اتمام المسافر فی مشاهد الائمة علیهم السلام

ghaemiyeh.com

هوية الكتاب

‌سرشناسه : سند، محمد، ۱۳۴۰-

عنوان و نام پدیدآور : اتمام المسافر فی مشاهد الائمة علیهم السلام/محمد سند.

مشخصات نشر : قم: سعیدبن‌جبیر، ۱۳۸۴، = ۲۰۰۵م، = ۱۴۲۶ق.

مشخصات ظاهری : 126ص.

یادداشت : عربی.

موضوع : ائمه اثناعشر -- سرگذشتنامه.

موضوع : چهارده‌معصوم -- سرگذشتنامه.

رده بندی کنگره : BP۳۶/الف۶۸الف۹ ۱۳۸۷

رده بندی دیویی : ۲۹۷/۹۵

اشارة

اتمام المسافر في مشاهدة الأئمة علیهم السلام

عکس

3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ اَلْرَحیمْ

تمهيد

قد ذهب جمع من المتقدمين وبعض المتأخرين إلى عموم حكم التخيير بين القصر والتمام للمسافر في مراقد جميع المعصومين(علیهم السلام) ولا تختص فضيلة الإتمام للمسافر في الرباعية بخصوص الأماكن الأربعة, بل تعم مراقد المعصومين(علیهم السلام) أجمع, كمشهد الكاظم والجواد ومشهد الرضا ومشهد العسكريين(علیهم السلام) فضلاً عن النجف الأشرف مشهد أمير المؤمنين(علیه السلام), حيث أنه مندرج في الأماكن الأربعة, بلْ هو الأصل للإتمام في مسجد الكوفة.

الأقوال في المسألة

** أقوال الأصحاب في التعميم.

*** أقوال في التوسعة من جهات أُخرى.

**** ملحق الأقوال.

أقوال الأصحاب في التعميم

ظاهر كلام السيد المرتضى وابن الجنيد المنع من التقصير في المواضع الأربعة, وألحقا بها في ذلك أيضاً المشاهد المشرّفة والضرائح المنوّرة, وكذلك ابن قولويه - اُستاذ المفيد في الفقه - ذهب إليه في كامل الزيارات, كما سيأتي.

1 و 2 - قال في المختلف: «قال السيّد المرتضى في (الجمل): لا يقصر في مكّة ومسجد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ومسجد الكوفة ومشاهد الأئمّة القائمين مقامه»(1), ونقل عن ابن الجنيد: «والمسجد الحرام لا تقصير فيه على أحد, لأنّ الله عزّ وجلّ جعله سواء العاكف فيه والباد»(2).

3 - وعبارة عليّ بن بابويه يلوح منها التعميم لجميع المشاهد, كما استظهره المجلسي في البحار. قال في الفقه الرضوي: «إذا بلغت موضع قصدك من الحجّ والزيارة والمشاهد وغير ذلك ممّاقد بيّنته لك فقد سقط عنك السفر, ووجب عليك الإتمام»(3).

ولا يبعد أن يكون هذا المتن هو متن فقه ابن أبي عزاقر الشلمغاني


1) جمل العلم والعمل: ص 77 ط الآداب.

2) المختلف ج3 ص135.

3) الفقه الرضوي ص160.

أيّام استقامته قبل انحرافه, إذ هو متن رسالة ابن بابويه في الأصل, وعمّم صاحب الوسائل بجزم عدم سقوط النوافل النهارية لكلّ المشاهد المشرّفة, مع أنّ الموضوع لعدم سقوط النوافل متّحد مع موضوع إتمام الفرائض في السفر.

وقال المجلسي في ذيل عبارة الفقه الرضوي: «وظاهره الإتمام في جميع المشاهد, كما قيل وسيأتي ذكره»(1).

وقال الوحيد البهبهاني في مصابيح الظلام - بعد ذكره القول بالإتمام في جميع المشاهد للمرتضى وابن الجنيد: «نعم, عبارة الفقه الرضوي ربّما يدلّ على قولهما وقياس المنصوص العلّة التي في صحيحة عليّ بن مهزيار, حيث قال: قد علمت فضل الصلاة في الحرمين في مقام التعليل للإتمام في الحرمين, والحقّ أنّه حجّة, لكن يلزم التمام في كلّ موضع للصلاة فيه فضل, كما أنّ عبارة الفقه الرضوي أيضاً ظاهرها كذلك, وهما لا يقولان به, ومع ذلك لا يفيان لاثبات ما يخالف الأخبار المتواترة والخبرالمجمع عليه والإجماعات»(2).

وقال في الرياض: «وخلاف المرتضى والإسكافي فيها نادر, فلا يفيدهما التمسّك ببعض التعليلات والظواهر. نعم, في الرضوي - ثمّ ذكر


1) البحار ج86 ص67.

2) مصابيح الظلام ج 2 ص 211.

عبارته - لكن في الخروج به عن مقتضى الأصل والعمومات المعتضدة بالشهرة العظيمة القريبة من الإجماع, بل الإجماع, مشكل, لا سيّما مع تضمّنه الحكم بوجوب التمام, لما مرّ من شذوذه ومخالفته الإجماع والأخبار المستفيضة بل المتواترة, إلاّ أن يحمل الوجوب على مطلق الثبوت»(1).

واستشكل في المستند(2)في استظهار ذلك من عبارة الرضوي, وتشبّث بما ذكر قبل هذه العبارة من اشتراط قصد المباح في السفر, نظير الحجّ والزيارة ونحوهما, وهو عجيب, لأنّه العبارة السابقة في التقصير, وهذه العبارة في التمام, مع أنّه ذكر في الفقه الرضوي قبل العبارتين الإتمام عند دخول منزل أخيك لأنّه مثل منزلك.

واستظهر في الجواهر(3)التعميم في عبارة الفقه الرضوي,ولعلّ مستند المرتضى وابن الجنيد التعليلات في النصوص, واستفادة عليّة شرفيّة المكان بقوله: «وشرف قبورهم, وأنّها مساوية للمسجدين أو تزيد».

أقول: اعترف الوحيد وسيّد الرياض بدلالة صحيح ابن مهزيار على عموم الإتمام في المشاهد, إلاّ أنّهما استشكلا في العمل به بأنّه مخالف للإجماع وللأخبار المتواترة والمجمع عليه من الخبر, وبأنّه يلزم


1) رياض المسائل ج4 ص382.

2) مستند الشيعة ج3 ص138 .

3) الجواهر ج14 ص344.

منه التمام في كلّ موضع للصلاة فيه فضل.

وفيه: أمّا الأوّل, فلا إجماع على الخلاف, لما مرّ وسيأتي من ذهاب ابن بابويه وابن قولويه, ومحتمل ابن ابن عزاقر - أيّام استقامته - وابن الجنيد والمرتضى وتمايل الكيدري في الإصباح إليه ومن المتأخّرين الميرداماد والشيخ حسين العصفوري البحراني, ثمّ إنّ القائلين بالمنع من الإتمام في الأماكن الأربعة - فضلاً عن غيرها - ليس اتّفاقهم بسيط مع الحاصرين بالأربع, بل المسألة ثلاثيّة الأقوال من عهد رواية الأئمّة(علیهم السلام), كما يشير إلى ذلك صحيح ابن مهزيار وغيره, بل لو جعلنا أحد الأقوال ذهاب الشيخ إلى الإتمام عند قبر أمير المؤمنين(علیه السلام) والنجف وكذا الكيدري في الإصباح لزاد تشعّب الأقوال.

وأمّا الثاني - وهي المخالفة للأخبار المتواترة - فإنّ قصدا عمومات التقصير في السفر, فالمخالفة بالعموم والخصوص, كمافي الأماكن الأربعة, وإنّ قصدا روايات الأماكن الأربعة فسيأتي في الوجه الثالث, أنّ ألسنة الروايات متعدّدة بين ما اقتصر على ذكر مكّة والمسجد الحرام فقط, وبين ما اقتصر على ذكر المسجدين والحرمين, وثالث إضافة عند قبر الحسين(علیه السلام), ورابع إضافة مسجد الكوفة إلى المسجد, وخامس ذكر الأماكن الأربعة, وسادس إضافة عنوان مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم), فأين الحصر في الأربعة؟

وأمّا الثالث - وهو التعميم لكلّ مكان ذي فضيلة - فهو انما يلزم لكل مكان أمر باكثار الصلاة فيه لتعاظم فضيلتها فيه لا ما إذا أمر بإكثار الصلاة لأجل رجحان ذات طبيعة الصلاة في نفسها من حيث هي صلاة كما هو الحال في الصلاة في مطلق المسجد أو المسجد الجامع الذي هو من النمط الثاني, فإنّ الصلاة فيه وإن اكتسبت مزيّة ورجحانا, لكنّ الأمر بإكثار الصلاة حينئذٍ ليسَ إلّا من جهة طبيعة نفس الصلاة وأنّها خير موضوع مَن شاء استكثر ومَن شاء استقلّ لا من جهة سببية المكان نفسه لرجحان الإكثار, فالمسجد أو الجامع يضيفان مزيّة على طبيعة الصلاة, نظير نظافة الثياب واستخدام الطيب ولبس العمامة والتحنّك بها, ونحو ذلك وهذه المزايا ليست سببا لرجحان إكثار الصلاة, وهذا بخلاف ما إذا كانت الأرض مقدّسة معظّمة كما سيأتي في قوله تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (1), فإنّ إذنه تعالى هو أمره بتعظيم وتقديس تلك البيوت, وأمره بأن يذكر فيها, وأمره تعالى أن يسبّح له فيها بالغدوّ والآصال, فيستحب إكثار الصلاة فيها بهذا الأمر بغض النظر عن الأمر بإكثار ذات الصلاة في نفسها, فلو لم يكن في البين دليل على الأمر بإكثار ذات طبيعة الصلاة لالتزمنا باستحباب الإكثار في خصوص هذه البيوت المعظمة المقدسة.


1) سورة النور: الآية 36.

ويشهد لهذه التفرقة أن صلاة النوافل اليومية وغيرها يندب إتيانها في البيوت والمنازل إستتاراً وروماً للإخلاص والخلاص عن الرياء, أفضل من إتيانها في عموم المساجد ولو كان المسجد الجامع وإنما المندوب المجيء بصلاة الفريضة في عموم المساجد كشعيرة عامة, وهذا بخلاف المسجد الحرام والمسجد النبوي والمواطن الأربعة ومشاهد جميع الأئمة(علیهم السلام) فإنه يندب المجيء بجميع النوافل اليومية وغيرها فضلاً عن الفرائض فيها وكفى بهذا فارقاً بين الموضوعين. وسيأتي الإشارة إلى الروايات الدالة على ذلك في الوجوه اللاحقة.

4 - وعنون ابن قولويه في كامل الزيارات الباب (82) بقوله: «التمام عند قبر الحسين(علیه السلام) وجميع المشاهد», مع أنّه لم يورد في الباب إلاّ روايات الإتمام في الأماكن الأربعة,والظاهر أنّ استظهر من التعليل فيها العموم وهو في محلّه.

وعنون ابن قولويه الباب (81) من كتاب كامل الزيارات بقوله: «التقصير في الفريضة والرخصة في التطوع عنده وجميع المشاهد» وذكر في ذلك الباب روايات استحباب التطوع في الأماكن الأربعة للمسافر وفي مشاهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهو عنوان خامس وموضوع فضيلة التطوع في السفر هو موضوع التخيير في الفريضة, فيظهر منه اعتماده على وجه آخر في التعميم.

5 - وقد يستظهر من الشيخ المفيد التمايل إلى التعميم لكل مراقد الأئمة(علیهم السلام) وذلك لما رواه في المزار الكبير والصغير من ثواب وفضيلة صلاة الفريضة عند الحسين(علیه السلام) ففي باب (59) من المزار الكبير الذي عنونه بقوله «باب فضل الصلاة عند مشهد الحسين(علیه السلام)» وقال في مقدمة هذا الباب : «قد كنا دعونا في ما تقدم إلى الإكثار من الصلاة في مشهد أبي عبدالله(علیه السلام) لفضل ذلك وعظم ثوابه ويجب أن يؤدي الفرائض بأسرها والنوافل كلها طول المقام هناك فيه وأفضل المواضع للصلوات منه عند رأس الإمام(علیه السلام)».

ثم روى في الباب فضيلة كل ركعة فريضة عند الحسين(علیه السلام) وفضيلة كل ركعة نافلة, وروى الحديث الثالث في الباب بسنده عن هارون بن مسلم عن أبي علي الحراني عن الصادق(علیه السلام) في من أتاه وزاره وصلى عنده ركعتين أو أربع ركعات كتبت له حجةوعمرة وفي ذيل الرواية «قال قلت له: جعلت فداك وكذلك لكل من أتى قبر إمام مفترضة طاعته قال: نعم»(1)وقد روي هذا الحديث عن هارون بن مسلم بطرق متعددة وبألفاظ مختلفة في كامل الزيارات(2)وفي التهذيب(3)وفي المزار


1) كتاب المزار: الأول (الكبير): باب 59 ح 3 ص116 - 118. ط .قم ممدرسة الإمام المهدي(عجل الله تعالی فرجه الشریف).

2) كامل الزيارات: باب 83 ح 3 ص434.

3) التهذيب: ج6 كتاب المزار باب 26 ح4 ص79.

الكبير للمشهدي(1), ورواه الشيخ المفيد أيضاً بطريق آخر في المزار الصغير(2).

وقال في المزار الثاني (الصغير) الباب (18) «باب مختصر: فضل زيارة السيدين أبي الحسن علي بن محمد وأبي محمد الحسن بن علي العسكريين((علیهما السلام))» ثم روى الحديث الثاني بقوله وتقدم أيضا عن أبي عبدالله(علیه السلام): «من زار إماما مفترض الطاعة بعد وفاته وصلى عنده أربع ركعات كتب الله له حجة وعمرة»(3)انتهى. فحكم(قدس سره) باستحباب إكثار الصلاة عند العسكريين(علیهما السلام) بعين ما تقدم من الدليل على استحباب إكثار الصلاة عند الحسين(علیه السلام), حيث قال في المزار الأول (الكبير) في الباب(56) بعد ذكر زيارة الحسين والعباس(علیهما السلام): «ثم ارجع إلى مشهد الحسين(علیه السلام) وأكثر من الصلاة فيه والزيارة والدعاء»(4)ومن ثَمّ قال في العبارة المتقدم نقلها في صدر الباب (59): «قد كنا دعونا في ما تقدم إلى الإكثار من الصلاة في مشهد أبي عبدالله(علیه السلام) لفضل ذلك وعظم ثوابه ويجب أن يؤدي الفرائض بأسرها والنوافل كلها طول المقام هناك فيه وأفضل المواضع للصلوات منه عند رأس الإمام(علیه السلام)».


1) المزار الكبير: القسم الأول , الباب الأول: ح16 ص39.

2) كتاب المزار: الثاني (الصغير): باب 11 ح3 ص160.

3) كتاب المزار: الثاني (الصغير): باب 18 ح2 ص173.

4) كتاب المزار: الأول (الكبير): الباب56 ص111.

وقال في الباب اللاحق لذلك الباب (60) والذي عنونه بقوله: «باب فضل إتمام الصلاة في الحرمين وفي المشهدين على ساكنهما السلام» قال: «الأصل في صلاة السفر التقصير, لطفا من الله جل اسمه لعباده, ورحمة لهم وتخفيفا عنهم, وجاءت آثار لا شبهة في طريقها, ولا شك في صحتها بإتمام الصلاة في الأربعة مواطن لشرفها وتعظيمها, فكان التقصير فيها على الأصل للرخصة جائزا والإتمام أفضل»(1). فجعل(قدس سره) موضوع الإتمام فضيلة إكثار الصلاة في تلك البقاع وموضوع استحباب إكثار الصلاة هو شرف وعظمة البقاع, وهذا بعينه ما ذكره ونبه عليه في زيارة العسكريين(علیهما السلام) وما ذكره من ذيل الرواية المتقدمة أن ذلك لكلمن أتى قبر إمام مفترضة طاعته.

بلْ إنَّ في الباب (60) أفتى باستحباب إتمام الصلاة في مشهد أمير المؤمنين(علیه السلام) مع أن النصوص التي أوردها في الكوفة ومسجدها, كما أن جعله عنوان موضوع الإتمام هو الآخر يشعر باستظهار عموم هذا العنوان لكل مشاعر المعصومين(علیهم السلام) لإتحاد عنوان المشهد. بل قد صرح في باب (44) باب صلاة زيارة أمير المؤمنين(علیه السلام) بقوله «فإنْ أردت المقام في المشهد أو ليلتك فأقم فيه وأكثر من الزيارة والصلاة والتحميد والتسبيح والتكبير والتهليل وذكر الله تعالى بتلاوة القرآن والدعاء والاستغفار, فإذا أردت الانصراف فودع أمير المؤمنين صلوات الله


1) كتاب المزار: الأول (الكبير): الباب60 ص 119.

عليه»(1)وبنفس العبارة أفتى الشيخ في المصباح(2)في مشهد أمير المؤمنين(علیه السلام) مع أنَّ الشيخ يفتي صريحاً بالإتمام في مشهد أمير المؤمنين(علیه السلام) ومدينة النجف الأشرف.

6 - وقال الكيدري البيهقي في إصباح الشيعة: «ويستحبّ الإتمام في السفر في أربعة مواطن: مكّة والمدينة ومسجد الكوفة والحائر. وروي في حرم الله وحرم الرسول وحرم أمير المؤمنين(علیه السلام) وحرم الحسين(علیه السلام), فعلى هذه الروايات يجوز الإتمام خارج المسجد بالكوفة والنجف, وعلى الأوّل لا يجوز إلاّ في نفس المسجد,وقال المرتضى», ثمّ نقل كلامه المزبور(3). ولم يعلق عليه بشيء فيظهر منه التمايل إلى التعميم.

7 - وفي التنقيح الرائع للسيوري قوّى قول المشهور على قول الصدوق بالمنع في الأماكن الأربعة, بقوله: «والأقوى قول الأصحاب, لأنّها أماكن شريفة, فناسب كثرة الطاعات فيها, ولروايات كثيرة بذلك... ثمّ إنّ السيّد وابن الجنيد جعلا مجموع المشاهد داخلة في هذا الحكم, والفتوى على خلافه»(4).

وظاهر كلامه يعطي توقّفه في التعميم من دون جزم بالنفي.


1) كتاب المزار: الأول (الكبير): الباب 44 ص 81.

2) مصباح المتهجد: الباب الرابع: ص321.

3) إصباح الشيعة ص92 .

4) التنقيح الرائع: ج1 ص291.

8 - وقال الميرداماد: «وألحق السيّد المرتضى وابن الجنيد مشاهد الأئمّة(علیهم السلام) بين القصر والإتمام, والمستحبّ الأفضل هناك هو الإتمام, وظاهرهما تحتّمه, وعمّم الصدوق القصر تحتّما, والأقرب تخصيص التخيير مع استحباب الإتمام بالمساجد الثلاثة وما دار عليه سور الحضرة الحسينيّة, وما حوته قبب المشاهد المنوّرة دون البلدان. وقال بعض الأصحاب بذلك في البلدان, وقال في المعتبر: الحرمان كمسجديهما بخلاف الكوفة»(1). ثمّ نقل عبارة المبسوط.

وظاهره التعميم لكلّ المشاهد المنوّرة للمعصومين(علیهم السلام), لأنّه في صدر كلامه نقل كلا الخلافين في التعميم موضوعاً وفي المحمول من جهة الوجوب أو التخيير أو المنع, فاختار التخيير في الحكم والتعميم في الموضوع.

ثمّ إنّه يستفاد من كلامه(قدس سره) استظهار أنّ العدد (أربعة) من الروايات قيد للبلدان, وإلاّ فالمشاهد عنوانها عام غير مقيد بالأربعة, وتقريبه ما سيأتي في الوجه الثالث من ورود عنوان مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) باندراجها فيه, كاندراج بيوت أهل البيت(علیهم السلام) في بيوت النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم), والظاهر أنّ ابن بابويه وابن قولويه والمرتضى وابن الجنيد اعتمدوا عليه لا على التعليل فقط.


1) عيون المسائل ص210 .

وقال في منتهى المطلب في مقام الردّ على منع الصدوق من الإتمام في الأماكن الأربعة: «ولأنّها مواضع اختصّت بزيادة شرف, فكان إتمام العبادة فيها مناسباً لتحصيل فضيلة العبادة فيها, فكان مشروعاً»(1).

وفي المختلف قال في ردّ الصدوق: «لنا: أنّها مواطن شريفة يستحبّ فيها الإكثار من الطاعات والنوافل, فناسب استحباب إتمام الفرائض»(2).

9 - وقال الشيخ حسين العصفوري في كتابه سداد العباد: «شرط تحتّم القصر أن لا يكون بمكّة ولا بالمدينة ولا بالكوفة ولا الحائر الحسيني, بل الحرم له أجمع ومشاهد الأئمّة(علیهم السلام) على الأحوط, لأنّه يخيّر في هذه الأمكنة كلّها والتمام أفضل, بل كاد أن يكون متعيّناً, لا سيّما في الكوفة وحائر الحسين(علیه السلام), وأخبار تحتّم القصر محمولة على التقيّة لئلاّ ينسبونا إلى التلاعب في الدين»(3).

وقال الشيخ العصفوري في كتاب الفرحة الانسيّة: «ولا بأس بالتمام في المشاهد كلّها, كما هو ظاهر المرتضى والإسكافي, ويشهد لهما خبر الفقه الرضوي, وظاهره أنّ الفضل فيه, والجمع بين القصر والتمام فيها


1) منتهى المطلب: ج6 ص365.

2) مختلف الشيعة: ج3 ص132.

3) سداد العباد ورشاد العباد: ص169.

طريق الاحتياط والسلامة من الخلل»(1).

أقول: ذكر نمطين للاحتياط: الأول باختيار الإتمام, والثاني بالجمع بين القصر والتمام, وذلك مراعاة للقول بتعين الإتمام الذي ذهب إليه ابن الجنيد والسيد المرتضى, والقول بتعين القصر الذي ذهب إليه الصدوق وجملة من فقهاء الرواة, فما عرف من أن الإتمام أفضل والقصر أحوط, على إطلاقه ليس في محله, بل الاحتياط هو بالجمع بينهما, والإتمام أفضل.

وحكى عنه تلميذه الشيخ عبدالله الستري في كتابه الكنز, قال: «والمرتضى والإسكافي ظاهرهما تحتّم الإتمام في جميع مشاهد الأئمّة(علیهم السلام) وشيخنا& خيّر فيها كلّها, وزاد مسجد براثا).

وقال في المختلف أيضاً: «وقال السيّد المرتضى: لا تقصير في مشاهد الأئمّة(علیهم السلام), وهو اختيار ابن الجنيد.

لنا: الأصل الدالّ على وجوب القصر على المسافر.

احتجّا بأنّها من المواضع المشرّفة فاستحب فيها الإتمام كالأربعة».

وقال: «قال ابن الجنيد: والمسجد الحرام لا تقصير فيه على أحد, ومكّة عندي يجري مجراه, وكذلك مسجد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومشاهد الأئمّة القائمين مقام الرسول(علیه السلام), فأمّا ما عدا مكّة والمشاهد من الحرم


1) الفرحة الإنسية ص175 .

فحكمها حكم غيرها من البلدان في التقصير والإتمام» (1).

وقال الشريف المرتضى في جمل العلم والعمل: «ولا تقصير في مكّة ومسجد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ومسجد الكوفة ومشاهد الأئمّة القائمين مقامه»(2), وقال بنفس اللفظ في رسائله.

ومن ذلك يتحصّل ذهاب كلّ من عليّ بن بابويه والشلمغاني - فترة استقامته - وابن قولويه في كامل الزيارات, وابن الجنيد, والمرتضى, والميرداماد في رسالته(3)عيون المسائل, والشيخ حسين العصفوري البحراني - ابن أخي صاحب الحدائق - في السداد, ويستظهر من كلام الشيخ المفيد في المزار الأول والثاني, وتمايل إليه المجلسي والبروجردي في مسجد براثا, ويظهر تمايل الكيدري في إصباح الشيعة إلى قول المرتضى, وتوقف السيوري في التعميم ولم يجزم بالنفي. بلْ قدْ مرَّ اعتراف الوحيد وصاحب الرياض بتمامية مستند التعميم لولا خوف مخالفة الإجماع ودعوى منافاته للأخبار المتواترة, وقد تقدم منع دعوى الإجماع ووهن دعوى المنافاة للأخبار.


1) مختلف الشيعة ج3 ص135 - 137.

2) جمل العلم والعمل ص78.

3) عيون المسائل (الرسائل الإثنى عشر) ص 210.

أقوال في التوسعة من جهات اُخرى

1 - قال الشيخ المفيد في المزار الأول (الكبير) الباب (60) تحت عنوان «باب فضل إتمام الصلاة في الحرمين وفي المشهدين على ساكنهما السلام» وقد مر تقريب صراحة هذا التعبير في فتواه بالإتمام في مشهد أمير المؤمنين(علیه السلام) ومدينة النجف, ويستظهر من كلامه: أنَّ الأصل في الإتمام في الكوفة هو حرم أمير المؤمنين(علیه السلام) ومشهده ومرقده, وأن المسجد تابع له, وهو الذي أشار إليه تلميذه الشيخ الطوسي في عبارة المبسوط الآتية.

2 - وذهب الشيخ الطوسي في المبسوط والنهاية إلى الإتمام عند مرقد أمير المؤمنين(علیه السلام). قال: «وقد روي الإتمام في حرم الله وحرم الرسول وحرم أمير المؤمنين(علیه السلام), فعلى هذه الرواية يجوز الإتمام خارج المسجد بالكوفة والنجف, وعلى الرواية الاُولى لا يجوز إلاّ في نفس المسجد, ولو قصّر في هذه المواضع كلّهاكان جائزاً, غير أنّ الأفضل ما

قدّمناه»(1).

ونقل في المختلف عن النهاية والمبسوط قولهما: «وقد رويت رواية بلفظ آخر وهو أن يتمّ الصلاة في حرم الله وفي حرم رسوله وفي حرم أمير المؤمنين(علیه السلام) وفي حرم الحسين(علیه السلام), فعلى هذه الرواية جاز التمام خارج المسجد بالكوفة وبالنجف, وعلى الرواية الاُخرى لم يجز, إلاّ في نفس المسجد».

وقال الشيخ في التهذيب «لمّا روى حديث زياد القندي قال: قال أبو الحسن موسى: اُحبّ لك ما اُحبّ لنفسي, وأكره لك ما أكره لنفسي, أتمّ الصلاة في الحرمين وعند قبر الحسين(علیه السلام) وبالکوفة. وحديث أبي بصير قال سمعت أبا عبد الله(علیه السلام) يقول: تمّم الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام, ومسجد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم), ومسجد الكوفة, وحرم الحسين(علیه السلام), وليس لأحد أن يقول لأجل هذا الخبر والخبر المتقدّم الذي رواه ابن منصور, أنّ الإتمام مختصّ بالمسجد الحرام ومسجد الكوفة, فإذا خرج الإنسان منهما فلا تمام, لأنّه لا يمتنع أن يكون في هذين الخبرين قدْ خصّا بالذكر تعظيماً لهما, ثمّ ذكر في الأخبار الاُخر ألفاظ يكون هذان المسجدان داخلين فيه, وإن كان غيرهما داخلاً فيه, وهذا غير مستبعد ولا متناف.


1) المبسوط: ج1/ ص141 .

وقد قدّمنا من الأخبار ما يتضمّن عموم الأماكن التي من جملتها هذان المسجدان منها: حديث حمّاد بن عيسى, عن الصادق(علیه السلام) أنّه قال: في حرم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم), وحرم أمير المؤمنين(علیه السلام) وبعده حديث زياد القندي, فإنّه قال: أتمّ الصلاة في الحرمين وبالكوفة ولم يقل مسجد الكوفة, وما تقدّم من الأخبار في تضمّن ذكر الحرمين على الإطلاق, فهي أكثر من أن تحصى, وإذا ثبت أنّ الإتمام في حرم رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) هو المستحبّ دون المسجد على الاختصاص, وإنْ كان قد خصّ في هذين الخبرين, فكذلك في مسجد الكوفة, لأنّ أحداً لم يفرّق بين الموضعين, وكذا قال في الاستبصار» (1).

3 - وذهب إلى ذلك الكيدري في إصباح الشيعة(2).

4 - وقال في الذكرى: «فهل الإتمام مختصّ بالمساجد نفسها أو يعمّ البلدان؟ ظاهر أكثر الروايات أنّ مكّة والمدينة محلّ لذلك, فعلى هذا يتمّ في البلدين, أمّا الكوفة ففي مسجدها خاصّة قاله في المعتبر, والشيخ ظاهره الإتمام في البلدان الثلاثة» ثمّ نقل قول ابن إدريس والمختلف بالاختصاص إلى خصوص المشهد والمسجد, ثمّ قال: «وقول الشيخ هو الظاهر من الروايات وما فيه ذكر المسجدمنها فلشرفه لا لتخصيصه»(3).


1) مختلف الشيعة ج3 ص135 - 137.

2) إصباح الشيعة ص94 .

3) الذكرى ج4 ص291 .

أقول: ما ذكره من عدم تخصيص البلدان بما ورد بعنوان المساجد, وأنّ ذكر المساجد من بايب الأبرز شرفيّة, وإلاّ فالعنوان العامّ باق على عمومه بعد كونهما مثبتين استغراقيّين, يتأتّى بعينه - كما ذكر ابن قولويه في كامل الزيارات والميرداماد - بين عنوان الأماكن الأربعة وعنوان مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي ذكر خامساً في الروايات, وكذلك عنوان فضل إكثار الصلاة وزيادة الخير, فإنّه عنوان يعمّ ما ثبت من الشرع قدسيّته وشرفه وكونه روضة وبقعة من بقاع ورياض الجنّة يستحبّ فيه إكثار الصلاة.

هذا, ثمّ قال في الذكرى: «والشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد - في كتاب السفر له - حكم بالتخيير في البلدان الأربعة حتّى في الحائر المقدّس لورود الحديث بحرم الحسين(علیه السلام), وقدّر بخمسة فراسخ وبأربعة وبفرسخ, قال: والكلّ حرم, وإن تفاوتت الفضيلة». وفي الحقيقة أنّ الشهيد ارتكز لديه كلّ من عموميّة الموضوع - وهو الوجه الأوّل الآتي, وعليّة شرفيّة المكان وفضيلته - وهو الوجه الثاني الآتي. وقد مر أن هذين الوجهين للتعميم ذكرهما الشيخ المفيد في المزار الأول والثاني.

5 - وفي مزار المفيد في بابٍ عقده للإتمام في كربلاءبعنوان «باب فضل الحائر وحرمته وحدّه» ونقل فيه عدّة روايات, ثمّ قال: «وكأنّ أقصى الحرم على الحديث الأوّل خمسة فراسخ, وأدناه من المشهد فرسخ, وأشرف الفرسخ (25) ذراعاً, وأشرف (25) ذراعاً (20)

ذراعاً, وأشرف العشرون ذراعاً ما شرف به, وهو الجدث نفسه, وشرف الجدث الحالّ فيه صلوات الله عليه»(1).

6- وفي الدروس: «ويستشفى بترتبه من حريم قبره, وحدّه خمسة فراسخ من أربع جوانبه»(2).

7 - وقال الفيض الكاشاني في معتصم الشيعة: (ثمّ هاهنا نوع اختلاف بين الأصحاب نشأ من اختلاف الروايات؛ فقيل: إنّه يجوز الإتمام في مكّة والمدينة وإنْ وقعت الصلاة خارج المسجدين. وقيل: بلْ لا يجوز إلا فيهما.

وأمّا الحرمان الآخران فقيل: إنّ الجواز فيهما مختصّ بمسجد الكوفة والحائر، و هو ما دار سور المشهد و المسجد عليه على ما قاله ابن إدريس&. وقيل: بل يعمّ خارج المسجد والنجف، وخارج الحائر إلى خمسة فراسخ أو أربعة فراسخ أيضاً.والمعتمد في الأوّل الأوّل، وفي الأخير الأخير - كما عليه الأكثر -, لأنّه المستفاد من الأخبار المعتبرة إن ثبت إطلاق حرم الحسين(علیه السلام) على ذلك في نصّ يعتدّ به، وإلا فيختص فيه خاصّة بالحائر أخذاً بالمتيقّن»(3).

8 - وقال المجلسي بعد نقل عبارة النهاية والمبسوط في توسعة


1) المزار الباب 61 ص140 .

2) الدروس:ج2 ص11.

3) معتصم الشيعة في أحكام الشريعة: ج1 ص164.

الإتمام للنجف: «وكأنّه نظر إلى أنّ حرم أمير المؤمنين(علیه السلام) ما صار محترماً بسببه واحترام الغريّ أكثر من غيره, ولا يخلو من وجه يومئ إليه بعض الأخبار, والأحوط في غير المسجد القصر»(1), انتهى.

9 - فقد ذهب إلى عدم سقوط النوافل اليوميّة في الأماكن الأربعة كلّ من الشهيد في الذكرى, والسبزواري في الذخيرة.

10- وكذلك صاحب الوسائل, بل عمّم صاحب الوسائل عدم سقوطها لكلّ المشاهد المشرّفة, مع أنّ موضوع عدم سقوط النوافل متّحد مع موضوع الإتمام, حيث عنون الباب (26) من أبواب صلاة المسافر: «باب استحباب تطوّع المسافر وغيره في الأماكن الأربعة وفي سائر المشاهد, ليلاً ونهاراً, وكثرة الصلاة بها وإن قصّر في الفريضة» وفتواه

هذه تشير إلى وجه دلالة الروايات الواردة في هذا الباب وهو التطوع في الأماكن الخمسة.

ويتحصل أن من ذهب من الأصحاب الأعلام إلى الإتمام في مدينة النجف ومرقد أميرالمؤمنين(علیه السلام) ما يزيد على إثني عشر قائل, وذلك بضميمة من ذهب إلى التعميم مطلقاً.


1) البحار ج86 ص88.

ملحق الأقوال

ذهب الشهيد الأول إلى أفضلية قبور أئمة أهل البيت(علیهم السلام) فضلاً عن قبر النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) على مكة المكرمة قال في الدروس: «مكَّة أفضل بقاع الأرض ما عدا موضع قبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم), وروي في كربلاء على ساكنها السلام مرجّحات, والأقرب أنّ مواضع قبور الأئمّة(علیهم السلام) كذلك, أمّا البلدان التي هم بها فمكَّة أفضل منها حتّى من المدينة»(1). وهذا نظير ما نقله السمهودي في وفاء الوفاء من إجماع علماء المسلمين بل ضرورتهم على أفضلية تراب قبر (صلی الله علیه و آله و سلم) وآله» على الكعبة, بل نقل عن جملة منهم أن عموم حرم المدينة المنورة أفضل من الكعبة المكرمة(2).


1) الدروس: ج1 ص470 الدرس 118.

2) وفاء الوفاء ج1: الفصل الأول في تفضيلها على غيرها من البلاد .

تقريب الأدلّة على التعميم في موضوع التخيير

•

الوجه الأوّل: اصطياد العموم في الموضوع من الأدلَّة.

•

الوجه الثاني: عموم التعليل (قدسية المكان) يعمم الموضوع.

•

الوجه الثالث: تعدد ألسنة الموضوع للإتمام.

•

الوجه الرابع: التنصيص الخاص على الإتمام عند قبور بقية الأئمة المعصومين عليهم السلام.

•

الوجه الخامس: عموم موضوع الإتمام حرم الله وحرم رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وحرم أمير المؤمنين(علیه السلام) للمشاهد المشرفة.

وهو ما يظهر من أدلّة الإتمام في الأماكن الأربعة أنّ الموضوع للإتمام هو قدسيّة الموضع الموجبة لتضاعف ثواب الصلاة فيه، فيستحبّ إكثار الصلاة لذلك. والتقريب بعده وجوه:

الوجه الأوّل:

اصطياد العموم في الموضوع من الأدلَّة وهو فضيلة إكثار الصلاة لشرف المكان

1 - محسّنة إبراهيم بن شيبة, قال: «كتبت إلى أبي جعفر(علیه السلام) أسأله عن إتمام الصلاة في الحرمين؟

فكتب إليَّ: كان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) يحبّ إكثار الصلاة في الحرمين, فأكثر فيهما وأتمّ»(1).

وهذه المحسّنة صريحة الدلالة على أنّ موضوع الإتمام هو الموضع الذي يستحب فيه إكثار الصلاة لعظم فضيلة الثواب فيه, فعطْف(علیه السلام) الإتمام في الحرمين علي ذلك كالتفريع, وابتدأ(علیه السلام) جواب السؤال بتقديم بيان الموضوع, وهو استحباب إكثار الصلاة, تبيانا لكون هذا العنوان


1) وسائل الشيعة: أبواب صلاة المسافر ب25 ح18.

هو أصل الموضوع, فهذا من باب اصطياد عموم الموضوع لا التعليل للحكم كي يردّد فيه بين كونه علّة للحكم أو حكمة له لا يتعدّى منها, ومن ثمّ استظهر ابن قولويه والمرتضى وابن الجنيد عموم الموضوع, ويلوح ذلك من المفيد في المزار.

والغريب أنّ العلاّمة في المختلف مع اعتراضه عليهم بأنّ هذا قياس ولا نقول به أنّه نفسه(قدس سره) جعله عنوانا لموضوع إتمام الصلاة في الأماكن الأربعة رداً على الصدوق المانع من الإتمام فيها بقوله استدلالاً عليه: «لنا: أنّها مواطن شريفة يستحبّ فيها الإكثار من الطاعات والنوافل, فناسب استحباب إتمام الفرائض»(1).

فالتدافع واضح لدى العلاّمة(قدس سره) ومَن استشكل بذلك, فإنّهم جعلوا موضوع الإتمام ما استظهروه من الروايات وهو شرافة الموطن وكثرة ثواب الصلاة فيه.

نعم, شرافة الموطن بكونه مشهداً شهده نبيّ أو وصيّ نبيّ وصلّيا فيه, وكونه روضة من رياض الجنّة في الأرض, كما ورد توصيف الأماكن الأربعة بذلك لا مطلق استحباب إكثارالصلاة لأجل طبيعة الصلاة نفسها، كما في المسجد الجامع لكلّ بلد وإن اكتسبت مزية لأجله، بل الاستحباب لقدسيّة المكان كما في قوله تعالى: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ


1) المختلف: ج 3 ص 132.

مُصَلًّى) (1)وقوله تعالى :فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (2), فالموضوع كلّ موطن شعّر تقديساً منه تعالى كروضة من رياض الجنّة.

2 - وكذا صحيح عليّ بن مهزيار, قال: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني(علیه السلام): إنّ الرواية قد اختلفت عن آبائك(علیهم السلام) في الإتمام والتقصير للصلاة في الحرمين, فمنها: أن يأمر بتتميم الصلاة ولو صلاة واحدة, ومنها: أن يأمر بتقصير الصلاة ما لم ينو مقام عشرة أيّام, ولم أزل على الإتمام فيهما إلى أن صدرنا من حجّنا في عامنا هذا, فإنّ فقهاء أصحابنا أشاروا علَيَّ بالتقصير إذا كنت لا أنوي مقام عشرة, وقد ضقت بذلك حتّى أعرف رأيك.

فكتب بخطّه(علیه السلام): قد علمت - يرحمك الله - فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما, فأنا اُحبّ لك إذا دخلتهما أن لا تقصّر, وتكثر فيهما من الصلاة.

فقلت له بعد ذلك بسنتين مشافهة: إنّي كتبت إليك بكذا فأجبت بكذا.فقال: نعم.

فقلت: أيّ شيء تعني بالحرمين؟


1) سوره البقرة الآية 125

2) سورة النور: الآية 36.

فقال: مكّة والمدينة... » الحديث(1).

وتقريب الدلالة في هذه الصحيحة من جهتين:

الاُولى: صدر جوابه(علیه السلام) - حيث قال(علیه السلام): «فضل الصلاة في الحرمين على غيرهما» - بمثابة بيان الموضوع للإتمام, ولم يورد(علیه السلام) أيّ لفظ للتعليل, فالدلالة من باب اصطياد العموم (عموم الموضوع) من سياق الجواب, وسيأتي أنّ التخصيص بالحرمين من باب أبرز الأفراد, وإلاّ فقد ورد في الروايات ذكر الثلاثة, وذكر الأربعة, وذكر مكّة فقط, وفي لسان آخر ذكر خمسة بضميمة مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) كما سيأتي.

الثانية: قوله(علیه السلام): «إذا دخلتهما أن لا تقصّر, وتكثر فيهما من الصلاة», فهذا بيان لتلازم إكثار الصلاة مع الإتمام في الموضوع, وهو كلّ موضع شريف ومقدّس - كما استظهر ذلك جملة من المتقدّمين ارتكازاً, كابن بابويه وابن قولويه والمرتضى وابن الجنيد والمفيد في المزار - يستحبّ فيه إكثار الصلاة لأجل شرافته يرجح فيه إتمام الصلاة في السفر؛ لأنّ الموضع ليس موضعاً تنقص فيه الصلاة, بل يستحبّ إكثارها, ويدعم ذلك ما سيأتي في المؤيّدات والشواهد من جعل ثواب كلّ ركعة فريضة عند الحسين(علیه السلام) بمنزلة ثواب حجّة, وثواب كلّ


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب 25 ح 4. عن التهذيب ج5 ص429 رقم الحديث (1487).

ركعة نافلة بمنزلة ثواب عمرة, وهذا الثواب بعينه قد قرّر في الصلاة عند بقيّة المعصومين(علیهم السلام).

ثمّ إنّ في هذه الصحيحة عدّة فوائد لبحث المقام:

الفائدة الاُولى: أنّ هذه الصحيحة نصّ في تعميم الإتمام في كلّ المدينة وكلّ مكّة, وليس خصوص المسجدين, لأنّه(علیه السلام) مع ذكره عنوان الحرمين في جوابه الأوّل, إلاّ أنّه فسّرهما في جوابه الثاني بمكّة والمدينة دون خصوص عنوان المسجدين, ممّا يدلّ على أنّ ما ورد في ألسن الروايات من اختلاف, سواءً في العدد أو المساحة, من باب تعدّد مراتب الفضيلة لا الحصر.

الفائدة الثانية: أنّ الصحيحة حاكمة في جهة الصدور على الروايات المتعارضة في الظاهر, ونظير حكومة هذه الرواية جهتيّاً حكومة مصحّح عبدالرحمن بن الحجّاج(1)الناظر إلى الطائفتين جهتيّاً, فلا معنى لترجيح روايات القصر جهة على روايات الإتمام, مع أنّه لا معنى للتقيّة في الإتمام عند قبر الحسين(علیه السلام).

الفائدة الثالثة: أنّه مع جعل موضوع الإتمام فضيلة إكثار الصلاة, إلاّ أنّه قد ورد في الحرم المكّي والمدني عدم استواء الفضيلة في كلّ مواضعهما:


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب25 , ح6.

كصحيحة أبي عبيدة, قال: «قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): الصلاة في الحرم كلّه سواء؟

فقال: يا أبا عبيدة, ما الصلاة في المسجد الحرام كلّه سواء, فكيف يكون في الحرم كلّه سواء.

قلت: فأي بقاعه أفضل؟

قال: ما بين الباب إلى الحجر الأسود»(1).

ومثله موثّقة الحسن بن الجهم, قال: «سألت أبا الحسن الرضا(علیه السلام) عن أفضل موضع في المسجد يصلّى فيه؟ قال: الحطيم ما بين الحَجَر وباب البيت.

قلت: والذي يلي ذلك في الفضل؟ فذكر : أنّه عند مقام إبراهيم.

قلت: ثمّ الذي يليه في الفضل؟ قال: في الحِجر. قلت: ثمّ الذي يلي ذلك؟ قال: كلّ ما دنا من البيت»(2).

وغيرها من الروايات في هذا الباب أيضاً.

بل قد ورد أنّ فضيلة الصلاة في المسجد الحرام تعدل ألف ضعف الصلاة في مسجد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) كما في مرسلة الصدوق(3), وفي موثقة


1) الوسائل: أبواب أحكام المساجد: ب53 ح5.

2) الوسائل: أبواب أحكام المساجد: ب53 ح2.

3) الوسائل: أبواب أحكام المساجد: ب52 ح3.

مسعدة عشرة أضعاف(1), كما قد ورد أنّ الصلاة في بيت فاطمة (علیها السلام) أفضل من الصلاة في الروضة(2).

وهذا يقرب أنّ درجات الفضيلة - مع اختلافها بعد قدسيّة المقام وشرافته - مندرجة في الموضوع العامّ, وأنّ التعميم لكلّ الحرم المكّي والحرم المدني قرينة على عموم الموضوع بما يشمل مراقد المعصومين(علیهم السلام).

3 - معتبرة أبي شبل (عبدالله بن سعيد الأسدي), قال: «قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): أزور قبر الحسين(علیه السلام)؟ قال: زر الطيّب, وأتمّ الصلاة عنده.

قلت: اُتمّ الصلاة؟ ! قال: أتمّ.

قلت: بعض أصحابنا يرى التقصير؟ قال: إنّما يفعل ذلك الضعفة»(3).

ولا يخفى دلالة الرواية على أنّ موضوع التمام قداسة المكان بقدسيّة المكين, وهي تومئ إلى عموم الموضوع, كما أنّها تشير إلى قيد آخر في الموضوع, وهو كلّ مكان مقدّس تشدّ إليه الرحال.

وقد عقد ابن قولويه أستاذ الشيخ المفيد في كامل الزيارات بابين في التعميم لكلّ مشاهد الأئمّة(علیهم السلام) وهما الباب (81) والباب (82), وباباً


1) الوسائل: أبواب أحكام المساجد: ب52 ح5.

2) الوسائل: أبواب أحكام المساجد: ب59 ح1 وح2.

3) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب25 ح12.

خاصّاً وهو الباب (83) لفضيلة صلاة الفريضة عند الحسين(علیه السلام), وأنّها تعدل حجّة, وأنّ النافلة تعدل عمرة, والباب (81 ) عقد بعنوان «التقصير في الفريضة والرخصة في التطوّع عنده وجميع المشاهد», والباب (82) عقده بعنوان «التمام عند قبر الحسين وجميع المشاهد» وعلّق العلاّمة الأميني - حيث صحّح كامل الزيارات - على فتوى ابن قولويه في عنوان الباب (82) بتعميم الإتمام لجميع المشاهد بقوله: «ليس في أخبار الباب ما يدلّ على الإتمام في غير المواطن الأربعة,

فالتعبير بجميع المشاهد لا وجه له» وقد أوّل البعض كلام ابن قولويه بإرادة المواطن الأربعة من المشاهد, وهو خلاف شديد للظاهر, لأنّه في الباب السابق أورد روايات بلفظ «مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)» في قبال المسجدين والحرمين وقبر الحسين(علیه السلام), وأضاف المشاهد إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم).

وسنذكر في روايات الإتمام في الفريضة عدّة من الروايات الصحاح والموثّقات المشتملة على لفظ (مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)) في قبال المواطن الأربعة في الوجه الثالث الآتي.

4 - وقد روي في كامل الزيارات بسنده عن أبي عليّ الحرّاني, قال: «قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): ما لمَن زار قبر الحسين؟ قال: مَن أتاه وزاره وصلّى عنده ركعتين أو أربع ركعات كتب الله له حجّة وعمرة.

قال: قلت: جُعلت فداك, وكذلك لكلّ مَن أتى قبر إمام مفترض

الطاعة؟

قال: وكذلك لكلّ مَن أتى قبر إمام مفترض الطاعة»(1).

ورواه الشيخ المفيد في المزار عن أبي القاسم قال: حدثني علي بن الحسين رحمه الله, عن محمد بن يحيى العطار, عن محمد بن أحمد, قال: وحدثني محمد بن الحسين بن مت الجوهري, عن محمد بن أحمد, عن هارون بن مسلم, عن أبي علي الحراني قال: «قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): ما لمن زار قبر الحسين صلوات الله عليه؟قال: من أتاه وزاره وصلى عنده ركعتين أو أربع ركعات كتبت له حجة وعمرة.

قال: قلت له: جعلت فداك, وكذلك لكل من أتى قبر إمام مفترضة طاعته؟ قال: نعم»(2).

ورواه بطريق ثالث عن الشريف أبي عبدالله محمد بن محمد بن طاهر الموسوي, عن أحمد بن محمد بن سعيد - ابن عقدة - قال: أخبرني أحمد بن يوسف قال: حدثنا هارون بن مسلم قال حدثني أبو عبد الله الحراني قال: قلت لأبي عبد الله (علیه السلام)(3). الحديث.


1) كامل الزيارات: ب83 ح3 ص265.

2) المزار الأول (الكبير) ب59 ح3 ص117- 118.

3) المزار الثاني (الصغير) ب 11 ح3 ص160.

ورواها بطريق موثّق الطوسي في التهذيب بسنده عن أحمد بن محمّد بن سعيد, قال: أخبرنا أحمد بن يوسف, قال: حدّثنا هارون بن مسلم, عن أبي عبدالله الحرّاني - ولعله عيسى بن راشد - ومتنه كما في نسخة التهذيب - قال: «قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): ما لمَن زار قبر الحسين(علیه السلام)؟

قال: مَن أتاه وزاره وصلّى عنده ركعتين كُتب له حجّة مبرورة, فإن صلّى عنده أربع ركعات كُتبت له حجّة وعمرة.قلت: جُعلت فداك, وكذلك لكلّ مَن زار إماماً مفترضة طاعته؟

قال: وكذلك لكلّ مَن زار إماماً مفترضة طاعته»(1).

ورواه المشهدي في المزار الكبير بالاسناد عن أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة, قال: أخبرنا أحمد بن يوسف, قال: حدثنا هارون بن مسلم, قال: حدثني أبو عبد الله الحراني, قال: قلت لأبي عبد الله(علیه السلام)(2). الحديث.

وأبو علي الحرّاني قد روى عنه ابن أبي عمير بسند صحيح في الفقيه(3). وقال عنه النجاشي: «أبو علي الحراني, ابن بطة عن أحمد بن محمد بن خالد عنه أبيه عن أبي علي بكتابه» وقال الشيخ: «أبو علي


1) التهذيب ج6 كتاب المزار ب26 ح4 ص79 .

2) المزار الكبير للمشهدي القسم الأول الباب الأول ح16 ص39.

3) من لا يحضره الفقيه ج1 ص408 ح1217.

الحراني له كتاب رويناه بهذا الإسناد عن أحمد بن أبي عبد الله عنه» ويريد بهذا الإسناد: (عدة من أصحابنا عن أبي المفضل عن ابن بطة عن أحمد بن أبي عبد الله) فظهر من ذلك أنه صاحب كتاب رواه الأصحاب وروى عنه ابن أبي عمير الذي لا يروي إلا عن الثقات, كما روى عنه الثقة الجليل هارون بن مسلم والطرق مستفيضة إلى هارون بن مسلم. فطريق الرواية مصحح.

5 - صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبدالله (علیه السلام) قال: سأله ابن أبي يعفور كم أصلي؟ فقال : صل ثمان ركعات عند زوال الشمس فان رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) قال : الصلاة في مسجدي كألف في غيره إلا المسجد الحرام فان الصلاة في المسجد الحرام تعدل ألف صلاة في مسجدي)(1).

وهذه الصحيحة صريحة في مشروعية نوافل الظهر - التي تتحد موضوعا مع الإتمام - للمسافر في مسجد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) والتعليل بفضيلة المكان يعني عموم موضوع الإتمام لكل مكان ذي فضيلة وشرف يستحب فيه إكثار الصلاة .

ثم إنَّ هناك ملحقا لهذا الوجه الأوَّل لتبيان مزيد دلائل موضحة لعموم الموضوع.


1) الوسائل : أبواب أحكام المساجد : ب57 ح6 .

الوجه الثاني:

عموم التعليل (قدسية المكان) يعمم الموضوع

تضمنت جملة من الروايات الواردة في الإتمام في المواطن الأربعة تعليل الإتمام بأنه زيادة خير - أي: ثواب - وكذلك قد تضمنت ذلك التعليل الروايات الآمرة بإكثار التطوّع وهو صلاة النافلة في المواطن الأربعة وإن قصّر فی الفريضة ولم يقم:

1 - محسنة عمران بن حمران, قال: (قلت لأبي الحسن(علیه السلام): اُقصّر في المسجد الحرام أو اُتمّ؟

قال: إن قصّرت فلك, وإن أتممت فهو خير, وزيادة الخير خير)(1).

2 - صحيح الحسين بن المختار عن أبي إبراهيم (علیه السلام) , قال:( قلت له: إنّا إذا دخلنا مكّة والمدينة نتمّ أو نقصّر؟


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب25 ح11.

قال: إن قصّرت فذلك, وان أتممت فهو خير تزداد)(1).

3 - التعليل بالخيريّة الوارد في جملة روايات(2)التطوّع في الأماكن الأربعة الآتي الإشارة إلى بعضها.

4 - التعليل لفضيلة الحرمين والمسجدين بأنّه قد صلّى فيهما الأنبياء وإضافة الروضة إلى النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وإلى فاطمة(علیها السلام), وهذا من قبيل علّة العلّة وتعليل التعليل, أي تعليل الإتمام بفضيلة المسجدين والحرمين, ثمّ تعليل فضيلتهما بأنّ الأنبياء قد صلّوا فيهما أو إضافتهما لأهل البيت(علیهم السلام).

ويدلّ على ذلك:

أ - مصحّحة ابن أبي عمير, عن بعض أصحابنا, عن أبي عبدالله(علیه السلام), قال: (قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة, ومنبري على تُرعة من تُرع الجنّة, لأنّ قبر فاطمة(علیها السلام) بين قبره ومنبره, وقبرها روضة من رياض الجنّة, وإليه تُرعة من تُرع الجنّة)(3).

وفي هذا المصحّح تعليل لفضيلة المسجد النبويّ, بل لأفضل موضع منه بكونه موضع قبر فاطمة(علیها السلام).


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب25 ح 16.

2) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب26.

3) الوسائل: أبواب المزار: ب18 ح5.

ب - صحيحة أبي عبيدة, عن أبي جعفر(علیه السلام), قال: (مسجد كوفان روضة من رياض الجنّة, صلّى فيه ألف نبيّ وسبعون نبيّاً, وميمنته رحمة, وميسرته مكر, فيه عصا موسى, وشجرة يقطين, وخاتم سليمان, ومنه فار التنّور ونجرت السفينة وهي صرّة بابل, ومجمع الأنبياء)(1).

وظاهر الصحيحة أنّه علّل فضيلته بأنّه روضة من رياض الجنّة و (أنّه قد صلّى فيه الأنبياء).

ج - وفي رواية أبي بصير, عن أبي عبدالله(علیه السلام): (نعم, المسجد مسجد الكوفة, صلّى فيه ألف نبيّ وألف وصيّ)(2).

د - وفي معتبرة هارون بن خارجة عن أبي عبدالله(علیه السلام) تعليل فضله: (وتدري ما فضل ذلك الموضع؟ ما من عبد صالح ولا نبيّ, إلاّ وقد صلّى في مسجد كوفان, حتّى إنّ رسول الله لمّا أسرى الله به... ثمّ ذكر(علیه السلام) صلاة رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في المسجد)(3).

ه- - وفي رواية لأبي حمزة الثمالي: (أنّ عليّ بن الحسين أتى مسجد الكوفة عمداً من المدينة فصلّى فيه ركعات, ثمّ عاد حتّى ركب راحلته وأخذ الطريق)(4).


1) الوسائل: أبواب أحكام المساجد:ب44 ح1.

2) الوسائل: أبواب أحكام المساجد:ب44 ح2.

3) الوسائل: أبواب أحكام المساجد:ب44 ح3.

4) الوسائل: أبواب أحكام المساجد:ب44 ح6.

و - وفي محسنة أبي بكر الحضرمي عن أبي جعفر الباقر(علیه السلام), قال: (قلت له: أي البقاع أفضل بعد حرم الله وحرم رسوله؟

قال: الكوفة - يا أبا بكر - هي الزكيّة الطاهرة, فيها قبور النبيّين والمرسلين وغير المرسلين والأوصياء الصادقين, وفيها مسجد سهيل الذي لم يبعث الله نبيّاً إلاّ وقد صلّى فيه)(1).

وفي هذه الرواية دلالة على قدسية كل الكوفة لا خصوص مسجدها ومسجد السهلة.

ز - ما رواه ابن طاووس في فرحة الغريّ بسند متّصل عن أبي اُسامة, عن أبي عبدالله(علیه السلام), قال: (سمعته يقول: الكوفة روضة من رياض الجنّة, فيها قبر نوح وإبراهيم, وقبور ثلاثمائة نبيّ وسبعين نبيّاً وستّمائة وصيّ, وقبر سيّد الأوصياء وأمير المؤمنين(علیه السلام))(2).

وفي هذه الرواية إطلاق الكوفة وشمولها لكل النجف الأشرف.

فذلكة في التعليل:

وظاهر تلك الرواية تعليل فضيلة الكوفة وشرفها وقدسيّتها بكونها روضة من رياض الجنّة, ولا يخفى أنّ التعليل في هذه الرواية - بل في ما


1) الوسائل: أبواب أحكام المساجد:ب44 ح10.

2) الوسائل: أبواب المزار:ب27 ج6.

تقدم - هو في سياق بيان علّة الحكم لا علّة وجود عنوان تكويني للكوفة أو للمسجد الحرام أو للحرم النبويّ, بل في صدد بيان علّة موضوعيّة الموضوع للحكم, وقد بنى المحقّق النائيني في الفرق بين علّة الحكم وحكمته أنّ كلّ عنوان يدرك العرف وجوده وموارد تواجده, ويفهم عرفاً ويكون صالحاً لديهم كضابطة, فإنّه يكون من قبيل علّة الحكم, أي الموضوع الأصلي لذلك الحكم, وأنّ ما بيّن من عنوان آخر للموضوع فإنّه من أفراده ومصاديقه.

وهذا التقريب مطّرد في كلّ روايات هذا الوجه الثاني.

ثمّ إنّ في الرواية فائدة اُخرى, وهي تعليل كون الكوفة روضة من رياض الجنّة, أي تعليل عنوان الروضة بأنّ فيها قبر الأنبياء والأوصياء ممّا يفيد أنّ قبورهم(علیهم السلام) كلّها روضة من رياض الجنّة في الأرض.

ثمّ إنّ الرواية أبدت تمييزاً خاصّاً لقبر سيّد الأوصياء, كما هو الحال في روايات ذلك الباب الذي عقده صاحب الوسائل في أبواب المزار الباب (27).

وممّا يشير إلى ما ذكرناه من تقريب التعليل ما استدلّ به العلاّمة الحلّي في منتهى المطلب وفي المختلف لردّ قول الصدوق المانع من الإتمام في الأماكن الأربعة, قال في المختلف: (منع الصدوق من الإتمام في هذه المواطن... وتبعه ابن البرّاج, والمشهور استحباب الإتمام. اختاره الشيخ

والسيّد المرتضى وابن الجنيد وابن إدريس وابن حمزة.

لنا: أنّها مواطن شريفة يستحبّ فيها الإكثار من الطاعات والنوافل, فناسب استحباب إتمام الفرائض)(1).

وذكر نفس العبارة في المنتهى في مقام الردّ على الصدوق.

وفي التنقيح الرائع للسيوري قوّى قول المشهور على قول الصدوق بالمنع في الأماكن الأربعة, بقوله: (والأقوى قول الأصحاب, لأنّها أماكن شريفة, فناسب كثرة الطاعات فيها, ولروايات كثيرة بذلك... ثمّ إنّ السيّد وابن الجنيد جعلا مجموع المشاهد داخلة في هذا الحكم, والفتوى على خلافه)(2).

وظاهر كلامه يعطي توقّفه في التعميم من دون جزم بالنفي.

وقال الشهيد الثاني في حاشية الشرائع في شرح قوله: (ولو صلّىواحدة بنيّة التمام لم يرجع...

قال: المراد صلّى رباعيّة بنيّة التمام, واحترز بالنيّة عمّا لو صلاّها لشرف البقعة كأحد المواطن الأربعة)(3).

5 - ما ورد في فضل مسجد الغدير ففي صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم(علیه السلام) عن الصلاة في مسجد غدير خم


1) مختلف الشيعة: ج3 ص131-132.

2) التنقيح الرائع: ج1 ص291.

3) حاشية الشرائع: ص143.

بالنهار وأنا مسافر, فقال: (صل فيه فان فيه فضلا, وقد كان أبي(علیه السلام) يأمر بذلك)(1).

وفي صحيحة أبان عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: (إنه تستحب الصلاة في مسجد الغدير لأنَّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أقام فيه أمير المؤمنين(علیه السلام), وهو موضع أظهر الله عَزَّ وَجَلَّ فيه الحق)(2). فإن التعليل فيهما لعدم سقوط النوافل النهارية للمسافر بأن فيه فضلا إشارة إلى عموم الموضوع الذي جعل لعدم سقوط النوافل النهارية, وهو متحد مع موضوع الإتمام في الفريضة في السفر, هذا إن لم يكن عنوان الصلاة فيهما عام ظهورا للفريضة, ومثله التعليل بأن فيه ظهر الحق.


1) الوسائل: أبواب أحكام المساجد ب61 ح2.

2) الوسائل: أبواب أحكام المساجد ب61 ح3.

الوجه الثالث:

تعدِّد ألسنة الموضوع للإتمام الواردة في الروايات عدداً وعنواناً شاهد على عموم الموضوع

إختلاف الألسنة في عدد المواطن:

بعضها اقتصر على الحرم المكّي, كصحيح معاوية بن عمّار(1).

وبعضها اقتصر على الحرمين, كموثّق مسمع عن أبي إبراهيم(علیه السلام), قال: (كان أبي يرى لهذين الحرمين ما لا يراه لغيرهما, ويقول: إنّ الإتمام فيهما من الأمر المذخور)(2).

مع أنّ لسانه يوهم الحصر في الاثنين دون غيرهما, ومعذلك رفع اليد عنه بدلالة ما دلّ على غيره, ومنه نرفع اليد عن الأربع أو الثلاث


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب25 ح3.

2) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب25 ح2.

بما دلّ على عموم الموضوع لكلّ موضع مقدّس بدلالة من الشرع عليه استحبّ فيه إكثار الصلاة والعبادة, كما هو مفاد الآيتين: (

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ (أي تعظم) وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ(أي يتعبد إليه) يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وكذلك قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) , وكذا صحيح عليّ بن مهزيار(1)المتقدم اقتصر على الاثنين.

وبعضها اقتصر على الثلاثة الحرمين وعند قبر الحسين(علیه السلام) أو مسجد الكوفة دون قبر الحسين(علیه السلام) بلفظ: (ثلاثة مواطن), وبعضها اشتمل على الأربعة.

ويستفاد من ذلك أنّ عنوان الأربعة الوارد في الأدلّة ليس للتحديد, بل من باب أبرز المصاديق والأفراد.

اللسانان الآخران: المشاهد ومشاهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):

ومن ثمّ ورد في روايات التطوّع والنوافل في الأماكن الأربعة لسان وعنوان خامس وهو مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)(2)وهو عنوان آخر غير البلدان الأربعة, كما قرّب ذلك عدة من القدماء وبعض المتأخرين كالمير داماد.

وسنذكر التلازم بين موضوعي التطوع النهاري والإتمام في الصلاة


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب25 ح4.

2) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب26.

كما هو مفاد مصححة أبي يحيى الحناط قال: سألت أبا عبد الله(علیه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر فقال: (يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة)(1).

1 - صحيحة ابن أبي عمير, عن أبي الحسن(علیه السلام), قال: (سألته عن التطوّع عند قبر الحسين(علیه السلام) وبمكّة والمدينة وأنا مقصّر؟

فقال: تطوّع عنده وأنت مقصّر ما شئت, وفي المسجد الحرام, وفي مسجد الرسول, وفي مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم), فإنّه خير)(2).

فإنّه لا يخفى دلالتها من وجهين:

الأوّل: ما مرّ من التعليل بأنّ إكثار الصلاة خير في الأرض ذات الشرافة والقدس, وهو جزء الموضوع للإتمام.

الثاني: عنوان مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم), فإنّه - كما استظهره جملة من القدماء وعدة من المتأخرين كما مَرَّ - يغاير عنوان المساجد وعنوان البلدان الأربعة, بل هو ناصّ على شرافة المكان بإضافته للنبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ويندرج فيه ما اُضيف إلى أهل بيته, كما قرّر في روايات الفريقين الواردة في أنّ من بيوته بيت عليّ وفاطمة(علیهما السلام).

2 - رواية عليّ بن أبي حمزة الظاهر روايتها عنه فترة استقامته, فتكون


1) الوسائل: أبواب أعداد الفرائض ونوافلها: ب21 ح5.

2) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب26 ح2.

معتبرة, قال: (سألت العبد الصالح(علیه السلام) عن زيارة قبر الحسين(علیه السلام), فقال: ما اُحبّ لك تركه.

قلت: وما ترى في الصلاة عنده وأنا مقصّر؟

قال: صلّ في المسجد الحرام ما شئت تطوّعاً, وفي مسجد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم) ما شئت تطوّعاً, وعند قبر الحسين(علیه السلام), فإنّي اُحبّ ذلك.

قال: وسألته عن الصلاة بالنهار عند قبر الحسين(علیه السلام) ومشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والحرمين تطوّعاً ونحن نقصّر؟

فقال: نعم, ما قدرت عليه)(1).

والامتياز في دلالة هذه الرواية هو رغم أنّ جوابه(علیه السلام) الأوّل لم يشتمل على عنوان مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) إلاّ أنّ الراوي ارتكازاً جعله عنواناً مقابلاً للحرمين وفهم واستظهر من لسان الأدلة عموم عنوان الموضوع وجوابه(علیه السلام) تقرير لهذا الارتكاز, ممّا يدلّ على إرادة الأرض التي فيها إضافة له (صلی الله علیه و آله و سلم) ممّا حصل مشهداً مهمّاً استحقّ به قدسيّة, وهذا تقريب صريح بالمغايرة بين عنوان المشاهد وعنوان الحرمين والمسجدين, كما تقدّم تقريب ذلك في صحيحة ابنأبي عمير.

3 - موثّق إسحاق بن عمّار, عن أبي الحسن(علیه السلام), قال: (سألت عن


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب26 ح1.

التطوّع عند قبر الحسين(علیه السلام) ومشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والحرمين والتطوّع فيهنّ بالصلاة ونحن مقصّرون؟ قال: نعم, تطوّع ما قدرت عليه هو خير)(1).

والتقريب فيه كما مرّ.

4 - ما رواه ابن قولويه صحيحاً عن أبيه, عن سعد بن عبدالله, قال: ( سألت أيّوب بن نوح عن تقصير الصلاة في هذه المشاهد مكّة والمدينة والكوفة وقبر الحسين(علیه السلام), والذي روي فيها, فقال: أنا اُقصّر, وكان صفوان يقصّر, وابن أبي عمير وجميع أصحابنا يقصّرون)(2).

وهذه الصحيحة وإن كانت في سيرة الرواة وما ذهب إليه فقهاء الرواة من مشروعيّة التقصير أو رجحانه أو تعيّنه حسب محتملات مفادها, إلاّ أنّ وجه الاستظهار للمطلوب منها هو تقرير الارتكاز لدى الأصحاب أنّ الأماكن الأربعة من باب مصاديق عنوان المشاهد الذي هو عنوان عامّ لا للحصر فيشخص العناوين الأربعة, فيدعم بقيّة الروايات.

5 - صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا إبراهيم(علیه السلام) عن الصلاة في مسجد غدير خم بالنهار وأنا مسافر, فقال: (صل فيه


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب26 ح4.

2) كامل الزيارات ب 81 ح9 ص429.

فان فيه فضلا, وقد كان أبي(علیه السلام) يأمر بذلك)(1).

6 - صحيحة أبان عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: (إنه تستحب الصلاة في مسجد الغدير لأنَّ النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أقام فيه أمير المؤمنين(علیه السلام), وهو موضع أظهر الله عَزَّ وَجَلَّ فيه الحق)(2)فإن التعليل فيهما بأن النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أقام أمير المؤمنين(علیه السلام) إشارة إلى عنوان مشاهد النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم), وأن السفر لا يسقط فضيلة صلاة النافلة نهارا فيه, بل عموم طبيعة الصلاة ولو فريضة.

مع أن عبد الرحمن بن الحجاج وهو فقيه قد ارتكز لديه سببية السفر لسقوط النفل في النهار وعدم مشروعيتها فمن ثم استفهم عن عمومية فضيلة الصلاة في مسجد الغدير للمسافر ولو نهارا.

7 - الصدوق في الفقيه قال: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): (من أتى مسجدي مسجد قبا فصلى فيه ركعتين رجع بعمرة)(3).

8 - محسنة عقبة بن خالد قال: سألت أبا عبدالله(علیه السلام) إنا نأتيالمساجد التي حول المدينة فبأيها أبدأ ؟

فقال : ( ابدأ بقبا فصل فيه وأكثر فإنه أول مسجد صلى فيه رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في هذه العرصة ثم ائت مشربة أم إبراهيم فصل فيها ، فإنها


1) الوسائل: أبواب أحكام المساجد ب61 ح2.

2) الوسائل: أبواب أحكام المساجد ب61 ح3.

3) الوسائل: أبواب أحكام المساجد ب60 ح3.

مسكن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ومصلاه ثم تأتي مسجد الفضيخ فتصلي فيه فقد صلى فيه نبيك (صلی الله علیه و آله و سلم)، فإذا قضيت هذا الجانب أتيت جانب أحد فبدأت بالمسجد الذي دون الحيرة فصليت فيه ، ثم مررت بقبر حمزة بن عبد المطلب فسلمت عليه ، ثم مررت بقبور الشهداء فقمت عندهم فقلت : «السلام عليكم يا أهل الديار أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون» ثم تأتي المسجد الذي في المكان الواسع إلى جنب الجبل عن يمينك حتى تأتي أحدا فتصلي فيه فعنده خرج النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) إلى أحد حين لقى المشركين فلم يبرحوا حتى حضرت الصلاة فصلى فيه، ثم مر أيضا حتى ترجع فتصلي عند قبور الشهداء ما كتب الله لك ثم امض على وجهك حتى تأتي مسجد الأحزاب فتصلي فيه وتدعو الله ، فإن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) دعا فيه يوم الأحزاب وقال : يا صريخ المكروبين، ويا مجيب دعوة المضطرين ، ويا مغيث المهمومين اكشف همي وكربي وغمي فقد ترى حالي وحال أصحابي)(1).

ولا يخفى دلالة الرواية على فضيلة إكثار الصلاة في مشاهدرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) في مواضع عديدة، معللة إستحباب إكثار الصلاة بإرتباط الموضع بالنبي (صلی الله علیه و آله و سلم) كمشهد شهد حدثاً من الأحداث التي مرَّت على النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) وهي تتفاوت في الفضيلة بحسب عظمة وأهمية ذلك الحدث الذي مرَّ به .


1) الوسائل: أبواب المزار : ب12 ح2.

الوجه الرابع:

التنصيص الخاص على الإتمام عند قبور بقية الأئمة المعصومين عليهم السلام

1 - روي في كامل الزيارات في مصححة أبي عليّ الحرّاني (وهو عيسى بن راشد ظاهراً وقد تقدم الكلام في توثيق رواة الطريق) قال: قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): ما لمَن زار قبر الحسين(علیه السلام)؟

قال: مَن أتاه وزاره وصلّى عنده ركعتين أو أربع ركعات كتب الله له حجّة وعمرة.

قال: قلت: جُعلت فداك, وكذلك لكلّ مَن أتى قبر إمام مفترضة طاعته؟

قال: وكذلك لكلّ مَن أتى قبر إمام مفترض طاعته)(1).


1) كامل الزيارات ب83 ح3.

تعدّد ألفاظ المتن وتعدّد الطرق:

وقد تقدم جملة من الكلام في ذلك وأنه قد رواه كل من المفيد في المزارين والطوسي في التهذيب والمشهدي في المزار الكبير, وهذا المتن قد روي بطرق متعدّدة ومستفيضة عن هارون بن مسلم, عن أبي عليّ الحرّاني (الخزاعي), وهي صحيحة السند.

ومضافاً لماتقدم من الطرق والمصادر فقد رواه ابن طاووس في مصباح الزائر عن الصادق(علیه السلام) في حديث ومتنه: (أنّ مَن زار إماماً مفترض الطاعة بعد وفاته, وصلّى عنده أربع ركعات كتبت له حجّة وعمرة )(1).

رواه بهذا المتن في البلد الأمين أيضاً. وهذا المتن رواه - قبل ابن طاووس - المفيد في موضع من المزار الثاني (الصغير) في الباب: مختصر فضل زيارة العسكريّين(علیهما السلام)(2), وكذلك رواه في المقنعة تحت عنوان: (باب فضل زيارة أبي الحسن وأبي محمّد عليّ بن محمّد والحسن بن عليّ(علیهما السلام): (مَن زار إماماً مفترض الطاعة بعد وفاته وصلّى عنده أربع ركعات كتب الله له حجّة وعمرة)(3).


1) الوسائل: أبواب المزار ب69 ح10.

2) المزار الثاني (الصغير) ب18 ح2.

3) المقنعة: ج1 ص 486.

والمدّعى في تقريب دلالة الرواية أنّ الترديد فيها بين الركعتين والأربع للتخيير في الفريضة بين القصر والتمام, اذ كما أنّه يستحبّ عمارة هذه المشاهد المقدّسة بالزيارة يستحبّ مؤكّداً أيضاً إقامة الفرائض والنوافل وإكثار الصلاة فيها, كما هو مفاد قوله تعالى في معلمية البيت الحرام أنه لإقامة الصلاة ولتولي ذرية إبراهيم الخليل(علیه السلام) وهم النبي وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين): (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) (1).

وعلى هذا التقرير الآتي تفصيله تكون هذه الصحيحة ناصّة على التخيير في جميع مراقد المعصومين(علیهم السلام), بينما احتمل المجلسي في ملاذّ الأخيار أنّ المراد بالصلاة صلاة زيارة كلّ إمام, وأنّ أقلّها ركعتان, والأربع أفضل, ويدفع هذا الاستظهار ما يدل على التقرير المتقدم من الشواهد التالية:

فقه ودلالة الرواية:

1 - ما في مزار المفيد, حيث أورد هذه الرواية في باب (فضل الصلاة في مشهد الحسين بن عليّ(علیهما السلام)) وقال: (ويجب أن تؤدّى الفرائض بأسرها والنوافل كلّها طول المقام هناك فيه, وأفضل المواضع


1) سورة إبراهيم: الآية 37.

للصلوات عند رأس الإمام(علیه السلام). حدّثني أبو القاسم جعفر بن محمّد, قال: حدّثني جعفر بن محمّد بن إبراهيم, عن عبدالله بن نهيك, عن ابن أبي عمير, عن رجل, عن أبي جعفر(علیه السلام), قال: (قال لرجل: يا فلان, ما يمنعك إذا عرضت لك حاجة أن تأتي قبر الحسين فتصلّي عنده أربع ركعات, ثمّ تسأل حاجتك؟ فإنّ الصلاة الفريضة عنده تعدل حجّة وصلاة النافلة عنده تعدل عمرة)(1).

وهذا سند صحيح إلى ابن أبي عمير.

ولا يخفى أنّ هذه الصحيحة إلى ابن أبي عمير نصّ في إرادة الإتمام في الفريضة من (الأربع ركعات) الواردة في صحيحة الحرّاني, وأنّ الترديد بين الاثنتين والأربع, هو التخيير بين القصر والتمام.

وقد أورد صحيحة ابن أبي عمير المصرّحة بإرادة الفريضة من الأربع ركعات ابن قولويه في كامل الزيارات(2). ورواه في التهذيب(3)أيضاً.

2 - ما في معتبرة عبدالله بن سعيد الأسدي (أبي شبل), قال: ( قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): أزور قبر الحسين(علیه السلام)؟ قال(علیه السلام): زر الطيّب,وأتمّ الصلاة عنده. قلت: اُتمّ الصلاة؟ قال: أتمّ. قلت: بعض


1) المزار الأول (الكبير): ب59 ح1.

2) كامل الزيارات: ب83 ح1.

3) التهذيب:ج6 ص73 ح141.

أصحابنا يرى التقصير؟ قال: إنّما يفعل ذلك الضعفة)(1).

وقد رواه كلّ من الكليني في الكافي, وابن قولويه في كامل الزيارات, والشيخ في التهذيبين.

وهذه الرواية ناصّة على أنّ شدّ الرحال والسفر إلى قبر الحسين(علیه السلام) لغايتين:

الاُولى: زيارته(علیه السلام), والثانية: إقامة الفريضة عنده, وإتمامها فضل آخر, فكما أنّ إقامة الفريضة في المسجد الحرام والمسجد النبويّ لها من الفضل العظيم, فكذلك إقامة الفريضة عند الحسين(علیه السلام) حتّى أنّه قد روى المفيد في المزار, وابن قولويه في كامل الزيارات أنّ فضيلة كلّ ركعة من الفريضة عند الحسين(علیه السلام) تعدل ثواب ألف حجّة وألف عمرة, وإعتاق ألف رقبة, وكأنّما وقف في سبيل الله ألف مرّة مع نبيّ مرسل(2).

فبذلك يظهر أنّ الأمر بالزيارة لقبر المعصوم(علیه السلام), والعطف عليه بالأمر بالصلاة عنده المراد منه هو إقامة الفريضة في الدرجة الاُولى, وإتمامها وإتيان النوافل والإكثار من التطوّع فيالدرجة الثانية, فيكون الظاهر من مصححة الحرّاني من إتيان قبر الحسين(علیه السلام) وزيارته


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب25 ح12.

2) كامل الزيارات ب83 ح2. المزار الأول للمفيد ب59 ح2.

والصلاة عنده ركعتين أو أربع هو إقامة الزيارة والفريضة نظراً لِعظَم فضيلتها بإقامتها عنده مخيّراً بين التقصير (ركعتين) والإتمام (أربع).

وما يعزّز هذا الشاهد أنّ إقامة الفريضة عند الحسين(علیه السلام) أحد الغايات العباديّة ذات الفضيلة العظمى - مضافاً إلى ما تقدّم - ما أورده ابن قولويه في الباب الذي عقده الباب (83 ) تحت عنوان: (إنّ الصلاة الفريضة عنده تعدل حجّة, والنافلة عمرة) فقد أورد في هذا الباب مصحّحة شعيب العقرقوفي, عن أبي عبدالله(علیه السلام), قال: ( قلت له: مَن أتى قبر الحسين(علیه السلام) ما له من الثواب والأجر, جُعلت فداك؟ قال: يا شعيب, ما صلّى عنده أحد الصلاة إلاّ قَبِلَها الله منه...) (1)الحديث.

ومفادها صريح في كون أحد غايات قصد السفر والذهاب إلى قبر الحسين(علیه السلام), وشدّ الرحال إليه, هو إقامة صلاة الفريضة عنده وقبولها ببركته.

3 - إنّه قد نصّ في جملة من الروايات أنّ ثواب الحجّ والعمرة هو على التفصيل من أنّ ثواب الحجّة لركعة الفريضةوثواب العمرة لركعة النافلة, كما مرّ في الصحيح إلى ابن أبي عمير, عن رجل, عن أبي جعفر(علیه السلام) المتقدّمة(2).


1) كامل الزيارات ب83 ح4.

2) المزار الأول (الكبير) للمفيد: ب59.ح1.

4 - الشاهد الرابع: إنّ لسان ما ورد من الحثّ على إقامة الصلاة عند قبر الحسين(علیه السلام) وقبر كلّ إمام مفترض الطاعة, ورد بعنوان (الصلاة عنده) وثواب إقامتها عنده, ومن الواضح أنّ التقييد ب-- (عنده) في تلك الروايات المستفيضة أنّ هذه الصلاة رجحانها ليس من جهة كونها صلاة زيارة, وأنّ صلاة الزيارة مخيّرة بين الركعتين و الأربع في زيارة كلّ إمام, بل من جهة إقامة هذه الصلاة عند المعصوم, وإقامة الصلاة هذه من حيث هي هي عند المعصوم, وأبرز ذلك صلاة الفريضة والنوافل اليوميّة والنوافل ذات الأسباب.

5 - الشاهد الخامس: أنّ عنوان (الأربع) في الصلاة باتَ عنواناً للإتمام في الفريضة, فالأمر بالركعتين أو بالأربع بلفظة (أو) لسان من ألسنة التخيير بين القصر والإتمام. ويبدو هذا واضحاً لمَن راجع مستفيض الروايات ومتواترها في أبواب صلاة المسافر, نظير مرفوعة محمّد بن أحمد بن يحيى, عن بعض أصحابنا, رفعه إلى أبي عبدالله(علیه السلام), قال: (مَن صلّى فيسفره أربع ركعات, فأنا إلى الله منه بريء)(1).

وفي مرسلة الصدوق إسناد هذا القول إلى الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)(2).

كما قد أورد صاحب الوسائل في الباب (17) من أبواب صلاة


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب22ح8.

2) الوسائل: أبواب صلاة المسافر: ب22ح3.

المسافر عدّة من الأحاديث بلفظ: (مَن صلّى - أو مَن يصلّي - في السفر أربع ركعات ) عنواناً للإتمام وغيرها من أبواب صلاة المسافر, كما قد ورد في تلك الأبواب أيضاً.

6 - وقدْ روى الصدوق في ثواب الأعمال بسند متّصل عن أبي النمير, قال: (قال أبو جعفر(علیه السلام): إنّ ولايتنا عرضت على أهل الأمصار فلم يقبلها قبول أهل الكوفة [شيء] ; وذلك أنّ قبر أمير المؤمنين(علیه السلام) فيه, وإنّ إلى لزقِهِ لقبراً آخر - يعني قبر الحسين(علیه السلام) - وما من آت أتاه يصلّي عنده ركعتين أو أربعاً, ثمّ سأل الله حاجته إلاّ قضاها له, وإنّه ليحفّه كلّ يوم ألف ملك)(1).

ورواه ابن قولويه في كامل الزيارات بطريقين: أحدهما عن محمّد بن ناجيه, عن عامر بن كثير, عن أبي النمير, وهو غير طريق الصدوق إلى عامر بن كثير, عن أبي النمير, والطريق الآخر لابن قولويه بإسناد معتبر عن الحلبي عن أبي عبدالله(علیه السلام).

ومفاد هذه الرواية المعتبرة (بطريقين) خصوصيّة إقامة الصلاة عند قبر أمير المؤمنين(علیه السلام), وأنّه مخيّر بين القصر بركعتين أو الإتمام بالأربع, وأنّ ثوابها قضاء الحاجة. وهذه الرواية مختصّة بفضيلة إقامة الصلاة عند قبر أمير المؤمنين(علیه السلام), والتخيير بين القصر والتمام, كما أنّها


1) الوسائل: أبواب المزار ب69 ح4 وثواب الأعمال ص114ح20.

دالّة على أنّ الركعتين أو الأربع هي التخيير في الفريضة لا صلاة الزيارة النافلة.

ومتنها بطريق ابن قولويه عن الحلبي أنّ أبا عبدالله قال: (إنّ الله عرض... وإنّ إلى جانبها قبراً لا يأتيه مكروب فيصلّي عنده أربع ركعات إلاّ رجعه الله مسروراً بقضاء الحاجة)(1).


1) كامل الزيارات ب:69 ح4.

الوجه الخامس: عموم موضوع الإتمام (حرم الله وحرم رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم)، وحرم أمير المؤمنين(علیه السلام)) للمشاهد المشرفة

قدْ مرَّ في الوجه الثالث أن عنوان (المشاهد) و(مشاهد النبي) قدْ ورداً عديداً في الروايات, ومضافا إلى ذلك قد ثبت نعت مراقدهم(علیهم السلام) بأنّها من حرم الله وحرم الرسول, كما ورد في الزيارات المستفيضة وغيرها, وأنّها من بيوت النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم), كما مرّت الإشارة إليه, منها ما ورد في صحيحة الحسين بن ثوير الواردة في آداب زيارة الإمام الحسين(علیه السلام) عن أبي عبد الله(علیه السلام): (إذا أتيت أبا عبدالله(علیه السلام) فاغتسل على شاطئ الفرات والبس ثيابك الطاهرة, ثم امش حافيا فإنك في حرم من حرم الله وحرم رسوله)(1)

ب62 ح1.

وحينئذ يندرج في لسان ما ورد في إتمام المسافر في حرم الله وحرم الرسول, ولا يشكل بظهورهما في القضيّة الخارجيّة, وأنّ

1) الوسائل: أبواب المزار

التنزيل ليس بلحاظ مطلق الآثار, فإنّه يدفع بأنّ ظاهر أدلّة الإدراج أنّها بلحاظ حكم التعظيم والتقديس والفضيلة, فهي توسعة لعنوان الحرمين, لا سيّما مع ما مرّ في جملة من الروايات المعتبرة أنّ بيوت النبيّ وأهل بيته أعظم فضيلة من المسجدين, وأنّ أهم أسباب فضيلة المسجد الحرام هي أنّه صلّى فيه الأنبياء وفيه قبور سبعين نبيّاً أو أكثر في مواضع متعدّدة حول الكعبة.

ويعضده إطلاق الحرم على كل مراقدهم في الروايات, وقد أخذ عنوان الحرم في روايات الإتمام في المواطن الأربعة كما في الباب (25) من أبواب صلاة المسافر وهو مشعر بعلية الحرمية للإتمام.

الملحقات والتبيهات

** ملحق الوجه الأول لتبيين عموم الموضوع.

** تنبيهات مسألة عموم التخيير وأفضلية الإتمام في مشاهد الأئمة عليهم السلام.

ملحق الوجه الأوَّل:

لتبيين عموم الموضوع

فضيلة وشرف مشاهد المعصومين:

قال الشيخ خضر بن شلاّل (تلميذ العلاّمة بحرالعلوم) في أبواب الجنان في صدر كتابه تحت عنوان (شرف المشاهد): (والبيت الذي لا ريب أنّ مزيد شرفه عند أهل السماوات السبع والأرضين السبع كنار على علم, كمزيد شرف المدينة والنجف الأشرف وكربلاء وسائر المشاهد المشرّفة على ما عداها عندهم, سيّما ما اشتملت عليه من الروضات التي لا ريب أنّها من رياض الجنّة... (إلى أن قال ما يستفاد منه): ما يستفاد من كثير من وجوه العقل والنقل من أنّ روضة النبيّ وروضة ابن عمّه والأئمّة المعصومين أفضل من المسجد الحرام الذي قد مرّ أنّ الصلاة فيه بألف صلاة في مسجد رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) الذي قد مرّ أنّ الصلاة في مسجده بعشرة آلاف صلاة, سيّما بعد ملاحظة ما ورد

عن الصادق(علیه السلام) أن المبيت عند عليّ يعدل(1)عبادة سبعمائة عام(2), وعند الحسين سبعين عاماً(3)، وأنّ الصلاة عند عليّ مائتي ألف صلاة.

وعن مولانا الرضا(علیه السلام), أنّه قال: (جوار أمير المؤمنين يوماً خير من عبادة سبعمائة سنة, وعند الحسين خير من عبادة سبعين عاماً), وخصوصاً بعد ملاحظة الاعتبار وتتبّع السير والآثار, وما جاء في قبر النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والمدينة وقبر فاطمة وقبور الأئمّة المعصومين(علیهم السلام) ومشاهدهم من مزيد الفضل.

ثمّ ذكر فضائل للمدينة المنوّرة والغريّ وكربلاء, ثمّ نقل قول الشهيد في الدروس: (إنّها (أي مكّة) أفضل بقاع الأرض ما عدا موضع قبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم), وروي في كربلاء مرجّحات، والأقرب أنّ قبور الأئمّة كذلك, أمّا البلدان التي هم بها فمكّة أفضل منهاحتّى من المدينة ), انتهى كلام الدروس(4).

ثمّ قال الشيخ ابن شلاّل شرحاً لكلام الدروس: (كالصريح في


1) والصحيح كما في الرواية أفضل كذا عند الحسين(علیه السلام).

2) لاحظ كتاب الذريعة للطهراني في حرف (ميم) في ترجمة مدينة العلم للصدوق حيث ذكر سنداً عن أحد الأعلام لرواية متضمنة لذلك وقد تضمنت فضل المبيت عند الحسين(علیه السلام) أيضا أنه أفضل من سبعين عاما أيضا .

3) مضافا لما تقدم من كتاب الذريعة روى ذلك ابن قولويه في كامل الزيارات في بابين بطريقين أن المبيت عند الحسين(علیه السلام) أفضل من عبادة سبعين عاماً .

4) الدروس الشرعية ج1ص457 (أفضل بقاع الأرض, وما يستحب فيها).

(تفضيل) روضة قبر النبيّ وقبور الأئمّة على الكعبة الحرام, وفي كلام الأصحاب كقريب من ذلك الذي لا يشكّ فيه ذو مسكة, كما لا يشكّ في تفضيل بلدانهم على مكّه من سائر البلدان, وإن تأمّل في تفضيلها على مكّة التي قد يوجد في الأخبار المتواترة معنى ما يدلّ على مزيد فضل المدينة والنجف الأشرف وسائر بلدان الأئمّة على مكّة أيضاً, بل على الكعبة التي قد ورد أنّها تفاخرت مع كربلاء ففخرتها).

ثمّ ذكر جملة من الروايات الدالّة على تفضيل كربلاء على مكّة ومزاياها العديدة, وذكر أنّ حريم قبر الحسين(علیه السلام) إلى خمسة فراسخ مستشهداً لعدّة من الروايات, ونقل عن المجلسي(قدس سره) في البحار عن المصباح أنّ تعدّد حرمة حريم قبر الحسين من ترتّب هذه المواضع في الفضل.

ثمّ حكاه عن التهذيب, وهو موجود في المقنعة أيضاً, ثمّ قال: (قلت: والأمر في ذلك سهل بعد ما عرفت من كون المراد منه ترتّب الفضل الذي لا ريب أنّه كلّما قرب من الجدث الشريف كانآكد في سائر المشاهد التي لا يشكّ في كون روضاتها أفضل من الكعبة الحرام التي لا يشكّ في مزيد فضلها وفضل بلادها ومواقعها على ما عدا المشاهد الشريفة التي قد يعلم من النصوص وكثير من الوجوه أنّ بلدانها أفضل من سائر البلاد, وإن كان في تفضيلها على الكعبة الحرام إشكال لا يخلو منه تفضيله على المسجد الحرام, بل سائر المساجد وإن ورد في

المدينة والنجف وكربلاء والكوفة وغيرها ما ورد من النصوص التي قد تحمل على خصوص الروضة وما قاربها بأذرع, ولعلّه هو الوجه الجامع بين النصوص التي لا تلتئم إلاّ على تقديره الذي قد يكون هو المعلوم من مذهب الأصحاب وطريقتهم خلفاً عن سلف, وإن اشتهر من أمثال عصرنا تفضيل كربلاء على الكعبة الحرام حتّى نقل في الأشعار, وقال العلاّمة الطباطبائي:

وفي حديث كربلاء والكعبة *** لكربلاء بان علوِّ الرتبة

وقد لا يريد إلّا ما أشرنا إليه من مزيد فضل الروضة الشريفة وما قاربها على الكعبة وسائر المساجد وغيرها, كما قد لا يريد غير ذلك معظم مَن قد أشرنا إليه, فلا تغفل وتدبّر في ما يستفاد من أنّ مثل الصحن الشريف والرواق في النجف وكربلاء وسائر المشاهد المشرّفة أفضل من سائر المساجد حتّى المسجد الأعظم, بلْ والكعبة الحرام, فضلاً عن خصوص الروضات المشرّفة التي لا ينبغي التأمّل في مزيد فضلها وفضل مساكنهم في أيّام حياتهم على كلّ بقعة من بقاع الأرض على اختلاف في مراتبها من الفضل الذي لا ريب أنّه لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم), ثمّ لأخيه(علیه السلام), ثمّ لولديه(علیها السلام), ثمّ لسائر الأئمّة(علیهم السلام), ثمّ لسائر الأنبياء(علیهم السلام) على اختلاف مراتبهم أيضاً)(1).


1) أبواب الجنان:ص52 - 58.

وقال المحقّق السبزواري في الذخيرة في الصلاة عند القبور: (ولا ريب أنّ الإماميّة مطبقة على مخالفة قضيّتين من هذه, إحداهما البناء, والاُخرى الصلاة في المشاهد المقدّسة... والأخبار الدالّة على تعظيم قبورهم وعمارتها وأفضليّة الصلاة عندها, وهي كثيرة).

وفي العروة قال اليزدي في فصل مكان المصلي في الأمكنة المستحبّة: (مسألة 5: يستحبّ الصلاة في مشاهد الأئمّة(علیهم السلام) وهي البيوت التي أمر الله تعالى أن ترفع ويذكر فيها اسمه, بل هي أفضل من المساجد, بلْ قدْ ورد في الخبر أنّ الصلاة عند عليّ(علیه السلام) بمائتي ألف صلاة, وكذا يستحبّ في روضات الأنبياء ومقام الأولياء والصلحاء والعلماء والعباد, بل الأحياء منهم أيضاً).

آية بيوت النور:

ثمّ إنّه هناك آيتان متطابقتان مع مفاد أدلّة تعميم الموضوع للإتمام, وبعبارة أُخرى هما واردتان في بيان الموضوع لحكم الإتمام:

الاُولى: وهي الكبرى الأصليّة للموضوع, قوله تعالى: ( بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (1).

وتقريب دلالة الآية على تحقق قيود موضوع الإتمام في جميع مشاهد


1) سورة النور: الآية 36.

المعصومين(علیهم السلام) لا خصوص الأماكن الأربعة:

القيد الأوّل: كون هذه البيوت هي بيوت المعصومين الأربعة عشر وبيوت الأنبياء وبعض المساجد العظيمة المقدّسة, وأفضلها بيت النبيّ وبيوت آله.

القيد الثاني: تقديس هذه البيوت، أي تشعيرها مشاعر من قِبله تعالى, كما قرّر هذا القيد الشيخ جعفر كاشف الغطاء.

القيد الثالث: رجحان إكثار الصلاة ومطلق العبادة وذكر الله فيها.

وبهذا التقرير يندرج مفاد قوله تعالى على لسان إبراهيم في سورة إبراهيم تحت هذا المفاد الذي هو كالقاعدة الكلّيّة في آيةالنور, وهو قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) (1)وكذا قوله تعالى - كما سيأتي -: ( وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (2).

وأمّا القيد الأوّل(3), فقد استفاضت روايات أهل البيت(علیهم السلام) في أنّ أبرز مصاديق البيوت في الآية هي بيوت النبيّ وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين), كما في مستفيض الزيارات كالجامعة وروايات


1) سور ة إبراهيم: الآية 37.

2) سورة البقرة: الآية 125.

3) لاحظ الإمامة الإلهية ج4 .

المعارف, بل قد بسطنا تقريب دلالة آيات النور الثلاث قبلها وبعدها على إرادة النبيّ وأهل بيته, كما نبّه على ذلك في إشارات الروايات, بل ورد في روايات الفريقين(1), كما رواه السيوطي في ذيل الآية, وأخرجه عن جمع من المحدّثين المتقدّمين عندهم أنّ سائلاً سأل النبيّ عن هذه البيوت أهي بيوت الأنبياء؟ فأجاب (صلی الله علیه و آله و سلم): نعم, فقام أبو بكر وأشار إلى بيت عليّ وفاطمة وقال: أهذا منها؟ فقال النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم): هو من أفاضلها)(2).

وقد ورد في مستفيض روايات الزيارات استحباب الاستئذان قبل دخول مشاهدهم, وأفتى بذلك جماعة كثيرة من الأعلام وقد تضمّن لفظ الإستئذان كون المشهد بيتاً من بيوت النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم), فقد ورد في بعض نصوص الإستئذان فقرة:

«وَقَفْتُ عَلى بابِ بَيْت مِنْ بُيُوتِ نَبِيِّكَ وَآلِ نَبِيِّكَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلاَمُ, وَقَدْ مَنَعْتَ النّاسَ الدُّخولَ إِلَى بُيُوتِهِ إِلاَّ بِ-إِذْنِ نَبِيِّكَ (صلی الله علیه و آله و سلم)...».

كما في المزار الكبير لابن المشهدي(3). و أيضا تحت عنوان: الزيارة الاُولى الجامعة لسائر المشاهد على أصحابها أفضل السلام(4), وفي


1) صحيح جميل بن دراج في الكافي: ج4 556.

2) الدر المنثور: ذيل الآية .

3) المزار لابن المشهدي ص55.

4) المزار لابن المشهدي: ص555.

زيارة أمير المؤمنين في يوم الغدير(1), وفي البلد الأمين(2), ومصباح الكفعمي(3), ومزار الشهيد(4). وذكر السيّد ابن طاووس في آداب السرداب(5)نقلاً عن نسخة قديمة من أصحابنا.

وأمّا القيد الثاني: وهو تقديس البيوت وتشعيرها, وقد بسطنا الكلام في ذلك في كتابنا الإمامة الإل-هيّة في التوسّل, وقرّر غيرواحد من الأعلام كالشيخ الكبير, أنّه يستفاد من الآية تشعير مراقد المعصومين(علیهم السلام), لا سيّما بضميمة الأحاديث المستفيضة من الفريقين كالحديث النبويّ الوارد: (ما بين بيوتي ومنبري روضة من رياض الجنّة )(6).

وقد فسّر تلك البيوت ببيوته وبيت عليّ وفاطمة وسائر المعصومين(علیهم السلام), فلاحظ ثمّت.

أمّا القيد الثالث: وهو رجحان إكثار الصلاة, فقد وردت في ذلك روايات عظيمة الدلالة:


1) المزار لابن المشهدي: ص 64.

2) ص76.

3) ص472 .

4) ص19.

5) نقلناه عن البحار ج 99 ص83 وص145.

6) الكافي: ج4 ص554.ومسند أحمد ج4 حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ص 39.

1 - معتبرة ياسر الخادم, عن الرضا(علیه السلام): (لا تشدّ الرحال إلى شيء من القبور إلاّ إلى قبورنا)(1).

وفي هذه المعتبرة دلالة واضحة على أنّ شدّ الرحال هو لزيادة نيل الخير والفضل في العبادة, وإكثارها عند قبورهم, وأنّها بمثابة المسجدين اللذين يشدّ إليهما الرحال لقصد ذلك, فإنّه ورد في الحديث: (لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام, ومسجد الرسول, ومسجد الكوفة)(2).وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): (إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد, مسجد الكعبة ومسجدي ومسجد إيليا)(3).

2 - مصحّحة جميل بن درّاج, قال: (سمعت أبا عبدالله(علیه السلام) يقول: قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما بين منبري وبيوتي روضة من رياض الجنّة, ومنبري على تُرعة من تُرع الجنّة, وصلاة في مسجدي تعدل عشرة آلاف صلاة في ما سواه من المساجد, إلاّ المسجد الحرام. قال جميل: قلت له: بيوت النبيّ وبيت عليّ منها؟ قال: نعم, وأفضل)(4).


1) الوسائل: أبواب المزار ب84 ح1 .

2) مرسلة الصدوق , الوسائل: أبواب أحكام المساجد ب44 ح16.

3) صحيح مسلم:ج2 ص1015 رقم الحديث المسلسل (1397) كتاب الحج: باب المسجد الذي أسس على التقوى .

4) الوسائل: أبواب أحكام المساجد: ب57 ح4.

وتقريب الدلالة في هذه المصحّحة أنّها ناصّة على أفضليّة الصلاة والعبادة في بيت عليّ وبيت النبيّ وأهل بيته المعصومين على فضيلة الصلاة في مسجد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم), فهي نصّ في أنّ ما ورد مستفيضاً في الحثّ على السفر إلى المسجدين وشدّ الرحال, والحثّ على إكثار العبادة والصلاة في مسجد النبيّ بعينه وارد بنحو آكد في بيوت النبيّ وعليّ وفاطمة وولدهما(علیهم السلام), ومن ثمّ يقرب التطابق مع قول النبيّ في رواية الفريقين أنّ تلك البيوت هي بيوت الأنبياء, وأنّ بيتعليّ وفاطمة من أفاضل تلك البيوت.

3 - موثّقة يونس بن يعقوب: (قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): الصلاة في بيت فاطمة أفضل أو في الروضة؟ قال: في بيت فاطمة)(1).

4 - مصحّحة جميل بن درّاج: ( قلت لأبي عبدالله(علیه السلام): الصلاة في بيت فاطمة مثل الصلاة في الروضة؟ قال: وأفضل)(2).

ولا يخفى أنّ موثّقة يونس صريحة في أنّ بيوت أهل البيت(علیهم السلام) كبيت النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أعظم فضيلة من الصلاة في مسجد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم), وهذا النصّ ناصّ على أنّ الفضيلة الواردة في الصلاة وإكثارها في مسجد النبيّ هي ثابتة بعينها لبيت النبيّ وبيت عليّ وفاطمة وأهل البيت(علیهم السلام).

5 - وروى الكليني عن الحسين بن محمّد الأشعريّ, قال: حدّثني


1) الوسائل: أبواب أحكام المساجد: ب59 ح1.

2) الوسائل: أبواب أحكام المساجد: ب59 ح2.

شيخ من أصحابنا يقال له عبدالله بن رزين, قال: (كنت مجاوراً بالمدينة مدينة الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم)وكان أبو جعفر(علیه السلام) يجيء في كلّ يوم مع الزوال إلى المسجد فينزل في الصحن ويصير إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ويسلّم عليه ويرجع إلى بيت فاطمة(علیها السلام))(1)الحديث.

6 - مصحّحة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا المتقدّمة،عن أبي عبدالله(علیه السلام) قال: (قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم): ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة, ومنبري على ترعة من ترع الجنة, لان قبر فاطمة(علیها السلام) بين قبره ومنبره, وقبرها روضة من رياض الجنة وإليه ترعة من ترع الجنة)(2).

7 - وروى المجلسي: وجدت بخطّ الشيخ حسين بن عبدالصمد ما هذا لفظه: (ذكر الشيخ أبو الطيّب الحسين بن أحمد الفقيه: مَن زار الرضا(علیه السلام) أو واحداً من الأئمّة(علیهم السلام) فصلّى عنده صلاة جعفر, فإنّه يكتب له بكلّ ركعة ثواب من حجّ ألف حجّة, واعتمر ألف عمرة, وأعتق ألف رقبة, ووقف ألف وقفة في سبيل الله مع نبيّ مرسل, وله بكلّ خطوة ثواب مائة حجّة, ومائة عمرة, وعتق مائة رقبة في سبيل الله, وكتب له مائة حسنة, وحطّ منه مائة سيّئة)(3).


1) الكافي ج1 ص493, باب مولد أبي جعفر محمد بن علي الثاني(علیهما السلام).

2) الوسائل: أبواب المزار: ب18 ح5.

3) البحار ج97 ص137 كتاب المزار ب3 آداب الزيارة وأحكام الروضات ح25.

8 - رواية أبي عامر واعظ أهل الحجاز, عن الصادق(علیه السلام), عن أبيه, عن جدّه(علیهم السلام), قال: (قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لعليّ(علیه السلام): إنّ الله جعل قبرك وقبور ولدك بقاعاً من بقاع الجنّة, وعرصة من عرصاتها, وإنّ الله جعل قلوب نجباء من خلقه... فيعمرون قبوركم, ويكثرون زيارتها تقرّباً منهم إلى الله, ومودة منهم لرسوله...)الحديث(1).

ولا يخفى أنّ الرواية متعرّضة لكلا القيدين في الموضوع, كون قبورهم من رياض الجنّة مقدّسة, واستحباب شدّ الرحال إليها لعمارتها بالعبادة وكثرة الطاعة والصلاة.

9 - موثّقة الحسن بن عليّ بن الفضّال التي رواها الصدوق والطوسي عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام): ( إنّ بخراسان لبقعة يأتي عليها زمان تصير مختلف الملائكة, فقال فلا يزال فوج ينزل من السماء وفوج يصعد إلى أن ينفخ في الصور.

وقيل له: يا ابن رسول الله, وأيّة بقعة هذه؟

قال: هي بأرض طوس, فهي والله روضة من رياض الجنّة, مَن زارني في تلك البقعة كان كمَن زار رسول الله, وكتب الله تبارك وتعالى له ثواب ألف حجّة مبرورة, وألف عمرة مقبولة, وكنت أنا وآبائي شفعاءه يوم القيامة)(2).


1) الوسائل: أبواب المزار: ب26 ح 1.

2) الفقيه ج2 ص585 والتهذيب ج6 ص108 وأمالي الصدوق المجلس 15 ص36 والعيون ج2 ص256.

10 - روى الصدوق في الأمالي والعيون بطريقين مختلفين حسن كالصحيح عن الصقر بن دلف, قال: (سمعت سيّدي عليّ بن محمّد بن عليّ الرضا(علیهم السلام) يقول: مَن كانت له إلى الله عزّ وجلّحاجة فليزر قبر جدّي الرضا(علیه السلام) بطوس, وهو على غسل, وليصلِّ عند رأسه ركعتين, وليسأل الله تعالى حاجته في قنوته, فإنّه يستجيب له ما لم يسأل مأثم وقطيعة رحم, فإنّ موضع قبره لبقعة من بقاع الجنّة, لا يزورها مؤمن إلاّ أعتقه الله تعالى من النار وأدخله دار القرار)(1).

11 - صحيح أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري, قال: (سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ الرضا(علیه السلام) يقول: إنّ بين جَبَلَي طوس قبضة قُبضت من الجنّة, مَن دخلها كان آمناً يوم القيامة من النار) وقد رواها كلّ من الشيخ والصدوق(2).

ولا يخفى دلالة الصحيح والموثّق الذي قبله على قدسيّة وشرافة أرض طوس المتضمّنة لقبر الإمام الثامن من أهل البيت(علیهم السلام), ويثبت ذلك لأرض الكاظميّة المتضمّنة لاثنين من أئمّة أهل البيت(علیهم السلام), وسيأتي


1) الوسائل: أبواب المزار ب88 ح2. والعيون: ب66 ح32, وأمالي الصدوق المجلس 86 ص684.

2) الوسائل: أبواب المزار ب82 ح13. والتهذيب ج6 ص109 ح(192). والفقيه ج2 ص349 ح(1602) والعيون ج2ص256.

أمر الرضا(علیه السلام) بالصلاة في المساجد حول قبر أبيه موسى بن جعفر(علیهما السلام), كما في محسّنة عليّ بن حسّان(1).12- حسنة

كالمصحّحة لسليمان بن حفص المروزي, قال: (سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر(علیه السلام) يقول: مَن زار قبر ولدي عليّ(علیه السلام) كان له عند الله عزّ وجلّ سبعون حجّة مبرورة. قلت: سبعون حجّة مبرورة؟! قال: نعم, وسبعون ألف حجّة. قلت: سبعون ألف حجّة؟! فقال: ربّ حجّة لا تقبل. مَن زاره أو بات عنده كان كمَن زار الله في عرشه. قلت: مَن زار الله في عرشه؟!

قال: نعم, إذا كان يوم القيامة كان على عرش الله جلّ جلاله أربعة من الأوّلين وأربعة من الآخرين, فأمّا الأوّلون فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى, أمّا الأربعة الآخرون فمحمّد وعليّ والحسن والحسين, ثمّ يمدّ المطمار فيقعد معنا زوّار قبور الأئمّة(علیهم السلام), ألا أنّ أعلاهم درجة وأقربهم حبوة زوّار قبر عليّ(علیه السلام)).

ورواه الصدوق في الأمالي والعيون, ورواه ابن قولويه في كامل الزيارات(2), والشيخ في التهذيب عن الكليني بطريق آخر عن يحيى بن


1) المزار الكبير ص547.

2) أمالي الصدوق المجلس 25 ح186؛ وعيون أخبار الرضا ج2 ص291؛ وكامل الزيارات ب101 ح13؛ والوسائل: أبواب المزار ب86 ح1 .

سليمان المازني, عن أبي الحسن موسى(علیه السلام)(1),ورواه المشهدي في المزار الكبير عن الكليني(2).

ولا يخفى دلالة الرواية على عظمة زيارة قبورهم وفضيلتها على زيارة المسجد الحرام, وبالتالي زيادة فضيلة الصلاة عندها على الصلاة فيه, كما ورد في فضيلة الصلاة في بيت فاطمة(علیها السلام) على الصلاة في الروضة, كما أنّها دالّة على فضيلة زيارة الرضا(علیه السلام) نظير فضيلة زيارة الحسين(علیه السلام).

وكذلك حرم العسكريّين(علیهما السلام), ويعضده أنّ تربتهم(علیهم السلام) كانت واحدة(3), وقد مرّ في مصحّح ابن أبي عمير أنّ قبر فاطمة روضة من رياض الجنّة(4), وفي مصحّح جميل بن درّاج أنّ الصلاة في بيت فاطمة أفضل من الصلاة في روضة النبيّ(5).

13 - رواية محمّد بن سليمان الزرقان, عن عليّ بن محمّد العسكري(علیهما السلام), قال: (قال لي: يا زرقان, إنّ تربتنا كانت واحدة, فلمّا كان أيّام الطوفان افترقت التربة فصارت قبور شتّى والتربة واحدة)(6).


1) التهذيب ج6 ص85 .

2) الوسائل أبواب المزار ب81 ح2.

3) راجع الوسائل أبواب المزار ب13 ح1.

4) الوسائل: أبواب المزار: ب18ح5.

5) الوسائل: أبواب أحكام المساجد ب59 ح2.

6) الوسائل: أبواب المزار ب13 ح1.باب استحباب التبرك من مشهد الرضا ومشاهد الأئمة(علیهم السلام) والمزار للمفيد باب مختصر في فضل زيارات العسكريين ص201 ح4 .وفي التهذيب ج6 ص 109 ح10.

ومفاد هذه الرواية وحدة قدسيّة قبور الأئمّة مع قبر النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وقبر عليّ(علیه السلام) وقبر الحسين(علیه السلام).

وفي حديث الخصال المعتبر بإسناده عن عليّ(علیه السلام) في حديث الأربعمائة, قال: (ألّموا ]وأتمّوا[ برسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) حجّكم إذا خرجتم إلى بيت الله الحرام, فإنّ تركه جفاء, وبذلك اُمرتم, وألِمّوا بالقبور التي ألزمكم الله حقّها وزيارتها, واطلبوا الرزق عندها)(1).

وقد استفيض في الزيارات أنّ طينتهم واحدة طابت وطهرت بعضها من بعض, وفي معتبرة محمّد بن مسلم حيث كان محمّد بن مسلم وجعاً, فأرسل إليه أبو جعفر(علیه السلام) شراباً فتشافى منه فقال(علیه السلام): ( يا محمّد, إنّ الشراب الذي شربته فيه من طين قبور آبائي, وهو أفضل ما استشفي به, فلا تعدلنّ به, فإنّا نسقيه صبياننا ونساءنا, فنرى فيه كلّ خير) الحديث(2), فأضاف(علیه السلام) الطين إلى كلّ آبائه.

14 - وفي كامل الزيارات : روى ابن قولويه بإسناده عن الأصمّ, عن عبدالله بن بكير - في حديث طويل - قال: (قال أبو عبدالله(علیه السلام): يا ابن بكير, إنّ الله اختار من بقاع الأرض ستّة: البيت الحرام, والحرم,


1) الوسائل: أبواب المزار ب2ح10 .

2) كامل الزيارات ب91 ح7.

ومقابر الأنبياء, ومقابر الأوصياء, ومقاتل الشهداء, والمساجد التي يذكر فيها اسم الله...)(1)الحديث.

ولا يخفى تقييد (المساجد) بالتي يُذكر فيها اسم الله إشارة إلى الآية الشريفة (في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) وهي إشارة إلى بيوت الأنبياء, ومن أفاضلها بيوت أهل البيت(علیهم السلام) كما في الرواية المرويّة عند الفريقين, وبيوتهم أعم من مقابرهم.

15 - مصحّحة الهروي, قال: (سمعت الرضا(علیه السلام) يقول: إنّي ساُقتل بالسمّ مظلوماً واُقبر إلى جانب هارون, ويجعل الله تربتي مختلف شيعتي وأهل محبّتي, فمَن زارني في غربتي وجبت له زيارتي يوم القيامة.

والذي أكرم محمّداً (صلی الله علیه و آله و سلم) بالنبوّة, واصطفاه على جميع الخليقة, لا يصلّي أحد منكم عند قبري ركعتين إلاّ استحقّ المغفرة من الله عزّ وجلّ يوم يلقاه.

والذي أكرمنا بعد محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) وخصّنا بالولاية إنّ زوار قبره لأكرم الوفود على الله يوم القيامة...) الحديث(2).

وهذه المصحّحة دالّة - كما مرّ في جملة من الروايات ويأتي أيضاً - على أنّ قبورهم(علیهم السلام) تقصد وتشدّ الرحال إليها لغايتين الاُولى زيارتهم,


1) كامل الزيارات ب44 ح3.

2) عيون أخبار الرضا ج2 ص248 باب 25 ح1.

والثانية الصلاة عندهم, وفي بعض الروايات ثالثة: وهي البيتوتة في جوارهم وقد عد جوارهم سواء في المدة القصيرة أو الطويلة من الجهاد.

والصلاة عندهم أعمّ من الفريضة والنافلة الراتبة أو التطوّعيّة, وهي غير صلاة الزيارة, بل إقامة الصلاة عندهم بالقرب من مراقدهم ذات فضيلة يستحبّ إكثار الصلاة عند قبورهم لأجل ذلك, كما أنّها دالّة على أنّ زوّار الرضا(علیه السلام) لهم امتياز على زوّار قبور سائر الأئمّة(علیهم السلام), فيدلّ على قدسيّة الموضع وفضيلته.

معتبرة سليمان بن حفص المروزي, قال: (سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر(علیهما السلام) يقول: إنّ ابني عليّاً مقتول بالسمّ ظلماً, ومدفون إلى جنب هارون بطوس, فمَن زاره كمَن زار رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) )(1).

16 - اللسان الموحّد لزيارة قبورهم في العديد من الزيارات الجامعة التي نصّ على أن يؤتى بها عند أي قبر من قبورهم(علیهم السلام), وهي وإن كانت واردة في متن الزيارة وألفاظ الثناء والتحيّة والتشهّد بالإقرار والعهد لهم(علیهم السلام), إلاّ أنّها مصرّحة بوحدة حكم المشهد لمراقدهم, كما في الزيارة الرجبيّة والزيارة الجامعة الكبيرة والصغيرة, والتعبير في آدابها: (إذا زرت واحداً منكم) وقوله(علیه السلام) فيها: (فإذا دخلت ورأيت القبر), وكذا الزيارة الجامعة الاُخرى المرويّة في العيون عن أبي الحسن الرضا(علیه السلام),


1) الوسائل أبواب المزار ب82 ح5.

فقال: (صلّوا في المساجد حوله (أي حول أبيه موسى) ويجزي في المواضع كلّها أن تقول: ...)(1).

وكذا ذيل زيارة أمين الله, قال جابر: (قال لي الباقر(علیه السلام): ما قال هذا الكلام ... عند قبر أمير المؤمنين(علیه السلام), أو أحد من الأئمّة, إلاّ رفع دعاؤه)(2).

وتوحيد اللسان والطلب والحثّ لكلّ قبورهم(علیهم السلام) شاهد على وحدة الفضيلة والحكم لقبورهم(علیهم السلام).

17 - ما رواه في كامل الزيارات والتهذيب في الصحيح, عن ابن بزيع, عن بعض أصحابه, يرفعه إلى أبي عبدالله(علیه السلام), قال: ( قلت: نكون بمكّة أو بالمدينة أو الحَيْر أو المواضع التي يرجىفيها الفضل, فربّما يخرج الرجل يتوضّأ فيجيء آخر فيصير مكانه؟ قال: مَن سبق إلى موضع فهو أحقّ به يومه وليلته)(3), ففيها تصريح أنّ الفضيلة موضوعها أعمّ من المواضع الأربعة, بل هي مواطن عديدة.

18 - ما ورد في عدّة روايات فيها المعتبر من أنّ فضل زيارة قبر أبي الحسن موسى بن جعفر(علیهما السلام) مثل فضل زيارة قبر الحسين(علیه السلام), كما في


1) عيون أخبار الرضا: ب68 ح1 .

2) مصباح المتهجد وكامل الزيارات ب11 .

3) كامل الزيارات ب108 ح6 .التهذيب ج6 ص110.

معتبرة الوشّاء, عن الرضا(علیه السلام)(1).

وفي رواية الحسن بن محمّد القمّي, عن الرضا(علیه السلام): (مَن زار قبر أبي ببغداد كان كمَن زار قبر رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) وقبر أمير المؤمنين, إلاّ أنّ لرسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ولأمير المؤمنين(علیه السلام) فضلهما )(2).

وفي مصحّحة الحسين بن بشّار الواسطي, قال: ( سألت أبي الحسن الرضا(علیه السلام): ما لمَن زار قبر أبيك؟ قال: زره. قلت: فأيّ شيء فيه من الفضل؟ قال: فيه من الفضل كمَن زار قبر والده - يعني رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) -. فقلت: فانّي خفت فلم يمكنّي أن أدخل داخلاً؟ فقال: سلّم من وراء الحائر). وفي نسخة التهذيب المطبوع حالياً: (سلم من وراء الجسر) وقد أشار إليه في الوسائل(3).

19 - وفي الصحيح إلى يحيى - وكان فى خدمة أبي جعفر الثاني(علیه السلام) - عن علی عن صفوان الجمال عن أبي عبدالله في حديث, قال: (قلت له: فما لمَن صلّى عنده ركعتين؟ قال: لم يسأل الله شيئاً إلاّ أعطاه)(4)الحديث.

20 - عن عليّ بن إبراهيم وأحمد بن مهران جميعاً, عن محمّد بن


1) الوسائل أبواب المزار ب80 ح6وح1.

2) الوسائل أبواب المزار ب80 ح2.

3) الوسائل أبواب المزار ب80 ح4, التهذيب ج6 ص82.

4) الوسائل أبواب المزار ب 58 ح5.

عليّ, عن الحسن بن راشد, عن يعقوب بن جعفر قال: (كنت عند أبي إبراهيم(علیه السلام) وأتاه رجل من أهل نجران اليمن من الرهبان ومعه راهبة, فاستأذن لهما الفضل بن سوار, فقال له: إِذَا كانَ غَداً فَأْتِ بِهِمَا عِنْدَ بِئْرِ أُمِّ خَيْر.

قال: فوافينا من الغد, فوجدنا القوم قد وافوا, فأمر بخصفة بواري, ثمّ جلس وجلسوا, فبدأت الراهبة بالمسائل, فسألت عن مسائل كثيرة, كلّ ذلك يجيبها, وسألها أبو إبراهيم(علیه السلام) عن أشياء لم يكن عندها فيها شيء, ثمّ أسلمت.

ثمّ أقبل الراهب يسأله, فكان يجيبه في كلّ ما يسأله, فقال الراهب: قد كنت قويّاً على ديني, وما خلّفت أحداً من النصارىفي الأرض يبلغ مبلغي في العلم, ولقد سمعت برجل في الهند إذا شاء حجّ إلى بيت المقدس في يوم وليلة, ثمّ يرجع إلى منزله بأرض الهند, فسألت عنه بأي أرض هو؟ فقيل لي: إنّه بسُبذان, وسألت الذي أخبرني, فقال: هو علم الاسم الذي ظفر به آصف صاحب سليمان لمّا أتى بعرش سبأ, وهو الذي ذكره الله لكم في كتابكم, ولنا - معشر الأديان - في كتبنا.

فقال له أبو إبراهيم(علیه السلام): فَكَمْ للهِِ مِنِ اسْم لاَ يُرَدُّ ؟

فقال الراهب: الأسماء كثيرة, فأمّا المحتوم منها - الذي لا يردّ سائله - فسبعة.

فقال له أبو الحسن(علیه السلام): فَأَخْبِرْنِي عَمَّا تَحْفَظُ مِنْها.

قال الراهب: لا, والله الذي أنزل التوراة على موسى, وجعل عيسى عبرة للعالمين, وفتنة لشكر اُولي الألباب, وجعل محمّداً بركة ورحمة, وجعل عليّاً عبرة وبصيرة, وجعل الأوصياء من نسله ونسل محمّد ما أدري, ولو دريت ما احتجت فيه إلى كلامك, ولا جئتك ولا سألتك.

فقال له أبو إبراهيم(علیه السلام): عُدْ إِلى حَدِيثِ الْهِنْدِيِّ.

فقال له الراهب: سمعت بهذه الأسماء ولا أدري ما بطانتها ولا شرائحها؟ ولا أدري ما هي؟ ولا كيف هي ولا بدعائها؟ فانطلقت حتّى قدمت سُبْذان الهند, فسألت عن الرجل, فقيل لي: إنّه بنى ديراً في جبل, فصار لا يخرج ولا يرى إلاّ في كلّ سنة مرّتين, وزعمت الهند أنّ الله فجّر له عيناً في ديره, وزعمت الهند أنّه يُزرع له من غير زرع يُلقيه, ويُحرث له من غير حرث يعمله, فانتهيت إلى بابه, فأقمت ثلاثاً لا أدقّ الباب, ولا اُعالج الباب.

فلمّا كان اليوم الرابع فتح الله الباب, وجاءت بقرة عليها حطب, تجرّ ضرعها يكاد يخرج ما في ضرعها من اللّبن, فدفعت الباب فانفتح, فتبعتها ودخلت, فوجدت الرجل قائماً ينظر إلى السماء فيبكى, وينظر إلى الأرض فيبكي, وينظر إلى الجبال فيبكي, فقلت: سبحان الله! ما

أقلّ ضربك في دهرنا هذا ! فقال لي: والله, ما أنا إلاّ حسنة من حسنات رجل خلّفته وراء ظهرك.

فقلت له: اُخبرت أنّ عندك اسماً من أسماء الله تبلغ به في كلّ يوم وليلة بيت المقدس, وترجع إلى بيتك؟

فقال لي: وهل تعرف بيت المقدس؟

قلت: لا أعرف إلاّ بيت المقدس الذي بالشام.

قال: ليس بيت المقدس, ولكنّه البيت المقدّس, وهو بيت آل محمّد.

فقلت له: أما ما سمعت به إلى يومي هذا فهو بيت المقدس.

فقال لي: تلك محاريب الأنبياء, وإنّما كان يقال لها: حظيرة المحاريب, حتّى جاءت الفترة التي كانت بين محمّد وعيسى صلّى الله عليهما, وقرب البلاء من أهل الشرك, وحلّت النقمات في دور الشياطين, فحوّلوا وبدّلوا ونقلوا تلك الأسماء, وهو قول الله تبارك وتعالى - البطن لآل محمّد, والظهر مَثَلٌ: ( إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) (1).

فقلتُ له: إنّي قد ضربت إليك من بلد بعيد, تعرّضت إليك بحاراً وغموماً وهموماً وخوفاً, وأصبحت وأمسيت مؤيساً, ألا أكون ظفرت


1) سور ة النجم: الآية 23.

بحاجتي؟

فقال لي: ما أرى اُمّك حملت بك إلاّ وقد حضرها ملك كريم, ولا أعلم أنّ أباك حين أراد الوقوع باُمّك إلاّ وقد اغتسل وجاءها على طهر, ولا أزعم إلاّ أنّه قد كان درس السفر الرابع من سهره ذلك, فختم له بخير, ارجع من حيث جئت, فانطلق حتّى تنزل مدينة محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم) - التي يقال لها: طيبة, وقد كان اسمها في الجاهليّة يثرب - ثمّ اعمد إلى موضع منها يقال له: البقيع, ثمّ سل عن دار يقال لها: دار مروان, فانزلها, وأقم ثلاثاً, ثمّ سل عن الشيخ الأسود الذي يكون على بابها يعمل البواري, وهي في بلادهم اسمها الخصف, فالْطفْ بالشيخ, وقل له: بعثني إليك نزيلك الذي كان ينزل في الزاوية في البيت الذي فيه الخشيبات الأربع, ثمّسله عن فلان بن فلان الفلاني, وسله: أين ناديه؟ وسله: أي ساعة يمرّ فيها؟ فليريكاه أو يصفه لك, فتعرفه بالصفة, وسأصفه لك.

قلت: فإذا لقيته فأصنع ماذا؟

قال: سله عمّا كان, وعمّا هو كائن, وسله عن معالم دين مَن مضى ومَن بقي.

فقال له أبو إبراهيم(علیه السلام): قَدْ نَصَحَكَ صاحِبُكَ الَّذِي لَقِيتَ.

فقال الراهب: ما اسمه جُعلت فداك؟

قال: هُوَ مُتَمِّمُ بْنُ فَيْرُوز, وَ هُوَ مِنْ أَبْناءِ الْفُرْسِ, وَ هُوَ مِمَّنْ آمَنَ بِاللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ, وَعَبَدَهُ بِالاِْخْلاَصِ وَالاِْيقانِ, وَفَرَّ مِنْ قَوْمِهِ لَمَّا خافَهُمْ, فَوَهَبَ لَهُ رَبُّهُ حُكْماً, وَ هَداهُ لِسَبِيلِ الرَّشادِ, وَجَعَلَهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ, وَعَرَّفَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ عِبادِهِ الْمُخْلَصِينَ, وَما مِنْ سَنَة إِلاَّ وَهُوَ يَزُورُ فِيها مَكَّةَ حاجّاً, وَيَعْتَمِرُ في رَأْسِ كُلِّ شَهْر مَرَّةً, وَيَجِيءُ مِنْ مَوْضِعِهِ مِنَ الْهِنْدِ إِلى مَكَّةَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَعَوْناً, وَكَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ.

ثمّ سأله الراهب عن مسائل كثيرة, كلّ ذلك يجيبه فيها, وسأل الراهبَ عن أشياء لم يكن عند الراهب فيها شيء, فأخبره بها.

ثمّ إنّ الراهب قال: أخبرني عن ثمانية أحرف نزلت, فتبيّن في الأرض منها أربعة, وبقي في الهواء منها أربعة, على مَننزلت تلك الأربعة التي في الهواء ومَن يفسّرها؟

قال: ذَاكَ قائِمُنا يُنْزِلُهُ اللهُ عَلَيْهِ فَيُفَسِّرُهُ, وَيُنَزِّلُ عَلَيْهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ عَلَى الصِّدِّيقِينَ وَالرُّسُلِ وَالْمُهْتَدِينَ.

ثمّ قال الراهب: فأخبرني عن الاثنين من تلك الأربعة الأحرف التي في الأرض ما هما؟

قال: أُخْبِرُكَ بِالاَْرْبَعَةِ كُلِّها: أَمَّا أَوَّلُهُنَّ فَ-لاَ إِل-هَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ باقِياً, وَالثَّانِيَةُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) مُخْلَصاً, وَالثَّالِثَةُ نَحْنُ أَهْلُ الْبَيْتِ, وَالرَّابِعَةُ شِيعَتُنا مِنَّا, وَنَحْنُ مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلی الله علیه و آله و سلم) وَرَسُولُ اللهِ مِنَ

اللهِ بِسَبَب.

فقال الراهب: أشهد أن لا إله إلاّ الله, وأنّ محمّداً رسول الله, وأنّ ما جاء به من عند الله حقّ, وأنّكم صفوة الله من خلقه, وأنّ شيعتكم المطهّرون المستبدلون, ولهم عاقبة الله, والحمد لله ربّ العالمين.

فدعا أبو إبراهيم(علیه السلام) بجبّة خزّ, وقميص قوهيّ, وطيلسان, وخفّ, وقلنسوة, فأعطاه إيّاها, وصلّى الظهر وقال له: اخْتَتِنْ.

فقال: قد اختتنت في سابعي)(1).

ونقلنا هذه الرواية بطولها تبركاً وموضع الشاهد تقريره(علیه السلام) ماقاله الهندي من أنَّ بيت المقدس بالدرجة الأولى هو بيت محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم) وأما الذي في فلسطين فهو في الدرجة الثانية ومثل ظاهر لحقيقة خفية على كثيرين من كون بيت المقدس في الأصل بيت محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم) بل إن بيت المقدس في فلسطين إنما نال القدسية في ذلك الأوان بسبب صلاة الأنبياء السابقين فيه وهذا شاهد على الكبرى المتقدمة من أن الأرض التي تحفل بالأنبياء والمرسلين والأوصياء والمصطفين تكتسب شرفا وقدسية فتصبح مقدسة وتكون من البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه, وأشرفها وأعلاها وأقدسها بيت محمد وآل محمد (صلوات الله عليهم), وهذا


1) الكافي ج1 ص481 - 484 باب مولد أبي الحسن(علیه السلام) ح5.

هو الذي ورد في إحدى زيارات الحسين(علیه السلام) التي رواها السيد ابن طاووس في مصباح الزائر(1)وفيها الخطاب لعلي بن الحسين(علیهما السلام): (والله ما ضرك القوم بما نالوا منك ومن أبيك الطاهر صلوات الله عليكما ولا ثلموا منزلتكما من البيت المقدس).

21 - ورواية محمّد بن الفضيل بن بنت داود الرقي, قال: (قال الصادق(علیه السلام): (أربع بقاع ضجّت إلى الله تعالى من الغرق أيّام الطوفان: البيت المعمور فرفعه الله, والغريّ, وكربلاء,وطوس)(2).

22 - محسّنة عليّ بن حسّان, عن الرضا(علیه السلام), قال: (سئل عن إتيان قبر أبي الحسن موسى(علیه السلام), فقال: صلّوا في المساجد حوله , ويجزئ في المواضع كلّها أن تقول: (السلام على أولياء الله وأصفيائه...). هذا يجزي في الزيارات كلّها, وتكثر من الصلاة على محمّد وآله, وتسمّي واحداً واحداً بأسمائهم, وتبرأ إلى الله من أعدائهم, وتخيّر لنفسك من الدعاء ما أحببت وللمؤمنين والمؤمنات)(3).

ورواها الصدوق والكليني والشيخ, وظاهر الرواية أنّ قبورهم كما تقصد لزيارتهم(علیهم السلام) فهي تقصد لإتيان الصلاة عندها لتضاعف ثوابها, وتقصد للدعاء ثالثاً, ومن أجل البيتوتة عندها رابعاً كما مر,


1) مصباح الزائر ص235.

2) الوسائل: أبواب المزار: ب83 ح2.

3) الوسائل: أبواب المزار: ب81 ح2.

والجامع ما ذكرته الآية. (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) وقوله تعالى (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى).

ويدعم ذلك ما ورد في مشاهد جميع المعصومين بلسان واحد من النهي عن الصلاة متقدّماً على قبر المعصوم، بل الصلاة خلفه وعند رأسه وأنّ ثواب الصلاة يتضاعف بالقرب منه, كمافي معتبرة هشام بن سالم عن أبي عبدالله(علیه السلام) - في حديث طويل - قال: (أتاه رجل فقال له: يابن رسول الله, هل يزار والدك؟ فقال: نعم, وتصلّي عنده. وقال: يصلّي خلفه, ولا يتقّدم عليه )(1).

فإنّها واضحة الدلالة في تضاعف ثواب الصلاة عند قبر الباقر(علیه السلام), وقد يراد الحسين(علیه السلام), ويدلّ على العموم أيضاً صحيح الحميري, قال: (كتبت إلى الفقيه(علیه السلام) أسأله عن الرجل يزور قبور الأئمّة, هل يجوز أن يسجد على القبر أم لا؟ وهل يجوز لمَن صلّى عند قبورهم أن يقوم وراء القبر ويجعل القبر قبلة, ويقوم عند رأسه ورجليه؟ وهل يجوز أن يتقدّم القبر ويصلّي ويجعله خلفه أم لا؟

فأجاب وقرأت التوقيع ومنه نسخت: أمّا السجود على القبر فلا يجوز في نافلة ولا فريضة ولا زيارة, بل يضع خدّه الأيمن على


1) الوسائل: أبواب مكان المصلي ب27 ح7.

القبر, وأمّا الصلاة فإنّها خلفه يجعله الإمام, ولا يجوز أن يصلّي بين يديه, لأنّ الإمام لا يُتقدّم, ويصلّي عن يمينه وشماله)(1).

وهذه الصحيحة دالّة بوضوح أنّ قبور الأئمّة(علیهم السلام) كما تقصد للزيارة تقصد لإتيان الصلاة عندها لفضيلة إتيانها عندها, سواءكانت فريضة أو تطوّعاً, وهذا المفاد مرتكز عند الفقيه الراوي الحميري, وجوابه(علیه السلام) يقرّر ذلك, ومنشأه - مضافاً إلى ما مرّ ويأتي - هو قدسيّة أماكن قبورهم(علیهم السلام) لكونها رمساً لهم وطيّبها الله تعالى بهم.

وهذا هو مفاد قوله تعالى: ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) ، فإنّها قد فسّرت ببيوت النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وأهل بيته(علیهم السلام) وهي مراقدهم, ومن ثمّ ورد كما في الروايات المتقدّمة وكما فى رواية عمارة بن زيد - أي عامر واعظ أهل الحجاز - عن الصادق, عن أبيه, عن جدّه(علیهم السلام), قال: (قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) لعليّ(علیه السلام): إنّ الله جعل قبرك وقبور ولدك بقاعاً من بقاع الجنّة, وعرصة من عرصاتها, وإنّ الله جعل قلوب نجباء من خلقه... فيعمرون قبوركم, ويكثرون زيارتها تقرّباً منهم إلى الله, ومودة منهم لرسوله...) الحديث(2).


1) الوسائل: أبواب مكان المصلي ب26 ح1.

2) الوسائل: أبواب المزار ب26 ح1.

24 - أفضليّة زيارة قبورهم(علیهم السلام) والصلاة عندها على الحجّ والعمرة الندبيّان.

1- مصحّح جميل بن درّاج, قال: (الصلاة في بيت فاطمة مثل الصلاة في الروضة؟ قال: وأفضل).ومثله موثّق يونس بن يعقوب(1), ومفاده واضح في أنّ ثواب الصلاة في بيت فاطمة(علیها السلام) لا من جهة كونها من مسجد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم), بل ورد إنّه ليس من المسجد وإنّما أدخله الأمويون فيه, كما ذكر ذلك الصدوق أنّه روي أنّها(علیها السلام) دفنت في بيتها, فلمّا زادت بنو اُميّة في المسجد صارت في المسجد(2).

2 - وفي مصحح ابن أبي عمير عن أصحابنا عن أبي عبد الله(علیه السلام) قال: (قال رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة, ومنبري على ترعة من ترع الجنة, لأن قبر فاطمة(علیها السلام) بين قبره ومنبره, وقبرها روضة من رياض الجنة وإليه ترعة من ترع الجنة)(3).

وفي هذا المصحّح دلالة من وجهين:

أوّلاً: إن قبرها روضة من رياض الجنّة, أي إنّ قبورهم(علیهم السلام)


1) الوسائل: أبواب أحكام المساجد: ب59 ح1 وح2.

2) الوسائل: أبواب المزار ب18 ح4.

3) الوسائل: أبواب المزار ب18 ح5.

روضة من رياض الجنّة, فيعظم عندها ثواب الصلاة.

ثانياً: إنّ استحباب وفضيلة الصلاة في الروضة في المسجد النبويّ إنما هو لمكان قبرها(علیها السلام).3 - موثّق الحسن بن الجهم, قال: (قلت لأبي الحسن الرضا(علیه السلام): أيّهما أفضل رجل يأتي مكّة ولا يأتي المدينة, أو رجل يأتي النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) ولا يبلغ مكّة؟

قال: فقال لي: أيّ شيء تقولون أنتم؟

فقلت: نحن نقول في الحسين(علیه السلام), فكيف في النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم)؟

فقال: أما لئن قلت ذلك لقد شهد أبو عبدالله(علیه السلام) عيداً بالمدينة فدخل على النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) فسلّم عليه, ثمّ قال لمَن حضره: لقد فضلنا أهل البلدان كلّهم - مكّة فما دونها - لسلامنا على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) )(1).

4 - موثّق آخر للحسن بن الجهم, قال: (سألت أبا الحسن(علیه السلام): أيّهما أفضل المقام بمكّة أو بالمدينة؟

فقال: أيّ تقول أنت؟

قال: فقلت: وما قولي مع قولك؟

قال: إنّ قولك يردّك إلى قولي.


1) الوسائل: أبواب المزار ب10 ح1.

قال: فقلت له: أمّا أنا فأزعم أنّ المقام بالمدينة أفضل من المقام بمكّة.فقال: أمّا لئن قلت ذلك لقد قال أبو عبدالله(علیه السلام) ذلك يوم فطر, وجاء إلى رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) فسلّم عليه في المسجد, ثمّ قال: لقد فضلنا الناس اليوم بسلامنا على رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) )(1).

5 - ما رواه الصدوق مرسلاً في الفقيه, قال: (لمّا دخل رسول الله (صلی الله علیه و آله و سلم) المدينة قال: اللّهمّ حبّب إلينا المدينة كما حبّبت إلينا مكّة أو أشدّ, وبارك في صاعها ومدّها, وانقل حماها ووباءها إلى الجحفة )(2).

6 - ما تقدّم من مصحّحة سليمان بن حفص المروزي, عن أبي الحسن موسى بن جعفر(علیهما السلام), أنّ ثواب زيارة ابنه عليّ(علیه السلام) تعدل سبعون ألف حجّة, وقال(علیه السلام): وربّ حجّة لا تقبل )(3).

وبهذا البيان واللسان يتبيّن أنّ ما ورد مستفيضاً من ثواب زيارة كلّ واحد من المعصومين(علیهم السلام) من أنّها تعدل آلاف الحجج دالّة وناظرة إلى التفضيل.

7 - ما تقدّم من جملة من الروايات وغيرها ممّا لم نذكره الدالّة على


1) الوسائل: أبواب المزار ب9 ح2.

2) الوسائل: أبواب المزار: ب9 ح5.

3) الوسائل: أبواب المزار: ب86 ح1. عن العيون والأمالي وكامل الزيارات.

أنّ الصلاة ركعة عند قبر أحد المعصومين(علیهم السلام) تعدل حجّة في الفريضة أو عمرة في النافلة, بل في بعض الصلوات تعدل آلاف الحجج وآلاف العمر.

الآية الثانية: آية مقام إبرهيم(علیه السلام):

وهي تمثيل موردٍ لكبرى الموضوع, قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) (1).

وقد بُحث في آيات الأحكام تقريب دلالة الآية الشريفة على جعل حجر وصخرة مقام إبراهيم قبلة وإماماً وأماماً في صلاة الطواف, كما قد أشرنا في بحث التوسّل في الإمامة الإلهيّة إلى جملة من نكات وفوائد مفاد هذه الآية الكريمة, وأنّ أمره تعالى للاتّخاذ تشعير منه تعالى نظير تشعير المسجد الحرام, فليس هو عنوان المسجديّة فقط, بل هو تشعير لمشعر إلهي, كما أنّ متعلّق الاتّخاذ لأن يكون مصلّى - أي محلاً للصلاة وبقيّة العبادات - وهو عنوان آخر قريب لعنوان المسجديّة والمشعر الإلهي, كما أنّ التعبير ب-- ( المقام ) يراد به التعظيم والتقديس, وهو عنوان آخر لتشعير المشعر.

مضافاً إلى دلالة الآية على تقديسه وتعظيمه نظير مفاد الآية السابقة ( فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) أي تقدّس وتعظّم, ونظيره فی


1) سورة البقرة: الآية 125.

الآية الثانية التعبير ب-- ( المقام ) فإن هذا اللفظ للتعظيم والتفخيم ونظير قوله تعالى: ( ويُذْکَرَ فِیهَا اْسْمُهُ...) عنوان (المصلّى).

ثمّ إضافة المقام إلى إبراهيم نموذج وعنوان لكلّ مشهد وبيت ومقام ومكان يضاف إلى الأنبياء والأوصياء, لا سيّما من يعلو النبيّ إبراهيم في الفضيلة, كما قال تعالى: ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ) (1), وقوله: ( وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ ) (2).

فمقامات النبيّ ومشاهده أحرى بالتعظيم والتفخيم وباتّخاذها محلاًّ لعبادة الله والصلاة من مقام إبراهيم, ومن ثمّ ورد في روايات المقام كما تقدم في الوجه الثالث, الحثّ على الصلاة وإكثارها في جميع مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) وبيوته, وأنّ من بيوته (صلی الله علیه و آله و سلم) بيت عليّ وفاطمة وسائر المعصومين(علیهم السلام), وقد أشير إلى ذلك كله في الروايات العديدة الدالة على عدم سقوط التطوع في السفر نهارا في مشاهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم).

وممّا يشير إلى عموم مفاد هذه الآية موضوعاً وحكماً ما في مفاد الرواية الواردة في صلاة أمير المؤمنين(علیه السلام) بالإتمام في بقعة مسجد براثا, ونصب الصخرة التي وضعت مريم النبيّ عيسى عليها من عاتقها, ثمّ صلّى إلى الصخرة وجعل منها حرماً وأتمّهناك الصلاة أربعة أيّام.


1) سورة البقرة: الآية 253.

2) سورة الإسراء: الآية 55.

ما ورد من إتمام أمير المؤمنين(علیه السلام):

الصلاة في مسجد براثا أربعة أيّام:

روى الشيخ في أماليه بسنده عن حميد بن قيس قال: (سمعت أبا الحسن عليّ بن الحسين بن عليّ بن الحسين قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين(علیهم السلام) يقول: إنّ أمير المؤمنين(علیه السلام) لمّا رجع من وقعة الخوارج اجتاز بالزوراء (وذكر مرور أمير المؤمنين(علیه السلام) بمسجد براثا).

فلمّا أتى يَمنة السواد إذا هو براهب في صومعة له, فقال له: يا راهب, أنزل هاهنا؟

فقال له الراهب: لا تنزل هذه الأرض بجيشك.

قال: ولِمَ؟

قال: لأنّه لا ينزلها إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ بجيشه, يقاتل في سبيل الله عزّ وجلّ, هكذا نجد في كتبنا.

فقال له أمير المؤمنين(علیه السلام): فأنا وصيّ سيّد الأنبياء, وسيّد الأوصياء.

فقال له الراهب: فأنت إذن أصلع قريش ووصي محمّد (صلی الله علیه و آله و سلم).

فقال له أمير المؤمنين(علیه السلام): أنا ذلك, فنزل الراهب إليه, فقال: خذ علَيَّ شرائع الإسلام, إنّي وجدت في الإنجيل نعتك, وأنّك تنزل أرض

براثا بيت مريم, وأرض عيسى(علیه السلام).

فقال أمير المؤمنين(علیه السلام): قف ولا تخبرنا بشيء.

ثمّ أتى موضعاً فقال: الكزوا هذه, فلكَزه برجله(علیه السلام), فانبعقت عين خرّارة, فقال: هذه عين مريم التي نبعت لها.

ثمّ قال: اكشفوا هاهنا على سبعة عشر ذراعاً, فكشف, فإذا بصخرة بيضاء, ] فقال(علیه السلام): على هذه وضعت مريم عيسى من عاتقها, وصلّت هاهنا, فنصب أمير المؤمنين(علیه السلام)الصخرة وصلّى إليها, وأقام هناك أربعة أيّام يتمّ الصلاة, وجعل الحرم في خيمة من الموضع على دعوة, ثمّ قال: أرض براثا هذا بيت مريم(علیها السلام), هذا الموضع المقدّس صلّى فيه الأنبياء )(1).

ودلالتها واضحة في أنّ الإتمام لكون الموضع مقدّسا وذلك لصلاة الأنبياء(علیهم السلام) فيه.

فقوله(علیه السلام): (فنصب أمير المؤمنين الصخرة وصلّى إليها وأقام هناك أربعة أيّام يتمّ الصلاة, وجعل الحرم في خيمة من الموضع على دعوة, ثمّ قال: أرض براثا بيت مريم هذا الموضع المقدّسصلّى فيه الأنبياء) مفاده متطابق مع مفاد الآية الآمر باتّخاذ مقام الأنبياء والمصطفين مكاناً للصلاة وعبادة الله تعالى.


1) الأمالي: ص200 ح340/42.

فكما تجعل صخرة مقام إبرهيم أماماً في الصلاة جعل(علیه السلام) صخرة مريم والنبيّ عيسى أماماً لاتجاه القبلة في صلاته.

كما أنّ ذكره(علیه السلام) أنّه صلّى فيه الأنبياء تبيان لکون الموضع كبيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه, ووجه ثالث أنّه جعل الموضع بمثابة الحرم, وهذه الوجوه بمثابة الموضوع لإتمامه(علیه السلام) للصلاة, وقد تقدّم أنّ المجلسي والسيّد البروجردي احتملا إلحاق مسجد براثا بالأماكن الأربعة.

وروى الصدوق بسنده عن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه قال: (صلّى بنا عليّ(علیه السلام) ببراثا بعد رجوعه من قتال الشراة ونحن زهاء عن مائة ألف رجل... [قال الراهب:] أنّه لا يصلّي في هذا الموضع بهذا الجمع إلاّ نبيّ أو وصيّ نبيّ, وقد جئت اُسلم, فأسلم وخرج معنا إلى الكوفة, فقال له عليّ(علیه السلام): فمَن صلّى هاهنا؟

قال: صلّى عيسى بن مريم واُمّه.

فقال له عليّ(علیه السلام): فاُخبرك مَن صلّى هاهنا؟

قال: نعم.قال: والخليل(علیه السلام))(1).


1) الفقيه: ج1 ص 232 ح698. التهذيب ج3 ص264 باب فضل المساجد ح67.

وقال السيّد البروجردي في أبواب صلاة المسافر, الباب (22) من كتاب جامع أحاديث الشيعة بعد إشارته إلى هذه الرواية: (وأقام عليّ(علیه السلام) هناك (أي في أرض براثا بيت مريم(علیها السلام)) أربعة أيّام يتمّ الصلاة) (إنّما أشرنا إلى هذه الرواية, لأنّه يمكن أن يستفاد منها جواز الإتمام للمسافر في هذا المكان كالأماكن الأربعة)(1).

وقال المجلسي في البحار في ذيلها: (ثمّ اعلم أنّه يستفاد من هذا الخبر أنّ هذا الموضع أيضاً من المواضع التي يجوز للمسافر إتمام الصلاة فيها, ولم يقل به أحد)(2).

ويعضد رواية الإتمام في براثا موثقة حفص بن غياث قال رأيت أبا عبدالله(علیه السلام) يتخلل بساتين الكوفة ، فانتهى إلى نخلة فتوضأ عندها ثم ركع وسجد ، فأحصيت في سجوده خمس مائة تسبيحة ثم استند إلى النخلة فدعا بدعوات، ثم قال: (يا حفص إنها النخلة التي قال الله لمريم ( وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبࣰا جَنِيَّا) ) (3)ومفادها ظاهر في فضيلة المكان مما سبب فضيلة العبادة والإكثار منها فيه، وقد خلد القرآن ذكرى هذا المكان لحادث لصدّيقة وصدّيق فيه.


1) جامع أحاديث الشيعة: أبواب صلاة المسافر ب22 ح38.

2) البحار: ج102أو 99ص28.

3) وسائل : أبواب السجود : ب23 ح6 .

ما ورد في فضل النوافل

ولو النهارية للمسافر في مسجد الغدير:

ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج التي رواها كل من الكليني والصدوق والشيخ في التهذيب قال: سألت أبا إبراهيم(علیه السلام) عن الصلاة في مسجد غدير خم بالنهار وأنا مسافر, فقال: (صل فيه فان فيه فضلا, وقد كان أبي(علیه السلام) يأمر بذلك)(1).

وفي صحيحة أبان عن أبي عبد الله(علیه السلام) أنه قال: (إنه تستحب الصلاة في مسجد الغدير لان النبي (صلی الله علیه و آله و سلم) أقام فيه أمير المؤمنين(علیه السلام), وهو موضع أظهر الله عز وجل فيه الحق)(2)ورواها المحمدون الثلاثة في كتبهم.

وفي هاتين الصحيحتين إشارة واضحة إلى الموضوع المتقدم المشترك لعدم سقوط النوافل النهارية والإتمام في الفريضة وهي فضيلة المكان النابعة من قدسيته الحاصلية منكونه مشهداً للنبي والمعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين).

مؤيّدات أخرى للتعميم:

1 - ما مرّ من رواية أمالي الشيخ بسنده عن حميد بن قيس من صلاة أمير المؤمنين(علیه السلام) تماماً أربعة أيّام في مسجد براثا في سفره عند


1) الوسائل: أبواب المزار ب21 ح1 وأبواب أحكام المساجد ب61 ح2.

2) الوسائل: أبواب أحكام المساجد ب61 ح3.

رجوعه من قتال أهل النهروان, وأنّه ذكر(علیه السلام) في سياق بيان ذلك أنّه صلّى فيه الأنبياء, وصلّت فيه مريم, وجعل حرماً, وأنّ الصخرة فيه مقام ومشهد لوضع مريم عيسى عليها من عاتقها, وتقدّم دلالتها من وجوه.

2 - ما تقدم من ذهاب جماعة من الأصحاب إلى تعميم عدم سقوط النوافل النهارية للمسافر في جميع مشاهد المعصومين(علیهم السلام) وقد تقدم سرد قائمة بأقوال من ذهب إلى ذلك, كما تقدم الإشارة إلى العديد من الروايات الصحيحة المعتبرة في ذلك والتي عقد لها ابن قولويه وصاحب الوسائل باب مستقلاً, مع أن موضوع الحكم في النوافل للمسافر مع موضوع الفريضة واحد كما هو مفاد مصححة أبي يحيى الحناط قال: سألت أبا عبد الله(علیه السلام) عن صلاة النافلة بالنهار في السفر فقال: ( يا بني لو صلحت النافلة في السفر تمت الفريضة)(1).

3 - ما استظهره جماعة من الأصحاب بتعميم صيام قضاء الحاجة ثلاثة أيّام الأربعاء والخميس والجمعة الوارد عند قبر النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) لمشاهد المعصومين(علیهم السلام).

قال في المقنعة: (وصوم ثلاثة أيّام للحاجة أربعاء وخميس وجمعة متواليات عند قبر النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم), أو في مشهد من مشاهد الأئمّة(علیهم السلام))(2).


1) الوسائل: أبواب أعداد الفرائض ونوافلها: ب21 ح5.

2) المقنعة: 350.

وقال في إيضاح الفوائد: ( ذهب قوم إلى تحريم صوم النفل إلاّ ثلاثة أيّام للحاجة الأربعاء والخميس والجمعة عند قبر النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) أو مشهد من مشاهد الأئمّة(علیهم السلام))(1).

وقال ابن فهد في المهذّب: (إلاّ ثلاثة أيّام الحاجة بالمدينة, وألحق المفيد المشاهد والصدوقان وابن إدريس الاعتكاف في مواطنه الأربعة)(2).


1) إيضاح الفوائد: ج1 ص243 .

2) المهذب البارع ج2 ص53.

تنبيهات مسألة عموم التخيير وأفضليّة الإتمام في مشاهد الأئمّة(علیهم السلام)

التنبيه الأول: في حدود الإتمام

في مراقد المعصومين(علیهم السلام):

فقد تقدّم في كلام المحقّق الميرداماد أنّه ما دارت عليه سور المشاهد, وهو ظاهر تعبير عليّ بن بابويه في الفقه الرضوي, وابن قولويه في كامل الزيارات, والمرتضى في الجمل, وابن الجنيد وغيرهم ممّن عبّر بالمشاهد المشرّفة. ويدعم ما ذهبوا إليه صدق عنوان (عند القبر) الوارد في الأدلّة المتقدّمة, وكذا عنوان الصلاة في بيوتهم(علیهم السلام) التي هي عبارة عن حرمهم بل وعنوان مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) الوارد في الوجه الثالث بعد إضافة مشاهدهم إلى مشاهد النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم), كما هو الحال في بيوتهم أنّها بيوت النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم).

ويدعمه أيضاً ما ورد في محسّنة عليّ بن حسّان عن الرضا(علیه السلام)- المتقدّمة

• الواردة في إتيان قبر أبي الحسن موسى(علیه السلام), قوله(علیه السلام): (صلّوا في المساجد حوله)(1).

هذا مضافاً إلى معاضدة ذلك بإشارات في الأدلّة شاملة للأوسع من المشاهد للبلد الذي هو فيه, وإن لم تصل إلى الدلالة التامّة, نظير صحيح أبي هاشم الجعفري: إنّ بين جَبَلَي طوس قبضة قُبضت من الجنّة)(2).

ومثلها موثّقة ابن فضّال(3)وهو نظير تعدد مراتب الفضيلة الوارد في الأماكن الأربعة, فتعدّدت الألسن في كل واحد منها تارة بعنوان المسجد, واُخرى بعنوان البلد, وثالثة بعنوان الحرم ورابعة بغير ذلك.

الثاني: توسعة محل التخيير للبلدان الأربعة:

توسعة محلّ التخيير وأفضليّة الإتمام في المواطن الأربعة لكلّ البلدان الأربعة لا خصوص المساجد ولا خصوص الحائر القريب من قبر الحسين(علیه السلام), فقد تقدّم ذهاب جماعة كثيرة من الأصحاب إليه, لا سيّما المتقدّمين, بل ذهاب الشيخ والكيدري وأكثرالمتقدمين إلى الإتمام في كلّ النجف والكوفة, فضلاً عن العدّة التي ذهبت إلى الإتمام في جميع المشاهد.


1) الوسائل: أبواب المزار ب81 ح2.

2) الوسائل: أبواب المزار: ح82 ح13؛ التهذيب ج6 ص109 ح192.

3) التهذيب: ج6 ص108. والفقيه ج2ص585.

وقد تقدّمت الإشارة إلى وجه ذلك, وهي ورود الروايات المعتبرة بألسن متعدّدة, فمنها صحيح حمّاد, عن أبي عبدالله(علیه السلام) أنّه قال: (من مخزون علم الله الإتمام في أربعة مواطن: حرم الله, وحرم رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم), وحرم أمير المؤمنين(علیه السلام), وحرم الحسين بن عليّ(علیه السلام))(1).

وقد رواه كلّ من الصدوق وابن قولويه والشيخ, وهو بلفظ وعنوان الحرم لا خصوص عنوان المدينة ولا عنوان المسجد.

وفي رواية زياد القندي, قال: ( قال أبو الحسن(علیه السلام): يا زياد, اُحبّ لك ما اُحبّ لنفسي, وأكره لك ما أكره لنفسي, أتمّ الصلاة في الحرمين والكوفة وعند قبر الحسين(علیه السلام) )(2), فقد ورد عنوان الكوفة كما ورد في العديد من الروايات عنوان مكّة والمدينة, والمصحّح إلى عبدالحميد خادم إسماعيل بن جعفر, عن أبي عبدالله(علیه السلام), قال: (تمّم الصلاة في أربعة مواطن: في المسجد الحرام, ومسجد الرسول (صلی الله علیه و آله و سلم), ومسجد الكوفة, وحرم الحسين(علیه السلام))(3).

فذكر عنوان الحرام فيه خاصّة مضافاً إلى الحسين(علیه السلام) دون الثلاثة, مع أنّ عنوان الحرمين ورد في عدّة صحاح مضافاً إلى مكّة والمدينة.


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر ب25ح1.

2) الوسائل: أبواب صلاة المسافر ب25 ح13.

3) الوسائل: أبواب صلاة المسافر ب25 ح14.

ومثله مصحّح حذيفة بن منصور(1)وموثّق أبي بصير(2).

ومرسل الشيخ في المصباح قال بعد روايته عن حذيفة بن منصور المزبور: (وفي خبر آخر: في حرم الله, وحرم رسوله, وحرم أمير المؤمنين(علیه السلام), وحرم الحسين(علیه السلام) )(3).

فمع:

1 - عموم لسان الدليل لا موجب لحمله على اللسان الخاصّ بعد كونهما مثبتين, وبنحو الاستغراق موضوعاً.

2 - مضافاً إلى ما تقدّم من تفاوت الفضل في لسان الأدلّة في نفس المسجد الحرام والحرم المكّي ومكّة مع وجود الفضل في كلّ ذلك, وكذلك في المسجد النبويّ والروضة وبيت فاطمة(علیها السلام) وبيوت النبيّ (صلی الله علیه و آله و سلم) والمدينة والحرم المدني, فكذلك الحال في مسجد الكوفةوالكوفة ومرقد وحرم أمير المؤمنين(علیه السلام).

3 - مع ورود جملة من الروايات الصحيحة الواردة في زيارته(علیه السلام) أنّ أصل حرم الأمير(علیه السلام) هو مرقده(علیه السلام), واستوجه المجلسي استظهار الشيخ في النهاية والمبسوط أنّ الأصل في حرمة الكوفة ومسجدها


1) الوسائل: أبواب صلاة المسافر ب25 ح23.

2) الوسائل: أبواب صلاة المسافر ب25 ح25.

3) الوسائل: أبواب صلاة المسافر ب25 ح24.

مرقده(علیه السلام).

4 - فذكر المساجد من باب الأبرز شرفيّة في نقاط تلك البلدان, كما تقدّم في كلام الذكرى, وهذا وجه التخصيص بعنوان المساجد في بعض الروايات.

وأمّا حرم الحسين(علیه السلام) فقد تقدّم أنّ المفيد في المزار حمل الحائر على نفس معنى الحرم, وأنّ التحديد بخمسة فراسخ وفرسخ وبالأذرع محمول على تفاوت درجات القدسيّة والفضل, ووافقه يحيى بن سعيد في كتاب السفر, وأنّه قدّر بخمسة فراسخ وأربعة فراسخ وبفرسخ, وقال: (والكلّ حرم وإنْ تفاوتت الفضيلة).

فهرس الموضوعات

تمهيد.......... 7

الأقوال في المسألة.......... 9

أقوال الأصحاب في التعميم.......... 11

أقوال في التوسعة من جهات اُخرى.......... 25

ملحق الأقوال.......... 31

تقريب الأدلّة على التعميم في موضوع التخيير.......... 33

الوجه الأوّل: اصطياد العموم في الموضوع من الأدلة .......... 37

الوجه الثاني: عموم التعليل (قدسية المكان) يعمم الموضوع.......... 49

فذلكة في التعليل:.......... 52

الوجه الثالث: تعدد لأسنة الموضوع للإتمام الوارد في الروايات عددا وعنوانا .......... 57

إختلاف الألسنة في عدد المواطن:.......... 57

اللسانان الآخران: المشاهد ومشاهد النبي (صلی الله علیه و آله و سلم):.......... 58

الوجه الرابع: التنصيص الخاص على الإتمام عند قبور بقية الأئمة المعصومين(علیهم السلام).......... 65

تعدّد ألفاظ المتن وتعدّد الطرق:.......... 66

فقه ودلالة الرواية:.......... 67

الوجه الخامس: عموم موضوع الإتمام حرم الله وحرم رسوله (صلی الله علیه و آله و سلم) وحرم أمير المؤمنين(علیه السلام).......... 75

الملحقات والتبيهات.......... 77

ملحق الوجه الأوَّل: لتبيين عموم الموضوع.......... 79

لتبيين عموم الموضوع.......... 79

فضيلة وشرف مشاهد المعصومين:.......... 79

آية بيوت النور:.......... 83

الآية الثانية: آية مقام إبرهيم(علیه السلام):.......... 111

ما ورد من إتمام أمير المؤمنين(علیه السلام):.......... 113

الصلاة في مسجد براثا أربعة أيّام:.......... 113

ما ورد في فضل النوافل ولو النهارية للمسافر في مسجد الغدير:.......... 117

مؤيّدات أخرى للتعميم:.......... 117

تنبيهات مسألة عموم التخيير وأفضليّة الإتمام في مشاهد الأئمّة(علیهم السلام).......... 121

التنبيه الأول: في حدود الإتمام.......... 121

في مراقد المعصومين(علیهم السلام):.......... 121

الثاني: توسعة محل التخيير للبلدان الأربعة:.......... 122

فهرس الموضوعات.......... 127