قاعده الملازمه بین العقل و الشرع

ghaemiyeh.com

اشارة

نام كتاب: قاعدة الملازمة بين العقل و الشرع( فوائد الأصول للآخوند) موضوع: قواعد فقهى نويسنده: خراسانى، آخوند محمد كاظم بن حسين تاريخ وفات مؤلف: 1329 ه ق زبان: عربى قطع: وزيرى تعداد جلد: 1 تاريخ نشر: ه ق ملاحظات:" قاعده ملازمه بين عقل و جهل" در فائدة 14 ص 127 چاپ شده است

اشارة

اشارة

قد اشتهر بين المتأخّرين النّزاع في الملازمة بين حكم العقل و الشّرع بمعنى انّ كلّما يكون تمام ملاك حكم العقل بحيث لو اطّلع عليه العقل يحكم بحسن الفعل به أو قبحه، يكون تمام ملاك حكم الشّرع حتّى يكون العقل فيما استقلّ به دليلا عليه و كاشفا عنه أو لا كيلا يكون عليه دليلا، و هذه الملازمة الّتي تكون مفاد القضيّة المعروفة «كلّما حكم به العقل حكم به الشّرع»، و لا يخفى أنّ هذه القضيّة قد يقال في قبال من يرى جواز خلوّ الواقعة عن الحكم الشّرعي، فيكون المقصود إثبات أصل الحكم الشّرعي قبالا لمن ينفيه فإثبات المطابقة غير ملحوظة أصالة، و قد يقال في قبال من يرى صحّة حكم الشّرع على خلاف حكم العقل، فيكون المقصود بها إثبات المطابقة بعد الفراغ عن ثبوت الحكم الشّرعي فيها، فهاهنا مقامان، و لتحقيق الحق فيهما نقدّم أمرين:

أحدهما

انّ الحكم الشّرعي قد يطلق و يراد به الخطاب المتعلّق بأفعال المكلّفين الّذي يشترك فيه كافّتهم لا اختصاص له بخصوص أشخاص، سواء بلغ حد الفعليّة و التّنجّز، أو لا، و قد يطلق و يراد به خصوص البالغ حدّ الفعليّة، أي حدّا ينقدح في نفس المولى البعث و الزّجر فعلا، بلغ حدّ التّنجّز أو لا، و قد يطلق و يراد به خصوص البالغ، أي ما يصحّ معه العقوبة على مخالفته، و قد يطلق و يراد به إرادة فعل شي‌ء أو كراهته من المكلّف و لو لم يكن في البين خطاب، و لا يخفى انّهما (1)في الحقيقة ملاك صيرورة (2)


1) في «ن»: انّها.

2) في «ن»: ضرورة.

الخطاب تحريما أو إيجابا حقيقة و بدونه لا يكون إلّا صورة الحكم واقعا بحيث لو كانا و علم المكلّف بهما لاستقلّ العقل بصحّة العقوبة على المخالفة و لو لم يكن في البين خطاب، و لو لم يكونا لم يستحقّ العقوبة على مجرّد مخالفة الخطاب إلّا من باب التّجرّي في بعض الأحيان، لا من باب العصيان، فيكون بينهما و الخطاب بحسب المورد عموما و خصوصا من وجه.

ثانيهما

انّه لا يخفى أنّ مجرّد حسن فعل أو قبحه عقلا لا يوجب إرادة العقلاء إيّاه بحيث يبعثون إليه عبيدهم أو يزجرونهم عنه كما يحسنون أو يقبّحون عليه لو اتّفق صدوره من أحد، بل لا بدّ في حصولهما من دواعي و أغراض آخر، فربّما يكون لهم داعي إلى صدور الحسن من العبد، و ربّما لا يكون.

و الحاصل أنّ مجرّد حسن فعل لا يكون بداعي لإرادته من الغير و بدونه لا يكاد أن يتعلّق بصدوره منه إرادة و يشهد به مراجعة الوجدان حيث لا نجد من أنفسنا حصول الإرادة بمجرّد ملاحظة حسن فعل الإنسان، فربّما لا نريد الإحسان منه إلى أحد بل نكرهه و إن كان مستحقّا للتّحسين لو فعله، و هذا واضح لا سترة عليه.

لا يقال: إنّ العاقل كيف يصحّ أن لا يريد ما يحسّنه العقل أو لا يكره ما يقبّحه، و لا معنى لتحسينه و تقبيحه على ما سبق في الفائدة السّابقة إلّا استعجاب العقل و رضاه و استغرابه و سخطه، و هذان مساوقان للإرادة و الكراهة.

لأنّا نقول: هذا واضح البطلان، لما عرفت من شهادة الوجدان على عدم كفاية ذلك منهما، كيف و يصدر من العقلاء أنفسهم كثيرا ما اختيار فعل القبيح و ترك الحسن، و لا يكاد أن يصدر بالاختيار شي‌ء إلّا بالإرادة، و سرّه أنّ الدّاعي الّذي هو سبب الإرادة يختلف باختلاف الأحوال و الأشخاص و غلبة الشّهوات و التفاوت في الملكات و ملاحظة نظام الكائنات.

إن قلت: هذا في العقلاء، واضح، و أمّا في الخالق تعالى شأنه فلا، لأجل أنّ الإرادة و الكراهة فيه تعالى ليس إلّا عمله بمصلحة الفعل و مفسدته، و لا حسن و لا قبح إلّا بالمصلحة و المفسدة.

قلت: الإرادة كسائر الصّفات فيه تعالى و إن اتّحدت مع العلم وجودا، و مصداقا، إلّا أنّ مجرّد العلم بالمصلحة كما أنّه ليس بإرادة تكوينيّة موجبة لتحقّق المراد بحكم «إذا أراد اللّه شيئا أن يقول له كن فيكون» (1)كما عرفت في بعض الفوائد


1) يس- 82 (انما امره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون).

السّابقة، كذلك ليس بحسب المصداق إرادة تشريعيّة موجبة لبعث العباد نحو المراد، و ذلك لإمكان اجتماع علمه بها مع ما يمنع عقلا عن البعث و الزّجر كما في صورة مزاحمة ما فيه المصلحة الملزمة بما كان أهمّ منه لقبح البعث حينئذ إلى غير الأهمّ لا إليه، و كذا البعث إليهما كما لا يخفى، مع أنّه على ما هو عليه من المصلحة كما إذا لم يكن هناك مزاحمة أو لعدم الاستعداد بعد في العباد لقرب عهدهم من الإسلام بحيث ربّما يوجب بعثهم و حملهم على جميع الأحكام النصرة عن الإسلام، أو لأمر آخر لا نعرفه و لا يلزمه معرفته كما في الصّبيّ الّذي لطف قريحته و حسن زكاه، ضرورة أنّ أفعاله ذات مصلحة و مفسدة، مع أنّه من المعلوم بالضّرورة من الدّين بل سائر الأديان أنّه لا يتعلّق بها بعث و زجر شرعا حقيقة، هذا مع أنّه لا بدّ فيه من قابليّة المحلّ بأن لا يكون بنفسه ممّا يترتّب آثار التّكليف من القرب و البعد، و الثّواب و العقاب كما في الإطاعة و العصيان و التّجرّي و الانقياد، إذا لا ملاك حينئذ للطّلب المولويّ، فانّه يكون بلا فائدة و بدونها يكون لغوا كما لا يخفى.

و بالجملة إنّما يكون عمله تعالى بالمصلحة أو المفسدة مصداقا للإرادة و الكراهة فيه تعالى فيما ينطبع في النّفس النّبويّة صلوات اللّه و سلامه على صاحبها الّتي يكون المجلي التّامّ و المرآة العام، لما في ذلك (1)المقام الإرادة الباعثة الملزمة المولويّة و الكراهة الزّاجرة كذلك، و من المعلوم من حاله عليه الصّلاة و السّلام (2)أنّه لا يكون له بالنّسبة إلى فعل غير البالغ إرادة و كراهة كذلك، مع انّه لو كان في ذلك المقام الشّامخ ما هو بإزاء الإرادة و الكراهة لا انعكس منه في نفسه عليه الصّلاة و السّلام ما يكون إرادة و كراهة حقيقة، فانكشف من عدمهما فيها عدم كون مجرّد علمه تعالى بالمصلحة و المفسدة في الأفعال الاختياريّة للعباد إرادته تعالى و كراهته الملزمتين لها كما لا يخفى.

و الحاصل انّه لا بدّ في تحقيق التّكليف الشّرعي من حسنه، و لا يكفى مجرّد حسن المكلّف به كما أنّه لا بدّ في إرادتنا الفعل من عبيدنا من تعلّق غرضنا بصدوره منهم، و لا يكفى مجرّد حسنه، و لعمري هذا واضح.


1) خ ل: ذاك.

2) في «ن»: صلّى اللّه عليه و آله.

فإذا عرفت هذين الأمرين ظهر الحقّ في المقامين و هو في:

المقام الأوّل

جواز خلوّ الواقعة عن الحكم الشّرعي بحيث لم يكن فيها بعث أو زجر و لا إرادة أو كراهة مولويّة و لا أمر أو نهى (1)، كما في الصّبيّ و المجنون مطلقا و كافّة النّاس في صدر الإسلام في الجملة، لا بمعنى خلوّ الواقعة عن الخطاب مع ثبوت ما هو روحه و لبّه من الإرادة الباعثة و الكراهة الزّاجرة اللّتين هما حقيقة التّحريم و الإيجاب و عليهما مدار الثّواب و العقاب وجودا و عدما لا على الخطاب، بداهة أنّه انّما يوجبهما لكشفه عنهما بحيث لو لم يكونا مع علم العبد به لم يكن ثواب و لا عقاب و لو كان هناك ألف خطاب، و لو كانا و اطّلع عليهما لاستحقّ على الموافقة و المخالفة للمثوبة (2)و العقوبة و لو لم يكن في البين خطاب أصلا كما لا يخفى، بل المدار على شأنهما فيما إذا كان عدم تحقّقهما فعلا لعدم الالتفات بحيث لو التفت لأراد فعلا، كما يظهر كلّ ذلك من صحّة العقوبة على ترك إنقاذ العبد لولد المولى إذا كان غريقا و استحقاقه المثوبة على إنقاذه و لو مع عدم فعليّة إرادة المولى لعدم التفاته إلى كون ولده غريقا، فضلا عمّا إذا أراد فعلا لالتفاته إليه، بل بمعنى خلوّ الواقعة عن الخطاب بروحه و لبّه، لما عرفت من أنّ مجرّد حسن شي‌ء أو قبحه لا يكون داعيا إلى فعله أو تركه كي يريده أو يكرهه، و ما لم يكونا بمجرّدهما داعيين لم يكن ملازمة بينهما و بين التّحريم و الإيجاب بمعنى الكراهة و الإرادة اللّتين هما روح الخطاب، و يكونان منشأين لانتزاع البعث و الزّجر و التّحريك و الرّدع من الخطاب و كافيتين في انقداحهما و انتزاعهما و لو لم يكن في البين خطاب، و هو لا يكفى بدونهما في ذلك كما لا يخفى.

فظهر أنّ مدار الثّواب و العقاب و إن كان على ما هو روح الخطاب، لا عليه كما توهّمه سيّد الصّدر، إلّا انّ حسن الفعل و قبحه بمجرّد هما لا يكونان منشأين لهما و إن كانا موجبين لاستعجاب العقل و استغرابه و هما غير الإرادة و الكراهة بالضّرورة، بداهة انّه لا يراد إحسان إنسان مع حسنه و استعجاب العقل له و المدح عليه، بل يكرهه لو كان من الأعداء، و انّه ربّما لا يكره الظلم و الإساءة لو كان إليهم مع قبحه و استغراب العقل له، فلا يستلزم المصلحة و المفسدة للخطاب، كما هو واضح لا سترة عليه، و لا لما هو عليه مدار الثّواب و العقاب على ما أوضحناه.


1) في «ن»: و لا نهى.

2) في «ن»: المثوبة.

فما أفاده شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) ردّا على سيّد الصّدر على ما في تقريرات بعض الأعاظم من أن الثّواب و العقاب ليسا دائرين مدار الخطاب، بل مدار الإرادة من الرّضا، الناشئ من الحسن و الكراهة النّاشئة من السّخط و المقت النّاشئتان من القبح و إن كان في غاية الجودة من حيث منع دوران الثّواب و العقاب مدار الخطاب، إلّا أنّه من حيث انّ الحسن و القبح مستلزمان للرّضاء و السّخط المستتبعان للإرادة و الكراهة محلّ نظر بل منع، لما عرفت بما لا مزيد عليه من أنّ الحسن و القبح غير مستلزمين للإرادة و الكراهة، لعدم كونهما بمجرّد هما داعيين، و لا يكاد أن يتحقّقا بدون ذلك، و مدح المولى أو ذمّه على صدور الحسن أو القبح إنّما هو من حيث انّه عاقل، لا من حيث انّه مولى و ما لم يكن هذا من جهة مولويّته لم يكشف عن إرادته و موافقة غرضه أو كراهته و مخالفته، و قد عرفت سرّه و هو انّه ليس كلّ حسن موافقا للغرض و كلّ قبيح مخالفا له و بدونهما لا يكاد أن يكون الشّي‌ء مرادا و مكروها، بل و لا كلّ موافق له مرادا فعلا كما في صورة تزاحم الواجب بالأهمّ، فافهم و لا تشتبه.

و قد عرفت ممّا ذكرنا موارد انفكاك حكم العقل بالحسن و القبح عن حكم الشّرع بين ما استقلّ العقل بلزوم الانفكاك، إمّا لعدم قابليّة المحلّ للطّلب المولويّ، و إمّا لوجود المانع كما في صورة المزاحمة بالأهمّ، و ما لم يستقلّ به كما في أفعال الصّبي المميّز في وجه و كثير من أفعال الأنام في صدر الإسلام.

و الحق في: المقام الثّاني

اشارة

جواز عدم المطابقة بين حكم العقل و حكم الشّرع، و جواز أن لا يلزم شرعا بفعل ما فيه مصلحة ملزمة عقلا أو بترك (1)ما فيه مفسدة ملزمة كذلك، بل أمر بالأوّل امر استحباب (2)و ينهى عن الثّاني نهى تنزيه (3)لعدم مصلحة في الخطاب بالتّحريم و الإيجاب كما في الصّبيّ المميّز بناء على كون عباداته شرعيّة مندوبة إليها شرعا و ساير موارد دفع التّكليف الإلزاميّ امتنانا بناء على كونها محكومة بغيره من الأحكام كما هو كذلك بناء على مذهبنا من عدم خلوّ واقعة من الوقائع من حكم من الأحكام


1) خ ل: يلزم.

2) خ ل: أمرا استحبابيّا.

3) خ ل: نهيا تنزيهيّا. و في «ن»: منهي تنزيهيّة.

الخمسة، لكن لا يخفى أنّ الدّعوى إنّما هو جواز تخلّف الإلزام الشّرعي من العقلي، بمعنى أن لا يلزم شرعا بما ألزم به عقلا، لا بمعنى أن يلزم شرعا ممّا لا يلزم به عقلا، فهاهنا دعويان:

الأولى:

عدم لزوم الإلزام شرعا بما ألزم به عقلا، و قد ظهر ذلك ممّا ذكرناه في المقام الأوّل، و انّه يمكن اجتماع المصلحة الملزمة أو المفسدة كذلك، مع ما يمنع (1)عن الإلزام شرعا دون الكراهة و الاستحباب، فيبعث نحوه بعث و كراهة و استحباب، لا حرمة و إيجاب.

الثّانية:

لزوم أن لا يلزم شرعا إلّا بما يلزم به عقلا، و ذلك لأنّ الطّلب الحقيقيّ و البعث الجدّي الإلزاميّ لا يكاد أن يكون إلّا بملاك يكون في المطلوب و المبعوث إليه، و لا يكاد أن يكون فيه بالنّسبة إليه تعالى ملاك إلّا المصلحة الذّاتيّة أو العارضة بسبب بعض الوجوه الطّارية، حيث لا يعقل في حقّه تبارك و تعالى غرض أو داعي آخر.

إن قلت: نعم و لكنّه يكفى حسن التّكليف و ثبوت المصلحة في (2)نفس الطّلب و الإلزام من دون أن يكون مصلحة و مفسدة في الواجب و الحرام، كما هو كذلك في غير مورد من الموارد، منها الأوامر الامتحانيّة، و منها الأوامر في الواجبات و المستحبّات العباديّة، إذ الطّلب فيهما لم يتعلّق بالرّاجح و ما فيه المصلحة، فانّها بدون قصد القربة غير راجحة، و لا ممّا فيها المصلحة مع انّها كذلك متعلّقة للطّلب، ضرورة أنّ مثل قصد القربة من القيود إنّما يكون ناشئة من الطّلب، فكيف يمكن أن يكون مأخوذا في المطلوب، فهي إنّما يقع راجحة بعد الأمر إذا قصد بها التّقرب لا قبله، فيكون الطّلب متعلّقا بغير الرّاجح عقلا، و منها الأوامر و النّواهي الظّاهريّة الّتي أدّت إليها الأصول و الطّرق الشّرعيّة في صورة المخالفة، فتعلّق الأمر بما ليس براجح و النّهي بما هو راجح في هذه الصّورة في الجملة كما هو واضح، و منها أوامر التّقيّة، بداهة أنّه لا حسن إلّا في نفسها لا في المأمور بها.

قلت: الطّلب الحقيقيّ و الإلزام الجدّي و البعث الواقعيّ لا يكاد أن يتعلّق


1) خ ل: مع ما يكون خاليا عن الإلزام.

2) خ ل: من.

بشي‌ء ما لم يكن فيه بذاته أو بالوجوه و الاعتبارات الطّارية عليه خصوصيّة موافقة للغرض داعية إلى تعلّق الطّلب به حقيقة، و إلّا كان تعلّق الطّلب به دون غيره ترجيح بلا مرجّح، و هذا واضح، و لا يكون تلك الخصوصيّة بالنّسبة إليه تعالى إلّا المصلحة المرجّحة لصدورها عقلا كما لا يخفى.

و أمّا الأوامر الامتحانيّة فليست بأوامر حقيقيّة بل صوريّة، إذ لا إرادة فلا طلب و لا بعث عن جدّ، و الكلام إنّما هو في التّكليف الحقيقي لا الصّوري، نعم بناء على عدم اتّحاد الطّلب و الإرادة يمكن أن يكون فيها الطّلب الحقيقيّ مع عدم الإرادة، و قد عرفت في بعض الفوائد اتّحادهما بما لا مزيد عليه.

و أمّا الأوامر في العبادات فانّما يكون بالرّاجحات بأنفسها و اعتبار قصد القربة و عدم سقوطها إلّا معه امّا لأجل تعلّقها بإتيان هذه الرّاجحات على نحو راجح بأن يؤتى بها بداعي رجحانها لا بغيره من الدّواعي النّفسانيّة، فيكون الموضوع فيها هو الموضوع في حكم العقل الموضوع في حكم العقل بالحسن، أي مدح الفاعل عليه، و من المعلوم اعتبار صدور الفعل بداعي رجحانه في حكم العقل به بهذا المعنى، و كفاية قصد الامتثال إنّما هو لكونه قصدا للإتيان بداعي الرّجحان على الإجمال إذ من المحال ان يدعو الأمر إلى غير المأمور به، أو لأجل أنّ الأمر فيها و إن تعلّق بنفس الرّاجح لا بإتيانها على نحو راجح إلّا ان الغرض فيها لما علم أنّه تكميل العباد، لا مجرّد السّياسة و نظم البلاد كما في التّوصّليّات، و هو لا تحصل إلّا إذا قصد بها الامتثال وجب قصده فيها لاستقلال العقل بلزوم الإطاعة على نحو يحصل به الغرض لا مجرّد الموافقة، و قد فصّلنا القول فيه في التّعليقة الجديدة فيما علّقناه على مباحث العلم الإجماليّ، فليراجع ثمّة من أراد الاطّلاع على حقيقة الحال.

و قد أفاد شيخنا العلّامة (قدّس سرّه) في بيان الجواب عن استدلال صاحب الفصول (ره) لتفكيك حكم الشّرع عن حكم العقل بأوامر العبادات في بحثه على ما في تقريرات بعض أعاظم تلامذته وجهين آخرين قريبين ممّا أفاده في طهارته في مقام التّفصّي عن إشكال اعتبار قصد القربة في بعض مقدّمات العبادات:

أحدهما:

ما ملخّصه منع اعتبار قصد القربة في العبادات من حيث هو هو، بل انّما اعتبر فيها لكونه قصدا إجماليّا لعنوان الّذي به يكون الشّي‌ء مأمورا به حيث يجوز

أن لا يكون الفعل بجميع وجوهه و عناوينه حسنا عقلا و لا مأمورا به شرعا، بل بعنوان واحد و بوجه فارد، فحينئذ يجب أن يعيّن بالقصد وجهه و عنوانه و لو بالإجمال بأن يؤتى به بداعي الامتثال، إذ الأمر لا يدعو إلّا إلى الشّي‌ء بعنوانه الّذي به يكون مأمورا به.

ثانيهما:

ما ملخّصه بعد تسليم اعتبار قصد القربة فيها من حيث هو هو، و أنّ الفعل بدونه ليس براجح، أنّ الأمر الحقيقي و الطّلب النّفس الأمري انّما تعلّق بها مقيّدة بقصد القربة بعد تعلّق الأمر اللّفظي و الطّلب الصّوري بها بدونه، للحيلة بها إلى الوصول إلى ما هو المقصود الأصلي، و الحسن العقلي و هو الفعل المتقرّب به بالأمر اللّفظي الصّوري و إن تعلّق بغير الحسن و تخلّف عن الحكم العقلي، إلّا انّ الأمر الحقيقيّ لما تعلّق به مقيّدا بقصد القربة و الإتيان بداعي الامتثال لم يتخلّف عنه و لم يتعلّق بغير الحسن، لأنّه كذلك حسن عقليّ.

قلت: و في كلا الوجهين نظر:

أمّا في الأوّل، فأوّلا للزوم عدم اعتبار قصد القربة في العبادات أصلا فيما إذا قصد عنوان المأمور به بوجه آخر إجمالا، بداهة عدم انحصار القصد الإجماليّ له بقصدها كما لا يخفى، و لا يبعد دعوى بداهة فساده و ضرورة بطلانه، و لا يرد هذا على ما ذكرناه، أمّا على الثّاني فواضح، و أمّا على الأوّل فلأنّ الفعل عليه لا بدّ أن تقع على وجه قربي و إن لم يقع بقصد الامتثال، بداهة أنّ الفعل الرّاجح لو أتى به بداعي رجحانه يقع مقرّبا، كيف و إلّا لما استحقّ عليه المدح، فافهم.

و ثانيا عدم كون قصدها قصدا إجماليّا له أصلا، بل لا بدّ أن يقصد و يتصوّر أوّلا تفصيلا أو إجمالا، كي يدعوا إليه امتثال أمره ثانيا إذ لولاه لكان من المحال أن يكون قصد الامتثال داعيا إليه، ضرورة استحالة دعوة الشّي‌ء إلى أمر غير متصوّر إلّا بنفس دعواه، كما لا يخفى على المتفطّن.

و أمّا في الثاني، فللزوم كون مدار حصول القرب (1)و استحقاق الثّواب على قصد امتثال الأمر الصّوري و الأمر الحقيقي لو لم يكن بنفسيّ لا يترتّب على قصد امتثاله بما هو امتثاله قرب و لا ثواب، فضلا عما ليس بأمر حقيقي.


1) خ ل: التقرّب.

و الحاصل أنّ الأمر الصّوري ليس بأمر حقيقة إذ ليس فيه طلب و بعث جدّاً و الإطاعة و ما يتبعها من القرب و الثّواب من آثار الأمر و هو واضح، مع أنّ موافقة الأمر (1)بمجرّدهما إن كان موجبة لسقوطه مطلقا و لو لم يحصل بها الفرض يلزم سقوط هذا الأمر (2)بإتيان العبادات بلا قصد التّقرّب بها كما لا يخفى، مع أنّه ليس كذلك ضرورة عدم سقوطه كذلك و إن لم يكن موجبة لسقوطه مطلق، بل إذا كانت على نحو يسقط به الغرض فلا داعي إلى هذا التّكليف، بل يكفى الأمر الحقيقي في لزوم قصد القربة عقلا إذا كان الغرض منه بحيث لم يحصل بمجرّد موافقته، بل فيما إذا قصد بها الامتثال كما ذكرنا في الوجه الثّاني.

إن قلت: كون الأمر المتعلّق بذات العبادات صوريّا و لفظيّا إنّما هو بلحاظ المقصود الأصلي و المطلوب الحقيقيّ، و إلّا فهو بلحاظ ما يدعو إليه من التوسّل به إلى المقصود و الحيلة في الوصول إلى المطلوب يكون حقيقيّا.

قلت: كون الأمر حقيقيّا إنّما هو بكون متعلّقة حقيقة مطلوبا مبعوثا إليه لا بان يترتّب عليه أثر، نعم لو كان مثل هذا الأثر مترتّبا على متعلّق الأمر كان الأمر به حقيقيّا و إن كان غيريّا كما في مقدّمات المطلوب، هذا مع أنّ الأمر لو صادر بمجرّد ذلك حقيقيّا لزم الانفكاك و التّخلّف (3)، و معه لا وجه لهذا التّكليف.

و أمّا الأوامر و النّواهي الظّاهريّة فيمكن أنّ يكون صوريّة لو لم يكن متعلّقاتها بما هي ممّا أدّى إلى حكمه هذا الطّريق أو الأصل ذا مصلحة أو مفسدة، و يمكن أن يكون حقيقيّة لو كانت كذلك، فلا وجه للاستدلال بها على الاحتمالين.

و أمّا أوامر التّقيّة فإن كان الاتّقاء بنفسها، فهي ليست إلّا أوامر لفظيّة قصد بها معانيها الإنشائيّة بلا ملاك للطّلب الجدّي أو غير معانيها الحقيقيّة تورية معه أو لم يقصد لها معنى أصلا و إن كان الاتّقاء بموافقتها، فالمأمور بها يكون ذا مصلحة ملزمة بما هي كذلك، فأيّ مصلحة أعظم من هذه المصلحة كما لا يخفى.

فتلخّص أنّه لا إلزام شرعا حقيقة إلّا في موارد الإلزامات العقليّة و موارد توهّم التخلّف بين ما لا إلزام هناك حقيقة، و ما يكون هناك إلزام عقليّ (4)على ما عرفت مفصّلا، فتدبّر جيّدا.


1) أي الأمر الأوّل (منه).

2) أي الأمر الثّاني (منه).

3) أي تخلّف حكم الشّرع عن حكم العقل، فلا فائدة في التّكليف بتعدّد الأمر. (منه ره).

4) خ ل: عقلا.