذكيره أيضا على اعتبار الشأن. وهذا مذهب البصريين. ومذهب الكوفيين أنه لا يؤنث ما لم يله مؤنث أو مذكر شبه به مؤنث نحو انها قمر جاريتك أو فعل بعلامة التأنيث كقوله تعالى : (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ) فإذا وجد أحد هذه الأمور جاز التأنيث باعتبار القصة والتذكير باعتبار الشأن (والمعنى) أن الكلوم تندمل ويذهب أثرها حتى لا يبقى لها أثر يذكرها المجروح به وإنما نحزن على الأقرب فالأقرب من المصائب وننسى ما مضى وبعد عهده وان كان هو أجل وأوجع مما قرب منا وهذا يجري مجرى الاعتذار عن قوله قبله وهو :
فو الله لا أنسى قتيلا رزئته
بجانب قوسي ما مشيت على الأرض
1) تمامه. (وإنما نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي) هو من قصيدة لأبي خراش الهذلي ، يرثي بها أخاه عروة ويبكيه. ويذكر خلاص ابنه خراش من الأسر ، ويحمد الله على ذلك. وأولها :
والضمير في قولهم ربه رجلا نكرة مبهم ، يرمي به من غير إلى مضمر له ، ثم يفسر العدد المبهم في قولك عشرون درهما ونحوه في الإبهام والتفسير والضمير في نعم رجلا.
وإذا كنى عن الأسم الواقع بعد لو لا وعسى فالشائع الكثير أن يقال لو لا أنت ولو لا أنا وعسيت وعسيت قال تعالى : (لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) وقال :
(فَهَلْ عَسَيْتُمْ). وقد روى الثقات عن العرب لولاك ولولاي وعساك وعساني وقال يزيد بن أم الحكم :
وكم موطن لولاي طحت كما هوى
بأجرامه من قلة النيق منهوي (1)
الاعراب كم للتكثير مبتدأ. وموطن جر بالاضافة إليه. والخبر محذوف تقديره لك. ولولاي قال سيبويه لو لا هنا حرف جر والضمير بعدها في محل جر بها وهذا الجار لا يحتاج إلى شيء يتعلق به. وقال غيره لو لا هنا حرف امتناع والياء مبتدأ استعير لفظ غير المرفوع للمرفوع. وخبره محذوف. تقديره حاضر. وطحت جملة من فعل وفاعل في محل جر صفة موطن. والرابط محذوف تقديره فيه. وهو جواب لو لا عند من يجعلها على بابها. وعلى رأي سيبويه فجملة لولاي طحت صفة موطن. وقوله كما هوى مفعول مطلق لطحت من غير لفظه أي طحت طوحا كهوي الساقط. فما مصدرية وقيل كافة. وهوى فعل ماض وباجرامه متعلق بهوى وقد جعل أعضاءه اجراما توسعا كما قالوا شابت مفارقه. ومن قلة النيق جار ومجرور ومضاف ومضاف إليه يتعلق بهوى. ومنهوي فاعل هوى وهو مطاوع هوى. وقد طعن فيه المبرد قال انفعل لا يجيء مطاوع فعل الا حيث يكون علاج وتأثير. وقال ابن جني إن انفعل أصله من الثلاثي ثم تلحقها الزيادتان نحو قطعته فانقطع ولا يكاد يكون فعل منه الا متعديا حتى تمكن المطاوعة والانفعال. وقد جاء فعل منه غير متعد وهو. وكم موطن لولاي طحت. البيت فانما هذه مطاوع هوى إذا سقط وهو غير متعد كما ترى. وقال الفارسي إنما بنى منهوي منفعلا لضرورة الشعر (والشاهد فيه) مجيء الضمير المشترك بين الرفع والجر على قلة بعد لو لا ولو جاءت علامة الاضمار على القياس لقال أنتم كما قال الله تعالى : (لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ) ومذهب المبرد أنه لا يجوز أن يليها من المضمرات الا المنفصل المرفوع كما جاء في القرآن. ودفع الاحتجاج بهذا البيت بأن في هذه القصيدة شذوذا في مواضع وخروجا عن القياس بالاتفاق فلا معرج عليه ولا وجه للتمسك به. وهذا الدفع مدفوع بما سيأتي من الشواهد بعده. وثم مذهب ثالث وهو مذهب الأخفش الذي حكاه المصنف وهو أن الضمير المتصل بعدها مستعار للرفع فيحكم بأن موضعه رفع بالابتداء وان كان بلفظ المضمر المنصوب أو المجرور (والمعنى) كم مشهد من مشاهد الحرب لو لا أنا موجود فيه أذب عنك لهلكت فيها كما هلك الساقط من أعلى الجبل.
1) اللغة الموطن المشهد من مشاهد الحروب. وطحت من طاح يطوح ويطيح إذا هلك وسقط. واجرام جمع جرم وهو الجسد والقلة أعلى الجبل والنيق أعلى الجبل أيضا والمنهوي الساقط.
وقال :
لولاك هذا العام لم أحجج (1)
عوجي علينا ربة الهودج
إنك إلا تفعلي تحرجي
وليس كذلك. وليس هذا البيت في القصيدة ولا في سائر ديوان العرجي. وانما هو مطلع قصيدة لعمر بن أبي ربيعة.
أنت إلى مكة أخرجتني
ولو تركت الحج لم أخرج
اللغة أومت من الإيماء وهو الاشارة. والهودج مركب النساء في السفر.
الاعراب أومت فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى المحبوبة. وبعينيها متعلق بأومت من الهودج كذلك. ولولاك مثل لولاي في الشاهد السابق وفي ذا العام متعلق بأحجج. (والشاهد فيه) كالذي قبله (والمعنى) أشارت إليّ بعينيها من الهودج تقول أنت الذي أخرجتني إلى مكة ولو لا خروجك للحج لم أخرج إليه ولا تجشمت مشقة السفر.
وقال :
يا أبتا علّك أو عساكا (2)
تقول بنتي قد أنى أناكا
فاستعزم الله ودع عساكا
أي حان ارتحالك في سفر تطلب فيه الرزق فاطلب من الله أن يثبت عزمك على الرحيل ودع عنك قول عسى أن لا أحصل من هذا السفر شيئا. الوجه الثاني أن قولهم (يا أبتا) تصحيف وانما هو (تأنيا علك أو عساكا) وصدر هذا البيت (تصغير أيدي العرس المداكا). وهو من أرجوزة لرؤبة أيضا يمدح بها إبراهيم بن عربي هذا ما نقل عن ابن الاعرابي والله أعلم بصواب ذلك.
اللغة انى بمعنى حان وقرب والإنى بكسر الهمزة والقصر الوقت كما في قوله تعالى (غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ) وذكر السيوطي في شرح شواهد المغني أنه بفتح الهمزة قال وأصله أناءك وهو اسم من فعل انى.
الاعراب تقول فعل مضارع. وبنتي فاعله. وقد حرف تحقيق. وانى فعل ماض. وأناك فاعله. والجملة في محل نصب مقول القول. وقوله يا أبتا يا حرف نداء وأبتا منادى مضاف. وقوله علك علّ حرف توكيد ونصب والكاف اسمها. وخبرها محذوف تقديره تظفر ببغيتك في سفرك هذا. وقوله أو عساكا فيه الأقوال الثلاثة. فمذهب سيبويه أن الكاف منصوبة لا مجرورة والا لقال عساي تنزيلا لها منزلة لعل فان قيل إذا كانت بمنزلة لعل اقتضت مرفوعا لأن المنصوب لا يكون بدون مرفوع. قيل إن مرفوعها محذوف وليس هو عمدة كالفاعل حتى يمتنع حذفه لأنها لما شبهت بلعل جاز أن يحذف مرفوعها كما جاز أن يحذف مرفوع لعل واخواتها لأن الأصل في معموليها المبتدأ والخبر وحذف اخبار المبتدآت لا حجر فيه. ومذهب المبرد أن الكاف مفعول مقدم والفاعل مضمر كأنه قال عساك الخير والشر. المذهب الثالث الذي حكاه المصنف عن الأخفش وهو أن الضمير بعدها للرفع كما تقدم شرحه في الشاهد السابق. والشاهد والمعنى ظاهران.
1) هذا عجز البيت وصدره. أومت بعينيها من الهودج. ذكر التبريزي أنه للعرجي من قصيدته التي أولها :
2) اختلف في قائله فقيل هو العجاج. والاكثرون على أنه رؤبة ابنه وصدره كما في روح الشواهد. تقول بنتي قد أنى أناكا. قال ابن الاعرابي وهو خطأ من وجهين. الأول أن هذا الصدر صدر لبيت آخر من أرجوزة أخرى لرؤبة يمدح بها الحارث ابن سليم وهو :
وقال :
ولي نفس أقول لها إذا ما
تنازعني لعلي أو عساني (1)
يا ضربة من تقي ما أراد بها
إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
الاعراب لي خبر مقدم. ونفس مبتدأ مؤخر. وأقول فعل مضارع فاعله ضمير المتكلم ولها متعلق بأقول. وإذا ظرف. وما زائدة. وتنازعني فعل مضارع وفاعل هو ضمير يعود إلى النفس ومفعول هو الياء. ولعل حرف توكيد ونصب. والياء اسمها. وخبرها محذوف. وكذلك عساني على الاختلاف السابق. وجملة لعلّي أو عساني في محل نصب مقول القول. (والشاهد فيه) في قوله عساني على نحو ما مر (والمعنى) إذا نازعتني نفسي في حملها على ما هو أصلح لها أقول لها طاوعيني يا نفس على ما أريد بك وأحملك عليه لعلّي أظفر ببغيتي أو لعلي أجد السبيل إلى موافقتك على ما تدعينني إليه ، فإذا قلت لها ذلك قرت وسكنت.
واختلف في ذلك : فمذهب سيبويه وقد حكاه عن الخليل ويونس أن
1) البيت لعمران بن حطان الخارجي من قصيدة يمدح بها الخوارج ويزعم أنهم أهل الحق وهو من رؤوس الخوارج وفضلائهم أخرج له البخاري وأبو داود واعتذر البخاري بأنه إنما أخرج عنه ما حدث به قبل أن يبتدع واعتذر أبو داود بأن الخوارج أصح أهل البدع حديثا وهو القائل يمدح عبد الرحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين على ابن أبي طالب كرم الله وجهه.
الكاف والياء بعد لو لا في موضع الجر ، وإن لو لا مع المكنى حالا ليس له مع المظهر ، كما أن للدن مع غدوة حالا ليست له مع غيرها. وهما بعد عسى في محل النصب بمنزلتهما في قولك لعلك ولعلي. ومذهب الأخفش أنهما في الموضعين في محل الرفع ، وأن الرفع في لو لا محمول على الجر ، وفي عسى على النصب ، كما حمل الجرّ على الرفع في قولهم ما أنا كأنت والنصب على الجر في مواضع.
وتعمد ياء المتكلم إذا اتصلت بالفعل بنون قبلها صونا له من أخي الجرّ ، ويحمل عليه الأحرف الخمسة لشبهها به. فيقال إنني. وكذلك الباقية ، كما قيل ضربني ويضربني. وللتضعيف مع كثرة الإستعمال جاز حذفها من أربعة منها في كل كلام. وقد جاء في الشعر ليتي لأنها منها قال زيد الخيل :
كمنية جابر إذ قال ليتي
أصادفه وأفقد بعض مالي (1)
تمنى مزيد زيدا فلاقى
اخا ثقة إذا اختلف العوالي
اللغة المنية بالضم اسم للتمني وفي الأصل الشيء الذي يتمنى. وجابر رجل من غطفان كان تمنى لقاء زيد فلما لقيه رأى منه ما يكره. وقيل ان المتمني هو قيس بن جابر بدليل قول زيد في قصيدة أخرى.
ألا أبلغ الأقياس قيس بن نوفل
وقيس بن أهبان وقيس بن جابر
فان صح ان المراد في البيتين واحد فقوله كمنية جابر فيه تسمية الابن باسم أبيه كما قال الآخر.
يحملن عباس بن عبد المطلب. وانما يريد عبد الله بن عباس على أنه يمكن غير هذا.
ويروى حائن يعني هالك يريد بن جابر المذكور وافقد بمعنى اعدم وهو من باب ضرب وبعض مالي يروى بدله جل مالي وجل الشيء معظمه وهذه الرواية انسب بالمقام.
الاعراب كمنية جابر جار ومجرور ومضاف ومضاف إليه في محل نصب على انه مفعول مطلق ، أي تمنى مزيد تمنيا كتمني جابر. وإذ ظرف معمول لمنية. وقال فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى جابر. وليت حرف توكيد ونصب. والياء اسمها. وجملة اصادفه خبرها. وافقد فعل مضارع منصوب باضمار أن بعد واو المعية الواقعة بعد التمني. وفاعله ضمير المتكلم. وقال العيني أفقد بالرفع جملة فعلية عطف على اصادفه كذا قيل وفيه نظر لأنه يلزم أن يكون فقد بعض ماله متمنى وليس كذلك. والصحيح انه مرفوع على انه خبر مبتدأ محذوف تقديره وانا افقد. وتكون الواو للحال وبعض منصوب بأفقد ويقال أفقد منصوب لأنه جواب التمني كما في قوله تعالى : (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) قلت هذا لا يتمشى إلا إذا قرىء بالفاء فأفقد ولكن يجوز نصبه باضمار ان تقديره ليتني اصادفه وان افقد بعض مالي اه. كلامه اقول لا مانع على الوجه الأول من جعل الواو للمعية فيندفع الاشكال وأما قوله هذا لا يتمشى إلا إذا قرىء بالفاء فهو غاية في الغرابة فان المضارع ينصب باضمار أن بعد واو المعية كما ينصب بعد فاء السببية في جواب أحد الأشياء الثمانية وجل من لا يسهو. (والشاهد فيه) حذف نون الوقاية من ليتني وهو ضرورة عند سيبويه (والمعنى) ان جابرا تمنى أن يلقى زيدا ليقتله فلما لقيه فر منه خوفا على نفسه.
1) هو زيد بن مهلهل الطائي. وفد على النبي صلّى الله عليه وسلّم سنة تسع فأسلم وسماه عليه الصلاة والسّلام زيد الخير ، وقال له ما وصف لي أحد في الجاهلية فرأيته في الاسلام إلا رأيته دون الصفة غيرك. وانما قيل له زيد الخيل لخمسة أفراس كانت له. وهذا البيت له من أبيات قالها يذكر أن قوما ما تمنوا لقاءه فلما لقيهم تمنوا ان لم يكونوا لقوه. وقبله.
وقد فعلوا ذلك في من وعن ولدن وقط وقد إبقاء عليها من أن تزيل الكسرة سكونها وأما قوله :
قدني من نصر الخبيبين قدي (1)
اللغة قدني بمعنى حسبي. والخبيبين قيل انه تثنية خبيب. وقيل انه جمع له. وعلى الوجه الأول قيل ان المراد به عبد الله بن الزبير وابنه خبيب ، وقيل المراد عبد الله واخوه مصعب. وعلى الوجه الثاني فالمراد عبد الله ومن كان على رأيه. ورد البطليوس في شرح الكامل رواية التثنية وقال إن حميدا الأرقط قال ذلك في حصار طارق ومصعب مات قبل ذلك بسنين اه وهذا لا يصلح منعا لاحتمال أن يكون المراد بالخبيبين عبد الله وابنه خبيبا لا أخاه مصعبا. والشحيح البخيل. والملحد الجائر المائل عن طريق الحق الظالم في الحرم.
الاعراب قدني في محل رفع على أنه مبتدأ ومن نصر خبر ونصر مضاف إلى الخبيبين إضافة المصدر إلى مفعوله أي حسبي من نصري إياهما. وقدي تأكيد للأول. والامام اسم ليس.
وبالشحيح خبرها. والباء زائدة. والملحد صفة امام (والشاهد فيه) في قوله قدي حيث اضيف قد إلى ياء المتكلم بلا نون الوقاية تشبيها له بحسبي. وفي الصحاح قدك بمعنى حسبك فهو اسم تقول قدي وقدني أيضا بالنون على غير قياس لأن هذه النون إنما تزاد في الأفعال وقاية لها مثل شتمني وضربني ثم أنشد هذا البيت.
1) تمامه. ليس الامام بالشحيح الملحد. قال الجوهري وهو لحميد بن الأرقط ونسبه ابن يعيش في شرح المفصل لأبي بحدلة. والصحيح انه لحميد يذكر لعبد الملك بن مروان تقاعده عن نصرة عبد الله بن الزبير.
فقال سيبويه لما اضطر شبهه بحسبي وعن بعض العرب مني وعني وهو شاذ ولم يفعلوه في عليّ ولديّ لأمنتهم الكسرة فيها.
ذا للمذكر ، ولمثناه ذان في الرفع وذين في النصب والجر ، ويجيء ذان فيهما في بعض اللغات ومنه (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ). وتا وتي وته وذه بالوصل وبالسكون. وذي بالمؤنث ولمثناه تان وتين ، ولم يثن من لغاته إلا تا وحدها. ولجمعها جميعا أولا بالقصر والمدّ ، مستويا في ذلك أولو العقل وغيرهم. قال جرير :
ذمّ المنازل بعد منزلة اللوى
والعيش بعد أولئك الأيام (1)
سرت الهموم فبتن غير نيام
وأخو الهموم يروم كل مرام
اللغة المنازل جمع منزل أو منزلة كالمساجد والمحامد واللوى موضع.
الاعراب ذم فعل أمر وفاعله ضمير المخاطب. قال ابن هشام الأرجح فيه كسر الميم الذي هو واجب عند فك الادغام على لغة الحجاز ودونه الفتح للتخفيف وهو لغة بني أسد والضم ضعيف. ووجهه ارادة الاتباع. والمنازل مفعول. وبعد نصب على الظرفية. ومنزلة جر بالاضافة إليه. واللوى في محل جر بالاضافة إلى منزلة. والعيش عطف على المنازل. والأيام صفة لاسم الاشارة أو عطف بيان. (والشاهد فيه) ان أولاء يشار به إلى الجمع عاقلا كان أو غيره ويروى الأقوام بدل الأيام وعلى هذه الرواية فلا شاهد فيه وزعم بعضهم أن هذه الرواية هي الصحيحة.
1) هو له من قصيدة بهجو بها الفرزدق أولها :
ويلحق كاف الخطاب بأواخرها فيقال ذاك وذانك بتخفيف النون وتشديدها ، قال تعالى : (فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ ،) وذينك وتاك وتيك وذيك وتانك وتينك وأولاك وأولئك ويتصرف مع المخاطب في أحواله من التذكير والتأنيث والتثنية والجمع ، قال تعالى : (كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ) وقال : (ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ،) وقال : (ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ) وقال : (فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ).
وقولهم ذلك هو ذاك زيدت فيه اللام. وفرّق بين ذا وذاك وذلك فقيل الأول للقريب والثاني للمتوسط والثالث للبعيد. وعن المبرّد أن ذانّك مشددة تثنية ذلك ، ومثل ذلك في المؤنث تلك وتالك ، وهذه قليلة.
وتدخل ها التي للتنبيه على أوائلها فيقال هذا وها ذاك وهذان وهاتا وهاتي وهذي وهاتيك وهؤلاء.
ومن ذلك قولهم إذا أشاروا إلى القريب من الأمكنة هنا وإلى البعيد هنّا. وقد حكي فيه الكسر. وثمّ. وتلحق كاف الخطاب وحرف التنبيه بهنا وهنّا فيقال هنالك كما يقال ذلك.
الذي للمذكر ومن العرب من يشدد ياءه. واللذان لمثناه ومن العرب من يشدد نونه واللذين. وفي بعض اللغات اللذون لجمعه. والأولى واللاؤن في الرفع. واللائين في الجر والنصب. والتي لمؤنثه. واللتان لمثناه.
واللاتي واللات واللائي واللاء واللاي واللواتي لجمعه. واللام بمعنى الذي في قولهم الضارب أباه زيد أي الذي ضرب أباه. وما ومن في قولك عرفت ما عرفته ومن عرفته. وأيهم في قولك أضرب أيهم في الدار. وذو الطائية الكائنة بمعنى الذي في قول عارق :
لأنتحين للعظم ذو أنا عارقه (1)
اللغة أنتحين أقصدن. وذو بمعنى الذي. والعرق أخذ اللحم عن العظم بالسكين ويروى لانتحين العظم بنون التوكيد الثقيلة.
الاعراب لئن اللام موطئة للقسم في البيت قبله وهو :
حلفت بهدي مشعر بكراته
تخب بصحراء الغبيط درادقه
وتغير فعل مضارع مجزوم بلم. وفاعله ضمير المخاطب. وبعض مفعوله. وما موصولة. وصنعتم جملة من الفعل والفاعل صلته. والموصول وصلته في محل جر باضافة بعض إليه. وقوله لانتحين جواب القسم. وانتحين فعل مضارع فاعله ضمير المتكلم. والعظم متعلق به. وذو اسم موصول بمعنى الذي. وأنا عارقه جملة ابتدائية صلة الموصول. والموصول مع صلته صفة عظم. (والشاهد فيه) أن ذو بمعنى الذي (والمعنى) ان لم تغير بعض صنعك لأقصدن في مقابلته كسر العظم الذي صرت اعرقه جعل شكواه كالعرق وجعل ما بعده ان لم يغير معاملته تأثيرا في العظم نفسه وهذا على سبيل التهديد.
1) صدره. لئن لم تغير بعض ما قد صنعتم. وهو لعارق الطائي وعارق لقب غلب عليه وانما لقب به لقوله في هذا البيت. ذو أنا عارقه. واسمه قيس بن جروة.
وذا في قولك ما ذا صنعت بمعنى أي شيء الذي صنعته؟
والموصول ما لا بدله في تمامه إسما من جملة تردفه من الجمل التي تقع صفات ، ومن ضمير فيها يرجع إليه. وتسمى هذه الجملة صلة ، ويسميها سيبويه الحشو. وذلك قولك الذي أبوه منطلق زيد ، وجاءني من عهده عمرو. واسم الفاعل في الضارب في معنى الفعل وهو مع المرفوع به جملة واقعة صلة للام ويرجع الذكر منها إليه كما يرجع إلى الذي. وقد يحذف الراجع كما ذكرنا. وسمع الخليل عربيا يقول ما أنا بالذي قائل لك شيئا. وقريء (تماما على الذي أحسن) بحذف شطر الجملة. وقد جاءت التي في قولهم بعد اللّتيّا والتي محذوفة الصلة بأسرها. والمعنى بعد الخطة التي من فظاعة شأنها كيت وكيت. وإنما حذفوا ليوهموا أنها بلغت من الشدة مبلغا تقاصرت العبارة عن كنهه.
والذي وضع وصلة إلى وصف المعارف بالجمل وحق الجملة التي يوصل بها أن تكون معلومة للمخاطب كقولك هذا الذي قدم من الحضرة لمن بلغه ذلك. ولا ستطالتهم إياه بصلته مع كثرة الإستعمال خففوه من غير وجه فقالوا أللّذ بحذف الياء ثم اللّذ بحذف الحركة ، ثم حذفوه رأسا واجتزؤا عنه بالحرف الملتبس به وهو لام التعريف. وقد فعلوا مثل ذلك بمؤنثه فقالوا أللت وأللّت والضاربته هند أي التي ضربته هند. وقد حذفوا النون من مثناه
ومجموعه قال الأخطل :
أبني كليب إن عمي اللذا
قتلا الملوك وفككا الأغلالا (1)
اللغة بنو كليب قوم جرير. وعماه الذين افتخر بهما هما عمرو بن كلثوم قاتل عمرو ابن هند ، وعصم بن النعمان قاتل شرحبيل بن عمرو. وقال ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء يعنى بعميه عمرا ومرة ابني كلثوم. والأغلال القيود واحدها غل.
الاعراب أبني الهمزة للنداء وبني منادى منصوب لأنه مضاف إلى كليب وعمي اسم إن وأصله عمين لي فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت النون للاضافة. واللذا اسم موصول وقوله قتلا الملوك فعل وفاعل ومفعول. والجملة خبر أن. وقوله وفككا الأغلالا عطف على قتلا الملوك.
(والشاهد فيه) ان اللذا حذفت منه النون تخفيفا إذ أصله اللذان وهو لغة بني الحارث وبعض بني ربيعة. (والمعنى) يا بني كليب إنكم لن تستطيعوا هجوي فان عمي اللذان قتلا الملوك وأطلقا الأسرى فمن أين لكم أن تنالوا نسبي بطعن.
وقال :
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم (2)
ان التي حارت. وعزاه أبو تمام في كتاب مختار أشعار القبائل لحريث بن مخفض بلفظ. فان الأولى حانت.
اللغة حانت دماؤهم أي ذهبت هدرا لم يؤخذ لهم بدية ولا قصاص. وفلج موضع في طريق البصرة إلى مكة من بلاد مازن منه إلى مكة أربع وعشرون مرحلة.
الاعراب ان حرف توكيد ونصب. والذي اسم موصول. وحانت دماؤهم فعل وفاعل صلة الموصول. والمجموع اسم ان. وبفلج متعلق بحالت. وهم مبتدأ. والقوم خبره. وكل القوم صفة للقوم تأكيد له لأجل المدح. وقوله يا أم خالد منادى مضاف منصوب. (والشاهد) في قوله وان الذي حيث حذف الشاعر النون من الذين إذ أصله الذين فحذفت النون للتخفيف وذلك لغة هذيل. وهذا على رواية الجاحظ والآمدي فأما على رواية الحلواني وأبي تمام فلا شاهد فيه. (والمعنى) ان الذين هلكوا بهذا الموضع هم القوم والرجال الكاملون فاعلمي ذلك وابكي عليهم يا أم خالد. ولم يرد بأم خالد إمرأة بعينها وانما هو على عادة العرب من مخاطبة النساء بمثل هذا لحثهن على البكاء.
1) نسبه هنا إلى الأخطل ونسبه غير واحد إلى الفرزدق. قال العيني وممن نسبه إلى الفرزدق الزمخشري ولعل ذلك كان في غير هذا المؤلف والصحيح الأول فان رواة الأخبار اتفقوا على ان عميه اللذين افتخر بهما وقال انهما. قتلا الملوكا وفككا الأغلالا. على الاختلاف فيهما هما من بني تغلب وتغلب قوم الأخطل لا قوم الفرزدق.
2) تمامه. هم القوم كل القوم يا أم خالد. عزاه الجاحظ في البيان والتبيين والآمدي في المؤتلف والمختلف والحلواني في كتاب أسماء الشعراء المنسوبين إلى أمهم للأشهب بن رميلة. إلا أن الجاحظ أنشده بلفظه. إن الذي. بإسقاط الواو والآمدي بلفظ. فإن الذي. والحلواني بلفظ.
وقال تعالى : (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا).
ومجال الذي في باب الأخبار أوسع من مجال اللام التي بمعناه حيث دخل في الجملتين الأسمية والفعلية جميعا ، ولم يكن للام مدخل إلا في الفعلية ، وذلك قولك إذا أخبرت عن زيد في قام زيد وزيد منطلق : الذي قام زيد ، والذي هو منطلق زيد ، والقائم زيد. ولا تقول الهو منطلق زيد.
والإخبار عن كل اسم في جملة سائغ إلا إذا منع مانع. وطريقة الإخبار أن تصدر الجملة بالموصول وتزحلق الإسم إلى عجزها واضعا مكانه ضميرا عائدا إلى الموصول. بيانه أنك تقول في الإخبار عن زيد في زيد منطلق : الذي هو منطلق زيد. وعن منطلق الذي هو زيد! هو منطلق. وعن خالد في قام غلام خالد : الذي قام غلامه خالد أو القائم غلامه خالد. وعن اسمك في ضربت زيدا : الذي ضرب زيدا أنا أو الضارب زيدا أنا. وعن الذباب في يطير الذباب فيغضب زيد : الذي يطير فيغضب زيد الذباب أو الطائر فيغضب زيد الذباب. وعن زيد الذي يطير فيغضب زيد أو الطائر فيغضب زيد. ومما امتنع فيه الإخبار ضمير الشأن لاستحقاقه أول الكلام ، والضمير في منطلق في زيد منطلق ، والهاء في زيد ضربته. ومنه في السمن منوان منه بدرهم ، لأنها إذا عادت إلى الموصول بقي المبتدأ بلا عائد. والمصدر والحال في نحو ضربي زيدا قائما ، لأنك لو قلت الذي هو زيدا قائما ضربي أعملت الضمير ، ولو قلت الذي ضربي زيدا إياه قائم أضمرت الحال ، والحال نكرة أبدا والإضمار إنما يسوغ فيما يسوغ تعريفه.
وما إذا كانت إسما على أربعة أوجه موصولة كما ذكر. وموصوفة كقوله :
ربما تكره النفوس من الأم
ان في الصبر حيلة المحتال
اللغة الفرجة بالفتح الانفراج والخروج من ضيق العسر إلى فضاء اليسر والفرجة بالضم ما يرى في الحائط ونحوه. والعقال الحبل الذي يعقل به البعير.
الاعراب رب حرف جر. وما نكرة موصوفة بمعنى شيء. وتكره النفوس جملة فعلية صفة ما. ومن الأمر صفة ثانية. وله فرجة جملة ابتدائية صفة ثالثة. (والشاهد فيه) مجيء ما في ربما نكرة موصوفة (والمعنى) رب أمر من الأمور تكرهه النفس وتضيق ذرعا به له انفراج سهل سريع كحل العقال.
ونكرة في معني شيء من غير صلة ولا صفة كقوله تعالى : (فَنِعِمَّا هِيَ) وقولهم في التعجب ما أحسن زيدا. ومضمنة معنى حرف الإستفهام أو الجزاء كقوله تعالى : (وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى ، وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ). وهي في وجوهها مبهمة تقع على كل شيء. تقول لشبح رفع لك من بعيد لا تشعر به ما ذاك ، فإذا شعرت أنه إنسان قلت من هو. وقد جاء سبحان ما سخركن لنا ، وسبحان ما سبح الرعد بحمده.
ويصيب ألفها القلب والحذف. فالقلب في الإستفهامية جاء في حديث أبي ذؤيب : قدمت المدينة ولأهلها ضجيج بالبكاء كضجيج الحجيج أهلّوا بالإحرام فقلت مه؟ فقيل هلك رسول الله عليه الصلاة والسّلام. والجزائية وذلك عند إلحاق ما المزيدة بآخرها كقوله تعالى : (مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ.)
والحذف في الإستفهامية عند إدخال حرف الجر عليها وذلك قولهم فيم وبم
1) نسبه بعضهم لامية بن أبي الصلت. ونسبه في الحماسة البصرية لحنيف بن عمير اليشكري وقبله :
صبر النفس عند كل ملم
وعمّ ولم وحتّام والام وعلام.
ومن كما في أوجهها ، إلا في وقوعها غير موصولة ولا موصوفة. وهي تختص بأولي العلم. وتوقع على الواحد والإثنين والجمع والمذكر والمؤنث. ولفظها مذكر والحمل عليه هو الكثير. وقد يحمل على المعنى.
وقرىء قوله تعالى : (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً) بتذكير الأول وتأنيث الثاني. وقال تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ) وقال الفرزدق :
نكن مثل من يا ذئب يصطحبان (1)
وأطلس عسال وما كان صاحبا
دعوت لناري موهنا فأتاني
اللغة تعش أمر من تعشى يتعشى إذا أكل آخر النهار. ورواه سيبويه في كتابه تعال.
الاعراب تعش فعل أمر فاعله ضمير المخاطب. وان حرف شرط جازم وعاهدتني فعل ماض وفاعل هو ضمير يعود إلى الذئب ومفعول هو الياء. والجملة فعل الشرط. وقوله لا تخونني قيل انه جواب الشرط. والوجه أن جواب الشرط هو قوله تكن مثل من يا ذئب. ولا تخونني مرتبط بعاهدتني ، أي ان عاهدتني على أن لا تخونني. ومثل اسم تكن. ومن موصولة في محل جر بالاضافة. ويصطحبان صلة الموصول. (والشاهد فيه) انه راعى معنى من فقال يصطحبان بالثنية وإلا فلفظه مفرد (والمعنى) انك إن عاهدتني أن لا تخونني أكون أنا وأنت كالشخصين يصطحبان فيكون كل واحد منهما للآخر ناصرا ومعينا.
وإذا استفهم بها الواقف عن نكرة قابل حركته في لفظ الذاكر من حروف المد بما يجانسها. تقول إذا قال جاءني منو ، وإذا قال رأيت رجلا منا ، وإذا قال مررت برجل مني ، وفي التثنية منان ومنين ، وفي الجمع منون ومنين ، وفي المؤنث منه ومنتان ومنتين ومنات. والنون والتاء ساكنتان. وأما الواصل فيقول في هذا كله من يا فتى بغير علامة وقد ارتكب
1) صدره. تعش فان عاهدتني لا تخونني. وكان الفرزدق خرج في بعض أسفاره فنزل ليلة ليتعشى ، فطاف به ذئب فرمى إليه بربع شاة كانت معه فأكله ، ثم ألقى إليه الربع الآخر فشبع وتبختر. فأنشد الفرزدق قصيدة يذكر فيها ذلك منها هذا البيت وأولها :
من قال :
أتوا ناري فقلت مون أنتم (1)
قال ابن السيد في شرح أبيات الجمل للزجاجي ذكر أبو القاسم الزجاج ان الناس يغلطون في هذا الشعر فيروونه عموا صباحا. واستدل على ذلك بما في نوادر أبي زيد. وأقول ان الشعر الذي أنكره نسبه بعض العلماء إلى جذع بن سنان الغساني في حكاية طويلة زعم انها جرت له مع الجن وهو :
أتوا ناري فقلت منون أنتم
فقالوا الجن قلت عموا صباحا
في أبيات كثيرة استوفاها المحقق البغدادي في شرح شواهد الرضى.
اللغة عموا ظلاما كلمة تحية. وانما قال لهم عموا ظلاما لأنهم جن وانتشارهم بالليل فناسب أن يذكر الظلام كما يقال لبني آدم إذا أصبحوا عموا صباحا ومعنى عموا أنعموا يقال عم صباحا بكسر العين وفتحها ويقال عم يعم من باب ومق يمق وذهب قوم إلى ان يعم محذوفة ينعم قالوا إذا قيل عم بفتح العين فهو محذوف من أنعم المفتوح وإذا قيل عم بالكسر فهو محذوف من ينعم المكسور العين.
الاعراب أتوا فعل وفاعل. وناري مفعوله. فقلت الفاء عاطفة لقلت على أتوا. قال الأديب البغدادي عطف مفصل على مجمل كما في قوله تعالى : (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما) أقول وليس بسديد فان القول يباين الاتيان بخلاف الاخراج من الجنة فانه لا يباين الاستزلال بل هو نوع منه. وقلت فعل وفاعل. ومنون مبتدأ وأنتم خبره أو بالعكس. والجملة في محل نصب بالقول. وقوله فقالوا جملة من الفعل والفاعل عطف على جملة فقلت. والجن خبر مبتدأ أي نحن والجملة في محل نصب بالقول. وقلت فعل وفاعل. وعموا فعل أمر فاعله ضمير المخاطبين.
وظلاما ظرف أي انعموا في ظلامكم. وقال ابن الحاجب ظلاما تمييز أي نعم ظلامكم ولا يجوز أن يكون ظرفا إذ ليس المراد انهم نعموا في ظلام أو صباح وانما المراد انه نعم ظلامهم وصباحهم.
والجملة في محل نصب بالقول. (والشاهد) في قوله منون فان فيه شذوذين زيادة الواو والنون في الدرج الثاني تحريك النون وهي متحركة. قال ابن الناظم وفيه شذوذ آخر وهو انه حكي مقدرا غير مذكور اه وربما كان معنى كلامه ان الشاعر لم ير الجن ولم يجر له معهم حديث فيكون قوله. أتوا ناري فقلت منون أنتم. كلاما مبتدأ لا حكاية لقول سابق.
شذوذين إلحاق العلامة في الدرج وتحريك النون التي من حقها أن تكون ساكنة ، لأن من مبني على السكون. ومنهم من لا يزيد إذا وقف على الأحرف الثلاثة وحدّ أو ثنّى أم أنّث أم جمع. وأما المعرفة فمذهب أهل
1) تمامه. فقالوا الجن قلت عموا ظلاما. قد عزاه ابن الاعرابي في نوادره لشمير بن الحارث الضبي مصغر شمر في أبيات أربعة وقال أبو الحسن شارحه سمير المذكور بالسين المهملة.
الحجاز فيه إذا كان علما أن يحكيه المستفهم كما نطق به فيقول لمن قال جاءني زيدا. من زيدا؟ ولمن قال مررت بزيد : من زيد؟ وإذا كان غير علم رفع لا غير ، تقول لمن قال رأيت الرجل : من الرجل؟ ومذهب بني تميم أن يرفعوا في المعرفة البتة. وإذا استفهم عن صفة العلم إذا قال جاءني زيد. المنى؟ أي القرشي أم الثقفي ، والمنيّان والمنيّون.
وأي كمن في وجوهها تقول مستفهما أيهم حضر؟ ومجازيا أيهم يأتني أكرمه ، وواصلا أضرب أيهم أفضل ، وواصفا يا أيها الرجل. وهي عند سيبويه مبنية على الضم إذا وقعت صلتها محذوفة الصدر كما وقعت في قوله تعالى : (ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ) وأنشد أبو عمر الشيباني في كتاب الحروف :
إذا ما أتيت بني عامر
فسلم على أيّهم أفضل (1)
الاعراب إذا ظرف. وما زائدة. ولقيت فعل وفاعل. وبني مالك كلام اضافي مفعول لقيت. وقوله فسلم الفاء واقعة في جواب إذا وسلم فعل أمر فاعله ضمير المخاطب. وأيهم مبني على الضم في محل جر بعلى ويجوز فيه الاعراب كما أشار إليه ابن مالك بقوله (وبعضهم اعرب مطلقا) وأفضل خبر مبتدأ محذوف أي هو أفضل. والجملة صلة أي (والشاهد) في أيهم حيث بنى على الضم لاضافته وحذف صدر صلته أي هو أفضل.
فإذا أكملت فالنصب كقولم عرفت أيّهم هو في الدار وقرىء أيّهم أشد.
وإذا استفهم بها عن نكرة في وصل قيل لمن يقول جاءني رجل : أي؟
بالرفع ، ولمن يقول رأيت رجلا : أيا؟ ولمن يقول مررت برجل : أي؟ وفي التثنية والجمع في الأحوال الثلاث أيّان وأيون وأيّين وأيّين. وفي المؤنث أية وأيات. وأما في الوقف فإسقاط التنوين وتسكين النون. ومحله الرفع على الإبتداء في هذه الأحوال كلها وما في لفظه من الرفع والنصب
1) هو لعمان بن علة بن مرة أحد بني مرة بن عباد.
والجر حكاية وكذلك قولك من زيد ومن زيدا ومن زيد من والأسم بعده مرفوع المحل مبتدأ وخبرا. ويجوز إفراده على كل حال وأن يقال أيا لمن قال رأيت رجلين أو امرأتين أو رجالا أو نساء ، ويقال في المعرفة إذا قال رأيت عبد الله أي عبد الله لا غير.
ولم يثبت سيبويه ذا بمعنى الذي إلا في قولهم ما ذا وقد أثبته الكوفيون وأنشدوا :
عدس ما لعباد عليك إمارة
أمنت وهذا تحملين طليق (1)
اللغة عدس زجر للبغال وربما سمي به البغل. وامارة أي أمر وحكم. وطليق بمعنى مطلق.
الاعراب عدس منادى بحرف نداء محذوف أي يا عدس وهو مبني على السكون لأنه في الأصل حكاية صوت. وما نافية ولعباد خبر مقدم. وإمارة مبتدأ مؤخر. ونجوت فعل وفاعل. وهذا موصول بمعنى الذي. وتحملين فعل مضارع مرفوع بثبوت النون فاعله ضمير المخاطبة ومجموع الموصول مع صلته مبتدأ. وطليق خبره (والشاهد) في قوله وهذا حيث جاء بمعنى الذي على رأي الكوفيين. وأما البصريون فيقولون هذا اسم اشارة وتحملين حال من ضمير الخبر والتقدير هذا طليق محمولا.
أي والذي تحملينه طليق. وهذا شاذ عند البصريين. وذكر سيبويه في ماذا صنعت بالرفع أحدهما أن يكون بمعنى أي شيء الذي صنعته وجوابه حسن بالرفع وأنشد للبيد :
ألا تسألان المرء ما ذا يحاول
أنحب فيقضى أم ضلال وباطل (2)
الاعراب ألا أداة استفهام يقصد بها تنبيه السامع على ما يلقى اليه من الخطاب. وتسألان فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعله. والمرء مفعوله. وما إسم استفهام مبتدأ. وذا خبره أو بالعكس. وذا موصول بمعنى الذي ويحاول جملة من الفعل والفاعل صلة الموصول. وقوله أنحب بدل من قوله ما ذا يحاول بدل تفصيل. ويجوز انتصاب أنحب على أن يكون ما معمولا لقوله يحاول. وتكون ذا زائدة. ويكون أنحبا بدل من قوله ما ذا فحينئذ ينتصب لأنه بدل من المنصوب. وقوله فيقضى جملة فعلية في محل رفع على انها أنحب ويجوز أن تكون في محل نصب على تقدير انتصاب أنحب. وقوله أم ضلال عطف على أنحب وباطل عطف على ضلال (والشاهد) في ما ذا فان ذا فيه بمعنى الذي. والجملة بعدها صلتها وذلك لأنه تقدمها استفهام وهذا بالاتفاق. (والمعنى) الا تسألان المرء بطلبه هذه الدنيا وحرصه في الحصول عليها أنذر أوجبه على نفسه أم ضلال وباطل.
1) هو ليزيد بن ربيعة بن مفرغ الحميري من أبيات يخاطب بها بغلته هو أولها. وكان يزيد هذا قد صحب عباد بن زياد ثم هجاه فأخذه عبيد الله بن زياد وأرسله إلى سجستان إلى أخيه عباد فاعتقله. ثم ان قوما من أهل اليمن دخلوا على معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وكلموه في شأنه فأرسل إلى ابن عباد رسولا وامر الرسول أن يبدأ بالسجن فيطلق سراح إبن مفرغ قبل أن يعلم عباد بذلك فيغتاله. ففعل ذلك فلما خرج من السجن قربت إليه بغلة من بغال البريد ليركبها فنفرت منه فقال هذه الأبيات.
2) اللغة تسألان خطاب للأثنين والمراد به واحد على عادة العرب من خطاب الواحد بلفظ الاثنين. ويحاول أي يريد يقال حاولت الشيء إذا أردته وقصدت إليه. والنحب النذر.
والثاني أن يكون ما ذا كما هو بمنزلة اسم واحد كأنه قيل أي شيء صنعت وجوابه بالنصب وقرىء قوله تعالى : (ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) بالرفع والنصب.
هي على ضربين ضرب لتسمية الأوامر وضرب لتسمية الأخبار.
والغلبة للأول وهو ينقسم إلى متعد للمأمور وغير متعد له. فالمعتدي نحو قولك رويدا زيدا أي أروده وأمهله. ويقال تيد زيدا بمعنى رويد. وهلم زيدا أي قربه وأحضره. وهات الشيء أي أعطنيه. قال تعالى : (قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ). وها زيدا أي خذه. وحيّهل الثريد أي إئته. وبله زيدا أي دعه. وتراكها ومناعها أي اتركها وامنعها. وعليك زيدا أي الزمه. وعليّ زيدا أي أولنيه. (وغير المتعدي) نحو قولك صه أي اسكت. ومه أي اكفف. وايه أي حدث. وهيت وهل أي اسرع. وهيّك وهيك وهيا أي اسرع فيما أنت فيه. قال :
فقد دجا الليل فهيا هيا (1)
لتقربن قربا جلذيا
ما دام فيهن فصيل حيا
اللغة القرب القرب من الورود بعد سير إليه وليلة القرب التي ترد الإبل في صبيحتها الماء. جلذيا بجيم مضمومة وذال معجمة مكسورة بينهما لام ساكنة أي شديدا. قال ابن سيده زعم الفارسي انه يجوز أن يكون صفة للقرب وأن يكون إسما للناقة على انه ترخيم جلذية مسمى بها أو جلذية صفة. وقال ابن يعيش سريعا فجعله صفة للسير المفهوم من لتقربن والفصيل ولد الناقة وهيا بمعنى الاستحثاث على السير ودجا الليل أي أظلم.
الاعراب قد حرف تحقيق ودجى فعل ماض والليل فاعله. وهيا فعل أمر بمعنى أسرعي. وهيا الثاني تأكيد لفظي له (والشاهد فيه) مجيء هيا بمعنى الأمر (والمعنى) أن الشاعر يخاطب ناقته يقول لتردن الماء بعد سيرك إليه سيرا سريعا ما دام في الأبل فصيل حيا وقد دجى الليل فاسرعي في السير لترديه قبل أن يحول الظلام بينك وبينه.
1) هو من رجز لابن ميادة وقبله :
ونزال أي انزل. وقدك وقطك أي اكتف وانته. وإليك أي تنح ، وسمع أبو الخطاب من يقال له إليك فيقول إليّ كأنه قيل له تنح فقال أتنحى.
ودع أي انتعش ، يقال دعا لك ودعدعا. وأمين وآمين استجب.
(وأسماء الأخبار) نحو هيهات ذاك أي بعد. وشتان زيد وعمر أي افترقا وتباينا.
وسرعان ذا إهالة أي سرع. ووشكان ذا خروجا. أي وشك. وأف بمعنى أتضجر.
واوّه بمعنى أتوجع.
في رويد أربعة أوجه هو في أحدها مبني وهو إذا كان إسما للفعل ، وعن بعض العرب : والله لو أردت الدراهم لأعطيتك رويد ما الشعر. وهو فيما عداه معرب وذلك أن تقع صفة. كقولك ساروا سيرا رويدا ووضعه وضعا رويدا ، وكقولك للرجل يعالج شيئا رويدا أي علاجا رويدا ، وحالا كقولك ساروا رويدا ، ومصدرا في معنى إرواد مضافا كقولك رويد زيد. وسمع من بعض العرب رويد نفسه جعله مصدرا كضرب الرقاب.
هلم : مركبة من حرف التنبيه مع لم محذوفة منها ألفها عند أصحابنا ، وعند الكوفيين من هل مع أم محذوفة همزتها. والحجازيون فيها على لفظ واحد في التثنية والجمع والتذكير والتأنيث. وبنو تميم يقولون هلما هلموا هلمي هلممن. وهي على وجهين متعدية كهات ، وغير متعدية بمعنى تعال وأقبل. قال تعالى : (قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ) وقال : (هَلُمَّ إِلَيْنا) وحكى الأصمعي أن الرجل يقال له فيقول لا أهلمّ :
ها بمعنى خذ ، فتلحق الكاف فيقال هاك ، وتصرف مع المخاطب في أحواله. وتوضع الهمزة موضع الكاف فيقال هاء وتصرف تصريفها. ويجمع بينهما فيقال هاءك بإقرار الهمزة على الفتح وتصريف الكاف. ومنهم من يقول هاء كرام ويصرفه تصريفه ومنهم من يقول هاء بوزن هب ويصرفه تصريفه.
حيهل مركب من حي وهل مبني على الفتح. ويقال حيهلا بالتنوين وحيهلا بالألف ، ذكر هذه اللغات سيبويه وزاد غيره حيّهل وحيهلا. وقد جاء معدى بنفسه وبالباء وبإلى وبعلى. وفي الحديث إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر. وقال :
بحيهلا يزجون كلّ مطية
أمام المطايا سيرها المتقاذف (1)
وقالوا تعرفها المنازل من منى
وما كل من وافى منى أنا عارف
اللغة حيهلا اسم فعل أمر بمعنى اسرع. ويزجون يسوقون والاسم منه الازجاء. والمطية الدابة لأنها تمطو في السير أي تمتد أو لأنها تمتطى أي تركب والتقاذف الترامي في السير.
الاعراب بحيهلا جار ومجرور قصد به لفظه لحكايته متعلق بيزجون. ويزجون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون. والواو فاعله. وكل مفعوله. ومطية جر بالاضافة إليه. وأمام نصب على الظرفية. والمطايا جر بالاضافة إليه. والظرف مع متعلقه في محل جر صفة مطية. وقوله سيرها المتقاذف جملة من مبتدأ وخبر. قال الأديب البغدادي وأجود من هذا أن يكون سيرها فاعل الظرف لاعتماده على الموصوف. والمتقاذف صفة سير. (والشاهد فيه) أن حيهلا بلا تنوين محكي أريد به لفظه (والمعنى) انهم مسرعون في السير فهم يسوقون المطايا بهذا الصوت لتسرع في سيرها وقال امام المطايا لأنها إذا سبقت الأولى فما بعدها أولى.
1) البيت نسبه سيبويه في كتابه إلى النابغة الجعدي وتبعه على ذلك خدمة كنابه ونسبه بعض شراح أبيات المفصل إلى مزاحم بن الحارث العقيلي في أبيات منها :
وقال الآخر :
وهيّج الحيّ من دار فظلّ لهم
يوم كثير تناديه وحيهله (1)
اللغة هيج بمعنى أثار والحي القبيلة. ودار معرفة لا تدخله الألف واللام. اسم واد بقرب هجر. ويروى بدله من كلب. وظل بمعنى استمر. والتنادى تفاعل من تنادى القوم إذا دعى بعضهم بعضا.
الاعراب هيج فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الجيش. والحي مفعوله. وظل فعل ماض. ويوم فاعله. وكثير صفة يوم. وتناديه فاعل كثير. وحيهله عطف على تناديه (والشاهد) في قوله حيهله فانه اعربه بالرفع لأنه جعله وان كان مركبا من شيئين إسما للصوت بمنزلة معد يكرب في وقوعه اسما للشخص (والمعنى) أن الحي سمع حركة الجيش وخاف منه فانتقل عن المحل وبادر بالانتقال قبل لحاقه.
ويستعمل حي وحده بمعنى أقبل ، ومنه قول المؤذن حي على الصلاة ، وهلا وحده. قال :
ألا أبلغا ليلى وقولا لها هلا (2)
اللغة أبلغا يروى حييا ليلى أي أبلغاها تحيتي على طريق الهزء والسخرية. وهلا من حيهلا تأتي بمعنى اسرع وبمعنى اسكن. قال ابن الأثير في نهايته في شرح حيهلا من حديث ابن مسعود إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر قال أي أقبل به وأسرع وهي كلمتان جعلتا كلمة واحدة فحي بمعنى أقبل وهلا بمعنى أسرع وقيل بمعنى اسكن عند ذكره حتى تنقضي فضائله اه وقوله فقد ركبت أمرا أغر محجلا أي ركبت بسبب التعرض لمهاجاتي أمرا واضحا ظاهرا لا يخفى. وأنشده ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء. فقد ركبت أيرا أغر محجلا. وهو تصحيف من النساخ.
الاعراب ألا أداة استفتاح. وحييا فعل أمر فاعله ضمير المخاطبين. وليلى مفعوله. وقولا عطف على حييا. ولها متعلق به. وهلا اسم فعل أمر بمعنى اسكني مقول القول. وركبت فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى ليلى وأمرا مفعوله. وأغر محجلا صفتان للمفعول
بله على ضربين اسم فعل ومصدر بمعنى الترك ويضاف فيقال بله زيد كأنه قيل ترك زيد. وأنشد أبو عبيدة قوله :
بله الأكفّ كأنها لم تخلق (1)
من سره ضرب يرعبل بعضه
بعضا كمعمعة الاناء المحرق
اللغة الجماجم جمع جمجمة وهي عظم الرأس المشتمل على الدماغ. والمراد من الجمجمة هنا الانسان نفسه. وضاحيا من ضحي يضحو إذا ظهر وبرز. والهامات جمع هامة وهي وسط الرأس ومعظمه. وبله إما اسم فعل بمعنى كف أو مصدر بمعنى تركا أو استفهامية بمعنى كيف. وهي على حسب اعراب ما بعدها. وسيأتيك بيان ذلك في اعراب البيت.
الاعراب تذر فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى الحرب. والجماجم مفعوله. وضاحيا حال من الجماجم سببية. وهاماتها فاعل ضاحيا وبله على رواية نصب الأكف اسم فعل. والمعنى عليها انك ترى رؤوس الرجال بارزة عن محلها كأنها لم تخلق على أبدانها فدع ذكر الأكف لأنها أهون من الرؤوس. وعلى رواية الجر فبله مصدر مضاف إلى الأكف والمعنى عليها أنك ترى تطاير الرؤوس عن الأبدان فتركا لذكر الأكف أي اترك ذكرها تركا فانها بالنسبة إلى الرؤوس أسهل. وعلى رواية الرفع فبله بمعنى كيف للاستفهام التعجبي. والمعنى عليها إذا كانت السيوف قد قطعت الرؤوس فكيف لا تقطع الأكف وكأنها الكاف للتشبيه. وان حرف توكيد ونصب. وها اسمها. وقوله لم تخلق جملة فعلية خبرها (والشاهد) في بله حيث جاء اسم فعل ومصدرا وبمعنى كيف.
منصوبا ومجرورا. وقد روى أبو زيد فيه القلب إذا كان مصدرا وهو قولهم بهل زيد. وقد استعملت بله بمعنى كيف فيرتفع الأسم بعدها.
1) صدره. تذر الجماجم ضاحيا هاماتها. وهو لكعب بن مالك شاعر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من قصيدة قالها في وقعة الأحزاب أولها :
فعال على أربعة أضرب التي في معنى الأمر كنزال وتراك وبراك ودراك ونظار وبداد أي ليأخذ كل منكم قرنه. ويقال أيضا جاءت الخيل بداد أي متبددة ونعاء فلانا ، ودباب للضبع أي دبي ، وخراج لعبة للصبيان أي اخرجوا. وهي قياس عند سيبويه في جميع الأفعال الثلاثية. وقد قلت في الرباعية كقرقار في قوله :
قالت له ريح الصّبا قرقار (1)
حتى إذا كان على مطار
يمناه واليسرى على الثرثار
قالت له ريح الصبا قرقار
تمري خلايا هزم نثار
اللغة مطار بضم الميم موضع ببلاد نجد. والثرثار آخر ببلاد الجزيرة. وقرقار أي قرقر بالرعد. وتمري من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها لتدر. والخلايا جمع خلية بفتح الخاء الناقة مع أخرى تعطفان على حوار واحد فتدران عليه. وهزم أي منبعق لا يكاد يمسك ماءه. ونثار مبالغة ناثر.
الاعراب قالت فعل ماض. وله متعلق به. وريح فاعله. والصبا مجرور تقديرا بالاضافة إليه. وقرقار اسم فعل أمر بمعنى قرقر وهو مقول القول. وجملة الفعل والفاعل جواب إذا في البيت قبله. وتمري فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى السحاب. وخلايا مفعوله. وهزم جر بالاضافة إليه. ونثار صفته (والشاهد فيه) أن قرقار اسم فعل معدول عن قرقر كما ان نزال معدول عن أنزل إلا أن ذلك شاذ بخلاف الثاني. وهذا مذهب سيبويه قال وأما ما جاء معدولا عن حده من بنات الأربعة فقوله. قالت له ريح الصبا قرقار. فانما يريد بذلك قالت له قرقر بالرعد يا سحاب. وكذلك عرعار. وخالفه في ذلك المبرد فقال غلط سيبويه ولم يأت في الأربعة معدول انما أتى في الثلاثي وحده. وقرقار وعرعار حكاية صوت نحو غاق غاق. وانتصر السيرافي لسيبويه واحتج لمذهبه بما لا محل لذكره هنا (والمعنى) ان السحاب إذا انتشر في الأفق وعظم حتى صار طرفه الأيمن على مطار وطرفه الأيسر على ثرثار قالت له الريح قرقر يا سحاب بالرعد ومرت خلاياه حتى يسيل ماؤه فشبه ضرب الريح للسحاب وتحريكه من مكان إلى آخر بمري أخلاف الناقة حتى تدر.
1) قال الصاغاني في العباب قال أبو النجم يصف سحابا.
وقال النابغة :
يدعو وليدهم بها عرعار (1)
نبئت زرعة والسفاهة كاسمها
يهدي إليّ غرائب الأشعار
اللغة متكنفي أي هم نزلوا بكنفيه والكنف الناحية. وعكاظ سوق بقرب مكة كانت تقام في الجاهلية. والوليد الصبي. وعرعار لعبة للصبيان إذا خرج الصبي من بيته فلم يجد أحدا من الصبيان يلعب معه صاح بأعلى صوته عرعار أي هلموا إلى العرعرة فإذا سمعوا صوته خرجوا إليه فلعبوا معه تلك اللعبة.
الاعراب متكنفي حال من أصحاب الخيل المذكورة في بيت سابق وهو :
فيهم بنات العسجدي ولاحق
ورق مراكلها من المضمار
وهو جمع مذكر سالم وإنما حذفت النون منه للاضافة وإضافته لفظية ولذا صح كونه حالا. وعكاظ ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث. وكليهما تأكيد لجنبي. ويدعو فعل مضارع ووليدهم فاعله وبها متعلق بيدعو. والضمير فيه يعود إلى عكاظ. وعرعار اسم فعل في محل نصب بيدعو. (والشاهد فيه) علم مما قدمناه في الشاهد قبله (والمعنى) أن هؤلاء قد نزلوا جنبي عكاظ وإنما ذكر يدعو وليدهم بها عرعار ليدل بذلك على أنهم خرجوا اليه عن بكرة أبيهم لم يتخلف أحد منهم ولا الصبيان.
والتي في معنى المصدر والمعرفة كفجار للفجرة ، ويسار للميسرة ، وجماد للجمود ، وحماد للمحمدة. ويقولون للظباء إذا وردت الماء فلا عباب ، وإذا لم ترد فلا أباب ، وركب فلان هجاج أي الباطل. ويقال دعني كفاف أي تكف عني وأكف عنك ، ونزلت بوار على الكفار ونزلت بلاء على أهل الكتاب.
1) صدره (متكنفي جنبي عكاظ كليهما) وهو للنابغة من قصيدة حذر بها عمرو بن المنذر بن ماء السماء ملك الحيرة من أعدائه وهم قوم النابغة وأخبره بأنهم قد أجمعوا على غزوه والاغارة على بلاده. وقال بعض شراح أبيات المفصل إنه مدح بهذه القصيدة بني غاضرة من بني أسد. وليس كذلك وإنما تلك قصيدة أخرى له على هذا الروي منها البيت المشهور :
والمعدولة عن الصفة كقولهم في النداء يا فساق ويا خباث ويا لكاع ويا رطاب ويا دفار ويا خضاف ويا خزاق ويا حباق ؛ وفي غير النداء نحو حلاق وجباذ للمنيّة ، وصرام للحرب ، وكلاع وجداع وأزام للسنة ، وحناذ وبراح للشمس ، وسباط للحمّى ، وطمار للمكان المرتفع. يقال هوى من طمار وأبنا طمار ثنيتان ، ووقع في بنات طمار وطبار أي في دواه ، ورماه الله ببنت طمار وسببته سبّة تكون لزام أي لازمة. ويقولون للرجل يطلع عليهم يكرهون طلعته : حداد حدّيه وكرار خرزة يؤخذن بها أزواجهن يقلن يا هصرة أهصريه ويا كرار كرّته إن أدى فردّيه وإن أقبل فسريه وفي مثل فشاس فشيه من أسته إلى فيه. وقطاط في قوله :
أطلت فراطهم حتى إذا ما
قتلت سراتهم كانت قطاط (1)
اللغة أطلت من الاطالة. وفراطهم أي إمهالهم والتأني بهم. قال الأديب البغدادي والصواب فراطكم بالخطاب بدليل ما سيأتي اه يريد ما ذكر في القصيدة قبل هذا البيت وهو :
أطلت فراطكم عاما فعاما
ودين المذحجي إلى فراط
أطلت فراطهم البيت أقول ولا مانع من حمله على الالتفات وهو الانتقال من الخطاب إلى الغيبة ان صحت بهذا اللفظ رواية. وقال ابن السيرافي الفراط هو التقدم فكأنه يقول سبقت اليكم بالتهدد والوعيد لتخرجوا عن حقي وسراة. قال أهل اللغة انه جمع سري ويرده أن فعيلا لا يجمع على فعلة بالتحريك ولذلك قال المحقق الرضي في شرح الكافية إنه اسم جمع لا جمع. وقال السهيلي إنه مفرد لا جمع ولا اسم جمع. وقال انه لا يصح أن يكون جمع سرى لا على القياس ولا على غير القياس وإنما هو مفرد مثل كاهل القوم وسنامهم وذلك لأن سراة يجمع على سروات لأنه على وزن فعلة محركا ومثل هذا البناء لا يجمع ، ثم قال وإنما سريّ فعيل من السرو وهو الشرف فان جمع قيل أسرياء كغني واغنياء اه وهو ان صح أن يكون مبطلا لكونه جمعا فلا يصح لابطال كونه اسم جمع وقطاط أي قاطة كافية.
الإعراب : أطلت : فعل فاعل. وفراطكم مفعول. وحتى للانتهاء. وإذا ظرف فيه معنى الشرط وما زائدة.
وقتلت فعل وفاعل. وسراتكم منصوب بالكسرة كما هي القاعدة في جمع المؤنث السالم. وينبغي على ما ذهب اليه السهيلي من انه مفرد ككاهل وسنام لا جمع ولا اسم جمع أن ينصب بالفتحة ولا يخلو عن شيء. وكانت من الأفعال الناقصة. واسمها ضمير يعود إلى القتلة المستفادة من قوله قتلت. وقطاط مبنية على الكسر في محل نصب خبرها (والشاهد فيه) ان قطاط معدول عن قاطة أي كافية (والمعنى) أنني أطلت إمهالكم أو التقدم اليكم بأن تخرجوا إلي عن حقي فلما قتلت سراتكم كانت تلك القتلة كافية لي ولثأري.
1) البيت لعمرو بن معد يكرب الزبيدي من أبيات يخاطب بني مازن وكانوا قتلوا أخاه عبد الله فصالحهم على ديته فعيرته أخته بذلك فنكث العهد ونقض الصلح وغزاهم فاثخن فيهم. وقال ذلك وكان ذلك منه قبل اسلامه رضي الله عنه.
أي كانت تلك الفعلة كافية وقاطة لثاري أي قاطعة له ، ولا تبل فلانا عندي بلال أي بالة. ويقال للداهية صمي صمام وكويته وقاع وهي سمة على الجاعرتين. وقيل في طول الرأس من مقدمه إلى مؤخره قال :
وكنت إذا منيت بخصم سوء
دلفت له فأكويه وقاع (1)
وكنت إذا منيت بخصم سوء
دلفت له بداهية نآد
من أبيات كثيرة يذكر فيها ما لقي من حمل بن بدر واخوته حين تراهنوا على داحس والغبراء.
اللغة منيت أي ابتليت. والخصم المخاصم. ودلفت له أي تقربت اليه. وأكويه من الكي بالثأر. ووقاع قال الكسائي كويته وقاع لا تكون إلا دارة حيث كانت يريد انها ليس لها موضع معلوم وقال شمر كواه وقاع إذا كوى أم رأسه.
الاعراب كنت كان الناقصة والتاء اسمها. وإذا ظرفية شرطية. ومنيت فعل ماض مجهول. والتاء نائب الفاعل. وبخصم متعلق به. ودلفت جملة فعلية خبر كان. وله متعلق به. وقوله فاكويه عطف على دلفت وأكويه فعل مضارع وفاعل هو ضمير المتكلم. والهاء مفعوله. وجملة المتعاطفين جواب الشرط. ووقاع في محل جر بحذف حرف الجر (والشاهد فيه) استعمال وقاع علما على تلك الكلية المخصومة (والمعنى) إذا بليت في الحرب بخصم شر كويته هذه الكلية يريد قتلته.
1) نسبه ابن يعيش إلى عوف بن الأحوص قال في اللسان ونسبه الأزهري لقيس بن زهير ولا أظن الأزهري الاغالطا فان بيت قيس بن زهير هو :
والمعدولة عن فاعلة في الأعلام كحذام وقطام وغلاب وبهان لنسوة ، وسجاح للمتنبئة ، وكساب وخطاف لكلبتين ، وقثام وجعار وفشاح للضبع ، وخصاف وسكاب لفرسين ، وعرار لبقرة يقال باءت عرار بكحل وظفار للبلد الذي ينسب إليه الجزع. ومنها قولهم من دخل ظفار حمّر وملاع ومناع لهضبتين ، ووبار وشراف لأرضين ولصاف لجبل.
والبناء في المعدولة لغة أهل الحجاز. وبنو تميم يعربونها ويمنعونها الصرف ، إلا ما كان في آخره راء كقولهم حضار لأحد المحلفين وجعار فأنهم يوافقون فيه الحجازيون إلا القليل منهم كقوله :
ومرّ دهر علي وبار
فهلكت جهرة وبار (1)
اللغة الدهر الجملة الكبيرة من الزمن. وبار أرض كانت لعاد غلبت عليها الجن. وقال الليث وبار أرض كانت من محال عاد بين اليمن ورمال يبرين فلما هلكت عاد أورث الله ديارهم الجن فلا يتوطن بها أحد من الناس وجهرة عيانا.
الاعراب مر فعل ماض. ودهر فاعله. وعلى وبار جار ومجرور متعلق بمر. ووبار مبني على الكسر في محل جر بعلى. وهلكت فعل ماض. ووبار فاعله. وجهرة مصدر في موضع الحال (والشاهد فيه) انه أعرب وبار الثانية مع ان آخرها راء. وبنو تميم مع الحجازيين في بنائها على الكسر. وانما جعل الشاعر تميميا لأنه من بني قيس ومنازلهم باليمامة وفيها بنو تميم.
بالرفع.
هيهات بفتح التاء لغة أهل الحجاز ، وبكسرها لغة أسد وتميم ، ومن العرب من يضمها ، وقرىء بهن جميعا ، وقد تنوّن على اللغات الثلاث ، وقال :
1) هو لأعشى قيس كما ذكره سيبويه في الكتاب.
تذكرت أياما مضين من الصّبى
فهيهات هيهات إليك رجوعها (1)
اللغة تذكرت يروى تذكر على صيغة المضارع المحذوف إحدى تاءيه.
الاعراب تذكرت فعل وفاعل. وأياما مفعوله. ومضين فعل ماض. ونون النسوة فاعله. وهو في محل نصب صفة أياما. ومن الصبى متعلق به. وهيهات إسم فعل ماض بمعنى بعد. ورجوعها فاعل. واليك متعلق برجوعها. ورجوع مصدر مضاف إلى فاعله. والجار والمجرور في محل النصب مفعوله (والشاهد فيه) مجيء هيهات منونا وغير منون (والمعنى) تذكرت ما مر من الشباب وتمنيت رجوعه وكيف برجوع ما مر وانقضى.
وقد قرىء قوله :
هيهات من مصبحها هيهات (2)
يصبحن بالقفر أتاويات
معترضات غير عرضيات
هيهات من مصبحها هيهات
هيهات حجر من صنيعات
اللغة أتاويات أي غربيات من صواحباتهن لتقدمهن وسبقهن وانقطاعهن في المفاوز. ومعترضات أي نشيطات لم يكسلهن السفر. وقوله غير عرضيات أي من غير صعوبة وتكلف بل ذلك النشاط من طبعهن وشيمهن. وحجر بفتح الجيم اليمامة وهي التي تسمى اليوم الرياض وصنيبعات. قال ياقوت في معجم البلدان موضع وأنشد هذا البيت ثم قال وقيل ماء نهشت عنده حية إبنا صغيرا للحارث بن عمرو الغساني وكان مسترضعا في بني تميم. وبنو تميم وبكر في مكان واحد يومئذ فأتاهما الحارث في إبنه فأتاه منهما قوم يعتذرون اليه فقتلهم جميعا أه وكلام الشاعر صريح في أن بين المكانين بعدا فاحشا بخلاف كلام ياقوت.
الاعراب هيهات اسم فعل ماض وفاعله محذوف أي بعد تلاقيها من أجل إصباحها على تلك الحال أو من زائدة ومصبحها فاعل أي بعد مصبحها. وهيهات الثاني تأكيد. وحجر فاعل هيهات الثالثة. ومن صنيبعات متعلق بهيهات (والشاهد فيه) ظاهر (والمعنى) أنهن خرجن من صنيبعات معتمات فلما أصبحن كن قد جاوزن مسافة بعيدة ووصلن إلى الحجر وما أشد بعد حجر من صنيبعات.
بضم الأول وكسر الثاني. ومنهم من يحذفها. ومنهم من يسكنها.
ومنهم من يجعلها نونا. وقد تبدل هاؤها همزة. ومنهم من يقول أياك وأيهان وأيها. وقالوا أن المفتوحة مفردة وتاؤها للتأنيث مثلها في غرفة وظلمة ولذلك يقلبها الواقف هاء فيقول هيهاه. وألفها عن ياء لأن أصلها هيهية من المضاعف كزلزلة. وأما المكسورة فجمع المفتوحة وأصلها هيهيات فحذف اللام والوقف عليها بالتاء كمسلمات.
المعنى في شتان تباين الشيئين في بعض المعاني والأحوال. والذي عليه الفصحاء شتان زيد وعمرو وشتان ما زيد وعمرو. وقال :
شتان ما يومي على كورها
ويوم حسّان أخي جابر (1)
شاقتك من نبلة أطلالها
بالشط فالوتر إلى حاجر
ويقال ان علقمة بن علاثة لما بلغه ذلك أهدر دمه وجعل له على كل طريق رصدا حتى وقع في يديه فعفا عنه وأنعم عليه وكساه وحمله على ناقة وسيره إلى بلاده وأخرج معه من بني كلاب من يبلغه مأمنه فقال الأعشى في ذلك :
علقم يا خير بني عامر
للضيف والصاحب والزائر
والضاحك السن على همه
والغافر العثرة للعاثر
اللغة شتان بمعنى بعد. والكور الرحل. وحيان وجابر ابنا عميرة من بني حنيفة وكان حيان نديما للأعشى. ويروى أن حيان كان أفضل من جابر فلما بلغ حيان هذا البيت غضب وقال عرفتني بأخي وجعلته أشهر مني فقال له الأعشى انما اضطرتني القافية إلى ذلك فلم يقبل عذره وترك منادمته.
الاعراب شتان اسم فعل ماض. وما صلة للتأكيد. ويومي فاعله. وعلى كورها متعلق بشتان. ويوم عطف على يومي. وحيان ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. وأخي بدل من حيان. وجابر جر بالاضافة إليه. (والشاهد فيه) في شتان حيث استعمله بدون زيادة لفظ بين (والمعنى) ان يومي على كور هذه الناقة ويومي مع حيان بعيدان لا يتقاربان لأن أحدهما يوم سفر ونصب والثاني يوم لهو ولعب.
1) هو للأعشى من قصيدة طويلة يهجو بها علقمة بن علاثة ويمدح عامر بن الطفيل أولها :
وقال :
شتان هذا والعناق والنّوم
والمشرب البارد في ظل الدّوم (1)
يا قوم قد حرقتموني باللوم
ولم أقاتل عامرا قبل اليوم
اللغة العناق المعانقة والدوم شجر معروف وأنشده المبرد.
والمشرب الدائم في الظل الدوم. أي الدائم إقامة للمصدر مقام الوصف. والأولى رواية أبي عبيدة وقد أنكرها الأصمعي قال لأنه ليس ببلاد الشاعر وهي تجد شجر الدوم.
وانما الرواية في الظل الدوم أي الدائم.
الاعراب شتان فعل ماض. وهذا فاعله والمشار إليه به هو المذكور في البيت قبله من تحريق اللوم إياه بنار اللوم. والعناق وما بعده عطف على هذا. والبارد صفة المشرب. وفي ظل الدوم متعلق بمحذوف صفة مشرب. والدوم جر بالاضافة إليه (والشاهد فيه) كالذي في سابقه (والمعنى) افترق ما أنا فيه من حرقة استماع اللوم والمعانقة والنوم والماء العذب في ظل هذا الشجر أو في الظل الدائم.
وأما نحو قوله :
لشتان ما بين اليزيدين في الندى
يزيد سليم والأغرّ ابن حاتم (2)
حلفت يمينا غير ذي مثنوية
يمين امرىء آلى بها غير آثم
اللغة الندى الكرم والجود وألفه أصلها الواو يقال سنّ للناس الندا فندوا. والأغر من الغرة وهو بياض فوق الدرهم يكون في جبهة الفرس استعير للظهور والشهرة.
الاعراب شتان اسم فعل ماض وما صلة للتأكيد. وبين ظرف فاعل. واليزيدين مضاف إليه وفي الندا متعلق بالظرف ويزيد مع ما عطف عليه بدل من اليزيدين. وسليم جر بالاضافة إليه. والأغر عطف على يزيد سليم (والشاهد فيه) زيادة لفظ ما بعد شتان. وقد أباه الأصمعي وطعن في فصاحة قائله وقبله غيره من أهل اللغة والنحو. قال المرزوقي في شرح فصيح ثعلب شتان موضوع موضع تشتت وإذا قلت شتان ما هما فما صلة يتأكد بها الكلام وهما في موضع الفاعل ولا يستغنى بواحد لأنه وضع لاثنين فصاعدا كما ان تشتت كذلك. والعامة تقول شتان ما بين فلان وفلان وكثير من الناس يدفعونه حتى خطأ جماعة من النحويين ربيعة الرقي. وله وجه صحيح وهو أن يكون ما لأحوال اليزيدين وأوصافهما وجعلت ما بعده صلة له فعرفته أو صفة له فنكرته لأنه حينئذ يصح دخول شتان وتشتت عليه ولا يكون لواحد اه أقول وهذا التوجيه يتمشى في مثل قولهم شتان ما بين زيد وعمرو. أما في البيت الشاهد فلا وذلك لأن هذا التوجيه يقتضي أن يكون بين اليزيدين مشاركة في الجود والبخل ان قدر في البيت معطوف محذوف أو في الجود فقط ان لم يقدر وذلك خلاف مقصود الشاعر فان مقصوده انفراد أحد اليزيدين بالكرم وانفراد الآخر بالبخل بدليل قوله في البيت بعده :
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله
وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
وقد تمحل جماعة لتوجيه هذا البيت فأتوا بما لا طائل تحته.
فقد أباه الأصمعي ولم يستبعده بعض العلماء عن القياس.
أف يفتح ويضم ويكسر ، وينوّن في أحواله ، وتلحق به التاء منونا في الأحوال.
وهذه الأسماء على ثلاثة أضرب. ما يستعمل معرفة ونكرة ، وعلامة التنكير لحاق التنوين كقولك إيه وايه وصه ومه وغاق وغاق وأفّ وأفّ. وما لا يستعمل إلا معرفة نحو بله وآمين. وما التزم فيه التنكير كإيها في الكف ، وويها في الإغراء ، وواها في التعجب ، يقال واها له ما أطيبه. ومنه فداء له فلان بالكسر والتنوين أي ليفدك. قال :
مهلا فداء لك الأقوام كلّهم (1)
اللغة مهلا بمعنى امهل. وتأن. والفداء ما يفتدى به الشيء. وأثمر أي أجمع وأصلح يقال ثمر فلان ماله إذا جمعه وأصلحه.
الاعراب مهلا مفعول مطلق منصوب بفعل محذوف أي امهل مهلا. وفداء بالكسر والتنوين اسم فعل أمر أي ليفدك وهو مبني على الكسر وانما كان كذلك لأنه قد تضمن معنى الحرف وهو لام الأمر لأن التقدير ليفدك الأقوام كلهم. فلما كان بمعناه بني وبني على الكسر لأنه وقع للأمر والأمر إذا حرك تحرك إلى الكسر. وانما نونوه لأنه نكرة والأقوام فاعله. ويجوز نصب فداء على أنه مصدر لفعله والأقوام بعده أيضا يكون فاعلا له. ويجوز رفع فداء على أنه خبر عن الأقوام. وكلهم تأكيد للأقوام. وقوله وما أثمر الواو لعطف هذه الجملة على الأقوام. وما موصولة. والعائد محذوف أي أثمره. ومن مال متعلق بأثمر. وولد معطوف على مال (والشاهد فيه) ان فداء مما التزم التنكير من أسماء الأفعال كإيها في الكف وويها في الاغراء وواها في التعجب وذكر بعض الفضلاء أن فداء يستعمل مكسورا منونا وغير منون حملا على أيه منونا وغير منون (والمعنى) لا تعجل علي بالأنتقام فداك الأقوام وما أجمع من مال وولد.
1) تمامه. (وما أثمر من مال ومن ولد) وهو للنابغة من قصيدة يمدح بها النعمان بن المنذر ويتنصل له بها مما قذفوه به حين هرب منه إلى آل جفنة ملوك الشأم وقد تقدم خبر ذلك.
ومن أسماء الفعل دونك زيدا أي خذه ، وعندك عمرا أي إلزمه ، وحذرك بكرا وجذارك ومكانك وبعدك إذا قلت تأخر أو حذرته شيئا خلفه ، وفرطك وأمامك إذا حذرته من بين يديه شيئا أو امرأته أن يتقدم ، ووراءك أي أنظر إلى خلفك إذا بصّرته شيئا.
ومن الأصوات قول المتندم والمتعجب وي. تقول وي ما أغفله ، ويقال وي لمّه ، ومنه قوله تعالى : (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ). وضربه فما قال حسّ ولا بسّ ، ومضّ أن يتمطلق بشفتيه عند ردّ المحتاج قال :
سألتها الوصل فقالت مضّ (1)
اللغة المض أن يقول الأنسان بطرف لسانه شبه لا. والنفض التحريك. وفي الصحاح وشرح القاموس سألت هل وصل بدل سألتها الوصل.
الاعراب سألتها فعل وفاعل ومفعول. والوصل مفعول ثان. وقالت فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى المحبوبة. ومض مقول قالت وهي مبنية وحركه لالتقاء الساكنين وحركت مثل قالت. ولي متعلق به. ورأسها مفعول حركة (والشاهد فيه) استعمال مض وهي اسم صوت بمعنى لا (والمعنى) انه سألها الوصل فأشارت بلسانها ورأسها ان لا وصل.
1) لم يسم أحد قائله وتمامه. وحركت لي رأسها بالنفض.
ومن أمثالهم أن في مضّ لمطمعا ، وبخّ عند الإعجاب وأخّ عند التكرّه قال :
وصار وصل الغانيات أخّا (1)
لا خير في الشيخ إذا ما اجلخا
وسال غرب عينه ولخا
وكان أكلا قاعدا وفسخا
تحت رواق البيت يغشى الدخا
اللغة أجلخ اعوج وأنحنت قامته وغرب عينه موقها ولخ إنهل دمع عينه فما يكاد يرقأ. وشخا يريد به كثر بوله وغائطه. والدخ بضم الدال وفتحها الدخان يريد أنه يغشى التنور يستطعم لعدم صبره على الجوع لكبره. وفخا أي كالفخ في التقوس والانحناء. وأخا أي مكروها.
الاعراب وانثنت فعل ماض معطوف على أجلخ في البيت قبله. والرجل فاعله.
والغانيات ناقصة واسمها ضمير فيها يعود إلى الرجل. وفخا خبرها. ووصل اسم كان الثانية. والغانيات جر بالاضافة إليه. وأخا خبرها. (والشاهد فيه) ان اخا اسم فعل يقال عند النكرة لكنه هنا جعله كالمصدر فأعربه.
ويروى كخّا. وهلا زجر للخيل ، وعدس للبغل ، وقد سمي به. وهيد بفتح الهاء وكسرها للإبل ، وهاد مثله ، ويقال أتاهم فما قالوا له هيد ما لك إذا لم يسألوه عن حاله. وجه وده مثله ومنه الأده فلاده ، وحوب وحاي وعاي مثله. وسع حث للإبل. وجوت دعاء لها إلى الشرب. وأنشد قوله :
دعاهنّ ردفي فارعوين لصوته
كما رعت بالجوت الظماء الصواديا (2)
سأكذب من قد كان يزعم أنني
إذا قلت قولا لا أجيد القوافيا
اللغة دعاهن يروى بدله وأوده وهو بمعنى دعاهن. والردف الرديف. والارعواء حسن الرجوع عن الغي. ورعت بالخطاب من قولهم هذه شربة راع بها فؤادي أي برد بها غلة قلبي ، أو من راعه الشيء بمعنى أعجبه وافزعه. وجوت بفتح الجيم مثلثة الآخر صوت تدعى به الإبل للماء والظماء العطاشى. والصواديا جمع صادية من الصدى وهو العطش.
الاعراب دعاهن فعل ماض ومفعول وهو ضمير النسوة. ورد في فاعله. وارعوين فعل ماض. ونون النسوة فاعله. ولصوته متعلق به. وقوله كما الكاف للتشبيه. وما مصدرية.
ورعت فعل وفاعل. وبالجوت متعلق به. والظماء مفعول رعت. والصواديا صفة الظماء.
(والشاهد فيه) دخول أداة التعريف على اسم الصوت وهو جوت (والمعنى) ان رديفه دعا النسوة فارعوين لصوته ورجعن إليه كما لو دعوت إلى الشرب الإبل فالتففن وتضاممن للشرب.
بالفتح محكيا مع الألف واللام. وجيء مثله. وحل زجر الناقة. وحب من قولهم للجمل حب لا مشيت. وهدع تسكين لصغار الإبل. ودوه دعاء للرّبع. ونخ مشددة ومخففة صوت عند إناخة البعير. وهيخ وأيخ مثله.
وهس وهبح وفاع زجر للغنم. وبس دعاء لها. وهج وهجا خسيء للكلب.
قال :
سفرت فقلت لها هج فتبرقعت
فذكرت حين تبرقعت ضبّارا (1)
وتزينت لتروعني بجمالها
فكأنما كي الحمار خمارا
فخرجت أعثر في قوادم جبتي
لو لا الحياء اطرتها إحضارا
اللغة سفرت كشفت البرقع عن وجهه. وهج صوت يزجر به الكلب. قال الأزهري ويقال للأسد والذئب وغيرهما هج بالتسكين. وضبار اسم كلب قال الزبيدي في تاج العروس كذا وجد بخط أبي زكريا ومثله بخط الأزهري وأورده ابن دريد في الجمهرة وكذلك هو في كتاب المعاني. غير ان في نسخة الصحاح هبارا بالهاء كذا وجد بخط الجوهري أه ورواه صاحب اللسان في مادة ه ج ج ضبارا وفي مادة ه ب ر هبارا.
الاعراب سفرت فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى المرأة المذكورة قبل. وقلت فعل وفاعل. ولها متعلق به. وهج مقول القول. وتبرقعت فعل ماض فاعله ضمير المرأة. وذكرت فعل وفاعل. وضبارا مفعول. وحين ظرف. وتبرقعت جملة فعلية في محل جر باضافة حين إليها. (والشاهد) فيه ظاهر (والمعنى) ان هذه المرأة سفرت عن وجهها امامه فزجرها بما يزجر به الكلب فغطت وجهها ثانية فذكر ذلك الكلب عند رؤيتها متبرقعة لتقارب صورتيهما.
1) هو للحارث بن الخزرج الخفاجي وبعده :
وهيج صوت يصوت به الحادي. وحج وعه وعيز زجر للضأن. وثيء دعاء للتيس عند السفاد. ودج صياح بالدجاجة. وسأوتشؤ دعاء للحمار إلى الشرب ، وفي المثل إذا وقف الحمار على الرّدهة فلا تقل له سأ. وجاه زجر للسبع. وقوس دعاء للكلب. وطيخ حكاية صوت الضاحك. وعيط صوت للفتيان إذا تصايحوا في اللعب. وشيب صوت مشافر الإبل عند الشرب.
وماء حكاية بغام الظبية. وغاق حكاية صوت الغراب. وطاق حكاية صوت الضرب. وطق حكاية صوت وقع الحجارة بعضها ببعض. وقب حكاية وقع السيف.
منها الغايات ، وهي قبل وبعد وفوق وتحت وأمام وقدام ووراء وخلف وأسفل ودون ومن عل. ومن الغايات وابدأ بهذا أول. وقد جاء ما ليس بظرف غاية ، نحو حسب ولا غير وليس وغير. والذي هو حدّ الكلام وأصله أن ينطق بهن مضافات ، فلما اقتطع عنهن ما يضفن إليه ، وسكت عليهن ، صرن حدودا ينتهي عندها ، فلذلك سمين غايات. وإنما يبنين إذا نوي فيهن المضاف إليه. وإن لم ينو فالإعراب. كقوله :
فساغ لي الشراب وكنت قبلا
أكاد أغصّ بالماء الفرات (1)
وأنشده جار الله والثعالبي (أكاد أغص بالماء الفرات) ولعله من شعر آخر.
اللغة ساغ الشراب إذا سهل مدخله في الحلق وأسغته جعلته سائغا ويتعدى بنفسه في لغة. والشراب ما يشرب من المائعات. وأغص مضارع غصصت بالطعام غصصا من باب تعب ومن باب قتل لغة وهو هنا مستعمل مكان الشرق لأن الغصص خاص بالطعام والشرق مخصوص بالماء. والفرات العذب.
الاعراب ساغ فعل ماض. ولي متعلق به. والشراب فاعله. وكنت كان واسمها وقبلا ظرف نكره ونون لأن المضاف إليه حذف ولم ينو لفظه ولا معناه. وأكاد من أفعال المقاربة وفاعله ضمير المتكلم. وأغص كذلك وبالماء متعلق بأغص. والفرات صفة الماء. وجملة أغص في محل نصب مفعول أكاد. وجملة أكاد في محل نصب خبر كان (والشاهد فيه) اعراب قبل لقطعه عن الاضافة وعدم نية المضاف إليه (والمعنى) انه أدرك بثأره وحل له ما كان حرم على نفسه من الشراب.
1) أنشد أبو عبيدة عجز البيت هكذا (اغص بنقطة الماء الحميم) وقال انه ليزيد بن الصعق من أبيات يذكر فيها انتقامه من الربيع بن زياد العبسي وأخذه ثأره منه. وكان قد أغار قبل ذلك عليهم واستاق مواشيهم. ورواه العيني (أكاد أغص بالماء الحميم) وقال انه لعبد الله بن يعرب بن معاوية وكان له ثأر فأدركه فأنشده وهذه هي الرواية المشهورة.
وقد قرىء (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ). ويقال أبدأ به أوّلا ، وجئته من عل ؛ وفي معناه من عال ومن معال ومن علا. ويقال جئته من علو ومن علو ومن علو. وفي معنى حسب بجل. قال :
ردّوا علينا شيخنا ثم بجل (1)
اللغة : الشيخ الجمل وبجل بمعنى حسب.
الاعراب نحن مبتدأ. وبني ضبة نصب على الاختصاص. وأصحاب الجمل خبره. وردوا فعل ماض. والواو فاعله وشيخنا مفعوله. وعلينا متعلق بردوا في محل نصب مفعوله الثاني. وثم للعطف وبجل مبني على السكون في محل رفع خبر مبتدأ محذوف أي ثم ذلك حسب (والشاهد فيه) مجيء بجل بمعنى حسب (والمعنى) نحن أخص بني ضبة أصحاب الجمل الذائدون عنه المقاتلون دونه ردوه علينا وذلك حسبنا في الكف عن قتالكم.
وشبه حيث بالغايات من حيث ملازمتها الإضافة. ويقال حيث وحوث بالفتح والضم فيهما وقد حكى الكسائي حيث بالكسر. ولا يضاف إلى غير الجملة إلا ما روي من قوله :
أما ترى حيث سهيل طالعا (2)
اللغة سهيل نجم تنضج عند طلوعه الفواكه وينقضي فصل القيظ. وساطعا أي مرتفعا.
الاعراب الهمزة في أما زائدة. وما نافية. وترى فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب. وحيث معرب إما منصوب على الظرفية أو على انه مفعول ترى. وسهيل جر باضافة حيث إليه. وطالعا مفعول ثان لترى إن كانت علمية وحال من حيث ان كانت بصرية. وهذا على رواية جر سهيل أما على رواية رفعه فهو مبتدأ خبره محذوف أي موجود. وطالعا حال من ضمير الخبر ونجما نصب على المدح. وجملة يضيء كالشهاب صفة نجم وساطعا حال من ضمير يضيء (والشاهد فيه) ان حيث أضيف إلى مفرد وذلك نادر وهذا على رواية جر سهيل. أما على رواية رفعه كما سبق فهو مضاف إلى جملة على الشائع. وذكر المحقق الرضي في شرح الكافية ان حيث على رواية جر سهيل يجوز اعرابها وبناؤها وعلى رواية رفعه يتعين اعرابها ومنع أن تكون ظرف ترى على كل تقدير خلافا لما درج عليه كثير من المعربين.
أي مكان سهيل وقد روى ابن الأعرابي بيتا عجزه :
حيث ليّ العمائم (1)
ونطعنهم حيث الحبى بعد ضربهم
ببيض المواضي حيث لي العمائم
هكذا أنشده ابن يعيش وأنشده بعض الرواة هكذا.
ونحن سقينا الموت بالشام معقلا
وقد كان منهم حيث لي العمائم
اللغة الحبى جمع حبوة. والبيض المواضي السيوف القواطع. ومعقلا إسم رجل. واللي مصدر لواه.
الاعراب حيث لي العمائم خبر كان على الرواية الثانية. ومفعول المصدر على الرواية الأولى. (والشاهد فيه) إضافة حيث مبنيا إلى المفرد والقياس إضافته إلى الجملة (والمعنى) على الرواية الأولى نضرب بالسيوف القواطع سوق هؤلاء القوم وأعناقهم وهما مكان الحبى ومكان العمائم. وعلى الرواية الثانية قتلنا معقلا بالشام وقد كان رأس قومه ورئيسهم.
ويتصل به ما فيصير للمجازاة.
ومنها منذ ، وهي إذا كانت إسما على معنيين : أحدهما أول المدة كقولك ما رأيته منذ يوم الجمعة ، أي أول المدة التي انتفت فيها الرؤية
1) لم يسم قائله وصدره.
ومبدؤها ذلك اليوم. والثاني جميع المدة كقولك ما رأيته منذ يومان ، أي مدة انتفاء الرؤية اليومان جميعا. ومذ محذوفة منها. وقالوا هي لذلك أدخل في الأسمية. وإذا لقيها ساكن بعدها ضمت ردّا إلى أصلها.
ومنها إذ لما مضى من الدهر ، وإذا لما يستقبل منه. وهما مضافتان أبدا. إلا إذ تضاف إلى كلتا الجملتين ، وأختها لا تضاف إلا إلى الفعلية.
تقول جئت إذ زيد قائم ، وإذ قام زيد ، وإذ يقوم زيد ، وإذ زيد يقوم. وقد استقبحوا إذ زيد قام. وتقول إذا قام زيد ، قال الله تعالى : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى).
إذا الرجال بالرجال التفت (1)
اللغة إذا الرجال بالرجال يروى بدله إذا الكماة بالكماة ويروى إذا العوالي بالعوالي. والمخدج على زنة اسم المفعول الولد يولد ناقصا وإن تمت أيام حمله.
الاعراب إذا ظرف. والرجال مرفوع بفعل محذوف يفسره المذكور. (والشاهد فيه) مجيء إذا والاسم بعدها مرفوع بفعل محذوف. والكوفيون يجيزون وقوع المبتدأ والخبر بعدها.
ارتفاع الأسم فيه بمضمر يفسره الظاهر. وفي إذا معنى المجازاة دون إذ إلا إذا كفت ، كقول العباس بن مرداس :
إذ ما دخلت على الرسول فقل له
حقّا عليك إذا اطمأنّ المجلس (2)
يا خير من ركب المطي ومن مشى
فوق التراب إذا تعد الأنفس
(والشاهد فيه) جواز المجازاة بإذ إذا اتصلت بما.
وقد تقعان للمفاجأة كقولك بينا زيد قائم إذ رأى عمرا ، وبينما نحن بمكان كذا إذا فلان قد طلع علينا ، وخرجت فإذا زيد بالباب. قال :
وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا
إذا أنه عبد القفا واللهازم (1)
اللغة أرى بضم الهمزة بمعنى أعلم. واللهازم جمع لهزمة وهي لحمة في أصل الحنك.
الاعراب كنت كان الناقصة واسمها. وأرى فعل مجهول مفعوله الأول أقيم مقام فاعله. وزيدا مفعوله الثاني. وسيدا مفعوله الثالث. وقوله كما قيل الكاف للتشبيه. وما مصدرية. وإذا للمفاجأة. وان حرف توكيد ونصب. والهاء إسمها. وعبد مبتدأ مضاف إلى القفا والخبر محذوف أي إذا عبوديته للقفا حاصلة. (والشاهد فيه) وقوع إذا بمعنى المفاجأة (والمعنى) كنت أعلم زيدا سيدا من السادات فإذا هو على غير ذلك.
وكان الأصمعي لا يستفصح إلا طرحهما في جواب بينا وبينما وأنشد :
فبينا نحن نرقبه أتانا
معلّق وفضة وزناد راعي (2)
اللغة نرقبه ننتظره. والوفضة الجعبة. وزناد جمع زند وهو الحجر الذي تقتدح به النار.
الاعراب بينا أصله بين. والألف اشباع عن فتحة النون. وهي مضافة إلى محذوف وهو أوقات. والتقدير بين أوقات نرقبه اتانا. وانما قدرنا ذلك لأنه قد أضيف إلى الجملة. وإنما يضاف إلى الجملة أسماء الزمان دون ما عداها. ونحن مبتدأ. وجملة نرقبه خبر. وأتانا جملة فعلية جزائية ومعلق حال من فاعل أتانا. وزناد عطف على وفضة (والشاهد فيه) استعمال بينا بغير إذ وهو الأفصح لأن إذ إذا أتي بها وأضيفت إلى الجواب لم يحسن إعماله فيما قبله وإنما أجاز ذلك من أجازه لأجل انه ظرف والظروف يتسع فيها ما لا يتسع في غيرها. (والمعنى) بين أوقات نحن ننتظر مجيئه أتانا على تلك الحال.
وأمثالا له. ويجاب الشرط بإذا كما يجاب بالفاء ، قال تعالى : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ).
ومنها لدى والذي يفصل بينها وبين عند أنك تقول عندي كذا لما كان في ملك حضرك أو غاب عنك ، ولدي كذا لما لا يتجاوز حضرتك. وفيها ثماني لغات : لدى ولدن ولدن ولد بحذف نونها ، ولدن ولدن بالكسر لالتقاء الساكنين ، ولد ولد بحذف نونهما. وحكمها أن يجرّ بها على الإضافة كقوله تعالى : (مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ). وقد نصبت العرب بها غدوة خاصة قال :
لدن غدوة حتى ألاذ بخفها
بقيّة منقوص من الظل قالص (1)
اللغة لدن ظرف بمعنى من عند. تقول وقف الناس له من لدن كذا إلى المسجد ونحو ذلك ، إذا اتصل ما بين الشيئين. وكذلك من لدن طلوع الشمس إلى غروبها. والغدوة البكرة ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس. وألاذ احاط يقال الاذ الطريق بالدار إذا أحاط بها من كل جانب. وقالص الظل إذا انزوى وانضم بعضه إلى بعض.
الاعراب لدن ظرف بمعنى عند. قال سيبويه جزمت ولم تجعل كعند لأنها لم تمكن في الكلام تمكن عند. وغدوة منصوب بلدن كأنه توهم ان هذه النون زائدة تقوم مقام التنوين فنصب كما تقول ضارب زيدا. وقد أجاز الفراء فيها أيضا الرفع والجر فأما الرفع فلإجراء لدن مجري مذ. وأما الجر فلإجرائها مجري من وعن وحتى غائية. وبخفها متعلق بألاذ. وبقية فاعل ومن الظل متعلق بمنقوص. وقالص صفته. (والشاهد فيه) انتصاب غدوة بلدن (والمعنى) ما زالت هذه الناقة تسير من قبل طلوع الشمس حتى أحاط الظل بخفها واجتمع حوله يريد إلى وقت الاستواء فانه إذا كان وقت الاستواء لم يبق للناقة ظل إلا ما يرى حول خفها كقدر نصف أنملة.
تشبيها لنونها بالتنوين لما رأوها تنزع عنها وتثبت.
ومنها الآن وهو الزمان الذي يقع فيه كلام المتكلم. وقد وقعت في أول أحوالها بالألف واللام ، وهي علة بنائها.
1) لم أر من نسبه إلى قائله على كثرة من استشهد به.
ومتى وأين وهما يتضمنان معنى الإستفهام ومعنى الشرط ، تقول متى كان ذاك؟ ومتى يكون؟ ومتى تأتني أكرمك؟ وأين كنت؟ وأين تجلس أجلس؟ ويتصل بهما ما المزيدة فتزيدهما إبهاما. والفصل بين متى وإذا أنّ متى للوقت المبهم وإذا للمعين.
وأيان بمعنى متى إذا استفهم بها.
ولمّا في قولك لمّا جئت جئت ، بمعنى حين وأمس ، وهي متضمنة معنى لام التعريف ، مبنية على الكسر عند الحجازيين ، وبنو تميم يعربونها ويمنعونها الصرف ، فيقولون ذهب أمس بما فيه وما رأيته مذ أمس ، وقال :
لقد رأيت عجبا مذ أمسا
عجائزا مثل السّعالى خمسا (1)
اللغة عجائز جمع عجوز وهي المرأة الطاعنة في السن. ولا تقول عجوزة. والسعالي جمع سعلاة أو سعلاء وهي الأنثى من الغيلان. ويروى مثل الأفاعي وهي جمع أفعى وهي أخبث الحيات ولا ينفع منها ترياق ولا رقية.
الاعراب اللام في لقد موطئة للقسم. ورأيت فعل وفاعل. وعجبا مفعوله. ومذ حرف جر لابتداء الغاية. وأمسا مجرور به بالفتحة وهو ممنوع من الصرف للعلمية والعدل. وليس هي مبنية على الفتح كما زعمه بعضهم. وعجائز بدل من عجبا وما بعده صفة له (والشاهد فيه) مجيء أمس غير منصرف.
وهما لزماني المضي والإستقبال على سبيل الإستغراق ، تقول : ما رأيته قط ، ولا أفعله عوض. ولا يستعملان إلا في موضع النفي. قال الأعشى :
1) قيل إنه من رجز للعجاج وأنكر بعضهم ذلك وقال إنه من شواهد الكتاب التي لم يعرف لها قائل.
رضيعي لبان ثدى أمّ تقاسما
بأسحم داج عوض لا نتفرّق (1)
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة
إلى ضوء نار في يفاح تحرق
اللغة رضيعي تثنية رضيع ورضيع بمعنى مراضع كالجليس معناه المجلس. واللبان لبن الآدمي. ولا يقال له لبن إنما اللبن لسائر الحيوانات وليس بصحيح نعم اللبان في بني آدم أكثر من غيرهم. وتقاسما من القسم أي أقسم كل واحد منهما لا يفارق الآخر. والاسحم اختلفوا في المراد منه على أقوال أوجههما أن المراد به الرحم. وداج شديد الظلمة وعوض ظرف بمعنى أبدا أي لا نتفرق أبدا.
الاعراب رضيعي صفة مقرورين المذكور في البيت قبله وهو :
تشب لمقرورين يصطليانها
وبات على النار الندى والمحلق
ولبان جر بالاضافة واضافة رضيعي إلى لبان ليس من الاضافة إلى المفعول به المصرح بل هو مفعول على التوسع بحذف حرف الجر لأنه يقال هو رضيعه بلبان أمه فحذف الباء فانتصب لبان وأضيف إليه الوصف. وقوله ثدي بالجر هو بدل من لبان. وعلى رواية النصب فهو منصوب بنزع الخافض أي من ثدى أم. وتقاسما فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى المقرورين. وبأسحم داج هو المقسم به. ولا نتفرق هو المقسم عليه. وعوض متعلق بقوله نتفرق. ولا النافية مع مدخولها جواب القسم وان كان لها الصدر. ويمتنع عمل ما بعدها فيما قبلها. الا أن ابن هشام جوز ذلك لأنهم توسعوا في الظروف ما لا يتوسع في غيرها واحتج له بهذا البيت (والشاهد فيه) أن عوض لا تستعمل الا في موضع النفي (والمعنى) ان المحلق والكرم رضعا من ثدي أم واحدة فهما اخوان وتقاسما أن لا يفارق أحدهما الآخر أبدا.
وقد حكي قط بضم القاف ، وقط خفيفة الطاء وعوض مضمومة.
وكيف جار مجرى الظروف. ومعناه السؤال عن الحال. تقول كيف زيد؟ أي على أي حال هو. وفي معناه أنّى قال الله تعالى : (فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ). وقال الكميت :
1) هوله من قصيدة طويلة يمدح بها المحلق واسمه عبد العزى وكان تعرض للأعشى وهو يريد عكاظ فانزله عنده وأكرم نزله فقال فيه هذه القصيدة وأولها :
أنّى ومن أين آبك الطرب (1)
اللغة آبك عاودك وراجعك والطرب خفة تعتري الانسان من الفرح. والصبوة التصابي.
الاعراب أنى بمعنى كيف. وآبك فعل ومفعول. والطرب فاعله. ولا نافية للجنس. وصبوة اسمها. والخبر محذوف أي لك. ولا لعب عطف على صبوة (والشاهد فيه) مجيء أنى بمعنى كيف إذ لو كانت هنا بمعنى أين لتكررت مع ما بعدها (والمعنى) يعجب من نفسه كيف عاوده الطرب بعد انقضاء أيام الصبى وأيام اللعب.
ألا أنهم يجازون بأنى دون كيف قال لبيد :
فأصبحت أنى تأتها تلتبس بها (2)
اللغة تلتبس معناه تشتبك. ويروى تشتجر. والمعنى واحد. ويروى تبتئس وهو من بؤس الحال ومركبيها ناحيتيها اللتين ترام منهما وشاجر أي مضطرب. ويروى شاغر وهو بمعناه.
الاعراب أصبحت فعل ناقص. والتاء اسمها. وأنى اسم شرط جازم مجرور بمن أي من أنى. وتأتها فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب مجزوم بانى ، وهو جزاء الشرط. وتلتبس جوابه. وكلا مبتدأ. وشاجر خبره. (والشاهد فيه) مجيء أنى شرطية (والمعنى) يقول كيف أتيت هذه الداهية التبس عليك أمرها وتعذر عليك الخروج عنها وكل جانب من جوانبها التي ترام للتخلص منها مضطرب مختلف لا يستقر على حال.
وحكى قطرب عن بعض العرب أنظر إلى كيف يصنع.
هي على ضربين : ضرب يقتضي تركيبه أن يبنى الإسمان معا ، وضرب لا يقتضي تركيبه إلا بناء الأول منهما. فمن الضرب الأول نحو العشرة مع ما نيّف عليها إلا اثني عشر ، وقولهم وقعوا في حيص بيص ، ولقيته كفّة كفّة ، وصحرة بحرة ، وهو جاري بيت بيت ، ووقع بين بين ، وآتيك صباح مساء ويوم يوم ، وتفرّقوا اشغر بغر وشذر مذر وخذع مذع ، وتركوا البلاد حيث بيث وحاث باث ومنه الخاز باز والضرب الثاني نحو قولهم أفعل هذا بادي بدي ، وذهبوا ايدي سبا ، ونحو معد يكرب ، وبعلبك ، وقالي قلا.
والذي يفصل بين الضربين أن ما تضمن ثانيه معنى حرف بني شطراه لوجود علتي البناء فيهما معا أما الأول فلأنه تنزل منزلة صدر الكلمة من عجزها ، وأما الثاني فلأنه تضمن معنى الحرف. وما خلا ثانيه من التضمن أعرب وبني صدره.
والأصل في العدد المنيفّ على العشرة أن يعطف الثاني على الأول ، فيقال ثلاثة وعشرة ، فمزج الأسمان وصيرا واحدا ، وبنيا لوجود العلتين. ومن العرب من يسكن العين فيقول أحد عشر إحتراسا من توالي الحركات في كلمة. وحرف التعريف والإضافة لا يخلان بالبناء ، تقول الأحد عشر
والحادي عشر إلى التسعة عشر والتاسع عشر ، وهذا أحد عشرك وتسعة عشرك وكان الأخفش يرى فيه الإعراب إذا أضافه ، وقد استرذله سيبويه. وإن سمى رجل بخمسة عشر كان فيه الإعراب والإبقاء على الفتح.
وكذلك الأصل وقعوا في حيص وبيص ، أي في فتنة تموج بأهلها متأخرين ومتقدمين. ولقيته كفة وكفة ، أي ذوي كفتين كفة من اللاقي وكفة من الملقى ، لأن كل واحد منهما في وهلة التلاقي كفا لصاحبه أن يتجاوزه.
وصحرة وبحرة أي ذوي صحرة وبحرة ، أي انكشاف واتساع لا سترة بيننا.
وقال أخبرته بالخبر صحرة بحرة ، ويقولون صحرة نحرة ، فلا يبنون لئلا يمزجوا ثلاثة أشياء. وهو جاري بيت إلى بيت ، أو بيت لبيت ، أي هو جاري ملاصقا ، ووقع بين هذا وبين هذا. قال عبيد :
وبعض القوم يسقط بين بينا (1)
نحمي حقيقتنا وبعض القوم يسقط بين بينا.
اللغة الحقيقة ما يحق على الرجل حفظه من مال ونفس ويجب عليه أن يذود عنه.
الاعراب نحمي فعل مضارع فاعله ضمير المتكلم مع غيره. وحقيقتنا مفعوله.
وبعض مبتدأ. ويسقط جملة فعلية خبر المبتدأ. وبين بين حال من ضمير يسقط (والشاهد فيه) استعمال بين بين بمعنى بين هذا وبين هذا (والمعنى) أننا بني أسد نحمي ما يجب علينا حمايته وبعض القوم يعجز عن هذا. يعرض بقوم امريء القيس حيث عجزوا عن حماية أبيه ملكهم حيث أسلموه للقتل وفروا عنه. وخبر ذلك مبسوط في كتاب الشعر والشعراء في ترجمة أمرىء القيس.
وأتيته صباحا ومساء ، ويوما ويوما ، أي كل صباح ومساء وكل يوم. وتفرّقوا شغرا وبغرا ، أي منتشرين في البلاد هائجين من اشتغرت عليه ضيعته إذا فشت وانتشرت ، وبغرا النجم هاج بالمطر. قال العجاج :
1) هذا قطعة من بيت لعبيد بن الأبرص الأسدي وهو :
بغرة نجم هاج ليلا فانكدر (1)
اللغة بغرة من بغر النجم أي سقط وهاج بالمطر أو من البغر وهو داء يأخذ الإبل فلا تروى وربما ماتت به.
الاعراب بغرة نصب على المصدرية. ونجم جر بالاضافة إليه. وهاج فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى النجم. وليلا نصب على الظرفية. والجملة في محل جر صفة نجم وانكدر فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الليل (والشاهد فيه) أن قولهم شغر بغر مأخوذ من بغر النجم إذا هاج والبيت دليل عليه.
وشذرا ومذرا من التشذر وهو التفرق والتبذير ، والميم في مذر بدل من الباء. خذعا ومذعا أي منقطعين منتشرين من الخذع وهو القطع. ومن قولهم فلان مذّاع ، أي كذاب يفشي الأسرار وينشرها. وحيثا وبيثا من قولهم فلان يستحيث ويستبيث ، أي يستبحت ويستثير.
وفي خاز باز سبع لغات ، وله خمسة معان. فاللغات خاز باز ، وخاز باز وخاز باز ، وخاز باز ، وخاز باء ، كقاصعاء وخز باز كقرطاس.
والمعاني ضرب من العشب قال :
والخاز باز السنم المجودا (2)
اللغة الخاز باز نبتان أحدهما الدرماء والأخرى الكحلاء. والسنم المرتفع الذي خرجت سنمته وهو ما يعلو رأسه كالسنبل. والمجود المطور الذي جاده الغيث. وعامر ومسعود راعيان.
الاعراب الخاز باز عطف على الصل في البيت قبله وهو :
أرعيتها أكرم عود عودا
الصلّ والصفلّ واليعضيدا
والسنم والمجود صفتان له. وبحيث متعلق بأرعيتها ويدعو عامر مسعودا جملة فعلية صفة الظرف. والرابط محذوف أي يدعو فيه. والشاهد والمعنى ظاهران.
وذباب يكون في العشب قال :
وجنّ الخاز باز به جنونا (1)
اللغة تفقأت السحابة عن مائها تشققت وتبعجت. والقلع قطع من السحاب كأنها الجبال واحدها قلعة بالتحريك. والسواري جمع سارية وهي السحابة تنشأ ليلا. والخاز باز صوت الذباب سمي الذباب نفسه به. والهاء في فوقه وبه عائدة إلى هجل في البيت قبله.
وهو :
بهجل من قسا ذفر الخزامى
تهادى الجربياء به الحنينا
والجهل المطمئن من الأرض والجربياء الشمال.
الاعراب تفقأ فعل ماض. وفوق ظرف. والقلع فاعل. والسواري صفته. وجن فعل ماض مبني لما لم يسم فاعله. والخازباز نائب الفاعل. وجنونا مصدر (ومحل الشاهد فيه) ظاهر (والمعنى) يصف هذا الوادي بالخصب يقول إن أغزر السحاب مطرا قد سقاه وجن هذا الذباب لكثرة ما فيه من العشب.
وصوت الذباب وداء في اللهازم قال :
يا خاز باز أرسل اللهازما (2)
اللغة الخازباز قرحة تأخذ في الحلق ومنهم من خص هذا الداء بالإبل. واللهازم جمع لهزمه وهي لحمة في أصل الحنك.
الاعراب يا حرف نداء وخازباز منادى مبني على الكسر ومحله الضم. وأرسل فعل أمر فاعله ضمير المخاطب. واللهازما مفعوله. وتكون منصوب بأن وضمير المخاطب اسمها.
ولازما خبرها. والجملة مؤولة بالمصدر مفعول أخاف وجملة أخاف خبر إن. (والشاهد فيه) (والمعنى) ظاهران.
افعل هذا بادي بدي وبادي بدا أصله بادىء بدء وبادي بداء فخفف بطرح الهمزة والإسكان. وانتصابه على الحال. ومعناه مبتدئا به قبل كل شيء. وقد يستعمل مهموزا في حديث زيد بن ثابت أما باديء بدء فإني أحمد الله.
ويقال ذهبوا أيدي سبا وأيادي سبا أي مثل أيدي سبأ بن يشحب في تفرّقهم وتبدّدهم في البلاد حين أرسل عليهم سيل العرم. والأيدي كناية عن الأبناء والأسرة ، لأنهم في التقوّي والبطش بهم بمنزلة الأيدي.
في معد يكرب لغتان : إحداهما التركيب ومنع الصرف ، والثانية الإضافة. فإذا أضيف جاز في المضاف إليه الصرف وتركه ، تقول : هذا معد يكرب ومعد يكرب ومعد يكرب. وكذلك قالي قلا وحضرموت وبعلبك ونظائرها.
وهي كم وكذا وكيت وذيت. فكم وكذا كنايتان عن العدد على سبيل الإبهام وكيت وذيت كنايتان عن الحديث والخبر. كما كني بفلان وهن عن الأعلام والأجناس : تقول كم مالك؟ وكم رجل عندي؟ وله كذا وكذا درهما ، وكان من القصة كيت وكيت ، وذيت وذيت.
وكم على وجهين : استفهامية وخبرية. فالإستفهامية تنصب مميزها مفردا كمميز أحد عشر. تقول كم رجلا عندك؟ كما تقول أحد عشر رجلا.
والخبرية تجرّه مفردا أو مجموعا كمميز الثلاثة والمائة ، تقول كم رجل عندي وكم رجال ، كما تقول ثلاثة أثواب ومائة ثوب.
وتقع في وجهيها مبتدأة ، ومفعولة ، ومضافا إليها. تقول كم درهما عندك وكم غلام لك ، على تقدير أيّ عدد من الدراهم حاصل عندك ، وكثير من الغلمان كائن لك ، وتقول كم منهم شاهد على فلان ، وكم غلاما لك ذاهب ، تجعل لك صفة للغلام ، وذاهبا خبرا لكم. وتقول في المفعولية :
كم رجلا رأيت ، وكم غلام ملكت ، وبكم رجل مررت ، وعلى كم جذعا بني بيتك. وفي الإضافة : رزق كم رجلا وكم رجل أطلقت ، وأنفس كم رجل أنقذت ، وبكم رجل مررت.
وقد يحذف المميز فيقال كم مالك؟ أي كم درهما أو دينارا مالك ، وكم غلمانك؟ أي كم نفسا غلمانك ، وكم درهمك؟ أي كم دانقا درهمك ، وكم عبد الله ماكث؟ أي كم يوما أو شهرا ، وكذلك كم سرت؟ وكم جاءك فلان؟ أي كم فرسخا وكم مرّة أو كم فرسخ وكم مرة.
ومميز الإستفهامية مفرد لا غير. وقولهم كم لك غلمانا؟ المميز فيه محذوف ، والغلمان منصوبة على الحال بما في الظرف من معنى الفعل ، والمعنى كم نفسا لك غلمانا.
وإذا فصل بين الخبرية ومميزها نصب ، كقولك في الدار رجلا قال القطامي :
كم نالني منهم فضلا على عدم (1)
اللغة نالني أصابني. والعدم الفقر والاقتار سوء الحال. واحتمل من التحمل وهو الرحيل. ويروى اجتمل. والمعنى أجمع العظام وأخرج ودكها واتعلل به مأخوذ من الجميل وهو الودك ومن رواه كذلك قال إذ لا أزال.
الاعراب كم خبرية. وفضلا مميزها. ونالني فعل ومفعول وفاعله ضمير يعود إلى كم.
والجملة خبركم. وإذ ظرف. ولا نافية. وأكاد فعل ناقص واسمها ضمير المتكلم. واحتمل جملة فعلية خبرها. ومن الاقتار متعلق بأكاد. (والشاهد فيه) أنه لما فصل بين كم ومميزها نصب المميز (والمعنى) أنه في حال فقره وعدم وجود راحلة عنده يرتحل عليها لطلب الرزق كانوا كثيرا ما يبرونه ويتفضلون عليه.
1) تمامه. أن لا أكاد من الإقتار أحتمل.
وقال :
تؤم سنانا وكم دونه
من الأرض محدودبا غارها (1)
اللغة سنان اسم الممدوح وهو سنان بن أبي حارثة المرّي والد هرم ممحدوح زهير. ومحدودبا من الحدب وهو ما ارتفع من الأرض. وغارها أي غائرها فحذف عين الفعل كما حذف في قولهم شاك وأصله شائك والغائر من الأرض المطمئن.
الاعراب تؤم فعل مضارع وفاعله ضمير يعود إلى الناقة. وسنانا مفعوله. وقوله وكم الواو للحال. وكم خبرية. ودونه نصب على الظرفية. ومن الأرض يتعلق بمحذوف ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من غارها. والعامل فيه محذوف. ومحدودبا مميزكم. وغارها مرفوع به (والشاهد فيه) الفصل بين كم ومميزها بالظرف والجار والمجرور (والمعنى) ان هذه الناقة تؤم سنانا لتنال من نواله ودونه من مطمئن الأرض ما يتعذر قطعه والخلوص منه إليه يريد انه كلف نفسه وناقته فوق قدرتيهما في الوصول إليه.
وقد جاء الجرّ في الشعر مع الفصل قال :
كم في بني سعد بن بكر سيد
ضخم الدّسيعة - ماجد نفّاع (2)
اللغة الدسيعة العطية وهي من دسع البعير بجرته إذا دفع بها ويقال هي الجفنة.
الاعراب كم مبني على السكون في محل رفع مبتدأو في بني سعد بن بكر خبره. وسيد مجرور بكم ضرورة. وزعم بعض شراح أبيات هذا الكتاب أن قوله في بني سعد بن بكر حال من سيد وكان في الأصل صفة له فلما قدم عليه صار حالا منه. وهو غلط وإلا فأين خبر المبتدأ. وضخم الدسيعة ماجد نفاع صفة سيد (والشاهد فيه) جر سيد بكم مع الفصل بينها وبينه بالظرف المستقر وهو جائز عند يونس ضرورة عند غيره (والمعنى) ان الاشراف والسادات في هذه القبيلة كثيرون.
ويرجع الضمير إليه على اللفظ والمعنى ، تقول كم رجل رأيته ورأيتهم ، وكم امرأة لقيتها ولقيتهن ، وقال تعالى : (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي
السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً).
وتقول كم غيره لك ، وكم مثله لك ، وكم خيرا منه لك ، وكم غيره مثله لك ، تجعل مثله لغيره فتنصبه نصبه.
وقد ينشد بيت الفرزدق :
كم عمة لك يا جرير وخالة
فدعاء قد حلبت عليّ عشاري (1)
يا ابن المراغة إنما جاريتني
بمسبقين لدى الفعال قصار
اللغة العمة أخت الأب. والخالة أخت الأم. وفدعاء فعلاء من الفدع وهو ميل في أصل القدم عند الكعب بينها وبين الساق وهو في الكف أيضا ميل بينها وبين الذراع عند الرسغ. وعشار جمع عشراء وهي الناقة التي دخلت في الشهر العاشر من حملها.
الاعراب كم إما خبرية أو استفهامية. ويجوز في عمة مع خالة المعطوفة عليها الحركات الثلاث. الجر على ان كم خبرية وعمة مميزها. والنصب على أنها مميزكم الاستفهامية والاستفهام على سبيل الاستهزاء والتهكم. والرفع على أن تكون عمة مبتدأ وصفت بقوله لك. وسوغ الابتداء به مع كونه نكرة وصفه بقوله لك والخبر قوله قد حلبت ومميزكم على هذا الوجه محذوف.
وهذا المميز إن قدر مجرورا فكم خبرية تقديره كم مرة. وإن قدر منصوبا فكم استفهامية. وكم على التقديرين في محل النصب بالظرف والعامل فيه قوله قد حلبت. وأما على الوجهين الأولين فتكون كم في محل الرفع بالابتداء. وقد حلبت خبره. وفدعاء صفة عمة وخالة. وإنما لم يقل فدعاوين لأنه حذف صفة أحدهما والتقدير كم عمة لك فدعاء وخالة فدعاء. وعشاري مفعول حلبت. (والشاهد فيه) ظاهر (والمعنى) كم مرة أو كم حلبة أو كثير من عماتك وخالاتك حلبن عشاري على كره مني يريد أنهن كن يطرحن أنفسهن لخدمته وكان ينفر من خدمتهن استقذارا لهن.
على ثلاثة أوجه : النصب على الإستفهامية ، والجرّ على الخبر ، والرفع على معنى كم مرّة حلبت علي عماتك.
والخبرية مضافة إلى مميزها عاملة فيه عمل كل مضاف في المضاف إليه ، فإذا وقعت بعدها من وذلك كثير من استعمالهم منه قوله تعالى : (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ ، وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ). كانت منوّنة في التقدير كقولك كثير من
1) هو له من أبيات يهجو بها جريرا أولها :
القرى ومن الملائكة. وهي عند بعضهم منوّنة أبدا والمجرور بعدها بإضمار من.
وفي معنى كم الخبرية كأيّن. وهي مركبة من كاف التشبيه وأيّ. والأكثر أن تستعمل مع من قال الله عز وجل : (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ). وفيها خمس لغات كأيّن ، وكاء بوزن كاع ، وكيء بوزن كيع ، وكأي بوزن كعي ، وكإ بوزن كع.
وكيت وذيت مخففتان من كيّة وذيّة. وكثير من العرب يستعملونهما على الأصل ولا تستعملان إلا مكرّرتين. وقد جاء فيهما الفتح والكسر والضم والوقف عليهما ، كالوقف على بنت وأخت.
وهو ما لحقت آخره زيادتان : ألف أو ياء مفتوح ما قبلها ، ونون مكسورة ، لتكون الأولى علما لضم واحد إلى واحد ، والأخرى عوضا مما منع من الحركة والتنوين الثنتين في الواحد. ومن شأنه إذا لم يكن مثنى منقوص أن تبقى صيغة المفرد فيه محفوظة. ولا تسقط تاء التأنيث إلا في كلمتين خصيان وأليان قال :
كأن خصييه من التدلدل (1)
تقول يا رب ويا رب هل
هل أنت من هذا مخل أحبلي
قال البغدادي قوله ان البيت لشماء الهذلية ينافيه أوله (تقول يا رب) البيت وما توهمه من المنافاة غير واقع.
اللغة الخصيتان الجلدتان اللتان فيهما البيضتان. والتدلدل تحرك الشيء المعلق واضطرابه.
وظرف العجوز جرابها الذي تجعل فيه خبزها.
الاعراب خصييه اسم أن وظرف عجوز خبرها. وقوله فيه ثنتا حنظل جملة ابتدائية في محل رفع صفة ظرف. (والشاهد فيه) أنه قال خصييه في تثنية خصي وهو من ضرورات الشعر. وكان القياس أن يقول كأن خصيتيه (والمعنى) أنها تشبه خصيتيه حين شاب واسترخت جلدة أسته بظرف عجوز فيه حنظلتان. وخص العجوز لأنها لا تستعمل الطيب ولا تتزين للرجال فلا يكون في جرابها الطيب وانما تدخر الحنظل ونحوه من الأدوية.
1) تمامه ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل. قال ابن السيرافي انه لشماء الهذلية من أبيات أولها :
وقال :
ترتجّ ألياه ارتجاج الوطب (1)
كأنما عطية بن كعب
ظعينة واقفة في ركب
الغة والظعينة المرأة تكون في الهودج. والركب أصحاب الإبل. والوطب سقاء اللبن.
الاعراب ترتج فعل مضارع. وألياه فاعله. وارتجاج الوطب نصب على المصدرية.
(والشاهد فيه) انه قال أليان في تثنية ألية وهو ضرورة والقياس أليتان. (والمعنى) يصف هذا الرجل بعظم المكفل وارتخاء اللحم يقول كأن تحرك اليتيه تحرك سقاء اللبن.
وتسقط نونه بالإضافة كقولك غلاما زيد ، وثوبي بكر ، وألفه بملاقاة ساكن كقولك التقت حلقتا البطان.
ولا يخلو المنقوص من أن تكون ألفه ثالثة أو فوق ذلك. فإن كانت ثالثة وعرف لها أصل في الواو أو الياء ردت إليه في التثنية كقولك قفوان وعصوان وفتيان ورحيان ، وإن جهل أصلها نظر فإن أميلت قلبت ياء كقولك :
متيان وبليان في مسمين بمتى وبلى ، وإلا قلبت واوا كقولك : لدوان وإلوان في مسمين بلدى وإلى ، وإن كانت فوق الثلاثة لم تقلب إلا ياء كقولك أعشيان وملهيان وحبليان وحباريان. وأما مذروان فلأن التثنية فيه لازمة كالتأنيث في شقاوة وعضاية.
وما آخره همزة لا تخلو همزته من أن يسبقها ألف أو لا. فالتي تسبقها ألف على أربعة أضرب : أصلية كقرّاء ووضاء ، ومنقلبة عن حرف أصل كرداء وكساء ، وزائدة في حكم الأصلية كعلباء وحرباء ، ومنقلبة عن ألف تأنيث كحمراء وصحراء فهذه الأخيرة تقلب واوا لا غير كقولك حمراوان وصحراوان. والباب في البواقي أن لا يقلبن وقد أجيز القلب أيضا. والتي لا
1) لم يسم قائله. وقبله :
ألف قبلها فبابها التصحيح كرشإ وحدإ.
والمحذوف العجز يرد إلى الأصل ولا يرد ، فيقال أخوان وأبوان ويدان ودمان وقد جاء يديان ودميان قال :
يديان بيضاوان عند محلم (1)
اللغة يديان قال الزمخشري هنا انه تثنية يد ردت لأمه شذوذا. وقال ابن يعيش في شرحه انه تثنية يدا بالقصر فلما ثني قلبت ألفه ياء كفتيان في مثنى فتى لأن أصلها الياء فان التثنية من جملة ما يرد الشيء إلى أصله. وانما قلبت في المفرد ألفا لانفتاح ما قبلها. ويؤيده ما قاله في الصحاح. وبعض العرب يقول لليد يدا مثل رحا قال الشاعر :
يا رب ساريات ما توسدا
الا ذراع العنس أو كف اليدا
وتثنيتها على هذه اللغة يديان مثل رحيان قال الشاعر. يديان بيضاوان. البيت اه ومحلم اسم ملك من ملوك اليمن. ويروى عند محرق وهو لقب عمرو بن هند ملك الحيرة لأنه حرق مائة من بني تميم. ولقب الحارث بن عمرو ملك الشام لأنه أول من حرق العرب في ديارهم.
الاعراب يديان مبتدأ. وبيضاوان صفته. وعند محرق صفة أخرى. ويمنعانك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعوله. وان تضام وتطهدا في محل نصب مفعول ثان لتمنعانك. وجملة قد تمنعانك خبر المبتدأ (والشاهد فيه) انه ثنى يدا على يديان وقد علمت ما فيه (والمعنى) لهذا الملك يدان طاهرتان عن موجبات الذم يمنعان عنك أن تضام وأن تظلم.
وقال :
ولو أنا على حجر ذبحنا
جرى الدّميان بالخبر اليقين (2)
الاعراب ذبحنا جملة فعلية خبر أنّ. وعلى حجر يتعلق به. وجرى فعل ماض جواب لو. والدميان فاعله. وبالخبر متعلق بجرى. واليقين صفة خبر (والشاهد فيه) مجيء دميان في تثنية دم. وقد اختلف في دم أهو من الواوي أو اليائي وعلى انه واوي كما ذهب إليه صاحب الصحاح فتثنيته على يديان شاذة (والمعنى) انني لو ذبحت وإياه على حجر واحد لم يمتزج دمي بدمه لشدة ما بيننا من العداوة بل جرى دمي يمنة ودمه يسرة. ويوضحه قول المتلمس :
أحارث أنا لو تساط دماؤنا
تزايلن حتى ما يمس دم دما
يقول ان دماءنا لو خلطت لافترقت ثانيا حتى ما يلامس دم دما.
وقد يثنى الجمع على تأويل الجماعتين والفرقتين وأنشد أبو زيد :
لنا إبلان فيهما ما علمتم (1)
الاعراب لنا خبر مقدم. وابلان مبتدأ مؤخر. وفيهما ما فيها زائدة على معنى ان في كل طائفة منها ما يدل على أنها للأجواد. وفيها خبر مقدم. وما موصولة مبتدأ مؤخر. وعلمتم جملة فعلية صلة الموصول. والعائد محذوف أي علمتوه. والجملة صفة ابلان. وعن آية متعلق بتنكبوا (والشاهد فيه) انه يجوز تثنية اسم الجمع على تأويل فرقتين. والقياس يأباه لأن الغرض من الجمع الدلالة على الكثرة. والتثنية تدل على القلّة. فهما معنيان متدافعان ولو لا هذا التأويل لم يسغ ذلك بحال. (والمعنى) لنا ابلان فيهما ما علمتم من قرى الأضياف فاختاروا منها ما يرضيكم وتنكبوا واعدلوا عما لا يرضيكم منها.
وفي الحديث مثل المنافق كالشاة العائرة بين الغنمين وأنشد أبو عبيد :
لأصبح الحيّ أو بادا ولم يجدوا
عند التفرق في الهيجا جمالين (2)
سعي عقالا فلم يترك لنا سبدا
فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
اللغة أوباد جمع وبد كفخذ وهو السيء الحال. ورواه في الأغاني أوقاصا وهو جمع وقص وهو ما بين الفريضتين من نصب الزكاة مما لا يجب فيه شيء. والمعني لأصبح مال الحي أوقاصا لا يجب فيه شيء في الزكاة. وجمالين انما ثناها لأنه جعلها صنفين صنف يحملون عليه أثقالهم وصنف يقاتلون عليه. ويوضحه رواية الأغاني يوم الترحل والهيجا.
الاعراب لأصبح اللام في جواب قسم مقدر. والحي اسم أصبح أو فاعلها. وأوبادا خبرها أو حال من فاعلها. وجمالين مفعول يجدوا (والشاهد فيه) كالذي في سابقه (والمعني) ان هذا الرجل سعى في صدقاتنا سنة فلم يترك لنا ذات شعر ولا ذات وبر فكيف لو تولى علينا سنتين إذا لأصبح رجال الحي على أسوأ حال ولم يجدوا من صنفي الجمال شيئا يستعينون به في ارتحالهم وقتالهم.
وقالوا لقاحان سوداوان. وقال أبو النجم :
بين رماحي مالك ونهشل (1)
اللغة تبقلت الناقة وابتقلت رعت البقل. والبقل كل نبت اخضر له وجه الأرض. ومالك هو ضبيعة بن قيس بن هوازن. ونهشل أبو دارم قبيلة من ربيعة.
الاعراب تبقلت فعل ماض وفاعله ضمير يعود إلى النوق المذكورة في البيت قبله وهو :
أعطى فلم يبخل ولم يبخل
كوم الذرا من خول المخول
وبين ظرف مضاف إلى رماحي وهو مضاف إلى مالك ولذلك سقطت نون التثنية (والشاهد فيه) كالذي في سابقه (والمعنى) ان بني عجل قوم الشاعر جاؤوا إلى ذلك الموضع فرعوه ولم يخافوا رماح هذين الحيين وكان قد وقع بين بني مالك ونهشل حروب فتجافى جميعهم الرعي بين فلج والصمان مخافة الشر حتى عفا كلؤه وطال فذكر ان قومه رعوه ولم يخافوا أحدا لعزهم ومنعتهم.
وتجعل الإثنان على لفظ الجمع إذا كانا متصلين كقولك ما أحسن رؤسهما وفي التنزيل : (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما). وفي قراءة عبد الله أيمانهما وفيه : فقد صغت قلوبكما.
وقال : ظهراهما مثل ظهور الترسين (2)
اللغة المهمه القفر المخوف. والقذف البعيد من الأرض المتقاذف الأطراف. ويروى فدفدين والفدفد الأرض المستوية. ومرتين تثنية مرت وهو الأرض التي لا نبات فيها ولا ماء.
الاعراب ومهمهين الواو واو رب. ومهمهين مجرور بها. وقذفين ومرتين صفتا مهمهين. وظهراهما مبتدأ ومثل ظهور الترسين كلام اضافي خبره. والجملة صفة وجواب رب المقدرة قوله بعده :
جبتهما بالنعت لا بالنعتين
على مطار القلب سامي العينين
(والشاهد فيه) انه جمع بين اللغتين فانه أتى بتثنية المضاف في ظهراهما وبجمعه في ظهور الترسين (والمعنى) انه وصف فلاتين لا نبث فيهما ولا ماء ولا شخص يستدل به فشبههما بالترسين.
فاستعمل هذا والأصل معا ولم يقولوا في المنفصلين أفراسهما ولا غلمانهما. وقد جاء وضعا رحالهما.
وهو على ضربين : ما صح فيه واحده ، وما كسر فيه. فالأول ما آخره واو ، أو ياء مكسور ما قبلها ، بعدها نون مفتوحة ، أو ألف أو تاء. فالذي بالواو والنون لمن يعلم في صفاته وأعلامه كالمسلمين والزيدين ، إلا ما جاء من نحو ثبون وقلون وأرضون وأجرّون وأوزّون. والذي بالألف والتاء للمؤنث في أسمائه وصفاته كالهندات والتمرات والمسلمات. والثاني يعم من يعلم وغيرهم في أسمائهم وصفاتهم كرجال وأفراس وجعافر وظراف وجياد. وحكم الزيادتين في مسلمون نظير حكمهما في مسلمان : الأولى علم لضم الإثنين فصاعدا إلى الواحد ، والثانية عوض عن الشيئين ، وتسقط عند الإضافة. وقد أجرى المؤنث على المذكر في التسوية بين لفظي الجر والنصب ، فقيل رأيت المسلمات ومررت بالمسلمات ، كما قيل رأيت المسلمين ومررت بالمسلمين.
وينقسم إلى جمع قلة وجمع كثرة. فجمع القلة العشرة فما دونها ، وأمثلته افعل أفعال فعلة ، كأفلس وأثواب وأجربة وغلمة. ومنه ما جمع بالواو والنون ، والألف والتاء. وما عدا ذلك جموع كثرة.
وقد يجعل إعراب ما يجمع بالواو والنون في النون. وأكثر ما يجيء ذلك في الشعر ، ويلزم الياء إذ ذاك. قالوا أتت عليه سنين. وقال :
دعاني من نجد فإن سنينه
لعبن بنا شيبا وشيبننا مردا (1)
لحى الله نجدا كيف تترك ذا الندى
بخيلا وحر الناس تحسبه عبدا
اللغة دعاني أي اتركاني ويروى ذراني. وكل ما ارتفع من تهامة إلى العراق فهو نجد والسنين جمع إما العام أو القحط والشيب جمع أشيب وهو الذي ابيض شعره.
الاعراب دعاني فعل أمر وفاعل ومفعول. ومن نجد متعلق به. وان حرف توكيد ونصب.
وسنينه اسمها منصوب بالفتحة الظاهرة. ولعبن فعل ماض ونون النسوة فاعله. وبنا متعلق به.
وشيبا حال من بنا أي حال كوننا في الشيب. وشيبننا عطف على لعبن. ومردا حال من المفعول.
والجملة خبر إن (والشاهد فيه) اجراء سنين مجرى حين في اعرابه بالحركات (والمعنى) اتركاني من ذكر نجد فان سنيه لعبت بنا ونحن في زمن الشيب وشيبتنا ونحن في سن الشباب.
وقال سحيم :
وما ذا يدّري الشعراء مني
وقد جاوزت حدّ الأربعين (2)
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني
اللغة يدري يفتعل من أدراه بمعنى ختله ويروى وما ذا يبتغي الشعراء.
الاعراب ما اسم استفهام مبتدأ. وذا مبتدأ ثان. ويدري فعل مضارع. والشعراء فاعله. ومني يتعلق بيدري. والجملة خبر المبتدأ الثاني. وجملة المبتدأ خبر المبتدأ الأول. وقوله وقد جاوزت جملة حالية. وحد الأربعين مفعول جاوزت (والشاهد فيه) انه أعربه بالنون. وخالف ابن جني ذلك فقال في سر الصناعة فأما قول سحيم بن وثيل.
وقد جاوزت حد الأربعين. فليست النون اعرابا ولا الكسرة فيها علامة جر الاسم وانما هي حركة التقاء الساكنين وهما الياء والنون وكسرت على أصل حركة التفاء الساكنين أ. ه.
وللثلاثي المجرد إذا كسّر عشرة أمثلة : أفعال ، فعال ، فعول ، فعلان أفعل فعلان ، فعلة ، فعلة فعل ، فعل. فأفعال أعمها تقول أفراخ وأجمال وأركان وأحمال وأعجاز وأعناق وأفخاذ وأعناب وأرطاب وآبال. ثم فعال تقول زناد وقداح
وخفاف وجمال ورباع وسباع. ثم فعول وفعلان وهما متساويان تقول فلوس وعروق وجروح وأسود ونمور ورئلان وصنوان وعيدان وخربال وصردان. ثم أفعل تقول أفلس وأرجل وأزمن وأضلع. ثم فعلان وفعلة وهما متساويان تقول بطنان وذؤبان وحملان وغردة وقردة وقرطة. ثم فعل تقول سقف وفلك. ثم فعلة وفعل تقول جيرة ونمر. وقد جاء حجلى في جمع حجل قال :
حجلى تدرّج في الشّربّة وقّع (1)
ادنو لترحمني وتقبل توبتي
وأراك تدفعني فأين المدفع
فلما أنشده هذا البيت قال له عبد الملك الى النار.
اللغة حجلى اسم جمع حجلة وهو طائر معروف. وتدرج أي تمشي مشيا رويدا والشربة أرض لينة تنبت العشب.
الاعراب حجلى خبر إن. وتدرج فعل مضارع أصله تتدرج حذفت منه إحدى التاءين وفاعله ضمير يعود إلى الحجلى. والجملة صفة حجلى. وفي الشربة خبر مقدم. ووقع مبتدأ مؤخر. والجملة صفة حجلى (والشاهد فيه) انه جمع فعل على فعلى ولم يجىء الجمع على فعلى الا حرفان هذا وظربى جمع ظربان وهو دويبة منتنة.
وما لحقته من ذلك تاء التأنيث فأمثلة تكسيره فعال ، فعول أفعل ، فعل ، فعل ، فعل. نحو قصاع ولقاح وبرام ورقاب وبدور وحجوز وأنعم وأينق وبدر ولقح وتير ومعد ونوب وبرق وتخم وبدن.
وأمثلة صفاته كأمثلة أسمائه ، وبعضها أعم من بعض. وذلك قولك أشياخ وأجلاف وأحرار وأبطال وأجناب وأيقاظ وأنكاد وأعبد وأجلف وصعاب وحسان ووجاع. وقد جاء وجاعي ونحو حباطي وحذاري وضيفان وأخوان ووغدان وذكران وكهول ورطلة وشيخة وورد وسحل ونصف وخشن. وقالوا سمحاء في جمع سمح.
1) صدره. فارحم أصيبيتي الذين كأنهم. وهو لعبد الله بن الحجاج الثعلبي من أبيات يخاطب بها عبد الملك بن مروان ويعتذر اليه من صحبته عبد الله بن الزبير وكان قد خرج معه. وبعده :
والجمع بالواو والنون فيما كان من هذه الصفات للعقلاء الذكور غير ممتنع كقولكم صعبون وصنعون وحسنون وجنبون وحذرون وندسون. وأما جمع المؤنث منها بالألف والتاء فلم يجىء فيه غيره وذلك نحو عبلات وحلوات وحذرات ويقظات الأمثال فعلة فإنهم كسروه على فعال كجعاد وكماش وعبال. وقالوا علج في جمع علجة.
والمؤنث الساكن الحشو لا يخلو من أن يكون اسما أو صفة. فإذا كان اسما تحركت عينه في الجمع إذا صحت بالفتح في المفتوح الفاء كجمرات وبه ، وبالكسر في المكسورها كسدرات وبه ، وبالضم في المضمومها كغرفات ، وقد تسكن في الضرورة في الأول ، وفي السعة في الباقين في لغة تميم. فإذا اعتلت فالاسكان كبيضات وجوزات وديمات ودولات ، إلّا في لغة هذيل قال قائلهم :
أخو بيضات رائح متأوب (1)
اللغة بيضات جمع بيضة وهي معروفة. ورائح ذاهب. ومتأوب راجع. وسابح حسن مد اليدين في الجري.
الاعراب أخو إما صفة لما قبله أو خبر مبتدأ محذوف أي هو وكل ما بعده صفة له (والشاهد فيه) جمع فعلة بسكون العين على فعلات بالتحريك. قال ابن سيده وهو شاذ لا يعول عليه.
وتسكن في الصفة لا غير. وإنما حركوا في جمع لجبة وربعة لأنها كأنهما في الأصل اسمان وصف بهما كما قالوا امرأة كلبة وليلة غم.
وحكم المؤنث مما لا تاء فيه كالذي فيه التاء وقالوا أرضات وأهلات في جمع أهل وأرض. قال :
فهم أهلات حول قيس بن عاصم
إذا أدلجوا بالليل يدعون كوثرا (2)
اللغة أهلات جمع أهل. وأدلجوا ساروا ليلا. والكوثر كثير الخير.
الاعراب هم أهلات مبتدأ وخبر. وحول ظرف. وإذا ظرف. وأدلجوا فعل الواو فاعله. وبالليل متعلق به. ويدعون فعل وفاعل. وكوثرا مفعوله. والجملة جواب إذا (والشاهد فيه) جمع أهل على أهلات بالتحريك ومن العرب من يسكنه (والمعنى) انهم حول هذا الرجل كأنهم أهله وانهم إذا ساروا ليلا دعوا سيدهم.
وقالوا عرسات وعيرات في جمع عرس وعير قال الكميت :
عيرات الفعال والسؤدد
العدّ إليهم محطوطة الأعكام (1)
من لقلب متيم مستهام
غير ما صبوة ولا أحلام
اللغة العيرات جمع عير وهي القافلة. والفعال بالفتح الكرم والسؤدد السيادة والعد الكثير القديم. والأعكام الأحمال واحدها عكم.
الاعراب عيرات مبتدأ. ومحطوطة الأعكام خبر. واليهم يتعلق بالخبر. (والشاهد فيه) ان المؤنث الذي لا تاء فيه مما هو معتل العين قياس جمعه تحريك عينه (والمعنى) ان قوافل الجود والاحسان والسيادة حطت أثقالها لدى أهل بيت النبي صلّى الله عليه وعليهم.
بريد انهم أهل ذلك ومنبعه.
وامتنعوا فيما اعتلت عينه من أفعل. وقد شذ نحو أقوس وأثوب وأعين وأنيب. وامتنعوا في الواو دون الياء من فعول. كما امتنعوا في الياء دون الواو من فعال. وقد شذ نحو فووج وسووق.
ويقال في أفعل وفعول من المعتل اللام أذل وأيد ودليّ ودميّ. وقالوا نحوّ وقنوّ. والقلب أكثر. وقد يكسر الصدر فيقال دلي ونحي. وقولهم قسي كانه جمع قسو في التقدير.
وذو التاء من المحذوف العجز يجمع بالواو والنون مغيرا أوله ، كسنون
1) البيت له من أبيات يمدح بها آل بيت النبي رضوان الله عليهم أولها :
وقلون ، وغير مغير كثبون وقلون ، أو بالألف والتاء مردودا إلى الأصل كسنوات وعضوات ، وغير مردود كثبات وهنات ؛ وعلى أفعل كآم. وهو نظير آكم.
ويجمع الرباعي ، إسما كان أو صفة ، مجردا من تاء التأنيث أو غير مجرد ، على مثال واحد وهو فعالل. كقولك ثعالب وسلاهب ودراهم وهجارع وبراثن وجراشع وقماطر وسباطر وضفادع وخضارم. وأما الخماسي فلا يكسر إلا على استكراه ولا يتجاوز به إن كسر هذا المثال بعد حذف خامسه كقولهم في فرزدق فرازد ، في جحمرش جحامر ، ويقال في دهثمون وهجرعون وصهصلقون وحنظلات وبهصلات وسفرجلات وجحمرشات.
وما كان زيادته ثالثة مدة فلأسمائه في الجموع أحد عشر مثالا : أفعلة ، فعل ، فعلان ، فعائل ، فعلان ، فعلة ، أفعال ، فعال ، فعول ، أفعلاء ، أفعل. وذلك نحو أزمنة وأحمرة وأغربة وأرغفة وأعمدة وقذل وخمر وقرد وكثب وزبر وغزلان وصيران وغربان وظلمان وقعدان وشمائل وأفايل وذنائب وزقّان وقضبان وغلمة وصبية وأيمان وأفلاء وفصال وعنوق وأنصباء وألسن. ولا يجمع على أفعل إلا المؤنث خاصة نحو عناق وأعنق وعقاب وأعقب وذراع وأذرع. وأمكن من الشواذ. ولم يجىء فعل من المضاعف ولا المعتل اللام وقد شذ نحو ذبّ في جمع ذباب وأصله ذبب.
ولما لحقته من ذلك تاء التأنيث مثالان : فعائل وفعل ، وذلك نحو صحائف ورسائل وحمائم وذوائب وحمائل وسفن.
ولصفاته تسعة أمثلة : فعلاء ، فعل ، فعال ، فعلان ، أفعال ، أفعلاء ، أفعلة ، فعول. وذلك نحو كرماء وجبناء وشجعاء وودداء ونذر وصبر وصنع وكنز وكرام وجياد وهجان وثنيان وشجعان وخصيان وأشراف وأعداء
وأنبياء وأشحة وظروف. ويجمع جمع التصحيح نحو كريمون وكريمات.
وأما فعيل بمعنى مفعول فبابه أن يكسر على فعلى كجرحى وقتلى ، وقد شذ قتلاء وأسراء ، ولا يجمع جمع التصحيح ، فلا يقال جريحون ولا جريحات. ولمؤنثها ثلاثة أمثلة : فعال ، فعائل ، فعلاء. وذلك نحو صباح وصبائح وعجائز وخلفاء.
وما كان على فاعل إسما فله إذا جمع ثلاثة أمثلة فواعل ، فعلان ، فعلان ، نحو كواهل وحجران وجنّان. ولمؤنثه مثال واحد فواعل نحو كواثب. وقد نزلوا ألف التأنيث منزلة تائه فقالوا في فاعلاء فواعل نحو نوافق وقواصع ودوامّ وسواب.
وللصفة تسعة أمثلة : فعّل ، وفعال ، فعلة ، فعلة ، فعل ، فعلاء ، فعلان ، فعال ، فعول. نحو شهّد وجهّل وجهّال وفسقه وقضاة. وتختص بالمعتل اللام - وبزل وشعراء وصحبان وتجار وقعود. وقد شذ نحو فوارس.
ولمؤنثها مثالان فواعل وفعّل نحو ضوارب ونوّم ويستوي في ذلك ما فيه التاء وما لا تاء فيه كحائض وحاسر.
وللأسم مما في آخره ألف تأنيث رابعة مقصورة أو ممدودة مثالان : فعالى فعال. نحو صحارى وإناث. وللصفة أربعة أمثلة : فعال ، فعل ، فعل ، فعالى. نحو عطاش وبطاح وعشار وحمر والصّغر وحرامي. ويقال ذفريات وحبليات والصغريات وصحراوات إذا أريد أدنى العدد ، ولا يقال حمراوات. وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم : ليس في الخضروات صدقة فلجريه مجرى الاسم.
وإذا كانت الألف خامسة جمع بالتاء كقولكم حباريات وسمانيات.
ولأفعل إذا كان أسما مثال واحد : أفعال. نحو أجادل. وللصفة ثلاثة أمثلة : فعل ، فعلان ، أفاعل. نحو حمر وحمران والأصاغر. وإنما يجمع بأفاعل أفعل الذي مؤنثه فعلى ويجمع أيضا بالواو والنون قال الله تعالى :(بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً) وأما قوله :
أتاني وعيد الحوص من آل جعفر
فيا عبد عمرو لو نهيت الأحاوصا (1)
اللغة عبد عمرو هو ابن شريح بن الأحوص. وعنى بالأحاوص من ولده الأحوص منهم عوف بن الأحوص وعمرو بن الأحوص.
الاعراب أتاني فعل ومفعول. ووعيد فاعله. والحوص جر بالاضافة إليه. ومن آل جعفر متعلق بمحذوف صفة الحوص. وعبد عمرو منادى مضاف. ولو شرطية. ونهيت فعل وفاعل. والأحاوصا مفعوله وألفه للاطلاق. وجواب لو محذوف أي كان ذلك خيرا لك (والشاهد فيه) أنه جمع على فعل ثم على أفاعل نظرا إلى جانب الوصفية في الأول والأسمية في الثاني (والمعني) يقول أتاني أن الأحاوص توعدوني بالقتل فيا عبد عمرو لو نهيتهم عن ذلك كان خيرا لهم وأصون لاعراضهم. يريد ان توعدهم يزيده اقداما على هجوهم وسب اعراضهم.
فمنظور فيه إلى جانبي الوصفية والاسمية.
وقد جمع فعلان إسما على فعالين نحو شياطين ، وكذلك فعلان وفعلان نحو سلاطين وسراحين. وقد جاء سراح وصفة على فعال وفعالى ، نحو غضاب وسكارى. ويقول بعض العرب كسالى وسكارى وغيارى وعجالى بالضم.
وفيعل يكسر على أفعال وأفعلاء ، نحو أموات وجياد وأنبياء. ويقال هيّنون وبيّعات.
1) البيت للأعشى ميمون من قصيدة يهجو بها علقمة بن علاثة ويهزأ بتوعده إياه بالقتل. وقد تقدمت الاشارة إلى سبب ذلك.
وفعّال وفعال وفعّيل ومفعول ومفعل ومفعل يستغنى فيها بالتصحيح عن التكسير فيقال شرابون وحسانون وفسيقون ومضروبون ومكرمون ومكرمون. وقد قيل عواوير وملاعين ومشائيم وميامين ومياسير ومفاطير ومناكير ومطافل ومشادن.
وكل ثلاثي فيه زيادة للالحاق بالرباعي كجدول وكوكب وعثير ، أو لغير الإلحاق وليست بمدة كأجدل وتنضب ومدعس ، فجمعه على مثال جمع الرباعي تقول جداول وأجادل وتناضب ومداعس.
وتلحق بآخره التاء إذا كان أعجميا أو منسوبا كجواربة وأشاعثة وسيابجة. والرباعي إذا لحقه حرف لين رابع جمع على فعاليل كقناديل وسراديح. وكذلك ما كان من الثلاثي ملحقا به كقراويح وقراطيط. وكذلك ما كانت فيه من ذلك زيادة غير مدة كمصابيح وأناعيم ويرابيع وكلاليب.
ويقع الاسم المفرد على الجنس ، ثم يميز منه واحده بالتاء ، وذلك نحو تمر وتمرة ، وحنظل وحنظلة ، وبطيخ وبطيخة ، وسفرجل وسفرجلة - وإنما يكثر هذا في الاشياء المخلوقة دون المصنوعة - ونحو سفين وسفينة ولبن ولبنة وقلنس وقلنسوة ليس بقياس. وعكس تمر وتمرة كمأة وكمء وجبأة وجبء.
ما شذ :
وقد يجيء الجمع مبنيا على غير واحدة المستعمل وذلك نحو أراهط وأباطيل وأحاديث وأعاريض وأقاطيع وأهال وليال وحمير وأمكن.
ويجمع الجمع ، فيقال في كل أفعل وأفعلة أفاعل ، وفي كل أفعال
أفاعيل ، نحو أكالب وأساور وأناعيم. وقالوا جمائل وجمالات ورجالات وكلابات وبيوتات وحمرات وجزرات وطرقات ومعنات وعوذات ودورات ومصارين وحشاشين.
ويقع الاسم على الجميع لم يكسر عليه واحده ، وذلك نحو ركب وسفر وأدم وعمد وخلق وخدم وجامل وباقر وسراة وفرهة وضأن وغزي وقؤام ورحال.
ويقع الاسم الذي فيه علامة التأنيث على الواحد والجمع بلفظ واحد وذلك نحو حنوة وبهمى وطرفاء وحلفاء.
ويحمل الشيء على غيره في المعنى فيجمع جمعه نحو قولهم مرضى وهلكى وموتى وجربى وحمقى ، حملت على قتلى وجرحى وعقرى ولدغى ونحوها مما هو فعيل بمعنى مفعول ، وكذلك أيامى ويتامى محمولان على وجاعى وحباطى.
والمحذوف يرد عند التكسير وذلك قولهم في جمع شفة وإست وشاة ويد شفاه وأستاه وأيد ويديّ وشياه.
والمذكر الذي لم يكسر يجمع بالالف والتاء نحو قولهم السرادقات وجمالات سبحلات وسبطرات ، ولم يقولوا جوالقات حين قالوا جواليق ، وقد قالوا بوانات مع قولهم بون.
فالمعرفة ما دل على شيء بعينه. وهو على خمسة أضرب : العلم الخاص ، والمضمر ، والمبهم ، وهو شيئان : أسماء الأشارة والموصولات ، والداخل عليه حرف التعريف ، والمضاف إلى أحد هؤلاء إضافة حقيقة. وأعرفها المضمر ، ثم العلم ، ثم المبهم ، ثم الداخل عليه حرف التعريف. وأما المضاف فيعتبر أمره بما يضاف إليه. واعرف أنواع المضمر ضمير المتكلم ، ثم المخاطب ، ثم الغائب.
والنكرة ما شاع في أمته كقولك جاءني رجل وركبت فرسا.
المذكر ما خلا عن العلامات الثلاث : التاء والألف والياء ، في نحو غرفة وأرض وحبلى وحمراء وهذى. والمؤنث ما وجدت فيه إحداهن.
والتأنيث على ضربين : حقيقي كتأنيث المرأة والناقة ونحوهما مما بازائه ذكر في الحيوان ، وغير حقيقي كتأنيث الظلمة والنعل ونحوهما مما يتعلق بالوضع والاصطلاح. والحقيقي أقوى ، ولذلك امتنع في حال السعة جاء هند ، وجاز طلع الشمس ، وإن كان المختار طلعت. فإن وقع فصل استجيز نحو قولهم حضر القاضي اليوم امرأة. قال جرير :
لقد ولد الأخيطل أمّ سوء (1)
اللغة الأخطيل مصغر الأخطل يريد به الأخطل الشاعر. وصلب صليب. وشام جمع شامة وهي الأثر الأسود في البدن.
الاعراب اللام في لقد موطئة للقسم. وولد فعل ماض. والأخيطل مفعوله. وأم سوء فاعله. وعلى باب استها جار ومجرور خبر مقدم. وصلب مبتدأ مؤخر. وشام عطف عليه. والجملة صفة أم (والشاهد فيه) انه لما فصل بين الفعل وفاعله المؤنث بالمفعول ذكر الفعل (والمعنى) ان أم هذا الرجل ظاهرة متعرضة للناس فهم يعرفون ما على مواضع العفة منها من العلامات.
1) تمامه. على باب استها صلب وشام.
وليس بالواسع. وقد رده المبرد ، واستحسن نحو قوله تعالى : (فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ،) وقوله : (وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ). هذا إذا كان الفعل مسندا إلى ظاهر الاسم ، فإذا اسند إلى ضميره فالحق العلامة.
وقوله :
ولا أرض أبقل إبقالها (1)
الا ما لعينك أم مالها
لقد أخضل الدمع سربالها
اللغة المزنة السحابة. والودق المطر. وبقل المكان يبقل بقولها وأبقل يبقل إبقالا نبت بقله. والبقل العشب وما ينبته الربيع مما تأكله البهائم.
الاعراب لا الأولى نافية للجنس على سبيل الظهور عاملة عمل ليس أو ملغاة. والثانية نافية للجنس على سبيل التنصيص. ومزنة اسم لا ان كانت عاملة أو مبتدأ ان لم تكن عاملة. وصح الابتداء بالنكرة للوصف. وجملة ودقت إما في محل نصب خبر لا أو في محل رفع خبر المبتدأ أو صفة مزنة. والخبر محذوف أي موجودة وودقها نصب على المصدر. وأرض اسم لا النافية. وابقل خبرها فمحله الرفع. قال العيني أو نعت لاسمها فمحله النصب. وقال البغدادي ولا يجوز كونها صفة لاسم لأنه يجب حينئذ تنوين اسم لا لكونه مضارعا للمضاف أه (والشاهد فيه) انه ذكر أبقل وهو صفة الأرض ضرورة حملا على معنى المكان فأعاد الضمير على المعنى. والصواب أن يقال انه ترك علامة التأنيث لضرورة الشعر واستغنى عنه بما علم من تأنيث الأرض (والمعنى) يصف سحابة غزيرة المطر وأرضا كثيرة البقل يقول لا سحابة أمطرت كمطرها ولا أرض أنبتت كنباتها.
متأول بالمكان.
والتاء تثبت في اللفظ وتقدر. ولا تخلو من أن تقدر في اسم ثلاثي كعين وأذن ، أو في رباعي كعناق وعقرب. ففي الثلاثي يظهر أمرها بشيئين : بالاسناد وبالتصغير ، وفي الرباعي بالاسناد فقط.
ودخولها على وجوه : للفرق بين المذكر والمؤنث في الصفة كضاربة
1) صدره. (فلا مزنة ودقت ودقها) هو لعامر بن جوين الطائي. ووهم من قال انه للخنساء من أبيات ترثي بها أخاها صخرا أولها :
ومضروبة وجميلة ، وهو الكثير الشائع ؛ وللفرق بينهما في الاسم كامرأة وشيخة وإنسانة وغلامة ورجلة وحمارة وأسدة وبرذونة ، وهو قليل ؛ وللفرق بين اسم الجنس والواحد منه ، كتمرة وشعيرة وضربة وقتلة ؛ وللمبالغة في الوصف كعلامة ونسابة وراوية وفروقة وملولة ؛ ولتأكيد التأنيث كناقة ونعجة ؛ ولتأكيد معنى الجمع كحجارة وذكارة وصقورة وخؤولة وصياقلة وقشاعمة ؛ وللدلالة على النسب كالمهالبة والاشاعثة ، وللدلالة على التعريب كموازجة وجواربة ؛ وللتعويض كفرازنة وجحاجحة. ويجمع هذه الأوجه إنها تدخل للتأنيث وشبه التأنيث.
والكثير فيها أن تجيء منفصلة وقل أن تبنى عليها الكلمة ومن ذلك عباية وعظاية وعلاوة وشفاوة.
وقولهم جمالة في جمع جمال بمعنى جماعة جمالة ، وكذلك بغالة وحمارة وشاربة وواردة وسابلة. ومن ذلك البصرية والكوفية والمروانية والزبيرية ، ومنه الحلوبة والقتوبة والركوبة. قال الله تعالى : (فَمِنْها رَكُوبُهُمْ) وقرىء ركوبتهم. وأما حلوبة للواحد وحلوب للجمع فكتمرة وتمر.
وللبصريين في نحو حائض وطامث وطالق مذهبان : فعند الخليل أنها على معنى النسب كلابن وتامر ، كأنه قيل ذات حيض وذات طمث ، وعند سيبويه أنه متأول بإنسان أو شيء حائض كقولهم غلام ربعة ويفعة على تأويل نفس وسلعة. وإنما يكون ذلك في الصفة الثابتة ، فأما الحادثة فلا بد لها من علامة التأنيث ، تقول حائضة وطالقة الآن أو غدا. ومذهب الكوفيين يبطله جري الضامر على الناقة والجمل ، والعاشق على المرأة والرجل.
ويستوي المذكر والمؤنث في فعول ومفعال ومفعيل وفعيل بمعنى مفعول ما جرى على الاسم. تقول هذه المرأة قتيل بني فلان ومررت
بقتيلتهم. وقد يشبه به ما هو بمعنى فاعل ، قال الله تعالى : (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) وقالوا : ملحقة جديد.
وتأنيث الجمع ليس بحقيقي ، ولذلك اتسع فيما اسند إليه الحاق العلامة وتركها كما تقول فعل الرجال والمسلمات ومضى الأيام وفعلت ومضت. وأما ضميره فتقول في الاسناد إليه الرجال فعلت وفعلوا ، والمسلمات فعلت وفعلن. وكذلك الأيام قال :
وإذا العذارى بالدّخان تقنّعت
واستعجلت نصب القدور فملت (1)
اللغة العذارى جمع عذراء وهي البكر. وتقنعت لبست المقنعة. وملت من مللت اللحم والخبز أمله ملا إذا جعلته على الملة وهي الرماد الحار واسم ذلك الخبز واللحم مليل وملول.
الاعراب إذا ظرفية. والعذارى فاعل فعل محذوف يفسره المذكور. وبالدخان يتعلق بتقنعت. وتقنعت فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى العذارى. واستعجلت عطف على تفنعت ونصب مفعوله. وملت عطف عليه. وقال بعض المعربين انه جواب إذا ولا أظن جوابها إلا في بيت بعد هذا (والشاهد فيه) مجيء علامة التأنيث في الفعل إذا أسند إلى ضمير الجمع (والمعنى) يمدح هؤلاء الناس باكرام الضيف يقول انهم لفرط اكرامهم ضيوفهم تباشر الأبكار من خدمة الضيف ما يباشر الآباء.
وعن أبي عثمان المازني : العرب تقول الاجذاع انكسرت لأدنى العدد والجذوع انكسرت ، ويقال لخمس خلون ولخمس عشرة خلت ، وما ذاك بضربة لازب.
ونحو النخل والتمر مما بينه وبين واحده التاء يذكر ويؤنث قال الله تعالى : (كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ) وقال : (مُنْقَعِرٍ). ومؤنث هذا الباب لا يكون له مذكر من لفظه لالتباس الواحد بالجمع. وقال يونس فإذا
1) البيت لسلمى بن ربيعة الضبي.
أرادوا ذلك قالوا : هذه شاة ذكر وحمامة ذكر.
والأبنية التي تلحقها ألف التأنيث المقصورة على ضربين : مختصة بها ومشتركة. فمن المختصة فعلى وهي تجيء على ضربين : إسما وصفة. فالأسم على ضربين غير مصدر كالبهمى والحمى والرؤيا وحزوى ، ومصدر كالبشرى والرجعى. والصفة نحو حبلى وخنثى وربى ، ومنها فعلى وهي على ضربين : اسم كأجلى ودفرى وبردى ، وصفة كجمزى وبشكى ومرطى ، ومنها فعلى كشعبى وأربى. ومن المشتركة فعلى. فالتي ألفها للتأنيث أربعة أضرب : إسم عين كسلمى ورضوى وعوّى ، واسم معنى كالدعوى والرعوى والنجوى واللومى ، ووصف مفرد كالظمأى والعطشى والسكرى ، وجمع كالجرحى والأسرى ، والتي ألفها للألحاق نحو أرطى وعلقى لقولهم أرطاة وعلقاة ، ومنها فعلى. فالتي ألفها للتأنيث ضربان : اسم عين مفرد كالشيزى والدفلى والذفرى فيمن لم يصرف ، وجمع كالحجلى والظربى في جمع الحجل والظربان ، ومصدر كالذكرى. والتي للألحاق ضربان : اسم كمعزى وذفرى فيمن صرف ، وصفة كقولهم رجل كيصى وهو الذي يأكل وحده وعزهى عن ثعلب وسيبويه لم يثبته صفة إلا مع التاء نحو عزهاة.
والأبنية التي تلحقها ممدودة فعلاء ، وهي على ضربين : اسم وصفة. فالأسم على ثلاثة أضرب : اسم عين مفرد كالصحراء والبيداء ، وجمع كالقصباء والطرفاء والحلفاء والأشياء ، ومصدر كالسرّاء والضراء والنعماء والبأساء. والصفة على ضربين : ما هو تأنيث أفعل ، وما ليس كذلك. فالأول نحو سوداء وبيضاء. والثاني نحو امرأة حسناء وديمة هطلاء وحلة شوكاء والعرب العرباء ، ونحو رحضاء ونفساء وسيراء وسابياء وعاشوراء
وبراكاء وعقرباء وبروكاء وخنفساء وأصدقاء وكرماء وزمكّاء. وأما فعلاء وفعلاء كعلباء وحرباء وسيساء وحوّاء ومزاء وقوباء فألفها للإلحاق.
الأسم المتمكن إذا صغر ضم صدره وفتح ثانيه والحق ياء ساكنة ثالثة ، ولم يتجاوز ثلاثة أمثلة فعيل وفعيعل وفعيعيل ، كفليس ودريهم ودنينير. وما خالفهن فلعلة ، وذلك ثلاثة أشياء : محقر أفعال كأجيمال ، وما في آخره ألف تأنيث كحبيلى وحميراء ، أو ألف ونون مضارعتان كسكيران. ولا يصغر إلّا الثلاثي والرباعي. وأما الخماسي فتصغيره مستكره كتكسيره لسقوط خامسه ، فإن صغر قيل في فرزدق فريزد ، وفي جحمرش جحيمر ، ومنهم من يقول فريزق وجحيرش ، بحذف الميم لأنها من الزوائد ، والدال لشبهها بما هو منها وهو التاء. والأول الوجه ، قال سيبويه لأنه لا يزال في سهولة حتى يبلغ الخامس ، ثم يرتدع ، فإنما حذف الذي ارتدع عنده. وقال الأخفش سمعت من يقول : سفيرجل متحركا والتصغير والتكسير من واد واحد.
وكل اسم على حرفين فإن التحقير يرده إلى أصله حتى يصير إلى مثال فعيل. وهو على ثلاثة أضرب : ما حذف فاؤه أو عينه أو لامه ، تقول في عدة وشية وكل وخذ إسمين : وعيدة ووشيّة وأكيل واخيذ ، وفي مذ وسل
اسمين وسه : منيذ وسؤيل وستيهة ، وفي دم وشفة وحر وفل وفم : دمي وشفيهة وحريح وفلين وفويه.
وما بقي منه بعد الحذف ما يكون به على مثال المحقر لم يرد إلى أصله. كقولهم في ميت وهار وناس : مييت وهوير ونويس. ولو ردّ لقيل ميّيت وهويئر وأنيّس.
وتقول في اسم وابن : سمي وبنيّ ، فترد اللام الذاهبة ، وتستغني بتحريك الفاء عن الهمزة. وفي اخت وبنت وهنة : أخية وبنية وهنية ، ترد اللام وتؤنث وتذهب بالتاء اللاحقة.
والبدل غير اللازم يرد إلى أصله كما يرد في التكسير ، تقول في ميزان مويزين ، وفي متّعد ومتّسر مويعد ومييسر ، وفي قيل وباب وناب قويل وبويب ونويب. وأما البدل اللازم فلا يرد إلى أصله ، تقول في قائل قويئل ، وفي تخمة تخيمة ، وكذلكم تاء تراث وهمزة أدد ، وتقول في عيد عييد لقولك أعياد.
والوا إذا وقعت ثالثة وسطا كواو أسود وجدول ، فأجود الوجهين أسيد وجديل ، ومنهم من يظهر فيقول أسيود وجديول.
وكل واو وقعت لاما صحت أو أعلت فإنها تنقلب ياء ، كقولك عرية ورضيا وعشيّاء وعصيّة في عروة ورضوى وعشواء وعصا.
وإذا اجتمع مع ياء التصغير ياءان حذفت الأخيرة وصار المصغر على مثال فعيل ، كقولك في عطاء وإداوة وغاوية ومعاوية وأحوري : عطيّ وأدية وغوية ومعية وأحيّ غير منصرف. وكان عيسى بن عمر يصرفه ، وكان أبو
عمرو يقول أحيّ ومن قال أسيود قال أحيو.
وتاء التأنيث لا تخلو من أن تكون ظاهرة أو مقدرة. فالظاهرة ثابتة أبدا. والمقدرة تثبت في كل ثلاثي إلا ما شذ من نحو عريس وعريب. ولا تثبت في الرباعي إلا ما شذ من نحو قديديمة ووريئّة. وأما الألف فهي إذا كانت مقصورة رابعة تثبت نحو حبيلى ، وسقطت خامسة فصاعدا كقولك جحيجب وقريقر وحويّل في جحجبى وقرقرى وحولايا.
وكل زائدة كانت مدة في موضع ياء فعيعيل وجب تقريرها وإبدالها ياء إن لم تكنها ، وذلك نحو مصيبيح وكريديس وقنيديل في مصباح وكردوس وقنديل. وإن كانت في اسم ثلاثي زائدتان ليس إحداهما إياها أبقيت أذهبهما في الفائدة وحذفت اختها ، فتقول في منطلق ومغتلم ومضارب ومقدم ومحمر ومهوّم مطيلق ومغيلم ومضيرب ومقيدم ومهيّم ومحيمر ، وإن تساوتا كنت مخيرا ، فتقول في قلنسوة وحبنطى قلينسة أو قليسية وحبينط أو حبيط ، وإن كن ثلاثا والفضل لإحداهن حذفت أختاها فتقول في مقعنسس مقيعس. وأما الرباعي فتحذف منه كل زائدة ما خلا المدة الموصوفة ، تقول في عنكبوت عنيكب وفي مقشعر قشيعر وفي إحرنجام حريجيم.
ويجوز التعويض وتركه فيما يحذف منه هذه الزوائد. والتعويض أن يكون على مثال فعيعل ، فيصار بزيادة الياء إلى فعيعيل ، وذلك قولك في مغيلم مغيليم وفي مقيدم مقيديم وفي عنيكب عنيكيب. وكذلك البواقي. فإن كان المثال في نفسه على فعيعيل لم يكن التعويض.
وجمع القلة يحقر على بنائه كقولك في أكلب وأجربة وأجمال وولدة
أكيلب واجيربة واجيمال ووليدة. وأما جمع الكثرة فله مذهبان : احدهما أن يرد إلى واحده فيصغر عليه ثم يجمع على ما يستوجبه من الواو والنون أو الألف والتاء ، أو إلى بناء جمع قلته إن وجد له وذلك قولك في فتيان فتيّون أو فتية ، وفي أذلاء ذليلون أو أذيلة ، وفي غلمان غليمون أو غليمة ، وفي دور دويرات أو أدير ، وتقول في شعراء شويعرون ، وفي شسوع شسيعات. وحكم أسماء الجموع حكم الآحاد ، تقول قويم ورهيط ونفير وأبيلة وغنيمة.
ومن المصغرات ما جاء على غير واحده كانيسيان ورويجل ، وآتيك مغيربان الشمس وعشيّان وعشيشيّة ، ومنه قولهم أغيلمة وأصيبية في غلمة وصبية.
وقد يحقر الشيء لدنوه من الشيء وليس مثله كقولك هو أصيغر منكم إنما أردت أن تقلل الذي بينهما وهو دوين ذلك ، وفويق هذا ، ومنه أسيد أي لم يبلغ السواد ، وتقول العرب أخذت منه مثيل هاذيا ومثيل هاتيا.
وتصغير الفعل ليس بقياس. وقولهم ما أميلحه قال الخليل إنما يعنون تصفه بالملح ، كأنك قلت زيد مليح شبهوه بالشي الذي تلفظ به وأنت تعني به شيئا آخر ، كقولك بنو فلان يطأهم الطريق وصيد عليه يومان.
ومن الأسماء ما جرى في الكلام مصغرا وترك تكبيره لأنه عندهم مستصغر ، وذلك نحو جميل وكعيت وكميت ، وقالوا جملان وكعتان وكمت ، فجاؤا بالجمع على المكبر كأنها جمع جمل وكعت وأكمت.
والاسماء المركبة يحقر الصدر منها فيقال بعيلبك وحضيرموت وخميسة
عشر وثنيّا عشر.
وتحقير الترخيم أن تحذف كل شيء زيد في بنات الثلاثة والأربعة حتى تصير الكلمة على حروفها الأصول ثم تصغرها كقولك في حارث حريث وفي أسود سويد وفي خفيدد خفيد وفي مقعنس قعيس وفي قرطاس قريطس.
ومن الاسماء ما لا يصغر كالضمائر وأين ومتى وحيث وعند ومع وغير وحسبك ومن وما وأمس وغدا وأول من أمس والبارحة وأيام الأسبوع والأسم الذي بمنزلة الفعل لا تقول هو ضويرب زيدا.
والأسماء المبهمة خولف بتحقيرها تحقير ما سواها بأن تركت أوائلها غير مضمومة ، وألحقت بأواخرها ألفات. فقالوا في ذا وتا ذيا وتيا وفي أولى أولاء ألياء وألياء ، وفي الذي والتي اللذيا واللتيا وفي الذين واللاتي اللذيون واللتيات.
هو الأسم الملحق بآخره ياء مشددة مكسور ما قبلها علامة للنسبة إليه ، كما ألحقت التاء علامة للتأنيث ، وذلك نحو قولك هاشمي وبصري. وكما انقسم التأنيث إلى حقيقي وغير حقيقي ، فكذلك النسب. فالحقيقي ما كان مؤثرا في المعنى. وغير الحقيقي ما تعلق باللفظ فحسب ، نحو كرسي ويردي. وكما جاءت التاء فارقة بين الجنس وواحده ، فكذلك الياء نحو رومي وروم ومجوسي ومجوس. والنسبة مما طرّق على الأسم لتغييرات شتى لانتقاله بها من معنى إلى معنى وحال إلى حال. والتغييرات على ضربين : جارية على القياس المطرد في كلامهم ، ومعدولة عن ذلك.
فمن الجارية على قياس كلامهم حذفهم التاء ونوني التثنية والجمع ، كقولهم بصري وهندي وزيدي في البصرة والهندان وزيدون اسمين ، ومن ذلك قنّسري ونصيبي ويبري فيمن جعل الأعراب قبل النون ، ومن جعله معتقب الأعراب قال قنسريني. وقد جاء مثل ذلك في التثنية قالوا خليلاني وجاءني خليلان اسم رجل وعلى هذا قوله :
ألا يا ديار الحيّ بالسّبعان (1)
اللغة السبعان اسم موضع. وأمل من أمللت الكتاب يقال أمليت الكتاب أمليه وامللته أمله لغتان صحيحتان والملوان الليل والنهار.
الاعراب ديار الحي منادى مضاف. وبالسبعان في محل النصب على الصفة أي الكائنة. وأمل فعل ماض. والملوان فاعله. وعليها في محل النصب مفعول أمل وبالبلى يتعلق بأمل. والجملة حالية بتقدير قد (والشاهد فيه) انه أجرى سبعان مجرى سلمان ولو اجراه مجرى التثنية لقال بالسبعين (والمعنى) أناديكم أهل ديار الحي الكائنة بهذا الموضع وقد غير البلى دياركم لابتعادكم عنها وترككم إياها.
وتقول في نمر وشقر والدّئل ونحوها مما كسرت عينه نمري وشقري ودؤلي بالفتح قياس متلئب ، ومنهم من يقول يثربي وتغلبي فيفتح. والشائع فيه الكسر.
وقد تحذف الياء والواو من كل فعيلة وفعولة ، فيقال فيهما فعلي نحو قولك حنفي وشناءي ، إلا ما كان مضاعفا أو معتل العين نحو شديدة وطويلة ، فإنك تقول فيهما شديديّ وطويلي. ومن كل فعيلة فيقال فيها فعلي نحو جهني وغفلي.
وتحذف الياء المتحركة من كل مثال قبل آخره ياءان مدغمة إحداهما في الأخرى نحو قولك في أيد وحمير وسيد وميت أسيدي وحميري وسيدي وميتي. قال سيبويه ولا أظنهم قالوا طائي إلا فرارا من طيئى ، وكان القياس طيئي ولكنهم جعلوا الألف مكان الياء ، وأما مهيم تصغير المهوّم فلا يقال فيه إلا مهيميّ على التعويض ، والقياس في مهيم من هيمه مهيمي بالحذف.
1) تمامه. (أمل عليها بالبلى الملوان) وهو لتميم بن مقبل ونسبه ابن هشام إلى خلف ابن أحمر قيل وليس بشيء.
وتقول في فعيل وفعيلة وفعيل وفعيلة من المعتل اللام فعلي وفعلي كقولك غنوي وضروري وقسوي وأموي وقال بعضهم أميّ. وقالوا في تحية تحوي ، وفي فعول فعولي. كقولك في عدوّ عدوي. وفرّق سيبويه بينه وبين فعولة فقال في عدوّة عدوّي ، كما قالوا في شنوءة شنائي. ولم يفرق المبرد وقال فيهما فعولي.
والألف في الآخر لا تخلو من أن تقع ثالثة ، أو رابعة منقلبة أو زائدة ، أو خامسة فصاعدا. والثالثة والرابعة المنقلبة تقلبان واوا كقولك عصوي ورحوي وملهوي ومرموي وأعشوي. وفي الزائدة ثلاثة أوجه الحذف وهو أحسنها كقولك حبليّ ودنيي. والقلب نحو حبلويّ ودنيوي ، وإن يفصل بين الواو والياء بألف كقولك حبلاوي ودنياوي. وليس فيما وراء ذلك إلا الحذف كقولك مراميّ وحباري وقبثريّ وجمزي في حكم حباري.
والياء المكسور ما قبلها في الآخر لا تخلو من أن تكون ثالثة أو رابعة أو خامسة فصاعدا. فالثالثة تقلب واوا كقولك عموي وشجوي. وفي الرابعة وجهان : الحذف وهو أحسنهما ، والقلب كقولك قاضي وحانيّ وقاضوي وحانوي ، قال :
وكيف لنا بالشّرب إن لم تكن لنا
دراهم عند الحانويّ ولا نقد (1)
الاعراب كيف للاستفهام التعجبي. ولنا خبر مبتدأ محذوف تقديره كيف لنا التلذذ بالشرب. وبالشرب يتعلق بذلك المقدر وان شرطية جازمة. وتكن مجزوم بلم. ودراهم اسمه. ولنا خبره. والجملة فعل الشرط. والجواب محذوف دل عليه الكلام السابق. وقوله ولا نقد عطف على دراهم (والشاهد فيه) انه قال في النسبة إلى الحانة حانوي والوجه ان يقال حاني (والمعنى) إذا لم تكن لنا دراهم عند بائع الخمر ولا نقد فمن أين لنا أن نشرب الخمر من عنده.
1) قيل إنه للفرزدق وقيل ان قائله مجهول.
وليس فيما وراء ذلك إلّا الحذف كقولك مشتري ومستسقي. وقالوا في محيّ محوي ومحيّيّ ، كقولهم أموي وأميي.
وتقول في غزو وظبي غزوي وظبيي. واختلفوا فيما لحقته التاء من ذلك. فعند الخليل وسيبويه لا فضل. وقال يونس في ظبية ودمية وقنية ظبوي ودموي وقنوي ، وكذلك بنات الواو كغزوة وعروة ورشوة. وكان الخليل يعذره في بنات الياء دون بنات الواو. وعلى مذهب يونس جاء قولهم قروي وزنوي في قري وبني زنية ، وتقول في طيّ وليّة طووي ولووي ، وفي حية حيوي ، وفي دوّ وكوّة دوّيّ وكوّيّ.
وتقول في مرمى مرمي تشبيها بقولهم في تميمي وهجري وشافعي تميمي وهجري وشافعي. ومنهم من قال مرموي. وفي بخاتي اسم رجل بخاتي.
وما في آخره ألف ممدودة إن كان منصرفا ككساء ورداء وعلباء وحرباء قيل كسائي وعلبائي ، والقلب جائز ، كقولك كساوي. وإن لم ينصرف فالقلب كحمراوي وخنفساوي ومعيوراوي وزكرياوي.
وتقول في سقاية وعظاية سقائي وعظائي ، وفي شقاوة شقاوي ، وفي راية راييّ وراوي ، وكذلك في آية وثاية ونحوهما.
وما كان على حرفين فعلى ثلاثة أضرب : ما يردّ ساقطه ، وما لا يرد ،
وما يسوغ فيه الأمران. فالأول نحو أبوي وأخوي وضعوي ومنه ستهيّ في أست. والثاني نحو عديّ وزني وكذا الباب إلا ما اعتل لامه نحو شية فإنك تقول فيه وشوي ، وقال أبو الحسن وشييّ على الأصل ، وعن ناس من العرب عدوي ومنه سهيّ في سه. والثالث نحو غدي وغدويّ ودمي ودموي ويدي ويدوي وحري وحرحي ، وأبو الحسن يسكن ما أصله السكون ، فيقول وغدويّ ويدي ومنه ابني وبنوي واسمي وسموي ، بتحريك الميم وقياس قول الأخفش إسكانها.
وتقول في بنت وأخت بنويّ وأخوي عند الخليل وسيبويه ، وعند يونس بنتي وأختي. وتقول في كلتا كلتيّ وكلتوي على المذهبين.
وينسب إلى الصدر من المركبة فتقول معدي وحضري وخمسي في خمسة عشر اسما ، وكذلك إثنيّ أو ثنوي في إثنيّ عشر إسما ، ولا ينسب إليه وهو عدد ، ومنه نحو تأبط شرا وبرق نحره تقول تأبّطي وبرقي.
والمضاف على ضربين مضاف إلى اسم معروف يتناول مسمى على حياله كابن الزبير وابن كراع ومنه الكنى كأبي مسلم وأبي بكر ، ومضاف إلى ما لا ينفصل في المعنى عن الأول كامرىء القيس وعبد القيس. فالنسب إلى الضرب الأول زبيري وكراعي ومسلمي وبكري. وإلى الثاني عبدي ومرئي قال ذو الرمة :
ويذهب بينها المرئي لغوا (1)
نبت عيناك عن طلل بحزوى
عفته الريح وامتنح القطارا
واستزاده فيها فزاده فيها ثلاثة أبيات وهي :
يعد الناسبون إلى تميم
بيوت المجد أربعة كبارا
يعدون الرباب وآل بكر
وعمرا ثم حنظلة الخيارا
ويذهب بينها المرئي لغوا
كما الغيت في الدية الحوارا
ثم ان الفرزدق مر بذي الرمة فانشده هذه القصيدة. فلما أتى على هذه الأبيات الثلاثة قال له الفرزدق أعد فأعادها عليه ، فقال له الفرزدق والله لقد لاكها من هو أشد لحيين منك.
اللغة مرئي نسبة إلى امرىء القيس. واللغو الذي لا فائدة فيه. والحوار ولد الناقة.
الاعراب يذهب فعل مضارع. والمرئي فاعله. ولغوا مصدر في محل الحال. وقوله كما الكاف للتشبيه وما مصدرية. وألغيت فعل وفاعل. والحوار مفعوله. وألفه للاطلاق.
(والشاهد فيه) انه نسب إلى الجزء الأول من المركب الاضافي فقال مرئي في النسبة إلى امرىء القيس (والمعنى) أن بيوت المجد إذا عدت لم يكن بيت امرىء القيس في جملتها وانما يقع إذا ذكر معها لغوا لا يعتد به كما لا يعتد بالحوار إذا كان في الديّة لأنه لا يقبل فيها الا الكبار.
1) تمامه. (كما الغيت في الدية الحوارا) وقد نسبه هنا لذي الرمة. قال السكاكي في مفتاح العلوم مر جرير بذي الرمة فأنشده ذو الرمة قصيدته التي يقول في مطلعها :
وقد يصاغ منهما اسم فينسب إليه كعبدري وعبقسي وعبشمي.
وإذا نسب إلى الجمع ردّ إلى الواحد كقولك مسمعي ومهلّبي وفرضي وصحفي. وأما الأنصاري والأنباري والأعرابي فلجريها مجرى القبائل كأنماري وضبابيّ وكلابي ، ومنه المعافري والمدائني.
ومن المعدولة عن القياس قولهم بدوي وبصري وعلوي وطائي وسهلي ودهري وأموي وثقفي وبحراني وصنعاني وقرشي وهذلي قال :
هذيليّة تدعو إذا هي فاخرت
أبا هذليا من غطارفة نجد (1)
اللغة الغطارفة السادة واحدها غطريف. ونجد مخفف نجد بضم الجيم وهو جمع نجيد وهو الشجاع من النجدة وهي الشدة والبأس.
الاعراب هذيلية خبر مبتدأ محذوف أي هي. وتدعو فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى الهذلية. ومفعوله أبا. وجملة إذا هي فاخرت مثل قوله تعالى (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ) في انفصال الضمير. وجواب الشرط محذوف تقديره إذا فاخرت تدعو أبا. ويصح أن يكون جوابها ما تقدم عليها. وهذليا صفة أبا. وكذلك الجار والمجرور صفة له (والشاهد فيه) ان النسبة إلى فعيل فعليّ بحذف الزوائد كما قال أبا هذليا (والمعنى) أن هذه المرأة إذا فاخرت انتسبت إلى أب كريم من قوم عريقين في المجد معروفين بالشجاعة والإقدام.
1) لم أقف له على قائل.
وفقمي وملحمي وزباني وعبدي وجذمي ، في فقيم كنانة ، ومليح خزاعة ، وزبينة وبني عبيدة ، وجذيمة. وخراسي وخرسي ونتاج خرفي وجلولي وحروري في جلولاء وحروراء. وبهراني وروحاني في بهاء وروحاء.
وخريبي في خريبة. وسليمي وعميري في سليمة من الأزد وفي عميرة كلب.
وسيلقي لرجل يكون من أهل السليقة.
وقد يبنى على فعّال وفاعل ما فيه معنى النسب من غير الحاق الياءين كقولك بتات وعوّاج وثواب وجمال ولابن وتامر ودارع ونابل. والفرق بينهما أن فعالا لذي صنعة يزاولها ويديمها ، وعليه أسماء المحترفين. وفاعل لمن يلابس الشيء في الجملة. وقال الخليل إنما قالوا عيشة راضية أي ذات رضى ، ورجل طاعم كاس على قياس ذا.
هذه الأسماء أصولها إثنتا عشرة كلمة وهي الواحد والاثنان إلى العشرة ، والمائة إلى الألف ، وما عداها من أسامي العدد فمتشعب منها. وعامتها تشفع بأسماء المعدودات لتدل على الأجناس ومقاديرها كقولك ثلاثة أثواب ، وعشرة دراهم ، وأحد عشر دينارا ، وعشرون رجلا ، ومائة درهم ، وألف ثوب ، ما خلا الواحد والأثنين فإنك لا تقول فيهما واحد رجال ولا إثنا دراهم بل تلفظ بأسم الجنس مفردا وبه مثنى كقولك رجل ورجلان ، فتحصل لك الدلالتان معا بلفظة واحدة. وقد عمل على القياس المرفوض من قال :
ظرف عجوز فيه ثنتا حنظل (1)
وقد سلك سبيل قياس التذكير والتأنيث في الواحد والأثنين فقيل واحدة واثنتان أو ثنتان. وخولف عنه في الثلاثة إلى العشرة فألحقت التاء بالمذكر
1) تقدم الكلام عليه في شواهد المثنى (والشاهد فيه هنا) أنه قال ثنتا حنظل. وكان حقه أن يقول حنظلتان لأن ذلك وان كان هو القياس الا أنه مهجور.
وطرحت عن المؤنث ، فقيل ثمانية رجال وثماني نسوة وعشرة رجال وعشر نسوة.
والمميز على ضربين : مجرور ومنصوب. فالمجرور على ضربين :
مفرد ومجموع. فالمفرد مميز المائة والألف ، والمجموع مميز الثلاثة إلى العشرة. والمنصوب مميز أحد عشر إلى تسعة وتسعين. ولا يكون إلّا مفردا.
ومما شذ عن ذلك قولهم ثلاثمائة إلى تسعمائة ، اجتزؤوا بلفظ الواحد عن الجمع كقوله :
كلوا في بعض بطنكم تعفوا
فإن زمانكم زمن خميص (1)
اللغة تعفوا من العفة. وخميص أي جائع. وقوله زمن خميص كقولهم نهاره صائم وليله قائم.
الاعراب كلوا فعل أمر والواو فاعله. وتعفوا مجزوم في جواب الأمر بحذف النون.
وزمانكم اسم إن. وزمن خميص خبرها (والشاهد فيه) وضع البطن موضع البطون لأنه اسم جمع ينوب واحده عن جمعه فأفرد اجتزاء عن الجمع بالواحد (والمعنى) كلوا قليلا تعفوا عن كثرة الأكل وتكتفوا باليسير فان الزمان ذو مخمصة وجدب.
وقد رجع إلى القياس من قال :
ثلاث مئين للملوك وفى بها
ردائي وجلّت عن وجوه الأهاتم (2)
اللغة الرداء ما يرتدى به. والأزار ما يؤتزر به. وجلت كشفت. واهاتم قال شارح المناقضات بين جرير والفرزدق يعني بالاهاتم الاهتم بن سنان بن خالد وعليه فليس الأهتم لقبا لسنان بن خالد كما زعم الكثيرون.
الاعراب ثلاث مئين مبتدأ. وللملوك في محل رفع صفة ثلاث. ووفى فعل ماض.وردائي فاعله. وبها في محل نصب مفعوله. والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. وجلت عطف على وفى. والفاعل ضمير فيه يعود إلى الرداء. وعن وجوه متعلق بجلت (والشاهد فيه) انه قال مئين بلفظ الجمع مع أنها تمييز الثلاث وتمييز المائة واخواتها بالمائة لا يجمع وان كان الجمع هو القياس الا أنه مرفوض عندهم. ثم إن الرواية الصحيحة :
فدا لسيوف من تميم وفى بها. وعليها فلا شاهد (والمعنى) ان رداءه وفى بثلاث ديات وكشف عن وجوه الاهاتم الخزي والعار. وكان قتل في يوم من أيامهم ثلاثة ملوك واتفق الفريقان على أن يدوا كل واحد منهم بمائة بعير فدفع الشاعر رداءه رهنا بالديات الثلاث حتى يؤديها وقبل منه مستحقو الديات هذا الرهن فافتخر بذلك.
وقد قالوا ثلاثة أثوابا. وأنشد صاحب الكتاب :
إذا عاش الفتى مأتين عاما
فقد ذهب اللذاذة والفتاء (1)
اللغة اللذادة من قولك لذذت الشيء بالكسر لذاذا ولذاذة وجدته لذيذا. ويروى بدله المسرة. والفتاء الشباب.
الاعراب إذا ظرفية شرطية. وعاش فعل ماض. والفتى فاعله. ومائتين مفعوله. وعاما نصب على التمييز. وقوله فقد ذهب اللذاذة جملة فعلية جواب إذا. والفتاء عطف على اللذاذة (والشاهد فيه) انه جعل عاما تمييزا للعدد وكان القياس إضافة العدد إليه وهذا شاذ لا يقاس عليه.
وقوله عز من قائل : (ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ) على البدل ، وكذلك قوله عز وجل : (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً). قال أبو إسحاق : ولو انتصب سنين على التمييز لوجب أن يكونوا قد لبثوا تسعمائة سنة.
وحق مميز العشرة فما دونها أن يكون جمع قلة ليطابق عدد القلة ، تقول ثلاثة أفلس ، وخمسة أثواب ، وثمانية أجربة ، وعشرة غلمة. إلّا عند إعواز جمع القلة كقولهم ثلاثة شسوع ، لفقد السماع في أشسع وأشساع. وقد روي عن الأخفش أنه أثبت أشسعا. وقد يستعار جمع الكثرة في موضع جمع القلة كقوله عز وعلا : (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ).
1) هو للربيع بن ضبع الفزاري أحد المعمرين يذكر لبنيه ما ناله من الكبر ويوصيهم بنفسه.
وأحد عشر إلى تسعة عشر مبني ، إلّا اثني عشر ؛ وحكم آخر شطريه حكم نون التثنية ، ولذلك لا يضاف إضافة أخواته فلا يقال هذه اثنا عشرك كما قيل هذه أحد عشرك.
وتقول في تأنيث هذه المركبات إحدى عشرة ، واثنتا عشرة ، أو ثنتا عشرة ، وثلاث عشرة ، وثماني عشرة ، تثبت علامة التأنيث في أحد الشطرين لتنزلهما منزلة شيء واحد ، وتعرب الثنتين كما أعربت الأثنين وشين العشرة ، يسكنها أهل الحجاز ويكسرها بنو تميم وأكثر العرب على فتح الياء في ثماني عشرة ، ومنهم من يسكنها.
وما لحق بآخره الواو والنون نحو العشرين والثلاثين يستوي فيه المذكر والمؤنث وذلك على سبيل التغليب كقوله :
دعتني أخاها بعد ما كان بيننا
من الأمر ما لا يفعل الأخوان (1)
دعتني أخاها أم عمرو ولم أكن
أخاها ولم أرضع لها بلبان.
الاعراب دعتني فعل وفاعل هو ضمير المرأة ومفعوله الياء. وأخاها مفعوله الثاني عداه إلى مفعولين لتضمنه معنى سمتني. وما مصدرية ومن الأمر بيان لما. وكان إما تامة أو ناقصة فعلى الأول فما فاعل وبيننا ظرف لا محل له من الاعراب. وعلى الثاني فالظرف خبرها.
ويفعل الأخوان جملة فعلية صلة الموصول (والشاهد فيه) انه غلب فيه المذكر على المؤنث فقال أخوان ولم يقل أختان (والمعنى) يقول دعتني هذه المرأة أخاها بعد أن وقع مني ومنها ما لا يقع من الأخوين يريد ما يكون بين المحبين.
والعدد موضوع على الوقف ، تقول واحد اثنان ثلاثة ، لأن المعاني
1) أنشده المبرد في الكامل مع بيت آخر قبله ولم يسم قائله. والبيت الذي قبله :
الموجبة للأعراب مفقودة. وكذلك أسماء حروف التهجي وما شاكل ، ذلك إذا عدّدت تعديدا. فإذا قلت هذا واحد ورأيت ثلاثة فالإعراب كما تقول هذه كاف ، وكتبت جيما.
والهمزة في أحد واحدى منقلبة عن واو. ولا يستعمل أحد وإحدى في الأعداد إلّا في المنيّفة.
وتقول في تعريف الأعداد ثلاثة الأثواب ، وعشرة الغلمة ، وأربع الأدور وعشر الجواري ، والأحد عشر درهما ، والتسعة عشر دينارا ، والأحدى عشرة والاحد والعشرون ومائة الدرهم ، ومائتا الدينار ، وثلاثمائة الدارهم ، وألف الرجل ؛ وروى الكسائي الخمسة الأثواب. وعن أبي يزيد أن قوما من العرب يقولونه غير فصحاء.
وتقول الأول والثاني والثالث ، والأولى والثانية والثالثة إلى العاشر والعاشرة والحادي عشر والثاني عشر ، بفتح الياء وسكونها ، والحادية عشرة والثانية عشرة والحادي قلب الواحد والثالث عشر إلى التاسع عشر ، تبني الأسمين على الفتح كما بنيتهما في أحد عشر.
وإذا أضفت إسم الفاعل المشتق من العدد لم يخل من أن تضيفه إلى ما هو منه كقوله تعالى : (ثانِيَ اثْنَيْنِ) وثالث ثلاثة ، أو إلى ما هو دونه كقوله عز وجل : (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ،) وقوله سادسهم وثامنهم ، فهو في الأول بمعنى واحد من الجماعة المضاف هو إليها ، وفي الثاني بمعنى جاعلها على العدد الذي هو منه. وهو من قولهم ربعتهم وخمستهم. فإذا جاوزت العشرة لم يكن إلّا الوجه الأول ، تقول هو حادي إحدى عشر ، وثاني إثني عشر ، وثالث ثلاثة عشر إلى تاسع تسعة عشر. ومنهم من يقول حادي عشر أحد عشر وثالث عشر ثلاثة عشر.
المقصود ما في آخره ألف نحو العصا والرحا. والممدود ما في آخره همزة قبلها ألف كالرداء والكساء. وكلاهما منه ما طريق معرفته القياس ، ومنه ما لا يعرف إلّا بالسماع. فالقياسي طريق معرفته أن ينظر إلى نظيره من الصحيح : فإن انفتح ما قبل آخره فهو مقصور ، وإن وقعت قبل آخره ألف فهو ممدود.
فأسماء المفاعيل مما اعتل آخره من الثلاثي المزيد فيه ، والرباعي نحو معطى ومشترى ومستلقى مقصورات ، لكون نظائرهن مفتوحات ما قبل الأواخر كمخرج ومشترك ومدحرج ، ومن ذلك نحو مغزى وملهى كقولك مخرج ومدخل ، ونحو العشى والصدى وطوى ، لأن نظائرها الحول والفرق والعطش ، والغراء في مصدر غري فهو غر شاذ ، هكذا أثبته سيبويه ، وعن الفراء مثله ، والأصمعي يقصره. ومن ذلكم جمع فعلة وفعلة نحو عري وجزي في عروة وجزية.
والأعطاء والرماء والاشتراء والاحبنطاء وما شاكلهن من المصادر ممدودات لوقوع الألف قبل الأواخر في نظائرهن الصحاح كقولك الأكرام
والطلاب والإفتتاح والإحرنجام ، وكذلك العواء والثغاء والدّعاء والرّغاء وما كان صوتا كقولك النّباح والصّراخ والصّياح. وقال الخليل مدّوا البكاء على ذا ، والذين قصروه جعلوه كالحزن والعلاج كالصوت نحو النّزاء ونظيره القماص. ومن ذلك ما جمع على أفعالة نحو قباء وأقبية وكساء وأكسية ، كقولك قذال وأقذلة وحمار وأحمرة وقوله :
في ليلة من جمادى ذات أندية (1)
اللغة الاندية جمع ندى وهو ما يسقط في الليل. وجمادى شهر معروف. والطنب جمع طنب وهي الحبال التي تشد بها البيوت التي من الشعر.
الاعراب في ليلة متعلق بما في البيت قبله. ومن جمادى متعلق بمحذوف صفة ليلة. وذات أندية صفة ليلة أيضا. والكلب فاعل يبصر. والطنبا مفعوله (والشاهد فيه) انه جمع ندى على أندية وهو خلاف القياس (والمعنى) ان هذا الممدوح يقري الضيوف في ليلة مظلمة شديدة البرد وهذا من تمام الكرم.
في الشذوذ كأنجدة في جمع نجد
وأما السماعي فنحو الرجى والرحا والخفاء والاباء وما أشبه ذلك مما ليس فيه إلى القياس سبيل.
هي ثمانية أسماء : المصدر. اسم الفاعل ، اسم المفعول ، الصفة المشبهة ، اسم التفضيل ، وأسماء الزمان ، والمكان ، اسم الآلة.
1) البيت لمرة بن محكان التميمي من شعراء الحماسة. وتمامه «لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا».
أبنيته في الثلاثي المجرد كثيرة مختلفة يرتقي ما ذكره سيبويه منها إلى اثنين وثلاثين بناء. وهي فعل ، فعل ، فعل ، فعلة ، فعلة ، فعلة فعلى فعلى ، فعلي ، فعلان ، فعلان ، فعلان ، فعلان ، فعل فعل ، فعل فعل ، فعلة ، فعلة ، فعال ، فعال ، فعال ، فعالة ، فعالة ، فعول ، فعول ، فعيل ، فعولة ، مفعل ، مفعل ، ومفعلة ، ومفعلة ؛ وذلك نحو : قتل وفسق وشغل ورحمة ونشدة وكدرة ودعوى وذكرى وبشرى وليان وحرمان وغفران ونزوان وطلب وخنق وصغر وهدى وغلبة وسرقة وذهاب وصراف وسؤال وزهادة ودراية ودخول وقبول ووجيف وصهوبة ومدخل ومرجع ومسعاة ومحمدة.
وتجري في أكثر الثلاثي المزيد فيه والرباعي على سنن واحد. وذلك قولك في أفعل أفعال ، وفي افتعل افتعال ، وفي انفعل انفعال ، وفي استفعل استفعال ، وفي افعلّ وافعالّ إفعلال وافعيلال ، وفي افعوّل افعوّال ، وفي افعوعل افعيعال ، وفي افعنلل افعنلال ، وفي تفاعل تفاعل ، وفي إفعلل افعلال. وقالوا في فعّل تفعيل وتفعلة ، وعن ناس من العرب فعّال. وقالوا
كلمته كلّاما ، وفي التنزيل : (وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً). وفي فاعل مفاعلة وفعال ، ومن قال كلّام قال قيتال. وقال سيبويه في فعّال كأنهم حذفوا الياء التي جاء بها أولئك في قيتال ونحوها. وقد قالوا ماريته مرّاء وقاتلته قتّالا.
وفي تفعّل تفعّل وتفعال فيمن قال كلّام. قالوا تحملته تحمّالا. وقال :
ثلاثة أحباب فحبّ علاقة
وحب تملّاق وحب هو القتل (1)
اللغة العلاقة بالفتح تستعمل في المعاني كعلاقة الحب وبالكسر في الأعيان. والتملاق التملق وهو المبالغة في إظهار المحبة والتكلف لها.
الاعراب ثلاثة أحباب خبر مبتدأ محذوف أي الحب ثلاثة أحباب. وقوله فحب علاقة يروى بالاضافة وتركها. وعلى الأول فحب خبر مبتدأ محذوف أي فحب هو حب علاقة. وعلى الثاني فحب مبتدأ وعلاقة خبره. وكذلك قوله وحب تملاق (والشاهد فيه) مجيء تملاق على تملق مطاوع ملق (والمعنى) الحب ثلاثة أنواع. حب له أثر في القلب ، وحب لا أثر له وهو حب التملق والتودد ، وحب يقتل صاحبه وهو العشق.
وفي فعلل فعللة وفعلال. قال رؤبة :
أيما سرهاف (2)
والنسر قد يركض وهو هاف
بدل بعد ريشه الغداف
قنازعا من زغب خواف
سر هفته ما شئت من سرهاف
اللغة القنازع جمع قنزعة وهي الشعر حول الرأس. والزغب الشعرات الصغار على ريش الفرخ. والخوافي ما دون الريشات العشر من مقدم الجناح. وسرهف الصبي أحسن غذاءه.
الاعراب قنازعا مفعول بدل في البيت قبله. ومن زغب في محل نصب صفة قنازعا. وسر هفته فعل وفاعل ومفعول. وقوله ما شئت من سرهاف معمول سر هفته بحذف حرف الجر أي سر هفته بما شئت أو معمول لفعل محذوف أي وأنلته ما شئت. (والشاهد فيه) مجيء المصدر على زنة فعلال.
وقالوا في المضاعف قلقال وزلزال بالكسر والفتح ، وفي تفعلل تفعلل. مصادر على وزن اسمي الفاعل والمفعول :
وقد يرد المصدر على وزن اسمي الفاعل والمفعول ، كقولك قمت قائما ، وقوله :
ولا خارجا من فيّ زور كلام (1)
وقوله :
كفى بالنأي من أسماء كاف (2)
اللغة النأي البعد وأسماء إسم المحبوبة وشاف أي شفاء أو مداو.
الاعراب كفى فعل وفاعله مدخول الباء ومثله «وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً» ومن أسماء يتعلق بمحذوف صفة الفاعل. وكاف نصب على المصدر وتسكين يائه ضرورة وليس فعل ناقص. وشاف اسمها. ولحبها خبرها. (والشاهد فيه) نصب كاف على المصدر وان كان لفظه لفظ اسم الفاعل (والمعنى) انه سلا عنها بعد ما بانت عنه وكفاه نأيها غواتل حبها وانه كان يخشى إن تمادى به الحب أن لا يجد الشفاء من حبها.
ومنه الفاضلة والعافية والكافية والدالة والميسور والمعسور والمرفوع والموضوع والمعقول والمجلود والمفتون في قوله تعالى : (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ). ومنه المكروهة والمصدوقة والمأوية. ولم يثبت سيبويه الوارد على وزن مفعول والمصبح والممسي والمجرّب والمقاتل والمتحامل والمدحرج. قال :
الحمد لله ممسانا ومصبحنا
بالخير صبّحنا ربي ومسّانا (3)
اللغة الممسى الإمساء. والمصبح الإصباح.
الاعراب الحمد لله مبتدأ وخبر وممسانا نصب على الظرفية أي وقت امسائنا وكذلك مصبحنا. وصبحنا فعل ومفعول. وربي فاعله. ومسانا عطف على صبحنا وبالخير متعلق بصبحنا. (والشاهد فيه) استعمال ممسى ومصبح بمعنى الإمساء الإصباح والمراد وقتهما.
وقال : وعلم بيان المرء عند المجرّب (1)
اللغة ذقتمونا جربتمونا فكنى عنه بالذوق. والمجرب التجربة والاختبار.
الاعراب ذقتمونا فعل وفاعل ومفعول. ومرة نصب على الظرفية. وعلم مبتدأ. وبيان جر بالاضافة إليه. وعند المجرب خبر المبتدأ. (والشاهد فيه) وضع المجرب موضع التجربة (والمعنى) انكم قد جربتمونا وعرفتم شدة بأسنا والأشياء يعرف حالها بالاختبار فما كان ينبغي لكم أن تقدموا على هتك حرمة جوارنا وتعرضوا أنفسكم لبلاء انتقامنا.
وقال : فإن المندّى رحلة فركوب (2)
اللغة ترادى تعرض والضمير فيه للناقة. ودمن الحياض موضع. والمندى التندية وهي أن تورد الإبل على الماء فتشرب قليلا ثم ترد إلى المرعى ثم ترد إلى الماء. والرحلة الارتحال.
الاعراب ترادى مضارع مجهول معموله مستتر وهو ضمير الناقة. وعلى ماء الحياض يتعلق بنرادى. وتعف فعل الشرط مجزوم وفاعله ضمير الناقة. وقوله فان الفاء للجزاء وان حرف توكيد ونصب. والمندى اسمها. ورحلة خبرها. وركوب عطف عليه (والشاهد فيه) أنه استعمل المندى بمعنى التندية وهذا على ان رحلة وركوبا مصدران أما على انهما موضعان كما فسرا بذلك فالمندى على حاله ولا شاهد في البيت (والمعنى) على الطريقة الأولى ان هذه الناقة تعرض على عشب ذلك الموضع أو مائه فان عافت الرعي أو الشرب فان تنديتها ان ترحل وتركب. وعلى الطريقة الثانية فان عافت فمكان تنديتها ذانك الموضعان.
وقال : إنّ الموقى مثلما وقّيت (3)
يا رب ان أخطأت أو نسيت
فأنت لا تنسى ولا تموت
الاعراب إن حرف توكيد ونصب. والموقى اسمها. ومثل خبرها. وما مصدرية هي وما بعدها في تأويل مصدر مجرور باضافة مثل اليه (والشاهد فيه) استعمال الموقى بمعنى التوقية (والمعنى) إن التوقية مثل توقيني.
وقال : أقاتل حتّى لا أرى لي مقاتلا (1)
اللغة مقاتلا أي قدرة على القتال. وحم أي هلك وأحيط به. والكرب الغم. والكيس العاقل البصير.
الاعراب أقاتل فعل مضارع فاعله ضمير المتكلم. وحتى للغاية. ولا نافية. وأرى فعل وفاعل هو ضمير المتكلم. ولي في محل نصب مفعوله الأول. ومقاتلا مفعوله الثاني.
وانجو عطف على أقاتل. (والشاهد فيه) استعمال مقاتل بمعنى القتال (والمعنى) أقاتل حتى لا يبقى لي قدرة على القتال وأفر عند الغلبة حيث يهلك الجبان الذي لا طاقة له على القتال أو أفر إذا ضاق الأمر ولم يهتد إلى الفرار إلا عقلاء الرجال.
وما فيه متحامل وقال : كأن صوت الصنج في مصلصله (2)
اللغة الصنج ما يتخذ من نحاس فيضرب أحدهما بالآخر. والمصلصل الصلصلة وهي صوت اللجام.
الاعراب ظاهر والشاهد فيه استعمال مصلصل بمعني الصلصلة (والمعني) كأن صوت لجامه الصنوج يضرب بعضها على بعض.
والتفعال كالتهدار والتلعاب والترداد والتجوال والتقتال والتسيار ، بمعنى الهدر واللعب والردّ والجولان والقتل والسير ، مما بني لتكثير الفعل والمبالغة فيه.
والفعيلي كذلك ، تقول كان بينهم رمّيّا وهي الترامي الكثير ، والحجّيزي والحثّيثي كثيرة الحجز والحث ، والدليلي كثرة العلم بالدلالة والرسوخ فيها ، القتّيتي كثرة النميمة.
وبناء المرّة من المجرّد على فعلة تقول قمت قومة وشربت شربة. وقد جاء على المصدر المستعمل في قولهم أتيته إتيانة ، ولقيته لقاءة. وهو مما عداه على المصدر المستعمل كالإعطاءة. والانطلاقة والابتسامة والترويحة والتقلبة والتغافلة. وأما ما في آخره تاء فلا يتجاوز به المستعمل بعينه تقول قاتلته مقاتلة واحدة ، وكذلك الاستعانة والدحرجة.
وتقول في الضرب من الفعل هو حسن الطّعمة والرّكبة والجلسة والقعدة ، وقتلته قتلة سوء ، وبئست الميتة ، والعذرة والضرب من الاعتذار.
وقالوا فيما اعتلت عينه من أفعل واعتلت لامه من فعل اجازة واطاقة وتعزية وتسلية ، معوضين التاء من العين واللام الساقطتين. ويجوز ترك التعويض في أفعل دون فعل قال الله تعالى : (وَأَقامَ الصَّلاةَ) وتقول أريته إراء ، ولا تقول تسليا ولا تعزيا. وقد جاء التفعيل فيه في الشعر ، قال :
فهي تنزّي دلوها تنزيّا
كما تنزي شهلة صبيّا (1)
اللغة تنزي ترفع وتنزيا تنزية. والشهلة المرأة النصف المتوسطة في السن ولا يقال ذلك للرجل.
الاعراب باتت فعل ماض فاعله ضمير المرأة السابقة. وتنزي فعل مضارع فاعله ضميرها أيضا. ودلوها مفعوله. وتنزيا مفعول مطلق. وقوله كما الكاف للتشبيه وما مصدرية. وتنزي فعل. وشهلة فاعله. وصبيا مفعوله. وما المصدرية. وما بعدها مجرور بالكاف (والشاهد فيه) انه قال تنزيا وكان اللازم أن يقول تنزية الا أنه لما اضطر رجع إلى الأصل المرفوض (والمعنى) ان هذه المرأة تنزع الدلو من البئر إلى فوق بقوة كما تلقي الشهلة الصبي إلى الهواء ترقصه.
1) لم أر من سمى له قائلا.
ويعمل المصدر اعمال الفعل مفردا ، كقولك عجبت من ضرب زيد عمرا ، ومن ضرب عمرا زيد ، ومضافا إلى الفاعل أو إلى المفعول كقولك أعجبني ضرب الامير اللص ، ودق القصار الثوب ، وضرب اللص الأمير ، ودق الثوب القصار. ويجوز ترك ذكر الفاعل والمفعول في الإفراد والإضافة كقولك عجبت من ضرب زيدا ، ونحو قوله تعالى : (أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً) ومن ضرب عمرو ومن ضرب زيد أي من ضرب زيد أو ضرب. ونحوه قوله تعالى : (وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ). ومعرفا باللام كقوله :
ضعيف النكاية اعداءه
يخال الفرّار يراخي الأجل (1)
اللغة النكاية الاضطرار. يراخي أي يؤخر. والأجل العمر.
الاعراب ضعيف خبر مبتدأ محذوف أي هو ضعيف. وأعدائه منصوب بالمصدر. وأعربه بعضهم بمصدر منكر منون محذوف تقديره ضعيف الكناية نكاية أعدائه وذلك أضعف عمل المصدر المحلي. ويخال فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى الضعيف. والفرار مفعول أول. وجملة يراخي الأجل مفعول ثان (والشاهد فيه) ان المصدر المحلي عمل عمل فعله (والمعنى) يهجو رجلا يقول هو ضعيف عن ان ينال من أعدائه وجبان فلا يثبت في الحرب بل يفر ظنا منه ان الفرار يؤخر الأجل.
وقوله : كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا (2)
اللغة الخيل المغيرة المندفعة في سيرها تريد العدو وأولاها مقدمتها. وكررت حملت. والنكول الرجوع عن القرن جبنا. ومسمع اسم رجل.
الاعراب أولى فاعل علمت. والمغيرة جر بالاضافة إليه. وجملة كررت خبر انني. والياء اسمها. والجملة في محل نصب مفعول علمت. ولم انكل جملة فعلية عطف على كررت. ومسمعا منصوب بالمصدر (والشاهد فيه) إعمال المصدر المحلي. وروي المصراع الثاني (لحقت فلم أنكل) وعلى هذا فلا شاهد فيه لأن مسمع معمول لحقت وأل في الضرب عوض عن المضاف إليه أي فلم أنكل عن ضربه على انه يجوز أن يكون مسمع منصوبا بنزع الخافض أي كررت على مسمع (والمعنى) لقد علم أول المغيرين انني لقيتهم فهزمتهم ولحقت سيدهم فلم أرجع عنه حتى قتلته بسيفي.
وبيت الكتاب :
قد كنت داينت بها حسّانا
مخافة الافلاس والليانا (1)
اللغة داينت عاملت. والضمير في بها للإبل. وحسان اسم رجل. والافلاس الفقر. والليان مصدر من اللي وهو المطل ومنه قوله عليه الصلاة والسّلام لي الغني ظلم.
الاعراب كنت كان واسمها. وداينت فعل وفاعل. وبها متعلق به. وحسانا مفعوله. والجملة خبر كان. ومخافة مفعول له وهو مضاف إلى الافلاس إضافة المصدر إلى مفعوله. والليان عطف على محل الافلاس. (والشاهد فيه) نصب الليان بالعطف على محل المعطوف عليه وهو الافلاس ويجوز أن يكون معطوفا على مخافة كأنه قال مخافة الافلاس ومخافة الليان ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه (والمعنى) أنه داين بها حسانا لملأته وعدم مطله ولم يعامل بها غيره ممن ليس هو بمليء فيماطله لافلاسه.
إنما نصب فيه المعطوف عليه لأنه مفعول ، كما حمل لبيد الصفة على محل الموصوف في قوله :
طلب المعقّب حقه المظلوم (2)
اللغة تهجر في الرواح أي سار في الهاجرة وهي شدة الحر. وهاجه أثاره. والمعقب الدائن الممطول بدينه لأنه لا يزال يتبع عقب مدينه.
الاعراب تهجر فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الحمار. وهاجه فعل ومفعول. وطلب نصب بالمصدر وهو مضاف إلى المعقب اضافة المصدر إلى فاعله. وحقه معمول المصدر. والمظلوم صفة المعقب رفع حملا على المعنى. (والشاهد فيه) حمل الصفة على محل موصوفها (والمعنى) أنه سار في وقت الهاجرة وهاجه الحر فطلب الماء طلبا شديدا مثل طلب الدائن الممطول بدينه حقه.
أي كما يطلب المعقب المظلوم حقه.
ويعمل ماضيا كان أو مستقبلا. تقول أعجبني ضرب زيد أمس ، وأريد إكرام عمرو أخاه غدا.
ولا يتقدم عليه معموله فلا يقال زيدا ضربك خير له ، كما لا يقال زيدا إن تضرب خير له.
هو ما يجري على يفعل من فعله كضارب ، ومكرم ، ومنطلق ، ومستخرج ، ومدحرج. ويعمل عمل الفعل في التقديم والتأخير والإظهار والإضمار ، كقولك زيد ضارب غلامه عمرا ، وهو عمرا مكرم ، وهو ضارب زيد وعمرا ، أي وضارب عمرا. قال سيبويه وأجروا اسم الفاعل إذا أرادوا أن يبالغوا في الأمر مجراه إذا كان على بناء فاعل ، يريد نحو شرّاب وضروب ومنحار وأنشد للقلاخ :
أخا الحرب لبّاسا إليها جلالها
وليس بولّاج الخوالف أعقلا (1)
الاعراب أخا الحرب حال من الضمير في فانني في البيت قبله وهو :
فان تك فاتتك السماء فانني
بأرفع ما حولي من الأرض أطولا
ولباسا حال أخرى منه أيضا. وجلالها نصب بقوله لباسا. وليس فعل ماض ناقص واسمها الضمير المستتر فيها. وبولاج الخوالف خبرها. والباء في بولاج زائدة. وأعقلا خبر بعد خبر وهو ممنوع من الصرف والفه للاطلاق (والشاهد فيه) عمل صيغة المبالغة عمل فعلها وهو نصب جلالها (والمعنى) أنه رابط الجأش قوي النفس عند الهول وإذا قامت الحرب لا يستتر في البيت ويقعد مع النساء بل يحارب.
1) اللغة لباسا مبالغة لابس من اللبس. وجلال جمع جل بضم الجيم والمراد به هنا عدة الحرب. وولاج مبالغة والج من الولوج وهو الدخول. والخوالف جمع خالفة وهي عماد البيت. والا عقل الذي تضطر رجلاه من فزع أو وجع.
ولأبي طالب :
ضروب بنصل السيف سوق سمانها
وحكي عن بعض العرب إنه لمنحار بوائكها وأما العسل فأنا شرّاب وأنشد :
كريم رؤوس الدارعين ضروب (1)
اللغة اللأواء الشدة والجهد. والدارعين جمع دارع وهو لابس الدرع أراد به الشجاع.
الاعراب بكيت فعل وفاعل وأخا اللأواء مفعوله ويحمد فعل مضارع بني للمجهول ويومه نائب الفاعل. والجملة في محل نصب صفة أخا. وكريم خبر مبتدأ محذوف أي هو كريم. وضروب خبر بعد خبر. ورؤوس منصوب بضروب (والشاهد فيه) إعمال ضروب وهو مبالغة اسم الفاعل في رؤوس الدارعين. وفيه دلالة على جواز تقديم معموله عليه (والمعني) يقول إنّ هذا الرجل صابر في الشدة يحمد الناس شأنه وهو كريم شجاع يضرب رؤوس الشجعان في الحرب فحق لي أن أبكي عليه.
1) صدره (بكيت أخا اللأواء يحمد يومه) وهو لأبي طالب من أبيات يرثي بها زوج أخته.
وجوّز هذا ضروب رؤوس الرجال وسوق الإبل.
وما ثني من ذلك وجمع مصححا أو مكسرا يعمل عمل المفرد كقولك :
هما ضاربان زيدا ، وهم ضاربون عمرا ، وهم قطّان مكة ، وهن حواج بيت الله ، وعواقد حبك النطاق. وقال العجاج :
أوالفا مكة من ورق الحمي (1)
ورب هذا الحرم المحرم
والقاطنات البيت غير الريم
اللغة الريم جمع رائم من رام يريم إذا برح. وقواطن جمع قاطنة أي مقيمة وأوالفا جمع آلفة من ألف يألف إلفة. والورق جمع ورقاء وهي التي في لونها بياض إلى سواد. والحمى الحمام حذف الميم فصار الحما ثم قلب الألف ياء لمكان القافية وكسر ما قبلها للمناسبة.
الاعراب أو الفا نصب على الحال من القاطنات في البيت قبله. ومكة مفعول أوالفا.
ومن للبيان. والورق مجرور به (والشاهد فيه) أن أوالفا جمع اسم الفاعل وقد عمل عمله فنصب مكة.
وقال طرفة :
ثم زادوا أنهم في قومهم
غفر ذنبهم غير فخر (2)
الاعراب زادوا فعل وفاعل. وأن يصح فتحها لأنها في موضع المفعول وكسرها على التعليل أو الحكاية. والضمير اسمها. وغفر خبرها. وفي بمعنى عند متعلقة بزادوا. وغير فخر خبر ثان لأن ذنبهم مفعول غفر (والشاهد فيه) أن مثنى المبالغة وجمعها يعمل كما عمل غفر في ذنبهم (والمعنى) يقول إنهم زادوا على غيرهم بأنهم يعفون مع القدرة ولا يفخرون بذلك.
وقال الكميت :
شمّ مهاوين أبدان الجزور مخا
ميص العشيّات لاخور ولا قزم (1)
اللغة شم جمع أشم من الشمم وهو ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء في أعلاه. وهو كناية عن كرم النسب. ومهاوين جمع مهوان وهو تكثير مهين. والأبدان جمع بدنة وهي الناقة التي تسمن لتنحر. وكذلك الجزور هكذا فسره ابن يعيش. والصواب أن أبدان جمع بدن وهو من الجسم ما سوى الرأس. ومخاميص جمع مخماص مبالغة خميص من خمص الشخص إذا جاع. والعشيات جمع عشي وهو من صلاة المغرب إلى العتمة. وخور جمع أخور وهو الضعيف. والقزم أرازل الناس وسفلتهم الواحد والجمع والذكر والأنثى فيه سواء.
الاعراب شم بالجر صفة مجلس في البيت قبله وهو :
يأوي إلى مجلس باد مكارمهم
لا مطعمي ظالم فيهم ولا ظلم
وكأن العيني لم يقف على هذا البيت فقال شم خبر مبتدأ محذوف. ومهاوين صفة مجلس أيضا. وأبدان مفعول مهاوين. والجزور جر بالاضافة إليه. وأل فيه للجنس. ومخاميص وخور وقزم بالجر صفات لمجلس (والشاهد فيه) أن ما جمع من اسم الفاعل يعمل عمله. (والمعنى) أنهم كريمة أصولهم يهينون كرائم الإبل لضيوفهم وهم جياع البطون في العشيات لا يأكلون وإن جاعوا حتى يأتيهم ضيف فيأكلون معه وليسوا جبناء ولا من سقط الناس.
ويشترط في إعمال اسم الفاعل أن يكون في معنى الحال أو الاستقبال ، فلا يقال : زيد ضارب عمرا أمس ، ولا وحشي قاتل حمزة يوم أحد ، بل يستعمل ذلك على الإضافة إلّا إذا أريدت حكاية الحال الماضية كقوله عز اسمه : (وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ ،) أو أدخلت عليه الألف واللام كقولك الضارب زيدا أمس.
ويشترط اعتماده على مبتدأ ، أو موصوف ، أو ذي حال ، أو حرف
1) نسبة هنا للكميت ورواه ابن السيرافي لتميم بن أبي مقبل والله أعلم.
استفهام ، أو حرف نفي ، كقولك : زيد منطلق غلامه ، وهذا رجل بارع أدبه ، وجاءني زيد راكبا حمارا ، وأقائم أخواك ، وما ذاهب غلامك. فإن قلت بارع أدبه من غير أن تعمده بشيء وزعمت أنك رفعت به الظاهر ، كذّبت بامتناع قائم أخواك.
هو الجاري على يفعل من فعله ، نحو مضروب لأن أصله مفعل ، ومكرم ومنطلق به ومستخرج ومدحرج. ويعمل عمل الفعل تقول : زيد مضروب غلامه ؛ ومكرم جاره ، ومستخرج متاعه ، ومدحرج بيده الحجر. وأمره على نحو من أمر اسم الفاعل في إعمال مثناه ومجموعه واشتراط الزمانين والإعتماد.
هي التي ليست من الصفات الجارية وإنما هي مشبهة بها في أنها تذكر وتؤنث وتثنى وتجمع ، نحو كريم وحسن وصعب.
وهي لذلك تعمل عمل فعلها ، فيقال : زيد كريم حسبه ، وحسن وجهه ، وصعب جانبه.
وهي تدل على معنى ثابت فإن قصد الحدوث قيل هو حاسن الآن أو غدا ، وكارم وطائل ، ومنه قوله عز وجل : (وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ). وتضاف إلى فاعلها كقولك : كريم الحسب ، وحسن الوجه ، وأسماء الفاعل والمفعول يجريان مجراها في ذلك فيقال ضامر البطن ، وجائلة الوشاح ، ومعمور الدار ، ومؤدب الخدام.
وفي مسألة حسن وجهه سبعة أوجه : حسن وجهه ، وحسن الوجه ، وحسن وجها قال أبو زيد :
هيفاء مقبلة عجزاء مدبرة
مخطوطة جدلت شنباء أنيابا (1)
اللغة الهيفاء الضامرة البطن. والمذكر أهيف. والعجزاء العظيمة العجز. ومخطوطة جميلة. ومجدولة من الجدل وهو الفتل. وشنباء أي ذات شنب. وهو حدة الأسنان أو عذوبة الريق.
الاعراب هيفاء خبر مبتدأ محذوف أي هي. ومقبلة حال وعاملها محذوف أي إذا كانت. وكذلك عجزاء مدبرة ومخطوطة خبر مبتدأ محذوف أو خبر بعد خبر. وجدلت فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير المرأة. وشنباء خبر بعد خبر. وأنيابا نصب بقوله شنباء وهو تمييز لأنه نكرة كما تقول حسن وجها (والشاهد فيه) نصب أنيابا بالصفة المشبهة وجواز قولك حسن وجها (والمعنى) أن هذه المرأة جمعت بين ضمور البطن وكبر العجيزة وحسن الخلفة وبرد الفم.
وحسن الوجه قال النابغة :
ونأخذ بعده بذناب عيش
أجبّ الظهر ليس له سنام (2)
الاعراب ونأخذ مجزوم عطفا على جواب الشرط في البيت قبله وهو :
فان يهلك أبو قابوس يهلك
ربيع الناس والبلد الحرام
وبذناب متعلق بنأخذ. وعيش جر بالاضافة إليه. وأجب خبر مبتدأ محذوف. والظهر منصوب على التشبيه بالمفعول أو على أنه تمييز على رأي الكوفيين (والشاهد فيه) أنه أعمل أجب في الظهر كما أعمل حسن في الوجه وهذا الطريق غير متعين فقد يجوز إعراب أجب بالكسرة على أنه صفة عيش وجر الظهر بالاضافة إليه (والمعنى) إن يهلك أبو قابوس وهو النعمان بن المنذر نقع في شدة من الأمر فكنى عن ذلك بما ذكره.
وحسن وجه قال حميد :
لاحق بطن بقرا سمين (3)
اللغة غران أي له نشاط في السير. وميفاء من الوفاء. والرزون الأرض المرتفعة. واللاحق الضامر. وحقيقته أن يلحق بطنه ضمرا والقرا الظهر.
الاعراب غيران خبر مبتدأ محذوف. والبواقي إما خبر بعد خبر ، أو صفات. وسمين صفة قرا (والشاهد فيه) أن لاحق بطن مثل حسن وجه (والمعنى) يصف فرسا يقول إنه ذو نشاط في جريه على الأرض المرتفعة وان بطنه الضامر قد لحق بظهره السمين من شدة الضمور يريد أن ضموره لم يكن من هزال.
وحسن وجهه قال الشماخ :
أقامت على ربعيهما حارتا صفا
كميت الأعالي جونتا مصطلاهما (1)
أمن دمنتين عرس الركب فيهما
بحقل الرخامي قد عفا طللاهما
وجارتا تثنية جارة. والصفا الحجر. ويعني بجارتا صفا الاثفيتين لأنهما تكونان بجوار الجبل فيوضع القدر عليهما وعليه. وكميت من الكمتة وهي حمرة شديدة تصرب إلى السواد.
والجونة السوداء. والجون الأسود. والمصطلى اسم مكان الصلاء.
الاعراب أقامت فعل ماض. وجارتا صفا فاعله. وعلى ربعيهما متعلق بأقامت.
وكميتا الأعالي صفة جارتا وأصله كميتان سقطت النون للاضافة وجونتا صفة مشبهة من جان يجون أضيفت إلى ما أضيف إلى ضمير موصوفها وهو مصطلاهما يعود إلى جارتا فهي إذا مثل قولك حسن وجهه بالاضافة وهو الشاهد فيه (والمعنى) أن ربعي الدمنتين قد أقفرا من السكان ولم يبق فيهما إلا أحجار الأثافي تلوح للناظر كميتة أعاليها لتسلط لسان النار عليها مسود محل إضرام النار فيها.
وحسن وجهه قال :
كوم الذّرا وادقة سرّاتها (2)
أنعتها إني من نعاتها
مدارة الأخفاف مجمراتها
غلب الذفاري وعفر نياتها
كوم الذرا وادقة سراتها
ونسبه العيني إلى عمير بن لحاء بالمهملة. ولا أعرف شاعرا كذا وانما المعروف عمرو بن لجأ وعمرو بن لحاء والله أعلم.
اللغة نعاتها أي العارفين بصفتها. ومدارة الأخفاف مدورتها. ومجمراتها أي صلباتها.
وغلب جمع أغلب وهو غليظ الرقبة. وذفارى جمع ذفرى بكسر الذال الموضع الذي يعرف من البعير خلف الأذن. وعفرنياتها جمع عفرناة بفتح العين والفاء وهي القوية. وكوم جمع كوماء وهي الناقة العظيمة السنام. والذرا جمع ذروة بكسر الذال أعلى السنام ووادقة أي سمينة. وسرات جمع سرة وهي ما تقطعه القابلة من الولد.
الاعراب كوم نصب على الاختصاص. ووادقة صفة مشبهة نصب على الصفة وفاعلها ضمير مستتر فيها. وسراتها نصب على التشبيه بالمفعول أو على التمييز على رأي الكوفيين. (والشاهد فيه) أن فيه دليلا على جواز زيد حسن وجهه بالنصب. وعد جماعة هذا من ضرورات الشعر قالوا وكان الوجه رفع سرات إلا أنه اضطر إلى استعمال النصب بدل
قياسه أن يصاغ من ثلاثي غير مزيد فيه ليس مما ليس بلون ولا عيب.
لا يقال في أجاب وانطلق ولا في سمر وعور هو أجوب منه وأطلق ولا أسمر منه وأعور ، ولكن يتوصل إلى التفضيل في نحو هذه الأفعال بأن يصاغ أفعل مما يصاغ منه ثم يميز بمصادرها كقولك : هو أجود منه جوابا ، وأسرع انطلاقا ، وأشد سمرة وأقبح عورا.
ومما شذ من ذلك هو أعطاهم للدينار والدرهم ، وأولاهم للمعروف ، وأنت أكرم لي من زيد أي أشدّ إكراما ، وهذا المكان أقفر من غيره أي أشد إقفارا ، وهذا الكلام أخصر وفي أمثالهم أفلس من ابن المذلق ، وأحمق من هبنقة.
وقد جاء أفعل منه ولا فعل له ، قالوا : أحنك الشاتين وأحنك البعيرين ، وفي أمثالهم آبل من حنيف الحناتم.
والقياس أن يفضل على الفاعل دون المفعول وقد شذ نحو قولهم أشغل من ذات النحيين ، وأزهى من ديك ، وهو أعذر منه وألوم وأشهر وأعرف وأنكر
وأرجى وأخوف وأهيب وأحمد ، وأنا أسرّ بهذا منك ، وقال سيبويه وهم ببيانه أعنى.
وتعتوره حالتان متضادّتان : لزوم التنكير عند مصاحبة من ، ولزوم التعريف عند مفارقها. فلا يقال زيد الأفضل من عمرو ولا زيد أفضل.
وكذلك مؤنثه وتثنيتهما وجمعهما ، لا يقال فضلى ولا أفضلان ولا فضليان ولا أفاضل ولا فضليات ولا فضل ، بل الواجب تعريف ذلك باللام أو بالإضافة ، كقولك الأفضل والفضلى وأفضل الرجال وفضلى النساء.
وما دام مصحوبا بمن استوى فيه الذكر والأنثى والإثنان والجمع. فإذا عرّف باللام أنّث وثني وجمع ، وإذا أضيف ساغ فيه الأمران. قال الله تعالى : (أَكابِرَ مُجْرِمِيها) وقال : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ) وقال ذو الرمة :
ومية أحسن الثقلين جيدا
وسالفة وأحسنه قذالا (1)
الاعراب مية مبتدأ. وأحسن خبره. وجيدا نصب على التمييز. وسالفة عطف عليه. وأحسنه عطف على أحسن. وقذالا نصب على التمييز (والشاهد فيه) ان أفعل التفضيل إذا أضيف جاز في المضاف إليه الوجهان الجمع والإفراد ولذلك استعملهما هنا فقال أحسن الثقلين ثم قال وأحسنه.
ومما حذفت منه من وهي مقدّرة قوله عز وجل : (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى) أي أخفي من السر وقول الشاعر :
1) اللغة الجيد العنق. والسالفة ناحية مقدم العنق من لدن معلق القرط إلى الترقوة. والقذال جماع مؤخر الرأس.
يا ليتها كانت لأهلي إبلا
أو هزلت في جدب عام أوّلا (1)
الاعراب يا حرف نداء. والمنادى محذوف أي يا قوم. وليت حرف تمن. وها اسمها. وكانت فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود إلى الإبل. وإبلا خبرها. وهزلت عطف على كانت. وفي جدب متعلق بهزلت. وجدب جر بالاضافة إليه (والشاهد فيه) حذف من من أفعل التفضيل.
أي أول من هذا العام وأول من أفعل الذي لا فعل له كآبل. ومما يدل على أنه أفعل الأولى والأوّل ومما حذفت منه قولك الله أكبر وقول الفرزدق :
إن الذي سمك السماء بنى لنا
بيتا دعائمه أعزّ وأطول (2)
الاعراب إن حرف توكيد ونصب. والذي اسمها. وسمك فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الذي. والسماء مفعوله. والجملة صلة الموصول. وقوله بنى لنا بيتا جملة فعلية خبر ان. ودعائمه مبتدأ. وأعز خبره. والجملة في محل نصب صفة بيت (والشاهد فيه) انه قد حذف المفضول أي أعز من دعائم كل بيت وأطول. وجوز المبرد أن يكون أفعل فيه بمعنى فاعل وعليه جرى بدر الدين في شرح ألفية أبيه.
ولآخر شأن ليس لأخواته وهو أنه الزم فيه حذف من حال التنكير ، تقول جاءني زيد ورجل آخر ، ومررت به وبآخر. ولم يستو فيه ما استوى في أخواته حيث قالوا مررت بآخرين وآخرين وأخرى وأخريين وأخر وأخريات.
وقد استعملت دنيا بغير ألف ولام قال العجاج :
في سعي دنيا لما قد مدّت (3)
اللغة مدت أي امتدت وتطاولت. وأدت أي نالتها داهية والادة الداهية.
الاعراب في سعي متعلق بغبت في البيت قبله وهو :
يوم ترى النفوس ما أعدت
من نزل إذا الأمور غبت
وقوله طالما قد أدت في محل جر صفة دنيا (والشاهد فيه) استعمال دنيا بغير ألف ولام.
لأنها قد غلبت فاختلطت بالأسماء ونحوها جلّى في قوله :
وإن دعوت إلى جلّى ومكرمة (1)
اللغة الجلى الجليلة وسراة تقدم فيه بحث جليل قبل هذا بقليل.
الاعراب ان حرف شرط جازم. ودعوت فعل ماض وفاعل. وإلى جلى متعلق بدعوت. ومكرمة عطف على جلى. ويوما نصب على الظرفية. وسراة مفعول دعوت وكرام جر بالاضافة إليه. وقوله فادعينا جملة فعلية جواب الشرط (والشاهد فيه) أن الجلى قد تجرد من اللام والاضافة لكونها بمعنى الخطة العظيمة فتكون الجلى إسما للخطة وهي الشأن. وقال ابن يعيش الجيد أن تكون مصدرا كالرجعي بمعنى الرجوع وليس بتأنيث الأجل (والمعنى) ان دعوت خيار الناس وكرامهم إلى أمر جلل فادعينا لأننا من جملتهم.
وأما حسنى فيمن قرأ وقولوا للناس حسنى وسوءى فيمن أنشد :
ولا يجزون من حسن بسوءى (2)
الاعراب لا نافية ويجزون فعل مضارع بالنون. والواو فاعله. وبسوءى متعلق بيجزون ومثله المصراع الثاني (والشاهد فيه) ان سوءى مصدر كالرجعى وليس مؤنث أسوأ. وقد روي بسوء وعليه فلا شاهد فيه. وأنشده ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء ولا يجزون من خير بشر (والمعنى) أنهم يضعون الأشياء في مواضعها فلا يعاملون المحسن بالإساءة ولا يقابلون الجافي الغليظ باللين والرأفة. وضد هذا قول قريط ابن أنيف يهجو قومه :
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة
ومن إساءة أهل السوء إحسانا
فليستا بتأنيث أحسن وأسوأ بل هما مصدران كالرجعى والبشرى. وقد خطيء ابن هانىء في قوله :
كأن صغرى وكبرى من فواقعها (1)
اللغة صغرى مؤنث أصغر. وكبرى مؤنث أكبر. وفواقع جمع فاقعة وهي النفاخات التي تكون على وجه الماء. والحصباء الحصى.
الاعراب كأن الكاف للتشبيه. وان حرف توكيد ونصب. وصغرى إسمها. وكبرى عطف على صغرى. ومن فواقعها متعلق بمحذوف صفة صغرى وكبرى أي الكائنتين.
وحصباء در خبر إن وعلى أرض متعلق بمحذوف صفة در (والشاهد فيه) أنه أنث صغرى وكبرى المجردين عن أل والاضافة وافعل التفضيل إذا كان كذلك يجب إفراده وتذكيره فتأنيثه لحن. وقد اعتذر لأبي نواس خلق كثير وتكلفوا الجواب عنه بكل غث وسمين والرجل مجدود حيا ميتا عمنا الله واياه برحمته وجميع المسلمين.
وقول الأعشى :
ولست بالأكثر منهم حصى (2)
اللغة الحصى العدد. والكاثر الكثير. يقال عدد كاثر أي كثير.
الاعراب التاء اسم ليس وبالأكثر خبرها والباء فيه زائدة. وحصى نصب على التمييز وإنما ملغاة عن العمل. والعزة مبتدأ. وللكاثر خبره. (والشاهد فيه) ان قوله من ليست لابتداء الغاية حتى يقال انه جمع فيه بين الألف واللام وكلمة من وذلك ممتنع وإنما هي لبيان الجنس مثلها في قولهم أنت منهم الفارس أي أنت الفارس من بينهم.
ليست من فيه بالتي نحن بصددها هي نحو من في قولك أنت منهم الفارس الشجاع أي من بينهم.
ولا يعمل عمل الفعل. لم يخبروا مررت برجل أفضل منه أبوه ، ولا خير منه أبوه ، بل رفعوا أفضل وخيرا بالإبتداء وقوله :
وأضرب منا بالسيوف القوانسا (1)
اللغة أكر أكثر كرا ، وأحمى أشد حماية والحقيقة ما يحق على الانسان حفظه. والقوانس جمع قونس وقونس الفرس ما بين أذنيه إلى رأسه ومثله قونس البيض من السلاح.
الاعراب أكر يتعين أن ينتصب بفعل مقدر لا صفة لما تقدم في البيت قبله وهو :
فلم أر مثل الحي حيا مصبحا
ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
لئلا يفصل بين الصفة والموصوف بما هو كالأجنبي هكذا قيل. ويجوز أن يكون صفة لما تقدم كأنه صفة واحدة. وللحقيقة متعلق باحمى. والقوانس منصوب بفعل مقدر دل عليه اضرب أي ضربنا أو نضرب ، ولا يجوز أن ينتصب باضرب لأن أفعل هذه للمبالغة تجري مجرى التعجب. وأنت لا تقول ما اضرب زيدا عمرا بل تقول لعمرو قال ابن جني فان تجشمت ما اضرب زيدا عمرا نصبت عمرا بفعل آخر (والشاهد فيه) ان القوانس منصوب بعامل مضمر (والمعنى) لم أر مثل هؤلاء القوم أكر وأحمى للحقيقة ولا أضرب منا بالسيوف يوم التقينا.
العامل فيه مضمر وهو يضرب المدلول عليه بأضرب.
1) صدره. أكر وأحمى للحقيقة منهم. وهو للعباس بن مرداس من قصيدة ذكر فيها وقعة كانت بينه وبين بني مراد.
ما بني منهما من الثلاثي المجرّد على ضربين : مفتوح العين ومكسورها. فالأوّل بناؤه من كل فعل كانت عين مضارعة مفتوحة كالمشرب والملبس والمذهب ، أو مضمومة كالمصدر والمقتل والمقام ، إلا أحد عشر إسما وهي المنسك والمجزر والمنبت والمطلع والمشرق والمغرب والمفرق والمسقط والمسكن والمرفق والمسجد.
والثابت بناؤه من كل فعل كانت عين مضارعة مكسورة كالمجلس والمبيت والمصيف ومضرب الناقة ومنتجها ، إلا ما كان منه معتل الفاء أو اللام ، فإن معتل الفاء مكسور أبدا كالموعد والمورد والموضع والموحل والموجل ، والمعتل اللام مفتوح أبدا كالمأتى والمرمى والمأوى والمثوى ، وذكر الفرّاء أنه قد جاء مأوي الإبل بالكسر.
وقد تدخل على بعضها تاء التأنيث كالمزلة والمظنة والمعبرة والمشرقة وموقعة الطائر. وأما ما جاء على مفعلة بالضم كالمقبرة والمشرقة والمشربة فأسماء غير مذهوب بها مذهب الفعل.
وما بني من الثلاثي المزيد فيه والرباعي فعلى لفظ اسم المفعول كالمدخل والمخرج والمغار في قوله :
مغار ابن همّام على حيّ خثعما (1)
اللغة العلقة بكسر العين الشوزر وهو ثوب يكون إلى السرة. ومغار أي وقت إغارة.
الاعراب ما نافية وهي مبتدأ. وقوله إلا في إزار خبرها. وعلقة عطف على ازار.
ومغار نصب على الظرفية لأنه اسم زمان. وعلى حي يتعلق بما دل عليه مغار لا بمغار نفسه لأن اسم الزمان لا يعمل. وخثعما ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث (والشاهد فيه) ان مغارا اسم زمان جاء على زنة مفعل (والمعنى) ما كانت هذه الجارية الا في ازار وثوب حفير إلى سرتها وقت اغارة ابن همام على هذه القبيلة.
وقولهم فلان كريم المركب والمقاتل والمضطرب والمتقلب والمتحامل والمتدحرج والمحرنجم قال العجاج :
محرنجم الجامل والنّؤيّ (2)
الاعراب محرنجم مرفوع لعامل في البيت قبله ولم أقف عليه. والجامل جر بالاضافة إليه. والنؤيّ عطف على محرنجم (والشاهد فيه) مجيء محرنجم اسم مكان وهو على زنة إسم المفعول.
وإذا كثر الشيء بالمكان قيل فيه مفعلة بالفتح ، أرض مسبعة ومأسدة ومذءبة ومحيأة ومفعأة ومقثأة ومطبخة. قال سيبويه ولم يجيؤا بنظير هذا فيما جاوز ثلاثة أحرف من نحو الضفدع والثعلب كراهة أن يثقل عليهم ، لأنهم قد يستغنون بأن يقولوا كثيرة الثعالب.
ولا يعمل شيء منها. والمجر في قول النابغة :
كأن مجرّ الرّامسات ذيولها
عليه قضيم نمقته الصّوانع (1)
الاعراب مجر اسم كأن على حذف المضاف واقامة المضاف إليه مقامه أي كأن أثر والرامسات جر بالاضافة إليه. وذيولها منصوب بمجر. وعليه يتعلق بمجر. وقضيم خبر كأن. ونمقته الصوانع جملة فعلية في محل رفع صفة قضيم. (والشاهد فيه) أن مجرا لا يجوز أن يكون اسم مكان لأنه يكون حينئذ عاملا في نصب ذيولها واسم المكان لا يجوز اعمالها لأنك لا تقول جلست في مجر زيد ثوبه وأنت تريد المكان وإنما تقول جلست في مجر ثوب زيد فتعين أن يكون مصدرا (والمعنى) يصف ربعا عفا بعد أهله ولعبت به الرياح فصار ما أبقت منه بمنزلة رسم الكتابة على الجلد ولم يبق فيها قائم. تم ولله الحمد شرح شواهد القسم الأول من الكتاب والله المسؤل في الاعانة على اكمال ما يبقى منه انه قريب مجيب.
مصدر بمعنى الجر ، وقبله مضاف محذوف تقديره كأن أثر جر الرامسات.
1) اللغة المجر الجر. والرامسات الرياح التي تثير التراب. والقضيم جلد يكتب عليه. ونمقته كتبته. والصوانع الكتاب.
هو اسم ما يعالج به وينقل. ويجيء على مفعل ومفعلة ومفعال كالمقص والمحلب والمكسحة والمصفاة والمفتاح.
وما جاء مضموم الميم والعين من نحو المسعط والمنخل والمدّق والمدهن والمكحلة والمحرضة ، فقد قال سيبويه لم يذهبوا بها مذهب الفعل ولكنها جعلت أسماء لهذه الأوعية.
للمجرد منه عشرة أبنية أمثلتها صقر وعلم وبرد وجمل وإبل وطنب وكتف ورجل وضلع وصدر.
وللمزيد فيه أبنية كثيرة ولعل الأمثلة التي أنا ذاكرها تحيط بها أو بأكثرها.
والزيادة إمّا أن تكون من جنس حروف الكلمة كالدال الثانية في قعدد ومهدد ، أو من غير جنسها كهمزة أفكل وأحمر ، وللالحاق كواو جوهر وجدول ، أو لغير الإلحاق كألف كاهل وغلام.
والزيادة المجانسة لا تخلو من أن تكون تكريرا للعين كخفيفد وقنب أو للام كخفيدد وخدب أو للفاء والعين كمرمريس ومرمريت أو للعين واللام كصمحمح وبرهرة وما عداها من الزوائد حروف سألتمونيها.
والزيادة تكون واحدة وثنتين وثلاثا وأربعا ومواقعها أربعة ما قبل الفاء وما بين الفاء والعين وما بين العين واللام وما بعد اللام ولا تخلو من أن تقع مفترقة أو مجتمعة.
والزيادة الواحدة قبل الفاء في نحو أجدل واثمد وإصبع وأصبع وأبلم وأكلب وتنصب وتدراء وتتفل وتحلىء ويرمع ومقتل ومنبر ومجلس ومنخل ومصحف ومنخر وهبلع عند الأخفش.
وما بين الفاء والعين في نحو كاهل وخاتم وشامل وضيغم وقنبر وجندب وعنسل وعوسج.
وما بين العين واللام في نحو شمأل وحمار وغلام وبعير وعثير وعليب وعرند وقعود وجدول وخروج وسدوس وسلم وقنب.
وما بعد اللام في نحو علقى ومغزى وبهمى وسلمى وذكرى وحبلى وذفرى وشعبى ورعشن وفرسن وبلغن وقردد وشربب وعندد ورمدد ومعدّ وخدب وجبن وفلز.
والزيادتان المفترقتان بينهما الفاء في نحو أداير وأجادل وألنجج وألندد وزنهما أفنعل ومقاتل ومساجد وتناضب ويرامع.
وبينهما العين في نحو عاقول وساباط وطومار وخيتام وديماس وتوراب وقيصوم.
وبينهما اللام في نحو قصيري وقرنبي والجلندي وبلنصي وحباري وخفيدد وجرنبة.
وبينهما الفاء والعين في نحو إعصارّ واخريط وأسلوّب وأدرون ومفتاح
ومضروب ومنديل ومغرود وتمثال وترداد ويربوع ويعضيد وتنبيت وتذنوب وتنوط وتبشر وتهبط.
وبينهما العين واللام في نحو خيزلي وخيزري وحنطأ.
وبينهما الفاء والعين واللام نحو إجفلي وأترب وأرزب.
والمجتمعان قبل الفاء في نحو منطلق ومسطيع ومهراق وانقحل وانقحر.
وبين الفاء والعين في نحو حواجر وغيالم وجنادب ودواسر وصيهم.
وبين العين واللام في نحو كلاء وخطاف وحناء وجلواخ وجريال وعضواد وهبيخ وكديون وبطيخ وقبيط وقيام وصوام وعقنقل وعثوثل وعجّول وسبوح ومرّيق وحطائط ودلامص.
وبعد اللام في نحو صهباء وطرفاء وقوباء وعلباء وحرباء ورحضاء وسيراء وجفناء وسعدان وكروان وعثمان وسرحان وظربان والسبعان والسلطان وعرضني ودفقي وهبرية وسنبتة وقرنوة وعنصوة وجبروت وفسطاط وجلباب وحلتيت وصمحمح ودرحرح.
والثلاث المتفرقة في نحو هجيري ومخاريق وتماثيل ويرابيع.
والمجتمعة قبل الفاء في مستفعل.
وبعد العين واللام في نحو سلاليم وقراويح.
وبعد اللام في صليان وعنفوان وعرفان وتيقان وكبرياء وسيمياء ومرحيا.
وقد اجتمعت ثنتان وانفردت واحدة في نحو أفعوان وأضحيان وأرونان وأربعاء وقاصعاء وفساطيط وسراحين وثلاثاء وسلامان وقراسية وقلنسوة وخنفساء وتيحان وغمدّان وملكعان.
والأربعة في نحو إشهيباب وإحميرار.
للمجرد منه خمسة أبنية أمثلتها جعفر ودرهم وبرثن وزبرج وفطحل.
تحيط بأبنية المزيد فيه الأمثلة التي أذكرها والزيادة فيه ترتقي إلى الثلاث.
فالزيادة الواحدة قبل الفاء لا تكون إلا في نحو مدحرج.
وهي بعد الفاء قنفخر وكنتال وكنهبل.
وبعد العين في نحو عذافر وسميدع وفدوكس وحبارج وحزنبل وقرنفل وعلمكد وهمقع وشمخر.
وبعد اللام الأولى في نحو قنديل وزنبور وغرنيق وفردوس وقربوس وكنهور وصلصال وسرداح وشفلح وصفرّق.
وبعد اللام الأخيرة في نحو حبركي وجحجبي وهربذي وهندبي وسبطري وسبهلل وفرشب وطرطب.
والزيادتان المفترقتان في نحو حبوكرى وهثعور ومنجنون وكنابيل وجحنبار.
والمجتمعتان في نحو قندويل وقمحدوة وسلحفية وعنكبوت وعرطليل وطرماح وعقرباء وهندباء وشعشان وعقربان وحندمان.
والثلاث في نحو عبوثران وعريقصان وجخادباء وبرنساء وعقربان.
للمجرد منه أربعة أبنية أمثلتها سفرجل وجحمرش وقذعمل وجردحل.
وللمزيد فيه خمسة ولا تتجاوز الزيادة فيه واحدة وأمثلتها خندريس وخزعبيل وعضرفوط ومنه يستعور وقرطبوس وقبعثري.
الفعل ما دل على اقتران حدث بزمان. ومن خصائصه صحة دخول قد ، وحرفي الإستقبال ، والجوازم ، ولحوق المتصل البارز من الضمائر ، وتاء التأنيث الساكنة نحو قولك : قد فعل وقد يفعل وسيفعل وسوف يفعل ولم يفعل وفعلت ويفعلن وافعلي وفعلت.
وهو الدال على اقتران حدث بزمان قبل زمانك. وهو مبني على الفتح. إلا أن يعترضه ما يوجب سكونه أو ضمه. فالسكون عند الإعلال ولحوق بعض الضمائر. والضم مع واو الضمير.
وهو ما تعتقب في صدره الهمزة والنون والتاء والياء. وذلك قولك للمخاطب أو الغائبة تفعل ، وللغائب يفعل ، وللمتكلم أفعل. وله إذا كان مع غيره واحدا أو جماعة نفعل. وتسمى الزوائد الأربع. ويشترك فيه الحاضر والمستقبل. واللام في قولك إن زيدا ليفعل مخلصة للحال ، كالسين أو سوف للإستقبال. وبدخولهما عليه قد ضارع الأسم فأعرب بالرفع والنصب والجزم مكان الجر.
وهو إذا كان فاعله ضمير اثنين أو جماعة أو مخاطب مؤنث لحقته معه في حال الرفع نون مكسورة بعد الألف مفتوحة بعد أختيها. كقولك : هما يفعلان ، وأنتما تفعلان ، وهم يفعلون ، وأنتم تفعلون ، وأنت تفعلين.
وجعل في حال النصب كغير المتحرك ، فقيل لن يفعلا ، ولن يفعلوا ، كما قيل لم يفعلا ولم يفعلوا.
وإذا اتصلت به نون جماعة المؤنث رجع مبنيا ، فلم تعمل فيه العوامل لفظا ، ولم تسقط كما لا تسقط الألف والواو والياء التي هي ضمائر لأنها
منها. وذلك قولك : لم يضربن ولن يضربن. ويبنى أيضا مع النون المؤكدة كقولك لا تضربنّ ولا تضربنّ.
هي الرفع والنصب والجزم. وليست هذه الوجوه بأعلام على معان كوجوه إعراب الإسم ، لأن الفعل في الإعراب غير أصيل بل هو فيه من الأسم بمنزلة الألف والنون من الألفين في منع الصرف. وما ارتفع به الفعل وانتصب وانجزم غير ما استوجب به الإعراب. وهذا بيان ذلك :
هو في الإرتفاع بعامل معنوي نظير المبتدأ وخبره. وذلك المعنى وقوعه بحيث يصح وقوع الأسم كقولك زيد يضرب كما تقول زيد ضارب ، رفعته لأن ما بعد المبتدأ من مظان صحة وقوع الأسماء. وكذلك إذا قلت يضرب الزيدان لأن من ابتدأ كلاما منتقلا إلى النطق عن الصمت لم يلزمه أن يكون أول كلمة تفوّه بها إسما أو فعلا ، بل مبدأ كلامه موضع خبره في أي قبيل شاء.
وقولهم كاد زيد يقوم وجعل يضرب وطفق يأكل ، الأصل فيه أن يقال قائما وضاربا وآكلا ولكن عدل عن الأسم إلى الفعل لغرض وقد استعمل الأصل فيمن روى بيت الحماسة :
فأبت إلى فهم وما كدت آيبا (1)
اللغة أبت من آب يؤب إذا رجع. وفهم اسم قبيلة وهي فهم بن عمرو بن قيس بن عيلان. وتصفر من صفير الطائر وهو صوته.
الاعراب أبت فعل وفاعل. وإلى فهم متعلق بأبت. وما نافية. وكدت من كاد الناقصة. والتاء اسمها. آيبا خبرها. وكم خبرية بمعنى كثير. ومثلها بالجر تمييزكم الخبرية. وفارقتها فعل وفاعل ومفعول. والجملة خبركم. وقوله وهي تصفر جملة اسمية وقعت حالا (والشاهد فيه) أنه استعمل خبر كاد إسما مفردا على الأصل وإنما قياسه الفعل. ويروي وما كنت وآيبا وعليه فلا شاهد (والمعنى) رجعت إلى هذه القبيلة بعد ما كدت أن لا أرجع عليها وكم مثلها من القبائل فارقتها وهي مقفرة من أهلها لا بادتي إياهم بالقتل.
1) تمامه. وكم مثلها فارقتها وهي تصفر. وهو لتأبط شرا من أبيات ذكرها في الحماسة.
انتصابه بأن وأخواته ، كقولك أرجو أن يغفر الله لي ، ولن أبرح الأرض ، وجئت كي تعطيني ، وأذن أكرمك.
وينصب بأن مضمرة بعد خمسة أحرف وهي : حتى ، واللام ، وأو بمعنى إلى ، وواو الجمع ، والفاء ، في جواب الأشياء الستة الأمر والنهي والنفي والإستفهام والتمني والعرض ، وذلك قولك : سرت حتى أدخلها ، وجئتك لتكرمني ، ولألزمنك أو تعطيني حقي ، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن ، وائتني فأكرمك ، وقوله سبحانه وتعالى : (وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) ، وما تأتينا فتحدثنا ، وأتأتينا فتحدثنا ، (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا .. ويا ليتني كنت معهم فأفوز) وألا تنزل فتصيب خيرا.
ولقولك ما تأتينا فتحدثنا معنيان أحدهما ما تأتينا فكيف تحدثنا أي لو أتيتنا لحدثتنا. والآخر ما تأتينا أبدا إلا لم تحدثنا أي منك إتيان كثير ولا حديث منك وهذا تفسير سيبويه.
ويمتنع إظهار أن مع هذه الأحرف ، إلا اللام إذا كانت لام كي ، فإن الإظهار جائز معها ، وواجب إذا كان الفعل الذي تدخل عليه داخلة عليه لا ،
كقولك : لئلا تعطيني. وأما المؤكدة فليس معها إلا التزام الإضمار.
وليس بحتم أن ينصب الفعل في هذه المواضع بل للعدول به إلى غير ذلك معنى وجهة من الإعراب مساغ. فله بعد حتى حالتان : هو في إحداهما مستقبل أو في حكم المستقبل فينصب ، وفي الأخرى حال أو في حكم الحال فيرفع. وذلك قولك : سرت حتى أدخلها ، وحتى أدخلها ، تنصب إذا كان دخولك مترقبا لما يوجد ، كأنك قلت سرت كي أدخلها ، ومنه قولهم أسلمت حتى أدخل الجنة ، وكلمته حتى يأمر لي بشيء. أو كان متقضيّا إلا أنه في حكم المستقبل من حيث أنه في وقت وجود السير المفعول من أجله كان مترقبا. وترفع إذا كان الدخول يوجد في الحال كأنك قلت : حتى أنا أدخلها الآن ، ومنه قولهم مرض حتى لا يرجونه ، وشربت الإبل حتى يجيء البعير يجرّ بطنه أو تقضّى. إلا أنك تحكي الحال الماضية. وقرىء قوله تعالى :
(وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ،) منصوبا ومرفوعا. وتقول كان سيري حتى أدخلها بالنصب ليس إلا. فإن زدت أمس وعلقته بكان أو قلت سيرا متعبا أو أردت كان التامة جاز فيه الوجهان. وتقول أسرت حتى تدخلها بالنصب. وأيهم سار حتى يدخلها بالنصب والرفع.
وقرىء قوله تعالى : (تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُون) بالنصب على إضمار أن ، والرفع على الإشراك بين يسلمون وتقاتلونهم ، أو على الإبتداء كأنه قيل أو هم يسلمون. وتقول هو قاتلي أو أفتدي منه ، وإن شئت ابتدأته على أو أنا أفتدي وقال سيبويه في قول امرىء القيس :
فقلت له لا تبك عينك إنما
نحاول ملكا أو نموت فنعذرا (1)
بكي صاحبي لما رأى الدرب دونه
وأيقن أنا لاحقان بقصيرا
وله متعلق بقلت. ولا ناهية. وتبك فعل مضارع مجزوم بها بحذف حرف العلة.
وعينك فاعله. وإنما ملغاة عن العمل. ونحاول فعل مضارع فاعله ضمير المتكلمين. وملكا مفعوله. وقوله أو نموت منصوب بإضمار أن أي إلا أن نموت ، ويجوز رفعها بالعطف على نحاول أو على القطع. ونعذر عطف على نموت وألفه للاطلاق (والشاهد فيه) تجويز سيبويه رفع نموت على أحد وجهين عطفه على نحاول أو قطعه أي ونحن ممن يموت (والمعنى) ان رفيقه بكى لما وقع في بلاده فنهاه عن ذلك وقال له إنما خرجنا نطلب ملكا فإما أن نناله أو نعذر باليأس في عدم الحصول عليه بعدم التقصير في طلبه.
1) الاعراب فقلت فعل وفاعل عطف على بكى في البيت قبله وهو :
ولو رفعت لكان عربيا جائزا على وجهين : على أن تشرك بين الأول والآخر كأنك قلت إنما نحاول ملكا أو إنما نموت ، وعلى أن يكون مبتدأ مقطوعا من الأول يعني أو نحن ممن يموت.
ويجوز في قوله عز وجل (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَ) أن يكون تكتموا منصوبا ومجزوما كقوله :
ولا تشتم المولى وتبلغ أذاته (1)
اللغة الاذاة الأذية. وتسفه تنسب إلى السفه وهو وضع الشيء في غير موضعه وتجهل تكون جاهلا.
الاعراب لا ناهية. وتشتم فعل مضارع مجزوم بها. وبني على الكسر لالتقاء الساكنين. وفاعله ضمير المخاطب. والمولى مفعوله. وقوله وتبلغ يجوز نصبه بالواو وجزمه بالعطف على تشتم. واذاته مفعول تبلغ. والكاف في فانك إسم إن. وإن حرف شرط جازم ، وتفعل مجزوم بها فعل الشرط. وتسفه جوابها. وجملة تسفه خبر إن (والشاهد فيه) جواز الوجهين السابقين في تبلغ (والمعنى) لا تهن جارك ولا تؤذه فانك إن فعلت ذلك نسبك الناس إلى السفه وكنت جاهلا في فعلك.
وتقول زرني وأزورك بالنصب ، يعني لتجتمع الزيارتان فيه كقول ربيعة
1) تمامه. فانك ان تفعل تسفه وتجهل. أنشده سيبويه في كتابه وأغفل ذكر قائله.
ابن جشم :
فقلت أدعي وأدعو إنّ أندى
لصوت أن ينادي داعيان (1)
اللغة أندى أفعل تفضيل من الندى وهو بعد ذهاب الصوت.
الاعراب فقلت فعل وفاعل عطف على تقول في البيت قبله وهو :
تقول حليلتي لما اشتكينا
سيدركنا بنو القوم الهجان
وادعي فعل أمر فاعله ضمير المخاطبة. وادعو فعل مضارع منصوب باضمار أن وفاعله ضمير المتكلم. وأندى إسم ان. ولصوت في محل نصب صفة أندى. وان مصدرية. وينادي فعل مضارع منصوب بأن. وداعيان فاعله. والجملة خبر إن (والشاهد فيه) انتصاب أدعو بان مضمرة. قال ابن يعيش ليكن منك أن تدعي وادعو. وادعو يروى ادع على الأمر بحذف اللام (والمعنى) قلت لهذه المرأة ينبغي أن يجتمع صوتي وصوتك في الاستغاثة فان أرفع صوت دعاء داعيين.
وبالرفع يعني زيارتك على كل حال فلتكن منك زيارة كقولهم دعني ولا أعود. وإن أردت الأمر أدخلت اللام فقلت ولأزرك. وإلا فلا محمل لأن تقول زرني وأزرك لأن الأول موقوف. وذكر سيبويه في قول كعب الغنوي :
وما أنا للشيء الذي ليس نافعي
ويغضب منه صاحبي بقؤول (2)
النصب والرفع. وقال الله تعالى : (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ ،) أي ونحن نقرّ.
1) نسبه هنا إلى ربيعة بن جشم. وقال ابن يعيش هو للأعشى. ويقال إنه للحطيئة. وعزاه ابن بري لدثار بن شيبان النمري.
2) الاعراب ما نافية. وأنا مبتدأ. وبقؤول خبره. والباء فيه زائدة. وللشيء متعلق بقؤول. والذي مبتدأ. وليس فعل ماض ناقص. واسمها ضمير يعود على الذي. ونافعي خبرها. والجملة في محل جزم صفة الشيء. ويغضب يجوز رفعه على انه داخل في صلة الذي أي والذي يغضب منه صاحبي. والنصب على انه معطوف على الشيء أو بالواو إن جعلت للمعية. وأنكر ابن الحاجب في أماليه على المفصل كون الواو للمعية. وقال انها للعطف وصاحبي فاعل يغضب (والشاهد فيه) جواز الوجهين السابقين في يغضب (والمعنى) لا أقول ما لا نفع لي فيه ولا ما يضر صاحبي ويؤذيه.
ويجوز ما تأتينا فتحدثنا الرفع على الإشتراك. كأنك قلت ما تأتينا فما تحدثنا ونظيره قوله تعالى : (وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ). وعلى الإبتداء كأنك قلت ما تأتينا فأنت تجهل أمرنا. ومثله قول العنبري :
غير أنّا لم تأتنا بيقين
فنرجيّ ونكثر التأميلا (1)
اللغة نرجي من الرجاء والتأميل مصدر أملته إذا رجوته.
الاعراب غير نصب على الاستثناء مما قبله. انا حرف توكيد ونصب. ولم حرف جازم. وتأتنا فعل مضارع مجزوم بلم. وفاعله ضمير المخاطب. ونا مفعوله. وبيقين متعلق به. والجملة خبر أن. وقوله فنرجي الفاء استئنافية. ونرجي فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة. وفاعله ضمير المتكلمين. ونكثر عطف عليه مثله. والتأميلا مفعول نكثر. وألفه للاطلاق (والشاهد فيه) انه قطع نرجي عن تأتنا ولو انه وصله به لحذف منه حرف العلة بالعطف على المجزوم.
أي فنحن نرجي. وقال :
ألم تسأل الرّبع القواء فينطق
وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق (2)
اللغة الربع الدار مطلقا. والقواء القفر. والبيداء كذلك. والسملق التي لا شيء فيها.
الاعراب الهمزة في ألم للاستفهام. ولم حرف شرط جازم. وتسأل فعل مضارع مجزوم بلم. فاعله ضمير المخاطب. والربع مفعوله. والقواء صفة الربع. وينطق قال الأعلم انه مرفوع على الاستئناف والقطع كأنه قال فهو ينطق ولو أمكنه النصب على الجواب لكان أحسن. ويخبرنك فعل مضارع ومفعول. والنون فيه نون التوكيد الخفيفة. واليوم نصب على الظرفية. وبيداء فاعل يخبر. وسملق صفة بيداء (والشاهد فيه) رفع ينطق على الاستئناف والقطع كما تقدم (والمعنى) ألم تسأل المنزل الخالي عن أهله. ثم أنكر ذلك على نفسه فقال وكيف يجيب السؤال أرض مقفرة لا شيء فيها.
1) نسبه هنا للعنبري وربما كان هو قريط بن أنيف. وقال البغدادي إنه من شواهد سيبويه التي لم يعرف لها قائل.
2) البيت مطلع قصيدة لجميل بن معمر العذري صاحب بثينة. وكان خرج إلى الشام ثم رجع وبلغ بثينة مقدمه فراسلته مع امرأة من نساء الحي تذكر شوقها اليه وواعدته بموضع يلتقيان فيه. فصار اليها وحادثها. وكان أهلها قد رصدوها فلما فقدوها خرج أبوها وأخوها حتى هجما عليهما. فوثب جميل وسل سيفه وشد عليهما فما اتقياه الا بالفرار وناشدته بثينة بالانصراف. وقالت ان أقمت فضحتني فلم تزل به حتى انصرف. وقال هذه القصيدة.
قال سيبويه لم يجعل الأول سبب الآخر ، ولكنه جعله ينطق على كل حال. كأنه قال فهو مما ينطق ، كما تقول ائتني فأحدثك ، أي فأنا ممن يحدثك على كل حال. وتقول ودّ لو تأتيه فتحدثه. والرفع جيد كقوله تعالى :
(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ). وفي بعض المصاحف فيدهنوا وقال ابن أحمر :
يعالج عاقرا أعيت عليه
ليلقحها فينتجها حوارا (1)
الاعراب يعالج فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى البعير. وعاقرا مفعوله وهو صفة موصوف محذوف أي ناقة عاقرا. وأعيت فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الناقة. وعليه متعلق بأعيت. والجملة في محل نصب صفة المفعول. ويلحقها فعل مضارع منصوب باللام. والفاعل ضمير يعود إلى البعير. والضمير المتصل مفعوله. وينتجها يجوز رفعه عطفا على يعالج أو على القطع والاستئناف. ونصبه عطفا على يلقحها وحوارا مفعول ينتجها (والشاهد فيه) رفع ينتجها على العطف على يعالج أو على الابتداء (والمعنى) ان هذه الناقة عاقر لا تلد فالفحل يطرقها مرة بعد أخرى لتحمل فتلد.
كأنه قال يعالج فينتجها. وإن شئت على الإبتداء.
وتقول أريد أن تأتيني ثم تحدثني ويجوز الرفع. وخير الخليل في قول عروة العذري :
وما هو إلا أن أراها فجاءة
فأبهت حتّى ما أكاد أجيب (2)
الاعراب ما نافية وهو مبتدأ يفسره خبره كقوله تعالى (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا). قال الزمخشري هذا ضمير لا يعلم ما يعنى به إلا بما يتلوه وأصله ان الحياة إلا حياتنا الدنيا وليس هو ضمير الشأن كما زعم الرضي وبعض شراح المفصل لأن ان لا بد وأن يفسر بجملة وليس هنا جملة فيفسر بها. وأما أن أراها فهو في تأويل المفرد لأن ان مصدرية لا مخففة كما ستراه من عبارة سيبويه. وأراها فعل مضارع. فاعله ضمير المتكلم. والضمير المتصل مفعوله وأرى هنا بصرية فلا تنصب غير مفعول واحد. وضبط في بعض نسخ المفصل بضم الهمزة فهو من أري المتعدي بالهمزة إلى مفعول ثان. فالمفعول الأول نائب الفاعل وهو ضمير المتكلم ، والثاني ضمير الغيبة. وفجاءة مفعول مطلق أي رؤية فجأة والمصدر المنسبك من أن مع مدخولها خبر المبتدأو قوله فأبهت يروى بالنصب عطفا على أراها من عطف المفرد أي إلا الرأي والبهت. والرفع على الاستئناف فهو خبر مبتدأ محذوف أي فأنا أبهت. وحتى هنا ابتدائية ومعناها الغاية. وما نافية. واكاد فعل مضارع ناقص. وضمير المتكلم اسمه.
وجملة أجيب خبره. ومفعول أجيب محذوف أي أجيبها (والشاهد فيه) أن أبهت يروى منصوبا ومرفوعا قال سيبويه : سألت الخليل عن قول الشاعر (وما هو الا أن أراها) فقال أنت بالخيار ان شئت حملتها على ان ، وان شئت لم تحملها فرفعت كأنك قلت ما هو الا الرأي فأبهت.
بين الرفع والنصب ، في فأبهت. ومما جاء منقطعا قول أبي اللحام التغلبي :
على الحكم المأتي يوما إذا قضى
قضيته أن لا يجور ويقصد (1)
الاعراب على الحكم خبر مقدم. والمأتي صفة الحكم. ويوما نصب على الظرفية. وإذا ظرفية. وقضى فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الحكم. وقضيته مفعوله. وان مصدرية. ولا نافية. ويجوز فعل مضارع منصوب بأن. وفاعله ضمير يعود إلى الحكم. والمصدر مبتدأ أي عدم الجور حق على الحكم. وجملة ويقصد خبر مبتدأ محذوف أي وهو يقصد (والشاهد فيه) انه قطع يقصد عن يجور ولو نصب على انه معطوف عليه لم يمتنع ذلك.
أي عليه غير الجور وهو يقصد ، كما تقول عليه أن لا يجور ، وينبغي
1) اللغة الحكم من يحكم بين الناس. والمأتي الذي يأتيه الناس للحكم بينهم. وقضيته قضاؤه. والجور الميل عن الحق وضده القصد.
له كذا. قال سيبويه : ويجوز الرفع في جميع هذه الحروف التي تشرك على هذا المثال.
تعمل فيه حروف واسماء ، نحو قولك لم يخرج ، ولما يحضر ، وليضرب ، ولا تفعل ، وإن تكرمني أكرمك ، وما تصنع أصنع بك ، وأيا تضرب أضرب ، وبمن تمرر أمر به.
ويجزم بأن مضمرة إذا وقع جوابا لأمر أو نهي أو استفهام أو تمن أو عرض ، نحو قولك أكرمني أكرمك ، ولا تفعل يكن خيرا لك ، وألا تأتني أحدثك ، وأين بيتك أزرك ، وألا ماء أشربه ، وليته عندنا يحدثنا ، وألا تنزل تصب خيرا. وجواز إضمارها لدلالة هذه الأشياء عليها. قال الخليل إن هذه الأوائل كلها فيها معنى إن فلذلك انجزم الجواب.
وما فيه معنى الأمر والنهي بمنزلتهما في ذلك تقول اتقى الله امرؤ وفعل خيرا يثب عليه ، معناه ليتق الله وليفعل خيرا ؛ وحسبك يتم الناس.
وحق المضمر أن يكون من جنس المظهر. فلا يجوز أن تقول : لا تدن
من الأسد يأكلك ، بالجزم ، لأن النفي لا يدل على الإثبات ، ولذلك امتنع الإضمار في النفي فلم يقل ما تأتينا تحدثنا ، ولكنك ترفع على القطع كأنك قلت : لا تدن منه فإنه يأكلك وان أدخلت الفاء ونصبت فحسن.
وإن لم تقصد الجزاء فرفعت كان المرفوع على أحد ثلاثة أوجه : اما صفة كقوله تعالى : (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي ،) أو حالا كقوله تعالى : (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ،) أو قطعا واستئنافا كقولك لا تذهب به تغلب عليه ، وقم يدعوك. ومنه بيت الكتاب :
وقال رائدهم أرسوا نزاولها (1)
اللغة الرائد المقدم. وارسوا أي أقيموا من أرسيت السفينة التي حبستها بالمرساة. ونزاول من المزاولة وهي المحاولة والحتف الموت.
الاعراب قال فعل ماض. ورائدهم فاعله. وارسوا فعل أمر فاعله جماعة المخاطبين. ونزاولها فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة. وضمير المتكلمين فاعل. والضمير المتصل مفعول وهو يعود إلى الحرب. والجملة في محل رفع خبر مبتدأ محذوف أي نحن نزاولها. وكل مبتدأ وجملة يجري بمقدار خبره. (والشاهد فيه) استئناف نزاولها وقطعه عن أرسو ولذلك رفعه قال سيبويه في الكتاب وتقول إئتني آتك فتجزم على ما وصفنا وإن شئت رفعت على أن لا تجعله معلقا ولكنك تبتدئه وتجعل الأول مستغنيا عنه أه (والمعنى) قال مقدم القوم لمن معه أقيموا نضرم نار الحرب ونعالجها فان موت كل أحد بمقدار لا يؤخره الإحجام ولا يعجله الإقدام.
ومما يحتمل الأمرين الحال والقطع قولهم : ذره يقول ذاك ، ومره يحفرها وقول الأخطل :
1) نسبه سيبويه في الكتاب للأخطل وليس هو في ديوان شعره الذي رأينا وتمامه. فكل حتف أمرىء يجري بمقدار.
كروا إلى حرّتيكم تعمرونهما (1)
اللغة كروا أي ارجعوا. والحرة أرض ذات حجارة سود وهي حرة بني سليم وثناها بحرة أخرى تجاورها.
الاعراب كروا فعل وفاعل. وإلى حرتيكم متعلق به. وتعمرونهما فعل مضارع مرفوع بثبوت النون. والواو فاعله والهاء مفعوله. وقوله كما الكاف للتشبيه وما مصدرية هي وما بعدها في تأويل مصدر مجرور أي ككر البقر. وتكر فعل مضارع والبقر فاعله وإلى أوطانها متعلق بتكر (والشاهد فيه) رفع تعمرونهما إما على الاستئناف وقطعه عما قبله وإما على الحال كأنه قال عامر بن أي مقدرين ذلك وصائرين إليه ولو أمكنه الجزم على الجواب لجاز (والمعنى) يعيرهم بنزول الحرة لحصانتها وامتناعها على طلابها ويقول ارجعوا إلى بلادكم فالاقامة فيها خير لكم من النزول هنا.
وقوله تعالى : (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً وَلا تَخْشى).
وتقول إن تأتني تسألني أعطك وإن تأتني تمشي أمش معك ، ترفع المتوسط. ومنه قول الحطيئة :
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره
تجد خير نار عندها خير موقد (2)
الاعراب متى اسم شرط جازم. وتأته مجزوم به وهو فعل وفاعل ومفعول. وتعشو فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب. وإلى ضوء ناره متعلق بتعشو. والجملة في محل نصب حال من الفاعل في تأته أي تأته عاشيا في الظلام. وتجد فعل الشرط مجزوم وخير نار مفعول تجد. وعندها خير موقد جملة ابتدائية في محل جر صفة نار.
(والشاهد فيه) انه رفع الفعل المتوسط بين فعل الشرط وجوابه وهو تعشو. (والمعنى) متى تأت هذا الممدوح وهو بغيض بن عامر عاشيا إلى ضوء ناره المضرمة ليلا تجد أنفع نار للدفء والأكل عند أفضل موقد لاكرام الضيفان واطعامهم.
وقال عبيد الله بن الحرّ :
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا
تجد حطبا جزلا ونارا تأججا (1)
الاعراب تأتنا فعل مضارع وفاعل ومفعول مجزوم بمتى. وتلمم بدل من تأتنا لأنه من جنسه. وتجد جواب الشرط. وحطبا مفعوله. وجزلا صفة حطب. ونارا عطف على حطبا. وتأجج فعل ماض. والفاعل ضمير يعود إلى النار وهي مؤنثة وقد تذكر. (والشاهد فيه) جزم تلمم على البدل من تأتنا.
فجزمه على البدل.
وتقول إن تأتيني آتك فأحدثك بالجزم ، ويجوز الرفع على الإبتداء.
وكذلك الواو وثم قال الله تعالى : (مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ.)
وقرىء ويذرهم بالجزم وقال تعالى : (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ ،) وقال : (وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ).
وسأل سيبويه الخليل عن قوله تعالى : (رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ) مِنَ الصَّالِحِينَ فقال هذا كقول عمرو بن معد يكرب :
دعني فأذهب جانبا
يوما وأكفك جانبا (2)
الاعراب دعني فعل أمر وفاعل ومفعول. واذهب منصوب بأن بعد فاء السببية. وفاعله ضمير المتكلم. وجانبا نصب على الظرفية. ويوما مثله. وقوله واكفك عطف على اذهب وهو مجزوم في جواب الأمر على توهم سقوط الفاء من المعطوف عليه. وجانبا مفعول ثان لاكفك (والشاهد فيه) انه عطف اكفك مجزوما على جواب الأمر المنصوب وهو فاذهب على توهم سقوط فاء السببية (والمعنى) اتركني اذهب في جانب من الأرض واكفك جانبا من الجواب التي تتوجه إليها.
وكقوله :
بدالي أني لست مدرك ما مضي
ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (1)
الاعراب بدا فعل ماض. ولي متعلق به في محل نصب مفعوله. واني حرف توكيد ونصب. والياء اسمها. وليس فعل ماض ناقص. والتاء اسمها. ومدرك خبرها. وما موصولة في محل جر بالاضافة. ومضى فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الذي. والجملة من ليس واسمها وخبرها خبر أن. والمصدر المنسبك من أن واسمها وخبرها فاعل بدا. وقوله ولا سابق جر بالعطف على مدرك على توهم الباء فيه لكثرة دخول الباء في خبر ليس. وشيئا مفعول سابق. وفاعله الضمير المستتر فيه. وإذا ظرفية. وكان ناقصة واسمها ضمير يعود إلى الشيء. وجائيا خبرها وجواب إذا يدل عليه السياق (والشاهد فيه) جر سابق بالعطف على مدرك لتوهم دخول الباء عليه كما سبق.
أي كما جروا الثاني لأن الأول قد تدخله الباء فكأنها ثابتة فيه فكذلك جزموا ، الثاني لأن الأول يكون مجزوما ولا فاء فيه فكأنه مجزوم.
وتقول والله إن أتيتني لا أفعل كذا بالرفع ، وأنا والله إن تأتيني لا آتك بالجزم ، لأن الأول لليمين والثاني للشرط.
1) اضطرب سيبويه في قائله فتارة ينسبه لزهير وتارة ينسبه لابن خلف. قال الأعلم الشنتمري النحوي في شرح ديوان زهير وقد أنكر الأصمعي أن تكون هذه القصيدة من شعر زهير. قال ومن قرأ شعر زهير علم انها ليست منه.
وهو الذي على طريقة المضارع للفاعل المخاطب لا تخالف بصيغته صيغته ، إلا أن تنزع الزائدة فتقول : في تضع ضع ، وفي تضارب ضارب ، وفي تدحرج دحرج ، ونحوها مما أوله متحرك ؛ فإن سكن زدت همزة وصل لئلا يبتدأ بالساكن ، فتقول في تضرب إضرب ، وفي تنطلق وتستخرج إنطلق وإستخرج ، والأصل في تكرم تأكرم كتدحرج فعلى ذلك خرج أكرم.
وأما ما ليس للفاعل فإنه يؤمر بالحرف داخلا على المضارع دخول لا ولم ، كقولك لتضرب أنت ، وليضرب زيد ، ولأضرب أنا. وكذلك ما هو للفاعل وليس بمخاطب كقولك ليضرب ريد ولأضرب أنا.
وقد جاء قليلا أن يؤمر الفاعل على المخاطب بالحرف ومنه قراءة النبي صلّى الله عليه وسلّم (فبذلك فلتفرحوا).
وهو مبني على الوقف عند أصحابنا البصريين. وقال الكوفيون هو مجزوم باللام مضمرة وهذا خلف من القول.
فالمتعدي على ثلاثة أضرب : متعد إلى مفعول به وإلى اثنين وإلى ثلاثة. فالأول نحو قولك ضربت زيدا ، والثاني كسوت زيدا جبة ، وعلمت زيدا فاضلا. والثالث نحو أعلمت زيدا عمرا فاضلا وغير المتعدي ضرب واحد وهو ما تخصص بالفاعل كذهب زيد ومكث وخرج ونحو ذلك.
وللتعدية أسباب ثلاثة : وهي الهمزة وتثقيل الحشو وحرف الجر. تتصل ثلاثتها بغير المتعدي فتصيره متعديا ، وبالمتعدي إلى مفعول واحد فتصيره ذا مفعولين : نحو قولك أذهبته ، وفرّحته ، وخرجت به ، وأحفرته بئرا ، وعلمته القرآن ، وغصبت عليه الضيعة. وتتصل الهمزة بالمتعدي إلى اثنين فتنقله إلى ثلاثة نحو أعلمت.
والأفعال المتعدية إلى ثلاثة على ثلاثة أضرب : ضرب منقول بالهمزة عن المتعدي إلى مفعولين ، وهو فعلان : أعلمت وأريت ، وقد أجاز الأخفش
أظننت وأحسبت وأخلت وأزعمت. وضرب متعد إلى مفعول واحد وقد أجري مجرى أعلمت لموافقته له في معناه فعدى تعديته ، وهو خمسة أفعال : أنبأت ونبّئت وأخبرت وخبرت وحدثت. قال الحارث بن حلّزة :
فمن حدّثتموه له علينا العلاء (1)
ان منعتم ما تسألون فمن
حدثتموه له علينا العلاء
وهو للحارث بن حلزة من معلقته المشهورة. والحلزة بكسر الحاء فلام مكسورة مشددة أمه قيل لها ذلك لبخلها والحلزة البخيلة.
الاعراب ان حرف شرط جازم. ومنعتم فعل وفاعل. وما موصولة في محل نصب مفعول منعتم. وتسألون فعل مضارع صلة الموصول. والواو نائب الفاعل. والعائد محذوف أي تسألونه. وقوله فمن الفاء في جواب الشرط. ومن اسم استفهام مبتدأ. وحدثتموه فعل ماض مبني للمجهول. والتاء نائب الفاعل. أقيم مقام المفعول الأول والهاء مفعوله الثاني. وله علينا العلاء جملة إسمية في محل نصب مفعول ثالث. والجملة من الفعل ومفعولاته خبر المبتدأ وهو من. (والشاهد فيه) صحة تعدية حدث إلى ثلاثة مفعولين كما رأيت (والمعنى) ان منعتمونا ما سألناكم إياه من الانصاف فمن حدثتم عنه انه قهرنا واستذلنا يريد انكم ان لم تبذلوا لنا ما نطلبه منكم اختيارا أخذناه منكم قسرا.
وضرب متعد إلى مفعولين وإلى الظرف المتسع فيه كقولك : أعطيت عبد الله ثوبا اليوم ، وسرق زيد عبد الله الثوب الليلة ، ومن النحويين من أبى الإتساع في الظرف في الأفعال ذات المفعولين.
والمتعدي وغير المتعدي سيان في نصب ما عدا المفعول به من المفاعيل الأربعة ، وما ينصب بالفعل من الملحقات بهن ، كما تنصب ذلك بنحو ضرب وكسا وأعلم تنصبه بنحو ذهب وقرب.
1) هذا قطعة من البيت وتمامه :
هو ما استغنى عن فاعله فأقيم المفعول مقامه وأسند إليه معدولا عن صيغة فعل إلى فعل ، ويسمى فعل ما لم يسم فاعله. والمفاعيل سواء في صحة بنائه لها ، إلا المفعول الثاني في باب علمت ، والثالث في باب أعلمت ، والمفعول له والمفعول معه. تقول ضرب زيد ، وسير سير شديد ، وسير يوم الجمعة ، وسير فرسخان.
وإذا كان للفعل غير مفعول فبني لواحد بقي ما بقي على انتصابه كقولك أعطي زيد درهما ، وعلم أخوك منطلقا ، وأعلم زيد عمرا خير الناس.
وللمفعول به المتعدي إليه بغير حرف من الفضل على سائر ما بني له أنه متى ظفر به في الكلام فممتنع أن يسند إلى غيره ، تقول دفع المال إلى زيد ، وبلغ بعطائك خمسمائة ، برفع المال وخمس المائة. ولو ذهبت تنصبهما مسندا إلى زيد وبعطائك قائلا دفع إلى زيد المال وبلغ لعطائك خمسمائة ، كما تقول منح زيد المال وبلغ عطاؤك خمسمائة ، خرجت عن كلام العرب. ولكن إن قصدت الإقتصار على ذكر المرفوع إليه والمبلوغ به قلت دفع إلى زيد وبلغ بعطائك ؛ وكذلك لا تقول ضرب زيدا ضرب شديد ولا يوم الجمعة ولا أمام الأمير ؛ بل ترفعه وتنصبها. وأما سائر المفاعيل
فمستوية الأقدام لا تفاضل بينها إذا اجتمعت في الكلام في أن البناء لأيها شئت صحيح غير ممتنع : تقول استخف بزيد استخفافا شديدا يوم الجمعة أمام الأمير ، إن أسندت إلى الجار مع المجرور ، ولك أن تسند إلى يوم الجمعة أو إلى غيره وتترك ما عداه منصوبا.
ولك في المفعولين المتغايرين أن تسند إلى أيهما شئت تقول أعطي زيد درهما ، وكسي عمرو جبة ، وأعطي درهم زيدا ، وكسيت جبة عمرا إلا أن الإسناد إلى ما هو في المعنى فاعل أحسن وهو زيد ، لأنه عاط وعمرو لأنه مكسوّ.
وهي سبعة : ظننت وحسبت وخلت وزعمت وعلمت ورأيت ووجدت ، إذا كن بمعنى معرفة الشيء على صفة. كقولك علمت أخاك كريما ، ووجدت زيدا ذا الحفاظ ، ورأيته جوادا ، تدخل على الجملة من المبتدأ والخبر إذا قصد إمضاؤها على الشك أو اليقين ، فتنصب الجزئين على المفعولين وهما على شرائطهما وأحوالهما في أصلهما.
ويستعمل أريت استعمال ظننت ، فيقال أريت زيدا منطلقا ، وأرى عمرا ذاهبا ، وأين ترى بشرا جالسا. ويقولون في الإستفهام خاصة : متى تقول زيدا منطلقا؟ وأتقول عمرا ذاهبا؟ وأكل يوم تقول عمرا منطلقا؟ بمعنى أتظن. وقال الشاعر :
أجهالا تقول بني لؤيّ
لعمر أبيك أم متجاهلينا (1)
أنوّاما تقول بني لؤي
لعمر أبيك أم متناومينا
اللغة جهال من الجهل وهو ضد الحلم. وبنو لؤي جمهور قريش. والمتجاهل من يظهر الجهل وليس بجاهل.
الاعراب الهمزة للاستفهام وجهالا مفعول ثان لقوله تقول. وتقول بمعنى تظن تنصب مفعولين. وفاعلهما ضمير المخاطب. وبني لؤي مفعولها الأول. ولعمر أبيك خبر مبتدأ محذوف وجوبا أي قسمي. وجواب القسم محذوف أي لتخبرني بما سألتك عنه وإنما حذف للعلم به. وقوله أم متجاهلينا عطف على جهالا (والشاهد فيه) استعمال تقول بمعنى تظن بعد الاستفهام (والمعنى) أتظن بني لؤي حين استعملوا اليمانيين في ولاياتهم وفضلوهم على المضربين مع علمهم بأن المضربين أفضل منهم وأصلح للولاية جهالا لا يعلمون أو متجاهلين ذلك.
1) نسبه سيبويه للكميت بن زيد الأسدي من أبيات يهجو بها الأعور الكلبي. وكان قد هجا مضر ومدح أهل اليمن. وأنكر بعض الفضلاء ذلك وقال ان بيت الكميت :
وقال عمر بن أبي ربيعة :
أما الرحيل فدون بعد غد
فمتى تقول الدار تجمعنا (1)
وبنو سليم يجعلون باب قلت أجمع مثل ظننت.
ولها ما خلا حسبت وخلت وزعمت معان أخر لا يتجاوز عليها مفعولا واحدا. وذلك قولك ظننته من الظنة وهي التهمة ، ومنه قوله عز وجل : (وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ). وعلمته بمعنى عرفته ورأيته بمعنى أبصرته ، ووجدت الضالة إذا أصبتها ، وكذلك أريت الشيء بمعنى بصرته أو عرفته ، ومنه قوله عز وجل : (وَأَرِنا مَناسِكَنا) وأتقول إن زيدا منطلق أي أتفوه بذلك.
ومن خصائصها أن الإقتصار على أحد المفعولين في نحو كسوت
1) الاعراب أما للتفصيل والشرط. والرحيل مبتدأ ودون بعد غد خبره. والفاء في جواب الشرط ومتى اسم استفهام مبتدأ. وتقول فعل وفاعل بمعنى تظن. والدار مفعول أول. وجملة تجمعنا مفعول ثان وجملة تقول الدار الخ خبر المبتدأ. (والشاهد فيه) كالذي في سابقه (والمعنى) يقول لرفيقه ان رحيل الأحبة غدا فمتى تظن الدار تجمعنا بهم.
وأعطيت مما تغاير مفعولاه غير ممتنع. تقول أعطيت درهما ولا تذكر من أعطيته ، وأعطيت زيدا ولا تذكر ما أعطيته. وليس لك أن تقول حسبت زيدا ولا منطلقا وتسكت ، لفقد ما عقدت عليه حديثك. فأما المفعولان معا فلا عليك أن تسكت عنهما في البابين. قال الله تعالى : (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ ،) وفي أمثالهم : من يسمع يخل. وأما قول العرب ظننت ذاك ، فذاك إشارة إلى الظن. كأنهم قالوا ظننت فاقتصروا ، وتقول ظننت به إذا جعلته موضع ظنك كما تقول ظننت في الدار. فإن جعلت الباء زائدة بمنزلتها في ألقى بيده لم يجز السكوت عليه.
ومنها أنها إذا تقدمت أعملت ويجوز فيها الإعمال والإلغاء متوسطة أو متأخرة قال :
أبا لأراجيز يا ابن اللؤم توعدني
وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور (1)
اللغة الأراجيز جمع أرجوزة بمعنى الرجز وهو ضرب من الشعر. واللؤم عبارة عن دناءة النفس. وضعة النسب والخور الضعف ورواه الجاحظ في كتاب الحيوان. وفي الأراجيز خلت اللؤم والفشل.
الاعراب الهمزة للاستفهام التوبيخي. وبالأراجيز متعلق بتوعدني. وتوعدني فعل وفاعل ومفعول. وقوله يا ابن اللؤم حرف نداء ومنادى مضاف منصوب. وفي الأراجيز خبر مقدم. واللؤم مبتدأ مؤخر. والخور عطف عليه. وخلت متعرض بين المبتدأ والخبر. ولو نصبا على المفعولية لجاز. وكان الظرف حينئذ في محل النصب مفعولا ثانيا (والشاهد فيه) الغاء خلت حين توسطت بين معموليها.
ويلغى المصدر إلغاء الفعل فيقال متى زيد ظنك ذاهب ، وزيد ظني مقيم ، وزيد أخوك ظني. وليس ذلك في سائر الأفعال.
ومنها إنها تعلق وذلك عند حروف الإبتداء والإستفهام والنفي كقولك
1) هو للعين المنقري واسمه منازل بن زمعة من قصيدة يهجو بها رؤبة بن العجاج.
ظننت لزيد منطلق ، وعلمت أزيد عندك أم عمرو وأيهم في الدار؟ وعلمت ما زيد بمنطلق. ولا يكون التعليق في غيرها.
ومنها أنك تجمع فيها بين ضميري الفاعل والمفعول فتقول علمتني منطلقا ، ووجدتك فعلت كذا ، ورآه عظيما. وقد أجرت العرب عدمت وفقدت مجراها فقالوا عدمتني وفقدتني. وقال جران العود :
لقد كان لي عن ضرتين عدمتني
وعما ألاقي منهما متزحزح (1)
خذا حذرا يا جارتي فانني
رأيت جران العود قد كاد يصلح.
أراد بجران العود سوطا قده من جلد بعير نحره وهو أصلب ما يكون من السياط وأشدها.
الاعراب اللام في لقد موطئة للقسم. وكان ناقصة. ولي خبرها مقدم. ومتزحزح اسمها. وعن ضرتين متعلق بمتزحزح. وكذلك عما ألاقي منهما. وعدمتني جملة من فعل وفاعل ومفعول معترضة بين خبر كان وإسمها (والشاهد فيه) انه استعمل عدمتني كافعال القلوب فجمع فيه بين ضمير الفاعل وضمير المفعول (والمعنى) لقد كان لي متزحزح عن الجمع بين ضرتين بأن لا أجمع بين ثنتين لو كنت أعلم بالذي سينالني من أذاهما وشرورهما.
ولا يجوز ذلك في غيرهما فلا تقول شتمتني ولا ضربتك ، ولكن شتمت نفسي وضربت نفسك.
1) جران العود لقبه واسمه المستورد وقيل عامر وإنما لقب بذلك لقوله يخاطب زوجتيه :
وهي كان وصار وأصبح وأمسى وأضحى وظل وبات وما زال وما برح وما انفك وما فتىء وما دام وليس. يدخلن دخول أفعال القلوب على المبتدأ والخبر ، إلا أنهن يرفعن المبتدأ وينصبن الخبر. ويسمى المرفوع إسما ، والمنصوب خبرا. ونقصانهن من حيث أن نحو ضرب وقتل كلام متى أخذ مرفوعه ، وهؤلاء ما لم يأخذن المنصوب مع المرفوع لم يكن كلاما.
ولم يذكر سيبويه منها إلا كان وصار وما دام وليس ، ثم قال وما كان نحوهن من الفعل مما لا يستغني عن الخبر. ومما يجوز أن يلحق بها عاد وآض وغدا وراح. وقد جاء بمعنى صار في قول العرب ما جاءت حاجتك ، ونظيره قعد في قول الأعرابي : أرهف شفرته حتى قعدت كأنها حربة.
وحال الإسم والخبر مثلهما في باب الإبتداء من أن كون المعرفة إسما والنكرة خبرا حد الكلام. ونحو قول القطامي :
ولا يك موقف منك الوداعا (1)
اللغة ضباع مرخم ضباعة وهي بنت زفر بن الحارث خاطبها لأنه كان أسيرا في بيت أبيها.
الاعراب قفي فعل أمر فاعله ضمير المخاطبة. وقبل نصب على الظرفية. والتفرق جر بالاضافة إليه. ويا أداة نداء. وضباع منادى مرخم أبقى فتحة العين انتظارا للمحذوف. ولا ناهية. وبك فعل مضارع مجزوم بها. وموقف اسم يك والوداع خبرها (والشاهد فيه) انه جعل موقفا اسم يك والوداع خبرها والحق العكس إلا أنه لما أمن الالتباس قلب الأمر (والمعنى) قفي قبل السفر لنودعك ثم ذكر ما سيلاقيه بعد رحيلها من وحشة فراقها فقال ولا يك موقف منك الوداعا أي لا يك موقف الوداع موقفا لك.
وقول حسان :
يكون مزاجها عسل وماء (2)
اللغة السبيئة الخمر لأنها تسبأ أي تشترى. وبيت رأس اسم قرية بالشام تباع بها الخمور وبها ماتت حبابة جارية يزيد بن عبد الملك فمات غما عليها بعد بضع عشرة يوما من موتها.
الاعراب سبيئة اسم كأن. ومن بيت رأس في محل نصب صفة سبيئة. ويكون فعل مضارع ناقص. ومزاجها خبر مقدم. وعسل اسمها مؤخر. وماء عطف على عسل. ويروى مزاجها بالرفع وأول بزيادة يكون وكون ما بعدها مبتدأ وخبرها (والشاهد فيه) انه عكس فقدم خبر يكون على اسمها.
وبيت الكتاب :
أظبيّ كان أمّك أم حمار (3)
الاعراب ان حرف توكيد ونصب والكاف اسمها. ولا نافية. وتبالي فعل مضارع وفاعله ضمير المخاطب. وبعد نصب على الظرفية. وحول جر بالاضافة إليه. وكان ناقصة. واسمها ضمير يعود إلى الظبي. وأمك خبرها. وظبي اسم كان المضمرة المدلول عليها بكان المذكورة. وخبرها محذوف أيضا مدلول عليه بخبر المذكورة (والشاهد فيه) كالذي في سابقه.
1) صدره. قفي قبل التفرق يا ضباعا. والبيت له من قصيدة طويلة يمدح بها زفر بن الحارث وكان بنو أسد أحاطوا به في نواحي الجزيرة وأسروه يوم الخابور وأرادوا قتله فحال زفر بينهم وبينه وحماه منهم فقال ذلك يمدحه.
2) صدره. كأن سبيئة من بيت رأس. وهو من أبيات كثيرة يمدح بها النبي صلّى الله عليه وسلّم ويرد على أبي سفيان بن الحارث وكان هجا النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل إسلامه.
3) صدره. فانك لا تبالي بعد حول. وهو لثروان بن فزارة العامري.
من القلب الذي يشجع عليه أمن الإلتباس. ويجيئان معرفتين معا ، ونكرتين. ويجيء الخبر جملة ومفردا بتقاسيمها.
وكان على أربعة أوجه ناقصة كما ذكر ، وتامة بمعنى وقع ووجد ، كقولهم كانت الكائنة والمقدور كائن ، وقوله تعالى : (كُنْ فَيَكُونُ.) وزائدة في قولهم إن من أفضلهم كان زيدا وقال :
جياد بني أبي بكر تسامى
على كان المسوّمة العراب (1)
اللغة الجياد يروي بدله السراة وهم الأشراف والخيار. وتسامى أي ترتفع والمسومة المعلمة. ويروى بدله المطهمة والمطهم التام الخلقة من جميع الحيوان. والعراب العربية.
الاعراب جياد مبتدأ. وبني أبي بكر جر بالاضافة إليه. وتسامى فعل مضارع أصله تتسامي حذفت إحدى تاءيه وفاعله ضمير يعود إلى الجياد. والجملة خبر المبتدأ. وعلى حرف جر. وكان زائدة. والمسومة مجرور بعلى. والعراب صفة المسومة (والشاهد فيه) زيادة كان في البيت (والمعنى) جياد هؤلاء القوم تفوق وتفضل الخيل المسومة أو المطهمة العربية.
ومن كلام العرب : ولدت فاطمة بنت الخرشب الكلمة من بني عبس لم يوجد كان مثلهم. والتي فيها ضمير الشأن وقوله عز وجل : (لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ) يتوجه على الأربعة وقيل في قوله :
بنيهاء قفر والمطيّ كأنها
قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها (2)
اللغة التيهاء الصحراء والقفر الخالية والحزن الأرض الصلبة.
الاعراب بتيهاء يتعلق بأبيتن في البيت قبله وهو :
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
صحيح السرى والعيس تجري غروضها
وقفر صفة تيهاء. والمطي مبتدأ. وكأنها حرف توكيد ونصب. والهاء اسمها. وقطا الحزن خبرها. وجملة ان واسمها وخبرها خبر المبتدأ. وقد حرف تحقيق. وكانت بمعنى صارت. وفراخا خبرها. وبيوضا اسمها. والجملة في محل رفع صفة قطا (والشاهد فيه) أن كان بمعنى صار. (والمعنى) يصف إبلا بسرعة السير يقول هي في سرعة السير كالقطا التي تركت بيوضا صارت افراخا فهي تطير بسرعة لتصل إلى افراخها.
أن كان فيه بمعنى صار.
ومعنى صار الإنتقال وهو على ذلك على استعمالين : أحدهما كقولك صار الفقير غنيا والطين خزفا. والثاني صار زيد إلى عمرو ، ومنه كل حي صائر إلى الزوال.
وأصبح وأمسى وأضحى على ثلاثة معان : أحدها أن يقرن مضمون الجملة بالأوقات الخاصة التي هي الصباح والمساء والضحى على طريقة كان. والثاني أن تفيد معنى الدخول في هذه الأوقات كأظهر وأعتم ، وهي في هذا الوجه تامة يسكت على مرفوعها. قال عبد الواسع بن أسامة :
ومن فعلاتي أنني حسن القري
إذا الليلة الشهباء أضحى جليدها (1)
الاعراب من فعلاتي مبتدأ. وانني حرف توكيد ونصب. والياء اسمها. وحسن القرى خبرها. والجملة خبر المبتدأ. والليلة مبتدأ. والشهباء صفتها. وأضحى فعل ماض. وجليدها فاعله. والجملة خبر المبتدأ (والشاهد فيه) وقوع أضحى تامة بمعنى الدخول في وقت الضحى (والمعنى) بعض أفعالى الجميلة أنني أحسن قرى الضيوف إذا اشتد البرد وكثر الثلج واقشعر وجه الأرض.
1) اللغة الفعلات الأفعال الكريمة. والليلة الشهباء كثيرة البرد والثلج والجليد الثلج.
والثالث أن يكون بمعنى صار كقولك : أصبح زيد غنيا وأمسى أميرا وقال عدي بن زيد :
ثم أضحوا كأنهم ورق ج
فّ فألوت به الصبّا والدّبور (1)
الاعراب أضحوا فعل ماض ناقص. والواو اسمها. وكان حرف توكيد ونصب. والهاء اسمها. وورق خبرها. وجف فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الورق. والجملة في محل رفع صفة ورق. وقوله فألوت عطف على جف. والصبا فاعله. والدبور عطف عليه وبه يتعلق.
وألوت في محل نصب مفعول. (والشاهد فيه) أن أضحوا بمعنى صاروا (والمعنى) ان هؤلاء الملوك الذين ذكرهم في الأبيات السابقة أبادتهم صروف الأيام وفرقت جماعتهم فصاروا كأنهم ورق شجر يبس ففرقته أيدي الرياح.
وظل وبات على معنيين : أحدهما اقتران مضمون الجملة بالوقتين الخاصين على طريقة كان. والثاني كينونتهما بمعنى صار ، ومنه قوله تعالى : (وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ).
والتي أوائلها الحرف النافي في معنى واحد وهو استمرار الفعل بفاعله في زمانه ؛ ولدخول النفي فيها على النفي جرت مجرى كان في كونها للإيجاب ، ومن ثم لم يجز ما زال زيد إلا مقيما ، وخطىء ذو الرمة في قوله :
حراجيج ما تنفك إلا مناخة (2)
اللغة حراجيج جمع حرجوج وهي الناقة الضامرة. والخسف الجوع وهو أن تبيت على غير علف.
الاعراب حراجيج صفة معرقة الا لحي في البيت قبله وهو :
فيامي ما أدراك أين مناخنا
معرقة الا لحي بمانية سجرا
وما نافية. وتنفك فعل مضارع. اسمها ضمير يعود إلى الناقة. وإلا زائدة. ومناخة خبر تنفك. وعلى الخسف يتعلق بمناخة. وترمى فعل مضارع مبني للمجهول. وبها نائب الفاعل. وبلدا ظرف للرمي. وقفرا صفة بلد. (والشاهد فيه) انه وصل الاستثناء بخبر تنفك وهو غلط وقد أجيب عنه بأجوبة أحسنها جعل إلا زائدة وهو الذي جرينا عليه في الاعراب (والمعنى) أن هذه الإبل ما تنفك مناخة على الجوع أو سائرة في الأراضي القفرة يريد أنها لا تخلو من أحد هذين الأمرين.
وتجيء محذوفا منها حرف النفي ، قالت امرأة سالم بن قحفان :
تزال حبال مبرمات أعدّها (1)
اللغة مبرمات محكمات وأعدها أهيئها.
الاعراب تزال فعل مضارع. وحبال اسم تزال. ومبرمات صفة حبال. وأعدها فعل وفاعل ومفعول. والجملة خبر تزال. وجملة تزال مع النفي المقدر جواب القسم في البيت قبله وهو :
حلفت يمينا يا ابن قحفان بالذي
تكفل بالأرزاق في السهل والجبل
ولها متعلق بأعدها والضمير فيه للإبل. وما مصدرية ظرفية. ومشى فعل ماض. وجمل فاعله وعلى خفه متعلق بمشى (والشاهد فيه) حذف حرف النفي من تزال (والمعنى) حلفت يمينا لا أزال أعد الحبال للجمال وأهيئها لها وكان زوجها كريما يهب الجمال فقال لها يوما عليّ الجمال وعليك الحبال فأنشدته ذلك.
وقال امرؤ القيس :
فقلت لها والله أبرح قاعدا (2)
الاعراب قلت فعل وفاعل. ولها متعلق بقلت في محل نصب على المفعولية. ويمين نصب بفعل محذوف. وأبرح فعل مضارع ضمير المتكلم اسمه. وقاعدا خبره. ولو شرطية. وقطعوا فعل وفاعل. ورأسي مفعوله. ولديك ظرف. وأوصالي عطف على رأسي. (والشاهد فيه) كالذي في سابقه.
وقال :
تنفك تسمع ما حييت بهالك حتى تكونه (1)
الاعراب تنفك فعل مضارع. واسمه ضمير المخاطب. وتسمع فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب. والجملة في محل نصب خبر تنفك. وما مصدرية وحييت فعل ونائب الفاعل. وبهالك متعلق بتسمع على حذف مضاف أي بخبر هالك. وحتى بمعنى إلى. وتكونه فعل مضارع. والضمير المستتر اسمه. والمتصل خبره. والضمير للهالك باعتبار لفظه دون معناه لأن السامع غير المسموع (والشاهد فيه) كالذي في سابقه (والمعنى) لا تزال تسمع مات فلان ومات فلان حتى تكون الهالك.
وفي التنزيل : (تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ).
وما دام توقيت للفعل في قولك أجلس ما دمت جالسا ، كأنك قلت : اجلس دوام جلوسك ، نحو قولهم آتيك خفوق النجم ومقدم الحاج ، ولذلك كان مفتقرا إلى أن يشفع بكلام لأنه ظرف لا بد له مما يقع فيه.
وليس معناه نفي مضمون الجملة في الحال ، تقول ليس زيد قائما الآن ، ولا تقول ليس زيد قائما غدا. والذي يصدّق أنه فعل لحوق الضمائر وتاء التأنيث ساكنة به وأصله ليس كصيد البعير.
وهذه الأفعال في تقديم خبرها على ضربين : فالتي في أوائلها ما يتقدم خبرها على اسمها لا عليها ، وما عداها يتقدم خبرها على اسمها وعليها.
1) البيت لخليفة بن براز من شعراء الجاهلية.
وقد خولف في ليس فجعل من الضرب الأول والأول هو الصحيح.
وفضل سيبويه في تقديم الظرف وتأخيره بين اللغو منه والمستقر ، فاستحسن تقديمه إذا كان مستقرا نحو قولك ما كان فيها أحد خير منك ، وتأخيره إذا كان لغوا نحو قولك ما كان أحد خيرا منك فيها ، ثم قال : وأهل الجفاء يقرؤون ولم يكن كفؤا له أحد.
منها عسى ولها مذهبان : أحدهما أن تكون بمنزلة قارب ، فيكون لها مرفوع ومنصوب ، إلا أن منصوبها مشروط فيه أن يكون أن مع الفعل متأولا بالمصدر. كقولك عسى زيد أن يخرج ، في معنى قارب زيد الخروج. قال الله تعالى : (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ). والثاني أن يكون بمنزلة قرب ، فلا يكون لها إلا مرفوع ، إلا أن مرفوعها أن مع الفعل في تأويل المصدر كقولك : عسى أن يخرج زيد ، في معنى قرب خروجه ، قال الله تعالى : (وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ).
ومنها كاد ولها اسم وخبر. وخبرها مشروط فيه أن يكون فعلا مضارعا متأولا باسم الفاعل كقولك كاد زيد يخرج. وقد جاء على الأصل :
وما كدت آيبا (1)
1) هذا قطعة من بيت لتأبط شرا ثابت بن جابر وقد تقدم الكلام عليه في فعل المضارع والشاهد فيه في الموضعين واحد.
كما جاء : عسى الغوير أبؤسا
وقد شبه عسى بكاد من قال :
عسى الكرب الذي أمسيت فيه
يكون وراءه فرج قريب (1)
الاعراب عسى فعل ماض. والكرب اسمها. والذي اسم موصول. وأمسيت فيه صلتها. والجملة صفة الكرب. ويكون فعل مضارع إما من كان الناقصة أو من كان التامة. وعلى الأول فيكون وراءه خبرها وفرج قريب اسمها. وعلى الثاني ففاعلها ضمير يعود إلى الكرب وفرج مبتدأ خبره الظرف. والجملة حالية (والشاهد فيه) استعمال عسى استعمال كاد في أن خبره مضارع بغير أن.
وكاد بعسى من قال :
قد كاد من طول البلى أن يمصحا (2)
اللغة الربع الدار حيث كانت. وعفا اندرس وامحى أصله انمحى وهو مطاوع محى ويمصح مضارع مصح أي ذهب وانقطع.
الاعراب ربع مبتدأ. ومحاه الدهر جملة من فعل وفاعل ومفعول خبر المبتدأ. وطولا تمييز أي محاه الدهر من طوله. وامحى فعل ماض. فاعله ضمير يعود إلى الربع. وكاد فعل ماض ناقص. واسمه ضمير فيه يعود إلى الربع. وأن مصدرية. ويمصح فعل مضارع منصوب بأن. وفاعله ضمير يعود إلى الربع. والجملة خبر كاد. ومن طول البلى متعلق بيمصح (والشاهد فيه) اجراء كاد مجرى عسى في مجيء خبرها فعلا مقرونا بأن.
وللعرب في عسى ثلاثة مذاهب : أحدها أن يقولوا عسيت أن تفعل كذا ، وعسيتما إلى عسيتن ، وعسى زيد أن يفعل كذا ، وعسيا إلى عسين ، وعسيت وعسينا. والثاني أن لا يتجاوزوا عسى أن يفعل وعسى أن يفعلا وعسى أن يفعلوا. والثالث أن يقولوا عساك أن تفعل كذا إلى عساكن ، وعساه
أن يفعل إلى عساهن ، وعساني أن أفعل ، وعسانا أن نفعل.
وتقول كاد يفعل إلى كدن ، وكدت إلى كدتن ، وكدت أفعل ، وكدنا نفعل. وبعض العرب يقولون كدت بالضم.
والفصل بين معنيي عسى وكاد أن عسى لمقاربة الأمر على سبيل الرجاء والطمع ، تقول عسى الله أن يشفي مريضي ، تريد أن قرب شفائه مرجو من عند الله تعالى مطموع فيه ؛ وكاد لمقاربته على سبيل الوجود والحصول ، تقول كادت الشمس تغرب ، تريد أن قربها من الغروب قد حصل.
وقوله عز وجل : (إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها) على نفي مقاربة الرؤية ، وهو أبلغ من نفي نفس الرؤية. ونظيره قول ذي الرّمة :
إذا غيّر النأي المحبين لم يكد
رسيس الهوى من حب ميّة يبرح (1)
الاعراب إذا ظرفية شرطية. وغير فعل ماض. والنأي فاعله. والمحبين مفعوله. ويكد فعل مضارع مجزوم بلم. ورسيس الهوى اسم يكد. ومن حب مية متعلق بمحذوف صفة الهوى. ويبرح فعل مضارع جواب الشرط. وانما حرك بالرفع لمكان القافية. وفاعله ضمير يعود إلى رسيس الهوى. والجملة خبر يكد. وجملة لم يكد جواب إذا. (والشاهد فيه) انه ينفي بلم يكد مقاربة الفعل وان في هذا مبالغة عن نفي الفعل نفسه كما نفى هنا مقاربة زوال رسيس الهوى من حب مية ليدل بذلك على فضل تمكن حبها من قلبه ورواه صاحب اللسان (لم أجد رسيس الهوى) وعليه فلا شاهد فيه (والمعنى) إذا تسلى المحبون بسبب الابتعاد عمن يحبون فحب مية لا يقارب الزوال من قلبي في حال لفضل تمكنه فيه.
ومنها أوشك يستعمل استعمال عسى في مذهبيها ، واستعمال كاد. تقول : يوشك زيد أن يجيء ، ويوشك أن يجيء زيد ، ويوشك زيد يجيء. قال :
1) اللغة النأي البعد. ورسيس الهوى أصله من رسيس الحمى وهو أولها الذي يؤذن بورودها.
يوشك من فرّ من منيته
في بعض غرّاته يوافقها (1)
اقترب الوعد والقلوب إلى ال
لهو وحب الحياة سائقها
اللغة يوشك يقارب. والمنية الموت. وغراته جمع غرة وهي الغفلة.
الاعراب يوشك فعل مضارع. ومن موصولة. وفر فعل ماض صلتها وفاعله ضمير يعود إلى من. ومن منيته متعلق بفر. وجملة الموصول مع صلته اسم يوشك. ويوافقها فعل مضارع وفاعل هو ضمير يعود إلى من ومفعول هو الضمير المتصل. والجملة خبر يوشك. وفي بعض غراته متعلق بيوافقها (والشاهد فيه) استعمال يوشك استعمال كاد في مجيء خبرها مضارعا غير متصل بأن (والمعنى) ان الانسان لا ينجيه من الموت فراره منه وان من احترز عنه وقع فيه على حين غفلة منه.
ومنها كرب وأخذ وجعل وطفق ، يستعملن استعمال كاد. تقول : كرب يفعل ، وجعل يقول ذاك ، وأخذ يقول ، وقال الله عز وجل : (وَطَفِقا يَخْصِفانِ).
1) هو لامية بن أبي الصلت من أبيات يذكر فيها الموت والبعث وكان ممن يقر بذلك قبل الاسلام. ويتعبد على دين ابراهيم عليه السّلام. فلما بعث محمد صلّى الله عليه وسلّم كفر به وعاد إلى ما كان عليه من عبادة الأصنام حتى هلك وأول القصيدة :
هما نعم وبئس ، وضعا للمدح العام والذم العام ، وفيهما أربع لغات : فعل بوزن حمد وهو أصلها قال :
نعم الساعون في الأمر المبر (1)
ففداء لبني قيس على
ما أصاب الناس من سر وضر
اللغة أقلت أي رفعت. والمبر اسم فاعل من ابر فلان على فلان أي غلبه فمعناه الغالب الذي لا يطاق لشدته.
الاعراب ما دوامية وأقلت فعل ماض. وقدماي فاعل. وان حرف توكيد ونصب. والتاء اسمها. ونعم فعل ماض. والساعون فاعله وفي الأمر متعلق به. والمبر صفة أمر. والمخصوص بالمدح محذوف (والشاهد فيه) استعمال نعم على الأصل بفتح النون وكسر العين (والمعنى) نفسي فداء هذه القبيلة ما أقلت قدماي جسمي لأنهم نعم الساعون في الأمر الشديد الذي لا يطيق غيرهم بمثله.
وفعل وفعل بفتح الفاء وكسرها وسكون العين. وفعل بكسرهما.
1) صدره. (ما أقلّت قدماي انهم) وهو لطرفة بن العبد من قصيدته الرائية المشهورة وقبله :
وكذلك كل فعل أو اسم على فعل ثانيه حرف حلق كشهد وفخذ. ويستعمل ساء استعمال بئس قال الله عز وجل : (ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا).
وفاعلهما إما مظهر معرّف باللام ، أو مضاف إلى المعرّف به ، وإمّا مضمر مميز بنكرة منصوبة. وبعد ذلك اسم مرفوع هو المخصوص بالذم أو المدح. وذلك قولك : نعم الصاحب أو نعم صاحبا القوم زيد ، وبئس الغلام أو بئس غلام الرجل بشر ، ونعم صاحبا زيد وبئس غلاما بشر.
وقد يجمع بين الفاعل الظاهر وبين المميز تأكيدا فيقال نعم الرجل رجلا زيد. قال جرير :
تزوّد مثل زاد أبيك فينا
فنعم الزاد زاد أبيك زادا (1)
اللغة تزود أمر من تزود يتزود إذا أخذ الزاد وهو طعام الحضر والسفر وكل ما انقلب به الانسان من خير أو شر فهو زاد.
الاعراب تزود فعل أمر فاعله ضمير المخاطب. ومثل صفة موصوف محذوف هو المفعول أي زادا مثل زاد. وفينا متعلق بتزود. ونعم فعل ماض. والزاد فاعله. والجملة خبر مقدم لقوله زاد أبيك. وزادا قال ابن سيده انه بدل من مثل ولا يبعد أن يكون مفعولا لقوله تزود (والشاهد فيه) أنه جمع فيه بين الفاعل وبين النكرة المفسرة (والمعنى) تزود في معاملتنا زادا صالحا مثل الذي تزوده أبوك من قبلك في معاملتنا فنعم الزاد زاده.
وقوله تعالى : (فَنِعِمَّا هِيَ :) نعم فيه مسند إلى الفاعل المضمر ، ومميزه ما وهي نكرة لا موصوفة ولا موصولة ، والتقدير فنعم شيئا هي.
وفي ارتفاع المخصوص مذهبان : أحدهما أن يكون مبتدأ خبره ما
1) هو له من قصيدة يمدح بها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
تقدمه من الجملة ، كأن الأصل زيد نعم الرجل. والثاني أن يكون خبر مبتدأ محذوف والتقدير : نعم الرجل هو زيد. فالأول على كلام والثاني على كلامين.
وقد يحذف المخصوص إذا كان معلوما للمخاطب كقوله تعالى : (نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب) أي نعم العبد أيوب ، وقوله تعالى : (فَنِعْمَ الْماهِدُونَ) أي فنعم الماهدون نحن.
ويؤنث الفعل ويثنى الإسمان ويجمعان نحو قولك نعمت المرأة هند وإن شئت قلت نعم المرأة. وقالوا هذه الدار نعمت البلد ، لما كان البلد الدار كقولهم من كانت أمك. وقال ذو الرمة :
أو حرّة عيطل ثبجاء مجفرة
دعائم الزور نعمت زورق البلد (1)
اللغة الحرة أراد به الناقة الكريمة. والعيطل الطويلة العنق. وثبجاء ضخمة الثبج وهو الصدر. وقال ابن يعيش ثبجاء عظيمة السنام وهو أقرب. فان الثبج ما بين الكاهل إلى الظهر. ومجفرة عظيمة الجنب واسعة الجوف. والدعائم هنا القوائم. والزور أعلى الصدر والزورق السفينة والبلد الأرض والمفازة.
الاعراب أو حرة بالرفع عطف على عوج في البيت قبله وهو :
فرجت عن خوفه الظلماء يحملني
عوج من العبد والأسراب لم ترد
وقوله عيطل ثبجاء مجفرة صفات حرة. ودعائم الزور منصوب بمجفرة على التشبيه بالمفعول به فهو من باب الحسن الوجه أي عظيمة القوائم. وزورق فاعل نعمت. والمخصوص بالمدح محذوف وهو ضمير الحرة أي هي (والشاهد فيه) أنه قد يؤنث نعم لكون المخصوص بالمدح مؤنثا وان كان الفاعل مذكرا كما أنثه هنا مع أنه مضاف إلى مذكر وهو زورق البلد لأنه يريد الناقة فأنث حملا على المعنى.
1) هو له من أبيات يمدح بها بلال بن أبي بردة.
وتقول نعم الرجلان أخواك ، ونعم الرجال إخوتك ، ونعمت المرأتان هند ودعد ، ونعمت النساء بنات عمك.
ومن حق المخصوص أن يجانس الفاعل. وقوله عز وجل : (ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) على حذف المضاف أي ساء مثلا مثل القوم ، ونحوه قوله تعالى : (بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا) أي مثل الذين كذبوا.
ورؤي أن يكون محل الذين مجرورا صفة للقوم ، ويكون المخصوص بالذم محذوفا ، أي بئس مثل القوم المكذبين مثلهم.
وحبذا مما يناسب هذا الباب ومعنى حب صار محبوبا جدا. وفيه لغتان فتح الحاء وضمها. وعليها روي قوله :
وحبّ بها مقتولة حين تقتل (1)
أناخوا فجروا شاصيات كأنها
رجال من السودان لم يتسربلوا.
اللغة قتل الخمرة مزجها بالماء. وحب أصلها حبب بضم العين فان نقلت حركة العين إلى الفاء بعد حذف حركتها صارت حب بالضم. وان حذفت ضمة العين صار حب بالفتح. والإدغام واجب على الحملين لاجتماع المثلين وسكون الأول.
الاعراب قلت فعل وفاعل. واقتلوها فعل وفاعل ومفعول في محل نصب بالقول. وبمزاجها متعلق باقتلوا. وحب فعل ماض. وبها فاعله زيدت فيه الباء على غير قياس كقوله تعالى (وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً) ومقتولة نصب على الحال من الفاعل وقول العيني وانتصابها على التمييز بعيد وحين نصب على الظرف. وتقتل فعل مضارع. ونائب الفاعل يعود إلى الخمرة (والشاهد فيه) ان حب جاءت فيه للمدح وقد يستشهدون به على مجيء فاعل حب الذي للمدح متصلا بالباء الزائدة. ثم إن الرواية الصحيحة (وأطيب بها مقتولة) وعلى ذلك فلا شاهد أصلا (والمعنى) لما أرادوا شربها صرفا قلت لهم اقتلوا حدتها عنكم بمزجها بالماء واحبب بها حين تمزج أي ما أحبها إلى النفوس وأشهاها يريد أن مزجها كما يكسر من حدتها ويفت من عضد شدتها فهو كذلك يزيد طعمها حسنا ومذاقها لذة.
1) صدره. فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها. وهو للأخطل من قصيدة أولها :
وأصله حبب ، وهو مسند إلى اسم الإشارة ، إلا أنهما جريا بعد التركيب مجرى الأمثال التي لا تغير ، فلم يضم أوّل الفعل ، ولا وضع موضع ذا غيره من أسماء الإشارة ، بل التزمت فيهما طريقة واحدة. وهذا الإسم في مثل إبهام الضمير في نعم ، ومن ثم فسر بما فسر به ، فقيل حبذا رجلا زيد كما يقال نعم رجلا زيد. غير أن الظاهر فضل على المضمر بأن استغنوا معه عن المفسر ، فقيل حبذا زيد ولم يقولوا نعم زيد ، ولأنه كان لا ينفصل المخصوص عن الفاعل في نعم وينفصل في حبذا.
هما نحو قولك ما أكرم زيدا ، وأكرم بزيد. ولا يبنيان إلا مما يبنى منه أفعل التفضيل. ويتوصل إلى التعجب مما لا يجوز بناؤهما منه بمثل ما توصل به إلى التفضيل ، إلا ما شذ من نحو ما أعطاه وما أولاه للمعروف ، ومن نحو ما أشهاها وما أمقته. وذكر سيبويه أنهم لا يقولون ما أقيله استغناء عنه بما أكثر قائلته كما استغنوا بتركت عن وذرت.
ومعنى ما أكرم زيدا ، شيء جعله كريما ، كقولك أمر أقعده عن الخروج ومعهم أشخصه عن مكانه ، يريد أن قعوده وشخوصه لم يكونا إلا لأمر. إلا أن هذا النقل من كل فعل خلا ما استثني منه مختص بباب التعجب. وفي لسانهم أن يجعلوا لبعض الأبواب شأنا ليس لغيره لمعنى. وأما أكرم بزيد فقيل أصله أكرم زيد أي صار ذا كرم ، كأغدّ البعير أي صار ذا غدّة ، إلا أنه أخرج على لفظ الأمر ما معناه الخبر ، كما أخرج على لفظ الخبر ما معناه الدعاء في قولهم رحمه الله والباء مثلها في كفى بالله. وفي هذا ضرب من التعسف. وعندي أن أسهل منه مأخذا أن يقال إنه أمر لكل أحد بأن يجعل زيدا كريما ، أي بأن يصفه بالكرم. والباء مزيدة مثلها في قوله
تعالى : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) للتأكيد والإختصاص ، أو بأن يصيره ذا كرم والباء للتعدية. هذا أصله ثم جرى مجرى المثل فلم يغير عن لفظ الواحد في قولك يا رجلان أكرم بزيد ويا رجال أكرم بزيد.
واختلفوا في ما فهي عند سيبويه غير موصولة ولا موصوفة ، وهي مبتدأ ما بعده خبره. وعند الأخفش موصولة صلتها ما بعدها وهي مبتدأ محذوف الخبر. وعند بعضهم فيها معنى الإستفهام كأنه قيل : أي شيء أكرمه.
ولا يتصرّف في الجملة التعجبية بتقديم ولا تأخير ولا فصل. فلا يقال عبد الله ما أحسن ، ولا ما عبد الله أحسن ، ولا بزيد أكرم ، ولا ما أحسن في الدار زيد ، ولا أكرم اليوم بزيد. وقد أجاز الجرمي الفصل وغيره من أصحابنا. وينصرهم قول القائل ما أحسن بالرجل أن يصدق.
ويقال ما أحسن زيدا للدلالة على المضي. وقد حكي ما أصبح أبردها ، وما أمسى أدفأها والضمير للغداة.
للمجرّد منه ثلاثة أبنية فعل وفعل وفعل. فكل واحد من الأوّلين على وجهين : متعدّ وغير متعد. ومضارعه على بناءين : مضارع فعل على يفعل ويفعل ، ومضارع فعل على يفعل ويفعل. والثالث على وجه واحد غير متعد ومضارعه على بناء واحد وهو يفعل. فمثال فعل ضربه يضربه ، وجلس يجلس ، وقتله يقتله ، وقعد يقعد. ومثال يفعل شربه يشربه ، وفرح يفرح ، وومقه يرمقه ، ووثق يثق. ومثال فعل كرم يكرم. وأما فعل يفعل فليس بأصل ومن ثم لم يجىء إلا مشروطا فيه أن يكون عينه أو لامه أحد حروف الحلق : الهمزة والهاء والحاء والخاء والعين والغين إلا ما شذ من نحو أبى يأبى وركن يركن. وأما فعل يفعل نحو فضل يفضل ومتّ تموت فمن تداخل اللغتين. وكذلك فعل يفعل نحو كدت تكاد.
وللمزيد فيه خمسة وعشرون بناء تمر في أثناء التقاسيم بعون الله تعالى. والزيادة لا تخلو إما أن تكون من جنس حروف الكلمة أو من غير جنسها كما ذكر في أبنية الأسماء.
وأبنية المزيد على ثلاثة أضرب : موازن للرباعي على سبيل الإلحاق ، وموازن له على غير سبيل الإلحاق ، وغير موازن له. فالأول على ثلاثة أوجه ملحق بدحرج نحو شملل وحوقل وبيطر وجهور وقلنس وقلسي. وملحق بتدحرج نحو تجلبب وتجورب وتشيطن وترهوك وتمسكن وتغافل وتكلم. وملحق باحرنجم نحو إقعنسس واسلنقي. ومصداق الإلحاق اتحاد المصدرين. والثاني نحو أخرج وجرب وقاتل يوازن دحرج غير أن مصدره مخالف لمصدره. والثالث نحو انطلق واقتدر واستخرج وأشهاب وأشهبّ واغدودن واعلوّط.
فما كان على فعل فهو على معان لا تضبط كثرة وسعة. وباب المغالبة مختص بفعل يفعل. منه كقولك كارمني فكرمته أكرمه ، وكاثرني فكثرته أكثره ، وكذلك عازني فعززته أعزه ، وخاصمني فخصمته ، وهاجاني فهجوته. إلا ما كان معتل الفاء كوعدت أو معتل العين أو اللام من بنات الياء كبعت ورميت فأنك تقول فيه أفعله بالكسر ، كقولك راميته أرميه وخايرته فخرته أخيره. وعن الكسائي إنه استثنى أيضا ما فيه أحد حروف الحلق وأنه يقال فيه أفعله بالفتح. وحكى أبو زيد شاعرته أشعره ، وفاخرته أفخره بالضم. قال سيبويه وليس في كل شيء يكون هذا ، ألا يرى أنك لا تقول نازعني فنزعته استغنى عنه بغلبته. وفعل يكثر فيه الإعراض من العلل والأحزان وأضدادها كسقم ومرض وحزن وفرح وجذل وأشر والألوان كأدم وشهب وسود. وفعل للخصال التي تكون في الأشياء كحسن وقبح وصغر وكبر.
وتفعلل يجيء مطاوع كجوربة فتجورب ، وجلببه فتجلبب ، وبناء مقتضيا كتسهوك وترهوك.
وتفعّل يجيء مطاوع فعل نحو كسرته فتكسر ، وقطعته فتقطع. وبمعنى التكلف نحو تشجع وتصبر وتحلم وتمرأ. قال حاتم :
تحلم عن الأذنينّ واستبق ودّهم
ولن تستطيع الحلم حتى تحلما (1)
الاعراب تحلم فعل أمر فاعله ضمير المخاطب. وعن الأدنين متعلق به. واستبق عطف على تحلم. وودهم مفعول استبق. ولن حرف ناصب. وتستطيع فعل مضارع منصوب بلن. وفاعله ضمير المخاطب. والحلم مفعوله. وحتى غائية. وتحلم منصوب بحتى. والفه للاطلاق. وأصله تتحلم حذفت إحدى تاءيه (والشاهد فيه) مجيء تفعل بمعنى التكلف لا بمعنى المطاوعة (والمعنى) كلف نفسك الحلم واحملها عليه واستبق ودّ أقاربك بتحمل ما تراه منهم مما لا يسرك فانك لن تستطيع أن تكون حليما حتى تكلف نفسك الحلم وتأخذها به.
قال سيبويه وليس هذا مثل تجاهل لأن هذا يطلب أن يصير حليما ومنه تقيس وتنزر ، وبمغنى استفعل كتكبر وتعظم وتعجل الشيء وتيقنه وتقصاه وتثبته وتبينه ، وللعمل بعد العمل في مهلة كقولك تجرّعه وتحساه وتعرفه.
وتفوقه ومنه تفهم وتبصر وتسمع ، وبمعنى إتخاذ الشيء نحو تديرت المكان وتوسدت التراب ومنه تبناه ، وبمعنى التجنب كقولك تحوّب وتأثم وتهجد وتحرّج أي تجنب الحوب والإثم والهجود والحرج.
وتفاعل لما يكون من اثنين فصاعدا نحو تضاربا وتضاربوا ولا يخلو من أن يكون من فاعل المتعدي إلى مفعول أو المتعدي إلى مفعولين : فإن كان من المتعدي إلى مفعول كضارب لم يتعد. وان كان من المتعدي إلى مفعولين نحو نازعته الحديث وجاذبته الثوب وناسيته البغضاء تعدي إلى مفعول واحد ، كقولك تنازعنا الحديث وتجاذبنا الثوب وتناسينا البغضاء.
1) اللغة تحلم أي كلف نفسك الحلم واضبطها عند الغضب. والادنين الأقارب. والود المحبة والصداقة.
ويجيء ليريك الفاعل أنه في حال ليس فيها نحو تغافلت وتعاميت وتجاهلت قال :
إذا تخازرت وما بي من خزر (1)
اللغة تخازرت كلفت نفسي إظهار الخزر والخزر العرج. والاعراب ، والشاهد ، والمعنى ، ظاهرة.
وبمنزلة فعلت كقولك توانيت في الأمر وتقاضيته وتجاوز الغاية. ومطاوع فاعلت نحو باعدته فتباعد.
وأفعل للتعدية نحو أجلسته وأمكنته. وللتعريض للشيء وأن يجعل بسبب منه نحو أقتلته وأبعته إذا عرضته للقتل والبيع. ومنه أقبرته وأشفيته وأشقيته إذا جعلت له قبرا وشفاء وسقيا وجعلته بسبب منه من قبل الهبة أو نحوها. أو لصيرورة الشيء ذا كذا نحو أغدّ البعير إذا صار ذا غدة ، وأجرب الرجل وانحز وأحال أي صار ذا جرب ونحاز وحيال في ماله ، ومنه الأم وأراب وأصرم النخل وأحصد الزرع وأجرّ ، ومنه أبشر وأفطر وأكب وأقشع الغيم. ولوجود الشيء على صفة نحو أحمدته أي وجدته محمودا ، وأحييت الأرض أي وجدتها حية النبات. وفي كلام عمرو بن معد يكرب لمجاشع السلمي : لله دركم يا بني سليم قاتلناكم فما أجبنّاكم وسألناكم فما أبخلناكم وهاجيناكم فما أفحمناكم. وللسلب نحو أشكيته وأعجمت الكتاب إذا أزلت الشكاية والعجمة. ويجيء. بمعنى فعلت تقول قلت البيع وأقلته وشغلته وأشغلته وبكر وأبكر.
وفعّل يؤاخي أفعل في التعدية نحو فرّحته وغرّمته ، ومنه خطأته وفسقته
1) لم أر من سمى له قائلا ولا من ذكر له سابقا أو لاحقا.
وزنيته وجدعته وعقرته. وفي السلب نحو فزعته وقذيت عينه وجلدت البعير وقرّدته ، أي أزلت الفرزع والقذي والجلد والقراد. وفي كونه بمعنى فعل كقولك زلته وزيلته وعضته وعوّضته ومزته وميزته. ومجيئه للتكثير هو الغالب عليه نحو قولك قطعت الثياب وغلقت الأبواب ، وهو يجوّل ويطّوف أن يكثر الجولان والطواف وبرّك النعم وربض الشاء وموّت المال ولا يقال للواحد.
وفاعل لأن يكون من غيرك إليك ما كان منك إليه ، كقولك ضاربته وقاتلته ، فإذا كنت الغالب قلت فاعلني ففعلته. ويجيء مجيء فعلت كقولك سافرت. وبمعنى أفعلت نحو عافاك الله ، وطارقت النعل. وبمعنى فعلت نحو ضاعفت وناعمت.
وانفعل لا يكون إلا مطاوع فعل كقولك كسرته فانكسر ، وحطمته فانحطم ، إلا ما شذ من قولهم : أقحمته فانقحم ، وأغلقته فانغلق ، وأسقفته فانسقف ، وأزعجته فانزعج. ولا يقع إلا حيث يكون علاج وتأثير ، ولهذا كان قولهم انعدم خطأ. وقالوا قلته فانقال لأن القائل يعمل في تحريك لسانه.
وافتعل يشارك انفعل في المطاوعة كقولك غممته فاغتم ، وشويته فاشتوى ، ويقال انغم وانشوى. ويكون بمعنى تفاعل نحو اجتوزوا واختصموا والتقوا وبمعنى الإتخاذ نحو إذّبح وأطبخ واشتوى إذا اتخذ ذبيحه وطبيخا وشواء لنفسه. ومنه اكتال واتزن. وبمنزلة فعل نحو قرأت واقترات وخطف واختطف. وللزيادة على معناه كقولك اكتسب في كسب ، واعتمل في عمل. قال سيبويه أما كسبت فإنه يقول أصبت ، وأما اكتسبت فهو التصرف والطالب ، والإعتمال بمنزلة الإضطراب.
واستفعل لطلب الفعل ، تقول استخفه واستعمله واستعجله إذا طلب عمله وخفته وعجلته مرّ مستعجلا أي مرّ طالبا ذلك من نفسه مكلفها إياه ، ومنه استخرجته أي لم أزل أتلطف به وأطلب حتى خرج. وللتحوّل نحو استتيبست الشاة ، واستنوق الجمل ، واستحجر الطين ، وان البغاث بجرضنا يستنسر. وللإصابة على صفة نحو استعظمته واستسمنته واستجدته أي أصبته عظيما وسمينا وجيدا. وبمنزلة فعل نحو قرّ واستقرّ وعلا قرنه واستعلاه.
وافعوعل بناء مبالغة وتوكيد. فاخشوشن واعشوشبت الأرض واحلولى الشيء مبالغات في خشن وأعشبت وحلا. قال الخليل في اعشوشبت إنما يريد أن يجعل ذلك عاما قد بالغ.
للمجرّد منه بناء واحد فعلل ويكون متعديا نحو دحرج الحجر ، وسرهف الصبي. وغير متعد نحو دربخ وبرهم. وللمزيد فيه بناءان إفعنلل نحو احرنجم وافعللّ نحو اقشعر.
وكلا بنائي المزيد فيه غير متعد. وهما في الرباعي نظير انفعل وافعل وأفعالّ في الثلاثي. قال سيبويه وليس في الكلام احرنجمته لأنه نظير انفعلت في بنات الثلاثة ، زادوا نونا وألف وصل كما زادوهما في هذا. وقال ليس في الكلام افعللته ولا أفعاللته ، وذلك نحو احمررت واشهاببت ، ونظير ذلك من بنات الأربعة اطمآننت واشمأززت والله أعلم.
الحرف ما دل على معنى في غيره. ومن لم ينفك من اسم أو فعل يصحبه إلا في مواضع مخصوصة حذف فيها الفعل واقتصر على الحرف فجرى مجرى النائب ، نحو قولهم نعم وبلى وإي وإنه ويا وزيد قد في قوله وكأن قد.
سميت بذلك لأن وضعها على أن تفضي بمعاني الأفعال إلى الأسماء. وهي فوضى في ذلك وان اختلفت بها وجوه الإفضاء. وهي على ثلاثة أضرب : ضرب لازم للحرفيّة. وضرب كائن اسما وحرفا. وضرب كائن حرفا وفعلا. فالأول تسعة أحرف : من وإلى وحتى وفي والباء واللام ورب وواو القسم وتاؤه. والثاني خمسة أحرف : على وعن والكاف ومذ ومنذ.
والثالث ثلاثة أحرف : حاشا وخلا وعدا.
فمن معناها ابتداء الغاية كقولك سرت من البصرة إلى الكوفة ، وكونها مبعضة في نحو أخذت من الدراهم ، ومبينة في نحو (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ،) ومزيدة في نحو ما جاءني من أحد راجع إلى هذا ، ولا تزاد عند
سيبويه إلا في النفي ، والأخفش يجوّز الزيادة في الإيجاب ويستشهد بقوله عز وجلّ : (لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ).
وإلى معارضة لمن دالة على انتهاء الغاية كقولك سرت من البصرة إلى بغداد ، وكونها بمعنى المصاحبة في نحو قوله عز وجل : (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ) راجع إلى معنى الإنتهاء.
وحتى في معناها إلا أنها تفارقها في أن مجرورها يجب أن يكون آخر جزء من الشيء أو ما يلاقى آخر جزء منه ، لأن الفعل المعدى بها ، الغرض فيه أن يقتضى ما تعلق به شيئا فشيئا حتى يأتي عليه ، وذلك قولك أكلت السمكة حتى رأسها ونمت البارحة حتى الصباح ، ولا تقول حتى نصفها أو ثلثها كما تقول إلى نصفها وإلى ثلثها .. ومن حقها أن يدخل ما بعدها فيما قبلها. ففي مسألتي السمكة والبارحة قد أكل الرأس ونيم الصباح. ولا تدخل على مضمر فتقول حتاه كما تقول إليه. وتكون عاطفة ومبتدأ ما بعدها في نحو قول امرىء القيس :
وحتى الجياد ما يقدن بأرسان (1)
قفا نبك من ذكري حبيب وعرفان
وربع خلت آياته منذ أزمان
اللغة سريت بهم أي أسريتهم ليلا فالباء للتعدية أو سرت معهم ليلا فهي للمصاحبة. وتكل من الكلال وهو الاعياء. ومطي جمع مطية. وأرسان جمع رسن وهو ما تقاد به الدابة.
الاعراب سريت فعل وفاعل. وبهم متعلق به. وحتى غائية. وتكل منصوب بحتى. ومطيهم فاعل تكل. وحتى الثانية عاطفة. والجياد مبتدأ. وما نافية. ويقدن فعل مضارع مبني للمجهول والنون فيه ضمير النسوة نائب الفاعل. وبأرسان متعلق بيقدن (والشاهد فيه) مجيء حتى عاطفة ووقوع الاسم بعدها مبتدأ (والمعنى) ما زلنا نسري ليلا حتى كلت المطايا ولم يبق لها قدرة على السير وحتى أن الجياد صارت إذا قيدت بأرسانها لم تنقد لكثرة ما نالها من التعب.
1) صدره. سريت بهم حتى تكل مطيهم. وهو له من قصيدته التي أولها.
وفي معناها الظرفية كقولك : زيد في أرضه ، والركض في الميدان ، ومنه نظر في الكتاب ، وسعى في الحاجة ، وقولهم في قول الله عز وجل : (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) إنها بمعنى على عمل على الظاهر ، والحقيقة إنها على أصلها لتمكن المصلوب في الجذع تمكن الكائن في الظرف فيه.
والباء معناها الإلصاق كقولك به داء أي التصق به وخامره ، ومررت به وارد على الإتساع والمعنى التصق مروري بموضع يقرب منه. ويدخلها معنى الإستعانة في نحو كتبت بالقلم ، ونجرت بالقدوم ، وبتوفيق الله حججت ، وبفلان أصبت الغرض. ومعنى المصاحبة في نحو خرج بعشيرته ، ودخل عليه بثياب السفر ، واشترى الفرس بسرجه ولجامه. وتكون مزيدة في المنصوب كقوله تعالى : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) ، وقوله :
(بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) وقوله :
سود المحاجر لا يقرأن بالسور (1)
اللغة الحرائر جمع حرة. والأخمرة جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة وجهها. والمحاجر جمع محجر كمسجد ومحجر العين ما دار بها وبدا من البرقع من جميع العين.
الاعراب هن الحرائر مبتدأ وخبر. وربات عطف على الحرائر. وأخمرة جر بالاضافة إليه. وسود المحاجر خبر مبتدأ محذوف. ولا نافية. ويقرأن فعل مضارع ونون النسوة فاعل. وبالسور الباء زائدة والسور مفعول به منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد. وجملة لا يقرأن في محل رفع صفة حرائر (والشاهد فيه) دخول الباء على المنصوب وهو المفعول به.
وفي المرفوع كقوله تعالى : (كَفى بِاللهِ شَهِيداً) وبحسبك زيد وقول امرىء القيس :
1) صدره. هن الحرائر لا ربات أخمرة. وهو للراعي.
ألا هل أتاها والحوادث جمة
بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا (1)
الاعراب الا للاستفتاح. وهل حرف استفهام. وأتاها فعل ومفعول. والضمير إلى قبيلته. والحوادث جمة جملة ابتدائية حالية. والباء في بأن زائدة. وامرأ القيس اسم أن وبيقر فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى امريء القيس. والجملة خبر أن. وجملة أن مع مدخولها فاعل أتاها (والشاهد فيه) زيادة الباء في المرفوع وهو الفاعل هنا.
واللام للإختصاص كقولك المال لزيد ، والسرج للدابة ، وجاءني أخ له وابن له. وقد تقع مزيدة قال الله تعالى : (رَدِفَ لَكُمْ).
ورب للتقليل. ومن خصائصها أن لا تدخل إلا على نكرة ظاهرة أو مضمرة. فالظاهر يلزمها أن تكون موصوفة بمفرد أو جملة كقولك رب رجل جواد ، ورب رجل جاءني ، ورب رجل أبوه كريم. والمضمرة حقها أن تفسر بمنصوب كقولك ربه رجلا. ومنها أن الفعل الذي تسلطه على الأسم يجب تأخيره عنها ، وإنه يجيء محذوفا في الأكثر كما حذف مع الباء في بسم الله قال الأعشى :
رب رفد هرقته ذلك اليو
م وأسرى من معشر أقيال (2)
الاعراب رب حرف جر. ورفد مجرور به. وهرقته جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل جر صفة رفد. وأسرى عطف على رفد. ومن معشر متعلق بمحذوف أي أسرى كائنين من معشر. وأقيال صفة معشر. وجواب رب مقدر أي رب رفد مهراق ضممته إلى أسرى. ورب أسرى من معشر أقيال ملكتهم (والشاهد فيه) حذف جواب رب على نحو ما سبق.
1) اللغة جمة كثيرة. وبيقر قال في اللسان وبيقر الرجل هاجر من أرض إلى أرض. وبيقر خرج إلى حيث لا يدري. وبيقر نزل الحضر وأقام هناك وترك قومه بالبادية. وخص بعضهم به العراق. وقول امرىء القيس. ألا هل أتاها. البيت يحتمل جميع ذلك اه وأقول بيقر في كلامه بمعنى هلك والفه للاطلاق لا كما قال في اللسان.
2) اللغة الرفد القدح الكبير. وهرقته صببته. وأقيال جمع قيل وهو الملوك وأكثر ما يستعمل في ملوك حمير. ويروى اقتال جمع قتل وهو العدو.
فهرقته ومن معشر صفتان وأسرى والفعل محذوف. ومنها أن فعلها يجب أن يكون ماضيا ، تقول رب رجل كريم قد لقيت ، ولا يجوز سألقى أو لألقين. وتكف بما فتدخل حينئذ على الإسم والفعل كقولك ربما قام زيد ، وربما زيد في الدار. قال أبو دؤاد :
ربما الجامل المؤبّل فيهم
وعناجيج بينهن المهار (1)
الاعراب رب مكفوفة عن العمل بما. والجامل مبتدأ. والمؤبل وفيهم خبر المبتدأ. وعناجيج عطف على الجامل. وبينهن المهار جملة ابتدائية (والشاهد فيه) ان رب إذا كفت عن العمل دخلت على الجملتين الاسمية والفعلية كما دخلت هنا على الاسمية ويكون معناها حينئذ تقليل النسبة المفهومة من الجملة. فإذا قيل ربما قام زيد كان المفاد تقليل النسبة المفهومة من قيام زيد. وكذلك إذا قيل ربما زيد قائم. وهذا مذهب المصنف والمبرد وابن مالك. وذهب الفارسي إلى أن ربما بمعنى شيء والجامل خبر مبتدأ محذوف أي هو الجامل والجملة الاسمية صفة لما روي البيت بجر الجامل على أنه معمول رب وما زائدة (والمعنى) يصف قومه بالغنى يقول عندهم الابل المؤبلة والخيول الجياد معها أولادها.
وفيها لغات : رب الراء مضمومة والباء مخففة مفتوحة أو مضمومة أو مسكنة ، ورب الراء مفتوحة والباء مشددة ومخففة ، وربت بالتاء والباء مشددة أو مخففة.
وواو القسم مبدلة عن الباء الإلصاقية في أقسمت بالله ، أبدلت عنها عند حذف الفعل ، ثم التاء مبدلة عن الواو في تالله خاصة. وقد روى الأخفش ترب الكعبة فالباء لأصالتها تدخل على المضمر والمظهر فتقول بالله وبك لأفعلن كذا. والواو لا تدخل إلا على المظهر لنقصانها عن الباء ، والتاء لا تدخل من المظهر إلا على واحد لنقصانها عن الواو. وقولهم والله قيل
1) اللغة الجامل القطيع من الإبل مع رعاته وأربابه. والمؤبل اسم مفعول من أبل الرجل تأبيلا أي اتخذ الإبل واقتناها. والعناجيج الخيل الطوال الأعناق. والمهار بكسر الميم جمع مهر بضمها وهو ولد الفرس والأنثى مهرة.
أصله من الله لقولهم من ربي أنك لأشر فحذفت النون لكثرة الإستعمال ، وقيل أصله أيم ومن ثم قالوا من ربي بالضم. ورأي بعضهم أن تكون الميم بدلا من الواو لقرب المخرج.
وعلى للإستعلاء تقول عليه دين ، وفلان علينا أمير ، وقال الله تعالى : (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) ، وتقول على الإتساع : مررت عليه إذا جزنه. وهو اسم في نحو قوله :
غدت من عليه بعد ما تمّ ظمؤها (1)
اللغة غدا بمعنى صار كما يقال غدا زيد أميرا أي صار فهو مخصوص بوقت دون وقت بخلاف ما إذا استعمل في غير معنى صار فانه يختص بوقت الغداة والظمء مدة الصبر على الماء وهو من الشرب إلى الشرب. وروي في الكامل بدله خمسها وقال الخمس ظمء من أظمائها وهو أن ترد الماء ثم تغيب ثلاثا ثم ترد فيعتد بيومي وردها مع ظمئها فيقال خمس. وتصل من الصليل وهو صوت الشيء اليابس. والقيض بفتح القاف قشر البيضة الأعلى والزيزاء بفتح الزاي الأولى وكسرها الأرض المرتفعة واسم سوق في طريق مكة ومجهل لا يهتدى إلى ما فيها.
الاعراب غدت فعل ماض ناقص واسمها ضمير يعود إلى القطاة المذكورة في البيت قبله وهو :
اذلك أم كدرية ظل فرخها
لقى بشروري كاليتيم المعيل
ومن عليه متعلق بمحذوف خبر غدت. وبعد ظرف غدت. وما مصدرية. وتم فعل ماض. وظمؤها فاعل. وتصل فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى القطاة. وقوله عن قيض متعلق بغدت. وبزيزاء متعلق بمحذوف صفة قيض. وألفها ان كانت للتأنيث فهي ممنوعة من الصرف. وان كانت للالحاق كعلباء وحرباء فمعروفة. ومجهل صفة زيزاء (والشاهد فيه) أن على يتعين أن تكون اسما بمعنى فوق إذا دخل عليها حرف الجر (والمعنى) ان هذه القطاة أقامت مع فرخها حتى عطشت فغدت من فوقه تطلب الماء. وانما ذكر الفرخ ليدل بذلك على سرعة طيرانها لتعود إلى فرخها. وكان لجوفها صليل من شدة العطش.
1) تمامه (تصل وعن قيض بزيزاء مجهل) والبيت لحزام العقيل.
أي من فوقه.
وعن للبعد والمجاوزة كقولك رمى عن القوس لأنه يقذف عنها بالسهم ويبعده ، وأطعمه عن الجوع ، وكساه عن العري ، لأنه يجعل الجوع والعري متباعدين عنه. وجلس عن يمينه أي متراخيا عن بدنه في المكان الذي بحيال يمينه. وقال الله تعالى : (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ). وهو اسم في نحو قولهم جلست من عن يمينه أي من جانبها.
والكاف للتشبيه كقولك : الذي كزيد أخوك. وهو اسم في نحو قوله :
يضحكن عن كالبرد المنهمّ (1)
اللغة بيض جمع بيضاء. والنعاج جمع نعجة وهي البقرة الوحشية. قال أبو عبيدة ولا يقال لغير البقر من الوحش نعاج. والجم قال السيوطي في شرح شواهد المغني التكثير وهو غلط وليس الجم هنا بفتح الجيم وانما هو بضمها وهو جمع جماء وهي التي لا قرون لها والمنهم المذاب.
الاعراب بيض مبتدأ. وثلاث صفته. وجم صفة نعاج. ويضحكن فعل مضارع.
ونون الأناث فاعل. وعن حرف جر. وكاف التشبيه مبنية على السكون في محل جر بعن لأنها بمعنى مثل. والمنهم صفة البرد (والشاهد فيه) وقوع الكاف اسما بمعنى مثل (والمعنى) يصف نسوة يقول انهن مثل النعاج اللواتي لا قرون لهن وانهن يضحكن عن أسنان كالبرد الذائب لطافة ونظافة.
ولا تدخل على الضمير استغناء بمثل ، وقد شذ نحو قول العجاج :
وأمّ أوعال كها أو أقربا (2)
اللغة خلى معناه ترك. ويروى نحى وهو من التنحية. والذنابات اسم موضع بعينه.وكثبا بفتح الكاف والمثلثة من قولهم رماه من كثب أي قرب. وأم أو عال اسم هضبة بعينها. ويقال لكل هضبة ذات أو عال أم أوعال وأوعال جمع وعل وهو تيس الجبل.
الاعراب خلى فعل ماض. فاعله ضمير يعود إلى حمار الوحش. والذنابات مفعول. وشمالا مفعوله الثاني. وكثبا صفته على تقدير أي جعل الذنابات ناحية شماله قريبة منه. وأم أوعال مبتدأ خبره قوله كها أي كالذنابات. وقوله أو اقربا عطف محل الجار والمجرور (والشاهد فيه) دخول كاف التشبيه على الضمير وهو نادر للاستغناء عنه بمثل (والمعنى) انه لما عدا ترك الذنابات عن شماله قريبة منه وتلك الهضبة كانت في القرب منه حين عدا كالذنابات أو أقرب إليه منها.
ومذ ومنذ لابتداء الغاية في الزمان كقولك ما رأيته مذ يوم الجمعة ومنذ يوم السبت. وكونهما اسمين ذكر في الأسماء المبنية.
وحاشا معناها التنزيه قال :
حاشا أبي ثوبان أن به
ضنّا عن الملحاة والشتم (1)
حاشا أبي ثوبان ان أبا
ثوبان ليس ببكمة فدم
عمرو بن عبد الله ان به
ضنا عن الملحات والشتم
اللغة البكمة بضم الموحدة من البكم وهو الخرش والفدم بفتحتين العيي الثقيل. والضن بكسر الضاد البخل. والملحات مصدر ميمي كالملاحاة وهي المنازعة. والشتم السب.
الاعراب أبا ثوبان يروى بالنصب والجر فحاشا فعل على الأول وحرف جر على الثاني. وأبا ثوبان الثاني اسم ان وليس فعل ماض ناقص. والضمير اسمها. وببكمة خبرها. والباء زائدة. وفدم خبر ثان. وقوله عمرو بن عبد الله هو عطف بيان من أبا ثوبان الأول فيعرب باعرابه وبه خبر إن. وضنا اسمها. وعن الملحات متعلق بضنا (والشاهد فيه) ان حاشا معناها التنزيه (والمعنى) أنزه أبا ثوبان عما وسمت به قومه من الغدر وقلة الوفاء فان أبا ثوبان فصيح منطيق بين اللسن يكره الملاحاة والسباب فكيف ينكث العهد ويغدر في الجوار. وكان قوم هذا الرجل نزل بهم رجل فقتلوه فقال الشاعر يذكر ذلك ويحرض سيدهم على المطالبة بدم الرجل والخروج لأهله عن حقهم.
1) هو للجميح واسمه منقذ بن الطماح الأسدي من شعراء الجاهلية. والبيت ركب فيه عجز بيت على صدر آخر وصواب انشاده هكذا كما ذكره السيوطي في شرح شواهد المغني :
وهو عند المبرد يكون فعلا في نحو قولك هجم القوم حاشا زيدا بمعنى جانب بعضهم زيدا ، أي فاعل من الحشا وهو الجانب. وحكى أبو عمرو الشيباني عن بعض العرب اللهم اغفر لي ولمن سمع حاشا الشيطان وابن الأصبغ بالنصب. وقوله تعالى : (حاشَ لِلَّهِ) بمعنى براءة لله من السوء.
وعدا وخلا مر الكلام فيهما في الإستثناء.
وكي في قولهم كيمه من حروف الجر بمعنى لمه.
وتحذف حروف الجر فيتعدى الفعل بنفسه كقوله تعالى : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً) وقوله :
منا الذي اختير الرجال سماحة
وجودا إذا هبّ الرياح الزعازع (1)
اللغة اختير من الاختيار. والزعازع الرياح الشديدة لأنها تزعزع الأشياء عن مواضعها.
الاعراب منا خبر مقدم. والذي موصول مبتدأ. واختير فعل ماض مجهول صلة الذي. والرجال نصب بنزع الخافض أصله من الرجال فحذف من وعدى الفعل إليه بنفسه. وسماحة مفعول لأجله وجودا عطف عليه. وهب الرياح الزعازع جملة فعلية ظرفية. وجواب إذا يدل عليه السياق (والشاهد فيه) حذف حرف الجر ونصب مجروره (والمعنى) منا الذي اختاره الناس عند اشتداد الزمان وهبوب الرياح لكرمه وجوده وسماحته.
وقوله :
أمرتك الخير فافعل ما أمرت به
فقد تركتك ذا مال وذا نشب (2)
اللغة النشب المال من الذهب والفضة. وروي وذا نسب أي نسب شريف.
الاعراب أمرتك فعل وفاعل ومفعول. والخير نصب بنزع الخافض. وافعل فعل أمر فاعله ضمير المتكلم. وما موصولة وأمرت فعل ماض مجهول. والتاء نائب الفاعل. وبه في محل نصب مفعول أمرت. وتركتك فعل وفاعل ومفعول. وذا مال مفعول ثان لتركتك. وذا نشب عطف على ذا مال (والشاهد فيه) كما في الذي قبله (والمعنى) قد تركتك ذا قدرة على فعل الخير لما خلفت لك من الأموال فافعل الخير فاني آمرك به.
وتقول استغفر الله ذنبي ، ومنه دخلت الدار. وتحذف مع أنّ وان كثيرا مستمرا.
وتضمر قليلا. ومما جاء من ذلك إضمار رب والباء في القسم وفي قول رؤبة خير إذا قيل له كيف أصبحت واللام في لاه أبوك بمعنى لله أبوك.
وهي ان وأن ولكن وكأن وليت ولعل. وتلحقها ما الكافة فتعزلها عن العمل ويبتدأ بعدها الكلام. قال الله تعالى : (أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ) وقال : (إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ) وقال ابن كراع :
تحلل وعالج ذات نفسك وانظرن
أبا جعل لعلما أنت حالم (1)
الاعراب تحلل فعل أمر فاعله أنت. وعالج عطف عليه. وذات نفسك مفعول عالج. وانظرن فعل أمر والنون فيه للتوكيد. وأبا جعل منادى مضاف بحرف نداء محذوف. ولعل مكفوفة عن العمل بما. وأنت مبتدأ. وحالم خبره (والشاهد فيه) ان لعل كفت عن العمل لدخول ما الكافة عليها (والمعنى) تحلل بالكفارة عما أقسمت عليه من قتلي وعالج نفسك للرجوع عن هذا العزم فانك كالحالم فيما توعدتني به لانك لا تستطيع ان تناله مني.
وقال :
أعد نظرا يا عبد قيس لعلما
أضاءت لك النار الحمار المقيدا (2)
الاعراب أعد فعل أمر فاعله أنت. ونظرا مفعوله. وعبد قيس منادى مضاف. ولعل مكفوفة بما. واضاء فعل ماض. والنار فاعله. والحمار مفعوله. والمقيد صفة حمار (والشاهد فيه) انه لما كف لعل عن العمل أولاها الفعل الذي لم يلها قبل ولا تكون ما هنا بمعنى الذي لان القوافي منصوبة ولا يجوز أن تكون لعل بمعنى الشأن وتكون ما نافية والحمار إسمها واضاءت الخبر لان ما لا يتقدم خبرها على اسمها (والمعنى) قال ابن يعيش وصفهم انهم أهل ذلة وضعف لا يأمنون من يطرقهم ليلا فلذلك قيدوا حمارهم وأطفؤوا نارهم. وفهم هذا المعنى من البيت بعيد جدا. وقال غيره يرمي هؤلاء القوم باتيان الأتن وتقييدها لذلك.
ومنهم من يجعل ما مزيدة ويعملها. إلا أن الإعمال في كأنما ولعلّما وليتما أكثر منه في إنما وأنما ولكنما. وروى بيت النابغة :
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا (1)
الاعراب قال فعل ماض. وفاعله ضمير المرأة وهي الزرقاء التي يضرب المثل بحدة بصرها. والا للاستفتاح. وليت مكفوفة بما. وهذا اسم اشارة. والحمام بدل أو عطف بيان. ولنا خبر المبتدأ. ونصفه عطف على الحمام. وقد خبر مبتدأ محذوف أي فهو حسب. ويجوز نصب الحمام على ان ليت عاملة فيه. والجار والمجرور خبرها. وهذا هو الشاهد في البيت.
على وجهين.
أن وإن هما تؤكدان مضمون الجملة وتحققانه إلا أن المكسورة الجملة معها على استقلالها بفائدتها ، والمفتوحة تقلبها إلى حكم المفرد. تقول إن زيدا منطلق وتسكت كما تسكت على زيد منطلق ، وتقول بلغني أن زيدا منطلق ، وحق أن زيدا منطلق ، فلا تجد بدّا من هذا الضميم كما لا تجده مع الإنطلاق ونحوه. وتعاملها معاملة المصدر حيث توقعها فاعلة ومفعولة ومضافا إليها في قولك بلغني أن زيدا منطلق ، وسمعت أن عمرا خارج. وعجبت من أن زيدا واقف. ولا تصدّر بها الجملة كما تصدر بأختها بل إذا وقعت في
1) تمامه إلى حمامتنا ونصفه فقد.
موضع المبتدأ التزم تقديم الخبر عليها فلا يقال أن زيدا قائم حق ، ولكن حق أن زيدا قائم.
والذي يميز بين موقعيهما أن ما كان مظنة للجملة وقعت فيه المكسورة كقولك مفتتحا إن زيدا منطلق ، وبعد قال لأن الجمل تحكى بعده ، وبعد الموصول لأن الصلة لا تكون إلا جملة. وما كان مظنة للمفرد وقعت فيه المفتوحة نحو مكان الفاعل ، والمجرور ، وما بعد لولا ، لأن المفرد ملتزم فيه في الإستعمال ، وما بعد لولان تقدير لو انك منطلق لانطلقت لو وقع أنك منطلق أي لو وقع انطلاقك ، وكذلك ظننت أنك ذاهب على حذف ثاني المفعولين. والأصل ظننت ذهابك حاصلا.
ومن المواضع ما يحتمل المفرد والجملة فيجوز فيه إيقاع أيتهما شئت نحو قولك أول ما أقول أني أحمد الله ، إن جعلتها خبرا للمبتدأ فتحت ، كأنك قلت أوّل مقولي حمد الله وان قدّرت الخبر محذوفا كسرت حاكيا ومنه قوله :
وكنت أرى زيدا كما قيل سيدا
إذا إنه عبد القفا واللهازم (1)
تكسر لتوفر على ما بعد إذا ما يقتضيه من الجملة ، وتفتح على تأويل حذف الخبر ، أي فإذا العبودية حاصلة وحاصلة محذوفة.
وتكسرها بعد حتى التي يبتدأ بعدها الكلام فتقول قد قال القوم ذلك حتى إن زيدا يقوله. وإن كانت العاطفة أو الجارّة فتحت فقلت قد عرفت أمورك حتى أنك صالح ، وعجبت من أحوالك حتى أنك تفاخرني.
1) تقدم الكلام عليه والشاهد فيه هنا جواز كسر همزة أن وفتحها بعد إذا الفجائية.
ولكون المكسورة للإبتداء لم تجامع لامه إلا إياها وقوله :
ولكنني من حبها لعميد (1)
اللغة العميد من عمده الحب إذا كسر قلبه.
الاعراب لكن حرف توكيد ونصب. والياء اسمها. وعميد خبرها. (والشاهد فيه) دخول اللام في خبر لكنني. قيل وذلك لأن أصل لكن إن زيدت عليها اللام والكاف فصارت لكن ، فكما جاز دخول اللام في خبر إن جاز دخول اللام في خبر لكن. وهذا ضعيف فانهم جوزوا دخول اللام في خبر ان لاتفاقهما في المعنى وهو التأكيد وانها لم تغير معنى الابتداء بخلاف لكن.
على أن الأصل ولكن أنني كما أن أصل قوله تعالى : (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي) لكن أنا. ولها إذا جامعتها ثلاثة مداخل : تدخل على الإسم ان فصل بينه وبين إن كقولك إن في الدار لزيدا وقوله تعالى : (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً ،) وعلى الخبر كقولك إن زيدا لقائم وقوله تعالى : (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ،) وعلى ما يتعلق بالخبر إذا تقدمه كقولك إن زيدا الطعامك آكل وإن عمرا لفي الدار جالس وقوله تعالى : (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ). وقول الشاعر :
إن امرأ خصّني عمدا مودّته
على التنائي لعندي غير مكفور (2)
اللغة التنائي البعد وكفران النعمة سترها بالجحود.
الاعراب امرأ اسم ان. وخصني فعل وفاعل ومفعول في محل نصب صفة امرأ. وعمدا تمييز أو مصدر في موضع الحال. ومودته نصب بنزع الخافض أي بمودته. وغير مكفور خبر ان.
(والشاهد فيه) دخول اللام على الظرف وهو لعندي والظرف يتعلق بمكفور لكنه لما تقدم عليه حسن دخول اللام عليه (والمعنى) من انعم عليّ نعمة قابلته عليها بالشكر ولم أكفرها بجحدها.
ولو أخرت فقلت آكل لطعامك أو غير مكفور لعندي لم يجز لأن اللام لا تتأخر عن الأسم والخبر.
وتقول علمت أن زيدا قائم فإذا جئت باللام كسرت وعلقت الفعل قال الله تعالى : (وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ) ومما يحكى من جراءة الحجاج على الله تعالى أن لسانه سبق في مقطع والعاديات إلى فتح فأسقط اللام.
ولأن محل المكسورة وما عملت فيه الرفع جاز في قولك إن زيدا ظريف وعمرا ، وإن بشرا راكب لا سعيدا أو بل سعيدا ، أن ترفع المعطوف حملا على المحل قال الله تعالى : (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ) وقال جرير :
إن الخلافة والنبوّة فيهم
والمكرمات وسادة أطهار (1)
الاعراب الخلافة اسم ان. والنبوة عطف عليه. وفيهم متعلق بمحذوف خبر إن أي كائنتين فيهم. والمكرمات بالرفع عطفا على محل اسم إن أو مبتدأ محذوفا خبره والتقدير وفيهم المكرمات. وقيل انه بالجر معطوف على ما في الخبر من الضمير. وضعفه المصنف وغيره. وقوله وسادة اطهار هو خبر مبتدأ محذوف أي وهم سادة اطهار (والشاهد فيه) انه رفع المكرمات عطفا على محل اسم إن.
وفيه وجه آخر ضعيف وهو عطفه على ما في الخبر من الضمير. ولكنّ تشايع إن في ذلك دون سائر أخواتها. وقد أجرى الزجاج الصفة مجرى المعطوف وحمل عليه قوله تعالى : (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ). وأباه غيره. وإنما يصح الحمل على المحل بعد مضي الجملة فإن لم تمض لزمك أن تقول ان زيدا وعما قائمان بنصب عمرو ولا غير.
1) اللغة النبوة فعولة من النبأ وهو الخبر ويروى. ان الخلافة والمروة فيهم. وهي الرواية الصحيحة. وسادة جمع سائد كقادة جمع قائد واطهار جمع أو اسم جمع طاهر.
وزعم سيبويه أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون انهم اجمعون ذاهبون وأنك وزيد ذاهبان وذاك أن معناه معنى الإبتداء ، فيرى أنه قال هم كما قال.
ولا سابق شيئا إذا كان جائيا (1)
وأما قوله تعالى : (وَالصَّابِئُونَ). فعلى التقديم والتأخير كأنه ابتداء والصابؤن بعد ما مضى الخبر وأنشدوا :
وإلا فاعلموا أنا وأنتم
بغاة ما بقينا في شقاق (2)
إذا جزت نواصي آل بدر
فأدوها واسرى في الوثاق
اللغة البغاة جمع باغ وهو الظالم من البغي وهو الطلب لأنه يطلب ما ليس له بحق والشقاق العداوة لأن كل واحد من المتعاديين يفعل ما يشق على الآخر أو من الشق بمعنى الجانب لأن كل واحد يكون في طرف غير طرف الثاني.
الاعراب وإلا أصله ان لا أبدلت النون لا ما وادغمت في اللام. واعلموا فعل أمر وفاعل جواب الشرط ولذلك دخلت عليه الفاء. وإنا مركب من إن واسمها. وانتم عطف على إنا.
وبغاة خبر إنا. والجملة في محل نصب مفعول اعلموا. وقوله في شقاق متعلق بمحذوف خبر ثان أي بغاة كائنون في شقاق. وما مصدرية. وبقينا فعل وفاعل (والشاهد فيه) العطف على محل اسم إن بعد مضي الخبر تقديرا (والمعنى) إذا جزرتم نواصي هؤلاء القوم فاطلقوا اسراهم والا فستستمر بيننا العداوة طول حياتنا.
ولا يجوز إدخال إنّ على أن فيقال إن أن زيدا في الدار إلا إذا فصل بينهما كقولك إن عندنا أن زيدا في الدار.
وتخففان فيبطل عملهما. ومن العرب من يعملهما. والمكسورة أكثر
إعمالا. ويقع بعدهما الإسم والفعل. والفعل الواقع بعد المكسورة يجب أن يكون من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر. وجوّز الكوفيون غيره. وتلزم المكسورة اللام في خبرها. والمفتوحة يعوّض عما ذهب منها أحد الأحرف الأربعة حرف النفي وقد وسوف والسين ، تقول إن زيد لمنطلق وقال الله تعالى : (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ) وقرىء : (وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) على الإعمال وأنشدوا :
فلو أنك في يوم الرخاء سألتني
فراقك لم أبخل وأنت صديق (1)
الاعراب لو حرف شرط. وان مخففة من الثقيلة. والكاف اسمها. وفي يوم الرخاء متعلق بسألتني. وسألتني فعل وفاعل ومفعول. والجملة خبر أن. وطلاقك مفعول ثان لسألتني. وابخل فعل مضارع مجزوم بلم. وفاعله ضمير المتكلم. والجملة جواب لو. وقوله وأنت صديق جملة ابتدائية وقعت حالا (والشاهد فيه) ان أن خففت وبرز اسمها والكثير فيها ان يكون اسمها ضمير الشأن (والمعنى) انك لو سألتني الطلاق في أيام الرخاء وسعة الحال لم أبخل عليك به مع ان الانسان في ايام رخائه أكثر ضنا بأهله ومن يعوله يصف نفسه بالكرم ويقول انه لا يرد سائلا.
وقال الله تعالى : (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ) وقال : (وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ) وقال : (وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ) وأنشد الكوفيون :
بالله ربّك إن قتلت لمسلما
وجبت عليك عقوبة المتعمد (2)
اللغة بالله ربك يروى بدله شلت يمينك وهو خبر معناه الدعاء أي أشل الله يمينه. ويروى ثكلتك أمك أي عدمتك. ووجبت يروى بدله حلت أي نزلت.
الاعراب بالله الباء حرف قسم. ولفظ الجلالة مقسم به. وربك صفته. وان مخففة من الثقيلة. وقتلت فعل وفاعل. وقوله لمسلما مفعوله. واللام فيه للابتداء وهي التي تفرق بين ان المخففة وان النافية. ووجبت فعل ماض. وعقوبة المتعمد فاعل. وعليك متعلق بوجبت (والشاهد فيه) دخول ان المخففة على غير الأفعال الناسخة وهذه طريقة الكوفيين. والبصريون يرون انها اذا خففت واهملت لا يليها غالبا إلا فعل ناسخ ماضيا كان أو مضارعا وتقييد ابن مالك له بالماضي لم يرتضه أحد لقوله تعالى (وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ونحوه مما هو في القرآن كثير (والمعنى) أقسم بالله لقد قتلت مسلما كاملا في الاسلام حلت عليك بسبب قتلك إياه عقوبة الجاني الذي تعمد الجناية.
ورووا إن تزينك لنفسك وإن تشينك لهيه. وتقول في المفتوحة علمت أن زيد منطلق والتقدير أنه زيد منطلق. وقال الله تعالى : (وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ). وقال :
في فتية كسيوف الهند قد علموا
أن هالك كلّ من يحفى وينتعل (1)
ودع هريرة إن الركب مرتحل
وهل تطيق وداعا أيها الرجل
قال العيني والبيت المستشهد به هكذا أورده النحاة سيبويه وغيره من المتقدمين والمتأخرين والذي ثبت في ديوانه ان عجز البيت هكذا (ان ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل).
وأما العجز الذي أوردوه فليس هو من كلام الأعشى وقد قيل انه من بيت لآخر وهو. أما ترانا حفاة لا نعال لنا. إنا كذلك لا نحفى وننتعل اه أقول ولعل العجز الذي أوردوه رواية في بيت الأعشى.
اللغة في فتية جمع فتى وهو الشاب. وحفي يحفى من باب علم يعلم إذا مشى بلا خف ولا نعل وينتعل من انتعل إذا لبس النعل وأراد بمن يحفى الفقراء المعدمون وبمن ينتعل الأغنياء الموسرون.
الاعراب في فتية يتعلق بغدوت في البيت قبله وهو :
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني
شاو مثل شلول شلشل شول
وقد غلط العيني في جعله في فتية في محل نصب على الحال من شاو وتجويزه أن يكون حالا من الضمير المنصوب في يتبعني. وقوله كسيوف الهند متعلق بمحذوف صفة فتية. وعلموا فعل وفاعل صفة فتية أيضا. وان مخففة من الثقيلة. واسمها ضمير الشأن. وهالك خبر مقدم. وكل مبتدأ مؤخر. ويحفى وينتعل صلة الموصول. والجملة من المبتدأ والخبر خبر أن المخففة. والجملة من أن واسمها وخبرها في محل نصب مفعول علموا (والشاهد فيه) مجيء أن مخففة وخبرها جملة (والمعنى) ذهبت إلى الحانوت غدوة في فتية كأنهم في المضاء سيوف الهند البواتر وكلهم قد علموا ان الناس كلهم إلى الموت لا يخلد في الدنيا أحد فهم لذلك لا يتأخرون عن اجابة داع إلى لذة وطرب.
1) هو للأعشى ميمون من معلقته التي أولها :
وعلمت أن لا يخرج زيد وأن قد خرج وان سوف يخرج وأن سيخرج قال الله تعالى : (أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ) وقال تعالى : (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى).
والفعل الذي يدخل على المفتوحة مشدّدة أو مخففة يجب أن يشاكلها في التحقيق كقوله تعالى : (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) قوله تعالى : (أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ). فإن لم يكن كذلك نحو أطمع وأرجو وأخاف فليدخل على أن الناصبة للفعل كقوله تعالى : (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي ،) وقولك أرجو أن تحسن إلي وأخاف أن تسيء إلي. وما فيه وجهان كظننت وحسبت وخلت فهو داخل عليهما جميعا تقول ظننت أن تخرج وأن ستخرج وأنك تخرج وقرىء قوله تعالى : (وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ). بالرفع والنصب.
وتخرج إن المكسورة إلى معنى أجل. قال :
ويقلن شيب قد علا
ك وقد كبرت فقلت إنّه (1)
بكر العواذل في الصبوح يلمنني وألومهنه
الاعراب يقلن فعل مضارع ونون النسوة فاعله. وشيب مبتدأ وقد حرف تحقيق. وعلاك فعل وفاعل ومفعول. والجملة خبر شيب. وقد كبرت عطف على شيب علاك. وقلت فعل وفاعل. وانه حرف جواب بمعنى نعم. والهاء للسكت (والشاهد فيه) مجيء ان حرف تصديق كما تأتي له أجل.
1) البيت لعبد الله بن قيس الرقيات من أبيات أولها :
وفي حديث عبد الله بن الزبير إن راكبها. وتخرج المفتوحة إلى معنى لعل كقولهم أئت السوق إنك تشتري لحما. وتبدل قيس وتميم همزتها عينا فتقول أشهد عنّ محمدا رسول الله.
هي للإستدراك لتوسطها بين كلامين متغايرين نفيا وإيجابا ، فيستدرك بها النفي بالإيجاب والإيجاب بالنفي وذلك قولك : ما جاءني زيد لكن عمرا جاءني ، وجاءني زيد لكن عمرا لم يجىء.
والتغاير في المعنى بمنزلته في اللفظ كقولك : فارقني زيد لكن عمرا حاضر ، وجاءني زيد لكن عمرا غائب ، وقوله عز وجل : (وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ ،) على معنى النفي وتضمن ما أراكهم كثيرا.
وتخفف فيبطل عملها كما يبطل عمل إن وأن ، وتقع في حروف العطف على ما سيجيء بيانها إن شاء الله تعالى.
هي للتشبيه ، ركبت الكاف مع أن كما ركبت مع ذا وأي في كذا وكأين. وأصل قولك كأن زيد الأسد أن زيدا كالأسد ، فلما قدمت الكاف فتحت لها الهمزة لفظا والمعنى على الكسر ، والفصل بينه وبين الأصل إنك ههنا بان كلامك على التشبيه من أول الأمر ، وثم بعد مضى صدره على الإثبات.
وتخفف فيبطل عملها قال :
ونحر مشرق اللون
كأن ثدياه حقّان (1)
اللغة نحر يروى بدله وصدر. ويروى ووجه ومشرق أي مضيء. وحقان تثنية حقة كما قالوا خصيان في تثنية خصية.
الاعراب ونحو الواو بمعنى رب. ونحر مجرور بها. ومشرق اللون صفة نحر. وأن مخففة من الثقيلة. واسمها ضمير الشأن. وثدياه مبتدأ. وحقان خبره. والجملة خبر ان (والشاهد فيه) كالشاهد في بيت. في فتية كسيوف الهند. (والمعنى) رب نحر مشرق اللون مضيئه كان ثديا صاحبه حقتان.
1) استشهد به سيبويه واغفل ذكر قائله.
ومنهم من يعملها قال :
كأن وريديه رشاء خلب (1)
ومعتد فظ غليظ القلب.
وبعده. تركته مجدلا كالكلب.
اللغة الوريدان عرقان يكتنفان صفحتي العنق في مقدمهما متصلان بالوتين يردان من الرأس اليه. والرشاء بالكسر والمد الحبل. والخلب بضم الخاء واللام وبتسكين اللام الليف.
الاعراب أن مخففة. ووريدية اسمها. ورشاء خبرها. وخلب جر باضافة رشاء إليه.
(والشاهد فيه) إعمال أن المخففة ويروى البيت كأن وريداه وعليه فلا شاهد فيه بل فيه شاهد على الغائها إذا خففت كما في الأبيات السابقة.
وفي قوله :
كأن ظبية تعطو إلى وارق السّلم (2)
اللغة توافينا من الموافاة وهي المقابلة بالاحسان والخير هكذا زعم العيني ولا أظنه الا قد اشتبه عليه. وافى يوفي فان وافى من الموافاة بمعنى الاتيان ومقسم أي جميل حسن. وتعطو أي تميل. والوارق المورق والسلم ضرب من الشجر.
الاعراب يوما نصب على الظرفية بعامل سبقه. وروي يوم على أنه مجرور بواو رب. وتوافينا فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى المرأة الممدوحة. ونا مفعوله. وبوجه متعلق بتوافينا. ومقسم صفة وجه. وأن مخففة. وظبية روي بالرفع والنصب والجر. فالرفع على أنها خبر كأن والتقدير كأنها ظبية. والنصب على أنها اسم كأن. والخبر قوله تعطو إلى وارق والجر على كون أن زائدة والكاف للتشبيه ولا يجوز على رواية الرفع جعل ظبية مبتدأ وجملة تعطو خبره لأن ظبية نكرة لا يجوز الابتداء به والشاهد والمعنى ظاهران.
ثلاثة أوجه الرفع والنصب والجر على زيادة أن.
ليت هي للتمني كقوله تعالى : (يا لَيْتَنا نُرَدُّ) ويجوز عند الفراء أن تجرى مجرى أتمنى فيقال ليت زيدا قائما كما يقال أتمنى زيدا قائما والكسائي يجيز ذلك على إضمار كأن والذي غرهما منها قول الشاعر :
يا ليت أيام الصبا رواجعا (1)
وقد ذكرت ما هو عليه عند البصريين.
وتقول ليت أن زيدا خارج وتسكت كما تسكت على ظننت أن زيدا خارج.
هي لتوقع مرجوّ أو مخوف ، وقوله عز وجل : (لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) و (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) ترج للعبادة ، وكذلك قوله عز وجل : (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى ،) معناه اذهبا أنتما على رجائكما ذلك من فرعون. وقد لمح فيها معنى التمني من قرأ فأطلع بالنصب. وهي في حرف عاصم.
وقد أجاز الأخفش لعل أن زيدا قائم. قاسها على بيت وقد جاء في الشعر :
لعلك يوما أن تلمّ ملمة
عليك من اللائي يدعنك أجدعا (2)
لعمري وما عمري بتأبين هالك
ولا جزعا مما أصاب فأوجعا
اللغة الملمة ما يلم بالانسان وينزل به من نوائب الدهر. والاجدع المقطوع الأنف.
الاعراب لعل حرف توكيد ونصب. والكاف اسمها. ويوما نصب على الظرفية. وأن مصدرية. وتلم فعل مضارع منصوب بأن. وملمة فاعل. والجملة خبر لعل. وعليك متعلق بقوله تلم. ومن اللائي متعلق بمحذوف صفة ملمة. ويدعنك فعل مضارع. ونون النسوة فاعل. والكاف مفعوله الأول. وأجدعا مفعوله الثاني. (والشاهد فيه) اقتران خبر لعل بأل اجراء لها مجرى عسى (والمعنى) لعلك أن تنزل بك يوما نازلة من نوازل الدهر اللواتي يشوهن وجه المعيشة ويكدرن صفو حياض الحياة فكنى عن ذلك بجدع الأنف.
قياسا على عسى.
وفيها لغات لعل وعل وعن وان ولأن ولعن ولغن. وعن أبي العباس أن أصلها عل زيدت عليها لام الإبتداء.
العطف على ضربين : عطف مفرد وعطف جملة على جملة. وله عشرة أحرف : فالواو والفاء وثم وحتى أربعتها على جمع المعطوف والمعطوف عليه في حكم ، تقول جاء بي زيد وعمرو ، وزيد يقوم ويقعد ، وبكر قاعد وأخوه قائم ، وأقام بشر وسافر خالد. فتجمع بين الرجلين في المجيء ، وبين الفعلين في إسنادهما إلى زيد ، وبين مضموني الجملتين في الحصول. وكذلك ضربت زيدا فعمرا ، وذهب عبد الله ثم أخوه ، ورأيت القوم حتى زيدا. ثم إنها تفترق بعد ذلك.
فالواو للجمع المطلق من غير أن يكون المبدوء به داخلا في الحكم قبل الآخر ، ولا أن يجتمعا في وقت واحد ، بل الأمران جائزان ، وجائز عكسهما ؛ نحو قولك جاءني زيد اليوم وعمرو أمس ، واختصم بكر وخالد ، وسيان قعودك وقيامك ، وقال الله تعالى : (وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ ،) وقال : (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً) والقصة واحدة.
وقال سيبويه ولم تجعل للرجل منزلة بتقديمك إياه يكون أولى بها من الحمار كأنك قلت مررت بهما.
والفاء وثم وحتى تقتضي الترتيب ، إلا أن الفاء توجب وجود الثاني بعد الأول بغير مهلة ، وثم توجبه بمهلة. ولذلك قال سيبويه مررت برجل ثم امرأة ، فالمرور ههنا مروران ، ونحو قوله تعالى : (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا ،) وقوله : (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى). محمول على أنه لما أهلكها حكم بأن البأس جاءها ، وعلى دوام الإهتداء وثباته.
الواجب فيها أن يكون ما يعطف بها جزءا من المعطوف عليه إما أفضله كقولك مات الناس حتى الأنبياء أو دونه كقولك قدم الحجاج حتى المشاة. أو ، إما ، أم :
ثلاثتها لتعليق الحكم بأحد المذكورين ، إلا أن أو وإما يقعان في الخبر والأمر والإستفهام نحو قولك جاءني زيد أو عمرو ، وجاءني إما زيد وإما عمرو ، واضرب رأسه أو ظهره ، واضرب إما رأسه وإما ظهره ، وألقيت عبد الله أو أخاه؟ وأم لا تقع إلا في الإستفهام إذا كانت متصلة ، والمنقطعة تقع في الخبر أيضا. تقول في الإستفهام أزيد عندك أم عمرو؟ وفي الخبر إنها لإبل أم شاء.
والفصل بين أو وأم في قولك أزيد عندك أو عمرو؟ وأزيد عندك أم عمرو؟ وأنك في الأول لا تعلم كون أحدهما عنده فأنت تسأل عنه ، وفي الثاني تعلم أن أحدهما عنده إلا أنك لا تعلمه بعينه فأنت تطالبه بالتعيين.
ويقال في أو وإمّا في الخبر أنّهما للشك ، وفي الأمر انهما للتخبير والإباحة. فالتخيير كقولك أضرب زيدا أو عمرا ، وخذ إما هذا وإما ذلك. والإباحة كقولك : جالس الحسن أو ابن سيرين ، وتعلم إما الفقه وإما النحو.
وبين أو وإما من الفصل انك مع أو يمضي أول كلامك على اليقين ثم يعترضه الشك ، ومع إما كلامك من أوله مبني على الشك. ولم يعد الشيخ أبو عليّ الفارسي إما في حروف العطف لدخول العاطف عليها ووقوعها قبل المعطوف عليه.
أخوات في أن المعطوف بها مخالف للمعطوف عليه. فلا تنفي ما وجب للأول كقولك : جاءني زيد لا عمرو. وبل للإضراب عن الأول منفيا أو موجبا كقولك : جاءني زيد بل عمرو وما جاءني بكر بل خالد. ولكن إذا عطف بها مفرد على مثله كانت للإستدراك بعد النفي خاصة كقولك : ما رأيت زيدا لكن عمرا. وأما في عطف الجملتين فنظيرة بل في مجيئها بعد النفي والإيجاب. تقول جاءني زيد لكن عمرو لم يجىء ، وما جاءني زيد لكن عمرو قد جاء.
وهي ما ولا ولم ولما ولن وإن فما لنفي الحال في قولك ما يفعل وما زيد منطلق أو منطلقا على اللغتين ولنفي الماضي المقرب من الحال في قولك ما فعل قال سيبويه أما ما فهي نفي لقول القائل هو يفعل إذا كان في فعل الحال وإذا قال لقد فعل فإن نفيه ما فعل فكأنه قيل والله ما فعل.
ولا لنفي المستقبل في قولك لا يفعل قال سيبويه وأما لا فتكون نفيا لقول القائل هو يفعل ولم يقع الفعل وقد نفي بها الماضي في قوله تعالى : (فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى). وقوله :
فأيّ أمر سيء لا فعله (1)
لا هم ان الحارث بن جبله
زنى على أبيه ثم قتله
وركب الشادخة المحجلة
وكان في جاراته لا عهد له
اللغة زنى أي ضيق. والشادخة الغرة. والمحجلة من التحجيل وهو بياض في قوائم الفرس.
الاعراب أي مبتدأ. وأمر جر بالاضافة إليه. وسيء صفة أمر. ولا نافية. وفعله فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الحارث. والهاء مفعوله. والضمير يعود إلى الأمر السيء. والجملة خبر المبتدأ (والشاهد فيه) مجيء لا لنفي الماضي وانما الأصل فيها نفي ما يتوقع حصوله (والمعنى) ان هذا الرجل ضيق على أبيه ثم عدا عليه فقتله وركب الخطة الشنعاء التي تشتهر في الناس اشتهار الغرة في الوجه والتحجيل في القوائم بانتهاك حرمة جاراته وانه لم يترك أمرا منكرا إلا فعله.
وتنفي بها نفيا عاما في قولك : لا رجل في الدار وغير عام في قولك :
لا رجل في الدار ولا امرأة ولا زيد في الدار ولا عمرو. ولنفي الأمر في قولك لا نفعل ويسمى النهي والدعاء في قولك لا رعاك الله.
ولم ولما لقلب معنى المضارع إلى الماضي ونفيه إلا أن بينهما فرقا وهو أن لم يفعل نفي الفعل ولما يفعل نفي قد فعل وهي لم ضمت إليها ما فازدادت في معناها أن تضمنت معنى التوقع والإنتظار واستطال زمان فعلها ألا ترى أنك تقول ندم ولم ينفعه الندم أي عقيب ندمه وإذا قلته بلما كان على معنى أن لم ينفعه إلى وقته ويسكت عليها دون أختها في قولك خرجت ولما أي ولما يخرج كما تسكت على قد في وكأن قد.
1) هو لعبد المسيح بن عسلة يذكر الحارث بن أبي شمر الغساني وكان إذا أعجبته امرأة من قيس أرسل اليها فاغتصبها. وقبله.
ولم لتأكيد ما تعطيه لا من نفي المستقبل تقول لا أبرح اليوم مكاني فإذا وكدت وشددت قلت لن أبرح اليوم مكاني قال الله تعالى : (لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ) وقال تعالى : (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي). وقال الخليل أصلها لا أن فخففت بالحذف وقال الفراء نونها مبدلة من ألف لا وهي عند سيبويه حرف برأسه وهو الصحيح.
وإن بمنزلة ما في نفي الحال وتدخل على الجملتين الفعلية والإسمية كقولك : إن يقوم زيد وإن زيد قائم قال الله تعالى : (إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً) وقال تعالى : (إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَ). وقال عز وجل : (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ). ولا يجوز إعمالها عمل ليس عند سيبويه وأجازه المبرد.
وهي ها وألا وأما. تقول ها ان زيدا منطلق ، وها أفعل كذا ، وألا إنّ عمرا بالباب ، وأما انك خارج ، وألا لا تفعل كذا ، وأما والله لأفعلن ، قال النابغة :
ها انّ تا عذرة إن لم تكن نفعت
فإن صاحبها قد تاه في البلد (1)
الاعراب ها حرف تنبيه. وان زائدة. وتا إسم إشارة مبتدأ. والمشار إليه ما ذكره قبل وهو :
ما ان أتيت بشيء أنت تكرهه
إذا فلا رفعت سوطي إلى يدي
وعذرة خبر. وتكن مجزوم بلم. واسمه ضمير يعود إلى العذرة. وجملة نفعت خبرها. وصاحبها اسم ان. وجملة قد تاه خبرها (والشاهد فيه) هنا ظاهر وقد يستشهدون به على أن الفصل بين ها وتا بغير إن وأخواتها جائز على قلة (والمعنى) هذه معذرتي أرفعها اليك فان لم تقبلها وترض عني فاني أضل في بلدي لشدة الخوف منك.
وقال :
ونحن اقتسمنا المال نصفين بيننا
فقلت لهم هذا لها ها وذا ليا (2)
الاعراب نحن مبتدأ. واقتسمنا فعل ماض. ونا فاعله. والمال مفعوله. ونصفين نصب على الحال. وبين نصب على الظرف. وقلت فعل وفاعل. ولهم متعلق به. وهذا اسم اشارة مبتدأ. ولها متعلق بمحذوف خبر المبتدأ. وها حرف تنبيه. وقوله وذا ليا مثل هذا لها (والشاهد فيه) هنا ظاهر وربما استشهد به على قلة الفصل بين ها وذا بحرف العطف وهو الواو كما هنا فان أصل الكلام هذا لها وهذا ليا ففصل بين ها وذا بالواو فقيل ها وذا ليا.
وقال :
ألا يا اصبحاني قبل غارة سنجال (1)
وقبل منايا قد حضرن وأوجال.
اللغة أصبحاني أي أسقياني الصبوح وهو الشرب أول النهار. ويروى اسقياني. وأما رواية أصيحابي فهي تصحيف أصبحاني. وسنجال موضع بناحية أذربيجان أو اسم رجل من بني عبد مناة أصيب باذربيجان مع سعيد بن العاص أو مع الأشعث بن قيس الكندي. ومنايا جمع منية. وأوجال جمع وجل.
الاعراب الا حرف استفتاح ويا حرف نداء والمنادى محذوف أي يا هؤلاء. وأصبحاني فعل أمر وفاعل ومفعول. وغارة جر باضافة قبل اليه. وسنجال جر باضافة غارة إليه. وحضرن فعل ماض. ونون النسوة فاعله. وأوجال عطف على منايا (والشاهد فيه) ظاهر.
وقال :
أما والذي ابكى وأضحك والذي
أمات واحيا والذي امره الأمر (2)
لليلى بذات البين دار عرفتها
وأخرى بذات الجيش آياتها صفر
الاعراب أما حرف استفتاح والواو حرف قسم والذي اسم موصول مقسم به. وأبكى فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الموصول. والجملة صلة الموصول. وأضحك عطف على أبكى. وقوله والذي عطف على الموصول الأول وامره مبتدأ. والأمر خبره. والجملة صلة الموصول والمقسم عليه هو المذكور في البيت بعده وهو.
لقد تركتني أحسد الوحش ان أرى
اليفين منها لا يروعهما الذعر
وموضع الاستشهاد فيه ظاهر.
وأكثر ما تدخل ها على اسماء الإشارة والضمائر كقولك هذا وهذه وها أناذا وها هو وها أنت ذا وها هي ذه وما أشبه ذلك.
ويحذفون الألف من أما فيقولون أم والله وفي كلام هجرس بن كليب أم وسيفي وزريه ، ورمحي ونصليه ، وفرسي وأذنيه ، لا يدع الرجل قاتل أبيه ، وهو ينظر إليه ، ويبدل بعضهم من همزته هاء فيقول هما والله وهم والله وبعضهم عينا فيقول عما والله وعم والله.
وهي يا وايا وهيا وأي والهمزة ووا. فالثلاثة الأول لنداء البعيد أو من هو بمنزلته من نائم أو ساه ، فإذا نودي بها من عداهم فلحرص المنادى على إقبال المدعو عليه ومفاطنته لما يدعوه له. وأي الهمزة للقريب. ووا للندبة خاصة.
وقول الداعي : يا رب ويا ألله ، استقصار منه لنفسه ، وهضم لها واستبعاد عن مظان القبول والإستماع ، واظهار للرغبة في الإستجابة بالجؤار.
عددها : نعم وبلى وأجل وجير وأي وإنّ.
فأما نعم فمصدقة لما سبقها من كلام منفي أو مثبت. تقول إذا قال قام زيد أو لم يقم : نعم تصديقا لقوله. فكذلك إذا وقع الكلامان بعد حرف الإستفهام إذا قال : أقام زيد أو ألم يقم؟ فقلت : نعم. فقد حققت ما بعد الهمزة.
وبلى إيجاب لما بعد النفي. تقول لمن قال لم يقم زيدا أو ألم يقم؟
بلى. قد قام وقال الله تعالى : (بَلى قادِرِينَ). أي نجمعها.
وأجل لا يصدق بها إلا في الخبر خاصة يقول القائل قد أتاك زيد فتقول أجل. ولا تستعمل في جواب الإستفهام.
وجير نحوها بكسر الراء ، وقد تفتح. قال :
وقلن على الفردوس أول مشرب
أجل جير أن كانت أبيحت دعاثره (1)
اللغة الفردوس روضة باليمامة. ودعائر جمع دعثور كعصفور وهو الحوض المتثلم والضمير فيه إلى الحوض.
الاعراب وقلن فعل ماض ونون النسوة فاعله وهو معطوف على تحمل في البيت قبله وهو :
تحمل من ذات التنانير أهلها
وقلص عن نهي الدفينة حاضره
وعلى الفردوس خبر مقدم. وأول مشرب مبتدأ مؤخر. وأجل حرف تصديق وجير مثله مبني على الفتح. وكان فعل ماض فعل الشرط. ودعاثر اسمها. وجواب الشرط وهو أبيحت خبرها. وفاعل أبيحت ضمير يعود إلى الدعاتر (والشاهد فيه) استعمال جير بفتح الراء (والمعنى) قالت النسوة لما ارتحلن من ذات التنانير أول مشرب نرده الفردوس نعم ان ذلك حقي ان كانت حياض ذلك الروض مباحة لم يمنعها أحد والا فلا سبيل إلى الشرب منها وورودها.
ويقال جير لأفعلن بمعنى حقا.
وأي لا تستعمل إلا مع القسم ، إذا قال لك المستخبر هل كان كذا؟ قلت أي والله ، وأي والله ، وأي لعمري ، وأي ها الله ذا.
وكنانة تكسر العين من نعم. وفي قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما قال نعم. وحكى أن عمر سأل قوما عن شيء فقالوا نعم
بالفتح ، فقال إنما النعم الإبل ، فقالوا نعم. وعن النضير بن شميل أن نحم بالحاء لغة ناس من العرب.
وفي أي والله ثلاثة أوجه : فتح الياء ، وتسكينها ، والجمع بين ساكنين هي ولام التعريف المدغمة وحذفها
وهي إلا وحاشى وعدا وخلا في بعض اللغات.
وهما الكاف والتاء اللاحقتان علامة للخطاب في نحو ذاك وذلك وأولئك وهناك وهاك وحيهلك والنجاك ورويدك ورأيتك وإياك وفي أنت وأنت.
وتلحقهما التثنية والجمع والتذكير والتأنيث كما تلحق الضمائر. قال الله تعالى : (ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ،) وقال : (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) ، وقال : (فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ) وقال (عن تلكما الجنة) وقال (أولئك جعلنا لكم) وقال (كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ). وتقول أنتما وأنتم وأنتن.
ونظير الكاف الهاء والياء ، وتثنيتهما ، وجمعهما ، في إياه وإياي على مذهب أبي الحسن.
إن وأن وما ولا ومن والباء.
في نحو قولك : ما أن رأيت زيدا. الأصل ما رأيت زيدا. ودخول أن صلة أكدت معنى النفي. قال دريد :
ما إن رأيت ولا سمعت به
كاليوم هانيء أينق جرب (1)
الاعراب ما نافية. وان صلة لتأكيد النفي. ورأيت فعل وفاعل. وهانيء مفعوله. وأنيق جر بالاضافة إليه. وجرب صفة أنيق. وقوله ولا سمعت به عطف على رأيت (والشاهد فيه) ان إن زيدت في الكلام لتأكيد النفي. وعند المبرد هما حرفا نفي ترادفا (والمعنى) ما رأيت هانيء أينق جرب كالذي رأيته اليوم ولا سمعت به وكان رأي الخنساء أخت صخر تهنأ ابلا لها فقال فيها ذلك ثم خطبها من أبيها فعرض عليها ذلك فقالت ما كنت تاركة بني عمي كأنهم عوالي الرماح ومرتثة شيخ بني جثم هامة اليوم أوغد.
وعند الفرّاء إنهما حرفا نفي ترادفا كترادف حرفي التوكيد في أن زيدا لقائم. وقد يقال انتظرني ما ان جلس القاضي ، أي ما جلس بمعنى مدة جلوسه.
1) اللغة هانيء اسم فاعل من هنأ الابل يهنأها ويهنئها ويهنؤها هنأ وهناء بكسر الهاء أي طلاها بالهناء وهو ضرب من القطران. وأنيق جمع ناقة. وجرب جمع أجرب للمذكر. وجرباء للأنثى ، والأجرب من به جرب ، وهو بثور تعلو أبدان الناس والابل.
وتقول في زيادة أن لما أن جاء أكرمته وأما والله أن لو قمت لقمت.
وغضبت من غير ما جرم ، وجئت لأمر ما ، وإنما زيد منطلق ، وأينما تجلس أجلس ، وبعين ما أرينك ، وقال تعالى : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ ،) وقال تعالى : (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ ،) وقال تعالى : (عَمَّا قَلِيلٍ ،) وقال تعالى : (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ ،) وقال : (وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ،) وقال : (مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ).
وقال تعالى : (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ). أي لأن يعلم أهل الكتاب ، وقال تعالى : (فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ). وقال العجاج :
في بئر لا حور سرى وما شعر (1)
الاعراب في بئر جار ومجرور متعلق بسرى. ولا زائدة. وحور مجرور باضافة بئر اليه. وسرى فعل ماض فاعله ضمير فيه. وجملة وما شعر عطف على جملة سرى (والشاهد فيه) زيادة لا في بئر قوله بين المتضايفين لا حور (والمعنى) ان هذا الرجل سرى في بئر هلكة وما علم بذلك وانه سيصير إلى الهلاك.
ومنه ما جاءني زيد ولا عمرو ، وقال الله تعالى : (لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ ،) وقال الله تعالى : (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ).
وتزاد من عند سيبويه في النفي خاصة لتأكيده وعمومه ، وذلك نحو قوله تعالى : (ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ). والإستفهام كالنفي قال الله تعالى :
(هَلْ مِنْ مَزِيدٍ). وقال تعالى : (هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ). وعن
1) اللغة الحور الهلكة. وسرى من السرى وهو السير ليلا.
الأخفش زيادته في الإيجاب.
وزيادة الباء لتأكيد النفي والإيجاب في نحو ما زيد بقائم. وقالوا بحسبك درهم ، وكفى بالله.
وهما أي وأن.
تقول في نحو قوله تعالى : (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ.)
أي من قومه كأنك قلت : تفسيره من قومه ، أو معناه من قومه. قال الشاعر :
وترمينني بالطرف أي أنت مذنب
وتقلينني لكنّ إياك لا أقلي (1)
اللغة ترمينني بالطرف يريد انها نظرت إليه نظرة مغضب بطرف عينها. وتقلينني من القلي وهو غاية البغض والكراهة يقال قلاه يقليه مثل رماه يرميه وقليه يقلاه مثل رضيه يرضاه وقلاه يقلوه مثل رجاه يرجوه.
الاعراب ترمينني فعل مضارع مرفوع. والنون فاعله. والياء مفعوله. وبالطرف متعلق به. وأي حرف تفسير. وأنت مذنب جملة من مبتدأ وخبر مفسرة للجملة الفعلية. وتقلينني مثل ترمينني. ولكن من اخوات إن. واسمها ضمير شأن محذوف. والجملة بعدها خبرها. وإياك مفعول أقلي وأقلي فعل مضارع فاعله ضمير المتكلم والتقدير لكنه لا أقليك. وعلى هذا جرى ابن يعيش في شرح كتاب المفصل وأقرب من هذا أن يجعل اسم لكن المحذوف ضمير المتكلم والتقدير لكنني لا أقليك (والشاهد فيه) ان أي هنا حرف تفسير جاء ما بعدها تفسيرا لما قبلها وذلك لأن معنى ترمينني بالطرف أي تنظرين إليّ نظر مغضب ولا يكون ذلك إلا عن ذنب.
1) لم يعزه أحد ممن استشهد به إلى قائله.
وأما أن المفسرة فلا تأتي إلا بعد فعل في معنى القول كقولك ناديته أن قم ، وأمرته أن أقعد ، وكتبت إليه أن أرجع. وبذلك فسر قوله عز وجل : (وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا ،) وقوله تعالى : (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ).
وهما ما وأن في قولك اعجبني ما صنعت وما تصنع ، أي صنيعك. وقال الله تعالى : (ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) أي برحبها. وقد فسر به قوله عز وجل : (وَالسَّماءِ وَما بَناها). وقال الشاعر :
يسرّ المرء ما ذهب الليالي
وكان ذهابهن له ذهابا (1)
الاعراب يسر فعل مضارع. والمرء مفعوله. وما مصدرية. وذهب فعل ماض. والليالي فاعله. والجملة في تأويل مصدر فاعل يسر أي يسر المرء ذهاب الليالي. وذهابهن اسم كان. وذهابا خبرها. وله متعلق بذهابا (والشاهد والمعنى) ظاهران.
وتقول : بلغني أن جاء عمرو ، وأريد أن تفعل ، وأنه أهل أن يفعل ، أي أهل الفعل وقال الله تعالى : (فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا).
وبعض العرب يرفع الفعل بعد أن تشبيها بما قال الشاعر :
أن تقرآن على أسماء ويحكما
مني السّلام وأن لا تشعرا أحدا (2)
اللغة أسماء اسم محبوبته. وويح كلمة رحمة. وويل كلمة عذاب. وقيل بل هما بمعنى واحد.
الاعراب ان حرف مصدري ملغى عن العمل. وتقرآن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والألف فاعله. والجملة في محل نصب بدل من حاجة في البيت قبله وهو :
ان تحملا حاجة لي خف محملها
تستوجبا نعمة عندي بها ويدا
أو في محل رفع خبر هي المقدرة. وعلى أسماء متعلق بتقرآن وويح نصب على المصدرية. ومني متعلق بتقرآن. والسّلام مفعول تقرآن. وقوله وأن لا تشعرا أحدا عطف على ان تقرآن. (والشاهد فيه) انه أجرى أن المصدرية مجرى ما فابقى الفعل بعدها مرفوعا بالنون. ولو نصب بها لحذف النون. وهذه لغة بعض العرب. وزعم الكوفيون ان أن هذه هي المخففة الا أنها اتصلت بالفعل شذوذا. أقول والصواب ان ان هي المصدرية وأنها عاملة لا ملغاة وانما منع من ظهور أثر عملها الضرورة الشعرية. ولو كان من مذهب بعض العرب ومنهم هذا الشاعر اهمال أن حملا على المصدرية لم يعملها في موضعين ويهملها في موضع واحد. ألا ترى انه قال ان تحملا ثم قال وان لا تشعرا فان قيل انه ترك ذلك لضرورة الشعر قلنا ليس العدول عن الكثير المستعمل إلى النادر الشاذ للضرورة أولى من العكس فلم جوزتم أحدهما ومنعتم الآخر ، سيما وانه لم يرد ذلك في كلام منثور. ولو انه ورد لكان ومع ان إعمالها هو القياس المتبع المطرد المتفق عليه ، فكيف يثبت خلافه لوروده في مواضع محصورة مع قيام ضرورة تسوغ العدول عن الأصل. وأما قول الكوفيين إن أن هنا هي المخففة إلى آخر ما ذكروه فمع انه قول بلا دليل فهو خروج من ورطة إلى ما هو أشد منها وادهى.
وعن مجاهد أن يتم الرضاعة بالرفع.
وهي لو لا ولوما وهلا وألا. تقول : لو لا فعلت كذا ، ولوما ضربت زيدا ، وهلا مررت به ، وألا قمت تريد استبطاءه وحثه على الفعل.
ولا تدخل إلا على فعل ماض أو مستقبل قال الله تعالى : (لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ ،) وقال الله تعالى : (لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ ،) وقال تعالى : (فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها). دخل لو لا على ترجعونها.
وإن وقع بعدها اسم منصوب أو مرفوع كان بإضمار رافع أو ناصب كقولك لمن ضرب قوما : لو لا زيد أي لو لا ضربته. قال سيبويه وتقول لو لا خيرا من ذلك ، وهلا خيرا من ذلك ، أي هلا تفعل خيرا من ذلك ، قال ويجوز رفعه على معنى هلا كان منك خير من ذلك. وقال جرير :
تعدّون عقر النيب أفضل مجدكم
بني ضوطرى لو لا الكميّ المقنّعا (1)
اللغة عقر الناقة إذا ضرب قوائمها بالسيف وربما قيل عقر الناقة بمعنى نحرها. والنيب جمع ناب وهي الناقة المسنة. وضوطرى هو الرجل الضخم اللئيم الذي لا غناء عنه ، ويقال يا ابن ضوطرى أي يا ابن الأمة. والكمي الشجاع المتكمي في سلاحه أي المتستر به. والمقنع الذي على رأسه البيضة والمغفر.
الاعراب تعدون فعل مضارع والواو فاعله. وعقر النيب مفعول أول. وأفضل مفعول ثان. وفي هذا دليل على أن عدّ تتعدى إلى مفعولين ولا يجوز جعل أفضل حالا كما قيل في قول عبيد (لا أعد الاقتار عدما ولكن) لأن الحال يجب تنكيرها. والكمي منصوب على انه مفعول لتعدون المقدر بتقدير مضاف. والمفعول الثاني محذوف أي لو لا تعدون عقر الكمي أفضل مجدكم. والمقنعا صفة الكمي (والشاهد فيه) تقدير الفعل بعد لو لا التحضيضية (والمعنى) انكم تعتقدون ان عقر الإبل المسنة أفضل مجدكم على انها لا ينتفع بها ولا يرجى نسلها هلا تعدون قتل الشجعان أفضل مجدكم وهذا تعريض بجبنهم وضعفهم.
وللو لا ولوما معنى آخر وهو امتناع الشيء لوجود غيره. وهما في هذا الوجه داخلتان على اسم مبتدأ كقولك لو لا علي لهلك عمر.
1) نسبه هنا لجرير وهو الصواب. وزعم ابن الشجري انه للأشهب بن زميلة وليس ذلك بصواب.
قد تقرّب الماضي من الحال إذا قلت قد فعل ، ومنه قول المؤذن قد قامت الصلاة لا بد فيه من معنى التوقع. قال سيبويه وأما قد فجواب هل فعل؟ وقال أيضا : فجواب لما يفعل. وقال الخليل هذا الكلام لقوم ينتظرون الخبر.
وتكون للتقليل بمنزلة ربما إذا دخلت على المضارع كقولهم ان الكذوب قد يصدق.
ويجوز الفصل بينه وبين الفعل بالقسم كقولك : قد والله أحسنت ، وقد لعمري بت ساهرا. ويجوز طرح الفعل بعدها إذا فهم كقوله :
أفد الترحل غير أن ركابننا
لما تزل برحالنا وكأن قد (1)
امن آل مية رائح أو مغتدي
عجلان ذا زاد وغير مزود
اللغة أفد بمعنى قرب. ويروى أزف وهو مثله وزنا. ومعنى والترحل الرحيل. والركاب الإبل واحدتها راحلة من غير لفظها وليس لها واحد من لفظها.
الاعراب أفد فعل ماض. والترحل فاعله. وغير نصب على الاستثناء المنقطع. وان حرف توكيد ونصب. وركابنا اسمها. ولما حرف جزم. وتزل مضارع مجزوم بلما واسمها ضمير فيها يعود إلى الرجال. وبركابنا خبر تزل. والباء فيه للمصاحبة. وأن مخففة من الثقيلة والا فصح الغاؤها. وان أعملت فضمير الشأن المقدر اسمها والجملة المحذوفة بعد قد خبرها والتقدير وكأنها قد زالت. ونقل عن ابن جني في الخصائص انه جوز ان تكون قد هنا بمعنى حسبي وعليه فتكون قد هي الخبر نفسها والتقدير وكان ذلك حسبي (والشاهد فيه) طرح الفعل بعد قد لدلالة الكلام عليه وقد علمت بما نقلناه عن ابن جني انه غير متعين (والمعنى) قرب الرحيل الا ان ركابنا ورحالنا لم تنتقل وكأنها قد انتقلت وزالت.
1) هو للنابغة الذبياني من قصيدة أولها :
وهي سوف والسين وأن ولا ولن. قال الخليل أن سيفعل جواب لن يفعل ، كما أن يفعل جواب لا يفعل ، لما في لا يفعل من اقتضاء القسم.
وفي سوف دلالة على زيادة تنفيس ، ومنه سوّفته كما قيل من آمين أمن.
وأن تدخل على المضارع والماضي فيكونان معه في تأويل المصدر. وإذا دخل على المضارع لم يكن إلا مستقبلا كقولك أريد أن تخرج ، ومن ثم لم يكن منها بدّ في خبر عسى. ولما انحرف الشاعر في قوله :
عسى طيء من طيء بعد هذه
ستطفىء غلات الكلى والجوانح (1)
اللغة طيء اسم قبيلة والمشار إليه بهذه الحالة المذكورة في الأبيات السابقة وهي :
لبئس نصيب القوم من أخويهم
طراد الحواشي واستراق النواضح
وما زال من قتلى رزاح بعالج
دم ناقع أو جاسد غير ماصح
دعا الطير حتى أقبلت من ضرية
دواعي دم مهراقه غير بارح
وغلات جمع غلة وهي حرارة العطش. والكلى جمع كلية. والجوانح جمع جانحة وهي الضلوع القصار.
الاعراب عسى من الأفعال الناقصة. وطيء اسمها. وبعد نصب على الظرفية. وهذه في محل جر بالاضافة إليه. وقوله ستطفيء السين للتقريب وتطفىء فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى طيء الأولى. وغلات مفعوله منصوب بالكسرة. والكلى مجرور تقديرا بالاضافة إليه.
والجوانح عطف على الكلى. ومن طيء متعلق بقوله ستطفىء (والشاهد فيه) انه لما لم يكن بد من دخول أن في خبر عسى ولم يتمكن الشاعر من الاتيان بها لمكان الوزن اعتاض عنها بالسين لاشتراكهما في افادة معنى الاستقبال (والمعنى) عسى طيء أن تطفىء من طيء غلات الكلى والجوانح بأخذ ثار من قتل منهم وعدم الاجتزاء من صاحبهم بطرد الإبل وسرقة النواضح التي يستقى عليها الماء فان هذا لا يغنيهم شيئا.
1) البيت لقسام بن رواحة القيسي من شعراء الحماسة.
عما عليه الإستعمال جاء بالسين التي هي نظيرة أن.
وهي مع فعلها ماضيا أو مضارعا بمنزلة أن مع ما في حيزها.
وتميم وأسد يحولون همزتها عينا فينشدون بيت ذي الرمة :
أأن ترسّمت من خرقاء منزلة (1)
اللغة ترسمت الدار إذا تأملت رسمها. وخرقاء صاحبة ذي الرمة. والصبابة رقة الشوق. ومسجوم مصبوب.
الاعراب الهمزة للاستفهام. وان مصدرية. وترسمت فعل وفاعل. ومنزلة مفعوله. وان وما بعدها في تأويل مصدر أي لتوسمك من خرقاء. وماء مبتدأ. والصبابة جر بالاضافة إليه. ومسجوم خبره ومن عينيك متعلق به.
أعن ترسمت ، وهي عنعنة بني تميم.
وقد مرّ الكلام في لا ولن.
1) تمامه ماء الصبابة من عينيك مسجوم.
وهما الهمزة وهل في نحو قولك أزيد قائم؟ وأقام زيد؟ وهل عمرو خارج؟ وهل خرج عمرو؟ والهمزة أعم تصرّفا في بابها من أختها. تقول أزيد عندك أم عمرو؟ وأزيدا ضربت؟ وأتضرب زيدا وهو أخوك؟ وتقول لمن قال لك مررت بزيد : أبزيد ، وتوقعها قبل الواو والفاء وثم. قال الله تعالى : (أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً) ، وقال : (أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) ، وقال تعالى : (أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ). ولا تقع هل في هذه المواضع.
وعند سيبويه أن هل بمعنى قد إلا أنهم تركوا الألف قبلها لأنها لا تقع إلا في الإستفهام. وقد جاء دخولها عليها في قوله :
سائل فوارس يربوع بشدّتنا
أهل روانا بسفح القاع ذي الأكم (1)
اللغة الفوارس الفرسان. ويربوع أبو قبيلة. والشدة بفتح الشين الحملة الشديدة.
والسفح منقطع الجبل وغيره. والقاع الأرض. والأكم جمع أكمة وهي ما نشز عن الأرض قليلا.
الاعراب سائل فعل أمر فاعله ضمير المتكلم. وفوارس مفعوله. ويربوع جر بالاضافة إليه. وبشدتنا متعلق بسائل. وقوله أهل الهمزة للاستفهام التقريري وهو تقرير حصول مضمون ما بعدها. وهل بمعنى قد. ورأونا فعل ماض وفاعل ومفعول. ويسفح القاع متعلق برأونا. وذي الاكم صفة القاع (والشاهد فيه) اجتماع همزة الاستفهام وهل وقد استشهد المصنف بهذا البيت على مجيء هل بمعنى قد في تفسيره عند الكلام على قوله تعالى (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) (والمعنى) اسأل فوارس هذه القبيلة عن حملتنا التي حملناها عليهم هل كانت قوية فقد رأونا بسفح تلك الأكمات وعرفوا مقدار شدتنا في حملتنا وصبرنا على ما نلاقيه من مصائب الحروب.
1) البيت لم يعزه أحد إلى قائل.
وتحذف الهمزة إذا دل عليها الدليل قال عمر بن أبي ربيعة :
لعمرك ما أدري وان كنت داريا
بسبع رمين الجمر أم بثمان (1)
اللغة لعمرك يروى بدله فو الله وان كنت داريا يروى وان كنت حاسبا.
الاعراب عمرك مبتدأ ، وخبره محذوف وجوبا تقديره قسمي. وما نافية. وادري مرفوع تقديرا. وان حرف شرط جازم. وكنت كان الناقصة واسمها. وداريا خبرها. وجواب الشرط يدل عليه السياق. والجملة معترضة بين ادري ومعمولها. وقوله بسبع على حذف همزة الاستفهام أي أبسبع. وبسبع متعلق برمين. ورمين فعل وفاعل والضمير يعود إلى البنان المذكور في البيت قبله وهو :
بدالي منها معصم حين جمرت
وكف خضيب زينت ببنان
قال البدر الدماميني أو إلى المرأة وصواحباتها. والجمر مفعول رمين. وقوله ام بثمان عطف على بسبع (والشاهد فيه) حذف همزة الاستفهام من قوله بسبع حين دل الدليل عليها وهو أم في قوله أم بثمان فان أم لا تأتي الا ولها معادل.
وللإستفهام صدر الكلام لا يجوز تقدم شيء مما في حيزه عليه لا تقول ضربت أزيدا وما أشبه ذلك.
1) البيت كما قال المصنف لعمر بن أبي ربيعة القرشي من أبيات شبب فيها بعائشة بنت طلحة بن عبيد الله ، وقد كان يتعشقها وكانت من أجمل نساء زمانها.
وهما إن ولو يدخلان على جملتين فيجعلان الأولى شرطا والثانية جزاء كقولك : إن تضربني أضربك ، ولو جئتني لأكرمتك - خلا أنّ إن تجعل الفعل للإستقبال وان كان ماضيا ولو تجعله للمضي وإن كان مستقبلا كقوله تعالى : (لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ). وزعم الفراء أن لو تستعمل في الإستقبال كإن.
ولا يخلو الفعلان في باب إن من أن يكونا مضارعين ، أو ماضيين ، أو أحدهما مضارعا والآخر ماضيا. فإذا كانا مضارعين فليس فيهما إلا الجزم ، وكذلك في أحدهما إذا وقع شرطا ، فإذا وقع جزاء ففيه الجزم والرفع. قال زهير :
وإن أتاه خليل يوم مسألة
يقول لا غائب مالي ولا حرم (1)
قف بالديار التي لم يعفها القدم
بلى وغيرها الأرواح والديم
اللغة الخليل الفقير ذو الخلّة ، يقال اختل الرجل إذا قصر واحتاج. والحرم بفتح الراء وكسرها الممنوع وقيل الحرام كأنه قال ليس بحرام أن يعطي سائله منه وكأن الحرم بالفتح مصدر وبالكسر صفة.
الاعراب ان حرف شرط جازم. وأتاه فعل ماض. والهاء مفعوله. والضمير فيه إلى الممدوح. وخليل فاعل. ويوم مسغبة نصب على الظرفية. ويقول فعل مضارع فاعله ضمير الممدوح. ولا نافية. وغائب مبتدأ. ومالي خبر. وقوله ولا حرم عطف عليه. والجملة في محل نصب بالقول. (والشاهد فيه) رفع المضارع الواقع جزاء للشرط ويجوز فيه الجزم أيضا (والمعنى) انه ان أتاه سائل يسأله لم يتعذر بغيبة ماله عن اعطائه ولم يحرمه.
1) البيت له من قصيدة طويلة يمدح بها هرم بن سنان المري أولها :
وإن كان الجزاء أمرا ، أو نهيا ، أو ماضيا صريحا ، أو مبتدأ وخبرا ، فلا بدّ من الفاء كقولك : إن أتاك زيد فأكرمه ، وإن ضربك فلا تضربه ، وإن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس ، وإن جئتني فأنت مكرم. وقد تجيء الفاء محذوفة في الشذوذ كقوله :
من يفعل الحسنات الله يشكرها (1)
الاعراب من شرطية. ويفعل فعل مضارع فعل الشرط مجزوم. وانما كسر لالتقاء الساكنين. وفاعله ضمير فيه يعود إلى من. والحسنات مفعوله. والله مبتدأ وجملة يشكرها خبره. والجملة جواب الشرط. وقوله والشر هو مبتدأ. وبالشر الباء فيه للمقابلة كما تقول قابلت احسانه بضعفه. ومثلان خبر المبتدأ (والشاهد فيه) انه حذف الفاء من جواب الشرط ضرورة أي فالله يشكرها. ومنع ذلك أبو العباس المبرد فقال لا يجوز ذلك حتى في الشعر.
وزعم أن البيت صحفه الرواة وأصله (من يفعل الخير فالرحمن يشكره). وأجاز ذلك غيره والجواز أقرب إلى الصواب وشواهده في العربية كثيرة والله أعلم.
ويقام إذا مقام الفاء قال الله تعالى : (إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ).
ولا تستعمل إن إلا في المعاني المحتملة المشكوك في كونها ولذلك قبح إن احمرّ البسر كان كذا ، وإن طلعت الشمس آتك إلا في اليوم المغيم.
1) عزاه سيبويه في كتابه وتبعه شارحوه لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت. ورواه جماعة لكعب بن مالك الانصاري. وتمامه. والشر بالشر عند الله مثلان.
وتقول إن مات فلان كان كذا ، وإن كان موته لا شبهة فيه إلا أن وقته غير معلوم فهو الذي حسن فيه.
وتجيء إن مع زيادة ما في آخرها للتأكيد قال الله تعالى : (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً). وقال :
فإمّا تريني أزجي ظعينتي (1)
اللغة أزجي من الازجاء وهو السوق برفق ولين. والظعينة المرأة في الهودج. والمفرع هنا المنحدر وهو من الاضداد.
الاعراب ان حرف شرط جازم. وما زائدة. وتريني فعل مضارع مجزوم وضمير المخاطب فاعله والنون للوقاية والياء مفعوله. واليوم نصب على الظرفية. وازجي فعل مضارع فاعله ضمير المتكلم. ومطيتي مفعوله. والجملة حال من ضمير المفعول. هذا ان كانت تريني من الرؤية البصرية. فان كانت من العلمية فالجملة في محل نصب مفعولها الثاني. وقوله أفرع هو معطوف على أزجي بحذف العاطف. وسيرا نصب بالمصدر وجواب الشرط في البيت بعده وهو :
فاني من قوم سواكم وانما
رجالي فهم بالحجاز وأشجع
والشاهد والمعنى ظاهران.
والشرط كالإستفهام في أن شيئا مما في حيزه لا يتقدمه. ونحو قولك آتيك إن تأتني ، وقد سألتك لو اعطيتني ، ليس ما تقدم فيه جزاء مقدما ، ولكن كلاما واردا على سبيل الإخبار. والجزاء محذوف وحذف جواب لو كثير في القرآن والشعر.
1) تمامه (أصعد سيرا في البلاد وافرع) وهو لعبد الرحمن بن همام.
ولا بد من أن يليهما الفعل ونحو قوله تعالى : (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ) وقوله : (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ)
على إضمار فعل يفسره هذا الظاهر. ولذلك لم يجز لو زيد ذاهب ، ولا إن عمرو خارج. ولطلبهما الفعل وجب في أن الواقعة بعد لو أن يكون خبرها فعلا كقولك : لو أن زيدا جاءني لأكرمته وقال الله تعالى : (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ). ولو قلت لو أن زيدا حاضري لأكرمته لم يجز.
وقد تجيء لو بمعنى التمني كقولك : لو تأتيني فتحدثني ، كما تقول :
ليتك تأتيني فتحدثني. ويجوز في فتحدثني النصب والرفع وقال الله تعالى :
(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ). وفي بعض المصاحف فيدهنوا.
وأما فيها معنى الشرط. قال سيبويه إذا قلت أما زيد فمنطلق فكأنك قلت مهما يكن من شيء فزيد منطلق ، ألا يرى أن الفاء لازمة لها.
وإذن جواب وجزاء. يقول الرجل : أنا آتيك ، فتقول : إذن أكرمك. فهذا الكلام قد أجبته به وصيرت إكرامك جزاء له على إتيانه. وقال الزجاج : تأويلها إن كان الأمر كما ذكرت فإني أكرمك. وإنما تعمل إذن في فعل مستقبل غير معتمد على شيء قبلها كقولك لمن قال لك أنا أكرمك : إذن أجيئك. فإن حدث فقلت إذن أخالك كاذبا ألغيتها لأن الفعل للحال. وكذلك إن اعتمدت بها على مبتدأ أو شرط أو قسم فقلت : أنا إذن أكرمك ، وإن تأتني إذن آتك ، وو الله إذن لا أفعل. وقال كثير :
لئن عاد لي عبد العزيز بمثلها
وأمكنني إذن لا أقيلها (1)
الاعراب لأن اللام هي اللام الموطئة للقسم. وان حرف شرط جازم. وعاد فعل ماض. ولي متعلق به في محل نصب مفعوله. وعبد العزيز فاعله. وبمثلها متعلق بعاد. وأمكنني فعل وفاعل ومفعول عطف على عاد. ومنها متعلق به. وإذا مهملة لعدم التصدر. ولا نافية. واقيلها فعل مضارع جواب القسم المذكور في البيت قبله وهو :
حلفت برب الراقصات إلى منى
يغول الفيافي نصها وزميلها
وفاعله ضمير المتكلم والهاء مفعوله. (والشاهد فيه) ان إذن لما وقعت جوابا للقسم لم تعمل في المضارع بعدها (والمعنى) لئن عادلي عبد العزيز بمقالة مثل مقالته تلك لا أطلب منه الا ما لا اعتراض عليّ فيه ولا قدح. وقيل في معنى البيت غير ذلك وما ذكرناه هو الصواب.
وإذا وقعت بين الفاء والواو وبين الفعل ففيها الوجهان قال الله تعالى :
(وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ) وقرىء لا يلبثوا. وفي قولك أن تأتني آتك وإذن أكرمك ثلاثة أوجه الجزم والرفع والنصب.
1) كان من سبب قول كثير هذا البيت انه دخل على عبد العزيز والد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وكان واليا على مصر فمدحه بمديح استجاده فقال : حكمك يا أبا صخر. قال فاني أحكم أن أكون مكان ابن رمانة ، وكان ابن رمانة كاتب عبد العزيز وصاحب أمره. فقال عبد العزيز ويلك ذاك رجل كاتب وأنت شاعر لا علم لك بخراج ولا كتابة اخرج عني. فخرج عنه نادما ثم لم يزل يتلطف حتى دخل عليه فأمر له بعشرين ألف درهم وصرفه فأنشد لئن عاد لي البيت.
يقول القائل : قصدت فلانا ، فتقول له كيمه؟ فيقول : كي يحسن إلي. وكيمه مثل فيمه وعمه ولمه ، دخل حرف الجرّ على ما الإستفهامية محذوفا ألفها ولحقت هاء السكت. واختلف في إعرابها ، فهي عند البصريين مجرورة ، وعند الكوفيين منصوبة بفعل مضمر ، كأنك قلت : كي تفعل ما ذا. وما أرى هذا القول بعيدا من الصواب.
وانتصاب الفعل بعد كي إما أن يكون بها نفسها أو بإضمار أن. وإذا دخلت اللام فقلت لكي تفعل فهي العاملة كأنك قلت لأن تفعل.
وقد جاءت كي مظهرة بعدها أن في قول جميل :
فقالت أكلّ الناس أصبحت مانحا
لسانك كيما أن تغرّ وتخدعا (1)
اللغة مانح من المنح وهو الاعطاء. وتغر وتخدع من قبيل واحد.
الاعراب فقالت فعل ماض معطوف على قلت في البيت قبله وهو :
فقلت لها لو كنت أعطيت عنكم
عزاء لأقللت الغداة التضرعا
وفاعله ضمير يعود إلى بثينة. وأكل الهمزة للاستفهام وكل مفعول أول لمانحا. وأصبحت فعل ماض ناقص. والتاء اسمها. ومانحا خبرها. ولسانك مفعول ثان لمانحا. وقوله كيما كي حرف مصدري وما زائدة لا مصدرية ولا كافة كما زعم العيني. وان حرف مصدري ونصب وتغر فعل مضارع منصوب بأن وفاعله ضمير المخاطب. وتخدعا عطف على تغر. وألفه للاطلاق. (والشاهد فيه) ظهور ان بعد كي وذلك شاذ لأن فيه جمعا بين النائب والمنوب عنه وذلك لأن كي إذا لم تقترن باللام تنصب المضارع باضمار ان فلا يجوز اظهار ان بعدها لأنه في قوة تكريرها وأصح الأقوال فيها في مثل هذا الحال أن تلغى ويكون العمل لأن بعدها. (والمعنى) انه أقسم لها انه لم يسل عن هواها وانه لو كان سلا عنها لم يدم البكاء والتضرع فاجابته بان هذا كله خداع وتغرير وان باطله لا ينطلي عليها كما انطلى بقوة لسانه وفصاحة بيانه على الناس.
1) نسبه هنا لجميل العذري صاحب بثينة ونسبه غيره لحسان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وليس بذاك.
وهو كلا. قال سيبويه : هو ردع وزجر. وقال الزجاج كلا ردع وتنبيه ، وذلك قولك : كلا لمن قال لك شيئا تنكره نحو فلان يبغضك وشبهه أي ارتدع عن هذا وتنبه عن الخطأ فيه. قال الله تعالى بعد قوله : (رَبِّي أَهانَنِ كَلَّا). أي ليس الأمر كذلك لأنه قد يوسع في الدنيا على من لا يكرمه من الكفار وقد يضيق على الأنبياء والصالحين للإستصلاح.
وهي لام التعريف ، ولام جواب القسم ، واللام الموطئة ، ولام جواب لو ولولا ، ولام الأمر ، ولام الإبتداء ، واللام الفارقة بين أن المخففة والنافية.
فأما لام التعريف فهي اللام الساكنة التي تدخل على الأسم المنكور فتعرّفه تعريف جنس كقولك : أهلك الناس الدينار والدرهم ، والرجل خير من المرأة ، أي هذان الحجران المعروفان من بين سائر الأحجار وهذا الجنس من الحيوان من بين سائر أجناسه. أو تعريف عهد كقولك : ما فعل الرجل ، وأنفقت الدرهم لرجل ودرهم معهودين بينك وبين مخاطبك. وهذه اللام وحدها هي حرف التعريف عند سيبويه ، والهمزة قبلها همزة وصل مجلوبة للإبتداء بها كهمزة ابن واسم. وعند الخليل إن حرف التعريف أل كهل وبل وإنما استمر بها التخفيف للكثرة. وأهل اليمن يجعلون مكانها الميم ، ومنه : ليس من أمبر امصيام في امسفر. وقال :
يرمي ورائي بإمسهم وإمسلمه (1)
اللغة السلمة واحدة السّلام بكسر اللام وهي الحجارة. والخليل الصديق.
الاعراب ذاك مبتدأ. وخليلي خبره. وذو اسم موصول. ويعاتبني فعل مضارع صلة الموصول. والفاعل ضمير المشار إليه. والياء مفعوله. والموصول مع صلته في محل رفع عطف على الخبر. ويرمي فعل وفاعل. وبامسهم متعلق به في محل نصب مفعوله. وأمسلمه عطف على بامسهم (والشاهد فيه) مجيء الميم مكان اللام (والمعنى) ذاك خليلي الذي يعاتبني على ما كان مني من تقصير ولا يوافقني عليه وإذا غبت دافع عني ورمى أعدائي من أجلي بالسهام والأحجار.
ولام جواب القسم نحو قولك : والله لأفعلن. وتدخل على الماضي كقولك : والله لكذب. وقال امرؤ القيس :
حلفت لها بالله حلفة فاجر
لناموا فما إن من حديث ولا صالي (2)
الاعراب حلفت فعل وفاعل ولها متعلق به في محل نصب مفعوله. وبالله متعلق به أيضا. وحلفة نصب على انه مفعول مطلق. وفاجر جر بالاضافة إليه. وقوله لناموا اللام جواب القسم. وناموا فعل ماض. والواو فاعله. وضمير الجماعة يعود إلى السمار والناس في البيت قبله وهو :
فقالت سباك الله انك فاضحي
ألست ترى السمار والناس أحوالي.
وما نافية. وان صلة لتأكيد النفي.
(والشاهد فيه) دخول اللام التي هي جواب القسم على الفعل الماضي وهو ناموا.
والأكثر أن تدخل عليه مع قد كقولك والله لقد خرج.
والموطئة للقسم هي التي في قولك : والله لئن أكرمتني لأكرمنك.
ولام جواب لو ولو لا نحو قوله تعالى : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ،) وقوله تعالى : (وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ). ودخولها لتأكيد ارتباط احدى الجملتين بالأخرى. ويجوز حذفها كقوله تعالى : (لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً). ويجوز حذف الجواب أصلا كقولك لو كان لي مال وتسكت ، أي لأنفقت وفعلت. ومنه قوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ ،) وقوله تعالى : (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً).
ولام الأمر نحو قولك : ليفعل زيد. وهي مكسورة ويجوز تسكينها عند واو العطف وفائه كقوله تعالى : (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي). وقد جاء حذفها في ضرورة الشعر ، قال :
محمد تفد نفسك كلّ نفس
إذا ما خفت من أمر تبالا (1)
اللغة التبال الفساد وقيل سوء العاقبة وأصله الوبال فالتاء بدل من الواو ، كالتراث والتجاه.
الاعراب محمد منادى بحرف نداء محذوف مبني على الضم. وتفد فعل مضارع مجزوم بلام مقدرة. ونفسك مفعوله. وكل نفس فاعله. وإذا ظرفية شرطية. وما زائدة. وخفت فعل وفاعل. ومن شيء متعلق به. وتبالا مفعوله. وجواب إذا يدل عليه السياق (والشاهد فيه) حذف لام الأمر لضرورة الشعر ، وأقرب من هذا أن يجعل تفد مرفوعا بضمة مقدرة على الياء المحذوفة للضرورة فان هذا أشهر وأكثر.
ولام الإبتداء هي اللام المفتوحة في قولك لزيد منطلق. ولا تدخل إلا على الإسم والفعل المضارع كقوله عز وجل : (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً) و (إِنَّ رَبَّكَ
1) قال المبرد قائله مجهول يخاطب به النبي صلّى الله عليه وسلّم.
لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ). وفائدتها تأكيد مضمون الجملة. ويجوز عندنا إن زيدا لسوف يقوم ولا يجوّزه الكوفيون.
وللام الفارقة في نحو قوله تعالى : (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ) وقوله تعالى : (وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ). وهي لازمة لخبر ان إذا خففت.
ولام الجرّ كقولك المال لزيد ، وجئتك لتكرمني ، لأن الفعل المنصوب بإضمار أن في تأويل المصدر المجرور والتقدير لاكرامك.
وهي التاء في نحو ضربت. ودخولها للإيذان من أول الأمر بأن الفاعل مؤنث. وحقها السكون ولتحرّكها في رمتا لم تردّ الألف الساقطة لكونها عارضة ، إلا في لغة ردية يقول أهلها رماتا.
وهو على خمسة أضرب : الدال على المكانة في نحو زيد ورجل ، والفاصل بين المعرفة والنكرة في نحو صه ومه وايه ، والعوض من المضاف إليه في نحو اذ وحينئذ ومررت بكل قائما ولات أوان ، والنائب مناب حرف الإطلاق في إنشاد بني تميم في نحو قول جرير :
أقلي اللوم عاذل والعتابن
وقولي ان أصبت لقد أصابن (1)
الاعراب أقلّي فعل أمر فاعله ضمير المخاطبة. واللوم مفعوله. وعاذل منادى مرخم بحرف نداء محذوف. والعتابن عطف على العذل. وقوله وقولي عطف على إقلي وقد اصابن جملة فعلية في محل نصب مقول القول. وان حرف شرط جازم. وأصبت فعل وفاعل. وجواب الشرط محذوف يدل عليه السياق تقديره ان أصبت فدعي اللوم وقولي لقد أصاب (والشاهد فيه) ان التنوين في عتابا وأصابا أصله الألف الا انه جيء به بدلا عن الألف لأجل الترنم بالقافية.
والتنوين الغالي في نحو قول رؤبة :
1) اللغة أقلّي أمر من الاقلال واللوم الملامة.
وقاتم الأعماق خاوى المخترقن (1)
اللغة القاتم المظلم. والاعماق الابعاد. والنواحي. وخاوي خالي. والمخترق الطريق. والاعلام جمع علامة وهي الامارات التي يهتدي بها السابلة في المفاوز. والخفق السراب يلوح للناظر كأنه ماء وليس بماء.
الاعراب قاتم مجرور برب. والأعماق جر بالاضافة إليه. وخاوي صفة قاتم. والمخترق جر بالاضافة إليه. ومشتبه ولماع صفتان لقاتم. وجواب رب في البيت بعده (والشاهد فيه) ظاهر (والمعنى) رب مكان مظلم الاطراف خالي الطريق من مار يمر فيه ليس به علامة يهتدى بها يلوح فيه السراب لشدة بعد اطرفه قطعته ولم أتهيبه.
ولا يلحق إلا القافية المقيدة.
والتنوين ساكن أبدا إلا أن يلاقي ساكنا فيكسر أو يضم كقوله تعالى :
وعذابن أركض وقد قرىء بالضم. وقد يحذف كقوله :
فألفيته غير مستعتب
ولا ذاكر الله إلا قليلا (2)
اللغة الفيته بمعنى وجدته. ومستعتب من عاتب فلان فلانا فأعتبه إذا أزال عتبه.
الاعراب ألفيته فعل وفاعل ومفعول وضمير المفعول يعود إلى امرأ المذكور في أول أبيات القصيدة وهو :
أريت امرأ كنت لم أبله
أتاني فقال اتخذني خليلا
وغير مفعول ثان. ومستعتب جر بالاضافة إليه. ولا ذاكر عطف على غير وهو اسم فاعل يعمل ما يعمله فعله. وفاعله ضمير فيه يعود إلى المرء. والله مفعوله. والا اداة استثناء. وقليلا نصب على الاستثناء (والشاهد فيه) انه حذف التنوين من ذاكر لالتقاء الساكنين. وزعم بعضهم أن التنوين انما حذف هنا تشبيها بما حذف تنوينه من الاعلام الموصوفة بابن مضاف إلى علم. وهذا خروج عن معلوم إلى مزعوم.
وقرىء : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ).
وهي على ضربين : ثقيلة وخفيفة. فالخفيفة تقع في جميع مواضع الثقيلة إلا في فعل الإثنين وفعل جماعة المؤنث تقول : اضربنّ واضربنّ واضربن واضربن واضربن. وتقول اضربان واضربنان ولا تقول اضربان ولا أضربنان إلا عند يونس.
ولا يؤكد بها إلا الفعل المستقبل الذي فيه معنى الطلب وذلك فيما كان قسما أو أمرا أو نهيا أو استفهاما أو عرضا أو تمنيا كقولك : بالله لأفعلن ، وأقسمت عليك إلا تفعلن ، ولما تفعلن واضربن ، ولا تخرجن ، وهل تذهبين ، وإلا تنزلن ، وليتك تخرجن.
ولا يؤكد بها الماضي ولا الحال ولا ما ليس فيه معنى الطلب. وأما قولهم في الجزاء المؤكد حرفه بما : إما تفعلن قال الله تعالى : (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي ،) وقال : (فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ). فلتشبيه ما بلام القسم في كونها مؤكدة. وكذلك قولهم : حيثما تكونن آتك وبجهد ما تبلغن وبعين ما أرينك. فإن دخلت في الجزاء بغير ما ففي الشعر تشبيها للجزاء
بالنهي. ومن التشبيه بالنهي دخولها في النفي وفيما يقاربه من قولهم : ربما تقولن ذاك ، وكثر ما يقولن ذاك. قال عمرو بن هند :
ربما أوفيت في علم
ترفعن ثوبي شمالات (1)
اللغة رب هنا للتكثير بقرينة المقام. وأوفيت أي أتيت يقال أوفيت رأس الجبل ووافيت فلانا بمكان كذا. والعلم الجبل. والشمالات جمع شمال وهو من الريح ما هب من قبل الشمال.
الاعراب رب ملغاة بدخول ما عليها. وأوفيت فعل وفاعل والمفعول محذوف أي أوفيت مرقبة في رأس جبل. وترفعن فعل مضارع والنون للتوكيد. وهذا منقطع عما قبله كأنه استأنف الحديث وليس في موضع الحال لأن هذه النون لا تدخل على الحال. وثوبي مفعوله. وشمالات فاعله (والشاهد فيه) دخول النون على ترفع في مقام الاثبات. وان كانت لا تدخل الا على المنفي ضرورة. ووجه ذلك انه شبه ما في ربما بما النافية تشبيها لفظيا فصار ترفعن وان كان مثبتا منفي وقيل انما قال ذلك لأن رب للتقليل والتقليل يضارع النفي كما قال (قليل بها الأصوات الا بغامها) أي ليس بها صوت الا بغامها وهذا انما يتمشى على جعل رب للتقليل. وقد علمت أن المقام لا يساعد عليه. ورواه أبو الفرج في الأغاني بلفظ (ترفع أثوابي شمالات) وهي رواية حسنة وعليها فلا شاهد فيه (والمعنى) يصف نفسه أنه يحفظ أصحابه في رأس جبل إذا خافوا عدوا فيكون طليعة لهم وهذا مما يتمدح به لأنه يدل على شهامة النفس وحدة البصر وأشار بقوله (ترفعن ثوبي شمالات) إلى أن ثوبه لا يلتصق بجلده لخمصه. وهذا مدح سيما إذا كان من أهل النعم لأن الغالب عليهم السمن لخفض العيش وراحة البال.
وطرح هذه النون سائغ في كل موضع إلا في القسم فإنه فيه ضعيف ، وذلك قولك : والله ليقوم زيد.
وإذا لقي الخفيفة ساكن بعدها حذفت حذفا ولم تحرك كما حرّك التنوين فتقول : لا تضرب ابنك. وقال :
1) نسبه هنا لعمرو بن هند الملك. ونسبه شارح الايضاح لجذيمة بن مالك الأبرش صاحب الزباء. وقال نسبه ابن حزم لتأبط شرا وهو غلط.
لا تهين الفقير علّك أن
تركع يوما والدهر قد رفعه (1)
لكل ضيق من الأمور سعة
والمسا والصبح لا فلاح له
الاعراب لا ناهية جازمة. وتهين فعل مضارع في محل جزم بلا الناهية. وفاعله ضمير المخاطب. والفقير مفعوله. وعلك حرف توكيد ونصب. والكاف اسمها. وان حرف مصدري ونصب. وتركع فعل مضارع منصوب بأن. وضمير المتكلم فاعله. ويوما نصب على الظرفية. وقوله والدهر قد رفعه الواو للحال والدهر مبتدأ وجملة رفعه من الفعل والفاعل والمفعول خبر المبتدأ. وأن مع معمولها خبر علك (والشاهد فيه) حذف نون التوكيد الخفيفة لالتقائها ساكنة مع ساكن آخر بعدها. ورواه ابن قتيبة في كتاب الشعر والشعراء بلفظ لا تهن للفقير وعليه فلا شاهد في البيت (والمعنى) لا تؤذي الفقير ولا تحتقره فاني أشفق عليك أن يزول عنك ما تترفع به عليه ويصير إليه مثل ما كان لك فتحتاج إليه ولم تكن أسلفته ما تستمطر به ديم رحمته وحنانه.
أي لا تهينن.
1) هو للأضبط بن قريع السعدي من أبيات كلها حكم ومواعظ وأولها :
وهي التي في نحو قوله تعالى : (ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ). وهي مختصة بحال الوقف ، فإذا أدرجت قلت مالي هلك سلطاني خذوه. وكل متحرّك ليست حركته إعرابية يجوز عليه الوقف بالهاء نحو : ثمه وليته وكيفه وأنه وحيّهله وما أشبه ذلك.
وحقها أن تكون ساكنة ، وتحريكها لحن ونحو ما في إصلاح ابن السكيت من قوله :
يا مرحباه بحمار عفرا (1)
إذا أتي قربته لما شاء
من الشعير والحشيش والماء
وكان يحب عفراء فخرج يوما فلقي حمارا عليه امرأة فقيل له هذا حمار عفراء فأنشد هذا الشعر.
اللغة اليعفور ولد الظبية سمي بذلك لأن لونه لون العفرة وهو التراب ولذلك قيل ظبي أعفر وظبية عفراء ، وبه سميت المرأة عفراء وعفراء ، يروى بالمد والقصر فان مد كان البيت من الضرب الخامس من السريع المشطور المخبون الموقوف فعولان أو مفاعيل ، وان قصر كان من الضرب السادس من مشطور السريع المخبون.
الاعراب ظاهر (والشاهد فيه) انه حرك هاء السكت وهو خطأ وانما حقها التسكين. وقد جرى ابن جني على ذلك ثم رجع عنه فقال ان العربي الخالص لا يجري على لسانه لحن. وكل ما تسمع منه فهو اللغة العربية. والشاعر من شعراء الجاهلية أهل اللسن والفصاحة فلا يخطأ واللغة ما نطق به.
1) البيت لعروة بن حزام العذري وبعده :
و: يا مرحباه بحمار ناجيه (1)
اللغة ناجيه اسم محبوبته. والسانية الدلو العظيمة وأداتها.
الاعراب يا اداة نداء. والمنادى محذوف. أي يا هؤلاء. وبحمار متعلق بمرحبا. وحمار مضاف إلى عفراء. وإذا ظرف. وأتى فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الحمار. وقربته فعل وفاعل ومفعول جواب إذا (والشاهد فيه) كالذي في سابقه والكلام على هذا كالكلام على ذاك.
مما لا معرّج عليه للقياس واستعمال الفصحاء ، ومعذرة من قال ذلك أنه أجرى الوصل مجرى الوقف مع تشبيه هاء السكت بهاء الضمير.
1) لم يذكر له أحد قائلا وتمامه إذا أتى قربته للسانيه.
وهي الشين التي تلحقها بكاف المؤنث إذا وقف من يقول : اكرمتكش ، ومررت بكش. وتسمى الكشكشة. وهي في تميم. والكسكسة في بكر ، وهي الحاقهم بكاف المؤنث سينا. وعن معاوية أنه قال يوما : من أفصح الناس؟ فقام رجل من جرم ، وجرم من فصحاء الناس فقال : قوم تباعدوا عن فراتية العراق ، وتيامنوا عن كشكشة تميم ، وتياسروا عن كسكسة بكر ، ليست فيهم غمغمة قضاعة ، ولا طمطمانية حمير. قال معاوية : فمن هم؟ قال. قومي.
وهو زيادة تلحق الآخر في الإستفهام على طريقين : أحدهما أن تلحق وحدها بلا فاصل كقولك أزيدنيه. والثاني أن تفصل بينها وبين الحرف الذي قبلها إن مزيدة كالتي في قولهم : ما إن فعل فيقال أزيدانيه.
ولها معنيان : أحدهما انكار أن يكون الأمر على ما ذكر المخاطب. والثاني إنكار أن يكون على خلاف ما ذكر كقولك لمن قال قدم زيد : أزيدنيه ، منكرا لقدومه أو لخلاف قدومه. وتقول لمن قال غلبني الأمير : آلاميروه. قال الأخفش : كأنك تهزأ به وتنكر تعجبه من أن يغلبه الأمير. قال سيبويه وسمعنا رجلا من أهل البادية قيل له أتخرج إن أخصبت البادية فقال أأنا إنيه منكرا لرأيه أن يكون على خلاف أن يخرج.
ولا يخلو الحرف الذي تقع بعده من أن يكون متحركا أو ساكنا. فإن كان متحركا تبعته في حركته فتكون ألفا وواوا وياء بعد المفتوح والمضموم والمكسور كقولك في هذا عمر أعمروه ، وفي رأيت عثمان أعثماناه وفي
مررت بحذام أحذاميه ، وإن كان ساكنا حرك بالكسر ثم تبعته كقولك أزيدنيه وأزيدانيه.
وإن أجبت من قال لقيت زيدا وعمرا قلت : أزيدا وعمرنيه ، وإذا قال ضربت عمر قلت أضربت عمراه ، وإن قال ضربت زيدا الطويل قلت أزيدا الطويلاه فتجعلها في منتهى الكلام.
وتترك هذه الزيادة في حال الدرج فيقال أزيدا يا فتى كما تركت العلامات في من حين قلت من يا فتى.
وهو أن يقول الرجل في نحو قال ويقول من العام قالا ، فيمد فتحة اللام ويقولو ومن العامي إذا تذكر ولم يرد أن يقطع كلامه.
وهذه الزيادة في اتّباع ما قبلها إن كان متحركا بمنزلة زيادة الإنكار. فإذا سكن حرك بالكسر كما حرك ثمة ثم تبعته. قال سيبويه : سمعناهم يقولون انه قدي وألي يعني في قد فعل. وفي الألف واللام إذا تذكر الحارث ونحوه. قال وسمعنا من يوثق به يقول هذا سيفني يريد سيف من صفته كيت وكيت.
المشترك نحو الإمالة والوقف وتخفيف الهمزة والتقاء الساكنين ونظائرها مما تتوارد فيه الأضرب الثلاثة أو اثنان منها. وأنا أورد ذلك في هذا القسم على نحو الترتيب المار في الأقسام الثلاثة ، معتصما بحبل التوفيق من ربي بريئا من الحول والقوّة إلا به.
يشترك فيها الإسم والفعل. وهي أن تنحو بالألف نحو الكسرة ، فتميل الألف نحو الياء ليتجانس الصوت ، كما أشربت الصاد صوت الزاي لذلك.
وسبب ذلك أن تقع بقرب الألف كسرة أو ياء ، أو تكون هي منقلبة عن مكسورة أو ياء أو صائرة ياء في موضع ، وذلك نحو قولك عماد وشملال وعالم وسيال وشيبان وهاب وخاف وناب ورمى ودعا لقولك دعي ومعزى وحبلى لقولك معزيان وحبليان.
وإنما تؤثّر الكسرة قبل الألف إذا تقدمته بحرف كعماد ، أو بحرفين أولهما ساكن كشملال ، فإذا تقدمت بحرفين متحرّكين أو بثلاثة أحرف كقولك
أكلت عنبا وفتلت قنّبا لم تؤثر. وأما قولهم يريد أن ينزعها ويضربها ، وهو عندها ، وله درهمان ، فشاذ والذي سوّغه أن الهاء خفية فلم يعتد بها.
وقد أجروا الألف المنفصلة مجرى المتصلة ، والكسرة العارضة مجرى الأصلية ، حيث قالوا درست علما ورأيت زيدا ومررت ببابه وأخذت من ماله.
والألف الآخرة لا تخلو من أن تكون في اسم أو فعل ، وأن تكون ثالثة أو فوق ذلك. فالتي في الفعل تمال كيف كانت ، والتي في الإسم إن لم يعرف انقلابها عن الياء لم تمل ثالثة ، وتمال رابعة. وإنما أميلت العلى لقولهم العليا.
والمتوسطة إن كانت في فعل يقال فيه فعلت كطاب وخاف أميلت ولم ينظر إلى ما انقلبت عنه ، وإن كانت في اسم نظر إلى ذلك فقيل ناب ولم يقل باب.
وقد أمالوا الألف ممالة قبلها فقالوا رأيت عمادا ومعزانا.
وتمنع الإمالة سبعة أحرف وهي الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والخاء والقاف إذا وليت الألف قبلها أو بعدها ، إلا في باب رمى وباع فإنك تقول فيهما طاب وخاف وصغى وطغى ، وذلك نحو صاعد وعاصم وضامن وعاضد وطائف وعاطس وظالم وعاظل وغائب وواغل وخامد وناخل وقاعد وناقف ، أو وقعت بعدها بحرف أو حرفين كناشص ومفاريص وعارض ومعاريض وناشط ومناشيط وباهظ ومواعيظ ونابغ ومباليغ ونافخ ومنافيخ ونافق ومعاليق. وإن وقعت قبل الألف بحرف وهي مكسورة أو ساكنة بعد مكسور لم تمنع عند الأكثر نحو صعاب ومصباح وضعاف ومضحاك وطلاب ومطعام
وظماء وإظلام وغلاب ومغناج وخباث وإخبات وقفاف ومقلات.
قال سيبويه : وسمعناهم يقولون أراد أن يضربها زيد فأمالوا ، وقالوا أراد أن يضربها قبل فنصبوا للقاف ، وكذلك مررت بمال قاسم وبمال ملق.
والراء غير المكسورة إذا وليت الألف منعت منع المستعلية تقول راشد ، وهذا حمارك ، ورأيت حمارك ، على التفخيم. والمكسورة أمرها بالضد من ذلك يمال لها ما لا يمال مع غيرها ، تقول طارد وغارم وتغلب غير المكسورة كما تغلب المستعلية فتقول من قرارك وقرىء : كانت قوارير. فإذا تباعدت لم تؤثر عند أكثرهم ، فأمالوا هذا كافر ، ولم يميلوا مررت بقادر ، وقد فخم بعضهم الأول وأمال الآخر.
وقد شذ عن القياس قولهم الحجاج والناس ممالين. وعن بعض العرب هذا مال وباب. وقالوا العشا والمكا والكبا وهؤلاء من الواو. وأما قولهم الربا فلأجل الراء.
وقد أمال قوم جاد وجوادّ نظرا إلى الأصل ، كما أمالوا هذا ماش في الوقف.
وقد أميل : (وَالشَّمْسِ وَضُحاها). وهي من الواو لتشاكل جلّاها ويغشاها.
وقد أمالوا الفتحة في نحو قولهم من الضرر ومن الكبر ومن الصغر ومن المحاذر.
والحروف لا تمال نحو حتى وعلى وإلى وإما وإلا إلا إذا سمّي بها. وقد أميل بلى ولا في إمالا وياء في النداء لإغنائها عن الجمل.
والأسماء غير المتمكنة يمال منها المستقل بنفسه نحو ذا ومتى وأنى ، ولا يمال ما ليس بمستقل نحو ما الإستفهامية أو الشرطية أو الموصولة أو الموصوفة ونحو إذا. قال المبرد وامالة عسى جيدة.
تشترك فيه الأضرب الثلاثة. وفيه أربع لغات : الإسكان الصريح ، والإشمام وهو ضم الشفتين بعد الإسكان ، والرّوم وهو أن تروم التحريك ، والتضعيف. ولها في الخط علامات فللإسكان الخاء ، وللإشمام نقطة ، وللروم خط بين يدي الحرف ، وللتضعيف الشين. مثال ذلك هذا حكم وجعفر وخالد وفرج. والإشمام مختص بالمرفوع ، ومشترك في غيره المجرور والمرفوع والمنصوب غير المنوّن ، والمنوّن يبدل من تنوينه ألف في المنصوب كقولك رأيت فرجا وزيدا ورشاءا وكساءا وقاضيا فلا متعلق به لهذه اللغات ، والتضعيف مختص بما ليس بهمزة من الصحيح المتحرك ما قبله.
وبعض العرب يحوّل ضمة الحرف الموقوف عليه وكسرته على الساكن قبله دون الفتحة في غير الهمزة ، فيقول هذا بكر ومررت ببكر ، ويجري أيضا في حال التعريف. قال :
تحفزها الأوتار والأيدي الشّعر
والنبل ستون كأنها الجمر (1)
اللغة تحفزها تحركها. والاوتار جمع وتر. والشعر جمع شعراء أي كثيرة الشعر ، والنبل السهام. والجمر بفتح فضم جمر النار.
الاعراب تحفزها فعل مضارع. والهاء مفعوله. وهي كناية عن القسي. والاوتار فاعل. والأيدي مرفوع تقديرا عطفا على الأوتار. والشعر صفة الأيدي. والنبل مبتدأ. وستون خبره. وكان حرف توكيد ونصب ، والهاء اسمها. والجمر خبرها. والجملة صفة نبل (والشاهد فيه) في قوله الشعر والجمر فان أصلها الشعر والجمر بسكون وسطهما الا أنه لما وقف عليهما بالسكون نقل حركة الآخر وهي الضمة إلى ما قبل الآخر (والمعنى) تحرك تلك القسي الأوتار والأيدي الكثيرة الشعر فترمي سهاما كأنها الجمر.
يريد الشعر والجمر ونحوه قولهم إضربه وضربته قال :
عجبت والدهر كثير عجبه
من عنزيّ سبني لم أضربه (2)
الاعراب عجبت فعل وفاعل. والدهر مبتدأ. وكثير خبره. والجملة حالية. وقوله من عنزي متعلق بعجبت في محل نصب به. وسبني فعل ماض. وفاعل هو ضمير يعود إلى العنزي. والياء مفعوله. والجملة صفة عنزي. وأضربه مجزوم تقديرا منع من ظهور السكون عليه انتقال حركة الموقوف عليه إليه (والشاهد فيه) كالذي قبله.
وقال أبو النجم :
فقرّ بن هذا وهذا زحّله (3)
الاعراب قرب فعل أمر فاعله ضمير المخاطب والنون للتوكيد. وهذا في محل نصب مفعوله. وهذا منصوب بفعل محذوف يفسره المذكور. هذا هو المختار ويجوز أن يكون في محل رفع على الابتداء. والجملة خبر له (والشاهد فيه) كالذي في سابقه.
ولا تقول رأيت البكر. وفي الهمزة تحوّلهن جميعا فتقول هذا الخبء ورأيت الخبا ومررت بالخبىء ، وكذلك البطؤ والردؤ. ومنهم من يتفادى وهم ناس من تميم من أن يقول هذا الردؤ ومن البطىء فيفرّ إلى الإتباع فيقول من البطؤ بضمتين ، وهذا الردىء بكسرتين.
وقد يبدلون من الهمزة حرف لين تحرك ما قبلها أو سكن ، فيقولون هذا الكلو والخبو والبطو والرّدو ، ورأيت الكلا والخبا والبطا والردا ، ومررت بالكلي والخبي والبطي والرديّ ، ومنهم من يقول هذا الردي ومررت بالبطو فيتبع. وأهل الحجاز يقولون الكلا في الأحوال الثلاث لأن الهمزة سكنها الوقف وما قبلها مفتوح فهو كرأس. وعلى هذه العبرة يقولون في أكمؤ أكمو وفي أهنىء أهني كقولهم جونة وذيب.
وإذا اعتل الآخر وما قبله ساكن كآخر ظبي ودلو فهو كالصحيح. والمتحرك ما قبله إن كان ياء قد أسقطها التنوين في نحو قاض وعم وجوار فالأكثر أن يوقف على ما قبله فيقال قاض وعم وجوار ، وقوم يعيدونها ويقفون عليها فيقولون قاضي وعمي وجواري. وإن لم يسقطها التنوين في نحو القاضي ويا قاضي رأيت جواري فالأمر بالعكس ، ويقال يا مري لا غير ، وإن كان ألفا قالوا في الأكثر الأعرف هذه عصا وحبلى ، ويقول ناس من فزارة وقيس حبلي بالياء ، وبعض طيء حبلو بالواو ، ومنهم من يسوّي في القلب بين الوقف والوصل. وزعم الخليل أن بعضهم يقلبها همزة فيقول هذه حبلأ ورأيت حبلأ وهو يضربهأ. وألف عصا في النصب هي المبدلة من التنوين ، وفي الرفع والجرّ هي المنقلبة عند سيبويه ، وعند المازني هي المبدلة في الأحوال الثلاث.
والوقف على المرفوع والمنصوب من الفعل الذي اعتلت لامه بإثبات أواخره نحو يغزو ويرمي ، وعلى المجزوم والموقوف منه بإلحاق الهاء نحو لم يغزه ولم يرمه ولم يخشه واغزه وارمه واخشه ، وبغير هاء نحو لم يغز ولم يرم واغز وارم إلا ما أفضى به ترك الهاء إلى حرف واحد ، فإنه يجب الإلحاق نحو قه وره.
وكل واو أو ياء لا تحذف تحذف في الفواصل والقوافي كقوله تعالى : (الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ) و (- يَوْمَ التَّنادِ -) و (اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ). وقول زهير :
وبعض القوم يخلق ثم لا يفر (1)
اللغة تفري تقطع من الفري وهو القطع. وخلقت أي قدرت وعزمت عليه.
الاعراب اللام في لانت موطأة للقسم. وأنت مبتدأ. وتفري فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب. وما موصولة. وخلقت فعل وفاعل. صلة الموصول والموصول مع صلته في محل نصب مفعول تفري. وبعض مبتدأ. والقوم جر بالاضافة إليه. ويخلق فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى البعض. وثم للعطف. ولا نافية. ويفر فعل مضارع فاعله ضمير البعض وجملة يقطع خبر المبتدأ (والشاهد فيه) حذف الياء من يفري لمكان القافية (والمعنى) إنك إذا تهيأت لأمر وعزمت عليه مضيت له وأنفذته ولم تعجز عنه وبعض القوم يقدر الأمر ويتهيأ له ثم لا يمضيه ولا ينفذ عجزا منه وضعف همة.
وأنشد سيبويه :
لا يبعد الله إخوانا تركتهم
لم أدر بعد غداة البين ما صنع (2)
اللغة يبعد من أبعد بمعنى أهلكه. وغداة البين صبيحته والبين الفراق.
الاعراب لا ناهية دعائية. ويبعد فعل مضارع مجزوم بلا حرك بالكسر لالتقاء الساكنين. والله فاعله. واخوانا مفعوله. وتركتهم جملة من فعل وفاعل ومفعول صفة اخوان. وأدر مجزوم بلم. وفاعله ضمير المتكلم. وبعد ظرف. وغداة جر بالاضافة إليه. والبين كذلك. وما موصولة. وجملة صنعوا صلته والموصول مع صلته في محل نصب مفعول لم أدر. والشاهد والمعنى ظاهران.
أي صنعوا.
وتاء التأنيث في الأسم المفرد تقلب هاء في الوقف نحو غرفه وظلمه.
ومن العرب من يقف عليها تاء قال :
بل جوز تيهاء كظهر الحجفت (1)
قطعتها إذا المها تجوفت
مآرنا إلى ذراها أهدفت
اللغة الجوز الوسط. والتيهاء المفازة لأنه يتيه من سلكها ويضل فيها. والحجفة الدرقة وهي الترس إذا لم يكن فيها خشب ولا عقب.
الاعراب بل للاضراب والانتقال. وجوز الرواية المشهورة فيه الجر. وعليها فهو مجرور برب مقدرة. ومن رواه بالنصب جعله معطوففا على دارا في الأبيات قبله وهي :
ما بال عين عن كراها قد جفت
وشفها من حزنها ما كلفت
كأن عوّارا بها أو طرفت
مسبلة تستن لما عرفت
دارا لليلى بعد حول قد عفت
كأنها مهارق قد زخرفت
أي تستن لما عرفت دار ليلى بل تبكي إذا رأت وسط الفلاة. وأقول ان ما بعد هذا المصراع لا يساعد على هذا الاعراب ويقضي بأن هذا كلام منفصل عما قبله وفي بعض نسخ هذا الكتاب جعل دارا لسلمى بعد حول قد عفت. صدرا لقوله بل جوز تيهاء وكان هذا هو الذي حمل بعض المعربين على جعل جوز معطوفا على دارا والنسخ الصحيحة على الاقتصار على المصراع الثاني. ورواة القصيدة يجعلون هذا المصراع صدرا لقوله. كأنها مهارق قد زخرفت. ويروون جوز بالجر لا بالنصب ، وتيهاء مجرور بالاضافة إليه ممنوع من الصرف ، وكظهر الحجفت صفة تيهاء (والشاهد فيه) انه وقف على تاء التأنيث تاء والقياس أن يقف عليها هاء.
وهيهات أن جعل مفردا وقف عليه بالهاء ، وإلا فبالتاء. ومثله في
1) هو لسواد الذئب ولم أقف على اسمه ولا على وجه تسميته بذلك وتمامه.
احتمال الوجهين استأصل الله عرقاتهم وعرقاتهم.
وقد يجري الوصل مجرى الوقف. منه قوله :
مثل الحريق وافق القصبّا (1)
ان الدبى فوق المتون دبا
وهبت الريح بمورهبا
تترك ما أبقى الدبى سبسبا
كأنه السيل إذا اسلحبا
مثل الحريق البيت وفي رواية الجرمي أو كالحريق بدل مثل الحريق.
الاعراب مثل حال من فاعل اسلحب أو صفة لمصدر محذوف أي اسلحبابا مثل اسلحباب الحريق. وقوله وافق القصبا جملة فعلية وقعت حالا من الحريق. والتبن والحلفاء معطوفان على القصبا (والشاهد فيه) انه لما اضطر حرك ما كان ساكنا في الأصل وترك التضعيف على حاله في الوقف تشبيها للوصل بالوقف في حكم التضعيف.
ولا يختص بحال الضرورة تقول ثلاثة أربعة - وفي التنزيل : (لكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي).
وتقول في الوقف على غير المتمكنة أنا بالألف ، وأنه بالهاء ، وهو بالإسكان ، وهوه بإلحاق الهاء ، وههنا وههناه وهؤلاء وهؤلاء إذا قصر ، وأكرمتك وأكرمتكه ، وغلامي وضربني وغلاميه وضربنيه بالإسكان وإلحاق الهاء فيمن حرّك في الوصل ، وغلام وضربن فيمن أسكن في الوصل ، وفي قراءة أبي عمرو (ربي أكرمن وأهانن) وقال الأعشى :
ومن شانىء كاسف وجهه
إذا ما انتسبت له أنكرن (2)
الاعراب قوله ومن شانىء عطف على من حذر الموت في البيتين قبله وهما :
فهل يمنعني ارتيادي البلا
دمن حذر الموت أن يأتين
أليس أخو الموت مستوثقا
عليّ وان قلت قد انسأن
وكاسف صفة شانىء. ووجهه فاعل كاسف. وإذا شرطية. وما زائدة. وانتسبت فعل وفاعل. وله متعلق به. وأنكرن فعل ماض. والفاعل ضمير يعود إلى الشانىء. والنون الساكنة نون الوقاية. والمفعول محذوف للوقف وهو الياء. وأصله أنكرني فحذف الياء على لغة من يسكنها في الوصل ثم سكن النون فصار أنكرن وهذا هو الشاهد فيه (والمعنى) لا يمنعني من ارتياد البلاد والضرب فيها حذر الموت فان الموت واقع لا بد منه ولو لزم الانسان داره ولا عدو مبغض إذا رآني قطب وجهه وإذا انتسبت له أنكرني فقد لا أعدم من يهش إلي ويعرف نسبي ومكانتي.
وضربكم وضربهم وعليهم وبهم ومنه وضربه بالإسكان فيمن ألحق وصلا أو حرّك ، وهذه فيمن قال هذه هي أمة الله وحتام وفيم وحتامه وفيمه بالإسكان والهاء ، ومجيء مه في مجيء م جئت وفي مثل م أنت بالهاء لا غير.
والنون الخفيفة تبدل ألفا عند الوقف تقول في قوله تعالى : (لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ). لنسفعا قال الأعشى :
ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا (1)
الاعراب إياك للتحذير. والميتات نصب على التحذير. ولا ناهية. وتقربنها فعل مضارع مجزوم محلا بلا الناهية. وفاعله ضمير المخاطب. والهاء مفعوله. وقوله ولا تعبد عطف على تقربنها. والشيطان مفعول تعبد. ولفظ الجلالة مفعول اعبد. واعبد فعل أمر فاعله ضمير المخاطب. وألفه منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة. وأصله اعبدن. وهذا هو الشاهد. فيه والمعنى ظاهر.
وتقول في هل تضربن يا قوم هل تضربون بإعادة واو الجمع.
1) صدره (وإياك والميتات لا تقربنها) وهو له من كلمة يمدح بها النبي صلّى الله عليه وسلّم وقد تقدم من حديثه في أول الكتاب.
يشترك فيه الإسم والفعل. وهو جملة فعلية أو اسمية تؤكد بها جملة موجبة أو منفية نحو قولك : بالله ، وأقسمت ، وآليت ، وعلم الله ، ويعلم الله ، ولعمرك ، ولعمر أبيك ، ولعمر الله ، ويمين الله ، وأيمن الله ، وايم الله ، وأمانة الله ، وعليّ عهد الله لأفعلن أو لا أفعل. ومن شأن الجملتين أن تتنزلا منزلة جملة واحدة كجملتي الشرط والجزاء ، ويجوز حذف الثانية ها هنا عند الدلالة جواز ذلك ثمة. فالجملة المؤكد بها هي القسم ، والمؤكدة هي القسم عليها ، والإسم الذي يلصق به القسم ليعظم به ويفخم هو المقسم به.
ولكثرة القسم في كلامهم أكثروا التصرف فيه ، وتوخوا ضروبا من التخفيف ، من ذلك حذف الفعل في بالله ، والخبر في لعمرك وأخواته ، والمعنى لعمرك ما أقسم به ، ونون أيمن وهمزته في الدرج ، ونون من ومن وحرف القسم في والله والله بغير عوض ، وبعوض في ها الله وآلله وفالله ، والإبدال عنه تاء في تالله وإيثار الفتحة على الضمة هي التي أعرف في العمر.
ويتلقى القسم بثلاثة أشياء باللام وبان وبحرف النفي كقولك بالله لأفعلن ، وأنك لذاهب ، وما فعلت ولا أفعل. وقد حذف حرف النفي في قول الشاعر :
تالله يبقى على الأيام مبتقل (1)
اللغة مبتقل اسم فاعل من ابتقل إذا رعى البقل. وانما يريد به حمار الوحش. والجون هنا الأسود. وقد يراد به الأبيض. والسراة الظهر. ورباع أي طلعت رباعيته والرباعية هي إحدى الأسنان الأربع التي تلي الثنايا بين الثنية والناب. وإنما يكون ذلك في الغنم في السنة الرابعة ، وفي البقر والحافر في السنة الخامسة. وفي الخف في السنة السابعة. وغرد أي حسن التطريب في الغناء.
الاعراب التاء للقسم. ولفظ الجلالة مقسم به. ويبقى فعل مضارع جواب القسم.
وعلى الأيام متعلق به. ومبتقل فاعله. وجون ورباع وغرد صفات لمبتقل. وسنه معمول رباع (والشاهد فيه) انه حذف حرف النفي من جواب القسم وهو يبقى وأصله تالله لا يبقى (والمعنى) يقول الأيام لا تبقى شيئا على حاله وكل ما فيها عرضة للتغير والزوال حتى حمار الوحش الموصوف بهذه الأوصاف لا يبقى على حاله بل لا بد أن يهرم ويضعف صوته وتنكسر حدة نشاطه.
وقد أوقعوا موقع الباء بعد حذف الفعل الذي ألصقته بالقسم به أربعة أحرف : الواو والتاء وحرفين من حروف الجرّ وهما اللام ومن في قولك لله لا يؤخر الأجل ومن ربي لأفعلن روما للإختصاص ، وفي التاء واللام معنى التعجب ، وربما جاءت التاء في غير التعجب ، واللام لا تجيء إلا فيه وأنشد سيبويه لعبد مناة الهذلي :
لله يبقى على الأيام ذو حيد
بمشمخر به الظّيان والآس (2)
يا مي أن تفقدي قوما ولدتهم
أو تخلسيهم فان الدهر خلاس
يا مي ان سباع الأرض هالكة
والادم والعفر والآرام والناس
اللغة حيد جمع حيدة مثل بدرة وبدر. والحيد عقد في قرون الوعل. والمشمخر الجبل الشامخ. والظيان ياسمين البر. والآس الريحان.
الاعراب ذو حيد فاعل يبقى. ويبقى جواب القسم بحذف لا النافية على نحو ما مر في البيت قبله. وقوله بمشمخر الباء بمعنى في. وبه جار ومجرور خبر مقدم. والظيان مبتدأ.
والآس عطف عليه. والجملة في محل جر صفة مشمخر (والشاهد فيه) دخول اللام على اسم الله في القسم بمعنى التعجب (والمعنى) ان الأيام تفني بمرورها كل حي حتى الوعل المتحصن برؤس الجبال. وانما ضرب الوعل مثلا لذلك لأنه إذا كان في الجبل المرتفع وعنده ما يرعاه لم يحتج إلى الاسهال فيصاد. فإذا كان يناله الموت على هذا الحال فغيره من الحيوان مما يتعرض لأن يصاد أولى.
وتضم ميم من فيقال من ربي أنك لأشر. قال سيبويه ولا تدخل الضمة في من إلا ههنا ، كما لا تدخل الفتحة في لدن إلا مع غدوة ، ولا تدخل إلا على اسم الله والكعبة. وسمع الأخفش من الله وتربى وإذا حذفت نونها فهي كالتاء تقول م الله وم الله كما تقول تالله ومن الناس من يزعم أنها من أيمن.
والباء لأصالتها تستبدّ عن غيرها بثلاثة أشياء بالدخول على المضمر كقولك به لأعبدنه وبك لأزورن بيتك وقال :
فلا بك ما أبالي (1)
ألا نادت أمامة باحتمال
لتحزنني فلا بك ما أبالي.
اللغة أمامة اسم زوجة الشاعر. والاحتمال التحمل والارتحال. وما أبالي أي ما أخاف.
الاعراب الا اداة استفتاح. ونادت فعل ماض. وأمامة فاعله. وباحتمال متعلق بنادت في محل نصب مفعوله. وقوله لتحزنني اللام لام كي وتحزنني فعل مضارع منصوب بها وفاعله ضمير يعود إلى أمامة. والياء مفعوله. ولا نافية. وبك الباء حرف قسم. والكاف مقسم به. وجواب القسم لا أبالي (والشاهد فيه) جواز دخول القسم على الضمير كدخوله على الظاهر (والمعنى) ان هذه المرأة نادت بالرحيل لتحزنه بفراقها ظنا منها ان فراقها يؤلمه فاقسم بحقها ان ذلك لا يخيفه ولا يزعجه وانه في رغبته عنها.
1) هذا قطعة من بيت أنشده أبو زيد في نوادره ولم يسم قائله وهو :
وبظهور الفعل معها كقولك حلفت بالله ، وبالحلف على الرجل على سبيل الإستعطاف كقولك بالله لمّا زرتني وبحياتك أخبرني وقال ابن هرمة :
بالله ربك إن دخلت فقل له
هذا ابن هرمة واقفا بالباب (1)
وقال المجنون :
بدينك هل ضممت إليك نعما (2)
(وهل قبلت قبل الصبح فاها).
الاعراب بالله متعلق بمحذوف أي أسألك. وهل حرف استفهام. وضممت فعل وفاعل جواب القسم. واليك متعلق بضممت. ونعما مفعوله. وقوله وهل قبلت عطف على ضممت. وفاها مفعول قبلت. (والشاهد فيه) كالذي في البيت قبله.
وتحذف الباء فينتصب المقسم به بالفعل المضمر قال :
1) الاعراب بالله متعلق بمحذوف أي اسألك أو أخبرني بالله. وانما حذف لدلالة الحال عليه أو لقوله فقل له كما حذف من بسم الله ابتدىء لأن ذلك انما يقال في كثير الأمر في الابتداءات. وربك جر على انه صفة. وان شرطية ودخلت فعل وفاعل فعل الشرط. وقوله فقل له جملة فعلية وقعت جواب الشرط. وهذا مبتدأ. وابن هرمة خبره. وواقفا حال من المفعول المصدري. وعامله معنى الفعل كما في قوله تعالى (هذا بَعْلِي شَيْخاً) أي أشير اليه حال كونه على هذه الحال. وبالباب متعلق بواقفا. وجملة المبتدأ والخبر في محل نصب بالقول (والشاهد فيه) ان الحلف هنا على سبيل الاستعطاف (والمعنى) ان دخلت على الأمير فأعلمه بمكاني وخذ لي منه اذنا بالدخول عليه.
2) هو للمجنون صاحب ليلى على ما هو في ديوان شعره لكن بابدال نعمى بليلى وتمامه :
ألا ربّ من قلبي له الله ناصح (1)
اللغة السوانح جمع سانح وهو من الظباء ما أخذ عن يمين الرامي فلم يمكنه رميه حتى ينحرف له فيتشاءم به. ومن العرب من يتيمن به لأخذه في الميامن. وقد جعله ذو الرمة مشؤوما لمخالفة قلبها وهواها لقلبه وهواه.
الاعراب رب حرف جر. ومن نكرة بمعنى شخص في محل جر برب. وقلبي مبتدأ وناصح خبره وله متعلق بناصح والجملة في محل جر صفة من والله منصوب بفعل مقدر أي أحلف أو أقسم وأصله احلف بالله فحذف الفعل والحرف معا وبقي مدخول الباء منصوبا بالفعل على تقدير ان الفعل حذف بعد أن حذف الحرف الجار وافضى الفعل إلى معموله وان كانا قد حذفا معا بدليل انه لم يوجد في كلامهم أقسم الله أو أحلف الله. وقوله ومن هو عطف على من الأولى. وقلبه مبتدأ. وفي الظباء خبره. والجملة في محل جر صفة من (والشواهد فيه) نصب لفظ الجلالة بالفعل المقدر (والمعنى) رب شخص أقسم بالله ان قلبي له ناصح ومحب وقلبه على خلاف ذلك وضرب لذلك مثلا بكون قلبه في الظباء السوانح اشارة إلى أن هذا الشخص شديد النفور عنه كما ينفر الغزال عن الانسان وانها أبدا معه على خلاف ما يحب ويشتهي.
وقال :
فقلت يمين الله أبرح قاعدا (2)
وقال :
إذا ما الخبز تأدمه بلحم
فذاك أمانة الله الثريد (3)
اللغة تأدمه تخلطه.
الاعراب إذا شرطية. وما زائدة. والخبر منصوب بفعل محذوف ، يفسره المذكور. وتأدمه فعل مضارع وفاعل ومفعول. وبلحم متعلق بتأدم. وذاك مبتدأ. والثريد خبره. وامانة منصوب بفعل القسم المقدر. ويجوز رفع أمانة على أنه مبتدأ. وخبره محذوف أي أمانة الله قسمي كما يجوز في يمين الله في البيت السابق.
وقد روي رفع اليمين والأمانة على الإبتداء محذوفي الخبر ، وتضمر كما تضمر اللام في لاه أبوك.
وتحذف الواو ويعوّض عنها حرف التنبيه في قولهم لا هالله ذا ، وهمزة الإستفهام في آلله. وقطع همزة الوصل في أفألله وفي لا هالله ذا لغتان :
حذف ألف ها وإثباتها. وفيه قولان : أحدهما قول الخليل أن ذا مقسم عليه وتقديره : لا والله للأمر ذا ، فحذف الأمر لكثرة الإستعمال ، ولذلك لم يجز أن يقاس عليه فيقال هالله أخوك على تقديرها الله لهذا أخوك. والثاني وهو قول الأخفش. أنه من جملة القسم توكيد له ، كأنه قال ذا قسمي. قال :
والدليل عليه أنهم يقولون لاها الله ذا لقد كان كذا فيجيئون بالمقسم عليه بعده.
والواو الأولى في نحو : (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى). للقسم وما بعدها للعطف كما تقول بالله فالله وبحياتك ثم حياتك لأفعلن.
تشترك فيه الأضرب الثلاثة. ولا تخفف الهمزة إلا إذا تقدمها شيء ، فإن لم يتقدمها نحو قولك ابتداء أب أم ابل فالتحقيق ليس إلا. وفي تخفيفها ثلاثة أوجه : الإبدال ، والحذف ، وأن تجعل بين بين ، أي بين مخرجها وبين مخرج الحرف الذي منه حركتها.
ولا تخلو إما أن تقع ساكنة فيبدل منها الحرف الذي منه حركة ما قبلها كقولك رأس وقرأت وإلى الهداتنا وبير وجيت والذيتمن ولوم وسوت ويقولوذن.
وأما أن تقع متحرّكة ساكنا ما قبلها ، فينظر إلى الساكن فإن كان حرف لين نظر ، فإن كان ياء أو واوا مدتين زائدتين أو ما يشبه المدة كياء التصغير قلبت إليه وأدغم فيها كقولك : خطية ومقروّة وأفيّس. وقد التزم ذلك في نبي وبريه.
وإن كان ألفا جعلت بين بين كقولك : سأل وتساؤل وقائل.
وإن كان حرفا صحيحا أو واوا أو ياء أصليتين أو مزيدتين لمعنى ألقيت
عليه حركتها وحذفت كقولك : مسلسلة والخب ومن بوك ومن بلك وجيل وحوبة وأبو يّوب وذو مرهم واتبعي مره وقاضوبيك ، وقد التزم ذلك في باب يري وأري يرى ، ومنهم من يقول المراة والكماة فيقلبها ألفا وليس بمطرد ، وقد رآه الكوفيون مطردا.
وأما أن تقع متحرّكة متحرّكا ما قبلها فتجعل بين بين كقولك : سأل ولؤم وسئل ، إلا إذا انفتحت وانكسر ما قبلها أو انضم فقلبت ياء أو واوا محضة كقولك ميروجون. والأخفش يقلب المضمومة المكسور ما قبلها ياء أيضا فيقول يستهزيون ، وقد تبدل منها حروف اللين فيقال منساة ومنه قول الفرزدق :
فارعي فزارة لا هناك المرتع (1)
الاعراب راحت فعل ماض. وبمسلمة متعلق به. والبغال فاعله. وعشية نصب على الظرفية. وقوله فارعي هو فعل أمر من رعى يرعى. وفاعله ضمير المخاطبة. وفزارة منادى بحرف نداء محذوف أي يا فزارة. ولا نافية. وهناك فعل ماض. والكاف مفعوله. والمرتع فاعله. والشاهد فيه قلب الهمزة في هنأك ألفا وكان القياس ان تجعل بين بين إلا أنه لما لم يتزن له البيت بحرف متحرك أبدل منها الألف ضرورة فقال هناك (والمعنى) انه يدعو على فزارة وكان على خراسان مسلمة فعزل عنها ووليها بعده رجل من فزارة فقال الفرزدق ذلك.
وقال حسان :
سالت هذيل رسول الله فاحشة
ضلّت هذيل بما سالت ولم تصب (2)
الاعراب سالت فعل ماض. وهذيل فاعله. ورسول الله مفعوله الأول. وفاحشة مفعوله الثاني. وضلت فعل ماض. وهذيل فاعله. وقوله بما الباء للسببية وما مصدرية أي بسؤالها أو ما موصولة وقوله سالت صلة الموصول وفاعل سالت ضمير يعود إلى هذيل. والعائد محذوف أي سألته. وقوله ولم تصب جملة فعلية عطف على ضلت (والشاهد فيه) كالذي في سابقه.
وقال ابنه عبد الرحمن :
يشجّج رأسه بالفهر واجي (1)
اللغة الوتد خشبة تربط إليها أطناب البيت. والقاع الأرض. ويشجج يدق. والفهر الحجر. والواجي اسم فاعل من وجأ بمعني طعن ودق.
الاعراب أذل خبر كان. والتاء اسمها. ومن وتد متعلق بأذل. وبقاع متعلق بمحذوف صفة وتد أي كائن بقاع. ويشجج فعل مضارع. ورأسه مفعوله. وبالفهر متعلق بيشجج. واجي فاعل يشجج. والجملة في محل جر صفة وتد (والشاهد فيه) إبدال همزة واجي بالياء وانما أصلها الهمزة.
وقال سيبويه وليس ذا بقياس متلئبّ وإنما يحفظ عن العرب كما يحفظ الشيء الذي تبدل التاء من واوه نحو أتلج.
وقد حذفوا الهمزة في كل ومر وخذ حذفا غير قياسي ، ثم التزموه في اثنين دون الثالث فلم يقولوا أوخذ ولا أوكل. وقال الله تعالى : (وَأْمُرْ أَهْلَكَ).
وإذا خففت همزة الأحمر على طريقها فتحرّكت لام التعريف اتجه لهم في ألف اللام طريقان : حذفها وهو القياس ، وابقاؤها لطرو الحركة ، فقالوا لحمر وألحمر ومثل لحمر عاد لّولى في قراءة أبي عمرو ، وقولهم من لان في من الآن ، ومن قال ألحمر قال من لان بتحريك النون كما قرىء من رض أو ملان بحذفها كما قيل ملكذب.
وإذا التقت همزتان في كلمة فالوجه قلب الثانية إلى حرف لين كقولهم
1) وكنت أذل من وتد بقاع. وهو له من أبيات يهجو بها ابن الحكم بن أبي العاص.
آدم وأيمة وأويدم ، ومنه جائي وخطايا ، وقد سمع أبو زيد من بقول اللهم اغفر لي خطائئي ، قال همزها أبو السمح وردّاد ابن عمه وهو شاذّ ، وفي القراءة الكوفية أئمة. وإذا التقتا في كلمتين جاز تحقيقهما وتخفيف إحداهما بأن تجعل بين بين. والخليل يختار تخفيف الثانية كقوله تعالى : (فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها). وأهل الحجاز يخففونهما معا. ومن العرب من يقحم بينهما ألفا قال ذو الرمة :
آ أنت أم أمّ سالم (1)
وأنشد أبو زيد :
حزقّ إذا ما القوم أبدوا فكاهة
تفكّر آإياه يعنون أم قردا (2)
اللغة الحزق القصير من الرجال. والفكاهة ما يتفكه به من الحديث.
الاعراب حزق مبتدأ. وإذا شرطية ظرفية. وما زائدة. والقوم مبتدأ. وأبدوا فعل وفاعل. وفكاهة مفعوله. والجملة خبر المبتدأ الثاني. وتفكر فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى حزق. وآإياه الهمزة فيه للاستفهام. وإياه مفعول يعنون. ويعنون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعله. وقوله أم قردا عطف على إياه. والجملة جواب إذا والشرط مع جوابه خبر المبتدأ الأول. وهو حزق (والشاهد فيه) كالذي في سابقه (والمعنى) ان هذا الرجل لقصره ودمامته إذا جلس لقوم فتكلموا بكلام يضحكون به تفكر ان القوم يعنونه بهذا الكلام أم القرد.
وهي في قراءة ابن عامر. ثم منهم من يحقق بعد إقحام الألف. ومنهم من يخفف.
وفي اقرأ آية ثلاثة أوجه : أن تقلب الأولى ألفا ، وأن تحذف الثانية تلقي حركتها على الأولى ، وان تجعلا معا بين بين وهي حجازية.
يشترك فيه الأضرب الثلاثة. ومتى التقيا في الدرج على غير حدهما وحدهما أن يكون الأول حرف لين ، والثانى مدغما ، في نحو دابة ، وخويصّة ، وتمودّ الثوب ، وقوله تعالى : (قل أتحاجونا). لم يخل ، أولهما من أن يكون مدة أو غير مدّة ، فإن كان مدة حذف كقولك : لم يقل ، ولم يبع ، ولم يخف ويخشى القوم ، ويغزو الجيش ، ويرمي الغرض ، ولم يضربا اليوم ، ولم يضربوا الآن ، ولم تضربي ابنك ، إلا ما شذّ من قولهم آلحسن عندك ، وآيمن الله يمينك ، وما حكي من قولهم : حلقتا البطان. وإن كان غير مدة فتحريكه في نحو قولك لم أبله ، واذهب اذهب ، ومن ابنك ، ومذ اليوم ، وألم الله ، ولا تنسوا الفضل ، واخشوا الله ، واخشى القوم ، ومصطفى الله ، ولو استطعنا ، ومنه قولك الأسم والابن والإنطلاق والإستغفار ، أو تحريك أخيه في نحو قولك : انطلق ، ولم يلده ، ويتقه وردّ ، ولم يردّ ، في لغة بني تميم. قال :
عجبت لمولود وليس له أب
وذي ولد لم يلده أبوان (1)
الاعراب عجبت فعل ماض. والتاء فاعله. والمولود متعلق بعجبت. وقوله وليس الواو للحال. وليس فعل ماض ناقص. وأب اسمها. وله خبرها مقدم. وذي ولد عطف على مولود. ولم حرف جازم. ويلده فعل مضارع مجزوم بلم. والهاء مفعوله. وأبوان فاعله.
(والشاهد فيه) انه نقل سكون الدال العارض بسبب الجازم إلى اللام قبلها تشبيها لها بكتف فسكن اللام (والمعنى) انه يعجب من مولود ليس له أب يعني بذلك عيسى عليه السّلام فانه ولد من غير أب. ويعجب ممن يلد ولم يكن ولده أبوان يعني بذلك آدم وحواء عليهما السّلام فانهما خلقا من غير أب ولا أم.
والأصل فيما حرك منهما أن يحرك بالكسر ، والذي حرك بغيره فلأمر ، نحو ضمهم في نحو : وقالت اخرج عليهن ، وعذابن اركض ، وعيونن أدخلوها للإتباع ؛ وفي نحو أخشوا الله ، للفصل بين واو الضمير وواو لو. وقد كسرها قوم كما ضم قوم واو لو في لو استطعنا تشبيها بها ، وقرىء مر يبين الذي بفتح النون هربا من توالي الكسرات. وقد حركوا في نحو ردّ ولم يردّ بالحركات الثلاث ، ولزموا الضم عند ضمير الغائب ، والفتح عند ضمير الغائبة فقالوا ردّه وردّها ، وسمع الأخفش ناسا من بني عقيل يقولون مده وعضه بالكسر. ولزموا فيه الكسر عند ساكن يعقبه فقالوا : رد القوم. ومنهم من فتح وهم بنو أسد فقال :
فغضّ الطرف انك من نمير (2)
اللغة غض الطرف أي كف بصرك ذلا ومهانة. والطرف البصر. ونمير أبو قبيلة.وكعب وكلاب قبيلتان.
الاعراب غض فعل أمر فاعله ضمير المتكلم. والطرف مفعوله. وانك ان حرف توكيد ونصب والكاف اسمها ومن نمير خبرها. ولا نافية. وكعبا مفعول. وبلغت فعل ماض. والتاء فاعله. ولا كلابا عطف على كعبا (والشاهد فيه) انه لما التقت الضاد ساكنة مع ما بعدها حركها بالفتح والقياس يقتضي تحريكها بالكسر هذا هو صريح كلام المصنف. إلا أن ابن يعيش قال في شرح هذا الكتاب فأما إذا لقي ساكنا بعده نحو رد الرجل وفل الجيش فالكسر دون الوجهين الآخرين لأنه لما كان الكسر جائزا لالتقاء الساكنين في الكلمة الواحدة ثم عرض التقاؤهما من كلمتين قوي سبب الكسر وصار الجائز واجبا لقوة سببه قال جرير. فغض الطرف. البيت ومنهم من يفتحه مع الألف واللام فجعل الشاهد فيه تحريك الضاد بالكسر لقوة سببه وهو التقاء الساكنين من كلمتين (والمعنى) أولى لك أن تكف بصرك ذلا ومهانة وتكف لسانك عن مفاخرة الناس فانك من قبيلة وضيعة. ولست من كعب ولا كلاب حتى تصاول وتفاخر.
وقال :
ذمّ المنازل بعد منزلة اللوى (1)
وليس في هلم إلا الفتح.
ولقد جدّ في الهرب من التقاء الساكنين من قال دأبّة وشأبّة ، ومن قرأ ولا الضألّين ولا جأنّ ، وهي عن عمرو بن عبيد ومن لغته النّقر في الوقف.
وكسروا نون من عند ملاقاتها كل ساكن سوى لام التعريف فهي عندها مفتوحة ، تقول من ابنك ومن الرجل. وقد حكى سيبويه عن قوم فصحاء من ابنك بالفتح. وحكي في من الرجل الكسر ، وهي قليلة خبيثة. وأما نون عن فمكسورة في الموضعين وقد حكي عن الأخفش عن الرجل بالضم.
1) تقدم الكلام عليه في باب الموصولات والشاهد فيه هنا كالذي في سابقه.
تشترك فيه الأضرب الثلاثة. وهي في الأمر العام على الحركة. وقد جاء منها ما هو على السكون. وذلك من الأسماء في نوعين : أحدهما أسماء غير مصادر وهي ابن وابنة وابنم واثنان واثنتان وامرؤ وامرأة واسم واست وأيمن الله وأيم الله. والثاني مصادر الأفعال التي بعد ألفاتها إذا ابتدىء بها أربعة أحرف فصاعدا نحو انفعل وافتعل واستفعل تقول : إنفعال وافتعال واستفعال ، ومن الأفعال فيما كان على هذا الحد ، وفي أمثلة أمر المخاطب من الثلاثي غير المزيد فيه نحو اضرب واذهب ، ومن الحروف في لام التعريف وميمه في لغة طىء ، فهذه الأوائل ساكنة كما ترى يلفظ بها كما هي في حال الدرج ، فإذا وقعت في موضع الإبتداء أو وقعت قبلها همزات مزيدة متحرّكة ، لأنه ليس في لغتهم الإبتداء بساكن كما ليس فيها الوقوف على متحرّك.
وتسمى هذه الهمزات همزات الوصل ، وحكمها أن تكون مكسورة ، وإنما ضمت في بعض الأوامر ، وفيما بني من الأفعال. الواقعة بعد ألفاتها أربعة أحرف فصاعدا للمفعول للإتباع ، وفتحت في الحرفين وكلمتي القسم للتخفيف.
وإثبات شيء من هذه الهمزات في الدرج خروج عن كلام العرب ولحن فاحش ، فلا تقل الإسم والإنطلاق والإقتسام والإستغفار ومن إبنك وعن إسمك وقوله :
إذا جاوز الإثنين سرّ فإنّه (1)
اللغة نشر الحديث وافشاؤه شيوعه بين الناس. وقمين أي حقيق وجدير.
الاعراب إذا ظرفية شرطية. وجاوز فعل ماض. والاثنين مفعوله. وسر فاعله. وان حرف توكيد ونصب. والهاء اسمها. وقمين خبرها. وبنشر متعلق بقمين. وافشاء عطف على نشر (والشاهد فيه) انه أثبت همزة الوصل في الدرج ضرورة ولو لا الضرورة لم يسغ إثباتها. ومثله قول الآخر.
لا نسب اليوم ولا خلة
إتسع الخرق على الراقع
فاثبت همزة اتسع في حال الوصل ضرورة الا أن هذا أسهل مما قبله في أول النصف الثاني. والعرب قد تسكت على أنصاف الأبيات وتبتديء بالنصف الثاني فكأن الهمزة فيه وقعت أولا.
من ضرورات الشعر. ولكن همزة حرف التعريف وحدها إذا وقعت بعد همزة الإستفهام لم تحذف ، وقلبت ألفا ، لأداء حذفها إلى الإلباس.
وأما اسكانهم أول هو وهي متصلتين بالواو والفاء ولام الابتداء وهمزة الاستفهام ولام الامر متصلة بالفاء والواو كقوله تعالى : (وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) وقوله تعالى : (فَهِيَ كَالْحِجارَةِ) وقوله تعالى : (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُ) وقول الشاعر :
الاعراب قمت فعل وفاعل. وللزور متعلق به. ومرتاعا خال من ضمير الفاعل. وارقني فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الزور. والياء مفعوله. وقلت فعل وفاعل. والهمزة للاستفهام. وهي مبتدأ. وسرت جملة فعلية في محل رفع خبر المبتدأ. وأم حرف عطف. وعادني فعل ماض والياء مفعوله. وحلم فاعله (والشاهد فيه) انه سكن هاء هي وليس ذلك بأصل وانما شبهها في هذا الموضع بضاد عضيد وباء كبد وقال صاحب اللسان فلما كانت أهي كقولك بهي خفف على قولهم في بهي (بكسر الهاء) بهي (بسكونها) وفي علم علم اه. (والمعنى) انه انتبه من نومه مذعورا لطروق طيف خيالها وزيارته له فقال أترى ان المحبوبة بنفسها زارته أم هذا الزائر طيف خيالها غبة الشوق على القوة المميزة فلم ببق عنده ما يمكنه أن يفرق به بين نفسها وطيف خيالها.
*اللغة الزور الزائر. وروى صاحب اللسان بدله الطيف وهو ما يطوف على الانسان في النوم. وارقني منعني النوم. وسرت من السرى وهو السير ليلا. والحلم الرؤيا تكون في المنام.
وقوله تعالى : (فَلْيَنْظُرْ) وقوله : (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) فليس بأصل. وانما شبه الحرف عند وقوعه في ذا الموقع بضاد عضد وباء كبد ومنهم من لا يسكن.
يشترك فيها الاسم والفعل. والحروف الزوائد هي التي يشملها قولك اليوم تنساه ، أو أتاه سليمان ، أو سألتمونيها ، أو السمان هويت. ومعنى كونها زوائد أن كل حرف وقع زائدا في كلمة فانه منها لا إنها تقع أبدا زوائد. ولقد أسلفت في قسمي الأسماء والأفعال عند ذكر الابنية المزيد فيها نبذا من القول في هذه الحروف ، واذكر ههنا ما يميز به بين مواقع أصالتها ومواقع زيادتها والله تعالى الموفق.
فالهمزة يحكم بزيادتها إذا وقعت أولا بعدها ثلاثة أحرف أصول كأرنب وأكرم ، إلا إذا اعترض ما يقتضي أصالتها كإمّعة وإمرة ، أو تجيز الأمرين كأولق. وبأصالتها إذا وقع بعدها حرفان أو أربعة أصول كإتب وإزار واصطبل واصطخر ، أو وقعت غير أوّل ولم يعرض ما يوجب زيادتها في نحو شمأل ونئدل وجرائض وضهيأة.
والألف لا تزاد أوّلا لامتناع الإبتداء بها. وهي غير أوّل إذا كان معها ثلاثة أحرف أصول فصاعدا لا تقع إلا زائدة كقولهم خاتم وكتاب وحبلى وسرادح وحلبلاب. ولا تقع للالحاق إلا آخرا في نحو معزى. وهي في قبعثرى كنحو ألف كتاب لإنافتها على الغاية.
والياء إذا حصلت معها ثلاثة أحرف أصول فهي زائدة أينما وقعت كيلمع ويهير ويضرب وعثير وزبنية ، إلا في نحو يأجج ومريم ومدين وصيصية وقوقيت. وإذا حصلت معها أربعة فإن كانت أوّلا فهي أصل كيستعور ، وإلا فهي زائدة كسلحفية.
والواو كالألف لا تزاد أوّلا وقولهم ورنتل كجحنفل. وأما غير أول فلا تكون إلا زائدة كعوسج وحوقل وقسور ودهور وترقوة وعنفوان وقلنسوة إلا إذا اعترض ما في عزويت.
والميم إذا وقعت أولا وبعدها ثلاثة أحرف أصول فهي زائدة نحو مقتل ومضرب ومكرم ومقياس ، إلا إذا عرض ما في معدّ ومعزى ومأجج ومهدد ومنجنون ومنجنيق. وهي غير أول أصل إلا في نحو دلامص وقمارص وهرماس وزرقم. وإذا وقعت أولا خامسة فهي أصل كمزرنجوش. ولا تزاد في الفعل ولذلك استدل على أصالة ميم معد بتمعددوا ونحو تمسكن وتمدرع وتمندل لا اعتداد به.
والنون إذا وقعت آخرا بعد ألف فهي زائدة إلا إذا قام دليل على أصالتها في نحو فينان وحسان وحمار قبان فيمن صرف ، وكذلك الواقعة في أول
المضارع والمطاوع نحو نفعل وانفعل ، والثالثة الساكنة في نحو شرنبث وعصنصر وغضنفر وعرند. وهي فيما عدا ذلك أصل إلا في نحو عنسل وعفرني وبلهنية وخنفقيق ونحو ذلك.
والتاء اطردت زيادتها أوّلا في نحو تفعيل وتفعال وتفعل وتفاعل وفعليهما ، وآخرا في التأنيث والجمع. وفي نحو رغبوت وجبروت وعنكبوت ثم هي أصل إلا في نحو ترتب وتولج وسنبتة.
والهاء زيدت زيادة مطردة في الوقف لبيان الحركة أو حرف المدّ في نحو كتابيه وثمه ووازيداه وو اغلاماه وواغلامهوه ووانقطاع ظهرهيه ، وغير مطردة في جمع أم ، وقد جاء بغير هاء ، وقد جمع اللغتين من قال :
إذا الأمهات قبحن الوجو
ه فرجت الظلام بأماتكا (1)
الاعراب إذا ظرفية شرطية. والأمهات مبتدأ. وقبحن فعل ماض. ونون النسوة فاعله. والوجوه مفعوله. وفرجت فعل وفاعل. والظلام مفعوله. وباماتكا متعلق بفرجت.
(والشاهد فيه) ان الشاعر جمع لفظ أم بهاء وبغير هاء وهما لغتان فجمع بينهما.
وقيل قد غلبت الأمهات في الأناسي والأمات في البهائم. وقد زاد هاء في الواحد من قال :
أمهتي خندف والياس أبي (2)
عند تناديهم بهال وهب
أمهتي خندف والياس أبي
حيدة خالي ولقيط وعلي
وحاتم الطائي وهاب المئي
الاعراب ظاهر (والشاهد فيه) انه أدخل الهاء في الواحد. ويؤيد هذا ما نقله الخليل في كتاب العين من قولهم تأمهت أما والمذهب حذفها لقولهم أم بينة الأمومة.
وفي كتب العين أمهت وهو مسترذل. وزيدت في اهراق اهراقه ، وفي هركولة وهجرع وهلقامة عند الأخفش. ويجوز أن تكون مزيدة في قولهم قرن سلهب لقولهم سلب.
والسين اطردت زيادتها في استفعل ، ومع كاف الضمير فيمن كسكس ، وقالوا اسطاع كأهراق.
واللام جاءت مزيدة في ذلك ، وهنالك ، وأولالك ، قال :
وهل يعظ الضّليل إلا ألالكا (1)
اللغة الأشابة بضم الهمزة الاخلاط من الناس يقال أشبت القوم إذا خلطت بعضهم ببعض. والضليل الضال يقال رجل ضليل ومضلل أي ضال جدا.
الاعراب أولئك اسم اشارة مبتدأ. وقومي خبره. ويكونوا فعل مضارع مجزوم بلم. والواو فاعله. واشابة مفعوله. وهل حرف استفهام. ويعظ فعل مضارع. والضليل مفعوله. والأحرف استثناء والألكا فاعله. (والشاهد فيه) زيادة اللام في أولالك وهو شاهد على صحة الاستعمال (والمعنى) يصف قومه بالصفاء والنصح يقال ان انسابهم صريحة صافية لم تمزج بغيرها وانه لا ينصح الضليل الغاوي غيرهم لكمال عقولهم وانقياد الناس لهم.
وفي عبدل وزيدل ، وفي فجعل ، وفي هيقل احتمال.
1) صدره. أولئك قومي لم يكونوا الأشابة. وهو لأعشى قيس ميمون.
جمعت في : استنجده يوم صال زط
يقع الإبدال في الأضرب الثلاثة كقولك أجوه وهراق وإلا فعلت وحروفه حروف الزيادة والطاء والدال والجيم والصاد والزاي ويجمعها قولك استنجده يوم صال زط.
فالهمزة أبدلت من حروف اللين ومن الهاء والعين. فإبدالها من حروف اللين على ضربين مطرد وغير مطرد. والمطرد على ضربين واجب وجائز.
فالواجب إبادلها من ألف التأنيث في نحو حمراء وصحراء ، والمنقلبة لاما نحو كساء ورداء وعلباء ، أو عينا في نحو قائل ونائل وبائع ، ومن كل واو واقعة أولا شفعت بأخرى لازمة في نحو أواصل وأواق جمعي واصلة وواقية. قال :
يا عديّ لقد وقتك الأواقي (1)
عدي من أبيات يذكر بها أخاه مهلهلا وقيامه بطلب ثأره واضرام الحرب على قوم جساس. أقول وهذا من أقبح الخطأ فان مهلهلا لقب عدي كما في الأغاني وغيره. واسم أخيه كليب.
اللغة وقتك أي حفظتك والاواقي الحوافظ جمع واقية.
الاعراب ضربت فعل ماض. فاعله ضمير يعود إلى الظبية المكني بها عن المرأة في البيت قبله. وهو :
ظبية من ظباء وجرة تعطو
بيديها في ناضر الأوراق
وصدرها مفعول ضربت. وإلى متعلق به. وقوله وقالت جملة فعلية عطف على جملة ضربت. ويا حرف نداء. وعدي منادى مبني على الضم. وقوله لقد اللام للقسم ، وقد حرف تحقيق. ووقتك فعل ماض. والكاف مفعوله. والأواقي فاعله. والجملة في محل نصب بالقول (والشاهد فيه) ابدال الهمزة من الواو في أواقي لأن أصلها وواقي لأنها جمع واقية وانما أبدلوا الهمزة من الواو لأن التضعيف في أوائل الكلم قليل. وانما جاء منه ألفاظ يسيرة من نحو ددن فلما ندر في الحروف الصحاح امتنع في الواو لثقلها مع أنها تكون معرضة لدخول واو العطف عليها وواو القسم فيلزم اجتماع ثلاث واوات وذلك مستثقل (والمعنى) انها عجبت من سلامتي وخلاصي من الأعداء بعد أن وقعت في أيديهم فضربت صدرها بيدها ومن عادة النساء اذا رأين شيئا ينكرنه أن يضربن بأيديهن على صدورهن.
1) صدره. (ضربت صدرها إليّ وقالت) وقد عزاه ابن منظور في اللسان والجوهري في الصحاح وابن سيده في المخصص لمهلهل. وقال بعض المتأخرين وليس هو له وانما هو لأخيه.
وأو يصل تصغير واصل. والجائز إبدالها من كل واو مضمومة وقعت مفردة فاء كأجوه ، أو عينا غير مدغم فيها كادؤر ، أو مشفوعة عينا كالغؤور والنؤور ، وغير المطرد إبدالها من الألف في نحو دأبة وشأبة ابيأض واهأم ، وعن العجاج أنه كان يهمز العالم والخاتم فقال :
فخندف هامة هذا العالم (1)
اللغة خندف اسم قبيلة وهامة كل شيء أعلاه.
الاعراب يا دار سلمى حرف نداء ومنادى مضاف. وقوله يا اسلمي يا حرف نداء والمنادى محذوف أي يا هذه. واسلمي فعل أمر فاعله ضمير المخاطبة. وثم اسلمي عطف على اسلمي الأولى. وخندف مبتدأ وهامة هذا العالم خبره (والشاهد فيه) همز عالم وذلك من قبل أن الألف في العالم تأسيس لا يجوز معها إلا مثل ساجم ولازم فلما قال يا اسلمي ثم اسلمي همز العالم لتجري القافية على منهاج واحد في عدم التأسيس.
1) صدره يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي.
وحكي بأز ، وقوقأت الدجاجة. وقال :
يا دار مي بدكاديك البرق
صبرا فقد هيجت شوق المشتإق (1)
اللغة دكاديك جمع دكداك وهو أرض فيها غلظ. والبرق جمع برقة وهي أرض غليظة مختلطة بحجارة ورمل. وصبرا يروى بدله سقيا ولعله أظهر. والمعنى الدعاء لها بالسقيا. والمشتاق المشتاق من الشوق وهو تعلق القلب بالشيء ونزوعه إليه.
الاعراب يا حرف نداء. ودار منادى مضاف إلى مي. وبدكاديك متعلق بمحذوف صفة دار أي الكائنة. والبرق جر بالاضافة إليه. وصبرا مفعول مطلق. وهيجت فعل وفاعل. وشوق نصب على المفعولية. والمشتاق جر بالاضافة إليه (والشاهد فيه) همز مشتاق للضرورة. واعلم أن الهمزة هنا مكسورة لا مفتوحة وذلك لأن مشتاق أصله مشتوق بكسر الواو قلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها فلما اضطر إلى تحريك الألف حركها بمثل الكسرة التي كانت على الواو.
ومن الواو غير المضمومة في نحو إشاحة وإفادة وإسادة وإعاء أخيه في قراءة سعيد بن جبير ، وأناة وأسماء واحد وأحّد في الحديث ، والمازني يرى الإبدال من المكسورة قياسا ، ومن الياء في قطع الله أديه وفي أسنانه ألل وقالوا الشئمة وإبدالها من الهاء في ماء وأمواء. قال :
وبلدة قالصة أمواءها
ماصحة رأد الضحي أفياءها (2)
اللغة قالصة أي مرتفعة من قولهم قلص الماء من البئر أي ارتفع. وماصحة أي قصيره يقال مصح الظل أي قصر. وراد الضحى ارتفاعه حين يعلو النهار.
الاعراب وبلدة الواو واو رب. وبلدة مجرور برب. وقالصة صفة بلدة. وامواؤها فاعل قالصة. وماصحة صفة بلدة. وراد الضحى نصب على الظرفية. وافياؤها فاعل ما صحة (والشاهد فيه) انه جمع ماء بالهمزة.
وفي أل فعلت وإلا فعلت ، ومن العين في قوله :
أباب بحر ضاحك زهوق (1)
اللغة أباب الماء عبابه. وضاحك أي ممتليء يقال أضحك حوضه إذا ملأه حتى فاض. وزهوق بعيد القعر. ورواه ابن منظور في اللسان هزوقا ولا يعرف لهذا معنى.
الاعراب ظاهر (والشاهد فيه) أنه أبدل الهمزة من العين لقرب مخرجهما. وقال ابن جني ليست الهمزة فيه بدلا من عين عباب وان كنا قد سمعناه وانما هو فعال من أب إذا تهيأ قال ابن يعيش فان البحر يتهيأ لما يزخر به.
والألف أبدلت من أختيها ومن الهمزة والنون. فإبدالها من أختيها مطرد في نحو قال وباع ودعى ورمى وباب وناب مما تحركتا فيه وانفتح ما قبلهما ، ولم يمنع ما منع من الإبدال في نحو رميا ودعوا إلا ما شذ من نحو القود والصيد. وغير مطرد في نحو طائي وحاري وياجل. وإبدالها من الهمزة لازم في نحو آدم ، وغير لازم في نحو رأس. وإبادلها من النون في الوقف خاصة على ثلاثة أشياء : المنصوب المنون ، وما لحقته النون الخفيفة المفتوح ما قبلها ، وإذن ، كقولك رأيت زيدا ولنسفعا وفعلتها إذا.
والياء أبدلت من أختيها ، ومن الهمزة ، ومن أحد حرفي التضعيف ، ومن النون والعين والعين والباء والسين والثاء. فإبدالها من الألف في نحو مفيتيح ومفاتيح وهو مطرد. ومن الواو في نحو ميقات وعصى وغاز وغازية وأدل وقيام وانقياد وحياض وسيد ولية واغزيت واستغزيت وهو مطرد. وفي نحو صبية وثيرة وعليان وبيجل ، وهو غير مطرد. ومن الهمزة في نحو ذيب ومير على ما قد سلف في تخفيفها. ومن أحد حرفي التضعيف في قولهم أمليت ، وقصيت أظفاري ، ولا وربيك لا أفعل ، وتسريت وتظنيت ، ولم يتسن ، وتقضى البازي. وقوله :
1) لم يسم أحد له قائلا ولا ذكر له سابقا أو لاحقا.
نزور امرأ أما الإله فيتقي
وأما بفعل الصالحين فيأتمي (1)
الاعراب نزور فعل مضارع فاعله ضمير المتكلمين. وامرأ مفعوله. وأما للتفصيل وفيها معنى الشرط. ويتقي فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى المرء. والجملة جواب الشرط. والاله مفعول يتقي. وبفعل متعلق بيأتمي فعل مضارع فاعله يعود إلى المرء (والشاهد فيه) إبدال الياء من الميم فان يأتمي أصله يأتم أي يقتدي.
والتصدية فمن جعلها من صد يصد ، وتلعيت من اللعاعة ، ودهديت وصهصيت ومكاكي في جمع مكوك ، ودياج في جمع ديجوج ، وديوان وديباج وقيراط ، وشيراز وديماس فيمن قال شراريز ودماميس. وقوله :
وايتصلت بمثل ضوء الفرقد (2)
الاعراب قام فعل ماض. وفاعله ضمير فيه. وبها متعلق بقام. وينشد فعل مضارع.
وفاعله ضمير قام. وكل منشد مفعوله. والجملة حالية. وايتصلت فعل ماض فاعله ضمير مستتر. وبمثل ضوء الفرقد كلام اضافي في محل نصب مفعول ايتصلت (والشاهد فيه) قلب إحدى التاءين من اتصلت ياء استكراها للتضعيف لما فيه من الثقل على اللسان.
أبدل الياء من التاء الأولى في اتصلت ومما سوى ذلك في قولهم أناسي وظرابي. وقوله :
ومنهل ليس له حوازق
ولضفادي جمه نقانق (3)
اللغة المنهل المورد. والحوازق الجماعات واحدها حزيقة ككتيبة جمعت جمع فاعلة كأنها حازقة فجمع على غير واحده. وجم الماء معظمة. والنقانق أصوات الضفادع واحدها نقنقه كدحرجه.
الاعراب منهل مجرور بواو رب. وليس فعل ماض ناقص. وله خبرها مقدم. وحوازق اسمها. والجملة صفة منهل. والضفادي خبر مقدم. ونقانق مبتدأ (والشاهد فيه) قلب العين ياء في ضفادي فان أصله ضفادع (والمعنى) ان هذا المنهل ليس عليه من يمنع الشرب منه وماؤه كثير يكفي كل وارد كنى عن هذا المعنى بكثرة ضفادعه فان الضفادع قلما يقمن الا في الماء الكثير.
وقوله يصف عقابا :
لها أشارير من لحم تتمره
من الثعالى ووخز من أرانيها (1)
اللغة اشارير جمع إشرارة وهي قطعة من اللحم تقدد للادخار. ومتمرة مجففة من تمرت اللحم والتمر بتشديد الميم اذا جففته. ووخز أي قطع من الوخز وهو القطع القليل والثعالي الثعالب والأراني الأرانب.
الاعراب لها خبر مقدم. وأشارير مبتدأ مؤخر. ومن لحم متعلق بمحذوف صفة أشارير. ومن للبيان. وتتمره فعل مضارع وفاعله ضمير يعود إلى الفرخة. وضمير المفعول يعود إلى اللحم. والجملة في محل جر صفة لحم. ومن الثعالي في محل رفع صفة أشارير. ووخز بالرفع عطف على أشارير. ومن أرانيها متعلق بمحذوف في محل رفع على أنه صفة وخز (والشاهد فيه) في قوله تعالى وأرانيها فان أصلها ثعالب وأرانب أبدلت الباء الموحدة فيها ياء (والمعنى) ان لهذه الفرخة قطعا من لحم الثعالب ولحم الأرانب تقددها لتأكلها. يقول إن اللحم عندها كثير فهي تأكله طريا وقديدا.
وقوله :
إذا ما عدّ أربعة فسال
فزوجك خامس وأبوك سادي (2)
اللغة فسال جمع فسيل وهو الرجل الخسيس.
الاعراب إذا ظرفية شرطية. وما زائدة. وعد فعل ماض مجهول. وأربعة نائب الفاعل. وفسال صفته. وزوجك مبتدأ. وخامس خبره. والجملة جواب اذا. وأبوك سادي جملة ابتدائية عطف على الجملة الجزائية (والشاهد فيه) قلب السين ياء في سادي فان أصله سادس (والمعنى) اذا عد الناس من القوم أربعة خساسا فزوجك خامسهم وأبوك سادسهم أي يكونان من جملة الأسافل الخساس.
وقوله :
قد مرّ يومان وهذا الثالي
وأنت بالهجران لا تبالي (1)
الاعراب قد حرف تحقيق. ومر فعل ماض. ويومان فاعله. وهذا عطف على يومان في محل رفع. والثالي بدل أو عطف بيان. وأنت مبتدأ. وبالهجران متعلق بتبالي. وتبالي فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب. والجملة خبر المبتدأ (والشاهد فيه) قلب التاء ياء في قوله الثالي فان أصله الثالث.
والواو تبدل من أختيها ومن الهمزة. فإبدالها من الألف في نحو ضوارب وضويرب تصغير ضرباب مصدر ضارب ، وأوادم وأويدم ورحوي وعصوي وألوان تثنية إلى إسما. ومن الياء في نحو موقن وطوبي مما سكن ياؤه غير مدغمة وانضم ما قبلها ، وفي ضويرب تصغير ضراب مصدر ضاربه ، وفي بقوي وبوطر من بيطر ، وهذا أمر ممضو عليه ، وهو نهو عن المنكر ، وفي الجباوة. ومن الهمزة في نحو جونة وجون كما سلف في تخفيفها.
والميم أبدلت من الواو واللام والنون والباء. فإبدالها من الواو في فم وحدها. ومن اللام في لغة طيء في نحو ما روى النمر بن تولب عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقيل انه لم يرو غير هذا ليس من امبر امصيام في امسفر. ومن النون في نحو عمبر وشمباء مما وقعت فيه النون ساكنة قبل الباء. وفي قول رؤبة :
يا هال ذات المنطق التّمتام
وكفّك المخضب البنام (2)
اللغة هال مرخم هالة اسم امرأة. والتمتام الذي فيه تمتمة وهو الذي يتردد في النطق بالباء وزنه فعلال. والمخضب الذي استعمل فيه الخضاب وهو الحناء.
الاعراب يا حرف نداء. وهال منادي مرخم هالة. وذات المنطق يجوز رفعه حملا على اللفظ. ونصبه حملا على المحل. والتمتام مجرور صفة منطق. وكفك إما مجرور معطوف على المنطق كأنه قال ذات المنطق التمتام والكف المخضب أو مرفوع على انه مبتدأ محذوف الخبر ، وخبره في بيت بعد هذا. والمخضب صفة كف. على وجهيه. والبنام جر بالاضافة إليه (والشاهد فيه) في قوله البنام فان أصله البنان أبدلت الميم من النون كما أبدلت منها في عنبر فقيل عمير ، وفي حنظل فقيل حمظل.
وطامه الله على الخير. ومن الباء في بنات مخر وما زلت راتما على هذا ورأيته من كثم. وقوله :
فبادرت شاتها عجلى مثابرة
حتى استقت دون محني جيدها نغما (1)
اللغة بادرت سارعت. ومثابرة أي مواظبة. والمحني المعطف. ونغما أي نغبا جمع نغبة وهي الجرعة.
الاعراب بادرت فعل ماض فاعله ضمير المرأة المذكورة سابقا. وشأنها مفعوله. وعجلى حال. وكذلك مثابرة. وحتى غائية. واستقت فعل ماض فاعله ضمير المرأة. ودون نصب على الظرف. ومحني مجرور تقديرا بالاضافة إليه. ونغما مفعول استقت (والشاهد فيه) قلب الباء ميما في قوله نغما (والمعنى) ان هذه المرأة إذا نزل بها ضيف أسرعت إلى شاتها فاحتلبت منها جرعا من اللبن وقدمتها إلى الضيف واكتفت بذلك عن ذبحها.
قال ابن الأعرابي أراد نغبا.
والنون أبدلت من الواو واللام في صنعاني وبهراني ، ولعن بمعنى لعل.
والتاء أبدلت من الواو والياء والسين والصاد والباء. فإبدالها من الواو فاء في نحو اتعد وأتلجه قال :
1) أنشده ابن الاعرابي في نوادره ولم يسم قائله وقيل انه لرؤبة.
متلج كفيه في قتره (1)
اللغة متلج أي مدخل. والقترة ناموس الصياد الذي يجعل فيه الصيد.
الاعراب رام مجرور برب. ومن بني ثعل متعلق بمحذوف صفة رام. ومتلج صفة أخرى وهو اسم فاعل فاعله ضمير يعود إلى الرامي. وكفيه مفعوله (والشاهد فيه) إبدال التاء من الواو في متلج لأنه اسم فاعل من أتلج (والمعنى) ان هذا الصائد يجعل يديه في القترة التي يكون فيها الصيد لئلا يهرب منها.
وتجاه وتيقور وتكلان وتكاة وتكلة وتخمة وتهمة وتقية وتقوى وتترى وتوراة وتولج وتراث وتلاد. ولا ما في أخت وبنت وهنت وكلتا. ومن الياء فاء في نحو اتسر ، ولاما في نحو أسنتوا وثنتان وكيت وذيت. ومن السين في طست ومنه قوله :
يا قاتل الله بني السعلاة
عمرو بن يربوع شرار النات
غير أعفاء ولا أكيات (2)
اللغة السعالي جمع سعلاة وهي الغول. والأكياس جمع كيس وهو الرجل الحسن الرأي.
الاعراب يا حرف نداء والمنادى محذوف أي يا قوم. وقاتل فعل ماض. ولفظ الجلالة فاعله. وبني السعلاة مفعوله. وقوله عمرو بن يربوع عطف بيان من بني السعلاة. وقوله شرار النات صفة عمرو بن يربوع على ارادة القبيلة المنسوبة إلى هذا الرجل. وقوله اعفاء صفة ثانية (والشاهد فيه) ابدال التاء من السين في النات واكيات فان أصلهما ناس واكياس.
ومن الصاد في لصت قال :
كاللصوت المرّد (3)
فتركن نهدا عيلا أبناؤها
وبني كنانة كاللصوت المرد
اللغة نهد اسم قبيلة. وعيلا جمع عائل من العويل بمعنى البكاء. ومرد جمع مارد وهو الخبيث من الجن.
الاعراب تركن فعل ماض ونون النسوة فاعله. ونهدا مفعوله الأول. وعيلا مفعوله الثاني. وأبناؤها فاعل عيلا. وبني كنانة عطف على نهدا. وكاللصوت متعلق بتركن. والمرد صفة اللصوت (والشاهد فيه) ابدال الصاد من التاء في اللصوت فان أصله اللصوص.
ومن الباء في الذعالت بمعنى الذعالب وهي الأخلاق.
والهاء أبدلت من الهمزة والألف والياء والتاء. فإبدالها من الهمزة في هرقت الماء ، وهرحت الدابة ، وهنرت الثوب ، وهردت الشيء ، عن اللحياني ، وهياك ، ولهنك ، وهما والله لقد كان كذا ، وهن فعلت فعلت في لغة طيء ، وفيما أنشد أبو الحسن :
وأتى صواحبها فقلن هذا الذي
منح المودّة غيرنا وجفانا (1)
الاعراب أتى فعل ماض. وصواحبها فاعله. وقلن فعل وفاعل عطف على أتى. وهذا الهاء بدل من همزة الاستفهام وذا اسم اشارة مبتدأ. والذي اسم موصول. ومنح فعل ماض صلة الموصول وفاعله ضمير يعود إليه. والمودة مفعول أول. وغيرنا مفعول ثان. وجفانا جملة فعلية عطف على منح. والموصول مع صلته خبر المبتدأ (والشاهد فيه) ابدال الهاء من الهمزة في هذا والأصل أذا وهذا قليل.
أي إذا الذي ومن الألف في قوله :
إن لم تروها فمه (2)
قد وردت من أمكنه
من ها هنا وها هنه
الاعراب ظاهر (والشاهد فيه) ابدال الهاء من الألف في قوله فمه فان الأصل فما إلا أنه لما أراد الوقف عليها والألف يكره الوقف عليها لخفائها أبدل منها الهاء لتقاربهما ، والمراد فما أصنع ونحوه ويحتمل أن يكون معه زجرا لنفسه كأنه قال ان لم تروها فكف عنها ودعها لمن يقدر على ذلك.
وفي أنه وحيهله وقوله :
وقد رابني قولها يا هناه (1)
اللغة رابني من الريب وهو الشك.
الاعراب رابني فعل ومفعول. وقولها فاعله. وبا هناه وما بعدها مقول القول (والشاهد فيه) ان الهاء في هناه مبدلة من ألف منقلبة عن واو أصله هنا وعلى وزن فعال قلبت واوه ألفا كما قلبت في كساء وانما لم تقلب همزة لئلا يلتبس بفعال من التهنئة. وليست هذه الهاء هاء السكت كما قيل لأنها لا تكون في الدرج.
وهي مبدلة من الألف المنقلبة عن الواو في هنوات ، ومن الياء في هذه أمة الله ، ومن التاء في طلحة وحمزة في الوقف. وحكى قطرب أن في لغة طيء كيف البنون والبناه ، وكيف الأخوة والأخواه.
واللام أبدلت من النون والضاد في قوله :
وقفت فيها أصيلالا أسائلها (2)
اللغة أصيلال تصغير أصلان جمع أصيل وهو العشي. وانما صغره ليدل على قصر الوقت. وعيت أي عجزت. والربع منزل القوم.
الاعراب وقفت فعل وفاعل. وفيها متعلق به. والضمير إلى الدار المذكورة في بيت قبله وهو :
يا دار مية بالعلياء فالسند
أقوت وطال عليها سالف الأمد
أصيلالا نصب على الظرفية. وأسائلها جملة من فعل وفاعل ومفعول حال من ضمير الفاعل في وقفت. وقوله عيت هو فعل ماض فاعله ضمير الدار. وجوابا نصب على التمييز. وما نافية. وبالربع خبر مقدم. ومن زائدة. واحد مبتدأ مؤخر (والشاهد فيه) ابدال اللام من النون في أصيلالا فان أصله بالنون. وهذا ابدال غير شائع والأحرف التي تبدل من غيرها إبدالا شائعا تسعة يجمعها قولك هدأت موطيا. وربما استشهدوا به على أن تصغير الجمع غير مقيس. وهذا على أن أصلانا جمع أصيل فان كان مفردا كعثمان فتصغير مقيس لا شذوذ فيه.
وقوله :
مال إلى أرطاة حقف فالطجع (1)
اللغة الدعة الراحة والخفض والهاء فيه عوض من الواو تقول ودع الرجل بالضم. والارطاة شجرة من أشجار الرمل والجمع ارطى. والحقف الرمل المعوج والجمع حقاف وأحقاف.
الاعراب لما ظرف بمعنى حين ورأى فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الذئب المذكور في البيت قبله وهو :
يا رب أبان من العفر صدع
تقبض الذئب إليه واجتمع
ولا نافية للجنس. ودعه اسمها. وخبرها محذوف. والجملة في محل نصب مفعول رأى. وقوله ولا شبع عطف على دعه. ومال فعل ماض جواب لما. وفاعله ضمير الذئب.
وإلى ارطاة حقف متعلق به. وقوله فالطجع عطف على مال (والشاهد فيه) في قوله فالطجع فان أصله فاضطجع فابدلت الضاد فيه لاما (والمعنى) لما رأى الذئب أن لا راحة له في طلب الظبي ولا شبع لعدم امكان دركه مال إلى شجرة فاضطجع تحتها.
والطاء أبدلت من التاء في نحو اصطبر ، وفحصط برجلي.
والدال أبدلت من التاء في ازدجر ، وازدان ، وفزد ، واذدكر غير مدغم فيما رواه أبو عمرو. واجدمعوا واجدزّ في بعض اللغات قال :
واجدزّ شيحا (2)
فقلت لصاحبي لا تحبسنا
بنزع أصوله واجدز شيحا
اللغة لا تحبسنا من الحبس. وفي رواية الجوهري لا تحبسانا. قال وربما خاطبت العرب الواحد بلفظ الاثنين. والشيح نبت معروف.
الاعراب قلت فعل وفاعل. ولصاحبي متعلق به. ولا ناهية. وتحبسنا فعل مضارع مجزوم بلا والجملة في محل نصب بالقول. وبنزع متعلق به. والضمير في أصوله للكلأ. واجدز أمر من جز يجز وفاعله ضمير المخاطب. وشيحا مفعوله (والشاهد فيه) ابدال الدال من التاء في قوله واجدز فإن أصله جز ثم نقل إلى باب الافتعال فصار اجتز ثم قلبت التاء دالا (والمعنى) يقول لصاحبه لا تحبسنا عن شي اللحم بنزع أصول الشجر بل خذ ما تيسر من قضبانه وعيدانه وأسرع في الشي.
وفي دولج.
والجيم أبدلت من الياء المشددة في الوقف. قال أبو عمرو : قلت لرجل من بني حنظلة : ممن أنت؟ فقال فقيمج. فقلت من أيهم؟ فقال : مرّج. وقد أجرى الوصل مجرى الوقف من قال :
خالي عويف وأبو علجّ
المطعمان الشحم بالعشجّ
وبالغداة تل البرنج
يقلع بالودّ وبالصيصجّ (1)
اللغة الغداة أول النهار. والكتل جمع كتلة وهي القطعة المجتمعة. ويروى كبس والمعنى واحد. والبرني ضرب من التمر. والود أصله الوتد قلبت التاء دالا وادغمت في الدال والصيصي قرن البقر.
الاعراب خالي مبتدأ. وعويف خبره. وأبو علج عطف على عويف. والمطعمان صفة عويف. وأبو علج والألف واللام فيه بمعنى الذي. والشحم مفعول مطعمان. وبالعشج متعلق بمطعمان. وبالغداة عطف على المفعول. ويقلع فعل مضارع مبني للمجهول. ونائب الفاعل ضمير يعود إلى البرني. والجملة صفة البرني. وبالود وبالصيصج متعلقان بيقلع (والشاهد فيه) في أربعة ألفاظ أبو علج والعشج والبرنج والصيصج فإنّ الجيم فيها بدل من الياء.
وأنشد ابن الاعرابي :
1) عزاه شراح الشواهد لرجل من أهل البادية ولم يذكروا اسمه.
كأن في أذنابهن الشوّل
من عبس الصيف قرون الأجلّ (1)
اللغة أذناب جمع ذنب. وشول جمع شائل أي مرتفع. والعبس ما التصق بذنب البعير من البعر. والإبل تيس الجبل.
الاعراب كأنّ حرف توكيد ونصب. ومن أذنابهن خبرها مقدّم والشول صفة أذناب.
وقرون الاجل اسم كأنّ (والشاهد فيه) قلب الياء جيما فان أصله ايل (والمعنى) كأنّ أذناب هذه الإبل مما التصق بها من البعران قرون تيس الجبل.
وقد أبدلت من غير المشددة في قوله :
لاهم ان كنت قبلت حجتج
فلا يزال شاحج يأتيك بج
أقمر نهات ينزي وفرتج (2)
اللغة لا هم يروى بدله يا رب. والشاحج البغل. وأقمر أي أبيض. ونهات أي نهاق.
وينزي يحرك والوفرة الشعر إلى شحمة الأذن.
الاعراب لا هم منادى بحرف نداء محذوف. وان حرف شرط جازم. وكنت كان فعل ماض ناقص. والتاء اسمها. وقبلت فعل وفاعل. وحجتج مفعوله. والجملة خبر كان والجملة من كان واسمها وخبرها فعل الشرط. وقوله فلا الفاء في جواب الشرط. ويزال فعل مضارع. وشاحج اسمها. وجملة يأتيك خبرها بالرفع صفة شاحج. ونهات صفة ثانية.
وينزي فعل مضارع مرفوع تقديرا. وفاعله ضمير شاحج. ووفرتج مفعوله. والجملة صفة شاحج أيضا. (والشاهد فيه) في قوله حجتج وبج ووفرتج فان أصلها حجتي وبي ووفرتي فأبدل من الياءات جيما.
وقوله :
حتى إذا أمسجت وأمسجا (3)
والسين إذا وقعت قبل غين أو خاء أو قاف أو طاء جاز إبدالها ضادا كقولك صائغ ، وأصبغ نعمه صخر ، ومس صقر ، ويصاقون وصقت ، وصبقت ، وصويق ، والصملق ، وصراط ، وصاطع ومصيطر ؛ وإذا وقعت قبل الدال ساكنة أبدلت زايا خالصة كقولك في يسدد يزدد ، وفي يسدل ثوبه يزدل. قال سيبويه ولا تجوز المضارعة يعني إشراب صوت الزاي. وفي لغة كلب تبدل زايا مع القاف خاصة يقولون مس زقر.
والصاد الساكنة إذا وقعت قبل الدال جاز إبدالها زايا خالصة في لغة فصحاء من العرب ومنه لم يحرم من فزد له. وقول حاتم :
هكذا فزدي أنه (1)
الاعراب هكذا خبر مقدم. وفزدي مبتدأ مضاف إلى ياء المتكلم. وأنه توكيد للضمير المجرور.
وقال الشاعر :
ودع ذا الهوى قبل القلى ترك ذي الهوى
متين القوى خير من الصرم مزدرا (2)
الاعراب دع فعل أمر فاعله ضمير المتكلم. وذا الهوى مفعوله. وقبل نصب على الظرفية. وترك مبتدأ. وذي الهوى جر بالاضافة إليه. ومتين نصب على الحال. وخير خبر المبتدأ ومصدرا نصب على التمييز. (والشاهد فيه) ابدال الزاي من الصاد في مزدرا وأصله مصدرا. (والمعنى) اترك محبة من تحبه قبل وقوع العداوة ، فترك المحبة حينئذ خير مصدرا من الهجران.
وأن تضارع بها الزاي فإن تحركت لم تبدل. ولكنهم قد يضارعون بها الزاي فيقولون صدر وصدف والصراط. والراط. قال سيبويه : والمضارعة أكثر ، وأعرب من الإبدال والبيان أكثر ، ونحو الصاد في المضارعة الجيم والشين تقول هو أجدر وأشدق.
حروفه الألف والواو والياء. وثلاثتها تقع في الأضرب الثلاثة ، كقولك مال وناب وسوط وبيض وقال وباع وحاول وبايع ولا ولو وكي ، إلا أن الألف تكون في الأسماء والأفعال زائدة أو منقلبة عن الواو والياء لا أصلا ، وهي في الحروف أصل ليس إلا لكونها جوامد غير متصرف فيها.
والواو والياء غير المزيدتين تتفقان في مواقعهما وتختلفان. فاتفاقهما ان وقعت كلتاهما فاء كوعد ويسر ، وعينا كقول وبيع ، ولاما كغزو ورمى ، وعينا ولاما معا كقوة وحية ، وان تقدمت كل واحدة منهما على أختها فاء وعينا في نحو ويل ويوم.
واختلافهما أن الواو تقدمت على الياء في نحو وفيت وطويت ، وتقدمت الياء عليها في يوم ، وأما الواو في الحيوان وحيوة فكواو جباوة في كونها بدلا عن الياء والأصل حييان وحيية.
واختلافهما أن الياء وقعت فاء وعينا معا ، وفاء ولاما معا في بين اسم
مكان وفي يديت ، ولم تقع الواو كذلك. ومذهب أبي الحسن في الواو أن تأليفها من الواوات فهي على قوله موافقة للياء في بييت. وقد ذهب غيره إلى أن ألفها عن ياء فهي على هذا موافقتها في يديت. وقالوا ليس في العربية كلمة فاؤها واو ولامها واو إلا الواو. ولذلك آثروا في الوغى أن يكتب بالياء.
الواو تثبت صحيحة ، وتسقط ، وتقلب. فثباتها على الصحة في نحو وعد وولد والوعد والولدة. وسقوطها فيما عينه مكسورة من مضارع فعل أو فعل لفظا أو تقديرا. فاللفظ في يعد ويق ، والتقدير في يضع ويسع ، لأن الأصل فيهما الكسر والفتح لحرف الحلق ، وفي نحو العدة والمقة من المصادر. والقلب فيما مرّ من الإبدال.
والياء مثلها إلا في السقوط. تقول ينع يينع ويسر ييسر فتثبتها حيث أسقطت الواو. وقال بعضهم يئس كومق يمق فأجراها مجرى الواو وهو قليل. وقلبها في نحو إتسر.
والذي فارق به قولهم وجع يوجع ووجل يوجل قولهم وسع يسع ووضع يضع حيث ثبتت الواو في أحدهما وسقطت في الآخر. وكلا القبيلتين فيه حرف الحلق أن الفتحة في يوجع أصلية بمنزلتها في يوجل ، وهي في يسع عارضة مجتلبة لأجل حرف الحلق فوزانهما وزان كسرتي الراءين في التجاري والتجارب.
وياتسر ، ويقول في ييبس وييئس يابس ويائس. وفي مضارع وجل أربع لغات يوجل ويأجل وييجل وييجل وليس الكسرة من لغة من يقول تعلم.
وإذا بني افتعل من أكل وأمر فقيل ايتكل وايتمر لم تدغم الياء في التاء كما أدغمت في ايتسر ، لأن الياء ههنا ليست بلازمة وقول من قال اتزر خطأ.
لا تخلوان من أن تعلا أو تحذفا أو تسلما. فالإعلال في قال وخاف وباع وهاب وناب ، ورجل لاع ومال ونحوها مما تحركتا فيه وانفاح ما قبلهما ، وفيما هو من هذه الأفعال من مضارعاتها وأسماء فاعليها ومفعوليها ، وما كان منها على مفعل ومفعلة ومفعل ومفعلة ومفعلة كمعاد ومقالة ومسير ومعيشة ومشورة ، وما كان نحو أقام واستقام واختار وانقاد من ذوات الزوائد التي لم يكن ما قبل حرف العلة فيها ألفا أو واوا أو ياء نحو قاول وتقاولوا وزايل وتزايلوا وعوّذ وتعوّذ وزين وتزين ، وما هو منها أعلت هذه الأشياء وإن لم تقم فيها علة الإعتلال اتباعا لما قامت العلة فيه لكونها منها وضربها بعرق فيها.
والحذف هي قل وقلن وقلت ولم يقل. ولم يقلن وبع وبعن وبعت ولم يبع ولم يبعن ، وما كان من هذا النحو في المزيد فيه ، وفي سيد وميت ، وكينونة وقيلولة ، وفي الإقامة والإستقامة ونحوها مما التقى فيه ساكنان أو طلب تخفيف أو اضطر اعلال.
والسلامة فيما وراء ذلك مما فقدت فيه أسباب الإعلال والحذف أو وجدت خلا أنه اعترض ما يصد عن حكمها كالذي اعترض في صورى وحيدى والجولان والجيكان والقوباء والخيلاء.
وأبنية الفعل في الواو على فعل يفعل نحو قال يقول ، وفعل يفعل نحو خاف يخاف ، وفعل يفعل نحو طال يطول وجاد يجود إذا صار طويلا وجوادا. وفي الياء على فعل يفعل نحو باع يبيع ، وفعل يفعل نحو هاب يهاب ، ولم يجىء في الواو يفعل بالكسر ، ولا في الياء يفعل بالضم ، وزعم الخليل في طاح يطيح وتاه يتيه إنهما فعل يفعل كحسب يحسب وهما من الواو لقولهم طوحت وتوّهت ، وهو أطوح منه وأتوه ، ومن قال طيحت وتيهت فهما على باع يبيع.
وقد حولوا عند اتصال ضمير الفاعل - فعل ، من الواو إلى فعل ، ومن الياء إلى فعل ، ثم نقلت الضمة أو الكسرة إلى الفاء فقيل : قلت وقلن ، وبعت وبعن. ولم يحولوا في غير الضمير إلا ما جاء من قول ناس من العرب كيد يفعل ذاك وما زيل يفعل ذلك.
وتقول فيما لم يسم فاعله قيل وبيع بالكسر ، وقيل وبيع بالإشمام ، وقول وبوع بالواو ، وكذلك اختير وانقيد له تكسر وتشم وتقول اختور وانقود له ، وفي فعلت من ذلك عدت يا مريض واخترت يا رجل بالكسر والضم الخالصين والإشمام ، وليس فيما قبل ياء أقيم واستقيم إلا بالكسر الصريح.
وقالوا عور وصيد وازدوجوا واجتوروا ، فصححوا العين لأنها في معنى ما يجب فيه تصحيحها ، وهو أفعال وتفاعلوا ، ومنهم من لم يلمح الأصل فقال عار يعار. وقال :
أعارت عينه أم لم تعارا (1)
الاعراب الواو واو رب. وسائله مجرور بها. وبظهر الغيب متعلق بسائله. وقوله أعارت الهمزة للاستفهام ، وعارت فعل ماض. وعينه فاعل. وأم للعطف. ولم حرف جازم. وتعارا مجزوم بلم لكن لما تحركت الراء للضرورة عادت الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين. (والشاهد فيه) قلب الواو ألفا في قوله عارت والصواب تصحيحها.
وما لحقته الزيادة من نحو عور في حكمه ، تقول أعور الله عينه وأصيد بعيره ، ولو بنيت منه استفعلت لقلت استعورت ، وليس مسكنة من ليس كصيد ، كما قالوا علم في علم ، ولكنهم ألزموها الإسكان لأنها لما لم تصرف تصرف أخواتها لم تجعل على لفظ صيد ولا هاب ، ولكن على لفظ ما ليس من الفعل نحو ليت ، ولذلك لم ينقلوا حركة العين إلى الفاء في لست. وقالوا في التعجب ما أقوله! وما أبيعه! وقد شذ عن القياس نحو أجودت واستروح واستحوذ واستجود واستصوب وأطيبت وأغيلت وأخليت وأغيمت واستفيل.
وإعلال اسم الفاعل من نحو قال وباع أن تقلب عينه همزة ، كقولك قائل وبائع ، وربما حذفت كقولهم شاك ، ومنهم من يقلب فيقول شاكىء.
وفي جائي قولان : أحدهما أنه مقلوب كالشاكىء والهمزة لام الفعل وهو قول الخليل ، والثاني أن الأصل جائىء فقلبت الثانية ياء والباقية هي نحو همزة قائم. وقالوا في عور وصيد عاور وصايد كمقاوم ومباين.
وإعلال اسم المفعول منهما أن تسكن عينه ثم ان المحذوف منهما واو مفعول عند سيبويه ، وعند الأخفش العين ، ويزعم أن الياء في مخيط منقلبة
1) صدره. وسائله بظهر الغيب عني.
عن واو مفعول ، وقالوا مشيب بناء على شيب بالكسر ، ومهوب بناء على لغة من يقول هوب ، وقد شذ نحو مخيوط ومزيوت ومبيوع وتفاحة مطيوبة.
وقال :
يوم رذاذ عليه الدجن مغيوم (1)
اللغة بيضات جمع بيضة. وهيجه أثاره. والرذاذ المطر الخفيف والدجن الباس الغيم السماء. ومغيوم من الغيم وهو السحاب.
الاعراب حتى غائية. وتذكر فعل ماض وفاعله ضمير يعود إلى الظليم. وبيضات مفعوله. وهيجه فعل ومفعول. ويوم فاعله. ورذاذ صفة يوم. وعليه الدجن جملة ابتدائية صفة يوم. ومغيوم صفة يوم أيضا (والشاهد فيه) في قوله مغيوم فانه جاء على أصله بدون اعلال والقياس فيه مغيم.
قال سيبويه ولا نعلمهم أتموا في الواو لأن الواوات أثقل عليهم من الياءات وقد روى بعضهم ثوب مصؤون.
ورأي صاحب الكتاب في كل ياء هي عين ساكنة مضموم ما قبلها أن تقلب الضمة كسرة لتسلم الياء ، فإذا بني نحو برد من البياض قال بيض ، والأخفش يقول بوض ، ويقصر القلب على الجمع نحو بيض في جمع أبيض ، ومعيشة عنده يجوز أن يكون مفعلة ومفعلة ، وعند الأخفش هي مفعلة ، ولو كانت مفعلة لقلت معوشة ، وإذا بني من البيع مثل ترتب قال تبيع وقال الأخفش تبوع والمضوفة في قوله :
وكنت إذا جاري دعا لمضوفه
أشمّر حتى ينصف الساق مئزر (2)
اللغة المضوفة الأمر الذي تشفق منه وتخافه. وينصف أي يبلغ النصف. ويروى يبلغ.
الاعراب وكنت الضمير المتصل اسم كان. وإذا ظرفية شرطية. وجاري مرفوع بفعل محذوف يفسره المذكور. ودعا فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الجار. ولمضوفة متعلق بدعا. ومفعول دعا محذوف أي دعاني. وجملة أشمر خبر كان. وجعل الجوهري كان هنا زائدة. وقال لأنه يخبر عن حاله وليس يخبر بكنت عما مضى من فعله وفيه نظر لأن كان لا تقع زائدة أولا بل إذا وقعت حشوا كما في قوله. على كان المسومة العراب. وحتى غائية. ويبلغ منصوب بأن مضمرة. والساق مفعوله. ومئزر فاعله (والشاهد فيه) في قوله المضوفة فان القياس فيه مضيفة وهذا البيت شاذ عند سيبويه في القياس والاستعمال (والمعنى) إذا دعاني جاري لمساعدته على ما نزل به من نوائب قمت بنصرته أتم قيام.
كالقود والقصوى عنده وعند الأخفش قياس.
والأسماء الثلاثية المجردة إنما يعل منها ما كان على مثال الفعل نحو باب ودار وشجرة شاكة ورجل مال ، لأنها على فعل أو فعل. وربما صح ذلك نحو القود والحوكة والخونة والجورة ورجل روع وحول. وما ليس على مثاله ففيه التصحيح كالنومة واللومة والعيبة والعوض والعودة. وإنما أعلوا قيما لأنه مصدر بمعنى القيام وصف به في قوله تعالى : (دِيناً قِيَماً). والمصدر يعل بإعلال الفعل. وقولهم حال حولا كالقود. وفعل إن كان من الواو سكنت عينه لاجتماع الضمتين والواو ، فيقال نور وعون في جمع نوار وعوان ، ويثقل في الشعر. قال عدي بن زيد :
وفي الأكف اللامعات سور (1)
اللغة المبرقات من النساء التي تظهر حليها ليميل إليها الرجال. والبرون الخلاخل وسور جمع سوار.
الاعراب عن مبرقات متعلق بتقصر في البيت قبله وهو :
قد حان لو صحوت ان تقصرا
وقد أتى لما عهدت عصر
وبالبرين متعلق بمبرقات. ويبدو فعل مضارع. وسور فاعله. وفي الأكف متعلق بيبدو. واللامعات صفة الأكف. (والشاهد فيه) تحريك واو سور.
1) صدره عن مبرقات بالبرين فيبدو.
وإن كان من الياء فهو كالصحيح. من قال كتب ورسل قال غير وبيض في جمع غيور وبيوض ومن قال كتب ورسل قال غير وبيض.
وأما الأسماء المريد فيها فإنما يعل منها ما وافق الفعل في وزنه وفارقه إما بزيادة لا تكون في الفعل كقولك مقال ومسير ومعونة وقد شذ نحو مكوزة ومزيد ومريم ومدين ومشورة ومصيدة والفكاهة مقودة إلى الأذى وقرىء : (لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ ،) وقولهم مقول محذوف من مقوال كمخيط من مخياط. وإما بمثال لا يكون فيه كبنائك مثال تحلى من باع يبيع تقول يبيع بالإعلال لأن مثال تفعل بكسر التاء ليس في أمثلة الفعل. وما كان منها مماثلا للفعل صحح فرقا بينه وبينه كقولك أبيض وأسود وأدور وأعين وأخونة وأعينة.
وكذلك لو بنيت تفعل أو تفعل من زاد يزيد لقلت تزيد وتزيد على التصحيح.
وقد أعلوا نحو قيام وعياد واحتياز وانقياد لإعلال أفعالها مع قوع الكسرة قبل الواو والحرف المشبه للياء بعدها وهو الألف ونحو ديار ورياح وجياد تشبيها لإعلال وحدانها بإعلال الفعل مع الكسرة والألف ونحو سياط وثياب ورياض لشبه الإعلال في الواحد وهو كون الواو ميتة ساكنة فيه بألف دار وياء ريح مع الكسرة والألف. وقالوا ثير وديم لإعلال الواحد والكسرة. وقالوا ثيرة لسكون الواو في الواحد والكسرة. وهذا قليل والكثير عودة وكوزة وزوجة. وقالوا طوال لتحرك الواو في الواحد وقوله :
فإن أعزاء الرجال طيالها (1)
اللغة القماءة من القمأة وهي الصغر ، يقال قمؤ الرجل قماءة. وطيال جمع طويل.
الاعراب تبين فعل ماض. ولي متعلق به في محل نصب به. وان حرف توكيد ونصب.والقماءة اسمها. وذلة خبرها. والجملة فاعل تبين. واعزاء اسم إن الثانية. وطيالها خبرها. (والشاهد فيه) انه جمع طويل على طيال ، والقياس أن يجمع على طوال. وفي بعض الروايات طوالها. وعليه فلا شاهد في البيت.
1) لم أقف على اسم قائله وصدره تبين لي أن القماءة ذلة.
ليس بالأعرف. وأما قولهم رواء مع سكونها في ربان وانقلابها فلئلا يجمعوا بين إعلالين : قلب الواو التي هي عين ياء وقلب الياء التي هي لام همزة. ونواء ليس بنظيره لأن الواو في واحده صحيح وهو قولك ناو.
ويمتنع الإسم من الإعلال بأن يسكن ما قبل واوه ويائه أو ما هو بعدهما إذا لم يكن نحو الإقامة والإستقامة مما يعتل باعتلال فعله وذلك قولهم حول وعوار ومشوار وتقوال وسووق وغوور وطويل ومقاوم واهوناء وشيوخ وهيام وخيار ومعايش وابيناء.
وإذا اكتنفت ألف الجمع الذي بعده حرفان واوان ، أو ياءان ، أو واو وياء ، قلبت الثانية همزة كقولك في أول أوائل ، وفي خير خيائر ، وفي سيقة سيائق ، وفي فوعلة من البيع بوائع ، وقولهم ضياول شاذ كالقود وإذا كان الجمع بعد ألفه ثلاثة أحرف فلا قلب كقولك عواوير وطواويس. وقوله :
وكحل العينين بالعواور (1)
غرك أن تقاربت أبا عري
وان رأيت الدهر ذا الدوائر
حنى عظامي وأراه ثاغري
وكحل العينين بالعواور
اللغة العواور جمع عوار بضم العين وتخفيف الواو وهو الرمد الشديد. وقيل هو كالقذى يجده الانسان في عينه.
الاعراب كحل فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الدهر. والعينين مفعوله. وبالعواور متعلق بكحل (والشاهد فيه) في قوله العواور فان أصله العواوير فلذلك صحت الواو لبعدها من الطرف ، ثم حذف الياء وبقي التصحيح بحاله ، لأن حذف الياء عارض (والمعنى) ان الدهر جعل له في عينيه من الرمد ما يقوم مقام الكحل.
1) هو من رجز لجندل بن المثنى الطهوي أوله :
إنما صح لأن الياء مرادة وعكسه قوله :
فيها عياييل أسود ونمر (1)
اللغة عياييل قال في اللسان واحد العيال عيل والجمع عياييل مثل جيد وجياد وجيايد ، وقد جاء عياييل واستشهد له بهذا. ونقل عن ابن الاعرابي أن هذا تصحيف وانما هو غياييل بالمعجمة جمع غيل على غير قياس. والغيل بالكسر الأجمة أي موضع الأسد. وابن هشام على الأول.
الاعراب فيها خبر مقدم. وعياييل مبتدأ. وأسود جر باضافة عياييل إليه. والاضافة من اضافة الصفة إلى موصوفها على الرواية الأولى. ومثل الاضافة في دار زيد على الرواية الثانية (والشاهد فيه) في قوله عياييل حيث أبدل الهمزة من ياء فعاييل لأن أصله فعايل وذلك لأن عياييل جمع عيل بكسر الياء واحد العيال والياء زائدة للاشباع.
لأن الياء مزيدة للإشباع كياء الضياريف. ومن ذلك إعلال صيم وقيم للقرب من الطرف ، مع تصحيح صوام وقوام. وقولهم فلان من صيابة قومه وقوله :
فما أرق النيام إلا سلامها (2)
اللغة طرقتنا من الطروق وهو الاتيان ليلا. ومية اسم محبوبته.
الاعراب ألا للاستفتاح. وطرقتنا فعل ماض. ونا مفعوله. ومية فاعله. وابنة منذر صفة مية. وما نافية. وارق فعل ماض. والنيام مفعوله وإلا كلامها بالرفع فاعله (والشاهد فيه) في قوله النيام فان أصله النوام جمع نائم وأصله النيوام قلبت الياء واوا وأدغمت في الواو فصار النوام ، وقلب الواو ياء. وادغامها في الياء شاذ.
شاذ.
ونحو سيد وميت وديار وقيام وقيوم قلب فيها الواو ياء ، ولم نفعل ذلك
في سوير وبويع وتسوير وتبويع لئلا يختلطا بفعل وتفعل.
وتقول في جمع مقامة ومعونة ومعيشة مقاوم ومعاون ومعايش مصرحا بالواو والياء ، ولا تهمز كما همزت رسائل وعجائز وصحائف ونحوها مما الألف والواو والياء في وحدانه مدات لا أصل لهن في الحركة.
وفعلى من الياء إذا كانت إسما قلبت ياؤها واوا كالطوبى والكوسى من الطيب والكيس ، ولا تقلب في الصفة كقولك في الصفة مشية حيكى وقسمة ضيزى.
حكمهما أن تعلا أو تحذفا أو تسلما فاعلا لهما متى تحركتا وتحرك ما قبلهما إن لم يقع بعدهما ساكن ، إما قلبا لهما إلى الألف إن كانت حركة ما قبلهما فتحة نحو غزا ورمى وعصا ورحى ، أو لإحداهما إلى صاحبتها كأغزيت والغازي ودعي ورضي وكالبقوي والشروي والجباوة أو إسكانهما كيغزو ويرمي وهذا الغازي وراميك. وحذفهما في نحو لا ترم ولا تغز واغز وارم وفي يد ودم وسلامتهما في نحو الغزو والرمي ويغزوان ويرميان وغزوا ورميا.
ويجريان في تحمل حركات الإعراب مجرى الحروف الصحاح إذا سكن ما قبلهما في نحو دلو وظبي وعدو وعدي ومحوار وواو وزاي وآي. وإذا تحرك ما قبلهما لم يتحملا إلا النصب نحو لن يغزو ولن يرمي وأريد أن تستقي وتستدعي ورأيت الرامي والعمى والمضوضي.
وقد جاء الإسكان في قوله :
أبى الله أن أسمو بأم ولا أب (1)
وأني وان كنت ابن سيد عامر
وفارسها المشهور في كل موكب
اللغة سودتني من السيادة وهي الشرف. وأسمو من السمو وهو الارتفاع.
الاعراب ما نافية. وسودتني فعل ماض. وياء المتكلم مفعوله. وعامر فاعله. وقوله عن وراثة يتعلق بسودتني. ومحلها النصب على أنها صفة لمصدر محذوف والتقدير فما سودتني عامر سيادة حاصلة عن وراثة. وأبى فعل ماض. والله فاعله. وان مصدرية. واسمو فعل مضارع منصوب بأن. وانما سكنه للضرورة. وفاعله ضمير المتكلم. والمصدر المنسبك من أن ومعمولها مفعول أبى أي أبى الله سموي. وبأم متعلق باسمو. وقوله ولا أب عطف على أم. ولا زائدة لتأكيد النفي (والشاهد فيه) انه سكن واو أسمو مع الناصب لأجل الضرورة. (والمعنى) انه وان كان كريم الأصل شريف المحتد الا أنه لم يرث السيادة عن آبائه وانما سيادته من نفسه لحملها على معالي الأمور. ثم قال : أبى الله أن أسمو بأم ولا أب. أي لا يكون ذلك أبدا.
1) صدره. فما سودتني عامر عن وراثة. وهو لعامر بن الطفيل العامري الجعدي كان سيد بني عامر في الجاهلية وقبله :
وقول الأعشى :
فآليت لا أرثي لها من كلالة
ولا من حفى حتى تلاقي محمدا (1)
الاعراب آليت فعل وفاعل. ولا نافية. وأرثي فعل مضارع فاعله ضمير المتكلم. ولها متعلق بأرثي. والضمير إلى الإبل. ومن كلالة متعلق بأرثي. وقوله ولا من حفى عطف على كلالة. وحتى غائية وتلاقي فعل مضارع منصوب بأن المضمرة. وفاعله ضمير يعود إلى الإبل. ومحمدا مفعوله (والشاهد فيه) تسكين الياء في تلاقي وحقها النصب بأن المقدرة لأن النصب يظهر عليها.
وقوله :
يا دار هند عفت إلا أثافيها (2)
اللغة عفت أي درست وانطمست آثارها. والاثافي جمع أثفية بتخفيف الياء وتشديدها وهي ما يوضع عليها القدر من حجر أو حديد الاعراب يا حرف نداء. ودار هند منادى مضاف. وقوله عفت هو فعل ماض فاعله ضمير يعود إلى الدار. والجملة في محل نصب على الحال. والعامل فيها ما في حرف النداء من معنى الفعل. والا حرف استثناء. وأثافيها منصوب على الاستثناء لأنه استثناء من موجب ضرورة. ويجوز أن يكون مرفوعا من قبيل الحمل على المعنى كأنه قال لم يبق الا أثافيها ونظيره قوله :
وعض زمان يا ابن مروان لم يدع
من المال مسحتا أو مجلف
كأنه قال بقي مجلف (والشاهد فيه) اسكان ياء أثافيها وهو منصوب ويجوز رفعه على ما سمعت. (والمعنى) يصف دارا يقول انها عفت وطمست آثارها ولم يبق منها ما تعرف به الا مواقد النيران.
وفي المثل أعط القوس باريها. وهما في حال الرفع ساكنان. وقد شذ التحريك في قوله :
موالي ككباش العوس سحاح (1)
اللغة موالي جمع مولى وهو السيد المطاع في قومه. والعوس قال الجوهري ضرب من الغنم ، وقيل اسم موضع تنسب إليه الكباش. وسحاح أي سمان ، يقال شاء سحاح كأنها تسح لودك أي تصبه من السمن.
الاعراب موالي خبر مبتدأ محذوف أي هم موالي. وككباش العوس في محل رفع صفة موالي. وسحاح صفة أخرى (والشاهد فيه) رفع ياء موالي ضرورة ، والقياس إسكانها.
ولا يقع في المجرور إلا الياء لأنه ليس في الأسماء المتمكنة ما آخره واو قبلها حركة. وحكم الياء في الجر حكمهما في الرفع. وقد حكي لجرير :
فيوما يجازين الهوى غير ماضي
ويوما ترى منهن غولا تغول (2)
الاعراب يوما نصب على الظرفية. ويجازين فعل مضارع. ونون النسوة فاعله. والهوى فيه حذف تقديره ذا الهوى وهو منصوب على أنه مفعول لقوله يجازين ، وغير منصوب على أنه مفعول ثان ليجازين ، لأن جازى يقتضي مفعولين. وهو في الحقيقة صفة لمصدر محذوف أي وصلا غير ماض. ويوما عطف على فيوما. وترى فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب. وغولا مفعوله الأول. وجملة تغول في محل نصب مفعول ثان لترى. ومنهن متعلق بترى (والشاهد فيه) تحريك الياء في ماض للضرورة. والقياس إسكانها لأنه اسم فاعل من مضى يمضي كقاض من قضى يقضي. (والمعنى) ان النساء يجازين العشاق بوصل مقطع غير مستمر ويوما يهلكنهم بالصدود والهجران.
وقال ابن الرقيات :
لا بارك الله في الغواني هل
يصبحن إلا لهن مطلب (1)
الاعراب لا نافية. وبارك فعل ماض. والله فاعله. وفي الغواني متعلق ببارك. وهل حرف استفهام. ويصبحن فعل مضارع. والنون فاعله. والا استثنائية. ولهن خبر مقدم. ومطلب مبتدأ مؤخر. والشاهد فيه ظاهر.
وقال الآخر :
ما أن رأيت ولا أرى في مدتي
كجواري يلعبن في الصحراء (2)
الاعراب ما نافية. وان زائدة. ورأيت فعل وفاعل. وقوله ولا أرى عطف على رأيت.
وفي مدتي متعلق برأيت. وقوله كجواري في محل نصب مفعول أرى. ومفعول الرؤية البصرية محذوف يدل عليه الثابت أي ما رأيت كجواري ولا أرى كجوار. وجملة يلعبن في محل نصب جواري. (والشاهد فيه) انه حرك ياء جواري والقياس اسكانها.
ويسقطان في الجزم سقوط الحركة. وقد ثبتتا في قوله :
هجوت زبان ثم جئت معتذرا
من هجو زبان لم تهجو ولم تدع (3)
الاعراب هجوت فعل وفاعل. وزبان مفعوله. وثم للعطف. وجئت فعل وفاعل معطوف على هجوت. ومعتذرا نصب على الحال من الفاعل وهو الضمير المتصل في جئت. ومن هجو متعلق بمعتذرا. وزبان مجرور بالفتحة. ولم حرف جازم. وتهجو فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب. ومفعوله محذوف أي لم تهجه. وكذلك قوله. ولم تدغ. وجملة لم تهجو ولم تدع كاشفتان لما تقدمهما من الكلام ولذلك ترك العطف فيهما (والشاهد فيه) في قوله لم تهجو حيث ثبتت الواو مع الجازم (والمعنى) انك بهجوك هذا الرجل ثم اعتذارك له عما فرط منك لم تهجه لأنك قد أكذبت نفسك بالاعتذار. ولا يسمى هجوا الا ما يقع في ذهن سامعه انه حق فاما ما هو كذب يقينا فهو بهت وافتراء ، ولا يؤثر على شرف المهجو وسمعته ، ولم تدع هجوه فتستحق كرامته لأنه قد كان منك ذلك.
وقوله :
ألم يأتيك والأنباء تنمى
بما لاقت لبون بني زياد (1)
اللغة الانباء جمع نبأ وهو الخبر واللبون الناقة ذات اللبن.
الاعراب الهمزة للاستفهام. ولم حرف جازم. ويأتيك فعل مضارع مجزوم بلم. وانما ثبتت الياء ضرورة. والأنباء مبتدأ. وتنمى فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى الأنباء. والجملة خبر المبتدأ. وقوله بما الباء زائدة. وما موصولة. ولاقت فعل ماض صلة الموصول. ولبون بني زياد فاعله. والموصول مع صلته فاعل يأتيك (والشاهد فيه) اثبات ياء يأتي مع الجازم للضرورة الشعرية.
وفي بعض الروايات عن ابن كثير أنه قرأ : من يتقي ويصبر. وأما الألف فتثبت ساكنة أبدا ، إلا في حال الجزم فإنها تسقط سقوطهما نحو لم يخش ولم يدع. وقد أثبتها من قال :
وتضحك مني شيخة عبشمية
كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا (2)
اللغة عبشمية نسبة إلى عبد شمس فحذف الدال من عبد والسين من شمس وجعل لفظا واحدا فقيل عبشمي.
الاعراب تضحك فعل مضارع. ومني متعلق به في محل نصب به. وشيخة فاعله. وان مخففة اسمها ضمير الشأن. ولم حرف جازم. وترى فعل مضارع مجزوم بلم بحذف حرف العلة الا أنه ثبت للضرورة. وفاعله ضمير يعود إلى شيخة. وأسيرا مفعوله ويمانيا صفته والجملة خبر أن (والشاهد فيه) اثبات ياء ترى مع الجازم الذي يحذفها.
ونحوه :
ما أنس لا أنساه آخر عيشتي
ما لاح بالمعزاء ريع سراب (1)
اللغة ريع السراب اضطرابه ، والسراب ما يخيل للمسافر في الصحراء وقت الهاجرة انه ماء وليس بماء. وقال ابن يعيش الريع الفضل والزيادة ، والمعزاء أرض ذات حجارة.
الاعراب ما شرطية. وأنس فعل مضارع مجزوم بها. وفاعله ضمير المتكلم. ولا نافية. وأنساه فعل مضارع جزاء الشرط. والهاء مفعوله. وآخر عيشتي نصب على الظرفية. وما مصدرية. ولاح فعل ماض. وبالمعزاء متعلق به. وريع سراب فا له (والشاهد فيه) في قوله أنساه حيث ثبتت الألف مع ان الفعل مجزوم في جزاء الشرط (والمعنى) ان أنس كل شيء لم أنسه ما تحرك سراب واضطرب.
ومنه :
إذا العجوز غضبت فطلق
ولا ترضاها ولا تملق (2)
الاعراب إذا ظرفية شرطية. والعجوز مرفوع بفعل محذوف يفسره المذكور أي إذا غضبت العجوز غضبت. وغضبت فعل ماض فاعله ضمير العجوز. وطلق فعل أمر فاعله ضمير المخاطب. ولا ناهية. وترضاها فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب. وها مفعوله. وهذه الجملة معطوفة على جملة فطلق. وكذلك جملة ولا تملق. (والشاهد فيه) في قوله ولا ترضاها فان الألف ثبتت مع أن الفعل مجزوم بلا الناهية.
ولرفضهم في الأسماء المتمكنة أن تتطرف الواو بعد متحرك قالوا في جمع دلو وحقو على أفعل ، وفي جمع عرقوة وقلنسوة على حد تمرة ، وتمر أدل وأحق وعرق وقلنس ، قال :
لا صبر حتى تلحقي بعنس
أهل الرباط البيض والقلنس (1)
اللغة عنس قبيلة من اليمن. والرياط جمع ريطة وهي الملاءة إذا كانت قطعة واحدة ولم تكن ذات لفقين. والقلنس جمع قلنسوة.
الاعراب لا نافية للجنس. وصبر اسمها. وخبرها محذوف أي لا صبر لي. وحتى غائية ناصبة. وتلحقي فعل مضارع منصوب بحذف النون. والياء فاعله. وبعنس متعلق به. وقوله : أهل الرياط صفة عنس. والقلنس معطوف على الرياط.
(والشاهد فيه) ان قلنس أصله قلنسوة ، فجمعت على قلنسو. ثم ابدلوا من الضمة كسرة ، ومن الواو ياء ، فصار قلنسي. وانما فعلوا ذلك لأنه ليس في الأسماء المتمكنة اسم آخره واو ما قبلها مضموم. فإذا أدى قياس إلى هذا رفضوه وصاروا إلى غيره تحاشيا عن المصير إلى ما لا نظير له في الأسماء الظاهرة. ولذلك قالوا في جمع دلو أدل ، وفي جمع حقو أحق. وكان القياس يقتضي أن يقال أدلو وأحقو. الا أنهم كرهوا المصير إلى بناء لا نظير له في الأسماء المعربة.
فأبدلوا من الضمة الواقعة قبل الواو كسرة لتنقلب ياء مثلها في ميزان وميقات وقالوا قلنسوة وقمحدوة وافعوان وعنفوان وأقحوان حيث لم تتطرف.
ونظير ذلك الإعلال في نحو الكساء والرداء. وتركه في نحو النهاية والعظاية والصلاية والشقاوة والأبوة والأخوة والثنائين والمذروين. وسأل سيبويه الخليل عن قولهم صلاءة وعباءة فقال : إنما جاؤوا بالواحد على قولهم صلاء وعظاء وعباء وأما من قال صلاية وعباية فإنه لم يجىء بالواحد على الصلاء والعباء كما أنه إذا قال خصيان لم يثنه على الواحد المستعمل في الكلام.
وقالوا عتى وجثى وعصى ففعلوا بالواو المتطرفة بعد الضمة في فعول مع حجز المدة بينهما ما فعلوا بها في أدل وقلنس كما فعلوا في الكساء نحو فعلهم في العصا. وهذا الصنيع مستمر فيما كان جمعا ، إلا ما شذ من قول بعضهم إنك لتنظر في نحو كثيرة ولم يستمر فيما ليس بجمع قالوا عتو ومغزو وقد قالوا عتي ومغزى قال :
1) أنشده الأصمعي عن عيسى بن عمرو ولم يسم قائله.
وقد علمت عرسي مليكة أنني
أنا الليث معديا عليه وعاديا (1)
الاعراب علمت فعل ماض. وعرسي فاعله. ومليكة عطف بيان على عرسي أو بدل منه. وقوله انني ان حرف توكيد ونصب. والياء اسمها. والليث خبر. والجملة سدت مسد مفعولي علمت. وأنا ضمير فصل لا محل له. وقوله معديا حال من الليث. والعامل فيها ما في معني ان من معنى ثبت وتحقق. وعاديا عطف على معديا (والشاهد فيه) في قوله معديا حيث جاء على الاعلال فان أصله معدو وعلى وزن مفعول ، قلبت الواو الأخيرة ياء استثقالا ، فصار معدوي اجتمعت الواو والياء وسبقت احداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وادغمت في الياء فصار معديا بضم الدال ، ثم أبدلت ضمة الدال كسرة للتناسب فصار معديا (والمعنى) قد علمت زوجي انني بمنزلة الليث ان عدوت أهلكت ، وان عدى أحد عليّ لم ينل مني.
وقالوا أرض مسنية ومرضي ، وقالوا مرضو على القياس. قال سيبويه والوجه في هذا النحو الواو والأخرى عربية كثيرة والوجه في الجمع الياء.
والمقلوب بعد الألف يشترط فيه أن تكون الألف مزيدة مثلها في كساء ورداء فإن كانت أصلية لم تقلب كقولك واو وزاي وثاية.
والواو المكسور ما قبلها مقلوبة لا محالة نحو غازية ومحنية. وإذا كانوا ممن يقلبها وبينها وبين الكسرة حاجز في نحو قنية وهو ابن عمي دنيا فهم لها بغير حاجز أقلب.
وما كان فعلى من الياء قلبت ياؤه واوا في الأسماء كالتقوى والبقوى والرعوى والشروى والعوى لأنها من عويت والطغوى لأنها من الطغيان. ولم تقلب في الصفات نحو خزيا وصديا وريا ولا يفرق فيما كان من الواو نحو
1) اللغة العرس امرأة الرجل. ومعديا عليه وعاديا يروى بدله مغزيا عليه وغازيا. وقد نسبت هذه الرواية إلى الزمخشري. وكأنها في غير هذا المؤلف.
دعوى وعدوى وشهوى ونشوى وفعلى تقلب واوها ياء في الإسم دون الصفة.
فالإسم نحو الدنيا والعليا والقصيا وقد شذ القصوى وحزوى ، والصفة قولك إذا بنيت فعلى من غزوت غزوى ، ولا يفرق في فعلى من الياء نحو الفتيا والقضيا في بناء فعلى من قضيت وأما فعلى فحقها أن تنساق على الأصل صفة وإسما.
وإذا وقعت بعد ألف الجمع الذي بعده حرفان همزة عارضة في الجمع وياء قلبوا الياء ألفا والهمزة ياء وذلك قولهم مطايا وركايا والأصل مطائي وركائي على حد صحائف ورسائل ، وكذلك شوايا وحوايا في جمع شاوية وحاوية فاعلتين من شويت وحويت ، والأصل شواوي وحواوي ثم شوائي وحوائي على حد أوائل ثم شوايا وحوايا. وقد قال بعضهم هداوي في جمع هدية وهو شاذ. وأما نحو اداوة وعلاوة وهراوة فقد ألزموا في جمعه الواو بدل الهمزة فقالوا أداوي وعلاوي وهراوي كأنهم أرادوا مشاكلة الواحد الجمع في وقوع واو بعد ألف. وإذا لم تكن الهمزة عارضة في الجمع كهمزة جواء وسواء جمع جائية وسائية فاعلتين من جاء وساء لم تقلب.
وكل واو وقعت رابعة فصاعدا ولم ينضم ما قبلها قلبت ياء نحو أغزيت وغازيت ورجيت وترجيت واسترشيت. ومضارعتها ومضارعة غزي ورضي وشائي في قولك يغزيان ويرضيان ويشأيان. وكذلك ملهيان ومصطفيان ومعليان ومستدعيان.
وقد أجروا نحو حي وعي مجرى بقي وفني فلم يعلوه. وأكثرهم يدغم فيقول حي وعي بفتح الفاء وكسرها كما قيل لي ولي في جمع ألوى قال الله تعالى : (وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ). وقال عبيد :
عيوا بأمرهم كما
عيت ببيضتها الحمامة (1)
الاعراب عيوا فعل ماض والواو فاعله. وبأمرهم متعلق به. وقوله كما الكاف للتشبيه. وما مصدرية. وعيت فعل ماض. والحمامة فاعله. (والشاهد فيه) في قولهم عيوا وعيت حيث أجراهما مجرى ظنوا وظنت ونحوهما من الصحيح ، ولذلك سلما من الاعلال والحذف. (والمعنى) يصف قومه بالعجز عن التخلص من أيدي الملك والتحير في ذلك ، وضرب لذلك مثلا بخرق الحمامة وتحيرها في التمهيد لبيضها فانها لا تتخذ عشها الا من كسار الأعواد ، وربما طارت عنها العيدان فتفرق عشها وسقطت البيضة. ولذلك قالوا في المثل اخرق من حمامة. وقد بين خرفها في بيت بعد هذا وهو :
وضعت لها عودين من
ضعة وآخر من ثمامه
أي جعلت لها مهادا من هذين الصنفين من الشجر. ولم يرد عودين فقط ولا ثلاثة.
وكذلك أحي واستحى وحوى في أحيى واستحيى وحويى وكل ما كانت حركته لازمة. ولم يدغموا فيما لم تلزم حركته نحو لن يحيى ولن يستحي ولن يحايي. وقالوا في جمع حياء وعي أحية واعياء وأحيية. وقوي مثل حي في ترك الإعلال ولم يجىء فيه الإدغام إذ لم يلتق فيه مثلان لقلب كسرة الواو الثانية ياء.
ومضاعف الواو مختص بفعلت دون فعلت وفعلت ، لأنهم لو بنوا من القوة نحو غزوت وسروت أن يقولوا قووت وقووت. وهم لاجتماع الواوين أكره منهم لاجتماع الياءين. وفي بناء نحو شقيت تنقلب الواو ياء. وأما القوة والصوة والبو والجو فمحتملات للإدغام.
1) هو لعبيد بن الأبرص. وكان من سبب انشاده هذا الشعر ان حجرا أبا امرىء القيس غضب على قوم عبيد وهم بنو أسد فقتل منهم خلقا كثيرا ، فأنشده عبيد أبياتا منها هذا البيت يستعطفه بها عليهم ، فعفا عنهم وخلى سبيلهم. ثم انهم جمعوا جموعهم عليه فقتلوه وفرقوا جماعاته.
وقالوا في أفعال من الحوة احواوي فقلبوا الواو الثانية ألفا ولم يدغموا لأن الإدغام كان يصيرهم إلى ما رفضوه من تحريك الواو بالضم في نحو يغزو ويسرو لو قالوا أحواو يحواو ، وتقول في مصدره احويواء واحوياء ، ومن قال اشهباب قال احوواء. ومن أدغم اقتتال فقال قتال قال حواء.
ثقل التقاء المتجانسين على ألسنتهم فعمدوا بالإدغام إلى ضرب من الخفة. والتقاؤهما على ثلاثة أضرب : أحدها أن يسكن الأول ويتحرك الثاني فيجب الإدغام ضرورة كقولك لم يرح حاتم ولم أقل لك. والثاني أن يتحرك الأول ويسكن الثاني فيمتنع الإدغام كقولك ظللت ورسول الحسن. والثالث أن يتحركا وهو على ثلاثة أوجه : ما الإدغام فيه واجب وذلك أن يلتقيا في كلمة وليس أحدهما للإلحاق نحو رد ويرد. وما هو فيه جائز وذلك أن ينفصلا وما قبلهما متحرك أو مدة نحو أنعت تلك ، والمال لزيد ، وثوب بكر ، أو يكونا في حكم الإنفصال نحو اقتتل لأن تاء الإفتعال لا يلزمها وقوع تاء بعدها فهي شبيهة بتاء تلك. وما هو ممتنع فيه وهو على ثلاثة أضرب : أحدها فهي شبيهة بتاء تلك. وما هو ممتنع فيه وهو على ثلاثة أضرب : أحدها أن يكون أحدهما للإلحاق نحو قردد وجلبب ، والثاني أن يؤدي فيه الإدغام إلى لبس مثال بمثال نحو سرر وطلل وجدد ، والثالث أن ينفصلا ويكون ما قبل الأول حرفا ساكنا غير مدة نحو قرم مالك وعدو وليد. ويقع الإدغام في المتقاربين كما يقع في المتماثلين. ولا بد من ذكر مخارج الحروف لتعرف متقاربتها من متباعدتها.
ومخارجها ستة عشر. فللهمزة والهاء والألف أقصى الحلق. وللعين والحاء أوسطه وللغين والخاء أدناه. وللقاف أقصي اللسان وما فوقه من الحنك. وللكاف من اللسان والحنك ما يلي مخرج القاف. وللجيم والشين والياء وسط اللسان وما يحاذيه من وسط الحنك. وللضاد أول حافة اللسان وما يليها من الأضراس. وللام ما دون أول حافة اللسان إلى منتهى طرفه وما يحاذي ذلك من الحنك الأعلى فويق الضاحك والناب. الرباعية والثنية. وللنون ما بين طرف اللسان وفويق الثنايا. وللراء ما أدخل في ظهر اللسان قليلا من مخرج النون. وللطاء والدال والتاء ما بين طرف اللسان وأصول الثنايا. وللصاد والزاي والسين ما بين الثنايا وطرف اللسان. وللظاء والذال والثاء ما بين طرف اللسان وأطراف الثنايا. وللفاء باطن الشفة السفلى وأطراف الثنايا العليا. وللياء والميم والواو ما بين الشفتين.
ويرتقي عدد الحروف إلى ثلاثة وأربعين. فحروف العربية الأصول تلك التسعة والعشرون. وتتفرع منها ستة مأخوذ بها في القرآن وكل كلام فصيح ، وهي الهمزة بين بين ، والنون الساكنة التي هي غنة في الخيشوم نحو عنك وتسمّى النون الخفيفة والخفية ، وألفا الإمالة والتفخيم نحو عالم والصلوة ، والشين التي هي كالجيم نحو أشدق ، والصاد التي كالزاي نحو مصدر ، والبواقي حروف مستهجنة وهي الكاف التي كالجيم ، والجيم التي كالكاف ، والجيم التي كالشين. والضاد الضعيفة ، والصاد التي كالسين ، والطاء التي كالتاء ، والظاء التي كالثاء ، والباء التي كالفاء.
وتنقسم إلى المجهورة ، والمهموسة ، والشديدة ، والرخوة ، وما بين الشديدة والرخوة ، والمطبقة ، والمنفتحة ، والمستعلية ، والمنخفضة ،
وحروف القلقلة ، وحروف الصفير ، وحروف الذلاقة ، والمصمتة ، واللينة ، وإلى المنحرف ، والمكرر ، والهاوي ، والمهتوت. فالمجهور ما عدا المجموعة في قولك ستشحثك خصفة وهي المهموسة. والجهر إشباع الإعتماد من مخرج الحرف ومنع النفس أن يجري معه. والهمس بخلافه. والذي يتعرف به تباينهما أنك إذا كررت القاف فقلت قق وجدت النفس محصورا لا تحس معها بشيء منه ، وتردد الكاف فتجد النفس مقاودا لها ومساوقا لصوتها. والشديدة ما في قولك أجدت طبقك أو أجدك قطبت. والرخوة ما عداها وعدا ما في قولك لم يروعنا أو لم يرعونا وهي التي بين الشديدة والرخوة. والشدة أن يحصر صوت الحرف فى مخرجه فلا يجري. والرخاوة بخلافها. ويتعرف تباينهما بأن تقف على الجيم والشيم فتقول الحج والطش فإنك تجد صوت الجيم راكدا محصورا لا تقدر على مده وصوت الشين جاريا تمده إن شئت. والكون بين الشدة والرخاوة أن لا يتم لصوته الإنحصار ولا الجري كوقفك على العين وإحساسك في صوتها بشبه الإنسلال من مخرجها إلى مخرج الحاء. والمطبقة الصاد والظاء والضاد والطاء. والمنفتحة ما عداها. والإطباق أن تطبق على مخرج الحرف من اللسان وما حاذاه من الحنك. والإنفتاح بخلافه. والمستعلية الأربعة المطبقة والخاء والغين والقاف. والمنخفضة ما عداها. والإستعلاء ارتفاع اللسان إلى الحنك أطبقت أو لم تطبق والانخفاض بخلافه. وحروف القلقلة ما في قولك قد طبج ، والقلقلة ما تحس به إذا وقفت عليها من شدة الصوت المتصعد من الصدر مع الحفز والضغط. وحروف الصفير الصاد والزاي والسين لأنها يصفر بها. وحروف الذلاقة ما في قولك مر بنفل. والمصمتة ما عداها. والذلاقة الإعتماد بها على ذلق اللسان وهو طرفه. والإصمات إنه لا يكاد يبنى منها كلمة رباعية وخماسية معراة من حروف الذلاقة فكأنه قد صمت عنها. واللينة حروف اللين. والمنحرف اللام قال سيبويه هو حرف شديد جرى فيه الصوت لانحراف اللسان مع الصوت. والمكرر الراء لأنك إذا
وقفت عليه تعثر طرف اللسان بما فيه من التكرير. والهاوي الألف لأن مخرجه أتسع لهواء الصوت أشد من اتساع مخرج الياء والواو. والمهتوت التاء لضعفها وخفائها.
وصاحب العين يسمي القاف والكاف لهويتين لأن مبدأهما من اللهاة ، والجيم والصاد شجرية لأن مبدأهما من شجر الفم وهو مفرجه ، والصاد والزاي والسين أسلية لأن مبدأها من أسلة اللسان ، والطاء والدال والتاء نطعية لأن مبدأها من نطع الغار الأعلى والظاء والذال والثاء لثوية لأن مبدأها من اللثة ، والراء واللام والنون ذو لقية لأن مبدأها من ذولق اللسان ، والواو والفاء والباء والميم شفوية أو شفهية ، وحروف المد واللين جوفاء.
وإذا ريم ادغام الحرف في مقاربه فلا بد من تقدمة قلبه إلى لفظه ليصير مثلا له ، لأن محاولة إدغامه فيه كما هو محال. فإذا رمت ادغام الدال إلى السين من قوله تعالى : (يَكادُ سَنا بَرْقِهِ). فاقلب الدال أولا سينا. ثم أدغمها في السين فقل يكاسنا برقه. وكذلك التاء في الطاء من قوله : (وَقالَتْ طائِفَةٌ).
ولا يخلو المتقاربين من أن يلتقيا في كلمة أو في كلمتين. فإن التقيا في كلمة نظر ، فإن كان إدغمهما مما يؤدي إلى اللبس لم يجز نحو عتد ووقد ووتد يتد وكنية ، وشاة زنماء ، وغنم زنم. ولذلك قالوا في مصدر وطد ووتد طدة وتدة ، وكرهوا وطدا ووتدا لأنهم من بيانه وإدغامه بين ثقل ولبس ، وفي وتد يتد مانع آخر وهو أداء الإدغام إلى الاعلالين : وهما حذف الفاء في المضارع والإدغام ، ومن ثم لم يبنوا نحو وددت بالفتح لأن مضارعه كان يكون فيه إعلالان ، وهو كقولك يد وإن لم يلبس جاز نحو امحى وهمرش وأصلهما انمحى وهنمرش ، لأن افعل وفعلل ليس في أبنيتهم فأمن الإلباس.
وإن التقيا في كلمتين بعد متحرك أو مدة فالإدغام جائز لأنه لا لبس فيه ، ولا تغيير صيغة.
وليس بمطلق أن كل متقاربين في المخرج يدغم أحدهما في الآخر ، ولا أن كل متباعدين يمتنع ذلك فيهما. فقد يعرض للمقارب من الموانع ما يحرمه الإدغام ، ويتفق للمباعد من الخواص ما يسوغ إدغامه. ومن ثم لم يدغموا حروف ضوي مشفر فيما يقاربهما. وما كان من حروف الحلق أدخل في الفم. وأدغموا النون في الميم ، وحروف طرف اللسان في الضاد والشين. وأنا أفصل لك شأن الحروف واحدا فواحدا ، وما لبعضها مع بعض في الإدغام ، لأقفك على حد ذلك عن تحقق واستبصار بتوفيق الله تعالى وعونه.
فالهمزة لا تدغم في مثلها إلا في نحو قولك سأل ورأس والدأث في اسم واد ؛ وفيمن يرى تحقيق الهمزتين قال سيبويه : فأما الهمزتان فليس فيهما إدغام من نحو قولك قرأ أبوك وأقرىء أباك. قال : وزعموا أن ابن أبي إسحاق كان يحقق الهمزتين وناس معه وهي رديئة. فقد يجوز الإدغام في قول هؤلاء ولا تدغم في غيرها ولا غيرها فيها.
والألف لا تدغم البتة لا في مثلها ولا في مقاربها ولا يستطاع أن تكون مدغما فيها.
والهاء تدغم في الحاء وقعت بعدها أو قبلها كقولك في أجبه حاتما واذبح هذه : أجبحاتما واذبحاذه. ولا يدغم فيها إلا مثلها نحو أجبه هلالا.
والعين تدغم في مثلها كقولك ادفع عليا ، وكقوله عز وجل : (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ). وفي الحاء وقعت بعدها أو قبلها كقولك في ارفع حاتما واذبح عتودا : ارفحاتما واذبحتودا. وقد روى اليزيدي عن أبي عمرو : (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ) بإدغام الحاء في العين. ولا يدغم فيها إلا مثلها. وإدا اجتمع العين والهاء جاز قلبهما حاءين وإدغامهما في نحو قولك في معهم وأجبه عتبة : محم ، وأجبحتبة.
والحاء تدغم في مثلها نحو اذبح حملا وقوله تعالى : (لا أَبْرَحُ حَتَّى). وتدغم فيها الهاء والعين.
والغين والخاء تدغم كل واحدة منهما في مثلها وفي أختها كقراءة أبي عمرو : ومن يبتغ غير الإسلام دينا. وقولك لا تمسخ خلقك وادمغ خلقا ، واسلخ غنمك.
والقاف والكاف كالغين والخاء تدغم كل منهما في مثلها وفي أختها قال تعالى : (فَلَمَّا أَفاقَ قالَ). وقال تعالى : (كَيْ نُسَبِّحَكَ) و (نَذْكُرَكَ كَثِيراً :) وقال تعالى : (خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ). وقال تعالى : (حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا).
والجيم تدغم في مثلها نحو أخرج جابرا ، وفي الشين نحو أخرج شيئا
وقال تعالى : (أَخْرَجَ شَطْأَهُ). وروى اليزيدي عن أبي عمرو إدغامها في التاء في قوله تعالى : (ذِي الْمَعارِجِ تَعْرُجُ). وتدغم فيها الطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء نحو اربط جملا ، واحمد جابرا ، ووجبت جنونها ، واحفظ جارك ، واذ جاؤوكم ، ولم يلبث جالسا.
والشين لا تدغم إلا في مثلها كقولك أقمش شيحا. ويدغم فيها ما يدغم في الجيم ، والجيم ، واللام ، كقولك لا تخالط شرا ، ولم يرد شيئا ، وأصابت شربا ، ولم يحفظ شعرا ، ولم يتخذ شريكا ، ولم يرث شسعا ، ولم يخرج شيئا ودنا الشاسع.
والياء تدغم في مثلها متصلة كقولك حيي وعيي ، وشبيهة بالمتصلة كقولك قاضي ورامي ، ومنفصلة إذا انفتح ما قبلها كقولك اخشي ياسرا ، وإن كانت حركة ما قبلها من جنسها كقولك اظلمي ياسرا لم تدغم ويدغم فيها مثلها ، والواو نحو طيا ، والنون نحو من يعلم.
والضاد لا تدغم إلا في مثلها كقولك إقبض ضعفها ، وأما ما رواه أبو شعيب السوسي عن اليزيدي أن أبا عمرو كان يدغمها في الشين في قوله تعالى : (لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ). فما برئت من عيب رواية أبي شعيب. ويدغم فيها ما يدغم في الشين إلا الجيم كقولك : حط ضمانك ، وزد ضحكا ، وشدت ضفائرها ، واحفظ ضأنك ، ولم يلبث ضاربا ، وهو الضاحك ، واذ ضرب.
واللام إن كانت المعرفة فهي لازم إدغامها في مثلها وفي الطاء والدال
والتاء والظاء والذال والثاء والصاد والسين والزاي والشين والضاد والنون والراء. وإن كانت غيرها نحو لام هل وبل فإدغامها فيها جائز. ويتفاوت جوازه إلى حسن وهو إدغامها في الراء كقولك هل رأيت ، وإلى قبيح وهو إدغامها في النون كقولك هل نخرج ، وإلى وسط وهو إدغامها في البواقي. وقرىء : هثوب الكفار. وأنشد سيبويه :
فذرذا ولكن هتعين متيما
على ضوء برق آخر الليل ناضب (1)
اللغة المتيم الذي قد تيمه الحب أي استعبده ، ومنه قيل تيم اللات. والبرق الناضب الذي يرى من بعيد من نضب إذا بعد.
الاعراب ذر فعل أمر فاعله ضمير المخاطب. وذا في محل نصب مفعوله. ولكن للاستدراك. وهتعين أصله هل تعين. وهل حرف استفهام. وتعين فعل مضارع فاعله ضمير المخاطب. ومتيما مفعوله. وآخر الليل نصب على الظرفية. وناضب صفة برق واسم لكن ضمير المخاطب أي لكنك والجملة الاستفهامية خبرها (والشاهد فيه) ادغام اللام في التاء من قوله هتعين لقرب مخرجهما (والمعنى) دع هذا الذي أنت في ذكره وأخبرني هل تعين على ضوء البرق الذي أراه من بعد. وأراد بمعونته له أن يسهر معه ليخفف منه ما يتجدد له من الوجد كلما لمع البرق لأن ذلك البرق يلمع من جهة محبوبه فيأرق لذلك.
وأنشد :
تقول إذ أهلكت مالا للذة
فكيهة هشيء بكفيك لائق (2)
اللغة فكيهة اسم امرأة. ولائق من قولهم فلان ما يليق درهما أي ما يمسكه ولا يلصق به.
الاعراب تقول فعل مضارع. وإذا ظرفية. وأهلكت فعل وفاعل. ومالا مفعوله. وللذة متعلق بأهلكت. وفكيهة فاعل تقول. وهشيء هل فيه حرف استفهام. وشيء مبتدأ. وبكفيك خبره. ولائق صفة شيء. وجملة أهلكت مظروف إذا (والشاهد فيه) ادغام اللام في الشيء والمعنى ظاهر.
ولا يدغم فيها إلا مثلها ، والنون كقولك من لك ، وإدغام الراء لحن.
والراء لا تدغم إلا في مثلها كقوله تعالى : (وَاذْكُرْ رَبَّكَ). وتدغم فيها اللام والنون كقوله تعالى (كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ) - و (إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ).
والنون تدغم في حروف يرملون كقوله من يقول ، ومن راشد ، ومن محمد ، ومن لك ، ومن راقد ومن نكرم. وإدغامها على ضربين : إدغام بغنة وبغير غنة. ولها أربع أحوال : إحداها الإدغام مع هذه الحروف. والثانية البيان مع الهمزة والهاء والعين والحاء والغين والخاء كقولك : من أجلك ، ومن هانيء ، ومن عندك ، ومن حملك ، ومن غيرك ، ومن خانك. إلا في لغة قوم أخفوها مع الغين والخاء فقالوا منخل ومنغل. والثالثة القلب إلى الميم قبل الباء كقولك شنباء وعمبر. والرابعة الإخفاء مع سائر الحروف وهي خمسة عشر حرفا كقولك من جابر ، ومن كفر ومن قتل ، وما أشبه ذلك. قال أبو عثمان وبيانها مع حروف الفم لحن.
والطاء والدال والتاء والظاء والذال والثاء ستتها يدغم بعضها في بعض ، وفي الصاد والزاي والسين. وهذه لا تدغم في تلك إلا أن بعضها يدغم في بعض. والأقيس. في المطبقة إذا أدغمت تبقية الإطباق كقراءة أبي عمرو : (فرطت في جنب الله).
والفاء لا تدغم إلا في مثلها كقوله تعالى : (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ). وقرىء أيضا : (نَخْسِفْ بِهِمُ) بإدغامها في الباء.
وهو ضعيف تفرد به الكسائي وتدغم فيها الباء.
والباء لا تدغم إلا في مثلها. قرأ أبو عمرو : (لذهب بسمعهم). وفي الفاء والميم نحو : (اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ) - و (يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ). ولا يدغم فيها إلا مثلها.
والميم لا تدغم إلا في مثلها قال الله تعالى : (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ).
وتدغم فيها النون والباء.
وافتعل إذا كان بعد تائها مثلها جاز فيه البيان والإدغام. والإدغام سبيله أن تسكن التاء الأولى وتدغم في الثانية وتنقل حركتها إلى الفاء ، فيستغنى في الحركة عن همزة الوصل فيقال قتلوا بالفتح. ومنهم من يحذف الحركة ولا ينقلها فيلتقى ساكنان فيحرك الفاء بالكسر فيقول قتلوا. فمن فتح قال يقتلون ومقتلون بفتح الفاء ومن كسر قال يقتلون ومقتلون بالكسر ، ويجوز مقتلون بالضم اتباعا للميم لما حكي عن بعضهم مردفين ، وتقلب مع تسعة أحرف إذا كن قبلها مع الطاء والظاء والصاد طاء ، ومع الدال والذال والزاي دالا ، ومع الثاء والسين ثاء وسينا فأما مع الطاء فتدغم ليس إلا ، كقولك :
واطعنوا. ومع الظاء تبين وتدغم بقلب الظاء طاء أو الطاء ظاء كقولهم اظطلم واطلم واظلم. ورويت الثلاثة في بيت زهير :
هو الجواد الذي يعطيك نائله
عفوا ويظلم أحيانا فيظلم (1)
الاعراب هو ضمير فصل مبتدأ. والجواد خبره. والذي اسم موصول. ويعطيك فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى الممدوح والكاف مفعول أول. ونائله مفعول ثان. وقوله عفوا هو نصب على المصدرية. ويظلم فعل مضارع مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير الممدوح.
وأحيانا نصب على الظرفية (والشاهد فيه) في قوله يظلم فان أصله يظتلم قلبت التاء طاء لمجاورتها الطاء فإذا أدغم فمنهم من يقلب الطاء ظاء ثم يدغم ، ومنهم من يدغم الظاء في الظاء على القياس فيصير يطلم. وقد روي البيت بالوجهين وروي بالاظهار أيضا (والمعنى) ان هذا الرجل يعطي من غير سؤال وإذا سئل مالا طاقة له عليه قبله وتحمله ولم يرد سائله.
1) اللغة الجواد الكريم المكثر في العطاء. والنائل العطية. وعفوا أي من غير طلب يتقدمه أو سهلا بلا مطل ولا تعب.
ومع الضاد تبين وتدغم بقلب الطاء ضادا كقولك : اضطرب واضرب ، ولا يجوز اطرب. وقد حكي اطجع في اضطجع ، وهو في الغرابة كالطجع.
ومع الصاد تبين وتدغم بقلب الطاء صادا كقولك : مصطبر ومصبر واصطفى واصطلى واصفى واصلى وقرىء : إلا أن يصلحا. ولا يجو مطبر. وتقلب مع الدال والذال والزاي دالا. فمع الدال والذال تدغم كقولك إدان وادكر واذكر وحكى أبو عمرو عنهم اذدكر وهو مذدكر. وقال الشاعر :
تنحي على الشوك جرازا مقضبا
والهرم تذريه اذدراء عجبا (1)
اللغة نحي من انحيت السكين على حلقه أي عرضت ، والجزار القاطع. وكذلك المقضب وتذريه من ذرته الريح تذروه أي فرقته والهرم ضرب من النبات.
الاعراب تذري فعل مضارع فاعله ضمير يعود إلى الناقة. وعلى الشوك متعلق به.
وجرازا مفعول تنحي. ومقضبا صفة جرازا. والهرم منصوب على شريطة التفسير. وتذريه جملة من فعل وفاعل ومفعول. وازدراء نصب على المصدر. وعجبا صفته (والشاهد فيه) في قوله ازدراء باظهار التضعيف وأصله ازتراء قلبت تاؤه دالا. (والمعنى) ان هذه الناقة تعرض على الشوك أسنانا قاطعة والهرم تفرقه بمشافرها كما تفرق الريح التراب.
ومع الزاي تبين وتدغم بقلب الدال إلى الزاي كقولك : ازدان وازان.
ومع الثاء تدغم ليس إلا بقلب كل واحدة منهما إلى صاحبتها فتقول مثرد ومترد ومنه آثار وأتار. ومع السين تبين وتدغم بقلب التاء إليها نحو مستمع ومسمع.
وقد شبهوا تاء الضمير بتاء الإفتعال فقالوا خبط قال :
وفي كل حي قد خبط بنعمة (2)
فحق لشأس من نداك ذنوب
اللغة خبطت من خبط الشجرة أي نفضها ليأخذ ثمرتها. وشاس اسم الشاعر. والندى الكرم. والذنوب بفتح الذال النصيب.
الاعراب في كل حي متعلق بخبطت. وخبطت فعل وفاعل. وبنعمة متعلق به في محل نصب به. وحق فعل ماض. وذنوب فاعله. ومن نداك متعلق بمحذوف صفة ذنوب. (والشاهد فيه) في قوله خبط فان أصله خبطت قلبت تاء الخطاب طاء تشبيها لها بتاء الافتعال ، ثم أدغمت فصار خبط (والمعنى) انك لم تخض باكرامك أحدا ولم يحرم من عطائك قوم بل كل الناس قد ضربوا فيه بسهم وحصلوا منه على نصيب فحق لي أن ينالني من عطائك نصيب.
وفزد وحصط عينه ، وعده ونقده ، يريدون خبطت وفزت وحصت وعدت ونقدت. قال سيبويه وأعرب اللغتين وأجودهما أن لا تقلب. قال : وإذا كانت التاء متحركة وبعدها هذه الحروف ساكنة لم يكن إدغام يريد نحو : استطعم واستضعف. واستدرك لأن الأول متحرك والثاني ساكن فلا سبيل إلى الإدغام ، واستدان واستضاء واستطال بتلك المنزلة لأن فاءها في نية السكون.
وادغموا تاء تفعل وتفاعل فيما بعدها فقالوا اطيروا وازينوا وأثاقلوا. وإذا رأوا مجتلبين همزة الوصل للسكون الواقع بالإدغام لم يدغموا نحو تذكرون ، لئلا يجمعوا بين حذف التاء الأولى وإدغام الثانية.
ومن الإدغام الشاذ قولهم أصله سدس ، فأبدلوا السين تاء وأدغموا فيها الدال. ومنه ود في لغة بني تميم وأصلها وتد وهي الحجازية الجيدة. ومثله عدان في عتدان. وقال بعضهم عتد فرارا من هذا.
وقد عدلوا في بعض ملاقي المثلين أو المتقاربين لإعواز الإدغام إلى
الحذف فقالوا في ظللت ومسست وأحسست ظلت ومست وأحست قال :
أحسن به فهن إليه شوس (1)
اللغة أحسن أي أحسسن. وشوس جمع أشوس وهو الذي ينظر بمؤخر عينيه نظر المتكبر.
الاعراب سوى استثناء مما سبق. وان حرف توكيد ونصب. والعتاق اسمها. وأحسن فعل ماض ونون النسوة فاعله. وبه متعلق بأحسن في محل نصب به. والضمير المجرور يعود إلى الأسد المذكور قبل. والجملة خبر ان. وهن ضمير فصل مبتدأ. وشوس خبرها (والشاهد فيه) ان أحسن أصله أحسسن بسينين فلما لم يمكن الادغام عدلوا إلى الحذف فقالوا أحسن وربما قالوا أحسين ، كأنه أعل الحرف الثاني بقلبه ياء على حد قصيت اظفاري (والمعنى) أن الابل لما أحسسن بالأسد نظرن إليه نظرة مغضب.
وقول بعض العرب استخذ فلان أرضا ، لسيبويه فيه مذهبان : أحدهما أن يكون أصله استتخذ فتحذف التاء الثانية ، والثاني أن يكون اتخذ فتبدل السين مكان الأولى. ومنه قولهم يسطيع بحذف التاء ، وقولهم يستيع ، إن شئت قلت حذفت الطاء وتركت تاء الإستفعال ، وإن شئت قلت حذفت التاء المزيدة وأبدلت التاء مكان الطاء. وقالوا بلعنبر وبلعجلان في بني العنبر وبني العجلان وعلماء بنو فلان أي على الماء. قال :
غداة طفت علماء بكر بن وائل
وعاجت صدور الخيل شطر تميم (2)
اللغة طفت أي علت وارتفعت. وبكر قبيلة. وعاجت أي مالت. والشطر النحو والجانب ، يقال قصدت شطره أي نحوه.
الاعراب غداة ظرف زمان أضيف إلى الفعل. وطفت فعل ماض. وعلماء متعلق به.وبكر بن وائل فاعله. وعاجت فعل ماض. وصدور الخيل فاعله. وشطر تميم مفعوله. (والشاهد فيه) في قوله علماء وأصله على الماء فهمزة الوصل تسقط للدرج وألف على تحذف لالتقائها مع لام المعرفة ، فصار اللفظ علماء فحذفوا لام على كراهة اجتماع المثلين ، كما حذفوا اللام في ظلت. وإذا كانوا قد حذفوا النون من بلعنبر لقربها من اللام فحذف اللام أحق وأولى والله أعلم.
وكان الفراغ من تسويد هذا الشرح ظهر يوم الخميس سابع شهر من شهور سنة 1323 ه فما كان فيه من خطأ فهو مني والله المسؤول في الصفح عنه والتجاوز عن سيئه ، وما كان فيه من صواب فهو من الله سبحانه وهو جل شأنه الموفق له والهادي اليه والمحمود عليه. والله المسؤول أن يوفقنا لما فيه رضاه ، وأن يغفر لنا سيء ما قدمناه ، هو أهل التقوي وأهل المغفرة. والحمد لله أولا وآخرا باطنا وظاهرا ، وصلاته وسلامه على أشرف خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أبد الآبدين.
بحمد من بنعمته تتم الصالحات. تم طبع كتاب المفصل صنعة الإعراب للامام الزمخشري تغمده الله برحمته ورضوانه ، مع شرح شواهده للسيد محمد بدر الدين أبي فراس النعساني الحلبي على مطابع دار الهلال في بيروت وكان ذلك في شهر شعبان المعظم سنة 1409 من هجرة سيد المرسلين صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
وإذا كانوا ممن يحذفون مع إمكان الإدغام في يتسع ويتقي فهم مع عدم إمكانه أحذف.
تم الكتاب
مقدمة....................................................................... 5
مقدمة المؤلف............................................................... 17
مقدمة الشارح............................................................... 17
القسم الأول : الأسماء
الباب الأول : اسم الجنس واسم العلم......................................... 23
الباب الثاني : الإسم المعرب.................................................. 33
الباب الثالث : الاسم المبني................................................. 163
الباب الرابع : الاسم المثنى.................................................. 229
الباب الخامس : الاسم المجموع.............................................. 235
الباب السادس : الاسم المعرفة والنكرة........................................ 245
الباب السابع : الاسم المذكر والمؤنث......................................... 247
الباب الثامن : الاسم المنسوب.............................................. 259
الباب التاسع : الاسم العدد................................................. 267
الباب العاشر : الاسم المقصور والممدود...................................... 273
الباب الحادي عشر : المصدر................................................ 275
الباب الثاني عشر : اسم الفاعل............................................. 285
الباب الثالث عشر : اسم المفعول............................................ 291
الباب الرابع عشر : الصفة المشبهة........................................... 293
الباب الخامس عشر : أفعل التفضيل......................................... 297
الباب السادس عشر : أسماء الزمان والمكان................................... 303
الباب السابع عشر : اسم الآلة.............................................. 307
الباب الثامن عشر : الاسم الثلاثي........................................... 309
الباب التاسع عشر : الاسم الرباعي.......................................... 313
الباب العشرون : الإسم الخماسي............................................ 315
القسم الثاني : الأفعال
الباب الأول : الفعل الماضي................................................. 319
الباب الثاني : الفعل المضارع................................................ 321
الباب الثالث : الأمر....................................................... 339
الباب الرابع : الفعل المتعدي وغير المتعدي.................................... 341
الباب الخامس : الفعل المبني للمفعول........................................ 343
الباب السادس : أفعال القلوب.............................................. 345
الباب السابع : الأفعال الناقصة.............................................. 349
الباب الثامن : أفعال المقاربة................................................. 357
الباب التاسع : فعلا المدح والذم............................................. 361
الباب العاشر : فعلا التعجب............................................... 367
الباب الحادي عشر : الفعل الثلاثي.......................................... 369
الباب الثاني عشر : الفعل الرباعي........................................... 375
القسم الثالث : الحروف
الباب الأول : حروف الإضافة.............................................. 379
الباب الثاني : الحروف المشبهة بالفعل........................................ 389
الباب الثالث : حروف العطف.............................................. 403
الباب الرابع : حروف التنبيه................................................. 409
الباب الخامس : حروف النداء.............................................. 413
الباب السادس : حروف التصديق والإيجاب................................... 415
الباب السابع : حروف الإستثناء............................................. 419
الباب الثامن : حرفا الخطاب................................................ 421
الباب التاسع : حروف الصلة............................................... 423
الباب العاشر : حرفا التفسير................................................ 427
الباب الحادي عشر : الحرفان المصدريان...................................... 429
الباب الثاني عشر : حروف التحضيض....................................... 431
الباب الثالث عشر : حرف التقريب.......................................... 433
الباب الرابع عشر : حروف الإستقبال........................................ 435
الباب الخامس عشر : حرفا الإستفهام........................................ 437
الباب السادس عشر : الشرط............................................... 439
الباب السابع عشر : حرف التعليل.......................................... 445
الباب الثامن عشر : حرف الردع............................................. 447
الباب التاسع عشر : اللامات............................................... 449
الباب العشرون : تاء التأنيث الساكنة........................................ 453
الباب الحادي والعشرون : التنوين............................................ 455
الباب الثاني والعشرون : النون المؤكدة......................................... 457
الباب الثالث والعشرون : هاء السكت....................................... 461
الباب الرابع والعشرون : شين الوقف......................................... 463
الباب الخامس والعشرون : حرف الإنكار..................................... 465
الباب السادس والعشرون : حرف التذكر..................................... 467
القسم الرابع : المشترك
الباب الأول : الإمالة....................................................... 741
الباب الثاني : الوقف....................................................... 475
الباب الثالث : القسم...................................................... 483
الباب الرابع : تخفيف الهمزة................................................. 489
الباب الخامس : التقاء الساكنين............................................. 493
الباب السادس : أوائل الكلم................................................ 497
الباب السابع : زيادة الحروف............................................... 501
الباب الثامن : إبدال الحروف............................................... 505
الباب التاسع : الإعتلال.................................................... 521
الباب العاشر : الإدغام 545