ghaemiyeh.com
الامام المهدی المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف و أدعیاء البابية والمهدوية بین النظرية والواقع
السيد عدنان البكاء
الغدیر
بيروت - لبنان
الغدير للدراسات والنشر
حارة حريك - بناية البنك اللبناني السويسري
هاتف01/273604-01/558215-03/644662
ص. ب 24/50 - بيروت - لبنان
E-mail: algadeer @ inco. com.lb
جميع حقوق الطبع محفوظة
المركز الغدير للدراسات الإسلامية
لا يحق لأي شخص، أو مؤسسة ، أو جهة ، إعادة
طبع الكتاب أو ترجمته إلا بترخيص من الناشر
الطبعة الأولی
1419ه. 1999م
السيد عدنان البكاء
الامام المهدی المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشریف
و أدعیاء البابية والمهدوية
بین النظرية والواقع
الجزء الأول
الغدیر
بيروت - لبنان
«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ»
يتفق المسلمون، في غالبيتهم، سنة وشيعة على أن المهدي علیه السلام رجل من أهل بيت النبي صلی الله علیه و آله ، ومن ذرية علي وفاطمة عليهم السلام ، يخرج في آخر الزمان وقد ملئت الأرض ظلما وجوراً ليملأها قسطا وعدلا .. وقد وثق الشيخ نجم الدين العسكري، في كتابه : «المهدي الموعود المنتظر» أربعمئة حديث نبوي، من كتب أهل السنة، تفيد بظهور الإمام المهدي علیه السلام قبل قيام الساعة، وذكر الشيخ لطف الله الصافي في كتابه : «منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر» ستة آلاف حديث في الموضوع نفسه .
وهذا يعني ثبوت البشارة بظهور الإمام المهدي علیه السلام منقذاً للبشرية يحقق لها العدل والرخاء والمعرفة ...، ولهذا ينتظر المسلمون ذلك المن الموعود وكل منهم يرجو أن يكون من أنصار الإمام المخلص.
غير أنه، وعلى الرغم من ثبوت هذه البشارة، ووفرة البحوث التي تؤيدها، لا تزال الحاجة ملحة إلى البحث في موضوع «الإمام المهدي المنتظر علیه السلام » ويعود ذلك في تقديرنا إلى أمور نذكر منها:
أولا : لا يزال بعض الكتاب يثير شبهات تتعلق بهوية الإمام المهدي علیه السلام . وخفاء ولادته وغيبتيه : الصغرى والكبرى، وإمكانية انتصاره في هذا الزمن الذي بلغ فيه تطور الأسلحة المستوى التدميري المعروف.
ثانيا : كان يخرج، بين حين وآخر، وفي غير مكان من هذا العالم أفراد يدعون الصلة بالإمام المهدي المنتظر علیه السلام ، ويتجاوز بعضهم ذلك إلى التبليغ عنه وإلى ادعاء غير واحد منهم أنه الإمام علیه السلام عينه، بما يناقض ثوابت الدين.
ثالثا: يتساءل كثير من المسلمين المؤمنين عما ينبغي فعله في زمن الانتظار، ومن الأسئلة التي تطرح في هذا المجال : هل يتم الاكتفاء بانتظار قدوم المخلص أو أنه ينبغي أن يستعد المرء ليكون جديراً بصحبة الإمام علیه السلام وقادراً على نصرته، وبذلك يكون له، وإن لم يدرکه ، من الأمر، أجر من يدرکه؟ نجد في حديث للإمام جعفر الصادق علیه السلام إجابة عن هذا السؤال. فقد جاء في هذا الحديث : «من سره أن يكون من أصحاب القائم، فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظر . فإن مات ، وقام القائم بعده ، كان له من الأجر مثل أجر من يدركه، فجدوا وانتظروا».
ينطلق المؤلف، في بحث هذا الموضوع : «الإمام المهدي المنتظر علیه السلام وأدعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع»، من إدراك هذه الحاجة الملحة ويسعى إلى الإجابة عن الأسئلة المطروحة في هذا المجال ، وهي كثيرة، ومنها: هل الاعتقاد بظهور الإمام المهدي علیه السلام عقيدة إسلامية عامة أو شيعية فحسب، من هو الإمام المهدي ؟ متى ولد؟ ومتى غاب غيبته الصغري و من هم نوابه ، خلالها، وكيف كان يصدر توقيعاته؟ متى غاب غيبته الكبرى؟ ما موقعه في العقيدة؟ ما علامات ظهوره؟ كيف ينتصر على أعدائه على الرغم من تطور الأسلحة المستمر؟ إلخ..
يصوغ الباحث هذه الأسئلة وأسئلة أخرى كثيرة مثارة، في هذا المجال، ويسعى إلى الإجابة عنها بمقدرة الباحث الممتلك معرفة شاملة وعميقة بموضوعه وبصيرة نافذة، ما مكنه من تقديم كتاب جيد، يسهم في تلبية الحاجة، وهو ما جعل مركز الغدير للدراسات الإسلامية يقدم على نشره سائلا الله أن ينفع به القراء، إنه سميع مجيب.
مركز الغدير للدراسات الإسلامية
من أساتذتي الكرام من لا أزال - حتى الآن - أتحس بصماته : قلبا وعقلا، وأنحو منحاه : منهجا ومسارا.
وفي المقدمة، من هؤلاء، بعد والدي العلامة السيد علي البكاء، رحمه الله ، أستاذاي العلامتان الحجتان :
الشيخ محمد رضا المظر قدس الله نفسه الطاهرة .
والسيد محمد تقي الحكيم مد الله في عمره المعطاء .
فإليهما : حبا، ووفاء، وتقديرا...
ومن خلالهما إلى جميع العلماء العاملين بصمت واستقامة، من الذين أعطوا ولم يأخذوا، لوجهه سبحانه، أهدي هذا الكتاب ، تواصلا مع الرسالة ، سائلا الله أن يتقبل نیتي وجهدي، إنه سميع مجيب .
عدنان علي البکاء الموسوي
1418 ه- ۔ 1997م
الحمد لله رب العالمین لا شريك له، والصلاة والسلام على خاتم رسله، وسيد أنبيائه محمد وأهل بيته الطاهرين وعلى أصحابه المخلصين.
لم تكن فكرة الكتابة في موضوع الإمام المهدي المنتظر علیه السلام - على ما له من أهمية بالغة علميا ودينيا - واردة لدي حتى بوصفها مشروعا اللمستقبل ... فأنا أعلم مدى ما لابس هذا الموضوع من تصورات بسبب الخلاف السياسي والمذهبي بين الفرق الإسلامية من جهة، وبسبب التنظيرات الغنوصية (1)الباطنية من جهة أخرى. وأعلم أيضا ما دخل الأحاديث المتصلة به - نتيجة لذلك . من وضع وتحريف، وما شاب التصورات حوله من غموض وخلط و تشویش ...
هذا يضاف إلى ما في مفردات تأريخه علیه السلام ، أصلا ، بحکم کونه آخر أوصياء الرسول صن ، من أمور غامضة لا بد منها لاتصالها بالظروف الموضوعية وما تحتمه کيفية التعامل معها في طرف، وبالإرادة والخطة الإلهية الخاصة بمستقبل الرسالة والأمة ، بل البشرية بعامة في طرف آخر.
كل ذلك وغيره يحتاج، في البحث والفرز والمعالجة والتفسير، إلى وقت وجهد لا أملكهما.
ثم إن بين يدي بحوثا وأطاريح حالت ظروف شخصية، ذاتية وموضوعية، دون إتمامها حتى الآن... وكان من دعائي أن يفسح الله سبحانه
1) الغنوصية : نسبة إلى غنوصيص في اليونانية، وتعني في العربية : المعرفة، وفضلنا استعمالها دون الكلمة العربية لما أخذته من دلالة تاريخية بوصفها خطاً مقابلا للأديان السماوية المنزلة .. جاء في الموسوعة العربية الميسرة ط، مادة غنم ص 1258: «وهي حركة فلسفية ودينية نشأت في العصر الهيلينستي، وأساسها أن الخلاص يتم بالمعرفة أكثر مما يتم بالإيمان والأعمال الخيرة، وأدمجت في تعاليمها شيئا من السحر والشعوذة وتأثرت بها بعض الفرق ... الخ.
لي مدى أستطيع به إنجازها بالكيفية التي أطمح إليها في المادة والمنهج والأسلوب .
وأفرزت الظروف، في السنوات الأخيرة، مناخا كون أحوالآ نفسية وفكرية ساعدت على أن ينجم مرة أخرى في العراق وخارجه في أوساط العامة من الشيعة - على ما تناقله الناس واشتهر بينهم - أفراد يدعون الصلة بالإمام المهدي المنتظر علیه السلام ويتجاوزون ذلك إلى التبليغ عنه - بما يناقض بعضه ثوابت الدين، وضرورياته - بل وإلى ادعاء بعض منهم أنه الإمام علیه السلام عينه .
وتلك هي دعوى البابية والمهدوية نفسها - كما عرفنا - على امتدادالتأريخ الإسلامي
إنها تبدأ بدعوى البابية للإمام علیه السلام فالمهدوية، ثم تنتهي بعدئذ إلى دعوى النبوة بمعناها الاصطلاحي المستقل الذي ينسخ ويؤسس، بل إلى دعوى الربوبية بناء على نظرية الوحدة المطلقة(1).
وسنتحدث عنهم بربط ما اشتهر عن الجدد بالمعروف عن القدماء ، وتأسيسا على ما هو الثابت من القواعد والتنظيرات المشتركة لمثل هذه الدعاوی .
إن مقام المهدية ، بل النبوة في السلوك العرفاني الصوفي المغالي، حق لمن بلغ مرحلة الفناء، أو درجة الولاية الكبرى كما يسمونها طبقا لتحديداتهم في الأسفار الأربعة.
1) نعني ب «الوحدة المطلقة»: «وحدة الوجود والموجوده أو «وحدة الواجب والممكن» التي يسميها أساتذة الفلسفة المعاصرون «وحدة الوجود» قاصدين هذا المعنى، لكن الفلسفة الإسلامية ترى أن الوجود الصرف واحد قطعاً لأنه يعني واجب الوجود سبحانه الذي لا حد ولا ماهية له، أما ما سواه فماهيات ممكنة عرضية الوجود، لذلك فهي مركبة ومحدودة وفقيرة بما هي بالذات. وسيأتي في الجزء الثاني بيان الفرق النظري والتطبيقي بين النظريتين وإبطال نظرية الوحدة المطلقة وجدانياً، وفلسفياً، ودينياً، وبيان ما تؤدي إليه من تناقضات نظرية وواقعية .
وقد ظهر، في تاريخهم، عدد غير قليل ادعي ذلك على القاعدة والنهج اللذين أشرنا إليهما.
ولا يختلف الغلاة من الشيعة - كما يثبت تاريخهم - بدءا من أبي الخطاب، والمغيرة بن سعيد، ومحمد بن فرات، ومحمد بن بشير ، وأبي منصور العجلي ونظائرهم في السابق، وانتهاء بآخر بابی و معلیه السلام في اللاحق، عن غلاة الصوفية من حيث القاعدة والمنطلق الأساس، وما يقوم عليهما من تنظيرات وممارسات .. إلا في الأسلوب الذي يمليه عليهم التلاؤم مع مفاهیم الأوساط الشيعية في حركتهم داخلها ابتداء، وفي المراحل الأولى.
إنهم يتحدثون للناس في البداية عما للرسول صلی الله علیه و آله والأئمة من أهل بيته علیهم السلام من رتبة روحية سماوية متقدمة مبدأ و معادا .. ثم يبنون على ذلك: القول بالإمام الكوني(1)الذي يعني الاسم الظاهر، أو العالم ككل، ومع أن من يقول بذلك غيرهم ... يرى أن الاسم غير المسمى، وأنه لا يخرج - بما هو في ذاته - عن كونه ممكنا مركبا ذا وجود عرضي، فهو فقير بالذات لا استقلال له عن واجب الوجود سبحانه (2). فإن هؤلاء يرون أنه عينه تعالى، وهو ما تبرأ منه الأئمة علیهم السلام أنفسهم من دون استثناء ولعنوا القائلين به ، بل والمتوقفين عن لعنهم، ودعوا عليهم بأذى وإلحاح.
وامتد الغلاة . وهذا هو المهم - من القول بالإمام الكوني المطلق إلى القول بتشخصه في المقيد، فهو يتمثل - عبر التاريخ - بهذا الفرد، أو ذاك .. فيكون هذا التشخص عين الإمام .. الذي هو عين الله .
وهو قريب، في الصورة، من نظرية المثل والممثول في الفكر الإمامي الإسماعيلي مع فارق اقتصار هؤلاء على السلالة الإسماعيلية . وإن ذکر بعضهم إيمانهم بالولادة الروحانية التي أضافوا بها من ليس من السلالة أصلا
إليها، علاوة على فارق آخر هو أن من له مثلا من الممثولات إنما يبدأ من العقل الأول لا من الذات الإلهية المتعالية عن الصفة ، فهم بهذا أقل غلوا.
وبذلك، جعل هؤلاء، مقام النبي والإمام نوعيا لا شخصيا.
فليس الإمام المنتظر علیه السلام عندهم، إذن، شخصا محددا كإنسان ذاتا ، ونسبا، وموقعا، وتأريخا، وغيبة، وظهورا .... كما وردت به الأحاديث المتواترة عن الرسول صلی والأئمة الاثني عشر من أهل بيته علیهم السلام وعن الصحابة والتابعين ... بل هو أي شخص من أهل السلوك أو العارفين، بلغ بزعمهم درجة الولاية الكبری.
ولذلك يجب التنبيه إلى أنه لا يجوز أن تؤخذ دعوي الصلة بالإمام المهدي المنتظر علیه السلام لدى هؤلاء على مفهومها الظاهر وإن ادعوه خداعا للعوام، بل في الإطار الذي ذكرناه على أنهم، طبقا لنظرية «الوحدة المطلقة»، لا يرون كل ما ذكر من الأشخاص المعينين من الرسل والأئمة علیهم السلام إلا أسماء لا تحمل معنى، إنها وهم، وباللغة الهندوسية صاحبة هذه النظرية أصلا : (مايا).. وإنما قصدوا باستعمالها ما أشرنا إليه من الانسجام مع المفاهيم الموروثة والمقدسة والمفهومة عند الناس ابتداء وافتضاض قلوب المتدينين الملتزمين منهم وعقولهم، ريثما يمكن تلقيحها بآرائهم وتفسيراتهم الباطنية .... وإلا فإن دعوى البابية للإمام علیه السلام بل دعوى المهدوية . حتى لو صحتا - لا تسمحان لهم - كما هوواضح - بحكم كون الإمام علیه السلام وصيا للرسول صلی الله علیه و آله وامتدادا له في الدين والدعوة : أن يأتوا بما هو على مستوى المناقضة مع موقع الإمام علیه السلام نفسه ومع ثوابت الرسالة، وضرورياتها. بل مع البديهيات والضروريات العقلية أحيانا، وهؤلاء . كما هو ثابت بالتواتر - كما ستقرأه في الجزء الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله - قد جاءوا بذلك وفي جانبي الأصول، والفروع معا وبما لا يقبل بعضه الاعتذار والتأويل ...
كان أول مدع لذلك، في عصر الغيبة الصغرى، بين سنتي 260 و 328ه، وبهذا المسلك والأسلوب، الحسین بن منصور الحلاج الذي قتل
سنة 309ه، والذي ادعى البابية ثم المهدية والنبوة، ثم انتهى إلى دعوی الربوبية. ويبدو لنا أن من تقدمه و من تأخر عنه في الجرأة على دعوى البابية كان على مثل رأيه أصلا كالشريعي، والهلالي ، والبلالي، والنمري، والشلمغاني الذين صدر التوقيع من الإمام المهدي علیه السلام بلعنهم ودمغهم بالكفر والإلحاد .
قال الشيخ الطوسي، رحمه الله، المتوفى سنة 460ه، وهو ينبه إلى قواعد هؤلاء وأساليبهم وما ينتهون إليه في ما نقله لنا عن هارون بن موسی قال : «إن كل هؤلاء المدعين (يعني: مدعي البابية) إنما يكون كذبهم أولا على الإمام علیه السلام وأنهم وكلاؤه فيدعون بذلك الضعفة إلى موالاتهم ثم يترقى بهم الأمر إلى قول الحلاجية». .
وحين نقلت أم كلثوم، ابنة الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، رحمه الله (النائب الثاني للإمام المهدي علیه السلام في الغيبة الصغرى)، إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رحمه الله (النائب الثالث)، ما عرفته على أثر زيارة أم أبي جعفر بن بسطام لها من أن ابن أبي العزاقر الشلمغاني (الذي ادعى البابية آنذاك فصدر التوقيع بلعنه) قال لآل بسطام وقد استكتمهم إياه على أنه من الأسرار : بأن الرسول صلی الله علیه و آله قد حل(1)في أبي جعفر محمد بن عثمان العمري وأن عليا علیه السلام حل في الحسين بن روح وأن الزهراء قد حلت في أم كلثوم ...
قال لها الشيخ ابن روح رضوان الله عليه :
«یا بنية ، إياك أن تمضي إلى هذه المرأة بعد ما جرى منها، ولا تقبلي لها رقعة إن كاتبتك، ولا رسولا إن أنفذته إليك، ولا تلقيها بعد قولها...
1) الحلول : يعني ظهور المطلق في المقيد، كجبرائيل عندما تمثل لمريم بشرا سويا، هذا معناه لدى المسيحيين، وهو معناه لدى أهل «الوحدة المطلقة»، والحلاج من أشهر القائلين بها، ولا تعني بمفهوم هؤلاء ولا الصوفية المغالين أثنينية مطلقة، ولذلك كان صدر الدين الشيرازي بارعا عندما شتم الصوفية القائلين بالحلول والاثنينية، في الوقت الذي يرى فيه الحلاج مثلا أعلى وفي مقام لا أنا إلا أنا، كما جاء في مفاتيح الغيب.
فهذا كفر بالله وإلحاد، قد أحكمه هذا الرجل الملعون ليجعله طريقا إلى أن يقول لهم: إن الله قد اتحد به، وحل فيه كما يقول النصارى في المسيح علیه السلام ويعدو إلى قول الحلاج لعنه الله».
ويؤكد تأريخ أصحاب هذه الدعاوی، بعدئذ، أنها لم تصدر إلا من هذه الأوساط وعلى أساس القاعدة نفسها والمسار والأسلوب نفسيهما.
كتب الشيخ المحدث علي بن حسام الحنفي، المعروف بالمتقي الهندي، صاحب كتاب «کنز العمال»، المتوفي قبل 960ه، في كتابه «البرهان في علامات إمام آخر الزمان» ردا على محمد بن يوسف الجونبوري، المتوفي سنة 910ه، الذي ادعى المهدوية في الهند فأغوى وضلل خلقاً كثيراً... فقال في مقدمته: «و معلوم عند أهل الحق أن كثيرا من المشايخ (يعني مشایخ غلاة الصوفية) صدرت منهم دعوى المهدوية»، واعتذر عنهم بإشارة بليغة مؤدبة : بأنها من لوازم أحوالهم.
ولكن الحال-وهذا المهم - لا يعبر عن الحقيقة والواقع، لذلك قال رحمه الله : «وصفتهم كانت مخالفة لما ورد في شأن المهدي علیه السلام من الأحاديث النبوية، وآثار الصحابة والتابعين».
والحق أن الأمر كما يقول بشهادة الواقع التاريخي. فإن قائمة من ادعی ذلك منهم طويلة في القديم والحديث ، وقد ذكرنا عددا كبيرا ممن أنشأ منهم، على أساس هذه الدعوى، طوائف في الجزء الثاني من هذا الكتاب. ويكفينا أن نشير هنا إلى أمثلة قريبة ، كمدعي البابية أولا ثم المهدية والنبوة ثانيا وثالثا: علي بن محمد رضا الشيرازي المعروف ب «الباب»، والذي أعدم بفتاوى الفقهاء بعد محاكمته في سنة 1263ه، وعنه امتدت بعدئذ طائفة البهائية التي استقلت في تعاليمها عن الإسلام جملة .
فقد أجاب هذا الباب، حين سئل - لدى محاكمته - عما شاع من دعواه المهدوية، وما إذا كان يقصد المهدي النوعي أم الشخصي قائلا : «بل أنا عين ذلك المهدي الشخصي! أنا الرجل الذي تنتظرونه منذ ألف عام ! » .
ولم يبال بأن يجرؤ فيدّعي، رغم ما كشفه منطقه وكتاباته من جهل فاضح، أن مقامه يتقدم مقام النبي محمد صلی الله علیه و آله فمقامه النقطة ومقام محمد الألف!
وزعم أن هذيانه الهزيل، أسلوبا ولغة ومضموناً، في كتابه «البيان» يفوق القرآن، وأن كل كلمة منه - كما خيل له - معجزة ... وأشباه ذلك.
وألغى أتباعه ، في مؤتمر «بیداء بدیشت»، الشريعة الإسلامية وخطبت قرة العين (زارین تاج) التي يسمونها الطاهرة مطالبة بالإباحة.
أما مدعي المهدوية في الهند الميرزا غلام أحمد بن مرتضى القادياني، المتوفي سنة 1908م، والذي أنشأ طائفة لا تزال قائمة حتى الآن.. فقد ادعى أنه عين المسيح الموعود، وأنه كل الأنبياء، وأنه رأى نفسه ذات مرة الخالق نفسه سبحانه وقام بعملية الخلق كاملة!
ولا تعليل لذلك وأمثاله ، من جرأة وتقحم في القول والفعل، بغير ما أشرنا إليه من مسالكهم وما تؤدي إليه بطبيعتها من هلوسات، طبقا للمتوقع من رؤى الواصلين لها منهم ومقاماتهم، أو الخلق بالخيال لما تصوروه طبقا لما تحدث عنه ابن عربي وإلا على أساس القول بالوحدة المطلقة ، لا كحالة شهود آنية ضمن حالة استغراق في النظر إلى الله تعالی ليعتذر عنها: بالحال ، والمحو، والسكر، والغياب، والشطح، والنظر بالعين اليمني وما أشبه مما ذكروه في الاعتذار عن بعض أهل السلوك(1)، بل بوصفه قاعدة ثابتة تمثل في نظرهم الحقيقة المطلقة، ولذلك أسقطوا على أساسها التكليف بنفي المكلف موضوعا، وقالوا ما شاءوا، وأسسوا طوائف استقلت عن الإسلام جملة ... لكن القول بنظرية الوحدة لا يعلل إلا الجرأة واللاابالية، أما ما يرون ويسمعون ويأتون به فله أسباب أخرى سنتحدث عنها في فصول الجزء الثاني من هذا الكتاب بالتفصيل ابتداء من الأسس ...
1) لم ترد هذه المصطلحات وما تدل عليه عن المعصومين علیهم السلام بوصفها عذرا لما يصدر عن أصحابها إلا أن تكون مصداقا لفاقد العقل .
ولا يكتفي الغنوصيون والباطنيون، من أصحاب الطرق الضالة جميعها، وفي جميع الأمم (كالبراهمة، والبوذيين، واليهود والنصاری، والمسلمین)، ومنهم مدعو البابية والمهدوية، على ما عرف من تاريخهم ، بالدعوة النظرية المجردة، أو برسم مناهج سلوكية خاصة من شأنها أن تھی النفوس والأذهان لقبول آرائهم والإيمان بمقاماتهم، بل يتوسلون لإثبات خصوصيتهم بالإمكانات والقوى الروحية التي هي إمكانات ذاتية لدى كل إنسان تتجلى وتقوى حتى تبرز بالفعل – بما يتوسلون به - إلى صقل أنفسهم وتقوية إراداتهم: من الرياضات الخاصة المعروفة لديهم جميعهم كالعزلة ، والصمت، والصوم المتواصل - بصورها اللامشروعة . وترك اللحوم والسهر وإيثار الجلوس في الظلمة أو قلة الضوء، وأشباه ذلك.
وقد تحصل أيضا بتلبس كائن روحي من عالم آخر بالأسباب السابقة نفسها، وبفتح ذواتهم المطلسمة أصلا عناية من الله تعالى للصلة بها من قبل هذه الكائنات اختیارا، واستدعائها تلباثيا كما هو المعروف في تحضير الأرواح، وعند حصولها - بهذه الصورة أو تلك - يكون ما هو شائع في أوساطهم وفي غيرها من الكشف النسبي والرؤية عن بعد وقراءة الأفكار، وخلع البدن إرادياً... وغير ذلك مما أثبتت الدراساتالتاريخية و الباراسايكولوجية المعاصرة انتشارها لدى كل الأمم دونما فرق بين ملتزم ومتحلل ومؤمن وكافر(1).
بل يتوسل أصحاب هذه المسالك، كما أشرنا في الهامش الأول من هذه المقدمة، بالسحر والشعوذة والاستحضار والاستخدام والتسخير لأحداث ما يسمى بالظواهر الخارقة .. وهي أيضا مما أثبتت الدراسات التأريخية والبارسایکولوجية الحديثة شيوعها عند جميع الأمم كذلك، من دون فرق بین الملتزم والمتحلل من أفرادها.... بما أنها آثار وضعية لأعمال معينة ...
1) ستقرأ ذلك مؤشراً إلى عشرات المصادر قديمة وحديثة في الجزء الثاني من هذا الكتاب إن شاء الله ، ومثل ذلك ما يليها من وسائلهم.
وبذلك نفت خصوصيتها، ودلالتها على سمو الذات، أو الطاعة لله والقرب منه ... وهو ما يحاول هؤلاء الأدعياء : الإيهام به ... بل هي على العكس تماما، لحرمتها شرعا، وسيلة وغاية ...
ومن أخطر ما عرف من وسائل هؤلاء أن يوجهوا الأرواح السفلية المسخرة لهم - بما توسلوا به - من الخلوة والأوراد المعروفة، كأمثال ما يذكره البوني في منبع أصول الحكمة ، إلى أن تتلبس الموصولين بهم وتناجيهم ليوهموهم أنهم أصبحوا بذلك على صلة بالإمام الكوني أو بالله أو بالملائكة لا فرق.
وحين يرى هؤلاء البؤساء، وأغلبهم ساذجون أو جهلة، على الأقل بهذه العوالم، أنهم أصبحوا يسمعون ما لا يسمعه غيرهم، ويرون ما لا يراه٫ سواهم، وحين يخبرون بنبأ فيتحقق، أو يرون حدثا بعيداً مكانيا فيتأكد، أو يقرأ لهم طوية إنسان فتبرز بعدئذ، أو يستحوذ عليهم وينطق بألسنتهم أو يتصرف بهم ويوجههم وأمثال هذه الظواهر المعروفة لدى المروجين قدماء و محدثین من دون خصوصية دين أو التزام، يزدادون اعتقادا بأنهم أصبحوا مقربين، وموصولين بالفعل.. وعندها تتأكد تنظيرات مدعي البابية والمهدوية وتوجيهاته وبشاراته عندهم ويصبحون - بالإيحاء الدائم والمناجاة المستمرة - رهن إشارته وقيد أمره ونهيه حتى في ما جاوز حدود الله ، وخالف سبيله، وخرج على منطق العقل، و میزان الأخلاق العامة ..
وقد يشتد هذا التلبس الشيطاني على بعضهم أحيانا فتربدُّ وجوههم، وتتغير سحناتهم، ويصابون بالكآبة ويلزمون البيوت ويتركون الطعام أياما أو أسابيع، وقد تختلج بعض جوارحهم أو يتغون كالشاة أو يرغون كالبقرة(1)، ولكنهم - وهذا موضع العجب . لا يرون في ذلك بأسا ... فهم - كما يعتقدون - على صلة بالإمام ... بل هم يرون أنفسهم في نعمة رغم ما أنزله بهم من أذى، وأصارهم إليه من منكر ..
1) اقرأ في ذلك ما كتبه الحكيم المحدث الفيض الكاشاني: في كتابه «الحقائق»، ص 135 إلى 136 المطبوعة مع «قرة العيون»، و«مصباح الأنظار» دار الكتب الإسلامية 1378 ه-.
إذ لا ينبغي - في نظرهم - لأحد أن يحد الإمام أو يضع تصرفاته في نطاق المعقول واللامعقول، والجائز واللاجائز ... وما ذلك إلا لجهلهم بالله وصفاته أولا، وبالإمام علیه السلام بوصفه حجة له ثانيا، وبمعنى الحد واللاحد ثالثا... ولعدم معرفتهم أيضا الفرق بين المامة الملك، والمامة الشيطان ...
إن ما أشرت إليه واقع قائم لدى أصحاب هذه الدعاوی، بشواهده،وليس خيالا.
إن الأرواح أو الموجودات اللامادية لا يمكن التحقق من هويتها، ومعرفة إنتمائها لنثق بها، أو نحذر منها، وإن طبيعة ما أعطى الله من الاختيار في عالم الجن والإنس يسمح لها بالادعاء والإغواء، ولم يضمن الله لنا العصمة منها ابتلاء إلا بالعقل، بوصفه حجة ذاتية باطنة وبالدین بوصفه حجة موضوعية ظاهرة ، ولذلك فإن المعيار الذي يجب أن يظل مائلا دائما أمام من يبتلى بالصلة بها . إذا لم يمكنه طردها - هو تطابق مفاهيمها وصورة تعاملها، وما تعطيه من تعاليم ومعلومات .. مع منطق العقل، والدين،وما يعطيانه من قيم وموازين بمعنى أن لا يعطي - لما استقلت به . قيمة وأن لا يعير «لإدعاءاتها بالا». .
لقد ذكر القرآن الكريم، في عدد من آياته التي يمكن الرجوع إليها، في مادة جن وشیطان وقرين، من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ما يوجب الاحتياط والحذر من الانسياق وراء ما توحيه کائنات هذا العالم الخفي من الجن والشياطين خوفا من السقوط في الهاوية التي يتردى بها أمثال هؤلاء.
فقال تعالى : «قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ »[الأنعام: 71].
وقال تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ
وَمَا يَفْتَرُونَ* «وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ » [الأنعام: 112 ,113] .
وقال تعالى : « وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ »[الأنعام: 121].
وقال تعالى : «إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ» [الأعراف: 30].
وقال سبحانه ردا على من يزعم من هؤلاء أنه إنما كان يطيع الملائكة : «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ *قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ»[سبأ: 40 و41.
ورد الرسول صلی الله علیه و آله و والأئمة، من أهل البيت علیهم السلام ، على من زعم من الغلاة.. أنه رأى وسمع وتجلى له كما ستقرأ ذلك في ما ادعاه بعض الغلاة في الفصل الخاص بهم من الجزء الثاني قائلين... إنه شیطانك أنه المذهب ، أو المتكون.....
وجاءت أحاديث كثيرة تقول : إن على يمين كل إنسان ملك يوحي له بالطاعة وعلى يساره شيطان يأمره بالمعصية .
وفي ذلك، وفي التجارب التي يقدمها التاريخ ما فيه من بلاغ وحجة، وقد كتب الباراسایکولوجيون والروحيون المعاصرون تحت عنوان : مس أو استحواذ أو تلبس، أو ضربة الشيطان، حوادث مأساوية كثيرة جدا تتصل بذلك، سنتحدث عن بعضها في الجزء الثاني أيضا من هذا الكتاب .
على أنه من الممكن، بل من الواقع قطعاً، أن يكون بعض هؤلاء الأدعياء وبعض أتباعهم مريضاً مصاباً بالبرانويا أو الذهان والهلوسة (بصرية أو سمعية أو شمية أو ذوقية).
فإن بين هؤلاء المرضى - كما يقول أطباء الأمراض النفسية والعقلية - من لا يشعر بأنه مريض، بل يتخيل نفسه قديسا ووليا موصولا ونبيا وما أشبه ، ويمشي بوقار، ويجلس بصمت وإطراق وبشيء من الغياب. وقد يرى أن الناس حمقى ومجانين وأنهم لجهلهم لا يعرفون قدره ولا قيمة أفكاره، بل إن بعض هؤلاء . كما يقول الأطباء - من يتمتع بهيمنة ومنطق، وقدرة على الإقناع في جوانب معينة وقد يملك قابلية على الاستبصار... إلا أنه يبدو خارج الموازين العقلية والشرعية، ويبدو مخلطاً بصورة بائسة في جوانب أخرى .... وهناك شواهد كثيرة على أن بعض هؤلاء الأدعياء وبعض اتباعهم من هذا الصنف قطعاً، وأنهم لذلك - رغم أذاهم - يستحقون العطف بحكم حالهم المرضية، وأنهم - إذا لم يعوا ما يقولون أو يفعلون - غير مسؤولين .
وذلك أحد الأسباب التي جعلت بعض المؤمنين يرفض الانسياق مع حملة التشهير ببعضهم، لأنها تخلط الحق بالباطل، وتجمع البريء والمذنب رغم ما ناله من ذلك - لدى الناس - من أذى.
لكنه يرى - مع ذلك - أن مكان المرضى، إذا كانت أمراضهم سارية کهؤلاء: الإبعاد والعزل كالمصاب بالإيدز والجذام والكوليرا.. حماية لعباد الله والضعفاء من خلقه على أن البعض الآخر من هؤلاء المدعين ليس كذلك قطعاً. والأدعياء الجدد - بناء على ما اشتهر عنهم من قواعد وأقوال وممارسات، وأساليب ووسائل - لا يختلفون عن أسلافهم الماضين الذين حدثنا التاريخ عنهم بشيء، وهو ما نرجو - مخلصين - أن يتنبه إليه - بالمقارنة مع ما قدمناه - بعض من يحسن الظن بهم، فنحن نؤمن بأن في المتصلين بهؤلاء من لا يطلب إلا الله ولا يريد إلا القرب منه ومرضاته أصلا .. إلا أنه صار دون أن يريد - بما أشرنا إليه من وسائلهم هذه وغيرها . في حال هو أشبه بحال الأمبراطور الذي أوهمه النساجان الماكران بأنه يرتدي الثياب التي نسجاها له رغم أنه يرى نفسه ويراه الناس عاريا...
فهم لا يعدون أن يكونوا مخدوعين - وباستهواء - وهو ما يجعلني أرى أن ما سأورده في هذا الكتاب، من هذه الجهة، لهم لا عليهم.
وبوصول النزر، مما ذكرناه عما اشتهر عن هؤلاء، من خلال أسئلة المؤمنین، صدرت عن بعض كبار المراجع فتاوی منشورة وأخرى شفوية بتكذيب هؤلاء الأدعياء جملة وتضليلهم، وإسقاط عدالة المنضوين إليهم والمؤمنين بهم إذا كانوا يعلمون بما صدر عنهم من مخالفات وعلى غير شبهة(1).
ولا شك في أن لهذه الفتاوى أثرها في تحذير المؤمنين الملتزمين بالشرع الواثقين بمراجعة الأعلام حفظهم الله وأبعادهم بذلك عنهم، وتضييق دائرة حركتهم في أوساطهم... لكنها قليلة الأثر لدى آخرين من المؤمنين ممن لا يقنع إلا بالتعرف المباشر وتكوين الرأي في مسائل كهذه.
أما بالنسبة للموصولين بهؤلاء، فمن الصعب أن يصغي إليها أحد منهم، فضلا عن التأثر بها.
فمن يأخذ بتصوره عن الإمام مباشرة، أو بوساطة هؤلاء الأدعياء، أو بوساطة ما أصحبوهم إياه من الشياطين لا يرجع إلى الفقهاء بشيء أصلا .
ومن المعروف، في تاريخ أدعياء البابية والمهدوية ومن يمتون إليهم في المسلك أصلا، أنهم يصورون الفقهاء لاتباعهم على أنهم أصحاب نفوس، وعناوين، وكبر وأنهم أهل رسوم وفكر لا يدركون الحقائق ولا يأنسون بالصلة، وأنهم أعداء الإمام علیه السلام وهذا هو موقفهم مع كل من يأبى أن يصغي إليهم وإلى شياطينهم أو يقيم لها ولهم وزنا .
ثم إن من لا يبالي بأن يكون على مستوى المناقضة مع نصوص القرآن الكريم (الذی لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) ومع ثوابت سنة المعصومين عليهم اسلام ؟ كيف يمكن أن يتأثر بفتوى؟
1) سننشر ذلك في الجزء الثاني ، بحث حكم البدعة والردة في التشريع الإسلامي .
لذلك كان من رأيي أن يكون التصدي لهؤلاء على الصعيد الفكري والفلسفي، بدراسة مفصلة لتاريخ هؤلاء الأدعياء بدءا من أول ناجم منهم في التاريخ الإسلامي وبيان أسسهم الفلسفية ومنطلقاتهم وأساليبهم ووسائلهم والشواهد عليها من أقوالهم وأفعالهم وما قاله كبار العلماء والعارفون فيهم، رجاء أن ينتبه بعض من غرر بهم هؤلاء، أو من يمكن أن يغرروا بهم في المستقبل ... وهي مهمة صعبة نسبيا...
وجاءت ذكرى مولد الإمام المهدي المنتظر ثاني عشر أئمة أهل البیت علیهم السلام السلام ،في شهر شعبان من سنة 1417ه - 1997م، فألقيت في حفل أقيم بالمناسبة كلمة تحدثت فيها بإيجاز عن الإمام علیه السلام . وكان مما ذكرته بعد تواتر الأحاديث فيه . لدى المسلمين من أهل السنة والشيعة - من دلائل الإثبات :
ظهور دعوات البابية والمهدوية - على امتداد التاريخ الإسلامي - في الوسط السياسي، والصوفي المغالی وأن ذلك ما كان ليكون لو لم يوجد للمهدي المنتظر علیه السلام أساس ثابت و متواتر لدى الأمة تتوارثه جيلا بعد آخر حتى ينتهي إلى الرسول صلی الله علیه و آله والأئمة الطاهرين من أهل بيته علیهم السلام .. وانطلقت من ذلك لأبين ما تصدى به العلماء لهؤلاء الأدعياء بدءا من الأول منهم .. .
وكان مما ذكرته، عدا ما مر مضمونه :
أولا: عدم تطابق تاریخ هؤلاء الأدعياء مع. ما أخبر به الرسول صلی الله علیه و آله والأئمة من أهل بيته علیهم السلام وما جاء عن بعض الصحابة والتابعين (رض) من تحديد لهوية الإمام علیه السلام اسما ونسبا، وصفات وموقعا، وزمانا وخفاء ولادة وغيبة وظهورا.
ثانيا: لم تسبق أي واحد منهم، أو ترافقه، أو تتأخر عنه العلامات والآيات التي تتصل بالإمام المنتظر علیه السلام في هذه الأزمنة الثلاثة المتصلة به كما جاء في هذه الأحاديث .
ثالثا : عدم تطابق علم أي واحد منهم وخلقه وسلوكه على المستوى العام والخاص مع ما هو معروف عن أئمة أهل البیت علیهم السلام وبروز نزعة الادعاء والتأمر عليهم، وكثرة الشطط والتناقض عندهم.
رابعا : لم يتحقق على يد أي واحد منهم ما يفترض تحقيقه لدي ظهور الإمام علیه السلام على مستوى العالم فضلا عن الأمة، ومنها أن يملأ الأرض قسطا وعدلا وأن يوحد العالم ويجعل الإسلام - كما أنزل - محوره و میزانه ...
بل على العكس فإن كل واحد من هؤلاء ترك جرحا جديدا وسبيل فرقة مضافا. بل إن بعضهم ارتكب ، من المظالم، ما استغاثت الأمة منه بالله واستشفعت إليه بالإمام وآبائه علیهم السلام ليخلصهم من شروره.
خامسا: إن الإمام المهدي المنتظر علیه السلام الثاني عشر الأئمة من أوصياء النبي صلی الله علیه و آله قال في التوقيع الصادر لنائبه الرابع علي بن محمد السمري، المتوفى سنة 328ه، بعد أن أخبره بالغيبة الكبرى «وسيأتي الشيعتي من يدعي المشاهدة فمن ادعى المشاهدة قبل الصيحة والسفياني فهو كذاب مفتر».
ولا شك في أن الدافع لمثل هذا التحذير ما أعلمه الله به من ظهور هؤلاء الأدعياء وخداعهم للمؤمنين باسمه علیه السلام ، فأراد أن ينبههم إلى عدم قبول ذلك منهم، وإلا فإن أهل العلم والإيمان أجل وأخشى لله من أن يفعلوا شيئا منذلك.
سادسا: إن الإمام المهدي المنتظر علیه السلام أمر، في التوقيع الذي رواه محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله عن إسحاق بن يعقوب عن محمد بن عثمان العمري، أن يرجع في معرفة الأحكام الشرعية إلى رواة حديثهم علیهم السلام ولو كان هناك طريق آخر للصلة المباشرة في الغيبة لنبه إليه فقال علیه السلام : «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله» .
سابعا: إن خروج هؤلاء الأدعياء المدعين للمهدية والنبوة نفسه هو إحدى العلامات التي تسبق ظهور الإمام علیه السلام ، فقد ورد في حديث عن رسول الله صلی الله علیه و آله . رواه الشيخ المفيد في الإرشاد قال فيه: «لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدی علیه السلام من ولدي ولا يخرج المهدی علیه السلام حتى يخرج ستون كذاباً كلهم يقول: أنا نبي».
ثامنا: يكفي في تكذيبهم القاطع - مع غض النظر عن كل ما قدمناه - مناقضة ما صدر عنهم لكتاب الله (الذی لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ) ولثوابت السنة الشريفة فهما لا يفترقان حتى القيامة، كما جاء في حديث الثقلين.
وطلب إلي من أحب وأقدر، من أهل العلم والفضل وبعض الأساتذة من المؤمنين، استنساخ الكلمة للإفادة منها ضمن الظرف.. فطلبت إمهالي إلى ما بعد رمضان لأفيد من لياليه في تلافي جوانب النقص فيها. فما يكتب للإلقاء غير ما يكتب للقراءة ، فسأذكر في هذه بعض ما لم يتيسر لي ذكره من جوانب ذات أهمية، وأتوسع في ما أوجزت فيه مما يستحق ذلك، وأشير إلى المصادر والمراجع للإفادة منها لتكون الكلمة أكثر نفعا. ورغم شواغل علمية طارئة(1)أخذت مني جهدا ووقتا فقد أصبحت الكلمة ، عند نهاية شهر رمضان، كتيباً أسميته الإمام المهدی علیه السلام وأدعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع، وقسمته، كما ينبغي في مثله، إلى فصلين: الأول في الإمام
1) منها المشاركة في الندوة العلمية التي أقامتها نقابة الأطباء في النجف الأشرف في يوم 18 رمضان من سنة 1417ه المصادف 1/27/ 1997م بعنوان : بعض الجوانب الطبية، والدينية في الموت، وقد ألقيت فيها بحثا بعنوان «الروح بين الفلسفة والعلم والقرآن»، وقد اشترك معي في الندوة د. مازن إسماعيل رئيس قسم الباثولوجي في كلية طب الكوفة ود. علي الشالجي جراح الجملة العصبية في مستشفى صدام وقد قدم للندوة وأدارها د. محمد محيي التلال نقیب الأطباء وتلتها ندوات أخرى مماثلة.
المهدي علیه السلام والثاني في أدعياء البابية، والمهدوية. وقدرت وأنا أسلم الفصل الأول منه ريثما أتم واستنسخ الفصل الثاني استعجالا للتنضيد في العشرة الأولى من شوال سنة 1417ه: أنه سيكون بحدود (150) صفحة .
لكن الله سبحانه شاء أن يكون الأمر غير ذلك، فلدى قراءتي المصادر والمراجع في الموضوع رأيت أن هناك جوانب هامة بحاجة لوقفة أطول مما فعلت؛ وذلك ليؤدي الكتاب شيئا من الرسالة في موضوعه، ورأيت أن أمرين هامين جدا لدي هما:
الأول : إن كتابتي عن المهدي المنتظر علیه السلام يجب أن لا تكون مدخلا وتمهيدا للحديث عن أدعياء البابية والمهدوية كما هو المقرر في البداية ، بل أساسا هاما تعتمد عليه المناقشة والرد عليهم ضمن النقاط : من أولا إلى خامسا في الكلمة بحكم اتصالها بتحديد هوية الإمام المهدي المنتظر علیه السلام التي نستطيع بها نفي سواه.
الثاني: إن هناك بعض المفردات التاريخية والغيبية تثير الشكوك ، والتساؤل لدى بعض الباحثين كخفاء ولادته، وغيبتية الصغرى والكبرى، وامتداد بقائه، وإمکان مشاهدته ، وكيفية انتصاره في مثل عصرنا مع ما نعلم من تقنيات السلاح لدى الدول الكبرى غير الإسلامية .
ثم لا بد بعد ذلك وفي موضوع أدعياء المهدوية والبابية من تناول تاريخها، وما اعتمدته من أسس فلسفية، ودينية والوقوف عند الفرق التي نجمت منها. وما هي مبادئها؟ ووسائلها؟ وما الذي قالته وفعلته؟ وما هو أثرها التاريخي؟
وهكذا امتد الكتاب من فصلين إلى عشرة فصول، وقد يكون أكثر،ومن (150) صفحة إلى ما يقدر ب (800)، صفحة وقد يكون أكثر فبعض فصول الجزء الثاني لم تكتب بعد..
ذكرت ذلك لأبين أني لم أرسم لهذا الكتاب خطة سابقة، بحكم ما أشرت إليه، وإنما هو الذي رسم خطة نفسه أثناء كتابتي له. وكنت أعطي
المكتب الذي احتملني صاحبه بإخاء وصبر - جزاه الله خيرا - ما ينجز لدي من صفحات استعجالا .. فالكتاب قد قصدت به بدءا هدفا رسالية لا عملا علمية. وذلك ما أرجو أن يكون عذري عما قد يكون أدى إليه فقدان الخطة العلمية ابتداء من عدم توازن الفصول وبحوثها كميا، وربما كيفيا، وما أدى إليه الاستعجال، وتنضيده بالصورة التي ذكرتها من تكرار بعض الأفكار أو الهوامش، وأمثال ذلك ، ثم ما أحدثته تجزئته إلى جزءين في مرحلة متأخرة من ملاحظات مضافة ..
وقد جعلت الجزء الأول خاصاً بموضوع الإمام المهدي المنتظر علیه السلام بينما يتناول الجزء الثاني : أدعياء البابية والمهدوية .
وقد كان منهج البحث في هذا الجزء، كما أملتها الظروف التي ذكرتها،في خمسة فصول يضم كل فصل منها ثلاثة بحوث، بالصورة التالية :
الفصل الأول، ويتضمن تمهيدا وثلاثة بحوث؛ وقد عرضنا في التمهيد والبحث الأول : أولا : بيان أن الاعتقاد بظهور الإمام المهدی علیه السلام عقيدة إسلامية لا شيعية فقط، ووقفنا عند المشككين به ورأسهم ابن خلدون ، وذكرنا ما أورده من حيثيات هذا التشكيك ثم ما تصدى له به كبار العلماء من أهل السنة من مناقشات تبطل كل ما أستند إليه من هذه الحيثيات بصورة مفصلة وتقدم الأدلة على صحة الاعتقاد بالإمام المهدی علیه السلام وظهوره، وأوردنا عددا كبيراً من الكتب الحديثية التي خرجت الأحاديث فيه عن (25) صحابية وما نصوا عليه من صحة الكثير منها.
وعدت تحت عنوان: الإمام المهدی علیه السلام من عقائد أهل السنة ، الأقدم عددا من كبار العلماء نصوا على كون الإيمان به من عقائد أهل السنة ، أو نصوا على تواتر الأحاديث فيه مما ينهي حتما إلى ذلك .
وتحت عنوان من هو المهدي ؟ ومتى ولد؟
بینت اختلاف المسلمين وراء القدر المشترك بينهم فيه ... فذكرت اختلافهم في جده الأعلى، وما إذا كان الحسن السبط، أو الحسين علیه السلام ؟
وذكرت أدلة الطائفة الأولى التي رأت أنه من ذرية الحسن علیه السلام وقد اعتمدت على ثلاث روایات نوقشت، أولا، بأنها ضعيفة سندا، وبأن إحداها مقطوعة، وثانيا، بأنها معارضة بروايات أخرى أكثر وأصح بعضها عن راوي إحدى الروايات السابقة نفسه ، ولأنهم نصوا على ما أصيب به هذا الراوي من نسيان وخلط فقد أحتملنا أن الأمر في روايته الأولى كان نتيجة لذلك...، واتهمنا دعاة محمد بن عبدالله الحسني المعروف بالنفس الزكية بهذا التحريف كالذي حصل من دعاة المهدي العباسي الذين وضعوا ما يجعله من نسل العباس فأسقطها المحدثون ونصوا على وضعها من قبلهم. أما الاختلاف في اسم أبيه، وما إذا كان اسمه عبدالله ، أو غيره... فقد ذكرنا أن أساس القول في أن أباه عبدالله ما جاء في الحديث الوارد عنه صلی الله علیه و آله من قوله : «اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي»، والفقرة الأخيرة مضافة للحديث كما يثبت البحث .
فقد أخرج المحدثون كأحمد بن حنبل في المسند والترمذي وأبو داود، والطبراني، والبيهقي أحاديث نص المحدثون على صحتها خالية من هذه الفقرة ..
وقد أحصى الحافظ أبو نعيم الأصفهاني : طرق الحديث عن الجم الغفير كلها عن عاصم بن أبي النجود عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلی الله علیه و آله فوجد أن (23) طريقا منها الأكثر الغالب يروى عن طرق شتی.
ثم بعد ذلك طريق آخر رواه غير عاصم عن زر بن حبيش وهو عمر بن مرة... كل هذه الطرق روت الحديث خالياً من هذه الزيادة إلا ما كان من عبدالله بن موسى عن زائدة عن عاصم، ولذلك فإن المقارنة بين 34 طريقاً خالية من هذه الزيادة بطريق واحد مضافاً إلى معارضته بأحاديث أخرى متواترة تثبت بالنص أو الاستنباط بأن أباه الحسن علیه السلام تجعلنا نقطع بسقوطه عن
الاعتبار و اتهام دعاة محمد ذي النفس الزكية ، أو دعاة محمد بن عبدالله المهدي العباسي بوضعه، ثم أوردنا ثلاث طوائف من الأحاديث التي رواها حفاظ أهل السنة ومحدثوهم تنص الأولى منها على أن الإمام المهدي المنتظر علیه السلام من ذرية الحسین علیه السلام ، وتنص الطائفة الثانية بأنه التاسع من أئمة أهل البيت علیهم السلام ، والطائفة الثالثة بأنه الثاني عشر من أئمة أهل البيت علیهم السلام ، وبذلك تثبتان أن أباه بحكم الواقع التاريخي هو الإمام الحسن علیه السلام لا عبدالله .
وتحت عنوان : موقع الإمام المهدي المنتظر علیه السلام من الرسالة، وفي أحاديث الأئمة من أهل البيت علیهم السلام الذي أردنا أن نبين فيه اتساق ما ورد عنهم علیهم السلام في كتاب الشيعة مع ما انتهى إليه البحث الأول، مع إضافة تتصل بموقع المهدي المنتظر علیه السلام ، وببعض مفردات تأريخه، التي تبدو لبعض الباحثين على شيء من الغموض .. رأينا أنه لا بد لكي تأخذ الأحاديث المروية عن الأئمة من أهل البیت علیهم السلام موقعها في الاستدلال من حديث موجز عن نظرية الإمامة، وأدلتها، فبذلك تأخذ الأحاديث الواردة عنهم عليهم السلام : القيمة نفسها المعطاة لأحاديث الرسول صلی الله علیه و آله بصفتهم أوصياءه، وامتداده في العصمة العلمية والعملية، وخلصنا بالربط بين الحديث الصحيح الذي ينص على أن الأئمة من بعد الرسول صلی الله علیه و آله ، اثنا عشر وبين أدلة الإمامة الأخرى إلى أن أهمية الإيمان بالإمام المهدي المنتظر علیه السلام لا تأتي من كونه موضوعاً ثابتا بالتواتر عن الرسول صلی الله علیه و آله فقط، بل لأنه - وهذا هو الأهم - يتصل بأصل من أصول العقيدة، وهو الإمامة التي تقتضي أدلتها الإيمان بالأئمة الاثني عشر عليهم السلام على نحو العموم المجموعي.
وبذلك فسرنا الاهتمام الخاص والاستثنائي الذي أعطاه الرسول صلی الله علیه و آله وأوصياؤه عليهم السلام للحديث عن موضوعه علیه السلام ، بحيث لم يغفل أحد منهم عليهم السلام التبشير به ، والحديث عن كل مفردة من تاريخه، ولولا ذلك لكان من الصعب أن يستوعب المؤمنون ما يحيط بتاريخه من ملابسات
وغموض . وقد أشرنا إلى أن في الأحاديث الواردة عن كل واحد منهم عليهم السلام ۔ عدا تواترها، واتساقها في الدلالة في ما تحدثت عنه من شأنه - وجه دلالة أخرى مضاف، وهو أنها أو بعضا كثيرا منها، كما يقول الشيخ الصدوق رحمه الله ، رویت، وحفظت في الصحف ودونت في الكتب قبل أن تقع الغيبة بمئتي سنة أو أكثر ... وقد قدمنا عددا من الكتب المؤلفة لإيراد الأحاديث الواردة في موضوعه علیه السلام ابتداء من عصر الغيبة الصغرى.
ثم اخترنا أمثلة مما روي عن الرسول صلی الله علیه و آله وكل واحد من أوصيائه عليهم السلام بإضافة الزهراء فاطمة عليهاالسلام تتناول ما أشرنا إليه من موضوعه، وكل مفردات تاريخه، وذكرت في ما أوردته عن الإمام الحسن العسكري علیه السلام ما نص به علیه السلام على إمامته، وغيبته بعد أن أراه لعدد كبير من أصحابه ضم مجلس واحد من أعيانهم أكثر من أربعة وأربعين شخصا عدا مناسبات فردية أخرى كالذي كان من ذلك مع أحمد بن إسحاق الأشعري وعمرو الأهوازي وحكيمة بنت الإمام الجواد، وعثمان بن سعيد وإسماعيل بن علي النوبختي، وكامل بن إبراهيم المدني، وأبي الأديان . (1)
أما ما ورد عن الإمام المهدي المنتظر علیه السلام نفسه من إشارته إلى نفسه، وتأريخه بالصورة التي تحدث عنها آباؤه عليهم السلام فقد ذكرته في البحث الأول من الفصل الثاني الذي تناول إخفاء ولادته، واضطلاعه بالإمامة طفلا وغيبته الصغرى، لندللُ على أن الخفاء والغيبة كانا نسبيين.
وخلصنا، في ضوء هذا البحث، متسقاً مع البحث الأول، إلى الخلاصة التالية :
1- إن المهدي المنتظر علیه السلام هو الإمام محمد بن الحسن العسكري علیه السلام الثاني عشر من أهل البیت علیهم السلام أوصياء الرسول صلی الله علیه و آله المولود في النصف من شعبان سنة 255 ه-.
1) راجع البحث الأول من الفصل الثاني : ولادته علیه السلام و غيبته الصغرى .
2 - إنه لا يوجد فصل نسبي ولا زماني بين الإمام المهدي المنتظر علیه السلام وبين أوصياء الرسول صلی الله علیه و آله وشهود رسالته من آبائه عليهم السلام وأنه علیه السلام داخل - دون انقطاع - في الأئمة الاثني عشر الذين نص عليهم الحديث المتفق على صحته وما تعطيه أدلة الإمامة الأخرى من خصوصية العصمة العلمية والعملية والتأييد بالملائكة، والمرتبة التي تجعل المسيح علیه السلام يصلي خلفه . ومن الصعب إثبات هذه الخصوصيات الثابتة له - مع الانقطاع الزمني والنبي الذي تفترضه النظرية الأخرى.
3- إن الأحاديث المروية بصورة متواترة فيه تشخصه بكل مفردات تاريخه، وتفسر الجوانب الغامضة منها وتنظر لها بما يوجد في تاريخ الرسل والأنبياء.
فهو معروف بها اسماً ونسباً وموقعاً عددياً من سلسلة الأئمة من أهل البیت علیهم السلام ووالدا ووالدة، وخفاء ولادة، وصفة، وغيبة صغرى وكبرى، وظهورا، وما يسبق ذلك من علامات عامة وخاصة، وما يرافقه ويتأخر عنه من آیات وخصوصیات زمنه وعالمه وغير ذلك مما لا يترك مجالا لإدعاء موقعه من غيره مطلقا.. وهي نتائج حاسمة وهامة من دون شك ..
تحدثت عن رأي أهل الكشف ممن هم من أهل السنة أصلا، وموافقتهم لما يراه الإمامية من كون الإمام المهدي المنتظر علیه السلام هو الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري. ولم أجعله دعامة أساسية ودليلا بل مؤيداً...؛ لذلك قدمت خلاصة البحث قبله وذكرت في بداية ذلك الإشكال على استدلالي بالكشف مع عدم إيماني بحجيته إذا استقل وأجبت عنه ... ثم ذكرت ما وقع به ابن خلدون من خطأ في نسبة هذا الرأي للمتأخرين من الصوفية وإشارته إليه مجمة، واستشهدت على سبيل الإجمال بما أورده أبو بكر البيهقي المتوفي سنة 458 ه والذي سبق ابن خلدون ب 340 عاما من
نصه على موافقة أهل الكشف الإمامية في تحديدهم لشخص الإمام ونسبه وولادته، وغيبته، وظهوره، ثم استشهدت مفصلا بإيراد ما قاله سبعة من أعلامهم في ذلك .
تحدثنا عن إخفاء ولادته وغيبته الصغرى وما أثاره ذلك من شكوك .
وقد ناقشنا ما يتصل بأمر خفاء ولادته :
أولا : بما أنذر بها مقدمة من الروايات المتواترة عن المعصومين علیهم السلام وبيان أنها مما تفرضه الظروف الموضوعية المتصلة بالسلطة الحاكمة من جهة وبعمه جعفر الكذاب من جهة أخرى، وقد أشرنا هنا إلى بعض ما قدمناه منها .
ثانيا: إن خفاء ولادته كان نسبياً، وأشرنا إلى ما مر من أن أباه الحسن علیه السلام أراه كما قدمنا في الروايات الواردة عنه من الثالثة حتى الثامنة إلى عدد كبير من شيعته ، ونص علیه السلام أمامهم علی إمامته ، وأوردنا أيضا من ذلك منها ما لم نورده هناك ، وذكرنا عددا آخر ممن شهد بولادته ، ورؤيته ،ورأى دلائل الإمامة منه .
تحدثنا عن غيبته علیه السلام ، وانقطاعه عن الصلة بالناس في الغيبة الصغرى، فقد ربطناها - كما هو الواقع - بنفس الظروف الموضوعية التي أوجبت إخفاء ولادته علیه السلام وذكرنا في الإجابة على التساؤلات :
أولا : إنذار المعصومين علیهم السلام بها، والتنظير لها بما ورد في تاريخ الأنبياء علیهم السلام .
وأشرنا إلى بعض ما أوردناه من ذلك في البحث الثاني من الفصل الأول .ثانيا : إنها كانت نسبية، وقد أشرنا إلى أهم مظاهر حضوره وهم النواب الأربعة ثم ذكرنا عددا آخر ممن شهده ورأى البرهان على إمامته فيها، وقد ذكرنا أنهم أحصوا ممن رآه ثلاثمئة وأربعة أشخاص.
تحدثنا عن اضطلاعه بالإمامة طفلا وما يثيره من إشكال، وتشكيك بعض الباحثين. وقد سقت من الإجابة : أولا - لذوي العقليات العلمية التي تطلب حتى في المسائل التي تتصل بالمشيئة الإلهية كالنبوة والإمامة شواهد من الواقع عددا من الأمثلة التي سجلها العلماء لأطفال جاوزوا المستويات المعروفة في الذكاء والمواهب الروحية والعقلية، والقدرة على الاستيعاب بالصورة التي تصبح فيها إشارة للمواهب الاعجازية الأسمى في الرسل وأوصيائهم علیهم السلام .
ثم ذكرت ثانيا ما تحدث به القرآن في شأن عيسی ويحيى علیهماالسلام .
ثالثا : بأن عمره علیه السلام قريب من عمر اثنين من آبائه هما الإمام محمد الجواد والإمام الهادي علیهماالسلام ، وقد اضطلعا بالإمامة واقعيا وبأعلى اشتراطاتها. وتعرضا لمحاولة السلطة في اختبارهما، فكانا آية مدهشة .
رابعا: عدم منطقية الإشكال حول كيفية إمامته مع قيامها واقعا،وخضوع كبار العلماء والمتكلمين لها.
تحدثنا عن نوابه وبعض توقيعاته بوصفها دليلا هاما يضاف إلى ما قدمناه على كون غيبته علیه السلام نسبية، وأنه علیه السلام حاضر مع الأمة في كل شأن يتصل بها وإن لم تتح رؤيته - بصورة مفتوحة للجميع .. وقد وقفنا عند هذا الموضوع خاصة لبيان دلالته بحكم الفترة الطويلة التي تمتد إلى ما يجاوز (68) عاما كان فيها النواب القناة الرئيسية العامة من الأمة إليه علیه السلام ومنه إليها، وأشرنا إلى أن هؤلاء النواب ممن لا يدور حولهم شك لدى الأمة من أية جهة لأمور منها:
1- إنهم معروفون لدى الأمة تقى، وورعا، وأمانة، وعلماً، وقرباً من أئمة أهل البيت علیهم السلام وكان العلماء من الأمة يدركون تميزهم بخصال أوجبت اختيارهم من دون سواهم.
2- کانوا موثقين من الأئمة علیهم السلام ومنصوص عليهم مباشرة أو بالوساطة، وبصورة تجعلهم بمنزلة اللسان واليد أو ممثلين خاصين مطلقين كما جاء في النصوص التي ذكرناها عن النائب الأول عثمان بن سعيد العمري ثم ابنه محمد بن عثمان رضوان الله عليهما ثم الثالث بوساطة الثاني والرابع بوساطةالثالث.
3- كانت أجوبة الإمام المهدی علیه السلام تصدر على يد كل واحد من هؤلاء النواب الأربعة بالخط نفسه المعروف للإمام علیه السلام لدى بعض ثقاة الأمة من دون تغيير، وبالدرجة نفسها من حيث الأسلوب والمضمون مما يشير إلى وحدة الجهة التي يصدر عنها النواب.
4 - أظهر الله بوساطة الإمام علیه السلام على يد كل واحد منهم من الكرامات المعجزة ما أعطى دليلا قائما مضافا على حقيقة صلتهم به. وذكرنا نصا للشيخ النعماني الذي كان معاصرا لهم يشير إلى ذلك، ثم تحدثنا عن كل واحد منهم وأشرنا إلى مكانته ، وما صدر عنه من کرامات وعلم بما نراه کافيا التجلية الدلالة من هذه النواحي الأربع على كل واحد منهم رضوان الله عليهم. ثم ذكرنا ما صدر على يد كل واحد منهم من توقيعات بخاصة تلك التي تتصل بموضوع كتابنا من جهة أخرى أي ما يصلح أن تكون أساسا لنفي أو إثبات في موضوعه الخاص بالإمام المهدي علیه السلام من جهة، وبقواعد الغلاة، وأدعياء البابية ، ومفاهيمهم من جهة أخرى وختمناها بتوقيعه علیه السلام الصادر إلى نائبه الرابع بوقوع الغيبة الكبرى، وتكذيب مدعي المشاهدة قبل الصيحة والسفياني.
إجابة على السؤال : «لماذا لا يكون المهدی علیه السلام رجلا آخر؟»؛ وهو سؤال تثيره بعض الإشكالات التي أشرنا إليها، وأجبنا بأن ذلك يفرضه ما ثبت من كونه الإمام الثاني عشر علیه السلام بوصفه آخر الأوصياء علیهم السلام . وإذا كان
العقل والنقل يقضيان بعدم خلو الأرض من حجة وكان الله قد ختم النبوة بمحمد صلی الله علیه و آله ، وهو المفروض بحکم رتبته فإن المتعین، ورسالته خاتمة الرسالات وأوصياؤه لا أكثر من هؤلاء الاثني عشر عليهم السلام أن يكون وصيه وامتداده الثاني عشر علیهم السلام هو صاحب الزمان من عهده الأول حتى قيام الساعة. على أن صفات المهدي المنتظر علیه السلام وموقعه والآيات التي تحفه، كما هو ثابت في الأحاديث المتواترة، لا يمكن تصورها لمن هو دون مستوى الخلافة للرسول صلی الله علیه و آله ، بالمستوى الأخص، وليس هناك سوى الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن علیه السلام وهو ما أثبتته الروايات المتواترة.
والغيبة الكبرى لا تعني إلا غلق الصلة به من جهة الناس لا من جهته لو أراد القيام - بالتسديد وإزالة الشبهات - تحقيقا لدوره حجة باقية لله، وبما أعطاه الله من وسائل لا تتحدد بالصورة المباشرة والمادية .
ثم ذكرنا أن هذه الغيبة ، بما ينشأ عنها من حيرة وإشكالات، کالأولى أنذر بها الرسول صلی الله علیه و آله والأئمة علیهم السلام قبل أن يولد المهدی علیه السلام بأكثر من قرنین . واستمر الإنذار بها حتى آخر إمام سبقه ثم منه علیه السلام وأشرنا إلى بعض ما قدمناه منها في البحث الثاني من الفصل الأول.
وذكرنا، تحت عنوان : طول العمر بصورة غير معروفة، أن طول العمر لا يثير إشكالا إلا إذا نظر إليه ضمن القياسات العادية لا في إطار المشيئة الإلهية التي لا تحكمها القوانين التي تقوم بها أصلا.
وبقاء الإمام علیه السلام - بما ذكرناه من الأدلة ونظرنا لها بمعجزات الأنبياء علیهم السلام الخارقة لهذه القوانين - قبلناه على هذا الأساس لا على أساس منطق العلم والتجربة .. وأشرنا إلى أن هذا هو السر في اختيار الأئمة علیهم السلام في التنظير : أمثلة من تاريخ الأنبياء علیهم السلام إدراكا منهم لعدم وجود ما يمكن القياس عليه في المجرى العادي والطبيعي في الحياة ولنوضع في الإطارنفسه. وذكرنا أن بعض العلماء ساق ليثبت إمكان طول العمر ووقوعه أمثلة
مما ذكر من المعمرين، وهو كما قال الشيخ المجلسي غير مجد بعد ما ذكرناه ، ولعدم إمكان التحقق من صحته غير ما ذكره القرآن من أخبار الآحاد، ويكفي التنظير بالمسيح علیه السلام ونزوله للإجماع عليه ولوجود ما يدل عليه في القرآن الكريم كما أشار إليه الكنجي.
وسقنا بالمناسبة ما أثاره بعض الباحثين، وفيهم أعلام، من غيبته وبقائه في السرداب، وبينا أنه لا أساس له، وأنه خلط بما هو جار من زيارة المؤمنين للسرداب والدعاء بتعجيل الفرج له وللمؤمنين .
تحدثنا تحت عنوان : ما الحكمة؟ بافتراض أن السؤال، هنا، يقصد به الحكمة من وجود مهدی منتظر أصلا بوجهين ينطقان بحاجة البشرية لذلك :
الأول: عدم تجاوز البشرية لمشاكلها الحادة رغم تقدمها العلمي وعدم وجود ما يشير لذلك مستقبلا.
الثاني : قلة ونسبية ما تستطيع أن تعرفه من أسرار الكون الهائل السعة والعمق حتى في المستقبل. وهو ما يفرض المعلم الإلهي دائما.
وأشرنا - بافتراض أن السؤال قصد به الحكمة من أن يكون هذا المهدي الإمام الثاني عشر - إلى ما أجبنا به في السؤال الأول : لماذا لا يكون المهدي شخصا آخر؟
أما إذا قصد به الحكمة من الغيبة الطويلة، فأجبنا بأنها انتظار الظرف المهيأ لقبول الرسالة الإلهية، وأن ذلك لا يكون إلا في آخر ما تبلغه البشرية من شوط في النضج والمعرفة .
ودللنا على ذلك بعدم استيعاب الناس ما طرحه الرسول صلی الله علیه و آله والأوصياء من بعده في عصر تأسيس قواعد الرسالة وأطرها كما ينبغي، وعدم تجاوبهم معهم نظريا وعمليا مما يحتم الغيبة، بانتظار أن ينتج من تفاعلهم مع الواقع التأريخي من جهة، ومع مفاهيم الرسالة من جهة أخرى، الظرف
الملائم لاستيعابها بصورة أفضل، وبالتالي التهيؤ لاستقبال الإمام علیه السلام امتداد الرسول صلی الله علیه و آله وخليفته بالمعنى الأخص . وبذلك نفينا أن تكون التقية هي السبب للغيبة الكبرى، ورأينا أن طرح بعضهم لها تسامح يقصد به التقنية على الرسالة في ظرف لا يقبلها لا التقية الشخصية من قبل الإمام علیه السلام ، وقد يكون بعضهم قد نقل ما طرحه الأئمة علیهم السلام لتفسير الغيبة الصغری اشتباها وخلطا... وذكرنا أن الغيبة لا تنافي بقاءه حجة الله على أهل الأرض، بما أن الغياب لا يمنعه من قيامه بوظيفته في التسديد، والتعليم، والإعانة بما أعطاه الله من وسائل لأداء وظيفته .. ولذلك ورد أنه علیه السلام كالشمس من وراءالسحاب .
تحدثنا تحت عنوان: هل يعني ذلك إمكان المشاهدة؟ فأجبنا بعدم وجود إشكال في الإمكان عقليا وكونيا إلا من جهة ما ورد عنه علیه السلام من تکذیب مدعي المشاهدة في الغيبة الكبرى، وذكرنا محاولة بعض العلماء تضعيف هذا التوقيع، مع كونه خبرا واحدا وبذلك لا يصلح - كما رأى - لمقابلة القصص المتواترة برؤية الإمام علیه السلام وإيراد العلماء لهذه القصص - كما قال - يعني عدم اعتبارهم لهذا التوقيع .
وناقشنا ذلك بنفي ادعاء كون الحديث ضعيفا وأنه من الصحيح وفي أعلى درجات الصحة بل ذهب بعض العلماء إلى القطع بصدوره لقيام القرينة على ذلك. ونفينا أيضا أن يكون مؤداه - في ما عدا إطلاقه - واحداً بالمعنی اللغوي والعددي الذي قصده لا الأصولي - لورود أحاديث أخرى بالمضمون نفسه لكنها تستثني مولاه الذي يلي خدمته، أو خاصة مواليه الذين هم أخص من خاصة شيعته ... فيكونون خارجين تخصصا كما رأي بعضهم، لأن حجب من هو خاصة غير وارد، وتخصيصا بحكم هذه النصوص وبها يقيد إطلاق التوقيع السابق.
ثم ناقشنا دعوی تواتر مشاهدته بأتا قرأنا أكثر من أربعين قصة منها فلم نجد فيها ما يدل على المشاهدة المباشرة للإمام علیه السلام إلا تصور أهلها
استنادا لظهور شخص، وصدور كرامة أو معجزة، ومع عدم تشخیص أي منهم للإمام علیه السلام من حيث الصورة فإن من الممكن أن يكون ذلك عنه ، ولأمره لا هو علیه السلام فلا تكون دليلا، بخاصة وأن أكثر هذه القصص تدل على تمثل جسم غير مادي أصلا فجأة، وغيابه فجأة، وتحوله نورا أحيانا، والاستجابة في كل الأمكنة، وتحت كل ظرف، مما ينفي كونه جسما بشريا ماديا وتلك هي المشاهدة المنفية ، ولذلك فمن المحتمل أن تكون الرؤية کشفا وبالجسم المثالي البرزخي فتكون غير داخلة في النفي إلا أن التحقق من صحتها مع احتمالات الخلط والهلوسة لا يجعلها تقبل إلا ممن لا يدور حولهم الشك عقلا وعلما وتقي.
وذكرنا عمل العلماء بالتوقيع، وما طرحوه من الجمع بينه وبين ما لا مجال لنفيه من القصص.
وخلصنا إلى أن مدعي المشاهدة يكذب في الحالات التالية :
1- إذا ادعى السفارة والتبليغ.
2 - إذا ادعي معرفة الإمام حال لقائه به .
3- إذا كانت دعوی رؤیاه بالصورة البشرية المادية .
4 - إذا لم يكن المدعي من خاصة الموالي.
في الفصل الرابع تناولنا تحت عنوان: ولكن متى؟
لا توقيت ولكن ثمة علامات. ما ورد عن الأئمة من أهل البيت علیهم السلام من النهي عن التوقيت وربطنا ذلك بما ذكرناه من أن ظهوره علیه السلام منوط بحصول الظرف الذي يتأهل فيه العالم لقبول الرسالة الإسلامية بكل أبعادها.. والتسليم بمعرفة وقناعة للهدى الإلهي بقيادة آخر الأوصياء علیه السلام .
وتقدير الظرف لپس جبريا بحكم «اللاجبر واللاتفویض» وإنما بالأسباب والقوانين المتصلة بها في هذا العالم - كما شاء الله لدي خلقه العالم إبتداء - ليصح التكليف والمسؤولية. وإذا كان في الأسباب ما هو ثابت فإن فيها ما هو متغير، والخيار الإنساني داخل ضمنها من دون شك. ولذلك فإذا كان بعض
هذه الأسباب في موقع المقتضي والشرط فإن بعضها قد يكون بالنسبة إليه في منزلة المانع. وطبقا لهذه العلاقة بين المقتضيات والشروط والموانع، بما فيها الخيار الإنساني والفاعلية الإنسانية ، قد يتقدم هذا الظرف وقد يتأخر .. وهو معنى «البداء» كما فسره أهل البيت علیهم السلام .
لذلك لا مجال للإخبارات القاطعة في غير ما هو محتوم، ولهذا السبب نهى الأئمة علیهم السلام عن التوقيت ، أو لأن ظهور الإمام بين يدي الساعة كنذیر بعد ختم النبوة - كما هو واضح - من الآيات التي تظهر في زمنه والساعة ترتبط بتقدير كونها تشمل المجموعة الشمسية أو الحجرة لذلك لا مجال للاخبار بها وذكروا للظهور وعصره علامات عامة وخاصة . ذكرنا بعد أن بينا الفرق بينهما :
في البحث الأول: العلامات العامة .
وفي البحث الثاني : العلامات الخاصة .
ويمكن معرفة ما سقناه في كل منهما في فهرست الموضوعات .
وفي البحث الثالث
تحت عنوان : انتظار الفرج والدعاء بتعجيله : ذكرنا ما وجه به الأئمة من أهل البیت علیهم السلام شيعتهم من المسلمين لدى اشتداد المحن وتتابع الفتن في ظروف العلامات العامة والخاصة قبل ظهور الإمام علیه السلام ، من انتظار الفرج، والدعاء بتعجيله .. وقلنا: إن الانتظار تمليه العقيدة، لدى المؤمن ببقاء الإمام علیه السلام وغيبته وظهوره، بطبيعتها، وهو بهذا اللحاظ وما يصحبه من مصابرة، وتحمل للظروف الموضوعية القاسية، وانعكاساتها النفسية والمادية : عبادةوجهاد. وهو ما أراد الأئمة علیهم السلام تأكيده، وبيان قيمته عند الله حين قالوا عن المنتظر لأمرهم: إنه كالمتشحط بدمه في سبيل الله أو کالميت في فسطاط المهدي علیه السلام وعسكره، وهو أيضا كما أرادوا أن يكون حين وجهوا إليه : نفي للقنوط واليأس اطمئنانا بوعد الله سبحانه .
أما الدعاء بتعجيل الفرج الذي هو كما قالوا: فرجنا، فلأنه من الأسباب الكونية المؤثرة في تقدير الظرف المؤهل لظهور الإمام علیه السلام كأي سبب
کوني آخر بنص القرآن (وقد شرحنا معنى السببية لإيضاح دخول الدعاء فيها في الهامش) وناقشنا تحت عنوان، الانتظار لا يعني ترك العمل ما يتصوره بعضهم من أن الدعوة للانتظار دعوة سلبية ، وتخديرية بأن الانتظار حالة نفسية طبيعية من الترقب لدى المؤمن بمجيء موعود، يلزمها تلقائيا الاستعداد - بما هو المفروض المناسب لاستقباله - ولذلك فهو حافز العمل لا مخدر.
أجبنا على سؤال بعضهم: كيف يمكن أن ينتصر الإمام علیه السلام مع تقنيات الأسلحة المتطورة لدى الدول الكبرى وهو من غاب تقية في عصرالعباسيين؟ وناقشنا هذا السؤال ببيان خطأ النظر إلى الإمام علیه السلام وحركته ، وإمكانياته - بالحسابات التي ينظر فيها للناس الآخرين - وقياس وظيفته وتعامله في الظهور على ما كان في مرحلة إمامته علیه السلام في عهد التأسيس، وقلنا: إن الإجابة تقتضي أن نعود لنتذكر ما قلناه في بيان الحكمة من هذه الغيبة ، فقد قلنا هناك إنه انتظار للظرف الملائم. ونعني به أولا أن يتهيأ العالم بصورة عامة في غاية مساره العلمي والعقلي لتقبل الرسالة الإسلامية حين تطرح بأبعادها كما أنزلها الله على رسوله صلی الله علیه و آله خالية مما ألحقته بها الاجتهادات المختلفة والتطبيقات التاريخية البعيدة وهناك أكثر من إشارة واقعية للقاء حقيقي بين ما انتهى إليه العلم والفكر وبين أهم الركائز التي يقوم عليها الدين والدين الإسلامي خاصة (أشرنا في الهامش إلى شيء من ذلك).
وذكرنا أن تقدم العلم تصحبه موضوعية وسعة أفق من شأنهما إيثار الحق والاستجابة له، وسقنا سبعة عوامل تتصل بإمكانيات الرسالة نفسها من جهة وما يعطيه الله للإمام علیه السلام في عصر الظهور من مدى وقدرات لا يبلغها التصور من جهة ثانية (وذكرنا ما أشارت إليه الروايات منها) ثم ما لعصر الظهور من خصوصيات إيجابية وسلبية (تحدثنا عنها) من شأنها أن تساعد على هذا النصر من جهة ثالثة .
وقلنا إن هذه العوامل التي تحدثنا عنها بتفصيل، بل بعضها، کافية للإجابة عن هذا السؤال.
تحدثنا تحت عنوان : ماذا سيفعل؟ عما أعطاه أدعياء المهدوية لحديث : يأتي بأمر جديد من معنی محرف ينسجم مع ما يحاولونه من هدم الإسلام، ونشر البدع. وقد ناقشنا ذلك بتفصيل مبینین مناقضته للثابت من خلود الرسالة وموقع الإمام علیه السلام بوصفه وصيا للرسول صلی الله علیه و آله وخليفة له، وأشرنا إلى توقف العلماء في ما ظاهره النسخ وتفسيرهم له. وأعطينا المعنى الصحيح للحديث في ضوء الواقع من جهة، وما جاءت به الأحاديث عما يفعله الإمام علیه السلام من جهة ثانية، وخلصنا إلى أن رسالة الإمام علیه السلام هي رسالة الإسلام نفسها كما أنزلت على الرسول صلی الله علیه و آله، عارية عن الاجتهادات النظرية المختلفة، والتطبيقات التاريخية البعيدة متصلة بما أعطى الله الإمام علیه السلام من إمكانات استثنائية خاصة في صورة التطبيق ومداه .
تحت عنوان: الإمام المهدي المنتظر علیه السلام وعقيدة الرجعة، ذكرنا ارتباط هذه العقيدة بالإمام علیه السلام أمرا وشخصا وزماناً، وذكرنا الآراء الثلاثة المطروحة فيها:
والأول يرى أنها تعني رجوع أمر أهل البيت علیهم السلام لا رجوع بعض الأموات وذكرنا ما حملهم على هذا الرأي و أبطلناه .
وأوردنا ما قاله العلماء من أن ما ورد في الرجعة نصوص لا تقبل التأويل.
والرأي الثاني يرى أنها تعني رجوع الإمام علیه السلام نفسه کعیسی علیه السلام الذي لا خلاف بين المسلمين في رجوعه مع أنه قد توفاه الله، وسقنا ما ذكر من عدم منافاة هذا الرأي لحياة الإمام علیه السلام طبقا للمفهوم الحقيقي للحياة
الذي لا ينافيه الموت بمعناه الذي يعني الانتقال لا بالمعنى العامي الشائع من الانقطاع.
وأن ذلك لا ينافي أيضا استمرار مهمته في الإمامة التي تعني التوجيه والتسديد والتعليم، للصلة المفتوحة بين أهل السماء والأرض وكما هو جبرائيل بالنسبة للرسل علیهم السلام .
وناقشنا ذلك بمنافاته لبقاء التكليف ولصريح بعض الروايات.
وذكرنا رأيا آخر فحواه أن هذا الموت ليس طبيعيا وإنما هو إرادي، وهو معروف في تاريخ الأنبياء والأئمة علیهم السلام باسم العروج، ومعروف لدى الحكماء أيضا وفي الدراسات البارسایكوجية الحديثة باسم الخروج الواعي أو الإرادي من الجسد.
ونزع البدن إراديا والعودة إليه لا ينافي بقاء الإمام علیه السلام في الأرض، وحياته بالصورة المادية فيها. وهو ما يفسر لنا استجابته - لمن شاء الله - في أي ظرف وأي مكان وتمثله فجأة، وغيابه فجأة ..
ولكن ذلك لا يجعل للرجعة معنى يتصل بشخصه، لأنه لا يختلف عن الرأي المشهور.
أما الرأي الثالث، وهو الذي يدخل ضمن : ما الذي سيفعل؟ ويعني رجوع بعض المؤمنين وبعض الكافرين في زمنه علیه السلام كآية عظيمة بين يدي الساعة. ومصداق لمعنی کونه النذر الأكبر وقد ذكرنا أن إنكارها، والتشنيع على من يعتقد بها، لا يقوم على اعتقاد عدم وقوعها تحت القدرة وإلا كان كفرة بالله ، وبالمعاد الذي هو أصل أساس لدى كل المسلمين، ولا على عدم وقوع الرجعة في التاريخ السابق لورود آیات عديدة تنص على هذا الوقوعسقنا عددا منها، وإنما على عدم الانتباه إلى أدلة وقوعها في المستقبل وفي زمن الإمام علیه السلام .
ثم ذكرنا عددا من الآيات التي لا مجال لفهمها بغير الرجعة بصورتها الجزئية مستقبلا ...
ثم ما ورد متواتراً عن أهل البيت علیهم السلام في ذلك .
ومع مثل هذه الأدلة التي يكفي بعضها لجعل مسألة الرجعة قائمة بوصفها مسألة من ضمن ما جاء به الدين شأن كثير من المسائل الأخرى التي يدين بها المسلمون مما لا تملك أحيانا جزءا مما تملكه الرجعة من أدلة الإثبات، يكون التشهير بها، وإسقاط عدالة معتقدها - كما فعل بعضهم - موقف تعصب وانسياق تقليدي مع أقوال قديمة أفرزها الصراع المذهبي لا يرجعان إلى أساس من دین وموضوعية وعدل .
النجف الأشرف
عدنان علي البكاء الموسوي
تمهيد
البحث الأول:
المهدي المنتظر علیه السلام من عقائد أهل السنة
البث الثاني:
موقع الإمام المهدی علیه السلام من الرسالة وفي أحاديث الرسول صلی ، والأئمة من أهل البيت علیهم السلام
البحث الثالث:
أهل الكشف من الصوفية يوافقون الإمامية في شأن المهدي المنتظر علیه السلام
.
الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر علیه السلام وبأنه من أهل البيت علیهم السلام ، من ذرية علي وفاطمة عليهماالسلام ، وسيخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا، عقيدة إسلامية لا شيعية فقط كما قد يتصور بعضهم، وقد نص عدد كبير من علماء السنة على أن ذلك من عقائد أهل السنة أو نصوا على تواتر الأحاديث الواردة فيه وذلك يعني أيضا حتمية الاعتقاد به لأن التواتر یوجب العلم. بل لم يخالف في ذلك منهم إلا من لا عبرة برأيه في علم الحديث عندهم کابن خلدون المتوفی 808ه، ومع ذلك فقد اعتبرها من المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار واعترف بصحة بعض ما ورد من الأحاديث فيه .
فقال في مقدمة تأريخه: «إعلم أن المشهور بين الكافة، من أهل الإسلام على ممر الأعصار، أنه لا بد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يؤيد الدين، ويظهر العدل ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية ويسمى المهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة فيالصحيح على أثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال وينزل معه فيساعده على قتله ويأتم بالمهدي في صلاته ، ويحتجون بأحادیث خرجها الأئمة وتكلم فيها المفكرون، وربما عارضوها ببعض الأخبار. وللمتصوفة المتأخرين في أمر هذا الفاطمي طريقة أخرى ونوع من الاستدلال وربما يعتمدون على الكشف الذي هو أصل طريقهم»(1). وحاول ابن خلدون
1) المقدمة، ص 299، دار الفكر - بيروت .
مناقشة سند بعض ما ورد من تلك الأحاديث واحتج بعدم رواية البخاري ومسلم لها(1).
ولم يقدم من قلد ابن خلدون في ذلك أدلة مضافة. لذلك ستكون مناقشة ما استند إليه ابن خلدون في التشكيك مناقشة لهم كذلك.
وقد تعرض ابن خلدون بسبب ذلك إلى هجوم ماحق من قبل علماء السنة قبل الشيعة وردوا على ما أثاره من وجوه التشكيك ، فقال الشيخ عبد المحسن العباد في «الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة في المهدی علیه السلام ص 28»، وهو يرد على الشبهة التي أثارها ابن خلدون،
والجواب:
أولا : إن ابن خلدون اعترف بسلامة بعضها من النقد؛ إذ قال بعد إيراد الأحاديث في المهدی علیه السلام : «فهذه جملة الأحاديث التي خرجها الأئمة في شأن المهدي علیه السلام وخروجه آخر الزمان، وهي كما رأيت لم يخلص منها من النقد إلا القليل والأقل منه»، على أن ابن خلدون فاته الشيء الكثير من الأحاديث، يعني أنه أورد بعض ما ورد في المهدي من الأحاديث وأوهم قارئه في عبارته السابقة أنه أورد جملتها.
ثانيا : إن ابن خلدون مؤرخ وليس من رجال الأحاديث فلا يعتد به في التصحيح والتضعيف. ووافقه في ذلك الشيخ محمد جعفر الكتاني، في «نظم المتناثر» ص 146، والشيخ جسوس في «شرح الرسالة»، فأكدا عدم الاعتداد بابن خلدون في علم الحديث وعدم الاعتناء بتصحيحه وتضعيفه، ومثلهم في ذلك الشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث مسند أحمد بن حنبل م5
1) المقدمة، ص 299، دار الفكر - بيروت .
ص 197، فقال : «أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحما لم يكن من رجاله» .
وقال: إن ابن خلدون لم يحسن فهم قول المحدثین : «الجرح مقدم على التعديل ولو اطلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئا مما قال».
وذكروا أن من يعتد بهم في الرواية والدراية قد رووا هذه الأحاديث وقالوا بصحة الكثير منها وذكروا منهم أصحاب السنن الأربعة (الترمذي والنسائي وابن ماجه وأبا داود) وأحمد بن حنبل في المسند والطبراني في المعجم وابن حبان والبيهقي في السنن والحاكم في المستدرك . وذكر الشيخ مهيب البوريني في مقدمته(1)لكتاب عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر للسلمي (المتوفى سنة 685) ممن خرج هذه الأحاديث من الأعلام بدءا من أوائل القرن الثالث حتى منتصف القرن الرابع عشر (52) محدثا، مشيرا إلى كتبهم التي خرجوها فيها، ومنهم عدا من ذكرناهم آنفا أبو عبدالله نعیم بن حماد (المتوفى سنة 228) في الفتن، ويحيى بن عبد الحميد الحماني (المتوفى سنة 228) في مسنده ، وابن سعد (المتوفى سنة 230) في الطبقات، وابن أبي شيبة (المتوفى سنة 235) في مصنفه، والحارث بن أبي أسامة (المتوفی سنة 282) في مسنده ، والبزار (المتوفى سنة 292) في مسنده ، وأبو يعلى (المتوفى سنة 307) في مسنده ، والروياني (المتوفى سنة 307) في مسنده، وابن جرير الطبري (المتوفى سنة 310) في تهذيب الآثار، وابن المنادي (المتوفى سنة 336) في الملاحم، وابن حبان (المتوفي سنة 354) في صحيحه، والدارقطني (المتوفى سنة 385) في الأفراد، والخطابي (المتوفى سنة 388) في معالم السنن، والرازي (المتوفى سنة 414) في
1) مقدمة الشيخ مهیب بن صالح البوريني لكتاب عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر للعلامةيوسف بن يحيى المقدسي السلمي الشافعي، المتوفى سنة 685، وهو ما تقدم به في 20/ 1398/5 ه- إلى قسم الدراسات العليا في جامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض تحقيقا وتخريجة رسالة للماجستير .
الفوائد، وأبو نعيم الأصفهاني (المتوفى سنة 430) في حلية الأولياء وكتاب المهدي ، وأبو عمر الداني المقرئ (المتوفى سنة 458) في سننه ، والقاضي عياض (المتوفى سنة 544) في كتاب الشفاء، وابن عساكر (المتوفى سنة 571) في تأريخه، وابن الجوزي (المتوفى سنة 597) في تأريخه، والقرطبي (المتوفي سنة 671) في التذكرة، وابن تيمية (المتوفى سنة 728) في منهاج السنة، وأبو الحجاج المزي (المتوفى سنة 762) في تهذيب الكمال، والذهبي (المتوفی سنة 742) في المستدرك، وابن القيم (المتوفى سنة 751) في المنار المنيف، وابن كثير (المتوفی سنة 774) في تفسيره وفي الفتن و الملاحم، وابن حجر العسقلاني (المتوفى سنة 852) في فتح الباري وتهذيب التهذيب، والسخاوي (المتوفی سنة 902) في فتح المغيث، والسيوطي (المتوفى سنة 911) في جواهر العقدین، والمناوي (المتوفى سنة 1032)(1)في فيض القدير وآخرون كثيرون غيرهم.
ثالثا : ردوا محاولته الاستدلال بعدم تخريج الشيخين البخاري ومسلم٫
الأحاديث المهدی علیه السلام وأنها لو كانت صحيحه عندهما لخرجاها بأمرين:
الأول : إن الشيخين (البخاري ومسلم)، كما قال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم، لم يلتزما باستيعاب الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما بأنهما لم يستوعباه ، وإنما قصدا جمع جمل من الصحيح، كما يقصد المصنف في الفقه جمع جمل من مسائله لا أنه يحصر جميع مسائله(2)، وقد روی الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري ، عن الإسماعيلي عن البخاري، أنه قال : لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا، وما تركت من الصحيح أكثر (3).
وأكد أبو عمر بن الصلاح أن البخاري ومسلم لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما ولا التزما ذلك، وذكر مضمون الكلمة التي نقلها ابن حجر عنه
وقال : وروينا عن مسلم أنه قال : ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا -أي في جامعه الصحيح - إنما وضعت ما أجمعوا عليه(1).
ويكفي شاهدا على ذلك ما استدركه الحاكم النيسابوري عليهما، في كتابه المستدرك من الأحاديث التي تتوفر في أسانيدها شروطهما ولم يخرجاها، وأحاديث المهدي منها وما ذكرناه من العلماء الذين خرجوها وصححوا الكثير منها ما يكفي في رد هذا الاستدلال.
الثاني : إن بعض الأحاديث الواردة في المهدي أو المتصلة به اتصالا لا يمكن فصمه موجودة في الصحيحين، كالحديث الذي رواه البخاري في كتاب بدء الخلق عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم(2).
وكالحديث الذي أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب نزول عیسی، عن جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه قال : لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم : تعال صل لنا فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة لهذه الأمة(3).
وقد سمي هذا الأمير في أحاديث أخرى، والأحاديث يفسر بعضها بعضا، ومن عسى يمكن أن يكون هذا الإمام إلا المهدی علیه السلام كما شخصته الروايات المتواترة عن الرسول صلی الله علیه و آله وأهل بيته وأصحابه .
وقد ساق من يعتد بهم في رواية الحديث أسماء خمسة وعشرين صحابيا أخرجت عنهم أحادیث المهدی علیه السلام . وقد ألف العلامة المحدث أحمد بن محمد بن الصديق الغماري المغربي المتوفى سنة 1960م كتابا بعنوان : إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون، المسمى المرشد المبدي
في فساد طعن ابن خلدون في أحاديث المهدی علیه السلام وقد طبع هذا الكتاب بمطبعة الترقي بدمشق سنة 1347 ه، وفي كتابه : علي بن أبي طالب إمام العارفین اتهم ابن خلدون بأن تشکیکه لم يكن إلا تعصبا على أهل البيت علیهم السلام فقال : وقد تحدث قبل ذلك عن أحد العلماء و موقفه المتعصب على آل البیت علیهم السلام وهو ابن تيمية : «ومثله في الخبث والنفاق ابن خلدون وإن لم يكن عنده من الجرأة ما يساعده على نفث ما في صدره والتصريح بكل ما يحمله من طيات جنبه» إلى أن يقول: «ثم هو مع ذلك لا يجد سبيلا إلى نفي فضيلة عن علي علیه السلام وآل بيته الأطهار أو إلصاق عيب وخطأ بهم إلا بادر إلى ذلك كما صنع هنا وكما صنع في أحاديث المهدي المنتظر علیه السلام فرارا من إثبات كون المجدد الذي يحيي الله به الدين آخر الزمان من آل علي علیه السلام وعلل ذلك (يعني ابن خلدون) بأن آل البيت لم تبق لهم عصبية والملك لا يقوم إلا بها»، ورد عليه هذا الرأي ردا مفحما (1)
1) الغماري ابن الصديق، علي بن ابي طالب إمام العارفین، ص 45، ط1، مصر .
نص على أن الإيمان بخروج الإمام المهدي المنتظر علیه السلام من آل البيت من عقائد أهل السنة، أو مما تواترت به الأخبار، أو نص على صحتها عدد كبير من علماء أهل السنة، ولم يناقش في ذلك إلا من لا شأن له عندهم في علم الحديث كما تقدم. ومن هؤلاء: الحسن بن علي البربهاري الحنبلي المتوفى سنة 339ه، في عقيدته المثبتة ضمن ترجمته من كتاب طبقات الحنابلة لابن يعلى الحنبلي.
ومنهم أبو الحسين الأبري السجستاني محمد بن الحسين المتوفی سنة 363ه، قال في كتابه مناقب الإمام الشافعي: «وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله صلی الله علیه و آله بذكر المهدی علیه السلام وأنه من أهل بيته» . قال الشيخ مهيب البوريني في مقدمته نقل هذا عنه الإمام ابن القيم في كتابه : المنار المنيف وسکت عنه «يعني أنه لم يجد اعتراضا» ، وكذلك الحافظ ابن حجر في فتح الباري م6 ص 493، وفي تهذيب التهذيب في ترجمة محمد بن خالد الجندي نقله وسكت عليه، ومثلهما القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة. وأبو الحجاج المزي في كتابه تهذيب الكمال والسيوطي في العرف الوردي ومرعي بن يوسف الكرمي كما نقل عنه صديق حسن في الإذاعة. (1)
ومن هؤلاء ابن تيمية توفي سنة 728ه، فقد قال : إن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدی علیه السلام أحاديث صحيحة رواها أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم، ثم قال : وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف ،
1) السلمي، قلائد الدرر، مقدمة المحقق، ص 13 .
وذكر منهم من احتج بحديث أورده ابن ماجة عن النبي صلی الله علیه و آله ، أنه قال : لا مهدي إلا عیسی بن مریم. قال : وهذا الحديث ضعيف وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد عليه(1).
ومن هؤلاء أحمد بن السرور بن الضياء الحنفي مفتي الأحناف في مكة في إجابته على سؤال وجه إليه سنة 952ه، وإلى المفتين الآخرين لبقية المذاهب السنية الأربعة : المالكي والشافعي والحنبلي لدى خروج متمهدي في الهند اسمه محمد بن يوسف الحسيني الجونیوري وادعى أنه المهدي وأن من أنكره فقد كفر فاتبعه كثير من الناس فتنوا به حتى توفي سنة 910ه، فأفتى في الإجابة: بوجوب قمع هذه الطائفة أشد القمع لبطلان عقيدتهم بمخالفتها ما وردت به النصوص الصحيحة والسنن الصريحة التي تواترت الأخبار بها واستفاضت بكثرة رواتها من أن المهدی علیه السلام بظهوره في آخر الزمان يخرج مع سيدنا عيسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، ويساعد سیدنا عيسى على قتل الدجال وأن تكون له علامات قبل ظهوره منها خروج السفياني، وخسوف القمر في شهر رمضان وورد أنه يخسف في شهر رمضان مرتين وكسوف الشمس في نصف رمضان على خلاف ما جرت به العادةعند حساب النجوم... إلخ.
وأفتى فقيه المالكية محمد بن الحطاب المالكي المتوفى سنة 954 ه، فقال : اعتقاد هذه الطائفة في الرجل الميت (كان قد توفي منذ 42 عاما) أنه المهدي الموعود بظهوره في آخر الزمان باطل للأحاديث الصحيحة الدالة على صفة المهدي وصفة خروجه وما تقدم من ذلك من الفتن، وذكر شيئا منها ثم قال : وللأحاديث الدالة على كون المهدي يملك الأرض ... إلخ.
وأفتى فقيه الشافعية الشيخ أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي المتوفى سنة 973ه، فقال : اعتقاد هذه الطائفة باطل قبيح وجهل صریح وبدعة شنيعة
1) ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج4، ص 211.
وضلالة فظيعة ثم ذكر مستنده في ذلك، والأول منه : مخالفته لصريح الأحاديث المستفيضة المتواترة بأنه من أهل بيت النبي صلی الله علیه و آله وأنه يملك الأرض شرقها وغربها ويملأها عدلا لم يسمع بمثله وأنه يخرج مع عیسی علیه السلام فيساعده على قتل الدجال ... إلخ.
وأفتى فقيه الحنابلة يحیی بن محمد الحنبلي المتوفى سنة 963ه، فقال : لامرية في فساد هذا الاعتقاد لما اشتمل عليه من مخالفة الأحاديث الصحيحة بالعناد ، فقد صح عنه كما رواه الثقاة عن الرواة الأثبات أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان ، وذكر مقدمات لظهوره وصفات في ذاته وأمور تقع في زمانه من أعظمها ما لا يمكن لأحد دعوى أنه وقع، وهو نزول عیسی علیه السلام في زمنه و اجتماعه به وصلاته خلفه وخروج الدجال وقتله ... إلخ.(1)
ومن هؤلاء محمد السفاريني الحنبلي المتوفي سنة 1188ه.، قال في كتابه «لوامع الأنوار البهية ج 2 ص 84» : «وقد كثرت الروايات بخروجه حتى بلغت حد التواتر المعنوي فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة». .
ومن هؤلاء محمد البرزنجي المتوفى سنة 1103 ه-.، قال في كتابه : «الإشاعة الأشراط الساعة ص 112»: «وقد علمت أن أحاديث المهدي وخروجه آخر الزمان وأنه من عترة رسول الله صلی الله علیه و آله من ولد فاطمة عليها السلام بلغت حد التواتر المعنوي فلا معنى لإنكارها».
ومنهم العلامة القاضي الشوكاني المتوفى سنة 1250 ه-. ، في كتابه : «التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح» : قال بعد أن ساق الأحاديث الواردة في ذلك: «فتقرر أن الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر علیه السلام متواترة».53
1) علي بن حسام، المشهور بالمتقي الهندي، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان، م2، ص 865/ 876.
وقال : إن ما أمكن الوقوف عليه من الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلی الله علیه و آله خمسون حديثا، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي علیه السلام فهي كثيرة جدا، وقال : إن لها حكم الرفع إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك .
ومنهم الشيخ صديق حسن القنوجي المتوفى سنة 1307ه.، في کتابه: «الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة ص 112»، قال : والأحاديث الواردة في المهدی علیه السلام على اختلاف روایاتها كثيرة جدا تبلغ حد التواتر» .
وقال (ص 145): «لا شك في أن المهدی علیه السلام يخرج آخر الزمان من غير تعيين لشهر وعام لما تواتر من الأخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الأمة خلفا عن سلف إلا من لا يعتد بخلافه فلا معنى للريب في ذلك الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلة بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة حد التواتر»..
ومنهم الشيخ محمد جعفر الكتاني المتوفي سنة 1345 ه-. ، قال : «إن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف روایاتها كثيرة جدا تبلغ حد التواتر، وقد ذكرنا ذلك في مناقشته لابن خلدون»(1). نقلا عن قلائد الدرر في أخبار المهدي المنتظر للسلمي، تحقيق الشيخ مهيب البوريني، المقدمة، ص 13 - 15.
وقال الباحث السعودي الشيخ جاسم بن محمد الياسمين في تعريفه الكتاب البرهان في علامات مهدي آخر الزمان الذي قام بدراسته وتحقيقه قال :
«تتأكد قضية المهدي باعتبارها قضية عقيدية من عقائد أهل السنة والجماعة، كما أشار إلى ذلك السفاريني في لوامع الأنوار، ولثبوت الأحاديث واستفاضتها حتى بلغت حد التواتر المعنوي المفيد للقطع واليقين بمجيء الموعود».
وذكر الباحث المذكور في مقدمته «أن الشيخ علي بن حسام المشهور بالمتقي الهندي الحنفي صاحب «کنز العمال» قد أورد في كتابه «البرهان»ه
حشدا عظيما من الأحاديث والآثار في موضوع المهدی علیه السلام حتى بلغت مئتين وأربعة وسبعين حديثا و أثرا» (1).
هذا ما يتصل بقضية المهدی علیه السلام بوصفها عقائدية لدى المسلمين من أهل السنة .
أما الشيعة الإمامية الإثنا عشرية فإن القضية لديهم، من حيث الموقع العقائدي، ومن حيث الأحاديث الواردة فيها، تتجاوز ذلك. فهي من حيث الموقع تتصل بأصل من أصول الإيمان لديهم وهو «الإمامة». أما الأحاديث الواردة فيه فتتواصل روایاتها عن النبي صلی الله علیه و آله والأئمة الاثني عشر من أهل البيت علیهم السلام عدا ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم في ما يتصل به اسماوصفة ودورا وآباء وأما وعلامات ودلائل إمامة حتى تصل إلى الآلاف. وقد أحصى العلامة الباحث المحقق الشيخ لطف الله الصافي في كل باب ورد في الفصول: الأول والثاني والثالث والرابع من كتابه: «منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر عدد ما أورده فيه من الأحاديث، وقد جمعت ما أشار إليه في هذه الأبواب في الفصلين الأول والثاني والأبواب الثلاثة من الفصل الثالث فكان مجموع الأحاديث المنتخبة مما رواه السنة والشيعة في ذلك خمسة آلاف وثلاثمئة وثلاثة أحاديث.
ولكن القضية الهامة التي هي موضع الخلاف في ذلك بين المسلمين تتلخص في الإجابة عن السؤال التالي :
القدر الذي يشترك في الإيمان به أغلب المسلمين، سنة وشيعة ، ويشتركون في تخريج الروايات به، في شأن الإمام المهدی علیه السلام ، هو أنه
1) المتقي الهندي، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان، تحقيق الباحث المذكور أعلاه ، م2، ص 473، ط 1 ، شركة ذات السلاسل، سنة 1408ه.
رجل من أهل بيت النبي صلی الله علیه و آله وأنه من ذرية علي وفاطمة علیهما السلام (1)يخرج في آخر الزمان وقد ملئت الأرض ظلما وجورا فيملأها قسطا وعدلا ، وأن المسيح ينزل فيصلي خلفه في بيت المقدس ويجاهد معه(2)وأن اسمه اسم النبي صلی الله علیه و آله (محمد) وأنه يشبهه خلقا(3).
وأنه، لدى خروجه، يكون جبرائیل علیه السلام على مقدمته أو عن يمينه و میکائیل علیه السلام على ساقته أو عن يساره(4)وأن غمامة على رأسه تظلله ، وملك ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه(5)وتطلع قبله مع الشمس آية(6).
ثم اختلفوا، بعد ذلك، في أنه من ذرية الحسن أو من ذرية الحسين(7).
واختلفوا في اسم أبيه أيضا، هل هو عبدالله أو الحسن؟ وهل أن كنيته أبو عبدالله أو أبو القاسم؟
أما غير الشيعة الإمامية من المسلمين فقد اختلفوا على ثلاثة أقوال ، فذهب بعض منهم إلى القول بأنه من ذرية الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب علیه السلام وأن اسم أبيه عبدالله ، وأنه لم يولد بعد.
وذهب بعض آخر إلى التوقف، وبعض ثالث وافق الشيعة وهم أهل الكشف ممن هم من أهل السنة أصلا، وقد أشار إلى هذين القسمين الحافظ
1) راجع المتقي الهندي، البرهان، م2، ص 189 و 580 و 587 و 589، وراجع قلائد الدرر، ص 99 و 80 و 81.
2) ذكرنا، في صدر الحديث، ما نقله ابن خلدون في مقدمته عن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام في مختلف الأعمار فراجعه .
3) السلمي، قلائد الدرر، ص 93 - 95.
4) المتقي الهندي الحنفي، البرهان، م2، ص 512 و 513 و 497، والسلمي الشافعي، قلائدالدرر، ص 205.
5) المتقي الهندي، المصدر نفسه، ص 512 و 513.
6) المصدر نفسه، ص 627 ، قال : أخرجه الحافظ البيهقي والحافظ نعیم بن حماد من عبدالله بن عباس . قال المحقق جاسم محمد الياسين : إسناده صحيح أخرجه عبد الرزاق .
7) السلمي، المصدر نفسه ، تحقيق الشيخ مهيب البوريني، المقدمة، ص 24.
الفقيه أبو بكر البيهقي صاحب السنن المتوفى سنة 480 ه-. ، فقال : «اختلف الناس في أمر المهدي فتوقف جماعة وأحالوا العلم إلى عالمه، واعتقدوا أنه واحد من أولاد فاطمة بنت رسول الله صلی الله علیه و آله يخلقه الله متى شاء يبعثه نصرة لدينه» .
وطائفة يقولون: إن المهدي الموعود ولد يوم الجمعة منتصف شعبان سنة 255 ه-. ، وهو الإمام الملقب بالحجة القائم المنتظر محمد بن الحسن العسكري علیه السلام ، وهو مختف عن أعين الناس، منتظر خروجه، وسيظهر فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، ولا امتناع في طول عمره وامتداد أيامه کعیسی بن مریم والخضر علیه السلام قال : ووافقهم عليه جماعة من أهل الكشف(1)ونقل ذلك إلى رأي أهل الكشف ابن خلدون في النص الذي ذكرناه في صدر هذا البحث، وسنذكر جماعة من هؤلاء في ما سيأتي.
أدلة الطائفة الأولى ومناقشتها : استدلت الطائفة الأولى على قولها بأنه من ذرية الحسن بن علي بن أبي طالب علیه السلام بثلاث روايات :
الأولى : أخرجها نعیم بن حماد عن الأعمش عن أبي وائل قال : نظر علي علیه السلام إلى الحسن علیه السلام فقال : إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله صلی الله علیه و آله ، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض عدلا (2).
والثانية : رواها تمام في فوائده وابن عساكر عن عبدالله بن عمرو بن العاص، قال : يخرج رجل من ولد حسن من قبل الشرق لو استقبل بها الجبال المهدها واتخذ فيها طرقا (3).
والثالثة: أخرجها الترمذي في جامعه وأبو داود في سننه عن أبي إسحاق السبيعي قال : قال علي علیه السلام ، ونظر إلى ابنه الحسن علیه السلام فقال : إن ابني هذا سيد سماه رسول الله صلی الله علیه و آله وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض عدلا (1).
والروايات مناقشة سندة ومعارضة مضمونا؟
أما الأولى، فهي أولا، مروية عن عبدالله بن بحير الصنعاني المكنى بأبي وائل، وحسبنا في إسقاطها ما نصوا عليه من كونه قاصا (2)من جند معاوية، والقاصون بصورة عامة متهمون بعدم الدقة والتزيد بخاصة من كان منهم في عهد معاوية بالذات ، فقد كانوا من جملة من اعتمدهم في تحريف الأحاديث بما يوافق أغراضه . قال ابن حبان عن أبي وائل : يروي العجائب التي كأنها معمولة لا يحتج به (3).
وثانيا : إنها معارضة بروایات صحيحة كما ستراها في الآتي
وأما الثانية فهي غير مرفوعة، أولا، ومع غض النظر عن الكلام في عبدالله بن عمرو بن العاص، المناصر لمعاوية في صفين، فإن راويها ابن لهيعة عبدالله بن عقبة الحضرمي ضعيف كما ذكر الذهبي(4)وهو رواها عن أبي قبيل حي بن هاني المعافري . قال البخاري : فيه نظر. وقال أحمد: أحاديثه مناكيره(5).
وراويها عن ابن لهيعة رشدین بن سعدين مفلح المهري ضعفه أبو زرعه وغيره، قال حرب: سألت أحمد فضعفه ، وقال ابن معين : لا يكتب حديثه(6).
وهي، ثانياً، معارضة برواية عن أبي قبيل عن عبدالله بن عمر قال : يخرج رجل من ولد الحسين من قبل المشرق لو استقبلته الجبال لهدمها واتخذ فيها طرقا. قال الكنجي الشافعي في البيان ص 513: رواه الطبراني وأبو نعيم .
وأما الرواية الثالثة، فتناقش، أولا، بأن السبيعي توفي سنة 129ه- والإمام علی علیه السلام استشهد سنة 40ه، فلو حسبنا عمره من سنة مقتل الإمام علیه السلام لكان 89 عاما فكم يكون قد عاش إذا ليمكن له أن يرى الإمام علیه السلام ويسمع منه ويحفظ عنه، ولو أخذنا بقول من روى أن ولادته كانت في عهد عثمان، ولا بد من أن يكون في آخرها إن صحت هذه الرواية، فإن عمره عند عهد الإمام علیه السلام حتى في آخره مما لا يقبل معه أن ينقل عنه شيئا لذلك نص المنذري على أنه حدیث منقطع.
ثانيا : إن السبيعي اختلط في آخر عمره، ومن حاول نفي الاختلاط عنه نص على أنه شاخ ونسي(1)وقد يكون وضع اسم الحسن علیه السلام مكان اسم الحسين علیه السلام بسبب ذلك.
ثالثا: إن هذا الحديث عن السبيعي معارض بنقل آخر عن السبيعي يذكر فيه اسم الحسین علیه السلام مكان اسم الحسن علیه السلام ؛ ففي الجمع بين الصحاح الستة عن أبي إسحاق السبيعي قال : قال علي علیه السلام ونظر إلى ابنه الحسین علیه السلام : إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله صلی الله علیه و آله وسيخرج الله من صلبه رجلا باسم نبيكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق يملأ الأرض عدلا (2). روي ذلك عن أبي إسحاق صاحب مشكاة المصابيح(3).
رابعا: من الممكن أن تكون هذه الروايات من وضع دعاة محمد بن عبدالله بن الحسن المثنى المكنى بأبي عبدالله والذي لقب نفسه أو لقبوه بذي النفس الزكية(1)، فقد كان يتغيب ويستخفي، ويدعي المهدوية، وقد أعلن شاعر من أتباعه ذلك فقال :
إن الذي يروي الرواة لبين***إذا ما ابن عبدالله فيهم تجردا (2)
وتدل أقواله ومواقفه مع الإمام الصادق جعفر بن محمد علیه السلام وقتله الإسماعيل بن عبدالله بن جعفر، وكان شيخا في التسعين، حين أبيا مبايعته (3)على أنه قليل الورع لا يستبعد عليه الادعاء والوضع، وقد ثار محمد هذا في المدينة المنورة ولم يجاوزها حتى قتل في عهد أبي جعفر المنصور سنة 145. (4)
وربما كان دعاته أيضا وراء إضافة اسم أبيه اسم أبي أو كنيته أبو عبدالله » .
وربما شاركهم في هذه خاصة دعاة أبي عبدالله محمد بن عبدالله المنصور الملقب بالمهدي، وهو ثالث الخلفاء العباسيين، فقد ادعيت له المهدوية أيضا ووضعت لصالح دعواه - كما هو في الحسني - أحاديث تجعل المهدي من ذرية العباس كالذي أخرجه نعیم بن حماد عن كعب قال : المهدي من ولد العباس (5).
وكالذي رواه الدارقطني في الأفراد وابن عساكر في تاريخه عن عثمان بن عفان قال : سمعت النبي صلی الله علیه و آله يقول: المهدي من ولد العباس عمي(6)
1) تدل الأخبار أن ذا النفس الزكية فتي علوي يقتل جوار الكعبة قبل خروج المهدي ب 15 يوما .
2) أبو الفرج الأصفهاني، مقاتل الطالبيين ، ص 164 و165
3) المجلسي، البحار، م47، ص 280 - 286، ط 1 ، دار الكتب الإسلامية ، طهران .
4) أبو الفرج الأصفهاني، المصدر نفسه ، ص 174 - 183.
5) المتقي الهندي، البرهان ، م 2، ص 590.
6) المصدر نفسه، م 2، ص 591.
وقد نصوا على ضعفهما وسقوط قیمتهما(1)
قال الدارقطني: هذا حديث غريب تفرد به محمد بن الوليد. وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية 2/ 378: انفرد به محمد بن الوليد . قال : ابن عدي كان يضع الحديث ويصله ويسرق ويقلب الأسانيد والمتون. قال : سمعت الحسين بن أبي معشر يقول : هو كذاب (راجع البرهان الصفحات المشار إليها أعلاه أقوال محقق الكتاب وما نقله من أقوال رجال الجرح والتعديل). هذا يضاف إلى معارضة ما ورد في هذين الحديثين من نسبته للعباس بما لا يحصى من الأحاديث التي تنسبه لعلي وفاطمة والحسین علیه السلام .
وأعرضوا عمليا عن اعتبارهما .إن وضع هذه الأحاديث التي تنسب المهدی علیه السلام إلى الحسن السبط علیه السلام أو إلى العباس (رضي الله عنه)، ثم تحريف الحديث النبوي الآخر بعد قوله صلی الله علیه و آله : (واسمه اسمي) بإضافة واسم أبيه اسم أبي أو وكنيته أبو عبدالله ، لا يستبعد على من يجرؤ على ادعاء المهدوية ، فهذا الوضع وهذا التحريف من شأنيهما أن يقتربا تطبيق الرواية على كل منهما لدى العامة من الناس من جهات :
1- من خلال الجد البعيد 2- من خلال الأب 3 - من خلال الكنية .
والدليل على ذلك ما ذكرناه من ضعف أسانيد نسبته للحسن علیه السلام ونسبته للعباس ومعارضتهما بأحاديث صحيحة متواترة عن الرسول صلی الله علیه و آله وأهل البیت علیهم السلام . كما سيأتي.
أما تحريف الحديث الآخر، بإدخال الزيادة التي أشرنا إليها فيه، فيدل عليه أن الأحاديث التي رواها الترمذي في جامعه وأبو داود في سننه والنسائي في سننه وأحمد في مسنده والبيهقي في سننه والطبراني في معجمه و أبو عمرو المقرئ في سننه والحافظ أبو نعيم خالية من هذه الزيادة ، وقد رويت عن عبدالله بن مسعود وعبدالله بن عمر وأبي هريرة بطرق كثيرة كالذي روي عن
1) نصوا على أن الرواية الأولى المروية عن الوليد عن الشيخ عن يزيد بن الوليد عن کعب ضعيفة الإسناد، فالوليد بن مسلم مدلس وشيخه لم يسم. أماالرواية الثانية فقد
عبدالله بن مسعود قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك رجل من أهل بيتي اسمه يواطئ اسمي». .
وفي صيغة أخرى عن عبدالله بن مسعود قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «لا تقوم الساعة حتى يلي الأرض رجل من أهل بيتي اسمه اسمي».
وقد أورد الحديث الأول الإمام أحمد بن حنبل في مسنده في عدة مواضع 199: 5 رقم 3572/ 3573، وفي 6: 74 رقم 4098، و6 : 139 رقم 4279.
وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند عقب كل رواية : إسناده صحیح
وأخرج الحديث الثاني الحافظ أبو بكر البيهقي وأخرجه الترمذي في سننه بطريقين أحدهما عن أبي هريرة 6: 486 بلفظ يلي رجل من أهل بيتي .
وقال : حسن صحيح(1).
وكالذي روى عن عبدالله بن مسعود أيضا قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي (وفي الترمذي حتى يملك العرب رجل) يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما».
وقد أخرجه الطبراني في معجمه الصغير 2/ 148 وأبو داود في سننه والترمذي في جامعه ، وقال : حديث حسن صحيح.
ويؤيد ذلك أن الحافظ أبا نعيم الأصفهاني قد أحصى، كما نقل ذلك الحافظ محمد بن يوسف بن محمد القرشي الكنجي الشافعي رحمه الله ، طرق الحديث عن الجم الغفير في مناقب المهدی علیه السلام كلها عن عاصم بن أبي
1) راجع في هذه الأحاديث وغيرها: السلمي الشافعي، قلائد الدرر، ص 91 ,93. وراجع في تخريجها وتصحيحها ما نقله محقق الكتاب ومخرج أحادیث الشيخ مهيب البوريني في هامش الصفحات نفسها .
النجود عن عبدالله عن النبي صلی الله علیه و آله ذكر منها الكنجي 33 طريقا الأكثر الغالب منها له طرق شتی. ورواه غير عاصم عن زر أيضا وهو عمر بن مرة.
وكل هذه الطرق روت أن الرسول صلی الله علیه و آله قال في الحديث: «اسمه اسمي» من دون زيادة إلا ما كان من عبيدالله بن موسى عن زائدة عن عاصم فإنه أضيف فيه «واسم أبيه اسم أبي».
وبمقارنة (36) طريقا خالية من هذه الزيادة إلى طريق واحد يثبتها يتضح لنا سقوط هذا الطريق من الاعتبار مقابلها من دون شك(1)مع ما قدمناه من دواع منطقية للاتهام في وضع هذه الزيادة ووضع (وكنيته أبو عبدالله) كذلك بالدليل نفسه ، وإن وردت منفردة عن تلك في بعض الأخبار .
قالوا: وربما كانت له كنية أخرى عدا الكنية التي عرف بها، وهي «أبو القاسم»، والتي وردت في الحديث عن عبدالله بن عمر قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي اسمه كاسمي وكنيته ککنیتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا»(2)قول أخرجه سبط ابن الجوزي عن عبد العزيز بن محمود بن البزاز . (3)
وفي الشفاء للقاضي عياض رحمه الله : إن كنيته أبو القاسم وإنه لجمع له بين كنية النبي صلی الله علیه و آله واسمه.
وجمع بعضهم له بين الكنيتين، قال سبط ابن الجوزي : وكنيته «أبو عبدالله و أبو القاسم»(4)وبذلك نغني عن التوجيه المتكلف الذي حاوله بعضهم في توجيه «واسم أبيه اسم أبي محمد بن طلحة الشافعي في مطالب السؤول والكنجي في البيان ونقله الشيخ المجلسي في البحار .
بعد مناقشة الأحاديث الواردة في أن المهدی علیه السلام من ذرية الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب علیه السلام ، وأن أباه هو عبدالله ، وبيان ضعفها إسنادة وما يحتمل أن يكون من أسباب لوضعها وبيان معارضتها بأحاديث أخرى عن الرواة أنفسهم، نعود مرة أخرى لنؤكد أن عددا من حقاظ الستة ومحدثيها رووا عن الرسول صلی الله علیه و آله أحاديث أخرى تصرح أن المهدی علیه السلام من ذرية الحسین علیه السلام أو أنه التاسع من ولد الحسين أو أنه الثاني عشر من أئمة أهل البيت علیهم السلام فيكون من ولد الحسين أيضا لأن تسعة منهم من ولده . فمن أحاديث الطائفة الأولى ما رواه المقدسي السلمي الشافعي وقال : أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في صفة المهدی علیه السلام ، ونقل الشيخ مهيب البوريني محقق الكتابأن السيوطي ذكره في الحاوي 63/4 وابن القيم في المنار المنيف ص 148 عن حذيفة (رضي الله عنه) قال : خطبنا رسول الله صلی الله علیه و آله ، فذكرنا بما هو كائن ثم قال : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من ولدي اسمه اسمي، فقام سلمان (رضي الله عنه) فقال : يا رسول الله صلی ، من أي ولدك هو؟ قال : هو من ولدي هذا، وضرب بيده على الحسین علیه السلام (1)
ومنها ما روي عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري (رحمه الله) قال : قلت له : هل شهدت بدرة، فقال : نعم. فقلت : ألا تحدثني بشيء مما سمعته في على عالم وفضله فقال : بلى أخبرك أن رسول الله صلی الله علیه و آله و مرض مرضة نقه منها فدخلت عليه فاطمة عليهاالسلام تعوده وأنا جالس عن يمين رسول الله صلی الله علیه و آله ، فلما رأت ما في رسول الله صلی الله علیه و آله من الضعف خنقتها العبرة حتى بدت دموعها على خدها، فقال لها رسول الله صلی الله علیه و آله : أما يكفيك يا فاطمة ،
1) السلمي الشافعي، قلائد الدرر، المتن والهوامش، ص 82 و 83 و 95.
أما علمت أن الله تعالى اطلع على الأرض اطلاعة، فاختار منها أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار منها بعلك فأنكحته واتخذته وصية. ثم عدد لها الرسول ما أنعم الله به على أهل البيت من الفضل (ذكر ذلك أبو سعید) قال : ثم قال : ومنا مهدي الأمة الذي يصلي عیسی خلفه . ثم ضرب على منكب الحسین علیه السلام فقال : من هذا مهدي الأمة . قال : أخرجه الدارقطني صاحب الجرح والتعديل(1).
وروى الكنجي، المتوفى سنة 658 ه-. ، بإسناده عن الأعمش عن زر بن حبيش عن حذيفة قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : لو لم يبق من الدنيا إلا يوم البعث الله رجلا اسمه اسمي ولحلقه خلقي يكنى أبا عبدالله يبايع له الناس بين الركن والمقام يرد به الله الدين ويفتح له فتوحا فلا يبقى على ظهر الأرض إلا من يقول «لا إله إلا الله»، فقام سلمان فقال : يا رسول الله من أي ولدك هو؟ قال : من ولد ابني هذا وضرب بيده على الحسین علیه السلام (2)
وروى السلمي عن علي علیه السلام حديثا طويلا عن الإمام المهدي وما بين يديه من علامات وعن خروجه وصفاته ومما قال فيه : إنه من ولد فاطمة عليهاالسلام من ولد الحسین علیه السلام (3)
ومن أحاديث الطائفة الثانية ما رواه العلامة الحلي، في كشف اليقين ، نقلا عن مسند أحمد بن حنبل، أن الرسول صلی الله علیه و آله قال للحسين علیه السلام : هذا ابني ، إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة ، تاسعهم قائمهم(4)، ما نقله صدر الأئمة أبو
1) الكنجي الشافعي، البيان في أخبار صاحب الزمان (المطبوع مع كفاية الطالب)، ص 302 و303، والهيثمي، مجمع الزوائد، م9، ص 166، وقال : رواه الطبراني في المعجم الصغير . مرقاة المفاتيح، م5، ص 602، ومحب الدين الطبري، ذخيرة العقبي.
2) الکنجی، المصدر نفسه (510) و صحیح الترمذی2/36، و ابونعیم الاصفهانی، حلیة الأولیاء، ج5، ص75، و مسند احمد بن حنبل، م1، ص376، و الخطیب، تاریخ بغداد، م4، ص388.
3) السلمي الشافعي، قلائد الدرر، ص 161.
4) نقلا عن لطف الصافي، منتخب الأثر، ص 96.
المؤيد الموفق بن أحمد المكي الحنفي المتوفي سنة 568 ه-.، سنده عن سلیم بن قیس الهلالي عن سلمان (رضي الله عنه) قال : دخلت على النبي صلی الله علیه و آله الا وإذا بالحسين علیه السلام على فخذه وهو يقبل عينيه ويلثم فاه ويقول : إنك سيد ابن سيد أبو سادة ، إنك إمام ابن إمام أبو أئمة، إنك حجة ابن حجة أبو حجج تسعة، تاسعهم قائمهم.(1)
وروى أيضا، في مناقب علي بن أبي طالب علیه السلام عن الحسین علیه السلام قال : دخلت على جدي صلی الله علیه و آله، فقال : إن الله اختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم، وكلهم في الفضل والمنزلة عند الله سواء(2).
ونقل صاحب الينابيع عن الموفق بن أحمد أيضا، بسنده عن واثلة بن الأسقع، عن جابر بن عبدالله الأنصاري رواية أخرى مماثلة(3).
وروى شيخ الإسلام إبراهيم بن محمد الجويني الشافعي، المتوفى سنة 720ه.، بسنده عن الإمام علیه السلام بن موسی الرضا علیه السلام عن آبائه عن رسول الله صلی الله علیه و آله ، قال في حديث طويل منه : «والحسن والحسين إماما أمتي بعد أبيهما، وسيدا شباب أهل الجنة ، وأمهما سيدة نساء العالمين، وأبوهما سید الوصیین، ومن ولد الحسین علیه السلام تسعة أئمة ، تاسعهم القائم من ولدي، طاعتهم طاعتي». (4)
وبسنده عن سليم بن قيس بن علي قال : إن عليا علیه السلام قام في أحد المواقف في المهاجرين والأنصار فقال : أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله صلی الله علیه و آله قام خطيبا لم يخطب بعد ذلك فقال : أيها الناس إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فتمسكوا بهما لن تضلوا فإن اللطيف
الخبير أخبرني وعهد إلى أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض(1)ثم ذكر رجلا سماه قام شبه مغضب فقال : يا رسول الله أكل أهل بيتك فقال : لا. ولكن أوصيائي أولهم أخي ووزيري ووارثي وخليفتي في أمتي وولي كل مؤمن بعدي ثم ابني الحسن ثم ابني الحسين ثم تسعة من ولد الحسين واحدا بعد واحد حتى يردوا علي الحوض. هم شهداء الله في أرضه، وحجته على خلقه ، وخزائن علمه ومعادن كلمته من أطاعهم أطاع الله ومن عصاهم عصی الله . وروى القندوزي الحنفي عن مجاهد عن ابن عباس حديثا مماثلا (2).
الطائفة الثالثة : روى الإمام مسلم في صحيحه (في كتاب الإمارة) بسندين عن عامر بن سعد عن جابر بن سمرة قال : سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يوم جمعة، عشية رجم الأسلمي، يقول : لا يزال الدین قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خلیفة كلهم من قریش(3).
وروى الإمام البخاري في صحيحه في (كتاب الأحكام) بسنده عن جابر بن سمرة: يكون اثنا عشر أميرا. فقال كلمة لم أسمعها فقال أبي : إنه قال : كلهم من قريش .(4)
ورواه الترمذي بسندين مع إضافة (من بعدي) بعد كلمة يكون(5). وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن مسروق قال : كنا جلوسا ليلة عند عبدالله يقرئنا القرآن فسأله رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله صلی الله علیه و آله ، كم يملك الأمة من خليفة ؟ فقال عبدالله : ما سألني عن هذا أحد منذ
1) الجويني الحموني الشافعي، فرائد السبطین، ج 1، ص 317 و 318.
2) القندوزی الحنفی، ینابیع المودّة ص525
3) صحيح مسلم بشرح النووي، م6 ج 12، ص 201- 204، ط 2، دار الفكر - بیروت، سنة 1972م، وقد أورد بهذا المضمون سبعة أحاديث في واحد منها: «لا يزال هذا الدين عزیزا» . وفي ثالث: «إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي اثنا عشر خلیفة». وفي رابع : «لا يزال هذا الأمر عزيزا إلى اثني عشر خلیفة». وفي اثنين : «لا يزال أمر الناس ماضيا». عدا ما ذكرناه أعلاه
4) صحيح البخاري بحاشية السندي، م4، ص 248.
5) سنن الترمذي بسندين، ج 7، ص 35.
قدمت العراق قبلك قال : سألناه فقال : اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل(1)والحديث رواه كل أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد والمعاجم الحديثية ولم يختلفوا في صحته . وقد أظهرت محاولات تطبيقه على الخلفاء الذين حكموا الأمة وقادوها سياسيا كالخلفاء الأربعة ثم الحسن ثم خلفاء بني أمية وبني العباس عجزا واضحا من حيث العدد ومن حيث الصفة ومن حيث الأثر بالنسبة للدين والأمة. وإذا أمكن لدى أصحاب هذه المحاولات إدخال الخلفاء الأربعة ثم الحسن فمن هم الآخرون؟ إن السير حسب التسلسل التاريخي لا يأتي الإشكال فيه من انتهاء هذا العدد قبل انتهاء الخلفاء الأمويين فقط بل سیدخل من لا يمكن أن يكون من حيث الصفة والأثر بالنسبة للدين والأمة مقصودا إجماعا فإن تشبيههم بنقباء بني إسرائيل ليس لبيان العدد، فقد ذكر في الحديث : وإنما هو إشارة إلى جنبة علم وهدی سماوي يكونون فيه امتدادا للرسول فإن نقباء بني إسرائيل لهم مثل هذه الصفة كما يفهم من قوله تعالى: «وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا » [المائدة : 12].
ومما يؤكد أن هذه الإشارة هي المقصودة من قبل النبي صلی الله علیه و آله ما بينه في الروايات الأخرى من الأثر الواقعي لوجود هؤلاء الخلفاء في حياة الدين والأمة، ففي رواية أوردها مسلم في صحيحه قال صلی الله علیه و آله : «لا يزال هذا الدين عزیزا»، وفي أخرى: «لا يزال الإسلام عزیزا»، وفي رواية ثالثة : «لا يزال الدين قائما»، وفي خامسة وسادسة: «لا يزال أمر الناس ماضيا»(2). وبالربط
1) الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، م4، ص 501. ورواه أحمد بن حنبل في مسنده بطريقين في م1، ص 389 و 406، المطبعة الميمنية - مصر، سنة 1313. وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد، ج 5، ص 190، وقال : رواه أحمد وأبو يعلى والبزاز، ورواه المتقي الهندي في كنز العمال، ج3، ص 205، وفي ج6، ص 201 بصيغة أن عدة الخلفاء بعدي عدة نقباء موسی، وقال : أخرجه ابن عدي وابن عساكر والطبراني عن ابن مسعود، وذكر السيد مرتضى الفيروزآبادي في م 2 من الفضائل الخمسة ص 23 و 24 مصادر أخرى فراجع.
2) صحيح مسلم بشرح النروي، م1، ج12، ص 201 - 204، ط 2، دار الفكر - بیروت، 1972م.
بین ما تشير إليه هذه الروايات وبين واقع الخلفاء السياسيين أمويين وعباسيين على المستوى الشخصي أو الأمر المتصل بالسياسة العامة للدولة، من حيث علاقتها بالقيم والأحكام الإسلامية، يبدو لنا بوضوح أن لا مجال لانطباق هذه الأوصاف عليهم .
ومن البين أن هذه الأوصاف تثبت أن خلافة هؤلاء الخلفاء الاثني عشر خلافة هدى وعلم قبل كل شيء، وإن كان لا ينافيها أن تجمع إليها الخلافة السياسية بل ذلك هو المفروض استحقاقا، لكن إمامتهم لا تتوقف عليها إلا بمقدار فقدانهم فيها وسيلة في التنفيذ والإيصال. بدلیل رجوع الأمة إلى هؤلاء الأئمةوإفادتها منهم بما جعل الدين قائماً كما مر في الروايات.
إن عزة الدين ومضي أمر الأمة - بهؤلاء الأئمة - يتصل من دون شك بجانب الهدى والعلم والقدوة الممثلة لهما نظريا وعمليا بوصفهم امتدادا للرسول صلی الله علیه و آله ، کامتداد النقباء الاثني عشر عن موسى علیه السلام ، وأين خلفاء بني أمية وبني العباس من ذلك؟
ثم إن الرسول صلی الله علیه و آله حدد هؤلاء بهذا العدد (اثني عشر) لما بينه وبين الساعة كما هو مفاد رواية صحیح مسلم : «إن هذا الأمر لا ينقضي»، وهو يعني بقاء إمامتهم كل هذه المدة مهما طالت لأنه بقاء الرسالة من خلال شاهدها التالي . وذلك ما لا يتطابق مع واقع الخلفاء السياسيين الذين جاءوا بعد الرسول صلی الله علیه و آله من أمويين وعباسيين نظريا وواقعيا - فهم لا أكثر من حكام زمنيين - تتحدد إمامتهم الواقعية بمدة حكمهم، فضلا عن عدم تطابق العدد والصفة.
ولا شك في أن الانتقاء بالصورة التي قام بها بعض الأعلام ليقدم بها مصداقا واقعيا للحديث محاولة بائسة تكشف عن عجز وأن التحكم فيها واضح لدرجة يعجب المرء كيف يمكن أن تطرح من قبل أولئك العلماء(1).
1) محمد تقي الحكيم، الأصول العامة، ص 179 و 180. واقرأ هذه المحاولات في: الشيخ علي محسن، دليل المتحيرين في بيان التاجين، ص 227 - 233.
ولعل خير تفسير لها ما رآه أستاذنا الحكيم في قوله : «ولعل حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الأحاديث وملاءمتها للواقع التاريخي كان منشأها عدم تمكنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الأقوال في توجيهها وبيان المراد منها»(1).
لقد أدخل بعض العلماء الذين حاولوا تطبيق الحديث - بالصورة التي ذكرناها سابقا - الإمام علیا والحسن والمهدي علیهم السلام ولكن من هم الآخرون؟
إن الدليل النظري الذي تتسق شواهده ويتطابق مع الواقع التاريخي قائم بوضوح ، ويتمثل في خط يتبناه بعض الأمة ، فإذا ما التفتنا إلى ما أشرنا إليه من التشبيه بنقباء بني إسرائيل من جهة وإلى ما ذكر من آثار واقعية الإمامتهم بالنسبة للدين والأمة وإلى امتداد هذه الإمامة إلى قيام الساعة، وربطنا ذلك بحديث الثقلين(2)الذي يقول فيه الرسول صلی الله علیه و آله : «إني تارك فيكم الثقلين کتاب الله وأهل بيتي(3)وأنهما لن يفترقا حتی یردا علي
1) محمد تقي الحكيم، الأصول العامة، ص 179 .
2) رواه مسلم في صحيحه (فضائل الصحابة) بعدة أسانيد وأحمد بن حنبل في مسنده ، ج4،ص 366، بعدة أسانيد، والبيهقي في سننه ، ج 2، ص 148 ، وج7، ص 30، والدارمي في سننه ، ج2، ص 431، مختصرا، والترمذي في سننه ، ج 2، ص 308، وابن الأثير الجزري في أسد الغابة ، ج 2، ص 12، والحاكم في مستدرك الصحيحين بعدة أسانيد، وصححها على شرط الشيخين أو شرط مسلم، وأبو نعيم في حلية الأولياء، ج1، ص 355، وج9، ص 64، والهيثمي في مجمع الزوائد، ج9، ص 163 و 164، وابن حجر في الصواعق المحرقة، ص 136، وقال : إن له طرقا بلغن نیفا و عشرین صحابيا. أما طرقه لدى الشيعة الإمامية فقد بلغت أكثر من 80 طريقا، فهو صحيح ومتواتر معا، ولابن حجر الهيثمي في الصواعق لفتة ممتازة قال : وفي أحاديث الحث على التمسك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة كما كان الكتاب كذلك ولهذا كانوا أمنا للأرض. ويشهد لذلك الخبر السابق : «في كل خلف من و أمتي عدول من أهل بيتي»، الصواعق المحرقة، ص 151، ط 2 ، سنة 1965م، مصر.
3) يعمم بعضهم، بقصد وبغير قصد، مفهوم أهل البيت علیهم السلام على كل أقرباء الرسول نسبية وسببية، وهذا صحيح بالمعنى الأعم ولكنه ليس صحيحا بالمعنى الأخص كما حدده الرسول صلی الله علیه و آله لدى وضعه الكساء على الخمسة لدى نزول آية التطهير وقوله: «اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي»، حتى أنه لم يسمح لأم سلمة بالدخول معهم. ثم لدى خروجه بهؤلاء الخمسة فقط من بين كل ذوي قرباه في المباهلة وأنزل عليا منزلة نفسه وجعل الزهراء كل النساء وجعل الحسنين كل الأبناء وبعدم السماح لجنب أن يمكث في المسجد سواهم.
الحوض»(1)، وبحديث سفينة نوح الذي يقول فيه الرسول صلی الله علیه و آله : «مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق (2)، وإنما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة بني إسرائيل من دخله غفر له»(3)، وحديث «أهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف» (4). وإذا عرفنا أنه لا يوجد في التاريخ الإسلامي لدى أي فئة من الأمة واقعية خلفاء وأئمة في الهدى والعلم تنطبق عليهم هذه الصفات وبهذا العدد إلا الأئمة الاثني عشر من أهل البيت علیهم السلام من الإمام علي علیه السلام إلى الإمام المهدی علیه السلام فإنه لا يبقى أمامنا مجال الرؤية أي مصداق آخر سواهم للأئمة في هذا الحديث أو يبقى الحديث من دون مصداق وذلك ما لا يمكن أن يكون.
إن الحديث يحمل بنفسه شاهدا مضافا على صدقه وصحة صدوره عن الرسول صلی الله علیه و آله ، عدا الحكم بصحة إسناده من قبل جميع علماء الحديث وأنه من شواهد النبوة لأنه كان مأثورا في بعض الصحاح والمسانيده وكالبخاري، الذي ولد سنة 194ه.، وتوفي سنة 256 ه-. ت 291. (5)، قبل أن يكتمل عدد الأئمة الاثني عشر من أهل البيت فلا يحتمل أن يكون من الموضوعات - كما يتصور بعضهم مخطئا، بعد اكتمال العدد المذكور(6)
1) الحاكم، مستدرك الصحیحین، ج3، ص 148، بسنده عن زيد بن الأرقم وصححه على شرط مسلم.
2) المصدر نفسه ، ج 2، ص 343، بسنده عن أبي ذر وصححه على شرط مسلم، وأبو نعيم فيالحلية عن ابن عباس، ج4، ص 306، والهيثمي في مجمع الزوائد، م9، ص 168، وقال : رواه البزار والطبراني في المعاجم الثلاثة، الخطيب ، تاریخ بغداد، ج 2، ص 19، عن أنس . وورد في مصادر أخرى عن صحابة آخرين ، راجع الفيروزآبادي، فضائل الخمسة، م 2، ص 58.
3) الهيثمي، مجمع الزوائد، ج9، ص 168، قال : رواه الطبراني في الصغير الأوسط.
4) الحاكم، مستدرك الصحيحين، م3، ص 149، بسندين، وابن حجر الهيتمي، الصواعق المحرقة، ص 140، وآخرون، فضائل الخمسة ، ج 2، ص 59 و60.
5) کاحمد بن حنبل، صاحب المسند، الذي ولد سنة 164ه.، وتوفي سنة 261ه.
6) محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص 179.
إن بعض المحدثين والحفاظ، من أهل السنة ، ذکروا روایات تتسق في دلالتها مع ما ذكرناه من كون هؤلاء الخلفاء هم الأئمة من أهل البیت علیهم السلام قدمنا منها بعضا ونقدم هنا بعضا آخر، ومن هؤلاء الحافظ أبو نعيم المتوفی سنة430 ه-.
فقد روی بسنده عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «من سره أن يحيا حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي فليوال عليا من بعدي وليوالي وليه وليقتد بالأئمة من بعدي فإنهم عترتي څلقوا من طينتي رزقوا فهما وعلمة، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي»(1).
وروى أبو المؤيد الموفق بن أحمد الخوارزمي الحنفي، المتوفى سنة 568 ه-.، بسنده عن علي علیه السلام عن رسول الله صلی الله علیه و آله قال : «الأئمة من بعدي اثنا عشر أولهم أنت يا علي وآخرهم القائم الذي يفتح الله على يديه مشارق الأرض ومغاربها»(2).
وروى شيخ الإسلام المحدث إبراهيم بن محمد الجويني الشافعي
المتوفي سنة 720ه. عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أن رسول الله صلی الله علیه و آله قال : «إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق من بعدي اثنا عشر أولهم علي علیه السلام وآخرهم المهدی علیه السلام » (3)
وروي أيضا عن عباية بن ربعي عن ابن عباس : أن الرسول صلی الله علیه و آله قال : «أنا سيد النبيين وعلي سيد الوصيين، وإن أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم علي علیه السلام وآخرهم المهدي علیه السلام
» (4).
وبذلك يكون المهدي ليس فقط من ذرية الحسین علیه السلام لا من ذرية الحسن علیه السلام ، بل يتشخص بالإمام محمد بن الحسن العسکری علیه السلام الثاني عشر بين أئمة أهل البيت، وذلك لا ينفي الروايات التي جعلت أباه عبدالله فقط، بل ينفي ما أثير من شكوك حول ولادته، ثم ينفي اقتطاعه عن سلسلة الأوصياء من آبائه ، فالمهدي الذي أثبتت روایات المسلمین له من المكانة ما يجعل المسيح يأتم به ويصلي خلفه وما يكون بها جبرائیل عن يمينه و میکائیل عن شماله هو ابن الأوصياء الأحد عشر الذين هم امتداد لرسول الله ان في العصمة العلمية والعملية التالين له في المكانة، وبذلك فإن منزلته وصفاته وخصائصه ليست مفصولة عن خصائص آبائه وصفاتهم.
إن كثيرا من الأمة إنما ترفض إمامة الأئمة علیهم السلام بالصورة التي يثبتها لهم الإمامية - بحكم الأدلة - بدعوى أن ما يعطى لهم من خصائص وصفات تكاد تكون نبوة جديدة، ولكن هذا يبطله أنهم في طول الرسول صلی الله علیه و آله ، وبعده امتداد له وهداة وشهود لرسالته وأن النبوة التي ختمها الله بمحمد صلی الله علیه و آله إنما هي النبوة بالمعنى الاصطلاحي تلك التي تؤسس دينا وتنسخ بدليل إثبات هذه الخصائص للإمام المهدی علیه السلام إجماعا دون إشكال.
لكي تأخذ الأحاديث الواردة عن الأئمة من أهل البیت علیهم السلام في المهدي المنتظر علیه السلام موقعها في الاستدلال، لا بد من الحديث بإيجاز عن نظرية الإمامة لدى الإمامية الاثني عشرية فنقول:
إن الثابت لديهم - بصورة قاطعة - بأدلتهم المفضلة في علم الكلام : إن الأئمة الاثني عشر من أهل البيت غير المعروفين تاريخيا، من علي حتى المهدی علیه السلام ، هم خلفاء الرسول صلی الله علیه و آله بالمعنى الكامل لهذه الخلافة لا يكادون يختلفون عنه إلا بما استثني من النبوة بمفهومها الذي يعني تأسيسا الرسالة أخرى تنسخ الرسالة السابقة فتبقي منها، وتضيف إليها ما شاء الله لهذا النبي ضمن مرحلته التاريخية. فإن ذلك مما لا مجال لأحد أن يدعيه - بعد رسول الله محمد صلی الله علیه و آله - حتى القيامة بحكم قوله تعالى : «وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ» [الأحزاب : 40]، وقوله صلی الله علیه و آله : «لا نبي بعدي»(1)، وبإجماع المسلمين .
لقد ختم الله النبوة بمحمدصلی الله علیه و آله ، وأكمل الدين الذي ارتضاه لخلقه برسالته، وذلك هو ما يقتضيه مقامه، بوصفه سيدا لخلق الله مبدأ و معادة، فلا
1) ورد ذلك في قول رسول الله صلی الله علیه و آله لعلي علیه السلام : «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي». رواه مسلم في کتاب فضائل الصحابة عن عامر بن سعد، ورواه البخاري في صحيحه في كتاب بدء الخلق، في باب غزوة تبوك ، بلفظ ليس نبي بعدي، وروته جميع كتب السنن والمسانيد والمعاجم وصححته (راجع: الفيروزآبادي، فضائل الخمسة من الصحاح الستة ، م1، ص 299، مؤسسة الأعلمي، ط1).
ينبغي أن يسبقه سابق، أو يلحقه لاحق، ولهذا كان من سبقه من الأنبياء تقدمة بين يديه يمهدون له، ويبشرون به ، وبرسالته. وإذا كانت النسبة بينهم تسمح بأن يكون بعضهم مستقلا عن بعض، بحيث ينسخ اللاحق بعض أحكام شريعة السابق بحكم تدرج تلك الرسالات كما تبعا للمرحلة، فإن من يأتون بعد الرسول محمدصلی الله علیه و آله لا يمكن أن يكونوا كذلك بحكم مكانته وكمال رسالته ؛ لذلك كانوا - رغم مكانتهم التي تساوي إن لم تفضل مكانة أولئك الأنبياء - خلفاء لا أنبياء. إنهم أوصياء له يمتدون عنه ، علما، وهدى، ودعوة. لذلك كانوا بعض قواعد الرسالة، ودعائمها الأساس. ورغم أن التأكيد على ذلك رافق الرسالة منذ مولدها قولا وعملا فإن الإعلان العام النهائي تم من قبل الرسول صلی الله علیه و آله في حجة الوداع في غدیر خم، وفي تلك المناسبة نزل قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا» [المائدة: 3].
وقد نستطيع أن ندرك معنى ذلك حين نلتفت إلى أن حاجة الناس الماسة للحجة ، أو الإمام المعصوم، لا تنقطع ؛ وذلك ما يؤكده العقل والنقل(1)وملاحظة الواقع، وأن كون القرآن تبيانا لكل شيء إنما صح بتأصيله لسنة الرسول صلی الله علیه و آله في قوله تعالى :«وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى» [النجم: 3 و4]،
وقوله تعالى : «مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ » [الحشر: 7].
ثم بتأصيله لسنة (أولي الأمر) بعده بأدلتها التالية فأدخلهما بذلك ضمن تبیانه وإلا فمن الثابت أنه من دونهما ليس كذلك.
ومع واقع ختم النبوة بمحمدصلی الله علیه و آله ، والتحاقه - كما شاء الله - بالرفيق الأعلى فإن ما يبقى هو امتداده، وخلفاؤه (2). لذلك كان التعريف العام
1) الكليني، أصول الكافي، م1، ص 178 وما بعدها ، والصدوق، کمال الدین وتمام النعمة ، ص 285 - 288.
2) ذكر الرازي، في تفسيره في الحديث، حول الآية الإشكال بأن (إكمال الدين) عند نزولها، وهي من آخر ما نزل، يعني أن الرسول صلی الله علیه و آله كان يعبد الله في دين ناقص، وبما ذكرناه هنا يرتفع الإشكال لأن تأصيل (سنة أولي الأمر) التي كمل بها الدين حاجة للأمة لا للرسول صلی الله علیه و آله كما هو واضح، ولذلك فالرسول في عين الكمال الذي يمكن أن يبلغه إنسان شخصا ودينا.
النهائي بها والذي تأخر بحكم تأخر مرحلته، هو ما أكمل الله به الدين وأتم النعمة كما جاء في الآية المنزلة بعد واقعة غدیر خم(1).
إن الأوصياء من أئمة أهل البيت الر حملة الرسالة وشهودها مع الرسول صلی الله علیه و آله وبعده على الحد الذي أشار إليه قوله تعالى :«أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ»[هود: 17].(2)
إن كونهم في طوله، ويتلونه مقاما بحكم انتسابهم إليه هدى وعلما لا ينفي أن تكون سنتهم في عرض سنته لأنهم منه.
فإنه لا بد لهذا الشاهد الذي يتلوه منه لكي يكون حجة وتكون شهادته شاملة - بعد خاتم الأنبياء - تتناول أبعاد الرسالة، وعمقها، وليواجه فيها كل المجتمعات، وكل الحوادث في جميع الأزمنة والظروف، من أن يكون محيطة بالرسالة موصولا بالعلم اللدني مضافة للعلم الموروث ؛ لأن ذلك هو معنى الخلافة الكاملة كما تثبته جميع أدلتها النظرية . بل هو ما صرح به الأئمة من أهل البیت علیهم السلام فقد شبهوا أنفسهم بالخضر وذي القرنين (3)وهما ليسا نبيين لكنهما يتلقيان علما سماويا عن الله بنص القرآن الكريم.
ولا بد لهذا الشاهد التالي، أيضا، من أن يكون معصوما؛ لأن التمثيل الكامل لا يتم من دون ذلك عمليا؛ ولأن العصمة من آثار المعرفة الشاملة الموصولة وآثار الحضور الذي يلازمها، وهو يعني الشعور العميق الدائم
1) روی نزولها بعد غدير خم الطبري وابن كثير والسيوطي والرازي في تفاسيرهم وعدد من الحفاظ كالخطيب البغدادي وابن عساكر وأبي نعيم والحسكاني وغيرهم. راجع: الغدير، م1، ط 2، ص 230 - 238.
2) ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره، والقرطبي والفخر الرازي والسيوطي في تفاسيرهم، وذكر الحافظ ابن عساكر والحافظ ابن المغازلي في مناقب علي بن أبي طالب علیه السلام ، والحسكاني في شواهد التنزيل أن المقصود بالشاهد الذي يتلوه منه هو علي علیه السلام .
3) الكليني، أصول الكافي، م1، ص 268، دار الكتب الإسلامية .
بمعنى وهو م «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ »[الحديد: 4]، وهما لا ينفصلان عن سمو الذات من حيث مقامها مبدأ و معادة، واختيار العالم لما علمه يقينا، وانصراف هواه إليه ليس جبرة كما هو واضح.
وهو إشكال يثار كثيرا عند الحديث عن العصمة لدى الأنبياء والأوصياء .
وفي الآيات الكريمة التي تشير إلى اصطفاء البيوت النبوية نسبيا ثم اصطفاء من يضطلع بالرسالة والإمامة من داخل هذه البيوت(1)وفي ما يدل عليه حديث الكساء ونزول آية التطهير(2)وآية المباهلة وغير ذلك مما يتصل بأهل بيت النبي غاية بالمعنى الأخص ما هو كاف في البرهنة على ذلك، وبذلك نستطيع أن ندرك معنى أن تحصر الولاية بالله ورسوله وبشخص عطف عليهما وعين بالفعل والحالة والنص في قوله تعالى :«إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ» [المائدة : 50] (3).
وندرك أيضا معنى أن يأمر الله تعالى بطاعة «أولي الأمر بصورة مطلقة معطوفين على الله ورسوله في قوله تعالى :«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
1) تشير الآيتان 36 و 35 من آل عمران والآية 27 من العنكبوت إلى اصطفاء البيوت النبوية . وتشير الآية 26 من الحديد والآية 113 من الصافات إلى أن الاصطفاء نسبي وقياسا للبيوت الأخرى بدلالة الآيتين 7 و9 من يوسف ومثلهما الآيات التي تشير إلى حالة ابن نوح وأب إبراهيم وزوجتي نوح ولوط، ولذلك فهنالك اصطفاء داخل البيوت النبوية كذلك، وكل ما ورد عن الأئمة من أهل البيت علیهم السلام دليل على هذا الاصطفاء الأخص داخل البيت النبوي.
2) سورة الأحزاب، الآية : 33. روی نزول آية التطهير وإدخال الرسول عليا وفاطمة والحسنین تحت المرط المرجل مسلم في صحيحه ، م8، ج 15 من شرح النووي، ص 194، دار الفكر - بيروت. ورواها الطبراني في المعجم الكبير، ج3، ص 54 و55 بثمانية أسانيد، نشر وزارة الأوقاف، طا. ورواها ابن جرير الطبري في تفسيره بخمسة عشر إسناد) وصحيح سنن الترمذي للألباني فراجع.
3) روی نزولها في علي علیه السلام ابن جرير الطبري، ج6، ص 189، بإسنادين، والزمخشري في الكشف، م1، ص 149، والفخر الرازي، م6، ج12، ص 26، والسيوطي في الدر المنثور،م3، ص 104، دار الفكر، والواجدي في أسباب النزول، ص 137،وغيرهم، راجع : فضائل الخمسة، م 2، ص 13.
وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» [النساء: 59]. وما كان ذلك ليكون لولا العصمة؛ لأن فيه مناقضة واضحة للعقيدة، والتشريع، إن الأمر بإطاعة «أولي الأمر » مطلقا إذا لم يكونوا معصومين يعني حمل الإسلام النقيضه على عمد.
وتبدو محاولة بعض المفسرين لتصحيح ذلك بالقول: إن إطلاق الأمر في الآية مقيد بما هو المعلوم من خارجها من أنه «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»: اتهام البلاغة القرآن، وإحكام آیاته وممن رأى عدم إمكان الأخذ بإطلاق الأمر بالطاعة في الآية ورأى أن المقصود أمراء الحق الزمخشري(1)، وممن رأي دلالتها على عصمة «أولي الأمر»، وحاول إبعادها عن الأئمة من أهل البیت علیهم السلام وتطبيقها على أهل الإجماع الفخر الرازي(2). وقد ناقشه بقوة وأصالة وبين وجوه الخطأ والمغالطة في كلامه أستاذنا الحجة السيد محمد تقي الحكيم حفظه الله بما لم يبق معه مجال للنظر إلى ما أثاره من إشكال وراه من تطبيق آخر للآية (3). ومما يؤيد القول بأن المقصود بها الأئمة من أهل البيت غير دون غيرهم قول الرسول صلی الله علیه و آله المتواتر: «من کنت مولاه فعلی مولاه»(4)وقوله صلی الله علیه و آله المتفق على صحته: «علي مني بمنزلة هارون من موسى»(5)وقوله صلی الله علیه و آله : «أنا مدينة العلم وعلي بابها» (6)وقوله
1) الزمخشري، الكشاف، م1، ص 524.
2) الفخر الرازي، ج10، م5، ص 144 - 146.
3) محمد تقي الحكيم، الأصول العامة للفقه المقارن، ص 159 - 164 ، ط 1 ، دار الأندلس - بیروت .
4) ذكر الشيخ الحجة الأميني في ما من الغدير، ط 2، ص 14 - 60 (110) من الصحابة رووا الحديث عن الرسول صلی الله علیه و آله ، وذكر ص 65. 72 (84) تابعيا ممن رووه، ثم ذكر طبقات رواته من العلماء ومصادره فراجع.
5) رواه البخاري في صحيحه في باب مناقب علي وفي باب غزوة تبوك من كتاب (بدء الخلق)، ورواه مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة، ورونه جميع كتب السنن والمسانید والمعاجم وصحته دون خلاف.
6) رواه الترمذي في سننه، ورواه الحاكم في المستدرك وابن جرير في تهذيب الآثار وغيرهم، وأصدر العلامة الغماري المغربي أحمد بن محمد بن الصديق كتابة بعنوان فتح الملك العلي بصحة حديث «باب مدينة العلم علي»، ط 2، بمصر، سنة 1969م.
الذي قدمنا الحديث عنه، وهو متفق على صحته في أن «الأئمة من بعده اثنا عشر»(1)، وحديث الثقلين الصحيح والمتواتر معا، وقد أشرنا إلى ذلك في البحث الأول، ففيه جعل الرسول صلی الله علیه و آله التمسك بالقرآن وأهل البیت علیهم السلامر عاصمة من الضلالة ، وهو ما لا يتصور بحال من دون أن يكونوا معصومین، وفي قوله في الحديث نفسه : «فإنهما لن يفترقا (يعني الكتاب وأهل البيت) حتى يردا علي الحوض»: إشارة واضحة لهذه العصمة علميا، وتؤكد أحاديث أخرى كثيرة هذا المعنى نفسه .
ويتطابق الدليل النظري الذي أشرنا إليه ، وهو متسق دلالة في الآيات والروايات ، مع الواقع التاريخي لهؤلاء الأئمة الاثني عشر من أهل البيت علیهم السلام : دعوى، وخلقا، وعلما، وعملا، وآثارا، ويتطابق عددا كذلك(2)بحيث لا مجال للمقارنة لأن ترى في هذه النصوص عدا نظرية الإمامة بالمعنى الذي ذكرناه ولا مجال لأن ترى لها مصداقا غيرهم.
وفي ضوء ذلك . وهو ما أردناه من الحديث الموجز عن نظرية الإمامة لدى الإمامية الاثني عشرية - نخلص إلى أمرين هامين جدا بالنسبة إلى هذا البحث :
أولهما: إن قضية الإمام المهدی علیه السلام ، بحكم كونه أحد الأئمة الاثني عشر، تتصل بالإيمان بالرسالة، بوصفها جزءا أصيلا منها، وليس فقط من جهة صحة الأخبار وتواترها عنه؛ ولذلك فالحديث عنه وبلورة ما يساعد على فهمما يتصل به تاريخيا من بعض الجهات الغامضة، كإخفاء ولادته إلا عن الخاصة وغيبته الصغرى والكبرى وسرهما من الأهمية بحيث يساوي أية مسألة عقائدية ، أساس .
1) راجع مصادره الحديثية لدى أهل السنة في البحث الأول من الفصل الأول من هذا الكتاب . ورواه الشيخ المجلسي في م36 من البحار، ص 192- 371، مجملا ومفصلا (أي مع التسمية) ب- 234 إسناد لتنبيه من تصور أن الاثني عشر في الإمامة مختلقة.
2) عدنان البكاء، الشاهد الثاني للرسالة ، بحث في نظرية الإمامة طبقا لمنهجي الاتساق النظري والتطابق الموضوعي .
ثانيهما: إن أحاديث الأئمة من أهل البيت علیهم السلام ، طبقا لنظرية الإمامة، لها نفس القيمة التي تعطى للأحاديث النبوية بحكم كونهم امتدادا له في العصمة العلمية والعملية .
وبهذه الأحادیث، سيجد المسلم مدى أوسع من قواعد الرؤية للرسالة
أصولا وفروعا بصورة لا محل فيها للتناقض ولا للاجتهادات المتعارضة .
إن كل المسائل الواقعة والمفترضة لا تعدم الإجابة بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضمن هذا التراث الواسع للرسول صلی الله علیه و آله ولأوصيائه الاثني عشر ، وبما يحقق الانسجام الفعلي والكامل بين قواعد العقيدة وما يتصل بها من مفاهیم مختلفة وبين بناها التشريعية وأحكامها.
ومن بين المسائل التي ستفيد كثيرا من هذه الأحاديث فيها: قضية الإمام المهدی علیه السلام ، فقد كانت من دون شك بحاجة لجلاء بعض الجوانب الغامضة فيها قليلا أو كثيرا في تراث غيرهم.
أما في التراث الوارد عنهم علیهم السلام سواء ما رووه عن الرسول صلی الله علیه و آله ، أو ما تحدثوا به . وإن كان هذا من ذاك - فقد وضحت تلك المسائل جميعا.
إن الإمام المهدی علیه السلام ، في هذه الأحاديث المروية عن أحد عشر إماما مضافا إلى الرسول صلی الله علیه و آله عن طريقهم وإلى الزهراء عليها السلام ، معروف تماما اسما و شخصا، ووالدا، ووالدة، وتأريخا، وظروف ولادة، وقد حتمت التقية إخفاءها إلا عن الخاصة ، ومعروف أيضا صفة وغيبة ونوابا ودورا وآثارا .
وهي من الكثرة بحيث لا يمكن استيعابها في هذه الرسالة، ولا يمكن إيراد حتى ما يكفي منها في كل موضوع إلا على سبيل الإشارة فقط، فقد أعطى الأئمة علیه السلام من علي إلى الحسن العسكري علیه السلام لقضية الإمام المهدی علیه السلام - كما ينبغي - موقعة مركزية في أحاديثهم بحكم ما يحيطها من ملابسات وشبه، وشؤون غيبية ليس سهلا أن تستوعب حتى من قبل المؤمنين لولاهم علیهم السلام.
ويكفي أن تطلع على ما كتبه الشيخ الصدوق رحمه الله ، المتوفی 383ه.، في كمال الدین وتمام النعمة، والشيخ الطوسي المتوفي 460 ه-.، في الغيبة، والشيخ النعماني المعروف بابن أبي زينب تلميذ الكليني وكاتبه وقد ألفه قبل سنة 336ه.، والفصول العشرة للشيخ المفيد المتوفی 413 ه-.، وكتاب البرهان لأبي الفتح الكراجكي المتوفى سنة 441 ه-. ، وكتاب الحجة للسيد هاشم البحراني المتوفی 1107 ه-.، وكشف الأستار للشيخ الميرزا حسين النوري وكتاب البرهان للسيد محسن الأمين، ومن الكتب الحديثة التي عنيت بجمع الأحاديث الواردة فيه علیه السلام منتخب الأثر للشيخ لطف الله الصافي. قلت يكفي أن تطلع على هذه الكتب أو بعضها أو على هذا المرجع الأخير فقط لترى أن ما أشرت إليه ليس من المبالغة في شيء.
لقد ذكرت أني قمت بعملية جمع ما أشار إليه الشيخ الصافي في كتابه من إعداد للأحاديث التي أوردها أو أشار إليها في أبواب الفصل الأول والفصل الثاني وأربعة أبواب من الفصل الثالث فكانت (5303) أحاديث ، وهو رقم كبير مهما أسقطنا منه أخذة للتداخل في الأبواب التي ذكرها، وللتكرار في الحساب. ولذلك فليس أمامي إلا أن أختار مما ورد عن كل إمام من الأئمة في ما يتصل بالمسائل التي أشرت إليها أمثلة من هذه الأحاديث في كل موضوع من الموضوعات السابقة، وحسب أهميتها في الاستشهاد على القضية .
رغم أنا أوردنا في الفصل الأول عن الرسول صل ، مما نقل في مصادر غير الإمامية ، ما يدل على تشخيص الإمام المهدی علیه السلام وأنه التاسع من ولد الحسين والثاني عشر من أئمة أهل البيت علیهم السلام ، فإن أهمية هذه
المسألة - بحكم الخلاف القائم فيها بين المسلمين - تدعونا للتأكيد عليها بإيراد المزيد من الأحاديث المنقولة في مصادر الإمامية وبطرقهم ، وإنا لنجد مثل هذا الاهتمام في الحديث عنها . ولا بد من أن يكون للسبب نفسه - لدى الرسول صل والأئمة من أهل البیت علیهم السلام إلى الحد الذي لم يغفل الحديث عنها مكررة أحد منهم، ولم يقتصروا علي في حدیثهم على تشخيص الإمام المهدی علیه السلام بل تحدثوا مسبقا عن كل ما يتصل به . مما هو مثار تساؤل وتشكيك - كإخفاء ولادته إلا عن الخاصة، وغيبته الصغرى والكبرى، وحاولوا التنظير بما حدث في تاريخ بعض الأنبياء، وقد كان لأحاديثهم في ذلك أبلغ الأثر في تثبيت المؤمنین أمس واليوم بخاصة وأن الأكثر منها تسبق تاریخ ولادة المهدی علیه السلام بعشرات السنين.
قال الشيخ الصدوق، المتوفی 383 ه-.، وهو يبين وجه الدلالة في هذه الأحاديث: «إن الأئمة قد أخبروا بغيبته، ووصفوا كونها لشيعتهم في ما نقل عنهم واستحفظ في الصحف ودون في الكتب المؤلفة من قبل أن تقع الغيبة بمئتي سنة، أو أقل أو أكثر، فليس أحد من أتباع الأئمة علیهم السلام إلا وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه، ورواياته، ودونه في مصنفاته، وهي الكتب التي تعرف بالأصول مدونة مستحفظة عند شيعة آل محمد صل من قبل الغيبة بما ذكرنا من السنين وقد أخرجت ما حضرني من الأخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب ۔ يعني مصدرنا المشار إليه في الهامش - في مواضعها، فلا يخلو حال هؤلاء الأتباع المؤلفين للكتب أن يكونوا علموا الغيب، بما وقع الآن من الغيبة فألفوا ذلك في كتبهم ودونوه في مصنفاتهم من قبل كونها، وهذا محال عند أهل اللب والتحصيل، أو أن يكونوا قد أسسوا في كتبهم الكذب فاتفق الأمر لهم كما ذكروا، وتحقق ما وصفوا من كذبهم على بعد ديارهم، واختلاف آرائهم، وتباين أقطارهم ومحالهم، وهذا أيضا محال کسبیل الوجه الأول.
فلم يبق في ذلك إلا أنهم حفظوا عن أئمتهم المستحفظين للوصية علیهم السلام (1). وسننقل، في ما يأتي، بعض ما ورد في ذلك عن كل واحد من المعصومين علیهم السلام بدءا من الرسول صلی الله علیه و آله :
(1) بعض ما روي عن الرسول صلی الله علیه و آله (2)
1- روی مسندا عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وکنیته کنيتي، أشبه الناس بي خلقاوخلقا، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، ثم يقبل کالشهاب الثاقب يملأها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما» (3). ورواه بسند آخر عن أبي بصير عن الصادق علیه السلام عن آبائه عن الرسول صلی الله علیه و آله . (4)
2- وروی مسندا عن عمار قال : كنت مع رسول الله صلی الله علیه و آله في بعض غزواته. فقتل علي علیه السلام أصحاب الألوية وفرق جمعهم؛ وقتل عمر بن عبدالله الجمحي، وقتل شيبة بن نافع، فأتيت رسول الله صلی الله علیه و آله ، فقلت له: يا رسول الله، إن عليا قد جاهد في الله حق جهاده ، فقال : لأنه مني وأنا منه ، وارث علمي، وقاضي ديني ، و منجز وعدي ، والخليفة بعدي، ولولاه لم يعرف المؤمن المحض بعدي ، حربه حربي وسلمه سلمي، وسلمي سلم الله ، ألا إنه أبو سبطي والأئمة بعدي، من صلبه يخرج الله تعالى الأئمة الراشدين، ومنهم مهدي هذه الأمة . فقلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله صلی الله علیه و آله، ما هذا المهدي؟
قال : يا عمار، اعلم أن الله تبارك وتعالى عهد إلي أنه يخرج من صلب الحسین علیه السلام أئمة تسعة ، والتاسع من ولده يغيب عنهم؛ وذلك قول الله عز وجل : «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ » [الملك: 30]
تكون له غيبة طويلة يرجع عنها قوم ويثبت عليها آخرون، فإذا كان في آخر الزمان يخرج فيملأ الدنيا قسطا وعدلا ويقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وهو سميي وأشبه الناس بي(1).
(2) بعض ما روي عن الإمام علي علیه السلام
1- روى الصدوق في حديث مسند عن الحسين بن علی علیه السلام قال : إن أمير المؤمنین علیه السلام قال : التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق والمظهر للدين والباسط للعدل . قال الحسین علیه السلام : قلت له: يا أمير المؤمنين وإن ذلك لكائن؟ فقال عليه السلام : أي والذي بعث محمدا بالنبوة ، واصطفاه على جميع البرية، ولكن بعد غيبة وحيرة فلا يثبت على دينه إلا المخلصون المباشرون لروح اليقين الذين أخذ الله عز وجل میثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه(2).
2- وروى الصدوق بسنده عن الأصبغ بن نباتة قال : أتيت أمير المؤمنین علی فوجدته متفكرة ينكت الأرض، فقلت : يا أمير المؤمنين مالي أراك متفكرا، أرغبت فيها؟ (یعني الخلافة).
فقال: لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما قط. ولكن فكرت في مولود يكون في ظهر الحادي عشر من ولدي هو المهدي يملاها عدلا كما ملئت جورا وظلما تكون له حيرة وغيبة تضل فيها أقوام (3).
(3) بعض ما روي عن الصديقة فاطمة الزهراء عليهاالسلام:
وروى الصدوق بسنده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال : دخلت على مولاتي فاطمة عليهاالسلام وقدامها لوح یکاد ضوؤه يغشي الأبصار فيه اثنا عشر اسما ثلاثة
في ظاهره وثلاثة في باطنه وثلاثة أسماء في آخره وثلاثة أسماء في طرفه ، فعددتها فإذا هي اثنا عشر . فقلت : أسماء من هؤلاء؟
قالت : هذه أسماء الأوصياء؛ أولهم ابن عمي، وأحد عشر من ولدي آخرهم القائم علیه السلام .
قال جابر: «فرأيت فيها: محمد محمد محمد في ثلاث مواضع، وعلي وعلي وعلي وعلي في أربعة مواضع».(1)
(4) بعض ما روي عن الإمام الحسن علیه السلام
: وروى الصدوق بسنده عن أبي سعيد عقیصا قال : لما صالح الإمام الحسن معاوية وسمع لوم الناس له كان مما قاله : ألا تعلمون أنني إمامكم مفترض الطاعة عليكم وأحد سيدي شباب أهل الجنة بنص رسول الله صلی الله علیه و آله ؟
قالوا: بلی.
قال: أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سقطا لموسی بن عمران إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصوابا، أما علمتم أنه ما منا أحد إلا وتقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم علیه السلام الذي يصلي روح الله خلفه ، فإن الله عز وجل يخفي ولادته، ويغيب شخصه؛ لئلا تكون في عنقه بيعة إذا خرج.
ذلك التاسع من ولد أخي الحسین علیه السلام ابن سيدة النساء (سيدة الإماء هكذا ورد في كثير من الروايات)، ثم يظهره الله في صورة شاب دون أربعين سنة بقدرته، وذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير(2).
(5) بعض ما روي عن الإمام الحسین علیه السلام :
1- وروى الصدوق بسنده عن عبدالله بن شريك عن رجل من همدان (سماه بعضهم) قال : سمعت الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام يقول : قائمهذه الأمة التاسع من ولدي وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يقسم میراثه وهو حي. (1)
2- وروى أيضا عن عبد الرحمن بن سليط قال : قال الحسين بن علی علیه السلام : منا اثنا عشر مهديا أولهم أمير المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام ، وآخرهم التاسع من ولدي ؛ وهو الإمام القائم بالحق يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به دین الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة يرتد فيها أقوام، ويثبت على الدين فيها آخرون فيؤذون ويقال لهم :«وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ »[يونس: 48].
أما أن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلی الله علیه و آله (2)
(6) بعض ما روي عن الإمام علیه السلام بن الحسین زین العابدین علیه السلام
1-وروى الصدوق أيضا بسنده عن أبي خالد الكابلي أنه حين سأل الإمام علیه السلام بن الحسین زین العابدین علیه السلام عن الأئمة الذين افترض الله طاعتهم وأوجب الاقتداء بهم بعد رسول الله صلی الله علیه و آله ذكر له عليا، والحسن، والحسين، وذكر أن الأمر انتهى إليه وأنه سيكون من بعده لابنه محمد الباقر علیه السلام ، ثم ابنه جعفر الصادق علیه السلام. وحين سأله أبو خالد عن سر تسميته بالصادق وكلهم صادقون بين له علیه السلام أن الرسول صلی الله علیه و آله قال : إذا ولد ابني جعفر فسموه الصادق فإن الخامس الذي من ولده اسمه (جعفر)
يدعي الإمامة جرأة على الله وكذبا عليه. ثم تحدث الإمام زين العابدین علیه السلام فقال : كأني بجعفر الكذاب قد حمل طاغية زمانه على تفتیش أمر ولي الله والمغيب في حفظ الله ، والموكل بحرم أبيه ، جهلا منه بولادته وحرصا منه على قتله إن ظفر به، وطمعا في میراث أخيه حتى يأخذه بغير حقه .
وأجاب الإمام علیه السلام حين قال له أبو خالد: وإن ذلك لكائن یا بن رسول الله؟ قائلا: إي وربي، إن ذلك مكتوب في الصحيفة التي فيها ذکر المحن التي تجري علينا بعد رسول الله صلی الله علیه و آله.
. قال أبو خالد: فقلت : يا بن رسول الله صلی الله علیه و آله، ثم ماذا يكون؟ قال : ثم تمتد الغيبة بولي الله عز وجل الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلی الله علیه و آله
وقال : إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كل زمان(1).
2- وروى الصدوق بسنده عن سعيد بن جبير قال : سمعت سید العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیه السلام يقول: في القائم سنة من سبعة أنبياء : ستة من أبينا آدم، وستة من نوح، وستة من إبراهيم، وسنة من موسی، وستة من عیسی، وسنة من أيوب، وسنة من محمد صلوات الله عليهم.
فأما من آدم ونوح فطول العمر، وأما من إبراهيم فخفاء الولادة(2)واعتزال الناس، وأما من موسى فالخوف والغيبة، وأما من عیسی فاختلاف الناس فيه، وأما من أيوب فالفرج بعد البلوى، وأما من محمد فالخروج بالسيف (3).
(7) بعض ما روي عن الإمام محمد الباقر علیه السلام :
1- وروى الصدوق بسنده عن أبي حمزة عن أبي جعفر علیه السلام قال : إن الله تبارك وتعالى أرسل محمدا إلى الجن والإنس، وجعل من بعده اثني عشر وصيا منهم من مضى، ومنهم من بقي، وكل وصي جرت فيه سنة من الأوصياء الذين قبل محمد صلی الله علیه و آله على سنة أوصياء عیسی علیه السلام وكانوا اثني عشر وصيا، وكان أمير المؤمنین علیه السلام على سنة المسيح(1).
2- وروي عن أبي أيوب المخزومي قال : ذكر أبو جعفر علیه السلام سيرة الخلفاء الراشدين فلما بلغ آخرهم قال : الثاني عشر الذي يصلي عیسی بن مریم خلفه عليك بسنته والقرآن الكريم . (2)
3- وروی بسنده عن محمد بن مسلم الثقفي، قال : دخلت على أبي جعفر محمد بن علي الباقر علیه السلام وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد، فقال علیه السلام مبتدئا: يا محمد بن مسلم، إن في القائم من أهل بيت محمد كل سنة من خمسة رسل: من يونس بن متى، ويوسف بن يعقوب ، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم.
فأما ستة من يونس بن متی فرجوعه من غيبته وهو شاب بعد كبر السن، وأما سنة من يوسف بن يعقوب فالغيبة من خاصته وعامته، واختفاؤه من إخوته وإشكال أمره على أبيه يعقوب النبي مع قرب المسافة بينه وبين أبيه ، و أهله وشیعته .
وأما سنة من موسى فدوام خوفه، وطول غيبته، وخفاء ولادته، وتعب شیعته من بعده مما لقوا من الأذى والهوان إلى أن يأذن الله عز وجل في ظهوره ونصره، وتأييده على عدوه.
وأما سنة من عیسی فاختلاف من اختلف فيه حتى قالت طائفة : ما ولد، وطائفة منهم قالت : مات. وطائفة قالت : قتل وصلب.
وأما سنة من جده المصطفى محمد صلی الله علیه و آله فتجريده السيف، وقتله أعداء الله تعالى، وأعداء رسوله، والجبارين والطواغيت، وأنه ينصر بالسيف والرعب، وأنه لا ترد له راية .
وأن من علامات خروجه علیه السلام خروج السفياني من الشام، وخروج اليماني، وصيحة من السماء في شهر رمضان ومناد ينادي من السماء باسمه واسم أبيه(1).
4 - وبسنده عن محمد بن مسلم أيضا قال : سمعت أبا جعفر محمد بن على علیه السلام يقول: القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الأرض وتظهر له الكنوز يبلغ سلطانه المشرق والمغرب ويظهر به الله عز وجل دينه على الدين كله ولو كره المشركون، فلا يبقى في الأرض خراب إلا وعمر، وينزل روح الله عیسی بن مریم علیه السلام فيصلي خلفه (والرواية طويلة) .(2)
(8) بعض ما روي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق علیه السلام
1- روى الشيخ الصدوق، رحمه الله ، بسنده عن صفوان بن مهران عن الصادق جعفر بن محمد علیه السلام ، أنه قال: من أقر بجميع الأئمة وجحد المهدی علیه السلام كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمد نبوته ، فقيل له : یابن رسول الله صلی الله علیه و آله، فمن المهدي من ولدك ؟ قال : الخامس من ولد السابع . يغيب عنكم شخصه، ولا يحل لكم تسميته (3)، ورواه بسند آخر عن عبدالله ابن أبي يعفور . (4)
2- وروی بسنده عن السيد بن محمد الحميري - في حديث طويل - يقول فيه للصادق جعفر بن محمد علیه السلام : یابن رسول الله، قد رويت لنا أخبارة عن آبائك علیهم السلام في الغيبة، وصحة كونها فأخبرني بمن تقع؟
فقال : إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي ؛ وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة من بعد رسول الله صلی الله علیه و آله : أولهم أمير المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان . والله لو بقى في غيبته ما بقی نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما (1).
3- وروی بسنده عن زرارة بن أعين قال : سمعت أبا عبدالله (الصادق) علیه السلام يقول : إن للقائم غيبة قبل أن يقوم قلت له : ولم؟
قال : يخاف (وأومأ إلى بطنه) علیه السلام لعله يعني (إنها تبقر اغتيالا) ثم قال : يا زرارة، وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته ؛ منهم يقول : هو حمل، ومنهم يقول : هو غائب ، ومنهم يقول: ما ولد، ومنهم من يقول: ولد قبل وفاة أبيه بسنتين، غير أن الله تبارك وتعالى يحب أن يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون؟(2).
4 - وروى الكليني والصدوق بسندهما عن سدير قال : سمعت أبا عبدالله الصادق علیه السلام يقول: في القائم شبه من يوسف. قلت : كأنك تذكر جفره أو غيبته؟ فقال الإمام : ما تنكر من ذلك هذه الأمة أشباه ...
إن أخوة يوسف كانوا أسباطا أولاد أنبياء تاجروا بيوسف، وباعوه وهم أخوته، وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتى قال لهم : أنا يوسف...
فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله عز وجل في وقت من الأوقات يريد أن يبين حجته لقد كان يوسف إليه ملك مصر، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما فلو أراد الله عز وجل أن يعرفه مكانه لقدر على ذلك.
والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة مسيرة تسعة أيام من بدوهم إلى مصر. فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله عز وجل يفعل بحجته ما فعل بيوسف؟ أن يكون يسير في أسواقهم، ويطأ بسطهم، وهم لا يعرفونه حتى بأذن الله عز وجل أن يعرفهم بنفسه، كما أذن ليوسف حتى قال : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون؟
قالوا: إنك لأنت يوسف .
قال : أنا يوسف وهذا أخيالكليني، أصول الكافي، م1، ص 339 و 337، الصدوق، المصدر السابق ، ص 330،
المجلسي، البحار، م 51، ص 142.(1).
5 - وروی بسنده عن أبي بصير قال : سمعت أبا عبدالله (الصادق) علیه السلام يقول: «إن سنن الأنبياء علیهم السلام ، بما وقع بهم من الغيبات حادثة في القائم منا أهل البیت علیهم السلام حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة». .
قال أبو بصير فقلت : يابن رسول الله صلی الله علیه و آله، ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال : يا أبا بصير هو الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيدة الإماء يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون، ثم يظهره الله عز وجل، ويفتح على يده مشارق الأرض ومغاربها، وينزل روح الله عیسی بن مريم فيصلي خلفه ، فتشرق الأرض بنور ربها، ولا تبقى في الأرض قطعة غبد فيها غير الله عز وجل إلا عبد الله عز وجل فيها، ويكون الدين كله لله ولو كره المشركون»(2).
6- وروی بسنده عن سدير الصيرفي قال : إنه دخل هو والمفضل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب على الإمام الصادق علیه السلام ، وذكر حديثا طويلا منه أنه قال علیه السلام : «إن الله تبارك وتعالى أدار للقائم منا ثلاثة أدارها لثلاثة من الرسل علیهم السلام : قدر مولده تقدیر مولد موسى علیه السلام ، وقدر غيبته تقدير غيبة عیسی علیه السلام ، وقدر إبطاءه بتقدير إبطاء نوح علیه السلام . وجعل له من بعد ذلك عمر العبد الصالح - أعني الخضر علیه السلام - دليلا على عمره.
فقلنا : اکشف لنا يابن رسول الله عن وجوه هذه المعاني .
قال علیه السلام : أما مولد موسى علیه السلام فإن فرعون لما وقف على أن زوال ملكه على يده أمر بإحضار الكهنة فدلوه على نسبه ، وأنه يكون من بني إسرائيل، ولم يزل يأمر أصحابه بشق بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل حتى قتل في طلبه نيفا وعشرين ألف مولود، وتعذر عليه الوصول إلى قتل موسی علیه السلام بحفظ الله تبارك وتعالى إياه، كذلك بنو أمية وبنو العباس لما وقفوا على أن زوال ملك الأمراء والجبابرة منهم على يد القائم منا ناصبونا العداوة، ووضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول صلی الله علیه و آله ، ویأبی الله عز وجل أنيكشف أمره لواحد من الظلمة إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
وأما غيبة عیسی علیه السلام : فإن اليهود والنصارى اتفقت على أنه قتل فكذبهم الله جل ذكره بقوله عز وجل:«وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ » [النساء: 107].
كذلك غيبة القائم فإن الأمة ستنكرها لطولها فمن قائل بهذي، بأنه لم يولد، وقائل يقول: إنه ولد ومات، وقائل يكفر بقوله : إن حادي عشرنا كان عقيمة، وقائل يمرق بقوله: إنه يتعدى إلى ثالث عشر وما عدا، وقائل يعصي الله عز وجل بقوله: إن روح القائم ينطق في هيكل غيره .
وأما إبطاء نوح؛ فإنه لما استنزلت العقوبة على قومه من السماء بعث الله تبارك وتعالی جبرائيل الروح الأمين ومعه سبع نوايات فقال : يا نبي الله، إن الله تبارك وتعالى يقول لك : إن هؤلاء خلائقي وعبادي لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلا بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجة فعاود اجتهادك في الدعوة القومك فإني مثيبك عليه واغرس هذا النوى فإن لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص.
وذكر الإمام علیه السلام أنه أثمرت الأشجار التي جاءت من ذلك النوى، فأمر بأن يغرس نواها، ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكد الحجة على قومه.
قال الإمام : ثم إن الله تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كل مرة بأن يغرسها مرة بعد أخرى إلى أن غرسها سبع مرات وما زالت تلك الطوائف من المؤمنینترتد منه طائفة بعد طائفة إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلا فأوحى الله تبارك وتعالى عند ذلك إليه : يا نوح، الآن أسفر الصبح عن الليل، حين صرح الحق عن محضه وصفا الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة ، فلو أني أهلكت الكفار وأبقيت من ارتد من الطوائف التي كانت آمنت بك لما کنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك ، واعتصموا بحبل نبوتك بأني أستخلفهم في الأرض وأمكن لهم دينهم وأبدل خوفهم بالأمن لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشرك من قلوبهم (الحديث)، وكيف يكون الأمن والتمكين والتبديل بالأمن مني لهم مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدوا، وخبيث طينتهم وسوء سرائرهم. ويذكر الحديث ما معناه أن حال هؤلاء ستحملهم على إثارة الفتن وطلب الأمرة ونشر الكفر من جديد.
إلى أن يقول علیه السلام : «وكذلك القائم علیه السلام فإنه تمتد أيام غيبته فیصرح الحق عن محضه ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كل من كانت طينته خبيثة» (الحدیث).
ثم قال علیه السلام : وأما العبد الصالح - أعني الخضر علیه السلام - فإن الله تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له، ولا لكتاب ژله عليه ، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها ولا لطاعة يفرضها له. بل إن الله تبارك وتعالى، لما كان في سابق علمه أن يقدر عمر القائم علیه السلام ما قدر من عمر الخضر، وما قدر في أيام غيبته ما قدر وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك من العمر في الطول، طول عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم علیه السلام ، وليقطع بذلكحجة المعاندين لئلا يكون للناس على الله
حجة(1). وقد أورد الصدوق رحمه الله في هذا الباب (الثالث والثلاثين) فقط مما ورد عن الإمام الصادق علیه السلام في الإمام المهدي (59) حديثا مسندا.
(9) بعض ما روي عن الإمام موسی بن جعفر الكاظم علیه السلام
1- روى الصدوق بسنده عن علي بن جعفر عن أخيه موسی بن جعفر علیه السلام أنه قال : «إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم لا يردكم أحد عنها.
يا بني، إنه لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة حتى يرجع من هذا الأمر من يقول به، إنما هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه، ولو علم آباؤكم وأجدادكم دينا أصح من هذا الاتبعوه.
فقلت : يا سيدي، وما الخامس من ولد السابع؟
فقال : يا بني، عقولكم تضعف عن ذلك وأخلاقكم تضيق عن حمله ، ولكن أن تعيشوا فسوف تدركوه»(2).
2- وروی بسنده عن يونس بن عبد الرحمن:
قال : دخلت على موسی بن جعفر علیه السلام فقلت له : يابن رسول الله صلی الله علیه و آله، أنت القائم بالحق؟
فقال علیه السلام : أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله عز وجل، ويملاها عدلا كما ملئت جورا وظلما هو الخامس من ولدي له غيبة يطول أمدها خوفا على نفسه يرتد فيها أقوام، ويثبت فيها آخرون (3).
3- وروی بسنده عن محمد بن زياد الأزدي قال : سألت سيدي موسی بن جعفر علیه السلام عن قول الله عز وجل : «وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً» [لقمان:20](1).
فقال علیه السلام : النعمة الظاهرة الإمام الظاهر، والباطنة الإمام الغائب .
فقلت له : ويكون في الأئمة من يغيب ؟ قال : نعم يغيب عن أبصار الناس شخصه، ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر منا يهل الله له كل عسير ، ويذلل له كل صعب، ويظهر له کنوز الأرض، ويقرب له كل بعيد ، ويبيد به كل جبار عنيد، ويهلك على يده كل شيطان مريد. ذاك ابن سيدة الإماء الذي تخفى على الناس ولادته ، ولا يحل لهم تسميته، حتى يظهره (الله) عز وجل فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(2).
(10) بعض ما روي عن الإمام علیه السلام بن موسی الرضا علیه السلام
1-روى الصدوق بسنده عن الحسن بن محبوب عن أبي الحسن علیه السلام بن موسی الرضا علیه السلام قال : قال علیه السلام: لا بد من فتنة صماء صيلم تسقط فيها كل بطانة ووليجة؛ وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي (يعني الإمام الحسن العسكري) يبكي عليه أهل السماء، وأهل الأرض، وكل حری وحران وكل حزين ولهفان.
ثم قال علیه السلام : بأبي وأمي سمي جدي شبيهي وشبيه موسی بن عمران علیه السلام : عليه جيوب النور، يتوقد شعاع ضياء القدس، كم من حری مؤمنة وكم من مؤمن متأسف حيران حزين عند فقدان الماء المعين (3).
كأني بهم آیس ما كانوا نودوا نداء يسمع من بعد كما يسمع من قرب، يكون رحمة على المؤمنين وعذابا على الكافرين(4).
2 - وروی بسنده عن الهروي قال : سمعت دعبل بن علي الخزاعي يقول: أنشدت مولاي علي بن موسى الرضا علیه السلام قصيدتي التي أولها:
مدارس آیات خلت من تلاوة***ومنزل وحي مقفر العرصات
فلما انتهيت إلى قولي:
خروج إمام لا محالة خارج***يقوم على اسم الله والبركات
يميز فينا كل حق وباطل ***ويجزي على النعماء والنقمات
بکی الرضا علیه السلام بكاء شديدا، ثم رفع رأسه إلي فقال علیه السلام: يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟
فقلت : لا يا مولاي إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملأها عدلا كما ملئت جورا.
فقال علیه السلام : يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسين وبعد الحسن ابنه الحجة القائم، المنتظر في غيبته ، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج،فيملأها عدلا كما ملئت جورا وأما متى؟ فإخبار عن الوقت .
ولقد حدثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي علیه السلام : إن النبي ؟
قيل له : يا رسول الله صلی الله علیه و آله، متى يخرج القائم من ذريتك؟
فقال : مثله مثل الساعة «لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»[الأعراف: 187] لا يأتيكم إلا بغتة(1)
3- وروی بسنده عن أيوب بن نوح قال : قلت للرضا علیه السلام : إنا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر، وأن يسديه الله عز وجل إليك من غير سيف، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك.
1) الصدوق، المصدر السابق، ص 356 و 357. المجلسي، البحار، م 51، ص 154.
فقال علیه السلام : ما منا أحد اختلفت إليه الكتب وسئل عن المسائل، وأشارت إليه الأصابع وحملت إليه الأموال إلا اغتيل، أو مات على فراشه حتى يبعث الله عز وجل لهذا الأمر رجلا خفي المولد والمنشأ غير خفي في نسبه(1).
(11) بعض ما روي عن الإمام محمد الجواد علیه السلام
1- روى الصدوق، رحمه الله ، بسنده عن الصقر بن دلف قال : سمعت أباجعفر محمد بن علي الرضا علیه السلام يقول: إن الإمام بعدي ابني على أمره أمري وقوله قولي وطاعته طاعتي والإمام بعده ابنه الحسن أمره أمر أبيه وقوله قول أبيه وطاعته طاعة أبيه.
ثم سكت لي فقلت له : يابن رسول الله صلی الله علیه و آله، فمن الإمام بعد الحسن ؟
فبكى بكاء شديدة ثم قال علیه السلام :
إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر .
فقلت له : يابن رسول الله، ولم سمي القائم؟
قال : لأنه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته .
فقلت له : ولم سمي المنتظر؟
قال : لأن له غيبة تكثر آیاتها، ويطول أمرها فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيه الوقاتون، ويهلك فيه المستعجلون، وينجو فيه المسلمون(2).
2- وروی بسنده عن عبد العظيم بن عبدالله بن علي بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب قال : دخلت على سيدي محمد بن علي (الجواد)، وأنا أريد أن أسأله عن القائم ما هو؟ المهدي أو غيره؟ فابتدأني
فقال علیه السلام: أبا القاسم، إن القائم منا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته ويطاع في ظهوره وهو الثالث من ولدي . والذي بعث محمدا بالنبوة وخصنا بالإمامة، إنه لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وإن الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى إذ ذهب يقتبس نارة فرجع وهو رسول نبي، ثم قال : أفضل أعمال شیعتنا انتظار الفرج»(1).
3- وروی بسنده عن عبد العظيم بن عبدالله الحسني السابق، قال : قلت لمحمد بن علي بن موسی (الجواد) علیه السلام : إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت (محمد) الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورة
وظلمة.
فقال علیه السلام : يا أبا القاسم، ما منا إلا وهو قائم بأمر الله عز وجل وهاد إلى دين الله، ولكن القائم الذي يطهر الله عز وجل به الأرض من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلا وقسطة، وهو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته. وهو سمي رسول الله وكنيه ، وهو الذي تطوى له الأرض، ويؤ له كل صعب ، ويجتمع إليه أصحابه عدتهم عدة أهل بدر ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض، وذلك قول الله : «أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »[البقرة : 198].
فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره، فإذا كمل لهالعقد، وهو عشرة آلاف رجل، خرج بإذن الله عز وجل، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله تعالی. قال عبد العظيم، فقلت له: يا سيدي وكيف يعلم أن الله عز وجل قد رضي؟ قال : يلقي في قلبه الرحمة»(2).
(12) بعض ما ژوي عن الإمام علیه السلام الهادي علیه السلام :
1- روى الصدوق بسنده عن الصقر بن دلف قال : سمعت الإمام (الهادي) علي بن محمد بن علي الرضا علیه السلام . يقول:
«إن الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما»(1).
2- وروی بسنده عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال : «سمعت أباالحسن صاحب العسكر (يعني الإمام علیه السلام الهادي علیه السلام ) يقول :الخلف من بعدي ابني الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟
قلت : ولم، جعلني الله فداك؟
فقال : لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه . فقلت : فكيف نذكره؟
قال : قولوا: الحجة من آل محمد»(2).
3- وبسنده عن عبد العظيم بن عبدالله الحسني، قال : «دخلت على سيدي علي بن محمد (الهادي) علیه السلام فلما أبصرني قال علیه السلام: مرحبا يا أبا القاسم، أنت ولينا حقا.
قال : فقلت له : يابن رسول الله، إني أريد أن أعرض عليك ديني فإن كان مرضيا ثبت عليه حتى ألقى الله عز وجل.
فقال : هات يا أبا القاسم .
فقلت : إني أقول: إن الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء خارج عن الحدین حد الإبطال وحد التشبيه، وأنه ليس بجسم، ولا صورة، ولا
عرض، ولا جوهر، بل هو مجسم الأجسام، ومصور الصور، وخالق الأعراض، والجواهر، ورب كل شيء، ومالكه، ومحدثه ، وأن محمدا صلی الله علیه و آله عبده ورسوله، خاتم النبيين، ولا نبي بعده إلى يوم القيامة، وأن شريعته خاتمة الشرائع فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة.
وأقول: إن الإمام والخليفة وولي الأمر بعده أمير المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام ثم الحسن علیه السلام ثم الحسین علیه السلام ثم علي بن الحسین علیه السلام ثم محمد بن علي علیه السلام ثم جعفر بن محمدعلیه السلام ثم موسی بن جعفر علیه السلام ثم علي بن موسی علیه السلام ثم محمد بن علي علیه السلام ثم أنت يا مولاي.
فقال علیه السلام : ومن بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف من بعده؟
قال : فقلت : وكيف ذلك يا مولاي؟
فقال علیه السلام : لأنه لا يرى شخصه، ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورة ظلمة.
قال : فقلت : أقررت، وأقول : إن وليهم ولي الله، وعدوهم عدو الله ، وطاعتهم طاعة الله . وأقول: إن المعراج حق، والمساءلة في القبر حق، وإن الجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والميزان حق، وإن الساعة آتية لا ريب فيها، وإن الله يبعث من في القبور.وأقول: إن الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة والزكاة والصوم والحج
والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فقال علي بن محمد (الهادي) علیه السلام :
يا أبا القاسم، هذا - والله - دين الله الذي ارتضاه لعباده فاثبت عليه ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة»(1).
1) الصدوق، المصدر السابق، ص 362 و 363
(13) بعض ما روي عن الإمام الحسن بن علي العسكري علیه السلام :
1- روى المجلسي بسنده عن محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه، قال : سمعت أبي يقول: سئل أبو محمد الحسن بن علي علیه السلام ، وأنا عنده ، عن الخبر الذي روي عن آبائه علیهم السلام : إن الأرض لا تخلو من حجة الله على خلقه إلى يوم القيامة، وإن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية .
فقال علیه السلام : إن هذا حق كما أن النهار حق.
فقيل له : يابن رسول الله صلی الله علیه و آله، فمن الحجة والإمام بعدك؟
فقال : ابنى محمد، وهو الإمام والحجة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، أما أن له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها الوقاتون، ثم يخرج فكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة»(1).
2- روی بسنده عن موسی بن جعفر البغدادي قال : سمعت أبا محمد الحسن بن علي علیه السلام يقول: كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف مني، أما أن المقر بالأئمة بعد رسول الله المنكر لولدي كمن أقر بجميع أنبياء الله ورسله ثم أنكر نبوة محمد رسول الله صلی الله علیه و آله، والمنكر لرسول الله صلی الله علیه و آله كمن أنكر جميع الأنبياء؛ لأن طاعة آخرنا كطاعة أولنا، والمنكر لآخرنا كالمنكر الأولنا. أما أن لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلا من عصمه الله عز وجل» (2).
3- وروى الصدوق بسنده عن أحمد بن إسحاق الأشعري قال : «دخلت على أبي محمد الحسن بن علي علیه السلام وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده فقال علیه السلام عليك مبتدئا : يا أحمد بن إسحاق، إن الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم، ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجة الله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، ويخرج بركات الأرض.
قال : فقلت له : يابن رسول الله صلی الله علیه و آله، فمن الإمام والخليفة بعدك؟
فنهض علیه السلام مسرعا فدخل البيت، ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين فقال : يا أحمد بن إسحاق ، لولا کرامتك على الله عز وجل وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سمي رسول الله صلی الله علیه و آله، وكنيه الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما .
يا أحمد بن إسحاق، مثله في هذه الأمة مثل الخضر ومثله مثل ذي القرنين، والله ليغيبن غيبة لا ينجو فيها إلا من ثبته الله عز وجل على القول بإمامته، ووفقه بها للدعاء بتعجيل فرجه»(1)
4 - وروی محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله «أن الإمام الحسن علیه السلام قال حين ولد الحجة علیه السلام : زعم الظلمة أنهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل فكيف رأوا قدرة الله،وسماه المؤمل» (2).
5 - وروی بسنده عن أحمد بن محمد قال: «خرج عن أبي محمد (الإمام الحسن علیه السلام )) حين قتل الزبيري : هذا جزاء من افترى على الله وعلى أوليائه زعم أنه يقتلني وليس لى عقب. فكيف رأى قدرة الله ؟ وولد له ولد سماه محمدة سنة ست وخمسين ومئتين»(3)
6- وروى الطوسي رحمه الله عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري البزاز عن جماعة من الشيعة منهم علي بن بلال وأحمد بن هلال ومحمد بن معاوية بن حكيم والحسن بن أيوب بن نوح قالوا جميعا :
«اجتمعنا إلى أبي محمد الحسن بن علي علیه السلام نسأله عن الحجة من بعده ، وفي مجلسه علیه السلام أربعون رجلا، فقام إليه عثمان بن سعید بن عمرو العمري، فقال له : يابن رسول الله صلی الله علیه و آله، أريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به مني.
فقال علیه السلام : اجلس یا عثمان ...
فقام علیه السلام مغضبا ليخرج فقال : لا يخرجن أحد، فلم يخرج منا أحد إلى أن كان بعد ساعة . فصاح ع: بعثمان فقام على قدميه .
فقال علیه السلام : أخبركم بما جئتم .
فقالوا: نعم يابن رسول الله
قال : جئتم تسألونني عن الحجة من بعدي .
قالوا: نعم.
فإذا غلام كأنه قطعة قمر أشبه الناس بأبي محمد، فقال : هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم أطيعوه، ولا تتفرقوا من بعدي، فتهلكوا في أديانكم ألاإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا» (الرواية)(1).
7- وروى الكليني بسنده عن جعفر بن محمد المكفوف عن عمرو الأهوازي قال : أراني أبو محمد ابنه وقال : «هذا صاحبكم من بعدي» (2)
8- وروى الطوسي عدة روایات بسنده عن أبي عبدالله المطهري وعن موسی بن محمد بن جعفر وعن محمد بن إبراهيم وعن محمد بن علي بن بلال وعن أحمد بن علي الرازي عن جماعة من الشيوخ عن حكيمة بنت الإمام محمد الجواد علیه السلام أنه لدى ولادة الإمام علیه السلام ليلة النصف من شعبان سنة 250 ه-. ، قبيل الفجر، حملته إليه بطلب منه ، وذكرت حديثة سنعود إليه لاحقا، ولدى إعادته إليها لتحمله إلى أمه قال الإمام الحسن علیه السلام : يا بني ، أستودعك الذي استودعته أم موسی، کن في دعة الله وستره وكنفه وجواره .
وقال علیه السلام : رديه إلى أمه یا عمة، واكتمي خبر هذا المولود علينا، ولا تخبري به أحدة حتى يبلغ الكتاب أجله .
قالت : فأتيت به أمه وودعتهم(1).
وذكرت رضي الله عنها أنها انصرفت إلى منزلها، ثم عادت بعد ثلاثة أيام اشتياقا لولي الله علی فلم تر أثرة، ولا سمعت ذكرة، وكرهت أن تسأل .
ولما دخلت على الإمام الحسن علیه السلام کرهت أن تبدأه بالسؤال أدبا وحياء فبدأها قائلا : هو یا عمة في كنف (الله) وحرزه، وستره، وغيبه حتى يأذن الله ، فإذا غيب الله شخصي، وتوفاني، ورأيت شيعتي قد اختلفوا فأخبري الثقات منهم، وليكن عندك وعندهم مکتومة فإن ولي الله يغيبه الله عن خلقه ، ويحجبه عن عباده فلا يراه أحد»(2).
والخلاصة التي أفدناها في هذا البحث من أحاديث المعصومين الثلاثة عشر، بدءا من الرسول صلی الله علیه و آله وانتهاء إلى الإمام الحسن العسکری علیه السلام بإضافة فاطمة الزهراء خامسة المطهرين من أهل الكساء تتمثل بإيجاز بما يلي:
أولا : إن المهدي المنتظر علیه السلام هو الإمام محمد بن الحسن العسکری علیه السلام الثاني عشر من أئمة أهل البيت غير ، وهو ما قدمنا الدليل عليه أيضا في البحث الأول من خلال حديث الرسول صلی الله علیه و آله المتفق على صحته الذي ينص على أن «الأئمة من بعده اثنا عشر» بتحليله نظرية واتساقه مع أحاديث أخرى وبتطابقه مع الواقع.
وبذلك يتضح لنا أنه لا يوجد بين الإمام المهدی علیه السلام وبين آبائه الأحد عشر من أوصياء الرسول صلی الله علیه و آله وشهود رسالته انقطاع كما تفترضه النظرية الأخرى، لأن ذلك يعني أن يوجد بعدئذ من له خصائص الإمامة من العصمة العلمية والعملية والتأييد بالملائكة، والرتبة التي تجعل المسيح يصلي خلفه، كما ورد في روايات البحث الأول والثاني، وذلك ما هو غير معقول بحكم تحديد الأئمةباثني عشر إماما كما مر، وبحكم أن الثقلين لن يفترقا
حتی یردا عليه الحوض، ولا شك أن الانقطاع افتراق واقعي وخلو من الإمام المعصوم الممثل لثاني الثقلين.
ثانيا : تحدث المعصومون الثلاثة عشر علیهم السلام ، في الأحاديث المتواترة عنهم والتي أوردنا أمثلة منها في هذا البحث عن الإمام المهدی علیه السلام ، اسما وأبا وأمة وصفة ونبهوا إلى ما ستفرضه ظروف التقية بالنسبة للإمامين الحسن وابنه المهدی علیه السلام من السلطة العباسية ومن جعفر الكذاب من إخفاء ولادة الإمام وغيبته إلا عن الخاصة. وأشاروا إلى أن ذلك إنما هو خشية من اغتياله، ولذلك حرموا ذكر اسمه وأنهم إذا ما أرادوا أن يذكروه فعليهم أن يقولوا: الحجة من آل محمد (عجل الله تعالی فرجه الشریف). ولذلك - يبدو لي - أن هذا التحريم لا يتناول ما وراء الغيبة الصغرى.
وأشاروا إلى بعض نوابه ووثقوهم كما بالنسبة لعثمان بن سعيد وولده أبي جعفر محمد كما سيأتي.
ثالثا: نبهوا إلى أن له غيبة طويلة كبرى يمتحن فيها المؤمنون، ويزلزلوا زلزالا حتى يرتد عن الاعتقاد به بعض منهم، وذلك بسبب خروج هذه الغيبة عن المعتاد طبيعيا في العمر الإنساني، ولعدم ربطها بالمشيئة الإلهية التي لا تخضع لقانون هو من وضعها أصلا وعدم استيعاب الحكمة منها.
وحاولوا التنظير في الأمور الثلاثة، أعني إخفاء ولادته وغيبته الصغرى والكبرى بما حدث في تاريخ الأنبياء عليهم السلام كموسى وإبراهيم ويوسف ونوح وبالخضر عليهم السلام وتحدثوا عن زمن الإمام لدى قرب الظهور وعلاماته العامة والخاصة ومكان ظهوره وعاصمته وسياسته، كما سيأتي.
رابعا : إن في هذه الأحاديث شاهدا مضافا على صحة صدورها هو أنها قد رويت في كتب أصحاب الأئمة قبل ولادة الإمام المهدی علیه السلام بأكثر من مئتي سنة، وقد قرب الشيخ الصدوق دلالتها من هذه الناحية(1).
1) راجع ص 82 من هذا الكتاب .
وقد سبقه في ذلك الشيخ النعماني الذي أدرك عهد النواب فقال : «وإذا جاءت الروايات متصلة متواترة بمثل هذه الأشياء قبل كونها، وبهذه الحوادث قبل حدوثها، ثم حققها العيان والوجود فوجب أن تزول الشكوك عمن فتح الله قلبه ونوره وهداه وأضاء له بصره»(1).
وبذلك لا يكون خلافنا مع بعض إخواننا المسلمين من أهل السنة في تشخيص الإمام المهدي بالإمام الثاني عشر علیه السلام عن هوى وتعصب لا يقوم على دليل - كما يرى بعضهم - بل هو مفروض بالأدلة الثابتة لدينا ولديهم، كما مر في البحث.
1) النعماني، الغيبة ، ص 174 و 175، مكتبة الصابري، سنة 1383ه.
مر بك ما نقلناه في صدر البحث الأول من قول ابن خلدون (المتوفي 808ه./1406م)، في مقدمة تاريخه : «وللمتصوفة من المتأخرين في أمر هذا الفاطمي طريقة أخرى ونوع من الاستدلال، وربما يعتمدون على الكشف الذي هو أصل طريقهم»(1).
وأشرنا، في الهامش هناك، إلى أن ابن خلدون لم يكن دقيقا في نسبة ما للصوفية من رأي و استدلال إلى المتأخرين منهم، وأجمل ذكر رأيهم ولم يبين لنا موضوعه في قضية فيها أكثر من جهة .
والحقيقة أن المتأخرین کالمتقدمين منهم تحققوا قضية الإمام المهدی علیه السلام لا من حيث أصل موضوعه العام كإمام منتظر بل من حيث شخصه وولادته وغيبته وحياته المستمرة، وكما هو رأي الإمامية والدليل على ذلك :
أولا : إن الحافظ الفقيه المحدث أبا بكر محمد بن الحسين البيهقي الشافعي (المتوفى سنة 1066م / 458 ه-.) صاحب السنن، والذي سبق ابن خلدون بثلاثة قرون وأربعين عاما، ذكر رأي الإمامية في أن المهدي الموعود ولد يوم الجمعة منتصف شعبان سنة 255 ه-.، وأنه الملقب بالحجة القائم المنتظر، وأنه محمد بن الحسن العسکری علیه السلام .
قال: «ووافقهم عليه جماعة من أهل الكشف» (2). ومن الواضح أن البيهقي إنما ينقل عمن تقدمه أو عاصره ولا يدخل أولئك هؤلاء في التاريخ المتأخر لهم.
ثانيا : ذكر بعض المعروفين في تاريخ التصوف، ممن هم من أهل السنة من المسلمين أصلا - من حيث مذاهبهم الفقهية ونشأتهم - في مؤلفاتهم المنشورة المتداولة ، آراءهم وآراء بعض المشايخ المعروفين في تاريخ التصوف بالصورة التي تؤكد ما ذكرناه .
وسنذكر ، في ما سيأتي، آراء بعض منهم للمثل ونشير إلى آراء بعضهم الآخر.
وربما أشكل بعضهم على بأن استشهادي بأهل الكشف يناقض ما أراه وما أدلل عليه في فصل قادم من أن الكشف اسم خادع مضلل ليس فقط لأنه ادعاء إلا بالنسبة لصاحبه، وأنه ليس خاصا بالأولياء بصورته العامة ليكون دليلا على القرب من الله ، بل يحدث لدى الملحد والبرهمي واليهودي والمسيحي والملتزم والمتحلل، كما تثبت ذلك دراسات الباراسایکولوجيا وكتب العارفين من الصوفية(1)، وأنه كثيرا ما يختلط لدى بعضهم مع حالات الهذيان والهلوسة(2)أو بما يعرف بظواهر المسن والاستحواذ من قبل كائنات شیطانية أو منحطة من الجن أو الموت من الإنس (3)التي توحي وتصور لمن ابتلي بها ما شاءت، وقد سجل علماء الروحية الحديثة وعلماء الأمراض العقلية كثيرة من شواهدها المؤسفة .
وقد يكون الكشف أحيانا ليس إلا خلقا للصورة في الخارج بواسطة الهمة أو الخيال لدى أقوياء الإرادة والتركيز من أصحاب الخلوات واليوغیین
1) النفري الرندي، غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية ، ص 171 - 174. هنري کرایس ووليم ديك، الباراسايكولوجيا سر من أسرار الدولة ، ص 7_15. وكولن ولسن، ما بعد الحياة ، ص 93 - 95.
2) جماعة من العلماء، میادین علم النفس، مترجم عن الإنجليزية، الاضطرابات الكبرى، ص 405 و406.
3) محمد فريد وجدي، على أطلال العالم المادي، ج 2، ص 106 و 107. الدكتور علي عبدالجليل راضي، الروحية عند ابن عربي، ص 500 وما بعدها.
والسحرة(1)، أو مما يحصل بالاستحضار والاستخدام وما يشبه(2)ولذلك فالمكشوف بما يسمى الكشف ليس الحقيقة دائمة بل قد يكون ما هو خلافها؛ ولذلك فلا تقوم به حجة . وهو ما أيدته النصوص عن الرسول صلی الله علیه و آله والأئمة من أهل البیت علیهم السلام كما سيأتي.
والجواب أن ذلك كله صحيح، وهو ما سأذكر بعضا من شواهده في الجزء الثاني الخاص بأدعياء المهدوية والبابية .
ولكن الصحيح أيضا أن ذلك لا يعني نفي الكشف، ونفي وجود الصحيح فيه، وإنما يعني عدم عصمته، ولذلك ينبغي أن نتحرز في ما لا نجد له شاهدا يثبته من العقل والنقل الثابت ومن الواقع، فنرفض ما خالفها بخاصة إذا كان مما يتصل بجوانب من العقيدة ، أو التشريع . أما حين يكون مطابقة لأحد رأيين في الإسلام، فيأتي مضافة إلى قوة دليل أحدها کشف يؤيد هذا الرأي من شخص ليس هذا الرأي من مذهبه أصلا بل هو مما يخالفه، وأن هذا الشخص لم يترك هذا المذهب أيضا جملة بل في مسألة أو أخرى لها دليلها وراء كشفه كما في مسألتنا، فإنه خليق بالإصغاء إليه بخاصة إذا كان معروفا بمكانته في هذا العالم، ومتبعة فيه فإنه يكون حجة عليه وعلى من اتبعه ووثقه.
أما نحن، فإن اعتمادنا في الأساس ليس عليه في هذه المسألة وإنما نسوقه لما ذكرنا وتأكيدا فلا إشكال.
فمن هؤلاء:
1- الشيخ محيي الدين أبو عبدالله محمد بن علي بن عربي الطائي الأندلسي (المتوفى سنة 638 ه-.) في ما نقله الشيخ عبد الوهاب الشعراني (المتوفى سنة 973 ه-.) والشيخ محمد الصبان (المتوفى سنة 1206ه.) عن الفتوح المكية، الباب 366، ولا يوجد بعض ما نقلاه کنسب الإمام إلى
الحسین علیه السلام في الطبعات المتداولة، كطبعة دار الكتب العربية بمصر، وطبعة دار صادر في بيروت، فإذا صح ما نقلاه فلا بد من أن تكون هاتان الطبعتان محترفتين في تاريخ متأخر.
قال الشيخ ابن عربي: «واعلم أنه لا بد من خروج المهدی علیه السلام ، لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جورا وظلما فيملأها قسطا وعدلا ، ولو لم يكن من الدنيا إلا يوم واحد طول الله تعالى ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله صلی الله علیه و آله، من ولد فاطمة رضي الله عنها، جده الحسين بن علي بن أبي طالب، والده الحسن العسكري بن الإمام علیه السلام النقي بن محمد التقي بن الإمام علی الرضا بن الإمام موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زین العابدين علي بن الإمام الحسين بن الإمام علی بن أبي طالب علیهم السلام ، يواطئ اسمه اسم رسول الله صلی الله علیه و آله، إلى أن يقول: «أسعد الناس به أهل الكوفة، يبيد الظلم وأهله ويقيم الدين، وينفخ الروح في الإسلام، يعز الله الإسلام بعد ذله ويحييه بعد موته، يضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبي قتل، ومن نازعه خذل، يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه حتى لو كان رسول الله حيا لحكم به ، فلا يبقى في زمانه إلا الدين الخالص من الرأي»(1).
2 - الشيخ سعد الدين محمد بن المؤيد أبو الحسين بن محمد بن حمويه المعروف بالشيخ سعد الدين الحموي، من أكابر سادة علماء الصوفية ، كان معاصرا لابن عربي، وابن الفارض، أسلم السلطان غازان محمود خان على يد ولده صدر الدين إبراهيم سنة 654 ه-.
قال المولى عزیز الدين عمر بن محمد بن أحمد النسفي المعروف بصاحب العقائد النسفية المشهورة في رسالته في تحقيق (النبوة والولاية): إنه
1) الشعرانی، الیواقیت والجواهر، الباب 65، ص 145، المطبعة الأزهرية، سنة 1307ه. الصبان، إسعاف الراغبين، ص 154، الطبعة الأخيرة ، شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى العاني الحلي وأولاده بمصر، سنة 1367ه./ 1948م.
حکی عن الشيخ سعد الدين الحموي ما حاصله : إن الولي لم يكن قبل الإسلام، وإن كان في كل دین صاحب شريعة دعاة إلى دينه، لكن الدعاة يسمون أنبياء لا أولياء، فلما بلغت النبوة إلى نبينا صلی الله علیه و آله ، قال : لا نبي بعدي يدعو إلى ديني، والذين يأتون بعدي يسمون بالأولياء، والله تعالى جعل اثني عشر نفسا في دين محمد صلی الله علیه و آله نوابه .
«والعلماء ورثة الأنبياء» قاله علیه السلام في حقهم، وكذا قوله : «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل» قاله في حقهم.
وعند الشيخ (يعني سعد الدين) الولي في أمة محمد صلی الله علیه و آله ليس أزيد من هؤلاء الاثني عشر ، وآخر الأولياء، وهو الثاني عشر، المهدي صاحب الزمان(1).
3- أبو المواهب الشيخ عبد الوهاب بن أحمد بن علي الشعراني (المتوفى سنة 960ه.) وهو من الشهرة والمكانة في تاريخ التصوف حالا وتأليفا بحيث لا يحتاج إلى تعريف.
قال في بيان : «إن جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها رسول الله حق لا بد أن تقع كلها قبل قيام الساعة، وضرب مثلا بخروج الإمام المهدی علیه السلام إلى أن قال: وهو من أولاد الإمام حسن العسكري، ومولده في ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين، وهو باق إلى أن يجتمع بعیسی بن مریم علیه السلام فيكون عمره إلى وقتنا، وهو سنة ثمان وخمسين وتسعمئة ، سبعمئة سنة وست سنین. هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي المدفون فوق كوم الريش المطل على بركة الرطلي بمصر المحروسة عن الإمام المهدی علیه السلام ، حین اجتمع به ووافقه على ذلك شيخنا سيدي علي الخواص»)(2)
الصافي، منتخب الأثر، ص 330، عن كشف الآثار. والأمين، البرهان، ص 78
.4 - الحافظ محمد بن محمد بن محمود البخاري، المعروف بخواجه بارسا من أعيان علماء الحنفية، وأكابر مشايخ النقشبندية (المتوفى سنة 822ه.)، قال في فصل الخطاب : «و أبو محمد الحسن العسكري ولده محمد رضي الله عنهما، معلوم عند خاصة أصحابه وثقات أهله، ثم ذکر حدیث حكيمة وحكاية المعتضد وبعض علائم ظهوره. إلى أن قال :
والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، ومناقب المهدي صاحب الزمان الغائب عن الأعيان، الموجود في كل زمان ، كثيرة، وتظاهرت الأخبار عن ظهوره، وإشراق نوره يجدد الشريعة المحمدية ، ويجاهد في الله حق جهاده، ويطهر من الأدناس أقطار بلاده، زمانه زمان المتقين، وأصحابه خلصوا من الريب وسلموا من العيب وأخذوا بهديه وطريقه، واهتدوا من الحق إلى تحقيقه،به تمت الخلافة والإمامة من لدن مات أبوه إلى يوم القيامة ، وعیسی علیه السلام يصلي خلفه ويصدقه على دعواه»(1).
5 - نور الدين عبد الرحمن بن أحمد بن قوام الدين الجامي الحنفي الشاعر الصوفي المعروف وصاحب شرح الكفاية . فقد ذكر في كتابه «شواهد النبوة» أن الحجة محمد بن الحسن الإمام الثاني عشر هو المهدي المنتظر الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا، وتحدث عن غرائب حالة ولادته وبعض معاجزه، وروى خبر حكيمة بنت الإمام الجواد علیه السلام ، وفيه أنه حين ولد علیه السلام حثا على ركبتيه ورفع سبابته إلى السماء، وعطس فقال : الحمد الله رب العالمين.
وذكر خبر من دخل على أبيه الإمام الحسن علیه السلام وسأله عن الخلف بعده فدخل الدار ثم خرج وقد حمل طفلا كأنه البدر في ليلة تمامه ابن ثلاث سنين فقال : يا فلان، لولا كرامتك على الله لما أريتك هذا الولد، اسمه اسم رسول الله صلی الله علیه و آله، وکنیته کنيته ، هو الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت
1) نقلا عن لطف الله الصافي، منتخب الأثر، ص 332، عن كشف الأسرار .
جورا وظلما، وخبر من دخل وفي البيت ستر مسدل وحين سأل عن الخلف أمر برفع الستر فرأى الإمام المهدی علیه السلام ... إلخ(1).
6 - القاضي شهاب الدین بن شمس الدين الدولة آبادي، الملقب بملك العلماء، ومؤلف تفسير البحر المواج ومناقب السادات بالفارسية (المتوفي سنة 846ه.)، ذكر في كتابه: «هداية السعداء» أسماء الأئمة الاثني عشر ، ونقل حديث اللوح عن جابر عن فاطمة الزهراء، وهو يتضمن النص على إمامتهم، وقال وهو يذكر الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن علیه السلام : «هو غائب وله عمر طويل كما عمر بين المسلمين عيسى وإلياس والخضر، وفي الكافرين الدجال والسامري» (2).
7 - الشيخ العارف عبد الرحمن، من مشايخ الصوفية ، صاحب کتاب «مرآة الأسرار»، وهو الذي ينقل عنه الشاه ولي الله الدهلوي والد الشاه عبد العزيز مؤلف «التحفة الاثني عشرية» وكتاب «الانتباه في سلاسل أولياء الله » .
قال في كتاب «مرآة الأسرار» لدى الحديث عن الإمام المهدی علیه السلام ما ترجمته: «ذكر من هو شمس الدين والدولة من هو هادي جميع الملة والدولة من هو قائم في المقام المطهر الأحمدي الإمام بالحق أبو القاسم محمد بن الحسن المهدي رضي الله عنه ، وهو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البیت علیهم السلام ، أمه كانت أم ولد اسمها نرجس، ولادته ليلة الخامس عشر من شهر شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين(3)في سر من رأى المعروفةبسامراء، وهذا الإمام الثاني عشر موافق في الكنية والاسم لحضرة ملجأ الرسالة صلی الله علیه و آله ، ألقابه الشريفة : المهدي والحجة والقائم والمنتظر وصاحب الزمان وخاتم الاثني عشر».
وكان عمر صاحب الزمان في وقت وفاة والده الإمام الحسن العسكري خمس سنين، وكما أعطى الحق تعالی حضرة يحیی بن زکریا علیه السلام الكرامة والحكمة في حال كونه طفلا وأوصل عيسى إلى المرتبة العالية، وهو ما زال صبية، كذلك جعله الله في صغر السن إماما، وما ظهر له من خوارق العادات ليس قليلا ليسعه هذا المختصر، وأشار إلى ما ذكره الشيخ محيي الدين بن عربي في الفتوحات وملا عبد الرحمن الجامي في شواهد النبوة. وقال :
وحين يظهر المهدی علیه السلام يجعل الولاية المطلقة ظاهرة بلا خفاء، ويرفع اختلاف المذاهب والظلم وسوء الأخلاق؛ حيث إ أوصافه الحميدة في الأحاديث النبوية وردت بأن المهدي في آخر الزمان يظهر ظهورة تامة ويظهر تمام الربع المسكون من الجور والظلم.
قال : إذا كان الدجال القبيح الأفعال قد وجد وبقى حيا مخفيا، وإذا كان حضرة عیسی علیه السلام قد وجد واختفى عن الخلق، فليس عجيبا أن يكون ذلك لابن رسول الله الإمام المهدي بن الحسن العسكري علیه السلام . وأن يكون قد اختفى عن نظر العوام ويظهر جهارا في وقته المعين الموافق للتقدير الإلهي، كما هو قول جماعة من الأكابر وأقوال الأئمة من اهل بیت رسول الله(1).
8- الشيخ تقي الدين ابن أبي منصور قال، في عقيدته ، على ما نقله الشعراني عند الحديث عن علامات القيام: «فهناك يترقب خروج المهدی علیه السلام وهو من أولاد الإمام الحسن العسکری علیه السلام»
9 - المولوي علي أكبر بن أسد الله المؤودي من علماء الصوفية المعروفين في الهند. له كتاب «المكاشفات» الذي جعله كالحاشية على كتاب «نفحات الإنس» للجامي.(2).
وفي حاشيته المتضمنة ترجمة علي بن سهل بن الأزهر ، ناقش قول من رأى أن العصمة خاصة بالأنبياء، مستشهدة بالحديث الذي نقله ابن عربي عن الرسول صلی الله علیه و آله ، أن المهدي يقفو أثري لا يخطئ.
ثم ذكر أن الشعراني نقل، في اليواقيت، المبحث 45، عن أبي الحسن الشاذليرحمه الله ، أنَّ للقطب خمس عشرة علامة منها أن يمد بمدد العصمة والرحمة والخلافة والنيابة ومدد حملة العرش، ويكشف له عن حقيقة الذات وإحاطة الصفات .
قال : «وبهذا صح مذهب من ذهب إلى كون غير النبي صلی الله علیه و آله ؛ معصوما، ومن قيد العصمة في زمرة معدودة ونفاها من غير تلك الزمرة فقد سلك مسلكا آخر، وله أيضا وجه يعلمه من علمه».
وأضاف: «فإن الحكم بكون المهدي الموعود رضي الله عنه موجودا، وهو كان قطبا بعد أبيه الحسن العسكري علیه السلام كما كان هو قطبا بعد أبيه إلى الإمام علیه السلام بن أبي طالب کرمنا الله بوجودهم، يشير إلى صحة تلك المرتبة في وجوداتهم من حين كانت القطبية في وجود جده علي بن أبي طالب علی علیه السلام أن تتم فيه».
قال : «وقد ذكر ذلك عن الشيخ صاحب اليواقيت وعن غيره أيضا رضي الله عنه وعنهم، فلا بد أن يكون لكل إمام من الأئمة الاثني عشر عصمة»..
وعقب بقوله: «خذ هذه الفائدة »(1).
وذكر ابن خلدون: ابن قسي وعبد الحق بن سبعين وابن أبي واطيل وأنهم يرونه خاتم الأولياء (2).
ونقل الحافظ الشيخ سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي النقشبندي (المتوفى سنة 1294ه.)، في الأبواب 84 و 85 و 86 من كتابه «ینابيع
المودة ، عددا من أسماء بعض المحدثين وبعض مشايخ الصوفية وعلماء أسرار الحروف الذين يؤمنون بأن الإمام المهدی علیه السلام هو الثاني عشر من أئمة أهل البیت علیهم السلاما ؛ ومن هؤلاء - عدا من ذكرناهم - الشيخ العطار النيسابوري وشمس الدين التبريزي وجلال الدين الرومي والسيد نعمة الله ولي والسيد النيسمي والشيخ كمال الدين محمد بن طلحة الحلبي الشافعي والشيخ صلاح الدين الصفدي.
والمحدث الفقيه محمد بن يوسف الكنجي الشافعي والشيخ المحدث الفقيه محمد بن إبراهيم الجويني الشافعي(1).
وذكر غيره عدد آخر منهم ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة وسبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص والفضل بن روزبهان وابن الخشاب عبدالله بن أحمد وصدر الدين القونوي وآخرون يمكن التعرف عليهم في المراجع أدناه (2).
البحث الأول
إخفاء ولادته وغيبته الصغرى
البحث الثانی:
اضطلاعه بالامامة طفلاً
البحث الثالث:
نوّابه وبعض توقیعاته
1- إخفاء ولادته
فسح إخفاء أمر ولادة الإمام المهدی علیه السلام إلآ عن الخاصة المجال ليثير بعضهم التشكيك بولادته أصلا ؛ ومن هؤلاء عمه جعفر الكذاب . ويكفي الدحض هذه الشبهة :
أولا : ما ورد من الروايات المتواترة المبشرة به والتي أثبتنا في البحث الثاني من الفصل الأول أمثلة منها .
ثانيا : التنبيه المتقدم من المعصومين عليهم السلام على أن ولادته ستخفی تقية، خشية عليه من عمه جعفر الكذاب من جهة، ومن السلطة الحاكمة من جهة أخرى.
ومنها ما ذكرناه ، في البحث الثاني من الفصل السابق، من رواية عن الإمام الحسن السبط علیه السلام قال فيها: «إن الله يخفي ولادته ويغيب شخصه» .
وما ورد عن الإمام الحسین علیه السلام في الحديث عن المهدی علیه السلام فقد قال : «هو صاحب الغيبة وهو الذي يقسم میراثه وهو حي.»
وما ورد عن الإمام علی بن الحسين لي فقد قال : «كأني بجعفر الكذاب قد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله والمغيب في حفظ الله ، والموكل بحرم أبيه جهلا منه بولادته».
وکالرواية الثالثة عن الإمام محمد الباقر علیه السلام ، وقد ذكر أن في المهدی علیه السلام بعضا من سنن الأنبياء السابقين إلى أن قال : «وأما سته من موسی فدوام خوفه، وخفاء ولادته».
والرواية الثالثة عن الإمام جعفر الصادق علیه السلام قال : «وهو الذي يشك الناس في ولادته ؛ منهم من يقول : هو حمل، ومنهم يقول: ما ولد». .
وقال علیه السلام في الرواية السادسة: «وقدر مولده تقدیر مولد موسی علیه السلام : وأوضح الإمام علیه السلام معنى ذلك بما يتصل بسر إخفاء ولادته ، فقال علي : «فإن فرعون لما وقف على أن زوال ملكه على يده، أمر بإحضار الكهنة فدلوه على نسبه وأنه يكون من بني إسرائيل، حتى قتل في طلبه نیفا وعشرين ألف مولود، وتعذر عليه الوصول إلى قتل موسی علیه السلام بحفظ الله تبارك وتعالى إياه .
كذلك بنو أمية ، وبنو العباس لما وقفوا على أن زوال ملك الأمراء والجبابرة على يد القائم منا ناصبونا العداوة ووضعوا سيوفهم في قتل آل الرسول صلی الله علیه و آله . ويأبى الله عز وجل أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلا أن يتم نوره».
وفي الرواية الثالثة عن الإمام الرضا علیه السلام ، قال في إجابة لمن قال له : إنا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر...: «ما منا أحد اختلفت إليهالكتب وسئل عن المسائل، وأشارت إليه الأصابع إلا اغتيل أو مات على فراشه حتى يبعث الله عز وجل لهذا الأمر رجلا خفي المولد والمنشأ».
وورد عن الإمام محمد الجواد، وهو يجيب عن سؤال حول القائم علیه السلام قائلا : «هو الذي تخفي عن الناس ولادته ويغيب عنهم شخصه» .
وهناك روايات أخرى كثيرة بهذا المعنى...
ثالثا: إن إخفاء ولادة الإمام علیه السلام كان نسبيا، فقد أراه أبوه الإمام الحسن علیه السلام لعدد كبير من شیعته، كما مر في الروايات الواردة عنه من الثالثة حتى الثامنة وكثير غيرها(1).
1) راجع: الغيبة للطوسي، ص 137 وما بعدها. الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، ص 410 وما بعدها. الكليني، أصول الكافي، م1، ص 328 - 332.
وعرفه ونص على إمامته أمامهم وأنه صاحب الزمان ، كما في الرواية الثالثة عنه وروايات أخرى، ومنها ما كان عند وفاته، كما عن إسماعیل بن علي النوبختي، وننقلها كما هي من دون تصرف ، قال : دخلت على أبي محمد الحسن بن علي علیه السلام في المرضة التي مات فيها . وأنا عنده . إذ قال لخادمه عقيد ، وكان الخادم أسود نوبية قد خدم من قبله علي بن محمد (الهادي) علیه السلام وهو ربی الحسن، فقال : يا عقيد، إغل لي ماء بمصطكي، فأغلى له، ثم جاءت به صقيل الجارية أم الخلف علیهاالسلام (1)، فلما صار القدح في يده وهم بشربها أخذت يده ترتعد حتى ضرب القدح ثنايا الحسن علیه السلام فترکه من يده وقال العقيد: ادخل البيت فإنك ترى صبيا ساجدا فائتني به . قال أبو سهل : قال عقيد: فدخلت أتحرى، فإذا أنا بصبي ساجد رافع سبابته نحو السماء ، فسلمت عليه فأوجز في صلاته ، فقلت : إن سيدي يأمرك بالخروج إليه ، وجاءت أمه فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن علیه السلام ، قال أبو سهل : فلما مثل الصبي بين يديه سلم، وإذا هو دري اللون، وفي شعر رأسه قطط ، مفلج الأسنان ، فلما رآه الحسن علیه السلام بكى وقال : يا سيد أهل بيته اسقني الماء فإني ذاهب إلى ربي، وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكي بيده ثم حرك شفتيه ثم سقاه ، فلما شربه قال : هيئوني للصلاة، فطرح في حجره منديل فوضأه الصبي واحدة واحدة ومسح على رأسه وقدميه ، فقال له أبو محمد علیه السلام : ابشر يا بني، فأنت صاحب الزمان ، وأنت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه ، وأنت ولدي ووصيي، وأنا ولدتك، وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسی بن جعفر ابن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب علیهم السلام ، ولدك رسول الله ، وأنت خاتم الأئمة الطاهرين، وبشر بك رسول الله وسماك وكناك ، بذلك عهد إلي أبي عن آبائك الطاهرين صلى الله ربنا على أهل البيت إنه حمید مجید .
قال : ومات الحسن بن علي من وقته صلوات الله عليهم أجمعين» (2).
رابعا: أرى الإمام المهدی علیه السلام نفسه لعدد من شيعته في حياة أبيه ، وأعلن لهم أنه حجة الله وبقيته في أرضه .
و من الروايات التي تفيد ذلك ما رواه الطوسي بسنده عن طريق أبي نصر خادم الإمام الحسن العسکری علیه السلام قال : دخلت عليه - يعني صاحب الزمان علیه السلام - فقال : علي بالصندل الأحمر ، قال : فأتيته به ، فقال علیه السلام : هل تعرفني؟ قلت : نعم.
فقال علیه السلام : من أنا؟
فقلت : أنت سيدي ، وابن سيدي .
فقال علیه السلام : ليس عن هذا سألتك .
فقلت : جعلني الله فداك ، فسر لي.
فقال علیه السلام : «أنا خاتم الأوصياء، وبي يدفع الله البلاء عن أهلي وشيعتي»(1)
وفي بقية الرواية الثالثة مما أوردناه عن الإمام الحسن العسکری علیه السلام ، ذکر أحمد بن إسحاق الأشعري أنه حين جاء الإمام الحسن علیه السلام وعلى عاتقه ابنه، وهو ابن ثلاث سنين فقال : يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه مي رسول الله صلی الله علیه و آله، ثم حدثه عن غيبته .
قال أحمد: فقلت : يا مولاي، فهل من علامة يطمئن إليها قلبي؟ فنطق الغلام بلسان عربي فصيح، فقال :
«أنا بقية الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه ، ولا تطلب أثرا بعد عین یا أحمد بن إسحاق » (2).
وعن نسیم خادم أبي محمد (الحسن) علیه السلام قالت : «دخلت على صاحب الزمان بعد مولده بعشر ليال فعطست عنده فقال علیه السلام : يرحمك الله . ففرحت بذلك» (الرواية)(1).
وروى الطوسي عن السياري قال : حدثتني نسيم ومارية قالتا: «لما خرج صاحب الزمان من بطن أمه سقط جاثيا على ركبتيه رافعا سبابته نحو السماء ثم عطس فقال : الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله ،عبدة داخرة الله غير مستنكف ولا مستكبر . ثم قال : زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة ولو أذن لنا في الكلام لزال الشك»(2).
وروی بسنده عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري قال : «وجه قوم من المفوضة والمقصرة کامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد الحسن علیه السلام ، قال كامل: فقلت في نفسي أسأله : لا يدخل الجنة إلا من عرف معرفتي وقال بمقالتي
قال : فلما دخلت على سيدي أبي محمد علیه السلام ، وذكر حديثا إلى أن قال : فسلمت وجلست على باب عليه ستر مرخي، فجاءت الريح فكشفت طرفه ، فإذا أنا بفتئ كأنه فلقة قمر من أبناء أربع سنين ، أو مثلها . فقال علیه السلام: يا کامل بن إبراهيم .
فاقشعررت من ذلك وألهمت أن قلت: لبيك يا سيدي .
فقال علیه السلام : جئت إلى ولي الله وحجته وبابه تسأله هل يدخل الجنة إلا من عرف معرفتك وقال بمقالتك ؟
1) الطوسی، الغيبة ، ص 139.
2) المصدر نفسه، ص 145، وروت نطقه بعد ولادته العلوية الولية الجليلة حكيمة بنت الإمام الجواد علیه السلام قالت: « قال له أبوه علیه السلام حين أخذته إليه : أنطق بقدرة الله . فاستعاذ من الشيطان الرجيم، واستفتح با «بسم الله الرحمن الرحيم : «وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ*وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ» [القصص: 5 وة ]، وصلى على رسول الله وعلى الأثمة حتى انتهى إلى أبيه علیه السلام » (الغيبة ص 142).
فقلت : إي والله .
قال علیه السلام : إذن والله يقل داخلها، والله إنه ليدخلها قوم يقال لهم الحقية . قلت : يا سيدي ، ومن هم؟
قال : قوم من حبهم لعلي علیه السلام يحلفون بحقه، ولا يدرون ما حقه وفضله، ثم سكت صلوات الله عليه عني ساعة ثم قال علیه السلام : وجئت تسأله عن مقالة المفوضة؟ كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيئته فإذا شاء شئنا والله يقول :
«وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ» [الإنسان : 30].
ثم رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه. فنظر إلي أبو محمد علیه السلام مبتسما. فقال : يا کامل، ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك الحجة من بعدي؟ فقمت ، وخرجت ولم أعاینه بعد ذلك (1).
وأظهر الإمام المهدی علیه السلام البرهان على إمامته بين يدي أبيه وبأمره بحضور سعد بن عبدالله القمي وأحمد بن إسحاق، من خلال الإخبارات الغيبية المفصلة والإجابات العلمية المحكمة(2).
وإذا كان في ما ذكرناه من الأدلة وما سيأتي مضافا إليها ما يكفي الدحض ما أثير من تشكيك بعضهم بولادته ووجوده، فإن أمرا آخر يبقى مثارة للتشكيك لدى الكثيرين، وهو أن الإمام المهدی علیه السلام استمر طوال مدة إمامته غائبا بصورة عامة عن شيعته إلا عن الخاصة منهم، وهو ما سنتحدث عنهوعن أسبابه في هذه الفقرة .
2 - الغيبة الصغرى
والغيبة الصغرى تتصل بإخفاء ولادة الإمام علیه السلام من حيث أسبابها المرتبطة بظروف التقية، فهي امتداد لا أكثر، والفصل بينهما في العنوان ليس
إلا لمناقشة التشكيك بولادته، ولأنها مرحلة ما قبل إمامته الفعلية زمنيا، أي في حياة أبيه علیه السلام ، فالحديث له بعض الخصوصية من حيث صلته بهما معا.
ولذلك، فقراءة ما ذكر من أسباب إخفاء ولادته هو نفسه التفسير الأسباب غيبته الصغرى. وورد في البحث الثاني من الفصل الأول ما يشير إليها، وبخاصة في الروايات الواردة عن آبائه علیه السلام وقد نظروا لها بما حدث البعض الأنبياء علیهم السلام .
جاء في الحديث الثالث عن الإمام محمد الباقر علیه السلام ص 88 ، المروي عن محمد بن مسلم : إن في القائم من أهل بيت محمد صلی الله علیه و آله سنة من خمسة رسل. وذكر منهم يوسف بن يعقوب. فقال علیه السلام : وأمانة من يوسف بن يعقوب فالغيبة من خاصته وعامته، واختفاؤه من أخوته، وإشكال أمره على أبيه يعقوب النبي مع قرب المسافة بينه وبين أبيه ، وأهله وشیعته .
وجاء في الحديث الرابع عن سدير عن الإمام جعفر الصادق علیه السلام قال: «في القائم شبه من يوسف . قلت : كأنك تذكر حيرة أو غيبة، فقال الإمام علیه السلام : ما تنكر من ذلك هذه الأمة ...».
إن أخوة يوسف كانوا أسباطة أولاد أنبياء تاجروا بيوسف وباعوه، وهم أخوته وهو أخوهم فلم يعرفوه حتى قال لهم : أنا يوسف.
فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله عز وجل، في وقت من الأوقات، يريد أن يستر حجته» (الحدیث)(1).
وهناك روايات أخرى كثيرة في هذا الموضوع نذكر منها بعض ما نص فيها على أن له غيبتين قصيرة وطويلة .
روى النعماني بسنده عن إسحاق بن عمار، قال : قال أبو عبدالله (الصادق) علیه السلام : للقائم غیبتان إحداهما قصيرة والأخرى طويلة. الأولى لا
1) المجلسي، البحار، م 51، ص 142.
يعلم بمكانه إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه إلا خاصة مواليه في دينه(1)
وبسنده عن المفضل بن عمر قال : سمعت أبا عبدالله (الصادق) علیه السلام يقول : إن لصاحب هذا الأمر غيبتين في إحداهما يرجع إلى أهله والأخرى يقال : هلك في أي واد سلك . قلت : فكيف نصنع إذا كان ذلك ؟ قال : إن ادعي مع فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله. (2)
وبسنده عن المفضل بن عمر الجعفي عن أبي عبدالله (الصادق) علیه السلام قال : «إن لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما تطول حتى يقول بعضهم : مات ، وبعضهم يقول : قتل، وبعضهم يقول : ذهب ، فلا يبقى على أمره إلا نفر يسير ، ولا يطلع على موضعه أحد من ولي ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره» (3).
وروی بسنده عن عبيد بن زرارة قال علیه السلام : «يفتقد الناس إمامة يشهد المواسم يراهم ولا يرونه »(4)
وبسنده عن زرارة قال : سمعت أبا عبدالله (الصادق) علیه السلام يقول : إن للقائم غیبتين يرجع في إحداهما والأخرى لا يدري أين هو، يشهد المواسم يرى الناس ولا يرونه».(5)
وبسنده عن المفضل بن عمر قال : سمعته يقول - يعني أبا عبدالله علیه السلام : قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر علیه السلام : إذا قام القائم قال: «ففررت منكم لما خفتکم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين»(6).
وبهذه الروايات نرى أن السر وراء هذه الغيبة هو التقية، وأنها غيبة نسبية لا مطلقة، وقد أحصوا ممن رآه في هذه الغيبة ثلاثمائة و أربعة أشخاص من شیعته.(1)وسنقدم في ما يأتي بعض الأمثلة ممن رآه ورأي دلائل إمامته في الغيبة الصغرى، وسنذكر هذه الأمثلة ممن رآه من غير النواب الأربعة الذين سنتحدث عنهم في البحث التالي، وسنسوق مما أوردوه هنا أربع روايات بأسلوب أصحابها من دون تصرف لبيان ما ذكرناه من كون هذه الغيبة نسبية وأن الاتصال به لم يقتصر على النواب الأربعة رضوان الله عليهم، وإنما حصل لعدد كبير أشرنا إليه آنفا، وأن من هؤلاء من شهد البرهان على إمامته :
1- روى الصدوق بسنده عن أبي الأديان قال : كنت أخدم الحسن بن علي علیه السلام أحمل كتبه إلى الأمصار، فدخلت عليه في علته التي توفي فيها صلوات الله عليه، فكتب معي كتبة وقال : امض بها إلى المدائن فإنك ستغيب أربعة عشر يوما، وتدخل إلى سر من رأى يوم الخامس عشر، وتسمع الواعية في داري و تجدني على المغسل فقلت : يا سيدي، فإذا كان ذلك فمن؟
قال علیه السلام : من طالبك بجوابات کتبي فهو القائم من بعدي .
فقلت : زدني .
فقال علیه السلام : من يصلي علي فهو القائم من بعدي .
فقلت : زدني.
فقال علي : من أخبر بما في الهميان فهو القائم من بعدي .
قال : ثم منعتني هيبته أن أسأله عما في الهميان . وخرجت بالكتب إلى المدائن، وأخذت جواباتها، ودخلت سر من رأى يوم الخامس عشر كما قال
1) لطف الله الصافي، منتخب الأثر، ص 378 ,379، عن بحار الأنوار للمجلسی.
لي علیه السلام ، وإذا أنا بالواعية في داره، وإذا به على المغسل، وإذا أنا بجعفر الكذاب بن علي علي أخيه بباب الدار ، والشيعة من حوله يعزونه ويهنئونه ...
فقلت في نفسي: إن يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة لأني كنت أعرفه بشرب النبيذ، وكان يقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور (1)، فتقدمت، فعزیت ، وهنیت ، فلم يسألني عن شيء، ثم خرج عقيد فقال : يا سيدي، قد كفن أخوك ، فقم فصل عليه ، فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان والحسن بن علي المعروف بسلمة، فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي صلوات الله عليه على نعشه ممكن، فتقدم جعفر بن علي ليصلي على أخيه، فلما هم بالتكبير خرج صبي - صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين - بوجهه سمرة، بشعره قطط ، بأسنانه تفليج، فجذب برداء جعفر بن علي وقال :
تأخر يا عم، فأنا أحق بالصلاة على أبي ...
فتأخر جعفر وقد أربد وجهه واصفر. وتقدم الصبي فصلى عليه ودفن إلى جنب أبيه (الهادي) علیه السلام .
ثم قال (يعني الإمام المهدی علیه السلام ) : یا بصري، هات جوابات الكتب التي معك ، فدفعتها إليه ، فقلت في نفسي: بقي الهميان (يعني العلامة الثالثة) ثم خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر .. قال له حاجز الوشا ليقيم عليه الحجة : يا سيدي من الصبي؟
فقال : والله ما رأيته قط، ولا أعرفه ...
فنحن جلوس؛ إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي علیه السلام فتعرفوا موته.. فقالوا : فمن نعزي؟ فأشاروا إلى جعفر بن علي، فسلموا عليه
1) يستغرب بعضهم أن يكون ابن إمام ثم يرتكب مثل هذه المعاصي، ولهؤلاء نذكر أن العصمة خاصة بأهل العصمة من الأنبياء والأئمة علیهم السلام وطبيعة الاختيار لدى الإنسان لا تستثني من إمكان الوقوع في المعصية سواهم. قال تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ» [الحديد: 26]. ومثلها الآية 21 من آل عمران و 113 من الصافات . وسبق أن ذكرنا مثل ابن نوح وأخوة يوسف.
وعزوه وهنوه. وقالوا: معنا كتب ومال. فتقول: ممن الكتب؟ وكم المال؟(وذلك اختبارة الإمامته) فقام ينفض أثوابه .. ويقول : تريدون منا أن نعلم الغيب ؟!
قال : فخرج الخادم (یعني خادم الإمام المهدی علیه السلام ) فقال : معكم
کتب فلان وفلان وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطلية .
فدفعوا إليه الكتب والمال.. وقالوا: الذي وجه بك لأجل ذلك هو الإمام).
2- وروى الصدوق بسنده عن أبي الحسن علی بن سنان الموصلي قال : حدثنا أبي لما قبض سيدنا أبو محمد الحسن بن علي العسکری علیه السلام ، وقدم من قم والجبال وفود بالأموال التي كانت تحمل على الرسم والعادة ، فلما وصلوا إلى سر من رأى سألوا عن سيدنا الحسن علیه السلام فقيل لهم : إنه قد فقد. قالوا: ومن وارثه؟ قالوا: أخوه جعفر بن علي، فسألوا عنه ، فقيل لهم : إنه قد خرج متنزها وركب زورقا في دجلة يشرب ومعه المغنون. قال : فتشاور القوم. وقالوا: هذه ليست من صفة الإمام (1).
وقال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتى نرد هذه الأموال على أصحابها.
فقال أبو العباس محمد بن جعفر الحميري : قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل ونختبر أمره..
فلما انصرف (جعفر) دخلوا إليه فسلموا عليه .
فقال : أين هي؟ قالوا: معنا. قال : احملوها إلي، فذكروا له أن هذه الأموال تجمع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران ثم يجعلونها في کیس ویختمون عليه ، وكنا إذا وردنا بالمال على سيدنا أبي محمد الحسن بن على علیه السلام يقول: جملة المال كذا وكذا دینار، من عند فلان كذا ومن عند فلان كذا حتى يأتي على أسماء الناس كلهم، ويقول ما على نقش الخواتيم ،
1) الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، ص 443 و 444 .
فقال جعفر : كذبتم، تقولون على أخي ما لا يفعله ! هذا علم الغيب ، ولا يعلمه إلا الله .
فلما سمع القوم كلام جعفر، جعل بعضهم ينظر إلى بعض، فقال لهم : احملوا هذا المال إلي، فقالوا: إنا قوم مستأجرون وكلاء وإنا لا نسلم المال إلا بالمعلومات التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن بن علي علیه السلام ، فإن کنت الإمام فبرهن لنا وإلا رددنا الأموال إلى أصحابها يرون فيها رأيهم.
وتذكر الرواية أن جعفرا شکاهم إلى الخليفة، ولما أمرهم بتسليم المال إليه ذكروا له عذرهم السابق فقبله منهم.
وقال : القوم رُسُلٌ، وما على الرسول إلا البلاغ المبين.
ولما خرجوا من البلد خرج إليهم غلام من أحسن الناس وجها كأنه خادم، فصاح: يا فلان، یا فلان بن فلان، أجيبوا مولاكم.
فقالوا : أنت مولانا . قال : معاذ الله ، أنا عبد مولاكم فسيروا إليه .
قال : فسرنا إليه حتى دخلنا دار مولانا الحسن علیه السلام ، فإذا ولده سیدنا القائم علیه السلام قاعد على سرير كأنه فلقة قمر، عليه ثياب خضر، فسلمنا عليه ، فرد علينا السلام. ثم قال :
جملة المال كذا وكذا دینارا، حمل فلان كذا وحمل فلان كذا، ولم يزل يصف حتى وصف الجميع، ثم وصف ثيابنا ورحالنا وما كان معنا من الدواب. فخررنا سجدا لله عز وجل شكرا لما عرفنا وقبلنا الأرض بين يديه وسألناه عما أردنا فأجاب، فحملنا إليه الأموال.
وأمرنا القائم علیه السلام أن لا نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئا من المال، وأنه ينصب لنا ببغداد رجلا حمل إليه الأموال وتخرج من عنده التوقيعات. قالوا: فانصرفنا من عنده .
ودفع إلى أبي العباس محمد بن جعفر الحميري شيئا من الحنوط والكفن فقال له: أعظم الله أجرك في نفسك .
قال : فما بلغ أبو العباس عقبة همدان حتى توفي رحمه الله .
وذكرت الرواية أن الأموال كانت تحمل بعد ذلك إلى النواب المنصوبين من قبله علیه السلام (1)
3- روى الصدوق بسنده عن محمد بن صالح بن علي بن محمد بن قنبر الكبير مولی الرضا علیه السلام قال : خرج صاحب الزمان غاز على جعفر الكذاب من موضع لم يعلم به عندما نازع في الميراث بعد مضي أبي محمد علیه السلام ، فقال له: يا جعفر، مالك تعرض في حقوقي؟ فتحیر جعفر فبهت ، ثم غاب عنه فطلبه جعفر بعد ذلك في الناس فلم يره.. فلما ماتت أم الحسن علیه السلام الجدة أمرت أن تدفن في الدار فنازعهم، وقال : هي داري لا تدفن فيها. فخرج علیه السلام فقال : يا جعفر أدارك هي؟ ثم غاب عنه فلم يره بعد ذلك (2).
4 - روی الطوسي بسنده عن محمد بن يونس الصنعاني قال : دخلت على علي بن إبراهيم بن مهزیار فسألته عن آل أبي محمد علیه السلام فقال : يا أخي، لقد سألت عن أمر عظيم، حججت عشرين حجة كلا أطلب به عیان الإمام علیه السلام فلم أجد إلى ذلك سبيلا ، فبينما أنا ليلة نائم في مرقدي إذ رأيت قائلا يقول : يا علي بن إبراهيم، قد أذن الله لي في الحج.
فلم أعقل (3)ليلتي حتى أصبحت، فأنا مفكر في أمري أرقب الموسم ليلي ونهاري ، فلما كان وقت الموسم أصلحت أمري، وخرجت متوجهة نحو المدينة ، فما زلت كذلك حتى دخلت يثرب فسألت عن آل أبي محمد علیه السلام فلم أجد له أثرة، ولا سمعت له خبرة فأقمت مفكرة في أمري حتى خرجت من المدينة أريد مكة فدخلت الجحفة، وأقمت بها يوما، وخرجت منها متوجها
نحو الغدير وهو على أربعة أميال من الجحفة، فلما أن دخلت المسجد صليت، وعفرت، واجتهدت في الدعاء ، وابتهلت إلى الله لهم، وخرجت أريد عسفان، فما زلت كذلك حتى دخلت مكة فأقمت بها أياما أطوف البيت ، واعتكفت، فبينما أنا ليلة في الطواف ؛ إذ أنا بفتی حسن الوجه، طيب الرائحة، يتبختر في مشيته طائفا حول البيت ، فأحس قلبي به فقمت فحككته ، فقال علیه السلام: من أين الرجل؟ فقلت : من أهل العراق من الأهواز . فقال علیه السلام : تعرف بها الخصيب؟(1). فقلت : رحمه الله ، دعي فأجاب .
فقال : رحمه الله فما كان أطول ليلته، وأكثر تبتله ، وأغزر دمعته ! أفتعرف علي بن إبراهيم بن المازیار؟ فقلت : أنا علي بن إبراهيم . فقال : حياك الله أبا الحسن. ما فعلت بالعلامة التي بينك وبين أبي محمد الحسن بن علي علیه السلام ؟
فقلت : معي. قال: أخرجها. فأدخلت يدي في جيبي فاستخرجتها، فلما أن رآها لم يتمالك أن تغرغرت عيناه بالدموع، وبکی منتحبا حتى بل أطماره ، ثم قال : إذن لك الآن يابن مازیار صر إلى رحلك ، وكن على أهبة من أمرك حتى إذا لبس الليل جلبابه ، وغمر الناس ظلامه سر إلى شعب بني عامر فإنك ستلقاني هناك، فسرت إلى منزلي فلما أن أحسست بالوقت أصلحت راحلتي، وقدمت راحلتي وعكمته شديدا وحملت وصرت في متنه، وأقبلت مجدا في السير حتى وردت الشعب، فإذا أنا بالفتی قائم ينادي : يا أبا الحسن إلي، فما زلت نحوه فلما قربت بدأني بالسلام، وقال علیه السلام: سر بنا يا أخ، فما زال يحدثني وأحدثه حتى تخرقنا جبال عرفات، وسرنا إلى جبال منی، وانفجر الفجر الأول ونحن قد توسطنا جبال الطائف. فلما أن كان هناك أمرني بالنزول، وقال علیه السلام: أنزل فصل صلاة الليل. فصليت، وأمرني بالوتر فأوترت، وكانت فائدة منه . ثم أمرني بالسجود والتعقيب ثم فرغ من صلاته ، وركب، وأمرني بالكوب، وسار وسرت معه حتى علا ذروة الطائف فقال :
1) في بعض المصادر : الخطيب.
هل ترى شيئا؟ فقلت : نعم أرى كثيب رمل عليه بيت شعر يتوقد البيت نورا. فلما أن رأيته طابت نفسي، فقال علیه السلام: هناك الأمل والرجاء. ثم قال : سر بنا يا أخ.
فسار وسرت بمسيره إلى أن انحدر من الذروة، وسار في أسفله . فقال : انزل منها هنا يذل كل صعب ويخضع كل جبار .. ثم قال : خل عن زمام الناقة.
قلت : فعلى من أخلفها؟
فقال : حرم القائم علیه السلام لا يدخله إلا مؤمن ولا يخرج منه إلا مؤمن .
فخليت عن زمام راحلتي وسار وسرت ثم قال علیه السلام: أدخل هناك السلامة . فدخلت، فإذا أنا به جالس قد اتشح ببردة، واتزر بأخرى، وقد كسر بردته على عاتقه. ومضى يصفه إلى أن قال : سمح، سخي، تقي، نقي، ليس بالطويل الشامخ، ولا بالقصير اللاصق، بل مربوع القامة، صلت الجبين، أزج الحاجبين، أقنى الأنف، سهل الخدين ؛ على خده الأيمن خال كأنه فتات مسك على رضراضة عنبر . (1)
فلما رأيته بدرته بالسلام، فرد علي بأحسن مما سلمت عليه، وشافهني وسألني عن أهل العراق. فقلت : سيدي قد ألبسوا جلباب الذلة وهم بین القوم أذلاء.
فقال علیه السلام: يابن المازیار، لتملكونهم كما ملكوكم وهم يومئذ أذلاء.
فقلت : سيدي لقد بعد الوطن، وطال المطلب.
فقال : يابن المازیار، أبي أبو محمد عهد إلي أن لا أجاور قوما غضب الله عليهم ولعنهم ولهم الخزي في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب أليم، وأمرني
1) رواها الصدوق، ص 435 - 438 من كتابه «کمال الدین وتمام النعمة» بأطول مما هي في رواية الطوسي هنا، ومما جاء في وصفه: «فرأيت وجهه كفلقة قمر، لا بالخرق ولا بالنزق، لا بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللاصق، ممدود القامة ، صلت الجبين، أزج الحاجبين، أدعج العينين، أقنى الأنف، سهل الخدين ؛ على خده الأيمن خال ، فلما أن بصرت به حار عقلي في نعته وصفته ... إلخ».
أن لا أسكن من الجبال إلا وعرها، ومن البلاد إلا عفرها، والله مولاكم أظهر التقية فوكلها بي. فأنا في التقية إلى يوم يؤذن لي فأخرج.
فقلت : يا سيدي متى يكون هذا الأمر؟ فقال : إذا حيل بينكم وبين سبيل الكعبة ، وذكر له علیه السلام علامات خروجه بعد الغيبة الكبری.
قال : فأقمت عنده أياما، وأذن لي بالخروج بعد أن استقصيت لنفسي، وخرجت نحو منزلي، والله لقد سرت من مكة إلى الكوفة ومعي غلام يخدمني فلم أر إلا خيرا وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما).(1)
1) الطوسي، الغيبة ، ص 159 - 161.
يمكن تفسير إشكالية اضطلاع الإمام المهدی علیه السلام بالإمامة طفلا بما يأتي:
أولا : وهذه المعلومات إنما نسوقها لذوي العقلية العلمية التي تطلب . حتى في مسألة تتصل بالمشيئة الإلهية كالنبوة والإمامة - شواهد من الواقع على حصول ما يمكن أن يكون مثالا يقاس عليه خارج تاريخ النبوة والإمامة وإن لم يكن مطابقة تماما .
فإن وقوع ما يجاوز المستويات المعروفة في الذكاء والقدرة على الاستيعاب بالصورة التي يرى الأمر فيها خارقا بالمقاییس العلمية في عدد من الأطفال يصبح إشارة إلى تلك المواهب الإعجازية الأسمى التي لا يشارك الرسل والأئمة فيها أحد بحكم وظيفتهم كلسان معبر عن الله تعالی.
وقد ثبت بالفعل بالتسجيل والاختبار العلمي وجود أمثال هذه المواهب لدى بعض الأطفال في بلدان مختلفة من العالم بما فيها قطرنا العراقي في جوانب معينة، وهو يعني إمكان وجودها بمستوى أشمل مع صلة بالله وتكليف منه سبحانه لدى الأنبياء والأئمة علیهم السلام ، بل وقوعها بحكم الشواهد التاريخية والآثار الفكرية والعلمية والتشريعيةالمسجلة عنهم.
وقد ذكروا من تلك الأمثلة التي ساقوها للنبوغ المبكر والخارق في الأطفال حالات منها:
1- کرستیان هينيكين:
من مدينة ليوبيك، ذكروا أنه ولد سنة 1921م، وأنه تكلم بعد بضع ساعات من ولادته ، وأمكنه أن يردد عبارات من الإنجيل بعد بلوغه اثني عشر
شهرا. وحين بلغ الثانية من عمره كانت لديه معلومات عظيمة وبارعة في الجغرافيا، فتكلم اللاتينية والفرنسية في الثالثة من عمره، ودرس البحوث الفلسفية العميقة في الرابعة .
2 - أنريكوس ايتيكيم:
الذي ولد في إحدى قرى ألمانيا، وبدأ يتكلم بكل فصاحة في الشهر العاشر من عمره وبعد شهرين تعلم أسفار موسى الخمسة، وفي الشهر الرابع تعلم العهدين القديم والحديث.
وفي العام الثاني من عمره أتقن تاريخ الأقدمين، وقيل إنه يعادل شیشرون في فصاحته باللاتينية، وأظهر غلطا في مؤلفات أكبر أدباء فرنسا.
3- ابن الدكتور كلنش:
كان يجيب، وعمره في الثانية عشرة، بدقة لا تخطئ على أسئلة متعمقة في القانون والتاريخ والجغرافيا والرياضيات وعلم الفلك . وعندما انتهى العلماء من اختباره كان التعب والإعياء قد أصابهم أكثر مما أصاب الغلام الصغير .
4 - ولیم جیمس سبدبز:
من الولايات المتحدة ، أمكنه أن يقرأ ويكتب وهو في الثانية من عمره، وحين بلغ الثامنة تكلم الفرنسية والروسية والإنجليزية والألمانية وبعض اللاتينية واليونانية .
5 - جون ستيوارت مل:
تعلم اليونانية وهو في الثالثة من عمره، وكتب موضوعا في تاريخ روما وهو في السادسة والنصف، وقام بتدريس اللاتينية وهو في الثامنة، ووضع مؤلفا عن تاريخ الحكومة الرومانية وهو في الحادية عشرة.
6- جان فيليب باراتییر:
أتقن اليونانية وهو في السادسة من عمره، فترجم التوراة الربانية الكبيرة في أربعة مجلدات ضخمة، وأضاف إليها مجلدا آخر من الحواشي والمباحث، وعندما بلغ السابعة كان عضوا في سنودس أكليركي في برلين . وفي الرابعة عشرة من عمره حصل على الدكتوراه في الفلسفة، ولقد كان يجيد التحدث باللغات الألمانية والفرنسية واللاتينية وهو في الرابعة من عمره .
7- توماس يونج:
تعلم القراءة وهو في الثانية من عمره، وكان يعرف ، وهو في الثامنة ، ست لغات.
8- الفتاة الهندية شاكونتا لاديفي:
من بنجالور الهند التي لم تدخل المدرسة ، ظهرت لديها موهبة في الرياضيات وهي في الخامسة من عمرها، ثم تطورت في السابعة فأذهلت أساتذة الرياضيات في حل المسائل الحسابية المعقدة، وبأسرع من الحاسوب، وقد زارت القاهرة سنة 1961م في طريقها من دول أوروبا وأمريكا فأدهشت في كلية العلوم كل أساتذة الرياضيات، وعقد لها في نادي التجارة مجلس اختبار اشترك فيه (100) محاسب وعشرات الآلات الحاسبة فتغلبت عليهم جميعا بحل أعقد المسائل في ثوان(1).
9 - الدكتور جوزيف رودسن:
وذكرت الدكتورة شفيقة قرة كله ، الاختصاصية في الأمراض العقلية ، وقد أمضت ثماني سنوات في دراسة ظواهر الإدراك ما فوق الحسي في مستشفيات أمريكا وباختبارات علمية دقيقة : إن الدكتور جوزيف رودس
1) عبد العزيز جودو، العودة إلى التجسد، ص 100 - 106
بوخانن، وهو طبيب أمريكي ومؤلف، سجل أنواعا مهمة من الإدراك فوق الحسي ... قالت : وكان بو خانن طفلا معجزة، ففي السادسة من عمره كان ضليعة جدا في علم الهندسة وعلم الفلك ، وفي سن الثانية عشرة دخل مدرسة القانون ثم مدرسة الطب (1).
10 - الفتاة فيكي من ولاية فرجينيا:
وذكرت أن مما سجل في تأريخ فتاة اسمها فيكي من ولاية فرجينيا بأمريكا، وهي من أصول إنكليزية واسكتلندية وفرنسية، أنها أظهرت قابلية على الإدراك فوق الحسي منذ طفولتها... فعندما كانت في السابعة من عمرها أسرعت إلى والدتها لتخبرها أن ولدة صغيرة صديقا لها في اللعب قد دهس في القطار على بعد أكثر من مئة ميل، ووصفت الحادث ... ولما لم يكن ذلك معقولا في نظر أهلها فقد عنفوها بشدة ... لكنهم تبينوا بعد أيام أن الولد وأهله كانوا في زيارة لمدينة على هذه المسافة بالفعل، وأن الحادث قد وقع بصورة تتطابق وما ذكرته الطفلة تماما .
وذات يوم، وكانت في السنة الحادية عشرة من عمرها صححت الأستاذتها في التاريخ قضية تاريخية حول ماري الدموية ملكة أسكتلندة ، وانزعجت الأستاذة ، وأرادت أن تعرف مصدر معرفتها فلم تستطع فيكي أن تشرح ذلك .. لكن الأمر كان - كما تبين بعد ذلك من خلال المصادر التاريخية - صحيحا و موافقا للواقع، وأن الأستاذة كانت على خطأ.
وصححت تقريرا قدمه أحد زملائها في الثانوية عن البوذية ، وشرحت مبادئها الأساسية ، وعرفت النرفانا تعريفا دقيقا، وأشارت إلى أن تعاليم البوذية قد تغيرت باحتكاكها بالهندوسية والمعتقدات الأخرى ... والأمر الذي أدهش أستاذ التاريخ أنه لا أساس معروفا لمصادر معرفتها التي أثبت البحث بعدئذ صحتها، وكانت تكتب دائما في الثانوية والكلية بحوثا في أي موضوع بسهولة
1) شفيقة قرة كله، خوارق الإبداع ، ص 167.
كبيرة لها ولزملائها، وكانت هذه البحوث تصل دائما إلى درجة عالية من دون الاعتماد على مصدر معروف . (1)
ومما سجله الباحثون، في هذه الظواهر، أن هذه المواهب الخارقة لدى هؤلاء الأشخاص بدءا من الطفولة وما بعدها قد تكون في بعض الحالات كما لو كانت خصوصیات ذاتية ، بينما تكون في حالات أخرى باستيلاء وإملاء ذات أو روح أخرى.
11 - الوسيطة التي تجيب الأرواح بوساطتها:
ومن الأمثلة للحالة الثانية ما نقله العلامة الفرنسي كامیل فلامريون في كتابه : «الموت وغوامضه» (ما قبل الموت) كما ترجمه العلامة محمد فريد وجدي قال : «إن المستر کابرون في كتابه المسمى «المذهب الروحي في العصر الحاضر» في ص 210 قال : إن المستر لوروا سندرلاند ذكر أ الوسيطة التي تجيب الأرواح بوساطتها على الأسئلة كانت ابنته مارجريت أو ابنتها الطفلة ، وكانت لا تزيد سنها على سنتين». .
وجاء فيه أيضا أن البارون سیمون کر کوب کتب إلى المستر جنكن مؤلف ذلك الكتاب يقول: «كانت ابنتي وسيطة ولم تتجاوز سنها سنتين وقد بلغت الآن إحدى وعشرين سنة، وقد كتبت طفلتها بيدها تحت تأثير الأرواحولم تتجاوز سنها تسعة أيام (تاسوعا)، وقد حافظت على الرسائل التي كتبتها، وها أنا أرسل لكم بصورة فوتوغرافية لتلك الكتابات».
وقال : «كانت ابنتي ترفع هذه الطفلة على وسادة بإحدى يديها وتمسك بيدها الأخرى كتابة عليه ورقة بيضاء.. وما كنا ندري بأية كيفية ينتقل القلم إلى الطفلة فكانت تمسكه بيدها بقوة فكتبت أولا الحروف الأربعة الأسماء الأرواح الأربعة التي تلازمها وهي R.A.D.I ثم سقط القلم من يدها فظنت أن
1) شفيقة قرة كله ، خوارق الإبداع، ص 149 - 151.
الأمر وقف عند هذا الحد، ولكن ابنتي الأخرى إيموجين صاحت قائلة : لقدعاودت القبض على القلم، فكتبت الطفلة الجملة الآتية :
«لا نغير شيئا، فهذا برهان جلي، وافعل ما أمرناك به، أستودعك الله» .
وكتب المستر ادموندس الذي كان رئيسا لمجلس الشيوخ الأمريكي في
كتابه : «المذهب الروحي»:
ظهرت في ابنتي (لورا) خاصة الوساطة، ولكنها ما كانت تقع في إغماء أثناء حضور الأرواح، وكانت تلك الأرواح تستولي على لسانها فتتكلم بلغات مختلفة، ولم تكن تعرف في حالتها العادية إلا لغتها الأصلية واللغة الفرنسية، ولكنها متى استولت الأرواح على لسانها كانت تتكلم بتسع أو عشر لغات بسهولة تامة».
وعلق فلامريون بأن مثل الرئيس ارموندس لا يصلح اتهامه بالبله والخبل ولا اتهام ابنته بالتزوير والتدليس(1).
وهناك أمثلة أخرى كثيرة، ونشرت جريدة الثورة العراقية على ما أتذكر في سنة 1978م خبرا عن طفل عمره سنتان من محلة الشيخ معروف، اختبر أيضا في موهبته الرياضية المتفوقة بما يشبه المستوى المشار إليه في الفتاة أعلاه، ولما شل : كيف يتسنى له أن يجيب قبل الحاسوب؟ أجاب : إن هناك من يهمس بأذنه بالإجابة .
12 - الطفل حيدر عبد الحسين:
وعرض التلفزيون العراقي، في هذا العام، سنة 1997م(2)، مقابلة مع طفل اسمه حيدر عبد الحسين في المرحلة الأولى من المدرسة الابتدائية ،
ونقل بقرار إلى المرحلة الرابعة لتفوقه في الرياضيات وفي فهم واستظهار ما يقرأ في الموضوعات المختلفة بصورة مدهشة، ولقد سئل أسئلة كثيرة، وكان معه أستاذان من مركز البحوث النفسية، أسئلة من قبيل اليوم 18 أو 27 من شهر كذا من سنة كذا فماذا يوافقه من أيام الأسبوع؟ فأجاب من دون تردد، وسألوه عن رقم معين وطلبوا إليه إخراج جذره، أو نتيجة ضربه بعدد آخر أو ما يشبه ذلك، فأجاب على الفور، وكان يستظهر بصورة غير عادية . ومما شئل به لاختبار استظهاره أمور تتصل بالنبي صلی الله علیه و آله ؛ ومنها نسبه فساقه إلى آدم ببساطة كأنه يقرأ في كتاب وكان يتكلم بالفصحى ، ومن دون اكتراث، ويجلس وقورة هادئة معتدة كما لو كان شيخا من شيوخ العلم الكبار.
وإذا ثبت وجود مثل هذه الظواهر من الإدراك فوق الحسي وفوق المادي في الأطفال والكبار، وهو ثابت كخصائص تبدو كما لو كانت موهبة ذاتية للذات أو بإسناد موضوعي خارجي بذات روحية أخرى(1).
فأية غرابة في أن يصطفي الله تعالى من خلقه لهدى الناس وإرشادهم أفرادة يؤتيهم نظير هذه المواهب بصورة أسمى من كل ناحية، مع خصوصية في المكانة منه تعالى، والمعرفة به بحيث يكون نموذجا عالية في العلم والعمل .. وإذا كان من يتصل بأولئك روح بشرية متوفاة أو روح سفلي فإن من يتصل بهؤلاء من الرسل وأوصيائهم غليز ملك قدسي يحمل معرفة حقة ويهدي إلى صراط مستقیم بإذن الله ، ولسان يعبر عنه سبحانه فيهم وقد جاء عن الأئمة من أهل البیت علیهم السلام : إن من علمهم ما هو نقر في الأسماع ونفث في القلوب.
1) نقل كولن ولسن في كتابه : «ما بعد الحياة» في ص 82، أن شابا غيرمتعلم وضع وهو تحت تأثير التنويم كتابة شاملا سمي «مبادئ الطبيعة» وتحول إلى رائعة أدبية. ونقل العلامة محمد فرید وجدي في ج2 من كتابه المشار إليه سابقا ص 95 و96 أن شارل دیکنز أتم الجزء الثاني من روايته بعد وفاته على يد وسيط عادي، وأن النقاد حكموا بأنه لا يختلف عن الجزء الأول أسلوبة وفكرة، وذكر أيضا في ص 33 من ج2 من هذا الكتاب أن طفلة كتبت بالكتابة التلقائية كتابة في : مبادئ الطبيعة وأشياء أخرى.
وإن الملائكة تحدثهم من دون رؤية منهم إليهم مضافة لعلمهم المزبور والغابر، وبذلك يصبح صغر السن بالنسبة لهم علیهم السلام ليس محل إشكال ، ومثل ذلك أمر تلقيهم العلم بالصورة العادية المعروفة في دنيا الناس (1).
ثانيا : إن القرآن الكريم تحدث لنا في قصة مريم عليهاالسلام وذكر أن قومها
حين اتهموها فقالوا: «قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا...» [مريم: 27 و 28] قال تعالى : «فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا » لکن عیسی نطق«قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا *وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا *وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا *وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا»[مريم: 29 - 33] .
وقال تعالى وهو يذكر يحيى بن زكريا : «يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا » [مريم: 12]، فأثبت النطقل لطفل في المهد بما ذكرته الآيات الأولى، وشهادة عيسى في المهد لنفسه بالنبوة وأنه أوتي الكتاب من عند الله وذكر ما أوصاه الله به .
وأثبت في الآية الأخيرة أن أخذ الكتاب وإتيان الحكمة قد كان ليحيى وهو ما يزال صبيا.
وهذا يعني أن الإشكال بصغر السن - حين يشاء الله أن يجعل هذا الطفل حجة له - مبطل قرآنيا بحكم كونه وقع في المثلين اللذين ذكرناهما، وإذا جاز في هذين (عیسی ویحیی) علیهماالسلام فإنه يجوز أن يكون في غير هما حين يقوم الدليل على ذلك بالنص والعلم وظهور المعجز، وقد ذكرنا بعض ما جاء عن الإمام المهدی علیه السلام من ذلك، وسنذكر بعضا آخر لاحقا.
1) لقد تحدثنا موجزا عن اصطفاء بيوت وأسر أصحاب الرسالات نسبة للبيوت الأخرى، ثم اصطفاء أشخاصهم من هذه البيوت، وذكرنا الآيات الواردة في ذلك. راجع ص 77، وتشير الأخبار إلى أن هذا الاصطفاء ليس اعتباطا وإنما يتصل برتبة أرواحهم سماوية، فهم أرفع مبدأ ومعادة من حيث الرتبة الروحية
ثالثا: إن هذه السن ليست بعيدة عن السن التي قام بالإمامة فيها جده الأعلى محمد الجواد علیه السلام ثم جده الأدني علي الهادي علیه السلام ؛ فإن الأول اضطلع بالإمامة وهو في الثامنة(1)، ولم يغب عن المجتمع، ولا احتجب عن الناس، وحين أظهر المأمون - ندما وتكفيرا أو ليرد إشارات الاتهام إليه بقتل الإمام الرضا علیه السلام - اهتماما وتقديما له بصورة غير عادية ، وزوجه ابنته أم الفضل، لامه أقرباؤه وخاصته على رفع مقامه عليهم مع صغر سنه ، فعرفهم أنه على ما يرون من صغر سنه حقیق بهذه المكانة علما ومعرفة وسمو ذات ...
ثم أعطاهم - ليتأكدوا - فرصة اختباره، وتهيأوا بما استطاعوا، وفي مجلس المأمون وبحضور الجميع، دتل الإمام الجواد علیه السلام بيسر - وهو في هذه السن - على معنى الإمامة الإلهية، والعلم اللدني، ودمغ من تصدی الامتحانه قاضي القضاة يحيى بن أكثم ومن معه بما أذلهم وأخزاهم(2).
ومثل ذلك كان أمر الإمام علیه السلام الهادي علیه السلام الذي ولد سنة 212 ه-. أو سنة 214 ه-. ، واضطلع بالإمامة سنة 220 ه-. ، أو سنة 220 ه-. ، فكان شأنه شأن أبيه علما وعملا، ورغم أن من عاصره كان المتوكل العباسي وهو من أشد الناس عداوة لآل البیت علیهم السلام حتى كان لا يبالي في إظهار ذلك في مجلس، فكان يعلن السخرية من علي أمير المؤمنین علیه السلام بصورة لم يصبر عليها حتى ولده، فقد استطاع الإمام علیه السلام في أكثر من موقف أن يذل كبرياءه، ويقرع تجبره(3)، ويكفي من يحاول التشكيك أن يرى أن ادعاء الإمامة من قبلهما في هذه السن لا بد أن يثير الشك بدءا لدى أوليائهم،
1) ولد الإمام الجواد عليه السلام في سنة 195ه. وتوفي الإمام الرضا علیه السلام في سنة 203 ه-
2) المفيد في الإرشاد، والطبرسي في الاحتجاج، ج 2، ص 240 - 249، هاشم معروف الحسني، سيرة الأئمة الاثني عشر، م 2، ص 447 - 450. ونقل طرفا من ذلك ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة، ص206، ط 2 ، سنة 1965م، القاهرة .
3) المسعودی، مروج الذهب، ج 4، ص 11، دار الأندلس .
وفيهم أهل الفكر والعلماء، فلو لم يروا منهم من البرهان على إمامتهم ما يأخذ بالأعناق لما سلموا لهم.
ثم إن ادعاء الإمامة في هذه السن أيضا يفسح المجال للخصوم، ومنهم رأس الدولة فضلا عن الفرق المخالفة أن يعملوا على إحراج الإمام وشيعته من خلال أسئلة أو اختبارات يبرزون بها - لو استطاعوا ۔ عجز الإمام علميا، ولكن ذلك ليس بمستطاع قطعا.
وإذا كانت المسألة بالنسبة لأبويه، وبالنسبة له كذلك، فإنها ينبغي أن تكون شاهدا وآية على إمامتهم بدلا من أن تكون محلا للإشكال.
رابعا : ثم ما معنى الإشكال حول إمكان اضطلاعه بالإمامة طفلا،وقد اضطلع بها بالفعل؟ ولا أعظم شهادة لكون الشيء ممكنا من أن يقوم في عالم الواقع، وقد اضطلع الإمام المهدی علیه السلام بالإمامة في هذه السن.
وتلقى عنه عدد من علماء الأمة الذين لا يشك أحد في جلالة قدرهم علما وعملا، وأظهر أمامهم من المعجزات ما يكفي للبرهنة على إمامته تقدم بعض منها في حديثنا عن إخفاء ولادته، وسيأتي بعضها الآخر.
*البحث الثالث نوابه، وبعض توقيعاته (1)
مما يتصل بالغيبة القصيرة أو الصغرى، وشواهد كونها نسبية - عدا ما قدمناه - نوابه الأربعة رضوان الله عليهم، فهم الواسطة العامة من الأمة إليه ومنه إليها، وعن طريقهم كان يتلقى الرسائل والأسئلة، وما يرسل إليه من الأموال، وبوساطتهم كان يرسل إجاباته، وما يوجه ويأمر به في شؤون المؤتمین به من المسلمين، وإن لم تتح رؤيته - بصورة مفتوحة للجميع، لذلك كان حضوره مفروضا فعليا في كل شأن يطلب هذه الصلة.
ولا مجال للشك - لدى الأمة - في المكانة الرفيعة لهؤلاء النواب :
أولا : لأنهم معروفون عندها علما، وتقى، وورعا، وأمانة، وقربا من أئمة أهل البيت علیهم السلام والنيابة الخاصة ، ولا سيما عن الإمام المهدی علیه السلام إشارة واضحة إلى ذلك بحكم ما تقتضيه الظروف الخاصة التي حتمت غيبته من دقة في اختيار نائبه من كل جهة بما فيها قدرته على حفظ سر الإمام علیه السلام في جميع الأحوال المفترضة، وإمكانيته على التعامل بالصورة التي يكون فيها في هذا الغياب - وجها له.
وكان العلماء يدركون تميزهم في هذه الصفة أو تلك دونهم، فحين سأل بعضهم الشيخ الجليل أبا سهل النوبختي، رحمه الله ، كيف صار هذا الأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ أجابه : هم أعلم وما اختاروا، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم، ولو علمت بمكانه - كما علم أبو القاسم -
1) لعل الشيخ جاسم محمد الياسين محقق کتاب «البرهان» للمتقي الهندي يقرأ هذا البحث ، ویری أن ما قاله في ج 1، ص 241 عن تأسيس عثمان بن سعيد لفكرة النيابة لا يرجع إلى أساس إلا سوء ظنه وتعصبه المذهبي، وأنه كلام غير مسؤول
وضغطتني الحجة (أو الحاجة) على مكانه، لعلي كنت أدل على مكانه ، وأبو القاسم لو كان الحجة تحت ذيله، وقرض بالمقاريض ما کشف الذيل عنه (1).
ثانيا : ولأنهم كانوا موثقين من الأئمة علیهم السلام ومنصوص عليهم کوکلاء عنهم علیهم السلام ؛ فالأول من هؤلاء النواب كان قبل أن يكون نائبا للإمام المهدی علیه السلام بابا للإمام الجواد علیه السلام - كما ذكر بعضهم - ثم الإمام الهادي علیه السلام والإمام الحسن العسکری علیه السلام ، أما الثاني وهو ابن الأول ومشاركه في الوقت نفسه في هذه النيابة في حياة الإمام الحسن العسکری علیه السلام فقد كان مزكى من الإمام الحسن العسکری علیه السلام ومشارا إليه من قبله على أنه وكيل للإمام المهدی علیه السلام بعد ذلك، ثم نصبه الإمام المهدی علیه السلام عن طريق أبيه .
ووثق الثالث ونصب وكيلا من قبل الإمام المهدی علیه السلام عن طريق الثاني. والرابع كذلك من قبله لي عن طريق الثالث .
ثالثا : كانت أجوبة الإمام المهدی علیه السلام تصدر على يد كل واحد من
هؤلاء النواب من الأول حتى الرابع بالخط نفسه المعروف للإمام علیه السلام . لدى بعض الأمة - من دون تغيير وبالدرجة نفسها من حيث الأسلوب والمضمون، وهي الآية - التي ذكرها بعضهم - وهو يشير إلى وحدة الجهة التي يصدر عنها النواب كما سيأتي.
رابعا: أظهر الإمام علیه السلام على يد كل واحد منهم من الكرامات المعجزة ما أعطى دليلا مضافةا على حقيقة صلتهم به . فهي لهم بهذه الصلة لا غيرها . لذلك كانت إشارة له لا لهم مع ما لهم من المحل العظيم، والمكانة المرموقة بهذه الكرامات وبغيرها.
1) لطوسی، الغيبة ، ص 240.
وقد روى الشيخ الصدوق، رحمه الله ، عددا منها(1)، وروى شیئا من ذلك الشيخ الطوسي(2).
قال الشيخ النعماني تلميذ الشيخ الكليني وكاتبه ، وهو يتحدث عن الغيبة القصيرة في كتابه « الغيبة» الذي ألفه قبل سنة 336 ه-. ، كما تشير إلى ذلك مقدمته :
«كانت السفراء فيها بين الإمام علیه السلام و بين الخلق قياما منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان» إلى أن يقول: «يخرج على أيديهم الشفاء من العلم، وعويص الحكم والإجابة على كل ما يسأل عنه من المعضلات والمشكلات» (3).
ولذلك أرى أن نتحدث عن كل واحد من هؤلاء النواب الأربعة، ثم عن بعض ما صدر على أيديهم بما يوثق باختصار ما أشرنا إليه ، وبالصورة التي نراها كافية في إعطاء معنی کون الإمام علیه السلام كان حاضرا - في الأمة - بهم:
الشيخ أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري الأسدي، يكنى بأبي عمرو، ويلقب بالسمان والزيات لأنه كان يتجر بالسمن، وبالعسكري لأنه كان يسكن العسكر (سامراء).
ويذكر ابن شهر آشوب (المتوفى سنة 588 ه-.) أنه كان بابا لأبي جعفر محمد بن علي التقي علیه السلام (4).
ومثل ذلك العلامة الحلي ، فقد عده من أصحاب الإمام الجواد علیه السلام ، قال : خدمه وله إحدى عشرة سنة وله إليه عهد معروف(5).
ولا يوجد - في ما بين يدي من المصادر - تاریخ معروف لولادة الشيخ العمري، فلو تصورنا أن ولادته كانت سنة 200 ه-.، أو في ما قبلها، أو ما بعدها بقليل، لأمكن تصور التحاقه بخدمة الإمام الجواد علیه السلام - الذي بدأت إمامته سنة 203 ه-. حتى توفي سنة 220 ه-. أو سنة 225 ه-. في رواية أخرى للمفيد رحمه الله - في بعض سني إمامته بالسن التي ذكروها، فمن الثابت أن عهد نيابة الشيخ السمان رحمه الله للإمام المهدي لم تمتد طويلا(1).
لكن الشيخ الطوسي رحمه الله في رجاله(2)ذكر أنه كان من أصحاب الإمام الهادي علیه السلام ، وأن التحاقه - بهذه السن (إحدى عشرة سنة) - كان به ولخدمته، وأن العهد المعروف كان منه علیه السلام لا من الإمام الجواد علیه السلام ، ثم ذكره في أصحاب ابنه العسكري(3)، ولما كان تاریخ ولادة الشيخ غير معروف، وكانت نسخة العهد الذي أشار إليه ابن شهر آشوب والعلامة الحلي ثم الشيخ الطوسي غير موجودة بصورة يمكن معها الرجوع إليها بوصفها وثيقة نعرف بها نسبة العهد، وما إذا كان قد صدر عن الإمام الجواد علیه السلام أو عن الإمام الهادی علیه السلام .
يضاف إلى ذلك أنا لا نجد في تاريخ الإمام الجواد علیه السلام والروايات عنه والعلاقات المتصلة به شيئا يتصل بالشيخ العمري السمان - عدا ما أشرنا إليه . خلافا لما بعده فإن ما ذكره الشيخ الطوسي رحمه الله - بحكم ذلك - يكون متعینا.
وعلى كل حال، فإن أمر وثاقته ، ومكانته ، وجلالة قدره لا يحتاج إلى تحقيق امتداد خدمته إلى الإمام الجواد علیه السلام فبحسبنا في ذلك، أن يكون
قريبا، ومؤتمنا من أي واحد من الأئمة علیهم السلام ، فكيف إذا كان كذلك . وهذا ما لا إشكال فيه . لدي ثلاثة منهم علیهم السلام :
روى الشيخ الطوسي رحمه الله بسنده عن أحمد بن إسحاق بن سعد قال : دخلت على أبي الحسن علی بن محمد صلوات الله عليه في يوم من الأيام فقلت : يا سيدي، أنا أغيب، وأشهد، ولا يتهيأ لي الوصول إليك إذا شهدت في كل وقت ، فقول من نقبل؟ وأمر من نمتثل؟
فقال علیه السلام صلوات الله عليه : هذا أبو عمرو الثقة الأمين ما قاله لكم فعني يقوله، وما أداه إليكم فعني يؤديه .
وشهد الإمام الحسن العسكري علیه السلام بأنه رحمه الله كان ثقة الإمام الهادي علیه السلام ، قال أحمد بن إسحاق وهو يواصل الحديث السابق :
فلما مضي أبو الحسن علیه السلام ، وصلت إلى أبي محمد ابنه الحسن العسكري علیه السلام ذات يوم فقلت له مثل قولي لأبيه علیه السلام ، فقال علیه السلام: «هذا أبو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي، وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعني يقوله، وما أدى إليكم فعني يؤديه »(1).
وروي أيضا عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري البزار عن جماعة من الشيعة (ذكرناهم في الرواية السادسة عن الإمام الحسن العسكري علیه السلام ) أن الإمام العسكري أنذرهم بعد أن أراهم ولده المهدي علیه السلام بأنهم لا يرونه بعد يومهم ذاك وقال :
فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والأمر إليه(2).
وفي كتاب الإمام أبي محمد الحسن العسکری علیه السلام إلى إسحاق بن إسماعيل النيسابوري، قال الإمام علیه السلام في آخر الكتاب: «فلا تخرجن من البلد حتى تلقي العمري رضي الله عنه برضائي عنه فتسلم عليه ، وتعرفه ، ويعرفك ، فإنه الطاهر الأمين العفيف القريب منا وإلينا، فكل ما يحمله إلينا من النواحي فإليه يصير آخر أمره ليوصل ذلك إلينا»(1).
وروى مسندا عن محمد بن إسماعيل وعلي بن عبدالله الحسنيين قالا إلهما دخلا على أبي محمد الحسن علیه السلام بسر من رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشیعته فدخل عليه بدر خادمه وأخبره: إن بالباب قومة شعثا غبرة، فقال الإمام علیه السلام لمن حضره: هؤلاء نفر من شیعتنا باليمن ثم أمر الإمام علیه السلام بدرة أن يأتيه بعثمان بن سعيد العمري، وحين جاء، قال له سیدنا ابو محمد علیه السلام : امض یا عثمان ، فإنك الوكيل، والثقة المأمون على مال الله ، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال ...
قال الحسنیان بعد أن ساقا الحديث : ثم قلنا بأجمعنا : یا سیدنا، والله إن عثمان لمن خيار شيعتك، ولقد زدتنا علما بموضعه من خدمتك ، وإنه وكيلك ، وثقتك على مال الله تعالی.
قال : نعم، واشهدوا على أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي، وأن ابنه محمدا وكيل ابني مهديكم(2).
وبالإسناد عن عبدالله بن جعفر الحميري قال : اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو عند أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري فغمزني أحمد أن أسأله عن الخلف علیه السلام فقلت له :
«يا أبا عمرو إني أريد أن أسألك وما أنا بشئ في ما أريد أن أسألك عنه، فإن اعتقادي وديني: إن الأرض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل يوم القيامة
بأربعين يوما. فإذا كان ذلك وقعت الحجة، وأغلق باب التوبة فلم يكن ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا.. إلى أن قال : ولكن أحببت أن أزداد يقينا، فإن إبراهيم علیه السلام سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، فقال :«أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» [البقرة : 290]».
وقد أخبرنا أحمد بن إسحاق (أبو علي) عن أبي الحسن علیه السلام وذكر الرواية الأولى التي أوردناها عنه علیه السلام فيه .
ثم قال الحميري وهو يكلم أبا عمرو : «وأخبرني أبو علي أنه سأل أبا محمد الحسن بن علي علیه السلام عن مثل ذلك فقال له : العمري وابنه ثقتان، فما أديا إليك فعني يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان.
فهذا قول إمامين قد مضيا فيك .
قال : فخر أبو عمرو ساجدا وبكي، ثم قال : سل .
فقلت له : أنت رأيت الخلف من أبي محمد علیه السلام ؟ فقال : إي والله ، ورقبته مثل ذا... وأومأ بيديه(1).
قلت له : فبقيت واحدة . فقال علیه السلام: هات .
قلت : فالاسم.
قال رحمه الله : محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي ، وليس لي أن أحلل وأحرم، ولكن عنه علیه السلام ، وفسر لهم حكمة ذلك قائلا : فإن الأمر عند السلطان، إن أبا محمد علیه السلام مضى، ولم يخلف ولدا وقسم میراثه وأخذه من لا حق له (يعني جعفرا الكذاب) وصبر على ذلك .
1) قال المجلسي، رحمه الله ، ص 345 من م 51: أغلظ الرقاب حسنا وتماما، ويبدو لي أنه يريد نفي ما في أذهان الناس من عدم وجوده أو موته وأنه حي، وهو تعبير شعبي ما زال مستعملا التاكيد حياة من يتوهم موته .
وهو ذا عياله يجولون وليس أحد يجسر أن يتعرف إليهم، أو ينيلهم شيئا، وإذا وقع الاسم وقع الطلب ، فاتقوا الله ، وأمسكوا عن ذلك(1)(2)
ومن المؤشرات لمكانته الرفيعة وقربه من آل البيت علیهم السلام ير توليه بأمر الإمام المهدی علیه السلام تجهيز الإمام الحسن علیه السلام غسلا وتحنيطا وتكفينا ودفنا - للظاهر من الحال التي لا يمكن جحدها كما يقول الشيخ الطوسي رحمه الله(3)- وذلك شأن لا يولاه إلا اللصق بهم علیهم السلام .
وتبدو هذه المنزلة السامية واضحة كذلك في التوقيع الذي تلقاه ابنه أبو جعفرمحمد بن عثمان رضي الله عنه من الإمام المهدی علیه السلام تعزية بأبيه ، فقد جاء فيه :
«إنا لله وإنا إليه راجعون تسليما لأمره، ورضا بقضائه ، عاش أبوك سعيدا ، ومات حميدا، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه علیهم السلام ، فلم يزل مجتهدا في أمرهم ساعيا في ما يقربه إلى الله عز وجل واليهم نضر الله وجهه ، وأقاله عثرته» .
ومما جاء فيه: «أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء، رزیت ورزينا، وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسره الله في منقلبه .. كان من كمال سعادته أن رزقه الله ولدا مثلك يخلفه بعده، ويقوم مقامه ويترحم عليه ، وأقول: الحمد الله ، فإن الأنفس طيبة بمكانك وما جعله الله فيك وعندك، أعانك الله وقواك ، وعضدك، ووفقك ، وكان لك وليا وحافظا وراعيا وكافيا»(4).
1) الطوسي، الغيبة، ص 218 و 219، وفي ص 146، والمجلسي، البحار، م 51، ص 345.
2) هذه الرواية تؤكد ما أشرنا إليه من أن هذا التحريم لا يتناول ما وراء الغيبة الصغرى. وفي المعنى نفسه ورد إلى محمد بن عثمان العمري رحمه الله توقيع من الإمام علیه السلام ابتداء ، وفيه يقول : ليخبر الذين يسألون عن الاسم إما السكوت والجنة وإما الكلام والنار، فإنهم إن وقفوا على الاسم أذاعوه، وإن وقفوا على المكان دلوا عليه . راجع: البحار، م 51، ص 351. وهناك روايات أخرى يفاد منها أن التحريم يرتبط بظروف التقية وجودة وغاية (الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، ص 450 و451).
3) الطوسي، المصدر نفسه، ص 216، المجلسي، المصدر نفسه، م 51، ص 346.
4) الطوسي، المصدر نفسه، ص 219 و220، المجلسي، المصدر نفسه، م 51، ص 349، الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، ص 474.
من توقيعات الإمام المهدي (علیه السلام) بوساطته
لم يحص أحد ما صدر عن الإمام المهدی علیه السلام على يد نوابه الأربعة الخاصين من سنة 260 حتى سنة 329 ه-. لأسباب منها :
أولا : وهو به ما نراه الأهم - نفس الظروف التي أوجبت الغيبة وتحريم الدلالة على مكانه ، وذكر اسمه علیه السلام وبصورة مشددة إلا على الخاصة كما قدمنا، ولذلك فلا مجال لرواية ذلك إلا في حدود ضيقة جدا .. ومن الطبيعي ۔ بحكم ذلك - أن يذهب أكثر ما صدر عنه علیه السلام بخاصة ما هو خاص من حيث الشخص أو الموضوع.
ثانيا: ربما اقتصروا في الرواية على بعض ما يتصل بالقضايا العامة في ذلك الظرف، أو في ما بعده ، مما جاء الأمر أو الإذن به من الإمام المهدی علیه السلام أو من النواب (رضي الله عنهم) - وإن كانوا لا يصدرون إلا عنه - بحکم الحاجة إليه أو انتفاء ما يوجب التقية فيه ...
وقد أثبتوا - مما ورد عن كل واحد من النواب - أمثلة كافية كالتي ذكرها الشيخ الصدوق رحمه الله (المتوفي سنة 381ه. )(1)والشيخ الطوسي رحمه الله (المتوفى سنة 460 ه-.)(2)
بعدها، وذكر في ص 288 وما بعدها صورة لبعض توقيعات الإمام علیه السلام .
والشيخ الطبرسي رحمه الله (المتوفي بداية القرن 6 ه-. )(3)والشيخ المجلسي (المتوفى سنة 1111 ه-.) في كتبهم المشار إليها في الهامش (4).1) في كتابه : كمال الدین وتمام النعمة ، ص 450 - 486، ط 1، النجف.
2) في كتابه ، الغيبة ، ص177 - 199، ولدى حديثه عن النواب الممدوحین في ص 214 وما
3) في كتابه : الاحتجاج، ص 277 - 325، ط. دار النعمان - بيروت.
4) في البحار، م 51، لدى حديثه عن سفراء الإمام علیه السلام ، وفي م53، باب ما خرج من توقيعاته)، ص 150 - 198.
وسنذكر، لدى الحديث عن كل واحد من النواب الأربعة (رضوان الله عليهم) بدءا من الشيخ العمري الكبير موضوع حديثنا، أمثلة مما صدر عن الإمام علیه السلام مما نرى أن لمضمونه . مع غض النظر عن مورده - صلة بالموضوع العام أو الخاص - لكتابنا من جهة أو أخرى، فمنها :
ما رواه الشيخ العمري الكبير أبو عمرو عثمان بن سعيد (رضوان الله عليه) قال : تشاجر ابن أبي غانم القزويني وجماعة من الشيعة في الخلف) فذكر ابن أبي غانم ألله أبا محمد علیه السلام مضى، ولا خلف له.
ثم إنهم كتبوا في ذلك كتابة و أنفذوه إلى الناحية، واعلموه بما تشاجروا فيه ، فورد جواب کتابهم بخطه صلى عليه وعلى آبائه :
«بسم الله الرحمن الرحيم
عافانا الله وإياكم من الفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين،وأجارنا وإياكم من سوء المنقلب، إنه أنهي إلى ارتياب جماعة منكم في الدين، وما دخلهم من الشك، والحيرة في ولاة أمرهم فغمنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا، لأن الله معنا فلا فاقة بنا إلى أحد غيره، والحق معنا فلن يوحشنا من قعد عنا (ونحن صنایع ربنا والخلق بعد صنایعنا(1)
وقال ابن عربي في الفتوحات المكية «الباب السادس في تجلي الهباء : «فلم يكن أقرب إليه
يعني الخالق سبحانه » من ذلك الهباء إلا حقيقة سيدنا محمد صلی الله علیه و آله المسماة بالعقل فكان مبتدأ
العالم بأسره» إلى أن يقول: «وأقرب الناس إليه علي بن أبي طالب إمام العالم بأسره» وراجع في ذلك : ابن الصديق الغماري المغربي في: علي إمام العارفین، ص 47، ط. مصر، سنة 1969م، وفي ما رواه أحمد بن حنبل في المناقب عن سلمان، وابن عساكر في ترجمة علی علیه السلام
من تاريخ دمشق المطبوعة مستقلة، ج 1، ص 135، وابن المغازلي في: مناقب علي علیه السلام ، ص
87 - 89، بثلاثة أسانيد، والحمويني في: فرائد السمطية، ص 42 - 43،
بتحقيق المحمودي، وابن أبي الحدید، ج 2، ص 450، ط1، ما يفيد هذا المعنى الحديث الذي يقول فيه الرسول صلی الله علیه و آله : «كنت أنا وعلي نورة بين يدي الله قبل أن يخلق آدم أو الدنيا بأربعة عشر ألف عام أو أربعين ألف عام... إلخ». أما الشيعة، فقد قال المحدث الكبير المجلسي في م1، ص
103، من طبعة دار الكتب الإسلامية : «قد ثبت بالأخبار المستفيضة أنهم الوسائل بین
الخلق وبين الحق في إفاضة جميع الرحمات والعلوم والكمالات».
ولا يرون في ذلك غلوا، فأعلى رتبة في الخلق كآخر رتبة قائمة بخالقها فقيرة إليه فهي بالنسبة إليه ليست إلا صفرا، وهي عدم إذا ما نظرت بما هي في نفسها ولكنها موجودة به سبحانه . أما بالنسبة إلى غيرها فهي سيدة المخلوقات وهي الوسط والأسباب لكون ما لا يكون إلا بالأكوان من المخلوقات المركبة : إن الخلق بطبيعته محتاج إلى هذه السلسلة الطولية المتدرجة من الآثار كما هو ثابت في الفلسفة والعرفان بقول الإمام علی: «وكل شيء منها محيط بشيء، والمحيط بما أحاط منها الله » فراجع.
.1) وردت هذه الكلمة التي قوسناها عن الإمام علي علیه السلام أيضا في كتاب له إلى معاوية ، فراجع شرح نهج البلاغة للشيخ محمد عبده، ج3، ص 52، مطبعة الاستقامة - مصر، وشرح ابن أبي الحدید تحقیق محمد أبي الفضل إبراهيم، ج15، ص 194، دار إحياء الكتب العربية بمصر . وجاء في شرح العبارة المذكورة لدى ابن أبي الحديد بعد قوله : «هذا كلام عظیم عال على الكلام، ومعناه عال على المعاني» أن: «صنيعة الملك من يصطنعه ويرفع قدره يقول علیه السلام : ليس لأحد من البشر علينا نعمة بل الله تعالى هو الذي أنعم علينا فليس بيننا وبينه واسطة، والناس باسرهم صنائعنا فنحن الواسطة بينهم وبين الله تعالى، وهذا مقام جلیل ظاهره ما سمعت وباطنه أنهم عبيد الله ، والناس عبيدهم». وجاء في أخبار أهل البيت علیهم السلام أنهم إذا ما قالوا ذلك فإنهم يقصدون أنهم عبيد طاعة لأنهم المبلغون عن الله ورسوله لا عبید ربوبية وبرأوا ممن يرى الربوبية أو الطاعة لهم استقلالا أو بما هم في أنفسهم لأنهم صنائع الله ، ولذلك فكونهم الواسطة لا يقتصر - لدى أهل العرفان - على الهدى والتشريع بل في التكوين أيضا، فالرسول محمد صلی الله علیه و آله وأهل بيته بالمعنى الأخص؛ أي أهل بيته المعنوي السماوي المطهر من الرجس لا بيته الأرضي أو الطيني، هم الخلق الأول کارواح وهم متقدمون رتبة على الخلق جميعا مبدأ و معادا، ولذلك أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.. فهم معصومون تكوينا لأن الشيطان وأفكار الضلالة البشرية لا تصلأرواحهم بحكم رتبتها الأسمى وإن وصلت آذانهم وأدمغتهم - کالأشعة ما دون الحمراء بالنسبة لما فوق البنفسجية مثلا، ولذلك قال الله تعالى : «فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ » [الحج: 52]. قال أبو حامد الغزالي رحمه الله ، في معراج القدس، ص 181، مكتبة الجندي بمصر: «فهؤلاء فطر مبدؤهم على طبيعة معادهم فهم الملأ الأعلى وهم المبادئ الأولى يحق لهم أن يقولوا: كنا أظلة على يمين العرش فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا» .
یا هؤلاء، ما لكم في الريب تترددون، وفي الحيرة تنعكسون، أو ما سمعتم الله يقول :«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ»[النساء: 59] ؟.
أو ما علمتم ما جاءت به الآثار مما يكون، ويحدث في أئمتكم، على الماضين والباقين منهم السلام، أو ما رأيتم كيف جعل الله لكم معاقل تأوون
إليها، وأعلاما تهتدون بها من لدن آدم إلى أن ظهر الماضي علیه السلام كلما غاب علم بدأ علم، وإذا أفل نجم طلع نجم، فلما قبضه الله إليه ظننتم أن الله أبطل دينه، وقطع السبب بينه ، وبين خلقه، کلا ما كان ذلك ولا يكون حتى تقوم الساعة، ويظهر أمر الله وهم کارهون.
وأن الماضي علیه السلام مضي سعيدا فقيدا على منهاج آبائه علیهم السلام حذو النعل بالنعل(1)، وفينا وصيته وعلمه ومنه خلفه ومن يسد مسده، ولا ينازعنا موضعه إلا ظالم آثم، ولا يدعيه دوننا إلا كافر جاحد، ولولا أن أمر الله لا يغلب، وسره لا يظهر ، ولا يعلن، لظهر لكم من حقنا ما تهتز منه عقولكم، ویزیل شکوکم، ولكنه ما شاء الله كان، ولكل أجل كتاب .
فاتقوا الله، وسلموا لنا، وردوا الأمر إلينا. فعلينا الإصدار كما كان منا الإيراد، ولا تحاولوا كشف ما غطي عنكم، ولا تميلوا عن اليمين، وتعدلوا إلى اليسار، واجعلوا قصدكم إلينا بالمودة على السنة الواضحة، فقد نصحت الكم، والله شاهد على وعلیکم، ولولا ما عندنا من محبة صاحبكم، والرحمة بكم، والإشفاق علیکم، لكنا عن مخاطبتكم في شغل في ما قد امتحنا به من منازعة الظالم العتل الضال المتتابع في غيه المضاد لربه المدعي ما ليس له الجاحد حق من افترض الله طاعته الظالم الغاصب.
بقلم
:
ما
معنی
اور م الی
با
(1) (2) يستغرب بعضهم، ويستنكر أن يصدر عن نبي أو إمام سباب وأن يؤكد ذلك ويكرره، ولقد أشار الصديق الدكتور إبراهيم السامرائي، في كتابه «مع نهج البلاغة دراسة ومعجم» ، هامش ص 50 إلى «إن قول الإمام عجبا لابن النابغة » شتم قبيح فهو من بذيء الكلام، وعلله بأن هذه البذاءة لم تكن على هذا النحو من الاستقباح في تلك الحقبة مع إقرارهم بأنها بذاءة.
ووجه الخطا لديه في ذلك أنما يستقبح في الحالة العادية لا يكون كذلك في الحالات الخاصة كالشهادة مثلا في القضاء أو بيان الحق كإسقاط قيمة خصم مذع محارب للحق، بل القبيح كتمان ذلك، وقد جاء في القرآن : «عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ» [القلم: 14]، والإمام المهدي علیه السلام هنا أيضا بصدد إسقاط دعوی جعفر الكذاب وكشف القناع لمن خدع رفتن به بوصفه ابن إمام وأخا
إمام .
1) مثل عربي مشهور يقصد به المشابهة والمتابعة التامة، والأمثلة - لدى العرب - تضرب ولا تقاس، كما هو معروف.
وفي ابنة رسول الله لي إسوة حسنة وسيرد الجاهل رداءة عمله . وسيعلم الكافرون لمن عقبى الدار.
عصمنا الله وإياكم من المهالك والأسواء، والآفات والعاهات كلها برحمته فإنه ولي ذلك، والقادر على ما يشاء. وكان لنا ولكم وليا وحافظا .
والسلام على جميع الأوصياء والأولياء والمؤمنين، ورحمة الله وبركاته، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما»(1).
ومنها؛ وهو يتصل بموضوع الإمامة بصورة عامة - كما هو السابق - وموقعه علیه السلام منها، ورد دعوی جعفر الكذاب الذي ضلل بعض الناس وألقح الفتنة في وقته وغذي الشكوك بولادة الإمام علیه السلام ووجوده .
وقد روى هذا الكتاب الشيخ أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري رحمه الله
قال : إنه جاء بعض الشيعة يعلمه أن جعفر الكذاب بن علي الهادي علیه السلام كتب إليه كتابا يعرفه فيه نفسه، ويعلمه أله القيم بعد أخيه ، وأن عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه وغير ذلك من العلوم كلها . فلما قرأته كتبت إلى صاحب الزمان علیه السلام ، وصیرت کتاب جعفر في درجه فخرج الجواب إلي في ذلك :
«بسم الله الرحمن الرحيم
أتاني كتابك أبقاك الله ، والكتاب الذي أنفذته درجة وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمنه على اختلاف ألفاظه وتكرر الخطأ فيه (يعني کتاب جعفر)، ولو تدبرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه . والحمد لله رب العالمين حمدا لا شريك له على إحسانه إلينا، وفضله علينا أبي الله عز وجل للحق إلا إتماما، وللباطل إلا زهوقا وهو شاهد علي بما أذكره، ولي عليكم بما أقوله
1) الطوسي، الغيبة ، ص 172 - 174، الطبرسي، الاحتجاج، م 2، ص 278 و 279 .
إذا اجتمعنا اليوم لا ريب فيه، ويسألنا عما نحن فيه مختلفون. إنه لم يجعل الصاحب الكتاب على المكتوب إليه ولا عليك، ولا على أحد من الخلق جميعة إمامة مفترضة، ولا طاعة ولا ذمة ، وسأبين لكم جملة تكتفون بهاإن شاء الله تعالى:
يا هذا، يرحمك الله . إن الله تعالى لم يخلق الخلق عبثا، ولا أهملهم سدی بل خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعة، وأبصارا، وقلوبا، وألبابا، ثم بعث إليهم النبيين علیهم السلام مبشرين ومنذرين يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته ، ويعرفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم، ودينهم، وأنزل عليهم كتابا ، وبعث إليهم ملائكة وباين بينهم وبين من بعث إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم، وما آتاهم من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والآيات الغالبة فمنهم من جعل عليه النار بردا وسلاما، واتخذه خلية، ومنهم من كلمه تكليما، وجعل عصاه ثعبانا مبينا، ومنهم من الموتى بإذن الله و أبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله ، ومنهم من علمه منطق الطير وأوتي من كل شيء. ثم بعث محمد رحمة للعالمين، وتمم به نعمته، وختم به أنبياءه، وأرسله إلى الناس كافة، وأظهر من صدقه ما أظهر وبين من آیاته، وعلاماته ما بين .. ثم قبضه صلی الله علیه و آله حميدا فقيدا سعيدا، وجعل الأمر بعده إلى أخيه، وابن عمه ، ووصيه ووارثه علي بن أبي طالب علیه السلام ثم إلى الأوصياء من ولده واحدا واحدا أحيا بهم دينه ، وأتم بهم نوره، وجعل بينهم وبين إخوانهم وبني عمهم الأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقانا بينا (1)يعرف به الحجة من المحجوج والإمام من المأموم بأن عصمهم من الذنوب ، وبر أهم من العيوب وطهرهم من الدنس ونزههم من اللبس، وجعلهم خزان علمه ومستودع حكمته ، وموضع سره، وأيدهم بالدلائل، ولولا ذلك لكان الناس على سواء ولادعى أمر الله عز وجل كل أحد ولما عرف الحق من الباطل ولا العالم من الجاهل.
1) راجع ما ذكرنا من هذا الفرقان في ص 77 الأصل والهامش.
وقد ادعى هذا المبطل المفتري على الله الكذب بما ادعاه، فلا أدري بأية حالة هي له رجا أن يتم دعواه؟ بفقه في دين الله؟ فوالله ما يعرف حلالا من حرام، ولا يفرق بين خطأ وصواب .. أم بعلم؟! فما يعلم حقا من باطل، ولا محكما من متشابه ولا يعرف حدا لصلاة ووقتها .. أم بورع؟! فالله شهید على تركه الصلاة الفرض أربعين يوما(1)،يزعم ذلك لطلب الشعوذة، ولعل خبره تأدي إليكم. وهاتيك ظروف مسكره منصوبة، وآثار عصیانه الله عز وجل مشهورة قائمة .
أم بحجة ؟! فليقمها. أم بدلالة؟! فليذكرها .
قال الله عز وجل في كتابه :
««بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
حم *تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَقُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَوَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ» [الأحقاف : 1-6].
فالتمس، تولى الله توفيقك، من هذا الظالم ما ذكرت لك، وامتحنه ، واسأله عن آية من كتاب الله يفسرها، أو صلاة يبين حدودها، وما يجب فيها التعلم حاله ومقداره، ويظهر لك عوره ونقصانه ، والله حسيبه . حفظ الله الحق على أهله، وأقره في مستقره، وأبي الله عز وجل أن تكون الإمامة في الأخوين
1) صلى الله عليك وعلى آبائك ، تسقط إمامته لتركه الصلاة (40)يوما، وقد تركها بعض أدعياء العرفان والإمامة وأسقطوها عمن اقتدى بهم. وفي الوقت الذي يقول فيه حديث آبائك : «إنها معراج المؤمن» رأوها - بزعمهم - حجابا . راجع رسالة القشيري، ص 4.
إلا في الحسن والحسين. وإذا أذن الله لنا في القول ظهر الحق، واضمحل الباطل وانحسر عنكم، وإلى الله أرغب في الكفاية وجميل الصنع والولاية ، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد وآل محمد» (1).
أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري (المتوفى سنة 304 أو 305 ه-.) رضوان الله عليه .
عن أبي نصر هبة الله بن أحمد الكاتب قال :
«كانت توقيعات صاحب الأمر علیه السلام تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمد بن عثمان إلى شيعته ، وخواص أبيه أبي محمد علیه السلام بالأمر والنهي، والأجوبة عما تسأل الشيعة عنه إذااحتاجت إلى سؤال فيه، بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن علیه السلام ، فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما إلى أن توفي عثمان .... وحصل الأمر كله مردودا إليه والشيعة مجتمعة على عدالته ، والثقة به، وأمانته لما تقدم له من النص عليه بالأمانة ، والعدالة، والأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن علیه السلام وبعد موته في حياة أبيه عثمان رحمة الله عليه» (2).
وقد سبق أن ذكرنا النص الذي أشار إليه الكاتب رحمه الله على أبي جعفر محمد بن عثمان في عدة روایات، وفي أكثر من مرة، من قبل الإمام الحسن علیه السلام في حديثنا المتقدم عن أبيه رضي الله عنه ، لأن الإمام علیه السلام جمع بينهما فيه، وأفرد علیه السلام أبا جعفر في بعضها بالإشارة إلى أنه وکیل
الإمام المهدی علیه السلام .
أما النص عليه من الإمام المهدی علیه السلام ، فبالرغم من أنه لا حاجة إليه مجددا - بحکم نیابته القائمة له زمن أبيه رحمه الله - فإنه مع ذلك أكد علیه السلام
استمرار هذه النيابة - كما هو واضح - في كتاب تعزيته له بأبيه رضي الله عنه ، وكتب أخرى تلقاها عدد من أعيان الشيعة آنذاك.
روي مسندة عن محمد بن إبراهيم بن مهزیار(1)أنه خرج إليه بعد وفاة أبي عمرو (عثمان بن سعيد) رحمه الله من الإمام المهدی علیه السلام توقيع جاء فيه : «والابن وقاه الله لم يزل ثقتنا في حياة الأب (رضي الله عنه ، وأرضاه ونضر وجهه) يجري عندنا مجراه، ويسد مسده، وعن أمرنا يأمر الابن وبه يعمل تولاه الله ! فانته إلى قوله، وعرف معاملتنا ذلك»(2). |
وروي أيضا مسندا عن محمد بن يعقوب عن إسحاق بن يعقوب أنه تلقى التوقيع بخط مولانا صاحب الدار علیه السلام ، وفيه : «وأما محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل فإنه ثقتي وكتابه كتابي» (3).
وبالإسناد إلى عبدالله بن جعفر الحميري قال :
لما مضى أبو عمرو (رضي الله عنه) أتتنا الكتب بالخط الذي كنا نکاتب به (يعني من الإمام المهدی علیه السلام ) بإقامة أبي جعفر رضي الله عنه مقامه (4).
وجاء في رواية هبة الله عن شيوخه، وهم يتحدثون عن أبي جعفر العمري قولهم: «وقد نقلت عنه دلائل كثيرة، ومعجزات الإمام ظهرت على يديه، وأمور أخبرهم بها عنه (5)زادتهم في هذا الأمر بصيرة، وهي مشهورة عند الشيعة»(6)
1) ذكره الشيخ الطوسي في الرجال المسمی برجال الطوسي، ص 436، ط 1، النجف، سنة 1381، من أصحاب الإمام العسكري علیه السلام .
2) الطوسي، الغيبة ، ص220. المجلسي، البحار، ص 349.
3) الطوسي، المصدر نفسه، المجلسي، المصدر نفسه ، ص 350.
4) الطوسی، المصدر نفسه، المجلسي، المصدر نفسه ، ص 349.
5) ذكر الشيخ الصدوق بعضا منها في : كمال الدین وتمام النعمة، ص 467 و 469 و 463 و 453
6) الطوسي، المصدر نفسه، ص 221.
وروی، مسندا عن عبدالله بن جعفر الحميري ، رحمه الله ، أنه قال : سألت محمد بن عثمان (رضي الله عنه) فقلت له : هل رأيت صاحب هذا الأمر؟ قال: نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام، وهو علیه السلام يقول : «اللهم أنجز لي ما وعدتني».(1)
وقال (رضي الله عنه) في رواية أبي جعفر بن بابویه : «إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه»(2).
من توقيعات الإمام المهدي (علیه السلام) بوساطته
امتدت نيابة أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (رضوان الله عليه) للإمام علیه السلام زمنا طويلا لم يحصل لأي واحد من النواب الآخرين. فقد تولى ذلك في حياةالإمام الحسن علیه السلام مع أبيه رحمه الله للإمام الحسن ثم المهدی علیه السلام ، واستمر مع أبيه حتى توفي ثم قام بذلك منفردا حتى وفاته سنة 304 أو 300 ه-. ، وقد قدروا مدة توليه للنيابة بنحو خمسين سنة (3).
ولذلك، فمن المتوقع أن يكون ما جاء بوساطته من آثار الإمام عالی وتوقيعاته كثيرة جدا، ولم يصلنا منه إلا القليل لما بيناه من الأسباب. ومع ذلك فما أثر عنه رحمه الله أكثر مما هو عن غيره ..
ومن الآثار المعروفة التي جاءت عن طريقه بعض الأدعية ، كالدعاء الذي ورد في كتب الدعاء «أنه يقرأ في كل يوم من رجب (4)وهو - كما يرى العارفون - من أهم الأدعية في مضامينه المعرفية المتصلة بولاية الخلق الأول، أي المبادئ الأولى القائمة بربها، والمقومة لما بعدها بحكم ما
يقتضيه الخلق من سلسلة طولية وأكوان متعددة تكون وسطا وأسبابا لكون الكائن المركب»(1).
وكدعاء الافتتاح المشهور الذي يقرأ في ليالي رمضان (2)، ولا حاجة البيان أنه من أهم الأدعية في لغته وأسلوبه ومضامينه العقائدية ، فهذا الجانب ملحوظ لدى كل من قرأه، ولقد رأيت شخصا غمرته روعة أسلوبه ومعانيه ، وهو يقرأه، فرفع رأسه قائلا : كيف يقولون: إنه غائب وهذا نوره يضيء قلوبنا وهذه أنفاسه تهزنا من العمق؟
وذكرت أدعية وزيارات أخرى نسبت إلى الإمام علیه السلام وأنها صدرت في زمن الشيخ رحمه الله يمكن من شاء مراجعتها والتأكد من نسبتها من مصادرها الخاصة، ككتب الأدعية والزيارات المعروفة، والكتب المؤلفة في الإمام علیه السلام ونوابه وما صدر عنهم .
ومن توقيعاته علیه السلام بوساطته ما رواه محمد بن يعقوب الكليني عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري، رحمه الله، أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان علیه السلام :
أما ما سألت عنه ، أرشدك الله وثبتك ووقاك، أمر المنکرین لي من أهل بيتنا، وبني عمنا، فاعلم أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة ، ومن أنكرني فليس مني وسبيله سبیل ابن نوح.
وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل أخوة يوسف، وأما الفقاع فشربه حرام ولا بأس بالشلماب .
1) المجلسي، البحار، ج 1، ص 103 106، وعدنان البكاء، المضمون المعرفي والأخلاقي في أدعية أهل البيت علیهم السلام، مخطوط.
2) حسین معتوق، منهج الدعوات، ص 52، عباس الحسيني الكاشاني، مصباح الجنان ، ص 455، والشيخ عباس القمي، مفاتیح الجنان، ص 179، والأخير لم يذكر نسبته للإمام المهدی علیه السلام ولا دعاء أبي جعفر العمري به.
وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، وما آتانا الله خير مما آتاكم. وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله ، وكذب الوقاتون.
وأما قول من زعم أن الحسین علیه السلام لم يقتل فكفر وتكذيب وضلال(1).
وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله .
وأما محمد بن عثمان العمري فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل فإنه ثقتي وكتابه كتابي.
وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي فسيصلح الله قلبه ، ويزيل شکه ..
وأما ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلا لما طاب وطهر، وثمن المغنيةحرام (2).
وأما محمد بن شاذان بن نعيم فإنه رجل من شيعتنا أهل البيت ..
وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع (من رؤوس الغلاة) فملعون، وأصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم فإني منهم بريء وآبائي منهم براء.
وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شيئا فأكله فإنما يأكل النيران.
وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا النطيب ولادتهم، ولا تخبث.
1) من مزاعم الغلاة ، لعنهم الله ، بالنسبة للأئمة ؛ ومنهم علي والحسين علیهماالسلام، خلط بین ما أثبته الله وأثبتوه علیه السلام تبعة من الحياة الأخروية بالنسبة للشهداء والصديقين وبين الحياة البدنية ، فإن البدن لا بد من موته بالقتل، أو بالصورة الطبيعية بحكم بنائه المادي وذلك مشهود حسا.
2) ما أكثر التوقيعات التي صدرت بإرجاع أموال إلى أصحابها وإخبارهم بما لم يعلموا هم أنفسهم بوجه الشبهة فيها، راجع : الصدوق، کمال الدین، ص 450.
وأما ندامة قوم شکوا في دين الله على ما وصلونا به، فقد أقلنا من استقال فلا حاجة إلى صلة الشاکين.
وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل يقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ» [المائدة : 101] إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه ، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي.
وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب(1)، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء(2)، فأغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإن ذلك فرجكم. والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى»(3).
وفاة الشيخ أبي جعفر العمري
روي عن أبي الحسن علیه السلام بن أحمد الدلال القمي رحمه الله قال : دخلت على أبي جعفر محمد بن عثمان (رضي الله عنه) يوما لأسلم عليه ، فوجدته وبين يديه ساجة ونقاش ينقش عليها ويكتب آيا من القرآن وأسماء
1) هذا مثال رائع و مطابق، فالشمس رغم ما يبدو من تغطية السحاب لها تظل أشعتها نافذة تضيء الأرض، وغياب الإمام علیه السلام واقتصار الصلة به على الخاصة وبوساطة النواب، وبالتسديدالخفي في ما يطلعه الله عليه من شؤون المسلمين أشبه بذلك ؛ أي أن الإفادة من علمه وبركاته وشفاعته تظل قائمة .. وفي ما ذكرناه - من شواهد - وأشرنا إليه ما يكفي لإثبات ذلك.
2) النجوم مراكز استقطاب للكواكب، كما هو بالنسبة إلى شمسنا بالنسبة إلى توابعها. وبانفجارها أو موتها ينفرط عقد الكواكب. وترتطم ببعضها وتفني، وقد سجل العلم موت نجوم أصبحت ما يسمى بالثقوب السوداء، فابتلعت ما حولها من كواكب بل مجرات . راجع ستيفن هوكنغ، موجز تاريخ الزمن، فصل 6، الثقوب السوداء ، ص 137 وما بعدها.
3) الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، ص 451 و452، الطبرسي، الاحتجاج، ج 2، ص 281 - 284.
الأئمة علیهم السلام ، فقلت : يا سيدي ، ما هذه الساجة؟ فقال علیه السلام: هذه لقبري تكون فيه ، وقال : وأنا في كل يوم أنزل فيه فأقرأ جزءا من القرآن، وأخذ بيدي فأرانيه .
فإذا كان يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا صرت إلى الله عز وجل ودفنت فيه، وهذه الساجة معي، فلما خرجت من عنده أثبت ما ذكره، ولم أزل مترقبا به ذلك. فما تأخر الأمر حتى اعتل أبو جعفر رحمه الله ، فماتفي اليوم الذي ذكره من الشهر الذي قاله من السنة التي ذكرها ودفن فيه »(1).
وكانت وفاته في آخر جمادى الأولى سنة 304 أو سنة 305ه. (2)
الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي، رضوان الله ، عليه . ذکر المؤرخون أنه كان لدى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، رحمه الله ، أثناء حياته نحو عشرة رجال يعتمدهم في قضاء حاجاته ، منهم أبو القاسم الحسين بن روح، رحمه الله ، وكلهم كانوا - كما يبدو - أخص منه لديه حتى أنه كان ينجز حاجاته على الأغلب على يد غيره، وقد فسروا ذلك بأنه كان أقل خصوصية لديه منهم. ولكن الاختيار وقع آخر الأمر عليه .
ومما ذكروا أيضا أن مشائخ الشيعة كانوا يتوقعون ، كما روى ابن قولویه أن الذي سيقوم مقام أبي جعفر، رحمه الله ، إذا ما توفاه الله تعالی، جعفر بن أحمد بن متیل لما يرون من مكانته لديه ، وما يبدو له من خصوصية عنده ، عدوا من شواهدها كثرة تواجده في منزله حتى بلغ أنه كان في آخر عمره لا يأكل طعاما إلا ما أصلح في منزل جعفر وأبيه ، فلما وقع الاختيار في الوصية على أبي القاسم الحسين بن روح سلم آل متیل، ولم ينكروا، وكانوا معه ، وبين يديه كما كانوا مع أبي جعفر (محمد بن عثمان) حتى مات(3).
لكن هذا التصور لمكانته وخصوصيته من أبي جعفر، رحمه الله ، كما يبدو لنا، رأي لبعضهم منتزع من العلاقات المنظورة العامة والشخصية بين الشيخ العمري، رحمه الله ، وبين المحيطين به من وكلائه وثقاته وإخوانه من المؤمنين، ولا يدل شيء مما ذكروه من شواهد على تقدم منزلتهم على الحسين، بل قد يفهم من ذلك العكس.
وهناك روايات أخرى تشير إلى أن لأبي القاسم الحسين بن روح، رحمه الله ، مكانة متقدمة ابتداء لدى الشيخ العمري، ففي رواية عن أم كلثوم بنت أبي جعفر العمري، رحمها الله ، أنها قالت :
«كان أبو القاسم الحسين بن روح، رضي الله عنه ، وكيلا لأبي جعفر، رضي الله عنه ، سنین كثيرة ينظر له في أملاکه ويلقي بأسراره الرؤساء من الشيعة، وكان خصيصا به حتى أنه كان يحدثه بما يجري بينه وبين جواريه القربه منه ، وأنسه به » قالت: «وكان يدفع إليه في كل شهر ثلاثين دينارا رزقا اله» إلى أن قالت: «وحل في أنفس الشيعة محلا جليلا لمعرفتهم باختصاص أبي إياه ، وتوثيقه عندهم، ونشر فضله ودينه، وما كان يحتمله من هذا الأمر، فمهدت له الحال في طول حياة أبي إلى أن انتهت الوصية إليه بالنص عليه ، فلم يختلف في أمره، ولم يشك فيه أحد» (1).
وروى أبو جعفر محمد بن علي الأسود، رحمه الله ، قال : كنت أحمل الأموال التي تحصل في باب الوقف إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري رحمه الله فيقبضها مني، فحملت إليه يوما في آخر أيامه قبل موته بسنتين، أو ثلاث سنين، فأمرني بتسليمها إلى أبي القاسم الروحي رضي الله عنه .
قال : وكنت أطالبه بالقبوض فشکاني إليه فأمرني أن لا أطالبه بها، وقال : كل ما وصل إلى أبي القاسم فقد وصل إلي .
1) الطوسي، الغيبة، ص 227. المجلسي، البحار، م 51، ص 355.
وكتب : احمل بعد ذلك أموالك إليه ولا تطالبه بالقبوض (1)
البحار، م 51، ص 354.
. وروي مثل ذلك عن أبي عبدالله جعفر بن عثمان المدائني المعروف بابن قزدا رحمه الله ، فقد ذكر أنه كان يحمل المال للعمري رحمه الله ، وأنه صار إليه آخر عهده به قدس سره، وقال له : تقبضها أنت مني على الرسم. قال : فرد علي كالمنكر القولي، وقال : قم عافاك الله فادفعها إلى الحسين بن روح. وقال : إنه استجاب حين رأى الغضب في وجهه، ولكنه في بعض الطريق رجع كالشاك، وأصر على مقابلته مرة أخرى.فقال له العمري، رحمه الله، حين خرج إليه : ما الذي جرأك على
الرجوع؟ لم لم تمتثل ما قلته لك ؟ وحين ذكر له ما رآه عذرة من حالته وتردده .
قال له العمري، رحمه الله ، وهو مغضب - في ما ذكر -: قم عافاك الله ، فقد أقمت أبا القاسم الحسين بن روح مقامي ونصبته منصبي . قال : فقلت : بأمر الإمام علیه السلام .
فقال رحمه الله : قم عافاك الله كما أقول لك .
قال : فلم يكن عندي غير المبادرة(2).
وعن أبي علي محمد بن همام، رضي الله عنه وأرضاه ، أن أبا جعفر محمد ابن عثمان العمري قدس الله روحه، جمعنا قبل موته وكنا وجوه الشيعةوشيوخها فقال لنا: إن حدث على الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي فقد أمرت أن أجعله موضعي بعدي، فارجعوا إليه وعولوا في أموركم عليه(3).
وروي عن أبي نصر هبة الله بن محمد (ابن بنت أم كلثوم ابنة الشيخ العمري رحمه الله) قال : حدثني خالي أبو إبراهيم جعفر بن أحمد النوبختي
قال : قال علیه السلام أبي أحمد بن إبراهيم وعمي أبو جعفر عبدالله بن إبراهيم،٫ وجماعة من أهلنا (يعني بني نوبخت): إن أبا جعفر العمري لما اشتدت حاله، اجتمع جماعة من وجوه الشيعة؛ منهم أبو علي بن همام، وأبو عبدالله بن محمد الكاتب ، وأبو عبدالله الباقطاني، وأبو سهل إسماعیل بن علي النوبختي، وأبو عبدالله بن الوجناء، وغيرهم من الوجوه والأكابر ، فدخلوا على أبي جعفر (رضي الله عنه) فقالوا له :
إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟
فقال لهم : هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي، والسفير بينكم وبين صاحب الأمر، والوكيل، والثقة الأمین، فارجعوا إليه في أموركم وعولوا عليه في مهماتكم، فبذلك أمرت وقد بلغت»(1).
وروي علي بن أحمد بن متيل عن عمه جعفر بن أحمد بن متیل قال : لما حضرت أبا جعفر محمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) الوفاة .. كنت جالسا عند رأسه أسأله، وأحدثه و أبو القاسم بن روح عند رجليه ..
فالتفت إلي ثم قال : أمرت أن أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح .
قال رحمه الله : فقمت من عند رأسه، وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني، وتحولت إلى عند رجليه(2).
کرامات الشيخ أبن روح رحمه الله
للشيخ ابن روح - مثل غيره ممن اختارهم الإمام المهدی علیه السلام لنيابته زمن الغيبة الصغرى - صفات مميزة قدمته على غيره من العلماء الذين عاصروه، وتصور الكثيرون - ابتداء - أنهم من سيتولى الأمر دونه .
منها ما شهد له بها العالم المتكلم المعروف أبو سهل النوبختي وذكرناها في صدر البحث حين سُئل عن سر اختيار الشيخ ابن روح دونه، فقد ذكر ما معناه أنه يتمتع بقدرة فدائية لا نظير لها في كتمانه لسر الإمام علیه السلام قال : «لو كان الحجة علي تحت ذیله ، وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه، واعترف أنه لا يحرز من نفسه مثل ذلك»(1).
وبمثل ذلك شهدت له أم كلثوم ابنة الشيخ العمري رحمه الله ، فقد ذكرت في جملة ما أثنت به عليه : «ما كان يحتمله من هذا الأمر». .
وقد ساقوا وقائع عديدة مما أظهر الله على يديه من کرامات تشهد لصلته الحقةبالإمام المهدي علیه السلام ؛ منها، وننقلها بأسلوب صاحبها من دون تصرف :
ما روي عن محمد بن الحسن الصيرفي المقيم ببلخ قال : «أردت الخروج إلى الحج، وكان معي مال بعضه ذهب سبائك ، وما كان من فضة فهو نقد، وقد كان دفع ذلك المال إلي لأسلمه إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله روحه .
قال : فلما نزلت سرخس ضربت خيمتي على موضع فيه رمل، وجعلت أمير تلك السبائك والنقد، فسقطت سبيكة من تلك السبائك مني، وغاصت في الرمل وأنا لا أعلم . فلما دخلت همدان میزت تلك السبائك والنقد مرة أخرى اهتماما مني بحفظها ففقدت منها سبيكة وزنها مئة مثقال وثلاثة مثاقيل، أو قال : ثلاثة وتسعون مثقالا . قال : فسبكت مكانها من مالي بوزنها سبيكة ، وجعلتها مع السبائك .
فلما وردت مدينة السلام، قصدت الشيخ أبا القاسم الحسین بن روح قدس الله روحه، وسلمت إليه ما كان معي من السبائك والنقد. فمد يده من بين السبائك إلى تلك السبيكة التي كنت سبكتها من مالي بدلا مما ضاع مني فرمی بها إلي وقال علیه السلام:
1) الطوسي، الغيبة ، ص 240.
ليست هذه السبيكة لنا، سبیکتنا ضيعتها بسرخس حيث ضربت خيمتك في الرمل فارجع إلى مكانك ، وانزل حيث نزلت، واطلب السبيكة هناك تحت الرمل فإنك ستجدها وتعود إلى هنا فلا تراني.
قال : فرجعت إلى سرخس، ونزلت حيث كنت نزلت ووجدت السبيكة، وانصرفت إلى بلدي، فلما كان بعد ذلك حججت ومعي السبيكة فدخلت مدينة السلام وقد كان الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) قد مضى (توفي) ولقيت أبا الحسن السمري فسلمت إليه السبيكة»(1).
ونقل الشيخ الصدوق (2)والشيخ الطوسي (3)والشيخ المجلسي (4)وقائع أخرى قد تفوق هذه غرابة ودلالة، وسننقل واقعة أخرى لا لما تتضمنه من دلالة في هذا الجانب فقط لأنه أجاب فيها على ما يدور من تساؤل في ذهن الرجل ابتداء قبل أن يفضي به إليه ، بل لجانبين آخرين.
أولهما: دلالتها على مكانته العلمية وسعة معرفته في ما يتصل بشؤون العقيدة والشريعة بصورة عامة ؛ وذلك ما يبدو لنا في منطقية إجابته وأحكامها على الشبهة التي أثارها السائل.
ثانيهما: اتصال هذه المعرفة بالإمام علیه السلام ، وأنها ليست رأيا له، وتأكيده أنه لا يقول - إذا ما قال - شيئا إلا عن الإمام علیه السلام دائما، وتلك صلة لا نكاد نستوعب صورتها عظمة .
والواقعة نقلها لنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (رضي الله عنه) نذكرها بأسلوبه :
قال : كنت عند الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدس الله روحه) مع جماعة فيهم: علي بن عيسى القصري، فأقبل إليه رجل فقال :
إني أريد أن أسألك عن شيء..
فقال له : سل عما بدا لك.
فقال الرجل : أخبرني عن الحسين بن علی علیه السلام أهو ولي الله؟
قال : نعم
قال : أخبرني عن قاتله أهو عدو الله ؟
قال : نعم.
قال الرجل : فهل يجوز أن يسلط الله عز وجل عدؤه على وليه؟
فقال له أبو القاسم بن روح قدس الله روحه :
«إفهم عني ما أقول لك : إعلم أن الله عز وجل لا يخاطب الناس بمشاهدة العيان، ولا يشافههم بالكلام، ولكنه جل جلاله يبعث إليهم رسلا من أجناسهم، وأصنافهم بشرا مثلهم، ولو بعث إليهم رسلا من غير صنفهم وصورهم لنفروا عنهم، ولم يقبلوا منهم، فلما جاء وهم، وكانوا من جنسهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، قالوا لهم: أنتم بشر مثلنا ولا نقبل منكم حتى تأتونا بشيء نعجز أن نأتي بمثله فنعلم أنكم مخصوصون دوننا بما لا نقدر عليه، فجعل الله عز وجل لهم المعجزات التي نعجز عنها، فمنهم من جاء بالطوفان بعد الإنذار والإعذار فغرق جميع من طغى وتمرد، ومنهم من ألقي في النار فكانت عليه بردا وسلاما، ومنه من فلق له البحر، وفجر له من الحجر العيون، وجعل له العصا اليابسة ثعبانا يلتقف ما يأفكون، ومنهم من أبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله ، وأنبأهم بما يأكلون وبما يدخرون في بيوتهم، ومنهم من انشق له القمر وكلمته البهائم مثل البعير والذئب، وغير ذلك.
فلما أتوا بمثل ذلك، وعجز الخلق عن أمرهم وعن أن يأتوا بمثله، كان من تقدير الله عز وجل ولطفه بعباده وحكمته أن جعل الأنبياء مع هذه القدرة والمعجزات في حال غالبين وفي أخرى مغلوبين وفي حال قاهرين وفي حال مقهورين، ولو جعلهم الله عز وجل في جميع أحوالهم غالبين وقاهرين، ولم يمتحنهم لاتخذهم الناس آلهة من دون الله عز وجل، ولما عرف فضل صبرهم
على البلاء والمحن والاختبار، ولكنه عز وجل جعل أحوالهم في ذلك كأحوال غيرهم ليكونوا في حال المحنة والبلوى صابرين، وفي حال العافية والظهور على الأعداء شاکرین، ويكونوا في جميع أحوالهم متواضعين غير شامخين ولامتجبرين، وليعلم العباد أن لهم إلها هو خالقهم ومدبرهم فيعبدوه ويطيعوا رسله، وتكون حجة الله ثابتة على من تجاوز الحد فيهم، وادعى الربوبية لهم أو عاند أو خالف وعصي، وجحد بما أتت به الأنبياء والرسل (1)، ليهلك من هلك على بينة ، ويحيا من حي عن بينة». .
قال محمد بن إبراهيم بن إسحاق (رضي الله عنه): فعدت إلى الشيخ أبي القاسم بن روح (قدس الله روحه) من الغد، وأنا أقول في نفسي: أتراه ذكر ما ذكر لنا يوم أمس من عند نفسه ...
فابتدأني فقال علیه السلام:
یا محمد بن إبراهيم ، لئن أخر من السماء فتخطفني الطير وتهوي بي الريح في مكان سحيق أحب إلي من أن أقول في دين الله عز وجل برأيي، ومن عند نفسي، بل ذلك عن الأصل، ومسموع عن الحجة صلوات الله وسلامه عليه(2)
و 288
.من توقيعات الإمام المهدي (علیه السلام) بوساطته
مما خرج عن الإمام علیه السلام ردا على الغلاة جوابا لكتاب کتب إليه على يدي محمد بن علي بن هلال الكرخي التوقيع التالي:
«یا محمد بن علي، تعالى الله وجل عما يصفون سبحانه وبحمده ، ليس نحن شركاءه في علمه ولا في قدرته بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه: «قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ» [النمل: 65].
وأنا وجميع آبائي من الأولين: آدم ونوح وإبراهيم وموسى وغيرهم من النبيين، ومن الآخرين محمد رسول الله وعلي بن أبي طالب وغيرهم ممن مضى من الأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) إلى مبلغ أيامي ومنتهى عصري عبيد الله عز وجل.
يقول الله عز وجل : «وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى *قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا *قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى »[طه: 124_126]
یا محمد بن علي، قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح بعوضة أرجح منه. فأشهد الله الذي لا إله إلا هو وكفى به شهيدا و رسوله محمدا صلی الله علیه و آله ، وملائكته وأنبياءه وأولياءه علیهم السلام وأشهدك، وأشهد كل من سمع كتابي هذا أني بريء إلى الله وإلى رسوله ممن يقول إنا نعلم الغيب(1)ونشاركه في ملكه أو يحلنا محلا سوی المحل الذي رضيه لنا، وخلقنا له، أو يتعدى بنا عما قد فسرته لك وبيته في صدر كتابي.
وأشهدكم أن كل من نبرأ منه فإن الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياؤه، وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانة في عنقك، وعنق من سمعه أن لا يكتمه عن أحد من موالي وشيعتي حتى يظهر على هذا التوقيع
1) رأي العلماء أن المنفي من علم الغيب عن المخلوق هو علم الغيب الذاتي والمطلق، أما ما كان بأقدار من الله أو بتعليم وما كان نسبيا فهو مما يكون للمخلوق، وذلك ثابت قرآنا بحكم قوله تعالى : «عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا *إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ » [الجن: 29 و 27]، وقوله تعالى بلسان المسيح: «وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ » [آل عمران : 49]. وكإنباءات الخضر لموسى وغير ذلك. وكإخبارات الرسول صلی الله علیه و آله عن المهدي وأشراط الساعة ، ولذلك قال الإمام علي علیه السلام للذي قال له حين أخبر عن بعض الأحداث : أتعلم الغيب؟ قال : لا، ولكنه تعلم من ذي علم. وقد أثبتت الدراسات الباراسايكولوجية الموثقة - كما سياتي - إخبارات غيبية نسبية صحيحة لذوي مواهب روحية من عامة الناس . فيكون نفي الإمام علیه السلام هنا ما أثبته الغلاة له من الاستقلال بالعلم، لا بتعليم من الله .
الكل من الموالي، لعل الله عز وجل يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحق، وينتهون عما لا يعلمون منتهى أمره، ولا مبلغ منتهاه . فكل من فهم كتابي ولا يرجع إلى ما قد أمرته ونهيته فقد حلت عليه اللعنة من الله وممن ذكرت من عباده الصالحين»(1).
وهناك توقيعات أخرى كثيرة منها التوقيع الذي سنذكره في الجزء الثاني الخاص بأدعياء المهدوية والبابية عن الشلمغاني وأشباهه، مضافة لروايته عن الإمام أبي محمد الحسن العسكري علیه السلام (2).
وفاة الشيخ ابن روح أعلى الله مقامه
استمرت نيابة الشيخ ابن روح للإمام المهدي من سنة 304 أو 305ه. لدى وفاة أبي جعفر العمري، رحمه الله ، حتى وفاته في شعبان سنة 326ه. ؛ أي أكثر من عشرين سنة ، هذا عدا السنين التي قضاها لصقا للشيخ العمري رحمه الله .
وقد أوصى بأمر الإمام المهدی علیه السلام إلى:
وهو أبو الحسن علی بن محمد السمري (رضي الله عنه) المتوفي في النصف من شعبان سنة 329ه.
قال الشيخ الطوسي، رحمه الله ، في الغيبة : أخبرني محمد بن محمد النعمان والحسين بن عبیدالله أحمد بن محمد الصفواني، قال :
أوصى الشيخ أبو القاسم (رضي الله عنه) إلى أبي الحسن علی بن محمد السمري (رضي الله عنه)، فقام بما كان إلى أبي القاسم(3).
وروى ذلك مسندا عن أبي عبدالله محمد بن خليلان قال :
حدثني أبي عن جده عتاب من ولد عتاب بن أسيد وذكر حديثة جاء فيه ، وأوصى أبو القاسم إلى أبي الحسن علی بن محمد السمري رضي الله عنه(1).
ورغم قلة الروايات الواردة في الوصية إليه نسبة لمن تقدم من النواب الثلاثة السابقين فإن التسليم بها من قبل شيعة أهل البيت علیهم السلام قائم من زمنه حتى الآن، وما كان ذلك ليكون - وفيهم علماء محدثون ومتكلمون كبار - لو لم يكن ثابتة بصورة لا تقبل الريب.
قال الشيخ الطبرسي، وأورد ذلك المجلسي عنه :
وأما الأبواب المرضيون والسفراء الممدوحون في زمان الغيبة، فأولهم الشيخ الموثوق به أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري. وبعد حديث عن تاريخ نیابته للأئمة قال :
فلما مضى لسبیله قام ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان مقامه، وناب منابه في جميع ذلك .
فلما مضى هو قام بذلك أبو القاسم حسین بن روح من بني نوبخت . فلما مضى هو قام مقامه أبو الحسن علی بن محمد السمري. ولم يقم أحد منهم إلابنص عليه من قبل صاحب الأمر علیه السلام ، ونصب صاحبه الذي تقدم عليه، ولم تقبل الشيعة قولهم إلا بعد ظهور آية ومعجزة تظهر على يد كل واحد منهم من قبل صاحب الأمر لا تدل على صدق مقالتهم، وصحة نيابتهم (2).
بعض كراماته
وتحدث الشيخ الصدوق، رحمه الله ، عن إحدی کراماته فقال : حدثنا أبو الحسن صالح بن شعيب الطالقاني رضي الله عنه، في ذي القعدة سنة تسع
وثلاثين وثلاثمئة، قال : حدثنا أبو عبدالله أحمد بن إبراهيم بن مخلد قال : حضرت بغداد عند الشيخ (رضي الله عنه) فقال الشيخ أبو الحسن علی بن محمد السمري (قدس الله روحه) ابتداء منه : رحم الله علي بن الحسين بن موسی بن بابويه القمي، فكتب المشایخ تاریخ ذلك اليوم، فورد الخبر أنه توفي ذلك اليوم (1).
وفي رواية الشيخ الطوسي بسنده عن جماعة من أهل قم؛ منهم عمران الصفار، وقريبه علوية الصفار، والحسين بن أحمد بن علي بن أحمد بن إدريس (رحمهم الله) قالوا: «حضرنا بغداد في السنة التي توفي فيها علي بن الحسين بن موسی بن بابویه، وكان أبو الحسن علی بن محمد السمري (قدس سره) يسألنا كل قريب عن خبر علي بن الحسين (رحمه الله)فنقول: قد ورد الكتاب باستقلاله . حتى كان اليوم الذي قبض فيه فسألنا عنه فذكرنا له مثل ذلك .. فقال : آجركم الله في علي بن الحسين فقد قبض في هذه الساعة.
قالوا: فأثبتنا تاريخ الساعة، واليوم والشهر، فلما كان بعد سبعة عشر يوما، أو ثمانية عشر يوما، ورد الخبر أنه قبض في تلك الساعة التي ذكرها الشيخ أبو الحسن قدس سره»(2).
الإمام المهدي (علیه السلام) يخبر نائبه السمري بوفاته ويأمره
بعدم الوصية لأحد
روى الشيخ الصدوق (رحمه الله ) قال : حدثنا أبو محمد أحمد بن الحسن المكتب قال : «كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ أبو الحسن علی بن محمد السمري قدس سره، فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج توقيعا نسخته :
بسم الله الرحمن الرحيم
يا علي بن محمد السمري، عظم الله أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام فأجمع أمرك، ولا توصي إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية (وفي رواية الطوسي: التامة)، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر (1)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
قال : فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده ، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه فقيل له : من وصيك من بعدك؟
فقال (رحمه الله ) : الله أمر هو بالغه.
ومضى (رضي الله عنه)، فهذا آخر كلام سمع منه (رحمه الله )(2)
الطبرسي، الاحتجاج، ص 297، المجلسي، البحار، م15، ص 361.
، وكانت وفاته في النصف من شعبان سنة 329ه. (3)(4).1) في رواية الطوسي والطبرسي والمجلسي عنه : كذاب مفتره.
2) الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، ص 480، الطوسي، الغيبة، ص 242 و243،
3) القمي، سفينة البحار، ج 2، ص 249.
4) وفي السنة نفسها: 329ه.، وفي الشهر نفسه ، توفي الشيخ محمد بن يعقوب الكليني صاحب «الكافي في الأصول والفروع». وقد عاصر النواب الأربعة جميعا. وفي رواية أخرى أنه توفي سنة 328ه. ، ولكن الأول هو الذي رواه النجاشي (المتوفى سنة 372ه.) والطوسي (المتوفی سنة 480 ه-.) في رجاله والعلامة الحلي (المتوفى سنة676 ه-.) في الخلاصة، ورأى الدكتور حسين محفوظ صحته دون الثاني (راجع : مقدمة أصول الكافي، ص 40، دار الكتب الإسلامية - طهران). وإنما أشرنا إلى ذلك لما في معاصرة أمثال الشيخ، من العلماء والمحدثين الكبار کالنعماني وأبي علي محمد بن همام وأبي سهل النوبختي والشيخ ابن فروخ الصفار وغيرهم، من دلالة هامة على ما أعطى الله هؤلاء النواب فيهم من هو أقل بروزا ومكانة علمية - من صلة حقه بالإمام علیه السلام - جعلت هؤلاء العلماء يسلمون لهم ويأخذون عنهم.
مدعو الرؤية في الغيبة الكبرى
ويثير هذا التوقيع وغيره من الروايات التي يظهر منها نفي رؤيته في الغيبة الكبرى إشکالا حول ما رواه علماء و محدثون كبار عن علماء وأهل معرفة وصلاح من رؤيته ، والتشرف بخدمته علیه السلام ، وهو ما سنتناوله في البحث الثالث التالي عن الغيبة الكبرى، وما يتصل بها. ثم في الجزء الثاني الخاص عن مدعي المهدوية والبابية إن شاء الله تعالی.
البحث الأول:
لماذا لا يكون المهدي المنتظر علیه السلام رجلا أخر؟
البحث الثاني:
ما الحكمة من ذلك؟
البحث الثالث:
هل يعني ذلك إمكان المشاهدة؟
عرفنا، في البحثين الأول والثاني من الفصل الأول، أنه قد ثبت بالتواتر . وهو يفيد العلم - لدى المسلمين من أهل السنة والشيعة أثر الرسول صلی الله علیه و آله و قد بشر بالإمام المهدي واسمه «محمد»، وأنه سيخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطا وعدلا بعدما ملئت ظلما وجورا، وأن المسيح سينزل فيصلي خلفه، وأنه سينصر بالملائكة ويكون جبرائيل عن يمينه و میکائیل عن شماله(1).
ووقفنا، في هذين البحثين، على ما وراء ذلك - مما اختلفوا فيه - من مسائل تتصل به كاسم أبيه، وجده الأعلى، وتاريخ مولده، ومقامه من الرسول صلی الله علیه و آله .
وانتهت بنا الأدلة والمناقشات إلى أن المهدي المنتظر علیه السلام هذا، ليس إلا الإمام الثاني عشر من أهل البيت محمد بن الحسن العسکری علیه السلام ، وهو آخر أوصياء الرسول صلی الله علیه و آله وخلفائه بالمعنى الأخص، وهؤلاء هم امتداده في العصمة العلمية والعملية طبقا لما يفيده اتساق الأدلة في ما بينها من جهة، وفيما بينها وبين القاعدة العقائدية في التوحيد من جهة أخرى، وخلود الرسالة وشمولها من جهة ثالثة، ثم تطابقها مع الواقع التاريخي لهؤلاء الأئمة : دعوى وعلما وعملا وآثارا من جهة رابعة؟(2).
وقد أثبت أهل الكشف من الصوفية . من جهتهم - ذلك، كما شرحناه في البحث الثالث من هذا الفصل.
ولكن لماذا لا يكون المهدی علیه السلام رجلاآخر سيولد في المستقبل؟ وكيف نتقبل غيبته طوال هذه القرون الكثيرة التي تجاوز العمر الطبيعي للإنسان بصورة غير مقبولة علميا وواقعيا؟
وما وجه الحكمة فيها؟ وهل له ما بين الغيبة إلى الظهور دور بالنسبة إلى أهل الأرض ..؟
وكيف يمكن أن نتصور انتصاره على عالم اليوم بإمكاناته العلمية والصناعية وخزينه من الأسلحة الحربية المتطورة؟
والجواب على التساؤل الأول؛ أعني لماذا لا يكون المهدی علیه السلام رجلا آخر سيولد في المستقبل؟ هو:
إن الأمر كما شاء الله لا كما يشاء خلقه «اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ» [الأنعام: 126].
ولذلك فإن تشخيص المهدي المنتظر علیه السلام بالإمام الثاني عشر بالذات إنما رجعنا فيه إلى ما أثبتته الأحاديث المتواترة عن الرسول صلی الله علیه و آله ، والأوصياء المعصومين من أهل بيته علیهم السلام ، على أننا يمكن أن نرى أن الأساس في ذلك هو موقع الإمام المهدی علیه السلام ليس بوصفه إماما وخليفة بالمعنى الأخص للرسول صلی الله علیه و آله ، فقط، بل بوصفه آخر هؤلاء الخلفاء الأوصياء، ولذلك فهو . بحكم ذلك - صاحب الزمان من أول عهد إمامته حتى قيام الساعة ؛ أي أن هذا الزمان هو زمان إمامته ومسؤوليته بما أنه آخر أوصياء الرسول صلی الله علیه و آله ، ولذلك فإن كونه المهدي المنتظر يصبح مفروضا.
يتضح ذلك أكثر حين نضع أمامنا المقدمات المسلمة الآتية معطوفا بعضها على بعض.
وهي: «إن الثابت، في المنقول من الروايات عن الأئمة من أهل البیت علیهم السلام ، عدم جواز خلو الأرض من حجة لله ظاهرا مشهورا أو غائبا مستورا»(1).
وذلك يلتقي وما يحكم به العقل أيضا بحكم «قاعدة اللطف»، ويعنون بها رحمة الله بخلقه لما يعلم من حاجتهم - بوصفهم مكلفين - للمعرفة والحجة. ومن أمثلة ذلك بالنسبة لنا أن الله سبحانه شاء أن تكون الرسالة الإسلامية خالدة وشاملة، تحقيقا لما يفرضه التوحيد من وحدة الطاعة أو العبادة، ولكن ذلك غير قائم - بصورته الواقعية - بحكم الاختلاف الموجود بین المذاهب ، واختلاف الاجتهادات داخل المذهب الواحد، ولا يمكن أن يحسم هذا الاختلاف إلا إمام معصوم أو خليفة بالمعنى الأخص، ومع واقع ختم النبوة بالرسول محمد صلی الله علیه و آله فلا نبي بعده، وانتقاله إلى الدار الآخرة، وتحديد الأئمة الأوصياء (باثني عشر)، وانتقال أحد عشر منهم إلى الدار الآخرة كذلك ، فلم يبق إذا إلا أن يكون هو الإمام الثاني عشر (محمد بن الحسن) علیه السلام .
ومع غض النظر عن ذلك، فإننا لا يمكن أن نتصور المهدي المنتظر علیه السلام بصفاته ، ومقامه
العظيم، ودوره الكبير كما صورته الأحاديث الصحيحة المتواترة (2)من دون مستوى الخلافة بالمعنى الأخص. ولا يمكن أن نتصور أيضا وجود هذا المستوى وراء العدد المحدد (باثني عشر) طبقا لما دلت عليه النصوص الصحيحة، وإذا فلم يبق إلا أن يكون المهدي
1) راجع : الكليني، أصول الكافي، م1، ص 178 - 180، والصدوق، کمال الدين وتمامالنعمة ، ص 195 - 226، 285 - 288.
2) راجع: ص 55 من هذا الكتاب حول ذلك، ومن جملة ما ورد أن يصلي المسيح خلفه، وهو روح الله ورسول من أولي العزم، ومن جملتها أن ينصر بالملائكة وأن ينادي باسمه وأن يكون جبرائیل عن يمينه وميكائيل عن شماله .
المنتظر علیه السلام الذي بشرت به الأحاديث هو نفس الإمام الثاني عشر الذي غاب غيبته الصغرى النسبية من سنة 260 - إلى سنة 329ه.، ثم غاب بعدها الغيبة الكبرى التي لا تزال قائمة حتى الآن. وربما كان وراء ظروف الغيبة الصغرى التي تحدثنا عنها - غرض آخر هو التمهيد لتقبل الغيبة الكبرى فإن صورتهما واحدة باستثناء وجود النواب الأربعة المعروفين، وما يعطيه هذا الوجود من الحضور النفسي والعلمي للإمام لدى المؤمنين بحكم إمكان الرجوع إليه لدى الحاجة، وتلقي الإجابة بخطه كما ذكر في البحثين: الأول والثاني من هذا الفصل.
أما الغيبة الكبرى فإنها تعني غلق هذه الصورة للصلة به من جهة الناس الا من جهته علیه السلام .
وفرق آخر هو أن تلك الغيبة كانت ضمن العمر الطبيعي للإنسان، وكانت . وهي نسبية مفهومة ومتعقلة من حيث حكمتها - دافعا وغاية بخلاف الغيبة الكبرى.
ولذلك تقدم الرسول صلی الله علیه و آله والأئمة من أوصيائه علیهم السلام لي بالحديث عنها والإنذار بها، وضرب الأمثال لها قبل أن يولد المهدي علیه السلام فضلا عن الغيبة نفسها(1).
وقد قدمنا بعض الأمثلة مما روي عن كل واحد منهم في ذلك، لتكون أساسا ومرجعا لموضوعات بحوث الكتاب المتصلة بشؤون الإمام المهدي علیه السلام (2)
1) راجع ما قاله الشيخ الصدوق (رحمه الله ) حول هذه الأحاديث ص 82 من هذا الكتاب .
2) راجع : ص 64 - 73 من هذا الكتاب وما ورد تحت عنوان الغيبة الصغرى من البحث الأول من الفصل الثاني، ومن أراد المزيد مما ورد حول ذلك فليراجع: الكليني، ص 333 - 343،والشيخ النعماني في الغيبة، ص 89-100، والشيخ الصدوق في كمال الدین وتمام النعمة، ص 250 - 339، والشيخ الطوسي في الغيبة، ص 101 وما بعدها و203 وما بعدها،والمجلسي في البحار، م 51، ص 167 - 225.
فمنها ما روي مسندا عن عمار بن یاسر عن الرسول صلی الله علیه و آله ، ومما جاء فيه قوله: «يا عمار، اعلم أن الله تبارك وتعالى عهد إلي أنه يخرج من صلب الحسین علیه السلام أثمة تسعة، والتاسع من ولده يغيب عنهم وذلك قول الله عز وجل : «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ» [الملك: 30].
وتكون له غيبة طويلة يرجع عنها قوم، ويثبت عليها آخرون، فإذا كان في آخر الزمان يخرج فيملأ الدنيا قسطا وعدلا ويقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وهو سميي وأشبه الناس بي». (1)
ومما روي مسندا عن عبد العظيم بن عبدالله الحسني عن الإمام الجواد عن آبائه عن أمير المؤمنين أنه قال علیه السلام : «للقائم منا غيبة أمدها طويل، كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه ، ألا فمن ثبت منهم على دينه، ولم يقس قلبه لغيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة» (2).
ومما قاله الإمام الحسن علیه السلام في ما رواه عنه أبو سعید عقیصا: «أما علمتم أنه ما منا أحد إلا وتقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله خلفه ، فإن الله عز وجل يخفي ولادته ويغيب شخصه لئلا يكون في عنقه بيعة إذا خرج.. ذلك التاسع من ولد أخي الحسین علیه السلام »(3).
وفي الرواية الثانية عن عبد الرحمن بن سليط عن الإمام الحسین علیه السلام قال، وهو يتحدث عن الأئمة الاثني عشر: «وآخرهم التاسع من ولدي، وهو
الإمام القائم بالحق يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به دین الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة يرتد فيها أقوام، ويثبت على الدين فيها آخرون، فيؤذون ويقال لهم : « مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ » [الملك: 20]، أما أن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بین يدي رسول الله صلی الله علیه و آله (1). وتشير الروايتان : الأولى والثانية ، عن علي زين العابدین علیه السلام والروايات الأربع عن الإمام محمد الباقر علیه السلام لذلك، وتذكر ما جرى فيه من سنن المرسلين(2)
ومثل ذلك ما ورد عن الإمام الصادق علیه السلام في الروايات : الأولى والثانية والثالثة والرابعة، وقال في الخامسة: «يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون ثم يظهره الله عز وجل، ويفتح على يديه مشارق الأرض ومغاربها، وينزل روح الله عیسی بن مریم فيصلي خلفه فتشرق الأرض بنور ربها، ولا تبقى في الأرض قطعة عبد فيها غير الله عز وجل إلا عبد الله عز وجل فيها، ويكون الدين كله لله ولو كره المشركون»(3).
ولا تختلف الروايات الواردة عن الأئمة: الكاظم والرضا والجواد والهادي والحسن العسکری علیه السلام عن هذه الروايات في الإشارة إلى هذه الغيبة، وما يحدث فيها من حيرة وزلزلة في إيمان بعضهم، يقول الإمام الحسن العسكري علیه السلام في الرواية الأولى: «أما أن له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون، ثم يخرج، فكأني أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق رأسه»(4)
وورد في آخر توقيع تلقاه الشيخ علي بن محمد السمري (رحمه الله) من الإمام المهدی علیه السلام : «فقد وقعت الغيبة الثانية (وفي رواية الطوسي
والطبرسي: التامة) فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب»(1).
أما التساؤل حول:
فهو أمر لا يثير إشكالا إلا حين ينظر إليه بالقياسات الطبيعية والعادية لا في إطار المشيئة والقدرة الإلهية التي لا تحكمها قوانين هي في الأصل لا تقوم إلا بها. وكما تخرق هذه القوانين في معاجز الأنبياء عليهم السلام بوصفها برهانا على سفارتهم عن الله وفي معاجز الأئمة بوصفها دليلا على كونهم امتدادا عن الرسول صلی الله علیه و آله ، فإنها يمكن أن تخرق هنا بعد أن قامت الأدلة الثابتة على كون الإمام المهدی علیه السلام هو الإمام الثاني عشر علیه السلام عينه ، وتحدثت عن غيبته هذه وتلك، وما يحدث من هذه التساؤلات قبل أن تكون بما يجاوز القرنين والنصف في البعض والقرنين في البعض الآخر وأدنى من ذلك في البعض الثالث.
هذا إن كانت قضية طول العمر بهذا المدى أو بغيره خارجة عن القوانين الطبيعية أساسا (2).
إن إيماننا ۔ بوصفنا مسلمين - بإحياء الموتى لإبراهيم وعيسی علیه السلام ، وبإماتةعزير وحماره ثم إحيائهما، وانفلاق البحر لموسی علیه السلام ، وانقلاب
1) راجع : آخر البحث الثاني من هذا الفصل «نوابه الأربعة وبعض توقيعاته».
2) ذكرت مجلة المقتطف، م59، ج3، ص 238 - 240 ، أن جماعة من العلماء، أمثال الدكتور الکسیس کارل والدكتور جاك لوب والدكتور ورن لويس وزوجته قاموا بإجراء عدة تجارب في معهد روکفلر بنيويورك على أجزاء الأنواع مختلفة من النبات والحيوان والإنسان، وكان من بين تلكم التجارب ما أجري على قطع من أعضاء الإنسان وعضلاته وقلبه وجلده وكليتيه فرأوا أن هذه الأجزاء تبقى حية نامية ما دام الغذاء اللازم موفرة لها ولم يعرض لها عارض خارجي، وأن خلاياها تنمو وتتكاثر ولا تشيخ أبدا، وإذا فلا توجد حتمية الموت بالأعمار المعتادة . راجع: عبد الهادي الفضلي، في انتظار الإمام، ص 50، دار الأندلس.
عصاه ثعبانا حقيقيا، وأمثال ذلك لا يستوحى فيه عادة قانون طبيعي أو منطق علمي بما أنه لا مجال لها حتى الآن أن تری غیر استحالة ذلك، وإنما يستوحى في كل ذلك إيماننا بصدق الوحي الإلهي، والإخبار النبوي من جهة ووضع هذه الوقائع في نطاق المشيئة والقدرة الإلهية المقومين لوجود الخلق وقوانينه جميعا من جهة أخرى؛ ولذلك فلا محل لهذا الإشكال. وربما بهذا اللحاظ ضرب الأئمة من أهل البيت علیهم أمثلة لذلك من تاريخ الأنبياء والأولياء خاصة، إدراكا منهم لعدم وجود ما يمكن القياس عليه في الحياة العادية مما يجعل استيعابه وتحمله صعبا حين ينظر إليه ضمن الأطر الطبيعية والعادية، ولذلك ففي الوقت الذي تقدموا فيه بالإخبار عن هذه الغيبة الطويلة بدءا من الرسول صلی الله علیه و آله حتى الحسن العسکری علیه السلام لإعطائها موقعها ضمن مخطط المشيئة الإلهية للرسالة في آخر شهودها من الأوصياء علیهم السلام ضربوا الأمثال بما هو معروف ومسلم في تاريخ بعض الأنبياء والأولياء لتوضع في الإطار نفسه ، فإذا كان ما يشبه ذلك قد كان في واقع سابق - حين شاءه الله - فإن هذا أيضا كذلك.
روى الصدوق بسنده عن محمد بن جعفر عن أبيه عن جده علی علیه السلام عن رسول الله صلی الله علیه و آله قال : عاش أبو البشر آدم علیه السلام سبعمئة وثلاثين سنة ، وعاش نوح علیه السلام ألفي سنة وأربعمئة وخمسين (الرواية )(1).
وبسنده عن سعيد بن جبير قال : سمعت سید العابدين علي بن الحسین علیه السلام يقول: في القائم سنة من نوح علیه السلام وهو طول العمر(2)
ومما جاء عن الإمام جعفر الصادق علیه السلام في الرواية السادسة عنه ، وهو يتحدث عن الإمام المهدی علیه السلام قال : «قدر مولده تقدیر مولد موسی وقدر غيبته تقدير غيبة عيسى، وقدر إبطاءه إبطاء نوح (یعني من حيث النصر
والفرج)، وجعل له من العمر من بعد ذلك عمر العبد الصالح أعني الخضره . وبعد أن تحدث عما قصد إليه من التقدير في الأولين قال : «وأما العبد الصالح؛ أعني الخضر، فإن الله تبارك وتعالى ما طول عمره لنبوة قدرها له ، ولا لكتاب نزل عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء ، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بل إن الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر عمر القائم علیه السلام ما يقدر من عمر الخضر، وقدر في أيام غيبته ما قدر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك من العمر في الطول، فطول عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم وليقطع بذلك حجة المعاندين»(1).
ولم يجد من كتب في الإمام المهدی علیه السلام وتناول غيبته الطويلة ما يقدمه في ذلك عدا تقديم المزيد من الأمثلة للمعمرين، كما جاء في أخبار أهل البيت أو في كتب العهدين أو لدى أرباب السير .
وقد عقد الصدوق (المتوفى سنة 381 ه-.) بابا ؛ هو الباب الخمسون من كمال الدين وتمام النعمة، ذكر فيه ما جاء في التعمير والمعمرين، ثم ذكر في الأبواب (51)، (52)، (53)، (54)، (55)، (56) و (57) قصصا كثيرة لمعمرین جاوزوا الحدود الطبيعية والعادية في أعمارهم.
وقال: «فإذا صح التعمير لمن تقدم عصرنا، وصح الخبر بأن السنة جارية بذلك في القائم الثاني عشر من الأئمة، فلم لا يجوز أن يعتقد أنه لو بقي في غيبته ما بقي لم يكن القائم غيره؟»(2).
ومثل ذلك فعل الشيخ الطوسي، فقد ذكر الإشكال بطول العمر وكونه - بزعم المخالف ۔ خارقا للعادة، فكيف انتقضت فيه ولا يجوز انتفاضها إلا على يد الأنبياء؟
وأجاب بوجهين :
أحدهما: عدم التسليم بكون ذلك خارقا لجميع العادات، بل العادات في ما تقدم جرت بمثلها، وذكر أمثلة كالخضر، وأصحاب الكهف، ونوح الذي لبث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما عدا ما ذكرته (الأخبار) وأهل السير من أنه عاش قبل الدعوة وبعد الطوفان عمرا طويلا مضافا.
وقال : «فإذا كان المخالف لنا ممن يحيل ذلك (يعني العمر الطويل) من المنجمين وأصحاب الطبائع (يقصد أنهم لا يؤمنون بمشيئة الخالق) فالكلام معهم في أصل هذه المسألة، وأن العالم مصنوع وله صانع أجرى العادة بقصر الأعمال وطولها، وأنه قادر على إطالتها وعلى إفنائها . فإذا بين ذلك سهل الكلام.
وإذا كان المخالف ممن يسلم بذلك غير أنه يقول : هذا خارج عن العادات، فقد بينا أنه ليس بخارج عن جميع العادات ، فإن قيل : خارج عن عاداتنا، قلنا: وما المانع منه؟ فإن قيل: ذلك لا يجوز إلا في زمن الأنبياء عليهم السلام ، قلنا: نحن ننازع في ذلك وعندنا يجوز خرق العادات على يد الأنبياء والأئمة والصالحين، وأكثر أصحاب الحديث يجوزون ذلك وكثير من المعتزلة والحشوية وإن سموا ذلك كرامات كان خلافة في العبارة» (1).
وساق الشيخ المجلسي ما ملا 68 صفحة في الحديث عن المعمرین، وقال في آخره - ومعه في ذلك الحق -: «وإنما أطلت في ذلك مع قلة الجدوى تبعا للأصحاب، ولئلا يقال : هذا كتاب عار عن فوائدهم»(2).
وسلك هذا السبيل عدد من علماء أهل السنة الذين يؤمنون بأن المهدی علیه السلام هو محمد بن الحسن العسکری علیه السلام ، ومنهم سبط ابن الجوزي الحنفي، فقد ساق ما ذكر في التوراة، وما رواه محمد بن إسحاق ممن عمروا أعمارا طويلة (3).
ومنهم الحافظ محمد بن يوسف الكنجي القرشي الشافعي، فقد قال وهو يتناول هذه المسألة: «إنه لا امتناع في بقائه بدلیل بقاء عيسى وإلياس والخضر من أولياء الله تعالى. وبقاء الدجال وإبليس الملعونين». قال : «وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنة وقد اتفقوا عليه ثم أنكروا جواز بقاء المهدي وها أنا أبين بقاء كل واحد منهم».
ثم قال : «أما عیسی، فالدليل على بقائه قوله تعالى:«وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ » [النساء: 109]».
وذكر ما مضمونه أن ذلك لم يتحقق منذ نزول الآية إلى يومنا هذا، فلا يكون في آخر الزمان..
واستدل أهل السنة بما رواه مسلم في صحيحه بإسناده عن النواس بن سمعان في حديث طويل عن الدجال قال فيه: «إذ بعث الله المسيح بن مریم عند المنارةالبيضاء شرقي دمشق بين مهرودتین واضعا كفيه على أجنحة ملكين»(1).
واستدل على بقاء عیسی علیه السلام بما روته الصحاح والمسانيد، ومنها قول الرسول صلی الله علیه و آله : «كيف أنتم إذا نزل ابن مریم فیکم وإمامکم منکم»(2).
وقال : أما الخضر وإلياس فقد قال ابن جرير الطبري: «الخضر وإلياس باقيان يسيران في الأرض». وساق حديثا رواه مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري، قال : حدثنا رسول الله صلی الله علیه و آله، يوما حديثا طويلا عن الدجال فكان في ما حدثنا أنه قال : يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة ، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس فيقول له : أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله حديثه . فيقول الدجال : أرأيتم إن قتلت هذا ثم
أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه فيقول حين ذلك (أي الرجل المقتول والمحيا) : والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن.. قال : فيريد الدجال أن يقتله ثانيا فلا يسلط عليه »(1).
قال : قال أبو إسحاق (وهو أبو إبراهيم محمد بن سعد) يقال : إن هذا الرجل هو الخضر.
واستدل على بقاء الدجال بحديث رواه مسلم في صحيحه وقال : إنه بهذه الصفة لم يخرج لحد الآن(2).
وذكر أن الدليل على بقاء إبليس اللعين آي الكتاب نحو قوله :«قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ*قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ » [الأعراف: 19 و 10].
أما بقاء المهدی علیه السلام فقد جاء في الكتاب والسنة :
أما الكتاب، فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله عز وجل : «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ» [التوبة: 33]: هو المهدي من عترة فاطمة علي ، وأما من قال: إنه عیسی علی فلا تنافي؛ إذ هو مساعد للإمام كما تقدم. وقد قال مقاتل بن سليمان ومن شايعه من المفسرين في تفسير قوله عز وجل : «وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ» [الزخرف: 91]: هو المهدی علیه السلام يكون في آخر الزمان وبعد خروجه يكون قيام الساعة، وأماراتها(3).
قال رحمه الله : «فما المانع من بقاء المهدي علیه السلام مع كون بقائه باختيار الله، وداخل تحت مقدوره سبحانه ، وهو آية الرسول صلی الله علیه و آله ؟». ثم ذكر حكمة بقاء عیسی علیه السلام والدجال. وقال: «فعلی هذا هو (یعنی المهدی علیه السلام ) أولى بالبقاء من الاثنين ؛ لأنه الداعي إلى الملة المحمدية التي
هو إمام فيها، وأما عیسی فمصدق له وسبب لإيمان أهل الكتاب، أما الدجال فلاختبار العباد وامتحانهم».
قال : فصار بقاء الإمام المهدی علیه السلام أصلا وبقاء الاثنين فرعا على بقائه ، فكيف يصح بقاء الفرعين وعدم بقاء الأصل؟»(1)
وذكر إشکالا تافها لا أصل له ردده المشككون، وهو امتناع بقائه في السرداب من دون أن يقوم أحد بطعامه وشرابه ، وأجاب : «إن الله الذي أحيا المسيح في السماء وأبقى الدجال مقيدا حيا يمكن أن يتكفل له بذلك بما شاء ، فقدرته وخزائنه لا تضيق عن ذلك»(2).
والصحيح في الإجابة : إن البقاء في السرداب لا أصل له ، ولا يوجد في شيء من الأخبار الواردة في المصادر التي تتحدث عن الإمام المهدی علیه السلام وغيبته، ولو افترضنا صحة أن يكون قد دخل بيته علیه السلام الذي هو في موضع هذا السرداب، ولم ير بعدئذ فلا يعني ذلك بقاءه، ومكثه فيه ...
وما نسج حول ذلك من أساطير (3)
ما آن للسرداب أن بلد ***الذي كلمتموه بجهلكم ما آنا
فعلى عقولكم العفاء فإنكم ***ثلثتم العنقاء والغيلانا
، ونظم من شعر ساخر بناء عليه، لا يجد أساسا حتى ولو كان واهيا تبرأ فيه ذمة صاحبه العلمية أمام الله ، بل هو محض افتراء، وقد أشارت روايات أهل البیت علیهم السلام من قبل إلى ما يتعرض له المؤمنون من أذى في ذلك(4)1) بتصرف واختصار، الكنجي الشافعي، البيان في أخبار صاحب الزمان، الباب 25، ص 521 - 532 .
2) المصدر نفسه .
3) عموا أن شيعة أهل البيت علیهم السلام يقفون كل صباح إلى الليل بخيولهم على باب ذلك السرداب منادين : أخرج یا مولانا . قال ابن حجر الهيتمي في الصواعق المحرقة، ص 168، ط 2، مصر سنة 1965م: لقد صاروا بذلك وبوقوفهم بالخيل على ذلك السرداب وصياحهم بأن يخرج إليهم ضحكة لأولي الألباب . ولقد أحسن القائل :
4) راجع ما ورد عن الإمام الحسین علیه السلام من هذا الكتاب ، وما ورد عن الإمام الجواد علیه السلام في ص 86 و 94 منه.
وربما كان الأساس في هذا الافتراء زيارة المؤمنين لدار الإمام علیه السلام ودعاءهم بتعجيل الظهور مما هو مستمر حتى الآن، وهو ما لا علاقة له بالفرية .
وقد تناول العلامة الحجة السيد محسن الأمين (رحمه الله) هذه الفرية ، ورد عليها في قصيدته التي مثلت هي وشرحها قوام كتابه «البرهان» ، فقال :
لنانسبوا شيئا ولسنا نقوله***وعابوا بما لم يجر مناله ذکر
بأن غاب في السرداب صاحب عصرنا***وأمسى مقيمافيه مابقى الدهر
ويخرج منه حين يأذن ربه***بذلك لا يعروه خوف ولا ذعر
أبينوا لنا من قال منا بهذه***وهل ضم هذا القول من كتبنا سفر
وإلا فأنتم ظالمون لنا بما***نسبتم وإن تأبوا فموعدنا الحشر(1)
وخاتمة القول في القضية ما ذكرناه ، في صدر حديثنا عنها، من أن ذكر الأمثال من أصحاب الأعمار الطويلة، لا يعطي أكثر من وقوع ذلك بالنسبة الأشخاص عدا الإمام علیه السلام لنفي استبعاد بعض الناس - لما لم يقع تاريخيا - حتى ولو قام عليه البرهان عقلا ونقلا ... وإلا فلا علاقة ولا تلازم بين ذلك وبين وقوعه للإمام علیه السلام ، والصحيح هو الرجوع إلى ما هو الأساس في ذلك؛ وهو ثبوته بالنصوص المتواترة عن المعصومين علیهم السلام من جهة، وأنه واقع تحت القدرة والمشيئة الإلهية من جهة ثانية .
على أن مصدر العلم بما وقع من الأمثال هو المصدر الذي ترجع إليه قضية الإمام علیه السلام كما ذكرنا، وهذه النصوص وما ورد في الإمام المهدی علیه السلام أكثر مما ورد في بعض هذه من حيث دلالته، والقطع بصدوره بحكم تواتره وبحكم الملازمة بين خلود الرسالة الإسلامية وبقاء شاهدها آخر الأوصياء علیهم السلام ، وقد قال رسول الله صلی الله علیه و آله في حديث الثقلين : «وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، لا في المفاهيم والأحكام فقط، بل في الوجود أيضا، وهو ما يثبته بقاء الإمام المهدی علیه السلام .
1) السيد محسن الأمين، البرهان على وجود صاحب الزمان، ص 104.
قال المحدث أحمد بن حجر الهيتمي المكي (المتوفى سنة 974 ه-.): في أحاديث الحث على التمسك بأهل البیت علیهم السلام إشارة إلى عدم انقطاع متأهل منهم للتمسك به إلى يوم القيامة ، كما أن الكتاب العزيز كذلك، ولهذا كانوا أمانا لأهل الأرض، كما يأتي، ويشهد لذلك الخبر السابق : في كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي»(1)(بقية الحديث): «ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وإن أئمتكم وفدكم إلى الله عز وجل فانظروا من توفدون»(2).
وخاتمة القول إن الأمثلة - في ما عدا ما هو ثابت في الكتاب أو السنة أو الواقع - لا مجال للقياس عليها لعدم وجود ما يثبتها، على أن القياس إنما يحتاجه في مسألة كهذه - ترتبط بالإرادة الإلهية - من لا يستطيع أن يؤمن أو يطمئن بقضية إلا إذا كان قد وجد نظيرها في الواقع، وهو خلاف المفروض في أمر قام الدليل القطعي عليه وجد النظير والمماثل أو لم يوجد
ولذلك فالأساس - في الإيمان بالغيبة الكبرى وحياة الإمام علیه السلام وبقائه حجة الله في الأرض - ما شاءه الله ، وهو ما ذكرناه في بداية الحديث .
أما التساؤل عن الحكمة من ذلك فهو موضوع البحث التالي.
إذا كان المقصود بالسؤال عن الحكمة في أن يكون للعالم مهدي منتظر أصلا، وهو ما يقوله بعضهم، مع ما يحتفظ به من تراث الرسالات السماوية ، بما فيها رسالة خاتم الأنبياء محمد صلی الله علیه و آله وما بينه . ضمن آفاقها - أوصياؤه الاثنا عشر من أهل البيت علیهم السلام ومع ما وصل إليه بحث الإنسان ونظره وتجاربه من إنجازات فكرية وعلمية وتقنية ... فالجواب :
أولا: أن نسأل عما إذا كان ذلك كله قد أنهى مشكلة الإنسانية، وما عانته وتعانيه على امتداد تأريخها من انحرافات فكرية ، وفساد أخلاقي، ومن اختلافات، وحروب وظلم بكل ما يقع تحت هذا العنوان من عناوین وممارسات، وحين يكون الجواب - كما يمليه الواقع - في كل أقطار الأرض وتحت كل قوانين أهلها : لا.
وحين لا نأمل أن نرى وضعا مختلفا في المستقبل مهما طال .. فإن الحكمة في ظهور المهدي المنتظر علیه السلام تصبح مفهومة .
ثانيا : إننا مع الاعتراف بما حصلت عليه البشرية من تقدم في الاتجاه المشار إليه فإن قوله تعالى: «وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا»[الإسراء: 85]. سيظل حقيقة مطلقة بالنسبة للإنسان؛ أي أنه سيبقى جاهلا مهما حصل من العلم (1).
وقد تحقق العلماء من ذلك بالفعل واعترفوا به (2)
أما ما كشفته دراسات الباراسايكولوجيا من بقاء الروح بعد الموت، وإمكانات الرؤية والاتصال بها ، ثم قواها لدى الأحياء في الرؤية عن بعد، وقراءة الأفكار والاستبصار، فقد أدارت رؤوس العلماء بالفعل ولم يجدوا لها تفسيرا، واعترفوا بالجهل. لقد أصبحت هذه الظواهر تدرس في جامعات أمريكا وأوروبا، وتمنح فيها درجة الماجستير والدكتوراه ...
بعد ادعاءات عريضة.1) مما ورد في مناجاة الإمام الحسين علیه السلام في عرفة قوله: «إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيرة في فقري؟ إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولا في جهلي؟».
2) لمجرد المثال لهذا الاعتراف نذكر ماقاله باول ديفز أستاذ الفيزياء التحليلية في جامعة نیوکاستل وما قاله ديفد بوم زميل انشتاين الذي قال وهو يثني عليه إنه لم يكن يفهم نظرية الكم قبل قراءته لبوم يقول الأول : «قد نستطيع أن نخدش سطح الواقع ولكننا نترك على الدوام أعماقا غير مكتشفة من الأسرار، إن مدى رؤيتنا أضيق من أن نتمكن من التعامل مع قضايا عميقة في المعنى والهدف» . بول دیفزك ، القوة العظمى، ص 233، کتاب علوم المترجم (10). ويقول فيزيائيو نظرية الكم إن تطبيقاتها تؤدي إلى أمور مذهلة؛ منها: إن كمية الطاقة في سنتمتر مكعب واحد من المكان الخالي أعظم بكثير من المجموع الكلي للطاقة في كل المادة التي يحتويها الكون المعروف (والذي يضم 100 مليار مجرة أصغر مجرة فيها كمجرتنا تضم 100 مليار نجم عدا ما معها من كواكب). قالوا: وهذا يعني أن المكان الخالي ليس بخال البتة، بل هو بحر هائل من الطاقة، وفوق قمته تبدو المادة التي تعرف تهيجا كميا صغيرا أشبه بالموجة وأقرب ما يكون إلى نبضة ضئيلة. ويعتقد ديفيد بوم أن الفيزيائيين المعاصرين ينكرون هذه الخلفية الهائلة من الطاقة لأنهم مهتمون بالمادة وحدها، وهم في هذا كمن يطيل النظر إلى شق في جدار حتى يكاد ينسى أن هناك جدارا يحتوي هذا الشق (جون ب. بریجز : الكون المرأة ، ص 90، کتاب علوم المترجم (4)
وإذا كان لا مجال لأن تغني البشرية بحال عن هدى إلهي بحجة الله موصول به علما، بحكم ما يميزه به ابتداء من رتبة وجودية سامية من حيث المبدأ والمعاد، فإن الحكمة في الإمام المهدي المنتظر علیه السلام تصبح مفهومة كذلك.
إن عصر وصول الإنسان - من السعة في العلم - إلى الدرجة التي يكتشف فيها جهله إزاء أسرار الكون القائمة بخالقها سعة وعمقا وتعقيدا هو العصر المؤهل لظهور المهدی علیه السلام استلهاما لقوله سبحانه :«سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ » [فصلت : 53].
وهو، كما يبدو لي، بعض أسباب هذه الغيبة الطويلة ...
إن الانقياد العلماء من الشأن . عند الناس - ما كان لانقياد سحرة فرعون من الأثر، أما ما وراؤهم من الناس فليسوا إلا تبعا... وذلك - لو حصل -من
أهم أسرار النصر الشامل لدى الظهور مضافا لما يحمله الإمام علیه السلام من علم يخضع فيه له أمثال هؤلاء العلماء...
أما إذا كان السؤال عن الحكمة قد قصد به الحكمة في أن يكون هذا المهدي المنتظر - بدوره المستقبلي العظيم المعروف كما صورته الروايات - هو الإمام الثاني عشر علیهم السلام نفسه، من دون غيره ممن يمكن أن يولد في المستقبل ؟ كما هو في النظرية الأخرى.
فقد تقدمت الإجابة عنه في السؤال الأول الذي جاء بهذه الصيغة نفسها، ولا حاجة لإعادة ذلك. وإذا تمت تلك الإجابة ... وهي في الحقيقة ليست إلا تفسيرا لما وردت به الأحاديث المتواترة عن الرسول صلی الله علیه و آله ، والأئمة الاثني عشر من أهل البيت علیهم السلام من كون المهدي المنتظر هو الإمام الثاني عشر علیه السلام نفسه لا غيره. فإن بقاءه حتى القيام بذلك الدور يكون مفروض، ولا معنى للسؤال عن الكيفية في ما هو شأن و مشيئة إلهية .
وإذا قصد بالسؤال عن الحكمة الحكمة في الغيبة أصلا، أو بهذا الطول، فالجواب - كما قدمناه في الغيبة الصغرى - هو التقية بمعنی معاداة الظرف للإمام علیه السلام ليس بوصفه شخصا كما هو في الغيبة الصغرى، بل بوصفه صاحب رسالة... وإذا كانت الظروف اللاحقة_ به في علم الله بل وبملاحظة ما أشرنا إليه بالتحليل الموضوعي - لا تختلف بشيء، فإن الغيبة يجب أن تقع، وأن تستمر هذه المدة .
فالإمام المهدی علیه السلام نفسه قد قضى، بين الناس، في غيبته النسبية الصغرى، ما يعادل عمرا بشريا طبيعيا من دون أن يبلغ ضمن الظروف شيئا قياسا بما قدره الله له ووعده به بعد الغيبة الكبرى. إنّ استمرار الغيبة وطولها من دون تقدير لمدي محدد أو وقت معلوم من قبل المعصومين علیهم السلام يفرضه انتظار أن يتمخض مسار العالم وتطوره عن الظرف المؤهل لاستقبال الإمام علیه السلام . ومن المعروف أن عوامل تقدير الظرف وحصوله تدخل فيه أسباب منها الاختيارات الإنسانية - في ما هو سلب وما هو إيجاب - وفي
طول العالم وعرضه، ولذلك فإن من الممكن أن يتقدم أو يتأخر طبقا لما يحدث من بداءات (1)
والحقيقة أن أهل البيت علیهم السلام وشيعتهم تبعا لهم كغيرهم من المسلمين في الاعتقاد باستحالة البداء بهذا المعنى على الله سبحانه وتكفير من يذهب إليه، والأحاديث في ذلك كثيرة عنهم. (راجع: الكليني، أصول الكافي، م1، ص 148، والمجلسي، البحار، م4، ص 92- 134، ولكنهم مع ذلك يقولون بالبداء . فكيف يمكن أن نفهم ذلك؟
إن أساس الخطا لدى مخالفي أهل البیت علیهم السلام في المسألة : قياس فعل الخالق على المخلوق، فما يلزم منه الجهل أو الندامة من البداء إنما هو بداء الفاعل بمباشرة كالإنسان، لا الفاعل بما خلق من الأسباب أو بالقوانين الطبيعية المخلوقة كما هو بالنسبة إلى الله سبحانه .
إن الله سبحانه خلق العالم محكوما بقوانین تمثل في وجودها وآثارها إرادته فيه ابتداء في ما هو سلب وما هو إيجاب، ولما كان من جملة هذه القوانين ما هو مقتض ومنها ما هو مانع، ولما كانت تشكل وحدة مترابطة ومتفاعلة، وكان منها ما هو واقع تحت الخيار الإنساني، فإن من الطبيعي أن يحدث من خلال هذه العلاقة المحور والإثبات دائما ، فإذا وجد تقدیر کانت مقتضياته من هذه الأسباب موجودة ثم تغير لوجود الموانع من الأسباب الأخرى، سمينا ذلك بداء، وإنما نسبناه إلى الله سبحانه لأن الأسباب وآثارها من خلقه وتمثل إرادته ؛ أي البداء هو نفس ما جاء في قوله تعالى: «يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ»[الرعد: 39]، وأن ذلك إنما يكون بما خلقه الله وقدره من الأسباب لدي خلقه العالم، ولذلك فلا يلزم منه بالنسبة إليه سبحانه جهل ولا ندامة كما هو بالنسبة إلى الفاعل المباشر للفعل. وسمى أهل البیت علیهم السلام الإخبار بما وجدت مقتضياته من الأسباب مع إمكان وجود موانعه من الأسباب بالعلم الموقوف القابل للمحو، أما ما كانت مقتضياته ثابتة فهو المحتوم. ومهاجمة رأي يتبناه الأئمة من آل محمد بما توجيه الكلمة دون معرفة معناها تسع غير مسؤول. ولو أردنا أن نأخذ الكلمات على ظاهر معانيها لكان الإشكال واردا في استعمال كثير من الكلمات في القرآن الكريم.
إن اللغة ظاهرة اجتماعية نشأت للتعبير عن أحوال الإنسان وعلاقاته ، فلا تتطابق مع ما هو شأن إلهی إلا بتجوز وتأويل. والبداء في ذلك كالرضا والغضب، فهما في معنيهما أصلا، ولدى الإنسان حالتا انفعال وتحول من حال إلى حال ، ولا شك أنهما بهذا المعنى مستحيلان على الأزلی سبحانه، ولكن لما كان من شأن الرضا أن تتبعه المثوبة ومن شان الغضب أن تتبعه العقوبة سمي- بعلاقة السببية - ما ينزله الله من مثوبة بأسبابها رضا وما ينزله من عقوبة بأسبابها من فكر الإنسان ونواياه وعمله غضبا، وهذا هو الوارد عن أئمة أهل البيت علیهم السلام فيها وفي أمثالها. فليس البداء من أفكار الغلاة كما ذكر الدكتور عبدالله سلوم في كتابه: «الغلو والفرق المغالية» وغيره اتباعا لسابقين، ولكنه مبدأ قرآني .
.1) أنكر بعض المسلمين البداء وشنعوا على شيعة أهل البیت علیهم السلام ، وهم إنما يتبعون في ذلك ما ورد عنهم علیهم السلام، وسبب هذا الإنكار عدم معرفة ما يقصد بالبداء، وتصورهم أن البداء، وهو العدول عما أريد من تقدیر سابق إلى غيره، لا يكون إلا عن جهل بما اقتضى هذا العدول من أسباب أو عن ندم حدث بعد ذلك لأي سبب، وذلك مما يستحيل على الله سبحانه ...
ومما يدل على صحة المضمون العام لبعض ما ورد في الإجابات السابقة ما هو معلوم من أن الرسول صلی الله علیه و آله والأئمة من أوصيائه الأثني عشر علیهم السلام من بعده كانوا يريدون - كما شاء الله - طرح الحقائق الكونية ذات العلاقة بالإنسان من حيث صلته بالله ، ومن حيث علاقته بالقوانين الكونية بما فيها تلك التي تتصل بالآثار الوضعية لفكره ونواياه وأفعاله سلبا أو إيجابا .
ثم وضع الإطار الأخلاقي والتشريعي المنسجم - مع هذه الحقائق - الحياته الخاصة والعامة .. ولكنهم لم يجدوا في هذه المرحلة من الناس من يرتفع في مستوى إدراكه واستيعابه وعلمه إلى القدر الذي يمكن به بلوغ الغاية ، وذلك طبيعي في مرحلة التأسيس في مثل ذلك العصر، ولذلك تضمن القرآن الكريم وسنة الرسول صلی الله علیه و آله والأئمة الاثني عشر الأوصياء من بعده مستويين في الطرح في ما لا يمكن تعقله وفهمه - لدى الكثير من الناس بحكم المرحلة . طرح عام وآخر خاص (1).
1) لا أقصد بالعام والخاص ما يقصده بعضهم من أدعياء العرفان من تفسير مضلل للظاهر والباطن بما يجعل الثاني نافيا للأول، وأن ما لأهل الأول من التزامات وتكاليف عامة، أمرا ونهيا، لا يشمل أهل الثاني، فأنا أبرأ إلى الله من ذلك فهما وقلبا وعملا، وإنما أقصد أن القرآن والرسول صلی الله علیه و آله والأئمة علیهم السلام وهم يستعملون اللغة الموضوعة مفرداتها أساسا للتعبير عن أحوال الإنسان وشؤونه في ما يتصل بالله سبحانه وصفاته وأفعاله، أشاروا إلى أن ما يقصد منها بالنسبة إلى الله غير ما يقصد منها بالنسبة إلى الإنسان، وأن استعمالها على سبيل التجوز والتأويل - بحكم قوله سبحانه : «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ »[الشوری : 11]، وبحكم ما ورد في الحديث من نفي قياسه على الناس وتشبيهه بهم، وقد أشرت في الهامش السابق إلى أمثلة من ذلك؛ ومن الأمثلة الهامة قوله :«أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ » [الكهف: 110 ]، فإن أغلب الناس لا تفهم غير الوحدة العددية ؛ أي أنه واحد من حيث العدد، والواحد العددي يقبل الثاني، ووحدته سبحانه هي الوحدة الأحدية البسيطة التي لا تقبل ذلك لأن الألوهية بنفسها تقتضي وجوب وجوده سبحانه، وذلك ما لا يتصور إلا في ما هو عين الوجود وصرفه ؛ لأن وجود ما له ماهية إنما هو بالعرض لا بالذات، فيكون مركبا وممكنا، وأن كونه سبحانه عين الوجود وصرفه ينفي أن يكون معه آخر لأنه لا يقبل التكرار والانقسام والتعدد، وأن الماهيات في العالم بحكم قیام وجودها به لا تكون ثانيا له لأن ما يقوم بشيء لا يكون - بالبداهة - ثانيا له. وللتقريب، وإن لم يكن مطابقا، نشير إلى أن ضوء المصابیح، وحرارة المدفأة، ومغناطيسية الأقطاب ليست ثانية للكهرباء بحكم قيامها بها، ومثلها الصور التلفزيونية بالنسبة إلى البث داخل الشاشة وخارجها؛ أي ليست هي ثانية للبث بحكم قيامها به. والمثلان؛ الأول: بالنسبة للآثار التي هي العلل الأولى القائمة بخالقها والمقومة لما بعدها، والثاني : بالنسبة للعالم المركب ذي الصور المصنوعة من مادية وغير مادية . وإن هذا المعنى من الوحدة الأحدية يحكم به العقل - كما تقدم - ثم النقل، فقوله تعالى : «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ » [لقمان: 30]، وقوله تعالى : «هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ »[الحديد: 3]، وقوله : «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ*اللَّهُ الصَّمَدُ *لَمْ يَلِدْ (أي لم ينفصل عنه وجود مستقل کالولد) وَلَمْ يُولَدْ (لم ينفصل هو ويستقل عن وجود آخر)»[الإخلاص: 1-3] لا تفهم دون ذلك، وبدون ذلك لا نفهم أيضا قوله : «وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ » [الحديد: 4]، ولا قوله: «أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ » [فصلت : 54]، وقوله: «وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » [سبأ: 47]، وقوله: « إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ» [الملك: 19]. إن وحدة الوجود الصرف لا تعني إلا وحدة الله الحي القائم بذاته ، وكل ما بعده ماهيات يعرض عليها الوجود به، فهي (مركبة)؛ ولذلك فهذه الوحدة تختلف عن وحدة الوجود الهندوسية أو المطلقة التي توحد بين الممكن والواجب وبين الصرف والمركب، فهي ملحدة كما سيأتي. وهناك ما يتصل بالولاية كما بيناها في هامش ص 154 وفي مايتصل بالعام والخاص، والمطلق والمقيد ،والمجمل والمبين، والآثار الوضعية للأعمال.
إن طرح ماهو أعمق مما هي اللغة العامة والفكر العام - ابتداء - في رسالة عامة إلا للخاصة مما ينافي الحكمة قطعة، ولذلك ورد عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال : لا والله ما كلم رسول الله العباد بکنه عقله قط، قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم»(1)، وقال الإمام علی علیه السلام في حديثه لكميل بن زياد : «إن هاهنا لعلما جما لو أصبت له حملة ، بلی أصبت لقنا غير مأمون عليه مستعملا آلة الدين للدنيا، ومستظهرا بنعم الله على عباده ، وبحججه على أوليائه ، أو منقادة لحملة الحق لا بصيرة له في أحنائه ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة»(2).
ومثل ذلك ورد عن آخرين من أئمة أهل البيت علیهم السلام ومما يؤيده ويشهد له ما نعرفه من نوع أسئلة الناس وإشكالاتهم ومنازعاتهم ومستواها، بدءا من عصر الرسول عه حتى آخر أوصيائه علیهم السلام .
لذلك كان لا بد . وقد استكملت ركائز الرسالة الإسلامية نظريا خلال المراحل التاريخية لوجود الرسول صلی الله علیه و آله وأوصيائه ، والتي امتدت أكثر من ثلاثة قرون من دون أن تبلغ الأمة بها الغاية، أو مايقرب منها. كان لا بد أن تقطع الصلة الظاهرية بالإمام علیه السلام بصورتها المفتوحة والنسبية؛ لتتفاعل الأمة ضمن السلب والإيجاب مع الرسالة فكراً ومعايشة وفي الداخل والخارج حتى يتبلور الفهم الصحيح أو الأقرب للصحة، وبذلك تنضج الظروف الموضوعية - عبر مخاض طويل - لظهور الإمام علیه السلام ليس على مستوى المسلمين فقط بل على مستوى العالم. ولا شك في أن ذلك - بطبيعة الحال - يتطلب زمنا طويلا - كما قلنا - وهو ما أنذرت به الروايات.
وهناك أمر آخر صرحت به كثير من الروايات، وهو أن ظهور الإمام علیه السلام نذير بين يدي الساعة، فإن رحمة الله بخلقه التي أوجبت إرسال الرسل من قبل هي التي اقتضت بعد ختم النبوة بمحمد صلی الله علیه و آله وانتقال أحد عشر من أوصيائه علیهم السلام إلى الدار الآخرة أن يظل الثاني عشر من أوصيائه علیهم السلام الحجة الباقية في الأرض، وأن يظهر قبيل الساعة بعد طول الأمد وقسوة القلوب.
ولذلك سمی ب-«النذر الأكبر»، ومنحه الله من الآيات ما يؤدي به هذه المهمة، كصلاة المسيح خلفه، واحتفافه بالملائكة، وبداية البعث الجزئي المسمى بالرجعة في زمنه كآية بين يدي البعث الشامل. وقد ذكر الشيخ المفيد (رحمه الله) أنه بعد رحيل الإمام اليه بأربعين يوما تقوم القيامة الكبرى، وإذا كان الأمر كذلك فإن القيامة مربوطة بتقديرات كونية كبرى تتصل بالمجموعة الشمسية ، فلا مجال للإخبار عنها، لا يجيها لوقتها إلا هو، لكنهم ذكروا علامات کلبوث الفلك وطول السنين وغير ذلك.
ذلك ما وردت به الأحاديث بلسانه ولسان آبائه علیهم السلام، وهم يبشرون به قبل مولده علیه السلام ، وذلك أنه كما قالوا: كالشمس إذا غيبها السحاب (1)لا تعدم الدنيا ضوء أشعتها النافذة ، فيبقى النهار قائما بها رغم ذلك .
إن الإمام علیه السلام ليس رجلا عادياً، فقد وهبه الله سبحانه - بحكم مقامه
مبدأ و معادا (2)، وبحكم دوره حجة له يمثل رسوله صلی الله علیه و آله - قدرات لا توجد لدى غيره من الناس(3)، ومن الخطأ مقایسته من هذه الناحية بالآخرين، ولذلك فهو كما مر من مثال الشمس (4)،وغيره مما ورد عن أئمة أهل البيت علیهم السلام وأهل المعرفة من العلماء يقوم بدور الإمامة في غيبته، لا السياسية والشرعية ، كما هي في عالم الظهور، بل في الجانب الآخر بحكم کونه الوسيلة في ما يصعد من الناس، وما ينزل إليهم(5)أنه يطلع على أحوالهم فيسند ويسدد ويشفع، رأى الناس ذلك أم لم يروه، وعرفوا ذلك أم لم يعرفوه.. .
قال الشيخ المجلسي، رحمه الله ، في بيان الوجه الأول من تشبیه الانتفاع بالإمام في غيبته بالانتفاع بالشمس وراء السحاب: «إن نور الوجود والعلم والهداية يصل إلى الخلق بتوسطه علیهم السلام ؛ إذ ثبت بالأخبار المستفيضة
1) راجع التوقيع الصادر إلى الشيخ العمري، ص 157 من هذا الكتاب
2) راجع هامش ص 164 من هذا الكتاب .
3) راجع ما ورد حول ذلك: ابن فروخ الصفار (المتوفى سنة 290)، بصائر الدرجات، فموضوع ما رواه فيه كاملا يتصل بذلك. وراجع: الكليني، أصول الكافي، م1، ص 168 - 451.
4) ورد هذا التشبيه عن عدد من آبائه وعنه، كما مر ص 165 في التوقيع الصادر منه للشيخ العمري، وقد ذكر الشيخ المجلسي - عدا ما ذكرناه أعلاه - سبعة وجوه أخرى في بيان ما يفاد منه ، م 52، ص 93 و 94.
5) ورد ذلك في ما رواه الحسين بن روح، كمافي الغيبة، للطوسي، ص 238 .
أنهم العلل الغائية لإيجاد الخلق، فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم، وببركتهم والاستشفاع بهم والتوسل إليهم تظهر العلوم والمعارف على الخلق وتكشف البلايا عنهم، فلولاهم لاستحق الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب كما قال تعالى: «وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ » [الأنفال : 33].
قال: «ولقد جربنا مراراً لا نحصيها أن عند انغلاق الأمور وإعضال المسائل والبعد عن جناب الحق تعالى، وانسداد أبواب الفيض لما استشفعنا بهم، وتوسلنا بأنوارهم، فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت تنكشف تلك الأمور الصعبة. وهذا معاین لمن كحل الله عين قلبه بنور الإيمان، وقد مضى توضيح ذلك في كتاب الإمامة»(1).
وما أكثر ما روى العلماء من وقائع مشكلة حلت ببرکاته ، بصورة مباشرة، أو غير مباشرة، منذ بداية غيبته الكبرى وحتى أيامنا، مما سنشير إلى بعضه في ما يلي .
1) المجلسي، البحار، م 52، ص 93
ذلك ما ادعاه، من أهل السنة ، بعض أهل الكشف من الصوفية ، وقد ذكر الشيخ الشعراني جماعة رأوه، بل بايعوه، وسمي بعضهم؛ كالشيخ حسن العراقي .(1)ونقل الشيخ سليمان القندوزي الحنفي (المتوفى سنة 1294 ه-.)، وهو من شيوخ النقشبندية أنه قال في كتابه «الأنوار القدسية»: إن بعض مشايخنا قالوا: «نحن بايعنا المهدی علیه السلام بدمشق الشام وكنا عنده سبعة أيام»(2).
وروى الشيخ سليمان، أيضا، أن الشيخ عبد اللطيف الحلبي حدثه ، سنة 1273 ه-. ، أن أباه الشيخ إبراهيم، وهو من كبار مشايخ حلب على الطريقة القادرية ، حدثه أن أباه الشيخ إبراهيم قال : سمعت بعض مشايخنا من مشايخ مصر يقول: بايعنا الإمام المهدی علیه السلام (3).
وذكر العلماء والمحدثون؛ ومنهم الشيخ المجلسي (4)والشيخ الحر العاملي(5)والشيخ النوري الذي ألف كتاباً خاصاً في ذلك أسماه «جنة المأوى في من فاز بلقاء الإمام الحجة علیه السلام أو معجزته في الغيبة الكبرى»(6)أسماء عدد من العلماء والصلحاء الذين تشرفوا بلقائه علیه السلام ، ولا مجال للتوقف عند تکذیب من بلغ من هؤلاء عن الإمام علیه السلام أحكاما تنافي العقيدة أو الشريعة، أو تعطل العمل بالأحكام الإسلامية كلا أو بعضا، لما سنذكره في
1) الشعراني (عبد الوهاب) ، الیواقیت والجواهر ، مبحث 265، ص 145، ط 2 ، المطبعة الأزهرية .
2) القندوزي (سليمان بن إبراهيم)، ينابيع المودة ، ب 85، ص 564، ط. النجف.
3) المصدر نفسه .
4) بحار الأنوار، م 52، ص 159 - 180.
5) 7جنة المأوى، ص 273، من م53من البحار.
6) طبعت مع ج53، من البحار، ص 199 - 336، دار الكتب الإسلامية .
الفصل الخامس الآتي، ولورود أحاديث حذرت من هؤلاء خاصة . بل رأي بعضهم تکذیب المبلغ للأحكام عنه في الغيبة الكبرى مطلقا(1).
ولكن الأمر المشكل لدى هؤلاء العلماء وغيرهم، في ما عدا هؤلاء ممن ادعى الرؤية دون ما شيء من الدعاوى أو التبليغ أو الابتداع.
ولا يأتي الإشكال من إمكان الرؤية في نفسها أو عدم إمكانها، فهي من دون إشكال ممكنة ... ولكنه يأتي من أن الإمام المهدی علیه السلام نفسه كذب من يدعي رؤياه قبل خروج السفياني والصيحة ، فقد قال في التوقيع الذي تلقاه نائبه الخاص علي بن محمد السمري في ما رواه الشيخ الصدوق عن أبي محمد الحسن بن أحمد المكتب (2)
قال السيد الموحد الأبطحي في «تهذيب المقال، ج2، ص 373 و 374: الموجود في الكتب وروايات الصدوق رحمه الله الحسین مصغرا، إلا ما تقدم عن موضوع من الإكمال (يعني ما ذكرناه أعلاه)، والغيبة للطوسي (في نقله ذلك عن الصدوق)، قال : وهو (يعني تسمية الحسن) الأنسب لتكنيته بأبي محمد. ولعدم الملازمة بين التكنية والاسم فالأظهر ما عليه كتب الأصحاب ورواياته من الضبط بالحسين . قال : ولقب بالمكتب، وذكر أن ذلك ورد في الخصال والعيون وأيضا بالمؤدب كما في لسان الميزان والإكمال وعيون أخبار الرضا والغيبة للطوسي ومشيخة الفقيه ومعاني الأخبار.
الذي كان حاضراً لدى إخراج الشيخ السمري التوقيع : «فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر(3)، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»(4)1) کالمجلسي، م 52، ص 161، وآخرين، يشعر بذلك حمله التكذيب على مثل هؤلاء
2) من مشايخ الصدوق ، روى عنه في كتبه كثيراً مترضياً مترحما عليه ، قال علي بن الحكم في مشايخ الشيعة»: كان مقيماً بقم، وله كتاب في الفرائض أجاد فيه. وأخذ عنه أبو جعفر محمد بن علي بن بابویه وكان يعظمه. ويفهم من حضوره لدى السمري عند وفاته وعند إخراجه للتوقيع أنه كان ذا خصوصية .
3) أورده الطوسي في الغيبة، ص 243، بلفظ (كذاب)، ومثله الطبرسي في الاحتجاج، ج 2، ص 297، والمجلسي في البحار، م52، ص 151.
4) الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة ، ص 480.
ومن جهة أخرى، فإن من هؤلاء الذين ادعوا الرؤية أهل علم ومعرفة وأهل دين وصلاح.. وهم من الكثرة بحيث يصعب عدم الإصغاء إليهم، ولذلك اختلفت مواقف العلماء حول ذلك :
فالشيخ النوري، رحمه الله ، وهو ممن يميل إلى تصديق قصص الرؤية ، كما يبدو من كتابه جنة المأوى، حاول في وجهين إسقاط قيمة الرواية أو اعتبار هذا المنع مقصورا على زمنه كما ورد بلسان شمس الدين محمد في قصة الجزيرة الخضراء.(1)
قال، رحمه الله ، بعد التوقيع السابق بتكذيب مدعي المشاهدة : وهذا الخبر بظاهره ينافي الحكايات السابقة وغيرها مما هو مذكور في البحار ... والجواب عنه من وجوه:
الأول : إنه خبر واحد مرسل(2)غير موجب علما، فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي يحصل القطع من مجموعها، بل ومن بعضها المتضمن لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره، فكيف يجوز الإعراض عنهالوجود خبر ضعيف لم يعمل به ناقله ؛ وهو الشيخ (يعني الطوسي) في الكتاب المذكور كما يأتي كلامه فيه فكيف بغيره، والعلماء الأعلام تلقوها بالقبول (يعني القصص) وذكروها في زبرهم وتصانيفهم معولين عليها مقتنعين بها؟
1) كتب المعلق السيد البهبودي في الهامش عند إيراد قصة الجزيرة الخضراء ص 159، 52م من البحار ما يلي: هذه قصة مصنوعة تخيلية قد سردها کاتبها على رسم القصاصين، وهذا الرسم معهود في هذا الزمان أيضا يسمونه (رومانتيك)، وله تأثير عظيم في نفوس القارئین لانجذاب النفوس إليه، فلا بأس به إذا عرف الناس أنها قصة تخيلية». وعلق في ص 170 من هذا الجزء من ورود ما يشير إلى التحريف بقوله: «يظهر من كلامه ذلك أن منشئ هذه القصة كان من الحشوية الذين يقولون بتحريف القرآن لفظاً فسرد القصة على معتقداته» جزى الله هذا المعلق خيراً.
2) يقصد بقوله إنه «خبر واحد» «رواية واحدة»، بدليل الضمير في «إنه»، ووصفه بأنه مرسل وليس بالمصطلح الأصولي. والتحقيق أنه ليس كذلك كما ستری .
الثاني: ما يظهر من قصة الجزيرة الخضراء. قال الشيخ الفاضل علي بن فاضل المازندراني : فقلت للسيد شمس الدين محمد، وهو العقب السادس من أولاده علیه السلام : يا سيدي، قد روينا عن مشايخنا أحاديث رویت عن صاحب الأمر أنه قال لما أمر بالغيبة الكبرى : من رآني بعد غيبتي هذه كذب، فكيف فيكم من يراه؟...
فقال : صدقت أنه علیه السلام إنما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه ، من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العباس، حتى أن الشيعة يمنع بعضها بعضا عن التحدث بذكره. وفي هذا الزمان تطاولت المدة، وأيس منه الأعداء، وبلادنا نائية عنهم وعن ظلمهم وعذابهم (1).
ويمكن أن يناقش ما أورده الشيخ النوري، رحمه الله ، في هذين الوجهين
مع تقديم بعضه - كما يفرضه سياق المناقشة - على بعضه الآخر بالآتي:
أولا : إن كون الخبر مرسلا ليس صحيحا، فقد رواه الشيخ الصدوق (المتوفى سنة 381ه-.)(2). عن شيخه أبي محمد الحسن أو الحسين على الأصح، وهو عن الشيخ السمري مباشرة وعنه بالإسناد نفسه رواه الشيخ الطوسي (المتوفى سنة 460 ه-.) (3)
والمفروض أن ما يصدر عن النواب الخاصين الأربعة بحكم توثيقهم، والنص عليهم من قبل الإمام المهدی علیه السلام بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بمنزلة ما يصدر عن الإمام علیه السلام نفسه حتى لو كانت هناك . كما افترض بعضهم - واسطة مجهولة ، أو غير مسماة بينهم وبين الإمام علیه السلام دائماً أو في بعض الأوقات؛ لأنها ستكون عندئذ (أعني الواسطة) أكثر خصوصية
بالإمام علیه السلام أو لا أقل مساوية للنائب الظاهر من حيث الوثاقة ، وقد تكون إحدى الوسائل الباراسايكولوجية الواقعة تحت سلطان الإمام علیه السلام .
وإن لم نجد أساسا صريحاً لوجود هذه الواسطة .. وحتى إذا لم نعط النائب الخاص ما أشرنا إليه من منزلة - وهو خلاف المفروض . فلا أقل من كونه أحد الرواة الموثوقين عن الإمام علیه السلام ، أو عمن هو عنه يقينا، وإلا كان رفضا لأصل النيابة الخاصة ، وتشكيكاً بالنص على النائب.
ولذلك، فلا مجال لاعتبار الخبر مرسلا لوجود الإسناد والمعاصرة، واللقاء بين الرواة إلى أن ينتهي إلى الإمام ع، ومثل ذلك وصف الخبر بالضعيف من قبل الشيخ رحمه الله ، فإنه غير مسلم؛ لأن الضعيف كما عرفه الشهيد الثاني: «هو ما يشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه، أو مجهول الحال، أو ما دون ذلك كالوضاع»(1).
وليس في سند هذا الخبر ما هو بهذه الصفة، فالشيخ الصدوق والشيخ السمري (رحمهما الله) منصوص على عدالتهما ومن بينهما، وهو الحسن بن محمد المكتب إذا لم يكن في توثيقه وتعديله كونه أحد مشايخ الشيعة، وأنه كان شيخا للصدوق روى عنه في جميع كتبه، وأنه كان يعظمه ويتبع ذکره کلما جاء بالترضي عنه والترحم عليه ، وإذا لم يكف أنه من حضار مجلس الشيخ السمري (رحمه الله)، وأنه حضره قبيل وفاته وتلقى التوقيع الشريف عنه، وذلك ما يكشف عن خصوصيته ، قلنا: إذا لم يكن ذلك كله في توثيقه ليكون الخبر من الصحيح، فإنه لا أقل من كونه من الحسن لأن كون المكتب إمامياً ممدوحا مما لا شك فيه(2). نقول ذلك تنزلا ، وإلا فالخبر من الصحيح من دون إشكال (3).
1) الشهيد الثاني ، الدراية في علم مصطلح الحديث، ص 24.
2) المصدر نفسه، ص 21.
3) ممن حكم بصحته لقيام القرائن على ذلك، ودلل عليه ، بل اعتبره مقطوعاً به، العلامة الحجة الميرزا محمد تقي الموسوي الأصفهاني في كتابه : «مکیال المکارم»، ص 542 و543، ولا يسعني إيراد استدلاله لاطلاعي عليه بعد طبع المسودة الأولى.
ثانيا: إن كون التوقيع خبراً واحداً (ويقصد أنه رواية واحدة لا بالمصطلح الأصولي الذي يقابل المتواتر) إذا كان من حيث ألفاظه، ومن حيث ظهوره في إطلاق التكذيب لمدعي المشاهدة الذي يلزم منه امتناعها مطلقا فهو صحيح، وإن كان من حيث الوارد مطلقا في نفي الرؤية لدى الغيبة الكبرى - وإن كان من البعيد أن يقصد ذلك . فليس كذلك أن نفس قوله علیه السلام في التوقيع الصادر عنه والوارد مضمونه في شأنه عن آبائه علیهم السلام : «إن الانتفاع به في غيبته كالانتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب»، دليل على نفي الرؤية مطلقا، وإن هداه ومد يده يصل إلى القلوب من دون رؤية(1).
وقد وردت عدة روايات أخرى تنفي الرؤية في الغيبة الكبرى إلا لخاصة مواليه ، وهم - كما سيأتي - أخص من خاصة شيعته ، مما ينتهي إلى نفيها عمن عداهم، أو بصورتها العامة حتى للخاصة بمفهومهم المتعارف ، وبذلك تلتقي ۔ مضمونة - بهذا التحليل مع التوقيع في التكذيب المطلق لمدعي المشاهدة غيرهم، ويقيد إطلاقها بالنسبة لهم بها لأنها حاكمة.
ثالثا : رأي الشيخ (رحمه الله) أن هذا الخبر - بما سبق أن وصفه به - خبر واحد لا يوجب علما، فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي قال (رحمه الله) إنه يحصل القطع من مجموعها، بل ومن بعضها والمتضمنة الكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها من غيره ..
ويناقش بأن القطع في أنهم رأوا شخصا، وبأن كرامة حصلت عند ذلك، لا يعني القطع في أنهم رأوا الإمام علیه السلام نفسه ، فهم لم يروا شخصه من قبل ليعرفوا صورته، بل قد يكون رأوا من هو عنه من الإنس أو الجن أو من هو بشفاعته أو من أجاب للولاية بحبه. وظهور الكرامة لا يشترط أن يكون الإمام علیه السلام مباشراً، فقد كانت الكرامات تجري على أيدي النواب الأربعة
1) راجع ص 164 من هذا الكتاب ، والمجلسي، البحار، م52، ص 93 و 94.
له لا لهم؛ أي بحكم الصلة به، ومقتضيات الدلالة على سفارتهم عنه ، وهنا قد يكون الأمر كذلك (1). وبخاصة أن أكثر هذه القصص ليس فيها ما يشير إلى أن المشاهد هو الإمام علیه السلام إلا تصور أصحابها بعدئذ بدلالة الكرامة ، بل إن بعضها يدل بوضوح على نفي كون المشاهد شخصا بشرياً حياً في عالم الدنيا والمادة كتلك التي يبرز فيها الشخص فجأة ثم يتلاشى ويغيب فجأة، أو يتحول إلى نور أو تقتصر رؤيته على شخص من بين عدد من الحاضرين دون غيره؛ لأن ذلك كله مما يأباه الجسم البشري المادي بطبيعته حتى بالنسبة للنبي صلی الله علیه و آله ، أو الإمام علیه السلام ، ولم يحدثنا تأريخهم - بحكم ذلك - بنظيره، ولذلك ورد عن الصادق علیه السلام أنه قال : «لا تراه عين في وقت ظهوره إلا رأته كل عين، فمن قال لكم غير هذا فكذبوه» (2)لأن رؤية الجسم البشري المادي متساوية بالنسبة للمبصرين من الناس (وإن كانت للرواية دلالة أخرى تتصل بإمكانات عصر الظهور سيأتي الحديث عنها).
نعم يمكن أن يكون ما أشرنا إليه من الظهور والاختفاء فجاءة واقتصار رؤيته على فرد دون آخر إنما هو للجسم البرزخي أو المثالي المطروح بالإرادة لدى الأحياء (3)أو بالموت الطبيعي ..
ومع أن ذلك - أعني الحضور بالجسم المثالي - مما يمكن أن يفعله الإمام علیه السلام لو شاء.. وبه يعلل - كما يرى بعضهم - الحضور والاستجابة
1) راجع البحث الثاني من الفصل الثاني (نوابه وبعض توقيعاته).
2) المجلسي، البحار، م3، ص 60.
3) نقل بعض العلماء عن السهرودي والسيد الداماد قولهما: «إنا لا نسمي الحكيم حكيماً حتى يموت بإرادته ويحيا بإرادته». وقصدا بالموت الإرادي ما أثبتته الدراسات الباراسايكولوجية في هذا العصر، وأسمته ب-«الخروج الواعي من الجسد»، وصوروا عددا من وقائعه، لا لدي الحكماء فقط، بل لدى أصحاب مواهب روحية من الرجال والنساء (اقرا الدكتور رؤوف عبيد، مفصل الإنسان روح لا جسد»، م1، ص 890 - 1011، والدكتور الکسیس کارل، «الإنسان ذلك المجهول»، ص 294، ط3، مكتبة المعارف - بیروت، سنة 1984م). وستأتي الإشارة إلى المزيد من المصادر، وكذلك الحديث عن ذلك بصورة أوفي في الجزء الثاني (أدعياء المهدوية والبابية).
لطالبها أو لمن شاء الإمام علیه السلام أينما كان في البر والبحر، فإنه لا دليل عليه في بعض هذه القصص من جهة ، ولا يحصل إلا لذوي الشفافية والروحيين من أهل الجلاء البصري، أو السمعي من جهة ثانية، ويمكن أن تخالطه أمور تبعده عن الحقيقة(1)حتى لدى الصلحاء فضلا عن غيرهم من جهة ثالثة ؛ لذلك كان ينبغي الحذر منه بل رفضه حين يتضمن ما هو مناف للعقيدة أو التشريع - وبناء على ذلك - فإن وقوع مثل هذه الرؤية لا ينافي ما ورد من تکذیب المشاهدة لأنها غيرها. ومن المتيقن به أن أكثر هذه القصص حتى مع صحتها ووثاقة أهلها تدخل ضمن هذا النوع.
ثم إن هذا المشاهد أحيانا - بالصورة التي ذكرناها . قد يكون جنیاً أو ملكا أو حتى صوراً برزخية أو مثالية من أهل العالم الآخر قد جاءت بأمر الإمام علی علیه السلام (2)أو بغير أمره(3)، وإنما بأسبابها الكونية كالدعاء، وإن لم يجاوزه العلم بها بحكم إمامته أو جاءت بشفاعته والولاية له وغير ذلك.
وبذلك تخرج أكثر هذه القصص، خلافا لشيخنا رحمه الله، عن حد التواتر الموجب للقطع، لإمكان أن تكون الرؤية من نوع ما أشرنا إليه ، ولا يصلح ما بقي منها لمعارضة الرواية لأنها أقل وثاقة بحكم كونها آحادا لم تؤثر عن معصوم، ولا مكان حملها على ما لا ينافي المنفي من المشاهدة، أو بإدخال أهلها في خاصة الموالي الذين استثنتهم الروايات الأخرى التي أفيد منها تقييد إطلاق التكذيب الذي يلزمه امتناع الرؤية في التوقيع . وأظن أن ما
1) تقدم في البحث الثالث من الفصل الأول (رأي أهل الكشف يوافق الإمامية) بعض أسباب هذا الحذر تأشيراً، وسيفصل ذلك في الجزء الثاني .
2) ورد في حياة الأئمة من أهل البيت علیهم السلام إرسالهم بعض المؤمنين من الجن إلى بعض أتباعهم الإبلاغه رسالة عنهم.
3) يحدث لدى بعض أفراد الأمم غير الإسلامية ممن يلجأون إلى الله بصدق في معابدهم ظواهر إجابة خارقة تبرز لدى المسيحي باسم المسيح واليهودي باسم موسى، فالله رحمن رحيم يجيب المضطر، وللاعتقاد أثره الفاعل المشهود، وقد سجل الطبيب النفسي الأمريكي هنري لنك في كتابه «العودة إلى الإيمان» عددا من الحالات التي شفي أصحابها بإيمانهم وجعل تركيز الإيمان من وسائل المعالجة لديه .
قدمناه يغنينا عن مناقشة ما حاوله الشيخ من تعضيد قيمة هذه الروايات بنقل العلماء لها في كتبهم والعناية بها من قبلهم ؛ لأنهم في ذلك يجرون على ما هو المتعارف من التسامح في إيراد المناقب والكرامات من الأحاديث والوقائع، دونما نظر إلى ما تتصف به من قوة وضعف إسناداً ومتنا...
ولذلك فهي لا تدل على عدم عملهم بالرواية ، كما سيأتي، والتأشير للشيخ الطوسي، رحمه الله ، غير وارد لأن قوله: إنا لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه ، بل يجوز أن يبرز لأكثرهم، ولا يعلم كل إنسان إلا حال نفسه أمر لا غبار عليه - بحكم أن ما ورد من نفي الرؤية أخبار آحاد لا توجب علما، وما يترتب على عدم القطع بذلك جواز الرؤية، وذلك صحیح نظريا بخاصة وهو في محل منازعة لخصم، على أن قوله (لأوليائه) يمكن أن يكون قد قصد بهم أولئك الذين استثنتهم الروايات كما سيأتي. وقد يكون نفی من الاستتار ما نفته الروايات التي ضربت له مثلا بالشمس حين يحجبها السحاب ، فيكون ما يقصده بالبروز ليس الشخص وإنما الأثر. وقد يكون من مؤشرات ذلك أنه ، رحمه الله ، لم يورد في ما ساقه من حديث عمن رآه و رأی معجزاته من ص 155 إلى ص 199 من كتابه «الغيبة» إلا ما كان ضمن الغيبة الصغرى فقط.
رابعا : أورد الشيخ، رحمه الله ، ما ورد في قصة الجزيرة الخضراء من إجابة السيد شمس الدين محمد، لدى سؤال الشيخ فاضل بن علي له عن كيفية الجمع بين ما ورد من أحاديث في نفي المشاهدة في الغيبة الكبرى، وبين ادعاء وقوعها لبعضهم بأنه إنما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة أعدائه ... إلى آخر ما ذكرناه في الوجه الثاني.
والذي نراه أثر ذلك غير مقبول، فإن ما تفرضه التقية من عدم ذكر الاسم، وعدم الدلالة أمر، وتكذيب مدعي الرؤية في هذا التوقيع أمر آخر، فمن الواضح أنه لا يتصل بها تاريخا ومبررات. ومن الإشكالات عليه:
1- إن تكذيب مدّعي المشاهدة، مع وقوعها بالفعل، ظلم يتنزه
الإمام علیه السلام عنه .
2 - إنه لم يصدر عنه ذلك كل مدة الغيبة الصغرى، وهي الأشد خطراً عليه من الناحية الشخصية .
3 - إن التوقيع صدر في آخر أيام نائبه الرابع علي بن محمد السمري، بل ما قبل وفاته بستة أيام؛ بحيث أن الخطر عليه شخصيا لم يعد قائماً كما في السنين الأولى للغيبة .
4 - إن التكذيب إذا ما ادعي مدع لا يجدي لدى العدو؛ لذلك فليس له في التقية كبير أهمية، على أن الوصول للإمام علیه السلام لم يكن إلا لمن يختاره هو، فلا يتصور منه البوح بما يكون خطراً عليه .
5- إن التقية التي فرضت عليه الغيبة الكبرى كانت من قبله، بوصفه صاحب رسالة ؛ أي أنها تعني أن لا مجال لفرض الرسالة في تلك الظروف .
والتوقيع في نظرنا يتصل بذلك بما أنه يسد الطريق على من يدعي الصلة والبابية له من قبل الذين لا يبالون أن يفتروا على لسانه ما شاء لهم الشيطان، وقد أثبت الواقع التاريخي ذلك - كما سنرى في الجزء الثاني -؛ لذلك لا ينافي التكذيب إطلاقا أن يخرج خاصة مواليه تخصصا أو تخصيصا بالروايات التي ستأتي ...
إن كل ما نريد أن نقوله هو: إ ما أورده الشيخ النوري، رحمه الله ، في الوجهين الأول والثاني مناقش أو غير وارد، من دون أن يعني ذلك أننا نكذب أصحاب تلك القصص أو نرفض ما صح منها - إذا أخرجنا منها ما أشرنا إليه - من احتمالات تبعد بعضها عن معارضة الرواية موضوعا(1). أما ما
1) نقصد بذلك المشاهدين لمن هو عنه علیه السلام ، وذلك ما يحتمل أن يكون في بعض هذه القصص٫ التي لا يوجد فيها تصريح بأن المشاهد هو الإمام علیه السلام ، أو في بعض القصص التي سمعناها ولم يوردها الشيخ، والتي يقوم الشاهد من داخلها، على أنها حالات هلوسة من حيث الصورة أو من حیث الأمر والنهي لمنافاتها ما يفرضه المنطق أو الدين، مع أن أصحابها أبرياء ومخلصون؛ لأن هذا شيء، وصدق الواقعة وتطابقها مع مقام الإمام علیه السلام وصفاته شيء آخر، ولا غضاضة في أن يمرض مؤمن فیری ما لا يعقل ويسمع ما لا يقبل ..
صح منها - مع ما يبدو - مع معارضته إياها فيمكن تفسيره أو تفسير المشاهدة في الرواية بما يرفع المعارضة أو بإدخال أصحابها في خاصة موالي الإمام علیه السلام إن كان واقعهم يشهد بذلك، والخاصة هؤلاء خارجون في نظر البعض تخصصا، وفي الروايات الأخرى التي تنفي الرؤية في الغيبة الكبرى إلا عن خاصة مواليه خارجون تخصيصاً، ومنها أفادوا تقييد الإطلاق في تکذیب مدعي المشاهدة في الرواية الأولى بما لا يشملهم بصفتها الحاكمة.
ولعل الوجوه التالية التي ذكرها العلماء و أوردها الشيخ النوري، رحمه الله ، في آخر كتابه : «جنة المأوی» تفصل جميع ما أجملناه من وجوه الجمع بين الرواية وبين ما صح من حصول الرؤية :
الوجه الأول : ما ذكره الشيخ المجلسي، رحمه الله ، فقد قال بعد نقله التوقيع المشار إليه : لعله محمول على من يدعي المشاهدة مع النيابة ، وإيصال الأخبار من جانبه علیه السلام إلى الشيعة على مثال السفراء(1)، وهو ما نراه، وما رآه ودلل عليه بعض العلماء (2).
الوجه الثاني : ما ذكره العلامة السيد بحر العلوم، قدس الله نفسه ، لدي ترجمته للشيخ المفيد، رحمه الله، ونقله التوقيعات التي تلقاها عن الإمام المهدی علیه السلام ، فقد قال : «وقد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى مع جهالة المبلغ، ودعواه المشاهدة المنافية بعد الغيبة الصغرى، ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن واشتمال التوقيع على الملاحم والأخبار عن الغيب الذي لا يطلع عليه إلا الله وأولياؤه بإظهاره لهم .
قال : «وإن المشاهدة المنفية أن يشاهد الإمام ويعلم أنه الحجة علیه السلام حال مشاهدته له، ولم يعلم من المبلغ ادعاؤه لذلك»(3).
الوجه الثالث: أن تكون المشاهدة المنفية هي البدنية المادية لا النورية ، سواء كانت المشاهدة بالعين لدى تجليه صورة أم بالبصر الروحي الذي يحصل لذوي الشفافية بالخلقة أم بالسعي مما يسمى نظيره في الباراسایکولوجي(الجلاء البصري)، كالتي حصلت للعالم التقي المولى عبد الرحيم الدماوندي في ما نقله الشيخ رضا الهمداني في المفتاح الأول من الباب الثالث من كتاب «مفتاح النبوة»(1). ويمكن أن يكون كثير من المشاهدات من هذا النوع، وإن اختلفت بصورة أو بأخرى كتلك التي يختفي فيها فجأة كما ظهر (2)أو يتحول إلى نور(3).
والفرق بين الرؤيتين أن النوریة لا تنافي الغيبة العامة التامة ، وأنها لا تقبل إلا ممن لا يدور حولهم شك عقلا وعلما وتقی، لجواز أن تكون هلوسة واختلاطاً، فينتفى المحذور في الادعاء بخلاف تلك .
وقد يكون الجلاء سمعياً فقط، كالذي حصل للسيد ابن طاووس، أو تكون المشاهدة قلبية من دون صورة من خلال شعور قوي بالحضور يغمر الكيان كله حتى يصبح أوضح مما هو الرؤية، فيفيض الله بوساطته ما شاء من العلم والمعرفة، ولعل هذا أو ذاك هو ما قصده السيد بحر العلوم، رحمه الله ، بقوله : «وربما يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الإمام بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدة الغيبة ، فلا يسعه التصريح
1) النوري، جنة المأوى، ص 306، الحكاية 65.
2) يذكر الباراسايكولوجيون من علماء الروحية الحديثة شواهد مسجلة ومصورة لتجسدات روحية تبدو لأول وهلة غير مختلفة عن الكائن الدنيوي بشيء، ومما يمكن أن يتطابق وذلك من القصص قصة اختفاء الصراف والدكان في الحكاية الثانية عشرة من جنة المأوى، ص 238، واختفاءالشخص الذي ظن أنه الإمام علیه السلام وناقته بعد إلحاق الرجل بالقافلة في الحكاية 53 من جنة الماوی، م53، من البحار، ص 300.
3) راجع القصة (15) من جنة المأوى، وتحول الإمام علیه السلام أو من هو عنه إلى نور في مقام الرسول صلی الله علیه و آله بمسجد الكوفة، مما يدل على أنه تجل وليس جسماً مادياً دنيوياً، ص 243.
بنسبة القول إليه، فيبرزه في صورة الإجماع جمعاً بين الأمر بإظهار الحق والنهي عن إذاعة مثله بقول مطلق». (1)
وذكر المحقق الكاظمي، رحمه الله ، من أقسام الإجماع قسماً غير الإجماع بالمصطلح المعروف قال إنه استخرجه من مطاوي كلمات العلماء وفحوى عباراتهم، وهو أن يحصل لأحد سفراء الإمام الغائب، عجل الله فرجه وصلى عليه، العلم بقوله إما بنقل مثله إليه سراً، أو بتوقيع، أو مکاتبة ، أو بالسماع منه شفاها على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة .
قال : ويحصل ذلك لبعض حملة أسرارهم، ولا يمكن التصريح بما اطلع عليه، والإعلان بنسبة القول إليه والاتكال في إبراز المدعى على غير الإجماع من الأدلة الشرعية لفقدها. وحينئذ يجوز له، إذا لم يكن مأموراً بالإخفاء أو كان مأمورة بالإظهار لا على وجه الإنشاء، أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج بصورة الإجماع خوفا من الضياع وجمعاً بين امتثال الأمر بإظهارالحق بقدر الإمكان، وامتثال النهي عن إذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان ، ولا ريب في كونه حجة :
إما لنفسه فلعلمه بقول الإمام علیه السلام ، وإما لغيره فلكشفه عن قول الإمام أيضا، غاية ما هنا أنه يستكشف قول الإمام علیه السلام بطريق غير ثابت (2)، ولا ضير فيه بعد حصول الوصول إلى ما أنيطت به حجية الإجماع .
قال : ولصحة هذا الوجه وإمكانه شواهد تدل عليه، ثم ذكر شيئا من هذه الشواهد(3).
ويبدو لي من رسالة السيد ابن طاووس إلى ولده محمد اعتماده على انفتاح هذا الباب من الصلة لخاصة أولياء الإمام علیه السلام بصورها المختلفة .
قال، رحمه الله ، بعد حديث جاء فيه أن غيبة الإمام علیه السلام حجة على مخالفيه: «مع أنه علیه السلام حاضر مع الله على اليقين، وإنما غاب من لم يلقه منهم لغيبتهم عن حضرة المتابعة لرب العالمين، وإن أدركت - يا ولدي - موافقة توفيقك لكشف الأسرار عليك عرفتك من حديث المهدي ، صلوات الله عليه ، ما لا يشتبه عليك، وتستغني بذلك عن الحجج المعقولات وعن الروايات ، فإنه حي موجود على التحقيق ومعذور عن كشف أمره إلى أن يأذن له تدبير الله الرحيم الشفيق كما جرت عليه عادة كثير من الأنبياء، والأوصياء، فاعلم ذلك يقينا، واجعله عقيدة ودينا، فإن أباك عرفه أبلغ من معرفة ضياء شمس السماء» .
وقال رحمه الله : «وقد احتجناكم مرة عند حوادث حدثت لك إليه ، ورأيناه في عدة مقامات في مناجاة ، وقد تولى قضاء حوائجك بإنعام عظيم في حقنا وفي حقك لا يبلغ وصفي إليه .
فكن في موالاته والوفاء له وتعلق الخاطر به على قدر مراد الله جل جلاله ومراد رسوله ومراد آبائه ومراده علیه السلام منك، وقدم حوائجه على حوائجك عند صلاة الحاجات، والصدقة عنه قبل الصدقة عنك عمن يعز عليك، والدعاء له قبل الدعاء لك، وقدمه في كل خير يكون وفاء له ومقتضية الإقباله عليك، وإحسانه إليك ، واعرض حاجتك عليه كل يوم اثنين ويوم خميس من كل أسبوع بما يجب له من أدب الخضوع ...» إلى أن يقول : فإنه يأتيك جوابه صلوات الله وسلامه عليه».
ثم يقول، وهنا موضع الشاهد الذي يتصل بما أردناه، وهو يفسر لنا رؤية السيد التي وردت في هذا النص وغيره أو بعضها: «ومما أقول لك يا ولدي محمد ملا الله جل جلاله عقلك وقلبك من التصديق لأهل الصدق والتوفيق في معرفة الحق: إن طريق تعریف الله جل جلاله لك بجواب مولانا المهدي ، صلوات
الله وسلامه عليه، على قدر قدرته جل جلاله ورحمته».
ومن ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في كتاب «الوسائل» عمن سماه قال : كتبت إلى أبي الحسن علیه السلام أن الرجل يحب أن يفضي إلى إمامه
ما يحب أن يفضي به إلى ربه . قال : فكتب إن كانت لك حاجة فحرك شفتيك فإن الجواب يأتيك، ومن ذلك ما رواه هبة الله بن سعيد الراوندي في كتاب الخرائج عن محمد بن الفرج قال : قال علیه السلام علي بن محمد علیه السلام : إذا أردت أن تسأل مسألة فاكتبها وضع الكتاب تحت مصلاك ودعه ساعة ثم أخرجه وانظر فيه .. قال : ففعلت فوجدت ما سألت عنه موقعا فيه.
وقال ، رحمه الله ، في آخر كتابه : «ثم ما أوردناه بالله جل جلاله من هذه الرسالة ثم عرضناه على قبول واهبه صاحب الجلالة نائبه علیه السلام في النبوة والرسالة، وورد الجواب في المنام بما يقتضي حصول القبول والإنعام والوصية بأمرك والوعد ببرك وارتفاع قدرك»(1).
ولدى قراءة القصص الواردة في مشاهدة الإمام علیه السلام نجد أن أكثرها يدخل ضمن هذا النوع بما فيه تلك التي رويت فيها أدعية وزيارات وصيغ من الاستخارة، بل ما يتصل بالتوحيد ومعاني الأسماء والصفات والإنباء بالمغيبات.
ويتضاءل الإشكال حتى ينعدم حين يكون المكاشف عالما عاقلا تقيا ورعا يملك الموازين العلمية، أو المنطقية ، والشرعية التي تمكنه من التفرقة بين الحق والباطل والصحة والمرض والواقع والخيال، وحين تكون المكاشفة أيضا مما لا علاقة له بالعقيدة أو التشريع لكنه يبرز ويعظم (أعني الإشكال) حين يكون مما لا يتمتع بما ذكرناه من هذه الصفات كلا أو بعضا (2)
عصرنا؛ لكي لا يخدع ببعض ما يتصوره غير العارفين : آية تختص بالأنبياء والأئمة ، كالإخبارات الغيبية، وكقراءة الأفكار أو الرؤية عن بعد أو التجسّم النوري مما هو من جملة خصائص العالم الروحي بصورة عامة .
أو تكون المكاشفة مخالفة للعقيدة والتشريع لما أشرنا إليه ، وسيأتي من الصور التي يمكن أن تختلط بالكشف لدى المصابين بالهلوسة البصرية أو السمعية أوالمبتلين بالمس والاستحواذ ما يوجب الحذر والحيطة من الإصغاء لما يدعونه من رؤی و مکاشفات في كل الأحوال . (1)
الوجه الرابع : ما ذكره السيد بحر العلوم، رحمه الله ، أيضا.
قال : وقد يمنع امتناعها (يعني المشاهدة) في شأن الخواص، وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار(2)، وقد يكون ما قصده بشهادة الاعتبار ما تشير إليه صورة الكشف ولغته، ومضمونه من جهة المكاشف ومكانته وموقعه علميا أو دينيا في الأمة من جهة أخرى، أما ما يعني بشهادة الآثار فقد يكون ما وردت به الروايات من استثناء خاصة الموالي كالتي رواها النعماني بسنده عن المفضل بن عمر عن الصادق علیه السلام أنه قال :
«لا يطلع على موضعه أحد من ولي ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره» (3)
وفي رواية الشيخ الطوسي لها: «لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره»(4).
و «المولى الذي يلي أمره»، في الرواية، قد لا يكون هنا شخصا واحدا معينا، وإنما هو الموصوف بهذه الصفة فيمكن أن يتعدد بدلیل صحة أن تذكر بعده مصادیق متعددة فيقال : إلا المولى الذي يلي أمره كزيد وعمرو وخالد ... الخ، أو أنه المقدم فيهم الدائم الصلة كما في رواية عبد الأعلى عن الباقر علیه السلام (5)، وذلك للجمع بين هذه الرواية والروايات الأخرى، ومنها ما رواه الشيخ الكليني، رحمه الله ، والنعماني عنه مسنداً إلى إسحاق بن عمار
1) إن رؤى هؤلاء ومسموعاتهم غالبا ما تكشف - بلا منطقيتها، ولا شرعيتها - عن هويتها، وتشير إلى حالة أصحابها، وأنها لا تتعدى كونها حالة هلوسية أو هذيان أو استحواذ شيطاني كما سياتي.
2) بحر العلوم، الفوائد الرجالية ، م3، ص 21.
3) النعماني، الغيبة ، ص 89.
4) الطوسی، الغيبة، ص 102، ط النجف.
5) المجلسی، البحار، م 52، ص 341.
عن الإمام الصادق علیه السلام قال : قال علیه السلام : للقائم غیبتان : إحداهما قصيرة والأخرى طويلة، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه إلا خاصة شيعته والأخرى لا يعلم مكانه إلا خاصة مواليه»(1).
ورواها النعماني، رحمه الله ، بطريق آخر عن إسحاق بن عمار أيضا، وقد جاء بعد صدر الرواية السابق : «فالأولى يعلم بمكانه فيها خاصة من شیعته والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه في دينه» (2)
ومن المهم - في ما نحن بصدده - ملاحظة ما أشارت إليه الروايتان من الفرق بين خاصة الشيعة الذين يعلمون بمكانه في الغيبة الصغرى، وبين خاصة الموالي الذين لا يعلم بمكانه سواهم في الغيبة الكبرى مما يشير إلى أن خاصة الموالي أخص مما هم خاصة الشيعة للظاهر من العبارة ، ولما تفرضه المناسبة في الفرق بين الغيبتين . ربما هم كالنواب الأربعة في الغيبة الصغرى مع فارق هو أن النواب الأربعة كانوا ظاهرين معروفين من جهةالأمة يمكن الرجوع إليهم بخلاف خاصة الموالي في الغيبة الكبرى، ومع فارق آخر هو أنه كان بالإمكان أن يلتقي بالإمام علیه السلام في الغيبة الصغرى ما عدا هؤلاء النواب من خاصة الشيعة، وهو ما حصل بالفعل، أما في الغيبة الكبرى فإنه لا مجال الأحد أن يعرف مكانه عدا خاصة الموالي هؤلاء... وقد يقصد بالمكان أعم مما هو المكان في الأرض إلا أن خاصة الموالي يعرفون مع ذلك طريق الصلة به.
ولذلك يبقى التوقيع على إطلاقه في تكذيب مدّعي الشهادة من غير هؤلاء، أو بغير ما قدمه العلماء من الوجوه السابقة، ولكن هل هؤلاء الموالي الخاصة الذين يصطفيهم الإمام علیه السلام - لما لهم من صفات الصلاح والأمانة - واسطة بينه وبين الناس في ما يشاء من أمر أو آخر: غائبون معه، أو أنهم يعيشون بين الناس إلا أنهم غائبون مقاما، وصلة، ودوراً؟
كلا الأمرين جائز.. وقد يكونون من الاثنين، لأن غياب الإمام المهدی علیه السلام . كما تفيد بعض الروايات دائماً أو في بعض الأوقات . لا يجاوز ما أشرنا إليه من الغياب ، فهو يطأ فرشهم ويمشي في أسواقهم، ويحضر المواسم،يراهم ولا يرونه، ويعرفهم ولا يعرفونه. وورد كذلك أنه حين يظهر يقول الناس: إنهم قد رأوه من قبل (1)، أي أن الغياب لم يكن إلا غياب مقام و منزلة ودور، قبل أن يكون غياب شخص، ومثل ذلك قد يكون خاصة الموالي.
وقد يسأل بعض القراء: كم هم هؤلاء الخاصة من الموالي؟
والجواب هو: لا يوجد ما يحدد العدد إلا رواية أوردها الشيخ الكليني، رحمه الله ، بسنده عن أبي بصير عن الصادق علیه السلام قال : «لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة ، ولا بد له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة »(2). فإذا صحت الرواية وكان المقصود بالغيبة هنا الكبرى فهذا هو العدد .
قال الشيخ النوري رحمه الله : «وهؤلاء الثلاثون الذين يستأنس بهم الإمام علیه السلام في غيبته لا بد من أن يتبدلوا في كل قرن، إذا لم يقدر لهم من العمر ما قدر لسيدهم علیه السلام ، ففي كل عصر يوجد ثلاثون مؤمناً يتشرفون بلقائه»(3).
ويبدو أن مقام هؤلاء الموالي، من حيث صلتهم بالإمام علیه السلام وموقعهم منه ومهامهم لديه وعددهم كما حددتهم الرواية، هو منشأ الربط بينهم وبين الأبدال الذين عرفهم الشيخ الطريحي، رحمه الله، بأنهم «قوم من الصالحين لا تخلو الدنيا منهم؛ إذا مات واحد أبدل الله مكانه آخر»(4).
قال الشيخ تقي الدين بن علي الكفعمي: «قيل : إن الأرض لا تخلو من القطب ، وأربعة أوتاد ، وأربعين بدلا ، وسبعين نجيبا، وثلاثمئة وستین صالحا» (1).
وقال بعدها: «فالقطب هو المهدی علیه السلام ، ولا تكون الأوتاد أقل من أربعة لأن الدنيا كالخيمة، والمهدي علیه السلام كالعمود، وتلك الأربعة أطنابها ، وقد تكون الأوتاد أكثر من أربعة، والأبدال أكثر من أربعين، والنجباء أكثر من سبعين، والصالحون أكثر من ثلاثمئة وستين» (2).
ولا توجد من هذه التسميات في الأخبار عدا الأبدال والنجباء (3)
والحقيقة : إن ما أشار إليه ابن عربي من إمكانية ترك البدل الصوري هو نفسه المعروف لدى الباراسایکولوجيين بطرح الجسد البرزخي أو الكوكبي أو الأثيري، وهو مما يملكه عدد كبير من النساء والرجال من مختلف الأمم في أوروبا وأمريكا والاتحاد السوفيتي والهند. وليس خاصا بالأبدال هؤلاء ليكون كل من يملکه بدلا. وسترى عددا من مصادر ذلك في الجزء الثاني .
وأخبارها ضعيفة ومؤشر عليها .
1) الأقطاب، والأوتاد، والأبدال ، والنقباء، والنجباء مصطلحات أساسها إسماعيلي ثم صوفي يتصل بالرتب والمقامات الخاصة كما حددوها (راجع: الدكتور كامل الشبيبي : «الصلة بين التصوف والتشيع» ، ص 457 - 464، دار المعارف).
2) الكفعمي، جنة الأمان الواقية المعروف بالمصباح، ص 534، الهامش، ط2، الأعلمي، سنة 1395ه، مصر.
3) أورد الشيخ الطوسي في الغيبة، ص 284، ط. النجف ، حديثا بسنده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر الباقر علیه السلام ، قال : يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمئة ونيف عدة أهل بدر، فيهم النجباء من أهل مصر والأبدال من أهل الشام والأخبار من أهل العراق فيقيم ما شاء أن يقيم. ووردت لفظة الأبدال في أحاديث رواها أحمد في مسنده عن علی علیه السلام في ج 1، ص 112، ط. مصر، وعن عبادة بن الصامت وأم سلمة في ج5، ص 322، ط. مصر، وفي حديث عن ابن عمر رواه أبو نعيم في حلية الأولياء . وورد في حديث رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق عن علی علیه السلام ، وورد فيه أنهم ينصرون المهدی علیه السلام . والأبدال في رواية أبي نعيم من خيار أمة محمد ، وهو ما جاء في تعريف الطريحي. أما لدى الصوفية فهم أمر آخر، يقول ابن عربي في « الفتوحات المكية» 9/2 : «هم سبعة لا يزيدون ولا ينقصون يحفظ الله بهم الأقاليم ، لكل منهم إقليم فيه ولاية ، وهم عارفون بما أودع الله سبحانه وتعالى في الكواكب السيارة من الأمور والأسرار في حركتها ونزولها في المنازل المقدرة، ولهم من الأسماء أسماء الصفات» قال : « وسمي هؤلاء أبدا" لكونهم إذا فارقوا موضعا ويريدون أن يخلفوا فيه بدلا منهم في ذلك الموضع، لأمر يريدون فيه مصلحة وقربة ، يتركون به شخصا على صورتهم لا يشك أحد ممن أدرك رؤية ذلك الشخص أنه عين ذلك الرجل وليس هو بل روحاني ، قال : وكل من له هذه القوة فهو البدل» .
ويبدو أن الشيخ الكفعمي طبق هذه التسميات التي أوردها بلفظها، وقيل : ولكن عدد الأبدال في ما ذكره مختلف عما ورد في الرواية السابقة إذا كانوا المعنيين بها، ولا ضير ، فهو يتطابق مع رواية أخرى عن عبد الأعلى عن الإمام الباقر علیه السلام قال : يكون لصاحب هذا الأمر غيبة، وحتى إذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الذي يكون بين يديه حتى يلقى بعض أصحابه فيقول: كم أنتم هاهنا؟ فيقول: نحوا من أربعين رجلا (1).
وعلى كل حال، فإن ما يهمنا من حيث النتيجة هو أن للمهدي علیه السلام
خاصة من مواليه يلتقون به ويشاهدونه ويقومون على خدمته.
والخلاصة مما تقدم حول ما إذا كانت المشاهدة في الغيبة الكبرى - في نظر العلماء - تكذب مطلقا أم لا؟
1- إنها تكذب إذا ادعى صاحبها السفارة والتبليغ عن الإمام علیه السلام . وهو ما تكاد تجمع على معناه آراء العلماء؛ بحيث يلجأ المتيقن منهم بحكم إلى إبرازه بصورة أخرى.
2 - وإذا ادعي معرفة الحجة حال لقائه به لأنه يمكن أن ينتهي إلى ما نفاه الوجه الأول.
3- وإذا كانت دعوی رؤیاه له بالصورة البشرية المادية لا المكاشفة ؛ لأن الجمع بين نفي الرؤية وحصولها يحصل بذلك، ولأن المحذور برؤية المكاشفة منفي بحكم عدم قبولها وتصديقها إلا ممن هو أهل.
4- وإذا كان المدعي من غير خاصة الموالي هؤلاء.
ولكن من هم؟ المتيقن أن المبتدعين والبعداء عن أهل البيت علیهم السلام فكراً ومنهجاً وسلوكاً وأنفاسا ليسوا منهم، بل يفتي بعض العلماء بالتكذيب مطلقا.
1) المجلسي، البحار، ج 2، ص 341.
لذلك كان السيد محمد مهدي بحر العلوم (قدس الله نفسه)، وهو ممن ادعيت له المشاهدة، بل ادعاها وقال بإمكانها للخواص كما ذكرنا، يفتي - رغم ذلك - بتكذيب مدعي المشاهدة ..
ففي ما رواه الشيخ النوري، رحمه الله ، عن أغا علي رضا النائيني عن زین العابدين بن العالم الجليل محمد السلماسي الذي كان من تلامذة السيد، رحمه الله ، أنه قال : كنت حاضرا في محفل إفادته، فسأله رجل عن إمكان رؤية الطلعة الغراء في الغيبة الكبرى، فسكت وطأطأ برأسه، وخاطب نفسه بكلام خفي اسمعه معناه : ما أقول في جوابه ، وقد ضمني صلوات الله عليه إلى صدره؟ وورد أيضا، في خبر تکذیب مدعي الرؤية في أيام الغيبة، وكرر هذا الكلام، ثم قال في جواب السائل: «إنه قد ورد في أخبار أهل العصمة تکذیب من ادعى رؤية الحجة، عجل الله فرجه، في أيام الغيبة، واقتصر جوابه عليه »(1).
1) النوري، جنة الماری، المطبوعة مع م53، من البحار، ص 236 .
تمهيد: حول عوامل التقدير التي تحيل التوقيت
البحث الأول:
العلامات العامة
البحث الثاني:
العلامات الخاصة
البحث الثالث:
انتظار الفرج
أغلق الأئمة من أهل البيت علیهم السلام السؤال : متى؟ لأسباب نذكرها في ما يأتي:
أولا: لأن القوانين التي تحكم التقدير ترفض بطبيعتها التوقيت .
وقد أشرنا - في بعض ما أجبنا به عن السؤال : ما الحكمة؟ - إلى أن من أسرار الغيبة انتظار الظرف الملائم للظهور؛ الظرف الذي يتأهل فيه العالم لقبول الرسالة الإسلامية - بكل أبعادها - والتسليم - بقناعة - لقيادة الإمام علیه السلام . وتقدير الظرف ليس جبرياً «فلا جبر ولا تفويض»(1)، بمعنی أنه ليس مفروضة خارج الأسباب والقوانين المتصلة بها في هذا العالم، وإنما يتم بهذه الأسباب والقوانين نفسها، وهي - كما شاء الله لدي خلقها ابتداء - متشابكة متفاعلة سلبا وإيجابا . وإذا كان فيها ما هو ثابت ، فإن فيها ما هو قابل
1) ورد الحديث عن الأئمة علیهم السلام ؛ ومنهم الإمام علی والصادق علیه السلام ، وقالوا في تكملته : وإنما هو أمر بين أمرين»، وقد اعتبره أستاذنا الحجة الشيخ محمد رضاالمظفر، رحمه الله ، معجزاً يدخل في أدلة الإمامة بما عبر عنه من تحديد دقيق لقضية ظل تحديدها موضع اختلاف حاد حتى الآن. إن الإنسان - كماهية وكصورة وهبها الله به : الحياة والعلم والقدرة - يملك بهذه الصفات عينها. ما دامت لديه - حرية الإرادة والاختيار، فلا جبر - بحدود ما هو موضع مسؤولية . ولا ينافي ذلك عدم استقلال هذه الصفات عمن هي له بالذات - سبحانه وتعالى - لأن منحه الإنسان إياها به ما دام قائما - يعني مشيئته في أن يكون مختارا، بما أن الاختيار لا ينفك عنها . ولكن هذه الصفات ليست للإنسان بما هو في ذاته بحكم كونه ممكنا، وإنما بما هو بخالقه؛ لذلك فإن من الممكن أن تسلب، فلا تفويض إذا. ثم إن الإنسان، والعالم من حوله، خاضع بحكم التحديد والترابط لقوانین کونية، حتى أن آثار ما هو تحت اختياره ابتداء من الأفكار والنوايا والأفعال يصبح - بحكم هذه القوانين - خارجاً في آثاره الوضعية عن اختياره بالنسبة لنفسه وللآخرين؛ لذلك فلا تفويض من هذه الجهة أيضا.
للتغيير، أو ما هو واقع تحت الخيار الإنساني.. وحين يكون بعضها في موقع المقتضي أو الشرط، فإن بعضها الآخر قد يكون بالنسبة إليها في منزلة المانع.
وطبقا لهذه العلاقة بين المقتضيات والشروط والموانع قد يتأخر الظرف وقد يتقدم، وقد تلغي بعض المقدمات والصور المتوقعة قبله أو معه، وقد تحدث أخرى لم تكن من قبل، وهو معني «البداء» (1)الذي يمنع من الإخبارات القاطعة بالأحداث الواقعة ضمن نطاق القوانين الطبيعية القابلة للتغيير، وقد ورد عن الإمام علی علیه السلام أنه قال : «لولا آية في كتاب الله الأخبرتكم بما كان، وبما يكون، وبما هو كائن إلى يوم القيامة ، وهذه الآية هي:«يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ » [الرعد: 39]»(2). ومثل ذلك ورد عن الأئمة : الحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق علیهم السلام (3)
وبناء على ذلك، فإن تحديد زمن مجيء الظرف المقدر لظهور الإمام
المهدي المنتظر علیه السلام غير وارد، ولهذا رفض الأئمة من أهل البیت علیهم السلام التوقيت، وكذبوا من نقله عنهم.
روى النعماني بسنده عن أبي بصير عن أبي عبدالله علیه السلام قال : قلت
له : جعلت فداك متى خروج القائم علیه السلام ؟
فقال علیه السلام : يا أبا محمد، إنا أهل البيت لا نوقت، وقد قال
محمد صلی الله علیه و آله : «كذب الوقاتون»((4)
1) في هامش سابق لدى الإجابة على سؤال : ما الحكمة؟ أشرنا إلى أن الفعل الإلهي بما فيه البداء، لا بمباشرة، وإنما هو بالأسباب المقدرة لدي خلق العالم ابتداء، وما تؤدي إليه من نتائج، فلا ترد عليه إشكالات من تصوره مخطئاً فعلا مباشرا مما يلزم عنه الجهل أو الندم . فراجعه .
2) المجلسي، بحار الأنوار، ج4، ص 97.
3) المصدر نفسه.
4) النعماني، الغيبة، ص 156.
وروی بسنده عن محمد بن مسلم عن الصادق علیه السلام قال : قال أبو عبدالله عليه السلام: «یا محمد، من أخبرك عنا توقيتا فلا تهب أن تكذبه ، فإنا لا نوقت لأحد وقتا» (1).
وبسنده عن عبدالله بن سنان عنه علیه السلام قال إنه قال علیه السلام : «أبی الله
إلا أن يخلف وقت الموقتين»(2).
وبسنده عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر الباقر علیه السلام قال : قلت إن لهذا الأمر وقتا؟ فقال علیه السلام : كذب الوقاتون کذب الوقاتون.
إن موسى علیه السلام لما خرج وافدا إلى ربه واعدهم ثلاثين يوما، فلما زاده الله على الثلاثين عشرا قال قومه: قد أخلفنا موسی فصنعوا ما صنعوا ... (الحديث)(3).
وقد مر في التوقيع الصادر عن الإمام المهدی علیه السلام إلى إسحاق بن يعقوب بوساطة أبي جعفر محمد بن عثمان العمري (النائب الثاني): «وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقاتون».(4)
ثانيا : إن الإمام المهدي المنتظر علیه السلام نذير بين يدي الساعة بعد انقطاع النبوة وختمها بسيد الرسل صلی الله علیه و آله ، وغياب الأوصياء الاثني عشر علیهم السلام ، ولذلك سمي بالنذر الأكبر الذي يصلي المسيح خلفه، وفي زمنه يبدأ البعث الجزئي المسمى بالرجعة ليتصل به بعدئذ البعث الشامل، وقد ذكر المفيد، رحمه الله ، أنه بعد رحيل الإمام علیه السلام بأربعين يوما تقوم القيامة الكبرى. والقيامة مربوطة بتقديرالله لعالمنا لا يجليها لوقتها إلا هو، ولذلك فلا توقيت، ولكنهم ذكروا علامات عامة وخاصة :
وبدلا من التوقيت ذكروا لعصر الظهور علامات عامة وخاصة ، وإذا كانت الأولى وهي تصف حالة المجتمع من حيث شیوع بعض الظواهر المنافية للدين والعدل والأخلاق، يمكن أن نجد شواهد وجودها التاريخي مع اختلاف نسبي في كل عصر بدءا من العصر الأموي، فإن ذكرها - كعلامات - ينبغي ألا يعني امتدادها، ووجودها فقط، وإنما استشراءها بصورة غير معهودة .
أما الثانية؛ أي العلامات الخاصة، فهي ظواهر وأحداث كونية أو حضارية أو سكانية أو عسكرية عالمية أو إقليمية، لا يوجد ما يشير إليها زمن الحديث عنها بالصورة التي يجعلها متوقعة ؛ لذلك فهي من هذه الناحية هامة وملفتة، والتأمل في الإخبار بها علامات لعصر الإمام علیه السلام سبقاً، وفي عددها وزمن حدوثها، وترابطها كونياً وحضارياً يعطي اليقين بأنها تعلم من ذي علم موصول بعالم الغيب، وأنه لم يتحدث - حين تحدث عنها - اعتباطا، ولا هي كلمحات المستبصرين دونما ترابط ولا غاية، وإنما لتكوين حجة تهب الطمأنينة للمؤمنين.
قال الشيخ النعماني رحمه الله : «وإذا جاءت الروايات متصلة متواترة بمثل هذه الأشياء قبل كونها، وبهذه الحوادث قبل حدوثها، ثم حققها العيان والوجود فوجب أن تزول الشكوك عمن فتح الله قلبه ونوره وهداه وأضاء له بصره»(1).
وقال، رحمه الله ، وهو يتحدث عن هذه العلامات الخاصة : «وهذه من أعدل الشواهد على بطلان أمر كل من ادعى أو ادعي له مرتبة القائم علیه السلام ، . ومنزلته، وظهر قبل مجيء هذه العلامات» (2).
منها ما ورد عن علي بن علي الهلالي عن أبيه قال : دخلت على رسول الله صلی الله علیه و آله، وهو في الحالة التي قبض فيها. وذكر حديثا للرسول صلی الله علیه و آله مع فاطمة علیهاالسلام التي كانت تبكي حزينة متألمة عند رأسه، وهو يعزيها، ومما جاء فيه: «يا حبيبتي، أما علمت أن الله - سبحانه وتعالی - اطلع على أهل الأرض اطلاعة فاختار منها أباك فبعثه برسالته، ثم اطلع اطلاعة فاختار منها بعلك وأوحي إلي أن أنكحك إياه .. یا فاطمة، ونحن أهل البيت قد أعطانا الله سبع خصال لم تعط أحدا قبلنا ولا تعطي أحدا بعدنا : أنا خاتم النبيين ، وأكرم النبيين على الله عزوجل، وأحب المخلوقين إلى الله عز وجل وأنا أبوك، ووصيي خير الأوصياء وهو أحبهم إلى الله وهو بعلك ...» إلى أن قال : «ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين، وهما سيدا شباب أهل الجنة ، وأبوهما - والذي بعثني بالحق - خير منهما، یا فاطمة، والذي بعثني بالحق، إن منهما مهدي هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجا ومرجا وتظاهرت الفتن وتقطعت السبل وأغار بعضهم على بعض، فلا كبير يرحم صغيرا، ولا صغير يوقر كبيرا، فيبعث الله عز وجل عند ذلك منهما من يفتح حصون
الضلالة وقلوبا غلفا يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان» (الحدیث).
قال السلمي: أخرجه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني في صفة المهدي(1).
1) السلمي الشافعي، قلائد الدرر، ص 225، والهيثمي، مجمع الزوائد، ج9، ص 165، وقال : رواه الطبراني في الكبير والأوسط. وأورد السيوطي جزء منه في الحاوي، ج2، ص66، والمجلسي في البحار، م 52، ص 266.
وورد في حديث قدسي طويل عن ابن عباس عن الرسول صلی الله علیه و آله من العلامات العامة للظهور: «إذا رفع العلم وظهر الجهل، وكثر القراء وقل العمل، وكثر الفتك ، وقل الفقهاء الهادون، وكثر فقهاء الضلالة الخونة، وكثر الشعراء، واتخذت أمتك قبورهم مساجد، وحليت المصاحف، وزخرفت المساجد، وكثر الجور والفساد، وظهر المنكر وأمرت أمتك به، ونهوا عن المعروف...» إلى أن قال : «وصارت الأمراء كفرة، وأولياؤهم فجرة، وأعوانهم ظلمة، وذوو الرأي منهم فسقة»(1).
وساقوا في العلامات ما رواه السكوني عن الإمام الصادق علیه السلام عن الرسول صلی الله علیه و آله ، وهو يذكر حالة الأمة في ذلك الزمان وفيه: «لا يبقى من القرآن إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا اسمه، فقهاء ذلك الزمان شر فقهاء تحت ظل السماء، منهم خرجت الفتنة وإليهم تعود»(2).
ومنها: «إذا صدقت أمتي بالنجوم وكذبت بالقدر، وذلك حين يتخذون الأمانة مغنما والصدقة مغرما والفاحشة إباحة والعبادة تكبرا واستطالة على الناس»(3). وعنه صلی الله علیه و آله : «سيفتنون بأموالهم ويمنون بدينهم على ربهم ويتمنون رحمته ويأمنون سطوته ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة»(4).
ومنها ما ورد عن الإمام علیه السلام علیه السلام قال: «إذا أمات الناس الصلاة، وأضاعوا الأمانة، واستحلوا الكذب، وأكلوا الربا، وأخذوا الرشا، وشيدوا البنيان، وباعوا الدنيا بالدين، واستعملوا السفهاء ،وشاوروا النساء، وقطعوا الأرحام، واتبعوا الأهواء، واستخفوا بالدماء، وكان الحلم ضعفا، والظلم فخرا، وكانت الأمراء فجرة والوزراء ظلمة
والعرفاء خونة والقراء فسقة، وظهرت شهادات الزور، واستعلن الفجور، وقول البهتان والإثم والطغيان». .
ومنها: «وحليت المصاحف، وزخرفت المساجد، وطولت المنائر ،
وأكرم الأشرار، وازدحمت الصفوف، واختلفت الأهواء، ونقضت العهود».
ومنها: «وشهد شاهد من غير أن يستشهد، وشهد الآخر قضاء لذمام بغير حق عرفه، وتفقه لغير الدين، وآثروا عمل الدنيا على الآخرة، ولبسوا جلودالضأن على قلوب الذئاب وقلوبهم أنتن من الجيف وأمر من الصبر»(1).
ومنها ما ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق علت ؛ قال ، وهو
يجيب من سأله : متى؟
إذا رأيت الحق قد مات وذهب أهله، ورأيت الجور قد شمل البلاد، ورأيت، القرآن قد خلق، وأحدث فيه ما ليس فيه، ووجه على الأهواء، ورأيت الدين قد انكفأ كما ينكفئ الإناء، ورأيت أهل الباطل قد استعلوا على أهل الحق، ورأيت الشر ظاهراً لا ينهى عنه يعذر أصحابه».
ومنها: «ورأیت المؤمن صامتا لا يقبل قوله، ورأيت الفاسق يكذب ولا يرد عليه كذبه وفريته، ورأيت الصغير يستحقر الكبير، ورأيت الأرحام قد تقطعت، ورأيت من يتمدح بالفسق فيضحك منه ولا يرد عليه قوله، ورأيت الرجل ينفق المال في غير طاعة الله فلا ينهى ولا يؤخذ على يديه).
ومنها : «ورأيت الكافر فرحا لما يرى في المؤمن، مرحا لما يرى في الأرض من الفساد، ورأيت الخمور تشرب علانية، ويجتمع عليها من لا يخاف الله عز وجل، ورأيت الآمر بالمعروف ذليلا، ورأيت الفاسق في ما لا يحب الله قوياً محموداً، ورأيت أصحاب الآيات يحقرون ويحتقر من يحبهم، ورأيت سبيل الخير منقطعاً وسبيل الشر مسلوكا».
1) محمد حسن الطباطبائي، نوائب الدهور في علائم الظهور، ص 193.
ومنها: «ورأيت الحرام يحلل، ورأيت الحلال يحرم، ورأيت الدين بالرأي، وعطل الكتاب وأحكامه، ورأيت الصلاة قد استخف بها، ورأيت الرجل عنده المال الكثير لم يز که منذ ملکه، ورأيت الرجل يخرج إلى مصلاه ويرجع وليس عليه شيء من ثيابه .
ورأيت قلوب الناس قد قست، وجمدت أعينهم، وثقل الذكر عليهم، ورأيت السحت قد ظهر يتنافس فيه ، ورأيت المصلي إنما يصلي ليراه الناس، ورأيت الفقيه يتفقه لغير الدين يطلب الدنيا والرئاسة، ورأيت الناس مع من غلب.
ورأيت الحرمين يعمل فيهما بما لا يحب الله لا يمنعهم مانع، ولا
يحول بينهم وبين العمل القبيح أحد، ورأيت المعازف ظاهرة في الحرمین.
ورأيت الرجل يتكلم بشيء من الحق، وينهى عن المنكر، فيقوم إليه
من ينصحه في نفسه فيقول : هذا عنك موضوع.
ورأيت كل عام يحدث فيه من البدعة والشر أكثر مما كان، ورأيت الآيات من السماء لا يفزع لها أحد، ورأيت الرجل ينفق الكثير في غاية طاعة الله، ورأيت العقوق قد ظهر، واستخف بالوالدين وكانا من أسوأ الناس حالا عند الولد، ورأيت ابن الرجل يفتري على أبيه، ويدعو على والديه ، ويفرح بموتهما.
ورأيت السلطان يحتكر الطعام، ورأيت أموال ذي القربی تقسم في الزور، ويتقامر بها، ويشرب بها الخمور، ورأيت الأذان بالأجر والصلاة بالأجر، ورأيت المساجد محتشية ممن لا يخاف الله يجتمعون فيها للغيبة ، وأكل لحوم أهل الحق».
ومنها: «ورأيت القرآن قد ثقل على الناس استماعه وخفت على الناس استماع الباطل، ورأيت الحدود قد عطلت، ورأيت أقرب الناس إلى الولاة من يمتدح بشتمنا أهل البيت، ورأيت من يحبنا يزور ولا يقبل قوله، ورأيت
من أكل أموال اليتامى يحدث بصلاحه، ورأيت القضاة يقضون بخلاف ما أمر الله به، والناس همهم بطونهم وفروجهم».(1)
وهذه - كما ترى - علامات عامة يمكن لمن اطلع على تاريخ المجتمع الإسلامي، بدءا من العهد الأموي، أن يجد الكثير منها، والتفاوت إنما هو في مدى انتشار هذه الظواهر وحجمها بالنسبة للمجتمع، وإذا كان وجود مثل هذه الظواهر، بأي حجم، مرفوضا من حيث المبدأ في مجتمع یدین أهله . كما هو المفروض - بالإسلام، فإن الذي يبدو من ذكرها كعلامات للظهور، أنها تستشري، وتنتشر، بصورة أكثر مما سبق.
وواقع مجتمعاتنا الإسلامية اليوم يشهد لذلك بالفعل.
وقد روى العلماء المحدثون علامات عامة أخرى وعلامات خاصة ، فمن شاء المزيد منها فليرجع إلى كتب الحديث من باب الفتن وأشراط الساعة، أو إلى الكتب الخاصة بالإمام المهدی علیه السلام ، لا فرق في ذلك بين ما ألفه علماء أهل السنة أو الشيعة، ومنها المشار إليها خلال ما مر من البحث في الهامش(2)
113 - 201، وعلي بن حسام المشهور بالمتقي الهندي، البرهان في علامات المهدي آخر الزمان، ج2، الباب الخامس، ص 713 - 744.
1) المجلسي، البحار، م 52، ص 258 - 260.
2) راجع: النعماني، الغيبة، ص 129 - 154، والصدوق، إكمال الدين وإتمام النعمة، ص 608، باب 61، والشيخ المفيد في الإرشاد، ص 403 وما بعدها، والطوسي في الغيبة ، ص 265 وما بعدها، والمجلسي، البحار، م 52، ص 181 - 278، ويراجع من كتب أهل السنة: السلمي الشافعي في قلائد الدرر، الباب الرابع، ص
سنختار بعضا من هذه العلامات الخاصة لما بها من دلالة غيبية هامة بحكم عدم إمكان تصور موضوعها في ذلك الوقت لدي تحدث رسول الله صلی الله علیه و آله أو الأئمة علیهم السلام عنها مع قيام هذا الموضوع أو مؤشراته في عصرنا الحاضر، بل إن بعضها ما يزال تصور حدوثه صعبا، إلا أن العلماء . وبحسابات علمية - بدأوا يتوقعونه . ولا نشك أن لمثل هذه الإخبارات في هذه الموضوعات الخاصة قبل حدوثها بقرون عديدة أهميته في ترسيخ الإيمان، لا بالصلة الحقة للمتحدث فيه بالله عالم الغيب الذي لا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضی من رسول فقط، بل بالموضوع الذي تكون العلامة بين يديه أو عنده كذلك.
وسنجد في هذه العلامات أيضا ما يدل على المرحلة التاريخية والحضارية التي يظهر فيها الإمام علیه السلام دون توقيت؛ لأن المرحلة قد تمتد لمدى غير معروف.
ومن هذه العلامات:
روى أبو هريرة عن رسول الله صلی الله علیه و آله، حين سئل: متى الساعة؟ قال صلی الله علیه و آله: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها : إذا ولدت الأمة ربها، وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان الحديث (1).
والذي يعنينا هنا ما ذكره صلی الله علیه و آله من تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان ، فإن من الواضح أن المقصودين بذلك سكان الجزيرة العربية، فهي التي تتميز
1) صحيح البخاري بحاشية السندي، م1، ص 19، دار الفكر - بيروت، بغداد، 1986م.
أكثر من غيرها بتربية الإبل واستخدامها قديماً، حتى أن البعير يوضع كدلالة على البلاد العربية خاصة(1).
ومن الواضح أنها لم تكن معروفة سابقا بالتطاول في البنيان، وإنشاء البيوت والعمارات والفنادق الفخمة ذات الطوابق المتعددة. ولكن هذا هو الواقع منذ اكتشاف البترول بالفعل. وحين تشهد ذلك وتقارن بين الماضي والحاضر عليك أن تذكر صاحب النبوءة صلی الله علیه و آله الصادق الأمين، وتعلم أنك تشهد بعض أشراط الساعة المتصلة بظهور الإمام المهدی علیه السلام لأنه منها.
روى الشيخ المفيد (المتوفى سنة 413ه-.) عن المفضل بن عمر، قال : سمعت أبا عبدالله (الصادق) علیه السلام يقول: «إذا قام قائم آل محمد علیه السلام بني في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب، واتصلت بيوت أهل الكوفة بنهری کربلاء»(2).
وروى الطوسي رحمه الله (المتوفى سنة 460 ه-.) بسنده عن المفضل بن عمر، قال : سمعت أبا عبدالله الصادق علیه السلام يقول: «إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها» إلى أن يقول: «ويبني في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب، وتتصل بيوت الكوفة بنهر کربلاء وبالحيرة»(3).
وروى الطوسي أيضا بسنده عن أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر علیه السلام قال : «إذا دخل القائم الكوفة لم يبق مؤمن إلا وهو بها أو يجيء إليها»(4)
وذكر في حديث آخر عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن أبي جعفر علیه السلام أنه يخرج إلى الغري فيخط مسجدا له ألف باب (1).
وروي مسنداً إلى حبة العرني ، قال : خرج أمير المؤمنین علیه السلام إلى الحيرة فقال: «لتتصلن هذه بهذه (وأومأ بيده إلى الكوفة والحيرة) حتى يباع الذراع في ما بينهما بدنانير »(2).
والملفت في هذه الروايات أن الكوفة والحيرة لم تكونا في عصر الإمام علی علیه السلام والإمامين الباقر والصادق علیهما السلام من حيث الحجم السكاني بما يمكن أن يتوقع معه اتصالهما وارتفاع سعر الأرض بينهما إلى هذا المقدار، أما النجف وكربلاء، فعدا عن أنهما لم يكونا قد مدنا آنذاك ، فإن الاتصال بينهما وبين الكوفة والحيرة لم يكن ليبلغه حتى الخيال، ومثل ذلك أمر الحاجة إلى مسجد يبلغ من السعة بحيث يحتاج إلى ألف باب.
ولكن هذا الذي كان منتفيا موضوعا وفي أكثر من جهة في عصرهم علیهم السلام، قد قامت مؤشراته بالفعل. ومن يرى ما حدث منذ ثلاثة عقود من اتصال الكوفة بالنجف، وامتدادها نحو الحيرة من جهة، ونحو کربلاء من جهة ثانية، وامتداد کربلاء نحوهما كذلك، ثم رصد الخط البياني لحركة الهجرة نحو هذه المنطقة ومدنها، يرى أن ما جاء في هذه الروايات ليس بعيداً، بل هو يتجه نحو التحقيق وبصورة أسرع مما هو الطبيعي.
ولا نشك أن شوق المؤمنين للإمام الي ورغبة مجاورته لدي ظهوره
سيجعل ما قد بقي من المسافات حتى الآن أقل حتى مما هي الكفاية .
روى المجلسي (المتوفى سنة 1111ه-.) بسنده عن ابن مسکان قال : سمعت أبا عبدالله (الصادق) علیه السلام يقول: «إن المؤمن في زمان القائم وهو
بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق»(1).
وبسنده عن المفضل بن عمر أنه سأل الصادق علیه السلام في رواية طويلة فقال : يا سيدي، ففي أي بقعة يظهر المهدی علیه السلام ؟
قال علیه السلام : «لا تراه عين في وقت ظهوره إلا رأته كل عين، فمن قال
لكم غير هذا فكذبوه»(2).
وروى الكليني (المتوفى سنة 328 ه-.) بسنده إلى أبي ربيع الشامي قال : سمعت أبا عبدالله علیه السلام يقول: «إن قائمنا إذا قام مد الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لا يكون بينهم وبين القائم برید، يكلمهم فيسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه»(3).
ولا أظن أننا في حاجة لبيان أن ما أشارت إليه الروايات لم يكن متصورا حتى على مستوى الخيال في زمن الإمام الصادق علیه السلام الذي توفي سنة 148 ه-. ، بل ما كان ليمكن أن يتصور قبل عهد التلفزة، بل التلفزة عبر الأقمار الصناعية، ويمكن أن يكون في الحديث الثالث إشارة إلى الهاتف التلفازي الذي بدأت تجاربه الناجحة في مستوى المسافات القريبة .
وليس أمامنا لفهم هذه الأحاديث . ومن رواة بعضها الشيخ الكليني (المتوفى سنة 328ه.) - إلا ما ذكرناه من الإمكانات التي أتاحتها العلوم، والتقنيات في عصرنا؛ لأن تفسيرها بخصوصیات خارقة يرفضها - لو قبلناها
1) المجلسي، البحار، م 52، ص 391. السيد عبدالله شبر، حق اليقين، ج 1، ص 314، لطف الله الصافي، منتخب الأثر، ب 12، ص 483.
2) المجلسي، المصدر نفسه، م53، ص 6.
3) الكليني، روضة الكافي، ص 201. المجلسي، المصدر نفسه، م 52، ص 336. وردت روايات أخرى مشابهة يؤول مضمونها إلى ما جاء بهذه الروايات (فراجع : المجلسي، المصدر نفسه، م 52، ص 320، وقد جاء فيها: (فلا يبقى أهل بلد إلا وهم يظنون أنه معهم،) ومثلها الرواية م52، ص 205، عن الصادق علیه السلام قال : « ینادي مناد باسم القائم. قلت: خاص أو عام؟ قال : عام يسمع كل قوم بلسانهم» .
جدلاً - كونها عامة، عدا أنها لا داعي لها مع كون الوسيلة التقنية قائمة على مستوى ما أشارت إليه الروايات بالفعل . وهذا يعني أن عصرنا - بخصوصياته - هو عصر الإمام علیه السلام دون توقيت؛ لعدم إمكان تحديد مداه من حيث المستقبل. ومهما اختلفنا في شيء فإنا لا يمكن أن نختلف في كونها نبوءات باهرة ودقيقة، بل هي آية بالفعل.
عن المفضل بن عمر عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال في حديث له تحدث فيه عن دعاء الإمام علیه السلام لدى اذن الله له قال : «فأتيحت له صحابته الثلاثمئة وثلاثة عشر قزع كقزع الخريف، وهم أصحاب الألوية؛ منهم من يفقد عن فراشه ليلا فيصبح بمكة ، ومنهم من يرى يسير في السحاب نهارا يعرف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه »(1).
وعن أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر علیه السلام: في قول الله عز وجل : «فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا» [البقرة : 168]، قال : «الْخَيْرَاتِ» : الولاية، وقوله : «أَيْنَمَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا» ؛ يعني أصحاب القائم الثلاثمئة والبضعة عشر رجلا . قال : وهم - والله - «الأمة المعدودة» ، قال : يجتمعون - والله - في ساعة واحدة قزع كقزع الخريف (2).
ومن الواضح أن ركوبهم السحاب ووصولهم إليه في ساعة واحدة، مع معرفتهم المفصلة من قبل الناس، مما لا يمكن تصوره ضمن القوانين الطبيعية إلا بما وصلت إليه تقنية الطائرات في عصرنا.
فإن سفرهم ليس بالجسم البرزخي أو المثالي الذي يطرح إراديا لدى بعض الروحيين؛ لأن وصولهم - كما هو ظاهر - بأبدانهم المادية ، ويبدو لنا
أن الأمر - كما هو في ما مر - تشخیص لعصر الإمام علیه السلام ، وما فيه من إمكانات تقنية ووسائل سفر جوية سريعة تتيح لهم الوصول إليه في ساعة واحدة، وركوب السحاب أو الطيران في الهواء إنما يعني - كما هو قائم الآن - الركوب بالطائرة التي لم تكن معروفة آنذاك.
ومما يؤيد ذلك ترابطها مع ما مر وما سيأتي مما يشير بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى خصوصيات علمية وتقنية لم تعرف إلا في عصرنا.
روى الطوسي بسنده عن محمد بن مسلم وأبي بصير قالا : سمعنا أبا عبدالله الصادق علیه السلام يقول : لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس . فقلنا: إذا ذهب ثلثا الناس فمن يبقى؟ فقال علیه السلام : أما ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي(1). وعن الإمام علی علیه السلام قال : لا يخرج المهدي علیه السلام حتى يقتل ثلث ويموت ثلث ويبقى ثلث(2).
وروى النعماني عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال : «لا يكون هذا الأمر حتى يذهب تسعة أعشار الناس»(3).
ومن الواضح أن ذهاب ثلثي البشرية أو تسعة أعشارها مما لا يمكن تصوره في عهد الإمام الصادق علیه السلام الذي توفي سنة 148 ه-.، فإن طبيعة الحرب والسلاح لا تسمح بذلك، وربما أفدنا من كون المسلمين في الثلث أو العشر الناجي أن هذه الحرب ستكون في عصرنا - وهو ما أشارت إليه العلامات السابقة دون توقيت - بما أن هولها وما تحدثه من تدمير وإفناء بالصورة التي تذكرها الأحاديث هو ما يتوقع من الحرب التي تكون بالصواريخ النووية
والهایدروجينية الموجهة لدى كل من المعسكرين المتصارعين : الرأسمالي والشيوعي، ومن الطبيعي والمتوقع أن ينجو من لا علاقة له بهذه الحرب - كفاءة ومصلحة و موقعا ۔ کالمسلمين ومن يشبههم، إلا ما ينالهم بصورة عرضية وتبعا .
إنها، وبأكثر من قرينة، إخبار غيبي عن عصرنا وواقع الصراع فيه، وطبيعة الخريطة العسكرية ، وصورة الحرب من حيث نوع السلاح وسعة مساحة التدمير .
والغريب أن الطبيب الفرنسي والمستبصر المنجم نوستراداموس (المتوفی سنة 1566م) ذكر أن مثل هذا الدمار سيحل فعلا قبل سنة 1999 ، قال : قبل الاتصال الفلكي الكبير سنة 1999 ستحدث ثورات عديدة، والصواريخ أو النيران ستهبط من السماء بحيث لا ينجو إلا القليل من الناس، ويقول إنه قبل أن يتحقق العدل الإلهي؛ حيث حركة النجوم ستجعل الأرض مستقرة وثابتة ، ستحدث حروب تعد أكثر عنفا من أي حرب شهدها العالم (1).
طلوع الشمس من مغربها، كإحدى علامات الساعة، وردت بطرق مختلفة عن أبي هريرة(2)وعبدالله بن عمر(3)وصفوان بن عسال (4)وحذيفة بن اليمان(2)، ووردت كذلك عن الإمام علی علیه السلام(5)وأبي ذر (6)وعن الإمام الباقر علیه السلام (7).
1) سامي أحمد الموصلي، الباراسايكولوجيا (ظواهر وتفسيرات)، ص 84.
2) رواه عن البخاري في صحيحه، ج4، ص 130، بحاشيةالسندي، دار الفكر، سنة 1986م، وصحيح مسلم، ج4، ص 2267.
3) صحيح مسلم، ج4، ص 261.
4) سنن أبي داود، ج4، ص 490، وسنن ابن ماجة، ج 2، ص 1353 .
5) السلمي، قلائد الدرر، ص 385، المجلسي، البحار، م 52، ص 209.
6) السلمي، المصدر نفسه، ص 380، قال : أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما، وذكر المحقق أن مسلما ذكره في باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، وذكره البخاري في باب التوحيد (وكان عرشه على الماء).
7) المفيد، الإرشاد، ص 405، المجلسي،البحار، م 52، ص 289.
ومما ورد عن الإمام علی علیه السلام أنه قال : «ويكون الناس بعد طلوع الشمس من مغربها كيومهم هذا يطلبون النسل والولد، يلقى الرجل الرجل فيقول: متى ولدت؟ فيقول: من طلوع الشمس من المغرب»(1).
ولا يبدو من الروايات ما يدل على أنها مما يكون قبل المهدي علیه السلام أو بعده إلا ما في بعضها من إغلاق باب التوبة بعدها، على أن في بعض الروايات أن الإمام علیه السلام بعد إقامة الحجة على الناس يقيم الحدود دون استتابة وبعلمه دون شهادة . وفي رواية عن حذيفة أن المقصود بالشمس التي تخرج من مغربها هو الإمام علیه السلام نفسه، وهو مجاز، ولا مانع منه، إلا أن بعض الروايات المشار إلى مصادرها في الهامش لا تقبله لصراحتها بالمعنى الحقيقي للشمس، ولأنه ينافي ما ورد من مكان ظهور الإمام علیه السلام في مكة . وقد أشاع هذا التفسير الإسماعيليون ليطبقوه على المهدي الفاطمي الذي ظهر في المغرب.
على أن ما ورد من روايات في لبوث الفلك زمن الإمام؛ بحيث تطول الأيام والأشهر والسنون، حتى تكون السنة سبع سنوات أو عشراً، لا بد أن تتصل بذلك سابقة لظهور الشمس من مغربها أو لاحقة لها.
وقد يستغرب ذكري لها كعلامة، مع التزامي بأن لا أذكر من العلامات الخاصة إلا ما أصبح قائما أو ما وجدت بعض المؤشرات لوقوعه، وطلوع الشمس من مغربها ليس كذلك.
وأنا أعترف بذلك، إلا أنني وجدت أن بعض المستبصرین وبعض العلماء ينذرون بحدوث هذه الظاهرة، وذلك وحده يكفي لجعل حديثي عنها غير بعيد عما توخيته في الفقرات السابقة .
ففي نبوءات الطبيب الفرنسي نوستراداموس (المتوفى سنة 1966م) «أن نجما مذنبا في عام 1999 سيقترب من الأرض وستقع تغییرات عظيمة وكوارث طبيعية وزلازل ... إلخ». .
1) السلمي، قلائد الدرر، ص 385.
ويرى «أن شدة وقوة تأثير هذا المذنب على الأرض يصل إلى الدرجة
التي يخرجها عن مدارها ويعرقل حركة دورانها»)(1).
وفي كتاب لجارلس بيرلتز صدر سنة 1981م، وعنون ب: «1999 نهاية العالم» جاء : «من أن هناك احتمالا متزايدا مفاده أن الأرض ستشهد دوران قطبيها المغناطيسيين بعيداً جدا عن قطبيها الدوارين، والقطب المغناطيسي الجنوبي يندفع الآن بسرعة متزايدة نحو المحيط الهندي، الذي يمكن أن يسبب تحول القطبين وانعكاس المجال المغناطيسي للأرض، إضافة إلى ظروف مأساوية أخرى، ويعتقد أن الكواكب حينما ستكون على خط مباشر مع الأرض ربما ستسبب تجمع الترسبات للمواد المذابة في الأرض مما سيجعلها تتداخل مع القشرة الأرضية ، الأمر الذي سيؤدي إلى اختلال توازن العالم، ويترتب على ذلك تغيرات جيولوجية كبيرة ومهمة، وهذه ستؤدي حتما إلى هزات أرضية كبيرة» (2).
ويلتقي معهما في ذلك المستبصر ادغار اسبك؛ حيث يتحدث عن عام (2000) ويذكر أحداثا فيقول: «يحدث ذلك عندما سيكون هناك تحول في الأقطاب أو عند بدء دورة جديدة»(3).
ويقول المهندس والباحث العلمي هاف براون: «إن العالم مقدم على٫
تحول في محاوره؛ وذلك نتيجة تجمع الجليد بكميات كبيرة عند القطب الجنوبي»(4).
وهناك علامات أخرى مماثلة لا مجال لتناولها. وفي ما ذكرناه ما يفي
بالغرض.
ورد عن رسول الله أنه قال :
لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي من ولدي، ولا يخرج المهدي حتى يخرج ستون كذابا كلهم يقول: أنا نبي(1). وفي بعضها: لا تقوم الساعة حتى يخرج ستون كذابا ... إلخ (2)
ولا فرق في أن يقول هؤلاء الكذابون ذلك لفظيا أو يقولوه عمليا فقط ؛ لأن النبي هو من يأتي برسالة جديدة تنسب إليه فتنسخ وتبقي من رسالة النبي السابق، وهذا ما وقع تاريخيا سواء من المتنبئين بصورة صريحة أو من بعض أدعياء العرفان وأدعياء المهدوية والبابية الذين نسخوا أحكام الشريعة الإسلامية أو عطلوها في التاريخ الماضي والحاضر غير مبالين . إن الإمام المهدی علیه السلام بوصفه خليفة لرسول الله وامتدادا له لا يملك نسخ الرسالة الإسلامية ، وإلا أصبح نبيا بالمعنى الاصطلاحي، وهو لا يملك أن يكون كذلك، لا لمناقضته صفته تلك فقط، بل لغلق النبوة قرآنا وسنة وإجماعا، وللنصوص التي تتحدث عنه كإمام يفرض الإسلام - كما هو واقعه في الكتاب والسنة - ويعطل ما بعدت به الآراء والاجتهادات عنه، ويلتزم في سلوكه سيرة النبي صلی الله علیه و آله والمعصومين من آبائه علیهم السلام .
وسنرى أمثلة من هؤلاء في الجزء الثاني الخاص بأدعياء المهدوية والبابية إن شاء الله ، ويتضح لك بذلك مدى بعدهم عنه سبيلا وصفة وغاية ...
قال صلی الله علیه و آله : «يوشك أن تداعى الأمم عليكم تداعي الأكلة على قصعتها. قالوا: من قلة نحن يومئذ یا رسول الله؟ قال : بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل» (3).
وهو - للأسف - ينطبق على حال أمتنا في واقعها الحاضر .
قال صلی الله علیه و آله : «یکون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المياثر حتى يأتوا المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف»(1).
ووصف «كاسيات عاريات» لا يجد له في تاريخ الأمة الإسلامية مصداقا قبل هذا العصر، انعكاسا للقيم المادية في الغرب، وما أدري إذا كانت تسريحة تكوير الشعر بما يشبه سنام البعير قد وجدت من قبل أم لا، وأظن أنها غير موجودة لعدم ملاءمتها الحجاب .
قال صلی الله علیه و آله : «يوشك أهل العراق أن لا يجبی إليهم قفيز ولا درهم. قيل: من أين؟ قال: من قبل العجم يمنعون ذلك (يعني الأمم الأجنبية)»(2).
وهناك علامات خاصة أخرى لا مجال لذكرها، وعلامات لا نجدها قائمة في الواقع حتى الآن، ولا ما يشير إلى وقوعها، إلا أن المصادر الحديثية لدىالشيعة وأهل السنة متفقة على نقلها، على أن عدم وقوعها وعدم وجود ما يشير إليها لم يكن إلا لأنها من العلامات القريبة والمحددة بطبيعتها بوقت حدوثها. ومنها:
ما روي عن ثعلبة الأزدي قال : قال أبو جعفر علیه السلام : «آيتان تكونان قبل القائم : كسوف الشمس في النصف من شهر رمضان و خسوف القمر آخره ..» قال : قلت : يابن رسول الله صلی الله علیه و آله، تنکسف الشمس في نصف الشهر والقمر في آخره؟ فقال أبو جعفر علیه السلام : «أنا أعلم بما قلت، إنهما آيتان لم تکونا منذ هبط آدم، ونار من قبل المشرق تظل أياما، وقتل النفس الزكية في الحرم
قبل خروج الإمام المهدی علیه السلام بخمسة عشر يوما، والصيحة أو الفزعة في رمضان؛ وهي آية تخرج الفتاة من خدرها، وتوقظ النائم، وتفزع اليقظان». وورد عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال : «یزجر الناس قبل قيام القائم علیه السلام عن معاصيهم بنار تظهر في السماء وحمرة تجلل السماء» ، وخسف في البيداء، وخروج ثلاثة قواد في المنطقة يمثل أحدهما أسوأ ما يعرف من العداء لأهل البيت علیهم السلام وهو السفياني، بخلاف الآخرين وهما الحسني واليماني، وقد روي أنهم يبرزون في وقت واحد، وأن ظهور الإمام علیه السلام
لا يتأخر عنهم، بل يكون عند ذلك(1). والله العالم بالصواب من ذلك .
من المتوقع أن تشتد بين العلامات العامة والخاصة محنة الناس، وتضطرب نفوسهم وأفكارهم، وقد يفقد البعض الميزان، وبالتالي الاستقامة والهدى، وهو ما أنذر به كثير من الأخبار عن الأئمة من أهل البیت علیهم السلام ؛ ومن تلك ما روي عن محمد بن منصور الصيقل عن أبيه قال : دخلت على أبي جعفر (الباقر) علیه السلام وعنده جماعة، فبينما نحن نتحدث، وهو علیه السلام مقبل على بعض أصحابه (ويبدو أن حديثهم كان عن القائم المنتظر علیه السلام ) إذ التفت إلينا وقال :
في أي شيء أنتم؟ «هيهات هيهات، لا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تمحصوا، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تميزوا، ولا يكون
201
1) النعماني، الغيبة، ص 129 - 150، الصدوق، کمال الدین، ص 608 - 615، المفید، الإرشاد، ص 403 - 408، الطوسي، الغيبة ، ص 2950 - 279، المجلسي، البحار، م 52، ص 181 - 278، عن عدد كبير من المصادر : المتقي الهندي، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان، ج2، الباب الخامس، ص 713 - 719، وراجع منه (ما ذكره المفتي الحنفي والمفتي المالكي في مكة)، ص 871 - 874.
الذي تمدون إليه أعناقكم حتى تغربلوا، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم إلا بعد إياس، ولا يكون الذي تمدون إليه أعناقكم حتى يشقی من شقي ويسعد من سعد»(1).
وروى الطوسي، رحمه الله ، عن جابر الجعفي قال: قلت لأبي جعفر علی : متى يكون فرجكم؟ فقال علیه السلام : «هيهات هيهات، لا يكون فرجنا حتى تغربلوا، ثم تغربلوا، ثم تغربلوا - يقولها ثلاثا - حتى يذهب الله الكدر ويبقى الصفو»(2).
وروي عن أبي جعفر الباقر علیه السلام قال : لتمحصن يا شيعة آل محمد تمحيص الكحل في العين؛ لأن صاحب الكحل يدري متى يقع الكحل في العين، ولا يعلم متى يخرج منها، وكذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا، ويمسي وقد خرج منها، ويمسي على شريعة من أمرنا، ويصبح وقد خرج منها.(3)
وعن أبي بصير، رحمه الله ، عن أبي جعفر (الباقر) علیه السلام قال : لا يقوم القائم علیه السلام إلا على خوف شديد من الناس وزلازل، وفتنة، وبلاء يصيب الناس، وطاعون قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد في الناس، وتشتيت في دينهم، وتغير من حالهم، حتى يتمنى المتمني الموت صباحا ومساء من عظم ما يرى من كلب الناس، وأكل بعضهم بعضا، فخروجه علیه السلام إذا خرج يكون عند اليأس والقنوط... (الرواية)(4).
وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلی الله علیه و آله قال : «لا
تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول : يا ليتني كنت مكانه»(5).
وروي عنه أيضا قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «والذي نفسي بيده، لا تذهب الدنياحتى يأتي على الناس يوم لا يدري القاتل فيم قتل ، ولا المقتول فيم قتل!!!»..
فقيل : كيف يكون ذلك؟
قال : «الهرج القاتل والمقتول في النار»(1).
وعن الربيع بن محمد قال : قال علیه السلام أبو عبدالله (الصادق) علیه السلام : والله التكسرن كسر الزجاج، وإن الزجاج يعاد فيعود كما كان ، والله لتكسرن کسر الفخار، وإن الفخار لا يعود، والله لتميزن، والله لتمحصن، والله لتغربلن كما يغربل الزوان من القمح (2).
وعن عميرة بنت نفيل قالت: سمعت بنت الحسن بن علي علیه السلام يقول (3): لا يكون هذا الأمر الذي تنتظرون حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويلعن بعضكم بعضا، ويتفل بعضكم في وجه بعض، وحتى يشهد بعضكم بالكفر على بعض. قلت : ما في ذلك خير؟ قال : الخير كله في ذلك.. عند ذلك يقوم قائمنا فيرفع ذلك كله(4).
وصورة الحالة . كما أشارت إليها هذه الروايات إجمالا - فظيعة تثير الخوف، ولكن الواقع التاريخي يشهد أنها قد وقعت بالفعل، أو كثير منها، على امتداد التاريخ الإسلامي، بدءا من العصر الأموي وحتى الآن، فإذا ما تفاوتت ففي الشدة والضعف فقط، وهو أمر لا بد أن يكون بحكم واقع المجتمع الإسلامي سياسياً واقتصادياً ومذهبياً وثقافياً. ولذلك ورد أن الفرج بمعناه الكامل لا يكون إلا في زمن المهدی علیه السلام ، فإن غيابه نفسه إشارة الواقع متخلف غير مؤهل لقبول الحق..
وجه الأئمة من أهل البيت أولياءهم إلى هذين الأمرين :
أما الأول : أعني انتظار الفرج، فلأنه ما تمليه العقيدة ببقاء،الإمام علیه السلام وغيبته وظهوره، وهو بهذا اللحاظ وما يصحبه من تحمل للظروف النفسية والموضوعية عبادة وجهاد. وقد وردت روايات كثيرة في أهمية الانتظار، ومكانته، وثوابه؛ منها ما ورد عن الحرث بن المغيرة عن الإمام الباقر) علیه السلام قال : قال علیه السلام :
«العارف منكم هذا الأمر، المنتظر له، المحتسب فيه، كمن جاهد - والله - مع قائم آل محمد بسيفه. ثم قال : بل - والله - کمن استشهد مع رسول الله في فسطاطه»(1).
وعن أبي بصير عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال : «إن لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء». ثم قال : «من سره أن يكون من أصحاب القائم علیه السلام فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه»(2).
وعن أبي بصير عن أبي عبدالله الصادق أنه قال علیه السلام ذات يوم : «ألا
أخبركم بما لا يقبل الله عز وجل عملا إلا به؟
فقلت: بلی.
فقال علیه السلام : شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، والإقرار بماأمر الله ، والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا، والتسليم لأمرنا، والورع، والاجتهاد، والطمأنينة ، والانتظار للقائم علیه السلام »(3).
وعن علي بن حاتم عن أبيه عن أبي جعفر علیه السلام قال : «ما ضر من مات منتظرة لأمرنا ألا يموت في وسط فسطاط المهدی علیه السلام
وعسكره»(1).
وعن الإمام علی علیه السلام قال : «انتظروا الفرج ولا تيأسوا من روح الله ،فإن أحب الأعمال إلى الله عز وجل انتظار الفرج». .
وقال علي : «الأخذ بأمرنا معنا في حظيرة القدس، والمنتظر لأمرنا کالمتشحط بدمه في سبيل الله»(2).
وأما الثاني : أي الدعاء بتعجيل الفرج، فإن ما ورد من الحث عليه، وما ورد من الأدعية المنشأة من قبل الأئمة من أهل البیت علیهم السلام وأوليائهم فيه أكثر منأن نورده هنا، وقد كتب العلامة الحجة السيد محمد تقي الموسوي الأصفهاني في ذلك سفرا كبيرا أسماه «مکیال المکارم في فوائد الدعاء للقائم علیه السلام »، ويكفي في ذلك ما جاء عن الإمام المهدی علیه السلام قال : وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإنه فرجكم»(3).
وإذا عرفنا أن الدعاء يدخل ضمن الأسباب الكونية المؤثرة في التقدير(4)، وإذا تذكرنا حديثنا في البداء في ما تعطيه العلاقة بين المقتضي
1) لطف الله الصافي، متخب الأثر، ص 498، عن أصول الكافي للكليني .
2) المصدر نفسه.
3) الصدوق، کمال الدین، ص 452، والطبرسي، الاحتجاج، ج 2، ص 284.
4) ليس للأشياء بما هي في نفسها وجود، ولآثارها تبعا لذلك، وإنما وجودها وآثارها بالله سبحانه وكما شاء ، قال تعالى : «ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ» [لقمان: 30]. وقال الإمام علیه السلام لت : «كل شيء قائم به»، وإن البينونة ليست بينونة انفصال، لأنها استقلال ، وهو - عدا كونه شرکا - مستحيل في نفسه، وإنما هي بينونة صفة وقدر، كما هو الشأن في كل أثر وما هو قائم - بسلسلة من الآثار - كما هو في عالم التركيب المادي . وبناء على ذلك فإن السببية في الأشياء . كما شاء الله سبحانه -، وإذا كان كذلك فهي كما تكون في الأشياء المادية كيمياوية وفيزياوية وبايولوجية تكون في غيرها؛ أي في الاعتقاد والنية والتوجه، والفعل قوليا أو عمليا، ومن ذلك الدعاء، قال تعالى : «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» [غافر: 60]، ولكن بشرطه ؛ ومعناه الذي يصل فيه الداعي قلبا وروحا إلى أسباب الإجابة التي هي ذوات أسمائه الحسنى، قال تعالى :«وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا» [الأعراف: 180] اقرأ: عدنان البكاء، المضمون المعرفي في أدعية أهل البيت علیهم السلام .
والمانع من الأسباب، يتضح لنا ما يمكن أن يسهم به الدعاء في تهيئة الظرف المؤهل لاستقبال الإمام علیه السلام ، ومعنى أن يهتم الأئمة من أهل البيت علیهم السلام به بالصورة التي أشرنا إليها، عدا كونه ترديداً لهذه العقيدة وإيحاء بها، يؤدي إلى تركيزها في نفس المؤمن. فاقرأ منها ما ورد في دعاء السجاد علي في عرفة(1)، وما ورد في آخر دعاء الافتتاح المروي عن الإمام المهدي علیه السلام (2)، وما رواه الشيخ أبو على بن همام (رحمه الله) عن الشيخ العمري (رضوان الله عليه) قال : إنه أملاه عليه وأمره أن يدعو به في غيبة القائم علیه السلام ، وأوله : اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني نبيك فإنك إن لم تعرفني نبيك لم أعرف حجتك »(3).
الانتظار أو الترقب حالة نفسية لدى من يؤمن بمجيء (موعود)، ويتبعها تلقائيا الاستعداد بما هو المفروض لدى حضوره عادة، لذلك فهو حالة طبيعية واقعية لدى المؤمنين، وما ورد من الأخبار عن الأئمة من أهل البيت علیهم السلام ليس دعوة له، بمقدار ما هو ثناء وبشارة للمنتظرين، وتطمين لمن خشي أن يدركه الموت قبل الظهور بأنه قد أدرك ما أمله من المنزلة والفضل، بنفس
1) الصحيفة السجادية ، دعاء عرفة.
2) القمي (عباس)، مفاتیح الجنان (أدعية رمضان).
3) الصدوق، إكمال الدين وإتمام النعمة، ص 476. وروى الكليني في أصول الكافي عن زرارة عن الإمام الصادق علیه السلام الفقرات الأولى منه ، فقد قال له بعد أن حدثه عن الإمام المهدی علیه السلام عما يعمله في ذلك الزمان لو أدركه، فقال له: ادع بهذا الدعاء: «اللهم عافني نفسك»، أصول الكافي، ج 1، ص 337.
الانتظار، ولا علاقة للانتظار أصلا ، ولا لما ورد فيه - كما قد تصور البعض - بأن يكون تخديرا، أو دعوة للسلبية، بل على العكس فإن الانتظار للموعود يدعو بطبيعته إلى الاستعداد المناسب له، وذلك يعني العمل، سواء ما اتصل منه بالذات أو بالآخرين، وحين يكون الموعود هو ظهور الإمام علیه السلام فلا بد أن يكون الاستعداد هو العمل على أن نكون في وضع مؤهل عقائديا وروحياً وأخلاقياً لاستقباله والكون في خدمته على مستوى النصرة.
ويبدو أن من يتصور أن الانتظار يناقض العمل هو ممن يرى أن العمل ينحصر في العمل السياسي الذي ينشط بسبيل الثورة، وتسلم السلطة، ومقاليد الحكم ، شأن أية جماعة سياسية أخرى؛ وهي رؤية ضيقة جدا لمفهوم العمل وغاياته من زاوية إسلامية عامة، والأخذ به يعني إخراج المعصومين الاثني عشر عليهم السلام في فترة من حياتهم بالنسبة للبعض - كما في علي علیه السلام والحسنين عليهماالسلام - أو في حياتهم كلها بالنسبة للبعض الآخر من ساحة العاملين والمجاهدين، ولا أظن أن أحدا يجرأ على أن يرى ذلك.
وفي مقارنة سريعة بين مردود عملهم العلمي والتربوي وقيامهم بوصفهم قدوة وأنموذجا في الروح والفكر والسلوك والمواقف، الذي ظل يمثل حتى الآن قواعد ومنارات للأمة كلها، وبين مردود تلك الثورات التي قام بها الزيديون مثلا، ليس الآن، بل حتى في وقتها، يبدو لنا الفرق واضحا وكبيراً لا يقبل القياس، وهي ردنا المفحم على من يحصر العمل في كل ظرف بالعمل السياسي.
إن السلطة ليست في نظر أهل البیت علیهم السلام وأوليائهم من المؤمنين - إلا وسيلة لتحقيق القيم والمبادئ والأحكام الإسلامية، وحين يكون العمل لها، أو بها، خارج نطاق هذه القيم والمبادئ أو ينتهي بصورة أو بأخرى إلى ذلك بحكم فقدان القاعدة المتمثلة للرسالة رؤية وخلقا وعملا وبحكم تشظي الأمة، فسيكون الخسار في العمل لها أكثر قطعا، وفرق كبير بين حركات سياسية تقبل من الأنصار نماذج ممن يتحرك بدافع : كم تهب لنا؟
إن استيعاب الإمكانات في الواقع هو الذي يملي الانتظار، وهو ليس ترکابل رفض للاستعجال فيه. الاستعجال الذي لا يضع اشتراطات العمل الرسالي الحق - كما هو في الإسلام الحق - أسلوبا وتعاملا وغاية في الحساب، الأمر الذي يجعله في هذه الحالة يستملي العاطفة والحماس وحب الظهور وأهواء الأمة أكثر مما يستوحي المبادئ ومصلحة الرسالة.
إذا، فالخلاف ليس في أصل المسألة بل في ظروفها وشروطها. وذلك ما أشارت إليه غيبتنا الإمام المهدی علیه السلام : الصغرى والكبرى، وما أشارت إليه الروايات الواردة في ذلك عن أهل البيت علیهم السلام أيضا لدى إجابتهم من دعاهم من الحركات لتزعمها؛ فحين عرض أبو مسلم الخراساني على الإمام الصادق ذلك قال له: «ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني «(1). وبمثل ذلك أجاب المتحمسين من أوليائه(2)، والروايات في ذلك كثيرة. قال الإمام الباقر علیه السلام لجابر، وهو يلفته إلى ما أشرنا إليه من خلال تقويمه للظرف والإمكانات الرسالي الملتزم أسلوباً وتعاملا وغاية فيه إزاء ما تملکه القوى الأخرى:
«مثل من خرج منا أهل البيت قبل قيام القائم علیه السلام مثل فرخ طار ووقع من وكره فتلاعبت به الصبيان» (3).
وفي روايتي أبي بصير عن الإمام الصادق علیه السلام اللتين قدمناهما آنفا تحت عنوان «انتظار الفرج» يتبين لنا الاتجاه الذي أراده الأئمة من أهل البيت علیهم السلام في فترة الانتظار بسبيل إيجاد القاعدة الموطئة لظهور
الإمام علیه السلام ، وقد ذكر المحدثون من المسلمين سنة وشيعة أن الرسول صلی الله علیه و آله بشر بطائفة من الأمة يوطنون للمهدي علیه السلام ويكونون من أنصاره، وقد عقد السلمي الشافعي (المتوفى سنة 685) الباب الخامس من «قلائد الدرر» لإيراد ما جاء حول ذلك ((1).
ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن معاذ بن جبل (رحمه الله) قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» (2).
في رواية مسلم عن جابر بن عبدالله بعد صدر الحديث «ظاهرين إلى
يوم القيامة» (3)
يقول الأستاذ الحجة الشيخ محمد رضا المظفر قدس الله نفسه : «ومما يجدر أن نعرفه في هذا الصدد ونذكر أنفسنا به أنه ليس معنی انتظار المصلح المنقذ المهدی علیه السلام أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي في ما يعود إلى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته، والجهاد في سبيله، والأخذ بأحكامه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بل المسلم أبدا مكلف بالعمل بما أنزل من الأحكام الشرعية، وواجب عليه السعي لمعرفتها على وجههاالصحيح بالطرق الموصلة إليها حقيقة، وواجب عليه أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر ما تمكن من ذلك وبلغت إليه قدرته (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته)(4). ولا يجوز له التأخر عن واجباته بمجرد الانتظار للمصلح المهدي والمبشر الهادي علیه السلام ، فإن هذا لا يسقط تكليفا ولا يؤجل عملا»(5).
البحث الأول:
كيف سينتصر؟
البحث الثاني:
ماذا سيفعل؟
البحث الثالث:
الإمام المهدي المنتظر علیه السلام وعقيدة الرجعة
الخاتمة: نتائج البحث
يسأل بعضهم قائلا: إذا كان الإمام علیه السلام ، وهو من قد غاب ، في كلتا غیبتيه القصيرة والطويلة، اتقاء للأعداء في عصر الخلافة العباسية بین 260 و 328ه-. ، فكيف يمكن أن نتصور ظهوره وانتصاره في مثل هذا العصر؟
لقد استبعد الإسلام اليوم بوصفه قاعدة للرؤية والتشريع والحكم، وأصبح المسلمون دولا بعد أن كانوا دولة واحدة، وتواشجت علاقات ومصالح دول العالم مسلمة وغير مسلمة حتى أصبحت محاولات التغيير الحقيقي الجاد - لا بالنسبة للمسلمين فقط وإن كانوا الأكثر خطرا في نظر العالم ايديولوجياً وموقعاً جغرافياً واقتصادياً، بل في كل بقعة من الأرض - لا تعني أهلها بل العالم كله ودوله الكبرى بالذات، بصورة قد تصل سلبا إلى درجة المواجهة الفعلية. والسلاح في عصرنا ووسائل الملاحقة والمراقبة لا تقبل القياس بالعهد الذي غاب فيه الإمام علیه السلام ، ولا حاجة لتفصيل ذلك فهو معروف.
فلو كان الإمام علیه السلام يملك إمكانات الانتصار لكان قد انتصر
في ذلك العهد الذي تتكافأ فيه - من حيث الأصل - الأسلحة والوسائل بين مختلف الخصوم، أما اليوم، فالأمر - كما يبدو - خارج حدود ما يقاس وما يفهم... فكيف يمكن - إذا - أن نتصور ظهور الإمام علیه السلام وانتصاره؟
والخطأ الأول، في هذا السؤال، يتمثل في النظر إلى الإمام علیه السلام وحركته وإمكانياته - بالحسابات الشخصية أو الاجتماعية والسياسية
والعسكرية التي ينظر فيها بالنسبة لأي إنسان آخر لا بحساب علاقته بالله ومشيئته . وقياس موقفه ووظيفته وحركته في الظهور على ما كان قائما في مرحلة إمامته في ذلك العهد الذي كان يسير فيه - بحكم مرحلة التأسيس - على خط آبائه نفسه من الحسن العسكري حتى الإمام علی علیه السلام ، بل - وبالمعيار العام - حتى الرسول صلی الله علیه و آله من حيث الطرح، ووسائل المقابلة للخصوم والأعداء.. والمسألة ليست كذلك.
إن الإجابة تقتضي أن نعود لنتذكر ما أشرنا إليه في الإجابة على السؤال عن حكمة الغيبة الكبرى، واتصالها بالرسالة، وأن التقية كانت بالنظر إليها ، وإلى اشتراطات الظهور ظرفأ، ودعوة، ووسائل مقابلة ، لا إلى الإمام علیه السلام شخصياً..
وقد كان من تلك الحكم: انتظار الظرف الملائم من كل جهة . ومما
يتصل بذلك :
أولا : أن يتهيأ العالم بصورة عامة في غاية مساره العلمي والعقلي لتقبل الرسالة الإسلامية بكل أبعادها، والإصغاء لآخر أوصياء الرسول، عليه وعليهم السلام، فهي في واقعها - خارج نطاق الآراء والاجتهادات المذهبية - الصيغة الإلهية النهائية لحياة الإنسان عقيدة وقيماً وقواعد تشريع.
وتبدو في العالم العلمي - في عصرنا - أكثر من جهة بدأت تشير من خلال ما وصل إليه الفكر الإنساني والبحث العلمي في مختلف المجالات إلى لقاء حقيقي مع أهم الركائز التي يقوم عليها الدين، والدين الإسلامي بخاصة ، مما كان موضع تقاطع حاد بينهما في السابق(1)
عام بعد الخليقة (بول دیفز، القوة العظمی، ص 195 - 198، سلسلة علوم المترجم - العراق). والمادة ليست إلا طاقة مضغوطة، وهي طبقا لقانون انشتاین المشهور: E = Mx C2.
وبالعربية : الطاقة = الكتلة x مربع سرعة الضوء
وكان بعض الفلاسفة والعلماء يظنون أن المادة لا تفني، ولكن العلماء سجلوا رأي العين فناء بعض المجرات کالمجرة م82 وعشرات غيرها، بل استنتجت نظريات التوحيد الفيزيائي الكبرى أن البروتون الذي هو أحد مكونات نواة الذرة والذي كان يعتقد أنه لا يفنی غیر مستقر وأنه يفنی كغيره، وأعلن في سويسرا وقبل ذلك في تجربة هندية - يابانية ما أكد ذلك . يقول بول دیفز: وإذا كانت البروتونات مخلوقة لتنحل فهذا يعني أن الكون يسير نحو الفناء التدريجي (بول ديفز، القوة العظمی، ص 158) والدكتور عبد المحسن صالح: (هل لك في الكون نقيض، ص 158) سلسلة العلم للجميع - القاهرة، وستفن هوكنغ: (العلم موجز تاريخ الزمن، ص 129) وامیدشمك : (أسرار الذرة، ص 10، أبحاث في ضوء العلم الحديث).
ثانيا: كان بعض العلماء الطبيعيين والفلاسفة يعتقدون بأن الخلق وجد بالصدفة . وقد نفي العلم رياضياً ذلك طبقا لحساب الاحتمالات، فالصدفة لا تسمح بتكون جزيء بروتيني واحد صدفة إلا بنسبة واحد إلى 16010، وينبغي أن تكون كمية المادة التي تلزم لحدوث التفاعل الذي يوجده صدفة أكثر مما يتسع له هذا الكون بملايين المرات. ويتطلب تكوين هذا الجزيء على سطح الأرض وحدها عن طريق المصادفة بلايين لا تحصى من السنوات قدرها العالم السويسري تشارلز يوجين جاي ب- 20210 من السنين . وإذا كان الأمر كذلك في تكوين مادة كيمياوية تتكون من خمسة عناصر وتحتوي 40000 ذرة ، فما بالك بوحدات الكون الأخرى حية وغير حية في كل ما لها من خصائص وأشكال وآثار في كل ما بينها من علاقات؟
ثالثا : أثبت العلم لا نهاية القوة التي تضغط النجوم والمجرات لتكون ثقبا أسود، ولا نهائية القوة التي تفجرها مرة أخرى.
رابعا: وأثبت أن مجرتنا التي كان العلماء يظنون حتى سنة 1924م أنها الوحيدة في الكون، وهي تحتوي 100 مليار نجم وبمسافة 100 مليار سنة ضوئية، معها 100 ملیار مجرة مشهودة حتى الآن، وأن بعضها أكبر منها كثيرا أو أن هذا العالم المادي كله في نظر بعض العلماء ، كديفيد بوم، أشبه بالموجة بالنسبة لبحر الطاقة. والطاقة مفهومها مجهول تعني القوة اللامادية أو السماء.
خامسا: النظرية النسبية وما أثبتته من كون الفروق بين الألوان والأصوات والطعوم والكتلة والوزن والإحساسات والماضي والحاضر والمستقبل ليست إلا فروق نسبية تعطيها الحركة والسرعة والذبذبة والتموج والموقع في إحساس الراصد
سادسا: ما حاولت إثباته وبلغت فيه شاوا نظريات التوحيد الفيزيائي الكبير من رجوع القوی الأربع إلى قوة واحدة، وكل هذا وما تقدم دعم للتوحيد الذي جاء به الدين والإسلام خاصة.
سابعا: ما أثبتته الدراسات والتجارب الباراسايكولوجية في جامعات أوروبا وأمريكا من صحة ظواهر التنبؤ . وقراءة الأفكار، وخلع الجسد إرادياً، والرؤية عن بعد، ووجود العالم الآخر، وأشباه ذلك.
ثامنا : ما انتهى إليه العلماء ، بعد الغرور العلمي، من التواضع والاعتراف بالجهل في بعض هذا. وكل ما مر مفاهیم تلتقي مع الدين في إثبات الألوهية والتوحيد ومجيء العالم المادي عن السماوي ورجوعه إليه والقول بالخلق، وقيامها بالمشيئة الإلهية والعالم الآخر والحاجة إلى المعلم الإلهي أو الحجة الموصول بالله علما وهو الإمام علیه السلام .
، بحيث تهیأت بالفعل لأول مرة1) أولا : كان بعض الفلاسفة وعلماء الطبيعة يؤمنون بأزلية المادة، ولم يقتنعوا بدليل التغير والتحول والتركيب الذي يقدمه الفلاسفة الأخرون على حدوثها حتى أثبت علم الفيزياء الفلكية أن العالم ككل لم يكن موجودة أصلا قبل خمسة عشر أو عشرين مليار سنة ، ثم جاء دفعة واحدة طبقا لنظرية الانفجار الكبير التي لا تزال قائمة في العالم العلمي . والانفجار كما قالوا: لا يعني وجود كتلة مادية سابقة، بل بمجيء العالم برمته من العدم في لحظة قدرت با 3210 من الثانية وكان في حالة ضغط لا متناه وحرارة لا متناهية، في نهاية الثانية الأولى كانت درجة الحرارة 1010 کلفن وهي حرارة - كما قالوا . أعلى من أن توجد فيها نوی مركبة . وهبطت درجة الحرارة بشكل سريع أولا ثم بشكل أبطأ حتى برد الكون بما فيه الكفاية . ولمدة تزيد على مئة ألف عام بقيت درجة الحرارة فوق بضعة آلاف درجة مئوية حائلة بذلك دون تكوين الذرات . ولمدة مئة ألف عام أخرى بقيت المادة الكونية في هيئة بلازما متوهجة من الهيدروجين والهليوم المتاینین . وعندما برد الكون إلى درجة قريبة من سطح الشمس تكونت الذرات الأولى. وعليه ، فإن الذرات آثار باقية من مئة ألف
في التأريخ قواعد مشتركة، وهو ما لم يكن قائما في أي وقت مضى...
إن من خصائص العلماء وصفاتهم - عدا أنهم أكثر إدراكا، واستيعابا للحقيقة، واهتماما بها - أنهم أكثر موضوعية، وبالتالي أقل أنانية وتعصبا للموروث مما هو العائق الأول دون الحق. وحين يشيع العلم، وتتسع آفاق الرؤية لدى أكثر الناس تتهيأ القاعدة الأولى لظهور الإمام علیه السلام ودعوته ، لذلك فهو لا يخاطب المسلمين وحدهم وإن كانوا المنطلق الأول لدعوته ، بل العالم بأجمعه، ولا على الأمة الإسلامية بل تشمل البشرية بعامة. وورد أن المسلمين، بحكم تخلفهم العلمي وتعصبهم للموروث، أبطأ استجابة له مما هم النصارى إلا قليلا، ليس بما هم نصاری بل بما هم في تلك المرحلة أهل علم وموضوعية .
لقد ذكروا أن ذلك بسبب نزول المسیح علیه السلام معه وصلاته خلفه ، وهو مناقش بأن أحدا منهم لا يشخص المسيح علیه السلام صورة وشکلا ، فإذا ما رأوه، فمن خلال الآيات التي يقوم بها مع المهدی علیه السلام ، ولذلك فاستجابتهم ليست إلا من خلال العلم والوعي اللذين رفضوا بهما التثليث
المسيحي والحلول والغلو وآراء رجال الكهنوت، ومن خلال وعيهم للحق فقط (1)
إن ظهور المسيح علیه السلام وصلاته خلف الإمام علیه السلام إشارة لما شاء الله سبحانه أن يحيط به الإمام من آيات كبيرة هائلة، وبما هو مداه الذي يضم العالم كله .
وحين تستجيب قمة العالم العلمي المعاصر للإمام علیه السلام استجابة السحرة لموسی علیه السلام في عهد فرعون - بما يظهره الله على يد حجته علیه السلام ، وصي محمد صلی الله علیه و آله خاتم الرسل، من علم و آیات باهرات - فإن الانتصار الحقيقي على مستوى العالم كله يكون قد حصل حتى لو أبي ذلك الآخرون .
إن هذه القاعدة الأولى - للانتصار - يمكن أن ترى من خلال النظر إلى ما ورد من مؤشرات التقدم العلمي والعقلي والتقني القائم في الواقع، والمؤشر إليه في علامات الظهور الخاصة، وفي ما ذكرناه في الهامش السابق مما وصل إليه البحث العلمي من لقاء مع ركائز الدين .
ثم في ما ورد من روايات تشير إلى أن الإمام علیه السلام يظهر العلم كله ، وهو ما لم يتسع له إدراك أي عصر آخر، وفيه نلمح الصورة العقلية والعلمية للناس في عهده.
وبالنظر إلى ذلك كله نعرف مدى ما أعطى الله للإمام علیه السلام من علم وهدى؛ بحيث يصبح قائدا وهاديا ومعلما لعصر العلم. وإن صلاة المسيح خلفه، التي تواترت فيها الروايات، ليست إلا إشارة إلى هذه المكانة . ولنعرف مدى ما أعطى الإمام علیه السلام من العلم والهدي ، علينا أن نقرأ الروايات التالية :
1) راجع ما يقوله الدكتور اوسکار لندبرج في ص 40 من كتاب: «الله يتجلى في عصر العلم»، ترجمة الدكتور الدمرداش، ط. دار التربية - بغداد . واقرأ ما كتبه الطبيب الفرنسي الدكتور موريس بوكاي في كتابه : أصل الإنسان، إجابات العلم والكتب المقدسة في مقارنته بين الإسلام وكتب العهدين. مكتب التربية لدول الخليج.
1- روي مسندا عن أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر علیه السلام قال : إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع به عقولهم، وأكمل به أخلاقهم(1)، وفي رواية أخرى: أحلامهم. (2)
2 - وعن جابر عن أبي جعفر (الباقر) علیه السلام قال : إنما سمي المهدي لأنه يهدي إلى أمر خفي7(3).
3- وعن أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام قال : يوحى إليه هذا الأمر
ليله نهاره . قال : قلت : يوحى إليه يا أبا جعفر ؟!
قال : يا أبا الجارود، ليس وحي النبوة، ولكنه يوحى إليه کوحية إلى مریم بنت عمران وإلى أم موسى وإلى النحل.
يا أبا الجارود، إن قائم آل محمد أكرم عند الله من مریم بنت عمران وأم موسى والنحل(4).
4 . وروي مسنداً عن أبي بصير عن أبي عبدالله (الصادق) علیه السلام قال : إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى كل ما ينخفض من الأرض، وخفض له كل مرتفع منها حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته ، فأيكم كانت في راحته شعرة لم يبصرها(5)
المرتفع لا يراد به الحقيقة ، بل كناية عن عدم خفاء شيء مما هو فيها علیه بوسيلة أرضية ، كما هو التصوير بالأقمار الصناعية للأرض مثلا أو وسيلة سماوية روحية (كالكشف).
.1) الصدوق، إكمال الدين وإتمام النعمة، ص 632، والمجلسي، البحار، م 52، ص 336.
2) المجلسي، البحار، م 52، ص 328.
3) الشافعي السلمي، قلائد الدرر، ص 107، المجلسي، المصدر نفسه ، م 52، ص 390.
4) المجلسي، المصدر نفسه ، م 52، ص 389. يستكثر بعض الناس - حتى من المؤمنين - أن يوحى إلى الأئمة من أهل البيت علیهم السلام ، وهم امتداد الرسول صلی الله علیه و آله وأوصياؤه الذين أذهب الله عنهم الرجس وجعلهم قرناء الكتاب ، متصورين أن الوحي خاص بالأنبياء علیهم السلام . وقد أجاب الإمام علیه السلام في الحديث، وضرب أمثلة بمتلقي الوحي من غير الأنبياء، وفرق بين وحي النبوة وغيره من حيث الوظيفة والمدي، ومن الأمثلة الأخرى زوجة إبراهيم والخضر والاسكندر، وجميع أهل الكشف والباراسايكولوجيون يعرفون ذلك ويدعونه بحدودهم.
5) الصدوق، إكمال الدين وإتمام النعمة، ص 132. رفع المنخفض وخفض
5- وعن أبان عن الإمام الصادق علیه السلام قال : إذا خرج القائم لم يبق بين يديه أحد إلا عرفه صالح أو طالح . (1)
وعن عبدالله بن عجلان عن أبي عبدالله الصادق علیه السلام قال ، من حدیث: يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كل قوم بما استبطنوه، ويعرف وليه من عدوه بالتوسم، قال الله سبحانه : «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ *وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ » [الحجر: 75 و76 ] (2)
6- وعن أبان عن أبي عبدالله (الصادق) علیه السلام قال : العلم سبعة وعشرون حرفا، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفا فبثها في الناس، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفا .(3)
نعرف من الحديث الفرق بين المستوى العلمي والمعرفي للناس في زمن الأنبياء حتى نبينا و . مما اضطره في مرحلة التأسيس إلى أن يكلم الناس على قدر عقولهم، وأن يكون له مستویان من الحديث . وبين مستوى الناس في عصر الإمام المهدی علیه السلام ، وقد قال الله في كتابه : «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» [فصلت: 53]. ونظرة واحدة إلى واقع التطور العلمي والمعرفي في عصرنا قياسا إلى ما كان في العهد السابق يبدو الأمر من هذه الجهة حقيقة لا ريب فيها. فالأمر لا يقصد به تفضيل الحجة على أبيه وسیده رسول الله صلی الله علیه و آله، وهو وصيه الذي يستمده في حياته وبعد مماته بحكم مقامه ، بل تفضيل مستوى الناس والعلم في عصره على عصر الرسول صلی الله علیه و آله مما يسمح بمخاطبتهم بالحقائق .
ومع معرفة ما وصلت إليه البشرية من علم نرى أنها تستطيع أن تعرف أن ما أعطاه الله للإمام علیه السلام مما لا يقع تحت قياس، وبذلك يعطي الحجة على كونه خليفة لله وإماما منه.
1) المجلسی، البحار، ص 389.
2) المفید، الارشاد، ص 413، قد ينكر بعضهم أن يكون للإمام علیه السلام الذي يصلي المسيح خلفه هذه الإمكانات، ولهؤلاء نذكر الآية 49 من آل عمران بلسان المسيح: «قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ». إن الآيات من صنع الله يظهرها على يد حججه، والمهدي ظل منهم.
3) المجلسي، المصدر نفسه، ج 52، ص 336، عن الجرائح - للراجلي.
ثانيا: كثرة تجارب البشرية في العالم للقيادات والأنظمة، تحت مختلف الأسماء والعناوين والأسر والأحزاب والحركات الثورية والإصلاحية من هذه وتلك، من دون أن يحقق أي منها ما يطمح إليه الناس من العدل والأمان والضمان والحرية والكرامة، والتربية الأخلاقية التي تعطي للإنسانية معناها، أو ينهي ما تعانيه من الفقر والقهر والظلم، وتفشي الجرائم والحرب وسقوط الأخلاق، وغير ذلك مما أشارت إليه العلامات العامة والخاصة .
ولذلك فهي - من دون شك . ستصغي، وتستجيب لدعوة التغيير الشامل التي يأتي بها الإمام المهدی علیه السلام ، وربما إلى ذلك أشار ما ورد بالإسناد إلى أبي صادق عن الإمام أبي جعفر علیه السلام قال :
«دولتنا آخر الدول، ولن يبقى أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا؛ لئلا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عز وجل: «وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ » [الأعراف : 128]»(1).
وعن هشام بن سالم عن الصادق علیه السلام قال :
«ما يكون هذا الأمر حتى لا يبقى صنف من الناس إلا وقد ولوا على الناس حتى لا يقول قائل : إنا لو ولينا لعدلنا. ثم يقوم القائم بالحق والعدل».(2)
والصنف هنا ناظر للأيديولوجيات والأفكار والدعوات والأطاريح لا إلى الأجناس والشعوب والقبائل.
ثالثا: إن الإسلام نفسه، عقيدة وتشريعا وقيما وآفاق رؤية ، - إذا عرف كما هو، معری عن الآراء والاجتهادات الخاطئة، والتطبيقات التاريخية المحرفة(3)- دین إلهي حق يملا النفس والعقل، ويتطابق مع معطيات الفكر
1) المجلسي، البحار، م 52، ص 332.
2) المصدر نفسه، م52، ص 244.
3) انتزاع صورة الأديان والمبادىء من واقع مجتمعاتها - رغم عدم الملازمة بين واقع المجتمع وواقع مبادئه الدينية دائما - أمر قائم من دون شك. كتب أحد المفكرين السياسيين الغربيين، ولا يحضرني اسمه الآن، أن الإسلام لو امتد كما هو في عمر الرسول والخلفاء الراشدين الدخلت أوروبا كلها الإسلام، ولكن معاوية والأمويين هم من كانوا - بما أعطوهمن صورة مظلمة - وراء وقف هذا المد. ورفض الفيلسوف اسبينوزا كما في كتابه : في اللاهوت والسياسة النظر في الإسلام وموقفه من الفكر والحرية بما أعطته الخلافة التركية من انطباعات مشوهة لديه خلط بينها وبين الإسلام.
والعلم والتجربة في نهاياتها، وتتماسك عقائده ومفاهيمه الكونية والخلقية وتشريعاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بصورة لا يجد الباحث عن الحقيقة عنه بديلا. وكدليل على ذلك يمكن أن ترجع إلى القائمة الكبيرة للعلماء والمفكرين الأوروبيين الذين اعتنقوه في هذا العصر؛ وهو قمة التقدم العلمي والتقني رغم ما لحقه من تأثير خلافات المذاهب الإسلامية والتطبيق التاريخي. وكمثل قریب نذكر منهم رجلا لا يختلف اثنان على مكانته في بلده، كمفكر وفيلسوف معاصر، هو روجيه غارودي الذي كان عضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الفرنسي والمؤلف الأصيل المعروف.
فماذا لو عرف العالم العلمي الإسلام كما هو في واقعه؟ لا شك أنه عدة وقوة لا تقاوم وذلك مما هو بيد المهدی علیه السلام .
رابعا : ظهور آیات کونية ملفتة توقظ الإنسان من غفلته، وتقتل غروره ولا مبالاته، وتقوده مرغما إلى الله تعالى. وبالتالي تهيئه للانضواء إلى حجته علیه السلام .
1۔ فقد روي عن الإمام الصادق علم أنه قال : يزجر الناس، قبل قيام القائم علیه السلام ، عن معاصيهم بنار تظهر في السماء وحمرة تجلل السماء . الرواية)(1).
ومن تلك الآيات الصيحة أو الفزعة في شهر رمضان .
2-روى الحسن بن زياد الصيقل قال : سمعت أبا عبدالله جعفر بن محمد علیه السلام يقول: إن القائم لا يقوم حتى ينادي مناد من السماء تسمع
1) المفید، الارشاد، ص 408.
الفتاة في خدرها، ويسمع أهل المشرق والمغرب(1). وفي رواية أخرى، عن زرارة : حتى يسمعه كل قوم بلسانهم(2). قال علیه السلام : وفيه نزلت هذه الآية : «إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ »[الشعراء: 4] (3).
3- وروى السلمي الشافعي عن أمير المؤمنین علی بن أبی طالب علیه السلام أنه قال : «إذا نادى مناد من السماء أن الحق في آل محمد، فعند ذلك يظهر المهدی علیه السلام »، قال : أخرجه الحافظ أبو القاسم الطبراني، في معجمه، والحافظ أبو نعيم في مناقب المهدی علیه السلام ، والحافظ أبو عبدالله نعیم بن حماد في كتاب الفتن(4).
وقد تقدم، في «العلامات الخاصة»، الحديث عن طلوع الشمس من
مغربها وما يتصل بها من آیات کونية، ومنها أن تطول السنون، ويلبث الفلك حتى يكون اليوم كعشرة أيام والشهر كعشرة أشهر والسنة كعشرة سنين من سنينكم(5)، ولذلك كله - من دون شك، ومتصلا بالأوضاع والأحوال الأخرى التي تعيشها البشرية - أثره البالغ في عقول الناس ونفوسهم بصورة تتهيأ معها - بصورة تلقائية - لاستقبال الإمام علیه السلام بل الهرب إليه.
خامسا: ما ذكرناه في «العلامات الخاصة» من الفناء الذي يلحق البشرية حتى يذهب ثلثا العالم، أو تسعة أعشاره، أو خمسة من كل سبعة كما ورد في
1) النعماني، الغيبة، ص 134 ، المجلسي، البحار، م 52، ص 285، والسلمي الشافعي، قلائد الدرر، ص 207 عن الإمام (الباقر) علیه السلام .
2) النعماني، المصدر ص244.
3) النعماني، المصدر نفسه، ص 285، والسلمي الشافعي، المصدر نفسه، ص 169.
4) قلائد الدرر، ص206، والمتقي الهندي الحنفي ، البرهان، ص 511 و 524.
5) المجلسي، المصدر السابق، ج52، ص 333 و 337، عدة أحاديث بعدة أسانید. عن طلحة بن عبدالله عن ابن عمر وابن عمرو وعن عاصم بن عمر البجلي والإمام علی علیه السلام وسعيد بن المسيب والإمام الباقر علیه السلام وإسحاق بن يحيى عن أمه وعن شهر بن حوشب وعمار بن یاسر وعن الزهري
الروايات(1)، وما يتصل بذلك من خوف وجوع وفوضى تجعل الناس في حالة مأساوية لا نظير لها.
وإذا كان المسلمون في الثلث أو العشر الناجي - كما في الروايات - فإن هذا لا يعني أن تكون هذه النجاة كاملة، فالآثار نفسيا وبدنية واجتماعية وسياسية واقتصاديا لا بد من أن تكون قائمة بصورة مأساوية .
1- فعن محمد بن مسلم عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال : «إن قدام القائم علیه السلام بلوى من الله، قلت: وما هي جعلت فداك؟ فقرأ: «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ» [البقرة : 155]» .
ثم قال : «الخوف... والجوع من غلاء الأسعار، ونقص الأموال من کساد التجارات، وقلة الفضل فيها، ونقص الأنفس بالموت الذريع، ونقص الثمرات بقلة ريع الزرع وقلة الثمار»(2)
2- وعن الإمام الباقر علیه السلام أنه قال : «لا يقوم القائم علیه السلام إلا على خوف شديد من الناس وزلازل وفتنة وبلاء يصيب الناس وطاعون، قبل ذلك، وسيف قاطع بين العرب، واختلاف شديد في الناس وتشتت في ما بينهم وتغير من حالهم حتى يتمنى المتمني الموت صباحا ومساء مما يرى من كلب الناس وأكل بعضهم بعضا.
فخروجه لي ، إذا خرج، يكون عند اليأس والقنوط من أن يروا فرجاً، فيا طوبى لمن أدرکه وكان من أنصاره، والويل لمن ناوأه وخالفه وخالف أمره وكان من أعدائه»(3)
وبذلك تكون الاستجابة للإمام علیه السلام أشبه باستجابة الضال لدليله والغريق لمنفذه، أي أنها استجابة فهم واضطرار معا بحكم الحالة، وما يمثله
الإمام علیه السلام فيها مركزاً للأمان، وموطنا للهدی، وساحة للإبصار في عالم تعمه الظلمة والضلالة والخوف.
وجاء في حديث حذيفة بن اليمان عن النبي : «يفرح به أهل السماء والأرض والطير والوحش والحيتان في البحر»(1).
وفي حديث قتادة: «محبوب في الخلائق، يطفئ الله به الفتنة العمياء وتأمن الأرض»(2).
سادسا: ما أعطى الله الإمام علیه السلام ، خاتم أوصياء محمد صلی الله علیه و آله وشاهد رسالته، من قدرات ووهبه من وسائل النصر المعجز بصورة يستطيع بها أن يحقق ما أراده له - سبحانه - من دور .
فإذا كان عهد التأسيس لا يسمح للرسول ولا لأوصيائه علیه السلام بتجاوز الوسائل العادية المقابلة إلا بحدود إقامة الحجة، أما الحرب فبالوسائل المتكافئة، فإن المهدی علیه السلام سيشهر قوة الله التي وهبها له، ويستعمل المعجز لإخضاع الطواغيت والجبابرة وبغاة الظلم والفجور.
إن الفرصة الطويلة التي أعطيت للعالم، منذ بعثة الرسول صلی الله علیه و آله ، المناقشة الرسالة الإلهية الإسلامية في أسسها العقائدية وقواعدها التشريعية وما دعمها الله به من شواهد العلم والواقع، كافية لتبرير اللجوء إلى ذلك مقابل المعرضين كبرا وعنادا وإصرارا على الباطل، وهذا هو ما سيكون.
إن المعرفة بالله ، كما تحصل من خلال مظاهر أسمائه : الرحمن الرحيم العفو الغفار، فإنها تحصل من خلال مظاهر أسمائه : الجبار المنتقم شدید العقاب.
والمهدی علیه السلام هو من سيعطيها بهذه وتلك. لذلك ورد فيه علیه السلام أنه من الساعة، وهي - عند أهل العرفان - ليست إلا ظهور المعرفة الكاملة
التي تحصل في الموت والقيامة لدى تقطع الأسباب والرجوع إلى الله، وتحصل أيضا لدي ظهور الإمام علیه السلام ومواجهته العالم بأسماء الله في جانب العدل والرحمة وجانب العذاب والنقمة، وبما يجاوز المعروف حتى يعرف .
وقد فسر بعضهم الوقت المعلوم الذي أنظر الله إليه إبليس حين استنظره بظهور المهدی علیه السلام الذي سيقتل - ومعه المسيح الدجال والسفياني : وجهي إبليس البشريين، ويقتل الشيطان نفسه.
وسنورد بعض الروايات التي تتحدث عما أعطى الله الإمام علیه السلام من
قوی وجند، وعما يقوم به بدءا في معاملة المارقين والمنافقين على أساس علمه لا على ما يظهر منهم.
1- روی مسنداً عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (الباقر) علیه السلام يقول: «القائم منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر الله عز وجل به دينه ولو كره المشركون». (1)
2- وعن عبدالله بن سنان عن الإمام أبي عبدالله جعفر بن محمد (الصادق) علیه السلام قال ما معناه أن الإمام علیه السلام ينشر راية رسول الله صلی الله علیه و آله، وذكر ما يفهم منه أنه ليس المراد بالراية ما يفهمه الناس منها أو معناها الحقيقي، بل هو رمز لسر النصر المعطى للرسول محمد صلی الله علیه و آله، فقال : ما هي والله من قطن ولا كتان ولا قز ولا حرير. فقلت: من أي شيء هي؟ قال : من ورق الجنة.
إلى أن قال علیه السلام : لا ينشرها أحد حتى يقوم القائم، فإذا قام نشرها .
قال علیه السلام : «ويسير الرعب قدامها شهراً، ووراءها شهرةاً، وعن يمينها شهراً، وعن يسارها شهراً»(2)
3- وروی مسنداً عن الثمالي قال : قال أبو جعفر (الباقر) علیه السلام : «یا ثابت، كأني بقائم أهل بيتي قد أشرف على نجفكم هذا (وأومأ بيده إلى ناحية الكوفة) فإذا هو أشرف على نجفكم نشر راية رسول الله صلی الله علیه و آله، فإذا هو نشرها انحطت عليه ملائكة بدر».
وفي هذه الرواية أيضا يعطى للراية معنى غير معناها الحقيقي في اللغة ، وأنها من أسرار النصر الذي يعطيه الله له، فحين سأله الثمالي: وما راية رسول الله صلی الله علیه و آله؟ قال علیه السلام : «عودها من عمد عرش الله، وسائرها من نصر الله ، لا يهوي بها إلى شيء إلا أهلكه الله »(1).
لوقد خرج قائم آل محمد النصره الله بالملائكة المسومین والمردفين والمنزلين والكروبيين، يكون جبرائيل أمامه، و میکائیل عن يمينه ، وإسرافيل عن يساره ، والرعب مسيرة شهر أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله ، والملائكة المقربون حذاءه .(2)
5- وبالإسناد إلى عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبدالله الصادق علیه السلام في قول الله تعالی :«أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ » [النحل: 1] قال : هو أمرنا أمر الله عز وجل ألا نستعجل به ، يؤيده بثلاثة أجناد ؛ بالملائكة والمؤمنين والرعب(3).
6-وبالإسناد إلى أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام قال : «إذا ظهر القائم علیه السلام ظهر براية رسول الله صلی الله علیه و آله، وخاتم سليمان وحجر موسی وعصاه » (4).
1) المجلسي، البحار، م 52، ص 362
2) النعماني، الغيبة، ص 122، المجلسي، المصدر نفسه، م 52، ص 348. وراجع : المتقي الهندي الحنفي ، البرهان ، ج 2، ص 497، والسلمي الشافعي، قلائد الدرر، ص 206.
3) النعماني، المصدر نفسه، ص 128، المجلسي، المصدر نفسه ، م 52، ص 356.
4) النعماني، المصدر نفسه ، ص 145، المجلسي، المصدر نفسه، ج52، ص 351.
والذي نفهه - إجمالا - أنه يعطى من القدرات والآيات ما أعطاه الله للأنبياء وأوصيائهم ، بحكم الدور الذي شاء الله له بوصفه وصي محمد صلی الله علیه و آله الحامل لرايته .
والأخبار في ذلك كثيرة تقدم بعض منها في الأبحاث السابقة، ولا شك في أن بعض ما ذكرناه كاف ليجيب عن الشؤال : كيف سينتصر الإمام علیه السلام ؟
. إن الأمر حين يكون مما شاء الله سبحانه - وأمر الإمام المهدی علیه السلام مما شاء، كما ثبت بالأخبار المتواترة - فإن السؤال كيف؟ يصبح لا معنى له بالنسبة للمؤمن..
سابعا: لا يعني ما ذكرناه - من القدرات والجند المعطى للإمام علیه السلام -
أنه سيستخدم ذلك ابتداء ، بل هو يدعو لله وللإسلام كما أمر، ويقابل بالوسائل المعتادة حين يكون ذلك مجدياً، ويتعب نفسه داعياً ومحاججاً ومجاهداً مع أنصاره حتى يسيل العلق والعرق في روايات كثيرة، إلا أن ذلك كله له لو شاء أن يتصدى له طاغوت أو ما لا قبل للمؤمنين به كثرة وقوة، وقد ورد أن جنده يفتحون روما بالتكبير(1).
وورد في بعض الأخبار أن الله سبحانه يوطئ للإمام المهدی علیه السلام قبل ظهوره بطائفة في أوساط الأمة بمختلف أقطارها أهل إيمان ومعرفة يلتزمون الحق، ويرفضون الباطل، ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن رسول الله صلی الله علیه و آله، قال : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ويقاتلون حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون(2).
وفي رواية مسلم في باب الإمارة: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على
الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال(3)
وقد عقد السلمي الشافعي الباب الخامس من كتابه «عقد الدرر»
(ص187 - 201) حول من يبعثهم الله للتوطئة له قبل إمارته، ومما ورد فيه عن عبدالله بن الحارث : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي علي ». ويصف الإمام علی علیه السلام في رواية عنه كنوزة في طالقان ليست من ذهب ولا فضة ، ولكن رجال عرفوا الله حق معرفته وهم أنصار المهدی علیه السلام آخر الزمان، وتذكر روايات أخرى أبدال الشام، ونقباء مصر، ونجباء العراق. وتذكر بعضها الرايات السود التي تأتي من خراسان.
ورأيي أن كثيرا من هذا الروايات التي تذكر مدنا معينة وصفات لرايات من وضع أنصار العباسيين الذين ادعى فيهم محمد بن عبدالله المنصور المهدوية ، ولعلاقة ذلك بأبي مسلم الخراساني وما اختاروه من شعار السواد، أو من وضع أنصار الفاطميين في ما يتعلق بالروايات التي تذكر المغرب ومصر والشام، لعلاقة ذلك بدعوة عبدالله المهدي أول الخلفاء الفاطميين ومحل دعوته وملکه .
وممن ذهب إلى هذا الرأي بخصوص وضع الأخبار حول الرايات السود من خراسان أبو الأعلى المودودي قال : «ذكر الرايات السود من قبل خراسان مما يدل دلالة واضحة على أن العباسيين أدخلوا هذه الرواية من عند أنفسهم بما يوافق أهواءهم وسياستهم؛ لأن اللون الأسود كان شعاراً للعباسيين»(1).
وفي رواية أخرى عن علی علیه السلام : «فيجمع الله تعالى له قوما قزعاً كقزع السحاب يؤلف الله بين قلوبهم الخ ...»، وهناك روايات أخرى يمكن مراجعتها في ما أشرنا إليه من مصادر.
وقد ظن بعض المؤمنين، في عصر الأئمة من آبائه علیهم السلام ، أن الإمام علیه السلام ، وقد حباه الله من آیاته ونصره بما أشرنا إليه، سيخضع الناس
1) المودودي، البيانات، ص 161.
له من دون عناء، لكنهم علیهم السلام أعلموهم أن الأمر ليس كما تصوروا، فهو سيعادی بدءا من المسلمين، فضلا عن غيرهم، وسيدخل بالوسائل المعتادة حربا مجهدة .
روي بالإسناد إلى بشير النبال أنه قال لأبي جعفر علیه السلام إنهم يقولون : إن المهدی علیه السلام لو قد قام لاستقامت له الأمور عفوا ولا يهريق محجمة دم . فقال علیه السلام : «کلا - والذي نفسي بيده - لو استقامت لأحد عفواً لاستقامت لرسول الله صلی الله علیه و آله، حين أدميت رباعيته وشج في وجهه ، کلا - والذي نفسي بيده - حتى نمسح نحن وأنتم العرق والعلق. ثم مسح جبهته »(1).
وبالإسناد إلى الثمالي قال : سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: إن صاحب
هذا الأمر لو قد ظهر للقي من الناس مثل ما لقي رسول الله صلی الله علیه و آله وأكثر (2). وبالإسناد إلى الفضيل قال : سمعت أبا عبدالله (الصادق) علیه السلام يقول:
«إن قائمنا إذا قام استقبل من جهلة الناس أشد مما استقبله رسول الله صلی الله علیه و آله من جهال الجاهلية . فقلت: وكيف ذلك؟ قال : إن رسول الله صلی الله علیه و آله أتی الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وإن قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم يتأول عليه كتاب الله، ويحتج عليه به، ثم قال : أما - والله - ليدخلن عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقر» (3).
وبالإسناد إلى المفضل قال : سمعت أبا عبدالله (الصادق) علیه السلام وقد ذكر القائم علیه السلام فقلت: إني لأرجو أن يكون أمره في سهولة . فقال : لا يكون ذلك حتى تمسحوا العرق والعلق»(4).
قال الشيخ محيي الدين بن عربي في «الفتوحات المكية»، على ما نقله الشعراني والشيخ ابن الصبان في الباب 366: «يبيد الظلم وأهله، ويقيم
الدين وأهله، وينفخ الروح في الإسلام، يعز الله به الإسلام بعد ذله ويحييه بعدموته، يضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، فمن أبي قتل ومن نازعه خذل، يظهر من الدين ما هو عليه في نفسه حتى لو كان رسول الله صلی الله علیه و آله حيا لحكم به، فلا يبقى في زمانه إلا الدين الخالص من الرأي يخالف في غالب أحكامه مذاهب العلماء، فينقبضون منه ؛ ذلك لظنهم أن الله تعالى لا يحدث بعد أئمتهم مجتهدا» (1).
وعلى كل حال، ومهما كانت صور المقابلة التي سيستخدمها الإمام علیه السلام في مقابلة خصومه من داخل المسلمين، أو من خارجهم، فإن من المقطوع به طبقا للروايات المتواترة لدى المسلمين - من أهل السنة والشيعة - أنه سينتصر على العالم كله ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا.
روي مسندا عن جابر الأنصاري قال : سمعت رسول الله صلی الله علیه و آله يقول: «إن ذا القرنين كان عبدا صالحا جعله الله حجة على عباده » إلى أن قال صلی الله علیه و آله : «وإن الله مکن له في الأرض وآتاه من كل شيء سببا وبلغ المشرق والمغرب، وإن الله تبارك وتعالى سيجري سنته في القائم من ولدي، ويبلغه شرق الأرض وغربها حتى لا يبقى سهل ولا موضع من سهل ولا جبل وطئه ذو القرنين إلا وطئه، ويظهر الله كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جوراً وظلماً» (1).
وروى مسنداً إلى أبي بصير قال : قال أبو عبدالله (الصادق) علیه السلام في قوله عز وجل : «هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » [التوبة: 33].
1) المجلسي، البحار، م52، ص 322 و 323، نقله عن الصدوق في «كمال الدين».
فقال: والله ما نزل تأويلها، ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم علیه السلام ، فإذا خرج القائم لم يبق كافر بالله العظيم ولا مشرك، (فلو كان) في بطن صخرة لقالت : يا مؤمن في بطني كافر فاکسرني واقتله(1).
وعن أبي بكير قال : «سألت أبا الحسن علیه السلام عن قوله : «وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا» [آل عمران: 83]، قال علیه السلام : أنزلت في القائم علیه السلام إذا خرج (قام) باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردة والكفار في شرق الأرض وغربها فعرض عليهم الإسلام فمن أسلم طوعاً٫ أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم و(ما) يجب لله عليه ، ومن لم يسلم ضرب عنقه.
قلت له : جعلت فداك ، إن الخلق أكثر من ذلك. فقال علیه السلام : إن الله
إذا أراد أمرا قلل الكثير، وكثر القليل» (2).
وعن أبي المقدام عن أبي جعفر علیه السلام في قول الله تعالى :«لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ »[براءة : 33] قال علیه السلام : لا يبقى أحد إلا
أقر بمحمد(3).
وعن حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلی الله علیه و آله من حديث : «فلا يبقى على
وجه الأرض إلا من يقول : لا إله إلا الله»(4).
حاول بعض أدعياء البابيةوالمهدوية أن يقدموا - لما ورد من الروايات التي تقول: «إن الإمام المهدی علیه السلام يأتي بأمر جديد» - تفسيرا يعطيها معنی النسخ للشريعة الإسلامية ، وهو قول بالنبوة بمعناها الاصطلاحي الذي يعني استقلال الرسالة اللاحقة لنبي عن الرسالة السابقة لنبي آخر.
والغرض من هذه المحاولة الخبيثة والمنكرة، وما يشبهها، تأیید مسلكهم الغنوصي(1)الباطني الضال(2)في فهم النبوة، والتشريع أصلا ، وتبرير استهانتهم بالكتاب والسنة، وما جاء فيهما من أحكام وتکالیف (3).
1) الغنوصية نسبة إلى (غنوصيص)؛ أي المعرفة ؛ وهي حركة فلسفية دينية نشأت في العصر الهليني، وأساسها أن الخلاص يتم بالمعرفة أكثر مما يتم بالإيمان والأعمال الخيرة. أدمجوا في تعاليمهم شيئا من السحر والشعوذة. راجع : الموسوعة العربية الميسرة، مادة غنوصية، ص 1258. تأثرت بالغنوصية بعض الفرق من اليهود والمسيحيين والمسلمين، والغنوصية خط مقابل للأديان؛ وهي ترى أن العارف في كل عصر هو المرشد أو النبي الذي يملك حق الأمر والنهي ، ولا معنى للنبوة بالمفهوم الذي تعطيه الأديان، ولا للوقوف عند ما جاء من أحكام وتشريعات عن طريق الوحي، ولا تختم النبوة. ومن الديانات الغنوصية القائمة : الهندوسية والبوذية وأمثالهما، وأصحاب العرفان الضال في المسلمين، وأدعياء المهدوية والبابية موصولون بذلك كما سيأتي . راجع : الدكتور عبد العال جابر الحيني، في العقائد والأديان - (الديانات المعاصرة الكبرى) والفصل الخامس من هذا الكتاب.
2) الباطنية الضالة هي من ترى انتفاء الظاهر بمعرفة الباطن بما أعطوا للباطن من تفسير محرف لا أساس له، وقد ورد عن الأئمة من أهل البيت علیهم السلام رفض الباطن الذي يكفر بالظاهرالمجلسي، البحار، م 72، ص 97، والنعماني، الغيبة ، ص 52.
3) الحسني، البابيون والبهائيون، ص 36، مقررات مؤتمر (بیداء بهرشت)، ط5، سنة 1984م، کاشف الغطاء، محمد حسین، ص 31، من مزخرفات البابية ضمن رسائل الآيات البينات،المطبعة العلوية ، 1345.
وسيأتي في الجزء الثاني من هذا الكتاب، إن شاء الله ، من الشواهد التأريخية على ما ذكرناه عنهم - نظريا وعمليا - ما فيه الكفاية . أما هنا، فإن علينا التنبيه إلى أن ما أعطوه من تفسير لهذه الروايات باطل مفضوح، لا لأن القرآن، والسنة الثابتة نصا على ختم النبوة (بمعناها الاصطلاحي) برسول الله محمد صلی الله علیه و آله ونفياها عمن بعده ، وذلك ما يجمع عليه المسلمون، وهو - كما سبق أنذكرنا - ما يفرضه أيضا مقام محمد صلی الله علیه و آله ورتبته السماوية - في العالم المخلوق ۔ مبدأ و معاداً، ولا لما ورد من أحاديث تنفي نسخ الشريعة الإسلامية إلى يوم القيامة(1)
راجع: تعريف المرتد وحكمه، شرح اللمعة الدمشقية ، م9، ص 333، شرح السيد محمد الكلانتر والأردبيلي، شرح الإرشاد نقلا عن محمد جواد مغنية ، فقه الإمام الصادق ، م6 ، ص 309.
، ولا لأن موقع الإمام المهدی علیه السلام - كوصي الرسول الله صلی الله علیه و آله، وامتداد عنه ، وشاهد لرسالته ، كآبائه الأحد عشر علیه السلام ۔ لا يسمح له بالنسخ لما يلزم ذلك من مناقضة(2)، حتى أن بعض العلماء وقف عندما ورد من أن الإمام علیه السلام لا يقبل الجزية من الكتابيين وأنه يقضي بعلمه من دون بينة، وما يشبه ذلك من مسائل تصور بعضهم كونها نسخا، وأجاب بما يبعدها عن ذلك (3).1) الأحاديث في ذلك متواترة معنوياً، منها ما ينص على عدم نسخ شريعة محمد صلی الله علیه و آله إلى يوم القيامة وأن حلالها حلال إلى يوم القيامة وحرامها حرام إلى يوم القيامة، ومنها ما نص على كفر المبتدع ما ليس في الدين أو شركه وأنه رد. الوسائل، م18، ص 555 و568 - 568، والمجلسي، البحار، م 93، ص 3. ومنها ما ورد في أن ما يخالف الكتاب أو ما لا يوافقه فهو زخرف وأنهم لم يقولوه، ص 420 و421 من شرح الأصول والروضة للمازندراني. ومنها إباحة دم المرتد والمستحل ما حرمه الله والمحلل ما حرم.
2) تتمثل المناقضة في أن محمد صلی الله علیه و آله ورسالته، وهما الغاية في تاريخ الأنبياء والرسالات، يصبحان مقدمة، وفي أن الوصي علیه السلام وهو امتداد - يصبح قاطعا وناسخا . فينا في كونه وصيا. ومن المقبول أن ينظر لما يفعله الإمام علیه السلام ضمن إطار الرسالة في هذه المسألة أو تلك على أنه مما يحمله بوصفه وصياً معصوماً لمرحلة منها... فيكون منسوباً لرسول الله صلی الله علیه و آله ومتصلا بالرسالة لا خارجاً عنها. وذلك بعض حكمة الإمامة المعصومة.
3) الطبرسي، أعلام الوری، ج 2، ص 445، المكتبة الإسلامية - طهران، وص 477، المطبعة الحيدرية - النجف، والمجلسي، البحار، م 52، ص 381.
بل إن هذه الروايات التي ذكرت أن الإمام علیه السلام «يأتي بأمر جديد»
نفسها، وبالقرينة من داخلها ترفض هذا التفسير، وتتماسك هذه القرينة علىالمعنى المقصود فيها مع الروايات التي وردت في العلامات العامة للظهور من جهة، ومع ما ورد من دعوة الإمام علیه السلام وعمله وسيرته من جهة ثانية ؛
التعينه بصورة قاطعة لا تترك مجالا لأي معنى آخر.
فلنأخذ أمثلة من هذه الروايات كالتي جاءت مسندة عن أبي بصير عن کامل عن أبي جعفر علیه السلام قال : قال علیه السلام : إن قائمنا إذا قام دعا الناس إلى أمر جديد كما دعا رسول الله صلی الله علیه و آله، وإن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء(1).
وكالتي وردت مسندة عن أبي بصير عن أبي عبدالله (الصادق) علیه السلام قال : قال علیه السلام : الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريباً فطوبى للغرباء (2). فقلت : اشرح لي هذا أصلحك الله . فقال علیه السلام : يستأنف الداعي منا دعاء جديدا كما دعاء رسول الله صلی الله علیه و آله (3). وفي رواية عن رسول الله صلی الله علیه و آله حين سئل عن الغرباء: من هم؟ قال صلی الله علیه و آله : الذين يصلحون إذ فسد الناس ... الخ(4).
وروى بالإسناد إلى عبدالله بن عطاء قال : سألت أبا جعفر الباقر علیه السلام فقلت : إذا قام القائم علیه السلام بأي سيرة يسير في الناس ..؟ فقال علیه السلام : يهدم ما قبله كما صنع رسول الله صلی الله علیه و آله، ويستأنف الإسلام جديداً (5).
إن الأمر الجديد، أو الدعاء الجديد - كما يبدو من المقارنة في قوله : «كما دعا رسول الله صلی الله علیه و آله»، ثم قوله : «بدأ الإسلام غریبا» ... - إنما هو
بلحاظ غربة الإسلام حين يدعو الإمام علیه السلام إليه انتهاء كغربته حين دعا إليه رسول الله صلی الله علیه و آله، ابتداء ، لا في أصل الدعوة، وهو ما نلمحه واضحاً في الرواية الرابعة التي تقول: «ويستأنف الإسلام جديداً». وقد تقدم في ما يصور حالة الأمة وتردي أوضاعها عقائد و علاقات وأخلاقا قبيل الظهور في العلامات العامة ، ما يساعد على استيعاب هذه الصورة لواقع علاقة الأمة بالإسلام آنذاك ..
وإذا لاحظنا ۔ مضافاً لذلك . واقع تعدد الاجتهادات بين المذاهب المختلفة في الكلام والحديث والتفسير والأصول والفقه حتى داخل المذهب الواحد، ولاحظنا نسبة الأحكام الظاهرية إلى الواقعية، لاتضح لنا معنى الأمر الجديد، حين يرفض الإمام علیه السلام من ذلك ما يخالف الواقع .. لا فرق بين ما كان نظرياً أو عملياً منه، أن الفجوة ستكون - إذا لاحظنا ذلك بمجموعه - واسعة جدا؛ وبذلك سيكون الأمر جديداً بالفعل.
قال الشريف، رحمه الله ، معلقاً على الحديث مجلياً معناه : «هذا الكلام من محاسن الاستعارات، وبديع المجازات لأنه علیه السلام جعل الإسلام غريبا في أول أمره تشبيهاً بالرجل الغريب الذي قل أنصاره، وبعدت دیاره؛ لأن الإسلام كان على هذه الصفة في أول ظهوره ثم استقرت قواعده، واشتدت معاقده ، وكثر أعوانه، وضرب جرانه».
وقوله علیه السلام : وسيعود غريبا؛ أي يعود إلى مثل الحال الأولى في قلة العاملين بشرائعه ، والقائمين بوظائفه، لا أنه - والعياذ بالله - تنمحي سماته وتدرس آياته(1).
ولذلك ورد في روايات قدمنا بعضها أنه يلقى من الأمة أشد مما لقي رسول الله صلی الله علیه و آله نفسه ، وعللت ذلك بأن الرسول صلی الله علیه و آله أتاهم وهم يعبدون الحجارة المنقورة والخشبة المنحوتة، وأن القائم علیه السلام يخرجون عليه فيتأولون عليه كتاب الله ويقاتلون عليه(2).
وإلى ذلك أشار ابن عربي في ما أوردناه آنفا عنه لدى حديثه عن معارضة أهل المذاهب له تمسكا بمذاهبهم(1). وهناك وجه آخر للأمر الجديد، يتصل بوراثة الإمام وأصحابه للأرض كلها، وهذا ما لم يكن، وقد يصعب تصوره، وذلك ما ورد في قوله سبحانه : «أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ» [الأنبياء : 100].
إذا كان الله ، سبحانه، برحمته لم يسمح، في مرحلة التأسيس، للرسالة
الإسلامية بدءا بصاحبها محمد صلی الله علیه و آله ، وأوصيائه حتى الحسن العسکری علیه السلام تجاوز الوسائل العادية في الدعوة والمقابلة، فإن الأمر في المهدی علیه السلام ، الثاني عشر من الأوصياء، لدى الظهور، ليس كذلك. إن الفسحة الزمنية الطويلة التي أعطيت للناس - لتفكر وتجرب وتكشف من آيات الله في أنفسها وفي الآفاق، ثم لتتفاعل مع الرسالة في ضوء ذلك بمهل - كافية لتقطع العذر على من يأبی عنادا أن يسلم وجهه لله ، فإن من المفهوم أن لا يترك الإمام علیه السلام - مع ما لديه من العلم الذي يقيم به الحجة والقوة التي يخضع بها العدو - مجالا لخيار وراء الإسلام؛ ولذلك ورد أنه لا يقبل الجزية من أهل الكتاب ، وقد قدمنا في فقرة : كيف سينتصر؟ من هذا البحث شواهد من الروايات الواردة في ذلك بما فيها تلك التي تتصل بتفسير بعض الآيات ومنها قوله تعالى: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ » [الأنبياء : 100].فإن وراثة العباد الصالحين للأرض لا تتمثل بدخول الجنة بعد القيامة ، وإن كان ذلك قد ورد في الحديث ؛ لأن الأرض تبدل غير الأرض هناك ، ولأن الجنة عرضها السموات والأرض كما ورد في القرآن ، فلا مقارنة . ولكن وراثتها، كما في بعض الأحاديث، إنما هي بظهور الإمام المهدی علیه السلام ، وقد قدمنا في آخر الفقرة السابقة من هذا البحث ما ورد من أن الله يملکه مشارق الأرض ومغاربها.
1) نقلا عن الشيخ الشعراني في الباب 65 من الیواقیت والجواهر، ج2، ص154، ط. مصر.
ومن ذلك ما ورد مسنداً عن الثمالي عن علي بن الحسین علیه السلام عن آبائه علیهم السلام قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «الأئمة من بعدي اثنا عشر، أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله ، تعالى ذكره، على يديه مشارق الأرض ومغاربها»(1).
وعن حذيفة بن اليمان عن رسول الله صلی الله علیه و آله من حديث قال : «فلا يبقى على وجه الأرض إلا من يقول: لا إله إلا الله »(2).
وذكر ابن حجر الهيتمي في تزييف دعوی مدعي المهدوية في الهند في عصره: علامات المهدي وخصائص ظهوره، ومن جملتها أن الله يملکه مشارق الأرض ومغاربها» (3)
ومما جاء في تفسير الآية بذلك روايات منها: ما روي مسنداً عن أبي الورد عن أبي جعفر الي قال: قوله عز وجل: «...أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ»[الأنبياء : 105] قال : هم آل محمد(4).
ومما ورد مسنداً عن أبي صادق قال : سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل: «وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ» [الأنبياء: 100]؟ قال : هم نحن. قال : قلت :«إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ » [الأنبياء: 106]؟ قال علیه السلام : هم شیعتناه(5). وبالإسناد إلى محمد بن عبدالله بن الحسن عن أبي جعفر علیه السلام قال : قوله عز وجل: «أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ» [الأنبياء : 100] هم أصحاب المهدي في آخر الزمان(6).
وورد في تفسير علي بن إبراهيم عند ذكر الآية (1)، ورواه الطبرسي في مجمع البيان عن أبي جعفر علیه السلام قال : «هم أصحاب المهدي في آخر الزمان» (2).
ولا إشكال بما ورد من أن هذه الوراثة دخول الجنة حين يكون التفسير تطبيقا بأن تكون الوراثة في هذه وتلك ..
ومما يتصل بالتفسير الذي ذكر لهذه الآية، ويشهد له ما ورد في تفسير قوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ» [النور: 55].
فالاستخلاف، مع التمكين المطلق، يقتضي وراثة الأرض ککل والظهور على الأمم كلها بحيث لا يبقى نظر اتقاء لأية جهة إلا الله . وفي دعاء الافتتاح وهو يدعو للإمام المهدي علیه السلام : «استخلفه في الأرض كما استخلفت الذين من قبله، مکن له دينه الذي ارتضيته له، أبدله من بعد خوفه أمنا... اللهم أظهر به دینك وسنة نبيك حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق».
وهذا ما ورد في الروايات عن أهل البیت علیهم السلام ، ففي حديث لأمير المؤمنین علیه السلام عليه ، وهو يتحدث عن مرحلة التأسيس في عهد الرسول صلی الله علیه و آله وما بعده وغلبة الأعداء لأوصياء الرسول صلی الله علیه و آله قال علیه السلام :
«كل ذلك ليتم النظرة التي أوجبها الله تبارك وتعالى لعدوه إبليس إلى أن يبلغ الكتاب أجله، ويحق القول على الكافرين، ويقترب الوعد الحق الذي بينه الله في كتابه بقوله :«وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» [النور: 55].
قال علیه السلام : وذلك إذا لم يبق من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه، وغاب صاحب الأمر بإيضاح العذر له في ذلك لاشتمال الفتنة على القلوب حتى يكون أقرب الناس إليه أشد عداوة له(1)، وعند ذلك يؤيده الله بجنود لم يروها، ويظهر دین نبيه على يديه على الدين كله ولو كره المشركون» (2).
قال الطبرسي رحمه الله : والمروي عن أهل البيت علیهم السلام أنها (يعني
الآية) في المهدي من آل محمد صلی الله علیه و آله .
قال : وروى العياشي بإسناده عن علي بن الحسین علیه السلام أنه قرأ الآية وقال علیه السلام : هم - والله - شيعتنا أهل البيت علیهم السلام، يفعل الله ذلك بهم على بدي رجل منا وهو مهدي هذه الأمة ، وهو الذي قال فيه رسول الله صلی الله علیه و آله : «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا» (3).
قال الطبرسي: وروى مثل ذلك عن أبي جعفر (الباقر) علیه السلام وأبي عبدالله علیه السلام ، فعلى هذا يكون المراد بالذين آمنوا وعملوا الصالحات النبي علیهم السلام وأهل بيته صلوات الرحمن عليهم. وتضمنت الآية البشارة لهم بالاستخلاف، والتمكين في البلاد، وارتفاع الخوف عنهم عند قيام المهدی علیه السلام ، ويكون المراد بقوله : «كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ»هو أن جعل الصالح للخلافة خليفة مثل آدم وداود وسليمان، ويدل على ذلك قوله : «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً » [البقرة : 30]، و «يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ» [ص: 29]، وقوله : «فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا» [النساء: 54]، قال رحمه الله : «وعلى هذا إجماع العترة الطاهرة، وإجماعهم حجة لقول النبي صلی الله علیه و آله : «إني تارك فيكم الثقلين : کتاب
الله وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». وأيضا فإن التمكين في الأرض على الإطلاق لم يتفق ، فهو منتظر لأن الله عز اسمه لا يخلف وعده» (1).
عن رفاعة بن موسى قال : سمعت أبا عبدالله ال يقول: «وله أسلم
من في السماوات والأرض طوعا وكرها» . قال : «إذا قام القائم لا تبقى أرض إلا نودي فيها بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله» .
وعن أبي بكر عن أبي الحسن علیه السلام قال في رواية : «ومن لم يسلم ضرب عنقه حتى لا يبقى في المشارق والمغارب أحد إلا وحد الله»(2).
ولا شك في أن ظهور أهل الإيمان على الأرض كلها وسيادة الرسالة الإسلامية بصورة مطلقة فيها أمر جديد؛ وهو يعني عدم إقرار أهل الكتاب على دينهم بدفع الجزية؛ وهو ما ورد في الأحاديث عن أهل البیت علیهم السلام وقد تقدم بعض منها؛ لأن ارتفاع الشبهة بالعلم وإقامة الحجة يجعل بقاءهم على دينهم معاندة للحق وإصرارا على الباطل.
ومن مظاهر الأمر الجديد :
عمله بعلمه من دون بينة
لقد وردت روايات عديدة تفيد أنه علیه السلام يعمل بعلمه فلا يسأل أحداً بينة . (3)
فبالإسناد عن سعدان بن مسلم عن بعض رجاله عن أبي عبدالله (الصادق) علیه السلام أنه قال : «بينما الرجل على رأس القائم علیه السلام يأمره وينهاه إذ قال : أديروه فيديرونه إلى قدامه فيأمر بضرب عنقه، فلا يبقى في الخافقين شيء إلا خافه» (4)
وروى عبدالله بن عجلان عن أبي عبدالله (الصادق) علیه السلام قال : «إذا قام قائم آل محمد حكم بين الناس بحكم آل داود لا يحتاج إلى بينة يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كل قوم بما استبطنوه ويعرف وليه من عدوه بالتوسم».
قال الله سبحانه وتعالى: «إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ *وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ» [الحجر: 75 و 76] (1).
وبالإسناد إلى أبان بن تغلب قال : قال أبو عبدالله (الصادق) علیه السلام: «إذا قام القائم علیه السلام لم يقم بين يديه أحد من خلق الرحمن إلا عرفه صالح
هو أم طالح وذكر الآية» (2).
عن جابر عن أبي جعفر (الباقر) علیه السلام قال : «إنما سمي المهدي لأنه يهدي إلى أمر خفي حتى أنه يبعث إلى رجل لا يعلم الناس له ذنبا فيقتله حتى أن أحدهم يتكلم في بيته فيخاف أن يشهد عليه الجدار»(3).
وذكروا من الأمر الجديد :
1- هدمه لبعض المساجد والمشاهد.
2 - وقتله لمن بلغ عشرين سنة ولم يتفقه(4).
ويبدو أن هذه الأمور كانت موضع أشكال وتساؤل لدى بعضهم، بتصور أنها نسخ للشريعة الإسلامية.
قال الطبرسي رحمه الله : فإن قيل : إذا حصل الإجماع على أن لا نبي بعد رسول الله صلی الله علیه و آله، وأنتم قد زعمتم أن القائم إذا قام لم يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه، ويأمر بهدم المساجد
والمشاهد(1)
راجع : المفید، الارشاد، ص 412، المجلسي، البحار، م 52، ص 332 و 333.
، وأنه يحكم بحكم داود لا يسأل عن بينة ، وأشباه ذلك مما ورد في آثاركم، وهذا يكون نسخة للشريعة و إبطالا لأحكامها، فقد أثبتم معنی النبوة وإن لم تتلفظوا باسمها فما جوابكم عنها؟قال رحمه الله : والجواب : إنا لم نعرف ما تضمنه السؤال من أنه لا يقبل الجزية من أهل الكتاب وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين ...
فإن كان ورد بذلك خبر فهو غير مقطوع به ، فأما هدم المساجد والمشاهد فقد يجوز أن يختص بهدم ما بني من ذلك على غير تقوى الله تعالى، وعلى خلاف ما أمر الله سبحانه به، وهذا مشروع قد فعله النبي .
وأما ما روي من أنه يحكم بحكم آل داود لا يسأل عن بينة فهذا أيضا غير مقطوع به، وإن صح فتأويله أن يحكم بعلمه في ما يعلمه. وإذا علم الإمام والحاكم أمراً من الأمور فعليه أن يحكم بعلمه، ولا يسأل عنه، وليس في هذا نسخ للشريعة، على أن هذا الذي ذكروه من ترك قبول الجزية واستماع البينة، إن صح، لم يكن نسخا للشريعة؛ لأن النسخ هو ما تأخر دليله عن الحكم المنسوخ، ولم يكن مصطحبا ؛ فأما إذا اصطحب الدليلان فلا يكون ذلك ناسخا لصاحبه، وإن كان مخالفه في المعنى؛ ولهذا إذا اتفقنا على أن الله سبحانه لو قال : «الزموا السبت إلى وقت كذا، ثم لا تلزموه، لا يكون نسخةاً» لأن الدليل الرافع مصاحب للدليل الموجب ..
قال رحمه الله : وإذا صحت هذه الجملة، وكان النبي صلی الله علیه و آله قد أعلمنا بأن القائم من ولده يجب اتباعه وقبول أحكامه، فنحن إذا صرنا إلى ما يحكم
1) لم يرد هدم المساجد والمشاهد بصيغة الإطلاق، وإنما ورد هدم مساجد أربعة في الكوفة ، وهدم كل مسجد على الطريق . وورد أيضا أنه لا يبقى مسجد له شرف إلا هدمها وجعلها جماء .
به فينا، وإن خالف بعض الأحكام المتقدمة غير عاملين بالنسخ، لأن النسخ لا يدخل في ما يصطحب الدليل(1).
وأضاف الشيخ المجلسي(2)بخصوص التساؤل والإشكال حول رفع الجزية، إلى ما أجاب به الشيخ الطبرسي، ما أوردته كتب الحديث لدى غير الإمامية من وضع الجزية على يد المسيح، كالذي ورد عن أبي هريرة أن الرسول صلی الله علیه و آله قال : والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مریم حکما عدا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ، فيفرض المال حتى لا يقبله أحد»(3)
قال رحمه الله : فظهر أن هذه الأمور المنقولة من سيرة القائم علیه السلام لا تختص بنا، بل أوردها المخالفون أيضا ونسبوها إلى عيسى، لكن قد رووا : إن إمامكم منكم(4)فما كان من جوابهم «يعني على إشكال عدم قبول الجزية » فهو جوابناه(5).
ومن مظاهر الأمر الجديد :
العدل، والغنى، والأمان بصورة شاملة
وهذا ما لم يحدث في أي عصر، لا لأن المهدي علیه السلام أكثر عدلا وكرماً من رسول الله صلی الله علیه و آله أو علي علیه السلام مثلا، فهو ليس إلا امتدادا لهما،
1) الطبرسي، أعلام الوری، ج 2، ص 445، وفي ط. النجف، ص 477.
2) المجلسي، البحار، م 52، ص 382 و 383.
3) صحيح البخاري، ج 2، ص 256 (باب نزول عیسی بن مریم)، وصحيح مسلم، م1، ص 135 و136، ابن حجر، فتح الباري، ج6، ص 491، مشكاة المصابیح، ص 497.
4) سنن ابن ماجة، ج 2، ص 1359، وروى أبو بكر البيهقي في البعث والنشور في المهدي علیه السلام كما في قلائد الدرر، ص 241.
5) المجلسي، المصدر نفسه، م 52، ص 384. يعني من روى هذه الأحاديث روى أنه إمام المسلمين آنذاك منهم، وهو المهدی علیه السلام ، وعندئذ يكون نزول عيسى علیه السلام ووضع الجزية في عصر المهدی علیه السلام
بل لأن اختلاف العصر والمرحلة من حيث سعة السلطان، وظهور الإسلام، ومستوى الناس عقلا وعلما ودينا، ورقي الوسائل التي بيد الإمام للحكم والمراقبة، وتقدم وسائل الإنتاج، وأداء حقوق المال، والعدل في التوزيع، هذه وغيرها - مما يتصل بها - هي التي تتيح ذلك زمن الإمام المهدی علیه السلام دون غيره، وقد تقدم في ما أوردناه من الأحاديث ما هو شاهد لذلك، فهو الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا ، وهو الذي يظهر الدين الإسلامي على الدين كله، وهو الذي يضع يده على رؤوس الناس فيكمل بها عقولهم ... إلخ.
وعن الإمام علی علیه السلام قال : «فيبعث المهدی علیه السلام إلى أمرائه في سائر الأمصار بالعدل بين الناس» إلى أن يقول علیه السلام : «ويذهب الشر، ويبقى الخير، ويزرع الإنسان مداً وتخرج له سبعة أمداد»، «ويذهب الزنا وشرب الخمر»(1)، وعن الإمام الصادق علیه السلام بعد أن ذکر مقابلة الناس للإمام المهدی علیه السلام قال: «أما - والله - ليدخلن عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقر» (2).
وعن علي بن عقبة عن أبيه قال: «إذا قام القائم حكم بالعدل وارتفع في أيامه الجور، وأمنت السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، ورد كل حق إلى أهله»(3).
وعن جابر بن عبدالله عن رسول الله صلی الله علیه و آله، قال : «یکون في آخر أمتي خليفة يحثي المال حثيا لا يعده عداً» (4).
وعن سعيد وجابر بن عبدالله قالا: قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «يكون فيآخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده»(5).
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلی الله علیه و آله قال : «يخرج المهدي في
أمتي يبعثه الله غیاثاً للناس، تنعم الأمة، وتعيش الماشية، وتخرج الأرض نباتها، ويعطى المال صحاحا»(1).
عن الحسن بن علي عليه السلام أنه قال : «تواصلوا وتباروا، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليأتين عليکم وقت لا يجد أحدكم لدیناره ولا لدرهمه موضعا»؛ يعني لا يجد عند ظهور المهدي موضعا يصرفه فيه ؛ لاستغناء الناس جميعا بفضل الله تعالى وفضل وليه المهدي علیه السلام (2)
وفي رواية عن المفضل عن الإمام الصادق علیه السلام قال : «ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته فلا يجد أحدا يقبل منه ذلك»، وتغنى الناس بما رزقهم الله من فضله(3).
ومن مظاهر الأمر الجديد أنه :
ليس بين الناس وبينه برید
إذا كنا قد استفدنا من ذلك - حين قدمنا ما ورد من هذا الحديث سابقا في العلامات الخاصة - إشارة إلى التقدم العلمي في مرحلة الإمام علیه السلام فإن سماعه ورؤيته من بعد وبصورة مباشرة(4)قد يعني مرحلة تقنية متقدمة يصبح فيها الهاتف التلفازي قائما على مستوى العالم.. ولكن ما نريد الإشارة إليه هنا انعدام الواسطة بين الناس والإمام علیه السلام كلما شاءوا أمرا من الأمور، وهو بهذا المستوى - وبخاصة في مثل سلطان الإمام علیه السلام سعة وامتداداً -
مما لم يقع نظيره، بل مما يصعب تصوره لولا خصوصية الإمام علیه السلام وخصوصية عصره، ولا شك في أن مثل هذه الصلة المفتوحة بين الناس والإمام علیه السلام أمر جديد، وهي ضمانة عظيمة للاستقامة على الحق والعدل وخلق جديد بالنسبة لذوي السلطان يتصل بخلق رسول الله محمد صلی الله علیه و آله ، وخلق وصيه علي صلی الله علیه و آله ، اللذين لم يتخذا حجابا، ولم يقطعا عنهما الناس، ولم يتميزا عنهم..
ومن مظاهر الأمر الجديد أن :
تؤتي الناس الحكمة في زمنه
أشرنا إلى أن العصر الذي يخرج فيه الإمام علیه السلام عصر يبلغ فيه
الإنسان من العلم والتقنية - كما تشير الروايات - الذروة. والعلم يصحبه رقي عقلي وخلقي، وبذلك يستطيع أهله أن يتفهموا معنى أن يكون الإمام حجة الله وخليفته ومحل عطائه ونظره بما يظهر على يديه من علم يجاوز قدر العصر وأهله، وبما يبرزه من إمكانات لا تقع ضمن المقدور - بوسيلة مادية ولا روحية عامة - أي مما هي ضمن العطاء العام من القدرات الروحية ، كالذي بأيدي الروحيين من أصحاب الخلوات والرياضات و أهل التسخير والسحرة ...
ثم إن وسائل الإيصال السمعية والبصرية القائمة في عصر الإمام، كالتلفزة عبر الأقمار الصناعية، تتيح للإمام علیه السلام ولأصحابه مخاطبة العالم والناس في بيوتهم، وتعريفهم بما حبا الله حجته ووصي خاتم رسله علیهم السلام وتعليمهم الرسالة الإسلامية، كما جاء بها رسول الله صلی الله علیه و آله. وقد مر عن الصادق علیه السلام أن الدنيا تكون بمنزلة راحة يده علیه السلام (1)وأن الناس في المشرق والمغرب يرونه ويسمعونه، وكل قوم يسمعون الحديث بلغتهم، وأنه علیه السلام كما مر عن أبي جعفر الباقر علیه السلام : إذا قام وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وأكمل بها أحلامهم(2).
ومن الواضح أن المقصود باليد القدرة التي أتاها الله له علما، وهدى ، وقوة حجة، وثم إمكانية المراقبة والردع.
وقد مر عن الإمام الصادق علیه السلام أنه لا علیه السلام يلهمه الله ، فيحكم بعلمه، ويخبر كل قوم بما استبطنوه، ويعرف وليه من عدوه(1).
وبين هذا وذاك، وبما يقوم به من دعوة وتعريف وتعليم نظري وعملي يغير عقول الناس ونفوسهم وسلوكهم.
وقد روي عن حمران بن أعين عن أبي جعفر الباقر علیه السلام أنه قال : وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالی وسنة رسول الله صلی الله علیه و آله . (2)
روی محمد بن عجلان عن أبي عبدالله الصادق علیه السلام قال : «إذا قام القائم علیه السلام دعا الناس إلى الإسلام جديدة وهداهم إلى أمر قد دثر، فضل عنه الجمهور، وإنما سمي القائم مهدية لأنه يهدي إلى أمر مضلول عنه ، وسمي بالقائم القيامه بالحق»(3).
وعن الحسين بن خالد عن الإمام علیه السلام بن موسى الرضا علیه السلام أنه قال : «فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربها ووضع میزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد أحدا(4).
إن وجه الفهم الصحيح للأمر الجديد أنه :
الإسلام كما هو في النظرية والتطبيق
ذلك هو المعنى المفروض بما قدمناه من وجوه المناقشة للتفسير المحرف ، ومن الوجوه التي يمكن أن تكون مقصودة ، وهي جميعاً تتماسك مع
موقع المهدی علیه السلام بوصفه وصيا وامتدادا لرسول الله صلی الله علیه و آله، ومع دعوته وعمله التطبيقي بدءا من خطبته الأولى لدى الظهور حتى منتهى أمره: إن الإسلام كما هو في واقعه . إذا قيس ببعد الناس عنه في حياتهم نظرياً وعمليا بين الانحراف والفسق والردة وبين تعدد الاجتهادات - سيبدو - كما قدمنا - أمراً جديداً في نظر الناس، ولكن ذلك أمر وأن يكون ما يجيء به المهدی علیه السلام جديداً بالنسبة لأسس الإسلام، وبناه كما جاء بها القرآن والسنة أمر آخر...
ومما يؤكد ذلك ما روي من :
خطبة المهدي (علیه السلام) عند أول ظهوره
فعن جابر عن أبي جعفر (الباقر) قال علیه السلام : «ثم يظهر المهدی علیه السلام بمكة عند العشاء ومعه راية رسول الله صلی الله علیه و آله وقميصه وسيفه وعلامات ونور وبيان، فإذا صلى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أذكركم الله، أيها الناس، ومقامكم بين يدي ربكم وقد أكد الحجة، وبعث الأنبياء، وأنزل الكتاب، يأمركم أن لا تشركوا به شيئا، وأن تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله صلی الله علیه و آله ، وأن تحيوا ما أحيا القرآن، وتميتوا ما أمات، وتكونوا أعوانا على الهدی ووزراء على التقوى، فإن الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها، وآذنت بالوداع، وإني أدعوكم إلى الله والرسول والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء السنة»(1).
وعن جابر عن أبي جعفر (الباقر) علیه السلام من حديث قال : «ويبعث السفياني بعثة إلى المدينة، فينفر المهدی علیه السلام منها إلى مكة، فيبلغ أمير جيش السفياني أن المهدی علیه السلام قد خرج إلى مكة ، فيبعث جيشا على أثره فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفا يترقب على سنةموسی بن عمران، قال : وينزل أمير جيش السفياني البيداء فينادي مناد من السماء : یا بیداء أبيدي القوم، فيخسف بهم» (2).
إلى أن يقول علیه السلام : «والقائم يومئذ بمكة قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيرة فينادي : يا أيها الناس، إنا نستنصر الله ومن أجابنا، فإنا أهل بيت نبيكم محمد، ونحن أولى الناس بالله ومحمد صلی الله علیه و آله ، فمن حاجني في آدم فأنا أولى الناس بادم، ومن حاجني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، ومن حاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، ومن حاجني في محمد فأنا أولى الناس بمحمد، ومن حاجني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين ...
أليس الله يقول في محكم كتابه: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ *ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »[آل عمران: 33 و 36].
فأنا بقية من آدم، وذخيرة من نوح، ومصطفى من إبراهيم، وصفوة من محمد صلی الله علیه و آله .
ألا ومن حاجني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله، ألا ومن حاجني في سنة رسول الله صلی الله علیه و آله فأنا أولى الناس بسنة رسول الله صلی الله علیه و آله..
يأمر بالمعروف ويزيل البدع
وروي مسندة عن ابن بزیع عن زيد بن علي علي قال : إذا قام القائم من آل محمد يقول: أيها الناس، نحن الذين وعدكم الله تعالى في كتابه : «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ» [الحج: 141]. (1)
وروى بالإسناد إلى أبي الجارود عن أبي جعفر علیه السلام في قوله عز وجل «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ» [الحج: 1].
1) المجلسي، البحار، م 52، ص 373
قال علیه السلام : «هذه لآل محمد: المهدي وأصحابه يملكهم الله مشارق الأرض ومغاربها، ويظهر الدين، ويميت الله عز وجل به وبأصحابه البدع والباطل، كما أمات السفهة الحق، حتى لا يرى أثر من الظلم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر»(1).
وروى أبو بصير عن أبي جعفر الباقر علیه السلام أنه قال في حديث طویل : «ولا يترك بدعة إلا أزالها ولا سنة إلا أقامها» (2).
عن أبي هاشم الجعفري قال : كنت عند أبي محمد (الحسن) علیه السلام فقال : «إذا قام القائم أمر بهدم المنائر والمقاصير التي في المساجد. قلت في نفسي: لأي معنى هذا؟ فأقبل علي فقال : معنى هذا أنها محدثة مبتدعة لم يبنها نبئ ولا حجة» (3)
يدعو إلى كتاب الله وسنة رسوله
روی بالإسناد إلى عبدالله الحلبي عن أبي جعفر علیه السلام ، بعد حديث طويل عن المهدی علیه السلام ، قال علیه السلام : «ثم ينطلق فيدعو الناس إلى كتاب الله، وسنة نبيه ، والولاية لعلي بن أبي طالب، والبراءة من عدوه، ولا يسمي أحداً» .
وبالإسناد إلى حذيفة بن اليمان قال رسول الله صلی الله علیه و آله...، وذكر حديثا في ما ينال الأمة في مستقبلها إلى أن قال : «یا حذيفة ، لا يزال ذلك البلاء على أهل ذلك الزمان حتى إذا أيسوا وقنطوا، وأساءوا الظن ألا يفرج عنهم؛ إذ بعث الله رجلا من أطائب عترتي، وأبرار ذريتي عدلا مباركا زكيا، لا يغادر مثقال ذرة، يعز الله به الدين والقرآن والإسلام وأهله، ويذل به الشرك وأهله، يكون من الله على حذر لا يغتر بقرابته ، ولا يضع حجراً على
حجر، ولا يقرع أحدة في ولايته بسوط إلا في حد، يمحو الله به البدع كلها، ويميت به الفتن كلها، يفتح الله به باب كل حق، ويغلق باب کل باطل»(1)
وروى مسنداً عن علي بن أبي بصير قال : قال أبو جعفر علیه السلام : وأتاه
رجل فقال له : إنكم أهل بيت رحمة اختصكم الله تبارك وتعالى بها.
فقال له الي : كذلك، والحمد لله، لا تدخل أحداً في ضلالة ولا نخرجه من هدی..
إن الدنيا لا تذهب حتى يبعث الله رجلا منا أهل البيت يعمل بكتاب الله ، لا يرى منكراً إلا أنكره(2).
وعن عائشة عن النبي صلی الله علیه و آله أنه قال، في الحديث عن المهدی علیه السلام : «وهو رجل من عترتي، يقاتل على سنتي، كما قاتلت أنا على الوحي»3(3).
وعن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلی الله علیه و آله : «يخرج رجل من
أهل بيتي يعمل بسنتي، وينزل الله له البركة من السماء، وتخرج له الأرض برکتها وتملا به عدلا كما ملئت ظلما وجورا» (4).
وروى الطوسي بسنده عن العلا عن محمد قال : «سألت أبا جعفر (الباقر) علیه السلام عن القائم إذا قام بأي سيرة يسير بالناس؟
فقال علیه السلام : بسيرة ما سار به رسول الله صلی الله علیه و آله، حتى يظهر الإسلام . قلت : وما كانت سيرة رسول الله صلی الله علیه و آله؟
قال علیه السلام : أبطل ما كان في الجاهلية ، واستقبل الناس بالعدل .. وكذلك القائم علیه السلام إذا قام يبطل ما كان في الهدنة مما كان في أيدي الناس، ويستقبل بهم العدل» .(5)
وعن أبي المقدام عن أبي جعفر علیه السلام في قول الله تعالى : «لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ »[براءة : 33]. قال : أن لا يبقى أحد إلا أقر بمحمد صلی الله علیه و آله (1)
وروى بالإسناد إلى ابن البطائني عن أبيه عن أبي بصير قال : سمعت أبا
جعفر (الباقر) علیه السلام ، وذكر حديثا يذكر فيه مشابهة الحجة لبعض الأنبياء علیهم السلام وفيه قلت: وما شبه محمد صلی الله علیه و آله و قال علیه السلام : إذا قام سار بسيرة رسول الله صلی الله علیه و آله إلا أنه يبين آثار آل محمد صلی الله علیه و آله(الحدیث)(2). .
يقيم الحدود المعطلة
روی بالإسناد إلى أبان بن تغلب قال : قال أبو عبدالله الصادق علیه السلام : دمان في الإسلام حلال من الله عز وجل لا يقضي فيهما أحد بحكم الله عز وجل حتى يبعث الله القائم من أهل البيت علیهم السلام ، فيحكم فيهما بحكم الله عز وجل لا يريد فيه بينة : الزاني المحصن يرجمه ، ومانع الزكاة يضرب رقبته(3).
أصحابه يعلمون القرآن
روی جابر عن أبي جعفر الباقر علیه السلام قال : «إذا قام قائم آل محمد ضرب فساطيط لمن يعلم القرآن على ما أنزل الله تعالى» (4)
وبالإسناد إلى حبة العرني قال : قال أمير المؤمنین علیه السلام «كأني أنظر إلى شیعتنا بمسجد الكوفة، وقد ضربوا الفساطيط يعلمون الناس القرآن كما أنزل»(5)
وعن جعفر بن يحيى عن أبي عبدالله (الصادق) علیه السلام قال : قال : كيف أنتم لو ضرب أصحاب القائم الفساطيط في مسجد كوفان، ثم يخرج إليهم المثال المستأنف
أمر جديد»(1).
ومن الواضح أن التعليم في هذه الروايات ليس للقراءة وإنماللتفسير ، وبيان معاني الآيات وتأويلها بقرينة قوله «كما أنزل» ؛ لأن الاختلاف، ومظنة الخطأ والتحريف، ليس في القرآن من حيث كلماته وآياته وسوره، فذلك مما يجمع علماء شيعة أهل البيت على نفيه، وإنما هو في تفسيره وتأويله، ولا جدال في أن المفسرين يطرحون وجهات نظر مختلفة في بعض الآيات : مذهبية وشخصية قد يبعد بعضها عما هو الحق فيها، لذلك يقوم الإمام علیه السلام ببيان معاني الآيات القرآنية كما أنزلت، ويبطل ما لا علاقة له بها.
وقد روي عن حمران بن أعين عن أبي جعفر (الباقر) علیه السلام أنه قال : «وتؤتون الحكمة في زمانه حتى أن المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالی وسنة رسول الله صلی الله علیه و آله »(2). وفي دعاء السجاد في «عرفة»، كما في الصحيفة السجادية ، قال علي : «وأقم به كتابك وحدودك وشرائعك، وسنن رسولك صلواتك اللهم عليه وآله، وأحي به ما أماته الظالمون من معالم دينك، واجل به صدأ الجور عن طريقتك، وأبن به الضراء عن سبيلك، وأزل به الناكثين عن صراطك، وأمحق به بغاة قصدك عوجاً، وألن جانبه لأوليائك، وابسط يده على أعدائك، وهب لنا رأفته ورحمته وتعطفه وتحننه»(3).
وفي دعاء الافتتاح الذي رواه الشيخ أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري عن الحجة علیه السلام :
«اللهم، وصل على ولي أمرك، القائم المؤمل والعدل المنتظر، واحففه بملائكتك المقربين، وأيده بروح القدس، یا رب العالمين، اللهم اجعله الداعي إلى كتابك والقائم بدينك، استخلفه في الأرض كما استخلفت الذين من قبله، مكن له دينه الذي ارتضيته له» .
إلى أن يقول: «اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة، تعز بها الإسلام وأهله وتذل به النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك، وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة». .
وقال الشيخ الصدوق : حدثنا أبو محمد الحسين بن أحمد المكتب قال : حدثنا أبو علي بن همام بهذا الدعاء ، وذكر أن الشيخ العمري ، قدس الله روحه، أملاه عليه وأمره أن يدعو به، وهو الدعاء في غيبة القائم علیه السلام ؛ ومما جاء فيه :
«اللهم، وأحي بوليك القرآن، وأرنا نوره سرمداً لا ظلمة فيه، وأحي به القلوب الميتة، واشف به الصدور الوغرة، واجمع به الأهواء المختلفة على الحق، وأقم به الحدود المعطلة والأحكام المهملة حتى لا يبقى حق إلا ظهر ولاعدل إلا زهر، واجعلنا يا رب من أعوانه ومقوية سلطانه والمؤتمرین الأمره والمسلمين لأحكامه»(1).
ومن الواضح أن استشهادنا بالأدعية الواردة عنهم هنا، بالنظر إلى أن الدعاء لا يكون إلا بما هو المرجو والمأمول أن يكون لدى ظهور الإمام علیه السلام ، أو بما هو مهمته وغاية عمله لو ظهر، وليس في ذلك أمر - كما رأيت . عدا إقامة الكتاب والسنة وتنفيذ الأحكام والحدود التي شرعها الله ..
1) الصدوق، کمال الدین وتمام النعمة، ص 479.
الإمام (علیه السلام) يبني المساجد
لقد ذكرنا، في العلامات الخاصة ، روایات تقول إن الإمام علیه السلام يبني في الغري مسجداً له ألف باب . وكان ذكرنا لها هناك لجهة أخرى من الدلالة تتصل بكونهاعلامة وإخباراً غيبياً هاماً لانعدام المؤشرات الموضوعية إليه، أما إشارتنا إلى ذلك هنا فلبيان مدى اهتمام الإمام علیه السلام ، وهو سيد أهل المعرفة، بفريضةالصلاة التي يراها أدعياء العرفان حجابا .
ومما جاء في رواية عمرو بن ثابت عن أبيه عن أبي جعفر الباقر علیه السلام قال : قال علیه السلام : «فإذا كانت الجمعة الثانية قال الناس (في الكوفة): يا ابن رسول الله صلی الله علیه و آله، الصلاة خلفك تضاهي الصلاة خلف رسول الله صلی الله علیه و آله، والمسجد لا يسعنا، فيقول علیه السلام : أنا مرتاد لكم، فيخرج إلى الغري فيخط مسجداً له ألف باب يسع الناس»(1).
وورد أيضا أنه يبني أربعة مساجد أخرى في الكوفة ومسجداً ذا خمسمئة باب في الحيرة يصلي فيها نوابه(2).
الزاهد المجاهد
عن أبي بصير عن أبي عبدالله الصادق علیه السلام قال : «ما يستعجلون بخروج القائم؟ والله ما طعامه إلا الشعير والجشب، ولا لباسه إلا الغليظ، وما هو إلا السيف والموت تحت ظل السيف»(3).
المهدي وأصحابه وأثر السجود في جباههم
وروی بسنده عن الإمام جعفر الصادق علیه السلام أنه قال ، وهو يتحدث عن الإمام المهدی علیه السلام في بعض مراحل جهاده وحربه للكفر :
«كأني أنظر إلى القائم علیه السلام وأصحابه ، في نجف الكوفة، كأن على رؤوسهم الطير، قد فنيت أزوادهم وخلقت ثيابهم، قد أثر السجود بجباههم، ليوث بالنهار رهبان بالليل، كأن قلوبهم زبر الحديد، يعطى الرجل منهم قوة أربعين رجلا »(1).
يقبل الناس في زمنه على العبادة
وعن أمير المؤمنین علیه السلام قال : «فيبعث المهدی علیه السلام إلى أمرائه بسائر الأمصار بالعدل بين الناس» إلى أن يقول: «ويذهب الشر، ويبقى الخير ... ويذهب الزنا وشرب الخمر، ويقبل الناس على العبادات والشرع والديانة والصلاة في الجماعات، وتطول الأعمار، وتؤدى الأمانات ، وتضاعف البركات، وتهلك الأشرار، وتبقى الأخيار، ولا يبقى من يبغض أهل البيت علیهم السلام »(2).
والشواهد - من دعوته، وسيرته، وأعماله، وأدعيته - على أنه امتداد للرسول صلی الله علیه و آله ، وللأوصياء من آبائه ، لا يكاد يختلف إلا بالخصائص المتصلة بعصر الظهور وسعة السلطان، كثيرة جدا، وفي ما قدمناه منها ومن الأدلة الأخرى كفاية للرد على من يفسر الأمر الجديد بما هو خارج على الشريعة الإسلامية بمصادرها من الكتاب والسنة - كما هما . من خلال وصی الرسول صلی الله علیه و آله وشاهد الرسالة الي . وسيأتي في الجزء الثاني بيان أسس
هؤلاء ومنطلقاتهم، على اختلاف عناوينهم، عامدين أو ضالين بشبهة أو مخدوعين، ثم إيضاح وجه الباطل والضلالة فيها، تحذيراً للمسلمين والبسطاء والأبرياء منهم خاصة ؛ لأنهم الضحية في الغالب.
*الإمام المهدي (علیه السلام) وعقيدة الرجعة(1)
ترتبط عقيدة الرجعة . لدى الإمامية الاثني عشرية - بالإمام المهدي المنتظر علیه السلام شخصا، وزمانا، وأمراً ..، من دون اختلاف بينهم في ذلك ، على أن الآراء المطروحة في معناها عندهم ثلاثة :
الرأي الأول : والقائلون به قلة منهم: «قول قوم تأولوا ما ورد في الرجعة فرأوا بأن معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى أهل البیت علیهم السلام بظهور الإمام المنتظر علیه السلام دون رجوع أعيان الأشخاص، وإحياء الموتی» (2).
وذكر الشيخ الطبرسي والحر العاملي رحمهما الله : «إن سبب قولهم بهذا الرأي أنهم ظنوا أنهم الرجعة تنافي التكليف (3)بفهم أن موتهم ورؤيتهم العالم الآخر لا تجعل أمامهم مدى أو فرصة في غير الطاعة... وأن التكليف يقتضي الاختيار، وهو منتف بالنسبة لهم كما ظنوا ورد عليهم بأن الأمر ليس كذلك ؛ لأنه - كما يقول الشيخ الطبرسي -: ليس فيها ما يلجئ إلى فعل
1) أخرنا البحث فيها لأن علاقتها بقضية الإمام علیهم السلام ، من حيث الأساس، عرضية على رأيالمشهور من كون الإمام علیه السلام حياً بحياة أرضية مادية ، ثم لأن الكتاب بحث مسألة الإمام المهدي علیه السلام من جوانب معينة مقدمة لبحث أدعياء المهدوية فركز على شخصه وموقعه ودوره. وحين فصل البحث في الجزء الأول أضيف إليه هذا البحث، ثم إن عدم فصله کموضوع لا يتيح لنا عرض الآراء الثلاثة بهذه الصورة ؛ إذ لا بد مثلا من أن نتحدث عن الرأي الثاني في الغيبة الكبرى والثالث تحت عنوان : ماذا سيفعل؟ أو كيف سينتصر؟ ونحن نرى أن بحثها مجتمعة في بحث واحد هو الأفضل لأكثر من جهة
2) محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية، ص 81، الطبرسي، مجمع البیان، م4، ج8، ص 234 و235.
3) الطبرسي، المصدر نفسه، الحر العاملي، إيقاظ الهجعة ، ص 35.
الواجب والامتناع عن القبيح، والتكليف يصح معها كما يصح مع ظهور المعجزات الباهرة والآيات القاهرة كفلق البحر وقلب العصا ثعبانا وما أشبه ذلك»(1).
ويعني، رحمه الله ، أنّ هذه الآيات تعطي اليقين بصدق الرسل، وبالتالي صدق إنذارهم كما هي الرجعة، ومع ذلك فإن الاختيار والقدرة على مخالفة التكليف لم يسلبا من مشاهديهما بشهادة الواقع.
والحقيقة أن هناك فرقا كبيراً بينهما لو أن الراجع من الموت فقط تذكر ما رأي بعده بوضوح شأن المسافر والراجع من سفره في عالم الدنيا؛ لأن الرؤية الحسية والتجربة تعطيان تحققاً وطمأنينة - لدى بعضهم - أكثر مما هو البرهان العقلي مباشراً أو غير مباشر، ربما بسبب التذكر لما شاهده بیسروحضور الواقع فيها من دون كلفة وبوضع خلافا للآخر.
وفي قوله تعالى لإبراهيم علیه السلام حين طلب إحياء الموتى:
«أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» [البقرة : 290] شاهد على ذلك، وإن أعطيت الآية تفسيرا آخر، لكن استبطان الإنسان لحالته بين الحس والبرهنة العقلية يعطي ما أشرنا إليه من الفرق حتى مع التساوي في الإثبات، ثم لأن هناك من لا يفرق بين المعجزة والسحر. وكان خوف موسی، كما ورد في تفسير قوله تعالی :
«فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى» [طه: 67]، بسبب ذلك، وربما كان سيتحقق خوفه لولا سجود السحرة أنفسهم. وفي قوله تعالى: «وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ*«لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ»[الحجر: 14 و 15] شاهد آخر على ذلك، وإن الواقع التاريخي والحاضر يقدمان شواهد كثيرة على عدم تفرقة العامة من الناس بين المعجزة والسحر.
لكن الراجع من الموت لا يذكر من تجربته في الحياة الأخرى إلا كما يذكر الحالم في النوم من حلمه، أو لا يتذكر شيئا على الإطلاق، فهو لا
1) الطبرسي، مجمع البیان، م4، ج8، ص 234 و235 .
يشعر بالزمن ولا بتفاصيل ما مر به من أحداث، ولا يصحب حالته السابقة فيها، وفي قوله تعالى:«وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ»[الروم: 55]، وقوله تعالى: «وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ » [الأنعام : 28]. شاهد كاف لما ذكرناه ...
وسواء كان الأمر كذلك أم لم يكن، فإن ما رآه الطبرسي والحر العاملي، رحمهما الله ، من عدم علاقة الاختيار الذي يصحح التكليف باليقين أمر حق، وإلا كان الرسل وأوصياؤهم عليهم السلام مجبورين، ولا أحد يقول بذلك.
إن اليقين والعلم يعطيان العصمة التي تعني اختيار الطاعة من دون أن تعني الجبر أو انتفاء القدرة على المقابل حتى ولو لم يفعله بحكم هذا العلم، شأن الطبيب الذي يعلم الآثار الضارة لبعض المواد والأفعال مثلا، فيتجنبها بحكم هذا العلم مع قدرته على الفعل.
وقد نوقش أهل هذا الرأي ؛ أعني التأويل لمعنى الرجعة، بعد إبطال حجتهم - كما مر - بمناقشات منها:
أولا : بأن أكثر ما ورد فيها نصوص في معناها كما سيأتي بعضها في ما يساق
من الكتاب أو السنة وليس من الظواهر، ولذلك فلا سبيل إلى تأويلها بوجه.
ثانيا : إجماع الإمامية الاثني عشرية على معناها من دون تأويل، والعلم بامتداد هذا الإجماع إلى عصر المعصوم عليهم السلام ودخوله فيه مما يوجب حجيته ، وسيأتي الحديث عن ذلك.
الرأي الثاني : إن الإمام المهدي المنتظر علیه السلام هو من يرجع - بعد أن توفاه الله ورفعه إليه - شأن المسيح علیه السلام ؛ ليمكث في الأرض بعد نزوله مرة أخرى المدة التي يشاء الله للقيام بالمهمة المنوطة به.
ذكر الشيخ الطوسي، رحمه الله ، أن الإمام علیه السلام ، كما ورد في بعض
الأخبار : «يموت ثم يعيش أو يقتل ثم يعيش«(1).
1) الطوسي، الغيبة ، ص 260.
وذكر من هذه الأخبار ما رواه الفضل بن شاذان عن موسى بن سعدان عن عبدالله بن قاسم الحضرمي عن أبي سعيد الخراساني قال : قلت لأبي عبدالله علیه السلام : لأي شيء سمي القائم؟ قال علیه السلام : لأنه يقوم بعدما يموت ، إنه يقوم بأمر عظيم، يقوم بأمر الله .
ومنها ما روي عن محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري عن أبيه عن يعقوب بن يزيد عن علي بن الحكم عن حماد بن عثمان عن أبي بصير قال : سمعت أبا جعفر علیه السلام يقول: مثل أمرنا في كتاب الله مثل صاحب الحمار، أماته الله مئة عام ثم بعثه .
ومنها ما روي أيضا عنه عن أبيه عن جعفر بن محمد الكوفي عن إسحاق بن محمد عن القاسم بن الربيع عن علي بن حطاب مؤذن مسجد الأحمر قال : سألت أبا عبدالله علیه السلام : هل في كتاب الله مثل القائم علیه السلام ؟ فقال علیه السلام : نعم آية صاحب الحمار أماته الله مئة عام ثم بعثه(1).
وهناك روايات أخرى.
وقد أضاف بعضهم الأخبار التي تضرب للإمام المهدی علیه السلام مثلا بعیسی علیه السلام الذي «قالوا عنه مات ولم يمت»، كما ورد في حديث عن الإمام الباقر علیه السلام (2)أو «وقدر غيبته تقدير غيبة عیسی»، كما ورد عن الإمام الصادق علیه السلام (3)
مع أن القرآن قد نص على وفاته، قال تعالى :«إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ» [آل عمران : 55].
وقال تعالى:«وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ
لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ...(الآية إلى قوله :)... وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » [المائدة : 119 و 117].
بل إن القرآن نفسه قال، في آية ثالثة، ما يشير إلى أن عيسى لم يمت، قال تعالى: «وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ »وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ؟ [النساء: 109]، وهذا ما لم يتم قطعا في وفاته الأولى فقد كان مطاردة مضطهدة حتى حاولوا صلبه لولا أنه شبه لهم.
ولذلك لا بد، للجمع بين الآيتين السابقتين وبين هذه الآية ، من أن يكون المقصود فيها موته الثاني لدى نزوله إلى الأرض مرة أخرى مع الإمام المهدي علیه السلام وصلاته خلفه، كما سبق الحديث عنه في البحثين : الأول والثاني من الفصل الأول، وهو ما لا خلاف فيه لدى المسلمين، فقد روته جميع الصحاح.
فيكون الحديثان السابقان : الحديث الذي قال إنهم قالوا: «مات ولم يمت» والآخر الذي عبر عن موته بالغيبة .
وتكون الآية التي أغفلت وفاته الأولى التي لم يؤمن له فيها أهل الكتاب متجاوزة الوفاة الأولى إلى الثانية التي ستكون بعد النزول... وقد نظر فيها إلى أن حقيقة الموت ليست إعداما ولا انقطاعاً، وإنما هي انتقال إلى مستوى سماوي تنتفي فيه الحاجة إلى الجسد، فالحياة قائمة بعده، ولذلك قال تعالى : «وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ»[العنكبوت: 64].
وبهذا الاعتبار فكأنه مع كونه لم يكن. قال الإمام علی علیه السلام إن الرسول صلی الله علیه و آله قال: «يموت الميت منا وليس بميت ويبلى البالي وليس ببالٍ»(1)
1) الرضي، نهج البلاغة، ص 120، فهرسة الدكتور صبحي الصالح، طا، وأيضا: ج1 من شرح محمد عبده، ص 154، مكتبة النهضة.
وبناء عليه ، فإن شأن الإمام المهدي المنتظر علیه السلام - بحكم التنظير والتمثيل بعيسى علیه السلام - لا بد من أن يكون كشأنه في ذلك.
ومثل ذلك الأحاديث التي تضرب مثلا لطول عمره بالخضر علیه السلام ، فإن الأحاديث والقصص الواردة في حياته مع عدم رؤيته وتمثله وغيابه تشهد جميعا أنها حياة سماوية روحية ... وما أكثر ما يروي أهل الكشف والصوفية لقاءه بهم وتعليمه إياهم.
أما لماذا خصوا الإمام المهدي وعيسى والخضر علیهم السلام بالحديث عنهم كأحياء من دون غيرهم من الأنبياء والرسل والأئمة الآخرين مع أنهم أحياء سماوياً وروحياً كما هم، فالجواب أن ذلك بحكم أن لهم أدواراً أرضية ، أو تعلقا وارتباطا بمهمات رسالية استمراراً بالفعل كما هو بالنسبة للإمام المهدي والخضر علیه السلام ، أو في المستقبل كما هو بالنسبة لعیسی علیه السلام لدى نزوله ، ولهذه الخصوصية أكدوا على حياتهم من دون الآخرين ليفهم الناس الذين يتصورون الموت انقطاعاً بقاء صلتهم بالأرض. وإلا فإن الرسل والأوصياء وأولياء الله من أتباعهم شهداء أو كالشهداء أحياء عند ربهم یرزقون، وفي الزيارة : «أشهد أنك تسمع الكلام وترد الجواب».
ويبدو أن هذه المشكلة لا تأتي من قضية الموت والحياة بما هما في ذاتهما، وإنما من مفهومهما لدى العامة من الناس، طبقا للواقع المادي النسبي، لذلك فالقول إنه مات وإنه في الوقت نفسه حي صحيح بالمفهوم الحقيقي لهما، كما تدل النصوص الواردة في ذلك في الكتاب والسنة، وكما یدل الواقع الذي يعرفه الروحيون قدماء ومحدثين.
بقي أن الله تعالى ذكر أن بين الأموات أو المنتقلين إلى الدار الآخرة ،
وبين أهل الدنيا بحكم الرتبة اللامادية للحياة السماوية برزخ يمنع على المستوى العام إمكان الصلة بينهم، قال سبحانه : «وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» [المؤمنون: 100]
لكن الثابت أيضا أين ما هو ممنوع على المستوى العام ليس ممنوعاً على المستوى الخاص. والصلة حاصلة تاريخياً وفي الواقع . كما يذكر العرفانيون والباراسايكولوجيون - إما بتمثل أهل الحياة السماوية «بَشَرًا سَوِيًّا» [مريم: 17] منظوراً (1)أو بعروج أهل الأرض إلى آفاقهم(2). وفي القرآن الكريم وفي السنة الشريفة ما يدل على وقوع هذه الصلة بصورتيها. ولذلك لا مجال، مع انفتاح هذه الصلة، للإشكال بما أثبته العقل والنقل من عدم خلو الأرض من حجة ، الأمر الذي يقتضي بقاء الصلة بالإمام المهدی علیه السلام ؛ لأن بقاء الصلة لا يقتضی قطعاً بقاء بالجسد المادي، فإن الصلة والتسديد والرعاية والتعليم لا تفرض ذلك كما هو الأمر بالنسبة لجبرائیل مثلا علیه السلام مع الرسل ...
ولذلك فهذا الرأي - لدى من يتبناه - لا ينافي ما ورد من کون الإمام علیه السلام حيا، ولا ينافي اضطلاعه بشؤون الإمامة بالحدود التي تكون في الغيبة ، ولا ينافي ظهوره المنتظر كما هو الأمر في المسيح علیه السلام .
وقد ذكروا أيضا أن الدنيا، كما ورد في الحديث، سجن المؤمن وجنة الكافر، وبقاء الإمام لي فيها منتظراً مهمة أرضية قروناً لا يعلم أحد عددها قد لا يناسب منزلته مع إمكان عودته متى شاء، إذا كان الله أراد له ذلك.
قد يكون موتهم إرادياً
قالوا: وقد يكون انتقال الإمام والخضر وعیسی علیهم السلام إلى المستوى السماوي أو موتهم إرادياً لا طبيعيا استثناء من القانون العام، وأن الخالع لجسده أو الميت بإرادته يملك أن يرجع متى شاء، والخروج من الجسد أو العروج إلى الرتب السماوية خصوصية يملكها الرسل والأنبياء وأوصياؤهم علیهم السلام بالدرجة الأولى مع اجتباء وعصمة ... وفي حديث
الرسل علیهم السلام وحدیث سیدهم رسول الله محمد صلی الله علیه و آله وما ورد عن الأئمة من أهل البيت علیهم السلام شواهد على ذلك.
ويملك الحكماء الكبار - مع اختلاف في الدرجة تتحدد بمبدأ الذات ومعادها أصلا... - هذه الخصوصية كذلك.
وقد نقل العلامة الشيخ مرتضی، رحمه الله ، أن الفيلسوف الإشراقي السهرودي قال : «نحن لا نعتبر الحكيم حكيما حتى يستطيع بإرادته أن يخلع بدنه فيصبح ترك الجسم بالنسبة إليه أمرا عاديا، وسهلا بل يصبح ملكة له...»
قال : «وينقل نظير هذا عن الحكيم المحقق المير الداماد»(1).
ويتحدث عدد كبير من الفلاسفة والعرفانيين والمتصوفة(2)والبراسایکولوجيين المعاصرين عن تجارب كثيرة توجب، لتواترها وخضوع بعضها للتحقيق، القطع بصحتها إجمالا (3).
ونقل الطبرسي عن بعضهم أ عيسي لم يمت وأنه رفع إلى السماء من غير وفاة ، وتعرضوا لتأويل الآيات الواردة في موته بالحمل على وفاة النوم .. (4).
قالوا: وإن كون حياة الإمام علیه السلام كحياة الخضر أو كحياة عيسی سماوية من غير أن يستوجب ذلك انقطاع دوره الحاضر بوصفه إمام الزمان أو المستقبل لما أنيط به من دور عظيم في الظهور يمكن أن ينهي أو يقرب وجهات النظر في بعض ما يتصل بشأنه علیه السلام .
1) العدل الإلهي، ص 238.
2) اقرأ ما ورد عن المسيحيين : تجربة الفيلسوف يعقوب بوهمه، المولود 1575م، ص 197، من کتاب «سقوط الحضارة» لكولن ولسن والعالم والفيلسوف عمانوئیل سویدنبرغ، ص 256 من الكتاب نفسه، واقرأ من تجارب الهنود البوكيين ما رواه بهر مسنسا عن اليوكي باباجي ولاهیری ماهاسيا ، ص 330-374، واقرأ من المسلمين محيي الدين بن عربي في رسالة الإسراء ، وغيرهم كثير .
3) اقرأ ما أورده الدكتور رؤوف عبيد في المجلد الأول من مفصل روح لا جسد، ط4، في الفصل الثاني عشر تحت عنوان : الخروج الواعي من الجسد، ص 890 - 986، وراجع الفصل الخاص بعدم حجية الكشف والخوارق في الجزء الثاني من هذا الكتاب
4) نقلا عن الحر العاملي، إيقاظ الهجعة ، ص 85.
أولا : لأن أغلب المسلمين يؤمنون بحياة الخضر ونزول عیسی علیه السلام كما ذكرنا، فيكون شأن الإمام علیه السلام في ذلك كشأنهما، ويكون إنكار بقائه
وظهوره بهذه الصورة تفرقة دونما أساس .
ثانيا : يفسر لنا هذا الرأي اقتران نزول المسيح بظهور الإمام المهدي علیه السلام ربما للصورة المشتركة في المجيء عن العالم نفسه وبالكيفية نفسها ولرسالة واحدة .
ثالثا: يفسر لنا أيضا ما ورد من تسمية الإمام علیه السلام في الأخبار ب-«النذر الأكبر»، أو ب-«القيامة الصغرى» أو «الساعة» ... وأن من الأمور الكائنة في ظهوره لبوث الفلك أو بطء دوران الكواكب حول نفسها في مجموعتنا مما ينشأ عنه طول الأيام والشهور والسنين حتى أن السنة لتساوي سبع سنين أو عشر سنين، ويشير بطء دوران الكواكب حول نفسها وحول محورها إلى ضعف مقاومتها لجاذبية المركز، وبالتالي قرب ارتطامها ببعضها، وقد سجل علم الفلك فناء بعض المجرات ووقوع قیامتها، وسجل فناء بعض المجاميع الشمسية في مجرتنا.
فهو النذر الأكبر من حيث ما يؤديه من رسالة بصورة رجوعه وبتعليمه
معا بعد طول الأمد وقسوة القلوب وقرب القيامة الكبرى وابتداء البعث جزئيا .
رابعا: يدعم ما أشرنا إليه ما ذكره الشيخ المفيد، رحمه الله ، من «أن أكثر الروايات يشير إلى أنه لن يمضي صاحب الأمر لي إلا قبل القيامة بأربعين يوما يكون فيها (يعني ولايته الي ) الفرج، وعلامات خروج الأموات، وقيام الساعة للحساب والجزاء.
خامسا: ربما . وإن كان قد قدمنا لذلك تفسيرا آخر يتصل بأسباب التقدير(1)_ أن ذلك هو السبب وراء عدم التوقيت، وقول من سئل منهم علیه السلام عن ذلك : أنه علیه السلام كالساعة لا يجليها لوقتها إلا هو.
1) راجع ما كتبناه تحت عنوان : ولكن متى؟
سادسا: إن ذلك أيضا يكشف لنا الفرق بين غيبته الصغرى التي كان يمكن للخلص من شيعته خلالها الصلة به ، والتشرف بخدمته، حتى وصل عدد من أحصوهم ممن رآه علیه السلام في أثنائها؛ وهي أربعة وسبعون عاما، إلى ثلاثمئة وأربعة أشخاص، كما قدمنا، وبين الغيبة الكبرى التي قررنا، باعتبار من جاء إلى شيعته فيها مدعياً المشاهدة ، كذابا مفترياً.
سابعا: وبذلك أيضا نستطيع أن نفهم سر إمكان إجابته لمن استشفع أو استنجد به من المؤمنين أينما كانوا في البر والبحر ووراء الأسوار، كما ورد في القصص التي قال الشيخ النوري، رحمه الله ، في جنة المأوى أنها متواترة توجب القطع، وكيف أنه كما بينا في بحث «الغيبة الكبرى» تحت عنوان : «هل يعني ذلك إمكان المشاهدة؟»، أنه يظهر فجأة، ويغيب فجأة، بل يتحول بعد التمثل إلى نور لا يرى ثم يختفي (1)، وقد يرى من قبل بعضهم فقط بالجلاء البصري أو السمعي أو القلبي، وفي ما نقلناه عن ابن طاووس ما يشير إلى شيء من ذلك مما لا يمكن تصوره لو كان في جسده المادي.
ثامنا : يفسر لنا ذلك لماذا جعل الإمام علیه السلام له قنوات خاصة محدودة للصلة تتمثل بخاصة أوليائه الذين هم أخص من خاصة شيعته، بحكم توفر الشروط الخاصة فيهم من دون غيرهم، كما سبق في البحث المشار إليه آنفا .
تاسعا: يعطي هذا الرأي دليلا مضافاً للرجعة يتصل بدلیل ظهور الإمام ونزول عيسی علیه السلام ، ويجعلها مفهومة أكثر مما لو كانت لمجرد عقوبة ومثوبةبعضهم، مما يمكن تحقيقه بالبعث الشامل.
وعلى كل حال، فإن جميع ما ذكرناه هنا لا يعني القطع بهذا الرأي، بل ولا حتى ترجيحه على الرأي الذي يقول : إنه حي بالحياة الأرضية وبجسده المادي كما هم بقية الناس، فوقوع هذا تحت القدرة الإلهية كذاك من غير فرق، وأهل الإيمان بالله لا يرون أن أحد الأمرين أقرب من الآخر لديهم من
1) اقرا حكاية الشيخ محمد سریره، في «جنة الماری»، القصة الخامسة عشرة .
هذه الجهة ... والحكم الحق في ذلك إلى الأدلة النقلية عن أهل البيت علیهم السلام ، فإذا قضت بأحدهما فهو الحق، وإنما أطلنا الوقوف عنده لورود الأخبار فيه عنهم علیهم السلام ، ولأنه كان موضع مناقشة بيني وبين بعض الإخوان، فأردت أن أجلوه بما يرفع الشبهة فيه في قضية حياة الإمام علیه السلام واستمرار إمامته وظهوره، وأنه لا ينافي شيئا من ذلك ، وإلا فهو ؛ أعني وفاته بالصورة الأولى، أي الطبيعة، مما رفضه العلماء وعامة الشيعة في الرأي المشهور عندهم. أما الصورة الثانية ؛ أعني ما يسمى: الموت الإرادي، فهو لا يختلف عن الرأي المشهور بشیء، ولذلك بنينا الكتاب عرضا واستدلالا في الفصول السابقة على الرأي الآخر الذي هو المشهور المتسالم عليه لدى علماء الإمامية ، رحمهم الله ، الذين ناقشوا ما ورد من الروايات في وفاة الإمام علیه السلام وأولوها.
قال الشيخ الطوسي ، رحمه الله ، بعد أن ساق بعض الأخبار التي ذكرناها أساسا لهذا الرأي : «فالوجه في هذه الأخبار وما شاكلها أن نقول بموت ذكره، وباعتقاد أكثر الناس أنه بلیت عظامه ، ثم يظهره الله كما أظهر صاحب الحمار بعد موته الحقيقي، وهذا وجه قريب في تأويل الأخبار على أنه لا يرجع بأخبار آحاد لا توجب علما عما دلت العقول عليه وساق الاعتبار الصحيح إليه وعضدته الأخبار المتواترة التي قدمناها، بل الواجب التوقف في هذه والتمسك بما هو معلوم»(1).
قال : «وإنما تأولنا بعد تسليم صحتها (أي الأخبار الواردة في ذلك) على ما يفعل في نظائرها».
قال : «ويعارض هذه الأخبار ما ينافيها» (2).
ورغم أننا لا نشارك الشيخ، رحمه الله ، رأيه في كون هذا التأويل قريبا، بل لا مجال لقبوله في بعضها، وأن الدليل العقلي الذي عضدته الأخبار
المتواترة ، والذي يعني به عدم خلو الأرض من حجة ، لا يصلح للمعارضة ، بعد إثبات إمكانية الصلة المفتوحة بينه وبين أهل الأرض رغم حياته السماوية .
ولا يصلح للمعارضة أيضا التعبير بالغيبة الذي ذكره بعض الأعلام الصحة إطلاقها على المتوفي، وقد وردت عنهم علیهم السلام في شأن عیسی علیه السلام كما تقدم ، ولكن الذي يصلح للمعارضة ما أشار إليه ، رحمه الله ، في آخر كلامه في ذلك، وهو وجود الأخبار المنافية ، كتلك التي تبدو صريحة في كون حياته علیه السلام حياة أرضية وبجسمه المادي، ومنها التي تضرب له في طول عمره مثلا بنوح علیه السلام ، وتلك التي تقول إنه يحضر مجالسهم ويمشي في أسواقهم، وإنه لا يبقى أحد حين يخرج إلا قال : قد رأيته ، وغير ذلك مما ذكرنا بعضه في البحث الثاني من الفصل الأول، ولأن الموت بصورته الأولى؛ أي الموت الطبيعي، ينافي بقاء التكليف - كما قال بعض الأعلام - والاضطلاع بالإمامة التي هي مهمة مستمرة للإمام علیه السلام تكليف لا مجال لبقائه معه.
الرأي الثالث في الرجعة : ما ذكره أستاذنا المظفر، رحمه الله ، وهو «أنّ الله تعالى يعيد قوما من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز فريقا، ويذل فريقا، ويديل المحقين من المبطلين، والمظلومين من الظالمين، وذلك عند قيام المهدي من آل محمد علیه السلام وعليهم أفضل الصلاة والسلام، ولا يرجع إلا من علت درجته في الإيمان، أو من بلغ الغاية من الفساد، ثم يصيرون بعد ذلك إلى الموت، ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من الثواب والعقاب»(1).
قال رحمه الله : «والقول في الرجعة يعد، عند أهل السنة، من المستنكرات التي يستقبح الاعتقاد بها، وكان المؤلفون منهم في رجال الحديث يعدون الاعتقاد بالرجعة من الطعون في الراوي والشناعات عليه التي تستوجب رفض روايته وطرحها. ويبدو أنهم يعدونها بمنزلة الكفر والشرك،
1) المظفر، عقائد الإمامية، ص 80.
بل أشنع، فكان هذا الاعتقاد من أكبر ما تنبز به الشيعة الإمامية ، ويشنع به عليهم».
قال : «ولا شك أن هذا من التهويلات التي تتخذها الطوائف الإسلامية
في ما غير ذريعة لطعن بعضها في بعض، والدعاية ضده»(1).
ومن المؤسف أن ما أشار إليه الشيخ ما زال مستمراً رغم أنا في یسّر سبل التحقيق والمعرفة وأعطى - كما يفترض - من سعة الأفق لدى أهله ما يجعلهم أقرب إلى العدل والموضوعية، ولا نريد أن نعد أسماء، فضع يدك على من شئت ممن كتب من غير الإمامية عنهم في التاريخ والعقائد والفرق.
لقد خلط بعضهم بين الرجعة وبين التناسخ، ولا صلة بين الاثنين، فالتناسخ «هو انتقال النفس من بدن إلى آخر منفصل عن الأول» .
أما الرجعة فتعني معاداً جسمانياً خاصاً ومحدوداً يسبق المعاد الجسماني الشامل لكل الأموات، ومن يعود فيها يعود بشخصه وبكل خصوصیاته وأوصافه البدنية والنفسية (2).
وأرجع بعضهم قول الشيعة الإمامية فيها إلى التأثر باليهود؛ كأن وحدة
بعض الأفكار والمفاهيم بين الأديان السماوية - ومصدرها واحد إلا ما حرف منها - أمر يعز على الفهم ، وكأنه لا يفسر إلا بتأثر هذه بتلك، وهو جهل وسوء فهم لا يغتفر، فنحن نقول، مثلا، إن موسی وعیسی رسولان من الله، ونؤمن بما جاءا به من عند الله .. لأن ذلك هو الحق كما جاء به كتابنا ونبينا من دون تأثر بأحد، وتلك كهذه من غير فرق.
والإشكال لدى من لا يؤمن بالرجعة ، كما يفرض حسن الظن - لا يرد من جهة كونها مستحيلة، أو غير مقدورة لله تعالى، وإلا كان المشكل كافراً بالله تعالى، ومكذباً بكتابه، فقد تحدث الكتاب عن وقوعها جزئيا في
الماضي، وتحدث عن وقوعها في المستقبل، ثم إن القول بعدم إمكانها يعني الكفر بالمعاد، وهو أصل من أصول الدين لدى المسلمين من دون خلاف.
وإذا، فالإشكال إنما يرد فقط من تصور عدم وجود دليل قاطع على وقوعها قبل المعاد أو الحشر، ولذلك فسنذكر، في ما يأتي، من الأدلة على ذلك في الكتاب والسنة ما لا يوجد بعضه في كثير من المسائل التي يراها أكثر المسلمين جزءا . لا يشكون فيه من الدين ، وبما نرى أنه كاف لرد القائل فيها دونما علم، وأن أغلب هؤلاء بل كلهم - مهما كبروا ألقابا وشهرة - ناقلون لا محققون، كما سيثبت لك بالمقارنة بين ما قالوه في الرّجعة وبين ما يسوقه الإمامية من الأدلة عليها في الكتاب والسنة الواردة عن أهل البيت علیهم السلام.
وقد صنفوا الأدلة المقدمة عليها إلى قسمين :
القسم الأول: ما يدل على وقوع الرجعة بعد الموت جزئياً في الماضي، الأمر الذي ينافي ادعاء وقوعها قبل القيامة أو استبعاده .
القسم الثاني : ما يدل على أنها ستقع في المستقبل وقبل القيامة الكبرى
أو الحشر .
القسم الأول:
وذكروا من الأدلة الواردة عليه في الكتاب عدة آيات منها :
1- قوله تعالى :«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ » [البقرة : 293].
فقد روى المفسرون، ومنهم ابن جرير الطبري في تفسيره، عدة روایات عن ابن عباس ووهب بن منبه ومجاهد والسوي وأشعث بن أسلم البصري وعن عطاء، أنها في شأن قوم من بني إسرائيل هربوا من طاعون وقع في
قريتهم فأماتهم الله ، ومر بهم نبي اسمه حزقیل فوقف متفكراً في أمرهم، وكانت قد بليت أجسادهم، فأوحى الله إليه : أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم؟ فأحياهم له، وروى السيوطي مثل ذلك (1).
2- ومنها قوله تعالى: «وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ *ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » [البقرة: 55 و 56]
فقد روى المفسرون، ومنهم ابن جرير ، أنهم ماتوا جميعا بعد قولهم ذلك، وأن موسى لم يزل يناشد ربه عز وجل ويطلب إليه حتى رد إليهم أرواحهم(2).
3- ومنها قوله تعالى: «أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » [البقرة : 259].
وقد ذكر المفسرون، ومنهم ابن جرير الطبري، عددا من الروايات تفيد أنه عزير أو أرميا مر على بيت المقدس بعد أن خربها نبوخذ نصر، فأراه الله قدرته على ذلك بضربه المثل له في نفسه بالصورة التي قصتها الآية (3).
وهناك آيات أخرى تثبت وقوع الرجعة بعد الموت إذا شاء الله ذلك في الإنسان والحيوان، منها ما أشارت إليه الآيتان (260) و (73) من سورة
1) تفسير الطبري، م2، ص 586 - 588، دار الفكر، ط. سنة 1405ه/1984م. وراجع السيوطي في تفسير الدر المنثور، م1، ص 741 - 744، دار الفكر، سنة 1403ه/ 1983م.
2) تفسير الطبري، م1، ص 290 - 293، دار الفكر، والسيوطي، المصدر نفسه، م1، ص 170، دار الفكر.
3) تفسير الطبري، م3، ص 28 - 47، والسيوطي، المصدر نفسه، م2، ص 26 - 32، دار الفكر.
البقرة، ومنها أن إحياء الموتى مما ذكره القرآن الكريم ضمن ما أعطى الله عيسى من المعجزات، وكذلك الآية (55) من آل عمران والآية (117) من المائدة، وللإجماع على رجوع عیسی علیم ..، ولسنا بحاجة للاستقصاء، فاية واحدة إذا كانت نصاً من القرآن الكريم - بحكم كونه قطعي الصدور عن الوحي الإلهي - كافية لحمل المؤمن على الإيمان، وإذا ثبت ذلك لم يبق وجه للإنكار والاستبشاع بالصورة التي تصل حد التشهير وإسقاط العدالة ..
القسم الثاني:
ونعني الآيات التي تدل على أن الرجعة ستقع مستقبلا، وذكروا عدة آیات أيضا منها:
ا- قوله تعالى: «وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ » [النمل : 83.]
وقد اكتفى ابن جرير الطبري(1)والسيوطي(2)في تفسيرهما ببيان معاني الكلمات اللغوية لمعنى أمة، وفوج، ويوزعون، وأمثال ذلك .. والحق أن الآية، وهي (83) من النمل، بحاجة إلى وقفة تجلي موضوعها، فهذا اليوم الذي يحشر الله فيه من كل أمة فوجا ليس يوم القيامة قطعاً، بدليل أن الآية التي تأتي بعدها، وهي (85) من النمل أيضا، تذكر أن نفخ الصور يأتي بعد ذلك في يوم آخر قال تعالى :«وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ» [النمل: 87]، فلو كان يوما واحداً لما كرر الحديث بعد آية واحدة مضافا لما تدل عليه الأولى من حشر جزئي والثانية من حشر عام.
وقد وقف الطبرسي، رحمه الله ، عندها كما ينبغي فقال : «واستدل بهذه الآية على صحة الرجعة من ذهب إلى ذلك من الإمامية بأن قال : إن دخول
من في الكلام يوجب التبعيض، فدل ذلك على أن اليوم المشار إليه في الآية يحشر فيه قوم دون قوم وليس ذلك صفة يوم القيامة الذي يقول فيه سبحانه «وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا» [الكهف: 47]» .
وذكر تظاهر الأخبار في ذلك وهو ما سنذكره في الاستدلال بما ورد من السنة الشريفة على الرجعة(1).
2- ومنها قوله تعالى : «كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)» [البقرة : 28].
ووجه الاستدلال أنه أثبت الإحياء مرتين، ثم قال بعدهما: «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»،والمراد بهذا الرجوع القيامة قطعا، والعطف با «ثم» خصوصا ظاهر في المغايرة، فالإحياء الثاني إما الرجعة، أو نظير لها، ففيها دلالة على وقوع الإحياء قبل القيامة بعد الموت في الجملة؟).
3- ومنها قوله تعالى: «رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ» [المؤمن : 11].
فهي حكاية عن قوم لم يصلحوا بموتهم وحياتهم مرتين فتمنوا الرجوع
ثالثاً (2)
وقد ورد في الأحاديث «أن المراد بإحدى الحياتين والموتتين الرجعة»(3).
4- ومنها قوله تعالى : «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ»[ النور: 55].
قال الشيخ الحر العاملي رحمه الله : «وقد وردت أحاديث كثيرة بتفسيرها في الرجعة على أنها نص في ذلك لا تحتمل سواها إلا أن تصرف عن ظاهرها، وتخرج عن حقيقتها، ولا ريب في وجوب الحمل على الحقيقة عند عدم القرينة، وليس هنا قرينة - كما ترى -، وقد تقدم نقل الطبرسي (رضي الله عنه) إجماع العترة علیهم السلام على تفسير هذه الآية بالرجعة. ومعلوم أن الأفعال المستقبلة الكثيرة وضمائر الجمع المتعددة ولفظ الاستخلاف، والتمكين و إبدال الخوف بالأمن... وغير ذلك من التصريحات والتلويحات لا تستقيم إلا في الرجعة؛ لأن ذلك مما لا يمكن نسبته إلى میت ، قال ، رحمه الله ، ما مضمونه : ولا معنى أيضا أن يكون ذلك لذرية الموعودين»(1).
قال الشيخ الطبرسي في تفسيره: «وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد صلی الله علیه و آله ، في أن الله تعالی سيعيد عند قيام المهدي قوما ممن تقدم موتهم من أوليائه وشیعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضا قوما من أعدائه لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته والذل والخزي بما يشاهدون من علو كلمته » .
قال: «ولا يشك عاقل في أن هذا مقدور الله تعالی غیر مستحيل في نفسه، وقد فعل الله ذلك في الأمم الخالية ، ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع، مثل قصة عزير وغيره على ما فسرناه في موضعه .
واستدل بحديث آخر روته جميع الصحاح عند أهل السنة .
فقال: «وصح عن النبي صلی الله علیه و آله قوله : سيكون في أمتي كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه»(2).
قال الشيخ الحر رحمه الله : «ولا ريب في بلوغ الأحاديث المذكورة (يعني في الرجعة) حد التواتر المعنوي». وأورد من الأحاديث الواردة في وقوع الرجعة في الأمم السابقة (60) حديثا، وفي وقوعها في الأنبياء السابقين (46) حديثا، وفي وقوعها في هذه الأمة (131) حديثا، وأورد من الأخبار الواردة بالرجعة لجماعة من الأنبياء والأئمة علیهم السلام (178) حديثا (1).
قال الحر رحمه الله : «الرابع : إجماع جميع الشيعة الإمامية، وإطباق الطائفة الاثني عشرية على اعتقاد صحة الرجعة، فلا يظهر منهم مخالف يعتد به من العلماء السابقين ولا اللاحقين، وقد علم دخول المعصوم في هذا الإجماع بورود الأحاديث المتواترة عن النبي صلی الله علیه و آله ، والأئمة علیهم السلام الدالة على اعتقادهم صحة الرجعة، حتى قد ورد ذلك عن صاحب الزمان محمد بن الحسن المهدی علیه السلام في التوقيعات الواردة عنه وغيرها، مع قلة ما ورد عنه في مثل ذلك بالنسبة إلى ما ورد عن آبائه علیهم السلام ، وممن صرح بثبوت الإجماع هنا ونقله الشيخ الجليل أمين الدين أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي» (2).
والخلاصة أن الرجعة بعث جسماني، لا يختلف عن المعاد الجسماني
الذي سيكون في القيامة الكبرى إلا في:
أولا : إن الثاني يملك لإثباته، عدا الدليل النقلي، دليلا عقليا، فإن العقل يقضي بأن التكليف يقتضي وجود الجزاء، وإن كان لا يلزم من ذلك أن يكون هذا الجزاء بالصورة المادية المألوفة في الأرض، لولا ما ورد في القرآن والسنة من وصف مادي لهذا الجزاء. أما الرجعة فأدلتها نقلية فقط كما تقدم.
ثانيا : إن الثاني مما يجمع عليه المسلمون، وإن كانت حجية الإجماع عندنا إنما ترجع إلى كشفه عما جاء به الشارع، فلا يزيد ثبوت الإجماع فيها شيئا، وقد أشرنا إلى أن عدم إيمان بعضهم بالرجعة يرجع إلى عدم الانتباه الأدلتها.
ثالثا: إن المعاد في القيامة الكبرى عام وشامل، أما في الرجعة فليس كذلك كما تقدم، وفي بعض الروايات أنها بين يدي البعث الشامل، وأنها آية من الآيات الكبرى التي تكون في عصر الإمام علیه السلام ، مصداقا لما ورد في الحديث عن الأئمة من آبائه علیهم السلام من أنه «النذر الأكبر» وأنه «القيامة الصغرى». ويمكن أن نضمها إلى الآيات التي سقنا بعضها في بحث : كيف سينتصر؟
والخلاصة التي انتهينا إليها من مقدمة الكتاب ، وفصول هذا الجزء
الخمسة، وبحوثه الخمسة عشر، أن دعوى البابية والمهدوية، المناقضة في مفاهيمها ومسالكها للإسلام، إنما صدرت عن الأوساط الغنوصية، وعلى القواعد والتنظيرات نفسها، وبالوسائل التي ذكرناها لا فرق بين الأول والآخر منهم.. وبأدلة مجملة ومفصلة من داخلهم وخارجهم، لا تقبل المناقشة ، ستقرأها في الجزء الثاني من هذا الكتاب وعن كل فئة منهم.
وإنه لا بد في التصدي للرد عليهم - بصورة علمية - من أمرين:
أولهما : دراسة الأسس النظرية ، الفلسفية والدينية ، لهذه الفئات متصلة بوسائلها، وتطبيقاتها الواقعية والتاريخية، ومقارنة بالعقيدة والتشريع٫ الإسلاميين لمعرفة استقلالها عنهما ومفارقتها لهما
وهذا ما سيتكفل به أيضا الجزء الثاني من هذا الكتاب بالقدر الذي نراه
كافياً لإيضاح هذه الحقيقة ؛ خاصة لغموضها لدى بعضهم.
ثانيهما: بتشخيص الإمام المهدي المنتظر علیه السلام وظهوره ورسالته التي هي رسالة الإسلام نفسه تشخيصا دقيقا وحاسما بصورة يصبح فيها أساسا لنفى هذه الدعاوى المخالفة، وهو ما تكفل به هذا الجزء الذي بين أيدينا بما خلصت إليه بحوثه من النتائج، وهي كما يلي:
الأولى : إن ظهور الإمام المهدي المنتظر علیه السلام من أهل البيت (ومن ذرية علي وفاطمة عليهم السلام ) عقيدة إسلامية لا شيعية فقط.
الثانية: إنه من ذرية الحسين السبط لا من ذرية الحسن السبط علیه السلام ؛ لضعف الروايات الثلاث التي استند إليها هذا الرأي إسناداً، ومعارضتها بروایات متواترة تنسبه للحسين علیه السلام .
وإن دعاة محمد بن عبدالله الحسني، المعروف بالنفس الزكية ، هم من يتهم بوضعها، شأن القول بأنه من ولد العباس الذي وضعه دعاة محمد بن عبدالله المهدي العباسي.
الثالثة : إنه كذلك لا أساس للقول بأن أباه عبدالله ، وإنما جاء ذلك من إضافة عبارة «واسم أبيه اسم أبي» للحديث الوارد عن رسول الله صلی الله علیه و آله في شأنه والذي يقول فيه: «اسمه اسمي»، وإن هذه الإضافة جاءت في طريق واحد للحديث مقابل (34) طريقاً خالياً منها، مضافا لمعارضتها بأحاديث متواترة عن أهل البيت علیهم السلام.
الرابعة: إن الأدلة التي ذكرت، في البحوث الثلاثة من الفصل الأول، والبحوث الثلاثة من الفصل الثاني، تثبت بالنص، أو بالملازمة البينة بالمعنى الأخص، أنه الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت علیهم السلام ، وبذلك تضاف إلى الأدلة التي نفينا بها ما ورد في : ثانياً وثالثاً من القول بأنه من ذرية الحسن السبط علیه السلام وبأن أباه عبدالله ، وتشخص الإمام المهدي المنتظر بمحمد بن الحسن العسكري علیه السلام المولود في 15 شعبان سنة 255 ه-.
الخامسة : إن إخفاء ولادته أوجبته ظروف موضوعية تتصل بحمايته من
جعفر الكذاب من جهة ومن السلطة الحاكمة من جهة أخرى.
وإن الإخفاء كان نسبيا وليس كما شاء بعضهم أن يصوره جهلا أو تلبيساً، فقد شهده عند الولادة وبعدها عدد كبير من شيعة أهل البیت علیهم السلام ، ومثل ذلك كان أمر غيبته الصغرى فقد كانت نسبية أيضا، وقد أحصى بعض الأعلام عدد من تشرف برؤيته فكانوا ثلاثمئة وأربعة أشخاص، وقد شهده أكثر من أربعين منهم - وفيهم كبار العلماء وثقاتهم - في مجلس واحد في حياة أبيه الحسن علیه السلام ، ونص عليه في حضورهم جميعا بالإمامة بعده ، وأنذرهم بغيبته وأنه المهدي المنتظر علیه السلام .
وشهده بعضهم في مناسبات فردية أخرى في حياة أبيه الإمام الحسن علیه السلام وبعدها، وشهد البرهان على إمامته بما صدر على يديه من معجز .
السادسة: إن الإشكال بطفولته لدى وفاة والده علیه السلام يرد عليه بما
يأتي:
أولا : بما ذكره القرآن الكريم من شأن عيسی ويحيى علیهما السلام.
ثانيا :بإمامة أبويه الجواد والهادي علیهما السلام ، فقد كانا في سن يقارب سن الإمام علیه السلام ظاهرين للناس معرضين للأسئلة ، بل لقد حاولت السلطة إحراجهما بالاختبار فكانا آية مدهشة.
ثالثا: ثم بإمامته الواقعية التي خضع لها كبار العلماء، وفيهم النواب الأربعة مدی (68) عاما.
رابعا: وبما سجله العلماء المعاصرون من وجود أمثلة كثيرة للنبوغ الفائق من جهة أو أخرى لأطفال في مثل سنه علیه السلام .
السابعة: إن تشخيصه اسما وأبا وموقعا في سلسلة الأئمة الاثني عشر من أهل البیت علیهم السلام ، وخفاء ولادته، وغيبتية الصغرى والكبرى تقدم التبشير والإنذار بها من قبل الرسول صلی الله علیه و آله ، والأئمة من أوصيائه علیهم السلام واحداً بعد الآخر في أحادیث متواترة سبقت مولده وغيبته، ودون بعضها في الصحف والكتب - كما قال الشيخ الصدوق رحمه الله - قبلهما بأكثر من مئتي عام.
الثامنة: إن الأحاديث التي بشرت به، وذكرته - على النحو الذي ذكرناه أعلاه في سابعا - تحدثت، في الوقت نفسه، عن ظهوره وعن علامات و آیات تسبقه وترافقه وتتأخر عنه، وأن هذه العلامات فيها ما هو خصوصیات اجتماعية، أو حضارية سكانية ، أو علمية ، أو كونية ، أو شؤون إلهية تتصل به مما لا يمكن أن تكون مجتمعة لغيره مطلقا.
التاسعة : أعطته هذه الأحاديث رتبة ومكانة لا يمكن تصورها إلا للرسول صلی الله علیه و آله أو لأحد أوصيائه علیهم السلام الذين هم امتداده وخلفاؤه بالمعنی الأخص، وحسبك منها صلاة المسيح علیه السلام خلفه .
العاشرة: إن انتصار الإمام المهدي المنتظر علیه السلام الذي يتساءل بعضهم عن كيفيته في عصر تقنيات السلاح المتطورة، والدول الكبری، سيكون بما يرجع من الأسباب إلى خصوصية العصر الذي كانت الغيبة الكبرى أصلا لانتظاره، عقلية كانت أو علمية أو تجارب تأريخية أو واقعا، يطلب بطبيعته المصلح من جهة أو أخرى، وبما يعطي الله سبحانه وتعالى الإمام علیه السلام في عصر الظهور من إمكانات خاصة و آیات معينة تظل أعناقهم لها خاضعة .
الحادية عشرة: إن دور الإمام المهدي المنتظر علیه السلام هو الدعوة إلى الإسلام - كما أنزل - مجرداً عن الاجتهادات والخلافات المذهبية وعن الأحكام الظاهرية الظنية، وتوحيد العالم على أساسه، وأن ذلك هو معنی الأمر الجديد الذي يأتي به لا نسخ الرسالة الإسلامية كما يشاء المبتدعون من أدعياء البابية والمهدوية أن يقولوا... وذلك للأدلة التالية :
أولا : للثابت من أن الإسلام هو الشريعة الخاتمة التي حلالها حلال إلى يوم
القيامة وحرامها حرام إلى يوم القيامة .
ثانيا : لأن نسخها يناقض موقع الإمام علیه السلام بوصفه وصيا للرسول صلی الله علیه و آله وامتدادا له.
ثالثا: إن ذلك ما تثبته الروايات المتواترة عما سيفعله الإمام علیه السلام ويقوم به
لدى الظهور.
الثانية عشرة: إن عصر الإمام علیه السلام متصل بالساعة أو القيامة الكبرى بكل ما ذكر لها من علامات، وأنها ستكون - كما ورد في الأحاديث - مبتدئة في عصره بالبعث الجزئي المسمى بالرجعة، ثم بعد رحيله علیه السلام بأربعين يوما تقوم القيامة الكبرى...
ولا مجال . مع كل هذه النقاط - إلى أن يشتبه علیه السلام بغيره من أية جهة، وبذلك يكون كل ما تقدم في هذا الكتاب بفصوله الخمسة وبحوثه الخمسة عشر التي شخصت الإمام ذاتا وموقعاً وغيبة صغرى وكبرى وعلامات و آیات تحف ظهوره - أساسا - كما شئنا له - في النفي والإثبات في محاكمة ما يجيء به أدعياء البابية والمهدوية، وهو المقصود...
والحمد لله رب العالمين أولا وآخراً
والصلاة والسلام على خاتم رسله وآله الطيبين الطاهرين
وعلى صحابته المخلصين ...
1- مناقشة ابن خلدون في نسبة القول بالإمام المنتظر علیه السلام للمتأخرين من الصوفية . ص 47.
2- حديث الثقلين تواتره ودلالته على عدم خلو الأرض من إمام حجة من أهل البیت علیهم السلام ص 70.
3- مناقشة الفخر الرازي في أن إكمال الدين بالولاية في الغدير يعني أن النبي صلی الله علیه و آله كان يعبد الله في دين ناقص. ص 75 - 76.
4 - الاستدلال على الاصطفاء النسبي العام للبيوت النبوية ثم الاصطفاء الخاص والأخص. ص 70 - 71، 77.
5- الاصطفاء الأخص ليس اعتباطا وإنما يتصل برتبة وجودهم الروحي المتقدم مبدأ و معادة . ص 123.
6-مناقشة : استغراب البعض من انحراف أبناء الأئمة علیه السلام ومعصيتهم،
کجعفر الكذاب وغيره، بما ورد في القرآن من أبناء الأنبياء وإخوتهم .ص 128.
7- صفة الإمام المهدي المنتظر علیه السلام من الناحية الشكلية والبدنية . ص 133 .
8- حول أن تحریم ذكر اسمه علیه السلام لا يتناول ما وراء الغيبة الصغرى . ص 152.
9- حول معنی عبارة (فنحن صنائع ربنا والخلق بعد صنائعنا) وعلاقتها برتبتهم الروحية مبدأ و معادا کوسائط عرضية مخلوقة للإفاضة ، كما يعبرون بحكم أن الكائن لا يكون إلا بالأكوان وهم لا شيء إزاء خالقهم لعدم إمكان الاستقلال، أدلتها من الروايات المتواترة وآراء الفلاسفة وأهل العرفان. ص 154 - 155.
10 - مناقشة بعض الأساتذة في استنكار أن يصدر عن نبي أو إمام کلام فيه ما يبدو بذاءة باختلاف الدافع ولمعرفة الحق في خصومته مع الباطل والاستشهاد بالقرآن في قوله تعالی : «عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ». ص 156.
11 - الرد على الغلاة، لعنهم الله ، في قولهم في الإمامين : علي والحسین علیه السلام بأنهما لم يقتلا : خاطا بين الحياة البدنية والروحية، وكون ذلك، كما ورد عن الإمام علیه السلام ، كفرا وتكذيبا وضلالا . ص 164.
12 - تجلية معنى «أن الإمام المنتظر علیه السلام في غيبته كالشمس حين يغطيها السحاب». ص 165.
13 - تجلية معنى «أنه أمان لأهل الأرض» من خلال المثل السابق. ص 165.
14 - بيان أن المنفي من علم الغيب بالنسبة للبشر بما فيهم الرسل والأئمة علیهم السلام هو علم الغيب الذاتي أو بالذات لا ما هو بقدرة موهوبة منه سبحانه للذات أو بتعليم، ثم إن مفهوم الغيب نسبي. ص 174.
15 - وفاة الشيخ محمد بن يعقوب الكليني في العام نفسه الذي توفي فيه الشيخ السمري سنة 328، ولفت النظر من خلال ذلك إلى معاصرة الشيخ، رحمه الله ، للنواب بحيث يكونون واسطة بينه وبين إمام العصر علیه السلام . ص 178.
16 - حول كون السببية مجعولة من قبل الله ، وأن لا فرق بهذا الاعتبار في أن
تكون - إذا شاء سبحانه - كلمة أو نية أو عملا فكريا أو جوارحيا، أو تكون مادية كيمياوية وفيزياوية وبايولوجية. وبناء على ذلك فإن الدعاءمن الأسباب المجعولة لتغيير الأقدار تکويناً. ص 255 - 2056.
17 - لقاء العلم في عصرنا مع الركائز الأساسية للدين نفي أزلية العالم والمادة، وتأخر الثانية بمراحل عن وجود الأول.
ضالة المادة نسبة للطاقة. فناء المادة حتى البروتونات.
نفي الصدفة. لا نهائية القوة الموجودة والمتصرفة والمميتة .
السعة التي تبدو لا نهاية للعالم.
كون الفروق نسبية من أصل واحد. الإمكانات الروحية . وجود العالم الآخر. انتهاء الغرور والاعتراف بالجهل. ص 264 - 266.
18 - استنكار البعض أن يوحى لأهل البیت علیهم السلام ، والرد عليهم بالفرق بين وحي النبوة بمعناها الاصطلاحي وغيره والرد على المنکر قرآنا وواقعا. ص 298.
19 - إنكار أن يعطى الإمام المنتظر علیه السلام الإمكانات المذكورة في علائم
الظهور، والرد عليهم بما ذكر القرآن من معاجز الأنبياء علیهم السلام. ص 269.
20- عدم منافاة القول بأن الإمام المنتظر علیه السلام يأتي بالعلم كله، ولم يأت الأنبياء قبله بذلك، مع كونه وصياً وامتدادا للنبي، بيان أن الإتيان يعني الإظهار الذي لم يتأهل له عصر الرسول صلی الله علیه و آله والأئمة رغم وجوده لديهم وتأهل عصر الإمام علیه السلام بحكم المرحلة، فهو لا يعني تفضيل الإمام علیه السلام وإنما تفضيل مرحلته في الظهور وعصره. ص 269.
21 - الرد على ادعاء غياب الإمام علیه السلام في السرداب ومكثه فيه وأن ذلك هراء لا أصل له، وبيان أن زيارة الشيعة للسرداب تبركا، ودعاءهم له بالفرج لا يعني شيئا من ذلك. ص 195.
22 - اعتراف علماء معاصرين بأن قمة ما وصلوا إليه من العلم أنهم لا يعلمون
إلا قليلا إزاء لعالم المنظور، فضلا عن غير المنظور، وربط ذلك بالحاجة إلى الإمام علیه السلام ص 198 - 199.
23 - معنى البداء الذي يقول به الأئمة من أهل البيت علیهم السلام ، وعدم علاقته
بالفهم السطحي الذي تعطيه الكلمة - كغيرها من الكلمات الأخرى كغضب ورضى، واستوى حين تطلق على الفعل الإنساني، وبيان أن لغتنا لا تصلح للتعبير المباشر وبمعناها الحقيقي عن أفعال الله فضلا عن صفاته وذاته ؛ لذلك لا بد من التأويل والتجویز، والبداء لا يعني به إلا النتائج السلبية والإيجابية التي تعطيها العلاقة بين الأسباب مقتضیات وشروطا وموانع، وهي معلومة ومرادة لله بداء ، فلا يستلزم التجهيل ولا الندامة . ص 201.
24 - المقصود بالعام والخاص في حديث أهل البيت والظاهر والباطن وعدم علاقته بما يعطيه أدعياء المهدوية والبابية لينفوا به الشريعة . ص 202 - 203.
25 - قصة الجزيرة الخضراء موضوعة للحديث عن آراء صاحبها من خلالها شأن ما يفعل المعاصرون من القصاص، وصاحبها حشوي يؤمن بتحريف القرآن . ص 209.
26 - التوقيع الصادر بتكذيب مدعي الرؤية وافترائه في أعلى درجات الصحة . ص 211.
27 - الموت الإرادي أو خلع البدن بالإرادة . ص 213.
28 - ما يراه اليهود والمسيحيون لدى الدعاء والاضطرار باسم عیسی
و موسی علیه السلام . ص 214.
29 - بعض الرؤى والمخاطبات حالات هلوسة . ص 216.
30 - تسجيل علماء الروحية تجسدات وتصويرها. ص 218.
31 - عدم علاقة بعض الأفعال والظواهر الروحية بقداسة الذات وقربها من الله
تعالی. ص 221.
32 - معنى الأقطاب والأوتاد والأبدال والنقباء والأساس فيها، وعدم وجود أصل لبعضها في الأخبار إلا لدى الإسماعيلية والصوفية، والكفعمي أوردها بلفظ : وقيل . ص 225. 33 - حديث حول (اللاجبر واللاتفویض) ببيان أن كل مخلوق ذي حياة وقدرةوعلم غير قابل للجبر إلا بسلبه هذه الصفات. ولأنه كمخلوق ممنوح الوجود والصفات، فإنها يمكن أن تسلب منه، ولذلك فلا تفويض .
وللاثار الوضعية التي يعطيها الفعل أيضا. ص 231.
34 - معنی الغنوصية، أو المسالك العرفانية كخط مواز للأديان، قدمه التاريخي، استخدام أهله السحر والشعوذة والظواهر الروحية . ص 282. انظر ص 9.
35 - تواتر الحديث بعدم نسخ شريعة محمد صلی الله علیه و آله إلى يوم القيامة ، وأن ما يخالف الكتاب زخرف، والحكم بالارتداد وإباحة دم من استحل ما حرم الله أو بالعکس. ص 283.
36 - بان أن القول بنسخ المهدي المنتظر لشريعة رسول الله محمد صلی الله علیه و آله ، وأن الغاية تصبح مقدمة والامتداد أصلا . ص 283.
37 - تأخر بحث الرجعة وجعله مستقلا إيثاراً لعرض الآراء الثلاثة فيه مع
بعضها بدلا من تقسيمها لو قدمناها . ص 308.
ملاحظة
رغم أني حرصت أن أرجع إلى المصادر والمراجع بصورة مباشرة للتحقق من النصوص والأفكار المشار إليها حول أي موضوع، فقد فاتني البعض اليسير منها؛ إما لعدم وقوعها تحت يدي لقدم طبعتها، أو بسبب ظروف الكتابة في الموضوع، أو لما يتطلبه اختلاف الطبعات من جهد مضاف لا أملکه وقتها، ولذلك اعتمدت في ذلك . وبصورة محدودة جدا - على النقل بالواسطة، وأثبت المصدر في الهامش وفي ثبت المصادر كما ذكروه ، ولم أفعل ذلك إلا في من أعرف تحقیق مؤلفيها وضبطهم، كالسيد شرف الدين في المراجعات، والشيخ الأميني في الغدير ، والسيد الفيروزآبادي في فضائل الخمسة من الصحاح الستة ، والشيخ مهیب صالح البوريني في مقدمته وتخريجه لكتاب عقد الدرر للسلمي، والشيخ جاسم محمد مهلهل الياسين في تحقيقه وتخريجه لكتاب البرهان للمتقي الهندي، والشيخ لطف الله الصافي في منتخب الأثر... مشيراً إلى كل مصدر رجعت إليه بالواسطة في الفهرس بحرف (ب)، على أن أكثر ما حدث فيه ذلك هو الفصل الأول؛ البحثان : الأول والثالث.
على أني ذكرت بعض المصادر في هذا الفهرس ولم أثبتها في الهوامش ، كتلك التي رجعت إليها للتحقيق في ضبط اسم شخص أو مولده أو وفاته، أو اتخذتها دليلا للآيات أو الأحاديث أو للمصادر الأصلية في الموضوع.
1- القرآن الكريم.
2 - المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، عبد الباقي (محمد فؤاد).
3- الاحتجاج، لأبي منصور الطبرسي (أحمد بن علي بن أبي طالب)، من علماء القرن الخامس الهجري، مؤسسة النعمان - بيروت.
4 - الإرشاد، للشيخ المفيد (أبي عبدالله محمد بن محمد النعمان)، ت 413، المطبعة الحيدرية ، 1392ه - 1963م.
5- أسباب النزول، لأبي الحسن الوحداني (علي بن أحمد)، ت 468ه، دار ومكتبة الهلال - بيروت.
6- أسد الغابة في معرفة الصحابة، لابن الأثير (عز الدين أبي الحسن علیه السلام بن أبي الكرم محمد بن محمد الشيباني)، ت 630 ه، نشر المكتبة الإسلامية،
لصاحبها رياض الشيخ علی، طبعة جمعية دائرة المعارف العثمانية .
7 - الإسراء، للطائي الأندلسي (محيي الدين أبي عبدالله محمد بن علي بن
عمر)، ت 638، ضمن رسائل ابن عربي، دار إحياء التراث العربي - بیروت .
8- إسعاف الراغبين، للشيخ الصبان (محمد علی)، ت1206 ، المطبوعة
بهامش نور الأبصار للشبلنجي، مطبعة مصطفى الحلبي وأولاده ، 1367 ه-.
9 - الأصول العامة للفقه المقارن، للسيد الحكيم (محمد تقي السيد سعيد)،
دار الأندلس - بیروت، ط1، 1963م.
10 - أصول الكافي، للكليني الرازي (الشيخ أبي جعفر محمد بن يعقوب)، ت328، دار الكتب الإسلامية - طهران، ط3، 1388.
11 - الاعلام (قاموس تراجم)، للزركلي (خير الدين)، دار العلم للملايين، ط4، 1979م.
12 - أعلام الوری، للطبرسي (الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن)، ت 548، المطبعة الحيدرية - النجف .
13 - الإمام علی علیه السلام : الشاهد التالي للرسالة (في نظرية الإمامة)، طبقا
لمنهجي الاتساق النظري، والتطابق الموضوعي، البكاء (عدنان علي)، مخطوط.
14 - الإنسان ذلك المجهول، للدكتور كارل (الكسيس)، ت 1944م، تعريب شفيق أسعد، مكتبة المعارف ۔ بیروت، ط3، 1984م.
15 - إيقاظ الهجعة في البرهان على الرجعة، للشيخ الحر العاملي (محمد بن
الحسن)، ت 1109، المطبعة العلمية - قم، 1381 ه-.
16 - البابيون والبهائيون في حاضرهم وماضيهم، للسيد الحسني (عبد الرزاق)، دار الحرية - بغداد، ط5، 1984م.
17 - الباراسایکولوجيا (ظواهر وتفسيرات)، الموصلي (سامي أحمد)، ط1، دار الحرية - بغداد .
18 - الباراسایکولوجيا سر من أسرار الدولة ، كرایس (هنري) وديك (وليم)، مترجم سلسلة الباراسايكولوجي رقم (4)، وزارة الثقافة والإعلام العراقية .
19 - بحار الأنوار، المجلسي (الشيخ محمد باقر)، ت 1111ه، دار الكتب الإسلامية - طهران.
20 - البرهان على وجود صاحب الزمان، للسيد الأمين(محسن السيد عبد الكريم)، ت1371ه، المطبعة الوطنية - الشام، 1333 ه-.
21 - البرهان في تفسير القرآن، السيد البحراني (هاشم سليمان)، ت 1109ه، ط 2، طهران.
22 - البرهان في علامات مهدي آخر الزمان، المتقي الهندي الحنفي (الشيخ
علي بن حسام)، ت بعد 952 ه، تحقیق جاسم محمد مهلهل الياسين ، السعودية ، شركة ذات السلاسل، ط 1988م.
23 - بصائر الدرجات، للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن بن فروخ)، ت 290، مکتبة جاب کتاب، 1380.
24 - البيان في أخبار صاحب الزمان ، المطبوع مع كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب علیه السلام ، للشيخ القرشي الكنجي الشافعي (أبي عبدالله محمد بن يوسف بن محمد)، ت658ه، تحقيق محمد هادي الأميني، المطبعة الحيدرية - النجف، ط 2، 1390 ه . 1970م.
20 - البيان في تفسير القرآن، للسيد الخوئي (أبي القاسم)، ط3، مؤسسة
الأعلمي، 1944م.
26 - البيانات، للشيخ المودودي (أبي الأعلى)، نقلا عن(في انتظار الإمام،
د. الفضلي (عبد الهادي))، دار الأندلس.
27 - تأريخ بغداد، للشيخ الخطيب (أبي بكر أحمد بن علي)، ت 463 ه-.
28 - تأريخ الغيبة الصغرى، للسيد الصدر (محمد)، دار التعارف - بيروت .
29 - تذكرة الحفاظ، للذهبي (أبي عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان)، ت748، ط. حيدر أباد، (ب).
30 - تذكرة الخواص، لسبط ابن الجوزي (الشيخ يوسف بن فرغلي البغدادي الحنفي)، ت 654ه، المطبعة الحيدرية - النجف، 1383 ه-. 1964م.
31 - ترجمة الإمام علیه السلام بن أبي طالب من تاريخ دمشق، للحافظ ابن عساکر (أبي القاسم علي بن الحسن الشافعي)، ت573، طبعة مستقلة بتحقيق
الشيخ محمد باقر المحمودي، دار التعارف - بیروت، 1975م.
32 - تقريب التهذيب، للحافظ العسقلاني (شهاب الدين أبي الفضل)، ت852ه، (ب). 33 - تهذيب الآثار، لابن جرير الطبري (أبي جعفر محمد)، ت310، (ب).
34 - تهذیب الأحکام، للطوسي (أبي جعفر محمد بن الحسن)، ت460ه، مطبعة النعمان، ط 2، 1378 ه-. 1959م.
35 - تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني (شهاب الدين أحمد بن علي)،ت 852ه، (ب).
36 - جامع البيان عن تأويل القرآن، للطبري (أبي جعفر محمد بن جریر)، ت310، دار الفكر - بيروت.
37 - الجامع الصغير (مع مختصر شرح المناوي)، للشيخ السيوطي (عبد الرحمن جلال الدین)، ت 911ه، دار إحياء الكتب الإسلامية - مصر .
38 - الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي (أبي عبدالله محمد بن أحمد)، (ب).
39 - جنة الأمان الواقية (المعروف بالمصباح)، للكفعمي (الشيخ تقي الدين إبراهيم بن علي)، ت 900ه، مؤسسة الأعلمي - بيروت.
40 - جنة المأوى في من رأى الإمام علیه السلام أو معجزته في الغيبة الكبرى،
للنوري (الميرزا حسین)، ت 1320ه، مطبوع مع الجزء (53) من بحار الأنوار، دار الكتب الإسلامية - طهران.
41 - حق اليقين، للسيد شبر (عبدالله)، ت1242ه، المطبعة الحيدرية ، ط2، 1375 ه-. 1956م.
42 - الحقائق المطبوعة مع قرة العيون ومصباح الأنظار، للشيخ الكاشاني (محمد مرتضى المدعو بالمولی محسن)، ت 1091ه، ط. دار الكتب الإسلامية - طهران، 1378 ه-.
43 - حلية الأولياء، للأصفهاني (أبي نعيم أحمد بن عبدالله)، ط3، 1980م، دار الكتاب العربي - بيروت.
44 - خوارق الإبداع، الدكتورة قرة كله (شفيقة)، مترجم وزارة الثقافة والإعلام العراقية، سلسلة الباراسايكولوجي، ط1.
45 - الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي (عبد الرحمان جلال الدين)، ت911ه، دار الفكر - بيروت.
46 - الدر المنظوم وخلاصة السر المكتوم، الكشناوي المغلانی (محمد)، ت1153، مطبعة مصطفى الحلبي وأولاده بمصر، آخر طبعة 1381 ه-_1961م.
47 - الدراية في علم مصطلح الحديث، الشهيد الثاني (زين الدين العاملي)، ت 966، نشر جعفر آل إبراهيم، ط1، مطبعة النعمان - النجف .
48 - الدعاء : دلالة وآثاراً و مضامین معرفية، البكاء (عدنان)، مخطوط .
49 - دليل المتحيرين في بيان الناجين، محسن (علي)، دار الصفوة -بيروت .
50 - ذخائر العقبي في مناقب ذوي القربی، الطبري (محب الدين أحمد بن
عبدالله)، ت694، نشر دار التربية ، مطبعة القادسية - بغداد، 19846م.
51 - رجال السيد بحر العلوم (المعروف بالفوائد الرجالية)، ت1212ه، تحقيق السيد محمد صادق والسيد حسين بحر العلوم، ط1، 1385 ه-.
52 - رجال الطوسی، المذكور رقم (34)، تحقيق محمد صادق بحر العلوم، المطبعة الحيدرية ، 1381 ه-. 1961م.
53 - رجال الكشي، للكشي (أبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز)، من علماء القرن الرابع الهجري، مؤسسة الأعلمی، مطبعة الآداب - النجف .
54 - الرسالة القشيرية في علم التصوف، للقشيري (أبي القاسم عبد الكريم
ابن هوازن)، ت 465، ط. دار التربية - بغداد.
55 - الروحية عند ابن عربي، الدكتور راضي (علي عبد الجليل)، نشر مكتبة النهضة المصرية - القاهرة، 1975م.
56 - سفينة البحار، الشيخ القمي (عباس)، ت1359 ه، (ب).
57 ۔ سنن ابن ماجة ، القزويني (محمد بن یزید)، ت 273، تحقیق محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه - مصر .
58 ۔ سنن أبي داود، السجستاني (سليمان بن الأشعث)، ت 275، تحقیق
محمد بحر الدين عبد الحميد، دار إحياء التراث العربی.
59 ۔ سنن البيهقي، للبيهقي (أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي)، ت 458 ه، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر أباد رکن، 1344 ه-.
60 - سنن الترمذي، الترمذي (محمد بن عیسی)، ت 209، ط 2، 1978م، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده - مصر .
61 - سنن الدارمي، للدارمي (أبي محمد عبدالله بن عبد الرحمن)، ت255، مطبعة الاعتدال - دمشق، 1929م.
62 - سنن النسائي، ابن شعيب (أحمد)، ت 303، دار إحياء التراث العربي .
63 - سيرة الأئمة الاثني عشر، الحسني (هاشم معروف)، دار القلم - بيروت.
64 - شبهات حول نهج البلاغة، البكاء (عدنان)، نشر بعضه في حلقات في مجلة النجف ، كلية الفقه ، السنة 1963م، العدد الثالث وما بعده .
65 - شرح الأصول والروضة، للمولى المازندراني (محمد صالح)، ت 1108ه، المكتبة الإسلامية - طهران، 1382 ه-.
66 - شرح صحیح مسلم، للدمشقي الشافعي (أبي الحسين محيي الدين بن
شرف)، ت677 ه، دار الفكر - بيروت ، ط 2، 1972م.
67 - شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد (عز الدين أبي حامد هبة الله بن محمد)، (ت 655 ، وقيل 656ه)، تحقيق محمد أبي الفضل إبراهيم، ط 2، 1985م، دار إحياء الكتب العربية ، عيسى البابي الحلبي وشركاه - مصر .
68 - شرح نهج البلاغة، للشيخ عبده (محمد)، ت 1323ه، مطبعة الاستقامة - مصر.
69 - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، للحاكم الحسكاني (عبد الله بن عبدالله ابن أحمد)، من علماء القرن الخامس، تحقیق محمد باقر المحمودي، مؤسسة الأعلمي، ط1، 1974م.
70 - صحيح ابن ماجة، الألباني (محمد ناصر)، مكتب التربية لدول الخليج العربي، ط1، 1986م.
71 - صحيح البخاري، لأبي عبدالله محمد بنإسماعيل، ت256ه، بحاشية السندي، دار الفكر - بیروت، بغداد.
72 - صحيح الترمذي، الألباني (محمد ناصر)، مكتب التربية لدول الخليج العربي، ط1، 1408ه۔ 1987م.
73 ۔ صحیح مسلم، لابن الحجاج القشيري النيسابوري (أبي مسلم)، ت261ه، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث - القاهرة، مطبعة دار إحياء الكتب العربية
74 - الصحيفة السجادية، مجموعة الأدعية المروية عن الإمام علیه السلام بن الحسین زین العابدین علیه السلام ، ت 95 ه، ط. دار التربية - بغداد .
75 - الصلة بين التصوف والتشيع، د. الشيبي (کامل)، دار المعارف - مصر ، ط 2، 1969م.
76 - الصواعق المحرقة، للهيتمي (أحمد بن حجر)، ت974، شركة الطباعة الفنية المتحدة - القاهرة، ط 2، 1385 ه - 1965م.
77 - عقائد الإمامية ، للشيخ المظفر (محمد رضا)، ت 1383 ه . 1964م، نشر مكتبة الأمين، مطبعة النعمان، 1388 ه . 1968م.
78 - عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر، للشيخ المقدسي السلمي الشافعي
(یوسف بن يحيی)، ت 685 ه، نشر مكتبة المنار - الأردن، ط1،1985م.
79 - على أطلال العالم المادي، وجدي (محمد فريد)، مطبعة دائرة معارف القرن العشرين، ط1.
80 - علي بن أبي طالب إمام العارفين، للشيخ الغمازي (أحمد بن الصديق)،ت1960م، مطبعة السعادة - مصر، ط1، 1389 ه - 1969م.
81- علي في التزام الحق، للشيخ ضیاء الدین زین الدین، ط 1.
82 - العودة إلى الإيمان، الدكتور لنك (هنري)، تعریب د. عكاشة (ثروت)، دار المعارف - مصر.
83 - العودة إلى التجد، جودو (عبد العزیز)، مطبعة الوادي - مصر ، الاسكندرية .
84 - الغدير في الكتاب والسنة والأدب، الشيخ الأميني (عبد الحسين)، بیروت، 1383 ه . 1967م.
85 - الغيبة ، لابن أبي زينب (أبي عبدالله محمد بن إبراهيم بن جعفر)، تلميذ
الكليني وكاتبه ، من علماء القرن الثالث، مكتبة الصابري.
86 - الغيبة ، للطوسي (أبي جعفر محمد بن الحسن)، ت460ه، نشر مكتبة الصادق علیه السلام - النجف، مطبعة النعمان، 1385ه-.
87 - غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية ، للرندي (أبي عبدالله محمد بن إبراهيم بن عباد)، ت 792، مطبعة السعادة - مصر .
88 - فتح الباري في شرح البخاري (المقدمة)، لابن حجر العسقلاني (شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي)، ت852، المطبعة السلفية ومكتبتها بمصر .
89 - فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم علی علیه السلام ، للشيخ الغماري (أحمد بن الصديق)، 1960م، طبع مع كتابه «علي إمام العارفين» في مطبعة السعادة بمصر، 1969م.
90 - الفتوحات المكية، لابن عربي الطائي الأندلسي (محيي الدين أبي عبدالله
محمد بن علي)، ت 638، دار صادر .
91 - فرائد السمطين، للشيخ الجويني الشافعي (إبراهيم بن محمد)، ت 720، مؤسسة المحمودي - بيروت، ط1، 1978م.
92 - فصوص الحکم، لابن عربي المذكور في الرقم (90)، تعليقات : الدكتور عفيفي (أبي العلا)، نشر دار الكتاب العربي - بيروت .
93 - فضائل الخمسة من الصحاح الستة، السيد الفيروزآبادي (مرتضی)، ط3، 1393 ه - 1973م، مؤسسة الأعلمي - بيروت.
94 - فقه الإمام الصادق علیه السلام ، مغنية (محمد جواد)، دار العلم للملايين،
ط1.
95 - في العقائد والأديان (الديانات المعاصرة الكبرى)، د. عبد العال (محمد جابر)، الهيئة المصرية العامة للتأليف، 1971م.
96 - القاموس المحیط، الفيروزآبادي (مجد الدين محمد بن يعقوب)، ت817ه، المكتبة التجارية الكبرى لصاحبها مصطفى محمد - مصر، ط1.
97 - القوى العظمى، ديغز (بول)، کتاب علوم المترجم رقم (6)، وزارة الثقافة والإعلام، دار الحرية للطباعة - بغداد، 1989م.
98 - الكاشف عن حقائق التنزيل، الزمخشري (جار الله محمود بن عمر)، ت 428، دار الكتاب العربي - بيروت.
99 - كمال الدين وتمام النعمة، لابن بابويه الصدوق (أبي جعفر محمد بن علي بن الحسین)، ت381ه، المطبعة الحيدرية.
100 - الكنى والألقاب، الشيخ القمي (عباس)، ت1359م، المطبعة الحيدرية - النجف ، ط3، 1389 ه-.
101 - الكون المرأة، جون ب. بریجز، کتاب علوم المترجم رقم (4)، وزارة الثقافة والإعلام، طبع الدار العربية ، ط1، 1986م.
102 - لسان العرب، لابن منظور المصري (أبي الفضل جمال الدين محمد بن کرم)، ت711ه، دار صادر - بيروت.
103 - اللمعة الدمشقية ، شرح السيد الكلانتر (محمد)، مطبعة الآداب -النجف، ط1. 104 - ما بعد الحياة، ولسن (کولن)، ترجمة د. فاضل السعدوني، مطبعة الأديب البغدادية ، 1990م.
105 - المجازات النبوية، للموسوي (أبي الحسن محمد الرضي بن الحسین)، ت 406 ه، تحقيق محمد زيني، 1997م، مؤسسة الحلبي وشركاه مطبعة النجالة. 106 - مجلة المقتطف، م5، ج3، عن انتظار الإمام، للدكتور الفضلي (عبد الهادي)، دار الأندلس، 1979م، (ب).
107 - مجمع البحرین، للشيخ الطريحي (فخر الدین)، ت 1085ه، تحقیق أحمد الحسینی، دار الثقافة - النجف، 1381 ه-.
108 - مجمع البيان، للطبرسي (الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن)، ت 548 ه، شركة المعارف الإسلامية - طهران.
109 - مجمع الزوائد، للحافظ الهيثمي (نور الدين علي بن أبي بكر)، مكتبة
القدس، 1357 ه، (ب).
110 - المراجعات، للسيد شرف الدين عبد الحسين)، دار الأندلس .
111 - مرقاة المفاتيح، للقاري (علي بن سلطان محمد)، المطبعة الميمنية - مصر ، 1309، (ب).
112 - مروج الذهب، للمسعودي (أبي الحسن علیه السلام بن الحسين بن علي)،
ت346ه، دار الأندلس - بیروت، 1965م.
113 - المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري (أبي عبدالله محمد بن
عبدالله)، ت403 ه، دار الكتاب العربي - بيروت.
114 ۔ مسند أحمد بن حنبل، لابن حنبل الشيباني (أبي عبدالله أحمد بن محمد)،
ت 241ه، المطبعة الميمنية بمصر، 1313، دار الفكر - بيروت.
115 - مصابيح الجنان، الحسيني الكاشاني (عباس)، ط. دار الكتب العلمية - النجف، ط11.
116 - مع الدكتور أحمد أمين في المهدي والمهدوية، للشيخ زين الدين (محمد أمين)، النجف، ط1، 1952م.
117 - معجم رجال الحدیث، للسيد الخوئي (أبي القاسم)، ط1، مطبعة الآداب - النجف.
118 - المعجم الكبير، للطبراني (أبي القاسم سليمان بن أحمد)، ت 360، تحقیق وتخریج حمدي السلفي، ط 2، مطبعة الزهراء بالموصل، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية .
119 - المغني في الضعفاء، للذهبي المذكور في الرقم (29)، إحياء التراث العربي - بيروت، (ب).
120 - مفاتیح الجنان، للشيخ القمي (عباس)، ط. الكويت.
121 - مفاتیح الغیب، المعروف بالتفسير الكبير، لفخر الدين الرازي (محمد)، ت 606 ه، المطبعة البهية المصرية بميدان الأزهر - مصر .
122 - مقاتل الطالبيين، لأبي الفرج المرواني الأموي (علي بن الحسين بن محمد)، ت 356ه، المطبعة الحيدرية، 1385 ه . 1965م.
123 - مقتل الحسين، للخوارزمي (موفق بن أحمد)، ت 568، مطبعة الزهراء - النجف، 1948م.
124 - مقدمة ابن خلدون، لابن خلدون (أبي زيد عبد الرحمان بن محمد)، ت 808ه، دار الفكر - بيروت.
125 - مقدمة الشيخ البوريني (مهيب بن صالح) لكتاب عقد الدرر المذكور في رقم (78)، الشيخ مهیب بن صالح، والذي تقدم بتحقيقه وتخريجه کرسالة للحصول على الماجستير من جامعة الإمام محمد بن سعود تحت إشراف الشيخ د. أبي غدة (عبد الفتاح)، ط. دار المنار - الأردن، 1985م.
126 - الملاحم والفتن، لابن طاووس الحسني (رضي الدين أبي القاسم علي ابن موسی بن جعفر بن محمد)، ت 664 ه، ط3، المطبعة الحيدرية .
127 - من هدي النبي والعترة في تهذيب النفس وآداب العشرة، البهادلي (أحمد كاظم)، شركة اب للطباعة الفنية المحدودة - بغداد، ط1، 1414ه۔ 1994م.
128 ۔ مناقب آل أبي طالب علیه السلام ، لابن شهر آشوب السروي المازندراني (أبي جعفر رشید الدین محمد بن علي)، ت 588 ه، المطبعة العلمية بقم - إيران.
129 - مناقب الإمام علیه السلام بن أبي طالب علیه السلام ، لابن المغازي (أبي الحسن علی بن محمد الواسطي الجلالي الشافعي)، ت 483، المكتبة الإسلامية - طهران.
130 - منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، الصافي (لطف الله)، مطبعة (بوذر جمهوري مصطفوي)، 1373 ه-.
131 - منهاج السنة النبوية، أحمد بن عبد الحليم بن عبدالله بن أبي القاسم تلميذ الحنبلي، ت 728ه، (ب).
132 - الموسوعة العربية الميسرة، بإشراف محمد شفيق غربال، دار القلم، مؤسسة فرانكلين - مصر .
133-میادین علم النفس النظرية والتطبيقية، مجموعة من العلماء الغربيين ، بإشراف : ج. ب. جيلفورد، اشترك في ترجمته مجموعة من الأساتذة العرب من مصر، بإشراف الدكتور يوسف مراد، دار المعارف - مصر، مؤسسة فرانكلين - القاهرة، 1966م.
134 - میزان الاعتدال، للذهبي، المذكور في الرقم (29)، تحقیق علي محمد البجادي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، 1963م.
135 – نوائب الدهور في علائم الظهور، الطباطبائي (محمد حسن)، ط1،طهران .
136 - هل لك في الكون نقيض (لغز العالم المعكوس)، الدكتور صالح (عبدالمحسن)، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ط 2، 1970م.
137 - وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، للشيخ الحر العاملي (محمد بن الحسن)، ت 1104ه، دار إحياء التراث العربي - بیروت، 1382 ه-.
138 - ينابيع المودة ، البلخي القندوزي الحنفي (سليمان بن إبراهيم)، ت 1294، تقديم السيد محمد مهدي الخراسان، ط7، 1384 ه- المطبعة الحيدرية .
139 - الیواقیت والجواهر، للشيخ الشعراني (عبد الوهاب)، ت 973، المطبعة الأزهرية، 1307 ه، (ب).
كلمة المر کز...5
الإهداء ... 7
مقدمة ....9
الكلمة التي أصبحت كتابا ...24
منهج البحث...26
الفصل الأول : الإمام المهدی علیه السلام عقيدة إسلامية
تمهید...45
وقفة مع المشككين ...46
البحث الأول : المهدي المنتظر علیه السلام من عقائد أهل السنة ...51
من هو المهدي؟ ومتى ولد؟ ...55
الإمام المهدي من ولد الحسين علیه السلام ...64
البحث الثاني : موقع الإمام المهدی علیه السلام من الرسالة
وفي أحاديث الأئمة الاثني عشر ...74
بين يدي البحث: فی نظریة الامامة...74
الأحاديث المتصلة بشخص الإمام وإخفاء ولادته وغيبته ...81
البحث الثالث: رأي أهل الكشف يوافق الإمامية ...107
الفصل الثاني : ولادة الإمام المهدی علیه السلام وغيبته الصغرى
البحث الأول : إخفاء ولادة الإمام المهدي علیه السلام وغيبته الصغرى ...119
البحث الثاني : اضطلاعه بالإمامة طفلاً؟ ...135
البحث الثالث : نوابه ، وبعض توقيعاته ...145
النائب الأول ...147
النائب الثاني ...160
النائب الثالث...166
النائب الرابع ...175
الفصل الثالث: الغيبة الكبرى ... كيف؟ ولماذا؟ وإلى متى؟
تمهید ...183
البحث الأول : لماذا لا يكون المهدی علیه السلام رجلا آخر؟ ...184
الرسول صلی الله علیه و آله ، والأئمة علیهم السلام ينذرون بالغيبة الكبرى ... 186
طول العمر بصورة غير مألوفة ...189
البحث الثاني : ما الحكمة من ذلك؟ ...198
انقطاع صلتنا به لا يعني انقطاع صلته بنا ...205
البحث الثالث: هل يعني ذلك إمكان المشاهدة؟ ...207
الفصل الرابع : ولكن متى؟ لا توقيت ولكن ثمة علامات
تمهيد: حول علامات التقدير التي تحيل التوقيت ...231
علامات عصر الظهور...234
البحث الأول : العلامات العامة ...235
البحث الثاني: العلامات الخاصة ...240
شدة محنة الناس بين ظروف العلامات العامة والخاصة ...251
البحث الثالث: انتظار الفرج والدعاء بتعجيله ...254
الفصل الخامس : ما بعد الظهور
البحث الاول كيف سينتصر ؟...263
البحث الثاني : ماذا سيفعل؟ يأتي بأمر جديد ولكنه الإسلام ...282
البحث الثالث: الإمام المهدی علیه السلام وعقيدة الرجعة ...308
أدلة الرجعة لدى الإمامية ...321
الأدلة من السنة الشريفة ...325
الاستدلال بإجماع الشيعة الإمامية ...326
الخاتمة ...328
فهرس تعليقات الهوامش ...333
فهرس المصادر والمراجع ...337