ghaemiyeh.com
الهادي إلی طريقة الوسطی في شرح العروة الوثقی
المجلد الثالث
کتاب الطهارة
الجزء الثالث
لمؤلفة المحقق والفقيه المدقق
سماحة آية الله سيد علي محمد دستغيب الحسيني الشيرازي
محرّر الرقمي: روح الله قاسمي
المبحث السادس
في أحكام الأموات
الفصل الأوّل في غسل مسّ الميّت / 23
في وجوبه بمسّ ميّت الانسان ... 23
الفرع الأوّل في مسّ الميتة من غير الانسان ... 28
الفرع الثاني في مناط برد الميّت ... 28
الفرع الثالث في مناط غسل الميّت ... 29
الفرع الرابع فيما اذا تعذّر غسل الميّت بالسدر و الكافور ... 30
الفرع الخامس في عدم الفرق بين أقسام ميّت الانسان ... 31
الفرع السادس في المسّ بالسقط الذي لم يتمّ له أربعة أشهر ... 32
في عدم الفرق في الماسّ و الممسوس بين أن يكون ممّا تحلّه الحياة أو لا ... 34
في مسّ القطعة المبانة من الميّت أو الحي ... 35
فيما اذا شكّ في تحقّق المسّ ... 37
الفرع الأوّل فيما لو علم المسّ و شكّ في غسل الميّت ... 37
الفرع الثاني في مسّ الشهيد ... 38
في عدم الفرق بين كون المسّ اختياريّا أو اضطراريّا ... 39
في وجوب الغسل اذا خرج من المرأة طفل ميّت ... 41
في مسّ المقتول بقصاص أو حدّ ... 42
في نقض الوضوء بمسّ الميّت ... 43
في أنّ كيفيّة غسل المسّ مثل غسل الجنابة ... 43
في وجوب هذا الغسل لكلّ واجب مشروط بالطهارة ... 44
في تكرار المسّ ... 45
في عدم الفرق في ايجاب المسّ للغسل بين أن يكون مع الرطوبة أولا ... 46
الفصل الثانيفي أحكام الأموات / 49
فيما يجب عند ظهور أمارات الموت ... 50
في الوصيّة بالواجبات التي لاتقبل النيابة حال الحياة ... 51
في تمليك ماله بتمامه لغير الوارث ... 51
في نصب القيّم على أطفاله ... 53
الفصل الثالث في آداب المريض و ما يستحبّ عليه / 55
الفصل الرابع في عيادة المريض / 63
الفصل الخامس فيما يتعلّق بالمحتضر ممّا هو وظيفة الغير / 69
«الأوّل»: توجيهه الى القبلة ... 69
«الثاني»: يستحبّ تلقينه الشهادتين و الاقرار بالأئمّة الاثنيعشر عليهم السلام ... 73
«الثالث»: تلقينه كلمات الفرج ... 73
«الرابع»: نقله الى مصلاّه اذا عسر عليه النزع ... 73
«الخامس»: قراءة سورة يس و الصافّات لتعجيل راحته ... 73
الفصل السادس في المستحبّات بعد الموت / 75
الفصل السابع في المكروهات بعد الموت / 79
الفصل الثامن في أنّه لايحرم كراهة الموت / 81
الفصل التاسع في الأعمال الواجبة المتعلّقة بتجهيز الميّت / 85
فيما اذا علم بمباشرة بعض المكلّفين ... 90
فيما اذا علم صدور الفعل عن غيره ... 91
الفصل العاشر في مراتب الأولياء / 93
في المتقدّم من كلّ طبقة من الأولياء ... 95
فيما اذا لم يكن في طبقة ذكور ... 96
فيما اذا كان للميّت أمّ و أولاد ذكور ... 97
فيما اذا لم يكن في بعض المراتب الاّ الصبي أو المجنون أو الغائب ... 97
الفصل الحادي عشر في تغسيل الميّت / 89
في تغسيل الميّت ... 103
الفرع الأوّل في وجوب تغسيل كلّ مسلم ... 104
الفرع الثاني في عدم جواز تغسيل الكافر و تكفينه و دفنه ... 105
الفرع الثالث في ولد الزنا و المجانين من المسلم و الكافر ... 106
الفرع الرابع في عدم الفرق بين الصغير و الكبير ... 107
الفصل الثاني عشر في أحكام غسل الميّت / 97
في وجوب نيّة القربة في غسل الميّت ... 109
الفرع الأوّل في المماثلة بين الغاسل و الميّت في الذكوريّة و الانوثيّة ... 111
الفرع الثاني في استثناء الطفل دون ثلاث سنين ... 112
الفرع الثالث في استثناء الزوج و الزوجة ... 113
الفرع الرابع في نظر كلّ من الزوجين الى عورة الآخر ... 116
الفرع الخامس في تغسيل الرجل محارمه و بالعكس عند عدم المماثل ... 118
الفرع السادس في تغسيل المولى أمته ... 119
في الخنثى المشكل ... 120
فيما اذا انحصر المماثل في الكافر أو الكافرة ... 121
فيما اذا لم يكن مماثل حتّى الكتابي و الكتابيّة ... 124
في شرائط المغسّل ... 125
الفصل الثالث عشر في موارد سقوط غسل الميّت / 115
«احداهما»: الشهيد ... 127
«الثانية»: من وجب قتله برجم أو قصاص ... 130
في أنّ سقوط الغسل عنهما من باب العزيمة لا الرخصة ... 132
فيما اذا كان ثياب الشهيد للغير ... 133
فيما اذا وجد في المعركة ميّت لم يعلم أنّه قتل شهيدا أم لا ... 134
فيمن أطلق عليه الشهيد في الأخبار ... 134
فيما اذا اشتبه المسلم بالكافر ... 137
في القطعة المبانة من الميّت ... 138
الفصل الرابع عشر في كيفيّة غسل الميّت / 133
في أنّه يجب تغسيله ثلاثة أغسال ... 145
فرع في كفاية الغسل الارتماسي ... 150
في أنّ الأحوط ازالة النجاسة عن جميع جسده قبل الشروع في الغسل ... 151
في مقدار السدر و الكافور كثرة و قلّة ... 153
في عدم وجوب الوضوء مع غسل الميّت ... 156
في حدّ ماء غسل الميّت ... 157
فيما اذا تعذّر أحد الخليطين ... 158
فيما اذا تعذّر الماء ... 160
فيما اذا لم يكن عنده من الماء الاّ بمقدار غسل واحد ... 162
فيما اذا كان الميّت محرما ... 163
فيما اذا ارتفع العذر عن الغسل أو عن خلط الخليطين ... 164
في أنّه يجب أن يكون التيمّم بيد الحي ... 165
الفصل الخامس عشر في شرائط الغسل / 167
في جواز تغسيل الميّت من وراء الثياب ... 169
في اجزاء غسل الميّت عن الجنابة و الحيض ... 170
في النظر الى عورة الميّت ... 172
في أخذ الأجرة على تغسيل الميّت ... 173
فيما اذا تنجّس بدن الميّت بعد الغسل أو في أثنائه ... 174
الفصل السادس عشر في آداب غسل الميّت / 177
الفصل السابع عشر في مكروهات الغسل / 187
الفصل الثامن عشر في تكفين الميّت / 193
في عدم اعتبار قصد القربة في التكفين ... 199
في اعتبار ساتريّة كلّ من القطعات ... 200
في عدم جواز التكفين بالنجس ... 202
الفرع الأوّل في التكفين بالمذهّب و بما لايؤكل لحمه ... 205
الفرع الثاني في التكفين في الأثواب الممنوعة في حال الاضطرار ... 207
فيما اذا دار الأمر في حال الاضطرار بين الأثواب الممنوعة ... 208
في التكفين بالحرير الغير الخالص ... 209
في أنّ كفن الزوجة على زوجها ... 210
في شرائط كون كفن الزوجة على الزوج ... 211
فيما اذا مات الزوج بعد الزوجة ... 213
في كفن غير الزوجة من أقارب الشخص ... 214
فيما اذا كان الزوج معسرا ... 215
في أنّ القدر الواجب من الكفن يؤخذ من أصل التركة ... 217
في أنّ الأحوط الاقتصار في الواجب على ما هو أقلّ قيمة ... 219
فيما اذا كان تركة الميّت متعلّقا لحقّ الغير ... 221
فيما اذا لم يكن للميّت تركة بمقدار الكفن ... 222
في تكفين المحرم ... 223
الفصل التاسع عشر في مستحبّات الكفن / 215
الفصل العشرون في بقيّة المستحبّاب / 229
الفصل الحادي و العشرون في مكروهات الكفن / 237
الفصل الثاني و العشرون في الحنوط / 241
في عدم اعتبار قصد القربة في التحنيط ... 245
في مقدار كافور الحنوط ... 246
فيما اذا لم يتمكّن من الكافور ... 247
فيما اذا زاد الكافور ... 249
فيما يستحبّ و يكره في التحنيط ... 249
الفصل الثالث و العشرون في الجريدتين / 253
الفصل الرابع و العشرون في التشييع / 259
الفصل الخامس و العشرون في الصلاة على الميّت / 269
في وجوب الصلاة على كلّ مسلم ... 269
الفرع الأوّل في وجوب صلاة الميّت على أموات المسلمين ... 269
الفرع الثاني في وجوب الصلاة على من بلغ ستّ سنين فصاعدا ... 271
الفرع الثالث فيمن وجد ميّتا في بلاد المسلمين ... 273
في اشتراط كون المصلّي مؤمنا و أن يكون مأذونا من الولي ... 274
في اشتراط كونها بعد الغسل و التكفين ... 276
في عدم سقوط سائر الواجبات اذا لم يمكن الدفن ... 278
في تعدّد الصلاة على الميّت ... 279
فيما اذا وجد بعض الميّت ... 281
فيما اذا تعدّد الأولياء في مرتبة واحدة ... 282
فيما اذا كان الولي امرأة ... 283
فيما اذا أوصى الميّت بأن يصلّي عليه شخص معّين ... 284
في استحباب اتيان الصلاة جماعة ... 284
في جواز صلاة العراة على الميّت فرادى و جماعة ... 286
في كيفيّة وقوف المرأة في صلاة الميّت جماعة ... 287
في العدول في أثناء صلاة الميّت و في جواز قطعها ... 288
فيما اذا كبّر قبل الامام ... 289
فيما اذا حضر الشخص في أثناء صلاة الامام ... 289
الفصل السادس و العشرون في كيفيّة صلاة الميّت / 291
الفرع الأوّل في وجوب خمس تكبيرات ... 293
الفرع الثاني في الدعاء بعد التكبيرات ... 295
في عدم جواز أقلّ من خمسة تكبيرات الاّ للتقيّة أو كون الميّت منافقا ... 301
في وجوب العربيّة في الأدعية بالقدر الواجب ... 302
فيما اذا لم يعلم أنّ الميّت رجل أو امرأة ... 303
الفصل السابع و العشرون في شرائط صلاة الميّت / 305
في عدم اعتبار الطهارة و اباحة اللباس و ستر العورة ... 309
فيما اذا لم يتمكّن من الصلاة قائما ... 312
فيما اذا لم يصلّ على الميّت حتّى دفن ... 313
فيما اذا شكّ في أنّ غيره صلّى عليه أم لا أو شكّ في صحّتها ... 316
فيما اذا صلّى أحد عليه معتقدا بصحّتها بحسب تقليده أو اجتهاده ... 317
في الصلاة على المصلوب بحكم الشرع ... 319
في جواز تكرار الصلاة على الميّت ... 320
في وجوب كون الصلاة قبل الدفن ... 322
في جواز الصلاة على الميّت المصلّى عليه قبل الدفن على قبره أيضا ... 323
في جواز الصلاة على الميّت في جميع الأوقات بلا كراهة ... 324
في استحباب المبادرة الى الصلاة على الميّت ... 324
فيما اذا كان هناك ميّتان ... 327
فيما اذا حضر في أثناء الصلاة على الميّت ميّت آخر ... 328
الفصل الثامن و العشرون في آداب الصلاة على الميّت / 331
الفصل التاسع و العشرون في الدفن / 341
في وجوب الدفن مستقبل القبلة على جنبه الأيمن ... 343
فيما اذا مات ميّت في السفينة ... 344
فيما اذا ماتت كافرة كتابيّة أو غير كتابيّة و مات في بطنها ولد من مسلم ... 346
في عدم اعتبار قصد القربة في الدفن ... 347
فيما اذا خيف على الميّت من اخراج السبع ايّاه ... 348
فيما اذا اشتبهت القبلة ... 349
في اجراء أحكام المسلم على الطفل المتولّد من الزنا ... 349
في عدم جواز دفن المسلم في مقبرة الكفّار كما لايجوز العكس ... 350
في عدم جواز دفن المسلم في مثل المزبلة و البالوعة ... 351
في عدم جواز الدفن في المكان المغصوب ... 352
في وجوب دفن الأجزاء المبانة من الميّت ... 353
فيما اذا مات شخص في البئر و لم يمكن اخراجه ... 354
فيما اذا مات الجنين في بطن الحامل و خيف عليها من بقائه ... 354
الفصل الثلاثون في المستحبّات قبل الدفن و حينه و بعده / 357
الفصل الحادي و الثلاثون في مكروهات الدفن / 403
في جواز البكاء على الميّت ... 417
في جواز النوح على الميّت بالنظم و النثر ... 420
في عدم جواز اللطم و الخدش و جزّ الشعر ... 421
في كفّارة جزّ المرأة شعرها في المصيبة ... 423
في كفّاره شقّ الرجل ثوبه في موت زوجته أو ولده ... 423
في حرمة نبش قبر المؤمن ... 424
في المستثنيات من حرمة النبش ... 426
فيما اذا أوصى بنبشه و نقله بعد مدّة الى الأماكن المشرّفة ... 430
فرع في نقل القبر مع ميّته ... 431
في جواز تخريب آثار القبور ... 432
فيما اذا دفن الميّت في ملك الغير بغير رضاه ... 432
فيما اذا أذن في دفن ميّت في ملكه ... 433
فيما اذا دفن في مكان مباح فخرج ... 434
المبحث السابع
في الأغسال المندوبة
الفصل الأوّل في الأغسال المندوبة الزمانيّة / 439
في غسل الجمعة ... 441
في وقت غسل الجمعة ... 444
في تقديم غسل الجمعة ... 447
في أغسال ليالي شهر رمضان ... 457
في وقت غسل الليالي ... 461
في غسل يومي العيدين الفطر و الأضحى ... 463
في غسل يوم التروية ... 466
في غسل يوم عرفة ... 467
في غسل أيّام من رجب ... 468
في غسل يوم الغدير ... 468
في غسل يوم المباهلة ... 469
في غسل يوم النصف من شعبان ... 470
في غسل يوم المولود ... 470
في غسل يوم النيروز ... 471
في غسل اليوم التاسع من ربيع الأوّل ... 471
في غسل يوم دحو الأرض ... 471
في غسل كلّ ليلة من ليالي الجمعة ... 471
الفصل الثاني في الأغسال المندوبة المكانيّة / 475
الفصل الثالث في الأغسال المندوبة الفعليّة / 479
في الغسل للاحرام ... 479
في الغسل للطواف ... 480
في الغسل للوقوف بعرفات و بالمشعر و للذبح و النحر ... 481
في الغسل لزيارة أحد المعصومين عليهم السلام ... 482
في الغسل لرؤية أحد الأئمّة عليهم السلام في المنام ... 482
في الغسل لصلاة الاستخارة بل للاستخارة مطلقا ... 483
في الغسل لعمل الاستفتاح المعروف بعمل أمّ داوود ... 483
في الغسل لأخذ تربة قبر الحسين عليهم السلام ... 484
في الغسل لارادة السفر خصوصا لزيارة الحسين عليهم السلام ... 484
في الغسل لصلاة الاستسقاء بل له مطلقا ... 485
في الغسل للتوبة ... 485
في الغسل للتظلّم و الاشتكاء الى اللّه من ظلم ظالم ... 486
في الغسل للأمن من الخوف من ظالم ... 487
في الغسل لدفع النازلة ... 487
في الغسل للمباهلة مع من يدّعي باطلاً ... 488
في الغسل لتحصيل النشاط للعبادة و لصلاة الشكر ... 488
في الغسل لتغسيل الميّت و لتكفينه ... 488
في الغسل للحجامة ...
489
في الغسل لأجل الفعل الذي فعله ... 489
المبحث الثامن
في التيمّم
الفصل الأوّل في مسوّغات التيمّم / 501
«أحدها»: عدم وجدان الماء بقدر الكفاية للغسل أو الوضوء ... 503
فيما اذا شهد عدلان بعدم الماء في جميع الجوانب أو بعضها ... 508
فيما اذا شهد عدلان بوجوده في الأزيد من المقدارين ... 508
في كفاية الاستنابة في الطلب و عدم وجوب المباشرة ... 508
في كفاية الطلب اذا وقع قبل دخول وقت الصلاة ... 509
في الطلب في ضيق الوقت ... 510
فيما اذا ترك الطلب حتّى ضاق الوقت ... 511
فيما اذا ترك الطلب في سعة الوقت و صلّى ... 511
فيما اذا طلب الماء بمقتضى وظيفته فلم يجد فتيمّم و صلّى ثمّ تبيّن الخلاف ... 511
فيما اذا اعتقد ضيق الوقت عن الطلب فتركه و تيمّم و صلّى ... 513
في عدم جواز اراقة الماء الكافي للوضوء أو الغسل بعد دخول الوقت ... 514
في الطلب اذا خاف على نفسه أو ماله أو كان فيه حرج و مشقّة ... 515
«الثاني»: عدم الوصلة الى الماء الموجود لعجز ... 516
فيما اذا توقّف تحصيل الماء على شراء الدلو أو الحبل أو نحوهما ... 517
فيما لو أمكنه حفر البئر بلا حرج ... 519
«الثالث»: الخوف من استعماله على نفسه أو عضو من أعضائه ... 519
فيما اذا تحمّل الضرر و توضّأ أو اغتسل ... 521
فيما اذا تيمّم باعتقاد الضرر أو خوفه فتبيّن عدمه ... 523
فيما اذا أجنب عمدا مع العلم بكون استعمال الماء مضرّا ... 525
في ابطال الوضوء بعد دخول الوقت مع عدم امكان الغسل ... 528
«الرابع»: الحرج في تحصيل الماء أو في استعماله ... 529
«الخامس»: الخوف من استعمال الماء ... 530
فيما اذا كان معه ماء طاهر يكفي لطهارته و ماء نجس بقدر حاجته الى شربه ... 533
«السادس»: اذا عارض استعمال الماء في الوضوء أو الغسل واجب أهمّ ... 535
فيما اذا دار الأمر بين ترك الصلاة في الوقت أو شرب الماء النجس ... 537
«السابع»: ضيق الوقت عن استعمال الماء ... 539
فيما اذا كان واجدا للماء و أخّر الصلاة عمدا الى أن ضاق الوقت ... 541
فيما اذا شكّ في ضيق الوقت و سعته ... 542
فيما اذا خالف و توضّأ أو اغتسل من كانت وظيفته التيمّم من جهة ضيق الوقت ... 543
في عدم الاباحة بالتيمّم لأجل الضيق غير تلك الصلاة من الغايات الأخر ... 544
في التيمّم لضيق الوقت عن المستحبّات الموقّتة ... 545
فيما اذا توضّأ باعتقاد سعة الوقت فبان ضيقه ... 546
«الثامن»: عدم امكان استعمال الماء لمانع شرعي ... 547
فيما اذا كان جنبا و لم يكن عنده ماء و كان موجودا في المسجد ... 548
في عدم جواز التيمّم مع التمكّن من استعمال الماء الاّ في موضعين ... 549
الفصل الثاني في بيان ما يصحّ التيمّم به / 553
في جواز التيمّم على مطلق وجه الأرض ... 553
الفرع الأوّل في جواز التيمّم بكلّ ما صدق عليه اسم الأرض ... 558
الفرع الثاني في عدم جواز التيمّم بالمعادن و لا بالرماد ... 560
الفرع الثالث في جواز التيمّم على الغبار و الطين عند الضرورة ... 561
الفرع الرابع في فاقد الطهورين ... 563
في أنّ الأحوط مع وجود التراب عدم التعدّي عنه ... 566
في عدم جواز التيمّم على التراب الممزوج بغيره ... 567
في جواز التيمّم اختيارا على الأرض الندية و التراب الندي ... 569
في المناط في الطين ... 570
الفصل الثالث في شرائط ما يتيمّم به / 571
فيما اذا كان عنده ترابان أحدهما نجس أو اشتبه المباح بالمغصوب ... 574
فيما اذا كان عنده ماء و تراب و علم بغصبيّة أحدهما ... 574
في المحبوس في مكان مغصوب ... 576
الفصل الرابع في كيفيّة التيمّم / 579
في واجبات التيمّم ... 579
في شرائط التيمّم ... 585
فيما اذا بقي من الممسوح ما لم يمسح عليه ... 589
فيما اذا كان على محلّ المسح شعر ... 589
فيما اذا كان على الماسح أو الممسوح جبيرة ... 590
فيما اذا كان باطن اليدين نجسا ... 590
في الأقطع باحدى اليدين و أقطع اليدين ... 591
في تعيين المبدل منه ... 593
في تعيين الغاية ... 593
في وجوب امرار الماسح على الممسوح في مسح الجبهة و اليدين ... 594
في كفاية ضربة واحدة للوجه و اليدين فيما هو بدل عن الوضوء و الغسل ... 595
فيما اذا شكّ في بعض أجزاء التيمّم أو شرط من شروطه ... 598
فيما اذا علم بعد الفراغ ترك جزء أو شرط ... 600
الفصل الخامس في أحكام التيمّم / 603
في عدم جواز التيمّم للصلاة قبل دخول وقتها ... 603
في جواز التيمّم في سعة الوقت ... 604
فيما اذا تيمّم لصلاة سابقة و لم ينتقض تيمّمه حتّى دخل وقت صلاة أخرى ... 609
في جواز التيمّم لصلاة القضاء و النوافل الموقّتة ... 610
في عدم وجوب اعادة الصلوات التي صلاّها بالتيمّم الصحيح ... 611
في جواز الاتيان بجميع ما يشترط فيه الطهارة اذا تيمّم لغاية من الغايات ... 613
في أنّ جميع غايات الوضوء و الغسل غايات للتيمّم أيضا ... 614
في أنّ التيمّم الذي هو بدل عن غسل الجنابة حاله كحاله ... 615
في انتقاض التيمّم بما ينتقض به الوضوء و الغسل ... 616
فيما اذا وجد الماء أو زال عذره قبل الصلاة ... 617
فيما اذا وجد الماء في أثناء الصلاة ... 619
في عدم الحاق غير الصلاة بها اذا وجد الماء في أثنائها ... 621
فيما اذا وجد الماء في أثناء الصلاة بعد الركوع ثمّ فقد في أثنائها أو بعد الفراغ منها بلا فصل هل يكفي ذلك التيمّم لصلاة أخرى أو لا؟ ... 624
فيما اذا كان وجدان الماء في أثناء الصلاة بعد الحكم الشرعي بالركوع ... 626
في المجنب المتيمّم بدل الغسل اذا وجد ماءا بقدر كفاية الوضوء فقط ... 627
فيما اذا وجد جماعة متيمّمون ماءا مباحا لايكفي الاّ لأحدهم ... 629
في حكم التداخل في التيمّم ... 631
فيما اذا اجتمع جنب و ميّت و محدث بالأصغر و كان هناك ماء لايكفي الاّ لأحدهم ... 632
في الاستئجار لصلاة الميّت ممّن وظيفته التيمّم ... 635
في التيمّم لمسّ كتابة القرآن ... 637
فيما اذا وصل شعر الرأس الى الجبهة ... 637
المجلّد الثالث
و فيه فصول:
الفصل الأوّل في غسل مسّ الميّت
الفصل الثاني في أحكام الأموات
الفصل الثالث في آداب المريض و ما يستحبّ عليه
الفصل الرابع في عيادة المريض
الفصل الخامس فيما يتعلّق بالمحتضر ممّا هو وظيفة الغير
الفصل السادس في المستحبّات بعد الموت
الفصل السابع في المكروهات بعد الموت
الفصل الثامن في عدم حرمة كراهة الموت
الفصل التاسع في الأعمال الواجبة المتعلّقة بتجهيز الميّت
الفصل العاشر في مراتب الأولياء
الفصل الحادي عشر في تغسيل الميّت
الفصل الثاني عشر في أحكام غسل الميّت
الفصل الثالث عشر في موارد سقوط غسل الميّت
الفصل الرابع عشر في كيفيّة غسل الميّت
الفصل الخامس عشر في شرائط غسل الميّت
الفصل السادس عشر في آداب غسل الميّت
الفصل السابع عشر في مكروهات الغسل
الفصل الثامن عشر في تكفين الميّت
الفصل التاسع عشر في مستحبّات الكفن
الفصل العشرون في بقيّة مستحبّات الكفن
الفصل الحادي و العشرون في مكروهات الكفن
الفصل الثاني و العشرون في الحنوط
الفصل الثالث و العشرون في الجريدتين
الفصل الرابع و العشرون في التشييع
الفصل الخامس و العشرون في الصلاة على الميّت
الفصل السادس و العشرون في كيفيّة صلاة الميّت
الفصل السابع و العشرون في شرائط صلاة الميّت
الفصل الثامن و العشرون في آداب الصلاة على الميّت
الفصل التاسع و العشرون في الدفن
الفصل الثلاثون في المستحبّات قبل الدفن و حينه و بعده
الفصل الحادي و الثلاثون في مكروهات الدفن
يجب بمسّ ميّت الانسان بعد برده و قبل غسله، دون ميّت غير الانسان أو هو قبل برده أو بعد غسله، و المناط برد تمام جسده فلايوجب برد بعضه و لو كان هو الممسوس، و المعتبر في الغسل تمام الأغسال الثلاثة فلو بقي من الغسل الثالث شيء لايسقط الغسل بمسّه و ان كان الممسوس العضو المغسول منه، و يكفي في سقوط الغسل اذا كانت الأغسال الثلاثة كلّها بالماء القراح لفقد السدر و الكافور، بل الأقوى كفاية التيمّم أو كون الغاسل هو الكافر بأمر المسلم لفقد المماثل لكن الأحوط عدم الاكتفاء بهما، و لا فرق في الميّت بين المسلم و الكافر و الكبير و الصغير حتّى السقط اذا تمّ له أربعة أشهر بل الأحوط الغسل بمسّه و لو قبل تمام أربعة أشهر أيضا و ان كان الأقوى عدمه.
الشرح:
يجب الغسل بمسّ ميّت الآدمي بعد برده و قبل غسله.
قال في الشرائع: «و يجب الغسل على من مسّ ميّتا من الناس قبل تطهيره و بعد برده بالموت».(1)
1) - شرائع الاسلام 1: 52.
و في المدارك: «و قد اختلف الأصحاب في وجوب غسل المسّ، فقال الشيخان و ابنا بابويه و أكثر الأصحاب بالوجوب. و قال السيد المرتضى رضى الله عنه في شرح الرسالة و المصباح بالاستحباب، و المعتمد الأوّل».(1)
و يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«قلت: الرجل يغمض الميّت، أعليه غسل؟ قال: اذا مسّه بحرارته فلا، ولكن اذا مسّه بعد ما يبرد فليغتسل. قلت: فالذي يغسّله يغتسل؟ قال: نعم، قلت: فيغسّله (ثمّ يلبسه أكفانه) قبل أن يغتسل؟ قال: يغسّله ثمّ يغسل يديه من العاتق، ثمّ يلبسه أكفانه، ثمّ يغتسل، قلت: فمن حمله، عليه غسل؟ قال: لا، قلت: فمن أدخله القبر، عليه وضوء؟ قال: لا، الاّ أن يتوضّأ من تراب القبر ان شاء».(2)
و صحيحة اسماعيل بن جابر قال:
«دخلت على أبي عبداللّه عليه السلام حين مات ابنه اسماعيل الأكبر، فجعل يقبّله و هو ميّت، فقلت: جعلت فداك، أليس لاينبغي أن يمسّ الميّت بعد ما يموت، و من مسّه فعليه الغسل؟! فقال: أمّا بحرارته فلا بأس، انّما ذاك اذا برد».(3)
و صحيحة معاوية بن عمّار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الذي يغسّل الميّت، عليه غسل؟ قال: نعم، قلت: فاذا مسّه و هو سخن؟ قال: لا غسل عليه، فاذا برد فعليه الغسل، قلت: و البهائم و الطير اذا مسّها، عليه غسل؟ قال: لا، ليس هذا كالانسان».(4)
و صحيحة عاصم بن حميد قال:
«سألته عن الميّت اذا مسّه الانسان، أفيه غسل؟ قال: فقال: اذا مسست جسده حين يبرد فاغتسل».(1)
و مكاتبة محمّد بن الحسن الصفّار قال:
«كتبت اليه: رجل أصاب يديه أو بدنه ثوب الميّت الذي يلي جلده قبل أن يغسّل، هل يجب عليه غسل يديه أو بدنه؟ فوقّع عليه السلام : اذا أصاب يدك جسد الميّت قبل أن يغسّل فقد يجب عليك الغسل».(2)
و صحيحة ابن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من غسّل ميّتا و كفّنه اغتسل غسل الجنابة».(3)
و صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من غسّل ميّتا فليغتسل، و ان مسّه مادام حارّا فلا غسل عليه، و اذا برد ثمّ مسّه فليغتسل، قلت: فمن أدخله القبر؟ قال: لا غسل عليه، انّما يمسّ الثياب».(4)
و يدلّ على عدم وجوب الغسل على من مسّ ميّتا قبل البرد أو بعد الغسل صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«مسّ الميّت عند موته و بعد غسله و القبلة ليس بها بأس».(5)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس بأن يمسّه بعد الغسل و يقبّله».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 290 / الباب 1 من أبواب غسل المسّ / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 3: 290 / الباب 1 من أبواب غسل المسّ / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 3: 290 / الباب 1 من أبواب غسل المسّ / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 3: 292 / الباب 1 من أبواب غسل المسّ / الحديث 14.
5) - وسائل الشيعة 3: 295/ الباب 3 من أبواب غسل المسّ / الحديث 1.
6) - وسائل الشيعة 3: 295/ الباب 3 من أبواب غسل المسّ / الحديث 2.
و لاتعارضهما موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يغتسل الذي غسّل الميّت و كلّ من مسّ ميّتا فعليه الغسل و ان كان الميّت قد غسّل».(1)
لأنّها تحمل على ما اذا غسل بدنه من النجاسات و الأوساخ و لم يغسّل غسل الموت، أو على أنّ غسل المسّ الواقع قبل غسل الميّت واجب و أنّه لم يسقط و ان كان الميّت قد غسّل، و غير ذلك من المحامل؛ جمعا بينها و بين غيرها.
أمّا الروايات المستدلّ بها على استحباب غسل المسّ:
منها صحيحة محمّد الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اغتسل يوم الأضحى و الفطر و الجمعة و اذا غسلت ميّتا، و لاتغتسل من مسّه اذا أدخلته القبر، و لا اذا حملته».(2)
و صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: الغسل من الجنابة و يوم الجمعة و العيدين و حين تحرم و حين تدخل مكّة و المدينة و يوم عرفة و يوم تزور البيت و حين تدخل الكعبة و في ليلة تسع عشرة و احدى و عشرين و ثلاث و عشرين من شهر رمضان و من غسّل ميّتا».(3)
بتقريب أنّه ذكر فيهما في سياق جملة من المندوبات.
و الجواب عنهما: أنّ المراد منهما ذكر أقسام الأغسال و أنواعها، سواء الواجب منها و المندوب، مضافا الى أنّ الأولى يمكن حملها على استحباب غسل غاسل الميّت اذا لم يمسّ بدنه احتياطا، و خوفا من مسّه قهرا.
و منها رواية الحسين بن عبيد قال:
«كتبت الى الصادق عليه السلام : هل اغتسل أميرالمؤمنين عليه السلام حين غسّل رسول اللّه صلى الله عليه و آله عند موته؟ فأجابه: النبي صلى الله عليه و آله طاهر مطهّر، ولكن أميرالمؤمنين عليه السلام فعل، و جرت به السنّة».(1)
و الجواب عنها أوّلاً: انّها ضعيفة من حيث السند، و ثانيا: انّ مراد الامام عليه السلام من قوله: «و جرت به السنّة»، هو جري السنّة و فعله عليه السلام في عرض واحد، بمعنى أنّه أتى به و جرت به السنّة، حيث انّه لم يقل: «فعله فجرت به السنّة» بل قال: «فعل و جرت به السنّة». و المراد بالسنّة هو ما أوجبه النبي صلى الله عليه و آله بوحي من اللّه من دون أن يكون في ظاهر القرآن.
و منها رواية عمر بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام قال:
«الغسل من سبعة: من الجنابة و هو واجب، و من غسّل الميّت و ان تطهّرت أجزأك، الحديث».(2)
بناءً على أنّ معنى «تطهّرت» هو تطهير البدن و غَسلُه.
و يرد عليها أوّلاً: انّها ضعيفة سندا بالحسين بن علوان، و ثانيا: انّ المراد من التطهّر هو الغُسل كما في قوله تعالى: «و ان كنتم جنبا فاطّهّروا»(3).
فروع:
لايجب الغسل بمسّ الميتة من غير الانسان؛ و ذلك لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام في رجل مسّ ميتة أعليه الغسل؟ قال:
«لا، انّما ذلك من الانسان».(1)
و صحيحة الحلبي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يمسّ الميتة، أينبغي أن يغتسل منها؟ فقال: لا، انّما ذلك من الانسان وحده».(2)
و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته هل يحلّ أن يمسّ الثعلب و الأرنب أو شيئا من السباع حيّا أو ميّتا؟ قال: لايضرّه، ولكن يغسل يده».(3)
فمسّ ميتة غير الانسان انّما يوجب النجاسة اذا كانت الملاقاة مع رطوبة، و قد تقدّم الكلام في ذلك في بحث نجاسة الميتة؛ لذهاب بعضهم الى النجاسة بملاقاتها و لو كانت من غير رطوبة أيضا.
انّ المناط في برد الميّت، برد تمام جسده، فلايوجب الغسل بمسّ بعضه البارد اذالم يكن تمام جسده بردا؛ و ذلك لأنّ الظاهر من الصحاح المتقدّمة من وجوب
الغسل حين البرد هو برد تمام جسده؛ اذ مع برد البعض دون بعض لايصدق أنّ الميّت برد. و قوله عليه السلام في صحيحة اسماعيل بن جابر المتقدّمة: «انّما ذاك اذا برد»، يفيد الحصر، أي أنّ وجوب الغسل بالمسّ منحصر بما اذا برد الميّت بتمامه. و كذلك قوله عليه السلام في صحيحة علي بن جعفر عليه السلام :
« ... و ان كان قد برد فعليه الغسل اذا مسّه».(1)
قال في المستمسك: «لظهور البرد المضاف الى الميّت في برد تمام بدنه، فيرجع في برد بعض البدن الى اطلاق نفي الغسل اذا لم يبرد أو استصحاب طهارة الماسّ، أو أصالة البراءة من الوجوب».(2)
المعتبر في غسل الميّت تمام الأغسال الثلاثة، فلو بقي من الغسل الثالث شيء لايسقط الغسل بمسّه، و ان كان الممسوس العضو المغسول منه؛ و ذلك لأنّه مقتضى ظهور غسل الميّت في الروايات المتقدّمة الدالّة على وجوب غسل مسّ الميّت اذا لم يغسل الميّت بالوجه الشرعي، و هو ملفّق من ثلاثة أغسال. و لو بقي الغسل الثالث - الذي هو بماء القراح - لعضو من أعضائه، فمسّ العضو الذي تمّ أغساله الثلاثة وجب عليه غسل مسّ الميّت؛ لأنّه لم يتمّ غسله بعد.
قال في المدارك: «و في وجوب الغسل بمسّ عضو كمل غسله قبل تمام غسل الجميع وجهان، أقربهما الوجوب؛ لاطلاق الأمر بالغسل بمسّ الميّت بعد برده،خرج منه ما بعد الغسل بالاجماع، فبقي الباقي. و قيل: لايجب؛ لصدق كمال الغسل بالاضافة الى ذلك العضو؛ و لأنّه لو كان منفصلاً لما وجب الغسل بمسّه
قطعا فكذا مع الاتّصال؛ لعدم تعقّل الفرق. و ضعف الوجهين ظاهر. انتهى ملخّصا».(1)
اذا تعذّر غسل الميّت بالسدر و الكافور، لعدم وجود السدر و الكافور، فأتى الأغسال الثلاثة بماء القراح فالميّت طاهر فاذا مسّه الماسّ لايجب عليه غسل المسّ؛ و ذلك لما ورد في الروايات من عدم وجوب غسل المسّ بعد تغسيل الميّت، فالمراد بتغسيله هو الذي يكون مشروعا في حقّه و المفروض كفاية الأغسال الثلاثة بماء القراح اذا لم يوجد السدر و الكافور. و أمّا اذا تعذّر الغسل بالماء مطلقا فيمّم، فالظاهر أيضا كفايته فلايجب للماسّ غسل مسّ الميّت اذا مسّه بعد التيمّم؛ و ذلك لما ورد من:
«انّ التيمّم أحد الطهورين».(2)
و كذا قوله عليه السلام :
«ربّ الماء هو ربّ الصعيد (أو التراب)».(3)
و تقريب الاستدلال بها أنّ هذه العمومات لاتنحصر بالأحياء بل هي شاملة لمن عليه الغسل شرعا سواء كان حيّا أو ميّتا - و ان استشكل فيها باشكالات يرجع اليها الطالب -، و قد دلّت على كفاية التيمّم صحيحة عبدالرحمن بن أبي نجران:
«انّه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن ثلاثة نفر كانوا في سفر: أحدهم جنب، و الثانى ميّت، و الثالث على غير وضوء، و حضرت
الصلاة و معهم من الماء قدر ما يكفي أحدهم، من يأخذ الماء، و كيف يصنعون؟ قال: يغتسل الجنب، و يدفن الميّت بتيمّم، و يتيمّم الذي هو على غير وضوء؛ لأنّ الغسل من الجنابة فريضة، و غسل الميّت سنّة، و التيمّم للآخر جائز».(1)
و الظاهر أنّ المراد بالسنّة، هو عدم ورود آية فيه ظاهرا و أنّ النبي صلى الله عليه و آله أوجبه باذن اللّه و باطن الكتاب.
و تؤيّدها رواية عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليه السلام قال:
«انّ قوما أتوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقالوا يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله، مات صاحب لنا
و هو مجدور، فان غسّلناه انسلخ؟ فقال: يمّموه».(2)
و هكذا يكون الحال لو كان الغاسل هو الكافر بأمر المسلم لفقد المماثل.
لا فرق في الميّت بين المسلم و الكافر و الكبير و الصغير، حتّى السقط اذا تمّ له أربعة أشهر؛ و ذلك لاطلاق الروايات التي تقدّمت في أوّل هذا الفصل بوجوب غسل من مسّ ميّتا، فاذا صدق الميّت - و المفروض صدقه في هذه المذكورات - فقد تحقّق وجوب الغسل على من مسّه كما في قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم - لمن يغمض عين الميّت - :
« ... اذا مسّه بعد ما يبرد فليغتسل، الحديث».(3)
و كذا في صحيحتي اسماعيل بن جابر و عاصم بن حميد المتقدّمتين.
قال في المستمسك: «كما في القواعد و عن التذكرة و الدروس و البيان و غيرها، و في جامع المقاصد و المنتهى: «انّه أقرب؛ لاطلاق النصّ و الفتوى»، و في المنتهى و عن نهاية الأحكام و التحرير و في جامع المقاصد: يحتمل العدم؛ لأنّ قولهم: «قبل تطهيره بالغسل»، انّما يتحقّق في ميّت يقبل التطهير، و لأنّه لايزيد على مسّ البهيمة و الكلب. و فيه: انّه لو سلّم قصور الفتوى فلا قصور في النصّ؛ لاطلاق ما دلّ على سببيّة المسّ بعد البرد، المقتصر في تقييده على خصوص صورة التغسيل. و أمّا ما ذكر أخيرا فهو تخرّص لايثبت حكما شرعيّا».(1)
و هكذا يكون في الجواهر.(2)
قال في الجواهر: «أمّا قبل ولوج الروح بأن كان دون الأربعة، فعن المفيد أنّه لايجب الغسل بمسّه، و قوّاه في المنتهى، قال فيه: «لأنّه لايسمّى ميّتا؛ اذ الموت انّما يكون من حياة سابقة، و هو انّما يتّجه بأربعة أشهر. نعم، يجب غسل اليد. انتهى».
قلت: هو جيّد، لكن قد يشكل بأنّ المتّجه حينئذٍ الحكم بطهارته، و ان نفي الخلاف عن نجاسته النراقي في لوامعه؛ لعدم تناول اسم الميتة له، فلايجب غسلاليد منه، اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ نجاسته حينئذٍ لا لصدق الميتة، بل لأنّه قطعة أبينت من حي.
و فيه - مع بعده في نفسه و عدم انصراف دليل القطعة الى مثله، و كونه على هذا التقدير من أجزاء الحيّ التي لاتحلّها الحياة الاّ على اعتبار المنشئيّة - انّه لا وجه
لاطلاق القول بعدم وجوب الغسل بمسّه بناءً على ذلك، بل المتّجه حينئذٍ التفصيل بين المشتمل على العظم منه و عدمه كالقطعة المبانة من حيّ، و القول بعدم اشتماله على عظم أصلاً قبل ولوج الروح حتّى الرأس غير ثابت، بل لعلّ الثابت ممّا دلّ على تمام خلقته قبل ولوج الروح خلافه، و اللّه أعلم».(1)
أقول:
الظاهر من الروايات الواردة في الباب من وجوب غسل المسّ فيما اذا مسّ الميّت بعد البرد، أنّ الاعتبار هو بالجسد الذي كان فيه الروح فخرجت منه، و يؤيّده ما رواه الصدوق رحمه الله في عيون الأخبار و العلل بأسانيده عن الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:
«انّما أمر من يغسّل الميّت بالغسل لعلّة الطهارة ممّا أصابه من نضح الميّت؛ لأنّ الميّت اذا خرج منه الروح بقي منه أكثر آفته».(2)
قال الامام الخميني: «السقط بعد ولوج الروح كغيره يجب في مسّه الغسل؛ لصدق الميّت عليه بلا اشكال، كما لا اشكال في عدم الوجوب قبله؛ لعدم الصدق، فانّ الميّت ما زال عنه الروح لا ما لم يلج فيه، و لو مع شأنيّته، و مقتضى الأصل طهارته، و ان حكي عن العلاّمة التصريح بوجوب غسل اليد منه، و عن النراقي عدم الخلاف فيه، لكن اثبات الحكم به مشكل بل ممنوع».(3)
أقول:
تقدّم في بحث النجاسات أنّ السقط قبل ولوج الروح ميتة نجسة الاّ أنّه لايجب الغسل بمسّه؛ لما ذكر.
(مسألة 1): في الماسّ و الممسوس لا فرق بين أن يكون ممّا تحلّه الحياة أو لا، كالعظم و الظفر، و كذا لا فرق فيهما بين الباطن و الظاهر. نعم، المسّ بالشعر لايوجبه و كذا مسّ الشعر.
الشرح:
الظاهر عدم الفرق في وجوب الغسل للماسّ بين أن يكون الممسوس ممّا تحلّه الحياة أو لا، كالعظم و الظفر و السنّ؛ و ذلك لاطلاق الروايات الواردة في الباب و صدق مسّ بدن الميّت، و كذا لا فرق فيهما بين الباطن و الظاهر. نعم، اذا مسّ انسان بدن الميّت بشعره، أو مسّ شعر الميّت لايوجب الغسل الاّ اذا كان الشعر قصيرا جدّا بحيث يقال: مسّ رأسه.
قال في الجواهر: «لا فرق بين المسّ بأيّ جزء من أجزاء البدن لأيّ جزء من أجزاء الممسوس و ان لم تكن ممّا تحلّه الحياة منهما بعد صدق اسم المسّ عليه لانصرافه اليه.
نعم، لعلّه لايصدق في خصوص الشعر ماسّا و ممسوسا سيّما الثاني، كما عساه يشعر به عدم وجوب غسله في الجنابة بخلاف السنّ و الظفر و العظم، فيصدق اسم المسّ بكلّ واحد منها ماسّة كانت أو ممسوسة، فما في المحكي من عبارة الروض - من اعتبار المسّ بما تحلّه الحياة لما تحلّه الحياة في وجوب غسل المسّ، فمتى انتفى أحد الأمرين لم يجب، ثمّ قال: و في العظم اشكال، و هو فيالسنّ أقوى، و يمكن جريان الاشكال في الظفر أيضا لمساواته العظم - في غير محلّه؛ لما عرفته من تحقّق الصدق الذي لاينافيه الطهارة، و نحوه ما في جامع المقاصد من التردّد في المسّ بالظفر و السنّ و العظم، و الذكرى أيضا في الثاني اذا كان ممسوسا.
نعم، قد يشكّ في صدق اسم المسّ أو انصراف اطلاقه بالنسبة الى بعض
الأفراد، فيتّجه حينئذٍ التمسّك في نفي وجوب الغسل بالأصل، و باستصحاب الطهارة و نحوهما».(1)
(مسألة 2): مسّ القطعة المبانة من الميّت أو الحي اذا اشتملت على العظم يوجب الغسل دون المجرّد عنه، و أمّا مسّ العظم المجرّد ففي ايجابه للغسل اشكال، و الأحوط الغسل بمسّه خصوصا اذا لم يمض عليه سنة كما أنّ الأحوط في السنّ المنفصل من الميّت أيضا الغسل، بخلاف المنفصل من الحي اذا لم يكن معه لحم معتدّ به. نعم، اللحم الجزئي لا اعتناء به.
الشرح:
مسّ القطعة المبانة من الحي اذا اشتملت على العظم يوجب الغسل دون المجرّد عنه؛ يدلّ على ذلك مرسلة أيّوب بن نوح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فاذا مسّه انسان فكلّ ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسّه الغسل، فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه».(2)
و كذا يكون الحكم لو مسّ القطعة المبانة من الميّت الذي لم يغسّل؛ و ذلك لاطلاق الروايات المتقدّمة.
و الظاهر أيضا وجوب الغسل على من مسّ العظم المجرّد من الحي أو الميّت؛ لاطلاق الروايات المتقدّمة و اطلاق مرسلة أيّوب بن نوح. نعم، اذا مضى زمانا نحو سنة أو أكثر من قطعه فلايجب الغسل، و في رواية اسماعيل الجعفي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عمّن يمسّ عظم الميّت؟ قال: اذا جاز سنة فليس به بأس».(1)
ثمّ انّ الأحوط أنّ مسّ السنّ أو الظفر المنقطع من الميّت الذي لم يغسّل ففيه الغسل، بخلاف المنقطع من الحي.
قال في المستمسك: «مسّ القطعة المبانة من الميّت أو الحي اذا اشتملت على العظم يوجب الغسل دون المجرّد عنه، على المشهور شهرة عظيمة بل عن الخلاف الاجماع عليه صريحا، و عن ظاهر غير واحد ظاهرا، و يشهد له مرسل أيّوب بن نوح، المنجبر ضعفه بالشهرة. و في المعتبر توقّف فيه، و تبعه المدارك؛ لضعف الرواية. و فيه ما لايخفى، فانّ ضعف الرواية تجبره الشهرة كما في جامع المقاصد و غيره.
و أمّا مسّ العظم المجرّد فعن الذكرى و الدروس و الموجز و فوائد الشرائع و المسالك وجوب الغسل فيه؛ لدوران الحكم مداره وجودا و عدما. و عن التذكرة و المنتهى و نهاية الأحكام و التحرير و غيرها عدمه؛ للأصل، و خروجه عن موضوع المرسل. و دوران الحكم مداره في القطعة المبانة لايوجب جريان الحكم فيه.
نعم، لو كان العظم بحيث يصدق على مسّه مسّ الميّت تعيّن وجوب الغسل بمسّه، كما سبق. ففي خبر اسماعيل الجعفي عن أبي عبداللّه عليه السلام : «اذا جاز سنة فليس به بأس»، و بمضمونه أفتى في محكي الفقيه و المقنع، الاّ أنّ ضعف الخبر سندا و اعراض المشهور عنه مانع عن العمل به. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 3): اذا شكّ في تحقّق المسّ و عدمه أو شكّ في أنّ الممسوس كان انسانا أو غيره، أو كان ميّتا أو حيّا، أو كان قبل برده أو بعده، أو في أنّه كان شهيدا أم غيره، أو كان الممسوس بدنه أو لباسه، أو كان شعره أو بدنه لايجب الغسل في شيء من هذه الصور. نعم، اذا علم المسّ و شكّ في أنّه كان بعد الغسل أو قبله وجب الغسل، و على هذا يشكل مسّ العظام المجرّدة المعلوم كونها من الانسان في المقابر أو غيرها. نعم، لو كانت المقبرة للمسلمين يمكن الحمل على أنّها مغسّلة.
الشرح:
اذا شكّ في تحقّق المسّ و عدمه لايجب الغسل؛ و ذلك لاستصحاب عدم المسّ، و للبراءة عن وجوب الغسل. و كذا لو شكّ في أنّ الممسوس كان انسانا أو غيره، أو كان ميّتا أو حيّا، أو كان قبل برده أو بعده؛ لأنّه يشكّ في أنّ مسّه قدأوجب عليه الغسل أم لا، فالأصل عدمه. و هكذا يكون الحال لو شكّ في أنّ الممسوس كان بدن الميّت أو شعره أو لباسه، فلايجب عليه الغسل في ذلك كلّه؛ لما ذكر.
و أمّا لو شكّ أنّه كان شهيدا أم غيره فوجوب الغسل عليه ان لم يكن أقوى فهو أحوط؛ لأنّه مسّ ميّتا و كلّف بالغسل و لايسقط عنه الاّ اذا أحرز أنّ الميّت كان شهيدا، فالأصل لايعارض ما وجب عليه.
فرعان:
لو علم المسّ فتارة: يشكّ في أنّه قد غسّل أم لا، فيجب الغسل؛ لأنّ الأصل عدم غسل الميّت.
و أخرى: يعلم بأنّ الميّت قد غسّل الاّ أنّه يشكّ في تقدّم المسّ عليه و تأخّره
عنه، فتارة: يعلم تاريخ المسّ فيستصحب عدم الغسل الى هذا التاريخ فيجب عليه غسل المسّ. و أخرى: يعلم تاريخ الغسل و يستصحب عدم المسّ الى هذا التاريخ فلايجب عليه الغسل، فلايعارض استصحاب عدم المسّ في الصورة الأولى و لا استصحاب عدم الغسل في الصورة الثانية؛ لكونهما من الأصل المثبت.
و ثالثة: لايعلم تاريخهما، ففي هذه الصورة فاستصحاب عدم المسّ الى حين الغسل يعارض استصحاب عدم الغسل الى حين المسّ، فيجري استصحاب الطهارة أو البراءة من وجوب غسل المسّ عليه.
ثمّ انّه لو مسّ العظام المجرّدة المعلوم كونها من الانسان، فان حصل الاطمئنان بغسل الأموات بأن كانوا في مقابر المسلمين أو من طريق آخر فلايجب الغسل، و أمّا ان كانوا في مقابر الكفّار، فلو لم يمض نحو سنة أو أكثر من موتهم فعليه الغسل.
لايجب الغسل بمسّ من قتل من المجاهدين في المعركة و استشهد بين الصفّين؛ و ذلك أوّلاً لأنّ الأمر بغسل المسّ مخصوص بمن مسّ الميّت، فالشهيد خارج عن الميّت شرعا، و كأنّه حيّ. و ثانيا للروايات الواردة في أنّ القتيل لايغسّل، ففي صحيحة اسماعيل بن جابر و زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه؟ قال: نعم، في ثيابه بدمائه، و لايحنّط و لايغسّل، و يدفن كما هو، ثمّ قال: دفن رسول اللّه صلى الله عليه و آله عمّه حمزة في ثيابه بدمائه التي أصيب فيها، و ردّاه النبي صلى الله عليه و آله برداء فقصر عن رجليه، فدعا له باذخر فطرحه عليه، و صلّى عليه سبعين صلاة، و كبّر عليه سبعين تكبيرة».(1)
1) - وسائل الشيعة 2: 509 / الباب 14 من أبواب غسل الميّت / الحديث 8.
(مسألة 4): اذا كان هناك قطعتان يعلم اجمالاً أنّ أحدهما من ميّت الانسان فان مسّهما معا وجب عليه الغسل، و ان مسّ أحدهما ففي وجوبه اشكال و الأحوط الغسل.
الشرح:
اذا كان هناك قطعتان يعلم اجمالاً أنّ أحدهما من ميّت الانسان، فان مسّهما معا وجب عليه الغسل؛ للعلم الاجمالي بأنّه مسّ قطعة من ميّت الانسان و هو منجّز. و ان مسّ أحدهما، فلايجب الغسل؛ للبراءة. فيكون كملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة.
(مسألة 5): لا فرق بين كون المسّ اختياريّا أو اضطراريّا في اليقظة أو في النوم، كان الماسّ صغيرا أو مجنونا أو كبيرا عاقلاً، فيجب على الصغير الغسل بعد البلوغ، و الأقوى صحّته قبله أيضا اذا كان مميّزا، و على المجنون بعد الافاقة.
الشرح:
لا فرق بين كون المسّ اختياريّا أو اضطراريّا، في اليقظة أو في النوم، كان الماسّ صغيرا أو مجنونا أو كبيرا عاقلاً؛ و ذلك لأنّ وجوب الغسل قد جعل على مسّ بدن الحيّ ببدن الميّت، و هذا يكون كالجماع فانّ الواطئ و الموطوء يكونان جنبا في أيّ صورة من هذه الصور. فعلى فرض كون الماسّ صغيرا أو مجنونا يجب عليهما الغسل بعد البلوغ أو الافاقة، و ان كان الأقوى صحّته قبل البلوغ بالنسبة الى الصغير اذا كان مميّزا؛ لشرعيّة أعماله.
(مسألة 6): في وجوب الغسل بمسّ القطعة المبانة من الحي لا فرق بين أن يكون الماسّ نفسه أو غيره.
الشرح:
يجب الغسل بمسّ القطعة المبانة من الحيّ، سواء كان الماسّ نفس الحيّ الذي قطعت منه أو غيره؛ و ذلك لاطلاق الروايات المتقدّمة في أوّل الفصل، و اطلاق مرسلة أيّوب بن نوح المتقدّمة في المسألة الثانية. و احتمال اختصاص الحكم بغير نفسه لانصراف النصّ الى غيره ضعيف؛ لأنّ الانصراف المذكور ان كان فهو بدائي، و الارتكاز العرفي على خلافه كما في المستمسك.(1)
(مسألة 7): ذكر بعضهم أنّ في ايجاب مسّ القطعة المبانة من الحي للغسل لا فرق بين أن يكون قبل بردها أو بعده و هو أحوط.
الشرح:
الظاهر أنّه لا فرق في اشتراط الغسل بعد البرد بين أن يكون المسّ بالميّت نفسه أو القطعة المبانة منه؛ و ذلك لاطلاق الدليل بالنسبة الى الحالتين، فانّ الدليل على الغسل هو مسّ الميّت بعد البرد. و أمّا قوله عليه السلام في مرسلة أيّوب بن نوح:
«اذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فاذا مسّه انسان فكلّ ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسّه الغسل، فان لم يكن فيه عظم فلا غسل عليه».(2)
فالظاهر أنّها لا اطلاق لها من هذه الجهة ليشمل صورة المسّ في حالة الحرارة،فالمرجع فيه استصحاب طهارة الماسّ أو أصالة البراءة من وجوب الغسل.
(مسألة 8): في وجوب الغسل اذا خرج من المرأة طفل ميّت بمجرّد مماسّته لفرجها اشكال، و كذا في العكس بأن تولّد الطفل من المرأة الميتة فالأحوط غسلها في الأوّل و غسله بعد البلوغ في الثاني.
الشرح:
الظاهر وجوب الغسل على المرأة اذا خرج منها طفل ميّت بمماسّته لظاهر فرجها. و كذا في العكس بأن تولّد الطفل من المرأة الميتة فانّ عليه الغسل بعد البلوغ. و الدليل على وجوب الغسل هو عمومات الروايات الواردة في الباب أو اطلاقاتها، فلايجري استصحاب الطهارة. و قد تقدّم في المسألة الأولى عدم الفرق بين أن يكون المسّ بباطن الميّت أو ظاهره، و كذا العكس.
(مسألة 9): مسّ فضلات الميّت من الوسخ و العرق و الدم و نحوها لايوجب الغسل و ان كان أحوط.
الشرح:
مسّ فضلات الميّت من الوسخ و العرق و الدم و نحوها لايوجب الغسل؛ و ذلك لعدم صدق مسّ الميّت الذي هو مفاد الروايات المتقدّمة.
(مسألة 10): الجماع مع الميتة بعد البرد يوجب الغسل و يتداخل مع الجنابة.
الشرح:
أمّا وجوب الغسل للجماع مع الميتة بعد البرد، فلعمومات الأدلّة، و أمّا تداخل غسل الجنابة مع غسل المسّ فلما سبق في غسل الجنابة.
(مسألة 11): مسّ المقتول بقصاص أو حدّ اذا اغتسل قبل القتل غسل الميّت، لايوجب الغسل.
الشرح:
مسّ المقتول بقصاص أو حدّ اذا اغتسل قبل القتل غسل الميّت لايوجب الغسل؛ و ذلك لأنّ الظاهر من الأوامر الواردة في ذلك الباب أنّ غسلهم هذا يكون بمنزلة الغسل بعد الموت، و يترتّب عليه آثاره و أحكامه.
قال في المستمسك: «كما عن التذكرة و التحرير و النهاية و الدروس و البيان و جامع المقاصد و المسالك و المدارك و غيرها، بناءً منهم على أنّ غسله المقدّم قبل القتل هو غسل الميّت، فيكون مسّه بعد القتل مسّا بعد الغسل أيضا غير موجب للغسل».(1)
(مسألة 12): مسّ سرّة الطفل بعد قطعها لايوجب الغسل.
الشرح:
مسّ سرة الطفل بعد قطعها لايوجب الغسل؛ لعدم كون مسّها مسّا للميّت و لا للقطعة المبانة منه. و كذا في المسألة اللاحقة.
(مسألة 13): اذا يبس عضو من أعضاء الحي و خرج منه الروح بالمرّة مسّه مادام متّصلاً ببدنه لايوجب الغسل، و كذا اذا قطع عضو منه و اتّصل ببدنه بجلدة مثلاً. نعم، بعد الانفصال اذا مسّه وجب الغسل بشرط أن يكون مشتملاً على العظم.
كما تقدّم في المسألة السابقة.
1) - مستمسك العروة 3: 481.
(مسألة 14): مسّ الميّت ينقض الوضوء فيجب الوضوء مع غسله.
الشرح:
ان قلنا انّ غسل مسّ الميّت لايغني عن الوضوء، فنقول بأنّه لو كان متوضّئا لاينقض وضوؤه اذا مسّ الميّت؛ و ذلك لعدم الدليل على النقض، فانّ الأمور التي تكون ناقضة للوضوء منحصرة في البول و الغائط و المني و الجماع و الريح و دم الحيض و النفاس كما في التنقيح و المستمسك. اللّهمّ الاّ أن يقال: انّه حدث و لذا لايجوز العمل المشروط فيه الطهارة كالصلاة بدون الغسل منه و لايبعد ناقضيّته بالنسبة الى الوضوء بل يأتي في المسألة السادسه عشر ناقضيّته، و الظاهر أنّ انحصار النواقض في المذكورات اضافي.
(مسألة 15): كيفيّة غسل المسّ مثل غسل الجنابة الاّ أنّه يفتقر الى الوضوء أيضا.
الشرح:
تقدّم أنّ كيفيّة الأغسال من الواجبة و المستحبّة كلّها مثل غسل الجنابة. و قد ورد في صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«من غسّل ميّتا و كفّنه اغتسل غسل الجنابة».(1)
و قد تقدّم أيضا أنّ الغسل مطلقا من الأغسال الواجبة أو المستحبّة المأثورة في المعتبر كغسل الجمعة لايحتاج الى الوضوء الاّ غسل الاستحاضة المتوسّطة فانّه يحتاج الى الوضوء.
1) - وسائل الشيعة 3: 290 / الباب 1 من أبواب غسل المسّ / الحديث 6.
(مسألة 16): يجب هذا الغسل لكلّ واجب مشروط بالطهارة من الحدث الأصغر و يشترط فيما يشترط فيه الطهارة.
الشرح:
قال في المستمسك: «كما هو المشهور شهرة عظيمة، بل قيل: انّه اتّفاق من القائلين بوجوبه، و عن المدارك أنّه توقّف فيه؛ لأنّه لم يقف على ما يقتضي اشتراطه في شيء من العبادات، و لا مانع من أن يكون واجبا لنفسه كغسل الجمعة و الاحرام عند من أوجبهما.
و فيه: انّ الأدلّة و ان لم يصرّح فيها بالاشتراط المذكور لكنّها ظاهرة في كون المسّ حدثا ينحصر رافعه بالغسل، كظهور ما دلّ على وجوب غسل الثوب و البدن من ملاقاة البول و غيره في نجاستهما، و ظهور ما دلّ على وجوب الوضوء بالنوم في كون النوم حدثا ينحصر رافعه بالوضوء، و الفرق بين أدلّة المقام و بين ما تضمّن الأمر بالغسل يوم الجمعة أو للاحرام ظاهر؛ اذ لا مجال لتوهّم حصول الحدث فيهما كما لايخفى. فما ذهب اليه الماتن صحيح. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
انّ الظاهر من الروايات الواردة في الباب - كما قال في المستمسك و ذهب اليه المشهور - أنّ مسّ الميّت موجب للحدث فلايرفع الاّ بالغسل، و عليه يجب هذا الغسل لكلّ واجب مشروط بالطهارة من الحدث مطلقا.
(مسألة 17): يجوز للماسّ قبل الغسل دخول المساجد و المشاهد والمكث فيها و قراءة العزائم و وطؤها ان كان امرأة فحال المسّ حال الحدث الأصغر الاّ في ايجاب الغسل للصلاة و نحوها.
1) - مستمسك العروة 3: 482 و 483.
الشرح:
يدلّ على جواز دخول المساجد و المشاهد و المكث فيها و قراءة العزائم و وطئها - ان كان امرأة - لمن مسّ الميّت و لم يغتسل، عدم الدليل على منعه، كما ورد المنع في الجنابة و الحيض و النفاس و الاستحاضة؛ لامكان التفكيك بينهما.
(مسألة 18): الحدث الأصغر و الأكبر في أثناء هذا الغسل لايضرّ بصحّته. نعم، لو مسّ في أثنائه ميّتا وجب استئنافه.
الشرح:
تقدّم في غسل الجنابة أنّ الحدث الأصغر في أثناء الغسل مطلقا لايضرّ بصحّته، الاّ أنّه يجب عليه الوضوء بعده. و كذا لو أحدث في أثناء هذا الغسل أي غسل مسّ الميّت بالحدث الأكبر كالجنابة و الحيض فلايضرّه، ولايسقط قابليّة الحاق الأجزاء المتأخّرة بالأجزاء المتقدّمة، فانّ عدم الالحاق يحتاج الى الدليل و هو مفقود، بل له أن يتمّ غسله و يغتسل غسلاً آخر للحدث الجديد، و يجوز له الاستئناف بغسل واحد لكلا الحدثين. و أمّا لو مسّ الميّت أثناء غسل مسّ الميّت فينقض غسله و يجب عليه الاستئناف؛ لأنّه لم يرفع حدثه، و قد أحدث بحدث مثله.
(مسألة 19): تكرار المسّ لايوجب تكرّر الغسل و لو كان الميّت متعدّدا كسائر الأغسال.
الشرح:
تقدّم في غسل الجنابة أنّ تكرّر موجب الغسل لايوجب تكرّر الغسل، كتكرّر موجب الوضوء. و هنا أيضا تكرّر المسّ لايوجب تكرّر الغسل و لو كان الميّت متعدّدا كسائر الأغسال؛ و الدليل على ذلك أنّ الأوامر الواردة في الغسل و الوضوء
تكون ارشادا الى رفع الحدث، و أنّه يشترط في الأعمال التي تحتاج الى الطهارة مثل الصلاة و الطواف و غيرهما أن يغتسل و يرفع الحدث، و التداخل في الأوامر الارشاديّة لايكون على خلاف القاعدة.
(مسألة 20): لا فرق في ايجاب المسّ للغسل بين أن يكون مع الرطوبة أو لا. نعم، في ايجابه للنجاسة يشترط أن يكون مع الرطوبة على الأقوى و ان كان الأحوط الاجتناب اذا مسّ مع اليبوسة، خصوصا في ميّت الانسان. و لا فرق في النجاسة مع الرطوبة بين أن يكون بعد البرد أو قبله، و ظهر من هذا أنّ مسّ الميّت قد يوجب الغُسل و الغَسل كما اذا كان بعد البرد و قبل الغسل مع الرطوبة، و قد لايوجب شيئا كما اذا كان بعد الغسل أو قبل البرد بلا رطوبة، و قد يوجب الغُسل دون الغَسل كما اذا كان بعد البرد و قبل الغُسل بلا رطوبة، و قد يكون بالعكس كما اذا كان قبل البرد مع الرطوبة.
الشرح:
اذا مسّ الميّت بعد البرد و قبل الغسل يجب عليه غسل مسّ الميّت بلا فرق بين أن يكون المسّ مع الرطوبة أم لا؛ و ذلك لاطلاق الروايات. و يشترط في نجاسة بدن الماسّ أن يكون مع الرطوبة المسرية؛ لأنّ الدليل في نجاسة الميتة مطلق يشمل ميّت الآدمي أيضا، الاّ أنّه كما تشترط الرطوبة للنجاسة في الميتة غير الآدمي كذلك تشترط في ميتة الآدمي. نعم، لا فرق في النجاسة بالملاقاة مع الرطوبة بين أن يكون قبل البرد أو بعده؛ لاطلاق الروايات الواردة في ذلك أي فيما دلّ على نجاسة ملاقي النجس مع الرطوبة.
ثمّ انّ ما يسبّبه مسّ الميّت أربعة أقسام:
أحدها: أن يوجب الغُسل و الغَسل كما اذا كان بعد البرد و قبل الغسل مع الرطوبة.
و ثانيها: أن لايوجب غُسلاً و لا غَسلاً، كما اذا كان بعد الغُسل أو قبل البرد بلا رطوبة.
و ثالثها: أن يوجب الغُسل دون الغَسل كما اذا كان بعد البرد و قبل الغُسل بلا رطوبة.
و رابعها: أن يوجب الغَسل دون الغُسل كما اذا كان قبل البرد مع الرطوبة.
اعلم أنّ أهمّ الأمور و أوجب الواجبات التوبة من المعاصي، و حقيقتها الندم و هو من الأمور القلبيّة، و لايكفي مجرّد قوله: أستغفر اللّه، بل لا حاجة اليه مع الندم القلبي و ان كان أحوط، و يعتبر فيها العزم على ترك العود اليها و المرتبة الكاملة منها ما ذكره أمير المؤمنين عليه السلام .
الشرح:
لا ريب في وجوب التوبة عن المعاصي التي هي عبارة عن ترك الواجبات و فعل المحرّمات، و الدليل عليه الكتاب كقوله تعالى: «توبوا الى اللّه توبة نصوحا»(1)، و السنّة كصحيحة أبي الصباح الكناني قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «يا أيّها الذين آمنوا توبوا الى اللّه توبة نصوحا»، قال: يتوب العبد من الذنب ثمّ لايعود فيه».(2)
و الاجماع لأنّه لم يختلف فيه أحد من المسلمين. و العقل، فانّه يرشد بأنّ معصية الخالق تلازم استحقاق العقاب، فوجب على العاصي أن يتوب الى خالقه.
و حقيقة التوبة الندم، و العزم على ترك العود كما في الآية و تفسيرها، و هو من الأمور القلبيّة و لايكفي مجرّد قوله: أستغفراللّه، و ان كان الأحوط أن يقول ذلك؛ لما في الكتاب و السنّة. و المرتبة الكاملة من التوبة هو قول مولانا أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في نهج البلاغة بأنّ لها ستّة شروط، فراجع.(1)
(مسألة 1): يجب عند ظهور أمارات الموت أداء حقوق الناس الواجبة و ردّ الودائع و الأمانات التي عنده مع الامكان و الوصيّة بها مع عدمه مع الاستحكام على وجه لايعتريها الخلل بعد موته.
الشرح:
الحقوق الواجبة على عهدة المكلّف نوعان:
منها ما يجب أداؤه فورا كالمغصوب، و الثمن من المبيع الذي لم يردّه أو المبيع من الثمن الذي أخذه و لم يردّ المبيع، أو الودائع التي لم يرض صاحبها أن تكون باقية عنده، و كذا الديون التي يطالب بها مالكها، فهذا النوع من الحقوق يجب أداؤه و لو لم يظهر له أمارات الموت. و الدليل عليه الكتاب و السنّة و العقل و الاجماع، كقوله تعالى: «لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل»(2)و قوله تعالى: «انّ اللّه يأمركم أن تؤدّوا الأمانات الى أهلها».(3)
و منها الحقوق التي لايجب ردّها فورا كالودائع التي يرضى صاحبها ببقائها عنده، و كذا الديون، فيجب عليه الايصاء بنحو يتيقّن من وصولها الى صاحبها، أو يردّها بنفسه الى صاحبها ان أمكن. و ان لم يتمكّن من ايصال الحقوق التى يجب ردّها الى صاحبها يجب عليه الايصاء بالشرط المذكور عند أمارات الموت.
(مسألة 2): اذا كان عليه الواجبات التي لاتقبل النيابة حال الحياة كالصلاة و الصوم و الحجّ و نحوها وجب الوصيّة بها اذا كان له مال بل مطلقا اذا احتمل وجود متبرّع، و فيما على الولي كالصلاة و الصوم التي فاتته لعذر يجب اعلامه أو الوصيّة باستئجارها أيضا.
الشرح:
اذا كان عليه الواجبات التي لاتقبل النيابة حال الحياة كالصلاة و الصوم و الحجّ في الجملة و نحوها وجب الايصاء بها اذا كان له مال، بل و ان لم يكن له مال اذا احتمل وجود متبرع؛ لأنّه يجب عليه قضاؤها بنفسه، و ان لم يقضها وجب عليه الايصاء بها؛ لعدم سقوطها عن ذمّته، أمّا الصلاة و الصوم اللذان لم يؤدّهما لعذر و يجب على ولده الأكبر اتيانهما يجب الاعلام بهما و قدرهما أو الايصاء بالاستئجار لهما؛ لجواز استئجار الولي لاتيانهما.
(مسألة 3): يجوز له تمليك ماله بتمامه لغير الوارث لكن لايجوز له تفويت شيء منه على الوارث بالاقرار كذبا؛ لأنّ المال بعد موته يكون للوارث فاذا أقرّ به لغيره كذبا فوّت عليه ماله. نعم، اذا كان له مال مدفون في مكان لايعلمه الوارث يحتمل عدم وجوب اعلامه لكنّه أيضا مشكل، و كذا اذا كان له دين على شخص و الأحوط الاعلام، و اذا عدّ عدم الاعلام تفويتا فواجب يقينا.
الشرح:
يجوز له تمليك ماله لغير الوارث؛ للروايات الواردة في ذلك كموثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الميّت أحقّ بماله مادام فيه الروح يبين به، قال: نعم، فان أوصى به فليس له الاّ الثلث».(1)
1) - وسائل الشيعة 19: 299 / الباب 17 من كتاب الوصايا / الحديث 7.
و ان كان يكره؛ لمرسلة الكليني:
«انّ النبي صلى الله عليه و آله قال لرجل من الأنصار أعتق مماليكه لم يكن له غيرهم، فعابه النبي صلى الله عليه و آله و قال: ترك صبيّة صغارا يتكفّفون الناس».(1)
قال المصنّف: «لكن لايجوز له تفويت شيء منه على الوارث بالاقرار كذبا». و هذا على قسمين:
تارة: يقول: هذا المال لفلان و قصده اعطاؤه ايّاه في ذاك الوقت، فهذا تمليك ماله و لا اشكال فيه.
و أخرى: لم يكن قصده هذا، بل قصده تفويت شيء من ماله على الوارث، مثال ذلك: يسأل منه فرد عن ماله الواقع في موضع كذا، فيقول: هو لفلان كذبا، فهذا الاقرار منه موجب لتفويت مال الوارث فهو حرام. فيشبه هذا بشهادة الزور التي وردت في ذمّها و العقاب عليها روايات في كتاب الشهادات.(2)
و لو كان له مال مدفون في مكان لايعلمه الوارث يجب عليه اعلامه؛ لأنّه نوع من التفويت لمال الوارث عرفا. و اذا كان له دين على شخص فلايبعد أن يكون عدم الاعلام تفويتا اذا كان المدين موسرا، فالأحوط الاعلام مطلقا.
(مسألة 4): لايجب عليه نصب قيّم على أطفاله الاّ اذا عدّ عدمه تضييعا لهم أو لمالهم، و على تقدير النصب يجب أن يكون أمينا، و كذا اذا عيّن على أداء حقوقه الواجبة شخصا يجب أن يكون أمينا. نعم، لو أوصى بثلثه في وجوه الخيرات الغير الواجبة لايبعد عدم وجوب كون الوصي عليها أمينا، لكنّه أيضا لايخلو عن اشكال خصوصا اذا كانت راجعة الى الفقراء.
الشرح:
لايجب عليه نصب قيّم على أطفاله؛ للبراءة، الاّ اذا عدّ عدم نصب القيّم تضييعا لهم أو لمالهم؛ لأنّ حفظهم عن التضييع و كذا مالهم كما يجب عليه في حياته، يجب في مماته بنصب القيّم أو الوصي، و اذا كان واجبا عليه نصب القيّم فيجب أن يكون أمينا، و الاّ لم يحصل الحفظ عن التضييع.
و أمّا اذا كان عليه الحقوق الواجبة كالصلاة و الصوم و الحجّ و الدين و غير ذلك و عيّن شخصا لذلك يجب أن يكون أمينا ليتيقّن أداءها و السعي في ابراء ذمّته. و كذا لو أوصى بثلثه في وجوه الخيرات الغير الواجبة بالأخصّ لو كانت راجعة الى الفقراء؛ و ذلك لأنّ الوصيّة في ذلك الى غير الأمين يكون نحوا من اتلاف المال عرفا.
و هي أمور:
«الأوّل»: الصبر و الشكر للّه تعالى. «الثاني»: عدم الشكاية من مرضه الى غير المؤمن و حدّ الشكاية أن يقول: ابتليت بما لم يبتل به أحد، أو أصابني ما لم يصب أحدا، و أمّا اذا قال: سهرت البارحة أو كنت محموما فلابأس به. «الثالث»: أن يخفي مرضه الى ثلاثة أيّام. «الرابع»: أن يجدّد التوبة. «الخامس»: أن يوصي بالخيرات للفقراء من أرحامه و غيرهم. «السادس»: أن يعلم المؤمنين بمرضه بعد ثلاثة أيّام. «السابع»: الاذن لهم في عيادته. «الثامن»: عدم التعجيل في شرب الدواء و مراجعة الطبيب الاّ مع اليأس من البرء بدونها. «التاسع»: أن يجتنب ما يحتمل الضرر. «العاشر»: أن يتصدّق هو و أقرباؤه بشيء، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «داووا مرضاكم بالصدقة». «الحادي عشر»: أن يقرّ عند حضور المؤمنين بالتوحيد و النبوّة و الامامة و المعاد و سائر العقائد الحقّة. «الثاني عشر»: أن ينصب قيّما أمينا على صغاره و يجعل عليه ناظرا. «الثالث عشر»: أن يوصي بثلث ماله ان كان موسرا. «الرابع عشر»: أن يهيّئ كفنه، و من أهمّ الأمور احكام أمر وصيّته و توضيحه واعلام الوصي و الناظر بها. «الخامس عشر»: حسن الظنّ باللّه عند موته بل قيل
بوجوبه في جميع الأحوال و يستفاد من بعض الأخبار وجوبه حال النزع.
الشرح:
يدلّ على الأمور المذكورة روايات:
فعلى الأوّل رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«أيّما رجل اشتكى فصبر و احتسب كتب اللّه له من الأجر أجر ألف شهيد».(1)
و صحيحة العزرمي عن أبيه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من اشتكى ليلة فقبلها بقبولها و أدّى الى اللّه شكرها كانت كعبادة ستّين سنة، قال أبي: فقلت له: ما قبولها؟ قال: يصبر عليها و لايخبر بما كان فيها، فاذا أصبح حمداللّه على ما كان».(2)
و على الثاني صحيحة جميل بن صالح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سئل عن حدّ الشكاة للمريض، فقال: انّ الرجل يقول: حممت اليوم و سهرت البارحة و قد صدق، و ليس هذا شكاة، و انّما الشكوى أن يقول: لقد ابتليت بما لم يبتل به أحد، و يقول: لقد أصابني ما لم يصب أحدا، و ليس الشكوى أن يقول: سهرت البارحة و حممت اليوم، و نحو هذا».(3)
و رواية يونس بن عمّار قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: أيّما رجل مؤمن شكا حاجته و ضرّه الى كافر أو الى من يخالفه على دينه فانّما شكا اللّه عزّوجلّ الى عدوّ
من أعداء اللّه، قال: و أيّما رجل مؤمن شكا حاجته و ضرّه الى مؤمن مثله كانت شكواه الى اللّه عزّوجلّ».(1)
و على الثالث مرسلة ابن أبي عمير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : من مرض ثلاثة أيّام فكتمه و لم يخبر به أحدا أبدل اللّه له لحما خيرا من لحمه و دما خيرا من دمه، و بشرة خيرا من بشرته، و شعرا خيرا من شعره. قال: قلت: جعلت فداك و كيف يبدله؟ قال: يبدله لحما و شعرا و دما و بشرا لم يذنب فيها».(2)
و في الخصال باسناده عن علي عليه السلام (في حديث الأربعمائة) قال:
«من كتم وجعا أصابه ثلاثة أيّام من الناس و شكى الى اللّه عزّوجلّ كان حقّا على اللّه أن يعافيه منه».(3)
و على الرابع رواية سالم بن أبي سلمة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«حضر رجلاً الموت فقيل: يا رسول اللّه صلى الله عليه و آله، انّ فلانا قد حضره الموت، فنهض رسول اللّه صلى الله عليه و آله و معه ناس من أصحابه حتّى أتاه و هو مغمى عليه، قال: فقال: يا ملك الموت، كفّ عن الرجل حتّى أسائله، فأفاق الرجل: فقال النبي صلى الله عليه و آله: ما رأيت؟ قال: رأيت بياضا كثيرا و سوادا كثيرا، قال: فأيّهما كان أقرب اليك؟ فقال: السواد، فقال النبي صلى الله عليه و آله: قل: اللّهمّ اغفر لي الكثير من معاصيك و اقبل منّي اليسير من طاعتك، فقاله، ثمّ أغمي عليه، فقال: يا ملك الموت، خفّف عنه حتّى أسائله فأفاق الرجل، فقال: ما رأيت؟ قال: رأيت بياضا كثيرا و سوادا كثيرا، قال: فأيّهما أقرب اليك؟ فقال: البياض، فقال
رسول اللّه صلى الله عليه و آله: غفر اللّه لصاحبكم، قال: فقال أبو عبداللّه عليه السلام : اذا حضرتم ميّتا فقولوا له هذا الكلام ليقوله».(1)
و على الخامس صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام : الوصيّة حقّ، و قد أوصى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فينبغي للمؤمن أن يوصي».(2)
و مرسلة أبي حمزة عن بعض الأئمّة عليهم السلام قال:
«انّ اللّه تبارك و تعالى يقول: ابن آدم، تطوّلت عليك بثلاثة: أسترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك، و أوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدّم خيرا، و جعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيرا».(3)
و على السادس و السابع صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: ينبغي للمريض منكم أن يؤذن اخوانه بمرضه فيعودونه فيؤجر بهم و يؤجرون فيه، قال: فقيل له: نعم، فهم يؤجرون فيه بممشاهم اليه، فكيف يؤجر فيهم؟ قال: فقال: باكتسابه لهم الحسنات فيؤجر فيهم فيكتب له بذلك عشر حسنات، و يرفع له عشر درجات، و يمحى بها عنه عشر سيّئات».(4)
و على الثامن رواية عثمان الأحول عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«ليس من دواء الاّ و يهيّج داءا و ليس شيء أنفع في البدن من امساك اليد الاّ عمّا يحتاج اليه».(5)
1) - وسائل الشيعة 2: 461 / الباب 39 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 2: 446 / الباب 29 من أبواب الاحتضار / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 2: 447 / الباب 30 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 2: 413 / الباب 8 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 2: 408 / الباب 4 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
و ما روى الطبرسي في مكارم الأخلاق في رواية عنه عليه السلام :
«تجنّب الدواء ما احتمل بدنك الداء فاذا لم يحتمل الداء فالدواء».(1)
و على التاسع و هو أن يجتنب ما يحتمل الضرر؛ لحكم العقل به، و لا اختصاص بحال المرض، بل قد يجب ذلك اذا كان الضرر عظيما، كما لو احتمل الموت بأكل شيء أو شربه.
و على العاشر رواية زرارة بن أعين عن أبي جعفر عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: داووا مرضاكم بالصدقة».(2)
و عنه عليه السلام قال:
«الصدقة تدفع ميتة السوء عن صاحبها».(3)
و عنه عليه السلام قال:
«الصدقة تدفع البلاء المبرم، فداووا مرضاكم بالصدقة».(4)
و عن موسى بن جعفر عليه السلام أنّ رجلاً شكا اليه:
«انّني في (عشرة نفر)(5)من العيال كلّهم مريض، فقال له موسى عليه السلام : داوهم بالصدقة، فليس شيء أسرع اجابة من الصدقة، و لاأجدى منفعة للمريض من الصدقة».(6)
و الحادي عشر يستفاد من الروايات التي وردت باستحباب تلقين المحتضر الشهادتين و الاقرار بالأئمّة عليهم السلام و تلقينه كلمات الفرج، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 2: 409 / الباب 4 من أبواب الاحتضار / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 2: 433 / الباب 22 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 2: 433 / الباب 22 من أبواب الاحتضار / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 2: 433 / الباب 22 من أبواب الاحتضار / الحديث 2.
5) - في المصدر: كثرة. هامش الوسائل
6) - وسائل الشيعة 2: 433 / الباب 22 من أبواب الاحتضار / الحديث 4.
«اذا حضرت الميّت قبل أن يموت فلقّنه شهادة أن لا اله الاّ اللّه وحدهلا شريك له و أنّ محمّدا عبده و رسوله».(1)
و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لو أدركت مكرمة عند الموت لنفعته، فقيل لأبي عبداللّه عليه السلام : بماذا كان ينفعه؟ قال: يلقّنه ما أنتم عليه».(2)
و في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا أدركت الرجل عند النزع فلقّنه كلمات الفرج: لا اله الاّ اللّه الحليم الكريم، لا اله الاّ اللّه العلي العظيم، سبحان اللّه ربّ السموات السبع و ربّ الأرضين السبع و ما فيهنّ و ما بينهنّ و ربّ العرش العظيم و الحمدللّه ربّ العالمين، الحديث».(3)
و يستحبّ أن ينصب قيّما أمينا على صغاره و يجعل عليه ناظرا؛ لأنّ الاهتمام بهم من الصلة و الترحّم عليهم.
و يستحبّ أن يوصي بثلث ماله ان كان موسرا؛ لقوله عليه السلام :
«و (براء بن معرور الأنصاري) أوصى بثلث ماله فجرت به السنّة».(4)
و أن يهيّئ كفنه؛ لقوله عليه السلام :
«من كان كفنه معه في بيته لم يكتب من الغافلين، و كان مأجورا كلّما نظر اليه».(5)
1) - وسائل الشيعة 2: 454 / الباب 36 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 2: 457 / الباب 37 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 2: 459 / الباب 38 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 19: 271 / الباب 10 من كتاب الوصايا / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 50 / الباب 27 من أبواب التكفين / الحديث 2.
و من أهمّ الأمور احكام أمر وصيّته و توضيحه و اعلام الوصيّ و الناظر بها؛ لما ورد من الروايات في الباب الأوّل من كتاب الوصايا، كقوله عليه السلام :
«الوصيّة حقّ و قد أوصى رسول اللّه صلى الله عليه و آله فينبغي للمسلم أن يوصي».(1)
و قوله عليه السلام :
«من مات بغير وصيّة مات ميتة جاهليّة».(2)
و قوله عليه السلام :
«هي حقّ على كلّ مسلم».(3)
و يستحبّ أن يحسن ظنّه باللّه عند موته بل في كلّ الأحوال؛ لقول مولانا الرضا عليه السلام :
«أحسن الظنّ باللّه فانّ اللّه عزّوجلّ يقول: أنا عند ظنّ عبدي، ان خيرا فخيرا و ان شرّا فشرّا».(4)
عيادة المريض من المستحبّات المؤكّدة، و في بعض الأخبار أنّ عيادته عيادة اللّه تعالى فانّه حاضر عند المريض المؤمن، و لاتتأكّد في وجع العين و الدمل و كذا من اشتدّ مرضه أو طال، و لا فرق بين أن تكون في الليل أو في النهار بل يستحبّ في الصباح و المساء، و لايشترط فيها الجلوس بل و لا السؤال عن حاله، و لها آداب:
«أحدها»: أن يجلس عنده و لكن لايطيل الجلوس الاّ اذا كان المريض طالبا.
«الثاني»: أن يضع العائد احدى يديه على الأخرى أو على جبهته حال الجلوس عند المريض.
«الثالث»: أن يضع يده على ذراع المريض عند الدعاء له أو مطلقا.
«الرابع»: أن يدعو له بالشفاء و الأولى أن يقول: اللّهمّ اشفه بشفائك و داوه بدوائك و عافه من بلائك.
«الخامس»: أن يستصحب هديّة له من فاكهة أو نحوها ممّا يفرّحه و يريحه.
«السادس»: أن يقرأ عليه فاتحة الكتاب سبعين أو أربعين مرّة أو سبع مرّاتأو مرّة واحدة فعن أبي عبداللّه عليه السلام : «لو قرأت الحمد على ميّت سبعين مرّة ثمّ
ردّت فيه الروح ما كان عجبا»، و في الحديث: «ما قرئ الحمد على وجع سبعين مرّة الاّ سكن باذن اللّه و ان شئتم فجرّبوا و لاتشكّوا»، و قال الصادق عليه السلام : «من نالته علّة فليقرأ في جيبه الحمد سبع مرّات»، و ينبغي أن ينفض لباسه بعد قراءة الحمد عليه.
«السابع»: أن لايأكل عنده ما يضرّه و يشتهيه.
«الثامن»: أن لايفعل عنده ما يغيظه أو يضيق خلقه.
«التاسع»: أن يلتمس منه الدعاء فانّه ممّن يستجاب دعاؤه، فعن الصادق عليه السلام : «ثلاثة يستجاب دعاؤهم: الحاجّ و الغازي و المريض».
الشرح:
يستحبّ عيادة المريض مؤكّدا؛ لرواية اسحاق بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه و آله قال:
«يعيّر اللّه عزّوجلّ عبدا من عباده يوم القيامة فيقول: عبدي ما منعك اذا مرضت أن تعودني؟ فيقول: سبحانك سبحانك أنت ربّ العباد، لاتألم و لاتمرض، فيقول: مرض أخوك المؤمن فلم تعده و عزّتي و جلالي لو عدته لوجدتني عنده ثمّ لتكفّلت بحوائجك فقضيتها لك، و ذلك من كرامة عبدي المؤمن و أنا الرحمن الرحيم».(1)
و لاتتأكّد في وجع العين و فيما اذا طالت المدّة و في أقلّ من ثلاثة أيّام بعد العيادة أو يومين؛ لمرسلة علي بن أسباط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا عيادة في وجع العين، و لاتكون عيادة في أقلّ من ثلاثة أيّام، فاذا وجبت فيوم و يوم لا، فاذا طالت العلّة ترك المريض و عياله».(2)
و لقوله عليه السلام في المرسلة:
«ثلاثة لايعاد: صاحب الدمل و الضرس و الرمد».(1)
و لا فرق في استحباب عيادة المريض بين أن تكون في الليل أو في النهار، بل تستحبّ في الصباح و المساء؛ لصحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أيّما مؤمن عاد مؤمنا مريضا حين يصبح شيّعه سبعون ألف ملك، فاذا قعد غمرته الرحمة و استغفروا له حتّى يمسي، و ان عاده مساءا كان له مثل ذلك حتّى يصبح».(2)
و لها آداب قد ذكر المصنّف تسعة منها، و نذكر ما يدلّ عليها بالترتيب الذى أتى به:
منها رواية مسعدة بن صدقة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ أميرالمؤمنين عليه السلام قال: انّ من أعظم العوّاد أجرا عند اللّه لمن اذا عاد أخاه خفّف الجلوس، الاّ أن يكون المريض يحبّ ذلك و يريده و يسأله ذلك، و قال: من تمام العيادة أن يضع العائد احدى يديه على الأخرى أو على جبهته».(3)
و منها مرسلة موسى بن قادم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تمام العيادة للمريض أن تضع يدك على ذراعه و تعجّل القيام من عنده، فانّ عيادة النوكى(4)أشدّ على المريض من وجعه».(5)
و يستحبّ الدعاء له، كما يستفاد من رواية أبي بصير قال:
«و قال أبو عبداللّه عليه السلام : ما اشتكى أحد من المؤمنين شكاية قطّ، فقال
باخلاص نيّة و مسح موضع العلّة و يقول: «و ننزّل من القرآن ما هو شفاء و رحمة للمؤمنين و لايزيد الظالمين الاّ خسارا»، الاّ عوفي من تلك العلّة أيّة علّة كانت، و مصداق ذلك في الآية حيث يقول: «شفاء و رحمة للمؤمنين»،(1)
وكما في رواية عنه عليه السلام :
« ... فتقول: اشفه بشفائك، و داوه بدوائك و عافه من بلائك، الحديث».(2)
و أن يستصحب هديّة له؛ لرواية أبي زيد عن مولى لجعفر بن محمّد عليه السلام قال:
«مرض بعض مواليه فخرجنا اليه نعوده. (و نحن عدّة من موالي جعفر)، فاستقبلنا جعفر في بعض الطريق فقال لنا: أين تريدون؟ فقلنا: نريد فلانا نعوده، فقال لنا: قفوا. فوقفنا، فقال: مع أحدكم تفّاحة أو سفرجلة أو أترجّة أو لعقة من طيب أو قطعة من عود بخور؟ فقلنا: ما معنا شيء من هذا، فقال: أما تعلمون أنّ المريض يستريح الى كلّ ما أدخل به عليه؟!».(3)
و أن يقرأ عليه فاتحة الكتاب؛ لصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لو قرئت الحمد على ميّت سبعين مرّة ثمّ ردّت فيه الروح ما كان ذلك عجبا».(4)
و مرفوعة النوفلي قال:
«ما قرئت الفاتحة على وجع سبعين مرّة الاّ سكن».(1)
و في رواية أخرى عنه عليه السلام :
«من لم يبرئه الحمد لم يبرئه شيء».(2)
و ما في المتن من الرواية الأخيرة قد وردت في نفس المصدر الحديث السابع.
و أن لايأكل عنده ما يضرّه و يشتهيه؛ لما عن علي عليه السلام من الرواية:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله نهى أن يؤكل عند المريض شيء اذا عاده العائد فيحبط اللّه بذلك أجر عيادته».(3)
المنصرف منه ما يشهده و يضرّه و يشتهيه.
و أن لايفعل عنده ما يغيظه أو يضيق خلقه و أن يلتمس منه الدعاء فانّه ممّن يستجاب دعاؤه كما في حسنة عيسى بن عبداللّه القمّي (في حديث) قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: ثلاثة دعوتهم مستجابة: الحاجّ و الغازي و المريض فلاتغيظوه و لاتضجروه».(4)
و صحيحة سيف بن عميرة قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : اذا دخل أحدكم على أخيه عائدا له فليسأله يدعو له فانّ دعاءه مثل دعاء الملائكة».(5)
1) - وسائل الشيعة 6: 231/ الباب 37 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 6: 231/ الباب 37 من أبواب قراءة القرآن / الحديث 3.
3) - مستدرك الوسائل 2: 154 / الباب 39 من أبواب الاحتضار / الحديث 28.
4) - وسائل الشيعة 2: 420 / الباب 12 من أبواب الاحتضار / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 2: 420 / الباب 12 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
و هي أمور: «الأوّل»: توجيهه الى القبلة بوضعه على وجه لو جلس كان وجهه الى القبلة، و وجوبه لايخلو عن قوّة بل لايبعد وجوبه على المحتضر نفسه أيضا، و ان لم يمكن بالكيفيّة المذكورة فبالممكن منها، و الاّ فبتوجيهه جالسا أو مضطجعا على الأيمن أو على الأيسر مع تعذّر الجلوس، و لا فرق بين الرجل و الامرأة، و الصغير و الكبير بشرط أن يكون مسلما، و يجب أن يكون ذلك باذن وليّه مع الامكان و الاّ فالأحوط الاستئذان من الحاكم الشرعي، و الأحوط مراعاة الاستقبال بالكيفيّة المذكورة في جميع الحالات الى ما بعد الفراغ من الغسل و بعده، فالأولى وضعه بنحو ما يوضع حين الصلاة عليه الى حال الدفن بجعل رأسه الى المغرب و رجله الى المشرق.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يجب فيه توجيه الميّت الى القبلة بأن يلقى على ظهره و يجعل وجهه و باطن رجليه الى القبلة. و هو فرض على الكفاية، و قيل: هو مستحبّ».(1)
1) - شرائع الاسلام 1: 36.
و في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب، قال جدّي رحمه الله: و مستنده من الأخبار السليمة سندا و متنا. و يمكن المناقشة في الرواية الواردة من حيث المتن بأنّ المتبادر منها أنّ التسجية تجاه القبلة انّما يكون بعد الموت لا قبله، و من ثمّ ذهب جمع من الأصحاب منهم المصنّف في المعتبر الى الاستحباب؛ استضعافا لأدلّة الوجوب، و هو متّجه. انتهى ملخّصا».(1)
و في الجواهر: «و يجب فيه توجيه الميّت أي المشرف على الموت الى القبلة على المشهور كما في الذكرى و الروضة و المدارك، و على الأشهر فتوى و خبرا كما في موضع آخر من الذكرى، و على الأشهر و عليه الفتوى كما في جامع المقاصد، و هو خيرة المقنعة و النهاية في موضع منها و المراسم و الوسيلة و السرائر و المنتهى و المختلف و الارشاد و البيان و الدروس و الذكرى و اللمعة و جامع المقاصد و ظاهر الروضة و التنقيح، و لعلّه الظاهر من الهداية و الفقيه، حيث روي فيهما ما يدلّ عليه، كما لعلّه الظاهر أيضا من الشيخ في التهذيب، و حكاه في كشف اللثام عن المهذّب و الاصباح، و هو أحوط القولين ان لم يكن أقواهما».(2)
و لنذكر الروايات الواردة فيه:
منها صحيحة ذريح عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«و اذا وجّهت الميّت للقبلة فاستقبل بوجهه القبلة، لاتجعله معترضا كما يجعل الناس، فانّي رأيت أصحابنا يفعلون ذلك، و قد كان أبو بصير يأمر بالاعتراض، أخبرني بذلك علي بن أبي حمزة، فاذا مات الميّت فخذ في جهازه و عجّله».(3)
و منها صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا مات لأحدكم ميّت فسجّوه تجاه
القبلة، و كذلك اذا غسّل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة، فيكون مستقبل باطن قدميه و وجهه الى القبلة».(1)
ومنها صحيحة ابراهيم الشعيري عن غير واحد عن أبي عبداللّه عليه السلام في توجيه الميّت قال:
«تستقبل بوجهه القبلة و تجعل قدميه ممّا يلي القبلة».(2)
و منها موثّقة معاوية بن عمّار قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الميّت؟ فقال: استقبل بباطن قدميه القبلة».(3)
و منها مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام أنّه سئل عن توجيه الميّت؟ فقال:
«استقبل بباطن قدميه القبلة».(4)
و منها مرسلة أخرى للصدوق قال:
«و قال اميرالمؤمنين عليه السلام : دخل رسول اللّه صلى الله عليه و آله على رجل من ولد عبدالمطّلب و هو في السوق و قد وجّه بغير القبلة، فقال: وجّهوه الى القبلة، فانّكم اذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة، و أقبل اللّه عزّوجلّ عليه بوجهه، فلم يزل كذلك حتّى يقبض».(5)
فانّ الظاهر من الروايات الخمس الأولى أنّ المأمور به للتوجيه الى القبلة الميّت. و أمّا الرواية الأخيرة أي مرسلة الصدوق فهي و ان كانت في مورد الاحتضار الاّ أنّ ذيله يشمّ منه رائحة الاستحباب.
و أمّا فتوى الفقهاء من القدماء، ففي الوسيلة: «و حكم الاحتضار ينقسم ثلاثة أقسام: واجب و ندب و مكروه. فالواجب شيء واحد و هو الاستقبال الى القبلة بباطن قدمه».(6)
1) - وسائل الشيعة 2: 452 / الباب 35 من أبواب الاحتضار / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 2: 453 / الباب 35 من أبواب الاحتضار / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 2: 453 / الباب 35 من أبواب الاحتضار / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 2: 453 / الباب 35 من أبواب الاحتضار / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 2: 453 / الباب 35 من أبواب الاحتضار / الحديث 6.
6) - الوسيلة الى نيل الفضيلة: 62.
و في المقنعة: «و اذا حضر العبد المسلم الوفاة فالواجب على من يحضره من أهل الاسلام أن يوجّهه الى القبلة فيجعل باطن قدميه اليها و وجهه تلقاءها - الى أن قال: - فاذا قضى نجعه فليغمّض عيناه. الخ».(1)
و في النهاية: «فاذا حضر الانسان الوفاة يستقبل بوجهه القبلة و يجعل باطن قدميه اليها».(2)
و في المراسم: «و اعلم أنّ الميّت لتجهيزه أحكام و هي على ضربين: واجب و ندب. فالواجب توجيهه الى القبلة: يجعل باطن قدميه اليها و وجهه تلقاها».(3)
و في المهذّب: «اذا حضر الانسان الوفاة فيجب أن يوجّه الى القبلة بأن يجعل على ظهره و باطن رجليه تلقاها و وجهه مستقبلاً لها لو وقف لكان متوجّها اليها كما لو استقبلها للصلاة قائما لكان كذلك».(4)
و في الشرائع: «الأوّل في الاحتضار و يجب فيه توجيه الميّت الى القبلة بأن يلقى على ظهره و يجعل وجهه و باطن رجليه الى القبلة و هو فرض على الكفاية، و قيل: هو مستحبّ».(5)
و قال في المختصر النافع: «الأوّل: الاحتضار، و الفرض فيه استقبال الميّت بالقبلة على أحوط القولين بأن يلقى على ظهره و يجعل وجهه و باطن رجليه اليها».(6)
فبملاحظة هذه الفتاوى فتوجيه المحتضر الى القبلة بنحو المذكور ان لم يكن أقوى فهو أحوط. و لا فرق بين الرجل و المرأة، و الصغير و الكبير بشرط أن يكون مسلما؛ لاطلاق الروايات و الفتاوى. و لايجب فيه اذن الوليّ لذلك، و الأحوط
مراعاة الاستقبال بالكيفيّة المذكورة في جميع الحالات الى ما بعد الفراغ من الغسل و بعده الى أن يوضع في القبر. و الأحوط أيضا أن يستقبل هو نفسه ان استشعر ذلك.
«الثاني»: يستحبّ تلقينه الشهادتين و الاقرار بالأئمّة الاثنيعشر عليهم السلام و سائر الاعتقادات الحقّة على وجه يفهم بل يستحبّ تكرارها الى أن يموت و يناسب قراءة العديلة.
و قد تقدّم في ابتداء فصل عيادة المريض و الرواية الواردة في ذلك.
«الثالث»: تلقينه كلمات الفرج و أيضا هذا الدعاء: «اللّهمّ اغفر لي الكثير من معاصيك و اقبل منّي اليسير من طاعتك»، و أيضا: «يا من يقبل اليسير و يعفو عن الكثير اقبل منّي اليسير و اعف عنّي الكثير انّك أنت العفوّ الغفور»، و أيضا: «اللّهمّ ارحمني فانّك رحيم».
كما تقدّم في الفصل المذكور و رواياته.
«الرابع»: نقله الى مصلاّه اذا عسر عليه النزع بشرط أن لايوجب أذاه.
و ذلك لقوله عليه السلام :
«اذا عسر على الميّت موته و نزعه قرّب الى مصلاّه الذي كان يصلّي فيه».(1)
«الخامس»: قراءة سورة يس و الصافّات لتعجيل راحته و كذا آية الكرسيالى: «هم فيها خالدون» و آية السخرة و هي: «انّ ربّكم اللّه الذي خلق
1) - وسائل الشيعة 2: 463 / الباب 40 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
السماوات و الأرض» الى آخر الآية و ثلاث آيات من آخر سورة البقرة: «للّه ما في السماوات و ما في الأرض» الى آخر السورة و يقرأ سورة الأحزاب بل مطلق قراءة القرآن.
الشرح:
يدلّ على ذلك رواية سليمان الجعفري قال:
«رأيت أبا الحسن عليه السلام يقول لابنه القاسم: قم يا بنيّ فاقرأ عند رأس أخيك: «و الصافّات صفّا» حتّى تستتمّها، فقرأ، فلمّا بلغ «أهم أشدّ خلقا أم من خلقنا»، قضى الفتى، فلمّا سجّي و خرجوا أقبل عليه يعقوب بن جعفر فقال له: كنّا نعهد الميّت اذا نزل به الموت يقرأ عنده: «يس و القرآن الحكيم»، فصرت تأمرنا بالصافّات، فقال: يا بنيّ لم(تقرأ عند)(1)مكروب من موت قطّ الاّ عجّل اللّه راحته».(2)
و رواية جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من قرأ يس في عمره مرّة واحدة كتب اللّه له بكلّ خلق في الدنيا و كلّ خلق في الآخرة و في السماء بكلّ واحد ألفي ألف حسنة و محا عنه مثل ذلك، و لم يصبه فقر و لا غرم و لا هدم و لا نصب و لا جنون و لا جذام و لا وسواس و لا داء يضرّه و خفّف اللّه عنه سكرات الموت و أهواله و تولّى قبض روحه و كان ممّن يضمن اللّه له السعة في معيشته و الفرج عند لقائه و الرضا بالثواب في آخرته و قال اللّه تعالى لملائكته أجمعين من في السماوات و من في الأرض: قد رضيت عن فلان فاستغفروا له».(3)
و هي أمور: «الأوّل»: تغميض عينيه و تطبيق فمه. «الثاني»: شدّ فكّيه. «الثالث»: مدّ يديه الى جنبيه. «الرابع»: مدّ رجليه. «الخامس»: تغطيته بثوب. «السادس»: الاسراج في المكان الذي مات فيه ان مات في الليل. «السابع»: اعلام المؤمنين ليحضروا جنازته. «الثامن»: التعجيل في دفنه فلاينتظرون الليل ان مات في النهار و لا النهار ان مات في الليل الاّ اذا شكّ في موته فينتظر حتّى اليقين، و ان كانت حاملاً مع حياة ولدها فالى أن يشقّ جنبها الأيسر لاخراجه ثمّ خياطته.
الشرح:
في المستحبّات بعد الموت و هي أمور كما في المتن فيدلّ على ذلك روايات:
منها رواية أبي كهمس قال:
«حضرت موت اسماعيل و أبو عبداللّه عليه السلام جالس عنده، فلمّا حضره الموت شدّ لحييه، و غمّضه، و غطّى عليه الملحفة، الحديث».(1)
1) - وسائل الشيعة 2: 468 / الباب 44 من أبواب الاحتضار / الحديث 3.
و منها صحيحة ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ينبغي لأولياء الميّت منكم أن يؤذنوا اخوان الميّت بموته. الحديث».(1)
و منها رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا معشر الناس، لا ألقينّ رجلاً مات له ميّت ليلاً فانتظر به الصبح، و لا رجلاً مات له ميّت نهارا فانتظر به الليل، لاتنتظروا بموتاكم طلوع الشمس و لا غروبها، عجّلوا بهم الى مضاجعهم يرحمكم اللّه. قال الناس: و أنت يا رسول اللّه يرحمك اللّه».(2)
و يستثنى من ذلك مشكوك الموت؛ لموثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الغريق يحبس حتّى يتغيّر، و يعلم أنّه قد مات ثمّ يغسّل و يكفّن، قال: و سئل عن المصعوق؟ فقال: اذا صعق حبس يومين ثمّ يغسّل و يكفّن».(3)
و موثّقة أخرى لاسحاق بن عمّار قال:
«سألته - يعني أبا عبداللّه عليه السلام - عن الغريق، أيغسّل؟ قال: نعم و يستبرأ، قلت: و كيف يستبرأ؟ قال: يترك ثلاثة أيّام قبل أن يدفن، و كذلك أيضا صاحب الصاعقة، فانّه ربّما ظنّوا أنّه مات و لم يمت».(4)
و في رواية عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«خمس ينتظر بهم الاّ أن يتغيّروا: الغريق و المصعوق و المبطون و المهدوم و المدخن».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 59 / الباب 1 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 2: 471 / الباب 47 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 2: 475 / الباب 48 من أبواب الاحتضار / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 2: 475 / الباب 48 من أبواب الاحتضار / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 2: 474 / الباب 48 من أبواب الاحتضار / الحديث 2.
و ان كانت حاملاً مع حياة ولدها فتنتظر الى أن يشقّ جنبها الأيسر لاخراجه ثمّ خياطته، كما سيأتي في أواخر فصل الدفن ان شاء اللّه.
ثمّ انّه يمكن أن تدلّ على استحباب مدّ يديه الى جنبيه و مدّ رجليه رواية أبي كهمس المذكورة أوّلاً، و لأنّه أسهل للغسل و الكفن و الدفن. و أمّا الاسراج في المكان الذي مات فيه فلفتوى جماعة و لرواية عثمان بن عيسى قال:
«لمّا قبض أبو جعفر عليه السلام أمر أبو عبداللّه عليه السلام بالسراج في البيت الذي كان يسكنه حتى قبض أبو عبداللّه عليه السلام ، ثمّ أمر أبو الحسن عليه السلام بمثل ذلك في بيت أبي عبداللّه عليه السلام حتّى أخرج به الى العراق ثمّ لاأدرى ما كان».(1)
1) - وسائل الشيعة 2: 469 / الباب 45 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
و هي أمور:
«الأوّل»: أن يمسّ في حال النزع؛ فانّه يوجب أذاه. «الثاني»: تثقيل بطنه بحديد أو غيره. «الثالث»: ابقاؤه وحده؛ فانّ الشيطان يعبث في جوفه.
«الرابع»: حضور الجنب و الحائض عنده حالة الاحتضار.
«الخامس»: التكلّم الزائد عنده. «السادس»: البكاء عنده.
«السابع»: أن يحضره عملة الموتى. «الثامن»: أن يخلّي عنده النساء وحدهنّ؛ خوفا من صراخهنّ عنده.
الشرح:
يدلّ على الأوّل موثّقة زرارة قال:
«ثقل ابن لجعفر و أبو جعفر جالس في ناحية، فكان اذا دنا منه انسان قال: لاتمسّه، فانّه انّما يزداد ضعفا، و أضعف ما يكون في هذه الحال، و من مسّه على هذه الحال أعان عليه، فلمّا قضى الغلام أمر به فغمّض عيناه و شدّ لحياه، الحديث».(1)
1) - وسائل الشيعة 2: 468 / الباب 44 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
و الثاني أيضا يستفاد من الرواية المذكورة آنفا، و كما عن المنتهى و التذكرة و المسالك.
و تدلّ على الثالث رواية أبي خديجة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس من ميّت يموت و يترك وحده الاّ لعب الشيطان في جوفه».(1)
و على الرابع رواية علي بن أبي حمزة قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام : المرأة تقعد عند رأس المريض، و هي حائض، في حدّ الموت؟ فقال: لا بأس أن تمرضه، فاذا خافوا عليه و قرب ذلك فلتتنحّ عنه و عن قربه، فانّ الملائكة تتأذّى بذلك».(2)
و رواية يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتحضر الحائض الميّت و لا الجنب عند التلقين، و لا بأس أن يليا غسله».(3)
و يمكن أن يستفاد باقي الأمور المعدودة من الكراهة في المتن من موثّقة زرارة المتقدّمة فانّها كايذاء المحتضر.
لايحرم كراهة الموت. نعم، يستحبّ عند ظهور أماراته أن يحبّ لقاء اللّه تعالى، و يكره تمنّي الموت و لو كان في شدّة و بليّة، بل ينبغي أن يقول: «اللّهمّ أحيني ما كانت الحياة خيرا لي و توفّني اذا كانت الوفاة خيرا لي». و يكره طول الأمل و أن يحسب الموت بعيدا عنه، و يستحبّ ذكر الموت كثيرا، و يجوز الفرار من الوباء و الطاعون و ما في بعض الأخبار من أنّ الفرار من الطاعون كالفرار من الجهاد مختصّ بمن كان في ثغر من الثغور لحفظه. نعم، لو كان في المسجد و وقع الطاعون في أهله يكره الفرار منه.
الشرح:
لايحرم كراهة الموت كما يستفاد من رواية أبان بن تغلب عن أبي جعفر عليه السلام :
«لمّا أسري بالنبي صلى الله عليه و آله قال: يا ربّ، ما حال المؤمن عندك؟ قال: يا محمّد، من أهان لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة، و أنا أسرع شيء الى نصرة أوليائي، و ما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي في وفاة المؤمن، يكره الموت و أكره مساءته، الحديث».(1)
1) - وسائل الشيعة 2: 428 / الباب 19 من أبواب الاحتضار / الحديث 1.
و يستحبّ عند ظهور أماراته أن يحبّ لقاء اللّه تعالى كما دلّ عليه مرسلة عبدالصمد بن بشير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت: أصلحك اللّه، من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه و من أبغض لقاء اللّه أبغض اللّه لقاءه؟ قال: نعم، قلت: فواللّه انّا لنكره الموت. قال: ليس ذلك حيث تذهب، انّما ذلك عند المعاينة، اذا رأى ما يحبّ فليس شيء أحبّ اليه من أن يتقدّم، و اللّه تعالى يحبّ لقاءه و هو يحبّ لقاء اللّه حينئذٍ، و اذا رأى ما يكره فليس شيء أبغض اليه من لقاء اللّه، و اللّه يبغض لقاءه».(1)
و يكره تمنّي الموت في الجملة كما في رواية رواها العلاّمة عن النبي صلى الله عليه و آلهقال:
«لايتمنّى أحدكم الموت لضرّ نزل به، وليقل: اللّهمّ أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، و توفّني اذا كانت الوفاة خيرا لي».(2)
و ما نقل عن الرضا عليه السلام من تمنّي الموت لعلّه كان لعلمه بموته، ففي رواية ياسر عن الرضا عليه السلام أنّه كان اذا رجع يوم الجمعة من الجامع و قد أصابه العرق و الغبار رفع يديه و قال:
«اللّهمّ ان كان فرجي ممّا أنا فيه بالموت فعجّله لي الساعة، و لم يزل مغموما مكروبا الى أن قبض».(3)
و يجوز الفرار من مكان الوباء و الطاعون الاّ مع وجوب الاقامة فيه كالمجاهد و المرابط؛ يدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الوبا يكون في ناحية المصر فيتحوّل الرجل الى ناحية أخرى، أو يكون في مصر فيخرج منه الى غيره؟
فقال: لا بأس انّما نهى رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن ذلك لمكان ربية كانت بحيال العدوّ فوقع فيهم الوباء فهربوا منه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: الفارّ منه كالفارّ من الزحف، كراهية أن تخلوا مراكزهم».(1)
و عن الصدوق قال:
«و روي أنّه اذا وقع الطاعون في أهل مسجد فليس لهم أن يفرّوا منه الى غيره».(2)
ثمّ انّه يستحبّ كثرة ذكر الموت و ما بعده و الاستعداد لذلك ففي صحيحة أبي عبيدة الحذّاء قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : حدّثني بما أنتفع به، فقال: يا أبا عبيدة أكثر ذكر الموت، فانّه لم يكثر انسان ذكر الموت الاّ زهد في الدنيا».(3)
و في رواية أبي بصير قال:
«قال لي الصادق عليه السلام : أما تحزن؟ أما تهتمّ؟ أما تألم؟ قلت: بلى واللّه، قال: فاذا كان ذلك منك فاذكر الموت و وحدتك في قبرك و سيلان عينيك على خدّيك و تقطّع أوصالك و أكل الدود من لحمك و بلاءك و انقطاعك عن الدنيا؛ فانّ ذلك يحثّك على العمل و يردعك عن كثير من الحرص على الدنيا».(4)
الأعمال الواجبة المتعلّقة بتجهيز الميّت من التغسيل و التكفين و الصلاة و الدفن من الواجبات الكفائيّة، فهي واجبة على جميع المكلّفين و تسقط بفعل البعض، فلو تركوا أجمع أثموا أجمع، و لو كان ممّا يقبل صدوره عن جماعة كالصلاة اذا قام به جماعة في زمان واحد اتّصف فعل كلّ منهم بالوجوب. نعم، يجب على غير الولي الاستئذان منه، و لاينافي وجوبه وجوبها على الكلّ؛ لأنّ الاستئذان منه شرط صحّة الفعل لا شرط وجوبه، و اذا امتنع الولي من المباشرة و الاذن يسقط اعتبار اذنه. نعم، لو أمكن للحاكم الشرعي اجباره، له أن يجبره على أحد الأمرين، و ان لم يمكن يستأذن من الحاكم، و الأحوط الاستئذان من المرتبة المتأخّرة أيضا.
الشرح:
قال في الشرائع: «الثاني: التغسيل و هو فرض على الكفاية، و كذا تكفينه و دفنه و الصلاة عليه. و أولى الناس به أولاهم بميراثه».(1)
و قال في المستمسك: «الأعمال الواجبة المتعلّقة بتجهيز الميّت من الواجبات
1) - شرائع الاسلام 1: 37.
الكفائيّة، بلا خلاف كما عن المبسوط و الغنية. و لا نزاع فيه بين المسلمين كما عن مجمع البرهان، و اجماعا كما عن الذكرى، و قال في المعتبر: «غسل الميّت و تكفينه و الصلاة عليه و دفنه فرض على الكفاية. و هو مذهب العلماء كافّة»، و نحوه عن التذكرة و نهاية الأحكام، و في المنتهى في التغسيل: «و هو فرض على الكفاية اذا قام به بعض سقط عن الباقين، بلا خلاف فيه بين أهل العلم»، و في مبحث الصلاة زاد قوله: «و ان لم يقم به أحد استحقّ بأسرهم العقاب، بلا خلاف بين العلماء».
و يقتضيه اطلاق الأمر بها من دون توجيهه الى شخص بعينه، مثل ما ورد: «غسل الميّت واجب»، «و صلّ على من مات من أهل القبلة»، «و عجّلوا بموتاكم»، و نحوه.
نعم، استشكل فيه في الحدائق لعدم الدليل عليه و لا حديث يرجع فيه اليه، بل قال: «انّ الذي يظهر لي من الأخبار أن توجّه الخطاب بجميع هذه الأحكام و نحوها من التلقين و نحوه من المستحبّات أيضا انّما هو الى الولي كأخبار الغسل و أخبار الصلاة و الدفن و التلقين و نحوها».(1)
و في التنقيح قال في رفع الاشكال: «انّ الوجوب الكفائي لايراد منه سوى كونه على نحو يشترك بين الجميع و يسقط باتيان واحد من المكلّفين و قيامه به، الاّ أنّ ذلك لاينافي كونه مشروطا بالشرائط العامّة التي منها القدرة، فانّ الوجوب العيني و الكفائي كلاهما مشروطان بالقدرة لا محالة، و حصول هذا الشرط في بعضهم دون بعض لايوجب خروج التكليف عن كونه كفائيّا، و الأمر في المقام أيضا كذلك بمعنى أنّ القدرة حاصلة في الولي و غير حاصلة في غيره الاّ باذنه أو امتناعه فلايكون الحكم الكفائي فعليّا في حقّ غير الولي؛ لعدم قدرته عليه الاّ باذنه، وليس له أن يقدم على تلك الأمور من غير اذنه؛ لأنّه مزاحمة للولي و مزاحمة الولي
1) - مستمسك العروة 4: 33 و 34.
غير جائزة الاّ أنّ الولي قادر عليها فيكون الوجوب الكفائي المشترك بين الجميع فعليّا في حقّه دون غيره الاّ أنّ ذلك لايخرج التكاليف المذكورة عن كونها كفائيّا، لسقوطها بفعل واحد منهم كما عرفت. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الحقّ ما ذهب اليه المشهور من أنّ الأعمال الواجبة المتعلّقة بتجهيز الميّت - من التغسيل و التكفين و الصلاة و الدفن - تكون من الواجبات الكفائيّة، فهي واجبة على جميع المكلّفين و تسقط بفعل البعض فلا منافاة بين كونها مشروطة باذن الولي و كونها كفائيّة كما أوضحه في التنقيح.
و تظهر الثمرة في أنّه اذا امتنع الولي عن المباشرة و عن الاذن فيها للغير مع علمه بقيام الغير بها فليس عاصيا؛ لأنّ الظاهر من الروايات و الفتاوى و السيرة العمليّة أنّ مباشرته و اذنه ليس واجبا عليه و أنّ الظاهر منها أنّ الأمر بالاذن منه جعل مراعاة لشأنه كالتعزية في حقّه.
ثمّ انّه لايجب على الحاكم الشرعي اجبار الوليّ على الاذن؛ و ذلك لأنّه حقّ للولي مراعاة لشأنه مع كونه ليس واجبا عليه بعينه، فاذا امتنع من الاذن سقط حقّه، و يجب على الآخرين القيام بواجباته، و لايجب عليهم الاذن من الحاكم الشرعي بعد امتناع وليّه. و هكذا يكون الحكم لو لم يتمكّن من الوصول اليه أو كان عسرا فيسقط الاذن منه، و لايجب حفظه حتّى يظهر وليّه أو يتمكّن من الاذن منه الاّ اذا أمكن قدومه و ظهوره بعد مدّة قليلة، فينتظر.
و لنذكر الروايات الواردة في أنّ تجهيز الميّت على أولى الناس به أو استئذانه:
منها رواية غياث بن ابراهيم الرزامي عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام أنّه قال:
«يغسّل الميّت أولى الناس به».(2)
و منها مرسلة الصدوق قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : يغسّل الميّت أولى الناس به، أو من يأمره الولي بذلك».(1)
و منها مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يصلّي على الجنازة أولى الناس بها، أو يأمر من يحبّ».(2)
و منها مرسلة البزنطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يصلّي على الجنازة أولى الناس بها، أو يأمر من يحبّ».(3)
و منها رواية طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا حضر الامام الجنازة فهو أحقّ الناس بالصلاة عليها».(4)
و منها رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : اذا حضر سلطان من سلطان اللّه جنازة فهو أحقّ بالصلاة عليها، ان قدّمه ولي الميّت و الاّ فهو غاصب».(5)
و منها رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن المرأة تموت، من أحقّ أن يصلّي عليها؟ قال: الزوج، قلت: الزوج أحقّ من الأب و الأخ و الولد؟ قال: نعم».(6)
1) - وسائل الشيعة 2: 535 / الباب 26 من أبواب غسل الميّت / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 3: 114 / الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 114 / الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 3: 114 / الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 3: 114 / الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 4.
6) - وسائل الشيعة 3: 115 / الباب 24 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 1.
و منها رواية ثانية لأبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: المرأة تموت من أحقّ بالصلاة عليها؟ قال: زوجها، قلت:الزوج أحقّ من الأب و الولد و الأخ؟ قال: نعم، و يغسّلها».(1)
و منها رواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الزوج أحقّ بامرأته حتّى يضعها في قبرها».(2)
و منها صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام في المرأة تموت و معها أخوها و زوجها أيّهما يصلّي عليها؟ فقال:
« أخوها أحقّ بها للصلاة عليها».(3)
و منها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة على المرأة الزوج أحقّ بها أو الأخ؟ قال: الأخ».(4)
و قد حمل الشيخ هاتين الصحيحتين على التقيّة؛ لموافقتهما للعامّة.
و الظاهر من هذه الروايات أنّ الشارع جعل تجهيز الميّت حقّا لأولى الناس به، و الظاهر منها بمناسبة الحكم و الموضوع أنّه ان لم يعتن أحد المكلّفين بهذا الحقّ من دون عذر فقد خالف الأمر و أنّه غاصب، و أمّا عدم صحّة غسله و صلاته ففيه اشكال بل منع؛ لأنّ الظاهر منها أنّ الاذن ليس شرطا للصحّة بل هو أداء حقّ لولي الميّت. فان لم يتمكّن من الاذن لأوليائه على مراتبهم فيسقط الاذن، و لايجب الاذن من الحاكم.
(مسألة 1): الاذن أعمّ من الصريح و الفحوى و شاهد الحال القطعي.
الشرح:
قال في المستمسك: «لأنّ الجميع طريق اليها. و كذا شاهد الحال الظنّي اذا كان له ظهور معتدّ به عند العقلاء».(1)
أقول:
العمدة في صدق الاذن هو فهم العرف، و عليه فالاذن أعمّ من الصريح و الفحوى و شاهد الحال، فالأخير كما اذا كان الغاسل أو المصلّي ممّن يتقرّب بولي الميّت كمال القرب، و قس عليه سائر مصاديقه.
(مسألة 2): اذا علم بمباشرة بعض المكلّفين يسقط وجوب المبادرة و لايسقط أصل الوجوب الاّ بعد اتيان الفعل منه أو من غيره فمع الشروع في الفعل أيضا لايسقط الوجوب، فلو شرع بعض المكلّفين بالصلاة يجوز لغيره الشروع فيها بنيّة الوجوب. نعم، اذا أتمّ الأوّل يسقط الوجوب عن الثاني فيتمّها بنيّة الاستحباب.
الشرح:
اذا علم بمباشرة بعض المكلّفين يسقط وجوب المبادرة، كما هو شأن الواجب الكفائي، و لايسقط أصل الوجوب الاّ بعد اتيان الفعل منه أو من غيره، ففي الواجب الكفائي مثل تغسيل الميّت و تكفينه و الصلاة عليه و دفنه يجب على كلّ واحد من المسلمين مع مراعاة تقدّم أولاهم به، فاذا اشتغل وليّه أو من أذن له أو غيرهما من المسلمين اذا لم يكن له ولي أصلاً أو فعلاً، فيسقط عن الباقين مشروطا باتمام أعماله، فاذا لم يتمّ فعلى غيره من المسلمين يجب الاقدام و
1) - مستمسك العروة 4: 39.
الاتمام. و أمّا لو شرع بعض المكلّفين بالصلاة و ان كان سقوطها تامّا عن الآخرين مشروطا باتمامها، الاّ أنّ في شروع بعض آخر اشكالاً، الاّ اذا علم بعدم قدرته على اتمامها.
(مسألة 3): الظنّ بمباشرة الغير لايسقط وجوب المبادرة فضلاً عن الشكّ.
و ذلك لأنّ «الظنّ لايغني من الحقّ شيئا»(1)، فلا اعتبار بالظنّ المطلق فالشكّ ملحق به أيضا.
(مسألة 4): اذا علم صدور الفعل عن غيره سقط عنه التكليف ما لم يعلم بطلانه، و ان شكّ في الصحّة بل و ان ظنّ البطلان، فيحمل فعله على الصحّة سواء كان ذلك الغير عادلاً أو فاسقا.
الشرح:
قال في المستمسك: «لقاعدة الصحّة في فعل الغير المبرهن عليها في الأصول التي لايفرق في جريانها بين الظنّ بها و الشكّ و الظنّ بعدمها، و لابين كون الفاعل عادلاً أو فاسقا».(2)
أقول:
اذا علم صدور الفعل عن غيره سقط عنه التكليف الاّ اذا علم بطلانه فيجب عليه اعادته. و ان شكّ في الصحّة بل و ان ظنّ فيحمل فعله على الصحّة؛ لقاعدة حمل فعل المسلم على الصحّة الاّ فيما علم بطلانه. و لا فرق في ذلك بين كون الفاعل عادلاً أو فاسقا؛ لعدم اختصاص القاعدة بالعدول.
(مسألة 5): كلّ ما لم يكن من تجهيز الميّت مشروطا بقصد القربة
كالتوجيه الى القبلة و التكفين و الدفن يكفي صدوره من كلّ من كان من البالغ العاقل أو الصبي أو المجنون، و كلّ ما يشترط فيه قصد القربة كالتغسيلو الصلاة يجب صدوره من البالغ العاقل فلايكفي صلاة الصبي عليه ان قلنا بعدم صحّة صلاته بل و ان قلنا بصحّتها كما هو الأقوى على الأحوط. نعم، اذا علمنا بوقوعها منه صحيحة جامعة لجميع الشرائط لايبعد كفايتها لكن مع ذلك لايترك الاحتياط.
الشرح:
كلّ ما لم يكن من تجهيز الميّت مشروطا بقصد القربة كالتوجيه الى القبلة و التكفين و الدفن يكفي صدوره من كلّ من كان، من البالغ العاقل أو الصبي أو المجنون؛ و ذلك لأنّ المقصود منها وقوع هذه الأفعال، و لم تكن عبادة فلاتحتاج الى قصد القربة. و كلّ ما يشترط فيه قصد القربة كالتغسيل و الصلاة لعباديّتهما يجب صدوره من البالغ العاقل، فلاتكفي صلاة المجنون و لا الصبي الغير المميّز؛ لعدم تمشّي قصد القربة منهما. و أمّا الصبي المميّز فقد استدللنا بصحّة عباداته في الأبحاث المختلفة، فاذا علمنا بوقوعها منه صحيحة جامعة لجميع الشرائط يكفي ذلك و لايجب على سائر المكلّفين اعادة غسله و الصلاة عليه؛ لأنّ العمدة في ذلك اتيانهما صحيحا و الفرض صحّتهما. نعم، لو شكّ في صحّة صلاة الصبي المميّز و أنّه صلّى صحيحا أو باطلاً، أو في تغسيله، فالظاهر عدم دليل على الحمل على صحّته، و أصالة الصحّة تكون جارية على فعل المكلّفين و لم يثبت جريانها في مثل ذلك كما في التنقيح.(1)
1) - التنقيح في شرح العروة 8: 290.
(مسألة 1): الزوج أولى بزوجته من جميع أقاربها حرّة كانت أو أمة، دائمة أو منقطعة و ان كان الأحوط في المنقطعة الاستئذان من المرتبة اللاحقة أيضا، ثمّ بعد الزوج المالك أولى بعبده أو أمته من كلّ أحد، و اذا كان متعدّدا اشتركوا في الولاية، ثمّ بعد المالك طبقات الأرحام بترتيب الارث، فالطبقة الأولى و هم الأبوان و الأولاد مقدّمون على الثانية و هم الاخوة و الأجداد، و الثانية مقدّمون على الثالثة و هم الأعمام و الأخوال، ثمّ بعد الأرحام المولى المعتق ثمّ ضامن الجريرة ثمّ الحاكم الشرعي ثمّ عدول المؤمنين.
الشرح:
الزوج أولى بزوجته من جميع أقاربها، اجماعا صريحا و ظاهرا محكيّا عن جماعة كثيرة كما عن المستمسك(1)، و قد دلّ عليه روايات قد نقلناها في ابتداء هذا الفصل فمن جملتها رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن المرأة تموت من أحقّ أن يصلّي عليها؟ قال: الزوج. قلت: الزوج أحقّ من الأب و الأخ و الولد؟ قال: نعم».(2)
و هذه الروايات و ان كانت ضعيفة من جهة السند الاّ أنّه قد عمل بها الفقهاء كما عرفت. و ما يعارضها من صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام في المرأة تموت و معها أخوها و زوجها أيّهما يصلّي عليها؟ فقال:
«أخوها أحقّ بالصلاة عليها».(1)
تحمل على التقيّة لاعراض الأصحاب عنها؛ لموافقتها العامّة كما عن الشيخ. و كذا صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه (2). و في المنتهى حكى ذلك عن أبي حنيفة و عن أحمد في احدى الروايتين.(3)
و الظاهر من الروايات أنّ الزوج أولى بزوجته من الأقارب مطلقا أي سواء كانت حرّة أو أمة، دائمة أو منقطعة، و ان كان الأحوط في المنقطعة الاستئذان من المرتبة اللاحقة؛ للشكّ في شمول الروايات للمنقطعة، الاّ أنّ اطلاق الروايات يدفعه، و الاحتياط حسن.
ثمّ بعد الزوج المالك أولى بعبده أو أمته من كلّ أحد؛ لأنّه مقتضى قاعدة السلطنة على الملك. و اذا كان متعدّدا اشتركوا في الولاية. ثمّ بعد المالك طبقات الأرحام بترتيب الارث؛ لما تقدّم من الروايات الدالّة بأنّه: «يغسّل الميّت أولى الناس به»، كما في رواية غياث بن ابراهيم.(4)
و في المستمسك - عن المنتهى - : «و أحقّ الناس بالصلاة عليه أولاهم بالميراث، قاله علماؤنا».(5)
و قد ذكرنا تفصيلاً في بحث وجوب قضاء الصلاة الفائتة عن الميّت أنّها على أكبر أولاده الذكور، و أنّ أولى الناس بالميّت أولاهم بميراثه و ذكرنا أيضا في
الارث تفصيلاً مراتب الوارثين عن الميّت و قد أتى بها في المتن موجزا فهو الموافق للكتاب و السنّة. و أمّا وجوب الاذن من الحاكم الشرعي مع فقد الوارث للميّت فقد تقدّم عدم دليل عليه، و هكذا عدول المؤمنين.
و بالجملة أنّ هذا الترتيب منزّل على مراتب الارث، و يشهد له أوّلاً: انّ المراد بالولي، و مولّي الميّت، و أولى به، في اصطلاح السنّة انّما هو الأولى بالميراث ما لم يدلّ دليل معتبر على الخلاف.
و ثانيا: الاجماع المحكي على أنّ المراد بالولي في المقام انّما هو الأولى بالميراث.
و ثالثا: صحيحة الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام في عدّه الأولى بالميّت الأولى بميراثه بمراتبه.(1)
(مسألة 2): في كلّ طبقة الذكور مقدّمون على الاناث و البالغون على غيرهم، و من متّ الى الميّت بالأب و الأمّ أولى ممّن متّ بأحدهما، و من انتسب اليه بالأب أولى ممّن انتسب اليه بالأمّ، و في الطبقة الأولى الأب مقدّم على الأمّ و الأولاد و هم مقدّمون على أولادهم، و في الطبقة الثانية الجدّ مقدّم على الاخوة و هم مقدّمون على أولادهم، و في الطبقة الثالثة العمّ مقدّم على الخال و هما على أولادهما.
الشرح:
انّ ما تقدّم من كون أولى الناس بتجهيز الميّت أولاهم بميراثه لئلاّيزاحمهم غيرهم، و أمّا تقدّم الذكور على الاناث فيستفاد من السيرة القطعيّة المتّصلة بزمن المعصوم عليه السلام ، و كذا تقدّم البالغين على غيرهم مع أنّ من لا يصلح نظره للولاية
1) - وسائل الشيعة 26: 63 / الباب 1 من أبواب موجبات الارث / الحديث 2.
على نفسه فكيف يصلح له الولاية على غيره، و لا مجال لتوهّم أنّ ولي الصغير يكون مولّيا عليه اذا مات.
قال في المستمسك: «انّ في كلّ طبقة الذكور مقدّمون على الاناث، كما عن جماعة التصريح به. و في القواعد: «الذكر من الوارث أولى من الأنثى». و في المنتهى: «البالغ أولى من الصبي كذلك و الرجل أولى من المرأة، كلّ ذلك لا خلاف فيه». و عن بعض نفي الريب فيه».(1)
و ما في المتن من أنّ من انتسب الى الميّت بالأب و الأمّ أولى ممّن انتسب اليه بأحدهما ... الى آخر ما قال، فهو مأخوذ من أولى الناس بالميّت، كما قال اللّه تعالى: «و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب اللّه»(2)، و صحيحة الكناسي التي تقدّمت الاشارة اليها و لم نأت بها تفصيلاً. و انّما ذكرناها في بحث الارث.
(مسألة 3): اذا لم يكن في طبقة ذكور فالولاية للأناث، و كذا اذا لم يكونوا بالغين أو كانوا غائبين لكن الأحوط الاستئذان من الحاكم أيضا في صورة كون الذكور غير بالغين أو غائبين.
الشرح:
اذا لم يكن في طبقة ذكور فالولاية للاناث؛ و ذلك لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت: المرأة تؤمّ النساء؟ قال: لا، الاّ على الميّت اذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطهنّ في الصفّ معهنّ فتكبّر و يكبّرن».(3)
قال في المستمسك: «قال في جامع المقاصد جزما. و نسبه بعض الى تصريح
الأصحاب به و نفي الريب فيه؛ لأنّهن أولى بميراثه. و كذا في المجنون، كما قرّبه في الذكرى و جامع المقاصد و كشف اللثام؛ لأنّهم بنقصهم كالمعدوم، فلايشملهم الدليل».(1)
(مسألة 4): اذا كان للميّت أمّ و أولاد ذكور فالأمّ أولى لكن الأحوط الاستئذان من الأولاد أيضا.
الشرح:
اذا كان للميّت أمّ و أولاد ذكور فالظاهر تقدّم الأولاد؛ لما مرّ من أولويّة تقديم الذكور على الاناث، لكن الأحوط الاستئذان من الأمّ أيضا.
و في المستمسك: «لم أقف فيما يحضرني على موافق لما في المتن، بل حكي عن بعض تقديم الولد على الأمّ. انتهى ملخّصا».(2)
(مسألة 5): اذا لم يكن في بعض المراتب الاّ الصبي أو المجنون أو الغائب فالأحوط الجمع بين اذن الحاكم و المرتبة المتأخّرة لكن انتقال الولاية الى المرتبة المتأخّرة لايخلو عن قوّة، و اذا كان للصبي ولي فالأحوط الاستئذان منه أيضا.
الشرح:
اذا لم يكن في بعض المراتب الاّ الصبي أو المجنون أو الغائب فالظاهر سقوط الولاية لنقص من كان أولى الناس بالميّت، و لاتنتقل الولاية الى المرتبة المتأخّرة، و تقدّم عدم وجوب الاذن من الحاكم.
و في المستمسك: «قال في جامع المقاصد: «و مع فقد الكامل في تلك الطبقة ففي الانتقال الى الأبعد تردّد». و في الجواهر: «انّ الأقوى السقوط»؛ لأنّ تنزيل القاصر منزلة المعدوم على نحو يكون دليل الولاية شاملاً للطبقة اللاحقة غير ظاهر».(1)
(مسألة 6): اذا كان أهل مرتبة واحدة متعدّدين يشتركون في الولاية فلا بدّ من اذن الجميع و يحتمل تقدّم الأسنّ.
الشرح:
اذا كان أهل مرتبة واحدة متعدّدين يشتركون في الولاية فالظاهر تقدّم الأسنّ؛ و ذلك للسيرة المتشرّعة و الاحتياط حسن.
(مسألة 7): اذا أوصى الميّت في تجهيزه الى غير الولي ذكر بعضهم عدم نفوذها الاّ باجازة الولي، لكنّ الأقوى صحّتها و وجوب العمل بها، و الأحوط اذنهما معا و لايجب قبول الوصيّة على ذلك الغير و ان كان أحوط.
الشرح:
اذا أوصى الميّت في تجهيزه الى غير الولي فالأظهر صحّة الوصيّة و وجوب العمل بها؛ لأنّ ولاية الشخص على نفسه أولى من ولاية وارثه عليه، و الاحتياط بالاذن من ولي الميّت حسن.
و أمّا قبول الوصيّة فان كان المراد تجهيز الوصي بنفسه من الغسل و الكفن و الصلاة عليه و الدفن فهو ضرر و حرج و لايجب عليه القبول، و أمّا ان كان مراده تولية أمره اليه بأن يأذن لمن شاء لغسله و سائر تجهيزاته فاذا لم يردّها في حياته
1) - مستمسك العروة 4: 60.
(مسألة 8): اذا رجع الولي عن اذنه في أثناء العمل لايجوز للمأذون الاتمام، و كذا اذا تبدّل الولي بأن صار غير البالغ بالغا أو الغائب حاضرا أو جنّ الولي أو مات فانتقلت الولاية الى غيره.
لاعتبار اذن الولي حدوثا و بقاءً فيما يتعلّق به كما في سائر الموارد.
(مسألة 9): اذا حضر الغائب أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون بعد تمام العمل من الغسل أو الصلاة مثلاً ليس له الالزام بالاعادة.
لقاعدة الاجزاء بعد وقوع العمل مستجمعا للشرائط.
(مسألة 10): اذا ادّعى شخص كونه وليّا أو مأذونا من قبله أو وصيّا فالظاهر جواز الاكتفاء بقوله ما لم يعارضه غيره، و الاّ احتاج الى البيّنة، و مع عدمها لا بدّ من الاحتياط.
الشرح:
اذا ادّعى شخص كونه وليّا أو مأذونا من قبله أو وصيّا فان كان ثقة و لم يعارضه غيره قبل قوله و كذا لو كانت الجنازة بيده. و لو كان له معارض احتاج الى البيّنة و مع عدمها لا بدّ من الاحتياط. و كذا لو لم يكن ثقة و لم تكن يده عليها.
(مسألة 11): اذا أكره الولي أو غيره شخصا على التغسيل أو الصلاة على الميّت فالظاهر صحّة العمل اذا حصل منه قصد القربة؛ لأنّه أيضا مكلّف كالمكره.
الشرح:
اذا أكره الولي أو غيره شخصا على التغسيل أو الصلاة على الميّت، فتارة: يكون بحيث يسلب الاختيار منه لأنّه مكره و لايريد أن يجهّزه، فعمله باطل؛ لعدم فرض حصول قصد القربة منه. و أخرى: لم يكن بذلك الحدّ، فالظاهر صحّة العمل اذا حصل منه قصد القربة؛ لأنّه أيضا مكلّف كالمكرِه.
(مسألة 12): حاصل ترتيب الأولياء أنّ الزوج مقدّم على غيره ثمّ المالك ثمّ الأب ثمّ الأمّ ثمّ الذكور من الأولاد البالغين ثمّ الاناث البالغات ثمّ أولاد الأولاد ثمّ الجدّ ثمّ الجدّة ثمّ الأخ ثمّ الأخت ثمّ أولادهما ثمّ الأعمام ثمّ الأخوال ثمّ أولادهما ثمّ المولى المعتق ثمّ ضامن الجريرة ثمّ الحاكم ثمّ عدول المؤمنين.
تقدّم تفصيل هذه المسألة في المسألة الأولى و الثانية فراجع.
بقي أمور:
الأوّل: اذا أسقط الولي حقّه في المرتبة الأولى، فان كان بمعنى الاذن لسائر المكلّفين، فلايرجع الى المرتبة اللاحقة، و ان كان بمعنى الرجوع الى اللاحقة فيرجع، و ان كان مجهولاً فالاحتياط في محلّه.
الثاني: لو أذن الولي في زمان حياة الميّت لواحد معلوم أو مطلقا فالظاهر عدم الاحتياج الى اذن جديد بعد موته؛ لاطلاق الروايات.
الثالث: لو كان الولي شكّاكا و وسواسيّا في الاذن سقط اعتبار اذنه؛ لتنزّل
الأدلّة على المتعارف فيصل الى المرتبة اللاحقة، و الأحوط مراعاة اذنه مهما أمكن.
الرابع: لو تردّدت الأولياء بين أشخاص و الموتى كذلك و لم يميّز كلّ ولي ميّته - كما قد يقع في بعض الحروب - يكفي الاذن الاجمالي من الجميع للجميع.
الخامس: اذا أحرقت جثّة شخص بحيث لم يبق الاّ الرماد أو أغرقت فلايبقى موضوع للتجهيز و لا للاذن بعده.
يجب كفاية تغسيل كلّ مسلم سواء كان اثنيعشريّا أو غيره، لكن يجب أن يكون بطريق مذهب الاثنيعشري، و لايجوز تغسيل الكافر و تكفينه و دفنه بجميع أقسامه من الكتابي و المشرك و الحربي و الغالي و الناصبي و الخارجي و المرتدّ الفطري و الملّي اذا مات بلا توبة، و أطفال المسلمين بحكمهم و أطفال الكفّار بحكمهم، و ولد الزنا من المسلم بحكمه و من الكافر بحكمه، و المجنون ان وصف الاسلام بعد بلوغه مسلم و ان وصف الكفر كافر، و ان اتّصل جنونه بصغره فحكمه حكم الطفل في لحوقه بأبيه أو أمّه، و الطفل الأسير تابع لآسره ان لم يكن معه أبوه أو أمّه بل أو جدّه أو جدّته، و لقيط دار الاسلام بحكم المسلم و كذا لقيط دار الكفر ان كان فيها مسلم يحتمل تولّده منه، و لا فرق في وجوب تغسيل المسلم بين الصغير و الكبير حتّى السقط اذا تمّ له أربعة أشهر، و يجب تكفينه و دفنه على المتعارف لكن لايجب الصلاة عليه بل لايستحبّ أيضا، و اذا كان للسقط أقلّ من أربعة أشهر لايجب غسله بل يلفّ في خرقة و يدفن.
فروع:
يجب تغسيل كلّ مسلم اثنيعشري بلا خلاف و لا اشكال كما تقدّم في ابتداء الفصل السابق. و كذا يجب تغسيل كلّ مسلم غير الاثنيعشري، اذا لم يكن ممّن حكم بكفره؛ يدلّ على ذلك أوّلاً: السيرة العمليّة في زمن الأئمّة عليهم السلام بالأخصّ زمان أميرالمؤمنين علي عليه السلام .
و ثانيا: اطلاق قوله عليه السلام :
«غسل الميّت واجب»(1)
خرج منه الكافر و بقي فيه المسلم، و الفرض أنّهم مسلمون لشهادتهم بوحدانيّته و رسالة رسوله.
قال في المستمسك: «على المشهور كما عن جماعة، منهم الشهيد في الذكرى، بل ظاهر ما عن التذكرة و نهاية الأحكام من الاجماع على وجوب تغسيل كلّ مسلم الاجماع على وجوب تغسيل غير الاثنيعشري. - الى أن قال: - و عن المقنعة و التهذيب و المراسم و المهذّب و المعتبر عدم وجوب تغسيله، و اختاره جماعة من المتأخّرين منهم السيّد في المدارك و كاشف اللثام. - الى أن قال: - و ان كان الظنّ يقتضي ذلك (أي الوجوب) بل هو الذي تطمئنّ به النفس».(2)
أقول:
لعلّ فتوى المذكورين بعدم الوجوب كونهم ناصبين للأئمّة عليهم السلام و المعاندين لشيعتهم.
و يجب أن يكون التغسيل بطريق المذهب الاثنيعشري؛ لأنّ المراد من التغسيل الواجب علينا هو التغسيل الصحيح. نعم، اذا غسّله من كان موافقا لمذهبهم بطريقه فيسقط عنّا و ان كان وليّه من الاثني عشري فيجب تغسيله بطريق مذهب الحقّ ان لم تكن تقيّة.
لايجوز تغسيل الكافر و تكفينه و دفنه بجميع أقسامه من الكتابي و المشرك و الحربي و الغالي و الناصبي و الخارجي و المرتدّ الفطري و الملّي اذا مات بلا توبة؛ يدلّ على ذلك موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن النصراني يكون في السفر و هو مع المسلمين فيموت؟ قال:
«لايغسّله مسلم و لا كرامة و لايدفنه و لايقوم على قبره و ان كان أباه».(1)
و رواية يحيى بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«النهي عن تغسيل المسلم قرابته الذمّي و المشرك، و أن يكفّنه، و يصلّي عليه، و يلوذ به».(2)
و ما رواه الطبرسي عن صالح بن كيسان أنّ معاوية قال للحسين عليه السلام :
«هل بلغك ما صنعنا بحجر بن عدي و أصحابه شيعة أبيك؟ فقال عليه السلام : و ما صنعت بهم؟ قال: قتلناهم و كفّنّاهم و صلّينا عليهم، فضحك الحسين عليه السلام ، فقال: خصمك القوم يا معاوية، لكنّا لو قتلناشيعتك ما كفّنّاهم و لا صلّينا عليهم و لا قبرناهم».(3)
و قد سبق في فصل النجاسات كفر الملاحدة و أهل الكتاب و الغالي و الناصبي و الخارجي و المرتدّ الفطري و الملّي اذا مات بلا توبة. و قد قال اللّه تعالى: «و لاتصلّ على أحد منهم مات أبدا»(1)فانّ الظاهر من منع النبي صلى الله عليه و آلهعن الصلاة عليهم لجهة كفرهم، و هكذا يكون الحكم في تغسيلهم و دفنهم كأموات المسلمين.
ثمّ انّ أطفال المسلمين بحكمهم، كما أنّ أطفال الكفّار بحكمهم؛ للتبعيّة الاّ اذا صار مميّزا و أظهر الكفر أو الاسلام كما تقدّم في المطهّرات. و قد وردت روايات في باب تغسيل الصبي و الصبيّة من المسلمين و الصلاة على الصبي اذا عقل، و مشروعيّة الصلاة انّما تكون بعد التغسيل، و سيأتي.
قال في التنقيح: «ولد الزنا من المسلم بحكمه؛ لأنّه ولد عرفا و شرعا و حقيقة و من ثمّة لايجوز له أن يتزوّج أمّه أو أخته أو عمّته أو خالته أو نحوهنّ، و لايجوز للأب أن يتزوّج بها على تقدير الأنوثة، فيترتّب على ولد الزنا جميع الآثار المترتّبة على الأولاد. نعم، لايرث من أبيه، و هذا تخصيص في أدلّة الارث. و كذا الحال في ولد الزنا من الكافر؛ لأنّه بحكمه فيترتّب عليه أحكام الكفر تبعا، و لو كان الولد حلالاً للكافر حكمنا بعدم وجوب تغسيله، فكيف الحال بولده من الزنا. انتهى ملخّصا».(2)
و أمّا حكم المجانين، فان كان قبل جنونه بالغا أو مميّزا و أظهر الاسلام أوالكفر فيكون حكمه حكم من أظهر الاسلام أو الكفر و ان اتّصل جنونه بصغره فحكمه حكم الطفل في لحوقه بأبيه و أمّه؛ للتبعيّة، و الصدق العرفي حيث يصدق أنّه مجنون نصراني أو مجنون مسلم مثلاً.
و الطفل الأسير تابع لآسره ان لم يكن معه أبوه أو أمّه أو جدّه أو جدّته كما تقدّم في بحث النجاسات و المطهّرات. و لقيط دار الاسلام بحكم المسلم، و كذا لقيط دار الكفر ان كان فيها مسلم يحتمل تولّده منه. و الظاهر أنّه ليس له دليل واضح الاّ الاجماع كما في المستمسك(1)و تحقيق ذلك الى كتاب اللقطة.
لا فرق في وجوب تغسيل المسلم بين الصغير و الكبير حتّى السقط اذا تمّ له أربعة أشهر، و يجب تكفينه و دفنه على المتعارف، و اذا كان للسقط أقلّ من أربعة أشهر لايجب غسله؛ يدلّ على ذلك روايات:
منها موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن السقط اذا استوت خلقته، يجب عليه الغسل و اللحد و الكفن؟ قال: نعم، كلّ ذلك يجب عليه اذا استوى».(2)
و منها مرسلة أحمد بن محمّد قال:
«اذا تمّ للسقط أربعة أشهر غسّل، و قال: اذا تمّ له ستّة أشهر فهو تامّ. و ذلك أنّ الحسين بن علي عليهماالسلام ولد و هو ابن ستّة أشهر».(3)
و منها رواية زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«السقط اذا تمّ له أربعة أشهر غسّل».(4)
و منها رواية محمّد بن الفضيل قال:
«كتبت الى أبي جعفر عليه السلام أسأله عن السقط، كيف يصنع به؟ فكتب عليه السلام اليّ: السقط يدفن بدمه في موضعه».(1)
قال في الجواهر: «السقط اذا كان له أربعة أشهر فصاعدا يغسّل و يلفّ في خرقة و يدفن و لايصلّى عليه، أمّا الأوّل: فلم أجد فيه خلافا بين الأصحاب، بل في الخلاف الاجماع عليه، و في المعتبر نسبته الى علمائنا، و في المنتهى الى أكثر أهل العلم، و في الذكرى و جامع المقاصد و الروض الى الأصحاب، و في كشف اللثام لانعرف فيه خلافا الاّ من العامّة، - و بعد نقل رواية زرارة المذكورة آنفا و المرفوعة قال: - و لايقدح في ذلك ما في سندهما من الطعن بعد الانجبار بما عرفت».(2)
و اذا كان للسقط أقلّ من أربعة أشهر لايغسّل و لايصلّى عليه بل يلفّ في خرقة و يدفن.
قال في الجواهر: «بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل في المعتبر: «و لو كان السقط أقلّ من أربعة أشهر لم يغسّل و لم يكفّن و لم يصلّ عليه بل يلفّ في خرقة و يدفن، ذكر ذلك في النهاية و المبسوط و المقنعة، و هو مذهب العلماء الاّ ابن سيرين، و لا عبرة بخلافه و لأنّ المعنى الموجب للغسل و هو الموت مفقود». انتهى. و نحوه المحكي عن التذكرة. و يؤيّده - مضافا الى الأصل، و الى اجماعي الخلاف و الغنية، و الى مفهوم الأخبار السابقة - مكاتبة محمّد بن الفضيل سألأبا جعفر عليه السلام عن السقط كيف يصنع به؟ فكتب اليه: «السقط يدفن بدمه في موضعه». انتهى ملخّصا».(3)
يجب في الغسل نيّة القربة على نحو ما مرّ في الوضوء و الأقوى كفاية نيّة واحدة للأغسال الثلاثة و ان كان الأحوط تجديدها عند كلّ غسل، و لو اشترك اثنان يجب على كلّ منهما النيّة، و لو كان أحدهما معينا و الآخر مغسّلاً وجب على المغسّل النيّة و ان كان الأحوط نيّة المعين أيضا، و لايلزم اتّحاد المغسّل فيجوز توزيع الثلاثة على ثلاثة بل يجوز في الغسل الواحد التوزيع مع مراعاة الترتيب و يجب حينئذٍ النيّة على كلّ منهم.
الشرح:
يجب في الغسل نيّة القربة على نحو ما مرّ في الوضوء؛ و ذلك لأنّ الأغسال الثلاثة للميّت عبادة، و هذا يستفاد من بيان كيفيّته من المعصوم عليه السلام و أنّ كيفيّته مثل غسل الجنابة، مضافا الى أنّ المقطوع به أنّ الشارع لم يقصد به حصوله من أيّ شخص و بأيّة نيّة بل هو من العبادات، و القرينة على ذلك سيرة المتشرّعة و اجماع العلماء كافّة. نعم، يكفي نيّة واحدة للأغسال الثلاثة؛ لأنّها عبادة واحدة يعبّر عنها بغسل الميّت، كما يجوز بل موافق للاحتياط تجديدها عند كلّ غسل. و يجوز اشتراك اثنين و أكثر للغسل فيجب النيّة على كلّ واحد. و لو كان أحدهما
معينا و الآخر مغسّلاً وجب النيّة على المغسّل. و لايلزم اتّحاد المغسّل فيجوز توزيع ثلاثة أغسال على ثلاثة نفر؛ لحصول الغسل و النيّة و هو المقصود. بل يجوز في الغسل الواحد التوزيع مع مراعاة الترتيب؛ لما ذكر. و يجب النيّة على كلّ واحد منهم.
يجب المماثلة بين الغاسل و الميّت في الذكوريّة و الأنوثيّة فلايجوز تغسيل الرجل للمرأة و لا العكس و لو كان من فوق اللباس و لم يلزم لمس أو نظر الاّ في موارد:
«أحدها»: الطفل الذي لايزيد سنّه عن ثلاث سنين فيجوز لكلّ منهما تغسيل مخالفه و لو مع التجرّد و مع وجود المماثل، و ان كان الأحوط الاقتصار على صورة فقد المماثل.
«الثاني»: الزوج و الزوجة فيجوز لكلّ منهما تغسيل الآخر و لو مع وجود المماثل و مع التجرّد و ان كان الأحوط الاقتصار على صورة فقد المماثل و كونه من وراء الثياب، و يجوز لكلّ منهما النظر الى عورة الآخر و ان كان يكره، و لا فرق في الزوجة بين الحرّة و الأمة و الدائمة و المنقطعة بل و المطلّقة الرجعيّة، و ان كان الأحوط ترك تغسيل المطلّقة مع وجود المماثل خصوصا اذا كان بعد انقضاء العدّة و خصوصا اذا تزوّجت بغيره ان فرض بقاء الميّت بلا تغسيل الى ذلك الوقت، و أمّا المطلّقة بائنا فلا اشكال في عدم الجواز فيها.
«الثالث»: المحارم بنسب أو رضاع لكن الأحوط بل الأقوى اعتبار فقد المماثل و كونه من وراء الثياب.
«الرابع»: المولى و الأمة فيجوز للمولى تغسيل أمته اذا لم تكن مزوّجة و لا في عدّة الغير و لا مبعّضة و لا مكاتبة، و تغسيل الأمة مولاها ففيه اشكال و ان
جوّزه بعضهم بشرط اذن الورثة، فالأحوط تركه بل الأحوط الترك في تغسيل المولى أمته أيضا.
الشرح:
في المسألة فروع:
يجب المماثلة بين الغاسل و الميّت في الذكوريّة و الأنوثيّة؛ يدلّ على ذلك روايات:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سأله عن المرأة تموت في السفر و ليس معها ذو محرم و لا نساء؟ قال:
«تدفن كما هي بثيابها، و عن الرجل يموت و ليس معه الاّ النساء ليس معهنّ رجال؟ قال: يدفن كما هو بثيابه».(1)
و منها صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يموت في السفر مع النساء ليس معهنّ رجل، كيف يصنعن به؟ قال:
«يلففنه لفّا في ثيابه، و يدفنّه، و لايغسّلنه».(2)
و منها صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألته عن امرأة ماتت مع رجال؟ قال: تلفّ و تدفن و لاتغسّل».(3)
و لايجوز تغسيل الرجل للمرأة و لا العكس و لو كان من فوق اللباس و لم يلزم لمس أو نظر؛ و ذلك لاطلاق الروايات المذكورة.
قال في المستمسك: «اجماعا، حكاه جماعة، منهم الشيخ و الفاضلان و الشهيد و غيرهم. - الى أن قال: - نعم، اذا تعذّر المماثل أصلاً فعن المقنعة و التهذيب و الكافي و الغنية وجوب التغسيل كذلك و يشهد به بعض النصوص و سيأتي التعرّض له في المسألة الرابعة».(1)
الطفل الذي لاتزيد عن ثلاث سنين يجوز لكلّ منهما تغسيل مخالفه و لو مع التجرّد و مع وجود المماثل؛ يدلّ عليه موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن الصبي تغسّله امرأة؟ قال:
«انّما يغسّل الصبيان النساء، و عن الصبيّة تموت و لاتصاب امرأة تغسّلها؟ قال: يغسّلها رجل أولى الناس بها».(2)
و رواية أبي النمير مولى الحارث بن المغيرة النصري قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : حدّثني عن الصبي الى كم تغسّله النساء؟ فقال: الى ثلاث سنين».(3)
و في الجواهر: «نقل جواز تغسيل الرجل الأجنبي بنت الثلاث فما دون عن الوسيلة و السرائر و الجامع و النافع و القواعد و الارشاد و المنتهى و الذكرى و البيان و الدروس و غيرها، بل في التذكرة و نهاية الأحكام و الروض الاجماع عليه، و يشهد له التتبّع لكلمات الأصحاب اذ لم أجد فيه خلافا بين أصحابنا المتقدّمين والمتأخّرين سوى ما يظهر من المصنّف في المعتبر. و لاينبغي الاشكال في ضعفه
بعد ما عرفت من الاجماع المنقول المعتضد بالتتبّع لكلمات الأصحاب و بالأصل و الاطلاقات. انتهى ملخّصا».(1)
و في التنقيح - بعد نقله الروايتين المتقدّمتين و عدم الاشكال في تغسيل المرأة الصبي و الصبيّة - قال: «و لعلّ الوجه في تقييد الرجل في الرواية (الأولى) بكونه أولى الناس بها عدم جريان العادة على تغسيل الرجال و مباشرتهم لتنظيف الأطفال، و انّما جرت العادة على تغسيل المرأة الصبي و الصبيّة، فتراهنّ يصحبن الصبي أو الصبيّة معهنّ الى الحمّامات و يغسّلنهم دون الرجال، و من ثمّة قيّدت الرجال بكونه أولى الناس بها و ممّن يتصدّى لأمر الصبيّة و شؤونها».(2)
يجوز لكلّ من الزوج و الزوجة تغسيل الأخرى و لو مع وجود المماثل؛ و الدليل على ذلك الأخبار الكثيرة:
منها صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل أيصلح له أن ينظر الى امرأته حين تموت؟ أو يغسّلها ان لم يكن عندها من يغسّلها؟ و عن المرأة هل تنظر الى مثل ذلك من زوجها حين يموت؟ فقال: لا بأس بذلك انّما يفعل ذلك أهل المرأة كراهية أن ينظر زوجها الى شيء يكرهونه منها».(3)
و منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن الرجل يموت و ليس عنده من يغسّله الاّ النساء؟ قال:
«تغسّله امرأته أو ذوقرابة ان كان له، و تصبّ النساء عليه الماء صبّا، و في المرأة اذا ماتت يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسّلها».(1)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألته عن الرجل يغسّل امرأته؟ قال: نعم، انّما يمنعها أهلها تعصّبا».(2)
و منها موثّقة سماعة قال:
«سألته عن المرأة اذا ماتت؟ قال: يدخل زوجها يده تحت قميصها الى المرافق».(3)
و منها رواية مفضّل بن عمر قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : من غسّل فاطمة عليهاالسلام ؟ قال: ذاك أميرالمؤمنين، فكأنّما استفظعت ذلك من قوله، فقال لي: كأنّك ضقت ممّا أخبرتك؟ فقلت: قد كان ذلك، جعلت فداك، فقال: لاتضيقنّ فانّها صدّيقة، لم يكن يغسّلها الاّ صدّيق، أما علمت أنّ مريم لم يغسّلها الاّ عيسى عليه السلام ؟! الحديث».(4)
و منها رواية الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام في المرأة اذا ماتت و ليس معها امرأة تغسّلها، قال:
«يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسّلها الى المرافق».(5)
1) - وسائل الشيعة 2: 529 / الباب 24 من أبواب غسل الميّت / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 2: 529 / الباب 24 من أبواب غسل الميّت / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 2: 530 / الباب 24 من أبواب غسل الميّت / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 2: 530 / الباب 24 من أبواب غسل الميّت / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 2: 531 / الباب 24 من أبواب غسل الميّت / الحديث 8.
و منها رواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الزوج أحقّ بامرأته حتّى يضعها في قبرها».(1)
و منها صحيحة ثانية لمحمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن امرأة توفّيت، أيصلح لزوجها أن ينظر الى وجهها و رأسها؟ قال: نعم».(2)
و نظيرها صحيحة أبي الصباح الكناني و رواية أبي بصير و الروايات الواردة بهذا المضمون:
«انّ فاطمة عليهاالسلام لم يغسّلها الاّ علي عليه السلام و أسماء بنت عميس».(3)
و لاتعارضها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام في الرجل يموت و ليس معه الاّ النساء، قال:
«تغسّله امرأته؛ لأنّها منه في عدّة، و اذا ماتت لم يغسّلها؛ لأنّه ليس منها في عدّة».(4)
لأنّها تحمل على التقيّة؛ لموافقتها لأشهر مذاهب العامّة. و يحتمل الحمل على الكراهة مع وجود النساء.
و يجوز أن يغسّل الزوج زوجته و بالعكس مجرّدا على كراهية؛ و ذلك للجمع بين صحيحة منصور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخرج في السفر و معه امرأته، يغسّلها؟ قال: نعم، و أمّه و أخته و نحو هذا، يلقى على عورتهاخرقة».(5)
1) - وسائل الشيعة 2: 531 / الباب 24 من أبواب غسل الميّت / الحديث 9.
2) - وسائل الشيعة 2: 532 / الباب 24 من أبواب غسل الميّت / الحديث 10.
3) - وسائل الشيعة 2: 532 - 534 / الباب 24 من أبواب غسل الميّت / الأحاديث 12 و 14 - 20.
4) - وسائل الشيعة 2: 533 / الباب 24 من أبواب غسل الميّت / الحديث 13.
5) - وسائل الشيعة 2: 516 / الباب 20 من أبواب غسل الميّت / الحديث 1.
و صحيحة عبداللّه بن سنان المتقدّمة و بين الروايات الأخر الناطقة بأنّه يغسّل الزوج زوجته من وراء الثوب، و يظهر منها أيضا جواز ذلك؛ لقوله عليه السلام : «يدخل زوجها يده تحت قميصها فيغسّلها»، فانّ المسّ أشدّ من النظر، و لعلّ المنع من نظره اليها؛ لما في صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألته عن الرجل يغسّل امرأته؟ قال: نعم، انّما يمنعها أهلها تعصّبا».(1)
يجوز لكلّ من الزوجين النظر الى عورة الآخر على كراهية. أمّا جوازه فلعدم دليل صالح للمنع، و اطلاقات جواز غسل كلّ من الزوجين الآخر تشمل العورة أيضا مع أصالة البراءة عن حرمة النظر. و عمدة الدليل بقاء علاقة الزوجيّة بينهما المستفاد من الروايات المتقدّمة.
و استدلّ المانع برواية زيد الشحّام قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن امرأة ماتت و هي في موضع ليس معهم امرأة غيرها؟ قال: ان لم يكن فيهم لها زوج و لا ذورحم دفنوها بثيابها و لايغسّلونها، و ان كان معهم زوجها أو ذورحم لها فليغسّلها من غير أن ينظر الى عورتها، الحديث».(2)
و فيه: انّها - مع ضعف سندها بأبي جميلة مفضّل بن صالح فانّه لم يوثّق - ضعيفة الدلالة أيضا؛ لأنّه عليه السلام قال: «و ان كان معهم زوجها أو ذورحم لها»، و من المعلوم حرمة نظر ذيرحم الى عورتها، و استثناء الزوج هنا غير جيّد كما هو واضح.
و بصحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال في الرجل يموت في السفر في أرض ليس معه الاّ النساء، قال: يدفن و لايغسّل، و المرأة تكون مع الرجال بتلك المنزلة تدفن و لاتغسّل الاّ أن يكون زوجها معها، فان كان زوجها معها غسّلها من فوق الدرع و يسكب الماء عليها سكبا و لاينظر الى عورتها، و تغسّله امرأته اذا مات، و المرأة (ان ماتت) ليست بمنزلة الرجل، المرأة أسوأ منظرا اذا ماتت».(1)
و فيه: انّ دلالة الرواية على المنع ضعيفة لأنّه عليه السلام قد بيّن علّة نهيه بصيرورة المرأة أسوأ منظرا و يتّضح أنّ هذا النهي ليس تعبّديّا؛ لقوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان لجواز غسل الزوج زوجته و بالعكس:
«لا بأس بذلك، انّما يفعل ذلك أهل المرأة كراهية أن ينظر زوجها الى شيء يكرهونه منها».(2)
و كذلك يكون قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألته عن الرجل يغسّل امرأته؟ قال: نعم، انّما يمنعها أهلها تعصّبا».(3)
ثمّ اعلم أنّه لا فرق في الزوجة بين الدائمة و المنقطعة؛ لاطلاق الأدلّة. و الانصراف الى الدائمة ممّا لا وجه له. و الحكم عامّ للمطلّقة الرجعيّة؛ و ذلك لأنّالزوجة المطلّقة بالطلاق الرجعي زوجة، و هذا بخلاف البائن.
ثمّ انّه اذا مات الرجل بعد انقضاء عدّتها في الطلاق الرجعي لايجوز لها تغسيله؛ لأنّها لم تكن زوجته. و لو مات الرجل فاحتفظ من دون غسل، و اتّفق
غسله بعد انقضاء عدّة الوفاة، فهل يجوز لها أن تغسّله؟ و قد نقل صاحب الجواهر عن الذكرى جوازه، و قد أتى بالنقض و الابرام فراجع.(1)
و الظاهر عدم الجواز؛ لما يستفاد من الأخبار المذكورة في هذه الفروع.
يجوز أن يغسّل الرجل محارمه و بالعكس مع فقد المماثل؛ يدلّ على ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن الرجل يموت و ليس عنده من يغسّله الاّ النساء؟ قال:
«تغسّله امرأته أو ذات قرابة ان كانت له، و يصبّ النساء عليه الماء صبّا، الحديث».(2)
و صحيحة منصور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يخرج في السفر و معه امرأته، يغسّلها؟ قال: نعم و أمّه و أخته و نحو هذا، يلقى على عورتها خرقة».(3)
و رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يموت و ليس عنده من يغسّله الاّ النساء، هل تغسّله النساء؟ فقال: تغسّله امرأته أو ذات محرمه و تصبّ عليه النساء الماء صبّا من فوق الثياب».(4)
و موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل مات و ليس عنده الاّ نساء؟ قال: تغسّله امرأة ذات محرم منه، و تصبّ النساء عليها الماء، و لاتخلع ثوبه، و ان كانت امرأة ماتت مع رجال ليس معها امرأة و لا محرم لها، فلتدفن كما هي في ثيابها، و ان كان معها ذومحرم لها غسّلها من فوق ثيابها».(1)
و الظاهر عدم الفرق بين كون محرميّة الغاسل و المغتسل بالنسب أو بالرضاع؛ لأنّه لحمة كلحمة النسب. و في المحرمية بالمصاهرة تأمّل.
و يكره تغسيل كلّ من الرجل أو المرأة الميّت المحرم مجرّدا، بل يحتاط بكونه من وراء الثياب، و لايجوز النظر الى عورته.
يجوز تغسيل المولى أمته اذا لم تكن متزوّجة و لا في عدّة الغير و لا مبعّضة و لا مكاتبة.
قال في المستمسك: «قطعا كما في جامع المقاصد، و عن المدارك و حاشية الجمال، بل عن الأخير أنّه مقطوع به في كلام الأصحاب. و عن مجمع البرهان: «الظاهر عدم الخلاف فيه؛ لاطلاق أو عموم ما دلّ على وجوب التغسيل المطابقلأصل البراءة عن شرطيّة المماثلة». و فيه: انّ اطلاق ما دلّ على اعتبار المماثلة من النصّ و الفتوى مانع عن الرجوع الى اطلاق وجوب التغسيل أو أصالة البراءة. فالعمدة ما تقدّم ممّا يؤذن بالاجماع لو تمّ. و مورده من يجوز نكاحها، فلايشمل الأقسام المذكورة».(2)
(مسألة 1): الخنثى المشكل اذا لم يكن عمرها أزيد من ثلاث سنين فلا اشكال فيها، و الاّ فان كان لها محرم أو أمة بناءً على جواز تغسيل الأمة مولاها فكذلك، و الاّ فالأحوط تغسيل كلّ من الرجل و المرأة ايّاها من وراء الثياب و ان كان لايبعد الرجوع الى القرعة.
الشرح:
الخنثى المشكل اذا لم يكن عمرها أزيد من ثلاث سنين فلا اشكال فيها؛ لما مرّ من جواز تغسيل المرأة الصبي و الصبيّة و جواز تغسيل الرجل الصبي و الصبيّة.
و لو زاد عمرها عن ثلاث سنين فان كان لها محرم فيجوز تغسيلها على ما مرّ فيحتاط أن يكون من وراء الثياب، و ان كان لها أمة فيجوز أيضا بناءً على تغسيل الأمة مولاها، و ان كان فيه اشكال؛ لكون مالك الأمة ورّاثه، فلاتكون هناك علاقة بينها و بين الميّت.
و لو لم يكن لها محرم، فيجوز لكلّ من الرجل و المرأة تغسيلها من وراء الثياب على الأحوط؛ و ذلك للجمع بين الروايات الآمرة بوجوب الغسل و الروايات الناهية عن اغتسال غير المماثل. و لاينظر الغاسل الى بدنها و شعرها، فيجوز الى وجهها و كفّيها بحدّ الجواز زمن حياتها.
(مسألة 2): اذا كان ميّت أو عضو من ميّت مشتبها بين الذكر و الأنثى فيغسّله كلّ من الرجل و المرأة من وراء الثياب.
الشرح:
الظاهر أنّ حكم هذه المسألة هو حكم المسألة السابقة بعينها.
و في المستمسك: «الكلام فيه هو الكلام في الخنثى، فانّهما من واد واحد كما
في الجواهر تبعا لجامع المقاصد، فالجزم بالاحتياط هنا و التردّد فيه فيما مضى غير ظاهر».(1)
و فيه: انّ الاحتياط بالاغتسال و أن يكون من وراء الثياب في محلّه.
(مسألة 3): اذا انحصر المماثل في الكافر أو الكافرة من أهل الكتاب أمر المسلم المرأة الكتابيّة أو المسلمة الرجل الكتابي أن يغتسل أوّلاً و يغسّل الميّت بعده و الآمر ينوي النيّة، و ان أمكن أن لايمسّ الماء و بدن الميّت تعيّن كما أنّه لو أمكن التغسيل في الكرّ أو الجاريتعيّن، و لو وجد المماثل بعد ذلك أعاد و اذا انحصر في المخالف فكذلك، لكن لايحتاج الى اغتساله قبل التغسيل و هو مقدّم على الكتابي على تقدير وجوده.
الشرح:
اذا انحصر المماثل في الكافر أو الكافرة من أهل الكتاب أمر المسلم المرأة الكتابيّة أو المسلمة الرجل الكتابي أن يغتسل أوّلاً و يغسّل الميّت بعده؛ و ذلك لموثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«قلت: فان مات رجل مسلم و ليس معه رجل مسلم و لا امرأة مسلمة من ذوي قرابته و معه رجال نصارى و نساء مسلمات ليس بينه وبينهنّ قرابة؟ قال: يغتسل النصارى ثمّ يغسّلونه فقد اضطرّ، و عن المرأة المسلمة تموت و ليس معها امرأة مسلمة و لا رجل مسلم من ذوي قرابتها، و معها نصرانيّة و رجال مسلمون؟ قال: تغتسل النصرانيّة ثمّ تغسّلها».(2)
و رواية زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال:
«أتى رسول اللّه صلى الله عليه و آله نفر، فقالوا: انّ امرأة توفّيت معنا و ليس معها ذومحرم؟ فقال: كيف صنعتم؟ فقالوا: صببنا عليها الماء صبّا، فقال: أوما وجدتم امرأة من أهل الكتاب تغسّلها؟ قالوا: لا، قال: أفلايمّمتموها».(1)
قال في المستمسك: «على المشهور كما عن جماعة. و عن تذكرة أنّه مذهب علمائنا. و في الذكرى: «لا أعلم لهذا مخالفا من الأصحاب سوى المحقّق في المعتبر». - الى أن قال: - و في جامع المقاصد و عن المدارك و شرح الجعفريّة: التوقّف فيه. و في المعتبر و عن الروضة و حاشية القواعد و مجمع البرهان و حاشية المدارك سقوط الغسل. و قد يستظهر ذلك من ابن أبي عقيل و الجعفي و القاضي و ابني زهرة و ادريس و الخلاف؛ لعدم ذكرهم له.
و الظاهر أنّ الاشكالات التي تتوجّه على النصوص ترجع الى أمور:
الأوّل: عدم تأتّي النيّة من الكافر. الثاني: عدم صلاحية الكافر للتقرّب. الثالث: انّها ضعيفة السند. الرابع: نجاسة الكافر.
فيدفع الأوّل: محلّ الكلام صورة تأتّي النيّة من الكافر. و الثاني: ليس في النصوص اعتبار صلاحية الغاسل للتقرّب. و الثالث: أنّ السند في احدى الروايتينموثّق. و الرابع: لا مانع من تأثير الماء النجس في رفع حدث الميّت و حصول الطهارة له. انتهى ملخّصا».(2)
أقول:
فالعمدة في الجواب، أنّ النصّ اذا كان موثّقا و لم يعرض عنه الأصحاب ففيه كفاية. نعم، هو رحمه الله قد أتى لدفع الاشكالات بوجه حسن، الاّ أنّ الأوجه في دفع
الرابع هو أن يقال: هاتان الروايتان دليل على عدم نجاسة الكتابي ذاتا.
ثمّ انّ الظاهر عدم وجوب نيّة الأمر؛ لأنّ ظاهر النصّ و الفتوى أنّ المعتبر نيّة الفاعل لا غيره.
و ما ذهب اليه المصنّف من أنّه «ان امكن أن لايمسّ الماء و بدن الميّت تعيّن، كما أنّه لو أمكن التغسيل في الكرّ و الجاري تعيّن»، ففيه: عدم وجود ذلك في النصّ ان كان هو المستند. نعم، لمن كان قائلاً بنجاسة الكفّار مطلقا فهو في محلّه.
و لو وجد المماثل بعد ذلك أعاد؛ و ذلك لقصور أدلّة البدليّة عن شمول الفرض؛ لاختصاصها بصورة عدم التمكّن من تغسيل المماثل المسلم، فاذا وجد المماثل المسلم انكشف عدم صحّة الغسل من أوّل الأمر كما في المستمسك.(1)
و في الجواهر - في اعادة الغسل -: «كما في التذكرة و الذكرى و جامع المقاصد و الروض و الذخيرة و عن الايضاح و البيان و غيرهما، بل لم أجد فيه خلافا بين من تعرّض له. نعم، استشكل فيه في القواعد كما في التحرير. انتهى ملخّصا».(2)
و اذا انحصر المماثل في المخالف فيستفاد من الموثّقة و الرواية كذلك لكن لايحتاج الى اغتساله قبل التغسيل و هو مقدّم على الكتابي على تقدير وجوده، كما هو مذكور في الموثّقة.
(مسألة 4): اذا لم يكن مماثل حتّى الكتابي و الكتابيّة سقط الغسل لكن الأحوط تغسيل غير المماثل من غير لمس و نظر من وراء الثياب ثمّ تنشيف بدنه قبل التكفين؛ لاحتمال بقاء نجاسته.
الشرح:
تقدّم في أوّل الفصل وجوب المماثلة بين الغاسل و الميّت، و ذكر الدليل على ذلك صحيحة الحلبي و صحيحة عبداللّه بن يعفور و صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه. و لنذكر أيضا صحيحة أبي الصباح الكناني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال في الرجل يموت في السفر في أرض ليس معه الاّ النساء، قال: يدفن و لايغسّل، و المرأة تكون مع الرجال بتلك المنزلة تدفن و لاتغسّل الاّ أن يكون زوجها معها، الحديث».(1)
و هناك روايات أوردها صاحب الوسائل في الباب الثاني و العشرين من أبواب غسل الميّت، فبعضها يأمر بصبّ الماء عليه من وراء الثياب و تكفينه من تحت الستر و الصلاة عليه، سواء في ذلك الرجل و المرأة، كرواية جابر.(2)و بعضها يأمر بغسل كفّيها ثمّ وجهها ثمّ غسل ظهر كفّيها بالنسبة الى المرأة، كروايتي المفضّل بن عمر(3)و أبي بصير.(4)الاّ أنّ هذه الروايات كلّها ضعيفة و مهجورة من حيث العمل بها. و لايبعد القول باستحباب تغسيل غير المماثل من غير لمس و نظر من وراء الثياب، كما عن الاستبصار و زيادات التهذيب - على ما في المستمسك(5)- و لاينافيه النهي عن التغسيل في تلك النصوص؛ لوروده مورد توهّم الوجوب.
(مسألة 5): يشترط في المغسّل أن يكون مسلما بالغا عاقلاً اثنيعشريّافلايجزي تغسيل الصبي و ان كان مميّزا و قلنا بصحّة عباداته على الأحوط و ان كان لايبعد كفايته مع العلم باتيانه على الوجه الصحيح، و لا تغسيل الكافر الاّ اذا كان كتابيّا في الصورة المتقدّمة و يشترط أن يكون عارفا بمسائل الغسل كما أنّه يشترط المماثلة الاّ في الصور المتقدّمة.
الشرح:
يشترط في المغسّل أن يكون مسلما؛ لبطلان عبادة الكافر و تغسيل الميّت عبادة الاّ في مورد قد مضى تفصيله، و أن يكون عاقلاً؛ لعدم تأتّي القصد منه، و اثنيعشريّا؛ لبطلان عبادته الاّ في الاستثناء الذي ذكر. و أمّا تغسيل الصبي المميّز فقد تقدّم الكلام فيه بصحّة عباداته، فاذا علم صحّة فعله يجوز الاكتفاء به. و قد مرّ الكلام في باقي هذه المسألة.
قد عرفت سابقا وجوب تغسيل كلّ مسلم لكن يستثنى من ذلك طائفتان: «احداهما»: الشهيد المقتول في المعركة عند الجهاد مع الامام عليه السلام أو نائبه الخاصّ، و يلحق به كلّ من قتل في حفظ بيضة الاسلام في حال الغيبة من غير فرق بين الحرّ و العبد، و المقتول بالحديد أو غيره، عمدا أو خطأ، رجلاً كان أو امرأة أو صبيّا أو مجنونا اذا كان الجهاد واجبا عليهم، فلايجب تغسيلهم بل يدفنون كذلك بثيابهم الاّ اذا كانوا عراة فيكفّنون و يدفنون، و يشترط فيه أن يكون خروج روحه قبل اخراجه من المعركة أو بعد اخراجه مع بقاء الحرب و خروج روحه بعد الاخراج بلا فصل، و أمّا اذا خرجت روحه بعد انقضاء الحرب فيجب تغسيله و تكفينه.
الشرح:
قال في الشرائع: «و كلّ مظهر للشهادتين و ان لم يكن معتقدا للحقّ يجوز تغسيله عدا الخوارج و الغلاة. و الشهيد الذي قتل بين يدي الامام و مات في المعركة لايغسّل و لايكفّن، و يصلّى عليه».(1)
1) - شرائع الاسلام 1: 37.
و في المدارك - بالنسبة الى الشهيد - قال: «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، بل قال في المعتبر: «انّه اجماع أهل العلم خلا سعيد بن المسيّب و الحسن، فانّهما أوجبا غسله؛ لأنّ الميّت لايموت حتّى يجنب». قال: «و لا عبرة بكلامهما». و قد أطلقت الشهادة في الأخبار على المقتول دون أهله و ماله، و على المبطون و الغريق و غيرهم. و المراد بها هنا ما هو أخصّ من ذلك. و فسّره المصنّف بأنّه المقتول بين يدي الامام اذا مات في المعركة. و المراد بقتله بين يدي الامام قتله في عسكره، و بموته في المعركة: موته في موضع القتال».(1)
يدلّ على هذا الحكم صحيحة أبان بن تغلب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الذي يقتل في سبيل اللّه أيغسّل و يكفّن و يحنّط؟ قال: يدفن كما هو في ثيابه الاّ أن يكون به رمق ثمّ مات فانّه يغسّل و يكفّن و يحنّط و يصلّى عليه انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله صلّى على حمزة و كفّنه؛ لأنّه كان قد جرّد».(2)
و صحيحة ثانية لأبان بن تغلب قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: الذي يقتل في سبيل اللّه يدفن في ثيابه و لايغسّل الاّ أن يدركه المسلمون و به رمق ثمّ يموت بعد فانّه يغسّل و يكفّن و يحنّط، انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كفّن حمزة في ثيابه و لم يغسّله ولكنّه صلّى عليه».(3)
و صحيحة اسماعيل بن جابر و زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: كيف رأيت الشهيد يدفن بدمائه؟ قال: نعم، في ثيابه بدمائه و لايحنّط و لايغسّل ويدفن كما هو، ثمّ قال: دفن رسول اللّه صلى الله عليه و آله عمّه
حمزة في ثيابه بدمائه التي أصيب فيها، و ردّاه النبي صلى الله عليه و آله برداء فقصر عن رجليه، فدعا له باذخر فطرحه عليه، و صلّى عليه سبعين صلاة، و كبّر عليه سبعين تكبيرة».(1)
و موثّقة عمّار عن جعفر عن أبيه عليه السلام :
«انّ عليّا عليه السلام لم يغسّل عمّار بن ياسر و لا هاشم بن عتبة و هو المرقال و دفنهما في ثيابهما، و لم يصلّ عليهما».(2)
بناءً على أن يكون غيره عليه السلام من سائر المسلمين قد صلّى عليهما.
فانّ الظاهر من هذه الروايات أنّ المقتول في الدفاع عن الاسلام و حفظ بيضته في حال الغيبة شهيد؛ لأنّه في سبيل اللّه، و اطلاقها شامل للحرّ و العبد، و المقتول بالحديد أو غيره، عمدا أو خطأ، رجلاً كان أو امرأة بل صبيّا أو مجنونا، كما اذا استعين بهم في القتال، فهؤلاء لايجب تغسيلهم بل يدفنون في ثيابهم الاّ اذا كانوا عراة فيكفّنون و يدفنون.
و يشترط أن يموت في المعركة قبل ادراكه المسلمون، و لو أدركوه و به رمق يغسّل و يكفّن و يصلّى عليه و يدفن، كما هو ظاهر صحيحتي أبان بن تغلب.
و في المدارك: «ظاهر الرواية أنّ وجوب التغسيل في الشهيد منوط بادراك المسلمين ايّاه و به رمق، و أنّ من لم يدرك كذلك يسقط تغسيله و ان لم يمت في المعركة، و هو خلاف ما ذكره الأصحاب من اناطة الفرق بالموت في المعركة و عدمه. و اعلم أنّ اطلاق النصّ و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في هذا الحكم بين الصغير و الكبير و لا بين المقتول بالحديد و غيره، و لا بين من عاد سلاحه اليه فقتله و غيره. و في الفرق بين الجنب و غيره قولان، أظهرهما العدم؛
لاطلاق النصّ. و نقل عن المرتضى رحمه الله أنّه أوجب تغسيل الجنب، و هوضعيف».(1)
«الثانية»: من وجب قتله برجم أو قصاص، فانّ الامام عليه السلام أو نائبه الخاصّ أو العامّ يأمره أن يغتسل غسل الميّت مرّة بماء السدر و مرّة بماء الكافور و مرّة بماء القراح، ثمّ يكفّن كتكفين الميّت الاّ أنّه يلبس وصلتين منه و هما المئزر و الثوب قبل القتل و اللفافة بعده، و يحنّط قبل القتل كحنوط الميّت ثمّ يقتل فيصلّى عليه و يدفن بلا تغسيل، و لايلزم غسل الدم من كفنه و لو أحدث قبل القتل لايلزم اعادة الغسل، و يلزم أن يكون موته بذلك السبب فلو مات أو قتل بسبب آخر يلزم تغسيله، و نيّة الغسل من الآمر و لو نوى هو أيضا صحّ، كما أنّه لو اغتسل من غير أمر الامام عليه السلام أو نائبه كفى و ان كان الأحوط اعادته.
الشرح:
قال في الشرائع: «و كذا من وجب عليه القتل يؤمر بالاغتسال قبل قتله، ثمّ لايغسّل بعد ذلك».(2)
و قال في المدارك: «المراد أمره بأن يغتسل غسل الأموات ثلاثا مع الخليطين، و كذا يجب أمره بالحنوط كما صرّح به الشيخ و أتباعه. و زاد ابنا بابويه و المفيد رحمهم الله تقديم التكفين أيضا. و المستند في ذلك كلّه رواية مسمع كردين و هي ضعيفة السند جدّا. لكن قال في المعتبر: «انّ الخمسة و أتباعهم أفتوا بذلك، و أنّه لايعلم فيه للأصحاب خلافا. و أمّا عدم وجوب تغسيل من هذا شأنه بعد ذلك فظاهر؛ لعدم مشروعيّة التعدّد. و في وجوب الغسل بمسّه بعد الموت تردّد، أقربه العدم؛
لأنّ الغسل انّما يجب بمسّ الميّت قبل غسله، و هذا قد غسّل».(1)
و قد دلّ على هذا الحكم رواية مسمع كردين عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المرجوم و المرجومة يغسّلان و يحنّطان و يلبسان الكفن قبل ذلك ثمّ يرجمان و يصلّى عليهما، و المقتصّ منه بمنزلة ذلك، يغسّل و يحنّط و يلبس الكفن و يصلّى عليه».(2)
و لنذكر فتوى الأصحاب قال الصدوق رحمه الله في المقنع: «و المرجوم يغسّل و يحنّط و يكفّن ثمّ يرجم بعد ذلك. و كذا القاتل اذا أريد قتله قودا».(3)
و قال المفيد رحمه الله في المقنعة: «و المقتول قودا يؤمر بالاغتسال قبل قتله، فيغتسل كما يغتسل من جنابته و يتحنّط بالكافور فيضعه في مساجده و يتكفّن، ثمّ يقام فيه بعد ذلك الحدّ بضرب عنقه، ثمّ يدفن».(4)
و قال في النهاية: «فان كان المقتول قودا أو مرجوما، يؤمر بالاغتسال و التكفّن و التحنّط، ثمّ يقام عليه الحدّ».(5)
و قال القاضي ابن البرّاج في المهذّب: «و كلّ مرجوم أو مقتول قودا، و هذان يؤمران بالاغتسال و التحنيط و التكفين ثمّ يقام الحدّ عليهما بعد ذلك، فان أقيم عليهما دفنا من غير غسل و لا تيمّم».(6)
و قال ابن ادريس في السرائر: «و المقتول قودا و المرجوم فانّهما يؤمران بالاغتسال، فاذا اغتسلا قتلا، و لايجب غسلهما بعد قتلهما».(7)
فالمتحصّل من الرواية المعمول بها بين الأصحاب ان وجب قتل مسلم برجم أو قصاص يؤمر بالاغتسال غسل الميّت، ففي الرواية و الفتوى لم يذكر تغسيلهثلاث مرّات مرّة بماء السدر و مرّة بالكافور و مرّة بماء القراح الاّ أنّ القرينة حاكمة على ذلك و هي تقديم ما يجب على الأحياء بالنسبة الى الميّت، و سقوط غسله بعد الرجم و القتل و هكذا يكون التكفين.
و لايلزم غسل الدم من كفنه و لو أحدث قبل القتل، و لايلزم اعادة الغسل؛ لاطلاق النصّ و الفتوى. و يلزم أن يكون موته بذلك السبب كما هو ظاهر النصّ و الفتوى. فلو مات أو قتل بسبب آخر يلزم تغسيله. و يجب أن ينوي المرجوم و المقتول قودا أنفسهما، و لا دليل على وجوب نيّة الأمر. و لو اغتسل من غير أمر الامام عليه السلام أو نائبه كفى؛ لاطلاق النصّ و الفتوى.
(مسألة 6): سقوط الغسل عن الشهيد و المقتول بالرجم أو القصاص من باب العزيمة لا الرخصة، و أمّا الكفن فان كان الشهيد عاريا وجب تكفينه، و ان كان عليه ثيابه فلايبعد جواز تكفينه فوق ثياب الشهادة و لايجوز نزع ثيابه و تكفينه، و يستثنى من عدم جواز نزع ما عليه أشياء يجوز نزعها كالخفّ و النعل و الحزام اذا كان من الجلد و أسلحة الحرب، و استثنى بعضهم الفرو و لايخلو عن اشكال خصوصا اذا أصابه دم، و استثنى بعضهم مطلق الجلود و بعضهم استثنى الخاتم، و عن أمير المؤمنين عليه السلام : «ينزع من الشهيد الفرو و الخفّ و القلنسوة و العمامة و الحزام و السراويل»، و المشهور لم يعملوا بتمام الخبر، و المسألة محلّ اشكال، و الأحوط عدم نزع ما يصدق عليه الثوب من المذكورات.
الشرح:
سقوط الغسل عن الشهيد و المقتول بالرجم أو القصاص من باب العزيمة لا
الرخصة؛ و ذلك للنهي عن غسلهم في صحيحتي أبان بن تغلب و صحيحة اسماعيل بن جابر التي تقدّمت.
و أمّا الكفن فان كان الشهيد عاريا وجب تكفينه كما ذكر في الروايات المذكورة، و ان لم يكن عاريا فيجب أن يدفن في ثيابه، فلم يكن للكفن العادي دليل، و أمّا لفّه في البرد اليماني أو قطعة أخرى فلا بأس به و في كونه مستحبّا نظر. و لايجوز نزع ثيابه بل يدفن فيها، و المقصود من ثيابه ما يطلق عليه الثوب، و من المعلوم عدم صدق الثوب على الخفّ و النعل و أسلحة الحرب. و ما في الرواية عن زيد بن علي عن آبائه قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : ينزع عن الشهيد الفرو و الخفّ و القلنسوة و العمامة و المنطقة و السراويل الاّ أن يكون أصابه دم، فان أصابه دم ترك و لايترك عليه شيء معقود الاّ حلّ».(1)
فما صدق عليه الثوب من الأشياء المذكورة كالسراويل فلايجوز نزعه؛ لمعارضتها بما هو أصحّ منها سندا مع عدم العمل بها الاّ ما عن المفيد و ابن الجنيدمن ايجاب نزع السراويل عن الشهيد ان لم يكن فيه دم كما عن التنقيح(2). فلو شكّ في شيء أنّه من الثوب فالشبهة تحريميّة فالأصل البراءة.
(مسألة 7): اذا كان ثياب الشهيد للغير و لم يرض بابقائها تنزع و كذا اذا كانت للميّت لكن كانت مرهونة عند الغير و لم يرض بابقائها عليه.
الشرح:
اذا كان ثياب الشهيد للغير و لم يرض بابقائها تنزع؛ لأنّ الأمر بتدفينه في ثيابه منصرف الى ما يملكه، و من المعلوم أنّ التكفين في ملك الغير ان لم يكن راضيا به
حرام. و كذا اذا كانت للميّت ولكن مرهونة عند الغير، فان أمكن نزعها فهو و الاّ لايجوز ان لم يرض بابقائها عليه. فاذا نزعت عنه الثياب المذكورة فبقي عاريايجب تكفينه شرعا.
(مسألة 8): اذا وجد في المعركة ميّت لم يعلم أنّه قتل شهيدا أم لا فالأحوط تغسيله و تكفينه خصوصا اذا لم يكن فيه جراحة و ان كان لايبعد اجراء حكم الشهيد عليه.
الشرح:
قال في الجواهر: «ثم انّه لا اشكال عند الأصحاب على الظاهر في اجراء أحكام الشهيد على كلّ من وجد فيه أثر القتل من المسلمين، أمّا من لم يوجد فيه ذلك فعن الشيخ و تبعه الفاضلان أنّه كذلك عملاً بالظاهر؛ لعدم انحصار القتل بما ظهر أثره، و عن ابن الجنيد عدمه و لعلّه لأصالة وجوب تغسيل الأموات مع الشكّ في تحقّق الشرط هنا، و هو لا يخلو من قوّة، فتأمّل».(1)
أقول:
اذا وجد عليه أثر القتل فيجرى عليه أحكام الشهيد، فلايغسّل و لايحنّط و يدفن في ثيابه. و أمّا اذا لم يوجد عليه أثر القتل، و لم يطمأنّ بأنّه شهيد فالحكم الأوّلي وجوب الغسل و الحنوط و التكفين.
(مسألة 9): من أطلق عليه الشهيد في الأخبار من المطعون و المبطون و الغريق و المهدوم عليه و من ماتت عند الطلق و المدافع عن أهله و ماله لايجري عليه حكم الشهيد؛ اذ المراد التنزيل في الثواب.
1) - جواهر الكلام 4: 93.
الشرح:
قد ذكر لمن كان موته في حكم الشهادة في سفينة البحار(1)روايات:فعن النبي صلى الله عليه و آله:
«اذا جاء موت طالب العلم و هو على هذه الحال مات شهيدا».
و عنه عليه السلام : «انّ الميّت منكم على هذا الأمر شهيد».
و عنه عليه السلام : «من قتل دون ماله فهو شهيد».
و: «جعل الطاعون لهذه الأمّة شهادة».
و: «من قرأ الجحد و التوحيد في فريضة بعثه اللّه شهيدا».
و عن النبي صلى الله عليه و آله:
«يا أنس أكثر من الطهور يزيد اللّه في عمرك و ان استطعت أن تكون بالليل و النهار على طهارة فافعل فانّك تكون اذا متّ على طهارة شهيدا».
و عنه صلى الله عليه و آله: «من سأل اللّه الشهادة بصدق بلّغه اللّه منازل الشهداء و ان مات على فراشه».
و ذكر رسول اللّه صلى الله عليه و آله من شهداء أمّته غير الشهيد الذي قتل في سبيل اللّه مقبلاً غير مدبر:
«الطعين و المبطون و صاحب الهدم و الغرق و المرأة تموت جمعا قالوا: و كيف تموت جمعا يا رسول اللّه؟ قال: يعترض ولدها في بطنها».
قال في المهذّب: «فائدة: تنفع الموت في أوقات خاصّة، و حالات مخصوصة كما قال اللّه تعالى: «و من يخرج من بيته مهاجرا الى اللّه و رسوله ثمّ يدركه الموت فقد وقع أجره على اللّه». و هذه الآية عامّة شاملة لكلّ هجرة الى كلّ
1) - سفينة البحار 4: 513 و 514.
مطلوب شرعي، و يدلّ عليه قول علي عليه السلام :
«ضمنت لستّة الجنّة: رجل خرج بصدقة فمات فله الجنّة، و رجل خرج يعودمريضا فمات فله الجنّة، و رجل خرج مجاهدا في سبيل اللّه فمات فله الجنّة، و رجل خرج حاجّا فمات فله الجنّة، و رجل خرج الى الجمعة فمات فله الجنّة، و رجل خرج في جنازة مسلم فمات فله الجنّة».
و الظاهر أنّ ذكر الستّة من باب المثال لا الخصوصيّة، فيشمل كلّ من خرج في قضاء حاجة المؤمن، و في طلب العلم و نحو ذلك مما هو كثير جدّا.
و منها: الموت في يوم الجمعة قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة رفع اللّه عنه عذاب القبر».
و قال الصادق عليه السلام : «من مات ما بين زوال الشمس من يوم الخميس الى زوال الشمس من يوم الجمعة أمن من ضغطة القبر».
و قال أبو جعفر عليه السلام : «ليلة الجمعة ليلة غرّاء، و يوم الجمعة يوم أزهر و ليس على الأرض يوم تغرب فيه الشمس أكثر معتقا من النار من يوم الجمعة، و من مات يوم الجمعة كتب له براءة من عذاب القبر، و من مات يوم الجمعة أعتق من النار»».(1)
أقول:
من أطلق عليه الشهيد من المطعون و المبطون و الغريق و المهدوم عليه و من ماتت عند الطلق و المدافع عن أهله و ماله لايجري عليه حكم الشهيد؛ اذ المراد التنزيل في الثواب، كما هو الظاهر من الروايات التي عرفت، و أنّه المتسالم بين الأصحاب. و لم يذكر في هذه الروايات سقوط الغسل و الحنوط و الكفن بخلاف من قتل بين الصفّين أو يقتل في سبيل اللّه.
1) - مهذّب الأحكام 3: 448 و 449.
(مسألة 10): اذا اشتبه المسلم بالكافر فان كان مع العلم الاجمالي بوجود مسلم في البين وجب الاحتياط بالتغسيل و التكفين و غيرهما للجميع، و انلم يعلم ذلك لايجب شيء من ذلك، و في رواية يميّز بين المسلم و الكافر بصغر الآلة و كبرها، و لا بأس بالعمل بها في غير صورة العلم الاجمالي و الأحوط اجراء أحكام المسلم مطلقا بعنوان الاحتمال و برجاء كونه مسلما.
الشرح:
اذا كان هناك ميّتان أحدهما مسلم و الآخر كافر و اشتبها، يجب تغسيلهما و تكفينهما و الصلاة عليهما؛ للعلم الاجمالي بوجوب تجهيز الميّت المسلم من بينهما، و لم تكن حرمة تغسيل الكافر ذاتيّة ليكون من الدوران بين المحذورين، بل حرمته لكونه تشريعا، فاذا كان هناك احتياط لم تكن تشريعا.
و أمّا اذا كان ميّت لم يعلم أنّه مسلم أو كافر لايجب تغسيله؛ لأصالة البراءة.
و أمّا صحيحة حمّاد بن عيسى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله يوم بدر: لاتواروا الاّ من كان مكيشا، - يعنى: من كان ذكره صغيرا - و قال: لايكون ذلك الاّ في كرام الناس».(1)
فالظاهر أنّ مورده فيما يحتمل كون مسلم ميّت بين الكفّار فيعمل به، و أمّا في الشبهة الابتدائيّة فلايجب تغسيله. و الاحتياط حسن على كلّ حال.
(مسألة 11): مسّ الشهيد و المقتول بالقصاص بعد العمل بالكيفيّة السابقة لايوجب الغسل.
الشرح:
تقدّم في المسألة الحاديه عشرة من فصل غسل مسّ الميّت عدم وجوبه لمن
1) - وسائل الشيعة 15: 147 / الباب 65 من أبواب جهاد العدوّ / الحديث 1.
قتل بالقصاص بعد العمل بالكيفيّة السابقة و هكذا يكون الحال في الشهيد؛ لأنّ الشهيد و المقتول في معركة الجهاد المرمّل بدمائه كالمغتسل، فهو طاهر لايجبالغسل بمسّه.
(مسألة 12): القطعة المبانة من الميّت ان لم يكن فيها عظم لايجب غسلها و لا غيره بل تلفّ في خرقة و تدفن، و ان كان فيها عظم و كان غير الصدر تغسّل و تلفّ في خرقة و تدفن و ان كان الأحوط تكفينها بقدر ما بقي من محلّ القطعات الثلاث و كذا ان كان عظما مجرّدا، و أمّا اذا كانت مشتملة على الصدر و كذا الصدر وحده فتغسّل و تكفّن و يصلّى عليها و تدفن و كذا بعض الصدر اذا كان مشتملاً على القلب بل و كذا عظم الصدر و ان لم يكن معه لحم، و في الكفن يجوز الاقتصار على الثوب و اللفافة الاّ اذا كان بعض محلّ المئزر أيضا موجودا، و الأحوط القطعات الثلاثة مطلقا و يجب حنوطها أيضا.
الشرح:
قال في الشرائع: «و اذا وجد بعض الميّت، فان كان فيه الصدر أو الصدر وحده غسّل و كفّن و صلّي عليه و دفن».(1)
و في المدارك: «هذا الحكم للشيخ رحمه الله و جمع من الأصحاب. و أطلق العلاّمة رحمه الله في جملة من كتبه أنّ صدر الميّت كالميّت في جميع أحكامه».(2)
و في الجواهر: «بلا خلاف محقّق أجده في شيء من ذلك بين المتقدّمين و المتأخّرين، و ان ترك ذكر الدفن في المبسوط و النهاية و المراسم على ما حكي؛ اذ لعلّه لوضوحه كما هو الظاهر، و كذا ترك ما عدا الصلاة في جملة من الكتب؛
لظهور أولويّة وجوب ماعداها، و كذا ما في السرائر و النافع من الاقتصار على ما فيه الصدر، و الوسيلة و الغنية و عن المبسوط و النهاية من التعبير بموضع الصدر،و عن الخلاف اذا وجد قطعة من ميّت فيه عظم وجب غسله، و ان كان صدره و ما فيه القلب وجب الصلاة عليه».(1)
و قال في الشرائع: «و ان لم يكن و كان فيه عظم غسّل و لفّ في خرقة و دفن».(2)
و في المدارك: «هذا الحكم ذكره الشيخان و أتباعهما و احتجّ عليه في الخلاف باجماع الفرقة».(3)
و قال أيضا: «و الأجود الحاق عظام الميّت به في جميع الأحكام الاّ الحنوط؛ لعدم ذكره في الخبر، و وجوب الصلاة على النصف الذي فيه القلب خاصّة. و الحاق ما فيه القلب مطلقا أو الصدر و اليدان بذلك - كما ذكره في المعتبر - أحوط؛ لورود الأمر بالصلاة عليهما في الخبرين الأوّلين و ان ضعف سندهما».(4)
أقول:
في المسألة صور:
الصورة الأولى: اذا وجد معظم أعضاء الميّت بحيث صدق عليه أنّه جسد فلان فيغسّل و يحنّط و يكفّن و يصلّى عليه و يدفن، و ان بقيت عظامه بلا لحم يغسّل و يكفّن و يصلّى عليه و يدفن؛ يدلّ على الأوّل - أي اذا كان معظم جسد الميّت موجودا و صدق عليه أنّه بدن فلان، و لم يكن فيه رجل أو يد - الروايات الدالّة على وجوب التغسيل و التحنيط و التكفين و الصلاة عليه و تدفينه.
و على الثاني - أي ما تبقى عظامه بلا لحم و صدق عليه أنّه فلان - صحيحة علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى بن جعفر عليه السلام عن الرجل يأكله السبع أو الطيرفتبقى عظامه بغير لحم كيف يصنع به؟ قال:
«يغسّل و يكفّن و يصلّى عليه و يدفن».(1)
و صحيحة خالد بن مادّ القلانسي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم، كيف يصنع به؟ قال: يغسّل و يكفّن و يصلّى عليه و يدفن، فاذا كان الميّت نصفين صلّى على النصف الذي فيه قلبه».(2)
و رواية طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«لايصلّى على عضو رجل من رجل أو يد أو رأس منفردا فاذا كان البدن فصلّ عليه، و ان كان ناقصا من الرأس و اليد و الرجل».(3)
بناءً على أنّ المراد من قوله عليه السلام : «فصلّ عليه» التغسيل و التحنيط و التكفين ثمّ الصلاة عليه.
الصورة الثانية: اذا وجدت قطعة من الميّت فان كانت صدره أو مقداره الذي فيه القلب يجب تجهيزه كاملاً؛ يدلّ عليه صحيحة الفضل بن عثمان الأعور عن الصادق عن أبيه عليهماالسلام في الرجل يقتل فيوجد رأسه في قبيلة، و وسطه و صدره و يداه في قبيلة، و الباقي منه في قبيلة، قال:
«ديته على من وجد في قبيلته صدره و يداه، و الصلاة عليه».(4)
و مرسلة الصدوق قال:
«و سئل الصادق عليه السلام عن رجل قتل و وجدت أعضاؤه متفرّقة كيف يصلّى عليه؟ قال: يصلّى على الذي فيه قلبه».(1)
و مرسلة عبداللّه بن الحسين عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا وسّط الرجل بنصفين صلّي على النصف الذي فيه القلب».(2)
و مرفوعة البزنطي قال:
«المقتول اذا قطع أعضاؤه يصلّى على العضو الذي فيه القلب».(3)
و يحمل على ذلك مرسلة محمّد بن خالد البرقي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا وجد الرجل قتيلاً فان وجد له عضو تامّ صلّي عليه و دفن، و ان لم يوجد له عضو تامّ لم يصلّ عليه و دفن».(4)
بناءً على أنّ المراد من العضو التامّ هو الذي فيه القلب.
و أمّا صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا قتل قتيل فلم يوجد الاّ لحم بلا عظم لم يصلّ عليه، و ان وجد عظم بلا لحم فصلّ عليه».(5)
فتحمل على الصورة الأولى أو الصورة الثانية.
الصورة الثالثة: اذا وجدت قطعة من الميّت لم تكن صدره أو ما فيه القلب، فان كانت لحما بلا عظم لفّ في خرقة و دفن، و ان كان فيهما عظم فالظاهر من الروايات المذكورة عدم وجوب التغسيل و التكفين و الصلاة، كما يظهر من صحيحة الفضل بن عثمان الأعور فانّه عليه السلام قال: «ديته على من وجد في قبيلته
1) - وسائل الشيعة 3: 135 / الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 3: 137 / الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 11.
3) - وسائل الشيعة 3: 138 / الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 12.
4) - وسائل الشيعة 3: 137 / الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 9.
5) - وسائل الشيعة 3: 136 / الباب 38 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 8.
صدره و يداه، و الصلاة عليه». و سكت عن باقي أعضائه. و كذا صحيحة خالد بن مادّ القلانسي و مرسلة عبداللّه بن الحسين، و مرسلة البزنطي الاّ أنّه ادّعي الاجماع عليه في تغسيله و لفّه في خرقة و تدفينه كما عرفت في المدارك. و استشهدبعضهم بمرسلة أيّوب بن نوح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا قطع من الرجل قطعة فهي ميتة، فاذا مسّه انسان فكلّ ما كان فيه عظم فقد وجب على من يمسّه الغسل، الحديث».(1)
بناءً على التعدّي الى الميّت و ثبوت الملازمة بين وجوب الغسل بمسّها و وجوب تغسيلها ولكنّ الظاهر أنّ الاجماع الكاشف عن رأي الامام عليه السلام غير معلوم،
و الرواية مرسلة، و الملازمة مخدوشة، ولكنّ الاحتياط في محلّه.
و في الجواهر: «و ان لم يكن كذلك و كان فيه عظم غسّل بغير خلاف بين علمائنا كما في المنتهى، و اجماعا كما في الخلاف و الغنية، و ذكره الأصحاب كما في جامع المقاصد، قلت: و لم أعثر فيه على مخالف من الأصحاب، فما عساه يشعر بوجوده من نسبته الى الشهرة في كلام جماعة في غير محلّه.
نعم، ربّما وقع فيه تردّد من بعض متأخّري المتأخّرين من حيث انحصار المدرك في الاجماع المنقول مع المناقشة فيه، و لا ريب في ضعفه عندنا».(2)
و قال في موضع آخر منه: «و حيث ظهر لك وجوب تغسيل البعض ذيالعظم من الميّت فكذا يجب أن يلفّ في خرقة و يدفن بلا خلاف أجده في الثاني بل و الأوّل و ان اختلفت عبارات الأصحاب في التعبير عنه باللفّ في خرقة».(3)
أقول:
و الأحوط التكفين بالقطعات الثلاث اذا كان بعض محلّ المئزر موجودا، كما
أنّه لو كان بعض محلّ الأعضاء للحنوط موجودا يحنّط احتياطا.
(مسألة 13): اذا بقي جميع عظام الميّت بلا لحم وجب اجراء جميعالأعمال.
كما تقدّم.
(مسألة 14): اذا كانت القطعة مشتبهة بين الذكر و الأنثى الأحوط أن يغسّلها كلّ من الرجل و المرأة.
تقدّم في المسألة الثانية من الفصل السابق أنّه يجوز أن يغسّلها كلّ من الرجل و المرأة من وراء الثوب و لايجب الجمع بينهما. هذا بناءً على وجوب تغسيل قطعة من أعضاء الميّت التي فيها عظم، و الاحتياط بتغسيلها لايترك.
يجب تغسيله ثلاثة أغسال: «الأوّل»: بماء السدر، «الثاني»: بماء الكافور، «الثالث»: بالماء القراح، و يجب على هذا الترتيب و لو خولف أعيد على وجه يحصل الترتيب، و كيفيّة كلّ من الأغسال المذكورة كما ذكر في الجنابة فيجب أوّلاً غسل الرأس و الرقبة و بعده الطرف الأيمن و بعده الأيسر و العورة تنصف أو تغسل مع كلّ من الطرفين و كذا السرّة، و لايكفي الارتماس على الأحوط في الأغسال الثلاثة مع التمكّن من الترتيب. نعم، يجوز في كلّ غسل رمس كلّ من الأعضاء الثلاثة مع مراعاة الترتيب في الماء الكثير.
الشرح:
يجب تغسيل الميّت ثلاثة أغسال: الأوّل: بماء السدر، الثاني: بماء الكافور، الثالث: بالماء القراح. و يجب على هذا الترتيب، و لو خولف أعيد على وجه يحصل الترتيب و كيفيّة كلّ من الأغسال المذكورة كما ذكر في الجنابة؛ يدلّ على ذلك كلّه روايات:
منها صحيحة ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن غسل الميّت؟ فقال: اغسله بماء و سدر، ثمّ اغسله على
أثر ذلك غسلة أخرى بماء و كافور و ذريرة ان كانت، و اغسله الثالثة بماء قراح، الحديث».(1)
و منها رواية الحلبي قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : يغسّل الميّت ثلاث غسلات، مرّة بالسدر، و مرّة بالماء يطرح فيه الكافور، و مرّة أخرى بالماء القراح، ثمّ يكفّن، الحديث».(2)
و منها صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن غسل الميّت، كيف يغسّل؟ قال: بماء و سدر، و اغسل جسده كلّه، و اغسله أخرى بماء و كافور، ثمّ اغسله أخرى بماء، قلت: ثلاث مرّات؟ قال: نعم، الحديث».(3)
و منها صحيحة الفضل بن عبدالملك عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الميّت؟ فقال: أقعده، و اغمز بطنه غمزا رفيقا، ثمّ طهّره من غمز البطن، ثمّ تضجعه، ثمّ تغسّله تبدأ بميامنه، و تغسله بالماء و الحرض، ثمّ بماء و كافور، ثمّ تغسله بماء القراح، و اجعله في أكفانه».(4)
قال الشيخ: «قوله: أقعده موافق للعامّة، و لسنا نعمل عليه، و الوجه فيه التقيّة».(5)
و يدلّ على أنّ كيفيّته كغسل الجنابة حسنة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«غسل الميّت مثل غسل الجنب، و ان كان كثير الشعر فزد عليه الماء ثلاث مرّات».(1)
و الروايات الدالّة على العلّة التي لأجلها غسّل الميّت غسل الجنابة، و من جملتها رواية عبدالرحمن بن حمّاد قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الميّت، لِمَ يغسّل غسل الجنابة؟ فذكر حديثا يقول فيه: فاذا مات سالت منه تلك النطفة بينها - يعني التي خلق منها - فمن ثمّ صار الميّت يغسّل غسل الجنابة».(2)
و يشهد له أيضا قوله عليه السلام في موثّقة عمّار:
« ... ثمّ تبدأ فتغسل الرأس و اللحية بسدر حتّى تنقيه ثمّ تبدأ بشقّه الأيمن، ثمّ بشقّه الأيسر - الى أن قال: - يجعل في الجرّة من الكافور نصف حبّة، ثمّ تغسل رأسه و لحيته، ثمّ شقّه الأيمن ثمّ شقّه الأيسر، الحديث».(3)
و قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي:
«ثمّ تبدأ بكفّيه و رأسه ثلاث مرّات بالسدر ثمّ سائر جسده و ابدأ بشقّه الأيمن، الحديث».(4)
و قولهم عليهم السلام في مرسلة يونس:
« ... ثمّ اغسل رأسه بالرغوة، - الى أن قال: - ثمّ أضجعه على جانبه
الأيسر و صبّ الماء من نصف رأسه الى قدميه، - الى أن قال: - ثمّ أضجعه على جانبه الأيمن و افعل به مثل ذلك، الحديث».(1)
قال في الشرائع: «ثمّ يغسل بماء السدر يبدأ برأسه ثمّ بجانبه الأيمن ثمّ الأيسر».(2)
و في المدارك: «مذهب الأصحاب - خلا سلاّر - أنّه يجب تغسيل الميّت ثلاث غسلات: بماء السدر، ثمّ بماء الكافور، ثمّ بماء القراح. و حجّتهم في ذلك الأخبار المستفيضة عن أئمّة الهدى عليهم السلام .
قال في الجواهر: «و كيف كان فلا ريب أنّ الأقوى وجوب الخليطين و الترتيب، بل لم نجد خلافا في الثاني عدا ما سمعته من المحكي عن ابن حمزة، و قد عرفت ما فيه، و يدلّ عليهما - مضافا الى الاجماعين السابقين المعتضدين بالتتبّع لكلمات الأصحاب، و بالاحتياط في وجه، و التأسّي - الأخبار المعتبرة المستفيضة الصريحة فيهما معا:
منها صحيح ابن مسكان عن الصادق عليه السلام قال: «سألته عن غسل الميّت فقال: اغسله بماء و سدر، ثمّ اغسله على أثر ذلك غسلة أخرى بماء و كافور و ذريرة ان كانت، و اغسله الثالثة بماء قراح، الحديث».
و منها الحسن كالصحيح عنه عليه السلام أيضا قال: «اذا أردت غسل الميّت فاجعل
بينك و بينه ثوبا يستر عنك عورته امّا قميص أو غيره، ثم تبدأ بكفّيه و رأسه ثلاث مرّات بالسدر ثم سائر جسده، و ابدأ بشقّه الأيمن، - الى أن قال: - فاذا فرغت منغسله بالسدر فاغسله مرّة أخرى بماء و كافور و شيء من حنوط، ثم اغسله بماء بحت مرّة أخرى»، و نحوهما غيرهما.
فما عساه يستند للخصم - من خبر معاوية بن عمّار قال: «أمرني أبو عبداللّه عليه السلام أنّ أعصر بطنه ثمّ أوضأه بالأشنان، ثمّ أغسل رأسه بالسدر و لحيته، ثمّ أفيض على جسده منه، ثمّ أدلك به جسده، ثمّ أفيض عليه ثلاثا، ثمّ أغسله بالماء القراح، ثمّ أفيض عليه الماء بالكافور و بالماء القراح، و أطرح فيه سبع ورقات سدر».
و صحيح يعقوب بن يقطين عن العبد الصالح عليه السلام أنّه قال: «يبدأ بمرافقه فيغسل بالحرض، ثمّ يغسل وجهه و رأسه بالسدر، ثمّ يفاض عليه الماء ثلاث مرّات، و لايغسل الاّ في قميص يدخل رجل يده، و يصبّ عليه من فوقه، و يجعل في الماء شيء من سدر و شيء من كافور».
و خبر الفضل بن عبد الملك عن الصادق عليه السلام قال: «سألته عن الميّت، فقال: أقعده و اغمز بطنه غمزا رفيقا، ثمّ طهّره من غمز البطن ثمّ تضجعه ثمّ تغسله تبدأ بميامنه و تغسله بالماء و الحرض، ثم بماء و كافور، ثم تغسله بماء القراح، و اجعله في أكفانه» - في غير محلّه؛ اذ لا بدّ من طرحها أو حملها على ما لاينافي ما ذكرنا بعدم ارادة الغسل بماء القراح في الأوّل الغسل المطلوب، بل المراد غسله عن رغوة السدر و نحوها، و امكان تنزيل الثاني على المختار؛ اذ هو مجمل لاينافي الحمل عليه كالثالث؛ اذ هو مع اشتماله على غرائب كما اعترف به بعضهم محتمل لارادة السدر مع الحرض؛ لمكان غيره من الأخبار، أو غير ذلك؛ لقصورها عن مقاومة ما ذكرنا من وجوه غير خفيّة، كالاستدلال أيضا بالأصل و التشبيه بغسل الجنابة، فلا اشكال حينئذٍ في ضعف القول بعدم الترتيب أو عدم وجوب الخليط أصلاً.
و كذا ما عساه يظهر من المنقول عن الشيخ في المبسوط و النهاية من عدم
ايجاب السدر لما عدا الرأس من البدن، حيث لم يصرّح بالغسل بالسدر في الغسل الأوّل الاّ في غسل الرأس؛ لظهور الأدلّة بل صريحها في خلافه كما عرفت.
و من العجيب ما عن التذكرة و نهاية الأحكام من أنّه لو أخلّ بالترتيب فقدّم الكافور أو القراح ففي الاجزاء و عدمه وجهان، من حصول الانقاء، و من مخالفة الأمر؛ اذ ذلك لايجامع شرطيّة الترتيب، و احتمال القول بوجوبه تعبّدا لا شرطا ضعيف جدّا مخالف لظاهر الأدلّة أو صريحها، فالمتعيّن حينئذٍ الوجه الثاني من غير فرق بين العمد و عدمه، فتأمّل».(1)
قال المصنّف: «و لايكفي الارتماس على الأحوط في الأغسال الثلاثة مع التمكّن من الترتيب».
و في المستمسك: «خلافا لما عن العلاّمة و ولده و الشهيدين و المحقّق الثاني و غيرهم؛ لاطلاق تشبيهه بغسل الجنابة في النصّ و الفتوى، ففي خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام : «غسل الميّت مثل غسل الجنب»، و نحوه غيره.
و عن التذكرة أنّه استشكله. و في كشف اللثام: «الأقوى العدم». و جعله في الجواهر الأظهر؛ لنصوص الترتيب التي بها يرفع اليد عن اطلاق التشبيه، و أضاف الى ذلك في كشف اللثام الاستدلال بالأصل، و الاحتياط و ظواهر الفتاوى، و احتمال التشبيه بغسل الجنابة في الترتيب، بل ظهوره، لكنّ الظهور في ذلك ممنوع، و النصوص التي فيه موردها الماء القليل كما هو المتعارف نظير ما ورد في غسل الجنابة».(2)
أقول: الظاهر من التشبيه في حسنة محمّد بن مسلم: «غسل الميّت مثل غسلالجنب»(1)، و كذا الروايات التي ذكرت في هذا الباب للعلّة التي لأجلها يغسّل الميّت غسل الجنابة هو كفاية الغسل الارتماسي في الأغسال الثلاثة و ان تمكّن من الترتيب، الاّ أنّه اذا لم يكن ذكر منه في الأخبار المستفيضة، و لم يذكر فتوى القدماء في ذلك فالاحتياط فيما اذا تمكّن من الترتيبي في محلّه، بل لايترك.
و أمّا رمس كلّ من الأعضاء الثلاثة مع مراعاة الترتيب في الماء الكثير في كلّ غسل فلا بأس به.
ثمّ انّه كما ذكر في غسل الجنابة تغسل العورة مع كلّ من الطرفين و كذا السرّة و لعلّه ظاهر بعض الروايات الواردة في الباب.
(مسألة 1): الأحوط ازالة النجاسة عن جميع جسده قبل الشروع في الغسل و ان كان الأقوى كفاية ازالتها عن كلّ عضو قبل الشروع فيه.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يجب ازالة النجاسة من بدنه أوّلاً».(2)
و في المدارك: «أي قبل الشروع في الغسل. و هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب بل قال في المنتهى: «انّه لا خلاف فيه بين العلماء». و يدلّ عليه روايات: منها قوله عليه السلام في رواية يونس: «و اغسل فرجه و أنقه». انتهى ملخّصا».(3)
أقول: و لنذكر الروايات الواردة في ذلك:
منها قوله عليه السلام في مرسلة يونس:
« ... ثمّ اغسل فرجه و نقّه - الى أن قال: - و امسح بطنه مسحا رفيقا،
فان خرج منه شيء فأنقه، الحديث».(1)
و منها قوله عليه السلام في صحيحة يعقوب بن يقطين:
« ... و لايعصر بطنه الاّ أن يخاف شيئا قريبا فيمسح مسحا رفيقا من غير أن يعصر، الحديث».(2)
و منها قوله عليه السلام في رواية معاوية بن عمّار قال:
«أمرني أبو عبداللّه عليه السلام أن أعصر بطنه، ثمّ أوضّيه بالأشنان ثمّ أغسل رأسه، الحديث».(3)
و منها قوله عليه السلام في صحيحة الفضل بن عبدالملك:
« ... فقال: أقعده و اغمز بطنه غمزا رفيقا ثمّ طهّره من غمز البطن، الحديث».(4)
و منها قوله عليه السلام في موثّقة عمّار:
« ... ثمّ تمرّ يدك على بطنه فتعصره شيئا حتّى يخرج من مخرجه ما خرج، و يكون على يديك خرقة تنقي بها دبره، الحديث».(5)
فانّ الظاهر من هذه الروايات هو نقاء المخرج ان خرج منه شيء، و أنّ الظاهر كفاية ما يصبّ عليه من الماء المخلوط بالسدر و الكافور ثمّ الغسل الثالثة بالماء القراح، و قال في المتن: «الأقوى كفاية ازالة النجاسة عن كلّ عضو قبل الشروع فيه، و ان كان الأحوط ازالتها عن جميع جسده قبل الشروع في الغسل».
1) - وسائل الشيعة 2: 480 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 2: 483 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 2: 484 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 8. و في التهذيب 1: 303.
4) - وسائل الشيعة 2: 484 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 9.
5) - وسائل الشيعة 2: 485 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 10.
(مسألة 2): يعتبر في كلّ من السدر و الكافور أن لايكون في طرف الكثرةبمقدار يوجب اضافته و خروجه عن الاطلاق، و في طرف القلّة يعتبر أن يكون بمقدار يصدق أنّه مخلوط بالسدر أو الكافور، و في الماء القراح يعتبر صدق الخلوص منهما و قدّر بعضهم السدر برطل و الكافور بنصف مثقال تقريبا لكنّ المناط ما ذكرنا.
الشرح:
يعتبر في كلّ من السدر و الكافور أن لايكون في طرف الكثرة بمقدار يوجب اضافة الماء و خروجه عن الاطلاق، و في طرف القلّة أن يكون بمقدار يصدق أنّه مخلوط بالسدر أو الكافور، و في الماء القراح يعتبر صدق الخلوص منهما؛ يدلّ على ذلك روايات:
منها قوله عليه السلام في صحيحة ابن مسكان:
« ... اغسله بماء و سدر، ثمّ اغسله على أثر ذلك بماء و كافور و ذريرة ان كانت و اغسله الثالثة بماء قراح، الحديث».(1)
و منها قوله عليه السلام في صحيحة سليمان بن خالد بعد سؤال الراوي عنه عليه السلام عن غسل الميّت، كيف يغسّل؟ قال:
«بماء و سدر، و اغسل جسده كلّه، و اغسله أخرى بماء و كافور، ثمّ اغسله أخرى بماء، الحديث».(2)
و أصرح منهما قوله عليه السلام في صحيحة يعقوب بن يقطين:
« ... و يجعل في الماء شيء من السدر و شيء من كافور، الحديث».(3)
قال في الشرائع: «و أقلّ ما يلقى في الماء من السدر ما يقع عليه الاسم، و قيل:مقدار سبع ورقات، و بعده بماء الكافور على الصفة المذكورة، و بماء القراح أخيرا كما يغتسل من الجنابة».(1)
و في المدارك: «المشهور بين الأصحاب أنّه يكفي من الخليط أعني السدر و الكافور مسمّاه و قدّر المفيد رحمه الله السدر برطل، و ابن البرّاج برطل و نصف، و اعتبر بعضهم سبع ورقات. و الأصحّ اعتبار ما يصدق عليه الاسم، أعني ما يتحقّق معه كون ذلك الماء ماء سدر و ماء كافور. فلو كان السدر ورقا غير مطحون و لا ممروس لم يجز، و كذا لو كان قليلاً على وجه لايصدق على الماء الذي قد وضع فيه الاسم المذكور. و لو خرج الماء بالخليط عن كونه مطلقا ففي جواز التغسيل به قولان. و اطلاق الأخبار و اتّفاق الأصحاب على ترغية السدر - كما نقله في الذكرى - يقتضيان الجواز».(2)
أقول: يدلّ على اشتراط اطلاق الماء الذي فيه السدر و الكافور، الروايات المذكورة آنفا، و لاتعارضها قوله عليه السلام في رواية الحلبي:
«يغسّل الميّت ثلاث غسلات، مرّة بالسدر، الحديث».(3)
و قوله عليه السلام في صحيحته:
« ... تبدأ بكفّيه و رأسه ثلاث مرّات بالسدر، الحديث».(4)
و قوله عليه السلام في موثّقة عمّار:
« ... فتغسل الرأس و اللحية بسدر حتّى تنقيه، الحديث».(5)
و قولهم عليهم السلام في مرسلة يونس:
« ... ثمّ اغسل رأسه بالرغوة، الحديث».(1)
و ذلك لأنّ الغسل بالسدر لا معنى له، فانّها تحمل على أنّ المراد الماء المخلوط بالسدر. و كذلك يكون الحال في قوله عليه السلام في رواية الكاهلي في كيفيّة غسله: «بماء السدر» و كذا: «بماء الكافور». و القرينة على هذا الحمل قوله عليه السلام في صحيحة الحلبي: «فاغسله مرّة أخرى بماء و كافور». و في روايته: «و مرّة بالماء يطرح فيه الكافور». و قولهم عليهم السلام في مرسلة يونس: «ثمّ صبّ الماء في الآنية و ألق فيه حبّات كافور». و قوله عليه السلام في موثّقة عمّار: «ثمّ بجرّة من كافور يجعل في الجرّة من الكافور نصف حبّة».
ثمّ انّ المقدار الملقى في الماء من السدر و الكافورليس له تقدير و ان نسب الى المفيد رحمه الله اعتبار كون السدر رطلاً، و عن ابن البرّاج رطلاً و نصف رطل كما نسب اليهما اعتبار كون الكافور نصف مثقال - كما في التنقيح -(2)ولكنّه لا دليل على اعتبار شيء من ذلك. نعم، في موثّقة عمّار تقدير الكافور بنصف حبّة، و في مرسلة يونس بالحبّات، و في رواية مغيرة مؤذّن بني عدي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«غسّل علي بن أبي طالب عليه السلام رسول اللّه صلى الله عليه و آله، بدأه بالسدر و الثانية ثلاثة مثاقيل من كافور، الحديث».(3)
ولكنّ الظاهر أنّه ليس شيء منها بعنوان التقدير الشرعي؛ لاجمال الحبّة و الحبّات، و فعله عليه السلام لايدلّ على الوجوب.
ثمّ انّ الظاهر اعتبار كون ماء القراح خاليا من السدر و الكافور بمعنى أنّه لايقال فيه: الماء المخلوط بالسدر أو الماء المخلوط بالكافور، كما هو الظاهر من قوله عليه السلام
بماء قراح في مقابل قوله عليه السلام : «بماء و سدر» و «ماء و كافور»، في صحيحة ابن مسكان و: «بماء بحت»، في صحيحة الحلبي و كذلك سائر الروايات.
(مسألة 3): لايجب مع غسل الميّت الوضوء قبله أو بعده و ان كان مستحبّا و الأولى أن يكون قبله.
الشرح:
قال في الشرائع: «و في وضوء الميّت تردّد، و الأشبه أنّه لايجب».(1)
و في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب، و يدلّ عليه مضافا الى الأصل النقل المستفيض عن أهل البيت عليهم السلام في كيفيّة الغسل و انتقالهم من تليين أصابعه و غسل يديه الى غسل رأسه و جسده، و من غسله الى تكفينه من غير ذكر الوضوء».(2)
لايجب مع غسل الميّت الوضوء قبله أو بعده؛ يدلّ على ذلك - مضافا الى ما عرفت في المدارك - صحيحة يعقوب بن يقطين قال:
«سألت العبد الصالح عليه السلام عن غسل الميّت، أفيه وضوء الصلاة أم لا؟ فقال: غسل الميّت تبدأه، الحديث».(3)
فلم يجب عن سؤاله بالنسبة الى الوضوء، بل شرع بكيفيّة غسل الميّت من مستحبّاته و واجباته.
و يدلّ على استحبابه صحيحة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الميّت يبدأ بفرجه ثمّ يوضّأ وضوء الصلاة، الحديث».(4)
و قوله عليه السلام في رواية عبداللّه بن عبيد قال:
« ... تطرح عليه خرقة ثمّ تغسل فرجه و يوضّأ وضوء الصلاة».(1)
وقوله عليه السلام في رواية أبي خيثمة:
« ... ثمّ توضّيه وضوء الصلاة، الحديث».(2)
و رواية حمّاد بن عثمان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«في كلّ غسل وضوء الاّ الجنابة».(3)
و الجمع بين الروايات الكثيرة الواردة في كيفيّة تغسيل الميّت من دون ذكر الوضوء و هذه الروايات هو الاستحباب. و قد تقدّم في فصل غسل الجنابة أنّ الغسل يكفي عن الوضوء الاّ في المستحاضة المتوسّطة.
(مسألة 4): ليس لماء غسل الميّت حدّ بل المناط كونه بمقدار يفي بالواجبات أو مع المستحبّات. نعم، في بعض الأخبار أنّ النبي صلى الله عليه و آله أوصى الى أمير المؤمنين عليه السلام أن يغسّله بستّ قرب و التأسّي به صلى الله عليه و آله حسن مستحسن.
الشرح:
يدلّ على ما في المتن مكاتبة محمّد بن الحسن - يعنى الصفّار - الى أبي محمّد عليه السلام في الماء الذي يغسّل به الميّت، كم حدّه؟ فوقّع عليه السلام :
«حدّ غسل الميّت يغسل حتّى يطهر ان شاء اللّه».(4)
و قد نقلها الصدوق:
«كم حدّ الماء الذي يغسّل به الميّت كما رووا أنّ الجنب يغسّل بستّة
أرطال من ماء و الحائض بتسعة، فهل للميّت حدّ من الماء الذي يغسّل به؟ فوقّع عليه السلام : حدّ غسل الميّت يغسل حتّى يطهر ان شاء اللّه تعالى».(1)
قال الصدوق رحمه الله: و هذا التوقيع في جملة توقيعاته عليه السلام عندي بخطّه عليه السلام في صحيفة.(2)
ففي صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام : يا علي! اذا أنا متّ فاغسلني بسبع قِرَب من بئر غرس».(3)
و في رواية فضيل سكّرة:
« ... فاستق لي ستّ قرب من ماء بئر غرس فاغسلني، الحديث».(4)
(مسألة 5): اذا تعذّر أحد الخليطين سقط اعتباره و اكتفى بالماء القراح بدله و يأتي بالأخيرين، و ان تعذّر كلاهما سقطا و غسّل بالقراح ثلاثة أغسال و نوى بالأوّل ما هو بدل السدر و بالثاني ما هو بدل الكافور.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو عدم الكافور و السدر غسّل بالماء، و قيل: لاتسقط الغسلة بفوات ما يطرح فيها، و فيه تردّد».(5)
و في المدارك: «منشأ التردّد من تعذّر المأمور به - أعني تغسيله بماء السدر و
ماء الكافور - المقتضي لسقوط التكليف به، و من أنّه مأمور بالغسلات الثلاث على هيأتها، و هي كون الأولى بماء السدر، و الثانية بماء الكافور، و الثالثة بالقراح، فيكون مطلق الغسلات واجبا؛ ضرورة استلزام وجوب المركّب وجوب أجزائه.
و يتوجّه على هذا أنّ المتحقّق في ضمن المقيّد حصّة من المطلق مقوّمة له لا نفس الماهيّة كما هو الظاهر. و من هنا يظهر قوّة القول بالاكتفاء بالغسلة الواحدة، كما جزم به في المعتبر. و لو وجد الخليطان قبل الدفن ففي وجوب اعادة الغسل وجهان: أحوطهما ذلك و أظهرهما العدم؛ لتحقّق الامتثال المقتضي للاجزاء».(1)
و لنذكر فتاوى الأصحاب رحمهم الله، قال المفيد رحمه الله في المقنعة: «و اذا لم يوجد للميّت سدر و كافور و أشنان غسّل بالماء القراح».(2)
و قال الشيخ في النهاية: «و الميّت اذا لم يوجد له كافور و لا سدر، فلا بأس أن يغسّل بالماء القراح و يقتصر عليه».(3)
قال في السرائر: «و اذا لم يوجد لغسله كافور و لا سدر، فلا بأس أن يغسّل ثلاث غسلات بالماء القراح».(4)
قال في المستمسك: «أصل وجوب التغسيل في الجملة فالظاهر أنّه ممّا لا اشكال فيه؛ لظهور التسالم عليه. نعم، عن المبسوط و السرائر التعبير ب- «لا بأس بالغسل بالماء القراح». و قد يشعر ذلك بعدم الوجوب لكنّ المظنون قويّا ارادة الوجوب. و أمّا وجوب الغسل بالقراح بدله فهو المحكي عن العلاّمة و المحقّق و الشهيد الثانيين و غيرهم. و في المعتبر و الذكرى و عن النافع و المدارك و مجمع البرهان و غيرها عدمه».(5)
أقول:
ما هو الظاهر من الروايات أنّه يجب في غسل الميّت الأغسال الثلاثة، و يجب في الغسل الأوّل و الثاني تخليط الماء بالسدر و الكافور، ولكن لم يكن هذاالتخليط بحيث لو لم يتمكّن منه يسقط أصل الغسل، كما يمكن أن يستدلّ على ذلك بسقوط الكافور في غسل الميّت المحرم مع بقاء غسله، فحينئذ يجب أن يغسّل الميّت ثلاثة أغسال بالماء القراح، و ينوى بالأوّل ما هو بدل السدر، و بالثاني ما هو بدل الكافور على الأحوط.
(مسألة 6): اذا تعذّر الماء يتيمّم ثلاث تيمّمات بدلاً عن الأغسال على الترتيب، و الأحوط تيمّم آخر بقصد بدليّة المجموع و ان نوى في التيمّم الثالث ما في الذمّة من بدليّة الجميع أو خصوص الماء القراح كفى في الاحتياط.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لو خيف من تغسيله تناثر جلده كالمحترق و المجدور يتيمّم بالتراب كما يتيمّم الحي العاجر».(1)
قال في المدارك: «هذا مذهب الأصحاب، قال الشيخ في التهذيب: «و به قال جميع الفقهاء الاّ الأوزاعي». و استدلّ عليه بما رواه عن عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن آبائه عن علي عليهم السلام قال:
«انّ قوما أتوا رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقالوا: يا رسول اللّه مات صاحب لنا و هو مجدور فان غسّلناه تسلّخ، فقال: يمّموه».
و هي ضعيفة السند باشتمالها على جماعة من الزيديّة. فان كانت المسألة
1) - شرائع الاسلام 1: 38.
اجماعيّة على وجه لايجوز مخالفته فلا بحث، و الاّ أمكن التوقّف في ذلك؛ لأنّ ايجاب التيمّم زيادة تكليف، و الأصل عدمه، خصوصا ان قلنا: انّ الغسل ازالة نجاسة كما يقوله المرتضى رحمه الله.
و ربّما ظهر من بعض الروايات عدم الوجوب أيضا كصحيحة عبدالرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن عليه السلام في الجنب و المحدث و الميّت اذا حضرت الصلاة و لم يكن معهم من الماء الاّ بقدر ما يكفي أحدهم، قال:
«يغتسل الجنب و يدفن الميّت و يتيمّم الذي هو على غير وضوء؛ لأنّ الغسل من الجنابة فريضة و غسل الميّت سنّة، و التيمّم للآخر جائز».
و مع ذلك فالعمل على المشهور. و ينبغي القطع بالاكتفاء بتيمّم واحد، و احتمال التعدّد بتعدّد الغسلات بعيد».(1)
أقول:
انّ الرواية التي أتى بها صاحب المدارك و قد نقلها في الوسائل(2)و ان كانت ضعيفة الاّ أنّه عمل بها الأصحاب حتّى الشيخ في التهذيب كما قال في المدارك، و به قال جميع الفقهاء الاّ الأوزاعي.
هذا مضافا الى أنّ الصحيحة التي أشار اليها فقد رواها الوسائل عن الفقيه بعد قول السائل: حضرت الصلاة و معهم من الماء قدر ما يكفي أحدهم، من يأخذ الماء و كيف يصنعون؟ قال عليه السلام :
«يغتسل الجنب و يدفن الميّت بتيمّم، و يتيمّم الذي هو على غير وضوء؛ لأنّ الغسل من الجنابة فريضة، و غسل الميّت سنّة، و التيمّم للآخر جائز».(3)
و قد بحث في التنقيح تفصيلاً في مدرك ما ذكره في المدارك فراجع(1).
و كيف كان فانّ الظاهر من هذه الصحيحة و كذا الرواية وجوب التيمّم بدلغسل الميّت اذا تعذّر الماء.
ثمّ انّه اذا وجب الأغسال الثلاثة للميّت، فاذا تعذّر الماء أو فقد الماء، يجب بدل كلّ واحد من الأغسال التيمّم، فلييمّم ثلاثة تيمّمات بدلاً عن الأغسال على الترتيب. فلا وجه لسقوط تيمّمين و كفاية تيمّم واحد.
(مسألة 7): اذا لم يكن عنده من الماء الاّ بمقدار غسل واحد فان لم يكن عنده الخليطان أو كان كلاهما أو السدر فقط صرف ذلك الماء في الغسل الأوّل و يأتي بالتيمّم بدلاً عن كلّ من الآخرين على الترتيب، و يحتمل التخيّر في الصورتين الأوليين في صرفه في كلّ من الثلاثة في الأولى و في كلّ من الأوّل و الثاني في الثانية، و ان كان عنده الكافور فقط فيحتمل أن يكون الحكم كذلك و يحتمل أن يجب صرف ذلك الماء في الغسل الثاني مع الكافور و يأتي بالتيمّم بدل الأوّل و الثالث فييمّمه أوّلاً ثمّ يغسّله بماء الكافور ثمّ ييمّمه بدل القراح.
الشرح:
اذا لم يكن عنده من الماء الاّ بمقدار غسل واحد، فتارة: لم يكن عنده الخليطان أو كان السدر فقط صرف ذلك الماء في الغسل الأوّل و يأتي بالتيمّم بدلاً عن كلّ من الآخرين على الترتيب. و أخرى: يكون عنده الكافور فقط فالظاهر أنّه يأتي بالغسل الأوّل بخلط الماء المذكور به، بناءً على أنّ الترتيب بين الخليط بالسدر و الكافور في صورة التمكّن، و الاحتياط بالتيمّم بدل الغسل الأوّل ثمّ الغسل بالماء و
1) - التنقيح في شرح العروة 9: 35.
الكافور ثمّ التيمّم ثالثة بدل الماء القراح لايترك، و يأتي بعده بتيمّمين بدل الغسلين الآخرين.
(مسألة 8): اذا كان الميّت مجروحا أو محروقا أو مجدورا أو نحو ذلكممّا يخاف معه تناثر جلده ييمّم كما في صورة فقد الماء ثلاثة تيمّمات.
كما تقدّم في المسألة السادسة و قلنا بوجوب ثلاثة تيمّمات.
(مسألة 9): اذا كان الميّت محرما لايجعل الكافور في ماء غسله في الغسل الثاني الاّ أن يكون موته بعد طواف الحجّ أو العمرة، و كذلك لايحنّط بالكافور بل لايقرب اليه طيب آخر.
الشرح:
يدلّ على هذه المسألة صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المحرم يموت، كيف يصنع به؟ قال: انّ عبدالرحمن بن الحسن مات بالأبواء مع الحسين عليه السلام و هو محرم، و مع الحسين عليه السلام عبداللّه بن العبّاس و عبداللّه بن جعفر، و صنع به كما يصنع بالميّت و غطّى وجهه و لم يمسّه طيبا، قال: و ذلك كان في كتاب علي عليه السلام ».(1)
و نظيرها موثّقة سماعة و صحيحة عبداللّه بن سنان و صحيحة محمّد بن مسلم.(2)
و رواية ابن مريم (عبداللّه بن القاسم) عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«خرج الحسين بن علي عليه السلام و عبداللّه و عبيداللّه ابنا العبّاس و عبداللّه
بن جعفر و معهم ابن للحسن يقال له: عبدالرحمن، فمات بالأبواء و هو محرم فغسّلوه و كفّنوه و لم يحنّطوه و خمّروا وجهه و رأسه و دفنوه».(1)
انّ الظاهر من الروايتين أنّ الميّت المحرم لايقرب منه الطيب و من جملته الكافور بل يغسّل في الغسل الثاني بالماء القراح. الاّ أن يكون موته بعد ما كان يحلّ له الطيب.
قال في المستمسك: «فعن الخلاف و الغنية و جامع المقاصد و مجمع البرهان الاجماع على ذلك. و في المنتهى: «ذهب اليه علماؤنا أجمع، و به قال علي عليه السلام »».(2)
(مسألة 10): اذا ارتفع العذر عن الغسل أو عن خلط الخليطين أو أحدهما بعد التيمّم أو بعد الغسل بالقراح قبل الدفن يجب الاعادة، و كذا بعد الدفن اذا اتّفق خروجه بعده على الأحوط.
الشرح:
اذا ارتفع العذر عن الغسل بعد التيمّم و قبل الدفن تجب الاعادة؛ لأنّه يكون بدلاً مادام العذر في الوقت باقيا. و كذا لو ارتفع العذر عن خلط الخليطين أو أحدهما. و لو اتّفق خروجه بعد الدفن يعاد الغسل، ان لم يطل الزمان بينه و بين اتّفاق خروجه عرفا بحيث لايكون غسله بعيدا عن الذهن، و الاّ لايجب الاعادة.
و في الجواهر: «انّ الظاهر وجوب اعادة الغسل لو وجد الخليطان قبل الدفن وفاقا للذكرى و جامع المقاصد و الروض».(3)
(مسألة 11): يجب أن يكون التيمّم بيد الحي لا بيد الميّت و ان كان الأحوط تيمّم آخر بيد الميّت ان أمكن، و الأقوى كفاية ضربة واحدة للوجه و اليدين و ان كان الأحوط التعدّد.
الشرح:يجب أن يكون التيمّم بيد الحي لا بيد الميّت؛ لأنّه بدل الغسل و التغسيل بيد الحي، و لأنّ الحي مخاطب بأن ييمّم الميّت. و أمّا كفاية ضربة واحدة للوجه و اليدين أو يجب التعدّد فسيأتي الكلام فيه ان شاء اللّه تعالى.
(مسألة 12): الميّت المغسّل بالقراح لفقد الخليطين أو أحدهما أو المتيمّم لفقد الماء أو نحوه من الأعذار لايجب الغسل بمسّه و ان كان أحوط.
الشرح:
الميّت المغسّل بالقراح لفقد الخليطين أو أحدهما، أو المتيمّم لفقد الماء أو نحوه من الأعذار لايجب الغسل بمسّه؛ و ذلك لأنّ الفرض أنّ الميّت غسّل بأمر الشارع، و يترتّب عليه أثره و هو عدم وجوب الغسل بمسّه و كذلك الحال لو يُمّم لفقد الماء و نحوه؛ لأنّه بدل الغسل، و أنّ التراب أحد الطهورين. و قد تقدّم شرح ذلك في الفرع الرابع في ابتداء الفصل المتعلّق بوجوب الغسل بمسّ الميّت.
و هي أمور:
«الأوّل»: نيّة القربة على ما مرّ في باب الوضوء. «الثاني»: طهارة الماء. «الثالث»: ازالة النجاسة عن كلّ عضو قبل الشروع في غسله بل الأحوط ازالتها عن جميع الأعضاء قبل الشروع في أصل الغسل كما مرّ سابقا. «الرابع»: ازالة الحواجب و الموانع عن وصول الماء الى البشرة و تخليل الشعر و الفحص عن المانع اذا شكّ في وجوده. «الخامس»: اباحة الماء و ظرفه و مصبّه و مجرى غسالته و محلّ الغسل و السدة و الفضاء الذي فيه جسد الميّت و اباحة السدر و الكافور، و اذا جهل بغصبيّة أحد المذكورات أو نسيها و علم بعد الغسل لايجب اعادته بخلاف الشروط السابقة فانّ فقدها يوجب الاعادة و ان لم يكن عن علم و عمد.
الشرح:
يشترط في غسل الميّت أمور:
الأوّل: نيّة القربة، و هي أن يكون قصد المغتسل من فعله هذا امتثال أمر الشارع، و هي حاصلة من كلّ غاسل يؤمن باللّه و اليوم الآخر و الرسول و
الأئمّة عليهم السلام ، نعم، اذا كان داعيه من الاغتسال غير امتثال أمرهم عليهم السلام كأن يكون رياءً أو غيره من الأمور الدنيويّة فالغسل باطل؛ لأنّ غسل الميّت كغسل الجنابة عبادة يحتاج صحّته الى نيّة القربة، و ليس كالأمور التوصّليّة، فهو كالصلاة على الميّت. نعم، تكفينه و تدفينه من الأمور التوصّليّة، فمن فعلهما قربة الى اللّه يثاب، و الاّ يكون مجزيا.
الثاني: طهارة الماء، و لو كان متنجّسا لم يكن مطهّرا من الخبث و الحدث، و الظاهر من الروايات الواردة في الباب و تشبيهه بغسل الجنابة، و أنّ الأغسال الواجبة تكون لرفع الحدث - و لو في الجملة كمن مسّ ميّتا - هو كون الميّت محدثا، فلايرفع حدثه الاّ بالماء الطاهر.
الثالث: ازالة النجاسة عن كلّ عضو كما تقدّم شرحه في المسألة الأولى من الفصل السابق.
الرابع: ازالة المانع أو الموانع عن وصول الماء الى البشرة؛ لأنّ الواجب في الغسل ايصال الماء الى البشرة. و لو شكّ في وجود المانع يفحص حتّى يرفع شكّه؛ لقاعدة الاشتغال.
الخامس: اباحة الماء و اباحة السدر و الكافور؛ لأنّ الأغسال الثلاثة عبادة كما مرّ، فلاتجمع عباديّتها مع كون الفعل معصية؛ لأنّه يكون استعمال الماء و السدر و الكافور الغصبي حراما، و قد تقدّم في شرائط الوضوء الكلام فيما يتعلّق بهذا الشرط. نعم، لو جهل بغصبيّة أحد المذكورات أو نسيها و علم بعد الغسل لاتجب اعادته؛ لعدم كونه معصية فلا مانع من التقرّب به، الاّ أنّه ضامن لصاحبه قيمة ما استعمله. و أمّا الشروط السابقة فانّ فقدها يوجب الاعادة و ان لم يكن عن علم و عمد؛ لأنّها شروط واقعيّة.
(مسألة 1): يجوز تغسيل الميّت من وراء الثياب و لو كان المغسّل مماثلاً بل قيل: انّه أفضل، ولكنّ الظاهر كما قيل: انّ الأفضل التجرّد في غير العورة مع المماثلة.
الشرح:
يدلّ على جواز تغسيل الميّت من وراء الثياب صحيحة ابن مسكان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألت - الى أن قال: - قلت: يكون عليه ثوب اذا غسّل؟ قال: ان استطعت أن يكون عليه قميص فغسّله من تحته، و قال: أحبّ لمن غسّل الميّت أن يلفّ على يده الخرقة حين يغسّله».(1)
و يمكن أن يقال: انّ الأفضل التجرّد في غير العورة مع المماثلة؛ لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أردت غسل الميّت فاجعل بينك و بينه ثوبا يستر عنك عورته، امّا قميص و امّا غيره، - الى أن قال: - فاذا أردت أن تغسل فرجه فخذ خرقة نظيفة فلفّها على يدك اليسرى، ثمّ أدخل يدك من تحت الثوب الذي على فرج الميّت فاغسله من غير أن ترى عورته، الحديث».(2)
ولكنّ الجمع بين الروايات هو رعاية المكان و الميّت، من كونه ذا شرف أو مبتلى بمرض يكون تغسيله وراء الثوب أفضل.
قال في التنقيح: «و المراد بالاستطاعة في صحيحتي ابن مسكان و سليمان بن خالد هو التمكّن العرفي، و كلا الأمرين كثير الوقوع، فانّ الميّت قد يكون مسبوقا بالمرض و تطول مدّته و يكون بدنه وسخا لايمكن للغاسل تغسيله من وراء
الثياب عرفا فيغسّله مجرّدا. - الى أن قال: - ثمّ انّ ثوب الميّت و ان كان يتنجّس اذاكان على بدنه عند التغسيل الاّ أنّه يطهر بالتبع من دون حاجة الى عصره أو غسله ثانيا؛ و ذلك للأمر بالتغسيل مع الثوب. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 2): يجزئ غسل الميّت عن الجنابة و الحيض بمعنى أنّه لو مات جنبا أو حائضا لايحتاج الى غسلهما بل يجب غسل الميّت فقط، بل و لا رجحان في ذلك و ان حكي عن العلامة رجحانه.
الشرح:
يجزئ غسل الميّت عن الجنابة و الحيض؛ يدلّ على ذلك صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام ميّت مات و هو جنب، كيف يغسّل؟ و ما يجزيه من الماء؟ قال: يغسّل غسلاً واحدا يجزي ذلك للجنابة و لغسل الميّت؛ لأنّهما حرمتان اجتمعتا في حرمة واحدة».(2)
و موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن المرأة اذا ماتت في نفاسها كيف تغسّل؟ قال:
«مثل غسل الطاهر، و كذلك الحائض، و كذلك الجنب انّما يغسّل غسلاً واحدا فقط».(3)
و صحيحة علي بن جعفر عن أبي ابراهيم عليه السلام قال:
«سألته عن الميّت يموت و هو جنب؟ قال: غسل واحد».(4)
و رواية أبي بصير عن أحدهما عليهماالسلام في الجنب اذا مات، قال:
«ليس عليه الاّ غسلة واحدة».(1)
و لاتعارضها صحيحة عيص بن القاسم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل مات و هو جنب؟ قال: يغسل غسلة واحدة بماء، ثمّ يغسّل بعد ذلك».(2)
و كذا الروايات الثلاث التي رويت عنه الاّ أنّها ضعيفة.(3)
و ذلك لأنّها كما قال الشيخ: «انّ الأصل فيها واحد و هو عيص بن القاسم، و لايجوز أن يعارض بواحد جماعة كثيرة، و قد روي ما هو يوافق الأحاديث السابقة. ثمّ قال: انّها محمولة على الاستحباب، قال: و يمكن أن يكون الأمر بالاغتسال بعد غسل الميّت انّما توجّه الى غاسله، فكأنّه قال له: تغسّل الميّت ثمّ تغتسل أنت ثمّ استشهد بما تقدّم».(4)
(مسألة 3): لايشترط في غسل الميّت أن يكون بعد برده و ان كان أحوط.
و ذلك لاطلاق الأدلّة أي لم يذكر فيها أن يكون الغسل بعد برده، و ان كان الاحتياط حسنا؛ لاستنكار العرف هذا النحو من التعجيل.
(مسألة 4): النظر الى عورة الميّت حرام لكن لايوجب بطلان الغسل اذا كان في حاله.
الشرح:
النظر الى عورة الميّت حرام، كما تقدّم في الروايات الدالّة على كيفيّة تغسيل الميّت كقوله عليه السلام في صحيحة الحلبي:
«اذا أردت غسل الميّت فاجعل بينك و بينه ثوبا يستر عنك عورته. الحديث».(1)
و قوله عليه السلام في مرسلة يونس:
« ... فان كان عليه قميص فأخرج يده من القميص و اجمع قميصه على عورته، الحديث».(2)
و قوله عليه السلام في موثّقة عمّار بن موسى:
« ... تبدأ فتطرح على سوأته خرقة، الحديث».(3)
و لو نظر الغاسل الى عورته و ان فعل حراما الاّ أنّه لايبطل الغسل؛ لأنّ فعله خارج عن غسله.
(مسألة 5): اذا دفن الميّت بلا غسل جاز بل وجب نبشه لتغسيله أو تيمّمه، و كذا اذا ترك بعض الأغسال و لو سهوا أو تبيّن بطلانها أو بطلان بعضها، و كذا اذا دفن بلا تكفين أو مع الكفن الغصبي، و أمّا اذا لم يصلّ عليه أو تبيّن بطلانها فلايجوز نبشه لأجلها بل يصلّى على قبره.
يأتي الكلام ان شاء اللّه تعالى في هذه المسألة في المستثنيات من حرمة النبش.
(مسألة 6): لايجوز أخذ الأجرة على تغسيل الميّت بل لو كان داعيه على التغسيل أخذ الأجرة على وجه ينافي قصد القربة بطل الغسل أيضا. نعم، لو كان داعيه هو القربة و كان الداعي على الغسل بقصد القربة أخذ الأجرة صحّ الغسل، لكن مع ذلك أخذ الأجرة حرام الاّ اذا كان في قبال المقدّمات الغير الواجبة فانّه لا بأس به حينئذٍ.
الشرح:
لايجوز أخذ الأجرة على تغسيل الميّت و لو كان داعيه على التغسيل أخذ الأجرة بطل الغسل؛ لما مرّ في أوّل هذا الفصل من أنّ الغسلات الثلاث للميّت عبادة و العبادة تحتاج الى قصد امتثال أمر المولى و هو القربة، و لو كان داعيه الأجرة أو مشتركا بينها و بين قصد الامتثال بطل أيضا. نعم، لو كان أخذ الأجرة في قبال المقدّمات غير الواجبة فانّه لا بأس به. و كذا لو كان داعيه الى الغسل بقصد القربة لأخذ الأجرة فلا بأس به أيضا.
توضيح ذلك كما فصّلناه في الصلاة الاستئجاري من كتاب الصلاة:(1)
انّ الداعي الأوّل للأجير للغسل و ان كان الأجرة، الاّ أنّ الخوف من اللّه يدعوه الى الاتيان به؛ لأنّه لايريد أن يكون هذا المال له أكلاً للمال بالباطل و لو أكل المال مع كون قصده عدم الاتيان به بدون قصد القربة يكون أكلاً للمال بالباطل. فهذا الخوف من اللّه تعالى يدعوه الى أن يأتي بالأغسال الثلاثة بقصد القربة. و قد فصّلنا البحث عن ذلك أيضا في المكاسب المحرّمة في عنوان: «ما يجب على الانسان فعله».(2)
(مسألة 7): اذا كان السدر أو الكافور قليلاً جدّا بأن لم يكن بقدر الكفاية فالأحوط خلط المقدار الميسور و عدم سقوطه بالمعسور.
الشرح:
اذا كان السدر و الكافور بحدّ لو خلط في الماء يقال له: الماء المخلوط بالسدر أو الكافور يجب خلطه، و أمّا لو لم يكن بهذا الحدّ فيسقط فيغتسل بالماء القراح كما تقدّم، و الأحوط خلطه بالماء.
(مسألة 8): اذا تنجّس بدن الميّت بعد الغسل أو في أثنائه بخروج نجاسة أو نجاسة خارجة لايجب معه اعادة الغسل بل و كذا لو خرج منه بول أو مني، و ان كان الأحوط في صورة كونهما في الأثناء اعادته، خصوصا اذا كان في أثناء الغسل بالقراح. نعم، يجب ازالة تلك النجاسة عن جسده و لو كان بعد وضعه في القبر اذا أمكن بلا مشقّة و لا هتك.
الشرح:
لو خرج شيء من الميّت بعد الغسل لايجب اعادة الغسل و يجب غسل النجاسة خاصّة؛ و ذلك لموثّقة روح بن عبدالرحيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ان بدا من الميّت شيء بعد غسله فاغسل الذي بدا منه و لاتعد الغسل».(1)
و رواية الكاهلي و الحسين بن المختار عن أبي عبداللّه عليه السلام قالا:
«سألناه عن الميّت يخرج منه الشيء بعد ما يفرغ من غسله، قال:يغسل ذلك و لايعاد عليه الغسل».(2)
و اطلاق الروايتين يقتضي كون ذلك واجبا و ان كان بعد وضعه في القبر اذا أمكن بلا مشقّة و لا هتك.
و كذا اذا تنجّس بدن الميّت في أثناء الغسل لايجب اعادته و كذا لو خرج منه بول أو مني؛ و ذلك لقولهم عليهم السلام في مرسلة يونس:
« ... ثمّ صبّ الماء في الآنية و ألق فيه حبّات كافور، و افعل به كما فعلت في المرّة الأولى، ابدأ بيديه ثمّ بفرجه و امسح بطنه مسحا رفيقا، فان خرج منه شيء فأنقه، ثمّ اغسل رأسه، الحديث».(1)
و قوله عليه السلام في موثّقة عمّار بن موسى - حين غسله بالماء و الكافور - :
«ثمّ تمرّ يدك على بطنه فتعصره شيئا حتّى يخرج من مخرجه ما خرج، و يكون على يديك خرقة تنقي بها دبره، ثمّ ميّل برأسه شيئا فتنفضه حتّى يخرج من منخره ما خرج، ثمّ تغسله بجرّة من ماء القراح، الحديث».(2)
فاطلاق هذه الأخبار يشمل ما لو خرج منه بول أو مني.
(مسألة 9): اللوح أو السرير الذي يغسّل الميّت عليه لايجب غسله بعد كلّ غسل من الأغسال الثلاثة. نعم، الأحوط غسله لميّت آخر و ان كان الأقوى طهارته بالتبع و كذا الحال في الخرقة الموضوعة عليه فانّها أيضا تطهر بالتبع و الأحوط غسلها.
الشرح:
اللوح أو السرير الذي يغسّل الميّت عليه لايجب غسله بعد كلّ غسل من الأغسال الثلاثة؛ لعدم تعرّض النصوص الكثيرة الواردة في غسل الميّت له مع كثرة
الابتلاء به و كونها في مقام البيان، مضافا الى ما تقدّم في مبحث الطهارة من طهارته بالتبعيّة. و لايجب غسله لميّت آخر، و كذا الحال في الخرقة الموضوعة عليه، فانّها أيضا تطهر بالتبع.
(1) و هي أمور:
«الأوّل»: أن يجعل على مكان عال من سرير أو دكّة أو غيرها، و الأولى وضعه على ساجة و هي السرير المتّخذ من شجر مخصوص في الهند، و بعده مطلق السرير و بعده المكان العالي مثل الدكّة و ينبغي أن يكون مكان رأسه أعلى من مكان رجليه.
في مستحبّات غسل الميّت و هي أمور:
يستحبّ أن يجعل على مكان عال من سرير أو دكّة أو غيرها؛ للسيرة، و عدم الخلاف و أقربيّته الى احترام الميّت و يشير اليه ما في بعض الأخبار الآتية من الأمر بوضعه على المغتسل.
و الأولى وضعه على ساجة؛ لفتوى جمع به، و هو يكفي في الاستحباب بناءً على المسامحة فيه.
و ينبغي أن يكون مكان رأسه أعلى من مكان رجليه؛ لفتوى جمع من الأجلاّءو لئلاّيجتمع تحته الماء.
1) - في هذا الفصل و الفصل الآتي في مكروهات الغسل أتينا بما في المتن و اكتفينا في شرحه بما أتى به في مهذّب الأحكام من الروايات الواردة في الباب و فتوى الفقهاء.
«الثاني»: أن يوضع مستقبل القبلة كحالة الاحتضار بل هو أحوط.
يستحبّ أن يوضع مستقبل القبلة كحالة الاحتضار؛ لقولهم عليهم السلام في مرسلة يونس:
«اذا أردت غسل الميّت، فضعه على المغتسل مستقبل القبلة، الحديث».(1)
و عن الصادق عليه السلام في صحيحة سليمان بن خالد:
« ... اذا غسّل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة، فيكون مستقبل باطن قدميه و وجهه الى القبلة».(2)
و نحوه غيره المحمول على الندب؛ لصحيحة ابن يقطين:
«سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام عن الميّت كيف يوضع على المغتسل، موجّها وجهه نحو القبلة، أو يوضع على يمينه و وجهه نحو القبلة؟ قال عليه السلام : يوضع كيف تيسّر، الحديث».(3)
بل الأحوط وضعه مستقبل القبلة؛ خروجا عن خلاف من اختار الوجوب.
«الثالث»: أن ينزع قميصه من طرف رجليه و ان استلزم فتقه بشرط الاذن من الوارث البالغ الرشيد و الأولى أن يجعل هذا ساترا لعورته.
يستحبّ أن ينزع قميصه من طرف رجليه و ان استلزم فتقه؛ لقول أبي عبداللّه عليه السلام :
«ثمّ يخرق القميص اذا غسّل و ينزع من رجليه».(4)
المحمول على الندب اجماعا. و لا بدّ من حمله على ما اذا استلزم الاخراج الخرق و الاّ فيخرج بلا خرق؛ و ان استلزم الخرق يشترط الاذن من البالغ الرشيد؛
لانتقال ماله الى الورثة، فلا بدّ من الاستئذان منهم.
و الأولى أن يجعل قميصه ساترا لعورته؛ لقولهم عليهم السلام في خبر يونس:
« ... فان كان عليه قميص فأخرج يده من القميص و اجمع قميصه على عورته، الحديث».(1)
بدعوى عدم الفرق بين قبل الغسل و بعده الى أن يكفّن.
«الرابع»: أن يكون تحت الظلال من سقف أو خيمة و الأولى الأوّل.
يستحبّ أن يكون تحت الظلال من سقف أو خيمة؛ لقول الصادق عليه السلام :
«انّ أباه كان يستحبّ أن يجعل بين الميّت و بين السماء ستر يعني اذا غسّل».(2)
و عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن عليه السلام :
«سألته عن الميّت هل يغسّل في الفضاء؟ قال: لا بأس و ان ستر بستر فهو أحبّ اليّ».(3)
و لعلّ وجه أولويّة الأوّل أنّه أقرب الى تساوي الفقير و الغني، و الوضيع و الشريف.
«الخامس»: أن يحفر حفيرة لغسالته.
تقدّم وجهه في الأمر الثاني، و الظاهر كفاية كون الحفيرة لغسالة غسلالأموات، كما عليه السيرة في جميع بلاد المسلمين.
«السادس»: أن يكون عاريا مستور العورة.
نسب ذلك الى المشهور و تقدّم في المسألة الأولى من الفصل السابق بعض الكلام.
«السابع»: ستر عورته و ان كان الغاسل و الحاضرون ممّن يجوز لهم النظر اليها.
لأنّه أقرب الى احترام الميّت، و تقدّم في تغسيل الزوج الزوجة قوله عليه السلام :
« ... و لا ينظر الى عورتها، الحديث».(1)
و يأتي في الحادي عشر اطلاق يشمل المقام أيضا.
«الثامن»: تليين أصابعه برفق بل و كذا جميع مفاصله ان لم يتعسّر و الاّ تركت بحالها.
يستحبّ تليين أصابعه برفق بل و كذا جميع مفاصله ان لم يتعسّر؛ لأنّه مذهب أهل البيت عليهم السلام ، كما في المعتبر.(2)
و ان تعسّر تليين مفاصله تركت بحالها؛ لقول أبي عبداللّه عليه السلام :
«ثمّ تليّن مفاصله، فان امتنعت عليك فدعها، الحديث».(3)
و الظاهر عدم اختصاص المفاصل بالأصابع، بل تشمل كلّ مفصل.
«التاسع»: غسل يديه قبل التغسيل الى نصف الذراع في كلّ غسل ثلاث مرّات، و الأولى أن يكون في الأوّل بماء السدر و في الثاني بماء الكافور و في الثالث بالقراح.
يستحبّ غسل يديه قبل التغسيل الى نصف الذراع في كلّ غسل ثلاث مرّات؛ لمرسل يونس: « ... ثمّ اغسل يديه ثلاث مرّات كما يغسل الانسان من الجنابة الى نصف الذراع، الحديث»(1)المحمول على الندب اجماعا.
و الأولى أن يكون في الأوّل بماء السدر و في الثاني بماء الكافور و في الثالث بالقراح؛ لما في الفقه الرضوي.(2)
«العاشر»: غسل رأسه برغوة السدر أو الخطمي مع المحافظة على عدم دخوله في أذنه أو أنفه.
لقول الصادق عليه السلام : « ... و ان غسّلت رأسه و لحيته بالخطمي فلا بأس، الحديث»(3)الظاهر في أنّ المراد عدم بأس به في اتيان الوظيفة المندوبة.
و في المرسل: « ... ثمّ اغسل رأسه بالرغوة و بالغ في ذلك و اجتهد أن لايدخل الماء منخريه و مسامعه، الحديث».(4)
«الحادي عشر»: غسل فرجيه بالسدر أو الأشنان ثلاث مرّات قبل التغسيل و الأولى أن يلفّ الغاسل على يده اليسرى خرقة و يغسل فرجه.
لقول أبي عبداللّه عليه السلام :
« ... ثمّ ابدأ بفرجه بماء السدر و الحرض فاغسله ثلاث غسلات، الحديث».(5)
1) - وسائل الشيعة 2: 480 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 3.
2) - مستدرك الوسائل 2: 167 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 2:485 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 10.
4) - وسائل الشيعة 2: 480 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 2: 482 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 5.
و الحرض الأشنان. و قال عليه السلام أيضا:
« ... فخذ خرقة نظيفة فلفّها على يدك اليسرى ثمّ أدخل يدك من تحت الثوب الذي على فرج الميّت فاغسله من غير أن ترى عورته، الحديث».(1)
ثمّ انّ اطلاق قوله رحمه الله: «و الأولى أن يلفّ الغاسل ... »، مشكل بالنسبة الى غير الزوجين، و اجراء حكم الجماد على العورة فجواز مسّها أشكل، فلايترك الاحتياط باللفّ.
«الثاني عشر»: مسح بطنه برفق في الغسلين الأوّلين الاّ اذا كانت امرأة حاملاً مات ولدها في بطنها.
أمّا في الغسلين الأوّلين أي قبلهما فللاجماع و قولهم عليهم السلام في خبر يونس، كذا ما ورد في خبر الكاهلي:
« ... فامسح بطنه مسحا رفيقا، الحديث».(2)
بل يستحبّ الرفق بالميّت في جميع الحالات مطلقا؛ لقوله عليه السلام :
«اذا غسّلتم الميّت منكم فارفقوا به و لاتعصروه، الحديث».(3)
و لا يستحبّ المسح قبل الثالثة اتّفاقا. و أمّا عدم استحبابه بالنسبة الى الحامل فلما عن النبي صلى الله عليه و آله:
«اذا توفّيت المرأة فأرادوا أن يغسّلوها فليبدؤوا ببطنها، فلتمسح مسحا رفيقا ان لم تكن حبلى، فان كانت حبلى فلاتحرّكيها، الحديث».(4)
و يشهد له الاعتبار أيضا.
«الثالث عشر»: أن يبدأ في كلّ من الأغسال الثلاثة بالطرف الأيمن من رأسه.
لدعوى الاجماع و مطلوبيّة التيامن مطلقا.
«الرابع عشر»: أن يقف الغاسل الى جانبه الأيمن.
لما مرّ في سابقه بلا فرق.
«الخامس عشر»: غسل الغاسل يديه الى المرفقين بل الى المنكبين ثلاث مرّات في كلّ من الأغسال الثلاثة.
يستحبّ غسل الغاسل يديه الى المرفقين بل الى المنكبين ثلاث مرّات بعد الأغسال الثلاثة؛ لمرسل يونس و في صحيح ابن يقطين قال عليه السلام :
« ... ثمّ يغسل الذي غسّله يده قبل أن يكفّنه الى المنكبين ثلاث مرّات، الحديث».(1)
و في الرضوي:
« ... فاذا فرغت من الغسلة الثالثة فاغسل يديك الى المرفقين، الحديث».(2)
«السادس عشر»: أن يمسح بدنه عند التغسيل بيده لزيادة الاستظهار الاّ أن يخاف سقوط شيء من أجزاء بدنه فيكتفي بصبّ الماء عليه.
أمّا الأوّل فلقولهم عليهم السلام : « ... و ادلك بدنه دلكا رفيقا و كذلك ظهره و بطنه، الحديث».(3)
و أمّا الأخير فلأنّ التحفّظ على أجزائه أهمّ من الاستظهار.
«السابع عشر»: أن يكون ماء غسله ستّ قرب.
تقدّم ما يتعلّق به في المسألة الرابعة من فصل كيفيّة غسل الميّت.
«الثامن عشر»: تنشيفه بعد الفراغ بثوب نظيف أو نحوه.
لقوله عليه السلام : « ... ثمّ تجفّفه بثوب نظيف، الحديث».(1)
و قولهم عليهم السلام : « ... ثمّ تنشفه بثوب طاهر، الحديث».(2)
«التاسع عشر»: أن يوضّأ قبل كلّ من الغسلين الأوّلين وضوء الصلاة مضافا الى غسل يديه الى نصف الذراع.
تقدّم ما يتعلّق بوضوء الميّت في المسألة الثالثة من فصل كيفيّة غسل الميّت. و لا وجه للاختصاص بالأوّلين، بل امّا أن يستحبّ قبل كلّ غسل، أو قبل الشروع في الأغسال الثلاثة.
«العشرون»: أن يغسل كلّ عضو من الأعضاء الثلاثة في كلّ غسل من الأغسال الثلاثة ثلاث مرّات.
لقوله عليه السلام في خبر الكاهلي:
«ثمّ اغسله من قرنه الى قدميه، و امسح يدك على ظهره و بطنه ثلاث غسلات، ثمّ ردّه على جانبه الأيمن ليبدو لك الأيسر فاغسله بماء من قرنه الى قدميه، و امسح يدك على ظهره و بطنه ثلاث غسلات».(3)
و مثله خبر يونس.
«الحادي و العشرون»: ان كان الغاسل يباشر تكفينه فليغسل رجليه الى الركبتين.
لقول أبي عبداللّه عليه السلام في موثّقة عمّار:
« ... ثمّ تغسل يديك الى المرافق و رجليك الى الركبتين ثمّ تكفّنه، الحديث».(1)
و مقتضى الجمود على الاطلاق عدم الفرق بين كون غسل الميّت بالماء القليل أو المعتصم.
«الثاني و العشرون»: أن يكون الغاسل مشغولاً بذكر اللّه و الاستغفار عند التغسيل، و الأولى أن يقول مكرّرا: ربّ عفوك عفوك، أو يقول: اللّهمّ هذا بدن عبدك المؤمن و قد أخرجت روحه من بدنه و فرّقت بينهما فعفوك عفوك، خصوصا في وقت تقليبه.
لقول أبي جعفر عليه السلام :
«أيّما مؤن غسّل مؤمنا، فقال اذا قلّبه: «اللّهمّ هذا بدن عبدك ... الاّ غفر اللّه له ذنوب سنة الاّ الكبائر».(2)و في صحيح ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ما من مؤمن يغسّل مؤمنا و يقول و هو يغسّله: يا ربّ عفوك عفوك الاّ عفا اللّه عنه».(3)
و الظاهر أنّ وقت التقليب من باب تعدّد المطلوب؛ لمطلوبيّة الدعاء في جميع الأحوال مطلقا خصوصا في مثل هذه الحالات.
«الثالث و العشرون»: أن لايظهر عيبا في بدنه اذا رءاه.
قال أبو جعفر عليه السلام :
«من غسّل ميّتا فأدّى فيه الأمانة غفر له. قلت: و كيف يؤدّي فيه الأمانة؟ قال عليه السلام : لا يخبر بما يرى».(1)
و هذه الأخبار و ان كان ظاهرها الوجوب الاّ أنّها محمولة على الندب بقرائن داخليّة أو خارجيّة.
1) - وسائل الشيعة 2: 495 / الباب 8 من أبواب غسل الميّت / الحديث 1.
«الأوّل»: اقعاده حال الغسل.
نصّا و اجماعا، ففي خبر الكاهلي: « ... و ايّاك أن تقعده، الحديث».(1)
و في الدعائم: «و لا يجلسه و لايكبّه؛ فانّه اذا أجلسه اندقّ ظهره».(2)
«الثاني»: جعل الغاسل ايّاه بين رجليه.
لقول الشيخ رحمه الله في ذيل خبر عمّار: «و لا يجعله بين رجليه في غسله، بل يقف من جانبه».(3)و هو محمول على الكراهة بقرينة خبر علاء بن سيابة عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«لا بأس أن تجعل الميّت بين رجليك و أن تقوم من فوقه فتغسّله، الحديث».(4)
«الثالث»: حلق رأسه أو عانته. «الرابع»: نتف شعر ابطيه. «الخامس»: قصّ شاربه. «السادس»: قصّ أظفاره بل الأحوط تركه و ترك الثلاثة قبله.
كلّ ذلك لجملة من الأخبار:
منها خبر غياث عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«كره أميرالمؤنين عليه السلام أن يحلق عانة الميّت اذا غسّل أو يقلّم له ظفر، أو يجزّ له شعر».(1)
و في خبر ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايمسّ من الميّت شعر و لا ظفر و ان سقط منه شيء فاجعله في كفنه».(2)
و في الرضوي:
«و لا تقلّمنّ أظافيره و لا تقصّ شاربه و لا شيئا من شعره فان سقط منه شيء فاجعله معه في أكفانه».(3)
و في خبر أبي الجارود:
«انّه سأل أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يتوفّى أتقلّم أظافيره و تنتف ابطاه و تحلق عانته ان طالت به من المرض؟ فقال: لا».(4)
الى غير ذلك من الأخبار و عن ابني سعيد و حمزة الحرمة مدّعيا عليها الاجماع، و ظهور الأخبار فيها ولكن الاجماع موهون، و الأخبار بين ما هو قاصر سندا أو معرض عن ظاهره الأصحاب، فلا وجه للحرمة، و ان كان الأحوط تركهذه الأفعال؛ خروجا عن خلاف ابني سعيد و حمزة.
«السابع»: ترجيل شعره.
«الثامن»: تخليل ظفره.
يدلّ على كراهية ترجيل الشعر الاجماع، و اطلاق قوله عليه السلام في خبر ابن أبي عمير:
«و لا يمسّ من الميّت شعر، الحديث».(1)
و على كراهة تخليل الظفر قوله عليه السلام في خبر الكاهلي:
« ... و لاتخلّل أظفاره، الحديث».(2)
مضافا الى دعوى الاجماع عن الشيخ.
«التاسع»: غسله بالماء الحارّ بالنار أو مطلقا الاّ مع الاضطرار.
لقول أبي جعفر عليه السلام : «لايسخن الماء للميّت».(3)
و عن الصادق عليه السلام : «لايقرّب الميّت ماءً حميما».(4)
و عن أبي جعفر عليه السلام : «الاّ أن يكون شتاءً باردا، فتوقي الميّت ممّا توقي منه نفسك».(5)
«العاشر»: التخطّي عليه حين التغسيل.
للاجماع و لأنّه خلاف الاحترام، و ترتفع الكراهة مع المصلحة الراجحة.
1) - وسائل الشيعة 2: 500 / الباب 11 من أبواب غسل الميّت / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 2: 483 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 2: 498 / الباب 10 من أبواب غسل الميّت / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 2: 499 / الباب 10 من أبواب غسل الميّت / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 2: 499 / الباب 10 من أبواب غسل الميّت / الحديث 5.
«الحادي عشر»: ارسال غسالته الى بيت الخلاء بل الى البالوعة بل يستحبّ أن يحفر لها بالخصوص حفيرة كما مرّ.
تقدّم في الخامس من المندوبات، و في مكاتبة الصفّار الى أبي محمّد عليه السلام :
«هل يجوز أن يغسّل الميّت و ماؤه الذي يصبّ عليه يدخل الى بئر كنيف؟ فوقّع عليه السلام : يكون ذلك في بلاليع».(1)
«الثاني عشر»: مسح بطنه اذا كانت حاملاً.
لما مرّ من النبوي: « ... و ان كانت حبلى فلاتحرّكيها، الحديث».(2)
ثمّ انّ ظاهر ما تقدّم من الأخبار و ان كان هو الحرمة الاّ أنّه محمول على الكراهة؛ لقرائن داخليّة أو خارجيّة.
«مسألة1»: اذا سقط من بدن الميّت شيء من جلد أو شعر أو سنّ يجعل معه في كفنه و يدفن، بل يستفاد من بعض الأخبار استحباب حفظ السنّ الساقط ليدفن معه، كالخبر الذي ورد: «انّ سنّا من أسنان الباقر عليه السلام سقط فأخذه و قال: الحمد للّه، ثمّ أعطاه للصادق عليه السلام و قال: ادفنه معي في قبري».
لقول الصادق عليه السلام في خبر ابن أبي عمير:
«لايمسّ من الميّت شعر و لا ظفر و ان سقط منه شيء فاجعله فيكفنه».(3)
«مسألة 2»: اذا كان الميّت غير مختون لايجوز أن يختن بعد موته.
قال في المستند: «و أمّا ختانه لو لم يكن مختونا فالظاهر تحريمه كما نصّ عليه في المنتهى مدّعيا عليه الاجماع؛ لأصالة عدم جواز قطع عضو، خرج الحي بالدليل فيبقى الباقي».(1)
«مسألة 3»: لايجوز تحنيط المحرم بالكافور، و لاجعله في ماء غسله كما مرّ، الاّ أن يكون موته بعد الطواف للحجّ أو العمرة.
كما تقدّم في المسألة التاسعة من فصل كيفيّة غسل الميّت.
1) - مستند الشيعة 3: 168.
يجب تكفينه بالوجوب الكفائي رجلاً كان أو امرأة أو خنثى أو صغيرا بثلاث قطعات: «الأولى»: المئزر، و يجب أن يكون من السرّة الى الركبة و الأفضل من الصدر الى القدم. «الثانية»: القميص، و يجب أن يكون من المنكبين الى نصف الساق و الأفضل الى القدم. «الثالثة»: الازار، و يجب أن يغطّي تمام البدن و الأحوط أن يكون في الطول بحيث يمكن أن يشدّ طرفاه، و في العرض بحيث يوضع أحد جانبيه على الآخر. و الأحوط أن لايحسب الزائد على القدر الواجب على الصغار من الورثة و ان أوصى به أن يحسب من الثلث. و ان لم يتمكّن من ثلاث قطعات يكتفي بالمقدور. و ان دار الأمر بين واحدة من الثلاث تجعل ازارا و ان لم يمكن فثوبا، و ان لم يمكن الاّ مقدار ستر العورة تعيّن، و ان دار بين القبل و الدبر يقدّم الأوّل.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يجب أن يكفّن في ثلاثة أقطاع: مئزر و قميص و ازار».(1)
1) - شرائع الاسلام 1: 33.
و قال في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب بل قال في المعتبر: «انّه مذهب فقهائنا أجمع خلا سلاّر فانّه اقتصر على ثوب واحد»».(1)
يجب تكفين الميّت بالوجوب الكفائي بثلاث قطع سواء كان رجلاً أو امرأة أو خنثى أو صغيرا: المئزر، و القميص، و الازار؛ يدلّ على ذلك موثّقة سماعة قال:
«سألته عمّا يكفّن به الميّت؟ قال: ثلاثة أثواب، و انّما كفّن رسول اللّه صلى الله عليه و آله في ثلاثة أثواب: ثوبين صحاريّين و ثوب حبرة، و الصحاريّة تكون باليمامة، و كفّن أبو جعفر عليه السلام في ثلاثة أثواب».(2)
و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه و أبي جعفر عليهماالسلام قال:
«الكفن فريضة للرجال ثلاثة أثواب، و العمامة و الخرقة سنّة، و أمّا النساء ففريضته خمسة أثواب».(3)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كتب أبي في وصيّته أن أكفّنه في ثلاثة أثواب، أحدها رداء له حبرة، كان يصلّي فيه يوم الجمعة، و ثوب آخر و قميص، فقلت لأبي: لمَ تكتب هذا؟ فقال: أخاف أن يغلبك الناس، و ان قالوا: كفّنه في أربعة أو خمسة فلاتفعل، (و عمّمه بعد) بعمامة، و ليس تعدّ العمامة من الكفن انّما يعدّ ما يلفّ به الجسد».(4)
و صحيحة أبي مريم الأنصاري (عبدالغفّار) قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كفّن رسول اللّه صلى الله عليه و آله في ثلاثة أثواب: برد أحمر حبرة، و ثوبين أبيضين صحاريّين، - الى أن قال: - و قال: انّ
الحسن بن علي عليه السلام كفّن أسامة بن زيد في برد أحمر حبرة، و انّعليّا عليه السلام كفّن سهل بن حنيف في برد أحمر حبرة».(1)
و صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : العمامة للميّت من الكفن؟ قال: لا، انّما الكفن المفروض ثلاثة أثواب، و ثوب تامّ لا أقلّ منه يواري جسده كلّه، فما زاد فهو سنّة، الى أن يبلغ خمسة أثواب، فما زاد فهو مبتدع، و العمامة سنّة، و قال: أمر النبي صلى الله عليه و آلهبالعمامة، و عمّم النبي صلى الله عليه و آله، و بعث الينا الشيخ الصادق عليه السلام و نحن بالمدينة لمّا مات أبو عبيدة الحذّاء بدينار و أمرنا أن نشتري له حنوطا و عمامة ففعلنا».(2)
فهذه الرواية قد نقلها في الكافي كما أثبتناه: «انّما الكفن ثلاثة أثواب، و ثوب تامّ لا أقلّ منه ... ». و قد نقلها التهذيب و أثبتها في الوسائل بدل «و»، «أو» و قال: «انّما الكفن ثلاثة أثواب أو ثوب تامّ ... »، و من المعلوم أنّ الذي نقله في الكافي أصحّ؛ لأنّه موافق للروايات الأخر، و قد أفتى المشهور بثلاثة أثواب.
ثمّ انّه يدلّ على المئزر و القميص و الازار قوله عليه السلام في مرسلة يونس:
« ... ابسط الحبرة بسطا، ثمّ ابسط عليها الازار، ثمّ ابسط القميص عليه، الحديث».(3)
و كذا قوله عليه السلام في موثّقة عمّار:
« ... فتبسط اللفافة طولاً، ثمّ تذرّ عليها من الذريرة، ثمّ الازار طولاً حتّى يغطّي الصدر و الرجلين، الحديث».(4)
فالمراد من الازار هو المئزر، كما يستعمل في اللغة و العرف و يكون شائعا في محاوراتهم و يدلّ عليه ما ورد في باب الاحرام و آداب الحمّام.
فلنذكر فتاوى الأصحاب:
قال الصدوق رحمه الله في المقنع: « ... ثمّ يكفّن في قميص غير مزرور و لا مكفوف. و ازار يلفّ على جسده بعد القميص ثمّ يلفّ في حبر يماني عبري أو أظفار نظيف».(1)
و قال المفيد رحمه الله في المقنعة: «و يعدّ الكفن، و هو قميص و مئزر و خرقة يشدّ بها سفله الى وركيه و لفافة و حبرة و عمامة».(2)
و قال السيّد المرتضى رحمه الله في جمل العلم و العمل: «و الكفن المفروض ثلاث قطع: مئزر و قميص و لفافة، و زيادة الحبرة و العمامة من السنّة، و الخرق التي تشدّ بها فرجه خارجة عن عدد الأكفان».(3)
و قال الشيخ رحمه الله في النهاية: «و الكفن المفروض ثلاثة أثواب لايجوز الاقتصار على أقلّ منها مع التمكّن و نهايته خمسة أثواب لايجوز الزيادة عليها، و هي لفافتان: أحدهما حبرة يمنيّة عبريّة غير مطرّزة بالذهب أو بشيء من الابريسم، و قميص و ازار و خرقة. فهذه الخمسة جملة الكفن، و تضاف اليها العمامة و ليست من الكفن. - الى أن قال: - فان كان امرأة يستحبّ أن يزاد في أكفانها لفافة أخرى و نمط».(4)
و قال في الجمل و العقود: «و أمّا التكفين ففيه المفروض و المسنون: فالمفروض أربعة أشياء تكفينه في ثلاثة أثواب مع القدرة: مئزر و قميص و ازار. و
امساس شيء من الكافور مساجده مع القدرة. و المسنون سبعة أشياء: أن يزاد على الكفن ازاران: أحدهما حبرة، و الآخر خرقة يشدّ بها فخذيه. و عمامة يعمّم بها محنّكا. و ان كانت امرأة تزداد لفافتين أخراوين».(1)
و قال سلاّر رحمه الله في المراسم: «و يعدّ الكفن و هو قميص و مئزر و خرقة يشدّ بها سفليه الى وركيه، و حبرة يمنيّة غير مذهّبة و عمامة. و يستحبّ أن يزاد للمرأة لفافتين، و أسبع الكفن سبع قطعات ثمّ خمس ثمّ ثلاث و قد بيّنّا أنّ الواجب واحدة».(2)
و قال القاضي ابن البرّاج رحمه الله في المهذّب: «و المفروض من الأكفان ثلاث قطع و هي: قميص و مئزر و ازار، و الندب أن يزاد على ذلك قطعتان و هما لفافتان، و لايجوز الزيادة على هذه الخمس قطع، و ما يتبع ذلك فليس هو من جملة الكفن».(3)
و قال ابن حمزة رحمه الله في الوسيلة: «فالكفن فيه مفروض و مسنون. فالفرض حالة الاختيار ثلاثة أثواب: مئزر، و قميص، و ازار. و حالة الاضطرار واحد، و هو قدر ما يلفّ فيه جسده، فان لم يوجد أصلاً دفن عاريا».(4)
و قال ابن ادريس رحمه الله في السرائر: «و يجب أن يكفّن في ثلاثة أقطاع: مئزر و قميص و ازار، و يجزئ عند الضرورة قطعة، و يستحبّ أن يزاد للرجل حبرة عبريّة غير مطرّزة بالذهب، و خرقة لفخذيه و عمامة يعمّم بها محنّكا. و تزاد للمرأة على كفن الرجل لفافة لثدييها و نمطا و يوضع لها بدلاً من العمامة قناع. انتهى ملخّصا».(5)
و قال المحقّق رحمه الله في المختصر النافع: «و الواجب في الكفن: مئزر و قميص و ازار ممّا تجوز الصلاة فيه للرجال، و مع الضرورة تجزئ اللفافة».(1)
و قال العلاّمة رحمه الله في القواعد: «و أقلّ الواجب للرجل و المرأة ثلاثة أثواب مئزرو قميص و ازار - على رأي - و في الضرورة واحدة. و يستحبّ أن يزاد للرجل حبرة عبريّة غير مطرّزة بالذهب و خرقة لفخذيه و عمامة، و تعوّض المرأة عنها قناعا. انتهى ملخّصا».(2)
و قال الشهيد رحمه الله في اللمعة: «و الواجب من الكفن: مئزر و قميص و ازار مع القدرة، و تستحبّ الحبرة و العمامة و الخامسة، و للمرأة القناع عن العمامة، و النمط، و يجب امساس مساجده السبعة بالكافور».(3)
و قال في الجواهر: «و يجب أن يكفّن في ثلاثة أقطاع لا أقلّ، بلا خلاف أجده بين المتقدّمين و المتأخّرين عدا سلاّر، فاجتزى بالثوب الواحد، و هو ضعيف؛ للاجماع المنقول مستفيضا أو متواترا كالسنّة على خلافه».(4)
ثمّ اعلم أنّه لم يذكر في أكثر الروايات حدّ للمئزر و القميص و الازار أي الحبرة، فانّها موكولة الى العرف فيجزئ من المئزر فيه مسمّاه عرفا، و كذا القميص، و ان كان يجب مراعاة ما في زمن المعصوم عليه السلام فما في كلام المفيد رحمه الله في المقنعة و سلاّر في المراسم من أنّ: «حدّ المئزر من سرّته الى حيث يبلغ من ساقيه»، كما في الجواهر(5)هو الأقرب. و ان كان الأفضل ما في خبر عمّار:
«ثمّ الازار طولاً حتّى يغطّي الصدر و الرجلين».(6)
و كذا القميص بما يسمّى القميص عرفا، و قدّره بعضهم بما يصل الى نصف الساق، و لا بأس به، كما في الجواهر.(1)
و أمّا الازار فيجب أن يغطّي تمام البدن بأن يلفّه أو يوضع أحد جانبيه على الآخر و يشدّه بالخيوط، هذا في العرض، و في الطول بحيث يمكن أن يشدّ طرفاهكما في المستمسك(2)عن الروض و جامع المقاصد و الرياض.
ثمّ انّه لو كان للميّت صغار فالأحوط الاكتفاء بالقدر الواجب من الكفن، الاّ أن يجيز الورثة من سهمهم، أو يكون قد أوصى بما يستحبّ من ثلثه.
و ان لم يتمكّن من ثلاث قطعات فيكتفى بالمقدور، بشرط أن يصدق عليه المئزر و القميص و الازار و لو في مرتبته النازلة، فلو لم يصدق على قطعة منها قميص أو مئزر أو ازار فيكتفى بستر عورته، و ان كان الأحوط ستره بما يمكن الاّ أن يكون هتكا للميّت، و الدليل على هذا الاحتياط و الاستثناء احترام المؤمن.
و أمّا ان دار الأمر بين واحدة من الثلاث تجعل ازارا، ثمّ القميص ان كان طويلاً؛ و الدليل على ذلك أقربيّته الى الواجب. و ان لم يكن الاّ مقدار ستر العورة تعيّن كما سيأتي. و ان دار الأمر بين القبل و الدبر يقدّم الأوّل؛ لأنّ الدبر محفوظ باليتيه.
(مسألة 1): لايعتبر في التكفين قصد القربة. و ان كان أحوط.
الشرح:
لايعتبر في التكفين قصد القربة؛ لأنّ المقصود منه ستر الميّت بنحو مخصوص، و لو قصد القربة يثاب به.
قال في الجواهر: «ينبغي القطع بعدم اعتبار النيّة فيه و في التحنيط و نحوهما
من أحكام الميّت كحمله و دفنه؛ و لعلّه بعد ظهور الاجماع من الأصحاب على ذلك؛ لأنّ المفهوم من الأدلّة بروز هذه الأمور الى الخارج من غير اعتبار لها، و لظهور وجه الحكمة فيها، و أنّها ليست من الأمور التي يقصد بها تكميل النفس و رياضتها و القرب و نحو ذلك.
نعم، تعتبر النيّة في حصول الثواب كما في غيرها من الأفعال التي هي كذلك، و ليس ذا معنى اعتبار النيّة في العبادة، مع احتمال أن يقال هنا بحصول الثواب مع عدم النيّة؛ لظواهر الأدلّة ما لم ينو العدم، بل ربّما ظهر من المحكي عن الأردبيلي حصوله معه أيضا، و هو لايخلو من وجه.
و من العجيب ما وقع في الروض حيث قال بعد ذكره أحكام الكفن و الحنوط: «و النيّة معتبرة فيهما؛ لأنّهما فعلان واجبان، لكن لو أخلّ لم يبطل الفعل، و هل يأثم بتركها يحتمله؛ لوجوب العمل و لايتمّ الاّ بالنيّة؛ لقوله عليه السلام : «لا عمل الاّ بالنيّة»، و عدمه و هو أقوى؛ لأنّ القصد بروزهما للوجود. - الى أن قال: - ولكن لا يستتبع الثواب الاّ اذا أريد بها التقرّب». انتهى. و لايخفى عليك ما فيه بعد ما عرفت، فتأمّل».(1)
(مسألة 2): الأحوط في كلّ من القطعات أن يكون وحده ساترا لما تحته فلايكتفى بما يكون حاكيا له و ان حصل الستر بالمجموع. نعم، لايبعد كفاية ما يكون ساترا من جهة طليه بالنشاء و نحوه لا بنفسه، و ان كان الأحوط كونه كذلك بنفسه.
الشرح:
تقدّم في ابتداء الفصل قوله عليه السلام في صحيحة زرارة عن الكافي حيث قال:
1) - جواهر الكلام 3: 159 و 160.
« ... انّما الكفن المفروض ثلاثة أثواب، و ثوب تامّ لا أقلّ منه يواري جسده كلّه، الحديث».(1)
فانّ الظاهر من المواراة هو الساتر لما تحته، و لايبعد أن يكون ذلك لكلّ من القميص و المئزر. هذا مضافا الى أنّ لفظ الثوب وضع لما يلبس و لايحكى تحتهو يحصل الستر به.
قال في التنقيح: «و أمّا وجه اعتبار كون كلّ قطعة من القطعات ساترة فلما قدّمناه من أنّ الواجب انحلالي، و كلّ من المئزر و القميص و الازار كفن واجب باستقلاله و قد أخذ في مفهوم الكفن الستر و المواراة، فيقال: كفّن الخبزة في الملّة - أي الرماد الحارّ - واراها بها، و هو نوع من طبخ الخبز، و كفّن الجمر بالرماد، أي غطّاه به، و معه يعتبر أن يكون كلّ من المئزر و القميص و الازار ساترا و مواريا للجسد».(2)
ثمّ انّه يكفي أن يضمّ الى القميص أو المئزر أو الازار شيئا ليكون ساترا، ان كان كل واحد حاكيا لما تحته من دون ذلك الشيء؛ لأنّ الستر يستند الى الكفن المشتمل على ذلك الشيء، كما أنّه يكون كافيا في الساتر الصلاتي.
(مسألة 3): لايجوز التكفين بجلد الميتة، و لا بالمغصوب و لو في حال الاضطرار. و لو كفّن بالمغصوب وجب نزعه بعد الدفن أيضا.
الشرح:
لايجوز التكفين بجلد الميتة؛ لما سيأتي من أنّه يعتبر أن يكون الكفن طاهرا من الخبث. و لايجوز التكفين بالمغصوب و لو في حال الاضطرار؛ لحرمة التصرّف في مال الغير بدون اذنه مطلقا، الاّ في بعض الموارد و ليس هذا منها.
و لو كفّن بالمغصوب وجب نزعه و لو بعد الدفن؛ لوجوب ردّ مال الغير الى
صاحبه و لايكون التكليف ساقطا عمّن علم ذلك من المكلّفين، فانّ التكفين بالمغصوب يكون كعدم التكفين، فيجب نزعه و ردّه الى صاحبه و تكفينه بالمال الحلال ثانيا ان كان ممكنا، و الاّ دفن بدونه، و لو تلف يكون المتصرّف ضامنا.
(مسألة 4): لايجوز اختيارا التكفين بالنجس حتّى لو كانت النجاسة بما عفي عنها في الصلاة على الأحوط و لا بالحرير الخالص. و ان كان الميّت طفلاً أو امرأة، و لا بالمذهّب، و لا بما لايؤكل لحمه جلدا كان أو شعرا أو وبرا، و الأحوط أن لايكون من جلد المأكول، و أمّا من وبره و شعره فلا بأس و ان كان الأحوط فيهما أيضا المنع، و أمّا في حال الاضطرار فيجوز بالجميع.
الشرح:
لايجوز اختيارا التكفين بالنجس؛ يدلّ على ذلك حسنة الكاهلي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا خرج من منخر الميّت الدم أو الشيء بعد ما يغسّل فأصاب العمامة أو الكفن قرض عنه».(1)
و حسنة ابن أبي عمير و أحمد بن محمّد عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا خرج من الميّت شيء بعد ما يكفّن فأصاب الكفن قرض من الكفن».(2)
و مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا خرج من الميّت شيء بعد ما يكفّن فأصاب الكفن قرض منه».(3)
فاذا وجبت ازالة النجاسة عن الكفن بعد تكفينه، فالتكفين في الأثواب النجسة
ابتداءً لايجوز بطريق أولى، فانّ الظاهر أنّه لا خصوصيّة لكيفيّة تطهير الكفن، فانّ القرض في الروايات لعلّه لسهولته، و الاّ يجوز تطهيره بالماء أيضا ان أمكن.
ثمّ انّ الاحتياط من المصنّف بعدم العفو هنا عن النجاسة التي عفيت في الصلاة، في محلّه؛ لاطلاق الفتاوى و كذا اطلاق الروايات كما في المستمسك(1)،و ان أنكره في التنقيح.(2)
و لايجوز التكفين بالحرير الخالص؛ و ذلك لمعتبرة الحسين بن راشد قال:
«سألته عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل العصب اليماني من قزّ و قطن، هل يصلح أن يكفّن فيها الموتى؟ قال: اذا كان القطن أكثر من القزّ فلا بأس».(3)
و قد رواها في التهذيب في موضع منه الحسن بن راشد و هو ثقة، و الرواية معتبرة من حيث السند كما ذكر ذلك تفصيلاً في التنقيح فراجع.(4)
و أمّا من حيث الدلالة فقد أفتى به الأصحاب:
قال في الجواهر: «و لايجوز التكفين بالحرير المحض اجماعا سواء كان رجلاً أو امرأة كما في المعتبر و التذكرة، و للرجل و المرأة باتّفاقنا كما في الذكرى، و صريح الأخير المساواة في الاجماع كظاهر الأوّلين. فالحجّة على أصل الحكم ما عرفت. و مضمر الحسن بن راشد في الكافي، و عن أبي الحسن الثالث عليه السلام مرسلاً في الفقيه:
«عن ثياب تعمل بالبصرة على عمل العصب اليماني من قزّ و قطن هل يصلح أن يكفّن فيها الموتى؟ قال: اذا كان القطن أكثر من القزّ فلا بأس».
و المناقشة في سنده كالمناقشة في متنه بعدم اقتضاء البأس الحرمة مدفوعة بالانجبار بما عرفت. انتهى ملخّصا».(1)
و في المستمسك: «و ان كان الميّت طفلاً أو امرأة؛ لاطلاق النصّ و تصريح جملة من معاقد الاجماعات بعدم الفرق بين الرجل و المرأة. و في المنتهى:«عندي فيه اشكال ينشأ من جواز لبسهنّ له في الصلاة بخلاف الرجل، و من عموم النهي»، و نحوه عن نهاية الأحكام. و هو كماترى؛ اذ جواز اللبس في الصلاة لايعارض عموم النهي».(2)
قال في المدارك: «و لايجوز التكفين بالحرير، هذا الحكم ثابت باجماعنا قاله في المعتبر. و يدلّ عليه رواية الحسن بن راشد، قال: «سألته عن ثياب تعمل بالبصرة ... »، وجه الدلالة: انّه عليه السلام شرط في رفع البأس أن يكون القطن أكثر، فعلم منه أنّه لو كان القزّ صرفا لم يجز، قال في المعتبر: «و العصب ضرب من برود اليمن، سمّي بذلك لأنّه يصبغ بالعصب و هو نبت باليمن».
و اطلاق الخبر و كلام الأصحاب يقتضي عدم الفرق في ذلك بين الرجل و المرأة، و احتمال العلاّمة في النهاية كراهته للمرأة؛ لاباحته لها في حال الحياة، و هو ضعيف. و الأظهر عدم جواز التكفين بالجلد؛ لأنّ الثوب انّما يطلق في العرف على المنسوج. أمّا الشعر و الوبر فمنعه ابن الجنيد، و أجازه في المعتبر؛ لصدق اسم الثوب عليه و انتفاء المانع منه، و الاجتناب أولى».(3)
فرعان:
قال في الجواهر: «ثمّ انّه قد يشعر اقتصار المحقّق في الشرائع على المنع من الحرير بالنسبة الى جنس الكفن كما عن المبسوط و النهاية و الاقتصاد و الجامع و التحرير و المعتبر و التذكرة و نهاية الأحكام، بجواز التكفين بغيره مطلقا و ان كان ممّا يمنع من الصلاة به؛ و لعلّه لعدم استفادة اعتبار أزيد من ذلك من الأخبار، و عدم ثبوت مسمّى شرعي للكفن، و على تقديره فاطلاق الأدلّة كاف في بيانه.
و ما ورد من النهي عن الكتّان و أنّه كان لبني اسرائيل يكفّنون به، و القطن لأمّة محمّد صلى الله عليه و آله محمول على الكراهة و الندب قطعا، و ان كان ربّما يظهر من الخلاف وجوب ذلك، بل دعوى الاجماع عليه.
نعم، لايشترط فيه أزيد ممّا ذكرنا من الطهارة و عدم الحريريّة و الغصبيّة و كونه ثوبا، فلا اشكال في جواز التكفين بعد احرازها و ان كان شعر و وبر ما يؤكل لحمه كما هو المشهور. انتهى ملخّصا».(1)
1) - جواهر الكلام 4: 170 - 172.
أقول:
الظاهر عدم الدليل على عدم جواز التكفين بالمذهّب و بما لايؤكل لحمه اذا ذكّي، جلدا كان أو شعرا أو وبرا، الاّ رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : لاتجمّروا الأكفان و لاتمسحوا موتاكم بالطيب الاّ الكافور، فانّ الميّت بمنزلة المحرم».(1)
بضميمة أنّ ثوبي الاحرام يعتبر فيهما أن يكونا ممّا يجوز فيه الصلاة.
و هي مع ضعف سندها معارضة بموثّقة سماعة قال:
«سألته عن المحرم يموت؟ فقال: يغسّل و يكفّن بالثياب كلّها، و يغطّى وجهه، و يصنع به كما يصنع بالمحلّ، غير أنّه لايمسّ الطيب».(2)
اذن فالحكم في المسألة مبني على الاحتياط و لو لأجل الخروج عن مخالفة الاجماع المدّعى - كما في التنقيح أيضا -(3)و يجوز التكفين بأجزاء الميتة الطاهرة كجلد السمك الكبير الاّ أنّ تركه أحوط.
و أمّا التكفين في جلد المأكول، فانّه لا دليل على منعه الاّ ادّعاء عدم اطلاق الثوب عليه، ولكنّ الظاهر أوّلاً أنّه يطلق الثوب كثيرا على ما يصنع من جلد المأكول كما في زماننا، و يطلق أيضا على الفرو كما في الحبوة التي تشمل أثواب الميّت. فهذا الحكم أيضا مبني على الاحتياط؛ خروجا عن مخالفة المانع.
تجوز الصلاة في الأثواب الممنوعة المذكورة في حال الاضطرار الاّ في المغصوب أي اذا لم يتمكّن من التكفين في الثوب الطاهر أو غير الحرير المحض أو المذهّب و أجزاء ما لايؤكل لحمه بناءً على عدم جوازه، و كذا جلد المأكول لحمه، فيجوز في الثوب النجس و الحرير و المذهّب و أجزاء ما لايؤكل لحمه و كذا جلد المأكول لحمه بناءً على عدم جواز الثلاثة الأخيرة في حال الاختيار؛ و ذلك لعدم المنع عن الثوب النجس مطلقا، فانّ الدليل الدالّ على منعه هو الروايات التي تقدّمت مثل قوله عليه السلام في حسنة الكاهلي:
«اذا خرج من منخر الميّت الدم أو الشيء بعد ما يغسّل فأصاب العمامة أو الكفن قرض عنه».(1)
فانّ الظاهر منه أنّ وجوب تطهير الكفن تكليفي، فعليه يكون هذا الوجوب دائرا مدار التمكّن.
و أمّا وجوب كون التكفين في غير الحرير، فانّ الظاهر من مفهوم قوله عليه السلام : «لا بأس ... »، أنّ فيه بأسا اذا كان حريرا أو حريره أكثر، هو عدم جواز تكفينه تكليفا - بقرينة عمل الأصحاب - فينحصر وجوبه في الاختيار، فيجوز مع الاضطرار. و أمّا الثلاثة الأخيرة فحيث انّ دليل عدم جواز التكفين بها هو الاجماع المدّعى فالقدر المتيقّن منه هو حال الاختيار دون الاضطرار الى تكفينه بها.
و أمّا المغصوب فلايجوز التكفين فيه بحال؛ لعدم جواز التصرّف في مال الغير بدون اذنه الاّ ما خرج بالدليل و ليس منه.
1) - وسائل الشيعة 3: 47 / الباب 24 من أبواب التكفين / الحديث 3.
(مسألة 5): اذا دار الأمر في حال الاضطرار بين جلد المأكول أو أحدالمذكورات يقدّم الجلد على الجميع، و اذا دار بين النجس و الحرير أو بينه و بين أجزاء غير المأكول لايبعد تقديم النجس و ان كان لايخلو عن اشكال. و اذا دار بين الحرير و غير المأكول يقدّم الحرير و ان كان لايخلو عن اشكال في صورة الدوران بين الحرير و جلد غير المأكول، و اذا دار بين جلد غير المأكول و سائر أجزائه يقدّم سائر الأجزاء.
الشرح:
تقدّم أنّ الممنوع من التكفين فيه هو الحرير و النجس، و أمّا غيرهما فمبني على الاحتياط، و تقدّم أيضا أنّه يجوز التكفين فيهما حال الاضطرار و كذا في الثلاثة الأخر. و الحال نقول: اذا دار الأمر في حال الاضطرار بين الحرير و النجس، فيقدّم الحرير؛ و ذلك لأنّ عدم جواز التكفين في الحرير استفيد من معتبرة الحسين بن راشد باستعانة فتوى المشهور، بل عدم الخلاف فيه، ولكن عدم جواز التكفين في النجس فقد أستفيد من نفس الروايات المتقدّمة.
و أمّا اذا دار الأمر بين أحد هذين - أي الحرير و النجس - و بين أجزاء غير المأكول، فيقدّم أجزاء غير المأكول؛ لأنّ مبنى الثاني قول عدّة من الفقهاء و قد تقدّم أنّه الأحوط، و كذا بينهما و بين جلد المأكول لحمه.
و اذا دار الأمر بين أجزاء غير المأكول و جلد المأكول لحمه، يقدّم الجلد المأكول لحمه؛ لضعف دليل عدم جوازه بالنسبة الى الأوّل.
(مسألة 6): يجوز التكفين بالحرير الغير الخالص بشرط أن يكون الخليط أزيد من الابريسم على الأحوط.
الشرح:
تقدّم الكلام فيه في المسألة الرابعة بأنّه لايجوز التكفين بالحرير المحض، و هنا نقول: انّ التكفين في الثوب الذي يكون حريره أزيد من غيره لايجوز على الأحوط؛ و ذلك لما يفهم من قوله عليه السلام في معتبرة الحسين بن راشد:
« ... اذا كان القطن أكثر من القزّ فلا بأس».(1)
فالاحتياط المذكور يكون بناءً على أن يكون معنى: «به بأس»، هو عدم الجواز، و لو بقرينة فتوى بعض الفقهاء.
(مسألة 7): اذا تنجّس الكفن بنجاسة خارجة أو بالخروج من الميّت وجب ازالتها و لو بعد الوضع في القبر بغسل أو بقرض اذا لم يفسد الكفن، و اذا لم يمكن وجب تبديله مع الامكان.
الشرح:
تقدّم في المسألة الرابعة وجوب تطهير الكفن اذا تنجّس بالنجاسة الخارجة من الميّت أو من الخارج بغسل أو بقرض و لو بعد الوضع في القبر؛ للروايات المذكورة في تلك المسألة. هذا اذا لم يفسد الكفن في صورة القرض و عدم التمكّن من الغسل أو تبديله، و الاّ يجب غسله أو تبديله اذا لم يمكن غسله. و أمّا اذا تنجّس الكفن بعد الدفن فلايجب، كما هو واضح.
1) - وسائل الشيعة 3: 45 / الباب 23 من أبواب التكفين / الحديث 1.
(مسألة 8): كفن الزوجة على زوجها، و لو مع يسارها، من غير فرق بينكونها كبيرة أو صغيرة أو مجنونة أو عاقلة، حرّة أو أمة، مدخولة أو غير مدخولة، دائمة أو منقطعة، مطيعة أو ناشزة، بل و كذا المطلّقة الرجعيّة دون البائنة. و كذا في الزوج لا فرق بين الصغير و الكبير، و العاقل و المجنون، فيعطي الولي من مال المولّى عليه.
الشرح:
كفن الزوجة على زوجها؛ يدلّ على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«كفن المرأة على زوجها اذا ماتت».(1)
و صحيحة اسماعيل بن أبي زياد السكوني عن جعفر عن أبيه أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام قال:
«على الزوج كفن امرأته اذا ماتت».(2)
و اطلاقهما شامل للزوجة المعسرة و الموسرة، و كذا يشمل الزوجة الكبيرة و الصغيرة و المجنونة و العاقلة، الحرّة و الأمة، مدخولة أو غير مدخولة. و كذا يشمل المطلّقة الرجعيّة؛ لأنّها زوجة دون البائنة.
و في الزوج لا فرق بين الصغير و الكبير، و العاقل و المجنون، فيعطي الولي من مال المولّى عليه.
و أمّا شمولهما للزوجة المنقطعة و الناشزة ففيه تأمّل، فيمكن أن يقال: انّ الرواية منصرفة عنهما الاّ أنّه بعيد، فيشملهما اطلاق الرواية؛ لكون الزوجة المنقطعة زوجة بالأخصّ لو كانت مدّتها طويلة، و كذا الناشزة زوجة.
قال في الجواهر: «كفن المرأة على زوجها اجماعا كما في الخلاف و التنقيح و
عن نهاية الأحكام، و ان كانت ذا مال كما عليه فتوى الأصحاب في المعتبر والذكرى، و عند علمائنا في المنتهى و التذكرة، و هو الحجّة، مضافا الى خبر السكوني. فلا فرق بين المدخول بها و غيرها، و لا بين الصغيرة و الكبيرة، و لا بين الحرّة و الأمة، و لا بين الناشزة و المطيعة، و لا بين العاقلة و المجنونة، و لا بين الدائمة و المتمتّع بها.
ثمّ انّه ممّا تقدّم من الاطلاق في الزوجة تعرف الاطلاق أيضا في الزوج من عدم الفرق بين صغيره و كبيره و مجنونه و عاقله و نحو ذلك و ان تعلّق الخطاب حينئذٍ بالولي، و يلحق بالزوجة المطلّقة رجعيّة بخلاف البائن، و في المحلّلة وجهان، أقواهما العدم. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 9): يشترط في كون كفن الزوجة على الزوج أمور: «أحدها»: يساره، بأن يكون له ما يفي به أو ببعضه زائدا عن مستثنيات الدين، و الاّ فهو أو البعض الباقي في مالها. «الثاني»: عدم تقارن موتهما. «الثالث»: عدم محجوريّة الزوج قبل موتها بسبب الفلس. «الرابع»: أن لايتعلّق به حقّ الغير من رهن أو غيره. «الخامس»: عدم تعيينها الكفن بالوصيّة.
الشرح:
قال في المدارك: «و الحكم مختصّ بالزوج الموسر فيما قطع به الأصحاب، و يحتمل شموله لغيره أيضا مع الامكان؛ لاطلاق النصّ. و ألحق بالكفن بقيّة المؤن الواجبة، كماء الغسل و السدر و الكافور، و فيه توقّف. - الى أن قال: - و لو أوصت بالكفن فهو من الثلث، و مع النفوذ يسقط عنه».(2)
أقول:
الظاهر أنّ اطلاق قوله عليه السلام في الصحيحتين المتقدّمتين: «كفن المرأة على زوجها اذا ماتت»، عدم الفرق بين كونه موسرا أو معسرا، فلو لم يكن له مؤونة يجب عليه الاستقراض أو بيع شيء لايحتاج اليه حاليّا، اذا لم يشقّ عليه. و كذا لو تعلّق بماله حقّ الغير من رهن أو غيره، أو صار محجورا قبل موتها بسبب الفلس، ففي ذلك كلّه يجب عليه الاستقراض، في صورة التمكّن منه. نعم، لو أوصت بأن يكون كفنها من مالها و عمل بوصيّتها فيسقط عنه، كما لو تبرّع متبرّع بكفنها.
ثمّ انّه لو اقترن موت الزوجة و الزوج فالظاهر السقوط؛ للأصل مع ظهور انصراف الأدلّة لغيره كما في الجواهر.(1)
قال في التنقيح: «دليلهم على اشتراط يساره و أن يكون له ما يفي به أو ببعضه زائدا عن مستثنيات الدين هو ما دلّ على أنّ المعسر ينظر الى ميسرة، و أنّ الدار و الخادم و أمثالهما مستثنيات من الدين.
و فيه: ما أشرنا اليه آنفا من أنّ كون الكفن على الزوج ليس من قبيل الديون، و انّما هو تكليف فعلي فوري يسقط بعد مدّة و لا معنى في مثله للقول بوجوب انظاره و مطالبته بالكفن بعد سنة مثلاً.
و ما دلّ على انظار المعسر و استثناء الدار و الخادم ظاهر الاختصاص بالديون المستمرّة في الذمّة الى أن تؤدّى، و ظاهر الدلالة على عدم جواز مطالبته بالدين الى زمان التمكّن و اليسار و لايباع لأجلها الدار و الخادم و أمثالهما. و هذا لايأتي في المقام كذلك.
اذن فاطلاق قوله: «على الزوج كفن امرأته اذا ماتت»، هو المحكّم بلا فرق بين يسار الزوج و اعساره فاذا لم يكن موسرا بالمعنى الذي ذكره الماتن قدس سرهوجب أن يستقرض أو يبيع خادمه أو داره أو غيرهما ممّا يملكه امتثالاً لهذا التكليف
1) - جواهر الكلام 4: 257.
الفوري. اللّهمّ الاّ أن يكون بيعه للخادم أو الدار حرجا في حقّه - أي لايمكنالتعيّش من دون خادم الاّ بالمشقّة و الحرج - فينتفي وجوب بيعه بدليل نفي الحرج، و الاّ فيجب بيعه و تحصيل الكفن بمقتضى اطلاق المعتبرة و لو كان عسرا غير حرجي».(1)
(مسألة 10): كفن المحلّلة على سيّدها لا المحلّل له.
الشرح:
كفن المحلّلة على سيّدها لا المحلّل له على ما يأتي في كفن المملوك؛ اذ ليست هي زوجة حتّى يكون كفنها من المحلّل له؛ لأنّ التحليل ليس تزويجا بل هو من قبيل ملك اليمين كما في المستمسك.(2)
(مسألة 11): اذا مات الزوج بعد الزوجة و كان له ما يساوي كفن أحدهما قدّم عليها حتّى لو كان وضع عليها فينزع منها الاّ اذا كان بعد الدفن.
الشرح:
قال في الجواهر: «لو مات الزوج بعد الزوجة لم يسقط كفنها عنه؛ لكونه من الواجبات الماليّة، و لو لم يكن عنده الاّ كفن واحد فالظاهر تقديمه عليها؛ لما دلّ على تقديم الكفن على سائر الحقوق، و احتمال تقديمها عليه لسبق التعلّق ضعيف حتّى لو كان قد وضع عليها؛ لعدم زوال ملكه عنه بذلك، و لذا كان له ابداله. نعم، لو دفنت فلا اشكال في اختصاصها به و ان لم نقل بخروجه عن ملكه أيضا بذلك».(3)
أقول: الظاهر من قوله عليه السلام في صحيحة عبداللّه بن سنان:
«كفن المرأة على زوجها اذا ماتت»،(1)
و كذا قوله عليه السلام في صحيحة السكوني:
«على الزوج كفن امرأته اذا ماتت».(2)
هو الوجوب التكليفي و أنّه حقّ لها على زوجها و لايكون هذا مثل النفقة لتكون الزوجة مالكه، بل تبقى ملكيّة الزوج للكفن، و عليه لو مات الزوج بعد الزوجة و كان من أمواله كفن واحد فيقدّم على الزوجة؛ لما دلّ على تقديم كفنه على سائر الحقوق حتّى لو كان قد وضع عليها ينزع منها. نعم، لو دفنت فالظاهر عدم جواز النبش و نزعه منها، فيصدق عرفا أنّ الزوج لم يكن له كفن.
قال في الجواهر: «لا اشكال في اختصاصها به و ان لم نقل بخروجه عن ملكه أيضا بذلك».(3)
(مسألة 12): اذا تبرّع بكفنها متبرّع سقط عن الزوج.
كما تقدّم في المسألة التاسعة.
(مسألة 13): كفن غير الزوجة من أقارب الشخص ليس عليه و ان كان ممّن يجب نفقته عليه بل في مال الميّت. و ان لم يكن له مال يدفن عاريا.
الشرح:
قال في الجواهر: «و لايلحق بالزوجة في وجوب الكفن من وجبت نفقته من
الأقارب و الأباعد الاّ المملوك على ما صرّح به الفاضلان و الشهيدان و المحقّقالثاني و صاحبوا المدارك و الذخيرة و الحدائق و الرياض، بل لا أجد خلافا في كلّ من الحكمين، بل في المعتبر و التذكرة و الذكرى و الروض و المدارك الاجماع عليه بالنسبة الى المملوك. - الى أن قال: - و أمّا الحكم الأوّل فلم أجد من توقّف فيه ممّن عادته ذلك فضلاً عن المخالف، كما هو الظاهر من العلاّمة حيث لم ينقل فيه خلافا الاّ من الشافعي. - الى أن قال: - فمستندهم كما صرّح به جماعة الأصل مع فقد المعارض، و القياس على الزوجة لانقول به».(1)
أقول: كفن غير الزوجة من أقارب الشخص ليس عليه و ان كان ممّن يجب عليه نفقته؛ لعدم الدليل، و الأصل الحاكم البراءة، بل يكون الكفن في مال الميّت، و ان لم يكن له مال و لايبذل له باذل فسيأتي حكمه.
(مسألة 14): لايخرج الكفن عن ملك الزوج بتكفين المرأة، فلو أكلها السبع أو ذهب بها السيل و بقي الكفن رجع اليه و لو كان بعد دفنها.
قد تقدّم شرحه في المسألة الحاديه عشرة، و قلنا بأنّ ملكيّة الزوج بالنسبة الى الكفن باقية.
(مسألة 15): اذا كان الزوج معسرا كان كفنها في تركتها فلو أيسر بعد ذلك ليس للورثة مطالبة قيمته.
الشرح:
اذا ماتت الزوجة و كان زوجها معسرا بحيث لم يتمكّن من الاستقراض و نحوه كان كفنها في تركتها. فلو أيسر بعد ذلك ليس للورثة مطالبة قيمته؛ و الدليل
1) - جواهر الكلام 4: 258.
على ذلك عدم كون الزوج مديونا؛ لعدم الدليل عليه و الأصل الجاري البراءة، وتقدّم أنّ الظاهر من قوله عليه السلام في الصحيحتين المتقدّمتين: «كفن المرأة على زوجها»، هو حقّ لها عليه، فلو تبرّع متبرّع أو أوصت به سقط عنه، و هنا قد كفّنت في مالها فقد سقط عن الزوج و ليس للورثة مطالبة قيمته.
(مسألة 16): اذا كفّنها الزوج فسرقه سارق وجب عليه مرّة أخرى، بل و كذا اذا كان بعد الدفن على الأحوط.
الشرح:
يدلّ على ما في المتن أنّ الحقّ الواجب على الزوج كفن زوجته، فيسقط هذا الحقّ اذا حصل التكفين و استمرّ، فلو كفّنها فسرق الكفن كشف عن بقاء الحقّ، بل و كذا اذا سرق كفنها بعد الدفن فانّه مقتضى استصحاب وجوب تكفينها عليه كما في المستمسك،(1)و ان ناقش فيه صاحب التنقيح فراجع.(2)
(مسألة 17): ما عدا الكفن من مؤن تجهيز الزوجة ليس على الزوج على الأقوى و ان كان أحوط.
الشرح:
الظاهر أنّ ما عدا الكفن من مؤن تجهيز الزوجة من الماء و السدر و الكافور و التدفين ليس على الزوج ؛ لعدم الدليل عليه و الأصل البراءة. هذا اذا كان للزوجة مال، و امّا ان لم يكن لها مال فسيأتي الكلام فيه.
(مسألة 18): كفن المملوك على سيّده و كذا سائر مؤن تجهيزه الاّ اذا كانت مملوكة مزوّجة فعلى زوجها كما مرّ، و لا فرق بين أقسام المملوك، و في المبعّض يبعّض و في المشترك يشترك.
الشرح:
تقدّم في المسألة الثالثه عشرة عن الجواهر أنّ كفن المملوك بل سائر مؤن تجهيزه على سيّده؛ للاجماع، الاّ اذا كانت مزوّجة فعلى زوجها كما مرّ في المسألة الحاديه عشرة. و لا فرق بين أقسام المملوك؛ للاطلاق. و في المبعّض يبعّض؛ لأنّه عيال سيّده في المقدار غير المحرّر منه، فيكون تجهيزه عليه بالنسبة الى المقدار الذي لم يتحرّر منه. و في المشترك يشترك؛ لأنّه عيال للشريكين و لازم لهما.
(مسألة 19): القدر الواجب من الكفن يؤخذ من أصل التركة - في غير الزوجة و المملوك - مقدّما على الديون و الوصايا. و كذا القدر الواجب من سائر المؤن من السدر و الكافور و ماء الغسل و قيمة الأرض، بل و ما يؤخذ من الدفن في الأرض المباحة، و أجرة الحمّال و الحفّار و نحوها في صورة الحاجة الى المال.
و أمّا الزائد عن القدر الواجب في جميع ذلك فموقوف على اجازة الكبار من الورثة في حصّتهم، الاّ مع وصيّة الميّت بالزائد مع خروجه من الثلث أو وصيّته بالثلث من دون تعيين المصرف كلاًّ أو بعضا، فيجوز صرفه في الزائد من القدر الواجب.
الشرح:
القدر المتعارف من الكفن يؤخذ من أصل التركة؛ لصحيحة عبداللّه بن سنانعن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ثمن الكفن من جميع المال».(1)
و صحيحة زرارة قال:
«سألته عن رجل مات و عليه دين بقدر ثمن كفنه؟ قال: يجعل ما ترك في ثمن كفنه الاّ أن يتّجر عليه بعض النّاس فيكفّنوه و يقضى ما عليه ممّا ترك».(2)
و يقدّم على ديونه و وصاياه و كذا القدر المتعارف من سائر المؤن من السدر و الكافور و ماء الغسل و قيمة الأرض المباحة و أجرة الحمّال و الحفّار و نحوها في صورة الحاجة الى المال؛ و الدليل عليه مضافا الى الصحيحتين المتقدّمتين رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أوّل الشيء يبدأ به من المال الكفن ثمّ الدين، ثمّ الوصيّة، ثمّ الميراث».(3)
بناءً على عدم الخصوصيّة في الكفن، و أنّ المراد كلّ ما يحتاج اليه الميّت لتجهيزه، بما هو متعارف.
قال في الشرائع: «و يؤخذ كفن الرجل من أصل التركة مقدّما على الديون و الوصايا، و كذا ما يحتاج اليه الميّت من كافور و سدر و غيره. انتهى ملخّصا».(4)
و في المدارك: «هذا قول علمائنا و أكثر العامّة، و المستند فيه روايات - الى
أن قال: - و اطلاق تقديم الكفن على الدين في الأخبار و كلام الأصحاب يقتضي تقديمه على حقّ المرتهن و غرماء المفلس، و هو كذلك. و انّما يقدّم الكفن الواجب، أمّا المندوب فمع الوصيّة به يكون من الثلث الاّ مع الاجازة».(1)
و أمّا الزائد عن القدر المتعارف في جميع ذلك فموقوف على اجازة الكبار من الورثة في حصّتهم؛ لأنّ تركة الميّت انتقلت الى الورثة و استثني منها ما يحتاج اليه من مؤن تجهيزه بالروايات و الاجماع، و المحتاج اليه هو القدر المتعارف، و الزائد على ذلك منوط باجازة الكبار من الورثة أو وصيّته من الثلث، و الزائد على الثلث أيضا منوط باجازة الكبار من الورثة، كما في سائر القضايا.
ثمّ اعلم أنّما قلنا بالقدر المتعارف بدل قول المصنّف: «القدر الواجب»؛ لأنّ الروايات المذكورة مطلقة من هذه الجهة، و كذا الروايات الواردة في كيفيّة تجهيز الميّت، فعليه فالمستفاد منها هو المتعارف عند تجهيز أموات المسلمين، فيدخل فيه بعض المستحبّات التي تكون من أجزاء الكفن، هذا مضافا الى أنّ الاكتفاء بالقدر الواجب بالأخصّ تضييقه قد يكون هتكا لحرمة الميّت، فحرمة المؤمن ميّتا كحرمته حيّا. و هكذا يكون الحال في تجهيزه من حيث القيمة فانّه يكون بحدّ المتعارف، الاّ أن يكون ذلك هتكا. و قد فصّله المصنّف في المسألة الآتية.
(مسألة 20): الأحوط الاقتصار في الواجب على ما هو أقلّ قيمة فلو أرادوا ما هو أغلى قيمة يحتاج الزائد الى امضاء الكبار في حصّتهم. و كذا في سائر المؤن، فلو كان هناك مكان مباح لايحتاج الى بذل مال أو يحتاج الى قليل لايجوز اختيار الأرض التي مصرفها أزيد الاّ بامضائهم، الاّ أن يكون ما هو الأقلّ قيمة أو مصرفا هتكا لحرمة الميّت فحينئذ لايبعد خروجه من أصل
1) - مدارك الأحكام 2: 119.
التركة. و كذا بالنسبة الى مستحبّات الكفن، فلو فرضنا أنّ الاقتصار على أقلّ الواجب هتك لحرمة الميّت يؤخذ المستحبّات أيضا من أصل التركة.
الشرح:
قال في التنقيح: «و الصحيح أن يقال: انّ الأمر بالتكفين في الأخبار انّما يدلّ على وجوب التكفين المتعارف و أنّه الذي يخرج من أصل التركة، لا أنّ الخارج من أصل التركة شيء و الكفن المتعارف شيء آخر، و ليس المأمور به خصوص الفرد الداني من الكفن. و الكفن المتعارف هو الذي يخرج من الزكاة اذا لم يكن للميّت مال، و لايجب اخراج الفرد الداني من الزكاة، فلو كان للميّت مال وجب اخراج ثمن الكفن المتعارف منه و هذا هو الحدّ المتوسّط بين الافراط و التفريط فلايجب اختيار ما هو أقلّ أفراد الكفن بحسب القيمة. كما لايجوز الاسراف و التبذير فيه بل يخرج منه الكفن المتعارف اللائق بشأنه.
هذا اذا لم يكن اختيار المتعارف و عدم التكفين بالأفضل هتكا و الاّ فيجب اخراج الأفضل، كما لو كان من الأشراف أو العلماء و نحوهم؛ و ذلك لأنّه هو الواجب اخراجه من الزكاة على تقدير عدم المال للميّت، فاذا كان له مال لا بدّ من اخراج ذلك من أصل تركته. هذا كلّه في القسم الثاني من المستحبّات.
و أمّا القسم الأوّل من المستحبّات و هو ما كان له وجود مستقلّ فمن الظاهر أنّ الأمر بالكفن لايشمله؛ لخروجه عن الكفن، اللّهمّ الاّ أن يكون تركه هتكا للميّت فيجب حينئذٍ و يخرج من أصل التركة؛ لوجهين:
«أحدهما»: ما مرّ من سكوت الأخبار الآمرة به عن تعيين ما يخرج منه فيدور الأمر بين أن يخرج من مال المسلمين و بين أن يخرج من ماله؛ و ذلك لفرض لزومه و أنّه لا بدّ منه؛ لأنّ حرمة المؤمن ميّتا كحرمته حيّا، و الأوّل ليس بلازم كما
مرّ، فيتعيّن اخراجه من التركة.
و «ثانيهما»: موثّقة الفضل المتقدّمة الدالّة على أنّ مثل ذلك المستحبّ يخرج
من الزكاة اذا لم يكن للميّت مال؛ لأنّه اللائق بشأنه، و اذا كان له مال لا بدّ من اخراجه من ماله».(1)
(مسألة 21): اذا كان تركة الميّت متعلّقا لحقّ الغير، مثل حقّ الغرماء في الفلس، و حقّ الرهانة و حقّ الجناية ففي تقديمه أو تقديم الكفن اشكال، فلايترك مراعاة الاحتياط.
الشرح:
قال في الجواهر: «و اطلاق النصّ و الفتوى و معاقد الاجماعات يقتضي تقديمه على حقّ المرتهن و المجني عليه و غرماء المفلّس، بل لم أعرف فيه خلافا بالنسبة الى الأخير، بل في الروض أنّه يقدّم عليه قطعا. قلت: و لعلّه كذلك، و دعوى الشكّ في شمول الأدلّة ممنوعة. نعم، قد يتردّد فيه بالنسبة الى الرهن لسبق التعلّق بالعين، و تقدّمه على النفقة في الحياة، و أولى منه حقّ الجناية في العبد الجاني مع سبقها على الموت، بل في الذكرى تقديم حقّ المرتهن الاّ أنّه قد يقوى الفرق بين الرهن و الجناية، فيقدّم على الأوّل بدعوى تناول الأدلّة له بخلاف الثاني، فتأمّل».(2)
أقول:
الظاهر تقديم حق الجناية في العبد الجاني مع سبقها على الموت على الكفن. و أمّا حقّ الغرماء فقد مرّ أنّ الكفن مقدّم على حقّهم، و كذا حقّ الرهن، و أنّ الاحتياط بالنسبة الى حقّ الرهن في محلّه.
(مسألة 22): اذا لم يكن للميّت تركة بمقدار الكفن فالظاهر عدم وجوبه على المسلمين؛ لأنّ الواجب الكفائي هو التكفين لا اعطاء الكفن، لكنّه أحوط. و اذا كان هناك من سهم سبيل اللّه من الزكاة فالأحوط صرفه فيه، والأولى بل الأحوط أن يعطى لورثته حتّى يكفّنوه من مالهم اذا كان تكفين الغير لميّتهم صعبا عليهم.
الشرح:
قال في الشرائع: «فان لم يكن له كفن دفن عريانا، و لايجب على المسلمين بذل الكفن، بل يستحبّ».(1)
و قال في المدارك: «هذا ممّا لا خلاف فيه بين العلماء، أمّا انتفاء الوجوب فللأصل السالم عن المعارض، و أمّا استحباب البذل فيدلّ عليه روايات. و ذكر جمع من الأصحاب أنّه يجوز تكفين الميّت من الزكاة مع احتياجه الى ذلك، بل صرّح بعضهم بالوجوب. و عندي في هذا الحكم توقّف. انتهى ملخّصا».(2)
أقول: في موثّقة الفضل بن يونس الكاتب قال:
«سألت أبا الحسن موسى عليه السلام فقلت له: ما ترى في رجل من أصحابنا يموت و لم يترك ما يكفّن به، أشتري له كفنه من الزكاة؟ فقال: أعط عياله من الزكاة قدر ما يجهّزونه، فيكونون هم الذين يجهّزونه، قلت: فان لم يكن له ولد و لا أحد يقوم بأمره، فأجهّزه أنا من الزكاة؟ قال: كان أبي يقول: انّ حرمة بدن المؤمن ميّتا كحرمته حيّا، فوار بدنه و عورته و جهّزه و كفّنه و حنّطه، و احتسب بذلك من الزكاة، و شيّع جنازته، الحديث».(3)
لايبعد أن يقال: انّ الظاهر من هذا الحديث هو وجوب كفن الميّت من الزكاة ان كانت. و أمّا وجوب بذله على المسلمين فمشكل بل ممنوع. و الاحتياط باعطاء الكفن من مصارف سبيل اللّه لايترك.
قال في الجواهر: «و لعلّ من هذا الخبر (موثّقة الفضل بن يونس) يستفاد ما ذكره جماعة منهم العلاّمة و الشهيدان وجوب تكفينه من بيت المال مع وجوده؛ اذ المراد ببيت المال على ما في جامع المقاصد الأموال التي تستفاد من خراج الأرضين المفتوحة عنوة، و سهم سبيل اللّه من الزكاة على القول بأنّ المراد به كلّ قربة لا الجهاد وحده.
ثمّ قال: و لو أمكن الأخذ من سهم الفقراء و المساكين من الزكاة جاز؛ لأنّ الميّت أشدّ فقرا من غيره. ثمّ انّ الظاهر من النصّ المتقدّم كظاهر من تعرّض لذلك من الأصحاب وجوب ذلك».(1)
(مسألة 23): تكفين المحرم كغيره فلا بأس بتغطية رأسه و وجهه، فليس حالهما حال الطيب في حرمة تقريبه الى الميّت المحرم.
الشرح:
تقدّم في البحث عن غسل الميّت أنّه يحرم أن يقرّب الى الميّت المحرم باحرام الحجّ أو العمرة الطيب و من جملته الكافور، و قلنا بعدم جواز غسله بالماء المخلوط بالكافور بل يجب غسله بالماء القراح، و أمّا سائر ما يتجنّب عنه المحرم كتغطية رأسه ان كان رجلاً و وجهه ان كانت امرأة فلايحرم عليه، فليس حالهما حال الطيب في حرمة تقريبه الى الميّت؛ يدلّ على ذلك الروايات في وفاة عبدالرحمن بن الحسن ففي صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
1) - جواهر الكلام 4: 261.
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن المحرم يموت، كيف يصنع به؟ قال: انّ عبدالرحمن بن الحسن مات بالأبواء مع الحسين عليه السلام و هو محرم، و مع الحسين عليه السلام عبداللّه بن العبّاس و عبداللّه بن جعفر، و صنع به كمايصنع بالميّت، و غطّى وجهه، و لم يمسّه طيبا، قال: و ذلك كان في كتاب على عليه السلام ».(1)
و في موثّقة سماعة قال:
«سألته عن المحرم يموت؟ فقال: يغسّل و يكفّن بالثياب كلّها و يغطّى وجه، و يصنع به كما يصنع بالمحلّ، غير أنّه لايمسّ الطيب».(2)
قال في المستمسك: «عن المختلف: أنّه المشهور. و عن الخلاف: الاجماع في الأوّل؛ للنصوص الحاكية لتجهيز عبدالرحمن بن الحسن عليه السلام اذا مات بالأبواء مع الحسين عليه السلام المتضمّن جملة منها أنّه: «صنع به كما يصنع بالميّت» و أنّه غطّى وجهه و رأسه.
و منها يظهر ضعف ما عن السيّد و ابن أبي عقيل و الجعفي من أنّه لايغطّى وجهه و رأسه؛ للنهي عن تطييبه الدالّ على بقائه محرما. و لما عن الصادق عليه السلام : «من مات محرما بعثه اللّه ملبّيا». و للخبر: «لاتخمّروا رأسه».
و الجميع - كماترى - قاصر في نفسه، غير صالح لمعارضة ما عرفت. و اللّه سبحانه أعلم، انتهى ملخّصا».(3)
و هي أمور:
«أحدها»: العمامة للرجال. و يكفي فيها المسمّى طولاً و عرضا. و الأولى أن تكون بمقدار يدار على رأسه و يجعل طرفاها تحت حنكه على صدره، الأيمن على الأيسر، و الأيسر على الأيمن من الصدر.
«الثاني»: المقنعة للامرأة بدل العمامة. و يكفي فيها أيضا المسمّى. «الثالث»: لفافة لثدييها يشدّان بها الى ظهرها.
«الرابع»: خرقة يعصّب بها وسطه رجلاً كان أو امرأة.
«الخامس»: خرقة أخرى للفخذين تلفّ عليهما. و الأولى أن يكون طولها ثلاثة أذرع و نصفا و عرضها شبرا أو أزيد، تشدّ من الحقوين، ثمّ تلفّ على فخذيه لفّا شديدا على وجه لايظهر منهما شيء الى الركبتين، ثمّ يخرج رأسها من تحت رجليه الى جانب الأيمن.
«السادس»: لفافة أخرى فوق اللفافة الواجبة و الأولى كونها بردا يمانيّا بل يستحبّ لفافة ثالثة أيضا خصوصا في الامرأة.
«السابع»: أن يجعل شيء من القطن أو نحوه بين رجليه بحيث يستر العورتينو يوضع عليه شيء من الحنوط، و ان خيف خروج شيء من دبره يجعل
فيه شيء من القطن، و كذا لو خيف خروج الدم من منخريه و كذا بالنسبة الى قبل الامرأة و كذا ما أشبه ذلك.
الأوّل من مستحبّات الكفن: العمامة للرجال؛ يدلّ عليها قوله عليه السلام في صحيحة زرارة في عدد قطع الكفن الواجب و الندب من الكفن:
« ... و العمامة سنّة، و قال: أمر النبي صلى الله عليه و آله بالعمامة، و عمّم النبي، و بعثنا أبو عبداللّه عليه السلام و نحن بالمدينة و مات أبو عبيدة الحذّاء، و بعث معنا بدينار، فأمرنا بأن نشتري حنوطا و عمامة، ففعلنا».(1)
و مرسلة يونس عن أبي عبداللّه أو أبي جعفر عليهماالسلام قال:
«الكفن فريضة للرجال ثلاثة أثواب، و العمامة و الخرقة سنّة، و أمّا النساء ففريضته خمسة أثواب».(2)
و يكفي فيها المسمّى بأن يصدق عليها العمامة.
و يستحبّ أن يجعلها كما أمر عليه السلام في مرسلة يونس:
« ... ثمّ يعمّم، يؤخذ وسط العمامة فيثنّى على رأسه بالتدوير، ثمّ يلقى فضل الشقّ الأيمن على الأيسر، و الأيسر على الأيمن، ثمّ يمدّ على صدره».(3)
الثاني: المقنعة للمرأة؛ لرواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام في كم تكفّن المراة؟ قال: تكفّن في خمسة أثواب: أحدها الخمار».(4)
فتحمل الرواية على الاستحباب؛ جمعا بينها و بين غيرها و اجماعا. و يكفيمسمّى الخمار.
الثالث: لفافة لثدييها كما في مرفوعة سهل قال:
«سألته: كيف تكفّن المرأة؟ فقال: كما يكفّن الرجل غير أنّا نشدّ على ثدييها خرقة تضمّ الثدي الى الصدر، و نشدّ على ظهرها، و يصنع لها القطن أكثر ممّا يصنع للرجال، و يحشى القبل و الدبر بالقطن و الحنوط، ثمّ تشدّ عليها الخرقة شدّا شديدا».(1)
الرابع: خرقة يعصّب بها وسطه ففي رواية معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يكفّن الميّت في خمسة أثواب: قميص لايزرّ عليه، و ازار، و خرقة يعصّب بها وسطه، و برد يلفّ فيه، و عمامة يعتمّ بها، و يلقى فضلها على صدره».(2)
الخامس: خرقة للفخذين تلفّ عليهما؛ يدلّ عليه رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الميّت يكفّن في ثلاثة سوى العمامة، و الخرقة يشدّ بها وركيه؛ لكيلايبدو منه شيء، و الخرقة و العمامة لا بدّ منهما، و ليستا من الكفن».(3)
و قوله عليه السلام في موثّقة عمّار بن موسى:
«ثمّ الخرقة عرضها قدر شبر و نصف».(4)
و قولهم عليهم السلام في مرسلة يونس:
« ... و خذ خرقة طويلة عرضها شبر فشدّها من حقويه، و ضمّ فخذيه
ضمّا شديدا و لفّها في فخذيه، ثمّ أخرج رأسها من تحت رجليه الى الجانب الأيمن، و اغرزها في الموضع الذي لفّفت فيه الخرقة، و تكون الخرقة طويلة تلفّ فخذيه من حقويه الى ركبتيه لفّا شديدا».(1)
السادس: لفافة أخرى فوق اللفافة الواجبة؛ يدلّ عليه رواية يونس بن يعقوب عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال:
«سمعته يقول: انّي كفّنت أبي في ثوبين شطويّين كان يحرم فيهما، و في قميص من قمصه، و عمامة كانت لعلي بن الحسين، و في برد اشتريته بأربعين دينارا، لو كان اليوم لساوى أربعمائة دينار».(2)
و الأولى كونها بردا يمانيّا كما في صحيحة أبي مريم الأنصاري قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كفّن رسول اللّه صلى الله عليه و آله في ثلاثة أثواب: برد أحمر حبرة، و ثوبين أبيضين صحاريّين، الحديث».(3)
قال في مجمع البحرين: «حبرة»: كعنبة، ثوب يصنع باليمن قطن أو كتّان مخطّط».
السابع: أن يجعل شيء من القطن أو نحوه بين رجليه بحيث يستر العورتين و يوضع عليه شيء من الحنوط، و قد مرّ في الثالث ما يدلّ عليه و في موثّقة عمّار:
« ... ثمّ تكفّنه، تبدأ فتجعل على مقعدته شيئا من القطن و ذريرة، الحديث».(4)
و قولهم عليهم السلام في مرسلة يونس:
« ... و اعمد الى قطن فذر عليه شيئا من حنوط و ضعه على فرجه قبل و دبر، الحديث».(5)
1) - وسائل الشيعة 2: 481 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 3: 10 / الباب 2 من أبواب التكفين / الحديث 15.
3) - وسائل الشيعة 3: 7 / الباب 2 من أبواب التكفين / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 3: 33 / الباب 14 من أبواب التكفين / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 2: 481 / الباب 2 من أبواب غسل الميّت / الحديث 3.
و هي أيضا أمور:
«الأول»: اجادة الكفن، فانّ الأموات يتباهون يوم القيامة بأكفانهم و يحشرون بها و قد كفّن موسى بن جعفر عليه السلام بكفن قيمته ألفا دينار و كان تمام القرآن مكتوبا عليه.
«الثاني»: أن يكون من القطن.
«الثالث»: أن يكون أبيض، بل يكره المصبوغ ما عدا الحبرة، ففي بعض الأخبار: «انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كفّن في حبرة حمراء».
«الرابع»: أن يكون من خالص المال و طهوره لا من المشتبهات.
«الخامس»: أن يكون من الثوب الذي أحرم فيه أو صلّى فيه.
«السادس»: أن يلقى عليه شيء من الكافور و الذريرة. و هي - على ما قيل - حبّ يشبه حبّ الحنطة، له ريح طيّب اذا دقّ، و تسمّى الآن قمحة و لعلّها كانت تسمّى بالذريرة سابقا، و لايبعد استحباب التبرّك بتربة قبرالحسين عليه السلام و مسحه بالضريح المقدّس أو بضرائح سائر الأئمّة عليهم السلام بعد غسله بماء الفرات أو بماء زمزم.
«السابع»: أن يجعل طرف الأيمن من اللفّافة على أيسر الميّت و الأيسر منها على أيمنه.
«الثامن»: أن يخاط الكفن بخيوطه اذا احتاج الى الخياطة.
«التاسع»: أن يكون المباشر للتكفين على طهارة من الحدث و ان كان هو الغاسل له فيستحبّ أن يغسل يديه الى المرفقين بل المنكبين ثلاث مرّات و يغسل رجليه الى الركبتين. و الأولى أن يغسل كلّ ما تنجّس من بدنه و أن يغتسل غسل المسّ قبل التكفين.
«العاشر»: أن يكتب على حاشية جميع قطع الكفن من الواجب و المستحبّ حتّى العمامة اسمه و اسم أبيه، بأن يكتب: «فلان بن فلان يشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أنّ عليّا و الحسن و الحسين و عليّا و محمّدا و جعفرا و موسى و عليّا و محمّدا و عليّا و الحسن و الحجّة القائم أولياء اللّه و أوصياء رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أئمّتي و أنّ البعث و الثواب و العقاب حقّ».
«الحادي عشر»: أن يكتب على كفنه تمام القرآن و دعاء الجوشن الصغير و الكبير، و يستحبّ كتابة الأخير في جام بكافور أو مسك ثمّ غسله و رشّه على الكفن فعن أبي عبداللّه الحسين صلوات اللّه عليه: «أوصاني أبي بحفظ هذا الدعاء و تعظيمه و أن أكتبه على كفنه و أن أعلّمه أهل بيتي». و يستحبّ أيضا أن يكتب عليه البيتان اللذان كتبهما أميرالمؤمنين عليه السلام على كفن سلمان و هما:
وفدت على الكريم بغير زاد *** من الحسنات و القلب السليم
و حمل الزاد أقبح كلّ شيء *** اذا كان الوفود على الكريم
و يناسب أيضا كتابة السند المعروف المسمّى بسلسلة الذهب و هو: «حدّثنا محمّد بن موسى المتوكّل قال: حدّثنا عليّ بن ابراهيم عن أبيه عن
يوسف بن عقيل عن اسحاق بن راهويه قال: لمّا وافى أبو الحسن الرضا عليه السلام نيشابور و أراد أن يرتحل الى المأمون اجتمع عليه أصحاب الحديث فقالوا: يا ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله تدخل علينا و لاتحدّثنا بحديث فنستفيده منك و قد كان قعد في العمارية فأطلع رأسه فقال عليه السلام : سمعت أبي موسى بن جعفر عليهماالسلام يقول: سمعت أبي جعفر بن محمّد عليهماالسلام يقول: سمعت أبي محمّد بن علي عليهماالسلام يقول: سمعت أبي علي بن الحسين عليهماالسلام يقول: سمعت أبي الحسين بن علي عليهماالسلام يقول: سمعت أبي أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقول: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول: سمعت جبرئيل عليه السلام يقول: سمعت اللّه عزّوجلّ يقول: «لا اله الاّ اللّه حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي». فلمّا مرّت الراحلة نادى: أمّا بشروطها و أنا من شروطها».
و ان كتب السند الآخر أيضا فأحسن و هو: «حدّثنا أحمد بن الحسن القطّان قال: حدّثنا عبد الكريم بن محمّد الحسيني قال: حدّثنا محمّد بن ابراهيم الرازي قال: حدّثنا عبداللّه بن يحيى الأهوازي قال: حدثني أبو الحسن علي بن عمرو قال: حدّثنا الحسن بن محمّد بن جمهور قال: حدّثني علي بن بلال عن علي بن موسى الرضا عليهماالسلام عن موسى بن جعفر عليهماالسلام عن جعفر بن محمّد عليهماالسلام عن محمّد بن عليّ عليهماالسلام عن علي بن الحسين عليهماالسلام عن الحسين بن علي عليهماالسلام عن علي بن أبي طالب عليه السلام عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله عن جبرئيل عن ميكائيل عن اسرافيل عليهم السلام عن اللوح و القلم قال: يقول اللّه عزّوجلّ: ولاية علي بن أبي طالب حصني فمن دخل حصني أمن من ناري».
و اذا كتب على فصّ الخاتم العقيق الشهادتان و أسماء الأئمّة عليهم السلام و الاقرار بامامتهم كان حسنا بل يحسن كتابة كلّ ما يرجى منه النفع من غيرأن يقصد الورود، و الأولى أن يكتب الأدعية المذكورة بتربة قبر الحسين عليه السلام
أو يجعل في المداد شيء منها أو بتربة سائر الأئمّة، و يجوز أن يكتب بالطين و بالماء، بل بالاصبع من غير مداد.
«الثاني عشر»: أن يهيّئ كفنه قبل موته و كذا السدر و الكافور ففي الحديث:
«من هيّأ كفنه لم يكتب من الغافلين و كلّما نظر اليه كتبت له حسنة».
«الثالث عشر»: أن يجعل الميّت حال التكفين مستقبل القبلة مثل حال الاحتضار أو بنحو حال الصلاة. تتمّة: اذا لم تكتب الأدعية المذكورة و القرآن على الكفن بل على وصلة أخرى و جعلت على صدره أو فوق رأسه للأمن من التلويث كان أحسن.
الشرح:
بقيّة المستحبّات، و هي - أيضا - أمور:
الأوّل: اجادة الكفن؛ يدلّ عليه صحيحة يونس بن يعقوب قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : انّ أبي أوصاني عند الموت: يا جعفر كفّنّي في ثوب كذا و كذا، و اشتر لي بردا واحدا و عمامة، و أجدهما، فانّ الموتى يتباهون بأكفانهم».(1)
و في مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أجيدوا أكفان موتاكم، فانّها زينتهم».(2)
الثاني: أن يكون من القطن؛ لصحيحة أبي خديجة (سالم بن مكرم) عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الكتّان كان لبني اسرائيل يكفّنون به، و القطن لأمّة محمّد صلى الله عليه و آله».(3)
الثالث: أن يكون أبيض؛ يدلّ عليه موثّقة ابن القدّاح عن أبي عبداللّه صلى الله عليه و آله قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: البسوا البياض، فانّه أطيب و أطهر، و كفّنوا فيه موتاكم».(1)
و موثّقة الحسين بن مختار قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : يحرم الرجل في ثوب أسود؟ قال: لايحرم في الثوب الأسود، و لايكفّن به».(2)
المحمولة على الكراهة اجماعا، و أمّا مطلق الصبغ فنسب الى المشهور و لم يوقف على دليله كما في المهذّب.(3)
و أمّا التكفين في الحبرة الحمراء، فقد تقدّم في صحيحة أبي مريم الأنصاري:
« ... كفّن رسول اللّه صلى الله عليه و آله في ثلاثة أثواب: برد أحمر حبرة و ثوبين أبيضين، الحديث».(4)
الرابع: أن يكون من خالص المال و طهوره لا من المشتبهات؛ ففي مرسلة الصدوق عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام :
« ... انّا أهل بيت، حجّ صرورتنا و مهور نسائنا و أكفاننا من طهور أموالنا».(5)
الخامس: أن يكون من الثوب الذي أحرم فيه أو صلّى فيه؛ يدلّ عليه صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان ثوبا رسول اللّه صلى الله عليه و آله اللذان أحرم فيهما يمانيّين: عبري و أظفار، و فيهما كفّن».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 41 / الباب 19 من أبواب التكفين / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 43 / الباب 21 من أبواب التكفين / الحديث 2.
3) - مهذّب الأحكام 4: 61.
4) - وسائل الشيعة 3: 7 / الباب 2 من أبواب التكفين / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 3: 56 / الباب 34 من أبواب التكفين / الحديث 1.
6) - وسائل الشيعة 3: 16 / الباب 5 من أبواب التكفين / الحديث 1.
و رواية يونس بن يعقوب عن أبي الحسن الأوّل عليه السلام قال:
«سمعته يقول: انّي كفّنت أبي في ثوبين شطويّين كان يحرم فيهما، و في قميص من قمصه، الحديث».(1)
السادس: أن يلقى عليه شيء من الكافور و الذريرة؛ يدلّ عليه موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كفّنت الميّت فذر على كلّ ثوب شيئا من ذريرة و كافور».(2)
و أمّا التبرّك بتربة قبر الحسين عليه السلام الى آخر ما في المتن، فيدلّ عليه الروايات الواردة في التوسّل بقبور المعصومين عليهم السلام خصوصا قبر أبي عبداللّه الحسين عليه السلام و تربتهم، و ماء الفرات، و زمزم في الحجّ و العمرة.
السابع: أن يجعل طرف الأيمن من اللفافة على أيسر الميّت و الأيسر منها على أيمنه و قد تقدّم في الفصل السابق في الأمر الأوّل من الأمور المستحبّة في التكفين.
الثامن: أن يخاط الكفن بخيوطه اذا احتاج الى الخياطة، قال في المهذّب: «لفتوى جمع من الأصحاب به و لا مدرك له غير ذلك».(3)
التاسع: أن يكون المباشر للتكفين على طهارة من الحدث؛ يدلّ عليه ما في الشرائع و الجواهر: «و من سنن هذا القسم أن يغتسل الغاسل قبل تكفينه ان أراده أو يتوضّأ وضوء الصلاة، كما في النافع و المعتبر و القواعد و الارشاد و الذكرى و الدروس و اللمعة و جامع المقاصد و الروضة و عن النهاية و المبسوط و السرائر و الجامع و غيرها، بل في الحدائق نسبته الى الأصحاب، و لم أقف له على مستند. - الى أن قال: - كلّ ذا مع ظهور الروايات المعتبرة في خلاف ذلك، ففي صحيح
ابن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام : «قلت: فالذي يغسّله يغتسل؟ قال: نعم، قلت: فيغسّله ثمّ يلبسه أكفانه قبل أن يغتسل، قال: يغسّله ثمّ يغسل يديه من العاتق ثمّ يلبسه أكفانه ثمّ يغتسل. الخ»».(1)
العاشر: ما ورد في الروايتين المرويّتين عن الصادق عليه السلام :
«انّه عليه السلام كتب في حاشية كفن ابنه اسماعيل: اسماعيل يشهد أن لا اله الاّ اللّه».(2)
و أمّا الدليل على كتابة ما بقي من الشهادة بالرسالة و الأئمّة عليهم السلام فيمكن أن يستفاد ذلك من استحباب التوسّل و استجلاب الخير و البركة، و فتوى الأصحاب، و السيرة العمليّة من المتشرّعة.
الحادي عشر: أن يكتب على كفنه تمام القرآن؛ يدلّ على ذلك ما روي (في حديث):
«انّ موسى بن جعفر عليه السلام كفّن بكفن فيه حبرة استعملت له بألفين و خمسمائة دينار، عليها القرآن كلّه».(3)
و أمّا كتابة دعاء الجوشن الصغير و الكبير فقد نقل في الجواهر عن المستدرك و البحار ما يكون من فضل كتابة الجوشن الكبير على الكفن و أن يكون ذلك بتربة الحسين عليه السلام و ان لم توجد فبالاصبع فراجع.(4)
و يحتاط بالاجتناب عن وصول النجاسة و نحوها الى ما كتب على الكفن كما في الجواهر.
و الدليل على الثاني عشر و الثالث عشر ما رواه المصنّف من الخبر، و ما تقدّم في فصل الاحتضار من أن يجعل الميّت مستقبل القبلة الى أن يدفن.
و هي أمور:
«أحدها»: قطعه بالحديد.
«الثاني»: عمل الأكمام و الزرور له اذا كان جديدا و لو كفّن في قميصه الملبوس له حال حياته قطع أزراره و لا بأس بأكمامه.
«الثالث»: بلّ الخيوط التي يخاط بها بريقه.
«الرابع»: تبخيره بدخان الأشياء الطيّبة الريح، بل تطييبه و لو بغير البخور. نعم، يستحبّ تطييبه بالكافور و الذريرة، كما مرّ.
«الخامس»: كونه أسود.
«السادس»: أن يكتب عليه بالسواد.
«السابع»: كونه من الكتّان و لو ممزوجا.
«الثامن»: كونه ممزوجا بالابريسم بل الأحوط تركه الاّ أن يكون خليطه أكثر.
«التاسع»: المماكسة في شرائه.
«العاشر»: جعل عمامته بلا حنك.
«الحادي عشر»: كونه وسخا غير نظيف.
«الثاني عشر»: كونه مخيطا بل يستحبّ كون كلّ قطعة منه وصلة واحدةبلا خياطة على ما ذكره بعض العلماء و لا بأس به.
الشرح:
مكروهات الكفن و هي أمور:
الأوّل: قطعه بالحديد، الظاهر أنّه لم يدلّ عليه دليل الاّ ما حكي عن الشيخ في التهذيب أنّه قال: «سمعناه مذاكرة من الشيوخ و كان عليه عملهم».(1)
الثاني: عمل الأكمام و الزرور له اذا كان جديدا؛ يدلّ عليه مرسلة محمّد بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت: الرجل يكون له القميص، أيكفّن فيه؟ فقال: اقطع أزراره، قلت: و كمّه؟ قال: لا، انّما ذلك اذا قطع له و هو جديد لم يجعل له كمّا، فأمّا اذا كان ثوبا لبيسا فلايقطع منه الاّ الأزرار».(2)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام : ينبغي أن يكون القميص للميّت غير مكفوف و لا مزرور».(3)
و صحيحة محمّد بن اسماعيل بن بزيع قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام أن يأمر لي بقميص أعدّه لكفني، فبعث به اليّ، فقلت: كيف أصنع؟ فقال: انزع أزراره».(4)
الثالث: بلّ الخيوط التي يخاط بها بريقه. و الظاهر أنّه ليس لها دليل الاّ الشهرة الفتوائيّة المحكيّة.
الرابع: تبخيره بدخان الأشياء الطيّبة الريح، بل تطييبه و لو بغير البخور؛ يدلّعليه رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : لاتجمّروا الأكفان، و لاتمسحوا موتاكم بالطيب الاّ الكافور، فانّ الميّت بمنزلة المحرم».(1)
الخامس: كونه أسود كما في رواية الحسين بن المختار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايكفّن الميّت في السواد».(2)
السادس: أن يكتب عليه بالسواد و ليس عليه دليل الاّ ما حكي عن المشهور.
السابع: كونه من الكتّان و لو ممزوجا؛ لاطلاق قول الصادق عليه السلام في صحيحة أبي خديجة:
«الكتّان كان لبني اسرائيل يكفّنون به، الحديث».(3)
الثامن: كونه ممزوجا بالابريسم و لا دليل عليه الاّ ما حكي عن فتوى جمع من الفقهاء بالكراهة.
التاسع: المماكسة في شرائه؛ لقول أبي جعفر عليه السلام في مرفوعة محمّد بن عيسى:
«لاتماكس في أربعة أشياء: في الأضحيّة، و الكفن، و ثمن النسمة، و الكراء الى مكّة».(4)
العاشر: جعل عمامته بلا حنك؛ لقول الصادق عليه السلام في رواية عثمان النواء:
« ... و اذا عمّمته فلاتعمّمه عمّة الأعرابي، الحديث».(5)
و فسّرت بما لا حنك فيها.
الحادي عشر: كونه وسخا غير نظيف؛ لاستحباب النظافة في جميع الأحوال.
الثاني عشر: كونه مخيطا؛ للشهرة المحكيّة.
1) - وسائل الشيعة 3: 18 / الباب 6 من أبواب التكفين / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 3: 43 / الباب 21 من أبواب التكفين / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 42 / الباب 20 من أبواب التكفين / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 3: 57 / الباب 36 من أبواب التكفين / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 3: 36 / الباب 3 من أبواب التكفين / الحديث 2.
و هو مسح الكافور على بدن الميّت. يجب مسحه على المساجد السبعة و هي الجبهة و اليدان و الركبتان و ابهاما الرجلين، و يستحبّ اضافة طرف الأنف اليها أيضا، بل هو الأحوط. و الأحوط أن يكون المسح باليد بل بالراحة. و لايبعد استحباب مسح ابطيه و لبّته و مغابنه و مفاصله و باطن قدميه و كفّيه بل كلّ موضع من بدنه فيه رائحة كريهة. و يشترط أن يكون بعد الغسل أو التيمّم، فلايجوز قبله. نعم، يجوز قبل التكفين و بعده و في أثنائه و الأولى أن يكون قبله. و يشترط في الكافور أن يكون طاهرا مباحا جديدا فلايجزئ العتيق الذي زال ريحه و أن يكون مسحوقا.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يجب أن يمسح مساجده بما تيسّر من الكافور الاّ أن يكون الميّت محرما».(1)
و قال في المدارك: «الوجوب هو المعروف من مذهب الأصحاب، و نقل عليه
1) - شرائع الاسلام 1: 31.
الشيخ في الخلاف اجماع الفرقة، و أضاف المفيد الى المساجد السبعة طرف الأنف الذي كان يرغم في السجود، و ألحق الصدوق السمع و البصر و الفم و المغابن و هي الآباط و أصول الأفخاذ».(1)
قال في التنقيح: «الحنوط كالوقود و السحور بمعنى ما يحنّط به، و التحنيط في اللغة بمعنى استعمال ما يمنع عن الفساد، كافورا كان أم غيره، و أمّا بحسب الاصطلاح عند الفقهاء فهو استعمال الكافور و حسب؛ و ذلك لأنّ الروايات فسّرته بذلك».(2)
أقول:
يجب جعل الكافور على مساجد الميّت؛ يدلّ على وجوبه موثّقة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحنوط للميّت؟ فقال: اجعله في مساجده».(3)
و صحيحة زرارة عن أبي جعفر و أبي عبداللّه عليهماالسلام قال:
«اذا جفّفت الميّت عمدت الى الكافور فمسحت به آثار السجود، و مفاصله كلّها، و اجعل في فيه و مسامعه و رأسه و لحيته من الحنوط، و على صدره و فرجه، و قال: حنوط الرجل و المرأة سواء».(4)
و حسنة الكاهلي و حسين بن المختار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يوضع الكافور من الميّت على موضع المساجد، و على اللبّة، و باطن القدمين، و موضع الشراك من القدمين، و على الركبتين و الراحتين، و الجبهة و اللبّة».(5)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أردت أن تحنّط الميّت فاعمد الى الكافور فامسح به آثار السجود منه، و مفاصله كلّها، و رأسه و لحيته، و على صدره من الحنوط، و قال: حنوط الرجل و المرأة سواء، و قال: أكره أن يتبع بمجمرة».(1)
و في مرسلة يونس:
« ... ثمّ اعمد الى كافور مسحوق فضعه على جبهته موضع سجوده، و امسح بالكافور على جميع مفاصله من قرنه الى قدمه، و في رأسه و في عنقه و منكبيه و مرافقه، و في كلّ مفصل من مفاصله من اليدين و الرجلين، و في وسط راحتيه، ثمّ يحمل فيوضع على قميصه، الحديث».(2)
فالذي يشترك فيه الجميع تفصيلاً أو اجمالاً هو مواضع سجوده من جبهته و كفّيه و ركبتيه و طرف ابهامي رجليه. و ما زاد على ذلك يحمل على الاستحباب.
قال في الجواهر: «و يجب أن يحنّط مساجده السبعة بالحنوط اجماعا محصّلاً و منقولاً و نصوصا و منها طرف ابهامي الرجلين، و لعلّه يرجع اليه ما في المقنعة و المبسوط، و عن الاصباح ظاهر أصابع قدميه، و كذا ما في السرائر، و عن المصباح و مختصره و غيرهما طرف أصابع الرجلين، و الاّ فلا دليل عليهما؛ اذ الموجود في كثير من الأخبار المساجد».(3)
ثمّ انّ الظاهر من الروايات عدم الفرق بين المسح و الجعل اذا كان الكافور مسحوقا، كما في مرسلة يونس. و قد تقدّم أنّ التحنيط الى غير مواضع السجود
مستحبّ الاّ أن يكون ممّا ذكر في الروايات آنفا معارضا بعدمه، كما في مرسلةيونس:
« ... و لاتجعل في منخريه و لا في بصره و مسامعه و لا على وجهه قطنا و لا كافورا، الحديث».(1)
و في حسنة حمران بن أعين:
« ... و لاتقربوا أذنيه شيئا من الكافور، الحديث».(2)
و في صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال: لاتجعل في مسامع الميّت حنوطا».(3)
و يشترط أن يكون الحنوط بعد الغسل أو التيمّم؛ لظاهر الأخبار، فلايجوز قبله. نعم، يجوز قبل التكفين و بعده و في أثنائه؛ لأنّ الغرض حصوله، و لاطلاق الروايات. و الأمر بما بعد الغسل و قبل التكفين للغالب و لايكون مقيّدا للاطلاق، و الأولى أن يكون قبله.
و يشترط في الكافور أن يكون طاهرا مباحا كما في الماء المستعمل في الغسل و السدر و الكافور المخلوطين به، و كما في الكفن. و كذا يشترط أن يكون جديدا فلايجزئ العتيق الذي زال ريحه؛ لأنّه طيب الميّت، و المتبادر من الكافور ذلك، و أن يكون مسحوقا كما في مرسلة يونس.
(مسألة 1): لا فرق في وجوب الحنوط بين الصغير و الكبير، و الأنثى و الخنثى و الذكر، و الحرّ و العبد. نعم، لايجوز تحنيط المحرم قبل اتيانه بالطواف كما مرّ، و لايلحق به التي في العدّة و لا المعتكف و ان كان يحرم عليهما استعمال الطيب حال الحياة.
الشرح:
يدلّ على صدر المسألة اطلاق الروايات و خصوص صحيحتي زرارة و الحلبي المتقدّمتين من قوله عليه السلام : «حنوط الرجل و المرأة سواء». و أنّ مورد الحنوط الميّت الذي وجب غسله و تكفينه. و أمّا بالنسبة الى حكم المحرم فقد تقدّم في المسألة التاسعة من الفصل المتعلّق بكيفيّة غسل الميّت و قلنا بأنّ تحريم الحنوط يختصّ بالمحرم و لايشمل من كان يحرم عليه الطيب في حال حياته كالمعتكف و المرأة المعتدّة؛ لأنّ المحرم خرج بالدليل و بقي المعتكف و المعتدّة تحت العامّ، بناءً على أنّ حكم الأحياء غير حكم الأموات، كما هو كذلك.
(مسألة 2): لايعتبر في التحنيط قصد القربة، فيجوز أن يباشره الصبي المميّز أيضا.
الشرح:
و ذلك لأنّ الظاهر من الروايات حصول التحنيط فيكون من التوصليّات كالتكفين و التدفين. نعم، يلزم حصوله بيد المكلّف كما في التكفين و التدفين، و لو باشره المجنون أو الصبي الغير المميّز أو الكافر فسقوطه عن المكلّف مشكل، و أمّا الصبي المميّز فلا اشكال فيه؛ لأنّ أعماله ممضاة عند الشارع و ان رفع عنه قلم التكليف، فلو نوى فيه القربة يقبل فيسقط عن الباقين.
(مسألة 3): يكفي في مقدار كافور الحنوط المسمّى، و الأفضل أن يكون ثلاثه عشر درهما و ثلثا تصير بحسب المثاقيل الصيرفيّة سبعة مثاقيل و حمّصتين الاّ خمس الحمّصة. و الأقوى أنّ هذا المقدار لخصوص الحنوط لا له و للغسل، و أقلّ الفضل مثقال شرعي و الأفضل منه أربعة دراهم و الأفضل منه أربعة مثاقيل شرعيّة.
الشرح:
و لنذكر الروايات الواردة في الباب و هي عشر:
منها مرفوعة ابراهيم بن هاشم قال:
«السنّة في الحنوط ثلاثه عشر درهما و ثلث، أكثره، و قال: انّ جبرئيل عليه السلام نزل على رسول اللّه صلى الله عليه و آله بحنوط، و كان وزنه أربعين درهما، فقسّمها رسول اللّه عليه السلام ثلاثة أجزاء: جزءا له، و جزءا لعلي عليه السلام ، و جزءا لفاطمة عليهاالسلام ».(1)
و نظيرها مرسلة الصدوق و مرفوعة ابن سنان و مرسلة محمّد بن أحمد و مرسلة علي بن عيسى في كشف الغمّة، و رواية علي بن موسى بن طاوس في كتاب الطرف.(2)
و في رواية عبداللّه بن يحيى الكاهلي و حسين بن المختار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«القصد من ذلك (الكافور) أربعة مثاقيل».(3)
و في مرسلة ابن أبي نجران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أقلّ ما يجزئ من الكافور للميّت مثقال».(4)
و في مرسلة أخرى له مثقال و نصف.(1)
و الجمع بين هذه الروايات يقتضي أن يكون الأفضل ثلاثه عشر درهما و ثلث تصير سبعة مثاقيل تقريبا و أوسطه في الفضل أربعة مثاقيل و أقلّه مثقال أو مثقال و نصف، و العمل به لا بأس به، و أمّا الواجب فكما في المتن يكفي المسمّى؛ لاطلاق الروايات الواردة و قد تقدّم بعضها.
(مسألة 4): اذا لم يتمكّن من الكافور سقط وجوب الحنوط و لايقوم مقامه طيب آخر. نعم، يجوز تطييبه بالذريرة لكنّها ليست من الحنوط، و أمّا تطييبه بالمسك و العنبر و العود و نحوها و لو بمزجها بالكافور فمكروه بل الأحوط تركه.
الشرح:
اذا لم يتمكّن من الكافور سقط وجوب الحنوط؛ للأصل و لأنّ الشارع لم يعيّن له بدلاً لو فقد، كما في التغسيل الذي بدله التيمّم، و لايقوم مقامه طيب آخر؛ لعدم الدليل. نعم، يجوز تطييبه بالذريرة، كما في موثّقة عمّار بن موسى:
« ... ثمّ تذر عليها من الذريرة ... و يجعل على كفنه ذريرة، الحديث».(2)
و موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كفّنت الميّت فذر على كلّ ثوب شيئا من ذريرة و كافور».(3)
لكنّها ليست من الحنوط كما في صحيحة داود بن سرحان قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام لي في كفن أبي عبيدة الحذّاء: انّما الحنوط
الكافور، ولكن اذهب فاصنع كما يصنع الناس».(1)
و في رواية يعقوب بن زياد عن أبي عبداللّه عليه السلام :
« ... و لايحنّط بمسك».(2)
و ما روي من مرسلة الصدوق عنه عليه السلام : «نعم» بعد ما سئل عنه: «هل يقرب الى الميّت المسك و البخور»(3)، فيحمل على التقيّة أو على عدم الحرمة، و مثلها مرسلة أخرى للصدوق و رواية غياث بن ابراهيم.(4)
و بالجملة تطييبه بالمسك و العنبر و العود و نحوها و لو بمزجها بالكافور فمكروه بل الأحوط تركه.
(مسألة 5): يكره ادخال الكافور في عين الميّت أو أنفه أو اذنه.
الشرح:
و ذلك لمرسلة يونس:
« ... و لاتجعل في منخريه و لا في بصره و مسامعه و لا على وجهه قطنا و لا كافورا، الحديث».(5)
فتحمل على الكراهة؛ لعدم القول بالحرمة، و ما يظهر منه الخلاف محمول على التقيّة.
1) - وسائل الشيعة 3: 18 / الباب 6 من أبواب التكفين / الحديث 7.
2) - وسائل الشيعة 3: 18 / الباب 3 من أبواب التكفين / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 3: 19 / الباب 3 من أبواب التكفين / الحديث 9.
4) - وسائل الشيعة 3: 19 و 20 / الباب 3 من أبواب التكفين / الحديثان 10 و 14.
5) - وسائل الشيعة 3: 33 / الباب 14 من أبواب التكفين / الحديث 3.
(مسألة 6): اذا زاد الكافور يوضع على صدره.
الشرح:
كما في الفقه الرضوي:
« ... تبدأ بجبهته و تمسح مفاصله كلّها به و تلقي ما بقي منه على صدره، الحديث».(1)
و في المستمسك: «كما عن جماعة كثيرة التصريح به. و في كشف اللثام: «انّه المشهور». و عن الخلاف: الاجماع عليه. و صريح الجميع وضع ما زاد على المساجد. و حينئذٍ ينافي ما تقدّم من استحباب تحنيط غيرها، فلا بدّ امّا من ارادة التخيير، أو وضع ما زاد على المساجد و غيرها ممّا يستحبّ تحنيطه، أو كون كلامهم مبنيّا على عدم استحباب تحنيط غير المساجد.
و كيف كان فاستدلّ في كشف اللثام و غيره على ذلك بصحيح زرارة و مصحّح الحلبي المتقدّمين. و في المعتبر استدلّ بالثاني. ولكن ليس الاّ الأمر بتحنيط الصدر كغيره من الأعضاء، فالاستدلال بها لما ذكر غير ظاهر.
نعم، في الرضوي: «تبدأ بجبهته و تمسح مفاصله كلّها به و تلقي ما بقي منه على صدره»».(2)
(مسألة 7): يستحبّ سحق الكافور باليد لا بالهاون.
الشرح:
كما لعلّه يظهر من الروايات التي تقدّمت في ابتداء الفصل.
و في المستمسك: «كما عن جماعة. و في المعتبر: «ذكره الشيخان و لم أتحقّق
مستنده». و في الذكرى تعليله بخوف الضياع. و هو كماترى. و مثله في الاشكال ماعن المبسوط من أنّه يكره سحقه بالحجر أو غير ذلك».(1)
(مسألة 8): يكره وضع الكافور على النعش.
الشرح:
لما في رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«انّ النبي صلى الله عليه و آله نهى أن يوضع على النعش الحنوط».(2)
و أمّا ما في رواية غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه:
«انّه كان يجمّر الميّت بالعود فيه المسك، و ربّما جعل على النعش الحنوط، و ربّما لم يجعله، الحديث».(3)
فتحمل على الجواز؛ جمعا، أو تحمل على التقيّة.
(مسألة 9): يستحبّ خلط الكافور بشيء من تربة قبر الحسين عليه السلام لكن لايمسح به المواضع المنافية للاحترام.
الشرح:
قال في المستمسك: «للتوقيع الذي رواه محمّد بن عبداللّه بن جعفر الحميري قال:
«كتبت الى الفقيه أسأله عن طين القبر يوضع مع الميّت في قبره، هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب - و قرأت التوقيع و منه نسخت - : يوضع مع الميّت في قبره و يخلّط بحنوطه ان شاء اللّه»».(4)
(مسألة 10): يكره اتباع النعش بالمجمرة، و كذا في حال الغسل.
ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أردت أن تحنّط الميّت - الى أن قال: - و أكره أن يتبع بمجمرة».(1)
و في رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«انّ النبي صلى الله عليه و آله نهى أن يتبع جنازة بمجمرة».(2)
و في رواية غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام :
« ... و كان يكره أن يتبع الميّت بالمجمرة».(3)
(مسألة 11): يبدأ في التحنيط بالجبهة و في سائر المساجد مخيّر.
الشرح:
قد ورد في مرسلة يونس قولهم عليهم السلام :
« ... ثمّ اعمد الى كافور مسحوق فضعه على جبهته موضع سجوده. الحديث».(4)
و في الفقه الرضوي:
« ... تبدأ بجبهته و تمسح مفاصله كلّها به و تلقي ما بقي منه على صدره. الحديث».(5)
و التخيير في سائر المساجد يستفاد من اطلاق روايات التحنيط.
1) - وسائل الشيعة 3: 17 / الباب 6 من أبواب التكفين / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 17 / الباب 6 من أبواب التكفين / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 3: 20 / الباب 6 من أبواب التكفين / الحديث 14.
4) - وسائل الشيعة 3: 32 / الباب 14 من أبواب التكفين / الحديث 3.
5) - مستدرك الوسائل 2: 220 / الباب 13 من أبواب الكفن / الحديث 1.
(مسألة 12): اذا دار الأمر بين وضع الكافور في ماء الغسل أو يصرف فيالتحنيط يقدّم الأوّل، و اذا دار في الحنوط بين الجبهة و سائر المواضع تقدّم الجبهة.
أمّا تقديم صرف الكافور في ماء الغسل فلأهمّيّته و تقدّم رتبته. و أمّا تقديم الحنوط في الجبهة فلأهمّيّته من سائر المساجد، و ان صدق السجدة بوضعها على الأرض.
من المستحبّات الأكيدة عند الشيعة وضعهما مع الميّت صغيرا أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، محسنا أو مسيئا، كان ممّن يخاف عليه من عذاب القبر أو لا؛ ففي الخبر: «انّ الجريدة تنفع المؤمن و الكافر، و المحسن و المسيء، و مادامت رطبة يرفع عن الميّت عذاب القبر». و في آخر: «انّ النبي صلى الله عليه و آله مرّ على قبر يعذّب صاحبه فطلب جريدة فشقّها نصفين فوضع أحدهما فوق رأسه و الأخرى عند رجليه، و قال: يخفّف عنه العذاب ماداما رطبين». و في بعض الأخبار: «انّ آدم عليه السلام أوصى بوضع جريدتين في كفنه لأنسه، و كان هذا معمولاً بين الأنبياء و ترك في زمان الجاهليّة فأحياه النبي صلى الله عليه و آله».
الشرح:
قد دلّ على وضع الجريدتين مع الميّت روايات مستفيضة تدلّ على استحبابه:
منها صحيحة حريز و فضيل و عبدالرحمن بن أبي عبداللّه، كلّهم قال:
«قيل لأبي عبداللّه عليه السلام : لأيّ شيء توضع مع الميّت الجريدة؟ فقال: انّه
يتجافى عنه العذاب مادامت رطبة».(1)
و منها موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يستحبّ أن يدخل معه في قبره جريدة رطبة، الحديث».(2)
و منها رواية الحسن بن زياد الصيقل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«توضع للميّت جريدتان: واحدة في اليمين، و أخرى في الأيسر، قال: و قال: الجريدة تنفع المؤمن و الكافر».(3)
قال في الجواهر: «و من السنن أن يجعل معه جريدتان من سعف النخل اجماعا من الفرقة المحقّة محصّلاً و منقولاً مستفيضا بل متواترا كالنصوص خلافا لغيرهم من أهل الباطل».(4)
و في المهذّب: «قد ورد ذلك في أخبار العامّة أيضا، ففي الصحيحين عن ابن عبّاس: «انّ النبي صلى الله عليه و آله مرّ بقبرين يعذّبان، فقال: انّهما ليعذّبان و مايعذّبان في كبير، أمّا أحدهما فكان لايستتر من البول، و أمّا الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثمّ أخذ جريدة رطبة فشقّها بنصفين ثمّ غرز في كلّ قبر واحدة، فقالوا: يا رسول اللّه لمَ صنعت هذا؟ فقال صلى الله عليه و آله: لعلّه يخفّف عنها ما لم ييبسا»».(5)
ثمّ انّ الظاهر من بعض الروايات استحبابه مع الميّت صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا أو أنثى، محسنا أو مسيئا، كان ممّن يخاف عليه عذاب القبر أو لا، كما ورد في المتن أنّ آدم عليه السلام أوصى بوضع جريدتين في كفنه لأنسه.(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 22 / الباب 7 من أبواب التكفين / الحديث 7.
2) - وسائل الشيعة 3: 22 / الباب 7 من أبواب التكفين / الحديث 8.
3) - وسائل الشيعة 3: 22 / الباب 7 من أبواب التكفين / الحديث 6.
4) - جواهر الكلام 4: 233.
5) - مهذّب الأحكام 4: 84.
6) - وسائل الشيعة 3: 23 / الباب 7 من أبواب التكفين / الحديث 10.
(مسألة 1): الأولى أن تكونا من النخل و ان لم يتيسّر فمن السدر، و الاّ فمن الخلاف أو الرمّان و الاّ فكلّ عود رطب.
الشرح:
يدلّ على المسألة مكاتبة علي بن بلال، أنّه كتب الى أبي الحسن الثالث عليه السلام :
«الرجل يموت في بلاد ليس فيها نخل، فهل يجوز مكان الجريدة شيء من الشجر غير النخل؟ فانّه قد روي عن آبائك عليهم السلام ، أنّه يتجافى عنه العذاب مادامت الجريدتان رطبتين، و أنّها تنفع المؤمن و الكافر؟ فأجاب عليه السلام : يجوز من شجر آخر رطب».(1)
و في رواية سهل بن زياد عن غير واحد من أصحابنا قالوا:
«قلنا له: جعلنا اللّه فداك، ان لم نقدر على الجريدة؟ فقال: عود السدر، قيل: فان لم يقدر على السدر؟ قال: عود الخلاف».(2)
و عن الكافي في رواية قال:
«يجعل بدلها عود الرمّان».(3)
(مسألة 2): الجريدة اليابسة لاتكفي.
الشرح:
لاتكفي الجريدة اليابسة؛ يدلّ عليه رواية محمّد بن علي بن عيسى قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن السعفة اليابسة اذا قطعها بيده، هل يجوز للميّت توضع معه في حفرته؟ فقال: لايجوز اليابس».(4)
(مسألة 3): الأولى أن تكون في الطول بمقدار ذراع و ان كان يجزئ الأقلّ و الأكثر. و في الغلظ كلّما كان أغلظ أحسن من حيث بطوء يبسه.
الشرح:
يدلّ على ما في المتن الجمع بين صحيحة جميل قال:
«قال: انّ الجريدة قدر شبر، الحديث».(1)
و بين مرسلة عبداللّه بن المغيرة قال عليه السلام :
«تؤخذ جريدة رطبة قدر ذراع، الحديث».(2)
و كذلك رواية يونس.(3)
(مسألة 4): الأولى في كيفيّة وضعهما أن يوضع احداهما في جانبه الأيمن من عند الترقوة الى ما بلغت ملصّقة ببدنه، و الأخرى في جانبه الأيسر من عند الترقوة فوق القميص تحت اللفافة الى ما بلغت. و في بعض الأخبار: «أن يوضع احداهما تحت ابطه الأيمن، و الأخرى بين ركبتيه بحيث يكون نصفها يصل الى الساق و نصفها الى الفخذ». و في بعض آخر: «يوضع كلتاهما في جنبه الأيمن». و الظاهر تحقّق الاستحباب بمطلق الوضع معه في قبره.
الشرح:
يدلّ على ما في المتن روايات:
منها صحيحة جميل بن درّاج قال:
«قال: انّ الجريدة قدر شبر، توضع واحدة من عند الترقوة الى ما
بلغت ممّا يلي الجلد، و الأخرى في الأيسر من عند الترقوة الى ما بلغت من فوق القميص».(1)
و رواية يونس عنهم عليهم السلام (في حديث) قال:
«و تجعل له - يعني الميّت - قطعتين من جريد النخل رطبا، قدر ذراع، يجعل له واحدة بين ركبتيه نصف فيما يلي الساق، و نصف فيما يلي الفخذ، و يجعل الأخرى تحت ابطه الأيمن، الحديث».(2)
و رواية فضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«توضع للميّت جريدتان: واحدة في الأيمن، و الأخرى في الأيسر».(3)
و رواية يحيى بن عبادة أنّه قال:
«سمعت سفيان الثوري يسأل أبا جعفر عليه السلام عن التخضير؟ فقال: انّ رجلاً من الأنصار هلك فأوذن رسول اللّه صلى الله عليه و آله بموته، فقال لمن يليه من قرابته: خضّروا صاحبكم، فما أقلّ المخضّرين يوم القيامة، قال: و ما التخضير؟ قال: جريدة خضراء توضع من أصل الثديين الى أصل الترقوة».(4)
أقول:
فالعمل طبق أيّ من هذه الروايات كافٍ و قد أتى بما هو مستحبّ، و الأولى ما ذهب اليه في المتن و هو مفاد صحيحة جميل. و الظاهر تحقّق الاستحباب بمطلق الوضع معه في قبره؛ دلّ عليه قوله عليه السلام في رواية سماعة:
«يستحبّ أن يدخل معه في قبره جريدة رطبة، الحديث».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 26 / الباب 10 من أبواب التكفين / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 3: 27 / الباب 10 من أبواب التكفين / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 3: 27 / الباب 10 من أبواب التكفين / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 3: 26 / الباب 10 من أبواب التكفين / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 22 / الباب 7 من أبواب التكفين / الحديث 8.
(مسألة 5): لو تركت الجريدة لنسيان و نحوه جعلت فوق قبره.
الشرح:و ذلك لمرسلة الصدوق قال:
«مرّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله على قبر يعذّب صاحبه، فدعا بجريدة فشقّها نصفين، فجعل واحدة عند رأسه، و الأخرى عند رجليه، و انّه قيل له: لمَ وضعتهما؟ فقال: انّه يخفّف عنه العذاب ما كانتا خضراوين».(1)
(مسألة 6): لو لم تكن الاّ واحدة جعلت في جانبه الأيمن.
الشرح:
يستفاد ذلك من رواية يحيى بن عبادة المذكورة في المسألة الرابعة.
و مقتضى الاطلاقات استحباب أصل الوضع، الاّ أنّه يستحبّ أن تكون اثنتين، و اختصاص الأيمن بالنسبة الى الأيسر لأفضليّته اليه. هذا اذا لم يمكن شقّها نصفين.
(مسألة 7): الأولى أن يكتب عليهما اسم الميّت و اسم أبيه و أنّه يشهد أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه صلى الله عليه و آله و أنّ الأئمّة من بعده أوصياؤه صلى الله عليه و آلهو يذكر أسماءهم واحدا بعد واحد.
لم يدلّ عليه دليل، و لا بأس بالاتيان به من باب التبرّك و الوسيلة.
1) - وسائل الشيعة 3: 28 / الباب 11 من أبواب التكفين / الحديث 4.
يستحبّ لأولياء الميّت اعلام المؤمنين بموت المؤمن ليحضروا جنازته و الصلاة عليه و الاستغفار له، و يستحبّ للمؤمنين المبادرة الى ذلك و في الخبر: «انّه لو دعي الى وليمة و الى حضور جنازة قدّم حضورها؛ لأنّه مذكّر للآخرة كما أنّ الوليمة مذكّرة للدنيا». و ليس للتشييع حدّ معيّن. و الأولى أن يكون الى الدفن و دونه الى الصلاة عليه.
و الأخبار في فضله كثيرة ففي بعضها: «أوّل تحفة للمؤمن في قبره غفرانه و غفران من شيّعه». و في بعضها: «من شيّع مؤمنا لكلّ قدم يكتب له مائة ألف حسنة و يمحى عنه مائة ألف سيّئة و يرفع له مائة ألف درجة، و ان صلّى عليه يشيّعه حين موته مائة ألف ملك يستغفرون له الى أن يبعث». و في آخر: «من مشى مع جنازة حتّى صلّى عليها له قيراط من الأجر، و ان صبر الى دفنه له قيراطان و القيراط مقدار جبل أحد»، و في بعض الأخبار: «يؤجر بمقدار ما مشى معها».
الشرح:
يدلّ على استحباب اعلام المؤمنين بموت المؤمن صحيحة أبي ولاّد و عبداللّه بن سنان جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ينبغي لأولياء الميّت منكم أن يؤذنوا اخوان الميّت بموته، فيشهدون
جنازته و يصلّون عليه و يستغفرون له، فيكتب لهم الأجر و يكتب للميّت الاستغفار، و يكتسب هو الأجر فيهم و فيما اكتسب له من الاستغفار».(1)
و مرسلة الصدوق قال:
«قال النبي صلى الله عليه و آله: اذا دعيتم الى الجنائز فأسرعوا، و اذا دعيتم الى العرائس فأبطئوا».(2)
و في رواية أبي العبّاس الفضل بن عبدالملك عن أبي عبداللّه عن آبائه عليهم السلام (في حديث) قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: أوّل تحفة المؤمن أن يغفر له و لمن تبع جنازته».(3)
و في صحيحة زرارة قال:
«حضر أبو جعفر عليه السلام جنازة رجل من قريش و أنا معه - الى أن قال: - فلمّا صلّى على الجنازة قال وليّها لأبي جعفر عليه السلام : ارجع مأجورا رحمك اللّه، فانّك لاتقوى على المشي، فأبى أن يرجع، قال: فقلت له: قد أذن لك في الرجوع، و لي حاجة أريد أن أسألك عنها، فقال: امض فليس باذنه جئنا، و لا باذنه نرجع، انّما هو فضل و أجر طلبناه فبقدر ما يتبع الجنازة الرجل يؤجر على ذلك».(4)
و ما أتى به الماتن من الحديث الثالث أي «من مشى مع جنازة ... »، فهو الحديث الثالث من الباب الثالث من أبواب الدفن، و الحديث الثاني أي: «من شيّع مؤمنا ... » فهو الحديث السادس من الباب الثاني من أبواب الدفن.
و أمّا آدابه فهي أمور:
«أحدها»: أن يقول اذا نظر الى الجنازة: «انّا للّه و انّا اليه راجعون، اللّه أكبر، هذا ما وعدنا اللّه و رسوله و صدق اللّه و رسوله، اللّهمّ زدنا ايمانا و تسليما، الحمد للّه الذي تعزّز بالقدرة و قهر العباد بالموت». و هذا لايختصّ بالمشيّع بل يستحبّ لكلّ من نظر الى الجنازة، كما أنّه يستحبّ له مطلقا أن يقول: «الحمد للّه الذي لم يجعلني من السواد المخترم».
«الثاني»: أن يقول حين حمل الجنازة: «بسم اللّه و باللّه و صلّى اللّه على محمّد و آل محمّد، اللّهمّ اغفر للمؤمنين و المؤمنات».
«الثالث»: أن يمشي بل يكره الركوب الاّ لعذر. نعم، لايكره في الرجوع.
«الرابع»: أن يحملوها على أكتافهم لا على الحيوان الاّ لعذر كبعد المسافة.
«الخامس»: أن يكون المشيّع خاشعا متفكّرا متصوّرا أنّه هو المحمول و يسأل الرجوع الى الدنيا فأجيب.
«السادس»: أن يمشي خلف الجنازة أو طرفيها و لايمشي قدّامها. و الأوّل أفضل من الثاني. و الظاهر كراهة الثالث خصوصا في جنازة غير المؤمن.
«السابع»: أن يلقى عليها ثوب غير مزيّن.
«الثامن»: أن يكون حاملوها أربعة.
«التاسع»: تربيع الشخص الواحد بمعنى حمله جوانبها الأربعة، و الأولى الابتداء بيمين الميّت يضعه على عاتقه الأيمن، ثمّ مؤخّرها الأيمن على عاتقه الأيمن، ثمّ مؤخّرها الأيسر على عاتقه الأيسر، ثمّ ينتقل الى المقدّم الأيسر واضعا له على العاتق الأيسر يدور عليها.
«العاشر»: أن يكون صاحب المصيبة حافيا واضعا رداءه أو يغيّر زيّه على وجه آخر بحيث يعلم أنّه صاحب المصيبة.
الشرح:في آداب التشييع و هي أمور:
الأوّل: أن يقول اذا نظر الى الجنازة: «انّا للّه و انّا اليه راجعون» الى آخر ما في المتن؛ يدلّ عليه رواية عنبسة بن مصعب و صحيحة أبان.(1)
الثاني: أن يقول حين حمل الجنازة: «بسم اللّه و باللّه و صلّى اللّه على محمّد و آل محمّد، اللّهمّ اغفر للمؤمنين و المؤمنات»؛ يدلّ عليه موثّقة عمّار.(2)
الثالث: أن يمشي بل يكره الركوب الاّ لعذر؛ يدلّ عليه رواية غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عن أبيه عن علي عليهم السلام :
«انّه كره أن يركب الرجل مع الجنازة في بدأته الاّ من عذر، و قال: يركب اذا رجع».(3)
الرابع: أن يحملوها على أكتافهم؛ يدلّ عليه حسنة جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من حمل جنازة من أربع جوانبها غفراللّه له أربعين كبيرة».(4)
الخامس: أن يكون المشيّع خاشعا متفكّرا متصوّرا أنّه هو المحمول و يسأل الرجوع الى الدنيا فأجيب؛ ففي رواية عجلان أبي صالح قال:
«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام : يا با صالح اذا أنت حملت جنازة فكن كأنّك أنت المحمول، و كأنّك سألت ربّك الرجوع الى الدنيا ففعل فانظر ماذا تستأنف، قال: ثمّ قال: عجب لقوم حبس أوّلهم عن آخرهم، ثمّ نودي فيهم الرحيل و هم يلعبون».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 158 / الباب 9 من أبواب الدفن / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 3: 158 / الباب 9 من أبواب الدفن / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 3: 152 / الباب 6 من أبواب الدفن / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 3: 153 / الباب 7 من أبواب الدفن / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 229 / الباب 59 من أبواب الدفن / الحديث 1.
السادس: أن يمشي خلف الجنازة أو طرفيها و لايمشي قدّامها؛ ففي موثّقةاسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«المشي خلف الجنازة أفضل من المشي بين يديها».(1)
و رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«مشى النبي صلى الله عليه و آله خلف جنازة، فقيل: يا رسول اللّه ما لك تمشي خلفها؟ فقال: انّ الملائكة رأيتهم يمشون أمامها و نحن تبع لهم».(2)
و في رواية سدير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من أحبّ أن يمشي ممشى الكرام الكاتبين فليمش جنبي السرير».(3)
و الظاهر كراهة المشي قدّامها ان كان مخالفا؛ و ذلك لموثّقة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام كيف أصنع اذا خرجت مع الجنازة؟ أمشي أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو عن شمالها؟ فقال: ان كان مخالفا فلاتمش أمامه، فانّ ملائكة العذاب يستقبلونه بأنواع العذاب».(4)
السابع: أن يلقى عليها ثوب غير مزيّن؛ لما روي عن علي عليه السلام (في حديث):
«مرّت جنازة امرأة و اذا أميرالمؤمنين عليه السلام جالس فنظر الى الجنازة فاذا قد بطّنوا نعشها بالخمر من أحمر و أصفر و أبيض و أخضر فأمر فنزعت، ثمّ قال عليه السلام : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آلهيقول: أوّل عدل الآخرة القبور لايعرف وضيع من شريف».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 148 / الباب 4 من أبواب الدفن / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 148 / الباب 4 من أبواب الدفن / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 3: 148 / الباب 4 من أبواب الدفن / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 3: 150 / الباب 5 من أبواب الدفن / الحديث 5.
5) - مستدرك الوسائل 2: 475 / الباب 79 من أبواب الدفن / الحديث 1.
الثامن: أن يكون حاملوها أربعة؛ في رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«السنّة أن يحمل السرير من جوانبه الأربع و ما كان بعد ذلك منحمل فهو تطوّع».(1)
التاسع: تربيع الشخص الواحد بمعنى حمله جوانبها الأربعة؛ يدلّ عليه مكاتبة الحسين بن سعيد الى أبي الحسن الرضا عليه السلام :
«يسأله عن سرير الميّت يحمل، أله جانب يبدأ به في الحمل من جوانبه الأربعة، أو ما خفّ على الرجل يحمل من أيّ الجوانب شاء؟ فكتب: من أيّها شاء».(2)
و صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«السنّة أن تستقبل الجنازة من جانبها الأيمن و هو ممّا يلي يسارك، ثمّ تصير الى مؤخّره و تدور عليه حتّى ترجع الى مقدّمه».(3)
العاشر: أن يكون صاحب المصيبة حافيا واضعا رداءه أو يغيّر زيّه على وجه آخر بحيث يعلم أنّه صاحب المصيبة؛ يدلّ عليه مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ينبغي لصاحب المصيبة أن يضع رداءه حتّى يعلم الناس أنّه صاحب المصيبة».(4)
و مرسلة الصدوق قال:
«و لمّا مات اسماعيل خرج الصادق عليه السلام فتقدّم السرير بلا حذاء و لا رداء».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 153 / الباب 7 من أبواب الدفن / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 3: 155 / الباب 8 من أبواب الدفن / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 155 / الباب 8 من أبواب الدفن / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 2: 443 / الباب 27 من أبواب الاحتضار / الحديث 8.
5) - وسائل الشيعة 2: 441 / الباب 27 من أبواب الاحتضار / الحديث 3.
و يكره أمور:
«أحدها»: الضحك و اللعب و اللهو.
«الثاني»: وضع الرداء من غير صاحب المصيبة.
«الثالث»: الكلام بغير الذكر و الدعاء و الاستغفار حتّى ورد المنع عن السلام على المشيّع.
«الرابع»: تشييع النساء الجنازة و ان كانت للنساء.
«الخامس»: الاسراع في المشي على وجه ينافي الرفق بالميّت و لا سيّما اذا كان بالعدو، بل ينبغي الوسط في المشي.
«السادس»: ضرب اليد على الفخذ أو على الأخرى.
«السابع»: أن يقول المصاب أو غيره: «ارفقوا به أو استغفروا له أو ترحّموا عليه». و كذا قول: «قفوا به».
«الثامن»: اتّباعها بالنار و لو مجمرة الاّ في الليل فلايكره المصباح.
«التاسع»: القيام عند مرورها ان كان جالسا الاّ اذا كان الميّت كافرا لئلاّيعلو على المسلم.
«العاشر»: قيل: ينبغي أن يمنع الكافر و المنافق و الفاسق من التشييع.
الشرح:
في المكروهات و هي أمور:
الأوّل: الضحك و اللعب و اللهو؛ يدلّ عليه ما في نهج البلاغة عن علي عليه السلام حين اتّباعه جنازة فسمع رجلاً يضحك، فقال عليه السلام :
«كأنّ الموت فيها على غيرنا كتب».(1)
1) - نهج البلاغة: الحكمة 118.
و قوله عليه السلام في رواية عجلان أبي صالح:
« ... عجب لقوم حبس أوّلهم عن آخرهم، ثمّ نودي فيهم الرحيل و هم يلعبون».(1)
الثاني: وضع الرداء من غير صاحب المصيبة؛ يدلّ عليه قوله عليه السلام في مرسلة الصدوق:
«ملعون ملعون من وضع رداءه في مصيبة غيره».(2)
و الظاهر عدم الكراهة للعلماء و الصالحين؛ لما في رواية عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله أمر بغسل سعد بن معاذ حين مات، ثمّ تبعه بلا حذاء و لا رداء، فسئل عن ذلك؟ فقال: انّ الملائكة كانت بلا رداء و لا حذاء فتأسّيت بها».(3)
الثالث: الكلام بغير الذكر و الدعاء و الاستغفار؛ لقوله عليه السلام في رواية:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا تبع جنازة غلبته كآبة و أكثر حديث النفس و أقلّ الكلام».(4)
و قوله عليه السلام في مرفوعة محمّد بن الحسين:
«ثلاثة لايسلّمون: الماشي مع الجنازة، و الماشي الى الجمعة، و في بيت حمّام».(5)
الرابع: تشييع النساء الجنازة و ان كانت للنساء؛ ففي رواية الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه عن النبي صلى الله عليه و آله (في حديث المناهي):
1) - وسائل الشيعة 3: 229 / الباب 59 من أبواب الدفن / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 2: 441 / الباب 27 من أبواب الاحتضار / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 2: 442 / الباب 27 من أبواب الاحتضار / الحديث 5.
4) - مستدرك الوسائل 2: 374 / الباب 50 من أبواب الدفن / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 2: 46 / الباب 14 من أبواب آداب الحمّام / الحديث 2.
«انّه نهى عن اتّباع النساء الجنائز».(1)
الخامس: الاسراع في المشي على وجه ينافي الرفق بالميّت؛ ففي رواية أبي موسى عن أبيه قال:
«قال النبي صلى الله عليه و آله: عليكم بالسكينة، عليكم بالقصد في المشي بجنازتكم».(2)
السادس: ضرب اليد على الفخذ أو على الأخرى؛ فقد روي عن النبي صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام :
«ضرب المسلم يده على فخذه عند المصيبة احباط لأجره».(3)
السابع: أن يقول المصاب أو غيره: ارفقوا به أو استغفروا له أو ترحّموا عليه؛ ففي رواية السكوني عن أبي عبداللّه عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: ثلاثة ما أدري أيّهم أعظم جرما: الذي يمشي مع الجنازة بغير رداء، أو الذي يقول: قفوا، أو الذي يقول: استغفروا له غفراللّه لكم».(4)
الثامن: اتّباعها بالنار؛ ففي قول أبي جعفر عليه السلام في رواية أبي حمزة:
«لاتقربوا موتاكم النار، يعني الدخنة».(5)
و في مرسلة الصدوق قال:
«سئل الصادق عليه السلام عن الجنازة يخرج معها بالنار؟ فقال: انّ ابنة رسول اللّه صلى الله عليه و آلهأخرجت ليلاً و معها مصابيح».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 239 / الباب 69 من أبواب الدفن / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 3: 234 / الباب 64 من أبواب الدفن / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 270 و 271 / الباب 81 من أبواب الدفن / الأحاديث 1 - 4.
4) - وسائل الشيعة 2: 472 / الباب 47 من أبواب الاحتضار / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 3: 158 / الباب 10 من أبواب الدفن / الحديث 1.
6) - وسائل الشيعة 3: 159 / الباب 10 من أبواب الدفن / الحديث 4.
التاسع: القيام عند مرورها ان كان جالسا الاّ اذا كان الميّت كافرا لئلاّيعلو على المسلم؛ يدلّ عليه صحيحة زرارة قال:
«كنت عند أبي جعفر عليه السلام و عنده رجل من الأنصار فمرّت به جنازة فقام الأنصاري و لم يقم أبو جعفر عليه السلام ، فقعدت معه، و لم يزلالأنصاري قائما حتّى مضوا بها، ثمّ جلس، فقال له أبو جعفر عليه السلام : ما أقامك؟ قال: رأيت الحسين بن على عليه السلام يفعل ذلك. فقال أبو جعفر عليه السلام : واللّه ما فعله الحسين عليه السلام و لا قام لها أحد منّا أهل البيت قطّ، فقال الأنصاري: شككتني أصلحك اللّه، قد كنت أظنّ أنّي رأيت».(1)
و في رواية مثنّى الحنّاط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان الحسين بن علي عليه السلام جالسا فمرّت عليه جنازة فقام الناس حين طلعت الجنازة، فقال الحسين عليه السلام : مرّت جنازة يهودي و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله على طريقها فكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي فقام لذلك».(2)
العاشر: منع الكافر و المنافق و الفاسق من التشييع؛ لئلاّيتنفّر الملائكة عن الحضور و تأسّيا بالصدّيقة الطاهرة عليهاالسلام .
و من المكروهات حمل ميّتين ذكر و أنثى على سرير واحد؛ لقوله عليه السلام في مكاتبة محمّد بن الحسن الصفّار:
«لايحمل الرجل مع المرأة على سرير واحد».(3)
و منها ما في قوله صلى الله عليه و آله في رواية:
« ... ليس لمن تبع جنازة أن يرجع حتّى يدفن أو يؤذن له، الحديث».(4)
يجب الصلاة على كلّ مسلم من غير فرق بين العادل و الفاسق و الشهيد و غيرهم، حتّى المرتكب للكبائر، بل و لو قتل نفسه عمدا. و لايجوز على الكافر بأقسامه حتّى المرتدّ فطريّا أو مليّا مات بلا توبة، و لاتجب على أطفال المسلمين الاّ اذا بلغوا ستّ سنين. نعم، تستحبّ على من كان عمره أقلّ من ستّ سنين و ان كان مات حين تولّده بشرط أن يتولّد حيّا، و ان تولّد ميّتا فلاتستحبّ أيضا. و يلحق بالمسلم في وجوب الصلاة عليه من وجد ميّتا في بلاد المسلمين، و كذا لقيط دار الاسلام بل دار الكفر اذا وجد فيها مسلم يحتمل كونه منه.
الشرح:
في المسألة فروع:
قال في الشرائع: «الأوّل: من يصلّى عليه، و هو كلّ من كان مظهرا للشهادتين».(1)
1) - شرائع الاسلام 1: 94.
و في المدارك: «لا بدّ من تقييده بأن لايعتقد خلاف ما يعلم من الدين ضرورة؛ ليخرج الخوارج و النواصب و الغلاة و المرتدّ. أمّا وجوب الصلاة على المؤمن و هو المسلم الذي يعتقد امامة الأئمّة الاثنيعشر عليهم السلام فهو موضع نصّ و وفاق، و انّما الخلاف في غيره من المسلمين، فقال الشيخ في جملة من كتبه و ابن الجنيد و المصنّف و جمع من الأصحاب بالوجوب؛ لاطلاق قول النبي صلى الله عليه و آله: «لاتدعوا أحدا من أمّتي بلا صلاة». و قال المفيد في المقنعة: «و لايجوز لأحد من أهل الايمان أن يغسّل مخالفا للحقّ في الولاية و لايصلّي عليه الاّ أن تدعوه ضرورة الى ذلك من جهة التقيّة». و الى هذا القول ذهب أبوالصلاح و ابن ادريس و هو غير بعيد. انتهى ملخّصا».(1)
تجب الصلاة على كلّ مسلم؛ يدلّ على ذلك موثّقة طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهماالسلام قال:
«صلّ على من مات من أهل القبلة و حسابه على اللّه».(2)
قال في التنقيح: «و الرواية لا بأس بها و لا اشكال في سندها الاّ من جهة طلحة بن زيد؛ حيث ذكروا أنّه ضعيف، الاّ أنّ الشيخ ذكر أنّ كتابه معتمد عليه بين الأصحاب، و هو توثيق للرجل، و منه يظهر أنّ ضعفه انّما كان في عقيدته و ايمانه لا في وثاقته و رواياته».(3)
و الظاهر منها وجوب الصلاة على الموافق و المخالف من غير فرق بين العادل و الفاسق حتّى المرتكب للكبائر و الشهيد و غيرهم، الاّ من خرج عن الاسلام كالنواصب و الخوارج و الغلاة و المرتدّ - الاّ أن يظهر توبته - و من كان منكرا لما علم من الدين ضرورته فانّهم كفّار، كما تقدّم تفصيل ذلك في مبحث النجاسات.
و يدلّ على وجوب الصلاة على الفاسق المعلن بفسقه خصوص صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: شارب الخمر و الزاني و السارق يصلّى عليهم اذا ماتوا؟ فقال: نعم».(1)
و يدلّ على وجوب الصلاة على المرجوم و القاتل خصوص رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: صلّوا على المرجوم من أمّتي، و على القتّال نفسه من أمّتي، لاتدعوا أحدا من أمّتي بلا صلاة».(2)
تجب الصلاة على من بلغ ستّ سنين فصاعدا؛ يدلّ على ذلك صحيحة زرارة و عبيداللّه بن علي الحلبي جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه سئل عن الصلاة على الصبي متى يصلّى عليه؟ قال:
«اذا عقل الصلاة، قلت: متى تجب الصلاة عليه، فقال: اذا كان ابن ستّ سنين، و الصيام اذا أطاقه».(3)
و مرسلة الصدوق:
«و سئل أبو جعفر عليه السلام : متى تجب الصلاة عليه؟ فقال: اذا عقل الصلاة، و كان ابن ستّ سنين».(4)
قال في المدارك: «و اختلف الأصحاب في حكم الصلاة على الطفل، فذهب الأكثر و منهم الشيخ و المرتضى و ابن ادريس الى أنّه يشترط في وجوب الصلاة عليه بلوغ الحدّ الذي يمرّن فيه على الصلاة و هو ستّ سنين. و قال المفيد رحمه الله في المقنعة: «لاتصلّ على الصبي حتّى يعقل الصلاة». و قال ابن الجنيد: «تجب على المستهلّ». و قال ابن أبي عقيل: «لاتجب الصلاة على الصبي حتّى يبلغ». و المعتمد الأوّل».(1)
أقول:
و أمّا ذيل الصحيحة المذكورة آنفا، فقد أتى ببيانه في المدارك و قال: «و المراد بوجوبها مطلق الثبوت، و المعنى أنّه متى يعقل الصلاة بحيث يؤمر بها تمرينا؟ فقال: «اذا كان ابن ستّ سنين»، و الذي يكشف عن هذا المعنى ما رواه محمّد بن مسلم في الصحيح عن أحدهما عليهماالسلام في الصبي متى يصلّى عليه؟ فقال: «اذا عقل الصلاة قلت: متى يعقل الصلاة و تجب عليه؟ قال: لستّ سنين»».(2)
فلاتجب على من لم يبلغ ستّ سنين؛ يدلّ عليه صحيحة زرارة قال:
«مات ابن لأبي جعفر عليه السلام فأخبر بموته فأمر به فغسّل و كفّن و مشى معه و صلّى عليه و طرحت خمرة فقام عليها، ثمّ قام على قبره حتّى فرغ منه، ثمّ انصرف و انصرفت معه حتّى أنّي لأمشي معه فقال: أما أنّه لم يكن يصلّى على مثل هذا، و كان ابن ثلاث سنين، كان علي عليه السلام يأمر به فيدفن و لايصلّى عليه، ولكنّ الناس صنعوا شيئا فنحن نصنع مثله، قال: قلت: فمتى تجب عليه الصلاة؟ فقال: اذا عقل الصلاة و كان ابن ستّ سنين، الحديث».(3)
و تستحبّ الصلاة على من مات بعد أن ولد حيّا و لم يبلغ ستّ سنين؛ و ذلك للجمع بين الصحيحة المذكورة آنفا و بين صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايصلّى على المنفوس، و هو المولود الذي لم يستهلّ و لم يصح، و لم يورّث من الدية و لا من غيرها، و اذا استهلّ فصلّ عليه و ورّثه».(1)
و لاتجوز الصلاة على المولود الذي لم يستهلّ و لم يصح كما في صحيحة عبداللّه بن سنان المذكورة آنفا، و كذا قوله عليه السلام في رواية السكوني:
«يورث الصبي و يصلّى عليه اذا سقط من بطن أمّه فاستهلّ صارخا، و اذا لم يستهلّ صارخا لم يورّث و لم يصلّ عليه».(2)
و صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام لكم يصلّى على الصبي اذا بلغ من السنين و الشهور؟ قال: يصلّى عليه على كلّ حال الاّ أن يسقط لغير تمام».(3)
و نظيرها مرسلة أحمد بن محمّد.(4)
فيحمل صدرهما على الاستحباب؛ جمعا بينهما و بين صحيحة زرارة المتقدّمة كما عرفت.
يلحق بالمسلم في وجوب الصلاة عليه من وجد ميّتا في بلاد المسلمين، و
كذا لقيط دار الاسلام ، بل دار الكفر اذا وجد فيها مسلم يحتمل كونه منه. و قد مرّ حكم هذا الفرع في المسألة العاشرة من فصل موارد سقوط غسل الميّت و قلنا: انّه اذا كان هناك ميّتان أحدهما مسلم و الآخر كافر و اشتبها، يجب تغسيلهما و تكفينهما و الصلاة عليهما؛ للعلم الاجمالي بوجوب تجهيز الميّت المسلم من بينهما، و لم يكن حرمة تغسيل الكافر ذاتيّة ليكون من الدوران بين المحذورين، بل حرمته لكونه تشريعا، فاذا كان هناك احتياط لم يكن تشريعا. و أمّا اذا كان ميّت لم يعلم أنّه مسلم أو كافر و لم يكن من الموردين المذكورين في الأوّل لايجب تغسيله؛ لأصالة البراءة.
(مسألة 1): يشترط في صحّة الصلاة أن يكون المصلّي مؤمنا و أن يكون مأذونا من الولي على التفصيل الذي مرّ سابقا فلاتصحّ من غير اذنه جماعة كانت أو فرادى.
الشرح:
يشترط في صحّة الصلاة على الميّت المسلم أن يكون المصلّي مؤمنا، فلو كان كافرا أو لم يكن معتقدا بامامة الأئمّة المعصومين عليهم السلام و لو واحدا منهم لم تصحّ صلاته و لا أعماله. و قد عقد لذلك صاحب الوسائل الباب التاسع و العشرين من أبواب مقدّمة العبادات، و فيه تسع عشرة رواية نذكر واحدة منها تيمّنا:
ففي صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كلّ من دان اللّه عزّوجلّ بعبادة يجهد فيها نفسه و لا امام له من اللّه فسعيه غير مقبول، و هو ضالّ متحيّر، و اللّه شانئ لأعماله، - الى أن قال: - و ان مات على هذه الحال مات ميتة كفر و نفاق، و اعلم يا محمّد، انّ أئمّة الجور و أتباعهم لمعزولون عندين اللّه، قد ضلّوا و أضلّوا، فأعمالهم التي يعملونها «كرماد اشتدّت
به الريح في يوم عاصف، لايقدرون ممّا كسبوا على شيء، ذلك هو الضلال البعيد»».(1)
و يشترط أن يكون مأذونا من قبل الولي على التفصيل الذي مرّ في تغسيل الميّت.
و أمّا بالنسبة الى وجوب كون المصلّي على الجنازة أولى الناس بها، أو من يأمره، فقد تقدّم في غسل الميّت حكمه، و نذكر هنا الروايات الدالّة عليه:
منها مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يصلّي على الجنازة أولى الناس بها، أو يأمر من يحبّ».(2)
و نظيرها مرسلة البزنطي.(3)
و أمّا اذا حضر الامام فينبغي أن يقدّمه ولي الميّت؛ و ذلك للجمع بين مرسلتي ابن أبي عمير و البزنطي و بين حسنة طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا حضر الامام الجنازة فهو أحقّ الناس بالصلاة عليها».(4)
و رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : اذا حضر سلطان من سلطان اللّه جنازة فهو أحقّ بالصلاة عليها، ان قدّمه ولي الميّت و الاّ فهو غاصب».(5)
قال في الشرائع: «و أحقّ الناس بالصلاة عليه أولاهم بميراثه».(6)
و في المدارك: «ذكر العلاّمة في المنتهى أنّ المراد بالأولى هنا المستحقّ للميراث، فيكون المراد أنّ من يرث أولى بالصلاة ممّن لم يرث، و أمّا تقديم بعض
1) - وسائل الشيعة 1: 118 / الباب 29 من أبواب مقدّمة العبادات / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 114 / الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 114 / الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 3: 114 / الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 3: 114 / الباب 23 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 4.
6) - شرائع الاسلام 1: 95.
الورثة على بعض فيستفاد من قوله: «و الأب أولى من الابن»، الى آخره. و هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب و ظاهرهم أنّه مجمع عليه، و استدلّوا عليه بقوله تعالى: «و أولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض». و بمرسلة ابن أبي عمير. انتهى ملخّصا».(1)
ثمّ انّ الزوج أولى بالمرأة من عصباتها و ان قربوا، كما دلّ عليه روايتان، و هما و ان كانتا ضعيفتي السند و لهما معارضتان من أولويّة الأخ على الزوج الاّ أنّ العمل عليهما؛ لعمل المشهور بهما دون الأخريين، و قد تقدّم البحث عن ذلك في التغسيل. فلاتصحّ من غير اذنه و لو بشاهد الحال جماعة كانت أو فرادى. و قد تقدّم ما يتعلّق بذلك في تغسيل الميّت.
(مسألة 2): الأقوى صحّة صلاة الصبي المميّز لكن في اجزائها عن المكلّفين اشكال.
الشرح:
قد تكرّر في تغسيل الميّت و الأبحاث المختلفة بيان صحّة صلاة الصبي المميّز و أنّ عباداته شرعيّة كعبادات غيره، و لأجل ذلك كان الأقرب اجزاءها عن المكلّفين.
(مسألة 3): يشترط أن تكون بعد الغسل و التكفين فلاتجزي قبلهما و لو في أثناء التكفين، عمدا كان أو جهلاً أو سهوا. نعم، لو تعذّر الغسل و التيمّم أو التكفين أو كلاهما لاتسقط الصلاة، فان كان مستور العورة فيصلّى عليه، و الاّ يوضع في القبر و يغطّى عورته بشيء من التراب أو غيره و يصلّى عليه. و
1) - مدارك الأحكام 4: 155.
وضعه في القبر على نحو وضعه خارجة للصلاة، ثمّ بعد الصلاة يوضع على كيفيّة الدفن.
الشرح:
قال في الشرائع: «و لايصلّى على الميّت الاّ بعد تغسيله و تكفينه».(1)
و في المدارك: «هذا قول العلماء كافّة؛ لأنّ النبي صلى الله عليه و آله هكذا فعل و كذا الصحابة و التابعون، فيكون الاتيان بخلافه تشريعا محرّما، و انّما يجب تأخير الصلاة عن الغسل و التكفين حيث يجبان كما هو واضح».(2)
و لو صلّى عليه قبل الغسل و الكفن أو أثناءهما عالما عامدا فعل حراما؛ لأنّه تشريع محرّم، و لو فعلها جاهلاً أو نسيانا لم تجزئ و يعيد الصلاة بعد اتمام الغسل و التكفين.
و لو تعذّر الغسل و التيمّم أو التكفين أو كلاهما لاتسقط الصلاة؛ لاطلاق دليل وجوب الصلاة على الأموات. فان كان مستور العورة فيصلّى عليه؛ لاطلاق دليل وجوبها. و لو لم يكن مستور العورة، يوضع في القبر و تغطّى عورته بشيء من التراب أو غيره و يصلّى عليه؛ يدلّ على ذلك موثّقة عمّار بن موسى قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : ما تقول في قوم كانوا في سفر لهم يمشون على ساحل البحر فاذا هم برجل ميّت عريان قد لفظه البحر و هم عراة و ليس عليهم الاّ ازار كيف يصلّون عليه و هو عريان، و ليس معهم فضل ثوب يكفّنونه به؟ قال: يحفر له و يوضع في لحده، و يوضع اللبن على عورته فتستر عورته باللبن و بالحجر، ثمّ يصلّى عليه، ثمّ يدفن. قلت: فلايصلّى عليه اذا دفن؟ فقال: لايصلّى على الميّت بعد ما يدفن، و لايصلّى عليه و هو عريان حتّى توارى عورته».(3)
قال في الشرائع: «فان لم يكن له كفن جعل في القبر، و سترت عورته و صلّي عليه بعد ذلك».(1)
و قال في المدارك: «هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب، و استدلّوا عليه بموثّقة عمّار بن موسى الساباطى، و مقتضى اطلاق الأمر بالستر وجوبه و ان لم يكن ثمّ ناظر، و تباعد المصلّي بحيث لايرى. انتهى ملخّصا».(2)
ثمّ اعلم أنّه يشترط وضعه في القبر على نحو وضعه خارج القبر للصلاة؛ و ذلك أيضا لاطلاق دليل كيفيّة وضع الميّت للصلاة و لاتعارضه الموثّقة المذكورة؛ لأنّها في مقام بيان موضوع آخر، ثمّ بعد الصلاة يوضع على كيفيّة الدفن لما يدلّ على كيفيّة الدفن.
(مسألة 4): اذا لم يمكن الدفن لايسقط سائر الواجبات من الغسل و التكفين و الصلاة، و الحاصل كلّ ما يتعذّر يسقط و كلّ ما يمكن يثبت، فلو وجد في الفلاة ميّت و لم يمكن غسله و لا تكفينه و لا دفنه يصلّى عليه و يخلّى، و ان أمكن دفنه يدفن.
الشرح:
اذا لم يمكن الدفن لايسقط سائر الواجبات من الغسل و التكفين و الصلاة؛ و ذلك لأنّ كلّ واحد من الأعمال المذكورة واجب مستقلّ، الاّ أنّه في صورة التمكّن منها يجب الترتيب بينها، و ان تعذّر واحد منها أو أكثر لايسقط البعض الآخر فلو وجد في الفلاة ميّت و لم يمكن غسله و لا تيميمه و لا تكفينه و لا دفنه يصلّى عليه و يترك، و ان أمكن دفنه دفن.
(مسألة 5): يجوز أن يصلّي على الميّت أشخاص متعدّدون فرادى في زمان واحد. و كذا يجوز تعدّد الجماعة و ينوي كلّ منهم الوجوب ما لم يفرغ منها أحد، و الاّ نوى بالبقيّة الاستحباب، ولكن لايلزم قصد الوجوب و الاستحباب بل يكفي قصد القربة مطلقا.
الشرح:
قال في الشرائع: «و يكره الصلاة على الجنازة الواحدة مرّتين».(1)
و في المدارك: «اختلف الأصحاب في هذه المسألة، فقال العلاّمة في المختلف: «المشهور كراهة تكرار الصلاة على الميّت». و قيّد ابن ادريس الكراهة بالصلاة جماعة؛ لتكرار الصحابة الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله فرادى.
و قال الشيخ في الخلاف: «من صلّى على جنازة يكره له أن يصلّي عليها ثانيا». و هو يشعر باختصاص الكراهة بالمصلّي المتّحد.
و ربّما ظهر من كلامه في الاستبصار التكرار من المصلّي الواحد و غيره، - الى أن قال: - و كيف كان فينبغي القطع بكراهة التكرار من المصلّي الواحد لغير الامام، بل يمكن القول بعدم مشروعيّته؛ لعدم ثبوت التعبّد به.
أمّا الامام فلايبعد الحكم بأنّه يستحبّ له الاعادة بمن لم يصلّ؛ للتأسّي و انتفاء ما ينهض حجّة على اختصاص الحكم بذلك الشخص.
و متى قلنا بمشروعيّة الاعادة و أريد التعرّض للوجه نوى الندب؛ لسقوط الفرض بالأولى، و جوّز المحقّق الشيخ عليّ ايقاعها بنيّة الوجوب؛ اعتبارا بأصل الفعل، و لا وجه له».(2)
و لنذكر الروايات التي وردت هنا:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كبّر أميرالمؤمنين عليه السلام على سهل بن حنيف و كان بدريّا خمس تكبيرات، ثمّ مشى ساعة ثمّ وضعه و كبّر عليه خمسة أخرى، فصنع به ذلك حتّى كبّر عليه خمسا و عشرين تكبيرة».(1)
و صحيحة أخرى للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«انّ النبي صلى الله عليه و آلهلمّا توفّي قام علي عليه السلام على الباب فصلّى عليه، ثمّ أمر الناس عشرة عشرة يصلّون عليه، ثمّ يخرجون».(2)
و نظيرها صحيحة أبي مريم الأنصاري.(3)
و صحيحة يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الجنازة لم أدركها حتّى بلغت القبر أصلّي عليها؟ قال: ان أدركتها قبل أن تدفن فان شئت فصلّ عليها».(4)
و بازائها روايتان: احداهما رواية اسحاق بن عمّارعن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله صلّى على جنازة فلمّا فرغ جاء قوم فقالوا: فاتتنا الصلاة عليها، فقال: انّ الجنازة لايصلّى عليها مرّتين ادعوا لها و قولوا خيرا».(5)
و ثانيتهما رواية وهب بن وهب عن جعفر عن أبيه عليهماالسلام :
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله صلّى على جنازة فلمّا فرغ جاءه ناس، فقالوا: يا
1) - وسائل الشيعة 3: 80 / الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 80 / الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 3: 85 / الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 16.
4) - وسائل الشيعة 3: 86 / الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 20.
5) - وسائل الشيعة 3: 87 / الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 23.
رسول اللّه لم ندرك الصلاة عليها، فقال: لايصلّى على جنازة مرّتين،ولكن ادعوا له».(1)
فهاتان الروايتان لاتعارضان الصحاح المتقدّمة؛ لضعفهما و موافقتهما لأشهر مذاهب العامّة كما في الوسائل.(2)
و الظاهر من الصحيحة الأولى للحلبي جواز تكرارها جماعة؛ لأنّ الظاهر منها أنّ اميرالمؤمنين عليه السلام صنع ذلك مع أصحابه، و الظاهر من الصحيحة الثانية له و صحيحة يونس بن يعقوب جواز تكرارها فرادى.
(مسألة 6): قد مرّ سابقا أنّه اذا وجد بعض الميّت فان كان مشتملاً على الصدر أو كان الصدر وحده، بل أو كان بعض الصدر المشتمل على القلب أو كان عظم الصدر بلا لحم وجب الصلاة عليه، و الاّ فلا. نعم، الأحوط الصلاة على العضو التامّ من الميّت و ان كان عظما كاليد و الرجل و نحوهما، و ان كان الأقوى خلافه، و على هذا فان وجد عضوا تامّا و صلّى عليه ثمّ وجد آخر فالظاهر الاحتياط بالصلاة عليه أيضا ان كان غير الصدر أو بعضه مع القلب و الاّ وجبت.
الشرح:
قد مرّ الكلام عن صدر هذه المسألة حين الكلام في المسألة الثانيه عشرة من فصل تغسيل الميّت.
و أمّا ما ذهب اليه المصنّف من قوله: «الأحوط الصلاة على العضو التامّ من الميّت و ان كان عظما كاليد و الرجل و نحوهما، و ان كان الأقوى خلافه»؛ فلما في مرسلة محمّد بن خالد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا وجد الرجل قتيلاً فان وجد له عضو تامّ صلّي عليه و دفن، و انلم يوجد له عضو تامّ لم يصلّ عليه و دفن».(1)
فتحمل على ما اذا كان فيه القلب؛ لصحيحة خالد بن مادّ القلانسي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل يأكله السبع أو الطير فتبقى عظامه بغير لحم، كيف يصنع به؟ قال: يغسّل و يكفّن و يصلّى عليه و يدفن، فاذا كان الميّت نصفين صلّي على النصف الذي فيه قلبه».(2)
و نظيرها قوله عليه السلام في مرسلة عبداللّه بن الحسين:
«اذا وسّط الرجل بنصفين صلّي على النصف الذي فيه القلب».(3)
قال في الوسائل: «و حمل العلاّمة في التذكرة العضو التامّ على الصدر».(4)
(مسألة 7): يجب أن تكون الصلاة قبل الدفن.
للاجماع و السيرة، و ما تقدّم من موثّقة عمّار في الصلاة على العاري.
(مسألة 8): اذا تعدّد الأولياء في مرتبة واحدة وجب الاستئذان من الجميع على الأحوط، و يجوز لكلّ منهم الصلاة من غير الاستئذان عن الآخرين، بل يجوز أن يقتدي بكلّ واحد منهم مع فرض أهليّتهم جماعة.
الشرح:
اذا تعدّد الأولياء في مرتبة واحدة وجب الاستئذان من الجميع؛ لأنّه الظاهر
المطابق لاطلاق دليل الولاية المقتضي لثبوت ولاية واحدة لصرف طبيعة الولي- كما في المستمسك -(1)و لأجل ذلك يشكل جواز الصلاة من كلّ منهم مع عدم الاستئذان من غيره؛ لأنّ ذلك متفرّع على كون كلّ واحد منهم ذا ولاية مستقلّة، لا كون المجموع ذا ولاية واحدة، و على هذا تكون الصلاة من كلّ منهم بدون اذن من الآخر تصرّفا بدون اذن الولي. و أشكل منه جواز الاقتداء بكلّ منهم مع عدم اذن الآخر.
(مسألة 9): اذا كان الولي امرأة يجوز لها المباشرة من غير فرق بين أن يكون الميّت رجلاً أو امرأة، و يجوز لها الاذن للغير كالرجل من غير فرق.
الشرح:
اذا كان الولي امرأة يجوز لها المباشرة؛ لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت: المرأة تؤمّ النساء؟ قال: لا، الاّ على الميّت اذا لم يكن أحد أولى منها، تقوم وسطهنّ في الصفّ معهنّ فتكبّر و يكبّرن».(2)
و نظيرها روايات أخر.(3)
و في الجواهر: «و يجوز أن تؤمّ المرأة النساء بلا خلاف أجده فيه، بل في التحرير الاجماع عليه - الى أن قال: - فظاهر النصّ و الفتوى و معقد الاجماع عدم اشتراط صلاتهنّ بعدم الرجال، بل يجزي ذلك منهنّ عنهم كما هو مقتضى الوجوب الكفائي الشامل للرجال و النساء و الخناثي، فما عساه يحكى عن ظاهر السرائر من اشتراط صلاتهنّ بعدم الرجال في غير محلّه، مع أنّه يمكن ارجاعه الى الأصحاب».(4)
(مسألة 10): اذا أوصى الميّت بأن يصلّي عليه شخص معّين فالظاهروجوب اذن الولي له، و الأحوط له الاستئذان من الولي، و لايسقط اعتبار اذنه بسبب الوصيّة و ان قلنا بنفوذها و وجوب العمل بها.
الشرح:
اذا أوصى الميّت بأن يصلّي عليه شخص معيّن فوصيّته نافذة يجب العمل بها؛ لأنّ ذلك من حقوق الميّت و راجع اليه، فعليه لايجب الاستئذان من الولي، و ليس له أن يمنع الموصى له من الصلاة على الميّت؛ لقوله تعالى: «فمن بدّله بعد ما سمعه فانّما اثمه على الذين يبدّلونه».(1)
(مسألة 11): يستحبّ اتيان الصلاة جماعة. و الأحوط بل الأظهر اعتبار اجتماع شرائط الامامة فيه من البلوغ و العقل و الايمان و العدالة و كونه رجلاً للرجال، و أن لايكون ولد زنا. بل الأحوط اجتماع شرائط الجماعة أيضا من عدم الحائل، و عدم علوّ مكان الامام و عدم كونه جالسا مع قيام المأمومين و عدم البعد بين المأمومين و الامام و بعضهم مع بعض.
الشرح:
يستحبّ اتيان الصلاة جماعة؛ و ذلك لرواية اليسع بن عبداللّه القمّي قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي على جنازة وحده؟ قال: نعم، قلت: فاثنان يصلّيان عليها؟ قال: نعم، ولكن يقوم الآخر خلف الآخر و لايقوم بجنبه».(2)
و قال المصنّف: «الأحوط بل الأظهر اجتماع شرائط الامامة فيه ... ».
أقول:
أمّا الايمان فتقدّم أنّه شرط في صلاة الجنائز بل في قبول الأعمال و صحّتها مطلقا، فانّ عمل المخالف باطل و غير مقبول كما تقدّم. و أمّا العقل و طهارة المولد فلما ورد من أنّ:
«خمسة لايؤمّون الناس على كلّ حال و عدّ منهم المجنون و ولد الزنا».(1)
و أمّا البلوغ فلايشترط لصحّة عبادات الصبي و شرعيّتها. و الأحوط اشتراط سائر شرائط الجماعة أيضا من عدم الحائل، و عدم علوّ مكان الامام و عدم كونه جالسا مع قيام المأمومين، و عدم البعد بين المأمومين و الامام و بعضهم مع بعض؛ و ذلك لأنّه و ان لم يسقط التكبيرات و الدعاء عن المأمومين، و أنّ الصلاة هذه ليست بصلاة، الاّ أنّ بعد المأمومين عن الميّت و اتّصالهم بالامام فيها و اطلاق الرواية عليها الجماعة من دون تقييد يكشف عن أنّ الشارع قد قبلها جماعة و بشرائط سائر الجماعات.
(مسألة 12): لايتحمّل الامام في الصلاة على الميّت شيئا عن المأمومين.
الشرح:
و ذلك لأنّ ما يتحمّله الامام في الصلاة اليوميّة و ما يشرع فيها الجماعة كصلاة العيدين و صلاة الجمعة و صلاة الاستسقاء هو فاتحة الكتاب و السورة فقط و لايتحمّل غيرهما من الأذكار و الأدعية و الفرض أنّه ليست في هذه الصلاة فاتحة الكتاب و السورة بل هي التكبير و الدعاء فلايتحمّل الامام في الصلاة على الميّت شيئا عن المأمومين.
1) - وسائل الشيعة 8: 321 / الباب 14 من أبواب صلاة الجماعة / الحديث 1.
(مسألة 13): يجوز في الجماعة أن يقصد الامام و كلّ واحد من المأمومينالوجوب؛ لعدم سقوطه ما لم يتمّ واحد منهم.
الشرح:
لايعتبر قصد الوجه في العبادات كلّها، و لايضرّ قصده بل مطابق للاحتياط، و عليه يجوز في الجماعة أن يقصد الامام و كلّ واحد من المأمومين الوجوب؛ لانطباق صرف الطبيعة الواجبة عليه جميعا، و كما قال المصنّف: لعدم سقوطه ما لم يتمّ واحد منهم.
(مسألة 14): يجوز أن تؤمّ المرأة جماعة النساء. و الأولى بل الأحوط أن تقوم في صفّهنّ و لاتتقدّم عليهنّ.
كما تقدّم في المسألة التاسعة.
(مسألة 15): يجوز صلاة العراة على الميّت فرادى و جماعة و مع الجماعة يقوم الامام في الصفّ كما في جماعة النساء، فلايتقدّم و لايتبرّز و يجب عليهم ستر عورتهم و لو بأيديهم، و اذا لم يمكن يصلّون جلوسا.
الشرح:
يعتبر في الصلاة على الميّت ما يعتبر في مطلق الصلوات من الشرائط و الموانع الاّ ما خرج بالدليل، و منها ستر العورة، و كذلك يعتبر شرائط الجماعة، فبناءً عليه تجوز صلاة العراة على الميّت فرادى بشرط ستر عورته و ان لم يكن هناك ناظر، و ان لم يكن له ساتر من الثوب فيستر قبله بأيّ شيء يمكنه و لو بيده، و دبره مستور باليتيه. و يجب أن يكون في صلاته قائما.
و تجوز جماعة كذلك أي بشرط ستر عورتهم و لو بأيديهم ان أمكن، و الاّ
فيصلّي أحدهم قياما و لايجوز جالسا للجماعة. نعم، لو لم يمكن ذلك أيضا تجوزالصلاة جالسا. و قد ذكرنا في شرائط الجماعة في الأبحاث المتعلّقة بالصلاة اليوميّة أنّ الأقوى جواز قيام المأموم بحذاء الامام، و ان كان الأولى بل الأحوط أن يتأخّر عنه.
(مسألة 16): في الجماعة من غير النساء و العراة الأولى أن يتقدّم الامام و يكون المأمومون خلفه، بل يكره وقوفهم الى جنبه و لو كان المأموم واحدا.
الشرح:
انّ الأولى في الجماعة من غير النساء و العراة أن يتقدّم الامام و يكون المأمومون خلفه بل يكره وقوفهم الى جنبه و لو كان المأموم واحدا؛ لرواية اليسع قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يصلّي على جنازة وحده؟ قال: نعم، قلت: فاثنان يصلّيان عليها؟ قال: نعم، ولكن يقوم الآخر خلف الآخر و لايقوم بجنبه».(1)
(مسألة 17): اذا اقتدت المرأة بالرجل يستحبّ أن تقف خلفه و اذا كان هناك صفوف الرجال وقفت خلفهم و اذا كانت حائضا بين النساء وقفت في صفّ وحدها.
الشرح:
اذا اقتدت المرأة بالرجل يستحبّ أن تقف خلفه؛ لما في رواية اليسع المتقدّمة في المسألة السابقة و اذا كان هناك صفوف الرجال وقفت خلفهم؛ لرواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 3: 120 / الباب 28 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 1.
«قال النبي صلى الله عليه و آله: ... و خير الصفوف في الجنائز المؤخّر، قيل: يارسول اللّه و لمَ؟ قال: صار سترة للنساء».(1)
و اذا كانت حائضا بين النساء وقفت في صفّ وحدها؛ لصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحائض تصلّي على الجنازة؟ قال: نعم، و لاتصفّ معهم».(2)
و نظيرها قوله عليه السلام في موثّقة سماعة:
« ... و تقوم وحدها بارزة من الصفّ».(3)
(مسألة 18): يجوز في صلاة الميّت العدول من امام الى امام في الأثناء، و يجوز قطعها أيضا اختيارا كما يجوز العدول من الجماعة الى الانفراد، لكن بشرط أن لايكون بعيدا عن الجنازة بما يضرّ و لايكون بينه و بينها حائل و لايخرج عن المحاذاة لها.
الشرح:
يمكن فرض العدول من امام الى امام في الأثناء، بأن ينسى الامام الأوّل ما بقي من الدعاء و التكبيرات فيديم الفرد الذي قام في جنبه، فالظاهر عدم المانع من هذا النحو من العدول، فهو شبيه لما عرض للامام في الصلاة اليوميّة من الموت و عدم كونه متطهّرا. و يجوز قطع هذه الصلاة اختيارا؛ لأنّ قطع الصلاة لايكون حراما الاّ اذا انجرّ الى العبث كما قلنا في قواطع الصلاة اليوميّة. و يجوز العدول عن الجماعة الى الانفراد لكن بشرط أن لايكون بعيدا عن الجنازة بما يضرّ، و لايكون بينه و بينها حائل، و الاّ تكون الصلاة باطلة.
(مسألة 19): اذا كبّر قبل الامام في التكبير الأوّل له أن ينفرد و له أن يقطع ويجدّده مع الامام و اذا كبّر قبله فيما عدا الأوّل له أن ينوي الانفراد و أن يصبر حتّى يكبّر الامام فيقرأ معه الدعاء، لكنّ الأحوط اعادة التكبير بعد ما كبّر الامام؛ لأنه لايبعد اشتراط تأخّر المأموم عن الامام في كلّ تكبيرة أو مقارنته معه و بطلان الجماعة مع التقدّم و ان لم تبطل الصلاة.
الشرح:
اذا كبّر قبل الامام في التكبير الأوّل فله أن ينفرد و له أن يقطع و يجدّده مع الامام، كما في الصلوات اليوميّة، و لرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن الرجل يصلّي، له أن يكبّر قبل الامام؟ قال: لايكبّر الاّ مع الامام، فان كبّر قبله أعاد التكبير».(1)
و في الوسائل: «هذا يدلّ على حكم صلاة الجنازة و ان لم يكن مخصوصا بها، و الحميري أورده في باب صلاة الجنازة بين أحاديثها».(2)
و اذا كبّر قبله فيما عدا الأوّل له أن ينوي الانفراد كما تقدّم في المسألة الثامنه عشرة، و له أن يصبر حتّى يكبّر الامام فيقرأ معه الدعاء؛ لأنّ هيأتها محفوظة و لم تنفصل، و ان كان الأحوط اعادة التكبير بعد ما كبّر الامام؛ لأنّه لايبعد اشتراط تأخّر المأموم عن الامام في كلّ تكبيرة، أو مقارنته معه و بطلان الجماعة مع التقدّم و ان لم تبطل الصلاة كما قال المصنّف رحمه الله.
(مسألة 20): اذا حضر الشخص في أثناء صلاة الامام له أن يدخل في الجماعة فيكبّر بعد تكبير الامام الثاني أو الثالث مثلاً و يجعله أوّل صلاته و أوّل تكبيراته فيأتي بعده بالشهادتين، و هكذا على الترتيب بعد كلّ تكبير من
الامام يكبّر و يأتي بوظيفته من الدعاء، و اذا فرغ الامام يأتي بالبقيّة فرادى وان كان مخفّفا. و ان لم يمهّلوه أتى ببقيّة التكبيرات ولاءً من غير دعاء. و يجوز اتمامها خلف الجنازة ان أمكن الاستقبال و سائر الشرائط.
الشرح:
يدلّ على ما في المتن روايات:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا أدرك الرجل التكبيرة و التكبيرتين من الصلاة على الميّت فليقض ما بقي متتابعا».(1)
و منها صحيحة عيص بن القاسم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدرك من الصلاة على الميّت تكبيرة قال: يتمّ ما بقي».(2)
و منها صحيحة زيد الشحّام قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الصلاة على الجنائز، اذا فات الرجل منها التكبيرة أو الثنتان أو الثلاث، قال: يكبّر ما فاته».(3)
و منها مرسلة خالد بن مادّ القلانسي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سمعته يقول في الرجل يدرك مع الامام في الجنازة تكبيرة أو تكبيرتين، فقال: يتمّ التكبير و هو يمشي معها، فاذا لم يدرك التكبير كبّر عند القبر، فان كان أدركهم فقد دفن كبّر على القبر».(4)
و هي أن يأتي بخمس تكبيرات يأتي بالشهادتين بعد الأولى و الصلاة على النبي صلى الله عليه و آله بعد الثانية و الدعاء للمؤمنين و المؤمنات بعد الثالثة و الدعاء للميّت بعد الرابعة ثمّ يكبّر الخامسة و ينصرف. فيجزي أن يقول بعد نيّة القربة و تعيين الميّت و لو اجمالاً: «اللّه أكبر، أشهد أن لا اله الاّ اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه. اللّه أكبر، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، اللّه أكبر، اللّهمّ اغفر للمؤمنين و المؤمنات، اللّه أكبر، اللّهمّ اغفر لهذا الميّت، اللّه أكبر».
و الأولى أن يقول بعد التكبيرة الأولى: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، الها واحدا أحدا صمدا فردا حيّا قيّوما دائما أبدا، لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا. و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله بالهدى و دين الحقّ ليظهره على الدين كلّه و لو كره المشركون».
و بعد الثانية: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و بارك على محمّد و آلمحمّد و ارحم محمّدا و آل محمّد أفضل ما صلّيت و باركت و ترحّمت على
ابراهيم و آل ابراهيم انّك حميد مجيد، و صلّ على جميع الأنبياء و المرسلين».
و بعد الثالثة: «اللّهمّ اغفر للمؤمنين و المؤمنات، و المسلمين و المسلمات، الأحياء منهم و الأموات، تابع اللّهمّ بيننا و بينهم بالخيرات انّك على كلّ شيء قدير».
و بعد الرابعة: «اللّهمّ انّ هذا المسجّى قدّامنا عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك نزل بك و أنت خير منزول به اللّهمّ انّك قبضت روحه اليك و قد احتاج الى رحمتك و أنت غني عن عذابه، اللّهمّ انّا لانعلم منه الاّ خيرا و أنت أعلم به منّا. اللّهمّ ان كان محسنا فزد في احسانه و ان كان مسيئا فتجاوز عن سيّئاته و اغفر لنا و له. اللّهمّ احشره مع من يتولاّه و يحبّه و أبعده ممّن يتبرّأ منه و يبغضه. اللّهمّ ألحقه بنبيّك و عرّف بينه و بينه، و ارحمنا اذا توفّيتنا يا اله العالمين. اللّهمّ اكتبه عندك في أعلى علّيّين و اخلف على عقبه في الغابرين، و اجعله من رفقاء محمّد و آله الطاهرين، و ارحمه و ايّانا برحمتك يا أرحم الراحمين».
و الأولى أن يقول بعد الفراغ من الصلاة: «ربّنا آتنا في الدنيا حسنة و في الآخرة حسنة و قنا عذاب النار». و ان كان الميّت امرأة يقول بدل قوله: «هذا المسجّى» الى آخره: «هذه المسجّاة قدّامنا أمتك و ابنة عبدك و ابنة أمتك، و أتى بسائر الضمائر مؤنّثا. و ان كان الميّت مستضعفا يقول بعد التكبيرة الرابعة: «اللّهمّ اغفر للذين تابوا و اتّبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم، ربّنا و أدخلهم جنّات عدن التي وعدتهم و من صلح من آبائهم و أزواجهم و ذريّاتهم انّك أنت العزيز الحكيم». و ان كان مجهول الحال يقول: «اللّهمّ ان كان يحبّ الخير و أهله فاغفر له و ارحمه و تجاوز عنه». و ان كان طفلاً يقول:«اللّهمّ اجعله لأبويه و لنا سلفا و فرطا و أجرا».
الشرح:
في المسألة فرعان:
قال في المدارك - في وجوب خمس تكبيرات - : «هذا قول علمائنا و أخبارهم به مستفيضة».(1)
يدلّ على ذلك صحيحة حمّاد بن عثمان و هشام بن سالم جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يكبّر على قوم خمسا، و على قوم آخرين أربعا، فاذا كبّر على رجل أربعا اتّهم - يعني بالنفاق - ».(2)
و صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«التكبير على الميّت خمس تكبيرات».(3)
و صحيحة أبي ولاّد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التكبير على الميّت؟ فقال: خمسا».(4)
و صحيحة ثانية لعبداللّه بن سنان عن الصادق عليه السلام أنّه قال:
«لمّا مات آدم فبلغ الى الصلاة عليه، قال هبة اللّه لجبرئيل: تقدّم يا رسول اللّه فصلّ على نبي اللّه، فقال جبرئيل: انّ اللّه أمرنا بالسجودلأبيك فلسنا نتقدّم أبرار ولده و أنت من أبرّهم، فتقدّم فكبّر عليه
خمسا عدّة الصلوات التي فرضها اللّه على أمّة محمّد صلى الله عليه و آله و هي السنّة الجارية في ولده الى يوم القيامة».(1)
قال في التنقيح: «لا اشكال في أنّ صلاة الميّت عندنا انّما هي بخمس تكبيرات و قد دلّت على ذلك جملة من الروايات فيها الصحاح و غيرها، كصحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام : «التكبير على الميّت خمس تكبيرات»، و غيرها. و في بعضها أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يصلّي بأربع تكبيرات تارة و بخمس أخرى، و ورد شرح ذلك في بعض الأخبار الأخر بمضمون أن كلّ تكبيرة رمز الى أصل و مبدأ من المبادئ الاسلام يّة من الصوم و الصلاة و الزكاة و الحجّ و الولاية و لأجله كان يصلّي بأربع تكبيرات على المنافقين المنكرين للولاية و بخمس تكبيرات على المؤمنين. هذا كلّه في رواياتنا.
و أمّا روايات العامّة فقد اختلفت في ذلك ففي بعضها أنّ النبي صلى الله عليه و آله كان يصلّي بستّ أو سبع تكبيرات، و في بعضها الآخر أنّ عمر جمع أصحابه و استقرّ رأيه على أن يصلّي على الميّت بأربع تكبيرات و كأنّه لولايته على الاسلام و المسلمين.
و كيف كان فكونها خمس تكبيرات ممّا لا اشكال فيه عندنا، فلو نقص منها تكبيرة بطلت؛ لانتفاء المركّب بانتفاء بعض أجزائه و لايشملها حديث «لاتعاد»؛ لاختصاصه بصلاة ذات ركوع و سجود و طهور.
و أمّا اذا زاد عليها فان كان سهوا فلايكون موجبا لبطلانها؛ لأنّها زيادة بعد انتهاء العمل، و الزيادة بعد العمل لاتوجب البطلان. و أمّا اذا كانت الزيادة عمديّة فالصحيح أنّها أيضا لاتوجب البطلان؛ لكونها زيادة بعد العمل؛ لانتهاء الصلاة بعد الخمس، اللّهمّ الاّ أن يرجع الى التشريع في أصل العمل بأن يبني من الابتداء على
1) - وسائل الشيعة 3: 76 / الباب 5 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 13.
أنّها ستّ تكبيرات فيأتي بها بهذا البناء و التشريع و الاّ فلو بنى على أن يأتي بالزائد بعد الخمس فهو لايوجب بطلانها».(1)
و لايجوز أقلّ من خمس تكبيرات، و لو زاد عليها لايبطل ما قبلها الاّ أنّه اذا فعل ذلك من عنده فقد فعل حراما؛ للتشريع.
و هل تستحبّ الزيادة في التكبير اذا كان الميّت من أهل الفضل و السداد؟ الصحيح عدم جواز ذلك؛ لأنّ الروايات التي استدلّ بها بعض على استحبابه ضعيفة دلالة أو سندا. و قد أتى بها في التنقيح تفصيلاً فراجع.(2)
في المدارك - في بيان قول المصنّف: «و الدعاء بينهنّ غير لازم، و لو قلنا بوجوبه لم توجب لفظا على التعيين - قال:
«الخلاف في هذه المسألة وقع في مواضع: الأوّل: هل الدعاء بين التكبيرات واجب أو مستحبّ؟ قيل بالأوّل، و هو الأظهر، و اليه ذهب الأكثر، بل قال في الذكرى: «انّ الأصحاب بأجمعهم يذكرون ذلك في كيفيّة الصلاة و لم يصرّح أحد منهم بندبه، و المذكور في بيان الواجب ظاهره الوجوب».
و يدلّ عليه الأخبار الكثيرة المتضمّنة للأمر بالدعاء كقوله عليه السلام في حسنة زرارة و محمّد بن مسلم و من معهما: «تدعوا بما بدا لك». و في رواية أبي بصير: «انّها خمس تكبيرات بينهنّ أربع صلوات».
و غير ذلك من الأخبار، و سنورد طرفا منها بعد ذلك. و قيل: الثاني، و به قطع
المصنّف في هذا الكتاب صريحا و في النافع ظاهرا، و ربّما كان مستنده اطلاق الروايات المتضمّنة لأنّ الصلاة على الميّت خمس تكبيرات الواردة في مقام البيان الدالّة بظاهرها على عدم وجوب ما عدا ذلك.
الثانى: انّه على القول بوجوب الدعاء فهل يجب فيه لفظ على التعيين أم لا؟
الأصحّ عدم الوجوب، و هو خيرة الأكثر؛ للأصل و اختلاف الروايات في كيفيّة الدعاء كما ستقف عليه، و ما رواه الكليني في الحسن عن محمّد بن مسلم و زرارة و معمّر بن يحيى و اسماعيل الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ليس في الصلاة (على الميّت قراءة و لا) دعاء موقّت، تدعو بما بدا لك، و أحقّ الموتى أن يدعى له المؤمن، و أن يبدأ بالصلاة على نبي اللّه صلى الله عليه و آله».
و أوجب العلاّمة في جملة من كتبه، و أكثر المتأخّرين الشهادتين عقيب الأولى، و الصلاة على النبي و آله عقيب الثانية، و الدعاء للمؤمنين عقيب الثالثة، و الدعاء للميّت عقيب الرابعة؛ تعويلاً على رواية محمّد بن مهاجر عن أمّه أمّ سلمة التي أوردها المصنّف رحمه الله، و هي مع ضعف سندها بجهالة أمّ سلمة الراوية للحديث لاتدلّ على الوجوب صريحا، مع أنّها معارضة بقوله عليه السلام في حسنة الفضلاء المتقدّمة: «ليس في الصلاة دعاء موقّت»، و بما سنورده من الأخبار المعتبرة الدالّة على عدم تعيّن ذلك.
الثالث: ذكر المصنّف رحمه اللهأنّ أفضل ما يقال في صلاة الجنازة ما رواه محمّد بن مهاجر عن أمّه أمّ سلمة عن أبي عبداللّه عليه السلام . و كأنّ وجه الدلالة على أفضليّة ما تضمّنته الرواية قوله عليه السلام : «كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا صلّى على ميّت كبّر و تشهّد». فانّ لفظة: «كان»، يشعر بالدوام، و أقلّ مراتب مواظبة النبي صلى الله عليه و آله على ذلك الرجحان. و مقتضى كلام ابن أبي عقيل أنّ الأفضل جمع الأذكار الأربعة عقيب كلّ تكبيرة، و لم أقف على رواية تدلّ عليه».(1)
1) - مدارك الأحكام 4: 166 - 168.
و لنذكر أوّلاً فتوى القدماء:
قال الصدوق في المقنع: «فاذا صلّيت على الميّت فقف عند صدره و كبّر و قل: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، أرسله بالحقّ بشيرا و نذيرا بين يدي الساعة».
و كبّر الثانية و قل: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، و ارحم محمّدا و آل محمّد، و بارك على محمّد و آل محمّد، كأفضل ما صلّيت و باركت و ترحّمت على ابراهيم و (آل ابراهيم) انّك حميد مجيد».
و كبّر الثالثة و قل: «اللّهمّ اغفر للمؤمنين و المؤمنات، و المسلمين و المسلمات، الأحياء منهم و الأموات».
و كبّر الرابعة و قل: «اللّهمّ عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك نزل بك و أنت خير منزول به، اللّهمّ انّا لانعلم منه الاّ خيرا، و أنت أعلم به منّا، اللّهمّ ان كان محسنا فزد في احسانه و ان كان مسيئا فتجاوز عنه، و اغفر له، اللّهمّ اجعله عندك في أعلى علّيّين، و اخلف على أهله في الغابرين، و ارحمه برحمتك يا أرحم الراحمين».
و كبّر الخامسة، و لاتبرح من مكانك حتّى ترى الجنازة على أيدي الرجال».(1)
و قال المفيد في المقنعة مثل ما في المقنع، الاّ أنّه أضاف بعد الشهادة الأولى: «الها واحدا أحدا فردا صمدا حيّا قيّوما لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا، لا اله الاّ اللّه الواحد القهّار ربّنا و ربّ آبائنا الأوّلين». و لم يذكر الشهادة الثانية. و أضاف بعد الثالثة: «و أدخل على موتاهم رأفتك و رحمتك، و على أحيائهم بركات سماواتك و أرضك، انّك على كلّ شيء قدير».(2)
و قال الشيخ في النهاية: «ثمّ يرفع الامام يده بالتكبير، و يكبّر خمس تكبيرات، يرفع يده في أوّل تكبيرة منها حسب و لايرفع فيما عداها. هذا هو الأفضل. فان
رفع يده في التكبيرات كلّها، لم يكن به بأس.
و اذا كبّر الأوّل فليشهد أن لا اله الاّ اللّه و أنّ محمّدا رسول اللّه، ثمّ يكبّر الثانية و يصلّي على النبي و آله، ثمّ يكبّر الثالثة و يدعو للمؤمنين، ثمّ يكبّر الرابعة و يدعو للميّت ان كان مؤمنا».(1)
و في المبسوط مثل ما في النهاية الاّ أنّه لم يذكر بعد التكبيرة الأولى: «و أنّ محمّدا رسول اللّه».(2)
و قال في المهذّب البارع للقاضي ابن البرّاج مثل ما في المقنعة.(3)
و قال ابن حمزة في الوسيلة: «و اذا نوى الصلاة و رفع يديه بالتكبير، و تشهّد الشهادتين بعده، ثمّ كبّر الثانية و صلّى بعدها على النبي صلى الله عليه و آله، ثمّ كبّر الثالثة و دعا للمؤمنين و المؤمنات، ثمّ كبّر الرابعة و دعا على الميّت ان كان ناصبا، و ختم الصلاة بها، و دعا له ان كان مؤمنا، و ان كان مستضعفا دعا له بدعائه - الى أن قال: - ثمّ كبّر الخامسة، و قال ثلاث مرّات: عفوك».(4)
و قال ابن ادريس في السرائر مثل ما في المبسوط.(5)
و قال العلاّمة في المختلف: «المشهور أنّه يكبّر الأولى و يتشهّد الشهادتين، ثمّ يكبّر الثانية و يصلّي على النبي صلى الله عليه و آله، ثمّ يكبّر الثالثة و يدعو للمؤمنين، ثمّ يكبّر الرابعة و يدعو للميّت، ثمّ يكبّر الخامسة و ينصرف و هو يقول: عفوك عفوك».(6)
أقول:
المتحصّل من هذه الفتاوى أنّ الشهادتين بعد التكبيرة الأولى، و الصلاة على
النبي و آله بعد الثانية و الدعا للمؤمنين بعد الثالثة، و الدعا للميّت بعد الرابعة،متعيّن و بالخامسة يخرج عن الصلاة، و الظاهر منها أنّ هذا المقدار واجب، كما عرفت في المدارك عن الذكرى.
و أمّا الروايات الواردة على طائفتين:
الطائفة الأولى: قريب من فتوى المشهور من الفقهاء و هي رواية محمّد بن مهاجر عن أمّه أمّ سلمة قالت:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا صلّى على ميّت كبّر و تشهّد، ثمّ كبّر و صلّى على الأنبياء و دعا، ثمّ كبّر و دعا للمؤمنين، ثمّ كبّر الرابعة و دعا للميّت، ثمّ كبّر الخامسة و انصرف، فلمّا نهاه اللّه عزّوجلّ عن الصلاة على المنافقين كبّر و تشهّد، ثمّ كبّر و صلّى على النبيّين، ثمّ كبّر و دعا للمؤمنين، ثمّ كبّر الرابعة و انصرف، و لم يدع للميّت».(1)
و نظيرها رواية اسماعيل بن همّام عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : صلّى رسول اللّه صلى الله عليه و آله على جنازة فكبّر عليه خمسا، و صلّى على أخرى فكبّر عليه أربعا، فأمّا الذي كبّر عليه خمسا فحمد اللّه و مجّده في التكبيرة الأولى و دعا في الثانية للنبي صلى الله عليه و آله، و دعا في الثالثة للمؤمنين و المؤمنات، و دعا في الرابعة للميّت، و انصرف في الخامسة، و أمّا الذي كبّر عليه أربعا فحمد اللّه و مجّده في التكبيرة الأولى، و دعا لنفسه و أهل بيته في الثانية، و دعا للمؤمنين و المؤمنات في الثالثة، و انصرف في الرابعة فلم يدع له؛ لأنّه كان منافقا».(2)
الطائفة الثانية: تختلف في مضامينها و الدعاء بعد التكبيرات، و العمدة منها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام - في الصلاة على الميّت - قال:
«تكبّر ثمّ تصلّي على النبي صلى الله عليه و آله ثمّ تقول: اللّهمّ عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، لا أعلم منه الاّ خيرا و أنت أعلم به منّا، اللّهمّ ان كان محسنا فزد في حسناته و تقبّل منه، و ان كان مسيئا فاغفر له ذنبه، و افسح له في قبره، و اجعله من رفقاء محمّد صلى الله عليه و آله، ثمّ تكبّر الثانية و تقول: اللّهمّ انّ كان زاكيا فزكّه، و ان كان خاطئا فاغفر له، ثمّ تكبّر الثالثة و تقول: اللّهمّ لاتحرمنا أجره، و لاتفتنّا بعده، ثمّ تكبّر الرابعة و تقول: اللّهمّ اكتبه عندك في علّيّين، و اخلف على عقبه في الغابرين، و اجعله من رفقاء محمّد صلى الله عليه و آله ثمّ كبّر الخامسة و انصرف».(1)
و صحيحة ثانية للحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تكبّر ثمّ تشهّد ثمّ تقول: انّا للّه و انّا اليه راجعون، الحمدللّه ربّ العالمين ربّ الموت و الحياة، صلّ على محمّد و أهل بيته، جزى اللّه عنّا محمّدا خير الجزاء بما صنع بأمّته، و بما بلّغ من رسالات ربّه ثمّ تقول: اللّهمّ عبدك ابن عبدك ابن أمتك - الى آخر الدعاء - ثمّ تكبّر الثانية و تقول مثل ما قلت حتّى تفرغ من خمس تكبيرات».(2)
و صحيحة أبي ولاّد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التكبير على الميّت؟ فقال: خمس، تقول (في أوّلهنّ): أشهد أن لا اله الاّ اللّه، وحده لا شريك له، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، ثمّ تقول: اللّهمّ انّ هذا المسجّى قدّامنا عبدك و ابن عبدك و قد قبضت روحه اليك، و قد احتاج الى
رحمتك و أنت غني عن عذابه، اللّهمّ انّا لانعلم من ظاهره الاّ خيرا،و أنت أعلم بسريرته، اللّهمّ ان كان محسنا فضاعف حسناته و ان كان مسيئا فتجاوز عن سيّئاته، ثمّ تكبّر الثانية و تفعل ذلك في كلّ تكبيرة».(1)
ثمّ انّه و ان لم يطابق هذه الروايات فتوى المشهور، حتّى روايتي أمّ سلمة و اسماعيل بن همّام طابق النعل بالنعل الاّ أنّ الظنّ القوي أنّهم استنبطوا ما ذهبوا اليه من هذه الروايات، و لذلك نقول: العمل بما أفتوا به لا اشكال فيه بل هو مطابق للاحتياط، الاّ أنّه لا بأس باضافة الدعاء بما يناسب بعد كلّ تكبيرة، بل هو الفضل و الأولى كما في المتن، و يدعو بما في المتن ان كان الميّت امرأة: «هذه المسجّاة ... »، و ان كان مستضعفا: «اللّهمّ اغفر للذين تابوا ... »، و ان كان مجهول الحال: «اللّهمّ ان كان ... »، و ان كان طفلاً: «اللّهمّ اجعله لأبويه ... »؛ كلّ ذلك ورد في الباب الثاني و الثالث و الثاني عشر من أبواب صلاة الجنازة من الوسائل المجلّد الثالث.
(مسألة 1): لايجوز أقلّ من خمسة تكبيرات الاّ للتقيّة أو كون الميّت منافقا و ان نقص سهوا بطلت و وجب الاعادة اذا فاتت الموالاة، و الاّ أتمّها.
الشرح:
كما تقدّم في الفرع الأوّل بل الثاني في المسألة السابقة بالنسبة الى عدم جواز الأقلّ. و أمّا بطلان الصلاة و وجوب الاعادة اذا فاتت الموالاة؛ فلأنّه لم يأت بما هو مأمور به، فاذا انتفى الجزء انتفى الكلّ الاّ اذا دلّ الدليل على صحّته و هو مفقود هنا. و لو لم تفت الموالاة أتمّها؛ لوجود المقتضي و فقد المانع.
1) - وسائل الشيعة 3: 62 / الباب 2 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 5.
(مسألة 2): لايلزم الاقتصار في الأدعية بين التكبيرات على المأثور بليجوز كلّ دعاء بشرط اشتمال الأوّل على الشهادتين، و الثاني على الصلاة على محمّد و آله، و الثالث على الدعاء للمؤمنين و المؤمنات بالغفران، و في الرابع على الدعاء للميّت. و يجوز قراءة آيات القرآن و الأدعية الأخر مادامت صورة الصلاة محفوظة.
الشرح:
و ذلك لما مرّ في الفرع الثاني من أنّ الاحتياط رعاية الترتيب كما في المتن، ففي صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ليس في الصلاة على الميّت قراءة و لا دعاء موقّت، تدعو بما بدا لك و أحقّ الموتى أن يدعى له المؤمن، و أن يبدأ بالصلاة على رسول اللّه صلى الله عليه و آله».(1)
(مسألة 3): يجب العربيّة في الأدعية بالقدر الواجب و في ما زاد عليه يجوز الدعاء بالفارسيّة و نحوها.
الشرح:
يجب العربيّة في الأدعية مادام في الصلاة و لم ينته التكبيرات الخمس؛ و ذلك لظاهر الروايات و الفتاوى و السيرة. و أمّا قوله عليه السلام في الصحيحة المتقدّمة: «تدعو بما بدا لك»، فمراده عليه السلام أنّه ليس فيها دعاء مخصوص فاذا انصرف فله أن يدعو للميّت بأيّ لغة شاء.
1) - وسائل الشيعة 3: 88 / الباب 7 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 1.
(مسألة 4): ليس في صلاة الميّت أذان و لا اقامة و لا قراءة الفاتحة و لاالركوع و السجود و القنوت و التشهّد و السلام ، و لا التكبيرات الافتتاحيّة و أدعيتها و ان أتى بشيء من ذلك بعنوان التشريع كان بدعة و حراما.
الشرح:
يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«تصلّي على الجنازة في كلّ ساعة، انّها ليست بصلاة ركوع و سجود، الحديث».(1)
و صحيحة الحلبي قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام ليس في الصلاة على الميّت تسليم».(2)
و عن يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه عليه السلام - في صلاة الجنازة - :
«انّما هو تكبير و تحميد و تسبيح و تهليل».(3)
و ان أتى بشيء من ذلك بعنوان التشريع كان بدعة و حراما، و لاتكون هذه صلاة الجنازة، و عليه الاستئناف، الاّ السلام بعد التكبيرة الخامسة فانّه اذا فعل عمدا من غير تقيّة فقد فعل حراما الاّ أنّه لايبطلها.
(مسألة 5): اذا لم يعلم أنّ الميّت رجل أو امرأة يجوز أن يأتي بالضمائر مذكّرة بلحاظ الشخص و النعش و البدن، و أن يأتي بها مؤنّثة بلحاظ الجثّة و الجنازة، بل مع المعلوميّة أيضا يجوز ذلك و لو أتى بالضمائر على الخلاف جهلاً أو نسيانا لا باللحاظين المذكورين فالظاهر عدم بطلان الصلاة.
الشرح:
قال في التنقيح: «و لو أتى بالضمائر على الخلاف و كان عالما بأنّه رجل أوامرأة الاّ أنّه نسي فلا مانع من أن يحكم بالصحّة؛ لأنّه من الاشتباه في التطبيق، فانّه لايعدّ غلطا، و الخطأ في التطبيق غير مانع عن الصحّة. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 6): اذا شكّ في التكبيرات بين الأقلّ و الأكثر بنى على الأقلّ. نعم، لو كان مشغولاً بالدعاء بعد الثانية أو بعد الثالثة فشكّ في اتيان الأوّل في الأولى أو الثانية في الثاني بنى على الاتيان، و ان كان الاحتياط أولى.
الشرح:
أمّا البناء على الأقلّ اذا شكّ في التكبيرات فلأصالة عدم الاتيان بالأكثر. و أمّا البناء على الاتيان لو كان مشغولاً بالدعاء بعد الثانية أو بعد الثالثة فلقاعدة التجاوز، فانّ الظاهر أنّها ليست مختصّة بالصلاة اليوميّة، بل تجري في المركّبات التي لها أجزاء شرعيّة.
(مسألة 7): يجوز أن يقرأ الأدعية في الكتاب خصوصا اذا لم يكن حافظا لها.
لاطلاق الأدلّة و للأصل و عدم المنع عنه.
1) - التنقيح في شرح العروة 9: 252.
و هي أمور: «الأوّل»: أن يوضع الميّت مستلقيا. «الثاني»: أن يكون رأسه الى يمين المصلّي و رجله الى يساره.
الشرح:
يدلّ على الثاني موثّقة عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«انّه سئل عمّن صلّي عليه فلمّا سلّم الامام فاذا الميّت مقلوب رجلاه الى موضع رأسه، قال: يسوّى و تعاد الصلاة عليه و ان كان قد حمل ما لم يدفن، فان دفن فقد مضت الصلاة عليه، و لايصلّى عليه و هو مدفون».(1)
و الدليل على الأوّل هو كون الاستلقاء متعارفا و غيره لم يكن متعارفا، مضافا الى أنّ وضع الميّت مستلقيا يكون المتسالم عليه بين الأصحاب كما يكون الثاني كذلك.
1) - وسائل الشيعة 3: 107 / الباب 19 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 1.
«الثالث»: أن يكون المصلّي خلفه محاذيا له لا أن يكون في أحد طرفيه الاّ اذا طال صفّ المأمومين. «الرابع»: أن يكون الميّت حاضرا فلاتصحّ على الغائب و ان كان حاضرا في البلد.
الشرح:
يدلّ على الرابع بل الثالث أيضا قوله عليه السلام في صحيحة أبي ولاّد:
« ... ثمّ تقول: اللّهمّ انّ هذا المسجّى قدّامنا، الحديث».(1)
و موثّقة سماعة قال:
«سألته عن جنائز الرجال و النساء اذا اجتمعت، فقال: يقدّم الرجل قدّام المرأة قليلاً، و توضع المرأة أسفل من ذلك قليلاً عند رجليه، و يقوم الامام عند رأس الميّت فيصلّي عليهما جميعا، الحديث».(2)
و يستفاد ذلك أيضا ممّا ورد من أنّ عليّا عليه السلام أذن للناس أن يصلّوا على النبي عشرة عشرة، فلو جاز ذلك على الغائب لم يحتج الى دخول البيت، و لم يحتج الى كونه صلى الله عليه و آله قدّامهم.
و لاتعارضها رواية جعفر بن عيسى قال:
«قدم أبو عبداللّه عليه السلام مكّة فسألني عن عبداللّه بن أعين، فقلت: مات، قال: مات؟ قلت: نعم. قال: فانطلق بنا الى قبره حتّى نصلّي عليه. قلت: نعم، فقال: لا، ولكن نصلّي عليه هيهنا، فرفع يديه يدعو و اجتهد في الدعاء و ترحّم عليه».(3)
لأنّه عليه السلام دعا له كما هو ظاهر من ذيلها. و كذا ما ورد من أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله صلّى
على النجاشي الذي مات في الحبشة و هو في المدينة.(1)
لأنّه مع ضعف سنده معارض بصحيحة محمّد بن مسلم أو زرارة قال:
«الصلاة على الميّت بعد ما يدفن انّما هو الدعاء. قال: قلت: فالنجاشي لم يصلّ عليه النبي صلى الله عليه و آله؟ فقال: لا، انّما دعا له».(2)
«الخامس»: أن لايكون بينهما حائل كستر أو جدار و لايضرّ كون الميّت في التابوت و نحوه. «السادس»: أن لايكون بينهما بعد مفرط على وجه لايصدق الوقوف عنده الاّ في المأموم مع اتّصال الصفوف. «السابع»: أن لايكون أحدهما أعلى من الآخر علوّا مفرطا.
تقدّم اشتراط كون الميّت حاضرا و أن يكون قدّام المصلّي، فلو كان الحائل أو البعد أو العلوّ بحيث لايصدق حضور الميّت عند المصلّي أو قدّامه لاتصحّ الصلاة.
«الثامن»: استقبال المصلّي القبلة. «التاسع»: أن يكون قائما. «العاشر»: تعيين الميّت على وجه يرفع الابهام و لو بأن ينوي الميّت الحاضر أو ما عيّنه الامام. «الحادي عشر»: قصد القربة. «الثاني عشر»: اباحة المكان.
الشرح:
يدلّ على أنّه يعتبر أن يكون المصلّي تجاه القبلة:
أوّلاً: صدق الصلاة عليها و كونها واجبة على المكلّفين و اشتراط كون الصلاة تجاه القبلة في صحّتها أوضح من أن يخفى.
و ثانيا: السيرة القطعيّة المستمرّة من زمن النبي صلى الله عليه و آله و المعصومين عليهم السلام الى الآن.
و ثالثا: اجماع فقهائنا.
رابعا: رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت: أرأيت ان فاتتني تكبيرة أو أكثر، قال: تقضي ما فاتك، قلت: أستقبل القبلة؟ قال: بلى، و أنت تتبع الجنازة، الحديث».(1)
و يدلّ عليه أيضا و على التاسع صحيحة أبي هاشم الجعفري قال:
«سألت الرضا عليه السلام عن المصلوب، فقال: أما علمت أنّ جدّي عليه السلام صلّى على عمّه؟ قلت: أعلم ذلك، ولكنّى لا أفهمه مبيّنا، فقال: أبيّنه لك ان كان وجه المصلوب الى القبلة فقم على منكبه الأيمن، و ان كان قفاه الى القبلة فقم على منكبه الأيسر؛ فانّ بين المشرق و المغرب قبلة، و ان كان منكبه الأيسر الى القبلة فقم على منكبه الأيمن و ان كان منكبه الأيمن الى القبلة فقم على منكبه الأيسر، و كيف كان منحرفا فلاتزايلنّ مناكبه، وليكن وجهك الى ما بين المشرق و المغرب، و لاتستقبله و لاتستدبره البتّة، قال أبو هاشم: و قد فهمت ان شاء اللّه، فهمته واللّه».(2)
و يدلّ على التاسع أيضا السيرة و اشتمال بعض الأخبار على القيام و الوقوف.
و يشترط أن يعيّن الميّت و لو بأن ينوي الميّت الحاضر أو ما عيّنه الامام؛ لأنّ الصلاة على المبهم أو المردّد لا معنى لها.
و أمّا اعتبار قصد القربة فلأنّها عبادة، و لايسقط التكليف بها الاّ بقصد القربة و امتثال أمر المولى.
و يعتبر أن يكون مكان المصلّي مباحا؛ لأنّ الصلاة في المكان المغصوب و لو كان قائما يعدّ تصرّفا عرفا.
«الثالث عشر»: الموالاة بين التكبيرات و الأدعية على وجه لاتمحى صورة الصلاة. «الرابع عشر»: الاستقرار بمعنى عدم الاضطراب على وجه لايصدق معه القيام، بل الأحوط كونه بمعنى ما يعتبر في قيام الصلوات الأخر. «الخامس عشر»: أن تكون الصلاة بعد التغسيل و التكفين و الحنوط كما مرّ سابقا. «السادس عشر»: أن يكون مستور العورة ان تعذّر الكفن و لو بنحو حجر أو لبنة. «السابع عشر»: اذن الولي.
الشرح:
يعتبر فيها الموالاة؛ لأنّ المأمور به صلاة الميّت، و هي عبارة عن خمس تكبيرات بينها الأدعية و الانصراف عنها بالتكبير الآخر، و هي عبادة واحدة فحصولها متوقّف على الموالاة بين التكبيرات و الأدعية بحيث لاتمحى صورة الصلاة.
و يدلّ على الاستقرار بمعنى عدم الاضطراب نفس الدليل على اشتراط القيام فالاضطراب المنجرّ الى عدم صدق القيام موجب لفساد الصلاة. و قد تقدّم ما يدلّ على الخامس عشر و السادس عشر في المسألة الثالثة من فصل الصلاة على الميّت، كما تقدّم اشتراط اذن الولي في المسألة الأولى منه أيضا.
(مسألة 1): لايعتبر في صلاة الميّت الطهارة من الحدث و الخبث و اباحة اللباس، و ستر العورة. و ان كان الأحوط اعتبار جميع شرائط الصلاة حتّى صفات الساتر من عدم كونه حريرا أو ذهبا أو من أجزاء ما لايؤكل لحمه، و كذا الأحوط مراعاة ترك الموانع للصلاة كالتكلّم و الضحك و الالتفات عن القبلة.
الشرح:
قال في المدارك - في ذيل قول المحقّق: «و ليست الطهارة من شرطها» - : «هذا قول علمائنا أجمع قاله في التذكرة، و تدلّ عليه روايات. و كما لاتعتبر فيها الطهارة
من الحدث فكذا من الخبث؛ تمسّكا بمقتضى الأصل، و اطلاق الاذن في صلاة الحائض مع عدم انفكاكها من النجاسة غالبا. و هل يعتبر في هذه الصلاة ترك ما يترك في اليوميّة خلا ما يتعلّق بالحدث و الخبث؟ فيه وجهان، أحوطهما ذلك و ان كان في تعيّنه نظر».(1)
لايعتبر في صلاة الميّت الطهارة من الحدث؛ يدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجل تفجأه الجنازة و هو على غير طهر، قال: فليكبّر معهم».(2)
و موثّقة يونس بن يعقوب قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الجنازة أصلّي عليها على غير وضوء؟ فقال: نعم، انّما هو تكبير و تسبيح و تحميد و تهليل، كما تكبّر و تسبّح في بيتك على غير وضوء».(3)
و تستحبّ الطهارة من الحدث و ان فاتته الصلاة في صورة اتيانها فيتيمّم؛ للجمع بين هاتين الروايتين و نحوهما و بين صحيحة الحلبي قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل تدركه الجنازة و هو على غير وضوء، فان ذهب يتوضّأ فاتته الصلاة عليها، قال: يتيمّم و يصلّي».(4)
و رواية عبدالحميد بن سعد قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام الجنازة يخرج بها و لست على وضوء، فان ذهبت أتوضّأ فاتتني الصلاة، أيجزي لي أن أصلّي عليها و أنا على
غير وضوء؟ فقال: تكون على طهر أحبّ اليّ».(1)
و لايعتبر فيها الطهارة من الخبث؛ لصحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الحائض تصلّي على الجنازة؟ قال: نعم، و لاتصفّ معهم».(2)
بتقريب أنّ الحائض لاتكون خالية عن الخبث عادة، مضافا الى أولويّته بالنسبة الى جواز هذه الصلاة مع الحدث.
انّما الكلام في باقي الشرائط التي يجب رعايتها في الصلوات الواجبة كاليوميّة و صلاة الطواف و الآيات و غيرها، فيمكن أن يقال بعدم اعتبارها كما في المتن و أنّه لم يقم على اعتبارها دليل كما في التنقيح: «لأنّها اعتبرت في الصلاة الحقيقيّة كما التزم بذلك بحر العلوم في منظومته في غير حلّيّة المكان».(3)
و نحن نقول: يجب رعاية بعضها كترك الصلاة في المكان المغصوب؛ لأنّ العرف يرى قيامه تصرّفا في المغصوب، و على الأحوط في اللباس المغصوب. و كذا يجب على الأحوط ترك التكلّم و الضحك و الالتفات عن القبلة؛ لسيرة العلماء و المتشرّعة، و الأحوط اعتبار ستر العورة و ينبغي رعاية صفات الستر من عدم كونه حريرا أو ذهبا أو من أجزاء ما لايؤكل لحمه.
(مسألة 2): اذا لم يتمكّن من الصلاة قائما أصلاً يجوز أن يصلّي جالسا، و اذا دار الأمر بين القيام بلا استقرار و الجلوس مع الاستقرار يقدّم القيام، و اذا دار بين الصلاة ماشيا أو جالسا يقدّم الجلوس ان خيف على الميّت من الفساد مثلاً، و الاّ فالأحوط الجمع.
الشرح:
اذا لم يتمكّن من الصلاة قائما أصلاً يجوز أن يصلّي جالسا، و هكذا يكون الحال في الاستقرار؛ لأنّ اعتبارهما يختصّ بحال الاختيار و يسقط عند التعذّر. و اذا دار الأمر بين القيام بلا استقرار و الجلوس مع الاستقرار يقدّم الأوّل اذا صدق عليه القيام؛ لأنّ اعتبار القيام بدليل شرعي و أمّا الاستقرار من صفات القيام. و اذا دار الأمر بين الصلاة ماشيا أو جالسا يقدّم الجلوس؛ لأنّ الصلاة ماشيا خلاف سيرة العلماء و المتشرّعة مع أنّ مراعاة القبلة فيها و كون الميّت قدّامه يشكل مع المشي.
(مسألة 3): اذا لم يمكن الاستقبال أصلاً سقط. و ان اشتبه صلّى الى أربع جهات، الاّ اذا خيف عليه الفساد فيتخيّر. و ان كان بعض الجهات مظنونا صلّى اليه و ان كان الأحوط الأربع.
الشرح:
اذا لم يمكن الاستقبال أصلاً سقط كما يكون ذلك في كلّ ما يشترط فيه القبلة و يتعذّر منه. و كذا يكون الحال ان اشتبه فيصلّي الى أيّ جهة يريد كما قلنا في الصلوات اليوميّة، و الأحوط الأولى الصلاة الى الجهة المظنونة.
(مسألة 4): اذا كان الميّت في مكان مغصوب و المصلّي في مكان مباح صحّت الصلاة.
لأنّ الواجب هو أن يكون المصلّي في المكان المباح و أن لايكون قيامه في المكان الغصبي كما تقدّم.
(مسألة 5): اذا صلّى على ميّتين بصلاة واحدة و كان مأذونا من ولي أحدهما دون الآخر أجزأ بالنسبة الى المأذون فيه دون الآخر.
و ذلك لتحقّق الشرط بالنسبة الى الصلاة على الميّت الذي كان مأذونا من قبل وليّه، و لايكون التشريك في النيّة و الصلاة عليهما مبطلاً للصلاة على الآخر؛ للأصل.
(مسألة 6): اذا تبيّن بعد الصلاة أنّ الميّت كان مكبوبا وجب الاعادة بعد جعله مستلقيا على قفاه.
كما تقدّم في الأمر الأوّل من الأمور الراجعة الى شرائط صلاة الميّت.
(مسألة 7): اذا لم يصلّ على الميّت حتّى دفن يصلّى على قبره. و كذا اذا تبيّن بعد الدفن بطلان الصلاة من جهة من الجهات.
الشرح:
اذا لم يصلّ على الميّت حتّى دفن يصلّى على قبره؛ و ذلك لصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس أن يصلّي الرجل على الميّت بعد ما يدفن».(1)
و رواية مالك مولى الحكم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا فاتتك الصلاة على الميّت حتّى يدفن فلا بأس بالصلاة عليه و قد دفن».(2)
و اطلاق الروايتين يشمل ما اذا فاتت الصلاة عليه حتّى دفن.
و لايعارضهما ما روي من المنع عن الصلاة عليه اذا دفن كقوله عليه السلام في موثّقة عمّار: «و لا يصلّى عليه و هو مدفون»؛ لأنّه لايكون لهذا الموضع بل يكون جزءا من تمامها التي ذكرت في الأمر الأوّل من الأمور المتعلّقة بصلاة الميّت.
(مسألة 8): اذا صلّي على القبر ثمّ خرج الميّت من قبره بوجه من الوجوه فالأحوط اعادة الصلاة عليه.
الشرح:
الظاهر من اطلاق قوله عليه السلام : «فلا بأس بالصلاة عليه و قد دفن»، هو اجزاء الصلاة و ان خرج من القبر بوجه من الوجوه، الاّ أنّه لاينبغي ترك الاحتياط؛ لاحتمال أن يكون اجزاء الصلاة على القبر ماداميّا لا دائميّا.
(مسألة 9): يجوز التيمّم لصلاة الجنازة و ان تمكّن من الماء، و ان كان الأحوط الاقتصار على صورة عدم التمكّن من الوضوء أو الغسل أو صورة خوف فوت الصلاة منه.
الشرح:
الظاهر من صحيحة الحلبي المتقدّمة في المسألة الأولى أنّ التيمّم لصلاةالجنازة جائز لمن لم يتمكّن من الوضوء أو الغسل بحيث لو ذهب اليهما فاتته الصلاة. اللّهمّ الاّ أن يقال: تحمل القيود في المندوبات على مراتب الفضل، و جرت عليه سيرة الفقهاء كما في المهذّب(1). و الاحتياط لاينبغي تركه.
(مسألة 10): الأحوط ترك التكلّم في أثناء الصلاة على الميّت و ان كان لايبعد عدم البطلان به.
الشرح:
كما تقدّم في المسألة الأولى.
قال في المهذّب: «جمودا على اطلاق لفظ الصلاة عليها، و لالتزام المتشرّعة خلفا عن سلف، و هو يكفي للاحتياط و ان لم يكف للايجاب، مع امكان أن يقال: انّ المستفاد من الأدلّة أنّ لها وحدة اتّصاليّة عرفيّة تنقطع بالتكلّم في الأثناء».(2)
(مسألة 11): مع وجود من يقدر على الصلاة قائما في اجزاء صلاة العاجز عن القيام جالسا اشكال، بل صحّتها أيضا محلّ اشكال.
الشرح:
اذا قلنا بوجوب الصلاة قائما فاجزاء صلاة العاجز عن القيام جالسا موقوف على عدم وجود من يقدر على الصلاة قائما؛ و ذلك لأنّ جميع المكلّفين أمروا بها فلايسقط عنهم الاّ اذا جيء بها بتمام شرائطها.
(مسألة 12): اذا صلّى عليه العاجز عن القيام جالسا باعتقاد عدم وجود من يتمكّن من القيام ثمّ تبيّن وجوده، فالظاهر وجوب الاعادة، بل و كذا اذالم يكن موجودا من الأوّل لكن وجد بعد الفراغ من الصلاة. و كذا اذا عجز القادر القائم في أثناء الصلاة فتمّمها جالسا فانّها لاتجزي عن القادر فيجب عليه الاتيان بها قائما.
الشرح:
كما تقدّم في المسألة السابقة.
قال في المهذّب: «لأنّ العجز المعتبر في انقلاب التكليف الاختياري الى الاضطراري انّما هو العجز الثابت المستقرّ لا الزائل حتّى مع التمكّن من الاتيان بالمأمور به جامعا للشرائط».(1)
(مسألة 13): اذا شكّ في أنّ غيره صلّى عليه أم لا بنى على عدمها، و ان علم بها و شكّ في صحّتها و عدمها حمل على الصحّة، و ان كان من صلّى عليه فاسقا. نعم، لو علم بفسادها وجب الاعادة و ان كان المصلّي معتقدا للصحّة و قاطعا بها.
الشرح:
اذا شكّ في أنّ غيره صلّى عليه أم لا بنى على عدمها؛ لأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينيّة، فانّ التكليف بالصلاة متوجّه الى جميع المكلّفين. و أمّا ان علم بالصلاة عليها و شكّ في صحّتها حملت على الصحّة و ان كان المصلّي فاسقا؛ لاطلاق قاعدة حمل فعل المسلم على الصحّة. نعم، لو علم بفسادها وجب الاعادة و ان كان المصلّي معتقدا للصحّة؛ للاشتغال كما تقدّم.
1) - مهذّب الأحكام 4: 146.
(مسألة 14): اذا صلّى أحد عليه معتقدا بصحّتها بحسب تقليده أو اجتهاده لايجب على من يعتقد فسادها بحسب تقليده أو اجتهاده. نعم، لوعلم علما قطعيّا ببطلانها وجب عليه اتيانها و ان كان المصلّي أيضا قاطعا بصحّتها.
الشرح:
اذا صلّى أحد على الميّت معتقدا بصحّتها بحسب تقليده أو اجتهاده فهل تجب اعادتها على من يعتقد فسادها بحسب تقليده أو اجتهاده أو لا؟ ذهب المصنّف الى عدم وجوبها؛ و ذلك لعلّه لأنّ دليل المصلّي على صحّة صلاته الأدلّة الظنيّة - أي ظاهر الكتاب و السنّة - و هي حجّة فيما بينه و بين اللّه فأعماله صحيحة، كما أنّ الثاني دليله على فسادها الأدلّة الظنيّة و هي أيضا حجّة فيما بينه و بين اللّه فكما يمكن أن يكون الأوّل مخطئا كذلك الثاني.
و بالجملة حيث يكون عمل الأوّل مستندا الى الحجّة الشرعيّة فلايجوز للثاني تخطئته، الاّ أن يعلم علما قطعيّا ببطلان صلاته فحينئذ وجب عليه اتيانها و ان كان المصلّي أيضا قاطعا بصحّتها.
قال في المهذّب: «لوقوع العمل صحيحا بحسب الحكم الشرعي فيجزئ قهرا، و لا وجه لشمول أدلّة الوجوب لمن يعتقد بالفساد؛ لعدم الموضوع لها بعد حكم الشارع بالصحّة، و لو شكّ في شمولها بالنسبة اليه فلا وجه للتمسّك بها؛ لأنّه من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة، كما لا وجه لاستصحاب الوجوب بعد سقوط الموضوع بالاجزاء القهري فيكون المرجع أصالة البراءة ولكن الأحوط له الاتيان».(1)
قال في التنقيح: «هذه المسألة و ان عنونت في المقام الاّ أنّها سارية في كلّ
1) - مهذّب الأحكام 4: 147
واجب كفائي يأتي به الفاعل صحيحا في نظره و هو باطل عند الآخر بحسب اجتهاده أو تقليده. و كذلك الحال في غير الواجب كما لو طهر المسجد بماء قليلملاقٍ النجس باعتقاد أنّ القليل كالكثير لاينفعل بالملاقاة، أو أنّه غسّل الميّت بذلك الماء أو ذبح ذبيحة بآلة غير حديديّة كالصفر و النحاس باعتقاد أنّ الحديد لا خصوصيّة له مع أنّ الآخر يرى نجاسة القليل بالملاقاة أو اشتراط الذبح الشرعي بآلة الحديد و هكذا.
و الصحيح عدم جواز الاجتزاء بفعل الغير حينئذٍ؛ و ذلك لأنّ التكليف قد تنجّز في حقّه بعلمه، و عمل العامل لايسقط الأمر عنه؛ لبطلان عمل الغير عنده أو عند مجتهده، و لعدم دلالة الدليل على كفايته اذا كان صحيحا عنده، فلا بدّ من اعادة الصلاة على الميّت في المقام، كما و لا بدّ من غسل المسجد أو الميّت ثانيا و الاجتناب عن الذبيحة في المثال».(1)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه في التنقيح أقرب الى الصواب؛ و ذلك لأنّ الفرض أنّ المجتهد الثاني الذي يعتقد فساد صلاة المجتهد الأوّل قائل على الفرض بأنّه قد أخطأ في استنباطه من الدليل، فكيف يجوز له الاقتناع بعمله و أن تكون صلاته كافية عنه مع كونها باطلة. و كذا يكون الحال لمقلّده بتبع مجتهده. فحينئذ فوجوب الاعادة عليه ان لم يكن أقوى فهو أحوط، كما هو كذلك بالنسبة الى الأمثلة التي أتى بها في التنقيح.
1) - التنقيح في شرح العروة 9: 273.
(مسألة 15): المصلوب بحكم الشرع لايصلّى عليه قبل الانزال، بل يصلّى عليه بعد ثلاثة أيّام بعد ما ينزل، و كذا اذا لم يكن بحكم الشرع لكن يجب انزاله فورا و الصلاة عليه، و لو لم يمكن انزاله يصلّى عليه و هو مصلوب مع مراعاة الشرائط بقدر الامكان.
الشرح:
يدلّ على ذلك رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«انّ أميرالمؤمنين عليه السلام صلب رجلاً بالحيرة ثلاثة أيّام، ثمّ أنزله في اليوم الرابع فصلّى عليه و دفنه».(1)
و بهذا الاسناد أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال:
«لاتدعوا المصلوب بعد ثلاثة أيّام حتّى ينزل فيدفن».(2)
و مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام :
«المصلوب ينزل عن الخشبة بعد ثلاثة أيّام و يغسّل و يدفن، و لايجوز صلبه أكثر من ثلاثة أيّام».(3)
و لو لم يمكن انزاله يصلّى عليه و هو مصلوب مع مراعاة الشرائط بقدر الامكان، كما تقدّم في الشرط الثامن من شرائط صلاة الميّت من وجوب الاستقبال و ذكرنا الدليل عليه و هو قوله عليه السلام في صحيحة أبي هاشم الجعفري: «أما علمت أنّ جدّي عليه السلام صلّى على عمّه»، بعد سؤاله منه عليه السلام عن المصلوب. و المراد من جدّه عليه السلام هو جعفر بن محمّد الصادق عليهماالسلام و عمّه زيد بن علي بن الحسين عليهماالسلام .
(مسألة 16): يجوز تكرار الصلاة على الميّت سواء اتّحد المصلّي أوتعدّد لكنّه مكروه الاّ اذا كان الميّت من أهل العلم و الشرف و التقوى.
الشرح:
يجوز تكرار الصلاة على الميّت سواء اتّحد المصلّي أو تعدّد؛ و ذلك للروايات الواردة في الوسائل في الباب السادس من أبواب صلاة الجنازة:
منها صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كبّر أميرالمؤمنين عليه السلام على سهل بن حنيف و كان بدريّا خمس تكبيرات، ثمّ مشى ساعة ثمّ وضعه و كبّر عليه خمسة أخرى، فصنع به ذلك حتّى كبّر عليه خمسا و عشرين تكبيرة».(1)
و منها صحيحة اسماعيل بن جابر و زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث):
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله صلّى على حمزة سبعين صلاة، و كبّر عليه سبعين تكبيرة».(2)
بناءً على أنّ المراد منهما تكرار الصلاة، كما دلّ عليه رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«كبّر رسول اللّه صلى الله عليه و آله على حمزة سبعين تكبيرة، و كبّر علي عليه السلام عندكم على سهل بن حنيف خمسا و عشرين تكبيرة، قال: كبّر خمسا خمسا، كلّما أدركه الناس قالوا: يا أميرالمؤمنين لم ندرك الصلاة على سهل فيضعه فيكبّر عليه خمسا، حتّى انتهى الى قبره خمس مرّات».(3)
و منها صحيحة أبي مريم الأنصاري قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: كفّن رسول اللّه عليه السلام في ثلاثة أثواب - الىأن قال: - قلت: و كيف صلّي عليه؟ قال: سجّي بثوب و جعل وسط البيت، فاذا دخل قوم داروا به و صلّوا عليه و دعوا له ثمّ يخرجون و يدخل آخرون».(1)
و منها موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الميّت يصلّى عليه ما لم يوار بالتراب، و ان كان قد صلّي عليه».(2)
و منها صحيحة يونس بن يعقوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الجنازة لم أدركها حتّى بلغت القبر أصلّي عليها؟ قال: ان أدركتها قبل أن تدفن فان شئت فصلّ عليها».(3)
و لا تعارضها رواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبدللّه عليه السلام قال:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آلهصلّى على جنازة فلمّا فرغ جاء قوم فقالوا: فاتتنا الصلاة عليها، فقال: انّ الجنازة لايصلّى عليها مرّتين، ادعوا لها و قولوا خيرا».(4)
و قوله صلى الله عليه و آله في رواية وهب بن وهب:
« ... لايصلّى على جنازة مرّتين، ولكن ادعوا له».(5)
لأنّهما مع ضعفهما سندا تحملان على الكراهة؛ جمعا، الاّ اذا كان الميّت من أهل العلم و الشرف و التقوى.
1) - وسائل الشيعة 3: 85 / الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 16.
2) - وسائل الشيعة 3: 86 / الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 19.
3) - وسائل الشيعة 3: 86 / الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 20.
4) - وسائل الشيعة 3: 87 / الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 23.
5) - وسائل الشيعة 3: 88 / الباب 6 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 24.
(مسألة 17): يجب أن يكون الصلاة قبل الدفن، فلايجوز التأخير الى ما بعده. نعم، لو دفن قبل الصلاة عصيانا أو نسيانا أو لعذر آخر أو تبيّن كونهافاسدة و لو لكونه حال الصلاة عليه مقلوبا لايجوز نبشه لأجل الصلاة بل يصلّى على قبره مراعيا للشرائط من الاستقبال و غيره، و ان كان بعد يوم و ليلة بل و أزيد أيضا، الاّ أن يكون بعد ما تلاشى و لم يصدق عليه الشخص الميّت، فحينئذ يسقط الوجوب، و اذا برز بعد الصلاة عليه بنبش أو غيره فالأحوط اعادة الصلاة عليه.
الشرح:
يجب أن تكون الصلاة قبل الدفن، و لايجوز تأخيرها الى ما بعد الدفن؛ و ذلك لظاهر الروايات الدالّة على وجوب صلاة الجنازة و أنّ محلّها بعد الغسل و التكفين كما مرّ في الأمور المتعلّقة بشرائط صلاة الميّت. نعم، لو نسيت الصلاة عليه حتّى دفن فتجب الصلاة على قبره مادام لم يتلاش الجسد. و كذا لو دفن بدون الصلاة عليه بأيّ وجه من الوجوه، فلايجوز نبش القبر للصلاة عليه.
قال في الجواهر: «لا خلاف في عدم جواز تأخير الصلاة الى الدفن على القبر اختيارا، بل الاجماع بقسميه عليه، بل كاد يكون ضروريّا، و تقدّمت الاشارة الى ذلك، و ليس المراد من الفتاوى و بعض النصوص الآتية الرخصة في التأخير قطعا كما ستعرف، الاّ أنّ الظاهر عدم سقوطها بذلك لو كان عمدا فضلاً عمّا لو كان عن عذر، بلا خلاف صريح أجده الاّ من المصنّف في المعتبر و المحكي عن الفاضل في بعض كتبه، و مال اليه في المدارك.
و لا ريب في ضعفه؛ للأصل و اطلاق دليل الوجوب و فحوى نصوص الجواز كما في صحيح هشام بن سالم: «لا بأس أن يصلّي الرجل على الميّت بعد ما يدفن»؛ ضرورة أنّه يمكن دعوى لزوم الجواز للوجوب في الفرض؛ لعدم ما يصلح حينئذٍ مقيّدا لاطلاق نحو قوله صلى الله عليه و آله: «لاتدعوا أحدا من أمّتي بلا صلاة»، كما
أنّ منه يعلم تحكيم حرمة النبش تحصيلاً للصلاة عليه غير مدفون، على دليله، و ان كان التعارض بينهما من وجه، و في الشافية عن العلاّمة الاجماع على حرمةالنبش بذلك، بل لايبعد عدم تحديد ذلك بيوم الدفن أو باليوم و الليلة أو بالثلاثة أو بتغيّر الصورة؛ للأصل و الاطلاق المزبور، فيصلّى حينئذٍ عليه الى أن يعلم أنّه صار رميما و خرج عن صدق اسم الميّت. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 18): الميّت المصلّى عليه قبل الدفن يجوز الصلاة على قبره أيضا ما لم يمض أزيد من يوم و ليلة، و اذا مضى أزيد من ذلك فالأحوط الترك.
الشرح:
الميّت المصلّى عليه قبل الدفن يجوز الصلاة على قبره أيضا؛ لصحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس أن يصلّي الرجل على الميّت بعد ما يدفن».(2)
و نحوها قوله عليه السلام في رواية مالك مولى الحكم:
«اذا فاتتك الصلاة على الميّت حتّى يدفن فلا بأس بالصلاة عليه و قد دفن».(3)
و قوله عليه السلام في رواية عمرو بن جميع:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله اذا فاتته الصلاة على الجنازة صلّى على قبره».(4)
و قد تقدّم عن الجواهر عدم التحديد في ذلك؛ لأنّه لم يرد في رواية و لا اجماع عليه، فيجوز ما صدق عليه الجسد.
(مسألة 19): يجوز الصلاة على الميّت في جميع الأوقات بلا كراهة حتّى في الأوقات التي يكره النافلة فيها عند المشهور، من غير فرق بين أن يكونالصلاة على الميّت واجبة أو مستحبّة.
الشرح:
يدلّ على ما في المتن قول أبي جعفر عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم:
«يصلّى على الجنازة في كلّ ساعة، الحديث».(1)
و صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس بالصلاة على الجنائز حين تغيب الشمس و حين تطلع؛ انّما هو استغفار».(2)
و موثّقة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبدللّه عليه السلام : هل يمنعك شيء من هذه الساعات عن الصلاة على الجنائز؟ فقال: لا».(3)
و لاتعارضها موثّقة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«تكره الصلاة على الجنائز حين تصفرّ الشمس و حين تطلع».(4)
لأنّها تحمل على التقيّة كما حمله الشيخ و لما تقدّم ممّا دلّ على استحباب تعجيل التجهيز.
(مسألة 20): يستحبّ المبادرة الى الصلاة على الميّت و ان كان في وقت فضيلة الفريضة، ولكن لايبعد ترجيح تقديم وقت الفضيلة مع ضيقه، كما أنّ
الأولى تقديمها على النافلة و على قضاء الفريضة. و يجب تقديمها على الفريضة فضلاً عن النافلة في سعة الوقت اذا خيف على الميّت من الفساد، ويجب تأخيرها عن الفريضة مع ضيق وقتها و عدم الخوف على الميّت، و اذا خيف عليه مع ضيق وقت الفريضة تقدّم الفريضة، و يصلّى عليه بعد الدفن. و اذا خيف عليه من تأخير الدفن مع ضيق وقت الفريضة يقدّم الدفن و تقضى الفريضة، و ان أمكن أن يصلّي الفريضة مومئا صلّى ولكن لايترك القضاء أيضا.
الشرح:
اذا حضرت الصلاة على الجنازة و دخل وقت صلاة مكتوبة فالأفضل تقديم الصلاة المكتوبة؛ لرواية علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن صلاة الجنائز اذا احمرّت الشمس أتصلح أو لا؟ قال: لا صلاة في وقت صلاة، و قال: اذا وجبت الشمس فصلّ المغرب ثمّ صلّ على الجنائز».(1)
الاّ اذا خيف على الميّت بوجه من الوجوه فيقدّم صلاة الميّت و دفنه ما لم يتضيّق وقت الصلاة المكتوبة؛ و ذلك لرواية هارون بن حمزة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا دخل وقت صلاة مكتوبة فابدأ بها قبل الصلاة على الميّت، الاّ أن يكون الميّت مبطونا أو نفساء أو نحو ذلك».(2)
و لاتعارضهما رواية جابر قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : اذا حضرت الصلاة على الجنازة في وقت مكتوبة فبأيّهما أبدأ؟ فقال: عجّل الميّت الى قبره الاّ أن تخاف
أن يفوت وقت الفريضة، و لاتنتظر بالصلاة على الجنازة طلوع الشمس و لا غروبها».(1)
لأنّها تحمل على الجواز؛ جمعا، أو تحمل على أنّ المراد بها فوت وقت الفضيلة.
ثمّ انّه اذا خيف فوت الفريضة و لم يخف على الميّت فالواجب تقديم الفريضة؛ تقديما للواجب المضيّق على الموسّع. و لو تزاحمت الفريضة و صلاة الميّت و لم يمكن الجمع و لو باسقاط المستحبّات فيرجع الى الأهمّ و المهمّ، و تشخيصه بحسب الميّت مختلف. و قد ذكر في التنقيح تفصيلاً فراجع.(2)
فاعلم أنّه قد يكون الأفضل تأخير صلاة الميّت لاعلام المؤمنين و حضورهم و حضور العلماء و الأتقياء، كما هو واضح.
(مسألة 21): لايجوز على الأحوط اتيان صلاة الميّت في أثناء الفريضة و ان لم تكن ماحية لصورتها، كما اذا اقتصر على التكبيرات و أقلّ الواجبات من الأدعية في حال القنوت مثلاً.
الشرح:
لا اشكال في عدم جواز صلاة الميّت في أثناء الفريضة ان كانت ماحية لصورتها؛ لأنّ ابطال الصلاة الواجبة عبثا لايجوز. و أمّا اذا لم تكن ماحية لصورة الصلاة و هيأتها ففيها اشكال؛ لأنّ صلاة الميّت - و ان لم تكن صلاة حقيقة - الاّ أنّها مجموعة منفردة فيلزم أن يقال: قد صلّي على الميّت، فالادغام في الفريضة بأن يؤتى بها في القنوت مثلاً و لم يقل بأنّه صلّي على الميّت فهو مشكوك، فالاحتياط محكّم.
(مسألة 22): اذا كان هناك ميّتان يجوز أن يصلّي على كلّ واحد منهما منفردا، و يجوز التشريك بينهما في الصلاة فيصلّي صلاة واحدة عليهما و انكانا مختلفين في الوجوب و الاستحباب، و بعد التكبير الرابع يأتي بضمير التثنية، هذا اذا لم يخف عليهما أو على أحدهما من الفساد، و الاّ وجب التشريك أو تقديم من يخاف فساده.
الشرح:
اذا كان هناك ميّتان أو أكثر يجوز أن يصلّي على كلّ واحد منهما منفردا؛ لوجود المقتضي و عدم المانع و يجوز التشريك في الصلاة بينهما أو أكثر فيصلّي صلاة واحدة عليهما أو عليهم. و الدليل على التشريك روايات قد أوردها في الوسائل في الباب الثاني و الثلاثين من أبواب صلاة الجنازة:
ففي صحيحة عبيداللّه الحلبي قال:
«سألته عن الرجل و المرأة يصلّى عليهما؟ قال: يكون الرجل بين يدي المرأة ممّا يلي القبلة فيكون رأس المرأة عند وركي الرجل ممّا يلي يساره، و يكون رأسها أيضا ممّا يلي يسار الامام و رأس الرجل ممّا يلي يمين الامام».(1)
و في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس أن يقدّم الرجل و تؤخّر المرأة، و يؤخّر الرجل و تقدّم المرأة، يعني في الصلاة على الميّت».(2)
و كيفيّتها كما يصلّى على الميّت الواحد، الاّ أنّه بعد التكبير الرابع يأتي بضمير التثنية ان كانا ميّتين أو يأتي بضمير الجمع ان كانوا أكثر.
ثمّ انّ التخيير بين الصلاة على كلّ واحد منفردا أو التشريك فيما اذا لم يخف
عليهم أو على أحدهما - فيما اذا كانا اثنين - من الفساد، و الاّ وجب التشريك أو تقديم من يخاف فساده كما هو واضح.
(مسألة 23): اذا حضر في أثناء الصلاة على الميّت ميّت آخر يتخيّر المصلّي بين وجوه:
«الأوّل»: أن يتمّ الصلاة على الأوّل، ثمّ يأتي بالصلاة على الثاني.
«الثاني»: قطع الصلاة و استئنافها بنحو التشريك.
«الثالث»: التشريك في التكبيرات الباقية و اتيان الدعاء لكلّ منهما بما يخصّه و الاتيان ببقيّة الصلاة للثاني بعد تمام صلاة الأوّل، مثلاً اذا حضر قبل التكبير الثالث يكبّر و يأتي بوظيفة صلاة الأوّل و هي الدعاء للمؤمنين و المؤمنات و بالشهادتين لصلاة الميّت الثاني، و بعد التكبير الرابع يأتي بالدعاء للميّت الأوّل و بالصلاة على النبي صلى الله عليه و آلهللميّت الثاني، و بعد الخامسة تتمّ صلاة الأوّل و يأتي للثاني بوظيفة التكبير الثالث، و هكذا يتمّ بقيّة صلاته. و يتخيّر في تقديم وظيفة الميّت الأوّل أو الثاني بعد كلّ تكبير مشترك. هذا مع عدم الخوف على واحد منهما و أمّا اذا خيف على الأوّل يتعيّن الوجه الأوّل، و اذا خيف على الثاني يتعيّن الوجه الثاني أو تقديم الصلاة على الثاني بعد القطع، و اذا خيف عليهما معا يلاحظ قلّة الزمان في القطع و التشريك بالنسبة اليهما ان أمكن، و الاّ فالأحوط عدم القطع.
الشرح:
قد ورد في ذلك صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن قوم كبّروا على جنازة تكبيرة أو اثنتين، و وضعت معها أخرى كيف يصنعون؟ قالوا: ان شاءوا تركوا الأولى حتّى يفرغوا من
التكبير على الأخيرة، و ان شاءوا رفعوا الأولى و أتمّوا ما بقي على الأخيرة، كلّ ذلك لا بأس».(1)
قال في الوسائل: «استدلّ به جماعة على التخيير بين قطع الصلاة على الأولى و استئنافها عليهما، و بين اكمال الصلاة على الأولى و افراد الثانية بصلاة ثانية.
قال الشهيد في الذكرى: «و الرواية قاصرة عن افادة المدّعى؛ اذ ظاهرها أنّ ما بقي من تكبير الأولى محسوب للجنازتين، فاذا فرغ من تكبير الأولى تخيّروا بين تركها بحالها حتّى يكملوا التكبير على الأخيرة، و بين رفعها من مكانها و الاتمام على الأخيرة». انتهى.
ثمّ أقول: يحتمل أن يراد بالتكبير هنا مجموع التكبير على الجنازتين، أعني التكبيرات العشر بمعنى أنّهم يتمّون الأولى و يستأنفون صلاة للأخرى، و يتخيّرون في رفع الأولى و تركها، و حينئذٍ لاتدلّ على ما قالوه و لا على ما قاله الشهيد، و هذا هو الأحوط».(2)
أقول:
الظاهر أنّ ما ذهب اليه الشهيد في الذكرى هو الصحيح. بمعنى أنّ ما بقي من التكبيرات محسوب للجنازتين و أمّا كيفيّة الدعاء فلم تتعرّض لها الصحيحة فلا بأس بالعمل بما قاله المصنّف.
و أمّا الوجه الأوّل و الثاني الذان ذهب اليهما الماتن فلا بأس به أيضا؛ فانّ الأوّل مطابق للقاعدة، و الثاني لعدم حرمة القطع. و أمّا ما ذكره في ذيله من أنّه اذا خيف على الأوّل يتعيّن الوجه الأوّل ... الخ ما قاله، فهو مطابق للقاعدة من رعاية تقديم الأهمّ فالأهمّ.
و هي أمور: «الأوّل»: أن يكون المصلّي على طهارة من الوضوء أو الغسل أو التيمّم. و قد مرّ جواز التيمّم مع وجدان الماء أيضا ان خاف فوت الصلاة لو أراد الوضوء، بل مطلقا.
تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الأولى و التاسعة من الفصل السابق.
«الثاني»: أن يقف الامام و المنفرد عند وسط الرجل بل مطلق الذكر و عند صدر المرأة بل مطلق الأنثى و يتخيّر في الخنثى، و لو شرّك بين الذكر و الأنثى في الصلاة جعل وسط الرجل في قبال صدر المرأة ليدرك الاستحباب بالنسبة الى كلّ منهما.
الشرح:
يدلّ على ذلك مرسلة عبداللّه بن المغيرة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : من صلّى على امرأة فلايقوم في وسطها، و
يكون ممّا يلي صدرها، و اذا صلّى على الرجل فليقم في وسطه».(1)و رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقوم من الرجال بحيال السرّة، و من النساء من دون ذلك قبل الصدر».(2)
و يجوز عند الرأس للمرأة و عند الصدر للرجل؛ لقوله7 في رواية موسى بن بكر:
«اذا صلّيت على المرأة فقم عند رأسها، و اذا صلّيت على الرجل فقم عند صدره».(3)
و كما قال المصنّف يجوز الوقوف بما في الرواية لمطلق الذكر و كذا لمطلق الأنثى، و يتخيّر في الخنثى؛ لفقد المرجّح.
و لو شرّك بين الذكر و الأنثى في الصلاة جعل وسط الرجل في قبال صدر المرأة كما في الرواية الأولى؛ ليدرك الاستحباب بالنسبة الى كلّ منهما.
«الثالث»: أن يكون المصلّي حافيا، بل يكره الصلاة بالحذاء دون مثل الخفّ و الجورب.
الشرح:
لرواية سيف بن عميرة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لايصلّى على جنازة بحذاء و لا بأس بالخفّ».(4)
«الرابع»: رفع اليدين عند التكبير الأوّل بل عند الجميع على الأقوى.
الشرح:
يدلّ على استحباب رفع اليدين عند جميع التكبيرات صحيحة عبدالرحمن بن العرزمي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صلّيت خلف أبي عبداللّه عليه السلام على جنازة فكبّر خمسا، يرفع يده في كلّ تكبيرة».(1)
و قوله عليه السلام في رواية يونس:
« ... ارفع يدك في كلّ تكبيرة».(2)
و على الاقتصار في التكبيرة الأولى صحيحة غياث بن ابراهيم عن أبي عبداللّه عليه السلام عن علي عليه السلام :
«انّه كان لايرفع يده في الجنازة الاّ مرّة واحدة. يعني في التكبير».(3)
«الخامس»: أن يقف قريبا من الجنازة، بحيث لو هبّت الريح وصل ثوبه اليها.
قال في المهذّب: «لما قاله في الفقيه، و الدليل منحصر فيه، و هو يكفي في الاستحباب بناءً على المسامحة فيه حتى بهذا المقدار».(4)
«السادس»: أن يرفع الامام صوته بالتكبيرات بل الأدعية أيضا، و أن يسرّ المأموم.
يمكن أن يستفاد استحباب الجهر للامام ممّا ورد في استحباب الجهر بالتكبير للامام في صلاة الفريضة تنزيلاً لهذه منزلتها.
«السابع»: اختيار المواضع المعتادة للصلاة التي هي مظانّ الاجتماع و كثرة المصلّين.
يمكن استفادة هذا الاستحباب من صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا مات المؤمن فحضر جنازته أربعون رجلاً من المؤمنين فقالوا: اللّهمّ انّا لانعلم منه الاّ خيرا و أنت أعلم به منّا، قال اللّه تبارك و تعالى: قد أجزت شهاداتكم و غفرت له ما علمت ممّا لاتعلمون».(1)
«الثامن»: أن لاتوقع في المساجد، فانّه مكروه عدا مسجد الحرام.
الشرح:
الظاهر عدم البأس بالصلاة على الجنازة في المسجد؛ لصحيحة الفضل بن عبدالملك قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام هل يصلّى على الميّت في المسجد؟ قال: نعم».(2)
و أمّا رواية أبي بكر بن عيسى بن أحمد العلوي قال:
«كنّا في المسجد و قد جيء بجنازة فأردت أن أصلّي عليها فجاء
أبو الحسن الأوّل عليه السلام فوضع مرفقه في صدري فجعل يدفعني حتّىأخرجني من المسجد، ثمّ قال: يا أبا بكر انّ الجنائز لايصلّى عليها في المسجد».(1)
فتحمل على الكراهة جمعا.
«التاسع»: أن تكون بالجماعة و ان كان يكفي المنفرد و لو امرأة.
تقدّم في المسألة الحاديه عشرة من فصل الصلاة على الميّت استحباب كونها بالجماعة، و ان كان يكفي انفرادا؛ لاطلاق الروايات.
«العاشر»: أن يقف المأموم خلف الامام و ان كان واحدا، بخلاف اليوميّة حيث يستحبّ وقوفه ان كان واحدا الى جنبه.
تقدّم في المسألة السادسه عشرة من فصل الصلاة على الميّت، رواية اليسع بن عبداللّه القمّي(2)فراجع.
«الحادي عشر»: الاجتهاد في الدعاء للميّت و المؤمنين.
لصحيحة الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا صلّيت على المؤمن فادع له و اجتهد له في الدعاء، و ان كان واقفا مستضعفا فكبّر، و قل: اللّهمّ اغفر للذين تابوا و اتّبعوا سبيلك و قهم عذاب الجحيم».(3)
«الثاني عشر»: أن يقول قبل الصلاة: «الصلاة»، ثلاث مرّات.
الشرح:
يمكن أن يستدلّ عليه برواية اسماعيل بن جابر عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: أرأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان و اقامة؟ قال عليه السلام : ليس فيهما أذان و لا اقامة، ولكن ينادى: الصلاة، ثلاث مرّات، الحديث».(1)
بدعوى القاء خصوصيّة المورد فيشمل جميع الصلوات المطلوبة فيها الاجتماع حتّى صلاة الميّت كما في المهذّب.(2)
«الثالث عشر»: أن تقف الحائض اذا كانت مع الجماعة في صفّ وحدها.
و قد تقدّم في المسألة السابعه عشرة من فصل الصلاة على الميّت.
«الرابع عشر»: رفع اليدين عند الدعاء على الميّت بعد التكبير الرابع، على قول بعض العلماء. لكنّه مشكل ان كان بقصد الخصوصيّة و الورود.
الشرح:
قال في المدارك: «و لم يذكر الأصحاب هنا استحباب رفع اليدين في حالة الدعاء للميّت و لايبعد استحبابه؛ لاطلاق الأمر برفع اليدين في الدعاء المتناول لذلك و لغيره».(3)
و فيه اشكال؛ لأنّه خلاف ما هو المتعارف بين العلماء و المتشرّعين، و لايبعددعوى انصراف رفع اليدين في الدعاء لغير هذا المورد.
(مسألة 1): اذا اجتمعت جنازات فالأولى الصلاة على كلّ واحد منفردا و ان أراد التشريك فهو على وجهين:
«الأوّل»: أن يوضع الجميع قدّام المصلّي مع المحاذاة، و الأولى مع اجتماع الرجل و المرأة جعل الرجل أقرب الى المصلّي، حرّا كان أو عبدا، كما أنّه لو اجتمع الحرّ و العبد جعل الحرّ أقرب اليه. و لو اجتمع الطفل مع المرأة جعل الطفل أقرب اليه اذا كان ابن ستّ سنين و كان حرّا. و لو كانوا متساوين في الصفات لا بأس بالترجيح بالفضيلة و نحوها من الصفات الدينيّة و مع التساوي فالقرعة، و كلّ هذا على الأولويّة لا الوجوب فيجوز بأيّ وجه اتّفق.
«الثاني»: أن يجعل الجميع صفّا واحدا، و يقوم المصلّي وسط الصفّ بأن يجعل رأس كل عند ألية الآخر شبه الدرج و يراعي في الدعاء لهم بعد التكبير الرابع تثنية الضمير أو جمعه و تذكيره و تأنيثه، و يجوز التذكير في الجميع بلحاظ لفظ الميّت كما أنّه يجوز التأنيث بلحاظ الجنازة.
الشرح:
اذا اجتمعت جنازات قال المصنّف: «فالأولى الصلاة على كلّ واحد منفردا»؛ فلعلّه نوع من الاحترام بشأن الميّت.
و أمّا ان أراد التشريك فقال المصنّف: «فهو على وجهين: «الأوّل»: أن يوضع الجميع قدّام المصلّي ... الخ ما قاله المصنّف»؛ يدلّ على ذلك أي المحاذاة صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لا بأس أن يقدّم الرجل و تؤخّر المرأة، و يؤخّر الرجل و تقدّم المرأة، يعني في الصلاة على الميّت».(1)
و الأولى مع اجتماع الرجل و المرأة جعل الرجل أقرب الى المصلّي؛
1) - وسائل الشيعة 3: 126 / الباب 32 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 6.
لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن الرجال و النساء كيف يصلّى عليهم؟ قال: الرجال أمام النساء ممّا يلي الامام يصفّ بعضهم على أثر بعض».(1)
و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«في الرجل و المرأة كيف يصلّى عليهما؟ فقال: يجعل الرجل وراء المرأة، و يكون الرجل ممّا يلي الامام».(2)
و لو اجتمع الحرّ و العبد فالأولى أن يجعل الحرّ أقرب اليه كما قاله المصنّف؛ يدلّ عليه خبر طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان اذا صلّى على المرأة و الرجل قدّم المرأة و أخّر الرجل، و اذا صلّى على العبد و الحرّ قدّم العبد و أخّر الحرّ، و اذا صلّى على الصغير و الكبير قدّم الصغير و أخّر الكبير».(3)
الوجه الثاني: أن يجعل الجميع صفّا واحدا بنحو ما قاله المصنّف؛ يدلّ على ذلك موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في الرجل يصلّي على ميّتين أو ثلاثة موتى، كيف يصلّي عليهم؟ قال: ان كان ثلاثة أو اثنين أو عشرة أو أكثر من ذلك فليصلّ عليهم صلاة واحدة، يكبّر عليهم خمس تكبيرات كما يصلّي على ميّت واحد و قد صلّى عليهم جميعا يضع ميّتا واحدا ثمّ يجعل الآخر الى ألية الأوّل، ثمّ يجعل رأس الثالث الى ألية الثاني شبه المدرّج، حتّى يفرغ منهم كلّهم ما كانوا، فاذا سوّاهم هكذا قام في الوسط فكبّرخمس تكبيرات، يفعل كما يفعل اذا صلّى على ميّت واحد. سئل:
فان كان الموتى رجالاً و نساءً؟ قال: يبدأ بالرجال فيجعل رأس الثاني الى ألية الأوّل حتّى يفرغ من الرجال كلّهم، ثمّ يجعل رأس المرأة الى ألية الرجل الأخير، ثمّ يجعل رأس المرأة الأخرى الى ألية المرأة الأولى حتّى يفرغ منهم كلّهم، فاذا سوّى هكذا قام في الوسط وسط الرجال فكبّر و صلّى عليهم كما يصلّي على ميّت واحد، الحديث».(1)
و يراعى في الدعاء لهم بعد التكبيرة الرابعة تثنية الضمير أو جمعه و تذكيره أو تأنيثه، و يجوز التذكير في الجميع بلحاظ لفظ الميّت، كما أنّه يجوز التأنيث بلحاظ الجنازة.
هذا و قد دلّ الدليل على الوجهين اللذين أتى بهما المصنّف، الاّ أنّهما ليسا بواجبين، و يجوز وضع الأموات للصلاة عليهم بنحو آخر غيرهما، كأن يوضع بعضهم فوق بعض مثلاً.
1) - وسائل الشيعة 3: 125 / الباب 32 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 2.
يجب كفاية دفن الميّت، بمعنى مواراته في الأرض بحيث يؤمن على جسده من السباع، و من ايذاء ريحه للناس، و لايجوز وضعه في بناء أو في تابوت و لو من حجر، بحيث يؤمن من الأمرين مع القدرة على الدفن تحت الأرض. نعم، مع عدم الامكان لا بأس بهما. و الأقوى كفاية مجرّد المواراة في الأرض بحيث يؤمن من الأمرين من جهة عدم وجود السباع أو عدم وجود الانسان هناك، لكن الأحوط كون الحفيرة على الوجه المذكور و ان كان الأمن حاصلاً بدونه.
الشرح:
قال في المدارك: «أجمع العلماء كافّة على وجوب الدفن؛ لأمر النبي صلى الله عليه و آله به و فعله. و قد قطع الأصحاب و غيرهم بأنّ الواجب وضعه في حفيرة تستر عن الانس ريحه و عن السباع بدنه، بحيث يعسر نبشها غالبا؛ لأنّ فائدة الدفن انّما تتمّ بذلك، و ظاهرهم تعيّن الحفيرة فلايجزي التابوت و الأزج(1)الكائنان على وجه
1) - الأزج: ضرب من الأبنية و هو بيت يبنى طولاً.
الأرض، و به قطع في الذكرى؛ لأنّه مخالف لما أمر به النبي صلى الله عليه و آلهمن الحفر، و لأنّه صلى الله عليه و آله دفن و دُفِنَ كذلك، و هو عمل الصحابة و التابعين.
و لو تعذّر الحفر لصلابة الأرض أو كثرة الثلج و نحو ذلك فيجزي مواراته بحسب الامكان، و يجب مراعاة تحصيل الغرض من الدفن بجمع الوصفين ان أمكن و الاّ سقط. و لو دفن بالتابوت في الأرض جاز لكنّه مكروه اجماعا، نقله في المبسوط، و قيل: انّه لا فرق في الكراهة بين أنواع التابوت. انتهى ملخّصا».(1)
و في رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام قال:
«انّما أمر بدفن الميّت لئلاّيظهر الناس على فساد جسده و قبح منظره و تغيّر ريحه، و لايتأذّى به الأحياء بريحه، و بما يدخل عليه من الآفة و الفساد، و ليكون مستورا عن الأولياء و الأعداء، فلايشمت عدوّ و لايحزن صديق».(2)
أقول:
الظاهر وجوب مواراة الميّت في الأرض كما قال المصنّف، و لايجوز وضعه في بناء أو تابوت و لو حصل الأمران المذكوران في المتن؛ و ذلك لظاهر الرواية المذكورة عن أبي الحسن الرضا عليه السلام ، و فتوى العلماء منّا و من غيرنا كما عرفت في المدارك، و معهوديّته بين المتشرّعة بل غيرهم من المسلمين بل في كلّ ملّة.
نعم، اذا لم يقدر على الدفن في الأرض فيواريه حيث يمكن. و الأحوط كون المواراة على الوجهين المذكورين في المتن و ان أومن من ايذاء ريحه الناس أو على جسده من السباع.
(مسألة 1): يجب كون الدفن مستقبل القبلة على جنبه الأيمن بحيث يكون رأسه الى المغرب و رجلاه الى المشرق. و كذا في الجسد بلا رأس، بل في الرأس بلا جسد، بل في الصدر وحده، بل في كلّ جزء يمكن فيه ذلك.
الشرح:
لصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان البراء بن معرور الأنصاري بالمدينة و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله بمكّة و أنّه حضره الموت و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و المسلمون يصلّون الى بيت المقدّس، فأوصى البراء أن يجعل وجهه الى تلقاء النبي صلى الله عليه و آله الى القبلة، و أنّه أوصى بثلث ماله فجرت به السنّة».(1)
و رواية الدعائم عن علي عليه السلام :
«شهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله جنازة رجل من بني عبدالمطّلب فلمّا أنزلوه في قبره، قال: أضجعوه في لحده على جنبه الأيمن مستقبل القبلة و لاتكبّوه لوجهه و لاتلقوه لظهره، الحديث».(2)
و في الرضوي:
«ثمّ ضعه في لحده على يمينه مستقبل القبلة، الحديث».(3)
و يجب أن يكون رأسه تجاه المغرب و رجلاه تجاه المشرق، و الظاهر أنّ دليله الاجماع.
و في المدارك - في ذيل كلام المصنّف: «و أن يضجعه على جانبه الأيمنمستقبل القبلة» - قال: «هذا مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا منهم سوى ابن
حمزة حيث عدّ ذلك مستحبّا و الأصل في هذا الحكم التأسّي بالنبي صلى الله عليه و آله و الأئمّة عليهم السلام و ما رواه معاوية بن عمّار في الصحيح».(1)
و أمّا بالنسبة الى أجزاء الميّت، فقد قال في الجواهر: «يشكل بعد القول بالوجوب تعدية ذلك الى الأجزاء المفرّقة غير الرأس بحيث يراعى فيها حال الاتّصال، و ان كان قد يقال: انّه قضيّة عدم ترك الميسور بالمعسور. نعم، قد يقوى وجوب الاستقبال بالرأس كما عساه يشعر به خبر ابن سيابة، و أنّه الجزء المهمّ في الاستقبال. و كذا الجسد المبان منه الرأس، بل لو لم يبق الاّ الصدر فانّه يجب الاستقبال بالجميع كما هو واضح، و كذا يجب جمع الأجزاء مع التمكّن بحيث يلتم منه شخص مستقبل منه».(2)
ففي رواية العلاء بن سيابة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث القتيل اذا قطع رأسه) قال:
«اذا أنت صرت الى القبر تناولته مع الجسد و أدخلته اللحد، و وجّهته للقبلة».(3)
و الظاهر أنّ الرواية فيما اذا كان الجسد كاملاً الاّ أنّ رأسه مقطوع، و فرض المسألة فيما اذا كان هناك رأس أو بعض أعضائه فقط، فالظاهر أنّ الدليل لايساعد الوجوب بالنسبة الى الأجزاء، و الاحتياط لاينبغي تركه.
(مسألة 2): اذا مات ميّت في السفينة فان أمكن التأخير ليدفن في الأرض بلا عسر وجب ذلك، و ان لم يمكن لخوف فساده أو لمنع مانع يغسّل و يكفّنو يحنّط و يصلّى عليه و يوضع في خابية و يوكأ رأسها و يلقى في البحر
مستقبلاً القبلة على الأحوط، و ان كان الأقوى عدم وجوب الاستقبال، أو يثقل الميّت بحجر أو نحوه بوضعه في رجله و يلقى في البحر كذلك. و الأحوط مع الامكان اختيار الوجه الأوّل، و كذا اذا خيف على الميّت من نبش العدوّ قبره و تمثيله.
الشرح:
اذا مات ميّت في السفينة فان أمكن التأخير ليدفن في الأرض بلا عسر وجب ذلك؛ لأنّ الدفن على الوجه الذي ذكر في المسألة الأولى واجب، و ما يأتي من الالقاء في البحر هو في صورة عدم التمكّن. و لذلك نقول: و ان لم يمكن - لخوف فساده، أو لمنع مانع - يغسّل و يكفّن و يحنّط و يصلّى عليه الى آخر ما في المتن؛ يدلّ على ذلك صحيحة أيّوب بن الحرّ قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن رجل مات و هو في السفينة في البحر، كيف يصنع به؟ قال: يوضع في خابية و يوكأ رأسها و تطرح في الماء».(1)
و رواية وهب بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : اذا مات الميّت في البحر غسّل و كفّن و حنّط ثمّ يصلّى عليه، ثمّ يوثق في رجليه حجر و يرمى به في الماء».(2)
و مرسلة أبان عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال في الرجل يموت مع القوم في البحر، فقال:
«يغسّل و يكفّن و يصلّى عليه و يثقّل و يرمى به في البحر».(3)
و الجمع بين الروايات هو العمل بالصحيحة أوّلاً؛ لأنّه أحفظ للميّت عنالحيوانات و أقرب الى حفظ حرمته و منعه عن الآفات مع كونها صحيحة بشرط
عدم استقراره على سطح الماء، و ان لم يمكن أو كان عسرا فيعمل برواية وهب و مرسلة أبان. و أمّا بالنسبة الى وجوب الاستقبال فالظاهر عدم الدليل هنا.
و هكذا يكون الحال اذا خيف على الميّت من نبش العدوّ قبره و تمثيله. و قد دلّ عليه بخصوصه رواية سليمان بن خالد قال:
«قال لي أبو عبداللّه عليه السلام : كيف صنعتم بعمّي زيد؟ قلت: انّهم كانوا يحرسونه فلمّا شفّ الناس أخذنا خشبته فدفنّاه في حرف على شاطئ الفرات، فلمّا أصبحوا جالت الخيل يطلبونه فوجدوه فأحرقوه. فقال عليه السلام : ألاّ أوقرتموه حديدا و ألقيتموه في الفرات؟! صلّى اللّه عليه و لعن اللّه قاتله».(1)
(مسألة 3): اذا ماتت كافرة كتابيّة أو غير كتابيّة و مات في بطنها ولد من مسلم بنكاح أو شبهة أو ملك يمين تدفن مستدبرة للقبلة على جانبها الأيسر، على وجه يكون الولد في بطنها مستقبلاً. و الأحوط العمل بذلك في مطلق الجنين و لو لم تلج الروح فيه، بل لايخلو عن قوّة.
الشرح:
في المدارك - في ذيل كلام المصنّف: «الاّ أن تكون امرأة غير مسلمة حاملاً من مسلم فيستدبر بها القبلة» - قال: «هذا الحكم مجمع عليه بين العلماء قاله في التذكرة، و انّما وجب الاستدبار بها ليكون وجه الولد الى القبلة؛ لأنّ وجهه الى ظهرها، و هو المقصود بالدفن، و قد صرّح الشيخان و أتباعهما بأنّها تدفن في مقابر المسلمين؛ اكراما للولد.
و استدلّ عليه في التهذيب بما رواه أحمد بن أشيم عن يونس قال: «سألت
1) - وسائل الشيعة 3: 207 / الباب 41 من أبواب الدفن / الحديث 2.
الرضا عليه السلام عن الرجل تكون له الجارية اليهوديّة و النصرانيّة فيواقعها فتحمل، ثمّ يدعوها الى أن تسلم فتأبى عليه، فدنى ولادتها فماتت و هي تطلق و الولد في بطنها و مات الولد، أيدفن معها على النصرانيّة؟ أو يخرج منها و يدفن على فطرة الاسلام ؟ فكتب: يدفن معها».
قال في المعتبر: «و لست أرى في هذا حجّة، أمّا أوّلاً: فلأنّ ابن أشيم ضعيف جدّا. و أمّا ثانيا: فلأنّ دفنه معها لايتضمّن دفنها في مقبرة المسلمين، بل ظاهر اللفظ يدلّ على أنّه يدفن معها حيث تدفن هي، و لا اشعار في الرواية بموضع دفنها. و الوجه أنّ الولد لمّا كان محكوما له بأحكام المسلمين لم يجز دفنه في مقابر أهل الذمّة و اخراجه مع موتهما غير جائز، فيتعيّن دفنها معه». و هو حسن.
و قال بعض العامّة: انّها تدفن بين مقبرة المسلمين و النصارى و يستدبر بها، و قال آخرون كما قلناه. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
الظاهر أنّ الرواية ليست دليلاً على هذه المسألة؛ لضعف سندها و دلالتها، بل الظاهر خلاف ذلك، و العمدة هو الذي قاله في المعتبر مع ما في التذكرة من أنّ هذا الحكم مجمع عليه بين العلماء. و أمّا اجراء هذا الحكم بالنسبة الى الجنين الذي لم تلج الروح فيه فليس عليه دليل، و ان كان الاحتياط حسنا.
(مسألة 4): لايعتبر في الدفن قصد القربة بل يكفي دفن الصبي اذا علم أنّه أتى به بشرائطه و لو علم أنّه ما قصد القربة.
الشرح:
و ذلك لأنّ الدفن على النحو المذكور في الثالثة ليس عبادة بل هو أمر يريد
1) - مدارك الأحكام 2: 136 و 137.
الشارع وقوعه، و لذا يكفي دفن الصبي اذا علم أنّه أتى به بشرائطه و لو علم عدم قصد القربة منه.
(مسألة 5): اذا خيف على الميّت من اخراج السبع ايّاه وجب احكام القبر بما يوجب حفظه من القير و الآجرّ و نحو ذلك، كما أنّ في السفينة اذا أريد القاؤه في البحر لا بدّ من اختيار مكان مأمون من بلع حيوانات البحر ايّاه بمجرّد الالقاء.
الشرح:
يدلّ على ذلك وجوب حفظ جسد المؤمن من الهتك و من المعلوم أنّ دفنه في مكان يخاف عليه الاخراج بواسطة السبع أو القاءه في البحر مع عدم الأمن من بلع الحيوانات ايّاه بمجرّد الالقاء يكون هتكا له و هو غير جائز، فلابدّ من دفنه في مكان آخر أو احكام قبره، و كذا القائه في مكان مأمون من بلع الحيوانات ايّاه.
(مسألة 6): مؤونة الالقاء في البحر من الحجر أو الحديد الذي يثقّل به أو الخابية التي يوضع فيها تخرج من أصل التركة، و كذا في الآجرّ و القير و الساروج في موضع الحاجة اليها.
لما تقدّم في المسألة التاسعه عشرة من فصل التكفين فراجع.
(مسألة 7): يشترط في الدفن أيضا اذن الولي كالصلاة و غيرها.
كما تقدّم في فصل الأعمال الواجبة المتعلّقة بتجهيز الميّت.
(مسألة 8): اذا اشتبهت القبلة يعمل بالظنّ، و مع عدمه أيضا يسقط وجوب الاستقبال ان لم يمكن تحصيل العلم و لو بالتأخير على وجه لايضرّ بالميّت و لا بالمباشرين.
الشرح:
اذا اشتبهت القبلة يعمل بالظنّ كما هو العادة في كلّ ما يشترط فيه القبلة، و مع عدمه أيضا يسقط وجوب الاستقبال؛ لأنّه مشروط بحال التمكّن و مع عدمه يسقط التكليف به. نعم، لو أمكن تحصيل العلم و لو بالتأخير بشرط عدم الاضرار بالميّت أو المباشرين وجب؛ لاطلاق الدليل.
(مسألة 9): الأحوط اجراء أحكام المسلم على الطفل المتولّد من الزنا من الطرفين اذا كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلما. و أمّا اذا كان الزنا من أحد الطرفين و كان الطرف الآخر مسلما فلا اشكال في جريان أحكام المسلم عليه.
الشرح:
قال في التنقيح: «لم يرد في النصوص أنّ ولد الزنا ليس بولد، و انّما ورد نفي التوارث و عدم ارثه و حسب كما ورد ذلك في القاتل، و هو تخصيص في أدلّة الارث، و لايدلّ على نفي الولديّة بوجه.
اذن فهو ولد للمسلم و لا بدّ من دفنه، فانّ الولد لغة هو من تكوّن من ماء رجل أو امرأة و هذا متحقّق في المقام، كما أنّ الولد عرفا كذلك، و حيث لم يرد في الشرع نفي الولديّة عن ولد الزنا فهو ولد لغة و عرفا و شرعا. بل لا مناص من أن يكون ولد الزنا ولدا حقيقة، فانّ البنت المتولّدة من الزنا لايجوز للزانيأن يتزوّج بها و لايفتي به أحد، كما أنّ الولد من الزنا لايجوز له الزواج بأمّه، فولد الزنا ولد حقيقة، و بما أنّه ولد لمسلم فيجب دفنه.
نعم، اذا اشتبه الأمر و لم يعلم أنّ الولد مستند الى الزنا أو الى الفراش يحكم بلحوقه بالفراش و ليس بالزنا، و هذا أمر آخر؛ لأنّ كلامنا انّما هو فيما علم استناد الولد الى الزنا».(1)
أقول:
ما ذهب اليه في التنقيح من أنّ المتولّد من الزنا من الطرفين اذا كانا مسلمين أو كان أحدهما مسلما ولد حقيقة فيلحق بالمسلم في اجراء أحكام المسلم عليه حسن لا بأس به بل لا اشكال فيه.
(مسألة 10): لايجوز دفن المسلم في مقبرة الكفّار، كما لايجوز العكس أيضا. نعم، اذا اشتبه المسلم و الكافر يجوز دفنهما في مقبرة المسلمين، و اذا دفن أحدهما في مقبرة الآخرين يجوز النبش، أمّا الكافر فلعدم الحرمة له وأمّا المسلم فلأنّ مقتضى احترامه عدم كونه مع الكفّار.
الشرح:
أمّا عدم جواز دفن المسلم في مقبرة الكفّار فلأنّه هتك بالنسبة الى المسلم فلايجوز، مع كونه اجماعا من المسلمين، و لايجوز أيضا دفن الكافر في مقبرة المسلمين لأنّه أيضا هتك بالمسلمين مع كونه اجماعا أيضا. نعم، اذا اشتبه المسلم و الكافر يجوز دفنهما في مقبرة المسلمين؛ لتغليب جانب الاسلام و اتّفاق فتواهم على ذلك. و اذا دفن أحدهما في مقبرة الآخرين يجوز النبش، أمّا بالنسبة الى الكافر فلعدم حرمته، و بالنسبة الى المسلم فلوجوب رفع الهتك عنه.
1) - التنقيح في شرح العروة 9: 306 و 307.
(مسألة 11): لايجوز دفن المسلم في مثل المزبلة و البالوعة و نحوهما ممّا هو هتك لحرمته.
الشرح:
و ذلك للاجماع و ما دلّ على أنّ حرمة المسلم ميّتا كحرمته حيّا.
و في المهذّب: «ينبغي الاشارة الى القاعدة التي تمسّك بها كثيرا في الفقه و هي: «حرمة المؤمن ميّتا كحرمته حيّا».
و البحث فيها تارة في مدركها و أخرى في مقدار دلالتها، و ثالثة في الفروع المتفرّعة عليها.
أمّا الأولى فيدلّ عليها مضافا الى الأصل و الاجماع في الجملة نصوص كثيرة:
منها: ما عن الصادق عليه السلام : «قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: حرمة المسلم ميّتا كحرمته و هو حي سواء».
و منها: قول أبي جعفر عليه السلام : «انّ اللّه حرّم من المؤمنين أمواتا ما حرّم منهم أحياءً».
و منها قول الصادق عليه السلام : «قطع رأس الميّت أشدّ من قطع رأس الحي».
و قوله عليه السلام أيضا: «حرمة الميّت كحرمة الحي».
و قوله عليه السلام : «أبى اللّه أن يظنّ بالمؤمن الاّ خيرا و كسرك عظامه حيّا و ميّتا سواء».
و عنه عليه السلام أيضا: «حرمة المؤمن ميّتا أعظم من حرمته و هو حي».
و تقتضيه سيرة الناس مطلقا في أمواتهم؛ فانّ لكلّ ميّت في كلّ مذهب و ملّة حرمته عند أهل ذلك المذهب و الملّة. و لا بدّ من حمل مطلقات الأخبار على مقيّدها، و المراد من المجموع انّما هو المؤمن، كما أنّه لا بدّ من حمل قوله عليه السلام : «أعظم من حرمته و هو حي»، على الأعظميّة من بعض الجهات لا مطلقا، و يشهدلها العرف فانّهم يرون الظلم على الميّت أقبح من الظلم على الحي و يرون احترامه أوقع من احترامه؛ لانقطاعه عن الدنيا.
و أمّا الثانية فمقتضى عموم التنزيل، تنزيله منزلة الحي من كلّ جهة الاّ ما خرج بالدليل، فيحرم بالنسبة اليه جميع ما كان محرّما في زمان حياته من ايذائه و هتكه و اهانته بل و غيبته و نحو ذلك من الحقوق، و كذا الحقوق المجامليّة ان بقي لها موضوع عرفا فيدور بقاء تلك الحقوق و الأحكام مدار صحّة الصدق العرفي و بقاء الموضوع بنظر المتعارف.
و أمّا الثالثة فهي كثيرة تذكر في أحكام الأموات و في الديات و سائر الأبواب بحسب المناسبات».(1)
(مسألة 12): لايجوز الدفن في المكان المغصوب، و كذا في الأراضي الموقوفة لغير الدفن فلايجوز الدفن في المساجد و المدارس و نحوهما، كما لايجوز الدفن في قبر الغير قبل اندراس ميّته.
الشرح:
لايجوز الدفن في المكان المغصوب؛ لأنّ التصرّف في ملك الغير حرام الاّ بطيب نفسه و رضاه و الدفن فيه تصرّف. و كذلك يكون الحال في الأراضي الموقوفة لغير الدفن؛ لأنّ «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها»(2)، فلايجوز التصرّف فيها الاّ بما يوقف لها، و من المعلوم أنّ المساجد وقف للصلاة، و المدارس للتدريس و التدرّس و الحسينيّات للتعزية و الموعظة و الدفن فيها كالتصرّف في الأماكن المغصوبة فلايجوز.
و لايجوز الدفن في قبر الغير ما لم يندرس؛ لأنّه متعلّق به، فاذا اندرس فانكانت الأرض وقفا فيجوز للغير دفن ميّته، و ان كانت متعلّقة بشخص فلايجوز و ان اندرس.
(مسألة 13): يجب دفن الأجزاء المبانة من الميّت حتّى الشعر و السنّ و الظفر. و أمّا السنّ أو الظفر من الحي فلايجب دفنهما و ان كان معهما شيء يسير من اللحم. نعم، يستحبّ دفنهما بل يستحبّ حفظهما حتّى يدفنا معه، كما يظهر من وصيّة مولانا الباقر للصادق عليهماالسلام . و عن أميرالمؤمنين عليه السلام : «انّ النبي صلى الله عليه و آله أمر بدفن أربعة: الشعر و السنّ و الظفر و الدم». و عن عائشة عن النبي صلى الله عليه و آله: «انّه أمر بدفن سبعة أشياء: الأربعة المذكورة و الحيض و المشيمة و العلقة».
الشرح:
في المدارك - في ذيل كلام المصنّف: «اذا سقط من الميّت شيء من شعره أو جسده وجب أن يطرح معه في كفنه» - قال: «هذا مذهب العلماء كافّة، نقله في التذكرة، و يدلّ عليه ما رواه الشيخ في الحسن عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبداللّه عليه السلام ، قال:
«لايمسّ من الميّت شعر و لا ظفر، و ان سقط منه شيء فاجعله في كفنه».
و عن عبدالرحمن بن أبي عبداللّه، قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الميّت يكون عليه الشعر فيحلق عنه أو يقلم؟ قال: لايمسّ منه شيء، اغسله و ادفنه»».(1)
و في الجواهر: «كما هو صريح جماعة و ظاهر آخرين، بل في الذخيرة: لا أعلم فيه خلافا، و في التذكرة باجماع العلماء. و نحوه عن النهاية. انتهى ملخّصا».(2)
و الحكم كما ذهب اليه المشهور و دلّت الروايتان عليه. و قد تقدّم البحث عنذلك في المسألة الثانيه عشرة من غسل الميّت و المسألة السادسة من الصلاة على الميّت.
و أمّا بالنسبة الى السنّ و الظفر من الحي فلايجب دفنهما؛ للأصل و ظهور الاجماع كما في المهذّب(1)، و ان كان يستحبّ ذلك كما في الروايتين المذكورتين في المتن. و قد ذكر في الوسائل روايات تدلّ على استحباب ذلك.(2)
(مسألة 14): اذا مات شخص في البئر و لم يمكن اخراجه يجب أن يسدّ و يجعل قبرا له.
الشرح:
اذ لا طريق لحفظ حرمته و عدم انتهاكه الاّ بذلك و في رواية العلاء بن سيابة عن أبي عبداللّه عليه السلام في بئر محرّج وقع فيه رجل فمات فيه فلم يمكن اخراجه من البئر، أيتوضّأ في تلك البئر؟ قال:
«لايتوضّأ فيه يعطّل و يجعل قبرا، و ان أمكن اخراجه أخرج و غسّل و دفن، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: حرمة المسلم ميّتا كحرمته و هو حيّ سواء».(3)
(مسألة 15): اذا مات الجنين في بطن الحامل و خيف عليها من بقائه وجب التوصّل الى اخراجه بالأرفق فالأرفق و لو بتقطيعه قطعة قطعة. و يجب أن يكون المباشر النساء أو زوجها، و مع عدمهما فالمحارم من الرجال فان تعذّر فالأجانب؛ حفظا لنفسها المحترمة. و لو ماتت الحامل و كان الجنين حيّا وجب اخراجه و لو بشقّ بطنها، فيشقّ جنبها الأيسر و يخرج الطفل، ثمّيخاط و تدفن، و لا فرق في ذلك بين رجاء حياة الطفل بعد الاخراج و عدمه. و لو خيف مع حياتهما على كلّ منهما انتظر حتّى يقضي.
الشرح:
اذا مات الجنين في بطن الحامل و خيف عليها من بقائه، ففي مثل هذه الأيّام ترجع الى الطبيب الأخصّائي فيخرجه بالأجهزة الحديثة، فلو كانت هناك الطبيبة الأخصّائيّة فتتقدّم، و الاّ فغيرها من الرجال. و كذا لو ماتت الحامل و كان الجنين حيّا وجب اخراجه و لو بشقّ البطن، و هذا أيضا مثل سابقه يرجع الى الأخصّائي فيخرجه بالأجهزة الحديثة.
و لو خيف ببقائهما حيّين على كلّ منهما ففي المتن: «انتظر حتّى يقضي».
قال في التنقيح: «لو خيف على حياتهما، بأن علم أنّ كليهما لايبقيان على قيد الحياة بل يموت أحدهما لا محالة الاّ أنّه لو أخرج الولد خيف عليه من الموت و لو لم يخرج الولد خيف على أمّه، فلايمكن ترجيح احدى النفسين المحترمتين على الأخرى فلا بدّ من انتظار أمر اللّه سبحانه، فاذا مات أحدهما وجب التحفّظ على الآخر. هذا بالاضافة الى الثالث الذي يريد اخراج الولد.
و أمّا الأمّ فهل يجوز لها أن تقتل ولدها في بطنها تحفّظا على حياتها أو لايجوز؟ التحقيق أنّ المقام يدخل تحت كبرى التزاحم؛ لوجوب حفظ النفس المحترمة على الأمّ، فيجب عليها أن تحتفظ على نفسها كما يجب عليها أن تحفظ ولدها، و حيث لاتتمكّن الأمّ من امتثال كلا الأمرين فيدخل بذلك تحت كبرى المتزاحمين، و بما أنّ التحفّظ على ولدها و صبرها لموتها أمر عسري حرجي في حقّها فيرتفع الأمر بالتحفّظ على حياة ولدها.
و بذلك لايبعد أن يقال بجواز قتلها ولدها تحفّظا على حياتها، غاية الأمر أنّامتثال هذا الواجب يتوقّف على مقدّمة محرّمة و هي قتلها لولدها، فالمقام من التزاحم بين وجوب ذيها و حرمة المقدّمة فيتقدّم الوجوب في ذي المقدّمة على
الحرمة في المقدّمة كما هو الحال في جملة من المقامات. و هذه المسألة لم أر من تعرّض لها في الرسائل العمليّة فضلاً عن الكتب الاستدلاليّة».(1)
أقول:
الظاهر أنّ قوله رحمه الله في هذا التحقيق مطابق لقاعدة باب التزاحم.
1) - التنقيح في شرح العروة 9: 317.
و هي أمور: «الأوّل»: أن يكون عمق القبر الى الترقوة أو الى قامة و يحتمل كراهة الأزيد.
الشرح:
في المدارك - في ذيل قول المصنّف: «و السنن أن يحفر القبر قدر القامة أو الى الترقوة» - قال: «هذا مذهب الأصحاب و المستند فيه ما رواه ابن بابويه في من لايحضره الفقيه مرسلاً عن الصادق عليه السلام قال: «حدّ القبر الى الترقوة»».(1)
يدلّ على ذلك مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«حدّ القبر الى الترقوة، و قال بعضهم: الى الثدي، و قال بعضهم: قامة الرجل حتّى يمدّ الثوب على رأس من في القبر، و أمّا اللحد فبقدر ما يمكن فيه الجلوس، قال: و لمّا حضر علي بن الحسين عليه السلام الوفاة قال: احفروا لي حتّى تبلغوا الرشح».(2)
أقول:
الظاهر أنّ قول الامام عليه السلام هو الجملة الأولى، أي: «حدّ القبر الى الترقوة» و باقي
الجملات يكون من الراوي - كما في المدارك - لأنّ الامام عليه السلام لايحكي قول أحد.
و في رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«انّ النبي صلى الله عليه و آله نهى أن يعمق القبر فوق ثلاثة أذرع».(1)
و تحمل الرواية على الكراهة.
«الثاني»: أن يجعل له لحد ممّا يلي القبلة في الأرض الصلبة بأن يحفر بقدر بدن الميّت في الطول و العرض و بمقدار ما يمكن جلوس الميّت فيه في العمق، و يشقّ في الأرض الرخوة وسط القبر شبه النهر، فيوضع فيه الميّت و يسقف عليه.
الشرح:
يدلّ على استحباب اللحد صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لحّد له أبو طلحة الأنصاري».(2)
و رواية أبي همّام اسماعيل بن همّام عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام حين أحضر: اذا أنا متّ فاحفروا لي و شقّوا لي شقّا فان قيل لكم: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آلهلحّد له فقد صدقوا».(3)
«الثالث»: أن يدفن في المقبرة القريبة على ما ذكره بعض العلماء الاّ أن يكون في البعيدة مزيّة، بأن كانت مقبرة للصلحاء، أو كان الزائرون هناك أزيد.
لايضرّ العمل به رجاءً؛ لعدم دليل عليه.
«الرابع»: أن توضع الجنازة دون القبر بذراعين أو ثلاثة أو أزيد من ذلك ثمّ ينقل قليلاً و يوضع، ثمّ ينقل قليلاً و يوضع، ثمّ ينقل في الثالثة مترسّلاً ليأخذ الميّت أهبّته، بل يكره أن يدخل في القبر دفعة؛ فانّ للقبر أهوالاً عظيمة.
الشرح:
يدلّ على ذلك صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ينبغي أن يوضع الميّت دون القبر هنيهة ثمّ واره».(1)
و رواية محمّد بن عجلان عن الصادق عليه السلام قال:
«اذا جئت بالميّت الى قبره فلاتفدحه بقبره ولكن ضعه دون قبره بذراعين أو ثلاثة أذرع، و دعه حتّى يتأهّب للقبر و لاتفدحه به، الحديث».(2)
و مرسلة الصدوق:
«و في حديث آخر: اذا أتيت بالميّت القبر فلاتفدح به القبر؛ فانّ للقبر أهوالاً عظيمة، و تعوّذ من هول المطّلع، ولكن ضعه قرب شفير القبر، و اصبر عليه هنيئة، ثمّ قدّمه قليلاً، و اصبر عليه ليأخذ أهبّته، ثمّ قدّمه الى شفير القبر».(3)
بيان:
الفدح: الفجأة. و الأهبّة: الاستعداد.
«الخامس»: ان كان الميّت رجلاً يوضع في الدفعة الأخيرة بحيث يكونرأسه عند ما يلي رجلي الميّت في القبر، ثمّ يدخل في القبر طولاً من طرف
رأسه أي يدخل رأسه أوّلاً، و ان كان امرأة توضع في طرف القبلة ثمّ تدخل عرضا.
الشرح:
يدلّ على ذلك موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لكلّ شيء باب و باب القبر ممّا يلي الرجلين، اذا وضعت الجنازة فضعها ممّا يلي الرجلين، يخرج الميّت ممّا يلي الرجلين و يدعى له حتّى يوضع في حفرته، و يسوّى عليه التراب».(1)
و في رواية زيد بن علي عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليبن أبي طالب عليه السلام قال:
«يسلّ الرجل سلاًّ و تستقبل المرأة استقبالاً، الحديث».(2)
و في الشرائع - من السنن قبل الدفن - قال: «و أن يضع الجنازة على الأرض اذا وصل الى القبر ممّا يلي رجليه، و المرأة ممّا يلي القبلة».(3)
و في المدارك: «علّل بأنّ ذلك أيسر في فعل ما هو الأولى من ارسال الرجل سابقا برأسه، و المرأة عرضا، و اختيار جهة القبلة لشرفها، و لم أقف في ذلك على نصّ بالخصوص».(4)
«السادس»: أن يغطّي القبر بثوب عند ادخال المرأة. «السابع»: أن يسلّ من نعشه سلاًّ فيرسل الى القبر برفق.
الشرح:
يدلّ على السادس قوله عليه السلام في رواية جعفر بن كلاب:
«يغشّى قبر المرأة بالثوب و لايغشّى قبر الرجل، و قد مدّ على قبر سعد بن معاذ ثوب و النبي صلى الله عليه و آلهشاهد فلم ينكر ذلك».(1)
و على السابع رواية محمّد بن عجلان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سلّه سلاًّ رفيقا، الحديث».(2)
و صحيحة الفضل عن أبي الحسن الرضا عليه السلام - في كتابه الى المأمون - قال:
« ... و الميّت يسلّ من قبل رجليه و يرفق به اذا أدخله قبره».(3)
«الثامن»: الدعاء عند السلّ من النعش بأن يقول: «بسم اللّه و باللّه و على ملّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله. اللّهمّ الى رحمتك لا الى عذابك. اللّهمّ افسح له في قبره و لقّنه حجّته و ثبّته بالقول الثابت و قنا و ايّاه عذاب القبر».
و عند معاينة القبر: «اللّهمّ اجعله روضة من رياض الجنّة و لاتجعله حفرة من حفر النار».
و عند الوضع في القبر يقول: «اللّهمّ عبدك و ابن عبدك و ابن أمتك نزل بك و أنت خير منزول به».
و بعد الوضع فيه يقول: «اللّهمّ جاف الأرض عن جنبيه و صاعد عمله و لقّه منك رضوانا».
و عند وضعه في اللحد يقول: «بسم اللّه و باللّه و على ملّة رسول اللّه صلى الله عليه و آله»، ثمّ يقرأ فاتحة الكتاب و آية الكرسي و المعوّذتين و قل هو اللّه أحد، و يقول: «أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم».
و مادام مشتغلاً بالتشريج يقول: «اللّهمّ صل وحدته و آنس وحشته و آمن
روعته و أسكنه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك فانّما رحمتك للظالمين».
و عند الخروج من القبر يقول: «انّا للّه و انّا اليه راجعون اللّهمّ ارفع درجته في علّيّين و اخلف على عقبه في الغابرين و عندك نحتسبه يا ربّ العالمين».
و عند اهالة التراب عليه يقول: «انّا للّه و انّا اليه راجعون. اللّهمّ جاف الأرض عن جنبيه و أصعد اليك بروحه و لقّه منك رضوانا و أسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به عن رحمة من سواك»، و أيضا يقول: «ايمانا بك و تصديقا ببعثك هذا ما وعدنا اللّه و رسوله و صدق اللّه و رسوله، اللّهمّ زدنا ايمانا و تسليما».
الشرح:
يستحبّ الدعاء في موارد:
الأوّل: عند السلّ من النعش؛ لرواية سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا وضعت الميّت على القبر قلت: «اللّهمّ عبدك ابن عبدك و ابن أمتك نزل بك و أنت خير منزول به»، فاذا سللته من قبل الرجلين و دليته قلت: «بسم اللّه و باللّه و على ملّة رسول اللّه، اللّهمّ الى رحمتك لا الى عذابك، اللّهمّ افسح له في قبره و لقّنه حجّته و ثبّته بالقول الثابت و قنا و ايّاه عذاب القبر»، و اذا سوّيت عليه التراب قل: «اللّهمّ جاف الأرض عن جنبيه، و صعّد روحه الى أرواح المؤمنين في عليّين، و ألحقه بالصالحين»».(1)
الثاني: عند معاينة القبر؛ لما في الفقه الرضوي:
«و قل اذا نظرت الى القبر: «اللّهمّ اجعلها روضة من رياض الجنّة و
1) - وسائل الشيعة 3: 179 / الباب 21 من أبواب الدفن / الحديث 4.
لاتجعلها حفرة من حفر النيران، الحديث».(1)
الثالث: عند الوضع في القبر كما في رواية سماعة و غيرها.
الرابع: بعد الوضع في القبر؛ لصحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
« ... قال: و كان علي بن الحسين عليه السلام اذا أدخل الميّت القبر قال: اللّهمّ جاف الأرض عن جنبيه و صاعد عمله و لقّه منك رضوانا».(2)
الخامس: عند وضعه في اللحد كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«اذا وضعت الميّت في لحده فقل: «بسم اللّه و في سبيل اللّه و على ملّة رسول اللّه عليه السلام »، و اقرأ آية الكرسي، الحديث».(3)
و كما في رواية محمّد بن عجلان عن الصادق عليه السلام :
«فاذا أدخلته قبره فليكن - الى أن قال: - وليذكر اسم اللّه وليتعوّذ من الشيطان وليقرأ فاتحة الكتاب و قل هو اللّه أحد و المعوّذتين و آية الكرسي، الحديث».(4)
السادس و السابع: مادام مشتغلاً بالتشريج و عند الخروج من القبر كما في موثّقة اسحاق بن عمّار عن الصادق عليه السلام :
« ... ثمّ تضع الطين و اللبن، فمادمت تضع الطين تقول: «اللّهمّ صل وحدته و آنس وحشته و آمن روعته و أسكن اليه من رحمتك رحمة تغنيه بها عن رحمة من سواك، فانّما رحمتك للظالمين»، ثمّ تخرج من القبر و تقول: «انّا للّه و انّا اليه راجعون، اللّهمّ ارفع درجته
في أعلى علّيّين و اخلف على عقبه في الغابرين، و عندك نحتسبه ياربّ العالمين».(1)
الثامن: عند اهالة التراب كما في صحيحة سالم بن مكرم المتقدّمة بالنسبة الى الاسترجاع و مرسلة محمّد بن مسلم(2)بالنسبة الى البقيّة و كما في صحيحة عمر بن أذينة قال:
«رأيت أبا عبداللّه عليه السلام يطرح التراب على الميّت فيمسكه ساعة في يده ثمّ يطرحه و لايزيد على ثلاثة أكفّ، قال: فسألته عن ذلك، فقال: يا عمر كنت أقول: «ايمانا بك و تصديقا ببعثك، هذا ما وعد اللّه و رسوله، الحديث».(3)
«التاسع»: أن تحلّ عقد الكفن بعد الوضع في القبر و يبدأ من طرف الرأس.
الشرح:
ففي موثّقة اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«اذا وضعته في لحده فحلّ عقده، الحديث».(4)
و في صحيحة سالم بن مكرم عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
« ... و يحلّ عقد كفنه كلّها، الحديث».(5)
و في صحيحة ابن أبي عمير عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
1) - وسائل الشيعة 3: 181 / الباب 21 من أبواب الدفن / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 3: 190 / الباب 29 من أبواب الدفن / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 3: 190 / الباب 29 من أبواب الدفن / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 3: 172 / الباب 19 من أبواب الدفن / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 3: 173 / الباب 19 من أبواب الدفن / الحديث 5.
«يشقّ الكفن من عند رأس الميّت اذا أدخل قبره».(1)
و المراد بالشقّ الحلّ أيضا.
«العاشر»: أن يحسر عن وجهه و يجعل خدّه على الأرض و يعمل له وسادة من تراب.
الشرح:
لقول أبي عبداللّه عليه السلام في خبر سالم:
«يجعل له وسادة من تراب، و يجعل خلف ظهره مدرّة لئلاّيستلقي و يحلّ عقد كفنه كلّها و يكشف عن وجهه، الحديث».(2)
و قال عليه السلام في خبر محفوظ الاسكاف:
« ... وليكشف عن خدّه الأيمن حتّى يفضي به الى الأرض، الحديث».(3)
و قال عليه السلام في صحيحة ابن يقطين:
« ... و ان قدر أن يحسر عن خدّه و يلصقه بالأرض فليفعل، الحديث».(4)
«الحادي عشر»: أن يسند ظهره بلبنة أو مدرّة لئلاّيستلقي على قفاه.
الشرح:
لقول الصادق عليه السلام في خبر سالم بن مكرم:
«و يجعل خلف ظهره مدرّة لئلاّيستلقي».(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 173 / الباب 19 من أبواب الدفن / الحديث 6.
2) - وسائل الشيعة 3: 179 / الباب 21 من أبواب الدفن / الحديث 5.
3) - وسائل الشيعة 3: 175 / الباب 20 من أبواب الدفن / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 3: 174 / الباب 20 من أبواب الدفن / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 173 / الباب 19 من أبواب الدفن / الحديث 5.
«الثاني عشر»: جعل مقدار لبنة من تربة الحسين عليه السلام تلقاء وجهه بحيث لاتصل اليها النجاسة بعد الانفجار.
الشرح:
لما عن أبي الحسن عليه السلام :
«ما على أحدكم اذا دفن الميّت و وسّده التراب أن يضع مقابل وجهه لبنة من الطين و لايضعها تحت رأسه؟!».(1)
و المراد بالطين طين قبر الحسين عليه السلام كما هو المعهود عند الشيعة، و في توقيع الحميري عن الحجّة عليه السلام :
«كتبت الى الفقيه عليه السلام أسأله عن طين القبر يوضع مع الميّت في قبره، هل يجوز ذلك أم لا؟ فأجاب - و قرأت التوقيع و منه نسخت -: توضع مع الميّت في قبره و يخلط بحنوطه ان شاء اللّه».(2)
«الثالث عشر»: تلقينه بعد الوضع في اللحد قبل الستر باللبن بأن يضرب بيده على منكبه الأيمن، و يضع يده اليسرى على منكبه الأيسر بقوّة و يدني فمه الى أذنه و يحرّكه تحريكا شديدا، ثمّ يقول: «يا فلان بن فلان اسمع افهم»، ثلاث مرّات «اللّه ربّك و محمّد نبيّك و الاسلام دينك و القرآن كتابك و علي امامك و الحسن امامك (الى آخر الأئمّة) أفهمت يا فلان»، و يعيد عليه هذا التلقين ثلاث مرّات. ثمّ يقول: «ثبّتك اللّه بالقول الثابت هداك اللّه الى صراط مستقيم عرّف اللّه بينك و بين أوليائك في مستقرّ من رحمته اللّهمّ جافّ الأرض عن جنبيه و أصعد بروحه اليك و لقّه منك برهانا اللّهمّ عفوك عفوك». و أجمع كلمة في التلقين أن يقول: «اسمع افهم يا فلان بن فلان»،
ثلاث مرّات ذاكرا اسمه و اسم أبيه، ثمّ يقول: «هل أنت على العهد الذي فارقتنا عليه من شهادة أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له و أنّ محمّدا صلى الله عليه و آلهعبده و رسوله و سيّد النبيّين و خاتم المرسلين و أنّ عليّا أميرالمؤمنين و سيّد الوصيين و امام افترض اللّه طاعته على العالمين و أنّ الحسن و الحسين و علي بن الحسين و محمّد بن علي و جعفر بن محمّد و موسى بن جعفر و علي بن موسى و محمّد بن علي و علي بن محمّد و الحسن بن علي و القائم الحجّة المهدي صلوات اللّه عليهم، أئمّة المؤمنين و حجج اللّه على الخلق أجمعين و أئمّتك أئمّة هدىً بك أبرار. يا فلان بن فلان اذا أتاك الملكان المقرّبان رسولين من عند اللّه تبارك و تعالى و سألاك عن ربّك و عن نبيّك و عن دينك و عن كتابك و عن قبلتك و عن أئمّتك فلاتخف و لاتحزن، و قل في جوابهما: اللّه ربّي و محمّد صلى الله عليه و آله نبيّي و الاسلام ديني و القرآن كتابي و الكعبة قبلتي و أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب امامي و الحسن بن علي المجتبى امامي و الحسين بن علي الشهيد بكربلاء امامي و علي زين العابدين امامي و محمّد الباقر امامي و جعفر الصادق امامي و موسى الكاظم امامي و علي الرضا امامي و محمّد الجواد امامي و علي الهادي امامي و الحسن العسكري امامي و الحجّة المنتظر امامي. هؤلاء صلوات اللّه عليهم أجمعين أئمّتي و سادتي و قادتي و شفعائي، بهم أتولّى و من أعدائهم أتبرّأ في الدنيا و الآخرة. ثمّ اعلم يا فلان بن فلان أنّ اللّه تبارك و تعالى نعم الربّ و أنّ محمّدا صلى الله عليه و آله نعم الرسول و أنّ علي بن أبي طالب و أولاده المعصومين الأئمّة الاثنيعشر نعم الأئمّة و أنّ ما جاء به محمّد صلى الله عليه و آله حقّ و أنّ الموت حقّ و سؤال منكر و نكير في القبر حقّ و البعث و النشور حقّ و الصراط حقّ و الميزان حقّ و تطائر الكتب حقّ و أنّ الجنّة حقّ و النار حقّ و أنّ الساعة آتية لا ريب فيها و أنّ اللّه يبعث من في القبور». ثم يقول: «أفهمت يا فلان». و في
الحديث أنّه يقول: فهمت. ثمّ يقول: «ثبّتك اللّه بالقول الثابت و هداك اللّه الى صراط مستقيم عرّف اللّه بينك و بين أوليائك في مستقرّ من رحمته»، ثمّ يقول:«اللّهمّ جافّ الأرض عن جنبيه و أصعد بروحه اليك و لقّه منك برهانا اللّهمّ عفوك عفوك». و الأولى أن يلقّن بما ذكر من العربي و بلسان الميّت أيضا ان كان غير عربي.
الشرح:
المستفاد من الأخبار أنّ التلقين مندوب في مواضع ثلاثة:
حال الاحتضار كما تقدّم في فصل ما يتعلّق بالمحتضر عند قوله رحمه الله: «الثاني تلقينه ... » و حال الوضع في القبر، و حال الانصراف، كما يأتي في الرابع و العشرين. و يدلّ على استحباب التلقين في المقام مضافا الى الاجماع فتوى و عملاً، نصوص مستفيضة كما سيأتي بعضها.
و يستحبّ تلقينه بعد الوضع في اللحد قبل الستر باللبن؛ لأنّه المنساق ممّا دلّ من الأخبار على أن يدني فمه الى سمعه، أو أن يضرب بيديه على منكبه، كما يأتي.
و كيفيّته هو أن يضرب بيده اليمنى على منكبه الأيمن و يضع يده اليسرى على منكبه الأيسر بقوّة و يدني فمه الى أذنه و يحرّكه تحريكا شديدا؛ لقول الصادق عليه السلام في خبر سالم بن مكرم:
« ... ثمّ تدخل يدك اليمنى تحت منكبه الأيمن، و تضع يدك اليسرى على منكبه الأيسر و تحرّكه تحريكا شديدا و تقول، الحديث».(1)
و قال عليه السلام - أيضا - في خبر محفوظ الاسكاف:
« ... و يدني فمه الى سمعه، و يقول: اسمع افهم، ثلاث مرّات، الحديث».(2)
و يعيد عليه التلقين ثلاث مرّات؛ لقوله عليه السلام في الخبر المزبور:
«و أعدها عليه ثلاث مرّات هذا التلقين».
و يقول بعد التلقين: «أفهمت يا فلان»، ثمّ يقول: «ثبّتك اللّه بالقول الثابت ... » الى آخر ما في المتن؛ لقول الصادق عليه السلام في موثّقة اسحاق بن عمّار:
« ... ثمّ تقول: «أفهمت يا فلان»، و قال عليه السلام : فانّه يجيب و يقول: نعم، ثمّ تقول: «ثبّتك اللّه بالقول الثابت هداك اللّه الى صراط مستقيم عرّف اللّه بينك و بين أوليائك في مستقرّ من رحمته اللّهمّ جافّ الأرض عن جنبيه و أصعد بروحه اليك و لقّه منك برهانا اللّهمّ عفوك عفوك»، الحديث».(1)
و أمّا قوله رحمه الله: «و أجمع كلمة في التلقين الخ»، فقال في المهذّب: «ذكر الشيخان و العلاّمة في المنتهى جملة من هذا التلقين، و ذكر في ذخيرة المعاد تمامه. و هو أجمع؛ لاشتماله على المهمّ من التلقينات الواردة في الأخبار المختلفة و جامع بينها و لا بأس بالعمل بالجميع؛ لأنّ المقصود تذكّر الميّت عقائده الحقّة بأيّ وجه حصل، و كلّما كان أجمع كان أولى و أحسن».(2)
و قال أيضا - في ذيل قوله رحمه الله: «و الأولى أن يلقّن بما ذكر من العربي و بلسان الميّت أيضا ان كان غير عربي» - : «ذكر ذلك في الذخيرة و المستند و يمكن أن يقال: انّه و ان كان بالعربي، ولكن الحالة حالة يعرفها الملقّن اليه بالقرائن، لأنّ كلّ ذيشعور يعلم أنّه يلقّن في مثل تلك الحالة ما ينفعه في الآخرة و عقائده الحقّة لا غيرها، فالملقّن به معلوم لكلّ أحد اجمالاً، و لعلّه لذلك لم يتعرّض في الروايات لهذه الجهة».(3)
«الرابع عشر»: أن يسدّ اللحد باللبن لحفظ الميّت من وقوع التراب عليه. و الأولى الابتداء من طرف رأسه و ان أحكمت اللبن بالطين كان أحسن.
الشرح:
يدلّ عليه صحيحة أبان بن تغلب قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: جعل علي عليه السلام على قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله لبنا، فقلت: أرأيت ان جعل الرجل عليه آجرّا هل يضرّ الميّت؟ قال: لا».(1)
و كذا قوله في موثّقة اسحاق بن عمّار المتقدّمة:
«اذا نزلت في قبر - الى أن قال: - ثمّ تضع الطين و اللبن، الحديث».(2)
و كذا قوله عليه السلام في رواية عبداللّه بن سنان (في حديث):
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله نزل حتّى لحد سعد بن معاذ و سوّى اللبن عليه، و جعل يقول: ناولني حجرا ناولني ترابا رطبا، يسدّ به ما بين اللبن فلمّا أن فرغ و حثا التراب عليه و سوّى قبره، قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّي لأعلم أنّه سيبلى و يصل اليه البلاء ولكنّ اللّه يحبّ عبدا اذا عمل عملاً أحكمه».(3)
«الخامس عشر»: أن يخرج المباشر من طرف الرجلين فانّه باب القبر.
الشرح:
لرواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من دخل القبر فلايخرج الاّ من قبل الرجلين».(4)
و لرواية الحضرمي قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: انّ لكلّ بيت بابا، و انّ باب القبر من قبلالرجلين».(1)
«السادس عشر»: أن يكون من يضعه في القبر على طهارة مكشوف الرأس نازعا عمامته و رداءه و نعليه بل و خفّيه الاّ لضرورة.
الشرح:
يستحبّ أن يكون من يضعه في القبر على طهارة؛ لموثّقة ابن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث):
«توضّأ اذا أدخلت الميّت القبر».(2)
و هو محمول على الندب بقرينة صحيحته عن أحدهما عليهماالسلام (في حديث) قال:
«قلت له: من أدخل الميّت القبر عليه وضوء؟ قال: لا، الاّ أن يتوضّأ من تراب القبر ان شاء».(3)
و يستحبّ أن يكون مكشوف الرأس نازعا عمامته و رداءه و نعليه بل و خفّيه الاّ لضرورة؛ لقول أبي عبداللّه عليه السلام في رواية الحضرمي:
«لاتنزل القبر و عليك العمامة و لا القلنسوة و لا رداء و لا حذاء و حلّل أزرارك. قال: قلت: و الخفّ. قال: لا بأس بالخفّ في وقت الضرورة و التقيّة».(4)
«السابع عشر»: أن يهيل - غير ذيرحم - ممّن حضر التراب عليه بظهر الكفّ قائلاً: «انّا للّه و انّا اليه راجعون»، على ما مرّ.
الشرح:
كما تقدّم في الأمر الثامن ، و كما عن الصادق عليه السلام في رواية سالم بن مكرم:
« ... ثمّ احث التراب عليه بظهر كفّيك ثلاث مرّات و قل: «اللّهمّ ايمانا بك و تصديقا بكتابك هذا ما وعدنا اللّه و رسوله و صدق اللّه و رسوله»، الحديث».(1)
و في مرسلة محمّد بن الأصبغ قال:
«رأيت أبا الحسن عليه السلام و هو في جنازة فحثا التراب على القبر بظهر كفّيه».(2)
و تأتي الكراهة بالنسبة الى ذي الرحم في الرابع من مكروهات الدفن.
«الثامن عشر»: أن يكون المباشر لوضع المرأة في القبر محارمها أو زوجها و مع عدمهم فأرحامها و الاّ فالأجانب و لايبعد أن يكون الأولى بالنسبة الى الرجل الأجانب.
الشرح:
لرواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : مضت السنّة من رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّ المرأة لايدخل قبرها الاّ من كان يراها في حياتها».(3)
و لرواية اسحاق بن عمّار:
«الزوج أحقّ بامرأته حتّى يضعها في قبرها».(1)
بناءً على استفادة استحباب المباشرة منها أيضا.
و مع عدمهم فأرحامها؛ لأنّه المأنوس من مذاقّ الشرع و المتشرّعة، مع امكان استفادته ممّا ورد في مراتب الأولياء، كما تقدّم؛ و الاّ فالأجانب؛ لانحصار المباشرة فيهم حينئذٍ.
«التاسع عشر»: رفع القبر عن الأرض بمقدار أربع أصابع مضمومة أو مفرّجة.
الشرح:
تدلّ عليه روايات:
منها رواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
« ... و يرفع القبر فوق الأرض أربع أصابع».(2)
و منها رواية عقبة بن بشير عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال النبيّ صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام : يا علي ادفنّي في هذا المكان و ارفع قبري من الأرض أربع أصابع، و رشّ عليه من الماء».(3)
و منها موثّقة عبيداللّه الحلبي و محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«أمرني أبي أن أجعل ارتفاع قبره أربع أصابع مفرّجات، الحديث».(4)
و منها موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يستحبّ أن يدخل معه في قبره جريدة رطبة، و يرفع قبره من
الأرض أربع أصابع مضمومة، الحديث».(1)
فآخر مراتب الفضل الانفراج و دونه الضمّ. و أما ما دلّ على أنّ قبررسول اللّه صلى الله عليه و آله رفع من الأرض قدر شبر(2)، فلا عبرة به؛ لاعراض المشهور عنه، مع أنّه لم يستند فيه مقدار الرفع الى المعصوم عليه السلام .
«العشرون»: تربيع القبر بمعنى كونه ذا أربع زوايا قائمة و تسطيحه و يكره تسنيمه بل تركه أحوط.
الشرح:
لقول الصادق عليه السلام (في حديث شرائع الدين):
« ... القبور تربّع و لاتسنّم».(3)
و في كتاب تحف العقول عن الرضا عليه السلام (في كتابه الى المأمون) قال:
« ... و يربّع قبر الميّت و لايسنّم».(4)
و لقد أوصى أبو جعفر ابنه الصادق عليه السلام بأن يربّع قبره و يرفعه أربعة أصابع.(5)و المتعارف في التربيع هو المستطيل دون الحقيقي.
1) - وسائل الشيعة 3: 192 / الباب 31 من أبواب الدفن / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 3: 194 / الباب 31 من أبواب الدفن / الحديثان 8 و 10.
3) - وسائل الشيعة 3: 188 / الباب 22 من أبواب الدفن / الحديث 5.
4) - وسائل الشيعة 3: 92 / الباب 9 من أبواب صلاة الجنازة / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 3: 194 / الباب 31 من أبواب الدفن / الحديث 9.
«الحادي و العشرون»: أن يجعل على القبر علامة.
الشرح:
يدلّ عليه روايات، منها ما عن علي عليه السلام :
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمّا دفن عثمان بن مظعون دعا بحجر فوضعه عند رأس القبر و قال: يكون علما ليدفن اليه قرابتي».(1)
و في رواية يونس بن يعقوب قال:
«لمّا رجع أبو الحسن موسى عليه السلام من بغداد و مضى الى المدينة ماتت له ابنة بفيد فدفنها و أمر بعض مواليه أن يجصّص قبرها و يكتب على لوح اسمها و يجعله في القبر».(2)
«الثاني و العشرون»: أن يرشّ عليه الماء و الأولى أن يستقبل القبلة و يبتدئ بالرشّ من عند الرأس الى الرجل، ثمّ يدور به على القبر حتّى يرجع الى الرأس، ثمّ يرشّ على الوسط ما يفضل من الماء و لايبعد استحباب الرشّ الى أربعين يوما أو أربعين شهرا.
الشرح:
يدلّ على أصل استحباب الرشّ مطلقا الاجماع و النصوص المتواترة:
منها مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام - في رشّ الماء على القبر - قال:
«يتجافى عنه العذاب مادام الندى في التراب».(3)
و منها رواية طلحة بن زيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان رشّ القبر على عهد رسول اللّه صلى الله عليه و آله».(4)
و أمّا الكيفيّة فلقوله عليه السلام في خبر سالم بن مكرم:
« ... فاذا سوّى قبره فصبّ على قبره الماء و تجعل القبر أمامك و أنت مستقبل القبلة، و تبدأ بصبّ الماء عند رأسه، و تدور به على قبره من أربع جوانبه حتّى ترجع الى الرأس من غير أن تقطع الماء، فان فضل من الماء شيء فصبّه على وسط القبر، الحديث».(1)
و الظاهر أنّ الكيفيّة من باب تعدّد المطلوب فيحصل أصل الاستحباب بأيّ نحو حصل الصبّ.
و لايبعد استحباب الرشّ الى أربعين يوما أو أربعين شهرا؛ لما ورد من أنّ أبا الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام أمر برشّ الماء على قبر يونس بن يعقوب أربعين شهرا أو أربعين يوما في كلّ يوم مرّة.(2)
و في المستند عن اختيار الرجال للكشّي: «أنّه عليه السلام أمر بذلك لقبر زميله محمّد بن الحباب أيضا». و الزميل: هو الرفيق في السفر.
«الثالث و العشرون»: أن يضع الحاضرون بعد الرشّ أصابعهم مفرّجات على القبر بحيث يبقى أثرها. و الأولى أن يكون مستقبل القبلة، و من طرف رأس الميّت. و استحباب الوضع المذكور آكد بالنسبة الى من لم يصلّ على الميّت. و اذا كان الميّت هاشميّا فالأولى أن يكون الوضع على وجه يكون أثر الأصابع أزيد بأن يزيد في غمز اليد. و يستحبّ أن يقول حين الوضع: «بسم اللّه ختمتك من الشيطان أن يدخلك»، و أيضا يستحبّ أن يقرأ مستقبلاً للقبلة سبع مرّات: «انّا أنزلناه»، و أن يستغفر له و يقول: «اللّهمّ جافّ الأرض عن جنبيه وأصعد اليك روحه و لقّه منك رضوانا و أسكن قبره من رحمتك ما تغنيه به
عن رحمة من سواك»، أو يقول: «اللّهمّ ارحم غربته، و صل وحدته، و آنس وحشته و آمن روعته و أفض عليه من رحمتك و اسكن اليه من برد عفوك و سعة غفرانك و رحمتك ما يستغني بها عن رحمة من سواك، و احشره مع من كان يتولاّه». و لايختصّ هذه الكيفيّة بهذه الحالة، بل يستحبّ عند زيارة كلّ مؤمن من قراءة «انّا أنزلناه» سبع مرّات و طلب المغفرة و قراءة الدعاء المذكور.
الشرح:
يستحبّ أن يضع الحاضرون بعد الرشّ أصابعهم مفرّجات على القبر بحيث يبقى أثرها و الأولى أن يكون مستقبل القبلة؛ لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام (في حديث):
«فاذا حثي عليه التراب و سوّي قبره، فضع كفّك على قبره عند رأسه و فرّج أصابعك، و اغمز كفّك عليه بعد ما ينضح بالماء».(1)
و في موثّقة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال:
« ... و سألته: كيف أضع يدي على قبور المسلمين؟ فأشار بيده الى الأرض و وضعها عليها، ثمّ رفعها و هو مقابل القبلة».(2)
و في الرضوي:
« ... ثمّ ضع يدك على القبر و أنت مستقبل القبلة، الحديث».(3)
و استحباب الوضع المذكور آكد بالنسبة الى من لم يصلّ على الميّت؛ فعن اسحاق بن عمّار قال:
«قلت لأبي الحسن الأوّل عليه السلام : انّ أصحابنا يصنعون شيئا: اذا حضروا
الجنازة و دفن الميّت لم يرجعوا حتّى يمسحوا أيديهم على القبر، أفسنّة ذلك أم بدعة؟ فقال عليه السلام : ذلك واجب على من لم يحضر الصلاة عليه».(1)
المحمول على تأكيد الندب اجماعا.
و اذا كان الميّت هاشميّا فالأولى أن يكون الوضع على وجه يكون أثر الأصابع أزيد بأن يزيد في غمز اليد؛ لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يصنع بمن مات من بني هاشم خاصّة شيئا لايصنعه بأحد من المسلمين: كان اذا صلّى على الهاشمي و نضح قبره بالماء، وضع رسول اللّه صلى الله عليه و آله كفّه على القبر حتّى ترى أصابعه في الطين، فكان الغريب يقدم أو المسافر من أهل المدينة فيرى القبر الجديد عليه أثر كفّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله، فيقول: من مات من آل محمّد صلى الله عليه و آله؟».(2)
أمّا قراءة انّا أنزلناه سبع مرّات فلنصوص كثيرة؛ ففي صحيحة محمّد بن أحمد قال:
«كنت بفيد فمشيت مع علي بن بلال الى قبر محمّد بن اسماعيل بن بزيع فقال لي علي بن بلال: قال لي صاحب هذا القبر عن الرضا عليه السلام قال: من أتى قبر أخيه ثمّ وضع يده على القبر و قرأ انّا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرّات أمن يوم الفزع الأكبر، الحديث».(3)
و في مرسلة الصدوق قال:
«قال الرضا عليه السلام : ما من عبد زار قبر مؤمن فقرأ عنده انّا أنزلناه في ليلة
القدر سبع مرّات الاّ غفر اللّه له و لصاحب القبر».(1)
و أمّا الاستقبال فلأنّه خير المجالس و مندوب على كلّ حال، و أقرب الى استجابة الدعاء، و عن محمّد بن اسماعيل بن بزيع أنّه سمع أبا جعفر عليه السلام يقول:
«من زار قبر أخيه المؤمن فجلس عند قبره و استقبل القبلة و وضع يده على القبر فقرأ انّا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرّات أمن من الفزع الأكبر».(2)
و أمّا استحباب طلب المغفرة للميّت فللعمومات الدالّة على استحبابه مطلقا للمؤمنين، و في صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«و اذا أتيت بالميّت القبر - الى أن قال: - و استغفر له ما استطعت، الحديث».(3)
و نحوه في الرضوي.(4)
و في خبر سالم بن مكرم:
« ... ثمّ ضع يدك على القبر و ادع للميّت و استغفر له».(5)
و أمّا الدعاء المذكور في المتن فقد ورد في خبر عبداللّه بن عجلان(6)، و صحيحة عمرو بن أبي المقدام عن أبي جعفر عليه السلام (7)و صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه عليه السلام (8)بتعبيرات مختلفة.
1) - وسائل الشيعة 3: 227 / الباب 57 من أبواب الدفن / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 3: 227 / الباب 57 من أبواب الدفن / الحديث 3.
3) - وسائل الشيعة 3: 177 / الباب 21 من أبواب الدفن / الحديث 1.
4) - مستدرك الوسائل 2: 323 / الباب 21 من أبواب الدفن / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 3: 180 / الباب 21 من أبواب الدفن / الحديث 5.
6) - وسائل الشيعة 3: 199 / الباب 34 من أبواب الدفن / الحديث 1.
7) - وسائل الشيعة 3: 199 / الباب 34 من أبواب الدفن / الحديث 2.
8) - وسائل الشيعة 3: 177 / الباب 21 من أبواب الدفن / الحديث 1.
و في صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الموتى نزورهم؟ فقال: نعم، - الى أن قال: - قلت: فأيّ شيء نقول اذا أتيناهم؟ قال: قل: اللّهمّ جافّ الأرض عن جنوبهم، و صاعد اليك أرواحهم، ولقّهم منك رضوانا و أسكن اليهم من رحمتك ما تصل به وحدتهم، و تونس به وحشتهم انّك على كلّ شيء قدير».(1)
أو يقول: «اللّهمّ ارحم غربته، و صل وحدته، و آنس وحشته و آمن روعته و أفض عليه من رحمتك و أسكن اليه من برد عفوك و سعة غفرانك و رحمتك ما يستغني بها عن رحمة من سواك، و احشره مع من كان يتولاّه»؛ كما ورد في خبر سالم بن مكرم عن أبي عبداللّه عليه السلام .
و لاتختصّ هذه الكيفيّة بهذه الحالة، بل يستحبّ عند زيارة كلّ مؤمن من قراءة «انّا أنزلناه» سبع مرّات و طلب المغفرة و قراءة الدعاء المذكور؛ لاطلاق الأدلّة الشامل لجميع الحالات و جميع المؤمنين و المؤمنات.
«الرابع و العشرون»: أن يلقّنه الولي أو من يأذن له تلقينا آخر بعد تمام الدفن و رجوع الحاضرين بصوت عال بنحو ما ذكر؛ فانّ هذا التلقين يوجب عدم سؤال النكيرين منه. فالتلقين يستحبّ في ثلاثة مواضع: حال الاحتضار، و بعد الوضع في القبر، و بعد الدفن و رجوع الحاضرين. و بعضهم ذكر استحبابه بعد التكفين أيضا. و يستحبّ الاستقبال حال التلقين. و ينبغي في التلقين بعد الدفن وضع الفم عند الرأس و قبض القبر بالكفّين.
1) - وسائل الشيعة 3: 228 / الباب 58 من أبواب الدفن / الحديث 1.
الشرح:
يستحبّ أن يلقّنه الولي أو من يأذن له تلقينا آخر بعد تمام الدفن و رجوع الحاضرين بصوت عال بنحو ما ذكر؛ لرواية يحيى بن عبداللّه قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: ما على أهل الميّت منكم أن يدرؤوا عن ميّتهم لقاء منكر و نكير؟! قال: قلت: كيف نصنع؟ قال: اذا أفرد الميّت فليستخلف عنده أولى الناس به فيضع فمه عند رأسه ثمّ ينادي بأعلى صوته: يا فلان ابن فلان، أو يا فلانة بنت فلان - الى أن قال: - قال: فيقول منكر لنكير: انصرف بنا عن هذا فقد لقّن حجّته».(1)
و في مرسلة علي بن ابراهيم عن أبيه عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ينبغي أن يتخلّف عند قبر الميّت أولى الناس به بعد انصراف الناس عنه، و يقبض على التراب بكفّيه و يلقّنه برفيع صوته، فاذا فعل ذلك كفى الميّت المسألة في قبره».(2)
و الظاهر جواز استنابة الولي في ذلك؛ للسيرة و الاجماع و في الجواهر: «لم نقف على مستنده». و على كلّ حال يمكن أن يقال برجحانه؛ لاقتضاء الحال ذلك و لأنّه خير محض على كلّ حال.
أمّا استحباب الاستقبال في حال التلقين فليس عليه دليل في خصوص المقام. نعم، يشمله عموم ما دلّ على أنّه خير المجالس في كلّ مقام.
و ينبغي في التلقين بعد الدفن وضع الفم عند الرأس و قبض القبر بالكفّين؛ لقوله عليه السلام في خبر يحيى بن عبداللّه المتقدّم: «فيضع فمه عند رأسه». و كذا قوله عليه السلام في المرسلة: «و يقبض على التراب بكفّيه و يلقّنه».
«الخامس و العشرون»: أن يكتب اسم الميّت على القبر أو على لوح أو
حجر، و ينصب عند رأسه.
الشرح:
لسيرة المتشرّعة بل جميع الملل الذين يدفنون موتاهم، و في الخبر:
«انّ رسول اللّه عليه السلام لمّا دفن عثمان بن مظعون دعا بحجر فوضعه عند رأس القبر، و قال: يكون علما ليدفن اليه قرابتي».(1)
و في خبر الدعائم أنّه صلى الله عليه و آله كتب فيه اسمه أيضا.
و في رواية يونس بن يعقوب قال:
«لمّا رجع أبو الحسن موسى عليه السلام من بغداد و مضى الى المدينة ماتت له ابنة بفيد(2)فدفنها و أمر عليه السلام بعض مواليه أن يجصّص قبرها، و يكتب على لوح اسمها و يجعله في القبر».(3)
و في رواية أخرى:
«انّ أمّ المهدي عليه السلام ماتت في حياة أبي محمّد عليه السلام و على قبرها لوح مكتوب عليه هذا قبر أمّ محمّد عليه السلام ».(4)
«السادس و العشرون»: أن يجعل في فمه فصّ عقيق مكتوب عليه: «لا اله الاّ اللّه ربّي، محمّد نبيّي، علي و الحسن و الحسين - الى آخر الأئمّة - أئمّتي».
الشرح:
نقله السيّد ابن طاووس في فلاح السائل عن جدّه ورّام بن أبي فراس أنّه
أوصى بذلك، و قال: انّه ممّن يقتدى بفعله.(1)
و يكفي ذلك في الاستحباب بناءً على المسامحة حتّى بهذا ولكن بشرط أن لايكون محذور شرعي في البين من عدم رضاء الورثة أو انطباق عنوان الاسراف عليه.
«السابع و العشرون»: أن يوضع على قبره شيء من الحصى على ما ذكره بعضهم و الأولى كونها حمرا.
الشرح:
تأسّيا بالنبي صلى الله عليه و آله حيث وضع الحصى على قبر ابنه ابراهيم(2)، و في مرسلة أبان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله محصّب حصباء حمراء».(3)
«الثامن و العشرون»: تعزية المصاب و تسليته قبل الدفن و بعده، و الثاني أفضل، و المرجع فيها العرف، و يكفي في ثوابها رؤية المصاب ايّاه. و لا حدّ لزمانها، و لو أدّت الى تجديد حزن قد نسي كان تركها أولى، و يجوز الجلوس للتعزية و لا حدّ له أيضا، و حدّه بعضهم بيومين أو ثلاث، و بعضهم على أنّ الأزيد من يوم مكروه، ولكن ان كان الجلوس بقصد قراءة القرآن و الدعاء لايبعد رجحانه.
رجحان تعزية المثاب و تسليته ثابت عند جميع العقلاء و بضرورة الدين و
في رواية السكوني عن أبي عبداللّه عن آبائه عليهم السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله من عزّى حزينا كسي في الموقف حلّة يحبر بها».(1)و قال صلى الله عليه و آله أيضا في رواية وهب:
«من عزّى مصابا كان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجر المصاب شيئا».(2)
و في رواية أبي جارود عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«كان فيما ناجى به موسى عليه السلام ربّه قال: يا ربّ ما لمن عزّى الثكلى؟ قال: أظلّه في ظلّي يوم لا ظلّ الاّ ظلّي».(3)
و هذا الاستحباب ثابت قبل الدفن و بعده؛ للاطلاق و الاجماع و الأصل و النصّ؛ ففي صحيحة هشام بن الحكم قال:
«رأيت موسى بن جعفر عليه السلام يعزّي قبل الدفن و بعده».(4)
و ان كان بعده أفضل، كما يشهد به الاعتبار، و لقول الصادق عليه السلام في مرسلة محمّد بن خالد:
«التعزية الواجبة بعد الدفن».(5)
أي التعزية بالنحو الأفضل.
و لمرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«التعزية لأهل المصيبة بعد ما يدفن».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 213 / الباب 46 من أبواب الدفن / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 213 / الباب 46 من أبواب الدفن / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 3: 213 / الباب 46 من أبواب الدفن / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 3: 215 / الباب 47 من أبواب الدفن / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 216 / الباب 48 من أبواب الدفن / الحديث 3.
6) - وسائل الشيعة 3: 216 / الباب 48 من أبواب الدفن / الحديث 1.
و المرجع فيها العرف؛ لأنّها من العرفيّات المختلفة باختلاف الأشخاص و الأعصار و الأمصار.
و أمّا كفاية رؤية صاحب المصيبة ايّاه فلمرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام : التعزية الواجبة بعد الدفن و كفاك من التعزيةأن يراك صاحب المصيبة».(1)
و الظاهر اكتفاء العرف بذلك أيضا؛ لأنّ لها مراتب متفاوتة بحسب الفضيلة فأدناها أن يراه صاحب المصيبة شرعا و عرفا.
أمّا عدم الحدّ لزمانها فللأصل و الاطلاق، و عدم ورود نصّ في هذا الأمر العامّ البلوى بالنسبة الى التحديد.
و أمّا أولويّة تركه ان أوجب تجديد الحزن فلشهادة العرف بذلك، بل قد يحرم لجهات خارجيّة، و يمكن انقسامها بالأحكام الخمسة التكليفيّة بعوارض خارجيّة.
أمّا أصل جواز الجلوس للتعزية فقال في المهذّب: «للأصل و سيرة العلماء و المتشرّعة في هذه الأعصار و ما قاربها و ان لم يعلم حال السلف أنّهم كانوا يجلسون لها، و يظهر من المعتبر العدم، ولكنّه أعمّ من الكراهة، و عن الشيخ في المبسوط و بعض آخر الكراهة، و ادّعى الأوّل الاجماع عليها و أنكر ابن ادريس دعوى الاجماع أشدّ الانكار».(2)
و أمّا أنّه لا حدّ له فللأصل و اختلاف ذلك بحسب الأشخاص و الأزمنة و الأمكنة. و عن جمع التحديد بثلاثة أيّام؛ لما دلّ على أنّ المأتم و الحداد و صنع الطعام لأهل الميّت ثلاثة أيّام.(3)ولكن لا دلالة لشيء من ذلك على تحديد التعزية بها، و ان لم تخل عن ايماء عليه.
و أمّا الرجحان بقصد قراءة القرآن و تزاور الاخوان فلا ريب في رجحانه. و بالجملة الجلوس للتعزية يختلف حكمه بالأحكام الخمسة للجهات العارضة.
«التاسع و العشرون»: ارسال الطعام الى أهل الميّت ثلاثة أيّام و يكرهالأكل عندهم، و في خبر: «انّه عمل أهل الجاهليّة».
الشرح:
لصحيحة حفص بن البختري و هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لمّا قتل جعفر بن أبي طالب أمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله فاطمة عليهاالسلام أن تتّخذ طعاما لأسماء بنت عميس ثلاثة أيّام، و تأتيها و نساءها و تقيم عندها ثلاثة أيّام، فجرت بذلك السنّة أن يصنع لأهل المصيبة طعاما ثلاثا».(1)
و في مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام : الأكل عند أهل المصيبة من عمل أهل الجاهليّة، و السنّة البعث اليهم بالطعام كما أمر به النبي صلى الله عليه و آله في آل جعفر بن أبي طالب لمّا جاء نعيه».(2)
«الثلاثون»: شهادة أربعين أو خمسين من المؤمنين للميّت بخير بأن يقولوا: «اللّهمّ انّا لانعلم منه الاّ خيرا و أنت أعلم به منّا».
الشرح:
لصحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«اذا مات المؤمن فحضر جنازته أربعون رجلاً من المؤمنين فقالوا:
«اللّهمّ انّا لانعلم منه الاّ خيرا و أنت أعلم به منّا»، قال اللّه تبارك و تعالى: قد أجزت شهاداتكم و غفرت له ما علمت ممّا لاتعلمون».(1)
و قد ورد الخمسون في حديث سعد الاسكاف.(2)
«الواحد و الثلاثون»: البكاء على المؤمن.
الشرح:
و ذلك للنصّ و الاجماع و السيرة ففي رواية محمّد بن الحسن الواسطي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ ابراهيم خليل الرحمن عليه السلام سأل ربّه أن يرزقه ابنة تبكيه بعد موته».(3)
و بكى رسول اللّه صلى الله عليه و آله على ابنه ابراهيم و قال:
«تدمع العين و يحزن القلب و لانقول ما يسخط الربّ، و انّا بك يا ابراهيم لمحزونون، الحديث».(4)
و في مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام : انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله حين جاءته وفاة جعفر بن أبي طالب و زيد بن حارثة كان اذا دخل بيته كثر بكاؤه عليهما جدّا، و يقول: كانا يحدّثاني و يؤنساني فذهبا جميعا».(5)
و بكاء الصدّيقة البتول على الرسول صلى الله عليه و آله مروي عن الطريقين، و بكاء عليّ عليه السلام
1) - وسائل الشيعة 3: 285 / الباب 90 من أبواب الدفن / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 285 / الباب 90 من أبواب الدفن / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 3: 241 / الباب 70 من أبواب الدفن / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 3: 280 / الباب 87 من أبواب الدفن / الحديث 3.
5) - وسائل الشيعة 3: 280 / الباب 87 من أبواب الدفن / الحديث 6.
على فقدان أصحابه مذكور في نهج البلاغة.(1)
و في رواية الحسين بن يزيد قال:
«ماتت ابنة لأبي عبداللّه عليه السلام فناح عليها سنة، ثمّ مات له ولد آخر فناح عليه سنة، ثمّ مات اسماعيل فجزع عليه جزعا شديدا فقطع النوح،قال: فقيل لأبي عبداللّه عليه السلام : أيناح في دارك؟! فقال: انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال لمّا مات حمزة: لكن حمزة لا بواكي له».(2)
و في دعوات الراوندي قال النبي صلى الله عليه و آله:
« ... يا ربّ أيّ عبادك أحبّ اليك؟! قال: الذي يبكي لفقد الصالحين، كما يبكي الصبي لفقد أبويه».(3)
و الظاهر أنّه في الجملة من الأمور غير الاختياريّة خصوصا بالنسبة الى القلوب الرحيمة، و يشهد له قول النبي صلى الله عليه و آله:
«النفس مصابة و العين دامعة و العهد قريب».(4)
و قوله صلى الله عليه و آله عند بكائه صلى الله عليه و آله عند موت بعض ولده:
«انّما هي رقّة و رحمة يجعلها اللّه في قلب من شاء من خلقه و يرحم اللّه من شاء و انّما يرحم من عباده الرحماء».(5)
قال في المهذّب: «و قالوا: انّ مفارقة الأحبّة ملازم لجريان الدمعة، و من لايحزن عند الفراق ففيه شعبة من النفاق».(6)
1) - نهج البلاغة: الخطبة 220.
2) - وسائل الشيعة 3: 241 / الباب 70 من أبواب الدفن / الحديث 2.
3) - مستدرك الوسائل 2: 469 / الباب 75 من أبواب الدفن / الحديث 4.
4) - مستدرك الوسائل 2: 461 / الباب 74 من أبواب الدفن / الحديث 5.
5) - مستدرك الوسائل 2: 461 / الباب 74 من أبواب الدفن / الحديث 4.
6) - مهذّب الأحكام 4: 207.
«الثاني و الثلاثون»: أن يسلّي صاحب المصيبة نفسه بتذكّر موت النبي صلى الله عليه و آله فانّه أعظم المصائب.
الشرح:
لرواية سليمان بن عمرو النخعي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من أصيب بمصيبة فليذكر مصابه بالنبيّ صلى الله عليه و آله فانّه من أعظم المصائب».(1)و في رواية ابن عبّاس قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: اذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي فانّها من أعظم المصائب».(2)
«الثالث و الثلاثون»: الصبر على المصيبة و الاحتساب و التأسّي بالأنبياء و الأوصياء و الصلحاء خصوصا في موت الأولاد.
الشرح:
أمّا الصبر فيدلّ على رجحانه الأدلّة الأربعة، فمن الكتاب قوله تعالى:«و اللّه يحبّ الصابرين».(3)و كذا قوله تعالى:«و اللّه مع الصابرين».(4)و كذا قوله تعالى:«و بشّر الصابرين * الذين اذا أصابتهم مصيبة قالوا انّا للّه و انّا اليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربّهم و رحمة و أولئك هم المهتدون».(5)
أمّا السنّة فقد ورد فيها ما لايحصى و لايستقصى، فمنها مرفوعة عمرو بن شمر عن علي عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله (في حديث): من صبر على المصيبة حتّى يردّها بحسن عزائها كتب اللّه له ثلاثمائة درجة ما بين الدرجة الى الدرجة كما بين السماء و الأرض».(1)
و في رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الصبر رأس الايمان».(2)
و في صحيحة فضيل بن يسار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد فاذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك اذا ذهب الصبر ذهب الايمان».(3)
و منها رواية ابن مهران قال:
«كتب رجل الى أبي جعفر الثاني عليه السلام يشكو اليه مصابه بولده و شدّة مادخله، فكتب اليه: أما علمت أنّ اللّه عزّوجلّ يختار من مال المؤمن و من ولده أنفسه ليأجره على ذلك».(4)
و في رواية زيد الشحّام عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ عظيم الأجر لمع عظيم البلاء، و ماأحبّ اللّه قوما الاّ ابتلاهم».(5)
و منها مرسلة محمّد بن بهلول عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّما المؤمن بمنزلة كفّة الميزان كلّما زيد في ايمانه زيد في بلائه».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 259 / الباب 76 من أبواب الدفن / الحديث 17.
2) - وسائل الشيعة 3: 257 / الباب 76 من أبواب الدفن / الحديث 9.
3) - وسائل الشيعة 3: 257 / الباب 76 من أبواب الدفن / الحديث 8.
4) - وسائل الشيعة 3: 243 / الباب 72 من أبواب الدفن / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 3: 263 / الباب 77 من أبواب الدفن / الحديث 10.
6) - وسائل الشيعة 3: 263 / الباب 77 من أبواب الدفن / الحديث 12.
و أمّا الاجماع فمن المسلمين بل العقلاء، و أمّا العقل فلايخفى على كلّ من راجع عقله.
و أمّا استحباب التأسّي بالأنبياء و الأوصياء و الصلحاء فلأنّهم أهل لأن يتأسّى بهم في مكارم الأخلاق و محاسن الآداب و يشمله اطلاق قوله تعالى:«أولئك الذين هدى اللّه فبهداهم اقتده».(1)و قوله تعالى:«لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا اللّه و اليوم الآخر».(2)و قوله تعالى:«لقد كان لكم فيرسول اللّه أسوة حسنة لمن كان يرجوا اللّه و اليوم الآخر».(3)
و أمّا تأكيد ذلك في موت الأولاد فلنصوص متواترة:
منها رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من قدّم أولادا يحتسبهم عند اللّه حجبوه من النار باذن اللّه عزّوجلّ».(4)
و منها رواية ثانية له عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قال (رسول اللّه صلى الله عليه و آله): اللّه عزّوجلّ أعزّ و أكرم من أن يسلب عبدا ثمرة فؤاده فيصبر و يحتسب و يحمد اللّه عزّوجلّ ثمّ يعذّبه».(5)
و غير ذلك من الأخبار.(6)
«الرابع و الثلاثون»: قول: «انّا للّه و انّا اليه راجعون» كلّما تذكّر.
الشرح:
لرواية معروف عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ما من عبد يصاب بمصيبة فيسترجع عند ذكره المصيبة و يصبر حين تفجأه الاّ غفر اللّه له ما تقدّم من ذنبه، و كلّما ذكر مصيبة فاسترجع عند ذكره المصيبة غفر اللّه له كلّ ذنب اكتسبه فيما بينهما».(1)
و في رواية داود بن زربي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من ذكر مصيبة و لو بعد حين فقال: «انّا للّه و انّا اليه راجعون و الحمدللّه ربّ العالمين اللّهمّ أجرني على مصيبتي و اخلف عليّ أفضل منها»، كان له من الأجر مثل ما كان عند أوّل صدمة».(2)
«الخامس و الثلاثون»: زيارة قبور المؤمنين و السلام عليهم بقول: «السلام عليكم يا أهل الديار ... الخ»، و قراءة القرآن و طلب الرحمة و المغفرة لهم، و يتأكّد في يوم الاثنين و الخميس خصوصا عصره و صبيحة السبت للرجال و النساء بشرط عدم الجزع و الصبر. و يستحبّ أن يقول: «السلام على أهل الديار من المؤمنين، رحم اللّه المتقدّمين منكم و المتأخّرين، و انّا ان شاء اللّه بكم لاحقون». و يستحبّ للزائر أن يضع يده على القبر و أن يكون مستقبلاً و أن يقرأ «انّا أنزلناه» سبع مرّات، و يستحبّ أيضا قراءة الحمد و المعوّذتين و آية الكرسي كلّ منها ثلاث مرّات، و الأولى أن يكون جالسا مستقبل القبلة و يجوز قائما. و يستحبّ أيضا قراءة يس، و يستحبّ أيضا أن يقول: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، السلام على أهل لا اله الاّ اللّه، من أهل لا اله الاّ اللّه، كيف
وجدتم قول لا اله الاّ اللّه من لا اله الاّ اللّه، يا لا اله الاّ اللّه، بحقّ لا اله الاّ اللّه، اغفر لمن قال لا اله الاّ اللّه، و احشرنا في زمرة من قال لا اله الاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، علي ولي اللّه».
تدلّ على استحباب زيارة قبور المؤمنين روايات مستفيضة:
منها رواية محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : زوروا موتاكم فانّهم يفرحون بزيارتكم وليطلب أحدكم حاجته عند قبر أبيه و عند قبر أمّه بما يدعو لهما».(1)
و منها مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام : ... و من لم يقدر على زيارتنا فليزر صالحي موالينا يكتب له ثواب زيارتنا».(2)
و يدلّ عليه من طرق العامّة أخبار كثيرة فلتراجع مظانّها، و قد جمع جملة منها العلاّمة الأميني رحمه الله في المجلّد الخامس من الغدير، بل زيارة القبور من جملة الحقوق المجامليّة بين الناس.
و يستحبّ السلام عليهم بقول «السلام عليكم يا أهل الديار ... الخ» كما في صحيحة عبداللّه بن سنان قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : كيف التسليم على أهل القبور؟ فقال: نعم، تقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين و المسلمين أنتم لنا فرط و نحن - ان شاء اللّه - بكم لاحقون».(3)
و في رواية جرّاح المدائني قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام : كيف التسليم على أهل القبور؟ قال: تقول:
السلام على أهل الديار من المؤمنين و المسلمين، رحم اللّه المستقدمين منّا و المستأخرين و انّا ان شاء اللّه بكم لاحقون».(1)
و أمّا استحباب قراءة القرآن عند زيارة القبور فلأنّها مندوبة في كلّ حال خصوصا في مثل هذه الأحوال، و لقول الصدّيقة الطاهرة عليهاالسلام في وصيّتها لعلي عليه السلام لمّا احتضرت فقالت:
«اذا أنا متّ فتولّ أنت غسلي و جهّزني و صلّ عليّ و أنزلني قبري و ألحدني و سوّ التراب عليّ و اجلس عند رأسي قبالة وجهي فأكثر من تلاوة القرآن و الدعاء فانّها ساعة يحتاج الميّت فيها الى أنس الأحياء».(2)
و يستحبّ طلب الرحمة و المغفرة لهم عندها؛ ففي صحيحة ابن أبي المقدام قال:
«مررت مع أبي جعفر عليه السلام بالبقيع فمررنا بقبر رجل من أهل الكوفة من الشيعة، قال: فوقف عليه فقال: اللّهمّ ارحم غربته و صل وحدته و أسكن اليه من رحمتك ما يستغني بها عن رحمة من سواك و ألحقه بمن كان يتولاّه».(3)
و قد تقدّم استحباب الاستغفار للميّت في كلّ حال.
و تتأكّد زيارة قبورهم في يوم الاثنين و الخميس خصوصا عصره و صبيحة السبت؛ للتأسّي بالرسول صلى الله عليه و آله و ابنته البتول عليهاالسلام ففي رواية يونس عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ فاطمة عليهاالسلام كانت تأتي قبور الشهداء في كلّ غداة سبت فتأتي قبر حمزة و تترحّم عليه و تستغفر له».(4)
و في صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: عاشت فاطمة عليه السلام بعد أبيها خمسة و سبعين يوما لم تر كاشرة و لا ضاحكة، تأتي قبور الشهداء في كلّ جمعة مرّتين الاثنين و الخميس، الحديث».(1)
و في رواية صفوان الجمّال قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يخرج في ملإ من الناس من أصحابه كلّ عشيّة خميس الى بقيع المدنيّين، الحديث».(2)
و أمّا التعميم للرجال و النساء مع عدم المحذور فللاطلاق، و فعل الصدّيقة الطاهرة عليهاالسلام ، و ما يظهر منه المنع محمول على ما اذا كان معرضا للمحذور.
و يستحبّ أن يقول: «السلام على أهل الديار من المؤمنين، رحم اللّه المتقدّمين منكم و المتأخّرين، و انّا ان شاء اللّه بكم لاحقون» ،كما في خبر جرّاح المدائني عن أبي عبداللّه عليه السلام ، و نحوه خبر عبداللّه بن سنان عنه عليه السلام - أيضا - الاّ أنّه قال: «و المسلمين أنتم لنا فرط ... » بعد قوله: «و المؤمنين».
و يستحبّ للزائر أن يضع يده على القبر و أن يكون مستقبلاً و أن يقرأ انّا أنزلناه سبع مرّات؛ لصحيحة ابن بزيع عن أبي جعفر عليه السلام :
«من زار قبر أخيه المؤمن فجلس عند قبره و استقبل القبلة و وضع يده على القبر فقرأ انّا أنزلناه في ليلة القدر سبع مرّات أمن من الفزع الأكبر».(3)
و يستحبّ أيضا قراءة الحمد و المعوّذتين و آية الكرسي كلّ منها ثلاث مرّات كما نقله في كامل الزيارة عن المفضّل.(4)
و الأولى أن يكون جالسا مستقبل القبلة و يجوز قائما كما تقدّم في صحيحة ابن بزيع.
و يستحبّ أيضا قراءة يس؛ للنبوي:
«من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفّف عنهم يومئذ و كان له بعدد من فيها حسنات».(1)
«السادس و الثلاثون»: طلب الحاجة عند قبر الوالدين.
لرواية محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : - الى أن قال: - وليطلب أحدكم حاجته عند قبر أبيه و عند قبر أمّه بما يدعو لهما».(2)
«السابع و الثلاثون»: احكام بناء القبر.
لفعل النبي صلى الله عليه و آله ذلك بقبر سعد بن معاذ و قال صلى الله عليه و آله:
«انّي لأعلم أنّه سيبلى و يصل اليه البلاء، ولكنّ اللّه يحبّ عبدا اذا عمل عملاً أحكمه».(3)
«الثامن و الثلاثون»: دفن الأقارب متقاربين.
للسيرة و قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله لمّا وضع صخرة عند رأس عثمان بن مظعون:
«أعلم بها قبر أخي و أدفن اليه من مات من أهله».(4)
«التاسع و الثلاثون»: التحميد و الاسترجاع و سؤال الخلف عند موت الولد.
لقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله في رواية السكوني:
«اذا قبض ولد المؤمن - و اللّه أعلم بما قال العبد - قال اللّه تبارك و تعالى لملائكته: قبضتم ولد فلان؟ فيقولون: نعم ربّنا، قال: فيقول: فما قال عبدي؟ قالوا: حمدك و استرجع، فيقول اللّه تبارك و تعالى: أخذتم ثمرة قلبه و قرّة عينه فحمدني و استرجع، ابنوا له بيتا في الجنّة و سمّوه بيت الحمد».(1)
و قال صلى الله عليه و آله أيضا في رواية أمّ سلمة:
«لايصيب أحد من المسلمين فيسترجع عند مصيبته، فيقول: اللّهمّ آجرني في مصيبتي و اخلف لي خيرا منها الاّ فعل ذلك به».(2)
«الأربعون»: صلاة الهديّة ليلة الدفن، و هي على رواية ركعتان يقرأ في الأولى الحمد و آية الكرسي، و في الثانية الحمد و القدر عشر مرّات و يقول بعد الصلاة: «اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و ابعث ثوابها الى قبر فلان». و في رواية أخرى في الركعة الأولى الحمد و قل هو اللّه أحد مرّتين، و في الثانية الحمد و التكاثر عشر مرّات. و ان أتى بالكيفيّتين كان أولى، و تكفي صلاة واحدة من شخص واحد، و اتيان أربعين أولى، لكن لا بقصد الورود و الخصوصيّة، كما أنّه يجوز التعدّد من شخص واحد بقصد اهداء الثواب، و الأحوط قراءة آية الكرسي الى «هم فيها خالدون». و الظاهر أنّ وقته تمام الليل و ان كان الأولى أوّله بعد العشاء، و لو أتى بغير الكيفيّة المذكورة سهوا أعاد، و لو كان بترك آية من انّا أنزلناه أو آية من آية الكرسي. و لو نسي من أخذ الأجرة عليها فتركها أو ترك شيئا منها وجب عليه ردّها الى صاحبها، و ان لم يعرفه تصدّق بها عن صاحبها. و ان علم برضاه أتى بالصلاة في وقت آخر و أهدى ثوابها الى الميّت لا بقصد الورود.
الشرح:
نقل الكفعمي في المصباح الكيفيّتين المذكورتين لصلاة الهديّة، و يأتي تفصيل هذه الصلوات في كتاب الصلاة (فصل في صلاة ليلة الدفن).
و على كلّ حال فلو أتى بالكيفيّتين كان أولى؛ لأنّه جمع بين الخبرين و نحو احتياط في البين.
و تكفي صلاة واحدة من شخص واحد؛ لاطلاق الأدلّة الدالّة على تحقّق الاكتفاء بثبوت مجرّد المسمّى ولكن اتيان أربعين أولى؛ لأنّه من الخير المحض بالنسبة الى الميّت في مثل هذا الحال المطلوب تعدّده، و لأنّ عدد الأربعين من مظانّ الاستجابة، كما تقدّم في شهادتهم للميّت بخير، لكن لايقصد الورود و الخصوصيّة؛ لعدم ورود نصّ بالخصوص به في المقام.
و يجوز التعدّد من شخص واحد بقصد اهداء الثواب؛ اذ لا شيء أحسن من اهداء الثواب في كلّ حال لا سيّما في مثل هذه الأحوال.
و الأحوط في قراءة آية الكرسي قراءتها الى «هم فيها خالدون»؛ لما تقدّم الكلام في وجه هذا الاحتياط، و آخر آية الكرسي في فصل آداب المحتضر.
و الظاهر أنّ وقته تمام الليل؛ لظهور الاطلاق الشامل لجميعها، و ان كان الأولى أوّل الليل ليستريح الميّت في بقيّة ليلته.
و لو أتى بغير الكيفيّة المذكورة سهوا أعاد؛ لعدم الاتيان بالمأمور به على وجهه، و عدم دليل على الاجزاء.
و لو نسي من أخذ الأجرة عليها فتركها أو ترك شيئا منها وجب عليه ردّها الى صاحبها؛ للأصل و قاعدة اليد، و ان لم يعرفه تصدّق بها عن صاحبها؛ لأنّه من صغريات مجهول المالك. و ان علم برضاه أتى بالصلاة في وقت آخر و أهدى ثوابها الى الميّت لا بقصد الورود أمّا بالنسبة الى المال فيصحّ فيه التصرّف؛ لفرض علمه برضاه و أمّا بالنسبة الى اهداء الثواب فلما تقدّم من أنّه من الخير المحض الذي يؤتى به متى شاء و أراد.
(مسألة 1): اذا نقل الميّت الى مكان آخر كالعتبات أو أخّر الدفن الى مدّة فصلاة ليلة الدفن تؤخّر الى ليلة الدفن.
لظواهر الأدلّة الدالّة على تقييد الصلاة فيها بليلة الدفن.
(مسألة 2): لا فرق في استحباب التعزية لأهل المصيبة بين الرجال و النساء حتّى الشابّات منهنّ متحرّزا عمّا تكون به الفتنة، و لا بأس بتعزية أهل الذمّة مع الاحتراز عن الدعاء لهم بالأجر الاّ مع مصلحة تقتضي ذلك.
الشرح:
لا فرق في استحباب التعزية لأهل المصيبة بين الرجال و النساء حتّى الشابّات منهنّ متحرّزا عمّا تكون به الفتنة؛ للاطلاقات الدالّة على استحباب التعزية، و لحسنة عبداللّه الكاهلي قال:
«قلت لأبي الحسن عليه السلام : انّ امرأتي و امرأة ابن مارد تخرجان في المأتم فأنهاهما فتقول لي امرأتي: ان كان حراما فانهنا عنه حتّى نتركه، و ان لم يكن حراما فلأيّ شيء تمنعناه؟ فاذا مات لنا ميّت لم يجئنا أحد، قال: فقال أبو الحسن عليه السلام : عن الحقوق تسألني، كان أبي عليه السلام يبعث أمّي و أمّ فروة تقضيان حقوق أهل المدينة».(1)
و يدلّ عليه قاعدة الاشتراك و اطلاق خبر مرازم قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: لمّا قتل جعفر بن أبي طالب دخل رسول اللّه صلى الله عليه و آلهعلى أسماء بنت عميس، الحديث».(2)
و لا بأس بتعزية أهل الذمّة؛ للاطلاق و أصالة الاباحة. و أمّا الدعاء لهم، فالظاهر أنّه ينقسم بحسب الأحكام الخمسة التكليفية لعناوين خارجية، و يشهد له صحيحة ابن الحجّاج قال:
«قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام : أرأيت ان احتجت الى الطبيب و هو نصراني أسلّم عليه و أدعو له؟ قال: نعم، انّه لاينفعه دعاؤك».(3)
(مسألة 3): يستحبّ الوصيّة بمال لطعام مأتمه بعد موته.
ففي صحيحة زرارة قال:
«أوصى أبو جعفر عليه السلام بثمانمائة درهم لمأتمه، و كان يرى ذلك من السنّة؛ لأنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله قال: اتّخذوا لآل جعفر طعاما فقد شغلوا».(1)
1) - وسائل الشيعة 3: 238 / الباب 68 من أبواب الدفن / الحديث 1.
و هي - أيضا - أمور:
«الأوّل»: دفن ميّتين في قبر واحد، بل قيل بحرمته مطلقا و قيل بحرمته مع كون أحدهما امرأة أجنبيّة. و الأقوى الجواز مطلقا مع الكراهة. نعم، الأحوط الترك الاّ لضرورة، و معها الأولى جعل حائل بينهما. و كذا يكره حمل جنازة الرجل و المرأة على سرير واحد، و الأحوط تركه أيضا.
الشرح:
يكره دفن ميّتين في قبر واحد؛ لمرسلة المبسوط قال:
«لما روي عنهم عليهم السلام أنّه لايدفن في قبر واحد اثنان».(1)
و في الجواهر: «بلا خلاف بين من تعرّض له من ابن حمزة و الفاضلين و الشهيد و غيرهم عدا ابن سعيد في الجامع فنهى».(2)
و الأقوى جوازه مطلقا مع الكراهة؛ للأصل و اطلاقات الأدلّة من غير ما يصلح للحرمة. و أمّا كون الاحتياط في الترك فللخروج عن خلاف ابن سعيد.
و أمّا عدم الكراهة في الضرورة فقال في المهذّب: «فلا خلاف فيه عن أحد، و
قد روي عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال للأنصار يوم أحد:
«احفروا و وسّعوا و عمّقوا و اجعلوا الاثنين و الثلاثة في القبر الواحد»».(1)
هذا حكم الدفن ابتداءً و أمّا دفن ميّت في قبر ميّت آخر قبل الاندراس، فهو من النبش المحرّم، و لو فعل حراما فلا اشكال في الكراهة، و انّما الكلام في الحرمة حينئذٍ فذهب اليها جمع، بل ادّعي الاجماع عليها.
و كذا يكره حمل جنازة الرجل و المرأة على سرير واحد؛ لقول أبي محمّد عليه السلام في مكاتبة الصفّار:
« ... لايحمل الرجل مع المرأة على سرير واحد».(2)
و قريب منه غيره المحمول على الكراهة اجماعا. و الأحوط تركه أيضا؛ جمودا على ظاهر النصّ.
ثمّ انّ الدفن في السراديب المتّخذة للموتى ليس دفن ميّتين في قبر واحد عرفا، فلايشمله دليل الكراهة.
«الثاني»: فرش القبر بالساج و نحوه من الآجرّ و الحجر، الاّ اذا كانت الأرض نديّة. و أمّا فرش ظهر القبر بالآجرّ و نحوه فلابأس به. كما أنّ فرشه بمثل حصير و قطيفة لا بأس به، و ان قيل بكراهته أيضا.
الشرح:
يكره فرش القبر بالساج و نحوه من الآجرّ و الحجر اجماعا، و لأنّ القبر من مظاهر عدل الآخرة، و لأن يظهر على العبد عند وروده على ربّه آثار المذلّة و المسكنة. و ترتفع هذه الكراهة اذا كانت الأرض نديّة؛ لصحيحة علي بن محمّد القاساني قال:
«كتب علي بن بلال الى أبي الحسن عليه السلام أنّه ربّما مات عندنا الميّت و
تكون الأرض نديّة فيفرش القبر بالساج أو يطبق عليه، فهل يجوز ذلك؟ فكتب: ذلك جائز».(1)
مع أنّ المتيقّن من دليل الكراهة غير هذه الصورة.
و أمّا فرش ظهر القبر بالآجرّ و نحوه فلابأس به؛ لأصالة الاباحة، و اطلاق أدلّة الاقبار، و لصحيحة أبان بن تغلب قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: جعل علي عليه السلام على قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله لبنا فقلت: أرأيت ان جعل الرجل عليه آجرّا هل يضرّ الميّت؟ قال: لا».(2)
و اطلاق تعليل ما ورد عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله:
« ... ولكنّ اللّه يحبّ عبدا اذا عمل عملاً أحكمه».(3)
كما أنّ فرشه بمثل حصير و قطيفة لا بأس به؛ للأصل بعد عدم الدليل على المنع، و ان قيل بكراهته أيضا؛ جمودا على اظهار التساوي في أوّل عدل الآخرة.
«الثالث»: نزول الأب في قبر ولده؛ خوفا عن جزعه و فوات أجره، بل اذا خيف من ذلك في سائر الأرحام أيضا يكون مكروها، بل قد يقال بكراهة نزول الأرحام مطلقا، الاّ الزوج في قبر زوجته و المحرم في قبر محارمه.
الشرح:
يكره نزول الأب في قبر ولده؛ خوفا عن جزعه و فوات أجره؛ لصحيحة حفص بن البختري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يكره للرجل أن ينزل في قبر ولده».(4)
و قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله في صحيحة علي بن عبداللّه عن أبي الحسن موسى عليه السلام :
« ... يا أيّها الناس انّه ليس عليكم بحرام أن تنزلوا في قبور أولادكم ولكنّي لست آمن اذا حلّ أحدكم الكفن عن ولده أن يلعب به الشيطان فيدخله عند ذلك من الجزع ما يحبط أجره».(1)
بل يكون مكروها اذا خيف من ذلك في سائر الأرحام أيضا؛ لشمول العلّة المذكورة في الخبر له أيضا، بل مقتضاه شمولها لكلّ حبيب مؤمن بالنسبة الى حبيبه المؤمن، بل قد يكون حراما لأجل عوارض خارجيّة. بل قد يقال بكراهة نزول الأرحام مطلقا؛ تمسّكا باطلاق التعليل في قوله صلى الله عليه و آله:
« ... أن يلعب به الشيطان فيدخله عند ذلك من الجزع ما يحبط أجره».
أمّا استثناء الزوج فلرواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الزوج أحقّ بامرأته حتّى يضعها في قبرها».(2)
و أمّا بالنسبة الى المحرم فلاطلاق قول أميرالمؤمنين عليه السلام في رواية السكوني:
«مضت السنّة من رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّ المرأة لايدخل قبرها الاّ من كان يراها في حياتها».(3)
و قد ورد في جواز دخول الولد في قبر والده روايات(4)، ولكنّها محمولة على قلّة الكراهة بناءً على ثبوتها مطلقا. هذا حكم المسألة بحسب العنوان الأوّلي ولكنّه قد يتغيّر بحسب العناوين الخارجيّة، و يشهد له نزول علي عليه السلام و الفضل ابن العبّاس في قبر رسول اللّه صلى الله عليه و آله.(5)
1) - وسائل الشيعة 3: 186 / الباب 25 من أبواب الدفن / الحديث 4.
2) - وسائل الشيعة 3: 187 / الباب 26 من أبواب الدفن / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 3: 187 / الباب 26 من أبواب الدفن / الحديث 1.
4) - وسائل الشيعة 3: 185 و 186 / الباب 25 من أبواب الدفن / الأحاديث 2 و 5 - 7.
5) - وسائل الشيعة 3: 184 / الباب 24 من أبواب الدفن / الحديث 2.
«الرابع»: أن يهيل ذو الرحم على رحمه التراب؛ فانّه يورث قساوة القلب.
الشرح:
ففي موثّقة عبيد بن زرارة قال:
«مات لبعض أصحاب أبي عبداللّه عليه السلام ولد فحضر أبو عبداللّه عليه السلام ، فلمّا ألحد تقدّم أبوه فطرح عليه التراب، فأخذ أبو عبداللّه عليه السلام بكفّيه و قال: لاتطرح عليه التراب، و من كان منه ذا رحم فلايطرح عليه التراب، فانّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله نهى أن يطرح الوالد أو ذو رحم على ميّته التراب، فقلنا: يا ابن رسول اللّه أتنهانا عن هذا وحده؟! فقال: أنهاكم أن تطرحوا التراب على ذوي أرحامكم؛ فانّ ذلك يورث القسوة في القلب، و من قسا قلبه بعد من ربّه».(1)
«الخامس»: سدّ القبر بتراب غير ترابه، وكذا تطيينه بغير ترابه فانّه ثقل على الميّت.
الشرح:
تدلّ عليها روايات، منها مرسلة الصدوق قال:
«قال الصادق عليه السلام : كلّ ما جعل على القبر من غير تراب القبر فهو ثقل على الميّت».(2)
و منها رواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«انّ النبي صلى الله عليه و آله نهى أن يزاد على القبر تراب لم يخرج منه».(3)
و منها رواية ثانية للسكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتطيّنوا القبر من غير طينه».(4)
«السادس»: تجصيصه أو تطيينه لغير ضرورة، و امكان الاحكام المندوب بدونه، و القدر المتيقّن من الكراهة انّما هو بالنسبة الى باطن القبر لا ظاهره، و ان قيل بالاطلاق.
الشرح:
يكره تجصيص القبر أو تطيينه لغير ضرورة نصّا و اجماعا و في صحيحة علي بن جعفر قال:
«سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن البناء على القبر و الجلوس عليه هل يصلح؟ قال: لايصلح البناء عليه و لا الجلوس و لا تجصيصه و لا تطيينه».(1)
و في حديث المناهي:
«نهى النبي صلى الله عليه و آله أن تجصّص المقابر».(2)
و لرواية ابن القدّاح عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال أميرالمؤمنين عليه السلام : بعثني رسول اللّه صلى الله عليه و آله في هدم القبور و كسر الصور».(3)
و لرواية قطب الراوندي في دعواته:
«قال النبي صلى الله عليه و آله: لايزال الميّت يسمع الأذان ما لم يطيّن قبره».(4)
و قد تقدّم ما يدلّ على الجواز في تجصيص الكاظم عليه السلام قبر بنته بفيد(5)، ان لم نحمله على أنّه لأجل كونها من أولاد الامام عليه السلام و هم مستثنون من الكراهة، أو
1) - وسائل الشيعة 3: 210 / الباب 44 من أبواب الدفن / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 211 / الباب 44 من أبواب الدفن / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 3: 211 / الباب 44 من أبواب الدفن / الحديث 6.
4) - مستدرك الوسائل 2: 347 / الباب 39 من أبواب الدفن / الحديث 1.
5) - وسائل الشيعة 3: 203 / الباب 37 من أبواب الدفن / الحديث 2.
كان ذلك لأجل عدم امكان احكام القبر خوفا من السباع بدون ذلك، و في عدم القائل بالحرمة مطلقا كفاية.
و لا ريب في عدم الكراهة اذا لم يمكن الاحكام المندوب في القبر بدونه بل قد يجب. و القدر المتيقّن من الكراهة انّما هو بالنسبة الى باطن القبر لا ظاهره؛ للاقتصار في الحكم المخالف للأصل على المتيقّن من مورد الدليل و ان قيل بالاطلاق؛ جمودا على اطلاق الأدلّة، و يظهر ذلك من صاحب الجواهر(1)و غيره.
«السابع»: تجديد القبر بعد اندراسه، الاّ قبور الأنبياء و الأوصياء و الصلحاء و العلماء.
الشرح:
قال في المهذّب: «على المشهور بين الأصحاب و كفى به دليلاً للكراهة بعد المسامحة فيها، و في مناجاة موسى بن عمران: «أنا عند القلوب المنكسرة و القبور المندرسة».
و في الحديث القدسي: «انّي أحبّ القلوب المنكسرة و القبور المندرسة».
مساكين أهل الحبّ حتّى قبورهم *** علاها غبار الذلّ بين المقابر
و المراد من الذلّ ذلّ العبوديّة للّه الذي هو عين العزّ».(2)
و يستثنى من ذلك قبور الأنبياء و الأوصياء و الصلحاء و العلماء بضرورة المذهب، بل الدين بالنسبة الى قبور الأنبياء و الأوصياء في الجملة، و الظاهر كونه ضروريّا بالنسبة الى كلّ من اعتقد بنبي أو وصي نبي مسلما كان أو غيره، و كذا بالنسبة الى أولاد الأئمّة عليهم السلام و أصحابهم و الصلحاء و العلماء؛ لأنّ ذلك كلّه من تعظيم شعائر اللّه، و الظاهر عدم شمول خبر المنع على فرض تماميّته لها؛ لأنّ
تجديد شعائر اللّه تعالى حسن مستحسن في جميع الأديان و يترتّب عليه كثير من المصالح الدينيّة مع استمرار سيرة المتديّنين عليه خلفا عن سلف.
«الثامن»: تسنيمه بل الأحوط تركه.
و قد تقدّم في الأمر العشرين من الفصل السابق ما يتعلّق به.
«التاسع»: البناء عليه، عدا قبور من ذكر. و الظاهر عدم كراهة الدفن تحت البناء و السقف.
الشرح:
يكره البناء على القبور اجماعا، و تدلّ عليه روايات كثيرة:
منها ما تقدّم من قول الكاظم عليه السلام في صحيحة علي بن جعفر:
«لايصلح البناء عليه».(1)
و منها رواية جرّاح المدائني عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاتبنوا على القبور، الحديث».(2)
و لايكره في قبور الأنبياء و الأوصياء؛ للاجماع، و لما تقدّم، و لما ورد في آداب زيارة المعصومين عليهم السلام من الأعمال المستحبّة عند دخول الحرم و الأبواب(3)، و للسيرة، و الأخبار المرغّبة في عمارة قبورهم عليهم السلام ، و يلحق بهم أولادهم و العلماء العاملون بما ورد عنهم عليهم السلام ؛ للأصل بل بضرورة من المذهب و السيرة.
و الظاهر عدم كراهة الدفن تحت البناء و السقف؛ للأصل بعد أن كان ظاهر النصّ هو البناء على القبر و عند الدوران بين الدفن تحت السماء أو تحت السقف فالظاهر أفضليّة الأوّل لو لم يكن مرجّح في الثاني.
«العاشر»: اتّخاذ المقبرة مسجدا، الاّ مقبرة الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام و العلماء.
الشرح:
لقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله في مرسلة الصدوق:
«لاتتّخذوا قبري قبلة و لا مسجدا؛ فانّ اللّه لعن اليهود حيث اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد».(1)
و في موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«أمّا زيارة القبور فلا بأس بها و لاتبنى عندها مساجد».(2)
الاّ مقبرة الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام و العلماء؛ للأصل و السيرة بعد انصراف الأخبار عن قبورهم عليهم السلام و من يتبعهم علما و عملاً؛ فانّ تلك القبور محلّ نزول البركات فتستجاب بقربها الدعوات و تقبل فيها الصلوات، و في صحيحة ابن أبي عمير قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّي لأكره الصلاة في مساجدهم، فقال: لاتكره فما من مسجد بني الاّ على قبر نبي أو وصي نبي قتل فأصاب تلك البقعة رشّة من دمه فأحبّ اللّه أن يذكر فيها، فأدّ فيها الفريضة و النوافل و اقض ما فاتك».(3)
«الحادي عشر»: المقام على القبور الاّ الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام .
الشرح:
للنصّ و الاجماع و لرواية اسحاق بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«ليس التعزية الاّ عند القبر ثمّ ينصرفون، الحديث».(1)
و لقوله صلى الله عليه و آله في خبر بيعة النساء:
« ... و لاتدعون بالويل و الثبور و لاتقمن عند قبر».(2)
الاّ على قبور الأنبياء و الأئمّة عليهم السلام ؛ للاجماع و السيرة و لأنّها الملاذ و الملجأ ممّا يخاف و يخشى.
«الثاني عشر»: الجلوس على القبر.
لقوله عليه السلام في صحيحة علي بن جعفر المتقدّمة:
«لايصلح البناء عليه و لا الجلوس، الحديث».
مع أنّه خلاف احترام الميّت.
«الثالث عشر»: البول و الغائط في المقابر.
الشرح:
لأنّ ذلك من مواضع اللعن مع أنّه خلاف احترام الميّت، و لصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«من تخلّى على قبر - الى أن قال: - فأصابه شيء من الشيطان لم يدعه الاّ أن يشاء اللّه، و أسرع ما يكون الشيطان الى الانسان و هو علىبعض هذه الحالات، الحديث».(3)
و لرواية ابراهيم بن عبدالحميد عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال:
«ثلاثة يتخوّف منها الجنون: التغوّط بين القبور، و المشي في خفّ واحد، و الرجل ينام وحده».(1)
و اطلاق التخلّي يشمل البول و الغائط، و اذا كان التغوّط بين القبور مكروها فعلى القبور يكون بالأولى، و في النبوي:
«لاتبولوا بين ظهرانيّ القبور و لاتتغوّطوا».(2)
و تقدّم في مكروهات التخلّي ما ينفع المقام. و يحرم ذلك لجهة خارجيّة كما اذا كان القبر ملكا لأحد، أو كان التخلّي هتكا بالنسبة الى الميّت.
«الرابع عشر»: الضحك في المقابر.
الشرح:
لوصيّة النبي صلى الله عليه و آله لعلي عليه السلام :
«انّ اللّه تبارك و تعالى كره لأمّتي الضحك بين القبور، و التطلّع في الدور».(3)
و التطلّع حرام كما يأتي ان شاء اللّه تعالى في محلّه لدليل آخر يدلّ على حرمته.
«الخامس عشر»: الدفن في الدور.
لقوله صلى الله عليه و آله:
« ... و لاتتّخذوا قبوركم مساجدكم، و لا بيوتكم قبورا».(4)
«السادس عشر»: تنجيس القبور و تكثيفها بما يوجب هتك حرمة الميّت.
الشرح:
الظاهر أنّه اذا كان تنجيس القبر هتكا لحرمته يحرم ذلك، و المكروه ما اذا لم يصل الى الهتك. و دليل الكراهة حينئذٍ أنّه خلاف توقير الميّت و خلاف احترامه.
«السابع عشر»: المشي على القبر من غير ضرورة.
الشرح:
قد ادّعي الاجماع على الكراهة، و عن النبي صلى الله عليه و آله في نهاية العلاّمة:
«لأن أطأ على جمرة أو سيف أحبّ اليّ من أن أطأ على قبر مسلم».(1)
و أمّا مرسلة الصدوق قال:
«قال أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام : اذا دخلت المقابر فطأ القبور فمن كان مؤمنا استروح الى ذلك، و من كان منافقا وجد ألمه».(2)
فيمكن حمله على الضرورة مع أنّه أمر في مورد توهّم الحظر لايستفاد منه شيء.
«الثامن عشر»: الاتّكاء على القبر.
قال في المستدرك: «ظاهر الفقهاء كراهة الاتّكاء و المشي على القبور و نسبه في المعتبر الى العلماء».(3)
«التاسع عشر»: انزال الميّت في القبر بغتة من غير أن يوضع الجنازة قريبا منه ثمّ رفعها و وضعها دفعات، كما مرّ.
«العشرون»: رفع القبر عن الأرض أزيد من أربع أصابع مفرّجات.
كما تقدّم في الأمر الرابع و التاسع عشر من الفصل السابق.
«الحادي و العشرون»: نقل الميّت من بلد موته الى آخر الاّ الى المشاهد المشرّفة و الأماكن المقدّسة و المواضع المحترمة كالنقل من عرفات الى مكّة، و النقل الى النجف؛ فانّ الدفن فيه يدفع عذاب القبر و سؤال الملكين، و الى كربلاء و الكاظميّة و سائر قبور الأئمّة عليهم السلام ، بل الى مقابر العلماء و الصلحاء بل لايبعد استحباب النقل من بعض المشاهد الى آخر لبعض المرجّحات الشرعيّة. و الظاهر عدم الفرق في جواز النقل بين كونه قبل الدفن أو بعده. و من قال بحرمة الثاني مراده ما اذا استلزم النبش، و الاّ فلو فرض خروج الميّت عن قبره بعد دفنه بسبب من سبع أو ظالم أو صبي أو نحو ذلك لا مانع من جواز نقله الى المشاهد مثلاً. ثمّ لايبعد جواز النقل الى المشاهد المشرّفة و ان استلزم فساد الميّت اذا لم يوجب أذيّة المسلمين؛ فانّ من تمسّك بهم فاز و من أتاهم فقد نجا و من لجأ اليهم أمن و من اعتصم بهم فقد اعتصم باللّه تعالى و المتوسّل بهم غير خائب صلوات اللّه عليهم أجمعين.
الشرح:
انّ النقل تارة يكون بعد الموت و قبل الدفن، و أخرى بعد ايداعه في ما يحفظه عن الفساد، أو استعمال ما يوجب عدم عروضه عليه من الأدوية القديمةأو الحديثة، أو يكون بعد الدفن ثمّ النبش للنقل، و الكلّ جائز؛ للأصل - و ان قلنا بحرمة النبش في نفسه - و لو فرض خروج الميّت بسيل أو نحوه فلا حرمة من هذه الجهة أيضا. فمقتضى الأصل و اطلاق أدلّة الدفن جواز النقل مطلقا ما
لم يترتّب عليه محرّم؛ لشمول تلك الاطلاقات لما اذا استلزم النقل و عدمه، ولكنّه مكروه لدعوى جمع من الأعيان الاجماع على كراهته، و يشهد لها ما نسب الى النبي صلى الله عليه و آلهتارة، و الى علي عليه السلام أخرى:
« ... ادفنوا الأجساد في مصارعهم و لاتفعلوا كفعل اليهود؛ فانّ اليهود تنقل موتاهم الى بيت المقدّس».(1)
بناءً على عدم القول باختصاصه بمصارع الشهداء، و الاّ فلايستفاد منه التعميم.
و ما دلّ على تعجيل الدفن(2)محمول على الندب اجماعا ما لم يكن غرض صحيح في البين، و الاّ فقد يكون الترجيح مع ملاحظة ذلك الغرض.
و لا يكره ذلك في النقل الى المشاهد المشرّفة و الأماكن المقدّسة و المواضع المحترمة؛ للأصل بعد أن كان المتيقّن من الاجماع الدالّ على الكراهة غير ذلك و يمكن دعوى اتّفاق المذاهب الأربعة الاسلام يّة فضلاً عن الاماميّة، بل العقلاء على جواز النقل اليها، بل رجحان ذلك ثابت بالفطرة، و في الشرائع الالهيّة خصوصا في مثل هذه الحالة التي انقطعت منها العلاقات، و بقيّة التوسّلات الى المقرّبين لدى خالق البرايا، و يشهد لذلك ما ورد في نقل نوح عليه السلام عظام آدم عليه السلام و دفنها في الغري(3)، و نقل موسى عليه السلام عظام يوسف عليه السلام و دفنها في بيت المقدّس.(4)و ما ورد في نقل رجل جنازة أبيه من اليمن الى الغري في حياة علي عليه السلام ، و أمره عليه السلام بالدفن هناك.(5)
أمّا جواز النقل بل استحبابه في النقل من عرفات الى مكّة؛ لنصوص كثيرة:
ففي صحيحة علي بن سليمان قال:
1) - مستدرك الوسائل 2: 312 / الباب 13 من أبواب الدفن / الحديث 12.
2) - وسائل الشيعة 2: 471 / الباب 47 من أبواب الاحتضار.
3) - مستدرك الوسائل 2: 309 / الباب 13 من أبواب الدفن / الحديث 5.
4) - مستدرك الوسائل 2: 311 / الباب 13 من أبواب الدفن / الحديث 8.
5) - مستدرك الوسائل 2: 310 / الباب 13 من أبواب الدفن / الحديث 7.
«كتبت اليه أسأله عن الميّت يموت بعرفات، يدفن بعرفات أو ينقل الى الحرم فأيّهما أفضل؟ فكتب: يحمل الى الحرم و يدفن فهو أفضل».(1)
و في صحيحة هارون بن خارجة قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: من دفن في الحرم أمن من الفزع الأكبر، فقلت: من برّ الناس و فاجرهم؟ قال: من برّ الناس و فاجرهم».(2)
مضافا الى أنّ مكّة أفضل من عرفات من جهات، منها كونها في الحرم دون عرفات.
و يستحبّ النقل الى النجف و الى كربلاء و الكاظميّة و سائر قبور الأئمّة عليهم السلام ؛ لاكتساب الفضيلة من الجوار و حسن الجار كما هو مطلوب في الدنيا، مرغوب اليه في البرزخ و في الآخرة.
قال في الجواهر: «لم أعثر على من نصّ على جواز حمله الاّ أنّه كان يفتي به الأستاذ المعتبر الشيخ جعفر تغمّده اللّه برحمته حتّى ترقّى الى أنّه قال: «لو توقّف نقله على تقطيعه اربا اربا جاز و لا هتك فيه»».(3)
و فيه اشكال بل الأصل خلافه و هو وجوب احترام جسد المؤمن.
(مسألة 1): يجوز البكاء على الميّت و لو كان مع الصوت بل قد يكون راجحا كما اذا كان مسكّنا للحزن و حرقة القلب بشرط أن لايكون منافيا للرضا بقضاء اللّه و لا فرق بين الرحم و غيره، بل قد مرّ استحباب البكاء على المؤمن. بل يستفاد من بعض الأخبار جواز البكاء على الأليف الضالّ. والخبر الذي ينقل من أنّ الميّت يعذّب ببكاء أهله ضعيف مناف لقوله تعالى: «و لاتزر وازرة وزر أخرى». و أمّا البكاء المشتمل على الجزع و عدم الصبر
فجائز ما لم يكن مقرونا بعدم الرضا بقضاء اللّه. نعم، يوجب حبط الأجر و لايبعد كراهته.
الشرح:
أمّا أصل جوازه في الجملة فللأصل و الاجماع و نصوص كثيرة تقدّم بعضها، بل الظاهر أنّ بعض مراتبه غير اختياري عند موت القريب بل الحبيب خصوصا عند النفوس الرحيمة. و أمّا جوازه لما اذا كان مع الصوت أو بدونه، فللأصل و الاطلاق.
و قد يكون راجحا كما اذا كان مسكّنا للحزن و حرقة القلب؛ لرواية منصور الصيقل عن أبيه قال:
«شكوت الى أبي عبداللّه عليه السلام وجدا وجدته على ابن لي هلك حتّى خفت على عقلي، فقال: اذا أصابك من هذا شيء فأفض من دموعك فانّه يسكن عنك».(1)
و يشهد له ما ثبت في الطبّ القديم و الحديث، بل قد يجب ذلك اذا توقّف علاج العقد النفسانيّة عليه.
و يستفاد من بعض الأخبار جواز البكاء على الأليف الضالّ؛ كما في رواية يونس بن يعقوب عن عبداللّه بن بكر الرجّاني قال:
«ذكرت أبا الخطّاب و مقتله عند أبي عبداللّه عليه السلام قال: فرققت عند ذلك و بكيت، فقال: أتأسى عليهم؟ فقلت: لا، ولكن سمعتك تذكر أنّ عليّا عليه السلام قتل أصحاب النهروان فأصبح أصحاب علي عليه السلام يبكون عليهم، فقال علي عليه السلام : أتأسون عليهم؟ فقالوا: لا، انّا ذكرنا الألفة التيكنّا عليها و البليّة التي أوقعتهم فلذلك رققنا عليهم، قال: لا بأس».(2)
و أمّا الخبر الذي أشار اليه في المتن فقال في المهذّب: «هذا الخبر رواه
البخاري و مسلم عن عبداللّه بن عمر أنّ النبي صلى الله عليه و آلهقال: «الميّت يعذّب ببكاء أهله عليه». و في رواية أخرى: «انّ اللّه يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله». و هذا الخبر مع أنّه عامّي و منقول بوجهين و مخالف للقرآن؛ لقوله تعالى:«و لاتزر وازرة وزر أخرى»، محرّف أيضا، فقد نقلوا عن عائشة أنّها قالت: «رحم اللّه عمر واللّه ماكذب، ولكنّه أخطأ أو نسي، انّما مرّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله بقبر يهوديّة و هم يبكون عليها، فقال: انّهم يبكون، و انّها لتعذّب ،الحديث»».(1)
و أمّا رواية معاوية بن وهب عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«كلّ الجزع و البكاء مكروه سوى الجزع و البكاء على الحسين عليه السلام ».(2)
فلا بدّ من تأويلها كالارشاد الى أقلّيّة ثواب البكاء على غيره عليه السلام بالنسبة الى البكاء عليه أو نحو ذلك.
أمّا البكاء المشتمل على الجزع و عدم الصبر فجائز للأصل و الاطلاق ما لم يكن مقرونا بعدم الرضا بقضاء اللّه؛ لمنافاته للأخبار المتواترة الدالّة على الرضا بقضاء اللّه تعالى و التسليم لأمره، بل عدّ ذلك من شعب الايمان كما تقدّم بعضها في الأمر الثالث و الثلاثين من الفصل السابق و في الأمر الأوّل من فصل آداب المريض فراجع.
نعم، يوجب حبط الأجر؛ لأنّه يمكن أن يستفاد ممّا دل على أنّ ضرب المصاب يده على الفخذ موجب لحبط الأجر بأن يكون ذلك من باب المثال لكلّما يمكن أن يظهر به الجزع المنافي لقضاء اللّه.
ولايبعد كراهته بل هي المسلّمة ان قلنا بأنّ ترك المندوب مكروه خصوصا في مثل المقام.
(مسألة 2): يجوز النوح على الميّت بالنظم و النثر ما لم يتضمّن الكذب و لم يكن مشتملاً على الويل و الثبور، لكن يكره في الليل. و يجوز أخذ الأجرة عليه اذا لم يكن بالباطل. لكن الأولى أن لايشترط أوّلاً.
الشرح:
و ذلك للأصل و الاجماع و النصوص المستفيضة، و قد أوصى أبو جعفر عليه السلام أن يندب في المواسم عشر سنين.(1)و ندبة الصدّيقة الطاهرة عليهاالسلام لأبيها معروفة بين الفريقين، و روى الشيخ زين الدين في مسكّن الفؤاد أنّ فاطمة عليهاالسلام ناحت على أبيها، و أنّه أمر بالنوح على حمزة.(2)
و في جملة من الأخبار النهي عن الصراخ بالويل؛ ففي رواية جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: ما الجزع؟ قال: أشدّ الجزع الصراخ بالويل و العويل و لطم الوجه و الصدر و جزّ الشعر من النواصي، و من أقام النواحة فقد ترك الصبر و أخذ في غير طريقه، الحديث».(3)
أقول:
النوح اذا اشتمل على الويل و الثبور و لم يكن صاحبه ساخطا على اللّه لايكون حراما، و الروايات الدالّة على النهي عنهما ضعيفة و لا بأس بالحمل على الكراهة.
و يجوز أخذ الأجرة عليه اذا لم يكن بالباطل؛ للأصل و العمومات و الاجماع وصحيحة أبي بصير قال:
«قال أبو عبداللّه عليه السلام : لا بأس بأجر النائحة التي تنوح على الميّت».(4)
و في مرسلة الصدوق قال:
«و سئل الصادق عليه السلام عن أجر النائحة، فقال: لا بأس به قد نيح على رسول اللّه صلى الله عليه و آله».(1)
و قوله عليه السلام في مرسلته الأخرى:
«لا بأس بكسب النائحة اذا قالت صدقا».(2)
لكن الأولى أن لايشترط أوّلاً؛ لقول الصادق عليه السلام في موثّقة حنّان بن سدير في الجارية النائحة:
« ... لاتشارط و تقبل ما أعطيت».(3)
المحمول على مجرّد أولويّة ترك الشرط، و قد ورد مثل ذلك في كسب الحجّام و الماشطة أيضا.(4)
(مسألة 3): لايجوز اللطم و الخدش و جزّ الشعر، بل و الصراخ الخارج عن حدّ الاعتدال على الأحوط. و كذا لايجوز شقّ الثوب على غير الأب و الأخ و الأحوط تركه فيهما أيضا.
الشرح:
لقول النبي صلى الله عليه و آله:
«ليس منّا من ضرب الخدود و شقّ الجيوب».(5)
1) - وسائل الشيعة 17: 128 / الباب 17 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 10.
2) - وسائل الشيعة 17: 128 / الباب 17 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 9.
3) - وسائل الشيعة 17: 126 / الباب 17 من أبواب ما يكتسب به / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 17: 131 / الباب 19 من أبواب ما يكتسب به.
5) - مستدرك الوسائل 2: 452 / الباب 71 من أبواب الدفن / الحديث 12.
و في رواية أبي أمامة:
«انّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله لعن الخامشة وجهها و الشاقّة جيبها، و الداعية بالويل و الثبور».(1)
و لقوله عليه السلام في رواية أبي جميلة المتقدّمة في المسألة السابقة:
«أشدّ الجزع الصراخ بالويل و العويل، و لطم الوجه و الصدر».
أقول:
و الروايات و ان كانت ضعيفة الاّ أن عمل المشهور بها ينجبر ضعفها مضافا الى أنّ الاضرار بالبدن و الاسراف غير جائز.
و لايجوز الصراخ الخارج عن حدّ الاعتدال على الأحوط؛ لرواية امرأة الحسن الصيقل عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«لاينبغي الصياح على الميّت و لاتشقّ الثياب».(2)
و كذا لايجوز شقّ الثوب على غير الأب و الأخ؛ لاطلاق ما دلّ على النهي عن الاسراف، و ما تقدّم من الأخبار الناهية عنه بالخصوص المعتضدة بما دلّ على الترغيب الى الرضا و التسليم و أنّه مخالف لهما.
ولكن استدلّ لجواز شقّ الثوب في موت الأب و الأخ بمرسلة المبسوط، و النسبة الى ظاهر الأصحاب - كما في المهذّب - و ما ورد في شقّ العسكري عليه السلام على أبيه و في جنازة أخيه، و كذا شقّ أبو محمّد عليه السلام في جنازة أبي الحسن عليه السلام (3)، و رواية خالد بن سدير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل شقّ ثوبه على أبيه أو على أمّه أو على أخيه أو على قريب له؟ فقال: لا بأس بشقّ الجيوب قد شقّ موسى
بن عمران على أخيه هارون، و لايشقّ الوالد على ولده، و لا زوج على امرأته، و تشقّ المرأة على زوجها، و اذا شقّ زوج على امرأته أو والد على ولده فكفّارته حنث يمين، و لا صلاة لهما حتّى يكفّرا أو يتوبا من ذلك، فاذا خدشت المرأة وجهها أو جزّت شعرها أو نتفته، ففي جزّ الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين، أو اطعام ستّين مسكينا، و في الخدش اذا دميت و في النتف كفّارة حنث يمين، و لا شيء في اللطم على الخدود سوى الاستغفار و التوبة، و لقد شققن الجيوب و لطمن الخدود الفاطميّات على الحسين بن علي عليهماالسلام ، و على مثله تلطم الخدود و تشقّ الجيوب».(1)
و قد عمل المشهور بها و ذكرناها في الصوم و الكفّارات.
(مسألة 4): في جزّ المرأة شعرها في المصيبة كفّارة شهر رمضان، و في نتفه كفّارة اليمين و كذا في خدشها وجهها.
على المشهور، و لما تقدّم في خبر ابن سدير. و الجزّ هو القطع مع بقاء أصله، و النتف نزعه من أصله.
(مسألة 5): في شقّ الرجل ثوبه في موت زوجته أو ولده كفّارة اليمين، و هي اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام.
على المشهور، و لما مرّ في خبر ابن سدير، و يأتي التفصيل في كتاب الكفّارات ان شاء اللّه تعالى.
1) - وسائل الشيعة 22: 402 / الباب 31 من أبواب الكفّارات / الحديث 1.
(مسألة 6): يحرم نبش قبر المؤمن و ان كان طفلاً أو مجنونا، الاّ مع العلم باندراسه و صيرورته ترابا. و لايكفي الظنّ به. و ان بقي عظما فان كان صلبا ففي جواز نبشه اشكال. و أمّا مع كونه مجرّد صورة بحيث يصير ترابا بأدنى حركة، فالظاهر جوازه. نعم، لايجوز نبش قبور الشهداء و العلماء و الصلحاء و أولاد الأئمّة عليهم السلام و لو بعد الاندراس و ان طالت المدّة، سيّما المتّخذ منها مزارا أو مستجارا. و الظاهر توقّف صدق النبش على بروز جسد الميّت فلو أخرج بعض تراب القبر و حفر من دون أن يظهر جسده لايكون من النبش المحرّم، و الأولى الاناطة بالعرف و هتك الحرمة. و كذا لايصدق النبش اذا كان الميّت في سرداب و فتح بابه لوضع ميّت آخر خصوصا اذا لم يظهر جسد الميّت. و كذا اذا كان الميّت موضوعا على وجه الأرض و بني عليه بناء لعدم امكان الدفن أو باعتقاد جوازه أو عصيانا فانّ اخراجه لايكون من النبش. و كذا اذا كان في تابوت من صخرة أو نحوها.
الشرح:
يحرم نبش قبر المؤمن و ان كان طفلاً أو مجنونا؛ لأنّ قبحه و حرمته - في الجملة - مسلّم بين المسلمين، بل جميع الملّيّين الذين يدفنون موتاهم، مع أنّه يكون هتكا للميّت، و حرمة المؤمن ميّتا كحرمته حيّا، و انّ المطلوب من الدفن انّما هو الحدوث و البقاء لا مجرّد الحدوث، الاّ أن يكون في نبشه مصلحة و لم يعدّ هتكا كانتقاله الى المشاهد المشرّفة و اطلاق معقد الاجماع يشمل الطفل و المجنون أيضا.
و هذه الحرمة باقية الاّ مع العلم باندراسه؛ لأنّ المنساق من الأدلّة و المتيقّن منالاجماع غير مورد العلم بالاندراس، فالمرجع حينئذٍ أصالة الاباحة. هذا مع قطع النظر عن جهة أخرى و الاّ فقد يحرم و قد يجب.
و لايكفي الظنّ بالاندراس في جواز النبش؛ لأصالة عدم اعتباره، فيكون
المرجع استصحاب الحرمة؛ فانّ المناط في الحرمة هو هتك المؤمن.
فلو لم يبق منه شيء الاّ بعض عظامه فلايبعد القول بعدم الهتك، فلايلزم العلم بصيرورته ترابا حتّى عظامه الصغار.
نعم، لايجوز نبش قبور الشهداء و العلماء و الصلحاء و أولاد الأئمّة: و لو بعد الاندراس و ان طالت المدّة، سيّما المتّخذ منها مزارا أو مستجارا اجماعا، بل ضرورة عند كلّ مذهب بالنسبة الى عظماء مذهبهم.
و الظاهر توقّف صدق النبش على بروز جسد الميّت فلو أخرج بعض تراب القبر و حفر من دون أن يظهر جسده لايكون من النبش المحرّم؛ لعدم صدق النبش المعهود بدونه، و لا أقلّ من الشكّ في ذلك فلاتشمله الأدلّة و الأولى في صدق النبش الاناطة بالعرف و هتك الحرمة؛ لأنّ كلّ موضوع لم يرد دليل من الشرع على تحديده فالمرجع فيه هو العرف، و حينئذٍ فان صدق النبش عرفا يحرم، و لايحرم مع الشكّ فضلاً عن صدق العدم.
و كذا لايصدق النبش اذا كان الميّت في سرداب و فتح بابه لوضع ميّت آخر خصوصا اذا لم يظهر جسد الميّت؛ لأصالة البراءة و السيرة المستمرّة في السراديب المتّخذة للموتى في غالب البلدان، و الظاهر عدم صدق النبش عرفا و لو ظهر الجسد آنا ما ثمّ سدّ باب السرداب فورا. و كذا في سائر الأمثلة المذكورة في المتن؛ لأنّه لايتحقّق موضوع الحرمة الاّ بعد الدفن، و المفروض عدم تحقّقه بعد، بل قد يجب الاخراج.
(مسألة 7): يستثنى من حرمة النبش موارد:
«الأوّل»: اذا دفن في المكان المغصوب عدوانا أو جهلاً أو نسيانا، فانّه يجب نبشه مع عدم رضا المالك ببقائه. و كذا اذا كان كفنه مغصوبا أو دفن معه مال مغصوب، بل أو ماله المنتقل بعد موته الى الوارث فيجوز نبشه لاخراجه. نعم، لو أوصى بدفن دعاء أو قرآن أو خاتم معه لايجوز نبشه لأخذه، بل لو ظهر بوجه من الوجوه لايجوز أخذه، كما لايجوز عدم العمل بوصيّته من الأوّل.
الشرح:
اذا دفن في المكان المغصوب عدوانا أو جهلاً أو نسيانا يجب نبشه مع عدم رضا المالك ببقائه؛ لعدم تحقّق الدفن الشرعي حتّى يثبت موضوع حرمة النبش، لما تقدّم - في المسألة الثانيه عشرة من فصل الدفن - من عدم جواز الدفن في الأرض المغصوبة، و ان كان الأفضل بل الأحوط للمالك قبول القيمة في غير مورد العدوان بل قد يجب ذلك. و المسألة من صغريات الأهمّ و المهمّ، فقد يجب النبش ان كان حقّ المالك أهمّ، و قد يجب بذل القيمة ان كان حقّ الميّت أهمّ.
و كذا اذا كان كفنه مغصوبا أو دفن معه مال مغصوب، بل لو دفن معه ماله المنتقل بعد موته الى الوارث فيجوز نبشه لاخراجه؛ لأهمّيّة حرمة الاسراف و تضييع المال المحترم عن حرمة النبش بلا اشكال، فمقتضى القاعدة سقوط حكم المهمّ حينئذٍ، و منه يظهر حكم الأسنان الاصطناعيّة ان كانت لها قيمة معتنى بها عرفا. نعم، لو أوصى بدفن دعاء أو قرآن أو خاتم معه لايجوز نبشه لأخذه، بل لو ظهر بوجه من الوجوه لايجوز أخذه، كما لايجوز عدم العمل بوصيّته من الأوّل؛ كلّ ذلك لوجوب العمل بالوصيّة مع استجماعها لشرائط الصحّة من كونها بقدر الثلث أو زائدا عليه مع امضاء الورثة و أن يكون في الدفن غرض شرعي.
«الثاني»: اذا كان مدفونا بلا غسل أو بلا كفن أو تبيّن بطلان غسله أو كون كفنه على الغير الوجه الشرعي كما اذا كان من جلد الميتة أو غير المأكول أو حريرا فيجوز نبشه لتدارك ذلك ما لم يكن موجبا لهتكه. و أمّا اذا دفن بالتيمّم لفقد الماء فوجد الماء بعد دفنه أو كفّن بالحرير لتعذّر غيره ففي جواز نبشه اشكال. و أمّا اذا دفن بلا صلاة أو تبيّن بطلانها فلايجوز النبش لأجلها، بل يصلّى على قبره، و مثل ترك الغسل في جواز النبش ما لو وضع في القبر على غير القبلة و لو جهلاً أو نسيانا.
الشرح:
و ذلك لأنّ النبش المحرّم هو ما اذا كان الدفن صحيحا شرعيّا، و لم يتحقّق ذلك في الصور المذكورة؛ لأنّ صحّته تتوقّف على وقوع ما يجب قبله، مع أنّ عمدة الدليل على حرمة النبش الاجماع و المتيقّن منه غير ذلك. ولكن يجوز في المذكورات ما لم يكن موجبا لهتكه؛ لأهمّيّة مراعاة عدم هتك المؤمن عن مثل هذه الأمور، فيسقط حكم المهمّ و يبقى حكم الأهمّ بلا مزاحم.
و أمّا اذا دفن بالتيمّم لفقد الماء فوجد الماء بعد دفنه أو كفّن بالحرير لتعذّر غيره ففي جواز نبشه اشكال؛ من احتمال كون العذر موجبا لانقلاب التكليف مطلقا فلايبقى مورد للنبش حينئذٍ، و من احتمال الانقلاب مادام لم يبلَ الميّت، و المفروض عدم البِلى و عدم الهتك، و عن بعض مشايخنا ترجيح الأوّل؛ تنظيرا للمقام بما اذا تيمّم للصلاة مع العذر في الوقت ثمّ ارتفع بعد الوقت. ولكنّه عين الدعوى كما لايخفى. و يمكن أن يقال: انّ المتيقّن من الاجماع على حرمة النبش غير هذه الصورة خصوصا مع قرب العهد.
و أمّا اذا دفن بلا صلاة أو تبيّن بطلانها فلايجوز النبش لأجلها، بل يصلّى على قبره؛ لما تقدّم في المسألة السابعة من فصل شرائط صلاة الميّت.
و مثل ترك الغسل في جواز النبش ما لو وضع في القبر على غير القبلة و لو
جهلاً أو نسيانا؛ لعدم كونه حينئذٍ من الدفن الشرعي حتّى يحرم النبش.
«الثالث»: اذا توقّف اثبات حقّ من الحقوق على رؤية جسده.
الشرح:
لأهمّيّة ذلك من حرمة نبشه، مع أنّ المتيقّن ممّا دلّ على الحرمة غير ذلك، مضافا الى أنّه يمكن أن يقال: انّ الحرمة انّما تكون فيما اذا لم يكن غرض شرعي في النبش مطلقا، و الاّ فلا حرمة و ان لم يكن ذلك الغرض أهمّ من حرمة النبش، فلايحتاج الى ملاحظة الأهمّيّة و يأتي التصريح من المصنّف قدس سره و نتعرّض هناك لدفع الاشكال عنه، فتأمّل.
«الرابع»: لدفن بعض أجزائه المبانة منه معه. لكن الأولى دفنه معه على وجه لايظهر جسده.
الشرح:
قد تقدّم في المسألة الثالثه عشرة من فصل الدفن وجوب ذلك، و اطلاق دليله يشمل مورد النبش أيضا، و لا اطلاق لدليل حرمة النبش من تمام الجهات حتّى يتعارض الاطلاقان؛ لأنّ عمدة دليلها الاجماع و المتيقّن منه غير ذلك، و مع فرض التعارض فالمرجع أصالة الاباحة، ولكن الأحوط هو الدفن بنحو لايظهر الجسد مهما أمكن ذلك.
«الخامس»: اذا دفن في مقبرة لاتناسبه، كما اذا دفن في مقبرة الكفّار، أو دفن معه كافر أو دفن في مزبلة أو بالوعة أو نحو ذلك من الأمكنة الموجبة لهتك حرمته.
الشرح:
و ذلك لأهمّيّة مراعاة احترامه عن نبش قبره قطعا، بل تقدّم امكان عدم لزوم مراعاة الأهمّيّة و ترتفع الحرمة بمجرّد الغرض الصحيح الشرعي، فتأمّل.
«السادس»: لنقله الى المشاهد المشرّفة و الأماكن المعظّمة على الأقوى، و ان لم يوص بذلك، و ان كان الأحوط الترك مع عدم الوصيّة.
الشرح:
ان أوصى بذلك يجب العمل به؛ لأنّ المناط في حرمة النبش هو هتك المؤمن و ليس فيه هتك. و الأقوى أنّ ذلك يجوز و ان لم يوص به؛ لعدم الهتك هناك و ان كان الأحوط الترك.
«السابع»: اذا كان موضوعا في تابوت و دفن كذلك، فانّه لايصدق عليه النبش حيث لايظهر جسده. و الأولى مع ارادة النقل الى المشاهد اختيار هذه الكيفيّة، فانّه خال عن الاشكال أو أقلّ اشكالاً.
الشرح:
السابع من موارد جواز النبش هو ما اذا كان موضوعا في تابوت و دفن كذلك، فانّه لايصدق عليه النبش حيث لايظهر جسده. و الأولى مع ارادة النقل الى المشاهد اختيار هذه الكيفيّة؛ جمودا على احتمال حرمة النبش حينئذٍ للنقل الى المشاهد و جواز تأخير الدفن لمصلحة راجحة. و أمّا بناءً على جواز النبش للنقل
و حرمة تأخير الدفن بهذا المقدار فلا ريب في عدم أولويّة الثاني على الأوّل، كما أنّه بناءً على جوازهما معا فلا أولويّة في البين.
«الثامن»: اذا دفن بغير اذن الولي.
لأنّه دفن غير شرعي فلايشمله دليل حرمة النبش، كما تقدّم في نظائره ولكن الأحوط حينئذٍ اذن الولي لو لم يكن محذور في البين.
«التاسع»: اذا أوصى بدفنه في مكان معّين و خولف عصيانا أو جهلاً أو نسيانا.
لأنّ الدفن وقع على غير المشروع فلا موضوع لحرمة النبش الاّ اذا ثبتت حرمة النبش بدليل لفظي مطلق حتّى يكون العمل بالوصيّة مستلزما لارتكاب الحرام، ولكنّه ممنوع كما سيأتي.
«العاشر»: اذا دعت ضرورة الى النبش، أو عارضه أمر راجح أهمّ.
لأنّه من موارد التزاحم و لا ريب في تقديم الأهمّ، بل تقدّم جوازه لكلّ غرض صحيح شرعي و لو لم يكن أهمّ فضلاً عمّا اذا كان كذلك.
«الحادي عشر»: اذا خيف عليه من سبع أو سيل أو عدوّ.
لزوال حكمة الدفن في الابقاء فلا بدّ من وجوب النبش حينئذٍ؛ تحفّظا على الغرض من الدفن.
«الثاني عشر»: اذا أوصى بنبشه و نقله بعد مدّة الى الأماكن المشرّفة. بل يمكن أن يقال بجوازه في كلّ مورد يكون هناك رجحان شرعي من جهة من
الجهات، و لم يكن موجبا لهتك حرمته أو لأذيّة الناس؛ و ذلك لعدم وجود دليل واضح على حرمة النبش الاّ الاجماع، و هو أمر لبّي، و القدر المتيقّن منه غير هذه الموارد. لكن مع ذلك لايخلو عن اشكال.
الشرح:
منشأ الاشكال هو أنّ المستفاد من الأدلّة هل هو أصالة حرمة النبش الاّ ما خرج بالدليل، أو أنّ الحرمة تختصّ بما ليس فيه غرض صحيح، و المتيقّن هو الأخير، و الشكّ في التعميم يكفي في عدم ثبوته، فتأمّل.
نقل أصل القبر مع ميّته و ما فيه من التراب بحيث لم يظهر جسد الميّت لايكون من النبش المحرّم فمقتضى الأصل جوازه لو لم يترتّب عليه محذور شرعي.
(مسألة 8): يجوز تخريب آثار القبور التي علم اندراس ميّتها، ما عدا ما ذكر من قبور العلماء و الصلحاء و أولاد الأئمّة عليهم السلام سيّما اذا كانت في المقبرة الموقوفة للمسلمين مع حاجتهم، و كذا في الأراضي المباحة، ولكن الأحوط عدم التخريب مع عدم الحاجة خصوصا في المباحة غير الموقوفة.
الشرح:
يجوز تخريب آثار القبور التي علم اندراس ميّتها؛ لأصالة البراءة عن الحرمة بعد عدم دليل عليها و للسيرة. و الاّ لعمّت القبور فناء الدور و تزاحمت قبور الموتى مع قصور الأحياء سيّما اذا كانت في المقبرة الموقوفة للمسلمين مع حاجتهم؛ لأنّ الظاهر أنّه ليس المراد بالوقف للدفن مجرّد حدوث الدفن في الجملة، بل مهما أمكن ذلك شرعا الى الأبد. ولكن الأحوط عدم التخريب مع عدم الحاجة خصوصا في المباحة غير الموقوفة؛ لاحتمال أن يكون الدفن منشأ لحصول حقّ الاختصاص مطلقا فلايزول بانعدام الميّت، لكنّه مشكل.
و لايجوز ذلك في قبور العلماء و الصلحاء و أولاد الأئمّة عليهم السلام ؛ لبناء الناس على ابقائها و التبرّك بها خلفا عن سلف، فهي ملاذ العباد في قضاء الحاجات و نيل الطلبات، فلا بدّ و أن يتحفّظ عن الحوادث و الآفات.
(مسألة 9): اذا لم يعلم أنّه قبر مؤمن أو كافر فالأحوط عدم نبشه مع عدم العلم باندراسه أو كونه في مقبرة الكفّار.
لبناء الفقهاء على تغليب جانب الاسلام مهما أمكنهم ذلك.
(مسألة 10): اذا دفن الميّت في ملك الغير بغير رضاه لايجب عليه الرضا ببقائه و لو كان بالعوض، و ان كان الدفن بغير العدوان من جهل أو نسيان فله
أن يطالب النبش أو يباشره. و كذا اذا دفن مال للغير مع الميّت، لكن الأولى بل الأحوط قبول العوض أو الأعراض.
الشرح:
اذا دفن الميّت في ملك الغير بغير رضاه لايجب عليه الرضا ببقائه و لو كان بالعوض؛ للأصل و قاعدة السلطنة و كذا ان كان الدفن بغير العدوان من جهل أو نسيان فله أن يطالب النبش أو يباشره؛ لقاعدة السلطنة بعد عدم دليل حاكم عليها و الشكّ في شمول دليل حرمة النبش بالنسبة اليه فيكون المرجع هو الأصل.
و كذا اذا دفن مال للغير مع الميّت؛ لأنّ مقتضى سلطنته على ماله جواز أخذه له مطلقا ما لم يدلّ دليل على الحرمة و هو مفقود. لكن الأولى بل الأحوط قبول العوض أو الأعراض؛ لأنّه مع بذل العوض و عدم تضرّره بالأعراض يمكن التشكيك في شمول قاعدة السلطنة له من حيث معارضتها لما دلّ على حرمة النبش مع أنّ ذلك من المجاملات الأخلاقيّة المرغّبة اليها شرعا.
(مسألة 11): اذا أذن في دفن ميّت في ملكه لايجوز له أن يرجع عن اذنه بعد الدفن، سواء كان مع العوض أو بدونه؛ لأنّه المقدم على ذلك فيشمله حرمة دليل النبش. و هذا بخلاف ما اذا أذن في الصلاة في داره، فانّه يجوز له الرجوع في أثناء الصلاة، و يجب على المصلّي قطعها في سعة الوقت فانّ حرمة القطع انّما هي بالنسبة الى المصلّي فقط، بخلاف حرمة النبش فانّه لا فرق فيه بين المباشر و غيره. نعم، له الرجوع عن اذنه بعد الوضع في القبر قبل أن يسدّ بالتراب. هذا اذا لم يكن الاذن في عقد لازم، و الاّ ليس له الرجوع مطلقا.
الشرح:
اذا أذن في دفن ميّت في ملكه لايجوز له أن يرجع عن اذنه بعد الدفن، سواء
كان مع العوض أو بدونه؛ لفرض أنّ الدفن وقع صحيحا و مستجمعا للشرائط المعتبرة فيه، فيشمله دليل الحرمة قهرا.
و هذا بخلاف ما اذا أذن في الصلاة في داره، فانّه يجوز له الرجوع في أثناء الصلاة، و يجب على المصلّي قطعها في سعة الوقت فانّ حرمة القطع انّما هي بالنسبة الى المصلّي فقط و اذا رجع عن اذنه لايبقى موضوع للحرمة، بل تبطل الصلاة من حيث وقوعها في المكان الغصبي، بخلاف حرمة النبش فانّه لايفرق فيه بين المباشر و غيره لولا احتمال دعوى انصراف الحرمة عن مثله.
(مسألة 12): اذا خرج الميّت المدفون في ملك الغير باذنه بنبش نابش أو سيل أو سبع أو نحو ذلك لايجب عليه الرضا و الاذن بدفنه ثانيا في ذلك المكان، بل له الرجوع عن اذنه، الاّ اذا كان لازما عليه بعقد لازم.
لقاعدة السلطنة و لعموم ما دلّ على وجوب الوفاء بالعقود.
(مسألة 13): اذا دفن في مكان مباح فخرج بأحد المذكورات لايجب دفنه ثانيا في ذلك المكان، بل يجوز أن يدفن في مكان آخر. و الأحوط الاستئذان من الولي في الدفن الثاني أيضا. نعم، اذا كان عظما مجرّدا أو نحو ذلك لايبعد عدم اعتبار اذنه، و ان كان أحوط مع امكانه.
الشرح:
اذا دفن في مكان مباح فخرج بأحد المذكورات لايجب دفنه ثانيا في ذلك المكان، بل يجوز أن يدفن في مكان آخر؛ للأصل و اطلاق أدلّة الدفن.
و الأحوط الاستئذان من الولي في الدفن الثاني أيضا؛ لعموم ما تقدّم ممّا دلّ على وجوب الاستئذان منه، و وجه التردّد احتمال الانصراف عن الدفن الثاني؛لفرض حصول الاذن منه. نعم، لو كان في الدفن الثاني خصوصيّة زائدة يحتاج الى
الاذن حينئذٍ. نعم، اذا كان عظما مجرّدا أو نحو ذلك لايبعد عدم اعتبار اذنه؛ لأنّ احتمال الانصراف في هذه الصورة قوي.
(مسألة 14): يكره اخفاء موت انسان من أولاده و أقربائه الاّ اذا كانت هناك جهة رجحان فيه.
الشرح:
لقول أبي عبداللّه عليه السلام في رواية عبدالرحمن بن سيابة:
«لاتكتموا موت ميّت من المؤمنين مات في غيبته لتعتدّ زوجته و يقسم ميراثه».(1)
المحمول على الكراهة اجماعا، ولكنّه قد يحرم، و قد يستحبّ الكتمان لجهات خارجيّة.
(مسألة 15): من الأمكنة التي يستحبّ الدفن فيها و يجوز النقل اليها الحرم. و مكّة أرجح من سائر مواضعه، و في بعض الأخبار: «انّ الدفن في الحرم يوجب الأمن من الفزع الأكبر»، و في بعضها استحباب نقل الميّت من عرفات الى مكّة المعظّمة.
كما قال في المهذّب: «لأنّ مكّة من الحرم و هي أقرب الى البيت و ان لم نجد لفظة مكّة فيما تفحّصنا في الأخبار».(2)
(مسألة 16): ينبغي للمؤمن اعداد قبر لنفسه، سواء كان في حال المرض أو الصحّة، و يرجّح أن يدخل قبره و يقرأ القرآن فيه.
اقتداءً بالأسلاف الصالحين، فقد نقل عن بعضهم أنّهم كانوا يلتزمون بذلك، و أنّه يوجب تذكّر الآخرة.
(مسألة 17): يستحبّ بذل الأرض لدفن المؤمن، كما يستحبّ بذل الكفن له و ان كان غنيّا ففي الخبر: «من كفّن مؤمنا كان كمن ضمن كسوته الى يوم القيامة».
تأسّيا بابراهيم الخليل عليه السلام ، و أميرالمؤمنين عليه السلام كما في خبر عقبة بن علقمة(1)و غيره.
(مسألة 18): يستحبّ المباشرة لحفر قبر المؤمن، ففي الخبر: «من حفر لمؤمن قبرا كان كمن بوّأه بيتا موافقا الى يوم القيامة».
و عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«من احتفر لمسلم قبرا محتسبا حرّمه اللّه على النار و بوّأه بيتا من الجنّة، و أورده حوضا فيه من الأباريق عدد نجوم السماء عرضه ما بين أيلة و صنعاء».(2)
(مسألة 19): يستحبّ مباشرة غسل الميّت؛ ففي الخبر: «كان فيما ناجى اللّه به موسى عليه السلام ربّه قال: يا ربّ ما لمن غسّل الموتى؟ فقال: أغسله من ذنوبه كما ولدته أمّه».
(مسألة 20): يستحبّ للانسان اعداد الكفن و جعله في بيته و تكرار النظر اليه، ففي الحديث قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: «اذا أعدّ الرجل كفنه كان مأجورا كلّما نظر اليه»، و في خبر آخر: «لم يكتب من الغافلين و كان مأجورا كلّما نظر اليه».
و فيه ثلاثة فصول:
الفصل الأوّل في الأغسال المندوبة الزمانيّة
الفصل الثاني في الأغسال المندوبة المكانيّة
الفصل الثالث في الأغسال المندوبة الفعليّة
و الأغسال المندوبة مطلقا كثيرة و عدّ بعضهم سبعا و أربعين، و بعضهم أنهاها الى خمسين، و بعضهم الى أزيد من ستّين، و بعضهم الى سبع و ثمانين، و بعضهم الى مائة. و هي أقسام: زمانيّة و مكانيّة و فعليّة امّا للفعل الذي يريد أن يفعل أو للفعل الذي فعله. و المكانيّة أيضا في الحقيقة فعليّة؛ لأنّها امّا للدخول في مكان أو للكون فيه.
هذا التقسيم استقرائي و لا أثر له في كتب القدماء، ولكنّه واقع بحسب الأدلّة الشرعيّة.
أمّا الزمانيّة فأغسال:
«أحدها»: غسل الجمعة، و رجحانه من الضروريّات، و كذا تأكّد استحبابه معلوم من الشرع. و الأخبار في الحثّ عليه كثيرة، و في بعضها: «انّه يكون طهارة له من الجمعة الى الجمعة»، و في آخر: «غسل يوم الجمعة طهور و كفّارة لما بينهما من الذنوب من الجمعة الى الجمعة». و في جملة منها التعبير بالوجوب؛ ففي الخبر: «انّه واجب على كلّ ذكر أو أنثى من حرّ أو عبد»، و
في آخر عن غسل يوم الجمعة فقال عليه السلام : «واجب على كلّ ذكر و أنثى من حرّ أو عبد»، و في ثالث: «الغسل واجب يوم الجمعة»، و في رابع: «قال الراوي: كيف صار غسل الجمعة واجبا؟ فقال عليه السلام : انّ اللّه أتمّ صلاة الفريضة بصلاة النافلة - الى أن قال: - و أتمّ وضوء النافلة بغسل يوم الجمعة»، و في خامس: «لايتركه الاّ فاسق»، و في سادس عمّن نسيه حتّى صلّى قال عليه السلام : «ان كان في وقت فعليه أن يغتسل و يعيد الصلاة و ان مضى الوقت فقد جازت صلاته» الى غير ذلك. و لذا ذهب جماعة الى وجوبه، منهم الكليني و الصدوق و شيخنا البهائي على ما نقل عنهم. لكن الأقوى استحبابه، و الوجوب في الأخبار منزّل على تأكّد الاستحباب، و فيها قرائن كثيرة على ارادة هذا المعنى، فلاينبغي الاشكال في عدم وجوبه، و ان كان الأحوط عدم تركه.
الشرح:
الأوّل من الأغسال الزمانيّة غسل الجمعة و رجحانه من الضروريّات و كذا تأكّد استحبابه معلوم من الشرع. و الأخبار في الحثّ عليه كثيرة و في جملة منها التعبير بالوجوب و قد أطلق الوجوب على جملة أخرى من الأغسال أيضا في موثّقة سماعة(1)مع أنّهم لايقولون بوجوبها.
ولكن قال في الجواهر - و نعم ما قال - : «لعلّ التتبّع يشهد أنّ كلّ ما زيد فيه من المبالغة في فعله و تركه كان الى الاستحباب أقرب منه الى الوجوب».(2)
و قد جعل قدس سره هذا في موارد من كتابه من أمارات الندب، و صرّح بأنّه قد جرت عادة الأئمّة عليهم السلام على ذلك، هذا مع أنّ من لوازم الوجوب الايعاد على الترك، و لم يرد ايعاد عليه في النصوص، مضافا الى أنّ جميع ما ورد في غسل الجمعة و سائر الأعياد ارشاد الى ما جبلّت عليه فطرة الناس من التغسيل و التنظيف في
الأعياد، و انّما أكّدوا عليهم السلام في عيد الجمعة؛ لأنّه متكرّر في كلّ شهر مرّات يمكن أن يتسامح فيه الناس، فأكّد ذلك أشدّ التأكيد، مع أنّ التأكيد في التطهير و التنظيف من عادة الشرع مهما أمكنه ذلك.
و الوجوب في الأخبار منزّل على تأكّد الاستحباب، و فيها قرائن كثيرة على ارادة هذا المعنى كصحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الغسل في الجمعة و الأضحى و الفطر، قال: سنّة و ليس بفريضة».(1)
و في صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن غسل يوم الجمعة؟ فقال: سنّة في السفر و الحضر، الحديث».(2)
و في رواية أبي البختري عن جعفر عن أبيه عن جدّه عليهم السلام عن النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال لعلي عليه السلام (في وصيّة له):
«يا علي على الناس في كلّ سبعة أيّام الغسل، فاغتسل يوم الجمعة و لو أنّك تشتري الماء بقوت يومك و تطويه؛ فانّه ليس شيء من التطوّع أعظم منه».(3)
و عدّه في عداد المندوبات في جملة من الروايات، مع أنّ مقتضى الأصل عدم الوجوب نفسيّا كان أو غيريّا، الاّ أن يدلّ دليل غير معارض عليه. هذا مع استقرار المذهب على الندب و عن الخلاف و الغنية الاجماع على الندب بين القدماء أيضا، و الوجوب النفسي منفي بالأدلّة الحاصرة للأغسال الواجبة في غيره، و الغيري منفي بضرورة المذهب بل الدين؛ اذ لم ينسب الى أحد اشتراط صحّة
العبادات بغسل الجمعة، فلاينبغي الاشكال في عدم وجوبه، و ان كان الأحوط عدم تركه؛ خروجا عن خلاف من أوجبه و جمودا على بعض النصوص.
(مسألة 1): وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر الثاني الى الزوال، و بعده الى آخر يوم السبت قضاءً، لكن الأولى و الأحوط فيما بعد الزوال الى الغروب من يوم الجمعة أن ينوي القربة من غير تعرّض للأداء و القضاء، كما أنّ الأولى مع تركه الى الغروب أن يأتي به بعنوان القضاء في نهار السبت لا في ليله. و آخر وقت قضائه غروب يوم السبت و احتمل بعضهم جواز قضائه الى آخر الأسبوع لكنّه مشكل. نعم، لا بأس به لا بقصد الورود بل برجاء المطلوبيّة؛ لعدم الدليل عليه الاّ الرضوي الغير المعلوم كونه منه عليه السلام .
الشرح:
وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر الثاني؛ للنصّ و الاجماع ففي صحيحة زرارة و الفضيل قالا:
«قلنا له: أيجزي اذا اغتسلت بعد الفجر للجمعة؟ فقال: نعم».(1)
و في رواية زرارة قال:
«اذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الجمعة، الحديث».(2)
و يشهد له أصالة عدم المشروعيّة الاّ فيما يصدق عليه يوم الجمعة ان لم نقل بأنّه في كلّ أسبوع مرّة.
و هو يستمرّ الى الزوال؛ لدعوى الاجماع عليه، و لخبر دعائم الاسلام عن أبي جعفر محمّد بن علي عليه السلام أنّه قال:
«لاتدع الغسل يوم الجمعة؛ فانّه من السنّة وليكن غسلك قبل الزوال».(1)
و لما دلّ على أنّ حكمة تشريعه الطهارة و النظافة للاجتماع للصلاة(2)، و في موثّقة ابن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة؟ قال: يغتسل ما بينه و بين الليل، فان فاته اغتسل يوم السبت».(3)
فانّه ظاهر في أنّ له في يوم الجمعة وقت أداء و وقت فوت، و المعهود من وقت الأداء هو ما قبل الزوال.
و أمّا موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبداللّه عليه السلام ، في الرجل لايغتسل يوم الجمعة في أوّل النهار، قال:
«يقضيه من آخر النهار، فان لم يجد فليقضه يوم السبت».(4)
فلا ظهور فيه أنّه أداء الى آخر النهار، و لعلّ ذكر آخر النهار لاختيار القضاء؛ لأنّ بعد الزوال وقت الاشتغال بالصلاة و الأمور الخصوصيّة.
الأولى و الأحوط فيما بعد الزوال الى الغروب من يوم الجمعة أن ينوي القربة من غير تعرّض للأداء و القضاء؛ لتسالمهم على مشروعيّة اتيانه يوم الجمعة من أوّل الفجر الى الغروب. و انّما البحث في أنّه قضاء بعد الزوال أو لا؟ و يمكن حمل ما ورد في التحديد بالزوال على التحديد بالنسبة الى بعض مراتب الفضل كما هو المعهود في المندوبات دون أصل التوقيت الحقيقي كما في سائر الموقّتات، فيكون المراد بالقضاء امّا مطلق الاتيان أو القضاء بالنسبة الى بعض
1) - مستدرك الوسائل 2: 508 / الباب 7 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 2.
2) - وسائل الشيعة 3: 315 و 316 / الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديثان 15 و 18.
3) - وسائل الشيعة 3: 321 / الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 3: 321 / الباب 10 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 3.
مراتب الأولويّة، و على هذا يمكن القول به في جميع الأغسال المقيّدة بقيدخاصّ زمانا كان أو غيره؛ لأنّ أصلها خير محض و تقييد الخير المحض بقيد لايوجب سقوط أصل خيريّته في غير مورد ذلك القيد الاّ بدليل يدلّ عليه و هو مفقود. و أمّا ما ورد عن الرضا عليه السلام قال:
«كان أبي يغتسل يوم الجمعة عند الرواح».(1)
فيمكن أن يراد به الرواح الى صلاة الجمعة فيكون قريبا من الزوال، و يمكن أن يراد به بعد الزوال فيكون دليلاً على الجواز بعنوان الرجاء.
أنّ الأولى مع تركه الى الغروب أن يأتي به بعنوان القضاء في نهار السبت لا في ليلته لما تقدّم في خبر سماعة، و مثله خبر ابن بكير بعد حملهما على مجرّد الأولويّة كما هو المتعارف في المندوبات، و لذا نسب الى الأكثر جواز القضاء في ليلة السبت أيضا. و أمّا ما دلّ على نفي القضاء كخبر ذريح(2)، فمحمول على عدم التأكّد لا عدم التشريع و الاّ لكان خلاف الاجماع و النصوص.
نعم، لا بأس به لا بقصد الورود بل برجاء المطلوبيّة؛ لعدم الدليل عليه الاّ الرضوي فانّه قال فيه:
«فان فاتك الغسل يوم الجمعة قضيت السبت أو ما بعده من أيّام الجمعة».(3)
و في البحار: «انّي لم أر قائلاً به»، ولكنّه مخدوش بأنّ عدم وجدان قائل به لايضرّ بالتمسّك به في الأحكام غير الالزاميّة بناءً على المسامحة. و سيأتي وجه كونه غير معلوم الانتساب اليه عليه السلام .
(مسألة 2): يجوز تقديم غسل الجمعة يوم الخميس، بل ليلة الجمعة اذاخاف اعواز الماء يومها. أمّا تقديمه ليلة الخميس فمشكل. نعم، لا بأس به مع عدم قصد الورود. لكن احتمل بعضهم جواز تقديمه حتّى من أوّل الأسبوع أيضا و لا دليل عليه. و اذا قدّمه يوم الخميس ثمّ تمكّن منه يوم الجمعة يستحبّ اعادته، و ان تركه يستحبّ قضاؤه يوم السبت، و أمّا اذا لم يتمكّن من أدائه يوم الجمعة فلايستحبّ قضاؤه، و اذا دار الأمر بين التقديم و القضاء فالأولى اختيار الأوّل.
الشرح:
أمّا جواز تقديم غسل الجمعة يوم الخميس فهو المشهور، بل ادّعي نفي الخلاف فيه، و في مرسلة محمّد بن الحسين عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قال لأصحابه: انّكم تأتون غدا منزلاً ليس فيه ماء فاغتسلوا اليوم لغد فاغتسلنا يوم الخميس للجمعة».(1)
و مثلها ما في رواية الحسين بن موسى بن جعفر عن أمّه و أمّ أحمد ابنة موسى ابن جعفر قالتا:
«كنّا مع أبي الحسن عليه السلام بالبادية و نحن نريد بغداد، فقال لنا يوم الخميس: اغتسلا اليوم لغد يوم الجمعة؛ فانّ الماء بها غدا قليل، فاغتسلنا يوم الخميس ليوم الجمعة».(2)
و أمّا جواز تقديمه ليلة الجمعة فنسب الى المصابيح دعوى الاجماع عليه، مع أنّ المستفاد من النصّ أنّ مناط التقديم اعواز الماء و لا فرق فيه بين يوم الخميس و ليلة الجمعة.
و أشكل عليه: بأنّ المناط ظنّي و الاجماع اجتهادي.
و فيه: انّ الظاهر حصول الاطمئنان بل القطع بالمناط و هو يكفي، و كونالاجماع اجتهاديّا أوّل الدعوى و عهدة اثباتها على مدّعيها. و الظاهر عدم الفرق بين خوف اعواز الماء و سائر الأعذار، و ان كان الأولى قصد الرجاء في غير اعواز الماء؛ جمودا على مورد النصّ ان لم يستفد من مجموع الأخبار بعد ردّ بعضها الى بعض أنّ المناط الغسل في كلّ أسبوع مرّة و أنّ أفضل أوقاته يوم الجمعة.
و اذا قدّمه يوم الخميس ثمّ تمكّن منه يوم الجمعة يستحبّ اعادته؛ لسقوط البدل بالتمكّن من المبدل بعد ما يظهر من أدلّة المقام أنّ البدليّة ماداميّة لا دائميّة، و بالتمكّن من المبدل ظهر أنّه لم يكن بدلاً أصلاً، هذا بناءً على المشهور؛ لأنّه بعد التمكّن من المبدل و سقوط البدل عن البدليّة فكأنّه لم يأت به أصلاً، فتشمله أدلّة القضاء قهرا، هذا بناءً على المشهور.
و ان تركه فيستحبّ قضاؤه يوم السبت، و أمّا اذا لم يتمكّن من الأداء يوم الجمعة فلايستحبّ قضاؤه؛ لاستقرار حكم البدليّة حينئذٍ فلا أمر بالأداء حتّى يتحقّق مع تركه القضاء، كما في جميع التكاليف الاضطراريّة التي لايتمكّن فيها المكلّف من اتيان المبدل.
و اذا دار الأمر بين التقديم و القضاء فالأولى اختيار الأوّل؛ لانطباق عنوان المسارعة الى الخير بالنسبة اليه و أنّه نحو اهتمام به.
(مسألة 3): يستحبّ أن يقول حين الاغتسال: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد، و اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين».
الشرح:
لرواية أبي ولاّد الحنّاط عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«من اغتسل يوم الجمعة للجمعة فقال: «أشهد أن لا اله الاّ اللّه وحده
لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، اللّهمّ صلّ على محمّد و آلمحمّد، و اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين» كان طهرا له من الجمعة الى الجمعة».(1)
و في موثّقة عمّار قال:
«قال أبو عبداللّه: ... اذا اغتسلت للجمعة فقل: اللّهمّ طهّر قلبي من كلّ آفة تمحق ديني و تبطل به عملي، اللّهمّ اجعلني من التوّابين و اجعلني من المتطهّرين».(2)
(مسألة 4): لا فرق في استحباب غسل الجمعة بين الرجل و المرأة، و الحاضر و المسافر، و الحرّ و العبد، و من يصلّي الجمعة و من يصلّي الظهر، بل الأقوى استحبابه للصبي المميّز. نعم، يشترط في العبد اذن المولى اذا كان منافيا لحقّه، بل الأحوط مطلقا. و بالنسبة الى الرجال آكد بلى في بعض الأخبار رخصة تركه للنساء.
الشرح:
لا فرق في استحباب غسل الجمعة بين الرجل و المرأة، و الحاضر و المسافر، و الحرّ و العبد؛ للاطلاق و قاعدة الاشتراك بالنسبة الى الرجل و المرأة و نصوص خاصّة:
منها صحيحة محمّد بن عبداللّه قال:
«سألت الرضا عليه السلام عن غسل يوم الجمعة؟ فقال: واجب على كلّ ذكر و أنثى، عبد أو حرّ».(3)
و منها صحيحة زرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن غسل يوم الجمعة؟ فقال: سنّة في السفر و الحضر، الاّ أن يخاف المسافر على نفسه القرّ».(1)
و في مرفوعة أحمد بن يحيى قال:
«غسل الجمعة واجب على الرجال و النساء في السفر و الحضر الاّ أنّه رخّص للنساء في السفر لقلّة الماء».(2)
و كذا لا فرق بين من يصلّي الجمعة و من يصلّي الظهر؛ لاطلاق الأدلّة الآبية عن التقييد. و أمّا مثل قوله صلى الله عليه و آله:
«من جاء الى الجمعة فليغتسل».(3)
أو قول الرضا عليه السلام :
«كان أبي يغتسل يوم الجمعة عند الرواح».(4)
فمحمول على الأفضليّة و التأكيد.
و الأقوى استحبابه للصبي المميّز؛ للاطلاق و قد تقدّم مرارا صحّة عبادات الصبي المميّز. نعم، يشترط في العبد اذن المولى اذا كان منافيا لحقّه؛ لأنّ عمله مطلقا مملوك لغيره فلايصحّ له التصرّف فيه الاّ باذن مالكه. بل هو الأحوط مطلقا؛ لقاعدة السلطنة و لا مخصّص لها الاّ قوله عليه السلام :
«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق».(5)
و هو لايشمل المقام؛ اذ لا معصية في الترك، ولكن يحتمل أن يراد منه مطلق الأمور الالهيّة واجبة كانت أو مندوبة.
1) - وسائل الشيعة 3: 314 / الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 10.
2) - وسائل الشيعة 3: 315 / الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 17.
3) - وسائل الشيعة 3: 317 / الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 21.
4) - وسائل الشيعة 3: 317 / الباب 6 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 22.
5) - وسائل الشيعة 11: 157 / الباب 59 من أبواب وجوب الحجّ / الحديث 7.
و أمّا تأكيده بالنسبة الى الرجال فلم أجد ما يدلّ على كونه آكد له مطلقا. نعم،ورد أنّه ليس على النساء في السفر. و رخصة الترك لاتختصّ بالنساء، بل هي للرجال أيضا؛ لفرض أنّه مندوب. نعم، ورد بالنسبة الى النساء عدم الاستحباب في السفر - كما تقدّم - بل و جواز الترك في الحضر، كرواية جابر الجعفي قال:
«سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: ليس على المرأة غسل الجمعة في السفر، و يجوز لها تركه في الحضر».(1)
و لا بدّ من حملها على عدم التأكيد لهنّ، و يمكن أن تكون الحكمة في عدم التأكيد قوله عليه السلام في غسل الجنابة:
«لاتحدّثوهنّ فيتّخذنه علّة».(2)
(مسألة 5): يستفاد من بعض الأخبار كراهة تركه بل في بعضها الأمر باستغفار التارك، و عن أميرالمؤمنين عليه السلام أنّه قال في مقام التوبيخ لشخص: «و اللّه لأنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة، فانّه لاتزال في طهر الى الجمعة الأخرى».
الشرح:
يستفاد من بعض الأخبار كراهة ترك غسل الجمعة؛ ففي صحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام : لاتدع الغسل يوم الجمعة فانّه سنّة، الحديث».(3)
و في بعض الأخبار اطلاق الفاسق على تارك الغسل يوم الجمعة.(4)
بل في بعضها الأمر باستغفار التارك؛ ففي رواية محمّد بن سهل عن أبيه قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يدع غسل الجمعة ناسيا أو غيرذلك؟ قال: ان كان ناسيا فقد تمّت صلاته، و ان كان متعمّدا فالغسل أحبّ اليّ، و ان هو فعل فليستغفراللّه و لايعود».(1)
و في صحيحة أبي بصير أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يدع غسل يوم الجمعة ناسيا أو متعمّدا، فقال:
«اذا كان ناسيا فقد تمّت صلاته و ان كان متعمّدا فليستغفراللّه و لايعد».(2)
أضف اليه أنّ الاستغفار و الاعادة بالنسبة الى ترك بعض الآداب و السنن حسن لا ريب فيه، و قد وردت فيهما النصوص في موارد متفرّقة.
(مسألة 6): اذا كان خوف فوت الغسل يوم الجمعة لا لاعواز الماء، بل لأمر آخر كعدم التمكّن من استعماله أو لفقد عوض الماء مع وجوده فلايبعد جواز تقديمه أيضا يوم الخميس، و ان كان الأولى عدم قصد الخصوصيّة و الورود بل الاتيان به برجاء المطلوبيّة.
بناءً على أنّ ذكر اعواز الماء في الخبر من باب المثال لمطلق العذر كما هو الظاهر بل المعلوم.
(مسألة 7): اذا شرع في الغسل يوم الخميس من جهة خوف اعواز الماء يوم الجمعة فتبيّن في الأثناء وجوده و تمكّنه منه يومها بطل غسله و لايجوز اتمامه بهذا العنوان و العدول منه الى غسل آخر مستحبّ الاّ اذا كان من الأوّل قاصدا للأمرين.
الشرح:
اذا شرع في الغسل يوم الخميس من جهة خوف اعواز الماء يوم الجمعة فتبيّن في الأثناء وجوده و تمكّنه منه يومها بطل غسله و لايجوز اتمامه بهذا العنوان؛ لأنّ شرط صحّة التقديم انّما هو العذر و مع عدمه فلا وجه لتشريع التقديم؛ لأنّ المشروط ينعدم بفقد شرطه، هذا اذا قلنا بأنّ التقييد من باب وحدة المطلوب، و أمّا اذا قلنا بأنّه من باب تعدّد المطلوب كما هو الظاهر في المندوبات، فجواز التقديم و التأخير مطلقا مطابق للقاعدة و ان كان موجبا لفوات الفضيلة و يكون بالنسبة الى خصوص درك الفضيلة باطلاً.
أمّا عدم جواز العدول الى غسل آخر مستحبّ فلأنّه خلاف الأصل، و يحتاج الى دليل و هو مفقود. و أمّا الصحّة فيما اذا كان من الأوّل قاصدا للأمرين فلأنّ بطلان قصد خصوص غسل الجمعة لايستلزم بطلان قصد غيره الذي وقع منه صحيحا، و تقدّم في تداخل الأغسال صحّة قصد أمر الجميع فراجع.
(مسألة 8): الأولى اتيانه قريبا من الزوال، و ان كان يجزي من طلوع الفجر اليه، كما مرّ.
الشرح:
لما في الرضوي:
«و يجزيك اذا اغتسلت بعد طلوع الفجر و كلّما قرب من الزوال فهو أفضل».
و في الرضوي الآخر:
«و أفضل أوقاته قبل الزوال».(1)
1) - مستدرك الوسائل 2: 508 / الباب 7 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 1.
و في خبر الدعائم:
« ... وليكن غسلك قبل الزوال».(1)
و قد تقدّم قول الرضا عليه السلام : «كان أبي يغتسل يوم الجمعة عند الرواح».
(مسألة 9): ذكر بعض العلماء أنّ في القضاء كلّ ما كان أقرب الى وقت الأداء كان أفضل، فاتيانه في صبيحة السبت أولى من اتيانه عند الزوال منه أو بعده، و كذا في التقديم فعصر يوم الخميس أولى من صبحه و هكذا. و لايخلو عن وجه، و ان لم يكن واضحا. و أمّا أفضليّته ما بعد الزوال من يوم الجمعة من السبت فلا اشكال فيه و ان قلنا بكونه قضاءً كما هو الأقوى.
الشرح:
نسبه في المستند الى القيل و قال رحمه الله: «لا دليل عليه»؛ و لعلّ وجهه بالنسبة الى القضاء أنّه من المسارعة الى موجب المغفرة و من استباق الخيرات و لا ريب في رجحانها. و أمّا بالنسبة الى التقديم و أنّ القرب الى الجمعة يوجب اكتساب الفضيلة بالمجاورة، فتشمله قاعدة الميسور.
أمّا عدم الاشكال في أنّ الغسل بعد الزوال من يوم الجمعة أفضل من يوم السبت فلكونه في يوم الجمعة أقرب الى المسارعة الى الخير و احتمال أن يكون التوقيت الى الزوال من باب الأفضليّة كما هو الغالب في المندوبات لا التوقيت الحقيقي. و أمّا أنّ الأقوى كونه قضاءً بعد الزوال فهو مشكل بعد احتمال أن يكون المراد بالقضاء الوارد في النصوص مطلق الاتيان أو القضاء الاصطلاحي لكن بالنسبة الى بعض مراتب المطلوب لاتمامه.
1) - مستدرك الوسائل 2: 508 / الباب 7 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 2.
(مسألة 10): اذا نذر غسل الجمعة وجب عليه، و مع تركه عمدا تجب الكفّارة، و الأحوط قضاؤه يوم السبت، و كذا اذا تركه سهوا أو لعدم التمكّن منه، فانّ الأحوط قضاؤه، و أمّا الكفّارة فلاتجب الاّ مع التعمّد.
الشرح:
أمّا الوجوب فلعموم وجوب الوفاء بالنذر. و أمّا الكفّارة فلما دلّ على ترتيبها على مخالفة المنذور عمدا. و أمّا الاحتياط في القضاء فلتعلّق النذر بغسل الجمعة المشروع، و المفروض تشريع القضاء بالنسبة اليه، فيكون القضاء أيضا مورد الأمر النذري، كما يكون مورد الأمر الاستحبابي ما لم يصرّح بالخلاف، مضافا الى قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«يقضي ما فاته كما فاته».(1)
الشامل للواجبات بالنذر الاّ ما خرج بالدليل، و يمكن الاشكال عليه: بأنّ الأوّل يختصّ بما اذا لوحظ القضاء في النذر أيضا و الأخير منصرف الى اليوميّة.
(مسألة 11): اذا اغتسل بتخيّل يوم الخميس بعنوان التقديم أو بتخيّل يوم السبت بعنوان القضاء فتبيّن كونه يوم الجمعة فلايبعد الصحّة خصوصا اذا قصد الأمر الواقعي و كان الاشتباه في التطبيق. و كذا اذا اغتسل بقصد يوم الجمعة فتبيّن كونه يوم الخميس مع خوف الاعواز أو يوم السبت، و أمّا لو قصد غسلاً آخر غير غسل الجمعة أو قصد الجمعة فتبيّن كونه مأمورا لغسل آخر ففي الصحّة اشكال، الاّ اذا قصد الأمر الفعلي الواقعي و كان الاشتباه في التطبيق.
1) - وسائل الشيعة 8: 268 / الباب 6 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 1.
الشرح:
اذا اغتسل بتخيّل يوم الخميس بعنوان التقديم أو بتخيّل يوم السبت بعنوان القضاء فتبيّن كونه يوم الجمعة فلايبعد الصحّة خصوصا اذا قصد الأمر الواقعي و كان الاشتباه في التطبيق؛ لأنّ قصد عنوان التقديم أو قصد القضاء لايغيّر الواقع عمّا هو عليه الاّ اذا رجع الى قصد عدم الامتثال لو كان في الواقع يوم الجمعة فيبطل حينئذٍ من ناحية فقد القصد لا من جهة أخرى. و كذا اذا اغتسل بقصد يوم الجمعة فتبيّن كونه يوم الخميس مع خوف الاعواز أو يوم السبت؛ لأنّ قصد يوم الجمعة كان طريقا الى قصد التكليف الواقعي، و المفروض تحقّقه في حال الواقع، فقد وقع القصد الى الواقع اجمالاً فيقع قصد الخصوصيّة لغوا لا محالة. نعم، لو رجع الى قصد عدم الغسل لو كان في الواقع خميسا أو سبتا يبطل من هذه الجهة.
و أمّا لو قصد غسلاً آخر غير غسل الجمعة أو قصد الجمعة فتبيّن كونه مأمورا لغسل آخر ففي الصحّة اشكال بناءً على عدم استحباب الغسل نفسا و الاّ يقع عن أمره النفسي و كذا بناءً على عدم اتّحاد حقيقة الأغسال المندوبة و الاّ فيقع عمّا عليه و ان لم يكن امتثالاً بالنسبة اليه فراجع المسألة السابعه عشرة من فصل مستحبّات غسل الجنابة.
(مسألة 12): غسل الجمعة لاينقض بشيء من الحدث الأصغر و الأكبر؛ اذ المقصود ايجاده يوم الجمعة و قد حصل.
نعم، بناءً على استحباب ايقاع صلاة الجمعة مع الغسل، كما يظهر من موثّقة عمّار الساباطي(1)ينقض من هذه الجهة و ان لم ينقض بالنسبة الى أصله.
1) - وسائل الشيعة 3: 319 / الباب 8 من أبواب الأغسال المندوبة / الحديث 1.
(مسألة 13): الأقوى صحّة غسل الجمعة من الجنب و الحائض، بللايبعد اجزاؤه عن غسل الجنابة، بل عن غسل الحيض اذا كان بعد انقطاع الدم.
تقدّم المختار في هذه المسألة في المسألة السادسه عشرة من فصل مستحبّات غسل الجنابة فراجع.
(مسألة 14): اذا لم يقدر على الغسل لفقد الماء أو غيره يصحّ التيمّم و يجزئ. نعم، لو تمكّن من الغسل قبل خروج الوقت فالأحوط الاغتسال لادراك المستحبّ.
الشرح:
يأتي حكم هذه المسألة في المسألة العاشرة من فصل أحكام التيمّم فلا وجه للتكرار.
الثاني من الأغسال الزمانيّة أغسال ليالي شهر رمضان:
يستحبّ الغسل في ليالي الافراد من شهر رمضان، و تمام ليالي العشر الأخيرة، و يستحبّ في ليلة الثالث و العشرين غسل آخر في آخر الليل. و أيضا يستحبّ الغسل في اليوم الأوّل منه. فعلى هذا الأغسال المستحبّة فيه اثنان و عشرون. و قيل باستحباب الغسل في جميع لياليه حتّى ليالي الأزواج، و عليه يصير اثنان و ثلاثون. ولكن لا دليل عليه. لكنّ الاتيان لاحتمال المطلوبيّة في ليالي الأزواج من العشرين الأوليين لا بأس به. و الآكد منها ليالي القدر و ليلة النصف و ليلة سبعه عشر و الخمس و عشرين و السبع و عشرين و التسع و عشرين منه.
الشرح:
من الأغسال الزمانيّة أغسال ليالي شهر رمضان و يستحبّ ذلك في موارد منه:
منها جميع ليالي العشر الأخيرة منه؛ لرواية محمّد بن أبي عمير من كتاب علي بن عبدالواحد النهدي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله يغتسل في شهر رمضان في العشر الأواخر في كلّ ليلة».(1)
و نسب ذلك الى علي عليه السلام أيضا.
و منها ليلة الثالث و العشرين غسل آخر في آخر الليل؛ لرواية بريد قال:
«رأيته اغتسل في ليلة ثلاث و عشرين مرّتين: مرّة من أوّل الليل و مرّة من آخر الليل».(2)
و نسبه في الاقبال الى الصادق عليه السلام .
و منها ما هو المشهور من أنّه في أوّل ليلة منه؛ لقوله عليه السلام في موثّقة سماعة:
« ... و غسل أوّل ليلة من شهر رمضان مستحبّ».(3)
و لرواية السكوني عن أبي عبداللّه عليه السلام عن آبائه عن علي عليهم السلام قال:
«من اغتسل أوّل يوم من السنة في ماء جارٍ و صبّ على رأسه ثلاثين غرفة كان دواء السنة، و انّ أوّل كلّ سنة أوّل يوم من شهر رمضان».(4)
و في رواية أبي محمّد جعفر بن أحمد القمّي عن الصادق عليه السلام قال:
«من اغتسل أوّل ليلة من شهر رمضان في نهر جار و يصبّ على
رأسه ثلاثين كفّا من الماء طهر الى شهر رمضان من قابل».(1)
و أمّا ما قيل باستحباب الغسل في جميع لياليه حتّى ليالي الأزواج فقال في الجواهر: «لم أعثر على ناصّ عليه الاّ ما عن المحدّث في الوسائل».(2)
و الآكد منها ليالي القدر و ليلة النصف و ليلة سبع عشرة و الخمس و عشرين و السبع و عشرين و التسع و عشرين منه؛ لظهور تسالم الفقهاء عليه و ورود النصّ بذلك كلّه، ففي رواية الفضل بن شاذان عن الرضا عليه السلام في كتاب كتبه الى المأمون:
« ... و (غسل) أوّل ليلة من شهر رمضان، و ليلة سبع عشرة، و ليلة تسع عشرة، و ليلة احدى و عشرين، و ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان هذه الأغسال سنّة، الحديث».(3)
و في صحيحة سليمان بن خالد قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام : كم أغتسل في شهر رمضان ليلة؟ قال: ليلة تسع عشرة، و ليلة احدى و عشرين و ثلاث و عشرين، الحديث».(4)
و مثلها موثّقة عبداللّه بن بكير.(5)
و في رواية ابن أبي قرّة باسناده الى أبي عبداللّه عليه السلام قال:
« ... يستحبّ الغسل في أوّل ليلة من شهر رمضان، و ليلة النصف منه».(6)
و في رواية عيسى بن راشد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الغسل في شهر رمضان، فقال: كان أبي يغتسل في ليلة
1) - وسائل الشيعة 3: 325 / الباب 14 من أبواب الأغسال المندوبة / الحديث 4.
2) - جواهر الكلام 5: 26.
3) - وسائل الشيعة 3: 305 / الباب 1 من أبواب الأغسال المندوبة / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 3: 303 / الباب 1 من أبواب الأغسال المندوبة / الحديث 2.
5) - وسائل الشيعة 3: 308 / الباب 1 من أبواب الأغسال المندوبة / الحديث 14.
6) - وسائل الشيعة 3: 325 / الباب 14 من أبواب الأغسال المندوبة / الحديث 1.
تسع عشرة، و احدى و عشرين، و ثلاث و عشرين، و خمس و عشرين».(1)
و في رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن الغسل في شهر رمضان، فقال: اغتسل ليلة تسع عشرة، و احدى و عشرين، و ثلاث و عشرين، و سبع و عشرين، و تسع و عشرين».(2)
الى غير ذلك من الأخبار.
(مسألة 15): يستحبّ أن يكون الغسل في الليلة الأولى و اليوم الأوّل من شهر رمضان في الماء الجاري، كما أنّه يستحبّ أن يصبّ على رأسه قبل الغسل أو بعده ثلاثين كفّا من الماء ليأمن من حكّة البدن. ولكن لا دخل لهذا العمل بالغسل بل هو مستحبّ مستقلّ.
الشرح:
تقدّم ما يدلّ عليه في خبر السكوني و غيره، و قد تقدّم أيضا أنّ المذكور في الأخبار الواردة في الباب الليلة الأولى أو أوّل ليلة منه، و لم يرد اليوم الأوّل منه في ما بأيدينا من الأخبار على ما تفحّصت عاجلاً. نعم، يصحّ ذلك على قول الاسكافي من استحبابه في كلّ يوم شريف.
و قد ورد في بعض الروايات أنّ هذا الغسل يكون للأمن من حكّة البدن كما في رواية عن الصادق عليه السلام :
«من أحبّ أن لاتكون به الحكّة فليغتسل أوّل ليلة من شهر رمضان؛ فانّه
من اغتسل أوّل ليلة منه لاتكون به حكّة الى شهر رمضان من قابل».(1)ولكن كما قال المصنّف لا دخل لهذا العمل بالغسل بل هو مستحبّ مستقلّ؛لأصالة عدم الاشتراط، و ظاهر ما تقدّم من خبر السكوني و غيره ولكن ليس فيه الحكّة، الاّ أن يحمل داء السنة عليها، بقرينة الخبر الآخر الاّ أنّه ظاهر في أنّه أثر نفس الغسل لا العمل الخاصّ.
(مسألة 16): وقت غسل الليالي تمام الليل، و ان كان الأولى اتيانها أوّل الليل، بل الأولى اتيانها قبل الغروب أو مقارنا له ليكون على غسل من أوّل الليل الى آخره. نعم، لايبعد في ليال العشر الأخيرة رجحان اتيانها بين المغرب و العشاء؛ لما نقل من فعل النبي صلى الله عليه و آله، و قد مرّ أنّ الغسل الثاني في ليلة الثالثة و العشرين في آخره.
الشرح:
أمّا صحّة كونه في تمام الليل فللاطلاق، و أصالة عدم الاشتراط و صحيحة ابن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام أنّه قال:
« ... و الغسل في أوّل الليل و هو يجزي الى آخره».(2)
و أمّا كون الأولى اتيانه أوّل الليل فلما فيه من المسارعة الى الخير، و الكون في سائر الأزمنة مغتسلاً، و للتأسّي بالنبي صلى الله عليه و آله فانّه كان يغتسل بين العشاءين.(3)
و في مرسلة علي بن موسى بن طاوس قال:
«و قد روي أنّ الغسل أوّل الليل».(4)
بل الأولى اتيانه قبل الغروب أو مقارنا له؛ لقول أبي جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة و الفضيل:
«الغسل في شهر رمضان عند وجوب الشمس قبيله ثمّ تصلّي وتفطر».(1)
نعم، لايبعد في ليال العشر الأخيرة رجحان اتيانه بين المغرب و العشاء؛ ففي رواية الجوهري عن علي عليه السلام (في حديث):
«انّ النبي صلى الله عليه و آله كان اذا دخل العشر من شهر رمضان شمّر و شدّ المئزر، و برز من بيته و اعتكف و أحيا الليل كلّه، و كان يغتسل كلّ ليلة منه بين العشاءين».(2)
(مسألة 17): اذا ترك الغسل الأوّل في الليلة الثالثة و العشرين في أوّل الليل لايبعد كفاية الغسل الثاني عنه. و الأولى أن يأتي بهما آخر الليل برجاء المطلوبيّة خصوصا مع الفصل بينهما، و يجوز اتيان غسل واحد بعنوان التداخل و قصد الأمرين.
الشرح:
اذا ترك الغسل الأوّل في الليلة الثالثة و العشرين في أوّل الليل لايبعد كفاية الغسل الثاني عنه بدعوى أنّ كونه في أوّل الليل من باب تعدّد المطلوب لا التقييد، و المناط كلّه الغسل في الليل، فيكون غسل آخر الليل غسلاً في الليل فيجزي عن غسل أوّله لا محالة، و يمكن التصحيح بالتداخل أيضا كما يأتي.
(مسألة 18): لاتنقض هذه الأغسال أيضا بالحدث الأكبر و الأصغر، كما في غسل الجمعة.
الشرح:
لأصالة بقاء أثر الغسل بعد الشكّ في نقضه بذلك، و لصحّة دعوى أنّ ما ورد في غسل الجمعة حكم عامّ لسائر الأغسال المندوبة، و انّما ذكر خصوص الجمعة لكونه أعمّ ابتلاءً لا لخصوصيّة فيه، كما أنّ ما ورد في غسل الجنابة كذلك أيضا بالنسبة الى سائر الأغسال مضافا الى كونه ممّا ادّعي عليه الاجماع كما في المهذّب.
«الثالث»: غسل يومي العيدين الفطر و الأضحى، و هو من السنن المؤكّدة، حتّى أنّه ورد في بعض الأخبار: «انّه لو نسي غسل يوم العيد حتى صلّى ان كان في وقت فعليه أن يغتسل و يعيد الصلاة، و ان مضى الوقت فقد جازت صلاته». و في خبر آخر عن غسل الأضحى فقال عليه السلام : «واجب الاّ بمنى»، و هو منزّل على تأكّد الاستحباب؛ لصراحة جملة من الأخبار في عدم وجوبه. و وقته بعد الفجر الى الزوال و يحتمل الى الغروب، و الأولى عدم نيّة الورود اذا أتى به بعد الزوال، كما أنّ الأولى اتيانه قبل صلاة العيد لتكون مع الغسل. و يستحبّ في غسل عيد الفطر أن يكون في نهر، و مع عدمه أن يباشر بنفسه الاستقاء بتخشّع، و أن يغتسل تحت الظلال أو تحت حائط، و يبالغ في التستّر، و أن يقول عند ارادته: «اللّهمّ ايمانا بك و تصديقا بكتابك و اتّباع سنّة نبيّك»، ثمّ يقول: «بسم اللّه» و يغتسل، و يقول بعد الغسل: «اللّهمّ اجعله كفّارة لذنوبي و طهورا لديني اللّهمّ أذهب عنّي الدنس»، و الأولى اعمال هذه الآداب في غسل يوم الأضحى أيضا. لكن لا بقصد الورود؛
لاختصاص النصّ بالفطر. و كذا يستحبّ الغسل في ليلة الفطر. و وقته منأوّلها الى الفجر، و الأولى اتيانه أوّل الليل. و في بعض الأخبار: «اذا غربت الشمس فاغتسل». و الأولى اتيانه ليلة الأضحى أيضا لا بقصد الورود؛ لاختصاص النصّ بليلة الفطر.
الشرح:
الثالث من الأغسال الزمانيّة غسل يومي العيدين الفطر و الأضحى و هو من السنن المؤكّدة نصّا و اجماعا؛ ففي موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام (في حديث) قال:
«غسل يوم الفطر و غسل يوم الأضحى سنّة لا أحبّ تركها».(1)
و يأتي ما يدلّ عليه أيضا.
و ورد في بعض الأخبار: «انّه لو نسي غسل يوم العيد حتى صلّى ان كان في وقت فعليه أن يغتسل و يعيد الصلاة، و ان مضى الوقت فقد جازت صلاته»، كما في موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام .(2)
و في خبر آخر عن غسل الأضحى فقال عليه السلام : «واجب الاّ بمنى»، كما في رواية القاسم بن الوليد(3)و هو منزّل على تأكيد الاستحباب؛ لصراحة جملة من الأخبار في عدم وجوبه منها صحيحة علي بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن الغسل في الجمعة و الأضحى و الفطر؟ قال: سنّة و ليس بفريضة».(4)
و وقته بعد الفجر الى الزوال؛ لمساواتها للجمعة في كثير من الأحكام، و للرضوي:
«اذا طلع الفجر من يوم العيد فاغتسل و هو أوّل أوقات الغسل، ثمّ الى وقت الزوال، الحديث».(1)
و يحتمل الى الغروب؛ لاطلاق الأدلّة، و استصحاب بقاء الوقت و عدم تماميّة الدليل على التوقيت، و على فرضه فهو بالنسبة الى بعض مراتب المحبوبيّة لا بالنسبة الى تمام مراتبها، كما هو دأب الفقهاء في المندوبات.
و يستحبّ في غسل عيد الفطر أن يكون في نهر، و مع عدمه أن يباشر بنفسه الاستقاء بتخشّع، و أن يغتسل تحت الظلال أو تحت حائط، و يبالغ في التستّر؛ لما في رواية أبي عيينة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صلاة العيد يوم الفطر أن تغتسل من نهر فان لم يكن نهر قصدت بنفسك استيفاء الماء بتخشّع وليكن غسلك تحت الظلال أو تحت حائط و تستتر بجهدك، الحديث».(2)
و الدعاء المذكور في المتن فقد نقله السيّد في الاقبال.(3)
و الأولى اعمال هذه الآداب في غسل يوم الأضحى أيضا؛ لاشتراكهما في العيديّة، ولكنّه لايخلو عن قياس. و يمكن دعوى القطع بوحدة المناط مع أنّه بعد قصد الرجاء لا محذور فيه.
و كذا يستحبّ الغسل في ليلة الفطر كما في رواية الحسن بن راشد قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : انّ الناس يقولون: انّ المغفرة تنزل على من صام شهر رمضان ليلة القدر، فقال: يا حسن انّ القار يجار انّما يعطى أجرته عند فراغه، و ذلك ليلة العيد. قلت: جعلت فداك فما ينبغي لنا
أن نعمل فيها؟ فقال: اذا غربت الشمس فاغتسل، الحديث».(1)و عن السيّد في الاقبال قال:
«روي أنّه يغتسل قبل الغروب من ليلة اذا علم أنّها ليلة العيد».(2)
و وقته من أوّل الليل الى الفجر؛ لظهور الاطلاق الشامل للّيل من أوّله الى آخره؛ لأنّ الليل من أوّل الغروب الى الفجر. و الأولى اتيانه أوّل الليل كما في الخبرين المزبورين بعد حملهما على الأفضليّة، و لأن يكون على غسل من أوّل الليل الى آخره، و تقدّم أولويّة اتيان غسل الليالي أوّل الليل.
و كما تقدّم في خبر الحسن بن راشد: «اذا غربت الشمس فاغتسل».
و قد نقله السيّد في الاقبال.
و الأولى اتيانه ليلة الأضحى أيضا لا بقصد الورود؛ لاختصاص النصّ بليلة الفطر، فراجع ما تقدّم من خبر ابن راشد و مرسلة ابن طاوس؛ اذ ليس في الباب خبر غيرهما.
«الرابع»: غسل يوم التروية و هو الثامن من ذي الحجّة، و وقته تمام اليوم.
الشرح:
لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«الغسل في سبعة عشر موطنا: ليلة سبع عشرة من شهر رمضان و هي ليلة التقى الجمعان، و ليلة تسع عشرة - الى أن قال: - و يومي العيدين و اذا دخلت الحرمين و يوم تحرم و يوم الزيارة و يوم تدخل البيت و يوم التروية و يوم عرفة، الحديث».(3)
و مثله مرسلة الصدوق عن أبي جعفر عليه السلام .(1)
و وقته تمام اليوم؛ لظهور الاطلاق و عدم دليل صالح للتقييد.
«الخامس»: غسل يوم عرفة، و هو أيضا ممتدّ الى الغروب و الأولى عند الزوال منه، و لا فرق فيه بين من كان في عرفات أو سائر البلدان.
الشرح:
نصّا و اجماعا، كما في موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام :
« ... و غسل يوم عرفة واجب».(2)
و هي محمولة على تأكيد الاستحباب بقرينة صحيحة ابن مسلم المتقدّمة و غيرها.
و هو أيضا ممتدّ الى الغروب؛ لظهور الاطلاق. و أمّا أولويّة اتيانه عند الزوال فلرواية ابن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الغسل من الجنابة و يوم الجمعة و يوم الفطر و يوم الأضحى و يوم عرفة عند زوال الشمس، الحديث».(3)
المحمولة على الأفضليّة؛ لما جرت عادتهم على عدم التقييد في المندوب، كما تقدّم مرارا.
و لا فرق فيه بين من كان في عرفات أو سائر البلدان؛ للاطلاق و الاتّفاق، و في رواية عبدالرحمن بن سيابة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن غسل يوم عرفة في الأمصار، فقال: اغتسل أينما كنت».(4)
«السادس»: غسل أيّام من رجب، و هي: أوّله و أوسطه و آخره، و يومالسابع و العشرين منه، و هو يوم المبعث و وقتها من الفجر الى الغروب. و عن الكفعمي و المجلسي استحبابه في ليلة المبعث أيضا. و لا بأس به لا بقصد الورود.
للنبوي: «من أدرك شهر رجب فاغتسل في أوّله و وسطه و آخره خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمّه».(1)
و أمّا استحبابه في يوم المبعث فقال في المهذّب: «لظهور الاجماع على استحبابه و ان لم يرد فيه نصّ بالخصوص ولكن يمكن أن يستفاد ممّا ورد في غسل الجمعة و العيدين و النيروز و يوم الغدير و يوم المولود، استحبابه لكلّ عيد بل المبعث أولى من بعض الأعياد».(2)
و وقته من الفجر الى الغروب؛ لظهور اطلاق الكلمات.
و عن الكفعمي و المجلسي استحبابه في ليلة المبعث أيضا. و لا بأس به لا بقصد الورود؛ اذ لم نظفر فيه على خبر و لو ضعيف.
«السابع»: غسل يوم الغدير، و الأولى اتيانه قبل الزوال منه.
الشرح:
السابع من الأغسال الزمانيّة غسل يوم الغدير؛ لرواية علي بن الحسين العبدي قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: صيام يوم غدير يعدل صيام عمر الدنيا - الى أن قال: - و من صلّى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من
قبل أن تزول مقدار نصف ساعة - الى أن قال: - عدلت عند اللّه مائةألف حجّة و مائة ألف عمرة».(1)
و في رواية أبي الحسن الليثي عن أبي عبداللّه عليه السلام في حديث طويل ذكر فيه
فضل يوم الغدير الى أن قال:
«فاذا كان صبيحة ذلك اليوم وجب الغسل في صدر نهاره».(2)
«الثامن»: يوم المباهلة و هو الرابع و العشرون من ذي الحجّة على الأقوى، و ان قيل: انّه يوم الحادي و العشرين، و قيل: يوم الخامس و العشرين، و قيل: انّه السابع و العشرين منه. و لا بأس بالغسل في هذه الأيّام لا بقصد الورود.
الشرح:
الثامن من الأغسال الزمانيّة غسل يوم المباهلة على المشهور، و ادّعي عليه الاجماع، و في رواية محمّد بن صدقة العنبري عن موسى بن جعفر عليه السلام قال:
«يوم المباهلة اليوم الرابع و العشرون من ذي الحجّة تصلّي في ذلك اليوم ما أردت من الصلاة - الى أن قال: - و تقول على غسل: الحمدللّه ربّ العالمين، الحديث».(3)
و كما في قول أبي عبداللّه عليه السلام في موثّقة سماعة:
« ... و غسل المباهلة واجب».(4)
المحمول على الندب.
1) - وسائل الشيعة 3: 338 / الباب 28 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 1.
2) - مستدرك الوسائل 2: 520 / الباب 20 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 8: 172 / الباب 47 من أبواب بقيّة الصلوات المندوبة / الحديث 2.
4) - وسائل الشيعة 3: 304 / الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 3.
قال في المهذّب: «و نسب الى المجلسي الأوّل أنّ غسل المباهلة غسل فعليللمباهلة مع الخصوم كغسل الاستخارة لا أن يكون غسلاً زمانيّا».(1)
«التاسع»: يوم النصف من شعبان.
«العاشر»: يوم المولود، و هو السابع عشر من ربيع الأوّل.
الشرح:
التاسع غسل يوم النصف من شعبان؛ لرواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«صوموا شعبان و اغتسلوا ليلة النصف منه، ذلك تخفيف من ربّكم و رحمة».(2)
و في النبوي:
«من تطهّر ليلة النصف من شعبان، الحديث».(3)
و الأوّل مختصّ بالليل و الثاني محمول عليه أيضا فلا وجه لاستحباب الغسل في يومه بقصد الورود كما في المتن. الاّ أن يقال باستحبابه لكلّ زمان و مكان شريف كما عن بعض و استظهرناه من الأدلّة.
العاشر يوم المولود، و هو السابع عشر من ربيع الأوّل على المشهور فيهما، و عن بعض دعوى الاجماع على استحباب الغسل فيه، و أنّه يوم عيد و يستحبّ الغسل لكلّ عيد و عن الكليني رحمه الله - كما في المهذّب - أنّه الثاني عشر منه و يغتسل فيه رجاءً.
«الحادي عشر»: يوم النيروز.
«الثاني عشر»: اليوم التاسع من ربيع الأوّل.
الشرح:
الحادي عشر يوم النيروز على المشهور، و في خبر المعلّى بن خنيس عن الصادق عليه السلام (في يوم النيروز) قال:
«اذا كان يوم النيروز فاغتسل و البس أنظف ثيابك، الحديث».(1)
الثاني عشر اليوم التاسع من ربيع الأوّل بناءً على استحبابه لكلّ عيد و أنّه عيد، و قد نقل السيّد ابن طاوس عن ابن أبي العلاء الهمداني الواسطي و يحيى بن محمّد بن جريح البغدادي في حديث طويل في ملاقاة العسكري عليه السلام في اليوم التاسع من ربيع الأوّل قالا:
«فخرج العسكري عليه السلام علينا و هو مستور بمئزر يفوح مسكا و هو يمسح وجهه، فأنكرنا ذلك عليه، فقال: لا عليكما فانّي اغتسلت للعيد، قلنا أو هذا يوم عيد؟! قال: نعم، الحديث».(2)
«الثالث عشر»: يوم دحو الأرض و هو الخامس و العشرين من ذي القعدة.
«الرابع عشر»: كلّ ليلة من ليالي الجمعة على ما قيل، بل في كلّ زمان شريف على ما قاله بعضهم، و لا بأس بهما لا بقصد الورود.
الشرح:
نسب غسل يوم دحو الأرض الى الأصحاب تارة، و الى المشهور أخرى و لم يرد فيه نصّ بالخصوص.
أمّا ما قال المصنّف رحمه الله من استحباب الغسل في كل زمان شريف فقال فيالجواهر: «نعم، قد يقال باستحباب الغسل لكلّ زمان شريف و مكان شريف كما عن ابن الجنيد قدس سره و ربّما يشهد له فحاوي كثير من الأخبار كتعليل غسل العيدين عن الرضا عليه السلام ، و يوم الجمعة و أغسال ليالي القدر و نحوه، بل تتبّع محالّ الأغسال يقضي به و المستحبّ يكفي فيه أدنى ذلك».(1)
و هو كلام حسن.
قال في المهذّب: «ثمّ انّه قد عدّ في المستند من الأغسال الزمانيّة غسل يوم عاشوراء و الغسل عند ظهور آية في السماء، ولكن يمكن أن يكون الأوّل من غسل الزيارة و الأخير من غسل التوبة».(2)
(مسألة 19): لا قضاء للأغسال الزمانيّة اذا جاز وقتها، كما لاتتقدّم على زمانها مع خوف عدم التمكّن منها في وقتها الاّ غسل الجمعة كما مرّ. لكن عن المفيد استحباب قضاء غسل يوم عرفة في الأضحى، و عن الشهيد استحباب قضائها أجمع، و كذا تقديمها مع خوف عدم التمكّن منها في وقتها و وجه الأمرين غير واضح. لكن لا بأس بهما لا بقصد الورود.
الشرح:
الدليل على أصل المسألة هو الأصل في كلّ من القضاء و التقديم بعد عدم الدليل عليه، ولكن يمكن تقريب صحّة كلّ منهما كما يأتي من أنّ التوقيت انّما هو بلحاظ بعض مراتب الطلب لا تمامه، و يشهد له مرسلة الصدوق رحمه الله قال:
«روي أنّ غسل يومك يجزيك لليلتك، و غسل ليلتك يجزيك ليومك».(3)
بناءً على احتمال أنّ غسل اليوم يؤتى به في الليل و بالعكس.
و أمّا قول المفيد و الشهيد فيمكن توجيه بأنّ التوقيت من باب تعدّد المطلوب، و اطلاق القضاء من باب فوت بعض مراتب الفضيلة، و يشهد لذلك ثبوت القضاء في غسل الجمعة الذي هو الأصل لجميع الأغسال المندوبة.
(مسألة 20): ربّما قيل بكون الغسل مستحبّا نفسيّا فيشرع الاتيان به في كلّ زمان من غير نظر الى سبب أو غاية، و وجهه غير واضح و لا بأس به لا بقصد الورود.
تقدّم الوجه في ذلك في أوّل هذا الفصل، و يأتي بقيّة الكلام عنه.
أي الذي يستحبّ عند ارادة الدخول في مكان، و هي:
الغسل لدخول حرم مكّة و للدخول فيها، و لدخول مسجدها و كعبتها، و لدخول حرم المدينة و للدخول فيها، و لدخول مسجد النبي صلى الله عليه و آله. و كذا للدخول في سائر المشاهد المشرّفة للأئمّة عليهم السلام . و وقتها قبل الدخول عند ارادته. و لايبعد استحبابها بعد الدخول للكون فيها اذا لم يغتسل قبله، كما لايبعد كفاية غسل واحد في أوّل اليوم أو أوّل الليل للدخول الى آخره بل لايبعد عدم الحاجة الى التكرار مع التكرّر. كما أنّه لايبعد جواز التداخل أيضا فيما لو أراد دخول الحرم و مكّة و المسجد و الكعبة في ذلك اليوم، فيغتسل غسلاً واحدا للجميع، و كذا بالنسبة الى المدينة و حرمها و مسجدها.
الشرح:
من الأغسال المكانيّة أي الذي يستحبّ عند ارادة الدخول في مكان، الغسل لدخول حرم مكّة و للدخول فيها، و لدخول مسجدها و كعبتها، و لدخول حرم المدينة و للدخول فيها، و لدخول مسجد النبي صلى الله عليه و آلهاجماعا و نصّا، كما في صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: الغسل من الجنابة - الى أن قال: - و حين تدخل مكّة و المدينة، و يوم عرفة، و يوم تزور البيت، و حين تدخل الكعبة، الحديث».(1)
و في مرسلة الصدوق عن أبي جعفر عليه السلام - في عداد الأغسال - قال:
« ... و اذا دخلت الحرمين و يوم تحرم و يوم الزيارة و يوم تدخل البيت، الحديث».(2)
و في صحيحة عبداللّه بن سنان عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ الغسل في أربعه عشر موطنا - الى أن قال: - و دخول الكعبة، و دخول المدينة و دخول الحرم، الحديث».(3)
و يدلّ على استحباب الغسل لدخول المسجدين الاجماع و الفحوى من استحبابه لدخول الحرمين، مع أنّه منصوص بالخصوص كرواية محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«الغسل من الجنابة - الى أن قال: - و اذا أردت دخول البيت الحرام، و اذا أردت دخول مسجد الرسول صلى الله عليه و آله، الحديث».(4)
و كذا يستحبّ للدخول في سائر المشاهد المشرّفة للأئمّة عليهم السلام على المشهور، و قد وردت روايات خاصّة في استحباب الغسل لزيارة أميرالمؤمنين عليه السلام (5)و أبي عبداللّه الحسين عليه السلام (6)و أبي الحسن الرضا عليه السلام (7)، و كذا في زيارة موسى بن
1) - وسائل الشيعة 3: 303 / الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 305 / الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 3: 305 / الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 3: 307 / الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 12.
5) - وسائل الشيعة 14: 390 / الباب 29 من أبواب المزار.
6) - وسائل الشيعة 14: 483 / الباب 59 من أبواب المزار.
7) - وسائل الشيعة 14: 596 / الباب 88 من أبواب المزار.
جعفر و محمّد بن علي عليهماالسلام ، و زيارة أبي الحسن و أبي محمّد عليهماالسلام (1)، و يدلّ علىالتعميم رواية ابن سيابة عن أبي عبداللّه عليه السلام في قوله عزّوجلّ: «خذوا زينتكم عند كلّ مسجد» قال:
«الغسل عند لقاء كلّ امام».(2)
بناءً على عمومه لحال حياتهم و مماتهم، كما يدلّ عليه رواية النخعي أنّه قال لعلي بن محمّد بن علي بن موسى عليهم السلام :
«علّمني يا ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آلهقولاً أقوله بليغا كاملاً اذا زرت واحدا منكم، فقال: اذا صرت الى الباب فقف و اشهد الشهادتين و أنت على غسل، الحديث».(3)
و تأتي تتمّة الكلام في أبواب المزار و عن أبي علي قدس سره استحبابه لكلّ مشهد أو مكان شريف، و يشهد له الاعتبار العرفي لا سيّما بناءً على استحباب الغسل نفسا.
و وقت هذه الأغسال قبل الدخول عند ارادته؛ لأنّه المنساق من الأدلّة عرفا، ولكن ليس ذلك مبنيّا على الدقّة بل على ما هو المتعارف بين الناس.
و لايبعد استحبابها بعد الدخول للكون فيها اذا لم يغتسل قبله؛ لاستصحاب بقاء استحبابه بعد قوّة احتمال أن يكون التقديم من باب الأفضليّة، و يشهد له صحيحة ذريح قال:
«سألته عن الغسل في الحرم قبل دخوله أو بعد دخوله؟ قال: لايضرّك أيّ ذلك فعلت، و ان اغتسلت بمكّة فلا بأس، و ان اغتسلت في بيتك حين تنزل بمكّة فلا بأس».(4)
و مع أنّ الغسل طهر و هو مطلوب نفسي مطلقا.
و لايبعد كفاية غسل واحد في أوّل اليوم أو أوّل الليل للدخول الى آخره؛لاطلاق قول أبي عبداللّه عليه السلام في صحيحة عمر بن يزيد:
«غسل يومك ليومك، و غسل ليلتك لليلتك».(1)
بل لايبعد عدم الحاجة الى التكرار مع التكرّر؛ لاطلاق مثل قوله عليه السلام في رواية عثمان بن يزيد:
«من اغتسل بعد طلوع الفجر كفاه غسله الى الليل في كلّ موضع يجب فيه الغسل، و من اغتسل ليلاً كفاه غسله الى طلوع الفجر».(2)
كما أنّه لايبعد جواز التداخل أيضا بل هو الظاهر من اطلاق دليل التداخل الشامل للمقام أيضا.
(مسألة 1): حكي عن بعض العلماء استحباب الغسل عند ارادة الدخول في كلّ مكان شريف. و وجهه غير واضح و لا بأس به لا بقصد الورود.
الشرح:
هو ابن الجنيد رحمه الله كما تقدّم نقل قوله، و استظهرناه من مطلوبيّة مطلق الطهر؛ اذ الغسل مطلقا طهر، كما ورد في غسل الجمعة من أنّه: «كان طهرا له من الجمعة الى الجمعة»(3)، و أنّه طهور، و يأتي في المسألة السادسة من آخر الفصل تتمّة الكلام.
و قد مرّ أنّها قسمان:
«القسم الأوّل»: ما يكون مستحبّا لأجل الفعل الذي يريد أن يفعله، و هي أغسال: «أحدها»: للاحرام و عن بعض العلماء وجوبه.
الشرح:
يمكن ارجاع الأغسال المكانيّة الى هذا أيضا، أي الدخول في المكان المخصوص.
و الأوّل من الأغسال الأفعاليّة الغسل للاحرام اجماعا و نصوصا مستفيضة:
منها صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: الغسل من الجنابة، و يوم الجمعة، و العيدين، و حين تحرم، الحديث».(1)
و في صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«الغسل في سبعه عشر موطنا - الى أن قال: - و يومي العيدين، و اذا دخلت الحرمين، و يوم تحرم، الحديث».(2)
و نسب وجوب ذلك الى جمع منهم ابن أبي عقيل و ابن الجنيد، لقوله عليه السلام في موثّقة سماعة:
« ... و غسل المحرم واجب».(1)
لكنّه محمول على تأكّد الندب اجماعا، و قد وقع هذا التعبير في جملة من الأغسال مع أنّهم لايقولون بالوجوب فيها.
«الثاني»: للطواف، سواء كان طواف الحجّ أو العمرة أو طواف النساء بل للطواف المندوب أيضا.
الشرح:
نصّا و اجماعا، قال الصادق عليه السلام في عداد الأغسال:
« ... و يوم تزور البيت».(2)
و في بعض الأخبار: «و يوم الزيارة».(3)
و اطلاق هذه الأخبار يشمل جميع أقسام الطواف و المراد بالزيارة الطواف؛ لملازمتهما في البيت الشريف غالبا خصوصا بملاحظة رواية علي بن حمزة عن أبي الحسن عليه السلام قال:
«قال لي: ان اغتسلت بمكّة ثمّ نمت قبل أن تطوف فأعد غسلك».(4)
فانّه ظاهر في مفروغيّة استحباب الغسل للطواف، و يدلّ عليه أيضا الأولويّة القطعيّة من استحبابه للذبح و النحر و الجمار.
و يستوي في ذلك طواف الحجّ و العمرة و طواف النساء بل للطواف
1) - وسائل الشيعة 3: 304 / الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 3: 303 / الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 305 و 307 / الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديثان 4 و 11.
4) - وسائل الشيعة 13: 202 / الباب 6 من أبواب مقدّمات الطواف / الحديث 2.
المندوب أيضا؛ لاطلاق قول الكاظم عليه السلام في الخبر المتقدّم مضافا الى الاجماع.
«الثالث»: للوقوف بعرفات.
«الرابع»: للوقوف بالمشعر.
الشرح:
لرواية ابن يزيد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا زاغت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية و اغتسل، الحديث».(1)
قال في المهذّب - بالنسبة الى الوقوف بالمشعر - : «للاجماع، و لأولويّة المشعر من عرفات، كما في الجواهر».(2)
«الخامس»: للذبح و النحر.
الشرح:
لقول أبي جعفر عليه السلام في حديث زرارة:
«اذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الجمعة و عرفة و النحر و الحلق و الذبح و الزيارة، فاذا اجتمعت عليك حقوق أجزأك عنها غسل واحد».(3)
«السادس»: للحلق، و عن بعضهم استحبابه لرمي الجمار أيضا.
الشرح:
نسب ذلك الى المفيد رحمه الله و لا دليل له يصحّ الاعتماد عليه و الأصل ينفيه أيضا.
نعم، بناءً على استحباب الغسل نفسا لا اشكال فيه.
«السابع»: لزيارة أحد المعصومين عليهم السلام من قريب أو بعيد.
الشرح:
نصّا و اجماعا بالنسبة الى القريب، و قد اشتملت كتب الزيارات على أخبار خاصّة للغسل لزيارة الأئمّة عليهم السلام ، و في رواية سليمان بن عيسى عن أبيه قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : كيف أزورك اذا لم أقدر على ذلك؟ قال: قال لي: يا عيسى اذا لم تقدر على المجيء فاذا كان في يوم الجمعة فاغتسل أو توضّأ، و اصعد الى سطحك، و صلّ ركعتين و توجّه نحوي فانّه من زارني في حياتي فقد زارني في مماتي، و من زارني في مماتي فقد زارني في حياتي».(1)
و لعلّه لغلبة الجهة الروحانيّة فيهم، و لا ممات للروح حتّى يفرّق بين حياتهم عليهم السلام و مماتهم.
ثمّ انّ الظاهر كفاية غسل واحد للمجتمعين منهم عليهم السلام في مكان واحد كالبقيع، و الكاظمين، و سامرّاء، و يصحّ أن يأتي بغسل واحد بقصد التداخل.
«الثامن»: لرؤية أحد الأئمّة عليهم السلام في المنام. كما نقل عن موسى بن جعفر عليه السلام : «انّه اذا أراد ذلك يغتسل ثلاث ليال و يناجيهم فيراهم في المنام».
هذه الرواية منقولة عن كتاب الاختصاص للمفيد رحمه الله فراجع.(2)
«التاسع»: لصلاة الحاجة بل لطلب الحاجة مطلقا.
الشرح:
اجماعا و نصّا، لقوله عليه السلام في رواية عبدالرحيم القصير:
«اذا نزل بك أمر فافزع الى رسول صلى الله عليه و آله و صلّ ركعتين تهديهما الى رسول اللّه صلى الله عليه و آله، قلت: كيف أصنع؟ قال: تغتسل و تصلّي ركعتين، الحديث».(1)
و التقييد فيها محمول على التأكيد لا التقييد فلاينافي استحبابه لطلب مطلق الحاجة.
«العاشر»: لصلاة الاستخارة بل للاستخارة مطلقا و لو من غير صلاة.
الشرح:
لاطلاق قول أبي عبداللّه عليه السلام في موثّقة سماعة:
« ... و غسل الاستخارة يستحبّ».(2)
و اطلاقه يشمل الصلاة لها أيضا، مع أنّ ظاهرهم الاجماع على استحبابه لصلاة الاستخارة، و لا فرق بين أن تكون الاستخارة دعائيّة أو تفأليّة، كما لا فرق بين أن تكون بالمباشرة أو بالتوكيل؛ للاطلاق الشامل للجميع، و يأتي في كتاب الصلاة ما يتعلّق بالاستخارة.
«الحادي عشر»: لعمل الاستفتاح المعروف بعمل أمّ داوود.
الشرح:
قال في المهذّب: «لقول أبي عبداللّه عليه السلام في بيان كيفيّته: «فاغتسل عند الزوال».
و في رواية أخرى رواها الشيخ و الصدوق و ابن طاوس رحمهم الله: «قريبا من الزوال»»(1).
«الثاني عشر»: لأخذ تربة قبر الحسين عليه السلام .
الشرح:
قال في المهذّب: «للمرسلة المذكورة في مصباح الزائر: «اذا أردت أخذها فقم الليل و اغتسل»».
أضف اليه ما عن المشهدي في المزار عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال (في حديث):
«اذا أردت أن تأخذ من التربة فتعمّد لها آخر الليل و اغتسل لها بماء القراح و البس أطهر أطمارك و تطيّب بسعد، الحديث».(2)
«الثالث عشر»: لارادة السفر خصوصا لزيارة الحسين عليه السلام .
الشرح:
ففي خبر أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
« ... اذا أردت الخروج الى أبي عبداللّه عليه السلام فصم قبل أن تخرج ثلاثة أيّام يوم الأربعاء و يوم الخميس و يوم الجمعة، فاذا أمسيت ليلة الجمعة فصلّ صلاة الليل ثمّ قم فانظر في نواحي السماء و اغتسل تلك الليلة قبل المغرب، ثمّ تنام على طهر فاذا أردت المشي اليه فاغتسل و لاتطيّب و لاتدّهن و لاتكتحل حتّى تأتي القبر».(3)
و يدلّ على استحبابه لمطلق السفر مرسلة علي بن موسى بن طاوس قال:
«و روي أنّ الانسان يستحبّ له اذا أراد السفر أن يغتسل، الحديث».(1)
«الرابع عشر»: لصلاة الاستسقاء بل له مطلقا.
لقوله عليه السلام في موثّقة سماعة:
« ... و غسل الاستسقاء واجب».(2)
و المراد به تأكيد الاستحباب باتّفاق الأصحاب، و هو يشمل الغسل لصلاته أيضا؛ لملازمتهما غالبا.
«الخامس عشر»: للتوبة من الكفر الأصلي أو الارتدادي بل من الفسق بل من الصغيرة أيضا على وجه.
الشرح:
اجماعا بالنسبة الى الكفر مطلقا، و ادّعي الاجماع بالنسبة الى الكبيرة أيضا، و عن المنتهى دعوى الاجماع بالنسبة الى الصغيرة أيضا، فيدلّ على استحبابه للكفر و الكبيرة بالأولى ولكن لا بدّ من حمله بالنسبة الى الصغيرة على ما اذا لم تكن مكفّرة، و الاّ فلا ذنب حتّى يتاب عنه و يغتسل لتوبته، و في صحيحة مسعدة بن زياد قال:
«كنت عند أبي عبداللّه عليه السلام فقال له رجل: بأبي أنت و أمي، انّي أدخل كنيفا و لي جيران و عندهم جوار يتغنّين و يضربن بالعود فربّما أطلتالجلوس استماعا منّي لهنّ، فقال عليه السلام : لاتفعل، فقال الرجل: و اللّه
ما آتيهنّ، انّما هو سماع أسمعه بأذني، فقال عليه السلام : للّه أنت أما سمعت اللّه يقول: «انّ السمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً»، فقال: بلى واللّه لكأنّي لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه من عربي و لا من عجمي لا جرم أنّي لا أعود ان شاء اللّه، و أنّي أستغفر اللّه، فقال له: قم فاغتسل و صلّ ما بدا لك، فانّك كنت مقيما على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو متّ على ذلك. احمد اللّه و سله التوبة من كلّ ما يكره، فانّه لايكره الاّ كلّ قبيح و القبيح دعه لأهله؛ فانّ لكلّ أهلاً».(1)
«السادس عشر»: للتظلّم و الاشتكاء الى اللّه من ظلم ظالم ففي الحديث عن الصادق عليه السلام ما مضمونه: «اذا ظلمك أحد فلاتدع عليه، فانّ المظلوم قد يصير ظالما بالدعاء على من ظلمه لكن اغتسل و صلّ ركعتين تحت السماء، ثمّ قل: «اللّهمّ انّ فلانا بن فلان ظلمني، و ليس لي أحد أصول به عليه غيرك فاستوف لي ظلامتي الساعة الساعة بالاسم الذي اذا سألك به المضطرّ أجبته فكشفت ما به من ضرّ، و مكّنت له في الأرض و جعلته خليفتك على خلقك فأسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تستوفي ظلامتي الساعة الساعة». فسترى ما تحبّ».
كما حكي ذلك عن مكارم الأخلاق، فراجع.(2)
«السابع عشر»: للأمن من الخوف من ظالم، فيغتسل و يصلّي ركعتين و يحسر عن ركبتيه و يجعلهما قريبا من مصلاّه و يقول مائة مرّة: «يا حي يا قيّوم يا حي لا اله الاّ أنت برحمتك أستغيث فصلّ على محمّد و آل محمّد و أغثني الساعة الساعة». ثمّ يقول: «أسألك أن تصلّي على محمّد و آل محمّد و أن تلطف بي، و أن تغلب لي، و أن تمكر لي، و أن تخدع لي، و أن تكفيني مؤونة فلان بن فلان بلا مؤونة». و هذا دعاء النبي صلى الله عليه و آله يوم أحد.
كما هو وارد في مرسلة مكارم الأخلاق.(1)
«الثامن عشر»: لدفع النازلة، يصوم الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر و عند الزوال من الأخير فيغتسل.
الشرح:
لرواية صفوان بن يحيى عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا حضرت لك حاجة مهمّة الى اللّه عزّوجلّ فصم ثلاثة أيّام متوالية الأربعاء و الخميس و الجمعة، فاذا كان يوم الجمعة ان شاء اللّه فاغتسل و البس ثوبا جديدا، الحديث».(2)
و لم أظفر عاجلاً على التخصيص بالثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر خبرا. نعم، ورد الترغيب في صومها في أخبار كثيرة(3)، فيكون بالنسبة الى المقام من المندوب في المندوب.
«التاسع عشر»: للمباهلة مع من يدّعي باطلاً.
لاطلاق قول أبي عبداللّه عليه السلام في موثّقة سماعة:
« ... و غسل المباهلة واجب».(1)
المحمول على تأكيد الاستحباب.
«العشرون»: لتحصيل النشاط للعبادة أو لخصوص صلاة الليل فمن فلاح السائل: «انّ أميرالمؤمنين عليه السلام كان يغتسل في الليالي الباردة لأجل تحصيل النشاط لصلاة الليل».
«الحادي و العشرون»: لصلاة الشكر.
قال في المهذّب: «لاجماع الغنية، و لامكان ادخالها في طلب الحاجة».(2)
«الثاني و العشرون»: لتغسيل الميّت و لتكفينه.
لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«الغسل في سبعه عشر موطنا - الى أن قال: - و اذا غسّلت ميّتا أو كفّنته، الحديث».(3)
ولكن في دلالته تأمّل؛ اذ يحتمل وجوها عديدة كما صرّح به في الجواهر و ان لم يذكرها، و تنظّر فيه في المستند أيضا، ولكنّ الظاهر انسباق ما ذكره الماتن منه.
«الثالث و العشرون»: للحجامة على ما قيل. ولكن قيل: «انّه لا دليل عليه». و لعلّه مصحّف الجمعة.
قال في المستند - في عداد الأغسال المسنونة - : «و غسل الحجامة كما في حسنة زرارة».(1)
و في البحار كتاب السماء و العالم:
«انّ أميرالمؤمنين عليه السلام كان يغتسل من الحجامة».(2)
«الرابع و العشرون»: لارادة العود الى الجماع؛ لما نقل عن الرسالة الذهبيّة: «انّ الجماع بعد الجماع بدون الفصل بالغسل يوجب جنون الولد». لكن يحتمل أن يكون المراد غسل الجنابة، بل هو الظاهر.
«الخامس و العشرون»: الغسل لكلّ عمل يتقرّب به الى اللّه، كما حكي عن ابن الجنيد و وجهه غير معلوم، و ان كان الاتيان به لا بقصد الورود لا بأس به.
هذا بناءً على عدم مطلوبيّة الغسل في نفسه، و الاّ فوجهه معلوم و يكون هنا بالأولى، و تقدّم ما يتعلّق به فراجع.
«القسم الثاني»: ما يكون مستحبّا لأجل الفعل الذي فعله و هي أيضا أغسال:
«أحدها»: غسل التوبة على ما ذكره بعضهم من أنّه من جهة المعاصي التي ارتكبها، أو بناءً على أنّه بعد الندم الذي هو حقيقة التوبة. لكن الظاهر أنّه منالقسم الأوّل كما ذكر هناك. و هذا هو الظاهر من الأخبار و من كلمات العلماء، و يمكن أن يقال: انّه ذو جهتين، فمن حيث انّه بعد المعاصي و بعد
الندم يكون من القسم الثاني، و من حيث انّ تمام التوبة بالاستغفار يكون من القسم الأوّل، و خبر مسعدة بن زياد في خصوص استماع الغناء في الكنيف، و قول الامام عليه السلام له في آخر الخبر: «قم فاغتسل فصلّ ما بدا لك»، يمكن توجيهه بكلّ من الوجهين. و الأظهر أنّه لسرعة قبول التوبة أو لكمالها.
الشرح:
حيث انّ هذا الغسل له اضافات فاضافته الى ما ارتكبه و اضافته الى ما سيفعل من صيغة الاستقبال، و اضافته الى ما حصل له من حالة الندم فيصحّ عرفا اعتباره بالنسبة الى كلّها؛ اذ الاعتبارات تختلف بحسب الاضافات، و المنساق من صحيحة مسعدة بن زياد عن أبي عبداللّه عليه السلام :
« ... لا جرم أنّي لا أعود ان شاء اللّه، و أنّي أستغفر اللّه، فقال له: قم فاغتسل و صلّ ما بدا لك، الحديث».(1)
أنّ الغسل لأجل التوبة التي حصلت منه و يمكن توجيهه بكلّ من الوجهين. و الأظهر أنّه لسرعة قبول التوبة أو لكمالها بناءً على أنّه للتوبة التي ستصدر منه.
«الثاني»: الغسل لقتل الوزغ، و يحتمل أن يكون للشكر على توفيقه لقتله؛ حيث انّه حيوان خبيث. و الأخبار في ذمّه من الطرفين كثيرة، ففي النبوي: «اقتلوا الوزغ و لو في جوف الكعبة»، و في آخر: «من قتله فكأنّما قتل شيطانا». و يحتمل أن يكون لأجل حدوث قذارة من المباشرة لقتله.
الشرح:
قال في المهذّب: «و قد نقل الدميري في حياة الحيوان عن أمّ شريك: «انّها استأمرت النبي صلى الله عليه و آلهفي قتل الوزغان فأمرها بذلك».
1) - وسائل الشيعة 3: 331 / الباب 18 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 1.
و في الصحيحين: «انّ النبي صلى الله عليه و آله أمر بقتل الوزغ و سمّاه فويسقا».
و عن عائشة قالت: «سمعت رسول اللّه صلى الله عليه و آله يقول: من قتل وزغة محا اللّه عنه سبع خطيات». و في رواية عبداللّه بن طلحة قال: «سألت أبا عبداللّه عليه السلام في الوزغ، فقال: هو رجس و هو مسخ كلّه، فاذا قتلته فاغتسل»».(1)
«الثالث»: غسل المولود، و عن الصدوق و ابن حمزة وجوبه لكنّه ضعيف. و وقته من حين الولادة حينا عرفيّا فالتأخير الى يومين أو ثلاثة لايضرّ. و قد يقال: الى سبعة أيّام، و ربّما قيل ببقائه الى آخر العمر. و الأولى على تقدير التأخير عن الحين العرفي الاتيان به برجاء المطلوبيّة.
الشرح:
على المشهور المدّعى عليه الاجماع، و في رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن علي عليه السلام قال:
«اغسلوا صبيانكم من الغمر؛ فانّ الشيطان يشمّ الغمر فيفزع الصبي في رقاده و يتأذّى به الكاتبان».(2)
بناءً على أنّ المراد به الغُسل المعهود لا الغَسل.
و عن الصدوق و ابن حمزة وجوبه؛ لما في موثّقة سماعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«غسل المولود واجب».(3)
المحمولة على تأكيد الاستحباب، ولكنّ الاجماع على خلافه.
و وقته من حين الولادة حينا عرفيّا؛ لأنّه المنساق من الاطلاق. أمّا بقاؤه الى
سبعة أيّام تنزيلاً له على ما ورد في الختان و العقيقة(1)و ما ورد في تسمية الصبي.(2)و أمّا بقاؤه الى آخر العمر فللجمود على الاطلاق. و الأوّل قياس، و الثاني باطل؛ لأنّ الموضوع هو الصبي.
«الرابع»: الغسل لرؤية المصلوب. و ذكر أنّ استحبابه مشروط بأمرين:
«أحدهما»: أن يمشي لينظر اليه متعمّدا، فلو اتّفق نظره أو كان مجبورا لايستحبّ.
«الثاني»: أن يكون بعد ثلاثة أيّام اذا كان مصلوبا بحقّ لا قبلها، بخلاف ما اذا كان مصلوبا بظلم، فانّه يستحبّ معه مطلقا و لو كان في اليومين الأوّلين. لكن الدليل على الشرط الثاني غير معلوم الاّ دعوى الانصراف، و هي محلّ منع. نعم، الشرط الأوّل ظاهر الخبر و هو: «من قصد الى مصلوب فنظر اليه وجب عليه الغسل عقوبة». و ظاهره أنّ من مشى اليه لغرض صحيح كأداء الشهادة أو تحمّلها لايثبت في حقّه الغسل.
الشرح:
لا مستند للحكم باستحباب الغسل في المقام الاّ مرسلة الصدوق رحمه الله قال:
«و روي أنّ من قصد الى مصلوب فنظر اليه وجب عليه الغسل عقوبة».(3)
و اجماع الغنية، و الظاهر الاختصاص بمصلوب المسلم فلا غسل على مننظر الى الكافر المصلوب.
و ذكر أنّ استحبابه مشروط بأمرين: «أحدهما»: أن يمشي لينظر اليه متعمّدا؛
لأنّه المتيقّن من الأدلّة بعد كون الحكم مخالفا للأصل، مع أنّه المستفاد من صدر المرسلة.
و نسب الشرط الثاني أي كونه بعد ثلاثة أيّام اذا كان مصلوبا بحقّ لا قبلها الى ظاهر الأصحاب عدا الصدوق و المفيد، بخلاف ما اذا كان مصلوبا بظلم، فانّه يستحبّ معه مطلقا و لو كان في اليومين الأوّلين؛ تمسّكا باطلاق المرسلة من غير ما يصلح للتقييد. و ظاهرها أنّ من مشى اليه لغرض صحيح كأداء الشهادة أو تحمّلها لايثبت في حقّه الغسل؛ اذ المنساق منه ما اذا كان النظر غير معنون بعنوان صحيح شرعي.
«الخامس»: غسل من فرّط في صلاة الكسوفين مع احتراق القرص أي تركها عمدا، فانّه يستحبّ أن يغتسل و يقضيها. و حكم بعضهم بوجوبه و الأقوى عدم الوجوب و ان كان الأحوط عدم تركه. و الظاهر أنّه مستحبّ نفسي بعد التفريط المذكور، ولكن يحتمل أن يكون لأجل القضاء كما هو مذهب جماعة، فالأولى الاتيان به بقصد القربة لا بملاحظة غاية أو سبب، و اذا لم يكن الترك عن تفريط أو لم يكن القرص محترقا لايكون مستحبّا، و ان قيل باستحبابه مع التعمّد مطلقا، و قيل باستحبابه مع احتراق القرص مطلقا.
الشرح:
نصّا و اجماعا؛ لمرسلة الصدوق قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام : الغسل في سبعة عشر موطنا - الى أن قال: - و غسل الكسوف اذا احترق القرص كلّه فاستيقظت و لم تصلّ فعليك أن تغتسل و تقضي الصلاة، الحديث».(1)
1) - وسائل الشيعة 3: 305 / الباب 1 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 4.
و نحوها غيرها. و ظاهر الاجماع على اشتراط التعمّد، و يظهر من مرسلة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا انكسف القمر فاستيقظ الرجل و لم يصلّ فليغتسل من غد وليقض الصلاة، و ان لم يستيقظ و لم يعلم بانكساف القمر فليس عليه الاّ القضاء بغير غسل».(1)
و نسب وجوب هذا الغسل الى جمع كثير من القدماء، و نسب الى دين الاماميّة و عن القاضي دعوى الاجماع عليه، و ردّ ذلك بالأصل و حصر الأغسال الواجبة في الشريعة في غيره، و دعوى الاجماع من الغنية على الاستحباب و فيه: انّ الأصل لا مجال له في مقابل ظاهر الصحيح و يمكن أن يكون الحصر اضافيّا غالبيّا، و لا وجه لاجماع الغنية مع ذهاب جمع كثير من القدماء الى الخلاف فلايترك الاحتياط.
و بناءً على استحبابه فالظاهر أنّه مستحبّ نفسي بعد التفريط المذكور، لا لأجل القضاء و ان احتمل؛ لأصالة عدم اعتبار قصد القضاء في اتيانه.
و اذا لم يكن الترك عن تفريط أو لم يكن القرص محترقا لايكون مستحبّا؛ للأصل في كلّ واحد منهما بعد استفادة اعتبار الشرطين من مجموع الأدلّه و ان قيل باستحبابه مع التعمّد مطلقا، كما حكي عن المقنعة و المصباح و السيّد رحمه الله، و قيل باستحبابه مع احتراق القرص مطلقا كما حكي عن جمع منهم الصدوق و عن النافع و كتاب الاشراف.
1) - وسائل الشيعة 3: 336 / الباب 25 من أبواب الأغسال المسنونة / الحديث 1.
«السادس»: غسل المرأة اذا تطيّبت لغير زوجها، ففي الخبر: «أيّما امرأة تطيّبت لغير زوجها لم تقبل منها صلاة حتّى تغتسل من طيبها كغسلها من جنابتها». و احتمال كون المراد غسل الطيب من بدنها كما عن صاحب الحدائق بعيد، و لا داعي اليه.
و اطلاقه يشمل حتّى ما اذا تابت من ذلك، فليس هذا الغسل هو غسل التوبة، و الخبر مروي عن ابن الجلاّب عن أبي عبداللّه عليه السلام .(1)
«السابع»: غسل من شرب مسكرا فنام، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه و آلهما مضمونه: «ما من أحد نام على سكر الاّ و صار عروسا للشيطان الى الفجر، فعليه أن يغتسل غسل الجنابة».
نقله في المستدرك عن جامع الأخبار(2)و مقتضى صدر الحديث أنّ الغسل هو غسل الجنابة، ولكن مقتضى ذيله كما نقله في المستدرك: «وجب عليه أن يغتسل كما يغتسل من الجنابة»، التنظير فقط، و الظاهر حمل الصدر عليه أيضا؛ لعدم دليل على ثبوت الجنابة المعهودة بوطي الشيطان.
«الثامن»: غسل من مسّ ميّتا بعد غسله.
لقول أبي عبداللّه عليه السلام في موثّقة عمّار الساباطي:
« ... و كلّ من مسّ ميّتا فعليه الغسل، و ان كان الميّت قد غسل».(3)
و قد حملها في الوسائل فراجع.
(مسألة 1): حكي عن المفيد استحباب الغسل لمن صبّ عليه ماء مظنون النجاسة، و لا وجه له. و ربّما يعدّ من الأغسال المسنونة غسل المجنون اذا أفاق، و دليله غير معلوم و ربّما يقال: «انّه من جهة احتمال جنابته حال جنونه». لكن على هذا يكون من غسل الجنابة الاحتياطيّة. فلا وجه لعدّها منها كما لا وجه لعدّ اعادة الغسل لذوي الأعذار المغتسلين حال العذر غسلاً ناقصا مثل الجبيرة، و كذا عدّ غسل من رأى الجنابة في الثوب المشترك احتياطا، فانّ هذه ليست من الأغسال المسنونة.
الشرح:
يمكن أن يكون وجهه الاحتياط و التحفّظ عن اجتناب النجاسة مهما أمكن، كما قالوا في استحباب الغسل على من أفاق من الجنون، و كذا الغسل على واجدي المني في الثوب المشترك، و على من اغتسل لعذر و قد زال عذره الى غير ذلك من الأغسال المبنيّة على الاحتياط. و يمكن أن يكون مراده قدس سره الغسل - بالفتح - فاشتبه و قرئ بالضمّ، و عليه فلا اشكال في الاستحباب.
بل الظاهر أنّ دليله الاحتفاظ على الطهارة الظاهريّة؛ لأنّه كان غير مبال بالنجاسة، مضافا الى ما ذكره المصنّف قدس سره.
و أمّا قوله قدس سره: «و كذا عدّ غسل من رأى الجنابة في الثوب المشترك احتياطا، فانّ هذه ليست من الأغسال المسنونة»، فنقول: لا منافاة بين كون الحكمة فيها رفع الجنابة الاحتماليّة، و كونها مسنونة أيضا؛ اذ يمكن أن يكون لتشريع شيء حِكَم كثيرة.
(مسألة 2): وقت الأغسال المكانيّة كما مرّ سابقا قبل الدخول فيها أو بعده لارادة البقاء على وجه. و يكفي الغسل في أوّل اليوم ليومه، و في أوّل الليل لليلته بل لايخلو كفاية غسل الليل للنهار و بالعكس من قوّة، و ان كان دون الأوّل في الفضل. و كذا القسم الأوّل من الأغسال الفعليّة وقتها قبل الفعل على الوجه المذكور، و أمّا القسم الثاني منها فوقتها بعد تحقّق الفعل الى آخر العمر و ان كان الظاهر اعتبار اتيانها فورا ففورا.
الشرح:
وقت الأغسال المكانيّة كما مرّ سابقا قبل الدخول فيها أو بعده لارادة البقاء على وجه؛ لأنّ المناط كلّه انّما هو شرف المكان و هو كما يكون بالنسبة الى الدخول فيه يكون بالنسبة الى البقاء أيضا، مضافا الى صحيحة ذريح قال:
«سألته عن الغسل في الحرم قبل دخوله أو بعد دخوله، قال: لايضرّك أيّ ذلك فعلت، و ان اغتسلت بمكّة فلا بأس، و ان اغتسلت في بيتك حين تنزل بمكّة فلا بأس».(1)
و حمله على الغسل لدخول المسجد أو الكعبة بلا شاهد، و في صحيحة ابن عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أردت دخول الكعبة فاغتسل قبل أن تدخلها، الحديث».(2)
و الظاهر أنّ النزاع لفظي؛ اذ لا ريب في أنّ الأفضل انّما هو في التقديم، كما لا ريب في وجود الفضل في غيره.
و لايخلو كفاية غسل الليل للنهار و بالعكس من قوّة؛ لقول أبي عبداللّه عليه السلام في صحيحة جميل:
«غسل يومك يجزيك لليلتك، و غسل ليلتك يجزيك ليومك».(1)و قد عمل به الصدوق قدس سره و طريقه الى جميل معتبر، فلا وجه للمناقشة فيه تارة بالاعراض. و أخرى بأنّ اللام بمعنى الى؛ اذ الأول على فرض ثبوته مبني على اجتهادهم مع أنّه يمكن أن يحمل فيقال: انّ الاعراض انّما هو بالنسبة الى بعض المراتب، و الأخير خلاف الظاهر كما لايخفى.
و كذا القسم الأوّل من الأغسال الفعليّة وقته قبل الفعل على الوجه المذكور؛ لأنّه المنساق من أدلّته، ولكن لو كان للفعل امتداد زماني يصحّ الغسل في أثناء الفعل أيضا، و ان كان الأولى أن يكون بقصد الرجاء.
أمّا القسم الثاني منها فوقته بعد تحقّق الفعل الى آخر العمر؛ لاطلاق الأدلّة مع عدم دليل على التقييد. و ان كان الظاهر اعتبار اتيانها فورا ففورا؛ لكونه من المسارعة و الاستباق الى الخير المطلوب مطلقا.
(مسألة 3): ينتقض الأغسال الفعليّة من القسم الأوّل و المكانيّة بالحدث الأصغر من أيّ سبب كان، حتّى من النوم على الأقوى. و يحتمل عدم انتقاضها بها مع استحباب اعادتها كما عليه بعضهم، لكنّ الظاهر ما ذكرنا.
قال في المهذّب: «ان قلنا بأنّ الأغسال المندوبة ترفع الحدث و تجزئ عن الوضوء فمقتضى اطلاق أدلّة النواقض انتقاضها من هذه الجهة و ان بقي أثرها من سائر الجهات؛ للأصل الاّ أن يدلّ دليل على النقض من تمام الجهات».(2)
(مسألة 4): الأغسال المستحبّة لاتكفي عن الوضوء فلو كان محدثا يجب أن يتوضّأ للصلاة و نحوها قبلها أو بعدها و الأفضل قبلها، و يجوز اتيانه في أثنائها اذا جيء بها ترتيبيّا.
تقدّم ما يتعلّق بهذه المسألة مفصّلاً في المسألة الخامسة و العشرين من فصل أحكام الحائض فراجع.
(مسألة 5): اذا كان عليه أغسال متعدّدة زمانيّة أو مكانيّة أو فعليّة أو مختلفة يكفي غسل واحد عن الجميع اذا نواها جميعا، بل لايبعد كون التداخل قهريّا. لكن يشترط في الكفاية القهريّة أن يكون ما قصده معلوم المطلوبيّة لا ما كان يؤتى به بعنوان احتمال المطلوبيّة؛ لعدم معلوميّة كونه غسلاً صحيحا حتّى يكون مجزيا عمّا هو معلوم المطلوبيّة.
تقدّم ما يتعلّق بهذه المسألة في المسألة الخامسه عشرة و ما بعدها من فصل مستحبّات غسل الجنابة.
(مسألة 6): نقل عن جماعة كالمفيد و المحقّق و العلاّمة و الشهيد و المجلسي استحباب الغسل نفسا و لو لم يكن هناك غاية مستحبّة أو مكان أو زمان. و نظرهم في ذلك الى مثل قوله تعالى: «انّ اللّه يحبّ التوّابين و يحبّ المتطهّرين»، و قوله: «ان استطعت أن تكون بالليل و النهار على طهارة فافعل»، و قوله: «أيّ وضوء أطهر من الغسل؟ و أيّ وضوء أنقى من الغسل؟»، و مثل ما ورد من استحباب الغسل بماء الفرات من دون ذكر سبب أو غاية الى غير ذلك. لكن اثبات المطلب بمثلها مشكل.
الشرح:
الظاهر أنّ استحباب الغسل نفسا و لو لم يكن هناك غاية مستحبّة أو مكان أو زمان هو المطابق لكثرة ترغيب الشارع الى النظافة و الطهارة بأيّ مرتبة من مراتبها و لو كانت ضعيفة، و موافق للاعتبار العرفي خصوصا في هذه الأعصار.
و كما ورد من استحباب الغسل بماء الفرات من دون ذكر سبب أو غاية الى غير ذلك ففي رواية حنان بن سدير عن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال لرجل من أهل الكوفة:
«أتصلّي في مسجد الكوفة كلّ صلاتك؟ قال: لا، قال: أتغتسل من فراتكم كلّ يوم مرّة؟ قال: لا، قال: ففي كلّ جمعة؟ قال: لا، قال: ففي كلّ شهر؟ قال: لا، قال: ففي كلّ سنة؟ قال: لا، فقال أبو جعفر: انّك لمحروم من الخير، الحديث».(1)
(مسألة 7): يقوم التيمّم مقام الغسل في جميع ما ذكر عند عدم التمكّن منه.
يأتي ما يتعلّق بهذه المسألة في المسألة العاشرة من فصل أحكام التيمّم فراجع، و اللّه تعالى هو العالم.
1) - وسائل الشيعة 5: 259 / الباب 44 من أبواب أحكام المساجد / الحديث 22.
و فيه فصول:
الفصل الأوّل في مسوّغات التيمّم
الفصل الثاني في بيان ما يصحّ التيمّم به
الفصل الثالث في شرائط ما يتيمّم به
الفصل الرابع في كيفيّة التيمّم
الفصل الخامس في أحكام التيمّم
و يسوّغه العجز عن استعمال الماء و هو يتحقّق بأمور: «أحدها»: عدم وجدان الماء بقدر الكفاية للغسل أو الوضوء في سفر كان أو حضر، و وجدان المقدار الغير الكافي كعدمه، و يجب الفحص عنه الى اليأس اذا كان في الحضر، و في البريّة يكفي الطلب غلوة سهم في الحزنة و لو لأجل الأشجار و غلوة سهمين في السهلة في الجوانب الأربع بشرط احتمال وجود الماء في الجميع، و مع العلم بعدمه في بعضها يسقط فيه و مع العلم بعدمه في الجميع يسقط في الجميع، كما أنّه لو علم وجود فوق المقدار وجب طلبه مع بقاء الوقت، و ليس الظنّ به كالعلم في وجوب الأزيد و ان كان أحوط خصوصا اذا كان بحدّ الاطمئنان بل لايترك في هذه الصورة فيطلب الى أن يزول ظنّه و لا عبرة بالاحتمال في الأزيد.
الشرح:
قال في المدارك: «الطهارة تنقسم الى قسمين مائيّة و ترابيّة، و تسمّى الأولى: اختياريّة، و الثانية: اضطراريّة. و الطهارة الترابيّة هي التيمّم، و هو لغة: القصد قال
اللّه تعالى: «و لاتيمّموا الخبيث منه تنفقون» أي: لاتقصدوا الرديء من المال تنفقون منه، و قال عزّوجلّ: «فتيمّموا صعيدا طيّبا»، أي: اقصدوا. و نقل في الشرع الى الضرب على الأرض و المسح بالوجه و اليدين على وجه القربة.
و هو ثابت بالكتاب و السنّة و الاجماع:
قال اللّه تعالى: «و ان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمّموا صعيدا طيّبا فامسحوا بوجوهكم و أيديكم»، ذكر جمع من المفسّرين أنّ أو في قوله تعالى: «أو جاء» بمعنى الواو، كقوله: «و أرسلناه الى مائة ألف أو يزيدون». يعني: و جاء أحدكم من الغائط؛ لأنّ المجيء من الغائط ليس من جنس المرض و السفر حتّى يصحّ عطفه عليهما فانّهما سبب لاباحة التيمّم، و المجيء من الغائط سبب لايجاب الطهارة.
و قال القاضي البيضاوي: «وجه هذا التقسيم أنّ المترخّص بالتيمّم امّا محدث أو جنب، و الحال المقتضية له في غالب الأمر مرض أو سفر، و الجنب لمّا سبق ذكره اقتصر على بيان حاله، و المحدث لمّا لم يجر ذكره ذكر أسبابه و ما يحدث بالذات و ما يحدث بالعرض، و استغنى عن تفصيل أحواله بتفصيل حال الجنب و بيان العدد مجملاً، فكأنّه قيل: و ان كنتم جنبا مرضى أو على سفر أو محدثين جئتم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمّموا». و هو جيّد لولا ما ثبت عندنا من أنّ الملامسة كناية عن الجماع».(1)
أقول:
قد ورد حكم التيمّم في موضعين من الكتاب العزيز:
أحدهما قوله تعالى: «يا أيّها الذين آمنوا لاتقربوا الصلاة و أنتم سكارى
1) - مدارك الأحكام 2: 175 و 176.
حتّى تعلموا ما تقولون و لا جنبا الاّ عابري سبيل حتّى تغتسلوا و ان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمّموا صعيدا طيّبا فامسحوا بوجوهكم و أيديكم انّ اللّه كان عفوّا غفورا».(1)
و ثانيهما قوله عزّوجلّ في سورة المائدة: «يا أيّها الذين آمنوا اذا قمتم الى الصلاة فاغسلوا وجوهكم و أيديكم الى المرافق و امسحوا برؤوسكم و أرجلكم الى الكعبين و ان كنتم جنبا فاطّهّروا و ان كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمّموا صعيدا طيّبا فامسحوا بوجوهكم و أيديكم منه مايريد اللّه ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم و ليتمّ نعمته عليكم لعلّكم تشكرون».(2)
و قد ورد فيهما حكم الغسل أيضا كما قال: «لاتقربوا الصلاة ... و لا جنبا الاّ عابري سبيل حتّى تغتسلوا»، و كذا قوله تعالى: «و ان كنتم جنبا فاطّهّروا».
و أمّا بالنسبة الى التيمّم فالظاهر أنّ الآيتين تشيران الى شيء واحد و هو وجوب الطهارة الترابيّة بدل المائيّة اذا لم يوجد الماء، فكما يصدق عدم وجدان الماء فيما اذا لم يكن موجودا حقيقة، يصدق أيضا فيما اذا كان في وجدانه مشقّة أو كان مضرّا له، فمعنى الآيتين - و اللّه العالم - و ان كنتم مرضى و كان الماء مضرّا لكم أو كنتم مسافرين و كان وجدان الماء يشقّ عليكم، أو ذهبتم للبول أو الغائط في مكان منخفض و لم يكن لديكم ماء حقيقة أو بلا مشقّة، أو جامعتم النساء و كنتم جنبا و لم تجدوا ماءا، فتيمّموا صعيدا طيّبا. و قد جعل اللّه لكم التراب بدل الماء لئلاّتقعوا في الحرج و المشقّة، و تتطهّروا، و هذا منه نعمة عليكم، و الحمدللّه على نعمه.
و أمّا الروايات فستأتي في ضمن الأمور التي يعجز عن استعمال الماء فيها:
أحدها: عدم وجدان الماء بقدر الكفاية للغسل أو للوضوء في سفر كان أو حضر، و الدليل عليه - مضافا الى ما تقدّم من الكتاب - السنّة المتواترة كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألت عن رجل أجنب في سفر و لم يجد الاّ الثلج أو ماءا جامدا؟ فقال: هو بمنزلة الضرورة يتيمّم، و لا أرى أن يعود الى هذه الأرض التي توبق دينه».(1)
و العلّة المذكورة في الرواية و هي الضرورة تشمل للحضر أيضا، فالمناط عدم التمكّن من الطهارة المائيّة، و وجدان المقدار غير الكافي كعدمه؛ و ذلك لعدم تبعّض الطهارة اجماعا، و لصحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يجنب و معه قدر ما يكفيه من الماء لوضوء الصلاة، أيتوضّأ بالماء أو يتيمّم؟ قال:
«لا، بل يتيمّم، ألا ترى أنّه انّما جعل عليه نصف الوضوء؟!».(2)
و يجب الفحص عن الماء الى اليأس اذا كان في الحضر و لم يتضيّق الوقت؛ و ذلك لأنّ جواز التيمّم منوط بعدم وجدان الماء و لايصدق الاّ مع الفحص الى اليأس. نعم، قد ورد تحديد من الشارع في السفر كما في رواية السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن علي عليهم السلام أنّه قال:
«يطلب الماء في السفر ان كانت الحزونة فغلوة، و ان كانت سهولة فغلوتين، لايطلب أكثر من ذلك».(3)
الاّ أنّ الرواية ضعيفة بالحسين بن زيد النوفلي و العمل بصحيحة زرارة عن
أحدهما عليهماالسلام قال:
«اذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت، فاذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلّ، الحديث».(1)
فانّها تحمل على ما اذا علم أو ظنّ الوصول الى الماء، أو تحمل على الاستحباب في غير صورة العلم، كما أنّ الظاهر من الرواية هو الفحص بذلك المقدار اذا احتمل وجود الماء، و اطلاقها يقتضي طلب الماء في الجوانب الأربعة. و لو علم عدم الماء في جانب أو جميع الجوانب لايجب، كما أنّه في ضيق الوقت يتيمّم و يصلّي.
و قال المفيد في المقنعة: «و من فقد الماء فلايتيمّم حتّى يدخل وقت الصلاة، ثمّ يطلبه أمامه و عن يمينه و عن شماله مقدار رمية سهمين من كلّ جهة ان كانت الأرض سهلة و ان كانت حزنة يطلبه من كلّ جهة مقدار رمية سهم واحد».(2)
و في المدارك قال: «قال المصنّف في المعتبر: «التقدير بالغلوة و الغلوتين رواية السكوني و هو ضعيف، غير أنّ جماعة عملوا بها». و قال ابن ادريس: «و حدّ ما وردت به الروايات و تواتر به النقل في طلبه اذا كانت الأرض سهلة غلوة سهمين و اذا كانت حزنة فغلوة سهم». انتهى ملخّصا».(3)
(مسألة 1): اذا شهد عدلان بعدم الماء في جميع الجوانب أو بعضها سقط وجوب الطلب فيها أو فيه و ان كان الأحوط عدم الاكتفاء، و في الاكتفاء بالعدل الواحد اشكال فلايترك الاحتياط بالطلب.
الشرح:
تقدّم أنّه اذا علم عدم الماء في جميع الجوانب أو بعضها سقط وجوب الطلب فيها أو فيه، و هكذا يكون الحال فيما اذا شهد عدلان بعدم وجود الماء؛ لأنّ البيّنة تقوم مقام العلم، بل تكفي شهادة العدل الواحد بل الثقة أيضا كما مرّ في أوائل أبحاث الطهارة، فانّ الوثاقة كافية في حجّيّة الخبر في الأحكام و الموضوعات؛ للسيرة العقلائيّة.
(مسألة 2): الظاهر وجوب الطلب في الأزيد من المقدارين اذا شهد عدلان بوجوده في الأزيد و لايترك الاحتياط في شهادة عدل واحد به.
الشرح:
تقدّم أنّه اذا علم بوجود الماء في الأزيد من المقدارين يجب عليه الطلب كما هو مفاد صحيحة زرارة المتقدّمة، و حيث انّ البيّنة تقوم مقام العلم فلو شهد عدلان بوجوده في الأزيد يجب الطلب، و هكذا يكون الحكم فيما اذا شهد عدل واحد أو ثقة؛ لحجّيّة قولهما.
(مسألة 3): الظاهر كفاية الاستنابة في الطلب و عدم وجوب المباشرة بل لايبعد كفاية نائب واحد عن جماعة و لايلزم كونه عادلاً بعد كونه أمينا موثّقا.
الشرح:
اذا قلنا بكفاية اخبار العدل الواحد بل الثقة الواحد بعدم وجود الماء قلنا في
هنا بكفاية استنابتهما في الطلب و عدم وجوب المباشرة و لايبعد كفاية نائب واحد عن جماعة بعد كونه أمينا موثّقا.
و في التنقيح: «لأنّ الأمر بالفحص ارشادي على تقدير أن يكون الأصل في المسألة أصالة الاشتغال و طريقي على تقدير أن يكون الأصل فيها هو الاستصحاب، و على كلا التقديرين يجوز الاستنابة لتحصيل العلم أو ما يقوم مقامه. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 4): اذا احتمل وجود الماء في رحله أو في منزله أو في القافلة وجب الفحص حتّى يتيقّن العدم أو يحصل اليأس منه فكفاية المقدارين خاصّ بالبرّيّة.
كما تقدّم في ابتداء الفصل و لايبعد عدم وجوبه فيما تيقّن بعدمه سابقا؛ للاستصحاب.
(مسألة 5): اذا طلب قبل دخول وقت الصلاة و لم يجد ففي كفايته بعد دخول الوقت مع احتمال العثور عليه لو أعاده اشكال فلايترك الاحتياط بالاعادة، و أمّا مع انتقاله عن ذلك المكان فلا اشكال في وجوبه مع الاحتمال المذكور.
الشرح:
اذا طلب قبل دخول وقت الصلاة بحدّ اليأس عن وجوده في الحضر و بحدّ الغلوة أو الغلوتين في السفر حتّى لم يبق له علم أو ظنّ بوجود الماء في السفر، فيكفي طلبه هذا بعد دخول الوقت؛ لأنّه أدّى ما هو تكليفه في الفحص، و هكذا يكون الحال فيما اذا شهد عدلان أو العدل الواحد أو الثقة قبل الوقت. و أمّا لو
1) - التنقيح في شرح العروة 10: 93.
حصل له بعد الوقت احتمال بالعثور في الحضر، فلايترك الاحتياط في طلبه حتّى ييأس من وجوده، و كذا في السفر. و لو انتقل عن ذلك المكان فلا اشكال في وجوبه مع احتمال العثور؛ لتجدّد الموضوع.
(مسألة 6): اذا طلب بعد دخول الوقت لصلاة فلم يجد يكفي لغيرها من الصلوات فلايجب الاعادة عند كلّ صلاة ان لم يحتمل العثور مع الاعادة، و الاّ فالأحوط الاعادة.
حكم هذه المسألة كما مرّ في المسألة السابقة.
(مسألة 7): المناط في السهم و الرمي و القوس و الهواء و الرامي هو المتعارف المعتدل الوسط في القوّة و الضعف.
و ذلك لأنّ العرف هو المناط في تشخيص الموضوعات و هو هنا الرمي المتعارف المعتدل الوسط في القوّة و الضعف، الاّ أن يدلّ دليل على خلافه فيتّبع، و هو مفقود في المقام.
(مسألة 8): يسقط وجوب الطلب في ضيق الوقت.
الشرح:
يسقط وجوب الطلب في ضيق الوقت؛ لصحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«اذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت، فاذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلّ في آخر الوقت، فاذا وجد الماء فلا قضاء عليه، وليتوضّ لما يستقبل».(1)
1) - وسائل الشيعة 3: 366 / الباب 14 من أبواب التيمّم / الحديث 3.
(مسألة 9): اذا ترك الطلب حتّى ضاق الوقت عصى لكن الأقوى صحّة صلاته حينئذٍ و ان علم أنّه لو طلب لعثر لكن الأحوط القضاء خصوصا في الفرض المذكور.
الشرح:
اذا ترك الطلب حتّى ضاق الوقت، فان علم بأنّه لو طلب لعثر فقد عصى؛ لتركه التكليف الفعلي المنجّز و هو التوضّؤ أو الغسل، ولكنّه تصحّ صلاته مع التيمّم؛ لأنّه تكليفه في ضيق الوقت. و أمّا لو احتمل العثور على الماء لو طلب، فتركه حتّى ضاق الوقت، فالحكم بعصيانه مشكل؛ لأنّ الأمر بطلبه كان ارشاديّا.
(مسألة 10): اذا ترك الطلب في سعة الوقت و صلّى بطلت صلاته و ان تبيّن عدم وجود الماء. نعم، لو حصل منه قصد القربة مع تبيّن عدم الماء فالأقوى صحّتها.
الشرح:
اذا ترك الطلب في سعة الوقت فتيمّم و صلّى بطلت صلاته مطلقا؛ لأنّه لم يكن وظيفته التيمّم. نعم، لو تبيّن عدم وجود الماء و ان كان يطلب و حصل منه قصد القربة فالأقوى صحّة صلاته؛ لأنّه كان وظيفته التيمّم واقعا.
(مسألة 11): اذا طلب الماء بمقتضى وظيفته فلم يجد فتيمّم و صلّى ثمّ تبيّن وجوده في محلّ الطلب من الغلوة أو الغلوتين أو الرحل أو القافلة صحّت صلاته و لايجب القضاء أو الاعادة.
الشرح:
الحكم كما ذكره و يدلّ عليه صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أجنب فتيمّم بالصعيد و صلّى ثمّ وجد الماء؟ قال: لايعيد؛ انّ ربّ الماء ربّ الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين».(1)
و صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : فان أصاب الماء و قد صلّى بتيمّم و هو في وقت؟ قال: تمّت صلاته و لا اعادة عليه».(2)
و صحيحة أبي بصير قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل تيمّم و صلّى ثمّ بلغ الماء قبل أن يخرج الوقت؟ فقال: ليس عليه اعادة الصلاة».(3)
و صحيحة العيص قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يأتي الماء و هو جنب و قد صلّى؟ قال: يغتسل و لايعيد الصلاة».(4)
و لاتعارضها صحيحة يعقوب بن يقطين قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل تيمّم فصلّى فأصاب بعد صلاته ماءا، أيتوضّأ و يعيد الصلاة أم تجوز صلاته؟ قال: اذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضّأ و أعاد، فان مضى الوقت فلا اعادة عليه».(5)
لأنّها تحمل على الاستحباب جمعا، و الشاهد عليه موثّقة منصور بن حازم عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل تيمّم فصلّى ثمّ أصاب الماء، فقال:
«أمّا أنا فكنت فاعلاً، انّي كنت أتوضّأ و أعيد».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 370 / الباب 14 من أبواب التيمّم / الحديث 15.
2) - وسائل الشيعة 3: 368 / الباب 14 من أبواب التيمّم / الحديث 9.
3) - وسائل الشيعة 3: 369 / الباب 14 من أبواب التيمّم / الحديث 11.
4) - وسائل الشيعة 3: 370 / الباب 14 من أبواب التيمّم / الحديث 16.
5) - وسائل الشيعة 3: 368 / الباب 14 من أبواب التيمّم / الحديث 8.
6) - وسائل الشيعة 3: 368 / الباب 14 من أبواب التيمّم / الحديث 10.
(مسألة 12): اذا اعتقد ضيق الوقت عن الطلب فتركه و تيمّم و صلّى ثمّ تبيّن سعة الوقت لايبعد صحّة صلاته و ان كان الأحوط الاعادة أو القضاء بل لايترك الاحتياط بالاعادة، و أمّا اذا ترك الطلب باعتقاد عدم الماء فتبيّن وجوده و أنّه لو طلب لعثر فالظاهر وجوب الاعادة أو القضاء.
الشرح:
اذا اعتقد ضيق الوقت عن الطلب فتركه و تيمّم و صلّى ثمّ تبيّن سعة الوقت، فالظاهر وجوب الوضوء أو الغسل و اعادة الصلاة لو كان الوقت للوضوء أو الغسل و الاعادة باقيا، و لو تسامح حتّى خرج الوقت يجب عليه القضاء؛ و ذلك لأنّه بعد العلم بضيق الوقت كان تكليفه التيمّم، فاذا انكشف خلاف ذلك انكشف عدم كون تكليفه ذلك فعليه الاعادة ان كان الوقت باقيا للتوضّؤ أو الغسل، أو القضاء ان لم يكن الوقت باقيا، ولكنّ القضاء قد رفع عنه؛ لصحيحة زرارة و بقيت الاعادة عليه، ففيها عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«اذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت، فاذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلّ في آخر الوقت، فاذا وجد الماء فلا قضاء عليه، وليتوضّ لما يستقبل».(1)
و أمّا لو ترك الطلب باعتقاد عدم الماء فتبيّن وجوده و أنّه لو طلب لعثر، فان كان متيقّنا بعدم الماء و تيمّم و صلّى ثمّ تبيّن وجوده، فالظاهر حينئذٍ عدم الفرق بينه و بين المسألة الحاديه عشرة، فاطلاق الروايات المذكورة في تلك المسألة يشمله فلايجب عليه الاعادة و القضاء، و أمّا لو ترك الطلب لا عن علم فتبيّن وجوده و أنّه لو طلب لعثر فالظاهر وجوب الاعادة أو القضاء؛ لعمومات وجوب الطهارة المائيّة و لا أثر لغير العلم ليشمله اطلاق الروايات، فانّ ظاهرها العلم بعدم وجود الماء.
1) - وسائل الشيعة 3: 366 / الباب 14 من أبواب التيمّم / الحديث 3.
(مسألة 13): لايجوز اراقة الماء الكافي للوضوء أو الغسل بعد دخول الوقت اذا علم بعدم وجدان ماء آخر، و لو كان على وضوء لايجوز له ابطاله اذا علم بعدم وجود الماء، بل الأحوط عدم الاراقة و عدم الابطال قبل الوقت أيضا مع العلم بعدم وجدانه بعد الوقت، و لو عصى فأراق أو أبطل يصحّ تيمّمه و صلاته و ان كان الأحوط القضاء.
الشرح:
لايجوز اراقة الماء الكافي للوضوء أو الغسل بعد دخول الوقت اذا علم بعدم وجدان ماء آخر، و كذا لو كان على وضوء لايجوز له ابطاله اذا علم بعدم وجود الماء؛ و ذلك لما هو المستفاد من الروايات الدالّة على طلب الماء حتّى ييأس في الحضر و الى حدّ معلوم في السفر ان لم يعلم وجوده زائدا على ذلك المقدار، و كذا ظاهر قوله تعالى: «فان لم تجدوا ماءا فتيمّموا»، فمن كان واجدا للماء لايجوز له التيمّم، و لايجوز له أن يجعل نفسه مضطرّا الى التيمّم، فعليه لو لم يعتن و فعل فقد عصى، الاّ أنّ تكليفه بالتيمّم لايسقط فيجب عليه التيمّم و الصلاة بعده فلايجب عليه القضاء. هذا حاله بعد دخول الوقت.
و أمّا عدم جواز اراقة الماء قبل الوقت مع العلم بعدم وجدانه بعد الوقت، ففيه اشكال من حيث انّه غير مكلّف بالصلاة فعلاً حتّى يجب عليه حفظ مقدّماته، و من أنّ الشارع قد أكّد بحفظ الصلاة و حفظ مقدّماته كصحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألت عن رجل أجنب في سفر و لم يجد الاّ الثلج أو ماءا جامدا؟ فقال: هو بمنزلة الضرورة يتيمّم، و لا أرى أن يعود الى هذه الأرض التي توبق دينه».(1)
1) - وسائل الشيعة 3: 355 / الباب 9 من أبواب التيمّم / الحديث 9.
و الاحتياط بحفظ الماء أو الوضوء و الغسل قبل الوقت لايترك، و لو لم يحفظ و لم يجد الماء فيتيمّم و يصلّي و لا قضاء.
(مسألة 14): يسقط وجوب الطلب اذا خاف على نفسه أو ماله من لصّ أو سبع أو نحو ذلك كالتأخّر عن القافلة، و كذا اذا كان فيه حرج و مشقّة لاتتحمّل.
الشرح:
يدلّ عليه صحيحة داود الرقّي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : أكون في السفر فتحضر الصلاة و ليس معي ماء، و يقال: انّ الماء قريب منّا، أفأطلب الماء و أنا في وقت يمينا و شمالاً؟ قال: لاتطلب الماء ولكن تيمّم، فانّي أخاف عليك التخلّف عن أصحابك فتضلّ و يأكلك السبع».(1)
و رواية يعقوب بن سالم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل لايكون معه ماء و الماء عن يمين الطريق و يساره غلوتين أو نحو ذلك؟ قال: لا آمره أن يغرّر بنفسه فيعرض له لصّ أو سبع».(2)
هذا مضافا الى قوله تعالى: «مايريد اللّه ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم»(3)، و من المعلوم أنّ التكليف بطلب الماء مع الخوف على نفسه أو ماله من لصّ أو سبع أو نحو ذلك حرج و لايريد اللّه ذلك منه.
(مسألة 15): اذا كانت الأرض في بعض الجوانب حزنة و في بعضها سهلة يلحق كلاًّ حكمه من الغلوة و الغلوتين.
الشرح:
اذا كانت الأرض في بعض الجوانب حزنة و في بعضها سهلة يلحق كلّ حكمه من الغلوة و الغلوتين؛ لظاهر رواية السكوني و فتوى الأصحاب و أنّ الغلوة قد وردت على الأرض السهلة و الغلوتين على الحزنة.
«الثاني»: عدم الوصلة الى الماء الموجود لعجز من كبر أو خوف من سبع أو لصّ أو لكونه في بئر مع عدم ما يستقى به من الدلو و الحبل و عدم امكان اخراجه بوجه آخر و لو بادخال ثوب و اخراجه بعد جذبه الماء و عصره.
الشرح:
الثاني من الأمور التي يجوز معها التيمّم هو عدم الوصلة الى الماء الموجود لعجز من كبر و غيره كما مثّل في المتن؛ و ذلك أوّلاً لصدق عدم وجدان الماء لمن لم يقدر على الوصول اليه، و ثانيا للروايات الواردة في الباب كصحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يمرّ بالركيّة و ليس معه دلو؟ قال:
«ليس عليه أن يدخل الركيّة؛ لأنّ ربّ الماء هو ربّ الأرض، فليتيمّم».(1)
و صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور و عنبسة بن مصعب جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أتيت البئر و أنت جنب فلم تجد دلوا و لا شيئا تغرف به فتيمّم
1) - وسائل الشيعة 3: 343 / الباب 3 من أبواب التيمّم / الحديث 1.
بالصعيد؛ فانّ ربّ الماء ربّ الصعيد، و لاتقع في البئر و لاتفسد على القوم ماءهم».(1)
و صحيحة الحسين بن أبي العلاء قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يمرّ بالركيّة و ليس معه دلو؟ قال: ليس عليه أن ينزل الركيّة؛ انّ ربّ الماء هو ربّ الأرض، فليتيمّم».(2)
(مسألة 16): اذا توقّف تحصيل الماء على شراء الدلو أو الحبل أو نحوهما أو استئجارهما أو على شراء الماء أو اقتراضه وجب و لو بأضعاف العوض ما لم يضرّ بحاله، و أمّا اذا كان مضرّا بحاله فلا، كما أنّه لو أمكنه اقتراض نفس الماء أو عوضه مع العلم أو الظنّ بعدم امكان الوفاء لم يجب ذلك.
الشرح:
اذا توقّف تحصيل الماء على شراء الدلو أو الحبل أو نحوهما - كالأمثلة المذكورة في المتن - يجب عليه تحصيله و لو بأضعاف العوض ما لم يضرّ بحاله.
قال في المدارك: «هذا هو المشهور بين الأصحاب، و قال ابن الجنيد: «اذا كان الثمن غاليا تيمّم و صلّى، و أعاد اذا وجد الماء». و هو ضعيف. لنا: أنّه واجد للماء؛ لقدرته عليه بالثمن المتمكّن منه فلايسوغ له التيمّم، كما في خصال الكفّارة المرتّبة، و ما رواه صفوان في الصحيح».(3)
ففي صحيحة صفوان قال:
«سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل احتاج الى الوضوء للصلاة و هو لايقدر على الماء، فوجد بقدر ما يتوضّأ به بمائة درهم أو بألف
درهم و هو واجد لها، يشتري و يتوضّأ أو يتيمّم؟ قال: لا، بل يشتري، قد أصابني مثل ذلك فاشتريت و توضّأت و ما يسرّني بذلك مال كثير».(1)
و في تفسير العيّاشي عن الحسين بن أبي طلحة قال:
«سألت عبدا صالحا عليه السلام عن قول اللّه عزّوجلّ: «أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءا فتيمّموا صعيدا طيّبا»، ما حدّ ذلك؟ قال: فان لم تجدوا بشراء أو بغير شراء ان وجد قدر وضوء بمائة ألف أو بألف، و كم بلغ؟ قال: ذلك على قدر جدته».(2)
و أمّا اذا كان مضرّا بحاله فلايجب كما أنّه لو أمكنه اقتراض نفس الماء أو عوضه مع العلم أو الظنّ بعدم امكان الوفاء لايجب ذلك، و يدلّ عليه صدق عدم الوجدان عرفا و أنّه حرج و «مايريد اللّه ليجعل عليكم من حرج».
قال في المدارك: «أمّا جواز التيمّم مع فقد الثمن حيث يتوقّف حصول الماء عليه فظاهر؛ لأنّ من هذا شأنه لايكون واجدا للماء المباح، فينتقل فرضه الى التيمّم.
و أمّا جوازه مع وجود الماء بثمن يضرّ به في الحال فأسنده في المعتبر الى فتوى الأصحاب، و استدلّ عليه بأنّ من خشي من لصّ أخذ ما يجحف به لم يجب عليه السعي و تعريض المال للتلف، و اذا ساغ التيمّم هناك دفعا للضرر ساغ هنا؛ لقوله عليه السلام في رواية يعقوب بن سالم: «لا آمره أن يغرّر بنفسه فيعرض له لصّ أو سبع»، و عموم قوله تعالى: «و ما جعل عليكم في الدين من حرج»، و قوله عزّوجلّ: «يريد اللّه بكم اليسر و لايريد بكم العسر». انتهى ملخّصا».(3)
(مسألة 17): لو أمكنه حفر البئر بلا حرج وجب كما أنّه لو وهبه غيره بلا منّة و لا ذلّة وجب القبول.
الشرح:
لو أمكنه حفر البئر بلا حرج وجب؛ لصدق الوجدان، كما أنّه لو وهبه غيره بلا منّة و لا ذلّة وجب القبول لذلك. و المراد من المنّة ما لايتحمّل عامّة الناس عن أمثاله. و لو لم يحفر البئر و لم يقبل الماء و الحال هذه، و تيمّم فهو باطل. نعم، لو تسامح حتّى ضاق الوقت فيصحّ تيمّمه و صلاته و ان عصى، كما تقدّم نظيره.
«الثالث»: الخوف من استعماله على نفسه أو عضو من أعضائه بتلف أو عيب أو حدوث مرض أو شدّته أو طول مدّته أو بطوء برئه أو صعوبة علاجه أو نحو ذلك ممّا يعسر تحمّله عادة، بل لو خاف من الشين الذي يكون تحمّله شاقّا تيمّم، و المراد به ما يعلو البشرة من الخشونة المشوّهة للخلقة أو الموجبة لتشقّق الجلد و خروج الدم، و يكفي الظنّ بالمذكورات أو الاحتمال الموجب للخوف سواء حصل له من نفسه أو قول طبيب أو غيره و ان كان فاسقا أو كافرا، و لايكفي الاحتمال المجرّد عن الخوف كما أنّه لايكفي الضرر اليسير الذي لايعتني به العقلاء، و اذا أمكن علاج المذكورات بتسخين الماء وجب و لم ينتقل الى التيمّم.
الشرح:
قال في المدارك: «هذا الحكم مجمع عليه بين الأصحاب على ما نقله جماعة بل قال في المنتهى: «انّه لايعرف فيه خلافا بين أهل العلم»، و قد ورد به روايات كثيرة».(1)
1) - مدارك الأحكام 2: 190.
يدلّ على جواز التيمّم اذا خاف من استعمال الماء على نفسه أو عضو من أعضائه الى آخر ما قاله في المتن صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل تكون به القرح و الجراحة، يجنب؟ قال: لا بأس بأن لايغتسل، يتيمّم».(1)
و صحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا عليه السلام :
«في الرجل تصيبه الجنابة و به قروح أو جروح أو يكون يخاف على نفسه البرد، فقال: لايغتسل، يتيمّم».(2)
و صحيحة داود بن صرحان عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«في الرجل تصيبه الجنابة و به جروح أو قروح أو يخاف على نفسه من البرد، فقال: لايغتسل و يتيمّم».(3)
و موثّقة محمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام :
«في الرجل تكون به القروح في جسده فتصيبه الجنابة، قال: يتيمّم».(4)
و صحيحة عبداللّه بن سنان أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل تصيبه الجنابة في الليلة الباردة و يخاف على نفسه التلف ان اغتسل؟ فقال:
«يتيمّم و يصلّي، فاذا أمن من البرد اغتسل و أعاد الصلاة».(5)
و مرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«يؤمّم المجدور و الكسير اذا أصابتهما الجنابة».(6)
1) - وسائل الشيعة 3: 347 / الباب 5 من أبواب التيمّم / الحديث 5.
2) - وسائل الشيعة 3: 347 / الباب 5 من أبواب التيمّم / الحديث 7.
3) - وسائل الشيعة 3: 348 / الباب 5 من أبواب التيمّم / الحديث 8.
4) - وسائل الشيعة 3: 348 / الباب 5 من أبواب التيمّم / الحديث 9.
5) - وسائل الشيعة 3: 366 / الباب 14 من أبواب التيمّم / الحديث 2.
6) - وسائل الشيعة 3: 348 / الباب 5 من أبواب التيمّم / الحديث 10.
فيستفاد من اطلاق هذه الروايات جواز التيمّم لمن خاف من استعمال الماءعلى نفسه أو عضو من أعضائه بتلف أو عيب أو حدوث مرض أو شدّته أو طول مدّته أو بطوء برئه أو صعوبة علاجه أو نحو ذلك ممّا يعسر تحمّله عادة، بل لو خاف من الشين الذي يكون تحمّله شاقّا. و قد دلّ على ذلك كلّه قوله تعالى: «مايريد اللّه ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهّركم»(1)، قوله تعالى: «و ماجعل عليكم في الدين من حرج»(2)، و قوله تعالى: «يريد اللّه بكم اليسر و لايريد بكم العسر»(3).
و يكفي الظنّ بالمذكورات بل الاحتمال الموجب للخوف، كما هو ظاهر بعضها، سواء حصل له من نفسه أو قول طبيب أو غيره و ان كان فاسقا أو كافرا؛ لاطلاق وجود الخوف في الروايات. و لايكفي الاحتمال المجرّد عن الخوف؛ لعدم الدليل على جواز التيمّم به، كما أنّه لايكفي الضرر اليسير الذي لايعتني به العقلاء؛ لعدم صدق الضرر. و اذا أمكن علاج المذكورات بتسخين الماء بدون مشقّة وجب و لم ينتقل الى التيمّم؛ لصدق وجدان الماء من دون حرج و مشقّة.
(مسألة 18): اذا تحمّل الضرر و توضّأ أو اغتسل فان كان الضرر في المقدّمات من تحصيل الماء و نحوه وجب الوضوء أو الغسل و صحّ، و ان كان في استعمال الماء في أحدهما بطل، و أمّا اذا لم يكن استعمال الماء مضرّا بل كان موجبا للحرج و المشقّة كتحمّل ألم البرد أو الشين مثلاً فلايبعد الصحّة و ان كان يجوز معه التيمّم؛ لأنّ نفي الحرج من باب الرخصة لا العزيمة، ولكن الأحوط ترك الاستعمال و عدم الاكتفاء به على فرضه فيتيمّم أيضا.
الشرح:
قال في الجواهر: «فمتى تضرّر لم يجز استعمال الماء، فان استعمل لم يجز؛ لانتقال فرضه فلا أمر بالوضوء مثلاً بل هو منهي عنه فيفسد، و ما في بعض أخبار الجروح و القروح من: «أنّه لا بأس عليه بأن تيمّم»، ممّا يشعر بالرخصة لا الوجوب لا يراد منه ظاهره قطعا، كما يوضحه مضافا الى العقل الأخبار الأخر، و كذا كلّ ما كان كذلك من أسباب التيمّم ممّا يفيد تحريم العمل نفسه لا ما كان منها ليس فيه تحريم للعمل نفسه، كالخوف من اللصّ و نحوه، فانّه لو خالف و غرّر بنفسه فوجد الماء عاد فرض الماء و ان فعل حراما في ذلك؛ لتحقّق صدق الوجدان حينئذٍ عليه، و كذا لو اشترى الماء بما فيه ضرر عليه؛ لعدم فساد المعاملة بذلك، أو تحمّل منّته في طلبه أو طلب ثمنه، أو ارتكب التكسّب بما فيه مهانة عليه، سيّما مع عدم حرمة بعض ذلك عليه و ان رخّص معها في التيمّم، و لاينافيه أنّها طهارة اضطراريّة.
و في موارد العسر و الحرج الذي يجوز معه التيمّم له فلو خالف و تطهّر ففي الاجزاء نظر، ينشأ من حرمة ايلامه نفسه و عدمها، و لعلّ الأقوى عدم الحرمة، فيجزي حينئذٍ و ان كان لا وجوب للطهارة، لكن يكفي رجحانها في حدّ ذاتها ان قلنا بعدم منافاة الندب للحرج، و بعدم ظهور الأدلّة في عدم مشروعيّة الطهارة لمثله. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
اذا تحمّل الضرر و توضّأ أو اغتسل فان كان الضرر في مقدّمات تحصيل الماء، كالخوف من اللصّ أو السبع أو ابتياع الماء بالمال الذي فقدانه مضرّ بحاله أو تحمّل المنّة و المهانة و كسب الماء ففي كلّ ذلك فاذا حصل الماء وجب عليه
1) - جواهر الكلام 5: 111.
الوضوء أو الغسل؛ لتبدّل الموضوع و وجدان الماء، و هل تحصيل الماء فيالموارد المذكورة معصية أو لا؟ الظاهر أنّ الاضرار بالنفس أو المال أو تحمّل المهانة ممّا لايرضى الشارع للمؤمن. فبعد أنّه لم يطلب منه تحصيل الماء فعبور الطريق الذي يخاف منه على نفسه أو ماله أو عرضه لايجوز، فهذا ممّا يشهد به العقل و العقلاء.
و أمّا ان كان الضرر في استعمال الماء في الوضوء أو الغسل بأن كان ضررا على نفسه أو عضو من أعضائه أو خوف مرض أو بطوء برئه، فالظاهر بطلان وضوئه أو غسله؛ و ذلك لأنّ الضرر على النفس حرام، و لم يكن لوضوئه أو غسله أمر من الشارع بل هما منهيّان.
و أمّا في موارد العسر و الحرج، فلو تحمّل و توضّأ أو اغتسل فالظاهر صحّة وضوئه و غسله؛ و ذلك لأنّ رفع الأمر بهما و جواز التيمّم منّة منه تعالى. اللّهمّ الاّ
أن يقال: عدم قبول المنّة معصية كما في الصوم في السفر، فمن صام في السفر عدّ من العصاة بلسان النبي صلى الله عليه و آله. و لذلك فما ذهب اليه المصنّف من أنّ الأحوط ترك الاستعمال و عدم الاكتفاء به على فرضه فيتيمّم أيضا، صحيح.
(مسألة 19): اذا تيمّم باعتقاد الضرر أو خوفه فتبيّن عدمه صحّ تيمّمه و صلاته. نعم، لو تبيّن قبل الدخول في الصلاة وجب الوضوء أو الغسل، و اذا توضّأ أو اغتسل باعتقاد عدم الضرر ثمّ تبيّن وجوده صحّ لكن الأحوط مراعاة الاحتياط في الصورتين، و أمّا اذا توضّأ أو اغتسل مع اعتقاد الضرر أو خوفه لم يصحّ و ان تبيّن عدمه، كما أنّه اذا تيمّم مع اعتقاد عدم الضرر لم يصحّ و ان تبيّن وجوده.
الشرح:
اذا تيمّم باعتقاد الضرر أو خوفه فتبيّن عدمه صحّ تيمّمه و صلاته؛ و ذلك
لاطلاق صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السلام :
«في الرجل تصيبه الجنابة و به قروح أو جروح أو يكون يخاف على نفسه البرد، فقال: لايغتسل، يتيمّم».(1)
و كذلك صحيحة داود بن سرحان و صحيحة عبداللّه بن سنان المذكورتان؛ فانّ الخوف على النفس قد يخالف الواقع و مع ذلك لم يفصّل الامام عليه السلام بين تبيّن عدم الضرر و غيره.
و أمّا استدراك المصنّف بأنّه «لو تبيّن قبل الدخول في الصلاة وجب الوضوء أو الغسل»، فالظاهر أنّ الحكم كما ذهب اليه رحمه الله؛ و ذلك لأنّه اذا أراد الصلاة وجب عليه الوضوء؛ لأنّ أثر التيمّم الذي كان موجبه الخوف قد ذهب، و هذا كما لو تيمّم لعدم وجدان الماء و بعد ساعة وجد الماء فعليه الوضوء للصلاة؛ و يدلّ عليه صحيحة عبداللّه بن سنان أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل تصيبة الجنابة في الليلة الباردة و يخاف على نفسه التلف ان اغتسل؟ فقال:
«يتيمّم و يصلّي، فاذا أمن من البرد اغتسل و أعاد الصلاة».(2)
و اذا توضّأ أو اغتسل باعتقاد عدم الضرر صحّ؛ و ذلك لأنّه لم يكن له النهي عن استعمال الماء، فانّ رفع الوضوء أو الغسل عنه دائر مدار خوف الضرر و الفرض عدم وجود ذلك، و الاحتياط بالاعادة حسن في الصورتين.
و أمّا اذا توضّأ أو اغتسل مع اعتقاد الضرر أو خوفه فتبيّن عدمه، أو تيمّم مع اعتقاد عدم الضرر فتبيّن وجوده، فذهب المصنّف بالبطلان في الصورتين. ولكنّ الظاهر صحّة وضوئه و غسله في الصورة الأولى؛ لأنّه لم يكن عاصيا واقعا في استعمال الماء ليبطل وضوئه أو غسله، و كذا في الصورة الثانية يصحّ تيمّمه ان حصل منه قصد القربة؛ لأنّه كان مكلّفا بالتيمّم واقعا.
(مسألة 20): اذا أجنب عمدا مع العلم بكون استعمال الماء مضرّا وجب التيمّم و صحّ عمله لكن لمّا ذكر بعض العلماء وجوب الغسل في الصورة المفروضة، و ان كان مضرّا فالأولى الجمع بينه و بين التيمّم بل الأولى مع ذلك اعادة الغسل و الصلاة بعد زوال العذر.
الشرح:
قال في المدارك: «و اطلاق النصّ و كلام أكثر الأصحاب يقتضي أنّه لا فرق في هذا الحكم بين متعمّد الجنابة و غيره، و يؤيّده أنّ الجنابة على هذا التقدير غير محرّمة اجماعا كما نقله في المعتبر، فلايترتّب على فاعله عقوبة.
و قال الشيخان: «ان أجنب نفسه مختارا لم يجز له التيمّم و ان خاف التلف أو الزيادة في المرض»، و استدلّ عليه في الخلاف بصحيحة عبداللّه بن سليمان عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل تخوّف أن يغتسل فيصيبه عنت، قال: «يغتسل و ان أصابه ما أصابه». و أجاب عنه في المعتبر بعدم الصراحة في الدلالة. و هو جيّد. انتهى ملخّصا».(1)
اذا أجنب عمدا مع العلم بكون استعمال الماء مضرا وجب التيمّم و صحّ عمله؛ و ذلك لصحيحة محمّد بن مسكين و غيره عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قيل له: انّ فلانا أصابته جنابة و هو مجدور فغسّلوه فمات، فقال: قتلوه، ألاّ سألوا؟! ألاّ يمّموه؟! انّ شفاء العيّ السؤال».(2)
و رواية جعفر بن ابراهيم الجعفري عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ النبي صلى الله عليه و آله ذكر له أنّ رجلاً أصابته جنابة على جرح كان به فأمر
بالغسل فاغتسل فكزّ(1)فمات، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله: قتلوه قتلهم اللّه،انّما كان دواء العي السؤال».(2)
و نظيرهما الروايات المستفيضة بل المتواترة الأخر، فانّهما و نحوهما معارضة لصحيحة أبي بصير و عبداللّه بن سليمان جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«انّه سئل عن رجل كان في أرض باردة فتخوّف ان هو اغتسل أن يصيبه عنت من الغسل، كيف يصنع؟ قال: يغتسل و ان أصابه ما أصابه».(3)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة و لايجد الماء، و عسى أن يكون الماء جامدا؟ فقال: يغتسل على ما كان».(4)
و مرفوعة علي بن أحمد عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن مجدور أصابته جنابة؟ قال: ان كان أجنب هو فليغتسل، و ان كان احتلم فليتيمّم».(5)
و مرفوعة ابراهيم بن هاشم قال:
«أجنب فعليه أن يغتسل على ما كان منه، و ان احتلم تيمّم».(6)
و قد جمع بعض الفقهاء بين الطائفتين بحمل الطائفة الثانية على من أجنب نفسه متعمّدا مع علمه بعدم وجدان الماء أو أنّه يضرّ بحاله، ولكنّ الظاهر أنّ
1) - كزّ فهو مكزوز اذا انقبض من البرد. هامش الوسائل
2) - وسائل الشيعة 3: 347 / الباب 5 من أبواب التيمّم / الحديث 6.
3) - وسائل الشيعة 3: 373 / الباب 17 من أبواب التيمّم / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 3: 374 / الباب 17 من أبواب التيمّم / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 3: 373 / الباب 17 من أبواب التيمّم / الحديث 1.
6) - وسائل الشيعة 3: 373 / الباب 17 من أبواب التيمّم / الحديث 2.
المراد من العنت في الصحيحة الأولى هو الشدّة و العسر و قوله عليه السلام : «يغتسل و ان أصابه ما أصابه» يعني الشدّة، و على هذا فالجمع بينه و بين ما تقدّم من جوازالتيمّم اذا كان استعمال الماء عسرا و حرجا له، هو استحباب التحمّل أو جواز استعمال الماء و التوضّؤ. و المراد من قوله عليه السلام في الصحيحة الثانية: «يغتسل على ما كان»، أي يغتسل على ما تيسّر. و الجمع بين هذه الروايات و الروايات التي ظاهرها عدم جواز الوضوء و الغسل اذا مرض أو اشتدّ مرضه، هو جواز الغسل و الوضوء اذا لم يضرّ بحاله بهذا النحو.
و في الجواهر: «المشهور بين الأصحاب نقلاً و تحصيلاً عدم الفرق بين متعمّد الجنابة و غيره، بل هو مندرج في اطلاق الاجماعات السابقة على التيمّم عند خوف التلف.
و نحوه من ابن زهرة و المصنّف و العلاّمة و غيرهم، بل ظاهر المنتهى الاجماع عليه بالخصوص، حيث قال: «لو أجنب مختارا و خشي البرد تيمّم عندنا و هو الحجّة».
مضافا الى اطلاق «و ان كنتم مرضى»، و نفي العسر و الحرج و الضرر، و ارادة اليسر و رفع الضرر المظنون، و النهي عن الالقاء في التهلكة و قتل النفس، و ترك الاستفصال في أخبار الجروح و القروح و خوف البرد، مع ظهور بعضها في تعمّد الجنابة، و استقراء موارد سقوط المائيّة بأقلّ من ذلك، بل غيرها من التكاليف كالصلاة و الحجّ و الصوم و غيرها و بأهمّيّة حفظ النفوس و الأبدان عند الشارع من حفظ الأديان، و عموميّة بدليّة التراب و طهوريّته و اتّحاد رتبتهما و كفايته عشر سنين، - الى أن قال: - فالمتّجه حينئذٍ الطعن بالصحيحين بما عرفت، و بالمرفوعتين بعدم قابليّتهما لاثبات مثل هذا الحكم سيّما مع المعارضة بما تقدّم».(1)
1) - جواهر الكلام 5: 108 و 110.
(مسألة 21): لايجوز للمتطهّر بعد دخول الوقت ابطال وضوئه بالحدثالأصغر اذا لم يتمكّن من الوضوء بعده كما مرّ لكن يجوز له الجماع مع عدم امكان الغسل، و الفارق وجود النصّ في الجماع و مع ذلك الأحوط تركه أيضا.
الشرح:
لايجوز للمتطهّر بعد دخول الوقت ابطال وضوئه بالحدث الأصغر اذا لم يتمكّن من الوضوء بعده؛ لأنّه مكلّف بالصلاة مع الوضوء. فاذا علم عدم تمكّنه من الماء ان أبطل وضوءه بالحدث الأصغر فكأنّما يكون واجدا للماء فأراقه مع علمه بعدم التمكّن من الماء بعدها فيحرم عليه ابطال وضوئه كما يحرم عليه اراقة مائه. و أمّا بالنسبة الى الجماع مع عدم امكان الغسل بعده فلا محذور فيه؛ للنصّ و ان كان الأحوط تركه الاّ مع الشبق أو الخوف على نفسه؛ ففي موثّقة اسحاق بن عمّار قال:
«سألت أبا ابراهيم عليه السلام عن الرجل يكون مع أهله في السفر فلايجد الماء، يأتي أهله؟ فقال: ما أحبّ أن يفعل ذلك الاّ أن يكون شبقا أو يخاف على نفسه».(1)
و رواية ابن ادريس (في آخر السرائر) نقلاً من كتاب محمّد بن علي بن محبوب، مثله. و زاد:
«قلت: يطلب بذلك اللذّة؟ قال: هو حلال، فقلت: فانّه روي عن النبي صلى الله عليه و آلهأنّ أبا ذرّ سأله عن هذا؟ فقال: ائت أهلك تؤجر، فقال: يا رسول اللّه، و أؤجر؟ قال: نعم، انّك اذا أتيت الحرام أزرت، فكذلك
1) - وسائل الشيعة 3: 390/ الباب 27 من أبواب التيمّم / الحديث 1.
اذا أتيت الحلال أجرت، فقال: ألا ترى أنّه اذا خاف على نفسه فأتى الحلال أجر».(1)
و قد وردت في الوسائل في الباب الخمسين من أبواب مقدّمات النكاح في المجلّد العشرين موثّقة اسحاق بن عمّار مع الذيل المذكور في السرائر في تلك الموثّقة.
«الرابع»: الحرج في تحصيل الماء أو في استعماله و ان لم يكن ضرر أو خوفه.
الشرح:
تقدّم أنّه يجوز التيمّم اذا كان في تحصيل الماء أو في استعماله حرج و مشقّة عليه بدليل الكتاب و السنّة.
قال في المستمسك: «كما يقتضيه دليل نفي الحرج، فانّه اذا نفى وجوب الطهارة المائيّة يدور الأمر بين سقوط وجوب الصلاة، و وجوبها بلا طهارة، و وجوبها بطهارة غير المائيّة و الترابيّة، و وجوبها و لو بالترابيّة، و ما عدا الأخير معلوم البطلان فيتعيّن هو. مع أنّ هذه الملازمة تستفاد من النصوص كما سنشير اليه في المسوّغ السادس».(2)
«الخامس»: الخوف من استعمال الماء على نفسه و أولاده و عياله أو بعض متعلّقيه أو صديقه فعلاً أو بعد ذلك من التلف بالعطش أو حدوث مرض بل أو حرج أو مشقّة لاتتحمّل، و لايعتبر العلم بذلك بل و لا الظنّ بل يكفي احتمال يوجب الخوف حتّى اذا كان موهوما، فانّه قد يحصل الخوف مع الوهم اذا كان المطلب عظيما فيتيمّم حينئذٍ، و كذا اذا خاف على دوابّه أو على نفس محترمة و ان لم تكن مرتبطة به، و أمّا الخوف على غير المحترم كالحربي و المرتدّ الفطري و من وجب قتله في الشرع فلايسوّغ التيمّم، كما أنّ غير المحترم الذي لايجب قتله بل يجوز كالكلب العقور و الخنزير و الذئب و نحوها لايوجبه، و ان كان الظاهر جوازه، ففي بعض صور خوف العطش يجب حفظ الماء و عدم استعماله كخوف تلف النفس أو الغير ممّن يجب حفظه و كخوف حدوث مرض و نحوه، و في بعضها يجوز حفظه و لايجب مثل تلف النفس المحترمة التي لايجب حفظها و ان كان لايجوز قتلها أيضا، و في بعضها يحرم حفظه بل يجب استعماله في الوضوء أو الغسل كما في النفوس التي يجب اتلافها، ففي الصورة الثالثة لايجوز التيمّم، و في الثانية يجوز و يجوز الوضوء أو الغسل أيضا، و في الأولى يجب و لايجوز الوضوء أو الغسل.
الشرح:
الخامس من موارد جواز التيمّم مع وجود الماء، الخوف من استعماله على نفسه و متعلّقيه من التلف بالعطش؛ و الدليل على ذلك صحيحة ابن سنان - يعني عبداللّه - عن أبي عبداللّه عليه السلام أنّه قال:
«في رجل أصابته جنابة في السفر و ليس معه الاّ ماء قليل و يخاف ان هو اغتسل أن يعطش؟ قال: ان خاف عطشا فلايهريق منه قطرة،
وليتيمّم بالصعيد، فانّ الصعيد أحبّ اليّ».(1)
و صحيحة محمّد الحلبي قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : الجنب يكون معه الماء القليل، فان هو اغتسل به خاف العطش، أيغتسل به أو يتيمّم؟ فقال: بل يتيمّم، و كذلك اذا أراد الوضوء».(2)
و موثّقة سماعة قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلّته؟ قال: يتيمّم بالصعيد و يستبقي الماء، فانّ اللّه عزّوجلّ جعلهما طهورا: الماء و الصعيد».(3)
و رواية ابن أبي يعفور قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يجنب، و معه من الماء قدر ما يكفيه لشربه، أيتيمّم أو يتوضّأ؟ قال: يتيمّم أفضل، ألاترى أنّه انّما جعل عليه نصف الطهور؟!».(4)
فاطلاق الروايات المذكورة يقتضي جواز التيمّم بل وجوبه ان خاف من استعمال الماء على نفسه أو أولاده و عياله أو بعض متعلّقيه أو صديقه فعلاً أو بعد ذلك من التلف بالعطش، أو حدوث مرض، بل أو حرج أو مشقّة؛ كلّ ذلك لاطلاقها و اطلاق أدلّة نفي الحرج.
و لايعتبر العلم بذلك، بل و لا الظنّ، بل يكفي احتمال يوجب الخوف كما هو ظاهر الصحيحتين و الموثّقة حتّى اذا كان موهوما كما ذكره المصنّف، فانّه قد
يحصل الخوف مع الوهم اذا كان المطلب عظيما، فيتيمّم حينئذٍ.
و كذا اذا خاف على دوابّه أو على نفس محترمة و ان لم تكن مرتبطة به؛لاطلاق ما تقدّم من الدليل، و أهمّيّة حفظ النفوس المحترمة، ففي كلّ هذه الموارد يجب حفظ الماء و يتيمّم للصلاة.
و أمّا النفس الغير المحترمة التي يجب قتلها كالحربي و المرتدّ الفطري و من وجب قتله في الشرع، فان كان عطشانا في الحال فمن سيرة الشارع رفع عطشه فيجوز له التيمّم، بل لايبعد وجوبه ان كان معه الاّ اذا كان ابقاؤه خطرا عليه. و هكذا يكون الحال في سائر الحيوانات. و أمّا لو خاف عليهم العطش في زمان المستقبل فلايجب عليه حفظ الماء، و لاينبغي أيضا أن يكون غرضه هلاكه من العطش الاّ أن يتخوّف منه على نفسه.
و في المدارك - في ذيل كلام المصنّف: «و كذا لو كان معه ماء للشرب و خاف العطش ان استعمله - قال: «هذا مذهب العلماء كافّة قاله في المعتبر، و المستند فيه ما رواه الشيخ في الصحيح عن ابن سنان و في الصحيح عن محمّد بن الحلبي.
قال في المعتبر: «و لو خشي العطش على رفيقه أو دوابّه استبقى الماء و يتيمّم؛ لأنّ حرمة أخيه المسلم كحرمته، و لأنّ حرمة المسلم آكد من حرمة الصلاة، و الخوف على الدوابّ خوف على المال، و معه يجوز التيمّم».
و هو جيّد بالنظر الى الرفيق المسلم؛ لأنّ حفظ المسلم أرجح في نظر الشرع من الصلاة، بدليل أنّها تقطع لحفظ المسلم من الغرق و الحرق و ان ضاق وقتها. انتهى ملخّصا».(1)
و قد أتى في شرح هذه المسألة تفصيلاً في الجواهر فراجع.(2)
(مسألة 22): اذا كان معه ماء طاهر يكفي لطهارته و ماء نجس بقدر حاجته الى شربه لايكفي في عدم الانتقال الى التيمّم؛ لأنّ وجود الماءالنجس حيث انّه يحرم شربه كالعدم فيجب التيمّم و حفظ الماء الطاهر لشربه. نعم، لو كان الخوف على دابّته لا على نفسه يجب عليه الوضوء أو الغسل و صرف الماء النجس في حفظ دابّته، بل و كذا اذا خاف على طفل من العطش فانّه لا دليل على حرمة اشرابه الماء المتنجّس، و أمّا لو فرض شرب الطفل بنفسه فالأمر أسهل فيستعمل الماء الطاهر في الوضوء مثلاً و يحفظ الماء النجس ليشربه الطفل، بل يمكن أن يقال: اذا خاف على رفيقه أيضا يجوز التوضّي و ابقاء الماء النجس لشربه فانّه لا دليل على وجوب رفع اضطرار الغير من شرب النجس. نعم، لو كان رفيقه عطشانا فعلاً لايجوز اعطاؤه الماء النجس ليشرب مع وجود الماء الطاهر كما أنّه لو باشر الشرب بنفسه لايجب منعه.
الشرح:
قال في الجواهر: «لو تعارض خطاب الطهارة مع ارتكاب محرّم، كما لو كان عنده ماءان طاهر و نجس، و كان محتاجا الى شرب الماء، فانّه ينتقل الى التيمّم و لايشرب النجس؛ لتقديم مراعاة الحرمة عليه، و مثله لو خشي العطش بعد ذلك استبقى الطاهر و تيمّم، كما صرّح به المصنّف و غيره و استجوده في المدارك ان ثبت حرمة شرب الماء النجس مطلقا.
و ظاهره يعطي التأمّل في الحرمة أو اطلاقها، و هو في غير محلّه بعد الاجماع محصّلاً و منقولاً عليها ان لم تكن ضروريّة، و الأخبار التي كادت تكون متواترة الواردة في اجتناب أواني المشركين، و اهراق السمن و الزيت و المرق الواقع فيها فأرة أو قذر.
نعم، قد يتأمّل في وجوب مراعاة ذلك و تقديمه على الطهارة المضيّقة مع
ارتفاع حرمة شرب النجس لو اضطرّ اليه فيما يأتي من الزمان و قد لايحتاجه، فتأمّل».(1)
أقول:
الصور المتصوّرة في المسألة ثلاث:
فتارة: يحتاج الى شرب الماء في الحال أو يحتاج اليه من كان له من المسلمين بحيث لو لم يشرب يخاف عليه و عليهم التلف أو نحوه فيجب عليه التيمّم و استعمال الماء الطاهر للشرب؛ لأنّه كالفاقد؛ لحرمة شرب الماء النجس و اشرابه لغيره.
و أخرى: يخاف على نفسه و من تبعه من المسلمين العطش في الطريق و هو أيضا يكون كفاقد الماء فيجب عليه التيمّم و حفظ الماء الطاهر كما في المسألة السابقة.
و ثالثة: يحتاج الى اشرابه لدابّته أو طفله الغير البالغ في الحال أو المستقبل، فيتوضّأ أو يغتسل و يسقي الماء النجس الدابّة أو الطفل ان لم يضرّ بحاله كما تقدّم في النجاسات.
و الدليل على الأوّل و الثاني بالنسبة الى نفسه واضح؛ لحرمة شرب الماء النجس فعليه شرب الماء الطاهر أو حفظه فيكون كفاقد الماء. و أمّا بالنسبة الى غيره فلأنّه في الحال امّا أن يكون هو ساقيه و يشربه فيحرم عليه اشرابه الماء النجس، و امّا هو نفسه فان كان عالما يجب عليه نهيه، و أمّا بالنسبة الى المستقبل فان علم احتياجه بهذا النحو الذي قلنا في الحال فيجب عليه حفظه؛ للدليل المذكور، و ان لم يعلم فيمكن أن يقال بجواز التوضّؤ به، بل هو الأقوى.
1) - جواهر الكلام 5: 117 و 118.
«السادس»: اذا عارض استعمال الماء في الوضوء أو الغسل واجب أهمّ كما اذا كان بدنه أو ثوبه نجسا و لم يكن عنده من الماء الاّ بقدر أحد الأمرينمن رفع الحدث أو الخبث، ففي هذه الصورة يجب استعماله في رفع الخبث و يتيمّم؛ لأن الوضوء له بدل و هو التيمّم بخلاف رفع الخبث مع أنّه منصوص في بعض صوره، و الأولى أن يرفع الخبث أوّلاً ثمّ يتيمّم ليتحقّق كونه فاقدا للماء حال التيمّم، و اذا توضّأ أو اغتسل حينئذٍ بطل؛ لأنّه مأمور بالتيمّم و لا أمر بالوضوء أو الغسل. نعم، لو لم يكن عنده ما يتيمّم به أيضا يتعيّن صرفه في رفع الحدث؛ لأنّ الأمر يدور بين الصلاة مع نجاسة البدن أو الثوب أو مع الحدث و فقد الطهورين، فمراعاة رفع الحدث أهمّ مع أنّ الأقوى بطلان صلاة فاقد الطهورين فلاينفعه رفع الخبث حينئذٍ.
الشرح:
قال في الجواهر: «متى عارض الطهارة المائيّة واجب آخر أرجح منها قدّم عليها كحفظ النفس و نحوه، بل لعلّ منه كلّ واجب لا بدل له كازالة النجاسة عن البدن و الساتر الذي ليس له غيره؛ اذ هو و ان كان ظاهرا من تعارض الواجبين الاّ أنّ مشروعيّة البدل لأحدهما تشعر برجحان غير ذي البدل عليه في نظر الشارع، و أنّ الاهتمام بشأنه أكثر، كما قيل أو يقال: «انّ في ذلك جمعا في العمل بهما، فهو أولى من غيره».
كلّ ذا مضافا الى الاجماع على تقديم الازالة على الطهارة في حاشية للارشاد أظنّ أنّها لولد المحقّق الثاني، كما عن التذكرة الاجماع أيضا على تقديمها على الوضوء صريحا و الغسل ظاهرا، و المعتبر نفي الخلاف بين أهل العلم فيه أيضا كذلك.
و قد يشهد له مع ذلك أيضا ما في خبر أبي عبيدة: «سئل الصادق عليه السلام عن المرأة ترى الطهر في السفر و ليس معها ما يكفيها لغسلها و قد حضرت الصلاة،
قال: اذا كان معها بقدر ما تغسل به فرجها فتغسله ثم تتيمّم و تصلّي، الحديث»؛ لتقديمه ازالة النجاسة فيه على الوضوء لوجوبه عليها لولاها.
و كيف كان فان خالف ففي الاجزاء ما سمعته سابقا، و قد تنظّر فيه هنا في القواعد و اختاره في الموجز الحاوي كما عن النهاية؛ و لعلّه لعدم اقتضاء الأمر النهي عن الضدّ أو عدم اقتضاء النهي المستفاد منه الفساد، و في جامع المقاصد و عن البيان و مجمع البرهان أنّ الأقوى عدم الاجزاء؛ و لعلّه لوجوب صرف الماء في ازالة النجاسة، فهو غير واجد للماء، فلا خطاب بالوضوء و لو ندبا، و لأنّه مكلّف بالتيمّم حينئذٍ، و هو لايخلو من قوّة، هذا ان لم يجوّز وجود المزيل تجويزا عاديا في الوقت، و الاّ اتّجه القول بالاجزاء كما اعترف به بعضهم».(1)
أقول:
الظاهر أنّه ليس هناك نصّ على وجوب تقدّم الطهارة من الخبث على الحدث، و الرواية لا دلالة لها على المدّعى؛ لأنّ السائل سأل عن الغسل مع عدم ما يكفيه من الماء و أجابه عليه السلام بكفاية غسل الفرج ان كان بقدره. و ليس أيضا اجماع كاشف عن رأي الامام عليه السلام ؛ لأنّ القائلين به استدلّوا على الأهمّ و المهمّ و حيث انّ الوضوء له بدل دون طهارة البدن و اللباس فالأهمّ هو طهارتهما.
و يمكن أن يقال: انّ على المكلّف رفع الحدث و الخبث عن نفسه و ما يشترط طهارته في الصلاة، و انّ رفع الحدث في نظر الشارع أهمّ من رفع الخبث ولكنّ الظاهر وجوب استعمال الماء في رفع الخبث ثمّ التيمّم للصلاة؛ لأنّ الوضوء له بدل و هو التيمّم بخلاف رفع الخبث، و الأولى أن يرفع الخبث أوّلاً ثمّ يتيمّم ليتحقّق كونه فاقدا للماء حال التيمّم. و اذا توضّأ أو اغتسل حينئذٍ صحّ على الأقوى و ان أثم.
1) - جواهر الكلام 5: 116 و 117.
نعم، لو لم يكن عنده ما يتيمّم به أيضا يتعيّن صرفه في رفع الحدث؛ لأنّ الأمر يدور بين الصلاة مع نجاسة البدن أو الثوب أو مع الحدث و فقد الطهورين،فمراعاة رفع الحدث أهمّ مع أنّ الأقوى بطلان صلاة فاقد الطهورين فلاينفعه رفع الخبث حينئذٍ.
(مسألة 23): اذا كان معه ما يكفيه لوضوئه أو غسل بعض مواضع النجس من بدنه أو ثوبه بحيث لو تيمّم أيضا يلزم الصلاة مع النجاسة ففي تقديم رفع الخبث حينئذٍ على رفع الحدث اشكال بل لايبعد تقديم الثاني. نعم، لو كان بدنه و ثوبه كلاهما نجسان و كان معه من الماء ما يكفي لأحد الأمور من الوضوء أو تطهير البدن أو الثوب ربّما يقال بتقديم تطهير البدن و التيمّم و الصلاة مع نجاسة الثوب أو عريانا على اختلاف القولين، و لايخلو ما ذكره من وجه.
الشرح:
تقدّم أنّ الواجب تقديم رفع الخبث اذا دار الأمر بين استعمال الماء في رفعه أو رفع الحدث و هنا أيضا نقول بتقديم رفع الخبث اذا كان معه ما يكفيه لوضوئه أو غسل بعض المواضع النجسة من بدنه أو ثوبه بحيث لو تيمّم أيضا يلزم الصلاة مع النجاسة؛ و ذلك لما مرّ من وجوب تقليل النجاسة.
و كذا لو كان بدنه و ثوبه كلاهما نجسان و كان معه من الماء ما يكفي لأحد الأمور من الوضوء أو تطهير البدن أو الثوب يقدّم تطهير البدن و يتيمّم و يصلّي مع نجاسة الثوب.
(مسألة 24): اذا دار أمره بين ترك الصلاة في الوقت أو شرب الماء النجس كما اذا كان معه ما يكفي لوضوئه من الماء الطاهر و كان معه ماء
نجس بمقدار حاجته لشربه و مع ذلك لم يكن معه ما يتيمّم به بحيث لو شرب الماء الطاهر بقي فاقد الطهورين ففي تقديم أيّهما اشكال.
الشرح:
تارة: يكون آخر الوقت و لم يكن تأخير شرب الماء ضررا أو حرجا عليه فيجب عليه الوضوء من الماء الطاهر و الصلاة ثمّ اذا اضطرّ الى شرب الماء النجس يشربه.
و أخرى: يكون تأخير شرب الماء ضررا أو حرجا عليه بحيث لم يكن له طاقة، فحينئذ ان كان الوقت واسعا يشرب الماء الطاهر، ثمّ ان لم يجد الماء و التراب آخر الوقت يصلّي و يقضيها احتياطا. و هكذا يكون الحال في آخر الوقت، الاّ أنّ الاحتياط في شرب الماء النجس و الصلاة مع الوضوء؛ لأهمّيّتها. نعم، لو كان شرب الماء النجس مضرّا بحاله و موجبا لمرضه فيشرب الماء الطاهر و يصلّي ثمّ يقضي.
(مسألة 25): اذا كان معه ما يمكن تحصيل أحد الأمرين من ماء الوضوء أو الساتر لايبعد ترجيح الساتر و الانتقال الى التيمّم لكن لايخلو عن اشكال، و الأولى صرفه في تحصيل الساتر أوّلاً ليتحقّق كونه فاقد الماء ثمّ يتيمّم، و اذا دار الأمر بين تحصيل الماء أو القبلة ففي تقديم أيّهما اشكال.
الشرح:
قال في التنقيح: «و قد ظهرت المناقشة في ذلك ممّا سردناه سابقا حيث قلنا: انّ تلك الموارد خارجة عن باب التزاحم و داخلة في كبرى التعارض؛ لأنّ التزاحم انّما يقع بين التكليفين النفسيّين دون ما اذا كان التكليف واحدا و دار الأمر فيه بين شرط و شرط آخر. و مقتضى القاعدة حينئذٍ سقوط التكليف رأسا؛ لعدم التمكّن من شرطه لكنّا علمنا أنّ الصلاة لاتسقط بحال فيتعارض ما دلّ على شرطيّة كلّ من
الوضوء و الساتر و لايمكن التحفّظ على كليهما و ينفى احتمال شرطيّة خصوص أحدهما بأصل البراءة و النتيجة حينئذٍ هي التخيير.
هذا على أنّا لو سلّمنا كونهما متزاحمين فليس أحدهما ممّا لا بدل له دون الآخر بل كلاهما ممّا له البدل؛ و ذلك لأنّ الطهارة المائيّة و التستّر واجبان ضمنيّان و لا وجه لملاحظتهما في نفسهما بل لا بدّ من ملاحظة الواجب النفسي الذي أعتبر ذلك الشرط قيدا له و هو الصلاة، و لا اشكال في أنّ الصلاة مع الطهارة المائيّة و الصلاة مع الساتر لهما بدل و هو الصلاة مع الطهارة الترابيّة و الصلاة عاريا. اذن لاتنطبق الكبرى المتقدّمة على المقام و لو مع البناء على أنّه من التزاحم لا التعارض بل الحكم فيه هو التخيير. نعم، الأحوط ما ذكره الماتن قدس سره من تحصيل الساتر أوّلاً ليتحقّق كونه فاقد الماء ثمّ يتيمّم و يصلّي».(1)
أقول:
الظاهر ترجيح الساتر و الانتقال الى التيمّم؛ لما تقدّم من أنّ الوضوء له بدل دون الساتر. و ما ذهب اليه السيّد الخوئي رحمه الله من أنّ الساتر أيضا له بدل و هو الصلاة عريانا في غير محلّه مع أنّ الأقوى وجوب الصلاة مع الساتر النجس. نعم، الأولى صرفه في تحصيل الساتر أوّلاً ليتحقّق كونه فاقدا للماء ثمّ يتيمّم. و هكذا اذا دار الأمر بين تحصيل الماء أو القبلة يقدّم تحصيل القبلة.
«السابع»: ضيق الوقت عن استعمال الماء بحيث لزم من الوضوء أو الغسل خروج وقت الصلاة و لو كان لوقوع جزء منها خارج الوقت، و ربّما يقال: انّ المناط عدم ادراك ركعة منها في الوقت فلو دار الأمر بين التيمّم و ادراك تمام الوقت أو الوضوء و ادراك ركعة أو أزيد قدّم الثاني؛ لأنّ من أدرك
1) - التنقيح في شرح العروة 10: 152.
ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت لكنّ الأقوى ما ذكرنا، و القاعدة مختصّة بما اذا لم يبق من الوقت فعلاً الاّ مقدار ركعة فلاتشمل ما اذا بقي بمقدار تمامالصلاة و يؤخّرها الى أن يبقي مقدار ركعة، فالمسألة من باب الدوران بين مراعاة الوقت و مراعاة الطهارة المائيّة و الأوّل أهمّ، و من المعلوم أنّ الوقت معتبر في تمام أجزاء الصلاة فمع استلزام الطهارة المائيّة خروج جزء من أجزائها خارج الوقت لايجوز تحصيلها بل ينتقل الى التيمّم، لكنّ الأحوط القضاء مع ذلك خصوصا اذا استلزم وقوع جزء من الركعة خارج الوقت.
الشرح:
السابع من موارد جواز التيمّم ضيق الوقت عن استعمال الماء، و الدليل على ذلك الكتاب و السنّة، فمن الأوّل قوله تعالى: « ... فلم تجدوا ماءا فتيمّموا صعيدا طيّبا»(1)، فيصدق لمن ضاق وقته عن استعمال الماء عدم وجدانه.
و من الثاني صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«اذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في وقت، فاذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلّ في آخر الوقت، الحديث».(2)
و لا خلاف بينهم في وجوب التيمّم لو طلب الماء و لم يجد حتّى ضاق الوقت، و كذا لو وجد الماء و لم يسامح ولكن ضاق الوقت بحيث لو توضّأ لم يدرك ركعة من الوقت فيجب عليه التيمّم أيضا في هذه الصورة. و لو تسامح في طلب الماء حتّى ضاق الوقت فقد تقدّم في المسألة التاسعة أنّ عليه التيمّم و ان كان عاصيا.
انّما الكلام فيما اذا كان بحيث لو تيمّم أدرك تمام الوقت و لو توضّأ أدرك ركعة من الوقت أو أكثر من ذلك و يقع بعض صلاته خارج الوقت، فهل يجب عليه
الوضوء أو التيمّم. الظاهر من اطلاق صحيحة زرارة وجوب التيمّم عليه؛ لأنّ المراد من قوله عليه السلام : «فاذا خاف أن يفوته الوقت»، أي الوقت لتمام الصلاة التي أوّلهاالتكبير و آخرها التسليم.
قد ذكرنا في الهادي المجلّد الرابع من كتاب الصلاة في الفرع الخامس أنّه لو لم يحصل له الشرائط و ضاق الوقت بحيث لو أتى بالطهارة المائيّة من الغسل أو الوضوء يقع بعض الصلاة خارج الوقت ولكن لو أتى بالطهارة الترابيّة يدرك الصلاة، يجب عليه الصلاة بالطهارة الترابيّة؛ لوجوب ادراك الوقت كلّه؛ لعمومات أوقات الصلاة، و كذا بالنسبة الى سائر المقدّمات من طهارة اللباس و البدن فانّ ادراك الوقت مقدّم على الجميع. نعم، لو تخلّف و اغتسل أو توضّأ صحّت صلاته و لا دليل على بطلان الطهارة؛ لأنّا نقول بأنّ الأمر بالشيء لايقتضي النهي عن ضدّه.(1)
(مسألة 26): اذا كان واجدا للماء و أخّر الصلاة عمدا الى أن ضاق الوقت عصى ولكن يجب عليه التيمّم و الصلاة، و لايلزم القضاء و ان كان الأحوط احتياطا شديدا.
الشرح:
اذا كان واجدا للماء و أخّر الصلاة عمدا الى أن ضاق الوقت عصى؛ لأنّه لم يأت بتكليفه و هو الصلاة مع الوضوء، ولكن يجب عليه التيمّم؛ لأنّ تكليفه الفعلي الصلاة مع التيمّم و لايلزم القضاء؛ لاتيانه بما كلّف به، و ان كان الأحوط القضاء؛ خروجا عن مخالفة القائلين بها. و قد تقدّم نظير هذه المسألة في المسألة الثالثه عشرة و التاسعة أيضا.
1) - الهادي كتاب الصلاة 1: 192.
(مسألة 27): اذا شكّ في ضيق الوقت و سعته بنى على البقاء و توضّأ أو اغتسل، و أمّا اذا علم ضيقه و شكّ في كفايته لتحصيل الطهارة و الصلاة وعدمها و خاف الفوت اذا حصّلها فلايبعد الانتقال الى التيمّم، و الفرق بين الصورتين أنّ في الأولى يحتمل سعة الوقت و في الثانية يعلم ضيقه فيصدق خوف الفوت فيها دون الأولى. و الحاصل أنّ المجوّز للانتقال الى التيمّم خوف الفوت الصادق في الصورة الثانية دون الأولى.
الشرح:
اذا شكّ في ضيق الوقت و سعته بنى على البقاء؛ للاستصحاب و توضّأ أو اغتسل. و أمّا اذا علم ضيقه و شكّ في ادراك الوقت لو توضّأ و خاف الفوت تيمّم؛ و ذلك لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة المتقدّمة في الأمر السابع:
«فاذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلّ في آخر الوقت».
و الفرق بين الصورتين هو الذي أشار اليه في المتن.
(مسألة 28): اذا لم يكن عنده الماء و ضاق الوقت عن تحصيله مع قدرته عليه بحيث استلزم خروج الوقت و لو في بعض أجزاء الصلاة انتقل أيضا الى التيمّم، و هذه الصورة أقلّ اشكالاً من الصورة السابقة و هي ضيقة عن استعماله مع وجوده؛ لصدق عدم الوجدان في هذه الصورة بخلاف السابقة بل يمكن أن يقال بعدم الاشكال أصلاً فلا حاجة الى الاحتياط بالقضاء هنا.
الشرح:
الظاهر أنّ هذه المسألة و المسألة السابقة من واد واحد. نعم، يصدق عدم وجدان الماء في هذه المسألة حقيقة، و في المسألة السابقة و ان كان عنده ماء الاّ أنّه حيث يكون الوقت ضيقا لاستعماله و تحصيل الطهارة المائيّة، فيكون كمن لم يجد الماء. و يؤيّد هذه المسألة رواية حسين العامري عمّن سأله عن رجل
أجنب فلم يقدر على الماء و حضرت الصلاة فتيمّم بالصعيد، ثمّ مرّ بالماء و لم يغتسل، و انتظر ماءا آخر وراء ذلك، فدخل وقت الصلاة الأخرى و لم ينته الىالماء و خاف فوت الصلاة، قال:
«يتيمّم و يصلّي؛ فانّ تيمّمه الأوّل انتقض حين مرّ بالماء و لم يغتسل».(1)
(مسألة 29): من كانت وظيفته التيمّم من جهة ضيق الوقت عن استعمال الماء اذا خالف و توضّأ أو اغتسل بطل؛ لأنّه ليس مأمورا بالوضوء لأجل تلك الصلاة. هذا اذا قصد الوضوء لأجل تلك الصلاة و أمّا اذا توضّأ بقصد غاية أخرى من غاياته أو بقصد الكون على الطهارة صحّ على ما هو الأقوى من أنّ الأمر بالشيء لايقتضي النهي عن ضدّه. و لو كان جاهلاً بالضيق و أنّ وظيفته التيمّم فتوضّأ فالظاهر أنّه كذلك فيصحّ ان كان قاصدا لاحدى الغايات الأخر و يبطل ان قصد الأمر المتوجّه اليه من قبل تلك الصلاة.
الشرح:
من كانت وظيفته التيمّم من جهة ضيق الوقت عن استعمال الماء اذا خالف و توضّأ أو اغتسل بقصد هذه الصلاة فذهب المصنّف الى أنّ وضوءه و غسله باطلان؛ لعدم الأمر بهما، و لكنّ الأقوى صحّتهما؛ للترتّب، و كذا لو توضّأ بقصد غاية أخرى من غاياته أو بقصد الكون على الطهارة ففي هذه الصورة وضوؤه و غسله صحيحان أيضا؛ و ذلك لأنّ الأمر بالشيء أي التيمّم لايقتضي النهي عن ضدّه و هو الوضوء و الغسل. و أمّا لو كان جاهلاً بالضيق و أنّ وظيفته التيمّم، فلو كان قصده بنحو التقييد فيبطل وضوؤه و غسله؛ لأنّه لم يكلّف بهما واقعا، و لو لم يكن بنحو التقييد أو كان قاصدا لغاية أخرى من غاياته صحّ.
1) - وسائل الشيعة 3: 377 / الباب 19 من أبواب التيمّم / الحديث 2.
(مسألة 30): التيمّم لأجل الضيق مع وجدان الماء لايبيح الاّ الصلاة التيضاق وقتها فلاينفع لصلاة أخرى غير تلك الصلاة و لو صار فاقدا للماء حينها، بل لو فقد الماء في أثناء الصلاة الأولى أيضا لاتكفي لصلاة أخرى بل لا بدّ من تجديد التيمّم لها و ان كان يحتمل الكفاية في هذه الصورة.
الشرح:
اذا كان واجدا للماء الاّ أنّ الوقت يتضيّق و خاف فوته يجب عليه التيمّم للصلاة التي ضاق وقتها فاذا صلاّها لاينفع ذلك التيمّم لصلاة أخرى غير تلك الصلاة بل يجب عليه الوضوء أو الغسل، فلو لم يتوضّأ و لم يغتسل لصلاة أخرى حتّى ضاق وقتها يجب عليه تجديد التيمّم؛ لبطلان التيمّم السابق بوجود الماء، و أمّا لو فقد الماء في أثناء الصلاة الأولى فالظاهر عدم بطلان تيمّمه؛ لأنّه حين الصلاة كان متيمّما و متطهّرا بالطهارة الترابيّة، و بعد الصلاة لم يكن واجدا للماء فلا وجه لبطلان تيمّمه.
(مسألة 31): لايستباح بالتيمّم لأجل الضيق غير تلك الصلاة من الغايات الأخر حتّى في حال الصلاة فلايجوز له مسّ كتابة القرآن و لو في حال الصلاة، و كذا لايجوز له قراءة العزائم ان كان بدلاً عن الغسل فصحّته و استباحته مقصورة على خصوص تلك الصلاة.
الشرح:
الظاهر أنّه اذا تيمّم لأجل الضيق استبيح له كلّ ما يشترط فيه الطهارة حين الصلاة، فلو كان جنبا و تيمّم يجوز له مسّ كتابة القرآن، و الصلاة في المسجد لو كان جنبا فتيمّم لضيق الوقت، و أمّا قراءة العزائم حين الصلاة فلاتتصوّر؛ لعدم جواز ذلك حين الفريضة.
(مسألة 32): يشترط في الانتقال الى التيمّم ضيق الوقت عن واجباتالصلاة فقط فلو كان كافيا لها دون المستحبّات وجب الوضوء و الاقتصار عليها، بل لو لم يكف لقراءة السورة تركها و توضّأ؛ لسقوط وجوبها في ضيق الوقت.
الشرح:
يشترط في الانتقال الى التيمّم ضيق الوقت عن واجبات الصلاة فقط، و أمّا لو كان بحيث ان توضّأ أو اغتسل يدرك الواجبات دون المستحبّات فقد وجب عليه الوضوء أو الغسل؛ اذ الأمر بمستحبّاتها لايوجب عدم القدرة على الطهارة المائيّة؛ لأنّ الصلاة الواجبة عليه أوّلاً و بالذات هي المشتملة على الواجبات فاذا أدركها مع الطهارة المائيّة وجب عليه الوضوء أو الغسل، و لاتسقط عنه بالخوف من عدم درك المستحبّات. بل لو لم يكف لقراءة السورة تركها و توضّأ؛ لسقوط وجوبها في ضيق الوقت، فقد وردت روايات بجواز سقوط السورة اذا ما أعجلت به حاجة، أو تخوّف شيئا(1)، فاذا جاز سقوطها للأمور الدنيويّة فسقوطها في مثل ما اذا لم يدرك تمام الصلاة بالطهارة المائيّة لو أتى بها يكون بطريق أولى.
و قد ذكرنا ذلك في كتاب الصلاة في الفرع الثاني في ذكر الموارد التي لايجب فيها قراءة السورة.(2)
(مسألة 33): في جواز التيمّم لضيق الوقت عن المستحبّات الموقّتة اشكال فلو ضاق وقت صلاة الليل مع وجود الماء و التمكّن من استعماله يشكل الانتقال الى التيمّم.
الشرح:
الظاهر أنّ اشكاله رحمه الله في محلّه؛ و ذلك لأنّ الظاهر من الكتاب و السنّة بالنسبة الى عدم وجدان الماء أو ما يكون كعدم وجدانه كضيق الوقت، و انتقال الطهارة المائيّة الى الترابيّة هو في الصلوات الواجبة، و هو الذي يستفاد من الآية عرفا، و الروايات ظاهرة بل نصّ في خصوص الصلوات الواجبة، هذا مضافا الى ما ورد في بعض النوافل كنافلة الليل بأنّه اذا أدرك أربع ركعات منها فيتمّها أداءً، و لو لم يدرك هذا المقدار أتى بالشفع و الوتر فقط و يقضي باقيها بعد صلاة الفجر، فلم يشر في شيء من الروايات الكثيرة بجواز التيمّم لمن لم يدرك وقت المستحبّات الموقّتة لو أتى بالطهارة المائيّة فنقول: انّ فيه اشكالاً كما ذهب اليه المصنّف.
(مسألة 34): اذا توضّأ باعتقاد سعة الوقت فبان ضيقه فقد مرّ أنّه اذا كان وضوؤه بقصد الأمر المتوجّه اليه من قبل تلك الصلاة بطل؛ لعدم الأمر به، و اذا أتى به بقصد غاية أخرى أو الكون على الطهارة صحّ و كذا اذا قصد المجموع من الغايات التي يكون مأمورا بالوضوء فعلاً لأجلها، و أمّا لو تيمّم باعتقاد الضيق فبان سعته بعد الصلاة فالظاهر وجوب اعادتها، و ان تبيّن قبل الشروع فيها و كان الوقت واسعا توضّأ وجوبا، و ان لم يكن واسعا فعلاً بعد ما كان واسعا أوّلاً وجب اعادة التيمّم.
الشرح:
تقدّم في المسألة التاسعة و العشرين شرح هذه المسألة، و أمّا ذيلها فهو لو تيمّم باعتقاد الضيق فبان سعته بعد الصلاة، فان كان الوقت باقيا للوضوء بل التيمّم و اعادة الصلاة فعليه الاعادة؛ لعدم الأمر بالتيمّم في ذلك الوقت واقعا، و لم يعلم شمول اطلاق صحيحة زرارة له. نعم، لو لم يكن الوقت باقيا فيمكن أن يقال بصحّة
صلاته؛ لاطلاق قول أحدهما عليهماالسلام في صحيحة زرارة:
« ... فاذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلّ في آخر الوقت، الحديث».(1)
اللّهمّ الاّ أن يقال: انّ قوله عليه السلام : «وليصلّ في آخر الوقت»، مانع عن الاطلاق ليشمل المورد، و لذا نقول بما ذهب اليه المصنّف بأنّ الظاهر وجوب اعادتها.
و ان تبيّن قبل الشروع فيها و كان الوقت واسعا للوضوء فليتوضّأ وجوبا و يصلّي بعده و ان لم يكن واسعا فعلاً بعد ما كان واسعا أوّلاً وجب اعادة التيمّم؛ لأنّه لم يكن آنذاك مأمورا بالتيمّم.
«الثامن»: عدم امكان استعمال الماء لمانع شرعي كما اذا كان الماء في آنية الذهب أو الفضّة و كان الظرف منحصرا فيها بحيث لايتمكّن من تفريغه في ظرف آخر أو كان في اناء مغصوب كذلك فانّه ينتقل الى التيمّم و كذا اذا كان محرّم الاستعمال من جهة أخرى.
الشرح:
و ذلك لعدم تمكّن استعمال الماء فهو كمن يكون غير واجد للماء، فانّ المانع الشرعي كالمانع العقلي فيتحقّق موضوع التيمّم. نعم، لو أخذ الماء من الظرف و صبّه على وجهه و يديه و ان عدّ عاصيا، الاّ أنّ وضوءه يكون صحيحا كما سبق في البحث عن استعمال أواني الذهب و الفضّة.
1) - وسائل الشيعة 3: 384 / الباب 22 من أبواب التيمّم / الحديث 2.
(مسألة 35): اذا كان جنبا و لم يكن عنده ماء و كان موجودا في المسجد فان أمكنه أخذ الماء بالمرور وجب و لم ينتقل الى التيمّم، و ان لم يكن له آنية لأخذ الماء أو كان عنده و لم يمكن أخذ الماء الاّ بالمكث فان أمكنه الاغتسال فيه بالمرور وجب ذلك، و ان لم يمكن ذلك أيضا أو كان الماء في أحد المسجدين أي المسجد الحرام أو مسجد النبي صلى الله عليه و آله فالظاهر وجوب التيمّم لأجل الدخول في المسجد و أخذ الماء أو الاغتسال فيه، و هذا التيمّم انّما يبيح خصوص هذا الفعل أي الدخول و الأخذ أو الدخول و الاغتسال، و لايرد الاشكال بأنّه يلزم من صحّته بطلانه حيث انّه يلزم منه كونه واجدا للماء فيبطل كما لايخفى.
الشرح:
اذا كان جنبا و لم يكن عنده ماء و كان موجودا في المسجد فان أمكنه أخذ الماء بالمرور وجب و لم ينتقل الى التيمّم بناءً على جواز أخذ الجنب شيئا من المسجد؛ لأنّ مرور الجنب في غير المسجدين أي المسجد الحرام و مسجدالنبي صلى الله عليه و آلهجائز فانّه حينئذٍ واجد للماء و لايجوز له التيمّم. و ان لم يكن لديه آنية لأخذ الماء أو كان عنده و لم يمكن أخذ الماء الاّ بالمكث فان أمكنه الاغتسال فيه بالمرور وجب ذلك؛ لتمكّنه من الطهارة المائيّة حينئذٍ فلا موضوع للتيمّم.
و أمّا اذا كان الماء في أحد المسجدين، فذهب المصنّف الى وجوب التيمّم لأجل الدخول في المسجد و أخذ الماء أو الاغتسال فيه، ولكنّ الظاهر أنّه فاقد للماء لحرمة دخول المسجدين عليه، و يشكل شرعيّة هذا التيمّم لأخذ الماء أو الاغتسال فيه.
قال في التنقيح: «الصحيح - على ما بيّنّاه في أحكام الجنابة - عدم صحّة التيمّم للدخول؛ و ذلك لأنّ التيمّم انّما يسوغ لأجل وجوب الاغتسال من الجنابة؛ اذ لولا وجوب الاغتسال منها لم يجز للمكلّف الدخول في المسجد و لا التيمّم لأجله،
فجواز التيمّم موقوف على وجوب الاغتسال، فلو توقّف وجوب الاغتسال على جواز التيمّم و الدخول كما هو المفروض لدار.
اذن فالصحيح أنّه فاقد للماء على وجه الاطلاق و وظيفته التيمّم، فلو تيمّم ساغت له الغايات المترتّبة على التيمّم مطلقا كجواز المسّ و غيره دون الدخول، لا أنّه فاقد بالنسبة الى خصوص الدخول و لايباح له بالتيمّم الاّ الدخول. - الى أن قال: - و قد يقال: انّه بناءً على ما ذكرتم يجوز له الدخول في المسجدين أو في المساجد؛ لأنّه كسائر الغايات المترتّبة على تيمّم فاقد الماء.
و يندفع هذا بأنّه لايعقل أن يجوز له الدخول بهذا التيمّم؛ و ذلك لأنّ المسوّغ لتيمّمه انّما هو حرمة دخوله و عدم تمكّنه من الاغتسال بدونه فكيف يعقل أن تسقط حرمة الدخول المسبّبة لجواز التيمّم بالتيمّم».(1)
(مسألة 36): لايجوز التيمّم مع التمكّن من استعمال الماء الاّ في موضعين: «أحدهما»: لصلاة الجنازة فيجوز مع التمكّن من الوضوء أو الغسل على المشهور مطلقا لكن القدر المتيقّن صورة خوف فوت الصلاة منه لو أراد أن يتوضّأ أو يغتسل. نعم، لمّا كان الحكم استحبابيّا يجوز أن يتيمّم مع عدم خوف الفوت أيضا لكن برجاء المطلوبيّة لا بقصد الورود و المشروعيّة. «الثاني»: للنوم فانّه يجوز أن يتيمّم مع امكان الوضوء أو الغسل على المشهور أيضا مطلقا، و خصّ بعضهم بخصوص الوضوء ولكن القدر المتيقّن من هذا أيضا صورة خاصّة و هي ما اذا أوى الى فراشه فتذكّر أنّه ليس على وضوء فيتيمّم من دثاره لا أن يتيمّم قبل دخوله في فراشه متعمّدا مع امكان الوضوء. نعم، هنا أيضا لا بأس به لا بعنوان الورود بل برجاء المطلوبيّة حيث انّ الحكم استحبابي و ذكر بعضهم موضعا ثالثا: و هو ما لو احتلم في أحد
1) - التنقيح في شرح العروة 10: 182 و 183.
المسجدين فانّه يجب أن يتيمّم للخروج و ان أمكنه الغسل لكنّه مشكل، بل المدار على أقليّة زمان التيمّم أو زمان الغسل أو زمان الخروج حيث انّ الكون في المسجدين جنبا حرام فلا بدّ من اختيار ما هو أقلّ زمانا من الأمور الثلاثة فاذا كان زمان التيمّم أقلّ من زمان الغسل يدخل تحت ما ذكرنا من مسوّغات التيمّم من أنّ من موارده ما اذا كان هناك مانع شرعي من استعمال الماء فانّ زيادة الكون في المسجدين جنبا مانع شرعي من استعمال الماء.
الشرح:
لايجوز التيمّم مع التمكّن من استعمال الماء الاّ في موضعين:
أحدهما: لصلاة الجنازة فيجوز مع التمكّن من الوضوء أو الغسل على المشهور مطلقا؛ يدلّ على ذلك موثّقة سماعة قال:
«سألته عن رجل مرّت به جنازة و هو على غير وضوء، كيف يصنع؟ قال: يضرب بيديه على حائط اللبن فيتيمّم به».(1)
و مرسلة حريز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«الطامث تصلّي على الجنازة؛ لأنّه ليس فيها ركوع و لا سجود، و الجنب يتيمّم و يصلّي على الجنازة».(2)
ولكنّ الأفضل أن يتيمّم فيما اذا فاتته الصلاة لو توضّأ؛ و ذلك لصحيحة الحلبي قال:
«سئل أبو عبداللّه عليه السلام عن الرجل تدركه الجنازة و هو على غير وضوء، فان ذهب يتوضّأ فاتته الصلاة عليها، قال: يتيمّم و يصلّي».(3)
الثاني: للنوم، فانّه يجوز أن يتيمّم مع امكان الوضوء أو الغسل على المشهور
أيضا مطلقا؛ يدلّ على ذلك مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السلام قال:
«من تطهّر، ثمّ آوى الى فراشه، بات و فراشه كمسجده، فان ذكر أنّه ليس على وضوء فتيمّم من دثاره كائنا ما كان، لم يزل في صلاة ما ذكر اللّه».(1)
و رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السلام عن أبيه عن آبائه عن أميرالمؤمنين عليهم السلام قال:
«لاينام المسلم و هو جنب، و لاينام الاّ على طهور، فان لم يجد الماء فليتيمّم بالصعيد، الحديث».(2)
ولكنّ الظاهر من المرسلة هو ما اذا أوى الى فراشه فتذكّر أنّه ليس على وضوء فيتيمّم من دثاره؛ لا أن يتيمّم قبل الدخول في فراشه متعمّدا مع امكان الوضوء. كما أنّ الظاهر من الرواية الثانية هو التيمّم بدل الغسل فيما اذا لم يجد الماء. و لذلك - كما في المتن - خصّ بعضهم بخصوص الوضوء.
و أمّا ذيل المسألة، فما ذكره المصنّف مطابق للقاعدة، و لو أنّ بعضهم أوجب التيمّم لمن احتلم في أحد المسجدين للخروج فلعلّه لندرة التمكّن من الغسل حينئذٍ، الاّ أن يكون لكلامه تصريح بذلك. و تقدّم الكلام في المسألة الأولى من فصل ما يحرم على الجنب فراجع.
(مسألة 37): اذا كان عنده مقدار من الماء لايكفيه لوضوئه أو غسله و أمكن تتميمه بخلط شيء من الماء المضاف الذي لايخرجه عن الاطلاق لايبعد وجوبه، و بعد الخلط يجب الوضوء أو الغسل و ان قلنا بعدم وجوب الخلط؛ لصدق وجدان الماء حينئذٍ.
الشرح:
اذا كان عنده مقدار من الماء لايكفيه لوضوئه أو غسله و أمكن تتميمه بخلط شيء من الماء المضاف الذي لايخرجه عن الاطلاق فالظاهر وجوبه؛ و ذلك لصدق وجدان الماء مع الخلط، و هذا كما لو لم يتمكّن من الوضوء بالثلج الاّ أنّه متمكّن من تغييره الى الماء فيجب عليه ذلك.
يجوز التيمّم على مطلق وجه الأرض على الأقوى، سواء كان ترابا أو رملاً أو حجرا أو مدرا أو غير ذلك و ان كان حجر الجصّ و النورة قبل الاحراق، و أمّا بعده فلايجوز على الأقوى كما أنّ الأقوى عدم الجواز بالطين المطبوخ كالخزف و الآجرّ و ان كان مسحوقا مثل التراب.
و لايجوز على المعادن كالملح و الزرنيخ و الذهب و الفضّة و العقيق و نحوها ممّا خرج عن اسم الأرض، و مع فقد ما ذكر من وجه الأرض يتيمّم بغبار الثوب أو اللبد أو عرف الدابّة و نحوها ممّا فيه غبار ان لم يمكن جمعه ترابا بالنفض، و الاّ وجب و دخل في القسم الأوّل. و الأحوط اختيار ما غباره أكثر، و مع فقد الغبار يتيمّم بالطين ان لم يمكن تجفيفه و الاّ وجب و دخل في القسم الأوّل، فما يتيمّم به له مراتب ثلاث:
«الأولى»: الأرض مطلقا غير المعادن، «الثانية»: الغبار، «الثالثة»: الطين. و مع فقد الجميع يكون فاقد الطهورين و الأقوى فيه سقوط الأداء و وجوب القضاء و ان كان الأحوط الأداء أيضا، و اذا وجد فاقد الطهورين ثلجا أو جمدا قال بعض العلماء بوجوب مسحه على أعضاء الوضوء أو الغسل و انلم يجر و مع عدم امكانه حكم بوجوب التيمّم بهما، و مراعاة هذا القول
أحوط، فالأقوى لفاقد الطهورين كفاية القضاء و الأحوط ضمّ الأداء أيضا، و أحوط من ذلك مع وجود الثلج المسح به أيضا. هذا كلّه اذا لم يمكن اذابة الثلج أو مسحه على وجه يجري و الاّ تعيّن الوضوء أو الغسل و لايجوز معه التيمّم أيضا.
الشرح:
قال في الشرائع: «فيما يجوز التيمّم به و هو كلّ ما يقع عليه اسم الأرض».(1)
و في المدارك: «اختلفت عبارات الأصحاب فيما يجوز التيمّم به، فقال الشيخ في المبسوط: «لايجوز التيمّم الاّ بما يقع عليه اسم الأرض اطلاقا، سواء كان عليه تراب أو كان حجرا أو جصّا أو غير ذلك»، و بمعناه قال في الجمل و الخلاف، و نحوه قال المرتضى في المصباح.
و قال في شرح الرسالة: «لايجزئ في التيمّم الاّ التراب الخالص أي الصافي من مخالطة ما لايقع عليه اسم الأرض، كالكحل و الزرنيخ و أنواع المعادن». و نحوه قال المفيد في المقنعة، و أبو الصلاح. و نقل عن ابن أبي عقيل أنّه جوّز التيمّم بالأرض و بكلّ ما كان من جنسها كالكحل و الزرنيخ، و استحسنه في المعتبر. و المعتمد اعتبار ما يقع عليه اسم الأرض.
لنا: قوله تعالى «فتيمّموا صعيدا طيّبا»، و الصعيد: وجه الأرض على ما نصّ عليه الخليل و الزجّاج، و نقله ثعلب عن ابن الأعرابي. و يدلّ عليه قوله تعالى: «فتصبح صعيدا زلقا»، أي أرضا ملساء يزلق عليها باستيصال نباتها و أشجارها.
و قول النبي صلى الله عليه و آله: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة على صعيد واحد أي أرض واحدة»».(2)
أقول:
يدلّ على جواز التيمّم بالأرض الأخبار المستفيضة:
منها صحيحة ابن سنان قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض وليصلّ، فاذا وجد ماءا فليغتسل و قد أجزأته صلاته التي صلّى».(1)
و منها صحيحة الحلبي قال:
«سمعت أبا عبداللّه عليه السلام يقول: اذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليتمسّح من الأرض وليصلّ، فاذا وجد ماءا فليغتسل و قد أجزأته صلاته التي صلّى».(2)
و منها صحيحة عبيداللّه بن علي الحلبي أنّه سأل أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يمرّ بالركيّة وليس معه دلو؟ قال:
«ليس عليه أن يدخل الركيّة؛ لأنّ ربّ الماء هو ربّ الأرض فليتيمّم».(3)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: اذا لم تجد ماءا و أردت التيمّم فأخّر التيمّم الى آخر الوقت، فان فاتك الماء لم تفتك الأرض».(4)
و منها موثّقة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: رجل أمّ قوما و هو جنب و قد تيمّم و هم على طهور، قال:
لا بأس، فاذا تيمّم الرجل فليكن ذلك في آخر الوقت، فان فاته الماء فلن تفوته الأرض».(1)
و منها صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور و عنبسة بن مصعب جميعا عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا أتيت البئر و أنت جنب فلم تجد دلوا و لا شيئا تغرف به فتيمّم بالصعيد؛ فانّ ربّ الماء ربّ الصعيد، و لاتقع في البئر و لاتفسد على القوم ماءهم».(2)
و منها حسنة الحسين بن أبي العلاء قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل يمرّ بالركيّة و ليس معه دلو؟ قال: ليس عليه أن ينزل الركيّة؛ انّ ربّ الماء هو ربّ الأرض، فليتيمّم».(3)
ففي هذه الروايات عبّر عن الصعيد بالأرض. و أورد الحرّ العاملي رحمه الله في الوسائل في الباب السابع من أبواب التيمّم أربع روايات كلّها تسند الى النبي صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا».(4)
و تؤيّدها بل تدلّ عليها معتبرة السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليه السلام أنّه سئل عن التيمّم بالجصّ؟ فقال:
«نعم، فقيل: بالنورة؟ فقال: نعم، فقيل: بالرماد؟ فقال: لا، انّه ليس يخرج من الأرض انّما يخرج من الشجر».(5)
و سيأتي في المسائل الآتية الروايات الدالّة على كيفيّة التيمّم و أنّه يضرب بكفّيه الأرض.
1) - وسائل الشيعة 3: 384 / الباب 22 من أبواب التيمّم / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 3: 344 / الباب 3 من أبواب التيمّم / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 3: 344 / الباب 3 من أبواب التيمّم / الحديث 4.
4) - وسائل الشيعة 3: 349 و 350 / الباب 7 من أبواب التيمّم / الأحاديث 1 - 4.
5) - وسائل الشيعة 3: 352 / الباب 8 من أبواب التيمّم / الحديث 1.
و لاتعارض ما تقدّم الروايات الدالّة على أنّ التيمّم يكون بالتراب كصحيحة محمّد بن حمران و جميل بن درّاج جميعا (في حديث) عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«انّ اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».(1)
و رواية زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«قلت: رجل دخل الأجمة ليس فيها ماء و فيها طين، ما يصنع؟ قال: يتيمّم فانّه الصعيد، الحديث».(2)
و رواية رفاعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب و لا ماء فانظر أجفّ موضع تجده فتيمّم منه، الحديث».(3)
لأنّ التراب من الأرض و لم تنحصر الأرض بالتراب و لم ينحصر الصعيد بالتراب.
و في المدارك: «احتجّ السيّد المرتضى رحمه الله على ما نقل عنه بقوله تعالى: «فتيمّموا صعيدا طيّبا»، و الصعيد هو التراب بالنقل عن أهل اللغة، حكاه ابن دريد عن أبي عبيدة. و بقوله عليه السلام : «جعلت الأرض لي مسجدا و ترابها طهورا»، و لو كانت الأرض طهورا و ان لم تكن ترابا لكان لفظ ترابها لغوا.
و أجاب عنه في المعتبر بأنّه لايلزم من تسمية التراب صعيدا أن لايسمّى به الأرض، بل جعله اسما للأرض أولى؛ لأنّه يستعمل فيهما فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما و هو الأرضيّة؛ دفعا للاشتراك و المجاز. فيكون التراب صعيدا باعتبار كونه أرضا، لا باعتبار كونه ترابا. و عن الرواية بأنّ التمسّك بها تمسّك بدلالة الخطاب و هي متروكة في معرض النصّ اجماعا.
و حكى الشهيد رحمه الله في الذكرى أنّ الرواية موجودة بحذف ترابها. و كيف كان فهذه الرواية الضعيفة لاتعارض الأخبار المستفيضة الصحيحة السند المتضمّنة لجواز التيمّم بما يسمّى أرضا».(1)
فروع:
يجوز التيمّم بما صدق عليه اسم الأرض سواء كان ترابا أو رملاً أو حجرا أو مدرا أو غير ذلك و ان كان حجر الجصّ و النورة قبل الاحراق و بعده؛ لصدق الأرض و عدم استحالته عن اسم الأرض بالاحراق، و لمعتبرة السكوني التي تقدّمت حيث سئل منه عليه السلام عن التيمّم بالجصّ أو النورة فقال: «نعم». و ان كان الاحتياط في محلّه، لمخالفة بعض كما في الجواهر و كذا يجوز بالطين المطبوخ، كالخزف و الآجرّ و ان لم يكن مسحوقا.
قال الامام الخميني في كتاب الطهارة: «الرابع: يجوز التيمّم بالجصّ و النورة قبل احتراقهما كما عن المشهور؛ لصدق عنوان الأرض عليهما و لا مضايقة في صدق المعدن عليهما؛ لما عرفت من عدم دليل على اعتبار عدم المعدنيّة، بل المناط عدم الخروج عن مسمّى الأرض، فالمانع ان يدّعى الخروج عن مسمّاها فهو محجوج بالعرف و اللغة، و ان يدّعى معدنيّتهما فهو محجوج بأنّ المعدنيّة غير مضرّة.
و أمّا التفصيل بين حال الاختيار و الاضطرار فلا وجه له؛ لأنّهما لو خرجا عن صدق الأرض فلايصحّ التيمّم بهما مطلقا و الاّ فيصحّ كذلك، و لا دليل على التفصيل فيهما كما في مثل الطين و الغبار.
و كذا يجوز التيمّم بهما بعد احتراقهما؛ لصدق عنوان الأرض و عدم الخروج
1) - مدارك الأحكام 2: 198.
عن مسمّاها بمجرّد الطبخ و مع الشكّ يرجع الى الاستصحاب الحكمي لا الموضوعي. انتهى ملخّصا».(1)
و في الجواهر: «قد استشكل في مثل الخزف لجواز التيمّم عليه؛ نظرا الى خروجه عن مسمّى الأرض بالاحراق، كما اختاره المصنّف في المعتبر بعد أن نسبه الى ابن الجنيد.
و قد يورد عليه بمنع خروجه عن اسم الأرض، كان هو خيرة التذكرة و الذكرى و جامع المقاصد و غيرها فانّهم يجوّزون التيمّم عليه. و لعلّه الأقوى. و ان استشكله في المنتهى كما عن الدروس التوقّف فيه.
و قد دلّ على الجواز مفهوم التعليل في خبر السكوني و مروي الراوندي؛ لعدم التيمّم بالرماد بأنّه لم يخرج من الأرض بخلاف الجصّ و النورة كما سمعته فيما مرّ و لاستصحاب عدم خروجه عن المسمّى بل و أحكامه قبل الاحراق. انتهى ملخّصا».(2)
و فيه: انّ ما أتى به لدليل جواز التيمّم على الخزف، جار للجصّ و النورة أيضا كما عرفت عن كتاب الطهارة و اعترف به في التنقيح فقال فيه: «لا فرق في جواز التيمّم على حجر الجصّ و النورة و الطين بين قبل الاحراق و الطبخ و بعدهما؛ و ذلك لأنّها من أجزاء الأرض، و قد قدّمنا أنّ الصحيح جواز التيمّم بمطلق وجه الأرض و من المعلوم أنّ الطبخ لايخرج الشيء عن حقيقته و لايقتضي تبدّله و استحالته، و هذا كما في اللحم حيث انّ المشويّ منه - الكباب - و غيره لحم أيضا و لايخرج بطبخه عن كونه لحما، و ليس هذه مثل احراق الشجر و جعله رمادا؛ لأنّه حقيقة أخرى غير حقيقة الشجريّة».(3)
و في المدارك: «أمّا نفس النورة و الجصّ بعد الاحراق، فذهب الشيخان و
أتباعهما الى المنع من التيمّم بهما؛ لخروجهما بالاحراق عن اسم الأرض. و قال المرتضى رحمه الله في المصباح و سلاّر: «يجوز التيمّم بهما»، - الى أن قال: - و الأولى اعتبار الاسم كما اختاره في المنتهى».(1)
قال في المدارك: «المشهور بين الأصحاب عدم جواز التيمّم بالمعادن، و نقل عليه العلاّمة رحمه الله في المنتهى الاجماع. و لا بالرماد باجماعنا كما في المنتهى. و لا بالنبات المنسحق كالأشنان و الدقيق، و هو قول علمائنا أجمع. انتهى ملخّصا».(2)
أقول: ليس في شيء من الروايات عدم جواز التيمّم على المعادن، و انّما ورد في الكتاب و السنّة التيمّم على الأرض كما تقدّم، فما كان من المعادن لم يصدق عليه الأرض عرفا أو شكّ في صدقها عليه لايجوز التيمّم عليه، و ما كان منها يصدق عليه الأرض يجوز التيمّم عليه. و الظاهر أنّ المعادن لو لم تكن مصفّاة صدق عليها اسم الأرض كلّها أو بعضها، و أمّا اذا صفّيت فلايصدق على مثل الذهب و الفضّة و الصفر و الرصاص و الحديد، الأرض.
قال في التنقيح: «انّ مثل العقيق و الفيروزج و غيرهما، و ان كان يصدق عليها المعدن، الاّ أنّ المعدن لم يترتّب عليه الحكم بعدم جواز التيمّم أو السجود عليه في شيء من الأدلّةّ بل الحكم مترتّب على الأرض و أجزائها. و الظاهر أنّ العقيق و الفيروزج و غيرهما من الأحجار الكريمة من الأرض، و هي قسم من الأحجارالأرضيّة غالية القيمة، و لا مانع من التيمّم أو السجود عليها، و ان كان الأحوط عدم
جواز التيمّم على مثل العقيق و الفيروزج. انتهى ملخّصا».(1)
يجوز التيمّم على الغبار ان لم يتمكّن بغيره و بعده بالطين.
قال في الشرائع: «و مع فقد التراب يتيمّم بغبار ثوبه أو لبد سرجه أو عرف دابّته و مع فقدان ذلك يتيمّم بالوحل».(2)
و في المدارك: «اذا فقد التراب و ما في معناه وجب التيمّم بغبار الثوب أو عرف الدابّة أو لبد السرج أو غير ذلك ممّا فيه غبار. قال في المعتبر: «و هو مذهب علمائنا و أكثر العامّة».
الى أن قال: - و انّما يجوز التيمّم بالغبار مع فقد التراب، كما نصّ عليه الشيخ و أكثر الأصحاب، و ربّما ظهر من عبارة المرتضى رحمه الله في الجمل جواز التيمّم به مع وجود التراب أيضا، و هو بعيد؛ لأنّه لايسمّى صعيدا.
الى أن قال: - و مع فقد ذلك يتيمّم بالوحل، المستند في ذلك بعد الاجماع روايتا أبي بصير و رفاعة المتقدّمتان. و لو أمكن تجفيف الوحل بحيث يصير ترابا و التيمّم به وجب ذلك و قدّم على الغبار قطعا».(3)
أقول: يدلّ على جواز التيمّم بغبار الثوب و اللبد و عرف الدابّة عند الضرورة صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : أرايت المواقف ان لم يكن على وضوء، كيف يصنع و لايقدر على النزول؟ قال: يتيمّم من لبده أو سرجه أو معرفة
دابّته؛ فانّ فيها غبارا، و يصلّي».(1)
و موثّقة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«ان أصابك الثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمّم من غباره أو من شيء معه، و ان كان في حال لايجد الاّ الطين فلا بأس أن يتيمّم منه».(2)
و يدلّ على الترتيب مضافا الى موثّقة زرارة صحيحة أبي بصير - يعني المرادي - عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كنت في حال لاتقدر الاّ على الطين فتيمّم به، فانّ اللّه أولى بالعذر اذا لم يكن معك ثوب جافّ أو لبد تقدر أن تنفضه و تتيمّم به».(3)
و مرسلة علي بن مطر قال:
«سألت الرضا عليه السلام عن الرجل لايصيب الماء و لا التراب، أيتيمّم بالطين؟ قال: نعم، صعيد طيّب و ماء طهور».(4)
و صحيحة رفاعة عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«اذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب و لا ماء فانظر أجفّ موضع تجده فتيمّم منه؛ فانّ ذلك توسيع من اللّه عزّوجلّ، قال: فان كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمّم من غباره أو شيء مغبر، و ان كان في حال لايجد الاّ الطين فلا بأس أن يتيمّم منه».(5)
و لاتعارضها رواية زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«قلت: رجل دخل الأجمة ليس فيها ماء و فيها طين، ما يصنع؟ قال: يتيمّم فانّه الصعيد، قلت: فانّه راكب و لايمكنه النزول من خوف و
1) - وسائل الشيعة 3: 353 / الباب 9 من أبواب التيمّم / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 353 / الباب 9 من أبواب التيمّم / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 3: 354 / الباب 9 من أبواب التيمّم / الحديث 7.
4) - وسائل الشيعة 3: 354 / الباب 9 من أبواب التيمّم / الحديث 6.
5) - وسائل الشيعة 3: 354 / الباب 9 من أبواب التيمّم / الحديث 4.
ليس هو على وضوء؟ قال: ان خاف على نفسه من سبع أو غيره و خاف فوت الوقت فليتيمّم، يضرب بيده على اللبد أو البرذعة و يتيمّم و يصلّي».(1)
لأنّها مع ضعفها و مخالفتها للمشهور بل الاجماع المحكي عن المدارك لم يصرّح فيه بوجود الغبار.
قال في المدارك: «و لو فقد الوحل سقط فرض أداء الصلاة عند أكثر الأصحاب. و ظاهر المرتضى و ابن الجنيد جواز التيمّم بالثلج. و هو مشكل؛ لأنّ الثلج ليس بأرض، فلايسوغ التيمّم به.
و قال المفيد رحمه الله في المقنعة: «و ان كان في أرض قد غطّاها الثلج، و لا سبيل له الى التراب، فليكسره وليتوضّأ به مثل الدهن. و مقتضاه أنّ الواجب الوضوء به لا التيمّم، الاّ أنّه يشكل بأنّه ان تحقّق به الغسل فلا وجه لتقديم التراب عليه، و الاّ لم يعتبر أصلاً.
و الحقّ أنّه ان أمكن الطهارة بالثلج بحيث يتحقّق به الغسل الشرعي كان مقدّما على التراب و مساويا للماء في جواز الاستعمال. و ان قصر عن ذلك سقط اعتباره مطلقا، أمّا في الوضوء و الغسل فلعدم امكان الغسل به كما هو المفروض، و أمّا في التيمّم فلأنّه ليس أرضا، فلايجوز التيمّم به».(2)
و في موضع آخر - عند قول المصنّف: «و قيل: يسقط الفرض أداءً و قضاءً، و هو الأشبه» - قال: «أمّا سقوط الأداء فهو مذهب الأصحاب لانعلم فيه مخالفا
صريحا؛ لأنّ الطهارة شرط في الصلاة مطلقا؛ لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة: «لا صلاة الاّ بطهور»، و قد تعذّرت فيسقط التكليف بها، و يلزم من سقوط التكليف بها سقوط التكليف بالمشروط، و الاّ فان بقي الاشتراط لزم تكليف ما لايطاق، و ان انتفى خرج المشروط مطلقا عن كونه مشروطا (مطلقا) و هو باطل. - الى أن قال: - و أمّا القضاء ففيه للأصحاب قولان: أحدهما السقوط، اختاره المصنّف رحمه اللههنا و في المعتبر، و نقله عن المفيد في أحد قوليه. و احتجّ عليه بأنّها صلاة سقطت بحدث لايمكن ازالته، فلايجب قضاؤها كصلاة الحائض، و بأنّ القضاء فرض مستأنف فيتوقّف على الدلالة و لا دلالة.
و الثاني الوجوب، اختاره المفيد رحمه الله في المقنعة و الشيخ في المبسوط و السيّد المرتضى في المسائل الناصريّة، و ابن ادريس رحمهم الله. و هو الأظهر؛ لعموم ما دل على وجوب قضاء الفوائت».(1)
أقول: الظاهر سقوط الأداء من فاقد الطهورين؛ و ذلك لأنّ الظاهر من الكتاب و السنّة و الاجماع أنّ الطهارة شرط في صحّة الصلاة مطلقا، أي سواء تمكّن من الماء و التراب أو لا، و هذا قوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
«لاتعاد الصلاة الاّ من خمسة: الطهور و الوقت و القبلة و الركوع و السجود».(2)
و أمّا القضاء و ان كان يمكن أن يقال: اذا لم يكلّف بالصلاة في الوقت فلايصدق عليه الفوت و لذا قلنا في البحث عن صلاة القضاء بعدم وجوب القضاء على فاقد الطهورين(3)، الاّ أنّ المشهور استفاد القضاء من اطلاق صحيحة زرارةعن أبي جعفر عليه السلام أنّه سئل عن رجل صلّى بغير طهور أو نسي صلوات لم يصلّها أو نام عنها؟ فقال:
«يقضيها اذا ذكرها في أيّ ساعة ذكرها من ليل أو نهار - الى أن قال: - فليصلّ ما فاته ممّا قد مضى، الحديث».(1)
و غيرها، و لذلك نقول هنا: الأحوط الاتيان بالقضاء، و الأولى الجمع بين الأداء و القضاء.
و أمّا لو كان واجدا للثلج و نحوه، فلو مسح وجهه و يديه به بحيث صدق عليه الغسل فالواجب ذلك و هو الوضوء. و ان لم يصدق عليه الغسل فلايجب فهو فاقد الطهورين، الاّ أنّ الاحتياط بالعمل بما في المتن أولى.
(مسألة 1):و ان كان الأقوى كما عرفت جواز التيمّم بمطلق وجه الأرض الاّ أنّ الأحوط مع وجود التراب عدم التعدّي عنه من غير فرق فيه بين أقسامه من الأبيض و الأسود و الأصفر و الأحمر كما لا فرق في الحجر و المدر أيضا بين أقسامهما، و مع فقد التراب الأحوط الرمل ثمّ المدر ثمّ الحجر.
الشرح:
تقدّم جواز التيمّم بمطلق وجه الأرض و أنّها الصعيد الاّ أنّه لاينبغي ترك الاحتياط بعدم التعدّي عن التراب مع وجوده خروجا عن مخالفة فتوى المخالف.
و لا فرق بين أقسام التراب؛ لاطلاقه عليها و للاجماع المحكي، كما لا فرق في الحجر و المدر أيضا بين أقسامهما؛ لخروج الجميع عن مفهوم التراب. و اذا فقد التراب فلاينبغي ترك الاحتياط بأن يتقدّم الرمل ثمّ المدر - لأنّهما قريبان من التراب - ثمّ الحجر.
1) - وسائل الشيعة 8: 256 / الباب 2 من أبواب قضاء الصلوات / الحديث 3.
(مسألة 2): لايجوز في حال الاختيار التيمّم على الجصّ المطبوخ و الآجرّ و الخزف و الرماد و ان كان من الأرض لكن في حال الضرورة بمعنى عدم وجدان التراب و المدر و الحجر الأحوط الجمع بين التيمّم بأحد المذكورات ما عدا رماد الحطب و نحوه، و بالمرتبة المتأخّرة من الغبار و الطين الأحوط التيمّم بأحد المذكورات و الصلاة ثمّ اعادتها أو قضاؤها.
تقدّم شرح هذه المسألة في الفرع الأوّل من هذا الفصل و قلنا بجواز التيمّم بكلّ ما صدق عليه اسم الأرض عرفا و كذا يجوز التيمّم بالجصّ المطبوخ و الآجرّ و الخزف و التراب المطبوخ؛ لاطلاق اسم الأرض عليها دون رماد الحطب و نحوه.
(مسألة 3): يجوز التيمّم حال الاختيار على الحائط المبني بالطين. و اللبن و الآجرّ اذا طلي بالطين.
تقدّم شرح هذه المسألة و كذا المسألتين الآتيتين في ابتداء الفصل.
(مسألة 4): يجوز التيمّم بطين الرأس و ان لم يسحق و كذا بحجر الرحى و حجر النار و حجر السن و نحو ذلك؛ لعدم كونها من المعادن الخارجة عن صدق الأرض و كذا يجوز التيمّم بطين الأرمني.
كلّ ذلك لصدق الأرض و الصعيد على الجميع و اختصاص بعضها بخصوصيّة خاصّة لاتوجب سلب اسم الأرض لصدق الجنس على الأنواع والأصناف قطعا، و توهّم أنّه مع وجود خصوصيّة في طين الأرمني يصدق عليه المعدن باطل؛ اذ ليس وجود كلّ خصوصيّة موجبا لصدق المعدن لا لغة و لا عرفا و لا شرعا.
(مسألة 5): يجوز التيمّم على الأرض السبخة اذا صدق كونها أرضا بأن لم يكن علاها الملح.
لوجود المقتضي و فقد المانع فيشمله الاطلاق بلا مدافع.
(مسألة 6): اذا تيمّم بالطين فلصق بيده يجب ازالته أوّلاً ثمّ المسح بها و في جواز ازالته بالغسل اشكال.
الشرح:
تقدّم أنّه مع فقد التراب و الحجر و ما صدق عليه الأرض يتيمّم على الغبار و مع فقده يتيمّم بالطين، فلو لصق الطين بيده يجب ازالته؛ ليتحقّق المسح باليد المعتبر فيه المباشرة و عدم الحائل كما سيأتي، و لايبعد جواز ازالته بالغسل، اذا كان هناك ماء يسير لايتمكّن الوضوء منه، و ان كان الأحوط عدم ذلك بل لايترك؛ لاحتمال عدم صدق المسح بأثر الأرض، و يزيله بمسح الكفّين.
(مسألة 7): لايجوز التيمّم على التراب الممزوج بغيره من التبن أو الرماد أو نحو ذلك و كذا على الطين الممزوج بالتبن فيشترط فيما يتيمّم به عدم كونه مخلوطا بما لايجوز التيمّم به الاّ اذا كان ذلك الغير مستهلكا.
الشرح:
قال في الشرائع: «و اذا مزج التراب بشيء من المعادن فان استهلكه التراب جاز، و الاّ لم يجز».(1)
و في المدارك: «ينبغي أن يراد بالاستهلاك أن لايتميّز الخليط، و يصدق على الممتزج اسم التراب الصرف، و حينئذٍ فلا ريب في جواز التيمّم به؛ لصدق التيمّم بالصعيد.
1) - شرائع الاسلام 1: 48.
و قال في المنتهى: «لو اختلط التراب بما لايتعلّق باليد كالشعر جاز التيمّم منه؛ لأنّ التراب موجود فيه و الحائل لايمنع من التصاق اليد به». و هو مشكل؛ اذ المعتبر مماسّة باطن الكفّين بأسرهما للصعيد، و ما أصاب الخليط من اليد لم يماسّ التراب».(1)
أقول:
لو كان مزج التراب بغيره كالتبن مثلاً بحيث لايعتني به العرف و يقال: انّه تراب، فيجوز التيمّم به، و أمّا ان لم يصدق عليه التراب بل يقال: انّه تراب مع التبن، فمشكل بل لايجوز التيمّم به.
(مسألة 8): اذا لم يكن عنده الاّ الثلج أو الجمد و أمكن اذابته وجب كما مرّ كما أنّه اذا لم يكن الاّ الطين و أمكنه تجفيفه وجب.
كما تقدّم.
(مسألة 9): اذا لم يكن عنده ما يتيمّم به وجب تحصيله و لو بالشراء أو نحوه.
تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة السادسه عشرة من الفصل المتقدّم.
(مسألة 10): اذا كان وظيفته التيمّم بالغبار يقدّم ما غباره أزيد كما مرّ.
اذا كان وظيفته التيمّم بالغبار فيكفي ما يصدق عليه الغبار. نعم، لو كان غباره أزيد بحيث يقال: انّه تراب، وجب تقديمه.
1) - مدارك الأحكام 2: 204 و 205.
(مسألة 11): يجوز التيمّم اختيارا على الأرض الندية و التراب الندي و ان كان الأحوط مع وجود اليابسة تقديمها.
الشرح:
اذا لم تكن نداوة الأرض حدّا يشتبه الندواة بالغسل فلا مانع من التيمّم بها، و كذلك التراب لو لم يكن حدّا يقال له الطين فلا مانع من التيمّم به. و أمّا قوله عليه
في صحيحة رفاعة:
« ... فانظر أجفّ موضع تجده فتيمّم منه».(1)
فهو مرتبط بصدره حيث قال عليه السلام : «اذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب و لاماء». فانّ ظاهره أنّه كان هناك تراب مخلوط بالماء فصار طينا، و قال عليه السلام : «فانظر أجفّ موضع ... ». و مع ذلك فالاحتياط لاينبغي تركه.
(مسألة 12): اذا تيمّم بما يعتقد جواز التيمّم به فبان خلافه بطل و ان صلّى به بطلت و وجبت الاعادة أو القضاء، و كذا لو اعتقد أنّه من المرتبة المتقدّمة فبان أنّه من المتأخّرة مع كون المتقدّمة وظيفته.
الشرح:
اذا تيمّم بما يعتقد جواز التيمّم به فبان خلافه بطل؛ لأنّه لم يتيمّم و ان لم يكن عاصيا، و ان صلّى به بطلت صلاته و وجبت الاعادة أو القضاء؛ لفقدان شرطها وهو الطهارة. و كذا لو اعتقد أنّه من المرتبة المتقدّمة فبان أنّه من المتأخّرة، كما أنّ التيمّم بالغبار متقدّم على الطين فتيمّم بالطين مع وجود الغبار فتيمّمه باطل و كذا صلاته ان صلّى به و يعيد صلاته أو يقضي لو فات وقتها.
1) - وسائل الشيعة 3: 354 / الباب 9 من أبواب التيمّم / الحديث 4.
(مسألة 13): المناط في الطين الذي من المرتبة الثالثة كونه على وجه يلصق باليد و لذا عبّر بعضهم عنه بالوحل فمع عدم لصوقه يكون من المرتبة الأولى ظاهرا و ان كان الأحوط تقديم اليابس و الندي عليه.
الشرح:
قال في المستمسك: «لأنّ الظاهر من الطين المعلّق عليه الحكم في النصوص على تقدير تعذّر الأرض و الغبار هو ذلك، و لا سيّما بملاحظة ما تقدّم من جواز التيمّم بالأرض الندية».(1)
أقول: و هو الظاهر من الطين، و لو لم يكن بمرتبة يلصق يكون من التراب الذي مرتبته متقدّمة على الغبار.
1) - مستمسك العروة 4: 391.
يشترط فيما يتيمّم به أن يكون طاهرا فلو كان نجسا بطل و ان كان جاهلاً بنجاسته أو ناسيا، و ان لم يكن عنده من المرتبة المتقدّمة الاّ النجس ينتقل الى اللاحقة، و ان لم يكن من اللاحقة أيضا الاّ النجس كان فاقد الطهورين و يلحقه حكمه. و يشترط أيضا عدم خلطه بما لايجوز التيمّم به كما مرّ، و يشترط أيضا اباحته و اباحة مكانه و الفضاء الذي يتيمّم فيه و مكان المتيمّم فيبطل مع غصبيّة أحد هذه مع العلم و العمد. نعم، لايبطل مع الجهل و النسيان.
الشرح:
يشترط فيما يتيمّم به أن يكون طاهرا كما في ماء الوضوء و الغسل فلو كان نجسا بطل و ان كان جاهلاً بنجاسته أو ناسيا؛ و ذلك لقوله تعالى: «فلم تجدوا ماءا فتيمّموا صعيدا طيّبا»(1)و قوله صلى الله عليه و آله: «جعلت لي الأرض مسجدا و
1) - النساء 4: 43.
طهورا»(1)، كما تقدّم. و كيف يكون التراب المتنجّس مطهّرا؟
قال في المدارك: «هذا مذهب الأصحاب، بل قال في المنتهى: «انّه لايعرف فيه مخالفا»، و استدلّ عليه بقوله تعالى:«فتيمّموا صعيدا طيّبا». و الطيّب هو الطاهر».(2)
و في الجواهر: «لايجوز التيمّم بالتراب النجس بلا خلاف أجده فيه، بل في المدارك و غيرها نسبته الى مذهب الأصحاب مؤذنا بالاجماع عليه و لعلّه كذلك؛ لاشتراط الطهارة فيه اجماعا في جامع المقاصد و كشف اللثام، و محتمل أو ظاهر الغنية و عن التذكرة و شرح الجعفريّة، و لانعرف فيه مخالفا في المنتهى.
و يدلّ عليه مضافا الى ذلك الوصف بالطيّب في الكتاب العزيز؛ اذ المراد به الطاهر. بل في جامع المقاصد: «انّه لايعقل كون النجس مطهّرا». و المشتبه بالمحصور يجتنب كالماء، بل لعلّه لايشرع الاحتياط بالتكرار.
و لا فرق بين كثرة التراب المتنجّس و قلّته مع وقوع الضرب عليه كما صرّح به في المنتهى؛ لفساد بعض الضرب المقتضي لفساد جميعه. نعم، لايقدح نجاسة غير المضروب قطعا. انتهى ملخّصا».(3)
و ان لم يكن عنده من المرتبة المتقدّمة الاّ النجس ينتقل الى اللاحقة؛ لتعذّر المشروط بتعذّر شرطه، و ان لم يكن من اللاحقة أيضا الاّ النجس كان فاقد الطهورين و يلحقه حكمه كما تقدّم.
و يشترط أيضا عدم خلطه بما لايجوز به التيمّم كما مرّ.
و يشترط أيضا اباحة التراب أو ما يتيمّم به من الأرض في جميع مراتبه؛ و ذلك لحرمة التصرّف في مال الغير بدون اذنه و حيث انّ التيمّم من العبادات
فلايجتمع مع المعصية. و أمّا المكان فلو كان التراب مثلاً في المكان المغصوب و عدّ التيمّم به التصرّف في مال الغير فيبطل و لو لم يعدّ فلايبطل، و كذلك الفضاء.
ثمّ انّ بطلان التيمّم بالأرض الغصبيّة أو المكان و الفضاء - ان عدّ تصرّفا فيهما - منوط بالعلم و العمد و أمّا مع الجهل أو النسيان فلايبطل.
ففي الجواهر: «و لايصحّ التيمّم بالتراب أو الحجر المغصوب أي الممنوع من التصرّف فيه شرعا اجماعا محكيّا في التذكرة و المنتهى ان لم يكن محصّلاً، علّق في اليد شيء فمسح به جبهته و يديه أو لا؛ للنهي المقتضي للفساد عقلاً و شرعا. و هذا واضح بناءً على جزئيّة الضرب من التيمّم بل و شرطيّته مع اعتبار النيّة فيه كما هو الأصل في كلّ ما أمر به.
نعم، لو لم يكن شرطا و كان كاغتراف الماء من الاناء أو كان شرطا لكن لم تعتبر النيّة فيه اتّجه عدم اقتضاء النهي الفساد حينئذٍ عقلاً - الى أن قال: - و كيف كان ففساد التيمّم دائر مدار النهي عنه شرعا و الاّ فلا فساد حيث لا نهي و لو لجهل أو غفلة يعذر فيه».(1)
(مسألة 1): اذا كان التراب أو نحوه في آنية الذهب أو الفضّة فتيمّم به مع العلم و العمد بطل؛ لأنّه يعدّ استعمالاً لهما عرفا.
الشرح:
اذا كان التراب أو نحوه في آنية الذهب أو الفضّة فتيمّم به مع العلم و العمد بطل؛ لأنّه يعدّ استعمالاً لهما عرفا فيكون محرّما و مبغوضا فلايصحّ التقرّب به، فيبطل قهرا كما في المهذّب(2)و تقدّم في بحث الأواني ما ينفع نظائر المقام.
(مسألة 2): اذا كان عنده ترابان مثلاً أحدهما نجس يتيمّم بهما كما أنّه اذا اشتبه التراب بغيره يتيمّم بهما، و أمّا اذا اشتبه المباح بالمغصوب اجتنب عنهما و مع الانحصار انتقل الى المرتبة اللاحقة و مع فقدها يكون فاقد الطهورين كما اذا انحصر في المغصوب المعيّن.
الشرح:
اذا كان عنده ترابان - مثلاً - أحدهما نجس يتيمّم بهما؛ و ذلك للعلم الاجمالي بأنّ أحدهما طاهر، و الفرض أنّ التيمّم بالتراب النجس فيهما لم يكن منجّسا و لم يؤمر باجتنابه كالماءين اللذين أحدهما نجس. و كذلك اذا اشتبه التراب بغيره يتيمّم بهما؛ لما ذكر. و أمّا اذا اشتبه المباح بالمغصوب اجتنب عنهما؛ للعلم الاجمالي المنجّز هنا بالتجنّب و عدم الاستعمال، مع أنّ احراز اباحة ما يتيمّم به شرط في صحّته، و لو عصى و تيمّم بهما و حصل منه قصد القربة صحّ تيمّمه؛ لأنّ أحدهما وقع بالتراب المباح.
(مسألة 3): اذا كان عنده ماء و تراب و علم بغصبيّة أحدهما لايجوز الوضوء و لا التيمّم و مع الانحصار يكون فاقد الطهورين، و أمّا لو علم نجاسة أحدهما أو كون أحدهما مضافا يجب عليه مع الانحصار الجمع بين الوضوء و التيمّم و صحّت صلاته.
الشرح:
اذا كان عنده ماء و تراب و علم بغصبيّة أحدهما لايجوز الوضوء و لا التيمّم؛ للعلم الاجمالي بحرمته التصرّف في أحدهما و هو منجّز و مع الانحصار يكون فاقد الطهورين.
قال في المستمسك: «و ما يتوهّم من أنّ أصالة الحلّ في الماء توجب الوضوء به و يخرج التراب عن كونه محلاًّ للابتلاء لعدم صحّة التيمّم به، فلايكون مجرى
لأصالة الحلّ كي تعارض أصالة الحلّ في الماء.
مندفع بأنّ الابتلاء بالتراب لايختصّ بالتيمّم به، بل يكفي فيه كونه معرضا للتصرّف فيه و لو بالمسّ و نحوه».(1)
و أمّا لو علم نجاسة أحدهما فلو كان الوقت واسعا يتيمّم أوّلاً فيصلّي، ثمّ يتوضّأ و يعيد صلاته، ففي هذه الصورة يتيقّن بامتثال الأمر، و أمّا لو توضّأ و تيمّم ثمّ صلّى فلعلّه قد تنجّست أعضاؤه. و كذا لو توضّأ أوّلاً و صلّى ثمّ تيمّم و أعاد الصلاة.
و لو لم يكن الوقت واسعا لتكرار الصلاة فيجمع بين التوضّؤ و التيمّم و الصلاة ثمّ يقضي صلاته. و لو علم أنّ أحدهما مضاف بأن كان التراب مخلوطا بغيره ممّا لايصحّ التيمّم معه، فهنا يتوضّأ و يتيمّم و يصلّي و تصحّ صلاته؛ لأنّه لم يؤمر بالاجتناب عن الجميع.
(مسألة 4): التراب المشكوك كونه نجسا يجوز التيمّم به الاّ مع كون حالته السابقة النجاسة.
التراب المشكوك كونه نجسا يجوز التيمّم به؛ لأصالة الطهارة. نعم، لو كان له حالة سابقة بالنجاسة فلايجوز التيمّم به؛ لاستصحاب نجاسته.
(مسألة 5): لايجوز التيمّم بما يشكّ في كونه ترابا أو غيره ممّا لايتيمّم به كما مرّ فينتقل الى المرتبة اللاحقة ان كانت و الاّ فالأحوط الجمع بين التيمّم به و الصلاة ثمّ القضاء خارج الوقت أيضا.
الشرح:
1) - مستمسك العروة 4: 394.
لايجوز التيمّم بما يشكّ في كونه ترابا أو غيره ممّا لايتيمّم به؛ لوجوب احراز صلاحية التيمّم به، الاّ أن يكون له حالة سابقة لصحّة التيمّم به. فلو انحصر فينتقل الى المرتبة اللاحقة ان كانت و الاّ فالأحوط الجمع بين التيمّم به و الصلاة ثمّ القضاء خارج الوقت أيضا؛ لعدم احراز البراءة عن التكليف.
(مسألة 6): المحبوس في مكان مغصوب يجوز أن يتيمّم فيه على اشكال؛ لأنّ هذا المقدار لايعدّ تصرّفا زائدا بل لو توضّأ بالماء الذي فيه و كان ممّا لا قيمة له يمكن أن يقال بجوازه و الاشكال فيه أشدّ، و الأحوط الجمع فيه بين الوضوء و التيمّم و الصلاة ثمّ اعادتها أو قضاؤها بعد ذلك.
الشرح:
قال في التنقيح: «قد بيّنّا أنّ حلّيّة ما يتيمّم به من الشرائط المعتبرة في صحّته، و مقتضى ذلك بطلان التيمّم في المكان المغصوب الاّ أنّه محكوم بصحّته لأجل الاضطرار؛ اذ التصرّف في المغصوب و ان كان محرّما الاّ أنّه ما من شيء حرّمه اللّه الاّ و قد أحلّه عند الضرورة. هذا مضافا الى أنّ ضرب الكفّين على الأرض لايعدّ تصرّفا عند العرف، و لذا لم يستشكل أحد في الاتّكاء و الاعتماد على حائط الغير أو ضرب اليد عليه. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
المحبوس في مكان مغصوب لايحرم عليه التصرّف فيه بالنوم و القعود و القيام و غيرها ممّا يضطرّ اليه و لايكون عاصيا، و من جملة الأفعال التي يضطرّ اليها الغسل و الوضوء و التيمّم، فيجوز له تلك الأفعال و كذا الصلاة و العبادات الأخر.
1) - التنقيح في شرح العروة 10: 244 و 245.
(مسألة 7): اذا لم يكن عنده من التراب أو غيره ممّا يتيمّم به ما يكفي لكفّيه معا يكرّر الضرب حتّى يتحقّق الضرب بتمام الكفّين عليه، و ان لم يمكن يكتفي بما يمكن و يأتي بالمرتبة المتأخّرة أيضا ان كانت و يصلّي، و ان لم تكن فيكتفي به و يحتاط بالاعادة أو القضاء أيضا.
الشرح:
اذا لم يكن عنده من التراب أو غيره ممّا يتيمّم به ما يكفي لضرب كفّيه معا، يكرّر الضرب حتّى يتحقّق الضرب بتمام الكفّين عليه، هذا بناءً على أنّ ضرب الكفّين معا في الروايات الآتية في الفصل المتعلّق بكيفيّة التيمّم مشروط بالتمكّن لا مطلقا و الظاهر ذلك. و ان لم يمكنه أن يضرب بتمام الكفّين و لو بالنحو المذكور يأتي بالمرتبة المتأخّرة الى أن يعدّ من فاقد الطهورين.
(مسألة 8): يستحبّ أن يكون على ما يتيمّم به غبار يعلّق باليد و يستحبّ أيضا نفضها بعد الضرب.
اجماعا و لنصوص كثيرة محمولة على الندب بقرينة الاجماع، منها قول أبي جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة:
«تضرب بيديك مرّتين ثمّ تنفضهما».(1)
(مسألة 9): يستحبّ أن يكون ما يتيمّم به من ربى الأرض و عواليها لبعدها عن النجاسة.
قال في المهذّب: «لتفسير الصعيد بما ارتفع من الأرض في الرضوي القاصر
1) - وسائل الشيعة 3: 361 / الباب 12 من أبواب التيمّم / الحديث 4.
عن اثبات الوجوب مضافا الى دعوى الاجماع من جمع».(1)
(مسألة 10): يكره التيمّم بالأرض السبخة اذا لم يكن يعلوها الملح و الاّ فلايجوز و كذا يكره بالرمل و كذا بمهابط الأرض و كذا بتراب يوطأ و بتراب الطريق.
قال في المهذّب: «أمّا أصل الجواز في الجمع فلاطلاقات الأدلّة و عموماتها و ظهور الاجماع، و أمّا الكراهة في الأوّل فنقل عليها الاجماع عن جمع منهم العلاّمة في التذكرة، و في الثاني نسب الى المشهور، و في الثالث ادّعى عليها الاجماع، و الكلّ يكفي في الكراهة؛ بناءً على المسامحة فيها.
و أمّا الأخيرين فلما عن أميرالمؤمنين عليه السلام : «لا وضوء الاّ من موطإ» أي لا طهور ممّا تطأ عليه برجلك، كما قال النوفلي.
و في خبر آخر: نهى أميرالمؤمنين عليه السلام أن يتيمّم الرجل بتراب من أثر الطريق».(2)
و يجب فيه أمور:
«الأوّل»: ضرب باطن اليدين معا دفعة على الأرض فلايكفي الوضع بدون الضرب و لا الضرب باحداهما و لا بهما على التعاقب و لا الضرب بظاهرهما حال الاختيار. نعم، في حال الاضطرار يكفي الوضع. و مع تعذّر ضرب احداهما يضعها و يضرب بالأخرى و مع تعذّر الباطن فيهما أو في احداهما ينتقل الى الظاهر فيهما أو في احداهما، و نجاسة الباطن لاتعدّ عذرا فلاينتقل معها الى الظاهر.
«الثاني»: مسح الجبهة بتمامها و الجبينين بهما من قصاص الشعر الى طرف الأنف الأعلى و الى الحاجبين و الأحوط مسحهما أيضا. و يعتبر كون المسح بمجموع الكفّين على المجموع فلايكفي المسح ببعض كلّ من اليدين و لا مسح بعض الجبهة و الجبينين. نعم، يجزئ التوزيع فلايجب المسح بكلّ من اليدين على تمام أجزاء الممسوح.
«الثالث»: مسح تمام ظاهر الكفّ اليمنى بباطن اليسرى ثمّ مسح تمام
ظاهر اليسرى بباطن اليمنى من الزند الى أطراف الأصابع. و يجب من باب المقدّمة ادخال شيء من الأطراف، و ليس ما بين الأصابع من الظاهر فلايجب مسحها؛ اذ المراد به ما يماسّه ظاهر بشرة الماسح بل الظاهر عدم اعتبار التعميق و التدقيق فيه بل المناط صدق مسح التمام عرفا.
الشرح:
في كيفيّة التيمّم:
يجب ضرب اليدين معا على الأرض أو وضعهما عليها بحيث يكون شبيها بالضرب، و مسح الجبهة بهما ثمّ مسح كفّيه احداهما على ظهر الأخرى؛ يدلّ على ذلك روايات:
منها حسنة الكاهلي (عبداللّه بن يحيى) قال:
«سألته عن التيمّم؟ فضرب بيديه على البساط فمسح بهما وجهه ثمّ مسح كفّيه احداهما على ظهر الأخرى».(1)
أقول:
انّ غرض الامام عليه السلام من ضرب يديه على البساط هو تعليم كيفية التيمّم لا ما يتيمّم به.
و منها صحيحة أبي أيّوب الخرّاز عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن التيمّم؟ فقال: انّ عمّارا أصابته جنابة فتمعّك كما تتمعّك الدابّة، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله: يا عمّار، تمعّكت كما تتمعّك الدابّة؟ فقلت له: كيف التيمّم؟ فوضع يده على المِسح(2)ثمّ رفعها فمسحوجهه ثمّ مسح فوق الكفّ قليلاً».(3)
و قد مرّ آنفا وجهه و هو تعليم الكيفيّة.
و منها صحيحة داود بن النعمان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التيمّم؟ قال: انّ عمّارا أصابته جنابة فتمعّك كما تتمعّك الدابّة، فقال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله و هو يهزأ به: يا عمّار تمعّكت كما تتمعّك الدابّة؟ فقلنا له: فكيف التيمّم؟ فوضع يديه على الأرض ثمّ رفعهما فمسح وجهه و يديه فوق الكفّ قليلاً».(1)
أقول:
انّ الظاهر من هذه الروايات هو ضرب اليدين معا على الأرض أو الوضع الذي يكون شبيها بالضرب؛ جمعا بينها، و الاكتفاء بضربة واحدة لليدين و الوجه و أنّ المراد من الوجه هو الجبين كما في صحيحة عمرو بن أبي المقدام عن أبي عبداللّه عليه السلام :
«انّه وصف التيمّم فضرب بيديه على الأرض ثمّ رفعهما فنفضهما، ثمّ مسح على جبينه و كفّيه مرّة واحدة».(2)
و صحيحة زرارة قال:
«قال أبو جعفر عليه السلام : قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله ذات يوم لعمّار في سفر له: يا عمّار، بلغنا أنّك أجنبت، فكيف صنعت؟ قال: تمرّغت - يا رسول اللّه - في التراب، قال: فقال له: كذلك يتمرّغ الحمار، أفلاصنعت كذا، ثمّ أهوى بيديه الى الأرض فوضعهما على الصعيد، ثمّ مسح جبينه بأصابعه و كفّيه احداهما بالأخرى، ثمّ لم يعدذلك».(3)
و موثّقة زرارة قال:
«سألت أبا جعفر عليه السلام عن التيمّم؟ فضرب بيده الى الأرض ثمّ رفعها فنفضها ثمّ مسح بها جبينه و كفّيه مرّة واحدة».(1)
وموثّقة أخرى لزرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«أتى عمّار بن ياسر رسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال: يا رسول اللّه، انّي أجنبت الليلة فلم يكن معي ماء، قال: كيف صنعت؟ قال: طرحت ثيابي و قمت على الصعيد فتمعّكت فيه، فقال: هكذا يصنع الحمار، انّما قال اللّه عزّوجلّ: «فتيمّموا صعيدا طيّبا» فضرب بيده على الأرض ثمّ ضرب احداهما على الأخرى ثمّ مسح بجبينه ثمّ مسح كفّيه كلّ واحدة على الأخرى فمسح اليسرى على اليمنى و اليمنى على اليسرى».(2)
و يظهر من هذه الروايات وجوب ضرب باطن الكفّين على الأرض معا، و لايكفي التفريق بينهما بأن يضرب احداهما أوّلاً ثمّ يضرب ثانيتهما، و أنّ المسح على الجبين يكون من قصاص الشعر الى طرف الأنف، و يعتبر أن يكون ذلك المسح بيديه معا، و يجب مسح ظهر اليمنى بباطن اليسرى و ظهر اليسرى بباطن اليمنى من الزند الى أطراف الأصابع؛ لأنّ هذا المقدار يكون ظهرهما.
قال في المدارك: «قد أجمع الأصحاب على وجوب وضع اليدين معا على الأرض و شرطيّته في التيمّم. و الأظهر اعتبار الضرب و هو الوضع المشتمل على الاعتماد الذي يحصل به مسمّاه عرفا، فلايكفي الوضع المجرّد عنه؛ لورود الأمربالضرب في عدّة أخبار صحيحة. و ان اكتفى الشهيد رحمه الله في الذكرى بمسمّى الوضع و ان لم يحصل معه اعتماد، الاّ أنّ ضعفه ظاهر.
و يعتبر في الضرب كونه بباطن الكفّين؛ لأنّه المعهود من الضرب و الوضع. و لايشترط علوق شيء من التراب على يديه ليستعمله في الأعضاء الممسوحة؛ لانتفاء الدليل عليه، و لاجماع علمائنا على استحباب نفض اليدين بعد الضرب، و ورود الأخبار الصحيحة به.
و يجب مسح الجبهة من قصاص شعر الرأس الى طرف الأنف، و المراد به الأعلى كما سنبيّنه. قال في الذكرى: «و هذا القدر متّفق عليه بين الأصحاب». و أوجب الصدوق رحمه الله في من لايحضره الفقيه مسح الجبينين و الحاجبين أيضا و قال أبوه رحمه الله: «يمسح الوجه بأجمعه».
و المعتمد وجوب مسح الجبهة و الجبينين خاصّة؛ لنا قوله تعالى: «فامسحوا بوجوهكم و أيديكم منه» و الباء للتبعيض بالنصّ الصحيح.(1)
أمّا مسح الحاجبين بخصوصهما فلم أقف على مستنده، و الأولى المسح بمجموع الكفّين (عملاً بجميع الأخبار).
و يجب مسح ظاهر الكفّين، و حدّهما الزند بفتح الزاي و هو موصل الكفّ في الذراع، و يسمى الرُسغ. و نقل ابن ادريس رحمه الله عن بعض الأصحاب أنّ المسح على اليدين من أصول الأصابع الى رؤوسها. و قال علي بن بابويه رحمه الله: «امسح يديك من المرفقين الى الأصابع». و المعتمد الأوّل.
لنا قوله تعالى: «فامسحوا بوجوهكم و أيديكم» و الباء للتبعيض.
و أيضا فانّ اليد هي الكفّ الى الرسغ؛ يدلّ عليه قوله تعالى: «و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما» و الاجماع منّا و من العامّة منعقد على أنّها لاتقطع من فوق الرسغ، و ما ذاك الاّ لعدم تناول اليد له حقيقة.
و يدلّ عليه أيضا الأخبار المستفيضة، كقول أبي جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة: «ثمّ مسح وجهه و كفّيه، و لم يمسح الذراعين بشيء» - الى أن قال: - و ينبغي التنبيه لأمور:
1) - وسائل الشيعة 3: 364 / الباب 13 من أبواب التيمّم / الحديث 1.
«الأوّل»: المشهور بين الأصحاب أنّ محلّ المسح في الكفّين ظهورهما لا بطونهما بل ظاهر كلامهم أنّ ذلك مجمع عليه من القائلين بعدم وجوب الاستيعاب، و يدلّ عليه حسنة الكاهلي المتقدّمة.
«الثاني»: يجب البدأة في مسح الكفّ بالزند الى أطراف الأصابع.
«الثالث»: يجب تقديم اليمنى على اليسرى باجماعنا، قاله في التذكرة.
«الرابع»: يعتبر في المسح كونه بباطن الكفّ اختيارا؛ لأنّه المعهود.
«الخامس»: لو كان له يد زائدة فكما سلف في الوضوء.
«السادس»: الترتيب على النحو الذي تقدّم و هو مجمع عليه بين الأصحاب.
و يجب أيضا المباشرة بنفسه الاّ في حال الضرورة، و الموالاة و طهارة مواضع المسح من النجاسة، و لو تعذّرت الازالة سقط اعتبارها. انتهى ملخّصا».(1)
أقول: ما ذكره من الواجبات موافق للروايات المتقدّمة و لفتوى المشهور.
1) - مدارك الأحكام 2: 217 - 228.
و أمّا شرائطه فهي أيضا أمور:
«الأوّل»: النيّة مقارنة لضرب اليدين على الوجه الذي مرّ في الوضوء و لايعتبر فيها قصد رفع الحدث بل و لا الاستباحة.
«الثاني»: المباشرة حال الاختيار.
«الثالث»: الموالاة و ان كان بدلاً عن الغسل و المناط فيها عدم الفصل المخلّ بهيئته عرفا بحيث تمحو صورته.
«الرابع»: الترتيب على الوجه المذكور.
«الخامس»: الابتداء بالأعلى و منه الى الأسفل في الجبهة و اليدين.
«السادس»: عدم الحائل بين الماسح و الممسوح.
«السابع»: طهارة الماسح و الممسوح حال الاختيار.
الشرح:
في شرائط التيمّم و هي أمور:
الأوّل: في النيّة و هي عبارة عن العمل قاصدا للّه تعالى و اطاعة لأمره و كسبا لمرضاته و تقرّبا اليه، و لاتحتاج الى التلفّظ باللسان و لا الخطور بالجنان بل هي التي حرّكته لهذا الفعل و تكون مرتكزة في نفس من أراد الامتثال لأمره تعالى مستمرّة الى انتهاء العمل، و قد أوضحناها تفصيلاً في البحث عن الصلاة و غيرها من العبادات، و ما يكون منافيا له من الرياء المبطل، و العُجب المانع و كذا السُمعة و هي نقل العمل بعده ليعرّف نفسه بالصلاح.
قال في المدارك: «النيّة شرط في صحّة التيمّم باجماع العلماء و معناها القصد بالقلب اليه، و يعتبر فيها قصد الطاعة و الامتثال لأمر اللّه عزّوجلّ؛ لعدم تحقّق الاخلاص بدونه. و في اعتبار ملاحظة الوجه و الاستباحة القولان. و في اعتبار نيّة البدليّة عن الوضوء أو الغسل فيما كان بدلاً عنهما أقوال. و الأصحّ عدم اعتبار ذلك مطلقا.
و اختلف الأصحاب في محلّ النيّة. فذهب الأكثر الى أنّه عند الضرب على
الأرض؛ لأنّه أوّل أفعال التيمّم. و يشترط استدامة حكمها حتّى يفرغ من التيمّم، بمعنى أن لاينوي نيّة تنافي النيّة الأولى. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
لايعتبر نيّة الوجه و لا الاستباحة؛ لعدم الدليل عليهما، و أمّا نيّة البدليّة فهي حاصلة لمن لم يجد الماء و يعلم تكليفه. و أمّا وجوبها عند الضرب على الأرض لأنّه يكون الجزء الأوّل من التيمّم، فلو أحدثت بعده و قبل مسح الجبهة يجب عليه الاستئناف. و يشترط أيضا استدامة حكمها الى أن يفرغ كما في المدارك.
الثاني: المباشرة حال الاختيار، كما هي واجبة للصلاة و الصوم و الطهارات الثلاث؛ لقوله تعالى: «فتيمّموا صعيدا طيّبا» فانّ الخطاب لمن يريد الصلاة، و حقيقة الأمر طلب الفعل من المأمور به. و يجب الاستنابة عند الضرورة في الأفعال دون النيّة عند علمائنا - كما في المدارك - و هذا الوجوب عقلي بل يمكن الوقوف على الدليل النقلي في أفعال الوضوء و الغسل و الصلاة و الحجّ لمن لايقدر بنفسه و يحتاج الى معين. و على هذا فيضرب المعين بيدي العليل ان أمكن و الاّ فيضرب يدي نفسه.
الثالث: الموالاة؛ لأنّ التيمّم أمر وحداني مركّب من الضرب و المسحتين، فاذا انقطع بين هذه الأفعال لم يصدق عليه التيمّم، كالوضوء الذي يعتبر فيه الموالاة و قد تقدّم.
قال في المدارك: «و قد قطع الأصحاب باعتبارها، و أسنده في المنتهى الى علمائنا».(2)
قال في التنقيح: «لم يرد اعتبار الموالاة في دليل لفظي في المقام، و الاجماع المدّعى في المقام منقول لايمكن الاعتماد عليه. نعم، مقتضى الارتكاز المتشرّعي أنّ للعبادات المركّبة هيئة و صورة بحيث لو لم يؤت بأجزائها متوالية بأن تخلّل بينها فصل طويل و لم يصدق عليها أنّها عمل واحد بطلت، فلو أتى بجزء منها في
وقت ثمّ بجزئه الآخر في وقت آخر بعد فصل طويل لم يصدق أنّ ما أتى به صلاة أو وضوء أو تيمّم أو غيرها.
و بهذا اعتبرنا التوالي في الصلاة، و الاّ لم يقم دليل لفظي على اعتبارها بين أجزائها. - الى أن قال: - و هل يفرق في اعتبار الموالاة في أجزاء التيمّم بين التيمّم الذي هو بدل عن الغسل و بين التيمّم الذي هو بدل عن الوضوء؟ الصحيح عدم الفرق؛ لأنّ اعتبارها من جهة الارتكاز المقتضي لاعتبارها بين أجزاء العبادات المركّبة بحيث لو وقع بينها فصل طويل بنحو لاتعدّ الأجزاء عملاً واحدا بطلت فلا فرق في اعتبارها بين أقسام التيمّم. انتهى ملخّصا».(1)
الرابع: الترتيب بين أفعال التيمّم و هي الضرب على الأرض ثمّ مسح الجبهة و الجبينين ثمّ مسح ظهر الكفّين يبتدأ بمسح اليسرى على اليمنى، ثمّ يمسح اليمنى على اليسرى. و الترتيب بهذه الكيفيّة ظاهر الروايات المذكورة في كيفيّة التيمّم بل صريحها، فلو خالف ذلك عمدا أو سهوا يبطل التيمّم.
و في المدارك: «الترتيب مجمع عليه بين الأصحاب - قاله في التذكرة و المنتهى - و دلّت عليه ظواهر النصوص. انتهى ملخّصا».(2)
الخامس: الابتداء بالأعلى و منه الى الأسفل في الجبهة و اليدين. و تقدّم الدليل على ذلك في الفرع الأوّل من كلام صاحب المدارك.
السادس: عدم الحائل بين الماسح و الممسوح؛ و ذلك لظاهر قوله تعالى: «فلم تجدوا ماءا فتيمّموا صعيدا طيّبا، فامسحوا بوجوهكم و أيديكم».(3)
و كذلك ظاهر الروايات الواردة في كيفيّة التيمّم، فانّ المستفاد من قوله عليه السلام في حسنة الكاهلي: «فضرب بيديه على البساط فمسح بهما وجهه ثمّ مسح كفّيه
احداهما على ظهر الأخرى»، هو عدم الحائل في يديه و جبهته، و كذا في الممسوح. و ان كان هنا للتعليم. و كذا الروايات الواردة في تمرّغ عمّار و تعليمه صلى الله عليه و آله ايّاه بضرب يده على الصعيد و مسحه بجبينه و مسح كفّيه كما في موثّقة زرارة.(1)
قال في التنقيح: «لأنّ المسح عبارة عن مسّ الماسح و مروره على الممسوح، و مع وجود الحائل لاتتحقّق المماسّة التي هي المحقّقة للمسح. و من هنا يظهر أنّ عدّ ذلك من الشرائط مبني على التسامح؛ لأنّه محقّق الموضوع و المسح، لا أنّه شيء زائد على حقيقته و هو شرط في صحّته، بل لولاه لم يتحقّق المسح و الموضوع أصلاً، فاطلاق الشرط عليه مبني على ضرب من التسامح، و هو نظير ما اذا قيل: يشترط في الوضوء غسلتان و مسحتان، و هذا ظاهر».(2)
أقول: عدّ ذلك من الشرائط صحيح؛ لأنّا نقول: لو كان في ظاهر يديه و باطنهما جبيرة، يضرب بيديه على الأرض و يمسح جبينه و ظهر كفّيه، فانّ الشرط هنا يسقط للاضطرار.
السابع: طهارة الماسح و الممسوح، أمّا طهارة الصعيد فتقدّم الدليل عليه من الكتاب و السنّة من قوله تعالى: «فتيمّموا صعيدا طيّبا»، و كذلك السنّة. و أمّا طهارة الماسح فانّها المستفادة عرفا من الروايات.
قال في المهذّب: «لما عن الشهيد من دعوى الاجماع، و لأصالة المساواة بين الطهارتين. و أشكل على الأوّل بخلوّ كلمات القدماء عن التعرّض لهذا الشرط و على الأخير بعدم ثبوت هذا الأصل. و يردّ الأوّل بأنّ عدم التعرّض كان لأجل مسلّمية الحكم لديهم. و الثاني فلا محلّ للأصل هنا كما لا محلّ للتمسّك بالاطلاق للشكّ فيه».(3)
نعم، في حال الاضطرار لايشترط طهارة الماسح و الممسوح. و في المهذّب أرسله ارسال المسلمات الفقهيّة، و ما هو المقطوع به لدى الفقهاء في كلّ عصر.(1)
(مسألة 1): اذا بقي من الممسوح ما لم يمسح عليه و لو كان جزءا يسيرا بطل، عمدا كان أو سهوا أو جهلاً لكن قد مرّ أنّه لايلزم المداقّة و التعميق.
الشرح:
تقدّم أنّ الواجب بعد ضرب الكفّين على الأرض هو مسح الجبهة و الجبينين بتمامه و كذا مسح تمام ظهر الكفّين بباطنهما، و لو بقي من الممسوح شيء لم يمسح عليه بحيث يشهد العرف بعدم مسحها بتمامه بطل التيمّم مطلقا و ان كان سهوا أو جهلاً لو لم يستأنف مع رعاية الموالاة؛ لأنّ الأصل في تدخّل الأجزاء و الشرائط أن تكون واقعيّة. نعم، قد مرّ أنّ المسح على الوجه و ظهر الكفّ بحسب العرف و لايلزم المداقّة.
(مسألة 2): اذا كان في محلّ المسح لحم زائد يجب مسحه أيضا و اذا كانت يد زائدة فالحكم فيها كما مرّ في الوضوء.
تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الحاديه عشرة من فصل أفعال الوضوء.
(مسألة 3): اذا كان على محلّ المسح شعر يكفي المسح عليه و ان كان في الجبهة بأن يكون منبته فيها، و أمّا اذا كان واقعا عليها من الرأس فيجب رفعه؛ لأنّه من الحائل.
الشرح:
1) - مهذّب الأحكام 4: 420.
الدليل على صدر المسألة هو اطلاق الأدلّة مع وجود الشعر على ظهر الكفّ غالبا، و أمّا في الجبهة فان كان كثيرا بحيث قد أحاط البشرة فان لم يكن عسر و حرج يجب ازالته؛ لندرة وجوده و الشكّ في الاطلاق بالنسبة اليه. و أمّا اذا كان الشعر ساقطا عليها من الرأس فيجب رفعه؛ لأنّه من الحائل.
(مسألة 4): اذا كان على الماسح أو الممسوح جبيرة يكفي المسح بها أو عليها.
الشرح:
يدلّ على ذلك الروايات الواردة في الجبائر بالنسبة الى الوضوء و الغسل، فكما أنّه اذا كان على عضو من أعضاء الغسل أو المسح جبيرة وجب غسلها أو مسحها فكذلك يكون فيما نحن فيه.
(مسألة 5): اذا خالف الترتيب بطل و ان كان لجهل أو نسيان.
لاطلاق دليل اعتباره.
(مسألة 6): يجوز الاستنابة عند عدم امكان المباشرة فيضرب النائب بيد المنوب عنه و يمسح بها وجهه و يديه و ان لم يمكن الضرب بيده فيضرب بيده نفسه.
كما تقدّم في شرائط التيمّم عند توضيح المباشرة.
(مسألة 7): اذا كان باطن اليدين نجسا وجب تطهيره ان أمكن و الاّ سقط اعتبار طهارته و لاينتقل الى الظاهر الاّ اذا كانت نجاسته مسرية الى ما يتيمّمبه و لم يمكن تجفيفه.
الشرح:
اذا كان باطن اليدين نجسا وجب تطهيره ان أمكن؛ لشرطيّة طهارة الماسح على ما تقدّم. و ان لم يمكن تطهيره فالظاهر سقوط اعتبار طهارته و لاينتقل الى الظاهر؛ لعدم انعقاد الاجماع على ذلك الاّ اذا كانت نجاسة مسرية الى ما يتيمّم به و لم يمكن تجفيفه.
(مسألة 8): الأقطع باحدى اليدين يكتفي بضرب الأخرى و مسح الجبهة بها ثمّ مسح ظهرها بالأرض، و الأحوط الاستنابة لليد المقطوعة فيضرب بيده الموجودة مع يد واحدة للنائب و يمسح بهما جبهته و يمسح النائب ظهر يده الموجودة و الأحوط مسح ظهرها على الأرض أيضا، و أمّا أقطع اليدين فيمسح بجبهته على الأرض و الأحوط مع الامكان الجمع بينه و بين ضرب ذراعيه و المسح بهما و عليهما.
الشرح:
الأقطع باحدى اليدين يكتفي بضرب الأخرى و مسح الجبهة بها ثمّ مسح ظهرها بالأرض. و أمّا أقطع اليدين فيمسح بجبهته على الأرض، و ان لم يتمكّن من ذلك يستنيب في ذلك. و ليس هنا دليل بالخصوص، الاّ أنّ ذلك يستفاد من الروايات الواردة في الصلاة ممّن لم يتمكّن من القيام أو الركوع أو السجود، بل هنا يستفاد من قاعدة الميسور المطابقة للعقل. نعم، لايترك الاحتياط بضرب ذراعه في الأوّل، و ذراعيه في الثاني أيضا.
قال في المدارك: «أمّا سقوط مسح الفائت فظاهر؛ اذ لاتكليف بالممتنع، و أمّا وجوب مسح الجبهة و الباقي من الكفّ فلأنّ الواجب مسح الجميع مع وجوده، فاذا سقط التكليف بمسح البعض لامتناعه لم يسقط البعض الآخر.
و قال الشيخ في المبسوط: «و اذا كان مقطوع اليدين من الذراعين سقط عنه
فرض التيمّم و يستحبّ أن يمسح ما بقي». و الظاهر أنّ مراده باستحباب مسح ما بقي من الذراعين و بسقوط فرض التيمّم سقوطه بالنسبة الى ظاهر الكفّين لا مطلقا؛ اذ لو كان فرض التيمّم من أصله ساقطا لسقطت الصلاة عنه، و هو معلوم البطلان».(1)
(مسألة 9): اذا كان على الباطن نجاسة لها جرم يعدّ حائلاً و لم يمكن ازالتها فالأحوط الجمع بين الضرب به و المسح به و الضرب بالظاهر و المسح به.
الشرح:
تقدّم اشتراط طهارة باطن الكفّ بالتمكّن منها، فلو لم يتمكّن فيجب عليه التيمّم بباطن الكفّ و اذا كان على الباطن نجاسة لها جرم يعدّ حائلاً و لم يمكن ازالتها فيكون مثل الجبيرة، و ان كان الاحتياط بالجمع بين الضرب به و المسح به و الضرب بالظاهر و المسح به لايترك.
(مسألة 10): الخاتم حائل فيجب نزعه حال التيمّم.
تقدّم في المسألة الأولى أنّ الواجب المسح على البشرة و لايجوز اسقاط جزء منه فيجب نزع الخاتم حال التيمّم.
1) - مدارك الأحكام 2: 234 و 235.
(مسألة 11): لايجب تعيين المبدل منه مع اتّحاد ما عليه و أمّا مع التعدّد كالحائض و النفساء مثلاً فيجب تعيينه و لو بالاجمال.
الشرح:
ان كان مراد المصنّف من قوله: «لايجب تعيين المبدل منه ... » عدم وجوب نيّة نوع السبب الموجب للمبدل منه أي الوضوء أو الغسل مع عدم تمكّنهما بمعنى كونه سببا عن حدث البول أو النوم مثلاً كما يشهد لارادة هذا المعنى قوله رحمه الله: «و أمّا مع التعدّد كالحائض و النفساء» فهذا لا اشكال في عدم وجوبه.
و أمّا مع التعدّد كالحائض و النفساء و الجنابة فيجب تعيينه و لو بالاجمال.
(مسألة 12): مع اتّحاد الغاية لايجب تعيينها و مع التعدّد يجوز قصد الجميع و يجوز قصد ما في الذمّة كما يجوز قصد واحدة منها فيجزي عن الجميع.
الشرح:
تقدّم أنّ التيمّم أحد الطهورين لمن لم يجد الماء، و يجب لما يشترط فيه الطهارة، و سيجيء البحث عن جواز كونه بدلاً عن الوضوء للكون على الطهارة في المسألة العاشرة في فصل أحكام التيمّم. انّما الكلام في وجوب تعيين غايته، فان قلنا بشرعيّة بدله عن الوضوء أو الغسل للكون على الطهارة فيكفيه ذلك في أيّ زمان كان. نعم، اذا أراد الصلاة و قد دخل الوقت فانّ غاية تيمّمه تكون الصلاة قهرا و كذا بالنسبة الى سائر ما أراد فعله ممّا يشترط فيه الطهارة كالطواف و صلاته، و الصوم لمن كان جنبا في شهر رمضان أو غيره من قضائه أو نذر و شبهيه و نحوها. و بالجملة فالظاهر ما ذهب اليه المصنّف هنا لا اشكال فيه، فمع اتّحاد الغاية لايجب تعيينها؛ لأنّه غاية قهرا، و مع التعدّد يجوز قصد الجميع و يجوز قصد ما في الذمّة كما يجوز قصد واحدة.
(مسألة 13): اذا قصد غاية فتبيّن عدمها بطل و ان تبيّن غيرها صحّ له اذا كان الاشتباه في التطبيق و بطل ان كان على وجه التقييد.
الشرح:
اذا قصد غاية فتبيّن عدمها بطل؛ لعدم الأمر، الاّ أن يقال باستحباب الأمر النفسي في التيمّم فسيجيء في الفصل الآتي. و ان تبيّن غيرها صحّ له اذا كان الاشتباه في التطبيق؛ لأنّه قصد أمره الفعلي. و ان كان على وجه التقييد بحيث لو علم به لم يأت بالتيمّم ففيه اشكال، الاّ أن نقول باستحبابه النفسي.
(مسألة 14): اذا اعتقد كونه محدثا بالحدث الأصغر فقصد البدليّة عن الوضوء فتبيّن كونه محدثا بالأكبر فان كان على وجه التقييد بطل، و ان أتى به من باب الاشتباه في التطبيق أو قصد ما في الذمّة صحّ، و كذا اذا اعتقد كونه جنبا فبان عدمه و أنّه ماسّ للميت مثلاً.
قد علم حكم هذه المسألة من المسألة السابقة، و تقدّمت هذه المسائل في الوضوء.
(مسألة 15): في مسح الجبهة و اليدين يجب امرار الماسح على الممسوح فلايكفي جرّ الممسوح تحت الماسح. نعم، لاتضرّ الحركة اليسيرة في الممسوح اذا صدق كونه ممسوحا.
الشرح:
في مسح الجبهة و اليدين يجب امرار الماسح على الممسوح و ذلك لما تقدّم من قوله تعالى: «فامسحوا بوجوهكم و أيديكم»، و ما تقدّم من السنّة من قوله صلى الله عليه و آلهفي الروايات المتعدّدة: «فمسح وجهه و يديه». فلايكفي جرّ الممسوح تحت الماسح؛ لأنّه خلاف ظاهر الآية و الرواية. نعم، لا بأس بالحركة اليسيرة اذاصدق كونه ممسوحا.
(مسألة 16): اذا رفع يده في أثناء المسح ثمّ وضعها بلا فصل و أتمّ فالظاهر كفايته و ان كان الأحوط الاعادة.
الشرح:
اذا رفع يده في أثناء المسح ثمّ وضعها بلا فصل و أتمّ فالظاهر كفايته؛ لاطلاق الأدلّة، و أنّ فعلهم عليهم السلام لايدلّ على الوجوب، و انّما كانوا في مقام بيان صرف المسح لا اتّصاله و انفصاله، و ان كان الأحوط الاعادة؛ لاحتمال ذلك.
(مسألة 17): اذا لم يعلم أنّه محدث بالأصغر أو الأكبر و علم بأحدهما اجمالاً يكفيه تيمّم واحد بقصد ما في الذمّة.
الشرح:
يدلّ عليه اطلاق الأمر بالتيمّم لحصول الطهارة لفعل ما يشترط فيه الطهارة. هذا لو قلنا بأنّ كيفيّة التيمّم في الغسل و الوضوء واحدة، و أمّا على القول باختلافهما فعليه العمل بالكيفيّتين.
(مسألة 18): المشهور على أنّه يكفي فيما هو بدل عن الوضوء ضربة واحدة للوجه و اليدين و يجب التعدّد فيما هو بدل عن الغسل، و الأقوى كفاية الواحدة فيما هو بدل الغسل أيضا و ان كان الأحوط ما ذكروه، و أحوط منه التعدّد فيما هو بدل الوضوء أيضا، و الأولى أن يضرب بيديه و يمسح بهما جبهته و يديه ثمّ يضرب مرّة أخرى و يمسح بها يديه. و ربّما يقال: غاية الاحتياط أن يضرب مع ذلك مرّة أخرى يده اليسرى و يمسح بها ظهر اليمنى ثمّ يضرب اليمنى و يمسح بها ظهر اليسرى.
الشرح:قال في الشرائع: «و يجزيه في الوضوء ضربة واحدة لجبهته و ظاهر كفّيه و
لا بدّ فيما هو بدل من الغسل من ضربتين. و قيل: في الكلّ ضربتان، و قيل: ضربة واحدة، و التفصيل أظهر».(1)
و في المدارك: «اختلف الأصحاب في عدد الضربات في التيمّم، فقال الشيخان في النهاية و المبسوط و المقنعة: «ضربة للوضوء و ضربتان للغسل». و هو اختيار ابن بابويه رحمه الله في من لايحضره الفقيه، و سلاّر و أبي الصلاح و ابن ادريس و أكثر المتأخّرين.
و قال السيّد المرتضى رحمه الله في شرح الرسالة: «الواجب ضربة واحدة في الجميع». و هو اختيار ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و المفيد في المسائل الغريّة.
و نقل عن المفيد في الأركان اعتبار الضربتين في الجميع، و حكاه المصنّف رحمه الله في المعتبر، و العلاّمة في المنتهى و المختلف عن علي بن بابويه رحمه الله. و مقتضى كلامه في الرسالة اعتبار ثلاث ضربات، فانّه قال: «اذا أردت ذلك فاضرب بيديك على الأرض مرّة واحدة و انفضهما و امسح بهما وجهك، ثم اضرب بيسارك الأرض فامسح بها يمينك من المرفق الى أطراف الأصابع، ثمّ اضرب بيمينك الأرض و امسح بها يسارك من المرفق الى أطراف الأصابع». و لم يفرق بين الوضوء و الغسل.
و حكى في المعتبر القول بالضربات الثلاث عن قوم منّا بعد أن نقل عن علي بن بابويه المرّتين في الجميع. و منشأ الخلاف في هذه المسألة اختلاف الأخبار».(2)
أقول: هناك طائفتان بل طوائف من الروايات:
الطائفة الأولى: الروايات الواردة في الباب الحادي عشر من أبواب التيمّم، كلّها تسع، أربع منها صحيحة و اثنتان منها موثّقة و واحدة حسنة و هنّ دالّة علىوحدة الضرب، و لم يفرق بين التيمّم الذي
يكون بدل الوضوء، و التيمّم الذي يكون بدل الغسل.(1)و قد ذكرناها في ابتداء هذا الفصل.
الطائفة الثانية: الروايتان الواردتان في الباب الثاني عشر من أبواب التيمّم تدلاّن على الضربتين مطلقا للوضوء أو الغسل و هما صحيحة محمّد عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«سألته عن التيمّم؟ فقال: مرّتين مرّتين، للوجه و اليدين».(2)
و صحيحة اسماعيل بن همّام الكندي عن الرضا عليه السلام قال:
«التيمّم ضربة للوجه، و ضربة للكفّين».(3)
و الجمع بين هاتين الروايتين و الروايات السابقة هو استحباب ضربتين، ضربة للوجه و ضربة للكفّين، و الشاهد على ذلك صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«قلت له: كيف التيمّم؟ قال: هو ضرب واحد للوضوء و الغسل من الجنابة، تضرب بيديك مرّتين، ثمّ تنفضهما نفضة للوجه، و مرّة لليدين، و متى أصبت الماء فعليك الغسل ان كنت جنبا و الوضوء ان لم تكن جنبا».(4)
و موثّقة عمّار عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سألته عن التيمّم من الوضوء و الجنابة و من الحيض للنساء، سواء؟ فقال: نعم».(5)
الطائفة الثالثة: ما تحمل على التقيّة، منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن التيمّم؟ فضرب بكفّيه الأرض، ثمّ مسح
1) - وسائل الشيعة 3: 358 - 360 / الباب 11 من أبواب التيمّم / الأحاديث 1- 9.
2) - وسائل الشيعة 3: 361 / الباب 12 من أبواب التيمّم / الحديث 1.
3) - وسائل الشيعة 3: 361 / الباب 12 من أبواب التيمّم / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 3: 361 / الباب 12 من أبواب التيمّم / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 3: 362 / الباب 12 من أبواب التيمّم / الحديث 6.
بهما وجهه، ثمّ ضرب بشماله الأرض فمسح بها مرفقه الى أطراف الأصابع، واحدة على ظهرها و واحدة على بطنها، ثمّ ضرب بيمينه الأرض ثمّ صنع بشماله كما صنع بيمينه، ثمّ قال: هذا التيمّم على ما كان فيه الغسل، و في الوضوء الوجه و اليدين الى المرفقين، و ألقى ما كان عليه مسح الرأس و القدمين فلايؤمّم بالصعيد».(1)
و صحيحة ليث المرادي عن أبي عبداللّه عليه السلام في التيمّم قال:
«تضرب بكفّيك على الأرض مرّتين ثمّ تنفضهما و تمسح بهما وجهك و ذراعيك».(2)
قال في الوسائل: «مسح الوجه و اليدين الى المرفقين محمول على التقيّة؛ لموافقته لمذهب العامّة و مخالفته الأحاديث الكثيرة السابقة و الآتية، ذكره الشيخ و غيره».(3)
(مسألة 19): اذا شكّ في بعض أجزاء التيمّم بعد الفراغ منه لم يعتن به و بنى على الصحّة و كذا اذا شكّ في شرط من شروطه، و اذا شكّ في أثنائه قبل الفراغ في جزء أو شرط فان كان بعد تجاوز محلّه بنى على الصحّة، و ان كان قبله أتى به و ما بعده من غير فرق بين ما هو بدل عن الوضوء أو الغسل لكن الأحوط الاعتناء به مطلقا و ان جاز محلّه أو كان بعد الفراغ ما لم يقم عن مكانه أو لم ينتقل الى حالة أخرى على ما مرّ في الوضوء خصوصا فيما هو بدل عنه.
الشرح:
اذا شكّ في بعض أجزاء التيمّم بعد الفراغ منه لم يعتن به و بنى على الصحّة، و
كذا اذا شكّ في شرط من شروطه؛ و ذلك لقاعدة الفراغ لقوله عليه السلام في موثّقة محمّد بن مسلم:
«كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو».(1)
و كذا قوله عليه السلام في رواية محمّد بن مسلم:
«كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكّرا فامضه و لا اعادة عليك فيه».(2)
و ان كان في أثنائه قبل الفراغ في جزء أو شرط فان كان بعد تجاوز محلّه بنى على الصحّة و ان كان قبله أتى به و ما بعده من غير فرق بين ما هو بدل عن الوضوء أو الغسل؛ و ذلك لقاعدة التجاوز لقوله عليه السلام في صحيحة زرارة:
« ... اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشيء».(3)
فانّ هذه القاعدة عامّة جارية في المركّبات من العبادات و المعاملات، الاّ فيما ورد فيه دليل خاصّ كالوضوء. و قد فصّلنا البحث عن فروعها في كتاب الصلاة.(4)
قال في المستمسك: «لقاعدة التجاوز، و سقوطها في الوضوء للدليل الخاصّ به لايقتضي سقوطها هنا؛ لعدم الدليل على هذا الالحاق. و دعوى أنّ الوجه في سقوطها في الوضوء كون الأثر المقصود منه هو الطهارة، و هو أمر بسيط فلوحظ كأنّه عمل بسيط، و هذا المعنى مشترك بين الطهارات كلّها، غير ثابتة، فالخروج عن اطلاق دليل قاعدة التجاوز في غير محلّه، كما تقدّمت الاشارة اليه في الوضوء».(5)
و الاحتياط حسن بالاتيان به ان كان في الأثناء، بل و ان كان بعد الفراغ و لم يقم عن مكانه، أو لم ينتقل الى حالة أخرى على ما مرّ في الوضوء؛ لاحتمال أن يكون التيمّم أمرا بسيطا و الضرب و المسحات محصّلات لذلك الأمر البسيط، لا أن يكون من الأجزاء الحقيقيّة، و القاعدتان تختصّان بذوات الأجزاء الحقيقيّة كالصلاة و نحوها كما في المهذّب.(1)
(مسألة 20): اذا علم بعد الفراغ ترك جزء يكفيه العود اليه و الاتيان به و بما بعده مع عدم فوت الموالاة و مع فوتها وجب الاستئناف، و ان تذكّر بعد الصلاة وجب اعادتها أو قضاؤها، و كذا اذا ترك شرطا مطلقا ما عدا الاباحة في الماء أو التراب فلاتجب الاّ مع العلم و العمد كما مرّ.
الشرح:
اذا علم بعد الفراغ ترك جزء يكفيه العود اليه و الاتيان به و بما بعده مع عدم فوت الموالاة؛ لاطلاق الأدلّة، فانّ من شرائط التيمّم الموالاة و أن لايفصل بين الأجزاء فصلاً موجبا لخروجها عن وحدانيّته بلا فرق بين حصول الموالاة مع الالتفات و بدون الغفلة أو حصولها بعد التذكّر و الالتفات. و عليه لو علم ترك جزء بعد فوت الموالاة فلا بدّ من الاستئناف؛ لخروج الأجزاء المأتيّة عن صلاحية لحوق هذا الجزء المتروك بها.
و ان تذكّر بعد الصلاة وجب اعادتها في الوقت أو قضاؤها خارج الوقت؛ لاتيانها بلا طهارة، فانّ التيمّم عبارة عن ضرب الكفّين على الأرض و مسح الجبهة و الجبينين بهما و مسح ظهر الكفّين بهما مبتدئا باليسرى على ظهر اليمنى ثمّ اليمنى على ظهر اليسرى، فلو فقد جزء منه لم يوجد التيمّم.
1) - مهذّب الأحكام 4: 431.
و هكذا يكون الحال اذا ترك شرطا من الشروط السبعة التي تقدّمت في الفرع الثاني في ابتداء الفصل، و لو فقد شرط من تلك الشرائط فقد المشروط. نعم، لو لم يعلم بأنّ الماء أو التراب غصبي و توضّأ أو تيمّم ثمّ علم عدم اباحتهما فلاتجب الاعادة؛ لأنّ هذا الشرط مقيّد بالعلم و العمد.
(مسألة 1): لايجوز التيمّم للصلاة قبل دخول وقتها و ان كان بعنوان التهيّؤ. نعم، لو تيمّم بقصد غاية أخرى واجبة أو مندوبة يجوز الصلاة به بعد دخول وقتها كأن يتيمّم لصلاة القضاء أو للنافلة اذا كان وظيفته التيمّم.
الشرح:
قال في الجواهر: «لايصحّ التيمّم قبل دخول الوقت اجماعا محصّلاً و منقولاً في ظاهر المعتبر أو صريحه و صريح التذكرة و المنتهى و القواعد و التحرير و الذكرى و التنقيح و جامع المقاصد و الروض و المدارك و المفاتيح و غيرها بل لعلّه متواتر، و هو الحجّة في الخروج عن عموم المنزلة المقتضي لصحّته قبل الوقت كالوضوء. - الى أن قال: - انّ مراد الفقهاء من عدم جواز التيمّم قبل الوقت عدم مشروعيّته للتأهّب كالمائيّة. انتهى ملخّصا».(1)
أقول:
تارة: يكون التيمّم قبل الوقت لغاية من الغايات الواجبة كمسّ الكتاب الذي
1) - جواهر الكلام 5: 154 و 155.
صار واجبا أو ما يكون مقدّمة للواجب كالتيمّم بدل الغسل قبل طلوع الفجر لمن أجنب في شهر رمضان أو الغايات المستحبّة كقراءة القرآن أو صلاة النافلة، ففي هذه الصور يجوز له التيمّم قبل الوقت، و لو كان عذره باقيا الى ما بعد الوقت يجوز له بهذا التيمّم الصلاة و غيرها من الأعمال المشروطة بالطهارة.
و أخرى: لم تكن هناك غاية الاّ التهيّؤ للصلاة قبل الوقت، فالظاهر من الفتاوى عدم جواز ذلك، و ان قلنا بجوازه في الوضوء و الغسل؛ و ذلك لأنّهما مستحبّان نفسيّان و أمّا الالتزام بهذا القول في التيمّم مشكل، و ان كان لايبعد ذلك؛ لأنّ بدليّته يقتضي مساواته للمبدل منه في كلّ ما له الاّ أن يدلّ دليل على خروجه منه كما سيأتي.
(مسألة 2): اذا تيمّم بعد دخول وقت فريضة أو نافلة يجوز اتيان الصلوات التي لم يدخل وقتها بعد دخوله ما لم يحدث أو يجد ماءا، فلو تيمّم لصلاة الصبح يجوز أن يصلّي به الظهر و كذا اذا تيمّم لغاية أخرى غير الصلاة.
الشرح:
يدلّ على ما في المتن روايات:
منها صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : يصلّي الرجل بتيمّم واحد صلاة الليل و النهار كلّها؟ فقال: نعم، ما لم يحدث أو يُصِب ماءا، الحديث».(1)
و منها صحيحة ثانية لزرارة عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل تيمّم، قال:
«يجزيه ذلك الى أن يجد الماء».(2)
و منها صحيحة حمّاد بن عثمان قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل لايجد الماء أيتيمّم لكلّ صلاة؟ فقال: لا، هو بمنزلة الماء».(1)
و لاتعارضها صحيحة أبي همّام (اسماعيل بن همّام) عن الرضا عليه السلام قال:
«يتيمّم لكلّ صلاة حتّى يوجد الماء».(2)
و رواية السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«لايتمتّع بالتيمّم الاّ صلاة واحدة و نافلتها».(3)
و ذلك لأنّ الثانية معارضة بمثلها و هي رواية السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام قال:
«لا بأس بأن تصلّي صلاة الليل و النهار بتيمّم واحد ما لم تحدث أو تصب الماء».(4)
و كذا رواية أخرى للسكوني عن جعفر عن آبائه عليهم السلام أنّ النبي صلى الله عليه و آله قال:
«يا با ذرّ، يكفيك الصعيد عشر سنين».(5)
فتحمل صحيحة أبي همّام على أوقات الصلوات التي تحتاج الى طهارة جديدة غالبا.
1) - وسائل الشيعة 3: 379 / الباب 20 من أبواب التيمّم / الحديث 3.
2) - وسائل الشيعة 3: 379 / الباب 20 من أبواب التيمّم / الحديث 4.
3) - وسائل الشيعة 3: 380 / الباب 20 من أبواب التيمّم / الحديث 6.
4) - وسائل الشيعة 3: 380 / الباب 20 من أبواب التيمّم / الحديث 5.
5) - وسائل الشيعة 3: 380 / الباب 20 من أبواب التيمّم / الحديث 7.
(مسألة 3): الأقوى جواز التيمّم في سعة الوقت و ان احتمل ارتفاع العذر في آخره بل أو ظنّ به. نعم، مع العلم بالارتفاع يجب الصبر لكنّ التأخير الى آخر الوقت مع احتمال الرافع أحوط و ان كان موهوما. نعم، مع العلم بعدمه و بقاء العذر لا اشكال في جواز التقديم.
فتحصّل أنّه امّا عالم ببقاء العذر الى آخر الوقت أو عالم بارتفاعه قبل الآخر أو محتمل للأمرين فيجوز المبادرة مع العلم بالبقاء و يجب التأخير مع العلم بالارتفاع، و مع الاحتمال الأقوى جواز المبادرة خصوصا مع الظنّ بالبقاء و الأحوط التأخير خصوصا مع الظنّ بالارتفاع.
الشرح:
قال في المدارك: «قد وقع الخلاف في جواز التيمّم مع السعة. فذهب الشيخ و السيّد المرتضى و جمع من الأصحاب رحمهم الله الى أنّه لايصحّ الاّ في آخر الوقت، و نقل عليه السيّد الاجماع في الناصريّة و الانتصار. و ذهب الصدوق رحمه اللهالى جوازه في أوّل الوقت، و قوّاه في المنتهى و استقربه في البيان. و قال ابن الجنيد: «ان وقع اليقين بفوت الماء آخر الوقت أو غلب الظنّ، فالتيمّم في أوّل الوقت أحبّ اليّ». و استجوده المصنف رحمه الله في المعتبر و اختاره العلاّمة رحمه الله في أكثر كتبه».(1)
أقول:
هناك طائفتان من الروايات:
الطائفة الأولى: الروايات التي دلّت على وجوب تأخير التيمّم الى آخر الوقت مطلقا:
منها صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«سمعته يقول: اذا لم تجد ماءا و أردت التيمّم فأخّر التيمّم الى آخر
1) - مدارك الأحكام 2: 209.
الوقت، فان فاتك الماء لم تفتك الأرض».(1)
و منها صحيحة زرارة عن أحدهما عليهماالسلام قال:
«اذا لم يجد المسافر الماء فليطلب مادام في الوقت، فاذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمّم وليصلّ في آخر الوقت، الحديث».(2)
و منها موثّقة عبداللّه بن بكير عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: رجل أمّ قوما و هو جنب و قد تيمّم و هم على طهور، قال: لا بأس، فاذا تيمّم الرجل فليكن ذلك في آخر الوقت، فان فاته الماء فلن تفوته الأرض».(3)
و منها موثّقة أخرى لعبداللّه بن بكير قال:
««سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أجنب فلم يجد ماءا، يتيمّم و يصلّي؟ قال: لا، حتّى آخر الوقت، انّه ان فاته الماء لم تفته الأرض».(4)
الطائفة الثانية: الروايات التي دلّت على عدم اعادة الصلاة ان تيمّم و صلّى فوجد الماء و الوقت باق فلا اعادة عليه كصحيحة أبي بصير قال:
««سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل تيمّم و صلّى ثمّ بلغ الماء قبل أن يخرج الوقت؟ فقال: ليس عليه اعادة الصلاة».(5)
و صحيحة معاوية بن ميسرة قال:
««سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل في السفر لايجد الماء تيمّم و صلّى ثمّ أتى الماء و عليه شيء من الوقت، أيمضي على صلاته أم يتوضّأ
1) - وسائل الشيعة 3: 384 / الباب 22 من أبواب التيمّم / الحديث 1.
2) - وسائل الشيعة 3: 384 / الباب 22 من أبواب التيمّم / الحديث 2.
3) - وسائل الشيعة 3: 384 / الباب 22 من أبواب التيمّم / الحديث 3.
4) - وسائل الشيعة 3: 385 / الباب 22 من أبواب التيمّم / الحديث 4.
5) - وسائل الشيعة 3: 369 / الباب 14 من أبواب التيمّم / الحديث 11.
و يعيد الصلاة؟ قال: يمضي على صلاته؛ فانّ ربّ الماء هو ربّ التراب».(1)
و موثّقة يعقوب بن سالم عن أبي عبداللّه عليه السلام في رجل تيمّم و صلّى ثمّ أصاب الماء و هو في وقت، قال:
«قد مضت صلاته وليتطهّر».(2)
و صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل أجنب فتيمّم بالصعيد و صلّى ثمّ وجد الماء؟ قال: لايعيد؛ انّ ربّ الماء ربّ الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين».(3)
و صحيحة العيس قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن رجل يأتي الماء و هو جنب و قد صلّى؟ قال: يغتسل و لايعيد الصلاة».(4)
فالجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات أن تحمل الطائفة الأولى على ما اذا علم بوجدان الماء قبل انقضاء الوقت للصلاة، و تحمل الثانية على ما اذا علم بعدم وجدان الماء الى آخر الوقت فيجوز له التيمّم و الصلاة في سعة الوقت.
و لو احتمل بل ظنّ بوجدان الماء فيجوز أيضا؛ لاطلاق الطائفة الثانية فتقيّد بالطائفة الأولى ما كان له العلم بالوجدان و ان كان الاحتياط في صورة الظنّ بالوجدان بل الاحتمال حسن.
(مسألة 4): اذا تيمّم لصلاة سابقة و صلّى و لم ينتقض تيمّمه حتّى دخل وقت صلاة أخرى يجوز الاتيان بها في أوّل وقتها و ان احتمل زوال العذر في آخر الوقت على المختار، بل و على القول بوجوب التأخير في الصلاة الأولى عند بعضهم، لكن الأحوط التأخير في الصلاة الثانية أيضا و ان لم يكن مثل الاحتياط السابق بل أمره أسهل. نعم، لو علم بزوال العذر يجب التأخير كما في الصلاة السابقة.
الشرح:
اذا تيمّم لصلاة سابقة كصلاة الظهر و العصر لعدم وجدان الماء مثلاً و لم ينتقض تيمّمه حتّى دخل وقت صلاة المغرب و العشاء يجوز الاتيان بها في أوّل الوقت اذا علم بقاء عذره الى آخر الوقت كما تقدّم في المسألة السابقة بل و ان احتمل وجود الماء آخر الوقت و قلنا بأنّ الاحتياط بالتأخير حسن.
ثمّ انّه لو علم بوجدان الماء و زوال عذره الى آخر الوقت فقد مرّ وجوب تأخير الصلاة الى آخر الوقت، فهل ينتقض تيمّمه بذلك العلم بحيث لو انكشف الخلاف وجب عليه التيمّم ثانيا أو لاينتقض الاّ مع وجدان الماء و زوال عذره فالظاهر الثاني؛ لأنّ انتقاض تيمّمه منوط بوجدان الماء حسّا.
(مسألة 5): المراد بآخر الوقت الذي يجب التأخير اليه أو يكون أحوط الآخر العرفي فلايجب المداقّة فيه و لا الصبر الى زمان لايبقى الوقت الاّ بقدر الواجبات، فيجوز التيمّم و الاتيان بالصلاة مشتملة على المستحبّات أيضا، بل لاينافي اتيان بعض المقدّمات القريبة بعد الاتيان بالتيمّم قبل الشروع في الصلاة بمعنى ابقاء الوقت بهذا المقدار.
الشرح:
تقدّم أنّه اذا علم بزوال العذر الى آخر الوقت يجب عليه التأخير مادام العلم موجودا حتّى يكون آيسا بحيث لو وجد الماء مثلاً لم يتمكّن من الوضوء و يبدّل تكليفه بالتيمّم، و على هذا يكون آخر الوقت بالنسبة اليه، الوقت الذي يتمكّن فيه من اتيان واجبات الصلاة. نعم، على القول بوجوب التأخير الى آخر الوقت مطلقا أو الاحتياط كذلك، يكون آخر الوقت هو العرفي لا الحقيقي فلايجب المداقّة فيه و لا الصبر الى زمان لايبقى الوقت الاّ بقدر الواجبات، فيجوز التيمّم و الاتيان بالصلاة مشتملة على المستحبّات أيضا الى آخر ما ذهب اليه المصنّف؛ و ذلك لأنّ الموضوعات التي لم يحدّ لها الشارع حدّا، ينصرف الى ما هو عليه العرف.
(مسألة 6): يجوز التيمّم لصلاة القضاء و الاتيان بها معه و لايجب التأخير الى زوال العذر. نعم، مع العلم بزواله عمّا قريب يشكل الاتيان بها قبله، و كذا يجوز للنوافل الموقّتة حتّى في سعة وقتها بشرط عدم العلم بزوال العذر الى آخره.
الشرح:
الظاهر أنّ القول بقضاء الصلوات الفائتة هو القول بالصلاة في الوقت و الصور التي فرضناها فيها بمعنى أنّه حيث قلنا في صلاة القضاء بالمواسعة فنقول هنا أيضا:
تارة: يعلم بارتفاع عذره و التمكّن من قضاء الصلوات التي في ذمّته كلّها، فلايجوز له البدار بل يجب عليه التأخير الى زوال العذر.
و أخرى: يعلم بعدم زوال العذر بحيث يقدر على الاتيان بها كلّها، فحينئذ يجوز له الاتيان بها بالتيمّم.
و ثالثة: يحتمل أو يظنّ، ففي هذه الصورة أيضا يجوز البدار الاّ أنّ الاحتياط بالتأخير حسن كما تقدّم. و كذلك يكون الحال في النوافل الموقّتة.
(مسألة 7): اذا اعتقد عدم سعة الوقت فتيمّم و صلّى ثمّ بان السعة فعلىالمختار صحّت صلاته و يحتاط بالاعادة و على القول بوجوب التأخير تجب الاعادة.
قد اتّضح شرح هذه المسألة من المسألة الثالثة التي تقدّمت.
(مسألة 8): لايجب اعادة الصلوات التي صلاّها بالتيمّم الصحيح بعد زوال العذر لا في الوقت و لا في خارجه مطلقا. نعم، الأحوط استحبابا اعادتها في موارد:
«أحدها»: من تعمّد الجنابة مع كونه خائفا من استعمال الماء فانّه يتيمّم و يصلّي لكن الأحوط اعادتها بعد زوال العذر و لو في خارج الوقت.
«الثاني»: من تيمّم لصلاة الجمعة عند خوف فوتها لأجل الزحام و منعه.
«الثالث»: من ترك طلب الماء عمدا الى آخر الوقت و تيمّم و صلّى ثمّ تبيّن وجود الماء في محلّ الطلب.
«الرابع»: من أراق الماء الموجود عنده مع العلم أو الظنّ بعدم وجوده بعد ذلك، و كذا لو كان على طهارة فأجنب مع العلم أو الظنّ بعدم وجود الماء.
«الخامس»: من أخّر الصلاة متعمّدا الى أن ضاق وقته فتيمّم لأجل الضيق.
الشرح:
لايجب اعادة الصلوات التي صلاّها بالتيمّم الصحيح بعد زوال العذر لا في الوقت و لا في خارجه؛ لما تقدّم من الدليل عليه في المسألة الثالثة من هذا الفصل. نعم، الأحوط استحبابا اعادتها في موارد ذكرها المصنّف:
أحدها: من تعمّد الجنابة مع كونه خائفا من استعمال الماء؛ لما نسب الى الشيخين، و قد فصّلنا البحث عنه في المسألة العشرين من أوّل فصل التيمّم فراجع.
الثاني: من تيمّم لصلاة الجمعة عند خوف فوتها لأجل الزحام و منعه، ففي رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي عليهم السلام أنّه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة، أو يوم عرفة لايستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس؟ قال:
«يتيمّم و يصلّي معهم و يعيد اذا انصرف».(1)
و رواية سماعة عن أبي عبداللّه عن أبيه عن علي عليهم السلام أنّه سئل عن رجل يكون وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة فأحدث أو ذكر أنّه على غير وضوء و لايستطيع الخروج من كثرة الزحام؟ قال:
«يتيمّم و يصلّي معهم و يعيد اذا هو انصرف».(2)
و الظاهر من هاتين الروايتين وجوب اعادة الصلاة؛ و ذلك لأنّه واجد للماء. نعم، لو قلنا بوجوب صلاة الجمعة مع امام عادل فمنعه الزحام فيجب عليه التيمّم حيث يضيق الوقت عن الوضوء.
الثالث: من ترك طلب الماء عمدا الى آخر الوقت و قد تقدّم في المسألة الثانيه عشرة من فصل التيمّم فراجع.
الرابع: من أراق الماء الموجود عنده مع العلم أو الظنّ بعدم وجوده بعد ذلك و كذا لو كان على طهارة فأجنب مع العلم أو الظنّ بعدم وجود الماء و تقدّم شرح ذلك في المسألة الثالثه عشرة من فصل التيمّم فراجع.
الخامس: من أخّر الصلاة متعمّدا الى أن ضاق الوقت فتيمّم لأجل الضيق كما تقدّم في المسألة التاسعة من فصل التيمّم.
(مسألة 9): اذا تيمّم لغاية من الغايات كان بحكم الطاهر فمادام باقيا لم ينتقض و بقي عذره، فله أن يأتي بجميع ما يشترط فيه الطهارة الاّ اذا كان المسوّغ للتيمّم مختصّا بتلك الغاية كالتيمّم لضيق الوقت فقد مرّ أنّه لايجوز له مسّ كتابة القرآن و لا قراءة العزائم و لا الدخول في المساجد و كالتيمّم لصلاة الميّت أو للنوم مع وجود الماء.
الشرح:
اذا تيمّم لغاية من الغايات كان بحكم الطاهر؛ و ذلك لعموم بدليّة التيمّم عن الوضوء و الغسل و أنّ التراب أحد الطهورين، و قوله عليه السلام : «فانّ ربّ الماء هو ربّ التراب»، و «فانّ ربّ الماء هو ربّ الصعيد».(1)
قال في الشرائع: «المتيمّم يستبيح ما يستبيحه المتطهّر بالماء».(2)
و في المدارك: «و بهذا التعميم صرّح العلاّمة رحمه الله في المنتهى من غير نقل خلاف الاّ من الأوزاعي، فانّه نقل عنه كراهة مسّ المصحف للمتيمّم.
و منع ولده فخر المحقّقين رحمه الله من استباحة اللبث به في المساجد؛ لقوله تعالى: «و لا جنبا الاّ عابري سبيل حتّى تغتسلوا»؛ حيث جعل نهاية التحريم الغسل فلايستباح بغيره، و الاّ لم تكن الغاية غاية، و ألحق به مسّ كتابة القرآن؛ لعدم فرق الأمّة بينهما هنا».
و الأصحّ أنّه مبيح للجميع؛ لقول النبي صلى الله عليه و آله لأبي ذرّ: «يا أبا ذرّ يكفيك الصعيد عشر سنين»، و قول الصادق عليه السلام في صحيحة حمّاد: «هو بمنزلة الماء»، و قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم: «قد فعل أحد الطهورين»، و في صحيحة جميل: «انّ اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا».
و الجواب عن الآية بالمنع من دلالتها على ما ذكره، فانّه يحتمل أن يكون
متعلّق النهي الصلاة في أحوال الجنابة الاّ في حال السفر؛ لجواز تأديتها حينئذٍ بالتيمّم. انتهى ملخّصا».(1)
و أمّا اذا تيمّم لضيق الوقت فتقدّم في الفصل الأوّل من التيمّم في المسألة الواحدة و الثلاثين أنّه يجوز له مسّ كتابة القرآن حين الصلاة، و الصلاة في المسجد، فاذا فرغ من الصلاة فيبطل تيمّمه؛ لوجدان الماء و انتفاء العذر.
و أمّا التيمّم للنوم مع وجود الماء فليس بمبيح؛ لأنّ الظاهر من دليله هو رفع الكراهة أو العمل بالاستحباب ارفاقا.
(مسألة 10): جميع غايات الوضوء و الغسل غايات للتيمّم أيضا فيجب لما يجب لأجله الوضوء أو الغسل و يندب لما يندب له أحدهما، فيصحّ بدلاً عن الأغسال المندوبة و الوضوءات المستحبّة حتّى وضوء الحائض و الوضوء التجديدي مع وجود شرط صحّته من فقد الماء و نحوه. نعم، لايكون بدلاً عن الوضوء التهيّئي كما مرّ كما أنّ كونه بدلاً عن الوضوء للكون على الطهارة محلّ اشكال. نعم، اتيانه برجاء المطلوبيّة لا مانع منه لكن يشكل الاكتفاء به لما يشترط فيه الطهارة أو يستحبّ اتيانه مع الطهارة.
الشرح:
جميع غايات الوضوء و الغسل غايات للتيمّم أيضا فيجب لما يجب لأجله الوضوء أو الغسل و يندب لما يندب له أحدهما؛ و ذلك لعموم بدليّة التيمّم عن الوضوء و الغسل، و تقدّم في المسألة السابقة الدليل على ذلك العموم و ما ذكره في المدارك أيضا. و قد مرّ في المسألة الأولى من هذا الفصل أنّ التيمّم بدلاً عن الوضوء للكون على الطهارة يشمل عموم أدلّة البدليّة و كذلك الوضوء التهيّئي،
1) - مدارك الأحكام 2: 249 و 250.
كما تقدّم في المسألة الأولى من هذا الفصل.
قال في المستمسك: «و ان نصّ على جواز بدليّة التيمّم عن الوضوء للكون على الطهارة في الجواهر، و لم أقف على مخالف فيه صريحا. و كأنّ وجه الاشكال أنّ التيمّم غير رافع فلا مجال لقصد الكون على الطهارة بفعله.
و فيه: انّه و ان لم يكن رافعا لكنّه بحكم الرافع بمقتضى اطلاق أدلّة البدليّة و المنزلة. - الى أن قال: - الطهارة التي اعتبرت في صحّة الصلاة اعتبرت في جواز مسّ المصحف، و في رفع حزازة وط ء الحائض، و في كمال قراءة القرآن و في حصول الكمال النفساني المترتّب على الوضوء للكون على الطهارة، و لا فرق في معنى الطهارة في الجميع. انتهى ملخّصا».(1)
(مسألة 11): التيمّم الذي هو بدل عن غسل الجنابة حاله كحاله في الاغناء عن الوضوء كما أنّ ما هو بدل عن سائر الأغسال يحتاج الى الوضوء أو التيمّم بدله مثلها، فلو تمكّن من الوضوء توضّأ مع التيمّم بدلها و ان لم يتمكّن تيمّم تيمّمين: أحدهما بدل عن الغسل و الآخر عن الوضوء.
الشرح:
التيمّم الذي هو بدل عن غسل الجنابة حاله كحال الغسل في الاغناء عن الوضوء؛ و ذلك لكونه هو معنى البدليّة، فاذا اغتسل الجنب لم يحتج الى الوضوء، و كذلك لو تيمّم بدلاً عن الغسل لم يحتج الى الوضوء، و تقدّم أنّ الأغسال كلّها من الواجب و المستحبّ التي ورد استحبابها في الصحيح كغسل الجمعة لاتحتاج الى الوضوء الاّ غسل الاستحاضة المتوسّطة فانّه يحتاج الى الوضوء؛ اجراءً لحكم الأصل على البدل بمقتضى اطلاق أدلّة التنزيل. و لو كان قد وجب عليه أغسال
1) - مستمسك العروة 4: 458.
متعدّدة و منها غسل الجنابة كما لو مسّ ميّتا أو كانت حائضا و طهرت من حيضها و وجب الاغتسال بأغسال متعدّدة، فقد تقدّم أنّه يكفي أن يغتسل غسلاً واحدا و ينوي كلّ ما كان في ذمّته من الأغسال، و هكذا يكون اذا لم يتمكّن من استعمال الماء فيتيمّم تيمّما واحدا بدلاً عن الجميع.
(مسألة 12): ينتقض التيمّم بما ينتقض به الوضوء و الغسل من الأحداث كما أنّه ينتقض بوجدان الماء أو زوال العذر و لايجب عليه اعادة ما صلاّه كما مرّ و ان زال العذر في الوقت، و الأحوط الاعادة حينئذٍ بل و القضاء أيضا في الصور الخمسة المتقدّمة.
الشرح:
ينتقض التيمّم بما ينتقض به الوضوء و الغسل من الأحداث و كذا بوجدان الماء؛ لما في صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : يصلّي الرجل بتيمّم واحد صلاة الليل و النهار كلّها؟ فقال: نعم، ما لم يحدث أو يصب ماءا، الحديث».(1)
و كذا ينتقض التيمّم بزوال العذر؛ لأنّ موضوع جواز التيمّم هو العذر عن استعمال الماء فاذا زال العذر زال الموضوع، و لم يكن للتيمّم حدوثا و بقاءً محلّ. و لايجب عليه اعادة ما صلاّه كما تقدّم في المسألة الثامنة من هذا الفصل، و يستحبّ اعادة الصلاة في الصور الخمس.
1) - وسائل الشيعة 3: 379 / الباب 20 من أبواب التيمّم / الحديث 1.
(مسألة 13): اذا وجد الماء أو زال عذره قبل الصلاة لايصحّ أن يصلّي به و ان فقد الماء أو تجدّد العذر فيجب أن يتيمّم ثانيا. نعم، اذا لم يسع زمان الوجدان أو زوال العذر للوضوء أو الغسل بأن فقد أو زال العذر بفصل غير كاف لهما لايبعد عدم بطلانه و عدم وجوب تجديده لكن الأحوط التجديد مطلقا، و كذا اذا كان وجدان الماء أو زوال العذر في ضيق الوقت فانّه لايحتاج الى الاعادة حينئذٍ للصلاة التي ضاق وقتها.
الشرح:
يدلّ على صدر المسألة صحيحة زرارة قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : يصلّي الرجل بوضوء واحد صلاة الليل و النهار كلّها؟ قال: نعم، ما لم يحدث، قلت: فيصلّي بتيمّم واحد صلاة الليل و النهار كلّها؟ قال: نعم، ما لم يحدث أو يصب ماءا، قلت: فان أصاب الماء و رجا أن يقدر على ماء آخر و ظنّ أنّه يقدر عليه كلّما أراد، فعسر ذلك عليه؟ قال: ينقض ذلك تيمّمه، و عليه أن يعيد التيمّم، الحديث».(1)
نعم، اذا لم يسع زمان الوجدان أو زوال العذر للوضوء أو الغسل بأن فقد الماء بعد رؤيته بفصل غير كاف للوضوء أو الغسل، أو زال عذره و لمّا أراد الوضوء أو الغسل ظهر عذر آخر أو فقد الماء فالظاهر عدم بطلان تيمّمه؛ و ذلك لرواية أبي أيّوب عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«التيمّم بالصعيد لمن لم يجد الماء كمن توضّأ من غدير من ماء، أليس اللّه يقول: «فتيمّموا صعيدا طيّبا»؟ قال: قلت: فان أصاب الماء و هو في آخر الوقت؟ قال: فقال: قد مضت صلاته، قال: قلت له:
1) - وسائل الشيعة 3: 377 / الباب 19 من أبواب التيمّم / الحديث 1.
فيصلّي بالتيمّم صلاة أخرى؟ قال: اذا رأى الماء و كان يقدر عليه انتقض التيمّم».(1)
قال في الشرائع: «الثامن: اذا تمكّن من استعمال الماء انتقض تيمّمه. و لو فقده بعد ذلك افتقر الى تجديد التيمّم».(2)
و في المدارك: «هذا ممّا لا خلاف فيه بين العلماء، و النصوص الواردة به مستفيضة. و المراد بالتمكّن أن لايكون له مانع حسّي و لا شرعي يمنعه من الاستعمال. و هل يعتبر في انتقاض التيمّم مضي زمان يتمكّن فيه من فعل الطهارة المائيّة أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لامتناع التكليف بعبادة في وقت لايسعها، فاذا تلف الماء مثلاً قبل مضي زمان يتمكّن فيه من فعل الطهارة تبيّن عدم التكليف فيه باستعمال الماء، فيلزم بقاء التيمّم؛ لأنّ النقض انّما يتحقّق بتمكّنه من المبدل.
و الثاني: لايعتبر؛ لصدق التمكّن من استعمال الماء بحسب الظاهر، و لعلّ الأوّل أولى».(3)
أقول:
بل الأوّل هو الأصحّ كما في الجواهر: «انّ المراد بناقضيّة الاصابة هو زوال مسوّغ التيمّم من الضرورة، فيؤثّر الحدث السابق حينئذٍ أثره؛ لعدم ارتفاعه بالتيمّم كما عرفت، و الاّ فليس ذلك من النواقض حقيقة قطعا، و هي لاتزول بمجرّد الاصابة».(4)
(مسألة 14): اذا وجد الماء في أثناء الصلاة فان كان قبل الركوع من الركعة الأولى بطل تيمّمه و صلاته، و ان كان بعده لم يبطل و يتمّ الصلاة لكن الأحوط مع سعة الوقت الاتمام و الاعادة مع الوضوء. و لا فرق في التفصيل المذكور بين الفريضة و النافلة على الأقوى و ان كان الاحتياط بالاعادة في الفريضة آكد من النافلة.
الشرح:
اذا وجد الماء في أثناء الصلاة فان كان قبل الركوع من الركعة الأولى بطل تيمّمه و صلاته و ان كان بعده لم تبطل الصلاة؛ و ذلك لروايات:
منها صحيحة زرارة (في حديث) قال:
«قلت لأبي جعفر عليه السلام : ان أصاب الماء و قد دخل في الصلاة، قال: فلينصرف فليتوضّأ ما لم يركع، فان كان قد ركع فليمض في صلاته؛ فانّ التيمّم أحد الطهورين».(1)
و منها صحيحة محمّد بن مسلم قال:
«قلت: في رجل لم يصب الماء و حضرت الصلاة فتيمّم و صلّى ركعتين، ثمّ أصاب الماء أينقض الركعتين أو يقطعهما و يتوضّأ ثمّ يصلّي؟ قال: لا، ولكنّه يمضي في صلاته فيتمّها و لاينقضها لمكان أنّه دخلها و هو على طهر بتيمّم».(2)
و منها معتبرة عبداللّه بن عاصم قال:
«سألت أبا عبداللّه عليه السلام عن الرجل لايجد الماء فيتيمّم و يقوم في الصلاة فجاء الغلام فقال: هو ذا الماء، فقال: ان كان لم يركع
فلينصرف وليتوضّأ، و ان كان قد ركع فليمض في صلاته».(1)
و لاتعارضها حسنة محمّد بن حمران عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: رجل تيمّم ثمّ دخل في الصلاة و قد كان طلب الماء فلم يقدر عليه ثمّ يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة، قال: يمضي في الصلاة، و اعلم أنّه ليس ينبغي لأحد أن يتيمّم الاّ في آخر الوقت».(2)
لأنّها تحمل على ما اذا ركع.
و لاتعارضها أيضا رواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
«سألته عن رجل صلّى ركعة على تيمّم ثمّ جاء رجل و معه قربتان من ماء؟ قال: يقطع الصلاة و يتوضّأ ثمّ يبني على واحدة».(3)
و رواية الحسن الصيقل قال:
«قلت لأبي عبداللّه عليه السلام : رجل تيمّم ثمّ قام يصلّي فمرّ به نهر و قد صلّى ركعة، قال: فليغتسل وليستقبل الصلاة».(4)
لأنّهما - مع ضعف سندهما - تحملان على الاستحباب؛ جمعا بينهما و بين ما سبق.
ثمّ اعلم أنّه تقدّم في المسألة الثالثة من هذا الفصل أنّ جواز التيمّم في سعة الوقت مقيّد بالعلم بعدم وجدان الماء الى آخر الوقت، فالروايات المذكورة تحمل على ما اذا علم بعدم الوجدان و تيمّم و صلّى ثمّ وجد الماء في الأثناء، فاذا صلّى ركعة أي قد ركع و وجد الماء يتمّها و ان كان قبل الركوع يقطعها.
ثمّ انّه قد وقع الخلاف في المدارك و المستمسك(1)و التنقيح فيما اذا دخلفي الصلاة و لم يركع، فبعض قال بوجوب الاتمام؛ لحسنة محمّد بن حمران، و العلّة المذكورة في صحيحة محمّد بن مسلم. و بعض قال باستحباب القطع؛ جمعا. ولكن في التنقيح بعد البحث عن سند الروايات و دلالتها قال: «اذن ما ذهب اليه المشهور من التفصيل بين وجدانه الماء قبل الركوع و وجدانه بعده هو الصحيح».(2)
و الظاهر أنّه لا فرق في الحكم المذكور بين الفريضة و النافلة؛ لاطلاق صحيحة زرارة المتقدّمة.
(مسألة 15): لايلحق بالصلاة غيرها اذا وجد الماء في أثنائها بل تبطل مطلقا و ان كان قبل الجزء الأخير منها، فلو وجد في أثناء الطواف و لو في الشوط الأخير بطل، و كذا لو وجد في أثناء صلاة الميّت بمقدار غسله بعد أن تيمّم لفقد الماء فيجب الغسل و اعادة الصلاة بل و كذا لو وجد قبل تمام الدفن.
الشرح:
لايلحق بالصلاة غيرها - ممّا يعتبر فيه الطهارة كالطواف - فاذا وجد الماء في أثناء الطواف و لو في الشوط الأخير بطل؛ و ذلك لانتقاض التيمّم بوجدان الماء فيبطل و لم يكن هناك دليل على صحّة ما مضى، و لايقاس الطواف بالصلاة حتّى يشمله العمومات الواردة فيها كما تقدّم في المسألة السابقة.
و أمّا ما ورد في رواية أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام :
«انّه سئل أينسك المناسك و هو على غير وضوء؟ فقال: نعم، الاّ الطواف بالبيت فانّ فيه صلاة».(3)
و كذا مضمون روايتي معاوية بن عمّار و رفاعة بن موسى.(1)فهذه الرواياتضعيفة من جهة السند و أمّا الدلالة، فالظاهر أنّ المراد منها أنّ الطواف شبيهة بالصلاة من جهة وجوب الطهارة من الحدث و الخبث فيه، و أمّا عموم التنزيل فيشكل مع مخالفته للصلاة في كثير من الأحكام و لا سيّما هنا من القول بعدم انتقاض التيمّم بوجدان الماء في الأثناء كما لاتنتقض الصلاة بوجدانه في أثنائها. نعم، اذا كان وقت الطواف ضيّقا كأن تريد القافلة الخروج من مكّة بعد اتمام المناسك، ففي هذه الحال يمكن أن يقال: ان وجد الماء بعد اتمام النصف فيتوضّأ أو يغتسل فيتمّ الطواف؛ لوروده فيه بالتيمّم الصحيح، فتأمّل. و ان وجده قبل اتمام النصف فيتوضّأ أو يغتسل فيستأنف كما لو كان متوضّئا فانتقض وضوؤه.
و أمّا لو يمّم الميّت لعدم وجدان الماء ثمّ وجد و لو بعد الصلاة و قبل أن يدفن فيجب تغسيله بالماء؛ لعدم الدليل على الاكتفاء به بعد وجدان الماء. نعم، لو دفن لايجب نبش القبر و تغسيله لمضي وقته مع صحّة تيمّمه.
وتذكّر بأنّ وجدان الماء في أثناء صلاة الميّت غير مرتبط بوجدان الماء أثناء الصلاة اليوميّة؛ لأنّه ان كان المراد هو تيمّم المصلّي فتقدّم في محلّه جواز صلاة الميّت بدون الطهارة. و ان كان المراد تيمّم الميّت فينتقض تيمّمه حتّى يدفن فيجب تغسيله بالماء كما ذكر آنفا.
1) - وسائل الشيعة 13: 493 / الباب 15 من أبواب السعي / الحديثان 1 و 2.
(مسألة 16): اذا كان واجدا للماء و تيمّم لعذر آخر من استعماله فزال عذره في أثناء الصلاة هل يلحق بوجدان الماء في التفصيل المذكور اشكال فلايترك الاحتياط بالاتمام و الاعادة اذا كان بعد الركوع من الركعة الأولى. نعم، لو كان زوال العذر في أثناء الصلاة في ضيق الوقت أتمّها، و كذا لو لم يف زمان زوال العذر للوضوء بأن تجدّد العذر بلا فصل فانّ الظاهر عدم بطلانه و ان كان الأحوط الاعادة.
الشرح:
اذا كان واجدا للماء و تيمّم لعذر آخر من استعماله فزال عذره في أثناء الصلاة، فتارة: يكون زوال عذره في ضيق الوقت أو لم يف الوقت للوضوء أو الغسل بعد زوال العذر بأنّ تجدّد العذر بلا فصل فانّ الظاهر عدم بطلانه كما مرّ في المسألة الثالثه عشرة.
و أخرى: تيمّم لعذر آخر غير عدم وجدان الماء و علم أنّ عذره يكون باقيا فشرع في الصلاة ثمّ زال عذره فان كان قبل الركوع ينتقض تيمّمه فيتوضّأ أو يغتسل و يستأنف الصلاة، و لو كان زوال عذره بعد الركوع فالظاهر أنّه يلحق بما لو وجد الماء في الأثناء بعد الركوع؛ لأنّ العذر المانع من مصاديق عدم وجدان الماء كما تقدّم، مضافا الى قوله عليه السلام في ذيل صحيحة محمّد بن مسلم: «لمكان أنّه دخلها و هو على طهر بتيمّم» و قد تقدّمت في المسألة الرابعه عشرة، يعني أنّه قد تيمّم حسب تكليفه و كان تيمّمه صحيحا فلاينتقض بعد الركوع؛ جمعا بينها و بين غيرها. و الاحتياط بالاتمام و الاعادة حسن؛ لاحتمال أن يكون لخصوص وجدان الماء خصوصيّة خاصّة في الحكم المذكور.
(مسألة 17): اذا وجد الماء في أثناء الصلاة بعد الركوع ثمّ فقد في أثنائها أيضا أو بعد الفراغ منها بلا فصل هل يكفي ذلك التيمّم لصلاة أخرى أو لا؟ فيه تفصيل: فامّا أن يكون زمان الوجدان وافيا للوضوء أو الغسل على تقدير عدم كونه في الصلاة أو لا، فعلى الثاني الظاهر عدم بطلان ذلك التيمّم بالنسبة الى الصلاة الأخرى أيضا و أمّا على الأوّل فالأحوط عدم الاكتفاء به بل تجديده لها؛ لأنّ القدر المعلوم من عدم بطلان التيمّم اذا كان الوجدان بعد الركوع انّما هو بالنسبة الى الصلاة التي هو مشغول بها لا مطلقا.
الشرح:
اذا وجد الماء في أثناء الصلاة بعد الركوع ثمّ فقده في أثنائها و لم يكن زمان الوجدان وافيا للوضوء أو الغسل على تقدير عدم كونه في الصلاة، فالظاهر عدم بطلان التيمّم بالنسبة الى صلاة أخرى كما تقدّم في المسألة الثالثه عشرة من هذا الفصل.
و أمّا لو كان زمان الوجدان وافيا للوضوء أو الغسل على تقدير عدم كونه في الصلاة، فذهب المصنّف الى أحوطيّة عدم الاكتفاء به بل تجديده لها و استدلّ على ذلك بأنّ القدر المعلوم من عدم بطلان التيمّم اذا كان الوجدان بعد الركوع انّما هو بالنسبة الى الصلاة التي هو مشغول بها لا مطلقا.
و فيه أوّلاً: انّه ان كان نقض التيمّم لوجدان الماء فكيف يصحّ اتمام الصلاة مع عدم كونه على الطهارة، و ان كانت طهارته باقية الى آخر الصلاة فبأيّ شيء نقض طهارته؟
و ثانيا: الظاهر من الروايات التي تقدّمت في المسألة الرابعه عشرة بقاء طهارته واقعا الى آخر الصلاة، فان كان الماء موجودا بعد الصلاة انتقض تيمّمه قهرا، و ان لم يكن الماء موجودا فلا موجب لنقضه. و يمكن أن يقال: هذه الصورة ملحقة بالصورة الأولى؛ فانّ عدم نقض التيمّم في الصورة الأولى يكون لعدم وجدان
الماء واقعا، و في الصورة الثانية لعدم وجدانه شرعا، و المانع الشرعي كالعقلي.
قال في المدارك: «اذا حكمنا باتمام الصلاة مع وجود الماء - امّا لكونه قد تجاوز محلّ القطع أو قلنا بالاكتفاء بالشروع - فهل يعيد التيمّم لو فقد الماء قبل فراغه من الصلاة أم لا؟ فيه قولان، أظهرهما عدم الاعادة و هو اختيار المصنّف في المعتبر؛ لأنّ المانع الشرعي كالمانع الحسّي بل أقوى، و لأنّه يجب الحكم باستمرار التيمّم الى الفراغ قطعا و عند الفراغ لا تمكّن من استعمال الماء؛ لأنّه المقدّر.
و قال الشيخ في المبسوط: «انّه ينتقض تيمّمه بالنسبة الى غيرها من الصلوات»، و قوّاه في المنتهى و مال اليه في التذكرة؛ لأنّه تمكّن عقلاً من استعمال الماء، قال: «و المنع الشرعي لايرفع القدرة؛ لأنّها صفة حقيقيّة و الحكم معلّق عليها». و ضعفه ظاهر.
و فرّع بعض الفقهاء على هذا القول أنّه لايجوز للمصلّي العدول الى فائتة سابقة؛ لانتقاض التيمّم بالنسبة الى كلّ صلاة غير هذه، و هو بعيد جدّا.
و لو قلنا باستحباب القطع قبل الركوع فأتمّ، فالأظهر أنّه كذلك؛ لما ذكرناه من استمرار الاباحة الى الفراغ، و يقوّى قول الشيخ هنا؛ لانتفاء المنع من الاستعمال عقلاً و شرعا».(1)
أقول:
و ان قلنا باستحباب القطع قبل الركوع فأتمّ فالأظهر أنّه لاينتقض تيمّمه؛ لما تقدّم.
1) - مدارك الأحكام 2: 247 و 248.
(مسألة 18): في جواز مسّ كتابة القرآن و قراءة العزائم حال الاشتغال بالصلاة التي وجد الماء فيها بعد الركوع اشكال؛ لما مرّ من أنّ القدر المتيقّن من بقاء التيمّم و صحّته انّما هو بالنسبة الى تلك الصلاة. نعم، لو قلنا بصحّته الى تمام الصلاة مطلقا كما قاله بعضهم جاز المسّ و قراءة العزائم مادام في تلك الصلاة. و ممّا ذكرنا ظهر الاشكال في جواز العدول من تلك الصلاة الى الفائتة التي هي مترتّبة عليها؛ لاحتمال عدم بقاء التيمّم بالنسبة اليها.
قد اتّضح شرح هذه المسألة من المسألة السابقة فيجوز مسّ كتابة القرآن و قراءة آية السجدة حال الاشتغال بصلاة النافلة التي وجد الماء فيها بعد الركوع - بناءً على عدم الفرق بين الفريضة و النافلة من عدم نقض التيمّم بوجدان الماء في الأثناء كما هو الحقّ - و يجوز العدول أيضا من تلك الصلاة الى الفائتة التي هي مترتّبة عليها كما تقدّم عن المدارك. نعم، الاحتياط حسن؛ لمخالفة بعض الأصحاب.
(مسألة 19): اذا كان وجدان الماء في أثناء الصلاة بعد الحكم الشرعي بالركوع كما لو كان في السجود و شكّ في أنّه ركع أم لا، حيث انّه محكوم بأنّه ركع فهل هو كالوجدان بعد الركوع الوجداني أم لا؟ اشكال، فالاحتياط بالاتمام و الاعادة لايترك.
الشرح:
اذا تيمّم و اشتغل بالصلاة و سجد و شكّ في أنّه ركع أم لا فيحكم شرعا بأنّه ركع، فقال المصنّف: اذا وجد الماء بعد هذا الحكم الشرعي بالركوع فهل هو كالوجدان بعد الركوع الوجداني أم لا؟ ثمّ استشكل و احتاط بالاتمام و الاعادة. ولكنّ الظاهر عدم الفرق بين الموردين؛ فانّ الحكم شرعا بأنّه ركع يكون مثلاليقين بركوعه؛ و ذلك لاطلاق الدليل بعدم نقض التيمّم بعد الركوع، و لم يفصل
بين كون الوجدان بعد الركوع الوجداني أو بعد الركوع الحاصل بالحكم الشرعي.
(مسألة 20): الحكم بالصحّة في صورة الوجدان بعد الركوع ليس منوطا بحرمة قطع الصلاة فمع جواز القطع أيضا كذلك ما لم يقطع، بل يمكن أن يقال: في صورة وجوب القطع أيضا اذا عصى و لم يقطع، الصحّة باقية بناءً على الأقوى من عدم بطلان الصلاة مع وجوب القطع اذا تركه و أتمّ الصلاة.
الشرح:
الحكم بالصحّة في صورة الوجدان بعد الركوع ليس منوطا بحرمة قطع الصلاة؛ لاطلاق الدليل، و لذا قلنا بهذا الحكم في النافلة أيضا لذلك. بل يمكن أن يقال ببقاء التيمّم في صورة وجوب القطع أيضا اذا عصى و لم يقطع، بناءً على أنّ الأمر بالشيء لايقتضي النهي عن ضدّه كما هو الحقّ؛ و ذلك كما اذا غرق مؤمن و هو في الصلاة فانّه مأمور بتركها و انقاذ الغريق فلو عصى و أتمّ صلاته صحّت. اللّهمّ الاّ أن يقال - كما في التنقيح -(1): انّ وظيفته الفعليّة حينئذٍ هي القطع، و بهذا تكون الرواية الدالّة على الحكم المذكور منصرفة عمّا اذا وجب القطع على المكلّف في مورد و فيه تأمّل.
(مسألة 21): المجنب المتيمّم بدل الغسل اذا وجد ماءا بقدر كفاية الوضوء فقط لايبطل تيمّمه و أمّا الحائض و نحوها ممّن تيمّم بتيمّمين اذا وجد بقدر الوضوء بطل تيمّمه الذي هو بدل عنه، و اذا وجد ما يكفي للغسل و لم يمكن صرفه في الوضوء بطل تيمّمه الذي هو بدل عن الغسل و بقيتيمّمه الذي هو بدل عن الوضوء من حيث انّه حينئذٍ يتعيّن صرف ذلك الماء
1) - التنقيح في شرح العروة 10: 390.
في الغسل فليس مأمورا بالوضوء، و اذا وجد ما يكفي لأحدهما و أمكن صرفه في كلّ منهما بطل كلا التيمّمين، و يحتمل عدم بطلان ما هو بدل عن الوضوء من حيث انّه حينئذٍ يتعيّن صرف ذلك الماء في الغسل فليس مأمورا بالوضوء لكن الأقوى بطلانهما.
الشرح:
المجنب المتيمّم بدل الغسل اذا وجد ماءا بقدر كفاية الوضوء فقط لايبطل تيمّمه؛ لأنّ التيمّم بدل الغسل يكفي عن الوضوء و كذا عن التيمّم بدله، كما أنّ الغسل للجنابة يكفي عن الوضوء. و هكذا يكون سائر الأغسال الاّ الغسل للاستحاضة المتوسّطة فانّه يحتاج الى الوضوء كما مرّ في محلّه، و حينئذٍ لو لم تجد المستحاضة المتوسّطة ماءا يجب عليها تيمّمان، أحدهما بدل الغسل و الآخر بدل الوضوء، فاذا وجدت الماء بقدر الوضوء بطل تيمّمها الذي هو بدل عنه، و اذا وجدت ما يكفي للغسل و لم يمكن صرفه في الوضوء بطل تيمّمها الذي هو بدل عن الغسل و بقي تيمّمه الذي هو بدل عن الوضوء من حيث انّه حينئذٍ يتعيّن صرف ذلك الماء في الغسل فليست مأمورة بالوضوء.
و اذا وجدت ما يكفي لأحدهما و أمكن صرفه في كلّ منهما فالظاهر بطلان ما هو بدل عن الغسل و يتعيّن صرفه في الغسل؛ و ذلك لأنّ رفع الحدث الأكبر أهمّ من رفع الحدث الأصغر، فلايكون المورد من الترجيح بلا مرجّح ليبطل كلاهما.
هذا على ما تقدّم منّا من أنّ الأغسال كلّها تستغني عن الوضوء الاّ الغسل للاستحاضة المتوسّطة. و أمّا لو قلنا باحتياجها كلّها الى الوضوء الاّ الغسل للجنابة،
فالأمر كما في المتن.
(مسألة 22): اذا وجد جماعة متيمّمون ماءا مباحا لايكفي الاّ لأحدهم بطل تيمّمهم أجمع اذا كان في سعة الوقت و ان كان في ضيقه بقي تيمّم الجميع، و كذا اذا كان الماء المفروض للغير و أذن للكلّ في استعماله، و أمّا ان أذن للبعض دون الآخرين بطل تيمّم ذلك البعض فقط كما أنّه اذا كان الماء المباح كافيا للبعض دون البعض الآخر لكونه جنبا و لم يكن بقدر الغسل لم يبطل تيمّم ذلك البعض.
الشرح:
اذا وجد جماعة متيمّمون ماءا مباحا لايكفي الاّ لأحدهم و كانوا في سعة الوقت فمن بادر منهم و حاز الماء بطل تيمّمه دون الآخرين؛ لعدم الوجدان الاّ للواحد الذي بادر و حاز الماء، و كذا لو بادروا جميعا الاّ أنّ أحدهم حازه. و لو كانوا في ضيق الوقت لم يبطل تيمّمهم. هذا اذا كان الماء مباحا.
و هكذا يكون الحكم لو كان الماء المفروض للغير و أذن للكلّ في استعماله. و أمّا لو أذن لواحد منهم دون الجميع انتقض تيمّمه دون الآخرين. و اذا كان الماء المباح كافيا للبعض دون البعض الآخر لكونه جنبا و لم يكن بقدر الغسل لم يبطل تيمّم ذلك البعض، و أمّا البعض الأوّل فحكمه كما مرّ.
(مسألة 23): المحدث بالأكبر غير الجنابة اذا وجد ماءا لايكفي الاّ لواحد من الوضوء أو الغسل قدّم الغسل و تيمّم بدلاً عن الوضوء و ان لم يكف الاّ للوضوء فقط توضّأ و تيمّم بدل الغسل.
تقدّم في المسألة الواحدة و العشرين شرح هذه المسألة.
(مسألة 24): لايبطل التيمّم الذي هو بدل عن الغسل من جنابة أو غيرها بالحدث الأصغر فمادام عذره عن الغسل باقيا تيمّمه بمنزلته فان كان عنده ماء بقدر الوضوء توضّأ و الاّ تيمّم بدلاً عنه، و اذا ارتفع عذره عن الغسل اغتسل فان كان عن جنابة لا حاجة معه الى الوضوء و الاّ توضّأ. هذا ولكن الأحوط اعادة التيمّم أيضا فان كان عنده من الماء بقدر الوضوء تيمّم بدلاً عن الغسل و توضّأ و ان لم يكن تيمّم مرّتين مرّة عن الغسل و مرّة عن الوضوء. هذا ان كان غير غسل الجنابة و الاّ يكفيه مع عدم الماء للوضوء تيمّم واحد بقصد ما في الذمّة.
الشرح:
اذا كان للجنب عذر عن استعمال الماء فتيمّم بدلاً عن الغسل من الجنابة فمادام عذره باقيا لايبطل تيمّمه الذي يكون بدلاً عن الغسل. نعم، لو أحدث الأصغر فيتوضّأ و ان كان له عذر يتيمّم بدلاً عن الوضوء؛ و ذلك لأنّ حكم التيمّم الذي يكون بدلاً عن الغسل هو حكم الغسل عينا. و هذا جارٍ في جميع الأغسال. فاذا ارتفع عذره عن الغسل اغتسل فان كان عن غير الاستحاضة المتوسّطة لا حاجة معه الى الوضوء على مذهبنا. و نسب الى المشهور بطلان ما هو بدل عن الغسل بالحدث مطلقا أصغر كان أو أكبر، و استدلّوا بوجوه غير ناهضة و قد عنونها في المستمسك و أجاب عنها(1)، و خلاصتها في مهذّب الأحكام(2)فراجع.
(مسألة 25): حكم التداخل الذي مرّ سابقا في الأغسال يجري في التيمّم أيضا فلو كان هناك أسباب عديدة للغسل يكفي تيمّم واحد عن الجميع و حينئذٍ فان كان من جملتها الجنابة لم يحتج الى الوضوء أو التيمّم بدلاً عنه و الاّ وجب الوضوء أو تيمّم آخر بدلاً عنه.
الشرح:
قد تقدّم أنّ التيمّم بدل عن الغسل في جميع الأحكام المتعلّقة بالغسل الاّ ما خرج بالدليل، و من جملتها التداخل في الأغسال، و الدليل على ذلك قوله عليه السلام في صحيحة معاوية بن ميسرة:
« ... فانّ ربّ الماء هو ربّ التراب».(1)
و قوله عليه السلام في صحيحة محمّد بن مسلم:
« ... انّ ربّ الماء ربّ الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين».(2)
و قد تقدّم في المسألة التاسعة من هذا الفصل، فلو كان هناك أسباب عديدة للغسل يكفي تيمّم واحد عن الجميع. و قد قلنا في بحث الأغسال: انّ الغسل سواء كان من الجنابة أو غيرها لايحتاج الى الوضوء الاّ المستحاضة المتوسّطة فانّها تحتاج الى الوضوء.
(مسألة 26): اذا تيمّم بدلاً عن أغسال عديدة فتبيّن عدم بعضها صحّ بالنسبة الى الباقي، و أمّا لو قصد معيّنا فتبيّن أنّ الواقع غيره فصحّته مبنيّة على أن يكون من باب الاشتباه في التطبيق لا التقييد كما مرّ نظائره مرارا.
الشرح:
اذا تيمّم بدلاً عن أغسال عديدة فتبيّن عدم بعضها صحّ بالنسبة الى الباقي؛ و ذلك لأنّه قصد التيمّم بدلاً عن الغسل و هو العمدة و لايضرّه كشف عدم التكليف بالنسبة الى البعض. نعم، لو قصد غسل الجنابة - مثلاً - و بعد الغسل انكشف أنّه كان عليه غسل المسّ للميّت، فان كان قصده من باب الاشتباه في التطبيق بمعنى أنّ قصده كان الغسل للحدث الأكبر و اشتبه عليه المصداق فيصحّ. و أمّا ان كان قصده غسل الجنابة فقط بحيث لو انكشف عدم تكليفه به لم يغتسل فهذا يعيد الغسل؛ لعدم تحقّق قصد الأمر الواقعي و لو اجمالاً.
(مسألة 27): اذا اجتمع جنب و ميّت و محدث بالأصغر و كان هناك ماء لايكفي الاّ لأحدهم فان كان مملوكا لأحدهم تعيّن صرفه لنفسه و كذا ان كان للغير و أذن لواحد منهم، و أمّا ان كان مباحا أو كان للغير و أذن للكلّ فيتعيّن للجنب فيغتسل و يتيمّم الميّت و يتيمّم المحدث بالأصغر أيضا.
الشرح:
فبالنسبة الى صدر المسألة و أنّه يتعيّن صرف الماء لمن كان مالكا له أو كان للغير و أذن لواحد منهم فلتمكّنه من الطهارة المائيّة فيشمله اطلاق الأدلّة قهرا. و على الباقي التيمّم؛ لعدم وجدانهم الماء.
و أمّا الدليل على ذيل المسألة فصحيحة عبدالرحمن بن أبي نجران:
«انّه سأل أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام عن ثلاثة نفر كانوا في سفر أحدهم جنب، و الثاني ميّت، و الثالث على غير وضوء، و حضرت
الصلاة و معهم من الماء قدر ما يكفي أحدهم، من يأخذ الماء، و كيف يصنعون؟ قال: يغتسل الجنب و يدفن الميّت بتيمّم و يتيمّم الذي هو على غير وضوء؛ لأنّ الغسل من الجنابة فريضة و غسل الميّت سنّة و التيمّم للآخر جائز».(1)
و لاتعارضها مرسلة محمّد بن علي عن أبي عبداللّه عليه السلام قال:
«قلت له: الميّت و الجنب يتّفقان في مكان لايكون فيه الماء الاّ بقدر ما يكتفي به أحدهما، أيّهما أولى أن يجعل الماء له؟ قال: يتيمّم الجنب و يغسّل الميّت بالماء».(2)
لقصور سندها و العمل على الصحيحة.
و تؤيّد الأولى رواية الحسين بن النضر الأرمني فقال عليه السلام فيها:
« ... و يترك الميّت؛ لأنّ هذا فريضة و هذا سنّة».(3)
و كان المراد من الفريضة أنّ حكمه في الكتاب و من السنّة أنّ حكمه فيها.
ثمّ اعلم أنّ الصحيحة و ان كانت مطلقة و أنّ العلّة قد ذكرت فيها الاّ أنّ الجمع بينها و بين غيرها من الروايات يقتضي أن يقال: انّ موضوع المسألة فيما اذا لايمكن استعمال الماء لكلّهم، و لم يكن يرجوا الجنب ماءا آخر و لذلك قال في المسالك: «و لو كان الماء مبذولاً للأحوج بنذر و شبهه تعيّن صرفه للجنب، فلو دفع الى غيره لم يجز. و لو أمكن الجمع بأن يتوضّأ المحدث و يجمع الماء، ثمّ يغتسل الجنب الخالي بدنه عن نجاسة، ثمّ يجمع ماءه و يغسّل به الميّت جاز، و قد يجب الجمع. و لو لم يكف الماء الاّ للمحدث خاصّة فهو أولى؛ لعدم تبعّض الطهارة. و لو لم يكن جنب فالميّت أولى. و لو جامعهم ماسّ ميّت لم يتغيّر الحكم؛
لأنّ حدثه ضعيف بالنسبة الى حدث الجنب. و في تقديم ذات الدم على الجنب لو جامعته نظر، من عدم النصّ، و ضعف حدثها. و قطع في الذكرى بتقديمه. و كذا الاشكال لو جامعت الميّت. و مزيل الخبث عن الميّت أولى. و كذا مزيل الطيب للاحرام أولى من الجميع. و العطشان أولى مطلقا».(1)
(مسألة 28): اذا نذر نافلة مطلقة أو مؤقّتة في زمان معيّن و لم يتمكّن من الوضوء في ذلك الزمان تيمّم بدلاً عنه و صلّى، و أمّا اذا نذر مطلقا لا مقيّدا بزمان معيّن فالظاهر وجوب الصبر الى زمان امكان الوضوء.
الشرح:
اذا نذر نافلة مطلقة في زمان معيّن كأن ينذر الاتيان بمائة ركعة صلاة في يوم الأحد في زمان معيّن، أو نذر نافلة مؤقّتة كأن ينذر الاتيان بنافلة الليل في الليلة
الخامسه عشرة من شعبان و لم يتمكّن من الوضوء في ذلك الزمان، فلا اشكال في وجوب التيمّم و الاتيان بالمنذور؛ لأنّه بدل عن الوضوء. و أمّا اذا نذرها مطلقا لا مقيّدا بزمان معيّن فالظاهر وجوب الصبر الى زمان امكان الوضوء؛ لما تقدّم من عدم جواز البدار في التيمّم الاّ اذا علم عدم وجدان الماء الى آخر الوقت.
1) - مسالك الأفهام 1: 117 و 118.
(مسألة 29): لايجوز الاستئجار لصلاة الميّت ممّن وظيفته التيمّم مع وجود من يقدر على الوضوء بل لو استأجر من كان قادرا ثمّ عجز عنه يشكل جواز الاتيان بالعمل المستأجر عليه مع التيمّم، فعليه التأخير الى التمكّن مع سعة الوقت بل مع ضيقه أيضا يشكل كفايته، فلايترك مراعاة الاحتياط.
الشرح:
قد فصّلنا البحث عن هذه المسألة في المسألة الثانيه عشرة من صلاة الاستئجار و في المسألة الرابعة و الثلاثين من صلاة القضاء. و خلاصته:
لايجوز استئجار ذوي الأعذار و ان كان الميّت معذورا أيّام حياته؛ لأنّ ذمّته مشغولة بصلاة تامّة، و لذا لو رفع عذره و أراد قضاء ما فات زمان عذره كان يجب عليه أن يصلّي صلاته تامّة. فلو استؤجر القادر فصار عاجزا يجب عليه التأخير الى زمان رفع العذر، و ان ضاق الوقت فان اشترط المباشرة انفسخت الاجارة، و لو لم يكن من نيّة المستأجر أداء الصلاة مباشرة يجوز للأجير أن يستأجر شخصا آخر. و هنا نقول:
لايجوز الاستئجار لصلاة الميّت ممّن وظيفته التيمّم مع وجود من يقدر على الوضوء، بل لو استأجر من كان قادرا ثمّ عجز عنه لايجوز الاتيان بالعمل المستأجر عليه مع التيمّم فعليه التأخير الى التمكّن مع سعة الوقت، و مع ضيقه يستأجر شخصا آخر ان لم يكن شرط المؤجر المباشرة، و الاّ انفسخت الاجارة الاّ في مورد الاضطرار.
(مسألة 30): المجنب المتيمّم اذا وجد الماء في المسجد و توقّف غسله على دخوله و المكث فيه لايبطل تيمّمه بالنسبة الى حرمة المكث و ان بطل بالنسبة الى الغايات الأخر، فلايجوز له قراءة العزائم و لا مسّ كتابة القرآن، كما أنّه لو كان جنبا و كان الماء منحصرا في المسجد و لم يمكن أخذه الاّ
بالمكث وجب أن يتيمّم للدخول و الأخذ كما مرّ سابقا و لايستباح له بهذا التيمّم الاّ المكث فلايجوز له المسّ و قراءة العزائم.
تقدّم شرح هذه المسألة في المسألة الخامسة و الثلاثين من فصل التيمّم فراجع.
(مسألة 31): قد مرّ سابقا أنّه لو كان عنده من الماء ما يكفي لأحد الأمرين من رفع الخبث عن ثوبه أو بدنه و رفع الحدث قدّم رفع الخبث و يتيمّم للحدث، لكن هذا اذا لم يمكن صرف الماء في الغسل أو الوضوء و جمع الغسالة في اناء نظيف لرفع الخبث و الاّ تعيّن ذلك، و كذا الحال في مسألة اجتماع الجنب و الميّت و المحدث بالأصغر بل في سائر الدورانات.
تقدّم تفصيل ذلك في المسألة الثانية و العشرين من فصل التيمّم في المسوّغ السادس فراجع.
(مسألة 32): اذا علم قبل الوقت أنّه لو أخّر التيمّم الى ما بعد دخوله لايتمكّن من تحصيل ما يتيمّم به فالأحوط أن يتيمّم قبل الوقت لغاية أخرى غير الصلاة في الوقت و يبقي تيمّمه الى ما بعد الدخول فيصلّي به، كما أنّ الأمر كذلك بالنسبة الى الوضوء اذا أمكنه قبل الوقت و علم بعدم تمكّنه بعده فيتوضّأ على الأحوط لغاية أخرى أو للكون على الطهارة.
الشرح:
كما تقدّم في المسألة الأولى من فصل أحكام التيمّم، و قلنا بجواز التيمّم قبل الوقت لغاية أخرى غير الصلاة بل قلنا بعدم البعد في جواز التيمّم قبل الوقتللكون على الطهارة بل هو الأظهر. و هنا نقول بأنّ العقل يحكم بحفظ غرض
المولى مهما أمكن للعبد من باب حرمة تفويت الغرض و وجوب تحصيله. و الاجماع المدّعى على عدم صحّة التيمّم قبل الوقت لايعتمد عليه كما في المستمسك.(1)
(مسألة 33): يجب التيمّم لمسّ كتابة القرآن ان وجب كما أنّه يستحبّ اذا كان مستحبّا ولكن لايشرع اذا كان مباحا. نعم، له أن يتيمّم لغاية أخرى ثمّ يمسح المسح المباح.
الشرح:
اذا وجب مسّ كتابة القرآن - كما وقع في مكان يوجب الهتك - و لم يقدر على الوضوء أو الغسل يجب التيمّم لمسّها. كما أنّه اذا استحبّ مسّها يستحبّ التيمّم، و ان كان فيه اشكال؛ لأنّ مسّ الكتابة لغير المتطهّر حرام فكيف يستحبّ التيمّم لمسّها، الاّ أنّ الأمر سهل؛ لوجود الأمر بالطهارة. و أمّا المسّ المباح فلو فرض فالاشكال هنا أقوى. و حيث لايكون أمر بالتطهير فليتيمّم لغاية أخرى ثمّ يمسح المسح المباح. مع أنّه قلنا بأنّ التيمّم للكون على الطهارة مشروع.
(مسألة 34): اذا وصل شعر الرأس الى الجبهة فان كان زائدا على المتعارف وجب رفعه للتيمّم و مسح البشرة و ان كان على المتعارف لايبعد كفاية مسح ظاهره عن البشرة و الأحوط مسح كليهما.
الشرح:
اذا كان الشعر متدلّيا على الجبهة و الوجه - كما في النساء و بعض الرجال -فيجب رفعه للتيمّم؛ لأنّه كما قدّمنا يجب مسح الجبهة أو الجبين و الجبينين كما
1) - مستمسك العروة 4: 490.
في الروايات، و هو أي المسح كذلك غير صادقة على الجبهة. و أمّا ان كان وصل شعر الرأس الى الجبهة على المتعارف بحيث يصدق المسح على الجبهة أو الجبين و الجبينين فلايضرّ ذلك.
(مسألة 35): اذا شكّ في وجود حاجب في بعض مواضع التيمّم حاله حال الوضوء و الغسل في وجوب الفحص حتّى يحصل اليقين أو الظنّ بالعدم.
تقدّم البحث عن هذه المسألة في المسألة التاسعة من فصل أفعال الوضوء و قلنا بوجوب اليقين و احراز عدم وجود الحاجب.
(مسألة 36): في الموارد التي يجب عليه التيمّم بدلاً عن الغسل و عن الوضوء كالحائض و النفساء و ماسّ الميّت الأحوط تيمّم ثالث بقصد الاستباحة من غير نظر الى بدليّته عن الوضوء أو الغسل بأن يكون بدلاً عنهما؛ لاحتمال كون المطلوب تيمّما واحدا من باب التداخل، و لو عيّن أحدهما في التيمّم الأوّل و قصد بالثاني ما في الذمّة أغنى عن الثالث.
تقدّم في المسألة الحاديه عشرة بأنّ مقتضى دليل بدليّة التيمّم عن الغسل هو اغناء التيمّم البدل عن الغسل عن الوضوء الاّ في المستحاضة المتوسّطة، فانّها تحتاج الى التيمّم الثاني بدلاً عن الوضوء.
(مسألة 37): اذا كان بعض أعضائه منقوشا باسم الجلالة أو غيره من أسمائه تعالى أو آية من القرآن فالأحوط محوه؛ حذرا من وجوده على بدنهفي حال الجنابة أو غيرها من الأحداث؛ لمناط حرمة المسّ على المحدث.
و ان لم يمكن محوه أو قلنا بعدم وجوبه فيحرم امرار اليد عليه حال الوضوء أو الغسل بل يجب اجراء الماء عليه من غير مسّ أو الغسل ارتماسا أو لفّ خرقة بيده و المسّ بها.
و اذا فرض عدم امكان الوضوء أو الغسل الاّ بمسّه فيدور الأمر بين سقوط حرمة المسّ أو سقوط وجوب المائيّة و الانتقال الى التيمّم، و الظاهر سقوط حرمة المسّ بل ينبغي القطع به اذا كان في محلّ التيمّم؛ لأنّ الأمر حينئذٍ دائر بين ترك الصلاة و ارتكاب المسّ، و من المعلوم أهمّيّة وجوب الصلاة فيتوضّأ أو يغتسل في الفرض الأوّل و ان استلزم المسّ، لكنّ الأحوط مع ذلك الجبيرة أيضا بوضع شيء عليه و المسح عليه باليد المبلّلة، و أحوط من ذلك أن يجمع بين ما ذكر و الاستنابة أيضا بأن يستنيب متطهّرا يباشر غسل هذا الموضع بل و أن يتيمّم مع ذلك أيضا ان لم يكن في مواضع التيمّم، و اذا كان ممّن وظيفته التيمّم و كان في بعض مواضعه و أراد الاحتياط جمع بين مسحه بنفسه و الجبيرة و الاستنابة، لكنّ الأقوى كما عرفت كفاية مسحه و سقوط حرمة المسّ حينئذٍ.
الشرح:
في هذه المسألة جهات من البحث:
الجهة الأولى: انّ من كان على بعض أعضائه نقش لفظ الجلالة أو غيره ممّا يحرم مسّه على المحدث يجب عليه محوه على الأحوط؛ و ذلك لأنّه و ان كان لايصدق عليه المسّ بالدقّة العقليّة الاّ أنّ الظاهر أنّ العرف قاض بذلك، و ان استشكل في التنقيح بعدم صدق المسّ الحرام؛ لاستدعاء تغاير الماسّ و الممسوس و هو مفقود في المقام، و لايكون هناك مناط أيضا.
الجهة الثانية: انّ المحو اذا لم يكن ميسورا يتعيّن عليه اجراء الماء على ذلكالعضو حين الغسل و الوضوء و لايمسّه أو يلفّ خرقة بيده و يمسّ بها.
الجهة الثالثة: اذا لم يمكن الغسل أو الوضوء الاّ بمسّها، فالظاهر وجوب التيمّم عليه أوّلاً ثمّ الوضوء أو الغسل ثانيا كما تقدّم نظيره فيما اذا كان الماء في المسجدين و كان جنبا فيتيمّم فيدخل لأخذ الماء. و أمّا ان كانت اللفظة في موضع التيمّم، فالظاهر هنا اجراء الأهمّ و المهمّ فيتوضّأ أو يغتسل. نعم، لو تمكّن من الاستنابة فيحتاط بها ثمّ يحتاط بالوضوء أو الغسل مباشرة.
و هذا تمام الكلام
في شرح كتاب الطهارة من العروة الوثقى
بيد أقلّ العباد سيّد علي محمّد دستغيب ابن سيّد علي أكبر
في 25 شعبان المعظّم عام 1431
و للّه الحمد أوّلاً و آخرا
و صلّى اللّه على محمّد و عترته الطاهرين